الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الشرح الكبير - عبدالرحمن بن قدامه ج 4

الشرح الكبير

عبدالرحمن بن قدامه ج 4


[ 1 ]

الشرح الكبير على متن المقنع تأليف الشيخ الامام شمس الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر محمد بن أحمد ابن قدامة المقدسي المتوفى سنة 682 ه‍ كلاهما على مذهب امام الائمة (أبي عبد الله أحمد بن محمد ابن حنبل الشيباني) مع بيان خلاف سائر الائمة وأدلتهم رضي الله عنهم الجزء الرابع دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم (وبه نستعين) كتاب البيع البيع مبادلة المال بالمال تمليكا وتملكا واشتقاقه من الباع لان كل واحد من المتبايعين يمد باعه للاخذ والاعطاء، ويحتمل أن كل واحد منهما كان يبايع صاحبه أي يصافحه عند البيع ولذلك سمى البيع صفقة والاصل في جوازه الكتاب والسنة والاجماع. أما الكتاب فقوله سبحانه وتعالى (وأحل الله البيع) وقوله تعالى (وأشهدوا إذا تبايعتم) وقوله (الا أن تكون تجارة عن تراض منكم) وقوله (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم) قال ابن عباس رضي الله عنهما كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية فلما كان الاسلام تأثموا فيه فانزلت (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم) يعني في مواسم الحج، وعن ابن الزبير نحوه رواه البخاري، وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم


ليعلم أن كتاب البيع في الشرح الكبير متأخر عن موضعه هنا فقدمناه لاجل موافقته للمغني للاستفادة من الكتابين قراءة ومراجعة

[ 3 ]

" البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " متفق عليه، وروى رفاعة أنه خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المصلى فرأى الناس يتبايعون فقال " يا معشر التجار " فاستجابوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه فقال " ان التجار يبعثون يوم القيامة فجارا إلا من بر وصدق " قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح في أحاديث كثيرة سوى هذه، واجمع المسلمون على جواز البيع في الجملة والحكمة تقتضيه لان حاجة الانسان تتعلق بما في يد صاحبه ولا يبذله صاحبه بغير عوض ففي تجويز البيع طريق إلى وصول كل واحد منهما إلى غرضه ودفع حاجته (مسألة) (وله صورتان (إحداهما) الايجاب والقبول. فالايجاب ان يقول البائع بعتك أو ملكتك أو نحوهما، والقبول أن يقول المشتري أبتعت أو قبلت أو ما في معناهما فان تقدم القبول الايجاب جاز في احدى الروايتين) إذا تقدم القبول الايجاب بلفظ الماضي كقوله ابتعت منك فقال بعتك صح في أصح الروايتين لان لفظ القبول والايجاب وجد منهما على وجه تحصل منه الدلالة على تراضيهما فيصح كما لو تقدم الايجاب (والثانية) لا يصح لانه عقد معاوضة فلم يصح مع تقدم القبول كالنكاح ولان القبول مبني على الايجاب فإذا لم يتقدم الايجاب فقد أتى بالقبول في غير محله فوجوده كعدمه، فان تقدم بلفظ الطلب فقال: بعني ثوبك بكذا فقال بعتك ففيه روايتان أيضا (احداهما) يصح لما ذكرنا وهو قول مالك والشافعي (والثانية) لا يصح وهو قول أبى حنيفة لانه لو تأخر عن الايجاب لم يصح به البيع فلم يصح إذا تقدم كلفظ الاستفهام ولانه عقد عري عن القبول فلم ينعقد كما لو لم يطلب فاما ان تقدم بلفظ الاستفهام مثل أن يقول أتبيعني ثوبك بكذا فيقول بعتك لم يصح بحال. نص عليه احمد

[ 4 ]

وبه يقول أبو حنيفة والشافعي ولا نعلم عن غيرهم خلافهم لان ذلك ليس بقبول ولا استدعاء (مسألة) (وان تراخى القبول عن الايجاب صح ماداما في المجلس ولم يتشاغلا بما يقطعه والا فلا) لان حالة المجلس كحالة العقد بدليل أنه يكتفى بالقبض فيه لما يشترط قبضه، فان تفرقا عن المجلس أو تشاغلا بما يقطعه لم يصح لان العقد انما يتم بالقبول فلم يتم مع تباعده عنه كالاستثناء والشرط وخبر المبتدأ الذي لايتم الكلام الا به (مسألة) (الثانية المعاطاة) وهو أن يقول: أعطني بهذا الدينار خبزا فيعطيه ما يرضيه أو يقول البائع خذ هذا بدرهم فيأخذه، وقال القاضي لا يصح هذا الا في الشئ اليسير نص احمد على صحة هذا البيع فيمن قال لخباز كيف تبيع الخبز؟ قال كذا بدرهم قال زنه وتصدق به فإذا وزنه فهو عليه وقول مالك نحو من هذا فانه قال: يقع البيع بما يعتقده الناس بيعا، وقال بعض الحنفية يصح في خسائس الاشياء: وهو قول القاضي لان العرف انما جرى به في الشئ اليسير ومذهب الشافعي أن البيع لا يصح الا بايجاب وقبول، وذهب بعض أصحابه إلى مثل قولنا ولنا أن الله تعالى أحل البيع ولم يبين كيفيته فوجب الرجوع فيه إلى العرف كما رجع إليه في القبض والاحراز والتفريق، والمسلمون في أسواقهم وبياعاتهم على ذلك، ولان البيع كان موجودا بينهم معلوما عندهم. وانما علق الشرع عليه أحكاما وأبقاه على ما كان فلا يجوز تغييره بالرأي والتحكم ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه مع كثرة وقوع البيع بينهم استعمال الايجاب والقبول. ولو استعملوا ذلك في بياعاتهم لنقل نقلا شائعا، ولو كان ذلك شرطا لوجب نقله ولم يتصور منهم اهماله والغفلة عن نقله ولان البيع مما تعم به البلوى فلو اشترط الايجاب والقبول لبينه النبي صلى الله عليه وسلم بيانا عاما ولم يخف حكمه لانه يفضي إلى وقوع العقود الفاسدة كثيرا واكلهم المال بالباطل ولم ينقل ذلك

[ 5 ]

عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه فيما علمناه ولان الناس يتبايعون بالمعاطاة في كل عصر ولم ينقل انكاره قبل مخالفينا فكان اجماعا ولان الايجاب والقبول انما يرادان للدلالة فإذا وجد ما يدل عليه من المساومة والتعاطي قام مقامهما وأجزأ عنهما لعدم التعبد فيه (فصل) وكذلك الحكم في الايجاب والقبول في الهبة والهدية والصدقة فانه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه استعمال ذلك فيه وقد أهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحبشة وغيرها وكان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة. متفق عليه وروى البخاري عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتي بطعام سأل عنه " أهدية أم صدقة؟ " فان قيل صدقة قال لاصحابه " كلوا " ولم يأكل وان قيل هدية ضرب بيده فأكل معهم وفي حديث سلمان رضي الله عنه حين جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر فقال: هذا شئ من الصدقة رأيتك أنت وأصحابك أحق الناس به فقال النبي صلى الله عليه وسلم لاصحابه " كلوا " ولم يأكل ثم أتاه ثانية بتمر فقال رأيتك لا تأكل الصدقة وهذا شئ أهديته لك فقال النبي صلى الله عليه وسلم " بسم الله " وأكل ولم ينقل قبول ولا أمر بايجاب وانما سأل ليعلم هل هو صدقة أو هدية ولو كان الايجاب والقبول شرطا في هذه العقود لشق ذلك ولكانت أكثر العقود فاسدة وأكثر أموالهم محرمة وهذا ظاهر ان شاء الله تعالى (فصل) قال رضي الله عنه (ولا يصح البيع الا بشروط سبعة (أحدها) التراضي به وهو أن يأتيا به اختيارا لقول الله تعالى (الا أن تكون تجارة عن تراض منكم) فان كان أحدهما مكرها لم يصح لعدم الشرط الا أن يكره بحق كالذي يكرهه الحاكم على بيع ماله لوفاء دينه فيصح لانه قول حمل عليه لحق فصح كاسلام المرتد) (فصل) (الثاني أن يكون العاقد جائز التصرف وهو المكلف الرشيد فلا يصح من غير عاقل

[ 6 ]

كالطفل والمجنون والمبرسم والسكران والنائم لانه قول يعتبر له الرضى فلم يصح من غير عاقل كالاقرار وسواء أذن له وليه أو لم يأذن (فأما الصبى المميز والسفيه فيصح تصرفهما باذن وليهما) في احدى الروايتين (ولا يصح بغير اذنهما إلا في الشئ اليسير) يصح تصرف الصبي المميز بالبيع والشراء فيما أذن له الولي فيه في احدى الروايتين. وهو قول أبي حنيفة (والاخرى) لا يصح حتى يبلغ وهو قول الشافعي لانه غير مكلف فأشبه غير المميز، ولان العقل لا يمكن الوقوف منه على الحد الذي يصح به التصرف لخفائه وتزايده تزايدا خفي التدريج فجعل الشارع له ضابطا وهو البلوغ فلا تثبت له أحكام العقلاء قبل وجود المظنة ولنا قول الله تعالى (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) معناه اختبروهم لتعلموا رشدهم وإنما يتحقق ذلك بتفويض التصرف إليهم من البيع والشراء ليعلم هل تغير أولا ولانه عاقل مميز محجور عليه فيصح تصرفه باذن وليه كالعبد، وفارق غير المميز فانه لا تحصل له المصلحة بتصرفه لعدم تمييزه ومعرفته ولا حاجة إلى اختباره لانه قد علم حاله، وقولهم ان العقل لا يمكن الاطلاع عليه قلنا يعلم ذلك بتصرفاته وجريانها على وفق المصلحة كما يعلم في حق البالغ فان معرفة رشده شرط لدفع ماله إليه وصحة تصرفه كذا ههنا، فاما إن تصرف بغير اذن وليه

[ 7 ]

لم يصح تصرفه الا في الشئ اليسير، وكذلك تصرف غير المميز لما روي أن أبا الدرداء رضي الله عنه اشترى من صبي عصفورا فأرسله ذكره ابن أبي موسى، ويحتمل أن يصح ويقف على اجازة الولي وهو قول أبي حنيفة وهو مبني على تصرف الفضولي وسنذكره ان شاء الله تعالى، وكذلك الحكم في تصرف السفية باذن وليه فيه روايتان (احداهما) يصح لانه عقد معاوضة فملكه بالاذن كالنكاح وقياسا على الصبي المميز، يحقق هذا ان الحجر على الصبي أعلى من الحجر عليه فههنا أولى بالصحة ولاننا لو منعنا تصرفه بالاذن لم يكن لنا طريق إلى معرفة رشده واختباره) (والثانية) لا يصح لان الحجر عليه لتبذيره وسوء تصرفه فإذا اذن له فقد أذن فيما لا مصلحة فيه فلم يصح كما لو أذن في بيع ما يساوي عشرة بخمسة وللشافعي وجهان كهاتين ويصح تصرفه في الشئ اليسير كالصبي (فصل) (الثالث: أن يكون المبيع مالا وهو ما فيه منفعة مباحة لغير ضرورة) (فيجوز بيع البغل والحمار ودود القز وبذره والنحل منفردا أو في كواراته) قوله لغير ضرورة احتراز من الميتة والمحرمات التي تباح في حال المخمصة والخمر يباح دفع اللقمة بها، فكل عين مملوكة يجوز اقتناؤها والانتفاع بها في غير حال الضرورة يجوز بيعها إلا ما استثناه الشرع كالكلب وأم الولد والوقف لان الملك سبب إطلاق التصرف، والمنفعة المباحة يباح له استبقاؤها فجاز له أخذ عوضها وأبيح لغيره بذل ماله فيها توصلا إليها ودفعا لحاجته بها كسائر ما أبيح نفعه، وسواء في ذلك ما كان طاهرا كالثياب والعقار وبهيمة

[ 8 ]

الانعام والخيل والصيود أو مختلفا في نجاسته كالبغل والحمار لا نعلم في ذلك خلافا، ويجوز بيع الجحش الصغير والفهد الصغير وفرخ البازي إذا قلنا بجواز بيعهما لانه ينتفع به في المال فأشبه طفل العبيد (فصل) ويجوز بيع دود القز وبذره وقال أبو حنيفة إن كان مع دود القز قز جاز بيعه وإلا فلا لانه لا ينتفع بعينه فهو كالحشرات وقيل لا يجوز بيع بذره، ولنا أنه حيوان طاهر يجوز اقتناؤه لتملك ما يخرج منه أشبه البهائم ولان الدود وبذره طاهر منتفع به فجاز بيعه كالثوب، وقوله لا ينتفع بعينه يبطل بالبهائم التي لا يحصل منها نفع سوى النتاج ويفارق الحشرات التي لا نفع فيها أصلا فان نفع هذه كثير لان الحرير الذي هو اشرف الملابس إنما يحصل منها (فصل) ويجوز بيع النحل إذا شاهدها محبوسة بحيث لا يمكنها أن تمتنع، وقال أبو حنيفة لا يجوز بيعها منفردة كما ذكر في دود القز، ولنا أنه حيوان طاهر يخرج من بطنه شراب فيه منافع للناس فجاز بيعه كبهيمة الانعام، واختلف أصحابنا في بيعها في كواراتها فقال القاضي لا يجوز لانه لا يمكن مشاهدتها جميعا ولانها لا تخلو من عسل يكون مبيعا معها وهو مجهول. وقال أبو الخطاب يجوز بيعها في كواراتها منفردة عنها فانه يمكن مشاهدتها في كواراتها إذا فتح رأسها يعرف كثرته من قلته، وخفاء بعضه لايمنع صحة بيعه كالصبرة وكما لو كان في وعاء فان بعضه يكون على بعض فلا يشاهد إلا ظاهره والعسل يدخل في البيع تبعا فلا تضر جهالته كأساسات الحيطان، فان لم يمكن مشاهدته لكونه مستورا بأقراصه ولم يعرف لم يجز بيعه لجهالته

[ 9 ]

(فصل) وفي بيع العلق التي ينتفع بها كالتي تعلق على صاحب الكلف فيمص الدم والديدان التي تترك في الشص فتصاد بها السمك وجهان: أصحهما جواز بيعها لحصول نفعها فهي كالسمك (والثاني) لا يجوز بيعها لانها لا ينتفع بها إلا نادرا فشبهت ما لانفع فيه. (مسألة) (ويجوز بيع الهر والفيل وسباع البهائم التي تصلح للصيد في إحدى الروايتين إلا الكلب اختارها الخرقي. والاخرى لا يجوز اختارها أبو بكر) يجوز بيع الهر وبه قال ابن عباس والحسن وابن سيرين والحكم وحماد والثوري ومالك والشافعي واسحاق وأصحاب الرأي، وعن أحمد أنه كره ثمنها وروي ذلك عن أبي هريرة وطاوس ومجاهد وجابر ابن زيد اختاره أبو بكر لما روى مسلم عن جابر أنه سئل عن ثمن السنور فقال زجر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وفي لفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن السنور رواه أبو داود ولنا أنه حيوان يباح اقتناؤه من غير وعيد في حبسه فجاز بيعه كالبغل والحمار، ويمكن حمل الحديث على غير المملوك منها وعلى ما لانفع فيه منها بدليل ما ذكرناه (فصل) ويجوز بيع الفيل وسباع البهائم والطير الذي يصلح للصيد كالفهد والصقر والبازي والعقاب والطير المقصود صوته كالهزار والبلبل والببغة وأشباه ذلك وبهذا قال الشافعي، وقال أبو بكر عبد العزيز وابن أبى موسى لا يجوز بيع الفهد والصقر والفيل ونحوها لانها نجسة فلم يجز بيعها كالكلب

[ 10 ]

ولنا انه حيوان يباح اقتناؤه من غير وعيد في حبسه فأبيح بيعه كالبغل والحمار وما ذكروه يبطل بالبغل والحمار وحكمهما حكم سباع البهائم في الطهارة والنجاسة واباحة الاقتناء والانتفاع. فأما الكلب فان الشرع توعد على اقتنائه وحرمه إلا في حال الحاجة فصارت اباحته ثابتة بطريق الضرورة ولان الاصل اباحة البيع لقول الله تعالى (وأحل الله البيع) حرم منه ما استثناه الشرع لمعان غير موجودة في هذا فيبقى على أصل الاباحة، فان كان الفهد والصقر ونحوها ليس بمعلم ولا يقبل التعليم لم يجز بيعه لعدم النفع به، وإن أمكن تعليمه جاز بيعه لان مآله إلى الانتفاع أشبه الجحش الصغير فأما ما يصاد عليه كالبومة التي يجعل عليها شباشا ليجمع الطير إليها فيصيده الصياد فيحتمل جواز بيعها للنفع الحاصل منها ويحتمل المنع لان ذلك مكروه لما فيه من تعذيب الحيوان وكذلك اللقلق ونحوه (فصل) فأما بيض ما لا يؤكل لحمه من الطير فان لم يكن فيه نفع لم يجز بيعه طاهرا كان أو نجسا وان كان ينتفع به بأن يصير فرخا وكان طاهرا جاز بيعه لانه طاهر منتفع به أشبه أصله، وان كان نجسا كبيض البازي والصقر ونحوه فحكمه حكم فرخه، وقال القاضي لا يجوز بيعه لنجاسته وكونه لا ينتفع به في الحال وما ذكر ملغى بفرخه وبالجحش الصغير (فصل) قال أحمد رحمه الله أكره بيع القرد. قال ابن عقيل هذا محمول على بيعه للاطافة به واللعب فأما بيعه لمن ينتفع به لحفظ المتاع والدكان ونحوه فيجوز لانه كالصقر وهذا مذهب الشافعي وقياس قول أبي بكر وابن أبي موسى المنع من بيعه مطلقا (مسألة) (ويجوز بيع العبد المرتد المريض وفي بيع الجاني والقاتل في المحاربة ولبن الآدميات وجهان)

[ 11 ]

حكم بيع المرتد حكم القاتل في صحة بيعه وسائر أحكامه، وبيعه جائز لان قتله غير متحتم لاحتمال رجوعه إلى الاسلام ولانه مملوك منتفع به، وخشية هلاكه لا تمنع صحة بيعه كالمريض فانا لا نعلم خلافا في صحة بيع المريض (فصل) ويصح بيع العبد الجاني في أصح الوجهين سواء كانت جنايته عمدا أو خطأ على النفس أو ما دونها موجبة للقصاص أو غير موجبة وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه، وقال في الآخر لا يصح بيعه لانه تعلق برقبته حق آدمي فمنع صحة بيعه كالرهن. بل حق الجناية آكد لانها تقدم على حق المرتهن. ولنا أنه حق غير مستقر في الجاني يملك أداءه من غيره فلم يمنع البيع كالزكاة أو حق ثبت بغير رضى سيده فلم يمنع بيعه كالدين في ذمته أو تصرف في الجاني فجاز كالعتق، وان كان الحق قصاصا فهو يرجى سلامته ويخشى تلفه وذلك لا يمنع كالمريض، أما الرهن فان الحق متعلق فيه لا يملك سيده ابداله ثبت الحق فيه برضاه وثيقة للدين فلو أبطله بالبيع سقط حق الوثيقة الذي التزمه برضاه واختياره (فصل) فاما القاتل في المحاربة فان تاب قبل القدرة عليه فهو كالجاني وان لم يتب حتى قدر عليه فقال أبو الخطاب هو كالقاتل في غير محاربة لانه عبد قن يصح اعتاقه ويملك استخدامه فصح بيعه كغير القاتل، ولانه يمكنه الانتفاع به إلى حين قتله، ويعتقه فيجر به ولاء أولاده فجاز بيعه كالمريض المأيوس من برئه، وقال القاضى لا يصح بيعه لانه تحتم قتله واتلافه واذهاب ماليته وحرم ابقاؤه فصار بمنزلة ما لا ينتفع به من الحشرات والميتات، وهذه المنفعة اليسيرة مفضية به إلى قتله لا يتمهد بها محلا للبيع كالمنفعة الحاصلة من الميتة لسد رمق أو إطعام كلب، والاولى أصح فانه كان محلا للبيع والاصل بقاء ذلك فيه وانحتام إتلافه لا يجعله تالفا بدليل أن أحكام الحياة من التكليف وغيره لا تسقط عنه ولا تثبت

[ 12 ]

أحكام الموتى له من أرث ماله ونفوذ وصيته وغيرها، ولان خروجه عن حكم الاصل لا يثبت إلا بدليل ولانص فيه ولا إجماع، ولا يصح قياسه على الحشرات والميتات لان تلك لم يكن فيها منفعة فيما مضى ولافي الحال وعلى أن هذا المحتم يمكن زواله لزوال ما يثبت به من الرجوع عن الاقرار والرجوع من الشهود ولو لم يمكن زواله فأكثر ما فيه تحقق تلفه، وهذا يجعله كالمريض المأيوس من برئه وبيعه جائز (فصل) فاما بيع لبن الآدميات فرويت الكراهة فيه عن احمد، واختلف أصحابنا في جوازه وهو قول ابن حامد ومذهب الشافعي. وذهب جماعة من أصحابنا إلى تحريم بيعه، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك لانه مائع خارج من آدمية فلم يجز بيعه كالعرق ولانه جزء من آدمي فلم يجز بيعه أشبه سائر أجزائه. والاول أصح لانه طاهر منتفع به فجاز بيعه كلبن الشاة ولانه يجوز أخذ العوض عنه في اجارة الظئر فأشبه المنافع ويفارق العرق فانه لانفع فيه. ولذلك لا يباع عرق الشاة ويباع لبنها وسائر أجزاء الآدمي يجوز بيعها فانه يجوز بيع العبد والامة. وانما حرم بيع الحر لانه غير مملوك وحرم بيع العضو المقطوع لانه لانفع فيه (مسألة) (وفي جواز بيع المصحف وكراهة شرائه وابداله روايتان) قال احمد لا أعلم في بيع المصاحف رخصة ورخص في شرائها. وقال الشراء أهون. وممن كره بيعها ابن عمر وابن عباس وأبو موسى وسعيد بن جبير واسحاق قال ابن عمر وددت أن الايدي تقطع في بيعها. وقال أبو الخطاب يجوز بيع المصحف مع الكراهة وهي رواية عن احمد لانه منتفع به فأشبه سائر كتب العلم، وهل يكره شراؤه وابداله؟ على روايتين ورخص في بيعها الحسن والحكم وعكرمة والشافعي وأصحاب الرأي لان البيع يقع على الورق والجلد وبيعه مباح ولنا قول الصحابة ولم نعلم لهم مخالفا في عصرهم، ولانه يشتمل على كلام الله تعالى فتجب صيانته عن البيع والابتذال (يقول الاخرون ان المبتذل ما لا يباع وانفس الجواهر تباع وان بيعه يسهل على الناس الانتفاع به تعميم هدايته وكتبه محمد رشيد رضا) أما الشراء فهو أسهل لانه استنقاذ للمصحف وبذل لماله فيه فجاز كما جاز شراء رباع مكة واستئجار دورها ولم ير بيعها ولا أخذ اجرتها، وكذلك دفع الاجرة إلى الحجام لا يكره مع كراهية كسبه والرواية الاخرى يكره لان المقصود منه كلام الله تعالى فيجب صيانته عن الابتذال وفي جواز شرائه التسبب إلى ذلك والمعونة عليه، ولا يجوز بيعه لكافر فان اشتراه فالبيع باطل وبه

[ 13 ]

قال الشافعي، وقال أصحاب الرأي يجوز ويجبر على بيعه لانه أهل للشراء والمصحف محل، له ولنا أنه يمنع من استدامة الملك عليه فمنع من ابتدائه كسائر مالا يجوز بيعه، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المسافرة بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله ايديهم، فلا يجوز تمكينهم من التوسل إلى نيل أيديهم اياه { مسألة } (ولا يجوز بيع الحشرات ولا الميتة ولا شئ منها ولا سباع البهائم التي لا تصلح للصيد) لا يجوز بيع الميتة ولا الخنزير ولا الدم. قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على القول به، وذلك لما روى جابر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه سلم وهو بمكة يقول " ان الله ورسوله حرم بيع الميتة والخمر والخنزير والاصنام " متفق عليه ولا يجوز بيع مالا نفع فيه كالحشرات كلها وسباع البهائم التي لا تصلح للاصطياد كالاسد والذئب، وما لا يؤكل ولا يصاد به من الطير كالرخم والحدأة والغراب الابقع وغراب البين وبيضها لانه لا نفع فيه فأخذ ثمنه أكل للمال بالباطل ولانه ليس فيها نفع مباح أشبهت الخنزير { مسألة } (ولايجوز بيع الكلب أي كلب كان لا نعلم فيه خلافا في المذهب) وبه قال الحسن وربيعة. وحماد والشافعي وداود، ورخص في ثمن كلب الصيد خاصة جابر بن عبد الله وعطاء والنخعي رو أجاز أبو حنيفة بيع الكلاب كلها وأخذ ثمنها، وعنه لا يجوز بيع الكلب العقور واختلف أصحاب مالك فقال قوم لا يجوز. وقال قوم يجوز بيع الكلب المأذون في امساكه ويكره لما روي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب والسنور الا كلب الصيد ولانه يباح الانتفاع به. ويصح نقل اليد فيه والوصية به فصح بيعه كالحمار ولنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهى متفق عليه وعن رافع بن خديج قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ثمن الكلب خبيث " رواه مسلم وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب فان جاء يطلبه فاملؤا كفه ترابا رواه أبودواد ولانه حيوان نهي عن اقتنائه في غير حال الحاجة أشبه الخنزير، وأما حديثهم فقال الترمذي لا يصح اسناد هذا الحديث. قال الدارقطني الصحيح أنه موقوف على جابر وقال أحمد هذا من الحسن بن أبي جعفر وهو ضعيف (فصل) ولا يحل قتل الكلب المعلم لانه محل منتفع به مباح اقتناؤه فحرم اتلافه كالشاة. ولا نعلم في هذا خلافا ولا غرم على قاتله وهذا مذهب الشافعي. وقال مالك وعطاء عليه الغرم لما ذكرنا في تحريم قتله. ولنا أنه محل يحرم أخذ عوضه لخبثه فلم يجب غرمه باتلافه كالخنزير. وانما حرم اتلافه لما فيه من الاضرار وهو منهي عنه. فاما قتله ما لا يباح امساكه من الكلاب فان كان أسود بهيما أبيح قتله لانه شيطان كما جاء في حديث أبي ذر ولما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لو لا أن الكلاب أمة من الامم لامرت بقتلها فاقتلوا منها كل أسود بهيم " وكذلك يباح قتل الكلب العقور لما روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " خمس من الدواب كلهن فاسق يقتلن في الحل والحرم الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور " متفق عليه ويقتل كل واحد من هذين وان كان

[ 14 ]

معلما لما ذكرنا من الحديثين. وعلى قياس الكلب العقور كل ما آذى الناس وضرهم في أنفسهم وأموالهم يباح قتله ولانه يؤذي بلا نفع أشبه الذئب وما لا مضرة فيه لا يباح قتله للخبر المذكور. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقتل الكلاب ثم نهى عن قتلها وقال " عليكم بالاسود البهيم ذي النقطتين فانه شيطان " رواه مسلم (فصل) ويحرم اقتناء الكلاب الاكلب الصيد والماشية والحرث لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من اتخذ كلبا الا كلب ماشية أوصيد أوزرع نقص من أجره كل يوم قيراط " متفق عليه. وان اقتناه لحفظ البيوت لم يجز للخبر، ويحتمل الا باحة وهو قول بعض أصحاب الشافعي لانه في معنى الثلاثة والاول أصح لان قياس غير الثلاثة عليها يبيح ما تناول أول الخبر تحريمه قال القاضي وليس هو في معناها فقد يحتال اللص باخراجه بشئ يطعمه أياه ليسرق المتاع، أما الذئب فلا يحتمل هذا في حقه ولان اقتناءه في البيوت يؤذي المارة بخلاف الصحراء (فصل) ويجوز تربية الجرو الصغير لاحد الثلاثة في أقوى الوجهين لانه قصده لذلك فيأخذ حكمه كما جاز بيع الجحش الصغير الذى لانفع فيه في الحال لمآله إلى الانتفاع ولانه لو لم يتخذ الصغير لما أمكن جعل الكلب للصيد أذ لا يصير معلما إلا بالتعلم ولا يمكن تعلمه إلا بتربيته واقتنائه مدة يعلمه فيها قال الله تعالى (وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن) ولا يوجد كلب معلم بغير تعليم. والثاني لا يجوز لانه ليس من الثلاثة (فصل) ومن اقتنى كلب صيد ثم ترك الصيد مدة وهو يريد العود إليه لم يحرم اقتناؤه في مدة تركه لان ذلك لا يمكن التحرز منه، وكذلك لو حصد صاحب الزرع زرعه أبيح اقتناؤه حتى يزرع زرعا آخر، وكذلك لو هلكت ماشيته أو باعها وهو يريد شراء غيرها فله أمساك كلبها لينتفع به في التي يشتريها، فان اقتنى كلب الصيد من لا يصيد به احتمل الجواز لاستثنائه في الخبر مطلقا واحتمل المنع لانه اقتناء من غير حاجة أشبه غيره من الكلاب، ومعنى كلب الصيد أي كلب يصيد به وهكذا الاحتمالان فيمن اقتنى كلبا ليحفظ له حرثا أو ماشية إن حصلت أو يصيد به ان احتاج إلى الصيد وليس في الحال حرث ولا ماشية، ويحتمل الجواز لقصده ذلك كما لو حصد الزرع وأراد زرع غيره (مسألة) (ولا يجوز بيع السرجين النجس) وبهذا قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة يجوز ولان أهل الامصار يبتاعونه لزرعهم من غير نكير فكان اجماعا ولنا أنه مجمع على نجاسته فلم يجز بيعه كالميتة وما ذكروه ليس باجماع لان الاجماع اتفاق أهل العلم ولم يوجد ولانه رجيع نجس فلم يجز بيعه كرجيع الآدمي (فصل) ولا يجوز بيع الحر ولا ما ليس بمملوك كالمباحات قبل حيازتها وملكها لا نعلم في ذلك خلافا وقد روى البخاري باسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " قال الله عزوجل ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطي بي ثم غدر، ورجل باع حرا وأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يوفه أجره " { مسألة } (ولايجوز بيع الادهان النجسة)

[ 15 ]

في ظاهر كلام أحمد رضي الله عنه لان أكله حرام لا نعلم فيه خلافا لان النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الفأرة تموت في السمن فقال " ان كان مائعا فلا تقربوه " من المسند وإذا كان حراما لم يجز بيعه لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه " ولانه نجس فلم يجز بيعه قياسا على شحم الميتة وعنه يجوز بيعه لكافر يعلم نجاستها لانه يعتقد حلها ويستبيح أكلها ولانه قد روي عن أبي موسى لتوا به السويق وبيعوه ولا تبيعوه من مسلم وبينوه، والصحيح الاول لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا ثمنها، ان الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه " متفق عليه. ولانه لا يجوز بيعها من مسلم فلا يجوز بيعها لكافر كالخمر والخنزير فانهم يعتقدون حله ولايجوز بيعه لهم ولانه دهن نجس فلم يجز بيعه لكافر كشحوم الميتة. قال شيخنا ويجوز أن يدفع إلى الكافر في فكاك مسلم ويعلم الكافر بنجاسته لانه ليس ببيع في الحقيقة انما هو استنقاذ المسلم به { مسألة } (وفي جواز الاستصباح بها روايتان ويخرج على ذلك جواز بيعها) اختلفت الرواية في الاستصباح بالزيت النجس فروي عنه انه لا يجوز لقول النبي صلى الله عليه وسلم في السمن الذي ماتت فيه الفأرة " وان كان مائعا فلا تقربوه " ولا النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن شحوم الميتة تطلى بها السفن وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال " لا، هو حرام " متفق عليه. وهذا في معناه وهو قول ابن المنذر وعنه اباحته لان ذلك يروى عن ابن عمر وهو قول الشافعي لانه أمكن الانتفاع به من غير ضرر فجاز كالطاهر وهذا اختيار الخرقي، فعلى هذا يستصبح به على وجه لا تتعدى نجاسته إما أن يجعل في ابريق ويصب منه في المصباح ولا يمس وإما أن يدع على رأس الجرة التي فيها الزيت سراجا مثقوبا ويطبقه على رأس اناء الزيت، وكلما نقص زيت السراج صب فيه ماء بحيث يرتفع الزيت فيملا السراج وما أشبه هذا، وعلى قياس هذا كل انتفاع لا يفضي إلى التنجيس بها يجوز ويتخرج على جواز الاستصباح به جواز بيعه وهكذا ذكره أبو الخطاب لانه يجوز الانتفاع به من غير ضرورة فجاز بيعه كالبغل والحمار، وهل تطهر بالغسل فيه وجهان ذكرناهما فيما مضى، وإذا قلنا تطهر بالغسل فالقياس يقتضي جواز بيعها لانها عين نجسة تطهر بالغسل أشبهت الثوب النجس. وكره أحمد رحمه الله أن تدهن بها بالجلود وقال تجعل منها الاسقية، ونقل عن ابن عمر انه يدهن بها الجلود وعجب أحمد من هذا فيحتمل أن يحمل على ما لا تتعدى نجاسته كالنعال كما قلنا في جلود الميتة (فصل) فأما شحوم الميتة وشحم الكلب والخنزير فلا يجوز الاستصباح به ولا الانتفاع به في جلود ولا سفن ولا غيرها لما ذكرنا من الحديث، وإذا استصبح بالزيت النجس فاجتمع من دخانه شئ فهو نجس لان جزء منه، والنجاسة لا تطهر بالاستحالة فان علق بشئ عفي عن يسيره لمشقة التحرز عنه وإن كثر لم يعف عنه (فصل) ولايجوز بيع الترياق الذى فيه لحوم الحيات لان نفعه انما يحصل بالاكل وهو محرم فخلا

[ 16 ]

من نفع مباح فلم يجز بيعه كالميتة، ولا يجوز التداوي به ولا بسم الافاعي، فأما سم النبات فان كان لا ينتفع به أو يقتل قليله لم يجز بيعه لعدم نفعه، وان أمكن التداوي بيسيره كالسقمونيا جاز بيعه لانه طاهر منتفع به (فصل) (الرابع أن يكون مملوكا له أو مأذونا له في بيعه فان باع ملك غيره بغير إذنه أو اشترى بعين ماله شيئا بغير إذنه لم يصح وعنه يصح ويقف على اجازة المالك) إذا اشترى بعين مال غيره أو باع ماله بغير اذنه ففيه روايتان (إحداهما) لا يصح البيع وهذا مذهب الشافعي وأبي ثور وابن المنذر (والثانية) يصح البيع والشراء ويقف على أجازة المالك فان أجازه نفذ ولزم البيع وإن لم يجزه بطل وهو قول مالك وإسحاق وبه قال أبو حنيفة في البيع. فأما الشراء فيقع للمشتري عنده بكل حال لما روى عروة بن الجعد البارقي ان النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه دينارا ليشتري به شاة فاشترى شاتين ثم باع إحداهما بدينار في الطريق، قال فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم بالدينار والشاة وأخبرته فقال " بارك الله لك في صفقة يمينك " رواه ابن ماجه والاثرم ولانه عقد له مجيز حال وقوعه فصح وقفه على اجازته كالوصية بزيادة على الثلث ووجه الرواية الاولى قول النبي صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام " لاتبع ما ليس عندك " رواه ابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن صحيح يعني مالا تملك لانه ذكره جوابا له حين سأله انه يبيع الشئ ويمضي ويشتريه ويسلمه. ولاتفاقنا على صحة بيع ماله الغائب ولانه باع مالا يقدر على تسليمه فأشبه الطير في الهواء. فأما الوصية فيتأخر فيها القبول عن الايجاب، ولا يعتبر أن يكون لها مجيز حال وقوع العقد ويجوز فيها من الغرر مالايجوز في البيع، وحديث عروة نحمله على ان وكالته كانت مطلقة بدليل انه يسلم ويستلم وليس ذلك لغير المالك باتفاقنا { مسألة } (وان اشترى له في ذمته بغير إذنه صح فان أجازه من اشترى له ملكه وإلا لزم من اشتراه) إذا اشترى في ذمته لانسان شيئا بغير اذنه صح لانه متصرف في ذمته لا في مال غيره وسواء نقد الثمن من مال الغير أو لا لان الثمن هو الذي في الذمة والذي نقده عوضه ولذلك قلنا انه إذا اشترى ونقده الثمن بعد ذلك كان له البدل، وان خرج مغصوبا لم يبطل العقد وانما وقف الامر على اجازة الآخر لانه قصد الشراء له فان أجازه لزمه وعليه الثمن وان لم يقبله لزم من اشتراه (فصل) وإن باع سلعة وصاحبها حاضر ساكت فحكمه حكم مالو باعها بغير اذنه في قول الاكثرين منهم أبو حنيفة وأبو يوسف والشافعي قال ابن أبي ليلى سكوته اقرار لانه يدل على الرضا كسكوت البكر في الاذن في النكاح. ولنا ان السكوت محتمل فلم يكن إذنا كسكوت الثيب، وفارق سكوت البكر لوجود الحياء المانع من الكلام في حقها وليس ذلك موجودا هاهنا { مسألة } (ولايجوز بيع مالا يملكه ليمضي ويشتريه ويسلمه رواية واحدة) وهو قول الشافعي ولا نعلم فيه مخالفا لان حكيم بن حزام قال للنبي صلى الله عليه وسلم ان الرجل يأتيني يلتمس من البيع ما ليس عندي فأمضي إلى السوق فاشتريه ثم أبيعه منه فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لاتبع ما ليس عندك " حديث حسن صحيح ولانه يبيع ما لا يقدر على تسليمه أشبه بيع الطير في الهواء

[ 17 ]

{ مسألة } (ولا يجوز بيع ما فتح عنوة ولم يقسم كأرض الشام والعراق ومصر ونحوها إلا المساكن وأرضا من العراق فتحت صلحا وهي الحيرة والليس وبانقيا وأرض بني صلوبا لان عمر رضي الله عنه وقفها على المسلمين وأقرها في أيدي أربابها بالخراج الذي ضربه أجرة لها في كل عام ولم تقدر مدتها لعموم المصلحة فيها) لا يجوز بيع شئ من الارض الموقوفة ولا شراؤه كأرض الشام ونحوها في ظاهر المذهب وقول أكثر أهل العلم منهم عمر وعلي وابن عباس وعبد الله بن عمرو رضي الله عنهم، وروي ذلك عن عبد الله ابن مغفل وقبيصة بن ذؤيب وميمون بن مهران والاوزاعي ومالك وأبي اسحاق الفزاري. قال الاوزاعي لم تزل أئمة المسلمين ينهون عن شراء أرض الجزية ويكرهه علماؤهم، وقال: أجمع رأي عمر وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما ظهروا على أهل الشام على اقرار أهل القرى في قراهم على ما كان بأيديهم من أرضهم يعمرونها ويؤدون خراجها إلى المسلمين ويرون أنه لا يصلح لاحد من المسلمين شراء ما في أيديهم من الارض طوعا ولاكرها وكرهوا ذلك لما كان من ايقاف عمر وأصحابه الارضين المحبوسة على آخر هذه الامة من المسلمين لاتباع ولا تورث قوة على جهاد من لم يظهر عليه بعد من المشركين، وقال الثوري إذا أقر الامام أهل العنوة في أرضهم توارثوها وتبايعوها، وروى نحو هذا عن ابن سيرين والقرظي، لما روى عبد الرحمن بن زيد أن ابن مسعود اشترى من دهقان أرضا على أن يكفيه جزيتها، وروي عنه أنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التبقر (1) في الاهل والمال، ثم قال عبد الله وكيف بمال بزاذان وبكذا وكذا؟ وهذا يدل على أن له مالا بزا ذان ولانها أرض لهم فجاز بيعها كأرض الصلح، وقد روي عن أحمد أنه قال: كان الشراء أسهل يشتري الرجل ما يكفيه ويغنيه عن الناس وهو رجل من المسلمين وكره البيع، قال شيخنا وانما رخص في الشراء والله أعلم لان بعض الصحابة اشترى ولم يسمع عنهم البيع، ولان الشراء استخلاص للارض ليقوم فيها مقام من كانت في يده والبيع. أخذ عوض عما لا يملكه ولا يستحقه فلا يجوز ولنا اجماع الصحابة رضي الله عنهم فانه روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: لا تشتروا رقيق أهل الذمة ولا أراضيهم. وقال الشعبي اشترى عتبة بن فرقد أرضا على شاطئ الفرات ليتخذ فيها قصا فذكر ذلك لعمر فقال ممن اشتريتها؟ قال من اربابها، فلما اجتمع المهاجرون والانصار قال هؤلاء أربابها فهل اشتريت منهم شيئا؟ قال لا، قال فارددها إلى من اشتريتها منه وخذ مالك. وهذا قول عمر في المهاجرين والانصار بمحضر سادة الصحابة وأئمتهم فلم ينكر فكان اجماعا ولا سبيل إلى وجود اجماع أقوى من هذا وشبهه إذ لا سبيل إلى نقل قول جميع الصحابة في مسألة ولا إلى نقل قول العشرة ولم يوجد الاجماع إلا القول المنتشر، فان قيل فقد خالفه ابن مسعود بما ذكر عنه. قلنا لا نسلم المخالفة وقولهم اشترى قلنا المراد به أكرى كذا قال أبو عبيد، والدليل عليه قوله على أن يكفيه جزيتها ولا يكون مشتريا لها وجزيتها على غيره وقد روى عنه القاسم أنه قال: من أقر بالطسق فقد أقر بالصغار والذل وهذا يدل على أن الشراء هنا الاكتراء وكذلك كل من رويت عنه الرخصة في الشراء محمول


(1) التبقر التوسع

[ 18 ]

على ذلك وقوله فكيف بمال بزاذان ليس فيه ذكر الشراء، ولان المال الارض فيحتمل أنه أراد من السائمة أو الزرع أو نحوه، ويحتمل أنه أراد أرضا اكتراها وقد يحتمل أنه أراد بذلك غيره وقد يعيب الانسان الفعل المعيب من غيره (جواب ثان) أنه يتناول الشراء وبقي قول عمر في النهي عن البيع غير معارض، فأما المعنى فلانها موقوفة فلم يجز بيعها كسائر الوقوف والدليل على وقفها النقل والمعنى أما النقل فما نقل من الاخبار أن عمر لم يقسم الارض التي افتتحها وتركها لتكون مادة للمسلمين الذين يقاتلون في سبيل الله إلى يوم القيامة وقد نقلنا بعض ذلك وهو مشهور تغني شهرته عن نقله وأما المعنى فلانها لو قسمت لكانت للذين افتتحوها ثم لورثته (الظاهر أن تكون لورثتهم) ولمن انتقلت إليه عنهم ولم تكن مشتركة بين المسلمين، ولانه لو قسمت لنقل ذلك ولم يخف بالكلية فان قيل فهذا لا يلزم منه الوقف لانه يحتمل أنه تركها للمسلمين عامة فتكون فيئا للمسلمين والامام نائبهم فيفعل ما يرى فيه المصلحة من بيع وغيره، ويحتمل أنه تركها لاربابها كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، قلنا أما الاول فلا يصح لان عمر انما ترك قسمتها لتكون مادة للمسلمين كلهم ينتفعون بها مع بقاء أصلها وهذا معنى الوقف، ولو جاز تخصيص قوم بأصلها لكان الذين افتتحوها أحق بها ولا يجوز أن يمنعها أهلها لمفسدة ثم يخص بها غيرهم مع وجود المفسدة المانعة والثاني أظهر فسادا من الاول لانه إذا منعها المسلمين المستحقين كيف يخص بها أهل الذمة المشركين الذين لا حق لهم ولا نصيب؟ (فصل) وإذا بيعت هذه الارض فحكم بصحة البيع حاكم صح لانه مختلف فيه فصح بحكم الحاكم كسائر المختلفات، وإن باع الامام شيئا لمصلحة رآها مثل أن يكون في الارض ما يحتاج إلى عمارته ولا يعمرها الا من يشتريها صح أيضا لان فعل الامام كحكم الحاكم، وقد ذكر ابن عائذ في كتاب فتوح الشام قال: قال غير واحد من مشايخنا إن الناس سألوا عبد الملك والوليد وسليمان ان يأذنوا لهم في شراء الارض من أهل الذمة فأذنوا لهم على ادخال أثمانها في بيت المال، فلما ولي عمر بن عبد العزيز أعرض عن تلك الاشرية لاختلاط الامور فيها لما وقع فيها من المواريث ومهور النساء وقضاء الديون ولما لم يقدر على تخليصه ولا معرفة ذلك كتب كتابا قرئ على الناس: إن من اشترى شيئا بعد سنة مائة إن بيعه مردود. وتسمى سنة مائة سنة المدة فتناهى الناس عن شرائها ثم اشتروا أشرية كبيرة كانت يأيدي أهلها تؤدي العشر ولا جزية عليها، فلما أفضى الامر إلى المنصور ورفعت إليه تلك الاشرية وأن ذلك أضر بالخراج وكسره فأراد ردها إلى أهلها فقيل له قد وقعت في المواريث والمهور واختلط أمرها. فبعث المعدلين منهم عبد الله بن يزيد إلى حمص، واسماعيل بن عباس إلى بعلبك، وهضاب بن طوق ومحرز ابن زريق إلى الغوطة، وأمرهم أن لا يضعوا على القطائع والاشرية القديمة خراجا ومنعوا الخراج على ما بقي بأيدي الانباط وعى الاشرية المحدثة من سنة مائة إلى السنة التي عدل فيها فعلى هذا ينبغي أن يجزئ ما باعه امام أو بيع باذنه أو تعذر رد بيعه هذا المجزئ في أن يضرب عليه خراج بقدر ما يحتمله ويترك في يد مشتريه أو من انتقل إليه إلا ما بيع قبل المائة سنة فانه لا خراج عليه كما نقل في هذا الخبر

[ 19 ]

(فصل) وحكم إقطاع هذه الارض حكم بيعها في أن ما كان من عمر رضي الله عنه أو ما كان قبل مائة سنة فهو لا هله وما كان بعد المائة ضرب عليه الخراج كما فعل المنصور إلا أن يكون بغير اذن الامام فيكون باطلا، وذكر ابن عائذ في كتابه باسناده عن سليمان بن عتبة أن أمير المؤمنين عبد الله بن محمد أظنه المنصور سأله في مقدمه الشام سنة ثلاث أو أربع وخمسين عن الارضين التي بأيدي أبناء الصحابة يذكرون أنها قطائع لآبائهم قديمة فقلت يا أمير المؤمنين إن الله تعالى لما أظهر المسلمين على بلاد الشام وصالحوا أهل دمشق وأهل حمص كرهوا أن يدخلوها دون أن يتم ظهورهم واثخانهم في عدوالله وعسكروا في مرج بردان المرة إلى مرج شعبان حسي بردا - مروج كانت مباحة فيما بين أهل دمشق وقراها ليست لاحد منهم فأقاموا بها حتى وطأ الله بهم المشركين قهرا وذلا فاختبأ كل قوم محلهم وهيئوا فيها بناء فرفع إلى عمر فأمضاه عمر لهم وأمضاه عثمان من بعده إلى ولاية أمير المؤمنين قال فقد أمضيناه لهم! وعن الاحوص بن حكيم أن المسلمين الذين فتحوا حمص لم يدخلوها وعسكروا على نهر الاوند فأحيوه فأمضاه لهم عمر وعثمان وقد كان أناس منهم تعدوا ذاك إلى حبس الاوند الذي على باب الرتبتين فعسكروا في برجه مسلحة لمن خلفهم من المسلمين، فلما بلغهم ما أمضاه عمر للمعسكرين على نهر الاوند سألوا أن يشركوهم في تلك القطائع فكتب إلى عمر فيه فكتب أن يعوضوا مثله من المروج التي كانوا عسكروا فيها على باب الرتبتين فلم تزل تلك القطائع على شاطئ الاوند وعلى باب حمص وعلى باب الرتبتين ماضية لاهلها لاخراج عليها تؤدي العشر (فصل) وهذا الذي ذكرناه في الارض المغلة، أما المساكن فلا بأس بحيازتها وبيعها وشرائها وسكناها، قال أبو عبيد ما علمنا أحدا كره ذلك وقد اقتسمت بالكوفة خططا في زمن عمر رضى الله عنه باذنه وبالبصرة وسكنها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك الشام ومصر وغيرهما من البلدان فما غاب ذلك احد ولا انكره (فصل) وكذلك ما فتح صلحا بشرط أن يكون لاهله كأرض الحيرة والليس وبانقيا وأرض بني صلوبا وما في معناها فيجوز بيعها لانها ملك لاهلها فهي كالمساكن وكذلك كل أرض أسلم أهلها عليها كأرض المدينة وشبهها فانها ملك لاهلها يجوز بيعها لذلك { مسألة } (وتجوز اجارتها) لانها مستأجرة في أيدي أربابها واجارة المستأجر جائزة على ما نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى (وعن أحمد أنه كره بيعها) لما ذكرنا (وأجاز شراءها) لانه كالاستنقاذ لها فجاز كشراء الاسير، ولانه قد روي عن بعض الصحابة رضي الله عنهم على ما ذكرنا في المسألة التي قبلها، وإذا قلنا بصحة الشراء فانها تكون في أيدي المشتري على ما كانت في يد البائع يؤدي خراجها ويكون معنى الشراء ههنا نقل اليد من البائع إلى المشتري بعوض إلا ما كان قبل مائة سنة أو ما كان من اقطاع عمر رضي الله عنه على ما ذكرناه، فان اشتراها وشرط الخراج على البائع كما فعل ابن مسعود فهو كراء لا شراء وينبغي أن يشترط بيان مدته كسائر الاجارات { مسألة } (ولايجوز بيع رباع مكة ولا إجارتها وعنه يجوز ذلك)

[ 20 ]

اختلف الرواية في بيع رباع مكة واجارة دورها فروي أن ذلك غير جائز وهو قول أبي حنيفة ومالك والثوري وأبي عبيد وكرهه اسحاق لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم في مكة " لاتباع رباعها، ولا تكرى بيوتها " رواه الاثرم، وعن مجاهد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " مكة حرام بيع رباعها حرام اجارتها " رواه سعيد بن منصور في سننه وروي أنها كانت تدعى السوائب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكره مسدد في مسنده ولانها فتحت عنوة ولم تقسم فصارت موقوفة فلم يجز بيعها كسائر الارض التي فتحها المسلمون عنوة ولم يقسموها ودليل أنها فتحت عنوة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين وانها لم تحل لاحد قبلي ولا تحل لاحد بعدي، وانما حلت لي ساعة من نهار " متفق عليه. وروت أم هانئ أنها قالت أجرت حموين لي فأراد علي قتلهما فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يارسول الله: أني أجرت حموين لي فزعم ابن أمي علي أنه قاتلهما فقال النبي صلى الله عليه وسلم " قد أجرنا من أجرت وأمنا من أمنت " متفق عليه. وكذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل أربعة فقتل منهم ابن خطل ومقيس بن ضبابة فدل على أنها فتحت عنوة (والرواية الثانية) أنه يجوز ذلك روي ذلك عن طاوس وعمر وبن دينار وهو قول الشافعي وابن المنذر وهو أظهر في الحجة لان النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له أين تنزل غدا؟ قال " وهل ترك لنا عقيل من رباع؟ " متفق عليه، يعني أن عقيلا باع رباع أبي طالب لانه ورثه دون اخوته لكونه كان على دينه دونهما ولو كانت غير مملوكة لما أثر بيع عقيل شيأ ولان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لهم دور بمكة كأبي بكر والزبير وحكيم بن حزام وأبي سفيان وسائر أهل مكة فمنهم من باع ومنهم من ترك داره فهي في يد أعقابهم، وقد باع حكيم بن حزام دار الندوة فقال له ابن الزبير بعت مكرمة قريش فقال يا ابن أخي ذهبت المكارم إلى التقوى أو كما قال، واشترى معاوية منه دارين، واشترى عمر رضى الله عنه دار السجن من صفوان بن أمية بأربعة آلاف ولم يزل أهل مكة يتصرفون في دورهم تصرف الملاك بالبيع وغيره ولم ينكره منكر فكان اجماعا، وقد قرره النبي صلى الله عليه وسلم بنسبة دورهم إليهم فقال " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. ومن أغلق بابه فهو آمن " وأقر هم في دورهم ورباعهم ولم ينقل أحدا عن داره ولا وجد منه ما يدل على زوال أملاكهم وكذلك من بعده من الخلفاء حتى ان عمر مع شدته في الحق لما احتاج إلى دار للسجن لم يأخذها إلا بالبيع. ولانها أرض حية لم يرد عليها صدقة محرمة فجاز بيعها كسائر الارض وما روي من الاحاديث في خلاف هذا فهو ضعيف. وأما كونها فتحت عنوة فهو صحيح لا يمكن دفعه الا ان النبي صلى الله عليه وسلم أقر اهلها فيها على أملاكهم ورباعهم فيدل ذلك على أنه تركها لهم كما ترك لهوازن نساءهم وابناءهم (1) كان الاولى أن يقول كما أعتقهم بقوله " أنتم الطلقاء ") وعلى القول الاول من كان ساكن دار أو منزل فهو أحق به يسكنه ويسكنه وليس له بيعه ولا أخذ اجرته. ومن احتاج إلى مسكن فله بذلك الاجرة فيه. وان احتاج إلى الشراء فله ذلك كما فعل عمر رضي الله عنه. وكان أبو عبد الله إذا سكن اعطاهم أجرتها. فان سكن بأجرة جاز أن لا يدفع إليهم الاجرة ان امكنه لانهم لا يستحقونها. وقد روي ان سفيان سكن

[ 21 ]

في بعض رباع مكة وهرب ولم يعطهم اجرة فأدركوه فأخذوها منه، وذكر لاحمد فعل سفيان فتبسم فظاهر هذا انه اعجبه قال ابن عقيل وهذا الخلاف في غير مواضع المناسك. اما بقاع المناسك كموضع المسعى والرمي فحكمه حكم المساجد بغير خلاف (فصل) ومن بنى بمكة بآلة مجلوبة من غير ارض مكة جاز بيعها كما يجوز بيع ابنية الوقوف وانقاضها، وان كانت من تراب الحرم وحجارته انبنى جواز بيعها على الروايتين في بيع رباع مكة لانها تابعة لها وهكذا تراب كل وقف وانقاضه قال احمد واما البناء بمكة فاني اكرهه قال اسحاق البناء بمكة على وجه الاستخلاص لنفسه لا يحل وقد روي ان النبي صلى الله عليه وسلم قيل له الا تبني لك بمنى بيتا فقال " منى مناخ من سبق ". { مسألة } (ولايجوز بيع كل ماء عد كمياه العيون ونقع البئر ولا ما في المعادن الجارية من القار والملح والنفط ولا ما ينبت في ارضه من الكلا والشوك ومن اخذ منه شيئا ملكه) الانهار النابعة في غير ملك كالانهار الكبار لا تملك بحال ولا يجوز بيعها، ولو دخل إلى ارض رجل لم يملكه بذلك كالطير فدخل إلى ارضه ولكل احد اخذه وتملكه، الا ان يحتفر منه ساقية فيكون احق بها من غيره، واما ما ينبع في ملكه كالبئر والعين المستنبطة بنفس النهر وارض العين مملوكة لمالك الارض فالماء الذى فيها غير مملوك في ظاهر المذهب لانه يجزي من تحت الارض فأشبه الماء الجاري في النهر إلى ملكه وهذا احد الوجهين لاصحاب الشافعي، والوجه الآخر يملك لانه نماء الملك. وقد روي عن احمد نحو ذلك فانه قيل له قي رجل له ارض ولآخر ماء فيشترك صاحب الارض وصاحب الماء في الزرع يكون بينهما؟ فقال لا بأس اختاره أبو بكر وهذا يدل من قوله على ان الماء مملوك لصاحبه، وفي معنى الماء المعادن الجارية في الاملاك كالقار والنفط والموميا والملح، وكذلك الحكم في الكلا والشوك النابت في ارضه فكذلك كله يخرج على الروايتين في الماء، والصحيح ان الماء لا يملك فكذلك هذه وجواز بيع ذلك مبني على ملكه قال احمد: لا يعجبني بيع الماء البتة وقال الاثرم: سمعت ابا عبد الله يسئل عن قوم بينهم نهر تشرب منه ارضوهم لهذا يوم ولهذا يومان يتفقون عليه الحصص فجاء يومي ولا احتاج إليه اكريه بدراهم؟ قال ما ادري اما النبي صلى الله عليه وسلم فنهى عن بيع الماء قيل له انه ليس يبيعه انما يكريه قال انما احتالوا بهذا ليحسنوه فأي شئ هذا الا البيع؟ وروى الاثرم باسناده عن جابر واياس بن عبد الله ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى ان يباع وروى ابو عبيد والا ثرم ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " المسلمون شركاء في ثلاث في النار والكلا والماء " فان قلنا يملك جاز بيعه وان قلنا لا يملك فصاحب الارض احق به من غيره لكونه في ملكه فان دخل غيره بغير اذنه فأخذه ملكه لانه يباح في الاصل فأشبه مالو عشش في ارضه طائر أو دخل إليها صيد أو نضبت عن سمك فدخل إليها داخل فأخذه { مسألة } (الا انه لا يجوز له الدخول إلى ملك غيره بغير اذنه) لانه تصرف في ملك الغير بغير

[ 22 ]

اذنه اشبه ما لو دخل لغير ذلك (وعنه يجوز بيعه) وهذا مبني على انه يملك وقد ذكرناه (فصل) والخلاف في بيع ذلك انما هو قبل حيازته. فأما ما يحوزه من الماء في انائه أو يأخذه من الكلا في حبله أو يحوزه في رحله أو يأخذه من المعادن فانه يملكه بذلك بغير خلاف بين اهل العلم فان النبي صلى الله عليه وسلم قال " لان يأخذ أحدكم حبلا فيأخذ حزمة حطب فيبيعها فيكف بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطي أو منع " رواه البخاري، وقد روى أبو عبيد في الاموال عن المشيخة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الماء الا ما حمل منه. وعلى ذلك مضت العادة في الامصار ببيع الماء في الروايا والحطب والكلا من غير نكير وليس لاحد أن يشرب منه ولا يتوضأ ولا يأخذ إلا بأذن مالكه لانه ملكه. قال أحمد: إنما نهي عن بيع فضل ماء البئر والعيون في قراره ويجوز بيع البئر نفسها والعين ومشتريها أحق بملئها، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من يشتري بئر رومة يوسع بها على المسلمين وله الجنة؟ " أو كما قال فاشتراها عثمان بن عفان رضي الله عنه من يهودي بامر النبي صلى الله عليه وسلم وسبلها للمسلمين، وروي أن عثمان اشترى منه نصفها باثني عشر الفا ثم قال لليهودي اختر اما أن تأخذها يوما وآخذها يوما واما أن تنصب لك عليها دلوا وأنصب عليها دلوا فاختار يوما ويوما فكان الناس يستقون منها في يوم عثمان لليومين فقال اليهودي أفسدت علي بئري فاشتر باقيها فاشتراه بثمانية آلاف، وفي هذا دليل على صحة بيعها وتسبيلها وملك ما يسقيه منها وجواز قسمة مائها بالمهايأة وكون مالكها أحق بمائها وجواز قسمة ما فيه حق وليس بمملوك (فصل) فاما المصانع المتخذة لمياه الامطار تجتمع فيها ونحوها من البرك وغيرها فالاولى أنه يملك ماؤها ويصح بيعه إذا كان معلوما لانه مباح حصله بشئ معد له كالصيد يحصل في شبكة والسمك في بركة معدة له ولا يحصل أخذ شئ منه بغير اذن مالكه وكذلك إن جرى من نهر غير مملوك ماء إلى بركة في أرضه يستقر الماء فيها لا يخرج منها فحكمه حكم مياه الامطار تجتمع في البركة قياسا عليه والله أعلم. (فصل) إذا اشترى ممن في ماله حلال وحرام كالسلطان الظالم والمرابي فان علم أن المبيع من حلال فهو حلال وان علم أنه من الحرام فهو حرام ولا يقبل قول المشتري عليه في الحكم لان الظاهر أن ما في يد الانسان ملكه، فان لم يعلمه من أيها هو كره لاحتمال التحريم فيه ولم يبطل البيع لامكان الحلال سواء قل الحرام أو كثر وهذا هو الشبهة، وبقدر قلة الحرام أو كثرته تكثر الشبهة وتقل قال احمد لا يعجبني أن يأكل منه وذلك لما روى النعمان بن بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبراء لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك ان يرتع فيه الاوان لكل ملك حمى وان حمى الله محارمه " متفق عليه واللفظ لمسلم ولفظ البخاري " فمن ترك ما اشتبه عليه كان لما استبان اترك، ومن اجتزأ على ما يشك فيه من المأثم أو شك أن يواقع ما استبان " وروى الحسن بن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " وهذا مذهب الشافعي (فصل) والمشكوك فيه على ثلاثة أضرب ما أصله الحظر كالذبيحة في بلدة فيها مجوس وعبدة أو ثان

[ 23 ]

يذبحون فلا يجوز شراؤها وان جاز أن تكون ذبيحة مسلم لان الاصل التحريم فلا يجوز الا بيقين أو ظاهر وكذلك ان كان فيها اخلاط من المسلمين والمجوس لم يجز شراؤها لذلك والاصل فيه حديث عدي بن حاتم " إذا أرسلت كلبك فخالط أكلبا لم يسم عليها فلا تأكل فانك لا تدري أيها قتله " متفق عليه. فاما ان كان ذلك في بلد الاسلام فالظاهر إباحتها لان المسلمين لا يقرون في بلدهم بيع مالا يحل بيعه ظاهرا (الثاني) ما أصله الاباحة كالماء يجده متغيرا لا يعلم بنجاسة تغيره أو غيرها فهو طاهر في الحكم لان الاصل الطهارة لا يزول عنها الا بيقين أو ظاهر ولم يوجد واحد منهما، والاصل في ذلك حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه قال شكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يخيل إليه في الصلاة انه يجد الشئ قال " لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا " متفق عليه (الثالث) ما لا يفرق له أصل كرجل في ماله حلال وحرام فهذا هو الشبهة التي الاولى تركها على ما ذكرناه وعملا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وجد تمرة ساقطة فقال " لولا أني أخشى أنها من الصدقة لاكلتها " وهو من باب الورع (فصل) وكان أحمد لا يقبل جوائز السلطان وينكر على ولده وعمه قبولها ويشدد في ذلك. وممن كان لا يقبلها سعيد بن المسيب والقاسم وبشر بن سعيد ومحمد بن واسع الثوري وابن المبارك، وكان هذا منهم على سبيل الورع لا على أنها حرام فان احمد قال: جوائز السلطان أحب الي من الصدقة وقال ليس أحد من المسلمين إلا وله في هذه الدراهم نصيب فكيف أقول إنها سحت وممن كان يقبل جوائزهم ابن عمر وابن عباس وعائشة وغيرهم مثل الحسن والحسين وابن جعفر ورخص فيه الحسن البصري ومكحول الزهري والشافعي. واحتج بعضهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاما ومات ودرعه مرهونة عنده وأجاب يهوديا دعاه وأكل من طعامه وقد اخبر الله تعالى أنهم أكالون للسحت، وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال لا بأس بجوائز السلطان فان ما يعطيكم من حلال أكثر مما يعطيكم من الحرام وقال لا تسأل السلطان شيئا وان أعطى فخذ فان ما في بيت المال من الحلال أكثر مما فيه من الحرام (فصل) قال أحمد رضي الله عنه فيمن معه ثلاثة دراهم فيها درهم حرام يتصدق بالثلاثة وان كان معه مائتا درهم فيها عشرة دراهم حرام تصدق بالعشرة لان هذا كثير وذاك قليل، قيل له قال سفيان ما كان دون العشرة يتصدق به وما كان أكثر يخرج؟ قال نعم لا يجحف به قال القاضي ليس هذا على سبيل التحديد وإنما هو على سبيل الاختيار لانه كلما كثر الحلال بعد تناول الحرام وشق التورع عن الجميع بخلاف القليل فانه يسهل اخراج الكل والواجب في الموضعين اخراج قدر الحرام والباقي له وهذا لان تحريمه لم يكن لتحريم عينه وانما حرم لتعلق حق غيره به فإذا أخرج عوضه زال التحريم كما لو كان صاحبه حاضرا فرضي بعوضه وسواء كان قليلا أو كثيرا، والورع إخراج ما يتيقن به إخراج عين الحرام ولا يحصل ذلك إلا باخراج الجميع لكن لما شق ذلك في الكثير ترك لاجل المشقة فيه واقتصر على الواجب. ثم يختلف هذا باختلاف الناس فمنهم من لا يكون له سوى الدراهم اليسيرة فيشق اخراجها لحاجته إليها ومنهم من يكون له كثير فيستغني عنها فيسهل اخراجها والله تعالى أعلم

[ 24 ]

(فصل) (الخامس أن يكون مقدورا على تسليمه فلا يجوز بيع الآبق ولا الشارد ولا الطير في الهواء ولا السمك في الماء ولا المغصوب الا من غاصبه أو ممن يقدر على أخذه منه) بيع العبد الآبق لا يجوز سواء علم بمكانه أو جهله وكذلك ما في معناه من الجمل الشارد والفرس العائر وشبههما وبه قال مالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي وروي عن ابن عمر أنه اشترى من بعض ولده بعيرا شاردا وعن ابن سيرين لا بأس ببيع الآبق إذا كان علمهما فيه واحدا وعن شريح مثله. ولنا ماروى أبو هريرة قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر رواه مسلم وهذا بيع غرر ولانه غير مقدور على تسليمه فلم يجز بيعه كالطير في الهواء فان حصل في يد إنسان جاز بيعه لامكان تسليمه (فصل) ولا يجوز بيع الطير في الهواء مملوكا كان اولا اما المملوك فلانه غير مقدور عليه وغير المملوك لا يجوز لعلتين عدم القدرة وعدم الملك لحديث أبي هريرة قيل في تفسيره هو بيع الطير في الهواء والسمك في الماء ولا نعلم في هذا خلافا ولا فرق بين كون الطائر يألف الرجوع اولا يألفه لانه لا يقدر على تسليمه الآن وانما يقدر إذا عاد. فان قيل فالغائب في مكان بعيد لا يقدر على تسليمه في الحال، قلنا الغائب يقدر على استحضاره والطير لا يقدر صاحبه على رده الا أن يرجع هو بنفسه ولا يستقل مالكه برده فيكون عاجزا عن تسليمه لعجزه عن الواسطة التي يحصل بها تسليمه بخلاف الغائب وان باعه الطير في البرج نظرت فان كان البرج مفتوحا لم يجز لان الطير ان لم يمكن تسليمه فان كان مغلقا ويمكن أخذه جاز بيعه وقال القاضي ان لم يمكن أخذه الا بتعب ومشقة لم يجز بيعه وهذا مذهب الشافعي. وهو ملغي بالبعيد الذي لا يمكن إحضاره الا بتعب ومشقة، وفرقوا بينهما بان البعيد تعلم الكلفة التي يحتاج إليها في احضاره بالعادة وتأخير التسليم مدته معلومة، والصحيح أن تفاوت المدة في احضار البعيد واختلاف المشقة أكبر من التفاوت في إمساك طائر من البرج، والعادة تكون في هذا كالعادة في ذلك فإذا صح في البعيد مع كثرة التفاوت وشدة اختلاف المشقة فهذا اولى (فصل) ولا يجوز بيع السمك في الآجام هذا قول اكثر أهل العلم وروي عن ابن مسعود انه نهى عنه وقال إنه غرر وكرهه الحسن النخعي ومالك وأبو حنيفة والشافعي وأبو يوسف وأبو ثور ولا نعلم لهم مخالفا لما ذكرنا من الحديث والمعنى، فان باعه في الماء جاز بثلاثة شروط أحدها أن يكون مملوكا وان يكون الماء رقيقا لايمنع مشاهدته ومعرفته، وان يمكن اصطياده لانه مملوك معلوم يمكن تسليمه فجاز بيعه كالموضوع في طست في الماء. وان اختل شرط مما ذكرنا لم يجز بيعه لفوات الشرط وروي عن عمر بن عبد العزيز وابن أبى ليلى فيمن له أجمة يحبس السمك فيها يجوز بيعه لانه يقدر على تسليمه ظاهرا أشبه ما يحتاج إلى مؤنة في الكيل أو الوزن والنقل. ولنا قول ابن مسعود وابن عمر لا تشتروا السمك في الماء لانه غرر ولان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر وهذا منه ولانه لا يقدر على تسليمه الا بعد اصطياده أشبه الطير في الهواء ولانه مجهول أشبه اللبن في الضرع ويفارق ما قاسوا عليه، لان ذلك من مؤنة القبض وهذا يحتاج إلى مؤنة ليمكن قبضه، فاما ان كانت له بركة له فيها سمك

[ 25 ]

يمكن اصطياده بغير كلفة والماء رقيق لايمنع المشاهدة صح بيعه على ما ذكرنا، وان لم يمكن الا بكلفة ومشقة وكانت يسيرة بمنزلة اصطياد الطائر من البرج فالقول فيه كالقول في بيع الطائر في البرج على ما ذكرنا من الخلاف وان كانت كثيرة تتطاول المدة فيه لم يجز بيعه للعجز عن تسليمه في الحال والجهل بامكان التسليم (فصل) ولا يجوز بيع المغصوب لعدم امكان تسليمه فان باعه لغاصبه أو لقادر على أخذه منه جاز لعدم الغرر فيه ولامكان قبضه، وكذلك ان باع الآبق لقادر عليه صح كذلك وان ظن انه قادر على استنقاذه ممن هو في يده صح البيع فان عجز عن استنقاذه فله الخيار بين الفسخ والامضاء لان العقد صح لكونه مظنون القدرة على قبضه وثبت له الفسخ للعجز عن القبض فهو كما لو باعه فرسا فشردت قبل تسليمها أو غائبا بالصفة فعجز عن تسليمه (فصل) (السادس أن يكون معلوما برؤية أو صفة يحصل بها معرفته فان اشترى ما لم يره ولم يوصف له أو رآه ولم يعلم ما هو أو ذكر له من صفته ما لا يكفي في السلم لم يصح البيع وعنه يصح وللمشتري خيار الرؤية) اختلفت الرواية عن احمد رحمه الله في بيع الغائب الذي لم يوصف ولم تتقدم رؤيته فالمشهور عنه انه لا يصح بيعه وبهذا قال الشعبي والنخعي والحسن والاوزاعي ومالك واسحاق وهذا أحد قولي الشافعي. وفيه رواية أخرى أنه يصح وهو مذهب أبي حنيفة والقول الثاني للشافعي واحتج من أجازه بعموم قوله تعالى (وأحل الله البيع) وبما روي عن عثمان وطلحة أنهما تبايعا داريهما أحداهما بالكوفة والاخرى بالمدينة فقيل لعثمان إنك قد غبنت فقال ما ابالي أني بعت ما لم أره. وقيل لطلحة فقال لي الخيار لانني اشتريت ما لم أره، فتحاكما إلى جبير فجعل الخيار لطلحة. وهذا اتفاق منهم على صحة البيع ولانه عقد معاوضة فلم تفتقر صحته إلى رؤية المعقود عليه كالنكاح. ولنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه نهى عن بيع الغرر رواه مسلم، ولانه باع ما لم يره ولم يوصف له فلم يصح كبيع النوى في التمر، ولانه بيع فلم يصح مع الجهل بصفة المبيع كالسلم والآية مخصوصة بما ذكرنا من الاصل، وأما حديث عثمان وطلحة فيحتمل أنهما تبايعا بالصفة ومع ذلك فهو قول صحابي وقد اختلف في كونه حجة ولا يعارض به حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنكاح لا يقصد منه المعاوضة ولا يفسد بفساد العوض ولا بترك ذكره ولا يدخله شئ من الخيارات، وفي اشتراط الرؤية مشقة على المخدرات واضرار بهن ولان الصفات التي تعلم بالرؤية ليست هي المقصودة بالنكاح فلا يضر الجهل بها بخلاف البيع. فان قيل فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من اشترى ما لم يره فهو بالخيار إذا رآه " والخيار لا يثبت الا في عقد صحيح قلنا: هذا يرويه عمربن ابراهيم الكردي وهو متروك الحديث ويحتمل أنه بالخيار بين العقد عليه وتركه فعلى هذا يشترط رؤية ما هو مقصود بالبيع كداخل الثوب وشعر الجارية ونحوهما، فلو باع ثوبا مطويا أو عينا حاضرة لا يشاهد منها ما يختلف الثمن لاجله كان كبيع الغائب فان قلنا بصحة بيع الغائب فللمشتري الخيار في اشهر الروايتين وهو قول أبي حنيفة ويثبت الخيار عند رؤية المبيع في الفسخ والامضاء ويكون على الفور فان اختار الفسخ انفسخ العقد وان لم يختر لزم العقد لان الخيار خيار الرؤية فوجب أن يكون عندها وقيل يتقيد بالمجلس وان اختار الفسخ قبل

[ 26 ]

الرؤية انفسخ لان العقد غير لازم في حقه فملك الفسخ كحالة الرؤية وان اختار امضاء العقد لم يلزم لان الخيار يتعلق بالرؤية ولانه يؤدي إلى الزام العقد على المجهول فيفضي إلى الضرر وكذلك لو تبايعا على أن لا يثبت الخيار للمشترى لم يصح الشرط كذلك. وهل يفسد به البيع؟ على وجهين بناء على الشروط الفاسدة في البيع (فصل) ويعتبر لصحة العقد الرؤية من المتعاقدين وان قلنا بصحة البيع مع عدم الرؤية فباع ما لم يره فله الخيار عند الرؤية، وان لم يره المشتري فلكل منهما الخيار وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة لاخيار للبائع لحديث عثمان وطلحة ولاننا لو أثبتنا له الخيار لثبت لتوهم الزيادة والزيادة في المبيع لا تثبت الخيار بدليل مالو باع شيئا على أنه معيب فبان غير معيب لم يثبت الخيار له ولنا أنه جاهل بصفة المعقود عليه فأشبه المشتري. فأما الخبر فانه قول طلحة وجبير وقد خالفهما عثمان وقوله أولى لان البيع يعتبر فيه الرضا منهما فتعتبر الرؤية التي هي مظنة الرضا منهما { مسألة } (وان ذكر له من صفته ما يكفي في السلم أو رآه ثم عقدا بعد ذلك بزمن لا يتغير فيه ظاهرا صح في أصح الروايتين ثم ان وجده لم يتغير فلا خيار له، وان وجده متغيرا فله الفسخ والقول في ذلك قول المشترى مع يمينه) إذا ذكر له من صفات المبيع ما يكفي في صحة السلم صح بيعه في ظاهر المذهب وهو قول أكثر أهل العلم وعنه لا يصح حتى يراه لان الصفة لا تحصل بها معرفة المبيع فلم يصح البيع بها كالذي لا يصح السلم فيه ولنا أنه بيع بالصفة فصح كالسلم ولا نسلم أن الصفة لا يحصل بها المعرفة فانها تحصل بالصفات الظاهرة التي لا يختلف بها الثمن ظاهرا ولهذا اكتفي به في السلم ولانه لا يعتبر في الرؤية الاطلاع على الصفات الخفية. وأما ما لا يصح السلم فيه فانما لم يصح بيعه بالصفة لانه لا يمكن ضبطه بها. إذا ثبت هذا فانه متى وجده على الصفة لم يكن له الفسخ وبهذا قال ابن سيرين وأيوب ومالك والعنبري واسحاق وأبو ثور وابن المنذر، وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه له الخيار بكل حال لانه يسمى بيع خيار الرؤية ولان الرؤية من تمام هذا العقد فأشبه غير الموصوف ولاصحاب الشافعي وجهان كالمذهبين، ولنا أنه سلم له المعقود عليه بصفاته فلم يكن له خيار كالمسلم فيه ولانه مبيع موصوف فلم يكن للعاقد فيه الخيار في جميع الاحوال كالسلم. وقولهم انه يسمي بيع خيار الرؤية لا تعرف صحته فان ثبت فيحتمل انه يسميه من يرى ثبوت الخيار فلا يحتج به على غيره فاما ان وجده بخلاف الصفة فله الخيار ويسمى خيار الخلف في الصفة لانه وجد الموصوف بخلاف الصفة فلم يلزمه كالمسلم فيه وان اختلفا في اختلاف الصفة فالقول قول المشتري مع يمينه لان لاصل براءة ذمته من الثمن فلم يلزمه ما لم يقربه أو يثبت ببينة أو ما يقوم مقامها (فصل) والبيع بالصفة نوعان (احدهما) بيع عين معينة مثل أن يقول بعتك عبدي التركي ويذكر صفاته فهذا ينفسخ العقد عليه برده على البائع وتلفه قبل قبضه لكون المعقود عليه معينا فيزول العقد بزوال محله، ويجوز التفرق قبل قبض ثمنه وقبضه كبيع الحاضر (الثاني) بيع موصوف غير معين مثل ان يقول بعتك عبدا تركيا ثم يستقصى صفات السلم فهذا في معنى السلم فمتى سلم إليه عبدا على غير

[ 27 ]

ما وصف فرده أو على ما وصف فابدله لم يفسد العقد لان العقد لم يقع على غير هذا فلم ينفسخ العقد برده كما لو سلم إليه في السلم غير ما وصف له فرده ولا يجوز التفرق عن مجلس العقد قبل قبض المبيع أو قبض ثمنه وهذا قول الشافعي لانه بيع في الذمة فلم يجز التفرق فيه قبل قبض احد العوضين كالسلم وقال القاضي يجوز التفرق فيه قبل القبض لانه بيع حال فجاز التفرق فيه قبل القبض كبيع العين (فصل) فان رأيا المبيع ثم عقدا البيع بعد ذلك بزمن لا تتغير العين فيه جاز في قول أكثر اهل العلم وحكي عن احمد رواية اخرى لا يجوز حتى يرياها حالة العقد وحكي ذلك عن الحكم وحماد ولان ما كان شرطا في صحة العقد يجب ان يكون موجودا حال العقد كالشهادة في النكاح، ولنا أنه معلوم عندهما أشبه ما لو شاهداه حال العقد والشرط انما هو العلم والرؤية طريق العلم ولهذا اكتفي بالصفة المحصلة للعلم والشهادة في النكاح تراد لحل العقد والاستيثاق عليه فلهذا اشترطت حال العقد ويقرر ما ذكرناه ما لو رأيا دارا اوقفا في بيت منها أو ارضا ووقفا في طرفها وتبايعاها صح بلا خلاف مع عدم المشاهدة للكل في الحال، ولو كانت الرؤية المشروطة للبيع مشروطة حال العقد لا اشترط رؤية جميعه، إذا ثبت ذلك فمتى وجد المبيع بحاله لم يتغير لزمه البيع، وإن كان ناقصا ثبت له الخيار لان ذلك كحدوث العيب، وإن اختلفا في التغير فالقول قول المشتري مع يمينه لانه يلزمه الثمن فلا يلزمه ما لم يعترف به فأما إن عقدا البيع بعد رؤية المبيع بمدة يتحقق فيها فساد المبيع لم يصح البيع لانه مما لا يصح بيعه، وإن كان يتغير فيها لم يصح بيعه أيضا لانه مجهول، وكذلك ان كان الظاهر تغيره فان كان يحتمل التغير وعدمه وليس الظاهر تغيره صح بيعه لان الاصل السلامة ولم يعارضه ظاهر فيصح بيعه كما لو كانت الغيبة يسيرة وهذا ظاهر مذهب الشافعي { مسألة } (ولايجوز بيع الحمل في البطن، واللبن في الضرع، والمسك في الفأرة، والنوى في التمر) بيع الحمل في البطن فاسد بغير خلاف، قال ابن المنذر أجمعوا على أن بيع الملاقيح والمضامين غير جائز، وانما لم يجز بيع الحمل في البطن لوجهين (أحدهما) الجهالة فانه لا تعلم صفته ولا حياته (والثاني) أنه غير مقدور على تسليمه بخلاف الغائب فانه يقدر على الشروع في تسليمه، وقد روى سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الملاقيح والمضامين، قال أبو عبيد الملاقيح ما في البطون وهي الاجنة، والمضامين ما في أصلاب الفحول فكانوا يبيعون الجنين في بطن الناقة وما يضربه الفحل في عامه أو في أعوام وأنشد إن المضامين التي في الصلب * ماء الفحول في الظهور الحدب وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المجر، قال ابن الاعرابي المجر ما في بطن الناقة والمجر الربا والمجر القمار والمجر المحاقلة والمزابنة (فصل) وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع حبل الحبلة ومعناه نتاج النتاج قاله أبو عبيد وعن ابن عمر قال: كان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة، وحبل الحبلة أن تنتج

[ 28 ]

الناقة ثم تحمل التي نتجت فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم وكلا البيعين فاسد، أما الاول فلانه بيع معدوم، وإذا لم يجز بيع الحمل فبيع حمله أولى، وأما الثاني فلانه بيع إلى أجل مجهول (فصل) ولا يجوز بيع اللبن في الضرع، وبه قال الشافعي واسحاق وأصحاب الرأي ونهى عنه ابن عباس وأبو هريرة وكرهه طاوس ومجاهد. وحكي عن مالك أنه يجوز أياما معلومة إذا عرفا حلابها لسقي الصبي كلبن الظئر وأجازه الحسن وسعيد بن جبير ومحمد بن مسلمة، ولنا ما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يباع صوف على ظهر أو لبن في ضرع رواه الخلال وابن ماجه، ولانه مجهول الصفة والمقدار فأشبه الحمل، ولانه بيع عين لم تخلق فلم يصح كبيع ما تحمل الناقة والعادة في ذلك تختلف وأما لبن الظئر فانما جاز للحضانة لانه موضع حاجة (فصل) ولا يجوز بيع المسك في الفأرة وهو الوعاء الذي يكون فيه. قال الشاعر: إذا التاجر الهندي راح بفأرة * من المسك راحت في مفارقهم تجري فان فتح وشاهد ما فيه جاز بيعه وإن لم يشاهد لم يجز بيعه للجهالة، وقال بعض الشافعية يجوز لان بقاءه في فأرته مصلحة له فانه يحفظ رطوبته وذكاء رائحته أشبه ما مأكوله في جوفه، ولنا أنه يبقى خارج وعائه من غير ضرورة وتبقى رائحته فلم يجز بيعه مستورا كالدر في الصدف وما مأكوله في جوفه اخراجه يفضي إلى تلفه، فالتفصيل في بيعه مع وعائه كالتفصيل في بيع السمن في ظرفه على ما نذكره (فصل) ولا يجوز بيع النوى في التمر والبيض في الدجاجة للجهل بها ولا نعلم في هذا اختلافا، فأما بيع الصوف على الظهر فالمشهور أنه لا يجوز بيعه لما ذكرنا من الحديث، ولانه متصل بالحيوان فلم يجز افراده بالعقد كأعضائه، وعنه أنه يجوز بشرط جزء في الحال لانه معلوم يمكن تسليمه فجاز بيعه كالرطبة وفارق الاعضاء لكونها لا يمكن تسليمها مع بقاء الحيوان سالما والخلاف فيه كالخلاف في اللبن في الضرع، فان اشتراه بشرط القطع وتركه حتى طال فحكمه حكم الرطبة إذا طالت على ما نذكره في موضعه { مسألة } (فأما بيع الاعمى وشراؤه فان أمكنه معرفة المبيع بالذوق إن كان مطعوما أو بالشم إن كان مشموما صح بيعه وشراؤه، وإن لم يمكن جاز بيعه بالصفة كالبصير وله خيار الخلف في الصفة) وبهذا قال مالك وقال أبو حنيفة له الخيار إلى معرفته بالبيع اما بحسه أو ذوقه أو وصفه وقال عبيد الله بن الحسن شراؤه جائز وإذا أمر إنسانا بالنظر إليه لزمه. وقال الشافعي لا يجوز الا على الوجه الذي يجوز فيه بيع المجهول أو يكون قد رآه بصيرا ثم اشتراه قبل مضي زمن يتغير فيه المبيع لانه مجهول الصفة عند العاقد فلم يصح كبيع البيض في الدجاجة والنوى في التمر ولنا أنه يمكن الاطلاع على المقصود ومعرفته فأشبه بيع البصير، ولان اشارة الاخرس تقوم مقام عبارته فكذلك شم الاعمى وذوقه، فأما البيض والنوى فلا يمكن الاطلاع عليه ولا وصفه بخلاف مسئلتنا { مسألة } (ولايجوز بيع الملامسة) وهو أن يقول بعتك ثوبي هذا انك متى لمسته فهو عليك بكذا أو يقول أي ثوب لمسته فهو لك بكذا (ولا بيع المنابذة) وهو أن يقول أي ثوب نبذته الي فهو علي بكذا (ولابيع الحصاة) وهو ان يقول ارم هذه الحصاة

[ 29 ]

فعلى أي ثوب وقعت فهو لك بكذا أو يقول بعتك من هذه الارض قدر ما تبلغ هذه الحصاة إذا رميتها بكذا لا نعلم بين أهل العلم خلافا في فساد هذه المبايعات، والملامسة أن يبيعه شيئا ولا يشاهده على أنه متى لمسه وقع البيع، والمنابذة أن يقول أي ثوب نبذته الي فقد اشتريته بكذا هكذا فسره احمد في الظاهر عنه ونحوه قال مالك والاوزاعي، وفيما روى البخاري ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المنابذة وهي طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل ان يقلبه أو ينظر إليه، ونهى عن الملامسة والملامسة لمس الثوب لا ينظر إليه. وروى مسلم عن أبي هريرة في تفسيرهما قال هو لمس كل واحد منهما ثوب صاحبه بغير تأمل، والمنابذة أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه ولم ينظر كل واحد منهما إلى ثوب صاحبه، وعلى التفسير الاول لا يصح البيع فيهما لعلتين (احداهما) الجهالة (والثانية) كونه معلقا على شرط وهو نبذ الثوب أو لمسه له، وان عقد البيع قبل نبذه ولمسه فقال بعتك ما تلمسه من هذه الثياب أو ما أنبذه إليك فهو غير معين ولا موصوف فأشبه مالو قال بعتك واحدا منها. فأما بيع الحصاة فقد روى مسلم عن أبي هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحصاة واختلف في تفسيره فقيل هو أن يقول ارم هذه الحصاة فعلى أي ثوب وقعت فهو لك بدرهم، وقيل هو أن يقول بعتك من هذه الارض مقدار ما تبلغ هذه الحصاة إذا رميتها بكذا، وقيل هو أن يقول بعتك هذا بكذا على اني متى رميت هذه الحصاة وجب البيع، وكل هذه البيوع فاسدة لما فيها من الغرر والجهل والله تعالى أعلم { مسألة } (ولايجوز أن يبيع عبدا غير معين، ولا عبدا من عبيد، ولا شاة من قطيع، ولا شجرة من بستان، ولا هؤلاء العبيد إلا واحدا غير معين، ولا هذا القطيع الاشاة غير معينة، وان استثنى معينا من ذلك جاز) لا يجوز ان يبيع عبدا غير معين لانه مجهول ولانه غرر وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، ولا عبدا من عبيده سواء قلوا أو كثروا وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة إذا باعه عبدا من عبدين أو من ثلاثة بشرط الخيار له صح لان الحاجة تدعو إليه، ولو كانوا أكثر لم يصح لانه يكثر الغرر ولنا انه مما تختلف أجزاؤه وقيمته فلا يجوز شراء بعضه غير معين ولاشياع كالاربعة ولانه لا يصح من غير شرط الخيار فلا يصح مع شرطه كالاربعة ولا حاجة إلى هذا فان الاختيار يمكن قبل العقد ويبطل ما قالوه بالاربعة، ولايجوز بيع شاة من القطيع لان شياه القطيع غير متساوية القيم فتكون مجهولة ولان ذلك يفضي إلى التنازع، وكذلك إن باع شجرة من بستان لا يصح لما ذكرنا ولان فيه غررا فيدخل في عموم النهي عن بيع الغرر (فصل) وان باع هؤلاء العبيد إلا واحدا غير معين، أو هذا القطيع إلا شاة غير معينة لم يصح نص عليه وهو قول أكثر أهل العلم، وقال مالك يصح أن يبيع مائة شاة الا شاة يختارها، ويبيع ثمرة حائط ويستثني ثمرة نخلات يعدها ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الثنيا إلا أن تعلم، قال الترمذي هذا حديث صحيح، ونهى عن بيع الغرر ولانه مبيع مجهول فلم يصح كما لو قال إلا شاة مطلقة ولانه مبيع مجهول فلم يصح كما لو قال بعتك شاة تختارها من القطيع، وضابط هذا الباب انه لا يصح استثناء ما لا يصح بيعه منفردا أو بيع

[ 30 ]

ما عداه منفردا عن المستثنى ونحوه مذهب أبي حنيفة والشافعي إلا ان أصحابنا استثنوا من هذا سواقط الشاة للاثر الوارد فيبقى فيما عداه على قضية الاصل، فان استثنى معينا من ذلك جاز لان المبيع معلوم بالمشاهدة لكون المستثنى معلوما ولا يبقى فيه غرر ولان نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الثنيا الا أن تعلم يدل على الصحة إذا كانت معلومة ولا نعلم في هذا خلافا { مسألة } (وان باع قفيزا من هذه الصبرة صح) لانه معلوم لكون أجزائها لا تختلف فلا تفضي إلى الجهالة، وكذلك إذا باعه رطلا من دن أو من زبرة حديد يصح لذلك، وحكي عن داود انه لا يصح لانه غير مشاهد ولا موصوف. ولنا ان المبيع مقدر معلوم من جملة يصح بيعها أشبه إذا باع نصفها وما ذكره قياس وهو لا يحتج بالقياس ثم لا يصح لانه إذا شاهد الجميع فقد شاهد البعض { مسألة } (وان باعه الصبرة الا قفيزا أو ثمرة الشجرة الا صاعا لم يصح وعنه يصح) إذا باع صبرة واستثنى منها قفيزا أو أقفزة أو باع ثمرة بستان واستثنى منها صاعا أو آصعا لم يصح في ظاهر المذهب، روي ذلك عن سعيد بن المسيب والحسن والشافعي والاوزاعي واسحاق وابي ثور وأصحاب الرأي. وفيه رواية أخرى أنه يجوز وهو قول ابن سيرين وسالم بن عبد الله ومالك لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الثنيا الا أن تعلم وهذه ثنيا معلومة ولانه معلوم أشبه إذا استثنى منها جزءا مشاعا ووجه الاولى ما روى البخاري ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الثنيا ولان المبيع انما علم بالمشاهدة لا بالقدر، والاستثناء يغير حكم المشاهدة لانه لا يدري كم يبقى في حكم المشاهدة فلم يجز، ويخالف الجز فانه لا يعتبر حكم المشاهدة ولا يمنع المعرفة بها، وكذلك إذا باع ثمرة شجرة واستثنى أرطالا فالحكم فيه على ما ذكرا. وقال القاضي في شرحه يصح لان الصحابة رضي الله عنهم أجازوا استثناء سواقط الشاة والصحيح ما ذكرناه، وهذه المسألة أشبه بمسألة استثناء الصاع من الحائط والمعنى الذي ذكرناه ثم متحقق هاهنا (فصل) فان استثنى من الحائط شجرة بعينها جاز لان المستثنى معلوم ولا يؤدي إلى الجهالة في المستثنى منه، وان استثنى شجرة غير معينة لم يصح لان المستثنى مجهول. وقال مالك يصح أن يستثنى ثمرة نخلات يعدها وقد ذكرناه، وقد روي عن ابن عمر أنه باع ثمرة بأربعة آلاف واستثنى طعام القنيان وهذا يحتمل أنه استثنى نخلا معينا بقدر طعام القنيان لانه لو حمل على غير ذلك كان مخالفا لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الثنيا الا ان تعلم، ولان المستثنى متى كان مجهولا لزم ان يكون الباقي بعده مجهولا فلم يصح بيعه كما لو قال بعتك من هذه الثمرة طعام القنيان (فصل) وان استثنى جزءا معلوما من الصبرة أو الحائط مشاعا كثلاث أو اربع أو اجزاء كثلاثة اثمان صح البيع والاستثناء ذكره اصحابنا وهو مذهب الشافعي، وقال أبو بكر وابن ابى موسى لا يجوز ولنا انه لايؤدي إلى جهالة المستثنى ولا المستثنى منه فصح كما لو استثنى شجرة بعينها وذلك لا معنى بعتك هذه الصبرة إلا ثلثها اي بعتك ثلثيها، وان باع حيوانا واستثنى ثلثه جاز ومنع منه القاضي قياسا على استثناء الشحم ولا يصح لان الشحم مجهولا لا يصح افراده بالبيع وهذا معلوم يصح افراده بالبيع

[ 31 ]

فصح استثناؤه كالشجرة المعينة، وقياس المعلوم على المجهول في الفساد لا يصح فعلى هذا يصيران شريكين فيه للمشتري ثلثاه وللبائع ثلثه (فصل) وإذا قال بعتك قفيزا من هذه الصبرة إلا مكوكا جاز لان القفيز معلوم والمكوك معلوم ولا يفضي إلى جهالة، ولو قال بعتك هذه الثمرة بأربعة دراهم الا بقدر درهم صح لان قدره معلوم من المبيع وهو الربع فكأنه قال بعتك ثلاثة ارباع هذه الثمرة بأربعة دراهم، وان قال الا ما يساوي درهما لم يصح لان ما يساوي الدرهم يكون الربع واكثر واقل فيكون مجهولا فيبطل { مسألة } (وان باعه ارضا الا جريبا أو جريبا من ارض يعلمان جربانها صح وكان مشاعا فيها والا لم يصح) إذا باعه ارضا الا جريبا يريدان بذلك قدرا غير مشاع لم يصح لان الارض لا تساوي اجزاؤها فيكون البيع مجهولا فهو كما لو باعه شاة من قطيع أو عبدا من عبيد، وإن كان الجريب المستثنى مشاعا في الارض وهما يعلمان جربانها صح لانها إذا كانت عشرة اجربة فقد باع تسعة اعشار هذه الارض وهو معلوم بالمشاهدة وان لم يعلما جربانها لم يصح لان المبيع غير معلوم فهو كما لو باع هؤلاء العبيد إلا واحدا غير معين وكذلك إن باعه جريبا من هذه الارض إن اراد قدرا غير مشاع لم يصح، وان باعه مشاعا وهما يعلمان جربانها صح، وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يصح لان الجريب عبارة عن بقعة بعينها وموضعه مجهول. ولنا ان الجريب من عشرة عشرها ولو قال بعتك عشر هذه الارض صح فكذلك إذا باعه منها جريبا مشاعا وهي عشرة. وما قالوه غير مسلم لانه عبارة عن قدر كما ان المكيال عبارة عن قدر فإذا أضافه إلى جملة كان ذلك جزأ منها، وان كانا لا يعلمان ذرعان الدار لم يصح لان الجملة غير معلومة واجزاء الارض مختلفة فلا يمكن أن يكون معينا ولا مشاعا، وان قال بعتك من الارض من هنا إلى هنا جاز لانه معلوم، وان قال عشرة أذرع ابتداؤها من هنا إلى حيث ينتهي الذرع لم يصح لان الموضع الذي ينتهي إليه الذرع لا يعلم حال العقد، وان قال بعتك نصيبي من هذه الدار ولا يعلم قدر نصيبه أو قال نصيبا منها أو سهما لم يصح للجهالة وان علماه صح، وان قال بعتك نصف داري مما يلي دارك لم يصح نص عليه لانه لا يدري إلى أين ينتهي فيكون مجهولا (فصل) وحكم الثوب حكم الارض الا أنه إذا قال بعتك من هذا الثوب من هذا الموضع إلى هذا صح فان كان القطع لا ينقصه قطعاه، وان كان ينقصه وشرط البائع أن يقطع له أو رضي بقطعه هو والمشتري جاز، وان تشاحا في ذلك كانا شريكين فيه كما يشتركان في الارض، وقال القاضي لا يصح لانه لا يقدر على التسليم الا بضرر أشبه مالو باعه نصفا معينا من الحيوان، ولنا أن التسليم ممكن ولحوق الضرر لايمنع التسليم إذا حصل الرضا فهو كما لو باعه نصف حيوان مشاعا وفارق نصف الحيوان المعين فانه لا يمكن تسليمه مفردا الا باتلافه واخراجه عن المالية { مسألة } (وان باعه حيوانا مأكولا الا رأسه أو جلده أو اطرافه صح وان استثنى حمله أو شحمه لم يصح) إذا باعه حيوانا مأكولا واستثنى رأسه أو جلده أو اطرافه صح نص عليه احمد رحمه الله وقال مالك يصح في السفر دون الحضر لان المسافر لا يمكنه الانتفاع بالجلد والسواقط فجوز له شراء اللحم دونها. وقال

[ 32 ]

أبو حنيفة والشافعي لا يجوز لانه لا يجوز افراده بالبيع فلم يجز استثناؤه كالحمل ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الثنيا الا أن تعلم وهذه معلومة، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة ومعه أبو بكر وعامر بن فهيرة مروا براعي غنم فذهب أبو بكر وعامر فاشتريا منه شاة وشرطا له سلبها، وروى أبو بكر في الشفاء باسناده عن جابر عن الشعبي قال: قضى زيد بن ثابت وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في بقرة باعها رجل واشترط رأسها فقضى بالشروى يعني ان يعطى رأسا مثل رأس، ولان المستثنى والمستثنى منه معلومان فصح كما لو باع حائطا واستثنى منه نخلة معينة، وكونه لا يجوز افراده بالبيع لا يمنع صحة استثنائه كما أن الثمرة قبل التأبير لا يجوز افرادها بالبيع بشرط كشرط التبقية ويجوز استثناؤها والحمل مجهول وفيه منع. فان امتنع المشتري من ذبحها لم يجبر ويلزمه قيمة ذلك على التقريب نص عليه لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قضى في رجل اشترى ناقة وشرط ثنياها فقال اذهبوا إلى السوق فإذا بلغت أقصى ثمنها فاعطوه بحساب ثنياها من ثمنها (فصل) فان استثنى شحم الحيوان لم يصح نص عليه أحمد، قال أبو بكر لا يختلفون عن ابي عبد الله أنه لا يجوز ذلك لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الثنيا الا أن تعلم، ولانه مجهول لا يصح افراده بالبيع فلم يصح استثناؤه كفخذها، وان استثنى الحمل لم يصح الاستثناء لما ذكرنا وهو قول أبي حنيفة ومالك والثوري والشافعي، نقل عن أحمد صحته، وبه قال الحسن والنخعي واسحاق وأبو ثور لما روى نافع أن ابن عمر رضي الله عنهما باع جارية واستثنى ما في بطنها، ولانه يصح استثناؤه في العتق فصح في البيع قياسا عليه. ولنا ما تقدم في الصحيح من حديث ابن عمر أنه أعتق جارية واستثنى ما في بطنها لان الثقات الحفاظ حدثوا بالحديث فقالوا أعتق جارية والاسناد واحد. قاله أبو بكر ولا يلزم من الصحة في العتق الصحة في البيع لان العتق لا تمنعه الجهالة ولا العجز عن التسليم، ولا تعتبر فيه شروط البيع (فصل) وإن باع جارية حاملا بحر، فقال القاضي لا يصح وهو مذهب الشافعي لانه يدخل في البيع فكأنه مستثنى. والاولى صحته لا المبيع معلوم وجهالة الحمل لا تضر لانه ليس بمبيع ولا مستثنى باللفظ، وقد يستثنى بالشرع ما لا يصح استثناؤه باللفظ كما لو باع أمة مزوجة صح ووقعت منفعة البضع مستثناة بالشرع ولو استثناها بلفظه لم يجز، ولو باع أرضا فيها زرع للبائع أو نخلة مؤبرة وقعت منفعتها مستثناة مدة بقاء الزرع والثمرة ولو استثناها بقوله لم يجز (فصل) ولو باعه سمسما واستثنى الكسب لم يجز لانه قد باعه الشريج في الحقيقة وهو غير معلوم فانه غير معين ولا موصوف ولان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الثنيا إلا أن تعلم، وكذلك إن باعه قطنا، واستثنى الحب لم يجز للجهالة، وكذلك إن باعه السمسم واستثنى الشيرج لم يجز لذلك { مسألة } (ويجوز بيع ما مأكوله في جوفه وبيع الباقلا والجوز واللوز في قشريه والحب المشتد في سنبله) يجوز بيع ما مأكوله في جوفه كالرمان والبيض والجوز لا نعلم فيه خلافا لان الحاجة تدعو إلى بيعه كذلك لكونه يفسد إذا أخرج من قشره

[ 33 ]

(فصل) ويجوز بيع الجوز واللوز والفستق والباقلا والرطب في قشريه مقطوعا وفي شجره وبيع الطلع قبل تشقيقه مقطوعا وفي شجره وبيع الحب المشتد في سنبله، وبه قال أبو حنيفة ومالك، وقال الشافعي لا يجوز حتى ينزع قشره الا على إلا في الطلع والسنبل في أحد القولين، واحتج بأنه مستور بما لا يدخر عليه ولا مصلحة فيه فلم يجز بيعه كتراب الصاغة والمعادن وبيع والحيوان المذبوح في سلخه. ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها وعن بيع السنبل حتى يبيض وتؤمن العاهة فمفهومه إباحة بيعه إذا بدا صلاحه وابيض سنبله ولانه مستور بحائل من أصل خلقته فجاز بيعه كالرمان والبيض والقشر الاسفل، ولا يصح قولهم ليس من مصلحته فانه لاقوام له في شجره إلا به، والباقلا يؤكل رطبا وقشره يحفظ رطوبته ولان الباقلا يباع في أسواق المسلمين من غير نكير وهذا إجماع، وكذلك الجوز واللوز في شجرهما والحيوان المذبوح يجوز بيعه في سلخه فانه إذا جاز بيعه قبل ذبحه وهو مراد للذبح فكذلك إذا ذبح كما أن الرمانة إذا جاز بيعها قبل كسرها فكذلك إذا كسرت، وأما تراب الصاغة والمعادن فلنا فيهما منع وان سلم فليس ذلك من أصل الخلقة في تراب الصاغة ولا بقاؤه فيه من مصلحته بخلاف مسألتنا. (فصل) (السابع أن يكون الثمن معلوما فان باعه السلعة برقمها أو بألف درهم ذهبا وفضة أو بما ينقطع به السعر أو بما باع به فلان أو بدينار مطلق وفي البلد نقود لم يصح البيع وان كان فيه نقد واحد انصرف إليه) يشترط أن يكون الثمن في البيع معلوما عند المتعاقدين لانه أحد العوضين فاشترط العلم به كالآخر وقياسا على رأس مال السلم فان باعه السلعة برقمها وهما لا يعلمانه أو أحدهما لم يصح البيع للجهالة فيه وكذلك ان باعه بألف درهم ذهبا وفضة لانه مجهول ولانه بيع غرر فيدخل في عموم النهي عن بيع الغرر، وان باعه بمائة ذهبا وفضة لم يصح البيع، وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يصح ويكون نصفين لان الاطلاق يقتضي التسوية كالاقرار، ولنا أن قدر كل واحد منهما مجهول فلم يصح كما لو قال بمائة بعضها ذهب وقوله إنه يقتضي التسوية ممنوع فانه لو فسره بغير ذلك صح. وكذلك لو أقر له بمائة ذهبا وفضة فالقول قوله في قدر كل واحد منهما. وان باعه بما ينقطع السعر به أو بما باع به فلان عبده وهما لا يعلمانه أو أحدهما لم يصح لانه مجهول، وان باعه بدينار مطلق وفي البلد نقود لم يصح لجهالته وإن كان فيه نقد واحد انصرف إليه لانه تعين بانفراده وعدم مشاركة غيره ولهذا لو أقر بدينار أو أوصى به انصرف إليه. { مسألة } (وان قال بعتك بعشرة صحاح أو احدى عشرة مكسرة أو بعشرة نقد أو عشرين نسيئة لم يصح) لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة وهذا هو كذلك فسره مالك والثوري واسحاق، وهذا قول أكثر أهل العلم لانه لم يجزم له ببيع واحد أشبه ما لو قال بعتك أحد هذين ولان الثمن مجهول فلم يصح كالبيع بالرقم المجهول، وقد روي عن طاوس والحكم وحماد أنهم قالوا لا بأس أن يقول أبيعك بالنقد بكذا وبالنسيئة بكذا فيذهب إلى أحدهما فيحتمل انه جرى بينها بعد ما يجري في العقد فكأن المشتري قال أنا آخذه بالنسيئة بكذا

[ 34 ]

فقال خذه أو قد رضيت ونحو ذلك فيكون عقدا كافيا فيقول كقول الجمهور، فعلى هذا إن لم يوجد ما يدل على الايجاب أو ما يقوم مقامه لم يصح لان ما مضى من القول لا يصلح أن يكون إيجابا. وقد روي عن أحمد أنه قال فيمن قال ان خطته اليوم فلك درهم وان خطته غدا فلك نصف درهم أنه يصح فيتحمل أن لا يلحق به هذا البيع فيخرج وجها في الصحة ويحتمل أن يفرق بينهما من حيث إن العقد ثم يمكن أن يصح لكونه جعالة بخلاف البيع ولان العمل الذي يستحق به الاجرة لا يمكن وقوعه الا على احدى الصفتين فتتعين الاجرة المسماة عوضا فلا يفضي إلى التنازع وهذا بخلافه { مسألة } (وان باعه الصبرة كل قفيز بدرهم والثوب كل ذراع بدرهم والقطيع كل شاة بدرهم صح) إذا باعه الصبرة كل قفيز بدرهم صح وان لم يعلما قدر قفزانها حال العقد وبهذا قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة يصح في قفيز واحد ويبطل فيما سواه لان جملة الثمن مجهولة فلم يصح كبيع المتاع برقمه، ولنا أن المبيع معلوم بالمشاهدة والثمن معلوم لاشارته إلى ما يعرف مبلغه بجهة لا تتعلق بالمتعاقدين وهو وكيل الصبرة فجاز كما لو باع ما رأس ماله اثنان وسبعون لكل ثلاثة عشر درهم فانه لا يعلم في الحال وإنما يعلم بالحساب كذا ههنا ولان المبيع معلوم بالمشاهدة والثمن معلوم قدر ما يقابل كل جزء من المبيع فصح كالاصل المذكور وكذلك حكم الثوب والارض والقطيع من الغنم إذا كان مشاهدا فباعه إياه كل ذراع بدرهم أو كل شاة بدرهم صح وان لم يعلما قدر ذلك حال العقد لما ذكرنا في الصبرة { مسألة } (وان باعه من الصبرة كل قفيز بدرهم لم يصح لان من للتبعيض وكل للعدد فيكون ذلك العدد منها مجهولا) ويحتمل أن يصح البيع بناء على قوله في الاجارة إذا أجره كل شهر بدرهم. قال ابن عقيل وهو الاشبهة كالمسألة التي قبلها لان من وان أعطيت البعض فما هو بعض مجهول بل قد جعل لكل جزء معلوم منها ثمنا معلوما فهو كما لو قال قفيزا منها وكمسألة الاجارة (فصل) وإن قال بعتك هذه الصبرة بعشرة دراهم على أن أزيدك قفيزا أو انقصك قفيزا لم يصح لانه لا يدري أيزيده أم ينقصه. وان قال على أن أزيدك قفيزا لم يجز لان القفيز مجهول. وان قال على أن أزيدك قفيزا من هذه الصبرة الاخرى أو بصفة يعلم بها صح لان معناه بعتك هذه الصبرة وقفيزا من هذه الاخرى بعشرة دراهم، وان قال على أن أنقصك قفيزا لم يصح لان معناه بعتك هذه الصبرة إلا قفيزا كل قفيز بدرهم وشئ مجهول، ولو قال بعتك هذه الصبرة كل قفيز بدرهم على أن أزيدك قفيزا من هذه الصبرة الاخرى لم يصح لافضائه إلى جهالة في الثمن في التفصيل لانه يصير قفيزا وشيئا بدرهم وهما لا يعرفانه لعدم معرفتهما بكمية ما في الصبرة من القفزان. ولو قصد أني احط ثمن قفيز من الصبرة ولا احتسب به لم يصح للجهالة التي ذكرناها. وان علما قدر فقزان الصبرة أو قال هذه عشرة أقفزة بعتكها كل قفيز بدرهم على أن أزيدك قفيزا من هذه الصبرة أو وصفه بصفة يعلم بها صح لان معناه بعتك كل قفيز وعشرة بدرهم وان لم يعلم القفزان وجعله هبة لم يصح وان أراد أني لا احتسب

[ 35 ]

عليك بثمن قفيز منها صح أيضا لانهما لما علما جملة الصبرة علما ما ينقص من الثمن، ولو قال على أن أنقصك قفيزا صح لان معناه بعتك تسعة أقفزة بعشرة دراهم، وحكي عن أبي بكر أنه يصح في جميع المسائل على قياس قول أحمد لانه يجيز الشرط ولا يصح ما قاله لان المبيع مجهول فلا يصح بيعه بخلاف الشرط الذي لا يفضي إلى الجهالة. وما لا تتساوى أجزاؤه كالارض والثوب والقطيع من الغنم فيه نحو من مسائل الصبرة. وان قال بعتك هذه الارض أو هذه الدار أو هذا الثوب أو هذا القطيع بألف درهم صح إذا شاهداه وان قال بعتك نصفه أو ثلثه أو ربعه بكذا صح وان قال بعتك من الثوب كل ذراع بدرهم أو من القطيع كل شاة بدرهم لا يصح لانه مجهول (فصل) ويصح بيع الصبرة جزافا مع جهل المتبايعين بقدرها لا نعلم فيه خلافا وقد نص عليه أحمد ودل عليه حديث ابن عمر وهو قوله، كنا نشتري الطعام من الركبان جزافا فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى ننقله من مكانه متفق عليه، ولانه معلوم بالرؤية فصح بيعه كالثياب والحيوان، ولا يضر عدم مشاهدة باطن الصبرة فان ذلك يشق لكون الحب بعضه على بعض ولا يمكن بسطها حبة حبة، ولان الحب تتساوى أجزاؤه في الظاهر فاكفتي برؤية ظاهره بخلاف الثوب فان نشره لا يشق وتختلف أجزاؤه ولايحتاج إلى معرفة قدرها مع المشاهدة لانه علم ما اشترى بأبلغ الطرق وهو الرؤية، وكذلك لو قال بعتك نصف هذه الصبرة أو جزأ منها معلوما لان ما جاز بيع جملته جاز بيع بعضه كالحيوان، قال ابن عقيل ولا يصح هذا إلا ان تكون الصبرة متساوية الاجزاء، فان كانت مختلفة مثل صبرة بقال القرية لم يصح، ويحتمل أن يصح لانه يشتري منها جزءا مشاعا فيستحق من جيدها ورديئها بقسطه ولا فرق بين الاثمان والمثمنات في صحة بيعها جزافا، وقال مالك لا يجوز في الاثمان لان لها خطرا ولا يشق وزنها ولا عددها فأشبه الرقيق والثياب ولنا أنه معلوم بالمشاهدة أشبه المثمنات والنقرة والحلي ويبطل بذلك ما قال. وأما الرقيق فأنه يجوز بيعهم إذا شاهدهم ولم يعدهم، وكذلك الثياب إذا شراها ورأى جميع أجزائها (فصل) فان كان البائع يعلم قدر الصبرة لم يجز بيعها جزافا نص عليه أحمد وهو اختيار الخرقي. وكرهه عطاء وابن سيرين ومجاهد وعكرمة، وبه قال مالك واسحاق وروي ذلك عن طاوس، قال مالك لم يزل أهل العلم ينهون عن ذلك، وعن أحمد رحمه الله أنه مكروه غير محرم فقد روى بكر بن محمد عن أبيه عنه أنه سئل عن الرجل يبيع الطعام جزافا وقد عرف كيله، فقلت له وإن مالكا يقول إذا باع الطعام ولم يعلم المشتري فان اختار أن يرده رده قال: هذا تغليظ شديد ولكن لا يعجبني إذا عرف كيله إلا أن يخبره فان باعه فهو جائز عليه وقد أساء. ولم ير أبو حنيفة والشافعي بذلك بأسا لانه إذا جاز البيع مع جهلهما بمقداره فمع العلم من أحدهما أولى. ووجه الاول ما روى الاوزاعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من عرف مبلغ شئ فلا يبيعه جزافا حتى يبينه " قال القاضي وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه نهى عن بيع الطعام مجازفة وهو يعلم كيله وأيضا الاجماع الذي نقله مالك ولان البائع لا يعدل إلى البيع جزافا مع علمه بقدر الكيل الا للتغرير ظاهرا وقد قال عليه السلام " من غشنا

[ 36 ]

فليس منا " فصار كتدليس البيع فان باع ما علم كيله صبرة فظاهر كلام أحمد في رواية محمد بن الحكم ان البيع صحيح لازم وهو قول أبي حنيفة والشافعي لان المبيع معلوم لهما ولا تغرير من أحدهما أشبه مالو علما كيله أو جهلاه ولم يثبت ما روي من النهي فيه، وانما كرهه أحمد كراهة تنزيه لاختلاف العلماء فيه ولان تسويتهما في العلم أو الجهل أبعد من التغرير. وقال القاضي وأصحابه هذا بمنزلة التدليس والغش ان علم به المشتري فلا خيار له لانه دخل على بصيرة فهو كمن اشترى مصراة يعلم تصريتها، وإن لم يعلم ان البائع كان عالما بذلك فله الخيار في الفسخ والامضاء وهذا قول مالك لانه غش وغرر من البائع فصح العقد معه ويثبت للمشتري الخيار، وذهب بعض أصحابه إلى أن البيع فاسد والنهي يقتضي الفساد (فصل) فان أخبره البائع بكيله ثم باعه بذلك الكيل فالبيع صحيح، فان قبضه باكتياله تم البيع والقبض، وان قبضه بغير كيل كان بمنزلة قبضه جزافا إن كان البيع باقيا كاله عليه، فان كان قدر حقه الذي أخبره فقد استوفاه، وان كان زائدا رد الفضل وان كان ناقصا أخذ النقص، وان كان قد تلف فالقول قول القابض مع يمينه سواء قل القبض أو كثر لان الاصل عدم القبض وبقاء الحق وليس للمشتري التصرف في الجميع قبل كيله لان للبائع فيه علقة فانه لو زاد كانت الزيادة له ولا يتصرف في أقل من حقه بغير كيل لان ذلك يمنعه من معرفة كيله، وان تصرف فيما يتحقق انه مستحق له مثل أن يكون حقه قفيزا فيتصرف في ذلك أو في أقل منه بالكيل ففيه وجهان (أحدهما) له ذلك لانه تصرف في حقه بعد قبضه فجاز كما لوكيل له (والثاني) لا يجوز لانه لا يجوز له التصرف في الجميع فلم يجز له التصرف في البعض كما قبل القبض، فان قبضه بالوزن فهو كما لو قبضه جزافا، فأما ان أعلمه بكيله ثم باعه إياه مجازفة على انه له بذلك الثمن سواء زاد أو نقص لم يجز لما روى الاثرم باسناده عن الحكم قال: قدم طعام لعثمان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " اذهبوا بنا إلى عثمان نعينه على طعامه " فقام إلى جنبه فقال عثمان في هذه الغرارة كذا وكذا وأبيعها بكذا وكذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا سميت الكيل فكل " قال أحمد إذا أخبره البائع ان في كل قارورة منها كذا رطلا فأخذ بذلك ولا يكتاله فلا يعجبني لقوله فعثمان " إذا سميت الكيل فكل " قيل له انهم يقولون إذا فتح فسد. قال فلم لا يفتحون واحدة ويتركون الباقي (فصل) ولو كان طعاما وآخر يشاهده فلمن شاهد الكيل شراؤه بغير كيل ثان لانه شاهد كيله أشبه مالو كيل له وعنه يحتاج إلى كيل للخبر وكالبيع الاول ولو كاله بائع للمشتري ثم اشتراه منه فكذلك لما ذكرنا، ولو اشترى اثنان طعاما فاكتالاه ثم اشترى احدهما حصة شريكه قبل تفرقهما فهو جائز، وان لم يحضر المشتري الكيل لم يجز الا بكيل. وقال ابن أبي موسى فيه رواية أخرى لابد من كيله، وان باعه الثاني في هذه المواضع على أنه صبرة جاز ولم يحتج إلى كيل ثان ينقله كالصبرة (فصل) قال أحمد في رجل يشتري الجوز فيعد في مكيل ألف جوزة ثم يأخذ الجوز كله على ذلك العيار لا يجوز. وقال في رجل ابتاع أعكاما كيلا وقال للبائع كل لي عكما منها وأخد ما بقي على هذا الكيل أكره هذا حتى يكيلها كلها. قال الثوري كان أصحابنا يكرهون هذا وذلك لان ما في

[ 37 ]

العكوم يختلف فلا يعلم ما في بعضها بكيل البعض، والجوز يختلف فيكون في أحد المكيلين أكثر من الآخر فلا يصح تقديره بالكيل كما لا يصح تقدير المكيل بالوزن ولا الموزون بالكيل (فصل) وان باع الادهان في ظروفها جملة وقد شاهدها جاز لان اجزاءها لا تختلف فهي كالصبرة وكذلك الحكم في العسل والدبس والخل وسائر المائعات التي لا تختلف، فان باعه كل رطل بدرهم أو باعه رطلا منه أو أرطالا معلومة يعلم ان فيها اكثر منها أو باعه أجزاء مشاعة أو أجزاء أو باعه اياه مع الظرف بعشرة دراهم أو بثمن معلوم جاز، وان باعه السمن والظرف كل رطل بدرهم وهما يعلمان مبلغ كل واحد منهما صح لانه قد علم المبيع والثمن، وان لم يعلما ذلك جاز أيضا لانه قد رضي أن يشتري الظرف كل رطل بدرهم وما فيه كذلك فأشبه مالو اشترى ظرفين في أحدهما سمن وفي آخر زيت كل رطل بدرهم. وقال القاضي لا يصح لان وزن الظرف يزيد وينقص فيدخل على غرر. والاول أصح لان بيع كل واحد منهما منفردا يصح كذلك، فكذلك إذا جمعهما كالارض المختلفة الاجزاء والثياب وغيرها. فأما إن باعه كل رطل بدرهم على أن يزن الظرف فيحسب عليه بوزنه ولا يكون مبيعا وهما يعلمان زنة كل واحد منهما صح لانه إذا علم ان الدهن عشرة والظرف رطل كان معناه بعتك عشرة أرطال باثني عشر درهما، وان كانا لا يعلمان زنة الظرف والدهن لم يصح لانه يؤدي إلى جهالة الثمن في الحال، وسواء جهلا زنتهما جميعا أو زنة أحدهما كذلك (فصل) وان وجد في ظرف الدهن ربا فقال ابن المنذر قال أحمد واسحاق ان كان سمانا عنده سمن أعطاه بوزنه سمنا، وان لم يكن عنده سمن أعطاه بقدر الرب من الثمن والزمه شريح بقدر الرب سمنا بكل حال، وقال الثوري إن شاء أخذ الذي وجد ولا يكلف أن يعطيه بقدر الرب سمنا. ولنا أنه وجد المبيع بكيل ناقصا فأشبه ما لو اشترى صبرة فوجد تحتها ربوة أو اشتراها على انها عشرة أقفزة فبانت تسعة فانه يأخذ الموجود بقسطه من الثمن، كذلك هذا فعلى هذا انما يأخذ الموجود بقسطه من الثمن ولا يلزم البائع أن يعطيه سمنا سواء كان موجودا عنده أو لم يكن، فان تراضيا على اعطائه سمنا جاز (فصل) وان باعه بمائة درهم إلا دينارا لم يصح ذكره القاضي لانه قصد استثناء قيمة الدينار وذلك غير معلوم، واستثناء المجهول من المعلوم يصيره مجهولا ولانه استثناء من غير الجنس فلم يصح كما لو قال بمائة إلا قفيزا من حنطة ويجئ على قول الخرقي انه يصح فيمن استثنى في الاقرار عينا من ورق أو ورقا من عين فانه يصح، فعلى هذا يحذف من الجملة بقيمة الدينار، ولو قال بمائة إلا قفيزا من حنطة لم يصح لانه استثناء من غير الجنس. فأما الذهب والفضة فهما كالجنس الواحد (فصل في تفريق الصفقة) (وهو أن يجمع بين ما يجوز بيعه وبين ما لا يجوز) صفقة واحدة بثمن واحد (وله ثلاث صور (إحداها) أن يبيع معلوما ومجهولا) كقولك بعتك هذه الفرس وما في بطن هذه الفرس الاخرى بكذا فهذا بيع باطل بكل حال ولا أعلم في بطلانه خلافا لان المجهول لا يصح بيعه بجهالته والمعلوم مجهول الثمن ولا سبيل إلى معرفته لان معرفته انما تكون بتقسيط الثمن عليهما والمجهول لا يمكن تقويمه فيتعذر التقسيط

[ 38 ]

(الثانية) باع مشاعا بينه وبين غيره بغير إذن شريكه كعبد مشترك بينهما أو ما يقسم عليه الثمن بالاجزاء كقفيزين متساويين لهما فيصح في ملكه بقسطه من الثمن ويفسد في نصيب الآخر، والثاني لا يصح فيهما وأصل الوجهين ان أحمد نص فيمن تزوج حرة وأمة على روايتين (احداهما) يفسد فيهما (والثانية) يصح في الحرة. الوجه الاول قول مالك وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي، وقال في الآخر لا يصح وهو قول أبى ثور لان الصفقة جمعت حلالا وحراما فغلب التحريم، ولان الصفقة إذا لم يمكن تصحيحها في جميع المعقود عليه بطلت في الكل كالجمع بين الاختين وبيع درهم بدرهمين، ووجه الاول ان كل واحد منهما له حكم لو كان منفردا فإذا جمع بينهما ثبت لكل واحد حكمه كما لو باع شقصا وسيفا ولان ما يجوز بيعه قد صدر فيه البيع من أهله في محله بشرطه فصح كما لو انفرد، ولان البيع سبب اقتضى الحكم في محلين فامتنع حكمه في أحد المحلين لنبوتة عن قبوله فيصح في الآخر كما لو وصى بشئ لآدمي وبهيمة. وأما الدرهمان والاختان فليس واحد منهما أولى بالفساد من الآخر فلذلك فسد فيهما وهذا بخلافه (فصل) ومتى حكمنا بالصحة ههنا وكان المشتري عالما بالحال فلا خيار له لانه دخل على بصيرة وإن لم يعلم مثل أن اشترى عبدا يظنه كله للبائع فبان أنه لا يملك إلا نصفه فله الخيار بين الفسخ والامساك لان الصفقة تبعضت عليه، وأما البائع فلا خيار له لانه رضى بزوال ملكه عما يجوز بقسطه ولو وقع العقد على شيئين يفتقر إلى القبض فيهما فتلف أحدهما قبل قبضه، فقال القاضي للمشتري الخيار بين امساك الباقي بحصته وبين الفسخ لان حكم ما قبل القبض في كون المبيع من ضمان البائع حكم ما قبل العقد بدليل أنه لو تعيب قبل قبضه ملك المشتري الفسخ به (الثالثة باع عبده وعبد غيره بغير اذنه أو عبدا وحرا أو خلا وخمرا ففيه روايتان) اختلفت الرواية عن أحمد في هذا المسألة فنقل صالح عن أحمد فيمن اشترى عبدين فوجد أحدهما حرا رجع بقيمته من الثمن، ونقل عنه مهنا فيمن تزوج امرأة على عبدين فوجد أحدهما حرا فلها قيمة العبدين فأبطل الصداق فيهما جميعا. وللشافعي قولان كالروايتين وأبطل مالك العقد فيهما إلا ان يبيع ملكه وملك غيره فيصح في ملكه يقف في ملك غيره على الاجازة ونحوه قول أبي حنيفة فانه قال ان كان أحدهما لا يصح بيعه بنص أو باجماع كالحر والخمر لم يصح العقد فيهما وإن لم يثبت بذلك كملكه وملك غيره صح فيما يملكه لان ما اختلف فيه يمكن أن يلحقه حكم الاجازة بحكم حاكم بصحة بيعه، وقال أبو ثور لا يصح بيعه لما تقدم في القسم الثاني، ولان الثمن مجهول لانه انما يبين بالتقسيط للثمن على القيمة وذلك مجهول في الحال فلم يصح البيع به كما لو قال بعتك هذه السلعة برقمها أو بحصتها من رأس المال، ولانه لو صرح به فقال بعتك هذا بقسطه من الثمن لم يصح فكذلك إذا لم يصرح وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى ووجه الرواية الاولى أنه متى سمى ثمنا في مبيع فتقسط بعضه لا يوجب جهالة تمنع الصحة كما لو وجد بعض المبيع معيبا فأخذ ارشه، وإذا قلنا بالصحة فللمشتري الخيار إذا لم يكن عالما كالقسم

[ 39 ]

الثاني لتبعض الصفقة عليه والحكم في الرهن والهبة وسائر العقود إذا جمعت ما يجوز وما لا يجوز كالحكم في البيع إلا أن الظاهر فيها الصحة لانها ليست عقود معاوضة فلا تؤثر جهالة العوض فيها (فصل) وإن وقع العقد على مكيل أو موزون فتلف بعضه قبل قبضه لم ينفسخ العقد في الباقي رواية واحدة سواء كانا من جنس واحد أو جنسين ويأخذ المشتري الباقي بحصته من الثمن لان العقد وقع صحيحا فذهاب بعضه لا يفسخه كما بعد القبض وكما لو وجد أحد المبيعين معيبا فرده أو أقال أحد المتبايعين الآخر في بعض المبيع { مسألة } (وإن باع عبده وعبد غيره باذنه بثمن واحد فهل يصح؟ على وجهين) (أحدهما) يصح فيهما ويتقسط الثمن على قدر قيمتهما وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي لان جملة الثمن معلومة فصح كما لو كانا لرجل واحد وكما لو باعا عبدا واحدا لهما (والثاني) لا يصح لان كل واحد منهما مبيع بقسطه من الثمن وهو مجهول على ما قدمنا وفارق ما إذا كانا لرجل واحد فان جملة المبيع مقابلة بجملة الثمن من غير تقسيط والعبد المشترك ينقسم عليه الثمن بالاجزاء فلا جهالة فيه، فأما ان باع قفيزين متساويين له ولغيره بثمن واحد باذنه صح لان الثمن يتقسط عليهما بالاجزاء فلا يفضي إلى جهالة الثمن، وكذلك ان باعه عبدا لهما بثمن واحد صح لما ذكرنا { مسألة } (وان جمع بين بيع واجارة، أو بيع وصرف صح فيهما ويقسط العوض عليهما في أحد الوجهين) إذا جمع بين عقدين مختلفي الحد كالبيع والاجارة والبيع والصرف بعوض واحد صح فيهما لان اختلاف حكم العقدين لا يمنع الصحة كما لو جمع ما فيه شفعة وما لا شفعة فيه، وكذلك ان باع سيفا محلى بذهب وفضة، وفيه وجه آخر أنه لا يصح لان حكمهما مختلف وليس أحدهما أولى من الاخر فبطل فيهما فان البيع فيه خيار ولا يشترط فيه التقابض في المجلس، ولا ينفسخ العقد بتلف المبيع والصرف يشترط له التقابض، وينفسخ العقد بتلف العين. وان جمع بين نكاح وبيع بعوض واحد فقال زوجتك ابنتي وبعتك داري بمائة صح النكاح لكونه لا يفسد بفساد العوض وفي البيع وجهان وللشافعي قولان كالوجهين { مسألة } (وان جمع بين كتابة وبيع فكاتب عبده وباعه شيئا صفقة واحدة مثل أن يقول بعتك عبدي هذا وكاتبتك بمائة كل شهر عشرة بطل البيع وجها واحدا) لانه باع عبده لعبد فلم يصح كبيعه اياه من غير كتابة وهل تبطل الكتابة؟ ينبني على روايتين في تفريق الصفقة (فصل) قال رضي الله عنه (ولا يصح البيع ممن تلزمه الجمعة بعد ندائها) لا يحل البيع بعد نداء الجمعة قبل الصلاة لمن تجب عليه الجمعة لقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله تعالى وذروا البيع) فان باع لم يصح البيع للنهي عنه. والنداء الذي يتعلق به المنع هو النداء عقيب جلوس الامام على المنبر لانه النداء الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتعلق الحكم به، والنداء الثاني زيد في زمن عثمان رضي الله عنه، وحكى القاضي رواية عن أحمد أن البيع يحرم

[ 40 ]

بزوال الشمس وان لم يجلس الامام على المنبر، ولا يصح هذا لان الله تعالى علقه على النداء لا على الوقت، ولان المقصود بهذا ادراك الجمعة وهو حاصل بما ذكرنا دون ما ذكره، ولا نه لو اختص تحريم البيع بالوقت لما اختص بالزوال فان ما قبله وقت أيضا، فأما من لا تجب عليه الجمعة من النساء والمسافرين وغيرهم فلا يثبت في حقه هذا الحكم وذكر ابن أبي موسى فيه روايتين لعموم النهي، والصحيح ما ذكرنا ان شاء الله تعالى فان الله تعالى انما نهى عن البيع من أمره بالسعي فغير المخاطب بالسعي لا يتناوله النهي، ولان تحريم البيع معلل بما يحصل به من الاشتغال عن الجمعة وهذا معدوم في حقهم، فان كان المسافر في غير المصر أو كان مقيما بقرية لاجمعة على أهلها لم يحرم البيع ولم يكره وجها واحدا، فان كان أحدهما مخاطبا بالجمعة دون الآخر حرم على المخاطب وكره للآخر لما فيه من الاعانة على الاثم، ويحتمل أن يحرم لقوله تعالى (ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) { مسألة } (ويصح النكاح وسائر العقود في أصح الوجهين كالاجارة والصلح ونحوهما وفيه وجه آخر أنه يحرم ولا يصح لانه عقد معاوضة أشبه البيع. ولا أن النهي مختص بالبيع وغيره لا يساويه في الشغل عن السعي لقلة وجوده فلا يؤدي إلى ترك الجمعة فلا يصح قياسه على البيع) { مسألة } (ولا يصح بيع العصير لمن يتخذه خمرا، ولا بيع السلاح في الفتنة ولا لاهل الحرب ويحتمل أن يصح مع التحريم) بيع العصير ممن يعتقد أنه يتخذه خمرا محرم وكرهه الشافعي، وذكر بعض أصحابه أن البائع إذا اعتقد أنه يصيره خمرا محرم وانما يكره إذا شك فيه، وحكى ابن المنذر عن الحسن وعطاء والثوري أنه لا بأس ببيع التمر ممن يتخذه مسكرا، قال الثوري بع الحلال من شئت لقول الله تعالى (وأحل الله البيع) ولان البيع تم بأركانه وشروطه، ولنا قول الله تعالى (ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) وهذا نهي يقتضي التحريم، وقد روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل فقال يا محمد: إن الله لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها، وحاملها والمحمولة إليه، وشاربها وبائعها ومبتاعها وساقيها، وأشار إلى كل معاون عليها ومساعد فيها. أخرجه الترمذي من حديث أنس، وقد روي هذا الحديث عن ابن عباس وابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وروي ابن بطة باسناده عن محمد ابن سيرين أن قيما كان لسعد بن أبي وقاص في أرض له، وأخبره عن عنب أنه لا يصلح زبيبا ولا يصلح أن يباع إلا لمن يعصره فأمره بقلعه وقال بئس الشيخ أنا إن بعت الخمر، ولانه يعقد عليها لمن يعلم أنه يريدها للمعصية فأشبه إجارة أمته لم يعلم أنه يستأجرها للزنا بها والآية مخصوصة بصور كثيرة فيخص منها صورة النزاع بدليلنا، وقولهم تم البيع بشروطه وأركانه قلنا لكن وجد المانع منه إذا ثبت هذا فانما يحرم البيع إذا علم البائع قصد المشتري ذلك إما بقوله أو بقرائن محتفة بقوله تدل عليه، وان كان الامر محتملا كمن لا يعلم حاله أو من يعمل الخل والخمر معا ولم يلفظ بما يدل على إرادة الخمر فالبيع جائز. فان باعها لمن يتخذها خمرا فالبيع باطل ويحتمل أن يصح، وهو مذهب الشافعي

[ 41 ]

لان المحرم في ذلك اعتقاده بالعقد دونه فلم يمنع صحة العقد كما لو دلس العيب ولنا انه عقد على عين لمعصية الله تعالى بها فلم يصح كاجارة الامة للزنا والغناء، وأما التدليس فهو المحرم دون العقد ولان التحريم هنا لحق الله تعالى فافسد العقد كبيع الربا وفارق التدليس فانه لحق آدمي (فصل) وهكذا الحكم في كل ما قصد به الحرام كبيع السلاح في الفتنة أو لاهل الحرب أو لقطاع الطريق، وبيع الامة للغناء أو اجارتها لذلك فهو حرام والعقد باطل لما قدمنا. قال ابن عقيل وقد نص أحمد على مسائل نبه بها على ذلك فقال في القصاب والخباز إذا علم أن من يشتري منه يدعو عليه من يشرب المسكر لا يبيعه، ومن يخرط الاقداح لا يبيعها لمن يشرب فيها ونهى عن بيع الديباج للرجال ولا بأس ببيعه للنساء، وروي عنه لا يبيع الجوز من الصبيان للقمار وعلى قياسه البيض فيكون بيع ذلك كله باطلا (فصل) قال أحمد في رجل مات وخلف جارية مغنية وولدا يتيما وقد احتاج إلى بيعها قال يبيعها على أنها ساذجة فقيل له إنها تساوي ثلاثين الف درهم فإذا بيعت ساذجة تساوي عشرين دينارا. فقال لاتباع الاعلى أنها ساذجة. ووجهه ما روى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا يجوز بيع المغنيات ولا أثمانهن ولا كسبهن " قال الترمذي لا نعرفه إلا من حديث على بن يزيد وقد تكلم فيه بعض أهل العلم ورواه ابن ماجه وهذا يحمل على بيعهن لاجل الغناء، فاما ماليتهن الحاصلة بغير الغناء فلا تبطل كبيع العصير لمن لا يتخذه خمرا فانه لا يحرم لصلاحيته للخمر (فصل) (ولايجوز بيع الخمر ولا التوكل في بيعه ولا شرائه) قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن بيع الخمر غير جائز، وعند أبي حنيفة يجوز للمسلم أن يوكل ذميا في بيعها وشرائها ولا يصح. فان عائشة روت ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " حرمت التجارة في الخمر " وعن جابر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح وهو بمكة يقول " ان الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والاصنام فقيل يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فانه تطلى بها السفن وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال " لا، هو حرام " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قاتل الله اليهود، ان الله تعالى حرم عليهم شحومها فجعلوه ثم باعوه وأكلوا ثمنه " متفق عليه ومن وكل في بيع الخمر وأكل ثمنه فقد أشبههم في ذلك، ولان الخمر نجسة محرمة فحرم بيعها والتوكيل فيه كالميتة والخنزير { مسألة } (ولا يصح بيع العبد المسلم لكافر إلا أن يكون ممن يعتق عليه فيصح في احدى الروايتين) لا يصح شراء الكافر مسلما، وهذا إحدى الروايتين عن مالك وأحد قولي الشافعي، وقال أبو حنيفة يصح ويجبر على إزالة ملكه لانه يملك المسلم بالارث ويبقى ملكه عليه إذا أسلم في يده فصح أن يشتريه كالمسلم. ولنا أنه يمنع استدامة ملكه عليه فمنع من ابتدائه كالنكاح ولانه عقد يثبت الملك للكافر على المسلم فلم يصح كالنكاح وانما ملكه بالارث وبقي ملكه عليه إذا أسلم في يده لان الاستدامة أقوى من الابتداء بالفعل والاختيار بدليل ثبوته بهما للحوم الصيد مع منعه من ابتدائه فلا يلزم من

[ 42 ]

ثبوت الاقوى ثبوت ما دونه مع انا نقطع الاستدامة عليه باجباره على ازالتها، فان كان ممن يعتق عليه بالقرابة صح في احدى الروايتين وعتق عليه وهذا قول بعض الاصحاب، والاخرى لا يصح ولا يعتق لانه شراء يملك به المسلم فلم يصح كالذي لا يعتق عليه، ولان ما منع من شرائه لم يبح له شراؤه وان زال ملكه عقيب الشراء المحرم الصيد. وجه الرواية الاولى أن الملك لا يستقر عليه وانما يعتق بمجرد الملك في الحال ويزول الملك عنه بالكلية ويحصل له من نفع الحرية أضعاف ما حصل من الاماء بالملك في لحظة يسيرة. ويفارق من لا يعتق عليه فان ملكه لا يزول إلا بازالته وكذا شراء المحرم الصيد { مسألة } (وإن أسلم عبد الذمي أجبر على إزالة مكله عنه) لانه لا يجوز استدامة الملك للكافر على المسلم اجماعا وليس له كتابته لان الكتابة لا تزيل ملك السيد عنه ولايجوز اقرار ملك الكافر عليه وقال القاضي له ذلك لانه يزيل يده عنه فأشبه بيعه والاول أولى { مسألة } (ولايجوز بيع الرجل على بيع أخيه وهو أن يقول لمن اشترى سلعة بعشرة أنا أعطيك مثلها بتسعة، ولا شراؤه على شراء أخيه وهو أن يقول لمن باع سلعة بتسعة عندي فيها عشرة ليفسخ البيع ويعقد معه فان فعل فهل يصح؟ على وجهين) أما البيع فهو محرم لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لابيع بعضكم على بيع بعض " ومعناه ما ذكرنا ومثله أن يقول أبيعك خيرا منها بثمنها أو يعرض عليهما سلعة يرغب المشتري ليفسخ البيع ويعقد معه فلا يجوز ذلك للنهي عنه ولما فيه من الاضرار بالمسلم والافساد عليه، وفي معنى ذلك شراؤه على شراء أخيه لانه في معنى المنهي عنه، ولان الشراء يسمى بيعا فيدخل في عموم النهي، ولان النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه متفق عليه. وهو في معنى الخاطب، وان خالف وفعل فالبيع باطل للنهي عنه والنهي يقتضي الفساد، وفيه وجه أنه يصح لان المحرم هو عرض سلعته على المشتري أو قوله الذى فسخ البيع من أجله وذلك سابق على البيع، ولانه إذا صح الفسخ الذي حصل به الضرر فالبيع المحصل للمصلحة أولى ولان النهي لحق آدمي فأشبه بيع النجش وهذا مذهب الشافعي (فصل) وروى مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا يسم الرجل على سوم أخيه " ولا يخلو من أربعة أقسام (أحدها) أن يوجد من البائع تصريح بالرضا بالبيع. فهذا يحرم السوم على غير ذلك المشتري، وهو الذي تناوله النهي والثاني أن يظهر منه ما يدل على عدم الرضا فلا يحرم السوم لان النبي صلى الله عليه وسلم باع فيمن يزيد فروى أنس أن رجلا من الانصار شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم الشدة والجهد فقال له " أما تبقى لك شئ؟ " قال بلى قدح وحلس قال " فائتني بهما " فأتاه بهما فقال " من يبتاعهما؟ " فقال رجل أخذتهما بدرهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم " من يزيد على درهم؟ " فأعطاه رجل درهمين فباعهما منه: رواه الترمذي وقال حديث حسن وهذا أيضا اجماع فان المسلمين يبيعون في أسواقهم بالمزايدة (الثالث) أن لا يوجد منه ما يدل على الرضا ولا عدمه فلا يحرم السوم أيضا ولا الزيادة استدلالا

[ 43 ]

بحديث فاطمة بنت قيس حين ذكرت له أن معاوية وأبا جهم خطباها فأمرها أن تنكح أسامة، وقد نهى عن الخطبة على خطبة أخيه كما نهى عن السوم على سوم أخيه فما أبيح في أحدهما أبيح في الآخر (الرابع) أن يظهر منه ما يدل على الرضا من غير تصريح. فقال القاضي لا تحرم المساومة، وذكر ان أحمد نص عليه في الخطبة استدلالا بحديث فاطمة ولان الاصل اباحة السوم والخطبة فحرم منه ما وجد فيه التصريح بالرضا وما عداه يبقى على الاصل (قال شيخنا) لو قيل بالتحريم ههنا لكان وجها حسنا فان النهي عام خرجت منه الصورة المخصوصة بأدلتها فتبقى هذه الصورة على مقتضى العموم ولانه وجد منه دليل على الرضا أشبه مالو صرح به، ولا يضر اختلاف الدليل بعد التساوي في الدلالة وليس في حديث فاطمة ما يدل على الرضا لانها جات مستشيرة للنبي صلى الله عليه وسلم وليس ذلك دليلا على الرضا وكيف ترضى وقد نهاها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله " لا تفوتينا بنفسك " فلم تكن تفعل شيئا قبل مراجعة النبي صلى الله عليه وسلم والحكم في الفساد كالحكم في البيع على بيع أخيه في الموضع الذي حكمنا بالتحريم فيه (فصل) وبيع التلجئة باطل وبه قال أبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة والشافعي هو صحيح لان البيع تم بأركانه وشروطه خاليا عن مقارنة مفسدة فصح كما لو اتفقا على شرط فاسد ثم عقد البيع بغير شرط. ولنا أنهما ما قصدا البيع فلم يصح منهما كالهازلين، ومعنى بيع التلجئة أن يخاف أن يأخذ السلطان أو غيره ملكه فيواطئ رجلا على أن يظهر أنه اشتراه منه ليحتمي بذلك ولا يريدان بيعا حقيقيا { مسألة } (وفي بيع الحاضر للبادي روايتان إحداهما يصح والاخرى لا يصح بخمسة شروط أن يحضر البادي لبيع سلعة بسعر يومها جاهلا بسعرها ويقصده الحاضر وبالناس حاجة إليها، وإن اختل شرط منها صح البيع) البادي ههنا من يدخل البلد من غير أهلها سواء كان بدويا أو من قرية أو من بلدة أخرى، ولا يجوز ان يبيع الحاضر للبادي لقول ابن عباس نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تتلقى الركبان وأن يبيع حاضر لباد. قال فقلت لابن عباس ما قوله حاضر لباد؟ قال لا يكون له سمسارا، متفق عليه، وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يبيع حاضر لباد دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض " رواه مسلم والمعنى في ذلك أنه متى ترك البدوي بيع سلعته اشتراها الناس رخص وتوسع عليهم السعر، وإذا تولى الحاضر بيعها وامتنع من بيعها إلا بسعر البلد ضاق على أهل لبلد، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم في تعليله إلى هذا. وممن كره بيع الحاضر للبادي طلحة بن عبيد الله وابن عمر وأبو هريرة وأنس وعمر بن عبد العزيز ومالك والليث والشافعي، ونقل أبو إسحاق ابن شاقلا أن الحسن بن علي المصري سأل احمد عن بيع حاضر لباد فقال لا بأس به قال له فالخبر الذي جاء بالنهي. قال كان ذلك مرة، فظاهر هذا أن النهي اختص بأول الاسلام لما كان عليهم من الضيق في ذلك. هذا قول مجاهد وأبي حنيفة وأصحابه، والمذهب الاول لعموم النهي وما ثبت في حقهم ثبت في حقنا ما لم يقم على اختصاصهم به دليل، وهو مذهب الشافعي وظاهر كلام الخرقي أنه يحرم بثلاثة شروط (أحدها) أن يكون الحاضر قصد البادي ليتولى البيع له فان كان هو القاصد للحاضر جاز لان التضيق حصل منه لامن الحاضر. (الثاني) أن يكون

[ 44 ]

البادي جاهلا بالسعر قال أحمد في رواية أبي طالب: إذا كان البادي عارفا بالسعر لم يحرم لان التوسعة لا تحصل بتركه يبيعها لانه لا يبيعها إلا بسعرها ظاهرا (الثالث) أن يكون قد جلب السلعة للبيع، فاما ان جلبها ليأكلها أو يخزنها فليس في بيع الحاضر له تضييقا بل توسعة، وذكر القاضي شرطين آخرين (أحدهما) أن يكون مريدا لبيعها بسعر يومها، فاما ان كان أحضرها وفي نفسه أن لا يبيعها رخيصة فليس في بيعه تضييق (الثاني) أن يكون بالناس حاجة إليها وضرر في تأخير بيعها كالاقوات ونحوها، وقال أصحاب الشافعي انما يحرم بشروط أربعة وهي ما ذكرنا إلا حاجة الناس إليها فمتى اختل شرط منها لم يحرم البيع وإن اجتمعت هذه الشروط فالبيع حرام وظاهر المذهب أنه باطل نص عليه احمد في رواية اسماعيل بن سعيد. وذكر الخرقي رواية أخرى أن البيع صحيح وهو مذهب الشافعي لان النهي لمعنى في غير المنهي عنه فلم يبطل كتلقي الركبان ولنا أنه منهي عنه والنهي يقتضي الفساد والله أعلم { مسألة } (فأما شراؤه له فيصح رواية واحدة) وهو قول الحسن وكرهت طائفة الشراء لهم أيضا كما كرهت البيع فروى أنس قال: كان يقال هي كلمة جامعة يقول لا تبيعن له شيئا ولا تبتاعن له شيئا وهو إحدى الروايتين عن مالك ولنا أن النهي غير متناول للشراء بلفظه ولا هو في معناه فان النهي عن البيع للرفق بأهل الحضر ليتسع عليهم السعر ويزول عنهم الضرر، وليس ذلك في الشراء لهم ولا يتضررون لعدم الغبن للبادين بل هو دفع الضرر عنهم والخلق في نظر الشارع على السواء فكما شرع ما يدفع الضرر عن أهل الحضر لا يلزم أن يلزم أهل البدو الضرر. فاما ان أشار الحاضر على البادي من غير أن يباشر البيع فقد رخص فيه طلحة بن عبيدالله والاوزاعي وابن المنذر وكرهه مالك والليث وقول الصحابي أولى (فصل) وليس للامام أن يسعر على الناس بل يبيع الناس أموالهم على ما يختارون وهذا مذهب الشافعي، وكان مالك يقول يقال لمن يريد أن يبيع أقل ما يبيع الناس بع كما يبيع الناس وإلا فاخرج عنا، واحتج بما روى الشافعي وسعيد بن منصور عن داود بن صالح التمار عن القاسم بن محمد عن عمر أنه مر بحاطب في سوق المصلى وبين يديه غرارتان فيهما زبيب فسأله عن سعرهما فسعر له مدين بكل درهم فقال له عمر قد حدثت بعير مقبلة من الطائف تحتمل زبيبا وهم يعتبرون سعرك فاما أن ترفع في السفر وإما أن تدخل زبيبك فتبيعه كيف شئت ولان في ذلك إضرارا بالناس إذا زاد وإذا نقص أضر بأصحاب المتاع. ولنا ما روى أبو داود والترمذي وابن ماجه عن أنس قال: غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله غلا السعر فسعر لنا فقال " ان الله هو المسعر القابض الباسط الرازق إني لارجو أن ألقى الله وليس أحد يطلبني بمظلمة في دم ولا مال " قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وعن أبى سعيد مثله فوجه الدلالة من وجهين (أحدهما) أنه لم يسعر وقد سألوه ذلك ولو جاز لا جابهم إليه (الثاني) أنه علل بكونه مظلمة والظلم حرام ولانه ماله فلم يجز منعه من بيعه بما تراضى عليه المتبايعان كما لو اتفق الجماعة عليه، والظاهر أنه سبب الغلاء لان الجالبين إذا بلغهم ذلك لم يقدموا بسلعتهم بلدا يكرهون على بيعها فيه بغير ما يريدون ومن عنده البضاعة يمتنع من بيعها ويكتمها ويطلبها المحتاج

[ 45 ]

ولا يجدها الا قليلا فيرفع في ثمنها ليحصلها فتغلو الاسعار ويحصل الاضرار بالجانبين جانب الملاك في منعهم من بيع أملاكهم، وجانب المشتري في منعه من الوصول إلى غرضه فيكون حراما، فاما حديث عمر فقد روى فيه سعيد والشافعي أن عمر لما رجع حاسب نفسه ثم أتى حاطبا في داره فقال: ان الذي قلت لك ليس بعزيمة مني ولا قضاء وانما هو شئ أردت به الخير لاهل البلد فحيث شئت فبع كيف شئت وهذا رجوع إلى ما قلنا وما ذكروه من الضرر موجود فيما إذا باع في بيته ولا يمنع منه { مسألة } (من باع سلعة بنسيئة لم يجز أن يشتريها بأقل مما باعها إلا أن تكون قد تغيرت صفتها، وان اشتراها أبوه أو ابنه جاز) من باع سلعة بثمن مؤجل ثم اشتراها بأقل منه نقدا لم يجز روي ذلك عن ابن عباس وعائشة والحسن وابن سيرين والشعبي والنخعي وبه قال الثوري والاوزاعي ومالك واسحاق وأصحاب الرأي وأجازه الشافعي لانه ثمن يجوز بيعها به من غير بائعها فجاز من بائعها كما لو باعها بمثل ثمنها ولنا ما روى غندر عن شعبة عن أبي اسحاق السبيعي عن أمرأته العالية بنت أيفع بن شرحبيل أنها قالت دخلت أنا وأم ولد زيد بن أرقم وامرأته على عائشة فقالت أم ولد زيد بن أرقم أني بعت غلاما من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم إلى العطاء ثم اشتريته منه بستمائة درهم فقالت لها: بئس ما شريت بئس ما اشتريت ابلغي زيد بن أرقم قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب. رواه أحمد وسعيد بن منصور، والظاهر أنها لا تقول مثل هذا التغليظ وتقدم عليه الا بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم فجرى مجرى روايتها ذلك عنه لان ذلك ذريعة إلى الربا فانه يدخل السلعة ليستبيح بيع الف بخمسمائة إلى أجل، ولذلك قال ابن عباس في مثل هذه المسألة أرى مائة بخمسين بينهما حريرة يعني خرقة حرير جعلاها في بيعهما والذرائع معتبرة، فأما ان باعها بمثل الثمن أو اكثر جاز لانه لا يكون ذريعة وهذا إن كانت السلعة لم تنقص عن حالة البيع، فان نقصت مثل ان هزل العبد أو نسي متاعه أو تخرق الثوب ونحوه جاز له شراؤها بما شاء لان نقص الثمن لنقص المبيع لا للتوسل إلى الربا (فصل) فان اشتراها بعرض أو كان بيعها الاول بعرض فاشتراها بنقد جاز ولا نعلم فيه خلافا لان التحريم انما كان لشبهة الربا ولا ربا بين الاثمان والعروض، فان باعها بنقد ثم اشتراها بنقد آخر فقال أصحابنا يجوز لانهما جنسان لا يحرم التفاضل بينهما أشبه ما لو اشتراها بعرض، وقال أبو حنيفة لا يجوز استحسانا لانهما كالشئ الواحد في معنى الثمنية ولان ذلك يتخذ وسيلة إلى الربا فهو كما لو باعها بجنس الثمن الاول قال شيخنا وهذا أصح ان شاء الله تعالى وهذه المسألة تسمى مسألة العينة قال الشاعر: أندان أم نعتان أم ينبرى لنا * فتى مثل نصل السيف ميزت مضاربه ومعنى نعتان أي نشتري عينة كما وصفنا، وقد روى أبو داود باسناده عن ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم " وهذا وعيد يدل على التحريم، وقد روي عن أحمد أنه قال: العينة أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلا بنسيئة فان باع بنقد ونسيئة فلا بأس وقال اكره

[ 46 ]

للرجل أن لا يكون له تجارة غير العينة لا يبيع بنقد قال ابن عقيل انما كره النسيئة لمضارعته الربا فان البائع بنسيئة يقصد الزيادة بالاجل غالبا ويجوز أن تكون العينة اسما لهذه المسألة وللبيع نسيئة جميعا لكن البيع بنسيئة مباح اتفاقا ولا يكره الا أن لا يكون له تجارة غيره (فصل) فان باع سلعة بنقد ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة فقال أحمد في رواية حرب لا يجوز إلا أن تتغير السلعة لان ذلك يتخذ وسيلة إلى الربا فهي كمسألة العينة، فان اشتراها بسلعة أخرى أو بأقل من ثمنها أو بمثله نسيئة جاز لما ذكرنا في مسألة العينة، وان اشتراها بنقد آخر بأكثر من ثمنها فهو كمسألة العينة على ما ذكرنا من الخلاف، قال شيخنا ويحتمل أن يكون له شراؤها بجنس الثمن بأكثر منه إذ لم يكن ذلك عن مواطأة ولا حيلة بل وقع اتفاقا من غير قصد لان الاصل حل البيع وانما حرم في مسألة العينة للاثر الوارد فيه وليس هذا في معناه لان التوسل بذلك أكثر فلا يلحق به ما دونه (فصل) وفي كل موضع قلنا لا يجوز له ان يشتري لا يجوز ذلك لوكيله لانه قائم مقامه ويجوز لغيره من الناس سواء كان أباه أو ابنه أو غيرهما لانه غير البائع اشترى بنسيئة أشبه الاجنبي { مسألة } (وإن باع ما يجري فيه الربا بنسئية ثم اشترى منه بثمنه قبل قبضه من جنسه أو ما لا يجوز بيعه به نسيئة لم يجز) روي ذلك عن ابن عمر وسعيد بن المسيب وطاوس وبه قال مالك وإسحاق وأجازه جابر بن زيد وسعيد بن جبير وعلي بن حسين والشافعي وابن المنذر وأصحاب الرأى. قال علي بن حسين إذا لم يكن لك في ذلك رأى. وروى محمد بن عبد الله بن ابي مريم قال بعت تمرا من التمارين كل سبعة أصع بدرهم ثم وجدت عند رجل منهم تمرا يبيعه أربعة آصع بدرهم فاشتريت منه فسألت عكرمة عن ذلك فقال لا بأس أخذت أنقص مما بعت، ثم سألت سعيد بن المسيب عن ذلك وأخبرته بقول عكرمة فقال كذب قال عبد الله ابن عباس ما بعت من شئ مما يكال بمكيال فلا تأخذ منه شيئا مما يكال بمكيال إلا ورقا أو ذهبا، فإذا أخذت ذلك فابتع ممن شئت منه أو من غيره، فرجعت فإذا عكرمة قد طلبني فقال الذي قلت لك هو حلال هو حرام، فقلت لسعيد بن المسيب ان فضل لي عنده فضل قال فاعطه أنت الكسر وخذ منه الدراهم ووجه تحريم ذلك انه ذريعة إلى بيع الطعام بالطعام نسيئة فحرم كمسألة العينة، وقد نص أحمد على ما يدل على هذا، قال شيخنا والذي يقوى عندي جواز ذلك إذا لم يفعله حيلة ولاقصد ذلك في ابتداء العقد كما قال علي بن الحسين فيما روى عنه عبد الله بن زيد قال قدمت على علي بن الحسين فقلت له إني أجذ نخلي وأبيع فيمن حضرني إلى أجل فيقدمون بالحنطة وقد حل الاجل فيوقفونها بالسوق فابتاع منهم وأقاصهم، قال لا بأس بذلك إذا لم يكن منك على رأى وذلك لانه اشترى الطعام بالدراهم التي في الذمة بعد لزوم العقد الاول فصح كما لو كان المبيع الاول حيوانا أو ثيابا ولما ذكرنا في الفصل الذي قبل هذا، فان لم يأخذ بالثمن طعاما لكن اشترى من المشترى طعاما بدراهم وسلمها إليه ثم أخذها منه وفاء أو لم يسلمها إليه لكن قاصه بها جاز كما في حديث علي بن الحسين (فصل) والاحتكار حرام لما روى أبو أمامة ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يحتكر الطعام، وعن

[ 47 ]

سعيد بن المسيب ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من احتكر فهو خاطئ رواهما الاثرم، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " الجالب مرزوق والمحتكر ملعون " والاحتكار المحرم ما جمع ثلاثة شروط: (أحدها) أن يشتري فلو جلب شيئا أو أدخل عليه من غلته شيئا فادخره لم يكن محتكرا روي ذلك عن الحسن ومالك، قال الاوازعي الجالب ليس بمحتكر لقوله " الجالب مرزوق والمحتكر ملعون " ولان الجالب لا يضيق على أحد ولا يضر بل ينفع، فان الناس إذا علموا أن عنده طعاما معدا للبيع كان أطيب لقلوبهم (الثاني) أن يكون قوتا، فأما الادام والعسل والزيت وعلف البهائم فليس احتكاره بمحرم. قال الاثرم سئل أبو عبد الله عن أي شئ الاحتكار؟ قال إذا كان من قوت الناس فهذا الذى يكره وهذا قول عبد الله بن عمرو، وكان سعيد بن المسيب يحتكر الزيت وهو راوي حديث الاحتكار، قال أبو داود وكان يحتكر النوى والخبط والبزر ولان هذه الاشياء لاتعم الحاجة إليها أشبهت الثياب والحيوان (الثالث) أن يضيق على الناس بشرائه ولا يحصل ذلك إلا بأمرين (أحدهما) أن يكون في بلد يضيق بأهله الاحتكار كالحرمين والثغور قاله أحمد، فظاهر هذا ان البلاد الواسعة الكبيرة كبغداد والبصرة ومصر ونحوها لا يحرم فيها الاحتكار لان ذلك لا يؤثر فيها غالبا (الثاني) أن يكون في حال الضيق بأن يدخل البلد قافلة فيتبادر ذوو الاموال فيشترونها ويضيقون على الناس، وأما ان اشتراه في حال الاتساع والرخص على وجه لا يضيق على أحد لم يحرم (فصل) ويستحب الاشهاد في البيع لقوله تعالى (وأشهدوا إذا تبايعتم) أقل أحوال الامر الندب ولانه أقطع للنزاع وأبعد من التجاحد، ويختص ذلك ماله خطر فأما مالا خطر له كحوائج البقال والعطار وشبهها فلا يستحب ذلك فيها لانها تكثر فيشق الاشهاد عليها وتقبح إقامة البينة عليها، والترافع إلى الحاكم بخلاف الكثير وليس ذلك بواجب في واحد منها ولا شرطا له روي ذلك عن أبي سعيد الخدري وهو قول الشافعي وأصحاب الرأى واسحاق، وقال قوم هو فرض لا يجوز تركه روي ذلك عن ابن عباس وممن رأى الاشهاد في البيع عطاء وجابر بن زيد والنخعي لظاهر الامر قياسا على النكاح. ولنا قوله تعالى (فان أمن بعضكم بعضا فليؤد الذى اؤتمن أمانته) قال أبو سعيد: صار الامر إلى الامانة وتلا هذه الآية، ولان النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاما ورهنه درعه ومن رجل سراويل ومن أعرابي فرسا فجحده الاعرابي حتى شهد له خزيمة بن ثابت، ولم ينقل أنه اشهد في شئ من ذلك وكان الصحابة يتبايعون في عصره في الاسواق فلم يأمرهم بالاشهاد ولانقل عنهم فعله ولم ينكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ولو كانوا يشهدون في كل بياعاتهم لنقل، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم عروة بن الجعد البارقي أن بشتري له أضحية ولم يأمره بالاشهاد، ولان المبايعة تكثر بين الناس في أسواقهم وغيرها فلو وجب الاشهاد في كل ما يتبايعونه أفضى إلى الحرج المحطوط عنا بقوله تعالى (ما جعل عليكم في الدين من حرج) والاية المراد بها الارشاد إلى حفظ الاموال والتعليم كما امر بالرهن والكاتب، وليس بواجب وهذا ظاهران شاء الله تعالى (فصل) ويكره البيع والشراء في المسجد لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا لا أربح الله تجارتك " رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب وقال

[ 48 ]

قوم لا بأس به. والصحيح الاول للحديث المذكور فان باع فالبيع صحيح لانه تم بأركانه وشروطه ولم يثبت وجود مفسد له وكراهة ذلك لا توجب الفساد كالغش في البيع والتدليس والتصرية، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم " قولوا لا أربح الله تجارتك " من غير اخبار بفساد البيع دليل على صحته والله أعلم { بسم الله الرحمن الرحيم } باب الشروط في البيع وهي ضربان: صحيح وهو ثلاثة أنواع (أحدها) شروط من مقتضى البيع كالتقابض وطول الثمن ونحوه فهذا لا يؤثر فيه لانه بيان وتأكيد لمقتضى العقد فوجوده كعدمه (الثاني) شرط من مصلحة العقد كاشتراط صفة في الثمن كتأجيله أو الرهن أو الضمين أو الشهادة أو صفة في المبيع مقصودة نحو كون العبد كاتبا أو خطيبا أو صانعا أو مسلما أو الامة بكرا أو الدابة هملاجة أو الفهد صيودا فهو شرط صحيح يلزم الوفاء به فان لم يف به فللمشتري الفسخ والرجوع بالثمن والرضا به لانه شرط وصفا مرغوبا فيه فصار الشرط مستحقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم " المؤمنون عند شروطهم " ولا نعلم في صحة هذين القسمين خلافا { مسألة } (فان شرطها ثيبا كافرة فبانت بكرا مسلمة فلا فسخ له لانه زاده خيرا وليس ذلك يزيد في الثمن فاشبه مالو شرطه غير صانع فبان صانعا) وهذا قول الشافعي في البكر واختيار القاضي واستبعد كونه يقصد الثيوبة لعجزه عن البكر ويحتمل أن له الفسخ لان له فيه قصدا صحيحا وهو أن طالب الكافرة اكثرة لصلاحيتها للمسلمين والكفار أو ليستريح من تكليفها العبادات وقد يشترط الثيب لعجزه عن البكر أو لبيعها لعاجز عن البكر فقد فات قصده وقد دل اشتراطه على أن له قصدا صحيحا. فأما ان شرط صفة غير مقصودة فبانت بخلافها مثل أن يشرطها سبطه فبانت جعدة أو جاهلة فبانت عالمة فلا خيار له لانه زاده خيرا. (فصل) فان شرط الشاة لبونا صح وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة لا يصح لانه لا يجوز بيع اللبن في الضرع فلم يجز شرطه، ولنا أنه امر مقصود يتحقق من الحيوان ويأخذ قسطا من الثمن فصح اشراطه كالصناعة في الامة والهملجة في الدابة وإنما لم يجز بيعه مفردا للجهالة والجهالة فيما كان تبعا لا تمنع الصحة ولذلك لو اشتراها بغير شرط صح بيعه معها. وكذلك يصح بيع اساسات الحيطان والنوى في التمر وان لم يجز بيعهما منفردين فان شرط انها تحلب قدرا معلوما لم يصح لان اللبن يختلف ولا يمكن ضبطه فتعذر الوفاء به، وإن شرطها غزيرة اللبن صح لانه يمكن الوفاء به وان شرطها حاملا صح. وقال القاضي قياس المذهب أن لا يصح لان الحمل لاحكم له. ولهذا لا يصح اللعان على الحمل ويحتمل أنه ريح ولنا أنه صفة مقصودة يمكن الوفاء بها فصح شرطه كالصناعة وكونها لبونا. وقوله ان الحمل لاحكم له لا يصح فان النبي صلى الله عليه وسلم قد حكم في الدية بأربعين خلفة في بطونها أولادها، ومنع أخذ الحوامل في الزكاة ومنع وطئ الحبالى المسبيات وأرخص للحامل في الفطر في رمضان إذا اخافت على ولدها ومنع من

[ 49 ]

إقامة الحد عليها من أجل حملها. وظاهر الحديث المروي في اللعان يدل على أنه لاعنها حال حملها فانتفى عنه ولدها، فان شرط انها تضع الولد في وقت بعينه لم يصح وجها واحدا لانه لا يمكن الوفاء به، وكذلك ان شرط انها لا تحمل لذلك، وقال مالك لا يصح في المرتفعات ويصح في غيرهن، ولنا أنه باعها بشرط البراءة من الحمل فلم يصح كالمرتفعات، وان شرطها حائلا فبانت حاملا فان كانت أمة فهو عيب يثبت الخيار وان كان في غيرها فهو زيادة لا يستحق به فسخا، ويحتمل أن يستحق لانه قد يريدها لسفر أو حمل شئ لا تتمكن منه مع الحمل، وان شرط البيض في الدجاجة فقيل لا يصح لانه لا علم عليه يعرف به ولم يثبت له في الشرع حكم وقيل يصح لانه يعرف بالعادة فأشبه اشتراط الشاة لبونا { مسألة } (وان اشترط الطائر مصوتا أو انه يجئ من مسافة معلومة صح وقال القاضي لا يصح) إذا شرط في الهزار والقمري ونحوهما انه مصوت فقال بعض أصحابنا لا يصح وبه قال أبو حنيفة لان صياح الطير يجوز أن يوجد وأن لا يوجد ولانه لا يمكنه اكراهه على التصويت. والاولى جوازه لان فيه قصدا صحيحا وهو عادة له وخلقة فيه فأشبه الهملجة في الدابة والصيد في الفهد، وان شرط في الحمام انه يجئ من مسافة معلومة صح أيضا اختاره أبو الخطاب لان هذه عادة مستمرة وفيها قصد صحيح لتبليغ الاخبار وحمل الكتب فجرى مجرى الصيد والهملجة وقال القاضي لا يصح وهو قول أبى حنيفة لان فيه تعذيبا للحيوان أشبه مالو شرط الكبش مناطحا. وان شرط الغناء في الجارية لا يصح لان الغناء مذموم في الشرع فلم يصح اشتراطه كالزنا. وان شرط في الكبش النطاح أو في الديك كونه مناقرا لم يصح لانه منهي عنه في الشرع فجرى مجرى الغناء في الجارية. وان شرط أن الديك يوقظه للصلاة لم يصح لانه لا يمكن الوفاء به وان شرط أنه يصيح في أوقات معلومة جرى مجرى التصويت في القمري على ما ذكرنا (والثالث) أن يشترط نفعا معلوما في المبيع كسكنى الدار شهرا وحملان البعير إلى موضع معلوم أو يشترط المشتري نفع البائع في المبيع كحمل الحطب أو تكسيره أو خياطة الثوب أو تفصيله ويصح أن يشترط البائع نفع المبيع مدة معلومة مثل أن يبيع دارا ويستثني سكناها سنة، أو دابة ويشترط ظهره إلى مكان معلوم أو عبدا ويستثني خدمته مدة معلومة نص عليه أحمد وهو قول الاوزاعي وأبي ثور واسحاق وابن المنذر، وقال الشافعي وأصحاب الرأي لا يصح لانه يروى ان النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن بيع وشرط ولانه ينافي مقتضى البيع فاشبه مالو شرط أن لا يسلمه ذلك لانه شرط تأخير تسليم المبيع إلى أن يستوفي البائع منفعته وقال ابن عقيل فيه رواية أخرى انه يبطل البيع والشرط نقلها عبد الله بن محمد في الرجل يشتري من الرجل الجارية ويشترط أن تخدمه فالبيع باطل قال شيخنا وهذه الرواية لاتدل على محل النزاع في هذه المسألة فان اشتراط خدمة الجارية باطل لوجهين (أحدهما) انها مجهولة فاطلاقه يقتضي خدمتها أبدا وهذا لا خلاف في بطلانه انما الخلاف في اشتراط منفعة معلومة (الثاني) أن يشترط خدمتها بعد زوال ملكه عنها وذلك يفضي إلى الخلوة بها والخطر برؤيتها وصحبتها وهذا لا يوجد في غيرها ولذلك منع اعارة الامة الشابة لغير محرمها وقال

[ 50 ]

مالك ان اشرط ركوبا إلى مكان قريب جاز وان كان إلى مكان بعيد كره لان اليسير تدخله المسامحة ولنا ماروى جابرانه باع النبي صلى الله عليه وسلم جملا واشترط ظهره إلى المدينة وفي لفظ قال فبعته بأوقية واستثنيت حملانه إلى أهلي متفق عليه وفي لفظ فبعته بخمس أواق قال قلت على ان لي ظهره إلى المدينة قال " ولك ظهره إلى المدينة " رواه مسلم ولان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الثنيا الا أن تعلم وهذه معلومة ولان المنفعة قد تقع مستثناة بالشرع على المشتري فيما إذا اشترى نخلا مؤبرة أو أرضا مزروعة أو دارا مؤجرة أو امة مزوجة فجاز أن يستثنيها كما لو اشترط البائع الثمرة قبل التأبير ولم يصح نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع وشرط إنما نهى عن شرطين في بيع فمفهومه إباحة الشرط الواحد وقياسهم منقوض بشرط الخيار والتأجيل في الثمن (فصل) وان باع أمة واستثنى وطأها مدة معلومة لم يصع لان الوطئ لا يباح في غير ملك أو نكاح لقول الله تعالى (والذين هم لفروجهم حافظون * الا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) وفارق اشتراط وطئ المكاتبة حيث نبيحه لانها مملوكة فيستباح وطؤها بالشرط في المحل المملوك. واختار ابن عقيل عدم الاباحة أيضا وهو قول أكثر الفقهاء (فصل) وان باع المشتري العين المستثناة منفعتها صح البيع وتكون في يد المشتري الثاني مستثناة أيضا فان كان عالما بذلك فلا خيار له لانه دخل على بصيرة فلم يثبت له خيار كما لو اشترى معيبا يعلم عيبه وان لم يعلم فله خيار الفسخ كمن اشترى أمة مزوجة أو دارا مؤجرة وان اتلف المشتري العين فعليه أجرة المثل لتفويت المنفعة المستحقة لغيره وثمن البيع وان تلفت العين بتفريطه فهو كتلفها بفعله نص عليه احمد وقال يرجع البائع على المبتاع باحرة المثل قال القاضي: معناه عندي القدر الذي نقصه البائع لاجل الشرط وظاهر كلام احمد خلاف هذا لانه يضمن ما فات بتفريطه فضمنه بعوضه وهو أجرة المثل فاما ان تلفت بغير فعله وتفريطه لم يضمن قال الاثرم: قلت لابي عبد الله فعلى المشتري أن يحمله على غيره لانه كان له حملان؟ قال الا أنما شرط عليه هذا بعينه لانه لا يملكها البائع من جهته فلم يلزمه عوضها كما لو تلفت النخلة المؤبرة بثمرتها أوغير المؤبرة إذا اشترط البائع ثمرتها وكما لو باع حائطا واستثنى منه شجرة بعينها فتلفت، وقال القاضي عليه ضمانها أخذا من عموم كلام أحمد وإذا تلفت العين رجع البائع على المبتاع باجرة المثل وكلامه محمول على حالة التفريط على ما ذكرناه (فصل) إذا اشترط البائع منفعة المبيع فاراد المشتري أن يعطيه ما يقوم مقام المبيع في المنفعة أو يعوضه عنها لم يلزمه قبوله وله استيفاء المنفعة من غير المبيع نص عليه احمد لان حقه تعلق بعينها أشبه ما لو استأجر عينا فبذل له الآخر مثلها ولان البائع قد يكون له غرض في استيفاء منافع تلك العين فلا يجبر على قبول عوضها فان تراضيا على ذلك جاز لان الحق لهما وان أراد البائع اعارة العين أو اجارتها لمن يقوم مقامه فله ذلك في قياس المذهب لانها منافع مستحقة له فملك ذلك فيها كمنافع الدار المستأجرة الموصى بمنافعها ولا تجوز اجارتها إلا لمثله في الانتفاع فان أراد اجارتها أو اعارتها لمن يضر بالعين بإنتفاعه لم يجز ذلك كما لا يجوز له اجارة العين المستأجرة لمن لا يقوم مقامه ذكر ذلك ابن عقيل.

[ 51 ]

(فصل) وان قال بعتك هذه الدار واجرتكها شهرا لم يصح لانه إذا باعه فقد ملك المشتري المنافع فإذا أجره اياها فقد شرط أن يكون له بدل في مقابلة ما ملكه المشتري فلم يصح قال ابن عقيل وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قفيز الطحان ومعناه أن يستأجره طحانا ليطحن له كذا بقفيز منه فيصير كأنه شرط له القفيز عوضا عن عمله في باقي الكر المطحون ويحتمل الجواز بناء على اشتراط منفعة البائع في المبيع على ما نذكره ان شاء الله تعالى. (فصل) ويصح أن يشترط المشتري نفع البائع في المبيع مثل أن يشتري ثوبا ويشرط على بائعه خياطته قميصا أو بغلة ويشرط حذوها نعلا أو حزمة حطب ويشرط حملها إلى موضع معلوم نص عليه أحمد في رواية مهنا وغيره، واحتج أحمد بما روي أن محمد بن مسلمة اشترى من نبطي حزمة حطب وشارطه على حملها، وبه قال اسحاق وأبو عبيدة، وقال أبو حنيفة يجوز أن يشري بغلة ويشرط على البائع حذوها، وحكي عن أبي ثور والثوري أنهما أبطلا العقد بهذا الشرط لانه شرط فاسد أشبه الشروط الفاسدة وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع وشرط ولنا ما تقدم في قضية محمد بن مسلمة ولانه بيع واجارة لانه باعه الثوب وأجره نفسه على خياطته وكل واحد منهما يصح افراده بالعقد فإذا جمعهما جاز كالعينين ولم يصح أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وشرط قال أحمد: انما نهى عن شرطين في بيع وهو يدل بمفهومه على جواز الشرط الواحد ولابد من العلم بالمنفعة لهما ليصح اشتراطها لاننا نزلنا ذلك منزلة الاجارة فلو اشترط حمل الحطب إلى منزله والبائع لايعرف منزله لم يصح وان شرط حذوها نعلا فلا بد من معرفة صفتها كما لو استأجره على ذلك ابتداء. قال احمد: في الرجل يشتري البغلة على أن يحذوها جائز إذا أراد الشراك فان تعذر العمل بتلف المبيع قبله أو بموت البائع انفسخت الاجارة ورجع المشتري عليه بعوض ذلك، وان تعذر بمرض أقيم مقامه من يعمل العمل والاجرة عليه كقولنا في الاجارة. (فصل) وإذا اشترط المشتري منفعة البائع في المبيع فاقام البائع مقامه من يعمل العمل فله ذلك بمنزلة الاجير المشترك يجوز أن يعمل العمل بنفسه وبمن يقوم مقامه وان أراد بذل العوض عن ذلك لم يلزم المشتري قبوله وان أراد المشتري أخذ العوض عنه لم يلزم البائع بذله لان المعاوضة عقد تراض فلا يجبر عليه أحد وان تراضيا عليه احتمل الجواز لانها منفعة يجوز أخذ العوض عنها لو لم يشترطها فإذا ملكها المشتري جاز له أخذ العوض عنها كما لو استأجرها وكما يجوز أن تؤجر المنافع الموصى بهامن ورثة الموصي ويحتمل أن لا يجوز لانه مشترط بحكم العادة والاستحسان لاجل الحاجة فلم يجز أخذ العوض عنه كالقرض فانه يجوز أن يرد في الخبز والخمير قل أو كثر ولو أراد أن يأخذ بقدر خبزه وكسره بقدر الزيادة لم يجز ولانه أخذ عوضا عن مرفق معتاد جرت العادة بالعفو عنه دون أخذ العوض فأشبه المنافع المستثناة شرعا وهو ما إذا باع أرضا فيها زرع للبائع واستحق تبقيته إلى حين الحصاد فلو أخذه قصيلا لينتفع بالارض إلى وقت الحصاد لم يكن له ذلك { مسألة } (وذكر الخرقي في جز الرطبة إن شرطه على البائع لم يصح فيخرج ههنا مثله)

[ 52 ]

إذا اشترى زرعا أو جزه من الرطبة أو ثمرة على الشجر فالحصاد وجز الرطبة وجذاذ الثمرة على المشتري لان نقل المبيع وتفريغ ملك البائع منه على المشتري كنقل الطعام المبيع من دار البائع بخلاف الكيل والوزن والعدد فانها على البائع من مؤنة تسليم المبيع إلى المشتري والتسليم على البائع، وههنا حصل التسليم بالتخلية بدون القطع بدليل جواز بيعها والتصرف فيها وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي ولا نعلم فيه خلافا. فان شرطه على البائع فاختلف أصحابنا فقال الخرقي يبطل البيع وقال ابن أبي موسى لا يجوز وقيل يجوز فان قلنا لا يجوز فهل يبطل البيع لبطلان الشرط على روايتين، وقال القاضي: المذهب جواز الشرط ذكره أبو بكر وابن حامد وقال القاضي ولم أجد بما قاله الخرقي رواية في المذهب، واختلف فيه أصحاب الشافعي فقال بعضهم إذا شرط الحصاد على البائع بطل البيع قولا واحدا وقال بعضهم يكون على قولين فمن افسده قال لا يصح لثلاثة معان (أحدها) شرط العمل في الزرع قبل أن يملكه (والثاني) أنه شرط مالا يقتضيه العقد (والثالث) أنه شرط تأخير التسليم لان معنى ذلك تسليمه مقطوعا، ومن أجازه هذا بيع واجارة وكل واحد منهما يصح افراده فصح جمعهما كالعينين وقولهم شرط العمل فيما لا يملكه يبطل بشرط رهن المبيع على الثمن في البيع (والثاني) يبطل بشرط الرهن والكفيل والخيار (والثالث) ليس بتأخير لانه يمكنه تسليمه قائما ويبقى الشرط من المستلم فليس ذلك بتأخير التسليم فإذا فسدت هذه المعاني صح لما ذكرناه. فان قيل فالبيع يخالف حكمه حكم الاجارة لان الضمان ينتقل في البيع بتسليم العين بخلاف الاجارة فكيف يصح الجمع بينهما؟ قلنا كما يصح بيع الشقص والسيف وحكمهما مختلف بدليل ثبوت الشفعة في الشقص دون السيف، وقد صح الجمع بينهما. وقول الخرقي ان العقد ههنا يبطل يحتمل أن يختص هذه المسألة وشبهها مما يفضي الشرط فيه إلى التنازع فان البائع قد يريد قطعها من أعلاها ليبقى له منها بقية والمشتري يريد الاستقصاء عليها ليزيد له ما يأخذه فيفضي إلى التنازع وهو مفسدة فيبطل البيع من أجله، ويحتمل أن يقاس عليه ما أشبهه من اشتراط منفعة البائع في البيع كما ذكرنا في صدر المسألة والاول أولى لوجهين (أحدهما) انه قد قال في موضع آخر ولا يبطل البيع شرط واحد (والثاني) ان المذهب انه يصح اشتراط منفعة البائع في البيع كما ذكرنا والله أعلم { مسألة } وإن جمع بين شرطين لم يصح) ثبت عن أحمد رحمه الله انه قال: الشرط الواحد لا بأس به انما نهي عن الشرطين في البيع وهو ماروي عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا بيع ما ليس عندك " أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح. قال الاثرم قيل لابي عبد الله ان هؤلاء يكرهون الشرط في البيع فنفض يده وقال: الشرط الواحد لا بأس به في البيع إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شرطين في البيع وحديث جابريدل على اباحة الشرط حين باعه جملة وشرط ظهره إلى المدينة. واختلف في تفسير الشرطين المنهي عنهما فروي عن أحمد أنهما شرطان صحيحان ليسامن مصلحة العقد فحكى ابن المنذر عنه وعن اسحاق فيمن اشترى ثوبا واشترط على

[ 53 ]

البائع خياطته أوقصارتة أو طعاما واشترط طحنه وحمله إن شرط أحد هذه الاشياء فالبيع جائز، وان اشترط شرطين فالبيع باطل وكذلك فسر القاضي في شرحه الشرطين المبطلين بنحو هذا التفسير وروى الاثرم عن أحمد تفسير الشرطين أن يشتريها على أنه لا يبيعها من أحد ولا يطؤها ففسره بشرطين فاسدين، وروى عنه اسماعيل بن سعيد في الشرطين في البيع ان يقول إذا بعتها فانا أحق بها بالثمن، وان تخدمني سنة فظاهر كلام احمد ان الشرطين المنهي عنهما ماكان من هذا النحو، واما ان شرط شرطين أو أكثر من مقتضى العقد أو من مصلحته مثل أن يبيعه بشرط الخيار والتأجيل والرهن والضمين أو بشرط ان يسلم إليه المبيع أو الثمن فهذا لا يؤثر في العقد وان كثر، وقال القاضي في المجرد ظاهر كلام أحمد أنه متى شرط في العقد شرطين بطل سواء كانا صحيحين أو فاسدين لمصلحة العقد أو لغير مصلحته اخذا من ظاهر الحديث وعملا بعمومه ولم يفرق الشافعي وأصحاب الرأي بين الشرط والشرطين ورووا ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وشرط ولان الصحيح لا يؤثر في البيع وان كثر والفاسد يؤثر فيه وان اتحد والحديث الذي رويناه يدل على الفرق ولان العذر اليسير إذا احتمل في العقد لا يلزم احتمال الكثير، حديثهم ليس له أصل وقد أنكره أحمد ولا يعرفه مرويا في مسند فلا يعول عليه، والذي ذكره القاضي في المجرد بعيد أيضا. فان شرط ما يقتضيه العقد لا يؤثر فيه بغير خلاف وشرط ما هو من مصلحة العقد كالاجل والخيار والرهن والضمين وشرط صفة في المبيع كالكتابة والصناعة فيه مصلحة العقد فلا ينبغي أن يؤثر في بطلانه قلت أو كثرت. ولم يذكر أحمد في هذه المسألة شيئا من هذا القسم فالظاهر أنه غير مراد له والاولى تفسيره بما حكاه ابن المنذر والله اعلم (فصل) (الثاني) فاسد وهو ثلاثة أنواع (أحدها) أن يشرط على صاحبه عقد آخر كسلف أو قرض أو بيع أو اجارة أو صرف للثمن أوغير فهذا يبطل البيع، ويحتمل أن يبطل الشرط وحده) المشهور في المذهب ان هذا الشرط فاسد يبطل به البيع لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا يحل بيع وسلف ولا شرطان في بيع " قال الترمذي هذا حديث صحيح ولان النبي صلى الله عليه سلم نهى عن بيعتين في بيعة، حديث صحيح وهذا منه، قال احمد وكذلك كل ما في معنى ذلك مثل ان يقول على ان تزوجني ابنتك أو على أن أزوجك ابنتي فهذا كله لا يصح، قال ابن مسعود صفقتان في صفقة ربا وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وجمهور العلماء وجوزه مالك وجعل العوض المذكور في الشرط فاسدا قال ولا ألتفت إلى اللفظ الفاسد إذا كان معلوما حلالا فكأنه باع السلعة بالدراهم التي ذكر أنه يأخذها بالدنانير ولنا الخبر والنهي يقتضي الفساد ولان العقد لا يجب بالشرط لكونه لا يثبت في الذمة فيسقط فيفسد العقد لان البائع لم يرض به الا بالشرط فإذا فات فات الرضا به ولانه شرط عقدا في عقد فلم يصح كنكاح الشغار، وقوله لاألتفت إلى اللفظ لا يصح لان البيع هو اللفظ كان فاسدا فكيف يكون صحيحا، ويحتمل ان يصح البيع ويبطل الشرط بناء على ما ينافي مقتضى العقد على ما نذكره ان شاء الله تعالى

[ 54 ]

(الثاني) شرط ما ينافي مقتضى البيع نحو ان يشترط ان لا خسارة عليه أو متى نفق المبيع والا رده أو الا يبيع ولا يهب ولا يعتق وان اعتق فالولاء له أو يشترط ان يفعل ذلك فهذا الشرط باطل في نفسه لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث بريرة حين شرط أهلها الولاء " ماكان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل " نص على بطلان هذا الشرط وقسنا عليه سائر الشروط لانها في معناه وهل يبطل بها البيع؟ على روايتين، قال القاضي: المنصوص عن احمد ان البيع صحيح وهو ظاهر كلام الخرقي وبه قال الحسن والشعبي والنخعي والحكم وابن ابي ليلى وأبو ثور (والثانية) البيع فاسد وهو قول ابي حنيفة والشافعي لانه شرط فاسد فأفسد البيع كما لو اشترط فيه عقدا آخر، ولان الشرط إذا فسد وجب الرجوع بما نقصه الشرط من الثمن وذلك مجهول فيصير الثمن مجهولا ولان البائع انما رضي بزوال ملكه عن المبيع بشرطه والمشتري كذلك إذا كان الشرط له فلو صح البيع بدونه لزال ملكه بغير رضاه، والبيع ممن شرطه التراضي ولانه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه نهى عن بيع وشرط ووجه الاولى ماروت عائشة قالت: جاءتني بريرة فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فأعينيني، فقلت أن أحب أهلك أعدها لهم عدة واحدة ويكون ولاؤك لي فعلت، فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم فأبوا عليها فجاءت من عندهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فقالت: اني عرضت عليهم فأبوا الا أن يكون الولاء لهم، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم فقال " خذيها واشترطي لهم الولاء فانما الولاء لمن اعتق " ففعلت عائشة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال " أما بعد فما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله تعالى، ماكان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وان كان مائة شرط قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وانما الولاء لمن أعتق " متفق عليه فابطل الشرط ولم يبطل العقد قال ابن المنذر خبر بريرة ثابت ولا نعلم خبرا يعارضه فالقول به يجب فإن قيل المراد بقوله " اشترطي لهم الولاء " اي عليهم بدليل انه امرها به ولا يأمرها بفاسد قلنا لا يصح هذا التأويل لوجهين احدهما ان الولاء لها باعتاقها فلا حاجة إلى اشتراطه (الثاني) لهم ابوا البيع الا ان يشترط لهم الولاء فكيف يأمرها بما علم انهم لا يقبلونه منها واما امرها بذلك فليس هو امرا على الحقيقة، وانما هو صيغة الامر بمعنى التسوية بين الا شتراط وتركه كقول الله تعالى (استغفر لهم) وقوله (اصبروا اولا تصبروا) والتقدير واشترطي لهم الولاء اولا تشترطي ولهذا قال عقيبه " فانما الولاء لمن اعتق " وحديثهم لااصل له على ما ذكرنا وما ذكروه من المعنى في مقابلة النص لا يقبل (فصل) وإذا حكمنا بصحة البيع فللبائع الرجوع بما نقصه الشرط من الثمن ذكره القاضي وللمشتري الرجوع يزيادة الثمن ان كان هو المشترط لان البائع انما سمح بالبيع بهذا الثمن لما يحصل له من الغرض بالشرط والمشتري انما سمح له بزيادة الثمن من اجل شرطه فإذا لم يحصل غرضه ينبغي ان يرجع بما سمح به كما لو وجده معيبا ويحتمل إن يثبت الخيار ولا يرجع بشئ كمن شرط رهنا اوضمينا فامتنع

[ 55 ]

الراهن والضمين ولان ما ينقصه الشرط من الثمن مجهول فيصير الثمن مجهولا ولان النبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم لارباب بريرة بشئ مع فساد الشرط وصحة البيع. وان حكمنا بفساد العقد لم يحصل به ملك سواء قبضه أو يقبضه على ما نذكره ان شاء الله تعالى { مسألة } (إذا شرط العتق ففي صحته روايتان) احداهما يصح وهو مذهب مالك وظاهر مذهب الشافعي لان عائشة اشترت بريرة وشرط عليها اهلها عتقها وولاءها فانكر النبي صلى الله وسلم شرط الولاء دون العتق (والثانية) الشرط فاسد وهو مذهب أبي حنيفة لانه شرط ينافي مقتضى العقد أشبه ما لو شرط أن لا يبيعه ولانه شرط ازالة ملكه عنه أشبه ما إذا اشترط أن يبيعه وليس في حديث عائشة انها شرطت لهم العتق انما اخبرهم انها تريد ذلك من غير شرط فاشرطوا ولاءها فان حكمنا بفساده فحمكه حكم سائر الشروط الفاسدة على مابينا وان حكمنا بصحته فاعتقه المشتري فقد وفى بما شرط عليه وان لم يعتقه ففيه وجهان (احدهما) يجبر لان شرط العتق إذا صح تعلق بعينه فيجبر كما لو نذر عتقه (والثاني) لا يجبر لان الشرط لا يوجب فعل المشروط بدليل ما لو شرط الرهن والضمين فعلى هذا يثبت للبائع خيار الفسخ لانه لم يسلم له ما شرط أشبه ما لو شرط عليه رهنا فلم يف به، وان تعيب المبيع أو كان أمة فاحبلها أعتقه وأجزأه لان الرق باق فيه وان استغله أو أخذ من كسبه شيئا فهو له وان مات المبيع رجع البائع على المشتري بما نقصه شرط العتق فيقال كم قيمته لو بيع مطلقا وكم قيمته إذا بيع بشرط العتق؟ فيرجع بقسط ذلك من ثمنه في أحد الوجهين كالارش وفي الآخر يضمن بما نقص من قيمته { مسألة } (وعنه فيمن باع جارية وشرط على المشتري انه ان باعها فهو أحق بها بالثمن ان البيع جائز) روى المروذي عن أحمد انه قال هو في معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم " لا شرطان في بيع " يعني انه فاسد لانه شرط أن يبيعه اياه وان يبيعه بالثمن الاول فهما شرطان في بيع نهي عنهما ولانه ينافي مقتضى العقد لانه شرط ان لا يبيعه من غيره إذا أعطاه ثمنه فهو كما لو شرط ان لا يبيعه الا من فلان وروى عنه اسماعيل بن سعيد البيع جائز لما روي عن ابن مسعود انه قال ابتعت من امرأتي زينب الثقفية جارية وشرطت لها ان بعتها فهي لها بالثمن الذي ابتعتها به فذكرت ذلك لعمر فقال لا تقربها ولاحد فيها شرط قال اسماعيل فذكرت لاحمد الحديث قال البيع جائز ولا تقربها لانه كان فيها شرط واحد للمرأة لم يقل عمر في ذلك البيع فاسد فحمل الحديث على ظاهره وأخذه به وقد اتفق عمر وابن مسعود على صحته والقياس يقتضي فساده قال شيخنا ويحتمل أن يحمل كلام أحمد في رواية المروذي على فساد الشرط وفي رواية اسماعيل بن سعيد على جواز البيع فيكون البيع صحيحا والشرط فاسدا كما لو اشتراها بشرط أن لا يبيعها وقول أحمد لاتقربها قد روي مثله فيمن اشترط في الامة أن لا يبيعها ولا يهبها أو شرط عليه ولاءها أولا يقربها والبيع جائز لحديث عمر المذكور. وقال القاضي

[ 56 ]

وهذا يدل على الكراهة لا على التحريم قال ابن عقيل عندي انه انما منع من الوطئ لمكان الخلاف في العقد لكونه يفسد بفساد الشرط في بعض المذاهب { مسألة } (وان شرط رهنا فاسدا كالخمر ونحوه فهل يبطل البيع على وجهين؟) أصلهما الروايتان في الشروط الفاسدة وقد مضى ذكرهما (فصل) وإذا قال رجل لغريمه: بعني هذا على أن أقضيك دينك منه، ففعل، فالشرط باطل لانه شرط أن لا يتصرف فيه بغير القضاء وهل يفسد البيع؟ ينبني على الشروط الفاسدة في البيع على ما ذكرنا. وان قال اقبضني حقي على ان أبيعك كذا وكذا فالشرط باطل والقضاء صحيح لانه أقبضه حقه وان قال أقبضني أجود من مالي على ان ابيعك كذا فالقضاء والشرط باطلان وعليه رد ما قبضه ويطالب بماله (فصل) ومتى حكمنا بفساد العقد لم يثبت به ملك سواء اتصل به القبض أو لا ولا ينفذ تصرف المشتري فيه ببيع ولاهبة ولا عتق ولا غيره وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة يثبت الملك فيه إذا اتصل به القبض وللبائع الرجوع فيه فيأخذه مع زيادته المتصلة الا ان يتصرف فيه المشتري تصرفا يمنع الرجوع فيه فيأخذ قيمته محتجا بحديث بريرة فان عائشة اشترتها بشرط الولاء فاعتقها فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم العتق والبيع فاسد ولان المشتري على صفة يملك المبيع ابتداء بعقد وقد حصل عليه الضمان للبدل غير أنه عقد فيه تسليط فوجب ان يملكه كالعقد الصحيح. ولنا انه مقبوض بعقد فاسد فلم يملكه كما لو كان الثمن ميتة أو دما فاما حديث بريرة فانما يدل على صحة العقد لاعلى ما ذكروه وليس في الحديث ان عائشة اشترتها بهذا الشرط بل الظاهر أن أهلها حين بلغهم انكار النبي صلى الله عليه وسلم هذا الشرط تركوه ويحتمل ان الشرط كان سابقا للعقد فلم يؤثر فيه (فصل) وعليه رد المبيع مع نمائه المنفصل وأجرة مثله مدة بقائه في يديه، وان نقص ضمن نقصه لانها جملة مضمونة فأجزاؤها تكون مضمونة أيضا وإن تلف المبيع في يد المشتري فعليه ضمانه بقيمته يوم التلف قاله القاضي ولان أحمد نص عليه في الغصب ولانه قبضه باذن مالكه فأشبه العارية، وذكر الخرقي في الغصب أنه يلزمه قيمته أكثر ما كانت فيخرج ههنا كذلك ولاصحاب الشافعي وجهان كهذين (فصل) فان كان المبيع أمة فوطئها المشتري فلا حد عليه لاعتقاده أنها ملكه، ولان في الملك اختلافا وعليه مهر مثلها لان الحد إذا سقط للشبهة وجب المهر، ولان الوطئ في ملك الغير يوجب المهر وعليه ارش البكارة إن كانت بكرا، فان قيل أليس إذا تزوج امرأة تزويجا فاسدا فوطئها فأزال بكارتها لا يضمن البكارة؟ قلنا لان النكاح تضمن الاذن في الوطئ المذهب للبكارة لانه معقود على الوطئ ولا كذلك البيع لانه ليس معقود على الوطئ بدليل أنه يجوز شراء من لا يحل وطؤها. فان قيل إذا أوجبتم

[ 57 ]

مهر بكر فكيف توجبون ضمان البكارة وقد دخل ضمانها في المهر؟ وإذا أوجبتم ضمان البكارة فكيف توجبون مهر بكر وقد أدى عوض البكارة بضمانه له فجرى مجرى من أزال بكارتها باصبعه ثم وطئها؟ قلنا لان مهر البكر ضمان المنفعة وارش البكارة ضمان جزء فلذلك اجتمعا، وأما الثاني فانه إذا وطئها بكرا فقد استوفى نفع هذا الجزء فوجبت قيمة ما استوفى من نفعه وإذا أتلفه وجب ضمان عينه ولايجوز أن يضمن العين ويسقط ضمان المنفعة كما لو غصب عينا ذات منفعة فاستوفى منفعتها ثم أتلفها أو غصب ثوبا فلبسه حتى أبلاه وأتلفه فانه يضمن القيمة والمنفعة كذا ههنا (فصل) وإن ولدت كان ولدها حرا لانه وطئها بشبهة ويلحق به لذلك ولاولاء عليه لانه حر الاصل وعلى الواطئ قيمته يوم وضعه لانه يوم الحيلولة بينه وبين صاحبه فان سقط ميتا لم يضمن لانه إنما يضمنه حين وضعه ولا قيمة له حينئذ. فان قيل فلو ضرب بطنها فألقت جنينا ميتا وجب ضمانه قلنا الضارب يجب عليه غرة وههنا يضمنه بقيمته ولا قيمة له ولان الجاني أتلفه وقطع نماءه وههنا يضمنه بالحيلولة بعينه فان كان الضارب اجنبيا فالقت جنينا ميتا فعلى الضارب غرة عبد أو أمة وللسيد أقل الامرين من دية الجنين أو قيمته يوم سقط لان ضمان الضارب له قام مقام خروجه حيا ولذلك ضمنه للبائع وانما كان للسيد أقل الامرين لان الغرة ان كانت أكثر من القيمة فالباقي منها لورثته لانه حصل بالحرية فلا يستحق السيد منها شيئا وان كانت أقل لم يكن على الضارب أكثر منها لانه بسبب ذلك ضمن، وان ضرب الواطئ بطنها فألقت الجنين ميتا فعليه الغرة أيضا ولا يرث منها شيئا، وللسيد أقل الامرين كما ذكرنا، وان سلم الجارية المبيعة إلى البائع حاملا فولدت عنده ضمن نقص الولادة وان تلفت بذلك ضمنها لان تلفها بسبب منه وان ملكها الواطئ لم تصر بذلك أم ولد على الصحيح من المذهب لانها علقت منه في غير ملكه فأشبهت الزوجة وهكذا كل موضع حبلت في ملك غيره لا تصير له أم ولد بهذا (فصل) إذا باع المشتري المبيع الفاسد لم يصح لانه باع ملك غيره بغير اذنه، وعلى المشتري رده على البائع الاول لانه مالكه ولبائعه أخذه حيث وجده، ويرجع المشتري الثاني بالثمن على الذي باعه ويرجع الاول على بائعه فان تلف في يد الثاني فللبائع مطالبة من شاء منهما لان الاول ضامن والثاني قبضه من يد ضامنه بغير اذن صاحبه فكان ضامنا. فان كانت قيمته أكثر من ثمنه فضمن الثاني لم يرجع بالفضل على الاول لان التلف في يده فاستقر الضمان عليه، وان ضمن الاول رجع بالفضل على الثاني (فصل) وان زاد المبيع في يد المشتري بسمن أو نحوه ثم نقص حتى عاد إلى ما كان عليه أو ولدت الامة في يد المشتري ثم مات ولدها احتمل أن يضمن تلك الزيادة لانها زيادة في عين مضمونة أشبهت الزيادة في المغصوب واحتمل أن لا يضمنها لانه دخل على أن لا يكون في مقابلة الزيادة عوض، فعلى هذا تكون الزيادة أمانة في يده ان تلفت بتفريطه أو عدوانه ضمنها والافلا، وان تلفت العين بعد

[ 58 ]

زيادتها أسقطت تلك الزيادة من القيمة وضمنها بما بقي من القيمة حين التلف، قال القاضي وهذا ظاهر كلام احمد (فصل) وإذا باع بيعا فاسدا وتقابضا ثم أتلف البائع الثمن ثم أفلس فله الرجوع في المبيع والمشتري أسوة الغرماء وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة المشتري أحق بالمبيع من سائر الغرماء لانه في يده فكان أحق به كالمرتهن. ولنا أنه لم يقبضه وثيقة فلم يكن أحق به كما لو كان وديعة عنده بخلاف المرتهن فانه قبضه على أنه وثيقة بحقه (فصل) وإذا قال بع عبدك من فلان بألف على أن علي خمسمائة فباعه بهذا الشرط فالبيع فاسد لان الثمن يجب أن يكون جميعه على المشتري، فإذا شرط كون بعضه على غيره لم يصح لانه لا يملك المبيع والثمن على غيره، ولا يشبه هذا ما لو قال " أعتق عبدك أو طلق امرأتك وعلي خمسمائة. لكون هذا عوضا في مقابلة فك الزوجة ورقبة العبد ولذلك لم يجز في النكاح. أما في مسألتنا فانه معاوضة في مقابلة نقل الملك فلا يثبت لان العوض على غيره، وان كان هذا القول على وجه الضمان صح البيع ولزم الضمان (الثالث أن يشترط شرطا يعلق البيع كقوله بعتك ان جئتني بكذا أو ان رضي فلان) فلا يصح البيع لانه علق البيع على شرط مستقبل فلم يصح كما إذا قال: بعتك إذا جاء رأس الشهر { مسألة } (وكذلك إذا قال المرتهن ان جئتك بحقك في محله والا فالرهن لك، فلا يصح البيع، الا بيع العربون وهو أن يشتري شيئا ويعطي البائع درهما ويقول ان اخدته وإلا فالدرهم لك. فقال احمد يصح لان عمر فعله وعند أبي الخطاب أنه لا يصح) وممن روى عنه القول بفساد الشرط ابن عمر وشريح والنخعي ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم أحدا خالفهم، والاصل في ذلك ما روى معاوية بن عبد الله بن جعفر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يغلق الرهن " رواه الاثرم قال الاثرم قلت لاحمد ما معنى قوله لا يغلق الرهن؟ قال لا يدفع رهن إلى رجل ويقول: ان جئتك بالدراهم إلى كذا وكذا والا فالرهن لك. قال ابن المنذر هذا معنى قوله لا يغلق الرهن عند مالك والثوري واحمد وانما فسد البيع لانه معلق بشرط مستقبل فلم يصح كالمسألة قبلها، وكما لو قال ان ولدت ناقتي فصيلا فقد بعتكه بدينار (فصل) والعربون في البيع هو أن يشتري السلعة ويدفع إلى البائع درهما أو اكثر على أنه ان أخذ السلعة احتسب به من الثمن وان لم يأخذها فهو للبائع. يقال عربون وعربون وعربان وأربان. قال أحمد ومحمد بن سيرين لا بأس به وفعله عمر رضي الله عنه، وعن ابن عمر أنه أجازه وقال ابن المسيب وابن سيرين لا بأس إذا كره السلعة أن يردها ويرد معها شيئا قال احمد هذا في معناه، وقال أبو الخطاب لا يصح وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي ويروى عن ابن عباس والحسن ولان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العربون رواه ابن ماجه ولانه شرط للبائع شيئا بغير عوض فلم يصح كما لو شرطه لاجنبي ولانه بمنزلة الخيار المجهول فانه اشترط أن له رد المبيع من غير ذكر مدة فلم يصح كما

[ 59 ]

لو قال ولي الخيار متى شئت رددت السلعة ومعها ردهم (قال شيخنا) وهذا هو القياس وانما صار احمد فيه إلى ما روي عن نافع بن الحارث أنه اشترى لعمر دار السجن من صفوان بن أمية فان رضي عمر والا فله كذا وكذا، قال الاثرم قلت لاحمد تذهب إليه قال أي شئ أقول هذا عمر رضي الله عنه؟ وضعف الحديث المروي. روى هذه القصة الاثرم باسناده (فصل) فاما ان دفع إليه قبل البيع درهما وقال لاتبع هذه السلعة لغيري وان لم اشترها منك فهذا الدرهم لك ثم اشتراها منه بعد ذلك بعقد مبتدإ وحسب الدرهم من الثمن صح لان البيع خلا عن الشرط المفسد، ويحتمل أن الشراء الذي اشتري لعمر كان على هذا الوجه فيحمل عليه جمعا بين فعله وبين الخبر وموافقة القياس والائمة القائلين بفساد بيع العربون. وان لم يشتر السلعة في هذه الصورة لم يستحق البائع الدرهم لانه يأخذه بغير عوض ولصاحبه الرجوع فيه ولا يصح جعله عوضا من انتظاره وتأخر بيعه من أجله لانه لو كان عوضا عن ذلك لما جاز جعله من الثمن في حال الشراء ولان الانتظار بالبيع لا تجوز المعاوضة عنه ولو جازت لوجب أن يكون معلوم المقدار كما في الاجارة { مسألة } (وان قال بعتك على ان تنقدني الثمن إلى ثلاث أو مدة معلومة والا فلا بيع بيننا فالبيع صحيح نص عليه) وهذا قول أبي حنيفة والثوري وإسحاق ومحمد بن الحسن، وقال به أبو ثور إذا كان إلى ثلاث، وحكي مثل قوله عن ابن عمر، وقال مالك يجوز في اليومين والثلاثة ونحوها وان كان عشرين ليلة فسخ البيع، وقال الشافعي وزفر البيع فاسد لانه علق فسخ البيع على غرر فلم يصح كما لو علقه بقدوم زيد. ولنا أنه يروى عن عمر ولانه علق رفع العقد بامر يحدث في مدة الخيار فجاز كما لو شرط الخيار ولانه بيع فجاز أن ينفسخ بتأخير القبض كالصرف ولان هذا بمعنى شرط الخيار لانه كما يحتاج إلى التروي في المبيع - هل يوافقه أولا - يحتاج إلى التروي في الثمن هل يصير منقودا أولا فهما شبيهان في المعنى وان تغايرا في الصورة الا أنه في الخيار يحتاج إلى الفسخ وهذا ينفسخ إذا لم ينقد في المدة المذكورة لانه جعله كذلك. { مسألة } (وان باعه وشرط البراءة من كل عيب لم يبرأ وعنه يبرأ الا أن يكون البائع علم العيب فكتمه) اختلفت الرواية عن أحمد في هذه المسألة فروي عنه أنه لا يبرأ إلا أن يعلم المشتري بالعيب وهو قول الشافعي. وقال ابراهيم والحكم وحماد لا يبرأ إلا مما سمى، وقال شريح لا يبرأ الا مما أراه أو وضع يده عليه، وروي عنه أنه يبرأ من كل عيب لم يعلمه ولا يبرأ من عيب علمه يروى ذلك عن عثمان ونحوه عن زيد بن ثابت، وهو قول مالك وقول الشافعي في الحيوان خاصة لما روي أن عبد الله ابن عمر باع زيد بن ثابت عبدا بشرط البراءة بثمانمائة درهم فأصاب به زيد عيبا فأراد رده على ابن عمر فلم يقبله فترافعا إلى عثمان فقال عثمان لابن عمر تحلف انك لم تعلم بهذا العيب؟ قال لا فرده عليه فباعه ابن عمر بألف درهم رواه الامام أحمد، وهذه قصة اشتهرت فلم تنكر فكانت اجماعا ويتخرج

[ 60 ]

أن يبرأ من العيوب كلها بالبراءة وحكاه بعض أصحابنا رواية عن أحمد بناء على جواز البراءة من المجهول، وروي هذا عن ابن عمر، وهو قول أصحاب الرأي وقول الشافعي لما روت أم سلمة أن رجلين اختصما في مواريث درست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " استهما وتوخيا وليحلل كل واحد منكما صاحبه " وهذا يدل على أن البراءة من المجهول جائزة ولانه إسقاط حق لا تسليم فيه فصح في المجهول كالطلاق والعتاق ولافرق بين المجهول وغيره فما يثبت في أحدهما يثبت في الآخر وقول عثمان قد خالفه ابن عمر فلا يبقى حجة (فصل) وإذا قلنا بفساد هذا الشرط لم يفسد به البيع في ظاهر المذهب وهو وجه لاصحاب الشافعي لما ذكرنا من قضية ابن عمر فانهم أجمعوا على صحتها فعلى هذا لايمنع الرد بوجود الشرط. ويكون وجوده كعدمه وعن أحمد في الشروط الفاسدة روايتان (إحداهما) يفسد بها العقد فيدخل فيها هذا البيع لان البائع انما رضي بهذا الثمن عوضا عن ماله بهذا الشرط فإذا فسد الشرط فات الرضا به فيفسد البيع لعدم التراضي. (فصل) قال رضي الله عنه (وإن باعه دارا أو ثوبا على أنه عشرة أذرع فبان احد عشر فالبيع باطل) لانه لا يمكن اجبار البائع على تسليم الزيادة انما باع عشرة، ولا المشتري على أخذ البعض وإنما اشترى الكل وعليه ضرر في الشركة أيضا، عنه أنه صحيح والزيادة للبائع لان ذلك نفص على المشتري فلم يمنع صحة البيع كالمعيب، ثم يخير البائع بين تسليم المبيع زائدا وبين تسليم العشرة فان رضي بتسليم الجميع فلا خيار للمشتري لانه زاده خيرا وإن أبى تسليمه زائدا فللمشتري الخيار بين الاخذ والفسخ بجميع الثمن المسمى فان رضي بالاخذ أخذ بالعشرة والبائع شريك له بالذراع، وهل للبائع خيار الفسخ؟ على وجهين (أولهما) له الفسخ لان عليه ضررا في المشاركة (والثاني) لاخيار له لانه رضي ببيع الجميع بهذا الثمن فإذا وصل إليه الثمن مع بقاء جزء له فيه كان زيادة فلا يستحق بها الفسخ ولان هذا الضرر حصل بتغريره واختياره بخلاف مجبره فلا ينبغي أن يسلط به على فسخ عقد المشتري، فان بذلها البائع للمشتري بثمن أو طلبها المشتري بثمن لم يلزم الآخر القبول لانها معاوضة يعتبر فيها التراضي منهما فلا يجبر واحد منهما عليها وإن تراضيا على ذلك جاز، وإن بانت تسعة فالبيع باطل لما ذكرنا وعنه أنه صحيح والمشتري بالخيار بين الفسخ وأخذ المبيع بقسطه من الثمن، وقال أصحاب الشافعي ليس له إمساكه إلا بجميع الثمن أو الفسخ بناء على المبيع المعيب عندهم، ولنا أنه وجد المبيع ناقصا في القدر فكان له إمساكه بقسطه من الثمن كالصبرة إذا اشتراها على أنها مائة فبانت خمسين وسنبين في المعيب أن له أمساكه وأخذ الارش، فان أخذها بقسطها من الثمن فللبائع الخيار بين الرضا بذلك وبين الفسخ لانه إنما رضي ببيعها بكل الثمن فإذا لم يصل إليه ثبت له الفسخ، فان بذل له المشتري جميع الثمن لم يملك الفسخ لانه وصل إليه الثمن الذي رضيه فأشبه مالو اشترى معيبا فرضيه بجميع الثمن وان اتفقا على تعويضه عنه جاز لانها

[ 61 ]

معاوضة فجازت بتراضيهما كغيرها (فصل) وان اشترى صبرة على أنها عشرة أقفزة فبانت أحد عشر رد الزائد ولاخيار له ههنا لانه لاضرر في رد الزيادة وإن بانت تسعة أخذها بقسطها من الثمن، وقد ذكرنا فيما تقدم أنه متى سمى الكيل في الصبرة لا يكون قبضها إلا بالكيل فان وجدها قدر حقه أخذها وإن كانت زائدة رد الزيادة وإن نقصت أخذها بقسطها من الثمن وهل له الفسخ وإذا وجدها ناقصة؟ على وجهين (أحدهما) له الخيار وهو مذهب الشافعي لانه وجد المبيع ناقصا فكان له الفسخ كغير الصبرة وكنقصان الصفة (والثاني) لاخيار له لان نقصان القدر ليس بعيب في الباقي من الكيل بخلاف غيره { باب الخيار في المبيع } (وهو على سبعة أقسام: أحدها خيار المجلس ويثبت في البيع والصلح بمعناه والاجارة ويثبت في الصرف والسلم وعنه لا يثبت فيهما ولا يثبت في سائر العقود إلا في المساقاة والحوالة والسبق في أحد الوجهين) وجملته أن خيار المجلس يثبت في البيع بمعنى أنه يقع جائزا ولكل واحد من المتبايعين الخيار في فسخه ماداما مجتمعين لم يتفرقا، وهو قول اكثر أهل العلم يروى ذلك عن عمر وابنه وابن عباس وأبي هريرة وأبي برزة، وبه قال سعيد بن المسيب وشريح والشعبي وعطاء وطاوس والزهري والاوزاعي وابن أبى ذئب والشافعي واسحاق وأبو عبيد وأبو ثور، وقال مالك وأصحاب الرأي يلزم العقد بالايجاب والقبول والخيار لهما لانه روي عن عمر رضي الله عنه: البيع صفقة أو خيار ولانه عقد معاوضة فلزم بمجرده كالنكاح والخلع ولنا ماروى ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال إذا " تبايع الرجلان فلكل واحد منهما الخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا أو يخير أحدهما الآخر فان خير أحدهما الاخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع وان تفرقا بعد ان تبايعا ولم يترك أحدهما البيع فقد وجب البيع " متفق عليه وقال عليه الصلاة والسلام " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " رواه الائمة ورواه عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وحكيم بن حزام وأبو ثور الاسملي ورواه عن نافع عن ابن عمر مالك وأيوب وعبيد الله بن عمر وابن جريج والليث ابن سعد وغيرهم وهو صريح في حكم المسألة وعاب كثير من أهل العلم على مالك مخالفته الحديث مع روايته له وثوبته عنده قال الشافعي لاأدري هل أيهم مالك نفسه أو نافعا واعظم أن أقول عبد الله بن عمر. وقال ابن أبي ذئب يستتاب مالك في تركه لهذا الحديث. فان قيل المراد بالتفرق هاهنا التفرق بالاقوال كقوله تعالى (وما تفرق الذين أو توا الكتاب الامن بعد ما جاءتهم البينة) وقول النبي صلى الله عليه وسلم " ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة " أي بالاقوال والاعتقادات قلنا هذا باطل لوجوه منها ان اللفظ لا يحتمل ما قالوه إذ ليس بين المتبايعين تفرق بقول ولا اعتقاد انما بينهما اتفاق على

[ 62 ]

البيع بعد الاختلاف فيه (الثاني) ان هذا يبطل فائدة الحديث إذ قد علم انه بالخيار قبل العقد في انشائه وإتمامه أو تركه (الثالث) انه قال في الحديث " إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار بعد تبايعهما " وقال " وان تفرقا بعد ان تبايعا ولم يترك أحدهما البيع فقد وجب البيع " (والرابع) انه يرده تفسير ابن عمر للحديث بفعله فانه كان إذا بايع رجلا مشى خطوات ليلزم البيع وتفسير أبي برزة بقوله مثل قولنا وهما راويا الحديث وأعلم معناه وقول عمر لبيع صفقة أو خيار معناه ان البيع ينقسم إلى بيع شرط فيه الخيار وبيع لم يشرط فيه سماه صفقة لقصر مدة الخيار فيه لانه قد روي عن الحوزجاني مثل مذهبنا ولو أراد ما قالوه لم يجز ان يعارض به قول النبي صلى الله عليه وسلم فانه لاحجة في قول أحد مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن قول الصحابي لا يحتج به إذا خالفه غيره من الصحابة وقد خالفه ابنه وأبو برزة وغيرهما، ولا يصح قياس البيع على النكاح لان النكاح لا يقع الابعد رؤية ونظر غالبا فلا يحتاج إلى الخيار بعده ولان في ثبوت الخيار فيه مضرة لما يلزم من رد المرأة بعد ابتذالها بالعقد وذهاب حرمتها بالرد والحاقها بالسلع المبيعة فلم يثبت الخيار لذلك ولهذا لم يثبت فيه خيار الشرط ولاخيار الرؤية والحكم في هذه المسألة ظاهر لظهور دليله وضعف ما يذكره المخالف في مقابلته (فصل) ويثبت الخيار في الصلح بمعنى البيع لانه عقد معاوضة أشبه البيع. والهبة إذا شرط فيها عوضا معلوما ثبت فيها الخيار في احدى الروايتين بناء على الاختلاف فيها هل تصير بيعا أو لا ويثبت في الاجارة لانه عقد معاوضة أشبه البيع ويثبت في الصرف والسلم وما يشترط فيه القبض في المجلس كبيع مال الربا بجنسه في الصحيح لما ذكرنا من الخبر والمعنى. وعنه لا يثبت فيها قياسا على خيار الشرط فانه لا يثبت فيها رواية واحدة لان موضوعها على ان لا يبقى بينهما علقة بعد التفرق بدليل اشتراط القبض، وثبوت الخيار يبقي بينهما علقة ولا يثبت في سائر العقود وهي. على اضرب (أحدها) لازم لا يقصد به العوض كالنكاح والخلع فلا يثبت فيهما خيار لان الخيار انما يثبت لمعرفة الحظ في كون العوض جابرا لما يذهب من ماله والعوض هاهنا ليس هو المقصود وكذلك الوقف والهبة بغير عوض ولان في ثبوت الخيار في النكاح ضررا ذكرناه (الضرب الثاني) لازم من أحد طرفيه كالرهن لازم في حق الراهن وجده فلا يثبت فيه خيار لان المرتهن يستغني بالجواز في حقه عن ثبوت الخيار والراهن يستغني بثبوت الخيار له إلى أن يقبض وكذلك الضامن والكفيل لاخيار لهما لانهما دخلا متطوعين راضيين بالغبن، وكذلك المكاتب (الضرب الثالث) عقد جائز من الطرفين كالشركة والمضاربة والجعالة والوكالة والوديعة والوصية فلا يثبت فيها خيار استغناء بجوازها والتمكن من فسخها بأصل وضعها (الضرب الرابع) ما هو متردد بين الجواز واللزوم كالمساقاة والمزارعة، وظاهر المذهب انهما جائزان فلا يدخلهما خيار، وقيل هما اجارة فلهما حكمها، والسبق والرمي الظاهر انهما جعالة فلا

[ 63 ]

يثبت فيهما خيار وقيل هما اجارة وقد ذكرناه، فأما الحوالة والاخذ بالشفعة فهو عقد لازم يستقل به أحد المتعاقدين فلا خيار فيهما لان من لا يعتبر رضاه الخيار له، إذا لم يثبت في أحد طرفيه لا يثبت في الآخر كسائر العقود، ويحتمل أن يثبت الخيار للمحيل والشفيع لانه يقصد فيهما العوض فأشبها سائر عقود المعاوضات { مسألة } (ولكل واحد من المتبايعين الخيار ما لم يتفرقا بأبدانهما لما ذكرناه) ولا خلاف في لزوم العقد بعد التفرق ما لم يكن سبب يقتضي جوازه مثل أن يجد في السلعة عيبا فيردها به أو يكون قد شرط الخيار مدة معلومة فيملك الرد فيها بغير خلاف علمناه بين أهل العلم، وفي معنى العيب أن يدلس المبيع بما يختلف به الثمن أو يشرط في المبيع صفة يختلف بها الثمن فيبين بخلافه أو يخبره في المرابحة بثمن حال وهو مؤجل ونحو ذلك وقد دل على لزوم البيع بالتفرق قول النبي صلى الله عليه وسلم " وان تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك أحدهما البيع فقد وجب البيع " والمرجع في التفرق إلى عرف الناس وعاداتهم لان الشارع علق عليه حكما ولم يبينه فدل على انه أراد ما يعرفه الناس كالقبض والاحراز، فان كانا في فضاء واسع كالمسجد الكبير والصحراء فبأن يمشي أحدهما مستدبرا لصاحبه خطوات وقيل هو ان يبعد منه بحيث لا يسمع كلامه الذي يتكلم به في العادة. قال أبو الحارث سئل أحمد عن تفرقة الابدان فقال إذا أخذ هذا هكذا وأخذ هذا هكذا فقد تفرقا. وروى مسلم عن نافع قال فكان ابن عمر إذا باع فأراد أن لا يقيله مشى هنيهة ثم رجع، وان كانا في دار كبيرة ذات مجالس وبيوت فالمفارقة أن يفارقه من بيت إلى بيت أو إلى مجلس أو صفة أو من مجلس إلى بيت ونحو ذلك، فان كانا في دار صغيرة فإذا صعد أحدهما السطح أو خرج منها فقد فارقه، وإن كانا في سفينة صغيرة خرج أحدهما منها ومشى، وإن كانت كبيرة صعد أحدهما إلى أعلاها ونزل الآخر في أسفلها وهذا كله مذهب الشافعي، فان كان المشتري هو البائع مثل أن اشترى لنفسه من مال ولده أو اشترى لولده من نفسه لم يثبت فيه خيار المجلس لانه يتولى طرفي العقد فلم يثبت له خيار كالشفيع ويحتمل أن يثبت فيه كغيره فعلى هذا يعتبر لزومه مفارقة مجلس العقد لان الافتراق لا يمكن هاهنا لكون البائع هو المشتري، ومتى حصل التفرق لزم العقد قصدا ذلك أو لم يقصداه علماء أو جهلاه لان النبي صلى الله عليه وسلم علق الخيار على التفرق وقد وجد، ولو هرب أحدهما من الآخر لزم العقد لانه فارقه ولا يقف لزوم العقد على رضاهما ولهذا كان ابن عمر يفارق صاحبه ليلزم البيع، ولو أقاما في المجلس وسدلا بينهما سترا أو بنيا بينهما حاجزا أو ناما وقاما فمضيا جميعا ولم يتفرقا فالخيار بحاله وان طالت المدة لعدم التفرق، وقد روى أبو داود والاثرم باسنادهما عن أبي الوضئ قال غزونا غزوة لنا فنزلنا منزلا فباع صاحب لنا فرسا بغلام ثم أقاما بقية يومهما وليلتهما فلما أصبحنا من الغد وحضر الرحيل قام إلى فرسه يسرجه فندم فأتى الرجل وأخذه بالبيع فأبى الرجل أن يدفعه إليه فقال بيني وبينك

[ 64 ]

أبوبرزة صاحب رسول الله صلى الله وعليه وسلم فأتيا أبا برزة في ناحية العسكر فقالوا له هذه القصة فقال أترضيان أن أقضي بينكما بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " وما أراكما افترقتما. فان فارق أحدهما الآخر مكرها احتمل بطلان الخيار لوجود التفرق ولانه لا يعتبر رضاه في مفارقة صاحبه له فكذلك في مفارقته لصاحبه، وقال القاضي لا ينقطع الخيار لانه حكم علق على التفرق فلم يثبت مع الاكراه كما لو علق عليه الطلاق ولاصحاب الشافعي وجهان كهذين، فعلى قول من لا يرى انقطاع الخيار ان أكره أحدهما على فرقة صاحبه انقطع خيار صاحبه كما لو هرب منه يبقى الخيار للمكره منهما في المجلس الذي يزول عنه الاكراه فيه حتى يفارقه، وان اكرها جميعا انقطع خيارهما لان كل واحد منهما يقطع خياره بتفرقة الآخر له فأشبه مالو اكره صاحبه دونه، وذكر ابن عقيل من صور الاكراه مالو رأيا سبعا أو ظالما خشياه فهربا فزعا منه أو حملهما سبيل أو فرقت بينهما ريح. فان خرس أحدهما قامت اشارته مقام نطقه فان لم تفهم اشارته أو جن أو أغمي عليه قام أبوه أو وصيه أو الحاكم مقامه وهذا مذهب الشافعي (فصل) ولو الحقا في العقد خيارا بعد لزومه لم يلحق وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة وأصحابنا يلحقه لان لهما فسخ العقد فكان لهما إلحاق الخيار به كالمجلس. ولنا أنه عقد لازم فلم يصر جائزا بقولهما كالنكاح وفارق المجلس فانه جائز فجاز ابقاؤه على جوازه (فصل) وقد روي ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " البائع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا الا أن تكون صفقة خيار فلا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله " رواه الترمذي وقال حديث حسن وقوله " الا أن يكون صفقة خيار " يحتمل أنه أراد البيع المشروط فيه الخيار فانه لا يلزم بتفرقهما لكونه ثابتا بعده بالشرط، ويحتمل أنه أراد البيع الذي شرط فيه أن لا يكون فيه خيار فيلزم بمجرد العقد من غير تفرق. وظاهر الحديث تحريم مفارقة أحد المتبايعين لصاحبه خشية من فسخ البيع وهذا ظاهر كلام احمد في رواية الاثرم فانه ذكر له فعل ابن عمر وهذا الحديث فقال هذا الان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو اختيار أبي بكر، وقال القاضي ظاهر كلام احمد جواز ذلك لان ابن عمر فعله والاول أصح لان قول النبي صلى الله عليه وسلم يقدم على فعل ابن عمر، والظاهر ان ابن عمر لم يبلغه هذا ولو علمه لما خالفه { مسألة } (إلا أن يتبايعا على أن لاخيار بينهما أو يسقطا الخيار بعده فيسقط في احدى الروايتين، وان اسقطه أحدهما بقي خيار صاحبه) اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في ذلك فروي عنه ان الخيار يمتد إلى التفرق ولا يبطل بالتخاير ولا بالاسقاط قبل العقد ولابعده وهو ظاهر كلام الخرقي لان أكثر الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " من غير تقييد ولا تخصيص في رواية حكيم بن حزام وأبي برزة

[ 65 ]

واكثر الروايات عن عبد الله بن عمرو. والتقييد انما هو في حديث ابن عمر، ومتى انفرد بعض الرواة بزيادة قدم قول الاكثرين وذوي الضبط (والرواية الثانية) ان الخيار يبطل بالتخاير اختارها ابن أبي موسى وهذا مذهب الشافعي وهو الصحيح ان شاء الله تعالى لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر " فان خير احدهما صاحبه فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع " يعني لزم، وفي لفظ المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا الا ان يكون البيع كان عن خيار، فان كان البيع عن خيار فقد وجب البيع " متفق عليه. والاخذ بالزيادة اولى وهي صريحة في الحكم، والتخاير في ابتداء العقد وبعده في المجلس واحد فالتخاير في ابتدائه ان يقول بعتك ولا خيار بيننا ويقبل الآخر على ذلك فلا يكون لهما خيارا، والتخاير بعده ان يقول كل واحد منهما بعد العقد اخترت امضاء العقد والزامه أو اخترت العقد أو اسقطت خياري فيلزم العقد من الطرفين، وان اختار احدهما دون الآخر لزم في حقه وحده كما لو كان خيار الشرط فاسقطه احدهما، وقال اصحاب الشافعي في التخاير في ابتداء العقد قولان اظهرهما لا يقطع الخيار لانه اسقاط للحق قبل سببه فلم يجز كخيار الشفعة، فعلى هذا هل يبطل به العقد؟ على وجهين بناء على الشروط الفاسدة. ولنا ما ذكرنا من حديثي ابن عمر وذلك صريح في الحكم فلانعول على ما خالفه ولان ما أثر في الخيار في المجلس أثر فيه مقارنا للعقد كاشتراط الخيار ولانه أحد الخيارين في البيع فجاز اخلاؤه عنه كخيار الشرط، وقولهم انه اسقاط للخيار قبل سببه ممنوع فان سبب الخيار البيع المطلق، فأما البيع مع التخاير فليس سببا له ثم لو ثبت انه سبب للخيار لكن المانع مقارن له فلم يثبت حكمه، والشفعة لنا فيها منع وان سلم فالفرق بينهما ان الشفيع أجنبي من العقد فلم يصح اشتراط اسقاط خياره في العقد بخلاف مسئلتنا (فصل) فان قال أحدهما لصاحبه أختر ولم يقل الآخر شيئا فالساكت على خياره لانه لم يوجد منه ما يبطله وأما القائل فيحتمل أن يبطل خياره لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما لصاحبه اختر " رواه البخاري ولانه جعل لصاحبه ما ملكه من الخيار فسقط خياره وهذا ظاهر مذهب الشافعي ويحتمل أن لا يبطل خياره لانه خيره فلم يختر فلم يؤثر كما لو جعل لزوجته الخيار فلم تختر شيئا ويحمل الحديث على أنه خيره فاختار، والاول أولى لظاهر الحديث ولانه جعل الخيار لغيره ويفارق الزوجة لانه ملكها مالا تملك فإذا لم تقبل سقط وههنا كل واحد منهما يملك الخيار فلم يكن قوله تمليكا انما كان اسقاطا فسقط (فصل) قال رضي الله عنه (الثاني خيار الشرط وهو أن يشترط في العقد خيار مدة معلومة فيثبت فيها وان طالت) هذا قول أبي يوسف ومحمد وابن المنذر وحكي ذلك عن الحسن بن صالح وابن أبي ليلي واسحاق وأبي ثور وأجازه مالك فيما زاد على الثلاث بقدر الحاجة مثل قرية لا يصل إليها في

[ 66 ]

أقل من أربعة أيام لان الخيار لحاجته فيقدر بها، وقال أبو حنيفة والشافعي لا يجوز اكثر من ثلاث لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال ما أجد لكم أوسع مما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لحبان جعل له الخيار ثلاثة أيام ان رضي أخذ وان سخط ترك. ولان الخيار ينافي مقتضى البيع لانه يمنع الملك واللزوم واطلاق التصرف، وانما جاز للحاجة فجاز القليل منه وآخر حد القلة ثلاث قال الله تعالى (فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام - بعد قوله - فيأخذكم عذاب قريب) ولنا أنه حق يعتمد الشرط فرجع في تقديره إلى مشترطه كالاجل ولم يثبت ما روي عن عمر رضي الله عنه وقد روي عن أنس خلافه، وتقدير مالك بالحاجة لا يصح فانها لا يمكن ضبط الحكم بها لخفائها واختلافها وانما يرتبط بمظنتها وهو الاقدام فانه صالح أن يكون ضابطا وربط الحكم به في الثلاث وفي السلم والاجل، وقول الآخرين: إنه ينافي مقتضى البيع لا يصح لان مقتضى البيع نقل الملك والخيار لا ينافيه وان سلمنا ذلك لكن متى خولف الاصل لمعنى في محل وجب تعدية الحكم لتعدي ذلك المعنى { مسألة } (ولايجوز مجهولا في ظاهر المذهب، وعنه يجوز وهما على خيارهما ما لم يقطعاه أو تنتهي مدته) إذا شرط الخيار أبدا أو متى شاء، أو قال أحدهما ولي الخيار ولم يذكر مدته أو شرطاه إلى مدة مجهولة كقدوم زيد أو نزول المطر أو مشاورة انسان ونحو ذلك لم يصح في الصحيح من المذهب هذا اختيار القاضي وابن عقيل ومذهب الشافعي وعن أحمد أنه يصح وهما على خيارهما أبدا أو يقطعاه أو تنتهي مدته أن كان مشروطا إلى مدة وهو قول ابن شبرمة لقول النبي صلى الله عليه وسلم المسلمون على شروطهم وقال مالك يصح ويضرب لهما مدة يختبر المبيع في مثلها في العادة لان ذلك مقرر في العادة فإذا أطلقا حمل عليه، وقال أبو حنيفة إن اسقطا الشرط قبل مضي الثلاث أو حذفا الزائد عليها وبينا مدته صح لانهما حذفا المفسد قبل اتصاله بالعقد فوجب أن يصح كما لو لم يشترطاه ولنا انها مدة ملحقة بالعقد فلا تجوز مع الجهالة كالاجل، ولان اشتراط الخيار أبدا يقتضي المنع من التصرف على الابد وذلك ينافي مقتضى العقد فلم يصح كما لو قال بعتك بشرط أن لا تتصرف، وقول مالك انه يرد إلى العادة لا يصح فانه لاعادة في الخيار يرجع إليها واشتراطه مع الجهالة نادر، وقول أبي حنيفة لا يصح فان المفسد هو الشرط وهو مقترن بالعقد، ولان العقد لا يخلو من أن يكون صحيحا أو فاسدا فان كان صحيحا مع الشرط لم يفسد بوجود ما شرطناه وان كان فاسدا لم ينقلب صحيحا كبيع درهم بدرهمين إذا حذف أحدهما، وإذا قلنا يفسد الشرط هل يفسد به البيع؟ على روايتين (إحداهما) يفسد وهو مذهب الشافعي لانه عقد قارنه شرط فاسد كنكاح الشغار، ولان البائع إنما رضي ببذله بهذا الثمن مع الخيار في استرجاعه والمشتري انما رضي ببذل هذا الثمن فيه مع الخيار في فسخه فلو صححناه لازلنا ملك كل واحد منهما عنه بغير رضاه وألزمناه ما لم يرض به ولان الشرط يأخذ قسطا من الثمن فإذا حذفناه وجب رد ما سقط من الثمن من أجله وذلك مجهول فيكون الثمن مجهولا فيفسد به

[ 67 ]

العقد (والثانية) لا يفسد به العقد وهو قول ابن أبي ليلى لحديث بريرة ولان العقد قد تم بأركانه والشرط زائد فإذا فسد وزال سقط الفاسد وبقي العقد بركنيه كما لو لم يشترط (فصل) وان شرطه إلى الحصاد أو الجذاذ احتمل أن يكون كتعليقه على قدوم زيد لانه يختلف ويتقدم ويتأخر فكان مجهولا، ويحتمل أن يصح لان ذلك يتفاوت في العادة ولا يكثر تفاوته، وان شرطه إلى العطاء وأراد وقت العطاء وكان معلوما صح، وان أراد نفس العطاء فهو مجهول (فصل) وان شرطا الخيار شهرا يوما يثبت ويوما لا، فقال ابن عقيل يصح في اليوم الاول لامكانه ويبطل فيما بعده لانه إذا لزم في اليوم الثاني لم يعد إلى الجواز، ويحتمل ان يبطل الشرط كله لانه شرط واحد تناول الخيار في أيام فإذا فسد بعضه فسد جميعه كما لو شرطه إلى الحصاد { مسألة } (ولا يثبت الا في البيع والصلح بمعناه والاجارة في الذمة أو على مدة لاتلي العقد) لا نعلم خلافا في ثبوت خيار الشرط في البيع الذي لا يشترط فيه القبض في المجلس وكذلك الصلح بمعنى البيع لانه بيع بلفظ الصلح والهبة بعوض على إحدى الروايتين والاجارة في الذمة نحو أن يقول استأجرتك لتخيط لي هذا الثوب ونحوه لان الاجارة بيع المنافع فاشبهت بيع الاعيان، فاما الاجارة المعينة فان كانت مدتها من حين العقد دخلها خيار المجلس دون خيار الشرط لان دخوله يفضي إلى فوت بعض المنافع المعقود عليها أو استبقائها في مدة الخيار وكلاهما لا يجوز وهذا مذهب الشافعي، وذكر القاضي مرة مثل هذا ومرة قال يثبت فيها خيار الشرط قياسا على البيع، وقد ذكرنا ما يقتضي الفرق بينهما، فان كانت المدة لاتلي العقد يثبت فيها خيار الشرط إذا كانت مدة الخيار لا تشتمل على شئ من مدة العقد فان كانت بعض مدة العقد تدخل في مدة الخيار لم يجز لما ذكرنا { مسألة } (وان شرطاه إلى الغد لم يدخل في المدة) وهذا مذهب الشافعي، وعنه يدخل وهو مذهب أبي حنيفة لان إلى تستعمل بمعنى مع كقوله تعالى (وايديكم إلى المرافق * ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) والخيار ثابت بيقين فلا نزيله بالشك ولنا أن موضوع (إلى) لانتهاء الغاية فلا يدخل ما بعدها فيما قبلها كقوله تعالى (ثم أتموا الصيام إلى الليل) وكالاجل وليس ههنا شك فان الاصل حمل اللفظ على موضوعه فكأن الواضع قال متى سمعتم هذه اللفظة فافهموا منها انتهاء الغاية. وفيما استشهدوا به حملت إلى على معنى مع بدليل، أو لتعذر حملها على موضوعها ولان الاصل لزوم العقد وإنما خولف فيما اقتضاه الشرط فيثبت ما تيقن منه وما شككنا فيه رددناه إلى الاصل. (فصل) وان شرط الخيار إلى طلوع الشمس أو إلى غروبها صح، وقال بعض أهل العلم لا يصح توقيته بطلوعها لانها قد تتغيم فلا يعلم وقت طلوعها، ولنا أنه تعليق للخيار بامر ظاهر معلوم فصح كتعليقه بغروبها، وطلوع الشمس بروزها من الافق كما أن غروبها سقوط القرص، ولذلك لو علق طلاق

[ 68 ]

امرأته أو عتق عبده بطلوع الشمس وقع ببروزها من الافق، وإن عرض غيم يمنع المعرفة بطلوعها فالخيار ثابت حتى يتيقن طلوعها كما لو علقه بغروبها فمنع الغيم المعرفة بوقته، ولو جعل الخيار إلى طلوع الشمس من تحت السحاب أو إلى غيبتها تحته كان خيارا مجهولا { مسألة } (وان شرطاه مدة فابتداؤها من حين العقد ويحتمل أن يكون من حين التفرق) إذا شرط الخيار مدة معلومة اعتبرنا مدة الخيار من حين العقد في أظهر الوجهين والآخر من حين التفرق لان الخيار ثابت في المجلس حقا فلا حاجة إلى اثباته بالشرط ولان حالة المجلس كحالة العقد لان لهما فيه الزيادة والنقصان فكان كحالة العقد في ابتداء مدة الخيار بعد انقضائه والاول أصح لانها مدة ملحقة بالعقد فأشبهت الاجل، ولان الاشتراط سبب ثبوت الخيار فيجب أن يتعقبه حكمه كالملك في البيع ولانا لو جعلنا ابتداءها من حين التفرق أدى إلى جهالته لانا لا نعلم متى يتفرقان فلا نعلم متى ابتداؤه ولا وقت انتهائه، ولا يمنع ثبوت الحكم بسببين كتحريم الوطئ بالصيام والاحرام، فعلى هذا لو شرط ابتداءه من حين التفرق لم يصح إلا على قولنا بصحة الخيار المجهول، وان قلنا ابتداؤه من حين التفرق فشرط ثبوته من حين العقد صح لانه معلوم الابتداء والانتهاء، ويحتمل أن لا يصح لان خيار المجلس يغني عن خيار آخر فيمنع ثبوته والاول أولى ومذهب الشافعي في هذا الفصل على ما ذكرنا { مسألة } (وإن شرط الخيار لغيره جاز وكان توكيلا له فيه) إذا شرط الخيار لاجنبي صح وكان اشتراطا لنفسه وتوكيلا لغيره فيه وهذا قول أبي حنيفة ومالك وللشافعي قولان (أحدهما) لا يصح وهو قول القاضي إذا أطلق الخيار لفلان أو قال لفلان دوني لان الخيار شرع لتحصيل الحظ لكل واحد من المتعاقدين بنظره فلا يكون لمن لاحظ له، وان جعل الاجنبي وكيلا صح ولنا أن الخيار يعتمد شرطهما ويفوض اليهما وقد أمكن تصحيح شرطهما وتنفيذ تصرفهما على الوجه الذي ذكرناه فلا يجوز الغاؤه مع امكان تصحيحه لقول النبي صلى الله عليه وسلم " المسلمون على شروطهم " فعلى هذا يكون لكل واحد من المشترط ووكيله الذي شرط له الخيار الفسخ، ولو كان المبيع عبدا فشرط الخيار له صح سواء شرطه له البائع أو المشتري لانه بمنزلة الاجنبي، وان كان العاقد وكيلا فشرط الخيار لنفسه صح فان النظر في تحصيل الحظ مفوض إليه، وان شرطه للمالك صح لانه المالك والحظ له، وان شرطه لاجنبي انبنى على الروايتين في صحة توكيل الوكيل (فصل) ولو قال بعتك على أن استأمر فلانا أو حد ذلك بوقت معلوم فهو خيار صحيح وله الفسخ قبل أن يستأمره لانا جعلنا ذلك كناية عن الخيار وهذا قول بعض أصحاب الشافعي، وان لم يظبطه بمدة معلومة فهو خيار مجهول فيه من الخلاف ما ذكرناه

[ 69 ]

{ مسألة } (وان شرطا الخيار لاحدهما دون صاحبه صح) يجوز شرط الخيار لاحد المتعاقدين دون الآخر ويجوز أن يشرطا لاحدهما مدة وللآخر دونها لان ذلك حقهما وانما جوز رفقا بهما فكيفما تراضيا به جاز، ولو اشترى شيئين وشرط الخيار في أحدهما بعينه دون الآخر صح لان أكثر ما فيه أنه جمع بين مبيع فيه الخيار وبين مبيع لاخيار فيه وذلك جائز بالقياس على شراء ما فيه شفعة وما لا شفعة فيه فانه يصح ويكون كل واحد منهما مبيعا بقسطه من الثمن فان فسخ البيع فيما فيه الخيار رجع بقسطه من الثمن كما لو وجد أحدهما معيبا فرده، وان شرط الخيار في أحدهما لا بعينه أو شرط الخيار لاحد المتعاقدين لا بعينه لم يصح لانه مجهول فأشبه مالو اشترى واحدا من عبدين لا بعينه، ولانه يفضي إلى التنازع فربما طلب كل واحد من المتعاقدين ضد ما يطلبه الآخر ويدعي أنني المستحق للخيار أو يطلب من له الخيار رد أحد المبيعين ويقول ليس هذا الذي شرطت لك الخيار فيه، ويحتمل أن لا يصح شرط الخيار في أحد المبيعين بعينه كما لا يصح بيعه بقسطه من الثمن وهذا كله مذهب الشافعي { مسألة } (ولمن له الخيار الفسخ بغير حضور صاحبه ولارضاه) وبهذا قال مالك والشافعي وأبو يوسف وزفر، وقال أبو حنيفة ليس له الفسخ إلا بحضور صاحبه كالوديعة. ولنا أنه رفع عقد لا يفتقر إلى رضى صاحبه فلم يفتقر إلى حضوره كالطلاق، وما ذكره ينتقض بالطلاق، والوديعة لاحق للمودع فيها ويصح فسخها مع غيبته { مسألة } (فان مضت المدة ولم يفسخا بطل خيارهما) إذا انقضت مدة الخيار ولم يفسخ أحدهما بطل الخيار ولزم العقد، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وقال القاضي لا يلزم بمضي المدة وهو قول مالك لان مدة الخيار ضربت لحق له لا لحق عليه فلم يلزم الحكم بنفس مرور الزمان كمضي الاجل في حق المولي. ولنا أنها مدة ملحقة بالعقد فبطلت بانقضائها كالاجل، ولان الحكم ببقائها يفضي إلى بقاء الخيار في غير المدة التي شرطاه فيها والشرط يثبت الخيار فلا يجوز أن يثبت به ما لم يتناوله ولانه حكم مؤقت ففات بفوات وقته كسائر المؤقتات. ولان البيع يقتضي اللزوم وانما يختلف موجبه بالشرط ففيما لم يتناوله الشرط يجب أن يثبت موجبه لزوال المعارض كما لو أمضياه. وأما المولي فان المدة انما ضربت لاستحقاق المطالبة وهي تستحق بمضي المدة والحكم في هذه المسألة ظاهر (فصل) فان قال أحد المتعاقدين عند العقد (لاخلابة) فقال أحمد: أرى ذلك جائزا وله الخياران كان خلبه وإن لم يكن خلبه فليس له خيار وذلك لان رجلا ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أنه يخدع في البيع فقال " إذا بايعت فقل لاخلابة " متفق عليه ولمسلم " من بايعت فقل لاخلابة " فكان إذا بايع يقول لاخلابة قال شيخنا ويحتمل أن لا يكون له خيار ويكون هذا الخبر خاصا بحبان لانه روي أنه عاش إلى زمن عثمان فكان

[ 70 ]

يبايع الناس ثم يخاصمهم فيمر بهم بعض الصحابة فيقول لمن يخاصمه ويحك إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل له الخيار ثلاثا وهذا يدل على اختصاصه بهذا لانه لو كان للناس عامة لقال لمن يخاصمه إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الخيار لمن قال لاخلابة، وقال بعض الشافعية ان كانا عالمين أن ذلك عبارة عن خيار الثلاث ثبت وان علم أحدهما دون الآخر فعلى وجهين لانه روي أن حبان بن منقذ بن عمرو كان لا يزال يغبن فاتى الني صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال " إذا أنت بايعت فقل لاخلابة ثم أنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليال فان رضيت امسكت وان سخطت فارددها على صاحبها " وما ثبت في حق واحد من الصحابة ثبت في حق غيره ما لم يقم على اختصاصه دليل، ولنا أن هذا اللفظ لا يقتضي الخيار مطلقا ولا يقتضي تقييده بثلاث والاصل اعتبار اللفظ فيما يقتضيه، والخبر الذي احتجوا به إنما رواه ابن ماجه مرسلا وهم لا يرون المرسل حجة ثم لم يقولوا بالحديث على وجهه انما قالوا انه في حق من يعلم أن مقتضاه ثبوت الخيار ثلاثا ولا يعلم ذلك أحد لان اللفظ لا يقتضيه فكيف يعلم أن مقتضاه مالا يقتضيه ولا يدل عليه، وعلى أنه إنما كان خاصا لحبان بدليل ما رويناه ولانه كان يثبت له الرد على من لم يعلم مقتضاه. (فصل) إذا شرط الخيار حيلة على الانتفاع بالقرض ليأخذ غلة المبيع ونفعه في مدة انتفاع المقترض بالثمن ثم يرد المبيع بالخيار عند رد الثمن فلا خيار فيه لانه من الحيل ولا يحل لآخذ الثمن الانتفاع به في مدة الخيار ولا التصرف فيه قال الاثرم: سمعت أبا عبد الله يسئل عن الرجل يشتري من الرجل الشئ ويقول لك الخيار إلى كذا وكذا مثل العقار قال هو جائز إذا لم يكن حيلة أراد أن يقرضه فيأخذ منه العقار فيستغله ويجعل له فيه الخيار ليربح فيما أقرضه بهذه الحيلة، فان لم يكن أراد هذا فلا بأس. قيل لابي عبد الله فان أراد إرفاقه أراد أن يقرضه مالا، يخاف أن يذهب فاشترى منه شيئا وجعل له الخيار لم يرد الحيلة، فقال أبو عبد الله هذا جائز الا أنه إذا مات انقطع الخيار لم يكن لورثته. وقول أحمد بالجواز في هذه المسألة محمول على المبيع الذي لا ينتفع إلا باتلافه أو على أن المشتري لا ينتفع بالمبيع في مدة الخيار لئلا يفضي إلى أن القرض جر منفعة { مسألة } (وينتقل الملك إلى المشتري بنفس العقد في أظهر الروايتين) ينتقل الملك في بيع الخيار بنفس العقد في ظاهر المذهب ولا فرق بين كون الخيار لهما أو لاحدهما أيهما كان وهو أحد أقوال الشافعي وعن أحمد ان الملك لا ينتقل حتى ينقضي الخيار وهو قول مالك والقول الثاني للشافعي وبه قال أبو حنيفة إذا كان الخيار لهما أو للبائع وان كان للمشتري خرج عن ملك البائع ولم يدخل في ملك المشتري لان البيع الذي فيه الخيار عقد قاصر فلم ينقل الملك كالهبة قبل القبض، وللشافعي قول ثالث أن الملك موقوف فان أمضيا البيع تبينا أن الملك للمشتري وإلا تبينا أنه لم ينتقل عن البائع ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع " وقوله " من

[ 71 ]

باع نخلا بعد أن يؤبر فثمره للبائع إلا أن يشترط المبتاع " متفق عليه " فجعله للمبتاع بمجرد اشتراطه وهو عام في كل بيع، ولانه بيع صحيح فنقل الملك عقيبه كالذي لا خيار فيه، ولان البيع تمليك، بدليل أنه يصح بقوله ملكتك فيثبت به الملك كسائر البيع لان التمليك يدل على نقل الملك إلى المشتري ويقتضيه لفظه وقد اعتبره الشرع وقضى بصحته فوجب اعتباره فيما يقتضيه ويدل عليه لفظه وثبوت الخيار فيه لا ينافيه كما لو باع عرضا بعوض فوجد كل واحد منهما بما اشتراه عيبا، وقولهم إنه قاصر غير صحيح وجواز فسخه لا يوجب قصوره ولا يمنع نقل الملك فيه كبيع المعيب، وامتناع التصرف انما كان لاجل حق الغير فلا يمنع ثبوت الملك كالمرهون، وقولهم إنه يخرج عن ملك البائع ولا يدخل في ملك المشتري لا يصح لانه يفضي إلى وجود ملك بغير مالك وهو محال ويفضي أيضا إلى ثبوت الملك للبائع في الثمن من غير حصول عوضه للمشتري، أو إلى نقل ملكه عن المبيع من غير ثبوته في عوضه وكون العقد معاوضة يأبى ذلك، وقول أصحاب الشافعي إن الملك موقوف إن أمضيا البيع تبينا أنه انتقل وإلا فلا غير صحيح فان انتقال الملك انما ينبني على سببه الناقل وهو البيع وذلك لا يختلف بامضائه وفسخه، فان امضاءه ليس من المقتضي ولا شرطا فيه إذ لو كان كذلك لما ثبت الملك قبله والفسخ ليس بمانع فان المنع لا يتقدم المانع كما أن الحكم لا يسبق سببه ولا شرطه، ولان البيع مع الخيار سبب يثبت الملك عقيبه فيما إذا لم يفسخ فوجب أن يثبته وإن فسخ كبيع المعيب وهو ظاهر إن شاء الله تعالى { مسألة } (فما حصل من كسب أو نماء منفصل فهو له أمضيا العقد أو فسخاه) ما يحصل من غلات المبيع ونمائه في مدة الخيار فهو للمشتري أمضيا العقد أو فسخاه، قال أحمد فيمن اشترى عبدا ووهب له مال قبل التفرق ثم اختار البائع العبد فالمال للمشتري، وقال الشافعي إن أمضيا العقد وقلنا الملك للمشتري أو موقوف فالنماء المنفصل له، وإن قلنا الملك للبائع فالنماء له وان فسخا العقد وقلنا الملك للبائع أو موقوف فالنماء له والا فهو للمشتري ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " الخراج بالضمان " قال الترمذي هذا حديث صحيح وهذا من ضمان المشترى فيجب أن يكون خراجه له، ولان الملك ينتقل بالبيع على ما بينا فيجب أن يكون نماؤه للمشتري كما بعد انقضاء الخيار ويتخرج أن يكون النماء المنفصل للبائع إذا فسخا العقد بناء على قولنا إن الملك لا ينتقل، واما النماء المتصل فهو تابع للمبيع بكل حال كما يتبعه في الرد بالعيب والمقايلة (فصل) وضمان المبيع على المشتري إذا قبضه أو لم يكن مكيلا ولا موزونا فان تلف أو نقص أو حدث به عيب في مدة الخيار فهو من ضمانه لانه ملكه وغلته له فكان من ضمانه كما بعد انقضاء الخيار ومؤنته عليه، وان كان عبدا فهل هلال شوال ففطرته عليه لذلك، وان اشترى حاملا فولدت عنده في مدة الخيار ثم ردها على البائع لزمه رد ولدها لانه مبيع حدث فيه زيادة منفصلة فلزم رده

[ 72 ]

بزيادته كما لو اشترى عبدين فسمن أحدهما عنده، وقال الشافعي في أحد قوليه لايرد الولد لان الحمل لاحكم له لانه جزء متصل بالام فلم يأخذ قسطا من الثمن كأطرافها. ولنا أن كل ما يقسط عليه الثمن إذا كان منفصلا يقسط عليه إذا كان متصلا كاللبن وما قالوه يبطل بالجزء المشاع كالثلث والربع، والحكم في الاصل ممنوع ثم يفارق الحمل الاطراف لانه يؤول إلى الانفصال وينتفع به منفصلا ويصح افراده منفصلا والوصية به وله، ويرث إن كان من أهل الميراث ويفرد بالدية ويرثها ورثته وقولهم لا حكم للحمل لا يصح لهذه الاحكام وغيرها مما قد ذكرناه { مسألة } (وليس لواحد من المتبايعين التصرف في المبيع في مدة الخيار الا بما يحصل به تجربة المبيع) انما لم يجز لواحد منهما التصرف في المبيع في مدة الخيار لانه ليس بملك للبائع فيتصرف فيه ولا انقطعت عنه غلته فيتصرف فيه المشتري فأما تصرفه بما يحصل به تجربة المبيع كركوب الدابة لينظر سيرها، والطحن على الرحى ليعلم قدر طحنها، وتحلب الشاة ليعلم قدر لبنها ونحو ذلك فيجوز لان ذلك هو المقصود بالخيار وهو اختبار المبيع { مسألة } (فان تصرفا فيه ببيع أو هبة أو نحوهما لم ينفذ تصرفهما) إذا تصرف أحد المتبايعين في مدة الخيار في المبيع تصرفا ينقل الملك كالبيع والهبة والوقف أو يستغله كالاجارة والتزويج والرهن والكتابة ونحوهما لم يصح تصرفه إلا العتق على ما نذكره سواء وجد تصرف من البائع أو المشتري لان البائع تصرف في غير ملكه والمشتري يسقط حق البائع من الخيار واسترجاع المبيع فلم يصح تصرفه فيه كالتصرف في الرهن إلا ان يكون الخيار للمشتري وحده فينفذ تصرفه ويبطل خياره لانه لاحق لغيره فيه وثبوت الخيار له لا يمنع تصرفه فيه كالمعيب، قال احمد إذا اشترط الخيار فباعه قبل ذلك بربح فالربح للمبتاع لانه قد وجب عليه حين عرضه يعني بطل خياره ولزمه وهذا فيما إذا اشترط الخيار له وحده، وكذلك إذا قلنا إن البيع لا ينقل الملك وكان الخيار لهما أو للبائع وحده فتصرف فيه البائع نفذ تصرفه وصح لانه ملكه وله ابطال خيار غيره، وقال أبن أبي موسى في تصرف المشتري في المبيع قبل التفرق ببيع أو هبة روايتان (إحداهما) لا يصح لان في صحته اسقاط حق البائع من الخيار (والثانية) هو موقوف فان تفرقا قبل الفسخ صح، وان اختار البائع الفسخ بطل بيع المشتري قال أحمد في رواية أبي طالب إذا اشترى ثوبا بشرط فباعه بربح قبل انقضاء الشرط يرده إلى صاحبه ان طلبه فان لم يقدر على رده فللبائع قيمة الثوب لانه استهلك ثوبه أو يصالحه. فقوله يرده ان طلبه يدل على أن وجوب رده مشروط بطلبه، وقد روى البخاري عن ابن عمر أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فكان على بكر صعب لعمر فكان يتقدم النبي صلى الله عليه وسلم فيقول له أبوه لا يتقدم النبي صلى الله عليه وسلم أحد فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " بعنيه " فقال عمر فهو لك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " هو لك يا عبد الله ابن عمر فاصنع به ما شئت " وهذا يدل على التصرف قبل التفرق، والاول أصح وحديث ابن عمر ليس فيه

[ 73 ]

تصريح بالبيع فان قول عمر هو لك يحمل على أنه أراد هبته وهو الظاهر فانه لم يذكر ثمنا والهبة لا يثبت فيها الخيار، وقال الشافعي تصرف البائع في المبيع بالبيع والهبة ونحوهما صحيح لانه اما أن يكون على ملكه فيملك العقد عليه، إما أن يكون للمشتري والبائع يملك فسخه، فجعل البيع والهبة فسخا وأما تصرف المشتري فلا يصح إذا قلنا الملك لغيره وإن قلنا الملك له ففي صحة تصرفه وجهان ولنا على أبطال تصرف البائع أنه تصرف في ملك غيره بغير ولاية شرعية ولا نيابة عرفية فلم يصح كما بعد الخيار، وقولهم يملك الفسخ قلنا إلا أن ابتداء التصرف لم يصادف ملكه فلم يصح كتصرف الاب فيما وهبه لولده قبل استرجاعه وتصرف الشفيع في الشقص المشفوع قبل اخذه (فصل) فان تصرف المشتري باذن البائع أو البائع بوكالة المشتري صح التصرف وانقطع خيارهما لانه يدل على تراضيهما بامضاء البيع فينقطع به خيارهما كما لو تخايرا، وانما صح تصرفهما لان قطع الخيار حصل بالاذن في البيع فيقع بعد البيع انقطاع الخيار ويحتمل أن لا يصح تصرف البائع باذن المشتري لان البائع لا يحتاج إلى إذن المشتري في استرجاع المبيع فيصير كتصرفه بغير اذن المشتري وقد ذكرنا أنه لا يصح كذا ههنا، وكل موضع قلنا ان تصرف البائع لا ينفذ ولكن ينفسخ به البيع فانه متى أعاد ذلك التصرف أو تصرف تصرفا سواه صح لان الملك عاد إليه بفسخ البيع فصح تصرفه فيه كما لو فسخ البيع بصريح قوله ثم تصرف فيه الا إذا قلنا ان تصرفه لا ينفسخ به البيع وكذلك ان تقدم تصرفه بما ينفسخ به البيع صح تصرفه لما ذكرنا { مسألة } (ويكون تصرف البائع فسخا لبيع وتصرف المشتري اسقاطا لخياره في أحد الوجهين وفي الآخر البيع والخيار بحالهما، وان استخدام المبيع لم يبطل خياره في أصح الوجهين وكذلك ان قبلته الجارية ويحتمل أن يبطل إذا لم يمنعها) إذا تصرف البائع في المبيع بما يفتقر إلى الملك كان فسخا للبيع وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي لان تصرفه يدل على رغبته في المبيع فكان فسخا للبيع كصريح القول لان الصريح انما كان فسخا للبيع لدلالته على الرضا به فما دل على الرضا به يقوم مقامه ككنايات الطلاق، وعن احمد رواية أخرى لا ينفسخ البيع بذلك لان الملك انتقل عنه فلم يكن تصرفه فيه استرجاعا له كمن وجد متاعه عند مفلس فتصرف فيه، وان تصرف المشتري في المبيع في مدة الخيار بما ذكرنا ونحوه مما يختص الملك كاعتاق العبد وكتابته ووطئ الجارية ومباشرتها ولمسها بشهوة ووقف المبيع وركوب الدابة لحاجته أو سكنى الدار ورمها وحصاد الزرع فما وجد من هذا فهو رضا بالمبيع ويبطل به خياره لان الخيار يبطل بالتصريح بالرضى وبدلالته ولذلك بطل خيار المعتقة بتمكينها من نفسها وقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم " ان وطئك فلا خيار لك " وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي، فأما ما يستعلم به المبيع كركوب الدابة ليختبر فراهتها والطحن على الرحى ليعلم قدره ونحو ذلك فلا يدل على الرضا ولا يبطل به الخيار لانه

[ 74 ]

المقصود بالخيار وفيه وجه آخر أن تصرف المشتري لا يبطل خياره ولا يبطل الا بالتصريح كما لو ركب الدابة ليختبرها، والاول أصح لان هذا يتضمن اجازة البيع ويدل على الرضى به فيبطل به الخيار كصريح القول، ولان صريح القول انما يبطل به الخيار لدلالته على الرضى فما دل على الرضى بالمبيع يقوم مقام القول ككنايات الطلاق، وان عرضه على البيع أو باعه بيعا فاسدا، أو عرضه على الرهن، أو وهبه فلم يقبل الموهوب له بطل خياره على الوجه الاول لان ذلك يدل على الرضى به، قال احمد إذا شرط الخيار فباعه قبل ذلك يربح فالربح للمبتاع لانه وجب عليه حين عرضه (فصل) وإن استخدم المشتري المبيع ففيه روايتان (احداهما) لا يبطل خياره، قال أبو الصقر قلت لاحمد رجل اشترى جارية وله الخيار فيها يومين فانطلق بها فغسلت رأسه أو غمزت رجله أو طبخت له أو خبزت هل يستوجبها بذلك؟ قال لا حتى يبلغ منها مالا يحل لغيره قلت فان مشطها أو خظبها أو حفها هل استوجبها بذلك؟ قال قد بطل خياره لانه وضع يده عليها. وذلك لان الاستخدام لا يختص الملك ويراد به تجربة المبيع فأشبه ركوب الدابة ليعلم سيرها. ونقل حرب عن أحمد أنه يبطل خياره لانه انتفاع بالمبيع أشبه لمسها بشهوة. ويمكن أن يقال ما قصد به من الاستخدام تجربة المبيع لا يبطل الخيار كركوب الدابة ليعلم سيرها وما لا يقصد به ذلك يبطل الخيار كركوب الدابة لحاجته، وإن قبلت الجارية المشتري لم يبطل خياره وهذا مذهب الشافعي، ويحتمل أن يبطل ذكره أبو الخطاب إذا لم يمنعها لان اقراره لها على ذلك يجري مجرى استمتاعه بها، وقال أبو حنيفة إن قبلته بشهوة بطل خياره لانه استمتاع يختص الملك فأبطل خياره كما لو قبلها ولنا انها قبلة لاحد المتعاقدين فلم يبطل خياره كما لو قبلت البائع ولان الخيار له لا لها فلو الزمناه بفعلها لالزمناه بغير رضاه ولا دلالة عليه بخلاف ما إذا قبلها فانه يدل على الرضى بها، ومتى بطل خيار المشتري بتصرفه فخيار البائع باق بحاله لان خياره لا يبطل برضى غيره الا أن يكون تصرف باذن البائع وقد ذكرناه { مسألة } (وان أعتقه المشتري نفذ عتقه وبطل خيارهما، وكذلك إن تلف المبيع، وعنه لا يبطل خيار البائع وله الفسخ والرجوع بالقيمة) إذا تصرف أحد المتعاقدين بعتق المبيع في مدة الخيار نفذ عتق من حكمنا بالملك له، وظاهر المذهب أن الملك للمشتري فنفذ عتقه سواء كان الخيار لهما أو لاحدهما لانه عتق من مالك جائز التصرف فنفذ كما بعد المدة وقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا عتق فيما لا يملك ابن آدم " يدل بمفهومه على أنه ينفذ في الملك وملك البائع الفسخ لا يمنع نفوذ العتق من المشتري كما لو باع عبدا بجارية معيبة فان عتق المشتري ينفذ مع أن للبائع الفسخ. ولو وهب رجل ابنه عبدا فاعتقه نفذ عتقه مع ملك الاب استرجاعه ولا ينفذ عتق البائع في ظاهر المذهب، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي ينفذ عتقه لانه ملكه، وإن كان الملك انتقل فانه يسترجعه بالعتق، ولنا أنه اعتاق من غير مالك فلم ينفذ كعتق الاب عبد ابنه

[ 75 ]

الذي وهبه إياه، وقد دللنا على أن الملك انتقل إلى المشتري، وان قلنا بالرواية الاخرى وان الملك لم ينتقل إلى المشتري نفذ عتق البائع دون المشتري، وان أعتق البائع والمشتري جميعا فان تقدم عتق المشتري فالحكم على ما ذكرناه، وان تقدم عتق البائع فينبغي أن لا ينفذ عتق واحد منهما لان البائع لم ينفذ عتقه لكونه أعتق غير مملوكه، ولكن حصل باعتاقه فسخ البيع واسترجاع العبد فلم ينفذ عتق المشتري، ومتى أعاد البائع الاعتاق مرة ثانية نفذ اعتاقه لانه عاد العبد إليه أشبه مالو استرجعه بصريح قوله إلا على الرواية التي تقول إن تصرف البائع لا يكون فسخا للبيع فينبغي أن ينفذ اعتاق المشتري. ولو اشترى من يعتق عليه جرى مجرى اعتاقه بصريح قوله وقد ذكرنا حكمه، وان باع عبدا بجارية بشرط الخيار فاعتقها نفذ عتق الامة دون العبد، وان أعتق أحدهما ثم أعتق الآخر نظرت فان أعتق الامة أولا نفذ عتقها وبطل خياره ولم ينفذ عتق العبد، وإن أعتق العبد أولا انفسخ البيع ورجع إليه العبد ولم ينفذ اعتاقه ولا ينفذ عتق الامة لانها خرجت بالفسخ عن ملكه وعادت إلى سيدها الذي باعها. (فصل) وإذا قال لعبده إذا بعتك فانت حر ثم باعه صار حرا نص عليه أحمد، وبه قال الحسن وابن ابي ليلى ومالك والشافعي وسواء شرطا الخيار أو لم يشرطاه، وقال أبو حنيفة والثوري لا يعتق لانه إذا تم بيعه زال ملكه عنه فلم ينفذ اعتاقه له، ولنا أن زمن انتقال الملك زمن الحرية لان البيع سبب لنقل الملك وشرط للحرية فيجب تغليب الحرية كما لو قال لعبده إذا مت فأنت حر ولانه علق حريته على فعله للبيع، والصادر منه في البيع إنما هو الايجاب فمتى قال للمشتري بعتك فقد وجد شرط الحرية فيعتق قبل قبول المشتري وعلله القاضي بأن الخيار ثابت في كل بيع فلا ينقطع تصرفه فيه فعلى هذا لو تخايرا ثم باعه لم يعتق، ولا يصح هذا التعليل على مذهبنا لاننا قد ذكرنا أن البائع لو أعتق في مدة الخيار لم ينفذ اعتاقه (فصل) وإذا أعتق المشتري العبد بطل خياره وخيار البائع، وهذا اختيار الخرقي كما لو تلف المبيع على ما نذكره، وفيه رواية أخرى أنه لا يبطل خيار البائع لقول النبي صلى الله عليه وسلم " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " فعلى هذه الرواية له الفسخ ولا رجوع بالقيمة يوم العتق (فصل) وان تلف المبيع في مدة الخيار فلا يخلوا إما أن يكون قبل القبض أو بعده فان كان قبل القبض وكان مكيلا أو موزونا انفسخ البيع، وكان من مال البائع ولا نعلم في هذا خلافا إلا أن يتلفه المشتري فيكون من ضمانه، ويبطل خياره في خيار البائع روايتان وإن كان المبيع غير المكيل والموزون فلم يمنع البائع والمشتري من قبضه فظاهر المذهب أنه من ضمان المشتري ويكون كتلفه بعد القبض، وأما إن تلف المبيع بعد القبض في مدة الخيار فهو من ضمان المشتري ويبطل خياره وفي خيار البائع روايتان (إحداهما) يبطل وهو اختيار الخرقي وأبي بكر لانه خيار فسخ فبطل بتلف

[ 76 ]

المبيع كخيار الرد بالعيب إذا تلف المعيب (والثانية) لا يبطل وللبائع الفسخ ويطالب المشتري بقيمته أو مثله إن كان مثليا اختارها القاضي وابن عقيل لقول النبي صلى الله عليه وسلم " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " ولانه خيار فسخ فلم يبطل بتلف المبيع كما لو اشترى ثوبا بثوب فتلف أحدهما ووجد الآخر بالثوب عيبا فانه يرده ويرجع بقيمة ثوبه كذا ههنا { مسألة } (وحكم الوقف حكم البيع في أحد الوجهين وفيه وجه آخر أنه كالعتق لانه تصرف يبطل الشفعة فأشبه العتق) والصحيح أن حكمه حكم البيع فيما ذكرنا لان المبيع يتعلق به حق البائع فقلنا يمنع جواز التصرف فمنع صحة الوقف كالرهن ويفارق الوقف العتق لانه مبني على التغليب والسراية بخلاف الوقف ولا نسلم أن الوقف يبطل الشفعة والله أعلم { مسألة } (وان وطئ المشتري الجارية فأحبلها صارت أم ولد له وولده حر ثابت النسب) لا يجوز للمشتري وطئ الجارية في مدة الخيار إذا كان الخيار لهما أو للبائع وحده لانه يتعلق بها حق البائع فلم يصح وطئها كالمرهونة ولا نعلم في هذا خلافا، فان وطئها فلا حد عليه لان الحد يدرأ بشبهة الملك فبحقيقته أولى ولا مهر لها لانها مملوكته، وان علقت منه فالولد حر يلحقه نسبه لانه من امته ولا يلزم قيمته لذلك وتصير أم ولد له، فان فسخ البائع البيع رجع بقيمتها لانه تعذر الفسخ فيها ولا يرجع بقيمة ولدها لانه حدث في ملك المشتري، وان قلنا إن الملك لا ينتقل إلى المشتري فلا حد عليه أيضا لان له فيها شبهة لوجود سبب نقل الملك إليه فيها، واختلاف أهل العلم في ثبوت الملك له، والحد يدرأ بالشبهات وعليه المهر وقيمة الولد وحكمهما حكم نمائهما، وان علم التحريم وان ملكه غير ثابت فولده رقيق { مسألة } (وان وطئها البائع وقلنا البيع ينفسخ بوطئه فكذلك، وان قلنا لا ينفسخ فعليه المهر وولده رقيق إلا إذا قلنا الملك له ولا حد فيه على كل حال) وقال أصحابنا عليه الحد إذا علم زوال ملكه وأن البيع لا ينفسخ بوطئه وهو المنصوص، وأما البائع فلا يحل له الوطئ قبل فسخ البيع، وقال بعض الشافعية له وطؤها لان البيع ينفسخ بوطئه فان كان الملك انتقل رجعت إليه، وان لم يكن انتقل انقطع حق المشتري منها فيكون واطئا لمملوكته التي لا حق لغيره فيها، ولنا أن الملك انتقل عنه فلم يحل له وطؤها لقول الله تعالى (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) ولان ابتداء الوطئ يقع في غير ملكه حراما، ولو انفسخ البيع قبل وطئه لم يحل حتى يستبرئها ولاحد عليه، وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والشافعي، وقال بعض أصحابنا ان علم التحريم وان مكله قد زال ولا ينفسخ بالوطئ فعليه الحد، وذكر أن أحمد نص عليه لانه لم يصادف ملكا ولا شبهة ملك. ولنا أن ملكه

[ 77 ]

يحصل بابتداء وطئه فيحصل تمام الوطئ في ملكه مع اختلاف العلماء في كون الملك له وحل الوطئ له ولا يجب الحد مع واحدة من هذه الشبهات فكيف إذا اجتمعت مع انه يحتمل ان يحصل الفسخ باللامسة قبل الوطئ فيكون الملك قد رجع إليه قبل وطئه، ولهذا قال أحمد في المشتري إنها قد وجبت عليه فيما إذا مشطها أو خضبها أو حفها فبوضع يده عليها للجماع ولمس فرجها أولى، وعلى هذا يكون ولده منها حرا ثابت النسب ولا يلزمه قيمته ولا مهر عليه، وتصير أم ولد له، وقال أصحابنا ان علم التحريم فولده رقيق لا يلحقه نسبه، وان لم يعلم لحقه النسب وولده حر وعليه قيمته يوم الولادة وعليه المهر ولا تصير أم ولد له لانه وطئها في غير ملكه (فصل) ولا بأس بنقد الثمن وقبض المبيع في مدة الخيار وهو قول أبي حنيفة والشافعي وكرهه مالك قال لانه في معنى بيع وسلف إذا أقبضه الثمن ثم تفاسخا البيع صار كأنه أقرضه إياه. ولنا ان هذا الحكم من أحكام البيع فجاز في مدة الخيار كالاجارة وما ذكره لا يصح لاننا لا نجيز له التصرف فيه { مسألة } (ومن مات منهم بطل خياره ولم يورث) إذا مات أحد المتبايعين في مدة الخيار بطل خياره في ظاهر المذهب، ويبقى خيار الآخر بحاله الا أن يكون الميت قد طالب بالفسخ قبل موته فيكون لورثته، وهو قول الثوري وأبي حنيفة ويتخرج ان الخيار لا يبطل، وينتقل إلى ورثته لانه حق مالي فينتقل إلى الوارث كالاجل وخيار الرد بالعيب ولانه حق فسخ فينتقل إلى الوارث كالفسخ بالتحالف، وهذا قول مالك والشافعي. ولنا انه حق فسخ لا يجوز الاعتياض عنه فلم يورث كخيار الرجوع في الهبة { فصل } (الثالث) خيار الغبن ويثبت في ثلاث صور (إحداها) إذا تلقى الركبان فباعهم أو اشترى منهم فلهم الخيار إذا هبطوا السوق وعلموا انهم قد غبنوا غبنا يخرج عن العادة، روي انهم كانوا يتلقون الاجلاب فيشترون منهم الامتعة قبل أن يهبطوا الا سواق فربما غبنوهم غبنا بينا فيضروا بهم وربما أضروا باهل البلد لان الركبان إذا وصلوا باعوا امتعتهم والذين يتلقونهم لا يبيعونها سريعا ويترابصون بها السعة فهو في معنى بيع الحاضر للبادي فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فروى ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تلقوا الركبان ولا يبيع حاضر لباد " وعن أبي هريرة مثله متفق عليهما، وكرهه اكثر العلماء منهم عمر بن عبد العزيز ومالك والليث والاوزاعي والشافعي واسحاق وحكى عن أبي حنيفة أنه لم ير بذلك بأسا، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع فان خالف وتلقى الركبان واشترى منهم فالبيع صحيح في قول الجميع قاله ابن عبد البر، وعن أحمد أن البيع باطل لظاهر النهي والاول اصح لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا تلقوا الجلب فمن تلقاه فاشترى منه فإذا أتى السوق فهو بالخيار " رواه مسلم والخيار لا يكون إلا في عقد صحيح، ولان النهي لا لمعنى في البيع بل يعود إلى ضرب من الخديعة يمكن استدراكها باثبات الخيار فأشبه بيع المصراة وفارق

[ 78 ]

بيع الحاضر للبادي فانه لا يمكن استدراكه بالخيار إذ ليس الضرر عليه انما هو على المسلمين، إذا تقرر هذا فللبائع الخيار إذا علم أنه قد غبن، وقال أصحاب الرأي لا خيار له وقد روينا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا ولا قول لاحد مع قوله، وظاهر المذهب انه لاخيار له الا مع الغبن لانه انما يثبت لاجل الخديعة ودفع الضرر عن البائع ولا ضرر مع عدم الغبن وهذا ظاهر مذهب الشافعي ويحمل اطلاق الحديث في اثبات الخيار على هذا لعلمنا بمعناه ومراده ولان النبي صلى الله عليه وسلم جعل له الخيار إذا أتى السوق فيفهم منه انه أشار إلى معرفته بالغبن في السوق ولولا ذلك لكان الخيار له من حين البيع، وظاهر كلام الخرقي ان الخيار يثبت له مجرد الغبن وان قل والاولى أن يتقيد بما يخرج عن العادة لان ما دون ذلك لا ينضبط، وقال أصحاب مالك انما نهي عن تلقي الركبان لما يفوت به من الرفق باهل السوق لئلا ينقطع عنهم ماله جلسوا من ابتغاء فضل الله، قال ابن القاسم فان تلقاها متلق فاشتراها عرضت على أهل السوق فيشتركون فيها، وقال الليث بن سعد يباع في السوق وهذا مخالف لمدلول الحديث فان النبي صلى الله عليه وسلم جعل الخيار للبائع إذا هبط السوق ولم يجعلوا له خيار أو جعل النبي صلى الله عليه وسلم الخيار له يدل على أن النهي عن التلقي لحقه لا لحق غيره، ولان الجالس في السوق كالمتلقي في أن كل واحد منهما مبتغ لفضل الله ولا يليق بالحكمة فسخ عقد أحدهما والحاق الضرر به دفعا للضرر عن مثله، وليس رعاية حق الجالس أولى من رعاية حق المتلقي، ولا يمكن اشتراك أهل السوق كلهم في سلعته فلا يعرج على مثل هذا (فصل) فان تلقاهم فباعهم شيئا فهو كمن اشترى منهم ولهم الخيار إذا غبنهم غبنا يخرج عن العادة وهذا احد الوجهين للشافعية وقالوا في الآخر النهي عن الشراء دون البيع فلا يدخل البيع فيه وهذا مقتضى قول أصحاب مالك لانهم عللوه بما ذكرنا عنهم ولا يتحقق ذلك في البيع لهم. ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " ولا تلقوا الركبان " والبائع داخل فيه ولان النهي عنه لما فيه من خديعتهم وغبنهم، وهذا في البيع كهو في الشراء، والحديث قد جاء ملطقا، ولو كان مختصا بالشراء لالحق به ما في معناه وهذا في معناه (فصل) فان خرج لغير قصد التلقي فلقي ركبا فقال القاضي: ليس له الابتياع منهم ولا الشراء وهذا أحد الوجهين لاصحاب الشافعي، ويحتمل أن لا يحرم عليه ذلك وهو قول الليث بن سعد والوجه الثاني لاصحاب الشافعي لانه لم يقصد التلقي فلم يتناوله النهي ولانه نادر فلا يكثر ضرره كمن يقصد ذلك ووجه الاول انه انما نهي عن التلقي دفعا للخديعة والغبن عنهم وذلك متحقق سواء قصد التلقي أو لم يقصده فأشبه ما لو قصد { مسألة } (الثانية النجش وهو أن يزيد في السلعة من يريد شراها ليغر المشتري فله الخيار إذا غبن)

[ 79 ]

النجش حرام وخداع قال البخاري الناجش آكل ربا خائن وهو خداع باطل لا يحل لما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن النجش متفق عليه، ولان في ذلك تغريرا بالمشتري وخديعة له، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " الخديعة في النار " فان اشترى مع النجش فالشراء صحيح في قول أكثر العلماء منهم الشافعي وأصحاب الرأي، وعن أحمد أن البيع باطل اختاره أبو بكر وهو قول مالك لان النهي يقتضي الفساد. ولنا أن النهي عاد إلى الناجش لا إلى العاقد فلم يؤثر في البيع ولان النهي لحق آدمي فلم يفسد العقد كبيع المدلس، وفارق ماكان لحق الله تعالى فان حق الآدمي يمكن جبره بالخيار أو زيادة في الثمن، لكن إن كان في البيع غبن لم تجر العادة بمثله فللمشتري الخيار بين الفسخ والامضاء كما في تلقي الركبان فان كان يتغابن بمثله فلا خيار له، وسواء كان النجش بمواطأة من البائع أو لم يكن، وقال أصحاب الشافعي ان لم يكن ذلك بمواطأة من البائع وعلمه فلا خيار، واختلفوا فيما إذا كان بمواطأة منه فقال بعضهم لاخيار للمشتري لان التفريط منه حيث اشترى ما لايعرف قيمته. ولنا أنه تغرير بالعاقد فإذا غبن ثبت له الخيار كما في تلقي الركبان، وبذلك يبطل ما ذكروه ولو قال البائع أعطيت بهذه السلعة ما لم يعط فصدقه المشتري ثم كان كاذبا فالبيع صحيح وللمشتري الخيار أيضا لانه في معنى النجش { مسألة } (الثالثة المسترسل إذا غبن الغبن المذكور) يعني إذا غبن غبنا يخرج عن العادة كما ذكرنا في تلقي الركبان، والنجش يثبت له الخيار بين الفسخ والامضاء، وبه قال مالك قال ابن أبي موسى وقد قيل قد لزمه البيع ولا فسخ له وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي لان نقصان قيمة السلعة مع سلامتها لا يمنع لزوم العقد كغير المسترسل وكالغبن اليسير. ولنا أنه غبن حصل لجهله بالمبيع فأثبت الخيار كالغبن في تلقي الركبان. فاما غير المسترسل فانه دخل على بصيرة بالغبن فهو كالعالم بالعيب وكذا لو استعجل فجهل مالو تثبت لعلمه لم يكن له خيار لانه انبنى على تفريطه وتقصيره، والمسترسل هو الجاهل بقيمة السلعة ولا يحسن المبايعة قال أحمد: المسترسل الذي لا يحسن أن يما كس وفي لفظ الذي لا يماكس فكأنه استرسل إلى البائع فأخذ ما اعطاه من غير مما كسة ولا معرفة بغبنه. ولا تحديد للغبن في المنصوص عن أحمد، وحده أبو بكر في التنبيه وابن أبي موسى في الارشاد بالثلث وهو قول مالك لقول النبي صلى الله عليه وسلم " والثلث كثير " وقيل السدس والاولى تحديده بما لا يتغابن الناس به في العادة لان ما لا يرد الشرع بتحديده يرجع فيه إلى العرف (فصل) وإذا وقع البيع على غير متعين كقفيز من صبرة ورطل من دن فظاهر قول الخرقي انه يلزم بالتفرق سواء تقابضا أولا، وقال القاضي في موضع المبيع الذي لا يلزم إلا بالقبض كالمكيل والموزون فقد صرح بأنه لا يلزم قبل قبضه، وذكر في موضع آخر: من اشترى فقيزا من صبرتين فتلفت احداهما قبل القبض بطل العقد في التالف دون الباقي رواية واحدة، ولا خيار للبائع وهذا

[ 80 ]

تصريح باللزوم في حق البائع قبل القبض، وانه لو كان جائزا كان له الخيار سواء تلفت احداهما أو لم تتلف. ووجه الجواز انه مبيع لا يملك بيعه ولا التصرف فيه فكان جائزا كما قبل التفرق، ولانه لو تلف لكان من ضمان البائع. ووجه اللزوم قول النبي صلى الله عليه وسلم " وان تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك أحدهما البيع فقد وجب البيع " وما ذكرناه للقول الاول ينتقض ببيع الموصوف والسلم فانه لازم مع ما ذكرناه وكذلك سائر البيع في احدى الروايتين. (فصل) قال رضي الله عنه (الرابع خيار التدليس بما يزيد الثمن كتصرية اللبن في الضرع وتحمير وجه الجارية وتسويد شعرها وتجعيده وجمع ماء الرحى وارساله عند عرضها فهذا يثبت للمشتري خيار الرد) التصرية جمع اللبن في الضرع يقال صرى الشاة وصرى اللبن في ضرع الشاة بالتشديد والتخفيف ويقال صرى الماء في الحوض، وصرى الطعام في فيه وصرى الماء في ظهره إذا ترك الجماع وأنشد أبو عبيدة: رأيت غلاما قد صرى في فقرته * ماء الشباب عنفوان شرته قال البخاري أصل التصرية حبس الماء. يقال صريت الماء ويقال للمصراة المحفلة وهو من الجمع أيضا ومنه سميت مجامع الناس محافل، والتصرية حرام إذا أريد بها التدليس على المشتري لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا تصروا الابل " وقوله " من غشنا فليس منا " وروى ابن ماجه باسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " بيع المحفلات خلابة ولا تحل الخلابة لمسلم " وراه ابن عبد البر " ولا تحل خلابة مسلم " فمن اشترى مصراة من بهيمة الانعام وهو لا يعلم تصريتها ثم علم فله الخيار في الرد والامساك روي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة وأنس واليه ذهب مالك وابن أبي ليلى والشافعي وإسحاق وأبو يوسف وعامة أهل العلم، وذهب أبو حنيفة ومحمد إلى أنه لا خيار له لان ذلك ليس بعيب بدليل أنها لو لم تكن مصراة فوجدها أقل لبنا من أمثالها لم يملك ردها، والتدليس بما ليس بعيب لا يثبت الخيار كما لو علفها فانتفخ بطنها فظن المشتري أنها حامل ولنا ما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا تصروا الابل والغنم فمن ابتاعها فانه بخير النظرين بعد ان يحلبها ان شاء أمسك وان شاء ردها وصاعا من تمر " متفق عليه، وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من ابتاع محفلة فهو بالخيار ثلاثة أيام فان ردها رد معها مثل أو مثلي لبنها فمحا " رواه أبو داود ولانه تدليس بما يختلف الثمن باختلافه فوجب به الرد كالشمطاء إذا سود شعرها، وبه يبطل قياسهم فان بياضه ليس بعيب كالكبر، وإذا دلسه ثبت له الخيار، وأما انتفاخ البطن فقد يكون لغير الحمل فلا معنى لحمله عليه وعلى أن هذا القياس يخالف النص واتباع قول النبي صلى الله عليه وسلم أولى، إذا ثبت هذا فانما يثبت الخيار إذا لم يعلم المشتري بالتصرية فان كان عالما لم يثبت له خيار، وقال أصحاب الشافعي يثبت له الخيار في وجه للخبر ولان انقطاع اللبن لم يوجد وقد يبقى على حاله كما لو

[ 81 ]

تزوجت عنينا ثم طلبت الفسخ. ولنا أنه اشتراها عالما بالتدليس فلم يكن له خيار كما لو اشترى من سود شعرها عالما بذلك ولانه دخل على بصيرة فلم يثبت له الرد كما لو اشترى معيبا يعلم عيبه وبقاء اللبن على حاله نادر بعيد لا يعلق عليه حكم، والاصل الذي قاسوا عليه ممنوع (فصل) وكذلك كل تدليس يختلف الثمن لاجله مثل أن يسود شعر الجارية أو يجعده أو يحمر وجهها أو يضمر الماء على الرحى ويرسله عند عرضها على المشتري يثبت الخيار أيضا لانه تدليس يختلف الثمن باختلافه فأثبت الخيار كالتصرية، وبهذا قال الشافعي، ووافق أبو حنيفة في تسويد الشعر وقال في تجعيده لا يثبت به خيار لانه تدليس بما ليس بعيب أشبه ما لو سود أنامل العبد ليظنه كاتبا أو حدادا وما ذكروه ينتقض بتسويد الشعر، وأما تسويد أنامل العبد فليس بمنحصر في كونه كاتبا لانه يحتمل أن يكون قد ولع بالدواة أو كان غلاما لكاتب يصلح له الدواة فظنه كاتبا طمعا لا يستحق به فسخا، فان حصل هذا من غير تدليس مثل أن اجتمع اللبن في الضرع من غير قصد، أو احمر وجه الجارية لخجل أو تعب أو يسود شعرها بشئ وقع عليه، فقال القاضي له الرد أيضا لدفع الضرر اللاحق بالمشتري والضرر واجب الدفع سواء قصد أو لم يقصد أشبه العيب، ويحتمل أن لا يثبت الخيار بحمرة الوجه بخجل أو تعب لانه يحتمل ذلك فتعين ظنه من خلقته الاصلية لطمع فأشبه سواد أنامل العبد (فصل) وان دلسه بما لا يختلف به الثمن كتبييض الشعر وتسبيطه فلا خيار للمشتري لانه لا ضرر في ذلك، وان علف الشاة فظنها المشتري حاملا أو سود أنامل العبد أو ثوبه ليظنه كاتبا أو حدادا أو كانت الشاة عظيمة الضرع خلقة فظنها كثيرة اللبن فلا خيار له لان ذلك لا ينحصر فيما ظنه المشتري لان سواد الانامل قد يكون لو لع أو خدمة كاتب أو حداد أو شروع في الكتابة وانتفاخ البطن يكون للاكل فظنه المشتري غير ذلك طمعا لا يثبت به الخيار (فصل) فان أراد امساك المدلس مع الارش لم يكن له ذلك لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل له في المصراة ارشا بل خيره بين الامساك والرد مع صاع من تمر ولان المدلس ليس بمعيب فلم يستحق له ارشا، فان تعذر عليه الرد بتلف فعليه الثمن لانه تعذر عليه الرد ولا ارش له أشبه غير المدلس، فان تعيب عنده قبل العلم بالتدليس فله رده ورد ارش العيب عنده وأخذ الثمن وان شاء امسك ولا شئ له، وان تصرف في المبيع بعد علمه بالتدليس بطل رده كما لو تصرف في المبيع، المعيب وان أخر الرد من غير تصرف فحكمه حكم تأخير رد المعيب على ما نذكره ان شاء الله { مسألة } (ويرد مع المصراة عوض اللبن صاعا من تمر فان لم يجد التمر فقيمته في موضعه سواء كانت ناقة أو بقرة أو شاة) إذا رد المصراة لزمه بدل اللبن في قول كل من جوز ردها وهو مقدر بصاع من تمر كما جاء في

[ 82 ]

الحديث، وهذا قول الليث وإسحاق والشافعي وأبي عبيد وأبي ثور، وذهب مالك وبعض الشافعية إلى أن الواجب صاع من قوت البلد لان في بعض الاحاديث " ورد معها صاعا من طعام " وفي بعضها " ورد معها مثل أو مثلي لبنها قمحا " فجمع بين الاحاديث وجعل تنصيصه على التمر لانه غالب قوت البلد في المدينة لانه غالب قوت بلد آخر، وقال أبو يوسف يرد قيمة اللبن لانه ضمان متلف فيقدر بقيمته كسائر المتلفات وحكي ذلك عن ابن أبي ليلى، وحكي عن زفر أنه يرد صاعا من تمر أو نصف صاع بر كقولهم في الفطرة. ولنا الحديث الصحيح الذي أوردناه وقد نص فيه على التمر فقال " ان شاء ردها وصاعا من تمر " وللبخاري " من اشترى غنما مصراة فاحتلبها فان رضيها أمسكها وان سخطها ففي حلبها صاع من تمر " ولمسلم " ردها ورد صاعا من تمر لاسمرا " يعني لايرد قمحا والمراد بالطعام في الحديث التمر لانه مطلق في أحد الحديثين مقيد في الآخر في قضية واحدة، والمطلق فيما هذا سبيله يحمل على المقيد وحديث ابن عمر في روايته جميع بن عمير التيمي قال ابن نمير هو من اكذب الناس، وقال ابن حبان كان يضع الحديث مع أن الحديث متروك الظاهر بالاتفاق إذ لا قائل بايجاب مثل لبنها أو مثلي لبنها قمحا ثم قد شك فيه الراوي مع مخالفة الحديث الصحيح فلا يعول عليه، وقياس أبي يوسف مخالف للنص فلا يقبل ولا يبعد أن يقدر الشارع بدل هذا المتلف قطعا للخصومة والتنازع كما قدر دية الآدمي ودية أطرافه، ولا يمكن حمل الحديث على أن الصاع كان قيمة اللبن، فلذلك أوجبه لوجوه ثلاثة (أحدها) أن القيمة هي الاثمان لا التمر (الثاني) أنه أوجب في المصراة من الابل والغنم جميعا صاعا من تمر مع اختلاف لبنها (الثالث) أن لفظه للعموم فيتناول كل مصراة ولا يتفق أن تكون قيمة لبن كل مصراة صاعا وان أمكن أن يكون كذلك فيتعين ايجاب الصاع لانه القيمة التي عين الشارع ايجابها فلا يجوز العدول عنها، ويجب أن يكون صاع التمر جيدا غير معيب لانه واجب باطلاق الشارع فينصرف إلى ما ذكرناه كالصاع الواجب في الفطرة، ويكفي فيه أدنى ما يقع عليه اسم الجيد، ولا فرق بين أن تكون قيمة التمر أقل من قيمة الشاة أو أكثر أو مثلها نص عليه وليس فيه جمع بين البدل والمبدل لان التمر بدل اللبن قدره الشارع به كما قدر في يدي العبد قيمته وفي يديه ورجليه قيمته مرتين مع بقاء العبد على ملك السيد، وان عدم التمر في موضعه فعليه قيمته في موضع العقد لانه بمنزلة عين أتلفها فيجب عليه قيمتها (فصل) ولا فرق بين الناقة والبقرة والشاة فيما ذكرنا، وقال داود لا يثبت الخيار بتصرية البقرة لان الحديث " لا تصروا الابل والغنم " فدل على ان ما عداهما بخلافهما ولان الحكم ثبت فيهما بالنص، والقياس لا تثبت به الاحكام. ولنا عموم قوله " من اشترى مصراة ومن ابتاع محفلة " ولم يفصل والخبر فيه تنبيه على تصرية البقر لان لبنها أكثر وأنفع فيثبت بالتنبيه وهو حجة عند الجميع (فصل) إذا اشترى مصراتين أو أكثر في عقد فردهن رد مع كل مصراة صاعا وبه قال الشافعي وبعض المالكية، وقال بعضهم في الجميع صاع لان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من

[ 83 ]

اشترى غنما مصراة فاحتلبها فان رضيها أمسكها وإن سخطها ففي حلبتها صاع من تمر ". ولنا قوله " من اشترى مصراة " وهذا يتناول الواحدة ولان ما جعل عوضا عن شئ في صفقتين وجب إذا كان في صفقة واحدة كأرش العيب وأما الحديث فان الضمير فيه يعود إلى الواحدة { مسألة } (فان كان اللبن بحاله لم يتغير رده وأجزأه ويحتمل أن لا يجزئه إلا التمر) إذا احتلبها واللبن بحاله ثم ردها مع لبنها فلا شئ عليه لان المبيع إذا كان موجودا فرده لم يلزمه بدله فان أبى البائع قبوله وطلب التمر فليس له ذلك إذا كان اللبن لم يتغير ويحتمل أن يلزمه قبوله لظاهر الخبر ولانه قد نقص بالحلب لان كونه في الضرع أحفظ له ولنا انه قدر على رد المبدل فلم يلزمه البدل كسائر المبدلات مع أبدالها. والحديث المراد به رد التمر حالة عدم اللبن لقوله " في حلبتها صاع من تمر " وقولهم الضرع أحفظ له لا يصح لانه لا يمكن ابقاؤه في الضرع على الدوام لانه يضر بالحيوان، فان تغير اللبن ففيه وجهان (أحدهما) لا يلزمه قبوله وهو قول مالك للخبر ولانه قد نقص بالحموضة أشبه تلفه (والثاني) يلزمه قبوله لان التعهد حصل باستعلام المبيع بتعين البائع وتسليطه على حلبه فلم يمنع الرد كلبن غير المصراة (فصل) فان رضي بالتصرية فأمسكها ثم وجد بها عيبا ردها به لان رضاه بعيب لا يمنع الرد لعيب آخر كما لو اشترى أعرج فرضي به فوجده أبرص فان رد لزمه صاع من تمر عوض اللبن لانه عوض به فيما إذا ردها بالتصرية فيكون عوضا له مطلقا (فصل) ولو اشترى شاة غير مصراة فاحتلبها ثم وجد بها عيبا فله الرد، ثم ان لم يكن في ضرعها لبن حال العقد فلا شئ عليه لان اللبن الحادث بعد العقد يحدث على ملكه، وان كان فيه لبن حال العقد إلا انه يسير لا يخلو الضرع من مثله عادة فلا شئ فيه لانه لا عبرة به ولا قيمة له في العادة، وإن كان كثيرا وكان قائما بحاله انبنى رده على رد لبن المصراة وقد سبق، فان قلنا ليس له رده فبقاؤه كتلفه، وهل له رد المبيع؟ يخرج على الروايتين فيما إذا اشترى شيئا فتلف بعضه أو تعيب فان قلنا برده رد مثل اللبن لانه من المثليات والاصل ضمانها بمثلها إلا انه خولف في لبن المصراة للنص ففيما عداه يبقى على الاصل، ولاصحاب الشافعي في هذا الفصل نحو مما ذكرنا (فصل) قال ابن عقيل إذا علم التصرية قبل حلبها مثل أن أقربه البائع أو شهد به من تقبل شهادته فله ردها ولا شئ معها لان التمر انما وجب بدلا للبن المحتلب ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال " من اشترى غنما مصراة فاحتلبها فان رضيها أمسكها وإن سخطها ففي حلبها صاع من تمر " ولم يأخذ لها ههنا لبنا فلم يلزمه رد شئ معها وهذا قول مالك، قال ابن عبد البر: هذا مما لا خلاف فيه { مسألة } (ومتى علم التصرية فله الرد، وقال القاضي ليس له ردها إلا بعد ثلاث) اختلف أصحابنا في مدة الخيار فقال القاضي هو مقدر بثلاثة أيام ليس له الرد قبل مضيها ولا

[ 84 ]

إمساكها بعدها فان أمسكها بعدها سقط الرد قال وهو ظاهر كلام أحمد وقول بعض أصحاب الشافعي لان أبا هريرة روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من اشترى مصراة فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام إن شاء أمسكها وان شاء ردها ورد معها صاعا من تمر " رواه مسلم، قالوا هذه الثلاثة قدرها الشارع لمعرفة التصرية فانها لا تعرف قبل مضيها لان لبنها في أول يوم لبن التصرية وفي الثاني يجوز أن يكون نقص لتغير المكان واختلاف العلف وكذلك الثالث، فإذا مضت الثلاث استبانت التصرية وثبت الخيار على الفور ولا يثبت قبل انقضائها، وقال أبو الخطاب متى تبينت التصرية جاز له الرد قبل الثلاث وبعدها لانه تدليس يثبت الخيار فملك الرد به إذا ظهر كسائر التدليس وهو قول بعض المدلسين، فعلى هذا فائدة التقدير في الخبر بالثلاث لان الظاهر انه لا يحصل العلم إلا بها فاعتبرها لحصول العلم ظاهرا، فان حصل العلم بها أولم يحصل فالاعتبار به دونها كما في سائر التدليس، وظاهر قول ابن أبي موسى انه متى علم التصرية ثبت له الخيار في الايام الثلاثة إلى تمامها وهو قول ابن المنذر وأبي حامد من الشافعية وحكاه عن الشافعي لظاهر حديث أبي هريرة فانه يقتضي ثبوت الخيار في الايام الثلاثة كلها، وقول القاضي لا يثبت في شئ منها، وقول أبي الخطاب يسوى بينها وبين غيرها، والعمل بالخبر أولى والقياس ما قاله أبو الخطاب قياسا على سائر التدليس { مسألة } (وان صار لبنها عادة لم يكن له الرد في قياس قوله: إذا اشترى أمة مزوجة فطلقها الزوج لم يملك الرد. وقال أصحاب الشافعي له الرد في أحد الوجهين للخبر ولان التدليس كان موجودا في حال العقد فأثبت الرد كما لو نقص اللبن. ولنا ان الرد جعل لدفع الضرر بنقص الثمن ولم يوجد فامتنع الرد ولان العيب لم يوجد ولم تختلف صفة البيع عن حالة العقد فلم يثبت التدليس ولان الخيار يثبت لدفع الضرر ولا ضرر { مسألة } (فان كانت التصرية في غير بهيمة الانعام كالامة والاتان والفرس ثبت له الخيار في أحد الوجهين) اختاره ابن عقيل وهو ظاهر مذهب الشافعي لعموم قوله صلى الله عليه وسلم " من اشترى مصراة " ولانه تصرية بما يختلف به الثمن فأثبت الخيار كتصرية بهيمة الانعام لان الآدمية تراد للرضاع ويرغب فيها ظئرا، ولذلك لو اشترط كثرة لبنها فبان بخلافه ملك الفسخ، والفرس تراد لولدها (والثاني) لا يثبت به الخيار لان لبنها لا يعتاض عنه في العادة ولا يقصد كلبن بهيمة الانعام، والخبر ورد في بهيمة الانعام ولا يصح القياس عليه لذلك، واللفظ العام أريد به الخاص لانه أمر في ردها بصاع من تمر ولا يجب في لبن غيرها ولانه ورد عاما وخاصا في قضية واحدة فيحمل العام على الخاص فان قلنا بردها لم يلزمه بذل لبنها ولا يرد معها شيئا لان هذا اللبن لا يباع عادة ولا يعتاض عنه { مسألة } (ولا يحل للبائع تدليس سلعته ولا كتمان عيبها) لقوله عليه السلام " من غشنا فليس منا " قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وقال عليه الصلاة والسلام " المسلم أخو المسلم لا يحل

[ 85 ]

لمسلم باع من أخيه بيعا إلا بينه " رواه ابن ماجه، فان فعل فالبيع صحيح في قول أكثر أهل العلم منهم مالك وأبو حنيفة والشافعي بدليل حديث التصرية فان النبي صلى الله عليه وسلم صححه مع نهيه عنه، وقال أبو بكر ان دلس العيب فالبيع باطل لانه منهي عنه والنهي عنه والنهي يقتضي الفساد، فقيل له ما تقول في التصرية؟ فلم يذكر جوابا فدل على رجوعه (فصل) قال رضي الله عنه (الخامس خيار العيب وهو النقص كالمرض وذهاب جارحة أو سن أو زيادتها ونحو ذلك، وعيوب الرقيق من فعله كالزنا والسرقة والاباق والبول في الفراش ان كان من مميز) العيوب النقائص الموجبة لنقص المالية في عادات التجار لان المبيع انما صار محلا للعقد باعتبار صفة المالية فما يوجب نقصا فيها يكون عيبا والمرجع في ذلك إلى العادة في عرف التجار، فالعيوب في الخلقة كالجنون والجذام والبرص والصمم والعمى والعور والعرج والعفل والقرن والفتق والرتق والقرع والطرش والخرس وسائر المرض والاصبع الزائدة والناقصة والحول والخوص والسبل وهو زيادة في الاجفان والتخنيث وكونه خنثى والخصاء والتزوج في الامة والبخر فيها وهذا كله قول أبي حنيفة والشافعي، قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم في الجارية تشترى ولها زوج أنه عيب، وكذلك الدين في رقبة العبد إذا كان السيد معسرا، والجناية الموجبة للقود، ولان الرقبة صارت كالمستحقة لوجوب الدفع في الجناية والبيع في الدين ومستحقة الاتلاف بالقصاص، والزنا والبخر عيب في العبد والامة وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة ليس بعيب في العبد لانه لايراد للفراش والاستمتاع بخلاف الامة. ولنا أن ذلك ينقص قيمته وماليته فانه بالزنا يتعرض لاقامة الحد عليه والتعزير ولا يأمنه سيده على عائلته؟ والبخر يؤذي سيده ومن جالسه أوساره، والسرقة والاباق والبول في الفراش عيوب في الكبير الذي جاوز العشر، وقال أصحاب أبي حنيفة في الذي يأكل وحده ويشرب وحده، وقال الثوري واسحاق ليس بعيب حتى يحتلم لان الاحكام تتعلق به من التكليف ووجوب الحد فكذلك هذا. ولنا أن الصبي العاقل يتحرز من هذا عادة كتحرز الكبير فوجوده منه في تلك الحال يدل على ان البول لداء في بطنه، والسرقة والاباق لخبث في طبعه. وحد ذلك بالعشر لامر النبي صلى الله عليه وسلم بتأديب الصبي على ترك الصلاة عندها والتفريق بينهم في المضاجع. فأما من دون ذلك فتكون هذه الامور منه لضعف عقله وعدم تثبته، وكذلك إن كان العبد يشرب الخمر ويسكر من النبيذ نص عليه أحمد لانه يوجب الحد فهو كالزنا، وكذلك الحمق الشديد والاستطالة على الناس لانه يحتاج إلى التأديب وربما تكرر فأفضى إلى تلفه، ويختص الكبير دون الصغير لانه منصوب إلى فعله، وعدم الختان ليس بعيب في العبد الصغير لانه لم يفت وقته ولا في الامة الكبيرة وبه قال الشافعي، وقال أصحاب أبي حنيفة هو عيب فيها لانه زيادة ألم أشبهت العبد. ولنا أنه لا يجب عليها والالم فيه يقل

[ 86 ]

ولا يخشى منه التلف بخلاف العبد الكبير، فأما الكبير فان كان مجلوبا من الكفار فليس ذلك بعيب فيه لان العادة أنهم لا يختنون فصار ذلك معلوما عند المشتري فهو كديتهم، وان كان مسلما مولدا فهو عيب فيه لانه يخشى عليه منه وهو خلاف العادة (فصل) والثيوبة ليست بعيب لانها الغالب على الجواري فالاطلاق لا يقتضي خلافها هذا اختيار القاضي، وقال ابن عقيل إذا اطلق الشراء اقتضى سلامتها من الثيوبة وبقاء البكارة، فالثيوبة اتلاف جزء والاصل عدم الاتلاف والثمن يختلف باختلافه فنقول جزء يختلف الثمن ببقائه وزواله فزواله عيب كتلف بعض اجزائها. وتحريمها على المشتري بنسب أو رضاع ليس بعيب إذ ليس في المحل ما يوجب خللا في المالية ولا نقصا والتحريم يختص به، وكذلك الاحرام والصيام لانهما يزولان قريبا وبه قال أبو حنيفة والشافعي ولا نعلم فيه خلافا وكذلك عدة البائن. فأما عدة الرجعية فهي عيب لان الرجعية زوجة لا يؤمن ارتجاعها، ومعرفة الغناء والحجامة ليس بعيب، وحكي عن مالك في الجارية المغنية انه عيب فيها لانه محرم. ولنا انه ليس بنقص في عينها ولا قيمتها فهو كالصناعة وكونه محرما ممنوع وإن سلم فالمحرم استعماله لا معرفته، والعسر ليس بعيب وكان شريح يرد به ولنا أنه ليس بنقص وعمله باحدى يديه يقوم مقام عمله بالاخرى، والكفر ليس بعيب وبه قال الشافعي وهو عيب عند أبي حنيفة لانه نقص لقول الله تعالى (ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم) ولنا أن العبيد فيهم المسلم والكافر والاصل فيهم الكفر، فالاطلاق لا يقتضي خلاف ذلك وكون المؤمن خيرا من الكافر لا يقتضي كون الكفر عيبا كما ان المتقي خير من غيره، قال الله تعالى (ان أكرمكم عند الله أتقاكم) وليس عدمه عيبا. وكونه ولد زنا ليس بعيب وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة هو عيب في الجارية لانها تراد للافتراش بخلاف العبد، قلنا ان النسب في الرقيق غير مقصود بدليل انهم يشترون مجلوبين غير معروفي النسب. وكون الجارية لا تحسن الطبخ أو الخبز ونحوه ليس بعيب لان هذا حرفة فلم يك فقدها عيبا كسائر الصنائع. وكونها لا تحيض ليس بعيب، وقال الشافعي هو عيب إذا كان لكبر لان من لا تحيض لا تحمل. ولنا ان الاطلاق لا يقتضي الحيض ولاعدمه فلم يكن فواته عيبا كما لو كان لغير الكبر { مسألة } (فمن اشترى معيبا لا يعلم عيبه فله الخيار بين الرد والامساك مع الارش وهو قسط ما بين قيمة الصحيح والمعيب من الثمن) من اشترى معيبا يعلم عيبه أو مدلسا أو مصراة وهو عالم فلا خيار له لانه بذل الثمن فيه عالما راضيا به عوضا أشبه ما لا عيب فيه لا نعلم خلاف ذلك، وإن علم به عيبا لم يكن عالما به فله الخيار بين الامساك والفسخ سواء كان البائع علم العيب فكتمه أو لم يعلم لا نعلم فيه خلافا ولان اثبات النبي صلى الله عليه وسلم الخيار بالتصرية تنبيه على ثبوته بالعيب ولان مطلق العقد يقتضي السلامة من العيب بدليل ما روي

[ 87 ]

عن النبي صلى الله عليه وسلم انه اشترى مملوكا فكتب " هذا ما اشترى محمد بن عبد الله من العداء بن خالد اشترى منه عبدا - أو أمة - لا دابة ولا غائلة بيع المسلم للمسلم " ولان الاصل السلامة والعيب حادث أو مخالف للظاهر، فعند الاطلاق يحمل عليها فمتى فاتت فات بعض مقتضى العقد فلم يلزمه أخذه بالعوض وكان له الرد وأخذ الثمن كاملا (فصل) فان اختار امساك المعيب واخذ الارش فله ذلك وبه قال اسحاق، وقال أبو حنيفة والشافعي ليس له الا الامساك أو الرد ولا أرش له الا أن يتعذر رد المبيع وروي ذلك عن أحمد حكاه صاحب المحرر لان النبي صلى الله عليه وسلم جعل لمشتري المصراة الخيار بين الامساك من غير أرش أو الرد ولانه يملك الرد فلم يملك أخذ جزء من الثمن كالرد بالخيار. ولنا أنه ظهر على عيب لم يعلم به فكان له الارش كما لو تعيب عنده ولانه فات عليه جزء من المبيع فكانت له المطالبة بعوضه كما لو اشترى عشرة أقفزة فبانت تسعة أو كما لو أتلفه بعد البيع، فأما المصراة فليس فيها عيب وانما ملك الخيار بالتدليس لا لفوات جزء وكذلك لا يستحق أرشا إذا تعذر الرد، إذا ثبت هذا فمعنى الارش أن يقوم المبيع صحيحا ثم يقوم معيبا فيؤخذ قسط ما بينهما من الثمن. مثاله أن يقوم المعيب صحيحا بعشرة ومعيبا بتسعة والثمن خمسة عشر فقد نقصه العيب عشر قيمته فيرجع على البائع بعشر الثمن وهو درهم ونصف، وعلة ذلك أن المبيع مضمون على المشتري بثمنه ففوات جزء منه يسقط عنه ضمان ما قابله من الثمن ولاننا لو ضمناه نقص القيمة أفضى إلى اجتماع الثمن والمثمن للمشتري فيما إذا اشترى شيئا بعشرة وقيمته عشرون فوجد به عيبا ينقصه عشرة فأخذها حصل له المبيع ورجع بثمنه، وهذا لاسبيل إليه وقد نص أحمد على ما ذكرناه. وذكره الحسن البصري فقال يرجع بقيمة العيب في الثمن يوم اشتراه. قال أحمد هذا أحسن ما سمعته { مسألة } (وما كسب فهو للمشتري وكذلك نماؤه المنفصل وعنه لا يرده الا مع نمائه) وجملة ذلك أنه إذا أراد رد المبيع فلا يخلو اما أن يكون بحاله أو أن يكون قد زاد أو نقص فان كان بحاله رده وأخذ الثمن، وان زاد بعد العقد أو حصلت له فائدة فذلك قسمان (أحدهما) أن تكون الزيادة متصلة كالسمن والكبر وتعلم صنعة والحمل والثمرة قبل الظهور فانه يردها بمائها فانه يتبع في العقود والفسوخ (القسم الثاني) أن تكون الزيادة منفصلة وهي نوعان (أحدهما) أن تكون من غير المبيع كالكسب والاجرة وما يوهب له أو يوصى له به فهو للمشتري في مقابلة ضمانه لان المبيع لو هلك كان من مال المشتري وهو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم " الخراج بالضمان " ولا نعلم في هذا خلافا وقد روى ابن ماجه باسناده عن عائشة أن رجلا اشترى عبدا فاستغله ما شاء الله ثم وجد به عيبا فرده فقال يا رسول الله انه استغل غلامي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الخراج بالضمان " رواه أبو داود وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والشافعي ولا نعلم عن غيرهم خلافهم (النوع الثاني) أن تكون الزيادة من عين المبيع كالولد والثمرة واللبن فهي للمشتري أيضا ويرد

[ 88 ]

الاصل بدونها، وبهذا قال الشافعي الا أن الولد ان كان لآدمية لم يملك ردها دونه وسنذكر ذلك وعنه ليس له رده دون نمائه قياسا على النماء المتصل، والمذهب الاول لما ذكرناه من حديث عائشة وقال مالك، ان كان النماء ثمرة لم يردها، وان كان ولدا رده لان الرد حكم فسرى إلى الولد كالكتابة، وقال أبو حنيفة: النماء الحادث في يد المشتري يمنع الرد لانه لا يمكن رد الاصل بدونه لانه من موجبه فلا يرفع العقد مع بقاء موجبه، ولا يمكن رده معه لانه لم يتناوله العقد. ولنا انه نماء حدث في ملك المشتري فلم يمنع الرد كما لو كان في يد البائع وكالكسب ولانه نماء منفصل فجاز رد الاصل بدونه كالكسب والثمرة عند مالك، وقولهم ان النماء من موجب العقد لا يصح انما موجبه الملك ولو كان موجبا للعقد لعاد إلى البائع بالفسخ، وقول مالك لا يصح، لان الولد ليس بمبيع فلا يمكن رده بحكم رد الام، ويبطل ما ذكره بنقل الملك بالهبة والبيع وغيرهما فانه لا يسري إلى الولد بوجوده في الام فان اشتراها حاملا فولدت عند المشتري فردها رد ولدها معها لانه من جملة المبيع والولادة نماء متصل، وإن نقص المبيع فسيأتي حكمه ان شاء الله تعالى { مسألة } (ووطئ الثيب لايمنع الرد وعنه يمنع) إذا اشترى أمة ثيبا فوطئها المشتري قبل علمه بالعيب فله ردها ولا شئ عليه روي ذلك عن زيد بن ثابت، وبه قال مالك والشافعي وأبو ثور وعثمان البتي، وعن أحمد رواية أخرى أنه يمنع الرد يروي ذلك عن علي رضي الله عنه، وبه قال الزهري والثوري وأبو حنيفة واسحاق لان الوطئ كالجناية لانه لا يخلو في ملك الغير من عقوبة أو مال فوجب أن يمنع الرد كوطئ البكر، وقال شريح والشعبي والنخعي وسعيد بن المسيب وابن أبي ليلى يردها ومعها ارش واختلفوا فيه فقال شريح والنخعي نصف عشر ثمنها، وقال الشعبي حكومة وقال سعيد بن المسيب دنانير، وقال ابن أبي موسى مهر مثلها وحكي نحوه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وذكره ابن أبي موسى رواية عن أحمد لانه إذا فسخ صار واطئا في ملك الغير لكون الفسخ رفعا للعقد من أصله. ولنا أنه معنى لا ينقص عينها ولا قيمتها ولا يتضمن الرضا بالعيب فلم يمنع الرد كالاستخدام وكوطئ الزوج. وما قالوه يبطل بوطئ الزوج، ووطئ البكر ينقص ثمنها. وقولهم يكون واطئا في ملك الغير لا يصح لان الفسخ رفع العقد من حينه لامن اصله بدليل انه لا يبطل الشفعة ولا يوجب رد الكسب فيكون وطؤه في ملكه (فصل) ولو اشتراها مزوجة فوطئها الزوج لم يمنع ذلك الرد بغير خلاف نعلمه، فان زوجها المشتري فوطئها الزوج ثم أراد ردها بالعيب فان كان النكاح باقيا فهو عيب حادث، وان كان قد زال فحكمه حكم وطئ السيد، وقد استحسن أحمد أنه يمنع الرد وهو محمول على الرواية الاخرى إذ لا فرق بين هذا وبين وطئ السيد، وان زنت في يد المشتري ولم يكن عرف ذلك منها فهو عيب حادث حكمه حكم العيوب الحادثة، ويحتمل أن يكون عيبا بكل حال لانه لزمها حكم الزنا في يد المشتري

[ 89 ]

{ مسألة } (وان وطئ البكر أو تعيبت عنده فله الارش، وعنه انه مخير بين الارش وبين الرد وارش العيب الحادث عنده ويأخذ الثمن) إذا وطئ المشتري البكر قبل علمه بالعيب ففيه روايتان (احداهما) لا يردها ويأخذ ارش العيب وبه قال مالك وابن سيرين والزهري والثوري والشافعي وأبو حنيفة واسحاق قال ابن أبي موسى وهو الصحيح عن أحمد (والرواية الاخرى) يردها ومعها شئ اختارها الخرقي وبه قال شريح وسعيد بن المسيب والشعبي والنخعي ومالك وابن أبي ليلى وأبو ثور، والواجب رد ما نقص قيمتها بالوطئ فإذا كانت قيمتها بكرا مائة وثيبا ثمانين رد معها عشرين لانه بفسخ العقد يصير مضمونا عليه بقيمته بخلاف ارش العيب الذي يأخذه المشتري، وهذا قول مالك وأبي ثور، وقال شريح والنخعي يرد عشر ثمنها وقال سعيد بن المسيب يرد عشرة دنانير وما قلناه ان شاء الله أولى، واحتج من منع ردها بان الوطئ نقص عينها وقيمتها فمنع الرد كما لو اشترى عبدا فخصاه فنقصت قيمته، ووجه الرواية الاخرى انه عيب حدث عند أحد المتبايعين لا للاستعلام فيثبت معه الخيار كالعيب الحادث عند البائع قبل القبض (فصل) وكذلك كل مبيع كان معيبا ثم حدث به عيب عند المشتري قبل علمه بالاول ففيه روايتان (احداهما) ليس له الرد وله ارش العيب القديم، وبه قال الثوري وابن شبرمة والشافعي وأصحاب الرأى، وروي ذلك عن ابن سيرين والزهري والشعبي لان الرد يثبت لازالة الضرر، وفي الرد على البائع اضرار به ولا يزال الضرر بالضرر (والثانية) له الرد ويرد ارش العيب الحادث عنده ويأخذ الثمن وان شاء امسكه وله الارش، وبه قال مالك واسحاق وقال الحكم يرده ولم يذكر معه شيئا، ولنا حديث المصراة فان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بردها بعد حلبها ورد عوض لبنها ولانه روي عن عثمان أنه قضى في الثوب إذا كان به عوار يرده وان كان قد لبسه، ولانه عيب حدث عند المشتري فكان له الخيار بين رد المبيع وارشه وبين ارش العيب القديم كما لو حدث لا ستعلام المبيع ولان العيبين قد استويا والبائع قد دلس والمشتري لم يدلس فكان رعاية جانبه أولى، ولان الرد كان جائزا قبل حدوث العيب الثاني فلا يزول إلا بدليل وليس في المسألة اجماع ولا نص، والقياس انما يكون على أصل وليس لما ذكروه أصل فيبقى الجواز بحاله. إذا ثبت هذا فانه يرد ارش العيب الحادث عنده لان المبيع بجملته مضمون عليه بقيمته فكذلك أجزاؤه. فان زال العيب الحادث عنده رده ولا شئ معه على كلتا الروايتين وبه قال الشافعي لانه زال المانع مع قيام السبب المقتضي للرد فثبت حكمه، ولو اشترى أمة فحملت عنده ثم أصاب بها عيبا فالحمل عيب للآدميات دون غيرهن لانه يمنع الوطئ ويخاف منه التلف فان ولدت فالولد للمشتري، وان نقصتها الولادة فذلك عيب، وان لم تنقصها الولادة ومات الولد ردها لزوال

[ 90 ]

العيب فان كان ولدها باقيا لم يكن له ردها دون ولدها لما فيه من التفريق بينهما وهو محرم، وقال الشريف ابن جعفر وأبو الخطاب في مسائلهما له ردها دون ولدها وهو قول أكثر أصحاب الشافعي لانه موضع حاجة فاشبه مالو ولدت حرا فانه يجوز بيعها دون ولدها ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة " رواه الترمذي وقال حديث حسن ولانه أمكن منع الضرر باخذ الارش أو برد ولدها معها فلم يجز ارتكاب نهي الشرع بالتفريق بينهما كما لو أراد الاقالة فيها دون ولدها، وقولهم إن الحاجة داعية إليه قلنا قد اندفعت الحاجة باخذ الارش. أما إذا ولدت حرا فلا سبيل إلى بيعه معها بحال ولو كان المبيع حيوانا غير الآدمي فحدث فيه حمل عند المشتري لم يمنع الرد بالعيب لانه زيادة، وان علم بالعيب بعد الوضع ولم تنقصه الولادة فله رد الام وامساك الولد لان التفريق بينهما لا يحرم ولا فرق بين حملها قبل القبض وبعده، ولو اشتراها حاملا فولدت عنده ثم اطلع على عيب فردها رد الولد معها لانه من جملة المبيع والزيادة فيه نماء متصل فاشبه مالو سمنت الشاة، وان تلف الولد فهو كتعيب المبيع عنده فان قلنا له الرد فعليه قيمته، وعن أحمد لا قيمة عليه للولد، وحمل القاضي كلام أحمد على أن البائع دلس العيب، وان نقصت الام بالولادة فهو عيب حادث حكمه حكم العيوب الحادثة، ويمكن حمل كلام أحمد على أنه لاحكم للحمل وهو أحد أقوال الشافعي فعلى هذا يكون الولد حينئذ للمشتري فلا يلزمه رده مع بقائه ولاقيمته مع التلف، والاول أصح وعليه العمل (فصل) فان كان المبيع كاتبا أو صانعا فنسي ذلك عند المشتري ثم وجد به عيبا فالنسيان عيب حادث فهو كغيره من العيوب وعنه يرده ولا شئ عليه وعلله القاضى بأنه ليس بنقص في العين، ويمكن عوده بالتذكر، قال وعلى هذا لو كان سمينا فهزل والقياس ما ذكرناه فان الصناعة والكتابة مقومة تضمن في الغصب وتلزم بشرطها في البيع فاشبهت الاعيان والمنافع من السمع والبصر والعقل وامكان العود منتقض بالسن والبصر والحمل، وما روي عن أحمد محمول على ما إذا دلس بعيب (فصل) وإذا تعيب المبيع عند البائع بعد العقد وكان المبيع من ضمانه فهو كالعيب القديم، وان كان من ضمان المشتري فهو كالعيب الحادث بعد القبض، فاما الحادث بعد القبض فهو من ضمان المشتري لا يثبت الخيار وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وقال مالك عهدة الرقيق ثلاثة أيام فما أصابه فيها فهو من مال البائع إلا في الجنون والجذام والبرص، فان تبين إلى سنة ثبت الخيار لما روى الحسن عن عقبة ان النبي صلى الله عليه وسلم جعل عهدة الرقيق ثلاثة أيام ولانه إجماع أهل المدينة ولان الحيوان يكون فيه العيب ثم يظهر. ولنا انه ظهر في يد المشتري ويجوز أن يكون حادثا فلم يثبت به الخيار كسائر المبيع وكما بعد الثلاثة والسنة وحديثهم لا يثبت قال أحمد ليس فيه حديث صحيح، وقال ابن المنذر لا يثبت

[ 91 ]

في العهدة حديث، والحسن لم يلق عقبة، واجماع أهل المدينة ليس بحجة، والداء الكامن لا عبرة به وانما النقص بما ظهر لا بماكمن { مسألة } (قال الخرقي إلا أن يكون البائع دلس العيب فيلزمه رد الثمن كاملا) قال القاضي ولو تلف المبيع عنده ثم علم أن البائع دلس العيب رجع بالثمن كله نص عليه في رواية حنبل. معنى دلس العيب أي كتمه عن المشتري أو غطاه عنه بما يوهم المشتري عدمه مشتق من الدلسة وهي الظلمة فكأن البائع يستر العيب، وكتمانه جعله في ظلمة فخفي على المشتري فلم يره ولم يعلم به والتدليس حرام وقد ذكرناه فمتى فعله البائع فلم يعلم به المشتري حتى تعيب المبيع في يده فله رد المبيع وأخذ ثمنه كاملا ولا ارش عليه سواء كان بفعل المشتري كوطئ البكر وقطع الثوب أو بفعل آدمي آخر مثل أن يجني عليه أو بفعل العبد كالسرقة أو بفعل الله تعالى، وسواء كان ناقصا للمبيع أو مذهبا لجملته قال احمد في رجل اشترى عبدا فأبق وأقام البينة أن اباقه كان موجودا في يد البائع يرجع على البائع بجميع الثمن لانه غر المشتري ويتبع البائع عبده حيث كان، ويحكى هذا عن الحكم ومالك لانه غره فرجع عليه كما لو غره بحرية أمة (قال شيخنا) ويحتمل أن يلزمه عوض العين إذا تلفت، وارش البكر إذا وطئها لقوله عليه السلام " الخراج بالضمان " وكما يجب عوض لبن المصراة على المشتري مع كونه قد نهى عن التصرية وقال " بيع المحفلات خلابة ولا تحل الخلابة لمسلم " وقد جعل الشارع الضمان عليه لوجوب الخراج، فلو كان ضمانه على البائع لكان الخراج له لوجود علته، ولان وجوب الضمان على البائع لا يثبت إلا بنص أو إجماع، ولا نعلم لهذا أصلا ولا يشبه هذا التغرير بحرية الامة في النكاح لانه يرجع على من غره وإن لم يكن سيد الامة، وههنا لو كان التدليس من وكيل البائع لم يرجع عليه بشئ نص عليه { مسألة } (وان أعتق العبد أو تلف المبيع يرجع بارشه، وكذلك ان باعه غيره عالم بعيبه، وكذلك إن وهبه وان فعله عالما بعيبه فلا شئ له) إذا زال ملك المشتري عن المبيع بعتق أو موت أو وقف أو قتل أو تعذر الرد لا ستيلاد ونحوه قبل علمه بالعيب فله الارش، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي إلا أن ابا حنيفة قال في المقتول خاصة لاارش له لانه زال ملكه بفعل مضمون أشبه البيع ولنا أنه عيب لم يرض به ولم يستدرك ظلامته فكان له الارش كما لو أعتقه، والبيع ممنوع وإن سلم فقد استدرك ظلامته فيه، وأما الهبة فمن أحمد فيها روايتان (إحداهما) أنها كالبيع لانه لم ييأس من امكان الرد لاحتمال رجوع الموهوب إليه. (والثانية) له الارش وهو أولى ولم يذكر القاضي غيرها لانه لم يستدرك ظلامته أشبه الوقف، وامكان الرد ليس بمانع من أخذ الارش عندنا بدليل

[ 92 ]

ما قبل الهبة، وان أكل الطعام أو لبس الثوب فأتلفه رجع بارشه وبه قال أبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة لا يرجع بشئ لانه أهلك العين فأشبه مالو قتل العبد. ولنا أنه ما استدرك ظلامته ولارضي بالعيب فلم يسقط حقه من الارش كما لو تلف بفعل الله تعالى (فصل) إذا باع المشتري المبيع قبل علمه بالعيب فله الارش نص عليه احمد لان البائع لم يوفه ما أوجبه له العقد ولم يوجد منه الرضى به ناقصا فكان له الرجوع عليه كما لو أعتقه، وظاهر كلام الخرفي أنه لا ارش له سواء باعه عالما بيعه أو غير عالم. وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي لان امتناع الرد كان بفعله فأشبه ما لو أتلف المبيع ولانه استدرك ظلامته ببيعه فلم يكن له ارش كما لو زال العيب (فصل) وان باعه عالما بعيبه أو وهبه أو أعتقه أو وقفه أو استولد الامة ونحوه فلا شئ له. ذكره القاضي لان تصرفه فيه مع علمه بالعيب يدل على رضاه به أشبه مالو صرح بالرضا (قال شيخنا) وقياس المذهب أن له الارش بكل حال، وقد روي عن احمد فيما إذا باعه أو وهبه لانا خيرناه ابتداء بين رده وامساكه مع الارش فبيعه والتصرف فيه بمنزلة إمساكه ولان الارش عوض الجزء الفائت من المبيع فلم يسقط ببيعه، كما لو باعه عشرة أقفزة وسلم إليه تسعة فباعها المشتري، وقولهم إنه استدرك ظلامته لا يصح فان ظلامته من البائع ولم يستدركها منه، وإنما ظلم المشتري الثاني فلا يسقط حقه بذلك من الظالم له وهذا هو الصحيح من قول مالك، وذكر أبو الخطاب رواية أخرى فيمن باعه ليس له شئ إلا أن يرد عليه المبيع فيكون له حينئذ الرد أو الارش لانه إذا باعه فقد استدرك ظلامته، فعلى هذا إذا علم به المشتري الثاني فرده به أو أخذ ارشه منه فللاول أخذ ارشه وهو قول الشافعي إذا امتنع على المشتري الثاني رده بعيب حدث عنده لانه لم يستدرك ظلامته، وكل واحد من المشتريين يرجع بحصة العيب من الثمن الذي اشتراه به على ما تقدم (فصل) وإذا ردها المشتري الثاني على الاول وكان الاول باعها عالما بالعيب أو وجد منه ما يدل على الرضى به فليس له رده لان تصرفه رضى بالعيب، وان لم يكن علم فله رده على بائعه وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة ليس له رده الا أن يكون المشتري فسخ بحكم الحاكم لانه سقط حقه من الرد ببيعه فأشبه مالو علم بعيبه. ولنا أنه أمكنه استدراك ظلامته برده فملك ذلك كما لو فسخ الثاني بحكم حاكم أو كما لو لم يزل ملكه عنه ولا نسلم سقوط حقه، وانما امتنع لعجزه عن رده فإذا عاد إليه زال المانع فظهر جواز الرد كما لو امتنع الرد لغيبة البائع أو لمعنى آخر، وسواء رجع إلى المشتري الاول بالعيب الاول أو باقالة أو هبة أو شراء ثان أو ميراث في ظاهر كلام القاضي، وقال أصحاب الشافعي ان رجع بغير الفسخ بالعيب الاول ففيه وجهان (أحدهما) ليس له رده لانه استدرك ظلامته ببيعه ولم يزل فسخه. ولنا أن سبب استحقاق الرد قائم وانما امتنع لتعذره بزوال ملكه فإذا زال المانع وجب

[ 93 ]

أن يجوز الرد كما لو رد عليه بالعيب، فعلى هذا إذا باعها المشتري لبائعها الاول فوجد بها عيبا كان موجودا حال العقد الاول فله الرد على البائع الثاني ثم للثاني رده عليه وفائدة الرد ههنا اختلاف الثمنين فانه قد يكون الثمن الثاني أكثر (فصل) وان استغل المشتري المبيع أو عرضه على البيع أو تصرف فيه تصرفا دالا على الرضى به قبل علمه بالعيب لم يسقط خياره لان ذلك لا يدل على الرضى به معيبا، وان فعله بعد علمه بعيبه بطل خياره في قول عامة أهل العلم. قال ابن المنذر كان الحسن وشريح وعبيد الله بن الحسن وابن أبي ليلى والثوري واسحاق وأصحاب الرأي يقولون إذا اشترى سلعة فعرضها على البيع بعد علمه بالعيب بطل خياره، وهذا قول الشافعي ولا أعلم فيه خلافا، فأما الارش فقال ابن أبي موسى لا يستحقه أيضا، وقد ذكرنا أن قياس المذهب استحقاق الارش. قال أحمد أنا أقول إذا استخدم العبد فأراد نقصان العيب فله ذلك، فأما ان احتلب اللبن الحادث بعد العقد لم يسقط رده لان اللبن له فملك استيفاءه من المبيع الذي يريد رده، وكذلك ان ركب الدابة لينظر سيرها أو استخدم الامة ليختبرها أو لبس القميص ليعرف قدره لم يسقط خياره لان ذلك ليس برضا بالمبيع ولهذا لا يسقط به خيار الشرط وان استخدمها لغير ذلك استخداما كثيرا بطل رده، وان كان يسيرا لا ينقص الملك لم يبطل الخيار، قيل لاحمد ان هؤلاء يقولون إذا اشترى عبدا فوجده معيبا فاستخدمه بأن يقول ناولني هذا الثوب بطل خياره فأنكر ذلك وقال من قال هذا أو قال من أين أخذوا هذا؟ ليس هذا برضا حتى يكون شئ يبين ويطول وقد نقل عنه في بطلان خيار الشرط بالاستخدام روايتان فكذلك يخرج ههنا (فصل) فان أبق العبد ثم علم عيبه فله أخذ أرشه فان أخذه ثم قدر على العبد فان لم يكن معروفا بالاباق قبل البيع فقد تعيب عند المشتري فهل يملك رده ورد ارش العيب الحادث عنده والارش الذي أخذه على روايتين، وان كان آبقا فله رده ورد ما أخذه من الارش وأخذ ثمنه، وقال الثوري والشافعي ليس للمشتري أخذ أرشه سواء قدر على رده أو عجز عنه الا ان يهلك لانه لم ييأس من رده فهو كما لو باعه، ولنا أنه معيب لم يرض به ولم يستدرك ظلامته فيه فكان له أرشه كما لو أعتقه وفي البيع استدرك ظلامته بخلاف مسئلتنا. (فصل إذا اشترى عبدا فأعتقه ثم علم به عيبا فأخذ أرشه فهو له. وعنه رواية اخرى أنه يجعله في الرقاب وهو قول الشعبي لانه من جملة الرقبة التي جعلها الله فلا يرجع إليه شئ من بدلها، ولنا ان العتق إنما صادف الرقبة المعينة والجزء الذي أخذ بدله ما تناوله عتق ولا كان موجودا وليس الارش بدلا عن العبد إنما هو عن جزء من الثمن جعل مقابلا للجزء الفائت فلما لم يحصل ذلك الجزء من المبيع رجع بقدره من الثمن لامن قيمة العبد، وكلام أحمد في الرواية الاخرى يحمل على استحباب ذلك لا على

[ 94 ]

وجوبه. قال القاضي انما الروايتان فيما إذا أعتق عن كفارته لانه إذا أعتقه عن الكفارة لا يجوز أن يرجع إليه شئ من بدله كالمكاتب إذ أدى بعض كتابته. ولنا أنه ارش عبدا عتقه فهو كما لو تبرع بعتقه { مسألة } (وان باع بعضه فله ارش الباقي وفي ارش المبيع الروايتان وقال الخرقي له رد ملكه منه بقسطه من الثمن أو ارش العيب بقدر ملكه فيه) إذا باع بعض المبيع ثم ظهر على عيب فله ارش الباقي لانه كان له ذلك والاصل في كل ثابت بقاؤه وفي ارش المبيع ما ذكرنا من الخلاف فيما إذا باع الجميع فان أراد رد الباقي بحصته من الثمن ففيه روايتان (احداهما) له ذلك اختارها الخرقي لانه مبيع رده ممكن أشبه ما لو كان الجميع باقيا (والاخرى) لا يجوز وهي الصحيحة إذا كان المبيع عينا واحدة أو عينين ينقصهما التفريق لما فيه من الضرر على البائع بنقص القيمة أو ضرر الشركة وامتناع الانتفاع بها على الكمال كوطئ الامة وليس الثوب، وبهذا قال شريح والشعبي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، وقد ذكر أصحابنا في غير هذا الموضع فيما إذا كان المبيع عينين ينقصهما التفريق انه لا يجوز رد احداهما وحدها لما فيه من الضرر، وفيما إذا اشترى معيبا وتعيب عنده انه لا يملك رده الا ان يرد ارش العيب الحادث عنده فكذلك لا يجوز أن يرده في مسئلتنا معيبا بعيب الشركة أو نقص القيمة بغير شئ. وما ذكره الخرقي يحمل على ما إذا دلس البائع العيب على ما ذكرنا فيما مضى. وان كان المبيع عينين لا ينقصهما التفريق فهل له رد الباقية في ملكه؟ يخرج على الروايتين في تفريق للصفقة. قال القاضي: المسألة مبنية على تفريق الصفقة سواء كان المبيع عينا واحدة أو عينين، والتفصيل الذي ذكرناه أولى { مسألة } (وان صبغه أو نسجه فله الارش ولارد له في أظهر الروايتين) فيما إذا صبغه وهو قول أبي حنيفة لان فيه ضررا على البائع وتشق المشاركة فلم تجز كما لو فصله وخاطه أو خلط المبيع بما لا يتميز منه، وعنه له الرد ويكون شريكا للبائع بقيمة الصبغ والنسج لانه رد المبيع بعينه أشبه مالو لم يصبغه ولم ينسجه، ومتى رده لزمت الشركة ضرورة، وعنه يرده ويأخذ زيادته بالصبغ كما لو قصره وهو بعيد لان إجبار البائع على بذل ثمن الصبغ إجبار على المعاوضة فلم يجز لقوله سبحانه (الا ان تكون تجارة عن تراض منكم) وان قال البائع أنا آخذه وأعطي قيمة الصبغ لم يلزم المشتري ذلك، وقال الشافعي ليس للمشتري الا رده لانه أمكنه رده فلم يملك أخذ الارش كما لو سمن عنده، ولنا أنه لا يمكنه رده الا برد شئ من ماله معه فلم يسقط حق من الارش بامتناعه من رده كما لو تعيب عنده فطلب البائع أخذه مع أخذ أرش العيب الحادث والاصل لا يسلمه فانه يستحق أخذ الارش إذا رده { مسألة } (وان اشترى ما مأكوله في جوفه فكسره فوجده فاسدا فان لم يكن له مكسورا قيمة كبيض الدجاج رجع بالثمن كله، وان كان له مكسورا قيمة كبيض النعام وجوز الهند فهو مخير بين أخذ ارشه وبين رده، وعنه ليس له رد ولا ارش في ذلك كله)

[ 95 ]

إذا اشترى ما لا يطلع على عيبه الا بكسره كالبيض والجوز والرمان والبطيخ فكسره فظهر عيبه ففيه روايتان (احداهما) لا يرجع على البائع بشئ وهو مذهب مالك لانه ليس من البائع تدليس ولا تفريط لعدم معرفته بعيبه وكونه لا يمكنه الوقوف عليه الا بكسره فجرى مجرى البراءة من العيوب (والثانية) يرجع عليه وهي ظاهر المذهب وقول أبي حنيفة والشافعي لان عقد البيع اقتضى السلامة من عيب ليطلع عليه المشتري فإذا بان معيبا ثبت له الخيار كالعبد ولان البائع انما يستحق ثمن المعيب دون الصحيح لانه لم يملكه صحيحا فلا معنى لايجاب الثمن كله، وكونه لم يفرط لا يقتضي أن يجب له ثمن ما لم يسلمه بدليل العيب الذي لم يعلمه في العبد. إذا ثبت هذا فان المبيع ان كان مما لا قيمة له مكسورا كبيض الدجاج الفاسد والرمان الاسود والجوز الخرب رجع بالثمن كله لان هذا يبين به فساد العقد من أصله لكونه وقع على ما لا نفع فيه فهو كبيع الحشرات والميتات وليس عليه رد المبيع إلى البائع لانه لا فائدة فيه، وان كان الفاسد في بعضه رجع بقسطه (الثاني) أن يكون مما لعيبه قيمة كبيض النعام وجوز الهند والبطيخ الذي فيه نفع ونحوه فإذا كسره نظرت. فان كان كسرا لا يمكن استعلام المبيع بدونه فالمشتري مخير بين رده ورد أرش الكسر وأخذ الثمن وبين أخذ أرش عيبه. هذا ظاهر كلام الخرقي، وقال القاضي عندي لا أرش عليه لكسره لانه حصل بطريق استعلام العيب والبائع سلطه عليه حيث علم أنه لا يعلم صحته من فساده بغير ذلك، وهذا قول الشافعي. ووجه قول الخرقي أنه نقص لم يمنع الرد فلزم رد أرشه كلبن المصراة إذا احتلبها والبكر إذا وطئها، وبها يبطل ما ذكره بل ههنا أولى لانه لا تدليس من البائع والتصرية تدليس، وان كان كسرا يمكن استعلام المبيع بدونه إلا أنه لا يتلف المبيع بالكلية فالحكم فيه كالذي قبله عند الخرقي والقاضي والمشتري مخير بين رده وأرش الكسر وأخذ الثمن وبين أخذ أرش العيب، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد والرواية الثانية ليس له رده وله أرش العيب، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وقد ذكرناه، وان كسره كسرا لا يبقي له قيمة فله أرش العيب لا غير لانه أتلفه. وقدر أرش العيب قسط ما بين الصحيح والمعيب من الثمن فيقوم المبيع صحيحا ثم يقوم معيبا غير مكسور فيكون للمشتري قدر ما بينهما من الثمن (فصل) ولو اشترى ثوبا فنشره فوجده معيبا فان كان مما لا ينقصه النشر رده وان كان ينقصه النشر كالهسجاني الذي يطوى طاقين ملتصقين جرى ذلك مجرى جوز الهند على التفصيل المذكور فيما إذا لم يزد على ما يحصل به استعلام المبيع أو زاد كنشر من لا يعرف، وان أراد أخذ أرشه فله ذلك بكل حال { مسألة } (ومن علم العيب وأخر الرد لم يبطل خياره إلا أن يوجد منه ما يدل على الرضا من التصرف ونحوه) وهكذا ذكر أبو الخطاب لانه خيار لدفع الضرر المتحقق فكان على التراخي كخيار القصاص وعنه أنه على الفور وهو مذهب الشافعي، فمتى علم العيب وأخر الرد مع امكانه بطل خياره لانه يدل

[ 96 ]

على الرضى فأسقط خياره كالتصرف ولانه خيار ثبت بالشرع لدفع الضرر عن المال فأشبه خيار الشفعة والاول أولى، ولا نسلم أن الامساك يدل على الرضى والشفعة تثبت لدفع ضرر غير متحقق بخلاف الرد بالعيب { مسألة } (ولا يفتقر الرد إلى رضى ولا قضاء ولا حضور صاحبه قبل القبض ولا بعده) وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ان كان قبل القبض افتقر إلى حضور صاحبه دون رضاه، وان كان بعده افتقر إلى رضا صاحبه أو حكم حاكم لان ملكه قد تم على الثمن فلا يزول إلا رضاه ولنا أنه رفع عقد مستحق له فلم يفتقر إلى رضا صاحبه ولا حضوره كالطلاق ولانه مستحق الرد بالعيب فلم يفتقر إلى رضا صاحبه كقبل القبض { مسألة } (فان اشترى اثنان شيئا وشرطا الخيار أو وجداه معيبا فرضي أحدهما فللآخر الفسخ في نصيبه، وعنه ليس له ذلك) نقل عن احمد رحمه الله في ذلك روايتان حكاهما أبو بكر وابن أبي موسى (احداهما) لمن لم يرض الفسخ، وبه قال ابن أبي ليلى والشافعي وأبو يوسف ومحمد، وإحدى الروايتين عن مالك والاخرى لا يجوز له رد مشترك رده ناقصا أشبه مالو تعيب عنده. ولنا أنه رد جميع ما ملكه بالعقد فجاز كما لو انفرد بشرائه، والشركة إنما حصلت بايجاب البائع وانما باع كل واحد منهما نصفها فخرجت عن ملك البائع مشقصة بخلاف العيب الحادث (فصل) وان ورث اثنان خيار عيب فرضي أحدهما سقط حق الآخر من الرد لانه لو رد وحده شقصت السلعة على البائع فتضرر بذلك وإنما أخرجها من ملكه إلى واحد غير مشقصة فلا يجوز رد بعضها إليه مشقصا بخلاف المسألة التي قبلها، فان عقد الواحد مع الاثنين عقدين فكأنه باع كل واحد منهما نصفها منفردا فرد عليه أحدهما جميعا ما باعه إياه وههنا بخلافه (فصل) ولو اشترى رجل من رجلين شيئا فوجده معيبا فله رده عليهما فان كان أحدهما غائبا رد على الحاضر حصته بقسطها من الثمن ويبقى نصيب الغائب في يده حتى يقدم، ولو كان أحدهما باع العين كلها بوكالة الآخر فالحكم كذلك سواء كان الحاضر الوكيل أو الموكل. نص أحمد على نحو من هذا، وان أراد رد نصيب أحدهما وامساك نصيب الآخر جاز لانه يرد على البائع جميع ما باعه ولم يحصل برده تشقيص لانه كان مشقصا قبل البيع (فصل) وان اشترى حلي فضة بوزنه دراهم فوجده معيبا فله رده وليس له أخذ الارش لا فضائه إلى التفاضل فيما يجب فيه التماثل، فان حدث به عيب عند المشتري فعلى احدى الروايتين يرده ويرد ارش العيب الحادث عنده وبأخذ ثمنه، وقال القاضي ليس له رده لا فضائه إلى التفاضل ولا يصح لان الرد فسخ للعقد ورفع له فلا تبقى المعاوضة وانما يدفع الارش عوضا عن العيب الحادث عنده

[ 97 ]

بمنزلة ما لو خفي عليه في ملك صاحبه من غير بيع وكما لو فسخ الحاكم عليه، وعلى الرواية الاخرى يفسخ الحاكم البيع ويرد البائع الثمن ويطالب بقيمة الحلي لانه لم يمكن اهمال العيب ولا أخذ الارش. ولاصحاب الشافعي وجهان كهاتين الروايتين وان تلف الحلي فسخ العقد، ويرد قيمته ويسترجع الثمن فان تلف المبيع لا يمنع جواز الفسخ، واختار شيخنا أن الحاكم إذا فسخ وجب رد الحلي وأرش نقصه كما قلنا فيما إذا فسخ المشتري على احدى الروايتين وانما يرجع إلى قيمته عند تعذره بتلف أو عجز عن رده أما مع بقائه وإمكان رده فيجب رده دون بدله كسائر المبيع إذا انفسخ العقد فيه وليس في رده ورد أرشه تفاضل لان المعاوضة قد زالت بالفسخ ولم يبق له مقابل، وإنما هذا الارش بمنزلة الجناية عليه ولان قيمته إذا زادت على وزنه أو نقصت عنه أفضى إلى التفاضل لان قيمته عوض عنه فلا يجوز ذلك إلا أن يأخذ القيمة من غير الجنس. ولو باع قفيزا مما فيه الربا بمثله فوجد أحدهما بما أخذه عيبا ينقص قيمته دون كله لم يملك أخذ أرشه لئلا يفضي إلى التفاضل والحكم فيه على ما ذكرنا في الحكم بالدراهم { مسألة } (وإن اشترى واحد معيبين صفقة واحدة ليس له إلا ردهما أو إمساكهما والمطالبة بالارش) قاله القاضي، وعنه له رد أحدهما بقسطه من الثمن كما لو كان أحدهما معيب والآخر صحيحا لان المانع من الرد انما هو تشقيص المبيع على البائع وهو موجود فيما إذا كان أحدهما صحيحا، فان تلف أحدهما فله رد الباقي بقسطه من الثمن في إحدى الروايتين، هذا قول الحادث العكلي والاوزاعي واسحاق وقول أبي حنيفة فيما بعد القبض لانه رد المعيب على وجه لا ضرر فيه على البائع فجاز كما لورد الجميع (والثانية) ليس له الا أخذ الارش مع إمساك الباقي منهما وهو ظاهر قول الشافعي وقول أبي حنيفة فيما قبل القبض لان في الرد تبعيض الصفقة على البائع وذلك ضرر أشبه إذا كانا مما ينقصه التفريق، والقول في قيمة التالف قول المشتري مع يمينه لانه منكر لما يدعيه البائع من زيادة قيمته ولانه بمنزلة الغارم لان قيمة التالف إذا زادت قدر ما يغرمه فهو بمنزلة المستعير والغاصب { مسألة } (وان كان أحدهما معيبا فله رده بقسطه من الثمن وعنه ليس له إلا ردهما أو إمساكهما) ووجه الروايتين ما ذكرنا فيما إذا تلف أحدهما وفيه من التفصيل والخلاف ما ذكرنا { مسألة } (فان كان المبيع مما ينقصه التفريق كمصراعي باب أو زوجي خف أو من لا يجوز التفريق بينهما كجارية وولدها فليس له رد أحدهما) لما فيه من الضرر على البائع بنقص القيمة وسوء المشاركة ولقول النبي صلى الله عليه وسلم " من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة " رواه الترمذي وفي ذلك اختلاف ذكرنا فيما مضى وهذا القول هو الصحيح إن شاء الله تعالى

[ 98 ]

{ مسألة } (وان اختلفا في العيب هل كان عند البائع أو حدث عند المشتري ففي ايهما يقبل قوله؟ روايتان إلا ان لا يحتمل إلا قول أحدهما فالقول قوله بغير يمين) إذا اختلف المتبايعان في العيب هل كان في المبيع قبل العقد أو حدث عند المشتري، فان كان لا يحتمل الاقول أحدهما كالاصبع الزائدة والشجة المندملة التي لا يمكن حدوث مثلها والجرح الطارئ الذي لا يمكن كونه قديما فالقول قول من يدعي ذلك بغير يمين لانا نعلم صدقه فلا حاجة إلى استحلافه وان احتمل قول كل واحد منهما كالخرق في الثوب والرفو ونحوهما ففيه روايتان (إحداهما) القول قول المشتري فيحلف بالله انه اشتراه وبه هذا العيب أو انه ما حدث عنده ويكون له الخيار اختارها الخرقي لان الاصل عدم القبض في الجزء الفائت واستحقاق ما يقابله من الثمن ولزوم العقد في حقه فكان القول قول من ينفي ذلك كما لو اختلفا في قبض المبيع (والثانية) القول قول البائع مع يمينه فيحلف على حسب جوابه إن اجاب انه باعه بريئا من العيب حلف على ذلك، وان أجاب انه لا يستحق ما يدعيه من الرد حلف على ذلك. ويمينه على البت لان الايمان كلها على البت الا ما كان على النفي في فعل الغير وعنه انها على نفي العلم فيحلف انه ما يعلم به عيبا حال البيع ذكرها ابن ابي موسى والرواية الثانية مذهب ابي حنيفة والشافعي لان الاصل سلامة المبيع وصحة العقد ولان المشتري يدعي عليه استحقاق فسخ البيع والبائع ينكره والقول قول المنكر (فصل) وإذا باع الوكيل ثم ظهر المشتري على عيب كان بالمبيع فله رده على الموكل لان المبيع يرد بالعيب على من كان له، فان كان العيب مما يمكن حدوثه فأقربه الوكيل وانكره الموكل فقال أبو الخطاب يقبل اقراره على موكله بالعيب لانه أمر يستحق به الرد فقبل اقراره به على موكله كخيار الشرط، وقال أصحاب ابي حنيفة والشافعي لا يقبل اقرار الوكيل بذلك، قال شيخنا وهو اصح لانه اقرار على الغير فلم يقبل كالاجنبي، وفارق خيار الشرط من حيث ان الموكل يعلم صفة سلعته ولا يعلم صفة العقد لغيبته عنه، فعلى هذا إذا رده المشتري على الوكيل لم يملك الوكيل رده على الموكل لان رده كاقراره وهو غير مقبول على غيره ذكره القاضي، فان انكره الوكيل فتوجهت اليمين عليه فنكل عنها فرد عليه بنكوله فهل له رده على الموكل على وجهين (احدهما) ليس له رده لان ذلك يجري مجرى اقراره (والثاني) له رده لانه رجع إليه بغير رضاه اشبه مالو قامت به بينة (فصل) ولو اشترى جارية على انها بكرا فقال المشتري هي ثيب أو النساء الثقات ويقبل قول واحدة، فان وطئها المشتري وقال ما وجدتها بكرا خرج فيه وجهان بناء على الاختلاف في العيب الحادث

[ 99 ]

(فصل) فان رد المشتري السلعة بعيب فأنكر البائع انها سلعته فالقول قول البائع مع يمينه وبه قال أبو ثور وأصحاب الرأي ونحوه قال الاوزاعي فانه قال فيمن صرف دراهم فقال للصيرفي هذا درهمي يحلف الصيرفي بالله لقد وفيتك ويبرأ لان البائع منكر كون هذه سلعته ومنكر استحقاق الفسخ والقول قول المنكر، فأما ان جاء ليرد السلعة بخيار فأنكر البائع انها سلعته فحكى ابن المنذر عن أحمد أن القول قول المشتري وهو قول الثوري واسحاق وأصحاب الرأي لانهما اتفقا على استحقاق فسخ العقد والرد بالعيب بخلافه { مسألة } (ومن باع عبدا يلزمه عقوبة من قصاص أو غيره ويعلم المشتري ذلك فلا شئ له) لانه رضي به معيبا أشبه سائر المعيبات وهذا قول الشافعي، وان علم بعد البيع فله الرد أو الارش على أصلنا كغيره من العيوب { مسألة } (فان لم يعلم حتى قتل فله الارش لتعذر الرد) وهو قسط ما بين قيمته جانيا وغير جان، ولا يبطل البيع من أصله وبه قال بعض أصحاب الشافعي، وقال أبو حنيفة والشافعي يرجع بجميع الثمن لان تلفه كان بمعنى استحق عند البائع فجرى مجرى اتلافه إياه، ولنا أنه تلف عند المشتري بالعيب الذي كان فيه فلم يوجب الرجوع بجميع الثمن كما لو كان مريضا فمات بدائه أو مرتدا فقتل بردته وبهذا ينتقض ما ذكروه ولا يصح قياسهم على اتلافه لانه لم يتلفه فلم يشتركا في المقتضي، وإن كانت الجناية موجبة للقطع فقطعت يده عند المشتري فقد تعيب عنده لان استحقاق القطع دون حقيقته فهل يمنع ذلك رده بعيبه؟ على روايتين { مسألة } (وان كانت الجناية موجبة للمال والسيد معسر قدم حق المجني عليه، وللمشتري الخيار إذا لم يكن عالما، فان كان السيد موسرا تعلق الارش بذمته والبيع لازم) إذا كانت الجناية موجبة للمال أو للقود فعفي عنه إلى مال فعلى السيد فداؤه ويزول الحق عن رقبة العبد ببيعه لان للسيد الخيرة بين تسليمه وفدائه. فإذا باعه تعين عليه فداؤه لاخراج العبد عن ملكه ولاخيار للمشتري لعدم الضرر عليه إذ الرجوع على غيره هذا إذا كان السيد موسرا وقال بعض أصحاب الشافعي لا يلزم السيد فداؤه لان أكثر ما فيه أنه التزم فداءه ولا يلزمه كما لو قال الراهن أنا أقضي الدين من الرهن ولنا أنه أزال ملكه عن الجاني فلزمه فداؤه كما لو أتلفه وبهذا قال أبو حنيفة، وان كان البائع معسرا لم يسقط حق المجني عليه من رقبة الجاني لان المالك انما يملك نقل حقه عن رقبته بفدائه أو ما يقوم مقامه ولا يحصل ذلك من ذمة المعسر فيبقى الحق في رقبته بحاله مقدما على حق المشتري وللمشتري خيار الفسخ ان لم يكن عالما فان فسخ رجع بالثمن وان لم يفسخ وكانت الجناية مستوعبة لرقبة العبد فاخذ

[ 100 ]

بها رجع المشتري بالثمن أيضا لان ارش مثل هذا جميع ثمنه وان لم تكن مستوعبة رجع بقدر أرشه وان كان عالما بعيبه راضيا بتعلق الحق به لم يرجع بشئ لانه اشترى معيبا عالما بعيبه فان اختار المشتري فداءه فله ذلك والبيع بحاله لانه يقوم مقام البائع بين تسليمه وفدائه، وحكمه في الرجوع بما فداه به على البائع حكم قضاء الدين عنه على ما نذكره في موضعه. { فصل } قال رضي الله عنه (السادس خيار يثبت في التولية والشركة والمرابحة والموضعة ولابد في جميعها من معرفة المشتري برأس المال) هذه أنواع من أنواع البيع وأنا اختصت بأسماء كاختصاص السلم ويثبت فيها الخيار إذا أخبره بزيادة في الثمن أو نحو ذلك فيثبت للمشتري الخيار كما لو أخبره بأنه كاتب أو صانع فاشتراه بثمن فبان بخلافه ولا بد في جميع هذه الانواع من معرفة المشتري برأس المال لان معرفة الثمن متوقفة على العلم به والعلم بالثمن شرط فمتى فات لم يصلح البيع لفوات شرطه { مسألة } (ومعنى التولية البيع برأس المال فيقول وليتكه أو بعتك برأس ماله أو بما اشتريته أو برقمه) قال أحمد رحمه الله لا بأس ببيع الرقم والرقم هو الثمن المكتوب عليه إذا كان معلوما لهما حال العقد وهذا قول عامة العلماء وكره طاوس بيع الرقم، ولنا أنه بيع بثمن معلوم فأشبه ما لو ذكر مقداره أو إذا قال بعتك هذا بما اشتريته وقد علماه فان لم يعلم فالبيع باطل لجهالة الثمن { مسألة } (والشركة بيع بعضه بقسطه من الثمن ويصح بقوله شركتك في نصفه أو ثلثه) إذا اشترى شيئا فقال له رجل أشركني في نصفه بنصف الثمن فقال له أشركتك صح وصار شركا بينهما إذا كان الثمن معلوما لهما، ولو قال أشركني فيه أو قال الشركة فقال شركتك أو قال ولني ما اشتريت ولم يذكر الثمن فقال وليتك صح إذا كان الثمن معلوما لان الشركة تقتضي ابتياع جزء منه بقسطه من الثمن على ما ذكر والتولية ابتياعه بمثل الثمن فإذا ذكر اسمه انصرف إليه كما إذا قال أقلني فقال أقلتك، وفي حديث عن زهرة بن معبد أنه كان يخرج به جده عبد الله بن هشام إلى السوق فيشتري الطعام فيلقاه ابن عمر وابن الزبير فيقولان له أشركنا فان النبي صلى الله عليه وسلم دعا لك بالبركة فيشركهم فربما أصاب الراحلة كما هي فبعث بها إلى المنزل ذكره البخاري، ولو اشترى شيئا فقال له رجل أشركني فشركه انصرف إلى النصف لانها تنصرف إلى التسوية باطلاقها، فان اشترى اثنان عبدا فقال لهما رجل اشركاني فيه فقالا شركناك احتمل أن يكون لهما النصف لان اشراكهما لو كان من كل واحد منهما منفردا لكان له النصف فكذلك حال الاجتماع، ويحتمل أن يكون له الثلث لان الاشتراك يفيد التساوي ولا يحصل التساوي الا بجعله بينهم أثلاثا وهذا أصح لان اشراك الواحد انما اقتضى النصف لحصول التسوية به وان شركه كل واحد منهما منفردا كان له النصف ولكل

[ 101 ]

واحد منهما الربع، وان قال أشركاني فيه فشركه أحدهما فعلى الوجه الاول يكون له نصف حصة الذي شركه وهو الربع وعلى الآخر له السدس لان طلب الشركة بينهما يقتضي طلب ثلث ما في يد كل واحد منهما ليكون مساويا لهما فإذا أجابه أحدهما ثبت له الملك فيما طلب منه وان قال له أحدهما أشركناك انبنى على تصرف الفضولي. فان قلنا يقف على الاجازة فأجازه فهل يثبت له الملك في نصفه أو ثلثه على الوجهين، ولو قال لاحدهما أشكرني في نصف هذا العبد فان قلنا يقف على الاجازة من صاحبه فأجازه فله نصف العبد ولهما نصفه وإلا فله نصف حصة الذي شركه، فان اشترى عبدا فلقيه رجل فقال أشركني في هذا العبد فقال قد شركتك فله نصفه فان لقيه آخر فقال أشركني في هذا العبد وكان عالما بشركة الاول فله ربع العبد وهو نصف حصة الذي شركه لان طلبه للشركة رجع إلى ما ملكه المشارك وهو النصف فكان بينهما، وان لم يعلم بشركة الاول فهو طالب نصف العبد لاعتقاده أن جميع العبد لمن طلب منه المشاركة، فإذا قال له شركتك احتمل ثلاثة أوجه (احدها) ان يصير له نصف العبد ولا يبقى للذي شركه شئ لانه طلب منه نصف العبد فأجابه إليه فصار كأنه قال بعني نصف هذا العبد فقال بعتك، وهذا قول القاضي (الثاني) ان ينصرف قوله شركتك فيه إلى نصف نصيبه ونصف نصيب شريكه فيمتد في نصف نصيبه ويقف الزائد على اجازة صاحبه على إحدى الروايتين لان لفظ الشركة يقتضي بعض نصيبه ومساواة المشتري له فلو باع جميع نصيبه لم يكن له شركة لانه لا يتحقق فيه ما طلب منه (الثالث) لا يكون للثاني الا الربع بكل حال لان الشركة انما تثبت بقول البائع شركتك لان ذلك هو الايجاب الناقل للملك وهو عالم انه ليس له إلا نصف العبد فينصرف ايجابه إلى نصف ملكه، وعلى هذين الوجهين لطالب الشركة الخيار لانه إنما طلب النصف فلم يحصل له جميعه إلا أن نقول بوقوفه على الاجازة في الوجه الثاني فيخير الآخر، ويحتمل أن لا تصح الشركة أصلا لانه طلب شراء النصف فاجيب في الربع فصار بمنزلة مالو قال بعني نصف هذا العبد بعتك ربعه. (فصل) ولو اشترى قفيزا من الطعام فقبض نصفه فقال له رجل بعني نصف هذا القفيز فباعه انصرف إلى النصف المقبوض لان البيع ينصرف إلى ما يجوز له بيعه وهو المقبوض وان اشركني في هذا القفيز بنصف الثمن ففعل لم تصح الشركة إلا فيما قبض منه فيكون النصف المقبوض بينهما لكل واحد منهما ربعه بربع الثمن لان الشركة تقتضي التسوية هكذا ذكر القاضي، قال شيخنا والصحيح ان شاء الله ان الشركة تنصرف إلى النصف كله فيكون بائعا لما يصح بيعه وما لا يصح فيصح في نصف المقبوض في أصح الوجهين ولا يصح فيما لم يقبض كما في تفريق الصفقة.

[ 102 ]

{ مسألة } (والمرابحة أن يبيعه بربح فيقول رأس مالي فيه مائة بعتكه بها وربح عشرة) فهذا جائز لا خلاف في صحته ولا نعلم أحدا كرهه وان قال على أن أربح في كل عشرة درهما أو قال ده يازدة أو دوازده. فقد كرهه أحمد ورويت فيه الكراهة عن ابن عمر وابن عباس والحسن ومسروق وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء بن يسار، وقال اسحاق لا يجوز لان الثمن مجهول حال العقد فلم يجز كما لو باعه بما يخرج به في الحساب، ورخص فيه سعد بن المسيب وابن سيرين وشريح والنخعي والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر لان رأس المال معلوم والربح معلوم أشبه ما إذا قال وربح عشرة دراهم ووجه الكراهة أن ابن عمر وابن عباس كرهاه ولم يعلم لهما في الصحابة مخالف ولان فيه نوعا من الجهالة فالتحرز عنها أولى وهذه كراهة تنزيه والبيع صحيح والجهالة يمكن ازالتها بالحساب فلم تضر كما لو باعه صبرة كل قفيز بدرهم أما مايخرج به الحساب فمجهول في الجملة والتفصيل { مسألة } (والمواضعة أن يقول بعتكه بها ووضيعة درهم من كل عشرة فيلزم المشتري تسعون درهما) المواضعة أن يخبر برأس ماله ويقول بعتك هذا به وأضع لك عشرة فيصح من غير كراهة، وان قال بوضيعة درهم من كل عشرة كره لما ذكرنا في المرابحة وصح فإذا كان رأس ماله مائة لزمه تسعون ويكون الحط عشرة، وقال قوم يكون الحط درهما من كل أحد عشر فيكون ذلك تسعة دراهم وجزأ من أحد عشر جزأ من درهم ويبقى تسعون وعشرة اجزاء من أحد عشر جزأ من درهم، وهذا غلط لان هذا يكون حطا من كل أحد عشر وهو غير ماقاله، فأما إن قال بوضعية درهم لك عشرة كانت الوضيعة من كل أحد عشر درهما درهم ويكون الباقي تسعين وعشرة أجزاء من أحد عشر جزأ من درهم وهذا قول أبي حنيفة والشافعي، وحكي عن أبي ثور أنه قال الحط ههنا عشرة مثل الاولى ولا يصح فانه إذا قال لكل عشرة درهم يكون الدرهم من غيرها فكأنه قال من كل أحد عشر درهما درهم، وإذا قال من كل عشرة درهما كان الدرهم من العدة، ولان من للتبعيض فكأنه قال آخذ من العشرة تسعة وأحط منها درهما (فصل) فان باعه السلعة مرابحة مثل أن يخبره ان ثمنها مائة ويربح عشرة ثم علم ببينة أو اقرار أن ثمنها تسعون فالبيع صحيح لانه زيادة في الثمن فلم يمنع الصحة كالعيب وللمشتري الرجوع على البائع بما زاد في الثمن وهو عشرة وحطها من الربح وهو درهم فيبقى على المشتري تسعة وتسعون درهما، وبهذا قال الثوري وابن أبي ليلى وهو أحد قولي الشافعي، وقال أبو حنيفة يخير بين الاخذ بكل الثمن أو يترك قياسا على المبيع. ولنا أنه باعه برأس ماله وما قدره من الربح فإذا بان رأس ماله قدرا كان مبيعا به وبالزيادة التي

[ 103 ]

اتفقا عليها والمعيب كذلك عندنا فان له أخذ الارش ثم الفرق بينهما ان المسيب لم يرض إلا بالثمن المذكور وههنا رضي فيه برأس المال والربح المقدر، وهل للمشتري الخيار؟ فالمنصوص عن أحمد أن المشتري مخير بين أخذ المبيع برأس ماله وحصته من الربح وبين تركه نقل ذلك حنبل وهو قول للشافعي لان المشتري لا يأمن الخيانة في هذا الثمن أيضا، ولانه ربما كان له غرض في الشراء بذلك الثمن لكونه خالفا أو وكيلا أو غير ذلك فظاهر كلام الخرقي أنه لا خيار له وحكي قولا للشافعي لانه رضيه بمائة وعشرة فإذا حصل له بدون ذلك فقد زاده خيرا فلم يثبت له الخيار كما لو اشتراه على أنه معيب فبان صحيحا أو وكل في شراء معين بمائة فاشتراه بتسعين، وأما البائع فلا خيار له لانه باعه برأس ماله وحصته من الربح وقد حصل له ذلك. (فصل) وان قال في المرابحة رأس مالي فيه مائة وأربح عشرة ثم قال غلطت رأس مالي فيه مائة وعشرة لم يقبل قوله إلا ببينة تشهد ان راس ماله عليه ماقاله ثانيا ذكره ابن المنذر عن احمد واسحاق وروى أبو طالب عن أحمد إذا كان البائع معروفا بالصدق قبل قوله وإن لم يكن صدوقا جاز البيع، قال القاضي وظاهر كلام الخرقي أن القول قول البائع مع يمينه لانه لما دخل معه في المرابحة فقد ائتمنه والقول قول الامين مع يمينه كالوكيل والمضارب، والصحيح الاول وكون البائع مؤتمنا لا يوجب قبول دعواه في الخلط كالمضارب إذا أقر بربح ثم قال غلطت، وعن أحمد رواية ثالثة أنه لا يقبل قول البائع وإن أقام بينة حتى يصدقه المشتري وهو قول الثوري والشافعي لانه أقر بالثمن وتعلق به حق الغير فلا يقبل رجوعه وإن أقام بينة لاقراره بكذبها ولنا أنها بينه عادلة شهدت بما يحتمل الصدق فتقبل كسائر البينات ولا نسلم أنه أقر بخلافها فان الاقرار يكون لغير المقر وحالة اخباره بثمنها لم يكن عليه حق لغيره فلم يكن اقرارا، فان لم يكن له بينة أو كانت له بينة وقلنا لا تقبل فادعى أن المشتري يعلم غلطه فأنكر المشتري فالقول قوله، فان طلب بيمينه فقال القاضي لا يمين عليه لانه مدع واليمين على المدعى عليه، ولانه قد أقر فيستغنى بالاقرار عن اليمين، والصحيح أن عليه اليمين أنه لا يعلم ذلك لانه ادعى ما يلزمه رد السعلة أو زيادة في ثمنها فلزمه اليمين كموضع الوفاق وليس هو ههنا مدع انما هو مدعى عليه العلم بمقدار الثمن الاول، وان قلنا يقبل قول البائع أو قامت له بينة بما ادعاه وقلنا تقبل بينته فللمشتري أن يحلفه أن وقت ما باعها لم يعلم أن شراءها أكثر ذكره الخرقي فانه لو باعها بدون ثمنها عالما لزمه البيع بما عقد عليه لكونه تعاطى سببه عالما فلزمه كمشتري المعيب عالما بعيبه، وإذا كان البيع يلزمه بالعلم فادعى عليه لزمته اليمين فان نكل قضي عليه بالنكول، وإن حلف خير المشتري بين قبوله بالثمن والزيادة التي غلط بها وحطها من الربح وبين

[ 104 ]

فسخ العقد (قال شيخنا) ويحتمل أنه إذا قال بعتك بمائة وربح عشرة ثم تبين أنه غلط بعشرة أنه لا يلزمه حط العشرة من الربح لان البائع رضي بربح عشرة في هذا المبيع فلا يكون له أكثر منها، وكذلك إن تبين أنه زاد في رأس المال لا ينقص الربح من عشرة لان البائع لم يبعه إلا بربح عشرة، فأما إن قال وأربح في كل عشرة درهما فانه يلزمه حط العشرة من الربح في الصورتين وانما أثبتنا للمشتري الخيار لانه دخل على أن الثمن مائة وعشرة فإذا بان أكثر كان عليه ضرر في التزامه فلم يلزمه كالمعيب، وإن اختار أحدهما بمائة واحد وعشرين لم يكن للبائع خيار لانه قد زاده خيرا فلم يكن له خيار كبائع المعيب إذا رضيه المشتري، وإن اختار البائع اسقاط الزيادة عن المشتري فلا خيار له أيضا لانه قد بذلها بالثمن الذي وقع عليه العقد ورضيا به { مسألة } (ومتى اشتراه بثمن مؤجل أو ممن لا تقبل شهادته له أو بأكثر من ثمنه حيلة أو باع بعض الصفقة بقسطها من الثمن فلم يبين ذلك للمشتري في تخييره بالثمن فللمشتري الخيار بين الامساك والرد) إذا اشتراه بثمن مؤجل لم يجز بيعه مرابحة حتى يبين أمره فان لم يفعل لم يفسد البيع وللمشتري الخيار بين أخذه بالثمن الذي وقع عليه حالا وبين الفسخ في احدى الروايتين وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي لان البائع لم يرض بذمة المشتري وقد تكون ذمته دون ذمة البائع فلا يلزم الرضى بذلك وحكى ابن المنذر عن أحمد أنه إن كان المبيع قائما فهو مخير بين الفسخ وأخذه بالثمن مؤجلا لانه الثمن الذي اشترى به البائع والتأجيل صفة له فهو كما لو أخبره بزيادة في الثمن وإن كان قد استهلك حبس الثمن بقدر الاجل وهذا قول شريح (فصل) وان اشتراه بدنانير فاخبر انه اشتراه بدراهم أو بالعكس أو اشتراه بعوض فأخبر أنه اشتراه بثمن أو بالعكس واشباه ذلك فللمشتري الخيار بين الفسخ وبين الرضى به بالثمن الذي تبايعا به كسائر المواضع التي يثبت فيها ذلك. (فصل) وان اشتراه ممن لاتقبل شهادته له كأبيه وابنه لم يجز بيعه مرابحة حتى يبين ذلك وبهذا قال أبو حنيفة، وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد يجوز وان لم يبين لانه اشتراه بعقد صحيح وأخبر بثمنه فأشبه مالو اشتراه من أجنبي. ولنا انه متهم في الشراء منهم لكونه يحابيهم ويسمح لهم فلم يجز ان يخبر بما اشترى منهم مطلقا كما لو اشترى من مكاتبه فانه يجب عليه ان يبين أمره لا نعلم فيه خلافا وبه يبطل قياسهم (فصل) وان اشتراه بأكثر من ثمنه حيلة مثل أن يشتريه من غلام دكانه الحر أو غيره على وجه الحيلة لم يجز بيعه مرابحة حتى يبين أمره لان ذلك تدليس وحرام على ما بيناه، وان لم يكن حيلة

[ 105 ]

فقال القاضي إذا باع غلام دكانه سلعة ثم اشتراها منه بأكثر من ذلك لم يجز بيعه مرابحة حتى يبين أمره لانه يتهم في حقه فهو كمن لا تقبل شهادته له والصحيح ان شاء الله ان ذلك يجوز لانه أجنبي فأشبه غيره (فصل) إذا اشترى شيئين صفقة واحدة ثم أراد بيع أحدهما مرابحة أو اشترى اثنان شيئا فتقاسماه وأراد أحدهما بيع نصيبه مرابحة بالثمن الذي أداه فيه فان كان من المتقومات التي لا ينقسم عليها الثمن بالاجزاء كالثياب ونحوها لم يجز حتى يبين الحال على وجهه نص عليه وهذا مذهب الثوري واسحاق وأصحاب الرأي، وقال الشافعي يجوز بيعه بحصته من الثمن لان الثمن ينقسم على المبيع على قدر قيمته كما لو كان المبيع شقصا وشفعا فان الشفيع يأخذ الشقص بحصته من الثمن، وذكر ابن ابي موسى فيما إذا اشتراه اثنان فتقاسماه رواية عن أحمد أنه يجوز بيعه مرابحة بما اشتراه لان ذلك ثمنه فهو صادق فيما أخبر به. ولنا ان قسمة الثمن على المبيع طريقة الظن واحتمال الخطأ فيه كثير وبيع المرابحة امانة فلم يجز فيه هذا وصار هذا كالخرص الحاصل بالظن لا يجوز ان يباع به ما يجب التماثل فيه، وأما الشفيع فلنا فيه منع وان سلم فان ما اخذه الشفيع بالقيمة للحاجة الداعية إليه لكونه لا طريق له سوى التقويم ولانه لو لم يأخذه به لا تخذه الناس طريقا إلى اسقاط الشفعة فيؤدي إلى تقويتها وهاهنا يمكن الاخبار بالحال وبيعه مساومة ولا تدعوا الحاجة إليه فان باعه ولم يبين فللمشتري الخيار بين الامساك والرد كالمسائل المذكورة وان كان من المتماثلات التي ينقسم عليها الثمن بالاجزاء كالبر والشعير المتساوي جاز بيع بعضه مرابحة بقسطه من الثمن لا نعلم فيه خلافا لان ثمن ذلك الجزء معلوم يقينا ولذلك جاز بيع قفيز من الصبرة. وان أسلم في ثوبين بصفة واحدة فأخذهما على الصفة فله بيع احدهما مرابحة بحصته من الثمن على قياس ذلك لان الثمن ينقسم عليهما نصفين لا باعتبار القيمة، ولذلك لو أقال في أحدهما أو تعذر تسليمه كان له نصف الثمن من غير اعتبار قيمة المأخوذ منهما فكأنه أخذ كل واحد منهما منفردا وان حصل في أحدهما زيادة على الصفة جرت مجرى الحادث بعد البيع على ما نذكر ان شاء الله { مسألة } (وما يزاد في الثمن أو يحط منه في مدة الخيار أو يؤخذ أرشا للعيب أو جناية عليه يلحق برأس المال ويخبر به) وجملة ذلك أن البائع إذا أراد الاخبار بثمن السلعة وكانت بحالها لم تتغير اخبر بثمنها، فان تغير سعر السلعة بأن حط البائع بعض الثمن عن المشتري أو أشتراه في مدة الخيار لحق بالعقد واخبر به في الثمن، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ولا نعلم عن غيرهم خلافهم، وان تغير سعر السلعة وهي

[ 106 ]

بحالها فان غلت لم يلزمه الاخبار بذلك لانه زيادة فيها، وان رخصت فكذلك نص عليه احمد لانه صادق بدون الاخبار بذلك، ويحتمل أن يلزمه الاخبار بالحال، فان المشتري لو علم بذلك لم يرضها بذلك الثمن فكتمانه تغرير به فان أخبره بدون ثمنها ولم يبين الحال لم يجز لانه كذبه، فأما ما يؤخذ أرشا للعيب أو جناية عليه فذكر القاضي أنه يخبر به على وجهه، وقال أبو الخطاب يحط أرش العيب من الثمن ويخبر بالباقي وهو الذي ذكره شيخنا في هذا الكتاب لان ارش العيب عوض عما فات به فكان ثمن الموجود ما بقي، وفي أرش الجناية وجهان (أحدهما) يحط من الثمن كأرش العيب وهو الاولى (والثاني) لا يحطه كالنماء، وقال الشافعي يحطهما من الثمن ويقول: تقوم علي بكذا. لانه صادق فيما اخبر به أشبه مالو أخبره بالحال على وجهه ولنا أن الاخبار بالحال أبلغ في الصدق وأقرب إلى البيان وبقي التغيير والتدليس فلزمه ذلك كما يلزمه بيان العيب وقياس أرش الجناية على النماء والكسب لا يصح لان أرش الجناية عوض نقصه الحاصل بالجناية عليه فهو بمنزلة ثمن جزء منه باعه أو كقيمة أحد الثوبين إذا تلف أحدهما، والنماء زيادة لم ينقص بها المبيع ولا هي عوض عن شئ منه { مسألة } (وان جنى ففداه المشتري أو زيد في الثمن أو حط منه بعد لزومه لم يلحق به) أما إذا جنى ففداه المشتري، فانه لا يلحق بالثمن ولا يخبر به في المرابحة بغير خلاف علمناه لان هذا لم يزد به المبيع قيمة ولا ذاتا وانما هو مزيل لنقصه بالجناية والعيب الحاصل بتعلقها برقبته فأشبهت الدواء المزيل لمرضه الحادث عند المشتري، فأما الادوية والمؤنة والكسوة وعمله في السلعة بنفسه أو عمل غيره له بغير اجرة فانه لا يخبر بذلك في الثمن وجها واحدا، وان اخبر بالحال على وجهه فحسن وكذلك ما زيد في الثمن أو حط منه بعد لزوم العقد لا يخبر به، ويخبر بالثمن الاول لان ذلك هبة من احدهما للآخر فلا يكون عوضا وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة يلحق بالعقد ويخبر به في المرابحة لانه بسبب العقد { مسألة } (وان اشترى ثوبا بعشرة وقصره بعشرة اخبر بذلك على وجهه، فان قال تحصل علي بعشرين فهل يجوز ذلك؟ على وجهين، وان عمل فيه بنفسه عملا يساوي عشرة لم يجز ذلك وجها واحدا) وجملة ذلك ان من اراد البيع مرابحة والسلعة بحالها اخبر بثمنها. وان تغيرت فهو على ضربين (أحدهما) ان تتغير بزيادة وذلك نوعان (احدهما) ان تزيد لنمائها كالسمن وتعلم صنعة أو يحدث منها نماء منفصل كالولد والثمرة والكسب فهذا إذا أراد بيعها مرابحة اخبر الثمن من غير زيادة لانه الذى ابتاعها به، وان أخذ النماء المنفصل أو استخدم الامة أو وطئ الثيب اخبر برأس المال ولم يجب تبيين الحال، وروى ابن المنذر عن احمد أنه يبين ذلك كله وهو قول اسحاق، وقال اصحاب الرأي

[ 107 ]

في الغلة يأخذها لا بأس ان يبيع مرابحة، وفي الولد والثمرة لا يبيع مرابحة حتى يبين لانه موجب العقد ولنا انه صادق فيما اخبر به من غير تغرير بالمشتري فجاز كما لو لم يزد، ولان الولد والثمرة نماء منفصل، فلم يمنع من بيع المرابحة كالغلة (النوع الثاني) ان يعمل فيها عملا مثل ان يقصرها أو يرفوها أو يخيطها أو يحملها فمتى اراد بيعها مرابحة اخبر بالحال على وجهه سواء عمل ذلك بنفسه أو استأجر من عمله هذا ظاهر كلام احمد فانه قال: يبين ما اشتراه وما لزمه ولا يجوز ان يقول تحصلت علي بكذا وبه قال الحسن وابن سيرين وابن المسيب وطاوس والنخعي والاوزاعي وابو ثور، وفيه وجه آخر انه يجوز فيما استأجر عليه ان يضم الاجرة إلى الثمن ويقول. تحصلت علي بكذا لانه صادق، وبه قال الشعبي والحكم والشافعي. ولنا انه تغرير بالمشتري فانه عسى انه لو علم ان بعض ما تحصلت به لاجل الصناعة لم يرغب فيها لعدم رغبته في ذلك فأشبه ما ينفق على الحيوان في مؤنته وكسوته، وعلى المتاع في خزنه (الضرب الثاني) أن يتغير بنقص كالمرض والجناية عليه أو تلف بعضه أو الولادة أو أن يتعيب أو يأخذ المشتري بعضه كالصوف واللبن ونحوه فانه يخبر بالحال ولا نعلم فيه خلافا { مسألة } (وان اشتراه بعشرة ثم باعه بخمسة عشر ثم اشتراه بعشرة أخبر بذلك على وجهه وان قال اشتريته بعشرة جاز وقال أصحابنا يحط الربح من الثمن الثاني ويخبر انه اشتراه بخمسة) المستحب في هذه المسألة وأمثالها أو يخبر بالحال على وجهه لان فيه خروجا من الخلاف وهو أبعد من التغرير بالمشتري، فان اخبر انه اشتراه بعشرة ولم يبين جاز وهذا قول الشافعي وأبي يوسف ومحمد لانه صادق فيما أخبر به وليس فيه تهمة فأشبه مالو لم يربح، وروي عن ابن سرين انه يطرح الربح من الثمن الثاني ويخبر أن رأس ماله عليه خمسة، واعجب أحمد قول ابن سيرين قال فان باعه على ما اشتراه يبين أمره يعني انه ربح مرة ثم اشتراه وهذا من أحمد على الاستحباب لما ذكرناه، ولانه الثمن الذي حصل به الملك الثاني أشبه مالو خسر فيه، وقال أبو حنيفة لا يجوز بيعه مرابحة إلا أن يبين أمره أو يخبر ان رأس ماله عليه خمسة وهو قول القاضي وأصحابه لان المرابحة تضمن فيها العقود فيخبر بما تقوم عليه كما تضم أجرة الخياط والقصاب، وقد استفاد بهذا العقد الثاني تقرير الربح في العقد الاول لانه أمن أن يرد عليه، فعلى هذا ينبغي إذا طرح الربح من الثمن الثاني أن يقول تقوم علي بخمسة ولا يقول اشتريته بخمسة لانه كذب وهو حرام فيصير كما لو ضم أجرة القصارة ونحوها إلى الثمن وأخبر به. ولنا ما ذكرناه، وما ذكروه من ضم القصارة والخياطة فشئ بنوه على أصولهم لا نسلمه ثم لا يشبه هذا ما ذكروه لان المؤنة لزمته في هذا البيع الذي يلي المرابحة وهذا الربح في عقد آخر قبل هذا الشراء فأشبه الخسارة فيه، وأما تقويم الربح فغير صحيح فان العقد الاول قد لزم ولم يظهر

[ 108 ]

العيب ولم يتعلق به حكمه، وقد ذكرنا في مثل هذه المسألة ان للمشتري ان يرده على البائع إذا ظهر على عيب قديم وإذا لم يلزمه طرح النماء والغلة فههنا أولى، ويجئ على قولهم انه لو اشترى بعشرة ثم باعه بعشرين ثم اشتراها بعشرة فانه يخبر انها حصلت عليه بغير شئ، وان اشتراها بعشرة ثم باعها بثلاثة عشر ثم اشتراها بخمسة أخبر انها تقومت عليه بدرهمين، وان اشتراها بخمسة عشر أخبر انها تقومت عليه باثني عشر نص أحمد على نظير هذا، فان لم يربح ولكن اشتراها ثانية بخمسة أخبر بها لانها ثمن للعقد الذي يلي المرابحة، ولو خسر فيها مثل أن اشتراها بخمسة عشر ثم باعها بعشرة ثم اشتراها بأي ثمن كان أخبر به ولم يجز أن يضم الخسارة إلى الثمن الثاني ويخبر به في المرابحة بغير خلاف نعلمه وهو يدل على صحة ما ذكرناه (فصل) وان ابتاع اثنان ثوبا بعشرين ثم بذل لهما فيه اثنان وعشرون فاشترى أحدهما نصيب صاحبه فيه بذلك السعر فانه يخبر في المرابحة باحد وعشرين نص عليه وهذا قول النخعي، وقال الشعبي يبيعه على اثنين وعشرين لان ذلك الدرهم الذي كان أعطيه قد كان أحرزه ثم رجع إلى قول النخعي بعد ذلك ولا نعلم احدا خاف ذلك لانه اشترى نصفه الاول بعشرة والثاني باحد عشر فصار أحدا وعشرين (فصل) قال احمد المساومة عندي أسهل من بيع المرابحة لان بيع المرابحة يعتريه أمانة واسترسال من المشتري ويحتاج فيه إلى تعيين الحال على وجهه ولا يؤمن هوى النفس في نوع تأويل وخطر فيكون على خطر وغرر فتجنب ذلك أسلم وأولى (فصل) وان اشترى رجل نصف سلعة بعشرة واشترى آخر نصفها بعشرين ثم باعاها مساومة بثمن واحد فهو بينهما نصفان لا نعلم فيه خلافا لان الثمن عوض عنها فكان بينهما على حسب ملكهما فيها كالاتلاف وان باعها مرابحة أو مواضعة أو تولية فكذلك نص عليه أحمد وهو قول ابن سيرين والحكم قال الاثرم قال أبو عبد الله إذا باعها فالثمن بينهما نصفان. قلت أعطى أحدهما أكثر مما أعطى الآخر؟ فقال وان اليس الثوب بينهما الساعة سواء؟ فالثمن بينهما لان كل واحد منهما يملك مثل الذي يملك صاحبه. وحكى أبو بكر عن أحمد ان الثمن بينهما على قدر رءوس أموالهما لان بيع المرابحة يقتضي أن يكون الثمن في مقابلة رأس المال فيكون مقسوما بينهما على حسب رءوس أموالهما، قال شخينا ولم أجد عن أحمد رواية بما قال أبو بكر، وقيل هذا وجه خرجه أبو بكر وليس برواية والمذهب الاول لان الثمن عوض المبيع وملكهما متساو فيه فكان ملكهما لعوضه متساويا كما لو باعه مساومة (فصل) قال رضي الله عنه (السابع خيار يثبت لاختلاف المتبايعين فمتى اختلفا في قدر الثمن تحالفا فيبدأ بيمين البائع فيحلف ما بعته بكذا وانما بعتكه بكذا ثم يحلف المشتري ما اشتريته بكذا وانما اشتريته بكذا)

[ 109 ]

إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمة فقال البائع بعتك بعشرين، وقال المشتري بعشرة ولاحدهما بينة حكم بينهما وان لم يكن لهما بينة تحالفا، وبه قال شريح وأبو حنيفة والشافعي وهي رواية عن مالك وله رواية أخرى القول قول المشتري مع يمينه، وبه قال أبو ثور وزفر لان البائع يدعي عشرة ينكرها المشتري والقول قول المنكر، وقال الشعبي القول قول البائع أو يترادان البيع وحكاه ابن المنذر عن أحمد لما روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة فالقول ما قال البائع أو يترادان البيع " رواه سعيد وابن ماجه وغيرهما والمشهور في المذهب الاول. ويحتمل أن يكون معنى القولين واحدا وأن القول قول البائع مع يمينه فإذا حلف فرضي المشتري بذلك أخذ به وان ابى حلف أيضا وفسخ البيع لان في بعض الفاظ حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة ولا بينة لاحدهما تحالفا " ولان كل واحد منهما مدع ومدعي عليه فان البائع يدعي عقدا بعشرين ينكره المشتري والمشتري يدعي عقدا بعشرة ينكره البائع والعقد بعشرة غير العقد بعشرين فشرعت اليمين في حقهما وهذا الجواب عما ذكروه (فصل) والمبتدئ باليمين البائع فيحلف ما بعته بكذا وانما بعته بكذا فان شاء المشتري اخذه بما قال البائع والاحلف ما اشتريته بكذا وانما اشتريته بكذا، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة يبدأ يبين المشتري لانه منكر واليمين في جنبته أقوى ولانه يقضى بنكوله ينفصل الحكم وما كان اقرب إلى فصل الخصومة كان أولى ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " فالقول ما قال البائع أو يترادان البيع " وفي لفظ " فالقول قول البائع والمشتري بالخيار " رواه احمد ومعناه ان شاء اخذ وان شاء حلف ولان البائع اقوى جنبة لانها إذا تحالفا عاد المبيع إليه فكان أقوى كصاحب اليد وقد بينا أن كل واحد منهما منكر فيتساويان من هذا الوجه والبائع إذا حلف فهو بمنزلة نكول المشتري يحلف الآخر ويقتضى به فهما سواء ويكفي كل واحد منهما يمين واحدة لانه اقرب إلى فصل القضاء { مسألة } (فان نكل احدهما لزمه ما قال صاحبه) يعني إذا حلف البائع فنكل المشتري عن اليمين قضي عليه وان نكل المشتري حلف المشتري وقضي له، ووجه ذلك حديث ابن عمر لما باع زيدا عبدا واختلفا في عيب فيه فاحتكما إلى عثمان فوجبت على عبد الله اليمين فلم يحلف فرد عثمان عليه العبد رواه الامام احمد { مسألة } (فان تخالفا فرضي احدهما بقول صاحبه أقر العقد وإلا فلكل واحد منهما الفسخ) إذا تخالفا لم ينفسخ البيع بنفس التخالف لانه عقد صحيح فلم ينفسخ باختلافهما وتعارضهما في الحجة كما لو قامت البينة لكل واحد منهما، لكن إن رضي احدهما مما قال الآخر اجبر الآخر عليه واقر

[ 110 ]

العقد بينهما وان لم يرض واحد منهما فلكل واحد منهما الفسخ هذا ظاهر كلام أحمد ويحتمل ان يقف الفسخ على الحاكم وهو ظاهر مذهب الشافعي لان العقد صحيح وأحدهما ظالم وانما يفسخه الحاكم لتعذر امضائه في الحكم اشبه نكاح المرأة إذا زوجها الوليان وجهل السابق منهما ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " أو يترادان البيع " وظاهره استقلالهما بذلك، وروي أن ابن مسعود باع الاشعث بن قيس رقيقا من رقيق الامارة فقال عبد الله بعتك بعشرين الفا، وقال الاشعث شريت منك بعشرة آلاف، فقال عبد الله سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إذا اختلف المتبايعان وليس بينهما بينة والبيع قائم بعينه فالقول قول البائع أو يترادان البيع " قال فاني أرد البيع رواه سعيد وروى أيضا حديثا عن عبد الملك بن عبيدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا اختلف المتبايعان استحلف البائع ثم كان للمشتري الخيار إن شاء اخذ وان شاء ترك " وهذا ظاهر في أنه يفسخ من غير حاكم لانه جعل الخيار إليه فأشبه من له خيار الشرط ولانه فسخ لا ستدراك الظلامة أشبه الرد بالعيب ولا يشبه النكاح لان لكل واحد من الزوجين الاستقلال بالطلاق { مسألة } (وان كانت السلعة تالفة رجعا إلى قيمة مثلها فان اختلفا في صفتها فالقول قول المشتري وعنه لا يتحالفان إذا كانت تالفة والقول قول المشتري مع يمينه) إذا اختلفا في ثمن السلعة بعد تلفها فعن احمد فيها روايتان (إحداهما) يتحالفان هكذا ذكره الخرقي مثل لو كانت قائمة، وهو قول الشافعي وإحدى الروايتين عن مالك (والاخرى) القول قول المشتري مع يمينه اختارها أبو بكر وهو قول النخعي والثوري والاوزاعي وابي حنيفة لقوله عليه السلام في الحديث " والسلعة قائمة " مفهومه انه لا يشرع التحالف عند تلفها ولانهما اتفقا على نقل السلعة إلى المشتري واستحقاق عشرة في ثمنها، واختلفا في عشرة زائدة البائع يدعيها والمشتري ينكرها والقول قول المنكر وتركنا هذا القياس حال قيام السلعة للحديث الوارد فيه ففيما عداه يبقى على القياس، ووجه الرواية الاولى عموم قوله عليه السلام " إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع والمشتري بالخيار " قال أحمد ولم ينقل فيه " والبيع قائم " الا يزيد بن هارون قال أبو عبد الله وقد اخطأ، رواه الخلق عن المسعودي ولم يقولوا هذه الكلمة، ولان كل واحد منهما مدع ومنكر فيشرع اليمين كحال قيام السلعة فان ذلك لا يختلف بقيام السلعة وتلفها، وقولهم تركناه للحديث قلنا لم يثبت في الحديث، قال ابن المنذر وليس في هذا الباب حديث يعتمد عليه، وعلى أنه إذا خولف الاصل لمعنى وجب تعدية الحكم بتعدي ذلك المعنى فنقيس عليه بل يثبت الحكم بالبينة فان التحالف إذا ثبت مع قيام السلعة مع انه يمكن معرفة ثمنها للمعرفة بقيمتها فان الظاهر أن الثمن يكون بالقيمة فمع تعذر ذلك أولى، فإذا تحالفا

[ 111 ]

فان رضي أحدهما بما قال الآخر لم يفسخ العقد لعدم الحاجة إلى فسخه وإن لم يرضيا فلكل واحد منهما فسخه كما إذا كانت السلعة باقية ويرد الثمن إلى المشتري ويدفع المشتري قيمة السلعة إلى البائع فان كانا من جنس واحد وتساويا بعد التقابض تقاصا، وينبغي أن لا يشرع التحالف ولا الفسخ فيما إذا كانت قيمة السلعة مساوية للثمن الذي ادعاه المشتري ويكون القول قول المشتري مع يمينه لانه لا فائدة في ذلك لان الحاصل به الرجوع إلى ما ادعاه المشتري. وإن كانت القيمة أقل فلا فائدة للبائع في الفسخ فيحتمل أن لا يشرع له اليمين ولا الفسخ لان ذلك ضرر عليه من غير فائدة، ويحتمل أن يشرع لتحصل الفائدة للمشتري، ومتى اختلفا في قيمة السلعة رجعا إلى قيمة مثلها موصوفا بصفاتها، فان اختلفا في الصفة فالقول قول المشترى مع يمينه لانه غارم (فصل) وإن تقايلا المبيع أو رد بعيب بعد قبض البائع الثمن ثم اختلفا في قدره فالقول قول البائع لانه منكر لما يدعيه المشتري بعد انفساخ العقد أشبه ما إذا اختلفا في القبض { مسألة } (وإن ماتا فورثتهما في منزلتهما) في جميع ما ذكرناه لانهم يقومون مقامهما في أخذ مالهما وارث حقوقهما فكذلك فيما يلزمهما أو يصير لهما، ولانها يمين في المال فقام الوارث فيها مقام الموروث كاليمين في الدعوى { مسألة } (ومتى فسخ المظلوم منهما انفسخ العقد ظاهرا وباطنا وإن فسخ الظالم لم ينفسخ قي حقه باطنا وعليه اثم الغاصب) وجملة ذلك أن الفسخ إذ وجد منهما فقال القاضي ظاهر كلام أحمد أن الفسخ ينفذ ظاهرا وباطنا لانه فسخ لا ستدراك الظلامة فهو كالرد بالعيب أو فسخ عقد بالتحالف فأشبه الفسخ باللعان. وقال أبو الخطاب إن كان البائع ظالم لم ينفسخ العقد في الباطن لانه لا يمكنه امضاء العقد واستيفاء حقه فلا ينفسخ العقد في الباطن ولا يباح له التصرف في المبيع لانه غاصب، وإن كان المشتري ظالما انفسخ البيع ظاهرا وباطنا لعجز البائع عن استيفاء حقه فكان له الفسخ كما لو أفلس المشتري، ولاصحاب الشافعي وجهان كهذين، ولهم وجه ثالث أنه لا ينفسخ في الباطن بحال وهذا فاسد لانه لو علم أنه لا ينفسخ في الباطن بحال لما أمكن فسخه في الظاهر فانه لا يباح لكل واحد منهما التصرف فيما رجع إليه بالفسخ ومتى علم ان ذلك محرم منع منه، ولان الشارع جعل للمظلوم منهما الفسخ ظاهرا وباطنا فانفسخ بفسخه في الباطن كالرد بالعيب (قال شيخنا) ويقوى عندي إن فسخه المظلوم منهما انفسخ ظاهرا وباطنا كذلك، وإن فسخه الكاذب عالما بكذبه لم ينفسخ بالنسبة إليه لانه لا يحل به الفسخ فلم يثبت حكمه بالنسبة إليه ويثبت بالنسبة إلى صاحبه فيباح له التصرف فيما رجع إليه لانه رجع إليه بحكم من غير

[ 112 ]

عدوان منه فأشبه مالو رد عليه المبيع بدعوى العيب ولا عيب فيه { مسألة } (وان اختلفا في صفة الثمن تحالفا إلا أن يكون للبلد نقد معلوم فيرجع إليه) إذا اختلفا في صفة الثمن رجع إلى نقد البلد نص عليه في رواية الاثرم لان الظاهر أنهما لا يعقدان إلا به، وإن كان في البلد نقود رجع إلى أوسطها نص عليه في رواية جماعة فيحتمل أنه أراده إذا كان هو الاغلب والمعاملة به أكثر لان الظاهر وقوع المعاملة به أشبه إذا كان في البلد نقد واحد، ويحتمل أنه ردهما إليه مع التساوي لان فيه تسوية بينهما في الحق وتوسطا بينهما وفي العدول إلى غيره ميل على أحدهما فكان التوسط أولى، وعلى مدعي ذلك اليمين لان قول خصمه محتمل فيجب اليمين لنفي ذلك الاحتمال كوجوبها على المنكر، وإن لم يكن في البلد إلا نقدان تحالفا لانهما اختلفا في الثمن على وجه لم يترجح قول أحدهما فيتحالفان كما لو اختلفا في قدره { مسألة } (وإن اختلفا في أجل أو شرط فالقول قول من ينفيه، وعنه يتحالفان إلا أن يكون شرطا فاسدا فالقول قول من يثبته) إذا اختلفا في أجل أو شرط أو رهن أو ضمين أو في قدر الاجل أو الرهن فالقول قول من ينفيه في احدى الروايتين مع يمينه وهذا قول أبي حنيفة لان الاصل عدمه فكان القول قول من يدعيه كأصل العقد (والثانية) يتحالفان وهو قول الشافعي لانهما اختلفا في صفة العقد فوجب أن يتحالفا كما لو اختلفا في الثمن فأما ان اختلفا فيما يفسد العقد فقال بعتك بخمس أو خيار مجهول أو في شرط فاسد، وقال لابل بعتني بنقد معلوم أو خيار معلوم إلى ثلاث فالقول قول من يدعي الصحة مع يمينه لان ظهور تعاطي المسلمين الصحيح أكثر من تعاطي الفاسد، وان قال بعتك مكرها فأنكر فالقول قول المشتري لان الاصل عدم الاكراه وصحة البيع كذلك، وان قال بعتك وأنا صبي فالقول قول المشتري نص عليه وهو قول الثوري واسحاق لانهما اتفقا على العقد واختلفا فيما يفسده فكان القول قول من يدعي الصحة كالتي قبلها، ويحتمل أن يقبل قول من يدعي الصغر لانه الاصل وهو قول بعض أصحاب الشافعي ويفارق ما إذا اختلفا في الاكراه والشرط الفاسد من وجهين (احدهما) أن الاصل عدمه وههنا الاصل بقاؤه (والثاني) أن الظاهر من المكلف أنه لا يتعاطى إلا الصحيح وههنا ما ثبت أنه كان مكلفا، وإن قال بعتك وأنا مجنون فان لم يعلم حال جنون فالقول قول المشتري لان الاصل عدمه، وإن ثبت أنه كان مجنونا فهو كالصبي، وان قال بعتك وأنا غير مأذون لي في التجارة فالقول قول المشتري نص عليه في رواية منها لانه مكلف فالظاهر أنه لا يعقد إلا عقدا صحيحا { مسألة } (وإن قال بعتني هذين قال بل أحدهما فالقول قول البائع)

[ 113 ]

أما إذا قال بعتني هذا العبد والامة بمائة قال بل بعتك العبد بخمسين فالقول قول البائع لان المشتري يدعي عقدا ينكره البائع والقول قول المنكر، وإن قال البائع بعتك هذا العبد بألف فقال بل هو والعبد الآخر بألف فالقول قول البائع مع يمينه وهو قول أبي حنيفة لان البائع ينكر بيع العبد الزائد فكان القول قوله مع يمينه كما لو ادعى شراءه منفردا. وقال الشافعي يتحالفان لانهما اختلفا في أحد عوضي العقد أشبه ما لو اختلفا في الثمن وهذا القول أقيس وأولى إن شاء الله تعالى { مسألة } (وان قال بعتني هذا قال بل هذا حلف كل واحد منهما على ما أنكره ولم يثبت بيع واحد منهما) وذلك مثل أن يقول البائع بعتك هذا العبد قال بل بعتني هذه الجارية لان كل واحد منهما يدعي عقدا على عين ينكرها المدعي عليه والقول قول المنكر فإذا حلف البائع ما بعتك هذه الجارية اقرت في يده وإن كان مدعيها قد قبضها ردت عليه واما العبد فان كان في يد البائع اقر في يده ولم يكن للمشتري طلبه لانه لا يدعيه وعلى البائع رد الثمن إليه لانه لم يصل إليه المعقود عليه، وإن كان في يد المشتري فعليه رده إلى البائع لانه يعترف انه لم يشتره وليس للبائع طلبه إذا بذل ثمنه لاعترافه بيعه، وإن لم يعطه ثمنه فله فسخ البيع واسترجاعه لتعذر الثمن عليه فملك الفسخ كما لو أفلس المشتري، وإن أقام كل واحد منهما بينة بدعواه ثبت العقدان لانهما لا يتنافيان فأشبه مالو ادعى أحدهما البيع فيهما جميعا وأنكره الآخر، وإن أقام أحدهما بينة دون الآخر ثبت ما قامت عليه البينة دون الآخر { مسألة } (وان قال البائع لا أسلم المبيع حتى أقبض الثمن، وقال المشتري لا أسلمه حتى أقبض المبيع وكان الثمن عينا أو عرضا جعل بينهما عدل يقبض منهما ويسلم اليهما) لان حق البائع قد تعلق بعين الثمن كما تعلق حق المشتري بعين المبيع فاستويا وقد وجب لكل واحد منهما على الآخر حق قد استحق قبضه فاجبر كل واحد منهما على إيفاء صاحبه حقه وهذا قول الثوري وأحد أقوال الشافعي، وعن أحمد ما يدل على أن البائع يجبر على تسليم المبيع أولا وهو قول ثان للشافعي والاول أولى لما ذكرنا، وقال أبو حنيفة ومالك يجبر المشتري على تسليم الثمن قبل الاستيفاء كالمرتهن ولنا أن تسليم المبيع يتعلق به استقرار البيع وتمامه فكان تقديمه أولى ويخالف الرهن فانه لا تتعلق به مصلحة عقد الرهن والتسليم ههنا يتعلق به مصلحة عقد البيع وان كان دينا أجبر البائع على تسليم المبيع ثم أجبر المشتري على تسليم الثمن لان حق المشتري تعلق بعين المبيع وحق البائع تعلق بالذمة وتقديم ما تعلق بالعين أولى لتأكده وكذلك تقديم الدين الذي به الرهن على ما في الذمة

[ 114 ]

وكذلك تقديم أرش الجناية على الدين لذلك، وقال مالك وأبو حنيفة يجبر المشتري أولا على تسليم الثمن كالمسألة قبلها وقد ذكرنا ما يدل على خلافه، إذا ثبت هذا وأجبنا على البائع التسليم فسلم فان كان المشتري موسرا والثمن حاضرا أجبر على تسليمه وان كان الثمن غائبا عن البلد في مسافة القصر أو كان المشتري معسرا فللبائع الفسخ لان عليه ضررا في تأخير الثمن فكان له الفسخ والرجوع في عين ماله كالمفلس، وان كان الثمن في بيته أو بلده حجر على المشتري في المبيع وسائر ماله حتى يسلم الثمن لئلا يتصرف في ماله تصرفا يضر بالبائع، وان كان غائبا عن البلد قريبا دون مسافة القصر فللبائع الفسخ في أحد الوجهين لان عليه ضررا في تأخير الثمن أشبه المفلس (والثاني) لا يثبت له خيار الفسخ لانه كالحاضر فعلى هذا يحجر على المشتري كما لو كان في البدل وهذا كله مذهب الشافعي، وقال شيخنا ويقوى عندي انه لا يجب على البائع تسليم المبيع حتى يحضر الثمن ويتمكن من تسليمه لان البائع انما رضي ببذل المبيع بالثمن فلا يلزمه دفعه قبل حصول عوضه ولان المتعاقدين سواء في المعاوضة فيستويان في التسليم وانما يؤثر ما ذكر في الترجيح في تقديم التسليم مع حضور العوض الآخر لعدم الضرر فيه أما مع الحظر المحوج إلى الحجر أو المجوز الفسخ فلا ينبغي ان يثبت ولان شرع الحجر لا يندفع به الضرر لانه يقف على الحاكم ويتعذر ذلك في الغالب ولان ما أثبت الحجر والفسخ بعد التسليم أولى أن يمنع التسليم لان المنع أسهل من الرفع، والمنع قبل التسليم أسهل من المنع بعده ولذلك ملكت المرأة منع نفسها من التسليم قبل قبض صداقها ولم تملكه بعد التسليم على أحد الوجهين. وكل موضع قلنا له الفسخ فانه يفسخ بغير حكم حاكم لانه فسخ للبيع فتعذر ثمنه فملكه البائع كالفسخ في عين ماله إذا أفلس المشتري وكل موضع قلنا يحجر عليه فذلك إلى الحاكم لان ولاية الحجر إليه (فصل) فان هرب المشتري قبل وزن الثمن وهو معسر فللبائع الفسخ في الحال لانه يملك الفسخ مع حضوره فمع هربه أولى وان كان موسرا أثبت البائع ذلك عند الحاكم ثم ان وجد الحاكم له ما لا قضاه والا باع المبيع وقضى ثمه منه وما فضل فللمشتري وان أعوز ففي ذمته، قال شيخنا ويقوى عندي ان للبائع الفسخ بكل حال لانا ابحنا له الفسخ مع حضوره إذا كان الثمن بعيدا عن البلد للضرر في التأخير فههنا مع العجز عن الاستيفاء بكل حال أولى، ولا يندفع الضرر برفع الامر إلى الحاكم لانه قد يعجز عن اثباته عنده وقد يكون المبيع في مكان لاحاكم فيه والغالب ان لا يحضره من يعرفه الحاكم بالعدالة فاحالته على هذا تضييع لماله وهذه الفروع تقوى ما ذكرته من ان للبائع منع المشتري من قبض المبيع قبل احضار الثمن لما في ذلك من الضرر

[ 115 ]

(فصل) وليس للبائع الامتناع من تسليم المبيع بعد قبض الثمن لاجل الاستبراء وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وحكي عن مالك في القبيحة وقال في الجميلة يضعها على يدي عدل حتى تستبرأ لان التهمة تلحقه فيها فمنع منها. ولنا انه بيع عين لاخيار فيها قد قبض ثمنها فوجب تسليمها كسائر المبيعات وما ذكره من التهمة لا يمكنه من المنع كالقبيحة ولانه ان كان استبرأها قبل بيعها فاحتمال وجود الحمل منها بعيد نادر وان كان لم يستبرئها فهو الذي ترك التحفظ لنفسه، ولو طالب المشتري البائع بكفيل لئلا تظهر حاملا لم يكن له ذلك لانه ترك التحفظ لنفسه حال العقد فلم يكن له كفيل كما لو طالب كفيلا بالثمن المؤجل { مسألة } (ويثبت الخيار للتخلف في الصفة وتغير ما تقدمت رؤيته وقد ذكرناه) في الفصل السادس من كتاب البيع بما يغني عن اعادته (فصل) قال رضي الله عنه (ومن اشترى مكيلا أو موزونا لم يجز بيعه حتى يقبضه، وان تلف قبل قبضه فهو من مال البائع إلا ان يتلفه آدمي فيخير المشتري بين فسخ العقد وامضائه ومطالبة متلفه ببدله وعنه في الصبرة المتعينة انه يجوز بيعها قبل قبضها، وان تلفت فهي من ضمان المشتري) ظاهر المذهب ان المكيل والموزون لا يدخل في ضمان المشتري إلا بقبضه، وهو ظاهر كلام الخرقي وكذلك قال في المعدود سواء كان متعينا كالصبرة أو غير متعين كقفيز منها، وهو ظاهر كلام احمد ونحوه قول اسحاق، وروي عن عثمان بن عفان وسعيد بن المسيب والحسن والحكم وحماد بن ابي سليمان ان كل ما بيع على الكيل والوزن لا يجوز بيعه قبل قبضه وما ليس بمكيل ولا موزون يجوز بيعه قبل قبضه، وقال القاضي واصحابه المراد بالمكيل والموزون والمعدود ما ليس بمتعين كالقفيز من صبرة والرطل من زبدة، فأما المتعين فيدخل في ضمان المشتري كالصبرة يبيعها من غير تسمية كيل، وقد نقل عن احمد نحو ذلك فانه قال في رواية أبي الحارث في رجل اشترى طعاما فطلب من يحمله فرجع وقد احترق فهو من مال المشتري. وذكر الجوز جاني عنه فيمن اشترى ما في السفينة صبرة لم يسم كيلا فلا بأس أن يشترك فيها ويبيع ما شاء الا أن يكون بينهما كيل فلا يولى عليه، ونحو هذا قال مالك فانه قال فيما بيع من الطعام مكايلة أو موازنة لم يجز بيعه قبل قبضه وما بيع مجازفة أو بيع من غير الطعام مكايلة أو موازنة جاز بيعه قبل قبضه، ووجه ذلك ماروى الاوزاعي عن الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حيا مجموعا فهو من مال المبتاع رواه البخاري عن ابن عمر من قوله تعليقا. وقول الصحابي مضت السنة يقتضي سنة النبي صلى الله عليه وسلم ولان المبيع المعين لا يتعلق به حق توفية فكان من مال المشتري كغير المكيل والموزون ونقل عن احمد أن المطعوم لا يجوز بيعه قبل قبضه سواء كان مكيلا أو موزونا أو لم يكن، فعلى هذا

[ 116 ]

يختص ذلك بالمطعوم في أنه لايدخل في ضمان المشتري الا بقبضه فان الترمذي روى عن أحمد انه أرخص في بيع ما لا يكال ولا يوزن مما لا يؤكل ولا يشرب قبل قبضه، وقال الاثرم سألت أبا عبد الله عن قوله نهى عن ربح ما لا يضمن قال هذا في الطعام وما أشبهه من مأكول أو مشروب فلا يبيعه حتى يقبضه، وقال ابن عبد البر الاصح عن احمد بن حنبل ان الذي يمنع من بيعه قبل قبضه هو الطعام وذلك لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام قبل قبضه فمفهومه إباحة بيع ما سواه قبل قبضه وروى ابن عمر قال رأيت الذين يشترون الطعام مجازفة يضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعوه حتى يؤووه إلى رحالهم وهذا نص في بيع المعين وعموم قوله عليه السلام " من ابتاع طعاما فلا يبيعه (بالرفع وفي رواية فلا يبعه بالجزم والخبر في الاولى بمعنى الانشاء) حتى يستوفيه " متفق عليهما. ولمسلم عن ابن عمر قال. كنا نشتري الطعام من الركبان جزافا فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم. أن نبيعه حتى ننقله من مكانه. وقال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن من اشترى طعاما فليس له أن يبيعه حتى يستوفيه ولو دخل في ضمان المشتري جاز بيعه والتصرف فيه كما بعد قبضه، وهذا يدل على تعميم المنع في كل طعام مع تنصيصه على البيع مجازفة بالمنع وهو خلاف قول القاضي وأصحابه ويدل بمفهومه على أن ما عدا الطعام يخالفه في ذلك (فصل) وكل مالا يدخل في ضمان المشتري إلا بقبضه لا يجوز له بيعه حتى يقبضه وقد ذكرنا ذلك وذكرنا الذي يحتاج إلى قبض والخلاف فيه لما ذكرنا من الاحاديث ولانه من ضمان بائعه فلم يجز بيعه كالسلم ولم نعلم بين أهل العلم في ذلك خلافا إلا ما حكي عن البتي أنه لا بأس ببيع كل شئ قبل قبضه. قال ابن عبد البر وهذا قول مردود بالسنة والحجة المجمعة على الطعام أظنه لم يبلغه الحديث ومثل هذا لا يلتفت إليه. (فصل) والمبيع بصفة أو برؤية متقدمة من ضمان البائع حتى يقبضه المبتاع فعلى هذا لا يجوز بيعه قبل قبضه لانه يتعلق به حق توفية فجرى مجرى المكيل والموزون (فصل) وما يحتاج إلى القبض إذا تلف قبل قبضه فهو من ضمان البائع، فان تلف بآفة سماوية بطل العقد ورجع المشتري بالثمن وان بان بفعل المشتري استقر عليه الثمن وكان كالقبض لانه تصرف فيه، وان اتلفه أجنبي لم يبطل العقد على قياس قوله في الجائحة ويثبت للمشتري الخيار بين الفسخ والرجوع بالثمن لان التلف حصل في يد البائع فهو كحدوث العيب في يده وبين البقاء على العقد ومطالبة المتلف بالمثل إن كان مثليا وبالقيمة ان لم يكن مثليا، وبهذا قال الشافعي ولا نعلم فيه مخالفا، وان اتلفه البائع فقال اصحابنا الحكم فيه كما لو اتلفه اجنبي، وقال الشافعي: ينفسخ العقد ويرجع المشتري بالثمن لاغير لانه تلف يضمنه به البائع اشبه تلفه بفعل الله تعالى، وفرق اصحابنا بينهما لكونه إذا تلف بفعل

[ 117 ]

الله تعالى لم يوجد مقتض للضمان سوى حكم العقد بخلاف ما إذا اتلفه، فان اتلافه يقتضي الضمان بالمثل وحكم العقد يقتضي الضمان بالثمن فكانت الخيرة إلى المشتري في التضمين بأيهما شاء (فصل) وان تعيب في يد البائع أو تلف بعضه بامر سماوي فالمشتري مخير بين أخذه ناقصا ولا شئ له وبين فسخ العقد والرجوع بالثمن لانه ان رضيه معيبا فكأنه اشترى معيبا عالما بعيبه لا يستحق شيئا من اجل العيب، وان فسخ العقد لم يكن له أكثر من الثمن لانه لو تلف المبيع كله لم يكن له اكثر من الثمن أو تلف بعضه لم يكن له الفسخ لذلك لانه أتلف ملكه فلم يرجع على غيره وان كان بفعل البائع فقياس قول أصحابنا أن المشتري مخير بين الفسخ والرجوع بالثمن وبين أخذه والرجوع على البائع بعوض ما أتلف أو عيب، وقياس قول الشافعي أنه بمنزلة ما لو تلف بفعل الله تعالى وان كان بفعل أجنبي فله الفسخ والمطالبة بالثمن وأخذ المبيع ومطالبة الاجنبي بعوض ما أتلف (فصل) ولو باع شاة بشعير فأكلته قبل قبضه فان كانت في يد المشتري فهو كما لو أتلفه، وان كانت في يد البائع فهو كاتلافه وكذلك ان كانت في يد أجنبي فهو كاتلافه، وان لم يكن في يد أحد انفسخ البيع لان المبيع هلك قبل قبضه بامر لا ينسب إلى آدمي فهو كتلفه بفعل الله تعالى (فصل) ولو اشترى شاة أو عبدا أو شقصا بطعام فقبض الشاة أو العبد وباعهما أو أخذ الشقص بالشفعة ثم تلف الطعام قبل قبضه انفسخ الاول دون الثاني ولا يبطل الاخذ بالشفعة لانه كمل قبل فسخ العقد ويرجع مشتري الطعام على مشتري الشاة أو العبد أو الشقص بقيمة ذلك لتعذر رده، وعلى الشفيع مثل الطعام لانه عوض الشقص { مسألة } (وعنه في الصبرة المتعينة أنه يجوز بيعها قبل قبضها وان تلفت فهي من ضمان المشتري) نقلها عنه أبو الحارث والجوزجاني واختاره القاضي وأصحابه ونحوه قول مالك لقول ابن عمر مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حيا مجموعا فهو من مال المتاع وقد ذكرنا ذلك { مسألة } (وما عدا المكيل والموزون يجوز التصرف فيه قبل قبضه وان تلف فهو من مال المشتري) وحكى أبو الخطاب رواية أخرى أنه كالمكيل والموزون في ذلك كله ما عدا المكيل والموزون والمعدود والمطعوم على ما ذكرنا فيه من الخلاف يجوز التصرف فيه قبل قبضه في أظهر الروايتين ويروى مثل هذا عن عثمان بن عفان وسعيد بن المسيب والحكم وحماد والاوزاعي واسحاق، وعن احمد رواية أخرى لا يجوز بيع شئ قبل القبض اختارها ابن عقيل، وروي ذلك عن ابن عباس وهو قول أبي حنيفة والشافعي الا ان أبا حنيفة اختار بيع العقار قبل قبضه وإذا قلنا بجواز التصرف فيه فتلف فهو من ضمان المشترى، وقال أبو حنيفة كل مبيع قبل قبضه من ضمان البائع الا العقار، وقال الشافعي

[ 118 ]

هو من ضمان البائع في الجميع، وحكى أبو الخطاب عن أحمد مثل ذلك. واحتجوا بنهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يباع الطعام قبل قبضه، وبما روي عن ابن عباس أنه قال أرى كل شئ بمنزلة الطعام (1) (الطعام ربوي وعليه مدار المعيشة فلا يقاس عليه ما ليس مثله في ذلك) وبما روى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم، وروى ابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن شرا الصدقات حيث تقبض، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث عتاب بن أسيد إلى مكة قال " انههم عن بيع ما لم يقبضوا وعن ربح ما لم يضمنوا " ولانه لم يتم الملك عليه فلم يجز بيعه كغير المتعين أو كالمكيل والموزون. ولنا على جواز بيعه قبل قبضه ما روى ابن عمر قال كنا نبيع الابل بالبقيع بالدراهم فنأخذ بدل الدراهم الدنانير ونبيع بالدنانير فنأخذ بدلها الدراهم فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال " لا بأس إذا تفرقتما وليس بينكما شئ " وهذا تصرف في الثمن قبل قبضه وهو أحد العوضين، وروى ابن عمر أنه كان على بكر صعب يعني لعمر فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر " بعنيه " فقال هو لك يا رسول فقال النبي صلى الله عليه وسلم " هو لك يا عبد الله ابن عمر فاصنع به ما شئت " وهذا ظاهر في التصرف في المبيع بالهبة قبل قبضه، واشترى من جابر جملا ونقده ثمنه ثم وهبه اياه قبل قبضه ولانه أحد نوعي المعقود عليه فجاز التصرف فيه قبل قبضه كالمنافع في الاجارة يجوز له اجارة العين المستأجرة قبل قبض المنافع ولانه مبيع لا يتعلق به حق توفية فصح بيعه كالمال في يد المودع والمضارب ولنا على أنه إذا تلف فهو من ضمان المشتري قول النبي صلى الله عليه وسلم " الخراج بالضمان " وهذا المبيع نماؤه للمشتري فضمانه عليه وقول ابن عمر مضت السنة ان ما ادركته الصفقة حيا مجموعا فهو من مال المبتاع، وأما احاديثهم فقد قيل لم يصح منها الا حديث الطعام وهو حجة لنا بمفهومه فان تخصيص الطعام بالنهي عن بيعه قبل قبضه يدل على جوازه فيما سواه وقولهم لم يتم الملك عليه ممنوع فان السبب المقتضي للملك متحقق واكثر ما فيه تخلف القبض واليد ليست شرطا في صحة البيع بدليل جواز بيع المال المودع والموروث والتصرف في الصداق وعوض الخلع عند أبي حنيفة (فصل) وما لا يجوز بيعه قبل قبضه لا يجوز بيعه لبائعه لعموم الخبر فيه قال القاضي ولو ابتاع شيئا مما يحتاج إلى قبض فلقيه ببلد آخر لم يكن له أخذ بدله ان تراضيا لانه مبيع لم يقبض فان كان مما لا يحتاج إلى قبض جاز أخذ البدل عنه الا أن يكون سلما لانه لا يجوز بيع السلم قبل قبضه (فصل) وكل عوض ملك بعقد ينفسخ بهلاكه قبل القبض لا يجوز التصرف فيه قبل قبضه كالذي ذكرنا والاجرة وبدل الصلح إذا كانا من المكيل أو الموزون أو المعدود. وما لا ينفسخ العقد بهلاكه يجوز التصرف فيه قبل القبض كعوض الخلع والعتق على مال وبدل الصلح عن دم العمد وأرش الجناية وقيمة المتلف لان المقتضي للتصرف الملك وقد وجد لكن ما يتوهم فيه غرر الانفساخ بهلاك المعقود

[ 119 ]

عليه لم يجز بناء عقد آخر عليه تحرزا من الغرر ومالا يتوهم فيه ذلك الغرر انتفى المانع فجاز العقد عليه وهذا قول أبي حنيفة، والمهر كذلك عند القاضي، وهو قول أبي حنيفة لان العقد لا ينفسخ بهلاكه، وقال الشافعي لا يجوز التصرف فيه قبل قبضه ووافقه أبو الخطاب في غير المتعين لانه يخشى رجوعه بانتقاض سببه بالردة قبل الدخول أو انفساخه بسبب من جهة المرأة أو بصفة بالطلاق أو انفساخه بسبب من غير جهتها وكذلك قال الشافعي في عوض الخلف وهذا التعليل باطل بما بعد القبض فان قبضه لايمنع الرجوع فيه قبل الدخول، فاما ما ملك بارث أو وصية أو غنيمة أو تعين ملكه فيه فانه يجوز له التصرف فيه بالبيع وغيره قبل قبضه لانه غير مضمون بعقد معاوضة فهو كالمبيع المقبوض، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وان كان لانسان في يد غيره وديعة أو عارية أو مضاربة أو جعله وكيلا فيه جاز له بيعه ممن هو في يده ومن غيره لانه عين مال مقدور على تسليمها لا يخشى انفساخ الملك فيها فهي كالتي في يده فان كان غصبا فقد ذكرنا حكمه (فصل) فان اشترى اثنان طعاما فقبضاه ثم باع أحدهما الآخر نصيبه قبل ان يقسماه احتمل أن لا يجوز وكرهه الحسن وابن سيرين فيما يكال أو يوزن لانه لم يقبض نصيبه منفردا فأشبه غير المقبوض ويحتمل الجواز لانه مقبوض لهما يجوز بيعه لا جنبي فجاز بيعه لشريكه كسائر الاموال فان تقاسماه وتفرقا ثم باع أحدهما نصيبه بذلك الكيل الذي كاله له لم يجز كما لو اشترى من رجل طعاما فاكتاله وتفرقا ثم باعه اياه بذلك الكيل وان لم يتفرقا خرج على الروايتين اللتين ذكرناهما (فصل) وكل مالا يجوز بيعه قبل قبضه لا يجوز فيه الشركة ولا التولية ولا الحوالة به، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، وقال مالك يجوز هذا كله في الطعام قبل قبضه لانها تختص بمثل الثمن الاول فجازت قبل القبض كالاقالة، ولنا ان التولية والشركة من أنواع البيع فان الشركة بيع بعضه بقسطه من ثمنه والتولية بيع جميعه بمثل ثمنه فيدخل في عموم النهي عن بيع الطعام قبل قبضه ولانه تمليك لغير من هو في ذمته فأشبه البيع. وأما الاقالة فهي فسخ للبيع فأشبهت الرد بالعيب، وكذلك لا يصح هبته ولا رهنه ولا دفعه أجرة وما أشبه ذلك ولا التصرفات المنعقدة إلى القبض لانه غير مقبوض فلاسبيل إلى اقباضه

[ 120 ]

{ مسألة } (ويحصل القبض فيما بيع بالكيل والوزن بكيله ووزنه) وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة التخلية في ذلك قبض، وقد روي عن احمد رواية أخرى أن القبض في كل شئ بالتخلية مع التمييز لانه خلى بينه وبين المبيع من غير حائل فكان قبضا له كالعقار. ولنا ماروى عثمان بن عفان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا بعت فكل وإذا ابتعت فاكتل " رواه البخاري وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من اشترى طعاما فلا يبيعه حتى يكتاله " رواه مسلم وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان صاع البائع وصاع المشتري رواه ابن ماجه وهذا فيما بيع كيلا { مسألة } (وفي الصبرة وما ينقل بالنقل) لان ابن عمر قال كانوا يضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتروا الطعام جزافا أن لا يبيعوه في مكانه حتى يحولوه، وفي لفظ كنا نبتاع الطعام جزافا فيبعث علينا من يأمرنا بانتقاله من مكانه الذي ابتعناه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه، وفي لفظ كنا نشتري الطعام من الركبان جزافا فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى ننقله رواهن مسلم وهذا يبين أن الكيل انما وجب فيما بيع بالكيل، وقد دل على ذلك ايضا قوله عليه الصلاة والسلام " إذا سميت الكيل فكل " { مسألة } (وفيما يتناول بالتناول وفيما عدا ذلك بالتخلية) وعنه أن قبض جميع الاشياء بالتخلية مع التمييز إذا كان البيع دراهم أو دنانير فقبضها باليد وإن كان ثيابا فقبضها نقلها وان كان حيوانا فقبضه بمشيه من مكانه وان كان ما لا ينقل ويحول فقبضه التخلية بينه وبين مشتريه لا حائل دونه ولان القبض مطلق في الشرع فيجب فيه الرجوع إلى العرف كالاحراز والتفرق والعادة في قبض هذه الاشياء ما ذكرناه (فصل) وأجرة الكيال والوزان في المكيل والموزون على البائع لان عليه تقبيض المبيع للمشتري والقبض لا يحصل الا بذلك فكان على البائع كما أن على بائع الثمرة سقيها وكذلك أجرة العداد في المعدودات وأما نقل المنقولات وما أشبهها فهو على المشتري لانه لا يتعلق به حق توفية نص عليه أحمد (فصل) ويصح القبض قبل نقد الثمن وبعده باختيار البائع وبغير اختياره لانه ليس للبائع حبس المبيع على قبض الثمن ولان التسليم من مقتضيات العقد فمتى وجد بعده وقع موقفه كقبض الثمن

[ 121 ]

{ مسألة } (والاقالة فسخ يجوز في المبيع قبل قبضه ولا يستحق بها شفعة ولايجوز إلا بمثل الثمن وعنه أنها بيع فلا يثبت. فيها ذلك الا بمثل الثمن في أحد الوجهين اقالة النادم مستحبة لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من أقال نادما بيعته أقاله الله عثرته يوم القيامة " رواه ابن ماجه وأبو داود ولم يقل أبو داود يوم القيامة، وهي فسخ في أصح الروايتين اختارها أبو بكر وهي مذهب الشافعي (والثانية) هي بيع وهي مذهب مالك لان المبيع عاد إلى البائع على الجهة التي خرج عليها فكانت بيعا كالاول، وكونها بمثل الثمن لا يمنع من كونها بيعا كالتولية، وحكي عن أبي حنيفة أنها فسخ في حق المتعاقدين بيع في حق غيرهما فلا تثبت أحكام البيع في حقهما بل يجوز في المبيع قبل قبضه وفي السلم ويثبت حكم البيع في حق الشفيع فيجوز له أخذ الشقص الذي تقايلا فيه بالشفعة ولنا أن الاقالة هي الرفع والازالة يقال أقالك الله عثرتك أي أزالها فكانت فسخا للعقد الاول بدليل جواز الاقالة في السلم مع اجماعهم على أنه لا يجوز بيع المسلم فيه قلب قبضه، ولانها مقدرة بالثمن الاول ولو كانت بيعا لم تقدر به ولانه عاد إليه المبيع بلفظ لا ينعقد به البيع فكان فسخا كالرد بالعيب، ويدل على أبي حنيفة ما كان فسخا في حق المتعاقدين كان فسخا في حق غيرهما كالرد بالعيب والفسخ بالخيار ولان حقيقة الفسخ لا تختلف بالنسبة إلى شخص دون شخص والاصل اعتبار الحقائق، فان قلنا هي فسخ جازت قبل القبض وبعده وقال أبو بكر لابد من كيل ثان ويقوم الفسخ مقام البيع في إيجاب كيل ثان كقيام فسخ النكاح مقام الطلاق في العدة ولنا أنه فسخ للبيع فجاز قبل القبض كالرد بالعيب والتدليس والفسخ بالخيار أو لاختلاف المتبايعين وفارق العدة فانها اعتبرت للاستبراء والحاجة داعية إليه في كل فرقة بعد الدخول بخلاف مسئلتنا. وان قلنا هي بيع لم يجز قبل القبض فيما يعتبر فيه القبض لان بيعه من بائعه قبل قبضه لا يجوز كما لا يجوز من غيره ولا يستحق بها الشفعة إن كانت فسخا لانها رفع للعقد وإزالة له وليست معاوضة فأشبهت سائر الفسوخ، ومن حلف لا يبيع فأقال لم يحنث، وان كانت بيعا استحقت الشفعة وحنث الحالف على ترك البيع بفعلها كالتولية. والصحيح أنها لا تجوز الا بمثل الثمن سواء قلنا هي فسخ أو بيع لانها خصت بمثل الثمن كالتولية وفيه وجه آخر أنها تجوز باكثر من الثمن الاول وأقل منه كسائر البياعات فإذا

[ 122 ]

قلنا لا تجوز الا بمثل الثمن وأقال بأقل منه أو اكثر لم تصح الاقالة وكان الملك باقيا للمشتري، وبهذا قال الشافعي، وعن أبي حنيفة أنها تصح بالثمن الاول ويبطل الشرط لان لفظها اقتضى مثل الثمن والشرط ينافيه فيبطل ونفي الفسخ على مقتضاه كسائر الفسوخ، ولنا أنه شرط التفاضل فيما يعتبر فيه التماثل فيبطل كبيع درهم بدرهمين ولان القصد بالاقالة رد كل حق إلى صاحبه فإذا اشترط زيادة أو نقصا أخرج العقد عن مقصوده فيبطل كما لو باعه بشرط أن لا يسلم إليه وفارق سائر الفسوخ لانه لا يعتبر فيه الرضى منهما بل يسأل به أحدهما فإذا شرط عليه شئ لم يلزمه لتمكنه من الفسخ بدونه وان شرط لنفسه شيئا لم يلزم أيضا لانه لا يستحق أكثر من الفسخ وفي مسئلتنا لا تجوز الاقالة الا برضاهما وانما رضي بها أحدهما مع الزيادة أو النقص فإذا أبطلنا شرطه فات رضاه فتبطل الاقالة لعدم رضاه بها { باب الربا والصرف } الربا في اللغة الزيادة قال الله تعالى (فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت) وقال (أن تكون أمة هي أربى من أمة) أي اكثر عددا. وهو في الشرع الزيادة في أشياء مخصوصة وهو محرم بالكتاب والسنة والاجماع أما الكتاب فقوله تعالى (وحرم الربا) وما عداها من الآيات، وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم " اجتنبوا السبع الموبقات " قيل يا رسول الله ما هي؟ قال " الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات " وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه متفق عليهما وأجمعت الامة على أن الربا محرم.

[ 123 ]

{ مسألة } (وهو نوعان ربا الفضل وربا النسيئة) وأجمعت الامة على تحريمهما وقد كان في ربا الفضل اختلاف بين الصحابة فحكي عن ابن عباس وأسامة بن زيد وزيد بن أرقم وابن الزبير انهم قالوا انما الربا في النسيئة لقوله عليه السلام " لاربا إلا في النسيئة " رواه البخاري والمشهور من ذلك قول ابن عباس ثم إنه رجع إلى قول الجماعة وروى ذلك الاثرم وقاله الترمذي وابن المنذر وروى سعيد باسناده عن أبي صالح قال صحبت ابن عباس حتى مات فوالله ما رجع عن الصرف، وعن سعيد بن جبير قال سألت ابن عباس قبل موته بعشرين ليلة عن الصرف فلم ير به بأسا وكان يأمر به، والصحيح قول الجمهور لما روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا تبيعوا الذهب بالذهب الا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز " وعن أبي سعيد قال جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " من أين هذا يا بلال؟ " قال كان عندنا تمر ردئ فبعت صاعين بصاع ليطعم النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " أوه عين الربا عين الربا لا تفعل، ولكن ان أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ثم اشتر به " متفق عليهما قال الترمذي: على حديث أبي سعيد العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم وقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا ربا إلا في النسيئة " محمول على الجنسين { مسألة } (فاما ربا الفضل فيحرم في الجنس الواحد من كل مكيل أو موزون، وان كان يسيرا

[ 124 ]

كتمرة بتمرتين وحبة بحبتين، وعنه لا يحرم الا في الجنس الواحد من الذهب والفضة وكل مطعوم وعنه لا يحرم إلا في ذلك إذا كان مكيلا أو موزونا) روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الربا أحاديث كثيرة من أتمها حديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " الذهب بالذهب مثلا بمثل والفضة بالفضة مثلا بمثل والتمر بالتمر مثلا بمثل والبر بالبر مثلا بمثل والملح بالملح مثلا بمثل والشعير بالشعير مثلا بمثل فمن زاد أو ازداد فقد أربى، بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد، وبيعوا الشعير بالتمر كيف شئتم يدا بيد، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم يدا بيد " رواه مسلم. فهذه الاعيان الستة المنصوص عليها يثبت الربا فيها بالنص والاجماع، واختلف أهل العلم فيما سواها فحكي عن طاوس وقتادة أنهما قصرا الربا عليها، وبه قال داود ونفاة القياس وقالوا اما عداها على أصل الاباحة لقول الله تعالى (وأحل الله البيع) واتفق القائلون بالقياس على أن لربا فيها بعلة وانه يثبت في كل ما وجدت فيه علتها لان القياس دليل شرعي فيجب استخراج علة هذا الحكم واثباته حيث وجدت علته ولان قول الله تعالى (وأحل الله البيع وحرم الربا) يقتضي تحريم كل زيادة إذ الربا في اللغة الزيادة إلا ما أجمعنا على تخصيصه وهذا يعارض ما ذكروه، ثم اتفق أهل العلم على أن ربا الفضل لا يجري إلا في الجنس الواحد إلا سعيد بن جبير فانه قال: كل شيئين يتقارب الانتفاع بهما لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا كالحنطة والشعير والتمر والزبيب والذرة والدخن لانها يتقارب نفعها فجرى مجرى نوعي الجنس، وهذا مخالف لقول النبي صلى الله عليه وسلم " بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد وبيعوا التمر بالبر كيف شئتم " فلا يعول عليه واتفق المعللون على أن علة الذهب

[ 125 ]

والفضة واحدة وعلة الاعيان الاربعة واحدة، ثم اختلفوا في علة كل واحد منهما فروي عن أحمد في ذلك ثلاث روايات أشهرهن أن علة الربا في الذهب والفضة كونه موزون جنس، وعلة الاعيان الاربعة كونه مكيل جنس نقلها عن أحمد الجماعة ذكرها الخرقي وابن أبي موسى وأكثر الاصحاب وبه قال النخعي والزهري والثوري واسحاق وأصحاب الرأي، فعلى هذه الرواية يجري الربا في كل مكيل أو موزون بجنسه مطعوما كان أو غير مطعوم كالحبوب والاشنان والنورة والقطن والصوف والكتان والحناء والحديد والنحاس ونحو ذلك، ولا يجري في مطعوم لا يكال ولا يوزن كالمعدودات لما روى ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين ولا الصاع بالصاعين فاني أخاف عليكم الرماء " وهو الربا فقام إليه رجل فقال: يارسول الله أرأيت الرجل يبيع الفرس بالافراس والنجيبة بالابل؟ فقال " لا بأس إذا كان يدا بيد " رواه أحمد في المسند عن ابن حبان عن أبيه عن ابن عمر، وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ما وزن مثلا بمثل إذا كان نوعا واحدا " رواه الدار قطني، وعن عمار أنه قال: العبد خير من العبدين والثوب خير من الثوبين لما كان يدا بيد فلا بأس به انما الربا في النساء إلا ما كيل أو وزن، ولان قضيه البيع المساواة والمعتبر في تحقيقها الكيل والوزن والجنس فان الوزن أو الكيل يسوي بينهما صورة والجنس يسوي بينهما معنى فكانا علة ووجدنا الزيادة في الكيل محرمة دون الزيادة في الطعم بدليل بيع الثقيلة بالخفيفة فانه جائزا إذا تساويا

[ 126 ]

في الكيل (والرواية الثانية) أن العلة في الاثمان الثمنيه وفيما عداها كونه مطعوم جنس فيختص بالمطعومات ويخرج منه ما عداها. قال أبو بكر روى ذلك عن أحمد جماعة، ونحو ذلك قول الشافعي فانه قال: العلة الطعم والجنس شرط والعلة في الذهب والفضة جوهرية الثمنية غالبا فيختص بالذهب والفضة لما روى معمر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام بالطعام الا مثلا بمثل رواه مسلم، ولان الطعم وصف شرف اذبه قوام الابدان، والثمنية وصف شرف إذ بها قوام الاموال فيقتضي التعليل بهما، ولانه لو كانت العلة في الاثمان الوزن لم يجز اسلامهما في الموزونات لان أحد وصفي علة الربا يكفي في تحريم النساء (والرواية الثالثة) العلة فيما عدا الذهب والفضة كونه مطعوم جنس مكيلا أو موزونا فلا يجري الربا في مطعوم لا يكال ولا يوزن كالتفاح والرمان والبطيخ والجوز والبيض ولا فيما ليس بمطعوم كالزعفران والاشنان والحديد، ويروى ذلك عن سعيد بن المسيب وهو قديم قولي الشافعي لما روي عن سعيد ابن المسيب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا ربا الا فيما كيل أو وزن مما يؤكل أو يشرب " أخرجه الدار قطني وقال الصحيح أنه من قول سعيد ومن رفعه فقد وهم، ولان لكل واحد من هذه الاوصاف أثرا والحكم مقرون بجيعها في المنصوص عليه فلا يجوز حذفه ولان الكيل الوزن الجنس لا يقتضي وجوب المماثلة وانما أثره في تحقيقها في العلة ما يقتضي ثبوت الحكم لاما تحقق شرطه، والطعم بمجرده لاتتحقق المماثلة به لعدم العيار الشرعي فيه، وإنما تجب المماثلة في المعيار الشرعي وهو الكيل والوزن ولهذا وجبت المساواة في المكيل كيلا وفي الموزون وزنا فوجب ان يكون الطعم معتبرا في المكيل

[ 127 ]

والموزون دون غيرهما، والاحاديث الواردة في هذا الباب يجب الجمع بينها وتقييد كل واحد منها بالآخر فنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام إلا مثلا بمثل يتقيد بما فيه معيار شرعي من كيل أو وزن، ونهيه عن بيع الصاع بالصاعين يتقيد بالمطعوم المنهي عن التفاضل فيه وهذا اختيار شيخنا، وقال مالك العلة القوت أو ما يصلح به القوت من جنس واحد من المدخرات، وقال ربيعة يجري الربا فيما تجب فيه الزكاة دون غيره. وقال ابن سيرين في الجنس الواحد. وهذا القول لا يصح لقول النبي صلى الله عليه وسلم في بيع الفرس بالافراس والنجيبة بالابل " لا بأس إذا كان يدا بيد " وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاع عبدا بعبدين رواه أبو داود والترمذي وقال: هو حديث صحيح، وقول مالك ينتقض بالحطب والادام يستصلح به القوت ولا ربا فيه عنده، وتعليل ربيعة ينعكس بالملح والعكس لازم عند اتحاد العلة. فالحاصل ان ما اجتمع فيه الكيل والوزن والطعم من جنس واحد ففيه الربا رواية واحدة كالارز والدخن والذرة والقطنيات والدهن واللبن ونحوه، وهذا قول أكثر أهل العلم. قال ابن المنذر هذا قول علماء الامصار في القديم والحديث، وما يعدم فيه الكيل والوزن والطعم واختلف جنسه فلا ربا فيه رواية واحدة، وهو قول أكثر أهل العلم وذلك كالتين النوى والقت والماء، والطين الارمني فانه يؤكل دواء فيكون موزونا مأكولا فهو إذا من القسم الاول وما عداه انما يؤكل سفها فجرى مجرى الرمل والحصا. وما وجد فيه الطعم وحده أو الكيل والوزن من جنس واحد ففيه روايتان، واختلف أهل العلم فيه. والاولى ان شاء الله حله إذ ليس في تحريمه دليل موثوق به ولا معنى يقوى التمسك به وهي مع ضعفها يعارض

[ 128 ]

بعضها بعضا فوجب اطراحها والجمع بينها والرجوع إلى أصل الحل الذي يقتضيه الكتاب والسنة والاعتبار، ولا فرق في المطعومات بين ما يؤكل قوتا كالارز والذرة أو أدما كالقطنيات واللحم واللبن أو تفكها كالثمار أو تداويا كالا هليلج والسقمونيا فان الكل في باب الربا واحد (فصل) وقوله في كل مكيل أو موزون أي ما كان جنسه مكيلا أو موزونا وان لم يتأت فيه كيل ولا وزن اما لقلته كالحبة والحبتين والحفنة والحفنتين وما دون الارزة من الذهب والفضة أو لكثرته كالزبرة العظيمة فانه لا يجوز بيع بعضه ببعض الا مثلا بمثل ويحرم التفاضل فيه، وبهذا قال الثوري والشافعي واسحاق وابن المنذر، ورخص أبو حنيفة في بيع الحفنة بالحفنتين والحبة بالحبتين وسائر المكيل الذي لا يتأتى كيله ووافق في الموزون واحتج بأن العلة الكيل ولم يوجد في اليسير ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " التمر بالتمر مثلا بمثل والبر بالبر مثلا بمثل من زاد أو ازداد فقد أربى " ولان ما جرى الربا في كثيره جرى في قليله كالموزون ولا يجوز بيع تمرة بتمرة ولا حفنة بحفنة وهذا قول الثوري لان ما أصله الكيل لا تجري المماثلة في غيره (فصل) اما مالا وزن للصناعة فيه كمعمول الحديد والرصاص والنحاس والقطن والكتان والصوف والحرير فالمنصوص عن أحمد في الثياب والاكسية انه لا يجري فيه الربا فانه قال لا بأس بالثوب بالثوبين والكساء بالكساءين وهذا قول أكثر أهل العلم. وقال لا يباع الفلس بالفلسين ولا السكين بالسكينين ولا الا برة بالابرتين اصله الوزن ونقل القاضي حكم احدى المسئلتين إلى الاخرى فجعل في

[ 129 ]

الجميع روايتين (احداهما) لا يجري في الجميع وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأكثر أهل العلم لانه ليس بموزون ولا مكيل وهذا هو الصحيح إذ لا معنى لثبوت الحكم مع انتفاء العلة وعدم النص والاجماع فيه (والثانية) يجري الربا في الجميع اختارها ابن عقيل لان أصله الوزن فلا يخرج بالصناعة عنه كالخبز، وذكر ان اختار القاضي ان ما كان يقصد وزنه بعد عمله كالاسطال ففيه الربا والا فلا (فصل) ويجري الربا في لحم الطير وعن أبي يوسف لا يجري فيه لانه يباع بغير وزن. ولنا أنه لحكم فأشبه سائر اللحمان وقوله لا يوزن قلنا هو من جنس ما يوزن ويقصد نقله وتختلف قيمته بثقله وخفته اشبه ما يباع من الخبز عدا (فصل) والجيد والردئ والتبر والمضروب والصحيح والمكسور سواء في جواز البيع مع التماثل وهذا قول اكثر العلماء منهم أبو حنيفة والشافعي، وحكي عن مالك جواز بيع المضروب بقيمته من جنسه وأنكر ذلك أصحابه، وحكى بعض أصحابنا عن أحمد رواية انه لا يجوز بيع الصحاح بالمكسرة لان للصناعة قيمة بدليل حالة الاتلاف فيصير كأنه ضم قيمة الصناعة إلى الذهب. ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " الذهب بالذهب مثلا بمثل والفضة بالفضة مثلا بمثل " وعن عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " الذهب بالذهب تبرها وعينها والفضة بالفضة تبرها وعينها " رواه أبو داود وروى مسلم عن أبي الاشعث ان معاوية أمر ببيع آنية من فضة في أعطيات الناس فبلغ عبادة فقدم فقال إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والملح بالملح الا سواء بسواء عينا

[ 130 ]

بعين فمن زاد أو ازداد فقد أربى " وروى الاثرم عن عطاء بن يسار أن معاوية باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها فقال أبو الدرداء سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذا الا مثلا بمثل ولانهما تساويا في الوزن فلا يؤثر اختلافهما في القيمة كالجيد بالردئ فأما ان قال لصائغ

[ 131 ]

اصنع لي خاتما وزنه درهم وأعطيك مثل زنته وأجرتك درهما فليس ذلك بيع درهم بدرهمين، وقال اصحابنا للصائغ أخذ الدرهمين أحدهما في مقابلة الخاتم والباقي أجرة له

[ 132 ]

(فصل) وكل ما حرم فيه ربا الفضل حرم فيه النساء بغير خلاف علمناه، ويحرم التفرق قبل القبض لقول النبي صلى الله عليه وسلم " عينا بعين " وقوله " يدا بيد " ولان تحريم النساء آكد ولذلك جرى في

[ 133 ]

الجنسين المختلفين فإذا حرم التفاضل فالنساء أولى بالتحريم { مسألة } (ولا يباع ما أصله الكيل بشئ من جنسه وزنا ولا ما أصله الوزن كيلا) لا خلاف بين أهل العلم في وجوب المماثلة في بيع الاموال التي يحرم التفاضل فيها وأن المساواة المرعية هي المساواة في المكيل كيلا وفي الموزون وزنا، ومتى تحققت هذه المساواة لم يضر اختلافهما فيما سواها وان لم توجد لم يصح البيع وهذا قول أبي حنيفة والشافعي واكثر اهل العلم. وقال مالك يجوز بيع بعض الموزونات ببعض جزافا. ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " الذهب بالذهب وزنا بوزن الفضة بالفضة وزنا بوزن والبر بالبر كيلا بكيل والشعير بالشعير كيلا بكيل " رواه الاثرم عن عبادة ورواه أبو داود وفي لفظ " البر بالبر مدا بمد والشعير بالشعير مدا بمد فمن زاد أو ازداد فقد اربى " فامر بالمساواة في الموزنات المذكورة في الوزن كما أمر بالمساواة في المكيلات بالكيل وما عدا الذهب والفضة من الموزونات مقيس عليهما ولانه جنس يجرى فيه الربا فلم يجز بيع بعضه ببعض جزافا كالمكيل ولان حقيقة الفضل مبطلة للبيع ولا يعلم عدم ذلك الا بالوزن فوجب ذلك كما في المكيل والاثمان إذا ثبت هذا فانه لا يجوز بيع المكيل بالمكيل وزنا ولا بيع الموزن بالموزن كيلا لان التماثل في

[ 134 ]

الكيل مشترط في المكيل وفي الوزن في الموزون وقد عدمت ولانه متى باع رطلا من المكيل برطل حصل في الرطل من الخفيف اكثر ما يحصل من الثقيل فيختلفان في الكيل وان لم يعلم الفضل لكن يجهل التساوي فلا يصح كما لو باع بعضه ببعض جزافا. وكذلك إذا باع الموزون بالموزون بالكيل لا يتحقق التماثل في الوزن فلم يصح كما ذكرنا في المكيل (فصل) ولو باع بعضه ببعض جزافا أو كان جزافا من أحد الطرفين لم يجز قال ابن المنذر أجمع اهل العلم على ان ذلك لا يجوز إذا كنا من صنف واحد لما روى مسلم عن جابر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم مكيلها بالكيل المسمى من التمر، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم " الذهب بالذهب وزنا بوزن " إلى تمام الحديث دليل على انه لا يجوز بيعه الا كذلك ولان التماثل شرط والجهل به يبطل البيع الحقيقة التفاضل { مسألة } قال (فان اختلف الجنس جاز بيع بعضه ببعض كيلا ووزنا وجزافا) ما لا يشترط فيه التماثل كالجنسين وما لا ربا فيه يجوز بيع بعضه ببعض كيلا ووزنا وجزافا وهذا ظاهر كلام الخرقي وهو قول اكثر العلماء قال ابن المنذر اجمع اهل العلم على ان بيع الصبرة من الطعام بالصبرة لا ندري كم كيل هذه ولا كم كيل هذه من صنف واحد غير جائز ولا بأس به من صنفين استدلالا بقوله عليه السلام " فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم " وذهب بعض أصحابنا إلى منع بيع المكيل بالمكيل والموزون بالموزون جزافا، وقال أحمد في رواية محمد بن الحكم أكره

[ 135 ]

ذلك قال ابن أبي موسى: لاخير فيما يكال بما يكال جزافا، ولا فيما يوزن بما يوزن جزافا. اتفقت الاجناس أو اختلفت ولا بأس ببيع المكيل بالموزون جزافا، وقال ذلك القاضي والشريف أبو جعفر قالوا لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام مجازفة وقياسا على الجنس الواحد ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " فإذا اختلفت هذه الاصناف فبيعوا كيف شئتم يدا بيد " ولانه يجوز التفاضل فيه فجاز جزافا كالمكيل بالموزون، يحققه أنه إذا كان حقيقة الفضل لا يمنع فاحتماله أولى أن لايمنع وحديثهم أراد به الجنس الواحد، ولهذا جاء في بعض ألفاظ: نهى أن تباع الصبرة لا يعلم مكيلها من التمر بالصبرة لا يعلم مكيلها من التمر. ثم هو مخصوص بالمكيل بالموزون فنقيس عليه محل النزاع والقياس لا يصح لان الجنس الواحد يجب التماثل فيه فمنع من بيعه مجازفة لفوات المماثلة المشترطة وفي الجنسين لا يشترط التماثل ولا يمنع حقيقة التفاضل فاحتماله أولى (فصل) إذا قال بعتك هذه الصبرة بهذه الصبرة وهما من جنس واحد وقد علما كيلهما وتساويهما صح البيع لوجود التماثل المشترط، وان قال بعتك هذه الصبرة بهذه الصبرة مثلا بمثل فكيلتا فكانتا سواء صح البيع، وان زادت إحدهما فرضي صاحب الناقصة بها مع نقصها أو رضي صاحب الزائدة برد الفضل على صاحبه جاز وان امتنع فسخ البيع بينهما ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي

[ 136 ]

{ مسألة } (والجنس ماله اسم خاص يشتمل أنواعا كالذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح) الجنس الشامل لاشياء مختلفة بانواعها، والنوع الشامل لاشياء مختلفة بأشخاصها، وقد يكون النوع جنسا بالنسبة إلى ما تحته والجنس نوعا بالنسبة إلى ما فوقه. والمراد ههنا الجنس الاخص والنوع الاخص فكل نوعين اجتمعا في اسم خاص فهما جنس كانواع التمر وأنواع الحنطة وأنواع الشعير فالتمور كلها جنس وان كثرت أنواعها كالبرني والعقلي وغيرهما ولك شيئين اتفقا في الجنس ثبت فيهما حكم الشرع بتحريم التفاضل، وان اختلفت الانواع لما ذكرنا من قول النبي صلى الله عليه وسلم " التمر بالتمر مثلا بمثل " الحديث بتمامه فاعتبر المساواة في جنس التمر بالتمر والبر بالبر ثم قال: فإذا اختلفت هذه الاجناس فبيعوا كيف شئتم (فصل) واختلفت الرواية في البر والشعير فظاهر المذهب أنهما جنسان وهو قول الثوري

[ 137 ]

والشافعي وأصحاب الرأي وعنه أنهما جنس واحد " يروى ذلك عن سعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن ابن الاسود بن عبد يغوث والحكم وحماد ومالك والليث لما روي عن معمر بن عبد الله أنه أرسل غلامه بصاع قمح فقال: بعه ثم اشتر به شعيرا، فذهب الغلام فأخذ صاعا وزيادة بعض صاع فلما جاء معمرا أخبره فقال معمرا: لم فعلت ذلك؟ انطلق فرده ولا تأخذن الامثلا بمثل فان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام بالطعام الا مثلا بمثل وكان طعامنا يومئذ الشعير. قيل فانه ليس بمثله قال أني أخاف أن يضارع. أخرجه مسلم ولان أحدهما يعتبر بالآخر فكانا كنوعي الجنس ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " بيعوا البر بالشعير كيف شئتم يدا بيد " وفي لفظ " لا بأس ببيع

[ 138 ]

البر بالشعير والشعير بالبر هما يدا بيد وأما نسيئة فلا - وفي لفظ - فإذا اختلفت هذه الاصناف فبيعوا كيف شئتم " وهذا صريح لا يجوز تركه بغير معارض مثله وحديث معمر لابد فيه من اضمار الجنس بدليل سائر أجناس الطعام، ويحتمل أنه أراد الطعام المعهود عندهم وهو نسيئة فانه قال في الخبر وكان طعامنا يومئذ الشعير ثم لو كان عاما لوجب تقديم الخاص الصريح عليه وفعل معمر وقوله لا يعارض به فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقياسهم منقوض بالذهب والفضة { مسألة } (وفروع الاجناس أجناس كالادقة والاخباز والادهان) إذا كان المشتركان في الاسم الخاص من جنسين فهما جنسان كالادقة والاخباز والخلول والادهان وعصير الاشياء المختلفة كلها أجناس مختلفة باختلاف أصولها، وحكي عن أحمد أن خل التمر وخل

[ 139 ]

العنب جنس وحكي أيضا عن مالك لان الاسم الخاص يجمعهما. والصحيح الاول لانهما من جنسين مختلفين فكانا جنسين كدقيق الحنطة ودقيق الدخن وما ذكر للرواية الاخرى منقوض بسائر فروع الاصول التي ذكرناها، فكل فرع مبني على أصله فزيت الزيتون وزيت البطم وزيت الفجل أجناس ودهن السمك والشيرج والجوز واللوز والبزر أجناس، وعسل النحل وعسل القصب جنسان وتمر النخل وتمر الهند جنسان، وكل شيئين أصلهما واحد فهما جنس وان اختلفت مقاصدهما، فدهن الورد والبنفسج والزئبق والياسمين إذا كانت من دهن واحد فهي جنس واحد وهذا الصحيح من مذهب الشافعي، وله قول آخر لا يجري الربا فيها لانها تقصد للاكل، وقال أبو حنيفة هي أجناس لاختلاف

[ 140 ]

مقاصدها. ولنا أنها كلها شيرج وانما طيبت بهذه الرياحين فنسبت إليها فلم تصر أجناسها كما لو طيب سائر أنواع الاجناس، وقولهم لا تقصد للاكل قلنا هي صالحة للاكل وانما تعد لما هو أعلى منه فلا تخرج عن كونها مأكولة بصلاحها لغيره، وقولهم انها أجناس لا يصح لانها من أصل واحد يشملها اسم واحد فكانت جنسا كأنواع التمر والحنطة (فصل) وقد يكون الجنس الواحد مشتملا على جنسين كالتمر يشتمل على النوى وغيره وهما جنسان واللبن يشتمل على المخيض والزبد وهما جنسان فما داما متصلين اتصال الخلقة فهما جنس واحد فإذا ميز احدهما من الآخر صارا جنسين حكمهما حكم الجنسين الاصلين

[ 141 ]

(فصل) واللحم أجناس باختلاف أصوله، وكذلك اللبن وعنه جنس واحد وعنه في اللحم أنه أربعة أجناس لحم الانعام ولحم الوحش ولحم الطير ولحم دواب الماء) اختلفت الرواية عن احمد رحمه الله في اللحم فروي عنه انه جنس واحد وهذا الذي ذكره الخرقي وهو قول أبي ثور وأحد قولي الشافعي وانكر القاضي أبو يعلى كون هذه رواية عن احمد، وقال الانعام والوحش والطير ودواب الماء اجناس يجوز التفاضل فيها رواية واحدة وانما في اللحم روايتان (احداهما) انه اربعة اجناس كما

[ 142 ]

ذكرناه وهو مذهب مالك الا أنه يحتمل أن الانعام والوحش جنس واحد فيكون عنده ثلاثة أصناف وروي عنه أنه اجناس باختلاف أصوله وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي وهي أصح لانها فروع أصول هي أجناس فكانت أجناسا كالادقة والاخباز وهذا اختيار ابن عقيل، وعنه في اللحم انه أربعة أجناس على ما ذكرناه، وهذا اختيار القاضي واحتج بأن لحم هذه الحيوانات تختلف المنفعة بها والقصد إلى أكلها فكانت أجناسا (قال شيخنا) وهذا ضعيف لان كونها أجناسا لا يوجب حصرها في أربعة

[ 143 ]

أجناس ولا نظير لهذا فيقاس عليه، والصحيح أنه أجناس باختلاف أصوله، ووجه قول الخرقي أنه اشترك في الاسم الواحد حال حدوث الربا فيه فكان جنسا واحدا كالطلع، والصحيح ما ذكرنا وما ذكره من الدليل منتقض بعسل النحل وعسل القصب وغير ذلك، فعلى هذا لحم الابل كله صنف بخاتيها وعرابها، والبقر عرابها وجواميسها صنف، والغنم ضأنها ومعزها جنس. ويحتمل أن يكونا صنفين لان الله تعالى سماها في الازواج الثمانية فقال (ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين) ففرق بينهما كما فرق بين الابل والبقر فقال (ومن الابل اثنين ومن البقر اثنين) والوحش أصناف بقرها

[ 144 ]

صنف وغنمها صنف وظباؤها صنف، وكل ماله اسم يخصه فهو صنف، والطير أصناف، كل ما انفرد باسم وصفة فهو صنف، فيجوز أن يباع لحم صنف لحم صنف آخر متفاضلا ومتماثلا ويباع بصفة متماثلا ومن جعلها صنفا واحدا لم يجز بيع لحم بلحم متماثلا (فصل) وفي اللبن روايتان (إحداهما) هو جنس واحد لما ذكرنا في اللحم (والثانية) هو أجناس باختلاف أصوله كاللحم وهذا مذهب الشافعي، وقال مالك لبن الانعام كلها جنس واحد وقال ابن عقيل لبن البقر الاهلية والوحشية جنس واحد على الروايات كلها لان اسم البقر يشملها ولا يصح لان لحمهما جنسان فكان لبنهما جنسين كالابل والبقر، ويجوز بيع اللبن بغير جنسه متفاضلا وكيف شاء يدا بيد وبجنسه متماثلا كيلا، ولا فرق بين أن يكونا حليبين أو حامضين أو أحدهما حليبا والآخر حامضا لان تغير الصفة لايمنع جواز البيع كالجودة والرداءة، وان شيب أحدهما بماء أو غيره لم يجز بيعه بخالص لابمشوب من جنسه وسنذكر ذلك { مسألة } (واللحم والشحم والكبد أجناس) اللحم والشحم جنسان، والكبد جنس والطحال جنس والقلب جنس والمخ جنس ويجوز بيع جنس بجنس آخر متفاضلا، وقال القاضي لا يجوز بيع اللحم بالشحم وكره مالك ذلك الا ان يتماثلا وظاهر المذهب اباحة البيع فيهما متماثلا ومتفاضلا وهو قول أبي حنيفة والشافعي لانهما جنسان فجاز التفاضل

[ 145 ]

فيهما كالذهب والفضة، فان منع منه لكون اللحم لا يخلو من شحم لم يصح لان الشحم لا يظهر وإن كان فيه شئ فهو غير مقصود فلا يمنع البيع ولو منع ذلك لم يجز بيع لحم بلحم لاشتمال كل واحد منهما على ما ليس من جنسه ثم لا يصح هذا عند القاضي لان السمين الذي يكون مع اللحم عنده لحم فلا يتصور اشتمال اللحم على الشحم، وذكر القاضي أن الابيض الذي في ظاهر اللحم الاحمر هو والاحمر جنس واحد وان الالية والشحم جنسان، وظاهر كلام الخرقي أن كل ما هو أبيض في الحيوان يذوب بالاذابة ويصير دهنا فهو جنس واحد (قال شيخنا) وهو الصحيح ان شاء الله تعالى لقوله سبحانه (حرمنا

[ 146 ]

عليهم شحومهما الا ما حملت ظهورهما) فاستثنى ما حملت الظهور من الشحم، ولانه يشبه الشحم في لونه وذوبه ومقصده فكان شحما كالذي في البطن { مسألة } (ولايجوز بيع لحم بحيوان من جنسه وفي بيعه بغير جنسه وجهان) لا يختلف المذهب أنه لا يجوز بيع اللحم بحيوان من جنسه وهو مذهب مالك والشافعي وقول الفقهاء السبعة وحكي عن مالك أنه لا يجوز بيع اللحم بحيوان معد للحم ويجوز بغيره، وقال أبو حنيفة يجوز مطلقا لانه باع مال الربا بما لاربا فيه أشبه بيع الحيوان بالدراهم أو بلحم من غير جنسه ولنا ما روي عن مالك عن زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيب ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع اللحم بالحيوان، قال ابن عبد البر هذا احسن اسانيده، وورد أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يباع حي بميت ذكره الامام أحمد، وروى ابن عباس أن جزورا نحرت فجاء رجل بعناق فقال أعطوني جزأ بهذا العناق قال أبو بكر لا يصلح هذا قال الشافعي لا أعلم مخالفا لابي بكر في ذلك. وقال أبو الزناد كل من أدركت ينهى عن بيع اللحم بالحيوان ولان اللحم نوع فيه الربا بيع بأصله الذي فيه منه فلم يجز كبيع السمسم بالشيرج وهذا فارق ما قاسووا عليه، فما بيعه بحيوان من غير جنسه فظاهر كلام أحمد والخرقي أنه لا يجوز لما ذكرنا من الا حاديث واختار القاضي جوازه وللشافعي فيه قولان، واحتج من أجازه بان مال الربا بيع بغير أصله ولا جنسه فجاز كما لو باعه بالاثمان، والظاهر أن الاختلاف مبني على الاختلاف في اللحم، فان قلنا بانه جنس واحد لم يجز، وان قلنا أنه أجناس جاز بيعه بغير جنسه لما ذكرنا فان باعه بحيوان غير مأكول جاز في ظاهر قول أصحابنا وهو قول عامة الفقهاء { مسألة } (ولايجوز بيع حب بدقيقه ولا بسويقه في أصح الروايتين) لا يجوز بيع الحب بالدقيق في الصحيح من المذهب وهو قول سعيد بن المسيب والحسن والحكم وحماد ومكحول الثوري وأبي حنيفة وهو المشهور عن الشافعي وعن أحمد أنه جائز، وبه قال ربيعة ومالك وحكي عن النخعي وقتادة وابن شبرمة واسحاق وأبي ثور لان الدقيق نفس الحنطة وانما تكسرت اجزاؤها فجاز بيع بعضها ببعض كالحنطة المكسرة بالصحاح فعلى هذا انما يباع الحب وزنا لان اجزاءه قد تفرقت بالطحن وانتشرت فيأخذ من المكيال مكانا كبيرا والحب يأخذ مكانا صغيرا والوزن يسوي بينهما وبهذا قال اسحاق ولنا أن بيع الحب بالدقيق بيع مال الربا بجنسه متفاضلا فحرم كبيع مكيلة بمكيلتين وذلك لان الطحن قد فرق أجزاءه فيحصل في مكياله دون ما يحصل في مكيال الحب، وان لم يتحقق التفاضل فقد جهل التماثل والجهل بالتماثل كالعمل بالتفاضل فيما يشترط التماثل فيه، ولذلك لم يجز بيع بعضه ببعض جزافا والتساوي في الوزن لا يلزم منه التساوي في الكيل، والحب والدقيق مكيلان لان الاصل الكيل ولم

[ 147 ]

يوجد ما ينقل عنه ثم لو ثبت أن الدقيق كان موزنا لم يتحقق التماثل لان المكيل لا يقدر بالوزن كما لا يقدر الموزون بالكيل (فصل) ولا يجوز بيع الحب بالسويق، وبه قال الشافعي وحكي عن مالك وأبي ثور جواز ذلك متماثلا ومتفاضلا. ولنا أنه بيع الحب ببعض أجزائه متفاضلا فلم يجز كبيع مكوك حنطة بمكوكي دقيق ولا سبيل إلى التماثل لان النار قد اخذت من احدهما دون الآخر فأشبهت المقلية بالنيئة، فأما الخبز والهريسة والفالوذج والنشاء وأشباهها فلا يجوز بيعه بالحنطة، وقال اصحاب أبي حنيفة يجوز بناء على مسألة مد عجوة وسنذكر ذلك ان شاء الله تعالى، ويجوز بيع الحب بالدقيق من غير جنسه والخبز وغير ذلك لعدم اشتراط المماثلة بينهما، وقال ابن أبي موسى لا يجوز بيع سويق الشعير بالبر في رواية وذلك مبني على ان البر والشعير جنس واحد وقد ذكرناه { مسألة } (ولايجوز بيع أصله بعصيره ولا خالصه بمشوبه ولارطبه بيابسه ولانيئه بمطبوخه) لا يجوز بيع شئ من مال الربا بأصله الذي فيه منه كالسمسم بالشيرج الزيتون بزيت وسائر الادهان بأصولها والعصير بأصله كعصير العنب والرمان التفاح والسفرجل وقصب السكر لا يباع شئ منها بأصله وبه قال الشافعي وقال ابن المنذر وقال أبو ثور يجوز، وقال أبو حنيفة يجوز إذا علم أن ما في الاصل من الدهن والعصير أقل من المنفرد وان لم يجز، ولنا أنه مال بيع بأصله الذي هو منه فلم يجز كبيع اللحم بالحيوان وقد أثبتنا ذلك بالنص (فصل) ولايجوز بيع اللبن بالزبد ولا بالسمن ولا بشئ من فروعه كاللبأ والمخيض وسواء كان فيه من غيره أولا لانه مستخرج من اللبن فلم يجز بيعه بأصله الذي فيه منه كالسمسم بالشيرج وهذا مذهب الشافعي، وعن أحمد انه يجوز بيع اللبن بالزبد إذا كان الزبد المنفرد أكثر من الزبد الذي في اللبن وهذا يقتضي جواز بيعه به متفاضلا ومنع جوازه متماثلا، وقال القاضي وهذه الرواية لا تخرج على المذهب لان الشيئين إذا دخلهما الربا لم يجز بيع احدهما بالآخر ومعه من غير جنسه كمد عجوة، والصحيح ان هذه الرواية دالة على جواز البيع في مسألة مد عجوة وكونها مخالفة لروايات أخر لا يمنع كونها رواية كسائر الروايات المخالفة لغيرها لكونها مخالفة لظاهر المذهب والحكم في السمن كالحكم في الزبد، وأما اللبن بالمخيض فلا يجوز نص عليه احمد ويتخرج الجواز كالتي قبلها، وأما اللبن باللبأ فان كان قبل أن تمسه النار جاز متماثلا لانه لبن بلبن؟ وان مسته النار لم يجز، وذكر القاضي وجها أنه يجوز وليس بصحيح لان النار عقدت أجزاء أحدهما وذهبت ببعض رطوبته فلم يجز بيعه بما لم تمسه النار كالخبز بالعجين المقلية بالنيئة وهذا مذهب الشافعي (فصل) ولا يجوز بيع الخالص بالمشوب كحنطة فيها شعير أو رواب بخالصة أو غير خالصة أو لبن مشوب بخالص أو مشوب أو اللبن بالكشك أو الكامخ، ويتخرج الجواز إذا كان اللبن أكثر من اللبن الذي في الكشك والكامخ بناء على مد عجوة، ولا يجوز بيع العسل في شمعه بمثله فان كان

[ 148 ]

الخلط يسيرا كحبات الشعير ويسير التراب والزوان الذي لا يظهر في الكيل لم يمنع لانه لا يخل بالتماثل ولا يجوز بيع التمر بالدبس والخل والناطف والقطارة لان بعضها معه من غير جنسه وبعضها مائع والتمر جامد، ولا يجوز بيع الناطف بعضه ببعض ولا بغيره من المصنوع من التمر لان معهما شيئا مقصودا من غير جنسهما فهو كمد عجوة والعنب كالتمر فيما ذكرناه (فصل) ولا يجوز بيع المشوب بالمشوب كالكشك والكامخ ولا يجوز بيع أحدهما بالآخر كمسألة مد عجوة ولا يجوز نيئه بمطبوخه كالخبز بالعجين والحنطة المقلية بالنيئة لانه لا يحصل التماثل لان النار ذهبت ببعض رطوبتها وهذا مذهب الشافعي (فصل) ولايجوز بيع نوع بنوع آخر إذا لم يكن فيه منه فيجوز بيع الزبد بالزبد والسمن بالمخيض في ظاهر المذهب متماثلا متفاضلا لانهما جنسان من اصل واحد اشبها اللحم والشحم، وممن اجاز بيع الزبد بالمخيض الثوري والشافعي واسحاق لان اللبن الذي في الزبد غير مقصود وهو يسير فلم يمنع كالملح في الشيرج، وبيع السمن بالمخيض أولى بالجواز لخلوه من اللبن المخيض، ولا يجوز بيع الزبد بالسمن لان في الزبد لبنا يسيرا ولا شئ في السمن فيختل التماثل ولانه من الزبد فلم يجز بيعه كالزيتون بالزيت وهذا مذهب الشافعي، واختار القاضي جوازه لان اللبن الذي في الزبد غير مقصود فوجوده كعدمه ولهذا جاز بيع الزبد بالمخيض ولا يصح ذلك لان التماثل شرط وانفراد أحدهما بوجود اللبن فيه يخل بالتماثل فلم يجز البيع كتمر منزوع النوى بما نواه فيه ولان أحدهما ينفرد برطوبة لا توجد في الآخر أشبه الرطب بالتمر وكل رطب بيابس من جنسه، ولا يجوز بيع شئ من الزبد والسمن والمخيض بشئ من أنواع اللبن كالجبن واللبأ ونحوهما لان هذه الانواع لم ينزع منها شئ فهي كاللبن الذي فيه زبده فلم يجز بيعها به كبيع اللبن بها، وأما بيع الجبن بالاقط فلا يجوز بيع رطوبتهما أو رطوبة أحدهما كما لا يجوز بيع الرطب بالتمر، وان كانا يابسين احتمل المنع لان الجبن موزون والاقط مكيل فأشبه بيع الخبز بالدقيق، ويحتمل الجواز إذا تماثلا كبيع الجبن بالجبن (فصل) ولا يجوز بيع رطب بيابس كالرطب بالتمر والعنب بالزبيب والحنطة المبلولة أو الرطبة باليابسة والمقلية بالنيئة ونحو ذلك، وبه قال سعد بن أبي وقاص وسعيد بن المسيب والليث ومالك والشافعي واسحاق وأبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة لا يجوز لانه اما أن يكونا جنسا فيجوز متماثلا لقول النبي صلى الله عليه وسلم " التمر بالتمر مثلا بمثل " أو يكونا جنسين فيجوز لقوله عليه السلام " لا تبيعوا التمر بالتمر فإذا اختلفت هذه الاصناف فبيعوا كيف شئتم يدا بيد " ولنا قوله عليه السلام " لا تبيعوا التمر بالتمر " وفي لفظ نهى عن بيع التمر بالتمر ورخص في بيع العرية أن تباع بخرصها يأكلها أهلها رطبا متفق عليهما، وعن سعد ان النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن بيع الرطب بالتمر قال " أينقص الرطب إذا يبس؟ " قالوا نعم. فنهى عن ذلك رواه مالك وأبو داود والاثرم وابن ماجه، وفي رواية الاثرم قال " فلا اذن " نهي وعلل بأنه ينقص إذا يبس، وروى مالك عن

[ 149 ]

نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة، والمزابنة بيع الرطب بالتمر كيلا وبيع العنب بالزبيب كيلا ولانه جنس فيه الربا بيع بعضه ببعض على وجه ينفرد أحدهما بالنقصان فلم يجز كبيع المقلية بالنيئة، ولا يلزم الحديث بالعتيق لان التفاوت يسير. قال الخطابي وقد تكلم بعض الناس في اسناد حديث سعد بن أبي وقاص في بيع الرطب بالتمر، وقال زيد أبو عياش راويه ضعيف وليس الامر على ما توهمه وأبو عياش مولى بني زهرة معروف وقد ذكره مالك في الموطأ، وهو لا يروي عن متروك الحديث { مسألة } (يجوز بيع دقيقه بدقيقه إذا استويا في النعومة ومطبوخة بمطبوخه وخبزه بخبزه إذا استويا في النشاف وعصيره بعصيره ورطبه برطبه) يجوز بيع كل واحد من الدقيق والسويق بنوعه متساويا وبه قال أبو حنيفة والمشهور عن الشافعي المنع لانه يعتبر تساويهما حالة الكمال وهو حال كونهما حبا وقد فات ذلك لان أحد الدقيقين يكون من حنطة رزينة والآخر من خفيفة فيستويان دقيقا ولا يستويان حبا ولنا أنهما تساويا حال العقد على وجه لا ينفرد أحدهما بالنقصان فجاز كبيع التمر بالتمر. إذا ثبت هذا فانما يباع بعضه ببعض كيلا لان الحنطة مكيلة ولم يوجد في الدقيق والسويق ما ينقلهما عن ذلك ويشترط تساويهما في النعومة ذكره أصحابنا وهو قول أبي حنيفة لانهما إذا تفاوتا في النعومة تفاوتا في ثاني الحال فيصير كبيع الحب بالدقيق وزنا، وذكر القاضي أن الدقيق يباع بالدقيق وزنا ولاوجه له، وقد سلم في السويق أنه يباع بالكيل والدقيق مثله (فصل) ولا يجوز بيع الدقيق بالسويق وبه قال الشافعي وعنه الجواز لان كل واحد منهما أجزاء حنطة ليس معه غيره أشبه السويق بالسويق ولنا أن النار قد أخذت من السويق فلم يجز بيعه بالدقيق كالمقلية بالنيئة، وروي عن مالك وأبي يوسف ومحمد وأبي ثور جواز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا لانهما جنسان، ولنا أنهما أجزاء جنس واحد فأشبه بيع أحدهما بجنسه (فصل) ويجوز بيع مطبوخه بمطبوخه كاللبأ بمثله والجبن بالجبن والاقط بالاقط والسمن بالسمن متساويا ويعتبر التساوي بين الاقط والاقط بالكيل، ولا يباع ناشف من ذلك برطب كما لا يباع الرطب بالتمر ويباع الجبن بالجبن بالوزن لانه لا يمكن كيله أشبه الخبز، وكذلك الزبد والسمن ويتخرج أن يباع السمن بالكيل كالشيرج (فصل) ويجوز بيع الخبز بالخبز وزنا وكذلك النشاء بنوعه إذا تساويا في النشافة والرطوبة ويعتبر التساوي في الوزن لانه يقدر به عادة ولا يمكن كيله، وقال مالك إذا تحرى المماثلة فلا بأس وان لم يوزن وبه قال الاوزاعي وأبو ثور وحكي عن أبي حنيفة لا بأس به قرصا بقرصين، وقال الشافعي لا يجوز بيع بعضه ببعض بحال الا أن ييبس ويدق دقا ناعما ويباع بالكيل ففيه قولان لانه مكيل،

[ 150 ]

ويجب التساوي فيه ولا يمكن كيله فتعذرت المساواة فيه ولان في كل واحد منهما من غير جنسه فلم يجز بيعه كالمغشوش من الذهب والفضة وغيرهما ولنا على وجوب التساوي أنه مطعوم موزون فحرم التفاضل بينهما كاللحم واللبن، ومتى وجب التساوي وجبت معرفة حقيقة التساوي في المعيار الشرعي كالحنطة بالحنطة والدقيق بالدقيق. ولنا على الشافعي أن معظم نفعه في حال رطوبته فجاز بيعه به كاللبن باللبن ولا يمتنع أن يكون موزونا أصله مكيل كالادهان، ولا يجوز بيع الرطب باليابس لانفراد أحدهما بالنقص في ثاني الحال فأشبه الرطب بالتمر ولا يمنع زيادة أخذ النار من أحدهما أكثر من الآخر إذا لم يكثر لان ذلك يسير ولا يمكن التحرز منه أشبه بيع الحديثة بالعتيقة وما فيه من الملح والماء غير مقصود ويراد لمصلحته فهو كالملح في الشيرج فان يبس الخبز ودق وصار فتيتا بيع بمثله كيلا لانه أمكن كيله فرد إلى أصله. وقال ابن عقيل فيه وجه أنه يباع الوزن لانه انتقل إليه (فصل) فاما ما فيه غيره من فروع الحنطة مما هو مقصود كالهريسة والخزيرة والفالوذج وخبز الا بازير والخشكنانج والسنبوسك ونحوه فلا يجوز بيع بعضه ببعض ولا بيع نوع بنوع آخر لان كل واحد منهما يشتمل على ما ليس من جنسه، وهو مقصود كاللحم في الهريسة والعسل في الفالوذج والماء والدهن في الخزيرة ويكثر التفاوت في ذلك فلا يتحقق التماثل فيه، وحكم سائر الحبوب حكم الحنطة فيما ذكرنا، ويجوز بيع الحنطة والمصنوع منها بغيرها من الحبوب والمصنوع منها لعدم اشتراط المماثلة بينهما (فصل) ويجوز بيع العصير بجنسه متماثلا ومتفاضلا بغير جنسه وكيف شاء لانهما جنسان ويعتبر التساوي فيهما بالكيل لانه يقدر به ويباع به عادة وهذا مذهب الشافعي وسواء كانا مطبوخين أو نيئين، وقال أصحاب الشافعي: لا يجوز بيع المطبوخ بجنسه لان النار تعقد أجزاءهما فيختلف ويؤدي إلى التفاضل ولنا أنهما متساويان في الحال على وجه لا ينفرد أحدهما بالنقص فأشبه النئ بالنئ، فأما بيع النئ بالمطبوخ من جنس واحد فلا يجوز لان أحدهما ينفرد بالنقص في ثاني الحال أشبه الرطب بالتمر، وقد ذكرناه وان باع عصير شئ من ذلك بثفله فان كان فيه بقية من المستخرج منه لم يجز بيعه به فلا يجوز بيع الشيرج بالكسب ولا الزيت بثفله الذي فيه بقية من الزيت الا على قولنا بجواز مد عجوة وان لم يبق فيه شئ من عصيره جاز بيعه به متفاضلا ومتماثلا لانهما جنسان (فصل) ويجوز بيع الرطب بالرطب والعنب بالعنب ونحوه من الرطب بمثله في قول الا كثرين ومنع منه الشافعي فيما يبس، فأما ما لا ييبس كالقثاء والخيار ونحوه فعلى قولين لانه لا يعلم تساويهما حالة الادخار فأشبه الرطب بالتمر، وذهب أبو حفص العكبري إلى هذا وقال ويحتمله كلام الخرقي لقوله في اللحم لا يجوز بيع بعضه ببعض رطبا قال شيخنا ومفهوم كلام الخرقي اباحته ههنا لانه قال: ولا يباع شئ من الرطب بيابس من جنسه مفهومه جواز الرطب بالرطب ولنا أن نهيه عليه السلام عن بيع التمر بالتمر يدل بمفهومه على اباحة بيع كل واحد منهما بمثله

[ 151 ]

ولانهما تساويا في الحال على وجه لا ينفرد أحدهما بالنقصان فجاز كبيع اللبن باللبن والتمر بالتمر ولان قوله تعالى (وأحل الله البيع) عام خرج منه المنصوص عليه وهو بيع التمر بالتمر وليس هذا في معناه فيبقى على العموم، وقياسهم لا يصح فان التفاوت كثير وينفرد أحدهما بالنقصان بخلاف مسئلتنا، ولا بأس ببيع الحديث بالعتيق لان التفاوت فيه يسير ولا يمكن ضبطه فعفي عنه (فصل) ويجوز بيع القطارة والدبس والخل كل نوع بعضه ببعض متساويا قال أحمد في رواية مهنا في خل الدقل يجوز بيع بعضه ببعض متساويا لان الماء في كل واحد منهما غير مقصود وهو من مصلحته فلم يمنع جواز البيع كالخبز بالخبز والتمر بالتمر في كل واحد منهما نواه ولا يباع نوع بالآخر لان في كل واحد منهما من غير جنسه يقل ويكثر فيفضي إلى التفاضل، والعنب كالتمر إلا أنه لا يباع خل العنب بخل الزبيب لا نفراد أحدهما بما ليس من جنسه، ويجوز بيع خل الزبيب بعضه ببعض كخل العنب وخل التمر (فصل) ويجوز بيع اللحم باللحم رطبا نص عليه، وقال الخرقي لا يجوز بيع بعضه ببعض إلا إذا تناهى جفافه وهذا مذهب الشافعي واختاره أبو حفص العكبري في شرحه، قال القاضي والمذهب جواز بيعه، ونص أحمد على جواز بيع الرطب بالرطب ينبه على اباحة بيع اللحم باللحم من حيث كان اللحم حال كماله ومعظم نفعه في حال رطوبته دون حال يبسه فجرى مجرى اللبن بخلاف الرطب فان حال كماله ومعظم نفعه في حال يبسه فإذا جاز فيه البيع ففي اللحم أولى، فأما بيع رطبه بيابسه ونيئه بمطبوخه فلا يجوز لانفراد أحدهما بالنقص في ثاني الحال فلم يجز كالرطب بالتمر، قال القاضي ولا يجوز بيع بعضه ببعض إلا منزوع العظام كما لا يجوز بيع العسل بمثله إلا بعد التصفية وهذا أحد الوجهين لاصحاب الشافعي، وكلام أحمد رحمه الله يقتضي الاباحة مطلقا فانه قال في رواية حنبل إذا صار إلى الوزن رطلا برطل مثلا بمثل فأطلق ولم يشترط شيئا ولان العظم تابع للحم بأصل الخلقة فأشبه النوى في التمر وفارق العسل في ان اختلاط الشمع به من فعل النحل لا من أصل الخلقة { مسألة } (ولا يجوز بيع المحاقلة وهو بيع الحب في سنبله بجنسه وفي بيعه بغير جنسه وجهان) وذلك لما روى البخاري عن أنس قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة والمحاضرة والملامسة والمنابذة والمزابنة. والمحاضرة بيع الزرع الاخضر والمحاقلة بيع الزرع في الحقول بحب من جنسه، قال جابر: المحاقلة أن يبيع الزرع بمائة فرق حنطة، وقال الازهري الحقل الفراخ المزروع وفسره أبو سعيد باستكراء الارض بالحنطة ولانه بيع الحب بجنسه جزافا من أحد الجانبين فلم يجز كما لو كانا على الارض فأما بيعه بغير جنسه فان كان بدراهم أو دنانير جاز لان نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الحب حتى يشتد يدل على جواز ذلك إذا اشتد وهذا أحد قولي الشافعي، وإن باعه بحب ففيه وجهان (أحدهما) يجوز لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يدا بيد " (والثاني) لا يجوز لعموم الحديث المذكور { مسألة } (ولا يجوز بيع المزابنة وهو بيع الرطب في رءوس النخل بالتمر إلا في العرايا وهي

[ 152 ]

بيع الرطب في رءوس النخل خرصا بمثله من التمر كيلا فيما دون خمسة أوسق لمن به حاجة إلى أكل الرطب ولا ثمن معه) لا يجوز بيع المزابنة لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة وهو بيع الرطب بالتمر متفق عليه. وروى البخاري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة، فأما العرايا فيجوز في الجملة وهو قول أكثر أهل العلم منهم مالك في أهل المدينة والاوزاعي في أهل الشام والشافعي وإسحاق وابن المنذر، وقال أبو حنيفة لا يحل بيعها لما ذكرنا من الحديث ولانه بيع الرطب بالتمر من غير كيل في أحدهما فلم يجز كما لو كان على وجه الارض ولنا ما روى أبو هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم رخص في العرايا في خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق متفق عليه، ورواه زيد بن ثابت وسهل بن أبي حثمة وغيرهما وحديثهم في سياقه إلا العرايا كذلك في المتفق عليه، وهذه زيادة يجب الاخذ بها ولو قدر التعارض وجب تقديم حديثنا بخصوصه جمعا بين الحديثين وعملا بكلا النصين. قال ابن المنذر الذي نهى عن المزابنة هو الذي أرخص في العرايا وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى، والقياس لا يصار إليه مع النص مع أن في الحديث انه أرخص في العرايا، والرخصة استباحة المحظور مع وجود السبب الحاظر، فلو منع وجود السبب من الاستباحة لم يبق لنا رخصة بحال { فصل } وانما يجوز بشروط خمسة (أحدها) أن يكون فيما دون خمسة أوسق في ظاهر المذهب ولا خلاف في أنها لا تجوز في زيادة على خسمة أوسق وانها تجوز فيما نقص عن خمسة أوسق عند القائلين بجوازها. فاما الخمسة الاوسق فظاهر المذهب أنه لا يجوز فيها وبه قال ابن المنذر والشافعي في أحد قوليه، وقال مالك والشافعي في قول يجوز ورواه اسماعيل بن سعيد عن أحمد لان في حديث زيد وسهل أنه أرخص في العرايا مطلقا ثم استثنى ما زاد على الخمسة وشك الراوي في الخمسة فبقي المشكوك فيه على أصل الاباحة ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة. والمزابنة بيع الرطب بالتمر ثم أرخص في العرية فيما دون خمسة أوسق وشك في الخمسة فيبقى على العموم في التحريم ولان العرية رخصة بنيت على خلاف النص والقياس فيما دون الخمسة، والخمسة مشكوك فيها فلا تثبت إباحتها مع الشك، وروى ابن المنذر باسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص في بيع العرية في الوسق والوسقين والثلاثة والاربعة والتخصيص بهذا يدل على أنه لا تجوز الزيادة في العدد عليه كما اتفقنا على أنه لا تجوز الزيادة على الخمسة لتخصيصه إياها بالذكر ولان خمسة الاوسق في حكم ما زاد عليها في وجوب الزكاة فيها دون ما نقص عنها فأما قولهم أرخص في العرية مطلقا فلم يثبت أن الرخصة المطلقة سابقة على الرخصة المقيدة ولا متأخرة عنها بل الرخصة واحدة رواها بعضهم مطلقة وبعضهم مقيدة فيجب حمل المطلق على المقيد ويصير القيد المذكور في أحد الحديثين كأنه مذكور في الآخر ولذلك يقيد فيما زاد على الخمسة اتفاقا

[ 153 ]

(فصل) ولا يجوز أن يشتري أكثر من خمسة أوسق فيما زاد على صفقة سواء اشتراها من واحد أو من جماعة، وقال الشافعي يجوز للانسان بيع جميع حائطه عرايا من رجل واحد ومن رجال في عقود متكررة لعموم حديث زيد ولان كل عقد جاز مرة جاز أن يتكرر كسائر البيوع، ولنا عموم النهي عن المزابنة استثنى منه العرية فيما دون خمسة أوسق فما زاد يبقى على العموم في التحريم ولان مالا يجوز عليه العقد مرة إذا كان نوعا واحدا لا يجوز في عقدين كالذي على وجه الارض وكالجمع بين الاختين. (فصل) (كذا في الاصل وكان المناسب ان يذكر هذا الفصل عقيب الشرط الثاني ولا ندري ان كان هذا الوضع من المصنف أو من النساخ) ولا تعتبر حاجة البائع فلو باع رجل عرية من رجلين فيها أكثر من خمسة أوسق جاز وقال أبو بكر القاضي لا يجوز لما ذكرنا في المشتري ولنا أن المغلب في التجويز حاجة المشتري بدليل ما روى محمود بن لبيد قال قلت لزيد بن ثابت ما عراياكم هذه؟ فسمى رجالا محتاجين من الانصار شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرطب يأتي ولا نقد بايديهم يبتاعون به رطبا يأكلونه وعندهم فضول من التمر فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر الذي في أيديهم يأكلونه رطبا، وإذا كان سبب الرخصة حاجة المشتري لم تعتبر حاجة البائع إلى البيع فلا يتقيد في حقه بخمسة أوسق، ولا ننا لو اعتبرنا الحاجة من المشتري وحاجة البائع إلى البيع أفضى إلى أن لا يحصل الارفاق إذ لا يكاد يتفق وجود الحاجتين فتسقط الرخصة. فان قلنا لا يجوز ذلك بطل العقد الثاني وان اشترى عريتين أو باعهما وفيهما أقل من خمسة أوسق جاز وجها واحدا (الثاني) أن يكون مشتريها محتاجا إلى أكلها رطبا ولا يجوز بيعها لغني وهو أحد قولي الشافعي وله قول آخر أنها تباح مطلقا لكل أحد لان كل بيع جاز للمحتاج جاز للغني كسائر البيوع ولان حديث أبي هريرة وسهل مطلقان. ولنا حديث زيد بن ثابت الذي ذكرناه وإذا خولف الاصل بشرط لم يجز مخالفته بدون ذلك الشرط ولا يلزم من اباحته للحاجة اباحته مع عدمها كالزكاة للمساكين فعلى هذا متى كان المشتري غير محتاج إلى اكل الرطب لم يجز شراؤها بالتمر، ولو باعها لواهبها تحرزا من دخول صاحب العرية حائطه كمذهب مالك أو لغيره لم يجز وقال ابن عقيل يباح ويحتمله كلام أحمد لان الحاجة وجدت من الجانبين فجاز كما لو كان المشتري محتاجا إلى أكلها ولنا حديث زيد الذي ذكرناه والرخصة لمعنى خاص لا تثبت مع عدمه ولان في حديث زيد وسهل يأكلها أهلها رطبا ولو جازت لتخليص المعري لما شرط ذلك (الثالث) أن لا يكون للمشتري نقد يشتري به للخبر المذكور (الرابع) أن يشتريها بخرصها من التمر ويجب أن يكون التمر الذي يشتري به معلوما بالكيل ولا يجوز جزافا لا نعلم خلافا في هذا عند من أباح بيع العرايا لما روى زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في العرايا أن تباع بخرصها كيلا متفق عليه، ولمسلم أن تؤخذ بمثل خرصها تمرا يأكلها أهلها رطبا، إذا ثبت ذلك فمعنى خرصها بمثلها من التمر أن ينظر الخارص إلى العرية فينظر كم يجئ منها تمرا فيشتريها المشتري بمثله تمرا، وبهذا قال الشافعي، ونقل حنبل عن أحمد أنه قال يخرصها رطبا ويعطي تمرا وهذا يحتمل الاول، ويحتمل أنه يشتريها بمثل الرطب الذي عليها لانه بيع

[ 154 ]

اشترطت المماثلة فيه فاعتبرت حال البيع كسائر البيوع ولان الاصل اعتبار المماثلة في الحال وأن لا يباع الرطب بالتمر خولف في الاصل في بيع الرطب بالتمر فبقي فيما عداه على قضية الدليل. قال القاضي والاول أصح لانه ينبني على خرص الثمار في العشر والصحيح خرصه تمرا ولان المماثلة في بيع التمر بالتمر معتبرة حالة الادخار وبيع الرطب بمثله تمرا يفضي إلى فوات ذلك، فأما أن اشتراها بخرصها رطبا لم يجز وهذا أحد الوجوه لاصحاب الشافعي والثاني يجوز والثالث لا يجوز مع اتفاق النوع ويجوز مع اختلافه. ووجه جوازه ماروى الجوزجاني عن أبي صالح عن الليث عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب أو التمر ولم يرخص في غير ذلك، ولانه إذا جاز بيعها بالتمر مع اختصاص أحدهما بالنقص في ثاني الحال فلان يجوز مع عدم ذلك أولى ولنا ما روى مسلم باسناده عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في العرايا أن تؤخذ بمثل خرصها تمرا، وعن سهل بن أبي حثمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع التمر بالتمر وقال " ذلك الربا تلك المزابنة " الا أنه أرخص في العرية النخلة أو النخلتين يأخذهما أهل البيت بخرصهما تمرا يأكلونها رطبا ولانه مبيع يجب فيه مثله تمرا فلم يجز بيعه بمثله رطبا كالتمر الجاف، ولان من له رطب فهو مستغن عن شراء الرطب بأكل ما عنده وبيع العرايا يشترط فيه حاجة المشتري على ما أسلفناه وحديث ابن يحيى شك في الرطب والتمر فلا يجوز العمل مع الشك سيما وهذه الاحاديث تثبته وتزيل الشك (الخامس) التقابض في المجلس وهو قول الشافعي ولا نعلم فيه مخالفا ولا نعلم فيه مخالفا لانه بيع تمر بتمر فاعتبر فيه شروطه إلا ما استثناه الشرع مما لم يمكن اعتباره في بيع العرايا، والقبض في كل واحد منهما على حسبه ففي التمر اكتياله وفي الثمر التخلية، وليس من شروطه حضور التمر عند النخيل بل لو تبايعا بعد معرفة التمر والثمرة ثم مضيا جميعا إلى النخيل فسلمه إلى مشتريه ثم مضيا إلى التمر فسلمه البائع أو تسلم التمر أولا ثم مضيا إلى النخل فسلمه جاز لان التفرق لم يحصل قبل القبض. إذا ثبت هذا فان بيع العرية يقع على وجهين (أحدهما) أن يقول بعتك ثمرة هذه النخلة بكذا ويصفه الثاني أن يكيل من التمر بقدر خرصها ثم يقول بعتك هذا بهذا، أو بعتك ثمرة النخلة بهذا التمر ونحو هذا فان باعه بمعين فقبضه بنقله واخذه وان باعه بموصوف فقبضه بكيله { مسألة } (فيعطيه من التمر مثل ما يؤول إليه ما في النخل عند الجفاف وعنه يعطيه مثل رطبه وقد ذكرناه) (فصل) ولا يشترط في العرية أن تكون موهوبة لبائعها، وبه قال الشافعي وظاهر قول الخرقي انه شرط، وقال الاثرم سمعت احمد يسئل عن تفسير العرايا فقال: العرايا ان يعري الرجل الجار أو القرابة للحاجة والمسكنة فللمعرى ان يبيعها ممن شاء، وقال مالك بيع العرايا الجائز هو ان يعري الرجل الرجل نخلات من حائطه ثم يكره صاحب الحائط دخول الرجل المعرى حائطه لانه ربما كان مع اهله في الحائط

[ 155 ]

فيؤذيه دخول صاحبه عليه فيجوز ان يشتريها منه، واحتجوا بأن العرية في اللغة هبة ثمرة النخيل عاما قال أبو عبيد الاعراء ان يجعل الرجل للرجل ثمرة نخله عامها ذلك قال شاعر الانصار: ليست بسنهاء ولا رجبية * ولكن عرايا في السنين الجوائح يقول انا نعريها الناس، فتعين صرف اللفظ إلى موضوعه لغة ومقتضاه في العربية ما لم يوجد ما يصرفه عن ذلك. ولنا حديث زيد بن ثابت وهو حجة على مالك في تصريحه بجواز بيعها من غير الواهب ولانه لو كان لحاجة الواهب لما اختص بخمسة أوسق لعدم اختصاص الحاجة بها ولم يجز بيعها بالتمر لان لان الظاهر من حال صاحب الحائط الذي له النخل الكثير يعريه الناس أنه لا يعجز عن أداء ثمن العرية. وفيه حجة على من اشترط كونها موهوبة لبائعها لان علة الرخصة حاجة المشتري إلى أكل الرطب ولا ثمن معه سوى التمر فمتى وجد ذلك جاز البيع، ولان اشتراط كونها موهوبة مع اشتراط حاجة المشتري إلى أكلها رطبا ولا ثمن معه يفضي إلى سقوط الرخصة إذ لا يكاد يتفق ذلك، ولان ما جاز بيعه لواهبه إذا كان موهوبا جاز وان لم يكن موهوبا كسائر الاموال وما جاز بيعه لواهبه جاز لغيره كسائر الاموال وانما سمي عرية لتعريه عن غيره وافراده بالبيع { مسألة } (ولا يجوز في سائر الثمار في أحد الوجهين) لا يجوز بيع العرية في غير النخيل اختاره أبو حامد وهو قول الليث إلا تكون ثمرته مما لا يجري فيه الربا فيجوز بيع رطبها بيابسها لعدم جريان الربا فيها، وقال القاضي يجوز في سائر الثمار وهو قول مالك والاوزاعي قياسا على ثمرة النخيل، ويحتمل أن يجوز في العنب دون غيرهما وهو قول الشافعي لان العنب كالرطب في وجوب الزكاة فيه وجواز خرصه وتوسيقه وكثرة يابسه واقتنائه في بعض البلدان والحاجة إلى أكل رطبه، والتنصيص على الشئ يوجب ثبوت الحكم في مثله ولايجوز في غيرهما لاختلافهما في أكثر هذه المعاني فانه لا يمكن خرصها لتفرقها في الاغصان واستتارها بالاوراق ولا يقتات يابسها فلا يحتاج إلى الشراء به، ووجه الاولى أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة التمر بالثمرة إلا أصحاب العرايا فانه أذن لهم، وعن بيع العنب بالزبيب وكل ثمر بخرصه وهذا حديث حسن رواه الترمذي وهو يدل على تخصيص العرية بالتمر فعن زيد بن ثابت رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أرخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب أو بالتمر ولم يرخص في غير ذلك، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة والمزابنة بيع ثمر النخل بالتمر كيلا وعن كل ثمر بخرصه ولان الاصل يقتضي تحريم بيع العرية وانما جازت في ثمرة النخيل رخصة ولا يصح قياس غيرها عليها لوجهين (أحدهما) أن غيرها لا يساويها في كثرة الاقتيات بها وسهولة خرصها وكون الرخصة في الاصل لاهل المدينة، وانما كانت حاجتهم إلى الرطب دون غيره (الثاني) أن القياس لا يعمل به إذا خالف نصا وقياسهم يخالف نصوصا غير مخصوصة، وانما يجوز التخصيص بالقياس على المحل المخصوص ونهى عن بيع العنب بالزبيب لم يدل على تخصيص فيقاس عليه وكذلك سائر الثمار { مسألة } (ولا يجوز بيع جنس فيه الربا بعضه ببعض ومع أحدهما أو معهما من غير جنسهما

[ 156 ]

كمد عجوة ودرهم بمدين أو بدرهمين أو بمد ودرهم وعنه يجوز بشرط أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره أو يكون مع كل واحد منهما من غير جنسه) هذه المسألة تسمى مسألة مد عجوة وظاهر المذهب أن ذلك لا يجوز نص عليه أحمد في مواضع كثيرة قال ابن أبي موسى في السيف المحلى والمنطقة والمراكب المحلاة تباع بجنس ما عليها لا يجوز قولا واحدا، وروي هذا عن سالم بن عبد الله والقاسم بن محمد وشريح وابن سيرين وبه قال الشافعي وإسحاق وأبو ثور، وعن أحمد انه يجوز بشرط أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره أو يكون مع كل واحد منهما من غير جنسه: قال حرب قلت لاحمد دفعت دينارا كوفيا ودرهما وأخذت دينار ا شاميا وزنهما سواء؟ قال لا يجوز إلا أن ينقص الدينار فيعطيه بحسابه فضة، وكذلك روي عن محمد ابن أبي حرب الجرجرائي قال أبو داود سمعت أحمد يسئل عن الدراهم المسيبية بعضها صفر وبعضها فضة بالدراهم فقال لا أقول فيه شيئا، قال أبو بكر روى هذه المسألة عن أحمد خمسة عشر نفسا كلهم اتفقوا على أنه لا يجوز حتى يفصل إلا الميموني، وقال حماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة يجوز ذلك بما ذكرنا من الشرط، وقال الحسن لا بأس ببيع السيف المحلى بالفضة بالدراهم وبه قال الشعبي والنخعي واحتجوا بأن العقد إذا أمكن حمله على الصحة لم يحمل على الفساد لانه لو اشترى لحما من قصاب جاز مع احتمال كونه ميتة لكن يجب حمله على أنه مذكى تصحيحا، وقد أمكن تصحيح العقد ههنا بجعل

[ 157 ]

الجنس في مقابلة غير الجنس أو جعل غير الجنس في مقابلة الزائد على المثل ولنا ما روى فضالة بن عبيد قال أتي النبي صلى الله عليه وسلم بقلادة فيها ذهب وخرز ابتاعها رجل بتسعة دنانير أو سبعة دنانير فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لا، حتى تميز بينهما " قال فرده حتى ميز بينهما رواه أبو داود وفي لفظ رواه مسلم قال أمر رسول الله صلى الله عليه بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم " الذهب بالذهب وزنا بوزن " ولان العقد إذا جمع عوضين مختلفي الجنس وجب أن ينقسم أحدهما على الآخر على قدر قيمة الآخر في نفسه، فإذا اختلفت القيمة اختلف ما يأخذه من العوض. بيانه إذا اشترى عبدين قيمة أحدهما مثل نصف قيمة الآخر بعشرة كان ثمن أحدهما ثلثي العشرة والآخر ثلثها فلو رد أحدهما بعيب رده بقسطه من الثمن، وكذلك إذا اشترى شقصا وسيفا بثمن أخذ الشفيع الشقص بقسطه من الثمن، فإذا فعلنا هذا فيمن باع درهما ومدا قيمته درهمان بمدين قيمتهما ثلاثة حصل الدرهم في مقابلة ثلثي مد، والمد الذي مع الدرهم في مقابلة مد وثلث هذا إذا تفاوتت القيم ومع التساوي يجهل ذلك لان التقويم ظن وتخمين، والجهل بالتساوي كالعلم بعدمه في باب الربا ولذلك لم يجز بيع صبرة بصبرة بالظن والخرص، وقولهم يجب تصحيح العقد ممنوع بل يحمل على ما يقتضيه من صحة وفساد، كذلك لو باع بثمن وأطلق وفي البلد نقود بطل العقد ولم يحمل على نقد أقرب البلاد إليه، أما إذا اشترى من انسان شيئا فانه يصح لان الظاهر انه ملكه لان اليد دليل الملك، وإذا باع لحما فالظاهر انه مذكى لان المسلم في الظاهر لا يبيع الميتة

[ 158 ]

{ مسألة } (وان باع نوعي جنس بنوع واحد منه كدينار قراضة وصحيح بصحيحين أو حنطة حمراء وسمراء ببيضاء أو تمرا برنيا ومعقليا بابرحيمي فان ذلك يصح قاله أبو بكر وأومأ إليه أحمد واختار القاضي ان الحكم فيها كالتي قبلها) وهو مذهب مالك والشافعي لان العقد يقتضي انقسام الثمن على عوضه على حسب اختلافه في قيمته كما ذكرنا وروي عن احمد منع ذلك في النقد وتجويزه في الثمن نقله احمد بن القاسم لان الانواع في غير الاثمان يكثر اختلاطها ويشق تمييزها فعفي عنها بخلاف الاثمان ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " الذهب بالذهب مثلا بمثل والفضة بالفضة مثلا بمثل " الحديث وهذا يدل على إباحة البيع عند وجود المماثلة المرعية هي في الموزون وزنا وفي المكيل كيلا ولان الجودة ساقطة في باب الربويات فيما قوبل بجنسه فيما إذا اتحد النوع في كل واحد من الطرفين فكذلك إذا اختلفا واختلاف القيمة ينبني على الجودة والرداءة ولانه باع ذهبا بذهب متساويا في الوزن فصح كما لو اتفق النوع، وانما يقسم العوض على المعوض فيما يشتمل على جنسين أو في غير الربويات بدليل مالو باع نوعا بنوع يشتمل على جيد وردئ { مسألة } (ولايجوز بيع تمر منزوع النوى بما نواه فيه لاشتمال أحدهما على ما ليس من جنسه دون الآخر، وإن نزع النوى ثم باع النوى والتمر بنوى وتمر لم يجز لان التبعية زالت بنزعه فصار كمسألة مد عجوة بخلاف ما إذا كان في كل واحد نواه، وان باع تمرا منزوع النوى بتمر منزوع النوى

[ 159 ]

جاز كما لو باع تمرا فيه النوى بعضه ببعض، وقال أصحاب الشافعي لا يجوز في أحد الوجهين لانهما لم يتساويا في حال الكمال ولانه يتجافى في المكيال ولنا قول النبي صلى الله وعليه وسلم " التمر بالتمر مدا بمد " ولانهما تساويا في حال على وجه لا ينفرد أحدهما بالنقصان فجاز كما لو كان في كل واحد نواه، ويجوز بيع النوى بالنوى كيلا كذلك { مسألة } (وفي بيع النوى بتمر فيه النوى، واللبن بشاة ذات لبن والصوف بنعجة عليها صوف روايتان) إذا باع النوى بتمر نواه فيه فعلى روايتين (أحداهما) لا يجوز رواه عنه مهنا وابن القاسم لانه كمسألة مدعجوة وكما لو باع تمرا فيه نواه بتمر منزوع النوى (والثانية) يجوز رواها ابن منصور لان النوى في التمر غير مقصود فجاز كما لو باع دارا مموها سقفها بذهب، فعلى هذا يجوز بيعه متفاضلا ومتساويا لان النوى الذي في التمر لا عبرة به فصار كبيع النوى بتمر منزوع النوى (فصل) وان باع شاة ذات لبن بلبن أو شاة عليها صوف بصوف أو باع لبونا بلبون أو ذات صوف بمثلها خرج فيه الروايتان كالتي قبلها (إحداهما) الجواز اختاره ابن حامد وهو قول أبي حنيفة وسواء كانت الشاة حية أو مذكاة لان ما فيه الربا غير مقصود (والثاني) المنع وهو مذهب الشافعي لانه باع مال الربا بأصله الذي فيه منه أشبه بيع اللحم بالحيوان والاول أولى، والفرق بينهما ان اللحم والحيوان مقصود بخلاف اللبن والصوف، ولو كانت الشاة محلوبة اللبن جاز بيعها بمثلها وباللبن وجها واحدا لان اللبن لا أثر له ولا يقابله شئ من الثمن فأشبه الملح في الشيرج والخبز والجبن وحبات الشعير في الحنطة ولا نعلم فيه خلافا، وكذلك لو كان اللبن المنفرد من غير جنس لبن الشاة جاز بكل حال، ويحتمل أن لا يجوز على قولنا إن اللبن جنس واحد، ولو باع نخلة عليها ثمر بثمر أو بنخلة عليها ثمر ففيه أيضا وجهان (أحدهما) الجواز اختاره أبو بكر لان الثمر غير مقصود بالبيع (والثاني) لا يجوز ووجه الوجهين ما ذكرنا في المسألة قبلها، واختار القاضي المنع وفرق بينها وبين الشاة ذات اللبن بكون الثمرة يصح افرادها بالبيع وهي معلومة بخلاف اللبن في الشاة، وهذ الفرق غير مؤثر فان ما يمنع إذا جاز

[ 160 ]

افراده يمنع وإن لم يجز افراده كالسيف المحلى يباع بجنس حليته وما لا يمنع لا يمنع وإن جاز افراده كمال العبد (فصل) وان باع دارا سقفها مموه بذهب أو دارا بدار مموه سقف كل واحدة منهما جاز لان ما فيه الربا غير مقصود بالبيع فوجوده كعدمه، وكذلك لو اشترى عبدا له مال فاشترط ماله وهو من جنس الثمن جاز إذا كان المال غير مقصود فهو كالسقف المموه، ولو اشترى عبدا بعبد واشترط كل واحد منهما مال العبد جاز أيضا إذا كان المال غير مقصود (فصل) وإن باع جنسا فيه الربا بجنسه ومع كل واحد من غير جنسه غير مقصود فهو على أقسام (أحدها) أن يكون غير المقصود يسيرا لا يؤثر في كيل ولا وزن كالملح فيما يعمل فيه وحبات الشعير في الحنطة فلا يمنع لانه يسير لا يخل بالتماثل، وكذلك لو وجد في أحدهما دون الآخر لم يمنع لذلك ولو باع ذلك بجنس غير المقصود الذي معه كبيع الخبز بالملح جاز لان وجود ذلك كعدمه (الثاني) أن يكون غير المقصود كثيرا إلا أنه لمصلحة المقصود كالماء في خل التمر والزبيب ودبس التمر فيجوز بيعه بمثله ويتنزل خلطه بمنزلة رطوبته لكونه من مصلحته فلم يمنع من بيعه بما يماثله كالرطب بالرطب ولا يجوز بيعه بما ليس فيه خلط كبيع خل العنب بخل الزبيب لافضائه إلى التفاضل فجرى مجرى بيع التمر بالرطب، ومنع الشافعي ذلك كله إلا بيع الشيرج بالشيرج لكون الماء لا يظهر في الشيرج (الثالث) أن يكون غير المقصود كثيرا وليس من مصلحته كاللبن المشوب بالماء بمثله والاثمان المغشوشة بغيرها فلا يجوز بيع بعضها ببعض لان خلطه ليس من مصلحته وهو يخل بالتماثل المقصود فيه، وإن باعه بجنس غير المقصود كبيعه الدينار المغشوش بالفضة بالدراهم احتمل الجواز لانه يبيعه بجنس غير مقصود فيه فأشبه بيع اللبن بشاة فيها لبن، ويحتمل المنع بناء على الوجه الآخر في

[ 161 ]

الاصل وان باع دينارا مغشوشا بمثله والغش فيهما متفاوت أو غير معلوم المقدار لم يجز لانه يخل بالتماثل المقصود، وإن علم التساوي في الذهب والغش الذي فيهما خرج على وجهين أولاهما الجواز لانهما تماثلا في المقصود وفي غيره ولا يفضي إلى التفاضل بالتوزيع بالقيمة لكون الغش غير مقصود فكأنه لا قيمة له (فصل) ولو دفع إلى انسان درهما وقال أعطني بنصف هذا الدرهم نصف درهم وبنصفه فلوسا أو حاجة أخرى جاز لانه اشترى نصفا بنصف وهما متساويان فصح كما لو دفع إليه درهمين فقال بعني بهذا الدرهم فلوسا واعطني بالآخر نصفين، وان قال اعطني بهذا الدرهم نصفا وفلوسا جاز أيضا لان معناه ذلك ولان ذلك لا يفضي إلى التفاضل بالتوزيع بالقيمة فان قيمة النصف الذي في الدرهم كقيمة النصف الذي مع الفلوس يقينا وقيمة الفلوس كقيمة النصف الآخر سواء { مسألة } (والمرجع في الكيل والوزن إلى عرف أهل الحجاز في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وما لا عرف لهم فيه ففيه وجهان) (أحدهما) يعتبر عرفه في موضعه ولا يرد إلى أقرب الاشياء شبها به بالحجاز ونحو هذا مذهب الشافعي، وقال أبو حنيفة الاعتبار في كل بلد بعادته، ولنا ما روى عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " المكيال مكيال المدينة والميزان ميزان مكة " والنبي صلى الله عليه وسلم انما يحمل كلامه على بيان الاحكام ولان ما كان مكيلا بالحجاز في زمن النبي صلى الله عليه وسلم انصرف إليه التحريم في تفاضل الكيل فلا يجوز أن يتغير بعد ذلك وهكذا الوزن، فأما مالا عرف له في الحجاز ففيه وجهان (أحدهما) يرد إلى أقرب الاشياء شبها به بالحجاز كما ان الحوادث ترد إلى أشبه المنصوص عليه بها وهو القياس (والثاني) يعتبر عرفه في موضعه لان ما لم يكن له في الشرع حد يرجع فيه إلى العرف كالقبض الحرز والتفرق، وعلى هذا

[ 162 ]

إن اختلفت البلاد فالاعتبار بالغالب فان لم يكن غالب تعين الوجه الاول ومذهب الشافعي كهذين الوجهين (فصل) والبر والشعير مكيلان منصوص عليهما بقول النبي صلى الله عليه وسلم " البر بالبر كيلا بكيل والشعير بالشعير كيلا بكيل " وكذلك سائر الحبوب والا بازير والاشنان والجص والنورة وما أشبهها والتمر مكيل وهو من المنصوص عليه وكذلك سائر ثمرة النخل من الرطب والبسر وغيرهما، وسائر ما تجب فيه الزكاة من الثمار مثل الزبيب والفستق والبندق واللوز والعناب والمشمش والزيتون والبطم والملح مكيل وهو من المنصوص عليه بقوله عليه السلام " الملح بالملح مدا بمد " والذهب والفضة موزونان بقوله عليه السلام " الذهب بالذهب والفضة بالفضة وزنا بوزن " وكذلك ما أشبههما من جواهر الارض كالحديد والرصاص والصفر والنحاس والزجاج والزئبق وكذلك الابريسم والقطن والكتان والصوف وغزل ذلك وما أشبهه، ومنه الخبز واللحم والشحم والجبن والزبد والشمع والزعفران والورس والعصفر وما أشبه ذلك (فصل) والدقيق والسويق مكيلان لان أصلهما مكيل ولم يوجد ما ينقلهما عنه ولانهما يشبهان ما يكال وذكر القاضي في الدقيق أنه يجوز بيع بعضه ببعض وزنا ولا يمنع أن يكون موزونا وأصله مكيل كالخبز. ولنا ما ذكرناه ولانه يقدر بالصاع بدليل أنه يخرج في الفطر صاع من دقيق، وقد جاء ذلك في الحديث والصاع انما يقدر به المكيلات، وعلى هذا يكون الاقط مكيلا لان في حديث صدقة الفطر صاع من أقط. فاما اللبن وغيره من المائعات كالادهان من الزيت والشيرج والعسل والدبس والخل ونحو ذلك، فالظاهر أنها مكيلة. قال القاضي في الادهان هي مكيلة وفي اللبن يصح السلم فيه كيلا، وقال أصحاب الشافعي لا يباع اللبن بعضه ببعض الا كيلا، وقد روي عن احمد رحمه الله تعالى أنه سئل عن السلف في اللبن فقال نعم كيلا أو وزنا وذلك لان الماء يقدر بالصاع، ولذلك قالوا: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع ويغتسل هو وزوجته من الفرق وهذه مكاييل قدر بها الماء، وكذلك سائر المائعات، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع ما في ضروع الانعام إلا بكيل رواه ابن ماجه، وأما غير المكيل والموزون فما لم يكن له أصل بالحجاز في كيل ولا وزن ولا يشبه ما جرى فيه عرف بذلك كالنبات والحبوب والمعدودات من الجوز والبيض والرمان والقثاء والخيار وسائر الخضر

[ 163 ]

والبقول والسفرجل والتفاح والكمثرى والخوخ ونحوها، فهذه إذا اعتبرنا التماثل فيها فانه يعتبر في الوزن لانه أخصر ذكره القاضي في الفواكه الرطبة وهو أحد الوجهين لاصحاب الشافعي، والآخر قالوا يعتبر ما أمكن كيله بالكيل لان الاصل الاعيان الاربعة وهي مكيلة، ومن شأن الفرع أن يرد إلى أصله بحكمه، والاصل حكمه تحريم التفاضل بالكيل فكذلك يكون حكم فروعه ولنا أن الوزن أخصر فوجب اعتباره في غير المكيل والموزون كالذي لا يمكن كيله، وانما اعتبر الكيل في المنصوص لانه يقدر به في العادة وهذا بخلافه (فصل) قال رضي الله عنه (وأما ربا النسيئة فكل شيئين ليس أحدهما ثمنا علة ربا الفضل فيهما واحدة كالمكيل بالمكيل والموزون بالموزون لا يجوز النساء فيهما وان تفرقا قبل التقابض بطل العقد) متى كان أحد العوضين ثمنا والآخر مثمنا جاز النساء بينهما بغير خلاف لان الشرع أرخص في السلم والاصل في رأس مال السلم الدراهم والدنانير فلو حرم النساء ههنا لا نسد باب السلم في الموزونات في الغالب وان لم يكن أحدهما ثمنا، فكل شيئين يجري فيهما الربا بعلة واحدة كالمكيل بالمكيل والموزون بالموزون والمطعوم بالمطعوم عند من يعلل به يحرم بيع أحدهما بالآخر نسيئة بغير خلاف نعلمه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " فإذا اختلفت هذه الاصناف فبيعوا كيف شئتم يدا بيد " وفي لفظ " لا بأس ببيع الذهب بالفضة والفضة أكثرهما يدا بيد وأما النسيئه فلا، ولا بأس ببيع البر بالشعير - والشعير أكثرهما - يدا بيد وأما النسيئة فلا " رواه أبو داود (فصل) وان تفرقا قبل التقابض بطل العقد، وبه قال الشافعي رحمه الله تعالى، وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى لا يشترط التقابض في غير النقدين لان ما عداهما ليس بأثمان. فلم يشترط التقابض فيهما كغير أموال الربا كبيع ذلك بأحد النقدين، وأما قوله عليه السلام " فإذا اختلفت هذه الاصناف فبيعوا كيف شئتم يدا بيد " فالمراد به القبض، ولانهما مالان من اموال الربا علتهما واحدة فحرم التفرق بينهما قبل القبض كالذهب بالفضة { مسألة } (وان باع مكيلا بموزون كاللحم بالبر جاز التفرق قبل القبض وفي التساوي روايتان) وهذا ذكره أبو الخطاب وقال هو رواية واحدة لان علتهما مختلفة فجاز التفرق قبل القبض كالثمن بالثمن، ويحتمل كلام الخرقي وجوب التقابض لانه قال: وما كان من جنسين فجائز التفاضل فيه يدا بيد

[ 164 ]

وهل يجوز النساء؟ فيه روايتان (إحداهما) لا يجوز ذكرها الخرقي لانهما مالان من أموال الربا فلم يجز النساء فيهما كالمكيل بالمكيل (والثانية) يجوز وهو قول النخعي لانهما لم يجتمعا في أحد وصفي علة ربا الفضل فجاز النساء فيهما كالثياب بالحيوان وعند من يعلل بالطعم لا يجيزه ههنا وجها واحدا { مسألة } (وما لا يدخله ربا الفضل كالثياب والحيوان يجوز النساء فيهما، وعنه لا يجوز وعنه لا يجوز في الجنس الواحد كالحيوان بالحيوان ويجوز في الجنسين كالثياب بالحيوان) فيه أربع روايات (احداهن) لا يحرم النساء فيه سواء بيع بجنسه أو بغيره متساويا أو متفاضلا، وقال القاضي ان كان مطعوما حرم النساء فيه وان لم يكن مكيلا ولا موزونا، وهذا مبني على أن العلة الطعم وهو مذهب الشافعي، ووجه جواز النساء ما روى أبو داود عن عبد الله بن عمر وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يجهز جيشا فنفدت الابل فأمره أن يأخذ في قلاص الصدقة فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى ابل الصدقة، وروى سعيد في سننه عن أبي معشر عن صالح بن كيسان عن الحسن بن محمد بن علي أن عليا باع بعيرا له يقال له عصيفير بأربعة أبعرة إلى أجل ولانهما مالان لا يجري فيهما ربا الفضل فجاز النساء فيهما كالعرض بالدينار، ولان النساء أحد نوعي الربا فلم يجز في الاموال كلها كالنوع الاخر فعلى هذه الرواية علة تحريم النساء الوصف الذي مع الجنس. أما الكيل أو الوزن أو الطعم عند من يعلل به فيختص تحريم النساء بالمكيل والموزون عند من يعلل به اختاره القاضي (والرواية الثانية) يحرم النساء في كل مال بيع بمال آخر سواء كان من جنسه أو لا لما روى سمرة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة. قال الترمذي حديث صحيح ولم يفرق بين الجنس والجنسين، ولانه بيع عرض بعرض فحرم النساء بينهما كالجنسين من أموال الربا فيكون علة النساء بينهما المالية على هذه الرواية. قال القاضي فعلى هذا لو باع عرضا بعرض ومع أحدهما دراهم العروض نقدا والدراهم نسئية جاز وإن كان بالعكس لم يجز لانه يفضي إلى النسئية في العروض (قال شيخنا) وهذه الرواية ضعيفة جدا لانه اثبات حكم يخالف الاصل بغير نص. ولا اجماع ولا قياس صحيح فان للمحل المجمع عليه أو المنصوص عليه أو صافا لها أثر في تحريم الفضل فلا يجوز حذفها عن درجة الاعتبار، وما هذا سبيله لا يجوز اثبات الحكم فيه وان لم يخالف أصلا فكيف مع مخالفة الاصل في حل البيع؟ فأما حديث سمرة فهو من رواية الحسن عن سمرة، وأبو عبد الله لا يصحح سماع الحسن من سمرة قاله الاثرم (والرواية الثالثة) يحرم النساء في كل ما بيع بجنسه كالحيوان بالحيوان والثياب بالثياب ولا يحرم

[ 165 ]

في غير ذلك وهذا مذهب أبي حنيفة ويروى كراهة بيع الحيوان بالحيوان نساء عن ابن الحنفية وعبد الله ابن عبيد بن عمير وعكرمة بن خالد وابن سيرين والثوري والحسن وروي ذلك عن عمار وابن عمر لحديث سمرة ولان الجنس أحد وصفي علة ربا الفضل فحرم النساء كالكيل والوزن (والرواية الرابعة) لا يحرم النساء الا فيما بيع بجنسه متفاضلا لما روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " الحيوان اثنين بواحد لا يصلح نساء ولا بأس به يدا بيد " قال الترمذي حديث حسن، وروى الامام أحمد باسناده عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلا قال يا رسول الله أرأيت الرجل يبيع الفرس بالافراس والنجيبة بالابل؟ فقال لا بأس إذا كان يدا بيد " وهذا يدل بمفهومه على إباحة النساء مع التماثل والرواية الاولى أصح لموافقتها الاصل، والاحاديث المخالفة لها قد قال أحمد ليس فيها حديث يعتمد عليه ويعجبني أن يتوقاه وذكر له حديث ابن عباس وابن عمر في هذا فقال هما مرسلان، وحديث سمرة قد أجبنا عنه وحديث جابر قال أبو عبد الله هذا حجاج زاد فيه نساء، وليث بن سعيد قال يعقوب بن شيبة هو واهي الحديث وهو صدوق، وان كان أحد المبيعين مما لا ربا فيه والآخر فيه ربا كالمكيل بالمعدود ففي تحريم النساء فيهما روايتان { مسألة } (ولا يجوز بيع الكالئ بالكالئ وهو بيع الدين بالدين) لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الكالئ بالكالئ رواه أبو عبيد في الغريب (فصل) قال رحمه الله تعالى (ومتى افترق المتصارفان قبل التقابض أو افترقا عن مجلس السلم قبل قبض رأس ماله بطل العقد) أما إذا افترقا عن مجلس السلم قبل قبض رأس المال فسيذكر في بابه ان شاء الله تعالى، وأما الصرف فهو بيع الاثمان بعضها ببعض، والقبض في المجلس شرط لصحته بغير خلاف. قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المتصارفين إذا افترقا قبل أن يتقابضا أن الصرف فاسد لقول النبي صلى الله عليه وسلم " اذهب بالورق ربا الا هاء وهاء " وقوله عليه السلام " بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد " ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الذهب بالورق دينا ونهى أن يباع غائب منها بناجز وكلها أحاديث صحاح. ويجزئ القبض في المجلس وان طال، ولو تماشيا مصطحبين إلى منزل احدهما أو إلى الصراف فتقابضاه عنده جاز، وبه قال أبو حنيفة واصحابه، وقال مالك لاخير في ذلك لانهما فارقا مجلسهما ولنا أنهما لم يتفارقا قبل التقابض فأشبه مالو كانا في سفينة تسير بهما أو راكبين على دابة واحدة تمشي بهما وقد دل على ذلك حديث أبي برزة الاسلمي رضي الله عنه في قوله للذين مشيا إليه من جانب العسكر: وما اراكما افترقتما. وان تفرقا قبل التقابض بطل العقد لفوات شرطه

[ 166 ]

{ مسألة } وان قبض البعض ثم افترقا بطل في الجميع في احد الوجهين، وفي الآخر يبطل فيما لم يقبض بناء على تفريق الصفقة، ولو وكل احدهما وكيلا في القبض فقبض الوكيل قبل تفرقهما جاز وقام قبض وكيله مقام قبضه سواء فارق الوكيل المجلس قبل القبض أو لم يفارقه، وان افترقا قبل قبض الوكيل بطل لان القبض في المجلس شرط وقد فات، وان تخايرا قبل القبض في المجلس لم يبطل العقد بذلك لانهما لم يتفرقا قبل القبض، ويحتمل ان يبطل إذا قلنا بلزوم العقد وهو مذهب الشافعي لان العقد لم يبق فيه خيار قبل القبض اشبه ما لو افترقا، والصحيح الاول فان الشرط التقابض في المجلس وقد وجد واشتراط التقابض قبل اللزوم تحكم بغير دليل ثم يبطل بما إذا تخايرا قبل الصرف ثم اصطرفا فان الصرف يقع لازما صحيحا قبل القبض ثم يشترط القبض في المجلس (فصل) ولو صارف رجلا دينارا بعشرة دراهم وليس معه الا خمسة لم يجز أن يتفرقا بل قبض العشرة، فان قبض الخمسة وافترقا فهل يبطل في الجميع أو في نصف الدينار؟ ينبني على تفريق الصفقة فان ارادا صحة العقد فسخا الصرف في النصف الذي ليس معه عوضه أو يفسخان العقد كله ثم يشتري منه نصف الدينار بخمسة ويدفعها إليه ثم يأخذ الدينار كله فيكون نصفه له والباقي امانة في يده ويتفرقان ثم إذا صارفه بعد ذلك بالباقي له من الدينار أو اشترى به منه شيئا أو جعله سلما في شئ أو وهبه إياه جاز، ولو اشترى فضة بدينار ونصف ودفع إلى البائع دينارين وقال أنت وكيلي في نصف الدينار الزائد صح، ولو صارفه عشرة دراهم بدينار فأعطاه أكثر من دينار ليزن له حقه في وقت آخر جاز وان طال ويكون الزائد أمانة في يده لا شئ عليه في تلفه نص أحمد على أكثر هذه المسائل، فان لم يكن مع أحدهما إلا خمسة دراهم فاشترى بها نصف دينار وقبض دينارا كاملا ودفع إليه الدراهم ثم اقترضها منه واشترى بها النصف الباقي أو اشترى الدينار منه بعشرة ابتداء ودفع إليه الخمسة ثم اقترضها منه ودفع إليه عوضا عن النصف الآخر على غير وجه الحيلة فلا بأس { مسألة } (وان تقابضا ثم افترقا فوجدا أحدهما ما قبضه رديئا فرده بطل العقد في إحدى الروايتين) هذا إن كان فيه عيب من غير جنسه لانهما تفرقا قبل قبض المعقود عليه فيما يشترط قبضه اختاره القاضي، والآخر لا يبطل لان قبض عوضه في مجلس الرد يقوم مقام قبضه في المجلس وان رد بعضه وقلنا يبطل في المردود فهل يبطل في الباقي؟ على روايتين بناء على تفريق الصفقة، وإن كان العيب من جنسه فسنذكره إن شاء الله تعالى (فصل) فإذا باع مدي تمر ردئ بدرهم ثم اشترى بالدرهم تمرا جيدا أو اشترى من رجل دينارا صحيحا بدراهم وتقابضا ثم اشترى منه بالدراهم قراضة عن غير مواطأة ولا حيلة فلا بأس به، وقال ابن أبي موسى لا يجوز إلا أن يمضي إلى غيره ليبتاع منه فلا يستقيم له فيجوز أن يرجع إلى البائع

[ 167 ]

فيبتاع منه، وقال أحمد في رواية الاثرم يبيعها من غيره أحب إلي، قلت له فان لم يعلمه أنه يريد أن يبيعها منه، فقال يبيعها من غيره فهو أطيب لنفسه وأحرى أن يستوفي الذهب منه فانه إذا ردها إليه لعله أن لا يوفيه الذهب ولا يحكم الوزن ولا يستقصي، يقول هي ترجع إليه، قيل لابي عبد الله فذهب ليشتري الدراهم بالذهب الذي أخذها منه من غيره (قوله فذهب الخرقي العبارة تعقيد واضطراب فتراجع في مظنتها من المغني) فلم يجدها فرجع إليه، فقال إذا كان لا يبالي اشترى منه أو من غيره فنعم، فظاهر هذا أنه على وجه الاستحباب لا الايجاب ولعل احمد انما أراد اجتناب المواطأة على هذا ولهذا قال إذا كان لا يبالي اشترى منه أو من غيره فنعم، وقال مالك إن فعل ذلك مرة جاز وإن فعله أكثر من مرة لم يجز لانه يضارع الربا ولنا ما روى أبو سعيد رضي الله عنه قال: جاء بلال رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " من أين هذا؟ " قال بلال كان عندنا تمر ردئ فبعت صاعين بصاع ليطعم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أوه عين الربا عين الربا لا تفعل، ولكن إذا اردت ان تشتري فبع التمر ببيع آخر ثم اشتربه " وروى أبو سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر فجاء بتمر جنيب فقال " أكل تمر خيبر وهكذا؟ " فقال لا والله انا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لا تفعل بع التمر بالدراهم ثم اشتر بالدراهم جنيبا " متفق عليهما ولم يأمره أن يبيعه من غير من يشتري منه، ولو كان ذلك محرما لبينه له وعرفه إياه، ولانه باع الجنس بغيره من غير شرط ولا مواطأة فجاز كما لو باعه من غيره، ولان ما جاز من البياعات مرة جاز على الاطلاق كسائر البياعات، فان تواطأ على ذلك لم يجز وكان حيلة محرمة، وبه قال مالك وقال أبو حنيفة والشافعي يجوز ما لم يكن مشروطا في العقد. ولنا أنه إذا كان عن مواطأة كان حيلة والحيل محرمة على ما سنذكره (فصل) والصرف ينقسم إلى قسمين (أحدهما) أن يبيع عينا بعين وهو أن يقول بعتك هذا الدينار بهذه الدراهم (والثاني) أن يقع العقد على موصوف نحو أن يقول بعتك دينارا مصريا بعشرة دراهم ناصرية وقد يكون أحد العوضين معينا دون الآخر وكل ذلك جائز، وظاهر المذهب أن النقود تتعين بالتعيين في العقود فيثبت الملك في أعيانها، فان تبايعا عينا بعين ثم تقابضا فوجد أحدهما عيبا فيما قبضه فذلك قسمان (عبارة المغني في الصفحة السابقة. لم يخل من قسمين. وهو جواب الشرط. وما هنا لا يصلح جوابا بل هو معطوف على ما قبله) (أحدهما) أن يكون العيب غشا من غير جنس المبيع كالنحاس في الدراهم والمس في الذهب فالصرف باطل وهو قول الشافعي، وذكر أبو بكر فيها ثلاث روايات (احداهن) البيع باطل (والثانية) صحيح وللمشتري الخيار والترك وأخذ البدل (والثالثة) يلزمه العقد وليس له رد ولا بدل. ولنا أنه باعه غير ما سمى له فلم يصح كما لو قال بعتك هذه البغلة فإذا هو حمار، أو هذا الثوب القز وإذا هو كتان، وأما القول بأنه يلزمه البيع فلا يصح لانه اشترى معيبا لم يعلم عيبه فلم يلزمه ذلك بغير أرش كسائر البياعات (القسم الثاني) أن يكون العيب من جنسه كالسواد في الفضة والخشونة

[ 168 ]

كونها تتفطر (لعل أصله ككونها تتفطر وانظر عبارة المغني في اوائل هذه الصفحة فهي أصرح وأفصح) عند الضرب أوان سكتها مخالفة لسكة السلطان فيصح العقد ويخير المشتري بين الامساك والترك ولا بدل له لان العقد وقع على معين فإذا أخذ غيره أخذ ما لم يشتره، وإن قلنا إن النقد لا يتعين بالتعيين في العقد فله أخذ البدل ولا يبطل العقد لان الذي قبضه ليس هو المعقود عليه فأشبه المسلم إذا قبضه فوجد به عيبا ومذهب الشافعي في هذا الفصل على ما ذكرناه (فصل) ولو أرادا أخذ أرش العيب والعوضان في الصرف من جنس واحد لم يجز لحصول الزيادة في أحد العوضين وفوات المماثلة المشترطة في الجنس الواحد، وخرج القاضي وجها لجواز أخذ الارش في المجس لان الزيادة طرأت بعد العقد وليس لذلك وجه فان أرش العيب من العوض يجبر به في المرابحة ويرد به إذا رد المبيع بفسخ أو اقالة ولو لم يكن من العوض فبأي شئ استحقه المشتري فانه ليس بهبة، على ان الزيادة في المجلس من العوض وإن لم يكن أرشا فالارش أولى، وإن كان الصرف بغير جنسه فله أخذ الارش في المجلس لان المماثلة غير معتبرة، وتختلف قبض بعض العوض عن بعض لا يضر ماداما في المجلس فجاز كما في سائر المبيع، وإن كان بعد التفرق لم يجز لانه يفضي إلى حصول التفرق قبل قبض أحد العوضين إلا أن يجعلا الارش من غير جنس الثمن كأنه أخذ أرش عيب الفضة حنطة فيجوز، وكذلك الحكم في سائر أموال الربا فيما بيع بجنسه أو بغير جنسه مما يشترط فيه القبض، فإذا كان مما لا يشترط قبضه كمن باع قفيز حنطة بقفيزي شعير فوجد أحدهما عيبا فأخذ أرشه درهما جاز وإن كان بعد التفرق لانه لم يحصل التفرق قبل قبض ما يشترط فيه القبض

[ 169 ]

(فصل) وإن تلف العوض في الصرف بعد القبض ثم علم عيبه فسخ العقد ويرد الموجود وتبقى قيمة العيب في ذمة من تلف في يده فيرد مثلها أو عوضها إن اتفقا عليه سواء كان الصرف بجنسه أو بغير جنسه ذكره ابن عقيل وهو قول الشافعي، قال ابن عقيل وقد روي عن أحمد جواز أخذ الارش والاول أولى إلا أن يكونا في المجلس والعوضان من جنسين (القسم الثاني) أن يصطرفا في الذمة فيصح

[ 170 ]

سواء كانت الدراهم والدنانير عندهما أولا إذا تقابضا قبل الافتراق وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي. وحكي عن مالك لا يجوز الصرف إلا أن تكون العينان حاضرتين وعنه لا يجوز حتى تظهر إحدى العينين وتعين وعن زفر مثله لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا تبيعوا غائبا منها بناجز " ولانه إذا لم يعين أحد العوضين كان بيع دين بدين. ولنا انهما تقابضا في المجلس فصح كما لو كانا حاضرين، والحديث يراد به أن لا يباع عاجل بآجل أو مقبوض بغير مقبوض بدليل ما لو غير أحدهما فانه يصح وإن كان الآخر غائبا ولان القبض في المجلس جرى مجرى القبض حالة العقد ألا ترى إلى قوله عينا بعين يدا بيد، والقبض يجري في المجلس كذا التعيين. إذا ثبت هذا فلا بد من تعينها بالتقابض في المجلس ومتى تقابضا فوجد أحدهما بما قبضه عيبا قبل التفرق فله المطالبة بالبدل سواء كان العيب من جنسه أو من غير جنسه لان العقد وقع على مطلق لاعيب فيه فكان له المطالبة بما وقع عليه العقد كالمسلم فيه وإن رضيه بعيبه والعيب من جنسه جاز كما لو رضي بالمسلم فيه معيبا، وإن اختار أخذ أرشه وكان العوضان من جنسين جاز وإن كانا من جنس لم يجز وقد ذكرناه، وإن تقابضا ثم افترقا ثم وجد العيب من جنسه فله ابداله في احدى الروايتين اختارها الخلال والخرقي وروى ذلك عن الحسن وقتادة وبه قال أبو يوسف ومحمد وهو أحد قولي الشافعي لان ما جاز ابداله قبل التفرق جاز بعد التفرق كالمسلم فيه (والثانية) ليس له ذلك اختارها أبو بكر وهو مذهب أبي حنيفة. والقول الثاني للشافعي لانه يقبضه بعد التفرق ولايجوز ذلك في الصرف، ومن نصر الرواية الاولى قال قبض الاول صح

[ 171 ]

به العقد وقبض الثاني بدل عن الاول، ويشترط أن يأخذ البدل في مجلس الرد فان لم يأخذه فيه بطل العقد، وان وجد البعض رديئا فرده فعلى الرواية الاولى له البدل وعلى الثانية يبطل في المردود وهل يصح فيما لم يرد على وجهين بناء على تفريق الصفقة ولافرق بين كون المبيع من جنس أو من جنسين وقال مالك ان وجد درهما زيفا فرضي به جاز وان رده انتقض الصرف في دينار وان رد أحد عشر درهما انتقض في دينارين وكلما زاد على دينار انتقض الصرف في دينار آخر ولنا أن ما لا عيب فيه لم يرد فلم ينتقض الصرف فيما يقابله كسائر العوض، وان اختار واجد العيب الفسخ فعلى قولنا له البدل ليس له الفسخ إذا أبدل له لانه يمكنه أخذ حقه غير معيب، وعلى الرواية الاخرى له الفسخ أو الامساك في الجميع لانه تعذر عليه الوصول إلى ما عقد عليه مع ابقاء العقد وان اختار أخذ أرش العيب بعد التفرق لم يكن له ذلك لانه عوض يقبضه بعد التفرق عن الصرف ويجوز على الرواية الاخرى (فصل) ومن شرط المصارفة في الذمة أن يكون العوضان معلومين إما بصفة يتميزان بها أو يكون للبلد نقد معلوم أو غالب فينصرف الاطلاق إليه، فلو قال بعتك دينارا مصريا بعشرين درهما من نقد عشرة بدينار لم يصح إلا أن لا يكون في البلد نقد عشرة بدينار إلا نوع واحد فتنصرف الصفة إليه وكذلك الحكم في البيع (فصل) وإذا كان لرجل في ذمة رجل ذهب وللآخر عليه دراهم فاصطرفا بما في ذمتهما لم يصح وبهذا قال الليث والشافعي، وحكى ابن عبد البر عن مالك وأبي حنيفة جوازه لان الذمة الحاضرة كالعين

[ 172 ]

الحاضرة ولذلك جاز أن يشتري الدراهم بدينار من غير تعيين ولنا أنه بيع دين بدين وقد قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن بيع الدين بالدين لا يجوز، وقال أحمد انما هو أجماع وقد روى أبو عبيد في الغريب أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الكالئ بالكالئ وفسره بالدين بالدين إلا أن الاثرم روى أن احمد سئل أيصح هذا الحديث؟ قال لا. فأما الصرف فانما صح بغير تعيين بشرط أن يتقابضا في المجلس فجرى القبض والتعيين في المجلس مجرى وجوده حالة العقد، ولو كان لرجل على رجل دنانير فقضاه دراهم شيئا بعد شئ فان كان يعطيه كل درهم بحسابه من الدنانير صح نص عليه، فان لم يفعل ذلك ثم تحاسبا بعد فصارفه بها وقت المحاسبة لم يجز نص عليه لان الدنانير دين والدراهم قد صارت دينا فيصير بيع دين بدين، وإن قبض أحدهما من الآخر ماله عليه ثم صارفه بعين وذمة صح، وإذا أعطاه الدراهم شيئا بعد شئ ولم يقبضه إياها وقت دفعها إليه ثم أحضرها وقوماها قانه يحتسب بقيمتها يوم القضاء لايوم دفعها إليه لانه قبل ذلك لم تصر في ملكه إنما هي وديعة في يده، وان تلفت أو نقصت فهي من ضمان مالكها ويحتمل أن تكون من ضمان القابض إذا قبضها بنية الاستيفاء لانها مقبوضة على أنها عوض ووفاء، والمقبوض في عقد فاسد كالمقبوض في عقد صحيح فيما يرجع إلى الضمان وعدمه، ولو كان لرجل عند صيرفي دنانير فأخذ منه دراهم أدرارا لتكون هذه بهذه لم يكن كذلك بل كل واحد منهما في ذمة من قبضه، فإذا أرادا التصارف أحضرا أحدهما واصطرفا بعين وذمة (فصل) ويجوز اقتضاء أحد النقدين من الآخر ويكون صرفا بعين وذمة في قول الاكثرين ومنع

[ 173 ]

منه ابن عباس وأبو سلمة بن عبد الرحمن وابن شبرمة، وروي عن ابن مسعود لان القبض شرط وقد يختلف ولنا ان ابن عمر قال: كنت أبيع الابل فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه، فاتيت النبي صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة فقلت يارسول الله رويدك أسألك إني ابيع الابل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه واعطي هذه من هذه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا بأس ان تأخذها بسعر يومها ما لم تفرقا وليس بينكما شئ " رواه أبو داود والاثرم قال احمد انما يقضيه إياها بالسعر لم يختلفوا إلا ما قال اصحاب الرأي أنه يقضيه مكانها ذهبا على التراضي لانه بيع في الحال فجاز ما تراضيا عليه إذا اختلف الجنس كما لو كان العوض عرضا ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا بأس أن تأخذها بسعر يومها " فشرط أخذها بالسعر وروي أن بكر ابن عبد الله ومسروقا العجلي سألا ابن عمر عن كري لهما له عليهما دراهم وليس معهما الا دنانير فقال ابن عمر اعطوه بسعر السوق. ولان هذا جرى مجرى القضاء فيقيد بالمثل كالقضاء من الجنس والتماثل ههنا بالقيمة لتعذر التماثل بالصورة، قيل لابي عبد الله فان أهل السوق يتغابنون بينهم بالدانق في الدينار وما أشبهه فقال ان كان مما يتغابن الناس به فسهل ما لم يكن حيلة (فصل) فان كان المقضي الذي في الذمة مؤجلا فقد توقف احمد فيه، وقال القاضي يحتمل وجهين (أحدهما) المنع وهو قول مالك ومشهور قولي الشافعي لان ما في الذمة غير مستحق القبض فكان

[ 174 ]

القبض ناجزا في أحدهما والناجز يأخذ قسطا من الثمن (الثاني) الجواز وهو قول أبي حنيفة لانه ثابت في الذمة وما في الذمة بمنزلة المقبوض فكأنه رضي بتعجيل المؤجل، وهذا هو الصحيح إذا قضاه بسعر يومها ولم يجعل للمقتضي فضلا لاجل تأجيل ما في الذمة لانه ان لم ينقض عن سعرها شيئا فقد رضي بتعجيل ما في الذمة بغير عوض فأشبه مالو قضاه من جنس الدين، ولم يستفصل النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر حين سأله، ولو افترق الحال لسأل واستفصل. هذا اختيار شيخنا (فصل) قال احمد لو كان لرجل على رجل عشرة دراهم فدفع إليه دينارا وقال استوف حقك منه فاستوفاه بعد التفرق جاز، ولو كان عليه دنانير فوكل غريمه في بيع داره واستيفاء دينه من ثمنها فباعها بدراهم لم يجز أن يأخذ منها بقدر حقه لانه لم يأذن له في مصارفة نفسه ولانة متهم نص أحمد على ذلك (فصل) ولو كان له عند رجل دينار وديعة فصارفه به وهو معلوم بقاؤه أو مظنون صح الصرف وان ظن عدمه لم يصح لان حكمه حكم المعدوم، وان شك فيه فقال ابن عقيل يصح وهو قول بعض الشافعية، وقال القاضي لا يصح لانه غير معلوم البقاء وهو منصوص الشافعي. ووجه الاول أن الاصل بقاؤه فصح البناء عليه عند الشك لان الشك لا يزيل اليقين، ولذلك صح بيع الحيوان المشكوك في حياته فان تبين أنه كان تالفا حين العقد تبينا أن العقد وقع باطلا (فصل) وإذا عرف المصطرفان وزن العرضين جاز أن يتبايعا بغير وزن، وكذلك لو أخبر أحدهما الآخر بوزن ما معه فصدقه فإذا باع دينارا بدينار كذلك وافترقا فوجد أحدهما ما قبضه ناقصا بطل الصرف لانهما تبايعا ذهبا بذهب متفاضلا، فان وجد أحدهما فيما قبضه زيادة على الدينار فان كان قال بعتك هذا الدينار بهذا فالعقد باطل لوجود التفاضل وان قال بعتك دينارا بدينار ثم تقابضا كان الزائد في يد القابض مشاعا مضمونا لمالكه لانه قبضه على أنه غوض ولم يفسد العقد لانه أنما باع

[ 175 ]

دينارا بمثله وانما وقع القبض للزيادة على المعقود عليه، فان أراد دفع عوض الزائد جاز سواء كان من جنسه أو من غيره لانها معاوضة مبتدأة، وإن أراد أحدهما الفسخ فله ذلك لان آخذ الزائد وجد المبيع مختلطا بغيره معيبا بعيب الشركة ودافعه لا يلزمه أخذ عوضه إلا أن يكونا في المجلس فيرد الزائد أو يدفع بدله، ولو كان لرجل على رجل عشرة دنانير فوفاه عشرة عددا فوجدها أحد عشر كان هذا الدينار زائدا في يد القابض مشاعا مضمونا لمالكه لانه قبضه على أنه عوض عما له فكان مضمونا بهذا القبض ولمالكه التصرف فيه كيف شاء { مسألة } (والدراهم والدنانير تتعين بالتعيين في العقد في أظهر الروايتين فلا يجوز ابدالها، وان خرجت مغصوبة بطل العقد) وبه قال مالك والشافعي وعن أحمد أنها لا تتعين بالعقد فيجوز إبدالها ولا يبطل العقد بخروجها مغصوبة، وهذا مذهب أبي حنيفة لانه يجوز اطلاقها في العقد فلم تتعين بالتعيين كالمكيال والصنجة. ولنا أنه عوض في عقد فيتعين بالتعيين كسائر الاعواض ولانه أحد العوضين فيتعين بالتعيين كالآخر ويفارق ما ذكروه فانه ليس بعوض وانما يراد لتقدير المعقود عليه وتعريف قدره ولا يثبت فيها الملك بحال بخلاف مسئلتنا، وإنما جاز اطلاقها لان لها عرفا ينصرف إليه يقوم في بابها مقام الصفة، فعلى هذا إن وجدها معيبة خير بين الامساك والرد كالعوض الآخر، ويتخرج أن يمسك ويطالب بالارش لانه مبيع أشبه سائر المبيعات، وان كان ذلك في الصرف فقد ذكرناه. هذا إن كان العيب من جنس النقود وإن كان من غير جنسها كالنحاس في الفضة والفضة في الذهب وكان في جميعها بطل العقد وان كان في بعضها بطل فيه، وفي الباقي وجهان بناء على تفريق الصفقة وان قلنا لا يتعين انعكست هذه الاحكام

[ 176 ]

(فصل) في انفاق المغشوش من النقود وفيه روايتان أظهرهما الجواز نقل صالح عنه في دراهم يقال لها المسيبية عامتها نحاس الا شيئا فيها فضة فقال إذا كان شيئا اصطلحوا عليه مثل الفلوس اصطلحوا عليها فأرجوا أن لا يكون بها بأس (والثانية) التحريم نقل حنبل في دراهم يخلط فيها مس ونحاس يشتري بها ويباع فلا يجوز أن يبتاع بها أحد، كل ما وقع عليه اسم الغش فالشراء به والبيع حرام، وقال أصحاب الشافعي ان كان الغش مما لا قيمة له جاز الشراء بها، وان كان مما له قيمة ففي جواز انفاقها وجهان. واحتج من منع المغشوشة بقول النبي صلى الله عليه وسلم " من غشنا فليس منا " وبان عمر نهى عن بيع نفاية بيت المال ولان المقصود فيه مجهول اشبه تراب الصاغة، والاولى ان يحمل كلام احمد في الجواز على الخصوص فيما ظهر عيبه واصطلح عليه فان المعاملة به جائزة إذ ليس فيه اكثر من اشتماله على جنسين لا غرر فيهما فلا يمنع من بيعهما كما لو كانا متميزين ولان هذا مستفيض في الاعصار جار بينهم من غير نكير وفي تحريمه مشقة وضرر وليس شراؤه بها غشا للمسلمين ولا تغريرا لهم والمقصود منها ظاهر مرئي معلوم بخلاف تراب الصاغة، ورواية المنع محمولة على ما يخفى غشه ويقع اللبس به فان ذلك يفضي إلى التغرير بالمسلمين، وقد أشار أحمد إلى هذا فقال في رجل اجتمعت عنده دراهم زيوف ما يصنع بها؟ قال يسبكها. قيل له فيبيعها بدينار؟ قال لا، قيل يبيعها بفلوس؟ قال لا إني أخاف أن يغربها مسلما قيل لابي عبد الله فيتصدق بها؟ قال: اني أخاف ان يغربها مسلما، وقال ما ينبغي له أن يغربها المسلمين ولا أقول انه حرام لانه على تأويل وذلك انما كرهته لانه يغربها مسلما. فقد صرح بانه انما كرهه لما فيه من التغرير بالمسلمين وعلى هذا يحمل منع عمر بيع نفاية بيت المال لما فيه من التغرير

[ 177 ]

فان مشتريها ربما خلطها بدراهم جيدة واشترى بها ممن لا يعرف حالها ولو كانت مما اصطلحوا على انفاقه لم تكن نفاية، فان قيل روي عن عمر انه قال من زافت عليه دراهمه فليخرج بها إلى البقيع فليشتر بها سحق الثياب، وهذا دليل على جواز انفاق المغشوشة التي لم يصطلح عليها قلنا قد قال احمد معنى زافت عليه دراهمه اي نفيت ليس انها زيوف ويتعين حمله على هذا جمعا بين الروايتين عنه ويحتمل انه اراد ما ظهر غشه وبان زيفه بحيث لا يخفى على احد ولا يحصل بها تغرير، وان تعذر تأويلها تعارضت الروايتان عنه ويرجع إلى ما ذكرنا من المعنى ولا فرق بين ما كان غشه يبقى كالنحاس والرصاص وما لا ثبات له كالزرنيخية والاندرانية وهو زرنيخ ونورة يطلى عليه فضة فإذا دخل النار استهلك الغش وذهب.

[ 178 ]

(فصل) ولايجوز بيع تراب الصاغة والمعدن بشئ من جنسه لانه مال ربا بيع بجنسه على وجه لا تعلم المماثلة بينهما فلم يصح كبيع الصبرة بالصبرة وان بيع بغير جنسه، وحكى ابن المنذر عن أحمد كراهة بيع تراب المعادن وهو قول عطاء والشعبي والشافعي والثوري واسحاق لانه مجهول، وقال ابن ابي موسى في

[ 179 ]

الارشاد يجوز وهو قول مالك، وروي ذلك عن الحسن والنخعي وربيعة والليث قالوا فان اختلط واشكل فليبعه يعرض ولا يبيعه بعين ولا ورق لانه باعه بما لاربا فيه فجاز كما لو اشترى ثوبا بدينار ودرهم (فصل) والحيل كلها محرمة لا تجوز في شئ من الدين وهو ان يظهر عقدا مباحا يريد به محرما مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرم الله عزوجل واستباحة محظوراته أو اسقاط واجب أو دفع حق ونحو ذلك قال ايوب السختياني رحمه الله انهم ليخادعون الله سبحانه كما يخادعون صبيا، لو كانوا يأتون الامر على وجهه كان اسهل علي. فمن ذلك ما لو كان لرجل عشرة صحاح ومع آخر خمسة عشر مكسرة فاقترض كل واحد منهما ما مع صاحبه ثم تباريا توصلا إلى بيع الصحاح بالمكسرة متفاضلا أو باعه الصحاح بمثلها من المكسرة ثم وهبه الخمسة الزائدة أو اشترى منه بها اوقية صابون ونحوها مما يأخذه بأقل من قيمته أو اشترى منه بعشرة إلا حبة من الصحيح بمثلها من المكسرة واشترى منه بالحبة الباقية ثوبا قيمته خمسة دنانير، وهكذا لو اقرضه شيئا وباعه سلعة باكثر من قيمتها أو اشترى منه سلعة بأقل من قيمتها توصلا إلى اخذ عوض عن القرض فكل ما كان من هذا على وجه الحيلة فهو خبيث محرم وبهذا قال مالك، وقال أبو حنيفة هذا كله واشباهه جائز ان لم يكن مشروطا في العقد، وقال بعض اصحاب الشافعي يكره ان يدخلا في البيع على ذلك لان كل ما لا يجوز شرطه في العقد يكره ان يدخلا عليه

[ 180 ]

ولنا ان الله تعالى عذب امة بحيلة احتالوها فمسخهم قردة وسماهم معتدين وجعل ذلك نكالا وموعظة للمتعين ليتعظوا بهم ويمتنعوا من مثل أفعالهم، قال بعض المفسرين في قوله تعالى (وموعظة للمتقين) اي لامة محمد صلى الله عليه وسلم فروي انهم كانوا ينصبون شباكهم يوم الجمعة ويتركونها إلى يوم الاحد ومنهم من كان يحفر حفائر ويجعل إليها مجاري فيفتحها يوم الجمعة فإذا جاء السمك يوم السبت جرى مع الماء في المجاري فيقع في الحفائر فيدعها إلى يوم الاحد ثم يأخذها ويقول ما اصطدت يوم السبت ولا اعتديت فيه وهذا حيلة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم " من ادخل فرسا بين فرسين وقد أمن ان يسبق فهو قمار " رواه أبو داود فجعله قمارا مع ادخاله الفرس الثالث لكونه لايمنع معنى القمار وهو كون كل واحد من المتسابقين لا ينفك عن كونه أخذا أو مأخوذا منه وإنما دخل صورة تحيلا على إباحة محرم وسائر الحيل مثل ذلك، ولان الله تعالى انما حرم المحرمات لمفسدتها والضرر الحاصل منها ولا تزول مفسدتها مع بقاء معناها باظهارهما صورة غير صورتها فوجب ان لا يزول التحريم كما لو سمى الخمر بغير اسمها لم يبح ذلك شربها، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " ليستحلن قوم من امتي الخمر يسمونها بغير اسمها " ومن الحيل في غير الربا أنهم يتوصلون إلى بيع المنهي عنه بأن يستأجروا بياض أرض البستان بأمثال أجرته ثم يساقيه على ثمر شجره بجزء من ألف جزء للمالك وتسعمائة وتسعة وتسعون للعامل ولا يأخذ منه المالك شيئا ولا يريد ذلك، وانما قصده بيع الثمرة قبل وجودها بما سماه أجرة والعامل لا يقصد أيضا سوى ذلك وربما لا ينتفع بالارض التي سمى الاجرة في مقابلتها ومتى لم يخرج الثمر أو أصابته

[ 181 ]

جائحة جاء المستأجر يطلب الجائحة ويعتقد أنه انما بذل ماله في مقابلة الثمرة لاغير ورب الارض يعلم ذلك (فصل) وإن اشترى شيئا بمكسرة لم يجز أن يعطيه صحيحا أقل منها، قال أحمد هذا هو الربا المحض وذلك لانه يأخذ عوض الفضة أقل منها فيحصل التفاضل، ولو اشتراه بصحيح لم يجز أن يعطيه مكسرة أكثر منها كذلك، فان تفاسخا البيع ثم عقدا بالصحاح أو بالمكسرة جاز، ولو اشترى ثوبا بنصف دينار لزمه نصف دينار شق، فان عاد فاشترى شيئا آخر بنصف لزمه نصف شق أيضا فان وفاء دينارا صحيحا بطل العقد الثاني لانه تضمن اشتراط زيادة ثمن العقد الاول، وإن كان ذلك قبل لزوم العقد الاول بطل أيضا لانه وجد ما يفسده قبل انبرامه، وان كان بعد لزومه لم يؤثر ذلك فيه ولا يلزمه أكثر من ثمنه الذي عقد البيع به ومذهب الشافعي في هذا كما ذكرنا

[ 182 ]

{ مسألة } (ويحرم الربا بين المسلم والحربي) وبين المسلمين في دار الحرب كما يحرم بين المسلمين في دار الاسلام وبذلك قال مالك والاوزاعي

[ 183 ]

وأبو يوسف والشافعي واسحاق، وقال أبو حنيفة لا يجري الربا بين مسلم وحربي في دار الحرب، وعنه في مسلمين أسلما في دار الحرب لا ربا بينهما لما روى مكحول عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " لاربا بين

[ 184 ]

المسلمين وأهل الحرب في دار الحرب " لان أموالهم مباحة وانما حظرها الامان في دار الاسلام فما لم يكن كذلك كان مباحا. ولنا قول الله تعالى (وحرم الربا الذين يأكلون الربا لا يقومون الا كما يقوم

[ 185 ]

الذي يتخبطه الشيطان من المس) وقوله تعالى (اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا) وعموم الاخبار يقتضي تحريم التفاضل، وقوله " من زاد أو ازداد فقد أربى " عام ولان ما كان محرما في دار الاسلام كان محرما في دار الحرب كالربا بين المسلمين وخبرهم مرسل لا تعرف صحته (استدلوا أيضا بان مالهم مباح في دارهم فبأي طريق أخذه المسلم حل وأما المستأمن منهم بدارنا فماله محرم بعقد الامان لان أخذه غدر محرم وفي فتح القدير اشتراط أن يكون الربح للمسلم) ويحتمل أنه أراد النهي عن ذلك ولايجوز ترك ما ورد بتحريمه القرآن وتظاهرت به السنة بخبر مجهول ولم يرو في صحيح ولا

[ 186 ]

مسند ولا كتاب موثوق به وما ذكروه من الاباحة منتقض بالحربي إذا دخل دار الاسلام فان ماله مباح إلا ما حظره الامان { باب بيع الاصول والثمار } ومن باع دارا تناول البيع أرضها وبناءها وما يتصل بها لمصلحتها كالسلاليم والرفوف المسمرة والابواب المنصوبة والخوابي المدفونة والرحى المنصوبة وأشباه ذلك لانه متصل بها لمصلحتها أشبه حيطانها { مسألة } (ولا يدخل ما هو مودع فيها من الكنز والاحجار المدفونة) لان ذلك مودع فيها للنقل عنها فأشبه الفرش والستور، ولا يدخل ما هو منفصل عنها لا يختص بمصلحتها كالحبل والدلو والبكرة والقفل والفرش، وكذلك الرفوف الموضوعة على الاوتاد بغير تسمير

[ 187 ]

ولا غرز في الحائط، وحجر الرحى إن لم يكن منصوبا والخوابي الموضوعة من غير أن يطين عليها لانه منفصل عنها لا تختص بمصلحتها أشبه الثياب والطعام { مسألة } (فأما ما كان من مصالحها لكنه منفصل عنها كالمفتاح وحجر الرحا الفوقاني إذا كان السفلاني منصوبا ففيه وجهان) (أحدهما) يدخل في البيع لانه لمصلحتها فأشبه المنصوب فيها (والثاني) لايدخل لانه منفصل عنها فأشبه القفل والدلو ونحو ذلك وهذا مذهب الشافعي { مسألة } وما كان في الارض من الحجارة المخلوقة فيها أو مبني فيها كأساسات الحيطان المهدمة فهو للمشتري لانه من أجزائها فهو كترابها) والمعادن الجامدة فيها والآجر كالحجارة في هذا، وإذا كان المشتري عالما بذلك فلا خيار له وان لم يعلم وكان يضر بالارض وينقصها كالصخر المضر بعروق الشجر فهو عيب حكمه حكم سائر العيوب فان كانت الحجارة والآجر مودعا فيها فهو للبائع كالكنز ويلزمه نقلها وتسوية الارض واصلاح الحفر لانه ضرر لحق لاستصلاح ملكه فكان عليه إزالته وإن كان قلعها يضربا بالارض أو تتطاول مدته فهو عيب، وإن لم يكن في نقلها ضرر وكان يمكن نقلها في أيام يسيرة كالثلاثة فما دون فليس بعيب وله مطالبة البائع لانه لاعرف في تبقيتها بخلاف الزرع، ومتى كان عالما بالحال فلا أجرة له في الزمان الذي نقلت فيه لانه علم بذلك ورضي به فهو كما لو اشترى أرضا فيها زرع، وإن لم يعلم فاختار امساك المبيع فهل له اجرة لزمان النقل على وجهين (أحدهما) له ذلك لان المنافع مضمونة على المتلف فكان عليه بدلها كالاجر (والثاني) لا يجب لانه لما رضي بامساك المبيع رضي بتلف المنفعة في زمان النقل، فان لم يختر الامساك فقال البائع أنا أدع ذلك لك وكان مما لا ضرر في بقائه لم يكن له خيار لزوال الضرر عنه (فصل) فان كان في الارض معادن جامدة كمعادن الذهب والفضة ونحوهما دخلت في البيع وملكت بملك الارض التي هي فيها لانها من أجزائها فهي كأحجارها ولكن لا يباع معدن الذهب بذهب، ويجوز بيعها بغير جنسها وان ظهر في الارض معدن لم يعلم به البائع فله الخيار لانه زيادة لم يعلم بها فأشبه ما لو باعه ثوبا على أنه عشرة أذرع فبان أحد عشر، هذا إذا كان قد ملك الارض باحياء أو إقطاع، وقد روي أن ولد بلال بن الحارث باعوا عمر بن عبد العزيز أرضا فظهر فيها معدن فقالوا انما بعنا الارض ولم نبع المعدن وأتوا عمر بالكتاب الذي فيه قطيعة النبي صلى الله عليه وسلم لابيهم فأخذه فقبله ورد عليهم المعدن. وان كان البائع ملك الارض بالبيع احتمل أن لا يثبت له خيار لان الحق لغيره وهو المالك الاول، واحتمل أن يثبت له الخيار كما لو اشترى معيبا ثم باعه ولم يعلم عيبه فانه يستحق الرد وان كان قد باعه مثل ما اشتراه، وروى أبو طالب عن أحمد إذا ظهر المعدن في ملكه ملكه وظاهر هذا أنه لم يجعله للبائع ولا جعل له خيارا لانه من أجزاء الارض فأشبه ما لو ظهر فيها حجارة ولها قيمة كبيرة (فصل) فان كان فيها بئر أو عين مستنبطة فنفس البئر وأرض العين مملوكة لمالك الارض والماء الذي فيها غير مملوك في أصح الروايتين، ولاصحاب الشافعي وجهان كالروايتين وفي معنى الماء المعادن

[ 188 ]

الجارية في الاملاك كالقار والنفط والموميا والملح وكذلك ما ينبت في الارض من الكلا والشوك ففي هذا كله روايتان، فان قلنا هي مملوكة دخلت في البيع والا لم تدخل { مسألة } (وان باع أرضا بحقوقها دخل غراسها وبناؤها في البيع وان لم يقل بحقوقها فعلى وجهين) إذا باع أرضا بحقوقها أو رهنا دخل في ذلك غراسها وبناؤها، وان لم يقل بحقوقها فهل يدخل الغرس والبناء فيهما على وجهين، ونص الشافعي على أنهما يدخلان في البيع دون الرهن واختلف أصحابه في ذلك فمنهم من قال فيهما جميعا قولان، ومنهم من فرق بينهما بكون البيع أقوى فيستتبع البناء والشجر بخلاف الرهن ووجه دخولهما في البيع أنهما من حقوق الارض ولذلك يدخلان إذا قال بحقوقها وما كان من حقوقها يدخل فيها بالاطلاق كطرقها ومنافعها (والوجه الثاني) لا يدخلان لانهما ليسا من الارض فلا يدخلان في بيعها ورهنها كالثمرة المؤبرة ومن نصر الاول فرق بينهما بكون الثمرة تراد للنقل وليست من حقوقها بخلاف الشجرة والبناء فان قال بعتك هذا البستان دخل فيه الشجر لانه اسم للارض والشجر والحائط ولذلك لا تسمى الارض المكشوفة بستانا ويدخل فيه البناء ذكره ابن عقيل لان ما دخل فيه الشجر دخل فيه البناء، ويحتمل أن لا يدخل. لان اسم البستان لا يفتقر إليه، فأما ان باعه شجرا لم تدخل الارض في البيع. ذكره أبو إسحاق ابن شاقلا لان الاسم لا يتناولها ولا هي تبع للمبيع (فصل) وإن قال بعتك هذه القرية وكان في اللفظ قرينة تدل على دخول أرضها مثل المساومة على أرضها أو ذكر الزرع والغرس فيها وذكر حدودها أو بذل ثمن لا يصلح الا فيها وفي أرضها دخل في البيع لان الاسم يجوز أن يطلق عليها مع أرضها والقرينة صارفة إليه ودالة عليه فأشبه مالو صرح به وان لم يكن قرينة تصرف إلى ذلك فالبيع يتناول البيوت والحصن الدائر عليها فان القرية اسم لذلك وهو مأخوذ من الجمع لانه يجمع الناس وسواء قال بحقوقها أو لم يقل، وأما الغراس بين بنيانها فحكمه حكم الغراس في الارض إن قال بحقوقها دخل وان لم يقله فعلى وجهين { مسألة } (وان كان فيها زرع يجز مرة بعد أخرى كالرطبة والبقول أو تكرر ثمرته كالقثاء والباذنجان فالاصول للمشتري والجزة الظاهرة للبائع) سواء كان مما يبقى سنة كالهندبا أو أكثر كالرطبة، وعلى البائع قطع ما يستحقه منه في الحال فانه ليس لذلك حد ينتهي إليه ولان ذلك يطول ويخرج غير ما كان ظاهرا والزيادة من الاصول التي هي ملك المشتري، وكذلك إن كان مما تتكرر ثمرته كالقثاء والبطيخ والباذنجان فالاصول للمشتري والثمرة الظاهرة عند البيع للبائع لان ذلك مما تتكرر الثمرة فيه أشبه الشجر، وان كان مما تؤخذ زهرته وتبقى عروقه في الارض كالبنفسج والنرجس فالاصول للمشتري لانه جعل في الارض للبقاء فيها فهو كالرطبة، وكذلك أوراقه وغصونه لانه لا يقصد أخذه فهو كورق الشجر وأغصانه، فاما زهرته فان تفتحت فهي للبائع وما لم تتفتح للمشتري، واختار ابن عقيل في هذا كله أن البائع إن قال بعتك هذه الارض بحقوقها دخل فيها وإلا ففيه وجهان كالشجر

[ 189 ]

(فصل) وإذا اشترى أرضا وفيها بذر فاستحق المشتري أصله كالرطبة والبقول التي تجز مرة بعد أخرى فهو للمشتري لانه يترك في الارض للتبقية فهو كأصول الشجر ولانه لو كان ظاهرا كان له فالمستتر أولى وسواء علقت له عروق في الارض أولا، وإن كان بذرا لما يستحقه البائع كالشعير فهو له إلا أن يشترطه المبتاع فيكون له، وقال الشافعي يبطل البيع لان البذر مجهول وهو مقصود ولنا أن البذر يدخل تبعا فلم يضر جهله كما لو اشترى عبدا واشترط ماله ولانه يجوز في التابع من الغرر ما لا يجوز في الاصل كبيع اللبن في الضرع مع الشاة والحمل مع الام ولا تضر جهالته، ولايجوز مفردا فان لم يعلم المشتري ذلك فله فسخ البيع وامضاؤه لانه يفوت عليه منفعة الارض مدة فان تركه البائع للمشتري أو قال أنا أحوله وأمكن ذلك في زمن يسير لا يضر بمنافع الارض فلا خيار للمشتري لانه ازال العيب بالنقل أو زاده خيرا بالترك فلزمه قبوله لان فيه تصحيح العقد وهذا مذهب الشافعي، وكذلك إن اشترى نخلا فيها طلع فبان مؤبرا فله الخيار لانه يفوت على المشتري ثمرة عامه فان تركها البائع فلا خيار له، وإن قال أنا أقطعها الآن لم يسقط خياره لان ثمرة العام تفوت وان قطعها وان اشترى أرضا فيها زرع للبائع أو شجرا فيه ثمر للبائع والمشتري جاهل يظن أن الزرع والثمر له فله الخيار كما لو جهل وجوده لانه انما رضي بذلك ماله عوضا عن الارض والشجر بما فيهما فإذا بان بخلافه ثبت له الخيار كمن اشترى معيبا يظنه صحيحا، فان اختلفا في ذلك فالقول قول المشتري إذا كان مثله يجهل ذلك كالعامي، وإن كان ممن يعلم ذلك لم يقبل قوله { مسألة } (وان كان فيها زرع لا يحصد إلا مرة كالبر والشعير فهو للبائع مبقى إلى الحصاد الا أن يشترط المبتاع) إذا كان في الارض زرع لا يحصد إلا مرة كالبر والقطاني وما المقصود منه مستتر كالجزر والفجل والثوم وأشباه ذلك فاشترطه المشتري فهو له قصيلا كان أو ذا حب مستترا أو ظاهرا معلوما أو مجهولا لكونه دخل في البيع تبعا للارض فلم يضر جهله وعدم كماله كما لو اشترى شجرة فاشترط تمرتها بعد تأبيرها، وان أطلق البيع فهو للبائع لانه مودع في الارض فهو كالكنز والقماش وهذا قول أبي حنيفة والشافعي ولا أعلم فيه مخالفا. إذا ثبت ذلك فانه يكون للبائع مبقى في الارض إلى الحصاد بغير أجرة لان المنفعة حصلت مستثناة له، وعليه حصاده في أول وقت حصاده وإن كان بقاؤه أنفع له على ما نذكر في الثمرة وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة عليه نقله عقيب البيع كقوله في الثمرة، وسنذكر ذلك، وهكذا الحكم في القصب الفارسي لان له وقتا يقطع فيه إلا أن العروق للمشتري لانها تترك في الارض للبقاء فيها والقصب كالثمرة وان لم يكن ظهر من القصب شئ فهو للمشتري: فأما قصب السكر فهو كالزرع، ويحتمل أن يكون كالقصب الفارسى لانه يؤخذ سنة بعد سنة، فان حصده قبل أوان الحصاد لينتفع بالارض في غيره لم يملك الانتفاع بها لان منفعتها إنما حصلت مستثناة عن مقتضى العقد ضرورة بقاء الزرع فتتقدر ببقائه كالثمرة على الشجر، وكما لو كان المبيع طعاما لا ينقل مثله عادة إلا في

[ 190 ]

شهر لم يكلف إلا ذلك فان تكلف نقله في أقل من شهر لينتفع بالدار في غيره لم يجز كذا ههنا، ومتى حصد الزرع وبقيت له عروق تستضربها الارض فعلى البائع إزالتها، وإن تحفرت الارض فعليه تسوية حفرها لانه استصلاح لملكه فهو كما لو باع دارا فيها خابية كبيرة لا تخرج إلا بهدم الباب فهدمه كان عليه الضمان وكذلك كل نقص دخل على ملك شخص لاستصلاح ملك آخر من غير اذن الاول ولافعل صدر عنه النقص واسند إليه كان الضمان على مدخل النقص (فصل) قال رحمه الله (ومن باع نخلا مؤبرا وهو ما تشقق طلعه فالثمر للبائع متروكا في رءوس النخل إلى الجزاز الا أن يشترطه المبتاع) الابار التلقيح قاله ابن عبد البر الا أنه لا يكون حتى يتشقق الطلع فعبر به عن ظهور الثمرة للزومه منه يقال أبرت النخلة بالتخفيف والتشديد فهي مؤبرة ومأبورة ومنه قوله عليه السلام " خير المال سكة مأبورة " والسكة النخل المصفوف والحكم متعلق بالظهور دون نفس التلقيح ولذلك فسره ههنا به قال القاضي وقد يتشقق الطلع بنفسه قد يشقه الصعاد فيظهر وأيهما كان فهو المراد هنا وهذا قول أكثر أهل العلم، وحكى ابن أبي موسى رواية عن أحمد أنه إذا انشق طلعه ولم يؤبر أنه للبائع لظاهر الحديث والمشهور الاول. وهذه المسألة تشتمل على فصول (أحدها) أن البيع متى وقع على نخل مثمر ولم يشترط الثمرة وكانت الثمرة مؤبرة فهي للبائع، وان كانت غير مؤبرة فهي للمشتري وبهذا قال مالك والليث والشافعي، وقال ابن أبي ليلي هي للمشتري في الحالين لانها متصلة بالاصل اتصال خلقة فكانت تابعة له كالاغصان، وقال أبو حنيفة والاوزاعي هي للبائع لانه نماء له حد فلم يتبع أصله كالزرع في الارض ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للذي باعها الا أن يشترط المبتاع " متفق عليه وهذا صريح في رد قول ابن ابي ليلى وحجة على أبي حنيفة والاوزاعي بمفهومه لانه جعل التأبير حدا لملك البائع للثمرة فيكون ما قبله للمشتري والا لم يكن حدا ولا كان التأبير مفيدا ولانه نماء كامن لظهوره غاية فيكون تابعا لاصله قبل ظهوره كالحمل في الحيوان، فأما الاغصان فانها تدخل في اسم النخل وليس لانفصالها غاية، والزرع ليس من نماء الارض وانما هو مودع فيها

[ 191 ]

(الفصل الثاني) أنه متى اشترطها أحد المتبايعين فهي له مؤبرة كانت أو غير مؤبرة البائع والمشتري سواء، وقال مالك ان اشترطها المشتري بعد التأبير جاز لانه بمنزلة مشتريها مع أصلها وان اشترطها البائع قبل التأبير لم يجز لان ذلك بمنزلة شرائه لها قبل بدو صلاحها بشرط التبقية. ولنا أنه استثنى بعض ما وقع عليه العقد وهو معلوم فصح كما لو باع حائطا واستثنى نخلة بعينها ولانه أحد المتبايعين فصح اشتراطه للثمرة كالمشتري، وقد ثبت الاصل بالاتفاق عليه، ولو اشترط جزءا من الثمرة معلوما كان كاشتراط جميعها في الجواز في قول الجمهور، وقال ابن القاسم من أصحاب مالك لا يجوز اشتراط بعضها لان الخبر انما ورد باشتراط جميعها. ولنا أن ما جاز اشتراط جميعه جاز اشتراط بعضه كمدة الخيار وهكذا الحكم في مال العبد إذا اشترط بعضه (الفصل الثالث) أن الثمرة إذا بقيت للبائع فله تركها في الشجر إلى أوان الجزاز سواء استحقها بشرطه أو بظهورها وبه قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة يلزمه قطعها وتفريغ النخل منها لانه مبيع مشغول بملك البائع فلزمه نقله وتفريغه كما لو باع دارا فيها طعام له أو قماش ولنا أن النقل والتفريغ للمبيع على حسب العرف والعادة كما باع دارا فيها طعام لم يجب نقله إلا على حسب العادة في ذلك وهو أن ينقله نهارا شيئا بعد شئ ولا يلزمه النقل ليلا ولا جمع دواب البلد لنقله كذلك ههنا تفريغ النخل من الثمرة في أوان تفريغها وذلك أوان جذاذها، وقياسه حجة لنا لما بيناه، إذا تقرر هذا فالمرجع في جزه إلى ما جرت به العادة فان كان المبيع نخلا فحين تتناهى حلاوة ثمره، وان كان مما بسره خير من رطبه أو ما جرت العادة بأخذه بسرا فانه يجزه حين تستحكم حلاوة بسره لان هذا

[ 192 ]

هو العادة فإذا استحكمت حلاوته فعليه قطعه، وان قيل بقاؤه في شجره خير له وأبقى لم يمنع وجوب القطع لان العادة في ذلك قد وجدت فليس له ابقاؤه بعد ذلك وان كان المبيع عنبا أو فاكهة سواه فأخذه حين يتناهى ادراكه ويجز مثله وهذا قول مالك والشافعي (فصل) فان أبر بعضه دون بعض فما أبر للبائع وما يؤبر للمشتري نص عليه أحمد واختاره أبو بكر للخبر الذي عليه مبنى هذه المسألة، وقال ابن حامد الكل للبائع وهو مذهب الشافعي لانا إذا لم نجعل الكل للبائع أدى إلى الاضرار باشتراك الا يدي فيجب أن يجعل ما لم يؤبر تبعا لما أبر كثمر النخلة الواحدة إذا أبر بعضها فان الجميع للبائع بالاتفاق، وقد يتبع الباطن الظاهر منه كأساسات الحيطان تتبع الظاهر منه، وهذا الخلاف في النوع الواحد لان الظاهر أنه يتقارب ويتلاحق فيختلط، فأما إن أبر نوع لم يتبعه النوع الآخر ولم يفرق أبو الخطاب بين النوع والجنس كله وهو ظاهر مذهب الشافعي لانه يفضي إلى سوء المشاركة واختلاف الا يدي كما في النوع الواحد، والاشبه الفرق بين النوعين والنوع لان النوعين يتباعدان ويتميز أحدهما عن الآخر ولا يخشى اختلاطهما أشبها الجنسين وما ذكروه يبطل بالجنسين، لا يصح القياس على النوع الواحد لافتراقهما فيما ذكرنا، ولو باع حائطين قد أبر أحدهما لم يتبعه الآخر لانه يفضي إلى سوء المشاركة واختلاف الايدي لانفراد كل واحد منهما عن صاحبه، ولو أبر بعض الحائط فأفرد بالبيع ما لم يؤبر فللمبيع حكم نفسه ولا يتبع غيره وخرج القاضي وجها في أنه يتبع غير المبيع فيكون للبائع كما لو باع الحائط كله وهو أحد الوجهين لاصحاب

[ 193 ]

الشافعي. ولنا أن المبيع لم يؤبر شئ منه فوجب أن يكون للمشتري لمفهوم الحديث وكما لو كان منفردا في بستان وحده ولانه لا يفضي إلى سوء المشاركة ولا اختلاف الايدي ولا إلى ضرر فبقي على حكم الاصل، فان بيعت النخلة المؤبرة كلها أو بعضها ثم حدث طلع فهو للمشتري لانه حدث في ملكه أشبه مالو حدث بعد أخذ الثمرة ولان ما أطلع بعد تأبير غيره لا يكاد يشتبه لتباعد ما بينهما (فصل) وطلع الفحال كطلع الاناث فيما ذكرنا وهو ظاهر كلام الشافعي ويحتمل أنه للبائع بكل حال لانه قد يؤخذ للاكل قبل ظهوره فهو كثمرة لا تخلق إلا ظاهرة كالتين ويكون ظهور طلعه كظهور ثمرة غيره. ولنا أنها ثمرة نخل إذا تركت ظهرت فهي كالاناث، ولانه يدخل في عموم الخبر وما ذكر للوجه الآخر لا يصح فان أكله ليس هو المقصود منه وانما يراد للتلقيح به وذلك يكون بعد ظهوره فأشبه طلع الاناث، فان باع نخيلا فيه فحال واناث لم يتشقق منه شئ فالكل للمشتري إلا على الوجه الآخر، فان طلع الفحال يكون للبائع، وان تشقق أحد النوعين دون الآخر فما تشقق للبائع وما لم يتشقق للمشتري إلا عند من سوى بين الانواع كلها (فصل) وكل عقد معاوضة يجري مجرى البيع في أن الثمرة المؤبرة تكون لمن انتقل عنه الاصل وغير المؤبرة لمن انتقل إليه مثل أن يصدق المرأة نخلا أو يخلعها به أو يجعله عوضا في اجارة أو عقد صلح لانه عقد معاوضة فجرى مجرى البيع، وان انتقل بغير معاوضة كالهبة والرهن أو فسخ لاجل العيب أو فلس المشتري أو رجوع الاب في هبة ولده أو تقايلا البيع، أو كان صداقا فرجع إلى

[ 194 ]

الزوج لفسخ المرأة النكاح أو نصفه لطلاق الزوج فانه في الفسخ يتبع الاصل سواء أبر أو لم يؤبر لانه نماء متصل أشبه السمن وفي الهبة والرهن حكمهما حكم البيع في أنه يتبع قبل التأبير ولا يتبع بعده لان الملك زال عن الاصل بغير فسخ أشبه البيع، وأما رجوع البائع لفلس المشتري، أو الزوج لا نفساخ النكاح فيذكران في بابيهما { مسألة } (وكذلك الشجر إذا كان فيه ثمر باد كالتوت والتين والرمان والجوز) والشجر على خمسة أضرب (أحدها) ما تكون ثمرته في اكمام ثم تتفتح فتظهر كالنخل الذي بينا حكمه وهو الاصل وما سوا مقيس عليه، ومن هذا الضرب القطن وما يقصد نوره كالورد والياسمين والنرجس والبنفسح فانه تظهر اكمامه ثم تتفتح فهو كالطلع إن تفتح جنبذه فهو للبائع وإلا فهو للمشتري (الثاني) ما تظهر ثمرته بارزة لاقشر عليها ولا نور كالتين والتوت والجميز فهي للبائع لان ظهورها من شجرها بمنزلة ظهور ما في الطلع (الثالث) ما يظهر في قشره ثم يبقى فيه إلى حين الاكل كالموز والرمان فهو للبائع أيضا بنفس الظهور لان قشره من مصلحته ويبقى فيه إلى حين الاكل كالتين (الرابع) ما يظهر في قشرين كالجوز واللوز فهو للبائع أيضا بنفس الظهور لان قشره لا يزول عنه غالبا إلا بعد جزازه فأشبه الضرب الذي قبله، ولان قشر اللوز يؤكل معه أشبه التين، وقال القاضي إن تشقق القشر الاعلى فهو للبائع، وان لم يتشقق فهو للمشتري كالطلع، ولو اعتبر هذا لم يكن للبائع إلا نادرا ولا يصح قياسه على الطلع لان الطلع لابد من تشققه وتشققه من مصلحته وهذا بخلافه فانه لا يتشقق على شجره وتشققه قبل كماله يفسده

[ 195 ]

(الخامس) ما يظهر نوره ثم يتناثر فتظهر الثمرة كالتفاح والمشمش والاجاص والخوخ، فإذا تفتح نوره وظهرت الثمرة فيه فهو للبائع، وان لم تظهر فهو للمشتري، وقيل ما يتناثر نوره فهو للبائع ومالا فهو للمشتري لان الثمرة لا تظهر حتى يتناثر النور وقال القاضي يحتمل أن يكون للبائع بظهور نوره لان الطلع إذا تشقق كان كنور الشجر، فان العقد التي في جوف الطلع ليست عين الثمرة وانما هي أوعية لها تكبر الثمرة في جوفها وتظهر فتصير العقدة في طرفها وهي قمع الرطبة، وظاهر لفظه ههنا يقتضي ما قلناه أولا وهو ظاهر كلام الخرقي لانه علق استحقاق البائع للثمرة ببدوها ولا يبدو الثمر حتى ينفتح نوره وقد يبدو إذا كبر قبل أن ينثر النور فيتعلق ذلك بظهوره والعنب بمنزلة ماله نور لانه يبدو في قطوفه شئ صغار كحب الدخن ثم يتفتح ويتناثر كتناثر النور فيكون من هذا القسم وهذا يفارق الطلع لان الذي في الطلع عين الثمرة ينمو ويتغير والنور في هذه الثمار يتساقط ويذهب وتظهر الثمرة ومذهب الشافعي في هذا الفصل جميعه كما ذكرنا أو قريبا منه وبينهما اختلاف قريب مما ذكرنا { مسألة } (والورق للمشتري بكل حال) الاغصان والورق وسائر أجزاء الشجر للمشتري لانه من أجزائها خلق لمصلحتها فهو كأجزاء سائر المبيع، ويحتمل أن يكون ورق التوت المقصود أخذه لدود القز للبائع إذا تفتح وللمشتري قبل ذلك لانه بمنزلة الجنبذ الذي يتفتح فيظهر نوره من الورد وغيره وانما هذا في المواضع التي عادتهم أخذ الورق وان لم يكن عادتهم ذلك فهو للمشتري كسائر الورق والله أعلم { مسألة } (وان ظهر بعض الثمرة فهو للبائع، وما لم يظهر فهو للمشتري، وقال أبو حامد الكل للبائع) وقد ذكرناه

[ 196 ]

{ مسألة } (وان احتاج الزرع أو الثمرة إلى سقي لم يلزم المشتري ولم يملك منع البائع منه) إذا كانت الثمرة للبائع مبقاة في شجر المشتري فاحتاجت إلى سقي لم يكن للمشتري منعه لانه يبقى به فلزمه تمكينه منه كتركه على الاصول، وان أراد سقيها من غير حاجة فللمشتري منعه لان سقيه يتضمن التصرف في ملك غيره والاصل منعه منه وانما أبحناه للحاجة فما لم توجد الحاجة يبقى على أصل المنع، وان احتاجت إلى سقي يضر بالشجر أو احتاج الشجر إلى سقي يضر بالثمرة فقال القاضي: أيهما طلب السقي لحاجته أجبر الآخر عليه لانه دخل العقد على ذلك فان المشتري اقتضى عقده تبقية الثمرة والسقي من تبقيتها واقتضى تمكين المشتري من حفظ الاصول وتسلميها فلزم كل واحد منهما ما أوجبه العقد للاخر وان أضربه وانما له أن يسقي بقدر حاجته، وان اختلفا في ذلك رجع إلى أهل الخبرة وأيهما التمس السقي فالمؤنة عليه لانه لحاجته (فصل) وان خيف على الاصول الضرر بتبقية الثمرة عليها لعطش أو غيره والضرر يسير لم يجبر على قطعها لانها مستحقة للبقاء فلم يجبر على إزالتها لدفع ضرر يسير عن غيره، وان كان كثيرا فخيف على الاصول الجفاف أو نقص حملها ففيه وجهان (أحدهما) لا يجبر كذلك (والثاني) يجبر على القطع لان الضرر يلحقها وان لم تقطع والاصول تسلم بالقطع فكان القطع أولى وللشافعي قولان كالوجهين (فضل) ولا يجوز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها ولا الزرع قبل اشتداد حبه إلا بشرط القطع في الحال

[ 197 ]

لا يجوز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بشرط التبقية إجماعا لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها نهى البائع والمبتاع. متفق عليه، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على القول بجملة هذا الحديث

[ 198 ]

(فصل) وكذلك الزرع الاخضر في الارض لا يجوز بيعه الا بشرط القطع كما ذكرنا في الثمرة على الاصول لما روى مسلم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة نهى البائع والمشتري. قال ابن المنذر ولا أعلم أحدا يعدل عن القول به وهو قول مالك وأهل المدينة وأهل

[ 199 ]

البصرة وأصحاب الحديث وأصحاب الرأي، فان باعه بشرط القطع أو باع الثمرة قبل بدو صلاحها بشرط القطع صح بالاجماع لان المنع إنما كان خوفا من تلف الثمرة وحدوث العاهة عليها قبل أخذها لما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى تزهو قال " أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يأخذ

[ 200 ]

أحدكم مال أخيه؟ " رواه البخاري وهذا مأمون فيما يقطع فصح بيعه كما لو بدا صلاحه (فصل) وإذا اشترى رجل نصف الثمرة قبل بدو صلاحها أو نصف الزرع قبل اشتداد حبه مشاعا لم يجز سواء اشتراها من رجل أو من أكثر منه، وسواء شرط القطع أو لم يشترطه لانه لا يمكنه قطعه إلا بقطع ما لا يمكله فلم يصح اشتراطه.

[ 201 ]

{ مسألة } (ولايجوز بيع الرطبة والبقول إلا بشرط جذه ولا القثاء ونحوه إلا لفظه لفظة إلا أن يبيع أصله) الرطبة وما أشبهها مما تثبت أصوله في الارض ويؤخذ ما ظهر منه بالقطع مرة بعد أخرى كالنعناع والهندبا وبشبههما لا يجوز بيعه إلا أن يبيع الظاهر منه بشرط القطع في الحال وبذلك قال الشافعي، وروي

[ 202 ]

ذلك عن الحسن وعطاء ورخص مالك في شراء جزتين وثلاثا ولا يصح ذلك لان ما في الارض منه مستور وما يحدث منه معدوم فلا يجوز بيعه كما لا يجوز بيع ما يحدث من الثمرة، ومتى اشترى جزة لم يجز ابقاؤها لان ما يظهر منها أعيان لم يتناولها البيع فيكون للبائع إذا ظهر فيفضي إلى اختلاط المبيع بغيره فان أخرها حتى طالت فالحكم فيها يذكر ان شاء الله تعالى

[ 203 ]

(فصل) وإذا باع ثمرة شئ من هذه البقول كالقثاء والباذنجان لم يجز إلا بيع الموجود منها دون المعدوم، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، وقال مالك يجوز بيع الجميع لان ذلك يشق تمييزه فجعل ما لم يظهر تبعا لما ظهر كما أن ما لم يبد صلاحه تبع لما بدا

[ 204 ]

ولنا أنها ثمرة لم تخلق فلم يصح بيعها كما لو باعها قبل ظهور شئ منها والحاجة تندفع ببيع أصوله ولان ما لم يبد صلاحه يجوز افراده بالبيع بخلاف ما لم يخلق ولان ما لم يخلق من ثمرة النخل لا يجوز بيعه تبعا لما خلق، وان كان ما لم يبد صلاحه تبعا لما بدا، إذا ثبت ذلك فان باعها قبل بدو صلاحها لم يجز

[ 205 ]

الا بشرط القطع، وان كان بعد بدو صلاحه جاز مطلقا وبشرط القطع والتبقية على ما نذكر في ثمرة الاشجار وسنبين بم يكون بدو صلاحه؟ (فصل) ويصح بيع هذه الاصول التي تتكرر ثمرتها من غير شرط القطع ذكره القاضي وهو

[ 206 ]

مذهب أبي حنيفة والشافعي ولا فرق بين كون الاصول صغارا أو كبارا مثمرة أو غير مثمرة لانه أصل فيه الثمرة فأشبه الشجر، فان باع المثمر منه فثمرته الظاهرة للبائع متروكة إلى حين بلوغها الا أن يشترطها المبتاع فان حدثت ثمرة أخرى فهي للمشتري وان اختلطت بثمرة البائع ولم تتميز كان الحكم فيها كثمرة الشجرة إذا اختلطت بثمرة أخرى على ما يأتي حكمه

[ 207 ]

(فصل) والقطن ضربان (أحدهما) ماله أصل يبقى في الارض أعواما فهذا حكمه حكم الشجر في أنه يصح افراده البيع، وإذا بيعت الارض بحقوقها دخل في البيع وثمرة كالطلع ان تفتح فهو للبائع والا فهو للمشتري (الثاني) ما يتكرر زرعه كل عام فحكمه حكم الزرع، ومتى كان جوزه ضعيفا رطبا لم يقو ما فيه لم يصح بيعه إلا أن يشترط القطع كالزرع الاخضر، وان قوي حبه واشتد جاز بيعه بشرط التبقية كالزرع

[ 208 ]

إذا اشتد حبه، وإذا بيعت الارض لم يدخل في البيع إلا ان يشترطه المبتاع، والباذنجان الذي تبقى أصوله وتتكرر ثمرته كالشجر وما يتكرر زرعه كل عام فهو كالحنطة والشعير. (فصل) ولايجوز بيع ما المقصود منه مستور في الارض كالجزر والفجل والثوم والبصل حتى يقلع ويشاهد وهذا قول الشافعي وابن المنذر وأصحاب الرأي وأباحه مالك والاوزاعي واسحاق لان الحاجة

[ 209 ]

تدعوا إليه فأشبه بيع ما لم يبد صلاحه تبعا لما بدا ولنا أنه مجهول لم يره ولم يوصف له فأشبه بيع الحمل ولان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر رواه مسلم وهذا غرر، وأما بيع ما لم يبد صلاحه فانما جاز تبعا فان الظاهر أنه يتلاحق في الصلاح ويتبع بعضه

[ 210 ]

بعضا، فان كان مما يقصد فروعه وأصوله كالبصل المبيع اخضر والكراث واللفت وسائر ما تقصد فروعه جاز بيعه لان المقصود منه ظاهر فأشبه الحيطان التي أساساتها مدفونة، ويدخل ما لم يظهر في البيع تبعا لما ظهر فلا تضر جهالته كالحمل في البطن مع بيع الحيوان، فان كان معظم المقصود منه أصوله لم يجز بيعه

[ 211 ]

لان الحكم للاغلب، وكذا إن تساويا لان الاصل اعتبار الشرط في الجميع وانما سقط اعتباره فيما كان معظم المقصود منه ظاهرا تبعا ففيما عداه يبقى على الاصل { مسألة } (والحصاد واللقاط على المشترى)

[ 212 ]

وكذلك جزاز الثمرة إذا اشتراها في شجرها لان نقل المبيع وتفريغ مالك البائع منه على المشتري كنقل الطعام المبيع من دار البائع، ويفارق الكل والوزن فانهما على البائع لانهما من مؤنة تسليم المبيع إلى المشتري والتسليم على البائع وههنا حصل التسليم بالتخلية بدون القطع بدليل جواز التصرف فيها،

[ 213 ]

وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي ولا نعلم فيه خلافا { مسألة } (فان باعه مطلقا أو بشرط التبقية لم يصح) إذا باع الثمرة قبل صلاحها أو الزرع قبل اشتداد حبه بشرط التبقية لم يصح اجماعا وقد ذكرناه

[ 214 ]

وكذلك إذا باعها ولم يشترط تبقية ولا قطعا، وبه قال مالك والشافعي وأجازه أبو حنيفة لان اطلاق العقد يقتضي القطع فحمل عليه كما لو اشترطه قالوا: ومعنى النهي أن يبيعها مدركة قبل إدراكها بدليل قوله في الحديث " أرأيت ان منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟ " فلفظة المنع تدل على أن العقد

[ 215 ]

يتناول معنى هو مقصود في الحال حتى يتصور المنع ولنا النهي المطلق عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها فيدخل فيه محل النزاع واستدلالهم بسياق الحديث يدل على هدم قاعدتهم التي قرروها في أن اطلاق العقد يقتضي القطع ويقرر ما قلناه من ان

[ 216 ]

اطلاق العقد يقتضي التبقية فيصير العقد المطلق كالذي يشرط فيه التبقية يتناولهما النهي جميعا ويصح تعليلهما بالعلة التي علل بها النبي صلى الله عليه وسلم من منع الثمرة وهلاكها (فصل) وبيع الثمرة قبل بدو صلاحها من غير شرط القطع على ثلاثة اضرب (احدها) ان يبيعها

[ 217 ]

منفردة لغير مالك الاصل فلا يصح وهذا الذي ذكرناه وبينا بطلانه (الثاني) ان يبيعها مع الاصل فيجوز بالاجماع لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من باع نخلا بعد ان تؤبر فثمرتها الذي باعها الا ان يشترط المبتاع " متفق عليه ولانه إذا باعها مع الاصل حصلت تبعا في البيع فلم يضر احتمال الغرر فيها كما

[ 218 ]

احتملت الجهالة في بيع اللبن في الضرع مع بيع الشاة وأساسات الحيطان (الثالث) أن يبيعها مفردة لمالك الاصل نحو أن تكون للبائع ولم يشترطها المبتاع فيبيعها له بعد ذلك أو يوصي لرجل بثمرة نخله فيبيعها لورثة الموصى فيه وجهان (أحدهما) يصح وهو المشهور عن مالك وأحد الوجهين لاصحاب

[ 219 ]

الشافعي لانه يجتمع الاصل والثمرة للمشتري أشبه مالو اشتراهما معا، ولانه إذا باعها لمالك الاصل حصل التسليم إلى المشتري على الكمال لكونه مالكا لاصولها فصح كبيعها مع أصلها (والثاني) لا يصح وهو الوجه الثاني لاصحاب الشافعي لان العقد تناول الثمرة خاصة والغرر فيما تناوله العقد

[ 220 ]

أصل يمنع الصحة كما لو كانت الاصول لاجنبي ولانها تدخل في عموم النهي بخلاف ما إذا باعهما معها فانه مستثنى بالخبر المذكور، ولان الغرر فيما يتناوله العقد أصل يمنع الصحة ولا يمنع إذا تناوله تبعا فانه يجوز في التابع من الغرر ما لا يجوز في المتبوع كاللبن في الضرع والحمل مع الشاة وغيرهما، وان باعه الثمرة بشرط

[ 221 ]

القطع في الحال صح وجها واحدا ولا يلزم المشتري الوفاء بالشرط لان الاصل له (فصل) وإذا باع الزرع الاخضر من غير شرط القطع مع الارض جاز كبيع الثمرة مع الاصل وان باعه لمالك الارض منفردا ففيه وجهان على ما ذكرنا في الثمرة، واختار أبو الخطاب الجواز

[ 222 ]

وان باعه إياه بشرط القطع جاز وجها واحدا ولم يلزم المشتري الوفاء بالشرط لان الاصل له فهو كبيع الثمرة لمالك الاصل (فصل) وإذا اشترى قصيلا من شعير ونحوه فقطعه ثم نبت فهو لصاحب الارض المشتري

[ 223 ]

ترك الاصول على سبيل الرفض لها فسقط حقه منها كما يسقط حق صاحب الزرع من السنابل التي يدعها ولذلك أبيح التقاطها، ولو سقط من الزرع حب ثم نبت من العام المقبل فهو لصاحب الارض نص أحمد على هاتين المسئلتين، ومما يؤكد هذا ان البائع لو أراد التصرف في أرضه بعد قصل الزرع بما

[ 224 ]

يفسد الاصول ويقلعها كان له ذلك ولم يملك المشتري منعه { مسألة } (فان باعها بشرط القطع ثم تركه المشتري حتى بدا الصلاح واشتد الحب وطالت الجزة وحدثت ثمرة أخرى فلم تتميز، أو اشترى عرية ليأكلها رطبا فأثمرت بطل البيع، وعنه لا يبطل

[ 225 ]

ويشتركان في الزيادة وعنه يتصدقان بها) اختلفت الرواية فيمن اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها بشرط القطع ثم تركها حتى بدا صلاحها فنقل عنه حنبل وأبو طالب أن البيع يبطل اختارها الخرقي، وقال القاضي هي أصح فعلى هذا يرد المشتري

[ 226 ]

الثمرة إلى البائع ويأخذ الثمن ونقل أحمد بن سعيد أن البيع لا يبطل وهو قول اكثر الفقهاء لان اكثر ما فيه ان المبيع اختلط بغيره فأشبه ما لو اشترى حنطة فانثالت عليها أخرى أو ثوبا فاختلط بغيره، ونقل عنه أبو داود فيمن اشترى قصيلا فمرض أو توانا حتى صار شعيرا فان أراد به حيلة فسد البيع وانتفض

[ 227 ]

وجعل بعض أصحابنا هذا رواية ثالثة فيمن قصد التبقية وإلا لم يفسد، قال شيخنا: والظاهر أن هذا يرجع إلى ما نقله أحمد بن سعيد فانه يتعين حمل ما نقله أحمد بن سعيد على صحة البيع على من لم يرد حيلة فان أراد الحيلة لم يصح بحال، وقد ثبت من مذهب أحمد أن الحيل كلها باطلة، ووجه الرواية الاولى

[ 228 ]

أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها فاستثنى منه ما اشتراه بشرط القطع وقطعه بالاجماع فيبقى فيما عداه على اصل التحريم، ولان التبقية معنى حرم الشرع اشتراطه لحق الله تعالى فابطل العقد وجوده كالنسيئة فيما يحرم فيه النساء وترك التقابض فيما يشترك القبض فيه، ولان

[ 229 ]

صحة البيع تجعل ذلك ذريعة إلى شراء الثمرة قبل بدو صلاحها وتركها حتى يبدو صلاحها ووسائل الحرام حرام كبيع العينة، ومتى حكمنا بفساد البيع فالثمرة كلها للبائع، وعنه أنهما يتصدقان بالزيادة قال القاضي هذا مستحب لوقوع الخلاف في مستحق الثمرة فاستحب الصدقة بها وإلا فالحق أنها للبائع

[ 230 ]

تبعا للاصل كسائر نماء المبيع المتصل إذا رد على البائع بفسخ أو بطلان، ونقل ابن أبي موسى في الارشاد أن البائع والمشتري يشتركان في الزيادة وان قلنا لا يبطل العقد فقد روي أنهما يشتركان في الزيادة لحصولها في ملكهما كان الثمرة ملك المشتري والاصل ملك البائع وهو سبب الزيادة وقال القاضي

[ 231 ]

الزيادة للمشتري كالعبد إذا سمن، وحمل قول أحمد يشتركان على الاستحباب والاول أظهر لما ذكرنا فان الزيادة حصلت من أصل البائع من غير استحقاق تركها فكان له فيها حق بخلاف سمن العبد فانه لا يتحقق فيه هذا المعنى ولا يشبهه ولا يصح حمل قول أحمد على الاستحباب، فانه لا يستحب

[ 232 ]

للبائع أن يأخذ من المشتري مالا يستحقه، بل ذلك حرام عليه فكيف يستحب وعن أحمد أنهما يتصدقان بالزيادة وهو قول الثوري ومحمد بن الحسن لان عين المبيع زاد بجهة محظورة، قال الثوري إذا اشترى قصيلا يأخذ رأس ماله ويتصدق بالباقي، ولان الامر اشتبه في هذه الزيادة فكان

[ 233 ]

الاولى الصدقة بها، قال شيخنا: ويشبه ان يكون هذا استحبابا لان الصدقات بالشبهات مستحبة فان أبيا الصدقة بها اشتركا فيها والزيادة هي ما بين قيمتها يوم الشراء وقيمتها يوم أخذها، قال القاضي: ويحتمل أنه ما بين قيمتها قبيل بدو صلاحها وقيمتها بعده لان الثمرة قبل بدو صلاحها كانت للمشتري

[ 234 ]

بنمائها لا حق للبائع فيها، وكذلك الحكم في الرطبة إذا طالت والزرع الاخضر إذا أدجن لانه في معنى الثمرة وهذا إذا لم يقصد وقت الشراء تأخيره ولم يجعل شراءه بشرط القطع حيلة على المنهي عنه من شراء الثمرة قبل بدو صلاحها ليتركها حتى يبدو صلاحها، فان قصد ذلك فالبيع

[ 235 ]

باطل من أصله لانه حيلة محرمة، وعند أبي حنيفة والشافعي لاحكم للقصد والبيع صحيح وقد ذكرنا ذلك في تحريم الحيل (فصل) فان حدثت ثمرة أخرى أو باع شجرا فيه ثمرة للبائع فحدثت ثمرة أخرى، فان تميزت

[ 236 ]

فلكل واحد ثمرته، وان اختلطتا ولم تتميز واحدة منهما فهما شريكان فيهما كل بقدر ثمرته، فان لم يعلم قدرهما اصطلحا عليهما ولا يبطل العقد في ظاهر المذهب لان المبيع لم يتعذر تسليمه، وانما اختلط بغيره فهو كما لو اشترى طعاما في مكان فانثال عليه طعام للبائع أو انثال هو على طعام للبائع ولم يعرف

[ 237 ]

قدر كل واحد منهما، ويفارق هذا مالو اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها فتركها حتى بدا صلاحها فان العقد يبطل في أظهر الروايتين لكون اختلاط المبيع بغيره حصل بارتكاب نهي وكونه يتخذ حيلة على شراء الثمرة قبل بدو صلاحها وههنا ما ارتكب نهيا ولا يجعل هذا طريق إلى فعل المحرم، وفيه

[ 238 ]

رواية أخرى أنه يبطل ذكرها أبو الخطاب كالمسألة التي قبلها، والصحيح الاولى وقد ذكرنا الفرق بينهما، وقال القاضي: ان كانت الثمرة للبائع فحدثت ثمرة أخرى قيل لكل واحد اسمح بنصيبك لصاحبك، فان فعل احدهما أقررنا العقد وأجبرنا الآخر على القبول لانه يزول به النزاع، وان

[ 239 ]

امتنعا فسخنا العقد لتعذر وصول كل واحد منهما إلى قدر حقه، وان اشترى ثمرة فحدثت ثمرة أخرى لم نقل للمشتري اسمح بنصيبك لان الثمر كل المبيع فلا يؤمر بتخليته كله ونقول للبائع ذلك فان سمح بنصيبه للمشتري أجبرنا على القبول والا فسخ البيع وهذا مذهب الشافعي، وقال ابن عقيل:

[ 240 ]

لعل هذا قول لبعض أصحابنا فانني لم أجده معزيا إلى أحمد، والظاهر أن هذا اختيار القاضي وليس بمذهب لاحمد ولو اشترى حنطة فانثالت عليها أخرى لم ينفسخ البيع والحكم فيه كالحكم في الثمرة تحدث معها أخرى على ما ذكرناه

[ 241 ]

(فصل) فان اشترى عرية فتركها حتى أثمرت بطل البيع وهذا قول الخرقي، وعن أحمد أنه لا يبطل وهو قول الشافعي لان كل ثمرة جاز بيعها رطبا لا يبطل العقد إذا صارت تمرا كغير العرية، وكما لو قطها وتركها عنده حتى أتمرت

[ 242 ]

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " يأكلها رطبا " ولان شراءها إنما جاز للحاجة إلى أكل الرطب فإذا أتمرت تبينا عدم الحاجة فيبطل العقد ولا فرق بين تركه لغناه عنها أو مع حاجته إليها وتركها لعذر أو لغير عذر للخبر، ولو أخذها رطبا فتركها عنده فأتمرت أو شمسها حتى صارت تمرا

[ 243 ]

جاز لانه قد أخذها، فان أخذ بعضها رطبا وترك باقيها حتى أتمر فهل يبطل البيع فيما أتمر؟ على وجهين { مسألة } (وإذا اشتد الحب وبدا الصلاح في الثمر جاز بيعه مطلقا وبشرط التبقية، وللمشتري تبقيته إلى الحصاد والجزاز)

[ 244 ]

إذا بدا صلاح الثمرة جاز بيعها مطلقا وبشرط القطع وبشرط التبقية وهو قول مالك والشافعي وقال أبو حنيفة وأصحابه لا يجوز بشرط التبقية إلا أن محمدا قال: إذا تناهى عظمها جاز واحتجوا بان هذا شرط للانتفاع بملك البائع على وجه لا يقتضيه العقد فلم يجز كما لو اشترط تبقية الطعام في كندوجه

[ 245 ]

ولنا أن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها يدل بمفهومه على إباحة بيعها بعد بدو صلاحها والمنهي عنه قبل بدو الصلاح عندهم بيعها بشرط التبقية فيجب أن يكون ذلك جائزا بعد بدو الصلاح وإلا لم يكن بدو الصلاح غاية ولا يكون في ذكره فائدة، ولان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمرة

[ 246 ]

حتى يبدو صلاحها وتأمن العاهة، وتعليله بأمن العاهة يدل على التبقية لان ما يقطع في الحال لا يخاف العاهة عليه، وإذا بدا الصلاح فقد امنت العاهة فيجب أن يجوز بيعه مبقى لزوال علة المنع، ولان النقل والتحويل يجب في الممتنع بحكم العرف، فإذا شرطه جاز كما لو اشترط نقل الطعام من ملك البائع حسب

[ 247 ]

العادة وفي هذا انفصال عما ذكروه، وكذلك إذا اشتد الحب يجوز بيعه كذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث " حتى يبيض " فجعل ذلك غاية للمنع من بيعه فيدل على الجواز بعده، وفي رواية نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الحب حتى يشتد، ولانه إذا اشتد حبه بدا صلاحه فصار كالثمرة إذا بدا صلاحها

[ 248 ]

وإذا اشتد بعض حبه جاز بيع جميع ما في البستان من نوعه كالشجرة { مسألة } (ويلزم البائع سقيه إن احتاج إلى ذلك لانه يجب عليه تسليم الثمرة كاملة) وذلك يكون بالسقي فان قيل فلم قلتم إنه إذا باع الاصل وفيه ثمرة للبائع لا يلزم المشتري سقيها

[ 249 ]

قلنا لان المشتري ليس عليه تسليم الثمرة لان البائع لم يملكها من جهته، وانما بقي مكله عليها بخلاف مسئلتنا، فان امتنع البائع من السقي لضرر يلحق بالاصل أجبر عليه لانه دخل على ذلك (فصل) ويجوز لمشتري الثمرة بيعها في شجرها روي ذلك عن الزبير بن العوام والحسن البصري وأبي

[ 250 ]

حنيفة والشافعي وابن المنذر، وكرهه ابن عباس وعكرمة وأبو سلمة لانه تبع له قبل قبضه فلم يجز كما لو كان على وجه الارض ولم يقبضه. ولنا أنه يجوز له التصرف فيه فجاز بيعه كما لو قطعه، وقولهم لم يقبضه ممنوع فان قبض كل شئ بحسبه وهذا قبضه التخلية وقد وجدت

[ 251 ]

{ مسألة } (وان تلفت بجائحة من السماء رجع على البائع، وعنه إن أتلفت الثلث فصاعدا ضمنه البائع وإلا فلا) كل ما تهلكه الجائحة من الثمر على أصوله قبل أوان الجزاز من ضمان البائع وبهذا قال أكثر أهل المدينة منهم يحيى بن سعيد ومالك وأبو عبيد وجماعة من أهل الحديث وهو قول الشافعي القديم،

[ 252 ]

وقال أبو حنيفة والشافعي في الجديد هو من ضمان المشتري لما روي أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ان ابني اشترى ثمرة من فلان فأذهبتها الجائحة فسأله أن يضع عنه فتألى أن لا يفعل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم " تألى فلان أن لا يفعل خيرا " متفق عليه، ولو كان واجبا

[ 253 ]

لاجبره عليه، ولان التخلية يتعلق بها جواز التصرف فتعلق بها الضمان كالنقل والتحويل، ولانه لا يضمنه إذا أتلفه آدمي فكذلك لا يضمنه باتلاف غيره ولنا ما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح، وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 254 ]

" إن بعت من أخيك ثمرا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ " رواهما مسلم، ورواه أبو داود ولفظه " من باع ثمرا فأصابته جائحة فلا يأخذ من مال أخيه شيئا على م يأخذ احدكم مال أخيه المسلم؟ " وهذا صريح في الحكم فلا يعدل عنه قال الشافعي لم يثبت عندي

[ 255 ]

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم امر بوضع الجوائح، ولو ثبت عندي لم اعده، ولو كنت قائلا بوضعها لوضعتها في القليل والكثير: قلنا الحديث ثابت رواه الامام احمد ومسلم وابو داود وابن ماجه وغيرهم: فاما حديثهم فلا حجة لهم فيه فان فعل الواجب خير، فإذا تألى ان لا يفعل الواجب فقد تألى ان لا يفعل

[ 256 ]

خيرا، وانما لم يجبره النبي صلى الله عليه وسلم لانه قول بمجرد قول المدعي من غير إقرار بالبائع ولا حضوره، واما التخلية فليست قبضا تاما بدليل مالو تلفت بعطش عند بعضهم، ولا يلزم من إباحة التصرف تمام القبض بدليل المنافع في الاجارة يباح التصرف فيها كانت من ضمان المؤجر كذلك الثمرة في شجرتها كالمنافع قبل استيفائها تؤخذ حالا فحالا وقياسهم يبطل بالتخلية في الاجارة

[ 257 ]

(فصل) والجائحة كل آفة لا صنع لآدمي فيها كالريح والحر والبرد والعطش لما روى الساجي باسناده عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في الجائحة تكون في البرد والحر وفي الحبق وفي السيل وفي الريح وهذا تفسير من الرواي لكلام النبي صلى الله عليه وسلم فيجب الرجوع إليه، فاما ما

[ 258 ]

كان بفعل آدمى فقال القاضي يخير المشتري بين فسخ العقد ومطالبة البائع بالثمن وبين البقاء عليه ومطالبة الجاني بالقيمة كالمكيل والموزون إذا أتلفه آدمي قبل القبض لانه أمكن الرجوع ببدله بخلاف التالف بالجائحة إلا أن في إحراق اللصوص ونهب العساكر والحرامية وجهين، فان قيل فقد نهى النبي صلى الله

[ 259 ]

عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن والثمرة غير مضمونة على المشتري، فإذا كانت القيمة أكثر من الثمن فقد ربح فيه. قلنا إن المراد بالخبر النهي عن الربح بالبيع بدليل أن المكيل لو زادت قيمته قبل قبضه ثم قبضه جاز ذلك بالاجماع

[ 260 ]

(فصل) وظاهر المذهب أنه لافرق بين قليل الجائحة وكثيرها إلا أن ما جرت العادة بتلف مثله كاليسير الذي لا ينضبط لا يلتفت عليه، قال أحمد إني لا أقول في عشر ثمرات ولا عشرين ولا أدري ما الثلث ولكن إذا كانت جائحة تستغرق الثلث أو الربع أو الخمس توضع، وعن أحمد أن ما دون الثلث

[ 261 ]

من ضمان المشتري وهو مذهب مالك والشافعي في القديم لانه لابد أن يأكل الطائر منها وتنثر الريح وتسقط منها فلم يكن بد من ضابط وحد والثلث قد اعتبره الشارع في الوصية وعطية المريض قال الاثرم قال أحمد إنهم يستعملون الثلث في سبع عشرة مسألة، ولان الثلث في حد الكثرة وما دونه في حد القلة

[ 262 ]

بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم في الوصية " الثلث والثلث كثير " فلهذا قدر به ولنا عموم الاحاديث فان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح وما دون الثلث داخل فيها فيجب وضعه، ولان هذه الثمرة لم يتم قبضها فكان ما تلف منها من ضمان البائع، وان نقص عن الثلث كالتي على الارض

[ 263 ]

وما أكله الطير أو سقط لا يؤثر في العادة ولا يسمى جائحة فلا يدخل في الخبر ولانه لا يمكن التحرز منه فهو معلوم الوجود بحكم العادة فأنه مشروط. إذا ثبت ذلك فمتى تلف شئ له قدر خارج عن العادة وضع من الثمن بقدر الذاهب، وإن تلف الجميع بطل العقد ويرجع المشتري بجميع الثمن، وأما على

[ 264 ]

الرواية الثانية فانه يعتبر ثلث الثمرة وقيل ثلث القيمة، فان تلف الثلث فما زاد رجع بقسطه من الثمن وان كان دونه لم يرجع بشئ، وان اختلفا في الجائحة أو قدر التالف فالقول قول البائع لان الاصل بالسلامة، ولانه غارم والقول في الاصول قول الغارم

[ 265 ]

(فصل) فان بلغت الثمرة أوان الجزاز فلم يجزها حتى أصابتها جائحة فقال القاضي عندي لا توضع لانه مفرط بترك النقل في وقته مع قدرته فكان الضمان عليه، ولو اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها بشرط

[ 266 ]

القطع فأمكنه قطعها فلم يقطعها حتى تلفت فهي من ضمانه لذلك، وان تلفت قبل امكان قطعها فهي من مال البائع كالمسألة قبلها.

[ 267 ]

(فصل) فان استأجر أرضا فزرعها فتلف الزرع فلا شئ على المؤجر نص عليه أحمد ولا نعلم فيه خلافا لان المعقود عليه منافع الارض ولم يتلف إنما تلف مال المستأجر فيها فصار كدار استأجرها

[ 268 ]

ليقصر فيها ثيابا فتلفت الثياب فيها { مسألة } (وصلاح بعض ثمرة الشجرة صلاح لجميعها)

[ 269 ]

لا يختلف فيه فيباح بيع جميعها بذلك لا نعلم فيه خلافا وهل يكون صلاحا لسائر النوع الذي في البستان؟ على روايتين اظهرهما أنه يكون صلاحا فيجوز بيعه وهو قول الشافعي ومحمد بن الحسن قياسا

[ 270 ]

على الشجرة الواحدة، ولان اعتبار الصلاح يشق ويؤدي إلى الاشتراك واختلاف الا يدي فوجب أن يتبع ما لم يبد صلاحه من نوعه لما بدا كالشجرة الواحدة (والثانية) لا يكون صلاحا، ولا يجوز

[ 271 ]

بيع إلا ما بدا صلاحه لانه لم يبد صلاحه فلم يجز بيعه كالذي في البستان الآخر.

[ 272 ]

(فصل) فأما النوع الآخر من ذلك الجنس فقال القاضي لا يجوز بيعه وهو أحد الوجهين لاصحاب الشافعي، وقال محمد بن الحسن ما كان متقارب الادراك فبدو صلاح بعضه يجوز به بيع جميعه وما

[ 273 ]

يتأخر تأخرا كثيرا فلا يجوزه في الباقي، وقال أبو الخطاب يجوز بيع ما في البستان من ذلك الجنس وهو الوجه الثاني لاصحاب الشافعي لان الجنس الواحد يضم بعضه إلى بعض في إكمال النصاب فيتبعه

[ 274 ]

في جواز البيع كالنوع الواحد، والاول أولى لان النوعين قد يتباعد إدراكهما فلم يتبع أحدهما الآخر في بدو الصلاح كالجنسين ويخالف الزكاة فان القصد هو الغنى من جنس ذلك المال لتقارب منفعته

[ 275 ]

وقيام كل نوع مقام الآخر في المقصود والمعنى ههنا هو تقارب إدراك أحدهما من الآخر ودفع الضرر الحاصل بالاشتراك واختلاف الايدي ولا يحصل ذلك في النوعين فصار في هذا كالجنسين

[ 276 ]

(فصل) فأما النوع الواحد من بساتين فلا يتبع أحدهما الآخر في جواز بيع أحدهما ببدو صلاح الآخر سواء كانا متجاورين أو متباعدين وهذا مذهب الشافعي، وحكي عن أحمد ان بدو الصلاح

[ 277 ]

في شجرة من القراح صلاح له ولما قاربه وبهذا قال مالك، لانهما يتقاربان في الصلاح فأشبه القراح الواحد ولان المقصود الامن من العاهة وقد وجد والاول المذهب لانه إنما جعل ما لم يبد صلاحه

[ 278 ]

بمنزلة ما بدا دفعا لضرر الاشتراك واختلاف الايدي وإلا فالاصل اعتبار كل شئ بنفسه والذي في القراح الآخر لا يوجد فيه هذا الضرر فوجب أن لايتبع الآخر كما لو تباعدا فان بدا صلاح النوع

[ 279 ]

الواحد فأفرد بالبيع ما لم يبد صلاحه من بقية النوع من ذلك البستان لم يجز لدخوله تحت عموم النهي وتعذر قياسه على الصورة المخصوصة من العموم وهي إذا باعه ما بدا صلاحه لانه دخل في البيع تبعا

[ 280 ]

دفعا لمضرة الاشتراك ولا يوجد ذلك ههنا، ولانه قد يدخل في البيع تبعا ما لا يجوز افراده كالثمرة تباع مع الاصل والزرع مع الارض، ويحتمل الجواز لان الكل في حكم ما بدا صلاحه فأشبه بيعه معه

[ 281 ]

وكما لو أفرد بالبيع ما بدا صلاحه { مسألة } (وبدو الصلاح في ثمر النخل أن يحمر أو يصفر، وفي العنب أو يتموه، وفي سائر الثمار

[ 282 ]

أن يبدو فيه النضج ويطيب أكله) وجملة ذلك أن ما كان من الثمر يتغير لونه عند صلاحه كثمرة النخل والعنب غير الابيض والاجاص

[ 283 ]

فبدو صلاحه بذلك، فان كان العنب أبيض فصلاحه بتموهه وهو أن يبدو فيه الماء الحلو ويلين ويصفو لونه، فان كان مما لا يتلون كالتفاح ونحوه فبأن يحلو ويطيب، وإن كان بطيخا أو نحوه فبأن ينمو وفيه النضج

[ 284 ]

وإن كان مما لا يتغير لونه ويؤكل طيبا كالقثاء والخيار فصلاحه بلوغه أن يؤكل عادة، وقال القاضي وأصحاب الشافعي بلوغه تناهي عظمه وما قلناه أشبه بصلاحه مما قالوه فان بدو صلاح الشئ ابتداؤه

[ 285 ]

وتناهي عظمه آخر صلاحه، ولان بدو الصلاح في الثمر يسبق حال الجزاز فلا يجوز أن يجعل بدو صلاحه فيما يقاس عليه بسبقه قطعه عادة وما قلنا في هذا الفصل فهو قول مالك والشافعي وكثير من

[ 286 ]

أهل العلم أو مقارب له، وقال عطاء لا يباع حتى يؤكل من الثمر قليل أو كثير وروي عن ابن عمر وابن عباس ولعلهم أرادوا صلاحه للاكل فيرجع معناه إلى ما قلنا فان ابن عباس قال: نهى رسول الله صلى

[ 287 ]

الله عليه وسلم عن بيع النخل حتى يأكل منه أو يؤكل متفق عليه، وان أرادوا حقيقة الاكل فيحمل على ذلك موافقة لا كثر الاخبار وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع الثمر حتى يطيب

[ 288 ]

أكله متفق عليه، ونهى أن تباع الثمرة حتى تزهو قيل وما تزهو؟ قال " تحمار أو تصفار " رواه البخاري ونهى عن بيع العنب حتى يسود، رواه الترمذي وابن ماجه والاحاديث في هذا كثيرة كلها تدل

[ 289 ]

على هذا المعنى والله أعلم. { مسألة } (ومن باع عبدا وله مال فماله للبائع الا أن يشترطه المبتاع)

[ 290 ]

إذا باع عبده أو أمته وله مال ملكه إياه أو خصه به فهو للبائع لما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع " رواه مسلم

[ 291 ]

وغيره ولان العبد وماله للبائع، فإذا باع العبد اختص البيع به دون غيره كما لو كان له عبدان فباع أحدهما وان اشترطه المبتاع كان له للخبر، روي ذلك عن عمر بن الخطاب وقضى به شريح، وبه

[ 292 ]

قال مالك والشافعي وإسحاق. { مسألة } (فان كان قصده المال اشترط علمه وسائر شروط المبيع، وإن لم يكن قصده

[ 293 ]

المال لم يشترط علمه) إذا اشترى عبدا واشترط ماله وكان المال مقصودا بالشراء صح اشتراطه للخبر ويشترط أن يوجد

[ 294 ]

فيه شرائط البيع من العلم به وألا يكون بينه وبين الثمن ربا كما يعتبر ذلك في العينين المبيعتين لانه مبيع مقصود فأشبه مالو ضم إلى العبد عينا أخرى وباعهما، وان لم يكن قصده المال صح شرطه وان كان

[ 295 ]

مجهولا نص عليه أحمد وهو قول الشافعي وأبي ثور والبتي، وسواء كان المال من جنس الثمن أو من غير جنسه عينا كان أو دينا، وسواء كان مثل الثمن أو أقل أو اكثر. قال البتي: إذا باع عبدا بالف

[ 296 ]

درهم ومعه ألف درهم فالبيع جائز إذا كان رغبة المبتاع في العبد لا في الدراهم وذلك لانه دخل في البيع تبعا غير مقصود فأشبه أساسات الحيطان والتمويه بالذهب في السقوف، وقال القاضي: هذا

[ 297 ]

ينبني على كون العبد يملك اولا يملك. فان قلنا لا يملك فاشترط المشتري ماله صار مبيعا معه فاشترط فيه ما يشترط في سائر المبيعات وهو مذهب أبي حنيفة، وان قلنا يملك احتملت فيه الجهالة وغيرها مما

[ 298 ]

ذكرنا من قبل أنه بيع تبعا فهو كطي الآبار، وهذا خلاف نص أحمد والخرقي فانهما جعلا الشرط الذي يختلف الحكم به قصد المشتري دون غيره. قال شيخنا: وهو أصح إن شاء الله تعالى، واحتمال

[ 299 ]

الجهالة فيه لكونه غير مقصود كاللبن في الضرع والحمل في البطن وأشباه ذلك فانه مبيع ويحتمل فيه الجهالة وغيرها لما ذكرنا، وقد قيل ان المال ليس بمبيع ههنا، وانما استيقاء المشتري على ملك العبد

[ 300 ]

فلا يزول عنه إلى البائع وهو قريب من الاول (فصل) وإذا اشترط مال العبد في الشراء ثم رده باقالة أو عيب رد ماله وقال داود يرده دون ماله

[ 301 ]

لان ماله لم يدخل فيه فأشبه النماء الحادث عنده، ولنا أنه عين مال أخذها المشتري لا تحصل بدون البيع فيردها بالفسخ كالعبد، ولان العبد إذا كان ذا مال كانت قيمته أكثر فأخذ ماله ينقص قيمته فلم يملك

[ 302 ]

رده حتى يدفع ما يزيل نقصه، فان تلف ماله فاراد رده فهو بمنزلة العيب الحادث هل يمنع الرد؟ على روايتين فان قلنا بالرد فعليه قيمة ما تلف عنده. قال أحمد في رجل اشترى أمة معها قناع فاشترطه وظهر على

[ 303 ]

عيب وقد تلف القناع غرم قيمته بحصته من الثمن { مسألة } (وان كان عليه ثياب فقال أحمد: ما كان للجمال فهو للبائع، وما كان للبس

[ 304 ]

المعتاد فهو للمشتري) إذا كان على العبد أو الجارية حلي فهو بمنزلة ماله على ما ذكرنا. فاما الثياب فقال أحمد: ما كان يلبسه

[ 305 ]

عند البائع فهو للمشتري، وان كانت ثيابا يلبسها فوق ثيابه أو شئ يزينه به فهو للبائع إلا أن يشترطه

[ 306 ]

المبتاع، وانما كان كذلك لان ثياب البذلة جرت العادة ببيعها معه، ولانها تتعلق بها حاجة العبد وإنما

[ 307 ]

يلبسها إياه لينفقه بها وهذه حاجة السيد لا حاجة العبد ولم تجر العادة بالمسامحة فيها فجرت مجرى الستور

[ 308 ]

في الدرا والدابة التي يركبه عليها. وقال ابن عمر من باع وليدة زينها بثياب فللذي اشتراها ما عليها

[ 309 ]

إلا أن يشترطه الذي باعها، وبه قال الحسن والنخعي، ولنا الخبر المذكور ولان الثياب لم يتناولها لفظ

[ 310 ]

البيع ولا جرت العادة ببيعها معه أشبه سائر مال البائع ولانه زينة للمبيع أشبه مالو زين الدار ببسط

[ 311 ]

أو ستور والله سبحانه وتعالى أعلم

[ 312 ]

(باب السلم) وهو أن يسلم عينا حاضرة في عوض موصوف في الذمة إلى أجل ويسمى سلفا وسلما يقال: أسلم واسلف وهو نوع من البيع وينعقد بلفظ السلف والسلم لانهما حقيقة فيه، ويشترط له ما يشترط للبيع إلا أنه يجوز في المعدوم، والاصل في جوازه الكتاب والسنة والاجماع. أما الكتاب فقوله سبحانه (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) قال ابن عباس أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله في كتابه وأذن فيه ثم قرأ هذه الآية، رواه سعيد وان اللفظ يشمله بعمومه، وأما السنة فروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنتين والثلاث فقال " من أسلف في شئ فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم " متفق عليه، وأما الاجماع فقال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم جائز (فصل) ولا يصح الا بشروط سبعة (أحدها) أن يكون مما يمكن ضبط صفاته التي يختلف الثمن باختلافها ظاهرا كالمكيل من الحبوب وغيرها والموزون القطن والابريسم والكتان والقنت والصوف والشعر والكاغد والحديد والصفر والنحاس والطيب والادهان والخلول وكل مكيل أو موزون وكذلك المزروع كالثياب، وقد جاء الحديث في الثمار، وقال ابن المنذر أجمع أهل العلم على ان السلم في الطعام جائز. { مسألة } (فاما المعدود المختلف كالحيوان والفواكه والبقول والجلود والرءوس ونحوها ففيه روايتان)

[ 313 ]

اختلفت الرواية في السلم في الحيوان فروي أنه لا يصح السلم فيه وهو قول الثوري وأصحاب الرأي وروي ذلك عن عمر وابن مسعود وحذيفة وسعيد بن جبير والشعبي. قال عمر: إن من الربا أبوابا لاتخفى وإن منها السلم في البسر، ولان الحيوان يختلف اختلافا متباينا فلا يمكن ظبطه، وان استقصى صفاته التي يختلف بها الثمن مثل أزج الحاجبين أكحل العينين أقنى الانف أهدب الاشفار ألمى الشفة تعذر تسلميه لندرة وجوده على تلك الصفة وان لم يذكرها اختلف بها الثمن ظاهرا والمشهور في المذهب صحة السلم فيه نص عليه أحمد في رواية الاثرم، قال ابن المنذر وممن روينا عنه أنه لا بأس بالسلم في الحيوان ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب الحسن والشعبي ومجاهد والزهري والاوزاعي والشافعي واسحاق وأبو ثور، ولان أبا رافع قال: استسلف النبي صلى الله

[ 314 ]

عليه وسلم من رجل بكرا، ورواه مسلم، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أبتاع البعير بالبعيرين وبالابعرة إلى مجئ الصدقة، رواه أبو داود ولانه يثبت في الذمة صداقا فيثبت في السلم كالثياب. فاما حديث عمر فلم يذكره أصحاب الاختلاف ثم هو محمول على أنهم يشترطون من ضراب فحل بني فلان، قال الشعبي إنما كره ابن مسعود السلف في الحيوان لانهم اشترطوا نتاج فحل معلوم رواه سعيد، وقد روي عن علي أنه باع جملا له يدعى عصيفيرا بعشرين بعيرا إلى أجل، ولو ثبت قول عمر في تحريم السلم في الحيوان فقد عارضه قول من سمينا ممن وافقنا. (فصل) واختلفت الرواية في السلم في الحيوان مما لا يكال ولا يوزن ولا يزرع فنقل إسحاق بن ابراهيم عن أحمد أنه قال: لا أرى السلم الا فيما يكال أو يوزن أو يوقف عليه قال أبو الخطاب معناه يوقف عليه بحد معلوم لا يختلف كالزرع فأما الرمان والبيض فلا أرى السلم فيه، وحكى ابن المنذر عنه وعن اسحاق أنه لاخير في السلم في الرمان والسفرجل والبطيخ والقثاء والخيار لانه لا يكال ولا يوزن ومنه الصغير والكبير فعلى هذه الرواية لا يصح السلم في كل معدود مختلف كالذي سمينا وكالبقول لانه يختلف ولا يمكن

[ 315 ]

تقديره بالحزم لان الحزم يمكن في الصغير والكبير فلم يصح السلم فيه كالجواهر، ونقل اسماعيل بن سعيد وابن منصور جواز السلم في الفواكه والموز والخضراوات ونحوها لان كثيرا من ذلك يتقارب وينضبط بالكبر والصغر وما لا يتقارب ينضبط بالوزن كالبقول ونحوها فيصح السلم فيه كالمزروع، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي والاوزاعي، وحكى ابن المنذر عن الشافعي المنع من السلم في البيض الجوز ولعل هذا قول آخر فيكون له قولان: (فصل) وفي السلم في الرؤوس من الخلاف ما ذكرناه وكذلك الاطراف وللشافعي فيه قولان (أحدهما) يجوز وهو قول مالك والاوزاعي وأبي ثور لانه لحم فيه عظم يجوز شراؤه فجاز السلم فيه كبقية اللحم (والاخرى) لا يجوز وهو قول أبي حنيفة لان أكثره العظام والمشافر واللحم فيه قليل وليس بموزون بخلاف اللحم فان كان مطبوخا أو مشويا فقال الشافعي لا يصح السلم فيه وهو قياس قول القاضي لا يتناثر ويختلف وعلى قول أصحابنا غير القاضي حكم ما مسته النار حكم غيره وبه قال مالك والاوزاعي

[ 316 ]

وأبي ثور والعقد يقتضيه سليما من التناثر والعادة في طبخه تتقارب فأشبه غيره وفي الجلود من الخلاف ما في الرؤوس والاطراف وقال الشافعي لا يصح السلم فيها لانه يختلف فالورك ثخين قوي والصدر ثخين رخو والبطن رقيق ضعيف والظهر أقوى فيحتاج إلى وصف كل موضع منه ولا يمكن ذرعه لاختلاف أطرافه، ولنا أن التفاوت في ذلك معلوم فلم يمنع صحة السلم فيه كالحيوان فانه يشتمل على الرأس والجلد والاطراف والشحم وما في البطن وكذلك الرأس يشتمل على لحم الخدين والاذنين والعينين ويختلف ولم يمنع صحة السلم فيه كذلك ههنا (فصل) ويصح السلم في اللحم وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة لا يجوز لانه يختلف، ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " من أسلم فليسلم في كيل معلوم أو وزن معلوم " ظاهره إباحة السلم في كل موزون ولانا قد بينا جواز السلم في الحيوان فاللحم أولى (مسألة) وفي الاواني المختلفة الرؤوس والاوساط كالقماقم والاسطال الضيقة الرؤوس وما يجمع أخلاطا مميزة كالثياب المنسوجة من نوعين وجهان) لا يصح السلم في الاواني المختلفة الرؤوس والاوساط لان الصفة لا تأتي عليها وفيه وجه آخر أنه يصح إذا ضبط بارتفاع حائطه ودون أسفله وأعلاه لان التفاوت في ذلك يسير. فأما الثياب المنسوجة من نوعين كالقطن والكتان والابريسم فالصحيح جواز السلم فيها لان ضبطها ممكن وفيه وجه آخر أنه لا يجوز كالمعاجين. (فصل) ويصح السلم في اللبأ والخبز وما أمكن ضبطه ما مسته النار، وقال الشافعي لا يصح السلم في كل معمول بالنار لان النار تختلف ويختلف الثمن ويختلف عملها، ولنا أنه موزون فجاز السلم فيه كسائر الموزونات ولعموم الحديث ولان عمل النار فيه معلوم بالعادة ممكن ضبطه بالنشافة والرطوبة فاشبه المجفف بالشمس، فأما اللحم المطبوخ والمشوي فقال القاضي لا يصح السلم فيه وهو مذهب الشافعي لانه يتفاوت كثيرا وعادة الناس فيه مختلفة فلا يمكن ضبطه وقال بعض أصحابنا: يصح السلم فيه لما ذكرنا في الخبز واللبأ.

[ 317 ]

(فصل) ويصح السلم في النشاب والنبل وقال القاضي: لا يصح السلم فيهما وهو مذهب الشافعي لانه يجمع أخلاطا من خشب وعقب وريش ونصل فرى مجرى اخلاط الصيادلة ولان فيه ريشا نجسا لانه من جوارح الطير. ولنا أنه مما يصح بيعه ويمكن ضبطه بالصفات التي لا يتفاوت الثمن معها غالبا فصح السلم فيه كالقصب والخشب وما فيه من غيره متميز يمكن ضبطه والاحاطة به ولا يتفاوت كثيرا فلا يمنع كالثياب المنسوجة من جنسين وقد يكون الريش طاهرا وإن كان نجسا لكن يصح بيعه فلا يمنع السلم فيه كنجاسة البغل والحمار. { مسألة } (ولا يصح فيما لا ينضبط كالجواهر كلها والحوامل من الحيوان والمغشوش من الاثمان وغيرها وما يجمع اخلاطا غير مميزة كالغالية والند والمعاجين ويصح فيما يترك فيه شئ غير مقصود لمصلحته كالجبن والعجين وخل التمر والسكنجبين ونحوه) لا يصح السلم فيما لا ينضبط بالصفة كالجوهر من اللؤلؤ والياقوت والزبرجد والفيروزج والبلور لان أثمانها تختلف اختلافا متباينا بالصغر والكبر وحسن التدوير وزيادة ضوئها وصفائها ولا يمكن تقديرها بشئ معين لان ذلك يتلف وهذا قول الشافعي وأصحاب الرأي وحكي عن مالك صحة السلم فيها إذا اشترط منها شيئا معلوما ان كان وزنا فبوزن معروف والصحيح الاول لما ذكرناه، ولا يصح في الحوامل من الحيوان لان الصفة لا تأتي عليها، ولان الولد مجهول غير متحقق، وفيه وجه آخر انه يصح لان الحمل لا حكم له مع الام بدليل صحة بيع الحامل وإن اشترط الحمل ولا نقول بأن الجهل بالحمل مبطل للبيع لكن ان لم تكن حاملا فله الرد، وإذا صح البيع صح السلم لانه بيع، ولا يصح في المغشوش من الاثمان لانه مجهول لا ينضبط بالصفة ولا فيما يجمع اخلاطا غير مميزة كالغالية والند والمعاجين التي يتداوى بها للجهل بها. والذي يجمع اخلاطا على أربعة إضرب (أحدها) مختلط مقصود متميز كالثياب المنسوجة من نوعين والصحيح جواز السلم فيها (الثاني) ما خلطه لمصلحته وليس بمقصود في نفسه كالانفحة في الجبن والملح في العجين والخبز والماء في خل التمر والخل في السكنجبين فيصح السلم فيه لانه يسير لمصلحته (الثالث) اخلاط مقصودة غير متميزة كالغالية والند والمعاجين

[ 318 ]

فلا يصح السلم فيه لان الصفة لا تأتي عليها (الرابع) ما خلطه غير مقصود ولا مصلحة فيه كاللبن المشوب بالماء فلا يصح السلم فيه لان غشه يمنع العلم بقدر المقصود منه فيكون مجهولا، ولا يصح السلم في القسي المشتملة على الخشب والقرن والقصب والتوز إذ لا يمكن ضبط مقادير ذلك وتمييز ما فيه منها، وقيل يجوز السلم فيها كالثياب المنسوجة من نوعين وكالنشاب المشتمل على الخشب والعقب والريش والنصول والاولى ما ذكرنا. (فصل) الثاني أن يصفه بما يختلف به الثمن ظاهرا فيذكر جنسه ونوعه وقدره وبلده وحداثته وقدمه وجودته ورداءته وما لا يختلف به الثمن لا يحتاج إلى ذكره انما اشترط ذلك لان المسلم فيه عوض في الذمة فلابد من العلم به كالثمن، ولان العلم شرط في البيع وطريقه الرؤية أو الوصف والرؤية متعذرة ههنا فتعين الوصف والاوصاف على ضربين متفق على اشتراطها ومختلف فيها، فالمتفق عليها ثلاثة أوصاف: الجنس والنوع والجودة والرداءة فهذه لابد منها في كل مسلم فيه وكذلك معرفته وسنذكرها وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي ولا نعلم عن غيرهم فيه خلافا (الضرب الثاني) ما يختلف الثمن باختلافه غير هذه الاوصاف فينبغي ان يكون ذكرها شرطا قياسا على المتفق عليها ونذكرها عند ذكره وهذا مذهب الشافعي، وقال أبو حنيفة يكفي ذكر الاوصاف الاول لانها تشتمل على ما وراءها من الصفات. ولنا أنه يبقى من الصفات من اللون والبلد ونحوهما ما يختلف الثمن والعوض لاجله فوجب ذكره كالنوع، ولا يجب استقصاء كل الصفات لانه يتعذر وقد ينتهي الحال فيها إلى أمر يتعذر تسليم المسلم فيه فيجب الا كتفاء بالاوصاف الظاهرة التي يختلف بها الثمن ظاهرا، ولو استقصى الصفات حتى انتهى إلى حال يتعذر وجود المسلم فيه بتلك الصفات بطل لان من شروط السلم أن يكون المسلم فيه عام الوجود في محله واستقصاء الصفات يمنع منه (فصل) ولو أسلم في جارية وابنتها أو أختها أو عمتها أو خالتها أو بنت عمها لم يصح لانه لابد أن يضبط كل واحدة منهما بصفات ويتعذر وجود تلك الصفات في جارية وبنتها، ولو أسلم في ثوب على صفة خرقة معيبة لم يجز لانها قد تهلك وهذا غرر فهو كما لو شرط مكيالا بعينه غير معلوم (فصل) والجنس والجودة والقدر شرط في كل مسلم فيه فلا حاجة إلى تكرير ذكر ذلك ويذكر ما سواها فيصف التمر بأربعة أوصاف النوع برني أو معقلي والبلد إن كان يختلف فيقول بغدادي أو

[ 319 ]

بصرى فان البغدادي أحلى وأقل بقاء لعذوبة الماء، والبصري بخلافه، والقدر كبار أو صغار، أو حديث أو عتيق فان أطلق العتيق أجزأ أي عتيق كان ما لم يكن مسوسا ولا حشفا ولا متغيرا، وإن شرط عتيق عام أو عامين فهو على ما شرط، فأما اللون فان كان النوع الواحد يختلف كالطبرزد يكون أحمر وأسود ذكره والا فلا، والرطب كالتمر في هذه الاوصاف الا الحديث والعتيق وليس له من الرطب الا ما أرطب كله ولا يأخذ مشدخا ولا ما قارب أن يتمر وهكذا ما يشبهه من العنب والفواكه (فصل) ويصف البر بأربعة أوصاف النوع فيقول سبيلة أو سلموني والبلد حوراني أو سمالي وصغار الحب أو كباره وحديث أو عتيق، وان كان النوع الواحد يختلف لونه ذكره ولا يسلم إليه إلا مصفى وهذا الحكم في الشعير وسائر الحبوب ويصف العسل بثلاثة أوصاف بالبلد ويجزئ ذلك عن النوع، والزمان ربيعي وصيفي واللون وليس له الا مصفى (فصل) ولا بد في الحيوان من ذكر النوع والسن والذكورية والانوثية ويذكر اللون ان كان النوع الواحد يختلف ويرجع في سن الغلام إليه ان كان بالغا والا فالقول قول سيده، وإن لم يعلم رجع في ذلك إلى أهل الخبرة على ما يغلب على ظنونهم تقريبا، وإذا ذكر النوع في الرقيق وكان مختلفا مثل التركي منهم الحبكلي والخزري فهل يحتاج إلى ذكره أو يكفي ذكر النوع؟ يحتمل وجهين (أولاهما) أنه يحتاج لانه يختلف به الثمن، ولا يحتاج في الجارية إلى ذكر الجعودة والسبوطة لان ذلك لا يختلف به الثمن اختلافا بينا ومثل ذلك لا يراعى كما لا تراعى صفات الحسن والملاحة، فان ذكر شيئا من ذلك

[ 320 ]

لزمه، ويذكر الثيوبة والبكارة لان الثمن يختلف بذلك ويتعلق به الغرض ويذكر القد خماسي أو سداسي يعني خمسة أشبار أو ستة أشبار. قال أحمد: يقول خماسي سداسي أسود أبيض أعجمي أو فصيح، أما الابل فيضبطها بأربعة أوصاف فلان والسن بنت مخاض أو بنت لبون واللون بيضاء أو حمراء أو ورقاء وذكر أو أنثى، فان اختلف النتاج فكان فيه مهرية وأرجبية فهل يحتاج إلى ضبط ذلك؟ يحتمل وجهين ولا يفتقر إلى ذكر ما زاد على هذه الاوصاف، وإن ذكر بعضه كان تأكيدا ولزمه وأوصاف الخيل كأوصاف الابل، وأما البغال والحمر فلا نتاج لها فيجعل بدل ذلك نسبتها إلى بلدها، وأما البقر والغنم فان عرف لها نتاج فهي كالابل والا فهي كالحمر، ولا بد من ذكر النوع في هذه الحيوانات فيقول في الابل بختية أو عرابية، وفي الخيل عربية أو هجين أو برذون، وفي الغنم ضأن أو معز الا الحمير والبغال فلا أنواع فيها (فصل) ويذكر في اللحم السمن والذكورية والانوثية والسمن والهزال وراعيا أو مغلوفا ونوع الحيوان وموضع اللحم منه ويزيد في الذكر فحلا أو خصيا وإن كان لحم صيد لم يحتج إلى ذكر العلف والخصى ويذكر الآلة التي يصاد بها من جارحة أو أحبولة، وفي الجارحة يذكر صيد فهد أو كلب أو صقر فان الاحبولة يؤخذ الصيد منها سليما، وصيد الكلب خير من صيد الفهد لكون الكلب أطيب نكهة من الفهد لكونه مفتوح الفم في أكثر الاوقات، والصحيح ان شاء الله أن هذا ليس بشرط لان التفاوت فيه يسير ولا يكاد الثمن يتباين باختلافه ولا يعرفه الا القليل من الناس، وإذا لم يحتج في الرقيق إلى ذكر السمن والهزال واشباهها وما يتباين بها الثمن وتتعلق بها الرغبات ويعرفها الناس

[ 321 ]

فهذا أولى، ويلزم قبول اللحم بعظامه لانه هكذا يقطع فهو كالنوى في التمر، فان كان السلم في لحم طير لم يحتج إلى ذكر الذكورية والانوثية إلا أن يختلف بذلك كلحم الدجاج ولا إلى ذكر موضع اللحم إلا ان يكون كثيرا يأخذ منه بعضه ولا يلزمه قبول الرأس والساقين لانه لا لحم عليها، ويذكر في السمك النوع بردي أو غيره والكبر والصغر والسمن والهزال والطري والملح ولا يقبل الرأس والذنب وله ما بينهما وإن كان كثيرا يأخذ بعضه ذكر موضع اللحم منه (فصل) ويضبط السمن بالنوع من ضأن أو معز أو بقر واللون أبيض أو أصفر، قال القاضي ويذكر المرعى ولايحتاج إلى ذكر حديث أو عتيق لان الاطلاق يقتضي الحديث ولا يصح السلم في عتيقه لانه عيب ولا ينتهي إلى حد يضبط به، ويصف الزبد بأوصاف السمن ويزيد زبد يومه أو أمسه ولا يلزمه قبول متغير من السمن والزبد ولا رقيق إلا أن تكون رقته للحر، ويصف اللبن بالمرعى ولايحتاج إلى اللون ولا حليب يومه لان اطلاقه يقتضي ذلك ولا يلزمه قبول متغير. قال أحمد ويصح السلم في المخيض وقال الشافعي لا يصح لان فيه ما ليس من مصلحته وهو الماء فصار المقصود مجهولا ولنا أن الماء يسير يترك لاجل المصحلة جرت العادة به فلم يمنع صحة السلم فيه كالماء في الشيرج وفي خل التمر، ويصف الجبن بالنوع والمرعى ورطب أو يابس، ويصف اللبأ بصفات اللبن ويزيد اللون ويذكر الطبخ وعدمه. (فصل) ويضبط الثياب بستة أوصاف النوع كتان أو قطن والبلد والطول والعرض والصفاقة

[ 322 ]

والرقة والغلظ والنعومة والخشونة ولا يذكر الوزن وإن ذكره لم يصح لتعذر الجمع بين صفاته المشترطة مع وزن معلوم فيكون فيه تغرير لبعد اتفاقه، وان ذكر الخام أو المقصور فله شرطه وإن لم يذكره جاز وله خام لانه الاصل، وان ذكر مغسولا أو لبيسا لم يجز لان اللبيس يختلف ولا ينضبط فان أسلم في مصبوغ مما يصبغ غزله جاز لان ذلك من جملة صفات الثوب وإن كان مما يصبغ بعد نسجه لم يجز لان الصبغ يمنع من الوقوف على نعومة الثوب وخشونته ولان الصبغ غير معلوم، وان أسلم في ثوب مختلف الغزول كقطن وكتان أو قطن وابريسم أو صوف وابريسم وكانت الغزول مضبوطة بأن يقول السدى ابريسم واللحمة كتان أو نحوه جاز وقد ذكرناه، ولهذا جاز السلم في الخز وهو من غزلين مختلفين، وإن أسلم في ثوب موشى وكان الوشي من تمام نسجه جاز وإن كان زيادة لم يجز لانه لا ينضبط. (فصل) ويصف غزل القطن والكتان بالبلد واللون والغلظ والرقة والنعومة والخشونة ويصف القطن بذلك ويجعل مكان الغلظة والرقة الطول والقصر، وان شرط في القطن منزوع احب جاز وان أطلق كان له بحبه كالتمر بنواه، ويصف الابريسم بالبلد واللون والغلظ والرقة، ويصف الصوف بالبلد واللون والطول والقصر والزمان خريفي أو ربيعي لان صوف الخريف أنظف، قال القاضي: ويصفه بالذكورية والانوثية لان صوف الاناث أنعم ويحتمل أن لا يحتاج إلى هذه الصفة لان التفاوت في هذا يسير وعليه تسليمه نقيا من الشوك والبعر وإن لم يشترطه، وان اشترطه جاز وكان تأكيدا وكذلك الشعر والوبر، ويصح السلم في الكاغد لانه يمكن ضبطه ويصفه بالطول والعرض والرقة والغلظ واستواء الصنعة وما يختلف به الثمن

[ 323 ]

(فصل) ويضبط الرصاص والنحاس والحديد بالنوع فيقول في الرصاص قلعي أو أسرب والنعومه والخشونة واللون إن كان يختلف ويزيد في الحديد ذكرا أو أنثى فان الذكر أحد وأمضى وان أسلم في الاواني التي يمكن ضبط قدرها وطولها وسمكها ودورها كالاسطال القائمة الحيطان والطسوت جاز ويضبطها بذلك وإن أسلم في قصاع وأقداح من الخشب جاز ويذكر نوع خشبها من جوز أو توت وقدرها في الصغر والكبر والعمق والضيق والثخانة والرقة وإن أسلم في سيف ضبطه بنوع حديده وطوله وعرضه ورقته وبلده وغلظه وقديم الطبع أو محدث ماض أو غيره يصف قبضته وجفنه (فصل) والخشب على أضرب منه ما يراد للبناء فيذكر نوعه ورطوبته ويبسه وطوله ودوره أو سمكه وعرضه ويلزمه أن يدفع إليه من طرفه إلى طرفه بذلك العرض والدور، وإن كان أحد طرفيه أغلظ مما وصف فقد زاده خيرا، وان كان أدق لم يلزمه قبوله، وان ذكر الوزن أو سمحا جاز وان لم يذكره جاز وله سمح خال من العقد لان ذلك عيب وان كان للقسي ذكر هذه الاوصاف وزاد سهليا أو جبليا أو خوطا أو فلقة فان الجبلي أقوى من السهلي والخوط أقوى من الفلقة ويذكر فيما للوقود الغلظ واليبس والرطوبة والوزن، ويذكر فيما للنصب النوع والغلظ وسائر ما يحتاج إلى معرفته ويخرجه من الجهالة وان أسلم في النشاب والنبل ضبطه بنوع خشبه وطوله وقصره ودقته وغلظه ولونه ونصله وريشه. (فصل) والحجارة منها ما هو للارحية فيضبطها بالدور والثخانة والبلد والنوع ان كان يختلف ومنها ما هو للبناء فيذكر اللون والقدر والنوع والوزن ويذكر في حجارة الآنية النوع واللون والقدر واللين والوزن ويصف البلور باوصافه ويصف الآجر واللبن بموضع التربة واللون والدور والثخانة وان أسلم

[ 324 ]

في الجص والنورة ذكر اللون والوزن ولا يقبل ما أصابه الماء فجف ولا ما قدم قدما يؤثر فيه ويضبط التراب بمثل ذلك ويقبل الطين الذي قد جف ان كان لا يتأثر بذلك (فصل) ويضبط العنبر بالوزن والبلد وان شرط قطعة أو قطعتين جاز وان لم يشترط فله اعطاؤه صغارا أو كبارا، وقد قيل العنبر نبات يخلقه الله تعالى في جنبات البحر ويضبط العود الهندي ببلده وما يعرف به ويضبط اللبان والمصطكا وصمغ الشجر والمسك وسائر ما يجوز السلم فيه بما يختلف به { مسألة } (فان شرط الاجود لم يصح) لتعذر الوصول إليه إلا نادرا (وان شرط الاردأ لم يصح في أحد الوجهين) لذلك (والثاني) يصح لانه يمكنه تسليم المسلم أو خير منه فيلزم المسلم قبوله { مسألة } (وإن جاءه بدون ما وصف له أو نوع آخر فله أخذه) لانه رضي بدون حقه ولا يلزمه لان فيه اسقاط حقه، وقال القاضي يلزمه إذ لم يكن أدنى من النوع المشترط لانه من جنسه أشبه الزائد في الصفة. ولنا أنه لم يأت بالمشروط فلم يلزم قبوله كالادنى بخلاف الزائد في الصفة فانه أحضر المشروط مع زيادة ولان أحد النوعين يصلح لما لا يصلح له الآخر بخلاف الصفة { مسألة } (وإن جاءه بجنس آخر لم يجز له أخذه) لقوله عليه الصلاة والسلام " من أسلف في شئ فلا يصرفه إلى غيره " رواه أبو داود وذكر ابن ابي موسى رواية أنه يجوز أن يأخذ مكان البر شعيرا مثله ولعله بناه على أنهما جنس واحد والاول أصح { مسألة } (وإن جاءه بأجود منه من نوعه لزمه قبوله) لانه أتى بما تناوله العقد وزيادة تنفعه ولا تضره { مسألة } (وإن جاءه بالاجود فقال خذه وزدني درهما لم يصح) وقال أبو حنيفة يصح كما لو جاءه بزيادة في القدر. ولنا ان الجودة صفة فلا يجوز افرادها بالعقد كما لو كان مكيلا أو موزونا، وإن جاءه بزيادة في القدر فقال له ذلك صح لان الزيادة ههنا يجوز افرادها بالبيع { فصل } قال رحمه الله تعالى (الثالث أن يذكر قدره بالكيل في المكيل والوزن في الموزون والذرع في المذروع فان أسلم في المكيل وزنا وفي الموزون كيلا لم يصح وعنه يصح) يشترط معرفة قدر المسلم فيه بالكيل في المكيل والوزن في الموزون في إحدى الروايتين لقول

[ 325 ]

النبي صلى الله عليه وسلم " من أسلف في شئ فليسلف في كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم " متفق عليه ويشترط معرفة المذروع بالذرع والمعدود بالعد لانه عوض غائب يثبت في الذمة فاشترط معرفة قدره كالثمن، ولا نعلم في اعتبار معرفة مقدار المسلم فيه خلافا. قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم جائز في الثياب بذرع معلوم فان أسلف في المكيل وزنا أو في الموزون كيلا ففيه روايتان (احداهما) لا يصح نقلها عنه الاثرم فقال سئل أحمد عن السلم في التمر وزنا فقال لا إلا كيلا، قلت ان الناس ههنا لا يعرفون الكيل. قال وان كانوا لا يعرفون الكيل فعلى هذه الرواية لا يجوز في المكيل إلا كيلا ولا في الموزن الا وزنا ذكره القاضي وابن أبي موسى لانه مبيع يشترط معرفة قدره فلم يجز بغير ما هو مقدر به في الاصل كبيع الربويات بعضها ببعض ولانه مقدر بغير ما هو مقدر به في الاصل فلم يجز كما لو أسلم في المذروع وزنا (الثانية) يجوز فنقل المروذي عن أحمد أن السلم يجوز في اللبن إذا كان كيلا أو وزنا وهذا يدل على إباحة السلم في المكيل وزنا وفي الموزون كيلا لان اللبن لا يخلو من ان يكون مكيلا أو موزونا وقد اجاز السلم فيه بكل منهما وهو قول الشافعي وابن المنذر، وقال مالك ذلك جائز إذا كان الناس يتبايعون التمر وزنا وهذا الصحيح ان شاء الله لان الغرض معرفة قدره وامكان تسليمه من غير تنازع فبأي قدر قدره جاز ويفارق بيع الربويات فان التماثل بالكيل في المكيل الوزن في الموزون شرط ولا يعلم هذا الشرط إذ قدرها بغير مقدارها الاصلي، وقد ذكرنا المكيل والموزون في باب الربا، ولا يسلم في اللبأ إلا موزونا لانه يجمد عقيب حلبه فلا يتحقق الكيل فيه وإن كان المسلم فيه مما لا يمكن وزنه بميزان لثقله كالارحية والحجارة الكبار وزن بالسفينة فتترك السفينة في الماء ثم يترك ذلك فيها فينظر إلى اي موضع تغوص فيعلمه ثم يرفع ويترك مكانه رمل أو احجار صغار إلى ان يبلغ الماء الموضع المعلم ثم يوزن بميزان فيكون زنة ذلك الشئ { مسألة } (ولا بد ان يكون المكيال معلوما فان شرط مكيالا بعينه أو صنجة بعينها غير معلومة لم يصح) بشرط ان يكون المكيال والصنجة والذراع معروفة عند العامة فان عين مكيالا أو صنجة أو

[ 326 ]

ذراعا غير معلوم لم يصح لانه يهلك فيتعذر المسلم فيه وهذا غرر لا يحتاج إليه العقد. قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم في الطعام لا يجوز بقفيز لايعرف عياره ولا في ثوب بذرع فلان لان المعيار لو تلف أو مات فلان بطل السلم منهم الثوري والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور فان عين مكيال رجل أو ميزانه وكانا معروفين عند العامة جاز ولم يختص بهما، فان لم يعلما لم يجز لما ذكرنا { مسألة } (وفي المعدود المختلف غير الحيوان روايتان) (احداهما) يسلم فيه عددا والاخرى وزنا وقيل يسلم في الجوز والبيض عددا وفي الفواكه والبقول وزنا وما عدا المكيل والموزون الحيوان والمذروع فعلى ضربين معدود وغيره والمعدود نوعان (احدهما) لا يتباين كثيرا كالجوز والبيض فيسلم فيه عددا في أضهر الروايتين وهو قول أبي حنيفة والاوزاعي، وقال الشافعي لا يسلم فيهما عددا لان ذلك يتباين ويختلف فلم يجز عددا كالبطيخ وانما يسلم فيهما وزنا وكيلا ولنا أن التفاوت يسير ويذهب ذلك باشتراط الكبر والصغر أو الوسط فيذهب التفاوت وإن بقي شئ " يسير عفي عنه كسائر التفاوت في المكيل والموزون المعفو عنه، ويفارق البطيخ فانه يتفاوت تفاوتا كثيرا لا ينضبط ولنا فيه منع أيضا (النوع الثاني) ما يتفاوت كالرمان والسفرجل والقثاء والخيار فحكمه حكم ما ليس بمعدود من البطيخ والبقول وفيه وجهان (احدهما) يسلم فيه عددا ويضبطها بالصغر والكبر لانه يباع هكذا (والثاني) لا يسلم فيه الاوزنا وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي لانه لا يمكن تقديره بالعدد لانه يختلف كثيرا ويتباين جدا، ولا بالكيل لانه يتجافى في المكيال. ولا يمكن تقدير البقل بالحزم لانه يختلف ويمكن حزم الكبيرة والصغيرة فلم يمكن تقديرة بغير الوزن فيتعين تقديره به، وقيل يسلم في الجوز والبيض عددا لانه يباع كذلك وفي الفواكه والبقول وزنا لانه أضبط وقد ذكرناه

[ 327 ]

قال رحمه الله تعالى (فصل) (الرابع أن يشترط أجلا معلوما له وقع في الثمن كالشهر ونحوه، فان أسلم حالا أو إلى أجل قريب كاليوم ونحوه لم يصح) يشترط لصحة السلم كونه مؤجلا ولا يصح السلم الحال نص عليه أحمد في رواية المروذي، وبه قال أبو حنيفة ومالك والاوزاعي، وقال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر يجوز السلم حالا لانه عقد يصح مؤجلا فصح حالا كبيوع الاعيان، ولانه إذا جاز مؤجلا فحالا أجوز ومن الغرر أبعد ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " من أسلف في شئ فليسلف في كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم " فأمر بالاجل والامر يقتضي الوجوب، ولانه أمر بهذه الشروط تبيينا لشروط السلم ومنعا منه بدونها، ولذلك لا يصح إذا انتفى الكيل والوزن فكذلك الاجل، ولانه انما جاز رخصة للمرفق ولا يحصل المرفق الا بالاجل، فإذا انتفى الاجل انتفى المرفق فلا يصح الكتابة، ولان الحلول يخرجه عن اسمه ومعناه أما الاسم فانه سمي سلما وسلفا لتعجل أحد العوضين وتأخر الآخر ومعناه ما ذكرناه في أول الباب من أن الشارع رخص فيه من اجل الحاجة الداعية إليه ومع حضور ما يبيعه حالا لا حاجة إلى السلم فلا يثبت وفارق بيوع الاعيان فانها لم تثبت على خلاف الاصل لمعنى يختص بالتأجيل وما ذكروه من التنبيه غير صحيح لان ذلك انما يجري فيما إذا كان المعنى المقتضي موجودا في الفرع بصفة التأكيد وليس كذلك ههنا فان البعد من الغرر ليس هو المقتضي لصحة السلم المؤجل وانما المصحح له شئ آخر لم يذكر اجتماعهما فيه وقد بينا افتراقهما. إذا ثبت هذا فانه إن باعه ما يصح السلم فيه حالا في الذمة صح ومعناه معنى السلم، وانما افترقا في اللفظ لكن يشترط في البيع أن يكون المبيع مملوكا للبائع، فان باعه ما ليس عنده لم يصح وقد ذكرناه (فصل) ويشترط كون الاجل مدة لها وقع في الثمن كالشهر وما قاربه، وقال أصحاب أبي حنيفة لو قدره بنصف يوم جاز، وقدره بعضهم بثلاثة أيام وهو قول الاوزاعي لانها مدة يجوز فيها خيار الشرط وهي آخر حد القلة قالوا لان الاجل انما اعتبر في السلم لان المسلم فيه معدوم في الاصل لكون

[ 328 ]

السلم انما ثبت رخصة في حق المفاليس فلابد من الاجل ليحصل ويسلم وهذا يتحقق بأقل مدة يتصور حصوله فيها. ولنا أن الاجل انما اعتبر ليتحقق المرفق الذي شرع من أجله السلم ولا يحصل ذلك بالمدة التي لا وقع لها في الثمن، ولا يصح اعتباره بمدة الخيار لان الخيار يجوز ساعة وهذا لا يجوز والاجل يجوز أن يكون أعواما وهم لا يجيزون الخيار أكثر من ثلاث وكونها آخر حد القلة لا يقتضي التقدير بها، وقولهم إن المقصود يحصل بأقل مدة لا يصح فان السلم انما يكون لحاجة المفاليس الذين لهم ثمار أو زروع أو تجارات ينتظرون حصولها ولا يحصل هذا في المدة اليسيرة غالبا { مسألة } (إلا أن يسلم في شئ يأخذ منه كل يوم أجزاء معلومة فيصح) قال الاثرم قلت لابي عبد الله الرجل يدفع إلى الرجل الدراهم في الشئ يؤكل فيأخذ منه كل يوم من تلك السلعة شيئا فقال على معنى السلم؟ فقلت نعم، فقال لا بأس ثم قال مثل الرجل القصاب يعطيه الدينار على أنه يأخذ منه كل يوم رطلا من لحم قد وصفه: وبهذا قال مالك، وقال الشافعي إذا أسلم في جنس واحد إلى أجلين لم يصح في أحد القولين لان ما يقابل أبعدهما أجلا أقل مما يقابل الآخر وذلك مجهول. ولنا أن كل بيع جاز إلى أجل جاز إلى أجلين وآجال كبيوع الاعيان، فعلى هذا إذا قبض البعض وتعذر رجع بقسطه من الثمن ولا يجعل للباقي فضلا على المقبوض لانه مبيع واحد متماثل الاجزاء فيقسط الثمن على اجزائه بالسوية كما لو اتفق أجله { مسألة } (فان أسلم في جنس إلى أجلين أو في جنسين إلى أجل صح) اما إذا أسلم في جنس إلى أجلين فقد ذكرناه في المسألة قبلها، وإن أسلم في جنسين إلى أجل واحد صح قياسا على البيع { مسألة } (ولابد أن يكون الاجل مقدرا بزمن معلوم للخبر) وهو أن يسلم إلى وقت يعلم بالاهلة نحو أول الشهر وأوسطه وآخره أو يوم معلوم منه لقول الله تعالى (يسئلونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج) ولا خلاف في صحة التأجيل بذلك، فان أسلم إلى عيد الفطر أو النحر أو يوم عرفة أو عاشوراء أو نحوها جاز لانه معلوم بالاهلة فان

[ 329 ]

جعل الاجل مقدرا بغير الشهور الهلالية وكان ما يعرفه المسلمون وهو مشهور بينهم مثل الاشهر الرومية كشباط ونحوه أو عيد لا يختلف كالنيروز والمهرجان عند من يعرفهما فظاهر كلام الخرقي وابن أبي موسى أنه لا يصح لانه أسلم إلى غير الشهور الهلالية أشبه إذا أسلم إلى الشعانين وعيد الفطير، ولان هذه لا يعرفها كثير من المسلمين أشبه ما ذكرنا، وقال القاضي يصح وهو قول الاوزاعي والشافعي لانه معلوم لا يختلف أشبه أعياد المسلمين وفارق ما يختلف لكونه لا يعلمه المسلمون وإن كان مما لا يعرفه المسلمون كالشعانين وعيد الفطير ونحوهما لم يصح السلم إليه لان المسلمين لا يعرفونه ولايجوز تقليد أهل الذمة فيه لان قولهم غير مقبول ولانهم يقدمونه ويؤخرونه على حساب لهم لا يعرفه المسلمون، وإن أسلم إلى ما لا يختلف مثل كانون الاول ولا يعرفه المتعاقدان أو أحدهما لم يصح لانه مجهول عنده { فصل } وإذا جعل الاجل إلى شهر تعلق بأوله، وان جعل الاجل اسما يتناول شيئين كجمادى ويوم النفر تعلق بأولهما، وان قال إلى ثلاثة أشهر كان إلى انقضائها لانه إذا ذكر ثلاثة أشهر مبهمة وجب أن يكون ابتداؤها من حين لفظه بها، وكذلك لو قال إلى شهر كان إلى آخره وينصرف إلى الاشهر الهلالية لقول الله تعالى (ان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا) وإن أراد الهلالية فان

[ 330 ]

كان في اثناء شهر كمل شهرا بالعدد وشهرين بالاهلة، وقيل تكون الثلاثة بالعدد وسنذكر ذلك في غير هذا، وان قال محلة شهر كذا صح وتعلق بأوله، وقيل لا يصح لانه جعل ذلك ظرفا فيحتمل أوله وآخره والصحيح الاول، فانه لو قال لعبده أنت حر في شهر كذا تعلق بأوله وهو نظير مسئلتنا، فان قيل العتق يتعلق بالاخطار والاغرار ويجوز تعليقه على مجهول كنزول المطر وقدوم زيد بخلاف مسئلتنا، قلنا الا انه إذا جعل محله في شهر تعلق بأوله فلا يكون مجهولا وكذا السلم { مسألة } (وان أسلم إلى الحصاد أو شرط الخيار إليه فعلى روايتين) لا يصح أن يؤجل السلم إلى الحصاد والجزاز وما أشبهه، كذلك قال ابن عباس وأبو حنيفة والشافعي وابن المنذر، وفيه رواية أخرى أنه يجوز. قال أحمد: أرجو أن لا يكون به بأس، وبه قال مالك وأبو ثور، وعن ابن عمر أنه كان يبتاع إلى العطاء، وبه قال ابن أبي ليلى وقال أحمد ان كان شئ يعرف فأرجو، وكذلك ان قال إلى قدوم الغزاة وهذا محمول على أنه أراد وقت العطاء لان ذلك معلوم، فأما نفس العطاء فهو مجهول يختلف ويتقدم ويتأخر، ويحتمل أنه أراد نفس العطاء لكونه يتقارب أيضا فأشبه الحصاد ووجه ذلك انه أجل تعلق بوقت من الزمن يعرف في العادة لا يتفاوت تفاوتا كثيرا أشبه إذا قال إلى رأس السنة

[ 331 ]

ولنا قول ابن عباس: لا تتبايعوا إلى الحصاد والدياس، ولا تتبايعوا الا إلى شهر معلوم، ولان ذلك يختلف ويقرب ويبعد فلا يجوز أن يكون أجلا كقدوم زيد، فان قيل فقد روي عن عائشة أنها قالت: ان النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى يهودي " أن ابعث الي بثوبين إلى الميسرة " قلنا قال ابن المنذر رواه حرمي بن عمارة، وقال أحمد فيه غفلة وهو صدوق، قال ابن المنذر فأخاف ان يكون من غفلاته إذ لم يتابع عليه، ثم إنه لا خلاف في أنه لو جعل الاجل إلى الميسرة لم يصح، وان جعل الخيار إليه فهو في معنى الاجل { مسألة } (وإذا جاءه بالسلم قبل محله ولا ضرر في قبضه لزمه قبضه والا فلا) عبر بالسلم عن المسلم فيه كما يعبر بالسرقة عن المسروق، وبالرهن عن المرهون، وإذا حضر المسلم فيه على الصفة المشروطة لم يخل من أحوال ثلاثة (أحدها) أن يحضره في محله فيلزمه قبوله كالبيع المعين سواء تضرر بقبضه أولا لان على المسلم إليه ضررا في بقائه في يده، فان امتنع قيل له إما أن تقبض حقك أو تبرئ منه لان قبض الحاكم قام مقام قبض الممتنع بولايته الا أنه ليس له الابراء (الحال الثاني) أن يحضره بعد محل الوجوب فهو كما لو أحضر المبيع بعد تفرقهما (الحال الثالث) أن يحضره قبل محله فينظر، فان كان في قبضه قبل المحل ضرر إما لكونه مما يتغير كالفاكهة والاطعمة كلها أو كان قديمه دون حديثه كالحبوب ونحو هذا لم يلزم المسلم قبوله لان له غرضا في تأخيره بأن يحتاج إلى أكله أو طعامه في ذلك الوقت، وكذلك الحيوان لانه لا يأمن تلفه ويحتاج إلى المؤنة وهكذا ان كان يحتاج في حفظه إلى مؤنة كالقطن ونحوه، أو كان الوقت مخوفا يخشى على ما يقبضه فلا يلزمه الاخذ في هذه الاحوال لان عليه ضررا في قبضه ولم يأت محل استحقاقه له فهو كنقص صفة فيه، وان كان مما لاضرر في قبضه ولا يتغير كالحديد والرصاص والنحاس فانه يستوي قديمه وحديثه ونحو ذلك الزيت والعسل ولم يكن في قبضه ضرر الخوف ولا تحمل مؤنة فعليه قبضه لحصول غرضه مع زيادة تعجل المنفعة فجرى مجرى زيادة الصفة وزيادة الجودة في المسلم فيه (فصل) وليس له الا أقل ما تقع عليه الصفة لانه قد سلم إليه ما تناوله العقد فبرئت ذمته منه فعليه أن يسلم الحبوب نقية، فان كان فيها تراب يأخذ موضعا من المكيال لم يجز، وان كان يسيرا لا يؤثر في الكيل ولا يعيب لزمه أخذه، ولا يلزمه أخذ التمر الا جافا، ولا يلزم أن يتناهى جفافه لانه يقع عليه

[ 332 ]

الاسم، ولا يلزمه أن يقبل معيبا بحال وإن قبضه فوجده معيبا فله المطالبة بالبدل كالمبيع والله أعلم (فصل) الشرط الخامس أن يكون المسلم فيه عام الوجود في محله لا نعلم فيه خلافا لانه إذا كان ظاهرا أمكن تسليمه عند وجوب التسليم، وإذا لم يكن عام الوجود لم يكن موجودا عند المحل كذلك فلا يمكن تسليمه فلم يصح كبيع الآبق، بل أولى فان السلم احتمل فيه أنواع من الغرر للحاجة فلا يحتمل فيه غرر آخر لئلا يكثر الغرر فان كان لا يوجد فيه أولا يوجد الا نادرا كالسلم في العنب والرطب إلى شباط أو أذار أو أسلم إلى محل لا يعم وجوده فيه كزمان أول العنب أو آخره الذي لا يوجد فيه الا نادرا لم يصح لانه لا يؤمن انقطاعه فلا يغلب على الظن القدرة على تسليمه عند وجوب التسليم { مسألة } (وان أسلم في ثمرة بستان بعينه أو قرية صغيرة لم يصح لانه لا يؤمن تلفه وانقطاعه) قال ابن المنذر: ابطال السلم إذا أسلم في ثمرة بستان بعينه كالاجماع من أهل العلم منهم الثوري ومالك والشافعي والاوزاعي واسحاق وأصحاب الرأي، قال وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أسلف إليه رجل من اليهود دنانير في تمر مسمى فقال اليهودي من تمر حائط بني فلان فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أما من حائط بني فلان فلا ولكن كيل مسمى إلى أجل مسمى " رواه ابن ماجه وغيره ورواه الجوزجاني في المترجم وقال اجمع الناس على الكراهة لهذا البيع ولانه لا يؤمن انقطاعه وتلفه أشبه مالو اسلم في شئ قدره مكيال معين أو صنجة معينة أو أحضر خرقة وأسلم في مثلها (فصل) ولا يشترط وجود المسلم فيه حال العقد بل يجوز ان يسلم في الرطب في أوان الشتاء

[ 333 ]

وفي كل معدوم إذا كان موجودا عند المحل وهو قول مالك والشافعي واسحاق وابن المنذر، وقال الثوري والاوزاعي وأصحاب الرأي يشترط أن يكون جنسه موجودا حال العقد إلى حال المحل لان كل زمان يجوز أن يكون محلا للمسلم فيه لموت المسلم إليه فاعتبر وجوده فيه كالمحل. ولنا ان النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنتين والثلاث فقال " من أسلف فليسلف في كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم " ولم يذكر الوجود ولو كان شرطا لذكره ولنهاهم عن السلف سنتين لانه يلزم منه انقطاع المسلم فيه أوسط السنة ولا يثبت في الذمة ويوجد في محله غالبا أشبه الموجود ولا نسلم ان الدين يحل بالموت، وان سلمنا فلا يلزم أن يشترط ذلك الوجود إذ لو لزم أفضى إلى أن تكون آجال السلم مجهولة والمحل ما جعله المتعاقدان محلا وههنا لم يجعلاه { مسألة } (وان أسلم إلى محل يوجد فيه عاما فانقطع خير بين الصبر والفسخ والرجوع برأس ماله أو عوضه إن كان معدوما في أحد الوجهين وفي الآخر ينفسخ بنفس التعذر) وجملة ذلك أنه تعذر تسليم المسلم فيه عند محله اما لغيبة المسلم إليه أو عجزه عن التسليم حتى عدم المسلم فيه أو لم تحمل الثمار تلك السنة فالمسلم بالخيار بين الصبر إلى أن يوجد فيطالب به وبين أن يفسخ العقد ويرجع بالثمن ان كان موجودا أو بمثله إن كان مثليا والاقيمته، وبذلك قال الشافعي واسحاق وابن المنذر، وفيه وجه آخر أنه ينفسخ بنفس التعذر لكون المسلم فيه من ثمرة العام بدليل وجوب التسليم منها فإذا هلكت انفسخ العقد به كما لو باعه قفيزا من صبرة فهلكت والاول أصح فان العقد قد صح وإنما تعذر التسليم فهو كمن اشترى عبدا فابق قبل القبض، ولا يصح دعوى التعيين في هذا العام، فانهما

[ 334 ]

لو تراضيا على دفع المسلم فيه من غيرها جاز وانما أجبر على دفعه من ثمرة العام لتمكنه من دفع ما هو نصف حقه وذلك يجب الدفع من ثمرة نفسه إذا قدر ولم يجد غيرها وليست متعينة فان تعذر البعض فللمشتري الخيار بين الفسخ في الكل والرجوع بالثمن وبين أن يصبر إلى حين الامكان ويطالب بحقه، فان أحب الفسخ في المتعذر وحده فله ذلك لان الفساد طرأ بعد صحة العقد فلم يوجب الفساد في الكل ويصبر على ما نذكره من الخلاف في الاقالة في بعض السلم، وان قلنا إن الفسخ يثبت بنفس التعذر انفسخ في المعقود دون الموجود لما ذكرنا من أن الفساد الطارئ على بعض المعقود عليه لا يوجب فساد الجميع ويثبت للمشتري خيار الفسخ في الموجود كما ذكرنا في الوجه الاول (فصل) وإذا أسلم ذمي إلى ذمي في خمر ثم أسلم أحدهما فقال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن المسلم يأخذ دراهمه لانه ان كان المسلم المسلم فليس له استيفاء الخمر فقد تعذر استيفاء المعقود عليه وان كان الآخر فقد تعذر عليه الايفاء فصار الامر إلى رأس ماله { فصل } (الشرط السادس) أن يقبض رأس مال السلم في مجلس العقد فان تفرقا قبل ذلك بطل، وبذلك قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك يجوز أن يتأخر قبضه يومين وثلاثة واكثر ما لم يكن ذلك شرطا لانه معاوضة لا تخرج بتأخير قبضه من أن تكون سلما فاشبه تأخيره إلى آخر المجلس ولنا أنه عقد معاوضة لا يجوز فيه شرط تأخير العوض المطلق فلا يجوز التفرق فيه قبل القبض كالصرف، ولا يصح قياسه على المجلس بدليل الصرف، وان قبض بعضه ثم تفرقا فكلام الخرقي

[ 335 ]

يقتضي أن لا يصح وحكي ذلك عن ابن شبرمة والثوري. وقال أبو الخطاب هل يصح في المقبوض؟ على وجهين بناء على تفريق الصفقة وهذا الذي يقتضيه مذهب الشافعي، وقد نص أحمد في رواية ابن منصور إذا أسلمت ثلثمائة درهم في أصناف شتى مائة في حنطة ومائة في شعير ومائة في شئ آخر فخرج فيها زيوف رد على الاصناف الثلاثة على كل صنف بقدر ما وجد من الزيوف فصحح العقد في البافي بحصته من الثمن، وقال الشريف أبو جعفر فيمن أسلف الفا إلى رجل فقبضه نصفه وأحاله بنصفه أو كان له دين على المسلم إليه بقدر نصفه فحسبه عليه من الالف صح السلم في النصف المقبوض وبطل في الباقي وحكي عن أبي حنيفة انه قال يبطل في الحوالة في الكل، وفي المسألة الاخرى يبطل فيما لم يقبض وحده بناء على تفريق الصفقة (فصل) وان قبض الثمن فوجده رديئا فرده والثمن معين بطل العقد برده فان كان الثمن أحد النقدين وقلنا تتعين النقود بالتعيين بطل، ويبتدئان عقدا آخر ان اختاره، وان كان في الذمة فله ابداله في المجلس ولا يبطل العقد برده لان العقد انما وقع على ثمن سليم فإذا دفع إليه معيبا كان له رده والمطالبة بالسليم، ولم يؤثر قبض المعيب في العقد، وان تفرقا ثم علما عيبه فرده ففيه وجهان (أحدهما) يبطل العقد برده لوقوع القبض بعد التفرق (والثاني) لا يبطل لان القبض الاول كان صحيحا بدليل مالو أمسكه ولم يرده وهذا بدل عن المقبوض وهذا قول أبي يوسف ومحمد وأحد قولي الشافعي واختيار المزني لكن من شرطه أن يقبض البدل في مجلس الرد، فان تفرقا عن مجلس الرد قبل قبض البدل بطل وجها واحدا لخلو العقد عن قبض الثمن بعد تفرقهما، فان وجد بعض الثمن رديئا فرده

[ 336 ]

ففي المردود ما ذكرنا من التفصيل، وهل يصح في غير الردئ. إذا قلنا بفساده في الردئ؟ على وجهين بناء على تفريق الصفقة (فصل) وان ظهرت الدراهم مستحقة والثمن معين لم يصح. قال أحمد: إذا خرجت الدراهم مسروقة فليس بينهما بيع. وذلك لان الثمن إذا كان معينا فقد اشترى بعين مال غيره بغير اذنه وإن كان غير معين فله المطالبة ببدله في المجلس، وان قبضه ثم تفرقا بطل العقد لان المقبوض لا يصلح عوضا فقد تفرقا قبل أخذ الثمن الاعلى الرواية التي تقول بصحة تصرف الفضول، أو أن النقود لا تتعين بالتعيين، وان وجد بعضه مستحقا بطل العقد فيه، وفي الباقي على وجهين بناء على تفريق الصفقة (فصل) وان كان له في ذمة رجل دينارا فجعله سلما في طعام إلى أجل لم يصح قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم، وروي عن ابن عمر أنه قال: لا يصح لذلك وذلك لان المسلم فيه دين: فإذا جعل الثمن دينا كان بيع دين بدين ولا يصح بالاجماع، ولو قال أسلمت اليك في كر طعام وشرطا أن يعجل له منها خمسين ويؤجل خمسين لم يصح العقد في الكل في قول الخرقي ويخرج في صحته في قدر المقبوض وجهان (أحدهما) يصح وهو قول أبي حنيفة بناء على تفريق الصفقة (والثاني) لا يصح وبه قال الشافعي وهو أصح لان للمعجل فضلا على المؤجل فيقتضي أن يكون في مقابلته أكثر مما في مقابلة المؤخر والزيادة مجهولة فلا يصح { مسألة } (وهل يشترط كونه معلوم القدر والصفة كالمسلم فيه على وجهين)

[ 337 ]

اختلفت الرواية في معرفة صفة الثمن المعين ولا خلاف في اشتراط معرفة صفته إذا كان في الذمة لانه أحد عوضي السلم، فإذا لم يكن معينا اشترط معرفة صفته كالآخر إلا أنه إذا أطلق وفي البلد نقد واحد انصرف إليه وقام مقام وصفه، وإن كان الثمن معينا فقال القاضي وابو الخطاب يشترط ذلك لان أحمد قال: يقول أسلمت اليك كذا وكذا درهما ونصف الثمن فاعتبر ضبط صفته، وهذا قول مالك وأبي حنيفة لانه عقد لا يمكن اتمامه في الحال ولا تسليم المعقود عليه ولا يؤمن انفساخه فوجبت معرفة رأس مال السلم فيه ليرد بدله كالقرض، ولانه لا يؤمن أن يظهر بعض الثمن مستحقا فينفسخ العقد في قدره فلا يعلم في كم بقي وكم انفسخ؟ فان قيل هذا موهوم والموهومات لا تعتبر. قلنا الوهم ههنا معتبر لان الاصل عدم الجواز، وانما جاز إذا وقع الامن الغرر ولم يوجد ههنا بدليل ما إذا أسلم في ثمرة بستان بعينه أو قدر السلم بصنجة بعينها وظاهر كلام الخرقي أنه لا يشترط لانه لم يذكره في شروط السلم وهو أحد قولي الشافعي لانه عوض مشاهد فلم يحتج إلى معرفة قدره كبيوع الاعيان وكلام أحمد انما تناول غير المعين ولا خلاف في اعتبار أوصافه، ودليلهم ينتقض بعقد الاجارة فانه ينفسخ بتلف العين المستأجرة ولايحتاج مع التعيين إلى معرفة الاوصاف، ولان رد مثل الثمن انما يستحق عند فسخ العقد لا من جهة عقده. وجهالة ذلك لا تؤثر كما لو باع المكيل والموزون، ولان العقد قد تمت شرائطه فلا يبطل بأمر موهوم فعلى القول الاول لا يجوز أن يجعل رأس مال السلم مالا يمكن ضبطه بالصفة كالجواهر وسائر مالا يجوز السلم فيه فان فعلا بطل العقد ويرده إن كان موجودا وإلا رد قيمته، فان

[ 338 ]

اختلفا في القيمة فالقول قول المسلم إليه لانه غارم وكذلك ان حكمنا بصحة العقد ثم انفسخ. فان اختلفا في المسلم فيه فقال أحدهما في كذا مدى حنطة، وقال الآخر في كذا مدى شعير تحالفا وتفاسخا وبه قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي كما لو اختلفا في ثمن المبيع (فصل) وكل مالين حرم النساء فيهما لا يجوز أن يسلم أحدهما في الآخر لان السلم من شرطه النساء والتأجيل والذي ذكره الخرقي في أنه لا يجوز النساء في العروض وهي احدى الروايتين فعلى هذا لا يجوز اسلام بعضها في بعض. وقال ابن أبي موسى: لا يجوز أن يكون رأس مال السلم الا عينا أو ورقا، قال القاضي وهو ظاهر كلام أحمد، قال ابن المنذر قيل لاحمد يسلم ما يوزن فيما يكال وما يكال فيما يوزن؟ فلم يعجبه، فعلى هذا لا يجوز أن يكون المسلم فيه ثمنا وهو قول أبي حنيفة لانها لا تثبت في الذمة الا ثمنا فلا يجوز أن تكون مثمنة، وعلى الرواية التي تقول يجوز النساء في العروض يجوز أن يكون رأس المال عرضا كالثمن سواء ويجوز اسلامها في الاثمان، قال الشريف أبو جعفر يجوز السلم في الدراهم والدنانير وهذا مذهب مالك والشافعي لانها تثبت في الذمة صداقا فتثبت في الذمة سلما كالعروض ولانه لاربا بينهما من حيث التفاضل ولا النساء فصح اسلام أحدهما في الآخر كالعرض في العرض ولا يصح ما قاله أبو حنيفة فانه لو باع دراهم بدنانير صح ولا بد أن يكون أحدهم مثمنا فعلى هذا إذا أسلم عرضا في عرض موصوف بصفاته فجاء عند الحلول بذلك العرض بعينه لزمه قبوله على أحد الوجهين لانه أتاه بالمسلم فيه على صفته فلزمه قبوله كما لو كان غيره (والثاني) لا يلزمه لان يفضي إلى كون الثمن هو المثمن، ومن نصر الاول قال هذا لا يصح لان الثمن انما هو في الذمة وهذا عوض

[ 339 ]

عنه، وهكذا لو أسلم جارية صغيرة في كبيرة فجاء المحل وهي على صفة المسلم فيه فأحضرها خرج فيها الوجهان (أحدهما) لا يجوز لانه يفضي إلى أن يكون قد استمتع بها وردها خالية عن عقر (والثاني) يجوز لانه أحضر المسلم فيه على صفته، ويبطل الاول بما إذا وجد بها عيبا فردها وللشافعي في هاتين المسئلتين وجهان كهذين، فان فعل ذلك حيلة لينتفع بالعين أو ليطأ الجارية ثم يردها بغير عوض لم يجز وجها واحدا { مسألة } (وان أسلم ثمنا واحدا في جنسين لم يجز حتى يبين ثمن كل جنس) يجوز أن يسلم دينارا في قفيز حنطة وقفيز شعير فان لم يبين ثمن الحنطة من الشعير لم يصح وقال مالك يجوز وللشافعي قولان كالمذهبين لان كل عقد جاز على جنسين في عقدين جاز عليهما في عقد واحد كبيوع الاعيان. ولنا أن ما يقابل كل واحد من الجنسين مجهول فلم يصح كما لو عقد عليه مفردا بثمن مجهول، ولان فيه غررا لانا لا نأمن الفسخ بتعذر أحدهما فلم ندربكم يرجع؟ وهذا غرر يؤثر مثله في السلم، وبمثل هذا عللنا معرفة صفة الثمن وقد ذكرنا ثم وجها أنه لا يشترط فيخرج ههنا مثله لانه في معناه، والجواز ههنا أولى لان العقد ثم إذا انفسخ لا يعلم مقدار ما يرجع به وههنا يرجع بقسطه من رأس مال السلم، ولانه لو باع عبده وعبد غيره بثمن واحد جاز في أظهر الوجهين وهذا مثله، ولانه لما جاز أن يسلم في شئ واحد إلى أجلين ولا يبين ثمن كل منهما ينبغي أن يجوز ههنا. قال ابن أبي موسى: ولا يجوز أن يسلم خمسة دنانير وخمسين درهما في كر حنطة الا أن يبين حصة ما لكل واحد منهما من الثمن، والاولى صحة هذا لانه إذا تعذر بعض السلم رجع بقسطه منهما، وان تعذر النصف رجع بالنصف، وان تعذر الخمس رجع بدينار وعشرة دراهم (فصل) قال رحمه الله تعالى (السابع أن يسلم في الذمة، فان أسلم في عين لم يصح)

[ 340 ]

لانه ربما تلف قبل أوان تسليمه فلم يصح كما لو شرط مكيالا بعينه أو صنجة بعينها غير معلومة، ولان المعين يمكن بيعه في الحال فلا حاجة إلى السلم فيه { مسألة } (ولا يشترط ذكر مكان الايفاء) ذكره القاضي وحكاه ابن المنذر عن أحمد واسحاق وطائفة من أهل الحديث، وبه قال أبو يوسف ومحمد وهو أحد قولي الشافعي لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من أسلم فليسلم في كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم " ولم يذكر مكان الايفاء، ولو كان شرطا لذكره وفي الحديث الذي فيه أن اليهودي أسلم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أما من حائط بني فلان فلا، ولكن كيل مسمى إلى أجل مسمى " ولم يذكر مكان الايفاء ولانه عقد معاوضة أشبه بيوع الاعيان، وقال الثوري يشترط وهو القول الثاني للشافعي وقال الاوزاعي هو مكروه لان القبض يجب بحلوله ولا يعلم موضعه يؤمئذ، وقال أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعي إن كان لحمله مؤنة وجب شرطه والا فلا لانه إذا كان لحمله مؤنة اختلف فيه الغرض بخلاف مالا مؤنة فيه { مسألة } (الا أن يكون موضع العقد لا يمكن الوفاء فيه) فيشترط ذكره لانه متى كانا في برية لم يمكن التسليم في مكان العقد فإذا ترك ذكره كان مجهولا { مسألة } (ويكون الوفاء في موضع العقد) إذا كانا في مكان يمكن الوفاء فيه اقتضى العقد التسليم في مكانه فاكتفى بذلك عن ذكره { مسألة } (فان شرط الوفاء فيه كان تأكيدا) وهو حسن لانه شرط ما يقتضيه العقد أشبه مالو شرط الحلول في ثمن المبيع { مسألة } (وان شرطه في غيره صح) لانه بيع فصح شرط الايفاء في غير مكانه كبيوع الاعيان ولانه شرط ذكر مكان الايفاء فصح كما لو ذكره في مكان العقد (وعنه لا يصح) ذكرها ابن أبي موسى لانه شرط خلاف ما اقتضاه العقد لان العقد يقتضي الايفاء في مكانه، وقال القاضي وأبو الخطاب: متى ذكر مكان الايفاء ففيه روايتان سواء شرطه في مكان العقد أو في غيره لانه ربما تعذر تسليمه في ذلك المكان فأشبه تعيين المكيال اختاره

[ 341 ]

ابو بكر، ولنا أن في تعيين المكان غرضا ومصلحة لهما أشبه تعيين الزمان وبهذا يبطل ما ذكروه، ثم لا يخلو إما أن يكون مقتضى العقد التسليم في مكانه فإذا شرطه فقد شرط مقتضى العقد أولا يكون ذلك مقتضى العقد فيتعين ذكر مكان الايفاء نفيا للجهالة عنه وقطعا للتنازع فالغرر في تركه لافي ذكره، وتعيين المكان يفارق هذا فانه لا حاجة إليه ويفوت به علم المقدار المشترط لصحة العقد ويفضي إلى التنازع وفي مسئلتنا لا يفوت به شرط، ويقطع التنازع والمعنى المانع من التقدير بمكيال بعينه مجهول هو المقتضي لذكر مكان الايفاء فكيف يصح قياسهم عليه؟ { مسألة } (ولايجوز بيع المسلم فيه قبل قبضه ولاهبته ولا أخذ غيره مكانه ولا الحوالة به) لا يجوز بيع المسلم فيه قبل قبضه بغير خلاف علمناه لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام قبل قبضه وعن ربح ما لم يضمن ولانه مبيع لم يدخل في ضمانه فلم يجز بيعه كالطعام قبل قبضه وكذلك التولية والشركة وبهذا قال اكثر أهل العلم وحكي جواز الشركة والتولية عن مالك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع الطعام قبل قبضه وأرخص في الشركة والتولية وقياسا على الاقالة، ولنا أنها معاوضة في المسلم فيه قبل القبض فلم يصح كما لو كان بلفظ البيع ولانهما نوعا بيع فلا يجوز فيه السلم قبل قبضه كالنوع الآخر والحديث لا نعرفه وهو حجة لنا لانه نهى عن بيع الطعام قبل قبضه والشركة والتولية بيع فيدخلان في النهي ويحمل قوله وأرخص في الشركة والتولية على أنه أرخص فيهما في الجملة لافي هذا الموضع، وأما الاقالة فانها فسخ وليست بيعا وأما أخذ غيره مكانه فهو أن يأخذ غير المسلم فيه عوضا عن المسلم فيه وذلك حرام سواء كان المسلم فيه موجودا أو معدوما وسواء كان العوض مثل المسلم فيه في القيمة أو أقل أو اكثر، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وذكر ابن أبي موسى رواية فيمن أسلم في بر فعدمه عند المحل فرضي أن يأخذ شعيرا مثله جاز وذلك محمول على أن البر والشعير جنس والصحيح في المذهب خلافه وقال مالك يجوز أن يأخذ غير المسلم فيه مكانه يتعجله ولا يؤخره إلا الطعام، وقال ابن المنذر وقد ثبت أن ابن عباس قال: إذا أسلمت في شئ إلى أجل فان أخذت ما أسلفت فيه وإلا

[ 342 ]

فخذ عوضا أنقص منه ولا تربح مرتين رواه سعيد في سننه. ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " من أسلم في شئ فلا يصرفه إلى غيره " رواه أبو داود وابن ماجه، ولان أخذ العوض عن المسلم فيه بيع له فلم يجز كبيعه لغيره (فصل) ولا تجوز الحوالة به لانها انما تجوز على دين مستقر والسلم بعرض الفسخ فليس بمستقر ولانه نقل للملك في المسلم فيه على غير وجه الفسخ فلم يجز كالبيع، ومعنى الحوالة أن يكون لرجل سلم وعليه مثله من قرض أو سلم آخر أو بيع فيحيل بما عليه من الطعام على الذي عنده السلم فلا يجوز وان أحال المسلم إليه المسلم بالطعام الذي عليه لم يصح أيضا لانه معاوضة بالمسلم فيه قبل قبضه فلم يجز كالبيع. { مسألة } (ويجوز بيع الدين المستقر لمن هو في ذمته بشرط أن يقبض عوضه في المجلس ولايجوز لغيره) لحديث ابن عمر: كنا نبيع الابعرة بالبقيع بالدنانير ونأخذ عوضها الدراهم وبالدراهم ونأخذ عوضها الدنانير فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " لا بأس إذا تفرقتما وليس بينكما شئ " فقد دل الحديث على جواز بيع ما في الذمة من أحد النقدين بالآخر وغيره مقاس عليه ودل على اشتراط القبض في المجلس قوله " إذا تفرقتما وليس بينكما شئ " وفي ذلك اختلاف ذكرناه في الصرف وفيه رواية أخرى أنه لا يصح بيعه لمن هو في ذمته كما لا يصح في السلم، والاول أولى فان اشتراه منه موصوف في الذمة من غير جنسه جاز ولا يتفرقا قبل القبض لانه يكون بيع دين بدين، وان أعطاه معينا بما يشترط فيه التقابض مثل ان أعطاه عوض الحنطة شعيرا جاز ولم يجز التفرق قبل القبض وان أعطاه معينا لا يشترط فيه التقابض جاز التفرق قبل القبض كما لو قال بعتك هذا الشعير بمائة درهم في ذمتك ويحتمل ان لا يجوز لان المبيع في الذمة فلم يجز التفرق قبل القبض كالسلم (فصل) وان باع الدين لغير من هو في ذمته لم يصح، وبه قال أبو حنيفة والثوري واسحاق قال أحمد: إذا كان لك على رجل طعام قرضا فبعه من الذي هو عليه بنقد ولا تبعه من غيره بنقد ولا نسيئة وإذا أقرضت رجلا دراهم أو دنانير فلا تأخذ من غيره عوضا بمالك عليه، وقال الشافعي

[ 343 ]

ان كان الدين على معسر أو مماطل لم يصح البيع لانه معجوز عن تسليمه وان كان على ملئ باذل له ففيه قولان (أحدهما) يصح لانه ابتاع بمال ثابت في الذمة فصح كما لو اشترى في ذمته، ويشترط أن يشتري بعين أو يتقابضا في المجلس لئلا يكون بيع دين بدين. ولنا أنه غير قادر على تسليمه فلم يصح كبيع الآبق والطير في الهواء { مسألة } وتجوز الاقالة في السلم وتجوز في بعضه في أحد الوجهين إذا قبض رأس مال السلم أو عوضه في مجلس الاقالة) الاقالة في السلم جائزة لانها فسخ قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الاقالة في جميع ما أسلم فيه جائزة، ولان الاقالة فسخ للعقد وقع من أصله وليست بيعا، قال القاضي ولو قال لي عندك هذا الطعام صالحني على ثمنه جاز لانه أقاله. فاما الاقالة في بعض السلم فاختلفت الرواية فيها فروي عنه أنها لا تجوز وقد رويت كراهتها عن ابن عمر وسعيد بن المسيب والحسن وابن سيرين والنخعي وسعيد بن جبير وربيعة وابن أبي ليلى واسحاق، وروى حنبل عن أحمد أنه قال: لا بأس بها. روي ذلك عن ابن عباس وعطاء وطاوس ومحمد بن علي وحميد بن عبد الرحمن وعمرو بن دينار والحكم والثوري والشافعي وأبي حنيفة وأصحابه وابن المنذر لان كل معروف جاز في الجميع جاز في البعض كالابراء والانظار ووجه الرواية الاولى أن السلف في الغالب يزاد فيه في الثمن من أجل التأجيل فإذا اقاله في البعض بقي البعض بالباقي من الثمن وبمنفعة الجزء الذي حصلت الاقالة فيه فلم يجز كما لو شرط ذلك في ابتداء العقد، ويخرج الابراء والانظار فانه لا يتعلق به شئ من ذلك

[ 344 ]

(فصل) وإذا اقاله رد الثمن إن كان باقيا والا رد مثله ان كان مثليا أو قيمته ان لم يكن مثليا ويشترط رده في المجلس كما يشترط في السلم { مسألة } (وان انفسخ العقد باقالة أو غيرها لم يجز أن يأخذ من الثمن عوضا من غير جنسه) متى أراد ان يعطيه عوضا عن الثمن فقال الشريف أبو جعفر لا يجوز له صرف ذلك الثمن في عقد آخر حتى يقبضه، وبه قال أبو حنيفة لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من أسلف في شئ فلا يصرفه إلى غيره " ولان هذا مضمون على المسلم إليه بعقد السلم فلم يجز التصرف فيه قبل قبضه كما لو كان في يد المشتري ولان هذا مضمون على المسلم إليه بعقد السلم فلم يجز اخذ عوضه كالمسلم فيه، وقال القاضي أبو يعلى: يجوز اخذ العوض عنه وهو قول الشافعي لانه عوض مستقر في الذمة فجاز اخذ العوض عنه كما لو كان قرضا ولانه مال عاد إليه بفسخ العقد فجاز اخذ العوض عنه كالثمن في المبيع، والفرق بين المسلم فيه والثمن ان المسلم فيه مضمون بالعقد والثمن مضمون بعد فسخه والخبر اريد به المسلم فيه فان قلنا بهذا فحكمه حكم ما لو كان في قرض أو ثمنا في بيوع الاعيان لا يجوز ان يجعل سلما في شئ آخر لانه بيع دين بدين، ويجوز فيه ما يجوز في القرض واثمان البياعات إذا فسخت ويأخذ احد النقدين عن الآخر ويقبضه في مجلس الاقالة لانه صرف { مسألة } (وإذا كان لرجل سلم وعليه سلم من جنسه فقال لغريمه اقبض سلمي لنفسك لم يصح قبضه لنفسه) لان قبضه لنفسه حوالة به والحوالة بالسلم لا تجوز وهل يقطع قبضه للآمر؟ على روايتين (إحداهما)

[ 345 ]

يصح لانه أذن له في القبض فأشبه قبض وكيله وكما لو نوى المأمور القبض للآمر (والثانية) لا يصح لانه لم يجعله نائبا في القبض فلم يقع بخلاف الوكيل فصار كالقابض بغير اذن فإذا قلنا لا يصح القبض بقي على ملك المسلم إليه، ولو قال الاول للثاني احضر اكتيالي منه لاقبض لك ففعل لم يصح قبضه للثاني وهل يكون قابضا لنفسه؟ على وجهين (أولاهما) أنه يكون قابضا لنفسه لان قبض المسلم فيه قد وجد من مستحقه كما لو نوى القبض لنفسه فعلى هذا إذا قبضه للآخر صح { مسألة) (وان قال أقبضه لي ثم اقبضه لنفسك صح لانه استنابه في قبضه له فصح كما لو لم يقل ثم اقبضه لنفسك وإذا وقع القبض للآمر ملكه وقبضه ثانية فجاز ان يقبضه لنفسه كما لو كان في يد غيره وكذلك ان قال الآمر أحضرنا حتى اكتاله لنفسي ثم تكتاله أنت صح؟ { مسألة } وان قال أنا أقبضه لنفسي وحده بالكيل الذي يشاهده جاز في احدى

[ 346 ]

الروايتين لانه علمه وشهد كيله والثانية لا يجوز، وهو مذهب الشافعي لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام حتى يجرى فيه الصاعان صاع البائع وصاع المشتري ولم يوجد ذلك ولانه قبضه بغير كيل أشبه مالو قبضه جزافا { مسألة } وان اكتاله وتركه في المكيال وسلمه إلى غريمه فقبضه صح القبض لهما لان استدامة الكيل بمنزلة ابتدائه فلا معنى لابتداء الكيل ههنا لانه لا يحصل به زيادة علم، وقال الشافعي لا يصح للحديث الذي ذكرنا في المسألة قبلها وهذا يمكن القول بموجبه لان قبض المشتري له جري لصاعه فيه (فصل) وان دفع زيد إلى عمرو دراهم فقال اشتر لك بها مثل الطعام الذي لك على ففعل لم يصح لان دراهم زيد لا تكون عوضا لعمرو فان اشترى الطعام بعينها أو في ذمته فهو كتصرف الفضولي، وان قال اشتر لي بها طعاما ثم اقبضه لنفسك ففعل صح الشراء ولم يصح القبض لنفسه على ما تقدم في مثل هذه الصورة وان قال اقبضه لي ثم اقبضه لنفسك ففعل نص عليه، وقال أصحاب الشافعي لا يصح لانه لا يجوز أن يكون قابضا من نفسه لنفسه ولنا أنه يجوز أن يشتري من مال ولده ويبيعه ويقبض لنفسه من نفسه ولولده من نفسه وكذلك

[ 347 ]

لو وهب ولده الصغير شيئا جاز أن يقبل له من نفسه ويقبض منها فكذا ههنا { مسألة } (وان قبض المسلم فيه جزافا فالقول قوله في قدره) لا يقبض ما أسلم فيه كيلا الا بالكيل ولا وزنا الا بالوزن ولا بغير ما قدر به وقت العقد لان الكل والوزن يختلفان فان قبضه بذلك فهو كقبضه جزافا ومتى قبضه جزافا فانه يأخذ قدر حقه ويرد الباقي ويطالب بالنقص إن نقص وهل له أن يتصرف في قدر حقه منه قبل ان نعتبره على وجهين مضى ذكرهما في كتاب البيع وان اختلفا في قدره فالقول قول القابض مع يمينه لانه أعلم بكيله ولانه منكر للزائد والقول قول المنكر { مسألة } (وان قبضه كيلا أو وزنا ثم ادعى غلطا لم يقبل قوله في أحد الوجهين) لان الاصل عدم الغلط والآخر يقبل لانه أعلم بكيل ما قبض يعني إذا كاله فوجده ناقصا. { مسألة } (وهل يجوز الرهن والكفيل بالمسلم فيه؟ على روايتين)

[ 348 ]

اختلفت الرواية في الرهن والضمين في السلم فروى المروذي وابن القاسم وأبو طالب منع ذلك وهو الذي ذكره الخرقي واختاره أبو بكر ورويت كراهته عن علي وابن عمر وابن عباس والحسن وسعيد بن جبير والاوزاعي، وروى حنبل جوازه وهو قول عطاء ومجاهد وعمرو بن دينار والحكم ومالك الشافعي واسحاق وأصحاب الرأي وابن المنذر لقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى قوله مقبوضة) وقد روى عن ابن عباس وابن عمر أن المراد به السلم ولان اللفظ عام فيدخل فيه السلم ولانه أحد نوعي البيع فجاز أخذ الرهن بما في الذمة منه كبيوع الاعيان. ووجه الاولى أن الرهن والضمين ان أخذ برأس مال السلم فقد أخذ بما ليس بواجب ولا ما مآله إلى الوجوب لان المسلم إليه قد ملكه وان أخذ بالمسلم فيه فالرهن انما يجوز بشئ يمكن استيفاؤه من ثمن الرهن والمسلم فيه لا يمكن استيفاؤه من ثمن الرهن ولا من ذمة الضامن ولانه لا يأمن هلاك الرهن في يده بعدوان فيصير مستوفيا لحقه من غير المسلم فيه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " من أسلف في شئ فلا يصرفه إلى غيره " رواه أبو داود ولانه يقيم ما في ذمة الضامن مقام ما في ذمة المضمون عنه فيكون في حكم أخذ العوض والبدل عنه ولايجوز ذلك (فصل) فان أخذ رهنا أو ضمينا بالمسلم فيه ثم تقايلا السلم أو فسخ العقد لتعذر المسلم فيه بطل الرهن لزوال الدين الذي به الرهن وبرئ الضامن وعلى المسلم إليه رد راس مال السلم في الحال ولا يشترط قبضه في المجلس لانه ليس بعوض، ولو أقرضه الفا واخذ به رهنا ثم صالحه عن الالف على طعام معلوم في ذمته صح وزال الرهن لزوال دينه من الذمة وبقي الطعام في الذمة ويشترط قبضه في المجلس

[ 349 ]

كيلا يكون بيع دين بدين فان تفرقا قبل القبض بطل الصلح ورجع الالف إلى ذمته برهنه لانه يعود إلى ما كان عليه كالعصير إذا تخمر ثم عاد خلا. وكذا لو صالحه عن الدراهم بدنانير في ذمته فالحكم على ما بينا في هذه المسألة (فصل) وإذا حكمنا بصحة ضمان السلم فلصاحب الحق مطالبة من شاء منهما وأيهما قضاء برئت ذمتهما منه فان سلم المسلم إليه المسلم فيه إلى الضامن ليدفعه إلى المسلم جاز وكان وكيلا وان قال خذه عن الذي ضمنت عني لم يصح وكان قبضا فاسدا مضمونا عليه لانه انما استحق الاخذ بعد الوفاء فان أوصله إلى المسلم برئ بذلك لانه سلم إليه ما سلطه المسلم إليه في التصرف فيه وان تلف فعليه ضمانه لانه قبضه على ذلك وإن صالح المسلم الضامن عن المسلم فيه بثمنه لم يصح لانه أقالة فلا يصح من غير المسلم إليه وان صالحه المسلم إليه بثمنه صح وبرئت ذمته وذمة الضامن لان هذا إقالة، وان صالحه على غير ثمنه لم يصح لانه بيع للمسلم فيه قبل القبض (فصل) والذي يصح أخذ الرهن به كل دين ثابت في الذمة يصح استيفاؤه من الرهن كاثمان البياعات والاجرة في الاجارات والمهر وعوض الخلع والقرض واروش الجنايات وقيم المتلفات ولا يجوز أخذ الرهن بما ليس بواجب ولا ما ماله إلى الوجوب كالدية على العاقلة قبل الحول لانها لم تجب بعد ولم يعلم افضاؤها إلى الوجوب لانها قد تسقط بالجنون أو الفقر أو الموت فلم يصح أخذ الرهن بها ويحتمل جواز أخذ الرهن بها قبل الحول لان الاصل بقاء الحياة واليسار والعقل. فاما بعد الحول فيجوز أخذ الرهن بها لانها قد استقرت. ولايجوز أخذ الرهن بالجعل في الجعالة قبل العمل لانه

[ 350 ]

لم يجب ولا يعلم افضاؤه إلى الوجوب ويحتمل جواز أخذ الرهن به ذكره القاضي لان مآله إلى الوجوب واللزوم فأشبهت أثمان البياعات والاولى أولى لان افضاءها محتمل فأشبهت الدية قبل الحول ويجوز أخذ الرهن به بعد العمل لانه قد وجب ولا يجوز أخذ الرهن بمال الكتابة لانه غير لازم فان للعبد تعجيز نفسه ولا يمكن استيفاء دينه من الرهن لانه لو عجز صار الرهن للسيد لانه من جملة مال المكاتب وقال أبو حنيفة يجوز ولنا أنها وثيقة لا يمكن استيفاء الحق منها فلم يصح كضمان الخمر ولايجوز أخذ الرهن بعوض المسابقة لانها جعالة لا يعلم افضاؤها إلى الوجوب لان الوجوب انما يثبت بسبق غير المخرج وهو غير معلوم ولا مظنون، وقال بعض أصحابنا فيها وجهان هل هي اجارة أو جعالة؟ فان قلنا هي اجارة جاز أخذ الرهن بعوضها وقال القاضي ان لم يكن فيها محلل فهي جعالة وان كان فيها محلل فعلى وجهين وهذا كله بعيد لان الجعل ليس في مقابلة العمل بدليل أنه لا يستحقه إذا كان مسبوقا وقد عمل العمل وانما هو عوض عن السبق ولا تعلم القدرة عليه ولانه لا فائدة للجاعل فيه ولا هو مراد له، وإذا لم يكن اجارة مع عدم المحلل فمع وجوده أولى لان مستحق الجعل هو السابق وهو غير معين فلا يجوز استئجار رجل غير معين ثم لو كانت اجارة لكان عوضها غير واجب في الحال ولا يعلم افضاؤها إلى الوجوب ولا يظن فلم يجز أخذ الرهن به كالجعل في رد الآبق ولا يجوز أخذ الرهن بعوض غير ثابت في الذمة كالثمن المعين والاجرة المعينة في الاجارة والمعقود عليه في الاجارة إذا كان منافع معينة كاجارة الدار والعبد العين والدابة المعينة مدة معلوم أو لحمل شئ معين إلى مكان معلوم لان هذا حق تعلق بالعين لا بالذمة

[ 351 ]

ولا يمكن استيفاؤه من الرهن لان منفعة العين لا يمكن استيفاؤها من غيرها وتبطل الاجارة بتلف العين فاما ان وقعت الاجارة على منفعة في الذمة كخياطة ثوب وبناء دار أخذ الرهن به لانه ثابت في الذمة ويمكن استيفاؤه من الرهن بأن يستأجر من ثمنه من يعمل ذلك العلم فجاز أخذ الرهن به كالدين ومذهب الشافعي في هذا كله كما قلنا (فصل) فأما الاعيان المضمونة كالغصوب العواري والمقبوض على وجه السوم ففيه وجهان (أحدهما) لا يصح الرهن بها وهو مذهب الشافعي لان الحق غير ثابت في الذمة أشبه ما ذكرنا، ولانه ان رهنه على قيمتها إذا تلفت فهو رهن على ما ليس بواجب ولا يعلم افضاؤه إلى الوجوب، وان كان الرهن على عينها لم يصح لانه لا يمكن استيفاء عينها من الرهن فأشبه أثمان البياعات المتعينة (والثاني) يصح أخذ الرهن بها وهو مذهب أبي حنيفة وقال كل عين كانت مضمونة بنفسها جاز أخذ الرهن بها يريد ما يضمن بمثله أو قيمته كالمبيع يجوز أخذ الرهن به لانه مضمون بفساد العقد، ولان مقصود الرهن الوثيقة بالحق وهذا حاصل فان الرهن بهذه الاعيان يحمل الراهن على ادائها، وان تعذر أداؤها استوفى بدلها من ثمن الرهن فأشبهت الدين في الذمة (فصل) قال القاضي كل ما جاز أخذ الرهن به جاز أخذ الضمين به وما لم يجز الرهن به لم يجز أخذ الضمين به الا ثلاثة أشياء عهدة المبيع يصح ضمانها ولا يصح الرهن بها. والكتابة لا يصح الرهن بدينها ويصح ضمانها في إحدى الروايتين. وما لا يجب لا يصح الرهن به ويصح ضمانه والفرق بينهما من وجهين (أحدهما) أن الرهن بهذه الاشياء يبطل الارقاق فانه إذا باع عبده بألف ودفع رهنا يساوي

[ 352 ]

الفا فكأنه ما قبض الثمن ولا ارتفق به والمكاتب إذا رفع ما يساوي كتابته فما ارتفق بالاجل لانه كان يمكنه بيع الرهن وابقاء الكتابة ويستريح والضمان بخلاف هذا (والثاني) أن ضرر الرهن يعم لانه يدوم بقاؤه عند المشتري فيمنع البائع التصرف فيه والضمان بخلافه (فصل) وإذا اختلف المسلم والمسلم إليه في حلول الاجل فالقول قول المسلم إليه لانه منكر، وان اختلفا في أداء المسلم فيه فالقول قول المسلم لذلك وان اختلفا في قبض الثمن فالقول قول المسلم إليه لذلك وان اتفقا عليه وقال أحدهما كان في المجلس قبل التفرق. وقال الآخر بعده فالقول قول من يدعي القبض في المجلس لان معه سلامة العقد. وان أقام كل واحد بينة بما ادعاه قدمت أيضا بينته لانها مثبتة بخلاف الاخرى. { باب القرض } وهو نوع من السلف وهو جائز بالسنة والاجماع، أما السنة فروى أبو رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف من رجل بكرا فقدمت على النبي صلى الله ليه وسلم ابل الصدقة فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره فرجع إليه أبو رافع فقال يا رسول الله لم أجد فيها الا خيارا رباعيا، فقال " أعطه فان خير الناس أحسنهم قضاء " رواه مسلم، وعن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرتين الا كان كصدقة مرة " وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " رأيت ليلة أسري بي على باب الجنة مكتوبا الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر فقلت يا جبريل ما بال القرض افضل

[ 353 ]

من الصدقة؟ قال " لان السائل يسأل وعنده والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة " رواهما ابن ماجه وأجمع المسلمون على جواز القرض { مسألة } (وهو من المرافق المندوب إليها في حق المقرض) لما روينا من الاحاديث ولما روي عن أبي الدرداء أنه قال: لان أقرض دينارين ثم يردان ثم أقرضهما أحب الي من أن أتصدق بهما. ولان فيه تفريجا عن أخيه المسلم وقضاء لحاجته فكان مندوبا إليه كالصدقة وليس بواجب قال أحمد لا اثم على من سئل فلم يقرض وذلك لانه من المعروف أشبه صدقة التطوع وهو مباح للمقترض وليس مكروها. قال أحمد ليس القرض من المسألة يريد أنه لا يكره لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يستقرض وقد ذكرنا حديث أبي رافع ولو كان مكروها كان أبعد الناس منه، قال ابن ابي موسى لا أحب أن يتحمل بأمانته ما ليس عنده يريد ما لا يقدر على وفائه، ومن أراد أن يستقرض فليعلم المقرض بحاله ولا يغره من نفسه إلا الشئ اليسير الذي لا يتعذر مثله، وقال أحمد إذا اقترض لغيره ولم يعلمه بحاله لم يعجبني وقال ما أحب أن يقترض بجاهه لاخوانه، قال القاضي إذا كان من يقترض له غيره معروف بالوفاء لكونه تغريرا بمال المقرض واضرارا به، وأما إذا كان معروفا بالوفاء لم يكره لكونه اعانة له وتفريجا لكربته (فصل) ولا يصح الا من جائز التصرف كالبيع وحكمه في الايجاب والقبول على ما مضى ويصح بلفظ السلم والقرض لورود الشرع بهما وبكل لفظ يؤدي معناهما نحو قوله ملكتك هذا على أن ترد

[ 354 ]

علي بدله أو توجد قرينة دالة على ارادته وإن لم يذكر البدل ولم توجد قرينة فهو هبة. فان اختلفا فالقول قول الموهوب له لان الظاهر معه لان التمليك من غير عوض هبة ولا يثبت فيه خيار لان المقرض دخل على بصيرة ان الحظ لغيره والمقترض متى شاء رده وذلك يغنيه عن ثبوت الخيار { مسألة } (ويصح في كل عين يجوز بيعها الا بني آدم والجواهر ونحوهما مما لا يصح السلم فيه في أحد الوجهين فيهما) يجوز قرض المكيل والموزون بغير خلاف، قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن استقراض ماله مثل من المكيل الموزون والاطعمة جائز، ويجوز قرض كل ما يثبت في الذمة

[ 355 ]

سلما غير بني آدم، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة لا يجوز قرض المكيل والموزون لانه لا مثل له أشبه الجواهر. ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف بكرا وليس بمكيل ولا موزون، ولان ما يثبت سلما يملك بالبيع ويضبط بالوصف فجاز قرضه كالمكيل والموزون، وقولهم لا مثل له خلاف أصلهم فان عند أبي حنيفة لو أتلف ثوبا ثبت في ذمته مثله ويجوز الصلح عنه بأكثر من قيمته، فأما مالا يثبت في الذمة سلما كالجواهر وشبهها فقال القاضي يجوز قرضها ويرد المستقرض القيمة لان مالا مثل له يضمن بالقيمة والجواهر كغيرها في القيم، وقال أبو الخطاب لا يجوز لان القرض يقتضي رد المثل وليس لها مثل، ولانه لم ينقل قرضها ولا هي في معنى ما نقل القرض فيه لكونها ليست من المرافق ولا تثبت في الذمة سلما فيجب ابقاؤها على المنع، ويمكن بناء هذا الخلاف على الوجهين في الواجب في بدل غير المكيل والموزون، فإذا قلنا يجب رد المثل لم يجز قرض الجواهر ولا مالا يثبت في الذمة سلما لتعذر رد مثلها وإن قلنا الواجب رد القيمة جاز قرضه لامكان رد القيمة، ولاصحاب الشافعي وجهان كهذين (فصل) فأما بنو آدم فقال أحمد أكره قرضهم فيحتمل كراهة التنزيه ويصح قرضهم وهو قول ابن جريج والمزني لانه مال يثبت في الذمة سلما فصح قرضه كسائر الحيوان، ويحتمل صحة قرض العبيد دون الاماء وهو قول مالك والشافعي الا أن يقرضهن من ذوي محارمهن لان الملك بالقرض

[ 356 ]

ضعيف فانه لا يمنعها من ردها على المقرض فلا يستباح به الوطئ كالملك في مدة الخيار، وإذا لم يبح الوطئ لم يصح القرض لعدم القائل بالفرق ولان الابضاع مما يحتاط لها ولو أبحنا قرضهن افضى إلى أن الرجل يستقرض أمة فيطؤها ثم يردها من يومه ومتى احتاج إلى وطئها استقرضها فوطئها ثم ردها كما يستعير المتاع فينتفع به ثم يرده ولنا أنه عقد ناقل للملك فاستوى فيه العبد والامة كسائر العقود ولا نسلم ضعف الملك فانه مطلق كسائر التصرفات بخلاف الملك في مدة الخيار، وقولهم متى شاء المقترض ردها ممنوع فاننا إذا قلنا الواجب رد القيمة لا يملك المقترض رد الامة وإنما يرد قيمتها وإن سلمنا ذلك، لكن متى قصد المقترض هذا لم يحل له فعله ولا يصح اقتراضه كما لو اشترى أمة ليطأها ثم يردها بالمقايلة أو بعيب فيها وان وقع هذا بحكم الاتفاق لم يمنع الصحة كما لو وقع ذلك في البيع وكما لو أسلم جارية في أخرى موصوفة بصفاتها ثم ردها بعينها عند حلول الاجل، ولو ثبت أن القرض ضعيف لا يبيح الوطئ لم يمنع منه في الجواري كالبيع في مدة الخيار وعدم القائل بالفرق ليس بشئ على ما عرف في مواضعه وعدم نقله ليس بحجة فان اكثر الحيوانات لم ينقل قرضها وهو جائز. (فصل) ولو اقترض دراهم أو دنانير غير معروفة الوزن لم يجز لان القرض فيها يوجب رد المثل فإذا لم يعرف القدر لم يمكن القضاء وكذلك لو اقترض مكيلا أو موزونا جزافا لم يجز كذلك ولو قدره بمكيال بعينه أو صنجة بعينها غير معروفين عند العامة لم يجز لانه لا يأمن تلف ذلك فيتعذر رد المثل فأشبه السلم وقد قال أحمد في ماء بين قوم لهم نوب في أيام مسماة فاحتاج بعضهم إلى أن يستقي في غير نوبته

[ 357 ]

فاستقرض من نوبة غيره ليرد عليه بدله في يوم نوبته فلا بأس وان كان غير محدود كرهته فكرهه إذا لم يكن محدودا لانه لا يمكن رد مثله وان كانت الدراهم يتعامل بها عددا ويرد عددا وان استقرض وزنا رد وزنا، وهذا قول الحسن وابن سيرين والاوزاعي واستقرض أيوب من حماد بن زيد دراهم بمكة عددا وأعطاء بالبصرة عددا ولانه وفاه مثل ما اقترض فيما يتعامل به الناس فاشبه مالو كانوا يتعاملون بالوزن فاقترض وزنا ورد وزنا { مسألة } (ويثبت الملك فيه بالقبض) لانه عقد يقف التصرف فيه على القبض فوقف الملك عليه كالهبة { مسألة } (ولا يملك المقرض استرجاعه) وجملة ذلك ان القرض عقد لازم من جهة المقرض جائز في حق المقترض فلو أراد المقرض الرجوع في عين ماله لم يملك ذلك، وقال الشافعي له ذلك لان كل ما يملك المطالبة بمثله يملك أخذه إذا كان موجودا كالمغصوب والعارية، ولنا أنه زال ملكه عنه بعقد لازم من غير خيار فلم يكن له الرجوع فيه كالبيع ويفارق المغصوب والعارية فانه لم يزل ملكه عنهما ولانه لا يملك المطالبة بمثلهما مع وجودهما وفي مسئلتنا بخلافه { مسألة } (وله طلب بدله في الحال) لانه سبب يوجب رد المثل في المثليات فأوجبه حالا كالاتلاف ولو أقرضه تفاريق ثم طالبه بها جملة فله ذلك لان الجميع حال فأشبه ما لو باعه بيوعا حالة ثم طالبه بثمنها جملة وان أجل القرض لم يتأجل وكل دين حل أجله لم يصر مؤجلا بتأجيله، وبه قال الاوزاعي والشافعي وابن المنذر وقال مالك والليث يتأجل الجميع بالتأجيل لقول النبي صلى الله عليه وسلم " المؤمنون عند شروطهم " ولان المتعاقدين يملكان التصرف في هذا العقد بالاقالة والامضاء فملكا الزيادة فيه كخيار المجلس، وقال أبو حنيفة في القرض وبدل المتلف كقولنا وفي ثمن المبيع والاجرة والصداق وعوض الخلع كقولهما لان الاجل يقتضي جزءا من المعوض والقرض لا يحتمل الزيادة والنقص في عوضه وبدل المتلف يجب فيه المثل من غير زيادة ولا نقص فلذلك لم يتأجل وبقية الاعواض يجوز الزيادة فيها فجاز تأجيلها، ولنا أن الحق يثبت حالا والتأجيل تبرع ووعد فلا يلزم الوفاء به كما لو أعاره شيئا وهذا لا يقع عليه اسم الشرط ولو سمي فالخبر مخصوص بالعارية فيلحق به ما اختلفنا فيه لانه مثله، ولنا على أبي حنيفة أنها زيادة بعد استقرار العقد فأشبه القرض، وأما الاقالة فهي فسخ وابتداء عقد آخر بخلاف مسئلتنا وأما خيار المجلس فهو بمنزلة ابتداء العقد بدليل أنه يجري القبض لما يشترط قبضه والتعيين لما في الذمة { مسألة } (فان رده المقترض عليه لزمه قبوله ما لم يتعيب أو يكن فلوسا أو مكسرة فيحرمها

[ 358 ]

السطان فيكون له القيمة وقت القرض) يجوز للمقترض رد ما اقترضه على المقرض إذا كان على صفته لم ينقص ولم يحدث به عيب ويلزم المقرض قبوله لانه على صفة حقه أشبه ما لو أعطاه غيره وقياسا على المسلم فيه وسواء تغير سعره أو لم يتغير ويحتمل أن لا يلزم المقرض قبول غير المثلي لان القرض فيه يوجب رد القيمة على أحد الوجهين فإذا رده بعينه لم يرد الواجب عليه فلم يجب قبوله كالبيع (فصل) فان تعيب أو تغير لم يجب قبوله لان عليه في قبوله ضررا لانه دون حقه فاشبه مالو نقص وكذلك ان كان القرض فلو سا أو مكسرة فحرمها السلطان وتركت المعاملة بها لانه كالعيب فلا يلزمه قبولها ويكون له قيمتها وقت القرض سواء كانت باقية أو استهلكها نص عليه أحمد في الدراهم المكسرة فقال يقومها كم تساوي يوم أخذها ثم يعطيه؟ وسواء نقصت قيمتها قليلا أو كثيرا وذكر أبو بكر في التنبيه أنه يكون له قيمتها وقت فسدت وتركت المعاملة بها لانه كان يلزمه رد مثلها ما دامت نافعة فإذا فسدت انتقل إلى قيمتها حينئذ كما لو عدم المثل. قال القاضي هذا إذا اتفق الناس على تركها فأما إن تعاملوا بها مع تحريم السلطان لها لزمه أخذها، وقال مالك والليث والشافعي ليس له إلا مثل ما أقرضه لان ذلك ليس بعيب حدث فيها فجرى مجرى رخص سعرها ولنا أن تحريم السلطان منع انفاقها وأبطل ما ليتها فاشبه كسرها أو تلف أجزائها واما رخص السعر فلا يمنع سواء كان قليلا أو كثيرا لانه لم يحدث فيها شئ انما تغير السعر فاشبه الحنطة إذا رخصت أو غلت وكذلك يخرج في المغشوشة إذا حرمها السلطان { مسألة } (ويجب رد المثل في المكيل والموزون والقيمة في الجواهر ونحوها وفيما سوى ذلك وجهان) لا نعلم خلافا في وجوب رد المثل في المكيل والموزون، قال ابن المنذر اجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن من أسلف سلفا مما يجوز أن يسلف فرد عليه مثله ان ذلك جائز وأن للمسلف أخذ ذلك ولان المكيل والموزون يضمن في الغصب والاتلاف بمثله فكذا ههنا فان أعوز المثل لزمته قيمته يوم الاعواز لانها حينئذ تثبت في الذمة ويرد القيمة في الجواهر ونحوها إذا قلنا بجواز قرضها لانها من ذوات القيم ولا مثل لها لانها لا تنضبط وفيما سوى ذلك وجهان (أحدهما) يرد القيمة لان ما أوجب المثل في المثليات أوجب القيمة فيما لا مثل له كالاتلاف (والثاني) يجب رد مثله لان النبي صلى الله عليه وسلم استسلف من رجل بكرا فرد مثله ولان ما ثبت في الذمة في السلم ثبت في القرض كالمثلي ويخالف الاتلاف فانه لا مسامحة فيه فوجبت القيمة لانها أحصر والقرض أسهل ولهذا جازت النسيئة فيما فيه الربا ويعتبر مثل صفاته تقريبا فان حقيقة المثل إنما توجد في المكيل والموزون فان تعذر المثل فعليه قيمته يوم التعذر وإذا قلنا تجب القيمة وجبت حين القرض لانها حينئذ تثبت في الذمة،

[ 359 ]

{ مسألة } (ويثبت العوض في الذمة حالا وان أجله) لان التأجيل في الحال عدة وتبرع فلم يلزم الوفاء به وفيه اختلاف ذكرناه فيما مضى وينبغي أن يفي له بما وعده. { مسألة } (ويجوز شرط الرهن والضمين به) لان النبي صلى الله عليه وسلم رهن درعه على شعير أخذه لاهله متفق عليه. (فصل) ويجوز قرض الخبز ورخص فيه أبو قلابة ومالك ومنع منه أبو حنيفة، ولنا أنه موزون فجاز قرضه كسائر الموزونات وإذا أقرض بالوزن رد المقترض مثله بالوزن وان استقرضه عددا رده عددا وقال الشريف أبو جعفر فيه روايتان (إحداهما) لا يجوز كسائر الموزونات (والثانية) يجوز وقال ابن أبي موسى إذا كان يتحرى ان يكون مثلا بمثل فلا يحتاج إلى وزن والوزن أحب إلى ووجه الجواز ما روت عائشة قالت قلت يا رسول الله ان الجيران يقترضون الخبز والخمير ويردون زيادة ونقصانا فقال " لا بأس إن ذلك من مرافق الناس لا يراد به الفضل " رواه أبو بكر في الشافي باسناده وروي أيضا باسناده عن معاذ بن جبل انه سئل عن استقراض الخبز والخمير فقال " سبحان الله انما هذا من مكارم الاخلاق فخذ الكبير واعط الصغير وخذ الصغير واعط الكبير خيركم أحسنكم قضاء سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك. ولان هذا مما تدعو الحاجة إليه ويشق اعتبار الوزن فيه وتدخله المسامحة فأشبه دخول الحمام والركوب في سفينة الملاح من غير تقدير أجرة فان شرط أن يعطيه اكثر مما أقرضه أو أجود كان ذلك حراما وكذلك ان أقرضه صغيرا قصد أن يعطيه كبيرا لان الاصل تحريم ذلك وانما أبيح لمشقة امكان التحرز منه فإذا قصد أو شرط أو افردت الزيادة فقد امكن التحرز منه فحرم بحكم الاصل كما لو فعل ذلك في غيره

[ 360 ]

{ مسألة } (ولايجوز شرط ما يجر نفعا نحو أن يسكنه داره أو يقضيه خيرا منه أو في بلد آخر ويحتمل جواز هذا الشرط) كل قرض شرط فيه الزيادة فهو حرام بغير خلاف. قال ابن المنذر أجمعوا على ان المسلف إذا شرط على المستسلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك ان أخذ الزيادة على ذلك ربا، وقد روي عن أبي بن كعب وابن عباس وابن مسعود أنهم نهوا عن قرض جر منفعة ولانه عقد أرفاق وقربة فإذا شرط فيه الزيادة أخرجه عن موضوعه ولا فرق بين الزيادة في القدر أو في الصفة مثل أن يقرض مكسرة فيعطيه صحاحا أو نقدا ليعطيه خيرا منه فان شرط أن يعطيه إياه في بلد آخر لم يجز ان كان لحمله مؤنة لانه زيادة وان لم يكن لحمله مؤنة فقد روي عن احمد انه لا يجوز أيضا ورويت كراهته عن الحسن البصري وميمون بن ابي شبيب وعبدة بن ابي لبابة ومالك والاوزاعي والشافعي لانه قد يكون في ذلك زيادة وقد نص احمد ان من شرط ان يكتب له بها سفتجة لم يجز ومعناه اشتراط القضاء في بلد آخر وروي عنه جواز ذلك حكاه عنه ابن المنذر لكونه مصلحة لهما. وحكاه عن علي وابن عباس والحسن بن علي وابن الزبير وابن سيرين وعبد الرحمن بن الاسود وايوب السختياني والثوري واسحاق واختاره. وذكر القاضي ان للوصي قرض مال اليتيم في بلد ليوفيه في بلد آخر ليربح خطر الطريق قال شيخنا: والصحيح جوازه لانه مصلحة لهما من غير

[ 361 ]

ضرر بواحد منهما والشرع لا يرد بتحريم المصالح التي لا مضرة فيها ولان هذا ليس بمنصوص عليه ولا في معنى المنصوص فوجب ابقاؤه على الاباحة. (فصل) وان شرط أن يؤجره دراه أو يبيعه شيئا أو ان يقرضه المقترض مرة أخرى لم يجز لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وسلف ولانه شرط عقدا في عقد فلم يجز كما لو باعه داره. وبشرط ان يبيعه الآخر دراه، وان شرط ان يؤجره داره بأقل من اجرتها أو على أن يستأجر دار المقرض بأكثر من أجرتها أو على أن يهدي له أو يعمل له عملا كان ابلغ في التحريم (فصل) وان شرط أن يوفيه أنقص مما أقرضه لم يجز إذا كان مما يجرى فيه الربا لافضائه إلى فوات المماثلة فيما هي شرط فيه، وإن كان في غيره فكذلك وهو أحد الوجهين لاصحاب الشافعي لان القرض يقتضي رد المثل وشرط النقصان يخالف مقتضاه فلم يجز كشرط الزيادة ولهم وجه آخر أنه يجوز لان القرض جعل للرفق بالمستقرض وشرط النقصان لا يخرجه عن موضوعه بخلاف الزيادة { مسألة } (وان فعل ذلك من غير شرط أو قضاء خيرا أو أهدى له هدية بعد الوفاء جاز) وكذلك ان كتب له سفتجة أو قضاه في بلد آخر خيرا منه جاز، ورخص في ذلك ابن عمر

[ 362 ]

وسعيد بن المسيب والحسن والنخعي والشعبي والزهري وقتادة ومكحول ومالك والشافعي واسحاق، وقال أبو الخطاب ان قضاه خيرا منه أو زاده زيادة بعد الوفاء من غير شرط ولا مواطأة فعلى روايتين وروي عن أبي بن كعب وابن عباس أنه يأخذ مثل قرضه ولا يأخذ فضلا لئلا يكون قرضا جر منفعة ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف بكرا فرد خيرا منه وقال " خيركم أحسنكم قضاء " متفق عليه ولانه لم يجعل تلك الزيادة عوضا في القرض ولا وسيلة إليه ولا إلى استيفاء دينه أشبه ما لو لم يكن قرض، وقال ابن ابي موسى إذا زاده بعد الوفاء فعاد المستقرض بعد ذلك يلتمس منه قرضا ثانيا ففعل لم يأخذ منه الا مثل ما أعطاه. فان اخذ زيادة أو اجود مما اعطاه حرم قولا واحدا وإذا كان الرجل معروفا بحسن القضاء لم يكره اقراضه، وقال القاضي فيه وجه آخر أنه يكره لانه يطمع في حسن عادته وهذا لا يصح فان النبي صلى الله عليه وسلم كان معروفا بحسن القضاء فهل يسوغ لاحد أن يقول اقراضه مكروه؟ ولان المعروف بحسن القضاء خير الناس وأفضلهم وهو أولى الناس بقضاء حاجته واجابة مسألته وتفريج كربته فلا يجوز أن يكون ذلك مكروها، وانما يمنع من الزيادة المشروطة، ولو أقرضه مكسرة فجاءه مكانها بصحاح بغير شرط جاز، وان جاءه بصحاح أقل منها فأخذها بجميع حقه لم يجز لان ذلك معاوضة للنقد بأقل منه فكان ربا، وكذلك ما يشترط فيه المماثلة { مسألة } (وان فعله قبل الوفاء لم يجز الا أن تكون العادة جارية بينهما بذلك قبل القرض الا أن يكافئه أو يحسبه من دينه) وذلك لما روى الاثرم أن رجلا كان له على سماك عشرون درهما فجعل يهدي إليه السمك ويقومه حتى بلغ ثلاثة عشر درهما فسأل ابن عباس فقال: اعطه سبعة دراهم، وعن ابن سيرين أن عمر أسلف أبي بن كعب عشرة آلاف درهم فأهدى إليه أبي بن كعب من ثمرة أرضه فردها عليه ولم يقبله فأتاه

[ 363 ]

أبي فقال: لقد علم أهل المدينة اني من أطيبهم ثمرة وأنه لا حاجة لنا فبم منعت هديتنا؟ ثم أهدى إليه بعد ذلك فقبل. وعن زرين حبيش قال: قلت لابي بن كعب اني أريد أن أسير إلى أرض الجهاد إلى العراق فقال انك تأتي أرضا فاش فيها الربا، فان أقرضت رجلا قرضا فأتاك بقرضك ليؤدي اليك قرضك ومعه هدية فاقبض قرضك واردد عليه هديته. رواهما الاثرم، وروى البخاري عن أبي بردة عن أبي موسى قال قدمت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام وذكر حديثا وفيه، ثم قال لي إنك بأرض فيها الربا فاش، فإذا كان لك على رجل قرض فأهدى اليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت فلا تأخذه فانه ربا. قال ابن أبي موسى: ولو أقرضه قرضا ثم استعمله عملا لم يكن يستعمله مثله قبل القرض كان قرضا جر منفعة، ولو استضاف غريمه ولم تكن العادة جرت بذلك بينهما حسب له ما أكله لما روى ابن ماجه في سننه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أقرض أحدكم قرضا فأهدى إليه أو حمله على الدابة فلا يركبها ولا يقبله الا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك " وهذا كله في مدة القرض، فاما بعد الوفاء فهو كالزيادة من غير شرط وقد ذكرناه (فصل) ولو اقترض نصف دينار فدفع إليه المقترض دينارا صحيحا وقال نصفه وفاء ونصفه وديعة عندك أو سلم في شئ صح ولا يلزم المقرض قبوله لان عليه في الشركة ضررا، ولو اشترى بالنصف الباقي من الدينار سلعة جاز، فان كان بشرط مثل أن يقول أقضيك صحيحا بشرط أن آخذ منك بنصفه الباقي قميصا لم يجز لانه لم يدفع إليه صحيحا الا ليعطيه بالنصف الباقي فضل ما بين الصحيح والمكسور من النصف المقتضي وان اتفقا على كسره كسراه، وان اختلفا لم يجبر أحدهما على ذلك لانه ينقص قيمته (فصل) ولو أفلس غريمه فأقرضه ألفا ليوفيه كل شهر شيئا معلوما جاز لانه انما انتفع باستيفاء ما هو مستحق له، ولو كان له عليه حنطة فأقرضه ما يشتري به حنطة يوفيه إياها جاز لذلك، ولو

[ 364 ]

أراد رجل أن يبعث إلى عياله نفقة فأقرضها رجلا على أن يدفعها إلى عياله فلا بأس إذا لم يأخذ عليها شيئا وإن أقرض أكاره ما يشترى به بقرا يعمل عليها في أرضه، أو بذرا يبذره فيها، فان كان شرط ذلك في القرض لم يجز لانه شرط ما ينتفع به أشبه الزيادة، وان لم يكن شرطا فقال ابن أبي موسى لا يجوز لانه قرض جر منفعة. قال ولو قال أقرضني ألفا وادفع إلي أرضك أزرعها بالثلث كان خبيثا. قال شيخنا. والاولى جواز ذلك إذا لم يكن مشروطا لان الحاجة داعية إليه والمستقرض إنما يقصد نفع نفسه، وإنما يحصل انتفاع المقرض ضمنا فأشبه أخذ السفتجة به وايفاءه في بلد آخر من حيث أنه مصلحة لهما جميعا (فصل) قال أحمد في رجل اقترض دراهم وابتاع بها منه شيئا فخرجت زيوفا فالبيع جائز ولا يرجع عليه بشئ. يعني لا يرجع البائع على المشتري ببدل الثمن لانها دراهمه بعينها فعيبها عليه وانما له على المشتري بدل ما أقرضه إياه بصفته زيوفا وهذا يحتمل أنه أراد فيما إذا باعه السلعة بها وهو يعلم عينها، فأما ان باعه في ذمته بدراهم ثم قبض هذه بدلا عنها غير عالم بها فينبغي أن يجب له دراهم خالية من العيب ويرد هذه عليه وللمشتري ردها على البائع وفاء عن القرض ويبقى الثمن في ذمته، فان حسبها على البائع وفاء عن القرض ووفاه الثمن جيدا جاز، قال ولو أقرض رجلا دراهم وقال إذا مت فأنت في حل كانت وصية، وان قال ان مت فأنت في حل لم يصح لان هذا إبراء معلق على شرط ولا يصح ذلك والاول وصية لانه علقه على موت نفسه وذلك جائز. قال ولو أقرضه تسعين دينارا وزنا بمائة عددا وزنها تسعون وكانت لا تنفق في مكان الا بالوزن جاز، وان كانت تنفق برؤوسها فلا وذلك لانها إذا كانت تنفق في مكان برؤوسها كان ذلك زيادة لان تسعين من المائة تقوم

[ 365 ]

مقام التسعين التي أقرضه اياها ويستفضل عشرة ولا يجوز اشتراط الزيادة، وإذا كانت لا تنفق الا بالوزن فلا زيادة فيها وان اختلف عددها، قال ولو قال اقترض لي من فلان مائة ولك عشرة فلا بأس، ولو قال اكفل عني ولك ألف لم يجز وذلك لان قوله اقترض لي ولك عشرة جعالة على فعل مباح فجازت كما لو قال ابن لي هذا الحائط ولك عشرة، وأما الكفالة فلان الكفيل يلزمه أداء الدين فإذا أداه وجب له على المكفول عنه فصار كالقرض، فإذا أخذ عوضا صار قرضا جر منفعة فلم يجز { مسألة } (وإذا أقرضه أثمانا فطالبه بها ببلد آخر لزمته، وان أقرضه غيرها فطالبه بها لم تلزمه فان طالبه بالقيمة لزمه اداؤها) وجملة ذلك أنه أذا أقرضه ما لحمله مؤنة وطالبه بمثله ببلد آخر لم يلزمه لانه لا يلزمه حمله إلى ذلك البلد، فان تبرع المقترض بدفع المثل وأبى المقرض قبوله فله ذلك لان عليه ضررا في قبضه لانه ربما احتاج إلى حمله إلى المكان الذي أقرضه فيه، وله المطالبة بقيمة ذلك في البلد الذي أقرضه فيه لانه المكان الذي يجب التسليم فيه، ولو أقرضه اثمانا أو مالا مؤنة لحمله وطالبه بها وهما ببلد آخر لزمه دفعه لان تسليمه إليه في هذا البلد وغيره واحد

[ 366 ]

(فصل) ولو اقرض ذمي ذميا خمرا ثم أسلما أو احدهما بطل القرض ولم يجب على المقترض شئ سواء كان هو المقترض أو المقرض لانه إذا اسلم لم يجز ان يجب عليه خمر لعدم ماليتها ولا يجب بدلها لانه لاقيمة لها ولذلك لا يضمنها إذا أتلفها، وان كان المقرض لم يجب له شئ لما ذكرنا والله سبحانه وتعالى اعلم باب الرهن الرهن في اللغة الثبوت والدوام يقال ماء راهن أي راكد ونعمة راهنة أي دائمة، وقيل هو الحبس قال الله تعالى (كل نفس بما كسبت رهينة) وقال الشاعر: وفارقتك برهن لا فكاك له * يوم الوداع فاضحي الرهن قد غلقا شبه لزوم قلبه لها واحتباسه عندها لوجده بها بالرهن الذي يلزمه المرتهن فيحبسه عنده ولا يفارقه وغلق الرهن استحقاق المرتهن إياه لعجز الراهن عن فكاكه { مسألة } (وهو وثيقة بالحق) الرهن في الشرع المال الذي يجعل وثيقة بالدين ليستوفى من ثمنه ان تعذر استيفاؤه من ذمة الغريم وهو جائز بالكتاب والسنة والاجماع. قال الله سبحانه وتعالى (وان كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة) وروت عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاما ورهنه درعه

[ 367 ]

متفق عليه، وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا يغلق الرهن " وأجمع المسلمون على جواز الرهن في الجملة (فصل) ويجوز الرهن في الحضر كجوازه في السفر قال ابن المنذر لا نعلم أحدا خالف في ذلك الا مجاهدا قال ليس الرهن الا في السفر لقوله تعالى (وان كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة) ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاما ورهنه درعه وكانا بالمدينة، ولانها وثيقة تجوز في السفر فجازت في الحضر كالضمان. فأما ذكر السفر فانه خرج مخرج الغالب لكون الكاتب يعدم في السفر غالبا ولهذا لم يشترط عدم الكاتب وهو مذكور في الآية (فصل) وهو غير واجب لا نعلم فيه مخالفا لانه وثيقة بالدين فلم يجب كالضمان والكتابة وقول الله تعالى (فرهان مقبوضة) ارشاد لنا لا ايجاب علينا بدليل قول الله تعالى (فان أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته) ولانه أمر به عند اعواز الكتابة وهي غير واجبة فكذلك بدلها { مسألة } (وهو لازم في حق الراهن جائز في حق المرتهن) لان العقد لحقه وحده فكان له فسخه كالمضمون له وهو لازم من جهة الراهن لان الحظ لغيره فلزم من جهته كالضمان في حق الضامن { مسألة } (يجوز عقده مع الحق وبعده ولا يجوز قبله الا عند أبي الخطاب) وجملة ذلك أن الرهن لا يخلو من أحوال ثلاثة (أحدها) أن يقع مع الحق فيقول بعتك هذا بعشرة إلى شهر ترهنني بها كذا فيقول قبلت فيصح ذلك، وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي لان الحاجة داعية إلى ثبوته فانه لو لم يعقده مع ثبوت الحق ويشترطه فيه لم يتمكن من الزام المشتري عقده وكانت الخيرة إلى المشتري، والظاهر أنه لا يبذله فتفوت الوثيقة بالحق (الحال الثاني) أن يقع بعد الحق فيصح

[ 368 ]

بالاجماع لانه دين ثابت تدعو الحاجة إلى الوثيقة به فجاز أخذها به كالضمان ولان الله تعالى قال (وان كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة) جعله بدلا عن الكتابة فيكون في محلها ومحلها بعد وجوب الحق، ولان في الآية ما يدل على ذلك وهو قوله تعالى (إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) فجعله مذكورا بعدها بفاء التعقيب (الحال الثالث) أن يرهنه قبل الحق فيقول رهنتك عبدي هذا بعشرة تقرضنيها فلا يصح في ظاهر المذهب واختاره أبو بكر والقاضي وذكر القاضي أن أحمد نص عليه في رواية ابن منصور وهو مذهب الشافعي، واختار أبو الخطاب أنه يصح، فإذا قال رهنتك ثوبي هذا بعشرة تقرضنيها غدا وسلمه إليه ثم اقرضه الدراهم لزمه الرهن وهو مذهب أبي حنيفة ومالك لانه وثيقة بالحق فجاز عقدها قبل وجوبه كالضمان أو فجاز انعقادها على شئ يحدث في المستقبل كضمان الدرك. ولنا أنه وثيقة بحق لا يلزم قبله فلم يصح قبله كالشهادة ولان الرهن بالحق تابع للحق فلا يسبقه كالشهادة وأما الضمان فيحتمل أن يمنع صحته، وان سلمناه فالفرق بينهما أن الضمان التزام مال تبرعا بالقول فجاز من غير حق ثابت كالنذر { مسألة } (ويصح في كل عين يجوز بيعها) لان مقصود الرهن الاستيثاق بالدين ليتوصل إلى استيفائه من ثمن الرهن ان تعذر استيفاؤه من ذمة الراهن وهذا يتحقق في كل ما يجوز بيعه ولان كل ما كان محلا للبيع كان محلا لحكمة الرهن ومحل الشئ محل حكمته الا أن يمنع من ثبوته مانع أو يفوت بشرط فيبقى الحكم به

[ 369 ]

{ مسألة } (الا المكاتب إذا قلنا استدامة القبض شرط لم يجز رهنه) إذا قلنا لا يجوز بيع المكاتب لم يجز رهنه لعدم حصول مقصود الرهن به وان قلنا يجوز بيعه وقلنا استدامة القبض شرط في الرهن لم يصح، والصحيح أن استدامة القبض شرط فلا يصح رهنه وهذا مذهب الشافعي لان استدامة القبض غير ممكنة في حق المكاتب لمنافاتها مقتضى الكتابة، وقال القاضي: قياس المذهب صحة رهنه وهو مذهب مالك لانه يجوز بيعه وايفاء الدين من ثمنه، فعلى هذا يكون ما يؤديه من نجوم الكتابة رهنا معه وان عجز ثبت الرهن فيه وفي اكتسابه وان عتق كان ما أداه من نجومه بعد عقد الرهن رهنا بمنزلة مالو كسب العبد ثم مات

[ 370 ]

(فصل) فاما المعلق عتقه بصفة فان كانت توجد قبل حلول الدين لم يصح رهنه لكونه لا يمكن بيعه عند حلول الحق ولا استيفاء الدين من ثمنه وان كان الدين يحل قبلها صح رهنه لا مكان بيعه واستيفاء الدين من ثمنه وان كانت تحتمل الامرين كقدوم زيد فقيام المذهب صحة رهنه لانه في الحال محل للرهن ويمكن أن يبقى حتى يستوفى الدين من ثمنه فاشبه المريض والمدبر، وهو مذهب أبي حنيفة ويحتمل أن لا يصح لان فيه غررا إذ يحتمل أن يعتق قبل حلول الحق ولاصحاب الشافعي اختلاف كنحو هذا (فصل) ويجوز رهن الجارية دون ولدها وولدها دونها وان كان صغيرا لان الرهن لا يزيل

[ 371 ]

الملك فلا يحصل بذلك تفرقة ولانه يمكن تسليم الولد مع أمه والام مع ولدها فان دعت الحاجة إلى بيع أحدهما بيع معه الآخر لان الجمع في العقد ممكن والتفريق حرام فإذا بيعا معا تعلق حق المرتهن من ذلك بقدر قيمة الرهن من الثمن فإذا كانت الجارية رهنا وكانت قيمتها مائة مع أنها ذات ولد وقيمة الولد خمسون فحصتها ثلثا الثمن فان لم يعلم المرتهن بالولد ثم علم فله الخيار في الرد والامساك لان الولد عيب فيها لكونه لا يمكن بيعها بدونه فان أمسك فلا شئ له غيرها وان ردها فله فسخ البيع ان كانت مشروطة فيه { مسألة } (ويجوز رهن ما يسرع إليه الفساد بدين مؤجل ويباع ويجعل ثمنه رهنا)

[ 372 ]

يجوز رهن ما يسرع إليه الفساد دين حال ومؤجل لانه يمكن ايفاء اليد من ثمنه أشبه الثوب وسواء كان مما يمكن تجفيفه كالعنب أو لا يمكن كالبطيخ فان كان مما يجفف فعلى الراهن تجفيفه لانه من مؤنة حفظه وتقيته فأشبه نفقة الحيوان وان كان مما لا يجفف فانه يباع ويقضى الدين من ثمنه ان كان حالا أو يحل قبل فساده وان لم يحل قبل فساده فشرطا بيعه وجعل ثمنه رهنا فعلا ذلك وان أطلق العقد فذكر القاضي فيه وجهين (أحدهما) لا يصح لان بيع الرهن قبل حلول الحق لا يقتضيه عقد الرهن فلم يجب كما لو شرط أن لا يبيعه (والثاني) يصح وهو الصحيح لان العرف يقتضي ذلك لكون المالك لا يعرض ملكه للتلف والهلاك فإذا تعين حفظه في بيعه حمل عليه مطلق العقد كالتجفيف

[ 373 ]

في العنب والانفاق على الحيوان. وللشافعي قولان كالوجهين. فاما ان شرطا ان لا يباع فلا يصح لانه شرط ما يتضمن فساده وفوات المقصود فأشبه مالو شرط عدم النفقة على الحيوان. إذا ثبت ذلك فانه ان شرط للمرتهن بيعه أو اذن له فيه بعد العقد أو انفقا على أن الراهن يبيعه أو غيره باعه والا باعه الحاكم وجعل ثمنه رهنا ولا يقضى الدين من ثمنه لانه لا يجوز له تعجيل وفاء الدين قبل حله وكذلك الحكم ان رهنه ثيابا فخاف تلفها أو حيوانا فخاف موته لما ذكرنا { مسألة } (ويجوز رهن المشاع) وبه قال ابن أبي ليلى والنخعي ومالك والاوزاعي والعنبري والشافعي وأبو ثور، وقال أصحاب

[ 374 ]

الرأي لا يصح الا أن يرهنه لشريكه أو يرهنها الشريكان لرجل واحد أو يرهن رجل داره من رجلين فيقبضانها معا لانه عقد تخلف عنه مقصوده لمعنى اتصل به فلم يصح كما لو تزوج اخته من الرضاع. بيانه ان مقصوده الحبس الدائم والمشاع لا يمكن المرتهن حبسه لان شريكه ينزعه في نوبته ولان استدامة القبض شرط، وهذا يستحق زوال العقد عنه لمعنى فارق العقد فلم يصح رهنه كالمغصوب ولنا أن المشاع يصح بيعه في محل الحق فصح رهنه كالمفرد قولهم مقصوده الحبس ممنوع انما المقصود استيفاء الدين من ثمنه عند تعذره من غيره والمشاع قابل لذلك ثم يبطل ما ذكروه برهن القاتل والمرتد والمغصوب ورهن ملك غيره بغير اذنه فانه يصح عندهم، إذا ثبت ذلك فرضي الشريك

[ 375 ]

والمرتهن بكونه في يد أحدهما أو غيرهما جاز لان الحق لهما لا يخرج عنهما فان اختلفا جعله الحاكم في يد أمين أمانة أو باجرة لان المالك لا يلزمه تسليم ما لم يرهنه والمرتهن لا يلزمه ترك الرهن عند المالك فقام الحاكم مقامهما في حفظه لهما (فصل) ويصح أن يرهن بعض نصيبه من المشاع كما يصح رهن جميعه سواء رهنه مشاعا في نصيبه مثل أن يرهن بعض نصيبه أو رهن نصيبه من معين مثل أن يكون له نصف دار فيرهن نصيبه من بيت منها بعينه. وقال القاضي يحتمل أن لا يصح رهن حصته من معين من شئ يمكن قسمته لاحتمال أن يقسم الشريكان فيحصل الرهن في حصة شريكه، ولنا أنه يصح بيعه فصح رهنه كغيره وما ذكروه لا يصح لان الراهن ممنوع من التصرف في الرهن بما يضر بالمرتهن فيمنع القسمة المضرة كما يمنع من بيعه.

[ 376 ]

(فصل) ويصح رهن المرتد والقاتل في المحاربة والجاني سواء كانت جنايته عمدا أو خطأ على النقس وما دونها، وقال القاضي لا يصح رهن القاتل في المحاربة واختار أبو بكر أنه لا يصح رهن الجاني والاختلاف في ذلك مبني على الاختلاف في صحة بيعه وقد سبق. فان كان المرتهن عالما بالحال فلا خيار له لانه دخل على بصيرة أشبه المشتري إذا علم العيب وان لم يكن عالما ثم علم بعد اسلام المرتد وفداء الجاني فكذلك لان العيب زال فهو كزوال عيب المبيع وان علم قبل ذلك فله رده وفسخ البيع ان كان مشروطا في العقد لان العقد اقتضاه سليما فإذا ظهر معيبا ملك الفسخ كالبيع وان اختار امساكه فلا أرش له لان الرهن بجملته لو تلف قبل قبضه لم يملك بدله فبعضه أولى وكذلك لو لم يعلم حتى قتل العبد بالردة أو القصاص أو أخذ في الجناية فلا أرش للمرتهن، وذكر القاضي أن قياس المذهب أن له الارش في هذه المواضع قياسا على البيع، وليس الامر كذلك فان المبيع عوض عن الثمن فإذا فات بعضه رجع بما يقابله من الثمن ولو فات كله كتلف المبيع قبل قبضه رجع بالثمن كله والرهن ليس بعوض ولو تلف كله قبل القبض لما استحق الرجوع بشئ فكيف يستحق الرجوع ببدل عيبه أو فوات بعضه؟ وان امتنع السيد من فداء الجاني لم يجبر ويباع في الجناية لان حق المجني عليه مقدم على الرهن كما لو حدثت الجناية بعد الرهن فعلى هذا إن استغرق الارش قيمته بيع وبطل الرهن وان لم يستغرقها بيع منه بقدر الارش والباقي رهن (فصل) ويصح رهن المدبر في ظاهر المذهب بناء على جواز بيعه ومنع منه أبو حنيفة والشافعي لانه معلق عتقه بصفة أشبه مالو كانت توجد قبل حلول الحق

[ 377 ]

ولنا أنه عقد يقصد منه استيفاء الحق من العين أشبه الاجارة ولانه علق عتقه بصفة لا تمنع استيفاء الحق أشبه مالو علقه بصفة لا توجد قبل حلول الحق. وما ذكروه ينتقض بهذا الاصل، ويفارق التدبير التعليق بصفة توجد قبل حلول الحق لان الرهن لايمنع عتقه بالصفة فإذا عتق تعذرا استيفاء الدين منه فلا يحصل المقصود والدين في المدبر يمنع عتقه بالتدبير ويقدم عليه فلا يمنع حصول المقصود، والحكم فيما إذا علم وجود التدبير أو لم يعلم كالحكم في العبد الجاني على ما فصل فيه. ومتى مات السيد قبل الوفاء فعتق المدبر بطل الرهن وان عتق بعضه بقي الرهن فيما بقي وإن لم يكن للسيد مال يفضل عن وفاء الدين بيع المدبر في الدين وبطل التدبير ولا يبطل الرهن به وإن كان الدين لا يستغرقه بيع منه بقدر الدين وعتق ثلث الباقي وباقيه للورثة { مسألة } (ويجوز رهن المبيع غير المكيل والموزون قبل قبضه إلا على ثمنه في أحد الوجهين) لانه يصح بيعه فصح رهنه كما بعد القبض. فاما رهنه على ثمنه قبل قبضه ففيه وجهان (أحدهما) لا يصح لوجوه ثلاثة (أحدهما) أن البيع يقتضي تسليم المبيع أولا والرهن يقتضي تسليم الثمن اولا (والثاني) أن البيع يقتضي ايفاء الثمن من غير المبيع والرهن يقتضي ايفاء الثمن منه (والثالث) ان البيع يقتضي امساك المبيع مضمونا والرهن يقتضي عدم الضمان وهذا يوجب تناقض الاحكام وانما

[ 378 ]

تتحقق هذه المعاني إذا شرط رهنه قبل قبضه فان شرط أنه يقبضه ثم يسلمه رهنا فانه يتحقق فيه بعض هذه المعاني، وقد روي عن أحمد أنه قال إذا حبس ببقية الثمن فهو غاصب ولا يكون رهنا الا أن يكون شرط عليه في نفس البيع. قال القاضي معناه شرط عليه رهنا غير المبيع فيكون له حبسه حتى يقبض الرهن فان وفى له به والا فسخ (والوجه الثاني) يصح كما يصح لغير البائع فاما المكيل والموزون فذكر القاضي أنه يجوز رهنه قبل قبضه لان قبضه مستحق فيمكن المشتري أن يقبضه ثم يقبضه وإنما لم يجز بيعه لانه يفضي إلى ربح ما لم يضمن وهو منهي عنه ويحتمل انه لا يصح رهنه لانه لا يصح بيعه بربح ولا برأس مال ولا يصح هبته فكذلك رهنه { مسألة } (وما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه إلا الثمرة قبل بدو صلاحها من غير شرط القطع في أحد الوجهين) لا يصح رهن ما لا يجوز بيعه كأم الولد والوقف والعين المرهونة لان مقصود الرهن استيفاء الدين من ثمنه وما لا يجوز بيعه لا يمكن ذلك فيه ولو رهن العين المرهونة عند المرتهن لم يجز فلو قال الراهن للمرتهن زدني مالا يكون الذي عندك رهنا به وبالدين الاول لم يجز، وبه قال أبو حنيفة ومحمد وهو

[ 379 ]

أحد قولي الشافعي، وقال مالك وأبو يوسف والمزني وأبو ثور وابن المنذر يجوز ذلك لانه لو زاده رهنا جاز فكذلك إذا زاد في دين الرهن ولانه لو فدا المرتهن العبد الجاني باذن الراهن ليكون رهنا بالمال الاول وبما فداه به جاز فكذلك ههنا ولانها وثيقة محضة فجازت الزيادة فيها كالضمان، ولنا أنها عين مرهونة فلم يجز رهنها بدين آخر كما لو رهنها عند غير المرتهن. فاما الزيادة في الرهن فتجوز لانه زيادة استيثاق بخلاف مسئلتنا، فاما العبد الجاني قلنا فيه منع وان سلمنا فانما يصح فداؤه ليكون رهنا بالفداء والمال الاول لكون الرهن لايمنع تعلق الارش بالجاني لكون الجناية أقوى ولان لولي الجناية المطالبة ببيع الرهن واخراجه من الرهن فصار بمنزلة الرهن الجائز قبل قبضه والرهن الجائز تجوز الزيادة فيه فكذلك إذا صار جائزا بالجناية، ويفارق الرهن الضمان فانه يجوز أن يضمن لغيره، إذا ثبت هذا فرهنه بحق بان كان رهنا بالاول خاصة فان شهد بذلك شاهدان يعتقدان فساده لم يكن، لهما أن يشهدا به وان اعتقدا صحته جاز ان يشهدا بكيفية الحال ولا يشهدان أنه رهنه بالحقين مطلقا

[ 380 ]

(فصل) ويصح رهن الثمرة قبل بدو صلاحها من غير شرط القطع والزرع الاخضر في أحد الوجهين. اختاره القاضي لان الغرر يقل فيه فان الثمرة متى تلفت عاد إلى حقه في ذمة الراهن، ولانه يجوز بيعه فجاز رهنه، ومتى حل الحق بيع، وان اختار المرتهن تأخير بيعه فله ذلك (والثاني) لا يصح وهو منصوص الشافعي لانه لا يجوز بيعه فلا يصح رهنه كسائر ما لا يجوز بيعه (فصل) وان رهن ثمرة إلى محل تحدث فيه أخرى لا تتميز فالرهن باطل لانه مجهول حين حلول الحق ولا يمكن امضاء الرهن على مقتضاه، وإن رهنها بدين حال أو شرط قطعها عند خوف اختلاطها جاز لانه لا غرر فيه، فان لم يقطعها حتى اختلطت لم يبطل الرهن لانه وقع صحيحا، لكن ان سمح الراهن بيع الجميع أو اتفقا على قدر منه جاز، وإن اختلفا وتشاحا فالقول قول الراهن مع يمينه لانه منكر (فصل) ولا يصح رهن المصحف في إحدى الروايتين نقل جماعة عنه لا أرخص في رهن المصحف وذلك لان المقصود من الرهن استيفاء الدين من ثمنه ولا يحصل ذلك الا ببيعه وبيعه غير جائز (والثانية) يصح فانه قال إذا رهن مصحفا لا يقرأ فيه الا باذنه فظاهر هذا صحة رهنه وهو قول مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي بناء على أنه يصح بيعه فيصح رهنه كغيره والخلاف في ذلك مبني على جواز بيعه وقد ذكرناه في كتاب البيع

[ 381 ]

{ مسألة } (ولا يصح رهن العبد المسلم لكافر) اختاره القاضي لانه عقد يقتضي قبض المعقود عليه والتسليط على بيعه فلم يجز كالبيع، واختار

[ 382 ]

أبو الخطاب صحته إذا شرطا كونه على يد مسلم ويبيعه الحاكم إذا امتنع مالكه وهذا أولى لان مقصود الرهن يحصل من غير ضرر

[ 383 ]

(فصل) ولا يصح رهن المجهول لانه لا يصح بيعه، فلو قال رهنتك هذا الجراب أو البيت أو الخريطة بما فيها لم يصح للجهالة وإن لم يقل بما فيها صح للعلم بها، ولو قال رهنتك أحد هذين العبدين لم يصح لعدم التعيين، وقال أبو حنيفة يصح لانه يصح بيعه عنده بشرط الخيار له وقد ذكر في البيع وفي الجملة أنه يعتبر للعلم في الرهن ما يعتبر في البيع، وكذلك القدرة على التسليم فلا يصح رهن الآبق ولا الشارد ولا غير مملوك لانه لا يصح بيعه (فصل) فأما سواد العراق والارض الموقوفة على المسلمين فظاهر المذهب انه لا يجوز رهنها لانه لا يجوز بيعها وهذا منصوص الشافعي وحكم بنائها حكمها، فان كان فيها من غير ترابها أو الشجر المتجدد فيها فانه يصح افراده بالبيع والرهن في احدى الروايتين نص عليهما في البيع لانه طلق (الثانية) لا يجوز لانه تابع لما لا يجوز رهنه فهو كأساسات الحيطان، وان رهنه مع الارض بطل في الارض، وهل يجوز في الاشجار والبناء إذا قلنا بجواز رهنها منفردة؟ يخرج على الروايتين في تفريق الصفقة وهذا مذهب الشافعي رضي الله عنه

[ 384 ]

(فصل) ولو رهن عبدا أو باعه يعتقده مغصوبا فبان ملكه نحو أن يرهن عبد ابنه فيبين أنه قد مات وصار العبد ملكه بالميراث، أو وكل إنسانا يشتري له عبدا فباعه الموكل، أو رهنه يعتقده لسيده الاول وكان تصرفه بعد شراء وكيله ونحو ذلك صح تصرفه لانه صادف ملكا فصح كما لو علم، ويحتمل ان لا يصح لانه اعتقده باطلا (فصل) ولو رهن المبيع في مدة الخيار لم يصح الا أن يرهنه المشتري والخيار له وحده فيصح ويبطل خياره وذكره أبو بكر وهو مذهب الشافعي، ولو أفلس المشتري فرهن البائع عين ماله التي له الرجوع فيها قبل الرجوع لم يصح لانه رهن مالا يملكه، وكذلك رهن الاب العين التي وهبها لابنه قبل رجوعه فيها لما ذكرنا، وفيه وجه لاصحاب الشافعي أنه يصح لان له استرجاع العين وتصرفه فيها يدل على الرجوع. ولنا أنه رهن ما لا يمكله بغير إذن المالك ولا ولاية عليه فلم يصح كما لو رهن الزوج نصف الصداق قبل الدخول (فصل) ولو رهن ثمر شجر يحمل في السنة حملين لا يتميز أحداهما من الآخر فرهن الحمل الاول إلى محل يحدث الحمل الثاني على وجه لا يتميز لم يصح لانه مجهول حين حلول الحق فلا يمكن استيفاء الدين منه فأشبه مالو كان مجهولا حين العقد، وإن شرط قطع الحمل الاول إذا خيف اختلاطه بالثاني صح، وإن كان الحمل المرهون بحق حال أو كان الثاني يتميز عن الاول إذا حدث فالرهن صحيح، فان وقع التواني في قطع الحمل الاول حتى اختلط بالثاني وتعذر التمييز لم يبطل الرهن لانه وقع صحيحا وقد اختلط بغيره على وجه لا يمكن فصله فعلى هذا ان سمح الراهن بكون الثمرة رهنا كلها أو اتفقا

[ 385 ]

على قدر المرهون منهما فحسن، وان اختلفا فالقول قول الراهن مع يمينه في قدر الرهن لانه منكر للقدر الزائد والقول قول المنكر (فصل) ولو رهنه منافع داره شهرا لم يصح لان مقصود الرهن استيفاء الدين من ثمنه والمنافع تهلك إلى حلول الحق، وان رهنه أجرة داره شهرا لم يصح لانها مجهولة وغير مملوكة (فصل) ولو رهن المكاتب من يعتق عليه لم يصح لانه لا يملك بيعه وأجازه أبو حنيفة لانهم لا يدخلون معه في الكتابة، ولو رهن العبد المأذون من يعتق على السيد لم يصح لان ما في يده لسيده فقد صار حرا بشرائه (فصل) ولو رهن الوارث تركة الميت أو باعها وعلى الميت دين صح في أحد الوجهين. وفيه وجه أنه لا يصح، وقال أصحاب الشافعي لا يصح إذا كان الدين يستغرق التركة لانه تعلق به حق آدمي فلم يصح رهنه كالمرهون. ولنا أنه تصرف صادق ملكه ولم يعلق به حقا فصح كما لو رهن المرتد وفارق المرهون فان الحق تعلق باختياره وفي مسئلتنا تعلق بغير اختياره فلم يمنع تصرفه وهكذا كل حق يثبت من غير إثباته كالزكاة والجناية فانه لايمنع رهنه، فإذا رهنه ثم قضى الحق من غيره فالرهن بحاله، وان لم يقض الحق فللغرماء انتزاعه لان حقهم سابق والحكم فيه كالحكم في الجاني، وهكذا الحكم لو تصرف في التركة ثم رد عليه مبيع باعه الميت بعيب ظهر فيه أو حق تجدد تعلقه بالتركة مثل ان وقع انسان أو بهيمة في بئر حفرها في غير ملكه بعد موته فالحكم واحد وهو أن تصرفه صحيح غير نافذ، فان قضى الحق من غيره نفذ والا فسخ البيع والرهن وعلى الوجه الآخر لا يصح تصرفه والله أعلم (فصل) ولا يصح الرهن والارتهان الا من جائز الامر وهو المكلف الرشيد غير المحجور عليه لصغر أو سفه أو فلس لانه نوع تصرف في المال فلم يصح من غير اذن من المحجور عليه كالبيع ويعتبر ذلك في حال رهنه واقباضه لان العقد والتسليم ليس بواجب وانما هو إلى اختيار الراهن، فإذا لم

[ 386 ]

يكن له اختيار صحيح لم يصح منه كالبيع، فان جن احد المتراهنين قبل القبض أو مات لم يبطل الرهن لانه عقد يؤول إلى اللزوم فلم يبطل بجنون احد المتعاقدين أو موته كالبيع في مدة الخيار. ويقوم ولي المجنون مقامه فان كان المجنون الراهن وكان الحظ في التقبيض مثل ان يكون شرطا في بيع يستضر بفسخه ونحوه اقبضه. وان كان الحظ في قبضه لم يجز له تقبيضه، وان كان المجنون المرتهن قبضه وليه فإذا مات قام وارثه مقامه في القبض فان مات الراهن لم يلزم ورثته تقبيضه لانهم يقومون مقام الراهن ولم يلزمه ذلك، فان لم يكن على الميت دين سوى هذا الدين فللورثة تقبيض الرهن، وان كان عليه دين سواه فظاهر المذهب انه ليس للوارث تخصيص المرتهن بالرهن نص عليه في رواية علي بن سعيد وهو مذهب الشافعي، وذكر القاضي فيه رواية اخرى ان لهم ذلك اخذا مما نقل ابن منصور وابو طالب عن احمد انه قال: إذا مات الراهن أو افلس فالمرتهن احق به من الغرماء ولم يعتبر وجود القبض بعد الموت أو قبله. قال شيخنا: وهذا لا يعارض ما نقله على بن سعيد لانه خاص وهذا عام والاستدلال به على هذه الصورة يضعف جدا لندرتها فكيف يعارض بها الخاص، لكن يجوز ان يكون هذا الحكم مبنيا على الرواية التي لا يعتبر فيها القبض في غير المكيل والموزون فيكون الرهن قد لزم قبل القبض ووجب تقبيضه على الراهن فكذلك على وارثه ويختص ذلك بغير المكيل والموزون وأما ما يلزم الرهن فيه فليس للورثة تقبيضه لان الغرماء تعلقت ديونهم بالتركة قبل لزوم حقه في الرهن فلم يجز تخصيصه به بغير رضاهم كما لو أفلس الراهن إذا قلنا إن للورثة التصرف في التركة ووفاء الدين من أموالهم، فان قيل فما الفائدة في القول بصحة الرهن إذا لم يختص المرتهن به؟ قلنا فائدته أنه يحتمل أن يرضى الغرماء بتسلميه إليه فيتم الرهن، وسواء فيما ذكرنا ما بعد الاذن في القبض وقبله لان الاذن يبطل بالجنون والموت والاغماء والحجر (فصل) ولو حجر على الراهن لفلس قبل التسليم لم يكن له تسليمه لان فيه تخصيصا للمرتهن به وليس له تخصيص بعض غرمائه، وإن حجر عليه لسفه فحكمه حكم ما لو زال عقله بجنون على

[ 387 ]

ما أسلفنا، وان أغمى عليه لم يكن للمرتهن قبض الرهن وليس لاحد تقبيضه لان المغمى عليه لا تثبت عليه الولاية، وإذا أغمي على المرتهن لم يكن لاحد أن يقوم مقامه في قبض الرهن وانتظر إفاقته، وإن خرس وكانت له كتابة مفهومة أو اشارة معلومة فحكمه حكم المتكلمين، وإن لم تفهم اشارته ولا كتابته لم يجز القبض، وإن كان أحد هؤلاء قد أذن في القبض فحكمه حكم من لم يأذن لان اذنهم يبطل بما عرض لهم { مسألة } (ولا يلزم الرهن إلا بالقبض واستدامته شرط في اللزوم) لا يلزم الرهن الا بالقبض ويكون قبل القبض رهنا جائزا يجوز للراهن فسخه، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وسواء في ذلك المكيل الموزون وغيره، وقال بعض أصحابنا في غير المكيل والموزون رواية أخرى أنه يلزم بمجرد العقد كالبيع وقد نص عليه أحمد في رواية الميموني، وقال مالك يلزم الرهن بمجرد العقد قبل القبض لانه عقد يلزم بالقبض فلزم قبله كالبيع ووجه الاولى قوله تعالى (فرهان مقبوضة) وصفها بكونها مقبوضة، ولانه عقد ارفاق يفتقر إلى القبول فافتقر إلى القبض كالقرض ولانه رهن لم يقبض فلا يلزم اقباضه كما لو مات الراهن، فعلى هذا إن تصرف الراهن فيه قبل القبض بهبة أو بيع أو عتق، أو جعله صداقا أو رهنه ثانيا بطل الرهن الاول سواء قبض الهبة والبيع والرهن الثاني أو لم يقبضه لانه أخرجه عن امكان استيفاء الدين من ثمنه أو فعل ما يدل على قصده ذلك، وان دبره أو آجره أو زوج الامة لم يبطل الرهن لان هذا التصرف لايمنع البيع فلا يمنع صحة الرهن ولانه لايمنع ابتداء الرهن فلا يقطع استدامته كاستخدامه، وان كاتب العبد الرهن انبني على صحة رهن المكاتب، فان قلنا يجوز رهنه لم يبطل الرهن كالتدبير، وان قلنا لا يجوز بطل الرهن كما لو أعتقه (فصل) فان قلنا إن ابتداء القبض شرط في لزوم الرهن فاستدامة القبض شرط لانها احدى حالتي الرهن فأشبهت الابتداء، وان قلنا إن الابتداء ليس بشرط في اللزوم فكذلك الاستدامة { مسألة } (فان اخرجه المرتهن إلى الراهن باختياره زال لزوم الرهن)

[ 388 ]

وبقي العقد كانه لم يوجد فيه قبض سواء أخرجه باجارة أو اعارة أو إيداع أو غير ذلك، فإذا عاد فرده إليه عاد اللزوم بحكم العقد السابق لانه أقبضه باختياره فلزم به كالاول قال احمد في رواية ابن منصور: إذا ارتهن دارا ثم أكراها صاحبها خرجت من الرهن فإذا رجعت إليه صارت رهنا، وقال فيمن رهن جارية ثم سأل المرتهن أن يبعثها إليه لتخبز لهم فبعث بها فوطئها انتقلت من الرهن فان لم يكن وطئها فلا شئ. قال أبو بكر: لا تكون رهنا في تلك الحال، فإذا ردها رجعت إلى الرهن وممن أوجب استدامة القبض مالك وأبو حنيفة وهذا التفريغ على القول الصحيح، فاما على قول من قال ابتداء القبض ليس بشرط فاولى أن يقول الاستدامة غير مشروطة لان كل شرط يعتبر في الاستدامة يعتبر في الابتداء وقد يعتبر في الابتداء ما لا يعتبر في الاستدامة، وقال الشافعي استدامة القبض ليست شرطا لانه عقد يعتبر القبض في ابتدائه فلم تشترط استدامته كالهبة ولنا قول الله تعالى (فرهان مقبوضة) ولانها إحدى حالتي الرهن فكان القبض فيه شرطا كالابتداء ويفارق الهبة فان القبض في ابتدائها يثبت الملك فإذا ثبت استغنى عن القبض ثانيا والرهن يراد للوثيقة ليتمكن من بيعه واستيفاء اليدين من ثمنه، فإذا لم يكن في يده لم يتمكن من بيعه وإن أزيلت يد المرتهن بغير حق كالغصب والسرقة أو إباق العبد أو ضياع المتاع ونحو ذلك لم يزل لزوم الرهن لان يده ثابته حكما فكأنها لم تزل { مسألة } (ولو رهنه عصيرا فتخمر زال لزومه، فان تخلل عاد لزومه بحكم العقد السابق) يصح رهن العصير لانه يصح بيعه وتعريضه للخروج عن المالية لا يمنع صحة رهنه كالمريض والجاني فان صار إلى حال لا يخرج فيها عن المالية كالخل فهو رهن بحاله، وان تخمر زال لزوم العقد ووجبت اراقته فان أريق بطل العقد ولاخيار للمرتهن لان التلف حصل في يده، فان عاد خلا عاد اللزوم بحكم العقد السابق كما لو زالت يد المرتهن عن الرهن ثم عادت إليه وان استحال خمرا قبل قبض المرتهن له بطل الرهن ولم يعد بعوده خلا لانه عقد ضعيف لعدم القبض فاشبه اسلام أحد الزوجين قبل الدخول

[ 389 ]

وذكر القاضي أن العصير إذا استحال خمرا بعد القبض بطل الرهن أيضا، ثم إذا عاد خلا عاد ملكا لصاحبه مرهونا بالعقد السابق لانه يعود مملوكا بحكم الملك الاول فيعود حكم الرهن لانه زال بزوال الملك فيعود بعوده وهذا قول الشافعي، وقال مالك وأبو حنيفة: هو رهن بحاله لانه كانت له قيمة حال كونه عصيرا ويجوز أن تصير له قيمة فلا يزول الملك عنه كما لو ارتد الجاني، ولان اليد لم تزل عنه حكما بدليل أنه لو غصبه غاصب فتخلل في يده كان ملكا للمغصوب منه، ولو زالت يده كان ملكا للغاصب كما لو أراقه فجمعه إنسان فتخلل في يده كان له دون من أراقه، وهذا القول هو قولنا الاول في المعنى الا أن يقولوا ببقاء اللزوم فيه حال كونه خمرا. قال شيخنا: ولم تظهر لي فائدة الخلاف بعد اتفاقهم على عوده رهنا باستحالته خلا وأرى القول ببقائه رهنا أقرب إلى الصحة لان العقد لو بطل لما عاد صحيحا من غير ابتداء عقد، فان قالوا يمكن عوده صحيحا لعود المعنى الذي بطل بزواله كما أن زوجة الكافر إذا أسلمت خرجت من حكم العقد لاختلاف دينهما فان أسلم الزوج في العدة عادت الزوجية بالعقد الاول لزوال الاختلاف في الدين، قلنا هناك ما زالت الزوجية ولا بطل العقد، ولو بطل بانقضاء العدة لما عاد الا بعقد جديد وانما العقد كان موقوفا مراعى، فإذا أسلم في العدة تبينا انه لم يبطل وان لم يسلم تبينا أنه كان قد بطل وههنا قد جزمتم ببطلانه، وعنه ان القبض واستدامته في المتعين ليس بشرط ويلزم بمجرد العقد كالبيع، فعلى هذا ان امتنع الراهن من تقبيضه أجبر عليه كالبيع، فان رده المرتهن على الراهن بعارية أو غيرها ثم طلبه أجبر الراهن على رده لان الرهن صحيح والقبض واجب فيجبر عليه كبيعه (فصل) وإذا استعار شيئا ليرهنه جاز، قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا استعار من الرجل شيئا يرهنه على دنانير معلومة عند رجل سماه إلى وقت معلوم ففعل ان ذلك جائز وينبغي أن يذكر المرتهن والقدر الذي يرهنه به وجنسه ومدة الرهن لان الضرر يختلف بذلك، فاحتيج إلى بيانه كاصل الرهن ومتى شرط شيئا من ذلك فخالف ورهنه بغيره لم

[ 390 ]

يصح الرهن لانه لم يؤذن له فيه أشبه من لم يأذن في أصل الرهن وهذا إجماع حكاه ابن المنذر فان أذن له في رهنه بقدر من المال فنقص عنه صح لان من اذن في شئ فقد أذن في اقل منه وان رهنه بأكثر احتمل ان يبطل في الكل لانه خالف المنصوص عليه فبطل كما لو قال ارهنه بدنانير فرهنه بدراهم أو بحال فرهنه بمؤجل أو بالعكس فانه لا يصح وهذا منصوص الشافعي، واحتمل ان يصح في القدر المأذون فيه ويبطل في الزائد عليه لان العقد تناول ما يجوز وما لا يجوز فصح فيما يجوز دون غيره كتفريق الصفقة، ويفارق ما ذكرنا من الاصول فان العقد لم يتناول مأذونا فيه بحال وكل واحد من هذه الامور يتعلق به غرض لا يوجد في الآخر فان الراهن قد يقدر على فكاكه في الحال ولا يقدر على ذلك عند الاجل وبالعكس، وقد يقدر على فكاكه باحد النقدين دون الاخر فيفوت الغرض بالمخالفة وفي مسئلتنا إذا صح في المائة المأذون فيها لم يختلف الغرض فان أطلق الاذن في الرهن من غير تعيين فقال القاضي يصح وله رهنه بما شاء وهو قول أصحاب الرأي وأحد قولي الشافعي، والآخر لا يجوز حتى يتبين قدر الذي يرهنه به وصفته وحلوله وتأجيله لان هذا بمنزلة الضمان لان منفعة العبد لسيده والعارية ما أفادت المنفعة إنما حصلت له نفعا بكون الرهن وثيقة عنه فهو بمنزلة الضمان في ذمته وضمان المجهول لا يصح ولنا انها عارية فلم يشترط لصحتها ذكر ذلك كالعارية لغير الرهن والدليل على أنه عارية أنه قبض ملك غيره لمنفعة نفسه منفردا بها من غير عوض فكان عارية كقبضه للخدمة، وقولهم انه ضمان غير صحيح لان الضمان يثبت في الذمة وهذا يثبت في الرقبة، ولان الضمان لازم في حق الضامن وهذا له الرجوع في العبد قبل الرهن والزام المستعير بفاكه بعده، وقولهم ان المنافع للسيد قلنا المنافع مختلفة فيجوز ان يستعيره لتحصيل منفعة واحدة وسائر المنافع للسيد كما لو استعاره لحفظ متاع وهو مع ذلك يخيط لسيده أو يعمل له شيئا أو استعاره ليخيط له ويحفظ المتاع لسيده، فان قيل لو كان عارية لما صح رهنه لان العارية لا تلزم والرهن لازم، قلنا العارية غير لازمة من جهة المستعير فان لصاحب العبد

[ 391 ]

المطالبة بفكاكه قبل حلول الدين، ولان العارية قد تكون لازمة فيما إذا اعاره حائطا ليبني عليه أو أرضا ليزرع فيها ما لا يحصد قصيلا، ثم هو منقوض بما إذا استعاره ليرهنه بدين موصوف عند رجل معين إلى اجل معلوم. إذا ثبت ذلك فانه يصح رهنه بما شاء إلى اي وقت شاء لان الاذن يتناول الكل باطلاقه وللسيد مطالبة الراهن بفكاكه حالا كان أو مؤجلا في محل الحق وقبله لان العارية لا تلزم ومتى حل الحق فلم يقبضه فللمرتهن بيع الرهن واستيفاء الدين من ثمنه ويرجع المعير على الراهن بالضمان وهو قيمة العين المستعارة أو مثلها ان كانت من ذوات الامثال ولا يرجع بما بيعت سواء بيعت بأقل من القيمة أو اكثر في احد الوجهين (والثاني) انها ان بيعت باقل من قيمتها رجع بالقيمة لان العارية مضمونة فيضمن نقص ثمنها، وان بيعت بأكثر رجع بما بيعت به لان العبد ملك للمعير فيكون ثمنه كله له، وكذلك لو اسقط المرتهن حقه عن الراهن رجع الثمن كله إلى صاحبه، فإذا قضى به دين الراهن رجع به عليه، ولا يلزم من ضمان النقص ان لا تكون الزيادة لصاحب العبد كما لو كان باقيا بعينه فاما ان تلف الرهن فان الراهن يضمنه بقيمته سواء اتلف بتفريط أو بغير تفريط نص عليه احمد لان العارية مضمونة (فصل) وان فك المعير الرهن وأدى الدين الذي عليه باذن الراهن رجع عليه، وإن قضاه متبرعا لم يرجع بشئ، وان قضاه بغير إذنه محتسبا بالرجوع فهل يرجع؟ على روايتين بناء على ما إذا قضى دينه بغير إذنه ويترجح الرجوع ههنا لان له المطالبة فكاك عبده وأداء دينه فكاكه، وان اختلفا في الاذن فالقول قول الراهن مع يمينه لانه منكر، وإن شهد المرتهن للمعير قبلت شهادته لانه لا يجربها نفعا ولا يدفع بها ضررا، وإن قال أذنت لي في رهنه بعشرة، قال بخمسة فالقول قول المالك لانه منكر للزيادة، وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، وإن كان الدين مؤجلا فقضاه حالا باذنه رجع به حالا، وان قضاه بغير إذنه فقال القاضي يرجع به حالا أيضا لان له المطالبة بفكاك عبده في الحال

[ 392 ]

(فصل) ولو استعار من رجل عبدا ليرهنه بمائة فرهنه عند رجلين صح لان تعيين ما يرهن به ليس شرطا فكذلك من يرهن عنده، ولان رهنه من اثنين أقل ضررا لانه ينفك منه بعضه بقضاء بعض الدين بخلاف ما إذا رهنه عند واحد، فإذا قضى أحدهما ما عليه من الدين خرج نصيبه من الرهن لان عقد الواحد مع الاثنين عقدان في الحقيقة، ولو استعار عبدا من رجلين فرهنه عند واحد بمائة فقضاه نصفها عن أحد النصيبين لم ينفك من الرهن شئ في أحد الوجهين لانه عقد واحد من راهن واحد مع مرتهن واحد أشبه ما لو كان العبد لواحد (والثاني) ينفك نصف العبد لان كل واحد منهما إنما أذن في رهن نصيبه بخمسين فلا يكون رهنا بأكثر منهما كما لو قال له ارهن نصيبي بخمسين لا تزد عليها، فعلى هذا الوجه إن كان المرتهن عالما بذلك فلا خيار له، وان لم يكن عالما والرهن مشروط في بيع احتمل ان له الخيار لانه دخل على أن كل جزء من الرهن وثيقة بجميع الدين وقد فاته ذلك، واحتمل أن لا يكون له خيار لان الرهن سلم له كله بالدين كله وهو قد دخل على ذلك، ولو كان رهن هذا العبد عند رجلين فقضى أحدهما انفك نصيب كل واحد من المعيرين من نصفه، وان قضى نصف دين أحدهما انفك نصيب أحدهما على أحد الوجهين، وفي الآخر ينفك نصف نصيب كل واحد منهما (فصل) ولو كان لرجلين عبدان فأذن كل واحد منهما لشريكه في رهن نصيبه من أحد العبدين فرهناهما عند رجل مطلقا صح، فان شرط أحدهما أنني متى قضيت ما على من الدين انفك الرهن في العبد الذي رهنته وفي العبد الآخر أو في قدر نصيبي من العبد الآخر فهذا شرط فاسد لانه شرط ان ينفك بقضاء الدين رهن على دين آخر ويفسد الرهن لان في هذا الشرط نقصا على المرتهن وكل شرط فاسد ينقص حق المرتهن يفسد الرهن، فأما ان شرط أنه لا ينفك شئ من العبد حتى يقضي جميع الدين فهو فاسد أيضا لانه شرط أن يبقى الرهن محبوسا بغير الدين الذي هو رهن به، لكنه لا ينقص حق المرتهن فهل يفسد الرهن بذلك على وجهين وقد ذكرنا أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض في الصحيح

[ 393 ]

(فصل) والقبض في الرهن كالقبض في البيع على ما ذكرناه، فلو رهنه دارا فخلى بينه وبينها وللراهن فيها قماش لم يمنع من صحة التسليم لان اتصالها بملك الراهن لايمنع صحة التسليم كالثمرة في الشجرة، وكذلك الدابة التي عليها حمل للراهن ولو رهن الحمل وهو على الدابة وسلمها إليه بحملها صح القبض لانه حصل فيهما جميعا فيكون موجودا في الرهن منهما (فصل) وإذا رهنه سهما مشاعا مما لا ينقل خلى بينه وبينه وان لم يحضر الشريك، وان كان منقولا كالجواهر فقبضها تناولها ولا يمكن تناولها الا برضى الشريك، فان رضي الشريك تناولها المرتهن، وان امتنع فرضي الراهن أو المرتهن بيد الشريك جاز وناب عن المرتهن في القبض، وان تنازع الشريك والمرتهن أقام الحاكم عدلا تكون في يده لهما، وان سلمها الراهن إلى المرتهن بغير اذن الشريك فتناولها وقلنا استدامة القبض شرط لم يكف هذا التناول، وان قلنا ليس بشرط فقد حصل القبض لان الرهن حصل في يده والتعدي في غيره لا يمنع صحة القبض كما لو رهنه ثوبا فسلمه إليه مع ثوب غيره فتناولهما جميعا، ولو رهنه ثوبا فاشتبه عليه بغيره فسلم إليه أحدهما لم يثبت القبض لانه لا يعلم أنه أقبضه الرهن، فان تبين أنه الرهن صح القبض، وان سلم إليه الثوبين معا حصل القبض لانه قد تسلم الرهن يقينا (فصل) ولو رهنه دارا فخلى بينه وبينها وهما فيها ثم خرج الراهن صح القبض، وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يصح حتى يخلي بينه وبينها بعد خروجه منها لانه ماكان في الدار فيده عليها فما حصلت التخلية. ولنا أن التخلية تصح بقوله مع التمكين منها وعدم المانع أشبه مالو كانا خارجين عنها، ولا يصح ما ذكره لان خروج المرتهن منها لا يزيل يده عنها ودخوله إلى دار غيره لا يثبت يده عليها، ولانه بخروجه عنها محقق لقوله فلا معنى لاعادة التخلية (فصل) وان رهنه مالا في يد المرتهن عارية أو وديعة أو غصبا أو نحوه صح الرهن لانه مالك

[ 394 ]

له يمكن قبضه فصح رهنه كما لو كان في يده، وظاهر كلام أحمد لزوم الرهن ههنا بنفس العقد من غير احتياج إلى أمر زائد فانه قال إذا حصلت الوديعة في يده بعد الرهن فهو رهن فلم يعتبر أمرا زائدا وذلك لان اليد ثابته والقبض حاصل وانما يتغير الحكم لاغير. ويمكن تغير الحكم مع استدامة القبض كما أنه لو طولب بالوديعة فجحدها لتغير الحكم وصارت مضمونة عليه من غير أمر زائد، ولو عاد الجاحد فأقربها وقال لصاحبها خذ وديعتك فقال دعها عندك وديعة كما كانت ولا ضمان عليك فيها لتغير الحكم من غير حدوث أمر زائد، وقال القاضي وأصحاب الشافعي لا يصير رهنا حتى تمضي مدة يتأتى قبضه فيها، فان كان منقولا فبمضي مدة يمكن نقله فيها، وان كان مكيلا فبمضي مدة يمكن اكتياله فيها، وان كان غير منقول فبمضي مدة التخلية، وان كان غائبا عن المرتهن لم يصر مقبوضا حتى يوفيه هو أو وكيله ثم تمضي مدة يمكن قبضه فيها لان العقد يفتقر إلى القبض، والقبض انما يحصل بفعله أو بامكانه فيكفي ذلك ولايحتاج إلى وجود حقيقة القبض لانه مقبوض حقيقة، فان تلف قبل مضي مدة يتأتى قبضه فيها فهو كتلف الرهن قبل قبضه ثم هل يفتقر إلى الاذن من الراهن في القبض؟ يحتمل وجهين (أحدهما) يفتقر لانه قبض يلزم به عقد غير لازم فلم يحصل بغير اذن كما لو كان في يد الراهن. واقراره في يده لا يكفي كما لو أقر المغصوب في يد غاصبه مع امكان أخذه منه (والثاني) لا يفتقر لان اقراره في يده بمنزلة اذنه في القبض، فان أذن له في القبض ثم رجع عنه قبل مضي مدة يتأتى القبض فيها لم يلزم الرهن حتى يعود فيأذن ثم تمضي مدة يقبضه في مثلها (فصل) وإذا رهنه المضمون على المرتهن كالمغصوب والعارية والمقبوض على وجه السوم أو في بيع فاسد صح وزال الضمان، وبه قال مالك وأبو حنيفة. وقال الشافعي: لا يزول الضمان ويثبت حكم الرهن، والحكم الذي كان ثابتا فيه يبقى بحاله لانه لا تنافي بينهما بدليل أنه لو تعدى في الرهن صار مضمونا وهو رهن كما كان فكذلك ابتداؤه لانه أحد حالتي الرهن

[ 395 ]

ولنا أنه مأذون له في امساكه رهنا لم يتجدد فيه منه عدوان فلم يضمنه كما لو قبضه منه ثم أقبضه اياه أو أبرأه من ضمانه، وقولهم لا تنافي بينهما ممنوع فان الغاصب يده عادية يجب عليه إزالتها ويد المرتهن محققة جعلها الشرع له ويد المرتهن يد امانة، ويد الغاصب والمستعير ونحوهما يد ضامنة وهذان متنافيان، ولان السبب المقتضي للضمان زال فزال الضمان لزواله كما لو رده إلى مالكه وذلك لان سبب الضمان الغصب أو العارية ونحوهما وهذا لم يبق غاصبا ولا مستعيرا، ولا يبقى الحكم مع زوال سببه وحدوث سبب يخالف حكمه حكمه، وأما إذا تعدى في الرهن فانه يلزمه الضمان لعدوانه لا لكونه غاصبا ولا مستعيرا وههنا قد زال سبب الضمان ولم يحدث ما يوجبه فلم يثبت (فصل) وإذا رهنه عينين فتلفت احداهما قبل قبضها انفسخ العقد فيها دون الباقية لان العقد كان صحيحا فيهما، وانما طرأ انفساخ العقد في احداهما فلم يؤثر في الاخرى كما لو اشترى شيئين فرد أحدهما بعيب أو غيره والراهن مخير بين اقباض الباقية وبين منعها إذا قلنا ان الرهن لا يلزم الا بالقبض فان كان التلف بعد قبض الاخرى لزم الرهن فيها، فان كان الرهن مشروطا في بيع ثبت للبائع الخيار لتعذر الرهن بكماله فان رضي لم يكن له المطالبة ببدل التالفة لان الرهن لم يلزم فيها وتكون المقبوضة رهنا بجميع الثمن، فان تلفت احدى العينين بعد القبض فلا خيار للبائع لان الرهن لو تلف كله لم يثبت للبائع خيار فإذا تلف بعضه كان أولى، ثم ان كان تلفها بعد قبض العين الا خرى فقد لزم الرهن فيها، وان كان قبل قبض الاخرى فالراهن مخير بين اقباضها وبين تركه، فان امتنع من تقبيضها ثبت للبائع الخيار كما لو لم تتلف الاخرى (فصل) فإذا رهنه دارا فانهدمت قبل قبضها لم ينفسخ عقد الرهن لان ما ليتها لم تذهب بالكلية فان عرصتها وانقاضها باقية ويثبت للمرتهن الخيار ان كان الرهن مشروطا في بيع لتعيبها ونقص قيمتها

[ 396 ]

فان قيل فلم لا ينفسخ عقد الرهن كعقد الاجارة؟ قلنا الاجارة؟ عقد على منفعة السكنى وقد تعذرت وعدمت فبطل العقد لعدم المعقود عليه والرهن عقد استيثاق يتعلق بالاعيان التي فيها المالية وهي باقية فعلى هذا تكون العرصة والانقاض من الخشب والاحجار ونحوها من الرهن لان العقد وارد على جميع الاعيان والانقاض منها وما دخل في العقد استقر بالقبض (فصل) ويجوز للمرتهن أن يوكل في قبض الرهن ويقوم قبض وكيله مقام قبضه في لزوم الرهن وسائر أحكامه، فان وكل المرتهن الراهن في قبض الرهن له من نفسه لم يصح ولم يكن قبضا لان الرهن وثيقة يستوفى الحق منه عند تعذر استيفائه من الراهن، فإذا كان في يد الراهن لم يحصل معنى الوثيقة، وقد ذكرنا في البيع أن المشتري لو دفع إلى البائع وعاء وقال كل لي حقي فيه ففعل كان قبضا فيخرج ههنا مثله (فصل) إذا أقر الراهن بتقبيض الرهن أو أقر المرتهن بقبضه كان مقبولا فيما يمكن صدقهما فيه فان أقر الراهن بالتقبيض ثم أنكر وقال أقررت بذلك ولم أكن أقبضت شيئا أو أقر المرتهن بالقبض ثم أنكره فالقول قول المقر له فان طلب المنكر يمينه فيه وجهان (أحدهما) لا يلزمه يمين لان الاقرار أقوى من البينة ولو قامت البينة بذلك وطلب المشهود عليه يمين خصمه لم يجب إليها فكذلك الاقرار (والثاني) يلزمه اليمين، وهو قول الشافعي وهو أولى لان العادة جارية بان الانسان يشهد على نفسه بالقبض قبله فكذلك تسمع دعواه ويلزم خصمه اليمين لما ذكرنا من حكم العادة بخلاف البينة فانها لا تشهد الا بالحق قبل ولو فعلت ذلك لم تكن عادلة، وقال القاضي ان كان المقر غائبا فقال أقررت لان وكيلي كتب الي بذلك ثم بان لي خلافه سمعنا قوله وأحلفنا خصمه وان أقر أنه باشر ذلك بنفسه

[ 397 ]

ثم عاد فأكذب نفسه لم يحلف خصمه، وهذا قول بعض أصحاب الشافعي. فاما ان اختلفا في القبض فقال المرتهن قبضته وأنكر الراهن فالقول قول صاحب اليد لانه ان كان في يد الراهن فالاصل معه وهو عدم الاقباض ولم يوجد ما يدل على خلافه وان كان في يد المرتهن فقد وجد القبض لكونه لا يحصل في يده الا بعد قبضه وان اختلفا في الاذن فقال الراهن: أخذته بغير اذني قال بل بأذنك وهو في يد المرتهن فالقول قوله لان الظاهر معه فان العقد قد وجد ويده تدل على أنه بحق ويحتمل أن يكون القول قول الراهن لان الاصل عدم الاذن، وهذا مذهب الشافعي ذكر القاضي هذين الوجهين { مسألة } (وتصرف الراهن في الرهن لا يصح الا العتق فانه يصح ويؤخذ منه قيمته فيجعل رهنا مكانه وعنه لا ينفذ عتق المعسر) إذا تصرف الراهن بغير رضى المرتهن بغير العتق كالبيع والهبة والوقف والرهن ونحوه فتصرفه باطل لانه تصرف يبطل حق المرتهن من الوثيقة غير مبني على التغليب والسراية فلم يصح بغير اذن المرتهن كفسخ الرهن، وفي الوقف وجه آخر أنه يصح لانه يلزم لحق الله تعالى أشبه العتق. والصحيح الاول لانه تصرف لا يسري إلى ملك الغير فلم يصح كالهبة فان أذن فيه صح وبطل الرهن الا أن يأذن في البيع فيه تفصيل نذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى (فصل) وليس للراهن الانتفاع بالرهن باستخدام ولا وطئ ولا سكنى ولا غير ذلك ولا يملك التصرف فيه باجارة ولا إعارة ولا غيرهما بغير رضى المرتهن، وبهذا قال الثوري وأصحاب الرأي وقال مالك وابن أبي ليلى والشافعي وابن المنذر: للراهن إجارته وإعارته مدة لا يتأخر انقضاؤها عن حلول

[ 398 ]

الدين، وهل له أن يسكن بنفسه؟ على اختلاف بينهم. وإن كان الرهن عبدا فله استيفاء منافعه بغيره وهل له ذلك بنفسه؟ على الخلاف. وليس له إجارة الثوب ولا ما ينقص بالانتفاع وبنوه على أن المنافع للراهن لا تدخل في الرهن ولا يتعلق بها حقه وسيأتي الكلام فيه ولنا أنها عين محبوسة فلم يكن للمالك الا نتفاع بها كالمبيع المحبوس عند البائع على قبض ثمنه. إذا ثبت هذا فان المتراهنين ان لم يتفقا على الانتفاع بها لم يجز الانتفاع وكانت منافعه معطلة فان كانت دار ا أغلفت وان كان عبدا أو غيره تعطلت منافعه حتى يفك الرهن فان اتفقا على اجارة الرهن وإعارته جاز ذلك في ظاهر قول الخرقي لانه جعل غلة الدار وخدمة العبد من الرهن ولو عطلت منافعهما لم تكن لهما غلة. وقال ابن أبي موسى: أذن الراهن للمرتهن في اعارته أو اجارته صح والاجرة رهن وان أجره الراهن باذن المرتهن خرج من الرهن في أحد الوجهين ولا يخرج في الآخر كما لو أجره المرتهن. وقال أبو الخطاب في المشاع يؤجره الحاكم لهما وذكر أبو بكر في الخلاف أن منافع الرهن تعطل مطلقا ولا يؤجراه، وهو قول الثوري وأصحاب الرأي وقالوا إذا أجر الراهن باذن المرتهن كان اخراجا من الرهن لان الرهن يقتضي حبسه عند المرتهن أو نائبه على الدوام فمتى وجد عقد يستحق به زوال الحبس زال الرهن

[ 399 ]

ولنا أن مقصود الرهن الاستيثاق بالدين واستيفاؤه من ثمنه عند تعذر استيفائه من ذمة الراهن وهذا لا ينافي الانتفاع به ولا اجارته ولا اعارته فجاز اجتماعهما كانتفاع المرتهن به ولان تعطيل منفعته تضييع للمال وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اضاعته، ولانه عين تعلق بها حق الوثيقة فلم تمنع اجارتها كالعبد إذا ضمن باذن سيده، ولا نسلم ان مقتضى الرهن الحبس بل مقتضاه تعلق الحق به على وجه تحصل به الوثيقة وذلك غير مناف للانتفاع به. ولو سلمنا بأن مقتضاه الحبس فلا يمنع كون المستأجر نائبا عنه في امساكه وحبسه ومتوفيا لمنفعته لنفسه (فصل) ولا يمنع الراهن من اصلاح الرهن ودفع الفساد عنه ومداواته ان احتاج إليها، فإذا كان ماشية فاحتاجت إلى اطراق الفحل فللراهن ذلك لان فيه مصلحة الرهن وزيادته وذلك زيادة في حق المرتهن من غير ضرر وان كانت فحولا لم يكن للراهن اطراقها بغير رضا المرتهن لانه انتفاع لا مصلحة للرهن فيه فهو كالاستخدام الا أن يكون يتضرر بترك الاطراق فيجوز لانه كالمداواة له (فصل) وليس للراهن عتق الرهن لانه يبطل حق المرتهن من الوثيقة وذلك اضرار به فان فعل نفذ عتقه موسرا كان أو معسرا نص عليه أحمد وبه قال شريك والحسن بن صالح وأصحاب الرأي والشافعي في أحد أقواله الا أن أبا حنيفة قال يستسعى العبد في قيمته ان كان المعتق موسرا. وعن أحمد انه لا ينفذ عتق

[ 400 ]

المعسر وذكرها الشريف أبو جعفر وهو قول مالك والقول الثاني للشافعي لان عتقه يسقط حق المرتهن من الوثيقة من عين الرهن وبدلها فلم ينفذ لما فيه من الاضرار بالمرتهن ولانه عتق يبطل حق غير المالك فنفذ من الموسر دون المعسر كعتق شرك له في عبد، وقال عطاء والبتي وأبو ثور: لا ينفذ عتق الراهن موسرا كان أو معسرا وهو القول الثالث للشافعي لانه معنى يبطل حق الوثيقة من الرهن أشبه البيع ولنا انه اعتاق من مالك جائز التصرف تام الملك فنفذ كعتق المستأجر ولان الرهن عين محبوسة لاستيفاء الحق فنفذ فيها عتق المالك كالمبيع في يد البائع والعتق يخالف البيع فانه مبني على التغليب والسراية وينفذ في ملك الغير ويجوز عتق المبيع قبل قبضه والآبق والمجهول وما لا يقدر على تسليمه ويجوز تعليقه على الشرط بخلاف البيع. إذا ثبت هذا فان كان موسرا أخذت منه قيمته فجعلت مكانه رهنا لانه أبطل حق الوثيقة بغير اذن المرتهن فلزمته قيمته كما لو أبطلها اجنبي أو كما لو أتلفه وتكون القيمة رهنا لكونها نائبة عن العين وبدلا منها وان كان معسرا فهي في ذمته فان أيسر قبل حلول الحق أخذت منه فجعلت رهنا إلا أن يختار تعجيل الحق فيقضيه ولا يحتاج إلى رهن وان أيسر بعد حلول الحق طولب بالدين خاصة لان ذمته تبرأ به من الحقين معا والاعتبار بقيمة العبد حال العتق لانه وقت الاتلاف وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة في المعسر يستسعى العبد في قيمته ثم يرجع على الراهن وفيه ايجاب الكسب على العبد ولا صنيع له ولا جناية منه فكان الزام الغرم للمتلف أولى كحال اليسار وكسائر الاتلاف (فصل) فان أعتقه باذن المرتهن فلا نعلم خلافا في نفوذ عتقه على كل حال لان المنع كان لحق المرتهن وقد أذن ويسقط حقه من الوثيقة موسرا كان المعتق أو معسرا لانه اذن فيما ينافي حقه فإذا

[ 401 ]

وجد زال حقه وقد رضي به لرضاه بما ينافيه واذن فيه فلم يكن له بدل فان رجع عن الاذن قبل العتق وعلم الراهن برجوعه بطل الاذن وان لم يعلم برجوعه فأعتق ففيه وجهان بناء على عزل الوكيل بدون علمه، وان رجع بعد العتق لم ينفعه الرجوع والقول قول المرتهن مع يمينه لان الاصل عدم الاذن، وان اختلف الراهن وورثة المرتهن فالقول قول الورثة أيضا الا أن أيمانهم على نفي العمل لانها على فعل الغير، وان اختلف المرتهن وورثة الراهن فالقول قول المرتهن مع يمينه وان لم يحلف قضي عليه بالنكول { مسألة } (وليس عليه تزويج الامة المرهونة فان فعل لم يصح) وهذا اختيار أبي الخطاب وقول مالك والشافعي. وقال القاضي وجماعة من اصحابنا يصح وللمرتهن منع الزوج من وطئها لحق المرتهن حتى لا تخرج عن يده فيفوت القبض ومهرها رهن معها لانه من نمائها وبسببها فكان رهنا معها كأجرتها وسائر نمائها، وهذا مذهب أبي حنيفة لان محل النكاح غير محل عقد الرهن ولذلك صح رهن المزوجة ولان الرهن لا يزيل الملك فلم يمنع التزويج كالاجارة، ولنا أنه تصرف في الرهن بما ينقص ثمنه ويستغل بعض منافعه فلم يملكه الراهن بغير رضى المرتهن كالاجارة ولا يخفى تنقصيه لثمنها فانه يعطل منافع بضعها ويمنع مشتريها من وطئها وحلها ويوجب عليها تمكين زوجها من الاستمتاع بها ويعرضها بوطئه للحمل الذي يخاف منه تلفها ويشغلها عن خدمته بتربية ولدها فتذهب الرغبة فيها وتنقص نقصا كثيرا وربما منع بيعها بالكيلة. وقولهم ان محل عقد النكاح غير محل الرهن غير صحيح فان محل الرهن محل البيع والبيع يتناول جملتها، ولهذا يباح لمشتريها استمتاعها

[ 402 ]

وانما صح رهن المزوجة لبقاء معظم المنفعة فيها وبقائها محلا للبيع كما يصح رهن المستأجرة. ويفارق الرهن الاجارة فان التزويج لا يؤثر في مقصود الاجارة ولا يمنع المستأجر من استيفاء المنافع المستحقة له ويؤثر في مقصود الرهن وهو استيفاء الدين من ثمنها لان تزويجها يمنع بيعها أو ينقص ثمنها فيتعذر استيفاء الدين بكماله { مسألة } (وان وطئ الجارية فأولدها خرجت من الرهن وأخذت منه قيمتها فجعلت رهنا) لا يجوز للراهن وطئ أمته المرهونة في قول أكثر أهل العلم، وقال بعض أصحاب الشافعي له وطئ الآيسة والصغيرة لكونه لا ضرر فيه فان علة المنع خوف الحمل مخالفة أن تلد منه فتخرج من الرهن أو تتعرض للتلف، وهذا معدوم فيهما وسائر أهل العلم على خلاف هذا. قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن للمرتهن منع الراهن من وطئ أمته المرهونة ولان سائر من يحرم وطؤها لا فرق فيه بين الآيسة والصغيرة وغيرهما كالمعتدة والمستبرأة والاجنبية ولان الوقت الذي تحمل فيه يختلف ولا ينحزر فمنع من الوطئ جملة كما حرم الخمر للسكر وحرم منه اليسير الذي لا يسكر لكون السكر يختلف، فان وطئ فلا حد عليه لانها ملكه وانما حرمت عليه لعارض كالمحرمة والصائمة ولا مهر عليه لان المرتهن لاحق له في منفعتها ووطؤها لا ينقص قيمتها إذا كانت ثيبا فأشبه مالو استخدمها وان تلف جزء منها أو نقصها مثل أن افتض البكر أو أفضاها فعليه قيمة ما أتلف فان شاء جعله رهنا معها وان شاء جعله قضاء من الحق ان لم يكن حل فان كان الحق قد حل جعله قضاء لا غير فانه لا فائدة في جلعه رهنا ولا فرق بين الصغيرة والكبيرة فيما ذكرناه

[ 403 ]

(فصل) فان أولدها خرجت من الرهن وعليه قيمتها حين أحبلها كما لو جرح العبد كانت عليه قيمته يوم جرحه ولا فرق بين الموسر والمعسر الا أن الموسر تؤخذ منه قيمتها والمعسر تكون قي ذمته قيمتها على حسب ما ذكرنا في العتق، وهذا قول أصحاب الرأي، وقول الشافعي ههنا كقوله في العتق الا أنه إذا قال لا ينفذ الاحبال فانما هو في حق المرتهن، فأما في حق الراهن فهو ثابت فلا يجوز له أن يهبها للمرتهن، ولو حل الحق وهي حامل لم يجز بيعها لانها حامل بحر فإذا ولدت لم يجز بيعها حتى تسقي ولدها اللبأ ثم ان وجد من يرضعه بيعت والا تركت حتى ترضعه ثم يباع منها بقدر الدين ويثبت للباقي حكم الاستيلاد فإذا مات الراهن عتق. وان رجع المبيع إلى الراهن بيع أو غيره أو بيع جميعها ثم رجعت إليه ثبت لها حكم الاستيلاد، وقال مالك ان كانت الامة تخرج إلى الراهن وتأتيه خرجت من الرهن وان تسور عليها أخذ ولدها وبيعت. ولنا أن هذه أم ولد فلم يثبت فيها حكم الرهن كما لو كان الوطئ سابقا على الرهن أو نقول معنى ينافي الرهن في ابتدائه فنفاه في دوامه كالحرية (فصل) فان كان الوطئ باذن المرتهن خرجت من الرهن ولا شئ للمرتهن لانه أذن في سبب ما ينافي حقه فكان اذنا فيه ولا نعلم في هذا خلافا وان لم تحبل فهي رهن بحالها، فان قيل انما أذن في الوطئ ولم يأذن في الاحبال قلنا الوطئ هو المفضي إلى الاحبال ولا؟؟ ذلك على اختياره فالاذن في سببه

[ 404 ]

اذن فيه، فان أذن ثم رجع فهو كمن لم يأذن، وإن اختلفا في الاذن فالقول قول من ينكره وإن أقر المرتهن بالاذن وانكر كون الولد من الوطئ المأذون فيه أو قال هو من زوج أو زنا فالقول قول الراهن باربع شروط (أحدها) أن يعترف المرتهن بالاذن (الثاني) أن يعترف بالوطئ (الثالث) أن يعترف بالولادة (الرابع) أن يعترف بمضي مدة بعد الوطئ يمكن أن تلد فيها فحينئذ لا يلتفت إلى انكاره ويكون القول قول الراهن بغير يمين لاننا لم نلحقه به بدعواه: بل بالشرع، فان أنكر شرطا من هذه الشروط فقال لم آذن أو قال أذنت فما وطئت، أو قال لم تمض مدة تضع فيها الحمل منذ وطئت، أو قال ليس هذا ولدها انما استعارته فالقول قوله لان الاصل عدم ذلك كله وبقاء الوثيقة صحيحة حتى تقوم البينة وهذا مذهب الشافعي (فصل) ولو أذن في ضربها فضربها فتلفت فلا ضمان عليه لان ذلك تولد من المأذون فيه فهو كتولد الا حبال من الوطئ (فصل) وإذا أقر الراهن بالوطئ لم يخل من ثلاثة أحوال (أحدها) أن يقربه حال العقد أو قبل لزومه فحكم هذين واحد ولا يمنع ذلك صحة الرهن لان الاصل عدم الحمل، فان بانت حائلا أو حاملا بولد لا يلحق بالراهن فالرهن بحاله، وكذلك إن كان يلحق به لكن لا تصير به أم ولد مثل إن وطئها وهي زوجته ثم ملكها ورهنها، وان بانت حاملا بما تصير به أم ولد بطل الرهن ولاخيار للمرتهن وإن كان مشروطا في بيع لانه دخل مع العلم بانها قد لا تكون رهنا، فإذا خرجت من الرهن بذلك السبب الذي علمه لم يكن له خيار كالمريض إذا مات والجاني إذا اقتص منه وهذا قول أكثر الشافعية، وقال بعضهم له الخيار لان الوطئ نفسه لا يثبت الخيار فلم يكن رضاه به رضى بالحمل الذي يحدث منه بخلاف الجناية والمرض. ولنا أن اذنه في الوطئ اذن فيما يؤول إليه كذلك رضاه به رضى بما يؤول إليه (الحال الثالث) أقر بالوطئ بعد لزوم الرهن فانه يقبل في حقه ولا يقبل في حق المرتهن لانه أقر بما يفسخ عقدا لازما لغيره فلم يقبل كما لو أقر بذلك بعد بيعها، ويحتمل أن يقبل لانه أقر في ملكه بما لاتهمة

[ 405 ]

فيه لانه يستضرمن ذلك أكثر من نفعه بخروجها من الرهن والاول أصح لان اقرار الانسان على غيره لا يقبل { مسألة } (وإن أذن المرتهن في بيع أو هبة أو نحو ذلك صح وبطل الرهن الا أن يأذن له في بيعه بشرط أن يجعل ثمنه رهنا أو يعجل دينه من ثمنه) وجملة ذلك أنه متى أذن المرتهن للراهن في بيع الرهن أو هبته أو وقفه ففعل صح لان المنع كان لحقه فجاز باذنه ويبطل الرهن لانه هذا تصرف ينافي الرهن فلا يجتمع مع ما ينافيه الا البيع فله ثلاثة أحوال (أحدها) أن يأذن له في بيعه بعد حلول الحق فيصح ويتعلق حق المرتهن بثمنه ويجب قضاء الدين منه لان مقتضى الرهن بيعه واستيفاء الدين من ثمنه (الثاني) أنه يأذن له قبل حلوله مطلقا فيبيعه فيبطل الرهن ولا يكون عليه عوضه لانه أذن له فيما ينافي حقه فأشبه مالو اذن في عتقه وللمالك اخذ ثمنه وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة ومحمد يكون الثمن رهنا لان الراهن باع الرهن باذن المرتهن فوجب ان يثبت حقه فيه كما لو حل الدين. قال الطحاوي: حق المرتهن يتعلق بعين الرهن والثمن بدله فوجب ان يتعلق به كما لو اتلفه متلف ولنا انه تصرف يبطل حق المرتهن من عين الرهن لا يملكه المرتهن، فإذا اذن فيه اسقط حقه كالعتق. ويخالف ما بعد الحلول لان المرتهن يستحق البيع. ويخالف الا تلاف لانه غير مأذون فيه من جهة المرتهن، فان قال انما اردت باطلاق الاذن ان يكون ثمنه رهنا لم يقبل قوله لان اطلاق الاذن يقتضي بيعا يفسخ الرهن، وبهذا قال الشافعي (الثالث) ان يأذن فيه بشرط ان يجعل ثمنه رهنا مكانه أو يعجل له دينه من ثمنه فيجوز ويلزم ذلك لانه لو شرط ذلك بعد حلول الحق جاز فكذلك قبله وان اختلفا في الاذن فالقول قول المرتهن لانه منكر، وان اقر بالاذن واختلفا في شرط جعل ثمنه رهنا أو تعجيل دينه منه فالقول قول الراهن لان الاصل عدم الشرط، ويحتمل ان يقدم قول المرتهن لان الاصل بقاء الوثيقة { مسألة } (ونماء الرهن وكسبه وارش الجناية عليه من الرهن)

[ 406 ]

وجملة ذلك ان نماء الرهن جميعه وغلاته تكون رهنا في يد من الرهن في يده كالاصل وإذا احتيج إلى بيعه في وفاء الدين بيع مع الاصل، وسواء في ذلك المتصل كالسمن والتعلم والمنفصل كالكسب والاجرة والولد والثمر واللبن والصوف والشعر وبنحو هذا قال النخعي والشعبي. وقال الثوري وأصحاب الرأي يتبع النماء ولا يتبع الكسب لان الكسب لا يتبع في حكم الكتابة والاستيلاد والتدبير فلا يتبع في الرهن كاعتاق مال الراهن. وقال مالك: يتبع الولد في الرهن خاصة دون سائر النماء لان الولد يتبع الاصل في الحقوق الثابتة كولد أم الولد، وقال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر لا يدخل في الرهن شئ من النماء المنفصل ولا من الكسب لانه حق تعلق بالاصل يستوفى من ثمنه فلا يسري إلى غيره كحق جنايته حتى قال الشافعي لو رهنه ماشية مخاضا فنتجت فالنتاج لا يدخل في الرهن، وخالفه أبو ثور وابن المنذر واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم " الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه " وانما يكون رهنا كسائر ماله ولنا أنه حكم يثبت في العين بعقد المال فيدخل فيه النماء والمنافع كالملك بالبيع وغيره، ولان النماء حادث من غير الرهن فيدخل فيه كالمتصل، ولانه حق مستقر في الام ثبت برضى المالك فسرى إلى الولد كالتدبير والاستيلاد. ولنا على مالك أنه نماء حادث من غير الرهن فسرى إليه حكم الرهن كالولد، وعلى أبي حنيفة أنه عقد يستتبع النماء فاستتبع الكسب كالشراء، وأما الحديث فنقول به، وأن غنمه وكسبه ونماءه للراهن لكن يتعلق به حق الرهن كالاصل. والفرق بينه وبين سائر مال الراهن أنه تبع فثبت له حكم أصله، وأما حق الجناية فانه ثبت بغير رضى المال فلم يتعد ما ثبت فيه لانه جزاء عدوان فاختص الجاني كالقصاص، ولان السراية في الرهن لا تفضي إلى استيفاء أكثر من دينه فلا يكثر الضرر فيه. واما ارش الجناية على الرهن فيتعلق بها حق المرتهن لانها بدل جزء منه فكانت من الرهن كقيمته إذا أتلفه انسان وهذا قول الشافعي وغيره (فصل) وإذا ارتهن أرضا أو دارا أو غيرهما تبعه في الرهن ما يتبع في البيع، فان كان في الارض

[ 407 ]

شجر فقال رهنتك هذه الارض بحقوقها أو ذكر ما يدل على أن الشجر في الرهن دخل، وان لم يذكر ذلك فهل يدخل في الرهن؟ على وجهين بناء على دخوله في البيع، وان رهنه شجرا مثمرا وفيه ثمرة ظاهرة لم تدخل في الرهن كما لا تدخل في البيع. وان لم تكن ظاهرة دخلت، وقال الشافعي لا تدخل بحال، وقال أبو حنيفة تدخل بكل حال لان الرهن عنده يصح على الاصل دون الثمرة وقد قصد إلى عقد صحيح فتدخل الثمرة ضرورة الصحة ولنا أن الثمرة المؤبرة لا تدخل في البيع مع قوته وإزالته لملك البائع فالرهن مع ضعفة أولى، وعلى الشافعي انه عقد على الشجر فاستتبع الثمرة غير المؤبرة كالبيع. ويدخل في الرهن الصوف واللبن الموجودان كما يدخل في البيع، وكذلك الحمل وسائر ما يتبع في البيع لانه عقد وارد على العين فدخلت فيه هذه التوابع كالبيع، ولو كان الرهن دارا فخربت كانت أنقاضها رهنا معها لانها من اجزائها وقد كانت مرهونة قبل خرابها، ولو رهنه أرضا فنبت فيها شجر فهو من الرهن سواء نبت بفعل الراهن أو بغير فعله لانه من نمائها { مسألة } (ومؤنته على الراهن وكفنه إن مات وأجرة مخزنه ان كان مخزونا) مؤنة الرهن من طعامه وكسوته ومسكنه وحافظه وحرزه ومخزنه وغير ذلك على الراهن، وبهذا قال مالك والشافعي والعنبري واسحاق، وقال أبو حنيفة أجرة المسكن والحافظ على المرتهن لانه من مؤنة امساكه وارتهانه. ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه " رواه الدارقطني وقال اسناد جيد متصل، ولانه نوع اتفاق فكان على الراهن كالطعام، ولان الرهن ملك الراهن فكان عليه مسكنه وحافظه كغير الرهن، وان أبق العبد فأجرة من يرده على الراهن، وقال أبو حنيفة يكون بقدر الامانة على الراهن وبقدر الضمان على المرتهن. وإن احتيج إلى مداواته لمرض أو جرح فذلك على الراهن، وعند أبي حنيفة هو كأجرة من يرده من اباقه وبنى ذلك على أصله في أن يد المرتهن يد ضمان بقدر دينه فيه وما زاد فهو أمانة عنده ويأتي الكلام على ذلك فيما بعد، فان مات العبد كانت مؤنة تجهيزه وتكفينه ودفنه على الراهن لان ذلك تابع لمؤنته. فان كل من لزمته مؤنة شخص في حياته لافي مقابلة نفع كانت مؤنة تجهيزه ودفنه عليه كسائر العبيد والاماء والاقارب من الاحرار (فصل) وان كان الرهن ثمرة فاحتاجت إلى سقي وتسوية وجذاذ فذلك على الراهن، وان احتاجت إلى تجفيف والحق مؤجل فعليه التجفيف لانه يحتاج إلى أن يستبقيها رهنا حتى يحل الحق،

[ 408 ]

وإن كان حالا بيعت ولم يحتج إلى تجفيفها، فان اتفقا على بيعها وجعل ثمنها رهنا بالحق المؤجل جاز وان اختلفا قدم قول من يستبقيها بعينها لان العقد يقتضي ذلك الا ان يكون مما تقل قيمته بالتجفيف وقد جرت العادة ببيعه رطبا فيباع ويجعل ثمنه رهنا، وان اتفقا على قطع الثمرة في وقت جاز سواء كان الحق حالا أو مؤجلا، أو كان الاصلح القطع أو الترك لان الحق لا يخرج عنهما، وان اختلفا قدم قول من طلب الاصلح ان كان ذلك قبل حلول الحق، وان كان الحق حالا قدم قول من طلب القطع لانه ان كان المرتهن فهو طالب لاستيفاء حقه الحال فلزم اجابته، وان كان الراهن فهو يطلب بتبرئة ذمته وتخليص عين ملكه من الرهن والقطع أحوط من جهة أن في تبقيته غررا. ذكر القاضي هذا في المفلس وهو قول أكثر أصحاب الشافعي وهذا في معناه، ويحتمل أن ينظر في الثمرة فان كانت تنقص بالقطع نقصا كثيرا لم يجبر الممتنع من قطعها لان ذلك اتلاف فلا يجبر عليه كما لا يجبر على نقض داره ليبيع أنقاضها، ولا على ذبح فرسه ليبيع لحمها، فان كانت الثمرة مما لا ينتفع بها قبل كمالها لم يجز قطعها قبله ولم يجبر عليه بحال لما فيه من اضاعة المال والله أعلم (فصل) فان كان الرهن ما شية تحتاج إلى اطراق الفحل لم يجبر الراهن عليه لانه ليس عليه ما يتضمن زيادة في الرهن وليس ذلك مما يحتاج إليه لبقائها ولا يمنع من ذلك لكونه زيادة لهما لا ضرر على المرتهن فيه، وان احتاجت إلى رعي فعلى الراهن أن يقيم لها راعيا لان ذلك يجرى مجرى علفها فان اراد الراهن السفر بها ليرعاها في مكان آخر وكان لها في مكانها مرعى تتماسك به فللمرتهن منعه لان في السفر بها اخراجها عن نظره ويده، وان اجدب مكانها فلم تجد ما تتماسك به فللراهن السفر بها لانها تهلك إذا لم يسافر بها الا انها تكون في يد عدل يرضيان به أو ينصبه الحاكم ولا ينفرد الراهن بها، فان امتنع الراهن من السفر بها فللمرتهن نقلها لان في بقائها هلاكها وضياع حقه من الرهن، وان أراد جميعا السفر بها واختلفا في مكانها قدمنا قول من يعين الاصلح فان استويا قدم قول المرتهن، وعند الشافعي يقدم قول الراهن وان كان الاصلح غيره لانه املك بها الا أنه يكون مأواها إلى يد عدل. ولنا أن اليد للمرتهن فكان أولى كما لو كانا في بلد واحد وايهما أراد نقلها عن البلد مع خصبه لم يكن له سواء اراد نقلها إلى مثله أو اخصب منه إذ لا معنى للمسافرة بالرهن مع امكان ترك السفر به وان اتفقا على نقلها جاز سواء كان انفع لها اولا لان الحق لا يخرج عنهما

[ 409 ]

(فصل) وان كان عبدا يحتاج إلى ختان والدين حال أو اجله قبل برئه منع منه لانه ينقص ثمنه وفيه ضرر، وان كان يبرأ قبل محل الحق والزمان معتدل لا يخاف عليه فيه فله ذلك لانه من الواجبات ويزيد في الثمن ولا يضر بالمرتهن ومؤنة ختانه على الراهن، وان مرض فاحتاج إلى دواء لم يجبر الراهن عليه لانه لا يتحقق أنه سبب لبقائه وقد يبرأ بغير علاج بخلاف النفقة، وان اراد الراهن مداواته بما لا ضرر فيه لم يمنع منه لانه مصلحة لهما من غير ضرر بواحد منهما، فان كان الدواء مما يخاف غائلته كالسموم فللمرتهن منعه منه لانه لا يأمن تلفه، وان احتاج إلى قصد أو احتاجت الدابة إلى توديج ومعناه فتح الودجين ليسيل الدم وهما عرقان غليظان من جانبي ثغرة النحر أو تبزيغ وهو فتح الرهصة فللراهن فعل ذلك ما لم يخف منه ضرر، وان احتيج إلى قطع شئ من بدنه بدواء لا يخاف منه جاز، وان خيف منه فأيهما امتنع منه لم يجبر، وان كانت به آكلة كان له قطعها لانه يخاف من تركها لامن قطعها، وان كان به خبيثة فقال اهل الخبرة الاحوط قطعها وهو أنفع من بقائها فللراهن قطعها والا فلا، وان تساوى الخوف عليه في الحالين لم يكن له قطعها لانه يحدث جرحا فيه لم يترجح احداثه، وان كانت به سلعة أو اصبع زائدة لم يملك الراهن قطعها لان قطعها يخاف منه وتركها لا يخاف منه، وان كانت الماشية جربة فأراد الراهن دهنها بما يرجى نفعه ولا يخاف ضرره كالقطران والزيت اليسير لم يمنع، وان خيف ضرره كالكثير فللمرتهن منعه. وقال القاضي: له ذلك بغير اذن المرتهن لان له معالجة ملكه، وان امتنع من ذلك لم يجبر عليه، ولو اراد المرتهن مداواتها بما ينفعها ولا يخشى ضرره لم يمنع لان فيه اصلاح حقه بما لا يضر بغيره، وان خيف منه الضرر لم يمكن منه لان فيه خطرا بحق غيره (فصل) فان كان الرهن نخلا فاحتاج إلى تأبير فهو على الراهن وليس للمرتهن منعه منه لان فيه مصلحة بغير مضرة وما يسقط من ليف أو سعف أو عراجين فهو من الرهن لانه من اجزائه أو من نمائه، وقال اصحاب الشافعي ليس من الرهن بناءا منهم على ان نماء الرهن ليس منه. ولا يصح ذلك ههنا لان السعف من جملة الاعيان التي ورد عليها عقد الرهن فكانت منه كالاصول وانقاض الدار وان كان الرهن كرما فله زباره لانه لمصلحته ولا ضرر فيه والزرجون من الرهن، وان كان الشجر

[ 410 ]

مزدحما وفي قطع بعضه صلاح لما يبقى فله ذلك، وان اراد تحويله كله لم يملك ذلك، وان قيل هو الاولى لانه قد لا يعلق فيفوت الرهن. وان امتنع الراهن من فعل هذا كله لم يجبر عليه لانه لا يلزمه فعل ما فيه زيادة الرهن (فصل) وكل زيادة تلزم الراهن إذا امتنع منها أجبره الحاكم عليها فان لم يفعل اكترى الحاكم من ماله فان لم يكن له مال اكترى من الرهن، فان بذلها المرتهن متطوعا لم يرجع بشئ، وان كان باذن الراهن محتسبا بالرجوع رجع، فان أنفق باذن الراهن ليكون الرهن رهنا بالنفقة والدين الاول لم يصح ولم يصر رهنا بالنفقة لما ذكرنا، وان قال الراهن انفقت متبرعا وقال المرتهن بل أنفقت محتسبا بالرجوع فالقول قول المرتهن لان الخلاف في نيته وهو أعلم بها وعليه اليمين لان ما قاله الراهن محتمل، وكل مؤنة لا تلزم الراهن كنفقة المداواة والتأبير وأشباههما لا يرجع بها المرتهن إذا أنفقها سواء أنفقها محتسبا أو متبرعا { مسألة } (وهو أمانة في يد المرتهن إن تلف بغير تعد منه فلاشئ عليه ولا يسقط بهلاكه شئ من دينه) وجملة ذلك أن الرهن إذا تلف في يد المرتهن فان كان تلفه بتعد أو تفريط في حفظه ضمنه لا نعلم في ذلك خلافا لانه أمانة في يده فلزمه ضمانه إذا تلف بتعديه أو تفريطه كالوديعة فاما ان تلف بغير تعد منه ولا تفريط فلا ضمان عليه وهو من مال الراهن يروى ذلك عن علي رضي الله عنه، وبه قال عطاء والزهري والاوزاعي والشافعي وأبو ثور وابن المنذر، وروي عن شريح والنخعي والحسن أن الرهن يضمن بجميع الدين وان كان أكثر من قيمته لانه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " الرهن بما فيه " وقال مالك ان كان تلفه بأمر ظاهر كالموت والحريق فمن ضمان الراهن، وان ادعى تلفه بامر خفي لم يقبل قوله ويضمن، وقال الثوري وأبو حنيفة يضمنه المرتهن باقل الا مرين من قيمته أو قدر الدين ويروى ذلك عن عمر رضي الله عنه لما روى عطاء أن رجلا رهن فرسا فنفق عند المرتهن فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاخبره بذلك فقال " ذهب حقك " ولانها عين مقبوضة للاستيفاء فيضمنها

[ 411 ]

من قبضها لذلك، أو من قبضها نائبه كحقيقة المستوفي، ولانه محبوس بدين فكان مضمونا كالمبيع إذا حبس لاستيفاء ثمنه. ولنا ما روى ابن أبي ذؤيب عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا يغلق الرهن لصاحبه غنمه وعليه غرمه " رواه الاثرم عن احمد بن عبد الله بن يونس عن ابن أبي ذؤيب ورواه الشافعي عن ابن أبي فديك عن ابن أبي ذؤيب ولفظه " الرهن من صاحبه الذي رهنه وباقيه سواء " قال ووصله ابن المسيب عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله أو مثل معناه من حديث ابن أبي أنيسة ولانه وثيقة بالدين فلا يضمن كالزيادة على قدر الدين، ولانه مقبوض بعقد واحد بعضه أمانة فكان جميعه امانة كالوديعة، وعلى مالك ان مالا يضمن به العقار لا يضمن به الذهب كالوديعة فأما حديث عطاء فهو مرسل وقوله يخالفه. قال الدارقطني يرويه اسماعيل بن أمية وكان كذابا وقيل يرويه مصعب بن ثابت وكان ضعيفا، ويحتمل انه اراد ذهب حقك من الوثيقة بدليل انه لم يسأل عن قدر الدين وقيمة الرهن، والحديث الآخر ان صح فيحتمل أنه محبوس بما فيه، وأما المستوفى فانه صار ملكا للمستوفي وله نماؤه وغنمه فكان عليه ضمانه وغرمه بخلاف الرهن والمبيع قبل القبض ممنوع إذا ثبت ذلك فانه لا يسقط بهلاكه شئ من دينه وهو قول الشافعي لان الدين كان ثابتا في ذمة الراهن قبل التلف ولم يوجد ما يسقطه فبقي بحاله { مسألة } (وان تلف بعضه فباقيه رهن بجميع الدين) لان جميعه كان رهنا بجميع الدين، فإذا تلف البعض بقي البعض الآخر رهنا بجميع الدين لان الاصل بقاء ما كان على ما كان، ولان الباقي بعض الجملة، وقد كان الجميع رهنا فيكون البعض رهنا لانه من الجملة (فصل) وإذا قضاه حقه وابرأه من الدين بقي الرهن أمانة في يد المرتهن، وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة إذا قضاه كان مضمونا وإذا ابرأه لم يكن مضمونا استحسانا وهذا مناقضة لان القبض المضمون منه لم يزل ولم يبرئه منه، وعندنا انه كان امانة وبقي على ما كان عليه وليس عليه رده لانه امسكه باذن مالكه ولا يختص بنفعه فهو كالوديعة بخلاف العارية فانه يختص بنفعها وبخلاف مالو أطارت الريح إلى دراه ثوبا فانه يلزمه رده إلى مالكه لان مالكه لم يأذن في امساكه، فاما ان طلبه المالك في

[ 412 ]

هذه الحال لزم من هو في يده من المرتهن أو العدل دفعه إليه إذا أمكنه، فان امتنع صار ضامنا كالمودع إذا امتنع من رد الوديعة بعد طلبها فان كان امتناعه لعذر مثل ان يكون بينهما طريق مخوف أو باب مغلق لا يمكنه فتحه أو خاف فوت جمعة أو جماعة أو فوت وقت صلاة أو كان به مرض أو جوع شديد ونحوه فأخر التسليم لذلك لم يضمن لانه لا تفريط منه اشبه المودع (فصل) وإذا قبض الرهن فوجده مستحقا لزمه رده على مالكه والرهن باطل من اصله، فان امسكه مع علمه بالغصب حتى تلف في يده استقر الضمان عليه وللمالك تضمين ايهما شاء، فان امسكه مع علمه بالغصب حتى تلف في يده استقر الضمان عليه وللمالك تضمين ايهما شاء، فان ضمن المرتهن لم يرجع على احد لذلك، وان ضمن الراهن رجع عليه، وان لم يعلم بالغصب حتى تلف بتفريطه ففيه ثلاثة اوجه (احدها) يستقر الضمان عليه ايضا لان مال الغير تلف تحت يده العادية اشبه ما لو علم (والثاني) لا ضمان عليه لانه قبضه على انه امانة من غير علمه فهو كالوديعة، فعلى هذا يرجع المالك على الغاصب لا غير (الثالث) للمالك تضمين ايهما شاء ويستقر الضمان على الغاصب لانه غره فرجع عليه كالمغرور بحرية امة { مسألة } (ولا ينفك شئ من الرهن حتى يقضى جميع الدين) وجملة ذلك أن حق الوثيقة يتعلق بجميع الرهن فيصير محبوسا بكل الحق وبكل جزء منه لا ينفك منه شئ حتى يقضى جميع الدين سواء كان مما يمكن قسمته أولا. قال ابن المنذر أجمع كل من أحفظ عنه من اهل العلم على ان من رهن شيئا بمال فأدى بعض المال واراد اخراج بعض الرهن ان ذلك ليس له ولا يخرج شئ حتى يوفيه آخر حقه أو يبرئه من ذلك كذلك قال مالك والثوري والشافعي واسحاق وأبو ثور واصحاب الرأي لان الرهن وثيقة بحق فلا يزول الا بزوال جميعه كالضمان والشهادة. { مسألة } (وان رهنه عند رجلين فوفى احدهما انفك في نصيبه) إذا رهن عينا عند رجلين فنصفها رهن عند كل واحد منهما بدينه فمتى وفى احدهما خرجت حصته من الرهن لان عقد الواحد مع الاثنين بمنزلة العقدين فكأنه رهن كل واحد منهما النصف منفردا فان اراد مقاسمة المرتهن واخذ نصيب من وفاه، وكان الرهن مما لا تنقصه القسمة كالمكيل والموزون فله ذلك، وان كان مما تنقصه القسمة لم تجب قسمته لان على المرتهن ضررا فيها ويقر

[ 413 ]

في يد المرتهن بعضه رهن وبعضه وديعة، وقال أبو الخطاب فيمن رهن عبده عند رجلين فوفى احدهما يبقى جميعه رهنا عند الآخر حتى يوفيه، وكلامه محمول على انه ليس للراهن مقاسمة المرتهن لما عليه من الضرر لا بمعنى ان العين كلها تكون رهنا إذ لا يجوز ان يقال انه رهن نصف العبد عند رجل فصار جميعه رهنا { مسألة } (وان رهنه رجلان شيئا فوفاه احدهما انفك في نصيبه) لما ذكرنا وقد قال احمد في رواية مهنا في رجلين رهنا دارا لهما عند رجل على الف فقضاه احدهما ولم يقض الآخر فالدار رهن على ما بقي وهذا من كلام احمد محمول ايضا على انه ليس للراهن مقاسمة المرتهن لما عليه من الضرر لا بمعنى ان العين كلها تكون رهنا عند الآخر لانه انما رهنه نصفها (فصل) ولو رهن اثنان عبدا لهما عند اثنين بألف فهذه اربعة عقود ويصير كل ربع من العبد رهنا بمائتين وخمسين فمتى قضاها من هي عليه انفك من الرهن ذلك القدر ذكره القاضي وهو الصحيح { مسألة } (وإذا حل الدين وامتنع من وفائه فان كان الراهن اذن للمرتهن أو العدل في بيع الرهن باعه ووفى الدين والا رفع الامر إلى الحاكم فيجبره على وفاء الدين أو بيع الرهن فان لم يفعل باعه الحاكم وقضى دينه) وجملة ذلك انه إذا حل الدين لزم الايفاء لانه دين حال فلزم إيفاؤه كالذي لارهن به فان لم يوف وكان قد اذن للمرتهن أو للعدل في بيع الرهن باعه ووفى الحق من ثمنه لان هذا هو المقصود من الرهن وقد باعه باذن صاحبه في قضاء دينه يصح في غير الرهن وما فضل من ثمنه فهو للمالك وان فضل من الدين شئ فعلى الراهن وان لم يكن أذن لهما في بيعه أو كان قد أذن لهما ثم عزلهما طولب بالوفاء أو بيع الرهن فان أبى فعلى الحاكم ما يرى من حبسه أو تعزيره ليبيعه أو يبيعه الحاكم بنفسه أو نائبه وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة لا يبيعه الحاكم لان ولاية الحاكم على من عليه الحق لا على ماله فلم ينفذ بيعه بغير اذنه. ولنا أنه حق تعين عليه فإذا امتنع من أدائه قام الحاكم مقامه في أدائه كالايفاء من جنس الدين وان وفى الدين من غير الرهن انفك الرهن (فصل) قال الشيخ رحمه الله (وان شرط في الرهن جعله على يد عدل صح وقام قبضه مقام قبض المرتهن)

[ 414 ]

وجملة ذلك أن المتراهنين إذا شرطا كون الرهن على يدي رجل رضياه واتفقا عليه جاز وكان وكيلا للمرتهن نائبا عنه في القبض فمتى قبضه صح قبضه وقام مقام قبض المرتهن في قول اكثر الفقهاء منهم عطاء وعمرو بن دينار ومالك والثوري وابن المبارك والشافعي واسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال الحكم والحارث العكلي وقتادة وابن أبي ليلى لا يكون مقبوضا بذلك لان القبض من تمام العقد فتعلق بالمتعاقدين كالايجاب والقبول ولنا أنه قبض في عقد فجاز فيه التوكيل كسائر القبوض وفارق القبول لان الايجاب إذا كان لشخص كان القبول منه لانه مخاطب به ولو وكل في الايجاب والقبول قبل ان يوجب له صح أيضا وما ذكروه ينتقض بالقبض في البيع فيما يعتبر القبض فيه. إذا ثبت هذا فانه يجوز ان يجعلا الرهن على يدي من يجوز توكيله وهو الجائز التصرف مسلما كان أو كافرا عدلا أو فاسقا ذكرا أو انثى ولايكون صبيا لانه غير جائز التصرف مطلقا فان فعلا كان قبضه وعدم القبض واحدا ولا عبدا بغير اذن سيده لان منافع العبد لسيده فلا يجوز تضييعها في الحفظ بغير اذنه فان أذن له السيد جاز. وأما المكاتب فيجوز بجعل لان له الكسب وبذل منافعه بغير اذن السيد ولا يجوز بغير جعل لانه ليس له التبرع بمنافعه. { مسألة } (فان شرط جعله في يد اثنين فليس لا حدهما الانفراد بحفظه) لان المتراهنين لم يرضيا الا بحفضهما معا فلم يجز لاحدهما الانفراد به كالوصين فان سلمه أحدهما إلى الآخر فعليه ضمان النصف لانه القدر الذي تعدى فيه وهذا أحد الوجهين لاصحاب الشافعي، وفي الآخر إذا رضي أحدهما بامساك الآخر جاز، وبهذا قال أبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة إن كان مما ينقسم اقتسماه والا فلكل واحد منهما امساك جميعه لان اجتماعهما على حفظه يشق عليهما فحمل الامر على أن لكل واحد منهما الحفظ ولنا أن المتراهنين لم يرضيا إلا بحفظهما معا فلم يجز لاحدهما الانفراد بذلك كالوصيين ولا يجوز لاحدهما الانفراد بالتصرف. قولهم ان الاجتماع على الحفظ يشق ممنوع لامكان جعله في مخزن عليه لكل واحد منهما قفل { مسألة } (وليس للراهن ولا للمرتهن إذا لم يتفقا ولا للحاكم نقله عن يد العدل الا ان يتغير حاله)

[ 415 ]

وجملة ذلك أن العدل مادام بحاله لم يتغير عن الامانة ولا حدثت بينه وبين أحدهما عداوة فليس لاحدهما ولا للحاكم نقله عن يده لانهما رضيا به في الابتداء وان اتفقا على نقله جاز لان الحق لهما لم يعدهما وكذلك لو كان الرهن في يد المرتهن فلم يتغير حاله لم يكن للراهن ولا للحاكم نقله عن يده، فان تغيرت حال العدل بفسق أو ضعف أو حدثت عداوة بينه وبينهما أو بينه وبين أحدهما فمن طلب نقله عن يده له ذلك ويضعانه في يد من اتفقا عليه. فان اختلفا وضعه الحاكم عند عدل وان اختلفا في تغير حاله بحث الحاكم وعمل بما ظهر له، وهكذا لو كان في يد المرتهن فتغيرت حاله في الثقة والحفظ فللراهن رفعه عن يده إلى الحاكم ليضعه في يد عدل، وإذا ادعى الراهن تغير حال المرتهن فانكر بحث الحاكم عن ذلك وعمل بما بان له. فان مات العدل أو المرتهن لم يكن لورثتهما امساكه الا برضاهما فان اتفقا عليه جاز، وان اتفقا على عدل يضعانه عنده فلهما ذلك لان الحق لهما فيفوض أمره اليهما. وان اختلف الراهن والمرتهن عند موت العدل أو اختلف الراهن وورثة المرتهن رفعا الامر إلى الحاكم ليضعه على يد عدل فان كان الراهن في يد اثنين فمات أحدهما أو تغيرت حاله بفسخ أو ضعف عن الحفظ أو عداوة اقيم مقامه عدل يضم إلى العدل الآخر فيحفضان معا { مسألة } (وله رده اليهما ولا يملك رده إلى احدهما فان فعل فعليه رده إلى يده فان لم يفعل ضمن حق الآخر) وجملة ذلك ان العدل متى أراد رده عليهما فله ذلك وعليهما قبوله لانه أمين متطوع بالحفظ فلم يلزمه المقام عليه فان امتنع أجبرهما الحاكم فان تغيبا نصب الحاكم أمينا يقبضه لهما لان للحاكم ولاية على الممتنع من الحق الذي عليه فان دفعه إلى أمين من غير امتناعهما ضمن الامين وضمن الحاكم لانه لا ولاية له على غير الممتنع وكذلك لو تركه العدل عند آخر مع وجودهما ضمن وضمن القابض فان امتنعا ولم يجد حاكما فتركه عند عدل آخر لم يضمن. وان امتنع أحدهما لم يكن له دفعه إلى الآخر فان فعل ضمن. والفرق بينهما ان أحدهما يمسكه لنفسه والعدل يمسكه لهما هذا فيما إذا كانا حاضرين. فان كانا غائبين نظرت فان كان للعدل عذر من مرض أو سفر أو نحوه دفعه إلى الحاكم فقبضه منه أو نصب له عدلا يقبضه لهما. فان لم يجد حاكما أودعه عند ثقة وليس له ان يودعه عند ثقة مع وجود الحاكم فان فعل ضمن. فان لم يكن له عذر وكانت الغيبة بعيدة قبضه الحاكم منه فان لم

[ 416 ]

يجد حاكما دفعه إلى عدل، وان كانت الغيبة دون مسافة القصر فهو كما لو كانا حاضرين لانهما في حكم الاقامة، وان كانا أحدهما حاضرا وحده فحكمهما حكم الغائبين وليس له دفعه إلى الحاضر منهما وفي كل موضع قلنا لا يجوز له دفعه إلى أحدهما إذا دفعه إليه لزمه رده إلى يده فان لم يفعل ضمن حق الآخر لانه فرط في دفعه إليه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " على اليد ما أخذت حتى تؤدي " رواه أبو داود والترمذي والنسائي { مسألة } (فان أذنا له في البيع لم يبع إلا بنقد البلد فان كان فيه نقود باع بجنس الدين) وجملة ذلك انهما إذا أذنا للعدل في البيع ولم يعينا نقدا لم يبع الا بنقد البلد لان الحظ فيه فان كان فيه نقود باع بأغلبها لذلك. فان تساووا فقال القاضي يبيع بما يؤديه إليه اجتهاده وهو قول الشافعي لانه الاحظ. فان تساووا بيع بجنس الدين. والذي ذكره شيخنا ان النقود إذا تساوت قدم البيع بجنس الدين على البيع بما ير فيه الحظ لانه يمكن القضاء منه. فان لم يكن فيها جنس الدين وتساوت النقود عنده في الحظ عين الحاكم له ما يبيعه به، وان عينا له نقدا لم يجز أن يخالفهما لان الحق لهما، وان اختلفا لم يقبل قول واحد منهما لان لكل واحد منهما فيه حقا للراهن ملك الثمن وللمرتهن حق الوثيقة واستيفاء حقه فعلى هذا يرفع الامر إلى الحاكم فيأمر ببيعه بنقد البلد سواء كان من جنس الحق أو لم يكن وافق قول أحدهما أو لم يوافق لان الحظ في ذلك، قال شيخنا والاولى انه يبيعه بما يرى الحظ فيه. فان كان في البلد نقود فهو كما لو لم يعينا نقدا وحكمه في البيع حكم الوكيل في وجوب الاحتياط والمنع من البيع بدون ثمن المثل ومن البيع نساء، ومتى خالف لزمه ما يلزم الوكيل المخالف، وذكر القاضي رواية في البيع نساء أنه يجوز بناء على الوكيل ولا يصح لان البيع ههنا لايفاء دين حال يجب تعجيله والبيع نساء يمنع من ذلك. وكذا نقول في الوكيل متى وجدت في حقه قرينة دالة على منع البيع نساء لم يجز له وانما الروايتان فيه عند انتفاء القرائن. وكل موضع حكمنا ببطلان البيع وجب رد المبيع ان كان باقيا فان تعذر فللمرتهن تضمين أيهما شاء من العدل أو المشتري بأقل الامرين من قيمة الرهن أو قدر الدين لانه يقبض قيمة الرهن مستوفيا لحقه لا رهنا فلذلك لم يكن له أن يقبض أكثر من دينه وما بقي من قيمة الرهن للراهن يرجع به على من شاء منهما. وان استوفى دينه من الراهن رجع الراهن بقيمته على من شاء منهما، ومتى ضمن المشتري لم يرجع على أحد لان

[ 417 ]

العين تلفت في يده، وان ضمن العدل رجع على المشتري (فصل) ومتى قدر له ثمنا لم يجز بيعه بدونه وان أطلق فله بيعه بثمن مثله أو زيادة عليه وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة له بيعه ولو بدرهم والكلام معه في الوكالة: فان أطلقا فباع بأقل من ثمن المثل مما يتغابن الناس به صح ولا ضمان عليه لان ذلك لا يضبط غالبا وان كان النقص أكثر من ذلك أو باع بأنقص مما قدر له لم يصح البيع لانه بيع لم يؤذن فيه فلم يصح كما لو خالف في النقد اختاره شيخنا، وقال اصحابنا يصح ويضمن النقص كله { مسألة } (وان قبض الثمن فتلف في يده فهو من ضمان الراهن) إذا باع العدل الرهن باذنهما وقبض الثمن فتلف في يده من غير تفريط فلا ضمان عليه لانه أمين فهو كالوكيل ولا نعلم في ذلك خلافا ويكون من ضمان الراهن وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة ومالك: يكون من ضمان المرتهن لان البيع لاجله، ولنا أنه وكيل الراهن في البيع والثمن ملكه وهو أمين له في قبضه فإذا تلف كان من ضمان موكله كسائر الامناء. وان ادعى التلف فالقول قوله مع يمينه لانه أمين ويتعذر عليه اقامة البينة على ذلك فان كلفناه البينة شق عليه وربما أدى إلى أن لايدخل الناس في الامانات، فان خالفاه في قبض الثمن فقالا ما قبضه من المشتري وادعى ذلك ففيه وجهان (أحدهما) يقبل قوله لانه أمين (والآخر) لا يقبل لان هذا ابراء للمشتري من الثمن فلم يقبل قوله كما لو أبرأه من غير الثمن { مسألة } (وان استحق المبيع رجع المشتري على الراهن) إذا خرج المبيع مستحقا فالعهدة على الراهن دون العدل إذا اعلم المشتري انه وكيل وهكذا كل وكيل باع مال غيره، وهذا قول الشافعي، وقال أبو حنيفة: العهدة على الوكيل والكلام معه يأتي في الوكالة. فان علم المشتري بعد تلف الثمن في يد العدل رجع على الراهن ولا شئ على العدل. فان قيل لم لا يرجع المشتري على العدل لانه قبض الثمن بغير حق؟ قلنا لانه سلمه إليه على انه أمين في قبضه يسلمه إلى المرتهن فلذلك لم يجب الضمان عليه، وأما المرتهن فقد بان له ان عقد الرهن كان فاسدا فان كان مشروطا في بيع ثبت له الخيار فيه وإلا سقط حقه، فان كان الراهن مفلسا حيا أو ميتا كان المرتهن والمشتري أسوة الغرماء لانهم تساووا في ثبوت حقوقهم في الذمة فاستووا في قسم ماله بينهم، فأما

[ 418 ]

إن خرج مستحقا بعد دفع الثمن إلى المرتهن رجع المشتري على المرتهن وهو قول الشافعي: وقال أبو حنيفة يرجع على العدل ويرجع العدل على من شاء منهما من الراهن والمرتهن ولنا أن عين ماله صار إلى المرتهن بغير حق فكان رجوعه عليه كما لو قبضه منه، فان كان المشتري رده بعيب لم يرجع على المرتهن لانه قبض الثمن بحق ولا على العدل لانه أمين ويرجع على الراهن، فأما إن كان العدل حين باعه لم يعلم المشتري انه وكيل كان للمشتري الرجوع عليه ويرجع هو على الراهن ان أقر العدل بذلك أو قامت به بينة فان أنكر ذلك فالقول قول العدل مع يمينه، فان نكل عن اليمين فقضي عليه بالنكول أوردت اليمين على المشتري فحلف ورجع على العدل لم يرجع العدل على الراهن لانه يقر أنه ظلمه. وعلى قول الخرقي القول في حدوث العيب قول المشتري مع يمينه وهو إحدى الروايتين عن أحمد، فإذا حلف المشتري رجع على العدل ورجع العدل على الراهن، فان تلف المبيع في يد المشتري ثم بان مستحقا قبل وزن ثمنه فللمغصوب منه تضمين من شاء من الغاصب والعدل والمرتهن والمشتري ويستقر الضمان على المشتري لان التلف في يده هذا إذا علم بالغصب. وإن لم يكن عالما فهل يستقر الضمان عليه أو على الغاصب؟ على روايتين { مسألة } (وإن ادعى دفع الثمن إلى المرتهن فانكر ولم يكن قضاه ببينة ضمن، وعنه لا يضمن إلا أن يكون أمر بالاشهاد فلم يفعل وهكذا الحكم في الوكيل) إذا ادعى العدل دفع الثمن إلى المرتهن فانكر ففيه وجهان (أحدهما) يقبل قوله في حق الراهن ولا يقبل في حق المرتهن ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي لان العدل وكيل الراهن في دفع الثمن إلى المرتهن وليس بوكيل للمرتهن في ذلك انما هو وكيله في الحفظ فقط فلم يقبل قوله عليه فيما ليس بوكيل له فيه كما لو وكل رجلا في قضاء دين فادعى انه سلمه إلى صاحب الدين (والثاني) يقبل قوله على المرتهن في اسقاط الضمان عن نفسه ولا يقبل في نفي الضمان من غيره ذكره الشريف أبو جعفر وهو مذهب أبي حنيفة لانه أمين فقبل قوله في إسقاط الضمان عن نفسه كالمودع يدعي رد الوديعة، فعلى هذا إذا حلف العدل سقط الضمان عنه ولم يثبت على المرتهن انه قبضه. وعلى القول الاول يحلف المرتهن ويرجع على من شاء منهما، فان رجع عن العدل لم يرجع العدل على الراهن لانه يقول ظلمني وأخذ مني بغير حق فلم يرجع على الراهن كما لو غصبه مالا آخر، وان رجع على الراهن فهل يرجع

[ 419 ]

الراهن على العدل؟ ينظر فان كان دفعه إلى المرتهن بحضرة الراهن أو ببينة فماتت أو غابت لم يرجع عليه لانه أمين ولم يفرط في القضاء، وان دفعه في غيبة الراهن بغير بينة رجع عليه في احدى الروايتين لانه فرط في القضاء بغير بينة فلزمه الضمان كما لو تلف الرهن بتفريطه (والرواية الثانية) لا يرجع الراهن عليه سواء صدقه أو كذبه لانه امين في حقه الا أنه ان كذبه فله عليه اليمين، فان كان الراهن أمره بالاشهاد فلم يفعل لزمه الضمان لانه مفرط وهكذا الحكم في الوكيل لانه في معناه (فصل) إذا غصب المرتهن الرهن من العدل ثم رده إليه زال عنه الضمان، ولو كان الرهن في يد المرتهن فتعدى فيه ثم ازال التعدي أو سافر به ثم رده لم يزل عنه الضمان لانه استئمانه زال بذلك فلم يعد بفعله مع بقائه في يده بخلاف التي قبلها فانه رد إلى يد نائب مالكها أشبه مالو ردها إلى مالكها (فصل) إذا استقرض ذمي من مسلم مالا فرهنه خمرا لم يصح سواء جعله في يد ذمي أو غيره فان باعها الراهن أو نائبه الذمي وجاء المقرض بثمنها لزمه قبوله، فان ابي قيل له اما ان تقبض واما ان تبرئ لان اهل الذمة إذا تقابضوا في العقود الفاسدة جرت مجرى الصحيح. قال عمر رضي الله عنه في اهل الذمة معهم الخمر: ولو هم بيعها وخذوا من اثمانها، وان جعلها على يد مسلم فباعها لم يجبر المرتهن على قبول الثمن لانه بيع فاسد لا يقران عليه ولا حكم له { مسألة } وان شرط ان يبيعه المرتهن أو العدل صح فان عزلهما صح عزله) إذا كان الرهن على يدي عدل فشرط ان يبيعه العدل عند حلول الحق أو ان يبيعه المرتهن صح ويصح بيعه لانه شرط فيه مصلحة للمرتهن لا ينافي مقتضى الرهن فصح كما لو شرط صفة فيه، وبه قال ابو حنيفة ومالك والشافعي فيما إذا شرط ان يبيعه العدل، فان شرط ان يبيعه المرتهن ففيه اختلاف يذكر في الشروط في الرهن، فان عزل الراهن العدل أو المرتهن عن البيع صح ولم يملك البيع، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة ومالك لا ينعزل لان وكالته صارت من حقوق الرهن فلم يكن للراهن اسقاطه كسائر حقوقه. وقال ابن ابي موسى: ويتوجه لنا مثل ذلك فان احمد قد منع الحيلة في غير موضع من كتبه وهذا يفتح باب الحيلة للراهن، فانه شرط ذلك للمرتهن ليجيبه إليه ثم يعزله. والمنصوص الاول لان الوكالة عقد جائز فلم يلزم المقام عليها كسائر الولايات وكونه من حقوق الرهن لا يمنع جوازه كما لو شرطا الرهن نفي البيع فانه لا يصير لازما، وكذلك إذا مات الراهن بعد الاذن

[ 420 ]

تنفسخ الوكالة، وقياس المذهب انه متى عزله عن البيع وكان الرهن مشروطا في بيع فللمرتهن فسخ البيع الذي حصل الرهن عنه كما لو امتنع من تسليم الرهن المشروط في البيع، فأما ان عزله المرتهن لم ينعزل لان العدل وكيل الراهن لان الراهن ملكه، ولو انفرد بتوكيله صح فلم ينعزل بعزل غيره لكن لا يجوز بيعه بغير اذنه وهكذا لو لم يعزلاه فحل الحق لم يبعه حتى يستأذن المرتهن لان البيع لحقه فلم يجز حتى يأذن فيه ولايحتاج إلى تجديد اذن من الراهن في ظاهر كلام احمد لان الاذن قد وجد فأكتفي به كما في الوكالة في سائر الحقوق، وذكر القاضي وجها انه يحتاج إلى تجديد اذن لانه قد يكون له غرض في قضاء الحق من غيره. والاول أولى فان الاذن كاف ما لم يغير والغرض لااعتبار به مع صريح الاذن بخلافه بدليل مالو جدد الاذن بخلاف المرتهن فان البيع يفتقر إلى مطالبته بالحق ومذهب الشافعي نحو هذا (فصل) ولو اتلف الرهن في يد العدل اجنبي فعلى الجاني قيمته تكون رهنا في يده وله المطالبة بها لانها بدل الرهن وقائمة مقامه وله امساك الرهن وحفظه، فان كان المتراهنان اذنا له في بيع الرهن فقال القاضي قياس المذهب ان له بيع بدله لان له بيع نماء الرهن تبعا للاصل فالبدل اولى، وقال اصحاب الشافعي ليس له ذلك لانه متصرف بالاذن فلا يملك بيع ما لم يؤذن له في بيعه والمأذون في بيعه قد تلف وبدله غيره، وللقاضي أن يقول انه قد اذن له في بيع الرهن والبدل رهن ثبت له حكم الاصل من كونه يملك المطالبة به وامساكه واستيفاء دينه من ثمنه فكذلك بيعه، فان كان البدل من جنس الدين وقد اذن له في وفائه من ثمن الرهن مالك ايفاءه منه لان بدل الرهن من جنس الدين فأشبه ثمن المبيع { مسألة } (فان شرط ان لا يبيعه عند الحلول أو ان جاءه بحقه في محله والا فالرهن له لم يصح الشرط وفي صحة الرهن روايتان) الشروط في الرهان قسمان: صحيح وفاسد فالصحيح مثل ان يشترط كونه على يدي عدل أو عدلين أو اكثر أو ان يبيعه العدل عند حلول الحق ولا نعلم في صحته خلافا فان شرط ان يبيعه المرتهن صح، وبه قال أبو حنيفة ومالك، وقال الشافعي لا يصح لانه وكيل فيما يتنافى فيه الغرضان فلم يصح كما لو وكله في بيعه من نفسه، ووجه التنافي أن الراهن يريد الصبر على المبيع والا حتياط في توفير

[ 421 ]

الثمن والمرتهن يريد تعجيل الحق وانجاز المبيع. ولنا ما جاز توكيل غير المرتهن فيه جاز توكيل المرتهن فيه كبيع عين أخرى، ولان من جاز أن يشترط له الامساك جاز اشتراط البيع له كالعدل ولا يضر اختلاف الغرضين إذا كان غرض المرتهن مستحقا له وهو استيفاء الثمن عند حلول الحق وانجاز البيع، وعلى أن الراهن إذا وكله مع العلم بغرضه فقد سمح له بذلك والحق له فلا يمنع من السماحة به كما لو وكل فاسقا في بيع ماله وقبض ثمنه، ولا نسلم أنه لا يجوز توكيله في بيع شئ من نفسه، ولئن سلمنا فلان الشخص الواحد يكون بائعا مشتريا وموجبا قابلا وقابضا من نفسه لنفسه بخلاف مسئلتنا (فصل) إذا رهنه أمة فشرطا كونها عند امرأة أو ذي محرم أو كونها في يد المرتهن أو أجني على وجه لا يفضي إلى الخلوة بها مثل أن يكون لهما زوجات أو سراري، أو نساء من محارمهما معهما في دارهما جاز لانه لا يفضي إلى محرم، وإن لم يكن كذلك فسد الشرط لافضائه إلى الخلوة المحرمة فلا يؤمن عليها ولا يفسد الرهن لانه لا يعود إلى نقص ولا ضرر في حق المتعاقدين ويكون الحكم كما لو رهنها من غير شرط يصح الرهن ويجعلها الحاكم على يد من يجوز أن تكون عنده، وان كان الرهن عبدا فشرط موضعه جاز أيضا كالامة، ويحتمل أن لا يصح لان للامة عرفا بخلاف العبد، والاول اصح فان الامة إذا كان المرتهن ممن يجوز وضعها عنده كالعبد، وإذا كان مرتهن العبد امرأة لا زوج لها فشرطت كونه عندها على وجه يفضي إلى خلوته بها لم يجز أيضا فاستويا (القسم الثاني) الشروط الفاسدة وهو ان يشترط ما ينافي مقتضى الرهن نحو أن لا يباع الرهن عند حلول الحق أو لا يستوفي الدين من ثمنه، أو لا يباع ما خيف تلفه أو بيع الرهن باي ثمن كان، أو أن لا يبيعه الا بما يرضيه فهذه شروط فاسدة لمنافاتها مقتضى العقد فان المقصود مع الوفاء بهذه الشروط مفقود، وكذلك ان شرطا الخيار للراهن أو أن لا يكون العقد لازما في حقه أو توقيت الرهن أو ان يكون رهنا يوما ويوما لا، أو كون الرهن في يد الراهن أو أن ينتفع به المرتهن أو كونه مضمونا على المرتهن أو العدل فهذه كلها فاسدة لانها منها ما ينافي مقتضى العقد ومنها ما لا يقتضيه العقد ولا هو من مصلحته، وعن أحمد إذا شرط في الرهن أن ينتفع به المرتهن انه يجوز في البيع. قال القاضي: معناه أن يقول بعتك هذا الثوب بدينار بشرط أن ترهنني عبدك يخدمني شهرا فيكون بيعا واجارة فهو صحيح، وان اطلق فالشرط باطل لجهالة الثمن، وقال مالك لا بأس أن يشترط في البيع منفعة الرهن

[ 422 ]

إلى أجل في الدور والارضين وكرهه في الحيوان والثياب وكرهه في القرض ولنا أنه شرط في الرهن ما ينافيه فلم يصح كما لو شرطه في القرض، فان شرط شيئا منها في عقد الرهن فقال القاضي يحتمل أن يفسد الرهن بها بكل حال لان العاقد انما بذل ملكه بهذا الشرط، فإذا لم يسلم له لم يصح العقد لعدم الرضى به بدونه، وقيل ان شرط الرهن مؤقتا أو رهنه يوما ويوما لا فسد الرهن وهل يفسد بسائرها؟ على وجهين بناء على الشروط الفاسدة في البيع، ونصر أبو الخطاب في رءوس المسائل صحته، وبه قال أبو حنيفة لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا يغلق الرهن " وهو مشروط فيه شرط فاسد ولم يحكم بفساده، وقيل ما ينقص حق المرتهن يبطله وجها واحدا ومالا فعلى وجهين وهو مذهب الشافعي لان المرتهن شرطت له زيادة لم تصح له فإذا فسدت الزيادة لم يبطل أصل الرهن (فصل) وان شرط انه متى حل الحق ولم توفني فالرهن لي بالدين أو فهو مبيع لي بالدين الذي عليك فهو شرط فاسد، وروي ذلك عن ابن عمر وشريح والنخعي ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم عن غيرهم خلافهم لما روى عبد الله بن جعفر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يغلق الرهن " رواه الاثرم قلت لاحمد ما معنى قوله، " لا يغلق الرهن "؟ قال لا يدفع رهنا إلى رجل ويقول ان جئتك بالدراهم إلى كذا وكذا والا فالرهن لك، قال ابن المنذر هذا معنى قوله لا يغلق الرهن عند مالك والثوري وأحمد وفي حديث معاوية بن عبد الله بن جعفر أن رجلا رهن دارا بالمدينة إلى أجل مسمى فمضى الاجل فقال الذي ارتهن: منزلي فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لا يغلق الرهن " ولانه علق البيع على شرط فانه جعله مبيعا بشرط أن لا يوفيه الحق في محله والبيع المعلق بشرط لا يصح فإذا شرط هذا الشرط فسد الرهن. وفيه رواية أخرى أنه لا يفسد لما ذكرنا في الشروط الفاسدة، وهذا ظاهر قول أبي الخطاب في رءوس مسائله، واحتج بالحديث المذكور فبقي غلق الرهن على أصله فدل على صحته ولان الراهن قد رضي برهنه مع هذا الشرط فمنع بطلانه أولى أن يرضى به؟ ولنا انه رهن بشرط فاسد فكان فاسدا كما لو شرط توقيته وليس في الخبر انه يشرط ذلك في ابتداء العقد (فصل) وإذا قال الغريم رهنتك عبدي هذا على ان تزيدني في الاجل كان باطلا لان الاجل لا يثبت في الدين الا ان يكون مشروطا في عقد قد وجب به وإذا لم يثبت الاجل لم يصح الرهن لانه جعله في مقابلته ولان ذلك يضاهي ربا الجاهلة كانوا يزيدون في الدين ليزدادوا في الاجل

[ 423 ]

(فصل) إذا كان له على رجل الف فقال اقرضني الفا بشرط أن أرهنك عبدي هذا بالفين فنقل حنبل عن احمد ان القرض باطل، وهو مذهب الشافعي لانه قرض يجر منفعة وهي الاستيثاق بالالف الاول وإذا بطل القرض بطل الرهن فان قيل اليس لو شرط ان يعطيه رهنا بما يقترضه جاز؟ قلنا ليس هذا قرضا جر منفعة لان غاية ما حصل له تأكيد الاستيفاء لبدل ما اقرضه وهو مثله والقرض يقتضي وجوب الوفاء وفي مسئلتنا شرط في هذا القرض الاستيثاق لدينه الاول فقد شرط استيثاقا لغير موجب القرض. ونقل مهنا ان القرض صحيح ولعل أحمد حكم بصحة القرض مع فساد الشرط كيلا يفضي إلى جر المنفعة بالقرض أو حكم بفساد الرهن في الالف الاول وحده. ولو كان مكان القرض بيع فقال بعني عبدك هذا بألف على أن أرهنك عبدي به وبالالف الآخر الذي علي فالبيع باطل رواية واحدة لان الثمن مجهول لكونه جعله ألفا ومنفعة هي وثيقة بالالف الاول وتلك المنفعة مجهولة ولانه شرط عقد الرهن بالالف الاول فلم يصح كما لو أفرده أو كما لو باعه داره بشرط أو يبيعه الآخر داره (فصل) إذا فسد الرهن وقبضه المرتهن فلا ضمان عليه لانه قبضه بحكم أنه رهن وكل عقد كان صحيحا مضمونا أو غير مضمون ففاسده كذلك فان كان مؤقتا أو شرط أن يصير المرتهن بعد انقضاء

[ 424 ]

مدته صار بعد ذلك مضمونا لانه مقبوض بحكم بيع فاسد. وحكم الفاسد من العقود حكم الصحيح في الضمان. وإن كان أرضا فغرسها قبل انقضاء الاجل فهو كغرس الغاصب لانه غرس بغير إذن وإن غرس بعد الاجل وكان قد شرط أن الرهن يصير له فقد غرس باذن لان البيع قد تضمن الاذن وإن كان فاسدا فعلى هذا يكون مخيرا بين أن يقر غرسه له وبين أخذه بقيمته وبين أن يلزمه بقلعه ويضمن له ما نقص (فصل) إذا اشترى سلعة وشرط أن يرهنه بها شيئا من ماله أو شرط ضمينا فالبيع والشرط صحيح لانه من مصلحة العقد غير مناف لمقتضاه ولا نعلم في صحته خلافا إذا كان معلوما. ومعرفة الرهن تحصل بالمشاهدة وبالصفة التي يعلم بها الموصوف كما في السلم ويتعين بالقبض. والضمين يعلم بالاشارة إليه ويذكر اسمه ولا يصح بالصفة بأن يقول رجل غني من غير تعيين لان الصفة لا تأتي عليه، ولو قال بشرط رهن أو ضمين كان فاسدا لان ذلك يختلف وليس له عرف ينصرف إليه بالاطلاق. ولو قال بشرط رهن أحد هذين العبدين أو يضمنني أحد هذين الرجلين لم يصح لان الغرض يختلف فلم يصح مع عدم التعيين كالبيع، وهذا مذهب الشافعي. وحكي عن مالك وأبي ثور أنه يصح الرهن بالمجهول ويلزمه أن يدفع

[ 425 ]

إليه رهنا بقدر الدين لانه وثيقة فجاز شرطها مطلقا كالشهادة. وقال أبو حنيفة إذا قال على أن أرهنك أحد هذين العبدين جاز لان بيعه جائز عنده ولنا أنه شرط رهنا مجهولا فلم يصح كما لو شرط رهن ما في كمه ولانه عقد يختلف فيه المعقود عليه فلم يصح مع الجهل كالبيع. وفارق الشهادة فان لها عرفا في الشرع فحملت عليه والكلام مع أبي حنيفة قد مضى في البيع فان الخلاف فيه واحد، إذا ثبت هذا فان المشتري إن وفى بالشرط فسلم الرهن أو ضمن عنه الضامن لزم البيع. وإن أبى تسليم الرهن أو أبى الضامن أن يضمن فللبائع الخيار بين فسخ البيع وامضائه والرضا به بلا رهن ولا ضمين فان رضي لزمه البيع، وهذا قول الشافعي وأصحاب الرأي ولا يلزم المشتري تسليم الرهن، وقال مالك وأبو ثور يلزم الرهن إذا شرط في عقد البيع ويجبر عليه المشتري وإن وجده الحاكم دفعه إلى البائع لان عقد البيع وقع عليه أشبه الخيار والاجل، وقال القاضي ما عدا المكيل والموزون يلزم فيه الرهن بمجرد العقد وقد مضى الكلام فيه ولنا أنه رهن فلم يلزم قبل القبض كما لو لم يكن مشروطا في البيع أو كالمكيل والموزون وإنما لزم الخيار والاجل بالشرط لانه من توابع البيع لا ينفرد بنفسه والرهن عقد منفرد بنفسه ليس من التوابع ولان الخيار والاجل يثبت بالقول ولا يفتقر إلى تسليم فاكتفى في ثبوته مجرد القول بخلاف الرهن فأما الضمين فلا خلاف في أنه لا يلزمه الضمان إذ لا يلزمه شغل ذمته ووفاء دين غيره باشتراط غيره ولو وعده بأنه يضمن ثم لم يفعل لم يلزمه كما لو وعده أن يبيعه ثم امتنع ومتى لم يف للبائع بشرطه كان له الفسخ كما لو شرط له صفة في الثمن فلم يف بها

[ 426 ]

(فصل) ولو شرط رهنا أو ضمينا معينا فجاء بغيرهما لم يلزم البائع قبوله وإن كان ما أتى به خيرا من المشروط مثل أن يأتي بأكثر قيمة من المشروط أو بضمان أوثق من المعين لانه عقد على معين فلم يلزمه قبول غيره كالبيع ولان الغرض يختلف بالاعيان فمنها ما يسهل بيعه ومنها ما هو أقل مؤنة وأسهل حفظا وبعض الذمم أملا من بعض وأسهل فلا يلزمه قبول غير المعين كسائر العقود (فصل) فان تعيب الرهن أو استحال العصير خمرا قبل القبض فللبائع الخيار بين قبضه معيبا ورضاه بلا رهن فيما إذا تخمر العصير وبين فسخ البيع ورد الرهن. وإن علم بالعيب بعد قبضه فكذلك وليس له مع امساكه أرش من اجل العيب لان الرهن انما لزم فيما حصل قبضه وهو الموجود والجزء الفائت لم يلزم تسليمه فلم يلزم الارش بدلا عنه بخلاف المبيع وإن تلف أو تعيب بعد القبض فلا خيار للبائع. وان اختلفا في زمن حدوث العيب فان كان لا يحتمل الا قول أحدهما فالقول قوله من غير يمين لان اليمين انما يراد لرفع الاحتمال، وان احتمل قوليهما معا انبنى على اختلاف المتبايعين في حدوث العيب وفيه روايتان فيكون ههنا وجهان (احدهما) القول قول الراهن وهو قول ابي حنيفة والشافعي لان الاصل صحة العقد ولزومه (والآخر) القول قول المرتهن وهو قياس قول الخرقي لانهما اختلفا في قبض المرتهن للجزء الفائت فكان القول قوله كما لو اختلفا في قبض جزء منفصل منه، وان اختلفا في زمن التلف فقال الراهن بعد القبض وقال المرتهن قبله فالقول قوله لانه منكر للقبض. وان كان الرهن عصيرا فاستحال خمرا واختلفا في زمن استحالته فالقول قول الراهن نص عليه احمد. وقال القاضي يخرج فيه رواية اخرى أن القول قول المرتهن كالاختلاف في البيع. وهو قول أبي حنيفة لان الاصل عدم القبض كما لو اختلفا في زمن التلف

[ 427 ]

ولنا أنهما اتفقا على العقد والقبض واختلفا فيما يفسد به فكان القول قول من ينفيه كما لو اختلفا في شرط فاسد، وفارق اختلافهما في حدوث العيب من وجهين (أحدهما) أنهما اتفقا على القبض ههنا وثم اختلفا في قبض الجزء الفائت (الثاني) أنهما اختلفا ههنا فيما يفسد العقد والعيب بخلافه. (فصل) ولو وجد بالرهن عيبا بعد ان حدث عنده عيب آخر فله رده وفسخ البيع لان العيب الحادث في ملك الراهن لا يلزم المرتهن ضمانه بخلاف البيع وخرجه القاضي على روايتين بناء على البيع فعلى قوله لا يملك الرد لا يملك الفسخ والصحيح ما ذكرناه، وان هلك الرهن في يد المرتهن ثم علم أنه كان معيبا لم يملك فسخ البيع لانه قد تعذر عليه رده. فان قيل فالرهن غير مضمون ولهذا لا يمنع رده بحدوث العيب فيه قلنا انما تضمن قيمته لان العقد لم يقع على ملكه، وانما وقع على الوثيقة فهو مضمون بالوثيقة، أما إذا تعيب فقد رده فيستحق بدل ما رده وههنا لم يرد شيئا، فلو اوجبنا له بدله لاوجبنا على الراهن غير ما شرط على نفسه. (فصل) ولو لم يشرطا رهنا في البيع فتطوع المشتري برهن وقبضه البائع كان حكمه حكم الرهن المشروط في البيع الا انه إذا رده بعيب أو غيره لم يملك فسخ البيع (فصل) إذا تبايعا بشرط أن يكون المبيع رهنا على ثمنه لم يصح، قاله ابن حامد وهو قول الشافعي لان المبيع حين شرط رهنه لم يكن ملكا له وسواء شرط أنه يقبضه ثم يرهنه وشرط رهنه قبل قبضه وقد روي عن أحمد أنه قال: إذا حبس المبيع ببقية الثمن فهو غاصب ولايكون رهنا الا أن يكون شرطا

[ 428 ]

عليه في نفس البيع وهذا يدل على صحة الشرط لانه يصح بيعه فصح رهنه، وقال القاضي معنى هذه الرواية أنه شرط عليه في البيع رهنا غير المبيع فيكون له حبس المبيع حتى يقبض الرهن فان لم يف به فسخ البيع، وأما شرط رهن المبيع نفسه على ثمنه فلا يصح لوجوه (أحدها) أنه غير مملوك له (والثاني) أن البيع يقتضي ايفاء الثمن من غير المبيع (والثالث) ان البيع يقتضي ان يكون امساك المبيع مضمونا والرهن يقتضي أن لا يكون مضمونا (الرابع) ان البيع يقتضي تسليم المبيع أولا ورهن المبيع يقتضي أن لا يسلمه حتى يقبض الثمن وهذا تناقض في الاحكام، وظاهر الرواية صحة رهنه، قولهم انه غير مملوك قلنا انما شرط رهنه بعد ملكه، وقولهم البيع يقتضي ايفاء الثمن من غير المبيع ممنوع انما يقتضي ايفاء الثمن مطلقا، ولو تعذر وفاء الثمن من غير المبيع لا ستوفى من ثمنه، قولهم البيع يقتضي

[ 429 ]

تسليم المبيع قبل تسليم الثمن ممنوع وان سلم فلا يمنع أن يثبت بالشرط خلافه كما أن مقتضى البيع حلول الثمن ووجوب تسليمه في الحال ولو شرط التأجيل جاز، وكذلك مقتضى البيع ثبوت الملك في المبيع والتمكين من التصرف فيه وينتفي بشرط الخيار وهذا الجواب عن باقي الوجوه، فأما ان لم يشرط ذلك في البيع لكن رهنه عنده بعد البيع، فان كان بعد لزوم البيع فالاولى صحته لانه يصح رهنه عند غيره فصح عنده كغيره ولانه يصح رهنه على غير ثمنه فيصح رهنه على ثمنه، وان كان قبل لزوم البيع انبنى على جواز التصرف في المبيع ففي كل موضع جاز التصرف فيه جاز رهنه ومالا فلا لانه نوع تصرف أشبه البيع

[ 430 ]

(فصل) قال الشيخ رحمه الله (وان اختلفا في قدر الدين أو رده أو قال أقبضتك عصيرا قال بل خمرا فالقول قول الراهن) إذا اختلفا في قدر الحق نحو أن يقول الراهن رهنتك عبدي بألف فقال المرتهن بل بألفين فالقول قول الراهن وبه قال النخعي والثوري والشافعي والبتي وأبو ثور وأصحاب الرأي، وحكي عن الحسن وقتادة أن القول قول المرتهن ما لم يجاوز ثمن الرهن أو قيمته ونحوه قول مالك لان الظاهر أن الرهن يكون بقدر الحق. ولنا أن الراهن منكر للزيادة التي يدعيها المرتهن والقول قول المنكر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لو

[ 431 ]

يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه " رواه مسلم ولان الاصل براءة الذمة من هذه الالف فكان القول قول من ينفيها كما لو اختلفا في اصل الدين، وما ذكروه من الظاهر غير مسلم فان العادة رهن الشئ باقل من قيمته، إذا ثبت هذا فان القول قول الراهن في قدر ما رهنه سواء اتفقا على أنه رهنه بجميع الدين أو اختلفا، فلو اتفقا على أن الدين الفان وقال الراهن انما رهنتك بأحد الالفين وقال المرتهن انما رهنتني بهما فالقول قول الراهن مع يمينه لانه ينكر تعلق حق المرتهن في أحد الالفين بعبده والقول قول المنكر، وان اتفقا على أنه رهن باحد الالفين، وقال الراهن رهنته بالمؤجل، وقال المرتهن بل بالحال فالقول قول الراهن مع يمينه لانه منكر،

[ 432 ]

ولان القول قوله في أصل الرهن فكذلك في صفته هذا ان لم تكن بينة. فان كان لاحدهما بينة حكم له بها وجها واحدا وإن اختلفا في قدر الرهن فقال رهنتك هذا العبد فقال بل هو والعبد الآخر فالقول قول الراهن لانه منكر ولا نعلم في هذا خلافا، وان قال رهنتك هذا العبد قال بل هذه الجارية خرج العبد من الرهن لاعتراف المرتهن بانه لم يرهنه وحلف الراهن على أنه ما رهنه الجارية وخرجت من الرهن أيضا. (فصل) وان اختلفا في رد الرهن إلى الراهن فالقول قوله لانه منكر والاصل معه، وكذلك الحكم في المستأجر إذا ادعى رد العين المستأجرة، وقال أبو الخطاب يتخرج فيهما وجه آخر أن القول قول المرتهن والمستأجر في الرد بناء على المضارب والوكيل بجعل فان فيهما وجهين، والفرق بينهما وبين المرتهن ان المرتهن قبض العين لينتفع بها، وكذلك المستأجر والوكيل قبض العين لينتفع بالجعل لا بالعين والمضارب قبضها لينتفع بربحها لا بها، وان اختلفا في تلف العين فالقول قول المرتهن مع يمينه لان يده يد أمانة ويتعذر عليه إقامة البينة على التلف فقبل قوله فيه كالمودع، فان اتلفها المرتهن أو تلفت بتفريطه واختلفا في القيمة فالقول قول المرتهن مع يمينه لانه غارم لا نعلم في ذلك خلافا

[ 433 ]

(فصل) وإن قال الراهن رهنتك عصيرا قال بل خمرا فالقول قول الراهن يريد إذا كان الرهن شرط في البيع فقال الراهن رهنتك عصيرا فليس لك فسخ البيع، وقال المرتهن بل رهنتني خمرا فلي فسخ البيع فالقول قول الراهن نص عليه أحمد لانهما اختلفا فيما يفسد العقد فكان القول قول من ينفيه وقد ذكرنا ذلك (فصل) وإذا قال بعتك هذا الثوب على أن ترهنني بثمنه عبديك هذين، قال بل على رهن هذا وحده فحكى القاضي فيها روايتين (إحداهما) يتحالفان لانهما اختلفا في البيع فهو كالاختلاف في الثمن (والثانية) القول قول الراهن لانه منكر لشرط رهن العبد المختلف فيه والقول قول المنكر وهذا أصح (فصل) وإن قال أرسلت وكيلك فرهنني عبدك هذا على عشرين وقبضها قال ما أمرته إلا بعشرة ولا قبضت إلا عشرة سئل الرسول، فان صدق الراهن فعليه اليمين أنه ما رهنه إلا بعشرة ولا قبض إلا عشرة ولا يمين على الراهن لان الدعوى على غيره، فإذا حلف الوكيل برئا جميعا، وإن نكل فعليه العشرة المختلف فيها ولا يرجع بها على أحد لانه يصدق الراهن في انه ما أخذها ولا امره بأخذها وانما المرتهن ظلمه، وإن صدق المرتهن وادعى أنه سلم العشرين إلى الراهن فالقول قول الراهن مع يمينه، فان نكل قضى عليه بالعشرة وتدفع إلى المرتهن، وإن حلف برئ وعلى الوكيل غرامة العشرة

[ 434 ]

للمرتهن لانه يزعم أنها حق له وانما الراهن ظلمه، فان عدم الوكيل وتعذر احلافه فعلى الراهن اليمين أنه ما أذن في رهنه الا بعشرة ولا قبض أكثر منها ويبقى الرهن بعشرة (فصل) إذا كان على رجل ألفان أحدهما برهن والآخر بغير رهن فقضى ألفا وقال قضيت دين الرهن وقال المرتهن بل قضيت الدين الآخر فالقول قول الراهن مع يمينه سواء اختلفا في نية الراهن أو في لفظه لانه أعلم بنيته وصفة دفعه، ولانه يقول الدين الباقي بلا رهن والقول قوله في أصل الرهن فكذلك في صفته، وان أطلق القضاء ولم ينو شيئا فقال أبو بكر له صرفها إلى أيهما شاء كما لو كان له مال حاضر وغائب فأدى قدر زكاة أحدهما فان له أن يعين عن أي المالين شاء وهذا قول بعض أصحاب الشافعي، وقال بعضهم يقع الدفع عن الدينين معا عن كل واحد نصفه لانهما تساويا في القضاء فتساويا في وقوعه عنهما، فأما إن أبرأه المرتهن من أحد الدينين واختلفا فالقول قول المرتهن على التفصيل الذي ذكرناه في الرهن. ذكره أبو بكر (فصل) إذا اتفق المتراهنان على قبض العدل للرهن لزم الرهن في حقهما ولم يضر انكاره لان الحق لهما وان قال أحدهما قبضه العدل فأنكر الآخر فالقول قول المنكر كما لو اختلفا في قبض المرتهن فان أشهد العدل بالقبض لم تقبل شهادته لانها شهادة الوكيل لموكله فيما هو وكيل فيه (فصل) إذا كان في يد رجل عبد فقال رهنتني عبدك هذا بألف فقال بل غصبته أو استعرته

[ 435 ]

فالقول قول السيد سواء اعترف بالدين أو جحده لان الاصل عدم الرهن. وان قال السيد بعتك عبدي هذا بألف قال بل رهنته عندي بها فالقول قول كل واحد منهما في العقد الذي ينكره ويأخذ السيد عبده. وان قال رهنتكه بألف أقرضتنيه قال بل بعتنيه بألف قبضته مني ثمنا فكذلك ويرد صاحب العبد الالف ويأخذ عبده. (فصل) وإذا ادعى على رجلين فقال رهنتماني عبدكما بديني عليكما فأنكراه فالقول قولهما فان شهد كل واحد منهما على صاحبه قبلت شهادته وللمرتهن أن يحلف مع كل واحد منهما ويصير جميعه رهنا أو يحلف مع أحدهما ويصير نصيب الآخر رهنا وان أقر أحدهم اثبت في حقه وحده. وان شهد المقر على المنكر قبلت شهادته لانه لا يجلب لنفسه نفعا ولا يدفع عنها، وبهذا قال أصحاب الشافعي. وقال بعضهم إذا أنكرا جميعا ففي شهادتهما نظر لان المشهود له يدعي أن كل واحد منهما ظالم له بجحوده حقه من الرهن ومتى طعن المشهود له في شهوده لم تقبل شهادتهم له. قلنا هذا لا يصح فان إنكار الدعوى لا يثبت به فسق المدعى عليه وان كان الحق عليه لجواز أن ينسى أو يلحقه شبهة فيما يدعيه أو ينكره ولذلك لو تداعى رجلان شيئا وتخاصما فيه ثم شهدا عند الحاكم بشئ لم يرد شهادتهما وان كان أحدهما كاذبا ولو ثبت الفسق بذلك لم يجز قبول شهادتهما جميعا مع تحقق الجرح في أحدهما (فصل) وإذا ادعى رجلان على رجل أنه رهنهما عبده وقال كل واحد منهما رهنه عندي دون

[ 436 ]

صاحبي فأنكرهما فالقول قوله وان أنكر أحدهما وصدق الآخر سلم إلى من صدقه وحلف للآخر. وان قال لا أعلم المرتهن منهما حلف على ذلك والقول قول من هو في يده منهما مع يمينه وان كان في أيديهما حلف كل واحد منهما على نصفه وصار رهنا عنده. وإن كان في يد غيرهما أقرع بينهما فمن قرع صاحبه حلف وأخذه كما لو ادعيا ملكه وإن قال رهنته عند احدهما ثم رهنته عند الآخر ولا أعلم السابق منهما فكذلك. وإن قال هذا هو السابق بالعقد والقبض سلم إليه وحلف الآخر وان نكل والعبد في يد الاول أو يد غيره فعليه قيمته للثاني كما لو قال هذا العبد لزيد وغصبته من عمرو فانه يسلم إلى زيد ويغرم قيمته لعمرو. وإن نكل والعبد في يد الثاني أقر في يده وغرم قيمته للاول لانه أقر له بعد ما فعل ما حال بينه وبين من أقر له به فلزمته قيمته كما قلنا، وقال القاضي إذا اعترف لغير من هو في يده فهل يرجح صاحب اليد أو المقر له؟ على وجهين. ولو اعترف لاحدهما وهو في يديهما ثبتت يد المقر له في النصف وفي النصف الآخر وجهان { مسألة } (وإن أقر الراهن أنه أعتق العبد قبل رهنه فالحكم في ذلك كما لو أعتقه بعد رهنه) على ما ذكرنا من الخلاف لان كل من صح منه انشاء عقد صح منه الاقرار به ولا يقبل قوله في تقدم عتقه لانه يسقط حق المرتهن من عوضه فعلى هذا تؤخذ منه قيمته فتجعل رهنا مكانه إن كان موسرا لانه فوته على الراهن باقراره فهو كما لو أعتقه، وإن كان معسرا فالحكم فيه كما ذكرنا

[ 437 ]

{ مسألة } (وإن أقر أنه كان جنى أو انه باعه أو غصبه قبل على نفسه ولم يقبل على المرتهن إلا أن يصدقه) وجملته أنه إذا أقر الراهن أن العبد كان جنى قبل رهنه فكذبه المرتهن وولي الجناية لم يسمع قوله، وإن صدقه ولي الجناية وحده قبل إقراره على نفسه دون المرتهن ويلزمه أرش الجناية لانه حال بين المجني عليه وبين رقبة الجاني بفعله فأشبه مالو جنى عليه، وإن كان معسرا فمتى انفك الرهن كان المجني عليه أحق برقبته وعلى المرتهن اليمين أنه لا يعلم ذلك فان نكل قضي عليه. وفيه وجه آخر انه يقبل اقرار الراهن لانه غير متهم لكونه تغريما يخرج الرهن من ملكه وعليه اليمين لانه يبطل باقراره حق المرتهن فيه، فان أقر أنه غصبه لم يقبل على المرتهن لان اقرار غيره لا يقبل في حقه فعلى هذا لا يخرج من الرهن ولا يزول شئ من أحكام الرهن ويلزمه قيمته للمغصوب منه لانه حال بينه وبينه برهنه، وكذلك لا يقبل أقراره على المرتهن ببيع ولا هبة لما ذكرنا، فان صدقه المرتهن في ذلك بطل الرهن لاعترافه بما يبطله فإذا انفك أخذ الراهن باقراره { مسألة } قال الشيخ رضي الله عنه (وإذا كان الرهن مركوبا أو محلوبا فللمرتهن أن يركب ويحلب بقدر نفقته متحريا للعدل في ذلك) وجملة ذلك أن الرهن ينقسم إلى قسمين: حيوان وغيره، والحيوان نوعان (أحدهما) أن يكون

[ 438 ]

مركوبا أو محلوبا فللمرتهن أن ينفق عليه ويركب ويحلب بقدر نفقته متحريا للعدل في ذلك نص عليه احمد في رواية محمد بن الحكم واحمد بن القاسم، واختاره الخرقي وهو قول إسحاق، وسواء انفق مع تعذر النفقة من الراهن لغيبة أو امتناع أو مع القدرة على اخذ النفقة منه واستئذانه. وعن احمد رواية اخرى لا يحتسب له بما انفق وهو متطوع بها ولا ينتفع من الرهن بشئ وهذا قول ابي حنيفة ومالك والشافعي لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه " ولانه ملك غيره لم يأذن له في الانتفاع به ولا الانفاق عليه فلم يكن له ذلك كغير الرهن ولنا ما روى البخاري باسناده عن ابي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الرهن يركب بنفقته إذا كان مرهونا، والدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة " فجعل منفعته بنفقته وهذا محل النزاع، فان قيل المراد به الرهن ينفق وينتفع قلنا لا يصح لو جهين (احدهما) انه قد روي في بعض الالفاظ إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها، ولان الدر يشرب وعلى الذي يشرب نفقته فجعل المنفق المرتهن فيكون هو المنتفع (الثاني) ان قوله بنفقته يشير إلى ان الانتفاع عوض النفقة وانما ذلك في حق المرتهن، اما الراهن فانفاقه وانتفاعه لا بطريق المعاوضة

[ 439 ]

لاحدهما بالآخر ولان نفقة الحيوان واجبة وللمرتهن فيه حق وقد أمكنه استيفاء حقه من نماء الرهن والنيابة عن المالك فيما وجب عليه واستيفاء ذلك من منافعه فجاز ذلك كما يجوز للمراد اخذ مؤنتها من مال زوجها عند امتناعه بغير اذنه والنيابة عنه في الانفاق عليها. والحديث نقول به والنماء للراهن ولكن للمرتهن ولاية صرفها إلى نفقته لثبوت يده عليه وولايته وهذا فيمن انفق محتسبا بالرجوع فان انفق متبرعا بغير نية الرجوع لم ينتفع به رواية واحدة (فصل) النوع الثاني الحيوان غير المركوب والمحلوب كالعبد والامة فليس للمرتهن ان ينفق عليه ويستخدمه بقدر نفقته في ظاهر المذهب ذكره القاضي ونص عليه احمد في رواية الاثرم قال: سعمت ابا عبد الله يسئل عن الرجل يرهن العبد فيستخدمه فقال الرهن لا ينتفع منه بشئ الا حديث ابي هريرة خاصة في الذي يركب ويحلب ويعلف. قلت له فان كان الركوب واللبن اكثر؟ قال لا إلا بقدر، ونقل حنبل عن احمد ان له استخدام العبد ايضا وبه قال أبو ثور إذا امتنع المالك من الانفاق عليه وقال ابو بكر خالف حنبل الجماعة والعمل على انه لا ينتفع من الرهن بشئ الا ما خصه الشرع فان القياس انه لا ينتفع بشئ منه تركناه في المركوب والمحلوب للاثر فيما عداه يبقى على مقتضى القياس (القسم الثاني) ما لا يحتاج إلى مؤنة كالدار والمتاع ونحوه فلا يجوز للمرتهن الانتفاع بغير اذن الراهن لا نعلم في ذلك خلافا لان الرهن ملك الراهن فكذلك نماؤه، فان اذن الراهن للمرتهن في الانتفاع بغير عوض وكان دين الراهن من قرض لم يجز لانه يصير قرضا جر منفعة وذلك حرام، قال

[ 440 ]

احمد: اكره قرض الدور وهو الربا المحض. يعني إذا كانت رهنا في قرض ينتفع بها المرتهن، وإن كان الرهن بثمن مبيع أو اجر دار أو دين غير القرض فأذن له الراهن في الانتفاع جاز ذلك، وقد روي عن الحسن وابن سيرين، وهو قول إسحاق، فأما إن كان الانتفاع بعوض مثل ان استأجر المرتهن الدار من الراهن بأجرة مثلها من غير محاباة جاز في القرض وغيره لكونه ما انتفع بالقرض إنما انتفع بالاجارة، وإن حاباه فهو كالانتفاع بغير عوض يجوز في غير القرض، ومتى استأجرها واستعارها المرتهن فظاهر كلام احمد انها تخرج عن كونها رهنا فمتى انقضت الاجارة أو العارية عاد الرهن بحاله، قال احمد في رواية الحسن بن ثواب قال احمد إذا كان الرهن دارا فقال المرتهن اسكنها بكرائها وهي وثيقة بحقي تنتقل فتصير دينا وتتحول عن الرهن، وكذلك ان أكراها للراهن وقال احمد في رواية ابن منصور: إذا ارتهن دارا ثم اكراها لصاحبها خرجت من الرهن، فإذا رجعت إليه صارت رهنا. قال شيخنا: والاولى أنها لا تخرج من الرهن إذا استأجرها المرتهن أو استعارها لان القبض مستدام ولا تنافي بين العقدين، وكلام أحمد في رواية الحسن بن ثواب محمول على أنه أذن للراهن في سكناها كما في رواية ابن منصور لانها خرجت عن يد المرتهن فزال اللزوم لزوال اليد بخلاف ما إذا سكنها المرتهن، ومتى استعار المرتهن الرهن صار مضمونا عليه، وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة لا ضمان عليه ومبنى ذلك على العارية هل هي مضمونة أم لا؟ وسيأتي ذلك { مسألة } (وإن أنفق على الرهن بغير اذن الراهن مع امكانه فهو متبرع) إذا أنفق على الحيوان متبرعا لم يرجع بشئ لانه تصدق به فلم يرجع بعوضه كالصدقة على مسكين

[ 441 ]

وإن نوى الرجوع على المالك وكان ذلك باذن المالك رجع عليه لانه ناب عنه في الانفاق باذنه فكانت النفقة على المالك كما لو وكله في ذلك { مسألة } (وان عجز عن استئذانه ولم يستأذن الحاكم فعلى روايتين) مفهوم كلامه ههنا أنه متى قدر على استئذان المالك فلم يستأذنه أن يكون متبرعا لا يرجع بشئ، وكذلك ذكره أبو الخطاب لانه مفرط في ترك استئذانه مع القدرة عليه فلم يرجع كما لو عمر داره بغير اذنه، وإن عجز عن استئذانه ولم يستأذن الحاكم ففيه روايتان (إحداهما أنه متبرع لانه لم يستأذن مالكه ولا من يقوم مقامه أشبه مالو كان المالك حاضرا فلم يستأذنه (والثانية) يرجع عليه لانه أنفق عليه عند العجز عن استئذانه أشبه مالو عجز عن استئذان الحاكم، وكذلك الحكم فيما إذا مات العبد المرهون. وقال شيخنا فيمن أنفق بغير اذن الراهن بنية الرجوع مع امكانه أنه يخرج على روايتين بناء على ما إذا قضى دينه بغير اذنه وهذا أقيس في المذهب إذ لا يعتبر في قضاء الذين العجز عن استئذان الغريم { مسألة } (وكذلك الحكم في الوديعة وفي نفقة الجمال إذا هرب الجمال وتركها في يد المكتري) لانها امانة فأشبهت الرهن { مسألة } (وان انهدمت الدار فعمرها المرتهن بغير اذن الراهن لم يرجع به رواية واحدة) وليس له الانتفاع بها بقدر عمارتها فان عمارتها غير واجبة على الراهن فليس لغيره أن ينوب عنه فيما لا يلزمه، فان فعل كان متبرعا كالاجنبي بخلاف نفقة الحيوان فانها تجب على مالكه لحرمته في نفسه، وكذلك كفن العبد إذا مات يجب على سيده

[ 442 ]

(فصل) قال الشيخ (إذا جنى الرهن جناية موجبة للمال تعلق أرشها برقبته وللسيد فداؤه بالاقل من قيمته أو أرش جنايته أو بيعه في الجناية أو يسلمه إلى ولي الجناية فيملكه، وعنه ان اختار فداءه لزمه جميع الارش) وجملة ذلك أن العبد المرهون إذا جنى على انسان أو على ماله تعلقت الجناية برقبته وقدمت على حق المرتهن بغير خلاف علمناه لانها مقدمة على حق المالك والملك أقوى من الرهن فأولى أن يقدم على الرهن، فان قيل فحق المرتهن أيضا يقدم على حق المالك. قلنا حق المرتهن ثبت من جهة المالك بعقده وحق الجناية ثبت بغير اختياره مقدما على حقه فيقدم على ما ثبت بعقده، ولان حق الجناية مختص بالعين يسقط بفواتها وحق المرتهن لا يسقط بفوات العين ولا يختص بها فكان تعلقه بها أحق وأولى، فان كانت جنايته موجبة للقصاص في النفس فلولي الجناية استيفاؤه، فان اقتص سقط الرهن كما لو تلف، وإن كانت في طرف اقتص منه وبقي الرهن في باقيه، وإن عفى على مال تعلق برقبة العبد وصار كالجناية الموجبة للمال فيقال للسيد انت مخير بين فدائه وبين تسليمه للبيع، فان اختار فداءه فداه بأقل الامرين من قيمته أو أرش الجناية في أصح الروايتين لانه ان كان الارش اقل فالمجني عليه لا يستحق أكثر من أرش جنايته، وان كانت القيمة أقل فلا يلزمه أكثر منها لان ما يدفعه عوض عن العبد فلا يلزم أكثر من قيمته كما لو اتلفه (والثانية) يفديه بأرش الجناية بالغا ما بلغ لانه ربما يرغب فيه راغب فيشتريه بأكثر من قيمته { مسألة } (فان فداه فهو رهن بحاله، وان سلمه بطل الرهن) إذا فداه الراهن فهو رهن بحاله لان حق المرتهن قائم لوجود سببه، وانما قدم حق المجني عليه

[ 443 ]

لقوته، فإذا زال ظهر حكم الرهن كحق من لارهن له مع حق المرتهن في تركة المفلس إذا أسقط المرتهن حقه ظهر حكم الآخر وهذا مذهب الشافعي، وإن سلمه بطل الرهن لفوات محله فهو كما لو تلف { مسألة } (فان لم يستغرق الارش قيمته بيع منه بقدره وباقيه رهن، وقيل يباع جميعه ويكون باقي ثمنه رهنا) إذا لم يستغرق أرش الجناية قيمة الرهن بيع منه بقدر الارش وباقيه رهن لان بيعه انما جاز ضرورة ايفاء الحق، فإذا اندفعت الضرورة ببيع البعض لم يجز بيع ما بقي لعدم الضرورة فيه، فان تعذر بيع بعضه بيع كله للضرورة المقتضية لبيعه ويكون باقي ثمنه رهنا لعدم تعلق الجناية به. وقال أبو الخطاب: هل يباع منه بقدر الجناية أو يباع جميعه ويكون الفاضل من ثمنه عن أرش جنايته رهنا؟ على وجهين (أحدهما) يباع بعضه خاصة لما ذكرنا (والثاني) يباع جميعه لان بيع البعض يستقبض له وهو عيب ينقص به الثمن وذلك يضر بالمالك والمرتهن، وقد قال عليه السلام " لاضرر ولا ضرار " { مسألة } (فان اختار المرتهن فداءه ففداه باذن الراهن رجع به، وان فداه بغير اذنه فهل يرجع به؟ على روايتين إذا امتنع الراهن من فداء الجاني فالمرتهن مخير بين فدائه وتسليمه، فان اختار فداءه فبكم يفديه؟ يخرج على روايتين فيما يفديه به الراهن، فان فداه باذن الراهن رجع به عليه كما لو قضى دينه باذنه، وإن فداه متبرعا لم يرجع بشئ، وإن نوى الرجوع فهل يرجع ذلك؟ على وجهين بناء على مالو قضى دينه بغير اذنه. فان زاد على الفداء الواجب لم يرجع به وجها واحدا. ومذهب الشافعي كما ذكرنا إلا انه

[ 444 ]

لا يرجع بما فداه بغير اذنه وجها واحدا، وان شرط له الراهن الرجوع رجع قولا واحدا، وإن قضاه باذنه من غير شرط الرجوع ففيه وجهان وهذا أصل يذكر فيما بعد، وان فداه وشرط ان يكون رهنا بالفداء مع الدين الاول فقال القاضي يجوز ذلك لان المجني عليه يملك بيع العبد وابطال الرهن فصار بمنزلة الرهن الجائز قبل قبضه والزيادة في دين الرهن قبل لزومه جائزة، ولان أرش الجناية متعلق به وانما ينتقل من الجناية إلى الرهن. وفيه وجه آخر انه لا يجوز لان العبد رهن بدين فلم يجر رهنه بدين سواه كما لو رهنه بدين غير هذا، وذهب أبو حنيفة إلى ان ضمان جناية الرهن على المرتهن فان فداه لم يرجع بالفداء، وان فداه الراهن وبيع في الجناية سقط دين الرهن إن كان بقدر الفداء وبناء على أصله في ان الرهن من ضمان المرتهن وقد ذكرنا ذلك (فصل) فان كانت الجناية على سيد العبد فلا يخلو من حالين (أحدهما) أن تكون غير موجبة للقود كجناية الخطأ واتلاف مال فيكون هدرا لان العبد مال سيده فلا يثبت له مال في ماله (الثاني) ان تكون موجبة للقود فلا يخلو ان تكون على النفس أو على ما دونها، فان كانت على ما دون النفس فالحق للسيد، فان عفا على مال سقط القصاص ولم يجب المال لما ذكرنا، وكذلك ان عفا على غير مال وان اراد ان يقتص فله ذلك لان السيد لا يملك الجناية على عبده فيثبت له ذلك بجنايته عليه كالاجنبي ولان القصاص يجب للزجر والحاجة داعية إلى زجره عن سيده، فان اقتص فعليه قيمته تكون رهنا مكانه أو قضاء عن الدين لانه أخرجه عن الرهن باختياره فكان عليه بدله كما لو اعتقه، ويحتمل أن لا يجب عليه شئ لانه اقتص باذنه فكأنه اقتص باذن الشارع فلم يلزمه شئ كالاجنبي وكذلك ان كانت الجناية على النفس فاقتص الورثة فهل تجب عليهم القيمة؟ يخرج على ما ذكرنا، وليس للورثة العفو على مال لما ذكرنا في السيد لانهم يقومون مقام الموروث، وذكر القاضي وجها آخر أن لهم ذلك لان الجناية في

[ 445 ]

ملك غيرهم فكان لهم العفو على مال كما لو جنى على أجنبي وللشافعي قولان كالوجهين، فان عفا بعض الورثة سقط القصاص وهل يثبت لغير العافي نصيبه من الدية؟ على الوجهين ومذهب الشافعي في هذا الفصل على نحو ما ذكرناه (فصل) فان جنى المرهون على عبد سيده لم يخل من حالين (أحدهما) أن لا يكون مرهونا فحكمه حكم الجناية على طرف سيده له القصاص ان كانت جنايته موجبة له فان عفا على مال أو غيره أو كانت الجناية لا توجب القصاص ذهبت هدرا وسواء كان المجني عليه قنا أو مدبرا أو أم ولد (الحال الثاني) أن يكون رهنا فلا يخلو إما أن يكون رهنا عند مرتهن القاتل أو غيره فان كان عند مرتهن القاتل والجناية موجبة للقصاص فللسيد القصاص فان اقتص بطل الرهن في المجني عليه وعليه قيمة المقتص منه، ويحتمل أن لا يجب لانه اقتص باذن الشارع فان عفا على مال أو كانت الجناية موجبة للمال وكان رهنا بحق واحد فجنايته هدر لان الحق يتعلق بكل واحد منهما فإذا قتل أحدهما بقي الحق متعلقا بالآخر، وان كان كل واحد منهما رهنا بحق منفرد ففيه أربع مسائل: (إحداها) أن يكون الحقان سواء وقيمتهما سواء فتكون الجناية هدرا سواء كان الحقان من جنسين مثل أن يكون أحدهما بمائة دينار والآخر بدراهم قيمتها مائة دينار أو من جنس واحد لانه لا فائدة في اعتبار الجناية (المسألة الثانية) ان يختلف الحقان وتتفق القيمتان مثل أن يكون دين أحدهما مائة ودين الآخر مائتين وقيمة كل واحد منهما مائة فان كان دين القاتل أكثر لم ينقل إلى دين المقتول لعدم الغرض

[ 446 ]

فيه وان كان دين المقتول أكثر نقل إلى القاتل لان للمرتهن غرضا في ذلك وهل يباع القاتل وتجعل قيمته رهنا مكان المقتول أو ينقل بحاله؟ على وجهين (أحدهما) لا يباع لانه لا فائدة فيه (والثاني) يباع لانه ربما زاد فيه من يبلغه أكثر من ثمنه فان عرض للبيع فلم يزد فيه لم يبع لعدم ذلك (المسألة الثالثة) أن يتفق الدينان وتختلف القيمتان بان يكون دين كل واحد منهما مائة وقيمة أحدهما مائة والآخر مائتين فان كانت قيمة المقتول أكثر فلا غرض في النقل فيبقى بحاله وان كانت قيمة الجاني أكثر بيع منه بقدر جنايته تكون رهنا بدين المجني عليه والباقي رهن بدينه وإن اتفقا على تبقيته ونقل الدين إليه صار مرهونا بهما فان حل أحد الدينين بيع بكل حال لانه إن كان دينه المعجل بيع ليستوفى من ثمنه وما بقي منه رهن بالدين الآخر وان كان المعجل الآخر بيع ليستوفى منه بقدره والباقي رهن بدينه (المسألة الرابعة) أن يختلف الدينان والقيمتان مثل ان يكون أحد الدينين خمسين والآخر ثمانين وقيمة احدهما مائة والآخر مائتين فان كان دين المقتول اكثر نقل إليه والافلا (فصل) فان كان المجني عليه رهنا عند غير مرتهن القاتل فللسيد القصاص لانه مقدم على حق المرتهن بدليل أن الجناية الموجبة للمال مقدمة عليه فالقصاص أولى فان اقتص بطل الرهن في المجني عليه لان الجناية عليه لم توجب مالا يجعل رهنا مكانه وعليه قيمة المقتص منه يكون رهنا لانه أبطل حق الوثيقة فيه باختياره. ويحتمل أن لا تجب لما ذكرنا وللسيد العفو على مال فتصير كالجناية الموجبة

[ 447 ]

للمال فيثبت المال في رقبة العبد لان السيد لو جنى على العبد لوجب أرش جنايته لحق المرتهن فبأن يثبت على عبده أولى. فان كان الارش لا يستغرق قيمته بعنا منه بقدر أرش الجناية يكون رهنا عند مرتهن المجني عليه وباقيه رهن عند مرتهنه، وان لم يمكن بيع بعضه بيع جميعه وقسمة ثمنه بينهما على حسب ذلك يكون رهنا، وان كانت الجناية تستغرق قيمته نقل الجاني فجعل رهنا عند الآخر، ويحتمل ان يباع لاحتمال ان يرغب في شرائه راغب بأكثر من قيمته فيفصل من قيمته شئ يكون رهنا عند مرتهنه وهذا كله قول الشافعي (فصل) فان كانت الجناية على موروث سيده فيما دون النفس كأطرافه أو ماله فهي كالجناية على أجنبي وله القصاص إن كانت موجبة له والعفو على مال وغيره، وان كانت موجبة للمال ابتداء ثبت فان انتقل ذلك إلى السيد بموت المستحق فله ما لموروثه من القصاص والعفو على مال لان الاستدامة أقوى من الابتداء فجاز أن يثبت بها مالا يثبت في الابتداء، وان كانت الجناية على نفسه بالقتل ثبت الحكم لسيده وله ان يقتص فيما يوجب القصاص. وان عفا على مال أو كانت الجناية موجبة للمال ابتداء فهل يثبت للسيد؟ فيه وجهان (أحدهما) يثبت وهو قول بعض أصحاب الشافعي لان الجناية على غيره فأشبهت الجناية على ما دون النفس (والثاني) لا يثبت له مال في عبده ولا له العفو عليه وهو قول أبي ثور لانه حق ثبت للسيد ابتداء فلم يكن له ذلك كما لو كانت الجناية عليه، وأصل الوجهين في وجوب الحق في ابتدائه هل يثبت للقتيل ثم ينتقل إلى وارثه أو يثبت للوارث ابتداء؟ على وجهين وكل موضع ثبت له المال في رقبة عبده فانه يقدم على الرهن لانه يثبت للموروث بهذه الصفة فينتقل إلى وارثه كذلك فان اقتص في هذه الصورة لم يلزمه بدل الرهن لانه إذا قدم المال على حق المرتهن

[ 448 ]

فالقصاص أولى ولان القصاص ثبت للموروث مقدما على حق المرتهن فكذلك في حق وارثه فان كانت الجناية على مكاتب السيد فهي كالجناية على ولده وتعجيزه كموت ولده فيما ذكرناه (فصل) فان جنى العبد المرهون باذن سيده وكان ممن يعلم تحريم الجناية وانه لا يجب عليه قبول ذلك من سيده فهي كالجناية بغير اذنه، وان كان صبيا أو أعجميا لا يعلم ذلك فالجاني هو السيد. يتعلق به موجب الجناية، ولا يباع العبد فيها موسرا كان أو معسرا كما لو باشر السيد الجناية، وقال القاضي فيه وجه ان العبد يباع مع اعسار السيد لان العبد باشر الجناية، والصحيح الاول لان العبد آلة فلو تعلقت الجناية به بيع مع اليسار، وحكم اقرار العبد بالجناية حكم إقرار غير المرهون على ما يأتي بيانه ان شاء الله تعالى { مسألة } (وان جني عليه جناية موجبة للقصاص فللسيد القصاص فان اقتص فعليه قيمة أقلهما قيمة تجعل مكانه) إذا جني على الرهن فالخصم في ذلك السيد لانه المالك والارش الواجب بالجناية ملكه وانما للمرتهن فيه حق الوثيقة فصار كالعبد المستأجر والمودع وبهذا قال الشافعي وغيره، فان ترك المطالبة أو أخرها أو كان غائبا أو له عذر يمنعه منها فللمرتهن المطالبة بها لان حقه متعلق بموجبها فكان له المطالبة به كما لو كان الجاني سيده، ثم ان كانت الجناية موجبة للقصاص فللسيد القصاص لانه حق له وانما يثبت ليستوفى فان اقتص أخذت منه قيمة أقلهما قيمة فجعلت مكانه رهنا نص عليه أحمد في رواية ابن منصور وهو قول اسحاق، ويتخرج أن لا يجب عليه شئ وهو مذهب الشافعي لانه لم يجب بالجناية مال ولا استحق بحال وليس على الراهن

[ 449 ]

ان يسعى للمرتهن في اكتساب مال، ووجه الاول انه اتلف مالا استحق بسبب اتلاف الرهن فغرم قيمته كما لو كانت الجناية موجبة للمال، وهكذا الحكم فيما إذا ثبت القصاص للسيد في عبده المرهون. وانما أو جبنا اقل القيمتين لان حق المرتهن انما يتعلق بالمالية والواجب من المال هو اقل القيمتين لان الرهن ان كان اقل لم يجب اكثر من قيمته، وان كان الجاني اقل قيمة لم يجب اكثر من قيمته لانها التي أتلفها بالقصاص وان عفا على مال صح عفوه ووجب اقل القيمتين لما ذكرنا، هذا إذا كان القصاص قتلا، وان كان جرحا أو قلع سن أو نحوه فالواجب بالعفو اقل الامرين من ارش الجرح أو قيمة الجاني لما ذكرنا وان عفا مطلقا انبنى على موجب العمد ما هو؟ فان قلنا موجبه احد شيئين ثبت المال وان قلنا موجبه القصاص عينا فحكمه كما لو اقتص، أو قلنا ثم تجب القيمة على الراهن وجب هنا وهو اختيار ابي الخطاب لانه فوت بدل الرهن بعفوه اشبه مالو اقتص، وان قلنا لا تجب على الراهن ثم لم تجب ههنا وهو قول القاضي ومذهب الشافعي لانه اكتساب مال فلا يجبر عليه وكذلك ان عفا على غير مال { مسألة } (وكذلك ان جنى على سيده فاقتص منه هو أو ورثته وقد ذكرنا ذلك) { مسألة } (وان عفا السيد على مال أو كانت موجبة للمال فاقتص منه جعل مكانه) اما إذا كانت الجناية موجبة للمال أو ثبت المال بالعفو عن الجناية الموجبة للقصاص فانه يتعلق به حق الراهن والمرتهن ويجب من غالب نقد البلد كقيم المتلفات، فلو اراد الراهن ان يصالح عنها ويأخذ عوضا عنها لم يجز إلا باذن المرتهن، فان اذن جاز لان الحق لهما وما قبض من شئ فهو رهن بدلا عن الاول وقائما مقامه

[ 450 ]

{ مسألة } (وان عفا السيد عن المال صح في حقه ولم يصح في حق المرتهن، فإذا انفك الرهن رد إلى الجاني، وقال أبو الخطاب يصح وعليه قيمته) إذا عفا السيد عن المال فقال القاضي يسقط حق الراهن دون المرتهن فتؤخذ القيمة من الجاني تكون رهنا فإذا زال الرهن رجع الارش إلى الجاني كما لو اقر ان الرهن مغصوب أو جان فان استوفى الدين من الارش احتمل ان يرجع الجاني على العافي لان ماله ذهب في قضاء دينه فلزمته غرامته كما لو استعاره فرهنه، واحتمل أن لا يرجع عليه لانه لم يوجد منه في حق الجاني ما يقتضي وجوب الضمان وانما استوفى بسبب منه حال ملكه له فأشبه مالو جنى انسان على عبده ثم وهبه لغيره فتلف بالجناية السابقة، وقال أبو الخطاب: يضمن العفو مطلقا ويؤخذ من الراهن قيمته تكون رهنا لانه أسقط دينه عن غريمه فصح كسائر ديونه، قال ولا يمكن كونه رهنا مع تقدم حق الراهن فيه ولزمته القيمة لتقوية حق المرتهن كما لو اتلف بدل الرهن، وقال الشافعي لا يصح العفو أصلا لان حق المرتهن متعلق به فلم يصح عفو الراهن عنه كالرهن نفسه، وكما لو وهب الرهن أو غصب فعفا عن غاصبه. قال شيخنا: وهذا أصح في النظر، فان قال المرتهن أسقطت حقي من ذلك سقط لانه ينفع الراهن ولا يضره، وان قال أسقطت الارش أو ابرأت منه لم يسقط لانه ملك للراهن فلا يسقط باسقاط غيره وهل يسقط حقه؟ فيه وجهان (أحدهما) يسقط وهو قول القاضي لان ذلك يتضمن اسقاط حقه وإذا لم يسقط حق غيره سقط حقه كما لو قال أسقطت حقي وحق الراهن (والثاني) لا يسقط لان العفو ولابراء منه لا يصح فلم يصح ما يضمنه

[ 451 ]

(فصل) وان أقر رجل بالجناية على الرهن فكذباه فلاشئ لهما، وإن كذبه المرتهن وصدقه الراهن فله الارش ولا حق للمرتهن فيه وان صدقه المرتهن وحده تعلق حقه بالارش وله قبضه فإذا قضى الراهن الحق أو ابرأه المرتهن رجع الارش إلى الجاني ولا شئ للراهن فيه، وان استوفى حقه من الارش لم يملك الجاني مطالبة الراهن بشئ لانه مقر له باستحقاقه (فصل) ولو كان الرهن أمة حاملا فضرب بطنها أجنبي فألقت جنينا ميتا ففيه عشر قيمة أمه وان ألقته حيا ثم مات لوقت يعيش مثله ففيه قيمته ولا يجب ضمان نقص الولادة لانه لا يتميز نقصها عما وجب ضمانه من ولدها، ويحتمل ان يضمن نقصها بالولادة لانه حصل بفعله فلزم ضمانه كما لو غصبها ثم جنى عليها ويحتمل ان يجب اكثر الامرين من نقصها أو ضمان جنينها لان سبب ضمانها وجد فإذا لم يجتمع ضمانهما وجب ضمان اكثرهما، وان ضرب بطن بهيمة فالقت ولدها ميتا ففيه ما نقصتها الجناية لاغير وما وجب من ذلك كله فهو رهن مع الامر، وقال الشافعي: ما وجب لنقص الام أو لنقص البهيمة فهو رهن معها وكذلك ما وجب في ولدها وما وجب في جنين الامة فليس برهن ولنا أنه ضمان وجد بسبب الجناية على الرهن فكان من الرهن كالواجب لنقص الولادة وولد البهيمة { مسألة } (وان وطئ المرتهن الجارية بغير اذن الراهن فعليه الحد والمهر وولده رقيق) لا يحل للمرتهن وطئ الجارية المرهونة اجماعا لقول الله تعالى (إلا على أزواجهم أو ما ملكت ايمانهم وليست هذه زوجته ولا مكله، فان فعل بغير اذن الراهن عالما بالتحريم فعليه الحد لانه

[ 452 ]

لاشبهة له فيه فان الرهن وثيقة بالدين ولا مدخل لذلك في اباحة الوطئ، ولان وطئ المستأجرة يوجب الحد مع ملكه لنفعها فالرهن أولى، ويجب عليه المهر سواء أكرهها أو طاوعته، وقال الشافعي لا يجب المهر مع المطاوعة لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن مهر البغي، ولان الحد إذا وجب على الموطوءة لم يجب المهر كالحرة. ولنا ان المهر يجب للسيد فلا يسقط بمطاوعة الامة واذنها كما لو أذنت في قطع يدها، ولانه استوفى هذه المنفعة المملوكة للسيد بغير اذنه فكان عليه عوضها كما لو أكرهها وكأرش بكارتها لو كانت بكرا والحديث مخصوص بالمكرهة على البغاء فان الله تعالى سماها بذلك مع كونها مكرهة فقال (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن اردن تحصنا) وقولهم لا يجب الحد والمهر قلنا لا يجب لها المهر لها وفي مسئلتنا لا يجب لها وانما يجب لسيدها. ويفارق الحرة فان المهر لو وجب لوجب لها وقد أسقطت حقها باذنها وههنا المستحق لم يأذن، ولان الوجوب في حق الحرة تعلق باكراهها وسقوطه بمطاوعتها فكذلك السيد ههنا لما تتعلق السقوط باذنه ينبغي ان يثبت عند عدمه وسواء وطئها معتقدا للحل أو غير معتقد له، أو ادعى بشبهة أو لم يدعها لا يسقط المهر بشئ من ذلك لانه حق آدمي فلا يسقط بالشبهات وولده رقيق للراهن لانه من زنا ولانه لاملك له فيها ولا شبهة ملك فأشبه الاجنبي

[ 453 ]

{ مسألة } (وإن وطئها باذن الراهن وادعى الجهالة وكان مثله بجهل ذلك فلاحد عليه ولا مهر وولده حر لا تلزمه قيمته) وجملة ذلك ان المرتهن إذا وطئها باذن الراهن وادعى الجهالة بالتحريم فان احتمل صدقه لكونه ممن نشأ ببادية أو حديث عهد بالاسلام فلاحد عليه وولده حر لانه وطئها معتقدا اباحة وطئها فهو كما لو وطئها يظنها أمته، وان لم يحتمل صدقه كالناشئ ببلاد المسلمين مختلطا بهم من أهل العلم لم تقبل دعواه لانه لا يخلو ممن يسمع منه ما يعلم به تحريم ذلك فيكون كمن لم يدع الجهل فيكون ولده رقيقا للراهن لانه من زنا، ومتى كان الوطئ باذن الراهن لم يجب عليه قيمة الولد وهذا قول بعض أصحاب الشافعي لان الاذن في الوطئ اذن فيما يحدث منه بدليل أنه لو أذن المرتهن للراهن في الوطئ فحملت سقط حقه من الرهن، وكما لو اذن في قطع أصبع لم يضمنها وكالحرة إذا اذنت في وطئها سقط عنه الضمان، وفيه قول ان قيمة الولد تجب؟ وإن أذن الراهن في الوطئ وهو منصوص الشافعي لان وجوب الضمان يمنع اتخاذ الولد رقيقا ويشبه اعتقاد الحل وما حصل ذلك باذنه بخلاف وطئ الراهن فان خروجها من الرهن بالحمل الذي سببه الوطئ المأذون فيه ولا يجب المهر إذا كان الوطئ باذن الراهن، وقال أبو حنيفة يجب وعن الشافعية كالمذهبين ولنا انه اذن في سببه وهو حقه فلم يجب كما لو أذن في قتلها، ولان المالك اذن في استيفاء المنفعة

[ 454 ]

فلم يجب عوضها كالحرة المطاوعة، وولده حر للشبهة وقد ذكرناه، ولا تصير هذه الامة أم ولد بحال سواء ملكها المرتهن بعد الوضع أو قبله، وسواء حكمنا برق الولد أو حريته وفيه وجه آخر أنه إذا ملكها حاملا انها تصير ام ولد وسنذكر ذلك في امهات الاولاد (فصل) قال عبد الله بن احمد سألت ابي عن رجل عنده رهون كثيرة لا يعرف اصحابها ولا من رهن عنده قال: إذا ايست من معرفتهم ومعرفة ورثتهم فأرى ان تباع ويتصدق بثمنها، فان عرف بعد اربابها خيرهم بين الاجر أو يغرم لهم. هذا الذي اذهب إليه، وقال أبو الحارث عن احمد في الرهن يكون عنده السنين الكثيرة يأيس من صاحبه يبيعه ويتصدق بالفضل فظاهر هذا أنه يستوفي حقه، ونقل أبو طالب لا يستوفي حقه من ثمنه ولكن ان جاء صاحبه بعد فطلبه اعطاه إياه وطلب منه حقه، واما إن رفع امره إلى الحاكم فباعه ووفاه حقه منه جاز ذلك

[ 455 ]

(باب الحجر) الحجر في اللغة المنع والتضييق ومنه سمي الحرام حجرا قال الله تعالى (ويقولون حجرا محجورا) اي حراما محرما ويسمى العقل حجرا قال الله تعالى (هل في ذلك قسم لذي حجر؟) اي عقل سمي حجرالانه يمنع صاحبه من ارتكاب ما يقبح، وهو في الشرع منع الانسان من التصرف في ماله { مسألة } (وهو على ضربين حجر على الانسان لحظ نفسه وحجر لحق غيره) كالحجر على المريض في التبرع بما زاد على الثلث لحق الورثة، وعلى العبد والمكاتب لحق السيد والراهن يحجر عليه في الرهن لحق المرتهن ولهؤلاء ابواب يذكرون فيها، ومن ذلك الحجر على المفلس لحق الغرماء وهو المذكور ههنا، والمفلس هو الذي لامال له ولا ما يدفع به حاجته ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لاصحابه " اتدرون من المفلس " قالوا يا رسول الله المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع قال " ليس ذلك المفلس، ولكن المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال ويأتي وقد ضرب هذا ولطم هذا وأكل مال هذا وأخذ من عرض هذا فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته فان بقي عليه شئ أخذ من سيئاتهم فرد عليه ثم صك له صك إلى النار " أخرجه مسلم بمعناه فقولهم ذلك اخبار عن حقيقة المفلس، وقول النبي صلى الله عليه وسلم " ليس ذلك المفلس " تجوز لم يرد به نفي الحقيقة بل أراد أن فلس الآخرة أشد وأعظم بحيث يصير مفلس الدنيا بالنسبة إليه كالغني، ونحو هذا قوله عليه الصلاة والسلام " ليس الشديد بالصرعة انما الشديد الذي يغلب نفسه عند الغضب " وقوله " ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس " ومنه قول الشاعر ليس من مات فاستراح بميت * انما الميت ميت الاحياء قيل إنما سمي هذا مفلسا لانه لامال له إلا الفلوس وهي أدنى أنواع المال، والمفلس في عرف

[ 456 ]

الفقهاء من دينه أكثر من ماله، وسموه مفلسا وان كان ذا مال لان ماله مستحق الصرف في جهة دينه فكأنه معدوم وقد دل عليه تفسير النبي صلى الله عليه وسلم مفلس الآخرة فانه أخبر أن له حسنات أمثال الجبال لكنها لا تفي بما عليه فقسمت بين الغرماء وبقي لا شئ له ويجوز أن يكون سمي بذلك لما يؤول إليه من عدم ماله بعد وفاء دينه ويجوز أن يكون سمي بذلك لانه يمنع من التصرف في ماله إلا الشئ التافه الذي لا يعيش إلا به كالفلوس { مسألة } ومن لزمه دين مؤجل لم يطالب به قبل أجله لانه لا يلزمه أداؤه ولم يحجر عليه من أجله لانه لا يستحق المطالبة به فلم يجز منعه من التصرف في ماله بسببه فان كان بعض دينه مؤجلا وبعضه حالا وكان ماله يفي بالحال لم يحجر عليه أيضا، وقال بعض أصحاب الشافعي ان ظهرت أمارات الفلس لكون ماله بازاء دينه ولا نفقة له إلا من ماله حجر عليه في أحد الوجهين لان الظاهر أنه ماله يعجز عن ديونه فهو كما لو كان ماله ناقصا، ولنا أن ماله واف بما يلزمه أداؤه فلم يحجر عليه كما لو لم تظهر أمارات الفلس ولان الغرماء لا يمكنهم طلب حقوقهم في الحال فلا حاجة إلى الحجر { مسألة } (فان أراد سفرا يحل الدين قبل مدته فلغريمه منعه الا أن يوثقه برهن أو كفيل)

[ 457 ]

وجملة ذلك أن المدين إذا أراد السفر وأراد غريمه منعه نظرنا فان كان محل الدين قبل محل قدومه من السفر كمن يسافر إلى الحج لا يقدم الافي صفر ودينه يحل في المحرم فله منعه من السفر لان عليه ضررا في تأخير حقه عن محله فان أقام ضمينا مليئا أو دفع رهنا يفي بالدين عند المحل فله السفر لزوال الضرر بذلك. { مسألة } (فان كان لا يحل الدين قبله ففي منعه روايتان) أما إذا كان الدين لا يحل الا بعد محل السفر مثل أن يكون محله في ربيع وقدومه في صفر فان كان سفره إلى الجهاد فلغريمه منعه الا بضمين أو رهن لانه سفر يتعرض فيه لذهاب النفس فلا يأمن فوات الحق، وان كان لغير الجهاد فليس له منعه في إحدى الروايتين، وهو ظاهر كلام الخرقي لان هذا السفر ليس با مارة على منع الحق في محله فلم يملك منعه منه كالسفر القصير وكالسعي إلى الجمعة (والثانية) له منعه لان قدومه عند المحل غير متيقن ولا ظاهر فملك منعه منه كالاول، وقال الشافعي ليس له منعه من السفر ولا المطالبة بكفيل إذا كان الدين مؤجلا بحال سواء كان الدين يحل قبل محل

[ 458 ]

سفره أولا إلى الجهاد أو إلى غيره لانه لا يملك المطالبة بالدين فلم يملك منعه من السفر ولا المطالبة بكفيل كالسفر الآمن القصير، ولنا أنه سفر يمنع استيفاء الدين في محله فملك منعه منه إذا لم يوثقه برهن أو كفيل كالسفر بعد حلول الحق، ولانه لا يملك تأخير الدين عن محله وفي السفر المختلف فيه تأخيره عن محله فلم يملك كحجره { مسألة } (وإذا كان حالا وله ما يفي به لم يحجر عليه) لعدم الحاجة إلى ذلك ويأمره بوفائه فان أبى حبسه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لي الواجد يحل عرضه وعقوبته " رواه أحمد فعقوبته حبسه وعرضه أن يغلظ له فيقال له يا ظالم يا متعدي ونحو ذلك { مسألة } (فان أصر باعه الحاكم وقضى دينه) وجملته ان الغريم إذا حبس فصبر على الحبس ولم يقض الدين قضى الحاكم دينه من ماله. وان احتاج إلى بيع ماله في قضاء دينه باعه وقضى دينه وهذا مذهب الشافعي وأبي يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة ليس للحاكم بيع ماله لكنه يجبره على البيع إذا لم يمكن الايفاء بدونه، فان امتنع لم يبعه الحاكم وانما يحبسه ليبيع بنفسه الا ان يكون عليه احد النقدين وماله من النقد الآخر فيدفع أحد النقدين عن الآخر لانه رشيد لا ولاية عليه فلم يجز بيع ماله بغير اذنه كالذي لادين عليه ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم حجر على معاذ وباع ماله في دينه. رواه الخلال باسناده، وروي عن عمر رضي الله عنه أنه خطب الناس فقال: الا ان أسيفع جهينه قد رضي من دينه وأمانته بأن يقال سبق الحاج فادان معرضا فأصبح وقد رين به فمن كان له عليه مال فليحضر غدا

[ 459 ]

فانا بائعو ماله وقاسموه بين غرمائه " ولانه محجور عليه محتاج إلى قضاء دينه فجاز بيع ماله بغير رضاه كالصغير والسفيه ولانه نوع مال فجاز بيعه في قضاء دينه كالاثمان وقياسهم يبطل ببيع الدراهم بالدنانير { مسألة } (وان ادعى الاعسار وكان دينه عن عوض كالبيع والقرض أو عرف له مال سابق حبس الا أن يقيم البينة على نفاد ماله أو إعساره، وهل يحلف معها؟ على وجهين وإن لم يكن كذلك حلف وخلي سبيله) وجملة ذلك ان من وجب عليه دين حال فطولب به فلم يؤده فان كان في يده مال ظاهر أمره الحاكم بالقضاء، وان لم يظهر له مال فادعى الاعسار فصدقه غريمه لم يحبس ووجب انظاره ولم يجز ملازمته لقول الله تعالى (وان كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم لغرماء الذي كثر دينه " خذوا ما وجدتم ليس لكم الا ذلك " ولان الحبس اما أن يكون لاثبات عسرته أو لقضاء دينه وعسرته ثابته والقضاء متعذر فلا فائدة في الحبس فان كذبه غريمه فلا يخلو اما ان يكون عرف له مال أو لم يعرف، فان عرف له مال لكون الدين ثبت عن معاوضة كالقرض والبيع أو عرف له أصل مال سوى هذا فالقول قول غريمه مع يمينه فإذا حلف أنه ذو مال حبس حتى تشهد البينة باعساره. قال ابن المنذر اكثر من نحفظ عنه من علماء الامصار وقضاتهم يرون الحبس في الدين منهم مالك والشافعي وأبو عبيد والنعمان وسوار وعبيد الله بن الحسن، وروي عن شريح والشعبي وكان عمر بن عبد العزيز يقول: يقسم ماله بين الغرماء ولا يحبس، وبه قال عبد الله بن أبي جعفر والليث بن سعد.

[ 460 ]

ولنا ان الظاهر قول الغريم فكان القول قوله كسائر الدعاوى فان شهدت البينة بتلف ماله قبلت شهادتهم سواء كانت من أهل الخبرة الباطنة أولم تكن لان التلف يطلع عليه أهل الخبرة وغيرهم، وان طلب الغريم احلافه على ذلك لم يجب إليه لانه تكذيب للبينة، وان شهدت مع ذلك بالاعسار اكتفى بشهادتهما وثبتت عسرته وان لم تشهد الا بالتلف وطلب الغريم يمينه على عسرته وأنه ليس له مال آخر استحلف على ذلك لانه غير ما شهدت به البينة وان لم تشهد بالتلف وانما شهدت بالاعسار لم تقبل الشهادة الا من ذي خبرة باطنة لان هذا في الامور الباطنة لا يطلع عليه في الغالب الا أهل الخبرة والمخالطة وهذا مذهب الشافعي. وحكي عن مالك انه قال لا تسمع البينة على الاعسار لانها شهادة على النفي فلم تسمع كما لو شهدت أنه لادين عليه ولنا ما روى قبيصة بن المخارق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ويا قبيصة ان المسألة لا تحل الا لاحد ثلاثة رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال سدادا من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من اهل الحجى من قومه لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش - أو قال - سدادا من عيش " رواه مسلم وأبو داود، وقولهم ان الشهادة على النفي لا تقبل قلنا لا ترد مطلقا فانه لو شهدت بينة أن هذا وارث هذا الميت لا وارث له سواه قبلت، ولان هذه وان كانت تتضمن النفي فهي تثبت حالة تظهر ويوقف عليها بالمشاهدة بخلاف ما إذا شهدت أنه لا حق له فان هذا مما لا يوقف عليه ولا يشهد به حال يتوصل بها إلى معرفته بخلاف مسئلتنا وتسمع البينة في الحال، وبهذا قال الشافعي

[ 461 ]

وقال أبو حنيفة لا تسمع في الحال وتحبس شهرا وقيل ثلاثة أشهر، وروي أربع حتى يغلب على ظن الحاكم أنه لو كان له مال لاظهره ولنا أن كل بينة جاز سماعها بعد مدة جاز سماعها في الحال كسائر البينات وما ذكروه لو كان صحيحا لاغنى عن البينة، فان قال الغريم أحلفوه لي مع بينته أن لا مال له لم يستحلف في ظاهر كلام احمد لانه قال في رواية ابراهيم في رجل جاء بشهود على حق فقال الغريم استحلفوه لا يستحلف لان ظاهر الحديث البينة على المدعي واليمين على من أنكر. قال القاضي سواء شهدت البينة بتلف المال أو بالاعسار وهذا أحد قولي الشافعي لانها بينة مقبولة فلم يستحلف معها كما لو شهدت بأن هذا عبده وفيه وجه آخر انه يستحلف وهو القول الثاني للشافعي لانه يحتمل ان يكون له مال خفي عن البينة. قال شيخنا: ويصح عندي الزامه اليمين على الاعسار إذا شهدت البينة بتلف المال وسقوطها عنه فيما إذا شهدت بالاعسار لانها إذا شهدت بالتلف صار كمن لم يثبت له أصل مال أو بمنزلة من أقر له غريمه بتلف ذلك المال وادعى له مالا سواه أو أنه استحدث مالا بعد تلفه، ولو لم تقم البينة وأقر له غريمه بتلف ماله وادعى ان له مالا سواه لزمته اليمين فكذلك إذا قامت به البينة فانها لا تزيد على الاقرار، فان كان الحق ثبت عليه في غير مقابلة مال أخذه كأرش الجناية وقيمة متلف ومهر أو ضمان أو كفالة أو عوض خلع إن كانت امرأة فان لم يعرف له مال حلف أنه لامال له وخلي سبيله، وهذا قول الشافعي وابن المنذر، وإنما اكتفينا بيمينه لان الاصل عدم المال، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لحبة وسواء ابني خلد بن سواء " لا تيأسا من الرزق ما اهتزت رؤسكما فان ابن آدم يخلق وليس له إلا قشرتاه ثم يرزقه الله تعالى "

[ 462 ]

قال ابن المنذر الحبس عقوبة ولا نعلم له ذنبا يعاقب به والاصل عدم ماله بخلاف من علم له مال فان الاصل بقاء ماله فيحبس حتى يعلم ذهابه ومطلق كلام الخرقي يدل على أنه يحبس في الحالتين لكنه ينبغي ان يحمل كلامه على هذا لقيام الدليل على الفرق (فصل) ومتى ثبت اعساره عند الحاكم لم يجز مطالبته ولا ملازمته، وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة لغرمائه ملازمته من غير أن يمنعوه من الكسب، فإذا رجع إلى بيته فأذن لهم في الدخول معه والامنعوه من الدخول لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لصاحب الحق اليد واللسان " ولنا ان من ليس لصاحب الحق مطالبته لم يكن له ملازمته كصاحب الدين المؤجل، وقول الله تعالى (فنظرة إلى ميسرة) ومن وجب انظاره حرمت ملازمته كمن دينه مؤجل والحديث فيه مقال قاله ابن المنذر ثم نحمله على الموسر بدليل ما ذكرنا، وقد ثبت ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لغرماء الذي أصيب في ثمار ابتاعها فكثر دينه " خذوا ما وجدتم وليس لكم الا ذلك " رواه مسلم والترمذي { مسألة } (وان كان له ماله لا يفي به فسأل غرماؤه الحاكم الحجر عليه لزمته أجابتهم) إذا اتفق الغرماء على طلب الحجر عليه في هذه الحال لزم الحاكم إجابتهم ولايجوز الحجر عليه بغير سؤال غرمائه لانه لا ولاية له في ذلك انما يفعله لحق الغرماء فاعتبر رضاهم، وكذلك ان سأله بعضهم، وبهذا قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة ليس للحاكم الحجر عليه فإذا ادى اجتهاده إلى الحجر عليه ثبت لانه فصل مجتهد فيه. ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم حجر على معاذ وباع ماله في دينه رواه الخلال باسناده

[ 463 ]

(فصل) وتصرفه قبل حجر الحاكم في ماله نافذ من البيع والهبة والاقرار وقضاء بعض الغرماء وغير ذلك وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي ولا نعلم فيه خلافا لانه رشيد غير محجور عليه فنفذ تصرفه كغيره، ولان سبب المنع الحجر فلا يتقدم سببه، ولانه من أهل التصرف، ولم يحجر عليه أشبه الملئ وان أكري جملا بعينه أو دارا لم تنفسخ اجارته بالفلس وان المكتري أحق به حتى تنقضي مدته { مسألة } (ويستحب اظهار الحجر عليه والاشهاد عليه) لنتجنب معاملته لئلا يستضر الناس بضياع أموالهم، ويشهد عليه لينتشر ذلك وربما عزل الحاكم أو مات فيثبت الحجر عند الآخر فلا يحتاج إلى ابتداء حجر ثان (فصل) قال الشيخ رضي الله عنه (ويتعلق بالحجر عليه أربعة أحكام (أحدها) تعلق حق الغرماء بماله فلا يصح تصرفه فيه ولا يقبل اقراره عليه الا العتق على احدى الروايتين) متى حجر على المفلس لم ينفذ تصرفه في شئ من ماله فان تصرف فيه ببيع أو هبة أو وقف أو إصداق امرأة مالا له أو نحو ذلك لم يصح، وبه قال مالك والشافعي في قول، وقال في آخر يقف تصرفه فان كان فيما بقي من ماله وفاء الغرماء والا بطل. ولنا ان حقوق الغرماء تعلقت باعيان ماله فلم يصح تصرفه فيها كالعين المرهونة ولانه محجور عليه بحكم حاكم فأشبه السفيه، وان اقر بدين لم يقبل في الحال ويتبع به بعد فك الحجر عنه نص عليه وهو قول مالك ومحمد بن الحسن والثوري والشافعي في قول، وقال في الآخر يشاركهم اختاره ابن المنذر لانه دين ثابت مضاف إلى ما قبل الحجر فشارك صاحبه الغرماء

[ 464 ]

كما لو ثبت ببينة، ولنا انه محجور عليه فلم يصح اقراره فيما حجر عليه فيه كالسفيه ولانه اقرار يبطل ثبوته في غير حق غير المقر فلم يقبل أو اقرار على الغرماء فلم يقبل كاقرار الراهن ولانه متهم في اقراره وفارق البينة فانه لا تهمة في حقها، فان كان المفلس صانعا كالقصار والحائك في يده متاع فأقر به لاربابه لم يقبل والقول فيها كالتي قبلها وتباع العين التي في يده وتقسم بين الغرماء وتكون قيمتها واجبة على المفلس إذا قدر عليها لانها انصرفت في وفاء دينه بسبب من جهته فكانت قيمتها عليه كما لو أذن في ذلك، وان توجهت على المفلس يمين فنكل عنها فقضي عليه فحكمه حكم اقراره يلزم في حقه دون الغرماء فان أعتق بعض رقيقه صح في احدى الروايتين ونفذ وهو قول أبي يوسف واسحاق لانه عتق من مالك رشيد فنفذ كما قبل الحجر. وفارق سائر التصرفات لان للعتق تغليبا وسراية ولهذا يسري إلى ملك الغير بخلاف غيره، والاخرى لا ينفذ عتقه وبه قال مالك وابن أبي ليلى والثوري والشافعي واختاره أبو الخطاب في رءوس المسائل لانه ممنوع من التبرع لحق الغرماء فلم ينفذ عتقه كالمريض الذي يستغرق دينه ماله، وأما سرايته إلى ملك الغير فمن شرطه أن يكون موسرا يؤخذ منه قيمة نصيب شريكه ولا يتضرر ولو كان معسرا لم ينفذ عتقه إلا في ملكه صيانة لحق الغير وحفظا له عن الضياع كذا ههنا وهذا أصح ان شاء الله تعالى { مسألة } (فان تصرف في ذمته بشراء أو ضمان أو اقرار صح) ويتبع به بعد فك الحجر عنه لانه أهل للتصرف وانما وجد في حقه الحجر والحجر متعلق بماله لا بذمته ولكن لا يشارك أصحاب هذه الديون الغرماء لانهم رضوا بذلك إذا علموا بفلسه وعاملوه ومن لا يعلم فقد فرط في ذلك فان هذا في مظنة الشهرة، فعلى هذا يتبع بها بعد فك الحجر عنه، وفي اقراره خلاف ذكرناه في المسألة التي قبلها، فاما ان ثبت عليه حق ببينة شارك صاحبه الغرماء لانه دين ثابت قبل الحجر عليه أشبه مالو شهدت به قبل الحجر { مسألة } (وان جنى شارك المجني عليه الغرماء وان جنى عبده قدم المجني عليه بثمنه) إذا جنى المفلس بعد الحجر جناية موجبة للمال شارك المجني عليه الغرماء لان حق المجني عليه ثبت بغير اختياره، ولو كانت الجناية موجبة للقصاص فعفا صاحبها عنها إلى مال أو صالحه المفلس على مال

[ 465 ]

شارك الغرماء لان سببه ثبت بغير اختيار صاحبه فأشبه ما أوجب المال، فان قيل ألا قدمتم حقه على الغرماء كما قدمتم حق من جنى عليه بعض عبيد المفلس؟ قلنا لان الحق في العبد الجاني تعلق بعينه فقدم لذلك وحق هذا تعلق بالذمة كغيره من الديون فاستويا، فان جنى عبده قدم المجني عليه بثمنه لان الحق تعلق بالعين فقدم على من تعلق حقه بالذمة كما يقدم حق المرتهن بثمن الرهن على الغرماء ولان حق المجني عليه يقدم على حق المرتهن فأولى ان يقدم على حق الغرماء { فصل } قال رحمه الله (الثاني أن من وجد عنده عينا باعها اياه فهو أحق بها بشرط أن يكون المفلس حيا ولم ينقد من ثمنها شيئا والسلعة بحالها لم يتلف بعضها ولم تتغير صفتها بما يزيل اسمها كنسج الغزل وخبز الدقيق) وجملته ان المفلس إذا حجر عليه فوجد بعض غرمائه سلعته التي باعه إياها بعينها فله فسخ البيع والرجوع في عين ماله بالشروط التي نذكرها روي ذلك عن عثمان وعلي وابي هريرة وبه قال عروة ومالك والشافعي والاوزاعي والعنبري واسحاق وأبو ثور وابن المنذر، وقال الحسن والنخعي وابن شبرمة وأبو حنيفة هو اسوة الغرماء لان البائع كان له حق الامساك لقبض الثمن فلما سلمه أسقط حق الامساك فلم يكن له ان يرجع في ذلك بالافلاس كالمرتهن إذا سلم الرهن إلى الراهن ولانه ساوى الغرماء في سبب الاستحقاق فيساويهم في الاستحقاق كسائرهم ولنا ما روى أبو هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " من ادرك متاعه بعينه عند انسان قد أفلس فهو أحق به " متفق عليه قال أحمد. لو ان حاكما حكم أنه أسوة الغرماء ثم رفع إلى رجل يرى العمل بالحديث جاز له نقض حكمه ولان هذا العقد يلحقه الفسخ بالاقالة فجاز فيه الفسخ لتعذر الغرض كالمسلم فيه إذا تعذر ولانه لو شرط في البيع رهنا فعجز عن تسليمه استحق الفسخ وهو

[ 466 ]

وثيقة بالثمن فالعجز عن تسليم الثمن بنفسه أولى ويفارق البيع الرهن فان امساك الرهن امساك مجرد على سبيل الوثيقة وليس ببدل والثمن ههنا بدل عن العين فإذا تعذر استيفاؤه رجع إلى المبدل وقولهم تساووا في سبب الاستحاق قلنا لكن اختلفوا في الشرط فان بقاء العين شرط لملك الفسخ وهي موجودة في حق من وجد متاعه دون من لم يجده، إذا ثبت هذا فان البائع بالخيار ان شاء رجع في السلعة وان شاء لم يرجع، وكان أسوة الغرماء وسواء كانت السلعة مساوية لثمنها أو اقل أو أكثر لان الاعسار سبب يثبت جواز الفسخ فلا يوجبه كالعيب والخيار، ولا يفتقر الفسخ إلى حكم حاكم لانه فسخ ثبت بالنص فلم يحتج إلى حكم حاكم كفسخ النكاح لعتق أمة (فصل) وهل خيار الفسخ على الفور أو التراخي فيه وجهان (أحدهما) أنه على التراخي لانه حق رجوع يسقط إلى عوض فكان على التراخي كالرجوع في الهبة (والثاني) على الفور لان جواز تأخيره يفضي إلى الضرر بالغرماء لا فضائه إلى تأخير حقوقهم فأشبه خيار الاخذ بالشفعة وهذان الوجهان مبنيان على الروايتين في خيار الرد بالعيب، ونصر القاضي الوجه الثاني ولاصحاب الشافعي الوجهان (فصل) فان بذل الغرماء لصاحب السلعة الثمن ليتركها لم يلزمه قبوله نص عليه أحمد وبه قال الشافعي، وقال مالك ليس له الرجوع انما جاز لدفع ما يلحقه من النقص في الثمن فإذا بذل له بكماله لم يكن له الرجوع كما لو زال العيب من المعيب ولنا الخبر الذي رويناه ولانه تبرع بدفع الحق من غير من هو عليه فلم يجبر صاحب الحق على قبضه كما لو أعسر الزوج النفقة فبذلها غيره أو أعسر المكاتب فبذل غيره ما عليه لسيده وبهذا

[ 467 ]

ينتقض ما ذكروه وسواء بذلوه من أموالهم أو خصوه بثمنه من مال المفلس، وفي هذا القسم ضرر آخر لانه لا يأمن أن يظهر له غريم لم يحضر فيرجع عليه، وان دفعوا إلى المفلس الثمن فبذله للبائع لم يكن له الفسخ لانه زال العجز عن تسليم الثمن فزال ملك الفسخ كما لو أسقط سائر الغرماء حقوقهم عنه فملك أداء الثمن، ولو اسقط الغرماء حقوقهم عنه فتمكن من الاداء أو وهب له مال فأمكنه الاداء منه أو غلت أعيان ماله فصارت قيمتها وافيه بحقوق الغرماء بحيث يمكنه أداء الثمن كله لم يملك الفسخ لزوال سببه ولانه مكنه الوصول إلى ثمن سلعته من المشتري فلم يكن له الفسخ كما لو لم يفلس (فصل) فان اشترى المفلس من انسان سلعة بعد الحجر في ذمته وتعذر الاستيفاء لم يكن له الفسخ سواء علم أو لم يعلم لانه لا يستحق المطالبة بثمنها فلا يستحق الفسخ لتعذره كما لو كان ثمنها مؤجلا ولان العالم بالفلس دخل على بصيرة بخراب الذمة أشبه من اشترى معيبا يعلم عيبه، وفيه وجه أخر له الخيار لعموم الخبر ولانه عقد عليه وقت الفسخ فلم يسقط حقه من الفسخ كما لو تزوجت امرأة فقيرا معسرا بنفقتها، وفيه وجه ثالث ان كان عالما بفلسه فلا فسخ له، وان لم يعلم فله الفسخ كمشتري المعيب ويفارق المعسر بالنفقة لكون النفقة يتجدد وجوبها كل يوم فالرضا بالمعسر بها رضا بعيب ما لم يجب

[ 468 ]

بخلاف مسئلتنا، وانما يشبه هذا إذا تزوجت معسرا بالصداق وسلمت نفسها إليه ثم أرادت الفسخ (فصل) وان استأجر أرضا للزرع فافلس قبل مضي شئ من المدة فللمؤجر فسخ الاجارة لانه وجد عين ماله وان كان بعد انقضاء المدة فهو غريم بالاجرة، وان كان بعد مضي بعضها لم يملك الفسخ في قياس قولنا في المبيع إذا تلف بعضه قال المدة ههنا كالمبيع ومضي بعضها كتلف بعضه لكن يعتبر مضي مدة لمثلها أجر لانه لا يمكن التحرز عن مضي جزء منها بحال، وقال القاضي في موضع آخر من اكترى ارضا فزرعها ثم أفلس ففسخ صاحب الارض فعليه تبقية زرع المفلس إلى حين الحصاد بأجر مثله لان المعقود عليه المنفعة فإذا فسخ العقد فسخه فيما ملك عليه بالعقد وقد تعذر ردها عليه فكان عليه عوضها كما لو فسخ البيع بعد تلف المبيع فله قيمته، ويضرب بذلك مع الغرماء كذاههنا، ويضرب مع الغرماء بأجر المثل دون المسمى وهذا مذهب الشافعي وهذا لا يقتضيه مذهبنا ولا يشهد بصحته الخبر ولا يصح في النظر. أما الخبر فلان النبي صلى الله عليه وسلم انما قال " من ادرك متاعه بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به " وهذا ما ادرك متاعه بعينه ولا هو أحق به بالاجماع فانهم وافقوا على وجوب تبقيتها وعدم الرجوع في عينها ولان معنى قوله من أدرك متاعه بعينه أي على وجه يمكنه أخذه ويتعلق حقه بعينه وليس هذا كذلك، وأما النظر فان البائع انما كان أحق بعين ماله لتعلق حقه بالعين وامكان رد ماله إليه بعينه فيرجع على من تعلق حقه بمجرد الذمة وهذا لم يتعلق حقه بالعين

[ 469 ]

ولا أمكن ردها إليه وانما صار فائدة الرجوع الضرب بالقيمة دون المسمى وليس هذا هو المقتضي في محل النص ولا هو في معناه فاثبات الحكم به تحكم بغير دليل، ولو اكترى من يحمل له متاعا إلى بلد ثم أفلس المكتري قبل حمل شئ فللمكتري الفسخ. وان حمل البعض أو بعض المسافة لم يكن له الفسخ في قياس المذهب وقياس قول القاضي له ذلك وإذا فسخ سقط عنه حمل ما بقي وضرب مع الغرماء بقسط ما حمل من الاجر المسمى وعلى قياس قول القاضي ينفسخ العقد في الجميع ويضرب بقسط ما حمل من أجر المثل لما ذكرنا من قوله في المسألة التي حكينا قوله فيها (فصل) وان أقرض رجلا مالا ثم أفلس المقترض وعين المال قائمة فله الرجوع فيها لقوله عليه السلام " من أدرك متاعه بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به " ولانه غريم وجد عين ماله فكان له أخذها كالبائع فان أصدق امرأة عينا ثم انفسخ نكاحها بسبب من جهتها يسقط صداقها أو طلقها قبل الدخول بها فاستحق الرجوع في نصفه وقد أفلست ووجد عين ماله فهو أحق بها لما ذكرنا (فصل) وانما يستحق الرجوع في السلعة بشروط خمسة (أحدها) أن يكون المفلس حيا فان مات

[ 470 ]

فالبائع أسوة الغرماء سواء علم بفلسه قبل الموت فحجر عليه ثم مات أو مات فتبين فلسه وبهذا قال مالك، وإسحاق، وقال الشافعي له الفسخ واسترجاع العين لما روى ابن خلدة الزرقي قاضي المدينة قال: أتينا أبا هريرة في صاحب لنا قد أفلس فقال أبو هريرة هذا الذي قضى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم " أيما رجل مات أو افلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه " رواه أبو داود وابن ماجه ولان هذا العقد يلحقه الفسخ بالاقالة فجاز فسخه لتعذر العوض كما لو تعذر المسلم فيه، ولان الفلس سبب لاستحقاق الفسخ فجاز الفسخ به بعد الموت كالعيب ولنا ما روى أبو بكر بن عبد الرحمن عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المفلس " فان مات فصاحب المتاع أسوة الغرماء " رواه أبوداد وروى أبو اليمان عن الزبيدي عن الزهري عن ابي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أيما امرئ مات وعنده مال امرى بعينه اقتضى

[ 471 ]

من ثمنه شيئا أولم يقتض فهو أسوة الغرماء " رواه ابن ماجه ولانه تعلق به حق غير المفلس والغرماء وهم الورثة فأشبه الموهوب وحديثهم مجهول الاسناد قاله ابن المنذر، وقال ابن عبد البر يرويه أبو المعتمر عن الزرقي وأبو المعتمر غير معروف بحمل العلم، ثم هو غير معمول به اجماعا فانه جعل المتاع لصاحبه بمجرد موت المشتري من غير شرط فلسه ولا تعذر وفائه ولا عدم قبض ثمنه، والامر بخلاف ذلك عند جميع العلماء الا ما حكي عن الاصطخري من أصحاب الشافعي أنه قال لصاحب السلعة ان يرجع فيها إذا مات المشتري، وان خلف وفاء وهذا شذوذ عن اقوال اهل العلم وخلاف للسنة لا يعرج على مثله ويفارق حال الحياة حالة الموت لا مرين (احدهما) ان الملك في الحياة للمفلس وههنا لغيره (الثاني) ان ذمة المفلس خربت ههنا خرابا لا يعود واختصاص هذا بالعين يضر بالغرماء كثيرا بخلاف حال الحياة (الشرط الثاني) ان لا يكون البائع قبض من ثمنها شيئا فان كان قد قبض بعض ثمنها سقط حق الرجوع

[ 472 ]

وبهذا قال اسحاق والشافعي في القديم. وقال في الجديد له أن يرجع في قدر ما بقي من الثمن لانه سبب ترجع به العين كلها إلى العاقد فجاز أن يرجع في بعضها كالفرقة قبل الدخول في النكاح، وقال مالك هو مخير ان شاء رد ما قبضه ورجع في جميع العين وان شاء حاص الغرماء ولم يرجع ولنا ماروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم " أيما رجل أفلس فوجد رجل عنده ماله ولم يكن اقتضى من ماله شيئا فهو له " رواه الامام أحمد ورواه أبو بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " أيما رجل باع سلعة فأدرك سلعته بعينها عند رجل قد أفلس ولم يكن قبض من ثمنها شيئا فهي له وان كان قبض من ثمنها شيئا فهو أسوة الغرماء " رواه أبو داود وابن ماجه ولان في الرجوع في قسط ما بقي تبعيضا للصفقة على المشتري واضرارا به وليس ذلك للبائع، فان قيل لا ضرر عليه في ذلك لان ماله يباع ولا يبقى له فيزول عنه الضرر قلنا لا يندفع الضرر بالبيع فان قيمة الشقص تنقص ولا يرغب فيها مشقصا فيتضرر المفلس والغرماء بنقص القيمة ولانه سبب يفسد به البيع فلم يجز تشقيصه كالرد بالعيب والخيار وقياس البيع على البيع أولى من قياسه على النكاح، ولا فرق بين كون المبيع عينا واحدة أو عينين لما ذكرنا من الحديث والمعنى، فان قيل حديثكم يرويه أبو بكر بن عبد الرحمن عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ولا حجة في المراسيل قلنا قد رواه مالك وموسى بن عقبة عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة كذلك ذكره ابن عبد البر وأخرجه أبو داود وابن ماجه والدار قطني في سننهم متصلا فلا يضر إرسال من ارسله على ان حديثنا الاول يكفي في الدلالة وهو متصل رواه الامام أحمد. (فصل) الشرط الثالث أن تكون السلعة باقية بعينها لم يتلف بعضها فان تلف جزء منها كبعض أطراف العبد أو ذهبت عينه أو تلف بعض الثوب أو انهدم بعض الدار أو اشترى شجرا مثمرا لم تظهر ثمرته فتلفت

[ 473 ]

الثمرة أو نحو هذا لم يكن للبائع الرجوع وكان أسوة الغرماء وبهذا قال اسحاق، وقال مالك والاوزاعي والشافعي والعنبري له الرجوع في الباقي ويضرب مع الغرماء بحصة التالف لانها عين يملك الرجوع في جميعها فملك الرجوع في بعضها كالذي له الخيار وكالاب فيما وهب لولده ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " من أدرك متاعه بعينه عند انسان قد أفلس فهو أحق به " بشرط أن يجده بعينه وهذا لم يجده بعينه، ولانه إذا أدركه بعينه حصل له بالرجوع فصل الخصومة وانقطاع ما بينهما من المعاملة بخلاف ما إذا وجد بعضه، ولا فرق بين أن يرضى بالموجود بجميع الثمن أو يأخذ بقسطه منه لانه فات شرط الرجوع، وان كان المبيع عينين كعبدين أو ثوبين تلف أحدهما أو نقص ففي جواز الرجوع في الباقي منهما روايتان (إحداهما) لا يرجع نقلها منه أبو طالب قال لا يرجع ببقية العين ويكون أسوة الغرماء لانه لم يجد المبيع بعينه فأشبه مالو كان عينا واحدة، ولان بعض المبيع تالف فلم يملك الرجوع فيه كما لو قطعت يد العبد، ونقل الحسن بن ثواب عن أحمد ان كان ثوبا واحدا فتلف بعضه فهو أسوة الغرماء، وان كان رزما فتلف بعضها فانه يأخذ بقيتها إذا كان بعينه لان السالم من المبيع وجده البائع بعينه فيدخل في عموم الحديث المذكور، ولانه مبيع وجده بعينه فكان للبائع الرجوع فيه كما لو كان جميع المبيع، فان باع بعض المبيع أو وهبه أو وقفه فهو بمنزلة تلفه لان البائع ما أدرك ماله بعينه (فصل) فان تغيرت صفتها بما يزيل اسمها فطحن الحنطة أو زرعها أو خبز الدقيق أو عمل الزيت صابونا أو قطع الثوب قميصا، أو نسج الغزل ثوبا أو نجر الخشبة أبوابا، أو عمل الشريط إبرا أو شيئا فصل به ما أزال سقط حق الرجوع، وقال الشافعي فيه قولان (أحدهما) به أقول يأخذ عين ماله

[ 474 ]

ويعطي قيمة عمل المفلس فيها لان عين ماله موجودة، وانما تغير اسمها فأشبه مالو كان المبيع حملا فصار كبشا أو وديا فصار نخلا. ولنا أنه لم يجد متاعه بعينه فلم يكن له الرجوع كما لو تلف والاصل الذي قاسوا عليه ممنوع وإن سلم فانه لم يتغير اسمه بخلاف مسئلتنا (فصل) فان كان حبا فصار زرعا أو بالعكس أو نوى فنبت شجرا أو بيضا فصار فرخا سقط الرجوع، وقال القاظي لا يسقط وهو أحد الوجهين لاصحاب الشافعي المنصوص عليهما لان الزرع نفس الحب والفرخ نفس البيضة. ولنا أنه لم يجد عين ماله فلم يرجع كما لو أتلفه متلف فأخذ قيمته، ولان الحب أعيان ابتدأها الله تعالى لم تكن موجودة عند البيع، وكذلك أعيان الزرع والفرخ، ولو استأجر أرضا واشترى بذرا وماء فزرع وسقى واستحصد وأفلس فالمؤجر وبائع البذر والماء غرماء لاحق لهم في الرجوع لانهم لم يجدوا أعيان امواله، وعلى قول من قال له الرجوع في الزرع تكون عليه غرامة الاجرة وثمن الماء أو قيمة ذلك { مسألة } (ولم يتعلق بها حق من شفعة أو جناية أو رهن) وهذا هو الشرط الرابع وهو أن لا يتعلق بها حق الغير فان رهنها المفلس أو وهبها لم يملك البائع الرجوع كما لو باعها أو أعتقها لان الرجوع أضرار بالمرتهن ولان يزال الضرر بالضرر، ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال " من وجد متاعه بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به " وهذا لم يجده عند المفلس ولا نعلم في هذا خلافا، فان كان دين المرتهن دون قيمة الرهن بيع كله فقضي منه دين المرتهن والباقي يرد على مال المفلس يشترك فيه الغرماء، والبيع بعضه فباقيه لهم يباع أيضا ولا يرجع به البائع، وقال القاضي له الرجوع وهو مذهب الشافعي لانه عين ماله وهذا مثل تلف بعض المبيع وقد ذكرناه وما ذكره القاضي لا يخرج على المذهب لان تلف بعض المبيع يمنع الرجوع فكذلك ذهاب

[ 475 ]

بعضه بالبيع، ولو رهن بعض العبد لم يكن للبائع الرجوع في باقيه لما ذكرنا، فان كان المبيع عينين فرهن إحداهما فهل يملك البائع الرجوع في الاخرى؟ على وجهين بناء على الروايتين فيما إذا تلفت إحدى العينين، فان فك الرهن قبل فلس المشتري أو أبرأه من دينه فللبائع الرجوع لانه أدرك عين ماله عند المشتري، وإن أفلس وهو رهن فأبرأ المرتهن المشتري من دينه أو قضى الدين عن غيره فللبائع الرجوع أيضا لذلك (فصل) فان كان المبيع شقصا مشفوعا ففيه أوجه ثلاثة (أحدها) البائع أحق به هذا قول ابن حامد للخبر ولانه إذا رجع فيه عاد الشقص إليه فيزول الضرر عن الشفيع لانه عاد كما كان قبل البيع (والثاني) أن الشفيع أحق وهو الذي ذكره شيخنا ههنا وحكاه أبو الخطاب لان حقه أسبق فكان أولى لان حق البائع ثبت بالحجر وحق الشفيع ثبت بالبيع، ولان حقه آحد لانه يستحق انتزاع الشقص من المشتري وممن نقله إليه، وحق البائع انما يتعلق بالعين مادامت في يد المشتري ولا يزول الضرر عنه برده إلى البائع بدليل مالو باعه المشتري من بائعه أو وهبه إياه أو أقاله فانه لا يسقط حق الشفيع (والوجه الثالث) أن الشفيع إن كان طالب بالشفعة فهو أحق لتأكد حقه بالمطالبة وإن لم يكن طالب فالبائع أولى. ولاصحاب الشافعي وجهان كالاولين، وهم وجه ثالث أن الثمن يؤخذ من الشفيع فيخص به البائع جمعا بين الحقين فان غرض الشفيع في عين الشقص المشفوع وغرض البائع في ثمنه فيحصل ذلك بما ذكرنا، وليس هذا جيدا لان حق البائع انما يثبت في العين، فإذا صار الامر إلى وجوب الثمن تعلق بذمته فساوى الغرماء فيه (فصل) فان كان المبيع عبدا فأفلس المشتري بعد تعلق أرش الجناية برقبته ففيه وجهان (أحدهما) ليس للبائع الرجوع لان تعلق الرهن به يمنع الرجوع وأرش الجناية يقدم على حق المرتهن فأولى أن

[ 476 ]

يمنع وهذا ذكره أبو الخطاب (والثاني) لايمنع الرجوع لانه حق لايمنع تصرف المشتري فيه بخلاف الرهن، فان قلنا لا يرجع فحكمه حكم الرهن، وان قلنا له الرجوع فهو مخير ان شاء رجع فيه ناقصا بأرش الجناية، وان شاء ضرب بثمنه مع الغرماء، وان أبرأ الغرماء من الجناية فللبائع الرجوع لانه وجد متاعه بعينه خاليا من تعلق حق غيره به (فصل) فان أفلس بعد خروج المبيع من ملكه ببيع أو عتق أو وقف أو غير ذلك لم يكن للبائع الرجوع لانه لم يدرك متاعه بعينه عند المفلس سواء كان المشتري يمكنه استرجاع المبيع بخيار له أو عيب في ثمنه أو رجوعه في هبة ولده أو غير ذلك لما ذكرنا، فان أفلس بعد رجوع ذلك إلى ملكه ففيه أوجه ثلاثة (أحدها) له الرجوع للخبر، ولانه أدرك عين ماله خاليا عن حق غيره أشبه مالو لم يبعه (الثاني) لا يرجع لان هذا الملك لم ينتقل إليه منه فلم يملك فسخه ذكر أصحابنا الوجهين، ولاصحاب الشافعي مثل ذلك (والثالث) انه إن عاد إليه بسبب جديد كبيع أو هبة أو ارث أو وصية لم يكن للبائع الرجوع لانه لم يصل إليه من جهته، وإن عاد إليه بفسخ كالاقالة والرد بعيب أو خيار ونحوه فللبائع الرجوع لان هذا الملك استند إلى السبب الاول فان فسخ العقد الثاني لا يقتضي ثبوت الملك وانما زال السبب المزيل لملك البائع فثبت الملك بالسبب الاول فملك استرجاع ما ثبت الملك فيه ببيعه { مسألة } (ولم تزد زيادة متصله كالسمن وتعلم صنعة) وهذا هو الشرط الخامس وهو أن لا يكون المبيع زاد زيادة متصلة كالسمن والكبر وتعلم الكتابة أو القرآن ونحو ذلك فيمنع الرجوع وهذا اختيار الخرقي، وروى الميموني عن أحمد أنها لا تمنع وهو مذهب مالك والشافعي لان مالكا يخير الغرماء بين أن يعطوه السلعة أو ثمنها الذي باعها به، واحتجوا بالخبر وبأنه فسخ لا تمنع منه الزيادة المنفصلة فلم تمنع المتصلة كالرد بالعيب وفارق الطلاق فانه ليس

[ 477 ]

بفسخ، ولان الزوج يمكنه الرجوع في قيمة العين فيصل إلى حقه تاما وههنا لا يمكنه الرجوع في الثمن ولنا أنه فسخ بسبب حادث فلم يملك به الرجوع في عين المال الزائدة زيادة متصلة كفسخ النكاح بالاعسار أو الرضاع، ولانها زيادة في ملك المفلس فلم يستحق البائع أخذها كالمنفصلة وكالحاصل بفعله، ولان النماء لم يصل إليه من البائع فلم يستحق أخذه منه كغيره من أمواله وفارق الرد بالعيب لوجهين (أحدهما) أن الفسخ فيه من المشتري فهو راض باسقاط حقه من الزيادة وتركها للبائع بخلاف مسئلتنا (الثاني) أن الفسخ لمعنى قارن العقد وهو العيب القديم والفسخ ههنا حادث فهو أشبه بفسخ النكاح الذي لا يستحق به استرجاع العين الزائدة، وقولهم ان الزوج إنما لم يرجع في العين لكونه يندفع عنه الضرر بالقيمة لا يصح فان اندفاع الضرر عنه بطريق آخر لا يمنعه من أخذ حقه من العين ولانه لو كان مستحقا للزيادة لم يسقط حقه منها بالقدرة على أخذ القيمة كمشتري المعيب، ثم كان ينبغي أن يأخذ قيمة العين زائدة لكون الزيادة مستحقة له فلما لم يكن كذلك علم أن المانع من الرجوع كون الزيادة للمرأة، ولانه لا يمكن فصلها فكذلك ههنا بل أولى فان الزيادة ههنا يتعلق بها حق المفلس والغرماء فمنع البائع من أخذ زيادة ليست له أولى من تفويتها على الغرماء الذين لم يصلوا إلى تمام حقوقهم والمفلس المحتاج إلى تبرئة ذمته عند اشتداد حاجته، وأما الخبر فمحمول على من وجد متاعه على صفته ليس بزائد ولم يتعلق به حق آخر وههنا قد تعلق به حقوق الغرماء لما فيه من الزيادة لما ذكرنا من الدليل. يحققه أنه إذا كان تلف بعض المبيع مانعا له من الرجوع من غير ضرر يلحق بالمفلس ولا الغرماء فلان تمنع الزيادة فيه مع تفويتها بالرجوع عليهم أولى، ولانه إذا رجع في الناقص فما رجع الافيما باعه وخرج منه، فإذا رجع في الزائد أخذ ما لم يبعه واسترجع ما لم يخرج عنه فكان بالمنع أحق

[ 478 ]

{ مسألة } (فأما الزيادة المنفصلة والنقص بهزال أو نسيان صنعة فلا يمنع الرجوع والزيادة للمفلس وعنه للبائع) وجملة ذلك أن الزيادة المنفصلة كالولد والثمرة والكسب لا تمنع الرجوع بغير خلاف بين أصحابنا وهو قول مالك والشافعي وسواء نقص بها المبيع أو لم ينقص إذا كان نقص صفة والزيادة للمفلس وهذا ظاهر كلام الخرقي لانه منع الرجوع بالزيادة المتصلة لكونها للمفلس فالمنفصلة أولى وهو قول ابن حامد والقاضي وهو مذهب الشافعي وهو الصحيح إن شاء الله تعالى، وقال أبو بكر الزيادة للبائع وهو مذهب مالك، ونقل حنبل عن أحمد في ولد الجارية ونتاج الدابة هو للبائع لانها زيادة فكانت للبائع كالمتصلة. ولنا أنها زيادة في ملك المشتري فكانت له كما لو رده بعيب، ولانه فسخ استحق به استرجاع العين فلم يستحق الزيادة المنفصلة كفسخ البيع بالعيب أو الخيار والاقالة وفسخ النكاح بسبب من أسباب الفسخ، ولان قول النبي صلى الله عليه وسلم " الخراج بالضمان " يدل على أن النماء والغلة للمشتري لكون الضمان عليه وقياسهم على الزيادة المتصلة الاصل فيه ممنوع، ثم لو سلم ثم فالفرق ظاهر فان المتصلة تتبع في الفسوخ والرد بالعيب بخلاف المنفصلة. قال شيخنا: ولا ينبغي أن يقع في هذا خلاف لظهوره، وكلام أحمد في رواية حنبل يحمل على أنه باعهما في حال حملهما فيكونان بسببين، ولهذا خص هذين بالذكر دون بقية النماء (فصل) فان نقصت مالية المبيع لذهاب صفة مع بقاء عينه كعبد هزل أو نسي صناعة أو كتابة أو كبر أو تغير عقله أو كان ثوبا فخلق لم يمنع الرجوع لان فقد الصفة لا يخرجه عن كونه عين ماله لكنه يخير بين أخذه ناقصا بجميع حقه وبين أن يضرب مع الغرماء بكمال ثمنه لان الثمن لا يتقسط على صفة السلعة من سمن أو هزال أو علم أو نحوه فيصير كنقصه لتغير الاسعار، ولو كان المبيع أمة

[ 479 ]

ثيبا فوطئها المشتري ولم تحمل فله الرجوع فيها لما ذكرنا فانها لم تنقص في ذات ولا صفات، وان كانت بكرا فقال القاضي له الرجوع لان فقد صفة فانه لم يذهب منها جزء وانما هو كالجراح، وقال أبو بكر ليس له الرجوع لانه اذهب منها جزأ فأشبه مالو فقأ عينها، وان وجد الوطئ من غير المفلس فهو كوطئ المفلس فيما ذكرنا (فصل) وان جرح العبد أو شج فعلى قول أبي بكر لا يرجع لانه ذهب جزء ينقص به الثمن أشبه مالو فقئت عين العبد، ولانه ذهب من العين جزء له بدل فمنع الرجوع كما لو قطعت يد العبد، ولانه لو كان نقص صفة مجردة لم يكن مع الرجوع فيها شئ سواه كما ذكرنا في هزال العبد ونسيان الصنعة وههنا بخلافه، ولان الرجوع في المحل المنصوص عليه يقطع النزاع ويزيل المعاملة بينهما فلا يثبت في محل لا يثبت به هذا المقصود، وقال القاضي قياس المذهب أن له الرجوع لانه فقد صفة فأشبه نسيان الصنعة واستخلاق الثوب، فإذا رجع نظرنا في الجرح فان كان مما لا أرش كله كالحاصل بفعل الله تعالى أو فعل بهيمة أو جناية عبده أو جناية العبد على نفسه فليس له مع الرجوع أرش، وان كان الجرح موجبا لارش كجناية الاجنبي فللبائع إذا رجع أن يضرب مع الغرماء بحصة ما نقص من الثمن فينظر كم نقص من قيمته فيرجع بقسط ذلك من الثمن لانه مضمون على المشتري للبائع بالثمن، فان قيل فهلا جعلتم له الارش الذي وجب على الاجنبي لانه لو لم يجب به أرش لم يرجع بشئ فلا يجوز أن يرجع بأكثر من الارش؟ قلنا لما أتلفه الاجنبي صار مضمونا باتلافه للمفلس فكان الارش له وهو مضمون على المفلس للبائع بالثمن فلا يجوز أن يضمنه بالارش، وإذا لم يتلفه أجنبي لم يكن مضمونا فلا يجب بفواته شئ، فان قيل فهلا فكان هذا الارش للمشتري ككسبه لا يضمنه للبائع؟ قلنا الكسب بدل منافعه ومنافعه مملوكة للمشتري بغير عوض وهذا بدل جزء من العين والعين جميعها

[ 480 ]

مضمونة بالعوض فلهذا ضمن ذلك للمشتري (فصل فان اشترى زيتا فخلطه بزيت آخر أو قمحا فخلطه بما لا يمكن تمييزه منه سقط حق الرجوع، وقال مالك يأخذ أرشه، وقال الشافعي إن خلطه بمثله أو دونه لم يسقط الرجوع وله أن يأخذ متاعه بالكيل والوزن، وإن خلطه بأجود منه ففيه قولان (احدهما) يسقط حقه، قال الشافعي وبه أقول واحتجوا بأن عين ماله موجودة من طريق الحكم فكان له الرجوع كما لو كانت منفردة ولانه ليس له أكثر من اختلاط ماله بغيره فلم يمنع الرجوع كما لو اشترى ثوبا فصبغه أو سويقا فلته. ولنا أنه لم يجد عين ماله فلم يكن له الرجوع كما لو تلفت، ولان ما يأخذه عوضا عن ماله فلم يختص به دون الغرماء كما لو تلف ماله، وقول النبي صلى الله عليه وسلم " من أدرك متاعه بعينه " اي من قدر عليه وتمكن من اخذه من المفلس بدليل ما لو وجده بعد زوال ملك المفلس عنه، أو كان مسامير قد سمر بها بابا أو حجرا قد بنى عليه. أو خشبا في سقفه أو امة استولدها وهذا إذا اخذ مثله أو قيمته انما يأخذ عوض ماله فهو كالثمن والقيمة وفارق المصبوغ فان عينه يمكنه اخذها والسويق كذلك فاختلفا { مسألة } (وان صبغ الثوب أو قصره لم يمنع الرجوع والزيادة للمفلس) إذا صبغ المفلس الثوب أو لت السويق بزيت فقال اصحابنا لبائع الثوب والسويق الرجوع في اعيان اموالهما وهو مذهب الشافعي لان عين مالهما قائمة مشاهدة ما تغير اسمها ويكون المفلس شريكا لصاحب الثوب والسويق بما زاد عن قيمتهما فان حصل زيادة فهي له، وان حصل نقص فعليه، وإن نقصت قيمة الثوب أو السويق، فان شاء البائع اخذهما ناقصين ولا شئ له، وان شاء تركهما وله اسوة الغرماء لان هذا نقص صفة فهو كالهزال. قال شيخنا: ويحتمل ان لا يكون له الرجوع إذا

[ 481 ]

زادت القيمة لانه اتصل بالمبيع زيادة للمفلس فمنعت الرجوع كسمن العبد. ولان الرجوع لا يتخلص به البائع من المفلس ولا يحصل به المقصود من قطع المنازعة وازالة المعاملة. بل يحصل له ضرر الشركة فلم يكن في معنى المنصوص عليه فلا يمكن إلحاقه به (فصل) فان قصر الثوب لم يخل من حالين (احدهما) ان لا تزيد قيمته بذلك فللبائع الرجوع فيه لان عين ماله قائمة لم يزل اسمها ولم يتلف بعضها ولا اتصلت بغيرها فكان له الرجوع كما لو علم العبد صناعة لم تزد بها قيمته، وسواء نقصت قيمته بذلك أو لم تنقص لان ذلك النقص نقص صفة فلا فلا يمنع الرجوع كنسيان صناعة وهزال العبد ولا شئ له مع الرجوع (الثاني) أن تزيد قيمته بذلك فليس للبائع الرجوع في قياس قول الخرقي لانه زاد زيادة لا تتميز زيادتها فلم يملك البائع الرجوع فيه كسمن العبد ولانه لم يجد عين ماله متميزة عن غيرها فلم يملك الرجوع كبائع الصبغ إذا صبغ به، وقال القاضي وأصحابه له الرجوع فيها لانه أدرك متاعه بعينه ولانه وجد عين ماله لم يتغير اسمها ولا ذهبت عينها فملك الرجوع فيها كما لو صبغها فعلى قولهم إن كانت القصارة بعمل المفلس أو بأجرة وفاها فهما شريكان في الثوب فإذا كانت قيمة الثوب خمسة فصار يساوي ستة فللمفلس سدسه وللبائع خمسة أسداسه فان اختار البائع دفع قيمة الزيادة إلى المفلس لزمه قبولها لانه يتخلص بذلك من ضرر الشركة من غير مضرة تلحقه فأشبه مالو دفع الشفيع قيمة البناء إلى المشتري، وان لم يختر بيع الثوب وأخذ كل واحد بقدر حقه، وان كان العمل من صانع لم يستوف أجره فله حبس الثوب على استيفاء أجره فان كانت الزيادة بقدر الاجر دفعت إليه، وإن كانت أقل فله حبس الثوب على قدر الزيادة ويضرب مع الغرماء بما يبقى، وان كانت أكثر مثل أن تكون الزيادة درهمين والاجر درهم فله قدر أجره وما فضل للغرماء

[ 482 ]

(فصل) وان اشترى صبغا فصبغ به ثوبا أو زيتا فلت به سويقا فبائعهما أسوة الغرماء، وقال أصحاب الشافعي له الرجوع لانه وجد عين ماله. قالوا ولو اشتري ثوبا وصبغا فصبغ الثوب بالصبغ رجع بائع كل شئ في عين ماله وكان بائع الثوب، وان حصل نقص فهو من صاحب الصبغ لانه الذي يتفرق وينقص والثوب بحاله فإذا كانت قيمة الثوب عشرة وقيمة الصبغ خمسة فصارت قيمتهما اثنا عشر كان لصاحب الثوب خمسة أسداس الثوب وللاخر سدسه ويضرب مع الغرماء بما نقص وذلك ثلاثة دراهم وذكر القاضي في موضع مثل هذا ولنا أنه لم يجد عين ماله فلم يكن له الرجوع كما لو تلف ولان المشتري شغله بغيره على وجه البيع فلم يملك بائعه الرجوع فيه كما لو كان حجرا فبنى عليه أو مسامير سمر بها بابا، ولو اشترى ثوبا وصبغا من واحد فصبغه به فقال أصحابنا هو كما لو كان الصبغ من غير بائع الثوب، فعلى قولهم يرجع في الثوب وحده ويكون المفلس شريكا له بزيادة الصبغ ويضرب مع الغرماء بثمن الصبغ، ويحتمل أن يرجع فيهما ههنا لانه وجد عين ماله متميزا عن غيره فكان له الرجوع فيه للخبر ولان المعنى في المحل الذي ثبت فيه الرجوع موجود ههنا فملك الرجوع به كما يملكه ثم، ولو اشترى دفوفا ومسامير من بائع واحد فسمرها به رجع بائعهما فيهما لذلك وكذلك ما أشبهه (فصل) ولو اشترى أمة حاملا ثم أفلس وهي حامل فله الرجوع فيها إلا أن يكون الحمل قد زاد بكبره وكثرت قيمتها بسببه فيكون من قبيل الزيادة المتصلة على ما مضى، وان أفلس بعد وضعها فقال القاضي له الرجوع فيهما بكل حال من غير تفصيل. قال شيخنا والصحيح أننا إن قلنا إن الحمل لاحكم له فالولد زيادة منفصلة لا يمنع الرجوع فيها على قول أبي بكر لان الزيادة المنفصلة عنده للبائع وهذه زيادة منفصلة، وعلى قول غيره يكون الولد للمفلس فيحتمل أن يمتنع الرجوع في الام لئلا يفضي

[ 483 ]

إلى التفريق بين الام وولدها، ويحتمل أن يرجع في الام ويدفع قيمة الولد ليكونا جميعا له وإن لم يفعل بيعت الام وولدها جميعا وقسم الثمن على قدر قيمتهما فما خص الام فهو للبائع وما خص الولد للمفلس وإن قلنا ان للولد حكما وهو الصحيح لما ذكرناه فيما تقدم كانت الام والولد قد زادا بالوضع فحكمه حكم المبيع الزائد زيادة متصلة، وان لم يزيدا جاز الرجوع فيهما، وان زاد أحدهما دون الآخر خرج على الروايتين فيما إذا كان المبيع عينين فتلف بعض إحداهما هل يمنع ذلك الرجوع في الاخرى؟ كذلك يخرج ههنا وجهان (أحدهما) أن له الرجوع فيما لم يزد دون ما زاد فيكون حكمه حكم الرجوع في الام دون الولد على ما فصلناه (والثاني) ليس له الرجوع في شئ منهما لانه لم يجد المبيع إلا زائدا فأشبه العين الواحدة، فان كان المبيع حيوانا غير الامة فحكمه حكمها إلا في التفريق بينهما فانه جائز بخلاف الامة (فصل) فان اشترى حائلا فحملت ثم أفلس وهي حامل فزادت قيمتها به فهي زيادة متصلة تمنع الرجوع على قول الخرقي ولا تمنعه على رواية الميموني، وإن أفلس بعد وضعها فهي زيادة منفصلة فتكون للمفلس على الصحيح وتمنع الرجوع في الام دون ولدها لما فيه من التفريق بينهما وهذا أحد قولي الشافعي، ويحتمل أن يرجع في الام على ما ذكرنا في التي قبلها، وعلى قول أبي بكر الزيادة للبائع فيكون له الرجوع فيهما، وقال القاضي إذا وجدها حاملا انبنى على أن الحمل هل له حكم أولا؟ فان قلنا لا حكم له جرى مجرى الزيادة المتصلة، وان قلنا له حكم فالولد في حكم المنفصل تتربص به حتى تضع ويكون الحكم فيه كما لو وجده بعد وضعه، وإن كان الحمل في غير الآدمية جاز التفريق بينهما كما تقدم (فصل) فان كان المبيع نخلا أو شجرا فأفلس المشتري لم يخل من أربعة احوال (أحدها) أن

[ 484 ]

يفلس وهي بحالها لم تزد ولم تثمر ولم يتلف بعضها فله الرجوع فيها (الثاني) أن يكون فيها ثمر ظاهر أو طلع مؤبر فيشترطه المشتري فيأكله أو يتصرف فيه أو يذهب بجائحة ثم يفلس فهذا في حكم مالو اشترى عينين فتلفت إحداهما ثم أفلس فهل للبائع الرجوع في الاصول ويضرب مع الغرماء بحصة التالف من الثمر؟ على روايتين وان تلف بعضها فهو كتلف جميعها، وان زادت أو بدا صلاحها فهذه زيادة متصلة في إحدى العينين وقد ذكرنا بيان حكمها (الحال الثالث) أن يبيعه نخلا قد أطلعت ولم تؤبر أو شجرا فيه ثمرة لم تظهر فهذه تدخل في مطلق البيع فان أفلس بعد تلف الثمرة أو بعضها أو الزيادة فيها أو بدو صلاح فحكم ذلك حكم تلف بعض المبيع وزيادته المتصلة لان المبيع كان بمنزلة العين الواحدة ولهذا دخل الثمر في مطلق البيع بخلاف التي قبلها (الحال الرابع) باعه نخلا حائلا فأطلعت أو شجرا فأثمر فذلك على أربعة أضرب (أحدها) أن يفلس قبل تأبيرها فالطلع زيادة متصلة تمنع الرجوع وهو اختيار الخرقي كالسمن ويحتمل أن يرجع في النخل دون الطلع لانه يمكن فصله ويصح افراده بالبيع فهو كالمؤبر بخلاف السمن وهذا قول ابن حامد، وعلى رواية الميموني لا يمنع بل يرجع ويكون الطلع للبائع كما لو فسخ العيب وهو أحد قولي الشافعي، والقول الثاني يرجع في الاصل دون الطلع وكذلك عندهم الرد بالعيب والاخذ بالشفعة (الضرب الثاني) أفلس بعد التأبير وظهور الثمرة فلا يمنع الرجوع والطلع للمشتري إلا على قول أبي بكر والصحيح الاول لان الثمرة لاتتبع في البيع الذي يثبت بتراضيهما ففي الفسخ الحاصل بغير رضا المشتري أولى، ولو باعه أرضا فارغه فزرعها المشتري ثم أفلس فانه يرجع في الارض دون الزرع وجها واحدا لان ذلك من مال المشتري (الضرب الثالث) أفلس والطلع غير مؤبر فلم يرجع حتى أبر لم يكن له الرجوع فيه كما لو أفلس بعد التأبير لان العين لا تنتقل الا باختياره وهذا لم يخترها

[ 485 ]

إلا بعد تأبيرها. فان ادعى البائع الرجوع قبل التأبير وأنكر المفلس فالقول قول المفلس مع يمينه لان الاصل بقاء ملكه، وان قال البائع بعت بعد التأبير وقال المفلس بل قبله فالقول قول البائع لهذه العلة فان شهد الغرماء للمفلس لم تقبل شهادتهم لانهم يجرون إلى أنفسهم نفعا، وان شهدوا للبائع وهم عدول قبلت شهادتهم لعدم التهمة في حقهم (الضرب الرابع) أفلس بعد أخذ الثمن أو ذهابها بجائحة أو غيرها فله الرجوع في الاصل والثمرة للمشتري إلا على قول أبي بكر، وكل موضع لا يتبع الثمر الشجر إذا رجع البائع فيه فليس له مطالبة المفلس بقطع الثمرة قبل أوان الجزاز، وكذلك إذا رجع في الارض وفيها زرع للمفلس فليس له المطالبة بأخذه قبل أوان الحصاد لان المشتري زرع في أرضه بحق فطلعه على الشجر بحق فلم يلزمه أخذه قبل كماله كما لو باع الاصل وعليه الثمرة أو الارض وفيها زرع وليس على صاحب الزرع أجر لانه زرع في أرضه زرعا يحب تبقيته فكأنه استوفى منفعة الارض فلم يكن عليه ضمان ذلك، إذا ثبت هذا فان اتفق المفلس والغرماء على التبقية أو القطع فلهم ذلك، وان اختلفوا فطلب بعضهم القطع وبعضهم التبقية وكان مما لا قيمة له مقطوعا أو قيمته يسيرة لم يقطع لان قطعه سفه وإضاعة مال، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اضاعته وإن كانت قيمته كثيرة قدم قول من طلب القطع في أحد الوجهين لان في تبقيته غررا ولان طالب القطع ان كان المفلس فهو يقصد تبرئة ذمته وإن كان الغرماء فهم يطلبون تعجيل حقوقهم وذلك حق لهم وهذا قول القاضي وأكثر الشافعية (الثاني) ينظر ما فيه الحظ فيعمل به لان ذلك أنفع للجميع والظاهر سلامته، ولهذا يجوز أن يزرع للمولي عليه، وفيه وجه آخر ان كان الطالب القطع الغرماء وجب اجابتهم لان حقوقهم حالة فلا يلزمهم تأخيرها مع إمكان ايفائها، وان كان الطالب المفلس دونهم وكان التأخير أحظ لم يقع لانهم رضوا

[ 486 ]

بتأخير حقوقهم لحظ يحصل لهم وللمفلس، والمفلس يطلب ما فيه ضرر بنفسه ومنع الغرماء من استيفاء القدر الذي يحصل من الزيادة بالتأخير فلا يلزم الغرماء اجابته إلى ذلك (فصل) فان أقر الغرماء بالطلع أو الزرع للبائع ولم يشهدوا به أو شهدوا به وليسوا عدولا أو لم يحكم بشهادتهم حلف المفلس وثبت الطلع له ينفرد به دونهم لانهم يقرون أنه لا حق لهم فيه، فان أراد دفعه إلى أحدهم أو تخصيصه بثمنه فله ذلك لاقرار باقيهم أنه لا حق لهم فيه فان امتنع ذلك الغريم من قبوله أجبر عليه أو على الابراء من قدره من دينه وهذا مذهب الشافعي لانه محكوم به للمفلس فكان له أن يقضي دينه منه كما لو أدى المكاتب نجوم كتابته إلى سيده فقال سيده هي حرام وأنكر المكاتب، إن أراد قسمه على الغرماء لزمهم قبوله أو الا براء لما ذكرنا، فان قبضوا الثمرة بعينها لزمهم ردها إلى البائع لانهم مقرون له بها فلزمهم دفعها إليه كما لو أقروا بعتق عبد ثم اشتروه، فان باع الثمرة وقسم ثمنها فيهم أو دفعه إلى بعضهم لم يلزمه رد ما أخذ من ثمنها لانهم اعترفوا بالعين لا بثمنها وإن شهد بعضهم دون بعض، أو أقر بعضهم دون بعض لزم الشاهد أو المقر الحكم الذي ذكرناه دون غيره، وإن عرض عليهم المفلس الثمرة بعينها فأبوا أخذها لم يلزمهم ذلك لانهم انما يلزمهم الاستيفاء من جنس ديونهم إلا أن يكون فيهم من له من جنس الثمر أو الزرع كالمقرض والمسلم فيلزمه أخذ ما عرض عليه إذا كان بصفة حقه، ولو أقر الغرماء، بأن المفلس أعتق عبدا له قبل فلسه فأنكر ذلك لم يقبل قولهم إلا أن يشهد منهم عدلان باعتاقه ويكون حكمهم في قبض العبد وأخذ ثمنه إن عرضه عليهم حكم مالو أقروا بالثمرة للبائع، وكذلك إن أقروا بعين ما في يديه أنها غصب أو عارية أو نحو ذلك فالحكم كما ذكرنا سواء، وان أقروا بأنه أعتق عبده بعد فلسه انبنى ذلك على صحة عتق المفلس، فان

[ 487 ]

قلنا لا يصح عتقه فلا أثر لاقرارهم، وإن قلنا بصحته فهو كاقرارهم بعتقه قبل فلسه فان حكم الحاكم بصحته أو بفساده نفذ حكمه لانه فصل مجتهد فيه فلزم ما حكم به الحاكم ولا يجوز نقضه ولا تغييره (فصل) فان صدق المفلس البائع في الرجوع قبل التأبير وكذبه الغرماء لم يقبل اقراره لان حقوقهم تعلقت بالثمرة ظاهرا فلم يقبل اقراره كما لو أقر بالنخيل وعلى الغرماء اليمين أنهم لا يعلمون أن البائع رجع قبل التأبير لان هذه اليمين لا ينوبون فيها عن المفلس بل هي ثابتة في حقهم ابتداء بخلاف مالو ادعى حقا وأقام شاهدا فلم يحلف لم يكن للغرماء أن يحلفوا مع الشاهد لان اليمين على المفلس فلو حلفوا حلفوا ليثبتوا حقا لغيرهم ولا يحلف الانسان ليثبت لغيره حقا ولا يجوز أن يكون نائبا فيها لان الايمان لا تدخلها النيابة وفي مسئلتنا الاصل أن هذا الطلع قد تعلقت حقوقهم به لكونه في يد غريمهم ومتصل بنخله، والبائع يدعي ما يزيل حقوقهم عنه فأشبه سائر اعيان ماله ويحلفون على نفي العلم لانه يمين على فعل غيرهم فكانت على نفي العلم كيمين الوارث على نفي الدين على الميت، ولو أقر المفلس بعين من أعيان ماله لاجنبي أو لبعض الغرماء فأنكر الباقون فالقول قولهم وعليهم اليمين أنهم لا يعلمون ذلك ومثله لو أقر بغريم آخر يستحق مشاركتهم فأنكروه حلفوا أيضا على نفي العلم لذلك وان أقر بعتق عبده انبنى على صحة عتق المفلس فان قلنا بصحة عتقه صح اقراره وعتق لان من ملك شيئا ملك الاقرار به وان قلنا لا يصح عتقه لم يقبل إقراره وعلى الغرماء اليمين أنهم لا يعلمون ذلك، وكل موضع قلنا على الغرماء اليمين فهي على جميعهم فان حلفوا والا قضي للمدعي الا أن نقول برد اليمين على المدعي فيحلف ويستحق، وان حلف بعضهم دون بعض أخذ الحالف نصيبه وحكم الناكل على ما ذكرنا (فصل) وان أقر المفلس أنه أعتق عبده منذ سنة وكان العبد قد اكتسب بعد ذلك مالا وأنكر

[ 488 ]

الغرماء فان قلنا لا يقبل اقراره حلفوا واستحقوا العبد وكسبه، فان قلنا يقبل اقراره لم يقبل في كسبه كان للغرماء أن يحلفوا أنهم لا يعلمون أنه أعتقه قبل الكسب ويأخذون كسبه لان اقراره انما قبل في العتق دون غيره لصحته منه لكونه ينبني على التغليب والسراية فلا يقبل في المال لعدم ذلك فيه ولا ننا نزلنا اقراره منزلة اعتاقه في الحال فلم نثبت به الحرية فيما مضى فيكون كسبه محكوما به لسيده كما لو أقر بعتقه ثم أقر له بعين في يده { مسألة } (وإن غرس الارض أو بنى فيها فله الرجوع ودفع قيمة الغراس والبناء فيملكه الا أن يختار المفلس والغرماء القلع ومشاركته بالنقص) إذا كان المبيع أرضا فبناها المشتري أو غرسها ثم أفلس فأراد البائع الرجوع في الارض نظرت فان اتفق المفلس والغرماء على قلع الغراس والبناء فلهم ذلك لان الحق لهم لا يخرج عنهم فإذا قلعوه فللبائع الرجوع في أرضه لانه وجد عين ماله، فان أراد الرجوع قبل القلع فله ذلك وهو مذهب الشافعي لانه أدرك متاعه بعينه وفيه مال المشتري على وجه البيع فلم يمنعه الرجوع كما لو صبغ الثوب ويحتمل أن لا يستحقه الا بعد القلع لانه قبل القلع لم يدرك متاعه الا مشغولا بملك المشتري فأشبه مالو كان مسامير في باب المشتري، فان قلنا له الرجوع قبل القلع فقلعوه لزمهم تسوية الارض وأرش نقص الارض الحاصل به لان ذلك نقص حصل لتخليص ملك المفلس فكان عليه كما لو دخل فصيل دار انسان فكبر فأراد صاحبه اخراجه فلم يمكن الا بهدم بابها فان الباب يهدم ليخرج ويضمن صاحبه ما نقص بخلاف ما إذا وجد البائع عين ماله ناقصة فرجع فيها فانه لا يرجع في النقص فان النقص كان

[ 489 ]

في ملك المفلس وههنا حدث بعد رجوعه في العين فلهذا ضمنوه، ويضرب بالنقص مع الغرماء، وان قلنا ليس له الرجوع قبل القلع لم يلزمهم تسوية الحفر ولا أرش القص لانهم فعلوا ذلك في أرض المفلس قبل رجوع البائع فيها فلم يضمنوا النقص كما لو قلعه المفلس قبل فلسه فان امتنع المفلس والغرماء من القلع لم يجبروا عليه لانه غرس بحق، ومفهوم قوله عليه السلام " ليس لعرق ظالم حق " أنه ان لم يكن ظالما فله حق فان بذل البائع قيمة الغراس والبناء ليملكه أو قال أنا أقلع وأضمن النقص فله ذلك أن قلنا له الرجوع قبل القلع لان البناء والغراس حصل في ملكه لغيره بحق فكان له أخذه بقيمته أو قلعه وضمان نقصه كالشفيع إذا أخذ الارض وفيها غراس أو بناء للمشتري والمعير إذا رجع في أرضه بعد غرس المستعير، وان قلنا ليس له الرجوع قبل القلع لم يكن له ذلك لانه بناء المفلس وغرسه فلم يجبر على بيعه لهذا البائع ولا على قلعه كما لو لم يرجع في الارض { مسألة } (فان أبوا القلع وأبى دفع القيمة سقط الرجوع) وهذا قول ابن حامد وأحد الوجهين لاصحاب الشافعي، وقال القاضي يحتمل أن له الرجوع وهو قول للشافعي لانه أدرك متاعه بعينه متصلا بملك المشتري على وجه التبع فلم يمنع الرجوع كالثوب إذا صبغه المشتري

[ 490 ]

ولنا أنه لم يدرك متاعه على وجه يمكنه أخذه منفردا عن غيره فلم يكن له أخذه كالحجر في البناء والمسامير في الباب ولان في ذلك ضررا على المشتري والغرماء، و لا يزال الضرر بالضرر ولانه لا يحصل بالرجوع ههنا انقطاع النزاع والخصومة بخلاف ما إذا وجدها غير مشغولة بشئ، وأما الثوب إذا صبغه فلا نسلم أن له الرجوع، وان سلمنا فالفرق بينهما من وجهين (احدهما) أن الصبغ تفرق في الثوب فصار كالصفة بخلاف البناء والغراس فانهما اعيان متميزة وأصل في نفسه (الثاني) أن الثوب لايراد للبقاء بخلاف الارض والبناء فإذا قلنا لا يرجع فلا كلام، وان قلنا يرجع فرجع واتفق الجميع على بيعهما بيعا لهما كذا ههنا، ويحتمل أن لا يجبر لانه يمكن طالب البيع أن يبيع ملكه منفردا بخلاف الثوب المصوغ فان بيعا لهما قسم الثمن على قدر القيمتين فتقوم الارض لاشجر فيها ولا بناء ثم تقوم وهما فيها فما كان قيمة الارض بغير غراس ولا بناء فللبائع قسطه من الثمن والزائد للمفلس والغرماء، وان قلنا لا يجبر على البيع أو لم يطلب احدهما البيع فان اتفقا على كيفية كونهما بينهما جاز ما اتفقا عليه، وان اختلفا كانت الارض للبائع والغراس والبناء للمفلس والغرماء ولهم دخول الارض لسقي الشجر وأخذ الثمرة وليس لهم دخولها للتفرج أو لغير حاجة، وللبائع دخولها للزرع ولما شاء لان الارض ملكه، فان باعوا الشجر والبناء لانسان فحكمه في ذلك حكمهم، فان بذل المفلس والغرماء أو المشتري

[ 491 ]

للبائع قيمة الارض ليدعها لهم لم يلزمه ذلك لان الارض أصل فلا يجبر على بيعها بخلاف الغراس والبناء (فصل) فان اشترى غراسا فغرسه في أرضه ثم أفلس ولم يزد الغراس فله الرجوع فيه لانه ادرك متاعه بعينه، فإذا اخذه فعليه تسوية الارض وارش نقصها الحاصل بقلعه لانه نقص حصل لتخليص ملكه من ملك غيره، وان بذل المفلس والغرماء قيمته له ليملكوه لم يجبر على قبولها لانه إذا اختار اخذ ماله وتفريغ ملكهم وإزالة ضرره عنهم لم يكن لهم منعه كالمشتري إذا غرس في الارض المشفوعة وإن امتنع من القلع فبذلوا له القيمة ليملكه المفلس أو أرادوا قلعه وضمان النقص فلهم ذلك، وكذلك لو أرادوا قلعه من غير ضمان النقص لان المفلس انما ابتاعه مقلوعا فلم يجب عليه ابقاؤه في أرضه، وقيل ليس لهم قلعه من غير ضمان النقص لانه غرس بحق فأشبه غرس المفلس في الارض التي ابتاعها إذا رجع بائعها فيها، والفرق بينهما ظاهر فان ابقاء الغراس في هذه الصورة حق عليه فلم يجب عليه بفعله، وفي التي قبلها ابقاؤه حق له فوجب له بغراسه في ملكه، فان اختار بعضهم القلع وبعضهم التبقية قدم قول من طلب القلع سواء كان المفلس أو الغرماء أو بعض الغرماء لان الابقاء ضرر غير واجب فلم يلزم الممتنع من الاجابة إليه، وإن زاد الغراس في الارض فهي زيادة متصلة تمنع الرجوع إلا على رواية الميموني

[ 492 ]

(فصل) وان اشترى أرضا من رجل وغراسا من آخر فغرسه فيها ثم أفلس ولم يزد الشجر فلكل واحد منهما الرجوع في عين ماله، ولصاحب الارض قلع الغراس من غير ضمان النقص بالقلع كما ذكرنا لان البائع انما باعه مقلوعا فلا يستحقه إلا كذلك، وإن أراد بائعه قلعه من الارض فقلعه فعليه تسوية الارض وضمان نقصها الحاصل به لما تقدم، فان بذل صاحب الغراس قيمة الارض لصاحبها ليملكها لم يجبر على ذلك لان الارض أصل لا يجبر على بيعها تبعا، وإن بذل صاحب الارض قيمة الغراس لصاحبها ليملكه إذا امتنع من القلع فله ذلك لان غرسه حصل في ملك غيره بحق فأشبه غرس المفلس في ارض البائع، ويحتمل أن لا يملك ذلك لانه لا يجبر على ابقائه إذا امتنع مع دفع قيمته أو أرش نقصه فلا يكون له أن يتملكه بالقيمة بخلاف التي قبلها والاول أولى وهذا منتقض بغرس الغاصب (فصل) فان كان المبيع صيدا فأفلس المشترى والبائع محرم لم يرجع فيه لانه تملك للصيد فلم يجز في الاحرام كشرائه، وان كان البائع حلالا في الحرم والصيد في الحل فأفلس المشتري فللبائع الرجوع فيه لان الحرم انما يحرم الصيد الذي فيه وهذا ليس من صيده فلا يحرمه، ولو أفلس المحرم وفي ملكه صيد بائعه حلال فله أخذه لان المانع غير موجود فيه (فصل) إذا أفلس وفي يده عين دين بائعها مؤجل وقلنا لا يحل الدين بالفلس فقال أحمد في رواية الحسن بن ثواب يكون موقوفا إلى أن يحل دينه فيختار البائع الفسخ أو الترك وهو قول بعض اصحاب الشافعي، والمنصوص عن الشافعي أنه يباع في الديون الحالة ويتخرج لنا مثل ذلك لانها حقوق حالة فقدمت على الدين المؤجل كدين من لم يجد عين ماله والقول الاول أولى للخبر، ولان حق هذا البائع تعلق بالعين فقدم على غيره، وان كان مؤجلا كالمرتهن والمجني عليه

[ 493 ]

(فصل) قال أحمد في رجل ابتاع طعاما نسيئة ونظر إليه وقلبه وقال أقبضه غدا فمات البائع وعليه دين فالطعام للمشتري ويتبعه الغرماء بالثمن وإن كان رخيصا، وكذلك قال الثوري واسحاق لان الملك ثبت للمشتري فيه بالشراء وزال ملك البائع عنه فلم يشاركه غرماء البائع فيه كما لو قبضه (فصل) ورجوع البائع فسخ للبيع لا يحتاج إلى معرفة المبيع ولا القدرة على تسليمه، فلو رجع في المبيع الغائب بعد مضي مدة يتغير فيها ثم وجده على حاله لم يتلف شئ منه صح رجوعه، وان رجع في العبد بعد إباقه أو الجمل بعد شروده صح وصار ذلك له فان قدر عليه أخذه، وإن ذهب كان من ماله، وإن تبين أنه كان تالفا حال استرجاعه بطل الاسترجاع وله أن يضرب مع الغرماء في الموجود من ماله، وان رجع في المبيع واشتبه بغيره واختلفوا في عينه فالقول قول المفلس لانه منكر لاستحقاق ما ادعاه البائع والاصل معه { فصل } قال رحمه الله تعالى (الحكم الثالث بيع الحاكم ماله وقسم ثمنه وينبغي أن يحضره ويحضر الغرماء ويبيع كل شئ في سوقه) إذا حجر على المفلس باع الحاكم ماله لما ذكرنا من حديث معاذ، ولانه مقصود الحجر ويستحب احضار المفلس لمعان أربعة (احدها) احصاء ثمنه وضبطه (الثاني) أنه أعرف بثمن متاعه وجيده ورديئه فإذا حضر تكلم عليه وعرف الغبن من غيره (الثالث) أن الرغبة تكثر فيه فان شراءه من صاحبه أحب إلى المشترين (الرابع) انه اطيب لقلبه، ويستحب احضار، الغرماء لامور اربعة (احدها) ان يباع لهم (الثاني) أنهم ربما رغبوا في شئ فزادوا في ثمنه فيكون اصلح لهم وللمفلس (الثالث)

[ 494 ]

انه اطيب لقلوبهم وابعد عن التهمة (الرابع) لعل فيهم من يجد عين ماله فيأخذها، فان باعه من غير حضورهم كلهم جاز لان ذلك مفوض إليه وموكول إلى اجتهاده فربما أداه اجتهاده إلى خلاف ذلك والمبادرة إلى البيع قبل احضارهم ويأمرهم ان يقيموا مناديا ينادي على المتاع، فان تراضوا بثقة امضاه الحاكم وإن لم يكن ثقة رده، فان قيل لم يرده وقد اتفق عليه اصحاب الحق فأشبه مالو اتفق المرتهن والراهن على ان يبيع الرهن غير ثقة لم يكن للحاكم الاعتراض؟ قلنا الحاكم ههنا له نظر واجتهاد لانه قد يظهر غريم آخر فيتعلق حقه به بخلاف الرهن فانه لا نظر للحاكم فيه، فان اختار المفلس رجلا واختار الغرماء آخر اقر الحاكم الثقة منهما فان كانا ثقتين قدم المتطوع منهما لانه اوفر، فان كانا متطوعين ضم احدهما إلى الآخر، وإن كانا بجعل قدم أو ثقهما وأعرفهما، فان تساويا قدم من يرى منهما فان وجد متطوعا بالنداء وإلا دفعت الاحرة من مال المفلس لان البيع حق عليه لكونه طريق وفاء دينه، وقيل يدفع من بيت المال لانه من المصالح، وكذلك الحكم في أجر من يحفظ المتاع والثمن وأجر الحمالين ونحوهم، ويستحب بيع كل شئ في سوقه لانه أحوط وأكثر لطلابه ومعرفة قيمته، فان باع في غير سوقه بثمن المثل جاز لان الغرض تحصيل الثمن وربما أدى الاجتهاد إلى أنه أصلح، ولهذا لو قال بع ثوبي بثمن كذا في سوق عينه فباعه بذلك في غيره جاز ويبيع بنقد البلد لانه أصلح، فان كان في البلد نقود باع بغالبها فان تساوت باع بجنس الدين، فان زاد في السلعة أحد في مدة الخيار لزم الامين الفسخ لانه أمكنه بيعه بثمن فلم يبيعه بدونه كما لو زيد فيه قبل العقد، وان زاد بعد لزوم العقد استحب للامين سؤال المشتري الاقالة واستحب للمشتري الاجابة لتعلقه بمصلحة المفلس وقضاء دينه

[ 495 ]

{ مسألة } (ويترك له من ماله ما تدعو إليه حاجته من مسكن وخادم) لاتباع دار المفلس التي لا غنى له عن سكناها، وبه قال أبو حنيفة وإسحاق والخادم في معنى الدار إذا كان محتاجا إليه، وقال شريح ومالك والشافعي تباع ويكترى له بدلها. اختاره ابن المنذر لان النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذي أصيب في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال لغرمائه " خذوا ما وجدتم " وهذا مما وجدوه، ولانه عين مال المفلس فوجب صرفه في دينه كسائر ماله. ولنا أن هذا مما لاغني للمفلس عنه فلم يصرف في دينه كثيابه وقوته والحديث قضية في عين يحتمل أنه لم يكن له عقار ولا خادم، ويحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " خذوا ما وجدتم " مما تصدق به عليه والظاهر أنه لم يتصدق عليه بدرا وهو يحتاج إلى سكناها ولا خادم وهو محتاج إلى خدمته، ولان الحديث مخصوص بثياب المفلس وقوته فنقيس عليه محل النزاع وقياسهم منتقض بذلك بأجر المسكن وسائر ماله يستغنى عنه بخلاف مسئلتنا، فان كان له داران يستغني باحداهما بيعت الاخرى لان به غنى عن سكناها، وإن كان مسكنه واسعا يفضل عن سكنى مثله بيع واشترى له مسكن مثله ورد الفضل على الغرماء، وكذلك الثياب التي له إذا كانت رفيعة لا يلبس مثله مثلها (فصل) فان كان المسكن والخادم الذي لا يستغني عنهما عين مال بعض الغرماء أو كان جميع ماله أعيان أموال أفلس بأثمانها ووجدها أصحابها فلهم أخذها بالشرائط المذكورة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من وجد متاعه بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به " ولان حقه تعلق بالعين فكان أقوى سببا من المفلس ولان الاعسار بالثمن سبب يستحق به الفسخ فلم يمنع منه تعلق حاجة المشتري

[ 496 ]

كما قبل القبض وكالعيب والخيار، ولان منعهم من أخذ أموالهم يفتح باب الحيل بأن يشتري من لامال له في ذمته ثيابا يلبسها ودارا يسكنها، أو خادما يخدمه وفرسا يركبها وطعاما له ولعائلته ويمتنع على أربابها أخذها لتعلق حاجته بها فتضيع أموالهم ويستغنى هو بها، فعلى هذا يؤخذ ذلك ولا يترك له منه شئ لانه أعيان أموال الناس فكانوا أحق بها منه كما لو كانت في أيديهم أو أخذها منهم غصبا { مسألة } (وينفق عليه بالمعروف إلى أن يفرغ من قسمته بين غرمائه) وجملة ذلك انه إذا حجر على المفلس، فان كان ذا كسب يفي بنفقته ونفقة من تلزمه مؤنته فهي في كسبه فانه لا حاجة إلى اخراج ماله مع غناه بكسبه فلم يجز كالزيادة على النفقة، وإن كان كسبه دون نفقته كملت من ماله، وان لم يكن ذا كسب أنفق عليه من ماله مدة الحجر وان طال لان ملكه باق، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " ابدأ بنفسك ثم بمن تعول " ومعلوم ان فيمن يعوله من تجب عليه نفقته ويكون دينا عليه وهي زوجته، فإذا قدم نفقة نفسه على نفقة الزوجة فكذلك على حق الغرماء، ولان تجهيز الميت يقدم على دينه بالاتفاق والحي آكد حرمة من الميت لانه مضمون بالاتلاف، ويقدم أيضا نفقة من تلزمه نفقته من اقاربه مثل الوالد والولد وغيرهم ممن تجب نفقته لانهم يجرون مجرى نفسه في كون ذوي رحمه منهم يعتقون إذا ملكهم كما يعتق إذا ملك نفسه فكانت نفقتهم كنفقته، وكذلك نفقة زوجته لان نفقتها آكد من نفقة الاقارب، وممن اوجب الانفاق على المفلس وزوجته واولاده أبو حنيفة ومالك والشافعي ولا نعلم فيه خلافا، وتجب كسوتهم لان ذلك مما لابد منه، والواجب من النفقة والكسوة ادنى ما ينفق على مثله بالمعروف وادنى ما يكتسى مثله، وكذلك كسوته من جنس ما يكتسبه

[ 497 ]

مثله، وكسوة امرأته ونفقتها مثل ما يفرض على مثله، واقل ما يكفيه من اللباس قميص وسراويل وشئ يلبسه على راسه قلنسوة أو عمامة أو غيرهما مما جرت عادته ولرجله حذاء ان كان يعتاده، وجبة أو فروة في الشتاء لدفع البرد، فان كانت له ثياب لا يلبس مثله مثلها بيعت واشتري له كسوة مثله ورد الفضل على الغرماء، فان كانت إذا بيعت واشترى له كسوة مثله لا يفضل منها شئ تركت لعدم الفائدة في بيعها (فصل) وان مات المفلس كفن من ماله لان نفقته كانت واجبة من ماله في حال حياته فوجب تجهيزه منه بعد الموت كغيره، وكذلك يجب كفن من يمونه لانهم بمنزلته ولا يلزم كفن زوجته لان نفقتها تجب في مقابلة الاستمتاع وقد فات بموتها فسقطت بخلاف الاقارب فان قرابتهم باقية، ويلزمه تكفين من مات من عبيده وتجهيزه لان نفقته ليست في مقابلة الانتفاع به بدليل وجوب نفقة الصغير والمبيع قبل التسليم، ويكفن في ثلاث أثواب كما كان يلبس في حياته، ويحتمل أن يكفن في ثوب يستره لانه يكفيه فلا حاجة إلى الزيادة، وفارق حال الحياة لانه لابد من تغطية رأسه وكشفه يؤذيه بخلاف الميت، ويمتد الانفاق المذكور إلى حين فراغه من القسمة بين الغرماء لانه لا يزول ملكه إلا بذلك ومذهب الشافعي قريب مما ذكرنا في هذا الفصل (فصل) فان كان المفلس ذا صنعة يكسب ما يمونه ويمون من تلزمه مؤنته أو كان يقدر على أن يكسب ذلك من المباحات ما يكفيه أو يؤجر نفسه أو يتوكل بجعل يكفيه لم يترك له شئ من ماله للنفقة، وإن لم يقدر على شئ ما ذكرناه ترك له من ماله قدر ما يكفيه. قال أحمد رحمه الله في رواية

[ 498 ]

أبي داود: يترك له قوت يتقوته، وان كان له عيال ترك له قوام، وقال في رواية الميموني يترك له قدر ما يقوم به معاشه ويباع الباقي وهذا في حق الشيخ الكبير وذوي الهيآت الذين لا يمكنهم التصرف بأبدانهم، وينبغي أن يجعل مما لا يتعلق به حق بعضهم بعينه لان من تعلق حقه بالعين أقوى سببا من غيره كما ذكرنا في الدار والخادم (فصل) وإذا تلف شئ من ماله تحت يد الامين أو بيع شئ من ماله وأودع ثمنه فتلف عند المودع فهو من ضمان المفلس وبهذا قال الشافعي. وقال مالك العروض من ماله والدراهم والدنانير من مال الغرماء، وقال المغيرة الدنانير من مال أصحاب الدنانير والدراهم من مال أصحاب الدراهم ولنا أنه من مال المفلس ونمائه فكان تلفه ماله كالعروض من { مسألة } (ويبدأ ببيع ما يسرع إليه الفساد من الطعام الرطب) لان بقائه يتلفه بيقين، ثم ببيع الحيوان لانه معرض للاتلاف ويحتاج إلى مؤنة في بقائه ثم ببيع الاناث لانه يخاف عليه وتناله اليد، ثم ببيع العقار آخرا لانه لا يخاف تلفه بقاؤه أشهر له وأكثر لطلابه { مسألة } (ويعطي المنادي أجرته من المال) لان البيع حق على المفلس لكونه طريق وفاء دينه، وقيل هو من بيت المال لانه من المصالح { مسألة } (ويبدأ بالمجني عليه فيدفع إليه الاقل من الارش أو ثمن الجاني) وقد ذكرنا ذلك في الرهن هذا إذا كان عبده الجاني، فعلى هذا يبدأ ببيعه وما فضل من ثمنه صرف إلى الغرماء، وان كان المفلس هو الجاني فالمجني عليه أسوة الغرماء لان حقه يتعلق بالذمة بخلاف جناية العبد وقد ذكرناه

[ 499 ]

{ مسألة } (ثم بمن له رهن فيخص بثمنه) يباع الرهن ويختص المرتهن بثمنه إذا كان ثمنه بقدر دينه أو أقل منه سواء كان المفلس حيا أو ميتا لان حقه متعلق بعين الرهن وذمة الراهن معا وسائرهم يتعلق حقه بالذمة دون العين فكان حقه أقوى. لا نعلم في هذا خلافا وهو مذهب الشافعي وأصحاب الرأي، فان كان ثمن الرهن فضل عن دين المرتهن أعطى قدر دينه ورد الباقي على الغرماء، وان فضل شئ من دينه ضرب بالفاضل مع الغرماء (فصل) ولو باع شيئا أو باعه وكيله وقبض الثمن فتلف وتعذر رده وخرجت السلعة مستحقة ساوى المشتري الغرماء لان حقه لم يتعلق بعين المال فهو بمنزلة أرش جناية المفلس، وذكر القاضي احتمالا أنه يقدم على الغرماء لانه لم يرض بمجرد الذمة فكان أولى كالمرتهن ولانه لو لم يقدم على الغرماء لامتنع الناس من شراء مال المفلس خوفا من ضياع أموالهم فتقل الرغبات فيه ويقل ثمنه فكان تقديم المشتري بذلك على الغرماء أنفع لهم وهذا وجه لاصحاب الشافعي ولنا أن هذا حق لم يتعلق بعين المال فلم يقدم كالذي جنى عليه المفلس وفارق المرتهن فان حقه تعلق بالعين وما ذكروه من المعنى الاول منتقض بأرش جناية المفلس (والثاني) مصلحة لاأصل لها فلا يثبت الحكم بها، فان كان الثمن موجودا يمكن رده وجب رده وينفرد به صاحبه لانه عين ماله لم يتعلق به حق أحد من الناس وكذلك صاحب السلعة المستحقة يأخذها، ومتى باع وكيل المفلس أو العدل أو باع الرهن وخرجت السلعة مستحقة فالعهدة على المفلس ولا شئ على العدل لانه أمين (فصل) ومن استأجر دارا أو بعيرا بعينه أو شيئا غيرهما بعينه ثم أفلس المؤجر فالمستأجر أحق

[ 500 ]

بالعين التي استأجرها من الغرماء حتى يستوفي حقه لان حقه متعلق بعين المال والمنفعة مملوكة له في هذه المدة فكان أحق بها كما لو اشترى منه شيئا فان هلك البعير أو انهدمت الدار قبل انقضاء المدة انفسخت الاجارة ويضرب مع الغرماء ببقية الاجرة، وان استأجر جملا في الذمة ثم أفلس المؤجر فالمستأجر أسوة الغرماء لان حقه لم يتعلق بالعين وهذا مذهب الشافعي ولا نعلم فيه خلافا، وان أجر دارا ثم أفلس فاتفق الغرماء والمفلس على البيع قبل انقضاء مدة الاجارة فلهم ذلك ويبيعونها مستأجرة فان اختلفوا قدم قول من طلب البيع في الحال لانه أحوط من التأخير. فإذا استوفى المستأجر سلم المشتري فان اتفقوا على تأخير البيع حتى تنقضي مدة الاجارة فلهم ذلك لان الحق لا يخرج عنهم (فصل) ولو باع سلعة ثم أفلس قبل تقبيضها فالمشتري أحق بها من الغرماء سواء كانت من المكيل والموزون أو لم تكن لان المشتري قد ملكها وثبت ملكه فيها فكان أحق بها كما لو قبضها، ولا فرق بين ما قبل قبض الثمن وبعده وإن كان عليه سلم فوجد المسلم الثمن قائما فهو أحق به لانه وجد عين ماله وان لم يجده فهو أسوة الغرماء لانه لم يتعلق حقه بعين ماله ولا يثبت ملكه فيه ويضرب مع الغرماء بالمسلم فيه لانه الذي يستحقه دون الثمن. فان كان في المال جنس حقه أخذ منه بقدر ما يستحقه، وإن لم يكن فيه جنس حقه عزل له قدر حقه فيشتري به المسلم فيه فيأخذه وليس له أن يأخذ المعزول بعينه لئلا يكون بدلا عما في الذمة من المسلم فيه وذلك لا يجوز لقول النبي عليه السلام " من أسلف في شئ فلا يصرفه إلى غيره " فان أمكن أن يشتري بالمعزول أكثر مما قدر له لرخص المسلم فيه اشترى له بقدر حقه ورد الباقي على الغرماء مثاله رجل أفلس وله دينار وعليه لرجل دينار ولآخر قفيز حنطة من سلم قيمته دينار فانه يقسم

[ 501 ]

دينار المفلس نصفين لصاحب السلم نصفه فان رخصت الحنطة فصار قيمة القفيز نصف دينار تبينا أن حقه مثل نصف حق صاحب الدينار فلا يستحق من دينار المفلس إلا ثلثه يشترى له به ثلثا قفيز فيأخذه ويرد سدس الدينار على الغريم الآخر، وإن غلا المسلم فيه فصار قيمة القفيز دينارين تبينا أنه يستحق مثلي ما يستحقه صاحب الدينار فيكون له من دينار المفلس ثلثاه فيشترى له بالنصف المعزول ويرجع على الغريم بسدس دينار يشترى له به أيضا لان المعزول ملك للمفلس وانما للغريم قدر حقه فان زاد فللمفلس وإن نقص فعليه { مسألة } (ثم بمن له عين مال يأخذها بالشروط المذكورة) وقد ذكرنا ذلك ثم يقسم الباقي بين باقي الغرماء على قدر ديونهم لتساويهم في الاستحقاق فان كانت ديونهم من جنس الاثمان أخذوها، وإن كان فيهم من دينه من غير جنس الاثمان كالقرض لغير الاثمان فرضي أن يأخذ عوض حقه من الاثمان جاز وإن امتنع وطلب جنس حقه اشتري له بحصته من الثمن من جنس دينه، ولو أراد الغريم الاخذ من المال المجموع، وقال المفلس لا أقضيك إلا من جنس دينك قدم قول المفلس لان هذه معاوضة فلا تجوز إلا بتراضيهما { مسألة } (فان كان فيهم من له دين مؤجل لم يحل وعنه أنه يحل فيشاركهم) لا يحل الدين المؤجل بفلس من هو عليه ذكره القاضي رواية واحدة، وحكى أبو الخطاب فيه رواية أخرى أنه يحل وهو قول مالك، وعن الشافعي كالمذهبين، واحتجوا بأن الافلاس يتعلق به الدين بالمال فأسقط الاجل كالموت. ولا أن الاجل حق للمفلس فلا يسقط بفلسه كسائر حقوقه ولانه

[ 502 ]

لا يوجب حلول ماله فلا يوجب حلول ما عليه كالجنون والاغماء ولانه دين مؤجل على حي فلم يحل قبل أجله كغير المفلس، والاصل المقيس عليه ممنوع وان سلم فالفرق بينهما أن ذمته خربت بخلاف المفلس إذا ثبت هذا فانه إذا حجر على المفلس، فقال أصحابنا لا يشارك أصحاب الديون المؤجلة أصحاب الديون الحالة ويبقى المؤجل في الذمة إلى وقت حلوله فان لم يقسم الغرماء حتى حل الدين شارك الغرماء كما لو تجدد على المفلس دين بجنايته فان أدرك بعض المال بل قسمته شاركهم فيه بجميع دينه، ويضرب مع باقي الغرماء ببقية ديونهم، وان قلنا يحل الدين فهو كاصحاب الديون الحالة سواء { مسألة } (من مات وعليه دين مؤجل لم يحل إذا وثق الورثة وعنه أنه يحل) اختلفت الرواية في حلول الدين بالموت على من هو عليه فروي أنه لا يحل اختاره الخرقي بشرط أن يوثق الورثة وهو قول ابن سيرين وعبيد الله بن الحسن وإسحاق وأبي عبيد، والرواية الاخرى أنه يحل بالموت وبه قال الشعبي والنخعي وسوار ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأى لانه لا يخلو إما أن يبقى في ذمة الميت أو الورثة أو يتعلق بالمال، ولايجوز بقاؤه في ذمة الميت لخرابها وتعذر مطالبته بها ولا ذمة الورثة لانهم لم يلتزموها ولارضي صاحب الدين بذممهم وهي مختلفة متباينة، ولا يجوز تعليقه على الاعيان وتأجيله لانه ضرر بالميت وصاحب الدين ولا نفع للورثة فيه. أما الميت فلان النبي صلى الله عليه وسلم قال " الميت مرتهن بدينه حتى يقضى عنه " وأما صاحبه فيتأخر حقه، وقد

[ 503 ]

تتلف العين فيسقط حقه، وأما الورثة فانهم لا ينتفعون بالاعيان ولا يتصرفون فيها، وان حصلت لهم منفعة فلا يسقط حظ الميت وصاحب الدين لمنفعة لهم. ولنا ما ذكرنا في المفلس ولان الموت ما جعل مبطلا للحقوق وانما هو ميقات للخلافة وعلامة على الوراثة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " من ترك حقا أو مالا فلورثته " وما ذكروه اثبات حكم بالمصلحة المرسلة لم يشهد لها شاهد الشرع باعتبار، فعلى هذا يبقى الدين في ذمة الميت كما كان ويتعلق بعين ماله كتعلق حقوق الغرماء بمال المفلس عند الحجر عليه فان أحب الورثة التزام أداء الدين ويتصرفون في المال لم يكن لهم ذلك الا ان يرضى الغريم أو يوثقوا الحق بضمين ملئ أو رهن يثق به لوفاء حقه فانهم قد لا يكونون أملياء ولم يرض بهم الغريم فيؤدي إلى فوات الحق، وذكر القاضي أن الحق ينتقل إلى ذمم الورثة بموت موروثهم من غير ان يشترط التزامهم له فلا ينبغي أن يلزم الانسان دين لا يلتزمه ولم يتعاط سببه ولو لزمهم ذلك بموت موروثهم للزمهم وان لم يخلف وفاء، فان قلنا الدين يحل بالموت فأحب الورثة القضاء من غير التركة فلهم ذلك، وإن اختاروا القضاء منها فلهم ذلك وإن امتنعوا من القضاء باع الحاكم من التركة ما يقضي به الدين، وإن مات مفلس وله غرماء بعض ديونهم مؤجلة، قلنا يحل المؤجل بالموت اقتسموا التركة على قدر ديونهم، وان قلنا لا يحل فأوثق الورثة لصاحب المؤجل اختص أصحاب الحال بالتركة، وان امتنع الورثة من التوثيق حل دينه وشارك أصحاب الحال لئلا يفضي إلى اسقاط دينه بالكلية (فصل) وذكر بعض أصحابنا فيمن مات وعليه دين هل يمنع اليد نقل التركة إلى الورثة؟

[ 504 ]

روايتين (احداهما) لا يمنعه للخبر المذكور ولان تعلق الدين بالمال لا يزيل الملك في العبد الجاني والرهن والمفلس فلم يمنع نقله فعلى هذا ان تصرف الورثة في التركة ببيع أو غيره صح تصرفهم ولزمهم أداء الدين فان تعذر وفاؤه فسخ تصرفهم كما لو باع السيد عبده الجاني (والثانية) يمنع نقل التركة إليهم لقول الله تعالى (من بعد وصية يوصي بها أو دين) فجعل التركة للوارث بعد الدين والوصية فلا يثبت لهم الملك قبلهما، فعلى هذا لا يصح تصرف الورثة لانهم تصرفوا في غير ملكهم الا أن يأذن لهم الغرماء وان تصرف الغرماء لم يصح الا باذن الورثة { مسألة } (وإن ظهر له غريم بعد قسم ماله رجع على الغرماء بقسطه) وبهذا قال الشافعي وحكي عن مالك وحكي عنه لا يحاصهم لانه نقض لحكم الحاكم ولنا أنه غريم يقاسمهم لو كان حاضرا، فإذا ظهر بعد ذلك قاسمهم كغريم الميت يظهر بعد قسم ماله وليس قسم الحاكم ماله حكما انما هو قسمة بان الخطأ فيها فأشبه مالو قسم أرضا بين شركاء ثم ظهر شريك آخر وقسم الميراث ثم ظهر وارث سواه (فصل) ولو أفلس وله دار مستأجرة فانهدمت بعد قبض المفلس الاجرة انفسخت الاجارة فيما بقي من المدة وسقط من الاجرة بقدر ذلك ثم ان وجد عين ماله أخذ منه بقدر ذلك، وان لم يجده ضرب مع الغرماء بقدره وإن كان ذلك بعد قسم ماله رجع على الغرماء بحصته لان سبب وجوبه قبل الحجر ولذلك يشاركهم إذا وجب قبل القسمة، ولو باع سلعة وقبض ثمنها ثم أفلس فوجد بها المشتري عيبا فردها به أو ردها بخيار أو اختلاف في الثمن ونحوه ووجد عين ماله أخذها لان

[ 505 ]

البيع لما انفسخ زال ملك المفلس عن الثمن كزوال ملك المشتري عن المبيع، وان كان بعد تصرفه فيه شارك المشتري الغرماء. { مسألة } (وان بقيت على المفلس بقية وله صنعة فهل يجبر على ايجار نفسه لقضائها على روايتين) (إحداهما) لا يجبر وهو قول مالك والشافعي لقول الله تعالى (وان كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) ولما روى أبو سعيد أن رجلا اصيب في ثمرة ابتاعها فكثر دينه فقال النبي صلى الله عليه وسلم " تصدقوا عليه " فتصدقوا عليه فلم يبلغ وفاء دينه فقال النبي صلى الله عليه وسلم " خذوا ما وجدتم وليس لكم الا ذلك " رواه مسلم ولانه تكسب للمال فلم يجبر عليه كقبول الهبة والصدقة، وكما لا تجبر المرأة على التزويج لتأخذ المهر. (والثانية) يجبر على الكسب وهو قول عمر بن عبد العزيز وسوار والعنبري واسحاق لما روي

[ 506 ]

أن النبي صلى الله عليه وسلم باع سرقا في دينه وكان سرق دخل المدينة وذكر أن وراءه مالا فداينه الناس فركبته ديون ولم يكن وراءه مال فسماه سرقا وباعه بخمسة أبعرة. رواه الدرا قطني بمعناه من رواية خلد بن مسلم الربحي الا أن فيه كلاما والحر لا يباع ثبت أنه باع منافعه، ولان المنافع، ولان المنافع تجري مجرى الاعيان في صحة العقد عليها وتحريم اخذ الزكاة وثبوت الغنى بها فكذلك في وفاء الدين منها، ولان الاجارة عقد معاوضة فجاز اجباره عليه كبيع ماله، ولانها اجارة لما يملك اجارته فيجبر عليها لوفاء دينه كاجارة أم ولده. فان قيل حديث سرق منسوخ لان الحر لا يباع والبيع وقع على رقبته بدليل ان في الحديث ان الغرماء قالوا لمشتريه ما تصنع به؟ قال اعتقه، قالوا: لسنا بأزهد منك في اعتاقه فأعتقوه قلنا هذا اثبات فسخ بالاحتمال ولا يجوز، ولم يثبت أن بيع الحر كان جائزا في شريعتنا وحمل بيعه على بيع منافعه اسهل من حمله على بيع رقبته المحرم، فان حذف المضاف واقامة المضاف إليه كثير في القرآن

[ 507 ]

وفي كلام العرب كقوله تعالى (وأشربوا في قلوبهم العجل واسأل القرية) وغير ذلك، وكذلك قوله أعتقه أي من حقي عليه يدل على ذلك قوله فأعتقوه يعني الغرماء وهم لا يملكون الا الدين الذي عليه، وأما قوله تعالى (فنظرة إلى ميسرة) فيمكن منع دخوله تحت عمومها لما ذكرنا من أنه في حكم الاغنياء في حرمان الزكاة وسقوط نفقته عن قريبه ووجوب نفقة قريبه عليه، وحديثهم قضية عين لا يثبت حكمها الا في مثلها ولم يثبت أن لذلك الغريم كسا يفضل عن قدر نفقته. أما قبول الهدية والصدقة فمضرة تأباها قلوب ذوي المروءات لما فيها من المنة. فعلى هذا لا يجبر على الكسب الا من كسبه يفضل عن نفقته ونفقة من تلزمه نفقته لما تقدم. (فصل) ولا يجبر على قبول صدقة، ولا هدية، ولا وصية، ولا قرض، ولا المرأة على التزويج ليأخذ مهرها لان في ذلك ضررا للحوق المنة في الهدية والصدقة والوصية والعوض في القرض وتملك الزوج للمرأة في النكاح وجوب حقوقه عليها، ولو باع بشرط الخيار ثم أفلس فالخيار بحاله ولا يجبر على ما فيه الحظ من الرد والامضاء لان الفلس يمنعه من احداث عقد أما من امضائه وتنفيذ عقود فلا (فصل) وان جني على المفلس جناية توجب المال ثبت وتعلقت حقوق الغرماء به ولا يصح عفوه فان كانت موجبة للقصاص فهو مخير بين القصاص والعفو ولا يجبر على العفو على مال لان ذلك يفوت القصاص الذي يجب لمصلحة الزحر، فان اقتص لم يجب للغرماء شئ، وان عفا على مال ثبت وتعلق به حقوق الغرماء، وإن عفا مطلقا انبنى على الروايتين في موجب العمد ان قلنا القصاص خاصة لم يثبت شئ، وان قلنا أحد أمرين ثبتت الدية أو تعلقت بها حقوق الغرماء، وان عفا على غير مال وقلنا القصاص هو الواجب عينا لم يثبت شئ، وان قلنا أحد الامرين يثبت الدية ولم يصح إسقاطه لان عفوه عن القصاص يثبت له الدية ولا يصح إسقاطها، وإن وهب هبة بشرط الثواب ثم أفلس فبذل له الثواب لزمه قبوله ولم يكن له اسقاطه لانه أخذه على سبيل العوض عن الموهوب كالثمن في المبيع وليس له إسقاط شئ من ثمن مبيع أو اجرة اجارة ولاقبض ردئ، ولاقبض المسلم فيه دون صفاته الا باذن غرمائه ومذهب الشافعي في هذا الفصل على نحو ما ذكرنا

[ 508 ]

{ مسألة } (ولا ينفك عنه الحجر الا بحكم حاكم) لانه ثبت بحكمه فلا يزول الا بحكمه كالمحجور عليه لسفه، وفيه وجه آخر أنه يزول بقسمة ماله لانه حجر عليه لاجله فإذا زال ملكه عنه زال سبب الحجر فزال الحجر كزوال حجر المجنون لزوال جنونه والاول أولى وفارق الجنون فانه يثبت بنفسه فزال بزواله بخلاف هذا ولان فراغ ماله يحتاج إلى معرفة وبحث فوقف ذلك على الحاكم بخلاف الجنون (فصل) وإذا فك الحجر عنه فليس لاحد مطالبته وملازمته حتى يملك مالا، فان جاء الغرماء عقيب فك الحجر عنه فادعوا أن له مالا لم يقبل إلا ببينة، فان جاءوا بعد مدة فادعوا أن في يده مالا أو ادعوا ذلك عقيب فك الحجر عنه وبينوا سببه أحضره الحاكم وسأله، فان أنكر فالقول قوله مع يمينه لانه ما فك الحجر عنه حتى لم يبق له شئ، وان أقر وقال هو لفلان وأنا وكيله أو مضاربة وكان المقر له حاضرا سأله الحاكم فان صدقه فهو له ويستحلفه الحاكم لجواز ان يكونا تواطأ على ذلك ليدفع المطالبة عن المفلس. وان لم يصدقه عرفنا كذب المفلس فيصير كأنه أقر ان المال له فيعاد الحجر عليه ان طلب الغرماء ذلك، فان أقر لغائب أقر في يديه حتى يحضر الغائب ثم يسأل كما حكمنا في الحاضر { مسألة } (ومتى فك عنه الحجر فلزمته ديون وظهر له مال فحجر عليه شارك غرماء الحجر الاول غرماء الحجر الثاني) إلا أن الاولين يضربون ببقية ديونهم والآخرين يضربون بجميعها، وبهذا قال الشافعي وقال مالك: لايدخل غرماء الحجر الاول على هؤلاء الذين تجددت حقوقهم حتى يستوفوا الا أن يكون له فائدة من ميراث أو يجني عليه جناية فيتحاص الغرماء فيه. ولنا أنهم تساووا في ثبوت حقوقهم في ذمته فتساووا في الاستحقاق كالذين ثبتت حقوقهم في حجر واحد وكتساويهم في الميراث وأرش الجناية، ولان كسبه مال له فتساووا فيه كالميراث { مسألة } (وإن كان للمفلس حق له به شاهد فأبى أن يحلف معه لم يكن لغرمائه أن يحلفوا) المفلس في الدعوى كغيره فإذا ادعى حقه له به شاهد عدل وحلف مع شاهده ثبت المال وتعلقت به حقوق الغرماء وان امتنع لم يجبر لانا لا نعلم صدق الشاهد، ولو ثبت الحق بشهادته لم يحتج إلى يمين معه

[ 509 ]

فلا نجبره على مالا نعلم صدقه كغيره فان قال الغرماء نحن نحلف مع الشاهد لم يكن لهم ذلك وبهذا قال الشافعي في الجديد، وقال في القديم يحلفون معه لان حقوقهم تعلقت بالمال فكان لهم ان يحلفوا كالورثة يحلفون على مال موروثهم، ولنا أنهم يثبتون ملكا لغيرهم لتتعلق حقوقهم به بعد ثبوته فلم يجز لهم ذلك كالمرأة تحلف لاثبات ملك زوجها لتتعلق نفقتها به وكالورثة قبل موت موروثهم وفارق ما بعد الموت فان المال انتقل إليهم فهم يثبتون بأيمانهم ملكا لا نفسهم. { فصل } قال رحمه الله (الحكم الرابع انقطاع المطالبة عن المفلس فمن أقرضه شيئا أو باعه اياه لم يملك مطالبته حتى يفك الحجر عنه) إذا تصرف المحجور عليه في ذمته بشراء أو افتراض صح لانه أهل للتصرف والحجر إنما تعلق بماله وقد ذكرناه وليس للبائع ولا للمقرض مطالبته في حال الحج لان حق الغرماء تعلق بعين ماله الموجود حال الحجر وبما يحدث له من المال فقدموا على غيرهم ممن لم يتعلق حقه بعين المال كتقديم حق المرتهن بثمن الرهن، وتقديم حق المجني عليه بثمن العبد الجاني فلا يشارك اصحاب هذه الديون الغرماء لما ذكرنا، ولان من علم منهم بفلسه فقد رضي بذلك ومن لم يعلم فهو مفرط ويتبعونه بعد فك الحجر عنه كما لو أقر لانسان بمال بعد الحجر عليه وفي اقراره خلاف ذكرناه فيما مضى فان وجد البائع والمقرض أعيان أموالهما فهل لهم الرجوع فيها؟ على وجهين (أحدهما) لهما ذلك للخبر (والثاني) لافسخ لهما لانهما دخلا على بصيرة بخراب الذمة فأشبه من اشترى معيبا يعلم عيبه وقد ذكرنا ذلك { فصل } قال الشيخ رحمه الله (الضرب الثاني المحجور عليه لحظه وهو الصبي والمجنون والسفية) الحجر على هؤلاء الثلاثة حجر عام لانهم يمنعون التصرف في أموالهم وذممهم والاصل في الحجر عليهم قول الله تعالى (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما) (وابتلوا اليتامي) الآية قال سعيد بن جبير وعكرمة: هو مال اليتيم عندك لا تؤته اياه وانفق عليه وانما أضاف الاموال إلى الاولياء وهي لغيرهم لانهم قوامها، ومدبروها، وقوله (وابتلوا اليتامي) اختبروهم في حفظهم لاموالهم { مسألة } (فلا يصح تصرفهم قبل الاذن) لان تصحيح تصرفهم يفضي إلى ضياع أموالهم وفيه ضرر عليهم { مسألة } (ومن دفع إليهم ماله ببيع أو قرض رجع فيه ما كان باقيا) لانه عين ماله وتصرفهم فاسد فان اتلفه واحد منهم فهو من ضمان مالكه، وكذلك ان تلف

[ 510 ]

في يده لانه سلطه عليه برضاه وسواء علم بالحجر على السفيه أو لم يعلم لانه ان علم فقد فرط وان لم يعلم فهو مفرط أيضا إذ كان في مظنة الشهرة هذا إذا كان صاحبه قد سلطه عليه، فاما ان حصل في يده باختيار صاحبه من غير تسليط كالوديعة والعارية فاختار القاضي انه يلزمه الضمان ان أتلفه أو تلف بتفريطه ان كان سفيها لانه أتلفه بغير اختيار صاحبه فأشبه مالو كان القبض بغير اختياره، ويحتمل أن لا يضمن لانه عرضها لا تلافه وسلطه عليها فأشبه المبيع أما ما أخذه بغير اختيار المالك كالغصب والجناية فعليه ضمانه لانه لا تفريط من المالك وكذلك الحكم في الصبي والمجنون فان أودع عند الصبي والمجنون أو اعارهما فلا ضمان عليهما فيما تلف بتفريطهما لانهما ليسا من اهل الحفظ، وان أتلفاه ففيه وجهان نذكرهما في الوديعة { مسألة } (ومتى عقل المجنون وبلغ الصبي ورشدا انفك الحجر عنهما بغير حكم حاكم ودفع اليهما ما لهما ولا ينفك قبل ذلك بحال) إذا عقل المجنون ورشد انفك الحجر عنه ولايحتاج إلى حكم حاكم بغير خلاف وكذلك الصبي إذا بلغ ورشد وهذا مذهب الشافعي، وقال مالك لا يزول الا بحكم حاكم وهو قول بعض أصحاب الشافعي لانه موضع اجتهاد ونظر فانه يحتاج في معرفة البلوغ والرشد إلى اجتهاد فيوقف ذلك على حكم حاكم كزوال الحجر عن السفيه. ولنا قوله تعالى (فان آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم اموالهم) أمر بدفع أموالهم إليهم عند البلوغ وايناس الرشد فاشتراط حكم الحاكم زيادة تمنع الدفع عند وجود ذلك حتى يحكم الحاكم وهذا مخالف لظاهر النص، ولانه حجر ثبت بغير حكم الحاكم فيزول بغير حكمه كالحجر على المجنون ولان الحجر عليه انما كان لعجزه عن التصرف في ماله على وجه المصلحة حفظا لماله عليه فمتى بلغ ورشد زال الحجر لزوال سببه، السفيه لنا فيه منع، فعلى هذا الحجر منقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم يزول بغير حكم الحاكم وهو الحجر للجنون، وقسم لا يزول الا بحكم حاكم وهو الحجر للسفه، وقسم فيه الخلاف وهو الحجر على الصبي

[ 511 ]

(فصل) ومتى انفك الحجر عنهما دفع اليهما مالهما لقول الله تعالى (فان آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) فقال ابن المنذر اتفقوا على ذلك ولان منعه من التصرف انما كان لعجزه عن التصرف حفظا لماله فإذا صار أهلا للتصرف زال الحجر لزوال سببه (فصل) ولا ينفك عنه الحجر ولا يدفع إليه ماله قبل البلوغ والرشد، ولو صار شيخا وهو قول الاكثرين قال ابن المنذر أكثر علماء الامصار من أهل العراق والحجاز والشام ومصر يرون الحجر على كل مضيع لماله صغيرا كان أو كبيرا وبه قال القاسم بن محمد ومالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد وروى الجوزجاني في كتابه قال: كان القاسم بن محمد يلي أمر شيخ من قريش ذي أهل ومال فلا يجوز له أمر في ماله دونه لضعف عقله قال ابن اسحاق رأيته شيخا يخضب وقد جاء إلى القاسم بن محمد فقال يا أبا محمد ادفع إلي مالي فانه لا يولى علي مثلي فقال. إنك فاسد فقال امرأته طالق البتة وكل مملوك له حر إن لم تدفع الي مالي، فقال القاسم بن محمد وما يحل لنا أن ندفع اليك مالك على حالك هذه فبعث إلى امرأته وقال: هي حرة مسلمة وما كنت لاحبسها عليك وقد فهت بطلاقها فأرسل إليها فأخبرها ذلك وقال أما رقيقك فلا عتق لك ولا كرامة فحبس رقيقه. وقال ابن اسحاق ما كان يعاب على الرجل الا سفهه وقال أبو حنيفة لا يدفع ماله إليه قبل خمس وعشرين سنة، وان تصرف نفذ تصرفه فإذا بلغ خمسا وعشرين سنة فك الحجر عنه ودفع إليه ماله لقول الله تعالى (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده) وهذا قد بلغ أشده ويصلح أن يكون جدا ولانه حر بالغ عاقل مكلف فلا يحجر عليه كالرشيد ولنا قول الله تعالى (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) أي أموالهم وقوله تعالى (وابتلوا اليتامي حتى إذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) علق الدفع على شرطين والحكم المعلق على شرطين لا يثبت بدونهما وقال تعالى (فان كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل) فأثبت الولاية على السفيه ولانه مبذر فلم يجز دفع ماله إليه كمن له دون ذلك، وأما الآية التي احتجوا بها فانما تدل بدليل خطابها وهو لا يقول به ثم هي مخصصة فيما قبل

[ 512 ]

خمس وعشرين بالاجماع لعلة السفه وهو موجود بعد خمس وعشرين فيجب أن يخص به أيضا كما أنها لما خصصت في حق المجنون لجنونه فيما قبل خمس وعشرين خصصت بعدها، وما ذكرنا من المنطوق أولى مما يستدل به من المفهوم المخصص وقوله انه صار يصلح جدا لا معنى تحته يقتضي الحكم ولا له أصل يشهد له في الشرع فهو اثباب للحكم بالتحكم ثم هو متصور ممن هو دون هذا السن فان المرأة تكون جدة لاحدى وعشرين سنة وقياسهم منتقض بمن له دون خمس وعشرين سنة فما أوجب الحجر قبلها يوجبه بعدها، إذا ثبت هذا فانه لا يصح تصرفه ولا إقراره، وقال أبو حنيفة يصح بيعه واقراره لان البالغ عنده لا يحجر عليه وانما لم يسلم إليه للآية ولنا أنه لا يدفع إليه ماله لعدم رشده فلم يصح تصرفه واقراره كالصبي والمجنون ولانه إذا نفذ تصرفه واقراره تلف ماله ولم يفد منعه من ماله شيئا ولان تصرفه لو كان نافذا لسلم إليه ماله كالرشيد فانه انما منع ماله حفظا له فإذا لم يحفظ بالمنع وجب تسليمه إليه بحكم الاصل { مسألة } (والبلوغ يحصل بالاحتلام وبلوغ خمس عشرة سنة ونبات الشعر الخشن حول القبل، وتزيد الجارية بالحيض والحمل) يثبت البلوغ في حق الجارية والغلام باحد الاشياء الثلاثة المذكورة وهي: خروج المني من القبل وهو الماء الدافق الذي يخلق منه الولد كيفما خرج في يقظة أو منام بجماع أو احتلام أو غير ذلك يحصل به البلوغ لا نعلم فيه خلافا لقول الله تعالى (وإذا بلغ الاطفال منكم الحلم فليستأذنوا) وقوله (والذين لم يبلغو الحلم منكم) وقول النبي صلى الله عليه وسلم " رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حيت يحتلم " رواه أبو داود، وقال ابن المنذر أجمعوا على أن الفرائض والاحكام تجب على المحتلم العاقل، وعلى المرأة بظهور الحيض منها (الثاني) السن وهو بلوغ خمس عشرة سنة في حق الغلام والجارية وبهذا قال الاوزاعي والشافعي وأبو يوسف ومحمد، وقال داود لاحد للبلوغ من السن لقوله عليه السلام " رفع القلم عن

[ 513 ]

ثلاث عن الصبى حتى يحتلم " واثبات البلوغ لغيره يخالف الخبر وهذا قول مالك، وقال أصحابه سبع عشرة أو ثماني عشرة، وعن أبي حنيفة في الغلام روايتان (احداهما) سبع عشرة (والثاني) ثماني عشرة والجارية سبع عشرة بكل حال لان الحد لا يثبت إلا بتوقيف أو اتفاق ولا توقيف فيما دون هذا ولا اتفاق. ولنا أن ابن عمر قال عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ابن أربع عشرة فلم يجزني في القتال وعرضت عليه وأنا ابن خمس عشرة فأجازني متفق عليه، وفي لفظ عرضت عليه يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة فردني ولم يرني بلغت وعرضت عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني فأخبر بهذا عمر بن عبد العزيز فكتب إلى عماله أن لا تفرضوا الا لمن بلغ خمس عشرة رواه الشافعي في مسنده والترمذي وقال حديث حسن صحيح، ولان السن معنى يحصل به البلوغ يشترك فيه الجارية والغلام فاستويا فيه كالانزال وما احتج به مالك وداود لايمنع اثبات البلوغ بغير الاحتلام إذا ثبت بالدليل ولهذا كان انبات الشعر علما عليه (الثالث) نبات الشعر الخشن حول ذكر الرجل وفرج المرأة، فأما الزغب الضعيف فلا اعتبار به فانه يثبت في حق الصغير وبهذا قال مالك والشافعي في قول وقال في الآخر هو بلوغ في حق المشركين وهل هو بلوغ في حق المسلمين؟ فيه قولان، وقال أبو حنيفة لااعتبار به لانه نبات شعر أشبه سائر شعر البدن ولنا ان النبي صلى الله عليه وسلم لما حكم سعد بن معاذ في بني قريظة حكم بأن يقتل مقاتلتهم ويسبي ذراريهم فأمر بأن يكشف عن مؤتزريهم فمن أنبت فهو من المقاتلة ومن لم ينبت الحقوه بالذرية. قال عطية القرظي عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قريظة فشكوا في فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن ينظر إلي هل أنبت بعد؟

[ 514 ]

فنظروا إلي فلم يجدوني أنبت بعد فالحقني بالذرية. متفق على معناه، وكتب عمر رضي الله عنه إلى عامله أن لا تأخذ الجزية الا ممن جرت عليه المواسي، وروى محمد بن يحيى بن حبان أن غلاما من الانصار شبب بامرأة في شعره فرفع إلى عمر فلم يجده أنبت فقال. لو أنبت لحددتك، ولانه خارج يلازمه البلوغ غالبا يستوي فيه الذكر والانثى فكان علما على البلوغ كالاحتلام، ولان الخارج ضربان متصل ومنفصل، فلما كان من المنفصل ما يثبت به البلوغ كذلك المتصل وما كان بلوغا في حق المشرك كان بلوغا في حق المسلم كالاحتلام والسن { فصل } والحيض علم على البلوغ في حق الجارية لا نعلم فيه خلافا، وقد دل ذلك عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا يقبل الله صلاة حائض الا بخمار " رواه الترمذي وقال حديث حسن، وكذلك الحمل يحصل به البلوغ لان الله تعالى أجرى العادة أن الولد انما يخلق من ماء الرجل وماء المرأة، قال الله تعالى (فلينظر الانسان مم خلق، خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب) وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في الاحاديث، فعلى هذا يحكم ببلوغها في الوقت الذي حملت فيه (فصل) إذا وجد خروج المني من الخنثى المشكل فهو علم على بلوغه وكونه رجلا، وان خرج من فرجه أو حاض كان علما على بلوغه وكونه امرأة. وقال القاضي: ليس واحد منهما علما على البلوغ فان اجتمعا فقد بلغ وهو مذهب الشافعي لجواز أن يكون الفرج الذي خرج ذلك منه خلقة زائدة. ولنا أن خروج البول من أحد الفرجين دليل على ذكوريته أو أنوثيته فخروج المني والحيض أولى

[ 515 ]

وإذا ثبت كونه رجلا خرج المني من ذكره، أو امرأة خرج الحيض من فرجها لزم وجود البلوغ، ولان خروج مني الرجل من المرأة أو الحيض من الرجل مستحيل فكان دليلا على التعيين، وإذا ثبت التعيين لزم كونه دليلا على البلوغ كما لو تعين قبل خروجه، ولانهم سلموا أن خروجهما معا دليل عليه فخروج أحدهما منفردا أولى لان خروجهما معا يقتضي تعارضهما واسقاط دلالتهما إذ لا يتصور أن يجتمع حيض صحيح ومني رجل فلزم أن يكون أحدهما فضلة خارجة من غير محلها، وليس أحدهما أولى بذلك من الآخر فتبطل دلالتهما كالبينتين إذا تعارضتا وكالبول إذا خرج من المخرجين جميعا بخلاف ما إذا وجد أحدهما منفردا فان الله تعالى أجرى العادة بأن الحيض يخرج من فرج المرأة عند بلوغها ومني الرجل يخرج من ذكره عند بلوغه، فإذا وجد ذلك من غير معارض وجب أن يثبت حكمه ويقضى بثبوت دلالته كالحكم بكونه رجلا بخروج البول من ذكره وبكونه أنثى بخروجه من فرجها والحكم للغلام بالبلوغ بخروج المني من ذكره وللجارية بخروج الحيض من فرجها، فعلى هذا إذا خرجا جميعا لم يثبت كونه رجلا ولا امرأة، وهل يثبت البلوغ بذلك؟ فيه وجهان (أحدهما) يثبت وهو اختيار القاضي ومذهب الشافعي لانه ان كان رجلا فقد خرج المني من ذكره، وان كان أنثى فقد حاضت (والثاني) لا يثبت لان هذا يجوز أن لا يكون حيضا ولا منيا فلا يكون فيه دلالة وقد دل على ذلك تعارضهما فانتفت دلالتهما على البلوغ كانتفاء دلالتهما على الذكورية والانوثية { مسألة } (والرشد الصلاح في المال) وهذا قول أكثر أهل العلم منهم مالك وأبو حنيفة، وقال الحسن والشافعي وابن المنذر. الرشد الصلاح في الدين والمال لان الفاسق غير رشيد، ولان افساد دينه يمنع الثقة به في حفظ

[ 516 ]

ماله كما يمنع قبول قوله وثبوت الولاية على غيره وان لم يعرف منه كذب ولا تبذير. ولنا قول الله تعالى (فان آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) قال ابن عباس: يعني صلاحا في أموالهم، وقال مجاهد إذا كان عاقلا، ولان هذا اثبات في نكرة ومن كان مصلحا لما له فقد وجد منه رشد، ولان العدالة لا تعتبر في الرشد في الدوام فلا تعتبر في الابتداء كالزهد في الدنيا، ولان هذا مصلح لما له فأشبه العدل يحققه أن الحجر عليه انما كان لحفظ ماله عليه والمؤثر فيه ما أثر في تضييع المال أو حفظه قولهم ان الفاسق غير رشيد قلنا هو غير رشيد في دينه، أما في ماله وحفظه فهو رشيد ثم هو منتقض بالكافر فانه غير رشيد في دينه ولا يحجر عليه لذلك، ولا يلزم من منع قبول القول منه دفع ماله إليه، فان من عرف بكثرة الغلط والنسيان أو من يأكل في السوق ويمد رجليه في مجمع الناس لا تقبل شهادتهم وتدفع أموالهم إليهم { مسألة } (ولا يدفع ماله إليه حتى يختبر) لانه انما يعرف رشده باختياره لقول الله تعالى (وابتلوا اليتامي) أي اختبروهم واختباره بتفويض التصرفات التي يتصرف فيها أمثاله إليه، فان كان من أولاد التجار فوض إليه البيع والشراء، فإذا تكرر منه فلم يغبن ولم يضيع ما في يديه فهو رشيد، وان كان من أولاد الدهاقين والكبراء الذين يصان أمثالهم عن الاسواق دفعت إليه نفقة مدة لينفقها في مصالحه فان صرفها في مصارفها ومواقعها واستوفى على وكيله فيما وكله واستقصى عليه دل على رشده، والمرأة يفوض إليها ما يفوض إلى ربة البيت من استئجار الغزالات وتوكيلها في شراء الكتان وأشباه ذلك، فان وجدت ضابطة لما في يديها مستوفية من وكيلها فهي رشيدة

[ 517 ]

{ مسألة } (وأن يحفظ ما في يده عن صرفه فيما لا فائدة فيه) كالغناء والقمار وشراء المحرمات، وشراء آلات اللهو والخمر وان يتوصل به إلى الفساد فهذا غير رشيد لانه تبذير لماله وتضييعه فيما لا فائدة فيه، فان كان فسقه بالكذب والتهاون بالصلاة مع حفظه لماله لم يمنع ذلك من دفع ماله إليه لما ذكرنا { مسألة } (وعنه لا يدفع إلى الجارية مالها بعد رشدها حتى تتزوج وتلد أو تقيم في بيت الزوج سنة) المشهور في المذهب ان الجارية إذا بلغت ورشدت دفع إليها مالها كالغلام وزال الحجر عنها وان لم تتزوج وهذا قول عطاء والثوري وأبي حنيفة والشافعي وأبي ثور وابن المنذر، ونقل أبو طالب عن أحمد أن الجارية لا يدفع إليها مالها حتى تتزوج وتلد أو تقيم سنة في بيت الزوج، روي ذلك عن عمر وبه قال شريح والشبعي واسحاق لما روي عن شريح أنه قال. عهد إلي عمر بن الخطاب أن لا أجيز لجارية عطية حتى تحول في بيت زوجها حولا أو تلد. رواه سعيد في سننه ولا يعرف له مخالف فصار اجماعا، وقال مالك لا يدفع إليها مالها حتى تتزوج ويدخل عليها زوجها لان كل حالة جاز للاب تزويجها من غير اذنها لم ينفك عنها الحجر كالصغيرة ولنا عموم قول الله تعالى (وابتلوا اليتامي حتى إذا بلغوا النكاح، فان آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) ولانها يتيم بلغ وأنس منه الرشد فيدفع إليه ماله كالرجل، ولانها بالغة رشيدة فجاز لها التصرف في مالها كالتي دخل بها الزوج، وحديث عمر إن صح فلم نعلم انتشاره في الصحابة فلا يترك به الكتاب والقياس، وعلى أن حديث عمر مختص بمنع العطية فلا يلزم منه المنع من تسليم مالها إليها ومنعها من سائر التصرفات ومالك لم يعلم به وانما اعتمد على اجبار الاب لها على النكاح ولنا ان نمنعه وان سلمناه فانما أجبرها على النكاح لان اختبارها للنكاح ومصالحه لا يعلم الا بمباشرته

[ 518 ]

والبيع والشراء والمعاملات ممكنة قبل النكاح، وعلى هذه الرواية إذا لم تتزوج أصلا احتمل أن يدوم الحجر عليها عملا بعموم حديث عمر ولانه لم يوجد شرط دفع مالها إليها فلم يجز دفعه إليها كما لو لم ترشد وقال القاضي عندي أنه يدفع إليها مالها إذا عنست وبرزت للرجال يعني كبرت { مسألة } (وقت الاختبار قبل البلوغ في احدى الروايتين) وهو أحد الوجهين لاصحاب الشافعي لان الله تعالى قال (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فان آنستم منها رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) فظاهر الآية ان ابتلاءهم قبل البلوغ لوجهين (أحدهما) أنه سماهم يتامى وانما يكونون يتامى قبل البلوغ (الثاني) أنه مد اختبارهم إلى البلوغ بلفظة حتى فيدل على أن الاختبار قبله، ولان تأخير الاختبار إلى البلوغ مؤد إلى الحجر على البالغ الرشيد لان الحجر يمتد إلى أن يختبر ويعلم رشده واختباره قبل البلوغ يمنع ذلك فكان أولى، لكن لا يختبر إلا المراهق المميز الذي يعرف البيع والشراء والمصلحة من المفسدة، وإذا أذن له وليه فتصرفه على ما نذكره، وعنه ان اختباره بعد البلوغ أومأ إليه أحمد لان تصرفه قبل ذلك تصرف ممن لم يوجد فيه مظنة العقل ولاصحاب الشافعي نحو هذا الوجه { فصل } قال رضي الله عنه (ولا تثبت الولاية على الصبي والمجنون الا للاب) لانها ولاية على الصغير فقدم فيها الاب كولاية النكاح ثم وصيته بعده لانه نائبه أشبه وكيله في الحياة ثم للحاكم لان الولاية انقطعت من جهة القرابة فتثبت للحاكم كولاية النكاح ومذهب أبي حنيفة والشافعي ان الجد يقوم مقام الاب في الولاية لانه أب ولنا أن الجد لا يدلي بنفسه وانما يدلي بالاب الادنى فلم يل مال الصغير كالاخ ولان الاب يسقط الاخوة بخلاف الجد وترث الام معه ثلث الباقي في زوج وأم وأب وزوجة وأم أب بخلاف الجد فلا

[ 519 ]

يصح قياسه عليه فأما من سواهم فلا يثبت لهم ولاية لان المال محل الجناية ومن سواهم قاصر النفقة غير مأمون على المال فلم يله كالاجنبي، ومن شرط ثبوت الولاية على المال العدالة بغير خلاف لان في تفويضها إلى الفاسق تضييعا للمال فلم يجز كتفويضها إلى السفيه، وكذلك الحكم في السفيه إذا حجر عليه صغيرا واستدام الحجر عليه بعد البلوغ { مسألة } (وليس لوليهما التصرف في مالهما إلا على وجه الحظ لهما وما لاحظ فيه ليس له التصرف به كالعتق والهبة والتبرعات والمحاباة) لقول الله سبحانه وتعالى (ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتي هي أحسن) وقوله عليه الصلاة والسلام " لاضرر ولا ضرار " رواه الامام أحمد وهذا فيه اضرار فان فعل شيئا من ذلك أو زاد على النفقة عليهما أو على من تلزمهما مؤنته بالمعروف ضمن لانه مفرط فضمن كتصرفه في مال غيرهما { مسألة } (ولايجوز أن يشتري من مالهما شيئا لنفسه ولا يبيعهما الا الاب لانه غير متهم عليه لكمال شفقته) وبه قال أبو حنيفة ومالك والاوزاعي والشافعي وزادوا الجد وقال زفر لا يجوز لان حقوق العقد تتعلق بالعاقد ولايجوز ان يتعلق به حكمان متضادان، ولنا أن هذا يلي بنفسه فجاز أن يتولى طرفي العقد كالسيد يزوج عبده أمته ولا نسلم ما ذكره من تعلق حقوق العقد بالعاقد، فأما الجد فلا ولاية له على ما ذكرناه فهو كالاجنبي ولان التهمة بين الاب وولده منتفية إذ من طبعه الشفقة عليه والميل إليه وترك حظ نفسه لحظه، وبهذا فارق الوصي والحكم وامينه، فأما الحاكم والوصي فلا يجوز لهما ذلك لانهما متهمان في طلب الحظ لانفسهما فلم يجز ذلك لهما بخلاف الاب { مسألة } (ولوليهما مكاتبة رقيقهما وعتقه على مال)

[ 520 ]

إذا كان الحظ فيه مثل أن تكون قيمته الفا فكاتبه بألفين أو يعتقه بهما فان لم يكن فيها حظ لم يصح، وقال مالك وأبو حنيفة لا يجوز اعتاقه لان الاعتاق بمال تعليق له على شرط فلم يملكه ولي اليتيم كالتعليق على دخول الدار، وقال الشافعي لا يجوز كتابته ولا اعتاقه لان المقصود منهما العتق دون المعاوضة فلم يجز كالاعتاق بغير عوض ولنا أنها معاوضة لليتيم فيها حظ فملكها وليه كبيعه ولا عبرة بنفع العبد ولا يضره كونه تعليقا فانه إذا حصل لليتيم حظ لم يضره نفع غيره ولا كون العتق حصل بالتعليق وفارق ما قاسوا عليه فانه لا نفع فيه لعدم الحظ وانتفاء المقتضي لا لما ذكروه ولو قدر أن يكون في العتق بغير مال نفع كان نادرا وان كان العتق على مال بقدر قيمته أو أقل لم يجز لعدم الحظ فيه، وقال أبو بكر يتوجه جواز العتق بغير عوض للحظ فيه مثل ان تكون له جارية وابنتها يساويان مائة مجتمعتين ولو أفردت إحداهما ساوت مائتين ولا يمكن افرادها بالبيع فيعتق الاخرى لتكثر قيمة الباقية فتصير ضعف قيمتيهما { مسألة } (وله تزويج إمائهما) إذا وجب تزويجهن بأن يطلبن ذلك أو يرى المصلحة فيه لانه ولي عليهن وقائم مقام ما لكهن فكان له تزوجيهن كالمالك. { مسألة } (وله السفر بمالهما للتجارة فيه والمضاربة بمال اليتيم والمجنون وله أن يدفعه مضاربة بجزء من الربح) أبا كان أو وصيا أو حاكما أو أمين حاكم وهو أولى من تركه، وممن رأى ذلك ابن عمر والنخعي والحسن بن صالح ومالك والشافعي وأبو ثور ويروى إباحة التجارة به عن عمر وعائشة والضحاك ولا نعلم احدا كرهه الا الحسن ولعله اراد اجتناب المخاطرة به ورأى خزنه احفظ له وهو قول الجمهور لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من ولي يتيما له مال

[ 521 ]

فليتجر له ولا يتركه حتى تأكله الصدقة " وروي موقوفا على عمر وهو أصح من المرفوع ولان ذلك أحفظ للمولي عليه لتكون نفقته من فاضله وربحه كما يفعله البالغون في أموالهم الا أنه لا يتجر إلا في المواضع الآمنة ولا يدفعه الا إلى الامناء ولا يغرر به، وقد روى عن عائشة أنها أبضعت مال محمد بن أبي بكر في البحر فيحتمل أنه كان في موضع مأمون قريب من الساحل، ويحتمل أنها جعلت ضمانة عليها ان هلك { مسألة } (والربح كله لليتيم) يعني إذا اتجر بنفسه وأجاز الحسن بن صالح واسحاق أن يأخذ الوصي مضاربة لنفسه لانه جاز له ان يدفعه بذلك فجاز ان يأخذه بذلك له، ويتخرج لنا مثل ذلك كما قلنا في الشريك إذا فعل بنفسه ما يجوز له الاجارة عليه فانه يستحق الاجرة في أحد الوجهين كذلك هذا وبه قال أبو حنيفة، والصحيح ما قلناه لان الربح نماء مال اليتيم فلا يستحقه غيره إلا بعقد ولا يجوز أن يعقد الولي المضاربة لنفسه { مسألة } (فأما ان دفعه إلى غيره فللمضارب ما جعل له الولي) ووافقه عليه في قولهم جميعا لان الوصي نائب عن اليتيم فيما فيه مصلحته، وهذا فيه مصلحته فأشبه تصرف المالك في ماله. (فصل) وله ابضاع ماله وهو دفعه إلى من يتجر به والربح كله لليتيم لانه إذا جاز دفعه بجزء من ربحه فدفعه إلى من يوفر الربح أولى { مسألة } (ويجوز له بيعه نساء إذا كان له الحظ في ذلك) فانه قد يكون اكثر ثمنا وانفع لكن يحتاط على الثمن بأن يأخذ به رهنا أو كفيلا موثوقا يتحفظ الثمن به { مسألة } (وله قرضه برهن)

[ 522 ]

إذا لم يكن في قرض مال اليتيم حظ له لم يجز، وان كان في قرضه حظ لليتيم جاز. قال أحمد لا تقرض مال اليتيم لاحد تريد مكافأته ومودته. ويقرض على النظر والشفقة كما صنع ابن عمر وقيل لاحمد ابن عمر اقترض مال اليتيم قال: انما استقرض نظرا لليتيم واحتياطا إن أصابه شئ غرمه. قال القاضي ومعنى الحظ أن يكون للصبي مال في بلد فيريد نقله إلى بلد آخر فيقرضه من رجل في ذلك البلد ليقضيه بدله في بلده يقصد بذلك حفظه من الغرر في نقله أو يخاف عليه الهلاك من نهب أو غرق أو غيرهما أو يكون مما يتلف بتطاول مدته، أو حديثه خير من قديمه كالحنطة ونحوها فيقرضه خوفا من السوس أو تنقص قيمته، وأشباه هذا فيجوز القرض لان لليتيم فيه حظا فجاز كالتجارة به، وان لم يكن فيه حظ لم يجز لانه تبرع بمال اليتيم فلم يجز كهبته، وان اراد الولي السفر لم يكن له المسافرة بماله، فان أراد أن يودع مال اليتيم فقرضه لثقة أولى من ذلك لان الوديعة لا تضمن فان لم يجد ثقة يستقرضه فله ايداعه لانه موضع حاجة، وان أودعه مع امكان قرضه جاز ولا ضمان عليه لانه ربما رأى الايداع أولى من القرض فلا يكون مفرطا وكل موضع قلنا له قرضه فلا يجوز إلا لملئ أمين ليأمن جحوده وتعذر الايفاء وينبغي ان يأخذ رهنا ان امكنه فان تعذر عليه أخذ الرهن جاز تركه في ظاهر كلام أحمد لان الظاهر أن من يستقرضه لحظ اليتيم لا يبذل رهنا فاشتراط الرهن يفوت هذا الحظ، وظاهر كلام شيخنا في هذا الكتاب المشروح أنه لا يجوز وكذلك ذكره أبو الخطاب لان فيه احتياطا للمال، فان تركه احتمل ان يضمن ان ضاع المال لتفريطه واحتمل أن لا يضمن لان الظاهر سلامته وهذا ظاهر كلام احمد لكونه لم يذكر الرهن (فصل) قال أبو بكر هل يجوز للوصي ان يستنيب فيما يتولى مثله بنفسه؟ على روايتين بناء على الوكيل، وقال القاضي يجوز ذلك للوصي، وفي الوكيل روايتان وفرق بينهما بأن الوكيل يمكنه الاستئذان والوصي بخلافه.

[ 523 ]

{ مسألة } (وله شراء العقار لهما وبناؤه بما جرت عادة اهل بلده به) إذا رأى المصلحة في ذلك كله لانه مصلحة له فانه يحصل له الفضل ويبقى الاصل والغرر فيه أقل من التجارة لان اصله محفوظ (فصل) ويجوز ان يبني لهما عقارا لانه في معنى الشراء أحظ وهو ممكن فيتعين تقديمه وإذا أراد بناء ه بناه بما يرى الحظ فيه مما جرت عادة أهل البلد به وقال اصحابنا يبنيه بالآجر والطين لايبني باللبن لانه إذا هدم لا مرجوع له ولا بجص لانه يلتصق بالآجر فلا يخلص منه فإذا انهدم فسد الآجر لان تخليصه منه يفضي إلى كسره وهذا مذهب الشافعي والذي قلناه اولى ان شاء الله فانه إذا كان الحظ له في البناء بغيره فتركه ضيع حظه وماله ولايجوز تضييع الحظ العاجل وتحمل الضرر الناجز المتيقن لتوهم مصلحة بقاء الاجر عند هدم البناء ولعل ذلك لا يكون في حياته ولا يحتاج إليه مع ان كثيرا من البلدان لا يوجد فيها الآجر وكثير منها لم تجر عادتهم بالبناء به فلو كلفوا البناء به لاحتاجوا إلى غرامة كثيرة لا يحصل منها طائل، فعلى هذا يحمل قول أصحابنا على من عادتهم البناء بالآجر كالعراق ونحوها ولا يصح حمله في حق غيرهم وانما يفعل ما ذكرنا من الشراء والبناء إذا رأى المصلحة فيه والحظ لهما { مسألة } (وله شراء الاضحية لليتيم الموسر) نص عليه إذا كان له مال كثير لا يتضرر بشرائها فيكون ذلك على وجه التوسعة في النفقة في هذا اليوم الذي هو يوم عيد وفرج وفيه جبر قلبه وإلحاقه بمن له أب فينزل منزلة الثياب الحسنة وشراء اللحم سيما مع استحباب التوسعة في هذا اليوم وجري العادة بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم " انها أيام أكل وشرب وذكر الله عزوجل " رواه مسلم وهذا قول أبي حنيفة ومالك قال مالك إذا كان له ثلاثون دينارا يضحي عنه بالشاة بنصف دينار. وعن أحمد رحمه الله رواية أخرى لا يجوز وهو مذهب الشافعي

[ 524 ]

لانه اخراج شئ من ماله بغير عوض فلم يجز كالهدية. قال شيخنا: ويحتمل أن يحمل كلام أحمد في الروايتين على حالين فالموضع الذي منع التضحية إذا كان الطفل لا يعقل التضحية ولا يفرح بها ولا ينكسر قلبه بتركها لعدم الفائدة فيها والموضع الذي أجازها إذا كان اليتيم يعقلها وينجبر قلبه بها وينكسر بتركها لحصول الفائدة فيها، وعلى كل حال من ضحى عن اليتيم لم يتصدق بشئ منها ويوفرها لنفسه لانه لا تحل الصدقة بشئ من مال اليتيم تطوعا (فصل) ومتى كان خلط مال اليتيم أرفق به وألين في الجبر وأمكن في حصول الادم فهو أولى، وان كان الافراد أرفق به أفرده لقول الله تعالى (ويسئلونك عن اليتامى قل اصلاح لهم خير وان تخالطوهم فاخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لاعنتكم) أي ضيق عليكم وشدد، من قولهم أعنت فلان فلانا إذا ضيق عليه وشدد { مسألة } (ويجوز تركه في المكتب وأداء الاجرة عنه بغير اذن الحاكم) وحكي لاحمد قول سفيان: لا يسلم الوصي الصبي الا باذن الحاكم فأنكر ذلك، وذلك لان المكتب من مصالحه فجرى مجرى نفقته لمأكوله وملبوسه، وكذلك يجوز أن يسلمه في صناعة إذا كانت مصلحته في ذلك لما ذكرناه { مسألة } (ولا يبيع عقارهم الا لضرورة أو غبطة وهو أن يزاد في ثمنه الثلث فصاعدا) وجملة ذلك أنه لا يجوز بيع عقاره لغير حاجة لاننا نأمره بالشراء لما فيه من الحظ فبيعه إذا تفويت للحظ فان احتيج إلى بيعه جاز قال أحمد يجوز للوصي بيع الدور على الصغار إذا كان أحظ لهم وبه قال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي واسحاق قالوا يبيع إذا رأى الصلاح، قال القاضي لا يجوز بيعه

[ 525 ]

الا في موضعين (أحدهما) أن يكون فيه ضرورة إلى كسوة أو نفقة أو قضاء دين أو ما لابد منه وليس له ما تندفع به حاجته (الثاني) أن يكون في بيعه غبطة وهو أن يبذل فيه زيادة كثيرة على ثمن مثله، قال أبو الخطاب كالثلث فما زاد أو يخاف عليه الهلاك بغرق أو خراب أو نحوه وهذا الذي ذكره شيخنا في المقنع وهو قول في مذهب الشافعي وكلام أحمد يقتضي اباحة البيع في كل موضع يكون نظرا لهم ولا يختص بما ذكروه فان الولي قد يرى الحظ في غير هذا مثل أن يكون في مكان لا ينتفع به أو نفعه قليل فيبيعه ويشتري له في مكان يكثر نفعه أو يرى شيئا في شرائه غبطة لا يمكنه شراؤه الا ببيع عقاره وقد تكون داره بمكان يتضرر الغلام بالمقام فيها لسوء الجوار أو غيره فيبيعها ويشتري له بثمنها دارا يصلح له المقام بها وأشباه هذا مما لا ينحصر وقد لا يكون له حظ في بيع عقاره وان دفع مثلا ثمنه إما لحاجته إليه واما لانه لا يمكن صرف ثمنه في مثله فيضيغ الثمن ولا يبارك فيه فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم " من باع دارا أو عقارا ولم يصرف ثمنه في مثله لم يبارك له فيه " فلا يجوز بيعه إذا فلا معنى لتقييده بما ذكروه في الجواز ولا في المنع بل متى كان الحظ في بيعه جاز ومالا فلا، وهذا اختيار شيخنا وهو الصحيح ان شاء الله تعالى { مسألة } (وان وصي لاحدهما بمن يعتق عليه ولا تلزمه نفقته لا عسار الموصى له أو غير ذلك وجب على الولي قبول الوصية) لانه مصلحة ليس فيها ضرر، وان كانت تلزمه نفقته لم يجز له قبولها لما فيه من الضرر بتفويت ماله بالنفقة عليه (فصل) قال رحمه الله (ومن فك عنه الحجر فعاوده السفه أعيد الحجر عليه) وجملة ذلك أن المحجور عليه إذا فك عنه الحجر لرشده وبلوغه ودفع إليه ماله ثم عاد إلى السفه أعيد عليه الحجر وبه

[ 526 ]

قال القاسم بن محمد ومالك والاوزاعي والشافعي واسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة لا يبتدأ الحجر على بالغ عاقل وتصرفه نافذ، روي ذلك عن ابن سيرين والنخعي لانه مكلف فلم يحجر عليه كالرشيد. ولنا ماروى عروة بن الزبير ان عبد الله بن جعفر ابتاع بيعا فقال على لآتين عثمان ليحجر عليك فأتى عبد الله بن جعفر الزبير فقال قدابتعت بيعا وان عليا يريد أن يأتي أمير المؤمنين عثمان فيسأله الحجر علي فقال الزبير أنا شريكك في البيع، فأتى علي عثمان فقال ان ابن جعفر قد ابتاع بيع كذا فاحجر عليه فقال الزبير أنا شريكه في البيع فقال عثمان كيف أحجر على من شريكه الزبير؟ قال أحمد لم أسمع هذا الا من أبي يوسف القاضي وهذه قضية يشتهر مثلها ولم يخالفها أحد في عصرهم فتكون اجماعا ولانه سفيه فحجر عليه كما لو بلغ سفيها فان العلة التي اقتضت الحجر عليه إذا بلغ سفيها سفهه وهو موجود ولان السفه لو قارن البلوغ منع دفع ماله إليه فإذا حدث وجب انتزاع المال كالجنون وفارق الرشيد فان رشده لو قارن البلوغ لم يمنع دفع ماله إليه، إذا ثبت ذلك فلا يحجر عليه الا الحاكم وبهذا قال الشافعي وقال محمد يصير مجحورا عليه بمجرد تبذيره لان ذلك سبب الحجر

[ 527 ]

فأشبه الجنون، ولنا ان التبذير يختلف ويختلف فيه ويحتاج إلى الاجتهاد فإذا افتقر السبب إلى الاجتهاد لم يثبت الا بحكم حاكم كالحجر على المفلس وفارق الجنون فانه لا يفتقر إلى الاجهتاد ولا خلاف فيه { مسألة } (ولا ينظر في ماله إلا الحاكم) لان الحجر عليه يفتقر إلى الحاكم فكذلك النظر في ماله { مسألة } (ولا ينفك عنه الحجر الا بحكمه) يعني إذا رشد احتاج فك الحجر إلى حكم الحاكم وبه قال الشافعي وقيل ينفك بمجرد رشده، قاله أبو الخطاب لان سبب الحجر زال فيزول بزواله كما في حق الصبي والمجنون، ولنا أنه حجر ثبت بحكم الحاكم فلا يزول الا بحكمه كالمفلس ولان الرشد يحتاج إلى تأمل واجتهاد في معرفته وزوال تبذيره فكان كابتداء الحجر عليه وفارق الصبي والمجنون فان الحجر عليهما بغير حكم الحاكم فيزول بغير حكمه ولا ننا لو وقفنا صحة تصرف الناس على الحاكم كان أكثر الناس محجورا عليهم، قال أحمد: والشيخ الكبير ينكر عقله يحجر عليه يعني إذا كبر واختل عقله حجر عليه بمنزلة المجنون لانه يعجز بذلك عن التصرف في ماله على وجه المصلحة وحفظه فأشبه الصبي والمجنون { مسألة } (ويستحب اظهار الحجر عليه وان يشهد عليه الحاكم ليظهر أمره فيجتنب

[ 528 ]

معاملته وإن رأى أن يأمر مناديا ينادي بذلك ليعرفه الناس فعل ولا يشترط الاشهاد لانه قد ينتشر أمره لشهرته { مسألة } (ويصح تزويجه باذن وليه) وبغير اذنه وهو قول أبي حنيفة واختاره القاضي، وقال أبو الخطاب لا يصح بغير اذن وليه وهو قول الشافعي وأبي ثور لانه تصرف يجب به مال فلم يصح بغير اذن وليه كالشراء، ووجه الاول أنه عقد غير مالي فصح منه كخلعه وطلاقه ان لزم منه المال فحصوله بطريق الضمن فلم يمنع صحة التصرف (فصل) وان خالع صح خلعه لانه إذا صح الطلاق ولا يحصل منه شئ فالخلع الذي يحصل به المال أولى إلا أن العوض لا يدفع إليه وان دفع إليه لم يصح قبضه، وقال القاضي يصح وسنذكر ذلك في باب الخلع فان قلنا: لا يصح القبض فأتلفه بعد قبضه فلا ضمان عليه ولا تبرأ المرأة بدفعه إليه وهو من ضمانها ان أتلفه أو تلف في يده لانها سلطته عليه. { مسألة } وهل يصح عتقه؟ على روايتين (إحداهما) لا يصح وهو قول القاسم بن محمد والشافعي (والثانية) يصح لانه عتق من مكلف مالك تام الملك فصح كعتق الراهن والمفلس ولنا أنه تصرف في ماله فلم يصح كسائر تصرفاته ولانه تبرع فاشبه هبته ووقفه ولانه محجور عليه لحفظ ماله عليه فلم يصح كعتق الصبي والمجنون وفارق المفلس والراهن فان الحجر عليهما لحق غيرهما وفي عتقهما خلاف أيضا قد ذكرناه (فصل) ويصح تدبيره ووصيته لان ذلك محض مصلحة لانه تقرب إلى الله تعالى بماله بعد غناه عنه ويصح استيلاده وتعتق الامة المستولدة بموته لانه إذا صح ذلك من المجنون فمن السفيه أولى وله المطالبة بالقصاص لانه موضع للتشفي والانتقام وهو من أهله وله العفو على مال لانه تحصيل للمال لا تضييع له، وإن عفا على غير مال وقلنا الواجب القصاص عينا صح عفوه لانه لم يتضمن تضييع المال، وإن قلنا أحد شيئين لم يصح عفوه عن المال ووجب المال كما لو سقط القصاص بعفو أحد الشريكين

[ 529 ]

وان أحرم بالحج صح لانه مكلف أشبه غيره ولانه عبادة فصحت منه كسائر العبادات فان كان أحرم بفرض دفع إليه النفقة من ماله ليسقط الفرض عن نفسه وان كان تطوعا وكانت نفقته في السفر كنفقته في الحضر دفعت لانه لاضرر في إحرامه فان زادت نفقة السفر فقال: انا اكسب تمام نفقتي دفعت إليه أيضا لانه لا يضر بماله وان لم يكن له كسب فلو ليه تحليله لما في مضيه فيه من تضييع ما له ويتحلل بالصيام كالمعسر لانه ممنوع من التصرف في ماله، ويحتمل أن لا يملك وليه تحليله بناء على العبد إذا أحرم بغير إذن سيده وان لزمه كفارة يمين أو ظهار أو قتل أو وطئ في نهار رمضان كفر بالصيام لما ذكرنا وان أعتق أو اطعم لم يجزه لانه ممنوع من ماله أشبه المفلس، وبهذا قال الشافعي، ويتخرج أن يجزئه العتق بناء على قولنا بصحة عتقه وان نذر عبادة بدنية لزمه فعلها لانه غير محجور عليه في بدنه وان نذر الصدقة بمال لم يصح منه وكفر بالصيام فان فك الحجر عنه قبل تكفيره في هذه المواضع لزمه العتق إن قدر عليه ومقتضى قول أصحابنا أنه يلزمه الوفاء بنذره بناء على قولهم فيمن أقر قبل فك الحجر عنه ثم فك الحجر عنه أنه يلزمه أداؤه وان فك بعد تكفيره لم يلزمه شئ كما لو كفر عن يمينه بالصيام ثم فك الحجر عنه { مسألة } (وان أقر بحد أو قصاص أو نسب أو طلق زوجته أخذ به) وجملة ذلك ان المحجور عليه لسفه أو فلس إذا أقر بما يوجب حدا أو قصاصا كالزنا والسرقة والقذف والقتل والشرب أو قطع اليد وما أشبههما فانه يصح اقراره ويلزمه حكم ذلك في الحال بغير خلاف علمناه، قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن اقرار المحجور عليه على نفسه جائز إذا كان اقراره بزنا أو سرقة أو شرب خمر أو قذف أو قتل وان الحدود تقام عليه. وهذا قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي ولا أحفظ عن غيرهم خلافهم وذلك لانه غير متهم في حق نفسه والحجر انما تعلق بماله فقبل اقراره على نفسه بمال يتعلق بالمال وان طلق زوجته نفذ طلاقه في قول الاكثرين، وقال ابن أبي ليلى لا يقع لان البضع يجري مجرى المال بدليل أنه يملكه بمال ويصح أن يزول ملكه عنه بمال فلم يملك التصرف فيه كالمال

[ 530 ]

ولنا ان الطلاق ليس بتصرف في المال ولا يجري مجراه فلا يمنع منه كالاقرار منه بالحد والقصاص ودليل أنه لا يجري مجرى المال أنه يصح من العبد بغير إذن سيده مع منعه من التصرف في المال ولانه مكلف طلق امرأته مختارا فوقع طلاقه كالعبد والمكاتب (فصل) وان أقر بما يوجب القصاص فعفا المقر له على مال احتمل أن يجب المال لانه عفو عن قصاص ثابت فصح كما لو ثبت بالبينة واحتمل أن لا يصح لئلا يتخذ ذلك وسيلة إلى الاقرار بالمال بان يتواطأ المحجور عليه والمقر له على الاقرار بالقصاص والعفو عنه إلى مال ولانه وجوب مال مستنده اقراره فلم يثبت كالاقرار به ابتداء فعلى هذا القول يسقط القصاص ولا يجب المال في الحال (فصل) وان اقر بنسب ولد قبل منه لانه ليس باقرار بمال ولا تصرف فيه فقبل كاقراره بالحد والطلاق وإذا ثبت النسب لزمته أحكامه من النفقة وغيرها لان ذلك حصل ضمنا لما صح منه فأشبه نفقة الزوجة. { مسألة } (قال وان أقر بمال لم يلزمه. في حال حجره ويحتمل أن لا يلزمه مطلقا) إذا أقر السفيه بمال كالدين أو ما يوجبه كجناية الخطأ وشبه العمد واتلاف المال وغصبه وسرقته لم يقبل اقراره به لانه محجور عليه لحظه فأشبه الصبي والمجنون ولانا لو قبلنا اقراره في ماله لزال فائدة الحجر لانه يتصرف في ماله ثم يقربه فيأخذه المقر له ولانه أقر بما هو ممنوع من التصرف فيه فلم ينفذ كاقرار الراهن على الرهن والمفلس على المال، وظاهر قول الاصحاب أنه يلزمه ما أقربه بعد فك الحجر عنه، وهو قول أبي ثور واختيار الخرقي لانه مكلف أقر بما يلزمه في الحال فلزمه بعد فك الحجر عنه كالعبد يقر بالدين وكاقرار الراهن على الرهن وكاقرار المفلس، ويحتمل أن لا يصح اقراره ولا يؤخذ به في الحكم بحال، وهذا مذهب الشافعي لانه محجور عليه لعدم رشده فلم يلزمه حكم اقراره بعد فك الحجر عنه كالصبي والمجنون ولا المنع من نفوذ اقراره في الحال إنما ثبت لحفظ ماله عليه ودفع الضرر عنه فلو نفذ بعد فك الحجر عنه لم يفد الا تأخير الضرر عليه إلى أكمل حالتيه

[ 531 ]

وفارق المحجور عليه لحق غيره فان المانع تعلق حق الغرماء بماله فيزول المانع بزوال الحق عن ماله فيثبت مقتضى اقراره وفي مسئلتنا انتفى الحكم لخلل في الاقرار فلم يثبت كونه سببا وبزوال الحجر لم يكمل السبب فلا يثبت الحكم مع اختلال السبب كما لا يثبت بعد فك الحجر ولان الحجر لحق الغير فلم يمنع تصرفهم في ذممهم فأمكن تصحيح اقرارهم في ذممهم على وجه لا يضر بغيرهم والحجر ههنا لحظ نفسه من أجل ضعف قلبه وسوء تصرفه ولا يندفع الضرر الا بابطال اقراره بالكلية كالصبي والمجنون. فأما صحته فيما بينه وبين الله تعالى فان علم صحة ما أقر به كدين لزمه من جناية أو دين لزمه قبل الحجر عليه فعليه أداؤه لانه علم أن عليه حقا فلزمه أداؤه كما لو لم يقر به، وان علم فساد اقراره مثل أن علم أنه أقر بدين ولا دين عليه أو بجناية لم توجد منه أو أقر بما لا يلزمه مثل أن أتلف مال من دفعه إليه بقرض أو بيع لم يلزمه أداؤه لانه يعلم أنه لا دين عليه فلم يلزمه كما لو لم يقر به { مسألة } (وحكم تصرف وليه حكم تصرف ولي الصبي والمجنون على ما ذكرنا من قبل) لانه محجور عليه لحظه فهو كالصبي والمجنون { مسألة } قال الشيخ رحمه الله (وللولي أن يأكل من مال المولي عليه بقدر عمله إذا احتاج إليه) وان كان غنيا لم يجز له ذلك إذا لم يكن أبا لقول الله تعالى (فمن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف) وإذا كان فقيرا فله أقل الامرين أجرته أو قدر كفايته لانه يستحقه بالعمل والحاجة جميعا فلم يجز أن يأخذ الا ما وجدا فيه وقال ابن عقيل يأكل وان كان غنيا قياسا على العمل في الزكاة والآية محمولة على الاستحباب والاول أولى لظاهر الآية { مسألة } (وهل يلزمه عوض ذلك إذا أيسر؟ على روايتين) أما إذا كان أبا فلا يلزمه رواية واحدة لان للاب أن يأخذ من مال ولده ما شاء مع الحاجة وعدمها وان كان غير الاب لم يلزمه عوض ذلك في احدى الروايتين وهذا قول الحسن والنخعي وأحد قولي الشافعي لان الله تعالى أمر بالاكل من غير ذكر عوض فأشبه سائر ما أمر بأكله، ولانه عوض عن عمله فلم يلزمه بدله كالاجير والمضارب (والثانية) يلزمه عوضه وهو قول عبيدة السلماني وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وأبي العالية لانه استباحه بالحاجة من مال غيره فلزمه قضاؤه كالمضطر إلى طعام غيره، والاول أصح لانه لو وجب عليه إذا أيسر لكان واجبا في الذمة قبل اليسار فان اليسار ليس سببا للوجوب فإذا لم يجب بالسبب الذي هو الاكل لم يجب بعده وفارق المضطر فان العوض واجب عليه في ذمته، ولانه لم يأكله عوضا عن شئ وهذا بخلافه { مسألة } (وكذلك يخرج في الناظر في الوقف) قياسا عليه { مسألة } (ومتى زال الحجر عنه فادعى على الولي تعديا أو ما يوجب ضمانا فالقول قول الولي) إذا ادعى الولي الانفاق على الصبي والمجنون أو على ماله أو عقاره بالمعروف من ماله أو ادعى

[ 532 ]

أنه باع عقارا لحظه أو بناه لمصلحته أو أنه تلف قبل قوله، وقال أصحاب الشافعي: لا يمضي الحاكم بين الامين والوصي حتى يثبت عنده الحظ ببينه ولا يقبل قولهما في ذلك ويقبل قول الاب والجد. ولنا أن من جاز له بيع العقار وشراؤه لليتيم يجب أن يقبل قوله في الحظ كالاب والجد، ولانه يقبل قوله في عدم التفريط فيما تصرف فيه من غير العقار فيقبل قوله في العقار كالاب، وإذا بلغ الصبي فادعى أنه لاحظ له في البيع لم يقبل الا ببينة، فان لم تكن بينة فالقول قول الولي مع يمينه، وان قال الولي أنفقت عليك منذ ثلاث سنين وقال الغلام انما مات أبي منذ سنتين فقال القاضي القول قول الغلام لان الاصل حياة والده واختلافهما في أمر ليس الوصي أمينا فيه فقدم قول من يوافق قوله الاصل { مسألة } (وكذلك القول قوله في دفع المال إليه بعد رشده) لانه أمين فأشبه المودع، ويحتمل أن القول قول الصبي لان أصله معه ولان الله سبحانه قال (فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم) فمن ترك الاشهاد فقد فرط فلزمه الضمان والاول المذهب وكذلك الحكم في المجنون والسفيه { مسألة } (وهل للزوج أن يحجر على امرأته في التبرع بما زاد على الثلث من مالها؟ على روايتين) (احداهما) ليس له الحجر عليها وهو قول أبي حنيفة والشافعي وابن المنذر وهو ظاهر كلام الخرقي (والثانية) ليس لها أن تتصرف في مالها بزيادة على الثلث بغير عوض الا باذن زوجها، وبه قال مالك وحكي عنه في امرأة حلفت بعتق جارية ليس لها غيرها فحنثت ولها زوج فرد ذلك عليها زوجها، قال له أن يرد عليها وليس لها عتق لما روي أن امرأة كعب بن مالك أتت النبي صلى الله عليه وسلم بحلي لها فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم " لا يجوز للمرأة عطية حتى يأذن زوجها فهل استأذنت كعبا " فقالت نعم فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كعب فقال " هل أذنت لها أن تتصرف بحليها؟ " فقال نعم فقبله. رواه ابن ماجه، وروي أيضا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبة خطبها " لا يجوز لامرأة عطية في مالها الا باذن زوجها إذ هو مالك عصمتها " رواه أبو داود ولفظه عن عبد الله بن عمرو ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا يجوز لامرأة عطية الا باذن زوجها " ولان حق الزوج متعلق بما لها فان النبي صلى الله عليه وسلم قال " تنكح المرأة لما لها ودينها " والعادة أن الزوج يزيد في مهرها من أجل مالها ويتبسط فيه وينتفع به، وإذا أعسر بالنفقة أنظرته فجرى ذلك مجرى حقوق الورثة المتعلقة بمال المريض ولنا قول الله تعالى (فان آنستم منهم رشدا فادفعوا أموالهم) وهو ظاهر في فك الحجر عنهم واطلاقهم في التصرف، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن " وأنهن تصدقن فقبل صدقتهن ولم يسأل ولا استفصل، أتته زينب امرأة عبد الله وامرأة أخرى اسمها زينب فسألته عن الصدقة هل يجزئهن أن يتصدقن على أزواجهن وايتام لهن، فقال " نعم " ولم يذكر لهن هذا الشرط ولان من وجب دفع ماله إليه لرشده جاز له التصرف فيه من غير اذن كالغلام، ولان المراة من اهل التصرف ولا حق لزوجها في مالها فلم يملك الحجر عليها في

[ 533 ]

التصرف بجميعه كاختها وحديثهم ضعيف وشعيب لم يذكر عبد الله بن عمرو فهو مرسل ويمكن حمله على انه لا يجوز عطيتها من ماله بغير اذنه بدليل انه يجوز عطيتها ما دون الثلث من مالها وليس معهم حديث يدل على تحديد المنع بالثلث والتحديد بذلك تحكم ليس فيه توقيف ولا عليه دليل، ولا يصح قياسهم على المريض لوجوه (احدها) ان المرض سبب يفضي إلى وصول المال إليهم بالميراث والزوجية انما تجعله من اهل الميراث فهي أحد وصفي العلة فلا يثبت الحكم بمجردها كما لا يثبت للمرأة الحجر على زوجها ولا لسائر الوراث بدون المرض (الثاني) ان تبرع المريض موقوف فان برئ من مرضه صح تبرعه وههنا ابطلوه على كل حال والفرع لا يزيد على أصله (الثالث) أن ما ذكروه منتقض بالمرأة فانها تنتفع بمال زوجها وتتبسط فيه عادة ولها النفقة منه وانتفاعها بماله اكثر من انتفاعه بمالها وليس لها الحجر عليه على أن هذا المعنى ليس بموجود في الاصل ومن شرط صحة القياس وجود المعنى المثبت للحكم في الاصل والفرع جميعا { فصل } في الاذن. قال الشيخ رحمه الله { يجوز لولي الصبي المميز أن يأذن له في التجارة في إحدى الروايتين } ويصح تصرفه بالاذن وهذا قول ابي حنيفة (والثانية) لا يصح حتى يبلغ وهو قول الشافعي لانه غير مكلف أشبه غير المميز. ولان العقل لا يمكن الوقوف منه على الحد الذي يصلح به للتصرف لخفائه وتزايده تزايدا خفي التدريج فجعل الشارع له ضابطا وهو البلوغ فلا تثبت له أحكام العقلاء قبل وجود المظنة ولنا قول الله تعالى (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح، فان آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) ومعناه اختبروهم لتعلموا رشدهم وانما يتحقق اختبارهم بتفويض التصرف إليهم من البيع والشراء ليعلم هل يغبن أم لا، ولانه عاقل مميز محجور عليه فصح تصرفه باذن وليه كالعبد وفارق غير المميز فانه لا تحصل المصلحة بتصرفه لعدم تمييزه ومعرفته ولا حاجة إلى اختباره لانه قد علم حاله، وقولهم ان العقل لا يمكن الاطلاع عليه، قلنا يعلم ذلك بآثاره وجريان تصرفاته على وفق المصلحة كما يعلم في حق البالغ فان معرفة رشده شرط دفع ماله إليه وصحة تصرفه، ويحتمل أن يصح ويقف على اجازة الولي وهو قول أبي حنيفة ومبنى ذلك على ما إذا تصرف في مال غيره بغير إذنه وقد ذكرناه فيما مضى { مسألة } (ويجوز ذلك لسيد العبد) بغير خلاف نعلمه لان الحجر عليه انما كان لحق السيد فجاز له التصرف باذنه لزوال المانع { مسألة } (ولا ينفك عنهما الحجر الا فيما اذن لهما فيه وفي النوع الذي أمرا به لان تصرفه إنما جاز بأذن وليه وسيده فزال الحجر في قدر ما أذنا فيه دون غيره كالتوكيل،

[ 534 ]

فان دفع السيد إلى عبده مالا يتجر فيه كان له ان يبيع ويشتري ويتجر به وان أذن له أن يشتري في ذمته جاز، وان عين له نوعا من المال يتجر فيه لم يكن له ان يتجر في غيره وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة: يجوز ان يتجر في غيره وينفك عنه الحجر مطلقا لان اذنه اطلاق من الحجر وفك له والاطلاق لا يبعض كبلوغ الصبي ولنا انه متصرف بالاذن من جهة الآدمي فوجب أن يختص ما اذن له فيه كالوكيل والمضارب وما قاله ينتقض بما إذا اذن له في شراء ثوب ليلبسه أو طعام ليأكله ويخالف البلوغ فانه يزول به المعنى الموجب للحجر فان البلوغ مظنة كمال العقل الذي يتمكن به من التصرف على وجه المصلحة وههنا الرق سبب الحجر وهو موجود فنظير البلوغ في الصبي العتق للعبد وانما يتصرف العبد بالاذن الا ترى ان الصبي يستفيد بالبلوغ قبول النكاح بخلاف العبد { مسألة } (وان اذن له في جميع انواع التجارة لم يجز ان يؤجر نفسه ولا يتوكل لغيره) وبه قال الشافعي وجوزهما أبو حنيفة لانه يتصرف لنفسه فملك ذلك كالمكاتب، ولنا انه عقد على نفسه فلا يملكه بالاذن في التجارة كبيع نفسه وتزويجه وقولهم يتصرف لنفسه ممنوع انما يتصرف لسيده وبهذا فارق المكاتب فان المكاتب يتصرف لنفسه ولهذا كان له أن يبتاع من سيده { مسألة } (وهل له أن يوكل فيما يتولى مثله بنفسه على روايتين) (إحداهما) لا يجوز لانه تصرف بالاذن فاختص بما أذن فيه ولم يؤذن له في التوكيل (والثانية) يجوز لانهم يملكون التصرف بأنفسهم فملكوه بنائبهم كالمالك الرشيد ولانه أقامه مقام نفسه { مسألة } (وان رآه سيده أو وليه يتجر فلم ينهه لم يصر مأذونا) وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة في العبد يصير مأذونا له لانه سكت عن حقه فكان مسقطا له كالشفيع إذا سكت عن طلب الشفعة ولنا أنه تصرف يفتقر إلى الاذن فلم يقم السكوت مقام الاذن كما لو باع الراهن الرهن والمرتهن ساكت أو باعه المرتهن والراهن ساكت وكتصرفات الاجانب ويخالف الشفعة فانها تسقط بمضي الزمان إذا علم لانها على الفور { مسألة } (وما استدان العبد فهو في رقبته يفديه سيده أو يسلمه وعنه يتعلق بذمته يتبع به بعد العتق الا المأذون له هل يتعلق برقبته أو ذمة سيده؟ على روايتين) يقال ادان واستدان وتداين بمعنى واحد والعبد قسمان: محجور عليه فما لزمه من الدين بغير رضا سيده مثل ان يقترض ويشتري شيئا في ذمته ففيه روايتان (احداهما) يتعلق برقبته اختارها الخرقي وأبو بكر لانه دين لزمه بغير اذن سيده فتعلق برقبته كالاتلاف (والثانية) يتعلق بذمته يتبعه الغريم به إذا عتق وأيسر وهو مذهب الشافعي لانه متصرف في ذمته بغير اذن سيده فتعلق بذمته كعوض الخلع من الامة وكالحر (والقسم الثاني) المأذون له في التصرف أو في الاستدانة فما يلزمه من الدين هل

[ 535 ]

يتعلق برقبته أو ذمة سيده، على روايتين (إحداهما) يتعلق برقتبه وهو ظاهر قول أبي حنيفة لانه قال يباع إذا طالب الغرماء ببيعه وهذا معناه أنه يتعلق برقبته لانه دين ثبت برضا من له العين فيباع فيه كما لو رهنه (والثانية) يتعلق بذمة السيد وهو الذي ذكره الخرقي فعلى هذه الرواية يلزم مولاه جميع ما ادان، وقال مالك والشافعي إن كان في يده مال قضيت ديونه منه، وإن لم يكن في يده شئ تعلق بذمته يتبع به إذا عتق وأيسر لانه دين ثبت برضا من له الدين اشبه غير المأذون أو فوجب ان لا يتعلق برقبته كما لو اقترض بغير اذن سيده ووجه قول الخرقي أنه إذا أذن له في التجارة فقد أغرى الناس بمعاملته واذن فيها فصار ضامنا كما لو قال لهم داينوه أو اذن في استدانة تزيد على قيمته، ولا فرق بين الدين الذي لزمه في التجارة المأذون فيها أو فيما لم يؤذن له فيه مثل ان اذن له في التجارة في البر فاتجر في غيره فانه لا ينفك عن التغرير إذ يظن الناس انه مأذون له في ذلك ايضا (فصل) فأما اروش جناياته وقيم متلفاته فهي متعلقة برقبة العبد سواء كان مأذونا له اولا رواية واحدة وبه يقول أبو حنيفة والشافعي وكل ما تعلق برقبة العبد خير السيد بين تسليمه للمبيع وبين فدائه فإذا بيع وكان ثمنه اقل مما عليه فليس لرب الدين الا ذلك لان العبد هو الجاني فلم يجب على غيره شئ وان كان ثمنه اكثر فالفضل للسيد، وذكر القاضي ان ظاهر كلام احمد ان السيد لا يرجع بالفضل ولعله يذهب إلى انه دفعه إليه عوضا عن الجناية فلم يبق لسيده فيه شئ كما لو ملكه إياه عوضا عن الجناية وليس هذا صحيحا فان المجني عليه لا يستحق اكثر من قدر ارش الجناية عليه فهو كما لو جنى عليه حر والجاني لا يجب عليه اكثر من ارش جنايته ولان الحق تعلق بعينه فكان الفضل من ثمنه لسيده كالرهن ولا يصح قولهم انه دفعه عوضا لانه لو كان عوضا لملكه المجني عليه ولم يبع في الجناية وانما دفعه ليباع فيؤخذ منه عوض الجناية ويرد إليه الباقي وكذلك لو أتلف درهما لم يبطل حق سيده منه منه بذلك وان عجز عن أداء الدراهم من غيره ثمنه فان اختار السيد فداءه لزمه أقل الامرين من قيمته أو أرش جنايته لان أرش الجناية ان كان اكثر فلا يتعلق بغير العبد الجاني لعدم الجناية من غيره وانما تجب قيمته وان كان أقل فلم يجب بالجناية الا هو وعن أحمد رواية أخرى أنه يلزمه أرض الجناية كله لانه يجوز أنه يرغب فيه راغب فيشتريه بارش الجناية فإذا منع منه لزمه جميع الارش لتفويته ذلك وللشافعي قولان كالروايتين (فصل) فان تصرف العبد غير المأذون ببيع أو شراء بعين المال لم يصح لانه تصرف من المحجور عليه فيما حجر عليه فيه أشبه المفلس وقياسا على تصرف الا جني، ويتخرج أن يصح ويقف على إجازة السيد كتصرف الفضولي، فأما شراؤه بثمن في ذمته واقتراضه فيحتمل أن لا يصح لانه محجور عليه اشبه السفيه، ويحتمل أن يصح لان الحجر لحق غيره أشبه المفلس والمريض، ويتفرع عن هذين الوجهين أن التصرف ان كان فاسدا فللبائع والمقرض أخذ ماله ان كان باقيا سواء كان في يد العبد أو السيد، وان كان تالفا فله قيمته أو مثله ان كان مثليا، فان تلف في يد السيد رجع عليه بذلك

[ 536 ]

لان عين ماله تلف في يده وان شاء كان ذلك متعلقا برقبة العبد لانه الذي أخذه منه، وان تلف في يد العبد فالرجوع عليه وهل يتعلق برقبته أو ذمته؟ على روايتين، وان قلنا التصرف صححيح والمبيع في يد العبد فللبائع فسخ البيع وللمقرض الرجوع فيما أقرض لانه قد تحقق اعسار المشتري والمقترض فهو أسوأ حالا من الحر المعسر، وان كان السيد قد انتزعه من يد العبد ملكه بذلك لانه أخذ من عبده مالا في يده بحق فهو كالصيد، فإذا ملكه السيد كان كهلاكه في يد العبد ولا يملك البائع والمقرض انتزاعه من السيد بحال فان كان قد تلف استقر ثمنه في رقبة العبد أو في ذمته سواء تلف في يد العبد أو السيد { مسألة } (واذا باع السيد عبده المأذون شيئا لم يصح في أحد الوجهين) لانه مملوكه فلا يثبت له دين في ذمته كغير المأذون له أو كمن لا دين عليه ويصح في الآخر إذا كان عليه دين بقدر قيمته لانا إذا قلنا إن الدين يتعلق برقبته فكأنه صار مستحقا لاصحاب الديون فيصير كعبد غيره. { مسألة } (ويصح اقرار المأذون له في قدر ما اذن له فيه دون ما زاد عليه) لانه لم يؤذن له فيه فهو كغير المأذون له ولان الذي اذن له فيه يصح تصرفه فيه فصح اقراره به كالحر { مسألة } (وان حجر عليه وفي يده مال ثم اذن له فيه فأقر به صح) لان المانع من صحة اقراره الحجر عليه وقد زال ولانه يصح تصرفه فيه فصح اقراره به كما لو لم يحجر عليه وقياسا على غيره من الاحرار { مسألة } (ولا يبطل الاذن بالاباق) وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة يبطل لانه يزيل ولاية السيد عنه في التجارة بدليل أنه لا يجوز بيعه ولا هبته ولا رهنه فأشبه مالو باعه. ولنا ان الاباق لا يمنع ابتداء الاذن له في التجارة فلم يمنع استدامته كما لو غصب غاصب أو حبس بدين عليه ولا يصح ما ذكروه فان سبب الولاية باق وهو الرق ويجوز بيعه واجارته ممن يقدر عليه ويبطل بالمغصوب { مسألة } (ولا يصح تبرع المأذون له بهبة الدراهم وكسوة الثياب) لان ذلك ليس من التجارة ولا يحتاج إليه فيها فأشبه غير المأذون له { مسألة } (وتجوز هديته للمأكول واعارة دابته) واتخاذ الدعوة ما لم يكن اسرافا وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي لا يجوز ذلك بغير اذن سيده لانه تبرع بمال مولاه فلم يجز كهبة الدراهم، ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجيب دعوة المملوك فروى أبو سعيد مولى بني اسيد أنه تزوج فحضر دعوته أناس من أصحاب رسول الله عليه وسلم منهم عبد الله بن مسعود وحذيفة وابوذر فامهم وهو يومئذ عبد رواه صالح في مسائله باسناده ولانه مما جرت به عادة التجارة فيما بينهم فيدخل في عموم الاذن

[ 537 ]

{ مسألة } (وهل لغير المأذون له الصدقة من قوته بالرغيف ونحوه إذا لم يضربه؟ على روايتين) (إحداهما) ليس له ذلك لان المال لسيده وانما أذن له في الاكل فلم يملك الصدقة به كالضيف ولا يتصدق بما أذن له في أكله (والثانية) يجوز لانه مما جرت العادة بالمسامحة فيه والاذن عرفا فجاز كصدقة المرأة من بيت زوجها { مسألة } (وهل للمرأة الصدقة من بيت زوجها بغير اذنه بنحو ذلك؟ على روايتين) (احداهما) يجوز لان عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما انفقت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة كان لها اجرها وله مثله بما كسب ولها بما انفقت وللخازن مثل ذلك من غير ان ينقص من اجورهم شئ " ولم يذكر اذنا، وعن اسماء انها جاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله: ليس لي شئ الا ما ادخل علي الزبير فهل علي جناح ان ارضخ مما يدخل علي. قال: " ارضخي ما استطعت ولا توعي فيوعي الله عليك " متفق عليهما. وروي ان امرأة اتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله: إنا كل على أزواجنا وأبنائنا فما يحل لنا من اموالهم؟ قال " الرطب تأكلينه وتهدينه " ولان العادة السماح بذلك وطيب النفس به فجرى مجرى صريح الاذن كما ان تقديم الطعام بين يدي الا كلة قام مقام صريح الاذن في أكله كصدقة المرأة من بيت زوجها { مسألة } (وهل للمرأة الصدقة من بيت زوجها بغير اذنه بنحو ذلك؟ على روايتين) (احداهما) يجوز لان عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما انفقت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة كان لها اجرها وله مثله بما كسب ولها بما انفقت وللخازن مثل ذلك من غير ان ينقص من اجورهم شئ " ولم يذكر اذنا، وعن اسماء انها جاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله: ليس لي شئ الا ما ادخل علي الزبير فهل علي جناح ان ارضخ مما يدخل علي. قال: " ارضخي ما استطعت ولا توعي فيوعي الله عليك " متفق عليهما. وروي ان امرأة اتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله: إنا كل على أزواجنا وأبنائنا فما يحل لنا من اموالهم؟ قال " الرطب تأكلينه وتهدينه " ولان العادة السماح بذلك وطيب النفس به فجرى مجرى صريح الاذن كما ان تقديم الطعام بين يدي الا كلة قام مقام صريح الاذن في أكله (والثانية) لا يجوز لما روى أبو أمامة الباهلي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا تنفق المرأة شيئا من بيتها الا باذن زوجها " قيل يا رسول الله ولا الطعام قال " ذاك أفضل أموالنا " رواه سعيد في سننه وقال النبي صلى الله عليه وسلم " لا يحل مال امرئ مسلم الا عن طيب نفس منه " وقال " ان الله حرم بينكم دماءمكم وأموالكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا " ولانه تبرع بمال غيره بغير اذنه فلم يجز كغير الزوجة، والصحيح الاول لان الاحاديث فيه خاصة صحيحة والخاص يقدم على العام ويثبته ويعرف ان المراد بالعام الصورة المخصوصة والحديث الخاص للرواية الثانية ضعيف ولا يصح قياس امرأة على غيرها لانها بحكم العادة تتصرف في مال زوجها وتتبسط فيه وتتصدق منه لحضورها وغيبته والاذن العرفي يقوم مقام الاذن الحقيقي فصار كانه قال لها افعلي هذا. فأما ان منعها ذلك وقال لاتتصدقي بشئ ولا تتبرعي من مالي بقليل ولا كثير لم يجز لها ذلك لان المنع الصريح نفي الاذن العرفي وكذلك لو كانت امرأته ممنوعة من التصرف في بعام ويثبته ويعرف ان المراد بالعام الصورة المخصوصة والحديث الخاص للرواية الثانية ضعيف ولا يصح قياس امرأة على غيرها لانها بحكم العادة تتصرف في مال زوجها وتتبسط فيه وتتصدق منه لحضورها وغيبته والاذن العرفي يقوم مقام الاذن الحقيقي فصار كانه قال لها افعلي هذا. فأما ان منعها ذلك وقال لاتتصدقي بشئ ولا تتبرعي من مالي بقليل ولا كثير لم يجز لها ذلك لان المنع الصريح نفي الاذن العرفي وكذلك لو كانت امرأته ممنوعة من التصرف في بيت زوجها كالذي يطعمها بالفرض ولا يمكنها من طعامه فهو كما لو منعها بالقول فان كان في بيت الرجل من يقوم مقام امرأته كجاريته وأخته وغلامه المتصرف في بيت سيده وطعامه فهو كالزوجة فيما ذكرنا لوجود المعنى فيه والله اعلم (تم طبع الجزء الرابع بعون الله ويليه الجزء الخامس بمشيئته وأوله (كتاب الصلح)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية