الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الشرح الكبير - عبدالرحمن بن قدامه ج 3

الشرح الكبير

عبدالرحمن بن قدامه ج 3


[ 1 ]

الشرح الكبير على متن المقنع تأليف الشيخ الامام (شمس الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر محمد بن أحمد ابن قدامة المقدسي) المتوفى سنة 682 ه‍. على مذهب امام الائمة (أبي عبد الله أحمد بن محمد ابن حنبل الشيباني) مع بيان الخلاف سائر الائمة وأدلتهم رضي الله عنهم الجزء الثالث دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين (كتاب الصيام) الصيام في اللغة عبار عن الامساك يقال صام النهار إذا وقف سير الشمس، وقال سبحانه وتعالى حكاية عن مريم (إني نذرت للرحمن صوما) أي إمساكا عن الكلام وقال الشاعر خيل صيام وخيل غير صائمة * تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما يعنى بالصائمة الممسكة عن الصهيل، وهو في الشرع عبارة عن الامساك عن أشياء مخصوصة في وقت مخصوص يأتي بيانه إن شاء الله. وصوم رمضان واجب والاصل في وجوبه الكتاب والسنة والاجماع، اما الكتاب فقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام) إلى قوله (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم " بني الاسلام على خمس " وذكر منها صوم رمضان، وعن طلحة بن عبيد الله أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس فقال يارسول الله أخبرني ما ذا فرض الله علي من الصيام؟ فقال " شهر رمضان " فقال هل علي غيره؟ فقال " لا، إلا أن تتطوع شيئا "

[ 3 ]

قال فاخبرني ماذا فرض علي من الزكاة؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الاسلام فقال والذي أكرمك لا أتطوع شيئا ولا أنقص مما فرض الله علي شيئا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أفلح ان صدق أو دخل الجنة إن صدق " متفق عليهما، وأجمع المسلمون على وجوب صوم شهر رمضان (فصل) روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة " متفق عليه وروي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " لا تقولوا جاء رمضان فان رمضان اسم من أسماء الله تعالى " فيتعين حمل هذا على انه لا يقال ذلك غير مقترن بما يدل على إرادة الشهر لئلا يخالف الاحاديث الصحيحة. والمستحب مع ذلك أن تقول شهر رمضان كما قال تعالى (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) واختلف في المعنى الذي سمي لاجله رمضان، فروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " انما سمي رمضان لانه يحرق الذنوب " فيحتمل إنه أراد انه شرع صومه دون غيره ليوافق اسمه معناه، وقيل هو اسم موضوع لغير معنى كسائر الشهور وقيل غير ذلك (فصل) والصوم المشروع هو الامساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس روي معنى ذلك عن عمر وابن عباس وبه قال عطاء وعوام أهل العلم، وروي عن علي رضي الله عنه انه لما صلى الفجر قال: الآن حين تبين الخيط الابيض من الخيط الاسود، وعن ابن مسعود نحوه وقال مسروق لم يكونوا يعدون الفجر فجركم انما كانوا يعدون الفجر الذي يملا البيوت والطرق وهذا قول الاعمش

[ 4 ]

ولنا قول الله تعالى (حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر) يعنى بياض النهار من سواد الليل وهذا يحصل بطلوع الفجر. قال ابن عبد البر: قول النبي صلى الله عليه وسلم ان بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم " دليل على ان الخيط الابيض هو الصباح وان السحور لا يكون إلا قبل الفجر وهذا إجماع لم يخالف فيه إلا الاعمش وحده فشذ ولم يعرج أحد على قوله، والنهار الذي يجب صيامه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس قال هذا قول جماعة من علماء المسلمين (مسألة) قال (ويجب صوم رمضان برؤية الهلال فان لم ير مع الصحو أكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما ثم صاموا، فان حال دون منظره غيم أو قتر ليلة الثلاثين وجب صيامه بنية رمضان في ظاهر المذهب وعنه لا يجب وعنه الناس تبع الامام فان صام صاموا) وجملة من ذلك أن صوم رمضان يجب بأحد ثلاثة أشياء (أحدها) رؤية هلال رمضان يجب به الصوم إجماعا لقول النبي صلى الله عليه وسلم " صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته " متفق عليه (الثاني) كمال شعبان ثلاثين يوما يجب به الصوم لانه يتيقن به دخول شهر رمضان ولا نعلم فيه خلافا، ويستحب للناس

[ 5 ]

ترائى الهلال ليلة الثلاثين من شعبان ليحتاطوا لصيامهم ويسلموا من الاختلاف. وقد روى الترمذي عن أبي هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " أحصوا هلال شعبان لرمضان " (فصل) ويستحب لمن رأى الهلال أن يقول ماروى ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى الهلال قال " الله اكبر، اللهم أهله علينا بالامن والايمان والسلامة والاسلام والتوفيق لما تحب وترضى، ربي وربك الله " رواه الاثرم (الثالث) أن يحول دون منظره ليلة الثلاثين من شعبان غيم أو قتر فيجب صيامه في ظاهر المذهب ويجزيه إن كان من شهر رمضان اختارها الخرقي وأكثر شيوخ اصحابنا وهو مذهب عمر وابنه وعمرو بن العاص وأبي هريرة وأنس ومعاوية وعائشة وأسماء أبنتي أبي بكر وبه قال بكر بن عبد الله المزني وأبو عثمان النهدي وأبن أبي مريم ومطرف وميمون بن مهران وطاوس ومجاهد وعن أحمد رواية ثانية لا يجب صومه ولا يجزيه عن رمضان إن صامه وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وكثير من أهل العلم لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته فان غمي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما " رواه البخاري وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فان غمي عليكم فاقدروا له ثلاثين " رواه مسلم، وقد صح ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم الشك وهذا يوم شك ولان الاصل بقاء شعبان فلا ينتقل بالشك وعنه رواية ثالثة ان الناس تبع للامام فان صام صاموا وإن أفطر أفطروا وهو قول الحسن وابن سيرين لقول النبي صلى الله عليه وسلم " الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والاضحى يوم تضحون " قيل معناه ان الصوم والفطر مع الجماعة ومعظم الناس قال الترمذي حديث حسن غريب ووجه الرواية الاولى ماروى نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " انما الشهر تسع وعشرون

[ 6 ]

فلا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فان غم عليكم فاقدروا له " قال نافع كان عبد الله ابن عمر إذا مضى من شعبان تسعة وعشرون يوما يبعث من ينظر له الهلال فان رؤي فذاك وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطرا، وان حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائما ومعنى أقدروا له أي ضيقوا له من قوله تعالى (ومن قدر عليه رزقه) أي ضيق عليه وقوله (يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) والتضييق له أن يجعل شعبان تسعة وعشرون يوما، وقد فسره أبن عمر بفعله وهو رواية وأعلم بمعناه فيجب الرجوع إلى تفسيره كما رجع إليه في تفسير التفرق في خيار المتبايعين ولانه شك في أحد طرفي الشهر لم يظهر فيه انه من غير رمضان فوجب الصوم كالطرف الآخر، قال علي وأبو هريرة وعائشة: لان أصوم يوما من شعبان أحب الي من أن أفطر يوما من رمضان، ولان الصوم يحتاط له ولذلك وجب الصوم بخبر واحد ولم يفطروا إلا بشهادة اثنين. فأما خبر أبي هريرة الذي احتجوا به فانه يرويه محمد بن زياد وقد خالفه سعيد بن المسيب فرواه عن أبي هريرة " فان غم عليكم فصوموا ثلاثين " وروايته أولى لامامته واشتهار ثقته وعدالته وموافقته لرأي أبي هريرة ومذهبه ولخبر أبن عمر الذي رويناه ويمكن حمله على ما إذا غم في طرفي الشهر ورواية ابن عمر " فاقدروا له ثلاثين " مخالفة للرواية الصحيحة المتفق عليها ولمذهب ابن عمر، ورواية النهي عن صوم يوم الشك محمول على حال الصحو جمعا بينه وبين ما ذكرنا (مسألة) (وإذا رأى الهلال نهارا قبل الزوال أو بعده فهو لليلة المقبلة) المشهور عن أحمد ان الهلال إذا رؤي نهارا قبل الزوال أو بعده وكان ذلك في آخر رمضان لم يفطروا برؤيته وهذا قول عمر وابن مسعود وابن عمر وأنس والاوزاعي ومالك والليث وأبي حنيفة والشافعي وإسحاق، وحكي عن أحمد انه إن رؤي قبل الزوال فهو للماضية وإن كان بعده فهو لليلة المقبلة، وروي ذلك عن عمر رضي الله عنه رواه سعيد وبه قال الثوري وأبو يوسف لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته " وقد رأوه فيجب الصوم والفطر ولان ما قبل الزوال أقرب إلى الماضية ولنا ما روى أبو وائل قال جاءنا كتاب عمر ونحن بخانقين ان الاهلة بعضها أقرب من بعض فإذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتى تمسوا أو يشهد رجلان انهما رأياه بالامس عشية ولانه قول من سمينا من الصحابة، وخبرهم محمول على ما إذا رؤي عشية بدليل ما لو رؤي بعد الزوال، ثم ان الخبر انما يقتضي الصوم والفطر من الغد بدليل ما لو رآه عشية، فأما ان كانت الرؤية في أول رمضان فالصحيح أيضا أنها لليلة المقبلة وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وعن أحمد رواية اخرى انه للماضية، فعلى هذا يلزم قضاء ذلك اليوم وامساك بقيته احتياطا للعبادة لان ما كان لليلة المقبلة في آخره فهو لها في أوله كما لو رؤي بعد العصر

[ 7 ]

(مسألة) (وإذا رأى الهلال أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم) هذا قول الليث وبعض أصحاب الشافعي، وقال بعضهم ان كان بين البلدين مسافة قريبة لا تختلف المطالع لاجلها كبغداد والبصرة لزم أهلها الصوم برؤية الهلال في أحدهما، وان كان بينهما بعد كالحجاز والعراق والشام فلكل أهل بلد رؤيتهم، وروي عن عكرمة انه قال لكل أهل بلد رؤيتهم وهو مذهب القاسم وسالم وإسحاق لما روى كريب قال قدمت الشام واستهل علي هلال رمضان وأنا بالشام فرأينا الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني ابن عباس ثم ذكر الهلال فقال متى رأيتم الهلال؟ فقلت رأيناه ليلة الجمعة، فقال أنت رأيته ليلة الجمعة؟ فقلت نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية. فقال لكن رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقلت ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه مسلم ولنا قول الله تعالى (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) وقول النبي صلى الله عليه وسلم للاعرابي لما قال له: الله أمرك أن تصوم هذا الشهر من السنة؟ قال نعم. وأجمع المسلمون على وجوب صوم شهر رمضان وقد ثبت ان هذا اليوم من شهر رمضان بشهادة الثقاة فوجب صومه على جميع المسلمين ولان شهر رمضان ما بين الهلالين وقد ثبت انه هذا اليوم منه في سائر الاحكام من حلول الدين ووقوع الطلاق والعتاق ووجوب

[ 8 ]

النذر وغير ذلك من الاحكام فيجب صيامه بالنص والاجماع ولان البينة العادلة شهدت برؤية الهلال فيجب الصوم كما لو تقاربت البلدان. فأما حديث كريب فانما دل على انهم لا يفطرون بقول كريب وحده ونحن نقول به وانما محل الخلاف وجوب قضاء اليوم الاول وليس في الحديث فان قيل فقد قلتم إن الناس إذا صاموا بشهادة واحد ثلاثين يوما أفطروا في أحد الوجهين قلنا الجواب عنه من وجهين: أحدهما أننا انما قلنا يفطرون إذا صاموا بشهادته فيكون فطرهم مبنيا على صومهم بشهادته وهاهنا لم يصوموا بقوله فلم يوجد ما يجوز بناء الفطر عليه. الثاني ان الحديث دل على صحة الوجه الآخر (مسألة) (ويقبل في هلال رمضان قول عدل واحد ولا يقبل في سائر الشهور إلا عدلان) المشهور عن أحمد انه يقبل في هلال رمضان قول عدل واحد ويلزم الناس الصوم بقوله وهو قول عمر وعلى وابن عمر وابن المبارك والشافعي في الصحيح عنه، وروي عن أحمد انه قال اثنين أعجب إلي، وقال أبو بكر إن رآه وحده ثم قدم المصر صام الناس بقوله على ما روي في الحديث، وان كان الواحد في جماعة الناس فذكر انه رآه دونهم لم يقبل ألا قول اثنين لانهم يعاينون ما عاين وروي عن عثمان رضي الله عنه لا يقبل إلا شهادة اثنين وهو قول مالك والليث والاوزاعي وإسحاق

[ 9 ]

لما روى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب انه خطب الناس في اليوم الذي يشك فيه فقال إني جالست أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألتهم وانهم حدثوني ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته وانسكوا لها، فان غم عليكم فأتموا ثلاثين، وان شهد شاهدان ذوا عدل فصوموا وافطروا " رواه النسائي ولان هذه شهادة على رؤية الهلال أشبهت الشهادة على هلال شوال، وقال أبو حنيفة في الغيم كقولنا وفي الصحو لا يقبل الا الاستفاضة لانه لا يجوز ان ينظر الجماعة إلى مطلع الهلال وأبصارهم والموانع منتفية فيراه واحد دون الباقين ولنا ماروى ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال رأيت الهلال قال " أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله " قال نعم. قال يا بلال أذن في الناس فليصوموا غدا " رواه أبو داود والنسائي والترمذي، وروى ابن عمر قال: تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم اني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه رواه أبو داود ولانه خبر عن وقت الفريضة فيما طريقه المشاهدة فقبل فيه قول واحد كالخبر بدخول وقت الصلاة ولانه خبر ديني يشترك فيه المخبر والمخبر فقبل من عدل واحد كالرواية وخبرهم انما يدل بمفهومه وخبرنا يدل بمنطوقه وهو أشهر منه فيجب تقديمه، ويفارق الخبر عن هلال شوال فانه خروج من العبادة وهذا دخول فيها ويتهم في هلال شوال بخلاف مسئلتنا وما ذكره أبو بكر وأبو حنيفة لا يصح لانه يجوز انفراد الواحد به مع لطافة المرئي وبعده (1) ويجوز ان يختلف معرفتهم بالمطلع ومواضع قصدهم وحدة نظرهم ولهذا لو حكم حاكم بشهادة واحد جاز ولو شهد شاهدان وجب قبول شهادتهما عند أبي بكر ولو كان ممتنعا على ما قالوه لم يصح فيه حكم حاكم ولا ثبت بشهادة اثنين، ومن منع ثبوته بشهادة اثنين رد عليه الخبر الاول وقياسه على سائر الحقوق وسائر الشهور، ولو ان جماعة في محفل وشهد منهم اثنان على رجل انه طلق زوجته أو أعتق عبده قبلت شهادتهما، ولو ان اثنين من أهل الجمعة شهدا على الخطيب انه قال على المنبر في الخطبة شيئا لم يشهد به غيرهما لقبلت شهادتهما، وكذلك لو شهدا عليه بفعل وان غيرهما يشاركهما في سلامة السمع وصحة البصر كذا هاهنا (فصل) وان أخبره برؤية الهلال من يثق بقوله لزمه الصوم وان لم يثبت ذلك عند الحاكم لانه خبر بوقت العبادة يشترك فيه المخبر والمخبر أشبه الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والخبر عن دخول وقت الصلاة ذكره ابن عقيل، ومقتضى هذا انه يلزمه قبول خبره وإن رده الحاكم لان رد الحاكم يجوز أن يكون لعدم علمه بحال المخبر، ولا يتعين ذلك في عدم العدالة وقد يجهل الحاكم عدالة من يعلم غيره عدالته

[ 10 ]

(فصل) فان كان المخبر امرأة فقياس المذهب قبول قولها وهو قول أبي حنيفة وأحد الوجهين لاصحاب الشافعي لانه خبر ديني أشبه الرواية والخبر عن القبلة ودخول وقت الصلاة ويحتمل أن لا يقبل فيه قول امرأة كهلال شوال (فصل) فأما هلال شوال وغيره من الشهور فلا يقبل فيه الا شهادة عدلين في قول الجميع إلا أبا ثور فانه قال يقبل في هلال شوال قول واحد لانه أحد طرفي شهر رمضان أشبه الاول ولانه خبر يستوي فيه المخبر والمخبر أشبه الرواية وأخبار الديانات. ولنا خبر عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اجاز شهادة رجل واحد على رؤية الهلال وكان لا يجيز على شهادة الافطار الا شهادة رجلين ولانها شهادة على هلال لا يدخل بها في العبادة أشبه سائر الشهور وهذا يفارق الخبر لان الخبر يقبل فيه قول المخبر مع وجود المخبر عنه وفلان عن فلان وهذا لا يقبل فيه ذلك فافترقا (فصل) ولا يقبل فيه شهادة رجل وامرأتين ولا شهادة النساء منفردات وان كثرن وكذلك سائر الشهور لانه مما يطلع عليه الرجال وليس بمال ولا يقصد به المال أشبه القصاص وكان القياس يقتضي مثل ذلك في رمضان لكن تركناه احتياطا للعبادة والله أعلم. (مسألة) (وإذا صاموا بشهادة اثنين ثلاثين يوما فلم يروا الهلال أفطروا) وجها واحدا لان الشهر لا يزيد على ثلاثين ولحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب (مسألة) (وان صاموا بشهادة واحد فلم يروا الهلال فعلى وجهين) (أحدهما) لا يفطرون لقوله عليه السلام " وان شهد اثنان فصوموا وافطروا " ولانه فطر فلم يجز ان يستند إلى شهادة واحد كما لو شهد بهلال شوال (والثاني) يفطرون وهو منصوص الشافعي وحكى عن أبي حنفية لان الصوم إذا وجب وجب الفطر لاستكمال العدة لا بالشهادة وقد يثبت تبعا مالا يثبت أصلا بدليل أن النسب لا يثبت بشهادة النساء وتثبت بها الولاد ويثبت النسب تبعا لها كذا هاهنا (مسألة) (فان صاموا لاجل الغيم لم يفطروا) وجها واحدا لان الصوم انما كان على وجه الاحتياط فلا يجوز الخروج منه للاحتياط أيضا (مسألة) (ومن رأى هلال رمضان وحده وردت شهادته لزمه الصوم) هذا المشهور في المذهب وسواء كان عدلا أو فاسقا شهد عند الحاكم أو لم يشهد قبلت شهادته أو ردت، وهذا قول مالك والليث والشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر، وقال اسحاق وعطاء لا يصوم وروي حنبل عن أحمد لا يصوم الا في جماعة الناس، وروي نحوه عن الحسن وابن سيرين

[ 11 ]

لانه يوم محكوم به من شعبان فاشبه التاسع والعشرين ولنا أنه تيقن أنه من رمضان فلزمه صومه كما لو حكم به الحاكم وكونه محكوما به من شعبان ظاهر في حق غيره، وأما في الباطن فهو يعلم أنه من رمضان فلزمه صيامه كالعدل (مسألة) (وان رأى هلال شوال وحده لم يفطر) روي ذلك عن مالك والليث وقال الشافعي يحل له أن يأكل بحيث لا يراه أحد لانه تيقنه من شوال فجاز له الاكل كما لو قامت به بينة ولنا ما روى أبو رجاء عن أبى قلابة أن رجلين قدما المدينة وقد رأيا الهلال وقد أصبح الناس صياما فاتيا عمر فذكرا ذلك له فقال لاحدهما أصائم أنت؟ قال بل مفطر قال ما حملك على هذا؟ قال لم أكن لاصوم وقد رأيت الهلال وقال للآخر قال إني صائم قال ما حملك على هذا؟ قال لم أكن لافطر والناس صيام فقال للذي افطر لولا مكان هذا لاوجعت رأسك ثم نودي في الناس أن اخرجوا أخرجه سعيد عن ابن عيينة عن أيوب عن أبي رجاء وانما أراد ضربه لافطاره برؤيته وحده ودفع عنه الضرب لكمال الشهادة به وبصاحبه ولو جاز له الفطر لما أنكر عليه ولا توعده وقالت عائشة انما يفطر يوم الفطر الامام وجماعة المسلمين ولم يعرف لهما مخالف في عصرهما فكان اجماعا ولانه محكوم به من رمضان أشبه اليوم الذي قبله وفارق ما أذا ثبت ببينة لانه محكوم به من شوال بخلاف هذا. قولهم إنه يتيقن انه من شوال ممنوع فانه يحتمل أن يكون خيل إليه ذلك فرأى شيئا أو شعرة من حاجبه ظنها هلالا ولم تكن (فصل) فان رآه اثنان فلم يشهدا عند الحاكم جاز لمن سمع شهادتهما الفطر إذا عرف عدالتهما ولكل واحد منهما أن يفطر بقولهما إذا عرف عدالة الآخر لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا شهد اثنان فصوموا وافطروا " وان شهدا عند الحاكم فرد شهادتهما لجهله بحالهما فلمن علم عدالتهما الفطر لان رد الحاكم هاهنا ليس بحكم منه وانما هو توقف لعدم علمه فهو كالوقوف عن الحكم انتظارا للبينة، ولهذا لو ثبتت عدالتهما بعد ذلك حكم بها وان لم يعرف أحدهما عدالة صاحبه لم يجز له الفطر الا أن يحكم بذلك الحاكم لانه يكون مفطرا برؤيته وحده (مسألة) (وان اشتبهت الاشهر على الاسير تحرى وصام فان وافق الشهر أو ما بعده أجزأه وان وافق قبله لم يجزه) أذا كان الاسير محبوسا أو مطمورا أو في بعض النواحي النائية عن الامصار لا يمكنه تعرف الاشهر بالخبر فاشتبهت عليه الاشهر فانه يتحرى ويجتهد فإذا غلب على ظنه عن امارة تقوم في نفسه

[ 12 ]

دخول شهر رمضان صامه ولا يخلو من أربعة أحوال (أحدها) أن لا ينكشف له الحال فيصح صومه ويجزئه لانه أدى فرضه باجتهاده فاجزأه كما لو صلى في يوم الغيم بالاجتهاد (الثاني) أن ينكشف أنه وافق الشهر أو ما بعده فيجزيه في قول عامة العلماء وحكي عن الحسن ابن صالح أنه لا يجزئه في الحالتين لانه صامه على الشك فلم يجزئه كما لو صام يوم الشك فبان من رمضان والاول أولى لانه أدى فرضه بالاجتهاد في محله فإذا أصاب أو لم يعلم الحال أجزأه كالقبلة إذا اشتبهت أو الصلاة في يوم الغيم إذا اشتبه وقتها وفارق يوم الشك فانه ليس بمحل للاجتهاد فان الشرع أمر بصومه عند أمارة عينها فما لم توجد لم يجز الصوم (الحال الثالث) وافق قبل الشهر فلا يجزئه في قول عامة الفقهاء، وقال بعض الشافعية يجزئه في أحد القولين كما لو أشتبه يوم عرفة فوقفوا قبله، ولنا أنه أتى بالعبادة قبل وقتها فلم يجزئه كالصلاة في يوم الغيم، وأما الحج فلا نسلمه الا فيما أذ اخطأ الناس كلهم لعظم المشقة وان وقع ذلك لبعضهم لم يجزهم ولان ذلك لا يؤمن مثله في القضاء بخلاف الصوم. (الحال الرابع) أن يوافق بعضه رمضان دون بعض فما وافق رمضان أو بعده أجزأه وما وافق قبله لم يجزئه (فصل) وإذا وافق صومه بعد الشهر اعتبر أن يكون ما صامه بعدد أيام شهره الذي فاته سواء وافق ما بين الهلالين أو لم يوافق وسواء كان الشهران تامين أو ناقصين ولا يجزئه أقل من ذلك وقال القاضي ظاهر كلام الخرقي أنه إذا وافق شهرا بين هلالين أجزأه سواء كان الشهران تامين أو ناقصين أو أحدهما تاما والآخر ناقصا وليس بصحيح فان الله تعالى قال (فعدة من أيام أخر) ولانه فاته شهر رمضان فوجب أن يكون صيامه بعدد ما فاته كالمريض والمسافر وليس في كلام الخرقي تعرض لهذا التفصيل فلا يجوز حمل كلامه على ما يخالف الكتاب والصواب، فان قيل اليس إذا نذر صوم شهر يجزئه مابين الهلالين؟ قلنا الاطلاق يحمل على ما تناوله الاسم والاسم يتناول ما بين الهلالين وهنا يجب قضاء ما ترك فيجب أن يراعي فيه عدة المتروك كما أن من نذر صلاة أجزأه ركعتان ولو ترك صلاة وجب قضاؤها بعدد ركعاتها كذلك هاهنا الواجب بعدد ما فاته من الايام سواء كان ما صامه بين هلالين أو بين شهرين فان دخل في صيامه يوم عيد لم يعتد به وان وافق أيام التشريق فهل يعتد بها؟ على روايتين بناء على صحة صومها عن الفرض (فصل) فان لم يغلب على ظن الاسير دخول رمضان فصام لم يجزه وان وافق الشهر لانه صامه

[ 13 ]

على الشك فلم يجزئه كما لو نوى ليلة الشك ان كان غدا من رمضان فهو فرضي وان غلب على ظنه من غير أمارة فقال القاضي عليه الصيام ويقضي إذا عرف الشهر كالذي خفيت عليه دلائل القبلة فصلى على حسب حاله فانه يعيد وذكر أبو بكر فيمن خفيت عليه دلائل القبلة هل يعيد على وجهين كذلك يخرج على قوله هاهنا وظاهر كلام الخرقي أنه يتحرى فمتى غلب على ظنه دخول الشهر صح صومه وان لم يبن على دليل لانه ليس في وسعه معرفة الدليل (ولا يكلف الله نفسا الا وسعها) (فصل) وإذا صام تطوعا فوافق شهر رمضان لم يجزئه نص عليه أحمد وبه قال الشافعي، وقال أصحاب الرأي يجزئه وهو مبني على وجوب تعيين النية لرمضان وسنذكره إن شاء الله تعالى (مسألة) (ولا يجب الصوم الا على المسلم البالغ العاقل القادر على الصوم ولا يجب على كافر ولا مجنون ولا صبي) يجب الصوم على من وجدت فيه هذه الشروط بغير خلاف لما ذكرنا من الادلة ولا يجب على كافر أصليا كان أو مرتدا في الصحيح من المذهب لانه عبادة لا تصح منه في حال كفره ولا يجب عليه قضاؤها إذا أسلم لقوله تعالى (قل للذين كفروا ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) وفيه رواية أخرى ان القضاء يجب على المرتد إذا أسلم وهو مذهب الشافعي لانه قد اعتقد وجوبها عليه بخلاف الكافر الاصلي فعلى هذا يجب عليه في حال ردته لعموم الادلة وسنذكر ذلك في باب المرتد إن شاء الله تعالى ولا يجب على مجنون لقوله صلى الله عليه وسلم " رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق " ولا يصح منه لانه غير عاقل أشبه بالطفل (فصل) فأما الصبي العاقل الذي يطيق الصوم فيصح منه ولا يجب عليه حتى يبلغ وكذلك الجارية نص عليه أحمد وهذا قول أكثر أهل العلم، وذهب بعض أصحابه إلى أنه يجب على الغلام الذي يطيقه إذا بلغ عشرا لما روى ابن جريج عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أطاق الغلام صيام ثلاثة أيام وجب عليه صيام شهر رمضان " ولانها عبادة بدنية أشبهت الصلاة، والمذهب الاول قال القاضي المذهب عندي رواية واحدة ان الصلاة والصوم لا تجب حتى يبلغ، وما قاله أحمد فيمن ترك الصلاة يقضيها نحمله على الاستحباب لما ذكرنا من الحديث ولانها عبادة فلم تجب على الصبي كالحج، وحديثهم مرسل ويمكن حمله على الاستحباب وسماه واجبا تأكيدا كقوله عليه السلام " غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم " وفي ذلك جمع بين الحديثين فكان أولى، وما قاسوا عليه ممنوع

[ 14 ]

(مسألة) (ويؤمر به إذا أطاقه ويضرب عليه ليعتاده) يجب على الولي أمر الصبي بالصيام إذا أطاقه ويضربه عليه ليتمرن عليه ويعتاده لما ذكرنا في الصلاة، وممن ذهب إلى أنه يؤمر بالصيام إذا أطاقه عطاء والحسن وابن سيرين والزهري وقتادة والشافعي وقال الاوزاعي إذا أطاق صيام ثلاثة أيام تباعا لا يحور فيهن ولا يضعف حمل صوم شهر رمضان، وقال الخرقي إذا كان للغلام عشر سنين وأطاق الصيام أخذ به، وقال إسحاق إذا بلغ اثنتي عشرة أحب أن يكلف الصوم للعادة، قال شيخنا رحمه الله واعتباره بالعشر أولى لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالضرب على الصلاة عندها، واعتبار الصوم بالصلاة أحسن لقرب احداهما من الاخرى في كونهما عبادتين بدنيتين من أركان الاسلام إلا أن الصوم أشق فاعتبرت له الطاقة لانه قد يطيق الصلاة من لا يطيق الصيام (مسألة) (وإذا قامت البينة بالرؤية في أثناء النهار لزمهم الامساك والقضاء) وهذا قول عامة أهل العلم، وروي عن عطاء انه لا يجب عليه الامساك. قال ابن عبد البر لا نعلم أحدا قاله غير عطاء، وذكر أبو الخطاب ذلك رواية عن أحمد قياسا على المسافر إذا قدم. قال شيخنا رحمه الله ولم نعلم أحدا ذكرها غيره وأظن هذا غلطا فان أحمد نص على ايجاب الكفارة على من وطئ ثم كفر ثم عاد فوطئ في يومه لان حرمة الصوم لم تذهب، فإذا أوجب الكفارة على غير الصائم لحرمة اليوم فكيف يبيح الاكل، ولا يصح قياس هذا على المسافر إذا قدم وهو مفطر وأشباهه لانه كان له الفطر ظاهرا وباطنا وهذا لم يكن له الفطر في الباطن مباحا أشبه من أكل يظن ان الفجر لم يطلع وكان قد طلع (فصل) وكل من أفطر والصوم يجب عليه كالمفطر لغير عذر، ومن ظن ان الفجر لم يطلع وقد طلع، أو ان الشمس قد غابت ولم تغب، والناسي للنية ونحوهم يلزمهم الامساك بغير خلاف بينهم إلا انه يخرج على قول عطاء في المعذور في الفطر اباحة فطر بقية يومه كالمسألة قبلها، وهو قول شاذ لم يعرج عليه العلماء (مسألة) (وان بلغ صبي أو أسلم كافر أو أفاق مجنون فكذلك وعنه لا يلزمهم شئ) إذا بلغ الصبي في أثناء النهار وهو مفطر أو أفاق المجنون أو أسلم الكافر لزمهم الامساك في إحدى الروايتين. وهذا قول أبي حنيفة والثوري والاوزاعي والحسن بن صالح والعنبري لانه معنى لو وجد قبل الفجر أوجب الصيام فإذا طرأ أوجب الامساك كقيام البينة بالرؤية. والثانية لا يلزمهم الامساك واليه ذهب مالك والشافعي، وروي عن ابن مسعود انه قال: من أكل أول النهار أكل آخره لانه

[ 15 ]

أبيح له الفطر أول النهار ظاهرا وباطنا فإذا أفطر كان له استدامة الفطر كما لو دام العذر، وهل يجب عليهم القضاء؟ فيه روايتان: احداهما يجب لانهم أدركوا بعض وقت العبادة فلزمهم القضاء كما لو أدركوا بعض وقت الصلاة وهذا قول اسحاق في الكافر أذا أسلم. والثانية لا يلزمهم وهو قول مالك وأبي ثور وابن المنذر في الكافر إذا أسلم والاول ظاهر المذهب لانهم لم يدركوا وقتا يكنهم التلبس بالعبادة فيه أشبه ما لو زال عذرهم بعد خروج الوقت (فصل) ويجب على الكافر (1) صوم ما يستقبل من الشهر بغير خلاف ولا يجب قضاء ما مضى في قول عامة أهل العلم، وقال عطاء عليه القضاء وعن الحسن كالمذهبين. ولنا انها عبادة انقضت في حال كفره فلم يجب قضاءها كالرمضان الماضي (مسألة) (وان بلغ الصبي صائما أتم ولا قضاء عليه عند القاضي وعند أبي الخطاب عليه القضاء) إذا نوى الصبي الصوم من الليل فبلغ في أثناء النهار بالاحتلام أو السن أتم صومه ولا قضاء عليه قاله القاضي لانه نوى الصوم من الليل فاجزأته كالبالغ، ولا يمتنع أن يكون أول الصوم نفلا وباقيه فرضا كما لو شرع في صوم تطوعا ثم نذر اتمامه، واختار أبو الخطاب وجوب القضاء عليه لانها عبادة بدنية بلغ في أثنائها بعد مضي بعض أركانها فلزمته أعادتها كالصلاة والحج إذا بلغ بعد الوقوف يحقق ذلك انه ببلوغه يلزمه صومه جميعه والماضي قبل بلوغه نفل فلم يجز عن الفرض، ولهذا لو نذر صوم يوم يقدم فلان فقدم والناذر صائم لزمه القضاء (فصل) فأما ما مضى من الشهر قبل بلوغه فلا يجب عليه قضاؤه سواء كان صامه أو لا في قول عامة أهل العلم، وقال الاوزاعي يقضيه إن كان أفطره وهو مطيق لصيامه، ولنا انه زمن مضى في حال صباه فلم يلزمه قضاء الصوم فيه كما لو بلغ بعد انسلاخ رمضان (مسألة) (وإن طهرت حائض أو نفساء أو قدم مسافر مفطرا فعليهم الفضاء وفي الامساك روايتان) أما وجوب القضاء عليهم فلا خلاف فيه لقوله تعالى (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) والتقدير فافطر ولقول عائشة كنا نحيض على عهد رسول الله (ص) فنؤمر بقضاء الصوم متفق عليه، وكذلك الحكم في المريض إذا صح في أثناء النهار وكان مفطرا وفي وجوب الامساك عليهم روايتان ذكرنا وجههما، والاختلاف في ذلك في مسألة الصبي والكافر أذا أسلم والمجنون أذا أفاق فكذلك الحكم في هؤلاء (مسألة) (ومن عجز عن الصوم لكبر أو مرض لا يرجى برؤه أفطر وأطعم عن كل يوم مسكينا) الشيخ الكبير والعجوز إذا كان الصوم يجهدهما ويشق عليهما مشقة شديدة فلهما أن يفطرا ويطعما

[ 16 ]

لكل يوم مسكينا وهذا قول علي وابن عباس وأبي هريرة وأنس رضي الله عنهم وبه قال سعيد بن جبير وطاوس وأبو حنيفة والثوري والاوزاعي، وقال مالك لا يجب عليه شئ لانه ترك الصوم لعجزه فلم يجب فدية كما لو تركه لمرض اتصل به الموت وللشافعي قولان كالمذهبين ولنا الآية، قال ابن عباس في تفسيرها نزلت رخصة للشيخ الكبير ولان الاداء صوم واجب فجاز أن يسقط إلى الكفارة كالقضاء، وأما المريض فان كان لا يرجى برؤه فهو كمسئلتنا، وان كان يرجى برؤه فانما لم يجب عليه الاطعام لان ذلك يؤدي إلى أن يجب على الميت ابتداءا بخلاف مسئلتنا فان وجوب الاطعام يستند إلى حال الحياة والشيخ الهم له ذمة صحيحة، فان كان عاجزا عن الاطعام فلا شئ عليه ولا يكلف الله نفسا الا وسعها، والمريض الذي لا يرجى برؤه حكمه حكم الشيخ فيما ذكرنا، وذكر السامري انها تبقى في ذمته ولا تسقط كسائر الديون، وكذلك قال فيما يجب على الحامل والمرضع إذا أفرطتا خوفا على ولديهما انه لا يسقط الاطعام عنهما بالعجز عنه لانه في معناه (فصل) قال أحمد رحمه الله فيمن به شهوة الجماع غالبة لا يملك نفسه ويخاف ان تنشق أنثياه " يطعم " أباح له الفطر لانه يخاف على نفسه فهو كالمريض، ومن يخاف على نفسه الهلاك لعطش أو نحوه أوجب الاطعام بدلا من الصيام، وهذا محمول من كلامه على من لا يرجو إمكان القضاء، فان رجى ذلك فلا فدية عليه، والواجب انتظار القضاء وفعله إذا قدر عليه لقوله تعالى (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) وانما يصار إلى الفدية عند اليأس من القضاء، فان أطعم مع إياسه ثم قدر على القضاء احتمل أن لا يلزمه لان ذمته قد برئت بأداء الفدية الواجبة عليه فلم تعد إلى الشغل كالمعضوب إذا اقام من يحج عنه ثم عوفي، واحتمل أن يلزمه القضاء لان الاطعام بدل إياس، وقد بينا ذهاب الاياس فأشبه من اعتدت بالشهور عند اليأس من الحيض فيما إذا ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه ثم حاضت (مسألة) (والمريض إذا خاف الضرر والمسافر استحب لهما الفطر، فان صاما أجزأهما) أجمع أهل العلم على إباحة الفطر للمريض في الجملة، والاصل فيه قول الله تعالى (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) والمريض المبيح للفطر هو الذي يزيد بالصوم أو يخشى تباطؤ برئه. قيل لاحمد متى يفطر المريض؟ قال إذا لم يستطع. قيل مثل الحمى؟ قال وأي مرض أشد من الحمى. وحكي عن بعض السلف انه أباح بكل مرض حتى من وجع الاصبع والضرس لعموم الآية ولان المسافر يباح له الفطر من غير حاجة إليه فكذلك المريض ولنا انه شاهد للشهر لا يؤذيه الصوم فلزمه كالصحيح، والآية مخصوصة في المسافر والمريض

[ 17 ]

جميعا بدليل ان المسافر لا يباح له الفطر في السفر القصير، والفرق بين المسافر والمريض ان السفر اعتبرت فيه المظنة وهو السفر الطويل حيث لم يمكن اعتبار الحكمة بنفسها، فان قليل المشقة لا يبيح وكثيرها لا ضابط له في نفسه فاعتبرت بمظنتها وهو السفر الطويل فدار الحكم مع المظنة وجودا وعدما والمرض لا ضابط له فان الامراض تختلف منها ما يضر صاحبه الصوم ومنها ما لا أثر للصوم فيه كوجع الضرس وجرح في الاصبع والدمل والجرب وأشباه ذلك فلم يصلح المرض ضابطا وأمكن اعتبار الحكمة وهو ما يخاف منه الضرر فوجب اعتباره بذلك، إذا ثبت هذا فان تحمل المريض وصام مع هذا فقد فعل مكروها لما يتضمنه من الاضرار بنفسه وتركه تخفيف الله وقبول رخصته، ويصح صومه ويجزئه لانه عزيمة أبيح تركها رخصة، فإذا تحمله أجزأه كالمريض الذي يباح له ترك الجمعة إذا حضرها (فصل) والصحيح الذي يخشى المرض بالصيام كالمريض الذي يخاف زيادة المرض في اباحة الفطر لان المريض انما أبيح له الفطر خوفا مما يتجدد بصيامه من زيادة المرض وتطاوله والخوف من تجدد المرض في معناه. قال أحمد فيمن به شهوة غالبة للجماع يخاف أن تنشق أنثياه فله الفطر، وقال في الجارية تصوم إذا حاضت فان جهدها الصوم فلتفطر ولتقض يعني إذا حاضت وهي صغيرة قال القاضي هذا إذا كانت تخاف المرض بالصيام يباح لها وإلا فلا (فصل) ومن أبيح له الفطر لشدة شبقه إن أمكنه استدفاع الشهوة بغير الجماع كالاستمناء بيده أو يد امرأته أو جاريته لم يجز له الجماع لانه أفطر للضرورة فلم يبح له الزيادة على ما تندفع به الضرورة كأكل الميتة عند الضرورة (1) فان جامع فعليه الكفارة، وكذلك إن أمكنه دفعها بما لا يفسد صوم غيره كوطئ زوجته، أو أمته الصغيرة أو الكتابية، أو المباشرة للكبيرة المسلمة دون الفرج أو الاستمناء بيدها أو بيده لم يبح له افساد صوم غيره لان الضرورة إذا اندفعت لم يبح ما وراءها كالشبع من الميتة إذا اندفعت الضرورة بسد الرمق، وإن لم تندفع الضرورة إلا بافساد صوم غيره أبيح ذلك لانه مما تدعو الضرورة إليه فابيح كفطره وكالحامل والمرضع يفطران خوفا على ولديهما، فان كان له أمرأتان حائض وطاهر صائمة ودعته الضرورة إلى وطئ احداهما احتمل وجهين (أحدهما) وطئ الصائمة أولى لان الله تعالى نص على النهي عن وطئ الحائض في كتابه (والثاني) يتخير لان وطئ الصائمة يفسد صومها فتتعارض المفسدتان ويتساويان (فصل) وحكم المسافر حكم المريض في أباحة الفطر وكراهية الصوم واجزائه إذا فعل، وإباحة الفطر للمسافر ثابتة بالنص والاجماع وأكثر أهل العلم على أنه إن صام أجزأه، وروي عن أبي هريرة انه لا يصح صوم المسافر، قال أحمد: عمر وأبو هريرة يأمرانه بالاعادة وروي الزهري عن أبي سلمة عن أبيه عبد الرحمن بن عوف أنه قال: الصائم في السفر كالمفطر

[ 18 ]

في الحضر وهو قول بعض أهل الظاهر لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ليس من البر الصوم في السفر " متفق عليه، ولانه عليه السلام أفطر في السفر فلما بلغه أن قوما صاموا قال " أولئك العصاة " وروى أبن ماجه باسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " الصائم في رمضان في السفر كالمفطر في الحضر " وعامة أهل العلم على خلاف هذا القول. قال ابن عبد البر هذا قول يروى عن عبد الرحمن بن عوف هجره الفقهاء كلهم والسنة ترده، وحجتهم ما روى حمزة عن عمرو الاسلمي أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أصوم في السفر؟ وكان كثير الصيام قال " إن شئت فصم وإن شئت فأفطر " متفق عليه، وفي لفظ رواه النسائي أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم أجد قوة على الصيام في السفر فهل علي جناح؟ قال " هي رخصة فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه " وقال أنس كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، متفق عليه، وأحاديثهم محمولة على تفضيل الفطر على الصيام (فصل) والفطر في السفر أفضل وهو مذهب ابن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب والشعبي والاوزاعي، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي الصوم أفضل لمن قوي عليه، يروي ذلك عن أنس وعثمان بن أبي العاص لما روي سلمة بن المحبق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من كانت له حمولة تأوي إلى شبع فليصم رمضان حيث أدركه " رواه أبو داود، ولان من خير بين الصوم والفطر كان الصوم أفضل كالتطوع، وقال عمر بن عبد العزيز ومجاهد وقتادة أفضل الامرين أيسرهما لقول الله تعالى " يريد الله بكم اليسر " ولما روى أبودواد عن حمزة بن عمرو قال: قلت يا رسول الله أني صاحب ظهر أعالجه وأسافر عليه وأكريه وإنه ربما صادفني هذا الشهر يعني رمضان وأنا أجد القوة وأنا شاب وأجدني أن أصوم يا رسول الله أهون علي من أن أوخر فيكون دينا علي أفأصوم يارسول الله أعظم لاجري أو أفطر؟ قال " أي ذلك شئت يا حمزة " ولنا ما تقدم من الاخبار في الفصل الذي قبله، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " خيركم الذي يفطر في السفر ويقصر " ولان فيه خروجا من الخلاف فكان أفضل كالقصر وقياسهم ينتفض بالمريض وبصوم الايام المكروه صومها (فصل) وانما يباح الفطر في السفر الطويل الذي يبيح القصر وقد ذكرنا ذلك فيما مضى في الصلاة ثم لا يخلو المسافر من ثلاث أحوال (أحدها) أن يدخل عليه شهر رمضان في السفر فلا خلاف في إباحة الفطر له فيما نعلم (الثاني) أن يسافر في أثناء الشهر ليلا فله الفطر في صبيحة الليلة التي يخرج فيها وما بعدها في قول عامة أهل العلم، وقال عبيدة السلماني وأبو مجاز وسويد بن غفلة: لا يفطر من سافر بعد دخول

[ 19 ]

الشهر لقوله تعالى (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) وهذا شاهد ولنا قوله تعالى (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) وروى ابن عباس قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح في شهر رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر وأفطر الناس متفق عليه، ولانه مسافر فابيح له الفطر كما لو سافر قبل الشهر والآية محمولة على من شهد الشهر كله وهذا لم يشهده كله (1) (الثالث) أن يسافر في اثناء يوم من رمضان وسيأتي ذكر ذلك إن شاء الله (مسألة) (ولا يجوز أن يصوما في رمضان عن غيره) لا يجوز للمريض ولا المسافر سفرا طويلا أن يصوم في رمضان عن نذر ولا قضاء ولا غيرهما لان الفطر أبيح رخصة وتخفيفا، فإذا لم يرد التخفيف عن نفسه لزمه أن يأتي بالاصل، فان نوى صوما غير رمضان لم يصح صومه عن رمضان ولا عما نواه في الصحيح من المذهب وهو قول أكثر العلماء. وقال أبو حنيفة في المسافر: يقع ما نواه إذا كان واجبا لانه زمن أبيح له فطره فكان له صومه عن واجب عليه كغير شهر رمضان ولنا أنه أبيح له الفطر للعذر فلم يجز أن يصومه عن غير رمضان كالمريض وبهذا ينتقض ما ذكروه وينتقض أيضا بصوم التطوع، قال صالح قيل لابي من صام شهر رمضان وهو ينوي به تطوعا يجزئه؟ فقال أو يفعل هذا مسلم؟ (فصل) ومن نوى الصوم في سفره فله الفطر واختلف قول الشافعي فيه فقال مرة لا يجوز له الفطر وقال مرة إن صح حديث الكديد لم ار به بأسا، قال مالك إن أفطر فعليه القضاء والكفارة ولنا حديث ابن عباس وهو صحيح متفق عليه، وروى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح فصام حتى بلغ كراع الغميم وصام الناس معه فقيل له إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإن الناس ينظرون فيما فعلت فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون فأفطر بعضهم وصام بعضهم فبلغه أن ناسا صاموا فقال " اولئك العصاة " (2) رواه مسلم وهذا نص صريح لا يعرج على ما خالفه (مسألة) (وإن نوى الحاضر صوم يوم ثم سافر في أثنائه فله الفطر وعنه لا يباح) إذا سافر في أثناء يوم من رمضان فهل له فطر ذلك اليوم فيه روايتان أصحهما جواز الفطر وهو قول عمرو بن شرحبيل والشعبي واسحاق وداود وابن المنذر (والثانية) لا يباح له فطر ذلك اليوم وهو قول مكحول والزهري ويحيى الانصاري ومالك والاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي لان الصوم عبادة تختلف بالحضر والسفر فإذا اجتمعا فيها غلب حكم الحضر كالصلاة

[ 20 ]

ولنا ماروى عبيد بن جبير قال ركبت مع أبي بصرة الغفاري في سفينة من الفسطاط في شهر رمضان فدفع ثم قرب غداه فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة ثم قال: اقترب، قلت ألست ترى البيوت؟ قال أبو بصرة أترغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ رواه أبو داود، ولانه أحد الامرين المنصوص عليهما في إباحة الفطر فإذا وجد في أثناء النهار أباحة كالمرض، وقياسهم على الصلاة لا يصح فان الصوم لا يفارق الصلاة لان الصلاة يلزم اتمامها بنيتها بخلاف الصوم. إذا ثبت هذا فانه لا يباح له الفطر حتى يخلف البيوت وراء ظهره ويخرج من بين بنيانها، وقال الحسن يفطر في بيته إن شاء يوم يريد الخروج، وروي نحوه عن عطاء قال ابن عبد البر قول الحسن شاذ، وقد روي عنه خلافه ووجهه ماروى محمد بن كعب قال: أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفرا وقد رحلت له راحلته ولبس ثياب السفر فدعا بطعام فأكل فقلت له سنة؟ فقال سنة، ثم ركب. رواه الترمذي وقال حديث حسن ولنا قوله تعالى (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) وهذا شاهد ولا يوصف بكونه مسافرا حتى يخرج من البلد ومهما كان في البلد فله أحكام الحاضرين ولذلك لا يقصر الصلاة، فأما أنس فيحتمل أنه كان برز من البلد خارجا منه فأتاه محمد بن كعب في ذلك المنزل (مسألة) (والحامل والمرضع إذا خافتا الضرر على أنفسهما أفطرتا وقضتا وان خافتا على ولديدهما افطرتا وقضتا وأطعمتا عن كل يوم مسكينا) وجملة ذلك أن الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما إذا صامتا فلهما الفطر وعليهما القضاء لا غير لا نعلم فيه خلافا لانهما يمنزلة المريض الخائف على نفسه وان خافتا على ولديهما أفطرتا وعليهما القضاء واطعام مسكين لكل يوم، روي ذلك عن ابن عمر وهو المشهور من مذهب الشافعي وقال الليث الكفارة عن المرضع دون الحامل وهو إحدى الروايتين عن مالك لان المرضع يمكنها أن تسترضع لولدها بخلاف الحامل ولان الحمل متصل بالحامل والخوف عليه كالخوف عليه بعض اعضائها وقال الحسن وعطاء والزهري وسعيد بن جبير والنخعي وأبو حنيفة لا كفارة عليهما لما روى أنس بن مالك رجل من بني كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ان الله وضع عن المسافر شطر الصلاة وعن الحامل والمرضع الصوم أو الصيام " والله لقد قالهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما أو كليهما رواه النسائي والترمذي (1) وقال حديث حسن ولم يأمر بكفارة ولانه فطر أبيح لعذر فلم يجب به كفارة كالفطر للمرض ولنا قول الله تعالى (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) وهما داخلتان في عموم الآية قال ابن عباس كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا أو يطعما مكان كل يوم مسكينا، والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا واطعمتا رواه أبو داود، وروي ذلك

[ 21 ]

عن ابن عمر ولا مخالف لهما في الصحابة ولانه فطر بسبب نفس عاجزة من طريق الخلقة فوجبت به الكفارة كالشيخ الهم وخبرهم لم يتعرض للكفارة فكانت موقوفة على الدليل كالقضاء فان الحديث لم يتعرض له والمريض أخف حالا من هاتين لانه يفطر بسبب نفسه، إذا ثبت هذا فان الواجب في طعام المسكين مد بر أو نصف صاع شعير والخلاف فيه كالخلاف في اطعام المساكين في كفارة الجماع على ما يذكر في موضعه (فصل) ويجب عليهما القضاء مع الاطعام وقال ابن عمر وابن عباس لا قضاء عليهما لان الآية تناولتهما وليس فيها الا الاطعام ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال " ان الله وضع عن الحامل والمرضع الصوم " ولنا أنهما يطيقان فلزمهما كالحائض والنفساء والآية أوجبت الاطعام ولم تتعرض للقضاء وأخذناه من دليل آخر والمراد بوضع الصوم وضعه في مدة عذرهما كما جاء في حديث عمرو أبن أمية عن النبي صلى الله عليه وسلم " ان الله وضع عن المسافر الصوم " ولا يشبهان الشيخ الهم لانه عاجز عن القضاء وهما يقدران عليه قال أحمد اذهب إلى حديث أبي هريرة يعني ولا أقول بقول ابن عمر وابن عباس في منع القضاء (فصل) فان عجزتا عن الاطعام سقط عنهما بالعجز ككفارة الوطئ بل السقوط ههنا أولى لوجود العذر ذكره شيخنا في الكافي وقيل لا يسقط وقد ذكرناه، وقال صاحب المحرر يسقط ههنا ولا يسقط عن الكبير العاجز والمريض الذي لا يرجى برؤه لانها بدل عن نفس الصوم وتلك جبران لنقص الصوم والله أعلم (مسألة) (ومن نوى قبل الفجر ثم جن أو أغمي عليه جميع النهار لم يصح صومه وان أفاق جزءا منه صح صومه) متى نوى الصوم قبل الفجر ثم جن أو أغمي عليه جميع النهار لم يصح صومه وهذا قول الشافعي وقال أبو حنيفة يصح لان النية قد صحت وزوال الاستشعار بعد ذلك لا يمنع صحة الصوم كالنوم ولنا أن الصوم هو الامساك مع النية قال النبي صلى الله عليه وسلم " يقول تعالى كل عمل ابن آدم له الا الصيام فانه لي وأنا أجزي به يدع طعامه وشرابه من أجلي " فاضاف ترك الطعام والشراب إليه والمجنون والمغمى عليه لا يضاف الامساك إليه فلم يجزئه ولان النية احد ركني الصوم فلم تجزي وحدها كالامساك وحده أما النوم فانه عادة ولا يزيل الاحساس بالكلية ومتى نبه أنتبه (فصل) ومتى أفاق المغمى عليه في جزء من النهار صح صومه سواء كان في أوله أو في آخره وقال الشافعي في أحد قوليه تعتبر الافاقة في أول النهار ليحصل حكم النية في أوله ولنا أن الافاقة حصلت جزأ من النهار فأجزأ كما لو وجدت في أوله وما ذكروه لا يصح فان النية قد حصلت من الليل فيستغنى عن ذكرها في النهار كما لو نام أو غفل عن الصوم ولو كانت النية

[ 22 ]

انما تحصل بالافاقة في أول النهار لما صح منه صوم الفرض بالافاقة لانه لا يجزي بنية من النهار وحكم المجنون حكم المغمى عليه في ذلك وقال الشافعي إذا وجد الجنون في جزء من النهار أفسد الصوم لانه معنى يمنع وجوب الصوم فأفسده وجوده في بعضه كالحيض ولنا أنه زوال عقل في بعض النهار فلم يمنع صحة الصوم كالاغماء ويفارق الحيض فان الحيض لا يمنع الوجوب وانما يمنع الصحة ويحرم فعل الصوم ويتعلق به وجوب الغسل وتحريم الصلاة والقراءة واللبث في المسجد والوطئ فلا يصح القياس عليه (مسألة) (وإن نام جميع النهار صح صومه) لا نعلم فيه خلافا لانه عادة ولا يزيل الاحساس بالكلية (مسألة) (ويلزم المغمى عليه القضاء دون الجنون) لا نعلم خلافا في وجوب القضاء على المغمى عليه لان مدته لا تتطاول غالبا ولا تثبت الولاية على صاحبه فلم يلزم به التكليف كالنوم فأما الجنون فلا يلزمه قضاء ما مضى وبه قال أبو ثور والشافعي في الجديد وقال مالك يقضي وان مضى عليه سنون وعن أحمد مثله وهو قول الشافعي في القديم لانه معنى يزيل العقل فلم يمنع وجوب الصوم كالاغماء، وقال أبو حنيفة ان جن جميع الشهر فلا قضاء عليه وان أفاق في أثنائه قضى ما مضى لان الجنون لا ينافي الصوم بدليل أنه لوجن في أثناء الصوم لم يفسد فإذا وجد في بعض الشهر وجب القضاء كالاغماء ولانه أدرك جزءا من رمضان وهو عاقل فلزمه صيامه كما لو أفاق في جزء من اليوم ولنا أنه معنى يزيل التكليف فلم يجب القضاء في زمانه كالصغر والكفر وتخص أبا حنيفة بانه معنى لو وجد في جميع الشهر أسقط القضاء فإذا وجد في بعضه أسقطه كالصبى والكفر فاما إذا أفاق في بعض اليوم فلنا فيه منع وإن سلمناه فلانه قد أدرك بعض وقت العبادة فلزمته كالصبي إذا بلغ والكافر إذا أسلم في بعض النهار وكما لو أردك بعض وقت الصلاة (فصل) قال ولا يصح صوم واجب ألا أن ينويه من الليل معينا وعنه لا يجب تعيين النية لرمضان لا يصح صوم الا بنية بالاجماع فرضا كان أو تطوعا لانه عبادة محضة فافتقر إلى النية كالصلاة فان كان فرضا كصيام رمضان في أدائه أو قضائه والنذر والكفارة أشترط أن ينويه من الليل وهذا مذهب مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة يجزي صيام رمضان وكل صوم متعين بنيته من النهار لان النبي صلى الله عليه وسلم

[ 23 ]

أرسل غداة عاشوراء إلى قرى الانصار التي حول المدينة " من كان أصبح صائما فليتم صومه ومن كان أصبح مفطرا فليتم بقية يومه ومن لم يكن أكل فليصم " متفق عليه وكان صوما واجبا متعينا ولانه غير ثابت في الذمة فهو كالتطوع ولنا ما روى ابن جريج وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن الزهري عن سالم عن أبيه عن حفصة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له " وفي لفظ ابن حزم من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وروى الدارقطني باسناده عن عمرة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له " وقال اسناده كلهم ثقات وقال حديث حفصة رفعه عبد الله بن أبي بكر عن الزهري وهو من الثقات ولانه صوم فرض فافتقر إلى النية من الليل كالقضاء فاما صوم عاشوراء فلم يثبت وجوبه فان معاوية قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه وأنا صائم فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر " ممتفق عليه، وانما سمي الامساك صياما تجوزا كما روى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلا أن أذن في الناس أن من كان أكل فليصم بقية يومه وامساك بقية اليوم بعد الاكل ليس بصيام شرعي فسماه صياما تجوزا ثم لو ثبت أنه صيام فالفرق

[ 24 ]

بين ذلك وبين رمضان أن وجوب الصيام تجدد في أثناء النهار فأجزأته النية حين تجدد الوجوب كمن كان صائما تطوعا فنذر في أثناء النهار صوم بقية يومه فانه تجزئه نيته عند نذره بخلاف ما إذا كان النذر متقدما والفرق بين التطوع والفرض من وجهين (أحدهما) أن التطوع يمكن الاتيان به في بعض النهار بشرط عدم المفطرات في أوله بدليل قوله عليه السلام في حديث عاشوراء " فليصم بقية يومه " فإذا نوى صوم التطوع من النهار كان صائما بقية النهار دون أوله والفرض يجب في جميع النهار ولا يكون صائما بغير نية (والثاني) أن التطوع سومح في نيته من الليل تكثيرا له فانه قد يبدو له الصوم في النهار فاشتراط النية في الليل يمنع ذلك فسامح الشرع فيها كمسامحته في ترك الصلاة في صلاة التطوع بخلاف الفرض إذا ثبت هذا ففي أي جزء من الليل نوى أجزأه وسواء فعل بعد النية ما ينافي الصوم من الاكل والشرب والجماع أو لم يفعل واشترط بعض أصحاب الشافعي أن لا يأتي بعد النية بما ينافي الصوم واشترط بعضهم وجود النية في النصف الاخير من الليل كاذان الصبح والدفع من مزدلفة ولنا مفهوم قوله عليه السلام " لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل " من غير تفصيل ولانه نوى من الليل فصح صومه كما نوى في النصف الاخير وكما لو لم يفعل ما ينافي الصوم ولان تخصيص النية بالنصف الاخير يفضي إلى تفويت الصوم لانه وقت النوم وكثير من الناس لا ينتبه فيه ولا يذكر الصوم والشارع انما رخص في تقديم النية على ابتدائه لحرج اعتبارها عنده فلا يخصها بمحل لا تندفع

[ 25 ]

المشقة بتخصيصها به ولان تخصيصها بالنصف الاخير تحكم من غير دليل واعتبار الصوم بالاذان والدفع من مزدلفة لا يصح لانهما يجوزان بعد الفجر فلا يفضي منعهما في النصف الاول إلى فواتهما بخلاف نية الصوم ولان اختصاصهما بالنصف الاخير بمعنى تجويزهما فيه واشتراط النية بمعنى الايجاب والتحتم وفوات الصوم بفواتها فيه وهذا فيه مشقة ومضرة بخلاف التجويز فاما إن فسخ النية مثل إن نوى الفطر بعد نية الصيام لم تجزئه تلك النية المفسوخة لانها زالت حكما وحقيقة (فصل) وإن نوى من النهار صوم الغد لم يجزئه ألا أن يستصحب النية إلى جزء من الليل وقد روي ابن منصور عن احمد من نوى الصوم عن قضاء رمضان بالنهار ولم ينو من الليل فلا بأس الا أن يكون فسخ النية بعد ذلك فظاهر هذا حصول الاجزاء بنية النهار إلا أن القاضي قال هذا محمول على أنه استصحب النية إلى الليل وهذا صحيح لظاهر قوله عليه السلام " لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل " ولانه لم ينو عند ابتداء العبادة ولا قريبا منها فلا يصح كما لو نوى من الليل صوم بعد الغد (فصل) وتعتبر النية لكل يوم وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وابن المنذر وعن أحمد أنه تجزئه نية واحدة لجميع الشهر إذا نوى صوم جميعه وهو مذهب مالك وإسحاق لانه نوى في زمن يصلح جنسه لنية الصوم فجاز كما لو نوى كل يوم في ليلته

[ 26 ]

ولنا أنه صوم واجب فوجب أن ينوي كل يوم من ليلته كالقضاء ولان هذه الايام عبادات لا يفسد بعضها بفساد بعض ويتخللها ما ينافيها أشبهت القضاء وبهذا فارقت اليوم الاول وعلى قياس رمضان إذا نذر صوم شهر بعينه خرج فيه مثل ما ذكرنا في رمضان (فصل) ومعنى النية القصد وهو اعتقاد القلب فعل شئ وعزمه عليه من غير تردد فمتى خطر بقلبه في الليل أن غدا من رمضان وانه صائم فيه فقد نوى وان شك في أنه من رمضان ولم يكن له أصل يبني عليه مثل ليلة الثلاثين من شعبان ولم يحل دون مطلع الهلال غيم ولا قتر فعزم أن يصوم غدا من رمضان لم تصح النية ولم يجزئه صيام ذلك اليوم لان النية قصد يتبع العلم وما لا يعلمه ولا دليل على وجوده لا يصح قصده وبهذا قال حماد وربيعة ومالك وابن أبي ليلى والحسن بن صالح وابن المنذر وقال الثوري والاوزاعي يصح إذا نواه من الليل كاليوم الثاني وعن الشافعي كالمذهبين ولنا انه لم يجزم النية بصومه من رمضان فلم يصح كما لو لم يعلم الا بعد خروجه وكذلك إن بنى على قول المنجمين وأهل الحساب فوافق الصواب لم يصح صومه وان كثرت اصابتهم لانه ليس بدليل شرعي يجوز البناء عليه ولا العمل به فكان وجوده كعدمه قال النبي صلى الله عليه وسلم " صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته " وفي رواية " لا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه " فأما ليلة الثلاثين

[ 27 ]

من رمضان فتصح نيته وان احتمل أن يكون من شوال لان الاصل بقاء رمضان ولما ذكرنا من الحديث فان قال إن كان غدا من رمضان فأنا صائم، وان كان من شوال فأنا مفطر، فقال ابن عقيل لا يصح صومه لانه لم يجزم بنية الصوم والنية اعتقاد جازم، ويحتمل أن يصح لان هذا شرط واقع والاصل بقاء رمضان (فصل) ويجب تعيين النية في كل صوم واجب فيعتقد انه يصوم غدا من رمضان أو من قضائه أو من كفارته أو نذر نص عليه في رواية الاثرم فانه قال يا أبا عبد الله أسير صائم في أرض الروم شهر رمضان ولا يعلم انه رمضان فنوى التطوع قال لا يجزئه إلا بعزيمة انه من رمضان، وبهذا قال مالك والشافعي، وعن أحمد رواية أخرى انه لا يجب تعيين النية لرمضان، قال المروذي روي عن أحمد انه قال يكون يوم الشك يوم غيم إذا أجمعنا على اننا نصبح صياما يجزينا من رمضان، وان لم نعتقد انه من رمضان؟ قال: نعم. فقلت قول النبي صلى الله عليه وسلم " انما الاعمال بالنية " أليس يريد أن ينوي انه من رمضان؟ قال لا، إذا نوى من الليل انه صائم أجزأه وحكى أبو حفص العكبري عن بعض أصحابنا انه قال: ولو نوى أن يصوم تطوعا ليلة الثلاثين من رمضان فوافق رمضان أجزأه. قال القاضي وجدت هذا الكلام اختيارا لابي القاسم ذكره في

[ 28 ]

شرحه، وقال أبو حفص لا يجزئه إلا أن يعتقد من الليل بلا شك ولا تلوم، فعلى القول الثاني لو نوى في رمضان الصوم مطلقا أو نوى نفلا وقع عن رمضان وصح صومه، وهذا قول أبي حنيفة إذا كان مقيما لانه فرض مستحق في زمن بعينه فلا يجب تعيين النية له كطواف الزيارة ولنا انه صوم واجب فوجب تعيين النية له كالقضاء، وطواف الزيارة عندنا كهذه المسألة في افتقاره إلى التعيين، فلو نوى طواف الوداع أو طوافا مطلقا لم يجزه عن طواف الزيارة، ثم الحج مخالف للصوم ولهذا ينعقد مطلقا وينصرف إلى الفرض، ولو حج عن غيره ولم يكن حج عن نفسه وقع عن نفسه ولو نوى الاحرام بمثل ما أحرم به فلان صح وينعقد فاسدا بخلاف الصوم (مسألة) (ولا يحتاج إلى نية الفرضية، وقال ابن حامد يجب ذلك) إذا عين النية عن صوم رمضان أو قضائه أو نذره أو كفارة لم يحتج أن ينوي انه فرض لان التعيين يجزئ عن نية الفرضية، وقال ابن حامد يجب ذلك، وقد ذكرنا ذلك في كتاب الصلاة (مسألة) (ولو نوى إن كان غدا من رمضان فهو فرضي وإلا فهو نفل لم يجزئه على الرواية المشهورة لانه لم يعين الصوم من رمضان جزما وعنه يجزيه لانه قد نوى الصوم ولو كان عليه صوم من سنة خمس فنوى انه يصوم عن سنة ست أو نوى الصوم عن يوم الاحد وكان غيره أو ظن ان غدا الاحد فنواه وكان الاثنين صح صومه لان نية الصوم لم تختل انما أخطأ في الوقت (مسألة) (ومن نوى الافطار أفطر)

[ 29 ]

إذا نوى الافطار في صوم الفرض أفطر وفسد صومه هذا ظاهر المذهب وقول الشافعي وأبي ثور وقال أصحاب الرأي إن عاد فنوى قبل أن ينتصف النهار أجزأه بناء على أصلهم ان الصوم المعين يجزئ بنية من النهار، وحكي عن ابن حامد ان الصوم لا يفسد بذلك لانها عبادة يلزم المضي في فاسدها فلم تفسد بنية الخروج منها كالحج ولنا انها عبادة من شرطها النية ففسدت بنية الخروج منها كالصلاة ولان اعتبار النية في جيمع أجزاء العبادة، لكن لما شق اعتبار حقيقتها اعتبر بقاء حكمها وهو أن لا ينوي قطعها، فإذا نواه زالت حقيقة وحكما ففسد الصوم لزوال شرطه، وما ذكره ابن حامد لا يطرد في غير رمضان ولا يصح القياس على الحج فانه يصح بنية مطلقة وسبهمة وبالنية عن غيره إذا لم يكن حج عن نفسه فافترقا (فصل) فأما صوم النفل فان نوى الفطر ثم لم ينو الصوم بعد ذلك لم يصح صومه لان النية انقطعت ولم توجد نية غيرها أشبه من لم ينو أصلا، وان عاد فنوى الصوم صح كما لو أصبح غير ناو للصوم لان نية الفطر انما أبطلت الفرض لقطعها النية المشترطة في جميع النهار حكما وخلو بعض أجزاء النهار عنها، والنفل بخلاف ذلك فلم يمنع صحة الصوم نية الفطر في زمن لا يشترط وجود نية الصوم فيه لان نية الفطر لا تزيد على عدم النية في ذلك الوقت وعدمها لا يمنع صحة الصوم إذا نوى بعد ذلك فكذلك إذا نوى الفطر ثم نوى الصوم بعده، وقد روي عن أحمد أنه قال: إذا أصبح صائما ثم عزم على الفطر فلم يفطر حتى بدا له ثم قال لابل أتم صومي من الواجب لم يجزئه حتى يكون عازما على الصوم يومه كله، ولو كان تطوعا كان أسهل وظاهر هذا موافق لما ذكرناه. وقد دل على صحته ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يسأل أهله هل من غداء؟ فان قالوا لا. قال: " إني إذا صائم " (فصل) فان نوى انه سيفطر ساعة أخرى فقال ابن عقيل هو كنية الفطر في وقته وإن تردد في الفطر فعلى وجهين كما ذكرنا في الصلاة، وان نوى انني ان وجدت طعاما أفطرت وإلا أتممت صومي خرج فيه وجهان (أحدهما) يفطر لانه لم يبق جازما بنية الصوم ولذلك لا يصح ابتداء النية بمثل هذا (الثاني) لا يفطر لانه لم ينو الفطر نية صحيحة، لان النية لا يصح تعليقها على شرط، ولذلك لا ينعقد الصوم بمثل هذه النية (فصل) ومن ارتد عن الاسلام أفطر بغير خلاف نعلمه إذا ارتد في أثناء الصوم فعليه قضاء ذلك اليوم إذا عاد إلى الاسلام سواء أسلم في أثناء اليوم أو بعد انقضائه، وسواء كانت ردته باعتقاد ما يكفر به أو شكه أو النطق بكلمة الكفر مستهزئا أو غير مستهزئ لانها عبادة من شرطها النية أشبهت الصلاة والحج (مسألة) (ويصح صوم النفل بنية من النهار قبل الزوال وبعده، وقال القاضي لا يجزي بعد الزوال)

[ 30 ]

يصح صوم التطوع بنية من النهار وهذا قول أبي حنيفة والشافعي، وروي ذلك عن أبي الدرداء وأبي طلحة وابن مسعود وحذيفة وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والنخعي، وقال مالك وداود لا يجوز إلا بنية من الليل لقوله عليه السلام " لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل " ولان الصلاة يتفق نية نفلها وفرضها فكذلك الصوم ولنا ماروت عائشة رضي الله عنها قال: دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال " هل عندكم شي؟ " قلنا لا. قال " فاني إذا صائم " أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي ويدل عليه أيضا حديث عاشوراء ولان الصلاة يخفف نفلها عن فرضها في سقوط القيام وجوازها في السفر على الراحلة إلى غير القبلة فكذلك الصيام، وحديثهم نخصه بحديثنا ولو تعارضا قدم حديثنا لانه أصح من حديثهم فانه من رواية ابن لهيعة ويحيى بن أيوب. قال الميموني سألت أحمد عنه فقال أخبرك ماله عندي ذاك الاسناد إلا انه عن ابن عمر وحفصة إسنادان جيدان، والصلاة يتفق وقتها وقت النية لنفلها وفرضها لان اشتراط النية في أول الصلاة لا يفضي إلى تقليلها بخلاف الصوم فانه يعين له الصوم من النهار فعفي عنه كما جوزنا التنفل قاعدا لهذه العلة إذا ثبت ذلك فأي وقت من النهار نوى أجزأه، هذا ظاهر كلام أحمد والخرقي وهو ظاهر قول ابن مسعود ويروى عن سعيد ابن المسيب، واختار القاضي في المجرد انه

[ 31 ]

لا تجزئه النية بعد الزوال وهو مذهب أبي حنيفة والمشهور من قولي الشافعي لان معظم النهار مضى بغير نية بخلاف الناوي قبل الزوال فانه قد أدرك معظم العبادة ولهذا تأثير في الاصول بدليل أن من أدرك الامام في الركوع أدرك الركعة لادراكه معظمها، ولو أدركه بعد الرفع لم يكن مدركا لها، وكذلك من أدرك ركعة من الجمعة يكون مدركا لها لانها لا تزيد بالتشهد شيئا ولا يدركها بدون الركعة لذلك ولنا انه نوى في جزء من النهار أشبه مالو نوى في أوله ولان جميع الليل وقت النية الفرض فكذلك جميع النهار وقت لنية النفل ولان صوم النفل انما جوزناه بنية من النهار طلبا لتكثيره وهذا أبلغ في التكثير (فصل) وانما يحكم له بالصوم الشرعي المثاب عليه من وقت النية في المنصوص عن أحمد فانه قال: من نوى في التطوع من النهار كتب له بقية يومه، وأذا أجمع من الليل كان له يومه، وهذا قول بعض أصحاب الشافعي، وقال أبو الخطاب في الهداية يحكم بذلك من أول النهار وهو قول بعض الشافعية لان الصوم لا يتبعض في اليوم بدليل ما لو أكل في بعضه لم يجزه صيام باقيه، فإذا وجد في بعض اليوم دل على انه صائم من أوله، ولا يمتنع الحكم بالصوم من غير نية حقيقية كما لو نسي الصوم بعد نيته أو غفل عنه، ولانه لو أدرك بعض الركعة أو بعض الجماعة كان مدركا لجميعها ولنا ان ما قبل النية لم ينو صيامه فلا يحصل له صيامه لقوله عليه السلام " انما الاعمال بالنيات وانما لكل أمرئ ما نوى " ولان الصوم عبادة محضة فلا يوجد بغير نية كسائر العبادات المحضة، ودعوى

[ 32 ]

ان الصوم لا يتبعض دعوى محل النزاع وانما يشترط لصوم البعض أن لا توجد المفطرات في شئ من اليوم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عاشوراء " فليصم بقية يومه " وأما إذا نسي النية بعد وجودها فانه يكون مستصحبا لحكمها بخلاف ما قبلها فانها لم توجد حكما ولا حقيقة، ولهذا لو نوى الفرض من الليل ونسيه في النهار صح صومه، ولو لم ينو من الليل لم يصح صومه. وأما ادراك الركعة والجماعة فانما معناه انه لا يحتاج إلى قضاء ركعة وينوي انه مأموم وليس هذا مستحيلا، أما أن يكون ما صلى

[ 33 ]

الامام قبله من الركعات محسوبا له بحيث يجزئه عن فعله فكلا ولان مدرك الركوع مدرك لجميع أركان الركعة لان القيام وجد حين كبر وفعل سائر الاركان مع الامام، وأما الصوم فان النية شرط له

[ 34 ]

أو ركن فيه فلا يتصور وجوده بدون شرطه وركنه (فصل) وانما يصوم الصوم بنية من النهار بشرط أن يكون طعم قبل النية ولا فعل ما يفطره

[ 35 ]

فان فعل شيئا من ذلك لم يجزه الصيام بغير خلاف نعلمه والله عزوجل أعلم (باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة) ومن أكل أو شرب أو استعط أو احتقن أو داوى الجائفة بما يصل إلى جوفه أو كتحل بما يصل إلى حلقه أو داوى المأمومة أو قطر في أذنه ما يصل إلى دماغه أو أدخل في جوفه شيئا من أي موضع كان أو استقاء أو استمنى أو قبل أو لمس فأمنى أو أمذى أو كرر النظر فانزل أو حجم أو احتجم عامدا ذاكرا لصومه فسد صومه وان كان مكرها أو ناسيا لم يفسد.

[ 36 ]

أجمع أهل العلم على الافطار بالاكل والشرب لما يتغذى به، وقد دل عليه قوله تعالى (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل) مدة إباحة الاكل والشرب إلى تبين الفجر ثم أمر بالصيام عنهما، وفي الحديث " لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي " فأما أكل ما لا يتغذى به فيحصل به الفطر في قول عامة أهل العلم، وقال الحسن بن صالح لا يفطر بما ليس بطعام ولا شراب وحكي عن أبي طلحة الانصاري أنه كان يأكل البرد في الصوم ويقول ليس بطعام ولا شراب ولعل من يذهب إلى ذلك يحتج بأن الكتاب والسنة انما حرما الاكل والشرب المعتاد فما عداهما يبقى على أصل الاباحة.

[ 37 ]

ولنا دلالة الكتاب والسنة على تحريم الاكل والشرب على العموم فيدخل فيه محل النزاع ولم يثبت عندنا ما نقل عن أبي طلحة فلا يعد خلافا (فصل) ويفطر بكل ما أدخله إلى جوفه أو مجوف في جسده كدماغه وحلقه ونحو ذلك مما ينفد إلى معدته إذا وصل باختياره وكان مما يمكن التحرز منه سواء وصل من الفم على العادة أو غيرها كالوجور واللدود أو من الانف كالسعوط أو ما يدخل من الاذان إلى الدماغ أو ما يدخل من العين إلى الحلق كالكحل أو ما يدخل إلى الجوف من الدبر بالحقنة أو ما يصل من مداواة الجائفة أو من دواء المأمومة، وكذلك ان جرح نفسه أو جرحه غيره باذنة فوصل إلى جوفه سواء استقر في جوفه أو عاد فخرج منه لانه واصل إلى الجوف باختياره فاشبه الاكل وبهذا كله قال الشافعي الا في الكحل وقال مالك لا يفطر بالسعوط الا أن ينزل إلى حلقه ولا يفطر إذا داوى المأمومة والجائفة واختلف عنه

[ 38 ]

في الحقنة واحتج بانه لم يصل إلى الحلق منه شئ أشبه ما لم يصل إلى الدماغ ولا الجوف ولنا أنه واصل إلى جوف الصائم باختياره فيفطره كالواصل إلى الحلق ولان الدماغ جوف والواصل إليه يغذيه فيفطر كجوف البدن (فصل) فاما الكحل فان وجد طعمه في حلقه أو علم وصوله إليه فطره والا لم يفطره نص عليه أحمد وقال ابن أبي موسى ان اكتحل بما يجد طعمه كالذرور والصبر والقطور افطر وان اكتحل باليسير من الاثمد غير المطيب لم يفطر نص عليه أحمد وقال ابن عقيل ان كان الكحل حادا فطره والا فلا ونحو ما ذكرناه قال أصحاب مالك عن ابن أبي ليلى وابن شبرمه أن الكحل يفطر الصائم، وقال أبو حنيفة والشافعي لا يفطر لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اكتحل في رمضان وهو صائم ولان العين ليست منفذا فلم يفطر بالداخل منها كما لو دهن رأسه ولنا أنه أوصل إلى حلقه ما هو ممنوع من تناوله بفيه فأفطر به كما لو أوصله من أنفه وما رووه لم يصح، قال الترمذي لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في باب الكحل للصائم شئ ثم نحمله أنه اكتحل بما لا يصل، وقولهم ليست العين منفذا لا يصح فانه يوجد طعمه في الحلق ويكتحل بالاثمد فيتنخعه. قال أحمد: حدثني انسان أنه اكتحل بالليل فتنخعه بالنهار ثم لا يعتبر في الواصل أن يكون من منفذ بدليل ما لو جرح نفسه جائفة فانه يفطر (مسألة) (أو استقاء أو استمنى) معنى استقاء استدعى القئ ويفطر به في قول عامة أهل العلم، قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على

[ 39 ]

ابطال صوم من استقاء عامدا، وحكي عن ابن مسعود وابن عباس أن القئ لا يفطر، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ثلاث لا يفطرن الصائم الحجامة والقئ والاحتلام " ولنا ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من استقاء عمدا فليقض " قال الترمذي هذا حديث حسن، ورواه أبو داود وحديثهم غير محفوظ يرويه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف قال الترمذي (فصل) وقليل القئ وكثيره سواء في ظاهر المذهب وفيه رواية ثانية لا يفطر إلا بمل ء الفم لانه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ولكن دسعه تملا الفم ولان اليسير لا ينقض الوضوء فلا يفطر كالبلغم، وفيه رواية ثالثة: أنه نصف الفم لانه ينقض الوضوء فأفطر به كالكثير، والاولى أولى لظاهر الحديث الذي رويناه، ولان سائر المفطرات لا فرق بين قليلها وكثيرها كذلك، هذا وحديث الرواية الثانية لا نعرف له أصلا ولا فرق بين كون القئ طعاما، أو مرارا، أو بلغما، أو دما، أو غيره لان لجميع داخل في الحديث (فصل) ولو استمنى بيده فقد فعل محرما ولا يفسد صومه بمجرده، فان أنزل فسد صومه لانه في معنى القبلة في اثارة الشهوة، وكذلك إن مذي به في قياس المذهب قياسا على القبلة، فأما إن أنزل لغير شهوة كالذي يخرج منه المني أو المذي لمرض فلا شئ عليه لانه خارج لغير شهوة أشبه البول، ولانه يخرج من غير اختيار منه ولا بسبب أشبه الاحتلام، ولو جامع بالليل فأنزل بعدما أصبح لم يفطر لانه لم يتسبب إليه في النهار فأشبه مالو أكل شيئا في الليل فذرعه القئ في النهار (مسألة) (قال أو قبل أو لمس فأمنى أو مذى) إذا قبل أو لمس لم يخل من ثلاثة أحوال (أحدها) أن لا ينزل ولا يمذي فلا يفسد صومه بذلك بغير خلاف علمناه لما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم وكان أملككم لاربه، رواه البخاري وروي بتحريك الراء وسكونها، قال الخطابي معنى ذلك حاجة النفس ووطرها وقيل بالتسكين العضو وبالتحريك الحاجة، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: هششت فقبلت وأنا صائم فقلت يارسول الله صنعت اليوم أمرا عظيما قبلت وأنا صائم، قال " أرأيت لو تمضمضت من أناء وأنت صائم " قلت لا بأس به، قال " فمه " رواه أبو داود، شبه القبلة بالمضمضة من حيث إنها من مقدمات الشهوة فان المضمضة إذا لم يكن معها نزول الماء لم تفطر وإن كان معها نزوله أفطر إلا أن أحمد ضعف هذا الحديث وقال: هذا ريح ليس من هذا شئ (الحال الثاني) أن يمني فيفطر بغير خلاف نعلمه لما ذكرناه من إيماء الخبرين ولانه انزل بمباشرة أشبه الانزال بجماع دون الفرج (الحال الثالث) أن يمذي فيفطر وهو قول مالك، وقال أبو حنيفة والشافعي لا يفطر وروي ذلك عن الحسن والشعبي والاوزاعي لانه خارج لا يوجب الغسل أشبه البول

[ 40 ]

ولنا أنه خارج تخلله الشهوة خرج بالمباشرة أشبه المني وبهذا فارق البول (مسألة) (أو كرر النظر فأنزل) لتكرار النظر ثلاثة أحوال أيضا (أحدها) أن لا يقترن به أنزال فلا يفسد الصوم بغير اختلاف (الثاني) أن ينزل المني به فيفسد الصوم، وبه قال عطاء والحسن ومالك وقال جابر بن زيد والثوري وأبو حنيفة والشافعي وابن المنذر لا يفسد لانه عن غير مباشرة أشبه الانزال بالفكر ولنا أنه انزال بفعل يتلذذ به يمكن التحرز منه أشبه الانزال باللمس. والفكر لا يمكن التحرز منه (1) بخلاف تكرار النظر (الثالث) مذى بذلك فظاهر كلام احمد أنه لا يفطر به لانه لا نص في الفطر به ولا يصح قياسه على انزال المني لمخالفته إباه في الاحكام فيبقى على الاصل وفيه قول آخر أنه يفطر لانه خارج بسبب الشهوة أشبه المني ولان السبب الضعيف إذا تكرر تنزل بمنزلة السبب القوي فان من أعاد الضرب بعصا صغيرة فقتل وجب عليه القصاص كالضرب بالعصا الكبيرة والاول ظاهر المذهب (فصل) فأما إن صرف نظره لم يفسد صومه أنزل أو لم ينزل، وقال مالك يفسد صومه إن أنزل كما لو كرره ولنا أن النظرة الاولى لا يمكن التحرز منها فلا يفسد الصوم ما أفضت إليه كالفكرة وعليه يخرج التكرار (مسألة) (قال أو حجم أو أحتجم) الحجامة يفطر بعها الحاجم والمحجوم وبه قال اسحاق وابن المنذر ومحمد بن اسحق وابن خريمة وعطاء وعبد الرحمن بن مهدي وكان مسروق والحسن وابن سيرين لا يرون للصائم أن يحتجم وكان جماعة من الصحابة يحتجمون ليلا في الصوم منهم ابن عمر وابن عباس وأبو موسى وأنس بن مالك ورخص فيها أبو سعيد الخدري وابن مسعود وأم سلمة والحسين بن علي وعروة وسعيد بن جبير وقال مالك والثوري وأبو حنيفة والشافعي يجوز للصائم أن يحتجم ولا يفطر لما روي البخاري عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم ولانه دم خارج من البدن أشبه الفصد ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " أفطر الحاجم والمحجوم " رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أحد عشر نفسا قال أحمد حديث شداد بن أوس من أصح حديث يروى في هذا الباب واسناد حديث رافع اسناد جيد وقال حديث ثوبان وشداد صحيحان وقال علي بن المديني أصح شئ في هذا الباب حديث شداد وثوبان. وحديثهم منسوخ بحديثنا بدليل ما روى ابن عباس أنه قال احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقاحة بقرن وناب وهو محرم صائم فوجد لذلك ضعفا شديدا فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحتجم الصائم رواه أبو اسحاق الجوزجاني في المترجم وعن الحكم قال احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم فضعف ثم كرهت الحجامة

[ 41 ]

للصائم وكان ابن عباس وهو راوي حديثهم يعد الحجام والمحاجم فإذا غابت الشمس احتجم كذلك رواه الجوزجاني وهذا يدل على أنه علم نسخ الحديث الذي رواه (1) ويحتمل أنه احتجم فافطر كما روي عنه عليه السلام أنه قاء فافطر فان قيل فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأي الحاجم والمحتجم يغتابان فقال ذلك قلنا لم تثبت صحة هذه الرواية مع أن اللفظ أعم من السبب فيجب الاخذ بعموم اللفظ دون خصوص السبب على اننا قد ذكرنا الحديث الذي فيه بيان علة النهي عن الحجامة وهي الخوف من الضعف فيبطل التعليل بما سواه أو تكون كل واحدة منهما علة مستقلة على أن الغيبة لا تفطر الصائم اجماعا فلا يصح حمل الحديث عليها قال أحمد لان يكون الحديث على ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم " افطر الحاجم والمحجوم " أحب الينا من أن يكون من الغيبة لان من أراد أن يمتنع من الحجامة أمتنع وهذا أشد على الناس من يسلم من الغيبة؟ فان قيل إذا كانت علة النهي ضعف الصائم بها فلا يقتضي ذلك الفطر انما يقتضي الكراهة ومعنى قوله " افطر الحاجم والمحجوم " أي قربا من الفطر قلنا هذا تأويل يحتاج إلى دليل مع أنه لا يصح في حق الحاجم لانه لا يضعفه (فصل) وانما يفطر بما ذكرنا إذا فعله عامدا ذاكرا لصومه وان فعل شيئا من ذلك ناسيا لم يفسد صومه روي عن علي رضي الله عنه لا شئ على من أكل ناسيا وهو قول ابي هريرة وابن عمر وعطاء وطاوس وابن أبي ذئب والاوزاعي والثوري وأبي حنيفة واسحاق وقال ربيعة ومالك يفطر لان مالا يصح الصوم مع شئ من جنسه عمدا لا يجوز مع سهوه كالجماع وترك النية ولنا ما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أكل أحدكم أو شرب ناسيا فليتم صومه فانما أطعمه الله وسقاه " متفق عليه وفي لفظ " من أكل أو شرب ناسيا فانما هو رزق رزقه الله " ولانها عبادة ذات تحليل وتحريم فكان في محظوراتها ما يختلف عمده وسهوه كالصلاة والحج فأما النية فليس تركها فعلا ولانها شرط والشروط لا تسقط بالسهو بخلاف المبطلات والجماع حكمه أغلظ ويمكن التحرز عنه (مسألة) (فان فكر فأنزل لم يفسد صومه) وحكي عن أبي حفص البرمكي أنه يفسد واختاره ابن عقيل لان الفكرة تستحضر فتدخل تحت الاختيار لان الله تعالى مدح الذين يتفكرون في خلق السموات والارض ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التفكر في ذات الله ولو كانت غير مقدور عليها لم يتعلق بها ذلك كالاحتلام فأما أن خطر بقلبه صورة ذلك الفعل فأنزل لم يفسد صومه كالاحتلام ولنا قوله عليه الصلاة والسلام " عفي لامتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به " ولانه لا نص في الفطر به ولا اجماع، ولا يمكن قياسه على تكرار النظر لانه دونه في استدعاء الشهوة وأفضائه

[ 42 ]

إلى الانزال ويخالفه في التحريم إذا تعلق، إذا ثبت ذلك في الاكل والشرب ثبت في سائر ما ذكرنا قياسا عليه، ولنا في الجماع منع (فصل) وإن فعل شيئا من ذلك وهو نائم لم يفسد صومه لانه لا قصد له ولا علم بالصوم فهو أعذر من الناسي فان فعله جاهلا بتحريمه فذكر أبو الخطاب أنه لا يفطره كالناسي (قال شيخنا) ولم أره عن غيره، وقول النبي صلى الله عليه وسلم " أفطر الحاجم والمحجوم " في حق الرجلين اللذين رآهما يحجم أحدهما صاحبه من جهلهما بتحريمه يدل على أن الجهل لا يعذر به، ولانه نوع جهل فلم يمنع الفطر كالجهل بالوقت في حق من أكل يظن أن الفجر لم يطلع وتبين بخلافه (فصل) فان فعله مكرها بالوعيد فقال ابن عقيل قال أصحابنا لا يفطر به لقول النبي صلى الله عليه وسلم " عفي لامتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " قال ويحتمل عندي أن يفطر لانه فعل المفطر لدفع الضرر عن نفسه أشبه المريض ومن شرب لدفع العطش، فأما الملجأ فلا يفطر لانه خرج بذلك عن حيز الفعل ولذلك لا يضاف إليه، ولذلك افترقا فيما إذا أكره على قتل آدمي فقتله أو ألقي عليه (مسألة) (وإن طار إلى حلقه ذباب، أو غبار، أو قطر في احليله، أو فكر فأنزل، أو احتلم، أو ذرعه القئ، أو أصبح وفي فيه طعام فلفظه، أو اغتسل، أو تمضمض، أو استنشق فدخل الماء حلقه لم يفسد صومه، وإن زاد على الثلاث أو بالغ فيهما فعلى وجهين) إذا دخل حلقه غبار من غير قصد كغبار الطريق ونخل الدقيق، أو الذبابة تدخل حلقه أو يرش عليه الماء فيدخل مسامعه أو حلقه، أو يلقى في ماء فيصل إلى جوفه، أو يدخل حلقه بغير اختياره، أو يداوي جائفته أو مأمومته بغير اختياره، أو يحجم كرها، أو تقبله امرأة بغير اختياره فينزل وما أشبه ذلك لا يفسد صومه، لا نعلم فيه خلافا لانه لا يمكن التحرز منه أشبه مالو دخل حلقه شئ وهو نائم، وكذلك الاحتلام لانه من غير اختيار منه فأشبه ما ذكرنا، وفي معنى ذلك إذا ذرعه القئ لانه بغير اختياره كالاحتلام بأجنبية أو الكراهة إن كان في زوجة فبقي على الاصل (فصل) فان قطر في احليله دهنا لم يفطر به سواء وصل إلى المثانة أم لا، وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي يفطر لانه أوصل الدهن إلى جوف في جسده فأفطر كما لو داوى الجائفة، ولان المني يخرج من الذكر فيفطره وما أفطر بالخارج منه جاز أن يفطر بالداخل منه كالفم ولنا أنه ليس بين باطن الذكر والجوف منفذ، وانما يخرج البول رشحا فالذي يتركه فيه لا يصل إلى الجوف فلا يفطره كالذي يتركه في فيه ولا يبلعه (مسألة) (قال أو أصبح وفي فيه طعام فلفظه) إذا أصبح في فيه الطعام لم يخل من حالين (أحدهما) أن يكون يسيرا لا يمكنه لفظه فيزدرده

[ 43 ]

فانه لا يفطر به لانه لا يمكن التحرز منه أشبه الريق، قال ابن المنذر أجمع على ذلك أهل العلم (الثاني) أن يكون كثيرا يمكنه لفظه فان لفظه فلا شئ عليه وكذلك ان دخل حلقه بغير اختياره لمشقة الاحتراز منه وان ابتلعه عامدا فسد صومه وهو قول الاكثرين وقال أبو حنيفة لا يفسد لانه لابد أن يبقى بين أسنانه شئ مما يأكله فلم يفطر بابتلاعه كالريق ولنا أنه بلع طعاما يمكنه لفظه باختياره ذاكرا لصومه فافطر به كما لو ابتلع ابتداء من خارج ويخالف ما يجري به الريق فانه لا يمكنه لفظه فان قيل يمكنه أن يبصق قلنا لا يخرج جميع الريق ببصاقه وان منع من ابتلاع ريقه كله لم يمكنه

[ 44 ]

(مسألة) قال (أو اغتسل أو تمضمض أو استنشق فدخل الماء حلقه لم يفسد صومه) المضمضة والاستنشاق لا يفطر بغير خلاف سواء كان في طهارة أو غيرها وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ان عمر سأله عن القبلة للصائم فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أرأيت لو تمضمضت من اناء وأنت صائم " قلت لا بأس قال " فمه " ولان الفم في حكم الظاهر فلا يبطل الصوم بالواصل إليه كالانف والعين فان تمضمض أو أستنشق في الطهارة فسبق الماء إلى حلقه من غير قصد ولا إسراف فلا شئ عليه، وهذا قول الاوزاعي وإسحاق والشافعي في أحد قوليه وروي ذلك عن ابن عباس وقال مالك وأبو حنيفة يفطر لانه أوصل الماء إلى حلقه ذاكرا لصومه فأفطر كما لو تعمد شربه ولنا أنه وصل إلى حلقه من غير قصد ولا إسراف أشبه مالو طارت ذبابة إلى حلقه وبهذا فارق المتعمد (فصل) فأما إن زاد على الثلاث وبالغ في الاستنشاق والمضمضة فقد فعل مكروها لقول النبي صلى الله عليه وسلم للقيط بن صبرة " وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما " فان دخل الماء حلقه فقال أحمد يعجبني أن يعيد الصوم وفيه وجهان أحدهما يفطر لانه فعل مكروها تعرض به إلى إيصال الماء إلى حلقه أشبه من أنزل بالمباشرة ولان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المبالغة حفظا للصوم فدل على أنه يفطر به ولانه وصل بفعل منهي عنه أشبه العمد والثاني لا يفطره لانه وصل من غير قصد أشبه غبار الدقيق إذا دخل حلقه وقت نخله فأما المضمضة لغير طهارة فان كانت لحاجة كغسل فمه عند الحاجة إليه ونحوه فحكمه حكم المضمضة للطهارة

[ 45 ]

وان كان عبثا أو تمضمض من أجل العطش كره وسئل أحمد عن الصائم يعطش فيمضمض ثم يمجه قال يرش على صدره أحب إلي فان فعل فوصل الماء إلى حلقه أو ترك الماء في فيه عابثا أو للتبرد فالحكم فيه كالحكم في الزائد على الثلاث لانه مكروه (فصل) ولا بأس أن يصب الماء على رأسه من الحر والعطش لما روي عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال " لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرج يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش أو من الحر " رواه أبو داود (فصل) ولا بأس أن يغتسل الصائم فان عائشة وأم سلمة قالتا: نشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ان كان ليصبح جنبا من غير احتلام ثم يغتسل ثم يصوم متفق عليه وروى أبو بكر باسناده أن ابن عباس دخل الحمام وهو صائم هو واصحاب له في شهر رمضان فاما الغوص في الماء فقال أحمد في الصائم يغتمس في الماء إذا لم يخف أن يدخل في مسامعه وكره الحسن والشعبي أن ينغمس في الماء خوفا أن يدخل في مسامعه فان دخل إلى مسامعه في الغسل المشروع من غير قصد ولا اسراف لم يفطر كالمضمضة في الوضوء وان غاص في الماء أو اسرف أو كان عابثا فحكمه حكم الداخل إلى الحلق من المبالغة والزيادة على الثلاث على ما ذكرنا من الخلاف

[ 46 ]

(مسألة) (وان أكل شاكا في طلوع الفجر فلا قضاء عليه) إذا أكل وهو يشك في طلوع الفجر ولم يتبين له الحال فلا قضاء عليه وله الاكل حتى يتيقن طلوع الفجر نص عليه أحمد وهو قول ابن عباس وعطاء والاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وروي معنى ذلك عن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم وقال مالك يجب القضاء كما لو أكل شاكا في غروب الشمس ولنا قول الله تعالى (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر)

[ 47 ]

مد الاكل إلى غاية التبين وقد يكون شاكا قبل التبين فلو لزمه القضاء لحرم عليه الاكل، وقال النبي صلى الله عليه وسلم " فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم " وكان رجلا أعمى لا يؤذن حتى يقال له أصبحت أصبحت ولان الاصل بقاء الليل فيكون زمن الشك منه ما لم يعلم يقين زواله بخلاف غروب الشمس فان الاصل بقاء النهار فبني عليه (مسألة) (وان أكل شاكا في غروب الشمس فعليه القضاء)

[ 48 ]

إذا لم يتبين لان الاصل بقاء النهار فان كان حين الاكل ظانا أن الشمس قد غربت ثم شك بعد الاكل ولم يتبين فلا قضاء عليه لانه لم يوجد يقين أزال ذلك الظن الذي بنى عليه فأشبه مالو صلى بالاجتهاد ثم شك في الاصابة بعد صلاته (مسألة) (ومن أكل معتقدا أنه ليل فبان نهارا فعليه القضاء) وذلك أن يظن أن الشمس قد غابت ولم تغب أو ان الفجر لم يطلع وقد طلع فيجب عليه القضاء

[ 49 ]

هذا قول أكثر أهل العلم وحكي عن عروة ومجاهد والحسن واسحاق لا قضاء عليهم لما روى زيد بن وهب قال كنت جالسا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان في زمن عمر بن الخطاب فأتينا بعساس فيها شراب من بيت حفصة فشربنا ونحن نرى أنه من الليل ثم أنكشف السحاب فإذا الشمس طالعة قال فجعل الناس يقولون نقضي يوما مكانه فقال عمر والله لا نقضيه ما تجانفنا لاثم ولانه لم يقصد الاكل في الصوم فلم يلزمه القضاء كالناسي

[ 50 ]

ولنا أنه أكل مختارا ذاكرا للصوم فأفطر كما لو أكل يوم الشك ولانه جهل وقت الصيام فلم يعذر به كالجهل بأول رمضان ولانه يمكن التحرز منه فأشبه أكل العامد وفارق الناسي فانه لا يمكن التحرز منه. وأما الخبر فرواه الاثرم أن عمر قال من أكل فليقض يوما مكانه رواه مالك في الموطأ أن عمر قال الخطب يسير يعني خفة القضاء وروى هشام بن عروة عن فاطمة أمرأته عن أسماء قالت أفطرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم غيم ثم طلعت الشمس قيل لهشام أمروا بالقضاء قال لا بد من قضاء رواه البخاري

[ 51 ]

(فصل) ويجوز للجنب في الليل أن يؤخر الغسل حتى يصبح ويتم صومه وهو قول علي وابن مسعود وزيد وأبي الدرداء وأبي ذر وابن عمر وابن عباس وعائشة وأم سلمة رضي الله عنهم وهو قول مالك والشافعي في أهل الحجاز والثوري وأبي حنيفة في أهل العراق والاوزاعي في أهل الشام والليث في أهل مصر واسحاق وأبي عبيد وأهل الظاهر وكان أبو هريرة يقول لاصوم له ويروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع عنه قال سعيد بن المسيب رجع أبو هريرة عن فتياه وحكى عن الحسن

[ 52 ]

وسالم بن عبد الله يتم صومه ويقضي وعن النخعي يقضي في الفرض دون التطوع وعن عروة وطاوس ان علم بجنابته في رمضان فلم يغتسل حتى أصبح فهو مفطر وان لم يعلم فهو صائم وحجتهم حديث أبي هريرة ولنا ماروى أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال ذهبت أنا وأبي حتى دخلنا على عائشة فقالت أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ان كان ليصبح جنبا من جماع من غير احتلام ثم يصومه ثم دخلنا على أم سلمة فقال مثل ذلك ثم أتينا أبا هريرة فأخبرناه بذلك فقال هما أعلم بذلك انما

[ 53 ]

حدثنيه الفضل بن العباس متفق عليه قال الخطابي أحسن ما سمعت في خبر أبي هريرة أنه منسوخ لان الجماع كان محرما على الصائم بعد النوم فلما أباح الله سبحانه الجماع إلى طلوع الفجر جاز للجنب أذا أصبح قبل أن يغتسل أن يصوم وروت عائشة أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أني أصبح جنبا وأنا أريد الصيام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " وأنا أصبح جنبا وأنا أريد الصيام " فقال له الرجل يا رسول الله أنك لست مثلنا قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال " اني لارجو ا أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما اتقي " رواه مسلم ومالك في الموطأ (فصل) وحكم المرأة إذا انقطع حيضها من الليل وأخرت الغسل حتى أصبحت حكم الجنب يصح صومها إذا نوت من الليل بعد انقطاعه وقال الاوزاعي والحسن بن حي وعبد الملك بن الماجشون تقضي فرطت في الاغتسال أو لم تفرط لان حدث الحيض يمنع الصوم بخلاف الجنابة

[ 54 ]

ولنا أنه حدث يوجب الغسل فتأخير الغسل منه إلى أن يصبح لا يمنع صحة الصوم كالجنابة وما ذكروه لا يصح فان من طهرت من الحيض غير الحائض وانما عليها حدث موجب للغسل فهي كالجنب فان الجماع الموجب للغسل لو وجد في الصوم أفسده كالحيض وبقاء وجوب الغسل منه كبقاء وجوب الغسل من الحيض والله أعلم (فصل) وإذا جامع في نهار رمضان في الفرج قبلا كان أو دبرا فعليه القضاء والكفارة عامدا كان أو ساهيا وعنه لا كفارة عليه مع الاكراه والنسيان هذا المسألة تشتمل على خمسة أمور (أحدها) أن من جامع في نهار رمضان في الفرج فأنزل أو لم ينزل أو دون الفرج فأنزل عامدا فسد صومه بغير خلاف علمناه وقد دلت الاخبار الصحيحة على ذلك (الثاني) أنه يجب عليه القضا في قول أكثر أهل العلم وقال الشافعي في أحد قوليه لا يجب القضاء على من لزمته الكفارة لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر الاعرابي بالقضاء وحكي عن الشافعي أنه قال ان كفر بالصيام فلا قضاء عليه لانه صام شهرين متتابعين ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمجامع " وصم يوما مكانه " رواه أبو داود باسناده وابن ماجة والاثرم ولانه

[ 55 ]

أفسد يوما من رمضان فلزمه قضاؤه كما لو أفسده بالاكل ولانه صوم واجب أفسده بالجماع فوجب عليه القضاء كغير رمضان (فصل) فان جامع في غير صوم عامدا افسده ويجب عليه القضاء ان كان واجبا بغير خلاف علمناه وان كان نفلا ففيه اختلاف نذكره إن شاء الله تعالى (الثالث) ان من جامع في الفرج في رمضان عامدا تجب عليه الكفارة أنزل أو لم ينزل في قول عامة أهل العلم وعن الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير أنه لا كفارة عليه لانها عبادة لا تجب الكفارة بافساد قضائها فلم تجب في افساد أدائها كالصلاة ولنا ما روى عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال بينا نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال يا رسول الله هلكت قال " مالك؟ " قال وقعت على امرأتي وأنا صائم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هل تجد رقبة تعتقها " قال لا قال " فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " قال لا قال " فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ " قال لا قال فمكث النبي صلى الله عليه وسلم فبينا نحن على ذلك أتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر والعرق المكتل فقال " أين السائل؟ " فقال أنا فقال " خذ هذا فتصدق به " فقال الرجل على أفقر مني يارسول الله فوالله ما بين لابيتها أهل بيت أفقر من بيتي فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه ثم قال " اطعمه أهلك " متفق عليه ولا يجوز اعتبار الاداء في ذلك بالقضاء لان الاداء يتعلق بزمن مخصوص يتعين به والقضاء محله الذمة والصلاة لا يدخل في جبرانها المال بخلاف مسئلتنا

[ 56 ]

(الرابع) أن من جامع ناسيا فحكمه حكم العامد في ظاهر المذهب نص عليه أحمد وهو قول عطاء وابن الماجشون وروى أبو داود عن احمد أنه توقف عن الجواب وقال أجبن أن أقول فيه شيئا وفيه رواية ثانية أنه يجب عليه القضاء دون الكفارة وهذا قول مالك والاوزاعي والليث لان الكفارة لرفع الاثم وهو محطوط عن الناسي وفيه رواية ثالثة نقلها عنه ابن القاسم أنه قال كل أمر غلب عليه الصائم فليس عليه قضاء ولا غيره وهذا يدل على اسقاط القضاء والكفارة عن المكره والناسي وهو قول الحسن ومجاهد والثوري والشافعي وأصحاب الرأي لانه معنى حرمه الصوم فإذا وجد منه مكرها أو ناسيا لم يفسده كالاكل ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الذي قال وقعت على امرأتي بالكفارة ولم يستفصله ولو أفترق الحال لسأل واستفصل لانه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ولانه يجب التعليل بما تناوله لفظ السائل وهو الوقوع على المرأة في الصوم ولان السؤال كالمعاد في الجواب فكأن النبي صلى الله عليه وسلم قال من وقع على أهله في نهار رمضان فليعتق رقبة. فان قيل ففي الحديث ما يدل على العمد وهو قوله هلكت

[ 57 ]

وروى احترقت قلنا يجوز أن يخبر عن هلكته لما يعتقده في الجماع مع النسيان وخوفه من غير ذلك ولان الصوم عبادة تحرم الوطئ فاستوى فيها عمده وسهوه كالحج ولان افساد الصوم ووجود الكفارة حكمان يتعلقان بالجماع لا تسقطهما الشبهة فاستوى فيهما العمد والسهو كسائر أحكامه (الخامس) أنه لا فرق بين كون الفرج قبلا أو دبرا من ذكر أو أنثى وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة في أشهر الروايتين لا كفارة بالوطئ في الدبر لانه لا يحصل به الاحلال ولا الاحصان فلا يوجب الكفارة كالوطئ دون دون الفرج ولنا أنه أفسد صوم رمضان بجماع في الفرج فأوجب الكفارة كالوطئ في القبل وأما الوطئ دون الفرج قلنا فيه منع وان سلمنا فلان الجماع دون الفرج لا يفسد الصوم بمجرده بخلاف الوطئ في الدبر (مسألة) (ولا يلزم المرأة كفارة مع العذر وهل يلزمها مع عدمه على روايتين) حكم الوطئ في رمضان في حق المرأة كحكمه في حق الرجل في أفساد الصوم ووجوب القضاء بغير خلاف نعلمه في المذهب لانه نوع من المفطرات فاستوى فيه الرجل والمرأة كالاكل ولا يجب على المرأة كفارة مع العذر لما نذكره وهل يجب عليها الكفارة مع عدم العذر فيه روايتان احداهما تجب عليها اختاره أبو بكر وهو قول مالك وأبي حنيفة وأبي ثور وابن المنذر لانها

[ 58 ]

هتك صوم رمضان بالجماع فوجبت عليها الكفارة كالرجل (والثانية) لا كفارة عليها قال أبو داود سئل احمد عمن أتى أهله في رمضان أعليها كفارة قال ما سمعنا أن على المرأة كفارة وهذا قول الحسن وللشافعي قولان كالروايتين ووجه ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الواطئ في رمضان أن يعتق رقبة ولم يأمر في المرأة بشئ مع علمه بوجود ذلك منها ولانه حق مال يتعلق بالوطئ من بين جنسه فكان على الرجل المهر (مسألة) (قال وكل أمر غلب عليه الصائم فليس عليه قضاء ولا كفارة) هذه الرواية نقلها عنه ابن القاسم وهي تدل على اسقاط القضاء والكفارة مع الاكراه والنسيان وكذلك قال أبو الخطاب وقد ذكرنا حكم الناسي فاما حكم الاكراه فان أكرهت المرأة على الجماع فلا كفارة عليها رواية واحدة وعليها القضاء في ظاهر المذهب قال مهنا سألت احمد عن امرأة غصبها رجل نفسها فجامعها أعليها القضاء؟ قال نعم قلت وعليها الكفارة؟ قال لا وهذا قول الحسن والثوري وأصحاب الرأي وعلى قياس ذلك النائمة وقال مالك في النائمة عليها القضاء بلا كفارة والمكرهة عليها القضاء والكفارة وقال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر إن كان الاكراه بوعيد حتى فعلت كقولنا وان كان الجاء أو كانت نائمة لم تفطر وهذا مقتضى قول احمد في هذه الرواية التي رواها أبن القاسم لانها لم يوجد منها فعل فلم تفطر كما لو صب في حلقها ماء بغير اختيارها ووجه الاول أنه جماع في الفرج

[ 59 ]

فأفسد كما لو اكرهت بالوعيد ولانه عبادة يفسدها الوطئ ففسدت به على كل حال كالصلاة والحج (فصل) فان جامعت المرأة ناسية فقال أبو الخطاب حكم النسيان حكم الاكراه يوجب القضاء دون الكفارة قياسا على الرجل في ان الجماع يفطره مع النسيان، ويحتمل أن لا يلزمها القضاء لانه مفسد لا يوجب الكفارة أشبه الاكل (فصل) فان أكره الرجل فجامع فسد صومه على الصحيح لانه إذا أفسد صوم المرأة فالرجل أولى، فأما الكفارة فقال القاضي تجب عليه لان الاكراه على الوطئ لا يمكن لانه لا يطأ حتى ينتشر ولا ينتشر إلا عن شهوة فهو كغير المكره، وقال أبو الخطاب فيه روايتان (احداهما) لا كفارة عليه وهو مذهب الشافعي لان الكفارة إما عقوبة أو ماحية للذنب، والمكره غير آثم ولا مذنب، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم " عفي لامتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (والرواية الثانية) عليه الكفارة لما ذكرنا، فاما إن كان نائما فانتشر فاستدخلته امرأته أو غلبته على نفسه في حال يقظته، فقال ابن عقيل لا قضاء عليه ولا كفارة وهو ظاهر قول أحمد في رواية ابن القاسم ومذهب الشافعي لانه معنى حرمه الصوم حصل بغير اختياره فلم يفطر به كما لو طار إلى حلقه ذبابة، وظاهر كلام أحمد ان عليه القضاء وقد ذكرناه لان الصوم عبادة يفسدها الجماع فاستوى فيه حالة الاختيار والاكراه كالحج، ولا يصح قياس الجماع على غيره في عدم الافساد لتأكده بايجاب الكفارة وأفساد الحج من بين سائر محظوراته والله أعلم (فصل) فان تساحقت امرأتان فسد صومهما إن أنزلتا، فان أنزلت احداهما فسد صومها وحدها دون الاخرى، وهل يكون حكمهما حكم المجامع دون الفرج إذا أنزل أو لا يلزمهما كفارة بحال فيه وجهان مبنيان على ان الجماع من المرأة هل يوجب الكفارة على روايتين، والصحيح انه لا كفارة

[ 60 ]

عليهما لان ذلك ليس بمنصوص عليه ولا في معنى المنصوص عليه فيبقى على الاصل، فان أنزل المجبوب بالمساحقة فحكمه حكم المجامع دون الفرج إذا أنزل والله أعلم (مسألة) (وان جامع فيما دون الفرج فأنزل أو وطئ بهيمة في الفرج أفطر وفي الكفارة وجهان) إذا جامع فيما دون الفرج عامدا فأنزل فسد صومه بغير خلاف علمناه وهل تجب عليه الكفارة فيه عن أحمد روايتان (احداهما) تجب وبه قال مالك وعطاء والحسن وابن المبارك وإسحاق اختارها الخرقي والقاضي لانه أفطر بجماع فوجبت به الكفارة كالوطئ في الفرج (والثانية) لا كفارة عليه وهو قول أبي حنيفة والشافعي لانه فطر بغير جماع تام أشبه القبلة ولانه لا نص فيه ولا اجماع ولا هو في معنى المنصوص لان الجماع في الفرج أبلغ بدليل تعلق الكفارة به من غير انزال، ويجب به الحد ويتعلق به أثنى عشر حكما فلا يصح القياس عليه ولان العلة في الاصل الجماع بدون الانزال والجماع هنا بدون إنزال غير موجب بالاجماع فلا يصح الاعتبار به وهذه أصح ان شاء الله تعالى (فصل) فان قبل أو لمس فأنزل فسد صومه، وفي الكفارة روايتان أصحهما أنها لا تجب نقلها عنه الاثرم وأبو طالب وأختارها الخرقي وهو قول الشافعي وأبي حنيفة لانه أنزال بغير وطئ أشبه الانزال بتكرار النظر، ولا يصح قياسه على الوطئ دون الفرج لان الاستمتاع بالوطئ فيما دون الفرج أقوى وأبلغ من القبلة لكونه وطأ في الجملة (والثانية) عليه الكفارة نقلها حنبل لانه أنزال عن مباشرة أشبه الانزال بالوطئ دون الفرج، ولا فرق بين كون الموطوءة زوجة أو أجنبية صغيرة أو كبيرة لانه إذا وجب بوطئ الزوجة فبوطئ الاجنبية أولى (فصل) فأما الوطئ في فرج البهيمة فذكر القاضي انه موجب للكفارة، وذكر أبو بكر ذلك عن أحمد نقلها عنه ابن منصور لانه وطئ في فرج موجب للغسل مفسد للصوم أشبه وطئ الآدمية وفيه وجه آخر انه لا يوجب الكفارة ذكره أبو الخطاب لانه لا نص فيه ولا هو في معنى المنصوص فانه مخالف لوطئ الآدمية في ايجاب الحد على إحدى الروايتين وفي كثير من أحكامه (مسألة) (وإن جامع في يوم رأى الهلال في ليلته وردت شهادته فعليه القضاء والكفارة وهو

[ 61 ]

قول الشافعي، وقال أبو حنيفة لا تجب لانها عقوبة فلم تجب بفعل مختلف فيه كالحد) ولنا أنه أفطر يوما من رمضان بجماع فوجبت عليه الكفارة كما لو قبلت شهادته، ولا نسلم ان الكفارة عقوبة ثم قياسهم ينتقض بوجوب الكفارة بالجماع في السفر القصير مع وقوع الخلاف فيه (مسألة) (وإن جامع في يومين ولم يكفر فهل يلزمه كفارة أو كفارتان على وجهين) إذا جامع مرتين ولم يكفر عن الاول فان كان في يوم واحد أجزأته كفارة واحدة بغير خلاف وإن كان في يومين ففيه وجهان (أحدهما) تجرئه كفارة واحدة وهو ظاهر كلام الخرقي واختيار أبي بكر، واليه ذهب الزهري والاوزاعي وأصحاب الرأي لانها جزاء عن جناية تكرر سببها قبل استيفائها فيجب أن تتداخل كالحد (والثاني) يلزمه كفارتان اختاره القاضي وهو قول مالك والليث والشافعي وابن المنذر، وروي عن عطاء ومكحول لان كل يوم عبادة مفردة، فإذا وجبت الكفارة بافساده لم يتداخل كرمضانين وكالحجتين (مسألة) (وإن جامع ثم كفر ثم جامع في يومه فعليه كفارة ثانية نص عليه، وكذلك كل من لزمه الامساك إذا جامع) إذا كفر ثم جامع ثانية فان كان في يومين فعليه كفارة ثانية بغير خلاف نعلمه، وإن كان في يوم واحد فكذلك نص عليه احمد، وهكذا يخرج في كل من لزمه الامساك وحرم عليه الجماع في نهار رمضان، وإن لم يكن صائما كمن لم يعلم برؤية الهلال إلا بعد طلوع الفجر أو نسي النية أو أكل عامدا ثم جامع، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي لا شئ عليه بذلك الجماع لانه لم يصادف الصوم ولم يمنع صحته فلم يوجب شيئا كالجماع في الليل ولنا أنها عبادة تجب الكفارة بالجماع فيها فتكررت بتكرر الوطئ إذا كان بعد التكفير كالحج ولانه وطئ محرم لحرمة رمضان فأوجب الكفارة كالاول وفارق الوطئ في الليل لانه مباح، فان قيل الوطئ الاول تضمن هتك الصوم وهو مؤثر في الايجاب فلا يصح قياس غيره عليه قلنا هو ملغى بمن

[ 62 ]

طلع عليه الفجر وهو مجامع فاستدام فانه يلزمه الكفارة مع أنه لم يهتك الصوم (فصل) وإذا بلغ الصبي أو أسلم كافر، أو أفاق مجنون، أو طهرت حائض، أو نفساء، أو قدم المسافر مفطرا في نهار رمضان فقد ذكرنا في وجوب الامساك عليهم روايتين، فان قلنا بوجوب الامساك وجبت الكفارة على المجامع، وإن قلنا لا يجب فلا شئ عليهم لان الفطر مباح لهم أشبه المجامع بالليل، فأما أن نوى الصوم في مرضه، أو سفره، أو صغره ثم زال عذره في أثناء النهار لم يجز له الفطر رواية واحدة وعليه الكفارة إن وطئ، وقال بعض الشافعية في المسافر خاصة وجهان (أحدهما) له الفطر لانه أبيح له الفطر ظاهرا وباطنا في أول النهار فكانت له أستدامته كما لو قدم مفطرا ولا يصح ذلك لان سبب الرخصة زال قبل الترخص فلم يكن له ذلك كما لو قدمت به السفينة قبل قصر الصلاة وكالصبي يبلغ والمريض يبرأ وهذا ينقض ما ذكروه وما قاسوا عليه ممنوع، ولو علم الصبي أنه يبلغ في أثناء النهار بالسن، أو علم المسافر أنه يقدم لم يلزمهما الصيام قبل زوال عذرهما لان سبب الرخصة موجود فثبت حكمها كما لو لم يعلما ذلك (مسألة) (وإن جامع وهو صحيح ثم مرض، أو جن، أو سافر لم تسقط عنه) إذا جامع في أول النهار ثم مرض، أو جن، أو كانت أمرأة فحاضت أو نفست في أثناء النهار لم تسقط الكفارة، وبه قال مالك والليث وابن الماجشون واسحاق، وقال أصحاب الرأي لا كفارة عليهم، وللشافعي قولان كالمذهبين واحتجوا بأن صوم هذا اليوم خرج عن كونه مستحقا فلم يجب بالوطئ فيه كفارة كصوم المسافر أو كما لو تبين أنه من شوال ولنا أنه معنى طرأ بعد وجوب الكفارة فلم يسقطها كالسفر، ولانه افسد صوما واجبا من رمضان بجماع تام فاستقرت الكفارة عليه كما لو لم يطرأ العذر والوطئ في صوم المسافر ممنوع، وإن سلم فالوطئ

[ 63 ]

ثم مباح لانه في صوم أبيح الفطر فيه بخلاف مسئلتنا، وكذا إذا تبين أنه من شوال لانه تبين أن الوطئ لم يصادف رمضان، والموجب انما هو الوطئ المفسد لصوم رمضان، فأما إن جامع في نهار رمضان ثم سافر في أثناء النهار لم تسقط الكفارة لانه يفضي إلى أن كل من جامع أمكنه اسقاط الكفارة عنه بالسفر في النهار وهو غير جائز (فصل) إذا طلع الفجر وهو مجامع فاستدام الجماع فعليه القضاء والكفارة، وبه قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: يجب القضاء دون الكفارة لان وطأه لم يصادف صوما صحيحا فلم يوجب الكفارة كما لو ترك النية وجامع ولنا أنه ترك صوم رمضان بجماع أثم به لحرمة الصوم فوجبت به الكفارة كما لو وطئ بعد طلوع الفجر وما قاسوا عليه ممنوع، فأما إن نزع في الحال مع أول طلوع الفجر فقال ابن حامد والقاضي عليه الكفارة لان النزع جماع يلتذ به أشبه الايلاج، وقال أبو حفص لا قضاء عليه ولا كفارة وهو قول أبي حنيفة والشافعي لانه ترك الجماع فلا يتعلق به ما يتعلق بالجماع كما لو حلف لا يدخل دارا وهو فيها فخرج منها وقال مالك يبطل صومه ولا كفارة عليه لانه لا يقدر على أكثر مما فعله من ترك الجماع أشبه المكره (قال شيخنا) وهذه المسألة تقرب من الاستحالة إذ لا يكاد يعلم أول طلوع الفجر على وجه يتعقبه النزع من غير أن يكون قبله شئ من الجماع فلا حاجة إلى فرضها والكلام فيها (فصل) ومن جامع يظن أن الفجر لم يطلع فتبين أنه كان طلع فعليه القضاء والكفارة، وقال

[ 64 ]

بعض الشافعية لا كفارة عليه، ولو علم في أثناء الوطئ فاستدام ذلك فلا كفارة عليه أيضا لانه إذا لم يعلم لم يأثم أشبه الناسي، وإن علم فاستدام فقد حصل الذي أثم به في غير صوم ولنا حديث المجامع حيث أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالكفارة ولم يستفصل، ولانه أفسد صوم رمضان بجماع تام فوجبت عليه الكفارة كما لو علم، ووطئ الناسي ممنوع ثم إنه لا يحصل به الفطر على الرواية الاخرى (مسألة) (وإن نوى الصوم في سفره ثم جامع فلا كفارة عليه وعنه عليه الكفارة) إذا نوى الصوم في سفره ثم أفطر بالجماع ففي الكفارة روايتان (احداهما) تجب اختارها القاضي لانه أفطر بجماع فلزمته الكفارة كالحاضر (والثانية) لا كفارة عليه اختارها شيخنا وهي الصحيحة وهو مذهب الشافعي لانه صوم لا يجب المضي فيه فلم تجب الكفارة بالجماع فيه كالتطوع وفارق الحاضر الصحيح فانه يجب عليه المضي في الصوم، وإن كان مريضا يباح له الفطر فهو كالمسافر قياسا عليه، ولانه يفطر بنية الفطر فيقع الجماع بعد حصول الفطر أشبه مالو أكل ثم جامع، ومتى أفطر المسافر فله فعل جميع ما ينافي الصوم من الاكل والشرب والجماع وغيره لان حرمتها بالصوم فيزول بزواله كمجئ الليل (مسألة) (ولا تجب الكفارة بغير الجماع في نهار رمضان) إذا جامع من غير صوم رمضان لم تجب عليه الكفارة في قول جمهور العلماء وقال قتادة تجب على من وطئ في قضاء رمضان لانه عبادة تجب الكفارة في آدائها فوجبت في قضائها كالحج ولنا انه جامع في غير رمضان فلم يلزمه كفارة كما لو جامع في صيام الكفارة والقضاء يفارق الآداء لانه متعين بزمان محترم فالجماع فيه هتك له بخلاف القضاء (فصل) ولا تجب الكفارة بافساد الصوم بغير الجماع وعن أحمد في المحتجم ان كان عالما بالنهي فعليه الكفارة وقال عطاء في المحتجم عليه الكفارة وقال مالك تجب الكفارة بكل ما كان هتكا للصوم الا الردة قياسا على الافطار بالجماع وحكي عن عطاء والحسن والزهري والثوري والاوزاعي وإسحاق أن الفطر بالاكل والشرب يوجب ما يوجب الجماع وبه قال أبو حنيفة الا انه اعتبر ما يتغذى به أو يتداوى به فلو ابتلع حصاة أو نواة أو فستقة بقشرها فلا كفارة عليه واحتج بأنه أفطر بأعلى ما في الباب من جنسه فوجبت عليه الكفارة كالمجامع ولنا أنه أفطر بغير جماع فلم يوجب الكفارة كبلع الحصاة وكالردة عند مالك، ولانه لا نص في إيجاب الكفارة بهذا ولا اجماع، ولا يصح قياسه على الجماع لان الحاجة إلى الزجر عنه أمس والحكمة

[ 65 ]

في التعدي به آكد، ولهذا يجب به الحد إذا كان محرما، ويختص بافساد الحج دون سائر محظوراته ويفسد صوم اثنين في الغالب دون غيره (مسألة) (والكفارة عتق رقبة، فان لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فان لم يستطع فاطعام ستين مسكينا) ظاهر المذهب أن كفارة الوطئ في رمضان مرتبة ككفارة الظهار يلزمه العتق، فان عجز عنه أنتقل إلى الصيام، فان عجز انتقل إلى الاطعام المذكور وهذا قول أكثر العلماء منهم الثوري والاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، وعن أحمد رواية أخرى أنها على التخيير بين هذه الثلاثة فبأيها كفر أجزأه وهي رواية مالك لما روى مالك وابن جريج عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رجلا أفطر في رمضان فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يكفر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو اطعام ستين مسكينا وأو حرف تخيير، ولانها تجب بالمخالفة فكانت على التخيير ككفارة اليمين وعن مالك رواية أخرى أنه قال: الذي نأخذ به في الذي يصيب أهله في شهر رمضان اطعام ستين مسكينا وصيام ذلك اليوم، وليس التحرير والصيام من كفارة رمضان في شئ، وهذا القول مخالف للحديث الصحيح مع أنه ليس له أصل يعتمد عليه ولا شئ يستند إليه، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع، ووجه الرواية الاولى الحديث الصحيح روه معمر ويونس والاوزاعي والليث وموسى بن عقبة

[ 66 ]

وعبيد الله بن عمر وعراك بن مالك وغيرهم عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للواقع على أهله " هل تجد رقبة تعتقها " قال لا، قال " فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " قال لا، قال " فهل تجد اطعام ستين مسكينا؟ " قال لا وذكر سائر الحديث وهذا لفظ الترتيب والاخذ به أولى من رواية مالك لان أصحاب الزهري اتفقوا على روايته هكذا سوى مالك وابن جريج فيما علمنا، واحتمال الغلط فيهما أكثر من احتماله في سائر أصحابه ولان الترتيب زيادة والاخذ بالزيادة متعين، ولان حديثنا لفظ النبي صلى الله عليه وسلم وحديثهم لفظ الراوي ويحتمل أنه رواه بأو لاعتقاده أن معنى اللفظين سواء ولانها كفارة فيها صوم شهرين متتابعين فكانت مرتبة كالظهار والقتل (فصل) فعلى هذه الرواية إذا عدم الرقبة انتقل إلى الصوم المذكور ولا نعلم خلافا في دخول الصوم في هذه الكفارة إلا قولا شاذا يخالف السنة الثابتة وقد ذكرناه، ولا خلاف بين من أوجبه أنه شهران متتابعان للخبر، فان لم يشرع في الصيام حتى وجد الرقبة لزمه العتق لان النبي صلى الله عليه وسلم سأل المواقع عما يقدر عليه حين أخبره بالتق ولم يسأله عما كان يقدر عليه حالة المواقعة وهي حالة الوجوب ولانه وجد المبدل قبل التلبس بالبدل فلزمه كما لو وجده حال الوجوب، وإن شرع في الصوم قبل القدرة على الاعتاق ثم قدر عليه لم يلزمه الخروج إليه إلا أن يشاء أن يعتق فيجرئه ويكون قد فعل

[ 67 ]

الاولى، وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة: يلزمه العتق لانه قدر على الاصل قبل أداء فرضه بالبدل فبطل حكم البدل كالمتيمم يرى الماء ولنا أنه شرع في الكفارة الواجبة عليه فاجزأته كما لو استمر العجز وفارق العتق التيمم لوجهين (أحدهما) أن التيمم لا يرفع الحدث وانما يستره فإذا وجد الماء ظهر حكمه، بخلاف الصوم فانه يرفع حكم الجماع بالكلية (الثاني) أن الصيام تطول مدته فيشق الزامه الجمع بينه وبين العتق بخلاف الوضوء والتيمم (فصل) (فان لم يستطع فاطعام ستين مسكينا) قال شيخنا رحمه الله ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في دخول الاطعام في كفارة الوطئ في رمضان في الجملة وهو مذكور في الخبر، ولانه اطعام في كفارة فيه صوم شهرين متتابعين فكان ستين مسكينا ككفارة الظهار، وقدر المطعم خمسة عشر صاعا من البر لكل مسكين مد وهو ربع الصاع أو ثلاثين صاعا من التمر أو الشعير لكل مسكين نصف صاع، قال أبو حنيفة من البر لكل مسكين نصف صاع ومن غيره صاع لكل مسكين لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سلمة بن صخر " فاطعم وسقا من تمر " رواه أبو داود، وقال أبو هريرة يطعم مدا من أي الانواع شاء، وبهذا قال عطاء والاوزاعي

[ 68 ]

والشافعي لما روى أبو هريرة في حديث المجامع أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بمكتل من تمر قدره خمسة عشر صاعا فقال " خذ هذا فاطعمه عنك " رواه أبو داود ولنا ما روى أحمد: حدثنا اسماعيل ثنا أيوب عن أبي زيد المدني قال جاءت امرأة من بني بياضة بنصف وسق شعير فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أطعم هذا فان مدي شعير مكان مد بر " ولان فدية الاذى

[ 69 ]

نصف صاع من التمر والشعير بلا خلاف فكذا هذا والمد من البر يقوم مقام نصف صاع من غيره بدليل هذا الحديث ولانه قول ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وزيد ولا مخالف لهم من الصحابة وأما حديث سلمة بن صخر فقد اختلف فيه وحديث أصحاب الشافعي يجوز أن يكون الذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم قاصرا عن الواجب فاجتزئ به لعجز المكفر عن ما سواه (مسألة) (فان لم يجد سقطت عنه، وعنه لا نسقط وعنه أن الكفارة على التخيير فبأيها كفر أجزأه) ظاهر المذهب أن المجامع في رمضان إذا عجز عن العتق والصيام والاطعام أن الكفارة تسقط عنه وهذا قول الاوزاعي وقال الزهري لابد من التكفير بدليل أن الاعرابي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم باعساره قبل أن يدفع إليه العرق ولم يسقطها عنه ولانها كفارة واجبة فلم تسقط بالفجر عنها كسائر الكفارات وهذه الرواية الثانية عن احمد وهو قياس أبي حنيفة والثوري وأبي ثور وعن الشافعي كالمذهبين ولنا أن الاعرابي لما دفع إليه النبي صلى الله عليه وسلم التمر فأخبره بحاجته قال " اطعمه أهلك " ولم يأمره بكفارة أخرى قولهم إنه أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بعجزه فلم يسقطها، قلنا قد أسقطها عنه بعد ذلك وهذا آخر الامرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما القياس على سائر الكفارات فلا يصح لمخالفته النص والاعتبار بالعجز في حالة الوجوب وهو حالة الوطئ

[ 70 ]

باب ما يكره وما يستحب وحكم القضاء (مسألة) (ويكره للصائم أن يجمع ريقه فيبلعه وأن يبتلع النخامة وهل يفطر بهما على وجهين) لا يفطر ابتلاع الريق إذا لم يجمعه بغير خلاف نعلمه لانه لا يمكن التحرز منه أشبه غبار الطريق ويكره للصائم جمع ريقه وابتلاعه لامكان التحرز منه فان جمعه ثم أبتلعه قصدا لم يفطره لانه يصل إلى جوفه من معدته أشبه إذا لم يجمعه وفيه وجه آخر أنه يفطره لانه أمكنه التحرز منه أشبه ما لو قصد ابتلاع غبار الطريق والاول أصح فان الريق لا يفطر إذا لم يجمعه وان قصد ابتلاعه فكذلك إذا جمعه بخلاف غبار الطريق فان خرج ريقه إلى ثوبه أو بين أصابعه أو بين شفتيه ثم عاد فابتلعه أو بلع ريق غيره أفطر لانه ابتلعه من غير فمه أشبه غير الريق فان قيل فقد روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم ويمص لسانها رواه أبو داود قلنا قد روى عن أبي داود أنه قال هذا إسناد ليس بصحيح ويجوز أن يكون يقبل في الصوم ويمص لسانها في غيره ويجوز أن يمصه ثم لا يبتلعه ولانه لم يتحقق انفصال ما على لسانها من البلل إلى فمه فاشبه ما لو ترك حصاة مبلولة في فيه أو لو تمضمض بماء ثم مجه ولو ترك في فمه حصاة أو درهما فاخرجه وعليه بلة من الريق ثم أعاده في فيه نظرت فان كان ما عليه من الريق

[ 71 ]

كثيرا فابتلعه أفطر وان كان يسيرا لم يفطر بابتلاع ريقه وقال بعض أصحابنا يفطر لابتلاعه ذلك البلل الذي كان على الجسم ولنا أنه لا يتحقق انفصال ذلك البلل ودخوله إلى حلقه كالمضمضة والتسوك بالسواك الرطب والمبلول ويقوي ذلك حديث عائشة في مص لسانها ولو أخرج لسانه وعليه بلة ثم عاد فأدخله وابتلع ريقه لم يفطر (فصل) وان ابتلع النخامة فقد روى حنبل قال سمعت ابا عبد الله يقول إذا تنخم ثم أزدرده فقد أفطر لان النخامة تنزل من الرأس والريق من الفم ولو تنخع من جوفه ثم أزدرده أفطر وهذا مذهب الشافعي لانه امكن التحرز منها اشبه الدم ولانها من غير الفم اشبه القئ وفيه رواية اخرى لا يفطر فانه قال في رواية المروذي ليس عليك قضاء إذا ابتلعت النخاعة وانت صائم لانه معتاد في الفم اشبه الريق (فصل) فان سال فمه دما أو خرج إليه قلس أو قئ فازدرده افطر وان كان يسيرا لان الفم في حكم الظاهر والاصل حصول الفطر بكل واصل منه لكن عفى عن الريق لعدم امكان التحرز منه فيبقى فيما عداه على الاصل وان القاه من فيه وبقى فمه نجسا أو تنجس فمه بشئ من خارج فابتلع ريقه فان كان معه جزء من المنجس افطر بذلك الجزء والا فلا (مسألة) (ويكره ذوق الطعام وان وجد طعمه في حلقه افطر)

[ 72 ]

قال احمد احب إلي أن يجتنب ذوق الطعام فان فعل لم يضره، وقال ابن عقيل يكره من غير حاجة لانه ربما دخل حلقه فأفطر ولا بأس به مع الحاجة لقول ابن عباس لا بأس ان يذوق الطعام الخل والشئ يريد شراءه والحسن كان يمضغ الجوز لابن ابنه وهو صائم ورخص فيه ابراهيم فان فعل فوجد طعمه في حلقه افطر والا لم يفطر (فصل) ولا بأس بالسواك للصائم قبل الزوال قال احمد لا بأس به لما روى عامر بن ربيعة قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مالا احصى يتسوك وهو صائم حديث حسن ولكنه يكون عودا ذاوي وهل يكره السواك للصائم بعد الزوال على روايتين ذكرناهما في باب الوضوء ويكره للصائم السواك بالعود الرطب في إحدى الروايتين وهو قول قتادة والشعبي واسحاق ومالك في رواية لانه مغرر بصومه لكونه ربما يتحلل منه اجزاء تصل إلى حلقه فيفطره وعنه لا يكره، وهو قول الثوري وأبي حنيفة لانه يروى عن علي وابن عمر وعروة ومجاهد ولما روينا من الحديث والله اعلم (مسألة) (ويكره مضغ العلك الذي لا يتحلل منه اجزاء ولا يجوز مضغ ما يتحلل منه اجزاء الا ان لا يبلع ريقه وان وجد طعمه في حلقه افطر)

[ 73 ]

المنقول عن احمد رحمه الله كراهة مضغ العلك قال اسحاق بن منصور قلت لاحمد الصائم يمضغ العلك؟ قال لا وقال اصحابنا العلك ضربان (احدهما) ما يتحلل منه اجزاء وهو الردئ الذي يتحلل بالمضغ فلا يجوز مضغه الا ان لا يبلع ريقه فان فعل فنزل إلى حلقه منه شئ افطر به كما لو تعمد اكله (والثاني) القوي الذي يصلب بالمضغ فهذا يكره مضغه ولا يحرم، وممن كرهه الشبعي والنخعي ومحمد بن علي والشافعي وأصحاب الرأي، وذلك لانه يحلب الفم ويجمع الريق ويورث العطش، ورخصت عائشة في مضغه، وبه قال عطاء لانه لا يصل إلى الجوف منه شئ فهو كوضع الحصاة في فيه ومتى مضغه ولم يجد طعمه في حلقه لم يفطر، وإن وجد طعمه في حلقه ففيه وجهان (أحدهما) يفطره كالكحل إذا وجد طعمه في حلقه (والثاني) لا يفطره لانه لا يترك منه شئ، ومجرد الطعم لا يفطر بدليل أنه قد قيل إن من لطخ باطن قدمه بالحنظل وجد طعمه ولا يفطر بخلاف الكحل فان أجزاءه تصل إلى الحلق ويشاهد إذا تنخع. قال احمد: من وضع في فيه درهما أو دينارا وهو صائم فلا بأس به ما لم يجد طعمه في حلقه وما يجد طعمه فلا يعجبني، وقال عبد الله سألت أبي عن الصائم يفتل الخيوط قال يعجبني أن يبزق

[ 74 ]

(مسألة) (وتكره القبلة إلا أن يكون ممن لا تحرك شهوته في احدى الروايتين) وجملته أن المقبل لا يخلو من ثلاثة أقسام: (أحدها) أن يكون ذا شهوة مفرطة يغلب على ظنه أنه إذا قبل أنزل أو مذى فهذا تحرم عليه القبلة لانها مفسدة لصومه (1) أشبهت الاكل (الثاني) أن يكون ذا شهوة لكنه لا يغلب على ظنه ذلك فيكره له التقبيل لانه يعرض صومه للفطر ولا يأمن عليه الفساد لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فأعرض عني فقلت له ما بالي؟ فقال " انك تقبل وأنت صائم " ولان العبادة إذا منعت الوطئ منعت دواعيه كالاحرام، ولا تحرم القبلة في هذه الحال لما روي أن رجلا قبل وهو صائم فأرسل امرأته فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرها النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقبل وهو صائم، فقال الرجل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس مثلنا قد غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال " أني لاخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي " رواه مسلم بمعناه وروي عن عمر أنه قال: هششت فقبلت وأنا صائم فقلت يا رسول الله صنعت اليوم أمرا عظيما

[ 75 ]

قبلت وأنا صائم قال " أرأيت لو تمضمضت من اناء وأنت صائم " قلت لا بأس به، قال " فمه " رواه أبو داود، ولان افضاءه إلى افساد الصوم مشكوك فيه ولا يثبت التحريم بالشك (الثالث) أن يكون ممن لا تحرك القبلة شهوته كالشيخ الكبير ففيه روايتان (احداهما) لا تكره له وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم لما كان مالكا لاربه وغير ذي الشهوة في معناه، وقد روي أبو هريرة أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المباشرة للصائم فرخص له، فأتاه آخر فنهاه فإذا الذي رخص له شيخ والذي نهاه شاب، أخرجه أبو دواد، ولانها مباشرة لغير شهوة أشهت لمس اليد لحاجة (والثانية) يكره لانه لا يأمن حدوث الشهوة، ولان الصوم عبادة تمنع الوطئ فاستوى في القبلة فيها من تحرك شهوته ومن لا تحرك كالاحرام، فأما اللمس لغير شهوة كلمس اليد ليعرف مرضها ونحوه فليس بمكروه بحال لان ذلك لا يكره في الاحرام أشبه لمس ثوبها (مسألة) (ويجب عليه اجتناب الكذب والغيبة والشتم فان شتم استحب أن يقول اني صائم) يجب على الصائم أن ينزه صومه عن هذه الاشياء، قال احمد ينبغي للصائم أن يتعاهد صومه من

[ 76 ]

لسانه، ولا يماري ويصرن صومه كانوا إذا صاموا قعدوا في المساجد فقالوا نحفظ صومنا ولا نغتاب أحدا، ولا يعمل عملا يخرج به صومه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه (1) " وقال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قال الله تعالى كل عمل أبن آدم له إلا الصيام فانه لي وأنا أجزي به، الصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فان سابه أحد أو قاتله فليقل اني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه " متفق عليهما (2) فصل (مسألة) (ويستحب تعجيل الافطار وتأخير السحور، وأن يفطر على التمر وإن لم يجد فعلى الماء، وأن يقول عند فطره اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت، سبحانك وبحمدك اللهم تقبل مني انك أنت السميع العليم)

[ 77 ]

يستحب تعجيل الافطار وهو قول أكثر أهل العلم لما روى سهل بن سعد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر " متفق عليه، وعن أبي عطية قال: دخلت أنا ومسروق على عائشة فقال مسروق رجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما يعجل الافطار ويعجل المغرب والاخر يؤخر الافطار ويؤخر المغرب، قالت من الذي يعجل الافطار ويعجل المغرب، قال عبد الله قالت هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه مسلم، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى " أحب عبادي إلي أسرعهم فطرا " قال الترمذي هذا حديث حسن ويستحب أن يفطر قبل الصلاة لما روى أنس قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حتى يفطر ولو على شربه من ماء. رواه أبن عبد البر (مسألة) (ويستحب تأخير السحور) الكلام في السحور في امور ثلاثة (أحدها في استحبابه) ولا نعلم بين العلماء خلافا في استحبابه لما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال تسحروا فان في السحور بركة) متفق عليه وعن عمرو بن العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فضل

[ 78 ]

مابين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر " رواه مسلم وعن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " السحور بركة فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء فان الله وملائكته يصلون على المتسحرين " رواه الامام احمد. (الثاني في وقته) وقال احمد يعجبني تأخير السحور لما روى زيد بن ثابت قال تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قمنا إلى الصلاة قلت كم كان قدر ذلك؟ قال خمسين آية متفق عليه وروى العرباض بن سارية قال دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السحور فقال " هلم إلى الغداء المبارك " رواه أبو داود سماه غداء لقرب وقته منه ولان المقصود بالسحور التقوي على الصوم وما كان أقرب إلى الفجر كان أعون على الصوم قال أبو داود قال أبو عبد الله إذا شك في الفجر يأكل حتى يستيقن طلوعه وهذا قول ابن عباس وعطاء والاوزاعي قال احمد يقول الله تعالى (فكلوا واشربو حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر) وقال النبي صلى الله عليه وسلم " لا يمنعكم من سحوركم اذان بلال ولا الفجر المستطيل ولكن المستطير في الافق " حديث حسن وروى أبو قلابة قال قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه وهو يتسحر يا غلام اخف لا يفجأنا الصبح، وقال رجل لابن عباس اني أتسحر فإذا شككت امسكت فقال ابن عباس كل ما شككت حتى لا تشك

[ 79 ]

فأما الجماع فلا يستحب تأخيره لانه ليس مما يتقوى به وفيه خطر وجوب الكفارة والفطر به (الثالث فيما يتسحر به) كل ما يحصل من أكل، أو شرب حصل به فضيلة السحور لقوله عليه السلام " ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء " وروى أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " نعم سحور المؤمن التمر " (فصل) فيما يستحب أن يفطر عليه، يستحب أن يفطر على رطبات فان لم يكن فعلى تمرات، فان لم يكن فعلى الماء، لما روى أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فان لم يكن فعلى تمرات، فان لم يكن تمرات حسا حسوات من ماء، رواه أبو داود والترمذي وقال حسن غريب، وعن سليمان بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمرات فان لم يجد فليفطر على الماء فانه طهور " أخرجه أبو داود والترمذي (فصل) روى ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال " اللهم لك صمنا، وعلى رزقك أفطرنا، فتقبل منا أنك أنت السميع العليم " وعن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال " ذهب الظمأ وابتلت العروق، ووجب الاجر إن شاء الله " واسناده حسن ذكرهما الدارقطني (فصل) ويستحب تفطير الصائم لما روي زيد بن خالد الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من فطر صائما فله مثل اجره من غير أن ينقص من اجر الصائم شئ " قال الترمذي حديث حسن صحيح (مسألة) (يستحب التتابع في قضاء رمضان ولا يجب)

[ 80 ]

لا نعلم خلافا في استحاب التتابع في قضاء رمضان لانه أشبه بالاداء، وفيه خروج من الخلاف ولا يجب، هذا قول ابن عباس وأنس بن مالك وأبي هريرة وأبي قلابة ومجاهد وأهل المدينة ومالك وأبي حنيفة والثوري والاوزاعي والشافعي واسحاق وغيرهما وحكي وجوب التتابع عن علي وابن عمر والنخعي والشعي وقال داود يجب ولا يشترط لما روى ابن المنذر باسناده عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من كان عليه صوم رمضان فليسرده ولا يقطعه " ولقوله تعالى (فعدة من أيام أخر) غير مقيد بالتتابع فان قيل فقد روي عن عائشة أنها قالت نزلت (فعدة من أيام أخر متتابعات) فسقطت متتابعات قلنا هذا لم تثبت عندنا صحته ولو صح فقد سقطت اللفظة المحتج بها وأيضا قول الصحابة قال ابن عمر ان سافر ان شاء فرق وان شاء تابع وروي مرفوعا وقال أبو عبيدة في قضاء رمضان الله لم يرخص لكم في فطره وهو يريد ان يشق عليكم في قضائه وعن محمد بن المنكدر أنه قال بلغني ان رسول الله (ص) سئل عن تقطيع قضاء رمضان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان على احدكم دين فقضاه من الدرهم أو الدرهمين حتى يقضي ما عليه من الدين هل كان ذلك قاضيا دينه؟ قالوا نعم يارسول الله قال فالله أحق بالعفو والتجاوز منكم " رواه الاثرم ولانه صوم لا يتعلق بزمان بعينه فلم يجب فيه التتابع

[ 81 ]

كالنذر المطلق وخبرهم لم تثبت صحته ولم يذكره أصحاب السنن ولو صح حملناه على الاستحباب جمعا بينه وبين ما ذكرناه والله أعلم (فصل) قال رحمه الله (ولا يجوز تأخير قضاء رمضان إلى رمضان آخر من غير عذر) وجملته ان من عليه صوم من رمضان فله تأخيره ما لم يدخل رمضان آخر لما روت عائشة قالت كان يكون علي الصيام من شهر رمضان فلا أقضيه حتى يجئ شعبان متفق عليه ولا يجوز تأخيره إلى رمضان آخر من غير عذر لان عائشة رضي الله عنها لم تؤخره إلى ذلك ولو أمكنها لاخرته ولان الصوم عبادة متكررة فلم يجز تأخيره عن الثانية كالصلاة المفروضة (مسألة) (فان فعل فعليه القضاء واطعام مسكين لكل يوم) إذا أخر قضاء رمضان حتى أدركه رمضان آخر لعذر فليس عليه إلا القضاء لعموم الآية، وإن كان لغير عذر فعليه مع القضاء اطعام مسكين لكل يوم، يروى ذلك عن ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة ومجاهد وسعيد بن جبير، وبه قال مالك والثوري والاوزاعي والشافعي واسحاق، وقال الحسن والنخعي وأبو حنيفة لافدية عليه لانه صوم واجب فلم يجب عليه في تأخيره كفارة كالاداء والنذر ولنا أنه قول من سمينا من الصحابة ولم يرو عن غيرهم خلافهم وروي مسندا من طريق ضعيف ولان تأخير صوم رمضان عن وقته إذا لم يوجب القضاء أوجب الفدية كالشيخ الكبير (فصل) فان أخره لعذر حتى أدركه رمضانان أو أكثر لم يكن عليه أكثر من فدية مع القضاء لان كثرة التأخير لا يزداد بها الواجب كما لو أخر الحج الواجب سنين لم يكن عليه أكثر من فعله (مسألة) (وإن أخره لعذر فلا شئ عليه وان مات) من مات وعليه صيام من رمضان قبل امكان الصيام إما لضيق الوقت أو لعذر من مرض أو سفر أو عجز عن الصوم فلا شي عليه في قول أكثر أهل العلم، وحكي عن طاوس وقتادة أنهما قالا يجب الاطعام عنه لانه صوم واجب سقط بالعجز عنه فوجب الاطعام عنه كالشيخ الهم إذا ترك الصيام لعجزه عنه

[ 82 ]

ولنا أنه حق لله تعالى وجب بالشرع مات من يجب عليه قبل امكان فعله فسقط إلى غير بدل كالحج ويفارق الشيخ الهم فانه يجوز ابتداء الوجوب عليه بخلاف الميت (مسألة) (وإن أخره لغير عذر فمات قبل أن أدركه رمضان آخر أطعم عنه لكل يوم مسكين ومن مات بعد أن أدركه رمضان آخر فهل يطعم عنه لكل يوم مسكين أو اثنان على وجهين) إذا أخر رمضان مع امكان القضاء فمات أطعم عنه لكل يوم مسكين وهذا قول أكثر أهل العلم روي ذلك عن عائشة وابن عباس، وبه قال مالك والليث والاوزاعي والثوري والشافعي وابن علية وأبو عبيد في الصحيح عنهم، وقال أبو ثور يصيام عنه وهو قول الشافعي لما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من مات وعليه صيام صام عنه وليه " متفق عليه، وروي ابن عباس نحوه ولنا ماروى ابن ماجة عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينا " رواه الترمذي وقال الصحيح عن ابن عمر موقوف، وعن عائشة أيضا قالت يطعم عنه في قضاء رمضان ولا يصام، وعن ابن عباس أنه سئل عن رجل مات وعليه نذر يصوم شهرا وعليه صوم رمضان؟ قال أما رمضان فيطعم عنه، وأما النذر فيصام عنه، رواه الاثرم في السنن، ولان الصوم لا تدخله النيابة حال الحياة فكذلك بعد الوفاة كالصلاة، فأما حديثهم فهو في النذر لانه قد جاء مصرحا به في بعض الالفاظ كذلك رواه البخاري عن ابن عباس قال: قالت امرأة يارسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفاقضيه عنها؟ قال " أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه أكان

[ 83 ]

يؤدي ذلك عنها " قالت نعم، قال " فصومي عن أمك " وقالت عائشة وابن عباس كقولنا وهما راويا حديثهم فدل على ما ذكرنا

[ 84 ]

(فصل) فان مات المفرط بعد أن أدركه رمضان آخر لم يجب عليه أكثر من اطعام مسكين لكل يوم نص عليه احمد فيما رواه عنه أبو داود أن رجلا سأله عن امرأة افطرت رمضان ثم أدركها رمضان آخر ثم ماتت قال يطعم عنها قال له السائل كم أطعم؟ قال كم أفطرت؟ قال ثلاثين يوما، قال اجمع ثلاثين مسكينا واطعمهم مرة واحدة وأشبعهم، قال ما أطعمهم؟ قال خبزا ولحما إن قدرت من أوسط طعامكم، وذلك لانه باخراج كفارة واحدة زال تفريطه بالتأخير فصار كما لو مات من غير تفريط وقال أبو الخطاب يطعم عنه لكل يوم مسكينان لان الموت بعد التفريط بدون التأخير عن رمضان آخر يوجب كفارة، والتأخير بدون الموت يوجب كفارة، فإذا اجتمعا وجب كفارتان كما لو فرط في يومين (فصل) واختلفت الرواية عن احمد في جواز التطوع بالصوم ممن عليه صوم فرض فنقل عنه حنبل أنه لا يجوز بل يبدأ بالفرض حتى يقضيه إن كان عليه نذر صامه يعني بعد الفرض، وروي حنبل باسناده عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من صام تطوعا وعليه من رمضان شئ لم يقضه فانه لا يتقبل منه حتى يصومه " ولانه عبادة يدخل في جبرانها المال فلم يصح التطوع قبل اداء فرضها كالحج، وروي عنه أنه يجوز له التطوع لانها عبادة تتعلق بوقت موسع فجاز التطوع في وقتها قبل فعلها

[ 85 ]

كالصلاة يتطوع في وقتها قبل فعلها وعليه يخرج الحج، ولان التطوع بالحج يمنع فعل واجبه المتعين فأشبه صوم التطوع في رمضان على أن لنا في الحج منعا، والحديث يرويه ابن لهيعة وهو ضعيف وفي سياقه ما هو متروك فانه قال في آخره " ومن أدركه رمضان وعليه من رمضان شئ لم يتقبل منه " ويخرج في التطوع بالصلاة في حق من عليه القضاء مثل ما ذكرنا في الصوم، بل عدم الصحة في الصلاة أولى لانها تجب على الفور بخلاف الصوم (فصل) واختلفت الرواية في كراهية القضاء في عشر ذي الحجة فروي أنه لا يكره وهو قول سعيد بن المسيب والشافعي واسحاق لما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يستحب قضاء رمضان في العشر ولانه ايام عبادة فلم يكره القضاء فيه كعشر المحرم (والثانية) يكره روي ذلك عن الحسن والزهري لانه يروى عن علي رضي الله عنه أنه كرهه ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال " ما من ايام العمل الصالح فيها أحب إلى الله سبحانه من هذه الايام " يعني أيام العشر قالوا يارسول الله ولا الجهاد في سبيل الله " قال " ولا الجهاد في سبيل الله الا رجلا خرج بنفسه وماله فلم يرجع بشئ " فاستحب اخلاؤها للتطوع لينال فضيلتها ويجعل القضاء في غيرها وقال بعض اصحابنا هاتان الروايتان مبنيتان على الروايتين في إباحة التطوع قبل صوم الفرض وتحريمه فمن اباحه كره القضاء فيها لتوفيرها على التطوع لينال فضله فيها مع فضل القضاء ومن حرمه لم يكرهه بل استحب فعله فيها لئلا تخلو من

[ 86 ]

العبادة بالكلية قال شيخنا ويقوى عندي ان هاتين الروايتين فرع على إباحة التطوع قبل القضاء أما على رواية التحريم فيكون صومها تطوعا قبل الفرض محرما وذلك أبلغ من الكراهة والله أعلم

[ 87 ]

(مسألة) (ومن مات وعليه صوم منذور أو حج أو اعتكاف فعله عنه وليه وان كانت صلاة منذورة فعلى روايتين) وجملة ذلك ان من مات وعليه صوم نذر ففعله عنه وليه اجزأ عنه وهذا قول ابن عباس والليث وأبي عبيد وأبي ثور وقال مالك والليث والاوزاعي والثوري وابن علية يطعم عنه لما ذكرنا في صوم رمضان

[ 88 ]

ولنا الاحاديث الصحيحة التي رويناها من قبل هذا وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم احق بالاتباع وفيها غنى عن كل قول والفرق بين النذر وغيره ان النيابة تدخل العبادة بحسب خفتها والنذر أخف حكما لكونه لم يجب بأصل الشرع وانما أوجبه الناذر على نفسه

[ 89 ]

(فصل) ولا يجب على الولي فعله لان النبي صلى الله عليه وسلم شبهه بالدين ولا يجب على الولي قضاء دين الميت إذا لم يخلف تركة كذلك هذا لكن يستحب له أن يصوم عنه لتفريغ ذمته وكذلك يستحب له قضاء الدين عنه ولا يختص ذلك بالولي بل كل من قضاه عنه وصام عنه أجزأ لانه تبرع فأما الاعتكاف

[ 90 ]

فلا يجب الا بالنذر فمن مات وعليه اعتكاف واجب فقضاه وليه اجزأ قياسا على الصوم ولان الكفارة تجب بتركه في الجملة أشبه الصوم وأما الحج فتجوز النيابة فيه عند العجز عنه وان يفعله عنه غيره في

[ 91 ]

حال الحياة فبعد الموت أولى ولا فرق في الحج بين النذر وحجة الاسلام لحديث الخثعمية الذي يذكر في الحج ان شاء الله تعالى وغيره من الاحاديث (فصل) وفي الصلاة المنذورة روايتان (احداهما) حكمها حكم الصوم فيما ذكرنا قياسا عليه

[ 92 ]

(والثانية) لا يجزئ عنه فعل الولي لانها عبادة بدنية محضة لا يدخل المال في جبرانها بحال فلا يصح قياسها على الصوم فعلى هذا يكفر عنه كفارة يمين لتركه النذر والله تعالى أعلم وسوف نذكره في النذر بابسط من هذا ان شاء الله تعالى

[ 93 ]

(باب صوم التطوع) (مسألة) (وافضله صيام داود عليه السلام كان يصوم يوما ويفطر يوما) لما روى عبد الله بن عمرو ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " له صم يوما وافطر يوما فذلك صيام داود وهو

[ 94 ]

افضل الصيام " فقلت اني اطيق افضل من ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لا افضل من ذلك " متفق عليه (مسألة) (ويستحب صيام ايام البيض من كل شهر وصوم الاثنين والخميس) صيام ثلاثة أيام من كل شهر مستحب لا نعلم فيه خلافا بدليل ما روى أبو هريرة قال وصاني

[ 95 ]

خليلي بثلاث صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وإن أوتر قبل ان أنام، وعن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له " صم ثلاثة أيام فان الحسنة بعشر أمثالها وذلك مثل صيام الدهر " متفق عليهما

[ 96 ]

ويستحب أن يجعل هذه الثلاثة أيام والبيض هي ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس لما روى أبو ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا أبا ذر إذا صمت من الشهر ثلاثة فصم ثلاث عشرة واربع

[ 97 ]

عشرة وخمس عشرة " قال الترمذي هذا حديث حسن وروى النسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم لاعرابي كل قال اني صائم قال " صوم ماذا؟ " قال صوم ثلاثة أيام من الشهر قال " ان كنت صائما فعليك بالغر البيض

[ 98 ]

ثلاث عشرة واربع عشرة وخمس عشرة " وعن ملحان القيسي قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نصوم البيض ثلاث عشرة واربع عشرة وخمس عشرة، وقال هو كهيئة الدهر رواه أبو داود وسميت

[ 99 ]

أيام البيض لا بيضاض ليلها والتقدير ايام الليالي البيض وذكر أبو الحسن التميمي أن الله سبحانه تاب

[ 100 ]

على آدم فيها وبيض صحيفته وروى أسامة بن زيد أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم الاثنين والخميس

[ 101 ]

فسئل عن ذلك فقال " ان اعمال الناس تعرض يوم الاثنين والخميس " رواه أبو داود وفي لفظ فاحب

[ 102 ]

أن يعرض عملي وانا صائم (مسألة) (ومن صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر) صوم ستة أيام من شوال مستحب عند كثير من أهل العلم، روي عن كعب الاحبار والشعبي وميمون بن مهران والشافعي وكرهه مالك وقال: ما رأيت أحدا من أهل الفقه صومها ولم يبلغني ذلك

[ 103 ]

عن أحد من السلف، وان أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته وأن يلحق برمضان ما ليس منه ولنا ما روى أبو أيوب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من صام رمضان واتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر " رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن، قال أحمد هو من ثلاثة أوجه عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يجري مجرى التقديم لرمضان لان يوم العيد فاصل وروى سعيد باسناده عن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من صام رمضان شهر بعشرة اشهر وصام ستة ايام بعد الفطر وذلك تمام سنة " يعني أن الحسنة بعشر أمثالها فالشهر بعشرة والستة بستين يوما فذلك سنة كاملة فان قيل فالحديث لا يدل على فضيلتها لانه شبه صيامها بصيام الدهر وهو مكروه قلنا: انما كره صوم الدهر لما فيه من الضعف والتشبه بالتبتل لولا ذلك لكان فضلا عظيما لاستغراقه الزمان بالعبادة والطاعة والمراد بالخبر التشبيه به في حصول العبادة به على وجه لا مشقة فيه كما قال عليه السلام " من صام ثلاثة أيام من كل شهر كان كمن صام الدهر " مع ان ذلك لا يكره بل يستحب بغير خلاف وكذلك نهى عبد الله بن عمرو عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث وقال " من قرأ (قل هو الله أحد) فكأنما قرأ ثلث القرآن " أراد التشبيه بثلث القرآن في الفضل لا في كراهة الزيادة عليه. إذا ثبت هذا فلا فرق بين كونها متتابعة أو متفرقة في اول الشهر أو في آخره لان الحديث ورد مطلقا من غير تقييد ولان فضيلتها لكونها تصير مع الشهر عشر السنة والحسنة بعشر أمثالها فيكون كانه صام السنة كلها فإذا وجد ذلك في كل سنة صار

[ 104 ]

كصيام الدهر كله وهذا المعنى يحصل مع التفريق والله أعلم (مسألة) وصيام يوم عاشوراء كفارة سنة ويوم عرفة كفارة سنتين ولا يستحب لمن كان بعرفة صيام هذين اليومين مستحب لما روي أبو قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في صيام عرفة " أني احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده " وقال في صيام عاشوراء " أني احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله " أخرجه مسلم (فصل) يوم عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم هذا قول سعيد بن المسيب والحسن لما روي ابن عباس قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوم يوم عاشوراء العاشر من المحرم أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح وروى عن ابن عباس أنه التاسع وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم التاسع أخرجه مسلم بمعناه وروي عنه عطاء أنه قال صوموا التاسع والعاشر ولا تشبهوا باليهود فعلى هذا يستحب صوم التاسع والعاشر نص عليه احمد وهو قول اسحاق وقال احمد فان اشتبه عليه أول الشهر صام ثلاثة أيام وانما يفعل ذلك ليحصل له التاسع والعاشر يقينا (فصل) واختلف في صوم عاشوراء هل كان واجبا فذهب القاضي إلى أنه لم يكن واجبا وقال هذا قياس المذهب واستدل بأمرين (أحدهما) أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من لم يأكل بالصوم والنية في الليل شرط في الواجب

[ 105 ]

(والثاني) أنه لم يأمر من أكل بالقضاء ويشهد لهذا ما روى معاوية قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ان هذا يوم عاشوراء لم يكتب الله عليكم صيامه فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر " وهو حديث صحيح وروي عن أحمد أنه كان مفروضا لما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم صامه وأمر بصيامه فلما افترض رمضان كان هو الفريضة وترك عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء تركه حديث صحيح وحديث معاوية محمول على أنه أراد ليس هو مكتوبا عليكم الآن، وأما تصحيحه بنية من النهار وترك الامر بقضائه فيحتمل أن يقول من لم يدرك اليوم بكماله لم يلزمه قضاؤه كما قلنا فيمن أسلم وبلغ في اثناء يوم من رمضان على أنه قد روى أبو داود ان أسلم أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال " صمتم يومكم هذا؟ " قالوا لا قال " فأتموا يقية يومكم واقضوه " (فصل) فأما يوم عرفة فهو اليوم التاسع من ذي الحجة لا نعلم فيه خلافا سمي بذلك لان الوقوف بعرفة فيه وقيل سمي بذلك لان ابراهيم عليه السلام أري في المنام ليلة التروية أنه يؤمر بذبح ابنه فأصبح يومه يتروى هل هذا من الله أو حلم فسمي يرم التروية فلما كانت الليلة الثانية رآه أيضا فأصبح فعرف أنه من الله فسمي يوم عرفة وهو يوم شريف عظيم وفضله كبير

[ 106 ]

(فصل) ولا يستحب لمن كان بعرفة أن يصومه ليتقوى على الدعاء عند اكثر أهل العلم وكانت عائشة وابن الزبير يصومانه، وقال قتادة لا بأس به إذا لم يضعف عن الدعاء، وقال عطاء أصوم في الشتاء ولا أصوم في الصيف لان كراهة صومه انما هي معللة بالضعف عن الدعاء فإذا قوي عليه أو كان في الشتاء لم يضعف فتزول الكراهة ولنا ما روي عن أم الفضل بنت الحارث أن ناسا تماروا بين يديها يوم عرفة في رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم صائم وقال بعضهم ليس بصائم فأرسلت إليه بقدح من لبن وهو واقف على بعيره، بعرفات فشربه النبي صلى الله عليه وسلم متفق عليه، وقال ابن عمر حججت مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصمه يعني يوم عرفة ومع أبي بكر فلم يصمه ومع عمر فلم يصمه ومع عثمان فلم يصمه وأنا لا أصومه ولا آمر به ولا أنهى عنه، قال الترمذي حديث حسن وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يوم عرفة بعرفة رواه أبو داود لان الصوم يضعفه ويمنعه من الدعاء في هذا اليوم المعظم الذي يستجاب فيه الدعاء في ذلك الموقف الشريف الذي يقصد من كل فج عميق رجاء فضل الله فيه واجابه دعائه فكان تركه أفضل

[ 107 ]

(مسألة) (ويستحب صيام عشر ذي الحجة) أيام عشر ذي الحجة كلها شريفة مفضلة يضاعف العمل الصالح فيها ويستحب صومها والاجتهاد في العبادة فيها لما روى ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الايام يعني أيام العشر قالوا يارسول الله ولا الجهاد في سبيل الله قال " ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلا خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشئ " حديث حسن صحيح، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ما من أيام احب إلى الله بأن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر " اخرجه الترمذي وقال غريب، وروى أبو داود عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء (مسألة) (وأفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم) وذلك لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن (مسألة) (ويكره افراد رجب بالصوم) قال احمد ان صام رجل افطر فيه يوما أو اياما بقدر ما لا يصومه كله وذلك لما روى احمد باسناده عن خرشة ابن الحر قال رأيت عمر يضرب اكف المترجبين حتى يضعوها في الطعام ويقول كلوا فانما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية، وباسناده عن ابن عمر أنه كان إذا رأى الناس وما يعدونه لرجب كرهه وقال صوموا منه وافطروا وعن ابن عباس نحوه، وباسناده عن أبي بكرة انه دخل على أهله وعندهم سلال جدد وكيزان فقال ما هذا؟ فقالوا رجب نصومه فقال أجعلتم رجب رمضان فاكفأ السلال وكسر الكيزان قال احمد من كان يصوم السنة صامه والا فلا يصومه متواليا بل يفطر فيه لاو يشبهه برمضان (مسألة) (ويكره افراد يوم الجمعة ويوم السبت ويوم الشك ويوم النيروز والمهرجان ألا أن يوافق عادة) وجملته انه يكره إفراد يوم الجمعة بالصوم الا أن يوافق عادة مثل من يصوم يوما ويفطر يوما فيوافق صومه يوم الجمعة أو من عادته صومه أول يوم الشهر أو آخره أو يوم لضعفه ونحو ذلك نص

[ 108 ]

عليه احمد في رواية الاثرم قال قيل لابي عبد الله صيام يوم الجمعة فذكر حديث النهي ان يفرد ثم قال الا ان يكون في صيام كان يصومه، أما ان يفرد بفلا قال قلت رجل كان يصوم يوما ويفطر يوما فوقع فطره يوم الخميس وصومه يوم الجمعة وفطره يوم السبت فصام الجمعة مفردا فقال هذا الآن لم يتعمد صومه خاصة انما كره ان يتعمد الجمعة، وقال أبو حنيفة ومالك لا يكره افراد الجمعة لانه يوم فأشبه سائر الايام. ولنا ما روى أبو هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا يصومن احدكم يوم الجمعة الا ان يصوم يوما قبله أو يوما بعده " وقال محمد بن عباد سألت جابرا: انهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الجمعة؟ قال نعم متفق عليهما وعن جويرية بنت الحرث ان النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال " صمت امس؟ " قالت لا قال " اتريدين ان تصومي غدا؟ " قال لا قال " فافطري " رواه البخاري وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم احق ان تتبع وهذا الحديث يدل على ان المكروه افراده لانه نهيه معلل بكونها لم تصم أمس ولا غدا (فصل) ويكره افراد يوم السبت بالصوم ذكره أصحابنا لما روى عبد الله بن بسر عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم " قال الترذي هذا حديث حسن، وروي أيضا عن عبد الله بن بسر عن أخته الصماء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، فان لم يجد أحدكم إلا لحاء من عنب أو عود شجرة فليمضغه " رواه أبو داود قال اسم أخت عبد الله بن بسر هجيمة أو جهيمة، قال الاثرم قال أبو عبد الله: أما صيام يوم السبت ينفرد به، فقد جاء فيه حديث الصماء والمكروه افراده فان صام معه غيره لم يكره لحديث أبي هريرة وجويرية، وإن وافق صوما لانسان لم يكره لما قدمناه (فصل) ويكره صيام يوم الشك وهو يوم الثلاثين من شعبان إذا كانت السماء مصحية ولم يروا الهلال الا أن يوافق صوما كان يصومه كمن عادته صوم يوم، وفطر يوم أو صوم يوم الخميس، أو صوم آخر يوم من الشهر وشبه ذلك، أو من صام قبل ذلك بأيام فلا بأس بصومه لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا يتقدمن أحدكم رمضان بصيام يوم أو يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صياما فليصمه " متفق عليه، ويحتمل أن يحرم لقول عمار: من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم. حديث حسن صحيح

[ 109 ]

(فصل) ويكره أفراد يم النيروز والمهرجان بالصوم ذكره أصحابنا لانهما يومان يعظمها الكفار فيكون تخصيصهما بالصيام دون غيرهما موافقة لهم في تعظيمهما فكره كيوم السبت، وعلى قياس هذا كل عيد للكفار، أو يوم يفردونه بالتعظيم يكره افراده بالصوم لما ذكرنا إلا أن يوافق عادة فلا يكره لما ذكرنا في الفصول المتقدمة (فصل) في الوصال وهو ان لا يفطر بين اليومين أو الايام بأكل وشرب وهو مكروه في قول اكثر أهل العلم وروي عن ابن الزبير انه كان يواصل اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ولنا ما روى ابن عمر قال واصل رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فواصل الناس فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال فقالوا انك تواصل فقال " إني لست مثلكم اني اطعم واسقي " متفق عليه وهذا يقتضي اختصاصه بذلك ومنع الحاق غيره به وقوله (اني أطعم وأسقى) يحتمل أنه أراد أني اعان على الصيام ويغنيه الله تعالى عن الشراب والطعام بمنزلة من طعم وشرب ويحتمل أنه اراد إني أطعم حقيقة واسقي حقيقة حملا للفظ على حقيقته والاول اظهر لوجهين (أحدهما) أنه لو طعم وشرب حقيقة لم يكن مواصلا وقد أقرهم على قولهم انك تواصل (والثاني) أنه قد روي أنه قال " اني اظل يطعمني ربي ويسقيني " وهذا يقتضي أنه في النهار ولا يجوز الاكل في النهار له ولا لغيره. إذا ثبت هذا فان الوصال غير محرم وظاهر قول الشافعي أنه حرام لظاهر النهي ولنا (1) أنه ترك الاكل والشرب المباح فلم يكن محرما كما لو تركه في حال الفطر فان قيل فصوم يوم العيد محرم مع كونه تركا للاكل والشرب المباح قلنا ما حرم ترك الاكل والشرب بنفسه وانما حرم نية الصوم ولهذا لو تركه من غير نية الصوم لم يكن محرما وأما النهي فانما أتى به رحمة لهم ورفقا بهم لما فيه من المشقة عليهم كما نهى عبد الله بن عمرو عن صيام النهار وقيام الليل وعن قراءة القرآن في أقل من ثلاث وقالت عائشة نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة لهم وهذه قرينة صارفة عن التحريم ولهذا لم يفهم منه اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم التحريم بدليل أنهم واصلوا بعده ولو فهموا منه التحريم لما فعلوه قال أبو هريرة نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال فلما أبوا أن ينتهوا واصل بهم يوما ويوما ثم رأوا الهلال فقال " لو تأخر لزدتكم " كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا متفق عليه فان واصل إلى السحر جاز لما روى أبو سعيد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا تواصلوا فأيكم اراد أن يواصل فليواصل إلى السحر أخرجه البخاري وتجيل الفطر أفضل لما قدمناه

[ 110 ]

(فصل) في صوم الدهر روى أبو قتادة قال قيل يارسول الله فكيف بمن صام الدهر؟ قال " لا صام ولا افطر أو لم يصم ولم يفطر " قال الترمذي هذا حديث حسن وعن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من صام الدهر ضيقت عليه جهنم " قال الاثرم قيل لابي عبد الله وفسر مسدد حديث أبي موسى من صام الدهر ضيقت عليه جهنم فلا يدخلها فضحك وقال من قال هذا؟ وأين حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم كره ذلك وما فيه من الاحاديث؟ قال أبو الخطاب انما يكره إذا أدخل فيه يومي العيدين وأيام التشريق لان احمد قال إذا افطر يومي العيدين وأيام التشريق رجوت ان لا يكون بذلك بأس. وروي نحو هذا عن مالك وهو قول الشافعي لان جماعة من الصحابة كانوا يسردون الصوم منهم أبو طلحة قيل إنه صام بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم اربعين سنة قال شيخنا ويقوى عندي أن صوم الدهر مكروه وان لم يصم هذه الايام فان صامها فقد فعل محرما وانما كره صوم الدهر لما فيه من المشقة والضعف وشبه التبتل المنهي عنه لان النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبدالله بن عمرو " انك لتصوم الدهر وتقوم الليل؟ " قال نعم قال " انك إذا فعلت ذلك هجمت له عينك (1) ونفهت له النفس، لا صام من صام الدهر، صوم ثلاثة أيام صوم الدهر كله " وذكر الحديث رواه البخاري. (فصل) ويكره استقبال رمضان باليوم واليومين لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم ولا يومين الا ان يكون رجل كان يصوم صياما فليصمه " متفق عليه وما وافق من هذا كله عادة فلا بأس لهذا الحديث، وقد دل هذا الحديث بمفهومه على جواز التقدم باكثر من يومين، وروي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " إذا كان النصف من شعبان فامسكوا عن الصيام حتى يكون رمضان " وهذا حديث حسن فيحمل الاول على الجواز، وهذا على نفي الفضيلة جمعا بينهما (مسألة) (ولا يجوز صوم العيدين عن فرض ولا تطوع وان قصد صيامهما كان عاصيا ولم يجزه عن الفرض) اتفق اهل العلم على ان صوم يومي العيدين محرم في التطوع والنذر المطلق والقضاء والكفارة وذلك لما روى أبو عبيد مولى إبن أزهر قال شهدت العيد مع عمر بن الخطاب فجاء فصلى ثم أنصرف فخطب الناس فقال ان هذين يومين نهى رسول الله (ص) عن صيامهما يوم فطركم من

[ 111 ]

صيامكم والآخر يوم تأكلون من نسككم وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يومين يوم فطر ويوم اضحى متفق عليهما والنهي يقتضي فساد المنهى عنه وتحريمه اما صومهما عن النذر المعين ففيه خلاف نذكره في باب النذر ان شاء الله تعالى (مسألة) (ولا يجوز صيام أيام التشريق تطوعا وفي صيامها عن الفرض روايتان) وجملة ذلك أن أيام التشريق منهي عن صيامها لما روى نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله عزوجل " رواه مسلم، وعن عمرو بن العاص أنه قال: هذه الايام التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بافطارها وينهي عن صيامها، قال مالك وهي أيام التشريق رواه أبو داود، ولا يحل صيامها تطوعا في قول أكثر أهل العلم، وعن ابن الزبير أنه كان يصومها، وروي نحو ذلك عن ابن عمر والاسود بن يزيد وعن أبي طلحة أنه كان لا يفطر إلا يومي العيدين، والظاهر أن هؤلاء لم يبلغهم نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامها، ولو بلغهم لم يعدوه إلى غيره، وأما صومها عن الفرض ففيه روايتان (احداهما) لا يجوز لانه منهي عن صيامها فأشبهت يومي العيدين (والثانية) يجوز لما روي عن ابن عمر وعائشة أنهما قالا: لم يرخص في أيام التشريق إلا لمن لم يجد الهدي أن يصوم وهو حديث صحيح ويقاس عليه سائر المفروض (مسألة) (ومن شرع في صوم أو صلاة تطوعا استحب له اتمامه ولا يلزمه، فان أفسده فلا قضاء عليه) لما روي عن ابن عمر وابن عباس أنهما أصبحا صائمين ثم أفطرا، وقال ابن عمر لا بأس به ما لم يكن نذرا أو قضاء رمضان، وقال ابن عباس إذا صام الرجل تطوعا ثم شاء أن يقطعه قطعه، وإذا دخل في صلاة تطوعا ثم شاء ان يقطعها قطعها، وقال ابن مسعود متى أصبحت تريد الصوم فأنت على خير النظرين، إن شئت صمت وإن شئت أفطرت، هذا قول أحمد والثوري والشافعي واسحاق، وفد روى حنبل عن أحمد إذا أجمع على الصيام فأوجبه على نفسه فأفطر من غير عذر أعاد ذلك اليوم وهذا محمول على أنه استحب ذلك أو نذره ليكون موافقا لسائر الروايات عنه، وقال النخعي وأبو حنيفة ومالك: يلزم بالشروع فيه ولا يخرج منه إلا بعذر فان خرج قضاه، وعن مالك لا قضاء عليه، واحتج من أوجب القضاء بما روي عن عائشة أنها قالت: أصبحت أنا وحفصة صائمتين متطوعتين

[ 112 ]

فأهدي لنا حيس فأفطرنا ثم سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " اقضيا يوما مكانه " ولانها عبادة تلزم بالنذر فلزمت بالشروع فيها كالحج والعمرة ولنا ما روى مسلم وأبو داود والنسائي عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال " هل عندكم شئ " فقلت لا، قال " فاني صائم " ثم مر بي بعد ذلك اليوم وقد أهدي لنا حيس فخبأت له منه وكان يحب الحيس قلت يارسول الله: انه أهدي لنا حيس فخبأت لك منه قال " ادنيه أما اني قد أصبحت وانا صائم " فأكل منه ثم قال " انما مثل صوم التطوع مثل الرجل يخرج من ماله الصدقة فان شاء أمضاها، وإن شاء حبسها " هذا لفظ رواية النسائي وهو أتم من غيره وروت أم هانئ قالت: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى بشراب فناولنيه فشربت منه ثم قلت يا رسول الله لقد أفطرت وكنت صائمة، فقال لها " أكنت تقضين شيئا؟ " قالت لا، قال " فلا يضرك إن كان تطوعا " رواه سعيد وأبو داود والاثرم، وفي لفظ قالت قلت اني صائمة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن المتطوع أمير نفسه، فان شئت فصومي، وإن شئت فافطري " ولان كل صوم لو أتمه كان تطوعا إذا خرج منه لم يجب قضاؤه كما لو اعتقد أنه من رمضان فبان من شعبان، فأما خبرهم فقال أبو داود لا يثبت، وقال الترمذي فيه مقال وضعفه الجوزجاني وغيره، ثم هو محمول على الاستحباب، إذا ثبت هذا فانه يستحب له اتمامه، وإن خرج منه استحب قضاؤه للخروج من الخلاف وعملا بالخبر الذي رووه (فصل) وسائر النوافل من الاعمال حكمها حكم الصيام في أنها لا تلزم بالشروع ولا يجب قضاؤها إذا أفسدها إلا الحج والعمرة فانهما يخالفان سائر العبادات في هذا لتأكد احرامهما ولا يخرج منهما بافسادهما ولو اعتقد أنهما واجبان ولم يكونا واجبين لم يكن له الخروج منهما، وقد روي عن أحمد في الصلاة ما يدل على أنها تلزم بالشروع، قال الاثرم قلت لابي عبد الله الرجل يصبح صائما متطوعا، أيكون بالخيار؟ والرجل يدخل في الصلاة له أن يقطعها، قال الصلاة أشد أما الصلاة فلا يقطعها، قيل له فان قطعها قضاها؟ قال إن قضاها فليس فيه اختلاف ومال أبو إسحاق الجوزجاني إلى هذا القول وقال الصلاة ذات احرام واحلال فلزمت بالشروع فيها كالحج، وأكثر أصحابنا على أنها لا تلزم أيضا وهو قول ابن عباس لان ما جاز ترك جميعه جاز ترك بعضه كالصدقة، والحج والعمرة يخالفان غيرهما بما ذكرنا

[ 113 ]

(فصل) فان دخل في صوم واجب كقضاء رمضان أو نذر معين، أو مطلق، أو صيام كفارة لم يجز له الخروج منه لان المتعين وجب الدخول فيه وغير المتعين بدخوله فيه فصار بمنزلة المتعين وهذا لا خلاف فيه بحمد الله (مسألة) (وتطلب ليلة القدر في العشر الاواخر من رمضان وليالي الوتر آكدها) ليلة القدر ليلة شريفة مباركة معظمة مفضلة قال الله تعالى (ليلة القدر خير من ألف شهر) قيل معناه العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وقال النبي صلى الله عليه وسلم " من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه " متفق عليه، قيل انما سميت ليلة القدر لانه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة من خير ومصيبة، ورزق وبركة، يروي ذلك عن ابن عباس قال الله تعالى (يفرق فيها كل أمر حكيم) وسماها مباركة فقال تعالى (أنا أنزلناه في ليلة مباركة) وهي ليلة القدر بدليل قوله تعالى (انا أنزلناه في ليلة القدر) وقال تعالى (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) يروى أن جبريل نزل به من بيت العزة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر ثم نزل به على النبي صلى الله عليه وسلم نجوما في ثلاث وعشرين سنة وهي باقية لم ترفع لما روى أبو ذر قال قلت يارسول الله ليلة القدر رفعت مع الانبياء أو هي باقية إلى يوم القيامة؟ فقال " باقية إلى يوم القيامة " قلت في رمضان أو في غيره؟ قال " في رمضان " فقلت في العشر الاول أو الثاني أو الآخر؟ فقال " في العشر الآخر " واكثر أهل العلم على أنها في رمضان وكان ابن مسعود يقول من يقم الحول يصيبها يشير إلى

[ 114 ]

أنها في السنة كلها، وفي كتاب الله تعالى ما يبين أنها في رمضان لان الله تعالى أخبر أنه انزل القرآن في ليلة القدر وأنه أنزله في رمضان فيجب ان يكون في رمضان لئلا يتناقض الخبران ولان النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أنها في رمضان في حديث ابي ذر وقال التمسوها في العشر الاواخر في كل وتر متفق عليه وقال أبي بن كعب والله لقد علم ابن مسعود انها في رمضان ولكنه كره أن يخبركم فتتكلوا، إذا ثبت هذا فانه يستحب طلبها في جميع ليالي رمضان وفي العشر الاواخر آكد وفي ليالي الوتر آكد قال احمد في العشر الاواخر في الوتر من الليالي لا تخطئ ان شاء الله كذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " اطلبوها في العشر الاواخر في ثلاث بقين أو سبع بقين أو تسع بقين " وروى سالم عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أرى رؤياكم قد تواطأت على أنها في العشر الاواخر فالتمسوها في العشر الاواخر في الوتر منها " متفق عليه وقالت عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في العشر الاواخر من رمضان، وفي لفظ البخاري تحروا ليلة القدر في الوتر في العشر الاواخر من رمضان والاحاديث في ذلك كثيرة صحيحة (مسألة) (وأرجاها ليلة سبع وعشرين) اختلف أهل العلم في أرجى هذا الليالي فقال أبي بن كعب وعبد الله بن عباس هي ليلة سبع

[ 115 ]

وعشرين قال زر بن بن حبيش قلت لابي بن كعب أما علمت أبا المنذر أنها ليلة سبع وعشرين، قال اخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها ليلة صبيحتها تطلع الشمس ليس لها شعاع فعددنا وحفظنا والله لقد علم ابن مسعود أنها في رمضان وانها ليلة سبع وعشرين ولكنه كره أن يخبركم فتتكلوا، قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وروى أبو ذر في حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقم بهم في رمضان حتى بقي سبع فقام بهم حتى مضى نحو من ثلث الليل ثم قام بهم في ليلة خمس وعشرين حتى مضى نحو من شطر الليل حتى كانت ليلة سبع وعشرين فجمع نساءه وأهله واجتمع الناس قال فقام بهم حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح يعني السحور متفق عليه وحكي عن ابن عباس انه قال: سورة القدر ثلاثون كلمة السابعة والعشرين منها (هي) وروى أبو داود باسناده عن معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر قال " ليلة سبع وعشرين " وقيل آكدها ليلة ثلاث وعشرين لانه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ان عبد الله بن أنيس سأله فقال يارسول الله اني أكون ببادية يقال لها الوطاة واني بحمد الله أصلي بهم فمرني بليلة من هذا الشهر أنزلها في المسجد فأصليها فيه فقال " انزل ليلة ثلاث وعشرين فصلها فيها وإن احببت أن تستتم آخر هذا الشهر فافعل وإن أحببت فكف " فكان إذا صلى العصر دخل المسجد فلم يخرج إلا في حاجة حتى يصلي الصبح فإذا صلى الصبح كانت دابته بباب المسجد. رواه أبو داود مختصرا، وقيل آكدها ليلة أربع وعشرين لانه روي عن النبي

[ 116 ]

صلى الله عليه وسلم انه قال ليلة القدر أول ليلة من السبع الاواخر، وروي عن بعض الصحابة انه قال: لم نكن نعد عددكم هذا وانما نعد من آخر الشهر يعني ان السابعة والعشرين هي أول ليلة من السبع الاواخر، وقيل آكدها ليلة احدى وعشرين لما روى أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " أريت ليلة القدر ثم أنسيتها فالتمسوها في العشر الاواخر في الوتر واني رأيت أني أسجد في صبيحتها في ماء وطين " قال فجاءت سحابة فمطرت حتى سال سقف المسجد وكان من جريد النخل فأقيمت الصلاة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد في الماء والطين حتى رأيت أثر الماء والطين في جبهته، وفي حديث " في صبيحة احدى وعشرين " متفق عليه قال الترمذي قد روي انها ليلة احدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين وليلة خمس وعشرين وليلة سبع وعشرين وليلة تسع وعشرين وآخر ليلة، وقال أبو قلابة انها تنتقل في ليالي العشر قال الشافعي كان هذا عندي والله أعلم ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يجيب على نحو ما يسأل، فعلى هذا كانت في السنة التي رأى أبو سعيد ان النبي صلى الله عليه وسلم يسجد في الماء والطين ليلة احدى وعشرين وفي السنة التي أمر عبد الله بن أنيس ليلة ثلاث وعشرين وفي السنة التي رأى أبي بن كعب علامتها ليلة سبع وعشرين

[ 117 ]

وقد ترى علامتها في غير هذه الليالي قال بعض أهل العلم أبهم الله هذه الليلة على الامة ليجتهدوا في طلبها ويجدوا في العبادة في الشهر كله طمعا في ادراكها كما أخفى ساعة الاجابة في يوم الجمعة ليكثروا من الدعاء في اليوم كله واخفى اسمه الاعظم في الاسماء ورضاه في الطاعات ليجتهدوا في جميعها واخفى الاجل وقيام الساعة ليجد الناس في العلم حذرا منها (فصل) والمشهور من علامتها ما ذكره أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الشمس تطلع من صبيحتها بيضاء لا شعاع لها وفي بعض الاحاديث بيضاء مثل الطست وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها " ليلة بلجة سمحة لا حارة ولا باردة تطلع الشمس من صبيحتها لا شعاع لها " (مسألة) (ويستحب أن يجتهد فيها في الدعاء ويدعو فيها بما روي عن عائشة أنها قالت يارسول الله ان وافقتها بم أدعوا قال " قولي اللهم انك عفو تحب العفو فاعف عني " (كتاب الاعتكاف) (وهو لزوم المسجد لطاعة الله) الاعتكاف في اللغة لزوم الشئ وحبس النفس عليه برا كان أو غيره ومنه قوله تعالى (يعكفون على أصنام لهم) قال الخليل عكف يعكف ويعكف وهو في الشرع الاقامة في المسجد لطاعة الله تعالى على صفة نذكرها، وهو قربة وطاعة قال الله تعالى (وطهر بيتي للطائفين والعاكفين) وقالت عائشة كان

[ 118 ]

النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الاواخر متفق عليه وروى ابن ماجة في سننه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المعتكف " هو يعكف الذنوب ويجري له من الحسنات كعامل الحسنات كلها " الا أن الحديث ضعيف فيه فرقد السنجي قال أبو داود لاحمد رحمه الله تعرف في فضل الاعتكاف شيئا؟ قال لا إلا شيئا ضعيفا (مسألة) (وهو سنة الا أن ينذره فيجب) لا نعلم خلافا في استحبابه وانه إذا نذره وجب عليه قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على ان الاعتكاف لا يجب على الناس فرضا الا ان يوجب المرء على نفسه الاعتكاف نذرا فيجب عليه ويدل على أنه سنة أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله وداوم عليه تقربا إلى الله وطلبا لثوابه واعتكف أزواجه بعده ومعه ويدل على أنه غير واجب أن اصحابه لم يعتكفوا ولا أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم به إلا من أراده وقال عليه السلام " من أراد ان يعتكف فليعتكف العشر الاواخر " ولو كان واجبا لم يعلقه بالارادة، وأما إذا نذره فيجب لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من نذر ان يطع الله فليطعه " وعن عمر أنه قال يارسول الله إني نذرت ان اعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أوف بنذرك " رواهما البخاري (فصل) فان نوى الاعتكاف مدة لم يلزمه فان شرع فيها فله اتمامها والخروج منها متى شاء،

[ 119 ]

وبهذا قال الشافعي وقال مالك: يلزمه بالنية مع الدخول فيه، فان قطعه فعليه قضاؤه، قال ابن عبد البر لا يختلف في ذلك الفقهاء ويلزمه القضاء عند جميع العلماء، قال وإن لم يدخل فيه فالقضاء مستحب ومن العلماء من أوجبه وإن لم يدخل فيه، واحتج بما روي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الاواخر من رمضان فاستأذنته عائشة فأذن لها فأمرت ببنائها فضرب وسألت حفصة أن يستأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعلت فأمرت ببنائها فضرب، فلما رأت ذلك زينب بنت جحش أمرت ببنائها فضرب قال فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الصبح دخل معتكفه، فلما صلى الصبح انصرف فبصر بالابنية فقال " ما هذا؟ " فقالوا بناء عائشة وحفصة وزينب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " البر أردتن ما أنا بمعتكف " فرجع فلما أفطر اعتكف عشرا من شوال، متفق على معناه، ولانها عبادة تتعلق بالمسجد فلزمت بالدخول فيها كالحج وما ذكره ابن عبد البر فليس بشئ، فان هذا ليس باجماع ولا يعرف هذا القول عن أحد سواه، وقال الشافعي: كل عمل لك أن لا تدخل فيه، فإذا دخلت فيه فخرجت منه فليس عليك أن تقضي إلا الحج والعمرة، ولم يقم الاجماع على لزوم نافلة بالشروع فيها سوى الحج والعمرة، وإذا كانت العبادات التي لها أصل في الوجوب لا تلزم بالشروع فما ليس له أصل في الوجوب أولى، وقد انعقد الاجماع على أن الانسان لو نوى الصدقة بمال قدر وشرع في الصدقة به فأخرج بعضه لم تلزمه الصدقة بباقية وهو نظير للاعتكاف لانه غير مقدر بالشرع

[ 120 ]

فأشبه الصدقة، وما ذكره من الحديث حجة عليه فان النبي صلى الله عليه وسلم ترك اعتكافه ولو كان واجبا ما تركه، وأزواجه تركن الاعتكاف بعد نيته وضرب الابنية له ولم يوجد عذر يمنع فعل الواجب ولا أمرن بالقضاء وقضاء النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن لوجوبه عليه وانما فعله تطوعا لانه كان إذا عمل عملا أثبته فكان فعله لقضائه على سبيل التطوع كما قضى السنة التي فاتته بعد الظهر وقبل الفجر فتركه دليل على عدم وجوبه وقضاؤه لا يدل على الوجوب لان قضاء السنن مشروع، فان قيل انما جاز تركه ولم يؤمر تاركه من النساء بقضائه لتركهن إياه قبل الشروع قلنا فقد سقط الاحتجاج لاتفاقنا على أنه لا يلزم قبل شروعه فيه فلم يكن القضاء دليلا على الوجوب مع الاتفاق على انتفائه ولا يصح قياسه على الحج والعمرة لان الوصول اليهما لا يحصل في الغالب إلا بعد كلفة عظيمة، ومشقة شديدة، وانفاق مال كثير، ففي ابطالهما تضييع لماله وابطال لاعماله الكثيرة، وقد نهينا عن اضاعة المال وابطال الاعمال، وليس في ترك الاعتكاف بعد الشروع فيه مال يضيع ولا عمل يبطل، فان ما مضى من اعتكافه لا يبطل بترك اعتكاف المستقبل، ولان النسك يتعلق بالمسجد الحرام على الخصوص والاعتكاف بخلافه (مسألة) (ويصح بغير صوم وعنه لا يصح فعلى هذا لا يصح في ليلة مفردة ولا بعض يوم) ظاهر المذهب أن الاعتكاف يصح بغير صوم يروى ذلك عن على وابن مسعود وسعيد بن المسيب

[ 121 ]

وعمر بن عبد العزيز والحسن وعطاء وطاوس والشافعي واسحاق، وعن أحمد رواية أخرى أن الصوم شرط فيه، قال إذا اعتكف يجب عليه الصوم، يروى ذلك عن ابن عمر وابن عباس وعائشة، وبه قال الزهري وأبو حنيفة ومالك والثوري والليث والحسن بن حي لما روي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا اعتكاف إلا بصوم " وعن ابن عمر جعل عليه أن يعتكف في الجاهلية فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال " اعتكف وصم " رواه أبو داود، ولانه لبث في مكان مخصوص فلم يكن بمجرده قربة كالوقوف ولنا ما روي عن عمر أنه قال يارسول الله إني نذرت في الجاهلية ان اعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أوف بنذرك " رواه البخاري ولو كان الصوم شرطا لما صح اعتكاف الليل لانه لا صيام فيه ولانه عبادة تصح في الليل فلم يشترط له الصيام كالصلاة وكسائر العبادات ولان إيجاب الصوم حكم لا يثبت الا بالشرع ولم يصح فيه نص ولا إجماع فان أحاديثهم لا تصح، أما حديث عمر فتفرد به ابن بديل وهو ضعيف قال أبو بكر النيسابوري هذا حديث منكر والصحيح ما رويناه

[ 122 ]

أخرجه البخاري والنسائي وغيرهما وحديث عائشة موقوف عليها ومن رفعه فقد وهم، ثم لو صح فالمراد به الاستحباب فان الصوم فيه أفضل وقياسهم ينقلب عليهم فانه لبث في مكان مخصوص فلم يشترط له الصوم كالوقوف ثم نقول بموجبه فانه لا يكون قربة بمجرده بل بالنية إذا ثبت هذا فانه يستحب أن يصوم لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف وهو صائم ولان المعتكف يستحب له التشاغل بالعبادات والقرب والصوم من أفضلها ويتفرغ به مما يشغله عن العبادات ويخرج به من الخلاف (فصل) وإذا قلنا باشتراط الصوم لم يصح اعتكاف ليلة مفردة ولا بعض يوم ولا ليلة وبعض يوم لان الصوم المشترط لا يصح في أقل من يوم ويحتمل أن يصح في بعض اليوم إذا صام اليوم كله لان الصوم المشروط وجد في زمان الاعتكاف ولا يعتبر وجود المشروط في زمن الشرط كله (مسألة) (وليس للمرأة الاعتكاف إلا باذن زوجها ولا للعبد الا باذن سيده) وذلك لان منافعهما مملوكة لغيرهما والاعتكاف يفوتها ويمنع استيفائها وليس بواجب عليهما بالشرع فكان لهما المنع منه وأم الولد والمدبر كالقن في هذا لان الملك باق فيهما لهما (مسألة) (فان شرعا فيه بغير اذن فلهما تحليلهما وان كان باذن فلهما تحليلهما إن كان تطوعا والا فلا) إذا اعتكفت الزوجة بغير اذن زوجها أو العبد بغير اذن السيد فلهما منعهما منه وان كان فرضا لانه يتضمن تفويت حق غيرهما بغير اذنه فكان لصاحب الحق المنع منه كالغصب وإذا أذن السيد أو الزوج في الاعتكاف ثم أرادا اخراجهما منه بعد شروعهما فيه فلهما ذلك في التطوع وبه قال الشافعي وأبو حنيفة في العبد وقال في الزوجة ليس لزوجها إخراجها لانها تملك بالتمليك فبالاذن اسقط حقه من منافعها واذن لها في استيفائها فلم يكن له الرجوع فيها كما لو أذن لها في الحج فأحرمت به بخلاف العبد فانه لا يملك بالتمليك وقال مالك ليس له تحليلهما لانهما عقدا على أنفسهما تمليك منافع كانا يملكانها بحق الله تعالى فلم يجز الرجوع فيها كما لو احرما بالحج باذنهما ولنا أن لهما المنع منه ابتداء فكان لهما المنع منه دواما كالعارية ويخالف الحج فانه يلزم بالشروع فيه ويجب المضي في فاسده بخلاف الاعتكاف على ما مضى من الاختلاف

[ 123 ]

(فصل) وان كان ما أذنا فيه منذورا لم يكن لهما تحليلهما منه لانه يتعين بالشروع فيه ويجب إتمامه فيصير كالحج إذا أحرما به فأما ان نذرا الاعتكاف فاراد السيد والزوج منعهما الدخول فيه فان كان النذر باذنهما وكان معينا لم يملكا منعهما منه لانه وجب باذنهما وان كان النذر المأذون فيه غير معين فشرعا فيه باذنهما لم يملكا منعهما منه لانه يتعين بالدخول فيه فهو كالمعين بالنذر، وان كان النذر باذن وكان غير معين والشروع بغير إذن لم يجز تحليلهما كما لو أذن في الشروع خاصة ويحتمل ان لهما تحليلهما (مسألة) (وللمكاتب أن يحج ويعتكف بغير إذن سيده) سواء كان فرضا أو تطوعا لان السيد لا يستحق منافعه ولا يملك اجباره على الكسب وانما له دين في ذمته فهو كالحر المدين (مسألة) (ومن بعضه حر إن كان بينهما مهايأة فله أن يعتكف في نوبته بغير اذن سيده) لان منافعه غير مملوكة لسيده في ذلك الزمن وحكمه في نوبة سيده حكم القن، فان لم يكن بينهما مهايأة فلسيده منعه لان له ملكا في منافعه في جميع الاوقات (فصل) ولا يصح بغير نية لانه عبادة محضة أشبه الصوم، وإن كان فرضا لزمه نية الفرضية ليتميز عن التطوع، فان نوى الخروج منه ففيه وجهان (أحدهما) يبطل كما لو قطع نية الصوم (والثاني) لا يبطل لانها قربة تتعلق بمكان فلا يخرج منها بنية الخروج كالحج (مسألة) (ولا يجوز الاعتكاف إلا في مسجد يجمع فيه إلا المرأة لها الاعتكاف في كل مسجد إلا مسجد بيتها) لا يجوز للرجل الاعتكاف في غير مسجد لا نعلم فيه خلافا بين أهل العلم لقول الله تعالى (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) فخصها بذلك، ولو صح الاعتكاف في غيرها لم يختص بتحريم

[ 124 ]

المباشرة فيها، فان المباشرة محرمة في الاعتكاف مطلقا، وفي حديث عائشة قالت: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخل إلي رأسه وهو في المسجد فأرجله، وكان لا يدخل البيت الا لحاجة وإذا كان معتكفا وقوله إلا في مسجد يجمع فيه أي تقام فيه الجماعة، وانما اشترط ذلك لان الجماعة واجبة فاعتكف الرجل في مسجد لا تقام فيه يفضي إلى أحد أمرين، إما ترك الجماعة الواجبة وإما خروجه إليها فيتكرر ذلك منه كثيرا مع أمكان التحرز منه وذلك مناف للاعتكاف إذ هو لزوم الاقامة في المسجد على طاعة الله فعلى هذا يجوز الاعتكاف في كل مسجد تقام فيه الجماعة، وروي عن حذيفة وعائشة والزهري ما يدل على هذا، واعتكف أبو قلابة وسعيد بن جبير في مسجد حيهما، وروي عن عائشة والزهري أنه لا يصح إلا في مساجد الجماعات وهو قول الشافعي إذا كانت الجمعة تتخلل اعتكافه لئلا يلتزم الخروج من معتكفه لما يمكنه التحرز من الخروج إليه، وروي عن حذيفة وسعيد بن المسيب لا يجوز الاعتكاف إلا في مسجد نبي، وحكي عن حذيفة أن الاعتكاف لا يصح إلا في أحد المساجد الثلاثة. قال سعيد ثنا مغيرة عن ابراهيم قال: دخل حذيفة مسجد الكوفة فإذا هو بأبنية مضروبة فسأل عنها فقيل قوم معتكفون فانطلق إلى ابن مسعود فقال ألا تعجب من قوم يزعمون أنهم معتكفون بين دارك ودار الاشعري؟ فقال عبد الله لعلهم أصابوا واخطأت، وحفظوا ونسيت، فقال حذيفة لقد علمت ما الاعتكاف إلا في ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الاقصى ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم. وقال مالك يصح الاعتكاف في كل مسجد لعموم قوله (وأنتم عاكفون

[ 125 ]

في المساجد) وهو قول الشافعي إذا لم تتخلل اعتكافه جمعة ولنا ماروى الدارقطني باسناده عن الزهري عن عروة وسعيد بن المسيب عن عائشة أن السنة للمعتكف أن لا يخرج إلا لحاجة الانسان ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة وهو ينصرف إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروى سعيد ثنا هشيم أنا جرير عن الضحاك عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كل مسجد له امام ومؤذن فالاعتكاف فيه يصلح " ولان قوله (وأنتم عاكفون في المساجد) يقتضي اباحة الاعتكاف في كل مسجد إلا أنه يقيد بما يقام فيه الجماعة بالاخبار، والمعنى الذي ذكرناه فيبقى على العموم فيما عداه، واشترط الشافعي أن يكون المسجد مما تقام فيه الجمعة وهذا مخالف للاخبار المذكورة والجمعة لا تتكرر فلا يصح قياسها على الجماعة، ولا يصر الخروج إليها كاعتكاف المرأة مدة يتخللها أيام حيضها، ولو كان الجامع تقام فيه الجمعة وحدها لم يجز اعتكاف الرجل فيه عندنا، ويصح عند مالك والشافعي، ومبنى ذلك على أن الجماعة واجبة عندنا فيلزم الخروج إليها وليست واجبة عندهم (فصل) فان كان اعتكافه في مدة غير وقت الصلاة كليلة أو بعض يوم جاز في كل مسجد لعدم المانع، وإن كان تقام فيه في بعض الزمان جاز الاعتكاف فيه في ذلك الزمن دون غيره، وإن كان المعتكف ممن لا تلزمه الجماعة كالمريض والمعذور ومن هو في قرية لا يصلي فيها غيره جاز اعتكافه في

[ 126 ]

كل مسجد لان الجماعة ساقطة عنه أشبه المرأة، ويحتمل أن لا يجوز ذلك للمريض والمعذور لانه من أهل الجماعة فأشبه من تجب عليه، ولانه إذا التزم الاعتكاف وكلفه نفسه فينبغي أن يجعله في مكان تصلى فيه الجماعة، ولان من التزم مالا يلزمه لا يصح بدون شرطه كالمتطوع بالصلاة والاول أولى لان من لا تجب عليه الجماعة لا يجب عليه الخروج إليها فلا يفوت شرط الاعتكاف، ولو اعتكف اثنان أو أكثر في مسجد لا تقام فيه الجماعة فأقاما الجماعة صح اعتكافهم لانهما أقاما الجماعة أشبه ما لو أقامها غيرهما (فصل) فأما المرأة فيجوز اعتكافها في كل مسجد لان الجماعة لا تجب عليها، وبهذا قال الشافعي وليس لها الاعتكاف في بيتها، وقال أبو حنيفة والثوري لها الاعتكاف في مسجد بيتها وهو المكان الذي جعلته للصلاة منه واعتكافها فيها أفضل كصلاتها فيه، وحكي عن أبي حنيفة أنه لا يصح اعتكافها في مسجد الجماعة لان النبي صلى الله عليه وسلم ترك الاعتكاف في المسجد لما رأى أبنية أزواجه فيه وقال " البر أردتن؟ " ولان مسجد بيتها موضع فضيلة صلاتها فكان موضع اعتكافها كالمسجد في حق الرجل ولنا قوله تعالى (وأنتم عاكفون في المساجد) والمراد بها المواضع التي بنيت للصلاة فيها وموضع صلاتها في بيتها ليس بمسجد لانه لم يبن للصلاة فيه وتسميته مسجدا مجاز فلا يثبت له أحكام المساجد الحقيقية بدليل جواز لبث الجنب فيه وصار كقوله عليه السلام " جعلت لي الارض مسجدا " ولان النبي صلى الله عليه وسلم حين أستاذنه أزواجه في الاعتكاف في المسجد أذن لهن ولو لم يكن موضعا لاعتكافهن لما أذن فيه ولو كان الاعتكاف في غيره أفضل لنبههن عليه ولان الاعتكاف قربة يشترط لها المسجد في

[ 127 ]

حق الرجل فيشترط في حق المرأة كالطواف وحديث عائشة قد بينا أنه حجة لنا وإنما كره اعتكافهن في تلك الحال حيث كثرت ابنيتهن لما رأى من منافستهن فكرهه لهن خشية عليهن من فساد نيتهن ولذلك قال " البر أردتن؟ " منكرا لذلك أي لم تفعلن ذلك تبررا ولو كان للمعنى الذي ذكروه لامرهن بالاعتكاف في بيوتهن ولم يأذن لهن في المسجد، وأما الصلاة فلا يصح اعتبار الاعتكاف بها فان صلاة النافلة للرجل في بيته أفضل ولا يصح اعتكافه فيه بالاتفاق (فصل) وإذا اعتكفت المرأة في المسجد استحب لها أن تستتر بشئ لان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لما أردن الاعتكاف أمرن بأبنيتهن فضربت في المسجد ولان المسجد يحضره الرجال وخير لهم وللنساء أن لا يرى بعضهم بعضا وإذا ضربت بناء جعلته في مكان لا يصلي فيه الرجال لئلا تقطع صفوفهم ويضيق عليهم ولا بأس أن يستتر الرجل أيضا فان النبي صلى الله عليه وسلم أمر ببنائه فضرب ولانه أسترله وأخفى لعمله وروى ابن ماجه عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتكف في قبة تركية على سدتها قطعة حصير قال فأخذ الحصير بيده فنحاها في ناحية القبة ثم أطلع رأسه فكلم الناس (مسألة) (والافضل الاعتكاف في الجامع إذا كانت الجمعة تتخلله) إذا كانت الجمعة تتخلل الاعتكاف فالافضل ان يكون في المسجد الذي تقام فيه الجمعة لئلا يحتاج إلى الخروج إليها فيترك الاعتكاف مع إمكان التحرز من ذلك ولان فيه خروجا من الخلاف على ما ذكرناه ولان ثواب الجماعة فيه أكثر (مسألة) (وإذا نذر الاعتكاف أو الصلاة في مسجد فله فعله في غيره، ولا كفارة عليه إلا المساجد الثلاثة) وجملة ذلك أنه لا يتعين شئ من المساجد بنذره الاعتكاف أو الصلاة فيه إلا المساجد الثلاثة

[ 128 ]

وهي المسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم، والمسجد الاقصى لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تشد الرحال الا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الاقصى ومسجدي هذا " متفق عليه ولو تعين غيرها بتعيينه لزمه المضي إليه واحتاج لشد الرحل لقضاء نذره فيه ولان الله تعالى لم يعين لعبادته مكانا فلم يتعين بتعيين غيره وانما تعينت هذه المساجد للخبر الوارد فيها ولان العبادة فيها أفضل فإذا عين ما فيه فضيلة لزمته كانواع العبادة ولهذا قال الشافعي في صحيح قوليه وقال في الآخر لا يتعين المسجد الاقصى لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " صلاة في مسجدي هذا أفضل من الف صلاة فيما سواه الا المسجد الحرام " رواه مسلم، وهذا يدل على التسوية فيما عدا هذين المسجدين لان المسجد الاقصي لو فضلت الصلاة فيه على غيره يلزم احد امرين اما خروجه من عموم هذا الحديث واما كون فضيلته بألف مختصا بالمسجد الاقصى ولنا أنه من المساجد التي تشد الرحال إليها فتعين بالتعيين في النذر كالآخرين وما ذكره لا يلزم فانه إذا فضل الفاضل بألف فقد فضل المفضول بها أيضا (مسألة) (وافضلها المسجد الحرام ثم مسجد المدينة ثم المسجد الاقصى) وقال قوم مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من المسجد الحرام لان النبي (ص) انما دفن في خير البقاع وقد نقله الله تعالى من مكة إلى المدينة فدل على أنها أفضل ولنا قوله عليه السلام (صلاة في مسجدي هذا أفضل من الف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام " وروى ابن ماجة باسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة الف صلاة فيما سواه فيدخل في عمومه مسجد النبي صلى الله عليه وسلم (مسألة) (فان نذره في الافضل لم يكن له فعله في غيره وان نذره في غيره فله فعله فيه) إذا نذر الاعتكاف في المسجد الحرام لزمه ولم يكن له الاعتكاف فيما سواه لان عمر نذر أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال (أوف بنذرك) متفق عليه وان نذر أن يعتكف في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم جاز أن يعتكف في المسجد الحرام لانه أفضل ولم يجز له أن يعتكف في المسجد الاقصى لان مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أفضل منه فلم يجز له تفويت فضيلته وان نذر الاعتكاف في المسجد الاقصى جاز له أن يعتكف في المسجدين الاخرين لانهما أفضل منه وروى الامام احمد في مسنده عن رجال من الانصار من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح والنبي صلى الله عليه وسلم في مجلس قريبا من المقام فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال يا نبي الله: اني نذرت إن فتح الله للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين مكة لاصلين في بيت المقدس وإني وجدت رجلا من أهل الشام ههنا في قريش مقبلا معي ومدبرا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " ههنا فصل "

[ 129 ]

فقال الرجل قوله هذا ثلاث مرات كل ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم " ههنا فصل " ثم قال الرابعة مقالته هذه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اذهب فصل فيه، فو الذي بعث محمدا بالحق لو صليت ههنا لقضى عنك ذلك كل صلاة في بيت المقدس " (فصل) وإن نذر الاعتكاف في غير هذه المساجد فدخل فيه ثم أنهدم معتكفه ولم يمكن المقام فيه لزم اتمام الاعتكاف في غيره ولم يبطل اعتكافه (مسألة) (وإن نذر اعتكاف شهر بعينه لزمه الشروع فيه قبل دخول ليلته إلى انقضائه) إذا عين بنذره زمنا تعين لان الله تعالى عين للعبادة زمنا فتعين بتعيين العبد ويلزمه الشروع فيه قبل دخول ليلته إلى انقضائه وهذا قول مالك والشافعي، وحكى ابن أبي موسى عن أحمد رواية أخرى أنه يدخل في معتكفه قبل طلوع الفجر من أوله وهو قول الليث وزفر لان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح ثم دخل معتكفه، متفق عليه، ولان الله تعالى قال (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) ولا يلزم الصوم إلا من قبل طلوع الفجر، ولان الصوم شرط في الاعتكاف فلم يجب ابتداؤه قبل شرطه ولنا أنه نذر الشهر وأوله غروب الشمس بدليل حل الديون المعلقة به ووقوع الطلاق والعتاق المعلقين به فوجب أن يدخل قبل الغروب ليستوفي جميع الشهر فانه لا يمكن إلا بذلك وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب كامساك جزء من الليل في الصوم، وأما الصوم فمحله النهار فلا يدخل فيه شئ من الليل في أثنائه ولا ابتدائه إلا ما حصل ضرورة بخلاف الاعتكاف وأما الحديث فقال ابن عبد البر لا أعلم أحدا من الفقهاء قال به على أن الخبر انما هو في التطوع فمتى شاء دخل، وفي مسألتنا نذر شهرا فيلزمه اعتكاف شهر كامل، ولا يحصل إلا أن يدخل فيه قبل غروب الشمس من أوله ويخرج بعد غروبها من آخره فاشبه ما لو نذر اعتكاف يوم فانه يلزمه الدخول فيه قبل طلوع فجره ويخرج بعد غروب شمسه وقوله: إن الاعتكاف لا يصح بغير صوم قد أجبنا عنه فيما مضى (فصل) وان أحب اعتكاف العشر الاواخر تطوعا ففيه روايتان (إحداهما) يدخل قبل غروب الشمس من ليلة إحدى وعشرين لما روي عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الاوسط من رمضان حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه قال " من كان معي فليعتكف العشر الاواخر " متفق عليه ولان العشر بغير هاء عدد الليالى فانها عدد المؤنث قال الله تعالى (وليال عشر) وأول الليالي العشر ليلة احدى وعشرين

[ 130 ]

(والرواية الثانية) يدخل بعد صلاة الصبح قال حنبل قال احمد أحب الي أن يدخل قبل الليل ولكن حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الفجر ثم يدخل معتكفه وبهذا قال الاوزاعي واسحاق ووجهه ماروت عمرة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى الصبح دخل معتكفه متفق عليه وان نذر اعتكاف العشر ففي وقت دخوله الروايتان (فصل) ومن اعتكف العشر الاواخر من رمضان استحب أن يبيت ليلة العيد في معتكفه نص عليه احمد وروي عن النخعي وأبي مجاز وأبي بكر بن عبد الرحمن والمطلب بن حنطب وأبي قلابة أنهم كانو يستحبون ذلك وروى الاثرم باسناده عن أيوب عن أبي قلابة أنه كان يبيت في المسجد ليلة الفطر ثم يغدو كما هو إلى العيد وكان يعني في اعتكافه لا يلقى له حصير ولا مصلى يجلس عليه كان يجلس كأنه بعض القوم قال فأتيته في يوم الفطر فإذا في حجره جويرية مزينة ما ظننتها الا بعض بناته فإذا هي أمة له فأعتقها وغدا كما هو إلى العيد وقال ابراهيم كانوا يحبون لمن اعتكف العشر الاواخر من رمضان أن يبيت ليلة الفطر في المسجد ثم يغدو إلى المصلى من المسجد (مسألة) (وان نذر شهرا مطلقا لزمه شهر متتابع) إذا نذر اعتكاف شهر مطلق فهل يلزمه التتابع فيه وجهان بناء على الروايتين في نذر الصوم (أحدهما) لا يلزمه وهو مذهب الشافعي لانه معنى يصح فيه التفريق فلا يجب فيه التتابع بمطلق النذر كالصيام (والثاني) يلزمه التتابع وهو قول أبي حنيفة ومالك وقال القاضي يلزمه التتابع وجها واحدا لانه معنى يحصل في الليل والنهار فإذا أطلقه اقتضى التتابع كما لو حلف لا يكلم زيدا شهرا وكمدة الايلاء والعدة وبهذا فارق الصيام فان أتى بشهر بين هلالين أجزأه ذلك وان كان ناقصا وان اعتكف ثلاثين يوما من شهرين جاز فتدخل فيه الليالي لان الشهر عبارة عنهما ولا يجزئه أقل من ذلك وان قال الله تعالى ان اعتكف أيام هذا الشهر أو ليالي هذا الشهر لزمه ما نذر ولم يدخل فيه غيره وكذلك ان قال شهرا في النهار أو في الليل (مسألة) (وان نذر أياما معدودة فله تفريقها الا عند القاضي) إذا قال لله على أن اعتكف ثلاثين يوما يلزمه التتابع كما لو نذر شهرا مطلقا وقال أبو الخطاب لا يلزمه لان اللفظ يقتضي تناوله والايام المطلقة توجد بدون التتابع فلا يلزمه كما لو نذر صوم ثلاثين يوما فعلى قول القاضي تدخل فيه الليالي الداخلة في الايام المنذورة كما لو نذر شهرا ومن لم يوجب التتابع لا يدخل في الليل فيه الا أن ينويه فان نوى التتابع أو شرطه وجب (مسألة) (وان نذر أياما أو ليالي متتابعة ما يتخللها من ليل أو نهار)

[ 131 ]

متى شرط التتابع في نذره أو نواه دخل الليالي فيه ويلزمه ما بين الايام من الليالي وان نذر الليالي لزمه ما بينها من الايام حسب وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة يلزمه من الليالي بعدد الايام إذا كان على وجه الجمع أو التثنية يدخل فيه مثله من الليالي والليالي تدخل معها الايام بدليل قوله تعالى (آيتك أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سويا) وقال في موضع آخر (ثلاثة أيام الا رمزا) ولنا ان اليوم اسم لبياض النهار والليلة اسم لسواد الليل والتثنية والجمع تكرار الواحد وانما تدخل الليالي تبعا لوجوب التتابع ضمنا وهذا يحصل مابين الايام خاصة فاكتفى به وأما الآية فان الله تعالى نص على الليل في موضع والنهار في موضع فصار منصوصا عليهما فعلى هذا إن نذر اعتكاف يومين متتابعين لزمه يومان وليلة بينهما وان نذر اعتكاف يومين مطلقا فكذلك عند القاضي وكذلك لو نذر اعتكاف ليلتين لزمه اليوم الذي بينهما عند القاضي وعند أبي الخطاب لا يلزمه ما بينهما الا بلفظ أو بنية ويتخرج أنه إذا نذر اعتكاف يومين متتابعين أن لا تلزمه الليلة التي بينهما كالليلة التي قبلهما وكذلك إذا نذر اعتكاف ليلتين لا يلزمه اليوم الذي بينهما كاليوم الذي قبلهما اختاره الشيخ أبو حكيم (فصل) وإن نذر اعتكاف يوم لزمه أن يدخل معتكفه قبل طلوع الفجر ويخرج منه بعد غروب الشمس، وقال مالك يدخل معتكفه قبل طلوع الفجر ويخرج منه بعد غروب الشمس من ليلة ذلك اليوم كقولنا في الشهر لان الليل يتبع النهار بدليل ما لو كان متتابعا ولنا أن الليلة ليست من اليوم وهي من الشهر قال الخليل اليوم اسم لما بين طلوع الفجر وغروب الشمس وانما دخل الليل في المتتابع ضمنا ولهذا خصصناه بما بين الايام وان نذر اعتكاف ليلة لزمه دخول معتكفه قبل غروب الشمس ويخرج منه بعد طلوع الفجر وليس له تفريق الاعتكاف وظاهر كلام الشافعي جواز التفريق قياسا على الشهر ولنا أن اطلاق اليوم يفهم منه التتابع فلزمه كما لو قال متتابعان وفارق الشهر فانه اسم لما بين هلالين واسم لثلاثين يوما واليوم لا يقع في الظاهر الا على ما ذكرنا وان قال في وسط النهار لله علي أن اعتكف يوما من وقتي هذا، لزمه الاعتكاف من ذلك الوقت إلى مثله ويدخل فيه الليل لانه في خلل نذره فصار كما لو نذر يومين متتابعين وانما لزمه بعض يومين لتعيينه ذلك بنذره فعلمنا أنه أراد ذلك ولم يرد يوما صحيحا (فصل) وان نذر اعتكافا مطلقا لزمه ما يسمى به معتكفا ولو ساعة من ليل أو نهار الا على قولنا بوجوب الصوم في الاعتكاف فيلزمه يوم كامل فأما اللحظة ومالا يسمى به معتكفا فلا يجزئه على الروايتين جميعا (فصل) إذا نذر اعتكاف يوم يقدم فلان صح نذره فان ذلك ممكن فان قدم في بعض النهار

[ 132 ]

لزمه اعتكاف الباقي منه ولم يلزمه قضاء ما فات لانه فات قبل شرط الوجوب فلم يجب كما لو نذر اعتكاف زمن ماض لكن ان قلنا شرط صحة الاعتكاف الصوم لزمه قضاء يوم كامل لانه لا يمكنه أن يأتي بالاعتكاف في الصوم فيما بقي من النهار ولا قضاؤه مميزا مما قبله فلزمه يوم كامل ضرورة كما لو نذر صوم يوم يقدم فلان ويحتمل أن يجزئه اعتكاف ما بقي منه إذا كان صائما لانه قد وجد اعتكاف مع الصوم وان قدم ليلا لم يلزمه شئ لان ما التزمه بالنذر لم يوجد فان كان للناذر عذر يمنعه الاعتكاف عند قدوم فلان من حبس أو مرض قضى أو كفر لفوات النذر في وقته ويقضي بقية اليوم فقط لانه الذي كان يلزم في الاداء على الرواية المنصورة وفي الاخرى يقضي يوما كاملا بناء على اشتراط الصوم في الاعتكاف (فصل) قال الشيخ رحمه الله ولا يجوز للمعتكف الخروج الا لما لابد له منه كحاجة الانسان والطهارة والجمعة والنفير المتعين والشهادة الواجبة والخوف من فتنة أو مرض والحيض والنفاس وعدة الوفاة ونحوه. وجملته أنه ليس للمعتكف الخروج من معتكفه الا لما لابد منه قالت عائشة رضي الله عنها وعن أبيها: السنة للمعتكف أن لا يخرج إلا لما لابد منه. رواه أبو داود وقالت أيضا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدني الي رأسه فأرجله وكان لا يدخل البيت الا لحاجة الانسان. متفق عليه ولا خلاف في ان له الخروج لما لابد منه قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن للمعتكف أن يخرج من معتكفه للغائط والبول ولان هذا لا يمكن فعله في المسجد ولو بطل الاعتكاف بالخروج إليه لم يصح لاحد اعتكاف ولان النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف وقد علمنا أنه كان يخرج لقضاء حاجته والمراد بحاجة الانسان البول والغائط كني بذلك عنهما لان كل انسان يحتاج إلى فعلهما وفي معناه الحاجة إلى المأكول

[ 133 ]

والمشروب إذا لم يكن له من يأتيه به فله الخروج إليه عند الحاجة إليه وان بغته القئ فله أن يخرج ليتقيأ خارج المسجد وكل مالا بد له منه ولا يمكن فعله في المسجد فله الخروج إليه ولا يفسد اعتكافه وهو عليه ما لم يطل وكذلك له الخروج إلى ما أوجبه الله تعالى عليه مثل من يعتكف في مسجد لا جمعة فيه فيحتاج الي الخروج لصلاة الجمعة ولا يبطل اعتكافه به، وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي فيمن نذر اعتكافا متتابعا فخرج منه لصلاة الجمعة بطل اعتكافه وعليه الاستئناف لانه امكنه فرضه بحيث لا يخرج منه فبطل بالخروج كالمكفر إذا ابتدأ صوم الشهرين المتتابعين في شعبان أو ذي الحجة ولنا أنه خرج لواجب فلم يبطل اعتكافه كالمعتدة تخرج لقضاء العدة، وكالخارج لانقاذ غريق واطفاء حريق واداء شهادة تعينت عليه، ولانه إذا نذر أياما فيها جمعة فكأنه استثنى الجمعة بلفظه ثم يبطل بما إذا نذرت المرأة أياما فيها عادة حيضها فانه يصح مع امكان فرضها في غيرها والاصل ممنوع. إذا ثبت هذا فانه إذا خرج لواجب فهو على اعتكافه ما لم يطل لانه خروج لابد منه أشبه الخروج لحاجة الانسان، فان كان خروجه لصلاة الجمعة فله أن يتعجل. قال الامام احمد: أرجو أن يكون له لانه خروج جائز فجاز تعجيله كالخروج لحاجة الانسان، فإذا صلى الجمعة فأحب أن يعتكف في الجامع فله ذلك لانه محل للاعتكاف والمكان لا يتعين للاعتكاف بتعيينه فمع عدم ذلك أولى. وإن

[ 134 ]

أحب الرجوع إلى معتكفه فله ذلك كما لو خرج إلى غير الجمعة. قال بعض أصحابنا: يستحب له الاسراع إلى معتكفه، وقال أبو داود قلت لاحمد يركع يعني المعتكف يوم الجمعة بعد الصلاة في المسجد؟ قال نعم بقدر ما كان يركع (قال شيخنا) رحمه الله ويحتمل أن تكون الخيرة إليه في تعجيل الرجوع وتأخيره لانه في مكان يصلح للاعتكاف فأشبه مالو نوى الاعتكاف فيه، فأما إن خرج ابتداء إلى مسجد آخر أو إلى الجامع من غير حاجة، أو كان المسجد أبعد من موضع حاجته فمضى إليه لم يجز له ذلك لانه خروج لغير حاجة أشبه مالو خرج لغير المسجد، فان كان المسجدان متصلاقين يخرج من أحدهما فيصير في الآخر فله الانتقال من أحدهما إلى الآخر لانهما كمسجد واحد ينتقل من احدى زاويتيه إلى الاخرى، وإن كان يمشي بينهما في غيرهما لم يجز له الخروج: وإن قرب لانه خروج من المسجد لغير حاجة (فصل) وإذا خرج لما لابد منه فليس عليه أن يتعجل في مشيه لكن يمشي على حسب عادته لان عليه مشقة في الزامه غير ذلك فليس له الاقامة بعد قضاء حاجته لاكل ولا لغيره، وقال ابن حامد يجوز أن يأكل اليسير في بيته كاللقمة والثنتين ولا يأكل جميع أكله، وقال القاضي: يتوجه أن له الاكل في بيته والخروج إليه ابتداء لان الاكل في المسجد دناءة وقد يخفي جنس قوته عن الناس، وقد يكون في المسجد غيره فيستحي منه أن يأكل دونه وإن أطعمه لم يكفهما

[ 135 ]

ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لايدخل البيت إلا لحاجة الانسان وهذا كناية عن الحدث، ولانه خروج لما له منه بد، ولبث في غير معتكفه لما له منه بد فأبطل الاعتكاف كمحادثة أهله وما ذكره القاضي ليس بعذر يبيح الخروج ولا الاقامة، ولو ساغ ذلك لساغ الخروج للنوم وأشباهه (فصل) وإن خرج لحاجة الانسان وبقرب المسجد سقاية أقرب من منزله لا يحتشم من دخولها ويمكنه التنظف فيها لم يكن له المضي إلى منزله لان له من ذلك بدا، وإن كان يحتشم من دخولها أو فيه نقيصة عليه أو مخالفة لعادته أو لا يمكنه التنظف فيها فله المضي إلى منزله لما عليه من المشقة في ترك المروءة، وكذلك إن كان له منزلان أحدهما أقرب من الآخر يمكنه الوضوء في الاقرب بلا ضرر فليس له قصد الابعد، وإن بذل له صديقه أو غيره الوضوء في منزله القريب لم يلزمه لما عليه من المشقة بترك المروءة والاحتشام من صاحبه، قال المروذي سألت أبا عبد الله عن الاعتكاف في المسجد الكبير أعجب اليك أو مسجد الحي؟ قال: المسجد الكبير وأرخص لي أن أعتكف في غيره، قلت فأين ترى أن أعتكف في هذا الجانب، أو في ذلك الجانب؟ قال في ذاك الجانب هو أصلح من أجل السقاية، قلت فمن أعتكف في هذا الجانب ترى أن يخرج إلى الشط يتهيأ؟ قال إذا كان له حاجة لابد له من ذلك قلت يتوضأ الرجل في المسجد؟ قال لا يعجبني أن يتوضأ في المسجد (فصل) وإذا احتيج إليه في النفير إذا عم أو حضر عدو يخافون كلبه واحتيج إلى خروج

[ 136 ]

المعتكف لزمه الخروج لانه واجب متعين فكان عليه الخروج إليه كالخروج إلى الجمعة، وكذلك الشهادة الواجبة عليه لما ذكرنا، وإن وقعت فتنة خاف منها على نفسه إذا قام في المسجد أو على ماله، أو خاف نهبا أو حريقا فله ترك الاعتكاف والخروج لان هذا مما أباح الله تعالى لاجله ترك الواجب بأصل الشرع وهو الجمعة فأولى أن يباح لاجله ترك ما أوجبه على نفسه، وكذلك إن تعذر عليه المقام في المسجد لمرض لا يمكنه المقام معه كالقيام المتدارك أو سلس البول، أو الاغماء، أو لا يمكنه المقام إلا بمشقة شديدة مثل أن يحتاج إلى خدمة وفراش فله الخروج، وإن كان المرض خفيفا كالصداع، ووجع الضرس ونحوه فليس له الخروج، فان خرج بطل اعتكافه لانه خروج لما له منه بد (فصل) وإن حاضت المعتكفة أو نفست وجب عليها الخروج من المسجد بغير خلاف لانه حدث يمنع اللبث في المسجد، وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم " لا أحل المسجد لحائض ولا جنب " رواه أبو داود، والنفاس في معنى الحيض فثبت فيه حكمه، قال الخرقي تخرج من المسجد وتضرب خباء في الرحبة هذا إن كان للمسجد رحبة فان لم يكن رجعت إلى بيتها، فإذا طهرت عادت فأتمت اعتكافها وقضت ما فاتها ولا كفارة عليها لانه خروج معتاد أشبه الخروج للجمعة، وإن كان للمسجد رحبة خارجة من المسجد يمكن ضرب خبائها فيه ضربت خباءها فيه مدة حيضها وهو قول أبي قلابة، وقال النخعي تضرب فسطاطها في دارها، فإذا طهرت قضت تلك الايام، وإن دخلت بيتا أو سقفا استأنفت، وقال الزهري وعمرو بن دينار وربيعة ومالك ترجع إلى منزلها لانه وجب عليها الخروج من المسجد فلم تلزمها الاقامة في رحبته كالخارجة لعدة أو خوف فتنة ووجه قول الخرقي ماروى المقدام بن شريح عن عائشة رضي الله عنها قالت: كن معتكفات إذا حضن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم باخراجهن من المسجد وأن يشربن الاخبية في رحبة المسجد. رواه أبو حفص باسناده وفارق المعتدة فان خروجها لتعتد في بيتها وتقيم فيه ولا يحصل ذلك مع الكون في الرحبة، وكذلك الخائفة من الفتنة خروجها لتسلم منها فلا تقيم في موضع لا تحصل السلامة بالاقامة فيه، قال والظاهر أن أقامتها في الرحبة مستحبة وليس بواجب، وإن لم تقم في الرحبة رجعت إلى منزلها أو غيره ولا شئ عليها إلا القضاء لايام حيضها لا نعلم فيه خلافا إلا قول ابراهيم وهو تحكم لا دليل عليه (فصل) فأما الاستحاضة فلا تمنع الاعتكاف لكونها لا تمنع الصلاة، وقد قالت عائشة رضي

[ 137 ]

الله عنها اعتكفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من أزواجه مستحاضة فكانت ترى الحمرة والصفرة وربما وضعت الطست تحتها وهي تصلي. أخرجه البخاري ويجب عليها أن تتحفظ وتتلجم لئلا تلوث المسجد فان لم يكن صيانته منها خرجت من المسجد لانه عذر وخروج لحفظ المسجد من نجاستها أشبه الخروج لقضاء الحاجة (فصل) والمتوفى عنها يجب عليها أن تخرج لقضاء العدة، وبهذا قال الشافعي وقال ربيعة ومالك وابن المنذر تمضي في اعتكافها حتى تفرغ منه ثم ترجع إلى بيت زوجها فتعتد فيه لان الاعتكاف المنذور واجب والاعتداد في البيت واجب فقد تعارض واجبان فيقدم أسبقهما ولنا أن الاعتداد في بيت زوجها واجب فلزمها الخروج إليه كالجمعة في حق الرجل ودليلهم ينتقض بالخروج إلى الجمعة وسائر الواجبات (مسألة) (ولا يعود مريضا ولا يشهد جنازة إلا أن يشترطه فيجوز وعنه له ذلك من غير شرط) اختلفت الرواية عن الامام احمد في الخروج لعيادة المريض وشهود الجنازة مع عدم الشرط فروي عنه ليس له فعله ذكره الخرقي وهو قول عطاء وعروة ومجاهد والزهري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي، وعنه أن له عيادة المريض وشهود الجنازة ثم يعود إلى معتكفه، نقلها عنه الاثرم ومحمد ابن الحكم وهو قول علي، وبه قال سعيد بن جبير والنخعي والحسن لما روى عاصم بن ضمرة عن علي قال: إذا اعتكف الرجل فليشهد الجمعة، وليعد المريض، وليحضر الجنازة، وليأت أهله وليأمرهم بالحاجة وهو قائم، رواه الامام أحمد والاثرم، قال أحمد عاصم بن ضمرة عندي حجة ووجه الاولى ماروي عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف لا يدخل البيت إلا لحاجة

[ 138 ]

الانسان. متفق عليه وعنها أنها قالت: السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا! ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة إلا لما لابد منه، عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يمر بالمريض وهو معتكف فيمر كما هو ولا يعرج يسأل عنه. رواهما أبو داود، ولان هذا ليس بواجب فلا يجوز ترك الاعتكاف الواجب له كالمشي في حاجة أخيه ليقضيها فان تعينت عليه صلاة الجنازة فأمكنه فعلها في المسجد لم يجز الخروج إليها، وإن لم يمكنه ذلك فله الخروج إليها، وإن تعين عليه دفن الميت أو تغسيله فله الخروج لان هذا واجب متعين فيقدم على الاعتكاف كصلاة الجمعة (فصل) فاما ان كان تطوعا فاحب الخروج منه لعيادة مريض أو شهود جنازة جاز لان كل واحد منهما تطوع فلا يتحتم واحد منهما لكن الافضل المقام على اعتكافه لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرج على المريض ولم يكن الاعتكاف واجبا عليه (فصل) فان شرط فعل ذلك في الاعتكاف فله فعله اوجبا كان الاعتكاف أو تطوعا وكذلك ما كان قربة كزيارة أهله أو رجل صالح أو عالم وكذلك ماكان مباحا مما يحتاج إليه كالعشاء في منزله والمبيت فيه فله فعله قال الاثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن المعتكف يشترط ان يأكل في أهله قال فان اشترط فنعم قلت له فيبيت في اهله؟ قال إذا كان تطوعا جاز وممن أجاز أن يشترط العشاء في أهله الحسن والعلاء

[ 139 ]

ابن زياد والنخعي وقتادة ومنع منه أبو مجاز ومالك والاوزاعي قال مالك لا يكون في الاعتكاف شرط ولنا أنه يجب بعقده فكان الشرط إليه فيه كالوقف ولان الاعتكاف لا يختص بقدر وإذا شرط الخروج فكأنه نذر القدر الذي أقامه وان قال متى مرضت أو عرض لي عارض خرجت جاز شرطه (فصل) وان شرط الوطئ في اعتكافه أو الفرجة أو النزهة أو البيع للتجارة أو التكسب بالصناعة في المسجد لم يجز لان هذا ينافي الاعتكاف أشبه إذا شرط ترك الاقامة في المسجد ولان الله تعالى قال (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) فاشتراط ذلك كاشتراط المعصية والصناعة في المسجد منهي عنها في غير الاعتكاف ففي الاعتكاف أولى وسائر ما ذكرنا يشبه ذلك ولا حاجة إليه وإن احتاج إليه فلا يعتكف لان ترك الاعتكاف أولى من فعل المنهي عنه قال أبو طالب سألت أحمد عن المعتكف يعمل عمله من الخياط وغيره قال ما يعجبني أن يعمل قلت ان كان يحتاج قال إن كان يحتاج لا يعتكف (فصل) وللمعتكف صعود سطح المسجد لانه من جملته ولهذا يمنع الجنب من اللبث فيه وهذا قول

[ 140 ]

أبي حنيفة ومالك والشافعي لا نعلم فيه مخالفا ويجوز أن يبيت فيه (فصل) ورحبة المسجد ليست منه في ظاهر كلام الخرقي هذا ليس للمعتكف الخروج إليها وعن أحمد ما يدل على هذا وروى المروذي أن المعتكف يخرج إلى رحبة المسجد هي من المسجد وجمع القاضي بين الروايتين فقال ان كان عليها حائط وباب فهي كالمسجد لانها معه وتابعه له وان لم تكن محوطة لم يثبت لها حكم المسجد فان خرج إلى منارة خارج المسجد فسد اعتكافه قال أبو الخطاب ويحتمل أن لا يبطل لان منارة المسجد كالمتصلة به (مسألة) (وله السؤال عن المريض في طريقه ما لم يعرج لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله) وروت عائشة رضي الله عنها قالت: ان كنت لادخل البيت للحاجة والمريض فيه فما أسأل عنه الا وأنا مارة متفق عليه وليس له الوقوف لان فيه ترك الاعتكاف وله الدخول إلى مسجد يتم اعتكافه فيه لانه محل للاعتكاف والمكان لا يتعين للاعتكاف بنذره وتعيينه فمع عدم ذلك أولى وقد ذكرنا تفصيل ذلك (مسألة) (فان خرج لما لا بد منه خروجا معتادا لحاجة الانسان فلا شئ عليه لانه لابد له منه) فلو بطل اعتكافه بخروجه إليه لم يصح لاحد الاعتكاف وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج لحاجته وهو معتكف وكذلك خروج المرأة لحيضها لانها خرجت باذن الشرع ولا يجب عليها كفارة لانه خروج لعذر معتاد أشبه الخروج لقضاء الحاجة وحكم النفاس حكم الحيض لانه في معناه (مسألة) (وان خرج لغير المعتاد في المتتابع وتطاول خير بين استئنافه واتمامه مع كفارة يمين وان فعله في معين قضى وفي الكفارة وجهان) إذا خرج المعتكف لغير المعتاد كالخروج إلى النفير المتعين والشهادة الواجبة والخوف من الفتنة والمرض وعدة الوفاة ونحو ذلك ولم يتطاول فهو على اعتكافه لانه خروج يسير مباح أو واجب فلم يبطل به الاعتكاف كحاجة الانسان وان تطاول ثم زال عذره وكان الاعتكاف تطوعا فهو مخير ان شاء رجع إلى معتكفه وان شاء لم يرجع لانه لا يلزم بالشروع وان كان واجبا رجع إلى معتكفة فبنى على ما مضى من اعتكافه ثم لا يخلو من ثلاثة أحوال (أحدها) أن يكون نذر اعتكافا في أيام غير متتابعة ولا معينة فهذا يلزمه أن يتم ما بقي عليه لكن يبتدئ اليوم الذي خرج فيه من أوله ليكون متتابعا

[ 141 ]

ولا كفارة عليه لانه أتى بالمنذور على وجهه فلم تلزمه كفارة كما لو لم يخرج (الثاني) أن يكون معينا كشهر رمضان فعليه قضاء ما ترك وكفارة يمين لتركه النذر في وقته وفيه وجه آخر لا كفارة عليه وقد روي ذلك عن احمد (الثالث) نذر أياما متتابعة فهو مخير بين البناء والقضاء مع التكفير وبين الاستئناف ولا كفارة عليه لانه أتى بالمنذور على وجهه فلم تلزمه كفارة كما لو أتى به من غير أن يسبقه الاعتكاف الذي خرج منه وذكر الخرقي مثل هذا قال من نذر أن يصوم شهرا متتابعا فلم يسمه فمرض في بعضه فإذا عوفي بنى على ما مضى من صيامه وقضى ما تركه وكفر كفارة يمين وان أحب أتى بشهر متتابع ولا كفارة عليه. وقال أبو الخطاب فيمن ترك الصيام المنذور لعذر فعن احمد فيه رواية أخرى لا كفارة عليه وهو قول مالك والشافعي وأبي عبيد لان المنذور كالمشروع ابتداء ولو أفطر في رمضان لعذر لم يلزمه شئ فكذلك المنذور وقال القاضي ان خرج لواجب كجهاد تعين أو شهادة واجبة أو عدة الوفاة فلا كفارة عليه لانه خروج واجب لحق الله تعالى فلم يجب فيه شئ كالمرأة تخرج لحيضها ونفاسها فيقتضي قوله ان الخروج إذا لم يكن واجبا بل كان مباحا كخروج من خوف الفتنة ونحوه يوجب الكفارة لانه خرج لحاجة نفسه خروجا غير معتاد وظاهر كلام الخرقي وجوب الكفارة لان النذر كاليمين ومن حلف على فعل شئ فحنث لزمته الكفارة سواء كان لعذر أو لغيره وسواء كانت المخالفة واجبة أو لم يكن وفارق صوم رمضان من حيث إن الفطر لا يوجب كفارة سواء كان لعذر أو لغيره وفارق الحيض فانه يتكرر ويظن وجوده في زمن النذر فيصير كالخروج لحاجة الانسان (مسألة) (وان خرج لما له منه بد في المتتابع لزمه استئنافه وان فعله في معين فعليه الكفارة وفي الاستئناف وجهان) إذا خرج لما له منه بد عامدا بطل اعتكافه الا أن يشترطه على ما ذكرناه. وان خرج ناسيا فقال القاضي لا يفسد اعتكافه لانه فعل المنهي عنه ناسيا فلم تفسد العبادة كالاكل في الصوم وقال ابن عقيل يفسد لانه ترك الاعتكاف وهو لزوم المسجد والترك يستوي عمده وسهوه كترك النية في الصوم فان أخرج بعض جسده لم يفسد اعتكافه وان كان عمدا لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج رأسه من المسجد وهو معتكف إلى عائشة فتغسله وهي حائض متفق عليه (فصل) ويبطل اعتكافه بالخروج وان قل وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وقال أبو يوسف ومحمد لا يبطل حتى يكون أكثر من نصف يوم لان اليسير معفوعنه لان صفية أتت النبي صلى الله عليه وسلم تزوره في معتكفه فلما خرجت لتنقلب خرج معها ليقلبها (1) ولان اليسير معفو عنه بدليل مالو تأنى في مشيه ولنا أنه خروج من معتكفه لغير حاجة فأبطله كما لو أقام أكثر من نصف يوم وأما خروج النبي صلى الله عليه وسلم فيحتمل أنه لم يكن له منه بد لانه كان ليلا فلم يأمن عليها ويحتمل أنه فعل ذلك لكو

[ 142 ]

اعتكافه تطوعا له ترك جميعه فكان له ترك بعضه ولذلك تركه لما أراد نساؤه الاعتكاف معه وأما المشي فيختلف فيه طباع الناس وعليه في تغيير مشيه مشقة ولا كذلك هاهنا فانه لا حاجة به إلى الخروج إذا ثبت ذلك فانه ان فعله في متتابع لزمه الاستئناف لانه امكنه الاتيان بالمنذور على صفته أشبه حالة الابتداء وان فعله في معين لزمه الكفارة لتركه النذر لغير عذر وفي الاستئناف وجهان (أحدهما) يلزمه كالمتتابع ولانه كان يلزمه التتابع مع التعين فان تعذر التعين لزمه التتابع لامكانه ومن ضرورته الاستئناف (والوجه الثاني) لا يلزمه الاستئناف لان ما مضى منه قد أدى العبادة فيه أداء صحيحا فلم تبطل بتركها في غيره كما لو أفطر في أثناء شهر رمضان ولان التتابع هاهنا حصل ضرورة التعيين مصرح به فإذا لم يكن بد من الاخلال باحدهما ففيما حصل ضرورة أولى ولان وجوب التتابع من حيث الوقت لامن حيث النذر فالخروج في بعضه لا يبطل ما مضى منه كصوم رمضان إذا أفطر لغير عذر فعلى هذا يقضي ما أفسد فيه حسب ويكفر على كلا الوجهين لاصل الوجهين فيمن نذر صوما معينا فأفطرفي بعضه فان فيه روايتين كالوجهين اللذين ذكرناهما وكذلك الحكم في كل من أفسد اعتكافه بجماع أو غيره فان كان الاعتكاف تطوعا فلا قضاء عليه لان التطوع لا يلزم بالشروع فيه في غير الحج والعمرة وقد ذكرنا ذلك (فصل) فان نذر اعتكاف أيام متتابعة بصوم فأفطر يوما فسد تتابعه ووجب الاستئناف لاخلاله بالاتيان بما نذره على صفته والله أعلم (مسألة) (وان وطئ المعتكف في الفرج فسد اعتكافه ولا كفارة عليه الا لترك نذره وقال أبو بكر عليه كفارة يمين وقال القاضي عليه كفارة الظهار) الوطئ في الاعتكاف محرم بالاجماع والاصل فيه قول الله تعالى (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها) فان وطئ في الفرج متعمدا أفسد اعتكافه باجماع أهل العلم حكاه ابن المنذر ولان الوطئ إذا حرم في العبادة أفسدها كالحج والصوم وان كان ناسيا أفسده أيضا وهذا قول أبي حنيفة ومالك وقال الشافعي لا يفسد لانها مباشرة لا تفسد الصوم فلا تفسد الاعتكاف

[ 143 ]

كالمباشرة فيما دون الفرج ولنا أن ما حرم في الاعتكاف استوى عمده وسهوه في إفساده كالخروج من المسجد ولا نعلم أنها لا تفسد الصوم ولان المباشرة دون الفرج لا تفسد الاعتكاف الا إذا اقترن بها الانزال إذا ثبت هذا فلا تجب الكفارة بالوطئ في ظاهر المذهب وهو ظاهر كلام الخرقي وقول عطاء والنخعي وأهل المدينة ومالك وأهل العراق والثوري وأهل الشام والاوزاعي ونقل حنبل عن الامام أحمد أن عليه كفارة وهو قول الحسن والزهري واختيار القاضي لانها عبادة يفسدها الوطئ بعينه فوجبت الكفارة بالوطئ فيها كالحج وصوم رمضان ولنا أنها عبادة لا تجب بأصل الشرع فلم تجب بافسادها كفارة كالنوافل، ولانها عبادة لا يدخل المال في جبرانها فلم تجب الكفارة بافسادها كالصلاة، ولان وجوب الكفارة انما يثبت بالشرع ولم يرد الشرع بايجابها فيبقى على الاصل، وما ذكروه ينتقض بالصلاة وبالصوم في غير رمضان والقياس على الحج لا يصح لانه مباين لسائر العبادات، ولهذا يمضي في فاسده ويلزم بالشروع فيه، ويجب بالوطئ فيه بدنة بخلاف غيره، ولانه لو وجبت الكفارة ههنا بالقياس عليه لزم أن تكون بدنة لان الحكم في الفرع يثبت على صفة الحكم في الاصل إذ كان القياس انما هو توسعة مجرى الحكم فيصير النص الوارد في الاصل واردا في الفرع فيثبت فيه الحكم الثابت في الاصل بعينه، وأما القياس على الصوم فهو دال على

[ 144 ]

نفي الكفارة لان الصوم كله لا يجب بالوطئ فيه كفارة سوى رمضان، والاعتكاف أشبه بغير رمضان لانه نافلة لا يجب إلا بالنذر ثم لا يصح قياسه على رمضان أيضا لان الوطئ فيه انما أوجب الكفارة لحرمة رمضان، ولذلك تجب على كل من لزمه الامساك وإن لم يفسد به صوما واختلف موجبو الكفارة فيها، فقال القاضي تجب كفارة الظهار وهو قول الحسن والزهري، وظاهر كلام أحمد في رواية حنبل قال أبو عبد الله إذا كان نهارا وجبت عليه الكفارة، قال الشيخ رحمه الله: ويحتمل أن أبا عبد الله انما أوجب عليه الكفارة إذا فعل ذلك في رمضان لانه اعتبر ذلك في النهار لاجل الصوم، ولو كان بمجرد الاعتكاف لما اختص الوجوب بالنهار كما لم يختص الفساد به وحكي عن أبي بكر أن عليه كفارة يمين (قال شيخنا) ولم أر هذا عن أبي بكر في كتاب الشافي ولعل أبا بكر انما أوجب عليه الكفارة في موضع تضمن لافساد الاخلال بالنذر فوجب لتركه نذره وهي كفارة يمين، وأما في غير ذلك فلا لان الكفارة انما تجب بنص أو اجماع أو قياس، وليس ههنا نص ولا اجماع ولا قياس فان نظير الاعتكاف الصوم، ولا تجب بافساده كفارة إذا كان تطوعا ولا منذورا ما لم يتضمن الاخلال بنذره فتجب به كفارة يمين كذلك ههنا، فأما إن كان منذورا فأفسده بالوطئ فالحكم فيه كالحكم فيما إذا أفسده بالخروج لما له منه بد لانه في معناه، وقد ذكرنا ما فيه التفصيل (مسألة) (وإن باشر فيما دون الفرج فأنزل فسد اعتكافه وإلا فلا) إذا كانت المباشرة دون الفرج لغير شهوة فلا بأس بها مثل أن تغسل رأسه أو تفليه لما ذكرنا

[ 145 ]

من حديث عائشة، وإن كانت لشهوة فهي محرمة لقوله تعالى (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) ولقول عائشة رضي الله عنها: السنة للمعتكف أن لا يعود مريضا، ولا يشهد جنازة، ولا يمس أمرأة ولا يباشرها، رواه أبو داود، ولانه لا يأمن افضاءها إلى افساد الاعتكاف وما أفضى إلى الحرام حرام، فان فعل فأنزل فسد اعتكافه وإن لم ينزل لم يفسد، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه، وقال في الآخر يفسد في الحالين وهو قول مالك لانها مباشرة محرمة فأفسدت الاعتكاف كما لو أنزل ولنا أنها مباشرة لا يفسد صوما ولا حجا فلم تفسد الاعتكاف كالمباشرة لغير شهوة وفارق التي أنزل بها لانها تفسد الصوم ولا كفارة عليه إلا على رواية حنبل (فصل) وإن ارتد فسد اعتكافه لقول الله تعالى (لئن أشركت ليحبطن عملك) ولانه خرج

[ 146 ]

بالردة عن كونه من أهل الاعتكاف، وإن شرب ما أسكره فسد اعتكافه بخروجه عن كونه من أهل

[ 147 ]

المسجد، ومتى أفسد اعتكافه فلا كفارة عليه إلا أن يكون واجبا وقد ذكرناه (مسألة) (ويستحب للمعتكف التشاغل بفعل القربة واجتناب ما لا يعنيه) يستحب للمعتكف التشاغل بالصلاة وقراءة القرآن وذكر الله تعالى ونحو ذلك من الطاعات المحضة ويجتنب مالا يعنيه من الاقوال والافعال لان من كثر كلامه كثر سقطه، وفي الحديث " من حسن اسلام المرء تركه مالا يعنيه " ويجتنب الجدال والمراء والسباب والفحش فان ذلك مكروه في غير الاعتكاف ففيه أولى ولا يبطل الاعتكاف بشئ من ذلك لانه لما لم يبطل بمباح الكلام لم يبطل بمحظوراته وعكسه الوطئ ولا بأس بالكلام بمحادثته ومحادثة غيره فان صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معتكفا فأتيته لازوره ليلا فحدثته ثم قمت فانقلبت فقام معي ليقلبني (1) وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد فمر رجلان من الانصار فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا فقال النبي صلى الله عليه وسلم " على رسلكهما انها صفية بنت حيي " فقالا سبحان الله يارسول الله قال " ان الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم واني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرا " أو قال " شيئا " متفق عليه وقال علي رضي الله عنه أيما رجل معتكف فلا يساب ولا يرفث في الحديث ويأمر أهله بالحاجة أي وهو يمشي ولا يجلس عندهم رواه الامام أحمد (فصل) ويجتنب المعتكف البيع والشراء الا مالا بد له منه قال حنبل سمعت أبا عبد الله يقول المعتكف لا يبيع ولا يشتري الا مالا بد له منه طعام أو نحو ذلك فأما التجارة والاخذ والعطاء فلا يجوز وقال الشافعي لا بأس أن يبيع ويشتري ويخيط ويتحدث ما لم يكن مأثما

[ 148 ]

ولنا ماروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البيع والشراء في المسجد رواه الترمذي وقال حديث حسن ورأى عمر ان القصير رجلا يبيع في المسجد فقال يا هذا ان هذا سوق الآخرة فان أردت البيع فاخرج إلى سوق الدنيا وإذا منع من البيع والشراء في غير حال الاعتكاف ففيه أولى فأما الصنعة فظاهر كلام الخرقي أنه لا يجوز منها ما يتكسب به ولانه بمنزلة البيع والشراء ويجوز ما يعمله لنفسه كخياطة قميصه ونحوه وقد روى المروذي قال سألت ابا عبد الله عن المعتكف ترى له أن يخيط قال لا ينبغي له أن يعتكف إذا كان يريد أن يفعل، وقال القاضي لا تجوز الخياطة في المسجد سواء كان محتاجا إليها أو لم يكن لان ذلك معيشة وتشغل عن الاعتكاف فأشبه البيع والشراء فيه قال شيخنا: والاولى أن يباح له ما يحتاج إليه من ذلك إذا كان يسيرا مثل ان ينشق قميصه فيخيطه أو ينحل شئ يحتاج إلى ربطه فيربطه لان هذا يسير تدعو الحاجة إليه فجرى مجرى لبس قميصه وعمامته

[ 149 ]

(فصل) وليس الصمت من شريعة الاسلام وظاهر الاخبار تحريمه، قال قيس بن مسلم دخل أبو بكر رضي الله عنه على امرأة من أحمس يقال لها زينب فرآها لا تتكلم فقال مالها لا تتكلم؟ قالوا حجب مصمتة، فقال لها تكلمي هذا لا يحل هذا من عمل الجاهلية فتكلمت. رواه البخاري، وروى أبو داود باسناده عن علي رضي الله عنه قال: حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا صمات يوم إلى الليل " وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن صوم الصمت، فان نذر ذلك لم يلزمه الوفاء به، وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر ولا نعلم فيه مخالفا لما روى ابن عباس قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذ هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس، ولا يقعد، ولا

[ 150 ]

يستظل، ولا يتكلم ويصوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " مره فليتكلم، وليستظل وليقعد وليتم صيامه " رواه البخاري، ولانه نذر فعل منهي عنه فلم يلزمه كنذر المباشرة في المسجد، وإن أراد فعله لم يكن له ذلك سواء نذره أو لم ينذره، وقال أبو ثور وابن المنذر له فعله إذا كان أسلم ولنا النهي عنه وظاهره التحريم والامر بالكلام ومقتضاه الوجوب، وقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه إن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية، وهذا صريح لم يخالفه أحد من الصحابة فيما علمناه واتباع ذلك أولى (فصل) ولا يجوز أن يجعل القرآن بدلا من الكلام لانه استعمال له في غير ما هو له أشبه استعمال المصحف في التوسد ونحوه وقد جاء " لا تناظروا بكتاب الله " قيل معناه لا تتكلم به عند الشئ تراه كأن ترى رجلا قد جاء في وقته فيقول (وجئت على قدر يا موسى) ونحوه ذكر أبو عبيد نحو هذا المعنى (مسألة) (ولا يستحب له اقراء القرآن والعلم والمناظرة فيه إلا عند الخطاب إذا قصد به الطاعة) أكثر أصحابنا لا يستحبون للمعتكف اقراء القرآن وتدريس العلم ومناظرة الفقهاء ومجالستهم وكتابة الحديث ونحو ذلك مما يتعدى نفعه وهو ظاهر كلام أحمد وقال أبو الحسن الآمدي في استحباب ذلك روايتان. واختار أبو الخطاب أنه مستحب إذا قصد به طاعة الله تعالى لا المباهاة وهذا مذهب الشافعي لان ذلك أفضل العبادات ونفعه يتعدى فكان أولى من تركه كالصلاة واحتج أصحابنا بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف فلم ينقل عنه الاشتغال بغير العبادات المختصة به، ولان الاعتكاف عبادة من شرطها المسجد فلم يستحب فيها ذلك كالطواف وما ذكروه يبطل بعيادة المرضى وشهود الجنازة فعلى هذا القول فعله لهذه الافعال أفضل من الاعتكاف قال المروذي قلت لابي عبد الله ان رجلا يقرئ في المسجد وهو يريد أن يعتكف ولعله أن يختم في كل يوم فقال إذا فعل هذا كان لنفسه وإذا قعد في المسجد كان له ولغيره يقرئ أحب الي وسئل أيما أحب اليك الاعتكاف أو الخروج إلى عبادان فقال ليس يعدل الجهاد عندي شئ يعني أن الخروج إلى عبادان أفضل من الاعتكاف

[ 151 ]

(فصل) ولا بأس أن يتزوج المعتكف ويشهد النكاح في المسجد لانه عبادة لا تحرم الطيب فلا تحرم النكاح كالصوم ولان النكاح طاعة وحضوره قربة ومدته لا تتطاول فلم يكره كتشميت العاطس ورد السلام (فصل) ولا بأس أن يتنظف بأنواع التنظف لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يرجل رأسه وهو معتكف وله أن يتطيب ويلبس الرفيع من الثياب وليس ذلك بمستحب قال الامام احمد لا يعجبني أن يتطيب وذلك لان الاعتكاف عبادة تختص مكانا فكان ترك الطيب فيها مشروعا كالحج وليس ذلك بمحرم لانه لا يحرم اللباس ولا النكاح أشبه الصوم (فصل) ولا بأس أن يأكل المعتكف في المسجد ويضع سفرة يسقط عليها ما يقع منه كيلا يتلوث المسجد ويغسل يده في الطست ليفرغ خارج المسجد ولا يجوز أن يخرج ليغسل يده لان من ذلك بدا وهل يكره تجديد الطهارة في المسجد؟ فيه روايتان (إحداهما) لا يكره لان أبا العالية قال حدثني من كان يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اما ما حفظت لكم منه أنه كان يتوضأ في المسجد وعن ابن عمر أنه كان يتوضأ في المسجد الحرام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجال والنساء وعن ابن سيرين قال كان أبو بكر وعمر والخلفاء رضي الله عنهم يتوضئون في المسجد وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وعطاء وطاوس وابن جريج (والثانية) يكره لانه لا يسلم من أن يبصق في المسجد أو يتمخط والبصاق في المسجد خطيئة ولانه

[ 152 ]

يبل من المسجد مكانا يمنع المصلين من الصلاة فيه وان خرج من المسجد للوضوء وكان تجديدا بطل لانه خروج لما له منه بد وان كان وضوأ عن حدث لم يبطل لان الحاجة داعية إليه سواء كان في وقت الصلاة أو قبلها لانه لا بد من الوضوء للحدث وانما يتقدم عن وقت الحاجة إليه لمصلحة وهو كونه على وضوء ربما يحتاج إلى صلاة النافلة (فصل) إذا أراد أن يبول في المسجد في طست لم يبح له ذلك لان المساجد لم تبن لهذا وهو

[ 153 ]

مما يقبح ويفحش ويستخف به فوجب صيانة المسجد عنه كما لو أراد أن يبول في أرضه لم يغسله، وإن

[ 154 ]

أراد الفصد والحجامة فيه فكذلك ذكره القاضي لانه اراقة نجاسة في المسجد فأشبه البول فيه، وإن

[ 155 ]

دعت إليه حاجة كبيرة خرج من المسجد ففعله، وإن استغنى له الخروج إليه كالمرض الذي يمكن احتماله وقال

[ 156 ]

ابن عقيل يحتمل أن يجوز الفصد في المسجد في طست بدليل أن المستحاضة يجوز لها الاعتكاف ويكون

[ 157 ]

تحتها شئ يقع فيه الدم، قالت عائشة رضي الله عنها: اعتكفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من أزواجه

[ 158 ]

مستحاضة فكانت ترى الحمرة والصفرة وربما وضعنا الطست تحتها وهي تصلي. رواه البخاري والاول أولى والفرق بينهما أن المستحاضة لا يمكنها التحرز من ذلك إلا بترك الاعتكاف بخلاف الفصد والله أعلم

[ 159 ]

(كتاب المناسك) (مسألة) (يجب الحج والعمرة في العمر مرة واحدة بخمسة شروط) الحج في اللغة القصد وعن الخليل قال: الحج كثرة القصد إلى من تعظمه. قال الشاعر: واشهد من عوف حئولا كثيرة * يحجون سب الزبرقان المزعفرا أي يقصدون، والسب العمامة، وفي الحج لغتان الحج والحج بفتح الحاء وكسرها، والحج في الشرع اسم لافعال مخصوصة يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى وهو أحد أركان الاسلام الخمسة والدليل على وجوبه الكتاب والسنة والاجماع، أما الكتاب فقوله تعالى (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا * ومن كفر فان الله غني عن العالمين) روي عن ابن عباس ومن كفر باعتقاده أنه غير واجب، وقال الله تعالى (وأتموا الحج والعمرة لله) وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم " بني الاسلام على خمس شهادة أن لا إله الا الله " وذكر فيها الحج (فصل) وانما يجب مرة واحدة في العمر لما روى مسلم باسناده عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " يا أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا " فقال رجل أكل عام يارسول الله؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم " ثم قال " ذروني ما تركتكم فانما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم وإذا أمرتكم

[ 160 ]

فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شئ فدعوه " في أخبار سوى هذين كثيرة وأجمعت الامة على وجوب الحج على المستطيع في العمر مرة واحدة (فصل) وتجب العمرة على من يجب عليه الحج في احدى الروايتين، يروى ذلك عن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وابن عمر وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعطاء وطاوس ومجاهد والحسن وابن سيرين والشعبي والثوري والشافعي في أحد قوليه، والرواية الثانية ليست واجبة روى ذلك عن ابن مسعود وبه قال مالك وأبو ثور وأصحاب الرأي لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العمرة أواجبة هي؟ قال " لا وان تعتمروا فهو أفضل " أخرجه الترمذي قال حديث حسن صحيح وعن طلحة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " الحج جهاد والعمرة تطوع " رواه ابن ماجة ولانه نسك غير مؤقت فلم يكن واجبا كالطواف المجرد ووجه الاولى قول الله تعالى (وأتموا الحج والعمرة لله) ومقتضى الامر الوجوب ثم إنه عطفها على الحج والاصل التساوى بين المعطوف والمعطوف عليه قال ابن عباس إنها لقرينة الحج في كتاب الله وعن الضبي بن معبد قال أتيت عمر فقلت يا أمير المؤمنين إني أسلمت وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي فأهللت بهما فقال عمر هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود والنسائي وعن ابن رزين أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يارسول الله ان أبي شيخ كبير ولا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن فقال " حج عن أبيك واعتمر " رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال حديث حسن صحيح وذكره أحمد ثم قال وحديث يرويه سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عن عبد الله عن نافع عن ابن عمر قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أوصني قال " تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتحج وتعتمر " وروى الاثرم باسناده عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن وكان في الكتاب " أن العمرة هي الحج الاصغر " ولانه قول من سمينا من الصحابة لم نعلم لهم مخالفا الا ابن مسعود وقد اختلف عنه، وأما حديث جابر فقال الترمذي قال الشافعي هو ضعيف لا تقوم به الحجة وليس في العمرة شئ ثابت بانها تطوع وقال ابن عبد البر روى ذلك باسانيد لا تصح ولا تقوم بمثلها الحجة ثم نحلمه على المعهود وهو العمرة التي قضوها حين احصروا في الحديبية أو على العمرة التي اعتمروها مع حجتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم فانها لم تكن واجبة على من اعتمر أو على ما زاد على العمرة الواحدة وتفارق العمرة الطواف لان من شرطها الاحرام بخلاف الطواف وليس على أهل مكة عمرة نص عليه أحمد وقال: كان أبن عباس يرى العمرة واجبة ويقول: يا أهل مكة ليس عليكم عمرة وانما عمرتكم طوافكم بالبيت، وبهذا قال عطاء وطاوس، قال عطاء ليس أحد من خلق الله إلا عليه حج وعمرة واجبان لابد منهما لمن استطاع اليهما سبيلا إلا أهل مكة

[ 161 ]

فان عليهم حجة وليس عليهم عمرة من أجل طوافهم بالبيت ووجه ذلك أن ركن العمرة ومعظمها الطواف بالبيت وهم يفعلونه فاجزأ عنهم، وحمل القاضي كلام الامام أحمد على أنه لا عمرة عليهم مع الحجة لانه يتقدم منهم فعلها في غير وقت الحج، قال الشيخ رحمه الله والامر على ما قلناه (مسألة) (وانما يجب الحج والعمرة بخمس شروط: الاسلام والعقل والبلوغ والحرية والاستطاعة) لا نعلم في هذا كله خلافا، أما الصبي والمجنون فلانهما غير مكلفين لما روى علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل " رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن وأما العبد فلا تجب عليه لانها عبادة تطول مدتها وتتعلق بقطع مسافة ويشترط لها الاستطاعة بالزاد والراحلة وتضيع حقوق السيد المتعلقة به فلم تجب عليه كالجهاد، وغير المستطيع لا يجب عليه لان الله تعالى خص المستطيع بالايجاب عليه، وقال الله تعالى (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وأما الكافر فلانه ليس من أهل العبادات (فصل) وهذه الشروط تنقسم ثلاثة أقسام (منها) ما هو شرط للوجوب والصحة وهما الاسلام والعقل فلا يجب على كافر ولا مجنون، ولا يصح منهما لكونهما ليسا من أهل العبادات، (ومنها) ما هو شرط للوجوب والاجزاء وهو البلوغ والحرية وليس شرطا للصحة فلو حج الصبي والعبد صح حجهما

[ 162 ]

ولم يجزئهما عن حجة الاسلام إن بلغ الصبي أو عتق العبد، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم إلا من شذ عنهم ممن لا يعتد بخلافه على أن الصبي إذا حج في حال صغره والعبد إذا حج في حال رقه ثم بلغ الصبي وعتق العبد ان عليهما حجة الاسلام إذا وجدا إليها سبيلا، كذلك قال ابن عباس وعطاء والحسن والنخعي والثوري ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، قال الترمذي وقد أجمع أهل العلم عليه. وقال الامام أحمد رحمه الله عن محمد بن كعب القرظي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إني أريد أن أجدد في صدور المؤمنين عهدا أيما صبي حج به أهله فمات أجزأت عنه، فان أدرك فعليه الحج " رواه سعيد في سننه والشافعي في مسنده عن ابن عباس من قوله، ولان الحج عبادة بدنية فعلها قبل وقت وجوبها فلم يمنع ذلك وجوبها عليه في وقتها كما لو صلى قبل الوقت، أو كما لو صلى ثم بلغ في الوقت (ومنها) ما هو شرط للوجوب وذلك الاستطاعة (مسألة) (إلا أن يبلغ ويعتق في الحج قبل الخروج من عرفة وفي طوافها فيجزئهما) إذا بلغ الصبي أو عتق العبد بعرفة أو قبلها غير محرمين فاحرما ووقفا بعرفة فاتما المناسك أجزأهما عن حجة الاسلام بغير خلاف علمناه لانهما لم يفتهما شئ من أركان الحج ولا فعلا منها شيئا قبل وجوبه، وإن كان البلوغ والعتق وهما محرمان أجزأهما أيضا عن حجة الاسلام، كذلك قال ابن عباس وهو مذهب الشافعي واسحاق وهو قول الحسن في العبد، وقال مالك لا يجزئهما اختاره ابن المنذر. وقال أصحاب الرأي لا يجزئ العبد، فأما الصبي فان جدد احراما بعد أن احتلم قبل الوقوف أجزأه وإلا فلا لان احرامهما لم ينعقد واجبا فلا يجزي عن الواجب كما لو بقيا على حالهما ولنا أنه أدرك الوقوف حرا بالغا فاجزأه كما لو أحرم تلك الساعة، قال أحمد وطاوس عن ابن عباس أذا أعتق العبد بعرفة اجزأت عنه حجته، فان أعتق بجمع لم تجز عنه، وهؤلاء يقولون لاتجزئ ومالك يقوله أيضا، وكيف لا يجزئه وهو لو أحرم تلك الساعة كان حجه تاما وما أعلم أحدا قال لا يجزئه إلا هؤلاء (فصل) والحكم فيما إذا أعتق للعبد وبلغ الصبي بعد خروجهما من عرفة فعادا إليها قبل طلوع الفجر ليلة النحر كالحكم فيما إذا كانا فيها لانهما قد أدركا من الوقت ما يجزئ ولو كان لحظة، وإن لم يعودا أو كان ذلك بعد طلوع الفجر من يوم النحر لم يجزئهما عن حجة الاسلام ويتمان حجهما تطوعا لفوات الوقوف المفروض ولا دم عليهما لانهما حجا تطوعا باحرام صحيح من الميقات فأشبها البالغ الذي يحج تطوعا، فان قيل فلم لا قلتم إن الوقوف فعلاه يصير فرضا كما قلتم في الاحرام الذي أحرم به قبل

[ 163 ]

البلوغ إنه يصير بعد بلوغه فرضا؟ قلنا انما اعتددنا له باحرامه الموجود بعد بلوغه وما قبله تطوع لم ينقلب فرضا ولا اعتد له به الوقوف مثله، فنظير أن يبلغ وهو واقف بعرفة فانه يعتد له بما أدرك من الوقوف ويصير فرضا دون ما مضى (فصل) إذا بلغ الصبي أو عتق العبد قبل الوقوف أو في وقته وأمكنهما الاتيان بالحج لزمهما ذلك لان الحج واجب على الفور فلا يجوز تأخيره مع امكانه كالبالغ الحر وان فاتهما الحج لزمتهما العمرة عند من أوجبهما لانها واجبة أمكن فعلها فاشبهت الحج ومتى أمكنهما ذلك فلم يفعلا استقر الوجوب عليهما سواء كانا وسرين أو معشرين لان ذلك وجب عليهما بامكانه في موضعه فلم يسقط بفوات القدرة بعده (فصل) والحكم في الكافر يسلم والمجنون يفيق حكم الصبي يبلغ في جميع ما ذكرنا الا أن هذين لا يصح منهما احرام ولو أحرما لم ينعقد احرامهما لانهما من غير أهل العبادات وحكمهما حكم من لم يحرم (مسألة) (ويحرم الصبي المميز باذن وليه وغير المميز يحرم عنه وليه ويفعل ما يعجز عنه من عمله حج الصبي صحيح فان كان مميزا أحرم باذن وليه وان لم يكن مميزا أحرم عنه وليه فيصير محرم بذلك وبه قال مالك والشافعي وروي عن عطاء والنخعي وقال أبو حنيفة لا ينعقد احرام الصبي ولا يصير محرما باحرام وليه لان الاحرام سبب يلزم به حكم فلم يصح من الصبي كالنذر ولنا ماروى ابن عباس قال رفعت امرأة صبيا فقالت يارسول الله ألهذا حج؟ قال " نعم ولك أجر " رواه مسلم وغيره من الائمة وروى البخاري عن السائب بن يزيد قال حج بي مع النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ابن سبع سنين، ولان أبا حنيفة قال يجتنب ما يجتنبه المحرم ومن اجتنب ما يجتنبه المحرم كان إحرامه صحيحا والنذر لا يجب به شئ بخلاف مسئلتنا والكلام في حج الصبي في فصول أربعة في الاحرام عنه أو منه وفيما يفعله ينفسه أو بغيره وفي حكم جناياته على احرامه وفيما يلزمه من القضاء والكفارة (الفصل الاول في احرامه) فان كان مميزا أحرم باذن وليه ولا يصح بغير اذنه لانه عقد يؤدي إلى لزوم مال فلم ينعقد من الصبي بنفسه كالبيع، وان كان غير مميز فأحرم عنه من له ولاية على ماله كالاب والوصي وأمين الحاكم صح، ومعنى إحرامه عنه انه يعقد له الاحرام فيصح للصبي دون الولي كما يعقد له النكاح فعلى هذا يصح عقد الاحرام عنه سواء كان الولي محرما أو حلالا ممن عليه حجة الاسلام أو غيره، فان أحرمت عنه أمه صح لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ولك أجر " ولا يضاف الاجر إليها إلا لكونه تبعا لها في الاحرام، قال الامام أحمد في رواية حنبل: يحرم عنه أبوه أو وليه واختاره

[ 164 ]

ابن عقيل وقال المال الذي يلزم بالاحرام لا يلزم الصبي وانما يلزم من أدخله في الاحرام في أحد الوجهين، وقال القاضي ظاهر كلام أحمد انه لا يحرم عنه إلا وليه لانه لا ولاية للام على ماله والاحرام يتعلق به إلزام مال فلا يصح من غير ذي ولاية كشراء شئ له، فأما غير الام والولي من الاقارب كالاخ والعم وابنه فيخرج فيهم وجهان بناء على القول في الام، أما الاجانب فلا يصح إحرامهم عنه وجها واحدا (الفصل الثاني) ان كل ما أمكنه فعله بنفسه لزمه فعله ولا ينوب عنه غيره فيه كالوقوف والمبيت بمزدلفة ونحوهما وما عجز عنه عمله الولي عنه. قال جابر خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجاجا ومعنا النساء والصبيان فأحرمنا عن الصبيان، رواه سعيد في سننه ورواه ابن ماجة وفيه فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم، ورواه الترمذي قال فكنا نلبي عن النساء، ونرمي عن الصبيان، قال ابن المنذر كل من نحفظ عنه من أهل العلم يرى الرمي عن الصبي الذي لا يقدر على الرمي كان ابن عمر يفعل ذلك، وبه قال عطاء والزهري ومالك والشافعي واسحاق، وعن ابن عمر أنه كان يحج سبيانه وهم صغار فمن استطاع منهم أن يرمي رمى ومن لم يستطع أن يرمي رمى عنه، وعن أبي اسحاق ان أبا بكر رضي الله عنه طاف بابنه في خرقة، رواهما الاثرم، قال الامام أحمد يرمى عن الصبي أبوه أو وليه، قال القاضي ان أمكنه أن يناول النائب الحصى ناوله وان لم يمكنه استحب أن يوضع الحصى في يده ثم يؤخذ منه فيرمى عنه وان وضعها في يد الصغير ورمى بها فجعل يده كالآلة فحسن، ولا يجوز أن يرمي الا من قد رمى عن نفسه لانه لا يجوز أن ينوب عن الغير وعليه فرض نفسه كالحج، وأما الطواف فانه ان أمكنه المشي مشى والا طيف به محمولا أو راكبا لما ذكرنا من فعل أبي بكر، ولان الطواف بالكبير محمولا لعذر يجوز فالصغير أولى، ولا فرق بين أن يكون الحامل له حلالا أو حراما ممن أسقط الفرض عن نفسه أو لم يسقطه لان الطواف للمحمول لا للحامل ولذلك صح أن يطوف راكبا على بعير وان طيف به محمولا أو راكبا وهو يقدر على الطواف بنفسه ففيه روايتان نذكرهما فيما بعد ان شاء الله تعالى ومتى طاف بالصبي اعتبرت النية من الطائف فان لم ينو الطواف عن الصبي لم يجزئه لانه لما لم يعتبر النية من الصبي اعتبرت من غيره كما في الاحرام، فان نوى الطواف عنه وعن الصبي احتمل وقوعه عن نفسه كالحج إذا نوى عنه وعن غيره، واحتمل أن يقع عن الصبي كما لو طاف بكبير ونوى كل واحد عن نفسه لكون المحمول أولى، واحتمل أن يلغو لعدم التعيين لكون الطواف لا يقع عن غير معين وأما الاحرام فان الصبي يجرد كما يجرد الكبير، وقد روي عن عائشة رضي الله عنها انها كانت تجرد الصبيان إذا دنوا من الحرم قال عطاء يفعل بالصغير كما يفعل بالكبير ويشهد به المناسك كلها الا أنه لا يصلى عنه

[ 165 ]

(الفصل الثالث في محظورات الاحرام) وهي قسمان ما يختلف عمده وسهوه كاللباس والطيب ومالا يختلف كالصيد وحلق الشعر (فالاول) لا فدية على الصبي فيه لان عمده خطأ (والثاني) عليه فيه الفدية وان وطئ أفسد حجه ويمضي في فاسده وفي وجوب القضاء عليه وجهان (احدهما) لا يجب لئلا تجب عبادة بدنية على غير مكلف (والثاني) يجب لانه افساد موجب للبدنة فاوجب القضاء كوطئ البالغ فان قضى بعد البلوغ بدأ بحجة الاسلام فان أحرم بالقضاء قبلها انصرف إلى حجة الاسلام وهل تجرئه عن القضاء؟ ينظر فان كانت الفاسدة قد أدرك فيها شيئا من الوقوف بعد بلوغه أجزأ عنهما جميعا وإلا لم يجزئه وكذلك حكم العبد والله أعلم (مسألة) (ونفقة الحج وكفارته في مال وليه وعنه في مال الصبي) أما نفقة الحج فقال القاضي ما زاد على نفقة الحضر فهو في مال الولي لانه كلفه ذلك عن غير حاجة بالصبي إليه اختاره أبو الخطاب وحكي عن القاضي أنه ذكر في الخلاف أن جميع النفقة على الصبي لان الحج له فنفقته عليه كالبالغ ولان له فيه مصلحة بتحصيل الثواب له ويتمرن عليه فصار كاجر المعلم والطبيب والصحيح الاول لان هذا لا يجب في العمر الا مرة فلا حاجة إلى التمرن عليه ولانه قد لا يجب فلا يجوز تكليفه بذل ماله من غير حاجة إليه (فصل) فان اغمى على البالغ فاحرم عنه رفيقه لم يصح وهذا قول الشافعي وأبي يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة يصير محرما باحرام رفيقه عنه استحسانا ولنا أنه بالغ فلم يصر محرما باحرام رفيقه كالنائم ولانه لو أذن في ذلك وأجازه لم يصح فمع عدمه أولى (مسألة) (وليس للعبد الاحرام إلا باذن سيد ولا للمرأة الاحرام نفلا الا باذن زوجها فان شرعا فيه بغير اذن فلهما تحليلهما ويكونان كالمحصر وان كان باذن لم يجز تحليلهما) وجملته أنه ليس للعبد الاحرام بدون اذن سيده لانه تفوت به حقوق سيده الواجبة عليه بالتزام ما ليس بواجب فان فعل انعقد احرامه صحيحا لانها عبادة بدنية فاشبهت الصلاة والصوم ولسيده تحليله في أظهر الروايتين اختارها ابن حامد لان في بقائه عليه تفويتا لحقه بغير اذنه فلم يلزم ذلك لسيده كالصوم المضر ببدنه (والثانية) ليس له تحليله اختارها أبو بكر لانه لا يمكن التحلل من تطوع نفسه فلم يملك تحليل عبده والاول اصح وانما لم يملك تحليل نفسه لانه التزم التطوع باختياره فنظيره أن يحرم عبده باذنه، وفي مسئلتنا يفوت حقه الواجب بغير اختياره فاما ان احرم باذن سيده لم يكن له تحليله وهذا قول الشافعي وقال أبو حنيفة له ذلك لانه ملكه منافع نفسه فكان له

[ 166 ]

الرجوع فيها كالمعير يرجع في العارية ولنا أنه عقد لازم باذن سيده فلم يكن لسيده فسخه كالنكاح ولا يلزم عليه العارية لانها ليست لازمة ولو أعاره شيئا ليرهنه فرهنه لم يكن له الرجوع فيه فان باعه سيده بعد ما احرم فحكم مشتريه في تحليله حكم بائعه لانه اشتراه مسلوب المنفعة أشبه الامة المزوجة والمستأجرة فان علم المشتري بذلك فلا خيار له كما لو اشترى معيبا يعلم عيبه وان لم يعلم فله الفسخ لانه يتضرر بمضي العبد في حجه لفوات منافعه إلا أن يكون احرامه بغير اذن سيده ونقول له تحليله فلا فسخ له لانه يمكنه دفع الضرر عنه ولو أذن له سيده في الاحرام وعلم العبد برجوعه قبل احرامه فهو كمن لم يؤذن له وان لم يعلم ففيه وجهان بناء على الوكيل هل ينعزل بالعزل قبل العلم على روايتين (فصل) إذا نذر العبد الحج صح نذره لانه مكلف فصح نذره كالحر ولسيده منعه من المضي فيه لانه يفوت حق سيده الواجب فمنع منه كما لو لم ينذر ذكره القاضي وابن حامد وروي عن أحمد أنه قال لا يعجبني منعه من الوفاء به وذلك لما فيه من اداء الواجب فيحتمل أن ذلك على الكراهة لا على التحريم لما ذكرنا، ويحتمل التحريم لانه واجب فلا يملك منعه منه كسائر الواجبات والاول أولى فان اعتق لزمه الوفاء به بعد حجة الاسلام فان أحرم به أولا انصرف إلى حجة الاسلام في الصحيح من المذهب كالحر إذا نذر حجا (فصل) في جناياته وما جنى على إحرامه لزمه حكمه وحكمه فيما يلزمه حكم الحر المعسر فرضه الصيام وإن تحلل بحصر عدو أو حلله سيده فعليه الصيام لا يتحلل قبل فعله كالحر وليس لسيده أن يحول بينه وبين الصوم نص عليه لانه صوم واجب أشبه صوم رمضان فان ملكه السيد هديا واذن له في اهدائه وقلنا انه يملكه فهو كالواجب للهدى لا يتحلل الا به وان قلنا لا يملكه ففرضه الصيام وان أذن له سيده في تمتع أو قران فعليه الصيام بدلا عن الهدي الواجب بهما وذكر القاضي ان على سيده تحمل ذلك عنه لانه باذنه فكان على من أذن فيه كما لو فعله النائب باذن المستنيب، قال شيخنا وليس بجيد لان الحج للعبد وهذا من موجباته فيكون عليه كالمرأة إذا حجت باذن زوجها ويفارق من يحج عن غيره فان الحج للمستنيب فموجبه عليه وان تمتع أو قارن بغير اذن سيده فالصيام عليه بغير خلاف وان أفسد حجه فعليه أن يصوم لذلك لانه لا مال هل فهو كالمعسر الحر (فصل) وان وطئ قبل التحلل الاول فسد نسكه ويلزمه المضي في فاسده كالحر لكن ان كان الاحرام مأذونا فيه فليس لسيده اخراجه منه لانه ليس له منعه من صحيحه فلم يملك منعه من

[ 167 ]

فاسده وان كان بغير اذنه فله تحليله منه لان له تحليله من صحيحه فالفاسد أولى وعليه القضاء سواء كان الاحرام مأذونا فيه أو غير مأذون ويصح القضاء في حال رقه لانه وجب فيه فصح كالصلاة والصيام ثم ان كان الاحرام الذي أفسده مأذونا فيه فليس له منعه من قضائه لان اذنه في الحج الاول اذن في موجبه ومقتضاه ومن موجبه القضاء لما أفسده فان كان الاول غير مأذون فيه احتمل أن لا يملك منعه من قضائه لانه واجب وليس للسيد منعه من الواجبات واحتمل ان له منعه منه لانه يملك منعه من الحج الذي شرع فيه بغير اذنه فكذلك هذا فان اعتق قبل القضاء فليس له فعله قبل حجة الاسلام لانها آكد فان أحرم بالقضاء انصرف إلى حجة الاسلام في الصحيح من المذهب وبقي القضاء في ذمته وان عتق في أثناء الحجة الفاسدة فأدرك من الوقوف ما يجزئه أجزأه القضاء عن حجة الاسلام لان المقضي لو كان صحيحا أجزأه فكذلك قضاؤه فان أعتق بعد ذلك لم يجزئه لان المقضي لم يجزئه فكذلك القضاء والمدبر والمعلق عتقه بصفة وام الولد والمعتق بعضه حكمه حكم القن فيما ذكرناه (فصل) وان أحرمت المرأة بحج أو عمرة تطوعا فلزوجها تحليلها ومنعها منه في ظاهر المذهب وهو ظاهر كلام الخرقي وقال القاضي ليس له تحليلها لان الحج يلزم بالشروع فيه فلم يملك تحليلها منه كالمنذور قال وحكي عن أحمد في امرأة تحلف بالصوم أو بالحج لها أن تصوم بغير اذن زوجها قد ابتليت وابتلى زوجها ولنا أنه تطوع يفوت حق غيرها منه أحرمت بغير اذنه فملك تحليلها كالامة إذا أحرمت بغير اذن سيدها والمدينة تحرم بغير اذن غريمها على وجه يمنعه ايفاء دينه الحال عليها ولان العدة تمنع المضي في الاحرام لحق الله عزوجل فحق الآدمي أولى لان حقه أضيق لشحه وحاجته وكرم الله وغناه وكلام احمد لا يتناول محل النزاع بل قد خالفه من وجهين (أحدهما) أنه في الصوم وتأثير الصوم في منع حق الزوج يسير لكونه في النهار دون الليل (الثاني) أن الصوم إذا وجب صار كالمنذور والشروع ههنا على وجه غير مشروع فلم يكن له حرمة بالنسبة إلى صاحب الحق (فصل) فان كانت حجة الاسلام لكن لم تكمل شروطها لعدم الاستطاعة فله منعها من الخروج إليها والتلبس بها لانها غير واجبة عليها فان احرمت بها بغير اذن لم يملك تحليلها لان ما أحرمت به يقع عن حجة الاسلام الواجبة بأصل الشرع كالمريض إذا تكلف حضور الجمعة ويحتمل

[ 168 ]

أن له تحليلها لفقدان شرطها فأشبهت الامة والصغيرة فانه لما فقدت الحرية والبلوغ ملك منعها ولانها ليست واجبة عليها اشبهت سائر التطوع فأما الخروج إلى حج التطوع والاحرام به فله منعها منه (مسألة) (وليس للرجل منع امرأته من حج الفرض ولا تحليلها ان أحرمت به بغير خلاف حكاه ابن المنذر فان أذن لها فله الرجوع ما لم تتلبس بالاحرام ومتى قلنا له تحليلها فحللها فحكمها حكم المحصر يلزمها الهدى أو الصوم ان لم تجده كسائر المحصرين) ليس للزوج منع أمرأته من المضي إلى الحج الواجب عليها إذا كملت شروطه وكان لها محرم يخرج معها لانه واجب وليس له منعها من الواجبات كالصوم والصلاة وهذا قول النخعي واسحاق واصحاب الرأي وهو الصحيح من قولي الشافعي وله قول آخر أن له منعها بناء على أن الحج على التراخي ووجه ذلك ما تقدم ويستحب لها استئذانه نص عليه فان اذن لها والا خرجت بغير إذنه (فصل) ولا تخرج إلى الحج في عدة الوفاة نص عليه ولها الخروج إذا كانت مبتوتة لان المبيت ولزوم منزلها واجب في عدة الوفاة دون لمبتوتة فانه لا يجب عليها ذلك وقدم على الحج لانه يفوت وأما الرجعية فحكمها حكم الزوجة فان خرجت للحج فتوفى زوجها في الطريق فسنذكر ذلك في العدد إن شاء الله تعالى والله أعلم وان تكمل شروطه فله منعها من المضي إليه والشروع فيه لانه يفوت حقه بما ليس بواجب عليها فملك منعها منه كصوم التطوع (فصل) فان أحرمت بالحج الواجب عليها لم يكن له منعها، وكذلك إن أحرمت بالعمرة الواجبة ولا تحليلها إذا أحرمت في قول أكثر أهل العلم منهم النخعي واسحاق وأصحاب الرأي، وبه قال الشافعي في أصح قوليه، وقال في الآخر له منعها لان الحج عنده على التراخي فلا يتعين في هذا العام والصحيح الاول لان الحج الواجب يتعين بالشروع فيه فصار كالصلاة إذا أحرمت بها في أول وقتها وقضاء رمضان إذا شرعت فيه، ولان حق الزوج مستمر على الدوام فلو ملك منعها في هذا العام ملكه في كل عام فيفضي إلى اسقاط أحد أركان الاسلام (فصل) فان أحرمت بواجب فحلف عليها زوجها بالطلاق الثلاث أن لا تحج العام فليس لها ان تحل لان الطلاق مباح وليس لها ترك الفضيلة لاجله، ونقل مهنا عن أحمد أنه سئل عن هذه المسألة فقال قال عطاء الطلاق هلاك وهي بمنزلة المحصر فاحتج بقول عطاء فلعله ذهب إليه لان ضرر الطلاق عظيم لما فيه من خروجها من بيتها ومفارقة زوجها وولدها، وقد يكون ذلك أعظم من ذهاب مالها، ولذلك سماه عطاء هلاكا، ولانه لو منعها عدو من الحج إلا أن تدفع إليه مالها كان ذلك حصرا فهذا أولى

[ 169 ]

(فصل) وليس للوالد منع ولده من حج الفرض والنذر ولا تحليله من احرامه وليس للولد طاعته في تركه لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " لاطاعة لمخلوق في معصية الله تعالى " فأما التطوع فله منعه من الخروج لان له منعه من الغزو وهو من فروض الكفايات فالتطوع أولى، فان أحرم بغير اذنه لم يملك تحليله لانه وجب بالدخول فيه فصار كالواجب ابتداء أو كالنذر (فصل) فان أحرمت المرأة بحجة النذر بغير اذن فهل لزوجها منعها؟ على روايتين حكاهما القاضي وأبو الحسين (احداهما) ليس له منعها كحجة الاسلام (والثانية) له منعها لانه وجب عليها بايجابها أشبه حج التطوع إذا احرمت به (فصل) الشرط الخامس الاستطاعة وهي أن يملك زادا وراحلة صالحة لمثله بآلتها لصالحة لمثله، أو ما يقدر به على تحصيل ذلك فاضلا عما يحتاج إليه من مسكن وخادم وقضاء دينه ومؤنته ومؤنة عياله على الدوام الاستطاعة المشترطة لوجوب الحج والعمرة ملك الزاد والراحلة، وبه قال الحسن ومجاهد وسعيد ابن جبير والشافعي واسحاق، قال الترمذي والعلم عليه عند أهل العلم، وقال عكرمة هي الصحة، وقال الضحاك إن كان شابا فليؤاجر نفسه بأكله وعقبه حتى يقضي نسكه، وعن مالك ان كان يمكنه المشي وعادته سؤال الناس لزمه الحج لان هذه الاستطاعة في حقه فهو كواجد الزاد والراحلة ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الاستطاعة بالراد والراحلة فوجب الرجوع إلى تفسيره فروي الدارقطني باسناده عن جابر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وأنس وعائشة رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل ما السبيل؟ قال " الزاد والراحلة " وروي ابن عمر قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يارسول الله ما يوجب الحج؟ قال: " الزاد والراحلة " رواه الترمذي وقال حديث حسن

[ 170 ]

وروى الامام أحمد قال: أنا هشيم عن يونس عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) قال رجل يارسول الله ما السبيل؟ قال " الزاد والراحلة " ولانها عبادة تتعلق بقطع مسافة بعيدة فاشترط لوجوبها الزاد والراحلة كالجهاد وما ذكروه ليس باستطاعة فانه شاق وإن كان عادة، والاعتبار بعموم الاحوال دون خصوصها كما أن رخص السفر تعم من يشق عليه ومن لا يشق عليه، وكذلك من كان له ما يقدر به على تحصيل الزاد والراحلة بالشروط المذكورة لانه في معنى ملك الزاد والراحلة، ولان القدرة على ما تحصل به الرقبة في الكفارة كملك الرقبة فكذلك ههنا (فصل) ويختص اشتراط الراحلة بالبعيد الذي بينه وبين البيت مسافة القصر، فأما القريب الذي يمكنه المشي فلا يعتبر وجود الراحلة في حقه لانها مسافة قريبة ويمكنه السعي إليها فلزمه كالسعي

[ 171 ]

إلى الجمعة، وإن كان ممن لا يمكنه المشي كالشيخ الكبير اعتبر وجود الحمولة في حقه لانه عاجز عن المشي أشبه البعيد، وأما الزاد فلابد منه فان لم يجد زادا ولا قدر على كسبه لم يلزمه الحج (فصل) والزاد الذي تشترط القدرة عليه هو ما يحتاج إليه في ذهابه ورجوعه من مأكول ومشروب وكسوة فان كان يملكه أو وجده يباع بثمن المثل في الغلاء والرخص أو بزيادة يسيرة لا تجحف بماله لزمه شراؤه وإن كانت تجحف بماله لم يلزمه كما قلنا في شراء الماء للوضوء وإذا كان يجد الزاد في كل منزل لم يلزمه حمله وان لم يجده كذلك لزمه حمله وأما الماء وعلف البهائم فسنذكره ان شاء الله تعالى (فصل) ويشترط أن يجد راحلة تصلح لمثله اما بشراء أو كراء لذهابه ورجوعه ويجد ما يحتاج إليه من آلتها التي تصلح لمثله فان كان ممن يكفيه الرحل والقتب ولا يخشى السقوط اكتفى بذلك وان كان ممن لم تجر عادته بذلك أو يخشى السقوط عنهما اعتبر وجود محمل وما أشبهه ممن لا يخشى سقوطه عنه ولا مشقة فيه لان اعتبار الراحلة في حق القادر على المشي انما كان لدفع المشقة فيجب أن يعتبر ههنا ما تندفع به المشقة وان كان ممن لا يقدر على خدمة نفسه والقيام بأمره اعتبرت القدرة على من يخدمه لانه من سبيله

[ 172 ]

(فصل) ويعتبر أن يكون هذا فاضلا عما يحتاج إليه لنفقة عياله الذين تلزمه مؤنتهم في مضيه ورجوعه لان النفقة تتعلق بها حقوق الآدميين وهم أحوج وحقهم أكد وقد روى عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت " رواه أبودواد وأن يكون فاضلا عما يحتاج هو وأهله إليه من مسكن وخادم ومالا بد منه وأن يكون فاضلا عن قضاء دينه لان قضاء الدين من حوائجه الاصلية ويتعلق به حقوق الآدميين فهو آكد وكذلك منع الزكاة مع تعلق حقوق الفقراء بها وحاجتهم إليها فالحج الذي هو لخالص حق الله تعالى أولى وسواء كان الدين لآدمي معين أو من حقوق الله تعالى كزكاة في ذمته أو كفارات ونحوها وان احتاج إلى النكاح وخاف على نفسه العنت قدم التزويج لانه واجب عليه ولا غناء به عنه فهو كنفقته وان لم يخف قدم الحج لان النكاح تطوع فلا يقدم على الحج الواجب وان حج من تلزمه هذه الحقوق وضيعها صح حجه لانها متعلقة بذمته فلا تمنه صحة حجه (فصل) ومن له دار يسكنها أو يسكنها عياله أو يحتاج إلى أجرتها لنفقة نفسه أو عياله أو بضاعة متى نقصها اختل ربحها فلم تكفهم أو سائمة يحتاجون إليها لم يلزمه الحج لما ذكرنا وان كان له من ذلك شئ فاضل عن حاجته لزمه بيعه في الحج فان كان له مسكن واسع يفضل عن حاجته وأمكنه بيعه وشراء ما يكفيه ويفضل قدر ما يحتاج به لزمه وان كانت له كتب يحتاج إليها لم يلزمه بيعها في الحج

[ 173 ]

والا لزمه وان كان له بكتاب نسختان يستغنى باحدهما باع الاخرى وان كان له دين على ملئ باذل له يكفيه في الحج لزمه لانه قادر وان كان على معسر أو تعذر استيفاؤه لم يلزمه (فصل) فان تكلف الحج من لا يلزمه وأمكنه ذلك من غير ضرر يلحق بغيره مثل من يكتسب بصناعة كالخرز أو معاونة من ينفق عليه أو يكتري لزاده ولا يسأل الناس استحب له الحج لقول الله تعالى (يأتوك رجالا وعلى كل ضامر) فقدم ذكر الرجال ولان فيه مبالغة في طاعة الله وخروجا من الخلاف وان كان يسأل الناس كره الحج له لانه يضيق على الناس ويحصل كلا عليهم في التزام مالا يلزمه وسئل الامام احمد عمن يدخل البادية بلا زاد ولا راحلة فقال لا أحب له ذلك هذا يتوكل على ازواد الناس. (مسألة) (ولا يصير مستطيعا ببذل غيره بحال) لا يلزمه الحج ببذل غيره له ولا يصير مستطيعا بذلك سواء كان الباذل قريبا أو أجنبيا، وسواء

[ 174 ]

بذل له الركوب والزاد أو بذل له مالا وهو قول الاكثرين، وعن الشافعي انه إذا بذل له ولده ما يتمكن به من الحج لزمه لانه أمكنه الحج من غير منة تلزمه ولا ضرر يلحقه فلزمه الحج كما لو ملك الزاد والراحلة ولنا ان قول النبي صلى الله عليه وسلم " يوجب الحج الزاد والراحلة " يتعين فيه تقدير ملك ذلك أو ملك ما يحصل به بدليل مالو كان الباذل أجنبيا، ولانه ليس بمالك للزاد والراحلة ولا ثمنهما فلم يلزمه الحج كما لو بذل له والده، ولا نسلم انه لا يلزمه منة، ولو سلمناه فيبطل ببذل الوالد وبذل من للمبذول عليه أياد كثيرة ونعم (مسألة) (فمن كملت له هذه الشروط وجب عليه الحج على الفور) من كملت فيه هذه الشروط وجب عليه الحج لما ذكرنا من الادلة ويجب عليه على الفور إذا أمكنه فعله ولم يجز له تأخيره وبه قال مالك، وقال الشافعي يجب الحج وجوبا موسعا وله تأخيره، وحكى ابن أبي موسى وجها مثله قوله، وحكاه ابن حامد عن الامام أحمد لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر

[ 175 ]

رضي الله عنه على الحج وتخلف بالمدينة غير محارب ولا مشغول بشئ وتخلف أكثر المسلمين قادرين على الحج، ولانه إذا أخره ثم فعله في السنة الاخرى لم يكن قاضيا دل على ان وجوبه على التراخي ولنا قول الله تعالى (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) وقوله (وأتموا الحج والعمرة لله) والامر على الفور، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " من أراد الحج فليعجل " رواه الامام أحمد وأبو داود وابن ماجة وفي رواية أحمد وابن ماجة " فانه قد يمرض المريض وتضل الضالة وتعرض الحاجة " قال أحمد ورواه الثوري ووكيع عن أبي إسرائيل عن فضيل بن عمرو عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس عن أخيه الفضل عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا " قال الترمذي لا نعرفه إلا من هذا الوجه وفي إسناده مقال، وروى سعيد بن منصور باسناده عن عبد الرحمن بن سابط قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من مات ولم يحج حجة الاسلام لم يمنعه مرض

[ 176 ]

حابس أو سلطان جائر أو حاجة ظاهرة فليمت على أي حال شاء يهوديا أو نصرانيا " وعن عمر نحوه من قوله، وكذلك عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم، ولانه أحد أركان الاسلام فكان واجبا على الفور كالصيام، ولان وجوبه بصفة التوسع بخروجه عن رتبة الواجبات لانه يؤخر إلى غير غاية ولا يأثم بالموت قبل فعله لكونه فعل ما يجوز له فعله وليس على الموت أمارة يقدر بعدها على فعله، فأما النبي صلى الله عليه وسلم فانما فتح مكة سنة ثمان وإنما أخره سنة تسع فيحتمل انه كان له عذر من عدم الاستطاعة أو كره رؤية المشركين عراة حول البيت فأخر الحج حتى بعث أبا بكر ينادي أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ويحتمل أنه اخره بامر الله تعالى لتكون حجته حجة الوداع في السنة التي استدار فيها الزمان كهيئته يوم خلق الله السموات والارض ويصادف وقفة الجمعة ويكمل الله دينه ويقال انه اجتمع يومئذ اعياد أهل كل دين ولم يجتمع قبله ولا بعده فاما تسمية فعل الحج قضاء فانه يسمى بذلك قال الله تعالى (ثم ليقضوا تفثهم) وعلى أنه لا يلزم من الوجوب على الفور

[ 177 ]

تسمية الفعل إذا أخره قضاء بدليل الزكاة فانها تجب على الفور ولو أخرها لا تسمى قضاء والقضاء الواجب على الفور إذا أخره لا يقال قضاء القضاء ولو غلب على ظنه في الحج أنه لا يعيش إلى سنة أخرى لم يجز له تأخيره وإذا أخره لا يسمى قضاء (مسألة) (فان عجز عنه لكبر أو مرض لا يرجى برؤه لزمه أن يقيم من يحج عنه ويعتمر من بلده وقد أجزأ عنه وان عوفي) وجملة ذلك أن من وجدت فيه شرائط وجوب الحج وكان عاجزا عنه لمانع مأيوس من زواله كزمانة أو مرض لا يرجى زواله أو كان نضو الخلق لا يقدر على الثبوت على الراحلة إلا بمشقة غير محتملة والشيخ الفاني ونحوهم متى وجد من ينوب عنه في الحج وما يستنيبه به لزمه ذلك وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك لا حج عليه الا أن يستطيع بنفسه ولا أرى له ذلك لان الله تعالى قال (من استطاع إليه سبيلا) وهو غير مستطيع ولانها عبادة لا تدخلها النيابة مع القدرة فلا تدخلها مع العجز كالصوم والصلاة ولنا حديث أبي رزين حيث أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يحج عن أبيه ويعتمر وروي ابن عباس أن امرأة من خثعم قالت: يارسول الله ان فريضة الله على عباده في الحج ادركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال " نعم " وذلك في حجة الوداع متفق عليه وفي لفظ لمسلم قالت: يارسول الله أن أبي شيخ عليه فريضة الله في الحج وهو لا يستطيع ان يستوي على ظهر

[ 178 ]

بعيره فقال النبي صلى الله عليه وسلم " فحجي عنه " وسئل علي رضي الله عنه عن شيخ يجد الاستطاعة قال يجهز عنه ولان هذه عبادة تجب بافسادها الكفارة فجاز أن يقوم غير فعله فيها مقام فعله كالصوم إذا عجز عنه افتدى بخلاف الصلاة ويلزمه أن يستنيب على الفور إذا امكنه كما يلزمه ذلك بنفسه (فصل) ويستناب عنه من يحج عنه من حيث وجب عليه اما من بلده أو من الموضع الذي يسر فيه كالاستنابة عن الميت وسنذكر ذلك ان شاء الله تعالى (فصل) فان لم يجد مالا يستنيب به فلا حج عليه بغير خلاف لان الصحيح العادم ما يحج به لا يلزمه الحج فالمريض أولى وان وجد مالا ولم يجد نائبا فقياس المذهب ان ينبني على الروايتين في امكان السير هل هو من شرائط الوجوب أو من شرائط وجوب السعي فان قلنا من شرائط لزوم السعي ثبت الحج في ذمته يحج عنه بعد موته وان قلنا من شرائط الوجوب لم يجب شئ (فصل) وإذا استناب من حج عنه ثم عوفي لم يجب عليه حج آخر وهذا قول اسحاق وقال الشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر يلزمه لان هذا بدل اياس فإذا برأ تبينا أنه لم يكن مأيوسا منه فلزمه الاصل كالآيسة تعتد بالشهور ثم تحيض يلزمها العدة بالحيض ولنا أنه أتى بما أمر به فخرج عن العهدة كما لو يبرأ أو نقول أدى حجة الاسلام بامر الشرع فلم يلزمه حج ثان كما لو حج عن نفسه ولان هذا يفضي إلى أيجاب حجتين عليه ولم يوجب الله عليه الا حجة واحدة وقولهم لم يكن مأيوسا من برئه قلنا لو لم يكن مأيوسا من برئه لما أبيح له أن

[ 179 ]

يستنيب فانه شرط لجواز الاستنابة فاما الآيسة إذا اعتدت بالشهور فلا يتصور عود حيضها فان رأت دما فليس بحيض ولا يبطل به اعتدادها لكن من ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه إذا اعتدت سنة ثم عاد حيضها لم يبطل اعتدادها (فصل) فان عوفي قبل فراغ النائب من الحج فينبغي أن لا يجزئه الحج لانه قدر على الاصل قبل تمام البدل فلزمه كالصغيرة ومن ارتفع حيضها قبل اتمام عدتها بالشهور وكالمتيمم إذا رأى الماء في صلاته ويحتمل أن يجزئه كالمتمتع إذا شرع في الصوم ثم قدر على الهدي والمكفر إذا قدر على الاصل بعد الشروع في البدل وان برأ قبل احرام النائب لم يجزئه بحال (فصل) فاما من يرجى زوال مرضه والمحبوس ونحوه فليس له ان يستنيب فان فعل لم يجزئه وان لم يبرأ وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة له الاستنابة ويكون ذلك مراعي فان قدر على الحج بنفسه لزمه والا اجزأه ذلك كالمأيوس من برئه ولنا أنه يرجو القدرة على الحج بنفسه فلم يكن له الاستنابة ولا تجزئه ان فعل كالفقير وفارق المأيوس من برئه لانه عاجز على الاطلاق آيس من القدرة على الاصل فأشبه الميت ولان النص انما ورد في الحج عن الشيخ الكبير وهو ممن لا يرجى منه الحج بنفسه فلا يصح قياس غيره عليه إلا إذا كان مثله

[ 180 ]

(فصل) فاما القادر على الحج بنفسه فلا يجوز أن يستنيب في الحج الواجب اجماعا قال ابن المنذر اجمع أهل العلم على أن من عليه حجة الاسلام وهو قادر على الحج لا يجزئ عنه أن يحج غيره عنه والحج المنذور كحجة الاسلام في اباحة الاستنابة عند العجز والمنع منها مع القدرة لانها حجة واجبة فهي كحجة الاسلام (فصل) وهل يصح الاستئجار على الحج فيه روايتان (اشهرهما) لا يجوز وهو مذهب أبي حنيفة واسحاق (والثانية) يجوز وهو مذهب مالك والشافعي وابن المنذر لانه يجوز أخذ النفقة عليه

[ 181 ]

فجاز الاستئجار عليه كبناء المساجد والقناطر ولما انها عبادة يختص فاعلها أن يكون مسلما فلم يجز أخذ الاجرة عليها كالصلاة، فاما بناء المساجد فيجوز أن يقع قربة وغير قربة فإذا وقع باجرة لم يكن عبادة ولا قربة وهذا لا يصح أن يقع الا عبادة ولا يجوز الاشتراك في العبادة فمتى فعله من أجل الاجرة خرج عن كونه عبادة فلم يصح ولا يلزم من جواز أخذ النفقة جواز أخذ الاجرة بدليل الامامة والقضاء يجوز أخذ الرزق عليهما من بيت المال وهو نفقة في المعنى بخلاف الاجرة وفائدة الخلاف أنه متى لم يجز أخذ الاجرة عليها فلا يكون الا نائبا محضا وما يدفع إليه من المال يكون نفقة لطريقه فلو مات واحصر أو مرض أو ضل الطريق لم يلزمه الضمان لما أنفق نص عليه أحمد لانه انفاق باذن صاحب المال فاشبه ما لو أذن له في سد بثق فانبثق ولم ينسد فإذا ناب عنه آخر فانه يحج عنه من حيث بلغ النائب الاول من الطريق لحصول قطع هذه المسافة بمال المنوب عنه فلم يحتج إلى الانفاق دفعة اخرى كما لو حج بنفسه فمات في الطريق فانه يحج عنه من حيث انتهى وما فضل معه من المال رده إلا أن يؤذن له في أخذه وينفق عليه بقدر الحاجة من غير إسراف ولا تقتير وليس له التبرع بشئ منه الا أن

[ 182 ]

يؤذن له في ذلك قال احمد في الذي يأخذ دراهم للحج لا يمشي ولا يقتر في النفقة ولا يسرف وقال في رجل أخذ حجة عن ميت ففضلت معه فضلة يردها ولا يناهد أحدا إلا بقدر مالا يكون سرفا ولا يدعو إلى طعامه ولا يتفضل ثم قال أما إذا اعطي الف درهم أو كذا وكذا فقيل له حج بهذه فله أن يتوسع فيها وان فضل شئ فهو له وإذا قال الميت حجوا عني حجة بالف فدفعوها إلى رجل فله أن يتوسع فيها وما فضل فهو له وان قلنا بجواز الاستئجار على الحج جاز أن يستنيب من غير استئجار فيكون الحكم على ما ذكرنا وان يستأجر فان استأجر من يحج عنه أو عن ميت اعتبر فيه شروط الاجارة وما يأخذه اجرة يملكه ويباح له التصرف فيه والتوسع في النفقة وغيرها وما فضل فهو له وان أحصر أو ضل عن الطريق أو ضاعت النفقة منه فهو من ضمانه وعليه الحج وان مات انفسخت الاجارة لتلف المعقود عليه كما لو ماتت البهيمة المستأجرة ويكون للحج أيضا من الموضع الذي بلغ إليه وما لزمه من الدماء فعليه لان الحج عليه (فصل) والنائب غير المستأجر فما لزمه من الدماء بفعل محظور فعليه في ماله لانه لم يؤذن له في الجناية فكان موجبها عليه كما لو لم يكن نائبا ودم المتعة والقران إن لم يؤذن له فيهما عليه لانه كجنايته وإن أذن له فيهما فالدم على المستنيب لانه أذن في سببهما ودم الاحصار على المستنيب لانه للتخلص من مشقة السفر فهو كنفقة الرجوع فان أفسد حجه فالقضاء عليه ويرد ما أخذ لان الحجة لم تجز عن

[ 183 ]

المستنيب لتفريطه وجنايته، وكذلك إن فاته الحج بتفريطه وإن فات بغير تفريط احتسب له بالنفقة لانه لم يفت فلم يكن مخالفا كما لو مات، وإن قلنا بوجوب القضاء فهو عليه في ماله كما لو دخل في حج ظن أنه عليه فلم يكن عليه وفاته (فصل) وإذا سلك النائب طريقا يمكنه سلوك أقرب منه بغير ضرر ففاضل النفقة في ماله، وإن تعجل عجلة يمكنه تركها فكذلك، وإن أقام بمكة أكثر من مدة القصر بعد امكان السفر للرجوع أنفق من ماله لانه غير مأذون له فيه فان لم يمكنه الخروج قبل ذلك فله النفقة لانه مأذون فيه وله نفقة الرجوع وإن طالت إقامته بمكة ما لم يتخذها دارا فان اتخذها دارا ولو ساعة لم يكن له نفقة لرجوعه لانه صار بنية الاقامة مكيا فسقطت نفقته فلم تعد، وإن مرض في الطريق فعاد فله نفقة رجوعه لانه لابد له منه وقد حصل بغير تفريطه فأشبه مالو قطع عليه الطريق أو أحصر، وإن قال خفت المرض فرجعت فعليه الضمان لانه متوهم، وعن الامام أحمد رحمه الله فيمن مرض في الكوفة فرجع: يرد جميع ما أخذ، وفي جميع ذلك إذا أذن له في النفقة فله ذلك لان المال للمستنيب فجاز ما أذن فيه، وإن شرط أحدهما أن الدماء الواجبة عليه على غيره لم يصح الشرط لان ذلك من موجبات فعله أو الحج الواجب عليه فلم يصح شرطه على غيره كما لو شرط على أجنبي (فصل) يجوز أن ينوب الرجل عن الرجل والمرأة، والمرأة عن المرأة والرجل في الحج في قول عوام

[ 184 ]

أهل العلم لا نعلم فيه مخالفا إلا الحسن بن صالح فانه كره حج المرأة عن الرجل. قال ابن المنذر: هذه غفلة عن ظاهر السنة فان النبي صلى الله عليه وسلم أمر المرأة الخثعمية أن تحج عن أبيها، وعليه يعتمد من أجاز حج المرء عن غيره وفي الباب حديث أبي رزين وأحاديث سواه (فصل) ولا يجوز الحج والعمرة عن حي إلا باذنه فرضا كان أو تطوعا لانها عبادة تدخلها النيابة فلم تجز عن البالغ العاقل بغير اذنه كالزكاة، فأما الميت فيجوز عنه بغير اذن واجبا كان أو تطوعا لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالحج عن الميت وقد علم أنه لااذن له، وما جاز فرضه جاز نفله كالصدقة فعلى هذا كلما يفعله النائب عن المستنيب مما لم يؤمر به مثل أن يؤمر بحج فيعتمر، أو بعمرة فيحج يقع عن الميت لانه يصح عنه من غير اذنه، ولا يقع عن الحي لعدم اذنه فيه، ويقع عمن فعله لانه لما تعذر وقوعه عن المنوي عنه وقع عن نفسه كما لو استنابه رجلان فأحرم عنهما جميعا وعليه رد النفقة لانه لم يفعل ما أمر به فأشبه ما لو لم يفعل شيئا (فصول في مخالفة النائب) إذا أمره بحج فتمتع أو اعتمر لنفسه من الميقات ثم حج نظرت فان خرج إلى الميقات فاحرم منه بالحج جاز ولا شئ عليه نص عليه احمد وهو مذهب الشافعي وان أحرم من مكة فعليه دم لترك

[ 185 ]

ميقاته ويرد من النفقة بقدر ما ترك من احرام الحج فيما بين الميقات ومكة وقال القاضي لا يقع فعله عن الآمر ويرد جميع النفقة لانه أتى بغير ما أمر به وهو مذهب أبي حنيفة ولنا أنه احرم بالحج من الميقات فقد أتى بالحج صحيحا من ميقاته اشبه مالو لم يحرم بالعمرة وان أحرم به من مكة فما أخل الا بما يجبره الدم فلم تسقط نفقته كما لو تجاوز الميقات غير محرم فاحرم دونه فان أمره بالافراد فقرن لم يضمن شيئا وهو قول الشافعي وقال أبو حنيفة يضمن لانه مخالف ولنا أنه أتى بما أمر به وزيادة فصح كما لو امره بشراء شاة بدينار فاشترى به شاتين تساوي إحداهما دينارا ثم ان كان أمره بالعمرة بعد الحج ففعلها فلا شئ عليه وان لم يفعل رد من النفقة بقدرها (فصل) فان أمره بالتمتع فقرن وقع عن الآمر لانه أمر بهما وانما خالف في أنه امره بالاحرام بالحج من مكة فأحرم به من الميقات وظاهر كلام احمد أنه لايرد شيئا من النفقة وهو مذهب الشافعي وقال القاضي يرد نصف النفقة لان غرضه في عمرة مفردة وتحصيل فضيلة التمتع وقد خالفه في ذلك وفوته عليه وقع عن المستنيب أيضا ويرد نصف النفقة لانه أخل بالاحرام بالعمرة من الميقات وقد أمر به واحرامه بالحج من الميقات زيادة لا يستحق به شيئا (فصل) فان أمره بالقران فأفرد أو تمتع صح ووقع النسكان عن الآمر ويرد من النفقة بقدر ما

[ 186 ]

ترك من احرام النسك الذي تركه من الميقات وفي جميع ذلك إذا أمره بالنسكين ففعل أحدهما دون الآخر رد من النفقة بقدر ما ترك ووقع المفعول عن الآمر وللنائب من النفقة بقدره (فصل) وان استنابه رجل في الحج وآخر في العمرة واذنا له في القران ففعل جاز لانه نسك مشروع وان قرن من غير اذنهما صح ووقع عنهما ويرد من نفقة كل واحد منهما نصفهما لانه جعل السفر عنهما بغير اذنهما وان أذن احدهما دون الآخر رد على غير الآمر نصف نفقته وحده، وقال القاضي إذا لم يأذنا له ضمن الجميع لانه أمر بنسك مفرد ولم يأت به فكان مخالفا كما لو أمر بحج فاعتمر ولنا أنه أتى بما أمر به وانما خالف في صفته لافي أصله أشبه من أمر بالتمتع ولو أمر بأحد النسكين فقرن بينه وبين النسك الآخر لنفسه فالحكم فيه كذلك ودم القران على النائب إذا لم يؤذن له فيه لعدم الاذن في سببه وان أذن أحدهما دون الآخر فعلى الآذن نصف الدم ونصفه على النائب (فصل) وان أمر بالحج فحج ثم اعتمر لنفسه أو أمر بالعمرة فاعتمر ثم حج عن نفسه صح ولم يرد شيئا من النفقة لانه أتى بما أمر به على وجهه وان امره بالاحرام من ميقات فأحرم من غيره جاز لانها سواء في الاجزاء وان أمره بالاحرام من الميقات جاز لانه الافضل وان أمره بالاحرام من بلده فأحرم من الميقات جاز لانه الافضل، وان أمره بالاحرام من الميقات فأحرم من بلده جاز لانه زيادة لا تضر، وان أمره بالحج في السنة أو الاعتمار في شهر ففعله في غيره جاز لانه مأذون فيه في الجملة

[ 187 ]

(مسألة) (ومن قدر على السعي لزمه ذلك إذا كان في وقت المسير ووجد طريقا آمنا لا خفارة فيه يوجد فيه الماء والعلف على المعتاد، وعنه أن امكان المسير وتخلية الطريق من شرائط الوجوب. وقال ابن حامد إن كانت الخفارة لا تجحف بماله لزمه بذلها) متى كملت الشروط المذكورة وجب على الحج على الفور لما ذكرناه ولزمه السعي إليه لان مالا يتم الواجب إلا به واجب، ولانه سعي إلى فريضة فكان واجبا كالسعي إلى الجمعة، وانما يجب عليه السعي إذا كان في وقت المسير وهو كون الوقت متسعا يمكنه الخروج فيه إليه وأمكنه المسير إليه بما جرت به العادة فلو أمكنه بأن يسير سيرا يجاوز العادة لم يلزمه السعي، ويشترط أن يجد طريقا مسلوكة لامانع فيها بعيدة كانت أو قريبة، برا كان أو بحرا إذا كان الغالب فيها السلامة، فان لم يكن الغالب منه السلامة لم يلزمه سلوكه، فان كان في الطريق عدو يطلب خفارة لم يلزمه سلوكه ويسقط عنه السعي بسيره كانت أو كثيرة، ذكره القاضى لانها رشوة فلم يلزمه بذلها في العبادة كالكثيرة وقال ابن حامد: إن كان ذلك مما لا يجحف بماله لزمه الحج لانها غرامة يقف امكان الحج على بذلها فلم يمنع الوجوب مع امكان بذلها كثمن الماء وعلف البهائم، ويشترط أن يكون الطريق آمنا، فان كان مخوفا لم يلزمه سلوكه لان فيه تغريرا بنفسه وماله، ويشترط أن يوجد فيه الماء والعلف كما جرت به العادة بحيث يوجد الماء وعلف البهائم في المنازل التى ينزلها على حسب العادة ولا يلزمه حمله من بلده ولا من أقرب البلدان إلى مكة كاطراف الشام ونحوها لان هذا يشق ولم تجر العادة به، ولا يتمكن من حمل الماء والعلف لبهائمه في جميع الطريق بخلاف زاد نفسه فانه يمكنه حمله (فصل) واختلفت الرواية في امكان المسير وتخلية الطريق فروي أنهما من شرائط الوجوب لا يجب الحج بدونهما لان الله سبحانه وتعالى انما فرض الحج على المستطيع وهذا غير مستطيع، ولان هذا يتعذر معه فعل الحج فكان شرطا كالزاد والراحلة وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي، وروي أنهما من شرائط لزوم الاداء فلو كملت الشروط الخمسة ثم مات قبل وجود هذين الشرطين حج عنه بعد موته، وإن اعسر بعد وجودهما بقي في ذمته وهو ظاهر كلام الخرقي، وذلك لان النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل ما يوجب الحج؟ قال " الزاد والراحلة " حديث حسن، ولانه عذر يمنع نفس الاداء فلم يمنع الوجوب كالعضب، ولان امكان الاداء ليس بشرط في وجوب العبادات بدليل مالو طهرت الحائض أو بلغ الصبي أو أفاق المجنون ولم يبق من وقت الصلاة ما يمكن اداؤها فيه، والاستطاعة مفسرة بالزاد والراحلة في الحديث فيجب المصير إليه، والفرق بين هذين وبين الزاد والراحلة أنه يتعذر مع فقدهما الاداء دون القضاء وفقد الزاد والراحلة يتعذر مع الجميع

[ 188 ]

(مسألة) (ومن وجب عليه الحج فتوفى قبله أخرج عنه من جميع ماله حجة وعمرة) وجملة ذلك أن من وجب عليه الحج ولم يحج وجب أن يخرج عنه من جميع ماله ما يحج به عنه ويعتمر سواء فاته بتفريطه أو بغير تفريطه وبهذا قال الحسن وطاوس والشافعي وقال أبو حنيفة ومالك يسقط بالموت فان وصى بها فهي من الثلث لانه عبادة بدنية فسقط بالموت كالصلاة ولنا ماروى ابن عباس ان امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أبيها مات ولم يحج قال " حجي عن ابيك " وعنه أن امرأة نذرت أن تحج فماتت فأتى أخوها النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن ذلك فقال " أرأيت لو كان على اختك دين أكنت قاضيه؟ " قال نعم قال " فاقضوا الله فهو أحق بالقضاء " رواهما النسائي ولانه حق استقر عليه تدخله النيابة فلم يسقط بالموت كالدين وبهذا فارق الصلاة فانها لا تدخلها النيابة والعمرة كالحج فميا ذكرنا إذا قلنا بوجوبها ويكون ما يحج به ويعتمر من جميع ماله لانه دين مستقر فكان من جميع المال كالدين الآدمي (فصل) ويستناب من يحج عنه من حيث وجب عليه اما من بلده أو من الموضع الذي أيسر فيه وبهذا قال الحسن ومالك واسحاق في النذر وقال عطاء في الناذر ان لم يكن نوى مكانا فمن ميقاته واختاره ابن المنذر وقال الشافعي فيمن عليه حجة الاسلام يستأجر من يحج عنه من الميقات لان الاحرام لا يجب من دونه ولنا أن الحج وجب عليه من بلده فوجب أن ينوب عنه منه لان القضاء يكون على صفة الاداء كقضاء الصلاة والصوم كذلك الحكم في حج النذر والقضاء فياسا عليه فان كان له وطنان استنيب من أقربهما فان وجب عليه الحج بخراسان فمات ببغداد وبالعكس فقال احمد يحج عنه من حيث وجب عليه لا من حيث موته ويحتمل أن يحج عنه من أقرب المكانين لانه لو كان حيا في أقرب المكانين لم يجب عليه الحج من أبعد منه فكذلك نائبه فان حج عنه من دون ذلك فقال القاضي ان كان دون مسافة القصر اجزأه لانه في حكم القريب والا لم يجزئه لانه لم يؤد الواجب بكماله ويحتمل أن يحزئه ويكون مسيئا كمن وجب عليه الاحرام من الميقات فاحرم من دونه والله أعلم (فصل) فان خرج للحج فمات في الطريق حج عنه من حيث مات لانه اسقط بعض ما وجب عليه فلم يجب ثانيا وكذلك ان مات نائبه فاستنيب من حيث مات كذلك ولو أحرم بالحج ثم مات صحت النيابة عنه فما بقي من النسك سواء كان احرامه لنفسه أو غيره نص عليه لانها عبادة تدخلها النيابة فإذا مات بعد فعل بعضها قضى عنه باقيها كالزكاة (مسألة) (فان ضاق ماله عن ذلك أو كان عليه دين أخذ للحج بحصته وحج به من حيث يبلغ)

[ 189 ]

إذا لم يخلف الميت ما يكفى للحج من بلده حج عنه من حيث يبلغ، وإن كان عليه دين لآدمي تحاصا ويؤخذ للحج بحصته فيحج بها من حيث يبلغ) قال الامام أحمد في رجل أوصى أن يحج عنه ولا يبلغ النفقة قال يحج عنه من حيث تبلغ النفقة للراكب من غير مدينته وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا أمرتكم بأمر فأتموا منه ما استطعتم " ولانه قدر على اداء بعض الواجب فلزمه كالزكاة، وعن أحمد ما يدل على أن الحج يسقط لانه قال في رجل أوصى بحجة واجبة ولم يخلف ما يتم به حجة هل يحج عنه من المدينة أو من حيث تتم الحجة فقال: ما يكون الحج عندي إلا من حيث وجب عليه وهذا تنبيه على سقوطه عمن عليه دين لا تفي تركته به وبالحج فانه إذا أسقطه مع عدم المعارض فمع المعارضة بحق الآدمي المؤكد أولى، ويحتمل أن يسقط عمن عليه دين وجها واحدا لان حق الآدمي المعين أولى بالتقديم لتأكده وخفة حق الله تعالى مع عدم امكانه على الوجه الواجب (مسألة) (فان وصى بحج تطوع ولم يف ثلثه بالحج من بلده حج به من حيث يبلغ، أو يعان به في الحج نص عليه) وقال التطوع ما يبالي من حيث كان ويستناب عن الميت ثقة بأقل ما يوجد إلا أن يرضى الورثة بزيادة أو يكون قد أوصى بشئ فيجوز ما أوصى به ما لم يزد على الثلث (فصل) ويستحب أن يحج الانسان عن أبويه إذا كانا ميتين أو عاجزين لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا رزين فقال " حج عن أبيك واعتمر " وسألت امرأة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبيها مات ولم يحج قال " حجي عن أبيك " ويستحب البداءة بالحج عن الام إن كان تطوعا أو واجبا عليهما. نص عليه أحمد في التطوع لان الام مقدمة في البر لما روى أبو هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال " أمك " قال ثم من؟ قال " أمك " قال ثم من؟ قال " أمك " قال ثم من؟ قال " أبوك " متفق عليه وإن كان الحج واجبا على الاب دونها بدأ به لانه واجب فكان أولى من التطوع، وقد روى زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا حج الرجل عن والديه تقبل منه ومنهما، واستبشرت أرواحهما في السماء، وكتب عند الله برا " وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من حج عن أبويه أو قضى عنهما مغرما بعث يوم القيامة مع الابرار " وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من حج عن أبيه أو أمه فقد قضى عنه حجته وكان له فضل عشر حجج " رواهن الدارقطني

[ 190 ]

(فصل) قال الشيخ رحمه الله: ويشترط لوجوب الحج على المرأة وجود محرمها وهو زوجها أو من تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح إذا كان بالغا عاقلا، وعن أن المحرم من شرائط لزوم الاداء اختلفت الرواية عن احمد رحمه الله في وجود المحرم في حق المرأة فروي عنه أن الحج لا يجب على المرأة إذا لم تجد محرما وهذا ظاهر كلام الخرقي وقال أبو داود قلت لاحمد امرأة موسرة لم يكن لها محرم هل وجب عليها الحج؟ قال لا وقال المحرم من السبيل. وهذا قول الحسن والنخعي واسحاق وأصحاب الرأي وابن المنذر وروي عنه أنه من شرائط لزوم السعي دون الوجوب فعلى هذه الرواية متى كملت لها الشرائط الخمس وفاتها الحج بموت أو مرض لا يرجى برؤه أخرج عنها حجة لان شروط الحج المختصة بها قد كملت وانما المحرم لحفظها فهو كتخلية الطريق وامكان المسير وعنه رواية ثالثة ان المحرم ليس بشرط في الحج الواجب قال الاثرم سمعت احمد يسئل هل يكون الرجل محرما لام أمرأته يخرجها إلى الحج فقال أما في حجة الفريضة فارجو لانها تخرج إليها مع نساء ومع كل من أمنته وأما في غيرها فلا، والمذهب الاول وقال ابن سيرين ومالك والاوزاعي والشافعي ليس المحرم شرطا في حجها بحال قال ابن سيرين تخرج مع رجل من المسلمين لا بأس به، وقال مالك تخرج مع جماعة النساء، وقال الشافعي تخرج مع حرة مسلمة ثقة، وقال الاوزاعي تخرج مع قوم عدول تتخذ سلما تصعد عليه وتنزل ولا يقربها رجل الا أن يأخذ برأس البعير وتضع رجله على ذراعه قال ابن

[ 191 ]

المنذر تركوا القول بظاهر الحديث واشترط كل واحد منهم شرطا لا حجة معه عليه واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة، وقال لعدي بن حاتم يوشك أن تخرج الظعينة تؤم البيت لاجوار معها لا تخاف الا الله ولانه سفر واجب فلم يشترط له المحرم كالمسلمة إذا تخلصت من أيدي الكفار. ولنا ما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم الا ومعها ذو محرم " وعن ابن عباس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا يخلون رجل بامرأة الا ومعها ذو محرم " فقام رجل فقال يارسول الله إني كنت في غزوة كذا وانطلقت امرأتي حاجة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " انطلق فاحجج مع امرأتك " متفق عليهما وروى ابن عمر وأبو سعيد رضي الله عنه نحوا من حديث أبي هريرة قال أبو عبد الله أما أبو هريرة فيقول يوم وليلة ويروى عن أبي هريرة لا تسافر سفرا أيضا، وأما حديث أبي سعيد فيقول ثلاثة أيام قلت ما تقول أنت؟ قال لا تسافر سفرا قليلا ولا كثيرا الا مع ذي محرم. وروى الدارقطني باسناده عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لاتحجن امرأة الا ومعها ذو محرم " وهذا نص صريح في الحكم ولانها أنشأت سفرا في دار الاسلام فلم يجز بغير محرم كحج التطوع وحديثهم محمول على الرجل بدليل أنهم شرطوا خروج غيرها معها فجعل ذلك الغير المحرم الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثنا أولى مما اشترطوه بالتحكم من غير دليل ويحتمل

[ 192 ]

انه أراد ان الزاد والراحلة توجب الحج مع كمال بقية الشروط ولذلك اشترطوا تخلية الطريق وامكان المسير وقضاء الدين ونفقة العيال واشترط مالك امكان الثبوت على الراحلة وهي غير مذكورة في الحديث واشترط كل واحد منهم شرطا في محل النزاع من عند نفسه لامن كتاب ولا سنة فما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم أولى بالاشتراط ولو قدر التعارض فحديثنا أصح وأخص واولى بالتقديم وحديث عدي يدل على وجود السفر لا على جوازه ولذلك لم يجزه في غير الحج المفروض ولم يذكر فيه خروج غيرها معها، وأما الاسيرة إذا تخلصت من أيدي الكفار فان سفرها سفر ضرورة لا يقاس عليه حالة الاختيار ولذلك تخرج فيه وحدها ولانها تدفع ضررا متيقنا بتحمل الضرر المتوهم فلا يلزم تحمل ذلك من غير ضرر أصلا. (فصل) والمحرم زوجها أو من تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح كابنها وأبيها وأخيها من نسب أو رضاع وربيبها ورابها لما روى أبو سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر ان تسافر سفرا يكون ثلاثة أيام فصاعدا الا ومعها أبوها أو ابنها أو زوجها أو ذو محرم منها " رواه مسلم وكذلك من تحرم عليه بالمصاهرة بسبب مباح لانها محرمة عليه على التأبيد أشبه التحريم بالنسب قال احمد ويكون زوج أم المرأة محرما لها يحج بها ويسافر الرجل مع أم ولد جده وإذا كان أخوها من الرضاعة خرجت معه وقال في أم امرأته يكون محرما لها في الفرض دون غيره. قال الاثرم كأنه ذهب إلى أنها لم تذكر في قوله تعالى (ولا يبدين زينتهم) الآية فأما من تحل

[ 193 ]

له في حال كزوج أختها فليس بمحرم لها نص عليه لانه ليس بحرام عليها على التأبيد ولا يباح له النظر إليها وليس العبد محرما لسيدته نص عليه احمد، وقال الشافعي هو محرم لها وحكاه بعض أصحابنا عن أحمد لانه يباح له النظر إليها فكان محرما لها كذي رحمها ولنا ما روى سعيد في سننه باسناده عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " سفر المرأة مع عبدها ضيعة " ولانه غير مأمون عليها ولا تحرم عليه على التأبيد أشبه الاجنبي وقياسه على ذي الرحم لا يصح لانه مأمون عليها بخلاف العبد ولا يلزم من اباحة النظر إليها أن يكون محرما فانه يجوز النظر إلى القواعد من النساء ويجوز لغير أولى الاربة النظر إلى الاجنبية وليس محرما لها. (فصل) وأما الموطوءة بشبهة والمزني بها وابنتها فليس بمحرم لهما وعنه أنه محرم والاول أولى لان تحريمها بسبب غير مباح فلم يثبت به حكم المحرمية كالتحريم الثابت باللعان وليس له الخلوة بهما والنظر اليهما لذلك، والكافر ليس بمحرم للمسلمة وإن كانت ابنته. قال الامام أحمد في يهودي أو نصراني أسلمت أبنته لا يزوجها ولا يسافر بها ليس هو لها بمحرم، وقال أبو حنيفة والشافعي هو محرم لها لانها محرمة عليه على التأبيد ولنا أن أثبات المحرمية يقتضي الخلوة بها فوجب أن لا يثبت لكافر على مسلمة كالحضانة للطفل ولانه لا يؤمن عليها أن يفتنها عن دينها كالطفل وما ذكروه يبطل بالمحرمة باللعان وبالمجوسي مع ابنته، ولا ينبغي أن يكون في المجوسي خلاف لانه لا يؤمن عليها ويعتقد حلها، نص عليه أحمد في المحرم،

[ 194 ]

ويشترط في المحرم أن يكون بالغا عاقلا قيل لاحمد فيكون الصبي محرما؟ قال لا حتى يحتلم لانه لا يقوم بنفسه فكيف تخرج معه امرأة وذلك لان المقصود بالمحرم حفظ المرأة ولا يحصل ذلك من غير البالغ لانه يحتاج إلى حفظ فلا يقدر على حفظ غيره (فصل) ونفقة المحرم في الحج عليها نص عليه أحمد لانه من سبيلها فكان عليها نفقته كالراحلة فعلى هذا يعتبر في استطاعتها أن تملك زادا وراحلة لها ولمحرمها، فان امتنع محرمها من الحج معها مع بذلها له نفقته فهي كمن لا محرم لها، وهل يلزمه اجابتها إلى ذلك على روايتين، والصحيح أنه لا يلزمه لان في الحج مشقة شديدة وكلفة عظيمة فلا يلزم أحدا لاجل غيره كما لم يلزمه أن يحج عنها إذا كانت مريضة (مسألة) (فان مات المحرم في الطريق مضت في حجها ولم تصر محصرة)

[ 195 ]

إذا مات محرم المرأة في الطريق فقال الامام أحمد رحمه الله إذا تباعدت مضت فقضت الحج

[ 196 ]

خاصة فهو آكد ثم قال بدلها من أن ترجع وهذا لابد لها من السفر بغير محرم فمضيها إلى قضاء حجتها

[ 197 ]

أولى، لكن إن كان حجها تطوعا وأمكنها الاقامة ببلد فهو أولى من السفر بغير محرم، وإن مات وهي قريبة رجعت لتقضي العدة في منزلها لانها في حكم المقيم

[ 198 ]

(مسألة) (ولا يجوز لمن لم يحج عن نفسه أن يحج عن غيره ولا نذره ولا نافلة فان فعل انصرف إلى حجة الاسلام، وعنه يقع ما نواه) وجملة ذلك أنه ليس لمن لم يحج حجة الاسلام أن يحج عن غيره، فان فعل وقع احرامه عن حجة الاسلام، وبهذا قال الاوزاعي والشافعي واسحاق، وقال أبو بكر عبد العزيز يقع الحج باطلا ولا يصح عنه ولا عن غيره وروي ذلك عن ابن عباس، لانه لما كان من شرط طواف الزيارة تعيين النية فمتى نواه لغيره لم يقع عن نفسه، ولهذا لو طاف حاملا لغيره ولم ينوه لنفسه لم يقع عن نفسه، وقال الحسن وابراهيم وأيوب السختياني وجعفر بن محمد ومالك وأبو حنيفة يجوز أن يحج عن غيره من لم يحج عن نفسه، وعن أحمد مثل ذلك، وقال الثوري إن كان يقدر على الحج عن نفسه حج عن نفسه، وإن لم يقدر حج عن غيره، واحتجوا بأن الحج مما تدخله النيابة فجاز أن يؤديه عن غيره من لم يؤد فرضه عن نفسه كالزكاة ولنا ماروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: لبيك عن شبرمة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من شبرمة؟ " قال قريب لي، قال " هل حججت قط؟ " قال لا، قال " فاجعل هذه عن نفسك ثم احجج عن شبرمة " وراه الامام أحمد وأبو داود وابن ماجة وهذا لفظه، ولانه حج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه فلم يقع عن الغير كما لو كان صبيا، ويفارق الزكاة فانه يجوز أن ينوب عن الغير وقد بقى عليه بعضها وههنا لا يجوز أن ينوب عن الغير من شرع في الحج قبل اتمامه ولا يطوف عن نفسه

[ 199 ]

(فصل) فان أحرم بالمنذورة من عليه حجة الاسلام وقع عن حجة الاسلام لانها آكد وعنه يقع عن المنذورة لقوله صلى الله عليه وسلم " وانما لكل امرئ ما نوى " فإذا قلنا يقع عن حجة الاسلام بقيت المنذورة في ذمته ولم تسقط عنه نص عليه أحمد وهذا قول ابن عمر وأنس وعطاء لانها حجة واحدة فلم تجزئ عن حجتين كما لو نذر حجتين فحج واحدة، وقد نقل أبو الخطاب عن أحمد فيمن نذر أن يحج وعليه حجة مفروضة فأحرم عن النذر وقعت عن المفروضة ولا يجب عليه شئ آخر وصار كمن نذر صوم يوم يقدم فلان فقدم في يوم من رمضان فنواه عن فرضه ونذره فانه يجزئه في رواية ذكره الخرقي

[ 200 ]

وهذا قول ابن عباس وعكرمة رواه سعيد بن منصور عنهما، وروي أن عكرمة سئل عن ذلك فقال: تقضي حجته عن نذره وعن حجة الاسلام أرأيتم لو أن رجلا نذر أن يصلي أربع ركعات فصلى العصر أليس ذلك يجزئه منهما؟ قال وذكرت ذلك لابن عباس فقال أصبت أو أحسنت (فصل) فان أحرم يتطوع، أو نذر من عليه حجة الاسلام وقع عن حجة الاسلام، وبه قال ابن عمر وأنس والشافعي، وقال مالك والثوري وأبو حنيفة واسحاق وابن المنذر يقع مانواه وهي رواية عن أحمد وقول أبي بكر لما تقدم

[ 201 ]

ولنا أنه أحرم بالحج وعليه فريضة فوقع عن فرضه كالمطلق، ولو أحرم بتطوع وعليه منذورة وقعت عن المنذورة لانها واجبة أشبهت حجة الاسلام والعمرة كالحج فيما ذكرنا لانها أحد النسكين أشبهت الآخر والنائب كالمنوب عنه في هذا، فمتى أحرم النائب بتطوع أو نذر عمن لم يحج حجة الاسلام وقع عن حجة الاسلام سواء حج عن ميت أو حي لان النائب يجري مجرى المنوب عنه، وإن استناب رجلين في حجة الاسلام ومنذور أو تطوع فأيهما سبق بالاحرام وقعت حجته عن حجة الاسلام ممن هي فكذلك من نائبه

[ 202 ]

(فصل) وإذا كان الرجل قد أسقط فرض أحد النسكين عنه جاز أن ينوب عن غيره فيه دون الآخر، وليس للصبي والعبد أن ينوبا في الحج عن غيرهما لانهما لم يسقطا عن أنفسهما فهما كالحر البالغ في ذلك، ويحتمل أن لهما النيابة في حج التطوع دون الفرض لانهما من أهل التطوع دون الفرض ولا يمكن أن تقع الحجة التي نابا فيها عن فرضهما لكونهما ليسا من أهله فبقيت لمن فعلت عنه (مسألة) (وهل يجوز لمن يقدر على الحج بنفسه أن يستنيب في حج التطوع على روايتين الاستنابة في حج التطوع تنقسم إلى ثلاثة أقسام

[ 203 ]

(أحدها) أن يكون ممن لم يؤد حجة الاسلام فلا يصح أن يستنيب في حج التطوع لانه لا يصح ان يفعله بنفسه فبنائبه أولى (الثاني) أن يكون ممن قد أدى حجة الاسلام وهو عاجز عن الحج بنفسه فيجوز أن يستنيب في التطوع، فان ما جازت الاستنابة في فرضه جازت في نفله كالصدقة

[ 204 ]

(الثالث) أن يكون قادرا على الحج وقد أسقط فرضه ففيه روايتان (احداهما) يجوز وهو قول أبي حنيفة لانها حجة لا تلزمه بنفسه فجاز أن يستنيب فيها كالمعضوب (والثانية) لا يجوز وهو مذهب الشافعي لانه قادر على الحج بنفسه فلم يجز أن يستنيب فيه كالفرض

[ 205 ]

(فصل) فان عجز عنه عجزا مرجو الزوال كالمريض الذي يرجى برؤه والمحبوس جاز أن يستنيب فيه لانه حج لا يلزمه عجز عن فعله بنفسه فجاز أن يستنيب فيه كالشيخ الكبير والفرق بينه وبين

[ 206 ]

الفرض أن الفرض عبادة العمر فلا يفوت بتأخيره عن هذا العام والتطوع مشروع في كل عام فيفوت حج هذا العام بتأخيره، ولان حج الفرض إذا مات قبل فعله فعل عنه بعد موته بخلاف التطوع (باب المواقيت) (مسألة) (ميقات أهل المدينة من ذي الحليفة وأهل الشام ومصر والمغرب الجحفة وأهل اليمن يلملم وأهل نجد قرن وأهل المشرق ذات عرق)

[ 207 ]

للحج ميقاتان ميقات زمان وميقات مكان فأما مواقيت المكان فهي الخمسة المذكورة، وقد أجمع أهل العلم على أربعة منها وهي ذوالحليفة والجحفة وقرن ويلملم واتفق أئمة النقل على صحة الحديث عن النبي (ص) فيها، فروى ابن عباس رضي الله عنه قال: وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لاهل المدينة ذا الحليفة، ولاهل الشام الحجفة، ولاهل نجد قرن، ولاهل اليمن يلملم قال " فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن كان يريد الحج والعمرة " فمن كان دونهن مهله من أهله وكذلك أهل مكة يهلون منها، وعن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن " قال ابن عمر وذكر لي ولم أسمعه أنه قال وأهل اليمن من يلملم، متفق عليهما، وذات عرق ميقات أهل المشرق في قول أكثر أهل العلم منهم مالك وأبو ثور وأصحاب الرأي، قال ابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن احرام العراقي من ذات عرق احرام من الميقات، وقد روي عن أنس رض الله عنه أنه كان يحرم من العقيق واستحسنه الشافعي وابن المنذر وابن عبد البر، وكان الحسن بن صالح يحرم من الربذة، وروي ذلك عن حصين والقاسم بن عبد الرحمن وروى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لاهل المشرق العقيق. قال الترمذي هو حديث حسن. قال ابن عبد البر: هو أولى وأحوط من ذات عرق وذات عرق ميقاتهم باجماع، واختلف أهل العلم فيمن وقت ذات عرق، فروى أبو داود والنسائي وغيرهما باسنادهم عن عائشة

[ 208 ]

رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لاهل العراق ذات عرق وعن أبي الزبير أنه سمع جابرا سئل عن المهل فقال سمعته احسبه رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول " مهل أهل المدينة من ذي الحليفة والطريق الاخرى من الجحفة ومهل أهل العراق من ذات عرق ومهل أهل نجد من قرن " رواه مسلم وقال قوم آخرون انما وقتها عمر رضي الله عنه فروى البخاري باسناده عن ابن عمر رضي الله عنهما قال لما فتح هذان المصران أتو عمر رضي الله عنه فقالوا يا أمير المؤمنين إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حد لاهل نجد قرنا وهو جور عن طريقنا وانا ان أردنا قرنا شق علينا قال انظروا حذوها من طريقكم، فحدلهم ذات عرق، ويجوز أن يكون عمر ومن سأله لم يعلموا توقيت النبي صلى الله عليه وسلم ذات عرق فقال ذلك برأيه فاصاب ماوقته النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان موفقا للصواب رضي الله عنه وإذا ثبت توقيتها عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن عمر فالاحرام منه أولى (فصل) وإذا كان الميقات قرية فانتقلت إلى مكان آخر فموضع الاحرام من الاولى وان انتقل الاسم إلى الثانية لان الحكم تعلق بذلك الموضع فلا يزول بخرابه، وقد رأى سعيد بن جبير رجلا يريد أن يحرم من ذات عرق فاخذه حتى خرج من البيوت وقطع الوادي فأتى به المقابر فقال هذه ذات عرق الاولى فهذه المواقيت لاهلها ولمن مر عليها من غيرهم وجملة ذلك أن من سلك طريقا فيها ميقات فهو ميقاته ان أراد الحج أو العمرة فإذا حج الشامي من المدينة فمر بذي الحليفة فهي ميقاته وان حج من اليمن فميقاته يلملم وان حج من العراق فميقاته ذات عرق، وهكذا كل من مر على ميقات غير ميقات بلده صار ميقاتا له، سئل الامام أحمد رحمه الله تعالى عن الشامي يمر بالمدينة يريد الحج من أين يهل قال من ذي الحليفة قيل فان بعض الناس يقولون يهل

[ 209 ]

من ميقاته من الجحفة فقال سبحان الله اليس يروي ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن " وهذا قول الشافعي واسحاق وقال أبو ثور في الشامي يحرم بالمدينة له أن يحرم من الجحفة وهو قول اصحاب الرأي وكانت عائشة رضي الله عنها إذا أرادت الحج أحرمت من ذي الحليفة وإذا أرادت العمرة أحرمت من الجحفة ولعلهم يحتجون بان النبي صلى الله عليه وسلم وقت لاهل الشام الجحفة ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن " ولانه ميقات فلم يجز تجاوزه بغير احرام لمن يريد النسك كسائر المواقيت وخبرهم أريد به من لم يمر على ميقات آخر بدليل مالو مر بميقات غير ذي الحليفة لم يجز تجاوزه بغير احرام بغير خلاف، وقد روى سعيد بن سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لمن ساحل من أهل الشام الجحفة والحج والعمرة سواء في هذا لقول النبي صلى الله عليه وسلم " فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن كان يريد حجا أو عمرة " (فصل) فان مر من غير طريق ذي الحليفة فميقاته الجحفة سواء كان شاميا أو مدنيا لما روى أبو الزبير أنه سمع جابرا يسأل عن المهل فقال سمعته أحسبه رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول " مهل أهل المدينة من ذي الحليفة والطريق الآخر من الجحفة " رواه مسلم، ولانه مر على أحد المواقيت دون غيره فلم يلزمه الاحرام قبله كسائر المواقيت ولعل أبا قتادة حين أحرم أصحابه دونه في قصة صيد الحمار الوحشي انما ترك الاحرام لانه لم يمر على ذي الحليفة فأخر احرامه إلى الجحفة ويمكن حمل حديث عائشة في تأخيرها احرام العمرة إلى الجحفة على هذا، وأنها لا تمر في طريقها على ذي الحليفة لئلا يكون فعلها مخالفا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (مسألة) (ومن منزله دون الميقات فميقاته من موضعه يعني إذا كان مسكنه أقرب إلى مكة من الميقات كان ميقاته سكنه) هذا قول أكثر أهل العلم منهم مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، وعن مجاهد قال يهل من مكة والصحيح الاول، فان النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث ابن عباس " فمن كان دونهن مهله من أهله " وهذا صريح فالعمل به أولى (فصل) إذا كان مسكنه قرية فالافضل أن يحرم من أبعد جانبيها، وإن أحرم من أقرب جانبيها جاز، وهكذا القول في المواقيت التى وقتها رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كانت قريبة والحلة كالقرية فيما ذكرنا وإن كان مسكنه منفردا فميقاته مسكنه أو حذوه وكل ميقات فحذوه بمنزلته، ثم إن كان مسكنه في الحل فاحرامه منه للحج والعمرة معا، وإن كان في الحرم فاحرامه للعمرة من الحل ليجع في النسك بين الحل والحرم كالمكي، وأما الحج فينبغي أن يجوز له الاحرام من أي الحرم شاء كالمكي

[ 210 ]

(مسألة) (وأهل مكة إذا ارادوا العمرة فمن الحل، وإن أرادوا الحج فمن مكة) أهل مكة من كان بها سواء كان مقيما بها أو غير مقيم لان كل من أتى على ميقات كان ميقاتا له لما ذكرنا فكذلك كل من كان بمكة فهي ميقاته للحج، وإن أراد العمرة فمن الحل لا نعلم في هذا خلافا ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما أن يعمر عائشة رضي الله عنها من التنعيم وكانت بمكة يومئذ وهذا لقول النبي صلى الله عليه وسلم " حتى أهل مكة يهلون منها " يعني للحج، وقال أيضا " ومن كان أهله دون الميقات فمن حيث ينشئ حتى يأتي ذلك على أهل مكة " وهذا في الحج فأما في العمرة فميقتاتها في حقهم الحل من أي جوانب الحرم شاء لحديث عائشة رضي الله عنها حين أعمرها من التنعيم وهو أدنى الحل. قال ابن سيرين: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لاهل مكة التنعيم، وقال ابن عباس: يا أهل مكة من أتى منكم العمرة فليجعل بينه وبينها بطن محسر، يعني إذا أحرم بها من ناحية المزدلفة، وانما لزم الاحرام من الحل ليجمع في النسك بين الحل والحرم فانه لو أحرم من الحرم لما جمع بينهما فيه لان أفعال العمرة كلها في الحرم بخلاف الحج فانه يفتقر إلى الخروج إلى عرفة ليجمع له الحل والحرم ومن أي الحل أحرم جاز، وانما أعمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها من التنعيم لانه أقرب الحل إلى مكة وقد روي عن الامام أحمد رحمه الله تعالى في المكي كلما تباعد في العمرة فهو أعظم للاجر على قدر تعبها، وأما إذا أراد المكي الاحرام بالحج فمن مكة للخبر المذكور،

[ 211 ]

ولان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فسخوا الحج أمرهم فأحرموا من مكة، قال جابر رضي الله عنه أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نحرم إذا توجهنا من الابطح، رواه مسلم، وهذا يدل على أنه لا فرق بين قاطني مكة وغيرهم ممن هو بها كالمتمتع إذا حل ومن فسخ حجه بها ونقل عن الامام أحمد رحمه الله تعالى فيمن اعتمر في أشهر الحج من أهل مكة أنه يهل بالحج من الميقات، فان لم يفعل فعليه دم والصحيح ما ذكرنا أولا، وقد دلت عليه الاحاديث الصحيحة، ويحتمل أن أحمد أنما أراد أن الدم يسقط عنه إذا خرج إلى الميقات فأحرم ولا يسقط إذا أحرم من مكة وهذا في غير المكي، أما المكي فلا يجب عليه دم متعة بحال لقوله تعالى (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) وذكر القاضي فيمن دخل مكة يحج عن غيره ثم أراد أن يعتمر بعده لنفسه أو بالعكس، أو دخل بعمرة لنفسه ثم أراد أن يحج أو يعتمر لغيره، أو دخل بعمرة لغيره ثم أراد أن يحج أو يعتمر لنفسه، أنه في جميع ذلك يخرج إلى الميقات فيحرم منه، فان لم يفعل فعليه دم قال: وقد قال الامام أحمد في رواية عبد الله: إذا اعتمر عن غيره ثم أراد الحج لنفسه يخرج إلى الميقات أو اعتمر عن نفسه يخرج إلى الميقات، فان دخل مكة بغير احرام ثم أراد الحج يخرج إلى الميقات، واحتج له القاضي بأنه جاوز الميقات مريدا للنسك غير محرم لنفسه فلزمه دم إذا أحرم دونه كمن جاوز

[ 212 ]

الميقات غير محرم، وعلى هذا لو حج عن شخص واعتمر عن آخر أو اعتمر عن انسان ثم حج أو اعتمر عن آخر فكذلك والذي ذكره شيخنا رحمه الله تعالى أنه لا يلزمه الخروج إلى الميقات في هذا كله وهو ظاهر كلام الخرقي رحمه الله تعالى لما ذكرنا لان كل من كان بمكة كالقاطن بها وهذا قد حصل بمكة حلالا على وجه مباح فأشبه المكي وما ذكره القاضي تحكم بغير دليل، والمعنى الذي ذكره لا يصح لوجوه (أحدها) انه لا يلزم أن يكون مريدا للنسك لنفسه حال مجاوزته الميقات لانه قد يبدو له بعد ذلك (الثاني) أن هذا لا يتناول من أحرم عن غيره (الثالث) لو وجب بهذا الخروج إلى الميقات لزم المتمتع والمفرد لانهما جاوزا الميقات غير مريدين للنسك الذي أحرما به (الرابع) ان المعنى في الذي تجاوز الميقات غير محرم أنه فعل مالا يحل له فعله وترك الاحرام الواجب عليه في موضعه فأحرم من دونه (فصل) ومن أي الحرم أحرم بالحج جاز لان المقصود من الاحرام به الجمع في النسك بين الحل والحرم وهو حاصل بالاحرام من أي موضع كان من الحرم فجاز كما يجوز الاحرام بالعمرة من أي موضع كان من الحل، وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لاصحابه في حجة الوداع " إذا أردتم ان تنطلقوا إلى منى فأهلوا من البطحاء، ولان ما اعتبر فيه الحرم استوت البلدة وغيرها فيه كالنحر

[ 213 ]

(فصل) وان أحرم بالحج من الحل الذي يلي الموقف فعليه دم لانه أحرم من دون الميقات وان أحرم من الجانب الآخر ثم سلك الحرم فلا شئ عليه نص عليه احمد فيمن أحرم بالحج من التنعيم فقال ليس عليه شئ لانه أحرم قبل ميقاته فكان كالمحرم قبل بقية المواقيت وان لم يسلك الحرم فعليه دم لكونه لم يجمع في النسك بين الحل والحرم

[ 214 ]

(مسألة) (ومن لم يكن طريقه على ميقات فإذا حاذى أقرب المواقيت إليه أحرم) ومن سلك طريقا بين ميقاتين اجتهد حتى يكون احرامه بحذو الميقات الذي هو أقرب إلى طريقه لان أهل العراق قالوا لعمر رضي الله عنه إن قرنا جور على طريقنا قال انظروا حذوها من طريقكم، فوقت لهم ذات عرق ولان هذا مما يعرف بالاجتهاد والتقدير فان اشتبه دخله الاجتهاد كالقبلة وإن لم يعرف حذو الميقات المقارب لطريقه احتاط فاحرم من بعد بحيث يتيقن انه لم يجاوز الميقات الا محرما لان الاحرام قبل الميقات جائز وتأخيره عنه غير جائز فالاحتياط فعل ما ذكرنا ولا يلزمه

[ 215 ]

الاحرام حتى يعلم أنه قد حاذاه لان الاصل عدم وجوبه فلا يجب بالنسك فان أحرم ثم علم بعد أنه

[ 216 ]

قد جاوز ما يحاذي الميقات غير محرم فعليه دم وان شك في أقرب الميقاتين إليه فالحكم فيه كالحكم

[ 217 ]

في المسألة قبلها فان كانا متساويين في القرب إليه أحرم من حذو أبعدهما (مسألة) (ولا يجوز لمن أراد دخول مكة تجاوز الميقات بغير احرام الا لقتال مباح أو حاجة متكررة كالحطاب ونحوه ثم إن بدا له النسك أحرم من موضعه) من تجاوز الميقات ممن لا يريد النسك ينقسم قسمين (أحدهما) من لا يريد دخول الحرم فهذا لا يلزمه الاحرام بغير خلاف ولا شئ عليه في تركه فان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أتوا بدرا مرتين وكانوا يسافرون للجهاد وغيره فيمرون بذي الحليفة غير محرمين ولا يرون بذلك بأسا فان بدا لهذا الاحرام أحرم من موضعه ولا شئ عليه، وهذا ظاهر

[ 218 ]

كلام الخرقي وبه يقول مالك والثوري والشافعي وصاحبا أبي حنيفة وحكى ابن المنذر عن الامام أحمد رحمه الله تعالى في الرجل يخرج لحاجة وهو لا يريد الحج فجاوز ذا الحليفة ثم أراد الحج يرجع إلى ذي الحليفة فيحرم وبه قال اسحاق لانه احرم من دون الميقات فلزمه الدم كالذي يريد دخول الحرم والاول أصح وكلام احمد يحمل على من يجاوز الميقات ممن يجب عليه الاحرام لقول النبي صلى الله عليه وسلم " فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن كان يريد الحج أو العمرة " ولانه حصل دون الميقات على وجه مباح فكان له الاحرام منه كاهل ذلك المكان ولان هذا القول يفضي إلى من كان منزله دون الميقات إذا خرج إلى الميقات ثم عاد إلى منزله وأراد الاحرام لزمه الخروج إلى الميقات ولا قائل به ولانه مخالف لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " ومن كان منزله دون الميقات فمهله من أهله " (القسم الثاني) من يريد دخول الحرم إلى مكة أو غيرها وهم على ثلاثة اضرب (أحدها) من يدخلها لقتال مباح أو من خوف أو لحاجة كالحطاب والحشاش وناقل الميرة والفيح ومن كانت له ضيعة يتكرر دخوله وخروجه إليها فلا احرام عليهم لان النبي صلى الله عليه وسلم دخل يوم فتح مكة حلالا وعلى رأسه المغفر وكذلك أصحابه ولم يعلم أن احدا منهم أحرم ولانا لو اوجبنا الاحرام على من يتكرر دخوله أفضى إلى ان يكون في جميع زمنه محرما فسقط للحرج، وهذا مذهب الشافعي وقال أبو حنيفة لا يجوز لاحد دخول الحرم بغير احرام الا من كان دون الميقات لانه يجاوز الميقات مريدا للحرم فلم يجز بغير احرام

[ 219 ]

ولنا ما ذكرنا من النص والمعنى، وقد روى الترمذي باسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل يوم فتح مكة وعلى رأسه عمامة سوداء، وقال حديث حسن صحيح ومتى أراد هذا النسك بعد مجاوزة الميقات أحرم من موضعه كالقسم الذي قبله وفيه من الخلاف ما فيه (الضرب الثاني) من لا يجب عليه الحج كالعبد والصبي والكافر إذا أسلم بعد تجاوز الميقات أو عتق العبد أو بلغ الصبي وأرادوا الاحرام فانهم يحرمون من موضعهم ولا دم عليهم وبه قال عطاء ومالك والثوري والاوزاعي واسحاق وبه قال أصحاب الرأي في الكافر يسلم والصبي يبلغ وقالوا في العبد عليه دم وقال الشافعي في جميعهم على كل واحد منهم دم وعن احمد في الكافر يسلم كقوله واختارها ابو بكر، وقال القاضي وهي أصح ويتخرج في الصبي والعبد كذلك قياسا على الكافر يسلم لانهم تجاوزوا الميقات بغير احرام واحرموا دونه فوجب الدم كالمسلم البالغ العاقل ولنا أنهم احرموا من الموضع الذي وجب عليهم الاحرام منه فاشبهوا المكي ومن قريته دون الميقات إذا أحرم منها وفارق من يجب عليه الاحرام إذا تركه لانه ترك الواجب عليه (الضرب الثالث) المكلف الذي يدخل لغير قتال ولا حاجة متكررة فلا يجوز له تجاوز الميقات غير محرم، وبه قال أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعي، وقال بعضهم لا يجب الاحرام عليه، وعن أحمد ما يدل على ذلك لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أنه دخلها بغير احرام، ولانه أحد الحرمين

[ 220 ]

شبه حرم المدينة، ولان الوجوب من الشارع ولم يرد به إيجاب ذلك على كل داخل فيبقى على الاصل ولنا أنه لو نذر دخولها لزمه الاحرام، ولم لم يكن واجبا لم يجب بنذر الدخول كسائر البلدان إذا ثبت ذلك فمتى أراد الاحرام بعد تجاوز الميقات فالحكم فيه كمن تجاوزه مريد النسك (فصل) ومن دخل الحرم بغير احرام ممن يريد الاحرام فلا قضاء عليه وهذا قول الشافعي، وقال أبو حنيفة يجب عليه أن يأتي بحج أو عمرة، فان أتى بحجة الاسلام في سنته أو منذورة أو عمرة أجزأه عن عمرة الدخول استحسانا لان مروره على الميقات مريدا للحرم يوجب الاحرام، فإذا لم يأت به وجب قضاؤه كالنذر ولنا انه مشروع لتحية المبقعة فإذا لم يأت به سقط كتحية المسجد فان قيل تحية المسجد غير واجبة قلنا الا ان النوافل المرتبات تقضي وانما سقط القضاء لما ذكرنا فاما أن تجاوز الميقات ورجع قبل دخول الحرم فلا قضاء عليه بغير خلاف سواء أراد النسك أولا (فصل) ومن كان منزله دون الميقات خارجا من الحرم فحكمه في مجاوزة قريته إلى ما يلي الحرم حكم المجاوز للميقات في الاحوال الثلاث لان موضعه ميقاته فهو في حقه كالمواقيت لاهل الآفاق (مسألة) (ومن جاوزه مريدا النسك غير محرم رجع من الميقات فأحرم منه، فان أحرم من موضعه فعليه دم وإن رجع إلى الميقات) وجملته أن من جاوز الميقات مريدا للنسك غير محرم يجب عليه أن يرجع إلى الميقات ليحرم منه إذا أمكنه لانه واجب أمكنه فعله فلزمه كسائر الواجبات، وسواء تجاوزه عالما به أو جاهلا علم تحريم

[ 221 ]

ذلك أو جهله، فان رجع إليه فأحرم منه فلا شئ عليه لا نعلم في ذلك خلافا، وبه قال جابر بن زيد والحسن وسعيد بن جبير والثوري والشافعي لانه أحرم من الميقات الذي أمر بالاحرام منه فلم يلزمه شئ كما لو لم يتجاوزه، وإن أحرم من دون الميقات فعليه دم سواء رجع إلى الميقات أو لم يرجع، وبه قال مالك وابن المبارك وظاهر مذهب الشافعي أنه إن رجع إلى الميقات فلا دم عليه إلا أن يكون قد تلبس بشئ من أفعال الحج كالوقوف وطواف القدوم فيستقر الدم عليه، قالوا لانه حصل محرما في الميقات قبل التلبس بأفعال الحج فلم يلزمه دم كما لو أحرم عنه، وعن أبي حنيفة إن رجع إلى الميقات فلبي سقط عنه الدم، وإن لم يلب لم يسقد عنه، وعن عطاء والحسن والنخعي لا شئ على من ترك الميقات ولنا ماروى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من ترك نسكا فعليه دم " روي موقوفا ومرفوعا، ولانه أحرم دون ميقاته واستقر عليه الدم كما لو لم يرجع أو كما لو طاف عند الشافعي، وكما لو لم يلب عند ابي حنيفة، ولان الدم وجب بتركه الاحرام من الميقات ولا يزول هذا برجوعه ولا بتلبيته لان الاصل بقاء ما وجب وفارق ما إذا رجع قبل احرامه فأحرم منه، فانه لم يترك الاحرام منه ولم يهتكه (فصل) ولو أفسد المحرم من دون الميقات حجه لم يسقط عنه الدم، وبه قال الشافعي واسحاق وأبو ثور وابن المنذر، وقال الثوري وأصحاب الرأي يسقط لان القضاء واجب ولنا أنه وجب عليه بموجب هذا الاحرام فلم يسقط بوجوب القضاء كبقية المناسك وكجزاء الصيد (فصل) وإن جاوز الميقات غير محرم وخشي إن رجع إلى الميقات فوات الحج جاز أن يحرم من موضعه بغير خلاف نعلمه ويجزئه الحج إلا أنه روي عن سعيد بن جبير، من ترك الميقات فلا حج له: والاول مذهب الجمهور لانه لو كان من أركان الحج لم يختلف باختلاف الناس والاماكن كالوقوف والطواف، وإذا أحرم من دون الميقات عند خوف الفوات فعليه دم لا نعلم فيه خلافا عند من أوجب الاحرام من الميقات لحديث ابن عباس، وانما أبحنا له الاحرام من موضعه مراعاة لادراك الحج فان مراعاة ذلك أولى من مراعاة واجب فيه مع فواته، ومن لم يمكنه الرجوع لعدم الرفقة أو الخوف من عدو، أو لص، أو مرض، أو لا يعرف الطريق ونحو هذا مما يمنع الرجوع فهو كالخائف الفوات في أنه يحرم من موضعه وعليه دم (مسألة) والاختيار أن لا يحرم قبل ميقاته ولا يحرم بالحج قبل أشهره فان فعل فهو محرم)

[ 222 ]

الافضل الاحرام من الميقات ويكره قبله روي نحو ذلك عن عمر وعثمان رضي الله عنهما، وبه قال الحسن وعطاء ومالك واسحاق، وقال أبو حنيفة: الافضل الاحرام من بلده، وعن الشافعي كالمذهبين، وكان علقمة والاسود وعبد الرحمن يحرمون من بيوتهم، واحتجوا بما روى عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الاقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر أو وجبت له الجنة " شك عبد الله أيتهما قال رواه أبو داود، وأحرم ابن عمر من ايلياء، وروى النسائي وأبو داود باسنادهما عن الضبي بن معبد قال: أهللت بالحج والعمرة فلما أتيت العذيب لقيني سلمان بن ربيعة وزيد بن صوحان وأنا أهل بهما فقال أحدهما: ما هذا بأفقه من بعيره فأتيت عمر فذكرت ذلك له فقال لي: هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم وهذا احرام به قبل الميقات، وروي عن عمر وعلي رضي الله عنهما في قوله تعالى (وأتموا الحج والعمرة لله) انما هو أن تحرم بهما من دويرة أهلك ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحرموا من الميقات ولا يفعلون إلا الافضل (1) فان قيل انما فعل ليبين الجواز قلنا قد حصل بيان الجواز بقوله كما في سائر المواقيت، ثم لو كان كذلك لكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه يحرمون من بيوتهم ولما تواطؤا على ترك الافضل واختيار الادنى وهم أفضل الخلق ولهم من الحرص على الفضائل والدرجات مالهم، وروى أبو يعلى الموصلي باسناده عن ابي أيوب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يستمتع أحدكم بحله ما استطاع فانه لا يدري ما يعرض له في احرامه " وروى الحسن أن عمران بن حصين أحرم من مصره فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فغضب وقال: يتسامع الناس أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم من مصره، وقال إن عبد الله بن عامر أحرم من خراسان فلما قدم على عثمان رضي الله عنه لامه فيما صنع وكرهه له، رواهما سعيد والاثرم، وقال البخاري كره عثمان أن يحرم من خراسان أو كرمان، ولانه أحرم قبل الميقات فكره كالاحرام بالحج قبل أشهره، ولانه تغرير بالاحرام وتعريض لفعل محظوراته وفيه مشقة على النفس فكره كالوصال في الصوم، قال عطاء انظروا هذه المواقيت التي وقت لكم فخذوا برخص الله فيها، فانه عسى أن يصيب أحدكم ذنبا في احرامه فيكون أعظم لوزره فان الذنب في الاحرام أعظم من ذلك فأما حديث الاحرام من بيت المقدس ففيه ضعف يرويه ابن أبي فديك ومحمد بن اسحاق وفيهما مقال ويحتمل اختصاص هذا ببيت المقدس دون غيره ليجمع بين الصلاة في المسجدين في احرام واحد، ولذلك أحرم ابن عمر منه ولم يكن يحرم من غيره إلا من الميقات، وقول عمر رضي الله عنه للضبي:

[ 223 ]

هديت لسنة نبيك يعني في الجمع بين الحج والعمرة لا في الاحرام من قبل الميقات، فان سنة النبي صلى الله عليه وسلم الاحرام من الميقات بين ذلك بفعله وقوله، وقد تبين أنه لم يرد ذلك بانكاره على عمران بن حصين حين أحرم من مصره، وأما قول عمر وعلي رضي الله عنهما فانما قالا اتمام العمرة أن تنشئها من بلدك، يعني أن تنشي، لها سفرا من بلدك تقصد له ليس أن تحرم بها من أهلك، قال احمد كان سفيان يفسره بهذا، وكذلك فسره به أحمد ولا يصح أن يفسر بنفس الاحرام لان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما أحرموا بها من بيوتهم، وقد أمرهم سبحانه باتمام العمرة، فلو حمل قولهم على ذلك لكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه تاركين الامر، ثم إن عمر وعليا ما كانا يحرمان إلا من الميقات افتراهما يريان أن ذلك ليس بأتمام لها ويفعلانه؟ هذا لا ينبغي أن يتوهمه أحد، ولذلك أنكر عمر على عمران احرامه من مصره واشتد عليه وكره أن يتسامع الناس مخافة أن يؤخذ به افتراه كره اتمام العمرة واشتد عليه أن يأخذ الناس بالافضل؟ هذا لا يجوز فتعين حمل قولهما على ما حمله عليه الائمة (فصل) ويكره الاحرام بالحج قبل أشهره بغير خلاف علمناه لكونه احراما به قبل وقته فأشبه الاحرام به قبل ميقاته بل الكراهة هنا أشد لان في صحته اختلافا فان أحرم بالحج قبل ميقات المكان صح احرامه بغير خلاف علمناه الا أنه يكره ذلك وقد ذكرناه وان أحرم به قبل أشهره صح أيضا إذا بقي على احرامه إلى وقت الحج نص عليه احمد في رواية جماعة، وهو قول النخعي والثوري وأبي حنيفة ومالك واسحاق، وقال عطاء وطاوس ومجاهد والشافعي يجعله عمرة وذكر القاضي في الشرح رواية مثل ذلك واختارها ابن حامد لقول الله تعالى (الحج أشهر معلومات) تقديره وقت الحج أو اشهر الحج من قبيل حذف المضاف واقامة المضاف إليه مقامه وإذا ثبت أنه وقته لم يصح تقديمه عليه كأوقات الصلوات ولنا قوله تعالى (يسألونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج) يدل على أن جميع الاشهر ميقات (1) ولانه أحد النسكين فجاز الاحرام به في جميع السنة كالعمرة وأحد الميقاتين فصح الاحرام قبله كميقات المكان والآية محمولة على أن الاحرام به انما يستحب فيها (مسألة) (وأشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة وهو ميقات الزمان للحج) هذا قول ابن مسعود وابن عمر وابن الزبير وعطاء ومجاهد والحسن والشعبي والنخعي وقتادة والثوري وأصحاب الرأي وروى عن عمر وابنه وابن عباس أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة، وقول مالك لان أقل الجمع ثلاثة، وقال الشافعي آخر أشهر الحج ليلة النحر وليس

[ 224 ]

يوم النحر منها لقوله تعالى (فمن فرض فيهن الحج) ولا يمكن فرضه بعد ليلة النحر ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " يوم الحج الاكبر يوم النحر " رواه أبو داود فكيف يجوز أن يكون يوم الحج الاكبر ليس من أشهره؟ ولانه قول من سمينا من الصحابة ولان يوم النحر فيه ركن الحج وهو طواف الزيارة وفيه رمي جمرة العقبة والحلق والنحر والسعي والرجوع إلى منى وما بعده ليس من أشهره لانه ليس بوقت لاحرامه ولا لاركانه (1) فهو كالمحرم ولا يمنع التعبير بلفظ الجمع عن شيئين وبعض الثالث فقد قال الله تعالى (يتربصن بانفسهن ثلاثة قروء) والقروء الطهر عند مالك ولو طلقها في طهر احتسبت بنفسه وبقول العرب ثلاث خلون من ذي الحجة وهم في الثالثة وقوله تعالى (فرض فيهن الحج) أي في أكثرهن والله تعالى أعلم (فصل) فأما العمرة فكل الزمان ميقات لها ولا يكره الاحرام بها في يوم النحر وعرفة وأيام التشريق في أشهر الروايتين وعنه يكره وبه قال أبو حنيفة ولنا أنه زمان لاحرام الحج فلم يكره فيه إحرام العمرة كغيره (باب الاحرام) (مسألة) (يستحب لمن أراد الاحرام أن يغتسل ويتنظف ويتطيب ويلبس ثوبين أبيضين نظيفين ازارا أو رداء ويتجرد عن المخيط)

[ 225 ]

يستحب لمن أراد الاحرام أن يغتسل قبله وهو قول طاوس والنخعي ومالك والشافعي وأصحاب الرأي لما روى زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لاهلاله واغتسل، رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب، وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أسماء بنت عميس وهي نفساء أن تغتسل عند الاحرام، ولان هذه العبادة يجتمع لها الناس فسن لها الاغتسال كالجمعة، وليس ذلك واجبا في قول عامة أهل العلم، قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن الاحرام جائز بغير اغتسال وأنه غير واجب وحكي عن الحسن أنه قال: إذا نسي الغسل يغتسل إذا ذكر، قال الاثرم سمعت أبا عبد الله قيل له عن بعض أهل المدينة من ترك الاغتسال عند الاحرام فعليه دم لقول النبي صلى الله عليه وسلم لاسماء " اغتسلي فكيف الطاهر؟ فأظهر التعجب من هذا القول، وكان ابن عمر يغتسل أحيانا ويتوضأ أحيانا وأي ذلك فعل اجزأه ولا أوجب (1) الاغتسال ولا أمر به إلا لحائض أو نفساء، ولو كان واجبا لامر به غيرهما، ولانه لامر مستقبل فأشبه غسل الجمعة، فان لم يجد ماء، فقال القاضي يتيمم لانه غسل مشروع فناب التيمم عنه كالواجب، والصحيح أنه غير مسنون لانه غسل غير واجب فلم يستحب التيمم عند عدمه كغسل الجمعة وما ذكره منتقض بغسل الجمعة، والفرق بين الواجب والمسنون أن

[ 226 ]

الواجب شرع لاباحة الصلاة والتيمم يقوم مقامه في ذلك، والمسنون يراد للتنظيف وقطع الرائحة والتيمم لا يحصل هذا بل يحصل شعثا وتغبيرا، ولذلك افترقا في الطهارة الصفرى فلم يشرع تجديد التيمم ولا تكرار المسح (فصل) ويستحب للمرأة الغسل كالرجل وإن كانت حائضا أو نفساء لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر أسماء بنت عميس وهي نفساء أن تغتسل رواه مسلم، وأمر عائشة أن تغتسل لاهلال الحج وهي حائض. فان رجت الحائض أو النفساء الطهر قبل الخروج من الميقات استحب لهما تأخير الاغتسال حتى يطهرا ليكون أكمل لهما وإلا اغتسلتا لما ذكرناه (فصل) ويستحب التنظيف بازالة الشعر وقطع الرائحة ونتف الابط وقص الشارب وتقليم الاظفار وحلق العانة لانه أمر يسن له الاغتسال والطيب فسن له هذا كالجمعة، ولان الاحرام يمنع قطع الشعر وتقليم الاظفار فاستحب له فعله قبله لئلا يحتاج إليه في احرامه فلا يتمكن منه (فصل) ويستحب لمن أراد الاحرام أن يتطيب في بدنه خاصة ولا فرق بين ما تبقى عينه كالمسك

[ 227 ]

أو أثره كالعود والبخور وماء الورد هذا قول ابن عباس وابن الزبير وسعد بن أبي وقاص وعائشة وأم حبيبة ومعاوية رضي الله عنهم وروي عن ابن الحنفية وأبي سعيد وعروة والقاسم والشعبي وابن جريج. وكان عطاء يكره ذلك، وهو قول مالك وروي ذلك عن عمر وعثمان وابن عمر رضي الله عنهم واحتج مالك بما روى يعلى بن أمية ان رجلا اتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يارسول الله كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمخ بطيب؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم يعنى ساعة ثم قال " اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات وانزع عنك الجبة واصنع في عمرتك ما تصنع في حجك " متفق عليه ولانه يمنع من ابتدائه فمنع من استدامته كاللبس ولنا قول عائشة رضي الله عنها كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لاحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت. وقالت كاني انظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم. متفق عليه وفي لفظ لمسلم طيبته بأطيب الطيب وقالت بطيب فيه مسك وحديثهم في بعض الفاظه عليه جبة بها أثر الخلوق رواه مسلم وفي بعضها وهو متضمخ بالخلوق وفي بعضها عليه ردع من زعفران وهذا يدل على أن طيب الرجل كان من الزعفران وهو منهي عنه للرجال في غير الاحرام ففيه أولى وقد روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتزعفر الرجل ولان حديثهم في سنة ثمان وحديثنا في سنة عشر قال ابن

[ 228 ]

جريج كان شأن صاحب الجبة قبل حجة الوداع قال ابن عبد البر لا خلاف بين جماعة أهل العلم بالسير والاثار أن قصة صاحب الجبة كانت عام خيبر بالجعرانة سنة ثمان وحديث عائشة في حجة الوداع سنة عشر فعند ذلك إن قدر التعارض فحديثنا ناسخ لحديثهم فان قيل فقد روى محمد بن المنتشر قال سألت ابن عمر عن الطيب عند الاحرام فقال لان أطلي بالقطران أحب الي من ذلك قلنا تمام الحديث قال فذكرت ذلك لعائشة فقالت يرحم الله أبا عبد الرحمن قد كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيطوف في نسائه ثم يصبح ينضح طيبا فإذا صار الخبر حجة على من أحتج به فان فعل النبي صلى الله عليه وسلم حجة على ابن عمر وغيره وقياسهم يبطل بالنكاح فان الاحرام يمنع ابتداءه دون استدامته (فصل) فان طيب ثوبه فله استدامة لبسه ما لم ينزعه فان نزعه فليس له لبسه فان لبسه افتدى لان الاحرام يمنع ابتداء الطيب ولبس المطيب دون الاستدامة وكذا إن نقل الطيب من موضع من بدنه إلى موضع يفتدي لانه ابتدأ الطيب وكذا إن تعمد مسه بيده أو نحاه عن موضعه ثم رده إليه فاما ان عرق الطيب أو ذاب بالشمس فسأل إلى موضع اخر فلا شئ عليه لانه ليس من فعله قالت عائشة رضي الله عنها كنا نخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة فنضمد جباهنا بالمسك عند الاحرام فإذا عرقت احدانا سال على وجهها فيرانا النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينهانا رواه أبو داود

[ 229 ]

(فصل) ويستحب أن يلبس ثوبين أبيضين نظيفين ازارا ورداء لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " وليحرم أحدكم في ازار ورداء ونعلين " ويستحب أن يكونا نظيفين إما جديدين أو مفسولين لانا أحببنا له التنظيف في بدنه فكذلك في ثيابه كشاهد الجمعة، والاولى أن يكونا أبيضين لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " خير ثيابكم البياض فالبسوها أحياكم وكفنوا فيها موتاكم " رواه النسائي بمعناه (فصل) ويتجرد عن المخيط إن كان رجلا، فأما المرأة فلها ليس لبس المخيط في الاحرام لان المحرم ممنوع من لبسه في شئ من بدنه وهو كل ما يخاط على قدر الملبوس عليه كالقميص والسراويل والبرنس، ولو لبس ازارا موصلا، أو أتشح بثوب مخيط كان جائزا وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى (مسألة) (ويصلي ركعتين ويحرم عقيبهما) المستحب أن يحرم عقيب الصلاة فان حضرت صلاة مكتوبة أحرم عقيبها وإلا صلى ركعتين تطوعا واحرم عقيبهما وهذا قول عطاء وطاوس ومالك والشافعي والثوري وأبي حنيفة واسحاق وأبي ثور وابن المنذر، وروي عن ابن عمر وابن عباس، وقد روي عن أحمد أن الاحرام عقيب الصلاة وإذا استوت به راحلته وإذا بدأ السير سواء لان الجميع مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق صحيحة. قال الاثرم سألت أبا عبد الله أيما أحب اليك الاحرام في دبر الصلاة أو إذا استوت به راحته؟ قال كل ذلك قد جا، في دبر الصلاة وإذا علا البيداء وإذا استوت به راحلته فوسع في ذلك كله. قال ابن عمر رضي الله عنهما: أهل النبي صلى الله عليه وسلم حين استوت به راحلته قائمة وروي ابن عباس وأنس رضي الله عنهما نحوه. رواهن البخاري والاولى الاحرام عقيب الصلاة

[ 230 ]

لما روى سعيد بن جبير قال: ذكرت لابن عباس اهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم الاحرام حين فرغ من صلاته، ثم خرج فلما ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته واسوت به قائمة أهل فأدرك ذلك منه قوم فقالوا: أهل حين استوت به راحلته وذلك أنهم لم يدركوا إلا ذلك ثم سار حتى علا البيداء فأهل فأدرك ذلك منه ناس فقالوا: أهل حين علا البيداء. رواه أبو داود والاثرم وهذا لفظه، وهذا فيه بيان وزيادة فتعين حمل الامر عليه، ولو لم يقله ابن عباس لتعين حمل الامر عليه جمعا بين الاخبار المختلفة وعلى سبيل الاستحباب، وكيفما أحرم جاز. لا نعلم أحدا خالف في ذلك (مسألة) (وينوي الاحرام بنسك معين ولا ينعقد الا بالنية) يستحب أن يعين ما يحرم به من الانساك، وبه قال مالك وقال الشافعي في أحد قوليه الاطلاق أولى لما روى طاوس قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة لا يسمي حجا ينتظر القضاء فنزل عليه القضاء وهو بين الصفا والمروة فأمر أصحابه من كان منهم أهل ولم يكن معه هدي أن يجعلوها عمرة ولان ذلك أحوط لانه لا يأمن الاحصار أو تعذر فعل الحج فيجعلها عمرة ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالاحرام بنسك معين فقال " من شاء منكم أن يهل بالحج أو عمرة فليهل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل " والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه انما أحرموا بمعين لما نذكره إن شاء الله تعالى في الاحاديث الصحيحة، ولان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين كانوا معه في صحبته يطلعون على أحواله ويقتدون به أعلم به من طاوس، ثم إن حديثه مرسل والشافعي لا يحتج بالمراسيل فكيف صار إليه مع مخالفة الروايات الصحيحة المسندة والاحتياط ممكن بأن يجعلها عمرة، فان شاء كان متمتعا، وإن شاء أدخل عليها الحج فصار قارنا (فصل) وينوي الاحرام بقلبه ولا ينعقد الا بالنية لقول البني صلى الله عليه وسلم (انما الاعمال بالنيات) ولانها عبادة محضة فافتقرت إلى النية كالصلاة فان لبى من غير نية لم يصر محرما لما ذكرنا وان اقتصر على النية كفاه ذلك وهو قول مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة لا ينعقد بمجرد النية حتى يضاف إليها التلبية أو سوق الهدي لما روى خلاد بن السائب الانصاري عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال جاءني جبريل فقال يا محمد مر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية قال الترمذي هذا حديث حسن ولانها

[ 231 ]

عبادة ذات تحريم وتحليل فكان لها نطق واجب كالصلاة ولان الهدي والاضحية لا يجبان بمجرد النية كذلك النسك. ولنا أنها عبادة ليس في آخرها نطق واجب فلم يكن في أولها كالصيام والخبر المراد به الاستحباب فان منطوقه رفع الصوت ولا خلاف في عدم وجوبه فما هو من ضرورته أولى ولو وجب النطق لم يلزم كونه شرطا فان كثيرا من واجبات الحج غير مشترطة فيه والصلاة في آخرها نطق واجب بخلاف الحج والعمرة وأما الهدي والاضحية فايجاب مال فهو يشبه النذر بخلاف الحج لانه عبادة بدنية فعلى هذا لو نطق بغير ما نواه نحو أن ينوي العمرة فيسبق لسانه إلى الحج أو بالعكس انعقد ما نواه دون ما لفظه به. قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على هذا وذلك لان الواجب النية وعليها الاعتماد واللفظ لا عبرة به فلم يؤثر كما لا يؤثر اختلاف النية فيما يعتبر له اللفظ دون النية فان لبى أو ساق الهدي من غير نية لم ينعقد احرامه لان ما اعتبرت له النية لا ينعقد بدونها كالصوم والصلاة (مسألة) (ويشترط فيقول اللهم إني أريد النسك الفلاني فيسره لي وتقبله مني وان حبسني حابس فمحلي حيث حبستي) فان أراد التمتع قال اللهم إني أريد العمرة فيسرها لي وتقبلها منى وان حبسني حابس فمحلي حيث حبستي وان أراد الافراد قال اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني وبشترط. وان أراد القران قال اللهم إني أريد الحج والعمرة فيسرهما لي وتقبلهما مني وبشترط. وهذا الاشتراط مستحب ويفيد هذا الشرط شيئين. (أحدهما) أنه إذا عاقه عدو أو مرض أو ذهاب نفقة ونحوه أن له التحلل (والثاني) أنه متى حل بذلك فلا شئ عليه وممن رأى الاشتراط في الاحرام عمر وعلى وابن مسعود وعمار رضي الله عنهم وبه قال عبيدة السلماني وعلقمة والاسود وشريح وسعيد بن المسيب وعطاء وعكرمة والشافعي بالعراق وأنكره ابن عمر وطاوس وسعيد بن جبير والزهري ومالك وأبو حنيفة وعن أبي حنيفة أن الاشتراط يفيد سقوط الدم فاما التحلل فهو ثابت عنده بكل احصار واحتجوا بان ابن عمر كان ينكر الاشتراط ويقول حسبكم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم ولانها عبادة تجب باصل الشرع فلم يفد الاشتراط فيها كالصوم والصلاة. ولنا ماروت عائشة رضي الله عنها قالت دخل النبي صلى الله عليه وسلم على ضباعة بنت الزبير فقالت يارسول الله إني اريد الحج وأنا شاكية فقال النبي صلى الله عليه وسلم " حجي واشترطي ان محلي حيث حبستني " متفق عليه

[ 232 ]

وعن ابن عباس رضي الله عنهما ان ضباعة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يارسول الله إني أريد الحج فكيف أقول؟ قال قولي (لبيك اللهم لبيك ومحلي من الارض حيث تحبسني. فان لك على ربك ما استثنيت) رواه مسلم ولا قول لاحد مع قول النبي صلى الله عليه وسلم فكيف يعارض بقول ابن عمر ولو لم يكن فيه حديث لكان قول الخليفتين الراشدين مع من قد ذكرنا قوله من فقهاء الصحابة أولى من قول ابن عمر إذا ثبت هذا فان غير هذا اللفظ مما يؤدي معناه يقوم مقامه لان المقصود المعنى واللفظ انما أريد لتأدية المعنى قال ابراهيم خرجنا مع علقمة وهو يريد العمرة فقال اللهم إني أريد العمرة ان تيسرت والا فلا حرج علي. وكان شريح يقول اللهم قد عرفت نيتي وما أريد فان كان أمرا تتمه فهو أحب الي والا فلا حرج علي. وقالت عائشة رضي الله عنها لعروة قل اللهم أني اريد الحج وإياه نويت فان تيسر والا فعمرة. فان نوى الاشتراط ولم يتلفظ به احتمل أن يصح لانه تابع لعقد الاحرام والاحرام ينعقد بالنية فكذلك تابعه واحتمل أنه لابد من القول لانه اشتراط فاعتبر فيه القول كالاشتراط في النذر والاعتكاف والوقوف ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس " قولي محلي من الارض حيث تحبسني " (مسألة) (وهو مخير بين التمتع والافراد والقران) لا خلاف بين أهل العلم في جواز الاحرام بأي الانساك الثلاثة شاء، وقد دل على ذلك قول عائشة رضي الله عنها خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج وعمرة ومن من أهل بحج متفق عليه فذكرت التمتع والقران والافراد (مسألة) (وأفضلها التمتع ثم الافراد ثم القران، وعنه إن ساق الهدي فالقران أفضل ثم التمتع) أفضل الانساك التمتع ثم الافراد ثم القران، وممن روي عنه اختيار التمتع ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وعائشة والحسن وعطاء وطاوس ومجاهد وجابر بن زيد وسالم والقاسم وعكرمه وأحد قولي الشافعي، وروى المروذي عن أحمدان ساق الهدي فالقران أفضل وإن لم يسقه فالتمتع أفضل

[ 233 ]

لان النبي صلى الله عليه وسلم قرن حين ساق الهدي ومنع كل من ساق الهدي من الحل حتى ينحر هديه وذهب الثوري وأصحاب الرأي إلى اختيار القران لما روى أنس رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بهما جميعا " لبيك عمرة وحجا " متفق عليه، وحديث الضبي بن معبد حين أحرم بهما فأنى عمر فسأله فقال هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم وروي عن مروان بن الحكم قال كنت جالسا عند عثمان ابن عفان فسمع عليا يلبي بعمرة وحج فأرسل إليه فقال ألم نكن نهينا عن هذا؟ فقال بلى. ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي بهما جميعا فلم أكن أدع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لقولك رواه سعيد ولان القران مبادرة إلى فعل العبادة وأحرام بالنسكين من الميقات وفيه زيادة نسك هو الدم فكان أولى، وذهب مالك وأبو ثور إلى اختيار الافراد وهو ظاهر مذهب الشافعي وروي ذلك عن عمر وعثمان وابن عمر وجابر وعائشة رضي الله عنهم لما روت عائشة وجابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج متفق عليهما وعن ابن عمر وابن عباس مثل ذلك متفق عليه ولانه يأتي بالحج تاما من غير احتياج إلى جبر فكان أولى قال عثمان: ألا إن الحج التام من أهليكم والعمرة التامة من أهليكم وقال ابراهيم إن أبا بكر وعمر وابن مسعود وعائشة كانوا يجردون الحج ولنا ما روى ابن عباس وجابر وأبو موسى وعائشة رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه

[ 234 ]

لما طافوا بالبيت أن يحلو ويجعلوها عمرة فنقلهم من الافراد والقران إلى المتعة متفق عليهما ولا ينقلهم إلا إلى الافضل ولم يختلف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما قدم مكة أمر أصحابه أن يحلوا الا من ساق هديا وثبت على احرامه وقال " لو استقبلت من أمري ما أستدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة " قال جابر حججنا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ساق البدن معه وقد أهلوا بالحج مفردا فقال لهم " حلوا من إحرامكم واجعلوا التي قدمتم بها متعة " فقالوا كيف نجعلها عمرة وقد سمينا الحج؟ فقال " افعلوا ما أمرتكم به فلولا اني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم به " وفي لفظ فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم ولولا هديي لحللت كما تحلون ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما اهديت " فحللنا وسمعنا وأطعنا متفق عليهما فنقلهم إلى التمتع وتأسف إذ لم يمكنه ذلك فدل على فضله، ولان التمتع منصوص عليه في كتاب الله تعالى بقوله (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) دون سائر الانساك ولان التمتع يجتمع له الحج والعمرة في أشهر الحج مع كمالهما وكمال أفعالهما على وجه اليسر والسهولة مع زيادة نسك فكان أولى فاما القران فانما يؤتى فيه بافعال الحج وتدخل افعال العمرة فيه والمفرد انما يأتي بالحج وجده وان اعتمر بعده من أدنى الحل فقد اختلف في إجزائها عن عمرة الاسلام وكذلك اختلف في إجزاء عمرة القارن ولا خلاف في إجزاء عمرة المتمتع فكان أولى فاما حجتهم بفعل النبي صلى الله عليه وسلم ففيها أجوبة (أحدها) منع أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم محرما بغير التمتع لامور أولها أن رواة أحاديثهم قد رووا

[ 235 ]

أن النبي صلى الله عليه وسلم تمتع بالعمرة إلى الحج رواه ابن عمر وعائشة وجابر رضي الله عنهم من طرق صحاح فسقط الاحتجاج بها (وثانيها) أن روايتهم اختلفت فرووا مرة أنه أفرد ومرة أنه تمتع ومرة أنه قرن والقضية واحدة ولا يمكن الجمع بينها فوجب اطراح الكل وأحاديثهم في القران أصحها حديث أنس وقد أنكره ابن عمر فقال رحم الله انسا ذهل أنس متفق عليه وفي رواية: كان أنس يتولج على النساء اي كان صغيرا وحديث علي رواه حفص بن ابي داود وهو ضعيف عن ابن أبي ليلى وهو كثير الوهم قاله الدارقطني (وثالثها) أن اكثر الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم كان متمتعا روى ذلك عمر وعلي وعثمان وسعد ابن ابي وقاص وابن عباس وابن عمر ومعاوية وأبو موسى وجابر وعائشة وحفصة باحاديث صحاح وانما منعه من الحل الهدي الذي كان معه ففي حديث عمر أنه قال إني لا أنهاكم عن المتعة وانها لفي كتاب الله ولقد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني العمرة في الحج وفي حديث علي أنه اختلف هو وعثمان في المتعة بعسفان فقال علي ما تريد إلى أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم تنهى عنه متفق عليه وللنسائي قال علي لعثمان ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم تمتع؟ قال بلى وعن ابن عمر قال تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وعنه أن حفصة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم ما شأن الناس حلوا من عمرتهم ولم تحلل انت من عمرتك؟ قال " إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا

[ 236 ]

أحل حتى أنحر متفق عليهما وقال سعد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه وهذه الاحاديث راجحة لان رواتها أكثر وأعلم ولان النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بالمتعة عن نفسه في حديث حفصة فلا يعارض خبره غيره ولانه يمكن الجمع بين الاحاديث بان يكون النبي صلى الله عليه وسلم أحرم بالمتعة ثم لم يحل منها لاجل هديه حتى أحرم بالحج فصار قارنا وسماه من سماه مفردا لانه اشتغل بافعال الحج وحدها بعد فراغه من أفعال العمرة فان الجمع بين الاحاديث مهما أمكن أولى من حملها على التعارض (الوجه الثاني) من الجواب أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر أصحابه بالانتقال إلى المتعة عن الافراد والقران ولا يأمرهم الا بالانتقال إلى الافضل فانه من المحال أن ينقلهم من الافضل إلى الادنى وهو الداعي إلى الخير الهادي إلى الفضل ثم أكد ذلك بتأسفه على فوات ذلك في حقه ولانه لا يقدر على انتقاله وحله لسوقه وهذا ظاهر الدلالة (الثالث) أن ما ذكرناه قول النبي صلى الله عليه وسلم وهم يحتجون بفعله وعند التعارض يجب تقديم القول لاحتمال اختصاصه بفعله دون غيره كنهيه عن الوصال مع فعله له ونكاحه بغير ولي مع قوله " لا نكاح إلا بولي " فان قيل فقد قال أبو ذر كانت متعة الحج لاصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة رواه مسلم قلنا هذا قول صحابي يخالف الكتاب والسنة والاجماع وقول من هو خير وأعلم اما الكتاب

[ 237 ]

فقوله سبحانه (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) وهذا عام واجمع المسلمون على اباحة التمتع، واما السنة فروي سعيد باسناده ان سراقة بن مالك سأل النبي صلى الله عليه وسلم المتعة لنا خاصة أم هي للابد؟ قال " بل هي للابد " وفي لفظ قال هي لعامنا أو للابد؟ قال " بل لابد الابد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة " وفي حديث جابر الذي رواه مسلم في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا ومعناه والله أعلم أن الجاهلية كانوا لا يحيزون التمتع ويرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى قد شرع العمرة في أشهر الحج وجوز المتعة إلى يوم القيامة وقد خالف أبا ذر علي وسعد وابن عباس وابن عمر وعمران بن حصين وسائر المسلمين قال عمران تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل فيه القرآن ولم ينهنا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينسخها شئ فقال فيها رجل برأيه ما شاء متفق عليه وقال سعد بن أبي وقاص فعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني المتعة وهذا يومئذ كافر بالعرش يعني الناهي عنها والعرش بيوت مكة قال احمد حين ذكر له حديث أبي ذر أفيقول بهذا أحد؟ المتعة في كتاب الله تعالى وقد أجمع المسلمون على جوازها، فان قيل فقد روى ابو داود أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتى عمر فشهد عنده أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 238 ]

ينهى عن العمرة قبل الحج قلنا هذا حاله في مخالفة الكتاب والسنة والاجماع كحال حديث أبي ذر بل هو أدنى حالا فان في اسناده مقالا فان قيل فقد نهى عنها عمر وعثمان ومعاوية قلنا فقد أنكر عليهم علماء الصحابة نهيهم عنها وخالفوهم في فعلها وقد ذكرنا إنكار علي على عثمان واعتراف عثمان له وقول عمران بن حصين منكرا لنهي من نهى وقول سعد عائبا على معاوية نهيه عنها وردهم عليهم بحجج لم يكن لهم عنها جواب بل ذكر بعض من نهى في كلامه الحجة عليه فقال عمر رضي الله عنه والله إني لانهاكم عن المتعة وإنها لفي كتاب الله وقد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خلاف في أن من خالف كتاب الله وسنة رسوله له حقيق بان لا يقبل نهيه ولا يحتج به مع أنه قد سئل سالم بن عبد الله بن عمر أنهى عمر عن المتعة؟ قال لا والله ما نهى عنها عمر ولكن قد نهى عنها عثمان ولما نهى معاوية عن المتعة أمرت عائشة حشمها ومواليها أن يهلوا بها فقال معاوية من هؤلاء فقيل حشم أو موالي عائشة فارسل إليها ما حملك على ذلك؟ فقالت أحببت أن يعلم أن الذي قلت ليس كما قلت وقيل لابن عباس ان فلانا نهى عن المتعة قال انظروا في كتاب الله فان وجدتموها فيه فقد كذب على الله وعلى رسوله وإن لم تجدوها فقد صدق فأي الفريقين أحق بالاتباع وأولى بالصواب؟ الذين معهم كتاب الله وسنة رسوله أم الذين يخالفونهما؟ ثم قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي قوله حجة على الخلق أجمعين فكيف

[ 239 ]

يعارض بقول غيره قال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " عروة نهى أبو بكر وعمر رضي الله عنهما عن المتعة فقال ابن عباس أراهم سيهلكون أقول قال النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون نهى عنها أبو بكر وعمر وسئل ابن عمر عن متعة الحج فأمر بها فقال انك تخالف أباك فقال: عمر لم يقل الذي تقولون فإذا أكثروا عليه قال فكتاب الله أحق ان تتبعوا أم عمر؟ روى الاثرم هذا كله (مسألة) (وصفة التمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها ويحرم بالحج من مكة أو من قريب منها في عامه، والافراد أن يحرم بالحج مفردا والقران أن يحرم بهما جميعا أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج ولو أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة لم يصح إحرامه بها) إذا أدخل الحج على العمرة قبل طوافها من غير خوف الفوات جاز وكان قارنا بغير خلاف وقد فعل ذلك ابن عمر ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم فاما بعد الطواف فليس له ذلك ولا يصير قارنا وبهذا قال الشافعي وابو ثور وروي عن عطاء، وقال مالك يصير قارنا وحكي ذلك عن أبي حنيفة لانه أدخل الحج على إحرام العمرة فصح كما قبل الطواف ولنا أنه قد شرع في التحلل من العمرة فلم يجز ادخال الحج عليها كما بعد السعي (فصل) إلا ان يكون معه هدي فله ذلك لانه لا يجوز له التحلل حتى ينحر هديه لقوله سبحانه (ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله) فلا يتحلل بطوافه ويتعين عليه ادخال الحج على العمرة لئلا يفوته الحج ويصير قارنا بخلاف غيره (فصل) فاما ادخال العمرة على الحج فلا يجوز وان فعل لم يصح ولم يصر قارنا روي ذلك عن علي رضي الله عنه وبه قال مالك وأبو ثور وابن المنذر وقال أبو حنيفة يصح ويصير قارنا لانه أحد النسكين فجاز ادخاله على الآخر كالآخر ولنا أنه قول علي رضي الله عنه رواه عنه الاثرم ولان ادخال العمرة على الحج لا يفيد الا ما أفاده العقد الاول فلم يصح كما لو استأجره على عمل ثم استأجره عليه ثانيا وعكسه إذا أدخل الحج على العمرة (مسألة) (ويجب على المتمتع والقارن دم نسك إذا لم يكونا من حاضري المسجد الحرام وهم أهل مكة ومن كان منها دون مسافة القصر)

[ 240 ]

يجب الدم على المتمتع في الجملة بالاجماع قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن من أهل بعمرة في أشهر الحج من أهل الآفاق من الميقات وقدم مكة ففرغ منها وأقام بها فحج من عامه أنه متمتع وعليه الهدي ان وجد والا فالصيام وقد نص الله سبحانه عليه بقوله (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) الآية وقال ابن عمر تمتع الناس مع النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس " من لم يكن معه هدي فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر ثم ليهل بالحج ويهدي فمن لم يجد فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله " متفق عليه وعن أبي حمزة قال سألت ابن عباس عن المتعة فأمرني بها وسألته عن الهدي فقال فيها جزور أو بقرة أو شرك في دم متفق عليه (مسألة) (والدم الواجب شاة أو سبع بدنة أو بدنة فان نحر بدنة أو ذبح بقرة فقد زاد خيرا) وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي وقال مالك لا يجزئ الا بدنة لان النبي صلى الله عليه وسلم لما تمتع ساق بدنة والذي ذكره ترك لظاهر القرآن لانه سبحانه قال (فما استيسر من الهدي) واطراح الآثار الثابتة وما احتجوا به فلا حجة فيه فان اهداء النبي صلى الله عليه وسلم للبدنة لا يمنع اجزاء ما دونها فان النبي صلى الله عليه وسلم قد ساق مائة بدنة ولا خلاف في أن ذلك ليس بواجب فلا يجب أن تكون البدنة التي ذبحها على صفة بدن النبي صلى الله عليه وسلم ثم انهم يقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم كان مفردا في حجته ولذلك ذهبوا إلى تفضيل الافراد فكيف يكون سوقه للبدنة دليلا لهم في التمتع ولم يكن متمتعا (فصل) وانما يجب الدم بشروط خمسة (أولها) أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، فان أحرم بها في غير أشهره لم يكن متمتعا ولا يلزمه دم سواء وقعت أفعالها في أشهر الحج أو في غيره، نص عليه قال الاثرم سمعت أبا عبد الله سئل من أهل بعمرة في غير أشهر الحج ثم قدم في شوال ايحل في عمرته من شوال أو يكون متمتعا؟ قال لا يكون متمتعا واحتج بحديث جابر وذكر اسناده عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن امرأة تجعل على نفسها عمرة في شهر مسمى ثم يخلو إلا ليلة واحدة ثم تحيض، قال لتخرج ثم لتهل بعمرة، ثم لتنتظر حتى تطهر، ثم لتطف بالبيت، قال أبو عبد الله فجعل عمرتها في الشهر الذي حلت فيه ولا نعلم بين أهل العلم خلافا أن من اعتمر في غير أشهر الحج وفرغ من عمرته قبل أشهر الحج انه لا يكون متمتعا إلا قولين شاذين

[ 241 ]

(أحدهما) عن طاوس أنه قال: إذا اعتمرت في غير أشهر الحج ثم أقمت حتى الحج فأنت متمتع (والآخر) عن الحسن أنه قال: من اعتمر بعد النحر فهي متعة، قال ابن المنذر لا نعلم أحدا قال بواحد من هذين القولين، فأما إن أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج ثم حل منها في اشهر الحج فانه لا يكون متمتعا على ما ذكرناه عن أحمد، ونقل معنى ذلك عن جابر وأبي عياض وهو قول اسحاق وأحد قولي الشافعي، وقال طاوس عمرته في الشهر الذي يدخل فيه الحرم، وقال الحسن والحكم وابن شبرمة والثوري والشافي في أحد قوليه عمرته في الشهر الذي يطوف فيه، وقال عطاء عمرته في الشهر الذي يحل فيه وهو قول مالك، وقال أبو حنيفة إن طاف للعمرة أربعة أشواط في غير أشهر الحج فليس بمتمتع، وإن طاف الاربعة في أشهر الحج فهو متمتع لان العمرة صحت في أشهر الحج بدليل انه لو وطئ أفسدها أشبه إذا أحرم بها في أشهر الحج ولنا ما ذكرناه عن جابر ولانه أتى بالنسك لا تتم العمرة إلا به في غير أشهر الحج فلم يكن متمتعا كما لو طاف ويخرج عليه ما قاسوا عليه (الثاني) أن يحج من عامه فان اعتمر في أشهر الحج فلم يحج ذلك العام بل حج في العام القابل فليس بمتمتع لا نعلم فيه خلافا إلا قولا شاذا عن الحسن فيمن اعتمر في أشهر الحج فهو متمتع حج أو لم يحج، والجمهور على خلاف هذا لان الله تعالى قال (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) وهذا يقتضي الموالاة بينهما، ولانهم إذا أجمعوا على أن من اعتمر في غير أشهر الحج ثم حج من عامه فليس بمتمتع فهذا أولى لان التباعد بينهما أكثر (الثالث) أن لا يسافر بين العمرة والحج سفرا بعيدا تقصر في مثله الصلاة، نص عليه، وروي ذلك عن عطاء والمغيرة والمديني واسحق، وقال الشافعي إن رجع إلى الميقات فلا دم عليه، وقال أصحاب الرأي إن رجع من مصره بطلت متعته وإلا فلا، وقال مالك إن رجع إلى مصره أو إلى غيره أبعد من مصره بطلت متعته وإلا فلا، وقال الحسن هو متمتع وإن رجع إلى بلده، واختاره ابن المنذر لعموم قوله تعالى (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) الآية ولنا ماروي عمر رضي الله عنه أنه قال إذا اعتمر في أشهر الحج ثم أقام فهو متمتع فان خرج

[ 242 ]

ورجع فليس بمتمتع وعن ابن عمر نحو ذلك ولانه إذا رجع إلى الميقات أو ما دونه لزمه الاحرام منه فان كان بعيدا فقد أنشأ سفرا بعيدا لحجه فلم يترفه بترك أحد السفرين فلم يلزمه دم كموضع الوفاق والآية تناولت المتمتع وهذا ليس بمتمتع بدليل قول عمر رضي الله عنه (الرابع) أن يحل من احرام العمرة قبل إحرامه بالحج فان أدخل الحج على العمرة قبل حله منها كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فانه يصير قارنا ولا يلزمه دم المتعة قالت عائشة رضي الله عنها خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة فقدمت مكة وأنا حائض لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة فشكوت ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال " انقضي رأسك وأمتشطي وأهلي بالحج وعدي العمرة " قالت ففعلت فلما قضينا الحج ارسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت معه فقال هذه عمرة مكان عمرتك، قال عروة فقضى الله حجتها وعمرتها ولم يكن في شئ من ذلك هدي ولا صوم ولا صدقة متفق عليه ولكن عليه دم للقران لانه صار قارنا وترفه بسقوط أحد السفرين، فأما قول عروة لم يكن في ذلك هدي يحتمل أنه أراد لم يكن فيه هدي للمتعة إذ قد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبح عن نسائه بقرة بينهن (الخامس) أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام ولا خلاف بين أهل العلم في أن دم المتعة لا يجب على حاضري المسجد الحرام لقوله تعالى (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) والمعنى في ذلك ان حاضر المسجد الحرام ميقاته مكة ولا يحصل له الترفه بترك أحد السفرين ولانه احرم من ميقاته اشبه المفرد. (فصل) وحاضرو المسجد الحرام أهل الحرم ومن بينه وبين مكة دون مسافة القصر نص عليه احمد وروي ذلك عن عطاء وبه قال الشافعي وقال مالك: هم أهل مكة وقال مجاهد: هم أهل الحرم وروي ذلك عن طاوس وروي عن مكحول وأصحاب الرأي من دون المواقيت لانه موضع شرع فيه النسك فاشبه الحرم لونا أن حاضر الشئ من دنا منه ومن دون مسافة القصر قريب من حكم الحاضر بدليل انه إذا قصده لا يترخص رخص المسافر من الفطر والقصر فيكون من حاضريه، وتحديده بالميقات

[ 243 ]

لا يصح لانه قد يكون بعيدا يثبت له حكم السفر البعيد إذا قصده ولان ذلك يفضي إلى جعل البعيد من حاضريه، والقريب من غير حاضريه لتفاوت المواقيت في القرب والبعد واعتباره بما ذكرنا أولى لان الشارع حد الحاضر دون مسافة القصر بنفي أحكام المسافرين عنه فكان الاعتبار به أولى من الاعتبار بالنسك لوجود لفظ الحضور في الآية (فصل) إذا كان للمتمتع قريتان قريبة وبعيدة فهو من حاضري المسجد الحرام لانه إذا كان بعض أهله قريبا لم يوجد فيه الشرط وهو أن لا يكون أهله من حاضري المسجد الحرام، ولان له ان يحرم من القريبة فلم يكن بالتمتع مترفها بترك أحد السفرين، وقال القاضي: له حكم القرية التي يقيم بها اكثر فان استويا فمن التي ماله بها أكثر؟ فان استويا فمن التي ينوي الاقامة بها أكثر؟ فان استويا فله حكم القرية التي أحرم منها وقد ذكرنا دليل ما قلناه (فصل) فان دخل الآفاقي مكة متمتعا ناويا الاقامة بها بعد تمتعه فعليه دم المتعة قال ابن المنذر اجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم ولو كان الرجل منشأه بمكة فخرج عنها منتقلا مقيما بغيرها ثم عاد إليها متمتعا ناويا للاقامة بها أو ناو فعليه دم متعة لانه خرج بالانتقال عنها عن أن يكون من أهلها وبه قال مالك والشافعي واسحاق وذلك لان حضور المسجد الحرام انما حصل بنية الاقامة وفعلها وهذا انما نوى الاقامة إذا فرغ من أفعال الحج لانه إذا فرغ من عمرته فهو ناو للخروج إلى الحج فكأنه انما نوى أن يقيم بعد وجوب الدم عليه فاما ان سافر المكي غير منتقل ثم عاد فاعتمر من الميقات وحج من عامه فلا دم عليه لانه لم يخرج بذلك عن كون أهله من حاضري المسجد الحرام (فصل) وهذا الشرط الخامس شرط لوجوب الدم عليه وليس بشرط لكونه متمتعا فان متعة المكي صحيحة لان التمتع أحد الانساك الثلاثة فصح من المكي كالنسكين الآخرين ولان حقيقة التمتع أن يعتمر في أشهر الحج ثم يحج من عامه وهذا موجود في المكي وقد نقل عن احمد ليس على أهل مكة متعة ومعناه ليس عليهم دم متعة لان المتعة له لا عليه فتعين حمله على ما ذكرناه (فصل) إذا ترك الافآقي الاحرام من الميقات وأحرم من دونه بعمرة ثم حل منها وأحرم بالحج من مكة من عامه فهو متمتع وعليه دمان دم المتعة ودم لاحرامه من دون الميقات. قال ابن المنذر

[ 244 ]

وابن عبد البر أجمع العلماء على أن من أحرم في اشهر الحج بعمرة وحل منها ولم يكن من حاضري المسجد ثم أقام بمكة حلالا ثم حج من عامه انه متمتع عليه دم. وقال القاضي إذا تجاوز الميقات حتى صار بينه وبين مكة أقل من مسافة القصر فاحرم منه فلا دم عليه للمتعة لانه من حاضري المسجد الحرام وليس بجيد فان حضور المسجد الحرام إنما يحصل بالاقامة به ونية ذلك، وهذا لم تحصل منه الاقامة ولا نيتها ولان الله تعالى قال (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) وهذا يقتضي أن يكون المانع من الدم السكنى به وهذا ليس بساكن، وإن أحرم الآفاقي بعمرة في غير أشهر الحج ثم أقام بمكة واعتمر من التنعيم في اشهر الحج وحج من عامه فهو متمتع نص عليه أحمد وعليه دم وفي تنصيصه على هذه الصورة تنبيه على إيجاب الدم في الصورة الاولى بطريق الاولى، وذكر القاضي شرطا سادسا لوجوب الدم وهو أن ينوي في ابتداء العمرة وفي أثنائها أنه متمتع وظاهر النص يدل على أن هذا غير مشترط فانه لم يذكره، وكذلك الاجماع الذي ذكرناه مخالف لهذا القول لانه قد حصل له الترفه بترك أحد السفرين فلزمه الدم كمن نوى (فصل في وقت وجوب الهدي وذبحه) أما وقت وجوبه فعن أحمد انه يجب إذا أحرم بالحج وهو قول أبي حنيفة والشافعي لان الله تعالى قال (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) وهذا قد فعل ذلك ولان ما جعل غاية فوجود أوله كاف كقوله تعالى (ثم أتموا الصيام إلى الليل) وعنه أنه يجب الدم إذا وقف بعرفة اختاره القاضي، وهو قول مالك لان التمتع بالعمرة إلى الحج إنما يحصل بعد وجود الحج منه ولا يحصل ذلك إلا بالوقوف لقول النبي صلى الله عليه وسلم " الحج عرفة " ولانه قبل ذلك بعرض الفوات فلا يحصل التمتع ولانه لو أحرم بالحج ثم أحصر أو فاته الحج لم يلزمه دم المتعة ولا كان متمتعا ولو وجب الدم لما سقط وقال عطاء: يجب إذا رمي الجمرة. ونحوه قال أبي الخطاب قال: يجب إذا طلع الفجر يوم النحر لانه وقت ذبحه فكان وقت وجوبه، وأما وقت ذبحه فيوم النحر، وبه قال مالك وأبو حنيفة لان ما قبل يوم النحر لا يجوز ذبح الاضحية فيه فلا يجوز ذبح الهدي الذي للمتمتع كما قبل التحلل من العمرة، وقال أبو الخطاب: سمعت أحمد قال في الرجل يدخل مكة في شوال ومعه هدي قال ينحر بمكة وان قدم قبل العشر نحره لا يضيع أو يموت أو

[ 245 ]

يسرق، وكذا قال عطاء: وان قدم في العشر لم ينحره حتى ينحره بنى لان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قدموا في العشر فلم ينحروا حتى نحروا بمنى. ومن جاء قبل ذلك نحره عن عمرته وأقام على احرامه وكان قارنا، وقال الشافعي: يجوز نحره بعد الاحرام بالحج قولا واحدا وفيما قبل ذلك بعد حله من العمرة احتمالان ووجه جوازه أنه دم يتعلق بالاحرام وينوب عنه الصيام فجاز قبل يوم النحر كدم الطيب ولانه يجوز إذا بدله قبل يوم النحر فجاز اداؤه قبله كسائر الفديات (فصل) ويجب الدم على القارن في قول عامة أهل العلم ولا نعلم فيه خلافا الا عن داود لانه قال لا دم عليه وروي عن طاوس وحكى ابن المنذر أن ابن داود لما دخل مكة سئل عن القارن هل يجب عليه دم؟ فقال لا فجروا برحله وهذا يدل على شهرة الامر بينهم ولنا قوله تعالى (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) وهذا متمتع بالعمرة إلى الحج بدليل أن عليا لما سمع عثمان ينهى عن المتعة أهل بالعمرة والحج ليعلم الناس أنه ليس بمنهي عنه وقال ابن عمر رضي الله عنهما انما القران لاهل الآفاق وتلا قوله (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من قرن بين حجته فليهريق دما " ولانه ترفه بسقوط أحد السفرين فأشبه المتمتع فان عدم الدم فعليه صيام كصيام المتمتع سواء ومن شرط وجوب الدم عليه أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام في قول جمهور العلماء. وقال ابن الماجشون: عليه دم لان الله تعالى انما أسقط الدم عن المتمتع وليس هذا متمتعا والصحيح الاول فاننا قد ذكرنا أنه متمتع وان لم يكن متمتعا فهو فرع عليه ووجوب الدم على القارن انما كان معنى النص على المتمتع ولا يجوز أن يخالف الفرع عليه (مسألة) (ومن كان مفردا أو قارنا أحببنا له أن يفسخ إذا طاف وسعى ويجعلها عمرة لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك ألا أن يكون معه هدي فيكون على احرامه) إذا كان مع المفرد والقارن هدي فليس له أن يحل من إحرامه ويجعله عمرة بغير خلاف علمناه لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة قال للناس " من كان منكم أهدى فانه لا يحل من شئ حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة

[ 246 ]

وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج وليهد ومن لم يحل هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله " متفق عليه. فاما من لا هدي معه فيستحب له إذا طاف وسعى أن يفسخ نيته بالحج وينوي عمرة مفردة فيقصر ويحل من إحرامه ليصير متمتعا إن لم يكن وقف بعرفة. وكان ابن عباس رضي الله عنهما يرى أن من طاف بالبيت وسعى فقد حل وإن لم ينو ذلك وبهذا الذي ذكرناه قال مجاهد والحسن وداود وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا يجوز له ذلك لان الحج أحد النسكين فلم يجز فسخه كالعمرة. وروي ابن ماجة عن بلال بن الحارث المزني عن أبيه أنه قال يا رسول الله فسخ الحج لنا خاصة أو لمن يأتي قال " لنا خاصة " وروي ايضا عن المرقع الاسدي عن أبي ذر رضي الله عنه قال كان ما أذن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخلنا مكة أن نجعلها عمرة ونحل من كل شئ إن تلك كانت لنا خاصة رخصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم دون جميع الناس ولنا أنه قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر اصحابه في حجة الوداع الذين أفردوا الحج وقرنوا أن يحلوا كلهم ويجعلوها عمرة الا من كان معه الهدي في أحاديث كثيرة متفق عليها بحيث يقرب من المتواتر ولم يختلف في صحة ذلك وثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم أحد من أهل العلم علمناه. وذكر أبو حفص في شرحه باسناده عن ابراهيم الخرقي وقد سئل عن فسخ إلى العمرة فقال قال سلمة بن شبيب لاحمد ابن حنبل يا ابا عبد الله: كل شئ منك حسن جميل الا خلة واحدة فقال وما هي؟ قال تقول نفسخ الحج قال احمد ما كنت أرى ان لك عقلا، عندي ثمانية عشر حديثا صحاحا جيادا كلها في فسخ الحج أتركها لقولك، وقد روى فسخ الحج إلى العمرة ابن عمر وابن عباس وجابر وعائشة رضي الله عنهم واحاديثهم متفق عليها ورواه غيرهم من وجوه صحاح. قال جابر: أهللنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج خالصا وحده وليس معه غيره فقدم النبي صلى الله عليه وسلم صبح رابعة مضت من ذي الحجة فلما قدمنا أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نحل قال أحلوا وأصيبوا من النساء قال فبلغه عنا انا نقول لم يكن بيننا وبين عرفة لا خمس ليال أمرنا أن نحل إلى نسائنا فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا بالمني قال فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم، ولولا هديي تحللت كما تحلون فحلوا، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما اهديت " قال فحللنا وسمعنا وأطعنا، قال فقال سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي

[ 247 ]

متعتنا هذه يارسول الله لعامنا هذا أم للابد؟ فظنه محمد بن أبي بكر أنه قال: للابد متفق عليه، فأما حديثهم فقال أحمد روى هذا الحديث الحرث بن بلال، فمن الحارث بن بلال؟ يعني أنه مجهول ولم يروه إلا الداروردي، وحديث ابي ذر رواه مرقع الاسدي، فمن مرقع الاسدي؟ شاعر من أهل الكوفة لم يلق أبا ذر، فقيل له أفليس قد روى الاعمش عن ابراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر قال كانت لنا متعة الحج خاصة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أفيقول هذا أحد؟ المتعة في كتاب الله؟ وقد أجمع الناس على أنها جائزة، قال الجوزجاني مرقع الاسدي ليس بالمشهور، ومثل هذه الاحاديث في ضعفها وجهالة رواتها لا تقبل إذا انفردت فكيف تقبل في رد حكم ثابت بالتواتر مع أن قول أبي ذر من رأيه، وقد خالفه من هو أعلم منه، وقد شذ به عن الصحابة رضي الله عنهم فلا يكون حجة، وأما قياسهم فلا يقبل في مقابلة النص الصحيح على أن قياس الحج على العمرة في هذا لا يصح فانه يجوز قلب الحج إلى العمرة في حق من فاته الحج ومن حصر عن عرفة والعمرة لا تصير حجا بحال، ولان فسخ الحج إلى العمرة يصير به متمتعا فحصل الفضيلة وفسخ العمرة إلى الحج يفوت الفضيلة، ولا يلزم من مشروعية ما يحصل الفضيلة مشروعية ما يفوتها (فصل) وإذا فسخ الحج إلى العمرة صار متمتعا حكمه حكم المتمتعين في وجوب الدم وغيره، وقال القاضي لا يجب الدم لان من شرط وجوبه أن ينوي في ابتداء العمرة أو في انتهائها أنه متمتع، وهذه دعوى لا دليل عليها تخالف عموم الكتاب وصريح السنة الثابتة فان الله تعالى قال (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) وفي حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر وليحلل، ثم ليهل بالحج وليهدي، ومن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله " متفق عليه، ولان وجوب دم المتعة للترفه بسقوط أحد السفرين، وهذا المعنى لا يختلف بالنية وعدمها فوجب أن لا يختلف في الوجوب على أنه لو ثبت أن النية شرط فقد وجدت فانه ماحل حتى نوى أنه يحل ثم يحرم بالحج (مسألة) ولو ساق المتمتع الهدي لم يكن له أن يحل لقول الله تعالى (ولا تحلقوا رؤوسكم حتى

[ 248 ]

يبلغ الهدي محله) ولما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال تمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس من كان معه هدي فانه لا يحل من شئ حرم منه حتى يقضي حجته متفق عليه وهذا مذهب أبي حنيفة وقال مالك والشافعي في قول: له التحلل وينحر هديه عند المروة ويحتمله كلام الخرقي ولنا ما ذكرنا من الآية وحديث ابن عمر وروت حفصة رضي الله عنها أنها قالت يارسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أغت من عمرتك؟ قال " اني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر " متفق عليه والاحاديث في ذلك كثيرة وعن احمد فيمن قدم متمتعا في أشهر الحج وساق الهدي قال: ان دخلها في العشر لم ينحر الهدي حتى ينحره يوم النحر وإن قدم قبل العشر نحر الهدي، وهذا يدل على أن المتمتع إذا قدم قبل العشر حل وان كان معه هدي وهذا قول عطاء رواه حنبل في المناسك وقال من لبد أو ضفر فهو بمنزلة من ساق الهدي لحديث حفصة والرواية الاولى أولى لما ذكرنا من الحديث الصحيح وهو أولى بالاتباع (فصل) فاما المعتمر غير المتمتع فانه يحل بكل حال في أشهر الحج وغيرها كان معه هدي أو لم يكن لان النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاث عمر سوى عمرته التي مع حجته بعضهن في ذي القعدة فكان يحل فان كان معه هدي نحره عند المروة وحيث نحره من الحرم جاز لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " كل فجاج مكة طريق ومنحر " رواه أبو داود وابن ماجة (مسألة) (والمرأة إذا دخلت متمعة فحاضت فخشيت فوات الحج أحرمت بالحج وصارت قارنة) إذا حاضت المتمتعة قبل طواف العمرة لم يكن لها أن تطوف بالبيت لانه صلاة ولانها ممنوعة من دخول المسجد ولا يمكنها ان تحل من عمرتها قبل الطواف فإذا خشيت فوات الحج أحرمت بالحج من عمرتها وصارت قارنة، هذا قول مالك والاوزاعي والشافعي وكثير من أهل العلم، وقال أبو حنيفة قد رفضت العمرة وصار حجا وما قال هذا أحد غير أبي حنيفة وحجته ما روى عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت أهللت بعمرة فقدمت مكة وأنا حائض لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي

[ 249 ]

العمرة قالت ففعلت فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت معه فقال هذه عمرة مكان عمرتك متفق عليه دليل على أنها رفضت عمرتها واحرمت بحج من وجوه. (أحدها) قوله (دعي عمرتك) و (الثاني) قوله (وامتشطي) و (الثالث) قوله (هذه عمرة مكان عمرتك) ولنا ما روى جابر قال: أقبلت عائشة بعمرة حتى إذا كانت بسرف عركت ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة فوجدها تبكي فقال " ما شأنك؟ " قالت شأني أني قد حضت وقد حل الناس ولم أحل ولم أطف بالبيت والناس يذهبون إلى الحج الآن فقال " إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فاغتسلي ثم أهلي بالحج " ففعلت ووقفت المواقف حتى أذا طهرت طافت بالكعبة وبالصفا والمروة ثم قال " قد حللت من حجتك وعمرتك " قالت يارسول الله أني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت، قال " فاذهب بها يا عبد الرحمن فاعمرها من التنعيم " وروى طاوس عن عائشة أنها قالت أهللت بعمرة فقدمت ولم أطف حتى حضت فنسكت المناسك كلها، وقد أهللت بالحج فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم " يوم النفر يسعك طوافك لحجك وعمرتك " فأبت فبعث معها عبد الرحمن بن أبي بكر فأعمرها من التنعيم. رواهما مسلم وهما يدلان على جميع ما ذكرنا، ولان ادخال الحج على العمرة جائز بالاجماع من غير خشية الفوات فمع خشيته أولى، وقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن لمن أهل بالعمرة أن يدخل عليها الحج ما لم يفتتح الطواف بالبيت، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم من كان معه هدي في حجة الوداع أن يهل بالحج مع العمرة ومع امكان الحج مع بقاء العمرة لا يجوز رفضها كغير الحائض، فأما حديث عروة فان قوله " انقضي رأسك وامتشطي ودعي العمرة " انفرد به عروة وخالف به كل من روى عن عائشة حين حاضت وقد روي ذلك طاوس والقاسم والاسود وغيره عن عائشة فلم يذكروا ذلك، وحديث جابر وطاوس مخالفان لهذه الزيادة

[ 250 ]

وقد روى حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن ابيه عن عائشة حديث حيضها فقال فيه حدثني غير واحد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها " دعي عمرتك، وانقضي رأسك وامتشطي " وذكر تمام الحديث، وهذا يدل على أنه لم يسمع من عائشة هذه الزيادة وهو مع ما ذكرنا من مخالفة بقية الرواة يدل على الوهم مع مخالفتها للكتاب والاصول إذ ليس لنا موضع آخر يجوز فيه رفض العمرة مع امكان اتمامها، ويحتمل أن قوله " دعي العمرة " أي دعيها بحالها وأهلي بالحج معها أو دعي أفعال العمرة فانها تدخل في أفعال الحج، فأما العمرة من التنعيم فلم يأمرها بها النبي صلى الله عليه وسلم، وانما قالت للنبي صلى الله عليه وسلم اني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت، قال " فاذهب بها يا عبد الرحمن فاعمرها من التنعيم " وروى الاثرم باسناده عن الاسود عن عائشة رضي الله عنها قال: قلت اعتمرت بعد الحج؟ قالت والله ما كانت عمرة ما كانت الا زيارة ورب البيت انما هي مثل نفقتها. قال احمد: انما أعمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة حين ألحت عليه فقالت يرجع الناس بنسكين وأرجع بنسك فقال " يا عبد الرحمن أعمرها " فنظر إلى أدنى الحل فأعمرها منه (مسألة) (ومن أحرم مطلقا صح وله صرفه إلى ما شاء) يصح الاحرام بالنسك المطلق وهو أن لا يعين حجا ولا عمرة لانه إذا صح الاحرام مع الابهام صح مع الاطلاق قياسا عليه، فإذا أحرم مطلقا فله صرفه إلى ما شاء من الانساك لان له أن يبتدئ الاحرام بأيها شاء فكان له صرف المطلق إلى ذلك. والاولى صرفه إلى العمرة لانه إن كان في غير أشهر الحج فالاحرام بالحج مكروه أو ممتنع، وإن كان في أشهر الحج فالعمرة أولى لان التمتع أفضل وقد قال احمد يجعله عمرة لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا موسى حين أحرم بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعلها عمرة كذا هذا

[ 251 ]

(مسألة) (وان أحرم بمثل ما أحرم به فلان انعقد احرامه بمثله) يصح ابهام الاحرام وهو أن يحرم بما أحرم به فلان لما روى أبو موسى رضي الله عنه قال قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منيخ بالبطحاء فقال لي بما أهللت؟ فقلت لبيك باهلال كاهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " أحسنت " فأمرني فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ثم قال " حل " متفق عليه وروى جابر وأنس أن عليا قدم من اليمن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم بما أهللت؟ فقال أهللت بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال جابر في حديثه قال " فاهد وأمكث احراما " وقال أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لولا أن معي هديا لحللت " متفق عليهما ولا يخلو من أبهم احرامه من أربعة أحوال (أحدها) أن يعلم ما أحرم به فلان فينعقد حرامه بمثله فان عليا رضي الله عنه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " ماذا قلت حين فرضت الحج؟ " قال قلت اللهم اني أهل بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " فان معي الهدي فلا تحل " (الثاني) أن لا يعلم ما أحرم به فلان فيكون حكمه حكم الناسي على ما سنذكره ان شاء الله تعالى (الثالث) أن يكون فلان قد أحرم مطلقا فيكون حكمه حكم الفصل الذي قبله (الرابع) أن لا يعلم هل أحرم فلان أو لا فحكمه حكم من لم يحرم لان الاصل عدم احرامه فيكون احرامه ههنا مطلقا يصرفه إلى ما شاء فان صرفه قبل الطواف وقع طوافه عما صرف إليه، وان طاف قبل صرفه لم يعتد بطوافه لانه طاف لا في حج ولا عمرة

[ 252 ]

(مسألة) (وان أحرم بحجتين أو عمرتين انعقد احرامه باحداهما) إذ احرم بحجتين أو عمرتين انعقد باحداهما ولغت الاخرى، وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة ينعقد بهما وعليه قضاء احداهما لانه احرم بها ولم يتمها ولنا أنهما عبادتان لا يلزمه المضي فيهما فلم يصح الاحرام بهما كالصلاتين، وعلى هذا لو أفسد حجه وعمرته لم يلزمه إلا قضاؤها وعند أبي حنيفة يلزمه قضاؤهما معا بناء على صحة احرامه بهما (مسألة) (وان احرم بنسك ونسيه جعله عمرة وقال القاضي يصرفه إلى ما شاء) أما إذا احرم بنسك ونسيه قبل الطواف فله صرفه إلى اي الانساك شاء فانه ان صرفه إلى عمرة وكان المنسي عمرة فقد اصاب وان كان حجا مفردا أو قارنا فله فسخهما إلى العمرة على ما ذكرناه وان صرفه إلى القران وكان المنسي قرانا فقد اصاب وان كان عمرة فادخال الحج على العمرة جائز قبل الطواف فيصير قارنا، وان كان مفردا لغا احرامه بالعمرة، وصح حجه، وسقط فرضه وان صرفه إلى الافراد وكان مفردا فقد اصاب وان كان متمتعا فقد ادخل الحج على العمرة وصار قارنا في الحكم وفيما بينه وبين الله تعالى وهو يظن انه مفرد وان كان قارنا فكذلك والمنصوص عن احمد انه يجعله عمرة قال القاضي هذا على سبيل الاستحباب لانه إذا استحب ذلك مع العلم فمع عدمه اولى وقال أبو حنيفة يصرفه إلى القران، وهو قول الشافعي الجديد، وقال في القديم يتحري فيبني على غالب ظنه لانه من شرائط العبادة فيدخله التحري كالقبلة ومبنى الخلاف على فسخ الحج إلى العمرة فانه جائز عندنا ولا يجوز عندهم فعلى هذا ان صرفه إلى المتعة فهو متمتع عليه دم المتعة ويجزئه عن الحج والعمرة جميعا وان صرفه إلى افراد أو قران لم يجزه عن العمرة إذ من المحتمل ان يكون المنسي حجا مفردا

[ 253 ]

وليس له ادخال العمرة على الحج فتكون صحة العمرة مشكوكا فيها فلا تسقط بالشك ولا دم عليه لذلك فانه لم يثبت حكم القران يقينا فلا يجب الدم مع الشك في سببه، ويحتمل ان يجب وأما إن شك بعد الطواف لم يجز صرفه إلا إلى العمرة لان ادخال الحج على العمرة بعد الطواف غير جائز إلا ان يكون معه هدي فان صرفه إلى حج أو قران فانه يتحلل بفعل الحج ولا يجزئه واحد من النسكين لانه يحتمل أن يكون حجا وادخال العمرة عليه غير جائز فلم يجزه عن واحد منهما مع الشك ولا دم عليه للشك فيما يوجب الدم ولا قضاء عليه للنسك فيما يوجبه، وإن شك وهو في الوقوف بعد الطواف والسعي جعله عمرة فقصر، ثم أحرم بالحج فانه إن كان المنسي عمرة فقد أصاب وكان متمتعا، وإن كان أفرادا أو قرانا لم ينفسخ بتقصيره وعليه دم بكل حال لانه لا يخلو إما أن يكون متمتعا عليه دم المتعة أو غير متمتع فلزمه دم لتقصيره، وإن شك ولم يكن طاف وسعى جعله قرانا لانه إن كان قرانا فقد أصاب، وإن كان معتمرا فقد أدخل الحج على العمرة وصار قارنا، وإن كان مفردا لغا احرامه بالعمرة وصح احرامه بالحج، وإن صرفه إلى الحج جاز ايضا، ولا يجزئه عن العمرة في هذه المواضع لاحتمال أن يكون مفردا وادخال العمرة على الحج غير جائز ولا دم عليه للشك في وجود سببه (مسألة) (وان أحرم عن رجلين وقع عن نفسه) إذا استنابه اثنان في النسك فاحرم عنهما به وقع عن نفسه دونهما لانه لا يمكن وقوعه عنهما،

[ 254 ]

وليس أحدهما أولى به من الآخر، وان أحرم عن نفسه وغيره وقع عن نفسه لانه إذا وقع عن نفسه ولم ينوها فمع نيته أولى (مسألة) (وان أحرم عن أحدها لا بعينه وقع عن نفسه، وقال أبو الخطاب له صرفه إلى ايهما شاء) اما إذا أحرم عن أحدهما غير معين فانه يقع عن نفسه أيضا لان أحدهما ليس أولى من الآخر أشبه المسألة قبلها. ويحتمل أن يصح وله صرفه إلى ايهما شاء اختاره أبو الخطاب لان الاحرام يصح بالمجهول فصح عن المجهول كما لو أحرم مطلقا فان لم يفعل حتى طاف شوطا وقع عن نفسه ولم يكن له صرفه إلى احدهما لان الطواف لا يقع عن غير معين (مسألة) (وإذا استوى على راحلته لبى تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم " لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك ان الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك " تستحب التلبية إذا استوى على راحلته لان النبي صلى الله عليه وسلم فعلها وأمر بها وأدنى أحوال الامر الاستحباب. وروى سهل بن سعد رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما من مسلم يلبي الا لبى ما عن يمينه من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الارض من ههنا وههنا " وتستحب البداية بها إذا استوى على راحلته لما روى أنس وابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ركب راحته واستوت

[ 255 ]

به أهل رواه البخاري. وقال ابن عباس رضي الله عنهما أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم الاحرام حين فرغ من صلاته فلما ركب راحلته واستوت به قائمة أهل يعني لبى ومعنى الاهلال رفع الصوت من قولهم استهل الصبي إذا صاح والاصل فيه انهم كانوا إذا رأوا الهلال صاحوا فقيل لكل صائح مستهل وانما يرفع بالتلبية وهذه تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم وكم روى ابن عمر في المتفق عليه ان تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك ان الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك " رواه مسلم عن جابر. والتلبية مأخوذة من لب بالمكان إذا لزمه فكأنه قال أنا أقيم على طاعتك وأمرك غير خارج عن ذلك، ولا شارد عليك هذا ونحوه. وثنوها وكرروها لانهم أرادوا اقامة بعد إقامة كما لو قالوا حنانيك أي رحمة بعد رحمة أو رحمة مع رحمة أو ما أشبهه. وقال جماعة من العلماء معنى التلبية اجابة نداء ابراهيم عليه السلام حين نادى بالحج. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال. لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت قيل له أذن في الناس بالحج قال: رب وما يبلغ صوتي قال أذن

[ 256 ]

وعلي البلاغ فنادى ابراهيم أيها الناس كتب عليكم الحج فسمعه ما بين السماء والارض أفلا ترى الناس يجيئون من أقطار الارض يلبون ويقولون لبيك إن الحمد (بكسر الهمزة) نص عليه أحمد والفتح جائز والكسر أجود قال ثعلب: من قال أن بالفتح فقد خص ومن قال بكسر الالف فقد عم يعني أي إن من كسر فقد جعل الحمد لله على كل حال ومن فتح فمعناه لبيك لان الحمد لك أي لهذا السبب (فصل) ولا تستحب الزيادة على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تكره ونحوه. وقال الشافعي وابن المنذر لقول جابر فاهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوحيد " لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك ان الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك " وأهل الناس بهذا الذي يهلون ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلبيته وكان ابن عمر يلبي بتلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم ويزيد مع هذا لبيك لبيك، لبيك وسعديك والخير بيديك والرغباء اليك والعمل متفق عليه وزاد عمر رضي الله عنه لبيك ذا النعماء والفضل لبيك لبيك مرهوبا ومرغوبا اليك لبيك هذا معناه رواه الاثرم ويروي أن انسا كان يزيد: لبيك حقا حقا، تعبدا ورقا. ففي هذا دليل على أنه لا بأس بالزيادة ولا تستحب لان النبي صلى الله عليه وسلم لزم تلبيته فكررها ولم يزد عليها: وقد روي أن سعدا سمع بعض بني أخيه وهو يلبي يا ذا المعارج فقال انه لذو المعارج وما هكذا كنا نلبي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم (مسألة) (والتلبية سنة ويستحب رفع الصوت بها والاكثار منها والدعاء بعدها) التلبية سنة كما ذكرنا وليست واجبة، وبه قال الشافعي وعن أصحاب مالك انها واجبة يجب

[ 257 ]

الدم بتركها، وعن الثوري وأبى حنيفة انها من شرط الاحرام لا يصح الا بها كالتكبير للصلاة لان ابن عباس قال في قوله تعالى (فمن فرض فيهن الحج) قال الاهلال، وعن عطاء وطاوس وعكرمة هي التلبية ولان النسك عبادة ذات إحلال واحرام فكان في أولها ذكر واجب كالصلاة ولنا أنها ذكر فلم تجب في الحج كسائر الاذكار، وفارق الصلاة فان النطق في آخرها يجب فوجب في أولها بخلاف الحج، ويستحب رفع الصوت بها لان النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الحج أفضل؟ قال " العج والثج " حديث غريب: العج رفع الصوت بالتلبية والثج اسالة الدماء بالذبح والنحر وروى الترمذي باسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " أتاني جبريل يأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية " وهو حديث حسن صحيح، وقال أنس: سمعتهم يصرخون بها صراخا وقال أبو حازم: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبلغون الروحاء حتى تبح حلوقهم من التلبية. وقال سالم: كان ابن عمر يرفع صوته بالتلبية فلا يأتي الروحاء حتى يصحل صوته، ولا يجهد نفسه في رفع الصوت زيادة على الطاقة لئلا ينقطع صوته وتلبيته (فصل) ويستحب الاكثار منها على كل حال لما روى ابن ماجة عن عبد الله بن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " مامن مسلم يضحى (1) لله يلبي حتى تغيب الشمس إلا غابت بذنوبه فعاد كما ولدته أمه " رواه ابن ماجة (فصل) ولا يستحب رفع الصوت بها في مساجد الامصار ولا في الامصار إلا في مكة والمسجد

[ 258 ]

الحرام لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سمع رجلا يلبي بالمدينة فقال: ان هذا لمجنون إنما التلبية إذا برزت وهذا قول مالك. وقال الشافعي يلبي في المساجد كلها ويرفع صوته لعموم الحديث ولنا قول ابن عباس ولان المساجد انما بنيت للصلاة وجاءت الكراهة لرفع الصوت عامة الا الامام خاصة فوجب ابقاؤها على عمومها فاما مكة فتستحب التلبية فيها لانها محل النسك وكذلك المسجد الحرام وسائر مساجد الحرم كمسجد منى وفي عرفات أيضا (فصل) ويتسحب الدعاء بعدها فيسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار ويدعو بما أحب لما روى الدارقطني باسناده عن خزيمة بن ثابت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من تلبيته سأل الله مغفرته ورضوانه، واستعاذه برحمته من النار. وقال القاسم بن محمد: يستحب للرجل إذا فرغ من تلبيته أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم لانه موضع شرع فيه ذكر الله تعالى فشرع فيه الدعاء، ولان الدعاء مشروع مطلقا فتأكدت مشروعيته بعد ذكر الله تعالى. ويستحب أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بعدها لانه موضع شرع فيه ذكر الله تعالى فشرعت فيه الصلاة على رسوله كالصلاة، أو فشرع فيه ذكر رسوله كالاذان (فصل) ويستحب ذكر ما أحرم به في تلبيته. قال احمد: ان شئت لبيت بالحج وان شئت لبيت بعمرة وإن شئت لبيت بحج وعمرة فقلت لبيك بحجة وعمرة. وقال أبو الخطاب: لا يستحب ويروي عن ابن عمر وهو قول الشافعي لان جابرا قال: ما سمى النبي صلى الله عليه وسلم في تلبيته

[ 259 ]

حجا ولا عمرة، وسمع ابن عمر رجلا يقول لبيت بعمرة فضرب صدره قال تعلمه ما في نفسك ولنا ما روى أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لبيك عمرة وحجا " وقال جابر: قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نقول لبيك بالحج وقال ابن عباس قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم يلبون بالحج، وقال ابن عمر: بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فاهل بالعمرة ثم أهل بالحج متفق على هذه الاحاديث. وقال أنس: سمعتهم يصرخون بهما صراخا رواه البخاري، وهذه الاحاديث أصح من حديثهم واكثر، وقول ابن عمر يخالفه قول أبيه فان النسائي روى باسناده عن الضبي بن معبد انه أول ما حج لبى بالحج والعمرة جميعا ثم ذكر ذلك لعمر فقال: هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم وان لم يذكر ذلك في تلبيته فلا بأس فان النية محلها القلب والله سبحانه عالم بها (فصل) ولا يلبي بغير العربية الا أن يعجز عنها لانه ذكر مشروع فلا يشرع بغير العربية كالاذان والاذكار المشروعة في الصلاة (فصل) وإن حج عن غيره كفاه مجرد النية عنه قال أحمد لا بأس بالحج عن الرجل ولا يسميه وان ذكره في التلبية فحسن قال أحمد إذا حج عن رجل يقول أول ما يلبي: عن فلان، ثم لا يبالي أن لا يقول بعد ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم للذي سمعه يلبي عن شبرمه " لب عن نفسك ثم لب عن شبرمة "

[ 260 ]

ومتى لبى بالحج والعمرة بدأ بذكر العمرة نص عليه أحمد وذلك لقول أنس إن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لبيك عمرة وحجا " (مسألة) (ويلبي إذا علا نشزا أو هبط واديا وفي دبر الصلوات المكتوبات. واقبال الليل والنهار وإذا التقت الرفاق) التلبية مستحبة في جميع الاوقات ويتأكد استحبابها في ثمانية مواضع منها الستة المذكورة، والسابع إذا فعل محظورا ناسيا، الثامن (1) إذا سمع ملبيا لما روى جابر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يلبي في حجته إذا لقي راكبا أو علا أكمة أو هبط واديا وفي دبر الصلوات المكتوبة ومن آخر الليل: وقال ابراهيم النخعي كانوا يستحبون التلبية دبر الصلاة المكتوبة، وإذا هبط واديا، وإذا علا نشزا، وإذا لقي راكبا وإذا استوت به راحلته، وبهذا قال الشافعي وقد كان قبل يقول مثل قول مالك لا يلبي عند اصطدام الرفاق والحديث يدل عليه وكذلك قول النخعي (فصل) ويجزئ من التلبية دبر الصلاة مرة واحدة قال الاثرم قلت لابي عبد الله ماشئ يفعله العامة يلبون في دبر الصلاة ثلاثا؟ فتبسم وقال ما أدري من أين جاؤا به قلت أليس يجزئه مرة واحدة؟ قال بلى وذلك لان المروي التلبية مطلقا من غير تقييد وذلك يحصل بمرة واحدة وهكذا التكبير في أدبار الصلوات الخمس في أيام الاضحى وأيام التشريق. وان زاد فلا بأس لان ذلك زيادة ذكر وخير وتكراره ثلاثا حسن فان الله وتر يحب الوتر

[ 261 ]

(فصل) ولا بأس بالتلبية في طواف القدوم، وبه قال ابن عباس وعطاء بن السائب وربيعة ابن عبد الرحمن وابن أبي ليلى وداود والشافعي، وروي عن سالم بن عبد الله انه قال: لا يلبي حول البيت، وقال ابن عينية: ما رأينا أحدا يقتدى به يلبي حول البيت إلا عطاء بن السائب. وقال أبو الخطاب: لا يلبى وهو قول للشافعي لانه مشتغل بذكر يخصه فكان أولى ولنا أنه زمن التلبية فلم يكره له كما لو لم يكن حول البيت ويمكن الجمع بين التلبية والذكر المشروع في الطواف، ويكره له رفع الصوت بالتلبية حول البيت لئلا يشغل الطائفين عن طوافهم واذكارهم (فصل) ولا بأس أن يلبي الحلال، وبه قال الحسن والنخعي وعطاء بن السائب والشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي وكره هذا مالك ولنا أنه ذكر مستحب للمحرم فلم يكره لغيره كسائر الاذكار (مسألة) (ولا ترفع المرأة صوتها بالتلبية إلا بقدر ما تسمع نفسها) قال ابن عبد البر أجمع العلماء على أن السنة في المرأة ان لا ترفع صوتها وإنما عليها أن تسمع نفسها، وبهذا قال عطاء ومالك والاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، وروي عن سليمان بن يسار أنه قال: السنة عندهم أن المرأة لا ترفع صوتها بالاهلال وإنما كره لها رفع الصوت مخافة الفتنة بها ولهذا لا يسن لها اذان ولا اقامة، والمسنون لها في التنبيه في الصلاة التصفيق دون التسبيح

[ 262 ]

باب محظورات الاحرام وهي تسعة (مسألة) (حلق الشعر) أجمع أهل العلم على أنه لا يجوز للمحرم أخذ شئ من شعره إلا من عذر لقول الله تعالى (ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله) وروى كعب بن عجرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " لعلك يؤذيك هوام رأسك " قال نعم يارسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " احلق رأسك وصم ثلاثة أيام أو اطعم ستة مساكين أو انسك شاة " متفق عليه ففيه دليل على أن الحلق كان محرما قبل ذلك (فصل) فان كان له عذر من مرض أو قمل أو غيره مما يتضرر بابقاء الشعر فله ازالته لقوله سبحانه (فمن كان مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) وللحديث المذكور قال ابن عباس رضي الله عنه: فمن كان منكم مريضا أي برأسه قروح أو به أذى من راسه أي قمل (مسألة) (وتقليم الاظفار) أجمع العلماء على أن المحرم ممنوع من تقليم أظفاره إلا من عذر لانه ازالة جزء من بدنه يترفه به أشبه الشعر فان انكسر فله ازالته قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن للمحرم أن يزيل ظفره بنفسه إذا انكسر لان بقاءه يؤلمه أشبه الشعر النابت في عينه (مسألة) (فمن حلق أو قلم ثلاثة فعليه دم وعنه لا يجب الا في أربع فصاعدا) الكلام في هذه المسألة في فصلين

[ 263 ]

(أحدهما) في وجوب الفدية بحلق شعر رأسه ولا خلاف في ذلك إذا كان لغير عذر، وقال ابن المنذر أجمع أهل العلم على وجوب الفدية على من حلق وهو محرم لغير علة والاصل في وجوبها ما ذكرنا من الآية والخبر، وظاهر كلام شيخنا ههنا يدل على أنه لا فرق بين أن يقطع شعره لعذر أو غيره أو كان عامدا أو مخطئا أنه يجب به الفدية وقد دل عليه ظاهر الآية والخبر وهو ظاهر المذهب، وبه قال الشافعي ونحوه عن الثوري وفيه وجه آخر أنه لافدية على الناسي وهو قول اسحاق وابن المنذر لقوله عليه السلام " عفي لامتي عن الخطأ والنسيان " ولنا أنه اتلاف فاستوى عمده وسهوه كاتلاف مال الآدمي، ولان الاية قد دلت على وجوب الفدية على من حلق رأسه للاذى وهو معذور فكان تنيها على وجوبها على غير المعذور وفيها دليل على وجوبها على المعذور بغير الاذى مثل المحتجم الذي يحلق موضع محاجمه، أو شعرا عن شجته وفي معنى الناسي والنائم الذي يقلع شعره أو يصوب رأسه من نار فيحرق لهبها شعره ونحو ذلك (الفصل الثاني) في القدر الذي تجب به الفدية وذلك ثلاث شعرات فما زاد قال القاضي: هذا المذهب، وهو قول الحسن وعطاء وابن عيينة والشافعي وأبي ثور لانه شعر آدمي يقع ليه الجمع المطلق أشبه ربع الرأس (1) وفيه رواية أخرى ذكرها الخرقي أنه لا يجب الا في أربع فصاعدا لان الاربع كثير أشبهت ربع الرأس. أما الثلاث فهي آخر القلة وآخر الشئ منه فاشبهت ما كان دونها وذكر ابن أبي موسى رواية أنه لا يجب فيما دون الخمس ولا نعلم وجها لذلك، وقال أبو حنيفة لا يجب الدم

[ 264 ]

بدون ربع الرأس لانه يقوم مقام الكل ولهذا إذا رأى رجلا يقول رايت فلانا وانما أري احدى جهاته، وقال مالك إذا حلق من رأسه ما أماط به الاذى وجب الدم، وقد ذكرنا ما يدل على ما ذهبنا إليه، وقول أبي حنيفة إن الربع يقع عليه اسم الكل ممنوع وما ذكره من المثال غير مقيد بالربع بل هو مجاز يتناول القليل والكثير. وهل يجب الدم بقص ثلاثة أظفار أو لا يجب الا في أربع يخرج على الروايتين في الشعر لانه في معناه وعلى ما حكاه ابن أبي موسى لا يجب الا في خمسة أظفار قياسا على الشعر والله أعلم. (مسألة) (وفيما دون ذلك في كل واحد مد من طعام وعنه قبضة وعنه درهم) يعني إذا حلق أقل من ثلاث شعرات أو أقل من أربع على الرواية الاخرى فعليه مد من طعام في ظاهر المذهب، وهو الذي ذكره الخرقي، وهو قول الحسن وابن عيينة والشافعي وعن احمد في الشعرة درهم وفي الشعرتين درهمان وعنه في كل شعرة قبضة من طعام روي ذلك عن عطاء ونحوه عن مالك وأصحاب الرأي قال أصحاب الرأي يتصدق بشئ قليل، وقال مالك فيما قل من الشعر اطعام طعام. ووجهه انه لا تقدير فيه فيجب فيه أقل ما يقع عليه اسم الصدقة. وعن مالك فيمن أزال شعرا يسيرا لا ضمان عليه لان النص إنما أوجب الفدية في حلق جميع الرأس والحقنا به ما يقع عليه اسم الرأس ولنا أن ما ضمنت جملته ضمنت أبعاضه كالصيد والاولى وجوب الاطعام لان الشارع إنما عدل

[ 265 ]

عن الحيوان إلى الاطعام في جزاء الصيد وههنا أوجب الاطعام مع الحيوان على وجه التخيير فيجب أن يرجع إليه فيما لا يجب فيه الدم والاولى مد لانه أقل ما وجب باشرع فدية فكان واجبا في أقل الشعر والطعام الذي يجزئ اخراجه في الفطرة من البر والشعير والتمر والزبيب كالذى يجزئ في الاربع من الشعر (فصل) وحكم الاظفار حكم الشعر فيما ذكرنا، قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من أخذ اظفاره وعليه الفدية بأخذها في قول أكثرهم منهم حماد ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وفيه رواية أخرى لافدية عليه لان الشرع لم يرد فيه بفدية ولنا أنه أزال ما منع ازالته لاجل الترفه فوجبت عليه الفدية كحلق الشعر، وعدم النص لايمنع قياسه على المنصوص كشعر البدن مع شعر الرأس والحكم في فدية الاظفار، وفيما يجب فيما دون الثلاث منها أو الاربع على الرواية الاخرى، وفيما يجب في الاربع والثلاث كالحكم في الشعر على ما ذكرنا من التفصيل والاختلاف فيه وهذا قول الشافعي وأبي ثور، وقال أبو حنيفة لا يجب الدم إلا بتقليم أظفار يد كاملة، فلم قلم من كل يد أربعة لم يجب عليه دم عنده لانه لم يستكمل منفعة اليد أشبه ما دون الثلاث ولنا أنه قلم ما يقع عليه اسم الجمع أشبه مالو قلم خمسا من يد واحدة، وقولهم يبطل بما إذا حلق ربع رأسه فانه لم يستوف منفعة العضو ويجب به الدم، وقولهم يفضي إلى وجوب الدم في القليل دون الكثير (فصل) وفي قص بعض الظفر ما في جميعه وكذلك في قطع بعض الشعرة ما في قطع جميعها لان

[ 266 ]

الفدية تجب في الشعر والظفر سواء طال أو قصر وليس يقدر بمساحة فيتقدر الضمان عليه، بل هو كالموضحة يجب في الصغيرة منها ما يجب في الكبيرة، وخرج ابن عقيل وجها أنه يجب بحساب المتلف كالاصبع يجب في أنملتها ثلث ديتها (مسألة) (وإن حلق رأسه باذنه فالفدية عليه، وإن كان مكرها أو نائما فالفدية على الحالق) إذا حلق محرم رأس محرم باذنه أو حلقه حلال باذنه فالفدية على المحلوق رأسه لان الله تعالى قال (ولا تحلقوا رؤوسكم) الآية، وقد علم أن غيره هو الذي يحلقه فأضاف الفعل إليه وجعل الفدية عليه ويحتمل أن يجب الضمان على الحالق لانه شعر محترم أشبه شعرالصيد، ذكره ابن عقيل في الفصول وإن حلق رأسه وهو ساكت لم ينهه ففيه وجهان (أحدهما) يجب على الحالق كما لو أتلف ماله وهو ساكت (والثاني) على المحرم لانه أمانة عنده فهو كما لو أتلف انسان الوديعة فلم ينهه وإن حلقه مكرها أو نائما فلا فدية على المحلوق رأسه، وبه قال اسحاق وأبو ثور وابن القاسم وابن المنذر، وقال أبو حنيفة عليه الفدية وعن الشافعي كالمذهبين ولنا أنه لم يحلق رأسه ولم يحلق باذنه فأشبه ما لو انقطع الشعر بنفسه، إذا ثبت ذلك فان الفدية تجب على الحالق محرما كان أو حلالا، وقال أصحاب الرأي على الحلال صدقة، وقال عطاء عليهما الفدية ولنا أنه أزال ما منع من إزالته لاجل الاحرام فكانت الفدية عليه كالمحرم يحلق رأس نفسه (مسألة) (وإن حلق محرم رأس حلال فلا فدية عليه) وكذلك إن قلم أظفاره، وبه قال عطاء ومجاهد وعمرو بن دينار والشافعي واسحاق وأبو ثور

[ 267 ]

وقال سعيد بن جبير في محرم قص شارب حلال يتصدق بدرهم، وقال أبو حنيفة يلزمه صدقة لانه محرم أتلف شعرا أشبه شعر المحرم ولنا أنه شعر مباح الاتلاف فلم يجب باتلافه شئ كشعر بهيمة الانعام (مسألة) (وقطع الشعر ونتفه كحلقه وشعر الرأس والبدن واحد وعنه لكل واحد حكم مفرد) لا فرق بين حلق الشعر وإزالته بالنورة، أو قصه، أو غير ذلك لا نعلم فيه خلافا وكذلك القول في الاظفار، وشعر الرأس والبدن واحد سواء في وجوب الفدية في ظاهر المذهب وهو قول الاكثرين خلافا لداود لانه شعر يحصل به الترفه والتنظيف أشبه الرأس، فان حلق شعر رأسه وبدنه ففي الجميع فدية واحدة، وإن حلق من رأسه شعرتين ومن بدنه كذلك فعليه دم هذا اختيار أبي الخطاب وهو ظاهر كلام الخرقي ومذهب أكثر الفقهاء، وفيه رواية أخرى أنه إذا قلع من رأسه وبدنه ما يجب الدم بكل واحد منهما منفردا فعليه دمان، وهذا الذي ذكره القاضي وابن عقيل، وعلى هذه الرواية لو قطع من رأسه شعرتين ومن بدنه كذلك لم يجب عليه دم لان الرأس يخالف البدن بحصول التحلل بحلقه دون شعر البدن ولنا أن الشعر كله جنس واحد في البدن فلم تتعدد الفدية بتعدده فيه بخلاف مواضعه كسائر البدن وكما لو لبس قميصا وسراويل (مسألة) (وان خرج في عينيه شعر فقلعه أو نزل شعره فغطى عينيه فقصه أو انكسر ظفره فقصه أو قلع جلدا عليه شعر فلا فدية عليه) إذا خرج في عينيه شعر أو استرسل شعر حاجبيه على عينيه فغطاهما فله إزالته وكذلك ان انكسر

[ 268 ]

ظفره فله قص ما انكسر منه ولا شئ عليه لانه إزالة لاذاه فلم يكن عليه فدية كقتل الصيد الصائل وكذلك أن قطع جلدة عليها شعر لم يكن عليه فدية لانه زال تبعا لغيره والتابع لا يضمن كما لو قلع أشعار عيني انسان فانه لا يضمن اهدابهما فاما ان كان الاذى من غير الشعر كالقمل والقروح والصداع وشدة الحر عليه لكثرة الشعر فله إزالته وعليه الفدية كما لو احتاج إلى اكل الصيد في حال المخمصة وكذلك ان احتاج إلى مداواة قرحة لا يمكنه مداواتها الا بقص ظفره فله قصه وعليه الفدية لما ذكرنا وقال ابن القاسم صاحب مالك لا فدية عليه ولنا أنه ما منع إزالته لضرر في غيره أشبه حلق رأسه دفعا لضرر القمل وان وقع في أظفاره مرض فازالها لذلك المرض فلا شئ عليه لانه أزالها لازالة مرضها أشبه قص الظفر لكسره والله تعالى أعلم، وان انكسر ظفره فأزال أكثر مما انكسر فعليه الفدية لانه لا حاجة إلى إزالته. (فصل) وان خلل شعره فسقطت شعرة فان كانت ميتة فلا شئ عليه وان كانت من الشعر النابت ففيها الفدية لان أزالها بفعله فان شك فيها فلا فدية لان الاصل نفي الضمان وبراءة الذمة فلا يجب بالشك وان قطع أصبعا عليها ظفر فلا شئ عليه لانه تبع والله أعلم (فصل) قال رحمه الله (الثالث) تغطية رأسه فمتى غطاه بعمامة أو خرقة أو قرطاس فيه دواء أو غيره أو عصبه أو طينه بطين أو حناء أو غيره فعليه الفدية أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من تغطية رأسه حكاه ابن المنذر، وقد دل عليه نهي النبي صلى الله عليه وسلم المحرم عن لبس العمائم والبرانس وقوله عليه السلام في المحرم الذي وقصته راحلته " لا تخمروا رأسه فانه يبعث يوم القيامة ملبيا " فعلل منع تخمير رأسه ببقائه على احرامه فعلم ان المحرم ممنوع منه وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول احرام الرجل في رأسه، وذكر القاضي أن النبي صلى الله عليه وسلم

[ 269 ]

قال " إحرام الرجل في رأسه واحرام المرأة في وجهها " وانه عليه السلام نهى أن يشد المحرم باليسير. (فصل) والاذنان مع الرأس تحرم تغطيتهما كسائر الرأس وأباح ذلك الشافعي ولنا قوله صلى الله عليه وسلم " الاذنان من الرأس " وقد ذكرناه في الطهارة إذا ثبت ذلك فانه يمنع من تغطية بعض رأسه كما يمنع تغطية جميعه لان المنهي عنه يحرم بعضه كما يحرم جميعه ولذلك لما قال الله تعالى (ولا تحلقوا رؤوسكم حرم حلق بعضه) وسواء غطاه بالملبوس المعتاد أو بغيره مثل ان عصبه بعصابة أو شده بسير أو جعل عليه قرطاسا فيه دواء أو لا دواء فيه أو خضبه بحناء أو طلاه بطين أو نورة أو جعل عليه دواء فان جميع ذلك ستر له وتغطية وهو ممنوع منه وسواء كان ذلك لعذر أو غيره تجب به الفدية لقوله تعالى (فمن كان منكم مريضا أو به اذى من رأسه ففدية) الآية ولحديث كعب ابن عجرة وبهذا كله قال الشافعي وكان عطاء يرخص في العصابة من المصرورة، والصحيح الاول كما لو لبس قلنسوة للبرد. (مسألة) (وان استظل بالمحمل ففيه روايتان) كره أحمد رحمه الله للمحرم الاستظلال بالمحمل وما كان في معناه كالهودج والعمارية ونحو ذلك على البعير رواية واحدة ويروي كراهته عن ابن عمر ومالك وعبد الرحمن بن مهدي واهل المدينة وكان سفيان بن عيينة يقول لا يستظل البتة ورخص فيه ربيعة والثوري والشافعي، وروي ذلك عن عثمان وعطاء لما روت أم الحصين قالت حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فرأيت أسامة وبلالا واحدهما آخذ بخطام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة رواه مسلم ولانه يباح له التظلل في البيت والخباء فجاز في حال الركوب كالحلال واحتج احمد بان عطاء روى أن ابن عمر رضي الله عنه رأى على رحل عمر بن عبد الله بن ابي ربيعة عودا يستره من الشمس فنهاه وعن نافع عن ابن عمر أنه رأى رجلا محرما على رحل وقد رفع عليه ثوبا على عود يستره من الشمس فقال أضح لمن أحرمت له أي ابرز للشمس. رواهما الاثرم، ولانه يستره بما يقصد به الترفه

[ 270 ]

أشبه مالو غطاه، والحديث الذي استدلوا به قد ذهب إليه أحمد ولم يكره الاستتار بالثوب، فان ذلك لا يقصد الاستدامة والهودج بخلافه والخيمة والبيت يرادان الجمع الرحل وحفظه لا للترفه. إذا ثبت ذلك فان احمد رحمه الله انما كره ذلك كراهة تنزيه في الظاهر عنه لوقوع الخلاف فيه وقول ابن عمر، ولم ير ذلك حراما ولا موجبا للفدية، قال الاثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن المحرم يستظل على محمل قال لا وذكر حديث ابن عمر، قيل له فان فعل يهريق دما؟ قال أما الدم فلا وعنه أنه تجب عليه الفدية اختاره الخرقي وهو وقل أهل المدينة لانه ستر رأسه بما يستدام ويلازمه غالبا أشبه مالو ستره بشئ يلاقيه، ويروي عن الرياشي قال: رأيت احمد بن المعذل في الموقف في يوم شديد الحر وقد ضحى للشمس، فقلت له يا أبا الفضل هذا أمر قد اختلف فيه فلو أخذت بالتوسعة فأنشأ يقول: ضحيت له كي أستظل بظله * إذا الظل أضحى في القيامة قالصا فوا أسفا إن كان سعيك باطلا * وواحسرتا إن كان حجك ناقصا (مسألة) (وإن حمل على رأسه شيئا، أو نصب حياله ثوبا، أو ستظل بخيمة، أو شجرة، أو بيت فلا شئ عليه) إذا حمل على رأسه طبقا، أو مكيلا أو نحوه فلا فدية عليه، وبه قال عطاء ومالك وقال الشافعي عليه الفدية لانه ستره ولنا أن هذ لا يقصد به الستر غالبا فلم تجب به الفدية كما لو وضع يديه على رأسه وسواء قصد به الستر أو لم يقصد لان ما تجب به الفدية لا يختلف بالقصد وعدمه فكذلك مالا يجب به، واختار ابن عقيل وجوب الفدية إذا قصد به الستر لان الحيل لاتحيل الحقوق، ولانه لو جلس عند العطار لقصد شم الطيب وجبت عليه الفدية، وان لم يقصد لم تجب كذلك هذا، وان ستر رأسه ببدنه فلا شئ عليه لما ذكرنا، ولان الستر ببعض بدنه لا يثبت له حكم الستر، وكذلك لو وضع يده على فرجه لم تجزه في الستر، ولان المحرم مأمور بمسح رأسه وذلك يكون بوضع يده عليه، وان طلا رأسه بغسل أو صمغ ليجتمع الشعر ويتلبد فلا يدخله الغبار ولا يصيبه الشعث، ولا يقع فيه الدبيب جاز، وهذا

[ 271 ]

التلبيد الذي جاء في حديث ابن عمر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل ملبدا. متفق عليه. وان كان في رأسه طيب مما جعله فيه قبل الاحرام فلا بأس لان ابن عباس رضي الله عنه قال: كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم (فصل) ولا بأس أن يستظل بالسقف والحائط والشجرة والخباء وان نزل تحت شجرة وطرح عليها شيئا يستظل به فلا بأس به عند جميع أهل العلم وقد صح به النقل قال جابر رضي الله عنه في حديث حجة النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس رواه مسلم ولا بأس أن ينصب حياله ثوبا يقيه الحر والبرد. إما ان يمسكه انسان أو يرفعه على عود على نحو ما روى في حديث أم الحصين ان بلالا وأسامة كان رافعا ثوبه يستر به النبي صلى الله عليه وسلم ولان ذلك لا يقصد به الاستدامة فلم يكن به بأس كالاستظلال بحائط (مسألة) (وفي تغطية الوجه روايتان) (إحداهما) يباح روي ذلك عن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وزيد بن ثابت وابن الزبير وسعد بن أبي وقاص وجابر والقسم وطاوس والثوري والشافعي (والثانية) لا يباح وهو مذهب أبي حنيفة ومالك لما روي عن ابن عامر أن رجلا وقع عن راحلته فاقعصته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تخمروا وجهه ولا رأسه فانه يبعث يوم القيامة ملبيا " ولانه محرم على المرأة فحرم على الرجل كالطيب ولنا قول من ذكرنا من الصحابة ولا نعرف لهم مخالفا في عصرهم فكان اجماعا، ولما روي عنه عليه السلام أنه قال " احرام الرجل في رأسه، واحرام المرأة في وجهها " وحديث ابن عباس المشهور فيه " ولا تخمروا رأسه " هذا المتفق عليه، وقوله " ولا تخمروا وجهه " فقال شعبة حدثنيه أبو بشر ثم سألته عنه بعد عشر سنين فجاء بالحديث كما كان يحدث إلا أنه قال " ولا تخمروا وجهه ورأسه " ففي قوله دليل على أنه ضعف هذه الزيادة، وقد روي في بعض الفاظه " خمروا وجهه ولا تخمروا رأسه " فتعارض الروايتان وما ذكروه يبطل بلبس القفازين

[ 272 ]

(مسألة) (الرابع لبس المخيط والخفين) قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على ان المحرم ممنوع من لبس القميص والعمائم والسراويلات والبرانس والخفاف والاصل في هذا ماروى ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يلبس القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف ألا احدا لا يجد النعلين فيلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا يلبس من الثياب شيئا مسه الزعفران ولا الورس " متفق عليه. نص النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الاشياء وألحق بها أهل العلم ما في معناه مثل الجبة والدراعة والتبان وأشباه ذلك، فلا يجوز للمحرم ستر بدنه بما عمل على قدره ولا ستر عضو من اعضائه بما عمل على قدره كالقميص للبدن والسراويل لبعض البدن والقفازين لليدين والخفين للرجلين ونحو ذلك، وليس في هذا اختلاف، قال ابن عبد البر: لا يجوز لبس شئ من المخيط عند جميع أهل العلم، وأجمعوا على ان المراد بهذا الذكور دون الاناث (مسألة) (إلا أن لا يجد ازارا فيلبس سراويل أو لا يجد نعلين فيلبس خفين ولا يقطعهما ولا فدية عليه) إذا لم يجد المحرم إزارا فله أن يلبس سراويل وإذا لم يجد النعلين فله لبس الخفين لا نعلم فيه خلافا

[ 273 ]

والاصل فيه ماروى ابن عباس قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات يقول " من لم يجد نعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزارا فليلبس سراويل للمحرم " متفق عليه. ولا فدية عليه في لبسهما عند ذلك في قول عطاء وعكرمة والثوري والشافعي واسحاق وأصحاب الرأي ألا مالكا وأبا حنيفة قالا على من لبس السراويل الفدية لحديث ابن عمر الذي قدمناه ولان ما وجبت الفدية بلبسه مع وجود الازار وجبت مع عدمه كالقميص ولنا ما ذكرنا من حديث ابن عباس وهو صريح في الاباحة ظاهر في إسقاط الفدية لانه أمر بلبسه ولم يذكر فدية ولانه يختص لبسه بحالة عدم غيره فلم تجب به فدية كالخفين المقطوعين وحديث ابن عمر مخصوص بحديث ابن عباس. وأما القميص فيمكنه أن يأتزر به من غير لبس ويحصل به الستر بخلاف السراويل (فصل) وإذا لبس الخفين مع عدم النعلين لم يلزمه قطعهما في أشهر الروايتين عن احمد يروى ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبه قال عطاء وعكرمة (والرواية الثانية) انه يقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين فعلى هذه الرواية ان لبسهما من غير قطع افتدى، وبه قال عروة بن الزبير ومالك والثوري والشافعي واسحاق وأصحاب الرأي وابن المنذر لما روى ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " فمن لم يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين " متفق عليه وهو متضمن لزيادة على حديث ابن عباس وجابر والزيادة من الثقة مقبولة. قال الخطابي: العجب من أحمد

[ 274 ]

في هذا فانه لا يكاد يخالف سنة تبلغه وقلت سنة لم تبلغه. ووجه الاولى حديث ابن عباس وجابر " من لم يجد النعلين فليلبس الخفين " مع قول علي رضي الله عنه وقطع الخفين فساد يلبسهما كما هما مع موافقة القياس فانه ملبوس أبيح مع عدم غيره أشبه السراويل ولان قطعه لا يخرجه عن حالة الحظر فان لبس المقطوع محرم مع القدرة على النعلين كلبس الصحيح وفيه اتلاف ماله وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اضاعته فأما حديث ابن عمر فقد قيل ان قوله فليقطعهما من كلام نافع كذلك روي في امالي أبي القاسم بن بشران باسناد صحيح ان نافعا قال بعد روايته للحديث وليقطع الخفين أسفل من الكعبين وروى ابن ابي موسى عن صفية بنت ابي عبيد عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص للمحرم أن يلبس الخفين ولا يقطعهما، وكان ابن عمر يفتي بقطعهما قالت صفية فلما أخبرته بهذا رجع، وروى أبو حفص باسناده في شرحه عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه طاف وعليه خفان فقال له عمر رضي الله عنه والخفان مع القباء فقال قد لبستهما مع من هو خير منك يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يكون الامر بقطعهما منسوخا فان عمرو بن دينار روى الحديثين جميعا وقال انظروا أيهما كان قبل، قال الدارقطني قال أبو بكر النيسابوري حديث ابن عمر قبل لانه جاء في بعض رواياته قال نادى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد يعني بالمدينة فكأنه كان قبل الاحرام وفي حديث ابن عباس يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات يقول " من لم يجد نعلين فليلبس خفين "

[ 275 ]

فيدل على تأخره عن حديث ابن عمر فيكون ناسخا له لانه لو كان القطع واجبا لبينه للناس فانه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه والمفهوم من إطلاق لبسهما لبسهما على حالهما من غير قطع قال شيخنا والاولى قطعهما عملا بالحديث الصحيح وخروجا من الخلاف وأخذا بالاحتياط والذي قاله صحيح (فصل) فان وجد المقطوع مع وجود النعل لم يجز له وعليه الفدية نص عليه، وبه قال مالك وقال أبو حنيفة لا فدية عليه لانه لو كان لبسه محرما وفيه فدية لما أمر بقطعه لعدم الفائدة فيه وعن الشافعي كالمذهبين ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم شرط لاباحة لبسهما عدم النعلين فدل على أنه لا يجوز مع وجودهما ولانه مخيط لعضو على قدره فوجب على المحرم الفدية بلبسه كالقفازين (فصل) وقياس قول احمد في اللالكة والجمجم ونحوهما أنه لا يلبسهما فانه قال لا يلبس النعل التي لها قيد وهذا أشد منها وقد قال في رأس الخف الصغير لا يلبسه وذلك لانه يستر القدم وقد عمل لها على قدرها فأشبه الخف فان عدم النعلين فله لبس ذلك ولا فدية عليه لان النبي صلى الله عليه وسلم أباح لبس الخف عند ذلك فما دون الخف أولى (فصل) فأما النعل فيباح لبسها كيفما كانت ولا يجب قطع شئ منها لان إباحتها وردت مطلقا وروي عن أحمد في القيد في النعل يفتدي لاننا لا نعرف النعال هكذا وقال إذا أحرمت فاقطع المحمل الذي على النعال والعقب الذي يجعل للنعل فقد كان عطاء يقول فيه دم وقال ابن أبي موسى في

[ 276 ]

الارشاد في القيد والعقب الفدية والقيد هو السير المعترض على الزمام قال القاضي: إنما كرههما إذا كانا عريضين وهذا هو الصحيح فانه لم يجب قطع الخفين الساترين للقدمين والساقين فقطع سير النعل أولى أن لا يجب، ولان ذلك معتاد في النعل فلم يجب ازالته كسائر سيورها ولان قطع القيد والعقب ربما تعذر معه المشي في النعلين لسقوطهما بزوال ذلك فلم يجب كقطع القبال (فصل) فان وجد نعلا لم يمكنه لبسها فله لبس الخف ولا فدية عليه لان مالا يمكن استعماله كالمعدوم فاشبه مالو كانت النعل لغيره وكالماء في التيمم والرقبة التي لا يمكنه عتقها ولان العجز عن لبسها قال مقام العدم في إباحة لبس الخف فكذلك في اسقاط الفدية ونص أحمد على وجوب الفدية لقوله عليه السلام " من لم يجد نعلين فيلبس الخفين " وهذا واجد (مسألة) (ولا يعقد عليه منطقة ولا رداء ولا غيره الا ازاره وهميانه فيه نفقته إذا لم يثبت الا بالعقد) ليس للمحرم أن يعقد عليه الرداء ولا غيره الا الازار والهميان وليس له أن يجعل لذلك زرا وعروة ولا يخلله بشوكة ولا ابرة ولا خيط ولا يغرزه في ازاره لانه في حكم المخيط وروى الاثرم عن ابن عمر رضي الله عنه أن رجلا سأله أخالف بين طرفي من ورائي ثم أعقده؟ وهو محرم فقال ابن عمر: لا تعقد عليك شيئا. وعن أبي معبد مولى ابن عباس أن ابن عباس قال له يا أبا معبد زر علي طيلساني وهو محرم فقال له كنت تكره هذا فقال إني أريد أن أفتدي ولا بأس أن يتشح بالقميص

[ 277 ]

ويرتدي به وبرداء موصل ولا يعقده لان المنهي عنه المخيط على قدر العضو (فصل) فاما الازار فيجوز عقده، لانه يحتاج إليه لستر العورة فابيح كاللباس وان شد وسطه بالنديل أو نحوه كالحبل جاز إذا لم يعقده قال أحمد في محرم حزم عمامة على وسطه: لا يقدها ويدخل بعضها في بعض، قال طاوس رأيت ابن عمر يطوف بالبيت وعليه عمامة قد شدها على وسطه فادخلها هكذا. ولا يجوز أن يشق أسفل ازاره نصفين ويعقد كل نصف على ساق لانه يشبه السراويل ولا يلبس الران لانه في معنى الخف (فصل) فأما الهميان فهو مباح للمحرم في قول اكثر أهل العلم منهم ابن عباس وابن عمر وسعيد أبن المسيب وعطاء ومجاهد وطاوس والقاسم والنخعي والشافعي واسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي قال ابن عبد البر أجاز ذلك جماعة فقهاء الامصار متقدموهم ومتأخروهم ومتى ثبت بغير العقد مثل أن يدخل السيور بعضها في بعض لم يعقده لانه لا حاجة إليه فان لم يثبت الا بالعقد جاز نص عليه أحمد وهو قول اسحاق. قال ابراهيم كانوا يرخصون في عقد الهميان للمحرم ولا يرخصون في عقد غيره وقالت عائشة: أوثق عليك نفقتك. وقال ابن عباس: أوثقوا عليكم نفقاتكم. وذكر القاضي في الشرح ان ابن عباس قال رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحرم في الهميان ان يربطه إذا كانت فيه نفقته

[ 278 ]

وقال مجاهد سئل ابن عمر عن المحرم يشد الهميان عليه فقال لا بأس به إذا كانت فيه نفقته يستوثق من نفقته ولانه مما تدعو الحاجة إليه فجاز كعقد الازار (فصل) فان لم يكن في الهميان نفقة لم يجز عقده لعدم الحاجة إليه وكذلك المنطقة وقد روي ابن عمر أنه كره المنطقة والهميان للمحرم وهو محمول على ما ليس فيه نفقة على ما تقدم من الرخصة فيما فيه النفقة، وسئل أحمد عن المحرم يلبس المنطقة من وجع الظهر أو لحاجة إليها. فقال يفتدي. فقيل له أفلا يكون مثل الهميان؟ قال لا: وعن ابن عمر أنه كره المنطقة للمحرم وأباح شد الهميان إذا كانت فيه نفقة والفرق بينهما أن الهميان يكون فيه النفقة والمنطقة لا نفقة فيها فابيح شد ما فيه النفقة للحاجة إلى حفظها ولم يبح شد غيرها فان كان في المنطقة نفقة أو لم يكن في الهميان نفقة فهما سواء وقد ذكرنا أن احمد لم يبح شد المنطقة لوجع الظهر الا أن يفتدي لان المنطقة ليست بعدة لذلك ولانه فعل المحظور في الاحرام لدفع الضرر عن نفسه أشبه من لبس المخيط لدفع البرد أو تطيب للمرض فان فعل مالا يباح له فعله من عقد غير الهميان والازار ونحوه فعليه الفدية لانه فعل محظورا في الاحرام

[ 279 ]

(مسألة) (وان طرح على كتفيه قباء فعليه الفدية وقال الخرقي لا فدية عليه الا أن يدخل يديه في كميه) إذا طرح على كتفيه قباء أو نحوه وأدخل كتفيه فيه فعليه الفدية وإن لم تدخل يداه في الكمين هذا مذهب مالك والشافعي لانه مخيط لبسه المحرم على العادة في لبسه فأشبه القميص وقد روى ابن المنذر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الاقبية وقال الخرقي لا فدية عليه إذا لم يدخل يديه في كميه وهو قول الحسن وعطاء وابراهيم وأبي حنيفة لما ذكرنا من حديث عبد الرحمن بن عوف في مسألة الخفين إذا لم يجد نعلين ولان القباء لا يحيط بالبدن فلم تلزمه الفدية بوضعه على كتفيه إذا لم يدخل يديه في كميه كالقميص يتشح به وقياسهم منقوض بالرداء الموصل والخبر محمول على لبسه مع إدخال يديه في الكمين (مسألة) (ويتقلد بالسيف عن الضرورة) إذا احتاج المحرم إلى أن يتقلد بالسيف فله ذلك وبه قال عطاء والشافعي ومالك وكرهه الحسن ولنا ما روى أبو داود باسناده عن البراء قال: لا صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الحديبية صالحهم على أن لا يدخلوها إلا بجلبان السلاح (القراب بما فيه) وهذا ظاهر في إباحة حمله عند الحاجة لانهم لم يكونوا يأمنون أهل مكة أن ينقضوا العهد فاشترطوا حمل السلاح في قرابه فاما من غير خوف فقد قال أحمد لا الامن ضرورة وإنما منع منه لان ابن عمر قال لا يحمل المحرم السلاح في الحرم. قال شيخنا والقياس إباحته لان ذلك ليس هو في المعنى الملبوس المنصوص على تحريمه ولذلك لو حمل قربة في عنقه لم يحرم ذلك ولم تجب به الفدية. وقد سئل أحمد عن المحرم يلقي جرابه في عنقه كهيئة القربة فقال أرجوا أن لا يكون به بأس (فصل) قال الشيخ رحمه الله (الخامس الطيب فيحرم عليه تطيب بدنه وثيابه وشم الادهان المطيبة والادهان بها) أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من الطيب وقد دل قول النبي صلى الله عليه وسلم في المحرم الذي وقصته راحلته " لا تمسوه بطيب " رواه مسلم، وفي لفظ ولا تخيطوه. متفق عليه فلما منع الميت من الطيب

[ 280 ]

لاحرامه فالحي أولى ومتى تطيب فعليه الفدية لانه فعل ما حرمه الاحرام فلزمته الفدية كاللباس فيحرم عليه تطيب بدنه لما ذكرنا من الحديث وتطيب ثيابه فلا يجوز له لبس ثوب مطيب وهذا قول جابر وابن عمر ومالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه خلافا لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا يلبس من الثياب شئ مسه الزعفران ولا الورس " متفق عليه فكلما صبغ بزعفران أو ورس أو غمس في ماء ورد أو بخر بعود فليس للمحرم لبسه ولا الجلوس عليه ولا النوم عليه نص عليه أحمد لانه استعمال له فاشبه لبسه ومتى لبسه أو استعمله فعليه الفدية، وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة ان كان رطبا يلي يدنه أو يابسا ينفض فعليه الفدية وإلا فلا لانه ليس بمطيب ولنا أنه منهي عنه لاجل الاحرام فلزمته الفدية به كاستعمال الطيب في بدنه وقياسا على الثوب المطيب فان غسله حتى ذهب ما فيه من ذلك فلا بأس به عند جميع العلماء وان فرش فوق المطيب ثوبا صفيقا يمنع الرائحة والمباشرة فلا فدية بالنوم عليه لانه لم يستعمل الطيب ولم يباشره (فصل) وليس له شم الادهان المطيبة كدهن الورد والبنفسج والخيري والزنبق ونحوها ولا الادهان بها وليس في تحريم ذلك خلاف في المذهب وكره مالك وأبو ثور وأصحاب الرأي الادهان بدهن البنفسج وقال الشافعي ليس بطيب ولنا أنه يقصد رائحته ويتخذ للطيب أشبه ماء الورد (مسألة) (وشم المسك والكافور والعنبر والزعفران والورس والمبخر بالعود وأكل ما فيه الطيب يظهر طعمه أو ريحه يحرم عليه شم كل ما تطيب رائحته ويتخذ للشم كالمسك والعنبر والكافور والغالية والزعفران والورس وماء الورد لانه استعمال للطيب وكذلك التبخر بالعود لانه طيب (فصل) ومتى جعل شئ من الطيب في مأكول أو مشروب كالمسك والزعفران فلم تذهب رائحته لم يبح للمحرم تناوله نيا كان أو قد مسته النار وبهذا قال الشافعي وكان مالك وأصحاب الرأي

[ 281 ]

لا يرون بما مست النار من طعام بأسا وان بقيت رائحته وطعمه ولونه لانه بالطبخ استحال عن كونه طيبا وروي عن ابن عمر وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير أنهم لم يكونوا يرون باكل الخشكنانج الاصفر بأسا وكرهه القاسم بن محمد ولنا أن الاستمتاع والترفه به حاصل أشبه النئ ولان المقصود من الطيب رائحته وهي باقية وقول من أباح الخشكنانج الاصفر محمول على ما ذهبت رائحته فان ما ذهبت رائحته. وطعمه ولم يبق فيه إلا اللون مما مسته النار لا بأس باكله لا نعلم فيه خلافا إلا ما روى عن القاسم وجعفر بن محمد أنهما كرها الخشكنانج الاصفر ويمكن حمله على ما بقيت رائحته ليزول الخلاف فان لم تمسه النار لكن ذهبت رائحته وطعمه فلا بأس به وهو قول الشافعي وكره مالك والحميدي واسحاق وأصحاب الرأي الملح الاصفر وفرقوا بين ما مسته النار وما لم تمسه ولنا أن المقصود الرائحة دون اللون فان الطيب إنما كان طيبا لرائحته لا للونه فوجب دوران الحكم معها دونه (فصل) فان ذهبت رائتحه وبقي طعمه فظاهر كلام احمد في رواية صالح تحريمه وهو مذهب الشافعي لان الطعم لا يكاد ينفك عن الرائحة فمتى وجد الطعم دل على وجود بقاء الرائحة وظاهر كلام الخرقي إباحته لان المقصود الرائحة فيزول المنع بزوالها (فصل) ولا يجوز أن يأكل طيبا ولا يكتحل به ولا يستعط به ولا يحتقن به لانه استعمال للطيب أشبه شمه (مسألة) (وان مس من الطيب ما لا يعلق بيده فلا فدية عليه) إذا مس من الطيب مالا يعلق بيده كالمسك غير المسحوق وقطع الكافور والعنبر فلا فدية عليه لانه غير مستعمل للطيب فان شمه فعليه الفدية لانه هكذا يستعمل وان شم العود فلا فدية عليه لانه لا يتطيب به هكذا وان كان الطيب يعلق بيده كالغالية وماء الورد والمسك المسحوق الذي يعلق باصابعه فعليه الفدية لانه مستعمل للطيب

[ 282 ]

(مسألة) (وله شم العود والفواكه والشيح والخزامى) للمحرم شم العود ولا فدية عليه لانه لا يتطيب به هكذا إنما يقصد منه التبخير وكذلك الفواكه كلها من الاترج والتفاح والسفرجل وغيرها وكذلك نبات الصحراء كالشيح والقيصوم والخزامي الذي تستطاب رائحته وما يشمه الآدميون لغير قصد الطيب كالحناء والعصفر فمباح شمه ولا فدية في شئ من ذلك لا نعلم فيه خلافا إلا ما روي عن ابن عمر أنه كان يكره للمحرم أن يشم شيئا من نبت الارض من الشيح والقيصوم وغيرهما ولا نعلم أحدا أوجب في ذلك شيئا لانه لا يقصد للطيب ولا يتخذ منه الطيب أشبه سائر نبت الارض وقد روي أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كن يحرمن في المعصفرات (مسألة) (وفي شم الريحان والنرجس والورد والبنفسج والبرم ونحوها والادهان بدهن غير مطيب في رأسه روايتان) المذكور في هذه المسألة ينقسم قسمين (أحدها) ما ينبته الآدميون للطيب ولا يتخذ منه طيب كالريحان الفارسي والمرشوش والنرجس والبرم ففيه روايتان (احداهما) يباح بغير فدية وهو قول عثمان وابن عباس والحسن ومجاهد واسحاق لانه إذا يبس ذهبت رائحته أشبه نبت البرية ولانه لا يتخذ منه طيب أشبه العصفر (والثانية) يحرم شمه فان فعل فعليه الفدية وهو قول جابر وابن عمر والشافعي وأبي ثور لانه يتخذ للطيب أشبه الورد وكرهه مالك وأصحاب الرأي ولم يوجبوا فيه شيئا وكلام أحمد محتمل لهذا فانه قال في الريحان ليس من آلة المحرم ولم يذكر فيه فدية (الثاني) ما ينبت للطيب ويتخذ منه طيب كالورد والبنفسج والياسمين والخيري فهذا إذا استعمله وشمه ففيه الفدية لان الفدية تجب فيما يتخذ منه كماء الورد فكذلك اصله، وعن أحمد رواية أخرى في الورد لا شئ في شمه لانه زهر أشبه سائر الشجر، وقد ذكر شيخنا فيه ههنا روايتين وكذلك ذكر أبو الخطاب والاولى تحريمه ووجوب الفدية فيه لانه ينبت للطيب ويتخذ منه أشبه الزعفران والعنبر. قال القاضي: يقال ان العنبر ثمر شجرة وكذلك الكافور

[ 283 ]

(فصل) فأما الادهان بدهن لا طيب فيه كالزيت والشيرج والسمن والشحم ودهن البان الساذج فنقل الاثرم قال سمعت أبا عبد الله يسأل عن المحرم يدهن بالزيت والشيرج فقال نعم يدهن به إذا احتاج إليه ويتداوى المحرم بما يأكل قال ابن المنذر أجمع عوام أهل العلم على ان للمحرم أن يدهن بدنه بالشحم والزيت والسمن ونقل جواز ذلك عن ابن عباس وأبي ذر والاسود بن يزيد وعطاء والضحاك نقله الاثرم ونقل أبو داود عن أحمد أنه قال الزيت الذي يؤكل لا يدهن المحرم به رأسه فظاهر هذا أنه لا يدهن رأسه بشئ من الادهان وهو قول عطاء ومالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي لانه يزيل الشعث ويسكن الشعر (فصل) فاما دهن سائر البدن فلا نعلم عن أحمد فيه منعا وقد أجمع أهل العلم على إباحته في اليدين وإنما الكراهة في الرأس خاصة فانه محل الشعر وقال القاضي في إباحته في جميع البدن روايتان فان فعله فلا فدية فيه في ظاهر كلام أحمد سواء دهن رأسه وغيره الا أن يكون مطيبا وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه صدع وهو محرم. فقالوا ألا ندهنك بالسمن؟ قال لا. قالوا اليس تأكله؟ قال ليس أكله كالادهان به. وعن مجاهد أنه إن تداوى به فعليه الكفارة وقال من منع من دهن الرأس فيه الفدية لانه مزيل للشعث أشبه ما لو كان مطيبا ولنا أن وجوب الفدية يحتاج إلى دليل ولا دليل فيه من نص ولا اجماع، ولا يصح قياسه على الطيب فان الطيب يوجب الفدية وان لم يزل شعثا ويستوي فيه الرأس وغيره والدهن بخلافه ولانه مانع لا تجب الفدية باستعماله في البدن فلم تجب باستعماله في الرأس كالماء (مسألة) (وان جلس عند العطار أو في موضع ليشم الطيب فشمه فعليه الفدية والا فلا) متى قصد شم الطيب من غيره بفعل منه نحو أن يجلس عند العطارين لذلك أو يدخل الكعبة حال تجميرها ليشم طيبها أو يحمل معه عقدة فيها مسك ليجد ريحها قال أحمد: سبحان الله كيف

[ 284 ]

يجوز هذا؟ وأباح الشافعي ذلك إلا العقدة تكون معه يشمها فان أصحابه اختلفوا فيها قال: لانه شم الطيب من غيره أشبه ما لو لم يقصده ولنا أنه قصد شم الطييب مبتدئا به وهو محرم فحرم كما لو باشره يحقق ذلك ان القصد شم الطيب لا مباشرته بدليل انه لو مس اليابس الذي لا يعلق بيده لم يكن عليه شئ ولو رفعه بخرقة وشمه وجبت عليه الفدية وان لم يباشره فاما ان لم يقصد شمه كالجالس عند العطار لحاجته وداخل السوق أو داخل الكعبة للتبرك بها ومن يشتري طيبا لنفسه أو للتجارة ولا يمسه فغير ممنوع منه لانه لا يمكن التحرز منه فعفي عنه فان حمل الطيب فقال ابن عقيل: ان كان ريحه ظاهرا لم يجز وإن لم يكن ظاهرا جاز (فصل) قال الشيخ رحمه الله (السادس) قتل صيد البر واصطياده وهو ما كان وحشيا مأكولا أو متولدا منه ومن غيره لا خلاف بين أهل العلم في تحريم قتل صيد البر واصطياده على المحرم، والاصل فيه قول الله سبحانه (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) وقوله تعالى (حرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) والصيد المحرم على المحرم ما جمع ثلاثة أشياء (أحدها) أن يكون وحشيا وما ليس بوحشي لا يحرم على المحرم أكله ولا ذبحه كبهيمة الانعام والخيل والدجاج ونحوها لا نعلم بين أهل العلم فيه خلافا والاعتبار في ذلك بالاصل لا بالحال فلو استأنس الوحشي وجب فيه الجزاء كالحمام يجب الجزاء في أهليه ووحشية اعتبار بالاصل ولو توحش الاهلي لم يجب فيه شئ قال أحمد في بقرة صارت وحشية لا شئ فيها لان الاصل فيها الانسية فان تولد بين الوحشي والاهلي ولد ففيه الجزاء تغليبا للتحريم، واختلفت الرواية في الدجاج السندي هل فيه جزاء على روايتين وروى مهنا عن أحمد في البط يذبحه المحرم إذا لم يكن صيدا والصحيح أنه يحرم عليه ذبحه وفيه الجزاء لان الاصل فيه الوحشي فهو كالحمام (الثاني) أن يكون مأكولا فاما ما ليس بمأكول كسباع البهائم والمستخبث من الحشرات والطير وسائر المحرمات فلا جزاء فيه قال أحمد رحمه الله انما جعلت الكفارة في الصيد المحلل أكله وهذا قول أكثر أهل العلم الا أنهم أوجبوا الجزاء في المتولد بين المأكول وغيره كالسمع المتولد بين الضبع والذئب تغليبا للتحريم قبله كما غلبوا التحريم في أكله، وقال بعض أصحابنا في ام حبين جدي وهي دابة منتفخة البطن وهذا خلاف القياس فان أم حبين مستخبثة عند العرب لا تؤكل، وقد حكي

[ 285 ]

أن رجلا من البدو سئل: ما تأكلون؟ فقال مادب ودرج الا أم حبين. فقال السائل: ليهن أم حبين العافية وانما تبعوا فيها قضية عثمان فانه قضى فيها بحملان وهو الجدي والصحيح أنه لا شئ فيها، واختلفت الرواية في الثعلب فعنه فيه الجزاء وهو المشهور، وبه قال طاوس وقتادة ومالك والشافعي وعن أحمد لا شئ فيه وهو قول الزهري وعمرو بن دينار وابن المنذر لانه سبع، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع، واختلفت الرواية في السنور الوحشي والاهلي والصحيح أنه لا جزاء في الاهلي لانه ليس وحشيا ولا مأكولا وأما الوحشي فاختار القاضي أنه لا شئ فيه لانه سبع. وقال الثوري واسحاق في الوحشي حكومة والاختلاف فيه مبني على الاختلاف في إباحته، واختلفت الرواية في الهدهد والصرد لاختلاف الروايتين في إباحتهما وكلما اختلفت في إباحته اختلف في جزائه فاما ما يحرم فالصحيح أنه لا جزاء فيه لعدم النص فيه وهو مخالف للقياس الثالث أن يكون من صيد البر فاما صيد البحر فلا يحرم على المحرم بغير خلاف لقوله سبحانه (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر مادمتم حرما) قال ابن عباس رضي الله عنهما طعامه ما لفظه (مسألة) (فمن أتلفه أو تلف في يده أو أتلف جزأ منه فعليه جزاؤه) من أتلف صيدا وهو محرم فعليه جزاؤه باجماع أهل العلم، وقد دل عليه قوله سبحانه (من قتله منكم متعمدا فجزاء، مثل ما قتل من النعم) قال شيخنا رضي الله عنه ولا نعلم أحدا خالف في قتل الصيد متعمدا أن فيه الجزاء الا الحسن ومجاهدا قالا يجب في الخطأ والنسيان ولا يجب في العمد، وهذا خلاف النص فلا يلتفت إليه وقتل الصيد نوعان مباح ومحرم، فالمحرم أن يقتله ابتداء من غير سبب يبيح قتله ففيه الجزاء لما ذكرنا، والباح ثلاثة انواع (أحدها) أن يضطر إليه (والثاني) أن يصول عليه الصيد (والثالث) إذا أراد تخليصه من سبع أو شبكة أو نحوه وسنذكر ذلك ان شاء الله تعالى (فصل) ويضمن ما تلف في يده وان صاده لم يملكه لان ما حرم لحق غيره لا يملك بالاخذ من غير اذنه كمل غيره وعليه ارساله في موضع يمتنع فيه فان لم يفعل فتلف ضمنه كما الآدمي إذا أخذه بغير حق فتلف في يده، وان كان مملوكا لآدمي فعليه رده إليه لكونه غصبه منه

[ 286 ]

(فصل) وان أتلف جزءا من الصيد فعليه ضمانه لان جملته مضمونة فكان بعضه مضمونا كالآدمي والاموال (مسألة) (ويضمن ما دل عليه أو أشار إليه أو أعان على ذبحه أو كان له اثر في ذبحه مثل أن يعيره سكينا الا أن يكون القاتل محرما فيكون جزاؤه بينهما) يحرم على المحرم الدلالة على الصيد والاشارة إليه فان في حديث أبي قتادة لما صاد الحمار الوحشي وأصحابه محرمون قال النبي صلى الله عليه وسلم " هل منكم أحدا امره أن يحمل عليها أو اشار إليها؟ " وفي لفظ فابصروا حمارا وحشيا وأنا مشغول أخصف نعلي فلم يؤذنوني وأحبوا لو أني أبصرته وهذا يدل على تعليق التحريم بذلك لو وجد منهم ولانه سبب إلى إتلاف صيد محرم فحرم كنصب الشرك (فصل) وليس له الاعانة على الصيد بشئ فان في حديث أبي قتادة المتفق عليه ثم ركبت ونسيت السوط والرمح فقلت لهم ناولوني السوط والرمح قالوا والله لا نعينك عليه، وفي رواية فاستعنتهم فأبوا أن يعينوني. وهذا يدل على أنهم اعتقدوا تحريم الاعانة والنبي صلى الله عليه وسلم أقرهم على ذلك ولانه اعانة على محرم فحرم كالاعانة على قتل الآدمي، وبضمنه بالدلالة عليه فإذا دل المحرم حلالا على الصيد فأتلفه فالجزاء على المحرم روي ذلك عن علي وابن عباس وعطاء ومجاهد وبكر المزني واسحاق

[ 287 ]

وأصحاب الرأي، وقال مالك والشافعي لا شئ على الدال لانه يضمن بالجناية فلا يضمن بالدلالة كالآدمي ولنا حديث أبي قتادة ولانه سبب يتوصل به إلى إتلاف الصيد فتعلق به الضمان كما لو نصب أحبولة ولانه قول علي وابن عباس رضي الله عنهما ولا مخالف لها في الصحابة، وان اشار إليه فهو كما لو دل عليه لانه في معناه (فصل) فان دل محرما على الصيد فقتله فالجزاء بينهما، وبه قال عطاء وحماد بن أبي سليمان، وقال الشعبي وسعيد بن جبير وأصحاب الرأي على كل واحد جزاء لان كل واحد من الفعلين يستقل بالجزاء إذا انفرد فكذلك إذا لم يضمنه غيره، وقال مالك والشافعي لا شئ على الدال ولنا أن الواجب جزاء المتلف وهو واحد فيكون الجزاء واحدا وعلى مالك والشافعي ما سبق ولا فرق بين جميع الصورتين كون المدلول عليه ظاهرا أو خفيا لا يراه الا بالدلالة عليه ولو دل محرم محرما على الصيد ثم دل الآخر آخر ثم كذلك إلى عشرة فقتل العاشر كان الجزاء على جميعهم، وإن قتله الاول فلا شئ على غيره لانه لم يدله عليه أحد فلا يشاركه في ضمانه أحد ولو كان المدلول رأى الصيد قبل الدلالة والاشارة فلا شئ على الدال والمشير لان ذلك لم يكن سببا في تلفه ولان هذه ليست دلالة على الحقيقة وكذلك ان وجد من المحرم حدث عند رؤية الصيد من ضحك أو استشراف

[ 288 ]

ففطن له غيره فصاده فلا شئ على المحرم، فان في حديث أبي قتادة قال. خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بالقاحة ومنا المحرم ومنا غير المحرم إذ بصرت بأصحابي يتراءون شيئا فنظرت فإذا حمار وحش، وفي لفظ فبينا أنا مع اصحابي فضحك بعضهم إذ نظرت إذا أنا بحمار وحش، وفي لفظ فلما كنا بالصفاح إذا هم يتراءون فقلت أي شئ تنظرون؟ فلم يخبروني متفق عليه (فصل) فان أعار قاتل الصيد سلاحا فقتله به فهو كما لو دله عليه سواء كان المستعار مما لا يتم قلته الا به أو أعاره شيئا هو مستغن عنه مثل أن يعيره رمحا ومعه رمح وكذلك لو أعانه عليه بمناولته سلاحه أو سوطه أو أمره باصطياده لما ذكرنا من حديث أبي قتادة وقول اصحابه والله لا نعينك عليه بشئ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم " هل منكم أحد امره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ " وكذلك ان أعاره سكينا فذبحه بها فاما ان اعاره آلة ليستعملها في غير الصيد فاستعملها في الصيد لم يضمن لان ذلك غير محرم عليه أشبه مالو ضحك عند رؤية الصيد ففطن له انسان فصاده (فصل) فان دل الحلال محرما على صيد فقتله فلا شئ على الحلال لانه لا يضمن الصيد بالاتلاف فبالدلالة أولى الا أن يكون ذلك في الحرم فيشتركان في الجزاء كالمحرمين لان صيد الحرم حرام على الحلال والمحرم فان اشترك في قتل الصيد حلال ومحرم في الحل فعلى المحرم الجزاء جميعه على ظاهر قول أحمد رحمه الله وقال أصحاب الشافعي عليه نصف الجزاء كما لو كانا محرمين

[ 289 ]

ولنا أنه اشترك في قتله من يجب عليه الضمان ومن لا يجب فاختص الجزاء بمن يجب عليه كما لو دل الحلال محرما على صيد فعليه ولانه اجتمع موجب ومسقط فغلب الايجاب كما لو قتل صيدا بعضه في الحرم وبعضه في الحل ذكر هذه المسألة القاضي أبو الحسين (فصل) وكذلك ان كان شريكه سبعا ثم ان كان جرح أحدهما قبل صاحبه والسابق الحلال أو السبع فعلى المحرم جزاؤه مجروحا وان كان السابق المحرم فعليه أرش جرحه على ما ذكرنا وان كان جرحهما في حال واحدة أو جرحاه ومات منهما فالجزاء كله على المحرم، وفيه وجه لنا كقول أصحاب الشافعي ان على المحرم نصفه كالمحرمين (مسألة) (ويحرم عليه الاكل من ذلك كله واكل ماصيد لاجله ولا يحرم عليه الاكل من غير ذلك) لا خلاف في تحريم الصيد على المحرم إذا صاده أو ذبحه لقوله تعالى (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) وان صاده حلال أو ذبحه وكان من المحرم إعانة فيه أو دلالة أو اشارة إليه لم يبح أيضا لان أعان عليه اشبه ما لو ذبحه، وان صيد من أجله حرم عليه اكله يروى ذلك عن عثمان ابن عفان رضي الله عنه، وبه قال مالك والشافعي وقال أبوحينفة له أكل ما صيد لاجله للقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي قتادة " هل منكم أحد امره أو اشار إليه بشئ؟ " قالوا لا. قال " كلوا ما بقي من لحمها " متفق عليه فدل على أن التحريم انما يتعلق بالاشارة والامر والاعانة ولانه صيد مذكى لم يحصل فيه ولا في سببه منع منه فلم يحرم عليه أكله كما لو لم يصد له

[ 290 ]

ولنا ماروى ابن عباس رضي الله عنهما أن الصعب بن جثامة الليثي أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا وهو بالابواء أو بودان فرده عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى ما في وجهه قال: " انا لم نرده عليك الا أنا حرم " متفق عليه، وروى جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم) رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال هو احسن حديث في الباب وهذا فيه تحريم ماصيد للمحرم وفيه اباحة ما لم يصده ولم يصد له (فصل) ولا يحرم عليه الاكل من غير ذلك، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك، ويروى ذلك عن طلحة بن عبيدالله وحكي عن عطاء وابن عمر وعائشة وابن عباس رضي الله عنهم ان لحكم الصيد يحرم على المحرم بكل حال، وبه قال طاوس وكرهه الثوري واسحاق لعموم قوله سبحانه (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) ولما ذكرنا من حديث الصعب بن جثامة، وروى أبو داود باسناده عن عبد الله بن الحارث عن أبيه قال: كان الحارث خليفة عثمان على الطائف فصنع له طعاما وصنع فيه الحجل واليعاقيب ولحم الوحش فبعث إلى علي بن أبي طالب فجاءه فقال أطعموه قوما حلالا انا حرم ثم قال علي أنشد الله من كان ههنا من أشجع أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى إليه رجل حمار وحش فابي أن يأكله؟ قالوا نعم، ولانه لحم صيد فحرم على المحرم كما لو دل عليه ولنا ما ذكرنا من حديث أبي قتادة وجابر فانهما صريحان في الحكم وفي ذلك جمع بين الاحاديث وبيان المختلف منها بان يحمل ترك النبي صلى الله عليه وسلم الاكل في حديث الصعب بن جثامة لعلمه أو ظنه أنه

[ 291 ]

صيد من أجله ويتعين حمله على ذلك لما ذكرنا من الحديثين فان الجمع بين الاحاديث أولى من التعارض والتناقض، وروى مالك في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يريد مكة وهو محرم حتى إذا كان بالروحاء إذا حمار وحشي عقير فجاء البهزي وهو صاحبه فقال يارسول الله شأنكم بهذا الحمار فامر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فقسمه بين الرفاق (فصل) وما حرم على المحرم لكونه دل عليه أو أعان عليه أو صيد من أجله لا يحرم على الحلال اكله لقول علي رضي الله عنه أطعموه حلالا وقد بينا حمله على أنه صيد من أجلهم وحديث الصعب ابن جثامة حين رد النبي صلى الله عليه وسلم الصيد عليه لم ينهه عن أكله ولانه صيد حلال فابيح للحلال أكله كما لو صيد لهم وهل يباح أكله لمحرم آخر فيه احتمالان (أحدهما) يباح فان ظاهر حديث جابر اباحته وهو قول عثمان رضي الله عنه لانه يروي أنه أهدى له صيد فقال لاصحابه كلوا ولم يأكل وقال إنما صيد من أجلي ولانه لم يصد من أجله فحل له كما لو صاده الحلال لنفسه ويحتمل أن يحرم وهو قول علي رضي الله عنه لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي قتادة " هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها " قالوا لا قال " فكلوه " فمفهومه ان إشارة واحد منهم تحرمه عليهم والاول أولى

[ 292 ]

(فصل) وإذا قتل المحرم الصيد ثم أكله ضمنه للقتل دون الاكل، وبه قال مالك والشافعي، وقال عطاء وأبو حنيفة يضمنه للاكل أيضا لانه أكل من صيد محرم عليه فضمنه كما لو صيد لاجله ولنا أنه مضمون بالجزاء فلم يضمن ثانيا كما لو أتلفه بغير الاكل وكصيد المحرم إذا قتله الحلال وأكله وكذلك ان قتله محرم آخر ثم أكل منه لم يجب عليه الجزاء لما ذكرنا ولان تحريمه لكونه ميتة والميتة لا تضمن بالجزاء، وكذلك ان حرم عليه أكله بالدلالة عليه والاعانة عليه فاكل منه لم يضمن لانه صيد مضمون بالجزاء مرة فلم يجب به جزاء ثان كما لو اتلفه فان أكل مما صيد لاجله ضمنه وهو قول مالك والشافعي في القديم وقال في الجديد لا جزاء عليه لانه أكل للصيد فلم يجب به الجزاء كما لو قتله ثم أكله ولنا أنه إتلاف ممنوع منه لحرمة الاحرام فتعلق به الضمان كالقتل. أما إذا قتله ثم أكله يحرم للاتلاف إنما حرم لكونه ميتة، إذا ثبت هذا فانه يضمنه بمثله من اللحم لان أصله مضمون بمثله من النعم فكذلك أبعاضه تضمن بمثلها بخلاف حيوان الآدمي فانه يضمن جميعه بالقيمة فكذلك ابعاضه (فصل) وإذا ذبح المحرم الصيد صار ميتة يحرم أكله على جميع الناس، وهذا قول الحسن والقاسم وسالم ومالك والاوزاعي واسحاق وأصحاب الرأي، وقال الحكم والثوري وأبو ثور لا بأس باكله. قال ابن المنذر هو بمنزلة ذبيحة السارق وقال عمرو بن دينار وأيوب السختياني

[ 293 ]

يأكله الحلال، وحكي عن الشافعي قول قديم أنه يحل لغيره الاكل منه لان من أباحت زكاته غير الصيد أباحت الصيد كالحلال ولنا أنه حيوان حرم عليه ذبحه لحق الله تعالى فلم يحل بذبحه كالمجوسي، وبهذا فارق سائر الحيوانات وفارق غير الصيد فانه لا يحرم ذبحه وكذلك الحكم في صيد المحرم إذا ذبحه محرم أو حلال وبعض الحنفية يقول هو مباح، ولنا ما ذكرناه (مسألة) (وأن أتلف بيض صيد أو نقله إلى موضع آخر ففسد فعليه ضمانه بقيمته) إذا أتلف بيض صيد ضمنه بقيمته أي صيد كان قال ابن عباس في بيض النعام قيمته، وروي ذلك عن عمر وابن مسعود رضي الله عنهما، وبه قال النخعي والزهري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي لانه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " في بيض النعام يصيبه المحرم ثمنه " رواه ابن ماجة، وإذا وجب في بيض النعام قيمته مع أنه من ذوات الامثال فغيره أولى، ولان البيض لا مثل له فيجب فيه قيمته كصغار الطير فان لم يكن له قيمة لكونه مدرا أو لان فرخه ميت فلا شئ فيه، قال أصحابنا

[ 294 ]

الا بيض النعام فان لقشره قيمة والصحيح أنه لا شئ فيه لانه إذا لم يكن فيه حيوان ولا مآله إلى ان يصير فيه حيوان صار كالاحجار والخشب وسائر ماله قيمة من غير الصيد الا ترى أنه لو نقب بيضة فأخرج ما فيها لزمه جزاء جميعها ثم لو كسرها هو أو غيره لم يلزمه لذلك شئ، ومن كسر بيضة فخرج منها فرخ حي فعاش فلا شئ فيه، وقال ابن عقيل يحتمل أن يضمنه إلا أن يحفظه من الجارح إلى أن ينهض فيطير لانه صار في يده مضمونا وتخليته غير ممتنع ليس برد تام، ويحتمل أن لا يضمنه لانه لم يجعله غير ممتنع بعد أن كان ممتنعا بل تركه على صفته فهو كما لو أمسك طائرا أعرج ثم تركه وان مات ففيه ما في صغار أولاد المتلف بيضه ففي فرخ الحمام صغير أولاد الغنم، وفي فرخ النعامة حوار وفيما عداهما قيمة الا ما كان أكبر من الحمام ففيه ما نذكره من الخلاف في أمهاته ان شاء الله تعالى، ولا يحل لمحرم أكل بيض الصيد إذا كسره هو أو محرم سواه، وان كسره حلال فهو كلحم الصيد ان كان أخذه لاجل المحرم لم يبح أكله والا ابيح، وان كسر المحرم بيض صيد لم يحرم على الحلال لان حله لا يقف على كسره ولا يعتبر له أهليته بل لو كسره مجوسي أو وثنى أو بغير تسمية لم يحرم فاشبه قطع اللحم وطبخه، وقال القاضي: يحرم على الحلال اكله كالصيد لان

[ 295 ]

كسره جرى مجرى الذبح بدليل حله للمحرم بكسر الحلال له وتحريمه عليه بكسر المحرم (فصل) وان نقل بيض صيد فجعله تحت آخر أو ترك مع بيض الصيد بيضا آخر أو شيئا فنفر عن بيضه حتى فسد فعليه ضمانه لانه تلف بسببه، وان صح وفرخ فلا ضمان عليه، وان باض الصيد على فراشه فنقله برفق ففسد ففيه وجهان بناء على الجراد إذا انفرش في طريقه وحكم بيض الجراد حكم الجراد وكذلك بيض كل حيوان حكمه حكمه لانه جزء منه أشبه الاصل، وان احتلب لبن صيد ففيه قيمته كما لو حلب لبن حيوان مغصوب (مسألة) (ولا يملك الصيد بغير الارث وقيل لا يملكه به أيضا) لا يملك المحرم الصيد ابتداء بالبيع ولا بالهبة ونحوهما من الاسباب فان الصعب بن جثامة

[ 296 ]

أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا فرده عليه وقال " انا لم نرده عليك ألا انا حرم " فان اخذه باحد هذه الاسباب ثم تلف فعليه جزاؤه، وان كان مبيعا فعليه القيمة لمالكه مع الجزاء لان ملكه لم يزل عنه، وان اخذه رهنا فلا شئ عليه سوى الجزاء لانه أمانة فان لم يتلف فعليه رده إلى مالكه فان ارسله فعليه ضمانه لمالكه وليس عليه جزاء وعليه رد المبيع ايضا، ويحتمل أن يلزمه ارساله كما لو كان مملوكا، ولانه لا يجوز له اثبات يده المشاهدة على الصيد، وهذا قول الشافعي وأصحاب الرأي ولا يسترد المحرم الصيد الذي باعه وهو حلال بخيار ولا عيب في ثمنه ولا غير ذلك لانه ابتداء ملك على الصيد وهو ممنوع منه، وان رده المشتري عليه بعيب أو خيار فله ذلك لان سبب الرد محقق ثم لا يدخل في ملك المحرم ويلزمه ارساله (فصل) وان ورثه المحرم ورثه لان الملك بالارث ليس بفعل من جهته، وانما يدخل في ملكه حكما اختار ذلك أو كرهه، ولهذا يدخل في ملك الصبي والمجنون ويدخل به المسلم في ملك الكافر فجرى مجرى الاستدامة وقيل لا يملك به أيضا لانه جهة من جهات التمليك أشبه البيع وغيره فعلى هذا يكون أحق به من غير ثبوت ملكه عليه فإذا حل ملكه

[ 297 ]

(مسألة) (وأن أمسك صيدا حتى تحلل ثم تلف أو ذبحه ضمنه وكان ميتة وقال أبو الخطاب له أكله) إذا صاد المحرم صيدا لم يملكه، فان أمسكه حتى حل لزمه ارساله وليس له ذبحه فان تلف فعليه ضمانه لانه لا يحل له امساكه أشبه الغاصب، وان ذبحه ضمنه لذلك وحرم أكله لانه صيد ضمنه بحرمة الاحرام فلم يبح أكله كما لو ذبحه حال إحرامه، ولانها زكاة منع منها بسبب الاحرام فأشبه ما لو كان الاحرام باقيا، واختار أبو الخطاب أن له أكله وعليه ضمانه لانه ذبحه وهو من أهل ذبح الصيد فأشبه ما لو صاده الحل والفرق ظاهر لان هذا يلزمه ضمانه بخلاف الذي صاده بعد الحل ورى ابن أبي موسى عن أحمد إذا استأجر بيتا في الحرم فوجد فيه صيدا ميتا فداه احتياطا والقياس انه لا يجب عليه فداؤه ولان الاصل براءة الذمة (مسألة) (وإن أحرم وفي يده صيد أو دخل الحرم بصيد لزمه ازالة يده المشاهدة دون الحكمية عنه فان لم يفعل فتلف ضمنه وان أرسله انسان من يده قهرا فلا ضمان على المرسل) إذا أحرم وفي ملكه صيد لم يزل ملكه عنه ولا يده الحكمية مثل أن يكون في بلده أو في يد ثابت له في غير مكانه ولا شئ عليه ان مات وله التصرف فيه بالبيع والهبة وغيرهما وان غصبه

[ 298 ]

غاصب لزمه رده ويلزمه ازالة يده المشاهدة عنه، ومعناه إذا كان في قبضته أو خيمته أو رحله أو قفص معه أو مربوط بحبل معه لزمه ارساله، وبه قال مالك وأصحاب الرأي وقال الثوري هو ضامن لما في بيته أيضا، وحكي نحو ذلك عن الشافعي، وقال أبو ثور ليس على إرسال ما في يده وهو أحد قولي الشافعي لانه في يده ولم يجب ارساله كما لو كان في يده الحكمية ولانه لا يلزم من منع ابتداء الصيد المنع من استدامته بدليل الصيد في الحرم ولنا على أنه لا يلزمه ازالة يده الحكمية أنه لم يفعل في الصيد فعلا فلم يلزمه شئ كما لو كان في ملك غيره وعكس هذا إذا كان في يده المشاهدة لانه فعل الامساك في الصيد فكان ممنوعا منه وكحالة الابتداء فان استدامة الامساك امساك بدليل انه لو حلف لا يملك شيئا فاستدام امساكه حنث، والاصل المقيس عليه ممنوع والحكم فيه ما ذكرنا قياسا عليه. إذا ثبت هذا فانه متى أرسله لم يزل ملكه عنه، ومن أخذه رده عليه إذا حل ومن قتله ضمنه له لان ملكه كان عليه، وازالة يده لا تزيل الملك بدليل الغصب والعارية فان تلف في يده قبل ارساله مع امكانه ضمنه لانه تلف تحت اليد العادية فلزمه ضمانه كمال الآدمي ولا يلزمه ضمانه قبل إمكان الارسال لعدم التفريط والتعدي فان

[ 299 ]

أرسله إنسان من يده قهر فلا ضمان عليه لانه فعل ما له فعله ولان اليد قد زال حكمها وحرمتها فان أمسكه حتى حل فملكه باق عليه لان ملكه لم يزل بالاحرام انما زال حكم المشاهدة فصار كالعصير يتخمر ثم يتخلل قبل اراقته (فصل) ومن ملك صيدا في الحل فادخله الحرم لزمه رفع يده وارساله فان تلف في يده أو أتلفه فعليه ضمانه كصيد الحل في حق المحرم. وقال عطاء: ان ذبحه فعليه الجزاء. وروي ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما وممن كره الصيد الحرم ابن عمر وابن عباس وعائشة وعطاء وطاوس وأصحاب الرأي، ورخص فيه جابر بن عبد الله ورويت عنه الكراهة قال هشام بن عروة: كان ابن الزبير تسع سنين براها في الاقفاص، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يرون به بأسا ورخص فيه سعيد بن جبير ومجاهد ومالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر لانه ملكه خارجا وحل له التصرف فيه فجاز له ذلك في الحرم كصيد المدينة ولنا أن الحرم سبب محرم للصيد يوجب ضمانه فحرم استدامة امساكه كالاحرام ولانه صيد ذبحه في الحرم فلزمه جزاؤه كما لو صاده منه، وصيد المدينة لا جزاء فيه بخلاف صيد الحرم

[ 300 ]

(فصل) فان أمسك صيدا في الحرم فاخرجه لزمه ارساله من يده كالمحرم أذا أمسك الصيد حتى حل فان تركه فتلف فعليه ضمانه كالمحرم إذا أمسكه حتى تحلل (مسألة) (وإن قتل صيدا صائلا عليه دفعا عن نفسه أو بتخليصه من سبع أو شبكة ليطلقه فتلف لم يضمنه وقيل يضمنه فيهما) إذا صال عليه صيد فلم يقدر على دفعه إلا بقتله فله قتله ولا ضمان عليه، وبهذا قال الشافعي وقال أبو بكر عليه الجزاء وهو قول أبي حنيفة لانه قتله لحاجة نفسه أشبه قتله لحاجته إلى أكله ولنا أنه حيوان قتله لدفع شره فلم يضمنه كالآدمي الصائل ولانه التحق بالمؤذيات طبعا فصار كالكلب العقور ولا فرق بين أن يخشى منه التلف أو مضرة لجرحه أو اتلاف ماله أو بعض حيواناته (فصل) فان خلص صيدا من سبع أو شبكه أو أخذه ليخلص من رجله خيطا ونحوه فتلف بذلك فلا ضمان عليه، وبه قال عطاء وقيل عليه الضمان وهو قول قتادة لعموم الآية، ولان غاية ما فيه أنه عدم القصد إلى قتله فأشبه قتل الخطأ ولنا أنه فعل أبيح لحاجة الحيوان فلم يضمن ما تلف به كما لو داوى ولي الصبي الصبي فمات بذلك وهذا ليس بمتعمد ولا تناوله الآية

[ 301 ]

(مسألة) (ولا تأثير للحرم ولا للاحرام في تحريم حيوان أنسي ولا محرم الاكل ولا القمل على المحرم في رواية وأي شئ تصدق به كان خيرا منه) لا تأثير للحرم ولا للاحرام في تحريم شئ من الحيوان الاهلي كبهيمة الانعام والخيول والدجاج ونحوها لانه ليس بصيد، وانما حرم الله سبحانه الصيد، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يذبح البدن في احرامه في الحرم يتقرب إلى الله سبحانه بذلك، وقال عليه السلام " أفضل الحج العج والثج " يعني اسالة الدماء بالذبح والنحر وهذا لا خلاف فيه، فان كان متولدا بين وحشي وأهلي غلب جانب التحريم (فصل) فأما المحرم أكله فهو ثلاثة أقسام (أحدها) الخمس الفواسق التي أباح الشارع قتلها في الحل والحرم وهي الحدأة والغراب والفارة والعقرب والكلب العقور، وفي بعض ألفاظ الحديث الحية مكان العقرب فيباح قتلهن في الاحرام والحرم وهذا قول أكثر أهل العلم منهم الثوري والشافعي وأصحاب الرأي واسحاق، وحكي عن النخعي أنه منه قتل الفأرة والحديث صريح في حل قتلها فلا تعويل على ما خالفه، والمراد بالغراب الابقع وغراب البين، وقال قوم لا يباح قتل غراب البين لانه روي " خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الحية

[ 302 ]

والغراب الابقع والفأرة والكلب العقور والحديا " رواه مسلم وهذا يقيد مطلق ذكر الغراب في الحديث الآخر ولا يمكن حمله على العموم بدليل أن المباح من الغربان لا يحل قتله ولنا ما روت عائشة رضي الله عنها قالت: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل خمس فواسق في الحرم الحدأة والغراب والفأرة والعقرب والكلب العقور. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " خمس من الدواب ليس على المحرم جناح في قتلهن " وذكر مثل حديث عائشة متفق عليهما وهذا عام في الغراب وهو أصح من الحديث الآخر، ولان غراب البين محرم الاكل يعدوا على أموال الناس ولا وجه لاخراجه من العموم وفارق ما أبيح أكله فانه ليس في معنى ما أبيح قتله فلا يلزم من تخصيصه تخصيص ما ليس في معناه (القسم الثاني) من المحرم أكله ماكان طبعه الاذى وان لم يوجد منه أذى كالاسد والنمر والفهد والذئب وما في معناه فيباح قتله أيضا ولا جزاء فيه قال مالك: الكلب العقور ما عقر الناس وعدا عليهم مثل الاسد والذئب والنمر والفهد. فعلى هذا يباح قتل كل ما فيه أذى للناس في أنفسهم وأموالهم مثل سباع البهائم كلها، الحرام أكلها وجوارح الطير كالبازي والصقر والشاهين والعقاب ونحوها والحشرات

[ 303 ]

المؤذية والزنبور والبق والبعوض والبراغيث والذباب وبه قال الشافعي، وقال أصحاب الرأي: يقتل ما جاء في الحديث والذئب قياسا عليه ولنا أن الخبر نص من كل جنس على صورة من أدناه تنبيها على ما هو أعلى منها، ودلالة على ماكان في معناها فنصه على الغراب والحدأة تنبيه على البازي ونحوه وعلى الفأرة تنبيه على الحشرات وعلى العقرب تنبيه على الحية وقد ذكرت في بعض الاحاديث، وعلى الكلب العقور تنبيه على السباع التي هي أعلا منه ولان مالا يضمن بقيمته ولا مثله لا يضمن بشئ كالحشرات (القسم الثالث) من المحرم الاكل مالا يؤذي بطبعه كالرخم والديدان فلا أثر للحرم ولا للاحرام فيه ولا جزاء فيه ان قتله، وبه قال الشافعي وقال مالك يحرم قتلها فان قتلها فداها وكذلك كل سبع لا يعدو على الناس فإذا وطئ الذباب أو النمل أو الذر أو قتل الزنبور تصدق بشئ من الطعام، وقال ابن عقيل في النملة لقمة، أو تمرة إذا لم تؤذه، ويتخرج في النحلة مثل ذلك لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النملة والنحلة. وحكي ابن أبي موسى في الضفدع حكومة

[ 304 ]

ولنا ان الله سبحانه أنما أوجب الجزاء في الصيد وليس هذا بصيد. قال بعض أهل العلم الصيد ما جمع ثلاثة أشياء أن يكون مباحا ممتنعا، ولانه لا مثل له ولا قيمة والضمان إنما يكون بأحد هذين الشيئين (فصل) ولا بأس أن يقرد المحرم بعيره روى ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قرد بعيره باسقيا أي نزع القراد عنه فرماه وهذا قول ابن عباس وجابر بن زيد وعطاء وقال مالك لا يجوز وكرهه عكرمة ولنا أنه قول من سمينا من الصحابة ولانه مؤذ فابيح قتله كالحية والعقرب (فصل) فأما القمل ففيه روايتان (إحداهما) اباحة قتله لانه من أكثر الهوام أذى فأبيح قتله كالبراغيث وسائر ما يؤذي (والثانية) أن قتله محرم وهو ظاهر كلام الخرقي لانه يترفه بازالته فحرم كقطع الشعر ولان النبي صلى الله عليه وسلم رآى كعب بن عجرة والقمل يتناثر على وجهه فقال له احلق رأسك فلو كان قتل القمل وازالته مباح لم يكن كعب ليتركه حتى يصير كذلك ولكان النبي صلى الله عليه وسلم أمره بازالته خاصة والصئبان كالقمل لانه بيضه ولافرق بين قتل القمل ورميه أو قتله بالزئبق لحصول الترفه به قال القاضي إنما الروايتان فيما ازاله من شعره أما ما القاه من ظاهر بدنه وثوبه فلا شئ فيه رواية واحدة وظاهر كلام شيخنا ههنا يقتضي العموم ويجوز له حك رأسه برفع كيلا يقطع شعرا أو يقتل قملا فان حك فرآى في يده شعرا أستحب له أن يعيده احتياطا ولا يجب حتى يستيقن

[ 305 ]

(فصل) فان تفلى المحرم أو قتل قملا فلا فدية فيه فان كعب بن عجره حين حلق رأسه قد أذهب قملا كثيرا ولم يجب عليه لذلك شئ إنما أوجب الفدية بحلق الشعر ولان القمل لا قيمة له فاشبه البعوض والبراغيث ولانه ليس بصيد ولاهو مأكولا حكي عن ابن عمر قال هي أهون مقتول وسئل ابن عباس في محرم القى قملة ثم طلبها فلم يجدها قال مالك ضالة لا تبتغي، وهذا قول طاوس وسعيد بن جبير وعطاء وأبي ثور وابن المنذر وعن أحمد فيمن قتل قملة قال يطعم شيئا. فعلى هذا أي شئ تصدق به أجزأه سواء قتل قليلا أو كثيرا وهذا قول أصحاب الرأي وقال اسحاق تمرة فما فوقها، وقال مالك حفنة من طعام وروي ذلك عن ابن عمر وهذه الاقوال كلها قريب من قولنا فانهم لم يريدوا بذلك التقدير وإنما هو على التقريب لاقل ما يتصدق به (فصل) والخلاف إنما هو في قتله للمحرم أما في الحرم فيباح قتل القمل بغير خلاف لانه إنما حرم في حق المحرم لما فيه من الترفه فهو كقطع الشعر ومن كان في الحرم غير محرم فمباح له قطع الشعر وتقليم الاظفار والطيب وسائر ما يترفه به (فصل) ولا بأس بغسل المحرم رأسه وبدنه برفق. فعل ذلك عمر وابنه وارخص فيه علي وجابر

[ 306 ]

وسعيد بن جبير والشافعي وأبو ثور واصحاب الرأي وكره مالك للمحرم أن يغطس في الماء ويغيب فيه رأسه ولعله ذهب إلى ان ذلك ستر له، والصحيح أنه لا بأس بذلك لان ذلك ليس بستر ولهذا لا يقوم مقام السترة في الصلاة، وقد روي عن ابن عباس قال ربما قال لي عمر ونحن محرمون بالجحفة تعال أباقيك أينا أطول نفسا في الماء؟ رواه سعيد ولانه ليس بستر معتاد وأشبه صب الماء عليه ووضع يده عليه، وقد روي عبد الله بن جبير قال أرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب الانصاري فاتيته وهو يغتسل فسلمت عليه فقال من هذا؟ فقلت أنا عبد الله بن جبير أرسلني اليك عبد الله بن عباس يسألك كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل رأسه وهو محرم فوضع أبو أيوب يده على الثوب فطاطاه حتى بدا لي رأسه ثم قال لانسان يصب عليه الماء: صب، فصب على رأسه ثم حرك رأسه بيديه فاقبل بهما وأدبر ثم قال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل متفق عليه (فصل) ويكره له غسل رأسه بالسدر والخطمي ونحوهما لما فيه من إزالة الشعث والتعرض لقطع الشعر وكرهه جابر بن عبد الله ومالك والشافعي وأصحاب الرأي فان فعل فلا فدية عليه، وبه قال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر، وعن أحمد رحمه الله عليه الفدية، وبه قال مالك وأبو حنيفة وقال صاحباه عليه

[ 307 ]

صدقة لان الخطمي يستلذ برائحته ويزيل الشعث ويقتل الهوام فوجبت به الفدية كالورس ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المحرم الذي وقصه بعيره " اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه فانه يبعث يوم القيامة ملبيا " متفق عليه فأمر بغسله بالسدر مع اثبات حكم الاحرام في حقه والخطمي كالسدر، ولانه ليس بطيب فلم تجب الفدية باستعماله كالتراب، وقولهم يستلذ رائحته ممنوع ثم يبطل بالفاكهة وبعض التراب وإزالة الشعث يحصل بذلك أيضا، وقتل الهوام لا يعلم حصوله ولا يصح قياسه على الورس لانه طيب، ولذلك لو استعمله في غير الغسل أو في ثوبه منع منه بخلاف مسئلتنا (مسألة) (ولا يحرم صيد البحر على المحرم وفي إباحته في الحرم روايتان) لا يحرم صيد البحر على المحرم بغير خلاف لقوله تعالى (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة) قال ابن عباس وابن عمر طعامه ما القاه، وعن ابن عباس طعامه ملحه ولا خلاف بين أهل العلم في جواز أكله وبيعه وشرائه، ولا فرق بين حيوان البحر الملح وبين ما في الانهار والعيون فان اسم البحر يتناول الكل قال الله سبحانه (وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا

[ 308 ]

ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا) ولان الله تعالى قابله بصيد البر بقوله (وحرم عليكم صيد البر) فدل على أن ما ليس من صيد البر فهو من صيد البحر، وحيوان البحر ماكان يعيش في الماء ويفرخ فيه ويبيض فيه، فان كان مما لا يعيش إلا في الماء كالسمك ونحوه فهذا لا خلاف فيه، وإن كان مما يعيش في البر كالسلحفاة والسرطان فهو كالسمك لاجزاء فيه، وقال عطاء فيه الجزاء وفي الضفدع وكل ما يعيش في البر ولنا أنه يفرخ في الماء ويبيض فيه فكان من حيوانه كالسمك فأما طير الماء ففيه الجزاء في قول عامة أهل العلم منهم الاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه مخالفا غير ما حكي عن عطاء أنه قال: حيثما يكون أكثر فهو من صيده ولنا أنه انما يفرخ في البر ويبيض فيه وانما يدخل الماء ليتعيش فيه ويكتسب منه فهو كصياد الآدميين، فان كان جنس من الحيوان نوع منه في البر ونوع منه في البحر كالسلحفاة فلكل نوع حكم نفسه كالبقر منها الوحشي محرم والاهلي مباح

[ 309 ]

(فصل) وهل يباح صيد البحر في الحرم فيه روايتان أصحهما أنه لا يباح فلا يحل الصيد من آبار الحرم وعيونه كرهه جابر بن عبد الله رضي الله عنه لقوله عليه السلام " لا ينفر صيدها " ولان الحرمة تثبت للصيد بحرمة المكان وهو شامل لكل صيد (والثانية) أنه مباح لان الاحرام لا يحرمه الحرم كالسباع والحيوان الاهلي (مسألة) (ويضمن الجراد بقيمته فان انفرش في طريقه فقتله بالمشي عليه ففي الجزاء وجهان وعنه لا ضمان في الجراد) اختلفت الرواية في الجراد فعنه هو صيد البحر لا جزاء فيه وهو مذهب أبي سعيد، قال ابن المنذر قال ابن عباس وكعب هو من صيد البحر، قال عروة هو من نثرة حوت، وروي عن ابي هريرة قال أصابنا ضرب من جراد فكان الرجل منا يضرب بسوطه وهو محرم فقيل له إن هذا لا يصلح فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال " إن هذا من صيد البحر " وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " الجراد من صيد البحر " رواهما أبو داود (والرواية الثانية) أنه من صيد البر وفيه الجزاء وهو قول الاكثرين لما روي أن عمر رضي الله عنه قال لكعب في جرادتين: ما جعلت في نفسك؟ قال درهمان، قال بخ درهمان خير من مائة جرادة، رواه

[ 310 ]

الشافعي في مسنده، ولانه طير يشاهد طيرانه في البر ويهلكه الماء إذا وقع فيه أشبه العصافير، فأما الحديثان اللذان ذكرناهما للرواية الاولى فوهم قاله أبو داود، فعلى هذا يضمنه بقيمته لانه لا مثل له وهذا قول الشافعي، وعن أحمد يتصدق بتمرة عن الجرادة وهذا يروى عن عمر وعبد الله بن عمر، وقال ابن عباس قبضة من طعام، قال القاضي كلام أحمد وغيره محمول على أنه أوجب ذلك على طريق القيمة، والظاهر أنهم لم يريدوا بذلك التقدير وانما أرادوا فيه أقل شئ (فصل) فان افترش الجراد في طريقه فقتله بالمشي عليه بحيث لا يمكنه التحرز منه ففيه وجهان (أحدهما) يجب جزاؤه لانه أتلقه لنفع نفسه فضمنه كالمضطر يقتل صيدا يأكله (والثاني) لا يضمنه لانه اضطره إلى إتلافه أشبه الصائل عليه (مسألة) (ومن اضطر إلى أكل الصيد واحتاج إلى شئ من هذه المحظورات فله فعله وعليه الفداء) إذا اضطر إلى أكل الصيد أبيح له ذلك بغير خلاف علمناه لقوله سبحانه (ولا تلقوا بأيديكم إلى

[ 311 ]

التهلكة) وترك الاكل مع القدرة عند الضرورة القاء بيده إلى التهلكة ومتى قتله لزمه ضمانه سواء وجد غيره أو لم يجد، وقال الاوزاعي لا يضمنه لانه مباح أشبه صيد البحر ولنا عموم الآية ولانه قتله من غير معنى حدث من الصيد يقتضي قتله فضمنه كغيره ولانه أتلفه لدفع الاذى عن نفسه لا لمعنى منه أشبه حلق الشعر لاذى برأسه وكذلك ان احتاج إلى حلق شعره للمرض أو القمل وقطع شعره لمداواة جرح أو نحوه أو تغطية رأسه أو لبس المخيط أو شئ من المحظورات فله فعله كما جاز حلق رأسه للحاجة فان فعله فعليه الفدية لان الفدية تثبت في حلق الرأس للعذر للآية وحديث كعب بن عجره وقسنا عليه سائر المحظورات (فصل) قال الشيخ رحمه الله (السابع) عقد النكاح لا يصح منه، وفي الرجعة روايتان ولا فدية عليه في شئ منهما. لا يجوز للمحرم أن يتزوج لنفسه ولا يكون وليا في النكاح ولا وكيلا فيه ولا يجوز تزويج المحرمة روي ذلك عن عمر وابنه وزيد بن ثابت رضي الله عنهم، وبه قال سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار

[ 312 ]

والزهري والاوزاعي ومالك والشافعي وأجازه ابن عباس وهو قول أبي حنيفة لما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم متفق عليه ولانه عقد يملك به الاستمتاع فلم يحرمه الاحرام كشراء الاماء. ولنا ماروى عثمان بن عفان رض قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب " رواه مسلم ولان الاحرام يحرم الطيب فيحرم النكاح كالعدة فاما حديث ابن عباس فقد روي يزيد بن الاصم عن ميمونة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها حلالا وبنى بها حلالا وماتت بسرف في الظلة التى بنى بها فيها رواه أبو داود والاثرم وعن أبي رافع قال تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو حلال وبنى بها وهو حلال وكنت انا الرسول بينهما قال الترمذي هذا حديث حسن وميمونة أعلم بحال نفسها وأبو رافع صاحب القصة وهو السفير فيها فهما أعلم بذلك من ابن عباس وأولى بالتقديم لو كان ابن عباس كبيرا وقد كان صغيرا لا يعرف حقائق الامور وقد انكر عليه هذا القول فقال سعيد بن المسيب وهم من ابن عباس ما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم الا حلالا فكيف يعمل بحديث هذا حاله ويمكن حمل قوله وهو محرم أي في الشهر الحرام أو في البلد الحرام كما قيل * قتلوا ابن عفان الخليفة محرما * وقيل تزوجها حلالا واظهر أمر تزويجها وهو محرم ثم لو تعارض الحديثان كان تقديم حديثنا أولى لانه

[ 313 ]

قول النبي صلى الله عليه وسلم وذلك فعله والقول آكد لانه يحتمل أن يكون مختصا بما فعله وعقد النكاح يخالف شراء الامة لانه يحرم بالعدة والردة واختلاف الدين وكون المنكوحة اختاله من الرضاع ولان النكاح إنما يراد للوطئ غالبا بخلاف الشراء فانه يراد للخدمة والتجارة وغير ذلك فافترقا. (فصل) وإذا وكل المحرم حلالا في النكاح فعقد له النكاح بعد تحلل الموكل صح العقد لان الاعتبار بحالة العقد وان وكله وهو حلال فلم يعقد له العقد حتى أحرم لم يصح لما ذكرنا فان أحرم الامام الاعظم منع من التزويج لنفسه وتزويج أقاربه وهل يمنع من أن يزوج بالولاية العامة فيه احتمالان (أحدهما) يمنع كما لو باشر العقد (والثاني) لا يمنع لان فيه حرجا على الناس وتضييقا عليهم في سائر البلاد ولان من يزوج من الحكام إنما يزوجوه باذنه وولايته ذكر ذلك ابن عقيل واختار الجواز لانه حال ولايته كان حلالا والاستدامة أقوى من الابتداء لان الامامة العظمى من شرطها العدالة ولا تبطل بالفسق الطارئ (فصل) وإذا وكل الحلال محلا في النكاح فعقد النكاح وأحرم الموكل فقالت الزوجة وقع العقد بعد الاحرام فلم يصح وقال الزوج بل قبله فالقول قوله وان كان الاختلاف بالعكس فالقول قوله أيضا لانه يملك فسخ العقد فملك الاقرار به لكن يجب عليه نصف الصداق (فصل) فان تزوج أو زوج أو زوجت المحرمة لم يصح النكاح سواء كان الكل محرمين أو بعضهم لانه منهي عنه فلم يصح كنكاح المرأة على عمتها وخالتها، وقال ابن أبي موسى إذا زوج المحرم غيره صح في احدى الروايتين، وروي عن أحمد رحمه الله أنه قال: إن زوج المحرم لم ينفسخ النكاح قال بعض أصحابنا هذا يدل على أنه إذا كان الولي بمفرده أو الوكيل محرما لم يفسد النكاح لانه سبب يبيح محظورا للحلال فلم يمنع منه الاحرام كما لو حلق المحرم رأس حلال والمذهب الاول للحديث،

[ 314 ]

وكلام أحمد يحمل على أنه لم يفسخه لكونه مختلفا فيه، قال القاضي ويفرق بينهما بطلقة وكذلك كل نكاح مختلف فيه كالنكاح بلا ولي ليباح تزويجها بيقين وفي الرجعة روايتان (احداهما) لا تصح لانه عقد وضع لاباحة البضع أشبه النكاح (والثانية) يصح ويباح وهو قول أكثر أهل العلم واختيار الخرقي لانها امساك للزوجة لقوله تعالى (فأمسكوهن بمعروف) ولانها تجوز بلا ولي ولا شهود ولا اذنها فلم تحرم كامساكها بترك الطلاق، ولان الصحيح من المذهب أن الرجعية مباحة قبل الرجعة فلا يحصل بها احلال ولو قلنا أنها محرمة لم يكن ذلك مانعا من رجعتها كالتكفير للمظاهر، وهذه الرواية هي الصحيحة إن شاء الله تعالى ويباح شراء الاماء للتسري وغيره، ولا نعلم في ذلك خلافا والله أعلم (فصل) ويكره للمحرم الخطبة، وخطبة المحرمة، ويكره للمحرم أن يخطب للمحلين لقوله عليه السلام في حديث عثمان (ولا يخطب) ولانه تسبب إلى الحرام أشبه الاشارة إلى الصيد والاحرام الفاسد كالصحيح في منع النكاح وسائر المحظورات لان حكمه باق في وجوب ما يجب بالاحرام فكذلك ما يحرم به (فصل) ويكره أن يشهد في النكاح لانه معونة على النكاح أشبه الخطبة، وإن شهد أو خطب لم يفسد النكاح، وقال بعض أصحاب الشافعي لا ينعقد النكاح بشهادة محرمين لان في بعض الروايات لا يشهد ولنا أنه لا مدخل للشاهد في العقد فاشبه الخطيب وهذه الزيادة غير معروفة فلا يثبت بها حكم ومتى تزوج المحرم أو المحرمة أو زوج لم يجب عليه فدية لانه فسد لاجل الاحرام فلم يجب به فدية كشراء الصيد ولا فرق بين الاحرام الفاسد والصحيح فيما ذكرنا لانه يمنع ما يمنعه في الصحيح كحلق الشعر وتقليم الاظفار وغير ذلك كذلك التزويج

[ 315 ]

(فصل) قال الشيخ رحمه الله (الثامن الجماع في الفرج قبلا كان أو دبرا من آدمي أو غيره فمتى فعل ذلك قبل التحلل فسد نسكه عامدا كان أو ساهيا) يفسد الحج بالوطئ في الجملة بغير خلاف. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الحج لا يفسد باتيان شئ في حال الاحرام إلا بالجماع والاصل فيه ماروي عن ابن عمر رضي الله عنه ان رجلا سأله فقال: اني وقعت بامرأتي ونحن محرمان، فقال أفسدت حجك انطلق أنت وأهلك مع الناس فاقضوا ما يقضون، وحل إذا أحلوا، فإذا كان العام المقبل فاحجج انت وامرأتك واهديا هديا، فان لم تجدا فصوما ثلاثة ايام في الحج وسبعة إذا رجعتم، وكذلك قال ابن عباس وابن عمر ولم نعرف لهم مخالفا في عصرهم فكان اجماعا رواه الاثرم في سننه وفي حديث ابن عباس " ويتفرقان من حيث يحرمان حتى يقضيا حجهما " قال ابن المنذر قول ابن عباس أعلى شئ روي فيمن وطئ في حجه، وروي ذلك عن عمر رضي الله عنه، وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء والنخعي والثوري والشافعي واسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي (فصل) ومتى كان قبل التحلل الاول فسد الحج سواء كان قبل الوقوف أو بعده في قول الاكثرين، وقال أبو حنيفة وأصحاب الرأي: إن جامع قبل الوقوف فسد حجه، وإن جامع بعده لم يفسد لقول النبي صلى الله عليه وسلم " الحج عرفة " ولانه معنى يأمن به الفوات فأمن به الافساد كالتحلل

[ 316 ]

ولنا قول من سمينا من الصحابة فان قولهم مطلق جامع وهو محرم، ولانه جماع صادف احراما تاما فأفسده كما قبل الوقوف، وقوله عليه السلام " الحج عرفة " يعني معظمه، أو أنه ركن متأكد فيه ولا يلزم من أمن الفوات أمن الفساد بدليل العمرة (فصل) ولا فرق بين الوطئ في القبل والدبر من آدمي أو بهيمة، وبه قال الشافعي وأبو ثور ويتخرج من وطئ البهيمة أنه لا يفسد الحج إذا قلنا لا يجب به الحد وهو قول مالك وأبي حنيفة لانه لا يوجب الحد أشبه الوطئ دون الفرج. وحكي أبو ثور عن أبي حنيفة ان اللواط والوطئ في دبر

[ 317 ]

المرأة لا يفسد الحج لانه لا يثبت به الاحصان أشبه الوطئ دون الفرج ولنا أنه وطئ في فرج يوجب الغسل فافسد الحج كالوطئ في قبل الآدمية ويفارق الوطئ دون الفرج فانه ليس من الكبائر في الاجنبية ولا يوجب مهرا ولا عدة ولا حدا ولا غسلا وان أنزل به فهو كمسئلتنا في رواية (فصل) والعمد والنسيان فيما ذكرنا سواء نص عليه احمد فقال: إذا جامع أهله بطل حجه لانه شئ لا يقدر على رده والشعر إذا حلقه فقد ذهب لا يقدر على رده والصيد إذا قتله فقد ذهب لا يقدر على رده فهذه الثلاثة العمد والنسيان فيها سواء، والجاهل بالتحريم والمكره في حكم الناسي لانه معذور وممن قال ان عمد الوطئ ونسيانه سواء أبو حنيفة ومالك والشافعي في القديم وقال في الجديد لا يفسد الحج ولا يجب عليه مع النسيان شئ. وحكى ابن عقيل في الفصول رواية لا يفسد لقوله عليه السلام " عفى لامتي عن الخطأ والنسيان " والجهل في معناه لانها عبادة تجب بافسادها الكفارة فافترق فيها وطئ العامد والساهي كالصوم ولنا ان الصحابة رضى الله عنهم لم يستفصلوا السائل عن العمد والنسيان حين سألهم عن حكم الوطئ ولانه سبب يتعلق به وجوب القضاء في الحج فاستوى عمده وسهوه كالفوات والصوم ممنوع (فصل) ويجب به بدنه روي ذلك عن ابن عباس وطاوس ومجاهد ومالك والشافعي وقال الثوري واسحاق عليه بدنة فان لم يجد فشاة، وقال أصحاب الرأي ان كان قبل الوقوف فسد حجه وعليه شاة وان كان بعده فحجه صحيح لانه قبل الوقوف معنى يوجب القضاء فلم يجب به بدنة كالفوات ولنا أنه جماع صادف احراما تاما فوجبت به البدنة كبعد الوقوف ولانه قول من سمينا من الصحابة ولم يفرقوا بين ما قبل الوقوف وبعده. اما الفوات فهو مفارق للجماع وأما فساد الحج فلا فرق فيه بين حال الاكراه والمطاوعة لا نعلم فيه خلافا لانهم لا يوجبون فيه الشاة بخلاف الجماع (فصل) وحكم المرأة حكم الرجل في فساد الحج لان الجماع وجد منهما فاستويا فيه وحكم المكرهة والنائمة حكم المطاوعة ولا فرق فيما بعد يوم النحر وقبله لانه وطئ قبل التحلل الاول أشبه قبل يوم النحر (مسألة) (وعليهما المضي في فاسده والقضاء على الفور من حيث أحرما أولا ونفقة المرأة في القضاء عليها ان طاعوت وأن أكرهت فعلى الزوج) لا يفسد الحج بغير الجماع فإذا فسد فعليه، اتمامه وليس له الخروج منه روي ذلك عن عمر وعلي وأبي

[ 318 ]

هريرة وابن عباس رضي الله عنهم، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال الحسن ومالك يجعل الحجة عمرة ولا يقيم على حجة فاسدة، وقال داود يخرج بالافساد من الحج والعمرة لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " ولنا عموم قوله تعالى " (وأتموا الحج والعمرة لله) ولانه قول من سمينا من الصحابة ولم نعرف لهم مخالفا ولانه معنى يجب به القضاء فلم يخرج منه كالفوات والخبر لا يلزمنا لان المعنى فيه بامر الله وانما وجب القضاء لانه لم يأت به على الوجه الذى يلزم بالاحرام ونخص مالكا بانها حجة لا يمكنه الخروج منها بالاحرام فلا يخرج منها إلى عمرة كالصحيحة. إذا ثبت هذا فانه يجب عليه أن يفعل بعد الافساد كما يفعل قبله من الوقوف والمبيت بمزدلفة والرمي ويجتنب بعد الفساد ما يجتنبه قبله من الوطئ ثانيا وقتل الصيد والطيب واللباس ونحوه وعليه الفدية بالجناية على الاحرام الفاسد كالاحرام الصحيح ويلزمه القضاء من قابل بكل حال لانه قول أبن عمر وابن عباس وعبد الله بن عمرو رضي الله عنهم فان كانت الحجة التى افسدها واجبة باصل الشرع أو بالنذر أو قضاء كانت الحجة من قابل مجزئة لان الفاسد إذا انضم إليه القضاء اجزأ عما يجزئ عنه الاول لو لم يفسده وان كانت تطوعا وجب قضاؤها أيضا لانه بالدخول في الاحرام صار الاحرام عليه واجبا فإذا أفسده وجب قضاؤه كالمنذور ويكون القضاء على الفور ولا نعلم فيه مخالفا لان الحج الاصل يجب على الفور فهذا أولى لانه قد تعين بالدخول فيه والواجب باصل الشرع لم يتعين بذلك (فصل) ويحرم بالقضاء من أبعد الموضعين الميقات أو موضع إحرامه الاول لانه ان كان الميقات أبعد فلا يجوز تجاوز الميقات بغير احرام وان كان موضع إحرامه أبعد فعليه الاحرام بالقضاء منه نص عليه احمد رحمه الله ليكون القضاء على صفة الاداء، ولانه قول ابن عباس، وبه يقول سعيد بن المسيب والشافعي واسحاق وابن المنذر وقال النخعي يحرم من موضع الجماع لانه موضع الافساد ولنا أنها عبادة فكان قضاؤها على حسب ادائها كالصلاة (فصل) ونفقة المرأة في القضاء عليها ان طاوعت لانها أفسدت حجتها متعمدة فكانت نفقة القضاء عليها كالرجل، وان كانت مكرهة فعلى الزوج لانه الذي أفسد حجتها فكانت النفقة عليه كنفقة حجته (مسألة) (ويتفرقان في القضاء من الموضع الذي أصابها فيه إلى أن يحلا وهو واجب أو مستحب على وجهين) إذا قضيا يفرقان من موضع الجماع حتى يقضيا حجهما روي هذا عن عمر وابن عباس رضي

[ 319 ]

الله عنهما فروى سعيد والاثرم باسنادهما أن عمر سئل عن رجل وقع بامرأته وهما محرمان فقال: انما حجكما فإذا كان قابل فحجا واهديا حتى إذا بلغتما المكان الذي أصبتما فتفرقا حتى تحلا. وروي عن ابن عباس مثل ذلك، وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء والنخعي والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، وروي عن احمد رضي الله عنه أنهما يتفرقان من حيث يحرمان إلى أن يحلا رواه مالك في الموطأ عن علي رضي الله عنه وروي عن ابن عباس وهو قول مالك لان التفريق بينهما خوفا من معاودة المحظور وهو يوجد في جميع احرامها، ووجه الاول ان ما قبل موضع الافساد كان احرامهما فيه صحيحا فلم يوجب التفريق فيه كالذي لم يفسد وانما اختص التفريق بموضع الجماع لانه ربما يذكره برؤية مكانه فيدعوه ذلك إلى فعله ومعنى التفريق أن لا يركب معها في محمل ولا ينزل معها في فسطاط ونحوه قال احمد: يفترقان في النزول وفي المحمل والبساط ولكن يكون بقربهما، وهل يجب التفريق أو يستحب؟ فيه وجهان (احدهما) لا يجب وهو قول أبي حنيفة لانه لا يجب التفريق في قضاء رمضان إذا أفسده كذلك الحج (والثاني) يجب لانه قول من سمينا من الصحابة وقد أمروا به ولان الاجتماع في ذلك الموضع يذكر الجماع فيكون من دواعيه والاول أولى لان حكمة التفريق للصيانة عما يتوهم من معاودة الوقاع عند تذكره برؤية مكانه وهذا وهم بعيد لا يقتضي الايجاب والعمرة فيما ذكرناه كالحج لانها أحد النسكين فأشبه الآخر فان كان المعتر مكيا قد أحرم بها من الحل أحرم للقضاء من الحل، وان كان أحرم بها من الحرم أحرم للقضاء من الحل لانه ميقاتها ولا فرق بين المكي ومن حصل بها من المجاورين، وان أفسد المتمتع عمرته ومضى في فسادها فأتمها فقال احمد: يخرج من الميقات فيحرم منه للحج فان خشي الفوات أحرم من مكة وعليه دم فإذا فرغ من حجة خرج إلى الميقات فاحرم منه بعمرة مكان التي أفسدها وعليه هدي يذبحه إذا قدم مكة لما أفسد من عمرته، ولو أفسد المفرد حجته وأتم فله الاحرام بالعمرة من أدنى الحل كالمكيين (فصل) وإذا أفسد القارن نسكه فعليه فداء واحد وبه قال عطاء وابن جريج ومالك والشافعي واسحاق وأبو ثور، وقال الحكم عليه هديان ويتخرج لنا أن يلزمه بدنة للحج وشاة للعمرة إذا قلنا يلزمه طوافان وسعيان وقال أصحاب الرأي ان وطئ قبل الوقوف فسد نسكه وعليه شاتان للحج والعمرة ولنا أن الصحابة الذين سئلوا عمن أفسد نسكه لم يأمروه الا بفداء واحد ولم يفرقوا ولانه احد الانساك الثلاثة فلم يجب في افساده أكثر من فدية واحدة كالآخرين وسائر محظورات الاحرام واللبس والطيب وغيرهما لا يجب في كل واحد منهما أكثر من فدية واحدة كما لو كان مفردا

[ 320 ]

(فصل) وحكم العمرة حكم الحج في فسادها بالوطئ قبل الفراغ من السعي ووجوب المضي في فاسدها ووجوب القضاء قياسا على الحج الا أنه لا يجب بافسادها الا شاة، وقال الشافعي عليه القضاء وبدنة كالحج، وقال أبو حنيفة ان وطئ قبل أن يطوف أربعة أشواط كقولنا وأن وطئ بعد ذلك لم تفسد عمرته وعليه شاة ولنا على الشافعي أنها عبادة لا وقوف فيها فلم تجب فيها بدنة كما لو قرنها بالحج ولان العمرة دون الحج فيجب ان يكون حكمها دون حكمه ولنا على أبي حنيفة أن الجماع من محظورات الاحرام فاستوى فيه ما قبل الطواف وبعده كسائر المحظورات ولانه وطئ صادف احراما تاما فافسده كما قبل الطواف (فصل) إذا أفسد القارن والمتمع نسكهما لم يسقط الدم عنهما، وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة يسقط، وعن احمد رحمه الله مثله لانه لم يحصل الترفه بسقوط أحد السفرين. وقال القاضي في القارن إذا قلنا إن عليه للافساد دمين فسد دم القران ولنا أن ما وجب في النسك الصحيح وجب في الفاسد كالافعال ولانه دم وجب عليه فلم يسقط بالافساد كالدم الواجب لترك الميقات فان افسد القارن نسكه ثم قضى مفردا لم يلزمه في القضاء دم، وقال الشافعي يلزمه لانه يجب في القضاء ما يجب في الاداء ولنا أن الافراد أفضل من القران مع الدم فإذا أتى به فقد أتى بما هو أولى فلم يلزمه شئ كمن لزمته الصلاة بتيمم فقضاه بوضوء (مسألة) (وان جامع بعد التحلل الاول لم يفسد نسكه ويمضي إلى التنعيم فيحرم ليطوف وهو محرم وهل يلزمه بدنة أو شاة على روايتين) وفي هذه المسألة ثلاثة فصول (أحدها) أن الوطئ بعد التحلل الاول لا يفسد الحج وهو قول ابن عباس وعكرمة وعطاء والشعبي وربيعة ومالك والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي، وقال النخعي والزهري وحماد عليه حج من قابل لان الوطئ صادف احراما تاما بالحج فافسده كالوطئ قبل الرمي ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه " ولان ابن عباس قال في رجل أصاب أهله قبل أن يفيض يوم النحر: ينحران جزورا بينهما وليس عليه الحج من قابل ولا نعرف له في الصحابة مخالفا، ولانها عبادة لها تحللان فوجود المفسد بعد تحللها الاول لا يفسدها كما بعد التسليمة الاولى في الصلاة وبهذا فارق ما قبل التحلل الاول (الفصل الثاني) أن يفسد الاحرام بالوطئ بعد جمرة العقبة فليزمه أن يحرم من الحل وبذلك قال

[ 321 ]

عكرمه وربيعة واسحاق. وقال ابن عباس والشعبي والشافعي حجه صحيح ولا يلزمه إحرام لانه إحرام لم يفسد جميعه فلم يفسد بعضه كما بعد التحلل الثاني ولنا انه وطئ صادف إحراما فأفسده كالاحرام التام، وإذا فسد احرامه فعليه أن يحرم ليأتي بالطواف في إحرام صحيح لان الطواف ركن فيجب أن يأتي به في إحرام صحيح كالوقوف. ويلزمه الاحرام من الحل لان الاحرام ينبغي أن يجمع فيه بين الحل والحرم فلو أبحنا له الاحرام من الحرم لم يجمع بينهما لان أفعاله كلها تقع في الحرم أشبه المعتمر. وإذا أحرم طاف للزيارة وسعى أن لم يكن سعى وتحلل لان الذي بقي عليه يقية أفعال الحج وانما وجب عليه الاحرام ليأتي بها في احرام صحيح هذا ظاهر كلام الخرقي. والمنصوص عن أحمد رحمه الله ومن وافقه من الائمة أنه يعتمر فيحتمل أنهم أرادوا هذا أيضا وسموه عمرة لان هذه أفعال العمرة. ويحتمل انهم أرادوا عمرة حقيقة فلزمه سعي وتقصير، والاول أصح، وقوله يحرم من التنعيم لم يذكره لوجوب الاحرام منه بل لانه حل فمن أتى الحل وأحرم جاز كالمعتمر (فصل) ومتى وطئ بعد رمي الجمرة لم يفسد حجه حلق أو لم يحلق، هذا ظاهر كلام أحمد والخرقي ومن سمينا من الائمة لترتيبهم هذا الحكم على الوطئ بعد مجرد الرمى من غير اعتبار أمر زائد (فصل) فان طاف للزيارة ولم يرم ثم وطئ لم يفسد حجه بحال لان الحج قد تمت أركانه كلها ولا يلزمه إحرام من الحل فان الرمي ليس بركن ولا يلزمه دم لما ذكرنا ويحتمل أن يلزمه لانه وطئ قبل وجود ما يتم به التحلل أشبه من وطئ بعد الرمي قبل الطواف (فصل) والقارن كالمفرد في أنه إذا وطئ بعد الرمي لم يفسد حجه ولا عمرته لان الحكم للحج الا ترى أنه لا يحل من عمرته قبل الطواف ويفعل ذلك إذا كان قارنا ولان الترتيب للحج دونها والحج لا يفسد قبل الطواف كذلك العمرة وقال احمد فيمن وطئ بعد الطواف يوم النحر قبل أن يركع: ما عليه شئ. قال أبو طالب: سألت احمد عن الرجل يقبل بعد رمي جمرة العقبة قبل أن يزور البيت قال ليس عليه شئ قد قضى المناسك. فعلى هذا ليس في غير الوطئ في الفرج شئ (الفصل الثالث فيما يجب عليه فدية للوطئ وهو شاة) نص عليه احمد وهو ظاهر كلام الخرقي، وهو قول عكرمة وربيعة ومالك واسحاق وفيه رواية اخرى أن عليه بدنة وهو قول ابن عباس وعطاء والشعبي والشافعي وأصحاب الرأي لانه وطئ في الحج فوجبت به بدنة كما قبل رمى جمرة العقبة. ووجه الاولى أنه وطئ لم يفسد الحج فلم يوجب بدنة كالوطئ دون الفرج إذا لم ينزل ولان حكم الاحرام

[ 322 ]

خف بالتحلل الاول فينبغي أن ينقص موجبه عن الاحرام التام (فصل) وإذا أفسد القضاء لم يجب عليه قضاؤه وانما يقضي عن الحج الاول كما لو افسد قضاء الصلاة والصيام وجب القضاء للاصل دون القضاء كذا ههنا. وذلك لان الواجب لا يزداد بفواته وانما يبقى ما كان واجبا في الذمة على ماكان عليه فيعود به القضاء (فصل) قال الشيخ رضي الله عنه (التاسع) (المباشرة في ما دون الفرج لشهوة فان فعل فانزل فعليه بدنة وهل يفسد نسكه؟ على روايتين وان لم ينزل لم يفسد) إذا وطئ فميا دون الفرج أو قبل أو لمس بشهوة فأنزل فعليه بدنة، وبذلك قال الحسن وسعيد ابن جبير وأبو ثور، وقال الشافعي واصحاب الرأي وابن المنذر عليه شاة لانه مباشرة دون الفرج أشبه مالو لم ينزل. ولنا أنها مباشرة أوجبت الغسل فاوجبت بدنة كالوطئ في الفرج (فصل) وفي فساد النسك به روايتان (احداهما) يفسد اختارها أبو بكر والخرقي فيما إذا وطئ دون الفرج فانزل وهو قول الحسن وعطاء والقاسم بن محمد ومالك واسحاق لانها عبادة يفسدها الوطئ فافسدها الانزال عن مباشرة كالصيام (والثانية) لا يفسد وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر وهو الصحيح ان شاء الله تعالى لانه استمتاع لا يجب بنوعه الحد فلم يفسد الحج

[ 323 ]

كما لو لم ينزل ولانه لا نص فيه ولا اجماع ولا يصح قياسه على المنصوص عليه لان الوطئ في الفرج يجب بنوعه الحد ولا يفترق الحال فيه بين الانزال وعدمه بخلاف المباشرة، والصيام بخلاف الحج في المفسدات ولذلك يفسد إذا انزل بتكرار النظر وسائر محظوراته والحج لا يفسد بشئ من محظوراته غير الجماع فافترقا والمرأة كالرجل في هذا إذا كانت ذات شهوة والا فلا شئ عليها كالرجل إذا لم يكن له شهوة وان لم ينزل لم يفسد حجه بذلك لا نعلم فيه خلافا لانها مباشرة دون الفرج عريت عن الانزال فلم يفسد بها الحج قياسا عليه، وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لرجل قبل زوجته أفسدت حجك، وروي ذلك عن سعيد بن جبير وهو محمول على ما أذا أنزل (فصل) فان كرر النظر فانزل أو لم ينزل لم يفسد حجه روي ذلك عن ابن عباس، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وروي عن الحسن وعطاء ومالك فيمن ردد النظر حتى أمنى عليه حج قابل لانه أنزل بفعل محظور أشبه الانزال بالمباشرة ولنا انه انزال من غر مباشرة أشبه الانزال بالفكر والاحتلام والاصل الذي قاموا عليه ممنوع ثم ان المباشرة أبلغ في اللذة وآكد في استدعاء الشهوة فلا يصح القياس عليها، وان لم ينزل لم يفسد حجه لا نعلم أحدا قال بخلاف ذلك لانه لا يمكن التحرز منه أشبه الفكر والله أعلم (فصل) قال رضي الله عنه (والمرأة احرامها في وجهها ويحرم عليها ما يحرم على الرجل إلا في اللباس وتظليل المحمل) يحرم على المرأة تغطية وجهها في إحرامها لا نعلم في هذا خلافا الا ماروي عن أسماء رضي الله عنها أنها كانت تغطي وجهها فيحتمل انها كانت تغطيه بالسدل عند الحاجة ولا يكون اختلافا قال ابن المنذر كراهية البرقع ثابتة عن سعد وابن عمر وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم ولا نعلم أحدا خالف فيه والاصل فيه ماروى البخاري وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين " وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " احرام الرجل في رأسه واحرام المرأة في وجهها " (فصل) فان احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريبا منها فانها تسدل القثوب فوق رأسها على وجهها روي ذلك عن عثمان وعائشة رضي الله عنهما، وبه قال عطاء ومالك والثوري والشافعي

[ 324 ]

واسحاق ومحمد بن الحسن ولا نعلم فيه خلافا لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا حاذونا سدلت احدانا جلبابها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه. رواه أبو داود والاثرم ولان بالمرأة حاجة إلى ستر وجهها فلم يحرم عليها ستره على الاطلاق كالعورة. وذكر القاضي أن الثوب يكون متجافيا عن وجهها بحيث لا يصيب البشرة فان أصابها ثم زال أو ازالته بسرعة فلا شئ عليها كما لو أطارت الربح الثوب عن عورة المصلي ثم عاد بسرعة لا تبطل الصلاد، وان لم ترفعه مع القدرة فدت لانها استدامت الستر قال شيخنا ولم أر هذا الشرط عن احمد ولا هو في الخبر مع أن الظاهر خلافه فان الثوب المسدول لا يكاد يسلم من اصابة البشرة فلو كان هذا شرطا لبين، وإنما منعت المرأة من البرقع والنقاب ونحوه مما يعد لستر الوجه قال أحمد انما لها أن تسدل على وجهها من فوق وليس لها أن ترفع الثوب من أسفل كانه يقول إن النقاب من أسفل على وجهها (فصل) ويجتمع في حق المحرمة وجوب تغطية الرأس وتحريم تغطية الوجه ولا يمكن تغطية جميع الرأس الا بجزء من الوجه ولا كشف جميع الوجه لا بكشف جزء من الرأس فعند ذلك ستر الرأس كله أولى لانه آكد إذ هو عورة ولا يختص بحالة الاحرام وكشف الوجه بخلافه وقد أبحنا ستر جملته للحاجة العارضة فستر جزء منه لستر العورة أولى (فصل) ولا بأس للمرأة ان تطوف منتقبة ان لم تكن محرمة فعلته عائشة رضي الله عنها وكره ذلك عطاء ثم رجع عنه وذكر أبو عبد الله حديث ابن جريج ان عطاء كان يكره لغير المحرمة أن تطوف منتقبة حتى حدثته عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة أن عائشة طافت وهي منقبة فاخذ به (فصل) ويحرم عليها ما يحرم على الرجل من قطع الشعر وتقليم الاظفار والطيب وقتل الصيد وسائر المحظورات الا لبس المخيط وتظليل المحمل قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المرأة ممنوعة مما منع منه الرجال الا بعض اللباس، وأجمع أهل العلم على أن للمحرمة لبس القمص والدروع والسراويلات والخمر والخفات وإنما كان كذلك لان أمر النبي صلى الله عليه وسلم المحرم بامر وحكمه عليه يدخل فيه الرجال والنساء إنما استثنى منه اللباس للحاجة إلى ستر المرأة لكونها عورة الا وجهها فتجردها يفضي إلى انكشافها فابيح لها اللباس للستر كما أبيح للرجل عقد الازار كيلا يسقط فتنكشف عورته ولم يبح عقد الرداء، وقد روى ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى النساء في

[ 325 ]

احرامهن عن القفازين والنقاب وما مس الورس والزعفران من الثياب ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب من معصفر أو خز أو حلي أو سراويل أو قميص أو خف وهذا صريح والمراد باللباس ههنا المخيط من القمص والدروع والسراويلات والخفاف وما يستر الرأس ونحوه (فصل) ويستحب للمرأة عند الاحرام ما يستحب للرجل من الغسل والطيب قالت عائشة رضي الله عنها كنا نخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنضمد جباهنا بالمسك والطيب عند الاحرام فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراها النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينكر عليها والشابة والكبيرة سواء في هذا فان عائشة كانت شابة فان قيل اليس قد كره ذلك في الجمة قلنا لانها في الجمة تقرب من الرجال فيخاف الافتتان بها بخلاف مسألتنا ولهذا يلزم الحج النساء ولا يلزمهن الجمعة، وكذلك يستحب لها قلة الكلام الا فيما ينفع والاشتغال بالتلبية وذكر الله تعالى (مسألة) (ولا تلبس القفازين ولا الخلخال ولا تكتحل بالاثمد) القفازان شئ يعمل لليدين يدخلهما فيهما من خرق يسترهما من الحر مثل ما يعمل للبزاة يحرم على المرأة لبسه في حال إحرامها، وهذا قول ابن عمر وبه قال عطاء وطاوس ومجاهد والنخعي ومالك واسحاق وكان سعد بن أبي وقاص يلبس بناته القفازين وهن محرمات ورخص فيه علي وعائشة وعطاء، وبه قال الثوري وأبو حنيفة والشافعي كالمذهبين واحتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " إحرام المرأة في وجهها " ولانه عضو يجوز ستره بغير المخيط فجاز ستره به كالرجلين ولنا ماروى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين " رواه البخاري وحديثهم المراد به الكشف فأما الستر بغير المخيط فيجوز للرجل ولا يجوز بالمخيط (فصل) فأما الخلخال وما أشبهه من الحلي كالسوار فظاهر كلام شيخنا ههنا أنه لا يجوز لبسه وهو ظاهر كلام الخرقي وقد قال أحمد المحرمة والمتوفى عنها زوجها يتركان الطيب والزينة ولهما ما سوى ذلك، وروي عن عطاء أنه كان يكره للمحرمة الحرير والحلي وكرهه الثوري وروي عن قتادة أنه كان لا يرى بأسا أن تلبس المرأة الخاتم والقرط وهي محرمة وكره السوارين والخلخالين والدملحين وظاهر المذهب الرخصة فيه وهو قول ابن عمر وعائشة وأصحاب الرأي وهو الصحيح. قال أحمد في رواية حنبل تلبس المحرمة الحلي والمعصفر وقال عن نافع كان نساء ابن عمر وبناته يلبسن الحلي والمعصفر وهن محرمات لا ينكر عبد الله ذلك، وقد ذكرنا حديث ابن عمر وفيه ولتلبس بعد ذلك ما أحبت

[ 326 ]

من ألوان الثياب من معصفر أوخز أو حلي قال ابن المنذر لا يجوز المنع منه بغير حجة ويحمل كلام احمد في المنع على الكراهة لما فيه من الزينة وشبهه بالكحل بالاثمد ولا فدية فيه كما لا فدية في الكحل فاما ليس القفازين ففيه الفدية لانها لبست ما نهيت عن لبسه في الاحرام فلزمتها الفدية بالنقاب، وقال القاضي يحرم عليها شد يديها بخرقة لانه ستر ليديها بما يختص بها اشبه القفازين، وكما لو شد الرجل على جسده شيئا وإن لفت يديها من غير شد فلا فدية لان المحرم هو اللبس لا تغطيتهما كبدن الرجل (فصل) والكحل بالاثمد في الاحرام مكروه للمرأة والرجل، وانما خصت المرأة بالذكر لانها محل الزينة والكراهة في حقها أكثر من الرجل يروي هذا عن عطاء والحسن ومجاهد، وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: يكتحل المحرم بكل كحل ليس فيه طيب ورخص فيه مالك في الحر يجده المحرم، وروي عن أحمد أنه قال: يكتحل المحرم بما لم يرد به الزينة، قيل له الرجال والنساء؟ قال نعم ووجه كراهته ماروي عن جابر أن عليا رضي الله عنه قدم من اليمن فوجد فاطمة ممن حل فلبست ثيابا صبيغا واكتحلت فأنكر ذلك عليها فقالت: أبي أمرني بهذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم " صدقت صدقت " رواه مسلم وغيره، وهذا يدل على أنها كانت ممنوعة من ذلك، وروي عن عائشة أنها قالت لامرأة اكتحلي بأي كحل شئت غير الاثمد أو الاسود، إذا ثبت هذا فان الكحل بالاثمد مكروه ولا فدية فيه لا نعم فيه خلافا، وروت شميسة عن عائشة قالت: اشتكيت عيني وأنا محرمة فسألت عائشة فقالت اكتحلي بأي كحل شئت غير الاثمد، اما إنه ليس بحرام ولكنه زينة فيجب تركه، قال الشافعي إن فعلا فلا أعلم عليهما فيه فدية بشئ (فصل) فأما الكحل بغير الاثمد والاسود فلا كراهة فيه إذا لم يكن مطيبا لما ذكرنا من حديث عائشة وقول ابن عمر، وقد روى مسلم عن نبيه بن وهب قال: خرجنا مع أبان بن عثمان حتى إذا كنا بملل اشتكى عمر بن عبيد الله عينيه فأرسل إلى أبان بن عثمان ليسأله فقال اضمدهما بالصبر فان عثمان حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرجل إذا اشتكلى عينيه وهو محرم يضمدهما بالصبر ففيه دليل على إباحة ما أشبهه مما ليس فيه زينة ولا طيب وكان ابراهيم لا يرى بالذرور الاحمر بأسا (فصل) وإذا أحرم الخنثى المشكل لم يلزمه اجتناب المخيط لانا لا نتيقن كونه رجلا، وقال ابن المبارك يغطي رأسه ويكفر (قال شيحنا) والصحيح أنه لا شئ عليه لان الاصل عدم الوجوب فلا يجب بالشك، فان غطى وجهه وجسده لم يلزمه فدية لذلك، وإن جمع بين تغطية وجهه بنقاب أو برقع

[ 327 ]

وغطى رأسه أو لبس المخيط لزمته الفدية لانه لا يخلو أن يكون رجلا أو امرأة والله أعلم (مسألة) (ويجوز لبس المعصفر والكحلي والخضاب بالحناء والنظر في المرآة لهما جميعا) لا بأس بما صبغ بالعصفر لانه ليس بطيب ولا بأس باستعماله وشمه هذا قول جابر وابن عمر وعبد الله بن جعفر وعقيل بن أبي طالب رضي الله عنهم وهو مذهب الشافعي، وكرهه مالك إذا كان ينتفض في جسده ولم يوجب فيه فدية ومنع منه الثوري وأبو حنيفة ومحمد وشبهوه بالمورس والمزعفر لانه صبغ طيب الرائحة ولنا أن في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في المحرمة " وللبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب من معصفر، أو خز، أو حلي " رواه أبو داود، وعن عائشة وأسماء وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم أنهن كن يحرمن في المعصفرات، ولانه قول من سمينا من الصحابة ولم نعرف لهم مخالفا، ولانه ليس بطيب فلم يكره المصبوغ به كالسواد، وأما الورس والزعفران فانه طيب ولا بأس بالممشق وهو المصبوغ بالمغرة لانه مصبوغ بطين وكذلك سائر الاصباغ سوى ما ذكرنا لان الاصل الاباحة إلا ما ورد الشرع بتحريمه أو ماكان في معناه، وليس هذا كذلك فأما المصبوغ بالرياحين فهو مبني على الرياحين في نفسها فما منع المحرم من استعماله منع لبس المصبوغ به إذا ظهرت رائحته وإلا فلا إلا أنه يكره للرجل لبس المعصفر في غير الاحرام فكذلك فيه وقد ذكرنا ذلك في الصلاة (فصل) ويستحب للمرأة أن تختضب بالحناء عند الاحرام لما روي عن ابن عمر أنه قال: من السنة أن تدلك المرأة يديها في حناء، ولانه من الزينة فاستحب عند الاحرام كالطيب ولا بأس بالخضاب في حال احرامها، وقال القاضي يكره لكونه من الزينة فأشبه الكحل بالاثمد، فان فعلت ولم تشد يديها بالخرق فلا فدية عليها، وبه قال الشافعي وابن المنذر. وكان مالك ومحمد بن الحسن يكرهان الخضاب للمحرمة وألزماها الفدية ولنا ما روى عكرمة أنه قال: كانت عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم يختضبن بالحناء وهن حرم ولا بأس بذلك للرجل فيما لا تشبه فيه بالنساء لان الاصل الاباحة، وليس ههنا دليل يمنع من نص ولا اجماع ولاهو في معنى المنصوص (فصل) ولا بأس بالنظر في المرآة للحاجة كمداواة جرح أو ازالة شعره نبتت في عينه ونحو ذلك مما أباح الشرع له فعله، وقد روي عن ابن عمر وعمر بن عبد العزيز أنهما كانا ينظران في

[ 328 ]

المرآة وهما محرمان ويكره أن ينظر فيها لازالة شعث أو تسوية شعر أو شئ من الزينة ذكره الخرقي قال أحمد رحمه الله: لا بأس أن ينظر في المرآة ولا يصلح شعرا، ولا ينفض عنه غبارا، وقال أيضا إذا كان يريد زينة فلا، قيل فكيف يريد زينة؟ قال يرى شعرة فيسويها، روي نحو ذلك عن عطاء لانه قد روي في حديث " إن المحرم الاشعث الاغبر " وفي الآخر " إن الله يباهي بأهل عرفة ملائكته فيقول يا ملائكتي انظروا إلى عبادي قد أتوني شعثا غبرا ضاحين " أو كما جاء ولا فدية بالنظر في المرآة بحال وانما ذلك أدب لا شئ على فاعله لا نعلم أحدا أوجب في ذلك شيئا (فصل) وللمحرم أن يحتجم ولا فدية عليه إذا لم يقطع شعرا في قول الجمهور لانه تداو باخراج دم أشبه الفصد وبط الجرح، وقال مالك لا يحتجم إلا من ضرورة وكان الحسن يرى في الحجامة دما ولنا أن ابن عباس روى أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم: متفق عليه ولم يذكر فدية، ولانه لا يترفه بذلك أشبه شرب الادوية، وكذلك الحكم في قطع العضو عند الحاجة والختان كل ذلك مباح من غير فدية، فان احتاج في الحجامة إلى قطع شعر فله قطعه لما روى عبيد الله بحينة أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم بلحي جمل في طريق مكة وهو محرم وسط رأسه. متفق عليه، ومن ضرورة ذلك قطع الشعر، لانه يباح حلق الشعر لازالة أذى القمل فكذلك هذا وعليه الفدية، وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأبو ثور وابن المنذر، وقال أبو يوسف ومحمد يتصدق بشئ ولنا قوله تعالى (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة) الآية ولانه حلق شعرا لازالة ضرر غيره فلزمته الفدية كما لو حلقه لازالة قمله (فصل) ويجتنب المحرم مانهاه الله تعالى عنه بقوله (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) وهذا صيغته صيغة النفي والمراد به النهي كقوله تعالى (لاتضار والدة بولدها) والرفث الجماع روي ذلك عن ابن عباس وابن عمر، وروي عن ابن عباس أنه قال الرفث غشيان النساء والتقبيل والغمز وان يعرض لها بالفحش من الكلام، وقال أو عبيدة الرفت لغا الكلام وأنشد قول العجاج: * عن اللغا ورفث التكلم * وقيل الرفث هو ما يكنى عنه من ذكر الجماع، وروي عن ابن عباس أنه أنشد بيتا فيه التصريح بما يكنى عنه من الجماع وهو محرم فقيل له في ذلك فقال إنما الرفث ماروجع به النساء، وفي لفظ ما قيل من ذلك عند النساء، وفي الجملة كل ما فسر به الرفث ينبغي للمحرم أن يجتنبه الا أنه في الجماع

[ 329 ]

أظهر لما ذكرنا من تفسير الائمة ولانه قد جاء في موضع آخر وأريد به الجماع وهو قوله (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) (1) أما الفسوق فهو السباب لقول الني صلى الله عليه وسلم " سباب المسلم فسوق " متفق عليه (2) وقيل الفسوق المعاصي روي ذلك عن ابن عباس وان عمر وعطاء وابراهيم وقالوا أيضا الجدال المراء قال ابن عباس رضي الله عنه هو أن تماري صاحبك حتى تغضبه والمحرم ممنوع من ذلك كله قال النبي صلى الله عليه وسلم " من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه " متفق عليه وقال مجاهد في قوله (ولا جدال في الحج) أي لا مجادلة وقول الجمهور أولى. (فصل) ويستحب له قلة الكلام الا فيما ينفع صيانة لنفسه عن اللغو والوقوع في الكذب ومالا يحل فان من كثر كلامه كثر سقطه، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت متفق عليه وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حسن اسلام المرء تركه مالا يعنيه " قال أبو داود أصول السنن أربعة أحاديث هذا أحدها وهذا في حال الاحرام أشد استحبابا لانه حال عبادة واستشعار بطاعة فهو يشبه الاعتكاف، وقد احتج أحمد رحمه الله على ذلك بأن شريحا رحمه الله كان إذا أحرم كأنه حية صماء فيستحب للمحرم أن يشتغل بالتلبية وذكر الله تعالى وقراءة القرآن وأمر بمعروف أو نهي عن منكر أو تعليم جاهل أو يأمر بحاجته أو يسكت فان تكلم بما لا اثم فيه أو أنشد شعرا لا يقبح فهو مباح ولا يكثر فقد روي عن عمر رضي الله عنه انه كان على ناقة وهو محرم فجعل يقول: كان راكبها غصن بمروحة * إذا تدلت به أو شارب ثمل الله أكبر الله أكبر. وهذا يدل على الاباحة، والفضيلة ما ذكرناه أولا والله أعلم (فصل) ويجوز للمحرم أن يتجر ويصنع الصنائع بغير خلاف علمناه. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان ذو المجاز وعكاظ متجر الناس في الجاهلية فلما جاء الاسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم) يعني في مواسم الحج

[ 330 ]

باب الفدية (وهي على ثلاثة اضرب (أحدها) ما هو على التخيير وهو نوعان (أحدهما) يخير فيه بين صيام ثلاثة أيام أو اطعام ستة مساكين مد بر أو نصف صاع تمر أو شعير أو ذبح شاة وهي فدية حلق الرأس وتقليم الاظفار وتغطية الرأس واللبس والطيب، وعنه يجب الدم الا أن يفعله لعذر فيجب) الكلام في هذه المسألة في فصول (أحدها) في أن فدية هذه المحظورات على التخيير ايها شاء فعل والاصل في ذلك قوله تعالى (فمن كان منكم مريضا أو به أذي من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) ذكره بلفظ أو وهي للتخيير وقال النبي صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة " لعلك اذاك هو امك " قال: نعم يارسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " احلق رأسك وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو انسك شاة " متفق عليه وفي لفظ " أو اطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع تمر " فدلت الآية والخبر على وجوب الفدية على صفة التخيير بين الذبح والاطعام والصيام في حلق الشعر وقنا عليه تقليم الاظفار واللبس والطيب لانه حرم في الاحرام لاجل الترفه فاشبه حلق الشعر ولا فرق في الحلق بين المعذور وغيره في ظاهر المذهب والعامد والمخطئ، وهو مذهب مالك والشافعي، وعن احمد أنه إذا حلق من غير عذر فعليه دم من غير تخيبر اختاره ابن عقيل وهو مذهب أبي حنيفة لان الله تعالى خير بشرط العذر فإذا عدم العذر زال التخيير ولنا أن الحكم ثبت في غير المعذور بطريق التنبيه تبعا له والتبع لا يخالف أصله، ولان كل كفارة ثبت التخيير فيها مع العذر ثبت مع عدمه كجزاء الصيد، لا فرق بين قتله للضرورة إلى أكله أو لغير ذلك وإنما الشرط لجواز الحلق لا للتخير (الفصل الثاني) أنه مخير بين الثلاثة المذكورة في الحديث وهي صيام ثلاثة أيام أو اطعام ستة مساكين لكل مسكين مد بر أو نصف صاع تمر أو شعير أو ذبح شاة وقد دل الحديث المذكور على ذلك. وفي لفظ أو اطعم فرقا بين ستة مساكين. وفي لفظ فصم ثلاثة أيام وإن شئت فتصدق بثلاثة آصع من تمر بين ستة مساكين رواه أبو داود، وبهذا قال مجاهد والنخعي ومالك والشافعي وأصحاب الرأي، وقال الحسن وعكرمة ونافع الصيام عشرة أيام والصدقة على عشرة مساكين

[ 331 ]

ويروى عن الثوري وأصحاب الرأي قالوا يجزئ من البر نصف صاع ومن التمر والشعير صاع صاع واتباع السنة الصحيحة أولى (فصل) والحديث إنما ذكر فيه التمر ويقاس عليه البر والشعير والزبيب لان كل موضع أجزأ فيه التمر أجزأ ذلك فيه كالفطرة وكفارة اليمين، وقد روى أبو داود في حديث كعب بن عجرة قال فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي " احلق رأسك وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين فرقا من زبيب أو انسك شاة " ولا يجزئ من هذه الاصناف أقل من ثلاثة آصع الا البر ففيه روايتان (احداهما) يجزئ مد بر لكل مسكين مكان نصف صاع من غير كما في كفارة اليمين (والثانية) لا يجزئ إلا نصف صاع لان الحكم ثبت فيه بطريق التنبيه أو القياس والفرع يماثل أصله ولا يخالفه، وبهذا قال مالك والشافعي (فصل) ومن أبيح له حلق رأسه جاز له تقديم الكفارة على الحلق فعله علي رضي الله عنه ولانها كفارة فجاز تقديمها على وجوبها ككفارة اليمين (الفصل الثالث) أنه لا فرق بين فعلها لعذر أو غيره وقد ذكرناه (مسألة) (النوع الثاني جزاء الصيد يتخير فيه بين المثل وتقويمه بدراهم يشتري بها طعاما فيطعم لكل مسكين مدا أو يصوم عن كل مد يوما وان كان ممالا مثل له خبر بين الاطعام والصيام وعنه أن جزاء الصيد على الترتيب فيجب المثل فان لم يجد لزمه الاطعام فان لم يجد صام) الكلام في هذه المسألة في فصول (أحدها) في وجوب الجزاء على المحرم في قتل الصيد وأجمع أهل للعلم على وجوبه في الجملة، وقد نص الله تعالى عليه بقوله (يا أيها الذين آمنوا لا تقتوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم) نص على وجوب الجزاء على المتعمد وقد ذكرناه (الفصل الثاني) أنه على التخيير بين الاشياء المذكورة بايها شاء كفر موسرا كان أو معسرا وبهذا قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وعن احمد رواية ثانية انها على الترتيب فيجب المثل أولا فان لم يجد أطعم فان لم يجد صام روي هذا عن ابن عباس والثوري ولان هذي المتعة على الترتيب وهذا آمد منه لانه بفعل محظور وعنه رواية ثالثة أنه لاإطعام في كفارة الصيد، وانما ذكره في الآية ليعدل به الصيام لان من قدر على الاطعام قدر على الذبح كهذا قال ابن عباس وهذا قول الشافعي ولنا قوله سبحانه (فجزأ مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل امنكم هديا بالغ الكعبة أو

[ 332 ]

كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما) و " أو " في الامر للتخيير روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: كل شئ أو، أو، فهو مخير وأما ما كان (فان لم يجد) فهو الاول فالاول ولانه عطف هذه الخصال بعضها على بعض بأو فكان مخيرا في جميعها كفدية الادى وقد سمى الله تعالى الطعام كفارة ولا يكون كفارة ما لم يجب اخراجه وجعله طعاما للمساكين وما لا يجوز صرفه إليهم لا يكون طعاما لهم ولانها كفارة ذكر فيها الطعام فكان من خصالها كسائر الكفارات وقولهم إنها وجبت بفعل محظور يبطل بفدية الاذى على أن لفظ النص صريح في التخيير فليس ترك مدلوله قياسا على هدي المتعة باولى من العكس فكما لا يجوز ثم لا يجوز هنا (فصل) وإذا اختار المثل ذبحه وتصدق به على فقراء الحرم ولا يجزئه أن يتصدق به حيا على المساكين لان الله سبحانه سماه هديا والهدي يجب ذبحه وله ذبحه أي وقت شاء، ولا يختص ذلك بايام النحر لان الامر به مطلق (الفصل الثالث) أنه متى اختار الاطعام فانه يقوم المثل بدراهم والدراهم بطعام ويتصدق به على المساكين، وبهذا قال الشافعي وقال مالك: يقوم الصيد لا المثل وحكى ابن أبي موسى رواية مثل ذلك وحكى رواية أخرى أنه ان شاء اشترى بالدراهم طعاما فتصدق به وان شاء تصدق بالدراهم وجه قول مالك أن التقويم إذا وجب لاجل الاتلاف قوم المتلف كالذي لا مثل له ولنا على مالك ان كل متلف وجب فيه المثل إذا قوم وجبت قيمة مثله كالمثلي من مال الآدمي وعلى أنه لا تجوز الصدقة بالدراهم ان الله سبحانه انما ذكر في الآية التخيير بين ثلاثة أشياء وهذا ليس منها. والطعام المخرج هو الذي يخرج في الفطرة وفدية الاذى من التمر والزبيب والبر والشعير قياسا عليه ويحتمل أن يجزئ كل ما يسمى طعاما لدخوله في اطلاق اللفظ (الفصل الرابع) أنه يطعم كل مسكين من البر مدا كما يدفع إليه في كفارة اليمين ومن سائر الاصناف نصف صاع نص عليه احمد رحمه الله تعالى في اطعام المساكين في الفدية والجزاء وكفارة اليمين ان اطعم برا فمد لكل مسكين ان اطعم تمرا فنصف صاع لكل مسكين، ولفظ شيخنا ههنا مطلق في انه يطعم لكل مسكين مدا ولم يفرق بين الاصناف وكذلك ذكره الخرقي مطلقا، والاولى أنه لا يجتزئ من غير البرباقل من نصف صاع لانه لم يرد الشرع في موضع باقل من ذلك في طعمة المساكين وهذا لا توقيف فيه فيرد إلى نظرائه ولا يجزئ اخراج الطعام الا على مساكين الجرم

[ 333 ]

لانه قائم مقام الهدي الواجب لهم فيكون أيضا لهم كقيمة المثلي من مال الآدمي (الفصل الخامس) أنه يصوم عن كل مد يوما وهو قول عطاء ومالك والشافعي لانها كفارة دخلها الصيام والاطعام فكان اليوم في مقابلة المد ككفارة الظهار وعن احمد رحمه الله أنه يصوم عن كل نصف صاع يوما وهو قول ابن عباس والحسن والنخعي والثوري وأصحاب الرأي وابن المنذر قال القاضي المسألة رواية واحدة واليوم عن مد بر أو نصف صاع من غيره وكلام احمد في الروايتين محمول على اختلاف الحالين لان صوم اليوم مقابل اطعام المسكين واطعام المسكين مد بر أو نصف صاع من غيره، ولان الله تعالى جعل اليوم في كفارة الظهار في مقابلة اطعام المسكين فكذا ههنا وروى أبو ثور أن كفارة الصيد من الاطعام والصيام مثل كفارة الآدمى وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما ولنا أنه جزاء عن متلف فاختلف باختلافه كبدل مال الآدمي، ولان الصحابة رضي الله عنهم حين قضوا في الصيد قضوا فيه مختلفا (فصل) فان بقي من الطعام مالا يعدل يوما كدون المد صام عنه يوما كاملا كذلك قال عطاء والنخعي وحماد والشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم أحدا خالفهم لان الصوم لا يتبعض فيجب تكميله ولا يجب التتابع في الصيام، وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي فان الله سبحانه أمر به مطلقا فلا يتقيد بالتتابع من غير دليل ولا يجوز أن يصوم عن بعض الجزاء ويطعم عن بعض نص عليه احمد، وبه قال الشافعي واسحاق وأبو ثور وابن المنذر وجوزه محمد بن الحسن إذا عجز عن بعض الاطعام ولا يصح لانها كفارة واحدة فلم يجز فيها ذلك كسائر الكفارات (فصل) وان كان ممالا مثل له من الصيد يخير قاتله بين أن يشتري بقيمته طعاما فيطعمه للمساكين وبين أن يصوم لتعذر المثل وهل يجوز اخراج القيمة؟ فيه احتمالان (احدهما) لا يجوز وهو ظاهر كلام احمد في رواية حنبل فانه قال إذا أصاب المحرم صيدا ولم يصب له عدل حكم عليه قوم طعاما ان قدر على طعام والاصام لكل نصف صاع يوما هكذا يروى عن ابن عباس ولانه جزاء صيد فلم يجز اخراج القيمة فيه كالذي له مثل ولان الله تعال خير بين ثلاثة أشياء ليس منها القيمة فإذا عدم أحد الثلاثة يبقى التخيير بين الشيئين الباقيين فاما إيجاب شئ غير المنصوص عليه فلا (والثاني) يجوز اخراج القيمة لان عمر رضي الله عنه قال لكعب ما جعلت على نفسك؟ قال درهمين. قال

[ 334 ]

اجعل ما جعلت على نفسك. وقال عطاء في العصفور نصف درهم وظاهره اخراج الدرهم الواجبة، وعنه أن جزاء الصيد على الترتيب وقد ذكرناه (فصل) قال رضي الله عنه (الضرب الثاني على الترتيب وهو ثلاثة أنواع (أحدها دم المتعة والقران فيجب الهدي فان لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج والافضل أن يكون آخرها يوم عرفة وسبعة إذا رجع إلى أهله وان صامها قبل ذلك أجزأه) لا نعلم خلافا في وجوب الدم على المتمتع والقارن وقد ذكرناه فيما مضى وذكرنا شروط وجوب الدم فان لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله لقوله تعالى (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم) وتعتبر القدرة على الهدي في موضعه فمتى عدمه في موضعه جاز له الانتقال إلى الصيام وان كان قادرا عليه في بلده لان وجوبه موقت فاعتبرت له القدرة عليه في موضعه كالماء في الطهارة إذا عدمه في مكانه انتقل إلى التراب (فصل) ولكل واحد من صوم الثلاثة والسبعة وقتان وقت استحباب ووقت جواز. فاما الثلاثة فالافضل أن يكون آخرها يوم عرفة يروى ذلك عن عطاء وطاوس والشعبي ومجاهد والحسن والنخعي وسعيد بن جبير وعلقمة وأصحاب الرأي وروي عن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما أنه يصومهن مابين اهلاله بالحج ويوم عرفة وظاهر هذا أنه يجعل آخرها يوم التروية لان صوم يوم عرفة بعرفة غير مستحب. وذكر القاضي في المجرد ذلك مذهب أحمد المنصوص عن احمد ما ذكرناه أولا وانما أوجبنا له صوم يوم عرفة ههنا لموضع الحاجة وعلى هذا القول يستحب له تقديم الاحرام بالحج قبل يوم التروية ليصومها في الحج فان صام منها شيئا قبل إحرامه بالحج جاز نص عليه فاما وقت جواز صيامها فإذا أحرم بالعمرة. وهذا قول أبي حنيفة، وعن احمد إذا حل من العمرة وقال مالك والشافعي لا يجوز الا بعد الاحرام بالحج ويروي ذلك عن ابن عمر وهو قول اسحاق وابن المنذر لقول الله تعالى (فصيام ثلاثة أيام في الحج) ولانه صيام واجب فلم يجز تقديمه على وقت وجوبه كسائر الصيام الواجب ولان ما قبله وقت لا يجوز فيه المبدل فلم يجز فيه البدل كقبل الاحرام بالعمرة وقال الثوري والاوزاعي يصومهن من أول العشر إلى يوم عرفة ولنا ان احرم العمرة أحد احرامي التمتع فجاز الصوم بعده كاحرام الحج. وأما قوله (فصيام ثلاثة

[ 335 ]

أيام في الحج) فقيل معناه في أشهر الحج فانه لا بد فيه من اضمار إذا كان الحج افعالا لا يصام فيها انما يصام في وقتها أو في أشهرها فهو كقوله سبحانه (الحج أشهر معلومات) وأما تقديمه على وقت الوجوب فيجوز إذا وجد السبب كتقديم التكفير على الحنث وزهوق النفس وأما كونه بدلا فلا يقدم على المبدل فقد ذكرنا رواية في جواز تقديم الهدي على الاحرام بالحج فكذلك الصوم (فصل) فاما تقديم الصوم على احرام العمرة فلا يجوز لا نعلم قائلا بجواز الا رواية عن احمد حكاها بعض الاصحاب وليس بشئ لانه تقديم الصوم على سببه ووجوبه ومخالف لقول أهل العلم واحمد رحمه الله ينزه عن هذا. وأما السبعة فلها وقتان وقت اختيار ووقت جواز أما وقت الاختيار فإذا رجع إلى أهله لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله " متفق عليه وأما وقت الجواز فإذا مضت أيام التشريق قال الاثرم سئل احمد هل يصوم بالطريق أو بمكة؟. قال: كيف شاء، وبهذا قال أبو حنيفة ومالك وعن عطاء ومجاهد يصومها في الطريق وهو قول اسحاق وقال ابن المنذر يصومها إذا رجع إلى أهله للخبر ويروى ذلك عن ابن عمر وهو قول الشافعي وله قول كقولنا وكقول اسحاق ولنا أن كل صوم لزمه وجاز في وطنه جاز قبل ذلك كسائر الفروض وأما الآية فان الله سبحانه جوز له تأخير الصيام الواجب تخفيفا عنه فلا يمنع ذلك الاجزاء قبله كتأخير صوم رمضان في السفر والمرض بقوله سبحانه (فعدة من أيام أخر) لان الصوم وجد من أهله بعد وجود سببه فأجزأ كصوم المسافر والمريض (مسألة) (فان لم يصم قبل يوم النحر صام أيام منى وعنه لا يصومها ويصوم بعد ذلك عشرة أيام وعليه دم) إذا لم يصم المتمتع الثلاثة الايام في الحج فانه يصومها بعد ذلك، وبهذا قال علي وعائشة وابن عمر وعروة بن الزبير وعبيد بن عمير والحسن وعطاء والزهري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي ويروى عن ابن عباس وطاوس ومجاهد إذا فاته الصوم في العشر لم يصم بعده واستقر الهدي في ذمته لان الله تعالى قال (فصيام ثلاثة أيام في الحج) ولانه بدل موقت فيسقط بخروج وقته كالجمعة ولنا أنه صوم واجب فلم يسقط بخروج وقته كصوم رمضان والآية تدل على وجوبه في الحج لا على سقوطه والقياس منتقض بصوم الظهار إذا قدم المسيس عليه والجمعة ليست بدلا انما هي الاصل وإنما سقطت لان الوقت جعل شرطا لها كالجماعة. إذا ثبت هذا فانه يصوم أيام مني وهذا قول ابن عمر

[ 336 ]

وعائشة وعروة وعبيد بن عمير والزهري ومالك والاوزاعي واسحاق والشافعي في القديم لما روى ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما قالا لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن الا لمن لم يجد الهدي رواه البخاري وهذا ينصرف إلى ترخيص رسول الله صلى الله عليه وسلم ولان الله تعالى أمر بصيام هذه الايام الثلاثة في الحج ولم يبق من الحج الا هذه الايام فيتعين الصوم فيها فإذا صام هذه الايام فحكمه حكم من صام قبل يوم النحر، وعن احمد رواية أخرى انه لا يصوم أيام مني روي ذلك عن علي والحسن وعطاء وهو قول ابن المنذر لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم ستة أيام ذكر منها أيام التشريق ولانها لا يجوز فيها صوم النفل فلا يصومها عن الفرض كيوم النحر فعلى هذه الرواية يصوم بعد ذلك عشرة أيام وكذلك الحكم إذا قلنا بصوم أيام منى فلم يصمها واختلفت الرواية عن احمد رحمه الله في وجوب الدم عليه فعنه عليه دم لانه أخر الواجب من مناسك الحج عن وقته فلزمه دم كرمي الجمار ولا فرق بين المؤخر لعذر أو لغيره لما ذكرنا وقال القاضي انما يجب الدم إذا أخره لغير عذر فليس عليه الا قضاؤه لان الدم الذي هو المبدل لو أخره لعذر لم يكن عليه دم لتأخيره فالبدل أولى وروي ذلك عن أحمد (مسألة) وقال أبو الخطاب (ان أخر الصوم أو الهدي لعذر لم يلزمه الا قضاؤه وان أخر الهدي لغير عذر فهل يلزمه دم آخر؟ على روايتين) قال وعندي أنه لا يلزمه من الصوم دم بحال ولا يجب التتابع في الصيام إذا أخر الهدي الواجب لعذر مثل ان ضاعت نفقته فليس عليه الا قضاؤه كسائر الهدايا الواجبة، وان أخره لغير عذر ففيه روايتان (احداهما) ليس عليه إلا قضاؤه كسائر الهدايا (والثانية) عليه هدي آخر لانه نسك موقت فلزمه الدم بتأخيره عن وقته كرمي الجمار قال احمد من تمتع فلم يهد إلى قابل يهدي هديين كذلك قال ابن عباس رضي الله عنه وأما إذا أخر الصوم فقد ذكرنا أنه يجب على الدم إذا كان تأخيره لغير عذر اختاره القاضي وان كان لعذر ففيه روايتان، وعن أحمد رواية ثالثة انه لا يلزمه مع الصوم دم بحال وهذا اختيار أبي الخطاب ومذهب الشافعي لانه صوم واجب يجب القضاء بفواته فلم يجب بفواته دم كصوم رمضان (فصل) ولا يجب التتابع في صيام التمتع لا في الثلاثة ولا في السبعة ولا في التفريق نص عليه احمد رحمه الله لان الامر ورد بها مطلقا وذلك لا يقتضي حجا ولا تفريقا وهذا قول الثوري واسحاق وغيرهما وقال بعض الشافعية إذا أخر الثلاثة وصام السبعة فعليه التفريق لانه وجب من

[ 337 ]

حيث الفعل وما وجب التفريق فيه من حيث الفعل لا يسقط بفوات وقته كافعال الصلاة من الركوع والسجود ولنا أنه صوم واجب فعله في زمن يصح الصوم فيه فلم يجب تفريقه كسائر الصوم ولا نسلم وجوب التفريق في الاداء فانه إذا صام أيام منى واتبعها السبعة فما حصل التفريق وان سلمنا وجوب التفريق في الاداء فانما كان من حيث الوقت فإذا فات الوقت سقط كالتفريق بين الصلاتين (فصل) ووقت وجوب الصوم وقت وجوب الهدي لانه بدل عنه فأشبه سائر الابدال فان قيل فكيف جوزتم الانتقال إلى الصوم قبل زوال وجوب المبدل فلم يتحقق العجز عن المبدل لانه انما يتحقق العجز المجوز للانتقال إلى المبدل زمن الوجوب فكيف جوزتم الصوم قبل وجوبه؟ قلنا انما جوزنا له الانتقال إلى المبدل بناء على العجز الظاهر فان الظاهر من المعسر استمرار اعساره وعجزه كما جوزنا التكفير قبل وجوب المبدل وأما تجويز الصوم قبل وجوبه فقد ذكرناه (مسألة) (ومتى وجب عليه الصوم فشرع فيه ثم قدر على الهدي لم يلزمه الانتقال إليه الا أن يشاء) هذا قول الحسن وقتادة ومالك والشافعي وقال ابن أبي نجيح وحماد والثوري إن أيسر قبل أن يكمل الثلاثة فعليه الهدي فان كمل الثلاثة صام السبعة وقيل متى قدر على الهدي قبل يوم النحر انتقل إليه صام أو لم يصم وان وجده بعد أن مضت أيام النحر أجزأه الصيام قدر على الهدي أو لم يقدر لانه قدر على المبدل في زمن وجوبه فلم يجزه البدل كما لو لم يصم ولنا أنه يصوم دخل فيه لعدم الهدي فإذا وجد الهدي لم يلزمه الخروج إليه كصوم السبعة وعلى هذا يخرج الاصل الذي قاسوا عليه فانه ما شرع في الصيام فأما ان اختار الانتقال إلى الهدي جاز لانه أكمل. (مسألة) وان وجب ولم يشرع فهل يلزمه الانتقال؟ على روايتين (أحداهما) لا يلزمه الانتقال إليه قال في رواية المروذي إذا لم يصم في الحج فليصم إذا رجع ولا يرجع إلى الدم قد انتقل فرضه إلى الصيام وذلك لان الصيام استقر في ذمته لوجوبه حال وجود السبب المتصل بشرطه وهو عدم الهدي. (والثانية) يلزمه الانتقال إليه قال يعقوب سألت أحمد عن المتمتع إذا لم يصم قبل يوم النحر قال عليه هديان يبعث بهما إلى مكة أوجب عليه الهدي الاصلي وهديا لتأخير الصوم عن وقته لانه قدر على المبدل قبل شروعه في البدل فلزمه الانتقال إليه كالتيمم إذا وجد الماء

[ 338 ]

(فصل) ومن لزمه صوم المتعة فمات قبل أن يأتي به لعذر منعه الصوم فلا شئ عليه وإن كان لغير عذر أطعم عنه كما يطعم عن صوم رمضان لانه صوم وجب باصل الشرع أشبه صوم رمضان (مسألة) (النوع الثاني المحصر يلزمه الهدي فان لم يجد صام عشرة أيام ثم حل) لا خلاف في وجوب الهدي على المحصر وقد دل عليه قوله تعالى (فان احصرتم فما استيسر من من الهدي) فان لم يجد الهدي صام عشرة أيام ثم حل قياسا على هدي المتمتع وليس له التحلل قبل ذلك وفيه اختلاف نذكره في باب الاحصار ان شاء الله تعالى (مسألة) (النوع الثالث فدية الوطئ) تجب به بدنة فان لم يجد صام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع كدم المتعة لقضاء الصحابة رضي الله عنهم به، وقد ذكرناه في الباب الذي قبله قاله عبد الله ابن عمر وعبد الله بن عمرو وعبد الله ابن عباس رواه عنهم الاثرم ولم يظهر لهم في الصحابة مخالف فيكون اجماعا فيكون بدله مقيسا على بدل دم المتعة، هذا هو الصحيح من المذهب لانا انما أوجبنا البدنة بقول الصحابة رضي الله عنهم فكذلك في بدلها، وقال القاضي يخرج بدنة فان لم يجد أخرج بقرة فان لم يجد فسبعا من الغنم فان لم يجد أخرج بقيمتها طعام فبأيها كفر أجزأه. وجه قول القاضي يجب بالوطئ بدنة لما ذكرنا من قول الصحابة رضي الله عنهم فان لم يجد البدنة أخرج بقرة لانها تساويها في الهدي والاضاحي، وقد روى أبو الزبير رضي الله عنه قال كنا ننحر البدنة عن سبعة فقيل له والبقرة؟ قال وهل هي الا من البدن فان لم يجد اخرج سبعا من الغنم لانها تقوم مقام البدنة في الهدي والاضاحي ولما روى ابن عباس قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال إنى علي بدنة وأنا موسر لها ولا أجدها فأشتريها فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يبتاع سبع شياه فيذبحهن رواه ابن ماجه وان لم يجد اخرج بقيمتها طعاما فان لم يجد صام عن كل مد يوما كقولنا في جزاء الصيد على إحدى الروايتين في أنه لا ينتقل إلى الاطعام مع وجود المثل ولا إلى الصيام مع القدرة على الاطعام قال شيخنا وظاهر كلام الخرقي أنه مخير في هذه الخمسة فبايها كفرأجزأه والخرقي انما صرح باجزاء سبع من الغنم مع وجود البدنة هكذا ذكر في كتابه ولعل ذلك نقله بعض الاصحاب عنه في غير كتابه المختصر ووجه قوله إنها كفارة تجب بفعل محظور فيخير فيها بين الدم والاطعام والصيام كفدية الاذى (مسألة) (ويجب بالوطئ في الفرج بدنة ان كان في الحج وشاة ان كان في العمرة) ذكرنا ذلك في باب محظورات الاحرام مفصلا فيم إذا كان الوطئ قبل التحلل الاول وبعده وذكرناه

[ 339 ]

الخلاف فيه بما يغني عن إعادته. (مسألة) (ويجب على المرأة مثل ذلك إن كانت مطاوعة وإن كانت مكرهة فلا فدية عليها) وقيل عليها كفارة يتحملها الزوج عنها إذا جامع امرأته في الحج وهي مطاوعة فحكمها حكمه على كل واحد منهما بدنة ان كان قبل التحلل الاول وممن أوجب عليها بدنة ابن عباس وسعيد بن المسيب ومالك والحكم وحماد ولان ابن عباس رضي الله عنه قال: أهد ناقة، ولانها حدى المتجامعين من غير اكراه فاشبهت الرجل وعنه أنه قال أرجو ان يجزيهما هدي واحد يروى ذلك عن عطاء وهو مذهب الشافعي لانه جماع واحد فلم يوجب أكثر من بدنة كحالة الاكراه، فاما المكرهة على الجماع فلا فدية عليها ولا على الواطئ أن يفدي عنها نص عليه احمد لانه جماع يوجب الكفارة فلم يوجب حال الاكراه أكثر من كفارة واحدة كما في الصيام، وهذا قول اسحاق وأبي ثور وابن المنذر، وعن أحمد رواية أخرى ان عليه أن يهدي عنها وهو قول عطاء ومالك لان افساد الحج وجد منه في حقهما فكان عليه لافساد حجها هدي كافساد حجه وعنه ما يدل على أن الهدي عليها وهو قول أصحاب الرأي لان فساد الحج ثبت بالنسبة إليه فكان الهدي عليها كما لو طاوعته ويحتمل أنه أراد ان الهدي عليه يتحمله الزوج عنها فلا يكون رواية ثالثة. (فصل) قال الشيخ رحمه الله (الضرب الثالث الدماء الواجبة للفوات أو لترك واجب أو للمباشرة في غير الفرج فما أوجب منها بدنة فحكمهما حكم البدنة الواجبة بالوطئ بالفرج وما عداه فقال القاضي ما وجب لترك واجب ملحق بدم المتعة وما وجب لمباشرة ملحق بفدية الاذى) إذا فاته الحج وجب عليه دم في أصلح الروايتين وسنذكر ذلك ان شاء الله تعالى وكذلك إذا ترك شيئا من واجبات الحج كالاحرام من الميقات والوقوف بعرفة إلى الليل والمبيت بمزدلفة وسائر الواجبات المتفق على وجوبها والهدي الواجب بغير النذر ينقسم قسمين منصوص عليه ومقيس على المنصوص عليه فالمنصوص عليه فدية الاذى وجزاء الصيد ودم الاحصار ودم المتعة والبدنة الواجبة بالوطئ في الفرج لقضاء الصحابة رضي الله عنهم بها وما سوى ذلك مقيس عليه فالبدنة الواجبة بالمباشرة فيما دون الفرج مقيسة على الواجبة بالوطئ بالفرج لانه دم وجب بسبب المباشرة أشبه الواجب بالوطئ في الفرج وهكذا القران يقاس على هدي التمتع لانه وجب للترفه بترك أحد السفرين أشبه دم المتعة

[ 340 ]

ويقاس عليه أيضا دم الفوات فيجب عليه مثل دم المتعة وبدله مثل بدله وهو صيام عشرة أيام إلا أنه لا يمكن أن يكون منها ثلاثة قبل يوم النحر لان الفوات إنما يكون بفوات ليلة النحر لانه ترك بعض ما اقتضاه إحرامه فصار كالتارك لاحد السفرين، فان قيل فهلا ألحقتموه بهدي الاحصار فانه أشبه به إذ هو إحلال من إحرامه قبل اتمامه؟ قلنا أما الهدي فقد استويا فيه وأما البدل فان الاحصار ليس بمنصوص على البدل فيه وإنما ثبت قياسا وقياسه على الاصل المنصوص عليه أولى من قياسه على فرعه على أن الصيام ههنا مثل الصيام عن دم الاحصار في العدد إلا أن صيام الاحصار يجب قبل الحل وهذا يجوز قبل الحل وبعده وأما الخرقي فانه جعل الصوم عن دم الفوات كالصوم عن جزاء الصيد عن كل مديوما والمروى عن عمر وابنه رضي الله عنهما مثل ما ذكرنا ويقاس عليه أيضا كل دم وجب لترك واجب كترك الاحرام من الميقات والوقوف بعرفة إلى غروب الشمس والمبيت بمزدلفة وطواف الوداع فالواجب فيه ما استيسر من الهدي فان لم يجد فصيام عشرة أيام لان المتمتع ترك الاحرام من الميقات بالحج وكان يقتضي أن يكون واجبا فوجب عليه الهدي لذلك فقسنا عليه ترك الواجب ويقاس على فدية الاذى ما وجب بفعل محظور يترفه به كتقليم الاظفار واللبس والطيب وكل استمتاع من النساء يوجب شاة كالوطئ في العمرة وبعد التحلل الاول في الحج والمباشرة من غير إنزال فانه في معنى فدية الاذى من الوجه الذي ذكرناه فيقاس عليه ويلحق به، وقد قال ابن عباس فيمن وقع على امرأته في العمرة قبل التقصير عليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك، رواه الاثرم (مسألة) (ومتى أنزل بالمباشرة دون الفرج فعليه بدنة وان لم ينزل فعليه شاة وعند بدنة) أما إذا أنزل بالمباشرة فان عليه بدنة لانه استمتاع أوجب الغسل فأوجب بدنة كالوطئ في الفرج وان لم ينزل فعليه شاة في الصحيح كذلك ذكره الخرقي وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء وابن سيرين والزهري وقتادة ومالك والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي لانها ملامسة لا تفسد الحج عريت عن الانزال فلم توجب بدنة كاللمس لغير شهوة وعنه يجب عليه بدنة. وقال الحسن فيمن ضرب بيده على فرج جاريته عليه بدنة، وعن سعيد بن جبير إذا قال منها ما دون الجماع ذبح بقرة لانها مباشرة محظورة بالاحرام أشبهت ما اقترن به الانزال ولنا انها ملامسة من غير إنزال فأشبهت لمس غير الفرج ويجب به شاة لما روى الاثرم ان عمر ابن عبد الله قبل عائشة بنت طلحة محرما فسأل فأجمع له على أن يهريق دما والظاهر انه لم يكن أنزل لانه

[ 341 ]

لم يذكر. وسواء مذى أو لم يمذ قال سعيد بن جير ان قبل فمذي أو لم يمذ فعليه دم وسائر اللمس لشهوة كالقبلة فيما ذكرنا لانه استمتاع يلتذ به كالقبلة. وقال أحمد رحمه الله فيمن قبض على فرج أمرأته وهو محرم فانه يهريق دما وبه قال عطاء لانه استمتاع محظور في الاحرام أشبه الوطئ فيما دون الفرج (مسألة) (وان كرر النظر فأنزل أو استمنى فعليه دم هل هو شاة أو بدنة؟ على روايتين وان مذى بذلك فعليه شاة) إذا كرر النظر فأنزل ففيه روايتان (إحداهما) عليه بدنة روي ذلك عن ابن عباس (والثانية) عليه شاة وهو قول سعيد بن جبير وروي أيضا عن ابن عباس وقال أبو ثور لا شئ عليه وحكي عن أبي حنيفة والشافعي لانه ليس بمباشرة أشبه الفكر ولنا انه إنزال بفعل محظور فأوجب الفدية كاللمس وقد روى الاثرم عن ابن عباس رضي الله عنهما انه قال له رجل فعل الله بهذه وفعل انها تطيبت لي فكلمتني وحدثتني حتى سبقتني الشهوة فقال ابن عباس تم حجك واهرق دما. والاستمناء في معنى تكرار النظر فيقاس عليه فان كرر النظر فمذى فعليه شاة وكذلك ذكره أبو الخطاب لانه جزء من المني لكونه خارجا بسبب الشهوة ولانه حصل به التذاذ فهو كاللمس فان لم يقترن به مني ولا مذي فلا شئ عليه كرر النظر أو لم يكرره. وقد روي عن أحمد فيمن جرد امرأته ولم يكن منه غير التجريد ان عليه شاة وهو محمول على انه لمس فان التجريد لا يخلو عن اللمس ظاهرا أو على انه أمنى أو أمذى أما مجرد النظر فلا شئ ففيه فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى نسائه وهو محرم وكذلك أصحابه (فصل) فان نظر ولم يكرر النظر فامنى فعليه شاة لانه فعل يحصل به اللذة أوجب الانزال أشبه اللمس وإلا فلا شئ عليه لانه لا يمكن التحرز عنه أشبه الفكر والاحتلام (مسألة) (فان فكر فانزل فلا شئ عليه وحكى أبو حفص البرمكي وابن عقيل ان حكمه حكم تكرار النظر إذا اقترن به الانزال في افساد الصوم) فيحتمل أن يجب به ههنا دم قياسا عليه ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " عفي لامتي عن الخطأ والنسيان وما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم " متفق عليه ولانه لانص فيه ولا اجماع ولا يصح قياسه على تكرار النظر لانه دونه في استدعاء الشهوة وافضائه إلى الانزال ويخالفه في التحريم إذا تعلق باجنبية أو الكراهة ان كان في زوجته فيبقى على الاصل

[ 342 ]

(فصل) والعمد والنسيان في الوطئ سواء نص عليه احمد وقد ذكرناه فاما القبلة واللمس وتكرار النظر فلم يذكر شيخنا حكم النسيان فيه في الحج لكن ذكره في مفسدات الصوم وفرق بين العمد والسهو فينبغي أن يكون ههنا مثله وكذلك ذكره الخرقي والفرق بينهما ان الوطئ لا يكاد يتطرق النسيان إليه بخلاف ما دونه ولان الجماع يفسد الصوم بمجرده دون غيره والجاهل في التحريم والمكره في حكم الناسي لانه معذور (فصل) قال رضي الله عنه (ومن كرر محظورا من جنس مثل ان حلق ثم حلق أو وطئ ثم وطئ قبل التكفير عن الاول فكفارة واحدة وان كفر عن الاول فعليه للثاني كفارة) إذا حلق ثم حلق فالواجب فدية واحدة ما لم يكفر عن الاول قبل فعل الثاني فان كفر عن الاول ثم حلق ثانيا فعليه بالثاني كفارة أيضا وكذلك الحكم فيما إذا وطئ ثم وطئ أو لبس ثم لبس أو تطيب ثم تطيب وكذلك سائر محظورات الاحرام إذا كررها ما خلا قتل الصيد وسواء فعله متتابعا أو متفرقا فان فعلها مجتمعة كفعلها متفرقة في وجوب الفدية ما لم يكفر عن الاول قبل فعل الثاني وعنه ان لكل وطئ كفارة وان لم يكفر عن الاول لانه سبب للكفارة فاوجبها كالاول وعنه أنه ان كرره لاسباب مثل أن لبس للبرد ثم لبس للحر ثم لبس للمرض فكفارات وان كان لسبب واحد فكفارة واحدة وروى عنه الاثرم فيمن لبس قميصا وجبة وعمامة وغير ذلك لعلة واحدة فكفارة فان اعتل فلبس جبة ثم برأ ثم اعتل فلبس جبة فقال لا هذا عليه كفارتان وقال ابن أبي موسى في الارشاد إذا لبس وغطى رأسه متفرقا وجب عليه دمان وان كان في وقت واحد فعلى روايتين وعن الشافعي كقولنا وعنه لا يتداخل وقال مالك تتداخل كفارة الوطئ دون غيره وقال أبو حنيفة ان كرره في مجلس واحد فكفارة واحدة وان كان في مجالس فكفارات وقال في تكرار الوطئ عليه للثاني شاة الا أن يفعله في مجلس واحد على وجه الرفض للاحرام ولنا انما يتداخل إذا كان متتابعا يتداخل وان تفرق كالحدود وكفارات الايمان ولان الله تعالى أوجب في حلق الرأس فدية واحدة ولم يفرق بين ما وقع في دفعة أو في دفعات والقول بانه لا يتداخل لا يصح فانه إذا حلق لا يمكن الا شيئا بعد شئ ولنا على أنه لا يتداخل إذا كفر عن الاول انه سبب للكفارة فإذا كفر عن الاول وجب عليه للثاني كفارة كالايمان أو نقول سبب يوجب عقوبة فيكرر بتكرره بعد التطهير كالحدود (مسألة) (وان قتل صيدا بعد صيد فعليه جزاؤهما وعنه عليه جزاء واحد) إذا قتل صيدين فعليه جزاؤهما سواء قتلهما دفعة واحدة أو واحدة بعد واحدة، وعن أحمد أنه

[ 343 ]

يتداخل إذا كان متفرقا فيجب عليه جزاء واحد كالمحظورات غير قتل الصيد والصحيح الاول لان الله تعالى قال (فجزاء مثل ما قتل من النعم) ومثل الصيدين لا يكون مثل أحدهما ولانه لو قتل صيدين دفعة واحدة وجب جزاؤهما فإذا تفرقا كان الوجوب أولى لان حالة التفريق لا تنقص عن حالة الاجتماع كسائر المحظورات (مسألة) (وان فعل محظورا من أجناس فعليه لكل واحد فداء وعنه عليه فدية واحدة) إذا فعل محظورا من أجناس كحلق ولبس وتطيب ووطئ فعليه لكل واحد فدية سواء فعله مجتمعا أو متفرقا، وهذا مذهب الشافعي. وعن احمد أن في الطيب واللبس والحلق فدية واحدة إذا كانا في وقت واحد وان فعل ذلك واحدا بعد واحد فعليه لكل واحد دم وهو قول اسحاق وقال عطاء وعمر بن دينار إذا حلق ثم احتاج إلى الطيب أو إلى قلنسوة أو اليهما ففعل ذلك فليس عليه الا فدية واحدة وقال الحسن ان لبس القميص وتعمم وتطيب فعل ذلك جميعا فليس عليه الا فدية واحدة ولنا أنها محظورات مختلفة الاجناس فلم يتداخل جزاؤهما كالحدود المختلفة والايمان المختلفة وعكسه إذا كانت من جنس واحد (مسألة) (وان حلق أو قلم أو وطئ أو قتل صيدا عامدا أو مخطئا فعليه الكفارة وعنه في الصيد لا كفارة عليه الا في العمد ويتخرج في الحلق مثله) أما الوطئ فقد ذكرناه وجملته أنه لا فرق بين العمد والخطأ في الحلق والتقليم ومن له عذر ومن لا عذر له في ظاهر المذهب وهو قول الشافعي ونحوه عن الثوري وفيه وجه آخر لافدية على الناسي وهو قول أبي اسحاق وابن المنذر لقوله عليه السلام " عفي لا متي عن الخطأ والنسيان " ولنا أنه اتلاف فاستوى عمده وسهوه كاتلاف مال الآدمي ولان الله تعالى أوجب الفدية على من حلق رأسه لاذي به وهو معذور فكان تنبيها على وجوبها على غير المعذور ودليلا على وجوبها على المعذور بنوع آخر كالمحتجم يحلق موضع محاجمه أو شعر شجته وفي معنى الناسي النائم الذي يقلع شعره أو يصوب رأسه إلى تنور فيحرق اللهب شعره ونحو ذلك (فصل) وقتل الصيد يستوي عمده وسهوه أيضا هذا ظاهر المذهب، وبه قال الحسن وعطاء والنخعي ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي قال الزهري على المتعمد بالكتاب وعلى المخطئ بالسنة وعنه لا كفارة على المخطئ وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير وطاوس وابن المنذر وداود لان الله تعالى قال (ومن قتله منكم متعمدا) فيدل بمفهومه على أنه لاجزاء على الخاطئ ولان الاصل

[ 344 ]

براءة ذمته فلا تشغلها إلا بدليل ولانه محظور بالاحرام لا يفسد به ففرق بين عمده وخطأه كاللبس ووجه الاول قول جابر رضي الله عنه جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضبع يصيد المحرم كبشا وقال عليه السلام في بيض النعام يصيبه المحرم ثمنه ولم يفرق بين العمد والخطأ رواهما ابن ماجه ولانه ضمان اتلاف فاستوى عمده وخطاؤه كمال الآدمي (مسألة) (وان لبس أو تطيب أو غطى رأسه ناسيا فلا كفارة فيه وعنه عليه الكفارة) أما إذا لبس أو تطيب أو غطى رأسه عامدا فان عليه الفدية بغير خلاف علمناه لانه ترفه محظور في احرامه عامدا فاشبه حلق الشعر ويستوي في ذلك قليل الطيب وكثيره وقليل اللبس وكثيره، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة لا يجب الدم الا بتطبيب عضو كامل وفي اللباس بلباس يوم وليلة ولا شئ فيما دون ذلك لانه لم يلبس لبسا معتادا أشبه مالو ائتزر بالقميص ولنا أنه معنى حصل به الاستمتاع بالمحظور فاعتبر بمجرد الفعل كالوطئ أو محظورا فلا يتقدر فديته بالزمن كسائر المحظورات وما ذكروه ممنوع فان الناس يختلفون في اللبس في العادة وما ذكروه تقدير والتقديرات بابها التوقيف وتقديرهم بعضو ويوم وليلة تحكم محض وأما إذا ائتزر بقميص فليس ذلك بلبس مخيط ولذلك لا يحرم عليه وان طال والمختلف فيه محرم لبسه (فصل) ويلزمه غسل الطيب وخلع اللباس لانه فعل محظور فلزمته ازالته وقطع استدامته كسائر المحظورات والمستحب أن يستعين في غسل الطيب بحلال لئلا يباشر المحرم الطيب بنفسه وان وليه بنفسه فلا بأس لان النبي صلى الله عليه وسلم قال للذي عليه طيب " اغسل عنك الطيب " ولانه تارك له فان لم يجد ما يغسله به مسحه بخرقة أو حكه بتراب أو غيره لان الذي عليه أن يزيله حسب الامكان وقد فعله (فصل) فان كان معه ماء وهو محتاج إلى الوضوء والماء لا يكفيهما غسل به الطيب وتيمم للحدث لانه لا رخصة في ابقاء الطيب وترك الوضوء إلى التيمم رخصة فان قدر على قطع رائحة الطيب بغير الماء فعل وتوضا لان المقصود من ازالة الطيب قطع رائحة فلا يتعين الماء والوضوء بخلافه فان لبس قميصا وسراويل وعمامة وخفين كفاه فدية واحدة لان الجميع لبس فاشبه الطيب في رأسه وبدنه وفيه خلاف ذكرناه فيما مضى (فصل) فاما ان فعل ذلك ناسيا فلا فدية عليه هذا ظاهر المذهب والجاهل في معنى الناسي وهذا قول عطاء والثوري واسحاق وابن المنذر قال احمد قال سفيان ثلاثة في الحج العمد والنسيان سواء إذا أتى أهله وإذا أصاب صيدا وإذا حلق رأسه قال احمد: إذا جامع أهله بطل حجه لانه شئ

[ 345 ]

لا يقدر على رده والصيد إذا قتله فقد ذهب لا يقدر على رده والشعر إذا حلقه فقد ذهب فهذه الثلاثة العمد والخطأ والنسيان فيه سواء وكل شئ من النسيان بعد الثلاثة فهو يقدر على رده مثل إذا غطى المحرم رأسه ثم ذكر ألقاه عن رأسه وليس عليه شئ أو لبس خفا نزعه وليس عليه شئ وعنه رواية أخرى أن عليه الفدية في كل حال وهو مذهب مالك والليث وأبي حنيفة لانه هتك حرمة الاحرام فاستوى عمده وسهوه كالحلق والتقليم ولنا عموم وقوله عليه السلام " عفي لامتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " وروى يعلى ابن أميه ان رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة وعليه جبة وعليه أثر خلوق أو أثر صفرة فقال يارسول الله كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي قال " اخلع عنك هذه الجبة واغسل عنك أثر الخلوق - أو قال - أثر الصفرة واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك " متفق عليه وفي لفظ قال يارسول الله أحرمت بالعمرة وعلي هذه الجبة فلم يأمره بالفدية مع مسألته عما يصنع وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز دل على انه عذره لجهله (1) والناسي في معناه. ولان الحج عبادة يجب بافسادها الكفارة فكان في محظوراته ما يفرق فيه بين عمده وسهوه كالصوم. وأما الحلق وقتل الصيد فه اتلاف ولا يمكن تلافيه، إذا ثبت ذلك فانه متى ذكر فعليه خلع اللباس وغسل الطيب في الحال فان أخر ذلك عن زمن الامكان فعليه الفدية لانه تطيب وليس من غير عذر فأشبه المبتدئ. وان مس طيبا يظنه يابسا فبان رطبا ففيه وجهان (أحدهما) عليه الفدية لانه قصد مس الطيب (والثاني) لا فدية عليه لانه جهل تحريمه فأشبه من جهل تحريم الطيب. وان طيب باذنه فعليه الفدية لانه منسوب إليه، فان قيل: فلم لا يجوز له استدامة الطيب ههنا كالذي تطيب قبل إحرامه؟ قلنا ذلك فعل مندوب إليه فكان له استدامته وههنا هو محرم وانما سقط حكمه بالنسيان والجهل فإذا زالا ظهر حكمه وان تعذر عليه ازالته لا كراه أو علة ولم يجد من يزيله فلا فدية عليه وجرى مجرى المكره على ابتداء الطيب وحكم الجاهل إذا علم حكم الناسي إذا ذكر وحكم المكره حكم الناسي لانه مقرون به في الحديث الدال على العفو. ويستحب له أن يلبي إذا فعل ذلك استذكارا للحج واستشعارا باقامته عليه ورجوعه إليه، ويروى هذا القول عن ابراهيم النخعي وقد ذكره الخرقي (مسألة) (ومن رفض احرامه ثم فعل محظورا فعليه فداؤه) وجملة ذلك ان التحلل من الحج لا يحصل إلا بأحد ثلاثة أشياء كمال أفعاله أو التحلل عند الحصر أو بالعذر إذا شرط وما عدا هذا فليس له أن يتحلل به ولو نوى التحلل لم يحل ولا يفسد الاحرام برفضه لانها عبادة لا يخرج منها بالفساد فلم يخرج برفضها بخلاف سائر العبادات، ويكون الاحرام

[ 346 ]

باقيا في حقه يلزمه أحكامه ويلزمه جزاء كل جناية جناها، وإن وطئ أفسد حجه وعليه لذلك بدنة مع ما وجب عليه من الدماء سواء كان الوطئ قبل الجنايات أو بعدها فان الجناية على الاحرام الفاسد كالجناية على الاحرام الصحيح وليس عليه لرفض الاحرام شئ لانه مجرد نية لم تؤئر شيئا (مسألة) (ومن تطيب قبل إحرامه في بدنه فله استدامة ذلك في إحرامه وليس له لبس ثوب مطيب) يستحب لمن أراد الاحرام أن يتطيب في بدنه خاصة وقد ذكرناه في باب الاحرام وله استدامة الطيب في إحرامه قالت عائشة رضي الله عنها كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لاحرامه قبل أن يحرم وقالت كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم. متفق عليه وفي لفظ للنسائي: كأني أنظر إلى وبيص طيب المسك في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت عائشة رضي الله عنها كنا نخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة فنضمد جباهنا بالمسك المطيب عند الاحرام فإذا عرقت احدانا سال على وجهها فيراها النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينهاها. رواه أبو داود (فصل) وليس له لبس مطيب بعد إحرامه بغير خلاف لقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تلبسوا من الثياب شيئا مسه الزعفران ولا الورس " متفق عليه فان لبس ثوبا مطيبا ثم أحرم فله استدامة لبسه ما لم ينزعه فان نزعه لم يكن له أن يلبسه فان فعل فعليه الفدية لان الاحرام يمنع ابتداء الطيب ولبس المطيب دون استدامته وقد ذكرناه والله تعالى أعلم (مسألة) (وان أحرم وعليه قميص خلعه ولم يشقه فان استدام لبسه فعليه الفدية) إذا أحرم وعليه قميص أو سراويل أو جبة خلعه ولم يشقه ولا فدية عليه، وبه قال أكثر أهل العلم وقال بعضهم انه يشق ثيابه لئلا يتغطى رأسه حين ينزع القميص منه ولنا ما ذكرناه من حديث يعلى بن أمية أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة فقال يارسول الله أحرمت بالعمرة وعلي هذه الجبة فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بخلعها ولو وجب شقها أو وجبت عليه فدية لامره بها لانه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة فان استدام لبسه فعليه الفدية لان خلعه واجب لامر النبي صلى الله عليه وسلم به ولانه محظور من محظورات الاحرام فوجب عليه دم لفعله كما لو حلق رأسه (مسألة) (وان لبس ثوبا مطيبا فانقطع ريح الطيب منه وكان بحيث إذا رش فيه الماء فاح ريحه فعليه الفدية) لانه مطيب بدليل أن رائحته تظهر عند رش الماء والماء لا رائحة له وانما هو من الطيب الذي فيه فلزمته الفدية كما لو ظهرت بنفسها (فصل) قال رحمه الله (وكل هدي أو اطعام فهو لمساكين الحرم إذا قدر على إيصاله إليهم الا

[ 347 ]

فدية الاذى واللبس ونحوها إذا وجد سببها في الحل فيفرقها حيث وجد سببها ودم الاحصار يخرجه حيث أحصر) الهدايا والضحايا مختصة بمساكين الحرم لقوله تعالى (ثم محلها إلى البيت العتيق) وكذلك جزاء المحظورات إذا فعلها في الحرم نص عليه أحمد رحمه الله فقال أما إذا كان بمكة أو كان من الصيد فكله بمكة لان الله تعالى قال (هدايا بالغ الكعبة) وذكر القاضي في قتل الصيد رواية أخرى أنه يفدي حيث قتله كحلق الرأس وهذا يخالف نص الكتاب ومنصوص أحمد فلا يعول عليه وما وجب لترك نسك أو فوات فهو لمساكين الحرم دون غيرهم لانه هدي وجب لترك نسك أشبه دم القران وقال ابن عقيل فيمن فعل المحظور لغير سبب يبيحه أنه يختص ذبحه وتفرقة لحمه بفقراء الحرم كسائر الهدي (فصل) وما وجب نحره بالحرم جب تفرقة لحمه به، وبهذا قال الشافعي وقال مالك وأبو حنيفة إذا ذبحها في الحرم جاز تفرقة لحمها في الحل ولنا أنه أحد مقصودي النسك فاختص بالحرم كالذبح ولان المقصود من ذبحه بالحرم التوسعة على مساكينه ولا يحصل باعطائه غيرهم والطعام كالهدي في اختصاصه بفقراء الحرم فيما يختص الهدي به، وقال عطاء والنخعي الهدي بمكة وما كان من طعام أو صيام فحيث شاء ويقتضيه مذهب مالك وأبي حنيفة ولنا قول ابن عباس رضي الله عنهما الهدي والاطعام بمكة والصوم حيث شاء ولانه نسك يتعدى نفعه إلى المساكين فاختص بالحرم كالهدي (فصل) ومساكين الحرم من كان فيه من أهله ومن رود إليه من الحاج وغيرهم وهم الذين تدفع إليهم الزكاة لخاصتهم فان دفع إلى فقير في ظنه فبان غنيا خرج فيه وجهان كالزكاة وللشافعي فيه قولان وما جاز تفرقته بغير الحرم لم يجز دفعه إلى فقراء أهل الذمة، وبه قال الشافعي وأبو ثور وجوزه أصحاب الرأي ولنا أنه كافر فلم يجز الدفع إليه كالحربي (فصل) فان عجز عن ايصاله إلى فقراء الحرم جاز ذبحه وتفريقه في غيره لقوله سبحانه (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) فان منع الناذر الوصول بنفسه وأمكنه تنفيذه لزمه وقال ابن عقيل يخرج في الهدي المنذور إذا عجز عن إيصاله روايتان كدماء الحج والصحيح الجواز (فصل) فأما فدية الاذى إذا وجد سببها في الحل فيجوز في الموضع الذي حلق فيه نص عليه احمد، وقال الشافعي: لا يجوز الا في الحرم لقوله تعالى (هديا بالغ الكعبة) ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر كعب بن عجرة بالفدية بالحديبية وهي من الحل ولم يأمره ببعثه إلى الحرم، وروي الاثرم والجوزجاني في كتابيهما عن أبي أسماء مولى عبد الله بن جعفر رضي الله

[ 348 ]

عنهما قال: كنت مع عثمان وعلي وحسين بن علي رضي الله عنهم حجابا فاشتكى حسين بن علي بالسقيا فأومأ بيده إلى رأسه فحلقه علي ونحر عنه جزورا بالسقيا وهذا لفظ رواية الاثرم ولم يعرف لهم مخالف والآية وردت في الهدي وحكم اللبس والطيب حكم الحلق إذا وجد في الحل ذكره القاضي قياسا عليه وقال فيه وفي الحلق روايتان (احداهما) يفدي حيث وجد سببه والثانية محل الجميع الحرم حكاهما ابن أبي موسى في الارشاد (فصل) فأما دم الاحصار فيخرجه حيث أحصر من حل أو حرم نص عيه احمد وهو قول مالك والشافعي فان كان قادرا على اطراف الحرم ففيه وجهان (احدهما) يلزمه نحره فيه لان الحرم كله منحر وقد قدر عليه (والثاني) ينحره في موضعه لان النبي صلى الله عليه وسلم نحر هديه في موضعه وعن احمد رحمه الله ليس للمحصر نحر هديه الا في الحرم فيبعثه إلى الحرم ويواطئ رجلا على نحره في وقت يتحلل وهذا يروى عن ابن مسعود رضي الله عنه فيمن لدغ في الطريق وروى ذلك كعن الحسن والشعبي وعطاء لانه أمكنه النحر في الحرم أشبه مالو حصر فيه قال شيخنا وهذا والله أعلم فيمن كان حصره خاصا أما الحصر العام فلا ينبغي أن يقوله أحد لان ذلك يفضى إلى تعذر الحل لتعذر وصول الهدزي إلى محله ولان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ونحروا هداياهم بالحديبية وهي من الحل قال البخاري ومال إن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حلقوا وحلوا من كل شئ قبل الطواف وقبل أن يصل الهدي إلى البيت ولم يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أحدا أن يقضي شيئا ولا أن يعود له ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر هدية عند الشجرة التي كانت تحتها بيعة الرضوان وهي من الحل باتفاق أهل السير والنقل وقد دل عليه قوله سبحانه (والهدي معكوفا أن يبلغ محله) ولانه موضع حله فكان موضع نحره كالحرم فان قيل فقد قال الله تعالى (ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله) وقال (ثم محلها إلى البيت العتيق) ولانه ذبح يتعلق بالاحرام فلم يجز في غير الحرم كجزاء الصيد قلنا الآية في حق غير المحصر ولا يمكن قياس المحصر عليه لان تحلل المحصر في الحل وتحلل غيره في الحرم وكل منهما ينحر في موضع تحلله وقد قيل في قوله تعالى (حتى يبلغ الهدي محله) أي حتى يذبح وذبحه في حق المحصر في موضع حله اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم (مسألة) (وأما الصيام فيجزئه بكل مكان) لا نعلم فيه خلافا كذلك قال ابن عباس وعطاء والنخعي وغيرهم وذلك لان الصيام لا يتعدى نفعه إلى أحد فلا معنى لتخصيصه بمكان بخلاف الهدي والاطعام فان نفعه يتعدى إلى المعطي والله تعالى أعلم (مسألة) (وكل دم ذكرنا يجزئ فيه شاة أو سبع بدنة ومن وجبت عليه بدنة اجزأته بقرة)

[ 349 ]

كل من وجب عليه دم أجزأه ذبح شاة أو سبع بدنة أو بقرة لقوله سبحانه في المتمتع (فما استيسر من الهدي) قال ابن عباس رضي الله عنهما شاة أو شرك في دم (1) وقال تعالى في فدية الاذى (ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) وفسره النبي صلى الله عليه وسلم في حديث كعب بن عجرة بذبح شاة وما سوى هذين مقيس عليهما فان اختار ذبح بدنة فهو أفضل لانها أوفر لحما وأنفع للفقراء وهل تكون كلها واجبة؟ فيه وجهان (أحدهما) تكون واجبة اختاره ابن عقيل لانه اختار الا على لاداء فرضه فكان كله واجبا كما لو اختار الا على من خصال الكفارة (والثاني) يكون سبعها واجبا والباقي تطوع له أكله وهديته لان الزائد على السبع يجوز تركه من غير شرط ولا بدل أشبه مالو ذبح سبع شياه (فصل) ولا يجزئه إلا الجذع من الضأن والثني من غيره والجذع ماله ستة أشهر والثني من المعز ماله سنة ومن البقر ماله سنتان ومن الابل ماله خمس سنين وبه قال مالك والليث والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي. وقال ابن عمر والزهري لا يجزئ الا الثني من كل شئ. وقال عطاء والاوزاعي يجزي، الجذع من الكل الا المعز ولنا على الزهري ماروي عن أم هلال بنت هلال عن أبيها ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " يجوز الجذع من الضأن أضحية " وعن عاصم بن كليب عن أبيه قال كنا مع رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له مجاشع بن سليم فعزب الغنم فأمر مناديا فنادى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول " ان الجذع يوفى مما توفي منه الثنية " رواهما ابن ماجه وعن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تذبحوا الا مسنة الا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعا من الضأن " رواه مسلم وهذا حجة على عطاء والاوزاعي، وحديث أبي بردة بن نيار قال يارسول الله ان عندي عناقا جذعا هي خبر من شاتي لحم قال " تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك " رواه أبو داود والنسائي. ولا يجزئ فيها المعيب الذي يمنع من الاجزاء في الهدي والاضاحي قياسها عليها (فصل) ومن وجبت عليه بدنة أجزأته بقرة) إذا كان في غير النذر وجزاء الصيد لما روى أبو الزبير عن جابر قال كنا ننحر البدنة عن سبعة فقيل له والبقرة؟ قال وهل هي الا من البدن؟ رواه مسلم فأما في النذر فقال ابن عقيل يلزمه ما نواه فان أطلق ففيه روايتان (احداهما) هو مخير لما ذكرنا من الخبر (والاخرى) لا تجزئه إلا مع عدم البدنة وهو قول الشافعي لانها بدل فاشترط عدم المبدل لها قال شيخنا والاولى أولى للخبر ولان ما أجزأ عن سبعة في الهدايا ودم المتعة أجزأ في النذر بلفظ البدنة كالجزور، وان كان في جزاء الصيد أجزأت أيضا لحديث جابر اختاره شيخنا. ويحتمل أن لا تجزئ لان البقرة لا تشبه النعامة. ومن وجبت عليه بدنة أجزأه سبع من الغنم ذكره الخرقي سواء

[ 350 ]

كانت من جزاء الصيد أو منذورة أو فدية الوطئ. وقال ابن عقيل إنها تجزئ عنها عند عدمها في ظاهر كلام أحمد رحمه الله لانه بدل فلا يصار إليه مع وجودها كسائر الابدال، فأما عند عدمها فيجوز لما روى ابن عباس رضي الله عنه قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال ان علي بدنة وأنا موسر لها ولا أجدها فأشتريها فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يبتاع سبع شياه فيذبحهن رواه ابن ماجه. وعنه لا يجزئه أقل من عشر شياه لانهم كانا يعدلونها في الغنيمة بعشر كذلك. هذا والاول أولى للخبر ولنا أن الشاة معدولة بسبع بدنة وهي أطيب لحما فإذا عدل إلى الاعلى أجزأه كما لو ذبح عن الشاة بدنة (فصل) ومن وجبت عليه سبع من الغنم أجزأته بدنة أو بقرة إن كان في كفارة محظور لان الواجب فيه ما استيسر من الهدي وهو شاة أو سبع بدنة وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمتعون فيذبحون البقرة عن سبعة. قال جابر أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الابل والبقر كل سبع منا في بدنة. رواه مسلم. فأما ان وجب عليه سبع من الغنم في جزاء الصيد فقال شيخنا لاتجزئه البدنة في الظاهر لان الغنم أطيب لحما فلا يعدل عن الاعلى إلى الادنى (فصل) ومن وجبت عليه بقرة أجزأته بدنة لانها أكثر لحما وأوفر. ويجزئه سبع من الغنم إذا قلنا يجزئ عن البدنة بطريق الاولى وان كانت البقرة منذورة احتمل على ما حكاه ابن عقيل ان لا تجزئه سبع من الغنم مع وجودها كما لو كان المنذور بدنة والله تعالى أعلم * باب جزاء الصيد * (وهو ضربان (أحدهما) له مثل من النعم فيجب مثله وهو نوعان (أحدهما) قضت فيه الصحابة ففيه ما قضت). يجب على المحرم الجزاء يقتل صيد البر بمثله من النعم ان كان له مثل هذا قول أكثر أهل العلم منهم الشافعي. وقال أبو حنيفة الواجب القيمة ويجوز صرفها إلى المثل لان الصيد ليس بمثلي ولنا قوله تعالى (فجزاء مثل ما قتل من النعم) وجعل النبي صلى الله عليه وسلم في الضبع كبشا وأجمع الصحابة رضي الله عنهم على إيجاب المثل فقال عمر وعلي وعثمان وزيد وابن عباس ومعاوية في النعامة بدنة، وحكم عمر وعلي في الظبي بشاة وحكم عمر في حمار الوحش ببقرة حكموا بذلك في الازمنة المختلفة والبلدان المتفرقة فدل على ان ذلك ليس على وجه القيمة لانه لو كان على وجه القيمة لاعتبروا صفة المتلف التي تختلف القيمة فيه إما برؤية أو اخبار ولم ينقل عنهم السؤال عن ذلك حال الحكم ولانهم حكموا في الحمام بشاة والحمامة لا تبلغ قيمة الشاة غالبا. إذا ثبت هذا فليس المراد حقيقة المماثلة فانها لا تتحقق بين الانعام والصيد لكن أريد المماثلة من حيث الصورة، والمثلي من الصيد قسمان (أحدهما) قضت فيه

[ 351 ]

الصحابة فيجب فيه ما قضت وبه قال عطاء والشافعي وإسحاق. وقال مالك يستأنف الحكم فيه لان الله تعالى قال (يحكم به ذواعدل منكم) ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " أصحابي كالنجوم فبأيهم اقتديتم اهتديتم " (1) وقال " اقتداو بالذين من بعدي أبي بكر وعمر (2) ولانهم أقرب إلى الصواب وأبصر بالعلم فكان حكمهم حجة على غيرهم كالعالم مع العامي فالذي؟؟ فيه النعامة حكم فيها عمر وعلي وعثمان وزيد وابن عباس ومعاوية رضي الله عنهم ببدنة. وبه قال عطاء ومالك والشافعي وأكثر العلماء، وحكي عن النخعي ان فيها قيمتها وبه قال أبو حنيفة وخالفه في ذلك صاحباه واتباع النص والآثار أولى، ولان النعامة تشبه البعير في خلقه فكان مثلا لها فيدخل في عموم النص وفي حمار الوحش بقرة روي ذلك عن عمر وبه قال عروة ومجاهد والشافعي وعن أحمد فيه بدنة روي ذلك عن أبي عبيدة وابن عباس وبه قال عطاء والنخعي وفي بقرة الوحش بقرة روي ذلك عن أبن مسعود وعطاء وعروة وقتادة والشافعي، والايل فيه بقرة قاله ابن عباس، قال أصحابنا في الثيتل والوعل بقرة كالايل، والاروي فيه بقرة قاله ابن عمر وقال القاضي فيها عضب وهو من أولاد البقر ما بلغ أن يعتص على قرن ولم يبلغ أن يكون ثورا، وفي الضبع كبش لما روى أبو داود عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل في الضبع يصيدها المحرم كبشا، قال أحمد حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضبع بكبش وقضى به عمر وابن عباس وبه قال عطاء والشافعي وأبو ثور وابن المنذر، وقال الاوزاعي كان العلماء بالشام يعدونها من السباع ويكرهون أكلها وهو القياس إلا أن اتباع السنة والآثار أولى، وفي الغزال شاة ثبت ذلك عن عمر وروي عن علي وبه قال عطاء وعروة والشافعي وابن المنذر ولا يحفظ عن غيرهم خلافهم وقد روى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " في الظبي شاة وفي الارنب عناق وفي اليربوع جفرة " قال ابن الزبير والجفرة التي قد فطست ورعت، رواه الدارقطني، وفي الثعلب شاة أيضا لانه يشبه الغزال وممن قال فيه الجزاء قتادة وطاوس ومالك والشافعي وعن أحمد لا شئ فيه لانه سبع، وأما الوبر فقال القاضي فيه جفرة لانه ليس بأكبر منها وهو قول الشافعي وقيل فيه شاة روي ذلك عن مجاهد وعطاء، وفي الضب جدي قضى به عمر وزيد وبه قال الشافعي وعن أحمد فيه شاة لان جابر بن عبد الله وعطاء قالا فيه ذلك، وقال مجاهد حفنة من طعام والاولى أولى لان قضاء عمر أولى من قضاء غيره والجدي أقرب إليه من الشاة، وفي اليربوع جفرة لما ذكرنا من حديث جابر وروي ذلك عن عمر وابن مسعود وبه قال عطاء والشافعي وأبو ثور وقال النخعي ثمنه وقال مالك قيمته من الطعام وقال عمرو بن دينار ما سمعنا ان الضب واليربوع يوديان

[ 352 ]

واتباع الآثار أولى والجفرة يكون لها أربعة أشهر من المعز وقال أبو الزبير هي التي فطمت ورعت وقيل هي الطفلة التي يروح بها الراعي على يديه، وفي الارنب عناق لما ذكرنا من حديث جابر وقضى به عمر أيضا وبه قال الشافعي وقال ابن عباس فيه حمل وقال عطاء فيه شاة وقضاء عمر أولى والعناق الانثى من أولاد المعز أصغر من الجفرة، والذكر جدي وفي الحمام وهو كل ماعب وهدر شاة حكم به عمر وعثمان وابن عمر وابن عباس ونافع بن الحارث في حمام الحرم وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء وعروة وقتادة والشافعي واسحاق وقال أبو حنيفة ومالك فيه قيمته الا أن مالكا وافق في حمام الحرم دون الاحرام لان القياس يقتضي القيمة في كل الطير تركناه في حمام الحرم بحكم الصحابة ففيما عداه يبقى على الاصل قلنا قد روي عن ابن عباس في الحمام في حال الاحرام كقولنا ولانها حمامة مضمونة لحق الله تعالى فضمنت بشاة كحمامة الحرم ولانها متى كانت الشاة مثلا لها في الحرم فكذلك في الحل فيجب ضمانها لقول الله تعالى (فجزاء مثل ما قتل من النعم) وقياس الحمام على جنسه أولى من قياسه على غيره، والحمام كل ماعب الماء أي وضع منقاره فيه فيكرع كما تكرع الشاة ولا يأخذ قطرة قطرة كالدجاج والعصافير وإنما أوجبوا فيه شاة لشبهه بها في كرع الماء ولا يشرب كشرب بقية الطيور قال أحمد في رواية ابن القاسم وسندي كل طير يعب الماء يشرب مثل الحمام ففيه شاة فيدخل فيه الفواخت والدواشين والسفاهين والقمري والدسبي والقطا. ولان كل واحد منها تسمية العرب حماما، وقال الكسائي كل مطوق حمام وعلى هذا القول الحجل حمام لانه مطوق (مسألة) (النوع الثاني) ما لم تقض فيه الصحابة فيرجع فيه إلى قول عدلين من أهل الخبرة ويجوز أن يكون القاتل أحدهما) وذلك لقول الله تعالى (يحكم به ذوا عدل منكم) فيحكمان فيه بأشبه الاشياء به من النعم من حيث الخلقة لا من حيث القيمة بدليل ان قضاء الصحابة لم يكن بالمثل في القيمة وليس من شرط الحكم أن يكون فقيها لان ذلك زيادة على أمر الله تعالى به وقد أمر عمر أربد أن يحكم في الضب ولم يسأله أفقيه أم لا لكن تعتبر العدالة لانها منصوص عليها، وتعتبر الخبرة لانه لا يتمكن من الحكم بالمثل الا من له خبرة ولان الخبرة بما يحكم به شرط في سائر الحكام، ويجوز أن يكون القاتل أحد العدلين وبه قال الشافعي واسحاق وابن المنذر، وقال مالك والنخعي ليس له ذلك لان الانسان لا يحكم لنفسه وكذلك يجوز أن يكون الحاكمان القاتلين وبه قال الشافعي وقال مالك لا يجوز حكاه أبو الحسين ولنا عموم قوله تعالى (يحكم به ذوا عدل منكم) والقاتل مع غيره ذوا عدل منا وقد روى الشافعي في مسنده عن طارق بن شهاب قال: خرجنا حجاجا فأوطأ رجل منا قال له أربد ضبا ففقر ظهره فقدمنا

[ 353 ]

على عمر رضي الله عنه فسأله أربد فقال احكم يا أربد فيه قال أنت خير منى يا أمير المؤمنين قال انما أمرتك أن تحكم ولم آمرك ان تزكيني فقال أربد أرى فيه جديا قد جمع الماء والشجر فقال عمر فذلك فيه، فأمره عمر أن يحكم وهو القاتل وأمر أيضا كعب الاحبار أن يحكم على نفسه في الجرادتين اللتين صادهما وهو محرم ولانه مال يخرج في حق الله تعالى فجاز أن يكون من وجب عليه أمينا فيه كالزكاة، قال ابن عقيل انما يحكم القاتل إذا قتل خطأ لان القتل عمدا ينافي العدالة فيخرج عن أن يكون قد قتله جاهلا بالتحريم فلا يمتنع أن يحكم لانه لا يفسق بذلك والله أعلم. وعلى قياس ذلك إذا قتله عند الحاجة إلى أكله لان قتله مباح لكن يجب فيه الجزاء (مسألة) (ويجب في كل واحد من الصغير والكبير والصحيح والمعيب مثله الا الماخض تفدى بقيمة مثلها وقال أبو الخطاب يجب فيها مثلها) يجب في كبير الصيد كبير مثله وفي الصغير صغير وفي الصحيح صحيح وفي المعيب معيب وفي الذكر ذكر وفي الانثى أنثى، وبهذا قال الشافعي، وقال مالك لا يجزئ الا كبير صحيح لان الله تعالى قال (هديا بالغ الكعبة) ولا يجزئ في الهدي صغير ولا معيب ولانها كفارة متعلقة بقتل حيوان فلم تختلف بصغره وكبره كقتل لآدمي ولنا قوله تعالى (فجزاء مثل ما قتل من النعم) ومثل الصغير صغير ومثل المعيب معيب ولان ما ضمن باليد والجناية اختلف ضمانه بالصغر والكبر كالبهيمة، والهدي في الآية مقيد بالمثل، وقد أجمع الصحابة رضوان الله عليهم على ايجاب مالا يصلح هديا كالجفرة والعناق والجدي. وكفارة الآدمي ليست بدلا عنه ولا تجري مجرى الضمان بدليل أنها لا تتبعض في أبعاضه فان فدى المعيب بصحيح فهو افضل فاما الماخض وهي الحامل فقال القاضي يضمنها بقيمة مثلها، وهو مذهب الشافعي لان قيمتها أكثر من قيمة لحمها وقال أبو الخطاب يضمنها بما خض مثلها للآية ولان إيجاب القيمة عدول عن المثل مع إمكانه فان فداها بغير ماخض احتمل الجواز لان هذه الصفة لا تزيد في لحمها بل ربما نقصتها فلا يشترط وجودها في المثل كاللون وان جنى على ماخض فأتلف جنينها وخرج ميتا ففيه ما نقصت أمه كما لو جرحها وان خرج حيا لوقت يعيش لمثله ثم مات ضمنه بمثله وان كان لوقت لا يعيش لمثله فهو كالميت كجنين الآدمية (مسألة) (ويجوز فداء أعور من عين بأعور من أخرى وفداء الذكر بالانثى وفي فدائها به وجهان) إذا فدى المعيب بمثله جاز لما ذكرنا وان اختلف العيب مثل فداء الاعور بأعرج والاعرج بأعور لم يجز لعدم المماثلة وان فدى أعور من أحدى العينين بأعور من أخرى أو اعرج بقائمة بأعرج من أخرى

[ 354 ]

جاز لان هذا اختلاف يسير ونوع العيب واحد وانما اختلف محله وان فدى الذكر بالانثى جاز لان لحمها أطيب وأرطب وان فداها به ففيه وجهان (أحدهما) يجوز لان لحمه أوفر فتساويا والآخر لا يجوز لان زيادته عليها ليست من جنس زيادتها فاشبه فداء المعيب من نوع بالمعيب من نوع آخر ولانه لا يجزئ عنها في الزكاة كذلك ههنا (مسألة) (الضرب الثاني) مالا مثل له وهو سائر الطير فيجب فيه قيمته الا ما كان اكبر من الحمام فهل يجب فيه قيمته أو شاة؟ على وجهين) يجب فداء مالا مثل له بقيمته في موضعه الذي أتلفه فيه كاتلاف فصال الآدمي ولا خلاف بين أهل العلم في وجوب ضمان الصيد من الطير إلا ما حكي عن داود ماكان أصغر من الحمام لا يضمن لان الله تعالى قال (فجزاء مثل ما قتل من النعم) وهذا لا مثل له ولنا عموم قوله تعالى (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) وقد قيل في قوله تعالى (ليبلونكم الله بشئ من الصيد تناله أيديكم) يعني الفرخ والبيض ومالا يقدر أن يفر من صغار الصيد (ورماحكم) يعني الكبار، وقد روي عن عمر وابن عباس رضي الله عنهما أنهما حكما في الجراد الجزاء ودلالة الآية على وجوب جزاء غيره لا يمنع من وجوب الجزاء في هذا بدليل آخر ويفدى بقيمته لان الاصل أن يضمن بقيمته كما لو أتلفه الآدمي لكن تركنا هذا الاصل لدليل ففيما عداه تجب القيمة بقضية الاصل. (فصل) فأما ماكان أكبر من الحمام كالاوز والحباري والكركي والحجل والكبير من طير الماء ففيه وجهان (أحدهما) يجب فيه شاة لانه يروي عن ابن عباس وعطاء وجابر أنهم قالوا في الحجلة والقطاة والحباري شاة وزاد عطاء في الكركي والكروان وابن الماء ودجاجة الحبش والماء والخرب شاة شاة والخرب هو فرخ الحباري ولان إيجاب الشاة في الحمام تنبيه على إيجابها فيما هو أكبر منه (والوجه الثاني) فيه قيمته وهو مذهب الشافعي لان القياس يقتضي وجوبها في جميع الطير تركناه في الحمام لاجماع الصحابة ففي غيره يبقي على أصل القياس (مسألة) (ومن أتلف جزءا من صيد فعليه ما نقص من قيمته أو قيمة مثله ان كان مثليا) أما مالا مثل له فإذا أتلف جزءا منه ضمنه بقيمته لان جملته تضمن بقيمته فكذلك اجزاؤه كما لو كان لآدمي وان كان له مثل ففيه وجهان (احدهما) يضمن بمثله من مثله لان ما وجب ضمان جملته بالمثل وجب في بعضه مثله كالمكيلات والآخر تجب قيمة مقداره من مثله لان الجزء يشق اخراجه فيمنع أيجابه ولهذا عدل الشارع عن

[ 355 ]

إيجاب جزء من بعير في خمس من الابل إلى إيجاب شاة والاول أولى لان المشقة ههنا غير ثابتة لوجود الخبرة له في العدول عن المثل إلى عدله من الطعام أو الصيام فينتفي المانع فيثبت مقتضى الاصل هذا إذا اندمل الصيد ممتنعا. (مسألة) (وإذا نفر صيدا فتلف بشئ ضمنه) إذا نفر صيدا فتلف في حال نفوره ضمنه وكذلك إن جرح صيدا فتحامل ان وقع في شئ تلف به لانه تلف بسببه فان نفره فسكن في مكان وأمن من نفوره ثم تلف لم يضمنه وفيه وجه آخر أنه يضمنه إذا تلف في المكان الذي انتقل إليه لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه دخل دار الندوة فالقى رداءه على واقف في البيت فوقع عليه طير من هذا الحمام فاطاره فوقع على واقف آخر فانتهزته حية فقتلته فقال لعثمان ونافع بن الحارث إني وجدت في نفسي اني أطرته من منزل كان فيه آمنا إلى موقع كان فيه حية فقال نافع لعثمان كيف ترى في عنز ثنية عفراء يحكم بها على أمير المؤمنين؟ فقال عثمان أرى ذلك فامر بها عمر رضي الله عنه رواه الشافعي في مسنده (مسألة) (وان جرحه فغاب ولم يعلم خبره فعليه ما نقصه وكذلك ان وجد ميتا ولم يعلم موته بجنايته وان اندمل غير ممتنع فعليه جزاء جميعه) وإذا جرح صيدا فغاب غير مندمل والجراحة موجبة لا تبقى الحياة معها غالبا فعليه جزاء جميعه كما لو قتله وان كانت غير موجبة فعليه ضمان ما نقص لانا لا نعلم حصول التلف بفعله الا أنه يقومه صحيحا وجريحا جراحة غير مندملة فيعتبر ما بينهما لانا لا نعلم هل يندمل أم لاوكذلك إن وجده ميتا ولم يعلم أمات من الجناية أم من غيرها لما ذكرنا ويحتمل أن يلزمه ضمان جميعه ههنا لانه وجد سبب إتلافه منه ولم نعلم سببا آخر فوجب إحالته على السبب المعلوم كما لو وقع في الماء نجاسة فوجده متغيرا تغيرا يصلح أن يكون منها فانا نحكم بنجاسته وكذلك لو رمى صيدا فغاب عن عينه ثم وجده ميتا لا أثر به غير سهمه حل أكله وهذا أقيس. (فصل) وان اندمل الصيد غير ممتنع ضمنه جميعه لانه عطله فصار كالتالف ولانه يفضي إلى تلفه فصار كما لو جرحه جرحا يتيقن موته به، وهذا مذهب أبي حنيفة ويتخرج أن يضمنه بما نقص لانه لا يضمن إلا ما أتلف ولم يتلف جميعه بدليل مالو قتله محرم لزمه الجزاء والصحيح ان على المشتركين جزاء واحدا وضمانه بجزاء كامل يفضي إلى ايجاب جزاءين وان صيرته الجناية غير ممتنع فلم يعلم أصار ممتنعا أم لا فعليه ضمانه لان الاصل عدم الامتناع (فصل) وكل ما يضمن به الآدمي يضمن به الصيد من مباشرة أو سبب وكذلك ما جنت دابته بيدها أو فمها فأتلفت صيدا فالضمان على راكبها أو قائدها أو سائقها وما جنت برجلها فلا ضمان فيه

[ 356 ]

وقال القاضي يضمن السائق جميع جنايتها لان يده عليها ويشاهد رجلها، وقال ابن عقيل لا ضمان في الرجل لقول النبي صلى الله عليه وسلم " الرجل جبار " وان انفلتت فاتلفت صيدا لم يضمنه لانه لا يدله عليها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " العجماء جبار " ولذلك لو اتلفت آدميا لم يضمنه ولو نصب شبكة أو حفر بئرا فوقع فيها صيد ضمنه لانه بسببه كما يضمن الآدمي الا أن يكون حفر البئر بحق كحفره في داره أو في طريق واسع ينتفع بها المسلمون فينبغي أن لا يضمن كالآدمي وان نصب شبكة قبل احرامه فوقع فيها صيد بعد احرامه لم يضمنه لانه لم يوجد منه بعد احرامه تسبب إلى اتلافه أشبه مالو صاده قبل احرامه وتركه في منزله فتلف بعد احرامه (مسألة) (وان نتف ريشه فعاد فلا شئ عليه وقيل عليه قيمة الريش) إذا نتف ريش طائر ثم حفظه فاطعمه وسقاه حتى عاد ريشه فلا ضمان عليه لان النقص زال وقيل عليه قيمة الريش لان الثاني غير الاول فان صار غير ممتنع بنتف ريشه فهو كالجرح وقد ذكرناه وان غاب ففيه ما نقص، وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وأوجب مالك وأبو حنيفة فيه الجزاء جميعه ولنا أنه نقص يمكن زواله فلا يضمنه بكماله كما لو جرحه ولم يعلم حاله (مسألة) (وكلما قتل صيدا حكم عليه) يعني يجب الجزاء بقتل الصيد الثاني كما يجب إذا قتله ابتداء هذا ظاهر المذهب قال أبو بكر وهذا أولى القولين بأبي عبد الله، وبه قال عطاء والثوري والشافعي واسحاق وأصحاب الرأي وابن المنذر وفيه رواية ثانية أنه لا يجب الا في المرة الاولى وروي ذلك عن ابن عباس. وبه قال شريح والحسن وسعيد بن جبير ومجاهد والنخعي وقتادة لان الله تعالى قال (ومن عاد فينتقم الله منه) ولم يوجب جزاء وفيه رواية ثالثة ان كفر عن الاول فعليه للثاني كفارة والا فلا وقد ذكرناها ولنا أنها كفارة عن قتل فاستوى فيها المبتدي والعائد كقتل الآدمي، ولانها بدل متلف يجب به المثل أو القيمة فأشبه بدل مال الآدمي. قال أحمد روي عن عمر وغيره أنهم حكموا في الخطأ وفيمن قتل ولم يسألوه هل كان قبل هذا قتل أو لا والآية اقتضت الجزاء على العائد بعمومها، وذكر العقوبة في الثاني لايمنع الوجوب كما قال تعالى (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) وقد ثبت أن العائد لو انتهى كان له ما سلف وأمره إلى الله (فصل) ويجوز اخراج جزاء الصيد بعد جرحه وقبل موته. نص عليه أحمد رحمه الله لانها كفارة قتل فجاز تقديمها على الموت ككفارة قتل الآدمي، ولانها كفارة أشبهت كفارة الظهار واليمين

[ 357 ]

(مسألة) (وإن اشترك جماعة في قتل صيد فعليهم جزاء واحد، وعنه على كل واحد جزاء، وعنه إن كفروا بالمال فكفارة واحدة، وإن كفروا بالصيام فعلى كل واحد كفارة) روي عن أحمد رحمه الله في هذه المسألة ثلاث روايات (احداهن) أن الواجب جزاء واحد وهو الصحيح. يروي هذا عن عمر بن الخطاب وابنه وابن عباس رضي الله عنهم، وبه قال عطاء والزهري والنخعي والشعبي والشافعي واسحاق (والثانية) على كل واحد جزاء ذكرها ابن أبي موسى اختارها أبو بكر، وبه قال مالك والثوري وأبو حنيفة، ويروى عن الحسن لانها كفارة قتل يدخلها الصوم أشبهت كفارة قتل الآدمي (والثالثة) إن كان صوما فعلى كل واحد منهم صوم تام، وإن كان غيره فجزاء واحد، وإن أهدى أحدهما أو أطعم وصام الآخر فعلى المهدي بحصته، وعلى الآخر صيام تام لان الجزاء ليس بكفارة، وانما هو بدل بدليل أن الله تعالى عطف عليه الكفارة فقال (فجزاء مثل ما قتل من النعم.. أو كفارة) والصيام كفارة فيكمل ككفارة قتل الآدمي ولنا قوله تعالى (فجزاء مثل ما قتل من النعم) والجماعة انما قتلوا صيدا فلزمهم مثله، والزائد خارج عن المثل، فلا يجب، ومتى ثبت اتحاد الجزاء في الهدي وجب اتحاده في الصيام لان الله تعالى قال (أو عدل ذلك صياما) والاتفاق حاصل على أنه معدول بالقيمة إما قيمة المتلف أو قيمة مثله فايجاب الزائد على عدل القيمة خلاف النص، ولانه قول من سمينا من الصحابة ولم نعرف لهم مخالفا ولانه جزاء عن مقتول يختلف باختلافه فكان واحدا كالدية، وكفارة الآدمي لنا فيها منع فلا تتبعض في ابعاضه ولا تختلف باختلافه، فلم يتبعض على الجماعة بخلاف مسئلتنا (فصل) فان كان شريك المحرم حلالا أو سبعا فالجزاء كله على المحرم في أحد الوجهين وفيه وجه آخر أن على المحرم بحصته كالمحرمين وقد ذكرناه (فصل) وإن اشترك حلال ومحرم في قتل صيد حرمي فالجزاء بينهما نصفين لان الاتلاف ينسب إلى كل واحد منهما نصفه ولا يزداد الواجب على المحرم باجتماع حرمة الاحرام والحرم، وهذا الاشتراك الذي هذا حكمه هو الذي يقع الفعل منهما معا أو يجرحه أحدهما قبل الآخر ويموت منهما فان جرحه أحدهما وقتله الآخر فعلى الجارح ما نقصه على ما مضى، وعلى القاتل جزاؤه مجروحا (فصل) وان قتل صيدا مملوكا ضمنه بالقيمة لمالكه والجزاء لله تعالى لانه حيوان مضمون بالكفارة فجاز أن يجتمع التقويم في التكفير فلا ضمانه كالعبد

[ 358 ]

(فصل) وإذا قتل القارن صيدا فعليه جزاء واحد نص عليه أحمد فقال: إذا قتل القارن صيدا فعليه جزاء واحد وهؤلاء يقولون جزاآن فليزمهم أن يقولوا في صيد الحرم ثلاثة لانهم يقولون في الحل اثنين ففي الحرم ينبغي أن يكون ثلاثة وهذا قول مالك والشافعي، وقال أصحاب الرأي جزاآن، وكذلك إذا تطيب أو لبس، قال القاضي وإذا قلنا على القارن طوافان لزمه جزاآن ولنا قوله تعالى (ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم) ومن أوجب جزائين فقد أوجب مثلين، ولانه صيد واحد فلم يجب فيه جزآان كما لو قتل المحرم في الحرم صيدا (باب صيد الحرم ونباته) (مسألة) (وهو حرام على الحلال والمحرم فمن أتلف من صيده شيئا فعليه ما على المحرم في مثله) الاصل في تحريمه النص والاجماع، أما النص فما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والارض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لاحد قبلي ولم يحل لي الا ساعة من النهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يختلى خلاها، ولا يعضد شوكها، ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها الا من عرفها " فقال العباس يارسول الله: الا الاذخر فانه لقينهم وبيوتهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الا الاذخر " متفق عليه. وأجمع المسلمون على تحريم صيد الحرم على الحلال والمحرم (فصل) وفيه الجزاء على من يقتله بمثل ما يجزى به الصيد في الاحرام، وحكي عن داود أنه لا جزاء فيه لان الاصل براءة الذمة ولم يرد فيه نص فيبقى بحاله

[ 359 ]

ولنا أن الصحابة رضي الله عنهم قضوا في الحمام الحرم بشاة شاة، روي ذلك عن عمر وعثمان وابن عمر وابن عباس ولم ينقل عن غيرهم خلافهم فيكون اجماعا، ولانه صيد ممنوع منه لحق الله تعالى أشبه الصيد في حق المحرم (فصل) للصوم مدخل في ضمان صيد الحرم عند الاكثرين خلافا لابي حنيفة ولنا أنه يضمن بالاطعام فيضمن بالصيام كالصيد في الاحرام (فصل) ويجب في حمام الحرم شاة، وقال أبو حنيفة فيه في الحرم شاة، وفي حمام الحل في الحرم حكومة، وفي حمام الحرم في الحل روايتان (احداهما) حكومة (والثانية) شاة ولنا ما ذكرنا من قضاء الصحابة ولم يفرقوا. ذكر هذين الفصلين القاضي أبو الحسن (فصل) وكل ما يضمن في الاحرام يضمن في الحرم الا القمل فانه يباح في الحرم بغير خلاف لانه حرم في حق المحرم لاجل الترفه وهو مباح في الحرم كاباحة الطيب واللبس (فصل) ويضمن صيد الحرم في حق المسلم والكافر، والكبير والصغير، والحر والعبد، وقال أبو حنيفة لا يضمنه الصغير ولا الكافر ولنا أن الحرمة تعلقت بمحله بالنسبة إلى الجميع فوجب ضمانه كالآدمي

[ 360 ]

(فصل) ويضمن صيد الحرم بالدلالة والاشارة كصيد الاحرام والواجب عليهما جزاء واحد نص عليه أحمد، وظاهر كلامه أنه لافرق بين كون الدلالة في الحل والحرم، وقال القاضي لا جزاء على الدال إذا كان في الحل، والجزاء على المدلول وحده كالحلال إذا دل محرما ولنا أن قتل الصيد الحرمي حرام على الدال فيضمن بالدلالة كما لو كان في الحرم يحققه أن صيد الحرم محرم على كل أحد لقوله عليه السلام " لا ينفر صيدها " وفي لفظ " لا يصاد صيدها " وهذا عام في كل أحد، ولان صيد الحرم معصوم بمحله فحرم قتله عليهما كالملتجئ إلى الحرم، وإذا ثبت تحريمه عليهما فيضمن بالدلالة ممن يحرم عليه قتله كما يضمن بدلالة المحرم عليه، وكل ما يضمن به في الاحرام يضمن به في الحرم ومالا فلا لانه صيد ممنوع منه لحق الله تعالى فيضمن بكل ما به في الاحرام وكان حكمه حكمه في وجوب الضمان وعدمه قياسا عليه (مسألة) (وإن رمى الحلال من الحل صيدا في الحرم، أو أرسل كلبه عليه، أو قتل صيدا على غصن في الحرم أصله في الحل، أو أمسك طائرا في الحل فهلك فراخه في الحرم ضمن في أصح الروايتين) إذا رمى الحلال من الحل صيدا في الحرم، أو أرسل جارحا عليه فقتله، أو قتل صيدا على غصن في الحرم أصله في الحل ضمنه، وبه قال الشافعي والثوري وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي، وعن

[ 361 ]

أحمد رواية أخرى لاجزاء عليه لان القاتل حلال في الحل ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا ينفر صيدها " ولم يفرق بين من هو في الحل والحرم، وقد أجمع المسلمون على تحريم صيد الحرم وهذا من صيده، ولان صيد الحرم معصوم بمحله لحرمة الحرم فلا يختص تحريمه بمن في الحرم كالملتجئ، وكذلك الحكم لو أمسك طائرا في الحل فهلك فراخه في الحرم فانه يضمن الفراخ لما ذكرنا دون الام لانها من صيد الحل وهي حلال (مسألة) (وإن قتل من الحرم صيدا في الحل بسهمه أو كلبه، أو صيدا على غصن في الحل أصله في الحرم، أو أمسك حمامة في الحرم فهلك فراخها في الحل لم يضمن في أصح الروايتين) هذه المسائل عكس التي قبلها والصحيح أنه لا ضمان في ذلك لانه ليس من صيد الحرم، قال أحمد فيمن أرسل كلبه في الحرم فصاد في الحل فلا شئ عليه، وعنه رواية أخرى عليه الضمان في جميع الصور وعن الشافعي ما يدل عليه، وذهب الثوري والشافعي وأبو ثور وابن المنذر فيمن قتل طائرا على غصن في الحل اصله في الحرم لا جزاء عليه، وهو ظاهر قول أصحاب الرأي، وقال اسحاق وابن الماجشون عليه الجزاء لان الغصن تابع للاصل وهو في الحرم ولنا أن الاصل حل الصيد حرم صيد الحرم بالنص والاجماع فبقي ما عداه على الاصل ولانه صيد حل اصابه حلال فلم يحرم كما لو كانا في الحل، ولان الجزاء انما يجب في صيد الحرم، أو صيد المحرم وليس هذا واحدا منهما

[ 362 ]

(فصل) وإن كان الصيد والصائد في الحل فرماه بسهمه، أو أرسل كلبه عليه فدخل الحرم ثم خرج فقتل الصيد في الحل فلا جزاء فيه، وبه قال أصحاب الرأي وأبو ثور وابن المنذر، وحكي عن الشافعي أن عليه الجزاء ولنا ما ذكرنا قال القاضي لا يزيد سهمه على نفسه، ولو عدا بنفسه فسلك الحرم في طريقه ثم قتل صيدا في الحل لم يكن عليه شئ فسهمه أولى (مسألة) (وإن أرسل كلبه من الحل على صيد في الحل فقتل صيدا في الحرم فعلى وجهين، وان فعل ذلك بسهمه ضمنه) أما إذا رمى من الحل صيدا فيه فقتل صيدا في الحرم فعليه الجزاء، وبهذا قال الثوري واسحاق وأصحاب الرأي، وقال أبو ثور لا جزاء عليه ولنا أنه قتل صيدا حرميا فلزمه جزاؤه كما لو رمى حجرا في الحرم فقتل صيدا. يحققه أن الخطأ كالعمد في وجوب الجزاء وهذا لا يخرج عن أحدهما، فأما أن أرسل كلبه على صيد في الحل فقتله في الحرم فنص أحمد على أنه لا يضمنه وهو قول الشافعي وأبي ثور وابن المنذر لانه لم يرسل الكلب على الصيد في الحرم، وانما دخل باختيار نفسه أشبه مالو استرسل بنفسه، وقال عطاء وأبو حنيفة وصاحباه عليه الجزاء لانه قتل صيدا حرميا بارسال كلبه عليه فضمنه كما لو قتله بسهمه وهذا اختيار أبي بكر عبد العزيز

[ 363 ]

وحكى صالح عن أحمد أنه ان كان الصيد قريبا من الحرم ضمنه لانه فرط بارساله والا لم يضمنه وهذا قول مالك فان قتل صيدا غيره لم يضمنه، وهذا قول الثوري والشافعي وأصحاب الرأي وأبي ثور وابن المنذر لانه لم يرسل الكلب على ذلك الصيد فأشبه مالو استرسل بنفسه، وفيه رواية أخرى أنه يضمن ان كان الصيد قريبا من الحرم لانه مفرط فأشبه المسألة التي قبلها. إذا ثبت هذا فانه لا يأكل الصيد في هذه المواضع كلها ضمنه أولا لانه صيد حرمي قتل في الحرم كما لو ضمنه، ولاننا إذا ألغينا فعل الادمي صار الكلب كأنه استرسل بنفسه فقتله (فصل) فان رمى الحلال من الحل صيدا فجرحه فتحامل الصيد فدخل الحرم فمات فيه حل أكله ولا جزاء فيه لان الذكاة حصلت في الحل فأشبه مالو جرح صيدا ثم أحرم فمات الصيد بعد إحرامه ويكره أكله لموته في الحرم (فصل) وان وقف صيد بعض قوائمه في الحل وبعضها في الحرم فقتله قاتل ضمنه تغليبا للحرم وبه قال أصحاب الرأي وأبو ثور وإن نفر صيدا من الحرم فأصابه شئ في حال نفوره ضمنه لانه تسبب إلى اتلافه فأشبه ما لو تلف بشركه أو شبكته وان سكن من نفوره ثم أصابه شئ لم يضمنه نص عليه وهو قول الثوري لانه لم يكن سببا لاتلافه وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه وقع على ردائه حمامه فاطارها فوقعت على واقف فانتهزتها حية فاستشار عثمان ونافع بن الحارث فحكما عليه

[ 364 ]

بشاة وهذا يدل على أنهم رأوا عليه الضمان بعد سكونه فان انتقل عن المكان الثاني فأصابه شئ فلا ضمان عليه لانه خرج عن المكان الذي طرد إليه وقول الثوري وأحمد يدل على هذا قال سفيان إذا طردت في الحرم شيئا فاصاب شيئا قبل أن يقع أو حين وقع ضمنت وان وقع من ذلك المكان إلى مكان آخر فليس عليك شئ فقال أحمد رحمه الله جيد (فصل) قال المصنف رحمه الله (ويحرم قلع شجر الحرم وحشيشه إلا اليابس والاذخر وما زرعه الآدمي وفي جواز الرعي وجهان) أجمع أهل العلم على تحريم قطع شجر الحرم البري الذي لم ينبته الآدمي وعلى اباحة أخذ الاذخر وما أنبته الآدمي من البقول والزروع والرياحين حكى ذلك ابن المنذر والاصل ما روينا من حديث أبن عباس وروى أبو شريح وأبو هريرة بنحوه والكل متفق عليها وفي حديث أبي هريرة " الا وانها ساعتي هذه حرام لا يختلى شوكها ولا يعضد شجرها " وروى الاثرم حديث أبي هريرة وفيه " لا يعضد شجرها ولا يحتش حشيشها ولا يصاد صيدها " فاما ما أنبته الآدمي من الشجر فقال أبو الخطاب وابن عقيل له قلعه من غير ضمان كالزرع، وقال القاضي: ما نبت في الحل ثم غرس في الحرم فلا جزاء فيه وما نبت أصله في الحرم ففيه الجزاء بكل حال، وقال الشافعي في شجر الحرم الجزاء بكل حال أنبته الآدميون أو نبت بنفسه، وحكى أبن البنا في الخصال

[ 365 ]

مثل ذلك لعموم قوله عليه السلام " ولا يعضد شجرها " وقال أبو حنيفة: لا جزاء فيما أنبت الآدميون جنسه كالجوز واللوز والنخل ونحوه ولا فيما أنبته الآدمي من غيره كالدوح والسلم ونحوه لان الحرم يختص تحريمه ما كان وحشيا من الصيد كذلك الشجر، وقول شيخنا وما زرعه الآدمي يحتمل اختصاصه بالزرع دون الشجر فيكون كما حكاه ابن البنا وهو قول الشافعي ويحتمل أن يعم جميع ما يزرع كقول أبي الخطاب ويحتمل أن يريد ما أنبت الآدميون حشيشه، قال شيخنا والاولى الاخذ بعموم الحديث في تحريم الشجر كله الا ما أنبته الآدميون من جنس شجرهم بالقياس على ما أنبتوه من الزرع والاهلي من الحيوان فاننا أنما أخرجنا من الصيد ما كان أصله أنسيا دون من تأنس من الوحشي كذا ههنا (فصل) ويحرم قطع الشوك والعوسج وقال القاضي وأبو الخطاب وابن عقيل لا يحرم وروي عن عطاء ومجاهد وعمرو بن دينار والشافعي لانه يؤذي بطبعه أشبه السباع من الحيوان ولنا قوله صلى الله عليه وسلم " لا يعضد شوكها " وفي حديث أبي هريرة " لا يختلى شوكها " وهذا صريح وهو راجح على القياس (فصل) ولا بأس بقطع اليابس من الشجر والحشيش لانه بمنزلة الميت ولا يقطع ما انكسر ولم يبن لانه قد تلف فهو بمنزلة الظفر المنكسر ولا بأس بالانتفاع بما انكسر من الاغصان وانقلع من

[ 366 ]

الشجر بغير فعل آدمي ولا فيما سقط من الورق نص عليه ولا نعلم فيه خلافا لان الخبر إنما ورد في القطع وهذا لم يقطع فاما إذا قطعه آدمي فقال احمد لم أسمع إذا قطع ينتفع به وقال في الدوحة تقطع من شبهه بالصيد لم ينتفع بحطبها لانه ممنوع من اتلافه لحرمة الحرم فإذا قطعه من يحرم عليه قطعه لم ينتفع به كالصيد يذبحه المحرم ويحتمل أن يباح لغير القطع للانتفاع به لانه انقطع بغير فعله فابيح له الانتفاع به كما لو اقلعته الريح ويفارق الصيد الذي ذبحه لان الذكاة يعتبر لها الاهلية ولهذا لا يحصل بفعل البهيمة بخلاف هذا (فصل) وليس له أخذ ورق الشجر وقال الشافعي له اخذه لانه لا يضر به وكان عطاء يرخص في أخذ ورق السنا يستمشي به ولا ينزع من أصله ورخص فيه عمرو بن دينار ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا يخبط شوكها ولا يعضد شجرها " رواه مسلم ولان ما حرم أخذه حرم كل شي ء منه كريش الطير وقولهم لا يضر به ممنوع فانه يضعفه وربما آل إلى تلفه (فصل) ويحرم قطع حشيش الحرم الا ما استثناه الشرع من الاذخر وما أنبته الآدميون واليابس لقوله عليه السلام " لا يحتش حشيشها " وفي استثنائه الاذخر دليل على تحريم ما عداه وفي جواز رعيه وجهان (احدهما) لا يجوز وهو مذهب أبي حنيفة لان ما حرم أتلافه لم يجز أن يرسل

[ 367 ]

عليه ما يتلفه كالصيد (والثاني) يجوز وهو مذهب عطاء والشافعي لان الهديا كانت تدخل الحرم فتكثر فيه فلم ينقل أنها كانت تسد أفواهها ولان الحاجة تدعو إليها أشبه قطع الاذخر ويباح أخذ الكمأة من الحرم وكذلك الفقع لانه لاأصل له فأشبه الثمرة وروى حنبل قال يؤكل من شجر الحرم الضغابيس والعشرق وما سقط من الشجر وما أنبت الناس (مسألة) (ومن قطعه ضمن الشجرة الكبيرة ببقرة والصغيرة بشاة والحشيش بقيمته والغصن بما نقصه فان استخلف سقط الضمان في أحد الوجهين) يجب الضمان في اتلاف شجر الحرم وحشيشه، وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي وقال مالك وأبو داود وابن المنذر لا يضمن لان المحرم لا يضمنه في الحل فلا يضمن في الحرم كالزرع قال ابن المنذر لااجد دلالة أوجب بها في شجر الحرم فرضا في كتاب ولا سنة ولا اجماع وأقول كما قال مالك نستغفر الله تعالى ولنا ما روى أبوهشيمة قال رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه امر بشجر كان في المسجد بضر باهل الطواف فقطع وفدا قال وذكر البقرة رواه حنبل في المناسك وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في الدوحة بقرة وفي الجزلة شاة قال والدوحة الشجرة العظيمة والجزلة الصغيرة ونحوه عن عطاء ولانه ممنوع منه لحرمة الحرم فضمن كالصيد ويخالف المحرم فانه لايمنع من قطع شجر الحل ولا زرع الحرم إذا ثبت هذا فانه يضمن الشجرة الكبيرة ببقرة والصغيرة بشاة والحشيش بقيمته والغصن بما

[ 368 ]

نقص كاعضاء الحيوان، وبه قال الشافعي وقال أصحاب الرأي يضمن الكل بقيمته، وعن احمد مثل ذلك وعنه في الغصن الكبير شاة ولنا قول ابن عباس وعطاء لانه أحد نوعي ما يحرم اتلافه فكان فيه ما يضمن بمقدر كالصيد فان قطع غصنا أو حشيشا فاستخلف سقط ضمانه كما لو قطع شعر آدمي فنبت وفيه وجه آخر أنه لا يسقط لان الثاني غير الاول فهو كما لو حلق المحرم شعرا فعاد (فصل) ومن قلع شجرة من الحرم فغرسها في مكان آخر فيبست ضمنها، لانه أتلفها وان غرسها في الحرم فنبتت لم يضمنها لانه لم يتلفها ولم تزل حرمتها وان نقصت ضمن نقصها وان غرسها في الحل فنبتت فعليه ردها إليه لانه أزال حرمتها فان تعذر ردها أو ردها فيبست ضمنها وإن قلعها غيره من الحل فقال القاضي الضمان على الثاني لانه أتلفها فان قيل فلم لا يجب على المخرج كالصيد إذا نفره انسان من الحرم فقتله انسان في الحل فان الضمان على المنفر قلنا الشجر لا ينتقل بنفسه ولا تزول حرمته باخراجه ولهذا وجب على مخرجه رده والصيد يكون تارة في الحرم وتارة في الحل فمن نفره فقد فوت حرمته فلزمه جزاؤه وهذا لم يفوت حرمتها بالاخراج فكان الجزاء على المتلف لانه أتلف شجرا حرميا محرما اتلافه (مسألة) (وان قطع غصنا في الحل أصله في الحرم ضمنه وان قطع غصنا في الحرم أصله في الحل لم يضمنه في أحد الوجهين) إذا كانت الشجرة في الحرم غصها في الحل فعلى قاطعه الضمان لانه تابع لاصله وان كانت في

[ 369 ]

الحل وغصنها في الحرم لم يضمنه في أحد الوجهين اختاره القاضي لانه نابع لاصله فهي كالتي قبلها وفي الآخر يضمنه اختاره ابن أبي موسى لانه في الحرم فان كان بعض الاصل في الحرم وبعضه في الحل ضمن الغصن سواء كان في الحل أو في الحرم تغليبا لحرمة الحرم كالصيد الواقف بعضه في الحل وبعضه في الحرم (فصل) يكره اخراج تراب الحرم وحصاه لان ابن عباس وابن عمر كرهاه ولا يكره اخراج ماء زمزم لانه يستخلف فهو كالثمرة (فصل) قال رحمه الله ويحرم صيد المدينة وشجرها وحشيشها الا ما تدعو الحاجة إليه من شجرها للرحل والعارضة القائمة ونحوها ومن حشيشها للعلف ومن أدخل إليها صيدا فله امساكه وذبحه صيد المدينة وشجرها وحشيشها حرام، وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة لا يحرم لانه لو كان محرما لبينه النبي صلى الله عليه وسلم بيانا عاما ولوجب فيه الجزاء كصيد الحرم ولنا ما روى علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " المدينة حرم مابين ثور إلى عير " متفق عليه وروى تحريم المدينة أبو هريرة ورافع وعبد الله بن زيد في المتفق عليه ورواه مسلم عن سعد وجابر وأنس رضي الله عنهم وهذا يدل على تعميم البيان وليس هو في الدرجة دون أخبار تحريم الحرم وقد قبلوه وأثبتوا أحكامه على أنه ليس بممتنع أن يبينه بيانا خاصا أو بينه بيانا عام فينقل خاصا كصفة الاذان والاقامة

[ 370 ]

(فصل) ويفارق حرم المدينة حرم مكة في شيئين (احدهما) انه يجوز أنه يؤخذ من شجر حرم المدينة ما تدعو الحاجة إليه للمساند والوسائد والرحل ومن حشيشها ما يحتاج إليه للعلف لما روى الامام احمد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ان النبي صلى الله عليه وسلم لما حرم المدينة قالوا يارسول الله انا أصحاب عمل وأصحاب نضح وانا لا نستطيع أرضا غير أرضنا فرخص لنا فقال " القائمتان والوسادة والعارضة والمسند فاما غير ذلك فلا يعضد ولا يخبط منها شئ " قيل المسند مرود البكرة

[ 371 ]

فاستثنى ذلك وجعله مباحا كاستثناء الاذخر بمكة وعن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " المدينة حرام مابين عائر إلى ثور لا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها ولا يصلح أن يقطع منها شجرة الا أن يعلف رجل بعيره " رواه أبو داود ولا المدينة يقرب منها وزرع فلو منعنا من احتشاشها أفضى إلى الضرر بخلاف مكة (الثاني) أن من صاد من خارج المدينة صيدا ثم أدخله إليها لم يلزمه

[ 372 ]

إرساله نص عليه احمد لان النبي صلى الله عليه وسلم " يا أبا عمير ما فعل النغير؟ " وهو طائر صغير فظاهر هذا أنه أباح امساكه بالمدينة ولم ينكر ذلك وحرمة مكة أعظم من حرمة المدينة بدليل أنه لا يدخلها الا محرم وإذا جاز امساك الصيد فيها جاز ذبحه فيها كغيرها

[ 373 ]

(مسألة) (ولا جزاء في صيد المدينة وعنه جزاؤه سلب القاتل لمن أخذه) ليس في صيد المدينة وشجرها جزاء في احدى الروايتين وهو قول أكثر أهل العلم لانه موضع يجوز دخوله بغير احرام فلم يجب فيه جزاء كصيد وج (والثانية) فيه الجزاء روي ذلك عن ابن أبي ذئب وهو قول الشافعي القديم وابن المنذر لان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " اني احرم المدينة مثل ما حرم

[ 374 ]

ابراهيم مكة " ونهى أن يعضد شجرها ويؤخذ طيرها فوجب في هذا الحرم الجزاء كما وجب في ذلك إذا لم يظهر بينهما فرق وجزاؤه إباحة سلب القاتل لما أخذ لما روى مسلم باسناده عن عامر بن سعد أن سعدا رضي الله عنه ركب إلى قصره بالعقيق فوجد عبدا يقطع شجرا ويخبطه فسلبه فلما جاء سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم أو عليهم فقال معاذ الله أن أرد شيئا نفلنيه رسول

[ 375 ]

الله صلى الله عليه وسلم وأبى أن يرد عليهم، وعن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من وجد أحدا يصيد فيه فليسلبه رواه أبو داود فعلى هذا يباح لمن وجد آخذ الصيد أو قاتله أو قاطع الشجر سلبه وهو أخذ جميع ثيابه حتى السراويل فان كان على دابة لم يملك أخذها لان الدابة ليست من السلب وإنما أخذها

[ 376 ]

قاتل الكافر في الجهاد لانها يستعان بها في الحرب بخلاف مسئلتنا فان لم يسلبه أحد فلا شئ عليه سوى التوبة (مسألة) (وحد حرمها بين ثور الي عير وجعل النبي صلى الله عليه وسلم حول المدينة اثني عشر ميلا حمى) حد حرم المدينة ما بين لا بيتها لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما

[ 377 ]

بين لابيتها حرام " متفق عله واللابة الحرة وهي أرض بها حجارة سود قال احمد رحمه الله: ما بين لابيتها حرام بريد في بريد كذا فسره مالك بن أنس والبرد أربعة فراسخ وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل حول المدينة اثنى عشر ميلا حمى رواه مسلم وقد روى علي رضي الله عنه أن النبي

[ 378 ]

صلى الله عليه وسلم قال " حرم المدينة ما بين ثور إلى عير " متفق عليه قال أهل العلم بالمدينة لا نعرف بها ثورا ولا عيرا وإنما هما جبلان بمكة فيحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد قدر ما بين ثور وعير ويحتمل أنه أراد جبلين بالمدينة وسماها ثورا وعيرا تجوزا والله تعالى أعلم

[ 379 ]

(فصل) ولا يحرم صيد وج ولا شجره وهو واد بالطائف، وقال أصحاب الشافعي يحرم لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " صيد وج وعضاهها محرم " رواه الامام احمد ولنا أن الاصل الاباحة والحديث ضعفه احمد ذكره أبو بكر الخلاف في كتاب العلل (باب ذكر دخول مكة) يستحب الاغتسال لدخول مكة لان عبد الله بن عمر كان إذا دخل ادنى الحرم أمسك عن التلبية ثم يبيت بذى طوى ثم يصلي به الصبح ويغتسل ويحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك رواه

[ 380 ]

البخاري ولان مكة مجمع أهل النسك فإذا قصدها استحب له الاغتسال كالخارج إلى الجمعة والمرأة كالرجل وان كانت حائضا لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة وقد حاضت " افعلي ما يفعل الحاج غير ان لا تطوفي بالبيت " ولان الغسل يراد للتنظيف وهو يحصل مع الحيض وهذا مذهب الشافعي وفعله عروة والاسود بن يزيد وعمرو بن ميمون والحرث بن سويد (مسألة) (ويستحب أن يدخل مكة من أعلاها من ثنية كداء ثم يدخل المسجد من باب بني شيبة لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة من الثنية العليا التي بالبطحاء وخرج من السفلى (1) وروت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء مكة دخل من أعلاها وخرج من أسفلها متفق عليهما ولا بأس بدخولها ليلا ونهارا لان النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة ليلا ونهارا رواهما النسائي (فصل) ويستحب أن يدخل المسجد من باب بني شيبة لما روى جابر في حديثه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة ارتفاع الضحى واناخ راحلته عند باب بني شيبة ودخل المسجد رواه مسلم وغيره (مسألة) فإذا رأى البيت رفع يديه وكبر وقال اللهم أنت السلام ومنك السلام حينا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تعظيما وتشريفا وتكريما ومهاية وبرا، وزد من عظمه وشرفه ممن حجه واعتمره تعظيما وتشريفا وتكريما ومهابة وبرا، الحمد الله رب العالمين كثيرا كما هو أهله وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله وعظيم شأنه، الحمد الله الذي بلغني بيته ورآني لذلك أهلا، والحمد الله على كل حال، اللهم

[ 381 ]

انك دعوت الي حج بيتك الحرام وقد جئتك لذلك اللهم تقبل مني واعف عني واصلح لي شأني كله لا اله الا أنت يرفع بذلك صوته) يستحب رفع اليدين عند رؤية البيت يروى ذلك عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما، وبه قال الثوري وابن المبارك والشافعي واسحاق وكان مالك لا يرى رفع اليدين كما روي عن المهاجر المكي قال سئل جابر بن عبد الله عن الرجل يرى البيت أيرفع يديه؟ فقال ما كنت أظن أحدا يفعل هذا الا اليهود حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم نكن نفعله رواه النسائي ولنا ما روى ابن المنذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا ترفع الايدي الا في سبعة مواطن افتتاح الصلاة واستقبال البيت وعلى الصفا والمروة وعلى الموقفين والجمرتين " وهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم وذلك قول جابر وخبره عن ظنه وفعله وقد خالفه ابن عمر وابن عباس ولان الدعاء مستحب عند رؤية البيت وقد أمر برفع اليدين عند الدعاء (فصل) ويستحب أن يدعو عند رؤية البيت بالدعاء الذي ذكرناه لما روى ابن جريج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال " اللهم زد هذا البيت تشريفا وتكريما وتعظيما ومهابة وبرا

[ 382 ]

وزد من شرفه ممن حجه واعتمره تشريفا وتكريما وتعظيما وبرا " وعن سعيد بن المسيب انه كان حين ينظر إلى البيت يقول اللهم أنت السلام ومنك السلام حينا ربنا بالسلام رواهما الشافعي باسناده وباقي الدعاء ذكره الاثرم وابراهيم الحربي قال بعض أصحابنا ويرفع بذلك صوته وما زاد في الدعاء فحسن (فصل) إذا دخل المسجد فذكر صلاة مفروضة أو فائتة أو أقيمت الصلاة المكتوبة قدمهما على الطواف لان ذلك فرض والطواف تحية ولانه لو أقيمت الصلاة وهو في طوافه قطعه لاجلها فلان يبدأ بها أولى وان خاف فوات ركعتي الفجر أو الوتر أو حضرت جنازة قدمها لانها تفوت بخلاف الطواف (مسألة) ثم يبتدئ بطواف العمرة ان كان معتمرا وبطواف القدوم إن كان مفردا أو قارنا) يستحب لمن دخل المسجد أن يبدأ بالطواف بالبيت اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فان جابرا قال في حديثه حتى أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة توضأ ثم طاف بالبيت متفق عليه وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعبد الله ابن عمر وغيرهم ولان الطواف تحية المسجد الحرام فاستحب البداية به كما استحب لداخل غيره من المساجد البداية بتحية المسجد بصلاة ركعتين فان كان معتمرا به أبطواف العمرة ولم يحتج الا أن يطوف لها طواف قدوم لان المقصود به تحية المسجد ومن دخل المسجد وقد قامت الصلاة اشتغل بها وأجزأت عن تحية المسجد كذلك ههنا وان كان مفردا أو قارنا بدأ بطواف القدوم وهي سنة بغير خلاف (مسلئة) (ويضطبع بردائه فيجعل وسطه تحت عاتقه الا يمن وطرفيه على عاتقه الايسر) صفة الاضطباع ما ذكره ههنا وهو مأخوذ من الضبع وهو عضد الانسان افتعال منه وكان أصله اضتبع فقلبوا التاء طاء لان التاء متى وقعت بعد صاد أو ضاد أو طاء ساكنة فلبت طاء وهو مستحب في طواف القدوم وطواف العمرة للمتمتع ومن في معناه لما روى أبو داود وابن ماجه عن يعلى بن أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف مضطبعا ورويا عن أبن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى، وبه قال الشافعي وكثير من أهل العلم وقال مالك ليس الاضطباع بسنة وقال لم أسمع أحدا من بلدنا يذكر أن الاضطباع سنة وقد ثبت بما روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فعلوه وقد أمر الله تعالى باتباعه وقد روى مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه اضطبع ورمل وقال ففيم الرمل، ولم نبدي مناكبنا وقد نفى الله المشركين؟ بل لن ندع شيئا فعلناه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود (فصل) فإذا فرغ من الطواف سوى ردائه لان الاضطباع غير مستحب في الصلاة وقال الاثرم

[ 383 ]

يزيل الاضطباع إذا فرغ من الرمل والاول أولى لان قوله طاف النبي صلى الله عليه وسلم مضطبعا ينصرف إلى جميعه ولا يضطبع في السعي وقال الشافعي يضطبع فانه أحد الطوافين فاشبه الطواف بالبيت ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يضطبع فيه والسنة في الاقتداء به قال أحمد رحمه الله ما سمعنا فيه شيئا ولا يصح القياس الا فيما عقل معناه وهذا تعبد محض (مسألة) (ثم يبتدئ من الحجر الاسود فيحاذيه بجميع بدنه ثم يستلمه ويقبله وان شاء استلمه وقبل يده وان شاء أشار إليه ثم يقول الله أكبر ايمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم كلما استلمه يبتدئ الطواف من الحجر الاسود فيحاذيه بجميع بدنه فان حاذاء ببعضه احتمل أن يجزئه لانه حكم يتعلق بالبدن فاجزأ فيه بعضه كالحد ويحتمل أن لا يجزئه لان النبي صلى الله عليه وسلم استقبل الحجر واستلمه وظاهر هذا أنه استقبله بجميع بدنه ولان ما لزمه استقباله لزمه لجميع بدنه كالقبلة فإذا قلنا بوجوب فذلك فلم يفعله أو بدأ بالطاف من دون الركن كالباب ونحوه لم يحتسب له بذلك الشوط ويحتسب بالشوط الثاني وما بعده ويصير الثاني أوله لانه قد حاذى فيه الحجر بجميع بدنه وأتي على جميعه فمتى أكمل سبعة أشواط غير الاول صح طوافه واجزأه والا فلا (فصل) ثم يستلمه ويقبله ومعنى الاستلام المسح باليد مأخوذ من السلام وهي الحجارة فإذا مسح الحجر قيل استلم أي مس السلام قاله ابن قتيبة وذلك لما روى أسلم قال رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل الحجر وقال: اني لاعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا اني رأيت رسول

[ 384 ]

الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك. متفق عليه وروى ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنه قال استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجر ثم وضع شفتيه عليه يبكي طويلا ثم التفت فإذا هو بعمر بن الخطاب رضي الله عنه يبكي فقال " يا عمر ههنا تسكب العبرات " فان لم يكن الحجر موجودا والعياذ بالله فانه يقف مقابلا مكانه ويستلم الركن فان شق استلامه وتقبيله استمله وقبل يده روي ذلك عن ابن عمر وجابر وأبي هريرة وأبي سعيد وابن عباس والثوري والشافعي واسحاق وقال مالك يضع يده على فيه من غير تقبيل ولنا ما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم استلمه وقبل يده رواه مسلم فان شق عليه استلمه بشئ في يده وقبله رواه ابن عباس مرفوعا أخرجه مسلم والاقام بحذائه واستقبله بوجهه وأشار إليه وكبر وهلل وكذا ان طاف راكبا لما روى البخاري عن ابن عباس قال: طاف النبي صلى الله عليه وسلم على بعير كلما أتي الحجر أشار إليه بشئ في يده وكبر. فان أمكنه استلامه بشئ في يده كالعصا ونحوه فعل، فقد روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف في حجة الوداع يستلم الركن بمحجن. وهذا كله مستحب ويستحب أن يقول عنده ماروى عبد الله بن السائب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عند استلامه " بسم الله والله أكبر إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم " يقول ذلك كلما استلمه

[ 385 ]

(مسألة) (ثم يأخذ على يمينه ويجعل البيت على يساره) لان النبي صلى الله عليه وسلم طاف كذلك وقد قال " لتأخذوا عني مناسككم " ولان الله تعالى أمر بالطواف مجملا وبينه النبي صلى الله عليه وسلم بفعله (مسألة) (فإذا أتى على الركن اليماني استلمه وقبل يده) الركن اليماني قبلة أهل اليمن وهو آخر ما يمر عليه من الاركان في طوافه لانه يبدأ بالركن الذي فيه الحجر الاسود وهو قبلة أهل خراسان ثم يأخذ على يمين نفسه فينتهي إلى الركن الثاني وهو العراقي ثم يمر بالثالث وهو الشامي وهذان الركنان يليان الحجر ثم يأتي على الرابع وهو الركن اليماني واستلامه مستحب ولا يستحب تقبيله، وقال الخرقي يقبله والصحيح عن احمد الاول وهو قول أكثر أهل العلم وحكي عن أبي حنيفة انه لا يستلم الركن اليماني قال ابن عبد البر جائز عند أهل العلم أن يستلم الركن اليماني والركن الاسود لا يختلفون في شئ من ذلك وانما الذي فرقوا به بينهما التقبيل فرأوا تقبيل الاسود ولم يروا تقبيل اليماني وأما استلامهما فأمر مجتمع عليه قال وقد روى مجاهد عن ابن عباس قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استلم الركن اليماني قبله ووضع خده الايمن عليه قال وهذا لا يصح انما يعرف التقبيل في الحجر الاسود وحده وقد روى ابن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يستلم الا الحجر والركن اليماني، وقال ابن عمر ما تركت استلامهما منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمهما في شدة ولا رخاء رواهما مسلم ولان الركن اليماني مبني على قواعد ابراهيم عليه السلام فسن استلامه كالركن الاسود فاما تقبيله فلم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا يسن

[ 386 ]

(فصل) وأما العراقي والشامي وهما الركنان اللذان يليان الحجر فلا يسن استلامهما في قول الاكثرين وروي عن أنس ومعاوية وجابر وابن الزبير والحسن والحسين رضي الله عنهم استلامهما قال معاوية ليس شئ من البيت مهجور ولنا قول ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يستلم الا الحجر والركن اليماني وقال ما أراه يعني النبي صلى الله عليه وسلم لم يستلم الركنين اللذين يليان الحجر الا لان البيت لم يتم على قواعد ابراهيم ولا طاف الناس من وراء الحجر الا لذلك وروى ابن عباس أن معاوية طاف فجعل يستلم الاركان كلها وقال له ابن عباس لم تستلم هذين الركنين ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يستلمهما؟ فقال معاوية ليس شئ من هذا البيت مهجورا. فقال ابن عباس: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة). فقال معاوية: صدقت ولانهما لم يتما على قواعد ابراهيم عليه السلام فلم بسن استلامها كالحائط الذي يلي الحجر (مسألة) (ويطوف سبعا يرمل في الثلاثة الاول منها وهو إسراع المشي مع تقارب الخطى ولا يثب وثبا ويمشي أربعا) يجب الطواف سبعا لان النبي صلى الله عليه وسلم طاف سبعا ويرمل في الثلاثة الاول منها من الحجر إلى الحجر ومعنى الرمل اسراع المشى مع مقاربة الخطو من غير وثب وهو سنة في الاشواط الثلاثة من

[ 387 ]

طواف القدوم وطواف العمرة للمتمتع لا نعلم بين أهل العلم فيه خلافا ويمشي أربعة أشواط لان النبي صلى الله عليه وسلم رمل ثلاثة أشواط ومشى أربعا رواه جابر وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم وأحاديثهم متفق عليها فان قيل انما رمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لاظهار الجلد للمشركين ولم يبق ذلك المعنى إذ قد نفى الله المشركين فلم قلتم أن الحكم يبقى بعد زوال علته؟ قلنا قد رمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه واضطبع في حجة الوداع بعد الفتح فثبت أنها سنة ثابتة وقال ابن عباس رمل النبي صلى الله عليه وسلم في عمره كلها وفي حجه وأبو بكر وعمر وعثمان والخلفاء من بعده رواه الامام احمد في المسند وقد ذكرنا حديث عمر إذا ثبت أن الرمل سنة في الاشواط الثلاثة فانه يرمل من الحجر إلى الحجر لا يمشي في شئ منها روي ذلك عن عمر وابنه وابن مسعود وابن الزبير رضي الله عنهم وهو قول مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وقال طاوس وعطاء والحسن وسعيد بن جبير والقاسم وسالم بن عبد الله يمشي مابين الركنين لما روى ابن عباس قال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة وقد وهنتهم الحمى فقال المشركون انه يقدم عليكم قوم قدوهنتهم حمى يثرب ولقوامنها شرا فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ما قالوا فلما قدموا قعد المشركون مما يلي الحجر فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يرملوا الاشواط الثلاثة ويمشوا مابين الركنين ليرى المشركين جلدهم فلما رأوهم رملوا قال المشركون هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم هؤلاء أجلد منا قال ابن عباس ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الاشواط كلها الا الابقاء عليهم متفق عليه

[ 388 ]

ولنا ماروى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رمل من الحجر إلى الحجر ومن رواية مسلم عن جابر قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل من الحجر حتى انتهى إليه وهذا يقدم على حديث ابن عباس لوجوه منها ان هذا اثبات ومنها أن رواية ابن عباس اخبار عن عمرة القضية وهذا إخبار عن فعله في حجة الوداع فيكون متأخرا فيجب تقديمه ومنها أن ابن عباس كان صغيرا في تلك الحال وجابر وابن عمر كانا رجلين يتبعان أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ويحرصان على حفظها فهما اعلم ويحتمل أن يكون ماقاله ابن عباس اختص بالذين كانوا في عمرة القضية لضعفهم والابقاء عليهم وما رويناه سنة في سائر الناس (فصل) ولا يسن الرمل في غير الاشواط الثلاثة الاول من طواف القدوم وطواف العمرة فان ترك الرمل والاضطباع فيها لم يقضه في الاربعة الباقية لانها هيئة فان موضعها فسقطت كالجهر في الركعتين الاولتين ولان المشي هيئة في الاربعة كما ان الرمل هيئة في الثلاثة فإذا رمل في الاربعة

[ 389 ]

الاخيرة كان تاركا للهيئة في جميع طوافه كمن ترك الجهر في الاولتين من العشاء وجهر في الآخرتين فان ترك الرمل في شوط من الثلاثة الاول أنى به في الاثنين الباقيين وان تركه في اثنين أتى به في الثالث كذلك قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي لان تركه للهيئة في بعض محلها لا يسقطها في بقية محلها كتارك الجهر في احدى الركعتين الاولتين لا يسقطه في الثانية (فصل) وان نسي الرمل فليس عليه إعادة لان الرمل هيئة فلم تجب الاعادة بتركه كهيئات

[ 390 ]

الصلاة وكالاضطباع في الطواف ولو تركه عمدا لم يلزمه شئ، وبه قال عامة العلماء، وحكى عن الحسن والثوري وابن الماجشون ان عليه دما لانه نسك وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم " من ترك نسكا فعليه دم " ولنا أنها هيئة فلم يجب بتركها شئ كالاضطباع والحديث انما يصح عن ابن عباس وقد قال: من ترك الرمل فلا شئ عليه. ثم قد خص بالاضطباع (فصل) ويستحب الدنو من البيت في الطواف لانه المقصود فان كان قربه زحام فظن أنه إذا وقف لم يؤذ أحدا وتمكن من الرمل وقف ليجمع بين الرمل والدنو من البيت وان لم يظن ذلك وظن أنه إذا كان حاشية الناس تمكن من الرمل فعل وكان أولى من الدنو وان كان لا يتمكن من الرمل أيضا أو يختلط بالنساء فالدنو أولى ويطول كيفما أمكنه فإذا وجد فرجة رمل فيها، وان تباعد من البيت أجزأه ما لم يخرج من المسجد سواء حال بينه وبين البيت حائل من قبة أو غيره أو لم يحل لان الحائل لا يضر في المسجد كما لو صلى مؤتما بالامام من وراء حائل فقد روت أم سلمة رضي الله عنها

[ 391 ]

قالت: شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اني اشتكي فقال " طوفي من وراء الناس " قالت فطفت ورسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ يصلي إلى جنب البيت متفق عليه (مسألة) (وكلما حاذى الحجر والركن اليماني استلمهما أو أشار اليهما ويقول كلما حاذى الحجر لا اله الا الله والله أكبر) يستحب استلام الحجر الركن اليماني في طوافه لان ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في كل طوفة قال نافع وكان ابن عمر يفعله رواه أبو داود فان شق عليه استلامهما أشار اليهما لما روى البخاري بأسناده عن ابن عباس قال طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعير كلما أتى الركن أشار بيده وكبر (فصل) ويكبر كلما حاذى الحجر الاسود لما رويناه ويقول لا اله الا الله والله أكبر قالت عاشئة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " انما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لاقامة ذكر الله عزوجل رواه الاثرم وابن المنذر (مسألة) (ويقول بين الركنين (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) لما روى احمد في المناسك عن عبد الله بن السائب أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيما بين ركن بني جمح والركن الاسود " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " وكل الله به - يعني الركن اليماني - سبعين الف ملك فمن قال اللهم أني أسالك العفو والعافية في الدنيا والآخرة ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة قالوا آمين (مسألة) (ويقول في سائر طوافه اللهم اجعله حجا مبرورا وسعيا مشكورا وذنبا مغفورا رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم وأنت الاعز الاكرم) وكان عبد الرحمن بن عوف يقول رب قنى شح نفسي وعن عروة قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون لا اله الا الله أنت، وأنت تحيي بعدما أمت، ويدعو بما أحب، ويكثر من ذكر الله تعالى، ويكثر الدعاء لان ذلك مستحب في جميع الاحوال ففي حال تلبسه بهذه العبادة أولى، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويدع الحديث إلا ذكر الله تعالى أو قراءة القرآن أو أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر أو ما لا بد له منه لقول النبي صلى الله عليه وسلم " الطواف بالبيت صلاة فمن تكلم فلا يتكلم الا بخير " (فصل) ولا بأس بقراءة القرآن في الطواف، وبه قال مجاهد وعطاء والثوري وابن المبارك والشافعي وأصحاب الرأي، وعن احمد كراهته وروي ذلك عن الحسن وعروة ومالك

[ 392 ]

ولنا ماروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في طوافه (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار) وكان عمر وعبد الرحمن بن عوف يقولان ذلك في الطواف وهو قرآن، ولان الطواف صلاة ولا تكره القراءة في الصلاة قال ابن المبارك: ليس شئ أفضل من القرآن (فصل) والمرأة كالرجل في البداية بالطواف وفيما ذكرنا الا انها إذا قدمت مكة نهارا ولم تخش مجيئ الحيض استحب لها تأخير الطواف إلى الليل لانه أستر، ولايستحب لها مزاحمة الرجال لتستلم الحجر لكن تشير إليه بيدها كالذي لا يمكنه الوصول إليه: قال عطاء كانت عائشة تطوف حجزة من الرجال لا تخالطهم فقالت امرأة انطلقي نستلم يا أم المؤمنين فقالت انطلقي عنك وأبت (1) فان خشيت الحيض أو النفاس استحب لها تعجيل الطواف كي لا يفوتها (مسألة) (وليس على النساء ولا أهل مكة رمل ولا اضطباع وليس في غير هذا الطواف رمل والا اضطباع) قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أنه لا رمل على النساء حول البيت ولا بين الصفا والمروة وليس عليهن أضطباع وذلك لان الاصل فيها اظهار الجلد، ولا يقصد ذلك من النساء انما يقصد فيهن الستر وفي الرمل والاضطباع تعرض للانكشاف (فصل) وليس على أهل مكة رمل وهذا قول ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما وكان ابن

[ 393 ]

عمر إذا أحرم من مكة لم يرمل لان الرمل انما شرع في الاصل لاظهار الجلد والقوة لاهل البلد، وهذا المعنى معدوم في أهل البلد. والحكم فيمن أحرم من مكة حكم أهل مكة لما ذكرنا عن ابن عمر، ولانه أحرم من مكة أشبه أهل البلد. وليس عليهم اضطباع لان من لا يشرع له الرمل لا يشرع له الاضطباع كالنساء والمتمتع إذا أحرم بالحج من مكة ثم عاد وقلنا يشرع له طواف القدوم لم يرمل فيه. قال احمد رحمه الله: ليس على أهل مكة رمل البيت ولا بين الصفا والمروة (فصل) وليس في غير هذا الطواف رمل ولا اضطباع لان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه انما رملوا واضطبعوا في ذلك وذكر القاضي أن من ترك الرمل والاضطباع في طواف القدوم أتى بهما في طواف الزيارة لانهما سنة أمكن قضاؤها فتقضى كسنن الصلاة وليس بصحيح لما ذكرنا من أن من تركه في الثلاثة الاول لا يقضيه في الاربعة. وكذلك من ترك الجهر في صلاة الفجر لا يقضيه في صلاة الظهر، ولا يقتضى القياس أن يقضي هيئة عبادة في عبادة أخرى. قال القاضي ولو طاف فرمل واضطبع ولم يسع بين الصفا والمروة فإذا طاف بعد ذلك رمل في طوافه لانه يرمل في السعي بعده وهو تبع في الطواف فلو قلنا لا يرمل في الطواف أفضى إلى كون التبع أكمل من المتبوع، وهذا قول مجاهد والشافعي قال شيخنا: وهذا لا يثبت بمثل هذا الرأي الضعيف فان المتبوع لا تتغير هيئاته تبعا كتبعه ولو كانا متلازمين كان ترك الرمل في السعي تبعا لعدمه في الطواف أولى من الرمل في الطواف تبعا للسعي

[ 394 ]

(مسألة) (ومن طاف راكبا أو محمولا أجزأه وعنه لا يجزئه الا لعذر ولا يجزي ء عن الحامل) يصح طواف الراكب للعذر بغير خلاف علمناه لان ابن عباس روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن. وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت شكوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم اني أشتكي فقال " طوفي من وراء الناس وأنت راكبة " متفق عليهما وقال جابر رضي الله عنه طاف النبي صلى الله عليه وسلم على راحلته بالبيت وبالصفا والمروة ليراه الناس وليشرف عليهم يسألوه فان الناس غشوه، والمحمول كالراكب فيما ذكرنا قياسا عليه (فصل) فان فعل ذلك لغير عذر فعن احمد فيه ثلاث روايات (احداهن) لا يجزئ وهو ظاهر كلام الخرقي لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " الطواف بالبيت صلاة ولانها عبادة تتعلق بالبيت فلم يجز فعلها راكبا لغير عذر كالصلاة " (والثانية) يجزئه ويجبره بدم وهو قول أبي حنيفة الا أنه قال بعيد ما كان بمكة فان رجع جبره بدم لانه ترك صفة واجبة في ركن الحج أشبه مالو دفع من عرفة قبل الغروب (والثالثة) يجزئ ولا شئ عليه اختارها أبو بكر وهو مذهب الشافعي وابن المنذر، ولان النبي صلى الله عليه وسلم طاف راكبا قال ابن المنذر لا قول لاحد مع فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولان الله تعالى أمر بالطواف مطلقا فكيفما أتى به أجزأه ولا يجوز تقييد المطلق بغير دليل (فصل) والطواف راجلا أفضل بغير خلاف لان النبي صلى الله عليه وسلم في غير حجة الوداع طاف ماشيا

[ 395 ]

وأصحابه طافوا مشاة وفي قول أم سلمة شكوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم اني أشتكي فقال " طوفي من وراء الناس وأنت راكبة " دليل على أن الطواف انما يكون مشيا وانا طاف النبي صلى الله عليه وسلم راكبا لعذر فان ابن عباس روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كثر عليه الناس يقولون هذا محمد هذا محمد حتى خرج العواتق من البيوت وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يضرب الناس بين يديه فلما كثروا عليه ركب رواه مسلم. وكذلك في حديث جابر: فان الناس غشوه (1) ورواه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم. طاف راكبا لشكاة به وبهذا يعتذر من منع الطواف راكبا عن طواف النبي صلى الله عليه وسلم والحديث الاول أثبت فعلى هذا يكون كثرة الناس وشدة الزحام عذرا، ويحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قصد تعليم الناس فلا يتمكن الا بالركوب (فصل) وإذا طاف راكبا أو محمولا فلا رمل فيه وقال القاضى يخب به بعيره والصحيح الاول لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله ولا أمر به ولا يتحقق فيه معنى الرمل (فصل) فأما السعي محمولا وراكبا فيجزئه لعذر ولغير عذر لان المعنى الذي منع الطواف راكبا غير موجود فيه (فصل) من طيف به محمولا لم يخل من ثلاثة أحوال (أحدها) أن ينويا جميعا عن المحمول أو ينوي المحمول على نفسه ولا ينوي الحامل شيئا فيقع عنه دون الحامل بغير خلاف (الثاني) أن يقصدا

[ 396 ]

عن الحامل فيقع عنه ولا شئ للمحمول وكذلك ان نوى الحامل عن نفسه ولم ينو المحمول (الثالث) أن يقصد كل واحد عن نفسه فيقع للمحمول دون الحامل وهذا أحد قولي الشافعي والقول الآخر يقع للحامل لانه الفاعل. وقال أبو حنيفة يقع لهما لان كل واحد منهما طائف بنية صحيحة فأجزأ الطواف عنه كما لو لم ينو صاحبه شيئا ولانه لو حمله بعرفات لكان الوقوف عنهما كذا هذا، قال (شيخنا) وهو قول حسن، ووجه الاول انه طواف أجزأ عن المحمول فلم يقع عن الحامل كما لو نويا جميعا ولانه طواف واحد فلم يقع عن شخصين كالراكب أما إذا حمله بعرفة فما حصل الوقوف بالحمل فان المقصود الكون عفرفات وهما كائنان بها والمقصود ههنا الفعل وهو واحد فلا يقع عن شخصين ووقوعه عن المحمول أولى لانه لم ينو بطوافه الا لنفسه، والحامل لم يخلص قصده بالطواف لنفسه فانه لو لم يقصد الطواف بالمحمول لما حمله فان تمكنه من الطواف لا يقف على حمله قصار المحمول مقصودا لهما ولم يخلص قصد الحامل لنفسه فلم يقع لعدم التعيين. وقال أبو حفص العكبري لا يجزئ الطواف عن واحد منهما لان فعلا واحدا لا يقع عن اثنين وليس أحدهما أولى به من الآخر، وقد ذكرنا أن المحمول أولى بخلوص نيته لنفسه وقصد الحامل له فان عدمت النية منهما أو نوى كل واحد منهما عن الآخر لم تصح لواحد منهما (مسألة) (وان طاف منكسا أو على جدار الحجر أو شاذروان الكعبة، أو ترك شيئا من طوافه وان قل أو لم ينوه لم يجزه) إذا نكس الطواف فجعل البيت على يمينه لم يجزه، وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة يعيد ما كان بمكة فان رجع جبره بدم لانه ترك هيئة فلم تمنع الاجزاء كترك الرمل والاضطباع ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل البيت في الطواف على يساره وقال عليه الصلاة والسلام " لتأخذوا

[ 397 ]

عني مناسككم " ولانها عبادة متعلقة بالبيت فكان الترتيب شرطا لصحتها كالصلاة، وما قاسوا عليه مخالف لما ذكرنا كما اختلف حكم هيئات الصلاة وترتيبها (فصل) ويطوف من وراء الحجر لان الله تعالى قال (وليطوفوا بالبيت العتيق) والحجر منه فمن لم يطف به لم يعتد بطوافه، وبهذا قال عطاء ومالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر. وقال أصحاب الرأي إن كان بمكة قضى ما بقي، وإن رجع إلى الكوفة فعليه دم ونحوه قول الحسن ولنا أنه من البيت لما روت عائشة رضي الله عنها قالت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحجر فقال " هو من البيت " وعنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن قومك استقصروا من بنيان البيت ولولا حداثة عهدهم بالشرك أعدت ما تركوا منها فان بدا لقومك من بعدي أن يبنوا فهلمي لاريك ما تركوا منها " فأراها قريبا من سبعة أذرع رواهما مسلم، وعنها قالت قلت يا رسول الله إني نذرت أن أصلي في البيت " قال صلي في الحجر فان الحجر من البيت " رواه الترمذي وقال حسن صحيح فمن ترك الطواف بالحجر لم يطف بالبيت جميعه فلم يصح كما لو ترك الطواف ببعض البناء، ولان النبي صلى الله عليه وسلم طاف من وراء الحجر وقال " لتأخذوا عني مناسككم "

[ 398 ]

(فصل) ولو طاف على جدار الحجر أو شاذروان الكعبة وهو ما فضل من جدارها لم يجز لان ذلك من البيت فإذا لم يطف به لم يطف بكل البيت، وكذلك إن ترك شيئا من طوافه وإن قل لم يجزه لان لم يطف بجميع البيت، وقد طاف النبي صلى الله عليه وسلم من وراء ذلك وطاف بجميع البيت من الحجر إلى الحجر (1) (فصل) والنية شرط في الطواف إن تركها لم يصح لانها عبادة تتعلق بالبيت فاشترطت لها النية كالصلاة، ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال " الطواف بالبيت صلاة " والصلاة لا تصح بدون النية (مسألة) (وإن طاف محدثا أو نجسا أو عريانا لم يجزه وعنه يجزئه ويجبره بدم) الطهارة من الحدث والنجاسة والستارة شرائط لصحة الطواف في ظاهر المذهب وهو قول مالك والشافعي، وعن أحمد أن الطهارة ليست شرطا فمتى طاف للزيارة غير متطهر أعاد ما كان بمكة فان خرج إلى بلده جبره بدم، وكذلك يخرج في الطهارة من النجس والستارة، وعنه فيمن طاف للزيارة وهو ناس للطهارة لا شئ عليه، وقال أبو حنيفة ليس شئ من ذلك شرطا، واختلف أصحابه فقال بعضهم هو واجب، وقال بعضهم هو سنة لان الطواف ركن للحج فلم تشترط له الطهارة كالوقوف ولنا ما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " الطواف بالبيت صلاة إلا أنكم تتكلمون فيه " رواه الترمذي والاثرم، وعن أبي هريرة أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه بعثه في الحجة التي أمره عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قل حجة الوداع يوم النحر يؤذن " لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان " متفق عليه، ولانها عبادة متعلقة بالبيت فكانت الطهارة والستارة فيها شرطا كالصلاة وعكسه الوقوف، ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة حين حاضت " أفعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت " (فصل) وإذا شك في الطهارة وهو في الطواف لم يصح طوافه لانه شك في شرط العبادة قبل الفراغ منها أشبه ما لو شك في الطهارة وهو في الصلاة، وإن شك بعد الفراغ منه لم يلزمه شئ لان الشك في شرط العبادة بعد فراغها لا يؤثر فيها، وإن شك في عدد الطواف بنى على اليقين. قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على ذلك لانها عبادة فمتى شك فيها وهو فيها بنى على اليقين كالصلاة، فان أخبره ثقة عن عدد طوافه قبل قوله إن كان عدلا، وإن شك في عدده بعد الفراغ منه لم يلتفت إليه كمن شك في عدد الركعات بعد فراغ الصلاة، قال أحمد إذا كان رجلان

[ 399 ]

يطوفان فاختلفا في الطواف بنيا على اليقين، قال شيخنا وهو محمول على أنهما شكا، فان كان أحدهما يتيقن حال نفسه لم يلتفت إلى قول غيره، (فصل) إذا فرغ المتمتع ثم علم أنه كان على غير طهارة في أحد الطوافين لا بعينه بنى الامر على الاشد وهو أنه كان محدثا في طواف العمرة فلم تصح ولم يحل منها فيلزمه دم للحلق ويكون قد أدخل الحج على العمرة فيصير قارنا ويجزئه الطواف للحج عن النسكين، ولو قدرناه من الحج لزمه أعادة الطواف ويلزمه اعادة السعي على التقديرين لانه وجد بعد طواف غير معتد به، وإن كان وطئ بعد حله من العمرة حكمنا بأنه أدخل حجا على عمرة فاسدة فلا يصح ويلغو ما فعله من أفعال الحج ويتحلل بالطواف الذي قصده للحج من عمرته الفاسدة وعليه دم للحلق ودم للمضي في عمرته ولا يحصل له حج ولا عمرة، ولو قدرناه من الحج لم يلزمه أكثر من اعادة الطواف والسعي ويحصل له الحج والعمرة (مسألة) (وإن أحدث في بعض طوافه أو قطعه بفصل طويل ابتدأه) إذا أحدث في الطواف عمدا ابتدأ الطواف لان الطهارة شرط له، فإذا أحدث عمدا أبطله كالصلاة وإن سبقه الحدث ففيه روايتان (احداهما) يبتدئ أيضا وهو قول مالك والحسن قياسا على الصلاة (والثانية) يتوضأ ويبني وبها قال الشافعي واسحاق، وقال حنبل عن أحمد فيمن طاف ثلاثة أشواط أو أكثر يتوضأ فان شاء بنى وإن شاء استأنف، قال أبو عبد الله يبني إذا لم يحدث حدثا إلا الوضوء، فان عمل عملا غير ذلك استقبل الطواف وذلك لان المولاة تسقط عند العذر على احدى الروايتين وهذا عذر، فأما إن اشتغل بغير الوضوء لزمه الابتداء لانه ترك الموالاة لغير عذر وهذا إذا كان الطواف فرضا، فأما النفل فلا تجب اعادته كالصلاة المسنونة إذا بطلت (فصل) والموالاة شرط في الطواف فمتى قطعه بفصل طويل ابتدأه سواء كان عمدا أو سهوا مثل أن يترك شوطا من الطواف يظن أنه قد أتمه، وقال أصحاب الرأي فيمن طاف ثلاثة أشواط من طواف الزيارة ثم رجع إلى بلده عليه أن يعود فيطوف ما بقي ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم والى بين طوافه وقال " خذوا عني مناسككم " ولانه صلاة فاشترطت له الموالاة كسائر الصلوات، أو نقول: عبادة متعلقة بالبيت فاشترطت لها الموالاة كالصلاة والمرجع في طول الفصل وقصره إلى العرف، وقد روي عن أبي عبد الله رحمه الله رواية أخرى إذا كان له عذر يشغله بنى، وإن قطعه لغير عذر أو لحاجة استقبل الطواف، وقال إذا أعيا في الطواف لا بأس أن

[ 400 ]

يتسريح، وقال الحسن غشي عليه فحمل إلى أهله، فلما أفاق أتمه لانه قطعه للعذر فجاز البناء عليه كما لو قطعه للصلاة (مسألة) (ولو كان يسيرا أو أقيمت الصلاة أو حضرت جنازة صلى وبنى) ويتخرج أن الموالاة سنة، أما إذا لم يطل الفصل فانه يبني على طوافه لانه يسير فعفي عنه، وكذلك إن أقيمت الصلاة المكتوبة فانه يقطع الطواف ويصلي جماعة في قول كثير من أهل العلم، وقال مالك يمضي في طوافه ولا يقطعه إلا أن يخاف أن يضر بوقت الصلاة لانه صلاة فلا يقطعه لصلاة أخرى ولنا قوله صلى الله عليه وسلم " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " والطواف صلاة فيدخل في عموم النص، وإذا صلى بنى على طوافه، قال ابن المنذر ولا نعلم أحدا خالف في ذلك إلا الحسن فانه قال: يستأنف، وقول الجمهور أولى لان هذا فعل مشروع في أثناء الطواف فلم يقطعه كاليسير، وكذلك الحكم في الجنازة إذا حضرت يصلي عليها ثم يبني على طوافه لانها تفوت بالتشاغل عنها، قال أحمد ويكون ابتداؤه من الحجر أنه يبتدئ بالحجر الشوط الذي قطعه من الحجر حين يشرع في البناء، وحكم السعي حكم الطواف فيما ذكرنا لانه إذا ثبت ذلك في الطواف مع تأكده ففي السعي بطريق الاولى، ولان ذلك يروى عن ابن عمر رضي الله عنهما ولا يعرف له في الصحابة مخالف وهذا قول عطاء والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي ولا نعلم عن غيرهم خلافهم، ويتخرج أن الموالاة في الطواف سنة وهو قول أصحاب الرأي قياسا على الصفا والمروة والصحيح الاول لما ذكرنا (مسألة) (ثم يصلي ركعتين) والافضل أن يكون خلف المقام يقرأ فيهما (قل يا أيها الكافرون) في الاولى و (قل هو الله أحد) في الثانية فان جابرا رضي الله عنه روى في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم قال: حتى أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا ثم تقدم إلى مقام ابراهيم فقرأ (واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى) فجعل المقام بينه وبين البيت، قال محمد بن علي ولا أعلمه إلا ذكره عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في

[ 401 ]

الركعتين (قل هو الله أحد، وقل يا أيها الكافرون) وحيث ركعهما ومهما قرأ فيهما جاز فان عمر رضي الله عنه ركعهما بذي طوى، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لام سلمة " إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون " ففعلت ذلك فلم تصل حتى خرجت، ولا بأس أن يصليهما إلى غير سترة ويمر بين يديه الطائفون من الرجال والنساء فان النبي صلى الله عليه وسلم صلاهما والطواف بين يديه ليس بينهما شئ، وكان ابن الزبير يصلي والطواف بين يديه فتمر المرأة بين يديه ينتظرها حتى ترفع رجلها ثم يسجد وكذلك سائر الصلوات بمكة لا يعتبر لها سترة وقد ذكرنا ذلك (فصل) والركعتان فيه سنة مؤكذة غير واجبة، وبه قال مالك وللشافعي قولان (أحدهما) أنهما واجبتان لانهما تابعتان للطواف فكانا واجبتين كالسعي ولنا قول عليه السلام للاعرابي حين سأله عن الفرائض فذكر الصلوات الخمس، فقال هل علي غيرها؟ قال " لا إلا أن تطوع " ولانها صلاة لم يشرع لها جماعة فلم تكن واجبة كسائر النوافل وأما السعي فلم يجب لكونه تابعا ولا هو مشروع مع كل طواف بخلاف الركعتين فانهما يشرعان عقيب كل طواف (فصل) فان صلى المكتوبة بعد طوافه اجزأته عن ركعتي الطواف، روي نحوه عن ابن عباس

[ 402 ]

وعطاء وجابر بن زيد والحسن وسعيد بن جبير واسحاق، وعنه أنه يصلي ركعتي الطواف بعد المكتوبة، قال أبو بكر عبد العزيز هو أقيس، وبه قال الزهري ومالك وأصحاب الرأي لانه سنة فلم يجز عنها المكتوبة كركعتي الفجر ولنا أنهما ركعتان شرعتا للنسك فاجزأت عنهما المكتوبة كركعتي الاحرام (فصل) ولا بأس أن يجمع بين الاسابيع فإذا فرغ منها ركع لكل أسبوع ركعتين فعلته عائشة والمسور ابن مخرمة، وبه قال عطاء وطاوس وسعيد بن جبير وكرهه ابن عمر والحسن والزهري ومالك وأبو حنيفة لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله، ولان تأخير الركعتين عن طوافهما يخل بالموالاة بينهما ولنا أن الطواف يجري مجرى الصلاة يجوز جمعها ويؤخر ما بينها فيصليها بعدها كذلك ههنا، وكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله لا يوجب كراهته فان النبي صلى الله عليه وسلم لم يطف أسبوعين ولا ثلاثة وذلك غير مكروه بالاتفاق والموالاة غير معتبرة بين الطواف والركعتين بدليل أن عمر صلاهما بذي طوى وأخرت أم سلمة ركعتي الطواف حين طافت راكبة بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن ركع لكل أسبوع عقيبه كان أولى وفيه اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وخروج من الخلاف (فصل) والمشترط لصحة الطواف تسعة أشياء: الطهارة من الحدث والنجاسة، وستر العورة، والنية، والطواف بجميع البيت، وأن يكمل سبعة اشواط، ومحاذاة الحجر بجميع بدنه، والترتيب، وهو أن يطوف على يمينه، والموالاة، وسننه استلام الركن وتقبيله أو ما قام مقامه من الاشارة،

[ 403 ]

واستلام الركن اليماني والاضطباع والرمل، والمشي في موضعه، والدعاء والذكر، وركعتا الطواف، والطواف ماشيا، والدنو من البيت، وفي ذلك اختلاف ذكرناه فيما مضى (مسألة) (ثم يعود إلى الركن فيستلمه) إذا فرغ من ركعتي الطواف وأراد الخروج إلى الصفا استحب أن يعود فيستلم الحجر نص عليه أحمد لان النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ذكره جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم وكان ابن عمر يفعله وبه قال النخعي ومالك والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه خلافا (مسألة) (ثم يخرج إلى الصفا من بابه ويسعى سبعا يبدأ بالصفا فيرقى عليه حتى يرى البيت فيستقبله ويكبر ثلاثا ويقول الحمد لله على ما هدانا لا اله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شئ قدير، لا إله الا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهرم الاحزاب وحده، لا إله إلا الله لا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، ثم يلبي ويدعو بما أحب) وجملة ذلك أنه إذا فرغ من طوافه واستلم الركن فالمستحب أن يخرج إلى الصفا من بابه فيأتي الصفا فيرقى عليه حتى يرى الكعبة فيستقبلها فيكبر الله عزوجل ويهلله ويدعو بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وما أحب من الدنيا والآخرة قال جابر رضي الله عنه في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ (إن الصفا والمروة من شعائر الله) نبدأ بما بدأ الله به " فبدأ بالصفا فرقي عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره وقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز

[ 404 ]

وعده، ونصر عبده، وهزم الاحزاب وحده، ثم دعا بين ذلك وقال مثل هذا ثلاث مرات. قال أحمد رحمه الله ويدعو بدعاء ابن عمر رضي الله عنهما، ورواه اسماعيل عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه كان يخرج من الصفا من الباب الاعظم فيقوم عليه فيكبر سبع مرار ثلاثا ثلاثا يكبر ثم يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، لا إله إلا الله لا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، ثم يدعو فيقول: اللهم اعصمني بدينك وطواعيتك وطواعية رسولك، اللهم جنبني حدودك، اللهم اجعلني ممن يحبك ويحب ملائكتك وأنبيائك ورسلك وعبادك الصالحين، اللهم حببني اليك وإلى ملائكتك وإلى رسلك وإلى عبادك الصالحين، اللهم يسرني لليسرى وجنبني للعسرى، واغفر لي في الآخرة والاولى، واجعلني من أئمة المتقين، واجعلني من ورثة جنة النعيم، وأغفر لي خطيئتي يوم الدين، اللهم قلت وقولك الحق (ادعوني أستجب لكم) وإنك لا تخلف المعياد، اللهم إذ هديتني للاسلام فلا تنزعني منه ولا تنزعه مني حتى توفاني على الاسلام، اللهم لا تقدمني إلى العذاب، ولا تؤخرني لسوء الفتن. قال ويدعو دعاء كثيرا حتى انه ليملنا وانا لشاب وكان إذا أتى على المسعى سعى وكبر، وكل ما دعا به فحسن (فصل) فان لم يرق على الصفا فلا شئ عليه، قال القاضي لكن يجب عليه أن يستوعب ما بين الصفا والمروة فيلصق عقبيه بأسفل الصفا ثم يسعى إلى المروة فان لم يصعد عليها ألصق أصابع رجليه

[ 405 ]

بأسفل المروة والصعود عليهما أولى اقتداء بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، فان ترك مما بينهما شيئا ولو ذراعا لم يجزه حتى يأتي به، وحكم المرأة في ذلك حكم الرجل إلا أنها لا ترقى لئلا تزاحم الرجال ولانه استر لها (مسألة) (ثم ينزل فيمشي حتى يأتي العلم فيسعى سعيا شديدا إلى العلم الآخر، ثم يمشي حتى يأتي المروة فيفعل عليها كما فعل على الصفا، ثم ينزل فيمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه يفعل ذلك سبعا) يحتسب بالذهاب سعية، وبالرجوع سعية، يفتتح بالصفا ويختتم بالمروة، فان افتتح بالمروة لم يحتسب بذلك الشوط، هذا وصف السعي وهو أن ينزل من الصفا فيمشي حتى يأتي العلم أي يحاذيه وهو الميل الاخضر في ركن المسجد، فإذا كان منه نحوا من ستة أذرع سعى سعيا شديدا حتى ياحذي العلم الآخر وهما الميلان الاخضران بفناء المسجد وحذاء دار العباس، ثم يترك السعي فيمشي حتى يأتي المروة فيرقى عليها ويستقبل القبلة ويدعو بمثل دعائه على الصفا ومهما دعا به فلا بأس وليس في الدعاء شئ موقت ثم ينزل فيمشي في موضع مشبه ويسعى في موضع سعيه ويكثر من الدعاء والذكر فيما بين ذلك. قال أبو عبد الله كان ابن مسعود إذا سعى بين الصفا والمروة قال: رب أغفر وارحم، وتجاوز عما تعلم،

[ 406 ]

وأنت الاعز الاكرم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم " انما جعل رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة لاقامة ذكر الله عزوجل " قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح ولا يزال حتى تكمل سبعة أشواط يحتسب بالذهاب سعية وبالرجوع سعية وحكي عن أبن جرير وبعض الشافعية أنهم قالوا ذهابه ورجوعه سعية وهذا غلط لان جابرا قال في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم ثم نزل إلى المروة حتى إذا انفضت قدماه رمل في بطن الوادي حتى إذا صعدنا مشى حتى أذا أتى المروة فعل على المروة كما فعل على الصفا فلما كان آخر طوفه على المروة قال " لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة " وهذا يقتضي أنه آخر طوافه، ولو كان على ما ذكروه كان آخره عند الصفا في الموضع الذي بدأ منه، ولانه في كل مرة طائف بهما فاحتسب بذلك مرة كما إذا طاف بجميع البيت احتسب به مرة (فصل) ويفتتح بالصفا ويختم بالمروة لان الترتيب شرط في السعي كذلك، فان بدأ بالمروة لم يحتسب بذلك الشوط، فإذا صار إلى الصفا اعتد بما يأتي به بعد ذلك لان النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بالصفا وقال " نبدأ بما بدأ الله به " وهذا قول الحسن ومالك والشافعي والاوزاعي وأصحاب الرأي، وعن ابن عباس أنه قال: قال الله تعالى (إن الصفا والمروة من شعائر الله) فبدأ بالصفا وقال اتبعوا القرآن فما بدأ الله به فابدؤا به

[ 407 ]

(فصل) والرمل في السعي سنة لان النبي صلى الله عليه وسلم سعى وسعى أصحابه فروت صفية بنت شيبة عن أم ولد شيبة قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى بين الصفا والمروة ويقول " لانقطع الابطح الا شدا " وليس ذلك بواجب ولا شئ على تاركه، فان ابن عمر قال: ان أسع بين الصفا والمروة فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى، وإن أمش فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وأنا شيخ كبير. رواهما ابن ماجة وأبو داود، ولان ترك الرمل في الطواف بالبيت لا شئ فيه فبين الصفا والمروة أولى (مسألة) (ويستحب أن يسعى طاهرا مستترا متواليا، وعنه أن ذلك من شرائطه) المستحب لمن قدر على الطهارة أن لا يسعى الا متطهرا من الحدث والنجاسة وكذلك جميع المناسك، فان سعى بين الصفا والمروة على غير طهارة كره له ذلك وأجزأه في قول أكثر أهل العلم منهم عطاء ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وكان الحسن يقول. إذا ذكر قبل أن يحل فليعد الطواف، وإن ذكر بعد ماحل فلا شئ عليه ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها حين حاضت " اقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت " ولان ذلك عبادة لا تتعلق بالبيت أشبهت الوقوف بعرفة، قال أبو داود سمعت أحمد يقول إذا طافت المرأة بالبيت ثم حاضت سعت بين الصفا والمروة ثم نفرت، وروي عن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما أنهما قالتا إذا طافت المرأة بالبيت وصلت ركعتين ثم حاضت بين الصفا والمروة فلتطف

[ 408 ]

بالصفا والمروة رواه الاثرم، ولا تشترط الطهارة من النجاسة أيضا ولا الستارة للسعي لانه إذا لم تشترط الطهارة من الحدث وهي آكد فغيرها أولى، وقد ذكر بعض أصحابنا رواية عن أحمد أنه كالطواف في اشتراط الطهارة والستارة قياسا عليه ولا عمل عليه (فصل) والموالاة في السعي غير مشترطة في ظاهر كلام أحمد رحمه الله فانه قال في رجل كان بين الصفا والمروة فلقيه قادم بعرفة يقف يسلم عليه ويسأله قال نعم أمر الصفا سهل انما كان يكره الوقوف في الطواف بالبيت، فأما بين الصفا والمروة فلا بأس؟ وقال القاضي تشترط الموالاة فيه قياسا على الطواف، وحكي رواية عن أحمد والاول أصح فانه نسك لا يتعلق بالبيت فلم تشترط له الموالاة كالرمي والحلاق، وقد روى الاثرم أن سودة بنت عبد الله بن عمر امرأة عروة بن الزبير سعت بين الصفا والمروة فقضت طوافها في ثلاثة أيام وكانت ضخمة، وكان عطاء لا يرى بأسا ان يستريح بينهم ولا يصح قياسه على الطواف لان الطواف يتعلق بالبيت وهو صلاة، وتشترط له الطهارة والستارة فاشترطت له الموالاة بخلاف السعي (مسألة) (والمرأة لا ترمل ولا ترقى) لا يسن للمرأة ان ترقى على المروة لئلا تزاحم الرجال ولان ذلك أستر لها ولا يسن لها الرمل، قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أنه لا رمل على النساء حول البيت ولابين الصفا والمروة، وذلك لان الاصل في ذلك اظهار الجلد ولا يقصد ذلك في حقهن، ولان النساء يقصد منهن الستر وفي ذلك تعرض للانكشاف فلم يستحب لهن (فصل) والسعي تبع للطواف لا يصح إلا بعد الطواف فان سعى قبله لم يصح، وبه قال مالك

[ 409 ]

والشافعي وأصحاب الرأي وقال عطاء يجزئه، وعن أحمد يجزئه إن نسي وإلا فلا لان النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن التقدم والتأخر في حال الجهل والنسيان قال " لاحرج " ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم انما سعى بعد الطوف وقال " لتأخذوا عني مناسككم " فعلى هذا إن سعى بعد طوافه ثم علم أنه طاف غير متطهر أعاد السعي، وإن سعى المفرد والقارن بعد طواف القدوم لم يلزمهما سعي بعد ذلك ولا تجب الموالاة بين الطواف والسعي، روي ذلك عن الحسن وعطاء قالا: لا بأس أن يطوف أول النهار ويسعى آخره، وفعله القاسم وسعيد بن جبير لان الموالاة إذا لم تجب في نفس السعي ففيما بينه وبين الطواف أولى (مسألة) (فإذا فرغ من السعي فإذا كان معتمرا قصر من شعره وتحلل الا أن يكون قد ساق معه هديا فلا يحل حتى يحج) إذا طاف المتمتع وسعى وقصر أو حلق وقد حل من عمرته إن لم يكن معه هدي لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال: تمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس " من كان معه هدي فانه لا يحل من شئ حرم منه حتى يقضي حجته ومن لم يكن معه هدي فليطف بالبيت وبالصفا وبالمروة وليقصر وليحلل " متفق عليه ولا نعلم فيه خلافا، ولا يستحب تأخير التحلل قال أبو داود سمعت أحمد سئل عمن دخل مكة

[ 410 ]

معتمرا فلم يقصر حتى كان يوم التروية عليه شئ؟ قال هذا لم يحل حتى يقصر ثم يهل بالحج وليس عليه شئ وبئس ما صنع (فصل) فاما من معه الهدي فليس له أن يتحلل لكن يقيم على احرامه ويدخل الحج على العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا نص عليه احمد وهو قول أبي حنيفة، وعن احمد رواية اخرى أنه يحل له التقصير من شعر رأسه خاصة ولا يمس من أظفاره وشاربه شيئا روي ذلك عن ابن عمر وهو قول عطاء لما روي عن معاوية قال قصرت من رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص عند المروة متفق عليه، وقال مالك والشافعي في قول له التحلل ونحر هديه عند المروة ويحتمله كلام الخرقي ولنا ما ذكرنا من حديث ابن عمر وروت عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فاهللت بعمرة ولم أكن سقت الهدي فقال النبي صلى الله عليه وسلم " من كان معه هدي فليهل بالحج مع عمرته ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا " وعن حفصة أنها قلت: يارسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحلل أنت من عمرتك؟ قال " اني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر " متفق عليه والاحاديث فيه كثيرة، وعن احمد رواية ثالثة فيمن قدم متمتعا في أشهر الحج وساق الهدي قال ان دخلها في العشر لم ينحر الهدي حتى ينحره يوم النحر وان قدم في العشر نحر الهدي وهذا يدل على أن المتمتع إذا قدم قبل العشر حل وان كان معه هدي وان قدم

[ 411 ]

في العشر لم يحل وهو قول عطاء رواه حنبل في المناسك وقال فيمن لبد أو ضفر هو بمنزلة من ساق الهدي لحديث حفصة والرواية الاولى أولى لما فيها من الاحاديث الصحيحة الصريحة فهي أولى بالاتباع (فصل) فاما المعتمر غير المتمتع فانه يحل سواء كان معه هدي أو لم يكن وسواء كان في أشهر الحج أو في غيرها لان النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاث عمر سوى عمرته التى مع حجته بعضهن في ذي القعدة وقيل كلهن في ذي القعدة وكان يحل فان كان معه هدي نحره عند المروة وحيث نحره من الحرم جاز لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " كل فجاج مكة طريق ومنحر " رواه أبو داود (فصل) وقول المصنف رحمه الله قصر من شعره يدل على ان المستحب في حق المتمتع إذا حل من عمرته التقصير ليؤخر الحلق إلى الحج قال احمد رحمه الله في رواية أبي داود يعجبني إذا دخل متمتعا أن يقصر ليكون الحلق للحج ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه الا بالتقصير فقال في حديث جابر " حلوا من إحرامكم بطواف بين الصفا والمروة وقصروا " وفي حديث ابن عمر أنه قال " من لم يكن معه هدي فليطف بالبيت وبين الصفا والمروة وليقصر وليحلل " متفق عليه. وان حلق جاز لانه أحد النسكين فجاز فيه كل واحد منهما وفي الحديث دليل على أنه لا يحل الا بالتقصير وهذا ينبني على أن التقصير هل هو نسك أو لا وسنذكر ذلك ان شاء الله تعالى فان أحرم بالحج قبل التقصير وقلنا هو نسك فقد أدخل الحج على العمرة وصار قارنا

[ 412 ]

(فصل) فان ترك التقصير أو الحلق وقلنا هو نسك فعليه دم فان وطئ قبل التقصير فعليه دم وعمرته

[ 413 ]

صحيحة، وبهذا قال مالك وأصحاب الرأي وحكي عن أصحاب الشافعي أن عمرته تفسد لانه وطئ

[ 414 ]

قبل حله من عمرته وعن عطاء قال يستغفر الله

[ 415 ]

ولنا ماروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن امرأة معتمرة وقع عليها زوجها قبل

[ 416 ]

أن تقصر قال من ترك من مناسكه شيئا أو نسيه فليهرق دما قيل إنها موسرة قال فلتنحر ناقة ولان

[ 417 ]

التقصير ليس بركن فلا يفسد النسك بتركه ولا بالوطئ قبله كالرمي في الحج قال احمد فيمن وقع على امرأته قبل تقصيرها من عمرتها تذبح شاة قيل عليها أو عليه؟ قال عليها هي وهو محمول على أنها طاوعته فان أكرهها فالدم عليه وقد ذكر ذلك على ما فيه من الخلاف والله تعالى أعلم

[ 418 ]

(مسألة) (ومن كان متمتعا قطع التلبية إذا وصل إلى البيت) قال أبو عبد الله يقطع المعتمر التلبية إذا استلم الركن، وبهذا قال ابن عباس وعطاء وعمرو بن ميمون وطاوس والنخعي والثوري والشافعي واسحاق وأصحاب الرأي وقال ابن عمر وعروة والحسن يقطعها إذا دخل الحرم، وعن سعيد بن المسيب يقطعها حين يرى عرش مكة، وعن مالك أنه إن أحرم من الميقات قطع التلبية إذا وصل الحرم وإن أحرم بها من أدنى الحل قطع التلبية حين يرى البيت ولنا ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما يرفع الحديث كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاث عمر ولم يزل يلبي حتى استلم الحجر ولان التلبية اجابة إلى العبادة وشعار للاقامة عليها وإنما يتركها إذا شرع فيما ينافيها وهو التحلل منها والتحلل يحصل بالطواف والسعي فإذا شرع في الطواف فقد أخذ في التحلل فينبغي أن يقطع التلبية كالحاج يقطها إذا شرع في رمي جمرة العقبة لحصول التحلل بها وأما قبل ذلك فلم يشرع فيما ينافيها فلا معنى لقطعها والله تعالى أعلم

[ 419 ]

(باب صفة الحج) نذكر في هذا الباب صفة الحج بعد حل المتمتع من عمرته والاولى أن نبدأ بذكر حديث جابر رضي الله عنه في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم ونقتصر منه على ما يختص بهذا الباب وقد ذكرنا بعضه متفرقا في الابواب المتقدمة وهو صحيح رواه مسلم وغيره بالاسناد عن جابر وذكر الحديث قال " فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدي فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فاهلوا بالحج وركب النبي صلى الله عليه وسلم إلى منى فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس وأمر بقية من شعر فضربت له بنمرة فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية فاجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زالت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال " إن دماءكم وأموالكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. الا إن كل شئ من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ودماء الجاهلية موضوعة وان أول دم أضعه من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع من ربانا عباس بن عبد المطلب فانه موضوع كله فاتقوا الله في النساء فانكم أخذتموهن

[ 420 ]

بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فان فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. وقد تركت فيك ما لن تضلوا بعده ان اعتصمتم به كتاب الله. وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ " قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت فقال باصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكبها إلى الناس " اللهم اشهد اللهم اشهد " ثلاث مرات ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه فاستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص وأردف أسامة خلفه ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق للقصواء الزمام حتى ان رأسها ليصيب مورك رحله ويقول بيده اليمنى " أيها الناس السكينة السكينة " كلما أتى حبلا من الحبال أرخى لها قليلا حتى تصعد حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وأقامتين ولم يسبح بينها شيئا ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر فصلى الصبح حين تبين له الصبح باذان واقامة ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا الله وكبره وهلله ووحده ولم يزل واقفا حتى أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس وأردف الفضل بن العباس وكان رجلا حسن الشعر أبيض وسيما فلما دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم مرت به ظعن يجرين فطفق الفضل ينظر اليهن فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على وجه الفضل فحول وجهه إلى الشق الآخر

[ 421 ]

ينظر فحول رسول الله صلى الله عليه وسلم يده من الشق الآخر على وجه الفضل فصرف وجهه من الشق الآخر ينظر حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا ثم سلك الطريق الوسطى التى تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف رمى من بطن الوادي ثم أنصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده ثم أعطى عليا فنحر ماغبر وأشركه في هديه ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر فأتى بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم فقال انزعوا بني عبد المطلب فلولا أن تغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم فناولوه دلوا شرب منه. قال عطاء كان منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى بالخيف (مسألة) (يستحب للمتمتع الذي حل وغيره من المحلين بمكة الاحرام بالحج يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجة من مكة ومن حيث أحرم من الحرم جاز) سمي يوم التروية بهذا الاسم لانهم كانوا يتروون من الماء فيه يعدونه ليوم عرفة وقيل سمي بذلك لان ابراهيم عليه السلام رأى ليلته في المنام ذبح ابنه فاصبح يروي في نفسه أهو حلم أم من الله تعالى فسمي يوم التروية فلما كانت ليلة عرفة رأى ذلك أيضا فعرف أنه من الله فسمي يوم عرفة والله تعالى أعلم والمستحب لمن كان بمكة من المتمتعين الذين حلوا من عمرتهم أو كان مقيما بمكة من أهلها أو

[ 422 ]

من غيرهم وهو حلال أن يحرموا يوم التروية حين يتوجهون إلى منى، وبهذا قال ابن عمر وابن عباس وعطاء وطاوس وسعيد بن جبير واسحاق وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال لاهل مكة: ما لكم يقدم الناس عليكم شعثا إذا رأيتم الهلال فأهلوا بالحج. وهذا مذهب ابن الزبير وقال مالك من كان بمكة فأحب أن يهل من المسجد لهلال ذي الحجة ولنا قول جابر فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج، وفي لفظ عن جابر رضي الله عنه قال أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم لما حللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى فأهللنا من الابطح حتى إذا كان يوم التروية جعلنا مكة بظهر أهللنا بالحج رواه مسلم. وعن عبيد بن جريج أنه قال لابن عمر رأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس ولم تهل أنت حتى يكون يوم التروية فقال عبد الله بن عمر أما الاهلال فاني لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل حتى تنبعث به راحلته متفق عليه ولانه ميقات للاحرام فاستوى فيه أهل مكة وغيرهم كميقات المكان، وإن أحرم قبل ذلك جاز (فصل) والافضل أن يحرم من مكة لقول النبي صلى الله عليه وسلم في المواقيت " حتى أهل مكة يهلون منها " ومن أيها أحرم جاز للحديث، وان أحرم خارجا منها من الحرم جاز لقول جابر فاهللنا من الابطح ولان المقصود ان يجمع في النسك بين الحل والحرم وذلك حاصل باحرامه من جميع الحرم ويستحب ان يفعل عند إحرامه هذا ما يفعله عند الاحرام من الميقات من الغسل والتنظيف ويتجرد عن المخيط ويطوف سبعا ويصلي ركعتين ثم يحرم عقيبهما وممن استحب ذلك عطاء ومجاهد

[ 423 ]

وسعيد بن جبير والثوري والشافعي واسحاق وابن المنذر ولا يسن أن يطوف بعد إحرامه قال ابن عباس رضي الله عنه لا أرى لاهل مكة أن يطوفوا بعد أن يحرموا بالحج ولا أن يطوفوا بين الصفا والمروة حتى يرجعوا، وهذا مذهب عطاء ومالك واسحاق، وان طاف بعد إحرامه ثم سعى لم يجزه عن السعي الواجب، وهذا قول مالك وقال الشافعي يجزئه فعله ابن الزبير وهو قول القاسم بن محمد وابن المنذر لانه سعى في الحج مرة فأجزأه كما لو سعى بعد رجوعه من منى وكما لو سعى بعد طواف القدوم ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يهلوا بالحج إذا خرجوا إلى منى ولو شرع لهم الطواف لم يتفقوا على تركه وقالت عائشة رضي الله عنها خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى (مسألة) (ثم يخرج إلى منى فيبيت فيها) يتسحب أن يخرج محرما من مكة يوم التروية فيصلي الظهر بمنى ثم يقيم حتى يصلي بها الصلوات الخمس ويبيت بها لان النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك كما جاء في حديث جابر وهذا قول سفيان ومالك والشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه خلافا وليس ذلك واجبا عند الجميع قال ابن المنذر

[ 424 ]

ولا أحفظ عن غيرهم خلافهم وقد تخلفت عائشة ليلة التروية حتى ذهب ثلثا الليل وصلى ابن الزبير بمكة (فصل) فان صادف يوم التروية يوم جمعة فمن كان مقيما بمكة حتى زالت الشمس ممن تجب عليه الجمعة لم يخرج حتى يصليها لان الجمعة فرض والخروج إلى منى في هذا الوقت ليس بفرض فاما قبل الزوال فان شاء خرج وان شاء أقام حتى يصلي فقد روي أن ذلك وجد في أيام عمر بن عبد العزيز فخرج إلى منى، وقال عطاء كل من أدركت يصنعونه أدركتهم يجمع بمكة إمامهم ويخطب ومرة لا يجمع ولا يخطب فعلى هذا إذا خرج الامام أمر من تخلف أن يصلي بالناس الجمعة وقال احمد رحمه الله إذا كان والي مكة بمكة يوم الجمعة يجمع بهم قيل له يركب إلى منى فيجئ إلى مكة يجمع بهم؟ قال لا إذا كان هو بعد بمكة (مسألة) (فإذا طلعت الشمس سار إلى عرفة فاقام بنمرة حتى تزول الشمس) يستحب أن يدفع إلى الموقف من منى إذا طلعت الشمس يوم عرفة فيقيم بنمرة لما تقدم من حديث جابر وان شاء أقام بعرفة (مسألة) (ثم يخطب الامام خطبة يعلمهم فيها الوقوف ووقته والدفع منه والمبيت بمزدلفة ثم ينزل فيصلي بهم الظهر والعصر يجمع بينهما باذان واقامتين) إذا زالت الشمس استحب للامام أن يخطب خطبة يعلم الناس فيها مناسكهم من موضع الوقوف

[ 425 ]

ووقته والدفع من عرفات والمبيت بمزدلفة وأخذ الحصى لرمي الجمار لما ذكرنا من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ثم يأمر بالاذان فينزل فيصلي الظهر والعصر يجمع بينهما ويقيم لكل صلاة اقامة وقال أبو ثور يؤذن المؤذن إذا صعد الامام المنبر فجلس فإذا فرغ المؤذن قام الامام فخطب وقيل يؤذن في آخر خطبة الامام وحديث جابر يدل على أنه اذن بعد فراغ النبي صلى الله عليه وسلم من خطبته وكيفما فعل فحسن (فصل) والاولى أن يؤذن للاولى وان لم يؤذن فلا بأس هكذا قال احمد لان كلا مروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والاذان أولى، وهو قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي، وقال مالك يؤذن لكل صلاة واتباع السنة أولى من موافقة القياس على سائر المجموعات والفوائت (فصل) والسنة تعجيل الصلاة حين تزول الشمس وأن تقصر الخطبة ثم يروح إلى الموقف لما روي أن سالما قال للحجاج يوم عرفة ان كنت تريد أن تصيب السنة فقصر الخطبة وعجل الصلاة فقال ابن عمر صدق رواه البخاري ولان تطويل ذلك يمنع الرواح إلى الموقف في أول وقت الزوال والسنة

[ 426 ]

التعجيل في ذلك فقد روى سالم أن الحجاج أرسل إلى ابن عمر أي ساعة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يروح في هذا اليوم قال إذا كان ذاك رحنا فلما أراد ابن عمر أن يروح قال أزاغت الشمس قالوا لم تزغ فلما قالوا قد زاغت ارتحل رواه أبو داود قال ابن عمر غدا رسول الله صلى الله عليه وسلم من منى حين صلى الصبح صبيحة يوم عرفة حتى أتى عرفة فنزل بنمرة حتى إذا كان عند الصلاة الظهر راح رسول الله صلى الله عليه وسلم مهجرا فجمع بين الظهر والعصر ثم خطب الناس ثم راح فوقف على الموقف من عرفة، وقد ذكرنا حديث جابر قال ابن عبد البرهذا كله مما لا خلاف فيه بين علماء المسلمين (فصل) ويجوز الجمع لمن بعرفة من مكي وغيره قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن الامام يجمع بين الظهر والعصر بعرفة وكذلك كل من صلى مع الامام وذكر أصحابنا أنه لا يجوز الجمع الا لمن بينه وبين وطنه ستة عشر فرسخا الحاقا له بالقصر والصحيح الاول فان النبي صلى الله عليه وسلم جمع معه من حضر من المكيين وغيرهم فلم يأمرهم بترك الجمع كما أمرهم بترك القصر حين قال " أتموا فانا سفر " ولو حرم لبينه لهم لانه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ولا يقر النبي صلى الله عليه وسلم على الخطأ وقد كان عثمان رضي الله عنه يتم الصلاة لانه أتخذ اهلا ولم يترك الجمع وروي نحو ذلك عن ابن الزبير وكان عمر بن عبد العزيز والي مكة فخرج فجمع بين الصلاتين ولم يبلغنا عن أحد من المتقدمين الخلاف في الجمع بعرفة

[ 427 ]

والمزدلفة بل وافق عليه من لا يرى الجمع في غيره فالحق فيما أجمعوا عليه فلا يعرج على غيره فاما القصر فلا يجوز لاهل مكة، وبه قال عطاء ومجاهد والزهري وابن جريج والثوري ويحيى القطان والشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر، وقال القاسم وسالم ومالك والاوزاعي لهم القصر لان لهم الجمع فكان لهم القصر كغيرهم ولنا أنهم في غير سفر بعيد فلم يجز لهم القصر كغير من بعرفة ومزدلفة (1) قيل لابي عبد الله رحمه الله فرجل أقام بمكة ثم خرج إلى الحج قال ان كان لا يريد أن يقيم بمكة إذا رجع صلى ركعتين وذكر فعل ابن عمر قال لان خروجه إلى منى وعرفة ابتداء سفر فان عزم على أن يرجع ويقيم بمكة أتم بمنى وعرفة (مسألة) (ثم يروح إلى الموقف وعرفة كلها موقف الا بطن عرنة. وهي من الجبل المشرف على عرفة إلى الجبال المقابلة له إلى ما يلي حوائط بني عامر) يعني إذا صلى الصلاتين صار إلى الموقف بعرفة لما ذكرنا من حديث جابر وابن عمر، ويستحب أن يغتسل للموقف لان ابن مسعود رضي الله عنه كان يفعله، وروي عن علي رضي الله عنه، وبه قال الشافعي واسحاق وأبو ثور وابن المنذر لانه مكان يجتمع فيه الناس للعبادة فاستحب له الاغتسال كالعيد والجمعة (فصل) وعرفة كلها موقف لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " قد وقفت ههنا وعرفة كلها موقف " رواه أبو داود وابن ماجة وعن يزيد بن شيبان قال: أتانا ابن مربع الانصاري ونحن بعرفة

[ 428 ]

في مكان يباعده عمرو عن الامام فقال اني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم اليكم يقول " كونوا على مشاعركم فانكم على ارث من ارث أبيكم أبراهيم " (فصل) وليس وادي عرنة من الموقف ولا يجزئه الوقوف به قال ابن عبد البر أجمع الفقهاء على أن من وقف به لا يجزئه، وحكي عن مالك أنه يجزئه وعليه دم ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " كل عرفة موقف وارفعوا عن بطن عرنة " رواه ابن ماجة ولانه لم يقف بعرفة فلم يجزه كما لو وقف بمزدلفة. وحد عرفة من الجبل المشرف على عرنة إلى الجبال المقابلة له إلى ما يلي حوائط بني عامر (مسألة) (ويستحب ان يقف عند الصخرات وجبل الرحمة راكبا وقيل الراجل أفضل) المستحب أن يقف عند الصخرات وجبل الرحمة ويستقبل القبلة لما جاء في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة والافضل أن يقف راكبا كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث وقف على راحلته وقيل الراجل أفضل لانه أخف على الراحلة ويحتمل التسوية بينهما. والوقوف بعرفة ركن لا يتم الحج الا به اجماعا نذكره ان شاء الله تعالى

[ 429 ]

(مسألة) (ويكثر من الدعاء ومن قول لا إله الا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شئ قدير. اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي بصري نورا، وفي سمعي نورا، ويسر لي أمري) وجملة ذلك أنه يستحب الاكثار من ذكر الله تعالى والدعاء يوم عرفة فانه يوم ترجى فيه الاجابة ولذلك أحببنا له الفطر ليتقوى به على الدعاء مع أن صومه بغير عرفة يعدل سنتين، وروى ابن ماجة في سننه قال قالت عائشة رضي الله عنها إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة، فانه ليدنو عزوجل ثم يباهي بكم الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء " ويستحب أن يختار المأثور من الادعية مثل ماروي عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أكثر دعاء الانبياء قبلي ودعائي عشية عرفة لا إله الا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شئ قدير. اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي سمعي نورا، وفي بصري نورا، ويسر لي أمري " وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، لا إله الا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد. اللهم اهدني بالهدى، وقني بالتقوى، وأغفر لي في الآخرة والاولى. ويرد يديه ويسكت قدر ما كان انسان قارئا فاتحة الكتاب ثم يعود فيرفع يديه ويقول مثل ذلك، ولم يزل يفعل ذلك حتى أفاض. وسئل سفيان بن عيينة عن أفضل الدعاء يوم عرفة فقال: لا إله الا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، فقيل له هذا ثناء وليس بدعاء، فقال أما سمعت قول الشاعر

[ 430 ]

أأذكر حاجتي أم قد كفاني * حباؤك إن شيمتك الحباء إذا أثنى عليك المرء يوما * كفاه من تعرضه الثناء وروي أن من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة " اللهم انك ترى مكاني، وتسمع كلامي، وتعلم سري وعلانيتي، ولا يخفى عليك شئ من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، الوجل المشفق، المقر المعترف بذنبه، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل اليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف المستجير، من خضعت لك رقبته، وذل لك جسده، وفاضت لك عينه، ورغم لك أنفه " وروينا عن سفيان الثوري رضي الله عنه قال سمعت اعرابيا وهو مستلق بعرفة يقول: إلهي من أولى بالزلل والتقصير مني وقد خلقتني ضعيفا، ومن أولى بالعفو عني منك وعلمك في سابق وأمرك بي محيط، أطعتك باذنك والمنة لك، وعصيتك بعلمك والحجة لك، فأسألك بوجوب حجتك وانقطاع حجتي وبفقري اليك وغناء عني أن تغفر لي وترحمني، إلهي لم أحسن حتى أعطيتني، ولم أسئ حتى قضيت علي، اللهم أطعتك بنعمتك في أحب الاشياء اليك شهادة أن لا اله الا الله، ولم أعصك في أبغض الاشياء اليك الشرك بك، فاغفر لي ما بينهما، اللهم أنت أنس المؤنسين لاوليائك وأقربهم بالكفاية من المتوكلين عليك، تشاهدهم في ضمائرهم، وتطلع على سرائرهم، وسري اللهم لك مكشوف، وأنا اليك ملهوف، إذا أوحشتني الغربة آنسني ذكرك، وأذا أصمت علي الهموم لجأت اليك استجارة بك،

[ 431 ]

علما بان أزمة الامور بيديك ومصدرها عن قضائك. وكان ابراهيم بن اسحاق الحربي يقول: اللهم قد آويتني من ضناي، وبصرتني من عماي، وأنقذتني من جهلي وجفاي، أسألك ما يتم به فوزي، وما أؤمل في عاجل دنياي وديني، ومأمول أجلي ومعادي، ثم مالا أبلغ اداء شكره ولا أنال احصاءه وذكره الا بتوفيقك والهامك أن هيجت قلبي القاسي على الشخوص إلى حرمك، وقويت أركاني الضعيفة لزيارة عتيق بيتك، ونقلت بدني لاشهادي مواقف حرمك، اقتداء بسنة خليلك، واحتذاء على مثال رسولك، واتباعا لآثار خيرتك وأنبيائك وأصفيائك صلى الله عليهم، وادعوك في مواقف الانبياء عليهم السلام، ومناسك السعداء ومشاهد الشهداء دعاء من أتاك لرحمتك راجيا، وعن وطنه نائيا، ولقضاء نسكه مؤديا، ولفرائضك قاضيا، ولكتابك تاليا، ولربه عزوجل داعيا ملبيا، ولقبله شاكيا، ولذنبه خاشيا، ولحظه مخطئا، ولرهنه مغلقا، ولنفسه ظالما، ولجرمه عالما. دعاء من عمت عيوبه وكثرت ذنوبه، وتصرمت أيامه، واشتدت فاقته، وانقطعت مدته، دعاء من ليس لذنبه سواك غافرا، ولا لعيبه غيرك مصلحا، ولا لضعفه غيرك مقويا، ولا لكسره غيرك جابرا، ولا لمأمول خير غيرك معطيا، وقد أصبحت في بلد حرام ويوم حرام في شهر حرام في قيام من خير الانام، أسألك أن لا تجعلني أشقى خلقك المذنبين عندك، ولا أخيب الراجين لديك، ولا أحرم الآملين لرحمتك الزائرين لبيتك، ولا أخسر المنقلبين من بلادك، اللهم وقد كان من تقصيري ما قد عرفت، ومن توبيقي

[ 432 ]

نفسي ما قد علمت، ومن مظالمي ما قد أحصيت، فكم من كرب منه قد نجيت، وكم من غم قد جليت، ومن هم قد فرجت، ودعاء قد استجبت، وشدة قد أزلت، ورجاء قد أ؟ لت منك النعماء وحسن القضاء، ومني الجفا وطول الاستقصاء والتقصير عن اداء شكرك لك النعماء يا محمود فلا يمنعك يا محمود من اعطائي مسئلتي من حاجتي إلى حيث انتهى لها سؤلي ما تعرف من تقصيري، وما تعلم من ذنوبي وعيوبي. اللهم فأدعوك راغبا، وأنصب لك وجهي طالبا، وأضع لك خدي مذنبا راهبا فتقبل دعائي، وارحم ضعفي، واصلح الفساد من أمري، واقطع من الدنيا همي، واجعل فيما عندك رغبتي اللهم واقلبني منقلب المدركين لرجائهم، المقبول دعاؤهم، المفلوج حجتهم، المبرور حجهم، المغفور ذنبهم، المحطوط خطاياهم، الممحو سيئاتهم، المرشود أمرهم، منقلب من لا يعصي لك بعده أمرا، ولا يأتي من بعده مأثما، ولا يركب بعده جهلا، ولا يحمل بعده وزرا، منقلب من عمرت قلبه بذكرك، ولسانه بشكرك، وطهرت الادناس من بدنه، واستودعت الهدى قلبه، وشرحت بالاسلام صدره، وأقررت بعفوك قبل الممات عينه، وأغضضت عن المآثم بصره، واستشهدت في سبيلك نفسه، يا أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليما كثيرا كما يحب ربنا ويرضى، ولا حول ولا

[ 433 ]

قوة إلا بالله العلي العظيم، ويدعو بما أحب من الدعاء والذكر إلى غروب الشمس (فصل) ووقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة إلى طلوع الفجر يوم النحر، فمن حصل بعرفة في شئ من هذا الوقت وهو عاقل تم حجه لا نعلم خلافا بين العلماء أن آخر وقت الوقوف طلوع الفجر من يوم النحر، قال جابر رضي الله عنه لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع، قال أبو الزبير فقلت له أقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك؟ قال نعم. رواه الاثرم، وأما أوله فمن طلوع الفجر يوم عرفة، فمتى حصل بعرفة في شئ من هذا

[ 434 ]

الوقت وهو عاقل فقد تم حجه، وقال مالك والشافعي أول وقته زوال الشمس يوم عرفة، واختاره أبو حفص العكبري، وحكى ابن عبد البر اجماعا لان النبي صلى الله عليه وسلم انما وقف بعد الزوال ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه " ولانه من يوم عرفة فكان وقتا للوقوف كما بعد الزوال، وترك الوقوف فيه لايمنع كونه وقتا له كما بعد العشاء، وانما وقفوا في وقت الفضيلة ولم يستوعبوا وقت الوقوف (فصل) وكيفما حصل بعرفة وهو عاقل أجزأه قائما، أو جالسا، أو راكبا، أو نائما، وإن مر بها مختارا فلم يعلم أنها عرفة أجزأه أيضا، وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وقال أبو ثور لا يجزئه لانه لا يكون واقفا إلا بالارادة ولنا عموم قوله عليه السلام " وقد أتى عرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا " ولانه حصل بعرفة في زمن الوقوف وهو عاقل فاجزأه كما لو علم وإن وقف وهو مغمى عليه أو مجنون ولم يفق حيت خرج منها لم يجزه وهو قول الحسن والشافعي وأبي ثور وابن المنذر، وقال عطاء في المغمى عليه يجزئه وهو قول مالك وأصحاب الرأي، وقد توقف أحمد في هذه المسألة، وقال: الحسن يقول بطل حجه، وعطاء يرخص فيه، وذلك لانه لا يعتبر له نية ولا طهارة ويصح من النائم فصح من المغمى عليه كالمبيت بمزدلفة، ووجه الاول أنه ركن من أركان

[ 435 ]

الحج فلم يصح من المغمى عليه كسائر أركانه. قال ابن عقيل والسكران كالمغمى عليه لانه زائل العقل بغير نوم، فأما النائم فهو في حكم المستيقظ يجزئه الوقوف (فصل) وتسن له الطهارة، قال أحمد يستحب أن يشهد المناسك كلها على وضوء، كان عطاء يقول لا يقضى شئ من المناسك إلا على وضوء ولا يجب في ذلك وحكاه ابن المنذر اجماعا، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها " افعلي ما يفعل الحاج غير الطواف بالبيت " دليل على أن الوقوف بعرفة جائز على غير طهارة، ووقفت عائشة بعرفة حائضا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يشترط ستارة، ولا استقبال، ولا نية، ولا نعلم فيه خلافا لانه لا تشترط له الطهارة فلم يشترط له شئ من ذلك قياسا عليها (فصل) ومن فاته ذلك فاته الحج لقول النبي صلى الله عليه وسلم " الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه " رواه أبو داود يدل على فواته بخروج ليلة جمع، ولحديث جابر الذي ذكرناه ولا نعلم في ذلك خلافا، ولانه ركن للعبادة فلم يتم بدونه كسائر العبادات (مسألة) (ومن وقف بها نهارا ودفع قبل غروب الشمس فعليه دم) يعني أنه يجب عليه الوقوف إلى غروب الشمس ليجع بين الليل والنهار في الوقوف بعرفة لان النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك. رواه جابر وغيره، وقال عليه السلام " خذوا عني مناسككم " فان دفع قبل الغروب فحجه صحيح في قول جماعة الفقهاء إلا مالكا فانه قال لاحج له. قال ابن عبد البر لا نعلم أحدا من العلماء قال بقول مالك، ووجه قوله ماروى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من أدرك عرفات بليل فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج فليحلل بعمرة وعليه الحج من قابل " ولنا ما روى عروة بن مضرس قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت يارسول الله اني جئت من جبل طي أكللت راحلتي وأتعبت نفسي والله ما تركت جبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من شهد صلاتنا هذه ووقوف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليللا أو نهارا فقد تم حجه، وقضى تفثه " قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، ولانه وقف في زمن الوقوف أشبه الليل، فأما خبره فانما خص الليل لان الفوات يتعلق به

[ 436 ]

إذا كان بعد النهار فهو آخر وقت الوقوف كما قال عليه السلام " من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها " وعلى من دفع قبل الغروب دم في قول أكثر العلماء منهم عطاء والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ومن تبعهم لقول ابن عباس رضي الله عنهما: من ترك نسكا فعليه دم ويجزئه شاة، وقال ابن جريح عليه بدنة ونحوه قول الحسن ولنا أنه واجب لا يفسد الحج بفواته فلم يوجب بدنة كالاحرام من الميقات (فصل) فان دفع قبل الغروب ثم عاد نهارا فوقف حتى غرب الشمس فلا دم عليه، وبه قال مالك والشافعي، وقال الكوفيون وأبو ثور عليه دم لانه بالدفع لزمه الدم فلم يسقط برجوعه كما لو عاد بعد الغروب ولنا أنه أتى بالواجب وهو الوقوف في الليل والنهار فلم يجب عليه دم كمن تجاوز الميقات غير محرم ثم رجع فأحرم منه، فان لم يعد حتى غرب الشمس فعليه دم لان عليه الوقوف حال الغرب وقد فاته بخروجه فأشبه من تجاوز الميقات غير محرم فأحرم دونه ثم عاد إليه (مسألة) (فمن وافاها ليلا فوقف بها فلا دم عليه) إذا لم يأت عرفة حتى غابت الشمس ولم يدرك جزءا من النهار فوقف بها ليلا فقد تم حجه ولا شئ عليه، لا نعلم فيه مخالفا لقول النبي صلى الله عليه وسلم من أدرك عرفات بليل فقد أدرك الحج " ولانه لم يدرك جزأ من النهار فأشبه من منزله دون الميقات إذا أحرم منه (مسألة) (ثم يدفع بعد غروب الشمس إلى مزدلفة وعليه السكينة والوقار) فإذا وجد فجوة أسرع لقول جابر رضي الله عنه في حديثه فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص فاردف اسامة خلفه ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق للقصواء بالزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ويقول بيده اليمنى " أيها الناس السكينة السكينة " وقال اسامة

[ 437 ]

رضي الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير العنق فإذا وجد فجوة نص يعني أسرع قال هشام النص فوق العنق متفق عليه (فصل) ويستحب أن يكون دفعه مع الامام أو الوالي الذي إليه أمر الحج من قبله ولا ينبغى للناس أن يدفعوا حتى يدفع قال احمد ما يعجبني ان يدفع الا مع الامام وسئل عن رجل دفع قبل الامام بعد غروب الشمس قال ما وجدت عن أحمد أنه سهل فيه كلهم يشدد فيه (فصل) ويكون ملبيا ذاكر الله عزوجل لان ذكر الله مستحب في كل الاوقات وهو في هذا الوقت أشد تأكيدا لقول الله تعالى (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله) الآية ولانه زمن الاستشعار بطاعة الله تعالى والتلبس بعبادته والسعي إلى شعائره ويستحب التلبية وقال قوم لا يلبي ولنا ماروى الفضل بن العباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمى الجمرة متفق عليه، ويستحب أن يمضي على طريق المأزمين لانه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سلكها وان سلك غيرها جاز لحصول المقصود به (مسألة) (فإذا وصل مزدلفة صلى المغرب والعشاء قبل حط الرحال) السنة لمن دفع من عرفة أن لا يصلي المغرب حتى يصل مزدلفة فيجمع بين المغرب والعشاء بغير

[ 438 ]

خلاف قالل ابن المنذر أجمع أهل العلم لا اختلاف بينهم أن السنة أن يجمع الحاج بجمع بين المغرب والعشاء لان النبي صلى الله عليه وسلم جمع بينها رواه جابر وابن عمر واسامة وغيرهم وأحاديثهم صحاح (فصل) ويستحب أن يجمع قبل حط الرحال وأن يقيم لكل صلاة اقامة لما روى اسامة بن زيد رضي الله عنهما قال دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة حتى إذ كان بالشعب نزل فبال ثم توضأ فقلت له الصلاة يارسول الله فقال " الصلاة أمامك " فركب فلما جاء مزدلفة نزل فتوضأ فاسبغ الوضوء ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل انسان بعيره في منزله ثم أقيمت الصلاة فصلى ولم يصل بينهما متفق عليه وممن روي عنه أنه يجمع بينهما باقامتين بلا أذان ابن عمر وسالم والقاسم بن محمد والشافعي واسحاق وان اقتصر على اقامة للاولى فلا بأس يروى ذلك عن ابن عمر أيضا وبه قال الثوري لما روى ان عمر رضي الله عنهما قال جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء يجمع صلى المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين باقامة واحدة رواه مسلم وان أذن للاولى وأقام للثانية فحسن فانه مروي في حديث جابر وهو متضمن للزيادة وهو معتبر بسائر الفوائت والمجموعات وهو قول ابن المنذر وأبي ثور واختار الخرقي القول الاول قال ابن المنذر هو آخر قولي احمد لان راويه اسامة وهو أعلم بحال رسول الله صلى الله عليه وسلم فانه كان رديفه وانما لم يؤذن للاولى ههنا لانها في غير وقتها بخلاف المجموعتين

[ 439 ]

بعرفة، وقال مالك يجمع بينهما باذان واقامتين، وروي ذلك عن عمر وابنه وابن مسعود واتباع السنة أولى قال ابن عبد البر لا أعلم فيما قاله مالك حديثا مرفوعا بوجه من الوجوه وقال قوم انما أمر عمر بالتأذين للثانية لان الناس كانوا قد تفرقوا لعشائهم فاذن لجمعهم وكذلك ابن مسعود فانه كان يجعل العشاء بمزدلفة بين الصلاتين (فصل) والسنة أن لا يتطوع بينهما قال ابن المنذر لا اعلمهم يختلفون في ذلك، وقد روي عن ابن مسعود أنه يتطوع بينهما ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم ولنا حديث اسامة وابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل بينهما وحديثهما أصح (مسألة) (وان صلى المغرب في الطريق ترك السنة وأجزأه) وبه قال عطاء وعروة والقاسم وسعيد بن جبير ومالك والشافعي واسحاق وأبو ثور وأبو يوسف وابن المنذر، وقال أبو حنيفة والثوري لا يجزئه لان النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الصلاتين فكان نسكا وقد قال عليه السلام " خذوا عني مناسككم " ولنا أن كل صلاتين جاز الجمع بينهما جاز التفريق بينهما كالظهر والعصر بعرفة وفعل النبي صلى الله عليه وسلم محمول على الافضل وما ذكروه يبطل بالجمع بعرفة (مسألة) (ومن فاتته الصلاة مع الامام بعرفة أو بمزدلفة جمع وحده) لا نعلم خلافا في أنه إذا فانه الجمع مع الامام بمزدلفة أنه يجمع وحده لان الثانية منهما تصلى في وقتها وكذلك لو فرق بينهما لم يبطل الجمع، وقد روى اسامة قال ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل انسان بعيره في منزله ثم أقيمت العشاء فصلاها وكذلك حكم من فاته الجمع مع الامام بعرفة بين الظهر والعصر فانه يجمع وحده أيضا فعله ابن عمر، وبه قال عطاء ومالك والشافعي واسحاق

[ 440 ]

وأبو ثور وأبو يوسف ومحمد، وقال النخعي والثوري وأبو حنيفة لا يجمع الا مع الامام لان لكل صلاة وقتا محدودا، وانما ترك ذلك في الجمع مع الامام فإذا لم يكن اماما رجعنا إلى الاصل ولنا فعل ابن عمر ولان كل جمع جاز مع الامام جاز منفردا كالجمع بين العشاءين بجمع قولهم إنا

[ 441 ]

جاز الجمع في الجماعة لا يصح لانهم قد سملواان الامام يجمع، وان كان منفردا (مسألة) (ثم يبيت بها فان دفع قبل نصف الليل فعليه دم، وان دفع بعده فلا شئ عليه وإن وافاها بعد نصف الليل فلا شئ عليه، وان جاء بعد الفجر فعليه دم، وحد المزدلفة مابين المأزمين ووادي محسر) وجملة ذلك أن المبيت بمزدلفة واجب من تركه فعليه دم هذا قول عطاء والزهري وقتادة والثوري والشافعي واسحاق وأبي عبيد وأصحاب الرأي لان النبي صلى الله عليه وسلم بات بها وقال " خذوا عني مناسككم " وقال علقمة والنخعي والشعبي من فانه جمع فاته الحج لقوله تعالى (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام) وقول النبي صلى الله عليه وسلم " من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه " ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " الحج عرفة فمن جاء قبل ليلة جمع فقد تم حجه " يعني من جاء عرفة وما احتجوا به من الآية والخبر فالمنطوق فيهما ليس بركن في الحج إجماعا فانه لو بات بجمع ولم يذكر الله تعالى ولم يشهد الصلاة صح حجه فما هو من ضرورة ذلك أولى ولان المبيت ليس من ضرورة ذكر الله تعالى بها، وكذلك شهود صلاة الفجر فانه لو أفاض من عرفة اخر ليلة النحر أمكنه ذلك فيتعين حمل ذلك على الايجاب أو الفضيلة أو الاستحباب

[ 442 ]

(فصل) وليس له الدفع قبل نصف الليل فان فعل فعليه دم، وإن دفع بعده فلا شئ عليه، وبه قال الشافعي وقال مالك ان مر بها فلم ينزل فعليه دم وان نزل فلا دم عليه متى ما دفع ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم باب بها وقال " لتأخذوا عني مناسككم " وإنما أبيح الدفع بعد نصف الليل بما ورد من الرخصة فيه فروى ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت فيمن قدم النبي صلى الله عليه وسلم في ضعفة أهله من مزدلفة إلى منى متفق عليه، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت رواه أبو داود فمن دفع من مزدلفة قبل نصف الليل ولم يعد في الليل فعليه دم، وان عاد فلا دم كالذي دفع من عرفة نهارا ثم عاد نهارا (فصل) ويجب الدم على من دفع قبل نصف الليل ولم يرجع في الليل وعلى من ترك المبيت بمنى سواء فعل ذلك عامدا أو ساهيا أو جاهلا لانه ترك نسكا والنسيان أثره في جعل الموجود كالمعدوم لا في جعل المعدوم كالموجود الا أنه رخص لاهل السقاية والرعاء في ترك البيتوتة لان النبي صلى الله عليه وسلم رخص للرعاة في ترك البيتوتة، وفي حديث عدي وأرخص للعباس في ترك المبيت لاجل سقايته ولان عليهم مشقة في المبيت لحاجتهم إلى حفظ مواشيهم وسقي الحاج فكان لهم ترك المبيت كليالي منى وروي عن احمد أن المبيت بمزدلفة غير واجب والمذهب الاول (فصل) فان وافاها بعد نصف الليل فلا شئ عليه لانه لم يدرك جزءأ من النصف الاول فلم يتعلق به حكمه كمن أدرك الليل بعرفات دون النهار وإن جاء بعد الفجر فعليه دم لترك الواجب وهو المبيت والمستحب الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم والمبيت إلى أن يصبح ثم يقف حتى بسفر ولا بأس بتقديم

[ 443 ]

الضعفة والنساء، وممن كان يقدم ضعفة أهله عبد الرحمن بن عوف وعائشة، وبه قال عطاء والثوري وأبو حنيفة والشافعي ولا نعلم فيه خلافا لان فيه رفقا بهم ودفعا لمشقة الزحام عنهم والاقتداء بنبيهم عليه الصلاة والسلام (فصل) وللمزدلفة ثلاثة أسماء: مزدلفة وجمع والمشعر الحرام، وحدها من مأزمي عرفة إلى قرن محسر وما على يمين ذلك وشماله من الشعاب ففي أي موضع وقف منها اجزأه لقول النبي صلى الله عليه وسلم " كل المزدلفة موقف " رواه أبو داود وابن ماجه، وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " وقفت ههنا بجمع وجمع كلها موقف " وليس وادي محسر من مزدلفة لقوله " وارفعوا عن بطن محسر " (مسألة) (فإذا أصبح بها صلى الصبح، ثم يأني المشعر الحرام فيرقى عليه أو يقف عنده ويحمد الله تعالى ويكبر ويدعو) يستحب أن يعجل صلاة الصبح ليتسع وقت الوقوف عند المشعر الحرام لقول جابر إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصبح حين تبين له الصبح، ثم إذا صلى أتى المشعر الحرام فوقف عنده أو رقي عليه إن أمكنه فذكر الله تعالى ودعاه واجتهد لقول الله تعالى (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام) وفي حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى المشعر الحرام فرقي عليه فحمد الله وكبره وهلله ووحده، وفي لفظ ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا الله وهلله وكبره واجتهد، ويستحب أن يكون من دعائه: اللهم كما وقفتنا فيه وأريتنا اياه فوفقنا لذكرك كما هديتنا، واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك وقولك الحق (فإذا أفضتم من عرفات - إلى - غفور رحيم) الآيتين إلى أن يسفر لان في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل واقفا حتى أسفر جدا (مسألة) (ثم يدفع قبل طلوع الشمس لا نعلم خلافا في استحباب الدفع قبل طلوع الشمس لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله. قال ابن عمر رضي الله عنهما إن المشركين كانوا لا يفيضون يقولون: أشرق ثبير كيما نغير. وأن رسول

[ 444 ]

الله صلى الله عليه وسلم خالفهم فأفاض قبل أن تطلع الشمس. رواه البخاري (1) والسنة الاسفار جدا، وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي وكان مالك يرى الدفع قبل الاسفار ولنا حديث جابر الذي ذكرناه، وعن نافع أن ابن الزبير أخر في الوقت حتى كادت الشمس تطلع، فقال ابن عمر اني أراه يريد أن يصنع كما صنع أهل الجاهلية فدفع ودفع الناس معه، وكان ابن مسعود يدفع كانصراف القوم المسفرين من صلاة الغداة ويستحب أن يسير وعليه السكينة. قال ابن مسعود رضي الله عنه: ثم أردف النبي صلى الله عليه وسلم الفضل بن عباس وقال أيها النس " إن البر ليس بايجاف الخيل الابل فعليكم بالسكينة " فما رأيتها رافعة يديها حتى أتى منى (مسألة) (فإذا بلغ محسرا أسرع قدر رمية بحجر) يستحب الاسراع في وادي محسر وهو مابين المزدلفة ومنى، فان كان ماشيا أسرع، وإن كان راكبا حرك دابته لان جابرا قال في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم إنه لما أتى بطن محسر حرك قليلا، ويروى أن عمر رضي الله عنه لما أتي محسرا أسرع وقال: اليك يعدو قلقا وضينها * مخالفا دين النصارى دينها * معترضا في بطنها جنينها وذلك قدر رمية بحجر ويكون ملبيا في طريقه فان الفضل بن عباس روى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل

[ 445 ]

يلى حتى رمى جمرة العقبة. متفق عليه، ولان التلبية من شعار الحج فلا تقطع إلا بالشروع في الاحلال وأوله رمي جمرة العقبة (مسألة) (ثم يأخذ حصى الجمار من طريقة أو من مزدلفة ومن حيث أخذه جاز، ويكون أكبر من الحمص دون البندق) انما يستحب أخذ حصى الجمار قبل أن يصل منى لئلا يشتغل عند قدومه بشئ قبل الرمي لانها تحية له كما أن الطواف تحية المسجد فلا يبدة بشئ قبله، وكان ابن عمر رضي الله عنه يأخذ حصى الجمار من جمع وفعله سعيد بن جبير وقال: كانوا يتزودون الحصى من جمع واستحبه الشافعي. وقال أحمد: خذ الحصى من حيث شئت اختاره عطاء وابن المنذر وهو أصح إن شاء الله تعالى لان ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة وهو على ناقته " القط لي حصى " فلقطت له سبع حصيات هن حصى الخذف فجعل يقبضهن في كفه ويقول " أمثال هؤلاء فارموا " ثم قال أيها

[ 446 ]

الناس " اياكم والغلو في الدين فانما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين " رواه ابن ماجه وكان ذلك بمنى ولا خلاف أنه يجزئه أخذه من حيث كان والتقاطه أولى من تكسيره لهذا الخبر ولانه لا يؤمن في تكسيره أن يطير إلى وجهه شئ يؤذيه، ويستحب أن يكون كحصى الخذف للخبر ولقول جابر في حديثه كل حصاة منها مثل حصى الخذف، وروى سليمان بن عمرو بن الاحوص عن أمة قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم يا أيها الناس " إذا رميتم الجمرة فارموا بمثل حصى الخذف " رواه أبو داود، قال الاثرم يكون أكبر من الحمص ودون البندق، وكان ابن عمر يرمي بمثل بعر الغنم، فان رمى بحجر كبير فقال أصحابنا يجزئه مع ترك السنة لانه قد رمى بحجر وكذلك الحكم في الصغير، وروى عن أحمد انه قال لا يجوز حتى يأتي بالحصى على ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم لانه أمر بهذا القدر ونهى عن تجاوزه والامر يقتضي الوجوب والنهي يقتضي فساد المنهي عنه (فصلى) واختلفت الرواية عن أحمد في استحباب غسله فروي عنه أنه مستحب ذكره الخرقي لانه روي عن ابن عمر وكان طاوس يفعله، وكان ابن عمر يتحرى سنة النبي صلى الله عليه وسلم وعن أحمد أنه

[ 447 ]

لا يستحب قوا لم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله وهذا الصحيح وهو قول عطاء ومالك ومالك وكثير من أهل العلم فان النبي صلى الله عليه وسلم لما لقطت له الحصى وهو راكب على بعيره جعل يقبضهن في يده لم يغسلهن ولا أمر بغلسهن ولا فيه معنى يقتضيه، فان رمى بحجر نجس اجزأه لانه حصاة ويحتمل أن لا يجزئه لانه يؤدي به العبادة فاعتبرت طهارته كحجر الاستجمار وتراب التيمم، وإن غسله ورمى به اجزأه وجها واحدا والله تعالى أعلم (مسألة) (وعدده سبعون حصاة يرمي منها بسبع يوم النحر وباقيها في أيام منى كل يوم باحدى وعشرين، فإذا وصل منى - وحدها من وادي محسر إلى العقبة - بدأ بجمرة العقبة فرماها بسبع حصيات واحدة بعد واحدة يكبر مع كل حصاة ويرفع يده حتى يرى بياض ابطه) حد منى مابين جمرة العقبة ووادي محسر كذلك قال عطاء والشافعي وليس محسر والعقبة من منى ويستحب سلوك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى فان النبي صلى الله عليه وسلم سلكها كذا في حديث جابر، فإذا وصل منى بدأ بجمرة العقبة لان النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بها، ولانها تحية منى فلم يتقدمها شئ كالطواف في المسجد وهي آخر الجمرات مما يلي منى وأولها مما يلي مكة وهي عند العقبة لذلك سميت بهذا فيرميها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ويستبطن الوادي ويستقبل القبلة ثم ينصرف ولا يقف وهذا بجملته قول من علمنا قوله من أهل العلم وإن رماها من فوقها جاز، ولان عمر رضي الله عنه جاء والزحام عند الجمرة فرماها من فوقها والاول أفضل لما روى عبد الرحمن بن يزيد أنه

[ 448 ]

مشى مع عبد الله وهو يرمي الجمرة، فلما كان في بطن الوادي اعترضها فرماها، فقيل له ان ناسا يرمونها من فوقها فقال: من ههنا والذي لا إله غيره رأيت الذي أنزل عليه سورة البقرة رماها. متفق عليه وفي لفظ لما أتى عبد الله جمرة العقبة استبطن الوادي واستقبل القبلة وجعل يرمي الجمرة على حاجبه الايمن ثم رمى جمرة بسبع حصيات ثم قال: والذي لا إله الا هو من ههنا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة. قال الترمذي هذا حديث صحيح. ولا يسن الوقوف عندها لان ابن عمر وابن عباس رويا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رمى جمرة العقبة انصرف ولم يقف. رواه ابن ماجه. ويكبر مع كل حصاة لان جابرا قال: فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، وإن قال اللهم اجعله حجا مبرورا، وذنبا مغفورا، وعملا مشكورا، فحسن. فان ابن مسعود ابن عمر كانا يقولان نحو ذلك، وروى حنبل في المناسك باسناده عن زيد بن أسلم قال: رأيت سالم بن عبد الله استبطن الوادي ورمى الجمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة الله أكبر الله أكبر ثم قال: اللهم اجعله حجا مبرورا، وذنبا مغفورا، وعملا مشكورا. فسألته عما صنع فقال حدثني أبي أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة من هذا المكان ويقول كلما رمى حصاة مثل ما قلت ويرمي الحصى واحدة بعد واحدة كما ذكر، وإن رماها دفعة وحدة لم يجزه إلا عن واحدة نص عليه أحمد وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي. وقال عطاء: بجزئه ويكبر لكل حصاة ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى سبع رميات وقال " خذوا عن مناسككم " ويرفع يده حتى

[ 449 ]

يرى بياض ابطه قال بعض أصحابنا (فصل) ويرميها راجلا وراكبا وكيفما شاء لان النبي صلى الله عليه وسلم رماها على راحلته. رواه جابر وابن عمر وغيرهما، قال جابر رضي الله عنه رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي على راحتله يوم النجر ويقول " لاخذوا عني مناسككم فاني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه " رواه مسلم، وقال نافع كان ابن عمر رضي الله عنهما يرمي جمرة العقبة على دابته يوم النحر وكان لا يأتي سائرها بعد ذلك إلا

[ 450 ]

ماشيا ذاهبا وراجعا، وزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يأتيها إلا ذاهبا وراجعا. رواه أحمد في المسند، وفي هذا بيان للتفريق بين هذا الجمرة وغيرها، ولان رمي هذه الجمرة مما تستحب البداية به وهي في هذا اليوم عند قدرمه ولا يسن عندها وقوف، فلو سن له المشي إليها لشغله النزول عن الابتداء بها والتعجيل إليها بخلاف سائرها (فصل) ولا يجزئه الرمي إلا أن يقع الحصى في المرمى، فان وقع دونه لم يجزئه لا نعلم فيه خلافا وكذلك إن وضعها بيده في المرمى لا يجزئه في قولهم جميعا لانه مأمور بالرمي ولم يرم، وإن طرحها طرحا اجزأه لانه يسمى رميا وهذا قول أصحاب الرأي، وقال ابن القاسم لا يجزئه، وإن رمى حصاة فوقعت في غير المرمى فأطارت حصاة أخرى فوقعت في المرمى لم يجزه لان التي رماها لم تقع في المرمي وإن رمى حصاة فالتقطها طائر قبل وصولها لم يجزه لانها لم تقع في المرمى، وإن وقعت على موضع صلب في غير المرمى ثم تدحرجت إلى المرمى أو على ثوب انسان تم طارت فوقعت في المرمى اجزأته لان حصولها في المرمى بفعله، وإن نفضها الانسان عن ثوبه فوقعت في المرمى فعن أحمد أنها تجزئه لانه انفرد برميها، وقال ابن عقيل لاتجزئه لان حصولها في المرمى بفعل الثاني فأشبه مالو أخذها بيده فرمي

[ 451 ]

بها، وإن رمى حصاة فشك هل وقعت في المرمى أو لا لم يجزه لان الاصل بقاء الرمي في ذمته فلا يزول بالشك، وعنه يجزئه ذكره ابن البنا في الخصال، وإن غلب على ظنه أنها وقعت فيه اجزأته لان الظاهر دليل (مسألة) (ويقطع التلبية مع ابتداء الرمى) يروى ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وميمونة رضي الله عنهم، وبه قال عطاء وطاوس وسعيد بن جبير والنخعي والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، وروي عن سعيد بن أبي وقاص وعائشة رضي الله عنهما يقطع التلبية إذا راح الموقف، وعن علي وأم سلمة رضي الله عنهما أنهما كانا يلبيان حتى تزول الشمس يوم عرفة، وقال مالك يقطع التلبية إذا راح المسجد، وكان الحسن يقول يلبي حتى يصلي الغداة يوم عرفة ولنا أن الفضل بن عباس رضي الله عنه روى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة وكان رديفه يومئذ وهو أعلم بحاله من غيره، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم يقدم على ما خالفه، ويستحب قطع التلبية عند أول حصاة للخبر، وفي بعض ألفاظه: حتى رمى جمرة العقبة قطع عند أول حصاة. رواه حنبل في المناسك وهذا بيان يتعين الاخذ به، وفي رواية من روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر مع كل حصاة دليل على أنه لم يكن يلي، ولانه يتحلل بالرمي، وإذا شرع فيه قطع التلبية كالمعتمر يقطع التلبية بالشروع في الطواف (مسألة) (وإن رمى بذهب أو فضة أو غير الحصى أو رمى بحجر رمى به مرة لم يجزه) يجزئ المرمي بكل ما يسمى حصى وهي الحجارة الصغار سواء كان أسود، أو أبيض، أو أحمر من المرمر أو البرام أو المرو وهو الصوان أو الرخام أو الكذان، أو حجر المسان وهذا قول مالك والشافعي، وقال القاضي لا يجزئ الرخام والبرام والكذان، ومقتضى قوله أن لا يجزئ المرو ولا حجر المسن، وقال أبو حنيفة يجزئ بالطين والمدر وما كان من جنس الارض، ونحوه قول الثوري، وروي عن سكينة بنت الحسين أنها رمت الجمرة ورجل يناولها الحصى وسقطت حصاة فرمت بخاتمها ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى بالحصى وأمر بالرمي بمثل حصى الخذف فلا يتناول غير الحصى ويتناول

[ 452 ]

جميع أنواعه فلا يجوز تخصيص بغير دليل ولا إلحاق غيره به والذهب والفضة لا يتناوله اسم الحصى (فصل) وإن رمى بحجر أخذ من المرمى لم يجزه، وقال الشافعي يجزئه لانه حصى فيدخل في العموم ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذه من غير المرمى وقال " خذوا عني مناسككم " ولانه لو جاز الرمي بمارمي به لما احتاج أحد إلى أخذ الحصى من غير مكانه ولا نكسير، ولان ابن عباس قال ما نقبل منه رفع، وإن رمى بخاتم فضة حجر لم يجزه في أحد الوجهين لانه تبع والرمي بالمتبوع لا بالتابع (مسألة) (ويرمي بعد طلوع الشمس فان رمى بعد نصف الليل اجزأه) وجملته أن لرمي هذه الجمرة وقتين: وقت فضيلة ووقت اجزاء، فأما وقت الفضيلة فعند طلوع الشمس. قال ابن عبد البر: أجمع علماء المسلمين عن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انما رماها ضحى ذلك اليوم، وقال جابر رضي الله عنه: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة ضحى يوم النحر وحده. أخرجه مسلم، وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس " رواه الامام أحمد، وأما وقت الجواز فأوله نصف الليل من ليلة النحر، وبذلك قال عطاء وابن أبي ليلى والشافعي، وعن احمد أنه يجزئ بعد الفجر قبل طلوع الشمس وهو قول مالك وأصحاب الراي وابن المنذر، وقال مجاهد والثوري والنخعي لا يرميها إلا بعد طلوع الشمس لحديث ابن عباس ولنا ماروى أبو داود عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أم سلمة ليلة النحر فرمت جمرة العقبة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت، وروى أنه أمرها أن تعجل الافاضة وتوافي مكة مع صلاة الصبح، احتج به احمد، ولانه وقت للدفع من المزدلفة فكان وقتا للرمي كبعد طلوع الشمس، والاخبار المذكورة محمولة على الاستحباب (فصل) (وإن أخر الرمي إلى آخر النهار جاز) قال ابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن من رماها يوم النحر قبل المغيب فقد رماها في وقت لها وإن لم يكن ذلك مستحبا، وروى ابن عباس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يسئل يوم النحر بمنى قال رجل رميت بعد ما أمسيت قال " لا حرج " رواه البخاري فان أخرها إلى الليل لم يرمها حتى تزول الشمس من الغدو به قال أبو حنيفة واسحاق، وقال الشافعي ومحمد وأبو يوسف وابن المنذر يرمي ليلا لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ارم ولا حرج

[ 453 ]

ولنا أن ابن عمر رضي الله عنهما قال: من فاته الرمي حتى تغيب الشمس فلا يرم حتى تزول الشمس من الغد، وقول النبي صلى الله عليه وسلم " ارم ولا حرج " انما كان في النهار لانه سأله في يوم الحر ولا يكون اليوم إلا قبل مغيب الشمس، وقال مالك يرمي ليلا وعليه دم، ومرة قال لادم عليه وإذا رمى انصرف ولم يقف لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يقف عندها (مسألة) (ثم ينحر هديا إن كان معه، ويحلق أو يقصر من جميع شعره، وعنه يجزئه بعضه كالمسح)

[ 454 ]

إذا فرغ من رمي الجمرة يوم النحر لم يقف وانصرف فأول شئ يبدأ به نحر الهدي إن كان معه هدي واجبا كان أو تطوعا، فان لم يكن معه هدي وعليه هدي واجب اشتراه، وإن لم يكن عليه واجب فأحب أن يضحي اشترى ما يضحي به وينحر الابل ويذبح ما سواها والمستحب أن يتولى ذلك بيده ويجوز أن يستنيب فيه، هذا قول مالك وأبي ثور وأصحاب الرأي، وذلك لما روى جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم انه رمى من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده ثم أعطى عليا فنحر ما غبر مناه وأشركه في هديه، ويستحب توجيه الذبيحة إلى القبلة ويقول بسم الله والله أكبر. قال ابن المنذر ثبت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذبح يقول " بسم الله والله أكبر " (فصل) وإذا نحر الهدي فرقه على مساكين الحرم وهم من كان في الحرم وان أطلقها لهم جاز كما روى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر خمس بدنات ثم قال " من شاء اقتطع " رواه أبو داود

[ 455 ]

وان قسمها فهو أحسن وافضل لانه بقسمها يتبين ايصالها إلى مستحقها ويكفي المساكين تعب النهب والزحام ويقسم جلودها وجلالها لما روى علي رضي الله عنه قال: أمرني النبي صلى الله عليه وسلم ان أقوم على بدنه وأن اقسم بدنه كلها جلودها وجلالها وأن لا نعطي الجازر منها شيئا وقال نحن نعطيه من عندنا، وإنما لزمه قسم جلالها للخير ولانه سافها الله على تلك الصفة فلا يأخذ شيئا مما جعله الله تعالى. وقال بعض أصحابنا لا يلزمه أعطاء جلالها لانه انما أهدى الحيوان دون ما عليه والسنة النحر بمنى لان النبي صلى الله عليه وسلم نحر بها، وحيث نحر من الحرم أجزأه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " كل منى منحر، وكل فجاج مكة منحر وطريق " رواه أبو داود (فصل) يلزمه الحلق أو التقصير من جميع شعره وكذلك المرأة وبه قال مالك وعنه يجزئه بعضه

[ 456 ]

كالمسح كذلك قال ابن حامد، وقال الشافعي يجزئه التقصير من ثلاث شعرات. وقال ابن المنذر يجزئه ما يقع عليه اسم التقصير لتناول اللفظ له ولنا قوله تعالى (محلقين رؤسكم) وهذا عام في جميعه، ولان النبي صلى الله عليه وسلم حلق جميع رأسه تفسيرا لمطلق الامر به فيجب الرجوع إليه، فان كان الشعر مضفورا قصر من رءوس ضفائره كذلك قال مالك تقصر المرأة من جميع قرونها ولا يجب التقصير من كل شعره لان ذلك لا يعلم الا بحلقه وأي قدر قصر منه أجزأ لان الامر مطلق فيتناول أقل ما يقع عليه الاسم. قال أحمد: يقصر قدر الانملة وهو قول ابن عمر والشافعي وهو محمول على الاستحباب. وبأي شئ قصر الشعر أجزأه وكذلك ان نتفه أو أزاله بنورة لان القصد ازالته ولكن السنة الحلق أو التقصير لان النبي صلى الله عليه وسلم حلق رأسه فروى أنس ان النبي صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة يوم النحر ثم رجع إلى منزله بمنى فدعا بذبح فذبح ثم دعا بالحلاق فأخذ شق رأسه الايمن فحلقه فجعل يقسم بين من يليه الشعرة والشعرتين ثم شق رأسه الايسر فحلقه ثم قال " ههنا أبو طلحة؟ " فدفعه إلى أبي طلحة. رواه أبو داود. والسنة أن يبدأ بشق رأسه الايمن ثم الايسر لهذا الخبر فان لم يفعل أجزأه لا نعلم فيه خلافا ويستقبل القبلة لان خير المجالس ما استقبل به القبلة ويكبر وقت الحلق لانه نسك ويكون ذلك بعد النحر (فصل) وهو مخير بين الحلق والتقصير في قول الجمهور وقال ابن المنذر اجمع أهل العلم على أن التقصير يجزي يعنى في حق من لم يوجد منه معنى يقتضي وجوب الحلق عليه الا أنه يروى عن الحسن انه كان يوجب الحلق في الحجة الاولى ولا يصح هذا لان الله تعالى قال (محلقين رءوسكم ومقصرين) ولم يفرق والنبي صلى الله عليه وسلم قال " رحم الله المحلقين والمقصرين " وقد كان معه من قصر فلم ينكر عليه والحلق أفضل لان النبي صلى الله عليه وسلم فعله وقال " رحم الله المحلقين " قالوا يارسول الله والمقصرين قال " رحم المحلقين " قالوا والمقصرين يارسول الله قال " رحم الله المحلقين والمقصرين " رواه مسلم فأما من لبد أو عقص أو ضفر فقال أحمد من فعل ذلك فيحلق وهو قول النخعي ومالك والشافعي وإسحق وكان ابن عباس رضي الله عنه يقول من لبد أو قصر أو عقد أو فتل أو عقص فهو على ما نوى ان نوى الحلق فليحلق والا فلا يلزمه وقال اصحاب الرأي وهو مخير على كل حال لان ما ذكرناه يقتضي

[ 457 ]

التخيير على العموم ولم يثبت في خلاف ذلك دليل ووجه القول الاول ماروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من لبد فليحلق وثبت عن عمر وابنه انهما أمرا من لبد رأسه أن يحلقه والنبى صلى الله عليه وسلم لبد رأسه وحلق والصحيح أنه مخير الا أن يتبت الخبر، وقول عمر وابنه قد خالفهما فيه ابن عباس وفعل النبي صلى الله عليه وسلم لا يدل على وجوبه بعد ما تبين جواز الامرين والله أعلم (مسألة) (والمرأة تقصر من شعرها قدر الانملة والانملة رأس الاصبع من المفصل الاعلى والمشروع للمرأة التقصير دون الحلق بغير خلاف) قال ابن المنذر اجمع على هذا أهل العلم لان الحلق في حقهن مثلة وقد روى ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ليس على النساء حلق انما على النساء التقصير " رواه أبو داود، وعن علي رضي الله عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تحلق المرأة رأسها رواه الترمذي وكان احمد يقول تقصر من كل قرن قدر الانملة وهو قول ابن عمر والشافعي واسحق وأبي ثور وقال أبو داود سمعت احمد سئل عن المرأة تقصر من كل رأسها قال نعم تجمع شعرها إلى مقدم رأسها ثم تأخذ من اطراف شعرها قدر الانملة والرجل الذي يقصر كالمرأة في ذلك وقد ذكرنا فيه خلافا (فصل) والاصلع الذي ليس على رأسه شعر يستحب أن يمر الموسى على رأسه روي ذلك عن ابن عمر وبه قال مسروق وسعيد بن جبير والنخعي ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ولا نعلم عن غيرهم خلافهم وليس بواجب وقال أبو حنيفة يجب لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وهذا لو كان ذا شعر وجب عليه ازالته وإمرار الموسى على رأسه فإذا سقط أحدهما لتعذره بقي الآخر ولنا أن الحلق محله الشعر فسقط بعدمه كماسقط وجوب غسل العضو في الوضوء بفقده ولانه امرار لو فعله في الاحرام لم يجب به دم فلم يجب عند التحلل كامراره على الشعر من غير حلق (فصل) ويستحب تقليم أظفاره والاخذ من شاربه قال ابن المنذر ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حلق رأسه قلم اظفاره وكان ابن عمر يأخذ من شاربه وأظفاره وكان عطاء وطاوس والشافعي يحبون لو أخذ من لحيته شيئا ويستحب إذا حلق أن يبلغ العظم الذي عند منقطع الصدغ من الوجه كان ابن عمر يقول للحالق أبلغ العظمين افصل الرأس من اللحية وكان عطاء يقول من السنة إذا حلق أن يبلغ العظمين

[ 458 ]

(مسألة) (ثم قد حل له لكل شئ الا النساء وعنه الا الوطئ في الفرج) وجملته أن المحرم إذا رمى جمرة العقبة ثم حلق أو قصر حل له كل ماكان محرما بالاحرام الا النساء هذا الصحيح من المذهب نص عليه احمد في رواية جماعة فيبقى ما كان محرما عليه من النساء من الوطئ والقبلة واللمس بشهوة وعقد النكاح ويحل له ما سوى ذلك هذا قول ابن الزبير وعائشة وعلقمة وسالم والنخعي وعبد الله بن الحسن وخارجة بن زيد والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي وروي عن ابن عباس، وعن احمد أنه يحل له كل شئ الا الوطئ في الفرج لانه أغلظ المحرمات ويفسد النسك بخلاف غيره وقال عمر رضي الله عنه يحل له كل شئ إلا النساء والطيب وروي ذلك عن ابنه وعروة بن الزبير وغيرهما لانه من دواعي الوطئ أشبه القبلة، وعن عروة أنه لا يلبس القميص ولا العمامة ولا يتطيب وروي في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث، ولنا ماروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شئ الا النساء " رواه سعيد وقالت عائشة: طيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرمه حين أحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت، متفق عليه وعن سالم عن أبيه قال قال عمر بن الخطاب إذا رميتم الجمرة بسبع حصيات وذبحتم وحلقتم فقد حل لكم كل شئ الا الطيب فقالت عائشة أنا طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع رواه سعيد عن ابن عباس أنه قال إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شئ إلا النساء فقال له رجل والطيب فقال أما أنا فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضمخ رأسه بالمسك الطيب هو ذاك أم لا؟ رواه ابن ماجه وقال مالك لا يحل له النساء ولا الطيب ولا قتل الصيد لقوله سبحانه (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) وهذا حرام وقد ذكرنا ما يرد هذا القول ويمنع أنه محرم وانما بقي بعض أحكام الاحرام (مسألة) (والحلق والتقصير نسك ان أخره عن أيام منى فهل يلزمه دم؟ على روايتين وعنه أنه اطلاق من محظور لا شئ في تركه ويحصل التحلل بالرمي وحده)

[ 459 ]

الحلق والتقصير نسك في الحج والعمرة في ظاهر المذهب وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وعن احمد أنه ليس بنسك وانما هو اطلاق من محظور كان محرما عليه بالاحرام فأطلق فيه بالحل كاللباس وسائر محظورات الاحرام فعلى هذه الرواية لا شئ على تاركه ويحصل التحلل بدونه ووجهها أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالحل من العمرة قبله فروى أبو موسى رضي الله عنه قال: قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم فقال " بم أهللت؟ " قلت لبيك باهلال كاهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال " أحسنت " وأمرني فطفت بالبيت وبين الصفا والمروة ثم قال لي " أحل " متفق عليه، وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سعى بين الصفا والمروة قال " من كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة " رواه مسلم، ولان ماكان محرما في الاحرام إذا أبيح كان اطلاقا من محظور كسائر محرماته والرواية الاولى أصح فان النبي صلى الله عليه وسلم أمر به، فروى ابن عمر ضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من لم يكن معه هدي فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل " عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " أحلوا من احرامكم بطواف بالبيت وبين الصفا والمروة وقصروا " وأمره يقتضي الوجوب، ولان الله تعالى وصفهم بقوله (محلقين رءوسكم ومقصرين) ولو لم يكن من المناسك لما وصفهم به كاللبس وقتل الصيد، ولان النبي صلى الله عليه وسلم ترحم على المحلقين ثلاثا وعلى المقصرين مرة، ولو لم يكن من المناسك لما دخله التفضيل كالمباحات، ولان النبي صلى الله

[ 460 ]

عليه ولم وأصحابه فعلوه في جميع حجهم وعمرهم لم يخلوا به، ولو لم يكن نسكا لما داوموا عليه بل لم يفعلوه إلا نادرا لانه لم يكن من عادتهم فيفعلوه عادة ولا فيه فضل فيفعلوه لفضله، فأما أمره بالحل فانما معناه - والله أعلم الحل بفعله لان ذلك كان مشهورا عندهم فاستغنى عن ذكره ولا يمنع الحل من العبادة بما كان محرما فيها كالسلام في الصلاة (فصل) فإذا قلنا إنه نسك جاز تأخيره إلى آخر أيام النحر لانه إذا جاز تأخير النحر المقدم عليه فتأخيره أولى، فان أخره عن ذلك فلا دم عليه في احدى الروايتين لان الله تعالى بين أول وقته ولم يبين آخره فمتى أتى به اجزاء كالطواف للزيارة والسعي (والثانية) عليه دم لانه نسك أخره عن محله ومن ترك نسكا فعليه دم ولافرق في التأخير بين القليل والكثير والعامد والساهي. وقال مالك والثوري واسحاق وأبو حنيفة ومحمد من تركه حتى حل فعليه دم لانه نسك فوجب أن يأتي به قبل الحل كسائر مناسكه. ولنا ما تقدم وهل يحل قبله؟ فيه روايتان (احداهما) أن التحلل انما يحصل بالحلق والرمي معا وهو ظاهر كلام الخرقي وقول الشافعي وأصحاب الرأي لقول النبي صلى الله عليه وسلم إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شئ إلا النساء " وترتيب الحل عليهما دليل على حصوله بهما، ولانهما نسكان يتعقبهما الحل فكان حاصلا بهما كالطواف والسعي في العمرة (والثانية) يحصل التحلل بالرمي وحده وهذا قول عطاء ومالك وأبي ثور قال شيخنا وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لقوله في حديث أم سلمة " إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شئ إلا النساء " وكذلك قال ابن عباس قال بعض أصحابنا هذا ينبنى على الخلاف في الحلق إن قلناهو نسك حصل

[ 461 ]

الحل والا حصل بالرمي وحده وهو الذي ذكره شيخنا في كتابه المشروح (مسألة) (وإن قدم الحلق على الرمي والنحر جاهلا أو ناسيا فلا شئ عليه، وإن كان عالما فهل يلزمه دم؟ على روايتين) السنة في يوم النحر أن يرمي ثم ينحر ثم يحلق ثم يطوف ترتيبها هكذا لان النبي صلى الله عليه وسلم رتبها كذلك فروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى ثم نحر ثم حلق. رواه أبو داود، فان أخل بترتيبها ناسيا أو جاهلا فلا شئ عليه هذا قول الحسن وطاوس ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء والشافعي واسحاق وأبي ثور وداود ومحمد بن جرير الطبري، وقال أبو حنيفة ان قدم الحلق على الرمي أو على النحر فعليه دم، فان كان قارنا فعليه دمان، وقال زفر عليه ثلالثة دماء لانه لم يوجد التحلل الاول اشبه مالو حلق قبل يوم النحر. ولنا ماروى عبد الله بن عمرو قال: قال رجل يارسول الله حلقت قبل أن أذبح، قال " اذبح ولا خرج " فقال آخر ذبحت قبل أن أرمي، قال " ارم ولا حرج " متفق عليه، وفي لفظ قال فجاء رجل ققال يارسول الله: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح وذكر الحديث قال فما سمعته يسئل يومئذ عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم عبض الامور على بعض وأشباهها الا قال " افعلوا ولا حرج " رواه مسلم، وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له يوم النحر وهو بمنى في النحر والحلق والرمي والتقديم والتأخير متفق عليه، روواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عيسى بن طلحة عن عبد الله ابن عمرو وفيه فحلقت قبل أن أرمي، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع، فأما إن فعله عامدا عالما مخالفة للسنة فانه لا دم عليه في (احدى الروايتين) وهو قول عطاء واسحاق لاطلاق حديث ابن عباس

[ 462 ]

وكذلك حديث عبد الله بن عمرو من رواية سفيان بن عيينة (والثانية) عليه دم روي نحو ذلك عن سعيد بن جبير وجابر بن زيد وقتادة والنخعي لان الله تعالى قال (ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله) ولان النبي صلى الله عليه وسلم رتب وقال " خذوا عني مناسككم " والحديث المطلق قد جاء مقيدا فيحمل المطلق على المقيد، قال الاثرم سمعت أبا عبد الله يسئل عن رجل حلق قبل أن يذبح فقال: ان كان جاهلا فليس عليه دم فأما مع التعمد فلا لان النبي صلى الله عليه وسلم سأله رحل فقال لم أشعر، قيل لابي عبد الله سفيان بن عيينة لا يقول لم أشعر فقال نعم ولكن مالكا والناس عن الزهري لم أشعر وهو في الحديث، وقال مالك ان قدم الحلق على المرى فعليه دم وان قدمه على النحر أو النحر على الرمي فلا شئ عليه لانه بالاجماع ممنوع من حلق شعره قبل التحلل الاول ولا يحصل الا برمي الجمرة، فأما النحر قبل الرمي فجائز لان الهدي قد بلغ محله ولنا الحديث فانه لم يفرق بينهما فان النبي صلى الله عليه وسلم قيل له في الحلق والنحر والتقديم والتأخير فقال " لا حرج " ولا نعلم خلافا بينهم في أن مخالفة الترتيب لا تخرج هذه الافعال عن الاجزاء ولا يمنع وقوعها موقعها، وانما اختلفوا في وجوب الدم على ما ذكرنا (فصل) فان قدم الافاضة على الرمي اجزأ طوافه، وبهذا قال الشافعي وقال مالك لاتجزئه الافاضة فليرم ثم لينحر ثم ليقصر، وكان ابن عمر يقول فيمن أفاض قبل أن يحلق برجع فيحلق أو يقصر ثم يفيض

[ 463 ]

ولنا ماروى عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له رجل أفضت قبل أن أرم، قال " ارم ولا حرج " وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من قدم شيئا قبل شئ فلا حرج " رواهما سعيد في سننه، وروي عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه آخر فقال اني أفضت إلى البيت قبل أن أرمي، فقال " ارم ولا حرج " فما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شئ قدم ولا أخر الا قال " افعل ولا حرج " رواه أبو داود والنسائي والترمذي، ولانه أتى بالرمي في وقته فاجزأه كما لو رتب، ومقتضى كلام أصحابنا أنه يحصل له بالافاضة قبل الرمي التحلل الاول كمن رمى ولم يفض، فعلى هذا لو واقع أهله قبل الرمي بعد الافاضة فعليه دم ولا يفسد حجه، وكذلك قال الاوزاعي فان رجع إلى أهله ولم يرم فعليه دم الترك الرمي وحجه صحيح فان ابن عباس قال: من نسي أو ترك شيئا من نسكه فليهرق لذلك دما (مسألة) (ثم يخطب الامام خطبة يعلمهم فيها النحر والافاضة والرمي) يستحب أن يخطب الامام بمعنى يوم النحر يعلمهم فيها النحر والافاضة والرمي نص عليه

[ 464 ]

أحمد وهو مذهب الشافعي وابن المنذر، وذكر بعض أصحابنا انه لا يخطب يومئذ وهو مذهب مالك لانها تسن في اليوم الذي قبله فلا تسن فيه ولنا ما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم النحر يعني بمنى. أخرجه البخاري، وعن رافع بن عمرو المزني قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء وعلي؟ عبر عنه والناس بين قائم وقاعد، وقال أبو أمامة رضي الله عنه سمعت خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى يوم النحر، وقال عبد الرحمن بن معاذ خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بمنى ففتحنا أسماعنا حتى كنا نسمع ونحن في منازلنا فطفق يعلمهم مناسكهم حتى بلغ الجمار. رواهن أبو داود غير حديث ابن عباس، ولانه يوم تكثر فيه أفعال الحج ويحتاج إلى تعليم الناس أحكام ذلك فاحتيج إلى الخطبة من أجلة يوم عرفة (فصل) يوم الحج الاكبر يوم النحر فان النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم النحر " هذا يوم الحج الاكبر " رواه البخاري وسمي بذلك لكثرة أفعال الحج فيه من الوقوف بالمشعر والدفع منه إلى منى والرمي والنحر والحلق وطواف الافاضة والرجوع إلى منى ليبيت بها وليس في غيره مثله وهو مع ذلك يوم عيد وبرم يحل فيه من أفعال الحج (مسألة) (ثم يفيض إلى مكة ويطوف للزيارة، ويعينه بالنية وهو الطواف الواجب الذي به تمام الحج)

[ 465 ]

وجملة ذلك أنه إذا رمى ونحر وحلق أفاض إلى مكة يوم النحر فطاف طواف الزيارة وسمي بذلك لانه يأتي من منى فيزور البيت، ولا يقيم بمكة بل يرجع إلى منى ويسمى طواف الافاضة لكونه يأتي به عند افضاته من منى إلى مكة، وصفة هذا الطواف كصفة طواف القدوم الا أنه ينوي به طواف الزيارة ويعينه بالنية ولا رمل فيه ولا اضطباع لقول ابن عباس رضي الله عنهما ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يرمل في السبع الذي أفاض فيه، والنية شرط في هذا الطواف. هذا قول اسحاق وابن القاسم صاحب مالك وابن المنذر، وقال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي: يجزئه وان لم ينو الفرض الذي عليه ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " انما الاعمال بالنيات وانما لكل امرئ ما نوى " ولان النبي صلى الله عليه وسلم سماه صلاة والصلاة لا تصح الا بنية اتفاقا، وهذا الطواف ركن للحج لا يتم الا به بغير خلاف علمناه. قال ابن عبد البر هو من فرائض الحج لا خلاف في ذلك بين العلماء، قال الله تعالى (وليطوفوا بالبيت العتيق) وعن عائشة قالت: حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفضنا يوم النحر فحاضت صفية فاراد النبي صلى الله عليه وسلم منها ما يرد الرجل من أهله فقلت يارسول الله إنها حائض فقال " أحابستنا هي؟ قالوا يارسول الله انها قد أفاضت يوم النحر قال " اخرجوا " متفق عليه فدل على أن هذا الطواف لابد منه وانه حابس لمن لم يأت به (مسألة) (وأول وقته بعد نصف الليل من ليلة النحر والافضل فعله يوم النحر فان أخره عنه وعن أيام منى جاز) لهذا الطواف وقتان وقت فضيلة ووقت اجزاء فاما وقت الفضيلة فيوم النحر بعد الرمي والنحر

[ 466 ]

والحلق لقول جابر رضي الله عنه في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر: فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر. وقد ذكرنا حديث عائشة قالت فافضنا يوم النحر وقال ابن عمر أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر متفق عليهما، وان أخره إلى الليل فلا بأس فان ابن عباس وعائشة رويا أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر طواف الزيارة إلى الليل رواهما أبو داود والترمذي وأما وقت الجواز فأوله من نصف الليل من ليلة النحر وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة أولا طلوع الفجر يوم النحر وآخره آخر أيام النحر وهذا مبني على أول وقت الرمي وقد مضى الكلام فيه، واحتج على آخر وقته بأنه نسك يفعل في الحج فكان آخره محدودا كالوقوف الرمي والصحيح أن آخر وقته غير محدود لانه متى أتى به صح بغير خلاف وإنما الخلاف في وجوب الدم فنقول طاف فيما بعد أيام النحر طوافا صحيحا فلم يلزمه دم كما لو طاف في أيام النحر وأما الوقوف والرمي فانهما لما كانا موقتين كان لهما وقت يفوتان بفواته وليس كذلك الطواف فانه متى أتى به صح (مسألة) ثم يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعا أو لم يكن سعى من طواف القدوم وان كان قد سعى لم يسع لان السعي الذي سعاه المتمتع إنما كان للعمرة فيشرع له أن يسعى للحج، وإن كان المفرد والقارن لم يسعيا مع طواف القدوم سعيا بعد طواف الزيارة لان السعي لا يكون إلا بعد الطواف لكون النبي صلى الله عليه وسلم إنما سعى بعد الطواف وقال " خذوا عني مناسككم " وإن كان قد سعى مع طواف

[ 467 ]

القدوم لم يسع فانه لا يستحب التطوع بالسعي كسائر الانساك ولا نعلم فيه خلافا، فأما الطواف فيستحب التطوع به لانه صلاة (مسألة) (ثم قد حل له كل شئ) يعنى إذا طاف للزيارة بعد الرمي والنحر والحلق وكان قد سعى حل له كل شئ حرمه الاحرام وقد ذكرنا أنه لم يكن بقي عليه من المحظورات سوى النساء فبهذا الطواف حل له النساء قال ابن عمر رضي الله عنهما: لم يحل النبي صلى الله عليه وسلم من شئ حرم عنه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر فافاض بالبيت ثم حل من كل شئ حرم منه. وعن عائشة رضي الله عنها مثله متفق عليهما ولا نعلم خلاف في حصول الحل بما ذكرناه على هذا الترتيب، فان طاف ولم يكن سعى لم يحل حتى يسعى ان قلنا ان السعي ركن وان قلنا هو سنة فهل يحل قبله على وجهين (أحدهما) يحل لانه لم يبق عليه شئ من واجباته (والثاني) لا يحل لانه من أفعال الحج فيأتي به في احرام الحج كالسعي في العمرة (فصل) قال الخرقي يستحب للمتمتع إذا دخل مكة لطواف الزيارة أن يطوف طوافا ينوي به القدوم ثم يسعى بين الصفا والمروة ثم يطوف طواف الزيارة لان المتمتع لم يأت به قبل ذلك فان

[ 468 ]

الطواف الذي طافه في الاول كان طواف العمرة، وقد نص احمد رحمه الله على ذلك في رواية الاثرم قال قلت لابي عبد الله فإذا رجع يعني المتمتع كم يطوف ويسعى؟ قال: يطول ويسعى لحجه ويطوف طوافا آخر للزيارة. عاودناه في هذا غير مرة فثبت عليه وكذلك الحكم في القارن والمفرد إذا لم يكونا أتيا مكة قبل يوم النحر ولا طافا طواف القدوم فانهما يبدآن بطواف القدوم قبل طواف الزيارة نص عليه أحمد أيضا واحتج بما روت عائشة رضي الله عنها قالت: فطاف الذين أهلوا بالعمرة وبين الصفا والمروة ثم حلوا ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فانما طافوا طافوا طوافا واحدا. فحمل أحمد رضي الله عنه قول عائشة على أن طوافهم لحجهم هو طواف القدوم ولانه قد ثبت أن طواف القدوم مشروع فلم يكن طواف الزيارة مسقطا له كتحية المسجد عند دخوله قبل التلبس بصلاة الفرض قال شيخنا رحمه الله ولم أعلم أحدا وافق أبا عبد الله على هذا الطواف الذي ذكره الخرقي بل المشروع طواف واحد للزيارة كمن دخل المسجد وأقيمت الصلاة فانه يكتفي بها من تحية المسجد ولانه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه الذين تمتعوا معه في حجة الوداع ولا أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أحدا وحديث عائشة دليل على هذا فانها قالت طافوا طوافا واحدا بعد أن رجعوا من منى لحجتهم وهذا هو طواف الزيارة ولم تذكر طوافا آخر ولو كان هذا الذي ذكرته طواف القدوم لكانت قد أخلت بذكر طواف الزيارة الذي هو ركن الحج لايتم الا به وذكرت ما يستغني عنه وعلى كل

[ 469 ]

حال فما ذكرت الا طوافا واحدا فمن أين يستدل على طوافين؟ وأيضا فانها لما حاضت فقرنت الحج إلى العرمة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ولم تكن طافت للقدوم لم تطف للقدوم ولا أمرها به النبي صلى الله عليه وسلم ولان طواف القدوم لو لم يسقط بالطواف الواجب لشرع في حق المعتمر طواف القدوم مع طواف العمرة ولانه أول قدومه إلى البيت فهو به أولى من المتمتع الذي يعود إلى البيت بعد رؤيته وطوافه به وفي الجملة هذا الطواف المختلف فيه ليس بواجب أنما الواجب طواف واحد وهو طواف الزيارة وهو في حق المتمتع كهو في حق القارن والمفرد لا يتم الحج الا به (فصل) والاطوفة المشروعة في الحج ثلاثة: طواف الزيارة وهو ركن لايتم الحج الا به بغير خلاف، وطواف القدوم وهو سنة لا شئ على تاركه، وطواف الوداع واجب يجب بتركه دم وبهذا قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه وقال مالك على تارك طواف القدوم دم ولا شئ على تارك طواف الوداع وحكي عن الشافعي كقولنا في طواف الوداع وكقوله في طواف القدوم وما زاد على هذه الاطوفة فهو نقل ولا يشرع في حقه أكثر من سعي واحد بغير خلاف علمناه قال جابر لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة الا طوافا واحدا طوافه الاول رواه مسلم ولا يكون السعي الا بعد طواف وقد ذكرناه

[ 470 ]

(فصل) ويستحب أن يدخل البيت فيكبر في نواحيه ويصلي فيه ركعتين ويدعو الله عزوجل قال ابن عمر رضي الله عنه: دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت وبلال وأسامة بن زيد فقلت لبلال هل صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال نعم قلت أين؟ قال بين العمودين تلقا وجهه قال ونيست أن أسأله كم صلى. وقال ابن أسامة أخبرني اسامة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل فيه حتى خرج متفق عليهما فقدم أهل العلم رواية بلال على رواية اسامة لانه مثبت واسامة ناف ولان اسامة كان حديث السن فيجوز أن يكون أشتغل بالنظر إلى ما في الكعبة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وان لم يدخل البيت فلا بأس فان اسماعيل بن خالد قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت في عمرته؟ قال لا متفق عليه. وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندها وهو مسرور ثم رجع وهو كئيب فقال " اني دخلت الكعبة ولو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما دخلتها اني أخاف أن أكون قد شققت على أمتي (مسألة) ويستحب أن يأتي زمزم فيشرب من مائها لما أحب ويتضلع منه قال جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم ثم أتى بني عبد المطلب وهم يسقون فناولوه دلوا فشرب منه. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ماء زمزم لما شرب له " وعن عبد الرحمن بن أبي بكر قال كنت عند ابن عباس جالسا فجاءه رجل فقال من أين جئت؟ قال من زمزم قال فشربت منها كما ينبغي؟ قال فكيف؟ قال إذا شربت منها فاستقبل الكعبة واذكر أسم الله وتنفس ثلاثة من زمزم

[ 471 ]

وتضلع منها فإذا فرغت فاحمد الله فان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم

[ 472 ]

لا يتضلعون من زمزم " رواهما ابن ماجة ويقول عند الشرب بسم الله اللهم اجعله لنا علما نافعا، ورزقا واسعا وريا

[ 473 ]

وشبعا وشفاء من كل داء واغسل به قلبي واملاه من خشيتك وحكمتك (فصل) قال الشيخ رحمه الله (ثم يرجع إلى منى ولا يبيت بمكة ليالي منى) السنة لمن أفاض يوم النحر أن يرجع إلى منى لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم افاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى. متفق عليه والمبيت بمنى في لياليها واجب في إحدى الروايتين عن احمد وهو ظاهر كلام الخرقي. روي ذلك عن ابن عباس وهو قول عروة ومجاهد وابراهيم وعطاء وروي عن عمربن الخطاب وبه قال مالك والشافعي (والثانية) ليس بواجب روي ذلك عن الحسن وروي عن ابن عباس إذا رميت الجمرة فبت حيث شئت ولانه قد حل من حجه فلم يجب عليه المبيت بموضع معين كليلة الحصبة ووجه الرواية الاولى أن ابن عمر روى أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للعباس بن

[ 474 ]

عبد المطلب أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، متفق عليه وتخصيص العباس بالرخصة لعذره دليل على أنه لا رخصة لغيره وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لم يرخص النبي صلى الله عليه وسلم لاحد يبيت بمكة إلا للعباس من أجل سقايته. رواه ابن ماجة ولان النبي صلى الله عليه وسلم فعله نسكا وقال " خذوا عني مناسككم " (مسألة) (ويرمي الجمرات بها في أيام التشريق بعد الزوال كل جمرة بسبع حصيات فيبدأ بالجمرة الاولى وهي أبعدهن من مكة وتلي مسجد الخيف فيجعلها عن يساره ويرميها بسبع ثم يتقدم قليلا فيقف يدعو الله تعالى ويطيل ثم يأتي الوسطى فيجعلها عن يمينه ويرميها بسبع ويقف عندها فيدعو ثم يرمي جمرة العقبة بسبع ويستبطن الوادي ولا يقف عندها ويستقبل القبلة في الجمرات كلها) وقد ذكرنا أن جملة ما يرمي به الحاج سبعون حصاة سبعة منها يرمي بها يوم النحر بعد طلوع الشمس وباقيها في أيام التشريق الثلاثة بعد زوال الشمس كل يوم إحدى وعشرين حصاة لثلاث

[ 475 ]

جمرات يبدأ بالجمرة الاولى وهي أبعد الجمرات من مكة قريبا من مسجد الخيف فيجعلها عن يساره ويستقبل القبلة ويرميها بسبع حصيات كما وصفنا في رمي جمرة العقبة ثم يتقدم منها إلى مكان لا يصيبه الحصى فيقف طويلا يدعو الله تعالى رافعا يديه ثم يتقدم إلى الوسطى فيجعلها عن يمينه ويستقبل القبلة ويرميها بسبع ويفعل من الوقوف والدعاء كما فعل في الاولى ثم يرمي جمرة العقبة بسبع ويستبطن الوادي ويستقبل القبلة ولا يقف عندها. هذا قول الشافعي ولا نعلم في جميع ذلك خلافا إلا أن مالكا قال: ليس بموضع لرفع اليدين وقد ذكرنا الخلاف فيه عند رؤية البيت وقال الاثرم سمعت أبا عبد الله يسئل أيقوم الرجل عند الجمرتين إذا رمى؟ قال: أي لعمري شديدا ويطيل القيام أيضا قيل: فالى أين يتوجه في قيامه؟ قال إلى القبلة ويرميها من بطن الوادي، والاصل في هذا ماروت عائشة قالت: أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصا ويقف عند الاولى والثانية ويتضرع ويرمي الثالثة ولا يقف عندها. رواه أبو داود، وعن ابن عمر أنه كان يرمي الجمرة الاولى بسبع حصيات يكر على أثر كل حصاة ثم يتقدم وستهل ويقوم قياما طويلا ويرفع يديه ثم يرمي الوسطى ويأخذ بذات الشمال ويستهل ويقوم مستقبل القبلة فياما طويلا ثم يرفع يديه ويقوم طويلا ثم يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها ثم ينصرف ويقول هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله. رواه البخاري، وروى أبو داود أن ابن عمر كان يدعو بدعائه الذي

[ 476 ]

دعا به بعرفة ويزيد وأصلح وأتم لنا مناسكنا وقال ابن المنذر كان ابن عمر وابن مسعود يقولان عند الرمي اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا وسعيا مشكورا. وروي عبد الرحمن بن زيد قال: أفضت مع عبد الله فرمى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ويستبطن الوادي حتى إذا فرغ قال اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا، ثم قال: هكذا رأيت الذي أنزلت عليه سورة البقرة صنع رواه الاثرم (فصل) ولا يرمي إلا بعد الزوال فان رمى قبل الزوال أعاد نص عليه وروي ذلك عن ابن عمر وبه قال مالك والثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي وعطاء إلا أن إسحاق وأصحاب الرأي رخصوا في الرمي يوم النفر قبل الزوال ولا ينفر إلا بعد الزوال وعن أحمد مثله ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم انما رمى بعد الزوال لقول جابر رضي الله عنه رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة ضحى يوم النحر ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " خذوا عنى مناسككم " وقال ابن عمر كنا نتحين إذا زالت الشمس رمينا، وأي وقت رمى بعد الزوال أجزأه إلا أن المستحب المبادرة إليها حين الزوال كما قال ابن عمر وقال ابن عباس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمار إذا زالت الشمس قدر مااذا فرغ من رميه صلى الظهر. رواه ابن ماجة

[ 477 ]

(فصل) فان ترك الوقوف عندها والدعاء ترك السنة ولا شئ عليه وبه قال الشافعي واسحاق وأبو حنيفة وعن الثوري أنه قال: يطعم شيئا وان أراق دما أحب الي لان النبي صلى الله عليه وسلم فعله فيكون نسكا ولنا أنه دعاء ووقوف مشروع فلم يجب بتركه دم كحالة رؤية البيت وكسائر الادعية والنبي صلى الله عليه وسلم يفعل الواجبات والمندوبات وقد ذكرنا الدليل على أنه مندوب (مسألة) (والترتيب شرط في الرمي وفي عدد الحصا روايتان (احداهما) سبع والاخرى يجزئه خمس) الترتيب في هذه الجمرات واجب على ما ذكرناه فان نكس فبدأ بجمرة العقبة ثم الثانية، ثم الاولى أو بدأ بالوسطى ورمى الثلاث لم يجزه الا الاولى وأعاد الوسطى والقصوى نص عليه أحمد، وان رمى القصوى ثم الاولى ثم الوسطى أعاد القصوى وحدها. وبه قال مالك، والشافعي وقال الحسن وعطاء لا يجب الترتيب وهو قول أبي حنيفة فانه قال: إذا رمى منكسا يعيد. فان لم يفعل أجزأه، واحتج بعضهم بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من قدم نسكا بين يدي نسك فلا حرج " ولانها مناسك متكررة وفي أمكنة متفرقة في وقت واحد ليس بعضها تابعا لبعض فلم يشترط الترتيب فيها كالرمي والذبح ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم رتبها في الرمي وقال " خذوا عني مناسككم " ولانه نسك متكرر فاشترط الترتيب فيه كالسعي وحديثهم انما هو فيمن يقدم نسكا على نسك لا فيمن يقدم بعض النسك على بعض وقياسهم يبطل بالطواف والسعي

[ 478 ]

(فصل) والاولى في الرمي أن لا ينقص عن سبع حصيات لان النبي صلى الله عليه وسلم رمى بسبع فان نقص حصاة أو حصاتين فلا بأس. ولا ينقص أكثر من ذلك نص عليه وهو قول مجاهد وإسحاق وعنه ان رمى بست ناسيا فلا شئ عليه ولا ينبغي أن يتعمده فان تعمد ذلك تصدق بشئ. وكان ابن عمر يقول ما أبالي رميت بست أو سبع. قال ابن عباس: ما أدري رماها النبي صلى الله عليه وسلم بست أو بسبع، وعن أحمد ان عدد السبع شرط ويشبه مذهب الشافعي وأصحاب الرأي لان النبي صلى الله عليه وسلم رمى بسبع. وقال أبو حية: لا بأس بما رمى به الرجل من الحصى، فقال عبد الله بن عمرو: صدق أبو حية. وكان أبو حية بدريا. ووجه الرواية الاولى ما روى ابن أبي نجيح قال: سئل طاوس عن رجل ترك حصاة، قال: يتصدق بتمرة أو لقمة، فذكرت ذلك لمجاهد فقال: إن أبا عبد الرحمن لم يسمع قول سعد قال سعد رجعنا من الحجة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضنا يقول رميت بست وبعضنا بسبع فلم يعب ذلك بعضنا على بعض. رواه الاثرم وغيره (مسألة) (فان أخل بحصاة واجبة من الاولى لم يصح رمي الثانية حتى يكمل الاولى لاخلاله بالترتيب فان لم يعلم من أي الجمار تركها بنى على اليقين ليتيقن براءة الذمة، فان أخل بحصاة غير واجبة لم يؤثر تركها)

[ 479 ]

(مسألة) (وان أخر الرمي كله فرماه في آخر أيام التشريق أجزأه ويرتبه بنيته، وإن أخره عن أيام التشريق أو ترك المبيت بمنى في لياليها فعليه دم، وفي حصاة أو ليلة واحدة ما في حلق شعره) إذا أخر رمي يوم إلى ما بعده أو أخر الرمي كله إلى آخر أيام التشريق ترك السنة ولا شئ عليه

[ 480 ]

الا أنه يقدم بالنية رمي اليوم الاول ثم الثاني ثم الثالث، وبذلك قال الشافعي وأبو ثور. وقال أبو حنيفة: ان ترك حصاة أو حصاتين أو ثلاثا إلى الغد وعليه لكل حصاة نصف صاع، وان ترك أربعا رماها وعليه دم ولنا أن أيام التشريق وقت للرمي فإذا أخره من أول وقته إلى آخره لم يلزمه شئ كما لو أخر الوقوف بعرفة إلى آخر وقته، قال القاضي: ولا يكون رميه في اليوم الثاني قضاء لانه وقت واحد فان سمي قضاء بالمراد به الفعل كقوله تعالى (ثم ليقضوا تفثهم) وقولهم قضيت الدين. والحكم في رمي جمرة العقبة إذا أخرها كالحكم في رمي أيام التشريق في أنها إذا لم ترم يوم النحر رميت من الغد وانما قلنا يلزمه الترتيب بنيته لانها عبادة يجب الترتيب فيها إذا فعلها في أيامها فوجب ترتيبها مجموعة كالمجموعتين والفوائت من الصلوات (فصل) فان أخره عن أيام التشريق فعليه دم لانه ترك نسكا واجبا فيجب عليه دم لقول ابن عباس: من ترك نسكا أو نسيه فانه يهرق دما. ولان آخر وقت الرمي آخر أيام التشريق فمتى خرجت قبل رميه فات وقته واستقر عليه الفداء الواجب في ترك الرمي هذا قول أكثر أهل العلم. وعن عطاء فيمن رمى جمرة العقبة وخرج إلى إبله في ليلة أربع عشرة ثم رمى قبل طلوع الفجر أجزأه فان لم يرم فعليه دم والاول أولى لان محل الرمي النهار فيخرج وقت الرمي بخروج النهار وكذلك ان ترك المبيت بمنى في لياليها وهذا مبني على الرواية في وجوب المبيت بمنى، وعن أحمد أنه لا شئ عليه وقد أساء. وهو قول أصحاب الرأي لان الشرع لم يرد فيه بشئ، وعنه يطعم شيئا وخففه ثم قال: قد قال بعضهم ليس عليه. وقال ابراهيم عليه دم وضحك ثم قال دم بمرة شدد وبمرة (1) قلت ليس الا أن يطعم شيئا قال نعم يطعم شيئا تمرا أو نحوه فعلى هذا أي شئ تصدق به اجزأه، ولا فرق بين ليلة أو أكثر لانه لا تقدير فيه، وفيما دون الثلاث ثلاث روايات (احداهن) في كل واحدة مد (والثانية) درهم (والثالثة) نصف درهم. قال الشيخ رحمه الله: وهذا لا نظير له فانا لا نعلم في ترك شئ من المناسك درهما ولا نصفا فايجابه بغير نص تحكم لا وجه له. وفي ترك حصاة من رمي الجمار كذلك ولانه في معناه وقد ذكرنا ما في حلق الشعرة فيما مضى وذكرنا الخلاف (مسألة) (وليس على أهل سقاية الحاج ولا الرعاة مبيت بمنى فان غربت الشمس وهم بمنى لزم الرعاة المبيت دون أهل السقاية) لما روى ابن عمر رضي الله عنه ان العباس استأذن النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل

[ 481 ]

سقايته. متفق عليه. وقد روي مالك باسناده عن أبي البداح بن عاصم عن أبيه قال: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لرعاء الابل في البيتوتة ان يرموا يوم النحر ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر يرمونه في أحدهما. قال مالك ظننت انه قال في أول يوم منهما ثم يرمون يوم النفر. رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، ورواه ابن عيينة قال رخص للرعاء أن يرموا يوما ويدعوا يوما وكذلك الحكم في أهل سقاية الحاج الا أن الفرق بين الرعاء وأهل السقاية ان الرعاء إذا قاموا حتى غربت الشمس لزمهم المبيت إذا قلنا بوجوبه وأهل السقاية لا يلزمهم لان الرعاء انما رعيهم بالنهار فإذا غربت الشمس انقضى وقت الرعي وأهل السقاية يستقون بالليل، وصار الرعاء كالمريض الذي يسقط عنه حضور الجمعة لمرضه فإذا حضرها تعينت عليه كذلك الرعاء أبيح لهم ترك المبيت لاجل الرعي فإذا فات وقته وجب المبيت، وأهل الاعذار من غير الرعاء كالمرضى ومن له مال يخاف ضياعه ونحوهم كالرعاء في ترك البيتوتة لان النبي صلى الله عليه وسلم رخص لهؤلاء تنبيها على غيرهم فوجب إلحقاهم بهم لوجود المعنى فيهم (فصل) ومن كان مريضا أو محبوسا أو له عذر جاز أن يستنيب من يرمي عنه. قال الاثرم: قلت لابي عبد الله إذا رمى عنه الجمار يشهد هو ذاك أم يكون في رحله؟ قال يعجبني أن يشهد ذاك ان قدر حين يرمى عنه. قلت فان ضعف عن ذلك يكون في رحله ويبعث من يرمي عنه؟ قال: نعم قال القاضي: المستحب أن يضع الحصى في يد النائب ليكون له عمل في الرمي. وأن أغمي على المستنيب لم تنقطع النيابة وللنائب الرمي عنه كما لو استنابه في الحج ثم أغمي عليه وبما ذكرنا في هذه المسألة قال الشافعي ونحوه قال مالك إلا أنه يتحرى المريض حين رميهم فيكبر سبع تكبيرات (فصل) ومن ترك الرمي من غير عذر فعليه دم. قال أحمد: أعجب إلي إذا ترك رمي الايام كلها كان عليه دم وفي ترك جمرة واحدة دم أيضا نص عليه أحمد وبه قال عطاء والشافعي وأصحاب الرأي. وحكي عن مالك انه عليه في جمرة وفي الجمرات كلها بدنة. وقال الحسن: من نسي جمرة واحدة يتصدق على مسكين ولنا قول ابن عباس: من ترك شيئا من مناسكه فعليه دم. ولانه ترك من مناسكه مالا يفسد الحج بتركه فكان الواجب عليه شاة كالمبيت. وان ترك أقل من جمرة فالظاهر عن أحمد أنه لا شئ في حصاة ولا حصاتين، وعنه انه يجب الرمي بسبع فان ترك شيئا من ذلك تصدق بشئ أي شئ كان. وعنه ان في حصاة دما وهو مذهب مالك والليث لان ابن عباس رضي الله عنهما قال: من ترك

[ 482 ]

شيئا من مناسكه فعليه دم، وعنه في الثلاثة دم وهو مذهب الشافعي وفيما دون ذلك في كل حصاة مد وعنه درهم وعنه نصف درهم. وقال أبو حنيفة: إن ترك جمرة العقبة والجمار كلها فعليه دم وان ترك أقل من ذلك فعيه في كل حصاة نصف صاع إلى أن يبلغ دما وقد ذكرنا ذلك (فصل) ويستحب أن لا يدع الصلاة مع الامام في مسجد منى لان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلون بمنى، قال ابن مسعود رضي الله عنه: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ومع أبي بكر ركعتين ومع عمر وعثمان ركعتين صدرا من أمارته، فان كان الاما غير مرضي صلى المرء برفقته في رحله (مسألة) ويخطب الامام في اليوم الثاني من أيام التشريق خطبة يعلمهم فيها حكم التعجيل والتأخير وتوديعهم، وبهذا قال الشافعي وابن المنذر وقال أبو حنيفة لا يستحب قياسا على اليومين الآخرين ولنا ماروي عن رجلين من بني بكر قالا: رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بين أواسط أيام التشريق ونحن عند راحلته، رواه أبو داود. ولان بالناس حاجة إلى أن يعلمهم كيف يتعجلون وكيف يودعون بخلاف اليوم الاول والثالث

[ 483 ]

(مسألة) فمن أحب أن يتعجل في يومين خرج قبل غروب الشمس وهو بمنى لزمه المبيت والرمي من الغد) أجمع أهل العلم على أن من اراد الخروج من منى شاخصا عن الحرم غير مقيم بمكة ان له أن ينفر بعد الزوال في اليوم الثاني من أيام التشريق فان أحب الاقامة بمكة فقال أحمد: لا يعجبني لمن نفر النفر الاول أن يقيم بمكة. وقال مالك: يقول في أهل مكة من كان له عذر فله أن يتعجل في يومين فان أراد التخفيف عن نفسه من أمر الحج فلا. واحتج من ذهب إلى هذا بقول عمر رضي الله عنه: من شاء من الناس كلهم أن ينفر في النفر الاول إلا آل خزيمة فلا ينفروا إلا في النفر الآخر. جعل أحمد وإسحاق معنى قول عمر: إلا آل خزيمة. أي انهم أهل الحرم. والمذهب جواز النفر في النفر الاول لكل أحد وهو قول عامة العلماء لقول الله تعالى (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا اثم عليه) قال عطاء هي للناس عامة، وروى أبو داود وابن ماجة عن يحيى بن يعمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " أيام منى ثلاثة فمن تعجل فلا اثم عليه ومن تأخر فلا اثم عليه " قال ابن عيينة هذا أجود حديث رواه سفيان، وقال وكيع: هذا الحديث أم المناسك وفيه زيادة أنا اختصرته، ولانه دفع من مكان فاستوى فيه أهل مكة وغيرهم كالدفع من عرفة ومزدلفة، وكلام أحمد في هذا أراد به الاستحباب موافقة لقول عمر، فمن أحب التعجيل في النفر الاول خرج قبل غروب الشمس فان غربت قبل خروجه من منى لم ينفر سواء كان ارتحل أو لم يرتحل، هذا قول ابن عمر وجابر وعطاء وطاوس ومجاهد ومالك والثوري والشافعي واسحاق وابن المنذر، وقال أبو حنيفة: له أن ينفر ما لم يطلع فجر اليوم الثالث لانه لم يدخل وقت رمي اليوم الآخر فجاز له النفر كما قبل الغروب ولنا قوله سبحانه (فمن تعجل في يومين فلا اثم عليه) واليوم اسم للنهار فمن أدركه الليل فما تعجل في يومين، قال ابن المنذر: ثبت عن عمر رضي الله عنه انه قال: من أدركه المساء في اليوم الثاني فليقم إلى الغد حتى ينفر مع الناس. وما قاسوا عليه لا يشبه ما نحن فيه فانه تعجل في يومين

[ 484 ]

(فصل) قال بعض أصحابنا يستحب لمن ينفر أن يأتي المحصب وهو الابطح وحده ما بين الجبلين إلى المقبرة فيصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم يهجع يسيرا ثم يدخل مكة، وكان ابن عمر يرى التحصيب سنة، قال ابن المنذر كان ابن عمر يصلي بالمحصب الظهر والعصر والمغرب والعشاء وكان كثير الاتباع لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان طاوس يحصب في شعب الجور، وكان ابن عباس وعائشة لا يريان ذلك سنة، قال ابن عباس رضي الله عنهما التحصيب ليس بشئ انما هو منزل نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن عائشة رضي الله عنها ان نزول الابطح ليس بسنة انما نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكون أسمح لخروجه إذا خرج، متفق عليهما، ومن استحب ذلك فلاتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم فانه كان ينزله، قال نافع كان ابن عمر يصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويهجع هجعة ويذكر ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم متفق عليه، وقال ابن عمر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان ينزلون الابطح قال الترمذي هذا حديث حسن غريب، ولا خلاف انه لا يجب ولا شئ على تاركه (فصل) ويستحب لمن حج ان يدخل البيت وقد ذكرناه ولا يدخله بنعليه ولا خفيه ولا إلى الحجر لانه من البيت ولا يدخل الكعبة بسلاح قال أحمد وثياب الكعبة إذا نزعت يتصدق بها وقال إذا أراد ان يستشفى بشئ من طيب الكعبة فيأت بطيب من عنده فليزقه على البيت بحيث يأخذه ولا يأخذ من طيب البيت شيئا ولا يخرج من تراب الحرم ولا يدخل فيه من الحل كذلك قال ابن عمر وابن عباس ولا يخرج من حجارة مكة إلى الحل والخروج أشد الا أن ماء زمزم أخرجه كعب (فصل) قال أحمد رضى الله عنه كيف لنا بالجوار بمكة قال النبي صلى الله عليه وسلم " والله انك لاحب البقاع إلى الله ولولا اني أخرجت منك ما خرجت " وانما كره عمر الجوار بمكة لمن هاجر منها، وجابر ابن عبد الله جاور بمكة وجميع أهل البلاد ومن كان من أهل اليمن ليس بمنزلة من يخرج ويهاجر أي لا بأس به وابن عمر كان يقيم بمكة قال والمقام بالمدينة أحب الي من المقام بمكة لمن قوي عليه لانها مهاجر المسلمين وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " لا يصبر أحد على لاوائها وشدتها الا كنت شفيعا له يوم القيامة "

[ 485 ]

(مسألة) فإذا أتى مكة لم يخرج حتى يودع البيت بالطواف إذا فرغ من جميع أموره) وجملة ذلك أن من أتى مكة فلا يخلو أما أن يريد الاقامة بها أو الخروج منها فان أقام بها فلا وداع عليه لان الوداع من المفارق وسواء نوى الاقامة قبل النفر أو بعده وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ان نوى الاقامة بعد أن حل له النفر لم يسقط عنه الطواف ولنا أنه غير مفارق فلا يلزمه وداع كمن نواها قبل حل النفر وانما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت " وهذا ليس بنافر فاما الخارج من مكة فليس له الخروج حتى يودع البيت بطواف سبع وهو واجب يجب بتركه دم وبه قال الحسن والحكم وحماد والثوري واسحاق وأبو ثور. وقال الشافعي في قول لا يجب بتركه شئ لانه يسقط عن الحائض فلم يكن واجبا كطواف القدوم ولنا ما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت الا أنه خفف عن المرأة الحائض. متفق عليه. ولمسلم قال كان الناس ينصرفون كل وجه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت " وسقوطه عن المعذور لا يوجب سقوطه عن غيره كالصلاة تسقط عن الحائض، وتجب على غيرها بل تخصيص الحائض باسقاطه عنها

[ 486 ]

دليل على وجوبه على غيرها إذ لو كان ساقطا عن الكل لم يكن لتخصيصها بذلك. معنى إذا ثبت وجوبه فانه ليس بركن بغير خلاف ويسمى طواف الوداع لانه لتوديع البيت وطواف الصدر لانه عند صدور الناس من مكة ووقته بعد فراغ الحاج من جميع ما أمره ليكون آخر عهده بالبيت كما جرت العادة في توديع المسافر أهله وأخوانه ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم " ليكون آخر عهده بالبيت " ولانه خارج من الحرم فلزمه التوديع كالبعيد (مسألة) فان ودع ثم أشتغل في تجارة أو أقام أعاد الوداع لان طواف الوداع إنما يكون عند خروجه ليكون آخر عهده بالبيت. فان اشتغل بعده بتجارة أو إقامة فعليه إعادته هذا قول عطاء ومالك والثوري والشافعي وأبي ثور، وقال أصحاب الرأي إذا طاف للوداع أو طاف تطوعا بعد ماحل له النفر أجزأه عن طواف الوداع. وإن أقام شهرا لانه طاف بعد

[ 487 ]

ماحل له النفر فلم تلزمه إعادته كما لو نفر عقيبه ولنا قوله عليه السلام " لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت " ولانه إذا قام بعده خرج عن أن يكون وداعا في العادة فلم يجزه كما لو طافه قبل حل النفر. فاما إن قضى حاجة في طريقه أو اشترى زادا أو شيئا لنفسه في طريقه لم يعده لان ذلك ليس باقامة تخرج طوافه عن أن يكون آخر عهده بالبيت. وبهذا قال مالك والشافعي ولا نعلم فيه خلافا (مسألة) (فان أخر طواف الزيارة فطافه عند الخروج أجزأه عن طواف الوداع) هذا ظاهر المذهب لانه أمر أن يكون آخر عهده بالبيت. وقد فعل ولان ما شرع لتحية المسجد اجزأ عنه الواجب من جنسه كتحية المسجد بركعتين تجزئ عنهما المكتوبة، وركعتا الطواف والاحرام يجزئ عنهما المكتوبة، وعنه لا يجزئ عن طواف الوداع لانهما عبادتان واجبتان فلم تجز إحداهما عن الاخرى كالصلاتين الواجبتين فاما إن نوى بطوافه الوداع لم يجزه عن طواف الزيارة لقوله عليه السلام " وإنما لكل امري ما نوى " وحكمه حكم من ترك طواف الزيارة على ما نذكره ان شاء الله تعالى (مسألة) (فان خرج قبل الوداع رجع إليه. فان لم يمكنه فعليه دم الا الحائض والنفساء لا وداع عليهما) من خرج قبل الوداع فعليه الرجوع ان كان قريبا وان أبعد فعليه دم هذا قول عطاء والثوري والشافعي، وأسحاق وأبي ثور. والقريب من كان من مكة دون مسافة القصر. والبعيد مسافة القصر فما زاد. نص عليه أحمد، وهو قول الشافعي، وكان عطاء يرى الطائف قريبا: وقال الثوري حد ذلك الحرم. فمن كان فيه فهو قريب. ومن خرج منه فهو بعيد

[ 488 ]

ولنا أن من دون مسافة القصر في حكم الحاضر في أنه لا يفطر ولا يقصر ولذلك عددناه من حاضري المسجد الحرام ومن لم يمكنه الرجوع لعذر فهو كالبعيد ولو لم يرجع القريب الذي يمكنه الرجوع لم يكن عليه أكثر من دم ولا فرق بين تركه عمدا أو خطأ لعذر أو غيره لانه من واجبات الحج فاستوى عمده وخطأه والمعذور وغيره كسائر واجباته. فان رجع البعيد فطاف للوداع. فقال القاضي لا يسقط عنه الدم لانه قد استقر عليه ببلوغه مسافة القصر فلم يسقط برجوعه كمن تجاوز الميقات غير محرم فأحرم دونه ثم رجع إليه. وان رجع القريب فطاف فلا دم عليه سواء كان ممن له عذر يسقط عنه الرجوع أولا لان الدم لم يستقر عليه لكونه في حكم الحائض ويحتمل سقوط الدم عن البعيد برجوعه لانه واجب أتى به فلم يجب عليه بدله كالقريب (فصل) وإذا رجع البعيد فينبغي أن لا يجوز له تجاوز الميقات ان كان تجاوزه الا محرما لانه ليس من أهل الاعذار فليزمه طواف لاحرامه بالعمرة، والسعي، وطواف الوداع وفي سقوط الدم عنه الخلاف المذكور وان كان من دون الميقات أحرم من موضعه. فاما ان رجع القريب فظاهر قول من ذكرنا قوله أنه لا يلزمه احرام لانه رجع لاتمام نسك مأمور به فأشبه من رجع لطواف الزيارة فاما ان ودع وخرج ثم دخل مكة لحاجة فقال أحمد أحب الي أن لا يدخل الا محرما وأحب الي إذا خرج أن يودع البيت بالطواف، وهذا لانه لم يدخل لاتمام النسك، انما دخل لحاجة غير متكررة أشبه من يدخلها للاقامة بها

[ 489 ]

(فصل) والحائض والنفساء لا وداع عليهما ولا فدية كذلك هذا قول عامة أهل العلم. وقد روي عن عمر وابنه رضي الله عنهما أنهما أمرا الحائض بالمقام لطواف الوداع وكان زيد بن ثابت يقول به ثم رجع عنه. فروى مسلم أن زيد بن ثابت خالف ابن عباس في هذا. قال طاوس كنت مع ابن عباس إذ قال زيد بن ثابت يفتي: أن لاتصدر الحائض حتى يكون آخر عهدها بالبيت، فقال له ابن عباس: اما لا تسأل فلانة الانصارية هل أمرها بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فرجع زيد بن ثابت إلى ابن عباس يضحك وهو يقول. ما أراك الا قد صدقت، وروي عن ابن عمر أنه رجع إلى قول الجماعة أيضا، وقد ثبت التخفيف عن الحائض بحديث صفية حين قالوا: يارسول الله انها حائض فقال " أحابستنا هي؟ " قالوا يا رسول الله انها قد أفاضت يوم النحر. قال " فلتنفر إذا " ولم يأمرها بفدية ولا غيرها. وفي حديث ابن عباس الا أنه خفف عن المرأة الحائض، وحكم النفساء حكم الحائض لان أحكام النفاس أحكام الحيض فيما يجب ويسقط (فصل) إذا نفرت الحائض بغير وداع فطهرت قبل مفارقة البنيان وجعت فاغتسلت وودعت لانها في حكم الاقامة لانها لا تستبيح الرخص. فان لم تمكنها الاقامة فمضت أو مضت لغير عذر فعليها دم فأما ان فارقت البنيان لم يجب عليها الرجوع لخروجها عن حكم الحاضر فان قيل فلم لا يجب الرجوع ما دامت قريبة كالخارج لغير عذر؟ قلنا هناك ترك واجبا فلم يسقط بخروجه حتى يصير إلى مسافة

[ 490 ]

القصر لانه يكون انشاء سفر طويل غير الاول وههنا لم يكن واجبا ولا يثبت وجوبه ابتداء الا في حق من كان مقيما (مسألة) (فإذا فرغ من الوداع وقف في الملتزم بين الركن والباب) يستحب أن يقف المودع في الملتزم وهو ما بين الحجر الاسود وباب الكعبة فيلتزمه ويلصق به صدره ووجهه ويدعو الله عزوجل. لما روى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه قال: طفت مع عبد الله. فما جاء دبر الكعبة قلت ألا تتعوذ. قال نعوذ بالله من النار ثم مضى حتى استلم الحجر فقام بين الركن والباب فوضع صدره ووجهه وذراعيه وكفيه هكذا وبسطها بسطا وقال. هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله. وعن عبد الرحمن بن صفوان قال: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة انطلقت فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خرج من الكعبة هو وأصحابه، وقد استلموا الركن من الباب إلى الحطيم ووضعوا خدودهم على البيت ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطهم. رواه أبو داود. وقال منصور سألت مجاهدا إذا أردت الوداع كيف أصنع؟ قال: تطوف سبعا وتصلي ركعتين خلف المقام، ثم تأتي زمزم فتشرب منها ثم تأتي الملتزم ما بين الباب والحجر فتستلمه ثم تدعو ثم تسأل حاجتك ثم تستلم الحجر وتنصرف. وقال بعض أصحابنا يقول في دعائه: اللهم هذا بيتك وأنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك حملتني على ما سخرت لي من خلقك، وسيرتني في بلادك، حتى بلغتني بنعمتك إلى بيتك، وأعنتني على

[ 491 ]

آداء نسكي، فان كنت رضيت عني فازدد عني رضى، وإلا فمن الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري فهذا أوان انصرافي ان أذنت لي غير مستبدل بك ولا ببيتك، ولا راغب عنك ولا عن بيتك. اللهم فأصحبني العافية في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك أبدا ما أبقيتني، واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة إنك على كل شئ قدير. وعن طاوس قال: رأيت أعرابيا أتى المتلزم فتعلق باستار الكعبة فقال: بك اعوذ وبك ألوذ، اللهم فاجعل لي في اللهف إلى جودك، والرضى بضمانك، مندوحا عن منع الباخلين، وغنى عما في أيدي المستأثرين. اللهم فرجك القريب ومعروفك التام وعادتك الحسنة. ثم أضلني في الناس فألفيته بعرفات قائما وهو يقول: اللهم ان كنت لم تقبل حجتي وتعبي ونصبي فلا تحرمني أجر المصاب على مصيبته فلا أعلم أعظم مصيبة ممن ورد حوضك وانصرف محروما من وجه رغبتك. وقال آخر: ياخير موفود إليه، قد ضعفت قوتي، وذهبت منتي، وأتيت اليك بذنوبي لا تسعها البحار أستجير برضاك من سخطك، وبعفوك عن عقوبتك، رب ارحم من شملته الخطايا، وغمرته الذنوب، وظهرت منه العيوب، أرحم أسير ضر، وطريد فقر، اسألك أن تهب لي عظيم جرمي، يا مستزادا من نعمه، ومستعاذا من نقمه، ارحم صوت حزين دعاك بزفير وشهيق. اللهم ان كنت بسطت اليك يدي داعيا، فطالما كفيتني ساهيا، فنعمتك التي تظاهرت علي عند الغفلة، لا أيأس منها عند التوبة، فلا تقطع رجائي منك لما قدمت من اقتراف، وهب لي الاصلاح في الولد،

[ 492 ]

والامن في البلد. والعافية في الجسد، انك سميع مجيب، اللهم ان لك علي حقوقا فتصدق بها علي، وللناس قبلي تبعات فتحملها عني: وقد أوجبت لكل ضيف قرى وأنا ضيفك الليلة فاجعل قراي الجنة. اللهم ان سائلك عند بابك من ذهبت أيامه، وبقيت آثامه، وانقطعت شهوته، وبقيت تبعته، فارض عنه وان لم ترض عنه فاعف عنه، فقد يعفو السيد عن عبده وهو غير راض عنه، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم الا أن المرأة إذا كانت حائضا أو نفساء لم تدخل المسجد ووقفت على بابه فدعت بذلك (فصل) قال أحمد: إذا ودع البيت يقوم عند الباب إذا خرج ويدعو فإذا تلا لا يقف ولا يلتفت فان التفت رجع وودع، وروى حنبل في المناسك عن المهاجر قال قلت لجابر بن عبد الله: الرجل يطوف بالبيت ويصلي فإذا انصرف خرج ثم أستقبل القبلة فقام فقال: ما كنت أحسب يصنع هذا الا اليهود والنصارى قال أبو عبد الله أكره ذلك، وقول أبي عبد الله إن التفت رجع فودع على سبيل الاستحسان إذ لا نعلم لا بجاب ذلك عليه دليلا. وقد قال مجاهد هذا إذا كدت تخرج من باب المسجد فالتفت ثم انظر إلى الكعبة ثم قل: اللهم لا تجعله آخر العهد (فصل) فان خرج قبل طواف الزيارة رجع حراما حتى يطوف بالبيت لانه ركن لايتم الحج الا به ولا يحل من احرامه حتى يفعله، فمتى لم يفعله لم ينفك احرامه ورجع متى أمكنه محرما لا يجزئه غير

[ 493 ]

ذلك، وبذلك قال عطاء والثوري ومالك والشافعي واسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وابن المنذر وقال الحسن يحج من العام المقبل، وحكي نحو ذلك عن عطاء أيضا ولنا قول البني صلى الله عليه وسلم حين ذكر له أن صفية حاضت قال " أحابستنا هي؟ " قيل انها قد أفاضت يوم النحر قال " فلتنفر أذا " يدل على أن هذا الطواف لابد منه وأنه حابس لمن لم يأت به، فان نوى التحلل ورفض احرامه لم يحل بذلك لان الاحرام لا يخرج منه بنية الخروج، ومتى رجع إلى مكة فطاف بالبيت حل بطوافه لان الطواف لا يفوت وقته على ما قدمناه (فصل) وترك بعض الطواف كترك الجميع فيما ذكرنا وسواء ترك شوطا أو أقل أو أكثر وهذا قول عطاء ومالك والشافعي واسحاق وأبي ثور، وقال أصحاب الرأي من طاف أربعة أشواط من طواف الزيارة وطواف العمرة وسعى بين الصفا والمروة ثم رجع إلى الكوفة ان سعيه يجزئه وعليه دم لما ترك من الطواف بالبيت ولنا أن ما أتى به لا يجزئه إذا كان بمكة فلم يجزئه إذا خرج منها كما لو طاف دون أربعة أشواط (فصل) فان ترك طواف الزيارة بعد رمي جمرة العقبة لم يبق محرما إلا عن النساء خاصة لانه قد حصل له التحلل الاول برمي الجمرة فحل له كل شئ إلا النساء فان وطئ لم يفسد حجه ولم تجب عليه بدنة لكن على دم ويجدد احرامه ليطوف في احرام صحيح وفي ذلك اختلاف ذكرناه فيما مضى

[ 494 ]

(مسألة) (فإذا فرغ من الحج استحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه رضي الله عنهما) تستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم لما روى الدارقطني باسناده عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي " وفي رواية " من زار قبري وجبت له شفاعتي " رواه باللفظ الاول سعيد، وقال أحمد في رواية عبد الله عن يزيد بن قسيط عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " مامن أحد يسلم علي عند قبري إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام " قال وإذا حج الذي لم يحج قط يعني من غير طريق الشام لا يأخذ على طريق المدينة لاني أخاف أن يحدث به حدث فينبغي أن يقصد مكة من أقصد الطرق، ولا يتشاغل بغيره، ويروى عن العتبي قال. كنت جالسا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فجاء اعرابي فقال: السلام عليك يارسول الله سمعت الله يقول (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما) وقد جئتك متسغفرا من ذنبي، مستشفعا بك إلى ربي ثم أنشأ يقول: يا خير من دفنت بالقاع أعظمه * فطاب من طيبهن البان والاكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه * فيه العفاف وفيه الجود والكرم ثم انصرف الاعرابي فحملتني عيني فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا عتبى " الحق الاعرابي فبشره أن الله قد غفر له "

[ 495 ]

ويستحب لمن دخل المسجد أن يقدم رجله اليمنى ثم يقول: بسم الله والصلاة على رسول الله، اللهم اغفر لي وافتح لي أبواب رحمتك، فإذا خرج قدم رجله اليسرى وقال مثل ذلك إلا أنه يقول وافتح لي أبواب فضلك لما روي عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمها أن تقول ذلك إذا دخلت المسجد، ثم تأتي القبر فتولي ظهرك القبلة وتستقبل وسطه وتقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، والسلام عليك يا نبي الله وخيرته من خلقه وعباده، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أشهد أنك قد بلغت رسالات ربك، ونصحت لامتك، ودعوت إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وعبدت الله حتى أتاك اليقين، فصلى الله عليك كثيرا كما يحب ربنا ويرضى، اللهم اجز عنا نبينا أفضل ما جزيت أحدا من النبيين والمرسلين وابعثه المقام المحمود الذي وعدته يغبطه الاولون والآخرون اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على أبراهيم وآل ابراهيم انك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على ابراهيم وال ابراهيم انك حميد مجيد، اللهم انك قلت وقولك الحق (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما) وقد أتيتك مستغفرا من ذنوبي مستشفعا بك إلى ربي فأسألك يا رب أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حياته، اللهم أجعله

[ 496 ]

أو الشافعين وأنجح السائلين وأكرم الاولين والآخرين برحمتك يا أرحم الراحيمين. ثم يدعو لوالديه ولا خوانه وللمسلمين أجمعين ثم يتقدم قليلا ويقول: السلام عليك يا ابا بكر الصدق، السلام عليك يا عمر الفاروق، السلام عليكما يا صاحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم وضجيعيه ووزيريه ورحمة الله وبركاته، اللهم اجزهما عن نبيهما وعن الاسلام خيرا (سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار) اللهم لا تجعله آخر العهد من قبر نبيك صلى الله عليه وسلم ومن حرم مسجدك يا أرحم الراحمين (فصل) ولا يستحب التمسح بحائط قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا تقبيله، قال أحمد رحمه الله ما أعرف هذا، قال الاثرم رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسون قبر النبي صلى الله عليه وسلم يقومون من ناحية فيسلمون، قال أبو عبد الله وهكذا كان ابن عمر رضي الله عنهما يفعل. قال أما المنبر فقد جاء فيه ما رواه ابراهيم بن عبد الله بن عبد القارئ أنه نظر إلى ابن عمر وهو يضع يده على مقعد النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر ثم يضعها على وجه (فصل) ويستحب لمن رجع من الحج أن يقول ماروى البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الارض ثم يقول " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، آيبون تائبون ما بدون لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الاحزاب وحده، وصلى الله على محمد

[ 497 ]

وسلم، روى سعيد ثنا هشيم أنا ليث عن ثكير بن جعفر عن ابن عمر أنه قال: يقال إذا قدم الحاج تقبل الله نسكك، وأعظم أجرك، وأخلف نفقتك (فصل) في صفة العمرة قال الشيخ رحمه الله (من كان في الحرم خرج إلى الحل فأحرم منه) من أراد العمرة من أهل الحرم فخرج إلى الحل فأحرم منه وكان ميقاتا له، لا نعلم فيه خلافا والافضل أن يحرم من التنعيم لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم وقال ابن سيرين بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لاهل مكة التنعيم، وانما لزم الاحرام من الحل ليجمع في النسك بين الحل والحرم، ومن أي الحل أحرم جاز، وانما أعمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة من التنعيم لانه أقرب الحل إلى مكة، وقد روي عن أحمد في المكي كلما تباعد في العمرة فهو أعظم للاجر هي على قدر تعبها (مسألة) (فان أحرم من الحرم لم يجز وينعقد وعليه دم) وذلك لتركه الاحرام من الميقات، فان خرج قبل الطواف ثم عاد اجزأه لانه قد جمع بين الحل والحرم، وإن لم يخرج حتى قضى عمرته صح أيضا لانه قد أتى باركانها، وانما أخل بالاحرام من ميقاتها وقد جبره فأشبه من أحرم دون الميقات بالحج وهذا قول أبي ثور وأصحاب الرأي وأحد قولي الشافعي (والقول الثاني) لا تصح عمرته

[ 498 ]

لانه نسك فكان من شرطه الجمع بين الحل والحرم كالحج فعلى هذا وجود هذا الطواف كعدمه وهو باق على احرامه حتى يخرج إلى الحل ثم يطوف بعد ذلك ويسعى، وان حلق قبل ذلك فعليه دم، وكذلك كل ما فعله من محظورات احرامه عليه فدية، وإن وطئ أفسد عمرته ويمضي في فاسده وعليه دم لا فسادها ويقضيها بعمرة من الحل، فان كانت العمرة التي أفسدها عمرة الاسلام اجزأه قضاؤها عن عمرة الاسلام وإلا فلا (مسألة) (ثم يطوف ويسعى ثم يحلق أو يقصر، ثم قد حل) لان هذا أفعال العمرة فحل بفعلها كحله من الحج بأفعاله وهل يحل قبل الحلق والتقصير؟ على روايتين أصلهما هل الحلق والتقصير نسك أو ليس بنسك؟ فان قلنا انه نسك لم يحل قبله كالرمي، وإن قلنا ليس بنسك، بل اطلاق من محظور حل قبله كاللبس والطيب وقد ذكرنا الخلاف في ذلك في الحج وهذا مقاس عليه (مسألة) (وتجزئ عمرة القارن والعمرة من التنعيم عن عمرة الاسلام في أصح الروايتين) لا نعلم في اجزاء عمرة المتمتع خلافا كذلك قال ابن عمر وعطاء وطاوس ومجاهد ولا نعلم عن غيرهم خلافهم، وروي عن أحمد أن عمرة القارن لاتجزئ اختاره أبو بكر لان النبي صلى الله عليه وسلم أعمر عائشة رضي الله عنها حين حاضت من التنعيم، ولو كانت عمرتها في قرانها اجزأتها " أعمرها بعدها، ولانها ليست عمرة تامة لانه لا طواف لها؟ وعنه أن العمرة من أدنى الحل لا تجزئ عن العمرة الواجبة قال انما هي من أربعة أميال وثوابها على قدر تعبها، وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: والله

[ 499 ]

ما كانت عمرة انما كانت زيارة، وإذا لم تكن تامة لم تجزئ لقوله تعالى (وأتموا الحج والعمرة لله) قال علي رضي الله عنه: اتمامهما أن تأتي بهما من دويرة أهلك ووجه الاولى قول الضبي بن معبد اني وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي فأهللت بهما، فقال عمر رضي الله عنه هديت لسنة نبيك، وحديث عائشة حين قرنت الحج والعمرة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم حين حلت منهما " قد حللت من حجك وعمرتك " وانما أعمرها من التنعيم قصدا لتطييب قلبها واحابة مسألتها لا لانها كانت واجبة عليها، ثم إن لم تكن اجزأتها عمرة القران فقد اجزأتها العمرة من أدنى الحل وهي أحد ما قصدنا الدلالة عليه، ولان الواجب عمرة واحدة وقد أتى بها صحيحة فاجزأته كعمرة المتمتع، ولان عمرة القارن أحد النسكين للقارن فاجزأت كالحج، ولان الحج من مكة يجزئ في حق المتمتع فالعمرة من أدنى الحل في حق المفرد أولى، وإذا كان الطوا ف المجرد يجزئ عن العمرة في حق المكي فلان تجزئ العمرة المشتملة على الطوا ف وغيره أولى (مسألة) (ولا بأس أن يعتمر في السنة مرارا) روي ذلك عن علي وابن عمر وابن عباس وأنس وعائشة وعطاء وطاوس وعكرمة والشافعي، وكره العمرة في السنة مرتين الحسن وابن سيرين ومالك، قال النخعي ما كانوا يعتمرون في السنة إلا مرة ولان النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله

[ 500 ]

ولنا أن عائشة اعتمرت في شهر مرتين بأمر النبي صلى الله عليه وسلم عمرة مع قرانها وعمرة بعد حجها، ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال " العرمة إلى العمرة كفارة لما بينهما " متفق عيه، وقال علي رضي الله عنه في كل شهر مرة، وكان أنس إذا حمم رأسه خرج فاعتمر رواهما الشافعي في مسنده، وقال عكرمة يعتمر إذا مكن الموسى من شعره، وقال عطاء إن شاء اعتمر في كل شهر مرتين، فأما الاكثار من الاعتمار والموالاة بينهما فلا يستحب في ظاهر قول السلف الذي حكيناه، وكذلك قال أحمد إذا اعتمر فلا بد أن يحلق أو يقصر، وفي عشرة أيام يمكن حلق الرأس، فظاهر هذا أنه لا يستحب أن يعتمر في أقل من عشرة أيام، وقال في رواية الاثرم إن شاء اعتمر في كل سنة، وقال بعض أصحابنا يستحب الاكثار من الاعتمار كالطواف. قال شيخنا رحمه الله وأحوال السلف وأقوالهم على ما قلناه، ولان النبي صلى الله عليه وسلم لم تنقل عنه الموالاة بينهما، وانما نقل عن السلف انكار ذلك والحق في اتباعهم، قال طاوس الذين يعتمرون من التنعيم ما أدري يؤجرون عليها أم يعذبون، قيل له فلم يعذبون؟ قال لانه يدع الطواف بالبيت ويخرج إلى أربعة اميال ويجئ، وإلى أن يجئ من أربعة أميال قد طاف مائة طواف وكلما طاف بالبيت كان أفضل من أن يمشي في غير شئ (فصل) روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " عمرة في رمضان تعدل حجة " متفق عليه، قال أحمد من أدرك يوما من رمضان فقد أدرك عمرة رمضان وقال اسحاق معنى

[ 501 ]

هذا الحديث مثل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من قرأ قل هو الله أحد فقد قرأ ثلث القرآن " وقال أنس رضي الله عنه حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة وحدة واعتمر أربع عمر: واحدة في ذي القعدة وعمرة الحديبية، وعمرة مع حجته، وعمرة الجعرانه إذا قسم غنائم حنين. متفق عليه، وقال أحمد حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، قال وروي عن مجاهد أنه قال حج قبل ذلك حجة أخرى وما هو يثبت عندي وروي عن جابر رضي الله عنه قال: حج النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث حجج حجتين قبل أن يهاجر، وحجة بعد ما هاجر وهذا حديث غريب (فصل) وروي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " تابعوا بين الحج والعمرة فانها ينفيان العقر والذنوب كما ينفي الكبر خبث الحديث والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة

[ 502 ]

ثواب إلا الجنة " قال الترمذي حسن صحيح، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أتي هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه ولدته أمه " متفق عليه (فصل) قال رضي الله عنه (أركان الحج الوقوف بعرفة وطواف الزيارة، وعنه أنها أربعة الوقوف والطواف والاحرام والسعي، وعنه أنها ثلاثة وأن السعي سنة، واختار القاضي أنه واجب وليس بركن) الوقوف بعرفة ركن لا يتم الحج إلا به اجماعا، وقد روى الثوري عن بكير بن عطاء الليثي عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة فجاءه نفر من أهل نجد فقالوا يارسول

[ 503 ]

الله: كيف الحج؟ قال " الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه " رواه أبو داود، قال محمد بن يحيي ما أري للثوي حديثا أشرف منه. وطواف الزيارة أيضا ركن للحج لا يتم إلا به، قال ابن عبد البر هو من فرائض الحج لا خلاف في ذلك بين العلماء لقول الله تعالى (وليطوفوا بالبيت العتيق) (فصل) واختلفت الرواية في الاحرام والسعي، فروي عنه أن الاحرام ركن لانه عبارة عن نية الدخول في الحج فلم يتم بدونها لقوله عليه السلام " انما الاعمال بالنيات " وكسائر العبادات،

[ 504 ]

وعنه أنه ليس بركن لحديث الثوري الذي ذكرناه، وأما السعي فروي عنه أنه ركن لايتم الحج إلا به وهو قول عائشة وعروة ومالك والشافعي لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وطاف المسلمون يعني بين الصفا والمروة فكانت سنة فلعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمرة. رواه مسلم، وعن حبيبة بنت أبي تجراة احدى نساء بني عبد الدار قالت: دخلت مع نسوة من قريش دار آل أبي حسين ننظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسعى بين الصفا والمروة وإن مئزره ليدور في وسطه من شدة سعيه حتى إنى أقول اني لارى ركبتيه وسمعته يقول " اسعوا فان الله كتب عليكم السعي " رواه ابن ماجه، ولانه نسك في الحج والعمرة فكان ركنا فيها كالطواف بالبيت وعن أحمد أنه سنة لا دم في تركه، روي ذلك عن ابن عباس وأنس وابن الزبير وابن سيرين لقول الله تعالى (فلا جناح عليه أن يطوف بهما) ونفى الحرج عن فاعله دليل على عدم وجوبه فان هذا رتبة المباح، وانما تثبت سنته بقوله (من شعائر الله) وروي أن في مصحف أبي وابن مسعود (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما) وهذا إن لم يكن قرآنا فلا ينحط عن رتبة الخبر لانهما يرويانه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولانه نسك معدود لا يتعلق بالبيت فلم يكن ركنا كالرمي، واختار القاضي أنه واجب وليس ركن لكن يجب بتركه دم وهو قول الحسن وأبي حنيفة والثوري وهذا أولى لان دليل من أوجبه دل على مطلق الوجوب لاعلى أنه لايتم إلا به، وقول عائشة في ذلك معارض بقول من خالفها من الصحابة، وحديث بنت أبي تجراة يرويه عبد الله

[ 505 ]

ابن المؤمل وقد تكلموا في حديثه ثم هو يدل على أنه مكتوب وهو الواجب، فاما الآية فانما نزلت لما تحرج ناس من السعي في الاسلام لما كانوا يطوفون بينهما في الجاهلية لاجل صنمين كانا على الصفا والمروة كذلك قالت عائشة وهذا أوسط الاقوال وهو اختيار شيخنا (مسألة) (وواجباته سبعة: الاحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى الليل، والمبيت بمزدلفة إلى بعد نصف الليل، والمبيت بمنى، والرمي والحلق أو التقصير، وطواف الوداع) وفي ذلك اختلاف ذكرناه فيما منضى وذكرنا الدليل عليه وما عدا هذا سنن وهو الاغتسال وطواف القدوم، والرمل والاضطباع، واستلام الركنين وتقبيل الحجر والاسرع والمشي في مواضعها

[ 506 ]

والخطب والاذكار والدعاء والصعود على الصفا والمروة، وسائر ما ذكرناه غير الاركان والواجبات وأركان العمرة الطواف قياسا على الحج، وفي الاحرام والسعي روايتان على ما ذكرنا في الحج واجبها الحلق أو التقصير في احدى الروايتين بناء على الحلق في الحج وسنتها الغسل والدعاء والذكر والسنن التي في الطواف، فمن ترك ركنا لم يتم نسكه إلا به، ومن ترك واجبا فعليه دم، وقد ذكرنا ذلك في مواضعه مفصلا، ومن ترك سنة فلا شئ عليه لانها ليست واجبة فلم يجب جبرها كسنن سائر العبادات والله تعالى أعلم

[ 507 ]

(باب الفوات والاحصار) (مسألة) (ومن طلع عليه الفجر يوم النحر ولم يقف بعرفة فقد فاته الحج ويتحلل بطواف وسعي وعنه ينقلب احرامه لعمرة ولا قضاء عليه إلا أن يكون فرضا وعنه عليه القضاء) الكلام في هذه المسألة في ثلاثة أمور (أولها) إن أخر وقت الوقوف آخر ليلة النحر، فمن لم يدرك الوقوف حتى طلع الفجر يومئذ فاته الحج لا نعلم فيه خلافا، قال جابر رضي الله عنه لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع، قال أبو الزبير فقلت له أقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك؟ قال نعم رواه الاثرم؟ وقول النبي صلى الله عليه وسلم " الحج عرفة فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه " يدل على فواته بخروج ليلة جمع (الثاني) أن من فاته الحج يتحلل بطواف وسعي وحلق هذا الصحيح من المذهب، روي ذلك عن عمر بن الخطاب وابنه وزيد بن ثابت وابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهم وهو قول مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، وقال ابن أبي موسى في المسألة روايتان

[ 508 ]

(احداهما) كما ذكرنا (والثانية) يمضي في حج فاسد وهو قول المزني قال يلزمه أفعال الحج لان سقوط ما فات وقته لايمنع وجوب ما لم يفت ولنا قول من سمينا من الصحابة ولم نعرف له مخالفا فكان اجماعا، وروي الشافعي في مسنده أن عمر رضي الله عنه قال لابي أيوب حين فاته الحج اصنع مايصنع المعتمر ثم قد حللت فان أدركت الحج قابلا فحج واهد ما استيسر من الهدي، وروى النجاد باسناده عن عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من فاته الحج فعليه دم وليجعلها عمرة وليحج من قابل " ولانه يجوز فسخ الحج إلى العمرة من غير فوات فمع الفوات أولى إذا ثبت هذا فظاهر كلام الخرقي أنه يجعل احرامه بعمرة وقد نص عليه أحمد واختاره أبو بكر وهو قول ابن عباس وابن الزبير وعطاء وأصحاب الرأي، وعنه لا يصير احرامه بعمرة، بل يتحلل بطواف وسعي وحلق وهو مذهب مالك والشافعي لان احرامه انعقد بأحد النسكين فلم ينقلب إلى

[ 509 ]

الآخر كما لو أحرم بالعمرة، ويحتمل أن من قال يجعل احرامه بعمرة أراد أنه يفعل فعل المعتمر من الطواف والسعي فلا يكون بين القولين خلاف، ويحتمل أنه يصير احرامه بحج احراما بعمرة بحيث تجزئه عن عمرة الاسلام إن لم يكن اعتمر، ولو أدخل الحج عليها لصار قارنا إلا أنه لا يمكنه الحج بذلك الاحرام إلا أنه يصير محرما به في غير أشهره فيكون كمن أحرم بالحج في غير أشهره، ولان قلب الحج إلى العمرة يجوز من غير سبب على ما قررناه في فسخ الحج فمع الحاجة أولى، ويخرج على هذا قلب العمرة إلى الحج فانه لا يجوز، ولان العمرة لا يفوت وقتها ولا حاجة إلى انقلاب احرامها بخلاف الحج (الامر الثالث) في وجوب القضاء وفيه روايتان (احداهما) يجب سواء كان الفائت واجبا أو تطوعا اختاره الخرقي، ويروى ذلك عن عمر وابنه وزيد وابن عباس وابن الزبير ومروان وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي (والثانية) لاقضاء عليه، بل إن كانت فرضا فعلها بالوجوب السابق وتسقط إن كانت نفلا، روي هذا عن عطاء وهو احدى الروايتين عن مالك لان النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الحج أكثر من مرة قال مرة واحدة

[ 510 ]

ولو أوجبنا القضاء كان أكثر من مرة، ولانه معذور في ترك اتمام حجه فلم يلزمه القضاء كالمحصر، ولانها عبادة تطوع فلم يجب قضاؤها إذا فاتت كسائر التطوعات ووجه الاولى ما ذكرناه من الحديث واجماع الصحابة، وروى الدارقطي باسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من فاته عرفات فقد فاته الحج فليتحلل بعمرة وعليه الحج من قابل " ولان الحج يلزمه بالشروع فيه فيصير كالمنذور بخلاف سائر التطوعات، وأما الحديث فانه أراد الواجب بأصل الشرع حجة واحدة وهذه انما تجب بايجابه لها بالشروع فيها فهي كالمنذور، وأما المحصر فانه غير منسوب إليه التفريط بخلاف من فاته الحج على أن في المحصر رواية أنه يجب عليه القضاء فهو كمسئلتنا، وإذا قضى اجزأه القضاء عن الحجة الواجبة لا نعلم فيه خلافا لان الحجة المقضية لو تمت لاجزأت عن الواجبة عليه فكذلك قضاؤها لان القضاء يقوم مقام الاداء (مسألة) (وهل يلزمه هدي؟ على روايتين (احداهما) عليه هدي يذبحه في حجة القضاء إن

[ 511 ]

قلنا عليه قضاء وإلا ذبحه في عامه) يجب الهدي على من فاته الحج في أصح الروايتين وهو قول من سمينا من الصحابة والفقهاء إلا أصحاب الرأي فانهم قالوا لاهدي عليه وهي الرواية الثانية عن أحمد لانه لو كان الفوات سببا لوجوب الهدي لزم المحصر هديان للفوات والاحصار ولنا حديث عطاء واجماع الصحابة ولانه حل من احرامه قبل اتمامه فلزمه هدي كالمحصر والمحصر لم يفت حجه لانه يحل قبل فواته، إذا ثبت هذا فانه يخرج الهدي في سنة القضاء إن قلنا بوجوبه وإلا أخرجه في عامه، وإذا كان معه هدي قد ساقه نحره ولا يجزئه إن قلنا بوجوب القضاء، بل عليه في السنة الثانية هدي أيضا نص عليه أحمد لما روى الاثرم باسناده أن هبار بن الاسود حج من الشام فقدم يوم النحر فقال له عمر ما حبسك؟ قال حسبت أن اليوم يوم عرفة، قال فانطلق إلى البيت فطف به سبعا وإن كان معك هدية فانحرها، ثم إذا كان عام قابل فاحجج فان وجدت سعة فأهد، فان لم تجد فصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعت إن شاء الله. والهدي ما استيسر مثل هدي المتعة لحديث عمر رضي الله عنه، والمتمتع والمفرد والقارن والكي وغيره سواء فيما ذكرنا

[ 512 ]

(فصل) فان اختار من فاته الحج البقاء على احرامه للحج من قابل فله ذلك، روي ذلك عن مالك لان تطاول المدة بين الاحرام وفعل النسك لا تمنع اتمامه كالعمرة والمحرم بالحج في غير أشهره ويحتمل أنه ليس له ذلك وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر، ورواية عن مالك الظاهر الخبر وقول الصحابة، ولكون احرام الحج يصير في غير أشهره فصار كالمحرم بالعبادة قبل وقتها (فصل) فان كان الذي فاته الحج قارنا حل وعليه مثل ما أهل به من قابل نص عليه أحمد وهو قول مالك والشافعي وأبي ثور واسحاق ويحتمل أن يجزئه ما فعله عن عمرة الاسلام ولا يلزمه إلا قضاء الحج لانه لم يفته غيره، وقال الثوري وأصحاب الرأي يطوف ويسعي لعمرته ثم لا يحل حتى يطوف

[ 513 ]

ويسعى لحجه إلا أن سفيان قال ويهريق دما، ووجه الاول أنه يجب القضاء على حسب الاداء في صورته ومعنا فيجب أن يكون ههنا كذلك ويلزمه هديان لقرانه وفواته، وبه قال مالك والشافعي وقيل يلزمه هدي ثالث للقضاء وليس بشئ فان القضاء لا يجب له شئ، وانما الهدي الذي في سنة القضاء للفوات، ولذلك لم يأمره الصحابة بأكثر من هدي واحد والله تعالى أعلم (مسألة) (وإن أخطأ الناس فوقفوا في غير يوم عرفة أجزأهم، وإن أخطأ بعضهم فقد فاته الحج) إذا أخطأ الناس فوقفوا في غير يوم عرفة ظنا منهم أنه يوم عرفة أجزأهم لما روى الدارقطبي باسناده عن عبد العزيز بن عبد الله بن جابر بن أسيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يوم عرفة الذي يعرف الناس فيه " وقد روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " يوم فطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون " رواه الدار قطني وغيره، ولانه لا يؤمن مثل ذلك في القضاء، فان اختلفوا فأصاب بعض وأخطأ بعض لم يجز من أخطأ لانهم غير معذورين في ذلك وقد ذكرنا حديث هبار حين قال لعمر ظننت أن اليوم يوم عرفة فلم يعذر بذلك (فصل) فان كان عبدا لم يلزمه الهدي لانه عاجز عنه بكونه لامال له فهو كالمعسر ويجب عليه الصوم بدل الهدي، فان أذن له سيده في الهدي لم يكن له أن يهدي في ظاهر كلام الخرقي ولا يجزئه إلا الصيام هذا قول الثوري وأصحاب الرأي والشافعي حكاه ابن المنذر عنهم في الصيد وعلى قياس

[ 514 ]

هذا كل دم لزمه في الاحرام لا يجزئه عند إلا الصيام، وقال غير الخرقي من أصحابنا إن ملكه السيد هديا وأذن له في ذبحه خرج على الروايتين في ملك العبد بالتمليك، فان قلنا يملك لزمه الهدي وأجزأ عنه لانه قادر عليه مالك له أشبه الحر وإن قلنا لا يملك لم يجزئه إلا الصيام لانه ليس بمالك ولا سبيل له إلها الملك فهو كالمعسر، وإذا صام فانه يصوم عن كل مد من قيمة الشاة يوما ذكره الخرقي، وينبغي أن يخرج فيه من الخلاف ما ذكرناه في الصيد، فان بقي من قيمتها دون المد صام عنه يوما لان الصوم لا يتبعض فيجب تكملته (قال شيخنا) والاولى أن يكون الواجب من الصوم عشرة أيام كصوم المتعة كما جاء في حديث عمر أنه قال لهبار بن الاسود فان وجدت سعة فاهد، فان لم تجد سعة فصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعت إن شاء الله، وروى الشافعي عن ابن عمر رضي الله عنهما مثل ذلك وأحمد ذهب إلى حديث عمر رضي الله عنه واحتج به، ولانه صوم وجب لحله من احرامه قبل اتمامه فكان عشرة أيام كصوم المحصر والمعسر في الصوم كالعبد، ولذلك قال عمر رضي الله عنه لهبار إن وجدت سعة فاهد، وإن لم تجد فصم. ويعتبر اليسار والاعسار في زمن الوجوب وهو في سنة القضاء إن قلنا بوجوبه، أو في سنة الفوات ان قلنا لا يجب القضاء، وقال الخرقي في العبد ثم يقصر ويحل

[ 515 ]

يريد أن العبد لا يحلق لان الحلق يزيل الشعر الذي يزيد في قيمته وماليته وهو ملك لسيده ولم يتعين ازالته فلم يكن له ذلك كغير حالة الاحرام فان أذن له سيده فيه جاز لان المنع منه لحقه (مسألة) (ومن أحرم فحصره عدو ولم يكن له طريق إلى الحج نحر هديا في موضعه رحل) لا خلاف بين أهل العلم أن المحصر إذا حصره عدو ومنعوه الوصول إلى البيت ولم يجد طريقا آمنا أن له التحلل مشركا كان العدو أو مسلما لقوله تعالى (فان أحصرتم فما استيسر من الهدي) ولان النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه حين حصروا في الحديبية أن ينحروا ويحلقوا ويحلوا، وسواء كان الاحرام بحج أو عمرة أو بهما، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي، وحكي عن مالك أن المعتمر لا يتحلل لانه لا يخاف الفوات ولا يصح ذلك لان الآية انما نزلت في حصر الحديبية، وانما كانوا محرمين بعمرة فحلقوا جميعا. وعلى من تحلل بالاحصار الهدي في قول الاكثرين، وعن مالك ليس عليه هدي لانه

[ 516 ]

تحلل أبيح له من غير تفريط أشبه من أتم حجه. ولنا قوله تعالى (فان أحصرتم فما استيسر من الهدي) قال الشافعي لا خلاف بين أهل التفسير أن هذه الآية نزلت في حصر الحديبية، ولانه أبيح له التحلل قبل اتمام نسكه أشبه من فاته الحج وبهذا فارق من أتم حجه (فصل) ولا فرق بين الحصر العام في حق كل الحاج وبين الخاص في حق شخص واحد مثل أن يجلس بغير حق أو تأخذه اللصوص لعموم النص ووجود المعنى في الكل، فأما من حبس بحق عليه يمكنه الخروج منه فلا يجوز له التحلل في الحبس، فان كان عاجزا عن أدائه فحبس بغير حق فله التحلل كمن ذكرناه، وإن كان عليه دين مؤجل يحل قبل قدوم الحاج فمنعه صاحبه من الحج فله التحلل لانه معذور، ولو أحرم العبد بغير اذن سيده أو المرأة للتطوع بغير اذن زوجها فلهما منعهما وحكمهما حكم المحصر

[ 517 ]

(فصل) فان أمكن المحصر الوصول من طريق أخرى لم يبح له التحلل ولزمه سلوكها بعد أو قرب، خشي الفوات أو لم يخشه، فان كان محرما بعمرة لم تفت، وإن كان بحج ففاته تحلل بعمرة وكذا لو لم يتحلل المحصر حتى زال الحصر لزمه السعي وإن كان بعد فوات الحج ليتحلل بعمرة، ثم هل يلزمه القضاء ان فاته الحج فيه روايتان (احداهما) يلزمه كمن فاته بخطأ الطريق (والثانية) لا يجب لان سبب الفوات الحصر أشبه من لم يجد طريقا أخرى وبهذا فارق المخطئ (فصل) وإذا كان العدو الذين حصروا الحاج مسلمين فأمكنه الانصراف كان أولى من قتالهم لان في قتالهم المخاطرة بالنفس والمال وقتل مسلم فكان تركه أولى ويجوز قتالهم لانهم تعدوا على المسلمين لمنعهم طريقهم فأشبهوا سائر قطاع الطريق، وإن كانوا مشركين لم يجب قتالهم لانه انما يجب بأحد أمرين إذا بدأوا بالقتال أو وقع النفير فاحتيج إلى مدد وليس ههنا واحد منهما، لكن ان غلب على ظن المسلمين الظفر استحب قتالهم لما فيه من الجهاد وحصول النصر واتمام النسك، وإن كان

[ 518 ]

بالعكس فالاولى الانصراف لئلا يغرروا بالمسلمين، ومتى احتاجوا في القتال إلى لبس ما تجب في الفدية فلهم فعله وعليهم الفدية لان لبسهم لاجل أنفسهم فأشبه مالو لبسوا للاستدفاء من برد، فان أذن لهم العدو في العبور فلم يثقوا بهم فلهم الانصراف لانهم خائفون على أنفسهم فكأنهم لم يؤمنوهم وإن وثقوا بأمانهم وكانوا معروفين بالوفاء لزمهم المضي على احرامهم لانه قد زال حصرهم، ان طلب العدو خفارة على تخلية الطريق وكان ممن لا يؤمن بأمانه لم يلزمهم بذله لان الخوف باق مع البذل، وان كان موثوقا بأمانه والخفارة كثيرة لم يجب بذله، بل يكره ان كان العدو كافرا لان فيه صغارا وتقوية للكافر، وان كانت يسيرة فقياس المذهب وجوب بذله كالزيادة في ثمن الماء للوضوء. وقال بعض أصحابنا: لا يجب بذل خفارة بحال وله التحلل كما في ابتداء الحج لا يلزمه إذا لم يجد طريقا امنا من غير خفارة (مسألة) متى قدر المحصر على الهدي فليس له التحلل قبل ذبحه، فان كان معه هدي قد ساقه أجزأه، وان لم يكن معه لزمه شراؤه ان أمكنه ويجزئه أدنى الهدي وهو شاة أو سبع بدنة لقوله تعالى (فما استيسر من الهدي) وله نحره في موضع حصره من حل أو حرم نص عليه أحمد وهو قول مالك

[ 519 ]

والشافعي إلا أن يكون قادرا على أطراف الحرم ففيه وجهان (احدهما) يلزمه نحره فيه لان الحرم كله منحر وقد قدر عليه (والثاني) ينحره في موضعه لان النبي صلى الله عليه وسلم نحر هديه في موضعه، وعن أحمد ليس للمحصر نحر هديه الا في الحرم ويواطئ رجلا على نحره في وقت يتحلل فيه، يروى هذا عن ابن مسعود فيمن لدغ في الطريق، وروي نحو ذلك عن الحسن والشعبي والنخعي وعطاء (قال شيخنا) وهذا والله أعلم فيمن كان حصره خاصا، وأما الحصر العام فلا ينبغي أن يقوله أحد لان ذلك يفضي إلى تعذر الحل لتعذر وصول الهدي إلى محله، ولان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه نحروا هداياهم في الحديبية وهي من الحل، قال البخاري قال مالك وغيره إن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حلقوا وحلوا من كل شئ قبل الطواف وقبل أن يصل الهدي إلى البيت ولم يذكر أن النبي صلى الله عليه أمر أحدا أن يقضي شيئا ولا أن يعودوا له، ويروي أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر هديه عند الشجرة التي كان تحتها بيعة الرضوان وهي من الحل باتفاق أهل السير وقد دل عليه قوله تعالى (والهدي معكوفا أن يبلغ محله) ولانه موضع حله فكان

[ 520 ]

موضع نحره كالحرم، فان قيل فقد قال الله تعالى (ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله) وقال (ثم محلها إلى البيت العتيق) ولانه ذبح يتعلق بالاحرام فلم يجز في غير الحرم كدم الطيب واللبس، قلنا الآية في غير المحصر ولا يصح قياس المحصر عليه لان تحلل المحصر في الحل وتحلل غيره في الحرم فكل واحد منهما ينحر في موضع تحلله، وقد قيل في قوله تعالى (حتى يبلغ الهدي محله) حتى يذبح وذبحه في حق المحصر في موضع حله اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وما قاسوا عليه ممنوع (فصل) وإذا أحصر المعتمر فله التحلل ونحر هديه وقت حصره لان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه زمن الحديبية حلوا ونحروا هداياهم قبل يوم النحر وإن كان مفردا أو قارنا فكذلك في احدى الروايتين لانه أحد النسكين أشبه العمرة، ولان العمرة لا تفوت وجميع الزمان وقت لها، فإذا جاز الحل منها ونحر هديها من غير خشية فواتها فالحج الذي يخشى فواته أولى (والثانية) لا يحل ولا ينحر هديه إلى يوم النحر نص عليه في رواية الاثرم وحنبل لان للهدي محل زمان ومحل مكان، فإذا سقط محل المكان للعجز عنه بقي محل الزمان واجبا لامكانه، وإذا لم يجز له نحر الهدي قبل يوم النحر لم

[ 521 ]

يجز له التحلل لقوله سبحانه (ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله) وإذا قلنا بجواز التحلل قبل يوم النحر فالمستحب له الاقامة على احرامه رجاء زوال الحصر ومتى زال قبل تحلله فعليه المضي لاتمام نسكه بغير خلاف علمناه. قال ابن المنذر قال كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن من يئس أنى يصل إلى البيت فجاز له الحل فلم يحل حتى خلي سبيله أن عليه أن يقضي مناسكه وإن زال الحصر بعد فوات الحج تحلل بعمرة، فان فات الحج قبل زوال الحصر تحلل بهدي، وقد قيل إن عليه ههنا هديين: هدي للفوات وهدي للاحصار، ولم يذكر أحمد رحمه الله في رواية الاثرم هديا ثانيا في حق من لم يتحلل الا يوم النحر (مسألة) (فان لم يجد صام عشرة أيام ثم حل، ولو نوى التحلل قبل ذلك لم يحل) إذا عجز المحصر عن الهدي انتقل إلى صوم عشرة أيام ثم حل، وبه قال الشافعي في أحد قوليه وقال مالك وأبو حنيفة لا يدل له لانه لم يذكر في القرآن

[ 522 ]

ولنا أنه دم واجب للاحرام فكان له بدل كدم التمتع والطيب واللباس وترك النص عليه لا يمنع قياسه على غيره ويتعين الانتقال إلى صيام عشرة أيام كبدل هدي التمتع، وليس له أن يتحلل الابعد الصيام كما لا يتحلل واجد الهدي إلا بنحره وهل يلزمه الحلق أو التقصير مع ذبح الهدي والصيام؟ فيه روايتان (احداهما) لا يلزمه وهو ظاهر كلام الخرقي لان الله تعالى ذكر الهدي وحده ولم يشرط سواه (والثانية) عليه الحلق أو التقصير لان النبي صلى الله عليه وسلم حلق يوم الحديبية وفعل في النسك دال على الوجوب ولعل هذا يبني على الخلاف في الحلق هل هو نسك أو اطلاق من محظور وفيه اختلاف ذكرناه فيما مضى (فصل) ولا يتحلل الا بالنية مع ما ذكرنا فيحصل الحل بشيئين: النحر الصوم مع النية على قولنا إن الحلاق ليس بنسك وان قلنا هو نسك حصل بثلاثة أشياء الحلاق مع ما ذكرنا، فان قيل فلم اعتبرتم النية ههنا ولم تعتبروها في غير المحصر قلنا لان من أتى بأفعال النسك فقد أتى بما عليه فيحل منها باكمالها فلم يحتج إلى نية بخلاف المحصر فانه يريد الخروج من العبادة قبل اكمالها فافتقر إلى قصده ولان الذبح قد يكون لغير الحل فلم يتخصص الا بقصده بخلاف الرمي فانه لا يكون الا للنسك فلم يحتج إلى قصد (فصل) فان نوى التحلل قبل الهدي أو الصيام لم يحل وكان على احرامه حتى ينجر الهدي أو

[ 523 ]

يصوم لانهما أقيما مقام أفعال الحج فلم يحل قبلهما كما لا يتحلل القادر على أفعال الحج قبلها وليس عليه في نية الحل فدية لانها لم تؤثر في العبادة، فان فعل شيئا من محظورات الاحرام قبل ذلك فعليه فديته كما لو فعل القادر ذلك قبل أفعال الحج (مسألة) (وفي وجوب القضاء على المحصور روايتان) (احداهما) لا قضاء عليه الا أن يكون واجبا فيفعله بالوجوب السابق هذا هو الصحيح من المذهب، وبه قال مالك والشافعي (والثانية) عليه القضاء روي ذلك عن مجاهد وعكرمة والشعبي، وبه قال أبو حنيفة لان النبي صلى الله عليه وسلم لما تحلل زمن الحديبية قضى من قابل وسميت عمرة القضية، ولانه حل من احرامه قبل اتمامه فلزمه القضاء كما لو فاته الحج، ووجه الرواية الاولى أنه تطوع جاز التحلل

[ 524 ]

منه مع صلاح الوقت له فلم يجب قضاؤه كما لو دخل في الصوم يعتقد أنه واجب فلم يكن، فأما الخبر فان الذين صدوا كانوا ألفا وأربعمائة، والذين اعتمروا مع النبي صلى الله عليه وسلم كانوا نفرا يسيرا ولم ينقل الينا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أحدا بالقضاء، وأما تسميتها عمرة القضية فانما يعني بها القضية التي اصطلحوا عليها واتفقوا عليها ولو أرادوا غير ذلك لقالوا عمرة القضاء، وفارق الفوات فانه مفرط بخلاف مسئلتنا (مسألة) (فان صد عن عرفة دون البيت تحلل بعمرة ولا شئ عليه) إذا تمكن من الوصول إلى البيت وصد عن عرفة فله أن يفسخ نية الحج ويجعله عمرة ولا هدي عليه لاننا أبحنا له ذلك من غير حصر فمع الحصر أولى، فان كان قد طاف وسعى للقدوم ثم أحصر أو مرض حتى فاته الحج تحلل بطواف وسعى آخر لان الاول لم يقصد به طواف العمرة ولا سعيها وليس عليه أن يجدد أحراما،

[ 525 ]

وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وقال الزهري لابد أن يقف بعرفة، وقال محمد بن الحسن لا يكون محصرا بمكة، وروي عن أحمد رحمه الله لانه انما جاز له التحلل بعمرة في موضع يمكنه أن يحج من عامه فيصير متمتعا وهذا ممنوع من الحج ولا يمكنه أن يصير متمتعا فعلى هذا يقيم على احرامه حتى يفوته الحج ثم يتحلل بعمرة، فان فاته الحج فحكمه حكم من فاته بغير حصر، وقال مالك يخرج إلى الحل ويفعل ما يفعل المعتمر، فان أحب أن يستنيب من يتمم عنه أفعال الحج جاز في التطوع لانه جاز أن يستنيب في جملته فجاز في بعضه، ولا يجوز في حج الفرض الا أن ييأس من القدرة عليه في جميع العمر كما في الحج كله (فصل) فان أحصر عن البيت بعد الوقوف بعرفة فله التحلل لان الحصر يفسد التحلل من جميعه فأفاد التحلل من بعضه، وان كان ما حصر عنه ليس من أركان الحج كالرمي وطواف الوداع

[ 526 ]

والمبيت بمزدلفة أو بمنى في لياليها فليس له التحلل لان صحة الحج لا تقف على ذلك ويكون عليه دم لتركه ذلك وحجه صحيح كما لو تركه من غير حصر، وان حصر عن طواف الافاضة بعد رمي الجمرة فليس له ان يتحلل أيضا لان احرامه انما هو عن النساء، والشرع انما ورد بالتحلل عن الاحرام التام الذي يحرم جميع محظوراته فلا يثبت بما ليس مثله، ومتى زال الحصر أتى بالطواف وتم حجه (مسألة) وإذا تحلل المحصر من الحج فزال الحصر وأمكنه الحج لزمه ذلك ان كانت حجة الاسلام أو كانت واجبة في الجملة أو قلنا بوجوب القضاء لان الحج يجب على الفور، فأما ان كانت تطوعا ولم نقل بوجوب القضاء فلا شئ عليه كمن لم يحرم (فصل) فان أحصر في حج فاسد فله التحلل لانه إذا ابيح له في الحج الصحيح فالفاسد بطريق

[ 527 ]

الاولى، فان حل ثم زال الحصر وفي الوقت سعة فله أن يقضي في ذلك العام وليس يتصور القضاء في العام الذي أفسد فيه الحج في غير هذه المسألة (مسألة) (ومن أحصر بمرض أو ذهاب نفقة لم يكن له التحلل في أحدى الروايتين) اختارها الخرقي روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس ومروان وبه قال مالك والشافعي واسحاق (والثانية) له التحلل بذلك، وروي نحوه عن ابن مسعود وهو قول عطاء والنخعي والثوري وأصحاب الرأي لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى " رواه النسائي ولانه محصور فيدخل في عموم قوله (فان احصرتم فما استيسر من الهدي) يحققه ان لفظ الاحصار انما هو للمرض ونحوه يقال احصره المرض احصارا فهو محصر، وحصره العدو فهو محصور فيكون اللفظ صريحا

[ 528 ]

في محل النزاع وحصر العدو مقيس عليه ولانه مصدود عن البيت أشبه من صده العدو ووجه الرواية الاولى أنه لا يستفيد بالاحلال الانتقال من حاله ولا التخلص من الاذى الذي به بخلاف حصر العدو، ولان النبي صلى الله عليه وسلم دخل على ضباعة بنت الزبير فقالت اني أريد الحج وأنا شاكية فقال " حجي واشترطي ان محلي حيث حبستني " فلو كان المرض يبيح الحل ما احتاجت إلى شرط، وحديثهم متروك الظاهر فان مجرد الكسر والعرج لا يصير به حلالا فان حملوه على أنه يبيح له التحلل حملناه على ما إذا اشترط الحل على أن في حديثهم كلاما لان ابن عباس يرويه ومذهبه بخلافه فإذا قلنا يتحلل فحكمه حكم من حصره العدو على ما مضى وان قلنا لا يتحلل فانه يقيم على إحرامه ويبعث ما معه من الهدي ليذبح بالحرم وليس له نحره في مكانه لانه لم يتحلل فان فاته الحج تحلل بعمرة كغير المريض

[ 529 ]

(مسألة) (ومن شرط في ابتداء إحرامه أن محلي حيث حبستني فله التحلل بجميع ذلك ولا شئ عليه) إذا شرط في وقت إحرامه أن يحل متى مرض أو ضاعت نفقته أو نفذت أو نحوه أو قال إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني فله التحلل متى وجد ذلك وليس عليه هدي ولا صوم ولا قضاء ولا غيره فان للشرط تأثيرا في العبادات بدليل أنه لو قال إن شفى مريضي صمت شهرا متتابعا أو متفرقا كان على شرطه وإنما لم يلزمه هدي ولا قضاء لانه إذا شرط شرطا كان احرامه الذي فعله إلى حين وجود الشرط فصار بمنزلة من أكمل أفعال الحج ثم ينظر في صيغة الشرط فان قال ان مرضت فلي أن احل أو ان حبسني حابس فمحلي حيث حبستي فإذا حبس كان بالخيار بين الحل وبين البقاء على الاحرام، وإن قال ان مرضت فأنا حلال فمتى وجد الشرط حل بوجوده لانه شرط صحيح فكان على ما شرط، وفي هذه المسألة اختلاف ذكرناه في باب الاحرام

[ 530 ]

(باب الهدي والاضاحي) الاصل في مشروعية الاضحية الكتاب والسنة والاجماع أما الكتاب فقوله تعالى (فصل لربك وانحر) قال بعض أهل التفسير والمراد به الاضحية بعد صلاة العيد، وأما السنة فانه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما. متفق عليه الاملح الذي فيه بياض وسواد وبياضه أكثر قاله الكسائي، وقال ابن الاعرابي هو النقي البياض قال الشاعر حتى اكتسى الرأس قناعا أشيبا * أملح لالدا ولا محببا وأجمع المسلمون على مشروعية الاضحية، ويستحب لمن أتى مكة أن يهدي هديا لان النبي صلى الله عليه وسلم أهدى في حجته مائة بدنة وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث الهدي ويقيم بالمدينة

[ 531 ]

(مسألة) (والافضل فيهما الابل ثم البقر ثم الغنم والذكر والانثى سواء) أفضل الهدايا والاضاحي الابل ثم البقر ثم الغنم ثم شرك في بدنة ثم شرك في بقرة، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وقال به مالك في الهدي وقال في الاضحية الافضل الجذع ثم الضأن ثم البقرة ثم البدنة لان النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين ولا يفعل الا الافضل ولو علم الله سبحانه خيرا منه لفدى به اسحاق. ولنا ماروى أبو هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة " الخ متفق عليه ولانه ذبح يتقرب به إلى الله تعالى

[ 532 ]

فكانت البذنة فيه أفضل كالهدي ولانها أكثر ثمنا ولحما وأنفع للفقراء، ولان النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الرقاب أفضل؟ فقال " اغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها " والابل أغلا ثمنا وأنفس من الغنم. فاما التضحية بالكبش فلانه أفضل أجناس الغنم وكذلك حصول الفداء به أفضل والشاة أفضل من شرك في بدنة لان اراقة الدم مقصود في الاضحية والمنفرد يتقرب باراقته كله (فصل) والذكر والانثى سواء لان الله تعالى قال (ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الانعام) وقال (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله) ولم يقل ذكرا ولا أنثى وممن أجاز ذكران الابل في الهدي ابن المسيب وعمر بن عبد العزيز ومالك وعطاء والشافعي، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال ما رأيت أحدا فاعلا ذلك: وان أنحر أنثى أحب الي، والاول أولى لما ذكرنا من النص، وقد

[ 533 ]

ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى جملا لابي جهل في أنفه برة من فضة رواه أبو داود وابن ماجة ولانه يجوز ذبح الذكر من سائر بهيمة الانعام فكذلك من الابل، ولان القصد اللحم ولحم الذكر أوفر ولحم الانثى أرطب فتساويا. قال احمد الخصي أحب الينا من النعجة لان لحمه أوفر وأطيب. قال شيخنا والكبش في الاضحية أفضل النعم لانها أضحية النبي صلى الله عليه وسلم وذكره ابن أبي موسى والضأن أفضل من المعز لانه أطيب لحما، وقال القاضي جذع الضأن أفضل من ثني المعز لذلك ولما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " نعم الاضحية الجذع من الضأن " حديث غريب قال شيخنا رحمه الله ويحتمل أن الثني من المعز أفضل من الجذع لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا تذبحوا الا مسنة فان عسر عليكم فاذبحوا الجذع من الضأن " رواه مسلم، وهذا يدل على فضل الثني على الجذع لكونه جعل الثني أصلا والجذع بدلا لا ينتقل إليه الا عند عدم الثني.

[ 534 ]

(فصل) ويسن استسمانها واستحسانها لقول الله تعالى (ذلك ومن يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب) قال ابن عباس تعظيمها استسمانها واستعظامها واستحسانها ولان ذلك أعظم لاجرها واعظم لنفعها والافضل في لون الغنم البياض لما روي عن مولاة أبي ورقة بن سعيد قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " دم عفراء أزكى عند الله من دم سوداوين " رواه احمد بمعناه وقال أبو هريرة " دم بيضاء أحب إلى الله من دم سوداوين " ولانه لون أضحية النبي صلى الله عليه وسلم ثم ماكان أحسن لونا فهو أفضل. (مسألة) (ولا يجزي الا الجذع من الضأن وهو ماله ستة أشهر والثني مما سواه) وهو قول مالك والليث والشافعي وابي عبيد وأصحاب الرأي، وقال ابن عمر والزهري: لا يجزئ

[ 535 ]

الجذع لانه لا يجزئ من غير الضأن فلا يجزئ منه كالحمل وعن عطاء والاوزاعي انهما قالا لا يجزئ الجذع في جميع الاجناس لما روى مجاشع بن سليم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن الجذع يوفي بما يوفي به الثني " رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة ولانه يجزئ من بعض الاجناس فاجزأ من جميعها كالثني. ولنا على اجزاء الجذع من الضأن حديث مجاشع وأبي هريرة، وعلى ان الجذعة من غيرها لاتجزئ قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا تذبحوا الا مسنة فان عسر عليكم فاذبحوا الجذع من الضأن " وقال أبو بردة بن نيار رضي الله عنه عندي جذعة من المعز أحب الي من شاتين فهل تجزي عنى؟ قال " نعم ولا تجزي عن أحد بعدك " متفق عليه وحديثهم محمول على الجذع من الضأن لما ذكرنا قال ابراهيم الحربي انما يجزئ الجذع من الضأن لانه ينزو فليقح فإذا كان من المعز لم يلقح حتى يكون ثنيا

[ 536 ]

(فصل) ولا يجزي في الاضحية غير بهيمة الانعام وان كان أحد أبويه وحشيا وحكي عن الحسن ابن صالح ان بقرة الوحش تجزئ عن سبعة والظبي عن واحد وقال أصحاب الرأي يجزئ ولد البقرة الانسية إذا كان أبوه وحشيا وقال ابو ثور يجزئ إذا كان منسوبا إلى بهيمة الانعام. ولنا قوله سبحانه (ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الانعام) وهي الابل والبقر والغنم وعلى أصحاب الرأي انه متولد بين ما يجزئ وبين مالا يجزئ أشبه مالو كانت الام وحشية. والجذع من الضأن ماله ستة أشهر. قال وكيع الجذع من الضأن أن يكون ابن سبعة اشهر أو ستة اشهر قال الخرقي

[ 537 ]

وسمعت أبي يقول سألت بعض أهل البادية كيف تعرفون الضأن إذا أجذع قالوا لا تزال الصوفة قائمة على ظهره مادام حملا فإذا نامت الصوفة على ظهره علم أنه قد أجذع وفيه قول ان الجذع من الضأن ماله ثمانية أشهر ذكره ابن أبي موسى (مسألة) (وثني الابل ما كمل له خمس سنين ومن البقر ماله سنتان ومن المعز ماله سنة) قال الاصمعي وأبو زياد الكلابي وأبو زيد الانصاري إذا مضت السنة الخامسة على البعير ودخل في السادسة وألقى ثنيه فهو حينئذ ثني ويروى أنه يسمى ثنيا لانه القى ثنيته، وأما البقرة فهي التي لها سنتان وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " لا تذبحوا الا مسنة " ومسنة البقر التي لها سنتان على ما ذكرنا في الزكاة، وثني المعز ماله سنة، وقال ابن أبي موسى فيه قول أن ثني البقر مادخل في السنة الرابعة

[ 538 ]

والاول المشهور في المذهب. (مسألة) (وتجزئ الشاة عن واحد والبدنة والبقرة عن سبعة سواء أراد جميعهم القربة أو بعضهم والباقون اللحم) أما إجزاء الشاة عن واحد فلا نعلم فيه خلافا، وقد روى أبو أيوب رضي الله عنه قال كان الرجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون حديث صحيح، وتجزي البدنة والبقرة عن سبعة وهذا قول أكثر أهل العلم ورى ذلك عن علي وابن مسعود وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم، وبه قال عطاء وطاوس وسالم والحسن وعمرو بن دينار والثوري والاوزاعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال لاتجزئ نفس واحدة

[ 539 ]

عن سبعة ونحوه قول مالك الا أن يذبح عنه وعن أهل بيته، قال احمد ما علمت أن احدا لا يرخص في ذلك الا ابن عمر، وعن سعيد بن المسيب أن الجزور عن عشرة والبقرة عن سبعة وبه قال اسحاق لما روى رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم فعدل عن عشرة من الغنم ببعير متفق عليه. وعن ابن عباس قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فحضر الاضحى فاشتركنا في الجزور عن عشرة والبقرة عن سبعة رواه ابن ماجة. ولنا ماروى جابر قال نحرنا بالحديبية مع النبي صلى الله عليه وسلم البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة. وقال أيضا كنا نتمتع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنذبح البقرة عن سبعة نشترك فيها رواه مسلم. وهذا أصح من حديثهم. وأما حديث رافع فهو في القسمة لافي الاضحية. إذا ثبت هذا فسواء كان المشتركون من اهل بيت أو لم يكونوا، متطوعين أو متفترضين أو كان بعضهم يريد القربة وبعضهم يريد اللحم، وقال أبو حنيفة يجوز إذا كانوا كلهم متقربين ولا يجوز إذا لم يرد بعضهم القربة.

[ 540 ]

ولنا ان الجزء المجزئ لا ينقص بارادة الشريك غير القربة فجاز كما لو اختلفت جهات القرب فاراد بعضهم المتعة والآخر القران ولان كل انسان انما يجزئ عنه نصيبه فلا يضره نية غيره في نصيبه ويجوز ان يقتسموا اللحم لان القسمة افراز حق وليست بيعا ومنع منه أصحاب الشافعي في وجه، بناء على أن القسمة بيع وبيع لحم الهدي والاضحية غير جائز. ولنا ان أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاشتراك مع أن سنة الهدي والاضحية الاكل منها دليل على تجويز القسمة إذ به يتمكن من الاكل وكذلك الصدقة والهدية. (فصل) ولا بأس ان يذبح الرجل عن أهل بيته شاة واحدة أو بدنة أو بقرة يضحي بها نص عليه أحمد وقال مالك والليث والاوزاعي واسحاق. وروي ذلك عن ابن عمر وأبي هريرة قال

[ 541 ]

صالح قلت لابي يضحى بالشاة عن أهل البيت؟ قال نعم لا باس قد ذبح النبي صلى الله عليه وسلم كبشين قال (بسم الله هذا عن محمد واهل بيته) وقرب الآخر وقال (اللهم منك ولك عمن وحدك من أمتي) وحكي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يضحي بالشاة فتجئ بنته فتقول عني؟ وعنك، وكره ذلك الثوري وأبو حنيفة لان الشاة لا تجزئ عن اكثر من واحد فإذا اشترك فيها اثنان لم تجز عنهما كالاجنبيين ولنا الحديث الذي ذكره احمد وروي جابر قال ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الذبح كبشين اقرنين أملحين موجوءين فلما وجههما قال " وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض على ملة أبراهيم حنيفا وما أنا من المشركين، ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العاليمن، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم منك ولك عن محمد وأمته، بسم الله والله اكبر " ثم ذبح رواه أبو داود، وقد ذكرنا حديث أبو أيوب في أول المسألة

[ 542 ]

(مسألة) (ولا يجزئ فيها العوراء البين عورها وهي التي انخسفت عينها، ولا العجفاء التي لا تنقي وهي الهزيلة التي لا مخ فيها، ولا العرجاء البين ظلعها فلا تقدر على المشي مع الغنم، ولا المريضة البين مرضها ولا العضباء وهي التي ذهب أكثر اذنها أو قرنها) أما العيوب الاربعة الاول فلا نعلم بين أهل العلم خلافا في أنها تمنع الاجزاء في الهدي والاضحية لما روى البراء بن عازب رضي الله عنه قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " أربع لا تجوز في الاضاحي العوراء البين عورها والمريضة البين مرضها والعرجاء البين ظلعها والعجفاء التي لاتنقى " رواه أبو داود والنسائي نص على الاضاحي والهدي في معناها ومعنى العوراء البين عورها التي قد انخسفت عينها والعين

[ 543 ]

عضو مستطاب فان كان على عينها بياض ولم تذهب جازت التضحية بها لان عورها ليس بين ولا ينقص ذلك لحمها، والعجفاء المهزولة، والتي لاتنقى هلا التي لامخ فيها في عظامها لهزالها والنقي المخ قال الشاعر: لا تنسكين عملا ما أنقين * ما دام مخ في سلامي أو عين فهذه لا تجزئ لانه لامخ فيها انما هي عظام مجتمعة، وأما العرجاء البين عرجها فهي التي بها عرج فاحش وذلك يمنعها من اللحاق بالغنم فيسبقنها إلى الكلا فيرعينه لا تدركهن فينقص لحمها فان كان عرجا يسيرا لا يفضي بها إلى ذلك أجزأت. وأما المريضة البين مرضها فقال الخرقي هي التي لا يرجى برؤها لان ذلك ينقص قيمتها ولحمها نقصا كثيرا وقال القاضي هي الجرباء لان الجرب إذا كثر يهزل ويفسد

[ 544 ]

اللحم، وهذا قول أصحاب الشافعي، قال شيخنا والذي في الحديث " المريضة البين مرضها " وهو الذي يبين أثره عليها لان ذلك ينقص لحمها ويفسده، وهذا أولى مما ذكره الخرقي والقاضي لانه تقييد للملطق وتخصيص للعموم بلا دليل والمعنى يقتضي العموم كما يقتضيه اللفظ والمعنى، وأما العضب فهو ذهاب أكثر من نصف القرن أو الاذن وذلك يمنع الاجزاء أيضا، وبه قال النخعي وابو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة والشافعي تجزئ مكسورة القرن، وروي نحو ذلك عن علي وعمار وابن المسيب والحسن وقال مالك ان كان قرنها يدمي لم تجزئ، والا أجزأت وعن احمد لاتجزئ ما ذهب ثلث أذنها وهو قول أبي حنيفة، وقال عطاء ومالك إذا ذهبت الاذن كلها لم تجز وان ذهب يسير جاز، واحتجوا بأن قول النبي صلى الله عليه وسلم أربع لا تجوز في الاضاحي يدل على أن غيرها يجزئ ولان في حديث

[ 545 ]

البراء عن عبيد بن فيروز قال قلت: للبراء فاني أكره النقص من القرن والذنب قال: اكره لنفسك ما شئت ولا تضيق على الناس ولان المقصود اللحم وهذا لا يؤثر فيه. ولنا ماروي عن علي رضي الله عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضحى بأعضب الاذن والقرن قال قتادة فسألت سعيد بن المسيب فقال نعم العضب النصف فأكثر من ذلك رواه النسائي وابن ماجة وعن علي رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والاذن رواه أبو داود والنسائي وهذا منطوق يقدم على المفهوم. (فصل) ولا تجزئ العمياء لان النهي عن العوراء تنبيه على العمياء ولا تجزئ وان لم يكن عماها بينا لان العمى يمنع مشيها مع الغنم ومشاركتها في العلف ولا تجزئ ما قطع منها عضو كالالية والاطباء

[ 546 ]

لان ابن عباس رضي الله عنهما قال لا تجوز العجفاء ولا الجداء، قال احمد رحمه الله هي التي قد يبس ضرعها، ولانه أبلغ في الاخلال بالمقصود من ذهاب شحمة العين (فصل) وتكره المعيبة الاذن بخرق أو شق أو قطع لاقل من النصف لما روي علي رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والاذن ولا نضحي بمقابلة ولا مدابرة ولاشرقاء ولا خرقاء قال زهير قلت: لابي اسحاق ما المقابلة؟ قال تقطع طرف الاذن قلت: فما المدابرة؟ قال تقطع من مؤخر الاذن قلت: فما الخرقاء؟ قال شق الاذن قلت: فما الشرقاء؟ قال تشق أذنها للسمة رواه أبو داود، وقال القاضي الخرقاء التي قد انثقبت اذنها والشرقاء التي تشق أذنها ويبقى كالشتاخين وهذا نهي تنزيه ويحصل الاجزاء بها لان اشتراط السلامة من ذلك يشق ولا يكاد يوجد سالم

[ 547 ]

من هذا كله. وذكر ابن أبي موسى في الارشاد انها لاتجزئ لظاهر الحديث والجمهور على خلاف هذا للمشقة (مسألة) (وتجزئ الجماء والبتراء والخصي وقال ابن حامد لا تجزئ الجماء) تجزئ الجماء وهي التي لم يخلق لها قرن والصمعاء وهي الصغيرة الاذن والبتراء وهي التي لا ذنب لها سواء كان خلقة أو مقطوعا ومن لا يرى بالبتراء بأسا ابن عمر وسعيد بن المسيب والحسن وسعيد ابن جبير والنخعي وكره الليث أن يضحي بالبتراء ما فوق القبضة، وقال ابن حامد لا تجرئ الجماء لان ذهاب أكثر من نصف القرن يمنع فذهاب جميعه أولى ولان ما منع منه العور منع منه العمى فكذلك ما منع منه العضب يمنع منه كونه أجم. ولنا أن هذا نقص لا ينقص اللحم ولم يخل بالقصود ولم يرد به نهي فوجب أن يجزئ، وفارق العضب فانه قد نهى عنه وهو عيب فانه ربما دمي وآلم الشاة فيكون كمرضها ويقبح منظرها بخلاف الاجم فانه ليس بمرض ولاعيب وما كان كامل الخلقة فهو أفضل فان النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبش أقرن

[ 548 ]

كحيل وقال خير الاضحية الكبس الاقرن. (فصل) ويجزئ الخصي لان النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين موجوءين والوجأ رض الخصيتن وما قطعت خصيتاه أو سلتا في معناه، ولان الخصي اذهاب عضو غير مستطاب يطيب اللحم بذهابه ويسمن قال الشعبي ما زاد في لحمه وشحمه اكثر مما ذهب منه، وبهذا قال الحسن وعطاء والشعبي والنخعي ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه خلافا (فصل: والسنة نحر الابل قائمة معقولة يدها اليسرى فيطعنها بالحربة في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر ويذبح البقر والغنم) السنة نحر الابل كما ذكر وممن استحب ذلك مالك والشافعي واسحاق وابن المنذر. وقال عطاء يستحب وهي باركة وجوز الثوري واصحاب الرأي كلا الامرين ولنا ما روى زياد بن جبير قال: رأيت ابن عمر أتى على رجل أناخ بدنته لينحرها فقال:

[ 549 ]

ابعثها قياما مقيدة سنة محمد صلى الله عليه وسلم متفق عليه، وروى أبو داود باسناده عن عبد الرحمن بن ساباط أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى قائمة على ما بقى من قوائمها، وفي قول الله تعالى (فإذا وجبت جنوبها) دليل على أنها تنحر قائمة وقيل في تفسير قوله تعالى (واذكروا اسم الله عليها صواف) أي قياما وكيفما نحر اجزأه قال احمد وينحر الابل معقولة على ثلاث قوائم فان خشى عليها أن تنفر اناخها، ويذبح البقر والغنم قال الله تعالى (ان الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) وروي أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين ذبحهما بيده، فان ذبح ما ينحر أو نحرما يذبح جاز وابيح لانه لم يتجاوز محل الذبح، ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال " ما أنهر الدم وذكر اسم عليه فكل " وقد روي عن احمد انه توقف في أكل البعير إذا ذبح والاول أولى لما ذكرنا. (مسألة) (ويقول عند ذلك بسم الله والله اكبر اللهم هذا منك ولك) يستحب توجيه الذبيحة إلى القبلة وان يقول " بسم لله والله اكبر " قال ابن المنذر ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذبح يقول: بسم الله والله أكبر. وان قال ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم مما زاد على ذلك فحسن فقد روي ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ذبح يوم العيد كبشين ثم

[ 550 ]

قال حين وجههما (وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض حنيفا وما أنا من المشركين * ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وانا من المسلمين) " بسم الله والله اكبر اللهم منك ولك عن محمد وامته " رواه أبو داود، فان اقتصر على التسمية أو وجه الذبيحة إلى غير القبلة ترك الافضل وأجزأه هذا قول القاسم والنخعي والثوري والشافعي وابن المنذر، وكره ابن عمر وابن سيرين الاكل من الذبيحة إذا وجهت إلى غير القبلة، والصحيح أنه غير واجب لانه لم يقم عليه دليل. (فصل) إذا قال اللهم تقبل مني ومن فلان بعد قوله اللهم هذا منك ولك فحسن وهو قول الاكثرين، وقال أبو حنيفة يكره أن يذكر اسم غير الله لقول الله تعالى (وما أهل به لغير الله) ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " اللهم تقبل من محمد وآل محمد وأمة محمد صلى الله عليه وسلم " رواه مسلم وهذا نص لا يعرج على خلافه وليس عليه أن يقول عمن فان النية تجزئ بغير خلاف

[ 551 ]

(مسألة) (ولا يستحب أن يذبحها الا مسلم، وإن ذبحها بيده كان أفضل، فان لم يفعل استحب أن يشهدها) يستحب أن لا يذبح الاضحية الا مسلم لانها قربة فلا يليها غير أهل القربة، فان استناب ذميا في ذبحها اجزأت مع الكراهة وهو قول الشافعي وأبي ثور وابن المنذر، وعن أحمد لا يجوز أن يذبحها الا مسلم وهو قول مالك، وممن كره ذلك علي وابن عباس وجابر رضي الله عنهم، وبه قال الحسن وابن سيرين، قال جابر لا يذبح النسك الا مسلم لان في حديث ابن عباس الطويل عن النبي صلى الله عليه وسلم " ولا يذبح ضحاياكم إلا طاهر " ولان الشحوم تحرم علينا مما يذبحونه على رواية فيكون ذلك بمنزلة اتلافه، وحكى ابن أبي موسى رواية ثالثة أنه إن كان بعيرا لم ينحر وإلا أجزأ في أصح الروايتين (ووجه الاولى) أنه من جاز له ذبح غير الاضحية جاز له ذبح الاضحية كالمسلم، ويجوز أن يتولى الكافر ماكان قربة للمسلم كبناء المساجد والقناطر ولا نسلم تحريم الشحوم علينا بذبحهم والحديث محمول على الاستحباب والاولى أن يذبحها المسلم ليخرج من الخلاف، وذبحها بيده أفضل لان النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين

[ 552 ]

أقرنين أملحين ذبحهما بيده وسمى ووضع رجله على صفاحهما ونحر البدنات الست بيده (1) التي ساقها في حجته ثلاثا وستين بدنة بيده ولان فعله قربة وتولي القربة بنفسه أولى من الاستنابة فيها والاستنابة جائزة فان النبي صلى الله عليه وسلم استناب من نحر ما بقي من بدنه (2) وهذا لا خلاف فيه، وإن لم يذبحها بيده استحب أن يحضر ذبحها لان في حديث ابن عباس الطويل " واحضروها إذا ذبحتم فانه يغفر لكم عند أول قطرة من دمها " وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة " أحضري أضحيتك يغفر لك بأول قطرة من دمها " (مسألة) (ووقت الذبح يوم العيد بعد الصلاة أو قدرها إلى آخر يومين من أيام التشريق) الكلام في وقت الذبح في ثلاثة أشياء أوله وآخره وعموم وقته أو خصوصه، أما أوله فظاهر كلامه ههنا إذا دخل وقت صلاة العيد ومضى قدر الصلاة التامة فقد دخل وقت الذبح ولا يعتبر نفس الصلاة لافرق في هذا بين أهل الامصار والقرى ممن يصلي العيد وغيرهم وهذا قول الخرقي الا أنه

[ 553 ]

قال مقدار الصلاة والخطبة وهذا مذهب الشافعي وابن المنذر لانها عبادة يتعلق آخرها بالوقت فتعلق أولها به كالصيام، وظاهر كلام أحمد أنه من شرط جواز التضحية في حق أهل المصر صلاة الامام وخطبته وعلى قياس قوله كل موضع يصلي فيه العيد روي نحو هذا عن الحسن والاوزاعي ومالك وأبي حنيفة واسحاق لما روى جندب بن عبد الله البجلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى " وعن البراء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك، ومن ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى " متفق عليه، وظاهر هذا اعتبار نفس الصلاة، فان ذبح بعد الصلاة وقبل الخطبة أجزأ لان النبي صلى الله عليه وسلم علق المنع على فعل الصلاة فلا يتعلق بغيره، ولان الخطبة غير واجبة فلا تكون شرطا وهذا قول الثوري وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لموافقة ظاهر الحديث، فأما غير أهل الامصار والقرى فأول الوقت في حقهم قدر الصلاة والخطبة بعد حل الصلاة في قول الخرقي، وظاهر ما ذكره شيخنا في كتاب المقنع أن أول الوقت في حقهم قدر الصلاة بعد حل الصلاة لانه لاصلاة في حقهم تعتبر فوجب الاعتبار بقدرها، وقال

[ 554 ]

عطاء وقتها إذا طلعت الشمس، وقال أبو حنيفة أول وقتها في حقهم إذا طلع الفجر الثاني لانه من يوم النحر فكان وقتا لها كسائر اليوم ولنا أنها عبادة وقتها في حق أهل المصر بعد اشراق الشمس فلا يتقدم وقتها في حق غيرهم كصلاة العيد وما ذكروه يبطل بأهل المصر فان لم يصل الامام في المصر لم يجز الذبح حتى تزول الشمس عند من اعتبر نفس الصلاة لانها حينئذ تسقط فكأنه قد صلى وسواء ترك الصلاة عمدا أو خطأ لعذر أو لغير عذر، فأما الذبح في اليوم الثاني والثالث فيجوز في أول النهار لان الصلاة فيه غير واجبة، ولان الوقت قد دخل في اليوم الاول وهذا من أثنائه فلم يعتبر فيه صلاة ولا غيرها، فان صلى الامام في المصلى واستخلف من صلى في المسجد فمتى صلى في احد الموضعين جاز الذبح لوجود الصلاة التي يسقط بها الفرض عن سائر الناس ولا يستحب أن يذبح قبل الامام فان فعل أجزأه، وقال ابن أبي موسى لا تجزئه ويروى عن مالك والصحيح أنها تجزئ لما ذكرنا من الاحاديث

[ 555 ]

(فصل) والثاني في آخر وقت الذبح وآخره آخر اليوم الثاني من أيام التشريق فتكون أيام النحر ثلاثة: يوم النحر ويومان بعده وهذ قول عمر وعلي وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأنس رضي الله عنهم، قال أحمد أيام النحر ثلاثة عن غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية قال خمسة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذكر أنسا واليه ذهب مالك والثوري وأبو حنيفة، وروي عن علي رضي الله عنه آخره آخر أيام التشريق، وبه قال عطاء والحسن والشافعي لانه روي عن جبير ابن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " أيام منى كلها منحر " ولانها أيام تكبير وافطار فكانت محلا للنحر كالاوليين، وقال ابن سيرين لا يجوز الا في يوم النحر خاصة لانها وظيفة عيد فاختصت بيوم العيد كالصلاة واداء الفطرة يوم الفطر، وقال سعيد بن جبير وجابر بن زيد كقول ابن سيرين في أهل الامصار وكقولنا في أهل منى، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعطاء بن يسار تجوز التضحية إلى هلال المحرم لما روى أبو أمامة سهل بن حنيف رضي الله عنه قال: كان الرجل من المسلمين يشتري

[ 556 ]

أضحيته فيسمنها حتى يكون آخر ذي الحجة فيضحي بها. رواه الامام أحمد باسناده وقال هذا حديث عجيب وقال أيام الاضحى التي أجمع عليها ثلاثة أيام ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ادخار لحوم الاضاحي فوق ثلاث ولا يجوز الذبح في وقت لا يجوز ادخار الاضحية إليه، ولان اليوم الرابع لا يجب الرمي فيه فلم تجز التضحية فيه كاليوم الذي بعده، ولانه قول من سمينا من الصحابة ولا مخالف لهم إلا رواية عن علي، وقد روي عنه مثل مذهبنا وحديثهم انما هو " ومنى كلها منحر " وليس فيه ذكر الايام والتكبير أعم من الذبح، وكذلك الافطار بدليل أو يوم النحر (مسألة) (ولا يجزي في ليلتيهما في قول الخرقي وقال غيره يجزئ) اختلفت الرواية عن احمد في الذبح في ليلتي يومي التشريق فعنه لا يجزئ نص عليه أحمد رضي الله عنه في رواية الاثرم وهو قول مالك لقول الله تعالى (ليذكروا اسم الله في أيام معدودات على ما رزقهم من بهيمة الانعام) ولانه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الذبح بالليل، ولانه ليل يوم يجوز الذبح فيه فأشبه ليلة يوم النحر، ولان الليل يتعذر فيه تفرقة اللحم في الغالب ولا يفرق طريا فيفوت بعض المقصود ولهذا قالوا يكره الذبح فيه، فعلى هذا إن ذبح ليلا لم يجزئه عن الواجب، وإن

[ 557 ]

كانت تطوعا فذبحها ليلا كانت شاة لحم ولم تكن أضحية فان فرقها حصلت القربة بتفريقها لا بذبحها، وروي عن أحمد أن الذبح يجوز ليلا اختاره أصحابنا المتأخرون، وبه قال الشافعي واسحاق وأبو حنيفة وأصحابه لان الليل زمن يصح فيه الرمي فأشبه النهار، ولان الليل داخل في مدة الذبح فجاز الذبح فيه كالايام (مسألة) (فان فات الوقت ذبح الواجب قضاء وسقط التطوع) إذا فات وقت الذبح ذبح الواجب قضاء وصنع به مايصنع بالمذبوح في وقته لان حكم القضاء حكم الاداء، فأما التطوع فهو مخير فيه، فان فرق لحمها كانت القربة بذلك دون الذبح لانها شاة لحم وليست أضحبة، وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يسلمها إلى الفقراء ولا يذبحها فان ذبحها فرق لحمها وعليه ارش ما نقصها الذبح لان الذبح قد سقط بفوات وقته كالوقوف والرمي ولنا أن الذبح أحد مقصودي الاضحية فلم يسقط بفوات وقته كتفرقة اللحم، ولانه لو ذبحها

[ 558 ]

في الوقت ثم خرج قبل تفرقتها فرقها بعد ذلك، وبهذا فارق الوقوف والرمي ولان الاضحية لا تسقط بفواتها بخلاف ذلك، فان ضلت الاضحية التي وجبت بايجابه لها أو سرقت بغير تفريط منه فلا ضمان عليه لانها أمانة في يده فان عادت بعد الوقت ذبحها على ما ذكرناه (فصل) فان ذبحها قبل وقتها لم تجزه وعليه بدلها إن كانت واجبة بنذر أو تعيين لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى " ولانها نسيكة واجبة ذبحها قبل وقتها فلزمه بدلها كالهدي إذا ذبحه قبل محله، ويجب أن يكون بدلها مثلها أو خيرا منها لانه أتلفها، فان كانت غير واجبة فهي شاة لحم ولا بدل عليه إلا أن يشاء لانه قصد التطوع فأفسده فلم يجب عليه بدله كما لو خرج بصدقة تطوع فدفعها إلى غير مستحقها فعلى هذا يحمل الحديث على الندب أو على مااذا كانت واجبة والشاة المذبوحة شاة لحم كما وصفها النبي صلى الله عليه وسلم ومعناه يصنع بها ما شاء كشاة ذبحها للحمها لا لغير ذلك لانها إن كانت واجبة فقد لزمه ابدالها وذبح ما يقوم مقامها فخرجت هذه عن كونها واجبة كالهدي الواجب إذا عطب دون محله، وإن كانت تطوعا فقد أخرجها بذبحه أياها عن القربة فبقيت مجرد شاة

[ 559 ]

لحم ويحتمل أن يكون حكمها حكم الاضحية كالهدي إذا عطب لا يخرج عن حكم الهدي على رواية ويكون معنى قوله شاة لحم يعني أنها تفارقها في فضلها وثوابها خاصة دون مايصنع بها (مسألة) (ويتعين الهدي بقوله هذا هدي أو تقليده أو اشعاره مع النية، والاضحية بقوله هذه أضحية ولو نوى حال الشراء لم تتعين بذلك) يتعين الهدي بقوله هذا هدي أو تقليده أو اشعاره مع النية وبهذا قال الثوري واسحاق لان الفعل مع النية يقوم مقام اللفظ إذا كان الفعل يدل على المقصود كمن بنى مسجدا وأذن في الصلاة فيه، وكذلك الاضحية تتعين بقوله هذه أضحية فتصير واجبة بذلك كما يعتق العبد بقول سيده هذا حر ولا يتعين بالنية هذا مقصود الشافعي، وقال مالك وأبو حنيفة إذا اشتراها بنية الاضحية صارت أضحية لانه مأمور بشراء أضحية، فإذا اشتراها بالنية وقعت عنه كالوكيل قال صاحب المحرر وهو ظاهر كلام أحمد رحمه الله فيما نقله عن الحسن بن ثواب وأبو الحرث كما يتعين الهدي بالاشعار

[ 560 ]

ولنا أنه ازالة ملك على وجه القربة فلم تؤثر فيه النية المقارنة للشراء كالعتق والوقف، ويفارق البيع فانه لا يمكنه جعله لموكله بعد إيقاعه وههنا بعد الشراء يمكنه جعلها أضحية (فصل) فان عينها وهي ناقصة نقصا يمنع الاجزاء وجب عليه ذبحها كما لو نذر ذبحها، ولان إيجابها كنذر هدي من غير بهيمة الانعام يلزمه الوفاء به ولا يجزئه عن الاضحية الشرعية لقول النبي صلى الله عليه وسلم " أربع لا تجوز في الاضاحي " الحديث، ولكنه يذبحها ويثاب على ما يتصدق به منها كما يثاب على الصدقة بما لا يصلح أن يكون هديا وكما لو أعتق عن كفارته عبدا لا يجزئ في الكفارة إلا أنه ههنا لا يلزمه بدلها لان الاضحية في الاصل غير واجبة ولم يوجد منه ما يوجبها، فان زال عيبها المانع من الاجزاء كبرء المريضة والعرجاء وزوال الهزال فقال القاضي تجزئ في قياس المذهب، وقال أصحاب الشافعي لا تجزئ لان الاعتبار بحال إيجابها، ولان الزيادة فيها كانت للمساكين كما أنها لو نقصت بعد إيجابها كان عليهم ولا يمنع كونها أضحية ولنا أنها أضحية يجزئ مثلها فاجزأت كما لو لم يوجبها الا بعد زوال عيبها (مسألة) (وإذا تعيبت لم يجز بيعها ولا هبتها الا أن يبدلها بخير منها، وقال أبو الخطاب لا يجوز أيضا)

[ 561 ]

إذا تعينت لم يجز بيعها ولا هبتها، وقال القاضي يجوز أن يبيعها ويشترى خيرا منها نص عليه أحمد وهو قول عطاء ومجاهد وأبي حنيفة لان النبي صلى الله عليه وسلم ساق في حجته مائة بدنة، وقدم عليا من اليمن فأشركه في بدنة رواه مسلم، والاشتراك نوع من البيع أو الهبة، ولانه يجوز ابدالها بخير منها والابدال نوع من البيع ولنا أنه قد تعين ذبحها فلم يجز بيعها كما لو نذر ذبحها بعينها ولانه جعلها لله فلم يجز بيعها كالوقف وانما جاز ابدالها بجنسها لانه لم يزل الحق فيها عن جنسها وانما انتقل إلى خير منها فكان في المعنى ضم زيادة إليها وقد جاز ابدال المصحف ولم يجز بيعه، وأما الحديث فيحتمل انه اشرك عليا فيها قبل إيجابها، ويحتمل أن اشراكه فيها بمعنى أن عليا جاء ببدن فاشتركا في الجميع فكان بمعنى الابدال لا بمعنى البيع (1) ويجوز أن تكون الشركة في ثوابها وأجرها، فأما ابدالها بخير منها فقد نص أحمد على جوازه وهو اختيار الخرقي، وبه قال عطاء ومجاهد وعكرمة وأبو حنيفة ومالك ومحمد بن الحسن واختار ابو الخطاب أنه لا يجوز لان احمد نص في الهدي إذا عطب أنه يجزئ عنه، وفي الاضحية إذا

[ 562 ]

هلكت وذبحها فسرقت لا بدل عليه، ولو كان ملكه ما زال عنها لزمه بدلها في هذه المسائل ولما ذكرنا في عدم جواز بيعها وهذا مذهب أبي يوسف والشافعي وأبي ثور ولانه زال ملكه عنها لله تعالى فلم يجز أبدالها كالوقف. ولنا ما ذكرنا من حديث علي رضي الله عنه وقد تأولناه على معنى الابدال، ويتعين حمله عليه لاتفاقنا على تحريم بيعها وهبتها، ولانه عدل عن العين إلى خير منها من جنسها فجاز كما لو أخرج عن بنت لبون حقة في الزكاة، ولان النذور محمولة على أصولها في الفروض وفي الفروض يجوز اخراج البدل في الزكاة فكذلك في النذور، وقوله قد زال ملكه ممنوع بل تعلق بها حق الله تعالى مع بقاء ملكه عليها بدليل أنه لو غير الواجب في ذمته فعطب أو تعيب كان له استرجاعه ولو زال ملكه عنه لم يعد إليه كالوقف والفرق بين الابدال والبيع ان الابدال لا يزيل الحق المتعلق بها من جنسها والبدل قائم مقامها فكأنها لم تزل في المعنى، وقوله الا ان يبدلها بخير منها يدل على أنه لا يجوز بدونها لانه تفويت جزء منها فلم يجز كاتلافه وهذا لا خلاف فيه ويدل على أنه لا يجوز ابدالها بمثلها لعدم الفائدة فيه، وقال القاضي في ابدالها احتمالان (أحدهما) لا يجوز ذلك (والثاني) يجوز لانه لا ينقص

[ 563 ]

مما وجب عليه شئ، ولنا انه يعتبر ما وجب عليه لغير فائدة فلم يجز كابدالها بدونها (فصل) وإذا عينها ثم مات وعليه دين لم يجز بيعها فيه سواء كان له وفاء أو لم يكن، وبه قال أبو ثور ويشبه مذهب الشافعي، وقال الاوزاعي تباع إذا لم يكن لدينه وفاء الا منها، وقال مالك إن تشاجر الورثة فيها باعوها ولنا أنه تعين ذبحها فلم تبع في دينه كما لو كان حيا، إذا ثبت هذا فان ورثته يقومون مقامه في الاكل والصدقة والهدية لانهم يقومون مقام موروثهم فيما له وعليه (مسألة) (وله ركوبها عند الحاجة ما لم يضر بها) قال أحمد رحمه الله لا يركبها الا عند الضرورة وهو قول الشافعي وابن المنذر وأصحاب الرأي لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " أركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرا " رواه أبو داود، ولانه تعلق بها حق المساكين فلم يجز ركوبها من غير ضرورة كملكهم وانما جوزناه عند الضرورة للحديث فان نقصها الركوب ضمن النقص لانه تعلق بها حق غيره فأما ركوبها مع عدم الحاجة ففيه روايتان (احداهما) لا يجوز لما ذكرنا (والثانية) يجوز لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة فقال " أركبها " فقال يارسول الله أنها بدنة، فقال " اركبها ويلك " في الثانية أو في الثالثة متفق عليه

[ 564 ]

(مسألة) (وإن ولدت ذبح ولدها معها ولا يشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها) إذا عين أضحية فولدت فحكم ولدها حكمها سواء كان حملا حال التعيين أو حدث بعده، وبهذا قال الشافعي وعن أبي حنيفة لا يذبحه ويدفعه إلى المساكين حيا، فان ذبحه دفعه إليهم مذبوحا وارش ما نقصه الذبح لانه من نمائها فيلزمه دفعه إليهم على صفته كصوفها وشعرها. ولنا أن استحقاق ولدها حكم ثبت للولد بطريق السراية من الام فثبت له ما ثبت لها كولد أم الولد والمدبرة، إذا ثبت هذا فانه يذبحه كما ذبحها لانه صار أضحية على وجه التبع لامه، ولا يجوز ذبحه قبل وقت ذبح أمه ولا تأخيره عن آخر الوقت كأمه، وقد روي عن علي رضي الله عنه أن رجلا سأله فقال يا أمير المؤمنين: اني اشتريت هذه البقرة لاضحي بها وإنها وضعت هذا العجل، فقال علي لا تحلبها الا ما فضل عن تيسير ولدها، فإذا كان يوم الاضحى فاذبحها وولدها عن سبعة رواه سعيد والاثرم (فصل) وولد الهدية بمنزلتها أيضا كولد الاضحية إن أمكن سوقه وإلا حمله على ظهرها وسقاه من لبنها فان لم يمكنه سوقه ولا حمله صنع به ما يصنع بالهدي إذا عطب ولا فرق في ذلك بين ما عينه ابتداء، وبين ما عينه عن الواجب في ذمته، وقال القاضي في المعين بدلا عن الواجب يحتمل أن لا يتبعها

[ 565 ]

ولدها لان ما في الذمة واحد فلا يلزمه اثنان والصحيح أنه يتبع أمه في الوجوب فانه ولد هدي واجب فتبعه كالمعين ابتداء، ولما ذكر من حديث علي فان تعيبت المعينة عن واجب في الذمة وقلنا يذبحها ذبح ولدها معها لانه تبع لها، وإن قلنا يبطل تعيينها وترد إلى مالكها احتمل أن يبطل التعيين في ولدها تبعا كما ثبت تبعا قياسا على نمائها المتصل بها، واحتمل ان لا يبطل ويكون للفقراء لانه تبعها في الوجوب حال اتصاله بها ولم يتبعها في زواله لانه صار منفصلا عنها فهو كولد المبيع المعيب إذا ولد عند المشتري ثم رده لا يبطل البيع في ولدها، والمدبرة إذا قتلت سيدها قبطل تدبيرها لا يبطل في ولدها وحكم الاضحية المعينة عما في الذمة إذا تعينت وولدت كذلك على قياس الهدية لانها في معناها (فصل) ولا يشرب من لبنها إلا الفاضل عن ولدها، فان لم يفضل عنه شئ أو كان الحلب يضر بها وينقص لحمها لم يكن له أخذه والا فله أخذه والانتفاع به، وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يحلبها ويرش على الضرع الماء حتى ينقطع اللبن فان احتلبها تصدق به لان اللبن متولد من الاضحية الواجبة فلم يجز للمضحي الانتفاع به كالولد، ولنا قول علي رضي الله عنه لا يحلبها الا فضلا عن تيسير

[ 566 ]

ولدها، ولانه انتفاع لا يضر بها ولا بولدها فأشبه الركوب ويفارق الولد فانه يمكن إيصاله إلى محله، أما اللبن فان حلبه وتركه فسد، وإن لم يحلبه تعقد الضرع وأضربها فجوز له شربه وإن تصدق به كان أفضل لان فيه خروجا من الخلاف، وإن احتلب ما يضر بها أو بولدها لم يجز له وعليه الصدقة به وإن شربه ضمنه لانه تعدى بأخذه وهكذا الحكم في الهدية، فان قيل فصوفها وشعرها إذا جزه تصدق به ولم ينتفع به فلم جوزتم له الانتفاع باللبن قلنا الفرق بينهما من وجهين (أحدهما) أن لبنها يتولد من غذائها وعلفها وهو القائم فبه فجاز صرفه إليه كما أن المرتهن إذا علف الرهن كان له أن يركب ويحلب وليس له أنى أخذ الصوف ولا الشعر (الثاني) أن الصوف والشعر ينتفع به على الدوام فجرى مجرى جلدها واجزائها واللبن يشرب ويؤخذ شيئا فشيئا فجرى مجرى منافعها وركوبها، ولان اللبن يتجدد كل يوم والصوف والشعر عين موجودة دائمة في جميع احوال (مسألة) وله أن يجز صوفها ووبرها إذا كان أنفع لها مثل أن تكون في زمن تخف بجزه وتسمن ويتصدق هبه، وإن لا يضر بها لقرب مدة الذبح أو كان بقاؤه أنفع لها لكونه يقيها الحر والبرد

[ 567 ]

لم يجز له حزه كما لا يجوز أخذ بعض أعضائها (مسألة) (ولا يعطي الجازر بأجرته شيئا منها) وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي ورخص الحسن وعبد الله بن عبيد بن عمير في اعطائه الجلد. ولنا ما روى علي بضي الله عنه قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنه وأن أقسم جلودها وجلالها وأن لا أعطي الجازر منها شيئا وقال " نحن نعطيه من عندنا " متفق عليه، ولان ما يدفعه إلى الجزار عوض عن عمله وجزارته ولا تجوز المعاوضة بشئ منها، فأما إن دفع إليه صدقة أو هبة فلا بأس لانه مستحق للاخذ فهو كغيره، بل هو أولى لانه باشرها وتاقت نفسه إليها (مسألة) (وله أن ينتفه بجلدها وجلها ولا يبيعه ولا شيئا منها) لا خلاف في جواز الانتفاع بجلودها وجلالها لان الجلد جزء منها فجاز للمضحي الانتفاع به كاللحم كان علقمة ومسروق يد بغان جلد أضحيتهما ويصليان عليه، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت رسول الله قد كانوا ينتفعون من ضحاياهم يحملون منها الودك ويتخذون منها الاسقية، قال " وما

[ 568 ]

ذاك " قالت نهيت عن امساك لحوم الاضاحي بعد ثلاث، فقال " انها نهيتكم للدافة التي دفت فكلا وتزودوا وتصدقوا " حديث صحيح ولانه انتفاع به فجاز كلحمها (فصل) ولا يجوز بيع شئ من الاضحية واجبة كانت أو تطوعا لانها تعينت بالذبح، قال أحمد لا يبيعها ولا يبيع شيئا منها وقال سبحان الله كيف يبيعها وقد جعلها لله تبارك وتعالى. قال الميموني قالوا لابي عبد الله فجلد الاضحية نعطيه السلاخ؟ قال لا وحكى قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا تعط في جزارتها شيئا منها " ثم قال اسناد جيد، وبه قال الشافعي وروي عن أبي هريرة، ورخص الحسن والنخعي في الجلد أن يبيعه ويشتري به الغربال والمنخل وآلة البيت، وروي نحو ذلك عن الاوزاعي لانه ينتفع به هو وغيره فجرى مجرى تفريق لحمها، وقال أبو حنيفة يبيع ما شاء منها ويتصدق بثمنه، وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه يبيع الجلد ويتصدق بثمنه وحكاء ابن المنذر عن أحمد واسحاق. ولنا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقسم جلودها وجلالها وأن لا يعطى الجازر شيئا منها وفيه دليل على وجوب الصدقة بالجلال وعلى تسويتها بالجلود، ولانه جعله الله تعالى فلم يجز بيعه وكالوقف وما ذكروه في شراء آلة

[ 569 ]

البيت يبطل باللحم لا يجوز بيعه لشراء الآلة وإن كان ينتفع به (مسألة) (فان ذبحها فسرقت فلا شئ عليه) لانها أمانة في يده، فإذا تلفت بغير تفريطه لم يضمنها كالوديعة (مسألة) (وإن ذبحها ذابح في وقتها بغير اذنه اجزأت ولا ضمان على ذابحها) وبهذا قال أبو حنيفة وقال مالك هي شاة لحم لمالكها ارشها وعليه بدلها لان الذبح عبادة، فإذا فعلها غير صاحبها عنه بغير اذنه لم تقع الموقع كالزكاة، وقال الشافعي تجزئ وله على ذابحها ارش مابين قيمتها صحيحة ومذبوحة لان الذبح أحد مقصودي الهدي، فإذا فعله فاعل بغير اذن المضحي ضمنه كتفرقة اللحم. ولنا على مالك أنه فعل لا يفتقر إلى النية فإذا فعله غير الصاحب أجزأ عنه كغسل ثوبه من النجاسة، وعلى الشاعفي أنها أضحية أجزأت عن صاحبها ووقعت موقعها فلم يضمن ذابحها كما لو كان باذن، ولانه اراقة دم تعينت ارقاته لحق الله تعالى فلم يضمن مريقه كقاتل المرتد بغير اذن الامام، ولان الارش لو وجب فانما يجب ما بين كونها مستحقة الذبح في هذه الايام متعينة له وما بينها مذبوحة ولا قيمة لهذه الحياة ولا تفاوت بين القيمتين فتعذر وجود الارش ووجوبه، ولانه لو وجب الارش لم يخل اما أن يجب للمضحي أو للفقراء لا جائز أن يجب للفقراء لانهم انما يستحقونها مذبوحة، ولو دفعها إليهم في الحياة لم يجز، ولا جائز أن يجب له لانه بدل شئ منها فلم يجز أن يأخذه كبدل عضو من أعضائها، ولانهم وافقونا في أن الارض لا يدفع إليه فتعذر إيجابه لعدم مستحقه (فصل) وان اشترى أضحية فلم يوجبها حتى علم بها عيبا فان شاء ردها، وان شاء أخذ أرشها ثم أن كان عيبها يمنع الاجزاء لم يكن له التضحية بها وان لم يمنع فله ذلك والارض له فان أوجبها ثم

[ 570 ]

علم أنها معيبة فذكر القاضي أنه مخير بين ردها وأخذ أرشها فان أخذ أرشها فحكمه حكم الزائد عن قيمة الاضحية على ما نذكره، ويحتمل أن يكون الارش له لان الايجاب إنما صادفها بدون الذي أخذ أرشه فلم يتعلق الايجاب بالارش ولا بمبدله فاشبه مالو تصدق بها ثم أخذ أرشها، وعلى قول أبي الخطاب: لا يملك ردها لانه قد زال ملكه عنها بايجابها فاشبه ما لو اشترى عبدا معيبا فاعتقه ثم علم عيبه وهذا مذهب الشافعي فعلى هذا يتعين أخذ الارش، وفي كون الارش للمشتري ووجوبه في التضحية وجهان ثم ينظر فان كان عيبها لا يمنع اجزاءها فقد صح ايجابها والتضحية بها، وان كان يمنع اجزاءها فحكمه حكم ما لو اوجبها عالما بعيبها على ما ذكرناه (مسألة) (وان أتلفها أجنبي ضمنها بقيمتها، ان أتلفها صاحبها ضمنها باكثر الامرين من قيمتها أو مثلها فان ضمنها بمثلها وأخرج فضل القيمة جاز ويشتري به شاة أو سبع بدنة فان لم يبلغ اشترى به لحما فتصدق به أو يتصدق بالفضل) إذا أتلف الاضحية الواجبة صاحبها فعليه قيمتها لانها من المتقومات، وتعتبر القيمة يوم أتلفها فان غلت الغنم بعد ذلك فصار مثله خيرا من قيمتها فقال أبو الخطاب يلزمه مثله لانها أكثر الامرين ولانه يتعلق بها حق الله تعالى في ذبحها فوجب عليه مثلها ليوفي بحق الله تعالى بخلاف الاجنبي وهذا مذهب الشافعي. وظاهر قول القاضي انه لا يلزمه الا القيمة يوم الاتلاف وهو قول أبي حنيفة لانه اتلاف أوجب القيمة فلم يجب به أكثر من القيمة يوم الاتلاف كما لو أتلفها أجنبي وكسائر المضمونات فان رخصت الغنم فزادت قيمتها على مثلها مثل ان كانت قيمتها عند اتلافها عشرة فصارت قيمة مثلها

[ 571 ]

خمسة فعليه عشرة وجها واحدا فان شاء اشترى بها أضحية واحدة تساوي عشرة، وان شاء اشترى اثنتين فان اشترى واحدة وفضل من العشرة مالا يجئ به أضحية اشترى به شركا في بدنة فان لم يتسع لذلك أو لم تمكنه المشاركة فيه وجهان (أحدهما) يشتري لحما ويتصدق به لان الذبح وتفرقة اللحم مقصودان فان تعذر أحدهما وجب الآخر (والثاني) يتصدق بالفضل لانه إذا لم يحصل له التقرب بالاراقة كان اللحم وثمنه سواء، وان أتلفها أجنبي فعليه قيمتها يوم تلفها وجها واحدا ويلزمه دفعها إلى صاحبها فان زاد على ثمن مثلها فحكمه حكم ما لو أتلفها صاحبها وان لم تبلغ القيمة ثمن أضحية فالحكم فيه على ما مضى فيما إذا زاد على ثمن الاضحية في حج المضحي (مسألة) (فان تلفت بغير تدريطه أو سرقت أو ضلت فلا شئ عليه لانها أمانة في يده فلم يضمنها إذا لم يفرط كالوديعه) (مسألة) (وان عطب الهدي في الطريق نحره في موضعه وصبغ نعله التي في عنقه في دمه وضرب بها صفحة سنامه ليعرفه الفقراء فيأخذوه ولا يأكل منه هو ولا احد من أهل رفقته) وجملة ذلك أن من تطوع بهدي غير واجب لم يخل من حالين (أحدهما) أن ينويه هديا ولا يوجبه بلسانه ولا تقليده واشعاره فهذا لا يلزمه امضاؤه وله أولاده ونماؤه والرجوع فيه متى شاء ما لم يذبحه لانه نوى الصدقة بشئ من ماله أشبه مالو نوى الصدقة بدرهم (الثاني) أن يوجبه بلسانه أو يقلده ويشعره مع النية فيصير واجبا معينا يتعلق الوجوب بعينه دون ذمة صاحبه ويكون في يد صاحبه كالوديعة يلزمه حفظه وايصاله إلى محله فان تلف بغير تفريطه منه أو سرق أو ضل فلا ضمان عليه

[ 572 ]

كالوديعة لان الحق إنما تعلق بالعين فسقط بتلفها، وقد روى الدار قطني باسناده عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من أهدى تطوعا ثم ضلت فليس عليه البدل " إلا أن يشاء فان كان نذرا فعليه البدل فاما ان أتلفها أو تلفت بتفريطه فعليه ضمانه لانه أتلف واجبا لغيره فضمنه كالوديعة وان خاف عطبه أو عجزه عن المشي وصحبة الرفاق نحره موضعه وخلى بينه وبين المساكين ولم يبح له أكل شئ منه ولا لاحد من صحابته وان كانوا فقراء، ويستحب له أن يصبغ نعل الهدي المقلد في عنقه ثم يضرب بها صفحته ليعرفه الفقراء فيعلموا أنه هدي فيأخذوه، وبهذا قال الشافعي وسعيد بن جبير وروي عن ابن عمر انه أكل من هديه الذي عطب ولم يقض مكانه، وقال مالك: يباح لرفتقه ولسائر الناس غير صاحبه أو سائقه ولا يأمر أحدا يأكل منه فان أكل أو أمر من أكل أو ادخر شيئا من لحمه ضمنه لما روى هشام بن عروة عن أبيه عن ناجية بن كعب صاحب بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يا رسول الله كيف أصنع بما عطب من الهدي. قال " انحره ثم اغمس قلائده في دمه ثم أضرب بها صفحة عنقه ثم خل بينه وبين الناس " فيدخل في عموم قوله " خل بينه وبين الناس " رفقته وغيرهم ولنا ماروى ابن عباس رضي الله عنه ان ذؤيبا أبا قبيصة حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث معه بالبدن ثم يقول " ان عطب منها شئ فخشيت عليها فانحرها ثم اغمس نعلها في دمها ثم اضرب به صفحتها ولا تطعمها أنت ولا أحد من أهل رفتك " رواه مسلم، وفي لفظ " ويخليها والناس ولا يطعم منها هو ولا أحد من أصحابه " رواه الامام احمد وهذا صحيح متضمن للزيادة ومعنى خاص فيجب تقديمه على عموم ما خالفه ولا يصح قياس رفقته على غيرهم لان الانسان يشفق على رفقته

[ 573 ]

ويجب التوسعه عليهم وربما وسع عليهم من مؤنته وانما منع السائق ورفقته من الاكل منها ليلا يقصر في حفظها فيعطيها ليأكل هو ورفقته منها فتلحقه التهمة في عطبها لنفسه ورفقته فحرموها لذلك. فان أكل منها أو باع أو أطعم غنيا أو رفقته ضمنه بمثله لحما، وان أتلفها أو تلفت بتفريطه أو خاف عطبها فلم ينحرها حتى هلكت فعليه ضمانها يوصله إلى فقراء الحرم لانه لا يتعذر عليه ايصال الضمان إليهم بخلاف العاطب، وان أطعم منها فقيرا أو أمره بالاكل منها فلا ضمان عليه لانه أوصله إلى مستحقه فأشبه ما لو فعل ذلك بعد بلوغ الهدي محله، وان تعيب ذبحه وأجزأه. وقال أبو حنيفة لا يجزيه، ولنا أنه لو عطب لم يلزمه شئ فالعيب أولى لانه أقل وكما لو حدث به العيب حال اضجاعه فانه قد سلمه، وان تعيب بفعل آدمي فعليه ما نقصه من القيمة يتصدق به، وقال أبو حنيفة يباع جميعه ويشترى بالجمع هدي وبني ذلك على أنه لا يجزئ وقد بينا أنه يجزئ (مسألة) (وان تعيبت ذبحها وأجزأته الا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين كالفدية والمنذور في الذمة فعليه بدلها) إذا أوجب أضحية سليمة ثم حدث بها عيب بمنع الاجزاء ذبحها وأجزأته روي هذا عن عطاء والحسن والنخعي والزهري والثوري ومالك والشافعي واسحاق وقال أصحاب الرأي لا تجزئ لان الاضحية عندهم واجبة فلا يبرأ منها الا باراقة دمها سليمة كما لو أوجبها في ذمته ثم عينها فعابت ولناما روى أبو سعيد رضي الله عنه قال: ابتعنا كبشا نضحي به فأصاب الذئب من اليتة فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم فأمرنا أن نضحي به رواه ابن ماجه، ولانه عيب حدث في الاضحية الواجبة فلم

[ 574 ]

بمنع الاجزاء كما لو حدث بها عيب بمعالجة الذبح ولا نسلم انها واجبة في الذمة وإنما تعلق الوجوب بعينها فاما ان تعيبت بفعله فعليه بدلها، وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة إذا عالج ذبحها فقلعت السكين عينها أجزأت استحسانا، ولنا أنه عيب أحدثه قبل ذبحه فلم يجزئه كما لو كان قبل معالجة الذبح (فصل) والواجب في الذمة من الهدي قسمان (احدهما) وجب بالنذر في ذمته (والثاني) وجب بغيره كهدي المتعة والقران والدماء الواجبة في النسك بترك واجب أو فعل محظور فمتى عين عما في ذمته شيئا فقال هذا الواجب علي فانه يتعين الوجوب فيه من غير أي أن تبرأ الذمة لانه لو أوجب هديا ولا هدي عليه لتعين فكذلك إذا كان اجبا فعينه الا أن مضمون عليه فان عطب أو سرق أو نحو ذلك لم يجزئه وعاد الوجوب إلى ذمته كما لو كان لرجل عليه دين فاشترى به مكيلا فتلف قبل قبضه انفسخ البيع وعاد الدين إلى ذمته، ولان ذمته لم تبرأ من الواجب بتعيينه وانما تعلق الوجوب بمحل آخر فصار الدين يضمنه ضامن أو يرهن به رهنا فانه يتعلق الحق بالضامن والرهن مع بقائه في ذمة الدين فمتى تعذر استيفاؤه من الضامن أو تلف الرهن بقى الحق في الذمة بحاله فاما ان ساق الهدي ينوي به الواجب الذي في ذمته ولم يعينه بالقول فهذا لا يزول ملكه عنه الا بذبحه ودفعه إلى أهله وله التصرف فيه بما شاء من بيع وهبة وأكل وغير ذلك لانه لم يتعلق به حق لغيره وله نماؤه وان عطب تلف من ماله وان تعيب لم يجزئه ذبحه وعليه الهدي الذي كان واجبا ولا يبرأ الا بايصاله إلى مستحقه بمنزلة من عليه دين فحمل إلى مستحقه يقصد دفعه إليه فتلف قبل أن يوصله إليه ومتى عينه بالقول تعين فان ذبحه فسرق أو عطب فلا شئ عليه قال احمد رحمه الله إذا نحر فلم يطعمه حتى سرق

[ 575 ]

لا شئ عليه، فانه إذا نحر فقد فرغ وبهذا قال الثوري وابن القاسم صاحب مالك وأصحاب الرأي. وقال الشافعي: عليه الاعادة لانه لم يوصل الحق إلى مستحقه فأشبه ما لو لم يذحبه. ولنا انه أدى الواجب عليه فبرئ منه كما لو فرقه، ودليل انه أدى الواجب انه لم يبق الا التفرقة وليست واجبة لانه لو خلى بينه وبين الفقراء أجزأه ولذلك لما نحر النبي صلى الله عليه وسلم البدنات قال " من شاء اقتطع " وإذا عطب هذا المعين أو تعيب عيبا يمنع الاجزاء لم يجزئه ذبحه عما في الذمة لان عليه هديا سليما ولم يوجد وكذلك إذا عين عن الاضحية التي في الذمة شاة فهلكت أو تعيبت بما يمنع الاجزاء لم تجزئ لان ذمته لم تبرأ الا بذبح شاة سليمة كما لو نذر عتق رقبة أو كان عليه عتق رقبة في كفارة فاشتراها سليمة ثم عابت عنده لم تجزئه عما في ذمته بخلاف ما لو نذر عتق عبد معين فعاب فانه يجزئ عنه (مسألة) (وهل له استرجاع هذا العاطب والمعيب؟ على روايتين) (احداهما) له استرجاعه إلى ملكه فيصنع به ما شاء. هذا ظاهر كلام الخرقي ورواه ابن المنذر عن أحمد والشافعي واسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأى ونحوه عن عطالانه انما عينه عما في ذمته فإذا لم يقع عنه عاد إلى صاحبه كمن أخرج زكاته فبان انها غير واجبة. وقال مالك: يأكل ويطعم من أحب من الاغنياء والفقراء ولا يبيع منه شيئا. ولنا ما روى سعيد باسناد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إذا اهديت هديا واجبا فعطب فانحره ثم كله ان شئت واهده ان شئت وبعه ان شئت. ويقوم به في هدي آخر ولانه متى كان له أن يأكل ويطعم الاغنياء كان له بيعه لانه ملكه (والثانية) لا يرجع المعين إلى ملكه لانه قد تعلق به حق الفقراء بتعيينه فلزم ذبحه كما لو عينه بنذره ابتداء (فصل) فان عين معيبا عما في ذمته لم يجزه ويلزمه ذبحه على قياس قوله في الاضحية إذا عينها معيبة لزمه ذبحها ولم يجزه، وان عين صحيحا فهلك أو تعيبت بغير تفريطه لم يلزمه أكثر مما كان واجبا في الذمة لان الزائد لم يجب في الذمة، وانما تعلق بالعين فسقط بتلفها كأصل الهدي إذا لم يجب بغير التعيين، وإذا أتلفه أو تلف بتفريطه لزمه مثل المعين ان كان زائدا عما في الذمة لان الزائد تعلق به حق الله تعالى فإذا فوته لزمه كاهدي المعين ابتداء

[ 576 ]

(مسألة) (وكذلك ان ضلت فذبح بدلها ثم وجدها) إذا ضل المعين فذبح غيره ثم وجده أو عين غير الضال بدلا عما في الذمة ثم وجد الضال ذبحهما معا. روي ذلك عن عمر وابنه وابن عباس وبه قال مالك والشافعي وإسحاق لما روي عن عائشة رضي الله عنها انها أهدت هديين فأضلتهما فبعث إليها ابن الزبير بهديين فنحرتهما ثم عاد الضالان فنحرتهما وقالت: هذه سنة الهدي. رواه الدار قطبي، وهذا ينصرف إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولانه تعلق حق الله تعالى بهما بايجابهما أو ذبح أحدهما وايجاب الآخر، ويتخرج ان يرجع إلى ملكه أحدهما بناء على المسألة التي قبلها فيما إذا عين عما في الذمة شاة فعطبت أو تعينت انها ترجع إلى ملكه لانه قد ذبح عما في الذمة فلم يلزمه شئ آخر كما لو عطب المعين وهذا قول أصحاب الرأي (فصل) إذا غصب شاة فذبحها عما في ذمته لم يجزه وان رضي مالكها وسواء عوضه عنها أو لم يعوضه وقال أبو حنيفة يجزيه ان رضي مالكها. ولنا ان هذا لم يكن قربة في ابتدائه فلم يصر قربة في أثنائه كما لو ذبحها للاكل ثم نوى بها التقرب وكما لو أعتق عبدا ثم نواه عن كفارته (فصل) لا يبرأ من الهدي الا بذبحه أو نحره لان النبي صلى الله عليه وسلم نحر هديه فان نحره بنفسه أو وكل من نحره أجزاه وكذلك ان نحره انسان بغير اذنه في وقته وفيه اختلاف ذكرناه، وان دفعه إلى الفقراء سليما فنحروه أجزأ عنهم لانه حصل المقصود بفعلهم فأجزأه كما لو ذبحه غيرهم وان لم ينحروه فعليه ان يسترده منهم وينحره فان لم يفعل أو لم يقدر فعليه ضمانه لانه فوته بتفريطه في دفعه إليهم سليما (فصل) ويباح للفقراء الاخد من الهدي إذا لم يدفعه إليهم باحذ شيئين (أحدهما) الاذن فيه لفظا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " من شاء اقتطع " (والثاني) دلالة الحال على الاذن كالتخلية بينهم وبينه، وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يباح الا باللفظ. ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " اصبغ نعلها في دمها واضرب به صفحتها " دليل على ان ذلك وشبهه كاف من غير لفظ ولولا ذلك لم يكن هذا مفيدا (فصل) قال رحمه الله: سوق الهدي مسنون لا يجب الا بالنذر لان النبي صلى الله عليه وسلم فعله فساق

[ 577 ]

في حجته مائة بدنة وكان يبعث بهدية وهو بالمدينة وليس بواجب لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر به والاصل عدم الوجوب فان نذره وجب لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من نذر أن يطيع الله فليطعه " ولانه نذر طاعة فوجب الوفاء به كنذور الطاعات (1) (مسألة) (ويستحب أن يقفه بعرفه ويجمع بين الحل والحرام ولا يجب ذلك) روي استحباب ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما، وبه قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وكان ابن عمر لا يرى الهدي الا ما عرف به ونحوه عن سعيد بن جبير. وقال مالك: أحب للقارن يسوق هديه من حيث يحرم فان ابتاعه من درن ذلك مما يلي مكة بعد أن يقفه بعرفة جاز، وقال في هدي المجامع ان لم يكن ساقه فليشتره من مكة ثم ليخرجه إلى الحل وليسقه إلى مكة. ولنا أن المراد من الهدي نحره ونفع المساكين بلحمه وهذا لا يقف على شئ مما ذكوره ولم يرد بما قالوه دليل يوجبه فبقي على أصله (مسألة) ويسن إشعار البدن وهو أن يشق صفحة سنامها حتى يسيل الدم ويقلدها ويقلد الغنم النعل وآذان القرب والعرى) يسن تقليد الابل والبقر وإشعارها وهو أن يشق صفحة سنامها الايمن حتى يدميها في قول أهل العلم وقال أبو حنيفة هذا مثله غير جائز لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تعذيب الحيوان ولانه إيلام فهو كقطع عضو منه، وقال مالك: ان كانت البقرة ذا ت سنام فلا بأس باشعارها وإلا فلا لونا ما روت عائشة رضي الله عنها قالت: فتلت قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أشعرها وقلدها. متفق عليه، وفعله الصحابة فيجب تقديمه على عموم ما احتجوا به ولانه إيلام لغرض صحيح فجاز كالكي والوسم والحجامة وفائدته أن لا تختلط بغيرها وأن يتوقاها اللص ولا يحصل ذلك بالتقليد بمفرده لانه يحتمل أن ينحل ويذهب وقياسهم ينتقض بالكي وبشعر البقرة لانها من البدن فتشعر كذات السنام. أما الغنم فلا يسن اشعارها لانها ضعيفة وصوفها وشعرها يستر موضع إشعارها. إذا ثبت هذا فالسنة الاشعار في صفحتها اليمنى، وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وقال مالك وأبو يوسف بل

[ 578 ]

يشعرها في صفحتها اليسرى، وعن أحمد مثله لان ابن عمر فعله. ولنا ما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بذي الحليفة ثم دعا ببدنة وأشعرها من صفحة سنامها الايمن وسلت الدم عنها بيده. رواه مسلم. وأما ابن عمر فقد روي عنه كمذهبنا رواه البخاري ثم فعل النبي صلى الله عليه وسلم أولى من فعل ابن عمر بغير خلاف ولان النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه التيمن في شأنه كله وإذا ساق الهدي من قبل الميقات استحب اشعاره وتقليده من الميقات لحديث ابن عباس: وان كانت غنما استحب أن يقلدها نعلا أو آذان القرب أو علافة إداوة أو عروة، وقال مالك وأبو حنيفة لا يسن تقليد الغنم لانه لو كان سنة لنقل كما نقل في الابل. ولنا ما روي أن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أفتل القلائد للنبي صلى الله عليه وسلم رواه البخاري ولانه إذا سن تقليد الابل مع انه يمكن تعريفها بالاشعار فالغنم أولى وان ترك التقليد والاشعار فلا شئ عليه لانه غير واجب (مسألة) (وإذا نذر هديا مطلقا فأقل ما يجزئه شاة أو سبع بدنة أو بقرة لان المطلق في النذور يحمل على المعهود الشرعي، والهدي الواجب في الشرع انما هو من النعم وأقله ما ذكرناه فحمل عليه ولهذا لما قال الله تعالى في المتعة (فما استيسر من الهدي) حمل على ما قلنا فان اختار اخراج بدنة كاملة فهو أفضل وهل تكون كلها واجبة على وجهين ذكرناهما في باب الفدية) (مسألة) (ومن نذر بدنة أجزأته بقرة) قد ذكرنا ذلك في باب الفدية (مسألة) (فان عين بنذره أجزأه ماعينه صغيرا كان أو كبيرا من الحيوان وغيره وعليه ايصاله إلى فقراء الحرم الا أن يعينه بموضع سواه) إذا عين الهدي بشئ لزمه ماعينه وأجزأه سواء كان من بهيمة الانعام أو من غيرها وسواء كان حيوانا أو غيره مما ينقل أو مما لا ينقل فان النبي صلى الله عليه وسلم قال " من راح يعني إلى الجمعة في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة " فذكر الدجاجة والبيضة في الهدي وعليه إيصا له إلى فقراء الحرم لانه سماه هديا وأطلق فيحمل على محل الهدي المشروع

[ 579 ]

وقد قال سبحانه (ثم محلها إلى البيت العتيق) فان كان مما ينقل كالعقار باعه وبعث ثمنه إلى الحرم فتصدق به فيه وكذلك إذا نذر هديا مطلقا أو معينا وأطلق مكانه وجب عليه ايصاله إلى فقراء الحرم وجوز أبو حنيفة ذبحه حيث شاء كما لو نذر الصدقة بشاة. ولنا قوله تعالى (ثم محلها إلى البيت العتيق) ولان النذر يحمل على المعهود شرعا والمعهود في الهدي الواجب بالشرع كهدي المتعة وشبهه ان ذبحه يكون في الحرم كذا ههنا فان عين نذره بموضع غير الحرم لزم ذبحه فيه ويفرق لحمه على مساكينه أو اطلاقه لهم لما روي أن رجلا أتي النبي صلى الله عليه وسلم فقال اني نذرت أن أنحر ببوانة. قال " أبها صنم؟ " قال لا. قال " أوف بنذرك " رواه أبو داود فان نذر الذبح بموضع فيه صنم أو شئ من الكفر أو المعاصي كبيوت النار والكنائس والبيع واشباه ذلك (1) لم يصح نذره لعموم هذا الحديث ولانه نذر معصية فلا يوف به لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا نذر في معصية الله " ولقوله عليه السلام " من نذر أن يعصي الله فلا يعصه " (مسألة) (ويستحب أن يأكل من هديه ولا يأكل من واجب الا من دم المتعة والقران) يستحب أن يأكل من هديه وسواء في ذلك ما أوجبه بالتعيين من غير أن يكون واجبا في ذمته وما نحره تطوعا من غير أن يوجبه لقول الله تعالى (فكلوا منها) وأقل أحوال الامر الاستحباب، ولان النبي صلى الله عليه وسلم أكل من بدنه، وقال جابر: كنا لا نأكل من بدننا فوق ثلاث فرخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " كلوا وتزودوا " فأكلنا وتزودنا رواه البخاري. والمستحب أن يأكل اليسير كما روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فاكلام منها وحسيا من مرقها ولانه نسك فاستحب الاكل منه كالاضحية وله التزود والاكل كثيرا كما جاء في حديث جابر وتجزئه الصدقة باليسير منها كما في الاضحية فان أكلها كلها ضمن المشروع للصدقة منها كما في الاضحية، وقال ابن عقيل: حكمه في الاكل والتفريق حكم الاضحية، وحديث جابر في أن النبي صلى الله عليه وسلم انما أمر من كل جزور ببضعة يدل على خلاف قوله ولان الهدي يكثر بخلاف الاضحية. وان

[ 580 ]

لم يأكل فحسن فان النبي صلى الله عليه وسلم لما نحر البدنات الخمس قال " من شاء اقتطع " وظاهره أنه لم يأكل منهن شيئا، وقال بعض أهل العلم يجب الاكل منها لظاهر الامر. ولنا الحديث المذكور ولانها ذبيحة يتقرب إلى الله تعالى بها فلم يجب الاكل منها كالعقيقة (مسألة) (ولا يأكل من واجب الا دم المتعة والقران دون ما سواهما) نص عليه احمد لان سببهما غير محظور فاشبها هدي التطوع، وهذا قول أصحاب الرأي، وعن احمد أنه يحرم الاكل من النذور وجزاء الصيد ويأكل مما سواهما وهو قول ابن عمر وعطاء والحسن واسحق لان جزاء الصيد بدل والنذر جعله لله تعالى بخلاف غيرهما وقال ابن أبي موسى: لا يأكل أيضا من الكفارة ويأكل مما سوى الثلاثة ونحوه مذهب مالك، لان ما سوى الثلاثة لم يسمه للمساكين ولا مدخل للاطعام فيه فاشبه التطوع وقال الشافعي لا يأكل من واجب لانه هدي وجب بالاحرام فلم يجز الاكل منه كدم الكفارة ولنا أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تمتعن معه في حجة الوداع وأدخلت عائشة الحج على العمرة فصارت قارنة ثم ذبح عنهن النبي صلى الله عليه وسلم البقر فأكلن من لحومها، قال أحمد قد أكل من البقر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة. وقالت عائشة إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من لم يكن معه هدي إذا طاف بالبيت أن يحل فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر فقلت ما هذا؟ فقيل ذبح النبي صلى الله عليه وسلم عن أزواجه. وقال ابن عمر تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج فساق الهدي من ذي الحليفة. متفق عليه، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فأكل هو وعلي من لحمها وشربا من مرقها رواه مسلم. ولانهما دما نسك أشبها التطوع ولا يجوز الاكل من غيرهما لانه وجب بفعل محظور أشبه جزاء الصيد (فصل) فان أكل مما منع من أكله ضمنه بمثله لحما لان الجميع مضمون عليه بمثله حيوانا فكذلك ابعاضه، وكذلك إن أعطى الجازر منها شيئا ضمنه بمثله فان أطعم غنيا منها على سبيل الهدية جاز كما

[ 581 ]

يجوز له ذلك في الاضحة لان ماملك أكله ملك هديته، وإن باع شيئا منها أو أتلفه ضمنه بمثله لانه ممنوع من ذلك عطيته للجازر، وإن أتلف أجنبي منه شيئا ضمنه بقيمته لانه من غير ذوات الامثال فضمنه بقيمته كما لو أتلف لحما لآدمي معين (فصل) قال رحمه الله (والاضحية سنة مؤكدة لا تجب إلا بالنذر) أكثر أهل العلم يرون الاضحية سنة مؤكدة غير واجبة. روي ذلك عن أبي بكر وعمر وابن مسعود رضي الله عنهم، وبه قال سويد بن غفلة وسعيد بن المسيب وعلقمة والاسود وعطاء والشافعي واسحاق وأبو ثور وابن المنذر، وقال ربيعة ومالك والثوري والليث والاوزاعي وأبو حنيفة هي واجبة لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من كان له سبعة ولم يصح فلا يقربن مصلانا " وعن محنف بن سليم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " يا أيها الناس إن على كل أهل بيت في كل عام أضحاة وعتيرة " ولنا ماروى الدار قطبي باسناده عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ثلاث كتبن على وهن لكم تطوع " وفي رواية " الوتر والنحر وركعتا الفجر " ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال " من أراد أن يضحي فدخل العشر فلا يأخذ من شعره لوا بشرته شيئا " رواه مسلم. علقه على الارادة والواجب لا يعلق على الارادة، ولانها ذبيحة لم يجب تفريق لحمها فلم تكن واجبة كالعقيقة، وحديثهم قد ضعفه أصحاب الحديث ثم نحمله على الاستحباب كما قال " غسل الجمعة واجب على كل محتلم " وقال: " من أكل من هاتين الشجرتين فلا يقربن صملانا " وقد روي عن أحمد في اليتيم يضحي عنه وليه إذا كان موسرا، وقال أبو الخطاب وهذا يدل على أنها واجبة والصحيح أن هذا على وجه التوسعة عليه لا سبيل الايجاب. فان نذرها وجبت لقول النبي صلى الله عليه وسلم من نذر أن يطيع الله فليطعه " وهذا نذر طاعة

[ 582 ]

(مسألة) (وذبحها أفضل من الصدقة بثمنها نص عليه) وبهذا قال ربيعة وأبو الزناد، وروي عن بلال أنه قال ما أبالي ألا أضحي الا بديك ولان أضعه في يتيم قد ترب فوه أحب إلي من أن أضحي، وبهذا قال الشعبي وأبو ثور وقالت عائشة لان أتصدق بخاتمي هذا أحب إلي من أن أهدي إلى البيت ألفا. ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى والخلفاء بعده، ولو علموا أن الصدقة أفضل لعدلوا إليها، وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ما عمل ابن آدم يوم النحر عملا أحب إلى الله من اراقة دم، وانه ليؤتى يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وان الدم ليقع من الله عزوجل بمكان قبل أن يقع على الارض فطيبوا بها نفسا " رواه ابن ماجه: ولان إيثار الصدقة على الاضحية يفضي إلى ترك سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول عائشة في الهدي لا في الاضحية (مسألة) ويستحب أن يأكل ثلثها، ويهدي ثلثها، ويتصدق بثلثها، وإن أكل أكثر جاز) قال أحمد نحن نذهب إلى حديث عبد الله يأكل هو الثلث، ويطعم من أراد الثلث، ويتصدق على المساكين بالثلث. قال علقمة بعث معي عبد الله بهدية فأمرني أن آمل ثلثها، وأن أرسل إلى أهل أخيه بثلث، وأن أتصدق بثلث. وعن ابن عمر قال: الضحايا والهدايا ثلث لك وثلث لاهلك وثلث للمساكين، وهذا قول اسحاق وأحد قولي الشافعي وقال في الآخر. يجعلها نصفين يأكل نصفها ويتصدق بنصف لقول الله تعالى (فكلا منها واطعموا البائس الفقير) وقال أصحاب الرأي ما كثر من الصدقة فهو أفضل لان النبي صلى الله عليه وسلم أهدى مائة بدنة، وأمر من كل بدنة ببضعة فجعلت لي قدر فأكل هو وعلي من لحمها وحسيا من مرقها، ونحر خمس بدنات أو ست بدنات وقال " من شاء اقتطع " ولم يأكل منهن شيئا. ولنا ما روى ابن عباس في صفة أضحية النبي صلى الله عليه وسلم قال: ويطعم أهل بيته الثلث، ويطعم فقراء جيرانه الثلث، ويتصدق على السؤال بالثلث رواه الحافظ أبو موسى في الوظائف وقال حديث حسن، ولانه قول ابن مسعود وابن عمر ولم يعرف لهما مخالف في

[ 583 ]

الصحابة. ولان الله تعالى قال فكلوا منها واطعموا القانع والمعتر) والقانع السائل، يقال قنع قنوعا إذا سأل، والمعتر الذي يعتريك أي بتعرض لك لتطعمه ولا يسأل فذكر ثلاثة أصناف فينبغي أن يقسم بينهم أثلاثا، وأما الآية التي احتج بها أصحاب الشافعي فان الله تعالى لم يبين قدر المأكول منها والمتصدق به وقد نبه عليه في آيتنا وفسره النبي صلى الله عليه وسلم بفعله وابن عمر بقوله، وأما خبر أصحاب الرأي فهو في الهدي، والهدي يكثر فلا يتمكن الانسان من قسمه وأخذ ثلثه فيتعين الصدقة. والامر في هذا واسع فلو تصدق بها كلها أو بأكثرها جاز، وإن أكلها كلها إلا أوقية تصدق بها أجزأ لان الله تعالى أمر بالاكل والاطعام منها ولم يقيده بشئ فمتى أكل وأطعم فقد أتى بما أمر. وقال أصحاب الشافعي يجوز أكلها كلها. ولنا أن الله تعالى قال (فكلوا منها واطعموا البائس الفقير) وظاهر الامر الوجوب، وقال بعض أهل العلم يجب الاكل منها ولا تجوز الصدقة بجميعها للامر بالاكل. ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر خمس بدنات وقال " من شاء فليقتطع " ولم يأكل منهن شيئا، ولانها ذبيحة يتقرب بها إلى الله تعالى فلم يجب الاكل منها كالعقيقة فيكون الامر للاستحباب أو للاباحة كالامر بالاكل من الثمار والزروع والنظر إليها (فصل) ويجوز أن يطعم منها كافرا وبهذا قال الحسن وأبو ثور وأصحاب الرأي وكره مالك والليث اعطاء النصراني جلد الاضحية، وقال مالك غيرهم أحب الينا. ولنا أنه طعام له أكله فجاز اطعامه الذمي كسائر طعامه، ولانه صدقة تطوع فأشبه سائر صدقة التطوع، وأما الصدقة الا جبة منها فلا يجزئ دفعه إلى كافر لانها واجبة فأشبهت الزكاة وكفارة اليمين (مسألة) (فان أكلها كلها ضمن أقل ما يجزئ في الصدقة مها) لقول الله تعالى (فكلوا منها واطعموا البائس الفقير) والامر يقتضي الوجوب، ولان ما أبيح له أكله لا يلزمه غرامته، ويلزم غرم ما وجبت به الصدقة لانه حق يجب عليه مع بقائه فلزمته غرامته إذا أتلفه كالوديعة ويضمنه بمثله لحما لان ما ضمن جميعه بحيوان ضمن بعضه بمثله وفيه قول آخر أنه يجب عليه ضمان ثلثها ذكره صاحب المحرر والاول أقيس وأصح

[ 584 ]

(فصل) وإذا نذر أضحية في ذمته ثم ذبحها فله أن يأكل منها، وقال القاضي من أصحابنا يمنع من الاكل منها وهو ظاهر كلام أحمد وبناه على الهدي المنذور. ولنا أن النذر محمول على المعهود والمعهود من الاضحية الشرعية ذبحها والاكل منها والنذر لا يغير من صفة المنذور إلا الايجاب وفارق الهدي فان الهدي الاجب بأصل الشرع لا يجوز الاكل منه فالمنذور محمول عليه (فصل) ويجوز ادخار لحوم الاضاحي فوق ثلاث في قول عامة أهل العلم ولم يجزه علي وابن عمر رضي الله عنهما لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ادخار لحوم الاضاحي فوق ثلاث. ولنا أن النبي قال " كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الاضاحي فوق ثلاث فامسكوا ما بدالكم " رواه مسلم، وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " انما نهيتكم للدافة التي دفت فكلوا وتزودوا وتصدقوا وادخروا " قال أحمد رحمه الله فيه أسانيد صحاح، فأما علي وابن عمر فلم تبلغهما الرخصة وقد كانا سمعا النهي فروياه على ما سمعوه (فصل) ولا يضحي عما في البطن روي ذلك عن ابن عمر وبه قال الشافعي ولا نعلم فيه مخالفا وليس للعبد والمدبر والمكاتب وأم الولد أن يضحوا إلا باذن سادتهم لانهم ممنوعون من التصرف بغير اذنهم والمكاتب ممنوع من التبرع والاضحية تبرع، فاما من نصفه حراذا ملك يجزئه الحر فله أن يضحي بغير اذن سيده لان له التبرع بغير اذن (مسألة) (ومن أراد أن يضحي فدخل العشر فلا يأخذ من شعره ولا بشرته شيئا حتى يضحي وهل ذلك حرام؟ على وجهين؟ لما روت أم سلمة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئا حتى يضحي " رواه مسلم، وفي رواية " ولا من بشرته " رواه مسلم ظاهر هذا التحريم وهو قول بعض أصحابنا، وحكاه ابن المنذر عن أحمد واسحاق وسعيد بن المسيب، وقال القاضي وجماعة من أصحابنا هو مكروه غير محرم، وبه قال مالك والشافعي

[ 585 ]

لقول عائشة: كنت أفتل قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يقلدها بيده ثم يبعث بها ولا يحرم عليه شئ أحله الله له حتى ينحر الهدي. متفق عليه، وقال أبو حنيفة لا يكره ذلك لانه لا يحرم عليه الوطئ واللباس فلا يكره له حلق الشعر وتقليم الاظفار كما لو لم يرد أن يضحي. ولنا الحديث المذكور وظاهره التحريم وهذا يرد القياس وحديثهم عام وهذا خاص يجب تقديمه وتنزيل العام على ما عدا ما تناوله الحديث الخاص، ولانه يجب حمل حديثهم على غير ما تناوله محل النزاع لوجوه (منها) أن اقل أحوال النهي الكراهة والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ليفعل مانهي عنه وإن كان مكروها قال الله تعالى اخبارا عن شعيب عليه السلام (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنها كم عنه) (ومنها) أن عائشة انما تعلم ظاهرا ما يباشرها به من المباشرة أو ما يفعله دائما كاللباس والطيب، أما قص الشعر وتقليم الاظفار مما لا يفعله في الايام إلا مرة فالظاهر أنها لم ترده بخبرها، فان احتمل ارادته فهو احتمال بعيد وما كان هكذا فاحتمال تخصيصه قريب فيكفي فيه أدنى دليل وخبرنا دليل قوي فكان أولى بالتخصيص ولان عائشة تخبر عن فعله وأم سلمة تخبر عن قوله والقول يقدم على الفعل لاحتمال أن يكون فعله خاصا له، إذا ثبت هذا فانه يترك قطع الشعر وتقليم الاظفار، فان فعل استغفر الله ولا فدية عليه اجماعا ساء فعله عمدا أو ناسيا (فصل) قال ابن أبي موسى يستحب أن يحلق رأسه عقيب الذبح ولم يذكر له وجها والله أعلم ولعله لما كان ممنوعا منه قبل الذبح استحب له ذلك كالمحرم (فصل) قال رضي الله عنه (والعقيقة سنة مؤكدة) العقيقة الذبيحة التي تذبح عن المولود، وقيل هي الطعام الذي يصنع ويدعى إليه من أجل المولود. قال أبو عبيد العقيقة الشعر الذي على المولود، وجمعها عقائق ثم إن العرب سمت الذبيحة عند حلق شعر المولود عقيقة على عادتهم في تسمية الشئ باسم سببه أو ما يجاوره ثم اشتهر ذلك حتى صار من الاسماء العرفية بحيث لا يفهم من العقيقة عند الاطلاق إلا الذبيحة، وقال ابن عبد البر: أنكر احمد هذا التفسير وقال: إنما العقيقة الذبح نفسه، ووجهه أن أصل العق القطع، ومنه عق والدين إذا قطعهما، والذبح قطع الحلقوم والمرئ والودجين

[ 586 ]

والعقيقة سنة في قول عامة أهل العلم منهم ابن عباس وابن عمر وعائشة وفقهاء التابعين وأئمة الامصار وقال أصحاب الرأي ليست سنة وهي من أمر الجاهلية لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العقيقة فقل " ان الله لا يجب العقوق " فكأنه كره الاسم وقال " من ولد له مولود فأحب أن ينسك عنه فليفعل " رواه مالك في الموطأ وقال الحسن وداود هي واجبة وروي عن بريدة أن الناس يعرضون عليها كما يعرضون على الصلوات الخمس لما روى سلمة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويسمى ويحلق رأسه " وعن أبي هريرة مثله قال احمد اسناده جيد، وروي حديث سمرة الاثرم وأبو داود، وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم عن الغلام بشاتين مكافئتين (1) وعن الجارية بشاة، وظاهر الامر الوجوب ولنا على أنها مستحبة هذه الاحاديث، وعن أمر كرز الكعبة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " عن الغلام شاتان مكافأتان، وعن الجارية شاة " وفي لفظ " عن الغلام شاتان مثلان، وعن الجارية شاة " رواه أبو داود وقد دل على استحبابها الاجماع. قال أبو الزناد من أمر الناس كانوا يكرهون تركه، وقال احمد رضي الله عنه العقيقة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قدعق عن الحسن والحسين وفعله أصحابه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم " الغلام مرتهن بعقيقته " وهو إسناد جيد يرويه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن جعلها من أمر الجاهلية فهو لان هذه الاخبار لم تبلغه، والدليل على عدم وجوبها ما احتج به أصحاب الرأي من الخبر، وما روي فيها من الاخبار محمولة على تأكيد الاستحباب جمعا بين الاخبار فانه أولى من التعارض ولانها ذبيحة لسرور حادث فلم تكن واجبة كالوليمة (فصل) وهي أفضل من التصدق بقيمتها نص عليه احمد قال: إذا لم يكن عنده ما يعق فاستقرض رجوت أن يخلف الله عليه احيا سنة. قال أحمد احياء السنن واتباعها أفضل، وقد ورد فيها من تأكيد الاحاديث التى رويناها ما لم يرد في غيرها (مسألة) (عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة) يروى ذلك عن ابن عباس وعائشة وهو قول أكثر القائلين بها. منهم الشافعي وأبو ثور وكان ابن عمر يقول: شاة شاة عن الغلام والجارية، لما روي

[ 587 ]

أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن شاة، وعن الحسين شاة. رواه أبو داود وكان الحسن وقتادة لا يريان عن الجارية عقيقة لان العقيقة شكر للنعمة الحاصلة بالولد والجارية لا يحصل بها سرور فلا يشرع لها عقيقة. ولنا حديث عائشة وأم كرز وما رووه محمول على الجواز. إذا ثبت هذا فيستحب أن تكون الشاتان متماثلتين لقول النبي صلى الله عليه وسلم شاتان مكافأتان، وفي رواية مثلان قال احمد يعني متقاربتين أو متساويتين لما جاء من الحديث فيه، ويجوز فيها الذكر والانثى لانه روي في حديث أم كرز أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة ولا بأس أن تكون ذكورا أو أناثا " رواه سعيد وابن داود والذكر أفضل لان النبي صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين بكبش كبش وضحى بكبشين والعقيقة تجري مجرى الاضحية والافضل في لونها البياض ويستحب استحسانها واستسمانها واستعظامها لما ذكرنا في الاضحية لانها تشبهها فان خالف ذلك أو عق بكبش واحد أجزأ لما روينا من حديث الحسن والحسين (مسألة) (وتذبح يوم سابعه ويحلق رأسه ويتصدق بوزنه ورقا فان فات ففي أربعة عشر فان فات ففي إحدى وعشرين) السنة أن تذبح العقيقة يوم السابع لما ذكرنا من حديث سمرة. قال شيخنا ولا نعلم خلافا بين أهل العلم القائلين بمشروعيتها في استحباب ذبحها يوم السابع. يستحب أن يحلق رأس الصبي يوم السابع ويسمى لحديث سمرة وأن يتصدق بوزن شعره من الفضة لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة لما ولدت الحسن " احلقي رأسه وتصدقي وزن شعره فضة على المساكين والاوقاص " يعني أهل الصفة رواه الامام أحمد، وروى سعيد في سننه عن محمد بن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين بكبش كبش وضحى بكبشين. والعقيقة تجري مجرى الاضحية والافضل في لونها البياض، وأنه تصدق بوزن شعورهما ورقا وأن فاطمة رضي الله عنها كانت إذا ولدت ولدا حلقت شعره وتصدقت بوزن شعره ورقا: وإن سماه قبل السابع فحسن لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " ولد لي الليلة ولد فسميته باسم أبي ابراهيم " والغلام الذي جاء به أنس بن مالك فحنكه وسماه عبد الله. ويستحب أن يحسن اسمه لانه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " انكم تدعون يوم القيامة

[ 588 ]

بأسمائكم وأسماء آبائكم فاحسنوا أسماكم " رواه أبو داود وقال عليه الصلاة والسلام " أحب الاسماء إلى الله عبد الله والرحمن " رواه مسلم وهو حديث صحيح وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال " أحب الاسماء إلى الله أسماء الانبياء " وقال النبي صلى الله عليه وسلم " تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي " وفي رواية " لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي " (فصل) فان فات الذبح في السابع ففي أربع عشرة، فان فات ففي إحدى وعشرين، وهذا قول اسحاق لانه روي عن عائشة رضي الله عنها، والظاهر أنها لا تقوله إلا توفيقا فان ذبح قبل ذلك أو بعده أجزأ لحصول المقصود بذلك فان تجاوز إحدى وعشرين احتمل أن يستحب في كل سابع فيجعله في ثمان وعشرين، فان لم يكن ففي خمس وثلاثين، وعلى هذا قياسا على ما قبله، واحتمل أن يجوز في كل وقت لان هذا قضاء فائت فلم يتوقف كقضاء الاضحية وغيرها فان لم يعق أصلا فبلغ الغلام وكسب فقد سئل احمد عن هذه المسألة فقال ذلك على الوالد يعني لا يعق عن نففسه لان السنة في حق غيره وقال عطاء والحسن يعق عن نفسه لانه مشروعة عنه ولانه مرتهن بها فينبغي أن يشرع له فكاك نفسه ولنا أنها مشروعة في حق الوالد فلا يفعلها غيره كالاجنبي وكصدقة الفطر (فصل) يكره أن يلطخ رأس الصبي بدم عن احمد والزهري ومالك والشافعي وابن المنذر وحكي عن الحسن وقتادة أنه مستحب، وحكاه ابن أبي موسى قولا في المذهب لما روي في حديث سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " الغلام مرتهن بعقيقته يذبح عنه يوم السابع ويدمى " رواه همام عن قتادة عن الحسن عن سمرة قال ابن عبد البر لا أعلم أحدا قال هذا إلا الحسن وقتادة وأنكره سائر أهل العلم وكرهوه لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " مع الغلام العقيقة فهريقوا عنه دما وأميطوا عنه الاذى " رواه أبو داود وهذا يقتضي أن لا يمس بدم لانه أذي، وروى زيد بن عبد المزني عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " يعق عن الغلام ولا يمس رأسه بدم " قال مهنا ذكرت هذا الحديث لاحمد فقال: ما أظرفه. رواه ابن ماجه ولم يقل عن أبيه، ولان هذا تنجيس له فلا يشرع كلطخه بغيره من النجاسات، وقال بريدة كنا في الجاهلية إذا ولد لاحدنا غلام ذبح شاة ويلطخ رأسه بدمها، فلما جاء الاسلام كنا نذبح شاة

[ 589 ]

ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران. رواه أبو داود فاما رواية من روى ويدمى فقال أبو داود ويسمي أصح هكذا قال سلام بن أبي مطيع عن قتادة واياس بن دغفل عن الحسن ووهم همام وقال: ويدمى قال احمد قال فيه ابن أبي عروبة يسمى، وقال همام يدمى، وما اره الاخطأ وقبل هو تصحيف من الراوي (مسألة) (وينزعها أعضاء ولا يكسر عظمها وحكمها حكم الاضحية) يستحب أن يفصلها أعضاء ولا يكسر عظامها لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت السنة شاتان مكافأتان عن الغلام وعن الجارية شاة يطبخ جدولا لا يكسر عظم ويأكل ويطعم ويتصدق وذلك يوم السابع. قال أبو عبيد الهروي في العقيقة تطبخ جدولا لا يسكر لها عظم أي عضوا عضوا وهو الجدل بالدال غير المعجمة والارب والشلو والعضو والوصل كله واحد إنما فعل بها ذلك لانها أول ذبيحة ذبحت عن الغلام فاستحب ذلك تفاؤلا بالسلامة كذلك قالت عائشة وروي أيضا عن عطاء وابن جريج وبه قال الشافعي (فصل) وحكمها حكم الاضحية في سنها وما يجزئ منها، وما لا يجزئ، ويستحب فيها من الصفة ما يستحب فيها وكانت عائشة تنقول ائتوني به أعين أقرن. قال عطاء الذكر أحب إلى من الانثى والضأن أحب الينا من المعز، ويكره فيها ما يكره في الاضحية وهي: الشرقاء والخرقاء والمقابلة والمدابرة، ويستحب استشراف العين والاذن كما ذكرنا في الاضحية سواء لانها تشبهها فتقاس عليها وحكمها في الاكل والهدية والصدقة حكم الاضحية، وبهذا قال الشافعي وقال ابن سيرين اصنع بلحمها كيف شئت، وقال ابن جريح تطبخ بماء وملح وتهدى في الجيران والصديق ولا يتصدق منها بشئ وسئل احمد عنها فحكى قول ابن سيرين، وهذا يدل على أنه ذهب إليه وسئل هل يأكلها كلها؟ قال: ألم أقل يأكلها كلها ولا يتصدق منها بشئ؟ والاشبه قياسها على الاضحية لانها نسيكة مشروعة غير واجبة أشبهت الاضحية، ولانها أشبهتها في صفتها وسنها وقدرها وشروطها فكذلك في مصرفها وإن طبخها ودعا من أكلها فحسن (فصل) قال أحمد رحمه الله: يباع الجلد والرأس والسقط ويتصدق به ونص في الاضحية على

[ 590 ]

خلاف هذا وهو أقيس في مذهبه لانها ذبيحة الله فلا يباع منها شئ كالهدي، ولانه يمكن الصدقة به فلا جاجة إلى بيعه، وقال أبو الخطاب يحتمل أن ينقل حكم إحداهما إلى الاخرى فيخرج في المسئلتين روايتان، ويحتمل أن يفرق بينهما من حيث إن الاضحية ذبيحة شرعت يوم النحر فأشبهت الهدي، والعقيقة شرعت عند سرور حادث وتجدد نعمة أشبهت الذبح في الوليمة، ولان الذبيحة ههنا لم تخرج عن ملكه فكان له أن يفعل بها ما شاء من بيع وغيره، والصدقة بثمن ما بيع منها بمنزلة الصدقة به في فضلها وثوابها وحصول النفع به فكان له ذلك (فصل) قال بعض أهل العلم: يستحب للوالد أن يؤذن في أذن ابنه حين يولد لما روى عبد الله ابن رافع عن أبيه ان النبي صلى الله عليه وسلم اذن في أذن الحسن حين ولدته فاطمة، وعن عمر بن عبد العزيز أنه كان إذا ولد له مولود أخذه في خرقة فأذن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى وسماه وروينا ان رجلا قال لرجل عند الحسن يهنيه بانب: ليهنك الفارس، فقال الحسن: وما يدرك أفارس هو أو حمار؟ فقال كيف نقول؟ قال قل؟ بورك لك في الموهوب؟ وشكرت الواهب؟ وبلغ أشده؟ ورزقت بره. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان يحنك أولاد الانصار بالتمر. وروى أنس رضي الله عنه قال: ذهب بعبد الله بن أبي طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ولد قال " هل معك تمر؟ " فناولته تمرات فلاكهن ثم فغرفاه ثم مجه طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ولد قال " هل معك تمر؟ " فناولته تمرات فلاكهن ثم فغرفاه ثم مجه فيه فجعل يتلمظ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنظروا إلى حب الانصار التمر " وسماه عبد الله (مسألة) (ولا تسن الفرعة وهي ذبح أول ولد الناقة ولا العتيرة وهي ذبيحة رجب) هذا قول علماء الامصار سوى ابن سيرين فانه كان يذبح العتيرة في رجب ويروي فيها شيئا

[ 591 ]

والفرعة والفرع بفتح الراء أول ولد الناقة كانوا يذبحونه لآلهتهم في الجاهلية فنهوا عنها قال ذلك أبو عمرو الشيباني وقال أبو عبيد: العتيرة هي الرجبية كان أهل الجاهلية إذا طلب أحدهم أمرا نذر أن يذبح من غنمه شاة في رجب وهي العتائر، والصحيح ان شاء الله تعالى انهم كانوا يذبحونها في رجب من غير نذر جعلوا ذلك سنة فيما بينهم كالاضحية في الاضحى وكان منهم من ينذرها كما قد ينذر الاضحية بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم " على كل أهل بيت أضحاة وعتيرة " وهذا الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم في بدء الاسلام تقريرا لما كان في الجاهلية وهو يقتضى ثبوتها بغير نذر ثم نسخ بعد، ولان العتيرة لو كانت هي المنذورة لم تكن منسوخة فان الانسان لو نذر ذبح شاة في أي قت كان لزمه الوفاء بنذره وروي عن عائشة رضي الله عنها قالت: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفرعة من كل خمسين واحدة. قال ابن المنذر: هذا حديث ثابت. ولنا على أنها لا تسن ما روى أبسلم " على كل أهل بيت أضحاة وعتيرة " وهذا الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم في بدء الاسلام تقريرا لما كان في الجاهلية وهو يقتضى ثبوتها بغير نذر ثم نسخ بعد، ولان العتيرة لو كانت هي المنذورة لم تكن منسوخة فان الانسان لو نذر ذبح شاة في أي قت كان لزمه الوفاء بنذره وروي عن عائشة رضي الله عنها قالت: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفرعة من كل خمسين واحدة. قال ابن المنذر: هذا حديث ثابت. ولنا على أنها لا تسن ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا فرع ولا عتيرة " متفق عليه. وهذا الحديث متأخر على الامر بها فيكون ناسخا ودليل تأخر أمران (أحدهما) ان راويه أبو هريرة وهو متأخر الاسلام فان اسلامه في سنة فتح خيبر وهي السنة السابعة من الهجرة (والثاني) أن الفرع والعتيرة كان فعلها أمرا متقدما على الاسلام فالظاهر بقاؤهم عليه إلى حين نسخه واستمرار النسخ من غير رفع له، ولو قدرنا تقدم النهي عن الامر بها لكانت قد نسخت ثم نسخ ناسخها، وهذا خلاف الظاهر، إذا ثبت هذا فان المراد بالخبر نفي كونها سنة لا تحريم فعلها ولا كراهته فلو ذبح انسان ذبيحة فقي رجب أو ذبح ولد الناقة لجاته إلى ذلك أو للصدقة به واطعامه لم يكن ذلك مكروها والله تعالى أعلم (تم الجزء الثالث..)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية