الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الشرح الكبير - عبدالرحمن بن قدامه ج 2

الشرح الكبير

عبدالرحمن بن قدامه ج 2


[ 1 ]

الشرح الكبير على متن المقنع، تأليف الشيخ الامام (شمس الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر محمد بن أحمد ابن قدامة المقدسي) المتوفى سنة 682 ه‍ كلاهما على مذهب امام الائمة (ابي عبد الله احمد بن محمد بن حنبل الشيباني) مع بيان خلاف سائر الائمة وأدلتهم رضي الله عنهم (الجزء الثاني) (تنبيه) وضعنا كتاب المغني في اعلى الصحائف والشرح الكبير في ادناها مفصولا بينهما بخط عرضي دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين * (باب صلاة الجماعة) * * (مسألة) * (وهي واجبة للصلوات الخمس على الرجال لا شرطا) الجماعة واجبة على الرجال المكلفين لكل صلاة مكتوبة، روي نحو ذلك عن ابن مسعود وأبي موسى وبه قال عطاء والاوزاعي وأبو ثور، وقال مالك والثوري وأبو حنيفة والشافعي لا تجب لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة " متفق عليه ولان النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على اللذين قالا قد صلينا في رحالنا ولو كانت واجبة لانكر عليهما، ولانها لو كانت واجبة لكانت شرطا لها كالجمعة ولنا قوله تعالى (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) الآية ولو لم تكن واجبة لرخص فيها حالة الخوف ولم يجز الاخلال بواجبات الصلاة من أجلها وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب ليحطب (1) ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم " متفق عليه، وفيه ما يدل على انه أراد الجماعة لانه لو أراد الجمعة لما هم بالتخلف عنها، وعن أبي هريرة قال أتى النبي صلى الله


(1) بدون تاء وفي المغني بالتاء وهما روايتان من عدة روايات للبخاري

[ 3 ]

عليه وسلم رجل أعمى فقال يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فسأله أن يرخص له أن يصلي في بيته فرخص له فلما ولى دعاه فقال " أتسمع النداء بالصلاة؟ " قال نعم قال " فأجب " رواه مسلم. وإذا لم يرخص للاعمى الذي لا قائد له فغيره أولى قال ابن المنذر وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابن أم مكتوم " لا أجد لك رخصة " يعني في التخلف عن الجماعة. وعن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ما من ثلاثة في قرية أو بلد لا تقام فيه الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان فعليك بالجماعة فان الذئب يأكل القاصية " وفي حديث مالك ابن الحويرث " إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكما وليؤمكما أكبركما " ولمسلم " إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم " أمر وظاهر الامر الوجوب * (فصل) * وليست شرطا لصحة الصلاة نص عليه أحمد وقال ابن عقيل تشترط في أحد الوجهين قال وهو الصحيح عندي لما ذكرنا من الادله. قال شيخنا وهذا ليس بصحيح للحديثين اللذين ذكرناهما في حجة الخصم ولا نعلم أحدا قال بوجوب الاعادة على من صلى وحده إلا أنه قد روي عن جماعة من الصحابة منهم ابن مسعود انهم قالوا: من سمع الندا من غير عذر فلا صلاة له * (فصل) * وتنعقد باثنين فصاعدا بغير خلاف علمناه لما روى أبو موسى ان النبي صلى الله عليه

[ 4 ]

وسلم قال " الاثنان فما فوقهما جماعة " رواه ابن ماجه ولحديث مالك بن الحويرث، وقد أم النبي صلى الله عليه وسلم ابن عباس مرة وحذيفة مرة ولو أم الرجل عبده أو زوجته أدرك فضيلة الجماعة وإن أم صبيا جاز في التطوع لان النبي صلى الله عليه وسلم أم ابن عباس وهو صبي وإن أمه في الفرض فقال أحمد لا تنعقد به الجماعة لانه لا يصلح أن يكون إماما فيها وعنه يصح ذكرها الآمدي كما لو أم بالغا متنفلا * (مسألة) * (وله فعلها في بيته في أصح الروايتين). ويجوز فعل الجماعة في البيت والصحراء في الصحيح من المذهب وعنه أن حضور المسجد واجب على القريب منه لانه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " جعلت لي الارض مسجدا وطهورا فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل " متفق عليه والحديث الذي ذكروه لا نعرفه إلا من قول علي نفسه كذلك رواه سعيد والظاهر انه انما أراد الجماعة فعبر بالمسجد عنها لانه محلها ويجوز أن يكون أراد الكمال والفضيلة فان الاخبار الصحيحة دالة على صحة الصلاة في غير المسجد والله أعلم * (فصل) * ويستجب لاهل الثغر الاجتماع في مسجد واحد لانه أعلى للكلمة وأوقع للهيبة فإذا جاءهم خبر عن عدوهم سمع جميعهم، وكذلك إذا أرادوا التشاور في أمر، وإن جإ عين للكفار أخبر بكثرتهم. قال الاوزاعي لو كان الامر الي لسمرت أبواب المساجد التي للثغور ليجتمع الناس في مسجد واحد. * (مسألة) * (والافضل لغيرهم الصلاة في المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة إلا بحضوره) لانه يعمره

[ 5 ]

باقامة الجماعة فيه ويحصلها لمن يصلي فيه فيحصل له ثواب عمارة المسجد ويحضلها لمن لا يصلي فيه وذلك معدوم في غيره، وكذلك إن كانت تقام فيه مع غيبته إلا ان في قصد غيره كسر قلب إمامه وجماعته فجبر قلوبهم أولى * (مسألة) * (ثم ما كان أكثر جماعة ثم في المسجد العتيق) فان عدم ما ذكرنا في المسألة التي قبلها ففعلها فيما كان أكثر جماعة أفضل لقول النبي صلى الله عليه وسلم " صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كان أكثر فهو أحب إلى الله تعالى " رواه الامام أحمد في المسند فان تساويا في الجماعة فالمسجد العتيق أفضل لان الطاعة فيه أسبق والعبادة فيه أكثر. وذكر أبو الخطاب أن فعلها في المسجد العتيق أفضل وان قل الجمع فيه لذلك والاول أولى لما ذكرنا من الحديث * (مسألة) * (وهل الاولى قصد الابعد أو الاقرب) على روايتين. إحداهما قصد الابعد أفضل لتكثر خطاه في طلب الثواب فتكثر حسناته ولما روى أبو موسى قال قال النبي صلى الله عليه وسلم " أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى " رواه البخاري والثانية قصد الاقرب لان له جوارا فكان أحق بصلاته كما أن الجار أحق بهدية جاره ومعروفه لقوله عليه السلام " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " * (مسألة) * (ولا يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب إلا باذنه) لان الامام الراتب بمنزلة صاحب البيت وهو أحق لقوله عليه السلام " لا يؤمن الرجل الرجل في بيته إلا باذنه " وقد روي عن ابن عمر انه أتى أرضا وعندها مسجد يصلي فيه مولى لابن عمر فصلى معهم فسألوه أن يصلي بهم فأبى وقال صاحب المسجد أحق، إلا أن يتأخر لعذر فيصلي غيره لان أبا بكر صلى حين غاب النبي صلى الله عليه وسلم وفعل ذلك عبد الرحمن بن عوف فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أحسنتم " * (مسألة) * (فان لم يعلم عذره انتظر وروسل) إلا أن يخشى خروج الوقت فيقدم غيره لئلا يفوت الوقت

[ 6 ]

* (مسألة) * (فان صلى ثم أقيمت الصلاة وهو في المسجد استحب له اعادتها إلا المغرب فانه يعيدها ويشفعها برابعة) من صلى فريضة ثم أدرك تلك الصلاة في جماعة استحب له اعادتها أي صلاة كانت إذا كان في المسجد أو دخل المسجد وهم يصلون وهذا قول الحسن والشافعي سواء كان صلاها منفردا أو في جماعة، وسواء كان مع امام الحي أو لا. هذا ظاهر كلام أحمد فيما حكاه عنه الاثرم والخرقي قال القاضي وإن كان مع امام الحي استحب له وإن كان مع غير إمام الحي استحب له اعادة ما سوى الفجر والعصر. وقال أبو الخطاب يستحب له الاعادة مع امام الحي. وقال مالك إن كان صلى وحده أعاد المغرب وإلا فلا لان الحديث الدال على الاعادة قال فيه صلينا في رحالنا. وقال أبو حنيفة لا تعاد الفجر ولا العصر ولا المغرب لعموم أحاديث النهي ولان التطوع لا يكون بوتر. وعن ابن عمر والنخعي تعاد الصلوات كلها إلا الصبح والمغرب. وقال أبو موسى والثوري والاوزاعي تعاد كلها إلا المغرب لما ذكرنا وقال الحكم إلا الصبح وحدها. ولنا حديث يزيد بن الاسود الذي ذكرناه وحديث أبي ذر وهي تدل على محل النزاع وحديث يزيد بن الاسود صريح في صلاة الفجر والعصر في معناها ويدل أيضا على الاعادة سواء كان مع امام الحي أو غيره وعلى جميع الصلوات وقد روى أنس قال صلى بنا أبو موسى الغداة في المربد فانتهينا إلى المسجد الجامع فأقيمت الصلاة فصلينا مع المغيرة بن شعبة. وعن حذيفة انه أعاد الظهر والعصر والمغرب وكان قد صلاهن في جماعة رواهما الاثرم * (فصل) * فأما المغرب ففي استحباب اعادتها روايتان. احداهما يستحب قياسا على سائر الصلوات لما ذكرنا من عموم الاحاديث. والثانية لا يستحب حكاها أبو الخطاب لان التطوع لا يكون بوتر فان قلنا تستحب اعادتها شفعها برابعة نص عليه أحمد وبه قال الاسود بن يزيد والزهري والشافعي واسحق لما ذكرنا، وروى صلة (1) عن حذيفة انه قال لما أعاد المغرب قال ذهبت أقوم في الثانية فأجلسني وهذا يحتمل أن يكون أمره بالاقتصار على ركعتين ويحتمل ان أمره بالصلاة مثل صلاة الامام ووجه الاول ان النافلة لا تشرع بوتر والزيادة أولى من النقصان


(1) هو بكسر ففتح ابن زفر تابعي ثقة

[ 7 ]

* (فصل) * فان أقيمت الصلاة وهو خارج المسجد فان كان في وقت نهي لم يستحب له الدخول لما روى مجاهد قال خرجت مع ابن عمر من دار عبد الله بن خالد بن اسيد حتى إذا نظر إلى باب المسجد إذا الناس في الصلاة فلم يزل واقفا حتى صلى الناس وقال اني قد صليت في البيت فان دخل وصلى فلا بأس لما ذكرنا من خبر أبي موسى وان كان في غير وقت النهى استحب له الدخول والصلاة معهم لعموم الاحاديث الدالة على اعادة الجماعة * (فصل) * فإذا أعاد الصلاة فالاولى فرضه روي ذلك عن علي رضي الله عنه وهو قول الثوري وأبي حنيفة واسحق والشافعي في الجديد وعن سعيد بن المسيب وعطاء والشعبي التي صلى معهم المكتوبة لانه روي في حديث يزيد بن الاسود " إذا جئت إلى الصلاة فوجدت الناس فصل معهم وإن كنت قد صليت تكن لك نافلة وهذه مكتوبة " ولنا أن في الحديث الصحيح " تكن لكما نافلة " وقوله في حديث أبي ذر " فانها لك نافلة " ولانها قد وقعت فريضة وأسقطت الفرض بدليل انها لا تجب ثانيا وإذا برئت الذمة بالاولى استحال كون الثانية فريضة. قال ابراهيم إذا نوى الرجل صلاة وكتبتها الملائكة فمن يستطيع أن يحولها فما صلى بعده فهو تطوع، وحديثهم لا تصريح فيه فينبغي أن يحمل معناه على ما في الاحاديث الباقية، فعلى هذا لا ينوي الثانية فرضا بل ينويها ظهرا معادة وان نواها نفلا صح * (فصل) * ولا تجب الاعادة رواية واحدة قاله القاضي قال وقد ذكر بعض أصحابنا فيه رواية انها تجب مع إمام الحي لظاهر الامر، ولنا انها نافلة. والثانية لا تجب وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " لا تصلى صلاة في يوم مرتين " رواه أبو داود ومعناه والله أعلم واجبتان. ويحمل الامر على الاستحباب فعلى هذا إذا قصد الاعادة فلم يدرك إلا ركعتين فقال الآمدي يجوز أن يسلم معهم وأن يتمها أربعا لانها نافلة والمنصوص انه يتمها أربعا لقوله عليه السلام " وما فاتكم فأتموا " * (مسألة) * (ولا تكره اعادة الجماعة في غير المساجد الثلاثة) معنى اعادة الجماعة انه إذا صلى امام الحي وحضر جماعة أخرى استحب لهم أن يصلوا جماعة وهذا قول ابن مسعود وعطاء والحسن والنخعي واسحق. وقال مالك والثوري والليث وابو حنيفة والشافعي لا تعاد الجماعة في مسجد له

[ 8 ]

امام راتب في غير ممر الناس ومن فاتته الجماعة صلى منفردا لئلا يفضي إلى اختلاف القلوب والعداوة والتهاون في الصلاة مع الامام، ولانه مسجد له امام راتب فكره فيه اعادة الجماعة كالمسجد الحرام ولنا عموم عليه السلام " صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة " وروى أبو سعيد قال جاء رجل - وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقال " أيكم يتجر على هذا؟ " فقام رجل فصلى معه قال الترمذي هذا حديث حسن ورواه الاثرم وفيه فقال " ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه؟ " وروى باسناده عن أبي امامة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله وزاد فلما صليا قال " وهذان جماعة " ولانه قادر على الجماعة فاستحب له كالمسجد الذي في ممر الناس وما قاسوا عليه ممنوع * (فصل) * فأما اعادتها في المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم والمسجد الاقصى فقد روي عن أحمد كراهته وذكره أصحابنا لئلا يتوانى الناس في حضور الجماعة مع الامام الراتب فيها إذا أمكنتهم الصلاة مع الجماعة مع غيره، وظاهر خبر أبي سعيد وأبي امامة انه لا يكره لان الظاهر أن ذلك كان في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ولان المعنى يقتضيه لان حصول فضيلة الجماعة فيها كحصولها في غيرها والله أعلم * (مسألة) * (وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) متى أقيمت الصلاة المكتوبة لم يشتغل عنها بغيرها لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " منفق عليه. وروي ذلك عن أبي هريرة وكان عمر يضرب على صلاة بعد الاقامة وكرهه سعيد بن جبير وابن سيرين وعروة والشافعي واسحق وأباح قوم ركعتي الفجر والامام يصلي، روي ذلك عن ابن مسعود وروي عن ابن عمر انه دخل المسجد والناس في الصلاة فدخل بيت حفصة فصلي ركعتين ثم خرج إلى

[ 9 ]

المسجد فصلى وهذا قول مسروق والحسن، وقال مالك إن لم يخف أن تفوته الركعة فليركع. وقال الاوزاعي اركعهما ما تيقنت انك تدرك الركعة الاخيرة ونحوه قول أبي حنيفة والاول أولى لما ذكرنا * (مسألة) * (وإن أقيمت وهو في نافلة أتمها خفيفة) لقول الله تعالى (ولا تبطلوا أعمالكم) إلا أن يخاف فوات الجماعة فيقطعها لان الفريضة أهم من النافلة وعنه يتمها للآية التي ذكرها * (فصل) * ومن كبر قبل سلام الامام فقد أدرك الجماعة. يعني انه يبني عليها ولا يجدد احراما لانه أدرك جزءا من صلاة الامام أشبه ما لو أدرك ركعة ولانه إذا أدرك جزءا من صلاة الامام فأحرم معه لزمه أن ينوي الصفة التي هو عليها وهو كونه مأموما فينبغي أن يدرك فضل الجماعة * (مسألة) * قال (ومن أدرك الركوع فقد أدرك الركعة) لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة " رواه أبو داود (1) ولانه لم يفته من الاركان إلا القيام وهو يأتي به مع تكبيرة الاحرام ثم يدرك مع الامام بقية الركعة وانما تحصل له الركعة إذا اجتمع مع الامام في الركوع بحيث ينتهي إلى قدر الاجزاء من الركوع قبل أن يزول الامام عن قدر الاجزاء منه فان أدرك الركوع ولم يدرك الظمأنينة فعلى وجهين ذكرهما ابن عقيل وعليه أن يأتي بالتكبير في حال قيامه فأما إن أتى به أو ببعضه بعد أن انتهى في الانحناء إلى قدر الركوع لم يجزئه لانه أتى بها في غير محلها ولانه يفوته القيام وهو من أركان الصلاة إلا في النافلة لانه لا يشترط لها القيام * (مسألة) * (وأجزأته تكبيرة واحدة والافضل اثنتان) وجملة ذلك ان من أدرك الامام في الركوع أجزائه تكبيرة واحدة وهي تكبيرة الاحرام التي ذكرناها وهي ركن لا تسقط بحال وتسقط تكبيرة الركوع ها هنا نص عليه احمد في رواية أبي داود وصالح، روي ذلك (عن) زيد بن ثابت وسعيد بن المسيب وعطاء والحسن والثوري والشافعي ومالك وأصحاب الرأي، وعن عمر بن عبد العزيز عليه تكبيرتان وهو قول حماد بن أبي سليمان قال شيخنا، والظاهر انهما أرادا الاولى له تكبيرتان فيكون موافقا لقول الجماعة فان عمر ابن عبد العزيز قد نقل عنه انه كان ممن لا يتم التكبير ووجه القول الاول ان هذا قد روي عن زيد ابن ثابت وابن عمر ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة فيكون إجماعا ولانه اجتمع واجبان من جنس واحد في محل واحد أحدهما ركن فسقط به الآخر كما لو طاف (في) الحج طواف الزيارة عند خروجه من مكة فانه يجزيه عن طواف الوداع وقال القاضي إن نوى بها تكبيرة الاحرام وحدها أجزاه وإن نواهما لم يجزه في الظاهر من قول أحمد لانه شرك بين الواجب وغيره في النية أشبه ما لو عطس عند رفع رأسه من الركوع فقال ربنا ولك الحمد ينويهما فان أحمد قد نص في هذا انه لا يجزيه وهذا القول يخالف منصوص احمد فانه قد قال في رواية ابنه صالح فيمن جاء والامام راكع كبر تكبيرة


(1) في هامش الاصل ينظر في هذا الحديث فما أظن أبا داود رواه أقول بل روي من حديث لابي هريرة " ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة " وقد فسروا الركعة بالركوع وهو ضعيف في اسناده يحيي المديني قال البخاري منكر الحديث... وفي الصحيحين عن أبي هريرة " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " وفي رواية لمسلم زيادة " مع الامام "

[ 10 ]

واحدة قيل له ينوي بها الافتتاح قال نوى أو لم ينو أليس قد جاء وهو يريد الصلاة ولان نية الركوع لا تنافي نية الافتتاح ولهذا حكمنا بدخوله في الصلاة بهذه النية ولم تؤثر نية الركوع في فسادها، ولا يجوز ترك نص الامام لقياس نصه في موضع آخر كما لا يترك نص الله تعالى وسنة رسوله بالقياس وهذا لا يشبه ما قاس عليه القاضي فان التكبيرتين من جملة العبادة بخلاف حمد الله في العطاس فانه ليس من جملة الصلاة فقياسه على الطوافين أولى لكونهما من أجزاء العبادة والافضل تكبيرتان نص عليه. قال أبو داود قلت لاحمد يكبر مرتين أحب اليك قال ان كبر تكبيرتين ليس فيه اختلاف وإن نوى تكبيرة الركوع خاصة لم يجزه لان تكبيرة الاحرام ركن ولم يأت بها * (فصل) * فان أدرك الامام في ركن غير الركوع لم يكبر إلا تكبيرة الافتتاح وينحط بغير تكبير لانه لا يعتد له به وقد فاته محل التكبير وإن أدركه في السجود أو في التشهد الاول كبر في حال قيامه مع الامام إلى الثالثة لانه مأموم له فيتابعه في التكبير من أدرك الركعة معه من أولها. وان سلم الامام قام المأموم إلى القضاء بتكبير وبه قال مالك والثوري واسحق وقال الشافعي يقوم بغير تكبير لانه قد كبر في ابتداء الركعة ولا امام له يتابعه. ولنا انه قام في الصلاة إلى ركن معتد به فيكبر كالقائم من التشهد الاول وكما لو قام مع الامام ولا نسلم انه كبر في ابتداء الركعة فان ما كبر فيه لم يكن من الركعة إذ ليس في أول الركعة سجود ولا تشهد وانما ابتداء الركعة قيامه فينبغي أن يكبر فيه * (فصل) * ويستحب لمن أدرك الامام في حال متابعته فيه وإن لم يعتد له به لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئا ومن أدرك الركوع فقد أدرك الركعة " رواه أبو داود وروى الترمذي عن معاذ قال قال النبي صلى الله عليه وسلم " إذا جاء أحدكم والامام على حال فليصنع كما يصنع الامام " (1) قال الترمذي والعمل على هذا عند أهل العلم قالوا إذا جاء الرجل والامام ساجد فليسجد ولا تجزيه تلك الركعة قال بعضهم لعله أن لا يرفع رأسه من السجدة حتى يغفر له * (مسألة) * (وما أدرك مع الامام فهو آخر صلاته وما يقضيه فهو أولها يستفتح له ويتعوذ ويقرأ السورة) هذا هو المشهور من المذهب، ويروى ذلك عن ابن عمر ومجاهد وابن سيرين ومالك والثوري وحكي عن الشافعي وأبي حنيفة وأبي يوسف لقول النبي صلى الله عليه وسلم " وما فاتكم فاقضوا " متفق عليه والمقضي هو الفائت فينبغي أن يكون على صفته. فعلى هذا يستفتح له ويستعيذ ويقرأ السورة وعنه أن الذي يدرك أول صلاته والمقضي آخرها وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وعمر بن عبد العزيز واسحق وهو قول الشافعي ورواية عن مالك واختاره ابن المنذر لقوله عليه السلام " وما فاتكم فأتموا "


(1) قال الحافظ في التلخيص فيه ضعف وانقطاع

[ 11 ]

فعلى هذه الرواية لا يستفتح. وأما الاستعاذة فان قلنا تسن في كل ركعة استعاذ وإلا فلا. وأما السورة بعد الفاتحة فيقرأها على كل حال قال شيحنا لا أعلم خلافا بين الائمة الاربعة في قراءة الفاتحة وسورة وهذا مما يقوي الرواية الاولى فان لم يدرك إلا ركعة من المغرب أو الرباعية ففي موضع تشهده روايتان إحداهما يستفتح ويأتي بركعتين متواليتين ثم يتشهد فعل ذلك جندب لان المقضي أول صلاته وهذه صفة أولها ولانهما ركعتان يقرأ فيهما السورة فكانا متواليتين كغير المسبوق. والثانية يأتي بركعة يقرأ فيها بالحمد وسورة ثم يجلس ثم يقوم فيأتي بأخرى يقرأ فيها بالحمد وحدها نقلها صالح وأبو داود والاثرم فعل ذلك مسروق وبه قال عبد الله بن مسعود وهو قول سعيد بن المسيب وأيما فعل من ذلك جاز ان شاء الله لانه يروى أن مسروقا وجندبا ذكرا عند عبد الله بن مسعود فصوب فعل مسروق ولم ينكر فعل جندب ولا أمره باعادة الصلاة والله أعلم * (مسألة) * (ولا تجب القراءة على المأموم) هذا قول أكثر أهل العلم وممن كان لا يرى القراءة خلف الامام علي وابن عباس وابن مسعود وأبو سعيد وزيد بن ثابت وعقبة بن عامر وجابر وابن عمر وحذيفة بن اليمان وبه يقول الثوري وابن عيينة وأصحاب الرأي ومالك والزهري والاسود وابراهيم وسعيد بن جبير. قال ابن سيرين لا أعلم من السنة القراءة خلف الامام وقال الشافعي وداود تجب القراءة لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " متفق عليه وعن عبادة قال كنا خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ فثقلت عليه القراءة فلما فرغ قال " لعلكم تقرأون خلف امامكم؟ " قلنا نعم يا رسول الله قال " لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فانه لا صلاة لمن لم يقرأ بها " رواه أبو داود، وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج فهى خداج غير تمام " قال الراوي فقلت يا أبا هريرة اني أكون أحيانا وراء الامام قال فغمزني في ذراعي وقال اقرأ بها في نفسك يا فارسي رواه مسلم، ولانها ركن من أركان الصلاة فلم تسقط عن المأموم كسائر الاركان، ولان من لزمه القيام لزمته القراءة إذا قدر عليها كالمنفرد. ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " من كان له إمام فقراءة الامام له قراءة " رواه الحسن ابن صالح عن ليث بن سليم فان قيل: ليث بن سليم ضعيف قلنا قد رواه الامام أحمد: ثنا اسود بن عامر ثنا الحسن بن صالح عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا اسناد صحيح متصل رجاله كلهم ثقات، الاسود بن عامر روى له البخاري والحسن بن صالح أدرك أبا الزبير ولد قبل وفاته بنيف وعشرين سنة وروى من طرق خمسة سوى هذا. وروي أيضا عن ابن عباس وعمران ابن حصين وأبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أخرجهن الدارقطني ورواه عبد الله بن شداد

[ 12 ]

عن النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه الامام أحمد وسعيد بن منصور وغيرهما، وروي عن علي عليه السلام انه قال ليس على الفطرة من قرأ خلف الامام، وقال ابن مسعود وددت ان من قرأ خلف الامام ملئ فوه ترابا ولان القراءة لو وجبت على المأموم لما سقطت عن المسبوق كسائر الاركان. وأما أحاديثهم فالحديث الاول الصحيح محمول على غير المأموم وكذلك حديث أبي هريرة وقد جاء مصرحا به فروى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج إلا وراء الامام " رواه الخلال، وقول أبي هريرة اقرأ بها في نفسك من كلامه ورأيه قد خالفه غيره من الصحابة وحديث عبادة لم يروه غير ابن اسحق ونافع بن محمود بن الربيع وهو أدنى حالا من ابن اسحق وقياسهم على المنفرد لا يصح لان المنفرد ليس له من يتحمل عنه القراءة بخلاف المأموم * (مسألة) * (ويستحب أن يقرأ في سكتات الامام وما لا يجهر فيه أو لا يسمعه لبعده فان لم يسمعه لطرش فعلى وجهين) وهو قول جماعة من أهل العلم روي نحوه عن عبد الله بن عمر وهو قول مجاهد والحسن والشعبي وسعيد بن المسيب وعروة وغيرهم قال أبو سلمة بن عبد الرحمن للامام سكتتان فاغتنم فيهما القراءة بفاتحة الكتاب إذا دخل في الصلاة وإذا قال ولا الضالين، وقال عروة أما أنا فأغتنم من الامام اثنتين إذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين فأقرأ عندها وحين يختم السورة فأقرءوا قبل أن يركع، وهذا قول الشافعي، وقالت طائفة لا يقرأ خلف الامام في سر ولا جهر يروى ذلك عن تسعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرناهم في المسألة قبلها رواه سعيد في سننه. وقال ابراهيم النخعي انما أحدث الناس القراءة وراء الامام زمان المختار لانه كان يصلى بهم صلاة النهار دون الليل فاتهموه فقرأوا خلفه، وكره ابراهيم القراءة خلف الامام وقال يكفيك قراءة الامام وهذا قول ابن عيينة والثوري وأصحاب الرأي لما روى جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من كان له إمام فقراءة الامام له قراءة " ولانه مأموم فلم يقرأ كحالة الجهر ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا أسررت بقراءتي فاقرأوا " رواه الدارقطني ولقول الراوي في الحديث الصحيح فانتهى الناس أن يقرأوا فيما جهر فيه النبي صلى الله عليه وسلم كذلك رواه الامام احمد وسعيد بن منصور والقياس في حالة الجهر لا يصح لانه أمر فيها بالانصات لاستماع قراءة الامام بخلاف هذا. إذا ثبت هذا فانه يقرأ في حالة الجهر في سكتات الامام بالفاتحة وفي حال الاسرار يقرأ بالفاتحة وسورة كالامام والمنفرد * (فصل) * فان لم يسمع الامام في حال الجهر لبعده قرأ نص عليه قيل له أليس قد قال الله تعالى (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) قال هذا إلى أي شئ يستمع قيل له فالاطروش قال لا أدري قال شيخنا وهذا ينظر فيه فان كان بعيدا قرأ أيضا وإن كان قريبا قرأ في نفسه بحيث لا يشتغل من

[ 13 ]

إلى جانبه عن الاستماع لانه في معنى البعيد ولا يقرأ (إذا) كان يخلط على من يقرب إليه ويشغله عن الاستماع وفيه وجه آخر لا يقرأ إذا كان قريبا لئلا يخلط على الامام ولانه لو كان في موضعه من يسمع لم يقرأ أشبه السميع، وإن سمع همهمة الامام ولم يفهم فقال في رواية الجماعة لا يقرأ وقال في رواية عبد الله يقرأ إذا سمع الحرف بعد الحرف * (فصل) * ولا يستحب للمأموم القراءة وهو يسمع قراءة الامام بالحمد ولا بغيرها وبه قال سعيد ابن المسيب وعروة وأبو سلمة بن عبد الرحمن والزهري وكثير من السلف والثوري وابن عيينة وابن المبارك وأصحاب الرأي وهو أحد قولي الشافعي والقول الآخر قال يقرأ ونحوه عن الليث وابن عون ومكحول لما ذكرنا من الاحاديث. والمعنى على وجوب القراءة على المأموم. ولنا قوله تعالى (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) قال سعيد بن المسيب ومحمد بن كعب والزهري وابراهيم والحسن انها نزلت في شأن الصلاة، قال أحمد في رواية أبي داود أجمع الناس على أن هذه الآية في الصلاة، وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم " انما جعل الامام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فانصتوا " رواه سعيد بن منصور، وروى أبو موسى قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا فبين لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا فقال " إذا صليتم فأقيموا صفوفكم وليؤمكم أحدكم فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا " رواه مسلم، وروى أبو هريرة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " مالي أنازع القرآن " فانتهى الناس أن يقرأوا فيما جهر فيه النبي صلى الله عليه وسلم. رواه مالك بمعناه وقال الترمذي حديث حسن ولانه إجماع، قال أحمد ما سمعت أحدا من أهل الاسلام يقول إن الامام إذا جهر بالقراءة لا تجزي صلاة من خلفه إذا لم يقرأ، وقال: هذا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون وهذا مالك في أهل الحجاز وهذا الثوري في أهل العراق وهذا الاوزاعي في أهل الشام، وأما الاحاديث فقد أجبنا عنها فيما مضى ولانها قراءة لا تجب على المسبوق فلا تجب على غيره كقراءة السورة * (فصل) * قال أبو داود قيل لاحمد إذا قرأ المأموم بفاتحة الكتاب ثم سمع قراءة الامام قال يقطع إذا سمع قراءة الامام وينصت للقراءة وذلك لما ذكرنا من الاية والاخبار * (مسألة) * (وهل يستفتح ويستعيذ فيما يجهر فيه الامام؟ على روايتين) أما في حال قراءة إمامه فلا يستفتح ولا يستعيذ لانه إذا سقطت القراءة عنه كيلا يشتغل عن استماع قراءة الامام فالاستفتاح أولى ولان قوله تعالى (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) يتناول كل ما يشتغل عن الانصات من الاستفتاح وغيره ولان الاستعاذة انما شرعت من أجل القراءة فإذا سقطت القراءة سقط التبع، وإن سكت الامام قدرا يتسع لذلك ففيه روايتان إحداهما يستفتح ولا يستعيذ اختاره القاضي لانه أمكن للاستفتاح من غير اشتغال عن الانصات وفيه رواية انه يستفتح ويستعيذ

[ 14 ]

لما ذكرنا. والثانية لا يستفتح لانه يشغله عن القراءة وهي أهم منه، وأما المأموم في صلاة الاسرار فانه يستفتح ويستعيذ نص عليه أحمد فقال إذا كان ممن يقرأ خلف الامام تعوذ قال الله تعالى (فإذا قرأت فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) * (مسألة) * (ومن ركع أو سجد قبل إمامه فعليه أن يرفع ليأتي به بعده فان لم يفعل عمدا بطلت صلاته عند أصحابنا إلا القاضي) وجملة ذلك انه لا يجوز أن يسبق امامه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام " رواه مسلم، وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الامام أن يحول الله رأسه رأس حمار أو يجعل صورته صورة حمار " متفق عليه. فان فعل ذلك عامدا أثم وتبطل صلاته في ظاهر كلام أحمد فانه قال ليس لمن سبق الامام صلاة لو كان له صلاة لرجي له الثواب ولم يخش عليه العقاب. وذلك لما ذكرنا من الحديثين، وروي عن ابن مسعود انه نظر إلى من سبق الامام فقال: لا وحدك صليت ولا بامامك اقتديت. ولانه لم يأتم بامامه في الركن أشبه ما إذا سبقه بتكبيرة الاحرام، وإن كان جاهلا أو ناسيا لم تبطل صلاته لانه سبق يسير، ولقوله عليه السلام " عفي لامتي عن الخطأ والنسيان " وقال ابن حامد في ذلك وجهان وقال عندي انه يصح لانه اجتمع معه في الركن أشبه ما لو ركع معه ابتداء صح وهذا اختيار ابن عقيل وعليه أن يرفع ليأتي به بعده ليكون مؤتما بامامه فان لم يفعل عمدا بطلت صلاته عند أصحابنا لانه ترك الواجب عمدا. وقال القاضي لا تبطل لانه سبق يسير * (مسألة) * (فان ركع ورفع قبل ركوع امامه عالما عمدا فهل تبطل صلاته؟ على وجهين) وكذلك ذكره أبو الخطاب أحدهما تبطل للنهى. والثاني لا تبطل لانه سبقه بركن واحد فهي كالتي قبلها. قال ابن عقيل اختلف أصحابنا فقال بعضهم تبطل الصلاة بالسبق بأي ركن من الاركان ركوعا كان أو سجودا أو قياما أو قعودا، وقال بعضهم السبق المبطل مختص بالركوع لانه الذي يحصل به ادراك الركعة وتفوت بفواته فجاز أن يختص بطلان الصلاة بالسبق به، وإن كان جاهلا أو ناسيا لم تبطل صلاته لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " عفي لامتي عن الخطأ والنسيان " وهل تبطل الركعة، فيه روايتان: إحداهما تبطل لانه لا يقتدي بامامه في الركوع أشبه ما لو لم يدركه والاخرى لا تبطل للخبر. فأما إن ركع قبل ركوع امامه فلما ركع الامام سجد قبل رفعه بطلت صلاته إن كان عمدا لانه لم يقتد بامامه في أكثر الركعة وإن فعله جاهلا أو ناسيا لم تبطل للحديث ولم يعتد بتلك الركعة لعدم اقتدائه بامامه فيها * (فصل) * فان سبق الامام المأموم بركن كامل مثل أن يركع ويرفع قبل ركوع المأموم لعذر من نعاس أو غفله أو زحام أو عجلة الامام فانه يفعل ما سبق به ويدرك إمامه ولا شئ عليه نص عليه

[ 15 ]

احمد في رواية المروذي. قال شيخنا وهذا لا اعلم فيه خلافا. وحكى في المستوعب رواية انه لا يعتد بتلك الركعة وان سبقه بركعة كاملة أو اكثر فانه يتبع إمامه ويقضي ما سبقه به كالمسبوق. قال احمد في رجل نعس خلف الامام حتى صلى ركعتين قال كأنه ادرك ركعتين، فإذا سلم الامام صلى ركعتين وعنه يعيد الصلاة، وإن سبقه بأكثر من ركن وأقل من ركعة ثم زال عذره فالمنصوص عن احمد انه يتبع امامه ولا يعتد بتلك الركعة. وظاهر هذا انه إن سبقه بركنين بطلت تلك الركعة وإن سبق بأقل من ذلك فعله وأدرك امامه، وقد قال بعض أصحابنا فيمن زحم عن السجود يوم الجمعة ينتظر زوال الزحام ثم يسجد ويتبع الامام ما لم يخف فوات الركوع في الثانية مع الامام. فعلى هذا يفعل ما فاته وإن كان اكثر من ركن وهو قول الشافعي لان النبي صلى الله عليه وسلم فعله بأصحابه حين صلى بهم بعسفان صلاة الخوف فأقامهم خلفه صفين فسجد معه الصف الاول والصف الثاني قيام حتى قام النبي صلى الله عليه وسلم إلى الثانية فسجد معه الصف الثاني ثم تبعه وجاز ذلك للعذر فهذا مثله. وقال مالك إن أدركهم المسبوق في أول سجودهم سجد معهم واعتد بها، وإن علم انه لا يقدر على الركوع وأدركهم في السجود حتى يستووا قياما اتبعهم فيما بقى من صلاتهم ثم يقضي ركعة ثم يسجد للسهو. وهذا قول الاوزاعي إلا انه لم يجعل عليه سجود سهو. قال شيخنا والاولى في هذا والله أعلم انه ما كان على قياس فعل النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف فان غير المنصوص عليه يرد إلى الاقرب من المنصوص عليه وإن فعل ذلك لغير عذر بطلت صلاته لانه ترك الائتمام بامامه عمدا والله أعلم (فصل) فان سبق المأموم الامام بالقراءة لم تبطل صلاته رواية واحدة * (مسألة) * (ويستحب للامام تخفيف الصلاة مع اتمامها) لقول عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أخف الناس صلاة في تمام، وروي عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " أيها الناس إن منكم منفرين فأيكم صلى بالناس فليجوز فان فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة " متفق عليه وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ " أفتان أنت؟ ثلاث مرار فلولا صليت بسبح اسم ربك الاعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى. فانه يصلي وراءك الضعيف والكبير وذو الحاجة " رواه البخاري وهذا لفظه، ورواه مسلم * (مسألة) * (ويستحب تطويل الركعة الاولى أطول من الثانية). يستحب تطويل الركعة الاولى من كل صلاة ليلحقه القاصد للصلاة. وقال الشافعي تكون الاوليان سواء. وقال أبو حنيفة يطول الاولى من صلاة الصبح خاصة ووافق قول الشافعي في غيرها وذلك لحديث أبي سعيد حزرنا قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعتين الاوليين من الظهر قدر ثلثين آية، ولان الآخرتين متساويتان فكذلك الاوليان ولنا ما روي أبو قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين الاوليين من صلاة

[ 16 ]

الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين يطول في الاولى ويقصر في الثانية ويسمع الآية أحيانا وكان يقرأ في العصر في الركعتين الاوليين بفاتحة الكتاب وسورتين ويطول في الاولى ويقصر في الثانية وكان يطول في الاولى من صلاة الصبح متفق عليه وروى عبد الله بن أبي أوفى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم في الركعة الاولى من صلاة الظهر حتى لا يسمع وقع قدم. فاما حديث أبي سعيد فرواه ابن ماجه وفيه وفي الركعة الاخرى قدر النصف من ذلك وهو أولى لموافقته للاحاديث الصحيحة ثم لو قدر التعارض وجب تقديم حديث ابي قتادة لصحته ولتضمنه الزيادة وهو التفريق بين الركعتين. وروى أبو سعيد أن الصلاة كانت تقام ثم يخرج أحدنا يقضي حاجته ويتوضأ ثم يدرك الركعة الاولى مع النبي صلى الله عليه وسلم قال أحمد في الامام يطول في الثانية يعني اكثر من الاولى يقال له في هذا يعلم * (مسألة) * (ولا يستحب انتظار داخل وهو في الركوع في إحدى الروايتين). متى أحس بداخل في حال القيام أو الركوع يريد الصلاة معه وكانت الجماعة كثيرة في انتظاره لانه يبعد أن لا يكون فيهم من يشق عليهم وكذلك ان كانت الجماعة يسيرة والانتظار يشق عليهم لان الذين معه أعظم حرمة من الداخل فلا يشق عليهم لنفعه وإن لم يكن كذلك استحب انتظاره وهذا مذهب أبي مخلد والشعبي والنخعي واسحاق. وقال الاوزاعي وأبو حنيفة والشافعي لا ينتظره وهو رواية أخرى لان انتظاره تشريك في العبادة فلا يشرع كالرياء ولنا أنه انتظار ينفع ولا يشق فشرع كتطويل الركعة الاولى وتخفيف الصلاة. وقد قال عليه السلام " من أم الناس فليخفف فان فيهم الكبير والضعيف وذا الحاجة " وقد شرع الانتظار في صلاة الخوف لتدرك الطائفة الثانية وكان صلى الله عليه وسلم ينتظر الجماعة فقال جابر كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي العشاء أحيانا وأحيانا، إذا رآهم اجتمعوا عجل وإذا رآهم بطؤا أخر، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يطيل الركعة الاولى حتى لا يسمع وقع قدم وأطال السجود حين ركب الحسن على ظهره وقال " إن ابني هذا ارتحلني فكرهت أن اعجله " وبهذا كله يبطل ما ذكروه وقال القاضي الانتظار جائز غير مستحب فانما ينتظر من كان ذا حرمة كاهل العلم ونظرائهم من أهل الفضل * (مسألة) * (وإذا استأذنت المرأة إلى المسجد كره منعها وبيتها خير لها) لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا تمنعوا ماء الله مساجد الله وليخرجن تفلات " يعني غير متطيبات. رواه أبو داود ويخرجن غير متطيبات لهذا الحديث ويباح لهن حضور الجماعة مع الرجال لقول عائشة كان النساء يصلين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ينصرفن متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس متفق عليه وصلاتهن في بيوتهن أفضل لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " صلاة المرأة في بيتها افضل من صلاتها في حجرتها وصلاتها في مخدعها افضل من صلاتها في بيتها " رواه أبو داود

[ 17 ]

(فصل في الامامة) (السنة ان يؤم القيامة اقرؤهم) يعني ان القارئ مقدم على الفقيه وغيره ولا خلاف في التقديم بالقراءة والفقه واختلف في ايهما يقدم فذهب احمد رحمه الله إلى تقديم القارئ وهو قول ابن سيرين والثوري وابن المنذر واسحق واصحاب الراي. وقال عطاء ومالك والاوزاعي والشافعي يقدم الافقه إذا كان يقرا ما يكفي في الصلاة لانه قد ينوبه في الصلاه مالا يدري ما يفعل فيه إلا بالفقه فيكون اولى كالامامة الكبرى والحكم ولنا ما روى أبو مسعود البدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى فان كانوا في القراءة سواء فاعلمهم بالسنة فان كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فان كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا - أو قال - سلما " وعن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا اجتمع ثلاثة فليؤمهم أحدهم وأحقهم بالامامة أقرؤهم " رواهما مسلم ولما قدم المهاجرون الاولون كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة وفيهم عمر بن الخطاب وفي حديث عمرو بن سلمة قال " ليؤمكم أكثركم قرآنا " فان قيل انما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتقديم القارئ لان الصحابة كان أقرأهم أفقههم وانهم كانوا إذا قرأوا القران تعلموا معه أحكامه قال ابن مسعود كنا لا نجاوز عشر آيات حتى نعرف أمرها ونهيها وأحكامها قلنا اللفظ عام فيجب الاخذ بعمومه على أن في الحديث ما يبطل هذا التأويل وهو قوله

[ 18 ]

وان استووا فأعلمهم بالسنة ففاضل بينهم في العلم بالسنة مع تساويهم في القراءة ولو كان كما قالوا للزم من التساوي في القراءة التساوي في الفقه وقد نقلهم مع التساوي في القراءة إلى الاعلم بالسنة وقال صلى الله عليه وسلم " اقرؤكم أبي وأقضاكم علي وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل " ففضل بالفقه من هو مفضول بالقراءة قيل لابي عبد الله حديث النبي صلى الله عليه وسلم مروا أبا بكر يصلي بالناس أهو خلاف أبي مسعود؟ قال لا إنما قوله لابي بكر عندي يصلي بالناس للخلافة يعني أن الخليفة أحق بالامامة (فصل) ويرجح أحد القارئين على الآخر بكثرة القرآن لحديث عمر بن سلمة، وان تساويا في قدر ما يحفظ كل واحد منهما وكان أحدهما أجود قراءة واعرابا فهو أولى لانه اقرأ وان كان أحدهما اكثر حفظا والآخر اقل لحنا واجود قراءة قدم لانه اعظم أجرا في قراءته لقوله عليه السلام " من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات ومن قرأ ولحن فيه فله بكل حرف حسنة " رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. وقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما اعراب القرآن أحب الي من حفظ بعض حروفه. وان اجتمع قارئ لا يعرف أحكام الصلاة فكذلك للخبر وقال ابن عقيل يقدم الافقه لانه يمتاز بما لا يستغنى عنه في الصلاة

[ 19 ]

* (مسألة) * ثم أفقههم ثم أسنهم ثم أقدمهم هجرة ثم أشرفهم ثم أتقاهم ثم من تقع له القرعة متى استووا في القراءة وكان أحدهما أفقه قدم لما ذكرنا من الحديث ولان الفقه يحتاج إليه في الصلاة للاتيان بواجباتها وأركانها وشرطوها وسننها وجبرها ان احتاج إليه فان اجتمع فقيهان قارئان أحدهما اقرأ والآخر أفقه قدم الاقرأ للحديث نص عليه وقال ابن عقيل يقدم الافقه لتميزه بما لا يستغنى عنه في الصلاة وهذا يخالف الحديث المذكور فلا يعول عليه فان اجتمع فقيهان احدهما اعلم باحكام الصلاة والآخر اعلم بما سواها قدم الاعلم باحكام الصلاة لان علمه يؤثر في تكميل الصلاة بخلاف الآخر (فصل) فان استووا في القراءة والفقه فقال شيخنا ها هنا يقدم أسنهم يعني أكبرهم سنا وهو اختيار الخرقي لقول النبي صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث " إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكما وليؤمكما أكبركما " متفق عليه ولان الاسن أحق بالتوقير والتقديم وظاهر كلام أحمد أنه يقدم أقدمهما هجرة ثم أسنهما لحديث أبي مسعود فانه مرتب هكذا قال الخطابي وعلى هذا الترتيب أكثر أقاويل العلماء ومعنى تقديم الهجرة ان يكون أحدهما أسبق هجرة من دار الحرب إلى دار الاسلام وانما يقدم بها لانها قربة وطاعة فان عدم ذلك اما لاستوائهما فيها أو عدمها قدم أسنهما لما ذكرنا وقال ابن حامد أحقهم بعد القراءة والفقه أشرفهم ثم أقدمهم هجرة ثم أسنهم والصحيح ما دل عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم من تقديم السابق بالهجرة ثم الاسن ويرجح بتقديم الاسلام كتقديم الهجرة

[ 20 ]

لان في بعض الفاظ حديث أبي مسعود " فان كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلما " ولان الاسلام أقدم من الهجرة فإذا قدم بالهجرة فأولى أن يتقدم بالاسلام فإذا استووا في جميع ذلك قدم أشرفهم والشرف يكون بعلو النسب وبكونه أفضل في نفسه وأعلاهم قدرا لقول النبي صلى الله عليه وسلم " قدموا قريشا ولا تقدموها " فان استووا في هذه الخصال قدم اتقاهم لانه أشرف في الدين وأفضل وأقرب إلى الاجابة وقد جاء " إذا أم الرجل القوم وفيهم من هو خير منه لم يزالوا في سفال " ذكره الامام أحمد في رسالته ويحتمل تقديم الاتقى على الاشرف لان شرف الدين خير من شرف الدنيا وقد قال الله تعالى (إن اكرمكم عند الله أتقاكم) فان استووا في هذا كله اقرع بينهم نص عليه لان سعدا أقرع بين الناس في الآذان يوم القادسية فالامامة أولى ولانهم تساووا في الاستحقاق وتعذر الجمع فأقرع بينهم كسائر الحقوق وان كان أحدهما يقوم بعمارة المسجد وتعاهده فهو أحق به وكذلك ان رضي الجيران أحدهما دون الآخر قدم به ولا يقدم بحسن الوجه لانه لا مدخل له في الامامة ولا أثر له فيها وهذا كله تقديم استحباب لا تقديم اشتراط ولا ايجاب بغير خلاف علمناه

[ 21 ]

* (مسألة) * وصاحب البيت وامام المسجد أحق بالامامة الا أن يكون بعضهم ذا سلطان) متى أقيمت الجماعة في بيت فصاحبه أولى بالامامة من غيره إذا كان ممن تصح امامته لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا يؤمن الرجل الرجل في بيته ولا في سلطانه ولا يجلس على تكرمته الا باذنه " رواه مسلم وعن مالك بن الحويرث عن النبي صلى الله عليه وسلم " من زار قوما فلا يؤمهم وليؤمهم رجل منهم " رواه أبو داود وهذا قول عطاء والشافعي ولا نعلم فيه خلافا فان كان في البيت ذو سلطان قدم على صاحب البيت لان ولايته على البيت وصاحبه وقدم النبي صلى الله عليه وسلم عتبان بن مالك وأنسا في بيوتهما اختاره الخرقي وقال ابن حامد صاحب البيت أحق بالامامة لعموم الحديث والاول أصح وكذلك امام المسجد الراتب أولى من غيره لانه في معنى صاحب البيت الا أن يكون بعضهم ذا سلطان ففيه وجهان وقد روي عن ابن عمر انه أتى أرضا له وعندها مسجد يصلي فيه مولى له فصلى ابن عمر معهم فسألوه ان يؤمهم فأبى وقال صاحب المسجد أحق (فصل) وإذا قدم المستحق من هؤلاء لرجل في الامامة جاز وصار بمنزلة من أذن له في استحقاق التقدم لقول النبي صلى الله عليه وسلم الا باذنه ولانه حق له فجاز نقله إلى من شاء قال أحمد قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا يؤم الرجل في سلطانه ولا يجلس على تكرمته في بيته الا باذنه " أرجو أن يكون الاذن في الكل (فصل) وإذا دخل السلطان بلدا له فيه خليفة فهو أحق من خليفته لان ولايته على خليفته وغيره وكذلك لو اجتمع العبد وسيده في بيت العبد فالسيد أولى لانه يملك البيت والعبد على الحقيقة وولايته

[ 22 ]

على العبد فان لم يكن سيده معهم فالعبد أولى لما ذكرنا من الحديث وقد روي أنه اجتمع ابن مسعود وحذيفة وبو ذر في بيت أبي سعيد مولى أبي أسيد وهو عبد فتقدم أبو ذر ليصلي بهم فقالوا له وراءك فالتفت إلى أصحابه فقال أكذلك فقالوا نعم فتأخر وقدموا أبا سعيد فصلى رواه صالح بن أحمد باسناده وان اجتمع المؤجر والمستأجر فالمستأجر أولى ولانه أحق بالسكنى والمنفعة * (مسألة) * والحر أولى من العبد والحاضر أولى من المسافر والبصير اولى من الاعمى في أحد الوجهين) امامة العبد صحيحة لما روي عن عائشة ان غلاما لها كان يؤمها وصلى ابن مسعود وحذيفة وأبو ذر وراء أبي سعيد مولى أبي أسيد وهو عبد وهذا قول اكثر أهل العلم منهم الحسن والنخعي والشعبي والحكم والثوري والشافعي واسحق وأصحاب الرأي وكره ذلك أبو مجلز وقال مالك لا يؤمهم الا أن يكون قارئا وهم أميون ولنا عموم قوله عليه السلام " يؤم القوم اقرأهم لكتاب الله تعالى " ولانه قول من سمينا من الصحابة ولم يعرف لهم مخالف فكان اجماعا ولانه من أهل الاذان للرجال يأتي بالصلاة على الكمال فجاز له امامتهم كالحر إذا ثبت ذلك فالحر أولى منه لانه أكمل منه وأشرف ويصلي الجمعة والعيد اماما بخلاف العبد ولان في تقديم الحر خروجا من الخلاف والمقيم أولى من المسافر لانه إذا كان اماما حصلت له الصلاة كلها جماعة فان أمه المسافر أتم الصلاة منفردا وقال القاضي ان كان فيهم اماما فهو أحق بالامامة وان كان مسافرا لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بهم عام الفتح ويقول لاهل البلد " صلوا اربعا فانا سفر " رواه أبو داود وان تقدم المسافر جاز ويتم المقيم الصلاة بعد سلام إمامه

[ 23 ]

كالمسبوق وان أنم المسافر الصلاة جازت صلاتهم وحكي عنه رواية في صلاة المقيم انها لا تجوز لان الزيادة نفل أم بها مفترضين والصحيح الاول لان المسافر إذا نوى الاتمام لزمه فيصير الجميع فرضا (فصل) وامامة الاعمى جائزة لا نعلم فيها خلافا الا ما حكى عن أنس أنه قال ما حاجتهم إليه وعن ابن عباس أنه قال كيف أؤمهم وهم يعدلونني إلى القبلة والصحيح عن ابن عباس أنه كان يؤمهم وهو أعمى وعتبان بن مالك وقتادة وجابر وقال أنس ان النبي صلى الله عليه وسلم استخلف ابن أم مكتوم أم الناس وهو أعمى (1) رواه أبو داود ولان الاعمى فقد حاسة لا تخل بشئ من أفعال الصلاة ولا شروطها أشبه فقد الشم والبصير أولى منه اختاره أبو الخطاب ولانه يستقبل القبلة بعلمه ويتوقى النجاسات ببصره ولان في امامته اختلافا وقال القاضي هما سواء لان الاعمى أخشع لا يشتغل في الصلاة بالنظر إلى ما يلهيه فيكون ذلك مقابلا لما ذكرتم فتساويا قال الشيخ والاول أولى لان البصير لو أغمض عينيه كره ذلك ولو كان فضيلة لكان مستحبا لانه يحصل بتغميضه ما يحصله الاعمى ولان البصير إذا أغمض بصره مع امكان النظر كان له الاجر فيه لانه يترك المكروه مع امكانه اختيارا والاعمى يتركه اضطرار افكان أدنى حالا وأقل فضلا * (مسألة) * (وهل تصح امامة الفاسق والاقلف؟ على روايتين) والفاسق ينقسم على قسمين فاسق من جهة الاعتقاد وفاسق من جهة الافعال فاما الفاسق من جهة الاعتقاد


" 1 " لفظه في المنتفى ان النبي " ص " استخلف ابن أم مكتوم على المدينة مرتين يصلي بهم وهو أعمى. رواه أحمد وأبو داود

[ 24 ]

فمتى كان يعلن بدعته ويتكلم بها ويدعو إليها ويناظر لم تصح امامته وعلى من صلى وراءه الاعادة قال أحمد لا يصلى خلف أحد من أهل الاهواء إذا كان داعية إلى هواه وقال لا تصلى خلف المرجئ إذا كان داعية وقال القاضي وكذلك ان كان مجتهدا يعتقدها بالدليل كالمعتزلة والقدرية وغيرة الرافضة لانهم يكفرون ببدعتهم، وان لم يكن يظهر بدعته ففي وجوب الاعادة خلفه روايتان احداهما تجب الاعادة كالمعلن بدعته ولان الكافر لا تصح الصلاة خلفه سواء أظهر كفره أو أخفاه كذلك المبتدع قال أحمد في رواية ابى الحارث لا تصلي خلف مرجي ولا رافضي ولا فاسق الا أن يخافهم فيصلي ثم يعيد وقال أبو داود متى صليت خلف من يقول لقرآن مخلوق فأعد وعن مالك لا نصلي خلف أهل البدع والثانية تصح الصلاة خلفه قال الاثرم قلت لابي عبد الله الرافضة الذين يتكلمون بما تعرف؟ قال نعم آمره ان يعيد قيل له وهكذا أهل البدع قال لا لان منهم من يسكت ومنهم من يتكلم وقال لا نصلي خلف المرجئ إذا كان داعية فدل على أنه لا يعيد إذا لم يكن كذلك وقال الحسن والشافعي الصلاة خلف أهل البدع جائزة بكل حال لقول النبي صلى الله عليه وسلم " صلوا خلف من قال لا اله الا الله " ولانه رجل صلاته صحيحة فصح الائتمام به كغيره وقال نافع كان ابن عمر يصلي خلف الحسنية (1) والخوارج زمن ابن الزبير وهم يقتتلون فقيل له أتصلي مع هؤلاء وبعضهم يقتل بعضا؟ فقال من قال حي على الصلاة أجبته ومن قال حي على الفلاح أجبته ومن قال حي على قتل أخيك المسلم وأخذ ماله قلت لا رواه سعيد. ووجه القول الاول ما روى جابر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على منبره يقول " لا تؤمن امرأة رجلا ولا فاجر مؤمنا الا أن يقهره بسلطانه أو يخاف سوطه أو سيفه " رواه ابن ماجه وهذا أخص من حديثهم فيتعين تقديمه وحديثهم نقول به في الجمع والاعياد ونعيد وقياسهم منقوض بالامي ويروى عن حبيب بن عمر الانصاري عن أبيه قال سألت واثلة بن الاسقع قلت أصلي خلف القدري؟ قال لا تصل خلفه ثم قال أما أنا لو صليت خلفه لاعدت صلاتي رواه الاثرم


(1) كذا وفي المغني: الخشبية

[ 25 ]

(فصل) وأما الفاسق من جهة الاعمال كالزاني والذي يشرب ما يسكره فروي عنه أنه لا يصلى خلفه فانه قال لا تصل خلف فاجر ولا فاسق وقال أبو داود سمعت أحمد يسئل عن امام قال أصلي بكم رمضان بكذا وكذا درهما، قال اسأل الله العافية، من يصلي خلف هذا؟ وروي لا يصلى خلف من لا يؤدي الزكاة ولا يصلى خلف من يشارط ولا بأس أن يدفع إليه من غير شرط وهذا اختيار ابن عقيل وعنه أن الصلاة خلفه جائزة وهو مذهب الشافعي لقول النبي صلى الله عليه وسلم صلوا خلف من قال لا إله الا الله وكان ابن عمر يصلي مع الحجاج، والحسن والحسين وغيرهما من الصحابة كانوا يصلون مع مروان والذين كانوا في ولاية زياد وابنه كانوا يصلون معهما وصلوا وراء الوليد بن عقبة وقد شرب الخمر فصار هذا اجماعا وعن أبي ذر قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم " كيف أنت إذا كان عليك امراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ قال قلت فما تأمرني قال " صل الصلاة لوقتها فان أدركتها معهم فصل فانها لك نافلة " رواه مسلم وهذا فعل يقتضي فسقهم ولانه رجل تصح صلاته لنفسه فصح الائتمام به كالعدل ووجه الاولى ما ذكرنا من الحديث ولان الامامة تتضمن حمل القراءة ولا يؤمن تركه لها ولا يؤمن ترك بعض شرائطها كالطهارة وليس ثم امارة ولا عليه ظن يؤمننا ذلك والحديث أجبنا عنه وفعل الصحابة محمول على أنهم خافوا الضرر بترك الصلاة معهم وروينا عن قسامة بن زهير أنه قال لما كان من شأن فلان ما كان قال له أبو بكر تنح عن مصلانا فانا لا نصلى خلفك وحديث أبى ذر يدل على صحتها نافلة والنزاع إنما هو في الفرض (فصل) وأما الجمع والاعياد فتصلي خلف كل بر وفاجر وقد كان أحمد يشهدها مع المعتزلة وكذلك

[ 26 ]

من كان من العلماء في عصره وقد روي ان رجلا جاء محمد بن النضر فقال له ان لي جيرانا من أهل الاهواء لا يشهدون الجمعة قال حسبك، ما تقول فيمن رد على أبي بكر وعمر؟ قال ذلك رجل سوء قال فان رد على النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال يكفر. قال فان رد على العلي الاعلى؟ ثم غشي عليه ثم أفاق فقال ردوا عليه والذي لا إله إلا هو فانه قال (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله) وهو يعلم ان بني العباس سيلونها ولان هذه الصلاة من شعائر الاسلام الظاهرة ويليها الائمة دون غيرهم فتركها خلفهم يفضي إلى تركها بالكلية. إذا ثبت ذلك فانها تعاد خلف من يعاد خلفه غيرها قياسا عليها هذا ظاهر المذهب وعنه أنه قال من أعادها فهو مبتدع وهذا بدل على أنها لا تعاد خلف فاسق ولا مبتدع لانها صلاة مأمور بها فلم تجب اعادتها كسائر الصلوات (فصل) فان كان المباشر عدلا والذي ولاه غير مرضي الحال لبدعته أو لفسقه لم يعدها في المنصوص عنه لان صلاته انما ترتبط بصلاة امامه ولا يضر وجود معنى في غيره كالحدث وذكر القاضي في وجوب الاعادة روايتين والصحيح الاول * (فصل) * فان لم يعلم فسق امامه بدعته فقال ابن عقيل لا اعادة عليه لان ذلك مما يخفى فأشبه الحدث والنجس. قال شيخنا والصحيح أن هذا ينظر فيه، فان كان ممن يخفى بدعته وفسوقه

[ 27 ]

صحت صلاته لان من يصلي خلفه معذور، وان كان ممن يظهر ذلك وجبت الاعادة على الرواية التي تقول بوجوب اعادتها خلف المبتدع لانه معنى يمنع الائتمام فاستوى فيه العلم وعدمه كما لو كان أميا، والحدث والنجاسة يشترط خفاؤهما على الامام والمأموم معا والفاسق لا يخفى عليه فسق نفسه فأما إن لم يعلم حاله ولم يظهر منه ما يمنع الائتمام به فصلاته صحيحة نص عليه لان الاصل في المسلمين السلامة * (فصل) * فأما المخالفون في الفروع كالمذاهب الاربع فالصلاة خلفهم جائزة صحيحة غير مكروهة نص عليه لان الصحابة والتابعين ومن بعدهم لم يزل بعضهم يصلي خلف بعض مع اختلافهم في الفروع فكان ذلك إجماعا، وإن علم انه يترك ركنا يعتقده المأموم دون الامام فظاهر كلام أحمد صحة الائتمام به. قال الاثرم سمعت أحمد يسأل عن رجل صلى بقوم وعليه جلود الثعالب. فقال إن كان يلبسه وهو يتأول قوله عليه السلام " أيما إهاب دبغ فقد طهر " فصل خلفه فقيل له أتراه أنت جائزا؟ قال لا. ولكنه إذا كان يتأول فلا بأس أن يصلي خلفه، ثم قال أبو عبد الله لو أن رجلا لم ير الوضوء من الدم لم يصل خلفه فلا نصلي خلف سعيد بن المسيب ومالك إي بلى ولان كل مجتهد مصيب أو كالمصيب في حط المآثم عنه وحصول الثواب له ولان صلاته تصح

[ 28 ]

لنفسه فجازت الصلاة خلفه، كما لو لم يترك شيئا. وقال ابن عقيل في الفصول لا تصح الصلاة خلفه وذكر القاضي فيه روايتين احداهما لا تصح لانه يفعل ما يعتقده المأموم مفسدا للصلاة فلم يصح ائتمامه به كما لو خالفه في القبلة حالة الاجتهاد ولان أكثر ما فيه انه ترك ركنا لا يأثم بتركه فبطلت الصلاة خلفه كما لو تركه ناسيا، والثانية تصح لما ذكرنا * (فصل) * فان فعل شيئا من المختلف فيه يعتقد تحريمه، فان كان يترك ما يعتقد شرطا للصلاة أو واجبا فيها فصلاته وصلاة من يأتم به فاسدة. وإن كان المأموم يخالف في اعتقاد ذلك لانه ترك واجبا في الصلاة فبطلت صلاته وصلاة من خلفه كالمجمع عليه وإن كان لا يتعلق ذلك بالصلاة كشرب يسير النبيذ والنكاح بغير ولي ممن يعتقد تحريمه، فهذا إن دام على ذلك فهو فاسق، حكمه حكم سائر الفساق. وإن لم يدم عليه لم يؤثر لانه من الصغائر، فان كان الفاعل لذلك عاميا قلد من يعتقد جوازه فلا شئ عليه فيه لان فرض العامي سؤال العالم وتقليده قال الله تعالى (فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) وإن اعتقد حله وفعله صحت الصلاة خلفه في الصحيح من المذهب. وذكر ابن أبي موسى في صحة الصلاة خلفه روايتين

[ 29 ]

* (فصل) * وإذا أقيمت الصلاة والانسان في المسجد والامام لا يصلح للامامة فان شاء صلى خلفه وأعاد وإن نوى الانفراد ووافقه في أفعال الصلاة صحت صلاته لانه أتى بالصلاة على الكمال أشبه ما لو لم يقصد موافقة الامام. وروي عن أحمد انه يعيد، رواها عنه الاثرم. والصحيح الاول لما ذكرنا، وكذلك لو كان الذين لا يرضون الصلاة خلفه جماعة فأمهم أحدهم ووافقوا الامام في الافعال كان ذلك جائزا

[ 30 ]

* (فصل) * وأما الاقلف ففيه روايتان. إحدهما لا تصح إمامته لان النجاسة في ذلك المحل لا يعفى عنها عندنا، والثانية تصح لانه إن أمكنه كشف القلفة وغسل النجاسة غسلها، وان كان مرتقا لا يقدر على كشفها عفي عن ازالتها لعدم الامكان وكل نجاسة معفو عنها لا تؤثر في بطلان الصلاة والله أعلم * (مسألة) * (وفي امامة اقطع اليدين وجهان). روي عن أحمد انه قال لم أسمع فيها شيئا، وذكر الآمدي فيه روايتين. احداهما تكره وتصح

[ 31 ]

اختارها القاضي لانه عجز لا يخل بركن في الصلاة فلم يمنع صحة الامامة كقطع إحدى الرجلين والانف، والثانية لا تصح اختارها أبو بكر لانه يخل بالسجود على بعض أعضاء السجود أشبه العاجز عن السجود على جبهته، وحكم قطع اليد الواحدة كقطعهما. فأما أقطع الرجلين فلا تصح امامته لانه عاجز عن القيام أشبه الزمن، فان قطعت

[ 32 ]

احداهما وأمكنه القيام صحت امامته، ويتخرج أن لا تصح على قول أبي بكر لاخلاله بالسجود على عضو والاول أصح لانه يسجد على الباقي من رجله أو حاملها

[ 33 ]

* (مسألة) * (لا تصح الصلاة خلف كافر بحال) ولا تصح الصلاة خلف كافر ولا أخرس سواء علم بكفره قبل فراغه من الصلاة أو بعد ذلك، وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي كمحدث وهو لا يعلم

[ 34 ]

ولنا انه ائتم بمن ليس من أهل الصلاة أشبه ما لو ائتم بمجنون. والمحدث يشترط أن لا يعلم حدث نفسه والكافر يعلم حال نفسه * (فصل) * إذا صلى خلف من يشك في اسلامه فصلاته صحيحة ما لم يبن كفره، ولان الظاهر من المصلين الاسلام ولا سيما إذا كان إماما، فان كان ممن يسلم تارة ويرتد أخرى لم يصل خلفه حتى يعلم عن أي دين هو، فان صلى خلفه ولم يعلم ما هو عليه نظرنا، فان كان قد علم اسلامه قبل الصلاة ثم. شك في ردته فهو مسلم، وإن علم ردته وشك في اسلامه لم تصح الصلاة خلفه، وان كان

[ 35 ]

علم اسلامه فصلى خلفه فقال بعد الصلاة أسلمت أو ارتددت قبل الصلاه لم تبطل الصلاة لانها كانت محكوما بصحتها فلم يقبل قوله في ابطالها لانه ممن لا يقبل قوله * (فصل) * قال أصحابنا يحكم باسلامه سواء كان في دار الحرب أو دار الاسلام وسواء صلى في جماعة أو منفردا، فان رجع عن الاسلام بعد ذلك فهو مرتد، وان مات قبل ظهور ما ينافي الاسلام فهو مسلم يرثه ورثته المسلمون دون الكفار. وقال أبو حنيفة: إن صلى في المسجد حكم باسلامه وإن

[ 36 ]

صلى في غير المسجد فرادى لم يحكم باسلامه، وقال بعض الشافعية لا يحكم باسلامه بحال لان الصلاة من فروع الاسلام فلا يصير بفعلها مسلما كالحج والصوم ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " وقال بعضهم إن صلى في دار الاسلام فليس بمسلم لانه يقصد الاستتار بالصلاة واخفاء دينه، وإن صلى في دار الحرب فهو مسلم لعدم التهمة في حقه ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " نهيت عن قتل المصلين " وقال " بيننا وبينهم الصلاة " فجعل الصلاة حدا بين الاسلام والكفر، فمن صلى فقد دخل في حد الاسلام. وقال " المملوك إذا صلى

[ 37 ]

فهو أخوك " رواه الامام أحمد ولانها عبادة تختص المسلمين، فإذا صلى حكم باسلامه كالشهادتين، فأما الحج فان الكفار كانوا يفعلونه والصيام ترك المفطرات فقد يفعله من ليس بصائم، فأما صلاته في نفسه فأمر بينه وبين الله سبحانه وتعالى فان علم انه كان قد أسلم ثم توضأ وصلى بنية صحيحة فهي صحيحة وإلا فعليه الاعادة، لان الوضوء لا يصح من الكفار. وإذا لم يسلم قبل الصلاة كان حال شروعه فيها غير مسلم ولا متطهر فتصح منه والله أعلم

[ 38 ]

* (فصل) * ولا تصح إمامة الاخرس بغير أخرس لانه يترك ركنا وهو القراءة تركا مأيوسا من زواله فلم تصح امامته بقادر عليه كالعاجز عن الركوع والسجود. فأما امامته بمثله فقياس المذهب صحتها قياسا على الامي والعاجز عن القيام يؤم مثله وهذا في معناهما والله أعلم. وقال القاضي وابن عقيل لا تصح لان الامي غير مأيوس من نطقة والاول أولى * (فصل) * فأما الاصم فتصح إمامته لانه لا يخل بشئ من أفعال الصلاة ولا شروطها أشبه

[ 39 ]

الاعمى، فان كان الاصم أعمى صحت إمامته كذلك. وقال بعض أصحابنا لا تصح امامته لانه إذا سها لا يمكن تنبيهه بتسبيح ولا اشارة. قال شيخنا والاولى صحتها لانه لا يمنع من صحة الصلاة احتمال عارض لا يتيقن وجوده كالمجنون حال افاقته * (مسألة) * (ولا تصح امامة من به سلس البول ولا عاجز عن الركوع والسجود والقعود) وجملة ذلك انه لا تصح امامة من به سلس البول ومن في معناه ولا المستحاضة بصحيح لانهم يصلون مع خروج النجاسة التي يحصل بها الحدث من غير طهارة. فأما من عليه النجاسة فان كانت على بدنه

[ 40 ]

فتيمم لها لعدم الماء جاز للطاهر الائتمام به كما يجوز للمتوضئ الائتمام بالمتيمم للحدث، هذا اختيار القاضي وعلى قياس قول أبي الخطاب لا يجوز الائتمام به لانه أوجب عليه الاعادة، وان كانت على ثوبه لم يجز الائتمام به لتركه الشرط ولا يجوز إئتمام المتوضئ ولا المتيمم بعادم الماء والتراب ولا اللابس بالعاري ولا القادر على الاستقبال بالعاجز عنه لانه ما ترك لشرط يقدر عليه المأموم أشبه ائتمام المعافى بمن به سلس البول ويصح ائتمام كل واحد من هؤلاء بمثله لان العراة يصلون جماعة وكذلك الامي يجوز أن يؤم مثله كذلك هذا

[ 41 ]

* (فصل) * ويصح ائتمام المتوضئ بالمتيمم بغير خلاف نعلمه لان عمرو بن العاص صلى بأصحابه متيمما وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكره، وأم ابن عباس أصحابه متيمما وفيهم عمار بن ياسر في نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكروه ولان طهارته صحيحة أشبه المتوضئ * (فصل) * ولا تصح امامة العاجز عن شئ من أركان الافعال كالعاجز عن الركوع والسجود بالقادر عليه سواء كان امام الحي أو لم يكن، وبه قال أبو حنيفة ومالك وقال الشافعي يجوز لانه

[ 42 ]

فعل اجازه المرض أشبه القاعد يؤم بالقيام، ولنا انه أخل بركن لا يسقط في النافلة فلم يجز الائتمام به للقادر عليه كالقارئ بالامي. وأما القيام فهو أخف بدليل سقوطه في النافلة ولان النبي صلى الله عليه وسلم أمر المصلين خلف الجالس بالجلوس، ولا خلاف ان المصلي خلف الضطجع لا يضطجع فأما إن أم مثله فقياس المذهب صحته لان النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه في المطر بالايماء والعراة يصلون جماعة بالايماء، وكذلك حال المسايفة ولان الامي تصح امامته بمثله كذلك هذا

[ 43 ]

* (مسألة) * (ولا تصح خلف عاجز عن القيام إلا امام الحي المرجو زوال علته) ولا تصح امامة العاجز عن القيام بالقادر عليه إذا لم يكن امام الحي رواية واحدة لانه يخل بركن من أركان الصلاة أشبه العاجز عن الركوع، وتجوز إمامته بمثله كما يؤم الامي مثله * (فصل) * فأما امام الحي إذا عجز عن القيام فيجوز أن يؤم القادر عليه بشرط أن يكون ذلك لمرض يرجى زواله، لان اتخاذ الزمن ومن لا ترجى قدرته على القيام إماما راتبا يفضي إلى تركهم القيام على الدوام وإلى مخالفة قوله عليه السلام " فإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون " ولا حاجة إليه ولان

[ 44 ]

الاصل في هذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم وكان يرجى برؤه، فإذا وجد فيه هذان الشرطان فالمستحب له أن يستخلف لان الناس مختلفون في صحة إمامته ففي استخلافه خروج من الخلاف ولان صلاة القائم أكمل وكمال صلاة الامام مطلوب، فان قيل فقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه ولم يستخلف قلنا فعل ذلك لتبيين الجواز واستخلف مرة أخرى ولان صلاة النبي صلى الله عليه وسلم قاعدا أفضل من صلاة غيره قائما فان صلى بهم قاعدا جاز وصلوا وراءه جلوسا يروى ذلك عن أربعة من أصحاب

[ 45 ]

النبي صلى الله عليه وسلم أسيد بن حضير، وجابر، وقيس بن فهد، وأبو هريرة، وهو قول الاوزاعي وحماد ابن زيد واسحق وابن المنذر، وقال مالك في إحدى الروايتين: لا تصح صلاة القادر على القيام خلف القاعد وهو قول محمد بن الحسن، قال الشعبي روي عن النبي صلى الله عليه انه قال " لا يؤمن أحد بعد جالسا " أخرجه الدارقطني. ولان القيام ركن لا يصح ائتمام القادر عليه بالعاجز عنه كسائر الاركان، وقال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي يصلون خلفه قياما، لما روي عن عائشة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم استخلف أبا بكر ثم وجد في نفسه خفة فخرج بين رجلين فأجلساه إلى جنب أبي بكر

[ 46 ]

فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم والناس يصلون بصلاة أبي بكر والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد. متفق عليه وهذا أخير الامرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولانه ركن قدر عليه فلم يجز له تركه كسائر الاركان ولنا ما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " انما جعل الامام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه فإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون " متفق عليه، وعن عائشة قالت صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 47 ]

في بيته وهو شاك فصلى جالسا وصلى وراءه قوم قياما فأشار إليهم أن اجلسوا فلما انصرف قال " انما جعل الامام ليؤتم به فادا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد وإذا صلى جالسا فصلو جلوسا أجمعون " أخرجه البخاري قال ابن عبد البر روي هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق متواترة من حديث أنس وجابر وأبي هريرة وابن عمر وعائشة كلها باسانيد صحيحة فاما حديث الشعبي فمرسل ويرويه جابر الجعفي وهو متروك وقد فعله أربعة من

[ 48 ]

أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعده، وأما حديث الآخرين فليس فيه حجة قاله أحمد لان أبا بكر كان ابتدأ الصلاة فلما أتمها قائما فأشار أحمد إلى امكان الجمع بين الحديثين بحمل حديثهم على من ابتدأ الصلاة قائما والثاني على من ابتدأ الصلاة جالسا ومتى أمكن الجمع بين الحديثين كان أولى من النسخ ثم

[ 49 ]

يحتمل أن أبا بكر كان الامام قاله ابن المنذر في بعض الروايات وقالت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى خلف أبي بكر في مرضه الذي مات فيه وقال أنس صلى النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه خلف أبى بكر قاعدا في ثوب متوشحا به، قال الترمذي كلا الحديثين حسن صحيح ولا يعرف للنبي صلى الله عليه وسلم خلف أبي بكر صلاة إلا في هذا الحديث. وروى مالك الحديث عن ربيعة وقال كان أبو بكر الامام قال مالك العمل عندنا على حديث ربيعة هذا، فان قيل لو كان أبو بكر الامام لكان عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم. قلنا يحتمل انه فعل ذلك لان وراءه صفا والله أعلم * (مسألة) * قال (فان صلوا قياما صحت صلاتهم في أحد الوجهين) (احدهما) لا تصح أومأ إليه أحمد لان النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالجلوس ونهاهم عن القيام فقال في حديث جابر " إذا صلى الامام قاعدا فصلوا قعودا وإذا صلى قائما فصلوا قياما، ولا تقوموا والامام جالس كما يفعل أهل فارس بعظمائها " فقعدنا، ولانه ترك الاقتداء بامامه مع القدرة عليه أشبه تارك القيام في حال

[ 50 ]

قيام امامه (والثاني) يصح لان النبي صلى الله عليه وسلم صلى وراءه قوم قياما فلم يأمرهم بالاعادة، فعلى هذا يحمل الامر على الاستحباب ولانه تكلف القيام في موضع يجوز له الجلوس أشبه المريض إذا تكلف القيام، ويحتمل أن تصح صلاة الجاهل بوجوب القعود دون العالم كما قالوا في الذي ركع دون الصف * (مسألة) * (فان ابتدأ بهم الصلاة قائما ثم اعتل فجلس أتموا خلفه قياما لان أبا بكر حين ابتدأ بهم الصلاة قائما ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم فأتم الصلاة بهم جالسا أتموا قياما ولم يجلسوا ولان القيام هو الاصل فمن بدأ به في الصلاة لزمه في جميعها إذا قدر عليه كالذي أحرم في الحضر ثم سافر (فصل) فان استخلف بعض الائمة في وقتنا هذا فزال عذره فحضر فهل يجوز أن يفعل كفعل النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر؟ فيه ثلاث روايات (إحداها) ليس له ذلك قال أحمد في رواية أبي

[ 51 ]

داود وذلك خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم لان هذا أمر يخالف القياس فان انتقال الامام مأموما وانتقال المأمومين من امام إلى آخر لا يجوز الا لعذر يحوج إليه وليس في تقدم الامام الراتب ما يحوج إلى هذا أما النبي صلى الله عليه وسلم فانه من الفضيلة وعظم المنزلة ما ليس لاحد ولذلك قال أبو بكر ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم (والثانية) يجوز نص عليه في رواية أبي الحارث فعلى هذا يكبر ويقعد إلى جنب الامام ويبتدئ القراءة من حيث بلغ الامام لان الاصل ان ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم يكون جائزا لامته ما لم يقم على اختصاصه به دليل (والرواية الثالثة) ان ذلك يجوز للخليفة دون بقية الائمة فانه قال في رواية المروزي ليس هذا لاحد الا الخليفة وذلك لان رتبة الخلافة تفضل رتبة سائر الائمة فلا يلحق بها غيرها وكان ذلك للخليفة وخليفة النبي صلى الله عليه وسلم يقوم مقامه

[ 52 ]

* (مسألة) * ولا تصح أمامة المرأة والخنثى للرجال ولا للخناثى. لا يصح أن يأتم رجل بامرأة في فرض ولا نافلة في قول عامة الفقهاء وقال أبو ثور لا اعادة على المصلي خلفها وقال بعض أصحابنا يجوز أن تؤم الرجال في التراويح وتكون وراءهم لما روي عن أم ورقة بنت الحارث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل لها مؤذنا يؤذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها رواه أبو داود وهذا عام ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تؤمن امرأة رجلا رواه ابن ماجه ولانها لا تؤذن رجال فلم يجز أن تؤمهم كالمجنون وحديث أم ورقة انما أذن لها أن تؤم بنساء اهل الدار كذلك رواه الدارقطني وهذه زيادة يجب قبولها ولو لم يذكر ذلك لتعين حمل الحديث عليه وذلك لانه أذن لها أن تؤم في الفرائض بدليل أنه جعل لها مؤذنا والاذان إنما يشرع في الفرائض ولا خلاف في المذهب أنها

[ 53 ]

لا تؤمهم في الفرائض فالتخصيص بالتروايح تحكم بغير دليل، ولو ثبت ذلك لام ورقة لكان خاصا بها بدليل أنه لا يشرع لغيرها من النساء أذان ولا اقامة فتختص بالامامة كما اختص بالاذان والاقامة (فصل) وأما الخنثى فلا يجوز ان يؤم رجلا لاحتمال ان يكون امرأة ولا يؤم خنثى لجواز أن يكون الامام امرأة والمأموم رجلا ولا أن تؤمه امرأة لجواز أن يكون رجلا ويجوز له أنه يؤم المرأة لان أدنى أحواله أن يكون امرأة وقال القاضي رأيت لابي حفص البرمكي أن الخنثى لا تصح صلاته في جماعة لانه ان قام مع الرجال احتمل ان يكون امرأة وان قام مع النساء أو وحده أو ائتم بامرأة احتمل أن يكون رجل وان أم الرجال احتمل ان يكون امرأة وان أم النساء فقام وسطهن احتمل أن يكون رجل وان قام امامهن احتمل أنه امرأة، قال الشيخ ويحتمل أن تصح صلاته في هذه الصورة

[ 54 ]

وفي صورة أخرى وهو أن يقوم في صف الرجال مأموما فان المرأة إذا قامت في صف الرجال لم تبطل صلاتها ولا صلاة من يليها * (مسألة) * (ولا امامة الصبي لبالغ إلا في نفل على إحدي الروايتين) ولا يصح ائتمام البالغ بالصبي في الفرض نص عليه أحمد وهو قول ابن مسعود وابن عباس وبه قال عطاء والشعبي ومالك والثوري والاوزاعي وأبو حنيفة وأجازه الحسن والشافعي واسحق وابن المنذر وذكر أبو الخطاب رواية في صحة امامته في الفرض بناء على امامة المفترض بالمتنفل وقال ابن عقيل يخرج في صحة امامة ابن عشر سنين وجها بناء على القول بوجوب الصلاة عليه ووجه ذلك قوله صلى الله عليه وسلم " يؤم القوم اقرؤهم لكتاب الله تعالى " فيدخل في عموم ذلك وروي عن عمر بن سلمة الجرمي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقومه " يؤمكم اقرؤكم " قال فكنت أؤمهم وانا ابن سبع سنين أو ثمان سنين رواه البخاري وأبو داود وغيرهم ولنا قول ابن مسعود وابن عباس ولان الامامة حال كمال والصبي ليس من أهل الكمال فلا يؤم الرجال كالمرأة ولانه لا يؤمن من الصبي الاخلال بشرط من شرائط الصلاة أو القراءة حال الاسرار فاما حديث عمرو بن سلمة فقال الخطابي كان أحمد يضعف أمر عمرو بن سلمة وقال مرة دعه ليس بشئ قال أبو داود قيل لاحمد حديث عمرو بن سلمة قال لا أدري أي شئ هذا ولعله انما توقف

[ 55 ]

عنه لانه لم يتحقق بلوغ الامر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فانه كان بالبادية في حي من العرب بعيد من المدينة وقوى هذا الاحتمال قوله في الحديث وكنت إذا سجدت خرجت استى وهذا غير سائغ (فصل) فاما امامته في النفل ففيها روايتان (احداهما) لا تصح لذلك (والثانية) تصح لانه متنفل يؤم متنفلين ولان النافلة يدخلها التخفيف ولذلك تنعقد الجماعة به فيها إذا كان مأموما * (مسألة) * ولا تصح امامة محدث ولا نجس يعلم ذلك فان جهل هو والمأموم حتى قضوا الصلاة صحت صلاة المأموم وحده ومتى أخل بشرط الصلاة مع القدرة عليه لم تصح صلاته لاخلاله بالشرط فان صلى محدثا وجهل الحدث هو والمأموم حتى قضوا الصلاة فصلاة المأمومين صحيحة وصلاة الامام باطلة وروي ذلك عن عمر وعثمان وعلي وابن عمر رضي الله عنهم وبه قال الحسن وسعيد بن جبير ومالك والاوزاعي والشافعي وعن علي أنهم يعيدون جميعا وبه قال ابن نصر والشعبي وأبو حنيفة وأصحابه لانه صلى بهم محدثا أشبه ما لو علم ولنا اجماع الصحابة رضي الله عنهم فروي أن عمر صلى بالناس الصبح ثم خرج إلى الجرف فأهراق الماء فوجد في ثوبه احتلاما فأعاد ولم يعد الناس، وعن عثمان أنه صلى بالناس صلاة الفجر فلما أصبح وارتفع النهار إذا هو بأثر الجنابة فقال كبرت والله كبرت والله. وأعاد الصلاة ولم يأمرهم أن يعيدوا، وعن ابن عمر نحو ذلك. رواه كله الاثرم وعن البراء بن عازب ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إذا صلى الجنب بقوم أعاد صلاته وتمت للقوم صلاتهم " رواه أبو سليمان محمد بن الحسين الحراني ولان الحدث مما يخفى ولا سبيل إلى معرفته من الامام للمأموم فكان معذورا في الاقتداء به ويفارق ما إذا علم الامام حدث نفسه لانه يكون مستهزئا بالصلاة فاعلا ما لا يحل وإذا علمه المأموم لم يعذر في الاقتداء به وما نقل عن علي لا يثبت بل قد نقل عنه كما ذكرنا عن غيره من الصحابة والحكم في النجاسة كالحكم في الحدث لانها في معناها في خفائها على الامام والمأموم، على أن في النجاسة رواية أخرى أن الامام أيضا لا تلزمه الاعادة وقد ذكرناه * (فصل) * فان علم حدث نفسه في الصلاة أو علم المأمومون لزمهم استئناف الصلاة. قال الاثرم سألت أبا عبد الله: رجل صلى بقوم على غير طهارة بعض الصلاة فذكر؟ قال يعجبني أن يبتدئوا الصلاة قلت يقول لهم استأنفوا الصلاة؟ قال لا، ولكن ينصرف ويتكلم ويبتدئون الصلاة. وذكر ابن عقيل

[ 56 ]

رواية إذا علم المأمومون انهم يبنون على صلاتهم، وقال الشافعي يبنون على صلاتهم سواء علم بذلك أو علم المأمومون لان ما مضى عى صلاتهم صحيح فكان لهم البناء عليه كما لو أقام إلى خامسة فسبحوا به فلم يرجع. ولنا انه ائتم بمن صلاته فاسدة مع العلم منهما أو من أحدهما أشبه ما لو ائتم بامرأة، وانما خولف هذا إذا استمر الجهل منهما للاجماع ولان وجوب الاعادة على المأمومين في حالة استمرار الجهل يشق لتفرقهم بخلاف ما إذا علموا في الصلاة، وإن علم بعض المأمومين دون بعض فالمنصوص أن صلاة الجميع تفسد والاولى يختص البطلان بمن علم دون من جهل لانه معنى مبطل اختص به فاختص بالبطلان كحدث نفسه * (فصل) * قال أحمد في رجلين أم أحدهما الآخر فشم كل واحد منهما ريحا أو سمع صوتا يعتقده من صاحبه يتوضان ويعيدان الصلاة لان كل واحد منهما يعتقد فساد صلاة صاحبه، وهذا إذا قلنا تفسد صلاة كل واحد من الامام والمأموم بفساد صلاة الآخر بكونه صار فذا، وعلى الرواية المنصورة ينوي كل واحد منهما الانفراد ويتم صلاته، ويحتمل انه انما قضى بفساد صلاتهما إذا أئتما الصلاة على ما كانا عليه من غير فسخ النية، فان المأموم يعتقد انه مؤتم بمحدث والامام يعتقد انه يؤم محدثا. وأما قوله يتوضآن فلعله أراد لتصح صلاتهما جماعة إذ ليس لاحدهما أن يأتم بالآخر مع اعتقاده حدثه واحتياطا: أما إذا صليا منفردين فلا يجب الوضوء على واحد منهما لانه متيقن للطهارة شاك في الحدث * (فصل) * فان اختل غير ذلك من الشروط في حق الامام كالستارة واستقبال القبلة لم يعف عنه في حق المأموم لان ذلك لا يخفى غالبا بخلاف الحدث والنجاسة، وكذا إن فسدت صلاته لترك ركن فسدت صلاتهم نص عليه أحمد فيمن ترك القراءة يعيد ويعيدون وكذلك لو ترك تكبيرة الاحرام * (مسألة) * (ولا تصح امامة الامي وهو من لا يحسن الفاتحة أو يدغم حرفا أو يلحن لحنا يحيل المعنى إلا بمثله) والكلام في هذه المسألة في فصلين (أحدهما) ان الامي لا تصح امامته بمن يحسن قراءة الفاتحة، وهذا قول مالك والشافعي في الجديد وقيل عنه يصح أن يأتم القارئ بالامي في صلاة الاسرار دون الجهر وعنه يصح أن يأتم به في الحالين ولنا انه ائتم بعاجز عن ركن وهو قادر عليه فلا تصح كالعاجز عن الركوع والسجود وقياسهم يبطل بالاخرس والعاجز عن الركوع والسجود وأما القيام فهو ركن أخف من غيره بدليل انه يسقط في النافلة مع القدرة عليه بخلاف القراءة فان صلى بأمي وقارئ صحت صلاة الامي والامام. وقال أبو حنيفة تفسد صلاة الامام أيضا لانه يتحمل القراءة عن المأموم وهو عاجز عنها ففسدت صلاته ولنا انه أم من لا يصح ائتمامه به فصحت صلاة الامام كما لو أمت امرأة رجلا ونساء، وقولهم ان المأموم يتحمل عنه الامام القراءة قلنا انما يتحملها مع القدرة، فأما من يعجز عن القراءة عن نفسه فعن غيره أولى

[ 57 ]

* (الفصل الثاني) * انه تصح إمامته بمثله لانه يساويه فصحت امامته به كالعاجز عن القيام * (فصل) * قوله أو يبدل حرفا هو كالالثغ الذي يبدل الراء غينا والذي يلحن لحنا يحيل المعنى كالذي يكسر كاف إياك أو تاء أنعمت أو يضمها إذا كان لا يقدر على اصلاح ذلك يصح ائتمامه بمثله كاللذين لا يحسنان شيئا وان كان يقدر على اصلاح ذلك لم تصح صلاته ولا صلاة من يأتم به لانه ترك ركنا من أركان الصلاة مع القدرة عليه أشبه تارك الركوع * (فصل) * فان صلى القارئ خلف من لا يعلم حاله في صلاة الاسرار صحت صلاته لان الظاهر انه إنما يتقدم من يحسن القراءة، وان كان يسر في صلاة الجهر ففيه وجهان أحدهما لا تصح صلاة القارئ، ذكره القاضي وابن عقيل لان الظاهر انه لو أحسن القراءة لجهر، والثاني تصح لان الظاهر انه لا يؤم الناس إلا من يحسن القراءة، والاسرار يحتمل أن يكون لجهل أو نسيان، فان قال قد قرأت صحت الصلاة على الوجهين لان الظاهر صدقه، وتستحب الاعادة احتياطا، ولو أسر في صلاة الاسرار ثم قال ما كنت قرأت الفاتحة لزمه ومن وراءه الاعادة، لانه روي عن عمر انه صلى بهم المغرب فلما سلم قال ما سمعتموني قرأت. قالوا لا قال فما قرأت في نفسي فأعاد بهم الصلاة * (فصل) * وإذا كان رجلان لا يحسنان الفاتحة أو أحدهما يحسن سبع آيات من غيرها والآخر لا يحسن شيئا فلكل واحد منهما الائتمام بالآخر لانهما أميان والمستحب تقديم من يحسن السبع آيات لانه اقرأ، وعلى هذا كل من لا يحسن الفاتحة يجوز أن يؤم من لا يحسنها سواء استويا في الجهل أو تفاوتا فيه * (مسألة) * (وتكره إمامة اللحان والفأفاء الذي يكرر الفاء والتمتام الذي يكرر القاف ومن لا يفصح ببعض الحروف) أما الذي يلحن لحنا يحيل المعنى فقد ذكرناه، وتكره إمامة اللحان الذي لا يحيل المعنى نص عليه وتصح صلاته بمن لا يلحن لانه أتى بفرض القراءة فان أحال المعنى في غير الفاتحة لم يمنع صحة إمامته إلا أن يتعمده فيبطل صلاتهما، ومن لا يفصح ببعض الحروف كالقاف والضاد فقال القاضي تكره امامته وتصح أعجميا كان أو عربيا. وقيل فمن قرأ ولا الضالين بالظاء لا تصح صلاته لانه يحيل المعنى يقال ظل يفعل كذل إذا فعله نهارا فهو كالالثغ وتكره إمامة الفأفاء والتمتام، وتصلح لانهما يأتيان بالحروف على وجهها ويزيدان زيادة هما مغلوبان عليها فعفي عنها ويكره تقديمهما لهذه الزيادة * (مسألة) * (ويكره أن يؤم نساء أجانب لا رجل معهن) لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يخلو الرجل بالمرأة الاجنبية ولا بأس أن يؤم ذوات محارمه، وأن يؤم النساء مع الرجل فقد كن النساء يشهدن مع النبي صلى الله عليه وسلم وقد أم انسا واليتيم وأمه * (مسألة) * (ويكره أن يؤم قوما أكثرهم له كارهون)

[ 58 ]

لما روى أبو أمامة قال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون " حديث حسن غريب. وعن عبد الله ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ثلاثة لا يقبل منهم صلاة من تقدم قوما وهم له كارهون، ورجل يأتي الصلاة دبارا - والدبار أن يأتي بعد أن يفوت الوقت - ورجل اعتبد محررا " رواه أبو داود. وقال علي لرجل أم قوما وهم له كارهون انك لخروط قال أحمد إذا كرهه اثنان أو ثلاثة فلا بأس حتى يكرهه أكثرهم، فان كان ذا دين وسنة فكرهه القوم لذلك لم تكره إمامته. قال منصور أما إنا سألنا عن ذلك فقيل لنال انما عنى بهذا الظلمة، فأما من أقام السنة فانما الاثم على من كرهه، قال القاضي والمستحب أن لا يؤمهم صيانة لنفسه وان استوى الفريقان فالاولى أن لا يؤمهم أراد بذلك الاختلاف والله أعلم * (مسألة) * (ولا بأس بامامة ولد الزنا والجندي إذا سلم دينهما) لا بأس بامامة ولد الزنا وهو قول عطاء وسليمان بن موسى والحسن والنخعي والزهري وعمرو ابن دينار واسحاق وقال اصحاب الرأي ولا تجزي الصلاة خلفه، وكره مالك أن يتخذ إماما راتبا وقال الشافعي يكره مطلقا لان الامامة منصب فضيلة فكره تقديمه فيها كالعبد ولنا عموم قوله عليه السلام " يؤم القوم أقرؤهم " وقالت عائشة ليس عليه من وزر أبوية شئ قال الله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى) وقال سبحانه (وإن أكرمكم عند الله أتقاكم " والعبد لا نكرة إمامته لكن الحر أولى منه ولو سلم ذلك فالعبد ناقص في أحكامه لا يلي النكاح ولا المال بخلاف هذا ولا بأس بامامة الجندي والخصي إذا كانا مرضيين لانه عدل يصلح للامامة أشبه غيره * (فصل) * ولا بأس بامامة الاعرابي إذا كان يصلح نص عليه وهو قول عطاء والثوري والشافعي واسحق واصحاب الرأي، وقد روي عن أحمد انه قال لا نعجبني إمامة الاعرابي إلا أن يكون قد سمع وفقه لان الغالب عليهم الجهل، وكره ذلك أبو مجاز وقال مالك لا يؤمهم لقول الله تعالى

[ 59 ]

(الاعراب أشد كفرا) الآية. ولنا عموم قوله عليه السلام " يؤم القوم اقرؤهم لكتاب الله " ولانه مكلف عدل تصح صلاته لنفسه أشبه المهاجر * (فصل) * والمهاجر أولى منه لا يقدم على المسبوق بالهجرة فمن لا هجرة له أولى. قال أبو الخطاب والحضري أولى من البدوي لانه مختلف في إمامته ولان الغالب عليهم الجفاء وقلة المعرفة بحدود الله تعالى * (مسألة) * (ويصح ائتمام مؤدي الصلاة بمن يقضيها) مثل أن يكون عليه ظهر أمس فأراد قضاءها فائتم به رجل عليه ظهر اليوم ففيه روايتان. أصحهما انه يصح نص عليه، وفي رواية ابن منصور وهذا اختيار الخلال وقال المذهب عندي في هذا رواية واحدة وغلط من نقل غيرها لان القضاء يصح بنية الاداء فيما إذا صلى فبان بعد خروج الوقت، وكذلك من يقضي الصلاة يصلي خلف من يؤديها لانه في معناه، والرواية الثانية لا يصح، نقلها صالح لان نيتهما مختلفة هذا ينوي قضاء وهذا أداء * (فصل) * ويصح ائتمام المفترض بالمتنفل ومن يصلي الظهر بمن يصلي العصر في احدى الروايتين وفي الاخرى لا تصح فيهما. اختلف عنه في صحة ائتمام المفترض بالمتنفل فنقل عنه حنبل وأبو الحارث لا يصح، اختاره أكثر الاصحاب وهو قول الزهري ومالك وأصحاب الرأي لقول النبي صلى الله عليه وسلم " انما جعل الامام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه " متفق عليه، ولان صلاة المأموم لا تتأدى

[ 60 ]

بنية الامام أشبه صلاة الجمعة خلف من يصلي الظهر. والثانية تصح نقلها عنه اسماعيل بن سعيد وأبو داود وهذا قول عطاء والاوزاعي والشافعي وابي ثور وابن المنذر. قال شيخنا وهي أصح لان معاذا كان يصلي مع النبي صلى الله وسلم ثم يرجع فيصلي بقومه تلك الصلاة متفق عليه وصلى النبي صلى الله عليه وسلم بطائفة من أصحابه في صلاة الخوف ركعتين ثم سلم ثم صلى بالطائفة الاخرى ركعتين ثم سلم رواه أبو داود والاثرم وهو في الثانية متنفل مفترضين ولانهما صلاتان اتفقتا في الافعال فجاز ائتمام المصلي في إحداهما بالمصلي في الاخرى كالمتنفل خلف المفترض. فأما حديثهم فالمراد به لا تختلفوا عليه في الافعال لانه انما ذكر في الحديث الافعال فقال فإذا سجد فاسجدوا ولهذا صح ائتمام المتنفل بالمفترض وقياسهم ينتقض بالمسبوق في الجمعة إذا أدرك أقل من ركعة فنوى الظهر خلف من يصلي الجمعة * (فصل) * فأما صلاة المتنفل خلف المفترض فلا نعلم في صحتها خلافا وقد دل عليه قوله عليه السلام " ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه " * (فصل) * فأما صلاة الظهر خلف من يصلي العصر ففيه روايتان وكذلك صلاة العشاء خلف من يصلي التراويح أحدهما يجوز نقلها عنه اسماعيل بن سعيد فانه قال له ما ترى إن صلى في رمضان خلف إمام يصلي بهم التراويح قال يجزيه ذلك من المكتوبة. والثانية لا يجوز نقلها عنه المروذي لان أحدهما لا يتأدى بنية الاخرى كصلاة الجمعة والكسوف خلف من يصلى غيرهما أو صلاة غيرهما

[ 61 ]

خلف من يصليهما لم تصح رواية واحدة لانه يفضي إلى المخالفة في الافعال فيدخل في عموم قوله عليه السلام " فلا تختلفوا عليه " * (فصل) * ومن صلى الفجر ثم شك هل طلع الفجر أو لا لزمته الاعادة وله أن يؤم فيها من لم يصل، وقال بعض أصحابنا تخرج على الروايتين في إمامة المتنفل بالمفترض والصحيح الاول لان الاصل بقاء الصلاة في ذمته ووجوب أفعالها فأشبه ما لو شك هل صلى أو لا، ولو فاتت المأموم ركعة فصلى الامام خمسا ساهيا فقال ابن عقيل لا يعتد للمأموم بالخامسة لانها سهو وغلط، وقال القاضي هذه الركعة نافلة للامام وفرض للمأموم فيخرج فيها الروايتان. وقد سئل أحمد عن هذه المسائل فتوقف فيها. قال شيخنا والاولى انه يحتسب له بها لانه لو لم يحتسب له بها لزمه أن يصلي خمسا مع علمه بذلك ولان الخامسة واجبة على الامام عند من يوجب عليه البناء على اليقين، ثم إن كانت نفلا فقد ذكرنا ان الصحيح صحة الائتمام فيه، وإن صلى بقوم الظهر يظنها العصر فقال أحمد يعيد ويعيدون وهذا على الرواية التي منع فيها ائتمام المفترض بالمتنفل، فان ذكر الامام وهو في الصلاة فأتمها عصرا كانت له نفلا وان قلب بنية إلى الظهر بطلت صلاته لما ذكرنا متقدما، وقال ابن حامد يتمها والفرض باق في ذمته * (فصل في الموقف) * السنة أن يقف المأمومون خلف الامام إذا كان المأمومون جماعة، فالسنة أن يقفوا خلف الامام رجالا كانوا أو نساء لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بأصحابه فيقومون

[ 62 ]

خلفه ولان جابرا وجبارا لما وقفا عن يمينه وشماله ردهما إلى خلفه وإن كانا اثنين، فكذلك لما روى جابر قال سرت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة فقام يصلي فتوضأت ثم جئته حتى قمت عن يساره فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه فجاء جبار بن صخر حتى قام عن يساره فأخذنا جميعا بيديه فأقامنا خلفه رواه أبو داود وهذا قول عمر وعلي وجابر بن زيد والحسن ومالك والشافعي وأصحاب الرأي، وكان ابن مسعود يرى أن يقفا من جانبي الامام لانه يروى عنه انه صلى بين علقمة والاسود وقال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل، رواه أبو داود ولنا الحديث الذي ذكرناه فانه أخرهما إلى خلفه ولا ينقلهما إلا إلى الاكمل وصلى النبي صلى الله عليه وسلم بأنس واليتيم فجعلهما خلفه. وحديث ابن مسعود يدل على الجواز فان كان أحدهما صبيا فذلك في اصح الروايتين إن كانت الصلاة تطوعا لان النبي صلى الله عليه وسلم جعل أنسا واليتيم وراءه، وإن كان فرضا جعل الرجل عن يمينه والغلام عن يساره كما في حديث ابن مسعود أو جعلهما عن يمينه، وان جعلهما خلفه فقال بعض أصحابنا لا يصح لانه لا يصح أن يؤمه فيه كالمرأة ويحتمل أن يصح لانه بمنزلة المتنفل والمتنفل يصاف المفترض * (مسألة) * (فان وقفوا قدامه لم يصح)

[ 63 ]

وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وقال مالك واسحاق يصح لان ذلك لا يمنع الاقتداء به فأشبه من خلفه، ولنا قوله عليه السلام " انما جعل الامام ليؤتم به " ولانه يحتاج في الاقتداء إلى الالتفات إلى ورائه ولان ذلك لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا هو في معنى المنقول فلم يصح كما لو صلى في بيته بصلاة الامام، ويفارق من خلف الامام فانه لا يحتاج في الاقتداء إلى الالتفات بخلاف هذا، وقد قال بعض أصحابنا يجوز للمرأة أن تؤم الرجال في صلاة التراويح ويكونون بين يديها. وقد ذكرنا فساد ذلك فيما مضى، وإن وقفوا عن يمينه أو عن جانبيه صح لما ذكرنا من حديث ابن مسعود ولان وسط الصف موقف لامام العراة وللمرأة إذا أمت النساء، ويصح أن يقفوا عن يمينه لانه موقف للواحد على ما نذكره ان شاء الله * (مسألة) * (وان كان واحد وقف عن يمينه رجلا كان أو غلاما) لما روينا من حديث جابر وروى ابن عباس قال قام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل فقمت ووقفت عن يساره فأخذ بذؤابتي فأدارني عن يمينه متفق عليه * (مسألة) * (وإن وقف خلفه أو عن يساره لم تصح) وجملة ذلك انه من صلى وحده خلف الامام ركعة كاملة لم تصح صلاته وهذا قول النخعي

[ 64 ]

واسحق وابن المنذر وغيرهم، وأجازه الحسن ومالك والاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي لان أبا بكرة ركع دون الصف فلم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالاعادة ولانه موقف للمرأة فكان موقفا للرجال كما لو كان مع جماعة ولنا ما روى وابصة بن معبد ان النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد، رواه أبو داود وغيره وقال ابن المنذر ثبت الحديث وفي لفظ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل صلى وراء الصف وحده فقال يعيد رواه تمام في الفوائد، وعن علي بن شيبان أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم فسلم فانصرف ورجل فرد خلف الصف فوقف نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى انصرف الرجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم " استقبل صلاتك فلا صلاة لفرد خلف الصف " رواه الاثرم وقال قلت لابي عبد الله حديث ملازم ابن عمرو يعني هذا الحديث أيضا حسن؟ قال نعم. ولانه خالف الموقف فلم تصح صلاته كما لو وقف قدام الامام. فأما حديث أبي بكرة فان النبي صلى الله عليه وسلم نهاه فقال " لا تعد " والنهي يقتضي الفساد وعذره فيما فعله لجهله وللجهل تأثير في العفو ولا يلزم من كونه موقفا للمرأة أن يكون موقفا للرجل بدليل اختلافهما في كراهة الوقوف واستحبابه * (فصل) * وإن وقف عن يسار الامام وكان عن يمين الامام أحد صحت صلاته لما ذكرنا من حديث ابن مسعود ولان وسط الصف موقف لامام العراة وان لم يكن عن يمينه أحد فصلاته فاسدة، وكذلك

[ 65 ]

إن كانوا جماعة وأكثر أهل العلم يرون ان الاولى للواحد أن يقف عن يمين الامام. روي عن سعيد ابن المسيب انه كان إذا لم يكن معه إلا واحد جعله عن يساره، وقال مالك والشافعي وأصحاب الرأي تصح صلاة من وقف عن يسار الامام لان ابن عباس لما أحرم عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم أداره عن يمينه ولم تبطل تحريمته ولو لم يكن موقفا لزمه استئنافها كقدام الامام ولانه أحد الجانبين أشبه اليمين وكما لو كان عن يمينه أحد ولنا حديث ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم أداره عن يمينه، وكذلك حديث جابر وقولهم لم يأمره بابتداء التحريمة لان ما فعله قبل الركوع لا يؤثر فان الامام يحرم قبل المأمومين وكذلك المأمومون يحرم بعضهم قبل بعض الباقين، ولا يضر انفراده ولا يلزم من العفو عن ذلك العفو عن ركعة كاملة. قولهم هو موقف إذا كان أحد عن يمينه قلنا لا يلزم من كونه موقفا في صورة أن يكون موقفا في غيرها بدليل ما وراء الامام فانه موقف للاثنين وليس موقفا للواحد، وان منعوه فقد دل عليه الحديث المذكور والقياس انه يصح كما لو كان عن يمينه وكون النبي صلى الله عليه وسلم أدار ابن عباس وجابرا يدل على الفضيلة لا على عدم الصحة بدليل رد جابر وجبار إلى وراءه مع صحة صلاتهما عن جانبه * (فصل) * فان كان خلف الامام صف فهل تصح صلاة من وقف عن يساره؟ فيه احتمالان. أحدهما يصح لانه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه صلى وأبو بكر عن يمينه، وكان أبو بكر

[ 66 ]

الامام وكان مع الامام ولان مع الامام من تنعقد صلاته به فصح كما لو كان عن يمينه أحد، والثاني لا تصح لانه ليس بموقف إذا لم يكن صف فلم يكن موقفا مع الصف كامام الامام وفارق إذا كان معه آخر لانه معه في الصف فكان صفا واحدا فهو كما لو وقف معه خلف الصف * (مسألة) * (وإن أم امرأة وقفت خلفه) لقول النبي صلى الله عليه وسلم " أخروهن من حيث أخرهن الله " وروى أنس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بأمه أو خالته فأقامني عن يمينه وأقام المرأة خلفنا رواه مسلم، وان أم رجلا وامرأة وقف الرجل عن يمينه ووقفت المرأة خلفهما لما ذكرنا، وإن كانا رجلين وقفا خلفه والمرأة خلفهما كما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم فصففت أنا واليتيم وراءه والمرة خلفنا فصلى لنا رسول الله ركعتين متفق عليه، وكان الحسن يقول في ثلاثة أحدهم امرأة يقوم بعضهم وراء بعضهم وهذا قول لا نعلم أحدا وافقه فيه، واتباع السنة أولى * (فصل) * فان وقفت المرأة في صف الرجال كره لها ذلك ولم تبطل صلاتها ولا صلاة من يليها وهذا مذهب الشافعي، وقال أبو بكر تبطل صلاة من يليها ومن خلفها دونها وهو قول أبي حنيفة لانه منهي عن الوقوف إلى جانبها أشبه الوقوف أمام الامام. ولنا انها لو وقفت في غير صلاة لم تبطل صلاته كذلك في الصلاة، وقد ثبت أن عائشة كانت تعترض بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي

[ 67 ]

قولهم: وهو منهى عنه، قلنا هي منهية عن الوقوف مع الرجال فإذا لم تبطل صلاتها فصلاتهم أولى وقال ابن عقيل الاشبه بالمذهب عندي بطلان صلاتها لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " أخروهن " وهو موقف منهي عنه أشبه موقف الفذ خلف الامام والصف * (مسألة) * (وإن اجتمع رجال وصبيان وخناثى ونساء تقدم الرجال ثم الصبيان ثم الخناثى ثم النساء) لما روى أبو داود ان النبي صلى الله عليه وسلم صلى فصف الرجال ثم صف خلفهم الغلمان. وتقدم الخناثى على النساء لجواز أن يكون رجلا (وكذلك يفعل في تقديمهم إلى الامام إذا اجتمعت جنائزهم) وسنذكر ذلك في موضعه ان شاء الله تعالى * (مسألة) * (ومن لم يقف معه إلا كافر أو امرأة أو محدث يعلم حدثه فهو فذ، وكذلك الصبي إلا في النافلة) أما إذا وقف معه كافر ومحدث يعلم حدثه لم تصح صلاته لان وجوده وعدمه واحد وكذلك إذا وقف معه سائر من لا تصح صلاته لما ذكرنا. وقد روي عن أحمد انه قال إذا أم رجلين أحدهما غير طاهر أتم الطاهر معه، وهذا يحتمل انه أراد إذا علم المحدث حدث نفسه أتم الآخر إن كان عن يمين الامام وإن لم يكن عن يمينه تقدم فصار عن يمينه. فأما إن كانا خلفه وأتم الصلاة مع علم المحدث بحدثه لم تصح وإن لم يعلمه صح لانه لو كان إماما صح الائتمام به فصحة مصافته أولى * (فصل) * فان لم يقم معه إلا امرأة فقال ابن حامد لا تصح صلاته لانها لا تؤمه فلا تكون معه

[ 68 ]

صفا ولانها من غير أهل الوقوف معه فوجودها كعدمها، وقال ابن عقيل تصح على أصح الوجهين لانه وقف معه مفترض صلاته صحيحة أشبه ما لو وقف معه رجل، وليس من شرط المصافة أن يكون ممن تصح إمامته بدليل القارئ مع الامي والفاسق والمفترض مع المتنفل، وإن وقف معه خنثى مشكل لم يكن معه صفا على قول ابن حامد لانه يحتمل أن يكون امرأة * (فصل) * وإن وقف معه فاسق أو متنفل صار صفا لان صلاتهم صحيحة، وكذلك لو وقف قارئ مع أمي أو من به سلس البول مع صحيح أو قائم مع قاعد كانا صفا لما ذكرنا * (فصل) * إذا وقف مع البالغ وخلفه صبي فان كان في النافلة صح لما ذكرنا من حديث أنس وذكر أبو الخطاب رواية انه لا يصح بناء على إمامته في النفل، وإن كان في الفرض فقد روى الاثرم عن أحمد انه توقف في هذه المسألة وقال ما أدري فذكر له حديث أنس فقال ذلك في التطوع واختلف فيه أصحابنا فقال بعضهم لا يصح لانه لا يصلح إماما للرجال في الفرض كالمتنفل، ولا يشترط لصحة مصالته صلاحيته للامامة بدليل الفاسق والعبد والمسافر في الجمعة والاصل المقيس عليه ممنوع * (فصل) * إذا أم الرجل خنثى مشكلا وحده فالصحيح انه يقف عن يمينه لانه إن كان رجلا فهذا موقفه وان كان امرأة لم تبطل صلاتها بوقوفها مع الامام كما لو وقفت مع الرجال، ولا يقف وحده لجواز أن يكون رجلا فان كان معهما رجل وقف الرجل عن يمين الامام والخنثى عن يساره

[ 69 ]

أو عن يمين الرجل ولا يقفان خلفه لجواز أن يكون امرأة إلا عند من أجاز للرجل مصافة المرأة، فان كان معهم رجل آخر وقف الثلاثة خلفه صفا لما ذكرنا، وإن كانا خنثيين مع الرجلين فقال أصحابنا يقف الخنثيان صفا خلف الرجلين لاحتمال أن يكونا امرأتين، ويحتمل أن يقفا مع الرجلين لانه يحتمل أن يكون أحدهما رجلا فلا تصح صلاته، وان كان معهم نساء وقفن خلف الخناثى على ما ذكرنا * (فصل) * وإذا كان المأموم واحدا فكبر عن يسار الامام أداره الامام عن يمينه ولم تبطل تحريمته كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بابن عباس، وإن كبر وحده خلف الامام ثم تقدم عن يمينه أو جاء آخر فوقف معه أو تقدم إلى الصف بين يديه أو كانا اثنين فكبر أحدهما وتوسوس الآخر ثم كبر قبل رفع الامام رأسه من الركوع أو كبر واحد عن يمين الامام فأحس بآخر فتأخر معه قبل أن يحرم الثاني ثم أحرم أو أحرم عن يسار الامام فجاء آخر فوقف عن يمينه قبل رفع الامام رأسه من الركوع صحت صلاتهم وقد نص عليه أحمد في رواية الاثرم في الرجلين يقومان خلف الامام ليس خلفه غيرهما خاف أن يدخل في الصلاه خلف الصف فقال ليس هذا من ذاك، ذاك في الصلاة بكمالها أو صلى ركعة كاملة وما أشبه هذا، فأما هذا فأرجو أن لا يكون به بأس، ولو أحرم رجل خلف الصف ثم خرج من الصف رجل فوقف معه صح لما ذكرنا * (فصل) * وإن كبر رجل عن يمين الامام وجاء آخر فكبر عن يساره أخرجهما الامام إلى

[ 70 ]

ورائه كفعل النبي صلى الله عليه وسلم بجابر وجبار، ولا يتقدم الامام إلا أن يكون وراءه ضيق وإن تقدم جاز وإن كبر الثاني مع الاول عن اليمين وخرجا جاز، وان دخل الثاني وهما في التشهد كبر وجلس عن يسار الامام أو عن يمين الآخر ولا يتأخران في التشهد لان فيه مشقة * (فصل) * وإن أحرم اثنان وراء الامام فخرج أحدهما لعذر أو لغيره دخل الآخر في الصف أو نبه رجلا فخرج معه أو دخل فوقف عن يمين الامام فان لم يمكنه شئ من ذلك نوى الانفراد وأتم منفردا لانه عذر حدث له أشبه ما لو سبق إمامه الحدث. * (مسألة) * ومن جاء فوجد فرجة وقف فيها فان لم يجد وقف عن يمين الامام ولم يجذب رجلا ليقوم معه فان لم يمكنه ذلك نبه رجلا ليقوم معه (1) فخرج فوقف معه وهذا قول عطاء والنخعي وكره ذلك مالك والاوزاعي واستقبحه أحمد وإسحق، قال ابن عقيل جوز أصحابنا جذب رجل يقوم معه صفا قال وعندي انه لا يفعل لما فيه من التصرف بغير اذنه. قال شيخنا والصحيح جواز ذلك لان الحاجة داعية إليه فجاز كالسجود على ظهر انسان أو قدمه حال الزحام وليس هذا تصرفا فيه بل هو تنبيه له فجرى مجرى مسألته أن يصلي معه، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " لينوا في أيدي إخوانكم " يريد ذلك فان امتنع من الخروج وحده معه صلى وحده


(1) في المتن المطبوع فان لم يمكنه فله أن ينبه من يقوم معه اه‍ ويتأمل قوله بعده: فخرج فوقف معه. على ان هذه المسألة كانت في الاصل مدغمة في الشرح

[ 71 ]

* (مسألة) * (فان صلى فذا ركعة لم تصح) لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا صلاة لفرد " رواه الاثرم * (مسألة) * (وإن ركع فذا ثم دخل في الصف أو وقف معه آخر قبل رفع الامام صحت صلاته وإن رفع ولم يسجد صحت، وقيل إن علم النهي لم تصح وإن فعله لغير عذر لم تصح) من ركع دون الصف ثم دخل في الصف لم يخل من ثلاثة أحوال (أحدها) أن يصلي ركعة ثم يدخل فلا تصح صلاته لما ذكرنا (الثاني) أن يمشي وهو راكع ثم يدخل في الصف قبل رفع الامام رأسه من الركوع أو يأتي آخر فيقف معه قبل رفع الامام رأسه فتصح صلاته لانه أدرك مع الامام في الصف ما يدرك به الركعة، وممن رخض في ذلك زيد بن ثابت وفعله ابن مسعود وزيد بن وهب وعروة وسعيد بن جبير وجوزه الزهري والاوزاعي ومالك والشافعي إذا كان قريبا من الصف (والحال الثالث) أن لا يدخل في الصف الا بعد رفع الامام رأسه من الركوع أو يقف معه آخر في هذه الحال ففيه ثلاث روايات إحداهن تصح صلاته وهذا مذهب مالك والشافعي لان أبا بكرة فعل ذلك وفعله من ذكرنا من الصحابة ولانه لم يصل ركعة كاملة أشبه ما لو أدرك الركوع، والثانية تبطل صلاته بكل حال لانه لم يدرك في الصف ما يدرك به الركعة

[ 72 ]

أشبه ما لو صلى ركعة كاملة، والثالثة انه إن كان جاهلا بتحريم ذلك صحت صلاته وإلا لزمته الاعادة اختارها الخرقي لما روي ان أبا بكرة انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف فذكر ذلك للنبي الله صلى عليه وسلم فقال " زادك الله حرصا ولا تعد " رواه البخاري فلم يأمره باعادة الصلاة ونهاه عن العود، والنهى يقتضي الفساد، ولم يفرق القاضي والخرقي في هذه المسألة بين من دخل قبل رفع رأسه من الركوع أو بعد الرفع، وذلك منصوص أحمد والدليل يقتضي التفريق فيحصل كلامهم عليه وقد ذكره أبو الخطاب على نحو ما ذكرنا * (فصل) * فان فعل ذلك لغير عذر ولا خشي الفوات لم تصح صلاته في أحد الوجهين لانه فاته ما تفوته الركعة بفواته وانما أبيح للمعذور لحديث أبي بكرة فيبقى فيما عداه على قضية الدليل، والثاني تصح لان الموقف لا يختلف بخيفة الفوات وعدمه كما لو فاتته الركعة كلها * (فصل) * السنة أن يتقدم في الصف الاول أولو الفضل والاسن وأن يلي الامام أكملهم وأفضلهم قال أحمد يلي الامام الشيوخ وأهل القرآن ويؤخر الصبيان لما روى أبو سعيد الانصاري قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ليلني منكم أولو الاحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين

[ 73 ]

يلونهم " (2) وقال أبو سعيد ان النبي صلى الله عليه وسلم رأى في أصحابه تأخرا فقال " تقدموا فائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله عزوجل " رواهما أبو داود. وعن قيس بن عبادة قال أتيت المدينة للقاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقمت في الصف الاول فجاء رجل فنظر في وجوه القوم فعرفهم غيري فنحاني وقام في مكاني فما عقلت صلاتي، فلما صلى قال يا بني لا يسؤك الله فاني لم آت الذي أتيت بجهالة ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا " كونوا في الصف الذي يليني " واني نظرت في وجوه القوم فعرفتهم غيرك. وكان الرجل أبي بن كعب رواه أحمد والنسائي * (فصل) * والصف الاول أفضل للرجال، وللنساء بالعكس لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها " رواه أبو داود وعن أنس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " أتموا الصف الاول فما كان من نقص فليكن في الصف الآخر " رواه أبو داود، وعن أبي بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الصف الاول على مثل صف الملائكة، ولو تعلمون فضيلته لابتدرتموه " رواه الامام أحمد، وميامن الصفوف أفضل لقول عائشة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ان الله وملائكته يصلون على ميامن


(2) رواه بهذا اللفظ أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي عن ابن مسعود بزيادة " واياكم وهيشات الاسواق أي جلبتها وخصوماتها " ورواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه من حديث أبي مسعود الانصاري بزيادة في أوله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول " استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم وليلني منكم " الخ فعز والمصنف له إلى ابي سعيد غلط. وحديث أبي سعيد " هو الخدري " الذي بعده رواه أيضا مسلم والنسائي وابن ماجه فالمؤلف فقيه لا محدث

[ 74 ]

الصفوف " رواه أبو داود، ويستحب أن يقف الامام في مقابلة وسط الصف لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " وسطوا الامام وسدوا الخلل " (1) * (مسألة) * وإذا كان المأموم يرى من وراء الامام صحت صلاته إذا اتصلت الصفوف، وان لم ير من وراءه لم تصح وعنه تصح إذا كان في المسجد) وجملة ذلك انه إذا كان الامام والمأموم في المسجد يعتبر اتصال الصفوف. قال الآمدي لا خلاف في المذهب انه إذا كان في اقصى المسجد وليس بينه وبين الامام ما يمنع الاستطراق والمشاهدة انه يصح اقتداؤه به وان لم تتصل الصفوف وهذا مذهب الشافعي، وذلك لان المسجد بني للجماعة فكل من حصل فيه فقد حصل في محل الجماعة، فان كان المأموم خارج المسجد أو كانا جميعا في غير المسجد صح أن يأتم به بشرط امكان المشاهدة واتصال الصفوف وسواء كان المأموم في درجة المسجد أو في دار أو على سطح والامام على سطح آخر، أو كان في صحراء أو في سفينتين وهذا مذهب الشافعي إلا أنه يشترط أن لا يكون بينهما ما يمنع الاستطراق في أحد القولين. ولنا ان هذا لا تأثير له في المنع مع الاقتداء بالامام ولم يرد فيه نهي ولا هو في معنى ذلك فلم يمنع صحة الائتمام به كالفعل اليسير إذا ثبت هذا فان معنى اتصال الصفوف أن لا يكون بينهما بعد لم تجر العادة به بحيث يمنع امكان


" 1 " رواه أبو داود عن أبي هريرة وفيه علتان، وان سكت عنه هو والمنذري

[ 75 ]

الاقتداء، وحكي عن الشافعي انه حد الاتصال بما دون ثلاثمائة ذراع والتحديدات بابها التوقيف ولا نعلم في هذا نصا ولا اجماعا يعتمد عليه فوجب الرجوع فيه إلى العرف كالتفريق والاحراز * (فصل) * فان كان بين المأموم والامام حائل يمنع رؤية الامام ومن وراءه فقال ابن حامد فيه روايتان إحداهما لا يصح الائتمام به اختاره القاضي لان عائشة قالت لنساء كن يصلين في حجرتها لا تصلين بصلاة الامام فانكن دونه في حجاب ولانه لا يمكنه الاقتداء به في الغالب، والثانية تصح قال أحمد في رجل يصلي خارج المسجد يوم الجمعة وأبواب المسجد مغلقة أرجو أن لا يكون به بأس، وذلك لانه يمكنه الاقتداء بالامام فصح من غير مشاهدة كالاعمى ولان المشاهدة تراد للعلم بحال الامام والعلم استماع التكبير فجرى مجرى الرؤية، وعنه انه يصح إذا كان في المسجد دون غيره لان المسجد محل الجماعة وفي مظنة القرب ولانه لا يشترط فيه اتصال الصفوف، لذلك فجاز أن لا يشترط الرؤية واختار شيخنا التساوي فيهما لاستوائهما في المعنى المجوز أو المانع فوجب استواؤهما في الحكم وانما صح مع عدم المشاهدة لانه يشترط أن يسمع التكبير فان لم يسمعه لم يصح ائتمامه بحال لانه لا يمكنه الاقتداء * (فصل) * وكل موضع اعتبرنا المشاهدة فانه يكفي مشاهدة من وراء الامام من باب إمامه أو عن يمينه أو عن يساره ومشاهدة طرف الصف الذي وراءه لانه يمكنه الاقتداء بذلك، وإن حصلت

[ 76 ]

المشاهدة في بعض أحوال الصلاة كفاه في الظاهر لما روت عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل وجدار الحجرة قصير فرأى الناس شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام أناس يصلون بصلاته والحديث رواه البخاري، والظاهر انهم كانوا يرونه في حال قيامه * (فصل) * فان كان بينهما طريق أو نهر تجري فيه السفن أو كانا في سفينتين مفترقتين ففيه وجهان أحدهما لا تصح اختاره أصحابنا وهو قول أبي حنيفة لان الطريق ليست محلا للصلاة أشبه ما يمنع لاتصال والثاني تصح اختاره شيخنا وهو مذهب مالك والشافعي لانه لا نص في منع ذلك ولا إجماع ولا هو في المعنى المنصوص لانه لا يمنع الاقتداء والمؤثر في المنع ما يمنع الرؤية أو سماع الصوت وليس هذا بواحد منهما قولهم إن بينهما ما ليس محلا للصلاة ممنوع وأن سلم في الطريق فلا يصح في النهر بدليل صحة الصلاة عليه في السفينة وحال جموده ثم كونه ليس محلا للصلاة انما يؤثر في منع الصلاة فيه، أما في صحة الاقتداء بالامام فتحكم محض لا يلزم المصير إليه، فأما إن كانت صلاته جمعة أو عيدا أو جنازة لم يؤثر ذلك فيها لانها تصح في الطريق، وقد صلى أنس في موت حميد بن عبد الرحمن بصلاة الامام وبينهما طريق والله أعلم * (مسألة) * (ولا يكون الامام أعلى من المأموم، فان فعل وكان كثيرا فهل تصح صلاته؟ وجهين):

[ 77 ]

ويكره أن يكون الامام أعلى من المأموم في ظاهر المذهب سواء أراد تعليمهم أو لم يرد وهذا قول مالك والاوزاعي وأصحاب الرأي، وروي عن أحمد ما يدل على انه لا يكره واختاره الشافعي للامام الذي يعلم من خلفه أن يصلي على الشئ المرتفع ليراه من خلفه ليقتدوا به، لما روى سهل بن سعد قال لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عليه يعني المنبر فكبر وكبر الناس وراءه ثم ركع وهو على المنبر ثم رفع ونزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته ثم أقبل على الناس فقال " أيها الناس انما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي " متفق عليه ولنا ما روى عمار بن ياسر أنه صلى بالمدائن فتقدم فقام على دكان والناس أسفل منه فتقدم حذيفة فأخذ بيده فاتبعه عمار حتى أنزله حذيفة فلما فرغ من صلاته قال له حذيفة ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إذا أم الرجل القوم فلا يقومن في مكان أرفع من مقامهم " قال عمار فلذلك اتبعتك حين أخذت على يدي، رواه أبو داود ولانه يحتاج أن يقتدي بامامه فينظر ركوعه وسجوده، فإذا كان أعلى منه احتاج إلى رفع بصره إليه وذلك منهي عنه في الصلاة. فأما حديث سهل فالظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان على الدرجة السفلى لئلا يحتاج إلى عمل كثير في الصعود والنزول فيكون ارتفاعا يسيرا لا بأس به جمعا بين الاخبار، ويحتمل أن يختص ذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم لانه فعل شيئا ونهى عنه فيكون فعله لنفسه ونهيه لغيره، وكذلك لا يستحب لغيره عليه السلام ولان النبي

[ 78 ]

صلى الله عليه وسلم لم يتم الصلاة على المنبر فان سجوده وجلوسه انما كان على الارض بخلاف ما اختلفنا فيه * (فصل) * ولا بأس بالعلو اليسير كدرجة المنبر ونحوها لما ذكرنا من حديث سهل ولان النهي معلل بما يفضي إليه من رفع البصر في الصلاة وهذا يختص الكثير * (فصل) * فان كان العلو كثيرا أبطل الصلاه في قول ابن حامد وهو قول الاوزاعي لان النهي يقتضي فساد المنهي عنه، وقال القاضي لا تبطل وهو قول أصحاب الرأي لان عمارا أتم صلاته ولو كانت فاسدة لاستأنفها ولان النهي معلل بما يفضي إليه من رفع البصر وهو لا يبطل الصلاة فسببه أولى * (فصل) * فان كان مع الامام من هو مساو له ومن هو أسفل منه اختصت الكراهة بمن هو أسفل منه لوجود المعنى فيهم خاصة، ويحتمل أن يتناول النهي الامام لكونه منهيا عن القيام في مكان أعلى من مقامهم، فعلى هذا الاحتمال تبطل صلاة الجميع عند من أبطل الصلاة بارتكاب النهي * (فصل) * فان كان المأموم أعلى من الامام كالذى على سطح المسجد أو رف أو دكة عالية فلا بأس لانه روي عن أبي هريرة انه صلى بصلاة الامام على سطح المسجد وفعله سالم وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي، وقال مالك يعيد إذا صلى الجمعة فوق سطح المسجد بصلاة الامام. ولنا ما ذكرنا من فعل أبي هريرة ولانه يمكنه الاقتداء بامامه أشبه المتساويين، ولان علو الامام انما كره لحاجة المأمومين إلى رفع البصر المنهي عنه وهذا بخلافه

[ 79 ]

* (مسألة) * (ويكره للامام أن يصلي في طاق القبلة) يكره للامام أن يدخل في طاق القبلة، كره ذلك ابن مسعود وعلقمة والاسود لانه يستتر عن بعض المأمومين فكره كما لو كان بينه وبينهم حجاب، وفعله سعيد بن جبير وأبو عبد الرحمن السلمي فأما إن كان لحاجة ككون المسجد ضيقا لم يكره للحاجة إليه * (مسألة) * (ويكره للامام أن يتطوع في موضع المكتوبة) نص عليه أحمد وقال: كذا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: فأما المأموم فلا بأس أن يتطوع مكانه فعل ذلك ابن عمر وقال اسحق وروي عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا يتطوع الامام في مكانه الذي يصلي فيه بالناس " رواه أبو داود إلا أن أحمد قال لا أعرف ذلك عن غير علي * (مسألة) * (ويكره للمأمومين الوقوف بين السواري إذا قطعت صفوفهم) وكره ذلك ابن مسعود والنخعي ورخص فيه ابن سيرين ومالك وأصحاب الرأي وابن المنذر ولنا ما روى معاوية بن قرة عن أبيه قال كنا ننهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونطرد عنها طردا رواه ابن ماجه، فان كان الصف صغيرا لا ينقطع بها لم يكره لعدم ما يوجب الكراهة ولا يكره ذلك للامام

[ 80 ]

* (مسألة) * (ويكره للامام اطالة القعود بعد الصلاة مستقبل القبلة) لما روت عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم لا يقعد إلا مقدار ما يقول: " اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والاكرام " رواه ابن ماجه (1) ولانه لا يستحب للمأمومين الانصراف قبل الامام، فإذا أطال الجلوس شق عليهم، فان لم يقم استحب أن ينحرف عن قبلته لما روي عن سمرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه أخرجه البخاري، وعن علي رضي الله عنه انه صلى بقوم العصر ثم أسند ظهره إلى القبلة فاستقبل القوم رواه الاثرم، قال الاثرم رأيت أبا عبد الله إذا سلم يلتفت ويتربع، قال أبو داود رأيته إذا كان إماما فسلم انحرف عن يمينه، وروى جابر بن سمرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجر تربع في مجلسه حتى تطلع الشمس حسنا، وفي لفظ كان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس رواه مسلم * (مسألة) * (فان كان معه نساء لبث قليلا لنصرف النساء) لما روت أم سلمة قالت إن النساء كن إذا سلمن من المكتوبة قمن وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن صلى من الرجال ما شاء الله فإذا قام رسول الله صلى الله عليه وسلم قام الرجال قال الزهري فنرى ذلك والله أعلم ان ذلك لكي ينفذ من ينصرف من النساء رواه البخاري، ويستحب للنساء أن لا يجلسن بعد الصلاة لذلك ولان


(1) بل رواه احمد ومسلم والترمذي أيضا

[ 81 ]

الاخلال به من أحد الفريقين يفضي إلى اختلاط الرجال بالنساء، ويستحب للمأمومين أن لا يقوموا قبل الامام لئلا يذكر سهوا فيسجد وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " عليكم إني امامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف " رواه مسلم إلا أن يخالف الامام السنة في اطالة الجلوس أو ينحرف فلا بأس بذلك * (فصل) * وينصرف الامام حيث شاء عن يمين وشمال لقول ابن مسعود: لا يجعل أحدكم للشيطان حظا من صلاته، يرى أن حقا عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ما ينصرف عن شماله رواه مسلم (1) وعن لهب (2) انه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان ينصرف عن شقيه رواه أبو داود * (مسألة) * (فان أمت امرأة بنساء قامت وسطهن في الصف) اختلفت الرواية هل يستحب للمرأة أن تصلي بالنساء جماعة فعنه انه مستحب يروى ذلك عن عائشة وأم سلمة وعطاء والثوري والاوزاعي والشافعي وأبي ثور، وعن احمد أنه غير مستحب وكرهه أصحاب الرأي. وقال الشعبي والنخعي وقتادة: لهن ذلك في التطوع خاصة. وقال الحسن واسحاق وسليمان بن يسار: لا تؤم مطلقا ونحوه قول مالك: لانه يكره لها الاذان وهو دعاء إلى الجماعة فكره ما يراد له الاذان ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لام ورقة أن تؤم أهل دارها. رواه أبو داود، ولانهن


(1) بل رواه الجماعة كلهم إلا الترمذي (2) الصواب: قبيصة بن هلب ورواه الترمذي وابن ماجه أيضا باختلاف في اللفظ

[ 82 ]

من أهل الفرائض أشبهن الرجال، وانما كره لهن الاذان لما فيه من رفع الصوت ولسن من أهله. إذا ثبت ذلك فانها تقوم وسطهن في الصف لا نعلم في ذلك خلافا بين من رأى أن تؤمهن لان ذلك يروى عن عائشة وأم سلمة رواه سعيد بن منصور عن أم سلمة، ولان المرأة يستحب لها التستر ولذلك لا يستحب لها التجافي وكونها في وسط الصف أستر لها فاستحب لها كالعريان، فان صلت بين أيديهن احتمل أن يصح لكونه موقفا في الجملة للرجل، واحتمل أن لا يصح لانها خالفت موقفها أشبه ما لو خالف الرجل موقفه، فان أمت امرأة واحدة قامت عن يمينها كالمأموم من الرجال وإن وقفت خلفها جاز لان المرأة يجوز وقوفها وحدها بدليل حديث أنس (فصل) وتجهر في صلاة الجهر قياسا على الرجل، فان كان ثم رجل لم تجهر إلا أن يكونوا من محارمها فلا بأس به والله اعلم (فصل) ويعذر في الجمعة والجماعة المريض. قال ابن المنذر: لا أعلم خلافا بين أهل العلم أن للمريض أن يتخلف عن الجماعات من أجل المرض، وقد روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من سمع النداء فلم يمنعه من اتباعه عذر - قالوا: وما العذر يا رسول الله؟ قال: خوف المرض - لم تقبل منه الصلاة التي صلى " رواه أبو داود وقد كان بلال يؤذن بالصلاة ثم يأتي النبي صلى الله عليه وسلم وهو مريض فيقول " مروا أبا بكر فليصل بالناس " * (مسألة) * (ومن يدافع أحد الاخبثين أو بحضرة طعام وهو محتاج إليه)

[ 83 ]

لما روت عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافع الاخبثين " رواه مسلم. وسواء خاف فوات الجماعة أو لم يخف لقوله صلى الله عليه وسلم " إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعشاء " رواه مسلم * (مسألة) * (والخائف من ضياع ماله، أو فواته، أو ضرر فيه على نفسه من ضرر أو سلطان أو ملازمة غريم ولا شئ معه) الخوف يتنوع ثلاثة أنواع (أحدهما) الخوف على نفسه بأن يخاف سلطانا يأخذه أو لصا أو سبعا أو سيلا أو نحو ذلك مما يؤذيه في نفسه، أو يخاف غريما يحبسه ولا شئ معه يعطيه، فان حبس المعسر ظلم، وكذلك إن كان عليه دين مؤجل خشي أن يطالب به قبل محله، وإن كان الدين حالا وهو قادر على أدائه فلا عذر له في التخلف لان مطل الغني ظلم، وإن توجه عليه حد لله تعالى أو حد قذف فخاف أن يؤخذ به لم يكن ذلك عذرا لانه يجب عليه وفاؤه، وكذلك أن توجه عليه فصاص. وقال القاضي: إن رجا الصلح عنه بمال فهو عذر حتى يصالح بخلاف الحدود لانها لا تدخلها المصالحة، وحد القذف إن رجا العفو عنه فليس بعذر لانه يرجو اسقاطه بغير بدل (الثاني) الخوف على ماله من لص، أو سلطان، أو نحوه، أو يخاف على بهيمة من سبع: أو شر ودإن ذهب وتركها، أو على منزله، أو متاعه، أو زرعه، أو يخاف إباق عبده، أو يكون له خبز في التنور، أو

[ 84 ]

طبيخ على نار يخاف تلفها بذهابه، أو يكون له مال ضائع، أو عبد آبق يرجو وجدانه في تلك الحال أو يخاف ضياعه ان اشتغل عنه، أو يكون له غريم ان ترك ملازمته ذهب، أو يكون ناطور بستان أو نحوه يخاف إن ذهب سرق، أو مستأجرا لا يمكنه ترك ما استؤجر على حفظه، فهذا واشباهه عذر في التخلف عن الجمعة والجماعة لعموم قوله عليه السلام أو خوف، ولان في أمره عليه السلام بالصلاة في الرحال لاجل الطين والمطر مع أن ضررهما أيسر من ذلك تنبيها على جوازه (الثالث) الخوف على ولده وأهله أن يضيعوا، أو يخاف موت قريبه ولا يشهده، فهذا كله عذر في ترك الجمعة والجماعة وبهذا قال عطاء والحسن والشافعي: ولا نعلم فيه خلافا، وقد استصرخ ابن عمر على سعيد بن زيد بعد ارتفاع الضحى وهو يتجمر للجمعة فأتاه بالعقبق وترك الجمعة والله أعلم * (مسألة) * (أو فوات رفقة، أو غلبة النعاس، أو خشية التأذي بالمطر، والوحل، والريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة) ويعذر في تركها من يريد سفرا يخاف فوات رفقته لان عليه في ذلك ضررا، ومن يخاف غلبة النعاس حتى يفوتاه الجواز له أن يصلي وحده وينصرف لان الرجل الذي صلى مع معاذ انفرد عند تطويل معاذ، وخوف النعاس والمشقة فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم حين أخبره بذلك. ويعذر في ترك الجماعة من يخاف تطويل الامام كثيرا لذلك، فانه إذا جاز ترك الجماعة بعد دخوله فيها لاجل التطويل فترك الخروج إليها أولى، ويعذر في المطر الذي يبل الثياب، والوحل الذي يتأذى

[ 85 ]

به في بدنه أو ثيابه لما روى عبد الله بن الحارث قال: قال عبد الله بن العباس لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلت أشهد أن محمدا رسول الله فلا تقل حي على الصلاة وقل: صلوا في بيوتكم، قال: فكأن الناس استنكروا ذلك. فقال ابن عباس: اتعجبون من ذلك وقد فعل ذلك من هو خير مني، إن الجمعة عزيمة واني كرهت أن أخرجكم فتمشوا في الطين والدحض. متفق عليه، وقد روى أبو المليح أنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم زمن الفتح وأصابهم مطر لم تبتل أسفل نعالهم فأمرهم أن يصلوا في رحالم. رواه أبو داود، ويعذر في ترك الجماعة بالريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة لما روى ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي مناديه في الليلة الباردة أو المطيرة في السفر " صلوا في رحالكم " متفق عليه، ورواه ابن ماجه باسناد صحيح ولم يقل في السفر * (باب صلاة أهل الاعذار) * * (مسألة) * (ويصلي المريض كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين " صل قائما، فان لم تستطع فقاعدا، فان لم تستطع فعلى جنب " رواه البخاري أجمع أهل العلم على أن من لا يطبق القيام له أن يصلي جالسا لهذا الحديث، ولما روى أنس قال:

[ 86 ]

سقط رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فرس فجحش أو خدش شقه الايمن فدخلنا عليه نعوده فحضرت الصلاة فصلى قاعدا وصلينا قعودا. متفق عليه (فصل) فان أمكنه القيام الا أنه يخشى تباطؤ برئه أو زيادة مرضه، أو يشق عليه مشقة شديدة فله أن يصلي قاعدا ونحوه قال مالك واسحاق، وقال ميمون بن مهران: إذا لم يستطع أن يقوم لدنياه فليصل جالسا وحكي بجواز ذلك عن احمد ولنا قول الله تعالى (ما جعل عليكم في الدين من حرج) وهذا حرج، ولان النبي صلى الله عليه وسلم صلى جالسا لما جحش شقه، والظاهر أن من جحش شقه لا يعجز عن القيام بالكلية ومتى صلى قاعدا فانه يكون على صفة صلاة المتطوع جالسا على ما ذكرنا (فصل) فان قدر على القيام بأن يتكئ على عصى، أو يستند على حائط،، أو يعتمد على أحد جانبيه لزمه لانه قادر على القيام من غير ضرر فلزمه كما لو قدر بغير هذه الاشياء، وإن قدر على القيام الا أنه يكون على هيئة الراكع كالاحدب والكبير لزمه ذلك لانه قيام مثله، وان كان لقصر سقف لا يمكنه الخروج، أو سفينة، أو خائف لا يعلم به الا إذا رفع رأسه ففيه احتمالان: أحدهما يلزمه القيام كالاحدب، والثاني لا يلزمه. فان احمد قال: الذي في السفينة لا يقدر أن يستتم قائما لقصر سماء السفينة يصلي قاعدا الا أن يكون شيئا يسيرا فيقاس عليه ما في معناه لحديث عمران المذكور (فصل) فان قدر المريض على الصلاة وحده قائما ولا يقدر مع الامام لتطويله احتمل أن يلزمه القياس ويصلي وحده لان القيام ركن لا تتم صلاته الا به، والجماعة تصح الصلاة بدونها واحتمل أنه مخير بين الامرين لانا أبحنا له ترك القيام المقدور عليه مع امام الحي العاجز عنه مراعاة للجماعة فهاهنا أولى، ولان الاجر يتضاعف بالجماعة أكثر من تضاعفه بالقيام لان صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم، فصلاة الجماعة تفضل على صلاته وحده سبعا وعشرين درجة وهذا أحسن، وهو مذهب الشافعي * (فصل) * فان عجز عن القعود صلى على جنب لما ذكرنا من الحديث، ويستقبل القبلة بوجهه وهذا قول مالك والشافعي وابن المنذر، وقال سعيد بن المسيب وأبو ثور وأصحاب الرأي يصلي مستلقيا ورجلاه إلى القبلة ليكون إيماؤه إليها فانه إذا صلى على جنبه كان وجهه في الايماء إلى غير القبلة ولنا قوله عليه السلام فان لم يستطع فعلى جنب ولانه يستقبل القبلة إذا كان على جنبه. وإذا كان على ظهره انما يستقبل السماء ولذلك يوضع الميت على جنبه ليكون مستقبلا للقبلة، قولهم إن وجهه في الايماء إلى القبلة قلنا استقبال القبلة انما يكون في غير حال الركوع والسجود فان

[ 87 ]

وجهه فيهما انما يكون إلى الارض، فكذلك المريض ينبغي أن لا يعتبر استقباله فيهما، والمستحب أن يصلي على جنبه الايمن لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيمن في شأنه كله، وإن صلى على الايسر جاز لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يعين في الحديث جنبا ولان المقصود استقبال القبلة، وهو حاصل على كلا الجنبين * (مسألة) * (فان صلى على ظهره ورجلاه إلى القبلة صحت صلاته) في أحد الوجهين متى صلى على ظهره مستلقيا مع القدره على الصلاة على جنبه ففيه وجهان: أحدهما يصح وهو ظاهر كلام أحمد لانه نوع استقبال، ولهذا يوجه الميت كذلك عند الموت، والثاني لا يصح وهو أظهر لانه مخالف للحديث المذكور فانه قال عليه السلام " فان لم يستطع فعلى جنب " ولان في حديث عمران؟ ن رواية إلا وسعها، وهذا صريح فان نقله إلى الاستلقاء عند العجز عن الصلاة على جنب فدل على انه لا يجوز مع القدرة عليه، فان عجز عن الصلاة على جنبه صلى مستلقيا وجها واحدا للحديث المذكور * (مسألة) * (ويومئ بالركوع والسجود ويجعل سجوده أخفض من ركوعه) متى عجز عن الركوع والسجود أومأ بهما، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه اعتبارا بالاصل كما قلنا في حالة الخوف، فان عجز عن السجود وحده ركع وأومأ بالسجود، وان لم يمكنه أن يحني ظهره فصار كالراكع زاد في الانحناء قليلا إذا ركع ويقرب وجهه إلى الارض في السجود حسب الامكان، فان قدر على السجود على صدغه لم يفعل لانه ليس من اعضاء السجود، وان وضع بين يديه وسادة أو شيئا عاليا أو سجد على ربوة أو حجر جاز إذا لم يكن يمكنه تنكيس وجهه أكثر من ذلك. وحكي عن أحمد انه قال اختار السجود على المرفقة وقال هو أحب الي من الايماء واختاره إسحق وجوزه الشافعي واصحاب الرأي ورخص فيه ابن عباس وسجدت أم سلمة على مرفقة، وكره ابن مسعود السجود على عود وقال الايماء أحب الي، ووجه الجواز انه أتى بما يمكنه من الانحطاط أشبه الايماء. فاما إن رفع إلى وجهه شيئا فسجد عليه فقال بعض أصحابنا لا يجزيه، وروي نحو ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وجابر وأنس وهو قول مالك والثوري لانه سجد على ما هو حامل له أشبه ما لو سجد على يديه، وروى الاثرم عن أحمد انه قال أي ذلك فعل فلا بأس يومئ أو يرفع المرفقة فيسجد عليها، قيل له فالمروحة؟ قال أما المروحة فلا. وروي عنه انه قال الايماء أحب الي وان رفع إلى وجهه شيئا اجزأه، ولا بد أن يكون بحيث لا يمكنه الانحطاط أكثر منه ووجه ذلك انه أتى بما يمكنه من الانحطاط أشبه ما لو أومأ

[ 88 ]

* (مسألة) * (فان عجز عنه أومأ بطرفه ولا تسقط الصلاة) متى عجز عن الايماء برأسه أومأ بطرفه ونوى بقلبه ولا تسقط عنه الصلاة متى دام عقله ثابتا. وحكي عن أبي حنيفة ان الصلاة تسقط عنه، وذكر القاضى انه ظاهر كلام أحمد رواه محمد بن يزيد لما روي عن أبي سعيد انه قيل له في مرضه الصلاة قال قد كفاني انما العمل في الصحة ولانه عجز عن أفعال الصلاة بالكلية فسقطت عنه. ولنا انه مسلم بالغ عاقل فلزمته الصلاة كالقادر على الايماء برأسه * (مسألة) * (فان قدر على القيام أو القعود في أثنائها انتقل إليه وأتمها) ومتى قدر المريض في اثناء الصلاة على ما كان عاجزا عنه من قيام أو قعود أو ركوع أو سجود أو ايماء انتقل إليه وبنى على ما مضى من صلاته، وهكذا لو ابتدأها قادرا ثم عجز في أثناء الصلاة لحديث عمران ولان ما مضي من صلاته كان صحيحا فبنى عليه كما لو لم تتغير حاله * (مسألة) * (وان قدر على القيام وعجز عن الركوع والسجود أومأ بالركوع قائما وبالسجود قاعدا) وهذا قول الشافعي، وقال أبو حنيفة يسقط القيام لانها صلاة لا ركوع فيها ولا سجود فسقط فيها القيام كالنافلة على الراحلة ولنا قوله تعالى (وقوموا لله قانتين) وحديث عمران الذي ذكرناه ولان القيام ركن قدر عليه فلم يسقط بالعجز عن غيره كالقراءة وقياسهم فاسد لوجوه: أحدها ان الصلاة على الراحلة لا يسقط فيها الركوع (الثاني) ان النافلة لا يجب القيام فيها فما سقط فيها تبعا لسقوط الركوع والسجود (الثالث) منقوض بصلاة الجنازة * (مسألة) * (وإذا قال ثقات من العلماء بالطب للمريض إن صليت مستلقيا أمكن مداواتك فله ذلك) وهذا قول جابر بن زيد والثوري وأبي حنيفة، قال القاضي وهو قياس المذهب، وكرهه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة وأبو وائل. وقال مالك والاوزاعي لا يجوز لما روي عن ابن عباس انه لما كف بصره أتاه رجل فقال لو صبرت على سبعة أيام لم تصل إلا مستلقيا داويت عينك ورجوت أن تبرأ فأرسل في ذلك إلى عائشة وأبي هريرة وغيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلهم قال له إن مت في هذه الايام ما الذي تصنع بالصلاة فنرك معالجة عينه ولنا ان النبي صلى الله عليه وسلم صلى جالسا لما جحش شقه، والظاهر انه لم يكن يعجز عن القيام لكن كان عليه فيه مشقة أو خوف ضرر وأيهما قدر فهو حجة على الجواز ها هنا ولانا أبحنا له ترك الوضوء إذا لم يجد الماء إلا بزيادة على ثمن المثل صونا لجز من ماله، وترك الصوم لاجل المرض والرمد ودلت الاخبار على جواز ترك القيام في صلاة الفرض على الراحلة خوفا من ضرر الطين في ثيابه وبدنه

[ 89 ]

وجاز ترك القيام اتباعا لامام الحي والصلاة على جنبه ومستلقيا في حالة الخوف من العدو، ولا ينقص الضرر بفوات البصر عن الضرر في هذه الاحوال. وحديث ابن عباس إن صح فيحتمل ان المخبر لم يخبر عن يقين وانما قال أرجو أو لانه لم يقبل خبره لكونه واحدا أو مجهول الحال بخلاف مسئلتنا * (مسألة) * (ولا تصح الصلاة في السفينة قاعدا لقادر على القيام) اختلف قوله في الصلاة في السفينة مع القدرة عل الخروج، على روايتين. احداهما لا يجوز لانها ليست حال استقرار أشبه الصلاة على الراحلة، والثانية يصح لانه يتمكن من القيام والقعود والركوع والسجود أشبه الصلاة على الارض وسواء في ذلك الجارية والواقفة والمسافر والحاضر وهي أصح، ومتى قدر فيها على القيام لم يجز له تركه لحديث عمران بن حصين فان عجز عنه صحت للحديث * (فصل) * وتجوز صلاة الفرض على الراحلة خشية التأذي بالوحل إذا كان يسيرا متى تضرر بالسجود على الارض لاجل الوحل وخاف من تلويث بدنه وثيابه بالطين والبلل جاز له الايماء بالسجود ان كان راجلا والصلاة على دابته، وقد روي عن أنس انه صلى على دابته في ماء وطين وفعله جابر بن زيد. قال الترمذي والعمل على هذا عند أهل العلم وبه يقول إسحق وقال أصحاب الشافعي لا يجوز أن يصلي الفرض عل الراحلة لاجل المطر. وحكى ابن أبي موسى رواية مثل ذلك لما روى أبو سعيد قال فأبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم قد انصرف وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين متفق عليه ولان السجود والقيام من أركان الصلاة فلم تسقط بالمطر كبقية أركانها. ولنا ما روى يعلى بن أمية عن النبي صلى الله عليه وسلم انه انتهى إلى مضيق ومعه أصحابه والسماء من فوقهم والبلة من أسفل منهم، فصل النبي صلى الله عليه وسلم على راحلته وأصحابه على ظهور دوابهم يومؤن إيما يجعلون السجود أخفض من الركوع رواه الاثرم والترمذي وفعله أنس ذكره الامام أحمد ولم ينقل عن غيره خلافه ولان المطر عذر يبيح الجمع فاثر في أفعال الصلاة كالسفر والمرض. وحديث أبي سعيد بالمدينة والنبي صلى الله عليه وسلم في مسجده، والظاهر ان الطين كان يسيرا لم يؤثر في غير الجبهة والانف وانما يبيح ما كان كثيرا يلوث الثياب والبدن ويلحق المضرة بالسجود فيه * (فصل) * ومتى أمكن النزول والصلاة قائما من غير مضرة لزمه ولم يصل على دابته لانه قدر على القيام من غير ضرر فلزمه كغير حالة المطر ولا يسقط عنه الركوع لقدرته عليه، ويومئ بالسجود لما فيه من الضرر، وان تضرر بالنزول عن دابته وتلوث صلى عليها للخبر المذكور. ولا يجوز له ترك الاستقبال في المطر لانه قادر عليه * (مسألة) * (وهل يجوز ذلك لاجل المرض على روايتين)

[ 90 ]

وجملة ذلك ان الصلاة على الراحلة لاجل المرض لا تخلو من ثلاثة أحوال: أحدها أن يخاف الانقطاع عن الرفقة أو العجز عن الركوب أو زيادة المرض ونحوه فيجوز له ذلك كما ذكرنا في صلاة الخوف، الثاني أن لا يتضرر بالنزول ولا يشق عليه فيلزمه النزول كالصحيح، الثالث أن يشق عليه النزول مشقة يمكن تحملها من غير خوف ولا زيادة مرض ففيه الروايتان احداهما لا تجوز له الصلاة على الراحلة لان ابن عمر كان ينزل مرضاه احتج به أحمد ولانه قادر على أفعال الصلاة من غير ضرر كثير فلزمه كغير الراكب، والثانية يجوز اختارها أبو بكر لان المشقة في النزول أكثر من المشقة عليه في المطر فكان إباحتها ها هنا أولى، ومن نظر الرواية الاولى قال إن نزول المريض يؤثر في حصوله على الارض وهو أسكن له وأمكن للصلاة، والممطور يتلوث بنزوله ويتضرر بحصوله على الارض فالمريض يتضرر بنفس النزول لا في الحصول على الارض والممطور يتضرر بحصوله على الارض دون نفس النزول فقد اختلفت جهة الضرر فلا يصح الالحاق * (فصل) * في قصر الصلاة، قصر الصلاة في السفر جائز والاصل فيه الكتاب والسنة والاجماع أما الكتاب فقوله سبحانه وتعالى (وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناج أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) وقال يعلي بن أمية الضمري قلت لعمر بن الخطاب (ليس عليكم جناج أن تقصروا من الصلاة ان خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) وقد أمن الناس. فقال عجبت مما عجبت منه. فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " أخرجه مسلم. وتواترت الاخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر في أسفاره حاجا ومعتمرا وغازيا، قال أنس خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة فصلى ركعتين حتى رجع وأقمنا بمكة عشرا نقصر الصلاة، وقال ابن عمر صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قبض - يعني في السفر - فكان لا يزيد على ركعتين، وأبا بكر حتى قبض فكان لا يزيد على ركعتين،، وعمر وعثمان كذلك متفق عليه. وأجمعت الامة على أن من سافر سفرا تقصر في مثله الصلاة في حج أو عمرة أو جهاد ان له قصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين * (مسألة) * (ومن سافر سفرا مباحا يبلغ ستة عشر فرسخا فله قصر الصلاة الرباعية خاصة إلى ركعتين)

[ 91 ]

يشترط لجواز القصر للمسافر شروط أحدها أن يكون سفره مباحا لا حرج عليه فيه كسفر التجارة وهذا حكم سائر الرخص المختصة بالسفر كالجمع والمسح ثلثا والفطر والنافلة على الراحلة وهذا قول أكثر أهل العلم. روي نحوه عن علي وابن عباس وابن عمر وبه قال الاوزاعي والشافعي واسحق وأهل المدينة واصحاب الرأي، وعن ابن مسعود لا تقصر إلا في حج أو جهاد لان الواجب لا يترك الا لواجب، وعن عطاء لا تقصر الا في سبيل من سبل الخير لان النبي صلى الله عليه وسلم انما قصر في سفر واجب أو مندوب ولنا قوله تعالى (فليس عليكم جناج أن تقصروا من الصلاة) وقالت عائشة ان الصلاة أول ما فرضت ركعتين فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر متفق عليه. وعن ابن عباس قال فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة رواه مسلم. وفي حديث صفوان بن عسال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا مسافرين سفرا أن لا ننزع خفا قبل ثلاثة ايام ولياليهن رواه الترمذي، وهذه نصوص تدل على اباحة الترخص في كل سفر، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يترخص في العود من السفر وهو مباح * (فصل) * فأما سفر المعصية فلا تباح فيه هذه الرخص كالاباق وقطع الطريق والتجارة في الخمر ونحوه نص عليه أحمد وهذا قول الشافعي، وقال الثوري والاوزاعي له ذلك لما ذكرنا من النصوص ولانه مسافر أشبه المطيع ولنا قوله تعالى (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه) خص إباحة الاكل بغير الباغي والعادي فدل على أنه لا يباح للباغي والعادي وهذا في معناه ولان الترخص شرع للاعانة على المقصود المباح توصلا إلى المصلحة فلو شرع ها هنا لشرع اعانته على المحرم تحصيلا للمفسدة والشرع منزه عن هذا والنصوص وردت في حق الصحابة وكانت أسفارهم مباحة فلا يثبت الحكم فيما خالفهما ويتعين حمله على ذلك جمعا بين النصوص وقياس سفر المعصية على الطاعة لا يصح

[ 92 ]

* (فصل) * إذا غرب في الحد إلى مسافة القصر جاز له القصر وسائر الرخص، وكذلك إذا نفي قاطع الطريق لانه سفر لزمه بالشرع أشبه سفر الغزو، وقال ابن عقيل ويحتمل أن لا يقصر لانه سفر سببه المعصية أشبه سفر المعصية ولانه ليس بأحسن حالا من سفر النزهة وفيه روايتان فيخرج ها هنا مثله والاولى أولى ويمكن التفريق بين هذا وبين سفر المعصية لان ذلك تصح التوبة منه بخلاف هذا، وان هرب المدين من غرمائه وهو معسر قصر وان لم يكن معسرا والدين حال أو مؤجل يحل قبل مدة السفر احتمل وجهان ذكر هذا ابن عقيل أحدهما لا يقصر لانه سفر يمنع حقا واجبا عليه والثاني يقصر لانه نوع حبس فلا يتوجه عليه قبل المطالبة * (فصل) * فان عدم الماء في سفر المعصية لزمه التيمم لانه عزيمة وهل تلزمه الاعادة على وجهين (أحدهما) لا تلزمه لان التيمم عزيمة بدليل وجوبه والرخصة لا تجب (والثاني) عليه الاعادة لانه حكم يتعلق بالسفر أشبه بقية الرخص والاولى أولى لانه أتى بما أمر به فلم تلزمه الاعادة وفارق بقية الرخص لانه ممنوع منهما وهذا مأمور به فلا يمكنه تعدية حكمها إلى التيمم وقولهم إن ذلك مختص بالسفر ممنوع ويباح له المسح يوما وليلة لان ذلك يختص بالسفر أشبه الاستجمار وقيل لا يجوز لانه رخصة فلم يبح كرخص السفر والاول أولى لما بينا * (فصل) * وإذا كان السفر مباحا فغير نيته إلى المعصية انقطع الترخص لزوال سببه ولو كان لمعصية فغير نيته إلى المباح في السفر، وتعتبر مسافة القصر من حين غير النية لان وجود ما مضى من سفره لا يؤثر في الاباحة فهو كعدمه فأما ان كان السفر مباحا لكنه يعصي فيه أبيح له الترخص لان السبب السفر وهو مباح وقد وجد فيثبت حكمه ولم تمنعه المعصية كما ان لمعصية في الحضر لا تمنع الترخص فيه * (فصل) * وفي سفر التنزه والتفرج روايتان (احداهما) يبيح الترخص وهو ظاهر كلام الخرقي لانه مباح فيدخل في عموم النصوص وقياس على سفر التجارة (والثانية) لا يترخص فيه لانه انما شرع إعانته على تحصيل المصلحة ولا مصلحة في هذا والاولى أولى

[ 93 ]

* (فصل) * فان سافر لزيارة القبور والمشاهد فقال ابن عقيل لا يباح له الترخص لانه منهي عن السفر إليها لقوله عليه السلام " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد " متفق عليه قال شيحنا والصحيح اباحته وجوز الترخص فيه لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي قباء راكبا وماشيا، وكان يزور القبور وقال " زورها تذكركم الآخرة " والحديث المذكور محمول على نفي الفضيلة لا على التحريم، وليست الفضيلة شرطا في إباحة القصر فلا يضر انتفاؤها * (فصل) * الشرط الثاني: أن تكون مسافة سفره ستة عشر فرسخا فما زاد، قال الاثرم قيل لابي عبد الله في حكم القصر للصلاة؟ قال في أربعة برد. قيل له مسيرة يوم تام؟ قال لا أربعة برد ستة عشر فرسخا مسيرة يومين والفرسخ ثلاثة أميال، قال القاضي والميل اثنا عشر الف قدم وذلك مسيرة يومين قاصدين، وقد قدره ابن عباس من عسفان إلى مكة ومن الطائف إلى مكة ومن جده إلى مكة وذكر صاحب المسالك ان من دمشق إلى القطيفة أربعة وعشرين ميلا ومن دمشق إلى الكسوة اثنا عشر ميلا ومن الكسوة إلى جاسم أربعة وعشرون ميلا فعلى هذا تكون مسافة القصر يومين قاصدين، وهذا قول ابن عباس وابن عمر وهو مذهب مالك والليث والشافعي وإسحق. وروي عن ابن عمر انه يقصر في مسيرة عشرة فراسخ حكاه ابن المنذر، وروي نحوه عن ابن عباس انه قال يقصر في يوم ولا يقصر فيما دونه واليه ذهب الاوزاعي، قال ابن المنذر عامة العلماء يقولون مسيرة يوم تام وبه نأخذ. وروي عن ابن مسعود انه يقصر في مسيرة ثلاثة أيام وبه قال الثوري وأبو حنيفة لقول النبي صلى الله عليه وسلم " يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن " وهذا يقتضي أن كل مسافر له ذلك ولان الثلاثة متفق عليها وليس في ما دونها توقيف ولا اتفاق. وروي عن جماعة من السلف ما يدل على جواز القصر في أقل من يوم. فقال الاوزاعي كان أنس يقصر فيما بينه وبين خمسة فراسخ وكان قبيصة بن ذؤيب وهانئ بن كلثوم وابن محيريز يقصرون فيما بين الرملة وبيت المقدس، وروي عن علي رضي الله عنه انه خرج من قصره بالكوفة حتى أتى النخيلة فصلى بها الظهر والعصر ركعتين ثم رجع من يومه فقال أردت أن أعلمكم سننكم. وروي أن دحية الكلبي خرج

[ 94 ]

من قرية من دمشق مرة إلى قدر ثلاثة أميال في رمضان ثم انه أفطر وأفطر معه أناس كثير، وكره آخرون أن يفطروا فلما رجع إلى قريته قال والله لقد رأيت اليوم أمرا ما كنت أظن اني أراه، إن قوما رغبوا عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك للذين صاموا، رواه أبو داود. وعن أبي سعيد الخدري قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر فرسخا قصر الصلاة رواه سعيد واحتج اصحابنا بقول ابن عباس وابن عمر يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد ما بين عسفان إلى مكة قال الخطابي وهو أصح الروايتين عن ابن عمر ولانها مسافة تجمع مشقة السفر من الحل والعقد فجاز القصر فيها كالثلاث ولم يجز فيما دونها لانه لم يثبت دليل بوجوب القصر فيه، وحديث أبي سعيد يحمل على انه عليه السلام كان إذا سافر سفرا طويلا قصر وإذا بلغ فرسخا قال شيخنا ولا أدري لما صار إليه الائمة حجة لان أقوال الصحابة مختلفة متعارضة ولا حجة فيها مع الاختلاف، ثم لو لم يوجد ذلك لم يكن قولهم حجة مع قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله، وإذا لم تثبت أقوالهم امتنع المصير إلى التقدير الذي ذكروه لوجهين: أحدهما انه مخالف للسنة التي رويناها ولظاهر القرآن، فان ظاهر القرآن إباحة القصر لمن ضرب في الارض. فأما قول النبي صلى الله عليه وسلم " يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن " فانما جاء لبيان أكثر مدة المسح فلا يصح الاحتجاج به

[ 95 ]

ها هنا، على انه يمكنه قطع المسافة القصيرة في ثلاثة أيام وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم سفرا فقال " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم " والثاني أن التقدير بابه التوقيف فلا يجوز المصير إليه برأي مجرد لاسيما وليس له أصل يرد إليه ولا نظير يقاس عليه والحجة مع من أباح القصر لكل مسافر إلا أن ينعقد الاجماع على خلافه * (فصل) * وحكم سفر البر حكم سفر البحر إن بلغت مسافة القصر، وان شك في كون السفر مبيحا أو لا لم يبح لان الاصل عدمه ووجوب الاتمام، فان قصر لم تصح صلاته وان تبين له بعدها انه طويل لانه صلى مع الشك فلم تصح صلاته كما لو صلى شاكا في دخول الوقت * (فصل) * والاعتبار بالنية لا بالفعل فيعتبر أن ينوي مسافة القصر فلو خرج يقصد سفرا بعيدا فقصر الصلاة ثم بدا له فرجع كان ما صلاه صحيحا ولا يقصر في رجوعه إلا أن تكون مسافة الرجوع مبيحة بنفسها نص عليه أحمد، على هذا ولو خرج طالبا عبدا آبقا لا يعلم أين هو أو منتجعا غيثا أو كلا متى وجده أقام أو سائحا في الارض لا يقصد مكانا لم يبح له القصر وان سار أياما، وقال ابن عقيل يباح له القصر إذا بلغ مسافة القصر لانه سافر سفرا طويلا

[ 96 ]

ولنا انه لم يقصد مسافة القصر فلم يبح له كابتداء سفره ولانه سفر لم يبح القصر في ابتدائه فلم يبح في أثنائه إذا لم يغير نيته كالسفر القصير وسفر المعصية ومتى رجع هذا يقصد بلاد أو نوى مسافة القصر فله القصر لوجود النية المبيحة، ولو قصد بلدا بعيدا وفي عزمه انه متى وجد طلبته دونه رجع أو أقام لم يبح له القصر لانه لم يجزم بسفر طويل، وان كان لا يرجع ولا يقيم بوجوده فله القصر * (فصل) * ومن خرج إلى سفر مكرها كالاسير فله القصر إذا كان سفره بعيدا نص عليه أحمد وقال الشافعي لا يقصر لانه غيرنا وللسفر ولا جازم به، فان نيته متى أقلت رجع ولنا انه مسافر سفرا بعيدا غير محرم فأبيح له القصر كالمرأة مع زوجها والعبد مع سيده إذا كان عزمهما انه لو مات أو زال ملكهما رجعا، قياسهم منتقض بهذا إذا ثبت هذا فانه يتم إذا صار في حصونهم نص عليه أيضا لانه قد انتقضى سفره، ويحتمل أن لا يلزمه الاتمام لان في عزمه انه متى أفلت رجع فهو كالمحبوس ظلما (الشرط الثالث) ان القصر يختص ابرباعية، فأما المغرب والصبح فلا قصر فيهما. قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن لا يقصر في صلاة المغرب والصبح وان القصر انما هو في الرباعية ولان الصبح ركعتان فلو قصرت صارت ركعة وليس في الصلاة ركعة إلا الوتر والمغرب وتر النهار فان قصر منها ركعة لم يبق وترا، وإن قصر ركعتان كان اجحافا بها واسقاطا لاكثرها * (مسألة) * (إذا جاوز بيوت قريته أو خيام قومه) وجملة ذلك انه ليس لمن نوى السفر القصر حتى يشرع في السفر بخروجه من بيوت قريته وهذا

[ 97 ]

قول الشافعي والاوزاعي واسحق. وحكي ذلك عن جماعة من التابعين، وحكي عن عطاء وسليمان بن موسى انهما أباحا القصر في البلد لمن نوى السفر، وعن الحرث بن أبي ربيعة انه أراد سفرا فصلى بهم في منزله ركعتين وفيهم الاسود بن يزيد وغيره من أصحاب عبد الله، وروى عبيد بن جبير قال ركبت مع أبي بصرة الغفاري في سفينة من الفسطاط في شهر رمضان فدفع ثم قرب غداه فلم تجاوز البيوت حتى دعاه بالسفرة ثم قال اقترب، قلت ألست ترى البيوت؟ قال أبو بصرة أترغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكل، رواه أبو داود ولنا قوله تعالى (وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) ولا يكون ضاربا حتى يخرج. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه انما كان يبتدئ القصر إذا خرج من المدينة، فروى أنس قال صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة أربعا وبذي الحليفة ركعتين متفق عليه. فأما أبو بصرة فانه لم يأكل حتى دفع بدليل قول عبيد له ألست ترى البيوت وقوله لم يجاوز البيوت معناه لم يتعد منها إذا ثبت هذا فانه يجوز القصر، وإن كان قريبا قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن للذي يريد السفر أن يقصر الصلاة إذا خرج من بيوت القرية التي يخرج منها. وروي عن مجاهد انه قال إذا خرجت مسافرا فلا تقصر الصلاة يومك

[ 98 ]

ذلك الي الليل وإذا رجعت فلا تقصر ليلتك حتى تصبح، والآية تدل على خلاف قوله. وروي ان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من المدينة لا يزيد على ركعتين حتى يرجع إليها وقد ذكرنا حديث أبي بصرة، وقال البخاري خرج علي فقصر الصلاة وهو يرى البيوت فلما رجع قيل له هذه الكوفة. قال لا حتى ندخلها * (فصل) * فإذا خرج من البلد وصار بين حيطان بساتينه فله القصر لانه قد ترك البيوت وراء ظهره، وان كان حول البلد خراب قد تهدم وصار فضاء أبيح القصر فيه كذلك وان كان حيطانه قائمة فكذلك قاله الآمدي، وقال القاضي لا يباح وهو مذهب الشافعي لان السكنى فيه ممكنة أشبه العامر ولنا انها غير معدة للسكنى أشبهت حيطان البساتين، وان كان في وسط البلد نهر فاجتازه فليس له القصر لانه لم يخرج من البلد ولم يفارق البنيان فأشبه الرحبة والميدان في وسط البلد، وإن كان للبلد محال كل محلة منفردة عن الاخرى كبغداد فمتى خرج من محلة أبيح له القصر إذا فارق محلته، وان كان بعضها متصلا ببعض لم يقصر حتى يفارق جميعا، ولو كانت قريتان متدانيتين واتصل بناء إحداهما بالاخرى فهما كالواحدة، وان لم يتصل فلكل قرية حكم نفسها * (فصل) * وحكم السفر من الخيام والحلل حكم السفر من القرى فيما ذكرنا متى فارق حلته قصر وان كانت حللا فلكل حلة حكم نفسها كالقرى، وإن كان بيته منفردا فحتى يفارق منزله ورحله

[ 99 ]

ويجعله وراء ظهره كالحضري. وقال القاضي ان كان نازلا في واد وسافر في طوله فكذلك، وان سافر في عرضه فكذلك إن كن واسعا، وان كان ضيقا لم يقصر حتى يقطع عرض الوادي ويفارقه وقال ابن عقيل متى كانت حلته في واد لم يقصر حتى يفارقه، والاولى جواز القصر إذا فارق البنيان مطلقا لما ذكرنا من الادلة كما لو كان نازلا في الصحراء ولان المعنى المجوز للترخص وجود المشقة وذلك موجود في الوادي كوجوده في غيره * (مسألة) * (وهو أفضل من الاتمام وإن أتم جاز) القصر أفضل من الاتمام في قول جمهور العلماء ولا نعلم أحدا خالف فيه إلا الشافعي في أحد قوليه قال الاتمام أفضل لانه أكثر عملا وعددا وهو الاصل فكان أفضل كغسل الرجلين. ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يداوم على القصر، قال ابن عمر صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله متفق عليه. ولما بلغ ابن مسعود أن عثمان صلى أربعا استرجع وقال صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين ومع أبي بكر ركعتين ومع عمر ركعتين ثم تفرقت بكم الطرق ولوددت أن حظي من أربع ركعتان متقبلتان. وقد كره طائفة من الصحابة الاتمام فقال ابن عباس للذي قال له كنت أنم الصلاة وصاحبي يقصر: أنت الذي كنت تقصر وصاحبك يتم. وروي أن رجلا سأل ابن عمر عن صلاة السفر فقال ركعتان فمن خالف السنة كفر ولانه إذا قصر أدى الفرض بالاجماع بخلاف الاتمام، وأما الغسل فلا نسلم انه أفضل من المسح * (فصل) * والاتمام جائز في المشهور عن أحمد وقد روي عنه انه توقف وقال أنا أحب العافية من هذا المسألة وقال مرة أخرى ما يعجبني، وممن روي عنه الاتمام في السفر عمر وابن مسعود وابن عمر وعائشة وبه قال الاوزاعي والشافعي وهو المشهور عن مالك، وقال حماد بن أبي سليمان ليس له

[ 100 ]

الاتمام في السفر وهو قول الثوري وأبي حنيفة، وأوجب حماد على من أتم الاعادة، وقال أصحاب الرأي إن كان جلس بعد الركعتين قدر التشهد فصلاته صحيحة وإلا فلا، وقال عمر بن عبد العزيز الصلاة في السفر ركعتان حتى لا يصلح غيرهما، واحتجوا بأن صلاة السفر ركعتان بدليل قول عائشة إن الصلاة أول ما فرضت ركعتين فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر متفق عليه. وقال عمر رضي الله عنه صلاة السفر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان وصلاة العيد ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم وقد خاب من افترى رواه ابن ماجه، وسئل ابن عمر عن الصلاة في السفر فقال ركعتان فمن خالف السنة كفر ولان الركعتين الآخرتين يجوز تركهما إلى غير بدل فلم يجز زيادتهما على الركعتين المفروضتين كالزيادة على صلاة الفجر ولنا قوله تعالى (فليس عليكم جناج أن تقصروا من الصلاة) وهذا يدل على أن القصر رخصة يتخير بين فعله وتركه كسائر الرخص وقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث يعلى بن أمية " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " يدل على انه رخصة وليس بعزيمة، وقالت عائشة خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة في رمضان فأفطر وصمت وقصر وأتممت فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي أفطرت وصمت وقصرت وأتمت قال " أحبسنت " رواه أبو داود الطيالسي ولانه لو ائتم بمقيم صلى أربعا والصلاة لا تزيد بالائتمام، وعن أنس قال - كنا أصحاب رسول الله - نسافر فيتم بعضنا ويقصر بعضنا ويصوم بعضنا ويفطر بعضنا فلا يعيب أحد على أحد وهذا إجماع منهم على جواز الامرين، فأما قول عائشة فرضت الصلاة ركعتين فانما أرادت أن ابتداء فرضها كان ركعتين ثم أتمت بعد الهجرة فصارت أربعا وكذلك كانت تتم الصلاة ولو اعتقدت ما أراده هؤلاء لم تتم. وقول عمر تمام غير قصر أراد تمام فضلها ولم يرد انها غير مقصورة الركعتان لانه خلاف ما دلت عليه الآية والاجماع إذ الخلاف انما هو في القصر والاتمام، وقد ثبت برواية عن النبي صلى الله عليه

[ 101 ]

وسلم في حديث يعلى بن أمية انها مقصورة، ثم لو ثبت أن أصل الفرض ركعتان لم تمتنع الزيادة عليها كما لو ائتم بمقيم ويخالف زيادة ركعتين على صلاة الفجر فانه لا تجوز زيادتهما بحال * (مسألة) * (وإن أحرم في الحضر ثم سافر أو في السفر ثم أقام أو ذكر صلاة حضر في سفر أو صلاة سفر في حضر أو ائتم بمقيم أو بمن يشك فيه أو أحرم بصلاة يلزمه اتمامها ففسدت وأعادها أو لم القصر لزمه أن يتم، وقال أبو بكر لا يحتاج الجمع والقصر إلى نية) إذا أحرم بالصلاة في سفينة في الحضر فخرجت به في أثناء الصلاة أو أحرم في السفر فدخلت في أثناء الصلاة البلد لم يقصر لانها عبادة تختلف بالسفر والحضر فإذا أوجد أحد طرفها في الحضر غلب حكمه كالمسح * (فصل) * فأما إن سافر بعد دخول الوقت فقال أصحابنا يتم، وذكر ابن عقيل فيه روايتين احداهما يتم لانها وجبت في الحضر فلزمه اتمامها كما لو سافر بعد خروج وقتها، والثانية له قصرها وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي وحكاه ابن المنذر اجماعا لانه سافر قبل خروج وقتها أشبها ما لو سافر قبل وجوبها وكلابس الخف إذا أحدث ثم سافر قبل المسح * (فصل) * وإن نسي صلاة حضر فذكرها في السفر وجبت عليه أربعا بالاجماع حكاه الامام أحمد وابن المنذر قال لانه قد اختلف فيه عن الحسن فروي عنه انه قال يصليها ركعتين وروي عنه كقول الجماعة لان الصلاة يتعين فعلها فلم يجز له النقصان من عددها كما لو لم يسافر، وأما إذا نسي صلاة سفر فذكرها في الحضر فقال أحمد في رواية الاثرم عليه الاتمام احتياطا وبه قال الاوزاعي وداود والشافعي في أحد قوليه وقال مالك والثوري وأصحاب الرأي يصليها صلاة سفر لانه انما يقضي ما فاته وهو ركعتان. ولنا أن القصر رخصة من رخص السفر فبطلت بزواله كالمسح ثلاثا ولانها وجبت عليه في الحضر بدليل قوله عليه السلام " فليصلها إذا ذكرها " ولانها عبادة تختلف بالحضر والسفر

[ 102 ]

فإذا وجد أحد طرفيها في الحضر غلب حكمه كالسفينة إذا دخلت به البلد في أثناء الصلاة، وقياسهم ينتقض بالجمعة إذا فاتت وبالمتيمم إذا فاتته الصلاة فقضاها عند وجود الماء * (فصل) * وإذا ائتم المسافر بمقيم لزمه الائتمام سواء أدرك جميع الصلاة أو بعضها، وقال ابن أبي موسى فيه رواية انه إذا أحرم في آخر صلاته لا يلزمه أن يتم، قال الاثرم سألت أبا عبد الله عن المسافر يدخل في تشهد المقيمين قال يصلي أربعا، روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وجماعة من التابعين وبه قال الثوري والاوزاعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، وقال إسحق للمسافر القصر لانها صلاة يجوز فعلها ركعتين فلم تزد بالائتمام كالفجر، وقال طاوس والشعبي في المسافر يدرك من صلاة المقيمين ركعتين تجزيان، وقال الحسن والنخعي والزهري وقتادة ومالك إن أدرك أتم وإن أدرك دونها قصر لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة " ولان من أدرك من الجمعة ركعة أتمها جمعة ومن أدرك أقل من ذلك لا يلزمه فرضها ولنا ما روي انه قيل لابن عباس ما بال المسافر يصلي ركعتين في حال الانفراد وأربعا إذا ائتم بمقيم؟ فقال تلك السنة رواه الامام أحمد وهذا ينصرف إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم ولانه فعل من سمينا من الصحابة ولا يعرف لهم مخالف في عصرهم فكان اجماعا ولانها صلاة مردودة من أربع إلى ركعتين فلا يصليها خلف من يصلي الاربع كالجمعة وما ذكروه لا يصح عندنا فانه لا تصح له صلاة الفجر خلف من يصلي رباعية، وإدراك الجمعة يخالف ما نحن فيه فانه لو أدرك ركعة من الجمعة رجع إلى الركعتين وهذا بخلافه ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال " انما جعل الامام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه " ومفارقة إمامه مع امكان متابعته اختلاف عليه * (فصل) * وإذا أحرم المسافرون خلف مسافر وأحدث واستخلف مسافرا فلهم القصر وإن استخلف مقيما لزمهم الاتمام لانهم ائتموا بمقيم، وللامام المحدث القصر لانه لم يأتم بمقيم ولو صلى

[ 103 ]

المسافرون خلف مقيم فأحدث واستخلف مسافرا أو مقيما لزمهم الاتمام لانهم ائتموا بمقيم فان استخلف مسافرا لم يكن معهم في الصلاة فله أن يصلي صلاة السفر لانه لم يأتم بمقيم * (فصل) * وإذا أحرم المسافر خلف من يشك فيه أو من يغلب على ظنه انه مقيم لزمه الاتمام وإن قصر امامه لان الاصل وجوب الائتمام فليس له نية قصرها مع الشك في وجوب اتمامها فلزمه الاتمام اعتبارا بالنية وهذا مذهب الشافعي، وان غلب على ظنه ان الامام مسافر بامارة آثار السفر فله أن ينوي القصر فان قصر امامه قصر معه وان أتم تابعه فيه وان نوى الاتمام لزمه الاتمام سواء قصر امامه أو أتم اعتبارا بالنية، وان نوى القصر فأحدث امامه قبل علمه بحاله فله القصر لان الظاهر ان امامه مسافر لوجود دليله وقد أتيحت له نية القصر بناء على هذا الظاهر ويحتمل أن يلزمه الاتمام احتياطا (فصل) وإذا صلى المسافر صلاة الخوف بمسافرين ففرقهم فرقتين فاحدث قبل مفارقة الطائفة الاولى واستخلف مقيما لزم الطائفتين الاتمام لانهم ائتموا بمقيم وإن كان ذلك بعد مفارقة الاولى اتمت الثانية وحدها لانها اختصت بموجبه، وإن كان الامام مقيما فاستخلف مسافرا ممن كان معه في الصلاة فعلى الجميع الاتمام لان المستخلف قد لزمه الاتمام باقتدائه بالمقيم فصار كالمقيم، وإن لم يكن دخل معه في الصلاة وكان استخلافه قبل مفارقة الاولى فعليها الاتمام لائتمامها بمقيم وكقصر الامام والطائفة الثانية وإن استخلف بعد دخول الثانية فعلى الجميع الاتمام وللمستخلف القصر وحده لانه لم يأتم بمقيم (فصل) وإذا صلى مقيم ومسافر خلف مسافر اتم المقيم إذا سلم امامه وذلك اجماع، وقد روى عمران بن حصين قال: شهدت الفتح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام ثماني عشرة ليلة لا يصلي

[ 104 ]

الا ركعتين ثم يقول لاهل البلد " صلوا أربعا فانا سفر " رواه أبو داود، ولان الصلاة واجبة عليه أربعا فلم يسقط شئ منها كما لو لم يأتم بالمسافر ويستحب أن يقول الامام للمقيمين اتموا فانا سفر كما في الحديث، ولئلا يلتبس على الجاهل عدد ركعات الصلاة، وقد روى الاثرم عن الزهري أن عثمان انما أتم لان الاعراب حجوا فأراد ان يعرفهم أن الصلاة أربع (فصل) وإذا أم المسافر المقيمين فأتم بهم الصلاة فصلاتهم تامة، وبهذا قال الشافعي واسحاق وقال الثوري وأبو حنيفة: تفسد صلاة المقيمين وتصح صلاة الامام والمسافرين معه، وعن احمد نحوه قال القاضي: لان الركعتين الآخرتين نفل من الامام ولا يؤم بها مفترضين ولنا أن المسافر يلزمه الاتمام بنيته فيكون الجميع واجبا، ثم لو كانت نفلا فائتمام المفترض بالمتنفل صحيح على ما مضى (فصل) وإن أم مسافر مسافرين فنسي فصلاها تامة صحت صلاة الجميع ولا يلزمه سجود سهو لانها زيادة لا يبطل عمدها الصلاة فلا يجب السجود لسهوها كزيادات الاقوال، وهل يشرع السجود يخرج على روايتين فيما إذا قرأ في الركوع والسجود، وقال ابن عقيل لا يحتاج إلى سجود لانه أتى بالاصل ولنا أن هذا زيادة نقضت الفضيلة وأخلت بالكمال أشبهت القراءة في غير محلها كقراءة السورة في الاخيرتين، فإذا ذكر الامام بعد قيامه إلى الثالثة لم يلزمه الاتمام وله أن يجلس، فان الموجب للاتمام نيته أو الائتمام بمقيم ولم يوجد واحد منهما، وإن علم المأموم أن قيامه لسهو لم يلزمه متابعته

[ 105 ]

ويسبحون له لانه سهو فلا يجب اتباعه فيه ولهم مفارقته إن لم يرجع كما لو قام إلى ثالثة في الفجر وإن تابعوه لم تبطل صلاتهم لانها زيادة لا تبطل صلاة الامام فلا تبطل صلاة المأموم بمتابعته فيها كزيادات الاقوال. وقال القاضي: تفسد صلاتهم لانهم زادوا ركعتين عمدا، وإن لم يعلموا هل قاموا سهوا أو عمدا لزمهم متابعته لان وجوب المتابعة ثابتة فلا تزول بالشك (فصل) وإذا أحرم بصلاة يلزمه اتمامها مثل ان نوى الاتمام أو ائتم بمقيم فسدت الصلاة وأراد اعادتها لزمه الاتمام لانها وجبت عليه تامة بتلبسه بها خلف المقيم ونية الاتمام وهذا قول الشافعي، وقال الثوري وأبو حنيفة إذا فسدت صلاة الامام عاد المسافر إلى القصر ولنا أنها وجبت بالشروع فيها تامة فلم يجز له قصرها كما لو لم تفسد (فصل) ومن لم ينو القصر لزمه الاتمام لان نية القصر شرط في جوازه ويعتبر وجودها عند أول الصلاة كنيتها كذلك ذكره الخرقي والقاضي، وقال أبو بكر لا يحتاج الجمع والقصر إلى نية لان من خير في العبادة قبل الدخول فيها خير بعد الدخول فيها كالصوم، ولان القصر هو الاصل بدليل خبر عائشة وعمر وابن عباس فلا يحتاج إلى نية كالاتمام في الحضر، ووجه الاول أن الاتمام هو الاصل على ما ذكرنا، وقد أجبنا عن الاخبار المذكورة واطلاق النية ينصرف إلى الاصل ولا ينصرف

[ 106 ]

عنه إلا بتعيين ما يصرف إليه كما لو نوى الصلاة مطلقا ولم ينو اماما ولا مأموما فانه ينصرف إلى الانفراد إذ هو الاصل والتفريع على هذا القول، فلو شك في أثناء صلاته هل نوى القصر في ابتدائها أو لا ألزمه الاتمام؟ احتياطا لان الاصل عدم النية، فان ذكر بعد ذلك أنه قد نوى القصر لم يجز له القصر لانه قد لزمه الاتمام فلم يزل (فصل) ومن نوى القصر ثم نوى الاتمام أو نوى ما يلزمه به الاتمام من الاقامة وسفر المعصية أو نوى الرجوع ومسافة رجوعه لا يباح فيها القصر ونحو هذا لزمه الاتمام ولزم من خلفه متابعته وبهذا قال الشافعي وقال مالك: لا يجوز له الاتمام لانه نوى عددا وإذا زاد عليه حصلت الزيادة بغير نية ولنا أن نية صلاة الوقت قد وجدت وهي أربع، وانما أبيح ترك ركعتين رخصة، فإذا أسقط نية الترخص صحت الصلاة بنيتها ولزمه الاتمام ولان الاتمام الاصل، وانما أبيح تركه يشرط فإذا زال الشرط عاد الاصل إلى حاله (فصل) وإذا قصر المسافر معتقدا تحريم القصر لم تصح صلاته لانه فعل ما يعتقد تحريمه فلم يقع مجزئا كمن صلى ويعتقد انه محدث ولان نية التقرب بالصلاة شرط وهذا يعتقد أنه عاص فلم تصح نية التقرب * (مسألة) * (ومن له طريقان بعيد وقريب فسلك البعيد أو ذكر صلاة سفر في آخر فله القصر) إذا كان لسفره طريقان يباح القصر في أحدهما لبعده دون الآخر فسلك البعيد ليقصر الصلاة

[ 107 ]

فيه أو لغير ذلك أبيح له القصر لانه مسافر سفرا بعيدا مباحا فأبيح له القصر كما لو لم يجد سواه وكما لو كان الآخر مخوفا أو شاقا. وقال ابن عقيل إن سلك الابعد لرفع أذية واختلاف نفع قصر قولا واحدا وإن كان لا لغرض صحيح خرج على الروايتين في سفر التنزه وقد ذكرنا توجيههما (فصل) وإن نسي الصلاة في سفر وذكرها فيه قضاها مقصورة لانها وجبت في السفر وفعلت فيه أشبه ما لو صلاها في وقتها، وإن ذكرها في سفر آخر فكذلك لما ذكرنا وسواء ذكرها في الحضر أو لم يذكرها ويحتمل أنه إذا ذكرها في الحضر لزمته تامة لانه وجب عليه فعلها تامة بذكره إياها فبقيت في ذمته ويحتمل أن يلزمه اتمامها إذا ذكرها في سفر آخر سواء ذكرها في الحضر أو لا لان الوجوب كان ثابتا في ذمته في الحضر، والاولى أولى لان وجوبها وفعلها في السفر فكانت صلاة سفر كما لو لم يذكرها في الحضر. وذكر بعض أصحابنا أن من شرط القصر كون الصلاة مؤداة لانها صلاة مقصورة فاشترط لها الوقت كالجمعة وهذا فاسد لانه اشترط بالرأي والتحكم ولم يرد الشرع به والقياس على الجمعة لا يصح فان الجمعة لا تقضي ويشترط لها الخطبتان والعدد والاستيطان فجاز أن يشرط لها الوقت بخلاف هذه * (مسألة) * (وإذا نوى الاقامة ببلد أكثر من احدى وعشرين صلاة اتم وإلا قصر) المشهور عن احمد رحمه الله أن المدة التي يلزم المسافر الاتمام إذا نوى الاقامة فيها ما كان أكثر

[ 108 ]

من احدى وعشرين صلاة رواه الاثرم وغيره وهو الذي ذكره الخرقي، وعنه إن نوي الاقامة أكثر من أربعة أيام اتم حكى هذه الرواية أبو الخطاب وابن عقيل. وعنه إذا نوى اقامة أربعة أيام اتم وإلا قصر، وهذا قولل مالك والشافعي وأبي ثور وروي عن عثمان رضي الله عنه وعن سعيد ابن المسيب أنه قال: إذا أقمت أربعا فصل أربعا لان الثلاث حد القلة لقوله عليه السلام " يقيم المسافر بعد قضاء نسكه ثلاثا " فدل أن الثلاث في حكم السفر وما زاد في حكم الاقامة. وقال الثوري وأصحاب الرأي ان أقام خمسة عشر يوما مع اليوم الذي يخرج فيه اتم، فان نوى دونه قصر، ويروى ذلك عن ابن عمر وسعيد بن جبير والليث بن سعد لما روي عن ابن عمر وابن عباس أنهما قالا: إذا قدمت وفي نفسك أن تقيم بها خمس عشرة ليلة فأكمل الصلاة ولا يعرف لهما مخالف، وروي عن علي رضي الله عنه قال يتم الصلاة الذي يقيم عشرا ويقصر الذي يقول أخرج اليوم أخرج غدا شهرا، وعن ابن عباس انه قال يقصر إذا أقام تسعة عشر يوما ويتم إذا زاد لان النبي صلى الله عليه وسلم أقام في بعض أسفاره تسعة عشر يصلى ركعتين، قال ابن عباس فنحن إذا أقمنا تسعة عشر نصلي ركعتين وإن زدنا على ذلك أتممنا رواه البخاري، وقال الحسن صل ركعتين ركعتين إلا أن تقدم مصرا فأتم الصلاة وصم، وقالت عائشة إذا وضعت الزاد والمزاد فأتم الصلاة وكان طاوس إذا قدم مكة صلى أربعا ولنا ما روى أنس قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة فصلى ركعتين حتى

[ 109 ]

رجع وأقام بمكة عشرا يقصر الصلاة متفق عليه. وذكر أحمد حديث جابر وابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم قدم مكة لصبح رابعة فأقام النبي صلى الله عليه وسلم اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع وصلى الفجر بالابطح يوم الثامن فكان يقصر الصلاة في هذه الايام وقد أجمع على اقامتها قال فإذا أجمع أن يقيم كما أقام النبي صلى الله عليه وسلم قصر وإذا أجمع على أكثر من ذلك أتم، قال الاثرم وسمعت أبا عبد الله يذكر حديث أنس في الاجماع على الاقامة للمسافر فقال هو كلام ليس يفقهه كل أحد، فقوله أقام النبي صلى الله عليه وسلم عشرا يقصر الصلاة وقال قدم النبي صلى الله عليه وسلم لصبح رابعة وخامسة وسابعة ثم قال ثامنة يوم التروية وتاسعة وعاشرة فانما وجه حديث أنس انه حسب مقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ومنى وإلا فلا وجه له عندي غير هذا، فهذه أربعة أيام وصلاة الصبح بها يوم التروية تمام إحدى وعشرين صلاة يقصر وهي تزيد على أربعة أيام وهو صريح في خلاف قول من حده بأربعة أيام، وقول أصحاب الرأي: لا يعرف لهما مخالف في الصحابة لا يصح، لانا قد ذكرنا الخلاف فيه عنهم، وحديث ابن عباس في إقامة النبي صلى الله عليه وسلم تسعة عشر، وجهه أن النبي صلى الله عليه لم يجمع الاقامة. قال أحمد قام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة زمن الفتح ثماني عشرة لانه أراد حنينا ولم يكن تم اجماع المقام، وهذه إقامته التي رواها ابن عباس وهو دليل على خلاف قول عائشة والحسن والله أعلم

[ 110 ]

* (فصل) * ومن قصد بلدا بعينه فوصله غير عازم على إقامة به مدة تقطع حكم سفره فله القصر فيه لان النبي صلى الله عليه وسلم كان في أسفاره يقصر حتى يرجع وحين قدم مكة كان يقصر فيها، ولا فرق بين أن يقصد الرجوع إلى بلده كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على ما في حديث أنس وبين أن يريد بلدا آخر كما فعل عليه السلام في غزوة الفتح كما في حديث ابن عباس * (فصل) * وإذا مر في طريقه على بلدا له فيه أهل أو مال فقال أحمد في موضع يتم وقال في موضع لا يتم إلا أن يكون مارا وهذا قول ابن عباس، وقال مالك يتم إذا أراد أن يقيم بها يوما وليلة، وقال الشافعي وابن المنذر يقصر ما لم يجمع على اقامة اربع لانه مسافر ولنا ما روي عن عثمان انه صلى بمنى أربع ركعات فأنكر الناس عليه، فقال يا أيها الناس إني تأهلت بمكة منذ قدمت وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم " يقول من تأهل ببلد فليصل صلاة المقيم " رواه أحمد في المسند، وقال ابن عباس إذا قدمت على أهل لك أو مال فصل صلاة المقيم، ولانه مقيم ببلد له فيه أهل ومال أشبه البلد الذي سافر منه * (فصل) * قال أحمد من كان مقيما بمكة ثم خرج إلى الحج وهو يريد أن يرجع إلى مكة فلا يقيم بها فهذا يصلي ركعتين بعرفة لانه حين خرج من مكة أنشأ السفر إلى بلده ليس على أن عرفة سفره فهو في سفر من حين خرج من مكة، ولو ان رجلا كان مقيما ببغداد فأراد الخروج إلى الكوفة

[ 111 ]

فعرضت له حاجة بالنهروان ثم رجع فمر ببغداد ذاهبا إلى الكوفة صلى ركعتين إذا كان يمر ببغداد مجتازا لا يريد الاقامة بها، وإن كان الذي خرج إلى عرفة في نيته الاقامة بمكة إذا رجع لم يقصر بعرفة وكذلك أهل مكة لا يقصرون، وإن صلى خلف رجل مكي يقصر الصلاة بعرفة ثم قام بعد صلاة الامام فأضاف إليها ركعتين آخرتين صحت صلاته لانه المكي يقصر بتأويل فصحت صلاة من يأتم به * (فصل) * وإذا خرج المسافر فذكر حاجة فرجع إليها فله القصر في رجوعه إلا أن يكون نوى أن يقيم إذا رجع مدة يقطع القصر ويكون في البلد أهله وماله لما ذكرنا وقول أحمد في الرواية الاخرى أتم إلا أن يكون مارا يقتضي انه إذا قصد أخذ حاجته والرجوع من غير اقامة انه يقصر، وقال الشافعي يقصر ما لم ينو الاقامة أربعا، وقال الثوري ومالك يتم حتى يخرج فاصلا الثانية. ولنا انه ثبت له حكم السفر بخروجه ولم يوجد اقامة نقطع حكمه فأشبه ما لو أنى قرية غير التي خرج منها * (مسألة) * (وإن أقام لقضاء حاجة أو حبس ولم ينو لاقامة قصر أبدا) وجملة ذلك أن من لم يجمع على اقامة تقطع حكم السفر على ما ذكرنا من الخلاف فله القصر ولو أقام سنين كمن يقيم لقضاء الحاجة يرجو انجاحها أو جهاد عدو أو حبسه سلطان أو مرض وسواء غلب على ظنه انقضاء حاجته في مدة يسيرة أو كثيرة وبعد أن يحتمل انقضاؤها في مدة لا ينقطع حكم

[ 112 ]

السفر بها. قال ابن المنذر أجمع أهل العلم ان للمسافر أن يقصر ما لم يجمع على اقامة ولو أتى عليه سنون والاصل فيه ما روى ابن عباس قال أقام النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره تسعة عشر يصلي ركعتين رواه البخاري، وقال جابر أقام النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك عشرين يوما يقصر الصلاة رواه الامام أحمد في المسند، وروى سعيد باسناده عن المسور بن مخرمة قال أقمنا سعد ببعض قرى الشام اربعين ليلة يقصرها سعد ونتمها، وقال نافع أقام ابن عمر باذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين حبسه الثلج. وقال أنس أقام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم برامهز سبعة أشهر يقصرون الصلاة، وعن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة قال أقمت معه بكابل سنتين نقصر الصلاة ولا نجمغ * (فصل) * وإن عزم على اقامة طويلة في رستاق ينتقل فيه من قرية إلى قرية لا يجمع على اقامة بواحدة منها مدة تبطل حكم السفر قصر لان النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة ومنى وعرفة عشرا فكان يقصر الايام كلها. وروى الاثرم باسناده عن مورق قال سألت ابن عمر قلت إني رجل آتي الاهواز فأنتقل في قراها قرية قرية فأقيم الشهر أو أكثر. قال تنوي الاقامة؟ قلت لا. قال ما أراك إلا مسافرا صلى صلاة المسافرين، ولانه لم ينوي الاقامة في مكان بعينه أشبه المتنقل في سفره من منزل إلى منزل، وإذا دخل بلدا فنال إن لقيت فلانا أقمت وإلا لم أقم لم يبطل حكم سفره لانه لم يجزم بالاقامة، ولان المبطل للسفر هو العزم على الاقامة ولم يوجد، وانما علقه على شرط لم يوجد وذلك ليس بجزم * (فصل) * ولا بأس بالتطوع في السفر نازلا وسائرا على الراحلة لما روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه يومئ برأسه، وروى نحو ذلك جابر

[ 113 ]

وأنس متفق عليه. وعن علي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتطوع في السفر رواه سعيد. وفي حديث أم هانئ ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يوتر على بعيره ولما فاتت النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح صلى ركعتي الفجر قبلها متفق عليه. فأما سائر التطوعات والسنن قبل الفرائض وبعدها فقال أحمد أرجو أن لا يكون بالتطوع بالسفر بأس روي ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وجابر وابن عباس وأبي ذر وجماعة من التابعين وهو قول مالك والشافعي وإسحق وابن المنذر، وكان ابن عمر لا يتطوع مع الفريضة قبلها ولا بعدها إلا من جوف الليل. وروي ذلك عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعلي بن الحسين لما روي ان ابن عمر رأى قوما يسبحون بعد الصلاة فقال لو كنت مسبحا لاتممت فرضي يا ابن أخي، صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر وعثمان وقال لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة متفق عليه ولنا ما روي عن ابن عباس قال فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الحضر فكنا نصلي قبلها وبعدها وكنا نصلي في السفر قبلها وبعدها رواه ابن ماجه، وقال الحسن كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسافرون فيتطوعون قبل المكتوبة وبعدها، وعن البراء بن عازب قال صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر سفرا فما رأيته ترك ركعتين إذا زاغت الشمس قبل الظهر رواه أبو داود فهذا يدل على انه لا بأس بفعلها، وحديث ابن عمر يدل على انه لا بأس بتركه فيجمع بين الاحاديث والله أعلم * (مسألة) * (والملاح الذي معه أهله وليس له نية الاقامة ببلد ليس له الترخص)

[ 114 ]

قال الاثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن الملاح أيقصر أو يفطر في السفينة، قال أما إذا كانت السفينة ببته فانه يتم ويصوم، قيل له وكيف تكون بيته. قال لا يكون له بيت غيرها معه فيها أهله وهو فيها مقيم وهذا قول عطاء. وقال الشافعي يقصر ويفطر لعموم النصوص ولان كون أهله معه لا يمنع الترخص كالجمال. ولنا انه غير ظاعن عن منزله فلم يبح له الترخص كالمقيم في المدن، فأما في عام النصوص فالمراد بها الظاعن عن منزله وليس هذا كذلك. وأما الجمال والمكاري فلهم الترخص وإن سافروا بأهلهم قال أبو داود سمعت أحمد يقول في المكاري الذي هو دهره في السفر لابد أن يقيم إذا قدم اليومين والثلاثة قال هذا يقصر، وذكر القاضي وأبو الخطاب انه بمنزلة الملاح وليس بصحيح لانه مسافر مشقوش عليه فكان له القصر كغيره، ولا يصح قياسهم على الملاح فان الملاح في منزله سفرا وحضرا معه مصالحه وتنوره وأهله لا يتكلف لحمله وهذا لا يوجد في غيره، وان سافر هذا بأهله كان أشق عليه وأبلغ في استحقاق الترخص فأبيح له لعموم النصوص وليس هو في معنى المخصوص فوجب القول بثبوت حكم النص فيه * (فصل في الجمع) * * (مسألة) * يجوز الجمع بين الظهر والعصر والعشائين في وقت احداهما لثلاثة أمور: السفر الطويل الجمع بين الصلاتين في السفر في وقت احداهما جائز في قول أكثر اهل العلم روي ذلك عن سعد وسعيد بن زيد واسامة ومعاذ بن جبل وأبي موسى وابن عباس وابن عمر وبه قال عكرمة والثوري

[ 115 ]

ومالك والشافعي وإسحق وابن المنذر وجماعة غيرهم، وقال الحسن وابن سيرين وأصحاب الرأي لا يجوز الجمع إلا في يوم عرفة وليلة مزدلفة بها وهو رواية عن ابن القاسم عن مالك واختياره واحتجوا بأن المواقيت ثبتت بالتواتر فلا يجوز تركها بخبر الواحد ولنا ما روي عن ابن عمر انه كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء ويقول ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جد به السير جمع بينهما، وعن أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما، وان زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب متفق عليهما. ولمسلم كان إذا عجل عليه السير يؤخر الظهر إلى وقت العصر فيجمع بينهما ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق، وروى الجمع معاذ وابن عباس وقولهم لا تترك الاخبار المتواترة لاخبار الآحاد. قلنا لا يتركها وانما يخصها وتخصيص المتواتر بالخبر الصحيح جائز بالاجماع وهذا ظاهر جدا، فان قيل معنى الجمع في الاخبار أن يصلي الاولى في آخر وقتها والاخرى في أول وقتها. قلنا هذا فاسد لوجهين أحدهما النه قد جاء الخبر صريحا في انه كان يجمعها في وقت الثانية على ما ذكرنا في خبر أنس، الثاني إن الجمع رخصة فلو كان على ما ذكروه لكان أشد ضيقا وأعظم حرجا من الاتيان بكل صلاة في وقتها لان ذلك أوسع من مراعاة طرفي الوقتين بحيث لا يبقى من وقت الاولى إلا قدر فعلها، ومن تدبر هذا وجده كما وصفنا ولو جاز الجمع هذا لجاز الجمع من العصر والمغرب والعشاء والصبح وهو محرم بالاجماع، فإذا

[ 116 ]

حمل خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الامر السابق إلى الفهم منه كان أولى من هذا التكلف الذي يصان عنه كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم (فصل) وانما يجوز الجمع في السفر الذي يبيح القصر. وقال مالك والشافعي في أحد قوليه يجوز في السفر القصير لان أهل مكة يجمعون بعرفه ومزدلفة وهو سفر قصير ولنا أنه رخصة ثبتت لدفع المشقة في السفر فاختصت بالطويل كالقصر والمسح ثلاثا ولان دليل الجمع فعل النبي صلى الله عليه وسلم والفعل لا صيغة له وانما هو قضية في عين فلا يثبت حكمها الا في مثلها ولم ينقل أنه جمع إلا في سفر طويل * (مسألة) * (والمرض الذي يلحقه بترك الجمع فيه مشقة وضعف) نص احمد على جواز الجمع للمريض وروي عنه التوقف فيه وقال: أهاب ذلك والصحيح الاول وهذا قول عطاء ومالك. وقال أصحاب الرأي والشافعي: لا يجوز لان اخبار التوقيف ثابتة فلا يترك بأمر محتمل ولنا ما روى ابن عباس قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر، وفي رواية من غير خوف ولا سفر رواهما مسلم. وقد أجمعنا على أن الجمع لا يجوز لغير عذر ثبت أنه كان لمرض، وقد روي عن ابي عبد الله أنه قال في هذا الحديث هذا عندي رخصة للمريض والمرضع، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر سهلة بنت سهيل وحمنة بنت جحش لما كانتا مستحاضتين بتأخير الظهر وتعجيل العصر والجمع بينهما فأباح الجمع لاجل الاستحاضة واخبار المواقيت مخصوصة بالصور المجمع على جواز الجمع فيها فتخص محل النزاع بما ذكرنا (فصل) والمرض المبيح للجمع هو ما يلحقه بتركه مشقة وضعف. قال الاثرم: قيل لابي عبد الله المريض يجمع بين الصلاتين، قال اني لا ارجو ذلك إذا ضعف وكذلك الجمع للمستحاضة ولمن به سلس البول ومن في معناها لما ذكرنا من الحديث

[ 117 ]

* (مسألة) * (والمطر الذي يبل الثياب) إلا أن جمع المطر يختص بالعشائين في أصح الوجهين لجواز الجمع في المطر بين العشائين يروى عن ابن عمر وفعله أبان بن عثمان في أهل المدينة وهو قول الفقهاء السبعة ومالك والاوزاعي والشافعي واسحاق، ويروى عن مروان وعمر بن العزيز ولم يجوزه أصحاب الرأي والدليل على جوازه أن أبا سلمة بن عبد الرحمن قال: ان من السنة إذا كان يوم مطير أن يجمع بين المغرب والعشاء رواه الاثرم وهذا ينصرف إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال نافع: إن عبد الله بن عمر كان يجمع إذا جمع الامراء بين المغرب والعشاء وفعله أبان بن عثمان في أهل المدينة وفيهم عروة بن الزبير وأبو سلمة وابو بكر بن عبد الرحمن ولا يعرف لهم مخالف فكان اجماعا رواه الاثرم (فصل) فأما الجمع لاجل المطر بين الظهر والعصر فالصحيح أنه لا يجوز. قال الاثرم: قيل لابي عبد الله الجمع بين الظهر والعصر في المطر قال: لا ما سمعته وهذا اختيار أبي بكر وابن حامد وقول مالك. وقال أبو الحسن التميمي فيه قولان: أحدهما يجوز اختاره القاضي وأبو الخطاب وهو مذهب الشافعي لما روى يحيي بن واضح عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في المدينة بين الظهر والعصر في المطر ولانه معنى أباح الجمع فأباحه بين الظهر والعصر كالسفر ولنا أن مستند الجمع ما ذكرنا من قول أبي سلمة والاجماع ولم يرد إلا في المغرب والعشاء وحديثهم لا يصح فانه غير مذكور في الصحاح والسنن وقول احمد ما سمعت يدل على أنه ليس بشئ ولا يصح القياس على المغرب والعشاء لما بينهما من المشقة لاجل الظلمة، ولا القياس على السفر لان مشقته لاجل

[ 118 ]

السير وفوات الرفقة وهو غير موجود ها هنا كذا (فصل) والمطر المبيح للجمع هو ما يبل الثياب وتلحق المشقة بالخروج فيه فأما الطل والمطر الخفيف فلا يبيح لعدم المشقة والثلج والبرد في ذلك كالمطر لانه في معناه * (مسألة) * (وهل يجوز ذلك لاجل الوحل والريح الشديدة الباردة أو لمن يصلي في بيته أو في مسجد طريقه تحت ساباط على وجهين) اختلف أصحابنا في الوحل بمجرده، فقال القاضي: قال أصحابنا هو عذر يبيح الجمع لان المشقة تلحق بذلك في الثياب والنعال كما تلحق بالمطر وهو قول مالك، وذكر أبو الخطاب فيه وجها ثانيا أنه لا يبيح وهو قول الشافعي لان المشقة دون مشقة المطر فلا يصح قياسه عليه. قال شيخنا: الاولى أصح لان الوحل يلوث الثياب والنعال ويعرض الانسان للزلق فيتأذى نفسه وثيابه وذلك أعظم ضررا من البلل، وقد ساوى المطر في العذر في ترك الجمعة والجماعة فدل على تساويهما في المشقة المرعية في الحكم (فصل) فأما الريح الشديدة في الليلة الباردة ففيها وجهان: أحدهما يبيح الجمع قال الآمدي: وهو أصح يروى عن عمر بن عبد العزيز لان ذلك عذر في ترك الجمعة والجماعة بدليل ما روى محمد بن الصباح حدثنا سفيان عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي مناديه

[ 119 ]

في الليلة المطيرة والليلة الباردة ذات الريح صلوا في رحالكم رواه ابن ماجه. والثاني لا يبيحه لان مشقته دون مشقة المطر فلا يصح القياس ولان مشقتها من غير جنس مشقة المطر ولا ضابط لذلك يجتمعان فيه فلم يصح الالحاق (فصل) وهل بجوز الجمع لمنفرد أو لمن طريقه تحت ساباط يمنع وصول المطر إليه، أو من كان مقامه في المسجد، أو لمن يصلي في بيته على وجهين: أحدهما الجواز. قال القاضي: وهو ظاهر كلام احمد لان الرخصة العامة يستوي فيها حال وجود المشقة وعدمها كالسفر وكاباحة السلم في حق من ليس له إليه حاجة كاقتناء الكلب للصيد والماشية لمن لا يحتاج إليها، وقد روي أنه عليه السلام جمع في مطر وليس بين حجرته ومسجده شئ، والثاني المنع. اختاره ابن عقيل لان الجمع لاجل المشقة فاختص بمن تلحقه المشقة كالرخصة في التخلف عن الجمعة، والجماعة تختص بمن تلحقه المشقة دون من لا تلحقه كمن في الجامع والقريب منه * (مسألة) * (ويفعل الارفق به من تأخير الاولى إلى وقت الثانية أو تقديم الثانية إليها) هذا هو الصحيح من المذهب وعليه أكثر الاصحاب وهو أن المسافر مخير في الجمع بين التقديم والتأخير وظاهر كلام الخرقي أنه لا يجوز الجمع إلا إذا كان سائرا في وقت الاولى فيؤخرها إلى وقت الثانية وهي رواية عن احمد، ويروى ذلك عن سعد وابن عمر وعكرمة آخذا بحديث ابن عمر وأنس الصحيحين. وقال القاضي. هذه الرواية هي الفضيلة والاستحباب وإن جمع بينهما في وقت الاولى جاز نازلا كان أو سائرا أو مقيما في بلد اقامة لا يمنع القصر وهذا قول عطاء وأكثر علماء المدينة والشافعي واسحاق وابن المنذر لما روى معاذ قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في

[ 120 ]

غزوة تبوك فكان إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم سار، وإذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب، واه أبو داود والترمذي وقال هذا حديث حسن. وروى مالك في الموطأ عن أبي الزبير عن أبي الطفيل أن معاذا أخبره أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء قال: فأخر الصلاة يوما ثم خرج فصلى الظهر والعصر جمعا ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جمعا. قال ابن عبد البر: هذا حديث صحيح ثابت الاسناد، وفى هذا الدليل أوضح الدليل في الرد على من قال: لا يجمع بين الصلاتين إلا إذا جدبه السير لانه كان يجمع وهو نازل غير سائر ماكث في خبائه يخرج فيصلي الصلاتين جمعا فتعين الاخذ بهذا الحديث لثبوته وكونه صريحا في الحكم من غير معارض له، ولان الجمع رخصة من رخص السفر فلم يختص بحالة السير كالقصر والمسح ثلاثا لكن الافضل التأخير لانه أحوط وفيه خروج من الخلاف عند القائلين بالجمع وعملا بالاحاديث كلها * (فصل) * والمريض مخير في التقديم والتأخير كالمسافر فان استوى عنده الامران فالتأخير أفضل لما ذكرنا في المسافر، فأما الجمع للمطر فانما يفعل في وقت الاولى لان السلف انما كانوا يجمعون في وقت الاولى ولان تأخير الاولى إلى وقت الثانية يفضي إلى المشقة بالانتظار والخروج في الظلمة

[ 121 ]

ولان العادة اجتماع الناس للمغرب، فإذا حبسهم في المسجد ليجمع بين الصلاتين في وقت الثانية كان أشق من أن يصلي كل صلاة في وقتها، وان اختار تأخير الجمع جاز والمستحب أن يؤخر الاولى عن أول وقتها شيئا، قال أحمد يجمع بينهما إذا اختلط الظلام قبل أن يغيب الشفق الذي فعل ابن عمر قيل لابي عبد الله فكان سنة الجمع بين الصلاتين في المطر عندك أن تجمع قبل أن يغيب الشفق، وفى الشفق تؤخر حتى يغيب الشفق قال نعم * (فصل) * ولا يجوز الجمع لغير من ذكرنا، وقال ابن شبرمة يجوز إذا كانت حاجة أو شئ ما لم يتخذه عادة لحديث ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر، فقيل لابن عباس لم فعل ذلك؟ قال أراد أن لا يحرج أمته ولنا عموم أخبار المواقيت، وحديث ابن عباس محمول على حالة المرض ويجوز أن يكون صلى

[ 122 ]

الاولى في آخر وقتها والثانية في أول وقتها فان عمرو بن دينار روى هذا الحديث عن جابر بن زيد عن ابن عباس، قال عمرو قلت يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء، قال وأنا أظن ذلك * (مسألة) * (وللجمع في وقت الاولى ثلاثة شروط: نية الجمع عند إحرامها ويحتمل أن تجزئه النية قبل سلامها، وأن لا يفرق بينهما إلا بقدر الاقامة والوضوء فان صلى السنة بينهما بطل الجمع في إحدى الروايتين، وأن يكون العذر موجودا عند افتتاح الصلاتين وسلام الاولى) نية الجمع شرط لجوازه في المشهور من المذهب، وقال أبو بكر لا يشترط نية الجمع كقوله في القصر وقد ذكرناه. والتفريع على الاول وموضع النية إذا جمع في وقت الاولى عند الاحرام بها لانها نية تفتقر إليها الصلاة فاعتبرت عند الاحرام كنية القصر، وفيه وجه ثان أن موضعها أول الصلاة من الاولى إلى سلامها فمتى نوى قبل سلام الاولى أجزاه لان موضع الجمع عند الفراغ من الاولى إلى الشروع في الثانية، فإذا لم تتأخر النية عنه أجزاه ذلك ويعتبر أن لا يفرق بينهما إلا تفريقا يسيرا، والمرجع في اليسير إلى العرف والعادة وقدره بعض أصحابنا بقدر الوضوء والاقامة، والصحيح انه لا حد له لان التقدير بابه التوقيف فما لم يرد فيه توقيف فيرجع فيه إلى العادة كالقبض والاحراز،

[ 123 ]

فان فرق بينهما تفريقا كثيرا بطل الجمع سواء فعله عمدا أو لنوم أو شغل أو سهو أو غير ذلك لان الشرط لا يثبت المشروط بدونه والمرجع في الكثير إلى العرف والعادة كما قلنا في اليسير، ومتى احتاج إلى الوضوء والتيمم فعله إذا لم يطل وان تكلم بكلام يسير لم يبطل الجمع وإن صلى بينهما السنة بطل الجمع في الظاهر لانه فرق بينهما بصلاة فبطل الجمع كما لو صلى بينهما غيرها وعنه لا تبطل لانه تفريق يسير أشبه الوضوء * (فصل) * ويعتبر للجمع في وقت الاولى وجود العذر حال افتتاح الصلاتين والفراغ من الاولى لان افتتاح الاولى موضع النية وبافتتاح الثانية يحصل الجمع فاعتبر العذر في هذين الوقتين فمتى زال العذر في أحد هذه الثلاثة لم يبح الجمع، وإن زال المطر في أثنا الاولى ثم عاد قبل تمامها أو انقطع بعد الاحرام بالثانية جاز الجمع ولم يؤثر انقطاعه لان العذر وجد في وقت اشتراطه فلم يضر عدمه في غيره. فأما المسافر إذا نوى الاقامة في أثناء الصلاة الاولى انقطع الجمع والقصر ولزمه الاتمام، فلو عاد فنوى السفر لم يبح له الترخص حتى يفارق البلد الذي هو فيه، وإن نوى الاقامة بعد الاحرام بالثانية أو دخلت به السفينة البلد في أثنائها احتمل أن يتمها ويصح قياسا على انقطاع المطر، قال بعض أصحاب الشافعي هذا الذي يقتضيه مذهب الشافعي واحتمل أن تنقلب نفلا، ويبطل الجمع

[ 124 ]

لانه أحد رخص السفر فبطل بذلك كالقصر والمسح ولانه زال شرطها في أثنائها أشبه سائر شروطها ويفارق انقطاع المطر من وجهين أحدهما انه لا يتحقق انقطاعه لاحتمال عوده في أثناء الصلاة، والثاني انه يخلفه عذر مبيح وهو الوحل بخلاف مسالتنا وهكذا الحكم في المريض يزول عذره في أثناء الصلاة الثانية. فأما إن لم يزل العذر إلا بعد الفراغ من الثانية قبل دخول وقتها صح الجمع ولم يلزمه اعادة الثانية في وقتها لان الصلاة وقعت صحيحة مجزئة مبرئة للذمة فلم تشتغل الذمة بها بعد ذلك كالمتيمم إذا وجد الماء في الوقت بعد فراغه من الصلاة * (فصل) * وإذا جمع في وقت الاولى فله أن يصلي سنة الثانية منهما ويوتر قبل دخول الثانية لان سنتها تابعة لها فتتبعها في فعلها ووقتها ولان الوتر وقته ما بين صلاة العشاء والصبح وقد صلى العشاء فدخل وقته * (مسألة) * (وإن جمع في وقت الثانية كفاه نية الجمع في وقت الاولى ما لم يضق عن فعلها واستمرار العذر إلى دخول وقت الثانية منهما) ولا يشترط غير ذلك متى جمع في وقت الثانية فلا بد من نية الجمع في وقت الاولى، فموضع النية في وقت الاولى من أوله إلى أن يبقى منه قدر ما يصليها هكذا ذكره أصحابنا لانه متى أخرها عن ذلك بغير نية صارت قضاء لا جمعا ولان تأخيرها عن القدر الذي يضيق عن فعلها حرام. قال شيخنا ويحتمل أن يكون وقت النية أن يبقى منه قدر ما يدركها به وهو ركعة أو تكبيرة على ما ذكرنا متقدما، ويعتبر بقاء العذر إلى حين دخول وقت الثانية فان زال في وقت الاولى كالمريض يبرأ والمسافر يقدم والمطر ينقطع لم يبح الجمع لزوال سببه، وان استمر إلى وقت الثانية جمع وإن زال العذر لانهما صارتا واجبتين في ذمته فلا بد له من فعلها * (فصل) * ولا يشترط المواصلة بينهما إذا جمع في وقت الثانية لانه متى صلى الاولى فالثانية في وقتها لا يخرج بتأخيرها عن كونها مؤداة. وفيه وجه إن المواصلة مشترطة لان حقيقة الجمع ضم الشئ إلى الشئ ولا يحصل مع التفريق، والصحيح الاول لان الاولى بعد وقوعها صحيحة لا تبطل بشئ يوجد بعدها، والثانية لا تقع إلا في وقتها

[ 125 ]

* (فصل) * إذا صلى إحدى صلاتي الجمع مع الامام والثانية مع امام آخر أو صلى معه مأموم في احدى الصلاتين وصلى معه في الثانية مأموم آخر صح، وقال ابن عقيل لا يصح لان كل واحد من الامام والمأموم أحد من يتم به الجمع فاشترط وجود دوامه كالعذر ولنا أن لكل صلاة حكم نفسها وهي منفردة بنيتها فلم يشترط اتحاد الامام والمأموم كغير المجموعتين وقوله ان الامام والمأموم أحد من يتم به الجمع لا يصح في المسافر والمريض لجواز الجمع لكل واحد منهما منفردا. وفي المطر في أحد الوجهين، وان قلنا ان الجمع في المطر لا يجوز للمنفرد فالذي يتم به الجمع الجماعة لا عين الامام والمأموم ولم تختل الجماعة، وعلى ما قلنا لو ائتم المأموم بالامام لا ينوي الجمع ونواه الامام فلما سلم الامام صلى المأموم الثانية جاز لانا أبحنا له مفارقة الامام في الصلاة الواحدة للعذر ففي الصلاتين أولى وانما نوى أن يفعل في غيرها فلم يؤثر كما لو نوى المسافر في الاولى اتمام الثانية فلم تختلف نيتهما في الصلاة الاولى، وهكذا لو صلى المسافر بمقيمين ونوى الجمع فلما صلى بهم الاولى قام فصلى الثانية جاز، وهكذا لو صلى احدى صلاتي الجمع منفردا ثم حضرت جماعة يصلون الثانية فأمهم فيها أو فصلى معهم مأموما جاز، وقول ابن عقيل يقتضي أن لا يجوز شئ من ذلك والله أعلم * (قال المصنف رحمه الله) * * (فصل في صلاة الخوف) * وهي جائزة بالكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى (وإذا كنت

[ 126 ]

فيهم فأقمت لهم الصلاة) الآية. وأما السنة فثبت ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي صلاة الخوف وحكمها باق في قول جمهور أهل العلم، وقال أبو يوسف انما كانت مختصة بالنبي صلى الله عليه وسلم بدليل قوله سبحانه (وإذا كنت فيهم) وما قاله غير صحيح لان ما ثبت في حق النبي صلى الله عليه وسلم ثبت في حقنا ما لم يقم على اختصاصه به دليل لان الله تعالى أمرنا باتباعه، ولما سئل صلى الله عليه وسلم عن القبلة للصائم؟ أجاب بأني أفعل ذلك. فقال السائل لست مثلنا، فغضب وقال اني لارجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما اتقى، ولو اختص بفعله لما حصل جواب السائل بالاخبار بفعله ولا غضب من قول السائل مثلنا لان قوله إذا كان صوابا، وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يحتجون بأفعاله ويرونها معارضة لقوله وناسخة له، وذلك لما أخبرت عائشة وأم سلمة بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنبا من غير احتلام ثم يغتسل ويصوم ذلك اليوم تركوا به خبر أبي هريرة من أصبح جنبا فلا صوم له لما ذكروا ذلك لابي هريرة قال هن أعلم، انما حدثني به الفضل ابن عباس ورجع عن قوله. وأيضا فان الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على صلاة الخوف فصلاها على ليلة الهرير بصفين وصلاها أبو موسى الاشعري بأصحابه، وروي ان سعد بن العاص كان أميرا على الحيش بطبرستان فقال أيكم صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف؟ فقال حذيفة أنا. فقدمه فصل بهم، فأما نخصيص النبي صلى الله عليه وسلم بالخطاب فلا يوجب تخصيصه بالحكم لما ذكرنا ولان الصحابة أنكروا على مانع الزكاة وقولهم ان الله تعالى خص نبيه بأخذ الزكاة بقوله

[ 127 ]

(خذ من أموالهم صدقة (فان قيل فالنبي صلى الله عليه وسلم أخر الصلاة يوم الخندق ولم يصل. قلنا الاعتراض باطل في نفسه إذ لا خلاف في إن النبي صلى الله عليه وسلم كان له أن يصلي صلاة الخوف وقد أمره الله بها في كتابه فلا يجوز الاحتجاج بما يخالف الكتاب والاجماع وانما كان ذلك قبل نزول صلاة الخوف، وانما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحتمل ان النبي صلى الله عليه وسلم أخر الصلاة نسيانا فانه روي ان النبي صلى الله عليه وسلم سألهم عن صلاتهم. قالوا ما صلينا. وروي ان عمر قال ما صليت العصر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " والله ما صليتها " أو كما جاء، ومما يدل على ذلك انه لم يكن ثم قتال يمنعه من الصلاة إذا ثبت ذلك فانما تجوز صلاة الخوف إذا كان العدو مباح القتال، ويشترط أن لا يؤمن هجومه على المسلمين وتجوز على كل صفة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم * (مسألة) * (قال الامام أبو عبد الله: صح عن النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف من خمسة أوجه أو ستة، وقال ستة أو سبعة كل ذلك جائز لمن فعله) قال الاثرم: قلت لابي عبد الله تقول بالاحاديث كلها أو تختار واحدا منها، قال: انا أقول من ذهب إليها كلها فحسن، وأما حديث سهل فأنا اختاره فنذكر الوجوه التي بلغتنا فأولها إذا كان العدو في جهة القبلة بحيث لا يخفى بعضهم على المسلمين ولم يخافوا كمينا فيصلي بهم كما روى جابر قال:

[ 128 ]

شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف فصففنا خلفه صفين والعدو بيننا وبين القبلة فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبرنا جميعا، ثم ركع وركعنا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم السجود وقام الصف الذي يليه وانحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم، ثم ركع رسول الله صلى الله عليه وسلم وركعنا جميعا، ورفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحذر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرا في الركعة الاولى وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود، ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم وسلمنا جميعا أخرجه مسلم. وروى أبو عياش الزرقي أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بعسفان نحو هذه الصلاة وصلاها يوم بني سليم رواه أبو داود قلت وأخرجه مسلم عن جابر. قال البيهقي وهو صحيح وإن حرس الصف الاول في الاولى والثاني في الثانية أو لم يتقدم الثاني إلى مقام الاول، أو حرس بعض الصف وسجد الباقون جاز لان المقصود يحصل لكن الاولى أن تفعل مثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم * (والوجه الثاني) * إذا كان العدو في غير جهة القبلة فيصلي بهم كما روى صالح بن خوات عن من صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف أن طائفة صفت معه وطائفة وجاه

[ 129 ]

العدو فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائما وائتموا لانفسهم ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو وجاءت الطائفة الاخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته ثم ثبت جالسا وأتموا لانفسهم ثم سلم بهم رواه مسلم. وروى سهل بن أبي حثمة نحو ذلك، واشترط القاضي لهذه الصلاة كون العدو في غير جهة القبلة، ونص احمد على خلاف ذلك في رواية الاثرم فانه قال: قلت له حديث سهل تستعمله مستقبلين القبلة كانوا ومستدبرين؟ قال نعم هو أنكى ولان العدو قد يكون في جهة القبلة على وجه لا يمكن أن يصلي بهم صلاة عسفان لانتشارهم أو لخوف من كمين، فالمنع من هذه الصلاة يفضي إلى تفويتها قال أبو الخطاب: ومن شرطها أن يكون المصلون يمكن تفريقهم طائفتين كل طائفة ثلاثة فأكثر. وقال القاضي: إن كانت كل فرقة أقل من ثلاثة كرهناه، ووجه قولهما أن الله سبحانه ذكر الطائفة بلفظ الجمع بقوله (فإذا سجدوا) وأقل الجمع ثلاثة، ولان احمد ذهب إلى ظاهر فعل النبي صلى الله عليه وسلم. قال شيخنا: والاولى أن لا يشترط هذا لان ما دون الثلاثة تصح به الجماعة فجاز أن يكونوا طائفة كالثلاثة، فأما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فانه لا يشترط في صلاة الخوف أن يكون المصلون مثل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في العدد وجها واحدا ويستحب أن يخفف بهم الصلاة لان موضوع صلاة الخوف على التخفيف وكذلك الطائفة التي تفارقه تخفف الصلاة ولا تفارقه حتى يستقل قائما لان النهوض يشتركون فيه جميعا فلا حاجة إلى

[ 130 ]

مفارقتهم اياه قبله لان المفارقة انما جازت للعذر ويقرأ في حال الانتظار ويطيل التشهد حتى يدركوه وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يقرأ في الانتظار، بل يؤخر القراءة ليقرأ بالطائفة الثانية فتحصل التسوية بين الطائفتين ولنا أن الصلاة ليس فيها حال سكوت والقيام محل للقراءة فينبغي أن يأتي بها فيه كما في التشهد إذا انتظرهم فانه لا يسكت والتسوية بينهم تحصل بانتظاره اياهم في موضعين والاولى في موضع واحد إذا ثبت هذا فقال القاضي: ان قرأ في انتظارهم فقرأ بعد مجيئهم بقدر فاتحة الكتاب وسورة خفيفة وإن لم يقرأ في انتظارهم قرأ إذا جاءوا بفاتحة الكتاب وسورة وهذا على سبيل الاستحباب، فلو قرأ قبل مجيئهم ثم ركع عند مجيئهم أو قبله فأدركوه راكعا ركعوا معه وصحت لهم الركعة مع تركه للسنة، وإذا جلس للتشهد قاموا فصلوا ركعة أخرى وأطال التشهد والدعاء حتى يدركوه ويتشهدوا ثم يسلم بهم. وقال مالك: يتشهدون معه فإذا سلم الامام قاموا فقضوا ما فاتهم كالمسبوق والاولى ما ذكرناه لموافقته الحديث ولان قوله تعالى (ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك) يدل على أن صلاتهم كلها معه ولان الاولى أدركت معه فضيلة الاحرام فينبغي أن يسلم بالثانية ليسوي بينهم، بهذا قال مالك والشافعي على ما ذكرنا من الاختلاف، واختار أبو حنيفة أن يصلي على ما في حديث ابن عمر وسوف نذكره إن شاء الله تعالى في الوجه الثالث، والاولى والمختار عند احمد رحمه الله هذا الوجه

[ 131 ]

الثاني لانه أشبه بكتاب الله تعالى وأحوط للصلاة والحرب، أما موافقة الكتاب فان قوله تعالى (ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك) يقتضي أن جميع صلاتها معه، وعلى ما اختاره أبو حنيفة لا تصلي معه إلا ركعة على ما يأتي وعلى ما اخترنا تصلي جميع صلاتها معه في احدى الركعتين موافقة في أفعاله، والثانية تأتي بها قبل سلامه ثم تسلم معه. وأما الاحتياط للصلاة فان كل طائفة تأتي بصلاتها متوالية بغضها موافق للامام فيها فعلا وبعضها يفارقه وتأتي به وحدها كالمسبوق، وعلى ما اختاره ينصرف إلى جهة العدو وهي في الصلاة ماشية أو راكبة ويستدبر القبلة وهذا ينافي الصلاة وأما الاحتياط للحرب فانه يتمكن من الضرب والطعن والتحريض وإعلام غيره بما يراه مما خفي عليه وتحذيره وإعلام الذين مع الامام بما يحدث ولا يمكن هذا على اختياره (فصل) ولا تجب التسوية بين الطائفتين لانه لم يرد بذلك نص ولا قياس، ويجب أن تكون الطائفة التي بازاء العدو ممن يحصل الثقة بكفايتها وحراستها ومتى خشي اختلال حالهم واحتيج إلى معونتهم بالطائفة الاخرى فللامام أن ينهد إليهم من معه ويبينوا على ما مضى من صلاتهم (فصل) وإن صلوا الجمعة صلاة الخوف جاز إذا كانت كل طائفة أربعين، فان قيل فالعدد شرط في الجمعة كلها ومتى ذهبت الطائفة الاولى بقي الامام منفردا فبطلت الجمعة كما لو نقص العدد فالجواب أن هذا جاز لاجل العذر ولانه يترقب مجئ الطائفة الاخرى بخلاف الانفضاض

[ 132 ]

ولنا أيضا في الاصل منع ولا يجوز أن يخطب باحدى الطائفتين ويصلي بالاخرى حتى يصلي معه من حضر الخطبة وبهذا قال الشافعي (فصل) والطائفة الاولى في حكم الائتمام قبل مفارقة الامام فان سها لحقهم حكم سهوه فيما قبل مفارقته، وان سهوا لم يلزمهم حكم سهوهم لانهم مأمومون، وأما بعد مفارقته فلا يلحقهم حكم سهوه ويلحقهم حكم سهوهم لانهم منفردون، وأما الطائفة الثانية فيلحقها حكم سهو امامها في جميع صلاته ما أدركت منها وما فاتها كالمسبوق يلحقه حكم سهو امامه فيما لم يدركه ولا يلحقها حكم سهوها في شئ من صلاتها لانها ان فارقتها فعلا لقضاء ما فاتها فهي في حكم المؤتم لانهم يسلمون بسلامه، فإذا فرغت من قضاء ما فاتها سجد وسجدت معه، فان سجد قبل اتمامها تابعته لانها مؤتمة به ولا يقيد السجود بعد فراغها من التشهد لانها لم تنفرد عن الامام بخلاف المسبوق. وقال القاضي ينبني هذا على الروايتين في المسبوق إذا سجد مع امامه هل يسجد بعد القضاء أم لا وقد ذكر الفرق بينهما * (مسألة) * (وان كانت الصلاة مغربا صلى بالطائفة الاولى ركعتين وبالثانية ركعة) وبهذا قال مالك والاوزاعي وسفيان والشافعي في أحد قوليه، وقال في الآخر يصلى بالاولى ركعة وبالثانية ركعتين لانه روي عن علي رضي الله عنه أنه صلى ذلك ليلة الهرير، ولان الاولى أدركت معه فضيلة الاحرام والتقدم فينبغي أن يزيد الثانية في الركعات ليجبر نقصهم به

[ 133 ]

ولنا أنه إذا لم يكن بد من التفضيل فالاولى أحق به وما فات الثانية يتخير بادراكها السلام مع الامام ولانها تصلي جميع صلاتها في حكم الائتمام، والاولى تفضل بعض صلاتها في حكم الانفراد وأيا ما فعل فهو جائز، وإذا صلى بالثانية الركعة الثانية وجلس للتشهد فان الطائفة تقوم ولا تتشهد معه ذكره القاضي لانه ليس بموضع لتشهدها بخلاف الرباعية ويحتمل أن تتشهد معه إذا قلنا إنها تقضي ركعتين متواليين لئلا يفضي إلى أن يصلي ثلاث ركعات بتشهد واحد ولا نظير لهذا في الصلوات هذا حكم صلاة المغرب على حديث سهل * (مسألة) * (وان كانت رباعية غير مقصورة صلى بكل طائفة ركعتين وأتمت الاولى بالحمد لله في كل ركعة والاخرى تتم بالحمد لله وسورة) تجوز صلاة الخوف في الحضر عند الحاجة إليها وبه قال الاوزاعي والشافعي، وحكي عن مالك لا يجوز في الحضر لان الآية انما دلت على صلاة ركعتين وصلاة الحضر أربع، ولان النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعلها في الحضر ولنا قوله تعالى (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) وهذا عام وترك النبي صلى الله عليه وسلم لها في الحضر انما كان لغناه عنها فيه، وقولهم انما دلت الآية على ركعتين ممنوع، وان سلم فقد تكون صلاة الحضر ركعتين الصبح والجمعة والمغرب ثلاث ويجوز فعلها في الخوف في السفر فعلى هذا إذا

[ 134 ]

صلى بهم الرباعية فرقهم فرقتين وصلى بكل طائفة ركعتين وتقرأ الاولى بعد مفارقة امامها بالحمد لله وحدها في كل ركعة لانها آخر صلاتها، وأما الطائفة الثانية فإذا جلس الامام للتشهد الاخير تشهدت معه التشهد الاول كالمسبوق ثم قامت وهو جالس فأتمت صلاتها وتقرأ في كل ركعة الحمد لله وسورة في ظاهر المذهب لانه أول صلاتها على ما ذكرنا في المسبوق وتستفتح إذا قامت للقضاء كالمسبوق ولانها لم تحصل لها مع الامام قراءة السورة ويطول الامام التشهد والدعاء حتى تصلي الركعتين، ثم يتشهد ويسلم بهم، وإذا قلنا أن الذي يقضيه المسبوق آخر صلانه فيقتضي أن لا يستفتح ولا يقرأ السورة ها هنا قياسا عليه * (مسألة) * (وهل تفارقة الاولى في التشهد الاول وفي الثالثة؟ على وجهين) أحدهما حين قيامه إلى الثالثة وهو قول مالك والاوزاعي لانه يحتاج إلى التطويل من أجل الانتظار والتشهد يستحب تخفيفه، ولهذا روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا جلس للتشهد كأنه على الرضف حتى يقوم لان ثواب القائم أكثر ولانه إذا انتطرهم جالسا وجاءت الطائفة فانه يقوم قبل احرامهم فلا يحصل اتباعهم اياه في القيام، والثاني في التشهد ليدرك الطائفة الثانية جميع الركعة الثالثة ولان الجلوس أخف على الامام ولانه متى انتظرهم فانما احتاج إلى قراءة السورة في الركعة الثالة وهو خلاف السنة وكلا الامرين جائز

[ 135 ]

* (مسألة) * (وإن فرقهم أربعا فصلى بكل طائفة ركعة صحت صلاة الاوليين وبطلت صلاة الامام والاخريين ان علمنا بطلان صلاته) وجملة ذلك أنه متى فرقهم الامام في صلاة الخوف أكثر من فرقتين مثل أن فرقهم أربع فرق فصلى بكل طائفة ركعة أو ثلاث فرق فصلى بالاولى ركعتين وبالباقيتين ركعة صحت صلاة الاوليين لانهما انما ائتما بمن صلاته صحيحة ولم يوجد منهما ما يبطل صلاتهما وتبطل صلاة الامام بانتظار الثالث لانه لم يرد الشرع به فأبطل الصلاة كما لو فعله من غير خوف، وسواء فعل ذلك لحاجة أو غيرها لان الترخص انما يصار إليه فيما ورد به الشرع وتبطل صلاة الثالثة والرابعة لائتمامها بمن صلاته باطلة فأشبه ما لو كانت باطلة في أولها، فان لم يعلما بطلان صلاة الامام فقال ابن حامد: لا تبطل صلاتهما لان ذلك مما يخفى فلم تبطل صلاة المأموم كما لو ائتم بمحدث لا يعلم حدثه وينبغي على هذا أن يخفى على الامام والمأموم كما اعتبرنا ذلك في المحدث. قال شيخنا: ويحتمل أن لا تصح صلاتهما لان الامام والمأموم يعلمان وجود المبطل، وانما خفي عليهم حكمه فلم يمنع ذلك البطلان كما لو علم حدث الامام ولم يعلم كونه مبطلا، وقال بعض الشافعية كقول ابن حامد. وقال بعضهم: تصح صلاة الجميع لان الحاجة تدعو إليه أشبه الفرقتين ولنا أن الرخص انما تتلقى من الشرع وهذا لم يرد به الشرع فلم يجزئه كغير الخوف والله أعلم (الوجه الثالث) يصلي كما روى ابن عمر قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف باحدى الطائفتين ركعة وسجدتين والطائفة الاخرى مواجهة العدو، ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم مقبلين على العدو وجاء أولئك ثم صلى لهم النبي صلى الله عليه وسلم ركعة ثم سلم، ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة متفق عليه

[ 136 ]

(الوجه الرابع) أن يصلي بكل طائفة صلاة ويسلم بها كما روى أبو بكرة قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في خوف الظهر فصف بعضهم خلفه وبعضهم بازاء العدو فصلى ركعتين ثم سلم فانطلق الذين صلوا فوقفوا موقف أصحابهم ثم جاء أولئك فصلوا خلفه فصلى بهم ركعتين ثم سلم فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ولاصحابه ركعتان رواه أبو داود والاثرم. وهذه صفة حسنة قليلة الكلفة لا يحتاج فيها إلى مفارقة امامه ولا إلى تفريق كيفية الصلاة وهو مذهب الحسن وليس فيها أكثر من أن الامام في الثانية متنفل يؤم مفترضين (الوجه الخامس) أن يصلي كما روى جابر قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بذات الرقاع قال فنودي بالصلاة فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا وصلى بالطائفة الاخرى ركعتين قال: كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتين ركعتين متفق عليه وتأول القاضي هذا على أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم كصلاة الحضر، وأن كل طائفة قضت ركعتين، وأن التأويل فاسد لمخالفة صفة الرواية وقول احمد: أما مخالفة الرواية فانه ذكر أنه صلى بكل طائفة ركعتين ولم يذكر قضاء، ثم قال في آخره للقوم ركعتين ركعتين. وأما مخالفة قول احمد فانه قال ستة أوجه أو سبعة يروى فيها كأنها جائز، وعلى هذا لا تكون ستة ولا خمسة، ثم انه حمل الحديث على محمل بعيد لان الخوف يقتضي قصر الصلاة وتخفيفها، وعلى هذا التأويل تجعل مكان الركعتين أربعا ويتم الصلاة المقصورة ولم ينقل عنه عليه السلام اتمام صلاة السفر في غير الخوف فكيف يتمها في موضع يقتضي التخفيف (فصل) وقد ذكر شيخنا رحمه الله (الوجه السادس) أن يصلي بكل طائفة ركعة ركعة ولا تقضي شيئا لما روى ابن عباس قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي قرد صلاة الخوف والمشركون بينه وبين القبلة فصف صفا

[ 137 ]

خلفه وصفا موازي العدو فصلى بهم ركعة ثم ذهب هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، ورجع هؤلاء إلى مصاف هؤلاء فصلى بهم ركعة ثم سلم عليهم فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان وكانت لهم ركعة ركعة رواه الاثرم، وعن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف بهؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة ولم يقضوا شيئا رواه أبو داود وهذا قول ابن عباس وجابر. قال جابر: انما القصر ركعة عند القتال. وقال طاوس ومجاهد والحسن وقتادة والحكم يقولون ركعة في شدة الخوف يومئ ايماء، وبه قال اسحاق يجزئك عند الشدة ركعة تومئ ايماء، فان لم تقدر فسجدة واحدة، فان لم تقدر فتكبيرة، فهذه الصلاة يقتضي عموم كلام احمد جوازها لانه ذكر ستة أوجه ولا نعلم وجها سادسا سواها. وقال القاضي: لا تأثير للخوف في عدد الركعات وهذا قول أصحابنا وأكثر أهل العلم منهم ابن عمر والنخعي والثوري وأبو حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم من علماء الامصار لا يجيزون ركعة والذي قال منهم وكعة انما جعلها عند شدة القتال، والذين روينا عنهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثرهم لم ينقصوا من ركعتين وابن عباس لم يكن ممن يحضر النبي صلى الله عليه وسلم في غزواته ولم يعلم ذلك إلا بالرواية فالاخذ برواية من حضر الصلاة وصلاها مع النبي صلى الله عليه وسلم أولى (فصل) ومتى صلى بهم صلاة الخوف من غير خوف فصلاة الجميع فاسدة لانها لا تخلو من مفارقة امامه لغير عذر أو تارك متابعة امامه في ثلاثة أركان، أو قاصر الصلاة مع اتمام امام وكل ذلك يفسد الصلاة إلا مفارقة الامام في قول: وإذا فسدت صلاة الامام لانه صلى اماما بمن صلاته فاسدة إلا أن يصلي بهم صلاتين كاملتين فتصح صلاته وصلاة الطائفة الاولى وصلاة الثانية تنبني على امامة المتنفل بالمفترض وقد ذكرناه

[ 138 ]

* (مسألة) * (ويستحب أن يحمل معه في الصلاة من السلاح ما يدفع به عن نفسه ولا يثقله كالسيف والسكين ويحتمل أن يجب ذلك) حمل السلاح في صلاة الخوف مستحب لقوله تعالى (وليأخذوا أسلحتهم) ولانهم لا يأمنون أن يفجأهم العدو كما قال الله تعالى (ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة) والمستحب من ذلك ما يدفع به عن نفسه ولا يثقله كالسيف والسكين، ولا يستحب حمل ما يثقله كالجوشرة، ولا ما يمنع اكمال السجود كالمغفر ولا ما يؤذي غيره كالرمح إذا كان متوسطا، ولا يجوز حمل نجس ولا ما يخل ببعض أركان الصلاة الا عند الضرورة كمن يخاف وقوع الحجارة والسهام، وليس ذلك بواجب ذكره أصحابنا وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي وأكثر أهل العلم لانه لو وجب لكان شرطا كالسترة ولان الامر به للرفق بهم والصيانة لهم فلم يكن للايجاب كما أن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال لما كان للرفق لم يكن للتحريم، ويحتمل أن يجب ذلك وهو قول داود وأحد قولي الشافعي وهذا أظهر لان ظاهر الامر الوجوب، وقد اقترن به ما يدل على الوجوب وهو قوله سبحانه (ولا جناح عليكم ان كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم) ونفي الحرج مشروطا بالاذى دليل على لزومه عند عدمه، فأما ان كان بهم أذى من مطر أو مرض فلا يجب بغير خلاف لصريح النص بنفي الحرج * (فصل) * فإذا اشتد الخوف صلوا رجالا وركبانا إلى القبلة وغيرها يومئون ايماء على قدر الطاقة. وجملة ذلك انه متى اشتد الخوف والتحم القتال فلهم الصلاة كيف ما أمكنهم رجالا أو ركبانا إن أمكنهم إلى القبلة أو إلى غيرها ان لم يمكنهم يومئون بالركوع والسجود ويجعلون سجودهم أخفض من ركوعهم على قدر الطاقة، ولهم التقدم والتأخر والطعن والضرب والكر والفر ولا يؤخرون الصلاة عن وقتها

[ 139 ]

في قول أكثر أهل العلم. وحكى ابن أبي موسى انه يجوز تأخير الصلاة حال التحام القتال في رواية، وقال أبو حنيفة وابن أبي ليل لا يصلي مع المسايفة ولا مع المشي لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل يوم الخندق وأخر الصلاة، ولان ما يمنع الصلاة في غير شدة الخوف يمنعها معه كالحدث والصياح، وقال الشافعي يصلي لكن إن تابع الطعن والضرب أو المشي أو فعل ما يطول بطلت صلاته لان ذلك من مبطلات الصلاة أشبه الحدث ولنا قوله عزوجل (فان خفتم فرجالا أو ركبانا) وقال ابن عمر فان كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالا قياما على أقدامهم وركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها متفق عليه. وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولان النبي صلى الله عليه وسلم صلى باصحابه في غير شدة الخوف فأمرهم بالمشي إلى وجاه العدو وهم في الصلاة ثم يعودن لقضاء ما بقى من صلاتهم، وهذا مشى كثير وعمل طويل واستدبار للقبلة فإذا جاز ذلك مع ان الخوف ليس بشديد فمع شدته أولى، ومن العجب اختيار أبي حنيفة هذا الوجه دون سائر الوجوه التي لا تشتمل على العمل في أثناء الصلاة وتسويغه إياه مع الغناء عنه ثم منعه في حال الحاجة إليه بحيث لا يقدر على غيره فكان العكس أولى ولانه مكلف تصح طهارته فلم يجز له اخلاء وقت الصلاة عن فعلها كالمريض، ويخص الشافعي بأنه عمل أبيح للخوف فلم يبطل الصلاة كاستدبار القبلة والركوب والايماء وبهذا ينتقض ما ذكره. فأما تأخير الصلاة يوم الخندق فروى أبو سعيد انه كان قبل نزول صلاة الخوف ويحتمل انه شغله المشركون فنسي الصلاة، فقد نقل ما يدل على ذلك ويؤكد ما ذكرنا ان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يكونوا في مسايفة توجب قطع الصلاة، وأما الصياح الحدث فلا حاجة بهم إليه ولا يلزم من كون الشئ مبطلا مع عدم العذر أن تبطل معه كخروج النجاسة من المستحاضة ومن في معناها

[ 140 ]

* (فصل) * فان أمكنهم افتتاح الصلاة إلى القبلة فهل يلزمهم ذلك، على روايتين: احداهما لا تجب اختاره أبو بكر لانه جزء من الصلاة فلم يجب الاستقبال فيه كبقية أجزائها، والثانية يجب لانه أمكنه ابتداء الصلاة مستقبلا فلم يجز بدونه كما لو أمكنه ذلك في ركعة كاملة * (مسألة) * (ومن هرب من عدو هربا مباحا أو سيل أو سبع أو نحوه فله الصلاة كذلك سواء خاف على نفسه أو ماله أو أهله) وكذلك الاسير إذا خافهم على نفسه إن صلى والمختفي في موضع يصليان كيف ما أمكنهما نص عليه أحمد في الاسير، فلو كان المختفي قاعدا لا يمكنه القيام أو مضطجعا لا يمكنه القعود صلى على حسب حاله وهذا قول ابن الحسن وقال الشافعي يصلي ويعيد. ولنا انه خائف صلى على حسب ما أمكنه فلم يلزمه الاعادة كالهارب، ولا فرق في هذا بين الحضر والسفر لان المبيح خوف الهلاك وقد تساويا فيه فان أمكن التخلص بدون ذلك كالهارب من السيل يصعد إلى ربوة والخائف من العدو يمكنه دخول حصن يأمن فيه صولة العدو فيصلي فيه ثم يخرج لم يكن له أن يصلي صلاة الخوف لانه لا حاجة إليها ولا ضرورة * (فصل) * فأما العاصي بهربه كالذي يهرب مما يجب عليه وقاطع الطريق واللص والسارق فليس لهم أن يصلوا الخوف لانها رخصة ثبتت للدفع عن نفسه في محل مباح فلا يثبت بالمعصية كرخص السفر * (فصل) * قال أصحابنا يجوز أن يصلوا في حال شدة الخوف جماعة. قال شيخنا ويحتمل أن لا يجوز وهو قول أبي حنيفة لانهم يحتاجون إلى التقدم والتأخر وربما تقدموا على الامام وتعذر عليهم الائتمام، وحجة الاصحاب انها حالة تجوز فيها الصلاة على الانفراد فجاز فيها صلاة الجماعة كالركوب في السفينة ويعفى عن تقدم الامام للحاجة إليه كالعفو عن العمل الكئير ولمن نصر القول الاول أن

[ 141 ]

يفرق بينهما بأن العفو عن العمل الكثير لا يختص الامامة بل هو في حال الانفراد أيضا فلم يؤثر الانفراد في نفسه بخلاف تقدم الامام * (مسألة) * (وهل لطالب العدو الخائف فواته الصلاة كذلك) على روايتين: احداهما له ذلك كالمطلوب سواء، روي ذلك عن شر حبيل بن حسنة وهو قول الاوزاعي لما روى عبد الله بن أنيس قال بعثني رسول الله صلى الله عليه إلى خالد بن سفين الهذلي فقال اذهب فاقتله. فرأيته وحضرت صلاة العصر، فقلت اني لاخاف أن يكون بيني وبينه ما يؤخر الصلاة فانطلقت أمشي وأنا أصلي أومأ ايماء نحوه. وذكر الحديث رواه أبو داود وظاهر حاله أنه أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم أو كان قد علم جواز ذلك فانه لا يظن به أن يفعل ذلك مخطئا وهو رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يخبره بذلك ولا يسأل عن حكمه. وقال شر حبيل بن حسنة لا تصلوا الصبح إلا على ظهر، فنزل الاشتر فصلى على الارض فمر به شر حبيل فقال مخالف خالف الله به. قال فخرج الاشتر في الفتنة ولانها احدى حالتي الحرب أشبهت حالة الهرب ولان فوات الكفار ضرر عظيم فأبيحت صلاة الخوف عند فواته كالحالة الاخرى والثانية ليس له أن يصلي الا صلاة آمن وهذا قول أكثر أهل العلم لان الله تعالى قال: (فان خفتم فرجالا أو ركبانا) فشرط الخوف وهذا غير خائف ولانه آمن فلزمته صلاة الآمن كما لو لم يخش فواتهم، وهذا الخلاف فيمن يأمن رجوعهم عليه ان تشاغل بالصلاة ويأمن على أصحابه. فأما الخائف من ذلك فحكمه حكم المطلوب على ما بينا * (مسألة) * (ومن أمن في الصلاة أتم صلاة آمن، وان ابتدأها آمنا ثم خاف أتم صلاة خائف) متى صلى بعض الصلاة في حال شدة الخوف مع الاخلال بشئ من واجباتها كالاستقبال وغيره فأمن في أثنائها أتمها آتيا بواجباتها، فإذا كان راكبا إلى غير القبلة نزل مستقبل القبلة، وان كان ماشيا وقف واستقبل القبلة وبنى على ما مضى لان ما مضى من صلاته كان صحيحا قبل الامن فجاز

[ 142 ]

البناء عليه كما لو لم يخل بشئ من الواجبات، وكان المريض يبتدئ الصلاة قاعدا إذا قدر على القيام في أثنائها فان ترك الاستقبال حال نزوله أو أخل بشئ من واجباتها بعد أمنه فسدت صلاته، وإن ابتدأ الصلاة آمنا بشروطها وواجباتها ثم حدث له شدة خوف اتمها على حسب ما يحتاج إليه مثل من يكون قائما على الارض مستقبلا فيحتاج أن يركب ويستدبر القبلة ويطعن ويضرب نحو ذلك، فانه يصير إليه ويبني على الماضي من صلاته. وحكي عن الشافعي انه إذا أمن نزل فبنى وإذا خاف فركب ابتدأ، ولا يصح لان الركوب قد يكون يسيرا لا يبطل مثله في حق الآمن ففى حق الخائف أولى كالنزول ولانه عمل أبيح للحاجة فلم يمنع صحة الصلاة كالهرب، ومن صلى صلاة الخوف لسواد ظنه عدوا فبان انه ليس بعدو وبينه وبينه ما يمنعه منه فعليه الاعادة سواء صلى صلاة شدة الخوف أو غيرها، وسواء كان ظنهم مستندا إلى خبر ثقة أو غيره، أو رؤية سواد أو نحوه لانه ترك بعض واجبات الصلاة ظنا منه انه قد سقط فلزمته الاعادة كما لو ترك غسل رجليه ومسح على خفيه ظنا منه إن ذلك بجزي فبانا مخرقين، وكما لو ظن المحدث انه متطهرا فصلى، ويحتمل أن لا يلزم الاعادة إذا كان بينه وبين العدو ما يمنع العبور لان سبب الخوف متحقق وانما خفي المانع والله أعلم * (باب صلاة الجمعة) * والاصل في فرض الجمعة الكتاب والسنة والاجماع. أما الكتاب فقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) فأمر بالسعي ومقتضى الامر الوجوب، ولا يجب السعي إلا إلى واجب. والمراد بالسعي هنا الذهاب إليها لا الاسراع، فان

[ 143 ]

السعي في كتاب الله لا يراد به العدو قال الله تعالى (وأما من جاءك يسعى) وقال (وسعى لها سعيها) وقال (ويسعون في الارض فسادا) وقال (سعى في الارض ليفسد فيها) وأشباه هذا لم يرد بشئ منه العدو، وقد روي عن عمر انه كان يقرأ (فامضوا إلى ذكر الله) وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم " لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين " متفق عليه، وعن أبي الجعد الضميري ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من ترك ثلاث جمع تهاونا بها طبع الله على قلبه " وقال عليه السلام " الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض " رواهما أبو داود. وعن جابر قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " واعلموا ان الله تعالى قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في يومي هذا في شهري هذا من عامي هذا فمن تركها في حياتي أو بعد موتي وله امام عادل أو جائر استخفافا

[ 144 ]

بها أو جحودا بها فلا جمع الله له شمله ولا بارك الله أمره، ألا ولا صلاة له، ألا ولا زكاة له، ألا ولا حج له، ألا ولا صوم له، ولا بر له حتى يتوب، فان تاب تاب الله عليه " رواه ابن ماجة، وأجمع المسلمون على وجوب الجمعة * (مسألة) * (وهي واجبة على كل مسلم مكلف ذكر حر مستوطن ببناء ليس بينه وبين موضع الجمعة. أكثر من فرسخ إذا لم يكن له عذر) يشترط لوجوب الجمعة ثمانية شروط: الاسلام والعقل والذكورية فهذه الثلاثة لا خلاف في اشتراطها لوجوب الجمعة وانعقادها لان الاسلام والعقل شرطان للتكليف وصحة العبادة المحضة، والذكورية شرط لوجوب الجمعة وانعقادها لما ذكرنا من الحديث ولان الجمعة يجتمع لها الرجال والمرأة ليست من أهل الحضور في مجامع الرجال ولكن الجمعة تصح منها فان النبي صلى الله عليه وسلم كان النساء يصلين معه في الجماعة

[ 145 ]

الرابع البلوغ وهو شرط لوجوب الجمعة وانعقادها في الصحيح من المذهب للحديث المذكور وهذا قول أكثر أهل العلم ولان البلوغ من شرائط التكليف لقوله صلى الله عليه وسلم " رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ " وذكر بعض أصحابنا في الصبي المميز رواية في وجوبها عليه بناء على تكليفه ولا معول عليه (والخامس) الحرية (السادس) الاستيطان بقرية وسنذكر ذلك في موضعه ان شاء الله تعالى (السابع) أن لا يكون بينه وبين موضع الجمعة أكثر من فرسخ، وهذا الشرط في حق غير أهل المصر، أما أهل المصر فيلزمهم كلهم الجمعة بعدوا أو قربوا، نص عليه أحمد، فقال أما أهل المصر فلابد لهم من شهودها سمعوا النداء أو لم يسمعوا، وذلك لان البلد الواحد يبنى للجمعة فلا فرق فيه

[ 146 ]

بين القريب والبعيد، ولان المصر لا يكاد يكون أكثر من فرسخ فهو في مظنة القرب فاعتبر ذلك وهو قول أصحاب الرأي ونحوه قول الشافعي. فأما غير أهل المصر فمن كان بينه وبين الجامع فرسخ فما دون فعليه الجمعة وإلا فلا جمعة عليه. وروي نحو هذا عن سعيد بن المسيب وهو قول مالك والليث، وروى عبد الله بن عمرو ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " الجمعة على من سمع النداء " رواه أبو داود والاشبه انه من كلام بن عمرو ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال للاعمى الذي قال ليس لي قائد يقودني " أتسمع النداء؟ " قال نعم. " قال فأجب " ولانه داخل في قوله تعالى (فاسعوا إلى ذكر الله) وروي عن ابن عمر وأبي هريرة وأنس والحسن ونافع وعكرمة وعطاء والاوزاعي انهم قالوا الجمعة على من أواه الليل إلى أهله لما روى أبو هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الجمعة على من أواه الليل إلى أهله " وقال أصحاب الرأي لا جمعة على من كان خارج المصر لان عثمان رضي الله عنه صلى العيد في يوم جمعة ثم قال لاهل العوالي من أراد منكم أن ينصرف فلينصرف ومن أراد أن يقيم حتى يصلي الجمعة ولانهم خارج المصر فأشبهوا أهل الحلل

[ 147 ]

ولنا قول الله تعالى (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله) وهذا يتناول أهل المصر إذا سمعوا النداء، وحديث عبد الله بن عمرو، ولانهم من أهل الجمعة يسمعون النداء فأشبهوا أهل المصر، وترخيص عثمان لاهل العوالي انما كان لانه إذا اجتمع عيدان اجتزئ بالعيد وسقطت الجمعة عمن حضر العيد غير الامام، وقياس أهل القرى على أهل الحلل لا يصح لان الحلل لا تعد للاستيطان ولا هم ساكنين بقرية ولا في موضع جعل لاستيطان. وقد ذكر القاضي أن الجمعة تجب عليهم إذا كانوا بموضع يسمعون النداء كأهل القرية، وأما ما احتج به الآخرون من حديث أبي هريرة فهو غير صحيح يرويه عبد الله بن سعيد المقبري وهو ضعيف، قال أحمد بن الحسن ذكرت هذا الحديث لاحمد بن حنبل فغضب وقال استغفر ربك استغفر ربك، وانما فعل هذا لانه لم ير الحديث شيئا بحال اسناده قاله الترمذي. وأما اعتبار حقيقة النداء فغير ممكن لانه قد يكون في الناس الاصم

[ 148 ]

وثقيل السمع، وقد يكون النداء بين يدي المنبر فلا يسمعه إلا أهل المسجد، وقد يكون المؤذن خفي الصوت، أو في يوم ريح، أو يكون المستمع نائما أو مشغولا بما يمنع السماع ويسمع من هو أبعد منه فيفضي إلى وجوبها على البعيد دون القريب، وما هذا سبيله ينبغي أن يقدر بمقدار لا يختلف والموضع الذي يسمع منه النداء في الغالب إذا كانت الاصوات هادئة والموانع منتفية والريح ساكنة والمؤذن صيت على موضع عال والمستمع غير ساه فرسخ أو ما قاربه فحد به والله أعلم * (فصل) * وأهل القرية لا يخلون من حالين: إما أن يكون بينهم وبين المصر أكثر من فرسخ لم يجب عليهم السعي إلى الجمعة وحالهم معتبر بأنفسهم، فان كانوا أربعين واجتمعت فيهم الشرائط فعليهم إقامة الجمعة ولهم السعي إلى المصر، والافضل إقامتها في قريتهم لانه متى سعى بعضهم اختل على الباقين اقامة الجمعة، وإذا أقاموا حضروها جميعهم ولان في اقامتها في موضعهم تكثير جماعات

[ 149 ]

المسلمين، وإن كانوا ممن لا تجب عليهم الجمعة بأنفسهم فهم مخيرون بين السعي إلى المصر وبين الاقامة ويصلون ظهرا، والسعي أفضل ليحصل لهم فضل الساعي إلى الجمعة ويخرجوا من الخلاف (الحال الثاني) أن يكون بينهم وبين المصر فرسخ فما دون، فان كانوا أقل من أربعين فعليهم السعي الي الجمعة لما بينا، وإن كانوا ممن تجب عليهم الجمعة بأنفسهم وكان موضع الجمعة القريب قرية أخرى لم يلزمهم السعي إليها وصلوا في مكانهم إذ ليس إحدى القريتين أولى من الاخرى، ولهم السعي إليها واقامتها في مكانهم أفضل كما ذكرنا، فان سى بعضهم فنقص عدد الباقين لزمهم السعي لئلا يؤدي إلى ترك الجمعة الواجبة وإن كان موضع الجمعة القريب مصرا فهم مخيرون أيضا بين السعي إليه واقامتها في مكانهم كالتي قبلها ذكره ابن عقيل، وعن أحمد ان السعي يلزمهم إلا أن يكون لهم عذر فيصلون جمعة والاول أصح، لان أهل القرية لا ينعقد بهم جمعة أهل المصر فكان لهم اقامة الجمعة في مكانهم

[ 150 ]

كالتي قبلها ولان أهل القرى يقيمون الجمع في بلاد الاسلام في مثل ذلك من غير نكير فكان اجماعا (الشرط الثامن) من انتفاء الاعذار وقد ذكرناها في آخر صلاة الجماعة بما يغني عن اعادتها، والمطر الذي يبل الثياب والوحل الذي يشق المشى فيه من جملة الاعذار. وحكى عن مالك انه كان لا يجعل المطر عذرا في التخلف عنها. ولنا أن ابن عباس أمر مؤذنه في يوم جمعة في يوم مطر فقال إذا قلت أشهد أن محمدا رسول الله فلا تقل حي على الصلاة قل صلوا في بيوتكم. قال فكان الناس استنكروا ذلك، فقال أتعجبون من ذا فعل هذا من هو خير منى. إن الجمعة عزمة وإني كرهت أن أخرجكم إليها فتمشون في الطين والدحض أخرجه مسلم ولانه عذر في ترك الجماعة، وقال أبو حنيفة لا تجب فكان عذرا في ترك الجمعة كالمرض * (فصل) * والعمى ليس بعذر في ترك الجمعة، وقال أبو حنيفة لا تجب على الاعمى. ولنا عموم الآية والاخبار وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للاعمى الذي استأذنه في ترك الخروج إلى الصلاة " أتسمع النداء؟ قال نعم. قال أجب " والله أعلم

[ 151 ]

* (مسألة) * (ولا تجب على مسافر ولا عبد ولا امرأة ولا خنثى) أما المرأة فلا خلاف في انها لا تجب عليها الجمعة حكاه ابن المنذر اجماعا، وحكم الخنثى حكم المرأة لانه لا يعلم كونه رجلا، وأما المسافر فلا جمعة عليه في قول أكثر أهل العلم منهم مالك في أهل المدينة والثوري في أهل العراق والشافعي وإسحق وأبو ثور. وحكى عن الزهري والنخعي انها تجب عليه لان الجماعة تجب عليه فالجمعة أولى ولنا ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يسافر فلا يصلي الجمعة في سفره، وكان في حجة الوداع يوم عرفة يوم جمعة فصل الظهر والعصر جمعا بينهما ولم يصل جمعة، والخلفاء الراشدون رضي الله عنهم كانوا يسافرون في الحج وغيره فلم يصل أحد منهم الجمعة في سفره، وكذلك غيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم. قال ابراهيم كانوا يقيمون بالقرى السنة وأكثر من ذلك

[ 152 ]

وبسجستان السنتين لا يجمعون ولا يشرقون رواه سعيد، وهذا اجماع مع السنة الثابته لا يسوغ مخالفته * (فصل) * وإذا أجمع المسافر اقامة تمنع القصر ولم ينو الاستيطان كطالب العلم أو الرباط أو التاجر ونحوه ففيه وجهان: احدهما تلزمه الجمعة لعموم الآية والاخبار، والثاني لا تجب عليه لانه غير مستوطن والاستيطان من شرائط الوجوب ولانه لم ينو الاقامة في هذا البلد على الدوام أشبه أهل القرية الذين يسكنونها صيفا ويظعنون عنها شتاء، ولانهم كانوا يقيمون السنة والسنتين لا يجمعون ولا يشرقون أي يصلون جمعة ولا عيدا، فان قلنا تجب عليهم الجمعة فالظاهر انها لا تنعقد به لعدم الاستيطان الذي هو من شروط الانعقاد * (فصل) * فأما العبد فالمشهور في المذهب انها لا تجب عليه وهو من سمينا في حق المسافر وفيه رواية أخرى انها تجب عليه نقلها عنه المروذي وهي اختيار أبي بكر إلا انه لا يذهب من غير اذن

[ 153 ]

سيده وهو قول طائفة من أهل العلم واحتجوا بعموم الآية ولان الجماعة تجب عليه والجمعة آكد منها. وحكى عن الحسن وقتادة انها تجب على العبد الذي يؤدي الضريبة لان حق السيد عليه فلا تحول إلى المال أشبه المدين ولنا ما روى طارق بن شهاب عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض " رواه أبو داود، وقال طارق رأى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه وهو من أصحابه، وعن جابر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا مريضا أو مسافرا أو أمرأة أو صبيا أو مملوكا " رواه الدارقطني، ولان الجمعة يجب السعي إليها من مكان بعيد فلم تجب عليه الجمع كالحج والجهاد ولانه محبوس على السيد أشبه المحبوس بالدين، ولانها لو وجبت عليه لجاز له السعي إليها من غير إذن السيد كسائر الفرائض، والآية مخصوصة بذوي الاعذار وهذا منهم

[ 154 ]

* (فصل) * وحكم المكاتب والمدبر في ذلك حكم القن لبقاء الرق فيهما، وكذلك من بعضه حر فان حق السيد متعلق به، وكذلك لا يجب عليه شئ مما ذكرنا عن العبيد * (مسألة) * (ومن حضرها منهم أجزأته ولم تنعقد به ولم يجز له أن يؤم فيها وعنه في العبد انها تجب عليه) من حضر الجمعة من هؤلاء أجزأته عن الظهر لا نعلم فيه خلافا لان اسقاط الجمعة عنهم تخفيفا عنهم فإذا حضروها أجزأتهم كالمريض، والافضل للمسافر حضور الجمعة لانها أكمل وفيه خروج من الخلاف. فأما العبد فان أذن سيده في حضورها فهو أفضل لينال فضل الجمعة ويخرج من الخلاف، وإن منعه سيده فليس له حضورها إلا أن نقول بوجوبها عليه. وأما المرأة فان كانت مسنة فلا بأس بحضورها، وإن كانت شابة جاز لها ذلك وصلاتها في بيتها أفضل. قال أبو عمرو الشيباني رأيت ابن مسعود يخرج النساء من الجامع يوم الجمعة ويقول أخرجن إلى بيوتكن خير لكن

[ 155 ]

* (فصل) * ولا تنعقد الجمعة بأحد من هؤلاء ولا يصح أن يكون إماما فيها، وقال أبو حنيفة والشافعي يجوز أن يكون العبد والمسافر إماما فيها ووافقهم مالك في المسافر. وحكى عن أبي حنيفة ان الجمعة تصح بالعبيد والمسافرين لانهم رجال تصح منهم الجمعة ولنا انهم من غير أهل فرض الجمعة فلم تنعقد بهم ولم يؤموا فيها كالنساء والصبيان ولان الجمعة انما تصح منهم تبعا لمن انعقدت به، فلو انعقدت بهم أو كانوا أئمة صار التبع متبوعا، وعليه يخرج الحر المقيم ولان الجمعة لو انعقدت بهم لانعقدت بهم منفردين كالاحرار المقيمين وقياسهم ينقض بالنساء والصبيان، وفي العبد رواية انها تجب عليه لعموم الآية وقد ذكرناه * (فصل) * وكلما كان شرطا لوجوب الجمعة فهو شرط لانعقادها فمتى صلوا جمعة مع اختلال بعض شروطها لم تصح ولزمهم أن يصلوا ظهرا ولا يعد في الاربعين الذين تنعقد بهم من لا تجب

[ 156 ]

عليه ولا يعتبر اجتماع الشروط للصحة بل تصح ممن لا تجب عليه تبعا لمن وجبت عليه، ولا يعتبر للوجوب كونه ممن تنعقد به فانها تجب على من يسمع النداء من غير أهل المصر ولا تنعقد به * (مسألة) * (ومن سقطت عنه لعذر إذا حضرها وجبت عليه وانعقدت به) ويصح أن يكون إماما فيها كالمريض ومن حبسه العذر والخوف لان سقوطها عنه انما كان لمشقة السعي، فإذا تكلفوا وحصلوا في الجامع زالت المشقة فصار حكمهم حكم أهل الاعذار * (مسألة) * (ومن صلى الظهر ممن عليه حضور الجمعة قبل صلاة الامام لم تصح صلاته والافضل لمن لا تجب عليه أن لا يصلي الظهر حتى يصلي الامام) يعني إذا صلى الظهر يوم الجمعة ممن تجب عليه الجمعة قبل صلاة الامام لم يصح صلاته ويلزمه السعي إلى الجمعة ان ظن أنه يدركها لانها المفروضة عليه، فان أدركها صلاها مع الامام وان فاتته فعليه صلاة الظهر، وإن ظن أنه لا يدركها انتظر حتى يتيقن أن الامام قد صلى ثم يصلى الظهر وهذا قول مالك

[ 157 ]

والثوري والشافعي في الجديد. وقال أبو حنيفة والشافعي في القديم: يصح ظهره قبل صلاة الامام لان الظهر فرض الوقت بدليل سائر الايام، وانما الجمعة بدل عنها وقائمة مقامها، وكذلك إذا تعذرت صلى ظهرا، فمن صلى الظهر فقد أتى بالاصل فأجزاة كسائر الايام. قال أبو حنيفة: ويلزمه السعي إلى الجمعة، فان سعى بطلت ظهره وإن لم يسع اجزأته ولنا أنه صلى ما لم يخاطب به وترك ما خوطب به فلم يصح كما لو صلى العصر مكان الظهر ولا نزاع أنه مخاطب بالجمعة وقد دل عليه النص والاجماع، ولا خلاف في أنه يأثم بتركها وترك السعي إليها ويلزم من ذلك أن لا يخاطب بالسعي بالظهر لانه لا يخاطب بصلاتين في الوقت، ولانه يأثم بترك الجمعة وإن صلى الظهر، ولا يأثم بترك الظهر وفعل الجمعة بالاجماع، والواجب ما يأثم بتركه دون ما لم يأثم به، وقولهم أن الظهر فرض الوقت لا يصح لانها لو كانت الاصل لوجب عليه فعلها وأثم

[ 158 ]

بتركها ولم يجزئه صلاة الجمعة مكانها لان البدل انما يصار إليه عند تعذر المبدل بدليل سائر الابدال ولان الظهر لو صحت لم تبطل بالسعي إلى غيرها كسائر الصلوات الصحيحة ولان الصلاة إذا فرغ منها لم تبطل بمبطلاتها فكيف تبطل بما ليس من مبطلاتها ولا ورد به الشرع. وأما إذا فاتته الجمعة فانه يصير إلى الظهر لتعذر قضاء الجمعة لكونها لا تصح إلا بشروطها، ولا يوجد ذلك في قضائها فتعين المصير إلى الظهر عند عدمها وهذا حال البدل (فصل) فان صلى الظهر ثم شك هل صلى قبل صلاة الامام أو بعدها لزمته الاعادة لان الاصل بقاء الصلاة في ذمته ولانه صلاها مع الشك في شرطها فلم تصح كما لو صلاها مع الشك في طهارتها، وإن صلاها مع صلاة الامام لم تصح لانه صلاها قبل فراغ الامام أشبه ما لو صلاها قبله في وقت لا يعلم أنه لا يدركها

[ 159 ]

(فصل) فان اتفق أهل بلد أو قرية ممن تجب عليهم الجمعة على تركها وصلوا ظهرا لم تصح صلاتهم لما ذكرنا، فإذا خرج وقت الجمعة لزمه اعادة الظهر لتعذر فعل الجمعة بعد الوقت (فصل) فأما من لا تجب عليه الجمعة كالعبد والمرأة والمسافر والمريض وسائر المعذورين فله أن يصلي الظهر قبل صلاة الامام في قول عامة أهل العلم. وقال أبو بكر عبد العزيز: لا تصح صلاته قبل الامام لانه لا يتيقن بقاء العذر فلم تصح صلاته كغير المعذور ولنا أنه لم يخاطب بالجمعة فصحت منه الظهر كالبعيد من موضع الجمعة، وقوله لا يتيقن بقاء العذر، قلنا أما المرأة فيتيقن بقاء عذرها، وأما غيرها فالظاهر بقاء عذره والاصل استمراره فأشبه المتيمم إذا صلى في أول الوقت، والمريض إذا صلى جالسا إذا ثبت هذا فانه إذا سعى إلى الجمعة بعد أن صلاها لم تبطل ظهره وكانت الجمعة نفلا في حقه وسواء زال عذره أو لم يزل. وقال أبو حنيفة: يبطل ظهره بالسعي إليها كالتي قبلها

[ 160 ]

ولنا ما روى أبو العالية قال: سألت عبد الله بن الصامت فقلت نصلي يوم الجمعة خلف أمراء فيؤخرون الصلاة فقال: سألت أبا ذر عن ذلك فقال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " صلوا الصلاة لوقتها واجعلوا صلاتكم معهم نافلة " وفي لفظ " فان أدركتها معهم فصل فانها لك نافلة " ولانها صلاة صحيحة أسقطت فرضه وأبرأت ذمته أشبه ما لو صلى الظهر منفردا، ثم سعى إلى الجماعة والافضل لهم أن لا يصلوا حتى يصلي الامام لان فيه خروجا من الخلاف ولان غير المرأة يحتمل زوال أعذارهم فيدركون الجمعة (فصل) ولا يكره لمن فاتته الجمعة أو لم يكن من أهل فرضها أن يصلي الظهر في جماعة إذا أمن أن ينسب إلى مخالفة الامام والرغبة عن الصلاة معه أو أن يرى الاعادة إذا صلى معه فعل ذلك ابن مسعود وأبو ذر والحسن بن عبيد الله وأياس بن معاوية وهو قول الاعمش والشافعي وأسحق وكره

[ 161 ]

الحسن وأبو قلابة ومالك وأبو حنيفة لان زمن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخل من معذورين فلم ينقل أنهم صلوا جماعة ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة " وروي عن ابن مسعود أنه فاتته الجمعة فصلى بعلقمة والاسود احتج به احمد وفعله من ذكرنا من قبل ومطرف وابراهيم. قال أبو عبد الله: ما أعجب الناس ينكرون هذا، فأما زمن النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينقل الينا أنه اجتمع جماعة معذورون يحتاجون إلى اقامة الجماعة، إذا ثبت هذا فانه لا يستحب اعادتها جماعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا في مسجد تكره اعادة الجماعة فيه ولا في المسجد الذي أقيمت فيه الجمعة لانه يفضي إلى أن ينسب إلى الرغبة عن الجمعة، وأنه لا يرى الصلاة خلف الامام أو يرى الاعادة معه وفيه افتيات على الامام وربما أفضى إلى فتنة أو لحوق ضرر به، وانما يصليها في منزله أو في موضع لا يحصل هذه المفسدة بالصلاة فيه

[ 162 ]

* (مسألة) * (ولا يجوز لمن تلزمه الجمعة السفر في يومها بعد الزوال) وبه قال الشافعي واسحق وابن المنذر، وقال أبو حنيفة يجوز. وسئل الاوزاعي عن مسافر سمع أذان الجمعة وقد أسرج دابته فقال ليمض في سفره ولان عمر رضي الله عنه قال: الجمعة لا تحبس عن سفر ولنا ما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من سافر من دار اقامة الجمعة دعت عليه الملائكة أن لا يصحب في سفره ولا يعان على حاجته " روه الدارقطني في الافراد ولان الجمعة قد وجبت عليه فلم يجز له الاشتغال بما يمنع منها كما لو تركها لتجارة وما روي عن عمر فقد روي عن ابنه وعائشة ما يدل على كراهية السفر يوم الجمعة فتعارض قوله ويمكن حمله على السفر قبل الوقت * (مسألة) * (ويجوز قبله وعنه لا يجوز، وعنه يجوز للجهاد خاصة السفر بعد الزوال فيجوز للجهاد خاصة وكذلك ذكره القاضي لما روى ابن عباس قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة في سرية فوافق ذلك يوم الجمعة فقدم أصحابه وقال: لعلي أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم ألحقهم فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه فقال " ما منعك أن تغدوا مع أصحابك " فقال: أردت

[ 163 ]

أن أصلي معك ثم ألحقهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لو أنفقت ما في الارض ما أدركت فضل غدوتهم " رواه الامام احمد وفيه رواية ثانية أن ذلك لا يجوز لما ذكرنا من حديث ابن عمر وفيه رواية ثالثة أنه يجوز مطلقا اختاره شيخنا لحديث عمر وكما لو سافر من الليل، فأما ان خاف المسافر فوات رفقته جاز له ترك الجمعة لانه من الاعذار المسقطة للجمعة والجماعة، وسواء كان في بلده وأراد انشاء السفر أو في غيره (فصل) ويشترط لصحة الجمعة أربعة شروط أحدها الوقت وأول وقتها أول وقت صلاة العيد. وقال الخرقي: يجوز فعلها في الساعة السادسة، وفي بعض النسخ في الخامسة، والصحيح في السادسة وآخره آخر وقت صلاة الظهر لا تصح الجمعة قبل وقتها ولا بعده اجماعا، ولا خلاف فيما علمنا أن آخر وقتها آخر وقت صلاة

[ 164 ]

الظهر. فأما أوله فقد ذكرنا قول الخرقي انه لا يجوز قبل الساعة السادسة أو الخامسة على ما نقل عنه وقال القاضي وأصحابه أوله أول وقت صلاة العيد، ورواه عبد الله بن أحمد عن أبيه قال نذهب إلى انها كصلاة العيد. قال مجاهد ما كان للناس عيد إلا في أول النهار، وقال عطاء كل عيد حين يمتد الضحى الجمعة والاضحى والفطر لما روي ان ابن مسعود قال ما كان عيد إلا في أول النهار، وروي عنه وعن معاوية انهما صليا الجمعة ضحى وقالا انما عجلنا خشية الحر عليكم. وعن ابن مسعود قال لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا الجمعة في ظل الخيم رواه ابن البحتري في أماليه باسناده، والدليل على انها عيد قول النبي صلى الله عليه وسلم حين اجتمع العيد والجمعة " قد اجتمع

[ 165 ]

لكم في يومكم هذا عيدان " وقال أكثر أهل العلم وقتها وقت الظهر إلا أنه يستحب تعجيلها في أول وقتها لقول سلمة بن الاكوع كنا نجمع مع النبي صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس ثم نرجع نتبع الفئ متفق عليه. قال أنس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة حين تميل الشمس رواه البخاري ولانهما صلاتا وقت فكان وقتهما واحدا كالمقصورة والتامة ولان آخر وقتها واحد فكان أوله واحدا كصلاة الحضر والسفر ولنا على جوازها في السادسة السنة والاجماع، أما السنة فما روى جابر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي يعني الجمعة ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس أخرجه مسلم. وعن سهل بن سعد قال ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم متفق عليه، قال ابن قتيبة لا يسمى غداء ولا قائلة بعد الزوال. وعن سلمة قال كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة ثم ننصرف وليس للحيطان فئ، رواه أبو داود: وأما الاجماع فروى

[ 166 ]

الامام أحمد عن وكيع عن جعفر بن برقان عن ثابت بن عبد الله بن سيدان قال شهدت الخطبة مع أبي بكر فكانت صلاته وخطبته قبل نصف النهار، وشهدتها مع عمر بن الخطاب فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول قد انتصف النهار، ثم صليتها مع عثمان بن عفان فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول زال النهار فما رأيت أحدا عاب ذلك ولا أنكره. وروي عن ابن مسعود وجابر وسعيد ومعاوية انهم صلوا قبل الزوال وأحاديثهم تدل ان النبي صلى الله عليه وسلم فعلها بعد الزوال في كثير من أوقاته، ولا خلاف في جوازه وانه الاولى، وأحاديثنا تدل على جواز فعلها قبل الزوال فلا تعارض بينهما. قال شيخنا وأما فعلها في أول النهار فالصحيح انه لا يجوز لما ذكره أكثر العلماء ولان التوقيت لا يثبت إلا بدليل من نص أو ما يقوم مقامه، وما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا خلفائه انهم صلوها في أول النهار ولان مقتضى الدليل كون وقتها وقت الظهر وانما جاز تقديمها

[ 167 ]

عليه بما ذكرنا من الدليل وهو مختص بالساعة السادسة فلم يجز تقديمها عليها ولانها لو صليت في وقت الضحى لفاتت أكثر المصلين إذا ثبت ذلك، فالاولى فعلها بعد الزوال لان فيه خروجا من الخلاف ولانه الوقت الذي كان يفعلها فيه رسول الله صلى الله عليه في اكثر أوقاته. وتعجيلها في أول وقتها في الشتاء والصيف لانه صلى الله عليه وسلم كان يعجلها لما روينا من الاخبار، ولان الناس يجتمعون إليها في أول وقتها ويبكرون إليها قبل وقتها فلو ابرد لشق على الحاضرين، وانما جعل الابراد بالظهر في شدة الحر دفعا للمشقة والمشقة في الابراد بها في الجمعة أكثر * (مسألة) * (فان خرج وقتها قبل فعلها صلوا ظهرا لفوات الشرط لا نعلم في ذلك خلافا) * (مسألة) * (وإن خرج وقد صلوا ركعة أتموها جمعة، وإن خرج قبل ركعة فهل يتمونها ظهرا أو يستأنفونها على وجهين)

[ 168 ]

متى خرج وقت الجمعة قبل تمامها فان كان بعد أن صلوا ركعة أتموها جمعة وهذا اختيار شيخنا وظاهر قول الخرقي، وقال القاضى متى أحرموا بها في الوقت قبل خروجه أتموها جمعة ونحوه، قال أبو الخطاب لانه أحرم بها في وقتها ما لو أتمها فيه. والمنصوص عن أحمد انه إن دخل وقت العصر بعد تشهده وقبل سلامه سلم وأجزأته وهذا قول أبي يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة متى خرج الوقت قبل الفراغ منها بطلت ولا ينى عليها ظهرا لانهما صلاتان مختلفتان فلا تنبني إحداهما على الاخرى كالظهر والعصر. والظاهر أن مذهب أبي حنيفة في هذا كمذهب صاحبيه لان السلام عنده ليس بواجب في الصلاة، وقال الشافعي لا يتمها جمعة ويبنى عليها ظهرا لانهما صلاتا وقت فجاز بناء احداهما على الاخرى كصلاة السفر والحضر، واحتجوا على انه لا يتمها جمعة بأن ما كان شرطا في بعضها كان شرطا في جميعها كالطهارة ولنا قوله عليه السلام " من أدرك من الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة " ولانه أدرك ركعة من

[ 169 ]

الجمعة فكان مدركا لها كالمسبوق ولان الوقت شرط يختص الجمعة فاكتفى به في ركعة كالجماعة، وما ذكروه ينتقض بالجماعة * (فصل) * فان دخل وقت العصر قبل ركعة لم تحصل لهم جمعة لان قوله عليه السلام " من أدرك من الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة " يدل بمفهومه على انه إذا أدرك أقل من ذلك لا يكون مدركا ويلزمه الظهر، وهل يبنى أو يستأنف، فعلى قياس قول الخرقي تفسد صلاته ويستأنفها ظهرا كمذهب أبي حنيفة، وعلى قياس قول أبي إسحق بن شاقلا يتمها ظهرا لقول الشافعي وقد ذكرنا وجه القولين * (فصل) * إذا أدرك من الوقت ما يمكنه أن يخطب ثم يصلي ركعة فله التلبس بها على قياس قول الخرقي لانه أدرك من الوقت ما يدركها فيه، فان شك هل أدرك من الوقت ما يدركها أو لا صحت لان الاصل بقاء الوقت وصحتها

[ 170 ]

* (مسألة) * (الثاني أن تكون بقرية يستوطنها أربعون من أهل وجوبها فلا تجوز اقامتها في غير ذلك) الاستيطان شرط لصحة الجمعة في قول أكثر أهل العلم وهو الاقامة في قرية مبنية بما جرت به العادة بالبناء به من حجر أو طين أو لبن أو قصب أو شجر أو نحوه فلا يظعنون عنها صيفا ولا شتاء لان ذلك هو الاستيطان غالبا. فأما أهل الخيام والحركات وبيوت الشعر فلا تجب عليهم الجمعة ولا تصح منهم لان ذلك لا ينصب للاستيطان غالبا، وكذلك كانت قبائل العرب حول المدينة فلا يقيموا جمعة ولا أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم، فانه لو كان ذلك لم يخف ولم يترك نقله مع كثرته وعموم البلوى به، لكن إن كانوا مقيمين بموضع يسمعون النداء لزمهم السعي إليها كأهل القرية الصغيرة إلى جانب المصر ذكره القاضي، فان كان أهل القرية يظعنون عنها في بعض السنة لم تجب

[ 171 ]

عليهم الجمعة، فان خرجت القرية أو بعضها وأهلها مقيمون بها عازمون على اصلاحها فحكمها باق في اقامة الجمعة بها، وإن عزموا على النقلة عنها لم تجب عليهم لعدم الاستيطان، ومتى كانت القرية لا يجب على أهلها بأنفسهم وكانوا بحيث يسمعون النداء من المصر أو من قرية تقام فيها الجمعة لزمهم السعي إليها لعموم الآية، وكذلك إن كان بناؤها متفرقا تفرقا لم تجر العادة به

[ 172 ]

* (مسألة) * (ويجوز اقامتها في الابنية المتفرقة إذا شملها اسم واحد) وفيما قارب البنيان من الصحراء تجوز اقامة الجمعة المتفرقة البنيان إذا كان تفرقا جرت العادة به في القرية الواحدة، فان كانت متفرقة في قرية تفرقا لم تجر به العادة لم تجب عليهم الجمعة إلا أن يجتمع منها ما يسكنه اربعون فتجب بهم الجمعة ويتبعهم الباقون، ولا يشترط اتصال البنيان بعضه ببعض. وحكى عن الشافعي اشتراطه ولنا أن القرية المتقاربة البنيان قرية مبنية بما جرت به عادة القرى أشبهت المتصلة

[ 173 ]

* (فصل) * ولا يشترط لصحة الجمعة البنيان بل يجوز اقامتها فيما قاربه من الصحراء وبهذا قال الامام أبو حنيفة، وقال الامام الشافعي لا يجوز لانه موضع يجوز لاهل المصر قصر الصلاة فيه أشبه البعيد ولنا ما روى كعب بن مالك انه قال أسعد بن ذرارة أول من جمع بنا في هزم النبيت من حرة بني بياضة في نقيع يقال له نقيع الخضمات رواه أبو داود. وقال ابن جريج قلت لعطاء يعني أكان

[ 174 ]

بأمر النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال نعم. والبقيع بطن من الارض يستنقع فيه المأمدة، فإذا نضب الماء نبت الكلا. قال الخطابي حرة بني بياضة قرية على ميل من المدينة ولانه موضع لصلاة العيد فجازت فيه الجمعة كالجامع ولان الاصل اشتراط ذلك ولا نص في اشتراطه ولا معنى نص * (فصل) * ولا يشترط لصحة الجمعة المصر. روي نحو ذلك عن ابن عمر وعمر بن عبد العزيز والاوزاعي والليث ومكحول وعكرمة والشافعي، وروي عن علي رضي الله عنه انه لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع. وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وبه قال الحسن وابن سيرين وابراهيم وأبو حنيفة. ولنا ما ذكرنا من حديث أسعد بن ذرارة رواه البخاري باسناده عن ابن عباس إن أول جمعة بعد جمعة بالمدينة لجمعة جمعت بجوارنا من البحرين من قرى عبد القيس، وروى أبو هريرة انه كتب إلى عمر يسأله عن الجمعة بالبحرين وكان عاملا عليها، فكتب إليه عمر جمعوا حيث كنتم رواه الاثرم

[ 175 ]

قال الامام أحمد رحمه الله تعالى اسناده جيد فأما خبرهم فلم يصح، قال الامام أحمد ليس هذا بحديث انما هو عن علي وقد خالفه عمر * (فصل) * وإذا كان أهل المصر دون الاربعين فجاءهم أهل قرية فأقاموا الجمعة في المصر لم تصح لان أهل القرية غير مستوطنين في المصر وأهل المصر لا تنعقد بهم الجمعة لقلتهم، وإن كان أهل القرية ممن تجب عليهم الجمعة بأنفسهم لزم أهل المصر السعي إليهم إذا كان بينهما أقل من فرسخ فلزمهم السعي إليها كما يلزم أهل القرية السعي إلى المصر إذا أقيمت به وكان أهل القرية دون الاربعين وإن كان في كل واحد دون الاربعين لم تجز اقامة الجمعة في واحد منهما * (مسألة) * الثالث (حضور أربعين من أهل القرية في ظاهر المذهب وعنه تنعقد بثلاثة) حضور أربعين شرط لوجوب الجمعة وصحتها في ظاهر المذهب، روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز وعبيد الله بن عبد الله وهو قول مالك والشافعي، وروي عن الامام أحمد انها لا تنعقد إلا بخمسين لما روى أبو بكر النجاد عن عبد الملك الرقاشي ثنا رجا بن سلمة ثنا عباد بن عباد المهبي عن جعفر ابن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " تجب الجمعة على خمسين رجلا ولا تجب على من دون ذلك " وباسناده عن الزهري عن أبي سلمة قال قلت لابي هريرة على كم

[ 176 ]

تجب الجمعة من رجل؟ قال لما بلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسين جمع بهم رسول الله صلى الله عليه، وعنه رواية ثالثة انها تنعقد بثلاثة وهو قول الاوزاعي لان اسم الجمع يتناوله فانعقدت به الجمعة كالاربعين ولان الله تعالى قال (فاسعوا إلى ذكر الله) بصيغة الجمع فيدخل فيه الثلاثة. وحكى أبو الحرث عن الامام احمد إذا كانوا ثلاثة من أهل القرى جمعوا فيحتمل أن يختص ذلك أهل القرى لقلتهم، وقال أبو حنيفة تنعقد بأربعة لانه عدد زيد على أقل الجمع المطلق أشبه الاربعين وقال ربيعة تنعقد باثنى عشر لما روى ان النبي صلى الله عليه وسلم كتب الي مصعب بن عمير بالمدينة فأمره أن يصلي عند الزوال ركعتين وأن يخطب فيهما، فجمع مصعب بن عمير في بيت سعد بن خيثمة باثنى عشر رجلا، وعن جابر قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فقدمت سويقة فخرج الناس إليها فلم يبق إلا اثنى عشر رجلا أنا فيهم فأنزل الله (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها) الآية. رواه مسلم، وما يشترط للابتداء يشترط للاستدامة ولنا حديث كعب الذي رويناه وفى الحديث قلت له كم كنتم يومئذ؟ قال أربعون. رواه الدارقطني، وقول الصحابي مضت السنة تنصرف إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم. فأما حديث مصعب بن عمير انهم كانوا اثنا عشر فلا يصح فان حديث كعب أصح منه، رواه أصحاب السنن والخبر الآخر يحتمل انهم عادوا فحضروا القدر الواجب، ويحتمل انهم عادوا قبل طول الفصل. وأما الثلاثة والاربعة فتحكم بالرأي فيما لا مدخل للرأي فيه لان التقدير بابه التوقيف ولا معنى لاشتراط كونه جمعا ولا للزيادة على الجمع إذ لا نص فيه ولا معنى نص، ولو كان الجمع كافيا لاكتفى باثنين لان الجماعة تنعقد بهما.

[ 177 ]

* (مسألة) * (فان نقصوا قبل اتمامها استأنفوا ظهرا ويحتمل أنهم ان نقصوا بعد ركعة أتموها جمعة وإن نقصوا قبل ركعة أتموها ظهرا) المشهور في المذهب أنه يشترط كمال العدد في جميع الصلاة وقال أبو بكر: لا أعلم خلافا عن الامام احمد ان لم يتم العدد في الصلاة والخطبة أنهم يعيدون الصلاة وهذا أحد قولي الامام الشافعي لانه شرط للصلاة فاعتبر في جميعها كالطهارة ويحتمل أنهم ان نقصوا بعد ركعة أتموها جمعة وهذا قياس قول الخرقي، وبه قال الامام مالك وقال المزني: هو أشبه عندي لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من أدرك من الجمعة ركعة أضاف إليها أخرى " ولانهم أدركوا ركعة فصحت لهم الجمعة كالمسبوق بركعة وهذا اختيار شيخنا. وقال أبو حنيفة: ان نقصوا بعدما صلوا ركعة بسجدة واحدة أتموها جمعة لانهم أدركوا معظم الركعة فأشبه ما لو أدركوها بسجدتيها. وقال اسحاق: ان بقي معه اثنا عشر أتمها جمعة لان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم انفضوا عنه فلم يبق معه إلا اثنا عشر رجلا فأتمها جمعة. وقال الامام الشافعي في أحد أقواله: ان بقي معه اثنان أتمها جمعة وهو قول الثوري لانه أقل الجمع وحكي عنه أبو ثور ان بقي معه واحد أتمها جمعة لان الاثنين جماعة ولنا أنهم لم يدركوا ركعة كاملة بشروط الجمعة فأشبه ما لو نقص الجمع قبل ركوع الاولى. وقولهم أدرك معظم الركعة يبطل بمن لم يفته من الركعة الاولى إلا السجدتان فانه قد أدرك معظمها وقول الامام الشافعي: بقى معه من تنعقد به الجماعة لا يصح لان هذا لا يكتفي في الابتدا فلا يكتفي في الدوام إذا ثبت هذا فكل موضع قلنا لا يتمها جمعة فقياس قول الخرقي أنها تبطل ويستأنفها ظهرا إلا أن يمكنهم فعل الجمعة مرة أخرى فيعيدونها وحكاه أبو بكر عن الامام احمد، وقياس قول أبي اسحاق بن شاقلا أنهم يتمونها ظهرا وهذا قول القاضي وقال: قد نص الامام احمد في الذي زحم عن أفعال الجمعة حتى سلم الامام يتمها ظهرا ووجه القولين قد تقدم * (مسألة) * (ومن أدرك مع الامام منها ركعة أتمها جمعة) وهذا قول أكثر أهل العلم منهم ابن مسعود وابن عمر وأنس وسعيد بن المسيب والحسن وعلقمة والاسود والزهري ومالك، والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، وقال عطاء وطاوس ومجاهد من لم يدرك الخطبة صلى أربعا لان الخطبة شرط للجمعة فلا تكون جمعة في حق من لم يوجد في حقه شرطها ولنا ما روى أبو سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من أدرك من

[ 178 ]

الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة " رواه الاثرم ورواه ابن ماجه " فليصل إليها أخرى " وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " متفق عليه، ولانه قول من سمينا من الصحابة ولا مخالف لهم في عصرهم * (مسألة) * (ومن أدرك أقل من ركعة أتمها ظهرا إذا كان قد نوى الظهر في قول الخرقي. وقال أبو إسحق بن شاقلا: ينوي جمعة ويتمها ظهرا) أما من أدرك أقل من ركعة فلا يكون مدركا للجمعة ويصلي الظهر أربعا وهذا قول جميع من ذكرنا في المسألة المتقدمة إلا أن الامام أبا حنيفة فانه قال: يكون مدركا للجمعة بأي قدر أدرك من الصلاة مع الامام وهو قول الحكم وحماد لان من لزمه أن يبني على صلاة الامام بادراك ركعة لزمه بادراك أقل منها كالمسافر يدرك المقيم ولانه أدرك جزأ من الصلاة فكان مدركا لها كالظهر ولنا قوله عليه السلام " من أدرك من الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة " فمفهومه أنه إذا أدرك أقل من ركعة لم يدركها، ولانه قول من سمينا من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم ولا مخالف لهم في عصرهم فيكون اجماعا، وقد روى بشر بن معاذ الزيات عن الزهري عن أبي سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من أدرك يوم الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى " ومن أدرك دونها صلى أربعا ومن لم يدرك ركعة فلا تصح له جمعة كالامام إذا نقصوا قبل السجود وأما المسافر فادراكه ادراك الزام، وهذا ادراكه ادراك اسقاط للعدد فافترقا وكذلك يتم المسافر خلف المقيم، ولا يقصر المقيم خلف المسافر، وأما الظهر فليس من شرطها الجماعة بخلاف مسئلتنا (فصل) وكل من أدرك مع الامام ما لا يتم له به جمعة، فانه في قول الخرقي ينوي ظهرا، فان نوى جمعة لم تصح في ظاهر كلامه وكلام احمد في رواية صالح وابن منصور يحتمل هذا القول فيمن أحرم ثم زحم عن الركوع والسجود حتى سلم امامه، قال يستقبل ظهرا أربعا وذلك لان الظهر لا يتأدى بنية الجمعة ابتداء فكذلك استدامته كالظهر مع العصر. وقال أبو إسحق بن شاقلا ينوي جمعة لئلا يخالف نية امامة ثم يبني عليها ظهرا وهذا ظاهر قول قتادة وأيوب ويونس والشافعي لانه لا يجوز أن يأتم بمن يصلي جمعة فجاز أن يبني صلاته على نيتها كصلاة المقيم مع المسافر، وكما ينوي أنه مأموم ويتم صلاته بعد مفارقة امامة منفردا ولانه يصح أن ينوي الظهر خلف من يصلي الجمعة في ابتدائها فكذلك في انتهائها (فصل) إذا صلى الامام الجمعة قبل الزوال فأدرك المأموم معه دون الركعة لم يكن له الدخول معه لانها في حقه ظهر فلا تجوز قبل الزوال كغير يوم الجمعة فان دخل معه كانت نفلا في حقه ولم

[ 179 ]

تجزه عن الظهر، ولو أدرك معه ركعة ثم زحم عن سجودها وقلنا تصير ظهرا، فانها تنقلب نفلا لئلا تكون ظهرا قبل وقتها (فصل) ومن أحرم مع الامام ثم زحم عن السجود سجد على ظهر انسان ورجله اختلفت الرواية عن احمد رحمه الله فيمن أحرم مع الامام ثم زحم فلم يقدر على الركوع حتى سلم الامام فروي أنه يكون مدركا للجمعة اختارها الخلال وهو قول الحسن وأصحاب الرأي لانه أحرم بالصلاة مع امامه في أولها فأشبه ما لو ركع وسجد معه ونقل عنه أنه يستقبل الصلاة أربعا اختاره أبو بكر وابن أبي موسى وهو قول الشافعي وابن المنذر لانه لم يدرك ركعة كاملة فلم يكن مدركا للجمعة كالمسبوق وهذا ظاهر كلام الخرقي، وجملة ذلك أن من زحم عن السجود في الجمعة سجد على ظهر انسان أو رجله إذا أمكنه ذلك وأجزأه. قال احمد في رواية احمد بن هشام: يسجد على ظهر الرجل والقدم ويمكن الجبهة والانف في العيدين والجمعة وبهذا قال الثوري وأبو حنيفة والشافعي وأبو ثور وابن المنذر. وقال عطاء والزهري ومالك: لا يفعل، فان فعل، فقال مالك: تبطل الصلاة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " ومكن جبهتك الارض " ولنا ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: إذا اشتد الزحام فليسجد على ظهر أخيه. رواه سعيد في سننه، وهذا قاله بمحضر من الصحابة وغيرهم في يوم جمعة ولم يظهر له مخالف فكان اجماعا ولانه أتى بما يمكنه حال العجز فصح كالمريض يسجد على المرفقة والخبر لم يتناول العاجز لان الله تعالى قال (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) * (مسألة) * (فان لم يمكنه سجد إذا زال الزحام إلا أن يخاف فوات الثانية فيتابع الامام فيها وتصير أولاه ويتمها جمعة) وجملة ذلك أن من زحم في احدى الركعتين فأما أن يزحم في الاولى أو الثانية، فان كان في الاولى ولم يتمكن من السجود على ظهر ولا قدم انتظر حتى يزول الزحام ثم يسجد ويتبع امامه لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بذلك في صلاة الخوف بعسفان للعذر والعذر موجود، فإذا قضى ما عليه وأدرك امامه قبل رفع رأسه من الركوع اتبعه وصحت له الركعة، وهكذا لو تعذر عليه السجود مع امامه لمرض أو نوم أو نسيان لان ذلك عذر أشبه المزحوم، فان خاف أنه ان تشاغل بالسجود فاته الركوع مع الامام في الثانية لزمه متابعته وتصير الثانية أولاه وهذا قول مالك. وقال أبو حنيفة يشتغل بالسجود لانه قد ركع مع الامام فيجب عليه السجود بعده كما لو زال الزحام والامام قائم وللشافعي كالمذهبين

[ 180 ]

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " انما جعل الامام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا " فان قيل فقد قال " فأذا سجد فاسجدوا " قلنا قد سقط الامر بالمتابعة في السجود عن هذا للعذر وبقي الامر بالمتابعة في الركوع لامكانه ولانه خائف فوات الركوع فلزمته متابعة امامه كالمسبوق، أما إذا كان الامام قائما فليس هذا اختلافا كثيرا إذا ثبت أنه يتابع الامام في الركوع، فان أدركه راكعا صحت له الثانية وتصير الثانية أولاه وتبطل الاولى في قياس المذهب لكونه ترك منها ركنا وشرع في الثانية فبطلت الاولى على ما ذكرنا في سجود السهو ويتمها جمعة لانه أدرك منها ركعة مع الامام فان لم يقم ولكن يسجد السجدتين من غير قيام تمت ركعته، وإن فاته الركوع وسجد معه فان سجد السجدتين معه فقال القاضي يتم بها الركعة الاولى وهذا مذهب الامام الشافعي رحمه الله تعالى. وقال أبو الخطاب إذا سجد معتقدا جواز ذلك اعتد له به وتصح له الركعة كما لو سجد وامامه قائم، ثم إن أدرك الامام في ركوع الثانية صحت له الركعتان وإن أدركه بعد رفع رأسه من ركوعها فينبغي أن يركع ويتبعه لان هذا سبق يسير ويحتمل أن تفوته الثانية بفوات الركوع كالمسبوق * (مسألة) * (فان لم يتابع الامام عالما بتحريم ذلك بطلت صلاته، وإن جهل تحريمه فسجد ثم أدرك الامام في التشهد أتى بركعة أخرى بعد سلام الامام وصحت جمعته وعنه يتمها ظهرا) وجملته أن من زحم عن السجود في الركعة الاولى وخاف فوات الركعة الثانية مع الامام ان اشتغل بالسجود لزمه متابعته في ركوع الثانية لما ذكرنا، فان ترك متابعة امامه عالما بتحريم ذلك بطلت صلاته لانه ترك الواجب فيها عمدا وفعل ما لا يجوز فعله، وإن اعتقد جواز ذلك فسجد لم يعتد بسجوده لانه سجد في موضع الركوع جهلا أشبه الساهي. وقال أبو الخطاب يعتد له به فان أدرك الامام في التشهد تابعه وقضى ركعة بعد سلامه كالمسبوق ويسجد للسهو. قال شيخنا ولا وجه للسجود هنا لان الامام ليس عليه سجود سهو، وإن زحم عن سجدة واحدة أو عن الاعتدال بين السجدتين أو بين الركوع والسجود فالحكم فيه كالحكم في ازدحام عن السجود * (فصل) * فأما إن زحم عن السجود في الثانية فزال الزحام قبل سلام الامام سجد وتبعه وصحت له الركعة، وإن لم يزل حتى سلم فان كان أدرك الركعة الاولى فقد أدرك الجمعة ويسجد للثانية بعد سلام الامام ويتشهد ويسلم فقد تمت جمعته، وإن لم يكن أدرك الاولى فانه يسجد بعد سلام امامه وتصح له ركعة وهل يكون مدركا للجمعة بذلك على روايتين * (فصل) * وإذا أدرك مع الامام ركعة فلما قام ليقضي الاخرى ذكر انه لم يسجد مع أمامه إلا سجدة واحدة وشك في ذلك فان لم يكن شرع في قراءة الثانية رجع فسجد للاولى فأتمها وقضى

[ 181 ]

الثانية وأتم الجمعة نص عليه الامام أحمد في رواية الاثرم، وإن كان شرع في قراءة الثانية بطلت الاولى وصارت الثانية أولاه ويتمها جمعة على ما نقله الاثرم. وقياس الرواية الاخرى في المزحوم انه يتمها ها هنا ظهرا لانه لم يدرك ركعة كاملة، ولو قضى الركعة الثانية ثم علم انه ترك سجدة من احداهما لا يدري من أيهما تركها فالحكم واحد ويجعلها من الاولى ويأتي بركعة مكانها وفي كونه مدركا للجمعة وجهان: فأما إن شك في ادراك الركوع مع الامام مثل أن كبر والامام راكع فرفع امامه رأسه فشك هل أدرك المجزئ من الركوع مع الامام أو لا لم يعتد بتلك الركعة ويصلي ظهرا قولا واحدا لان الاصل أنه ما أتى بها معه وفي كل موضع لا يكون مدركا للجمعة فعلى قول الخرقي ينوي ظهرا، فان نوى جمعة لزمه استئناف الظهر، ويحتمله كلام الامام أحمد في رواية صالح وابن منصور وعلى قول إسحق بن شاقلا ينوي جمعة لئلا يخالف امامه ويتمها ظهرا وقد ذكرنا وجه القولين * (فصل) * ولو صلى مع الامام ركعة ثم زحم في الثانية فأخرج من الصف فصار فذا فنوى الانفراد عن الامام قياس المذهب انه يتمها جمعة لانه أدرك منها ركعة مع الامام أشبه ما لو أدرك الثانية، وإن لم ينو الانفراد وأتمها مع الامام ففيه روايتان: احداهما لا يصح لانه قد فذ في ركعة كاملة أشبه ما لو فعل ذلك عمدا، والثانية يصح لانه قد يعفى في البناء عن تكميل الشروط كما لو خرج الوقت وقد صلوا ركعة وكالمسبوق * (مسألة) * الرابع (أن يتقدمها خطبتان من شرط صحتهما حمد الله والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم وقراءة آية والوصية بتقوى الله تعالى) وحضور العدد المشترط للخطبة، وبه قال عطاء والنخعي وقتادة والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وقال الحسن تجزيهم الجمعة من غير خطبة لانها صلاة عيد فلم يشترط لها الخطبة كصلاة الاضحى ولنا قول الله سبحانه وتعالى (فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) والذكر هو الخطبة ولان النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك الخطبة وقد قال " صلوا كما رأيتموني أصلي " وعن عمر رضي الله عنه انه قصر في الصلاة لاجل الخطبة، وعن عائشة رضي الله عنها نحو هذا * (فصل) * ويشترط لها خطبتان وهذا مذهب الامام الشافعي. وقال مالك والاوزاعي وإسحق وابن المنذر وأصحاب الرأي تجزيه خطبة واحدة، وعن الامام احمد ما يدل عليه فانه قال لا تكون الخطبة الا كما خطب النبي صلى الله عليه وسلم أو خطبة تامة ووجه الاول ما روى ابن عمر ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب خطبتين وهو قائم يفصل بينهما بجلوس متفق عليه وقد قال " صلوا كما

[ 182 ]

رأيتموني أصلي " ولان الخطبتين أقيمتا مقام الركعتين فكل خطبة مكان ركعة، فالاخلال باحداهما اخلال باحدى الركعتين * (فصل) * ويشترط لكل واحدة منهما حمد الله تعالى والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " كل كلام ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أبتر " وقال جابر رضي الله عنه كان رسول الله عليه وسلم يخطب الناس يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول " من بهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له " وإذا وجب ذكر الله وجب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم كالاذان ولانه قد روي في تفسير قوله تعالى (ورفعنا لك ذكرك) قال لا أنكر إلا ذكرت معي، ويحتمل أن لا تجب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر ذلك في خطبته * (فصل) * والقراءة في كل واحدة من الخطبتين شرط وهو ظاهر كلام الخرقي لان الخطبتين أقيمتا مقام الركعتين فكانت القراءة فيهما شرطا كالركعتين، ولان ما وجب في احداهما وجب في الاخرى كسائر الفروض، ويحتمل أن يشترط القراءة في احداهما لما روى الشعبي قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس وقال " السلام عليكم " ويحمد الله ويثني عليه ويقرأ سورة ثم يجلس ثم يقوم فيخطب ثم ينزل، وكان أبو بكر وعمر يفعلانه رواه الاثرم. والظاهر انه انما قرأ في الخطبة الاولى * (فصل) * وتجب الموعظة لانها المقصودة من الخطبة فلم يجز الاخلال بها ولان النبي صلى الله عليه وسلم كان يعظ، وفي حديث جابر بن سمرة انه كان يذكر الناس وتجب في الخطبتين جميعا لان ما وجب في احداهما وجب في الاخرى كسائر الشروط وهذا قول القاضي. وظاهر كلام الخرقي أن الموعظة انما تكون في الخطبة الثانية لما ذكرنا من حديث الشعبي، وقال أبو حنيفة لو أتى بتسبيحة أجزأ لان الله تعالى قال (فاسعوا إلى ذكر الله) فأجزأ ما يقع عليه الذكر، ولان اسم الخطبة يقع على دون ما ذكرتم بدليل أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال علمني عملا أدخل به الجنة؟ فقال " أقصرت من الخطبة لقد أعرضت في المسألة " وعن مالك كالمذهبين ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الذكر بفعله. قال جابر بن سمرة كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قصدا وخطبته قصدا يقرأ آيات من القرآن ويذكر الناس رواه أبو داود والترمذي وقد ذكرنا حديث جابر بن سمرة. وأما التسبيح فلا يسمى خطبة، والمراد بالذكر الخطبة، وما

[ 183 ]

روره مجاز فان السؤال لا يسمى خطبة بدليل انه لو ألقى مسألة على الحاضرين لم يكف ذلك اتفاقا * (فصل) * ولا يكفى في القراءة أقل من آية هكذا ذكره الاصحاب لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتصر على أقل من ذلك ولان الحكم لا يتعين بدونها بدليل منع الجنب من قراءتها. فظاهر كلام أحمد انه لا يشترط ذلك فانه قال في القراءة في الخطبة ليس فيه شئ موقت ما شاء قرأ وهذا ظاهر كلام الخرقي. قال شيخنا ويحتمل أن لا يجب سوى حمد الله والموعظة لان ذلك يسمى خطبة ويحصل به المقصود وما عداهما ليس على اشتراطه دليل لانه لا يجب أن يخطب على صفة خطبة النبي صلى الله عليه وسلم بالاتفاق لانه روي انه كان يقرأ آيات ولا يجب قراءة آيات بالاتفاق، لكن يستحب ذلك لما ذكرنا من حديث الشعبي. وقالت أم هشام بنت حارثة بن النعمان ما أخذت (ق والقرآن المجيد) إلا من في رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب بها كل جمعة رواه مسلم * (فصل) * ويشترط للخطبة حضور العدد المشترط في القدر الواجب من الخطبتين، وقال أبو حنيفة في رواية عنه لا يشترط لانه ذكر يتقدم الصلاة فلم يشترط له العدد كالاذان ولنا انه ذكر من شرائط الجمعة فكان من شرطه العدد وكتكبيرة الاحرام، وتفارق الاذان فانه ليس بشرط وانما مقصوده الاعلام والاعلا للغائبين والخطبة مقصودها الموعظة فهي للحاضرين. فعلى هذا إن انفضوا في أثناء الخطبة ثم عادوا فحضروا القدر الواجب أجزاهم وإلا لم يجزهم إلا أن يحضرووا القدر الواجب ثم ينفضوا ويعودوا قبل شروعه في الصلاة من غير طول الفصل فان طال الفصل لزمه اعادة الخطبة إن كان الوقت متسعا، وان ضاق الوقت صلوا ظهرا، والمرجع في طول الفصل وقصره إلى العادة * (فصل) * ويشترط لها الوقت فلو خطب قبل الوقت لم تصح خطبته قياسا على الصلاة. ويشترط لها الموالاة فان فرق بين الخطبتين أو بين آخر الخطبة الواحدة بكلام طويل أو سكوت طويل مما يقطع الموالاة استأنفها، وكذلك يشترط الموالاة بين الخطبة والصلاة أيضا فان فرق بينهما تفريقا كثيرا بطلت ولا تبطل باليسير لان الخطبتين مع الصلاة كالمجموعتين، ويحتمل أن الموالاة لا تشترط لانه ذكر يتقدم الصلاة فلم تشترط الموالاة بينهما كالآذان والاقامة، والمرجع في طول الفصل وقصره إلى العرف وإن احتاج إلى الطهارة تطهر ويبنى على خطبته، وكذلك تعتبر سائر شروط الجمعة للقدر الواجب من الخطبتين * (مسألة) * (وهل يشترط لهما الطهارة وأن يتولاهما من يتولى الصلاة على روايتين)

[ 184 ]

اختلفت الرواية في اشتراط الطهارة للخطبة وللشافعي قولان كالروايتين، وقد قال أحمد فيمن خطب وهو جنب ثم اغتسل وصلى بهم تجزيه. قال شيخنا والاشبه بأصول المذهب اشتراط الطهارة الكبرى لكون قراءة آية شرطا للخطبة، ولا يجوز ذلك للجنب. فأما الطهارة الصغرى فالصحيح انها لا تشترط لانه ذكر يتقدم الصلاة فلم تكن الطهارة فيه شرط كالاذان ولانه لو اشترطت لهما الطهارة لاشترط الاستقبال كالصلاة، وعنه انها تشترط لهما كتكبيرة الاحرام ولكن يستحب أن يكون متطهرا من الحدث والنجس لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي عقيب الخطبة لا يفصل بينهما بطهارة فيدل على انه كان متطهرا والاقتداء به إن لم يكن واجبا فهو سنة * (فصل) * ويشترط أن يتولاهما من يتولى الصلاة في إحدى الروايتين لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله وقد قال " صلوا كما رأيتموني أصلي " ولان الخطبة أقيمت مقام ركعتين لكن يجوز الاستخلاف للعذر ففي الخطبة والصلاة أولى، وعنه يجوز الاستخلاف لغير عذر فانه قال في الامام يخطب يوم الجمعة ويصلي الامير بالناس، لا بأس إذا حضر الامير الخطبة لان الخطبة منفصلة عن الصلاة فأشبها الصلاتين، وهل يشترط أن يكون المصلي ممن حضر الخطبة فيه روايتان: احداهما يشترط وهو قول الثوري وأصحاب الرأي لانه امام في الجمعة فاشترط حضور الخطبة كما لو لم يستخلف والثانية لا يشترط وهو قول الاوزاعي والشافعي لانه ممن تنعقد به الجمعة فجاز أن يؤم فيها كما لو حضر الخطبة. وقد روى الامام أحمد رحمه الله انه لا يجوز الاستخلاف مع العذر أيضا فانه قال في الامام إذا أحدث بعدما خطب يقدم رجلا يصلي بهم لم يصل إلا أربعا إلا أن يعيد الخطبة ثم يصلي بهم ركعتين، وذلك لان هذا لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من خلفائه والمذهب الاول وهل يجوز أن يتولى الخطبتين اثنان يخطب كل واحد خطبة. فيه احتمالان احداهما يجوز كالاذان والاقامة، والثاني لا يجوز لما ذكرنا فيما تقدم * (مسألة) * (ومن سننهما أن يخطب على منبر أو موضع عال لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب الناس على منبر) قال سهل بن سعد: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فلانة أن مري غلامك النجار يعمل لي أعوادا أجلس عليهن إذا كلمت الناس. متفق عليه، ولانه أبلغ في الاعلام وليس ذلك واجبا، فلو خطب على الارض أو ربوة أو راحلة أو غير ذلك جاز، فان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم على الارض قبل أن يصنع له المنبر ويستحب أن يكون المنبر عن يمين القبلة لان النبي صلى الله عليه وسلم هكذا صنع

[ 185 ]

* (مسألة) * (ويسلم على المأمومين إذا أقبل عليهم) ويستحب للامام إذا خرج أن يسلم على الناس، ثم إذا صعد المنبر فاستقبل الحاضرين سلم عليهم يروى ذلك عن ابن الزبير وعمر بن عبد العزيز، وبه قال الاوزاعي والشافعي، وقال مالك وأبو حنيفة لا يسن السلام عقيب الاستقبال لانه سلم حال خروجه ولنا ما روى جابر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر سلم عليهم. رواه ابن ماجه وعن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد يوم الجمعة سلم على من عند المنبر جالسا، فإذا صعد المنبر سلم عليهم. رواه أبو بكر باسناده، ومتى سلم رد عليه الناس لان رد السلام آكد من ابتدائه * (مسألة) * (ثم يجلس إلى فراغ الاذان ويجلس بين الخطبتين) لما روى ابن عمر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس إذا صعد حتى يفرغ الاذان ثم يقوم فيخطب. رواه أبو داود، وتكون الجلسة بين الخطبتين خفيفة وليست واجبة في قول أكثر أهل العلم. وقال الشافعي: واجبة ولنا أنها جلسة ليس فيها ذكر مشروع فلم تكن واجبة كالاولى، وقد سرد الخطبة جماعة منهم المغيرة بن شعبة وأبي بن كعب قاله الامام احمد، وروي عن أبي اسحق قال: رأيت عليا يخطب على المنبر فلم يجلس حتى فرغ، فان خطب جالسا لعذر استحب أن يفصل بين الخطبتين بسكتة وكذلك إن خطب قائما فلم يجلس * (مسألة) * (ويخطب قائما) روي عن الامام احمد ما يدل على أن القيام في الخطبة واجب وهو مذهب الامام الشافعي. فروى الاثرم قال: سمعت أبا عبد الله يسأل عن الخطبة قاعدا أو يقعد في احدى الخطبتين فلم يعجبه وقال. قال الله تعالى (وتركوك قائما) وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائما، فقال له الهيثم ابن خارجة كان عمر بن عبد العزيز يجلس في خطبته فظهر منه انكار، ووجه ذلك ما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب خطبته وهو قائم يفصل بينهما بجلوس. متفق عليه، وروى جابر ابن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائما، فمن نبأك أنه كان يخطب جالسا فقد كذب، فو الله صليت معه أكثر من ألفي صلاة، رواه مسلم. وقال القاضي: تجزئه الخطبة قاعدا وقد نص عليه الامام احمد وهو مذهب أبي حنيفة لانه ذكر ليس من

[ 186 ]

شرطه الاستقبال فلم يجب له القيام كالاذان ولان المقصود يحصل بدونه وهذا اختيار أكثر أصحابنا * (مسألة) * (ويعتمد على سيف، أو قوس، أو عصا) لما روى الحكم بن حزن قال. وفدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشهدنا معه الجمعة فقام متوكئا على عصا أو قوس فحمد الله وأثنى عليه كلمات خفيفات طيبات مباركات. رواه أبو داود، فان لم يفعل استحب أن يسكن أطرافه، إما أن يضع يمينه على شماله أو يرسلهما ساكنتين إلى جنبيه * (مسألة) * (ويقصد تلقاء وجهه) لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك ولان المقصود في التفاته إلى أحد جانبيه الاعراض عن الجانب الآخر، فان خالف فاستدبر الناس واستقبل القبلة صحت الخطبة لحصول المقصود به كما لو أذن غير مستقبل القبلة. قال ابن عقيل: ويحتمل أن لا يصح لانه ترك الجهة المشروعة أشبه ما لو استدبر القبلة في الصلاة، ولان مقصود الخطبة الموعظة وذلك لا يتم باستدبار الناس (فصل) ويستحب للناس أن يستقبلوا الخطيب إذا خطب. قال الاثرم: قلت لابي عبد الله يكون الامام عن يميني متباعدا، فإذا أردت أن أنحرف إليه حولت وجهي عن القبلة، فقال نعم تنحرف إليه، وممن كان يستقبل الامام ابن عمر وأنس وهو قول أكثر العلماء منهم مالك والثوري والشافعي واسحق وأصحاب الرأي. قال ابن المنذر: هذا كالاجماع. وروي عن الحسن أنه استقبل القبلة ولم ينحرف إلى الامام، وعن سعيد بن المسيب أنه كان لا يستقبل هشام بن اسماعيل إذا خطب فوكل به هشام شرطيا يعطفه إليه، والاول أولى لما روى عدي بن ثابت عن أبيه عن جده قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم. رواه ابن ماجه، ولان ذلك أبلغ في اسماعهم فاستحب كاستقباله اياهم (فصل) ويستحب أن يرفع صوته ليسمع الناس. قال جابر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول " صبحكم مساكم " ويقول " أما بعد فان خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الامور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة " رواه مسلم ويستحب ترتيب الخطبة وهو أن يبدأ بالحمد قبل الموعظة لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، ثم يثني على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يعظ، فان عكس ذلك صح لحصول المقصود قال ابن عقيل: ويحتمل أن لا يجزئه لانهما فصلان من الذكر يتقدمان الصلاة فلم يصحا منكسين كالاذان والاقامة

[ 187 ]

ويستحب أن يكون في خطبته مترسلا مبينا معربا لا يعجل فيها ولا يقطعها، وأن يكون متخشعا متعظا بما يعظ الناس به لانه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " عرض علي قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار فقيل لي هؤلاء خطباء من أمتك يقولون ما لا يفعلون * (مسألة) * (ويستحب تقصير الخطبة) لما روى عمار قال: اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ان طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة " رواه مسلم، وعن جابر بن سمره قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يطيل الموعظة يوم الجمعة انما هي كلمات يسيرات. رواه أبو داود * (مسألة) * ويستحب أن يدعو لنفسه والمسلمين والمسلمات والحاضرين، وإن دعا لسلطان المسلمين بالصلاح فحسن وقد روى ضبة بن محصن أن أبا موسى كان إذا خطب فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لمعر. وقال القاضي لا يستحب ذلك لان عطاء قال: هو محدث وفعل الصحابة أولى من قول عطاء لان سلطان المسلمين إذا صلح كان فيه صلاح لهم، ففي الدعاء له دعاء لهم وذلك مستحب غير مكروه * (فصل) * وسئل الامام أحمد رحمه الله عمن قرأ سورة الحج على المنبر أيجزيه؟ قال لا لم يزل الناس يخطبون بالثناء على الله والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم. فقال لا تكون الخطبة إلا كما خطب النبي صلى الله عليه وسلم أو خطبة تامة، ولان هذا لا يسمى خطبة ولا يجمع الشروط، فان قرأ آيات فيها حمد الله تعالى والموعظة وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم صح لاجتماع الشروط * (فصل) * وإن قرأ سجدة في أثناء الخطبة فان شاء نزل فسجد وإن أمكنه السجود على المنبر سجد عليه وان ترك السجود فلا حرج فعله عمر وترك، بهذا قال الامام الشافعي ونزل عثمان وأبو موسى وعمار والنعمان وعقبة بن عامر وبه قال أصحاب الرأي، وقال الامام مالك لا ينزل لانه تطوع بصلاة فلم يشتغل به في أثناء الخطبة كصلاة ركعتين ولنا فعل عمر وفعل من سمينا من الصحابة رضي الله عنهم ولانه؟؟؟ وجد سببها في أثناء الخطبة لا يطول الفعل بها فاستحب فعلها كحمد الله إذا عطس، ولا يجب ذلك لما قدمنا من ان سجود التلاوة غير واجب ويفارق صلاة ركعتين لان سببها لم يوخد في الخطبة ويطول بها الفصل * (فصل) * ويستحب الاذان إذا صعد الامام على المنبر بغير خلاف لانه قد كان يؤذن للنبي

[ 188 ]

صلى الله عليه وسلم. قال السائب بن يزيد كان النداء يوم الجمعة إذا جلس الامام على المنبر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فلما كان زمن عثمان رضي الله عنه وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء رواه البخاري، فهذا النداء الاوسط هو الذي يتعلق به وجوب السعي وتحريم البيع لقوله سبحانه (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) وهذا النداء الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزول الآية فتعلقت الاحكام به، والنداء الاول مستحب في أول الوقت، سنه عثمان رضي الله عنه وعملت به الامة بعده وهو للاعلام بالوقت، والثاني للاعلام بالخطبة، والثالث للاعلام بقيام الصلاة. وذكر ابن عقيل ان الآذان الذي يوجب السعي ويحرم البيع هو الآذان الاول على المنارة والصحيح الاول * (فصل) * فأما من يكون منزله بعيدا لا يدرك الجمعة بالسعي وقت النداء فعليه السعي في الوقت الذي يكون مدركا للجمعة لكونه من ضرورة ادراكها وما لا يتم الواجب إلا به واجب كاستسقاء الماء من البئر للوضوء إذا احتاج إليه * (مسألة) * (ولا يشترط اذن الامام وعنه يشترط) الصحيح أن اذن الامام الاعظم ليس بشرط في صحة الجمعة وبه قال الامام مالك رحمه الله تعالى والامام الشافعي، والثانية هو شرط روي ذلك عن الحسن والاوزاعي وحبيب بن أبي ثابت والامام أبي حنيفة لانه لا يقيمها إلا الائمة في كل عصر فكان في ذلك إجماعا ولنا أن عليا رضي الله عنه صلى الجمعة بالناس وعثمان محصور فلم ينكره أحد، وصوب ذلك عثمان رضي الله عنه، فروى حميد بن عبد الرحمن عن عبيد الله بن عدي بن الخيار انه دخل على عثمان وهو محصور فقال انه قد نزل بك ما ترى وأنت إمام العامة. فقال الصلاة من أحسن ما يعمل الناس فإذا أحسنوا فاحسن معهم وإذا أساؤا فاجتنب اساءتهم أخرجه البخاري والاثرم وهذا لفظه. وقال الامام أحمد رحمه الله تعالى وقعت الفتنة بالشام تسع سنين فكانوا يجمعون ولانها من فرائض الاعيان فلم يشترط لها اذن الامام، وما ذكروه إجماعا لا يصح فان الناس يقيمون الجماعات في القرى من غير استئذان أحد، ثم لو صح انه لم يقع إلا ذلك لكان اجماعا على جواز ما وقع لا على تحريم غيره كالحج يتولاه الائمة وليس شرطا فيه، فان قلنا هو شرط فلم يأذن الامام لم تجز اقامتها وصلوا ظهرا، وإن أذن في اقامتها ثم عادت بطل اذنه، فان صلوا ثم بان انه مات قبل صلاتهم فهل تجزيهم صلاتهم على روايتين: أصحهما انها تجزيهم لان المسلمين في الامصار النائية عن بلد الامام لا يعيدون ما صلوا من الجمعات بعد؟ وته، ولا نعلم أحدا أنكر ذلك عليهم فكان اجماعا، ولان وجوب الاعادة يشق لعمومه في

[ 189 ]

أكثر البلدان، وإن تعذر اذن الامام لفتنة فقال القاضي ظاهر كلامه صحتها بغير اذن على كلتا الروايتين. فعلى هذا انما يكون الاذن معتبرا عند امكانه ويسقط بتعذره * (فصل) * قال (وصلاة الجمعة ركعتان يجهر فيهما بالقراءة بغير خلاف). قال ابن المنذر أجمع المسلمون على ان صلاة الجمعة ركعتان، وجاء الحديث عن عمر انه قال صلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم وقد خاب من افترى رواه الامام أحمد وابن ماجه * (مسألة) * (ويستحب أن يقرأ في الاولى بسورة الجمعة وفي الثانية بالمنافقين) يستحب أن يقرأ في الجمعة الفاتحة بهاتين السورتين وهذا مذهب الشافعي وأبي ثور لما روي عن عبد الله بن رافع قال صلى بنا أبو هريرة الجمعة فقرأ سورة الجمعة في الركعة الاولى وفي الركعة الاخرى إذا جاءك المنافقون. فلما قضى أبو هريرة الصلاة أدركته فقلت يا أبا هريرة قرأت سورتين كان علي يقرأ بهما في الكوفة. فقال اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بهما في الجمعة رواه مسلم. وإن قرأ في الثانية بالغاشية فحسن، فان الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير ماذا يقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة على أثر سورة الجمعة؟ قال كان يقرأ (هل أتاك حديث الغاشية) أخرجه مسلم. وإن قرأ في الاولى بسبح وفي الثانية بالغاشية فحسن، فأن النعمان بن بشير قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة (بسبح اسم ربك الاعلى. وهل أتاك حديث الغاشية) فإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد قرأ بهما في الصلاتين أخرجه مسلم. وقال مالك أما الذي جاء به الحديث هل أتاك حديث الغاشية مع سورة الجمعة والذي أدركت عليه الناس سبح اسم ربك الاعلى وحكي عن أبي بكر عبد العزيز انه يستحب أن يقرأ في الثانية سبح ولعله صار إلى ما حكاه مالك انه أدرك عليه الناس! واتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى، ومهما قرأ به فجائز حسن إلا أن الاقتداء به عليه الصلاة والسلام أحسن، ولان سورة الجمعة تليق بالجمعة لما فيها من ذكرها والامر بها والحث عليها * (فصل) * ويستحب أن يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة (آلم السجدة. وهل أتى على الانسان) نص عليه لما روى ابن عباس وأبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر يوم الجمعة (آلم تنزيل وهل أتى على الانسان حين من الدهر) رواه مسلم. قال أحمد لا أحب المداومة عليها لئلا يظن الناس انها مفضلة بسجدة، ويحتمل أن يستحب لان لفظ الخبر يدل عليه ولان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا عمل عملا أثبته

[ 190 ]

* (مسألة) * (وتجوز اقامة الجمعة في موضعين من البلد للحاجة ولا يجوز مع عدمها) وجملة ذلك أن البلد إذا كان كبيرا يشق على أهله الاجتماع في مسجد واحد ويتعذر ذلك لتباعد أقطاره أو ضيق مسجده على أهله كبغداد ونحوها جازت اقامة الجمعة في أكثر من موضع على قدر ما يحتاجون إليه وهذا قول عطاء وأجازه أبو يوسف في بغداد دون غيرها، قال لان الحدود تقام فيها في موضعين والجمعة حيث تقام الحدود، ومقتضى قوله انه لو وجد بلد آخر تقام فيه الحدود في موضعين كان مثل بغداد لان الجمعة حيث تقام الحدود وهذا قول ابن المبارك. وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي لا تجوز الجمعة في بلد واحد في أكثر من موضع واحد، وروي أيضا عن أحمد مثل ذلك لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يجمع إلا في مسجد واحد وكذلك الخلفاء بعده، ولو جاز لم يعطلوا الساجد حتى قال ابن عمر لا تقام الجمعة إلا في المسجد الاكبر الذي يصلي فيه الامام ولنا انها صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة فجازت فيما يحتاج إليه من المواضع كصلاة العيد. وقد ثبت أن عليا رضي الله عنه كان يخرج يوم العيد إلى المصلى ويستخلف على ضعفة الناس أبا مسعود البدري فيصلي بهم. فأما ترك النبي صلى الله عليه وسلم اقامة جمعتين فلغناهم عن احداهما ولان الصحابة كانوا يؤثرون سماع خطبته وشهود جمعته وإن بعدت منازلهم لانه المبلغ عن الله تعالى وشارع الاحكام ولما دعت الحاجة إلى ذلك في الامصار صليت في أماكن ولم ينكر فصار اجماعا وقول ابن عمر معناه انها لا تترك في المساجد الكبار وتقام في الصغار، وأما اعتبار ذلك باقامة الحدود فلا وجه له، قال أبو داود سمعت أحمد يقول أي حد كان يقام بالمدينة قدمها مصعب بن عمير وهم يختبئون في دار فجمع بهم وهم أربعون * (فصل) * فأما مع عدم الحاجة فلا يجوز أكثر من واحدة، وان حصل الغنى باثنتين لم تجز الثالثة، وكذلك ما زاد لا نعلم في هذا مخالفا إلا أن عطاء قيل له إن أهل البصرة يسعهم المسجد الاكبر قال لكل قوم مسجد يجمعون فيه ويجزى ذلك من التجميع في المسجد الاكبر وما عليه الجمهور أولى إذا لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه انهم جمعوا أكثر من جمعة إذ لم تدع الحاجة إلى ذلك، ولا يجوز اثبات الاحكام بالتحكم بغير دليل

[ 191 ]

* (مسألة) * (فان فعلوا فجمعة الامام هي الصحيحة) متى صلوا جمعتين في بلد لغير حاجة واحداهما جمعة الامام فهى الصحيحة تقدمت أو تأخرت لان في الحكم ببطلان جمعة الامام افتئاتا عليه وتفويتا له الجمعة ولمن يصلي معه ويفضي إلى انه متى شاء أربعون أن يفسدوا صلاة أهل البلد أمكنهم ذلك بأن يسبقوا أهل البلد بصلاة الجمعة، وقيل السابقة هي الصحيحة لانها لم يتقدمها ما يفسدها ولا تفسد بعد صحتها بما بعدها والاول أصح، وكذلك إن كانت احداهما في المسجد الجامع والاخرى في مكان صغير لا يسع المصلين أو لا يمكنهم الصلاة فيه لاختصاص السلطان وجنده به أو غير ذلك أو كانت إحداهما في قصبة والاخرى أقصى المدينة فما وجدت فيه هذه المعاني الصلاة فيه صحيحة دون الاخرى وهذا قول مالك فانه قال لا أرى الجمعة إلا لاهل القصبة وذلك لان لهذه المعاني مزية تقتضي التقديم فيقدم بها كجمعة الامام، ويحتمل أن تصح السابقة لان إذن الامام شرط في احدى الروايتين فكانت آكد من غيرها * (مسألة) * (فان استويا فالثانية باطلة وإن لم يكن لاحداهما مزية على الاخرى لكونهما جميعا مأذونا فيهما أو غير مأذون) ولو تساوى المكانان فالسابقة هي الصحيحة لانها وقعت بشروطها ولم يزاحمها ما يبطلها ولا سبقها ما يغني عنها، والثانية باطلة لكونها واقعة في مصر أقيمت فيه جمعة صحيحة تغني عمن سواها، ويعتبر السبق بالاحرام لانه متى أحرم باحداهما حرم الاحرام بالاخرى للغنى عنها

[ 192 ]

* (مسألة) * (فان وقعتا معا أو جهلت الاولى بطلتا معا) متى وقع الاحرام بهما معا مع تساويهما فهما باطلتان لانه لم يمكن صحتهما معا وليست احداهما أولى بالفساد من الاخرى كالمتزوج أختين، وإن لم تعلم الاولى منهما أو لم يعلم كيفية وقوعهما بطلت أيضا لان احداهما باطلة ولم يعلم عينها، وليست احداهما بالابطال أولى من الاخرى فهى كالتي قبلها ثم ننظر فان علمنا فساد الجمعتين لوقوعهما معا وجبت اعادة الجمعة إن أمكن ذلك لانه مصر ما أقيمت فيه جمعة صحيحة والوقت متسع لاقامتها أشبه ما لو لم يصلوا شيئا، وان علمنا صحة احداهما لا بعينها فليس لهم ان يصلوا إلا ظهرا لان هذا مصر تيقنا سقوط الجمعة فيه بالاولى فلم تجز اقامة الجمعة فيه كما لو علمت، وقال القاضي يحتمل أن لهم اقامة الجمعة لانا حكمنا بفسادهما معا فكأن المصر ما صليت فيه جمعة صحيحة، والصحيح الاول لان الاولى لم تفسد وانما لم يمكن اثبات حكم الصحة لها بعينها للجهل فيصير هذا كما لو زوج الوليان وجهل السابق منهما فانه لا يثبت حكم الصحة بالنسبة إلى واحد بعينه، ويثبت حكم النكاح في حق المرأة بحيث لا يحل لها أن تنكح زوجا آخر، فان جهلنا كيفية وقوعهما فالاولى أن لا يجوز اقامة الجمعة أيضا لان وقوعهما معا بحيث لا تسبق احداهما الاخرى بعيد جدا وما كان في غاية الندور فحكمه حكم المعدوم، ويحتمل ان لهم اقامتها لاننا لم نتيقن المانع من صحتها والاول أولى

[ 193 ]

* (فصل) * فان أحرم بالجمعة فتبين في أثناء الصلاة ان الجمعة قد أقيمت في المصر بطلت الجمعة ولزمهم استئناف الظهر لاننا تبينا انه أحرم بها في وقت لا يجوز الاحرام بها ولا يصح أشبه ما لو أحرم بها وفي وقت العصر. وقال القاضي يستحب أن يستأنف ظهرا وهذا من قوله يدل على أن له اتمامها ظهرا كالمسبوق بأكثر من ركعة وكما لو أحرم بالجمعة فنقص العدد قبل الركعة والفرق ظاهر فان هذا أحرم بها في وقت لا تصح فيه الجمعة ولا يجوز الاحرام بها بخلاف الاصل المقيس عليه * (فصل) * وإذا كانت قرية إلى جانب مصر يسمعون النداء منه أو كان مصران متقاربان يسمع كل منهم نداء المصر الآخر لم تبطل جمعة احدهما بجمعة الآخر، وكذلك القريتان المتقاربتان لان لكل قوم منهم حكم أنفسهم بدليل ان جمعة أحد القريتين لا يتم عددها بالفريق الآخر ولا تلزمهم الجمعة بكمال العدد بهم وانما يلزمهم السعي إذا لم يكن لهم جمعة فهم كأهل المحلة القريبة من المصر * (مسألة) * (وإذا وقع العيد يوم الجمعة فاجتزئ بالعيد عن الجمعة وصلوا ظهرا جاز إلا للامام)

[ 194 ]

وقد قيل في وجوبها على الامام روايتان وممن قال بسقوطها الشعبي والنخعي والاوزاعي وقد قيل انه مذهب عمر وعثمان وعلي وسعيد وابن عمر وابن عباس وابن الزبير، وقال أكثر الفقهاء لا تسقط الجمعة لعموم الآية والاخبار الدالة على وجوبها ولانهما صلاتان واجبتان فلم تسقط احداهما بالاخرى كالظهر مع العيد ولنا ما روي أن معاوية سأل زيد بن أرقم هل شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيدين اجتمعا في يوم؟ قال نعم. قال فكيف صنع؟ قال صلى العيد ثم رخص في الجمعة فقال " من شاء أن يصلي فليصل " رواه أبو داود، وفي لفظ للامام أحمد من شاء أن يجمع فليجمع. وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنا مجمعون " رواه ابن ماجه ولان الجمعة انما زادت على الظهر بالخطبة وقد حصل سماعها في العيد

[ 195 ]

فأجزأ عن سماعها ثانيا ونصوصهم مخصوصة بما رويناه وقياسهم منقوض بالظهر مع الجمعة. فأما الامام فلا تسقط عنه لقول النبي صلى الله عليه وسلم " وإنا مجمعون " ولانه لو تركها لامتنع فعل الجمعة في حق من تجب عليه ومن يريدها ممن سقطت عنه ولا كذلك غير الامام * (فصل) * فان قدم الجمعة فصلاها في وقت العيد فقد روي عن أحمد قال تجزي الاولى منهما فعلى هذا تجزيه عن العيد والظهر ولا يلزمه شئ الا العصر عند من يجوز فعل الجمعة في وقت العيد لما روى أبو داود باسناده عن عطاء قال اجتمع يوم جمعة ويوم فطر على عهد ابن الزبير فقال: عيدان قد اجتمعا في يوم واحد فجمعهما وصلاهما ركعتين بكرة. ولم يزد عليهما حتى صلى العصر. فيروى أن فعله بلغ ابن عباس فقال أصاب السنة. قال الخطابي وهذا لا يجوز أن يحمل إلا على قول من يذهب إلى تقديم الجمعة قبل الزوال، فعلى هذا يكون ابن الزبير قد صلى الجمعة فسقط

[ 196 ]

العيد والظهر ولان الجمعة إذا سقطت بالعيد مع تأكدها فالعيد أولى أن يسقط بها، أما إذا قدم العيد فلابد من صلاة الظهر في وقتها إذا لم يصل الجمعة والله أعلم * (مسألة) * (وأقل السنة بعد الجمعة ركعتان وأكثرها ست ركعات) روي عن أحمد انه قال ان شاء صلى ركعتين وان شاء صلى أربعا، وفي رواية فان شاء صلى ستا فأيما فعل من ذلك فهو حسن وكان ابن مسعود والنخعي وأصحاب الرأي يرون أن يصلي بعدها أربعا لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل بعدها أربعا " رواه مسلم، وعن علي رضي الله عنه وأبي موسى وعطاء والثوري انه يصلي ستا لما روي عن ابن عمر انه كان إذا كان بمكة فصلى الجمعة تقدم فصلى ركعتين ثم تقدم فصلى أربعا

[ 197 ]

ووجه قولنا ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك كله بما روينا من الاخبار، وروي عن ابن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الجمعة ركعتين متفق عليه، وفي لفظ وكان لا يصلي في المسجد حتى ينصرف فيصلي ركعتين في بيته، وهذا يدل على انه مهما فعل من ذلك كان حسنا. وقد قال أحمد في رواية عبد الله ولو صلى مع الامام ثم لم يصل شيئا حتى صلى العصر كان جائزا فقد فعله عمران بن حصين * (فصل) * فأما الصلاة قبل الجمعة فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يركع قبل الجمعة أربعا أخرجه ابن ماجه (1) وروي عن عمرو بن سعيد بن العاص عن أبيه قال كنت أبقي. (2) أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا زالت الشمس قاموا فصلوا أربعا، وعن عبد الله بن مسعود انه كان يصلي قبل الجمعة أربع ركعات رواه سعيد


" 1 " لكن قال في الزوائد ان حديثه هذا مسلسل بالضعفاء، وذكر منهم بشر ابن عبيد وقال انه كذاب والآثار الواردة في ذلك صريحة في أنها قبل الزوال فلا تعد سنة قبلية للجمعة " 2 " أي أنتظر يقال فيه أبقي مثل أرمي، وأبقى مثل أعطى، لان ماضيه يستعمل ثلاثيا ورباعيا، ذكره الجوهري اه‍. من هامش المغنى المخطوط

[ 198 ]

* (فصل) * ويستحب لمن أراد الركوع بعد الجمعة أن يفعل بينها وبينه بكلام أو انتقال من مكانه أو خروج لما روى السائب عن يزيد قال صليت مع معاوية الجمعة في المقصورة فلما سلم الامام قمت في مقامي فصليت فلما دخل أرسل الي فقال لا تعد لما فعلت إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تتكلم أو تخرج فان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بذلك أن لا نوصل صلاة حتى نتكلم أو نخرج. أخرجه مسلم * (فصل) * قال الشيخ رحمه الله (ويستحب أن يغتسل للجمعة في يومها والافضل فعله عند مضيه إليها) لا خلاف في استحباب غسل الجمعة وفيه أحاديث صحيحة منها ما روى سلمان الفارسي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم

[ 199 ]

الامام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الاخرى " رواه البخاري. ومنها قوله عليه السلام " غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم " وقوله " من أتى منكم الجمعة فليغتسل " متفق عليهما، وليس الغسل واجبا في قول أكثر أهل العلم. قال الترمذي العمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم منهم مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر وحكاه ابن عبد البر اجماعا، وعن أحمد انه واجب روي ذلك عن أبي هريرة وعمرو بن سليم. وقاول عمار بن ياسر رحلا فقال: أنا إذا أشر ممن لا يغتسل يوم الجمعة، ووجهه ما ذكرنا من النصوص ولنا ما روى سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل " رواه النسائي والترمذي وقال حديث حسن، وعن أبي هريرة قال

[ 200 ]

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة واستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام ومن مس الحصى فقد لغا " متفق عليه وحديثهم محمول على تأكيد الندب، وكذلك ذكر في سياقه " وسواك وأن يمس طيبا " كذلك رواه مسلم، والسواك ومس الطيب لا يجب، وقالت عائشة رضي الله عنها وعن أبيها: كان الناس مهنة أنفسهم وكانوا يروحون إلى الجمعة بهيئتهم فتظهر لهم رائحة فقيل لهم " لو اغتسلتم " رواه مسلم بنحو هذا المعنى، والافضل أن يفعله عند مضيه إليها لانه أبلغ في المقصود وفيه خروج من الخلاف * (فصل) * ومتى اغتسل بعد طلوع الفجر أجزأ وإن اغتسل قبله لم يجزئه وهذا قول مجاهد

[ 201 ]

والحسن والنخعي والثوري والشافعي وإسحق. وحكي عن الاوزاعي انه يجزيه الغسل قبل الفجر، وعن مالك لا يجزيه الغسل إلا أن يتعقبه الرواح ولنا قوله صلى الله عليه وسلم " من اغتسل يوم الجمعة " واليوم من طلوع الفجر وإن اغتسل ثم أحدث أجزأه الغسل وكفاه الوضوء وهذا قول الحسن ومالك والشافعي، واستحب طاوس والزهري وقتادة ويحيى بن أبي كثير اعادة الغسل. ولنا انه اغتسل في يوم الجمعة أشبه من لم يحدث والحدث انما يؤثر في الطهارة الصغرى ولان المقصود من الغسل التنظف وإزالة الرائحة وذلك لا يؤثر فيه الحدث ولانه غسل فلم يؤثر فيه الحدث الاصغر كغسل الجنابة * (فصل) * ويفتقر الغسل إلى النية لانه عبادة فافتقر إلى النية كتجديد الوضوء، وإن اغتسل للجمعة والجنابة غسلا واحدا ونواهما أجزأه بغير خلاف علمناه لانهما غسلان اجتمعا فأشبها غسل الحيض والجنابة، وإن اغتسل للجنابة ولم ينو غسل الجمعة ففيه وجهان أحدهما لا يحزيه لقول النبي صلى الله عليه وسلم " وانما لامرئ ما نوى " وروي عن ابن لابي قتادة انه دخل عليه يوم الجمعة مغتسلا فقال للجمعة اغتسلت؟ قال لا ولكن للجنابة. قال فأعد غسل الجمعة. والثاني يجزيه لانه مغتسل

[ 202 ]

فيدخل في عموم الحديث ولان المقصود التنظيف وقد حصل ولانه قد روي في الحديث " من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة " * (فصل) * ومن لا يأتي الجمعة لا غسل عليه، قال أحمد ليس على النساء غسل يوم الجمعة وعلى قياسهن الصبيان والمسافرون، وكان ابن عمر لا يغتسل في السفر وكان طلحة يغتسل. وروي عن مجاهد وطاوس استدلالا بعموم الاحاديث المذكورة ولنا قوله عليه السلام " من أتى الجمعة فليغتسل " ولان المقصود التنظيف وقطع الرائحة لئلا يتأذى غيره به وذلك مختص بحضور الجمعة والاخبار العامة تحمل على هذا، ولذلك يسمى غسل الجمعة، ومن لا يأتيها فليس غسله غسل الجمعة، فان أتاها من لا تجب عليه استحب له الغسل لعموم الخبر ووجود المعنى فيه * (مسألة) * (ويتنظف ويتطيب ويلبس أحسن ثيابه)

[ 203 ]

التنظف والتطيب والسواك مندوب إليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم " غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم وسواك وأن يمس طيبا " ويستحب أن يدهن ويتنظف ما استطاع بأخذ الشعر وقطع الرائحة لحديث سلمان الذي ذكرناه، ويستحب أن يلبس ثوبين نظيفين لما روى عبد الله بن سلام انه سمع النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة يقول " ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم جمعته سوى ثوبي مهنته " رواه مسلم. وعن أبي أيوب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب إن كان له، ولبس من أحسن ثيابه ثم خرج وعليه السكينة حتى أتى المسجد فيركع إن بدا له ولم يؤذ أحدا، ثم أنصت إذا خرج امامه حتى يصلي كانت كفارة ما بينها وبين الجمعة الاخرى " رواه الامام أحمد. وأفضلها البياض لقوله عليه الصلاة والسلام " خير ثيابكم البياض ألبسوها أحياءكم، وكفنوا فيها موتاكم " والامام في هذا ونحوه آكد لانه المنظور إليه من بين الناس * (مسألة) * (ويبكر إليها ماشيا ويدنوا من الامام) للسعي إلى الجمعة وقتان: وقت وجوب ووقت فضيلة وقد ذكرنا وقت الوجوب. وأما وقت الفضيلة فمن أول النهار فكلما كان أبكر كان أولى وأفضل. وهذا مذهب الاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر، وقال مالك لا يستحب التبكير قبل الزوال لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من راح إلى الجمعة " والرواح بعد الزوال والغد قبله، قال النبي صلى الله عليه وسلم " غدوة في سبيل الله، أو روحة خير من الدنيا وما فيها " قال امرؤ القيس (تروح من الحي أم تبتكر) ولنا ما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الاولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن

[ 204 ]

راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الامام حضرت الملائكة يسمعون الذكر " متفق عليه. وقال علقمة خرجت مع عبد الله إلى الجمعة فوجد ثلاثة قد سبقوه فقال رابع أربعة وما رابع أربعة ببعيد، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن الناس يجلسون من الله عزوجل يوم القيامة على قدر رواحهم إلى الجمعة " رواه ابن ماجه. وروى ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " من غسل يوم الجمعة واغتسل وبكر وابتكر كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة صيامها وقيامها " أخرجه الترمذي وقال حديث حسن ورواه ابن ماجه والنسائي وفيه " ومشى ولم يركب، ودنا من الامام واستمع ولم يلغ " وقوله " بكر " أي خرج في بكرة النهار وهو أوله. وقوله " وابتكر " أي بالغ في التبكير أي جاء في أول البكرة على ما قال امرؤ القيس (تروح من الحي أم تبتكر) وقيل معناه ابتكر العبادة مع بكوره وقيل " ابتكر الخطبة " أي حضر الخطبة مأخوذ من باكورة الثمرة وهي أولها وغير هذا أجود لان من جاء في بكرة النهار لزم أن يحضر أول الخطبة وقوله " غسل " أي جامع ثم اغتسل يدل على هذا قوله في الحديث الآخر " من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة " قال الامام أحمد قوله " غسل واغتسل " مشددة يريد يغسل أهله. وغير واحد من التابعين عبد الرحمن بن الاسود وهلال بن يساف يستحبون أن يغسل الرجل أهله يوم الجمعة يريدون أن يطأ لان ذلك أمكن لنفسه وأغض لطرفه في طريقه. وقال الخطابي المراد به غسل رأسه واغتسل في بدنه. وحكي ذلك عن ابن المبارك فعلى هذا يكون معنى قوله " غسل الجنابة " أي كغسل الجنابة. فأما قول مالك فمخالف

[ 205 ]

للآثار لان الجمعة مستحب فعلها عند الزوال وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبكر بها، ومتى خرج الامام طويت الصحف فلم يكتب من أتى الجمعة بعد ذلك، فأي فضيلة لهذا؟ فان أخر بعد ذلك شيئا دخل في النهي والذم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للذي جاء يتخطى رقاب الناس " أرأيتك؟ أنيت وآذيت " أي أخرت المجئ، وقال عمر لعثمان حين جاء والامام يخطب أية ساعة هذه؟ على وجه الانكار فكيف يكون لهذا بدنة أو بقرة أو فضل؟ فعلى هذا معنى قوله راح إلى الجمعة أي ذهب إليها لا يحتمل غير هذا * (فصل) * ويستحب أن يمشي ولا يركب في طريقها لقوله عليه الصلاة والسلام " ومشى ولم يركب " لان الثواب على الخطوات بدليل ما ذكرناه من الحديث ويكون عليه السكينة والوقار في مشيه، ولا يسرع لان الماشي إلى الصلاة في صلاة ولا يشبك بين أصابعه، ويقارب بين خطاه لتكثر حسناته. وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم انه خرج مع زيد بن ثابت إلى الصلاة فقارب بين خطاه ثم قال " انما فعلت ذلك لكثرة خطانا في طلب الصلاة " وروي عن عبد الرحمن بن رواحة انه كان يمشي إلى الجمعة حافيا ويبكر ويقصر في مشيه رواهما الاثرم، ويكثر ذكر الله ويغض طرفه ويقول ما ذكرنا في أدب المشي إلى الصلاة ويقول اللهم اجعلني من أوجه من توجه اليك، وأقرب من توسل اليك وأفضل من سألك ورغب اليك، وروينا عن بعض الصحابة انه مشى إلى الجمعة حافيا

[ 206 ]

فسئل عن ذلك. فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار " * (فصل) * ويجب السعي إلى الجمعة سواء كان من يقيمها عدلا أو فاسقا سنيا أو مبتدعا نص عليه الامام أحمد في رواية عباس بن عبد العظيم، وقد سئل عن الصلاة خلف المعتزلة فقال أما الجمعة فينبغي شهودها قال شيخنا ولا أعلم في هذا خلافا وذلك لعموم قوله تعالى (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم " فمن تركها في حياتي أو بعد مماتي وله امام جائر أو عادل استخفافا بها فلا جمع الله له شمله " ولانه اجماع الصحابة رضى الله عنهم. فان عبد الله بن عمر وغيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يشهدونها مع الحجاج ونظرائه ولم يسمع عن أحد منهم التخلف عنها ولان الجمعة من أعلام الدين الظاهرة ويتولاها الائمة أو من ولوه، فتركها خلف من هذه صفته يفضي إلى سقوطها. إذا ثبت هذا فانها تعاد خلف من تعاد خلفه بقية الصلوات نص عليه الامام أحمد في رواية عباس بن عبد العظيم، وعنه رواية أخرى انها لا تعاد لان الظاهر من حال الصحابة رضي الله عنهم انهم لم يكونوا يعيدونها لانهم لم ينقل ذلك عنهم، وقد ذكرنا ذلك في باب الامامة

[ 207 ]

* (فصل) * ويستحب الدنو من الامام لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ودنا من الامام فاستمع ولم يلغ " وعن سمرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " احضروا الذكر وادنوا من الامام فان الرجل لا يزال يتباعد حتى يؤخر في الجنة " رواه أبو داود ولانه أمكن له من السماع * (مسألة) * (ويشتغل بالصلاة والذكر ويقرأ سورة الكهف في يومها ويكثر الدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم) إذا حضر قبل الخطبة اشتغل بالصلاة وذكر الله تعالى لقول النبي صلى الله عليه وسلم " واعلموا ان من خير أعمالكم الصلاة " ويقرأ سورة الكهف في يوم الجمعة لما روي عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة فهو معصوم إلى ثمانية أيام من كل فتنة وإن خرج الدجال عصم منه " رواه زيد بن علي في كتابه باسناده، وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه

[ 208 ]

إلى عنان السماء يضئ به إلى يوم القيامة وغفر له ما بين الجمعتين " ويستحب أن يكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لما روي عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة فانه مشهود تشهده الملائكة " رواه ابن ماجه، وعن أوس بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة فاكثروا علي من الصلاة فيه فان صلاتكم معروضة علي " قالوا يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ (أي بليت) قال " ان الله عزوجل حرم على الارض أجساد الانبياء عليهم السلام " رواه أبو داود * (فصل) * ويستحب الاكثار من الدعاء يوم الجمعة لعله يوافق ساعة الاجابة لان النبي صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة فقال " فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه " وأشار بيده يقللها وفي لفظ " وهو قائم يصلي " متفق عليه. واختلف في تلك الساعة فقال عبد الله ابن سلام وطاوس هي آخر ساعة في يوم الجمعة وفسر عبد الله بن سلام الصلاة بانتظارها بقول النبي صلى الله عليه وسلم " إن العبد المؤمن إذا صلى ثم جلس لا يجلسه إلا الصلاة فهو في صلاة " رواه ابن ماجه، وروي هذا القول مرفوعا، فعلى هذا يكون القيام بمعنى الملازمة والاقامة كقوله تعالى

[ 209 ]

إلا مادمت عليه قائما) وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " التمسوا الساعة التي ترجى في يوم الجمعة بعد العصر إلى غيبوبة الشمس " أخرجه الترمذي، وقيل هي ما بين أن يجلس الامام إلى أن تنقضي الصلاة لما روى أبو موسى قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " هي ما بين أن يجلس الامام إلى أن يقضي الامام الصلاة " رواه مسلم، وعن عمرو بن عوف المزني عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " إن في الجمعة ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئا إلا آتاه الله إياه " قالوا يا رسول الله أية ساعة هي؟ قال " حين تقام الصلاة إلى الانصراف منها " رواه ابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن غريب. فعلى هذا تكون الصلاة مختلفة فتكون في حق كل قوم في وقت صلاتهم وقيل هي ما بين الفجر إلى طلوع الشمس، ومن العصر إلى غروبها وقيل هي الساعة الثالثة لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال قيل للنبي صلى الله عليه وسلم لاي شئ سمي يوم الجمعة؟ قال " لان فيها طبعت طينة أبيك آدم، وفيها الصعقة والبعثة وفيها البطشة، وفي آخر ثلاث ساعات منها من دعا الله

[ 210 ]

فيها استجيب له " رواه الامام أحمد. وقال كعب لو قسم الانسان جمعه في جمع أتى على تلك الساعة وقيل هي متنقلة في اليوم، وقال ابن عمر إن طلب حاجة في يوم ليسير، وقيل أخفى الله تعالى هذه الساعة ليجتهد العباد في طلبها وفي الدعاء في جميع اليوم، كما أخفى ليلة القدر في رمضان وأولياءه في الناس ليحسن الظن بجميع الصالحين * (مسألة) * (ولا يتخطى رقاب الناس إلا أن يكون إماما أو يرى فرجة فيتخطى إليها وعنه يكره) يكره تخطي رقاب الناس لغير الامام لقول النبي صلى الله عليه وسلم " فلا يفرق بين اثنين " وقوله صلى الله عليه وسلم " ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحدا " وقوله صلى الله عليه وسلم للذي جاء يتخطى رقاب الناس " اجلس فقد أنيت وآذيت " رواه ابن ماجه، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسرا إلى جهنم " رواه أبو داود والترمذي وقال لا نعرفه الا من حديث رشدين بن سعد وقد ضعفه بعض أهل العلم من قبل حفظه. فأما الامام فأذا لم يجد طريقا فلا يكره له التخطي لانه موضع حاجة * (فصل) * إذا رأى فرجة لا يصل إليها الا بالتخطي ففيه روايتان: احداهما له التخطي قال أحمد يدخل الرجل ما استطاع ولا يدع بين يديه موضعا فارغا، وذلك لان الذي جلس دون الفرجة ضيع حقه بتأخره عنها وأسقط حرمته فلا بأس بتخطيه وبه قال الاوزاعي، وقال قتادة يتخطاهم الي مصلاه

[ 211 ]

وقال الحسن يخطو رقاب الذين يجلسون عى أبواب المسجد فانه لا حرمة لهم وعنه يكره لما ذكرنا من الاحاديث، وعنه ان كان يتخطى الواحد والاثنين فلا بأس فان كثر كرهناه وكذلك قال الشافعي الا أن لا يجد سبيلا إلى مصلاه الا بالتخطي فيسعه التخطي ان شاء الله. قال شيخنا ولعل قول أحمد ومن وافقه في الرواية الاولى فيما إذا تركوا مكانا واسعا مثل الذين يصفون في آخر المسجد ويتركون بين أيديهم صفوفا خالية فهؤلاء لا حرمة لهم كما قال الحسن لانهم خالفوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم ورغبوا عن الفضيلة وخير الصفوف وجلسوا في شرها فتخطيهم مما لابد منه. وقوله الثاني في حق من لم يفرط وانما جلسوا في مكانهم لامتلاء ما بين أيديهم، فأما ان لم تمكن الصلاة الا بالتخطي جاز لانه موضع حاجة * (مسألة) * (ولا يقيم غيره فيجلس في مكانه الا من قدم صاحبا له فجلس في موضع يحفظه له) ليس له أن يقيم انسانا ويجلس في موضعه سواء كان المكان لشخص يجلس فيه أو موضع حلقة لمن يحدث فيها أو حلقة يتذاكر فيها الفقهاء أو لم يكن لما روى ابن عمر قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقيم الرجل (يعني أخاه) من مقعده ويجلس فيه متفق عليه ولان المسجد بيت الله تعالى والناس فيه سواء العاكف فيه والبادي فمن سبق إلى مكان منه فهو أحق به لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به " فان قدم صاحبا له فجلس حتى إذا جاء قام صاحبه

[ 212 ]

وأجلسه فلا بأس لان النائب يقوم باختياره. وقد روي عن محمد بن سيرين انه كان يرسل غلاما له يوم الجمعة فيجلس في مكان فإذا جاء قام الغلام وجلس فيه محمد فان لم يكن نائبا فقام باختياره ليجلس آخر مكانه فلا بأس لانه قوم باختيار نفسه أشبه النائب. وأما القائم فان انتقل إلى مثل مكانه الذي آثر به في القرب وسماع الخطبة فلا بأس وإلا كره له ذلك لانه يؤثر على نفسه في الدين، ويحتمل أن لا يكره إذا كان الذي آثره من أهل الفضل لان تقديمهم مشروع لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ليلني منكم أولو الاحلام والنهى " ولو آثر شخصا بمكانه فليس لغيره أن يسبقه إليه لانه قام مقام الجالس في استحقاق مكانه أشبه ما لو تحجر مواتا ثم آثر به غيره، وقال ابن عقيل يجوز لان القائم أسقط حقه بالقيام فبقى على الاصل فكان السابق إليه أحق به كمن وسع لرجل في طريق فمر غيره والصحيح الاول، ويفارق التوسعة في الطريق لانها جعلت للمرور فيها فمن انتقل من مكان فيها لم يبق له حق يؤثر به، والمسجد جعل للاقامة فيه وكذلك لا يسقط حق المنتقل منه إذا انتقل منه لحاجة، وهذا إنما انتقل مؤثرا لغيره فأشبه النائب الذي يعينه إنسان ليجلس في موضع يحفظه له، ولو كان الجالس مملوكا لم يكن لسيده أن يقيمه لعموم الخبر ولان هذا ليس بمال وانما هو حق ديني فاستوي فيه العبد وسيده كالحقوق الدينية

[ 213 ]

* (مسألة) * (وان وجد مصلى مفروشة فهل له رفعها؟ على روايتين) احداهما ليس له ذلك لان فيه افتئاتا على صاحبها وربما أفضى إلى الخصومة ولانه سبق إليه أشبه السابق إلى رحبة المسجد ومقاعد الاسواق. والثاني يجوز رفعه والجلوس موضعه لانه لا حرمة له ولان السبق بالابدان هو الذي يحصل به الفضل لا بالاوطئة، ولان تركها يفضي إلى أن يتأخر صاحبها ثم يتخطى رقاب الناس ورفعها ينفي ذلك * (مسألة) * (ومن قام من موضعه لعارض لحقه ثم عاد إليه فهو أحق به) إذا جلس في مكان ثم بدت له حاجة أو احتاج إلى الوضوء فله الخروج لما روى عقبة قال صليت وراء النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة العصر فسلم ثم قام مسرعا فتخطى رقاب الناس إلى حجر بعض نسائه فقال " ذكرت شيئا من تبر عندنا فكرهت أن يحبسني فأمرت بقسمته " رواه البخاري. وإذا قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به رواه مسلم، وحكمه في التخطي إلى موضعه حكم من رأى بين يديه فرجة * (فصل) * ويستحب لمن نعس يوم الجمعة أن يتحول من موضعه لما روى ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إذا نعس أحدكم يوم الجمعة في مجلسه فليتحول إلى غيره " رواه الامام أحمد ولان ذلك يصرف عنه النوم * (فصل) * وتكره الصلاة في المقصورة التي تحمى نص عليه أحمد، وروي عن ابن عمر انه كان إذا حضرت الصلاة في المقصورة خرج وكرهه الاحنف وابن محير؟ والشعبي وإسحق ورخص فيه

[ 214 ]

أنس والحسن والحسين رضي الله عنهم والقاسم وسالم لانه من الجامع كسائر المسجد، ووجه الاول انه يمنع الناس من الصلاة فيه فصار كالمغصوب فكره لذلك، فان كانت لا تحمى احتمل أن لا تكره الصلاة فيها لعدم شبه الغصب واحتمل أن تكره لانها تقطع الصفوف فأشبه الصلاة بين السواري، فعلى هذا انما تكره الصلاة فيها إذا قطعت الصفوف * (فصل) * واختلفت الرواية عن أحمد في الصف الاول فقال في موضع هو الذي يلي المقصورة لانها تحمى. وقال ما أدري هل الصف الاول الذي يقطعه المنبر أو الذي يليه؟ قال شيخنا والصحيح انه الذي يقطعه المنبر لانه الصف الاول حقيقة، ولو كان الاول ما دونه أفضى إلى خلو ما يلي الامام ولان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان يليه فضلاؤهم، ولو كان الصف الاول وراء المنبر لوقفوا فيه * (مسألة) * (ومن دخل والامام يخطب لم يجلس حتى يركع ركعتين يوجز فيهما) وبه قال الحسن وابن عيبنة والشافعي وإسحق وأبو ثور وابن المنذر، وقال شريح وابن سيرين والنخعي وقتادة والثوري ومالك والليث وأبو حنيفة يكره له أن يركع لان النبي صلى الله عليه وسلم قال للذي جاء يتخطي رقاب الناس " اجلس فقد أنيت وآذيت " رواه ابن ماجه، ولان الركوع يشغله عن استماع الخطبة فكره كغير الداخل ولنا ما روى جابر قال جاء رجل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب قال صليت يا فلان؟ قال لا.

[ 215 ]

قال قم فصل ركعتين " متفق عليه. وفي لفظ لمسلم " إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والامام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما " فان جلس قبل أن يركع استحب له أن يقوم فيركع لما روى جابر أن سليكا الغطفاني جاء يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد على المنبر فقعد سليك قبل أن يصلي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " اركعت ركعتين؟ قال لا. قال قم فاركعهما " رواه مسلم، وفي لفظ جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فجلس فقال " يا سليك قم فاركع ركعتين وتجوز فيهما " وحديثهم قضية في عين يحتمل انه أمره بالجلوس لضيق المكان أو لكونه في آخر الخطبة بحيث لو تشاغل بالصلاة فاتته تكبيرة الاحرام. والظاهر انه صلى الله عليه وسلم انما أمره بالجلوس ليكف أذاه عن الناس فان خشي أن يفوته أول الصلاة إذا تشاغل بهما لم يستحب له التشاغل بهما لذلك * (فصل) * وينقطع التطوع بجلوس الامام على المنبر فلا يصلي أحد غير الداخل يصلي تحية المسجد روي عن ابن عباس وابن عمر لما روى ثعلبة بن مالك انهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب رضي الله يوم الجمعة يصلون حتى يخرج عمر ولانه يشتغل عن سماع الخطبة المندوب إليه * (فصل) * ويكره التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الحلق يوم الجمعة قبل الصلاة رواه الامام أحمد وأبو داود والنسائي * (مسألة) * (ولا يجوز الكلام والامام يخطب إلا له أو لمن كلمه) يجب الانصات من حين يأخذ الامام في الخطبة فلا يجوز الكلام لمن حضرها، نهى عن ذلك

[ 216 ]

عثمان وابن عمر وقال أبو مسعود: إذا رأيته يتكلم والامام يخطب فاقرع رأسه بالعصا، وكره ذلك عامة أهل العلم منهم مالك وأبو حنيفة والاوزاعي. وعن أحمد لا يحرم الكلام، وكان سعيد بن جبير والنخعي والشعبي وأبو بردة يتكلمون والحجاج يخطب، وقال بعضهم إنا لم نؤمر أن ننصت لهذا، وللشافعي قولان كالروايتين. واحتج من أجازه بما روى أنس قال بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إذ قام رجل فقال يا رسول الله هلك الكراع هلك الشاء فادع الله أن يسقينا. وذكر الحديث متفق عليه. وروي ان رجلا قام والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فقال يا رسول الله متى الساعة؟ فأعرض النبي صلى الله عليه وسلم وأومأ الناس إليه بالسكوت فلم يقبل وأعاد الكلام. فلما كان الثالثة قال له النبي صلى الله عليه وسلم " ويحك ماذا أعددت لها؟ قال حب الله ورسوله. قال انك مع من أحببت " فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم كلامه ولو حرم لا نكره ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والامام يخطب فقد لغوت " متفق عليه، وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من تكلم يوم الجمعة والامام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا، والذي يقول له أنصت ليس له جمعة " رواه الامام أحمد. وعن أبي بن كعب ان النبي صلى الله عليه وسلم قرأ يوم الجمعة تبارك وهو قائم فذكرنا بأيام الله - وأبو الدرداء وأبو ذر يغمزني - فقال متى أنزلت هذه السورة اني لم أسمعها إلا الآن

[ 217 ]

فأشار إليه (1) أن اسكت فلما انصرفوا قال سألتك متى أنزلت هذه السورة فلم تخبرني فقال أبي ليس لك من صلاتك اليوم إلا ما لغوت. فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك وأخبره بالذي قال أبي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " صدق أبي " رواه عبد الله بن أحمد وابن ماجه (2) وما احتجوا به فالظاهر انه مختص بمن كلم الامام أو كلمه الامام لانه لا يشتغل بذلك عن سماع خطبته وكذلك سأل النبي صلى الله عليه وسلم الذي دخل " هل صليت " فأجابه. وسأل عمر عثمان فأجابه فتعين حمله على ذلك جمعا بين الاخبار، ولا يصح قياس غيره عليه لان كلام الامام لا يكون في حال خطبته بخلاف غيره، ولو قدر التعارض ترجحت أحاديثنا لانها قول النبي صلى الله عليه وسلم ونصه وذلك سكوته والنص أقوى * (فصل) * ولا فرق بين القريب والبعيد لعموم ما ذكرناه، وقد روي عن عثمان رضي الله عنه انه قال من كان قريبا يسمع وينصت ومن كان بعيدا ينصت فان للمنصت الذي لا يسمع من الحظ ما للسامع، وقد روى عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " يحضر الجمعة ثلاثة نفر


" 1 " أي أبي " 2 " وهو صحيح السند

[ 218 ]

رجل حضرها بلغو فهو حظه منها، وجل حضرها بدعاء فهو رجل دعا الله عزوجل إن شاء أعطاه وان شاء منعه، ورجل حضرها بانصات وسكوت ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحدا فهو كفارة إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام وذلك بأن الله عزوجل يقول (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) رواه الامام أحمد وأبو داود. وقال القاضي يجب الانصات على السامع ويستحب لمن لا يسمع لان الانصات انما وجب لاجل الاستماع والاول أولى لعموم النصوص، وللبعيد أن يذكر الله تعالى ويقرأ القرآن ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ولا يرفع صوته. قال أحمد لا بأس أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم فيما بينه وبين نفسه ورخص له في القراءة والذكر عطاء وسعيد بن جبير والشافعي وليس له رفع صوته ولا المذاكرة في الفقه ولا الصلاة ولا أن يجلس في حلقة، قال ابن عقيل له صلاة النافلة والمذاكرة في الفقه ولنا عموم الاحاديث المذكورة وانه صلى الله عليه وسلم نهى عن الحلق يوم الجمعة قبل الصلاة ولانه إذا رفع صوته منع من هو أقرب منه من السماع وآذاه بذلك فيكون عليه اثم من يؤذي المسلمين وصد عن ذكر الله تعالى، وهل ذكر الله سرا أفضل أو الانصاف؟ فيه وجهان: أحدهما الانصات أفضل لحديث عبد الله بن عمرو وقول عثمان. والثاني الذكر أفضل لانه لا يحصل ثواب الذكر من غير ضرر فكان أفضل كقبل الخطبة

[ 219 ]

* (فصل) * فأما الكلام على الخطيب أو من كلمه فلا يحرم لان النبي صلى الله عليه وسلم سأل سليكا الداخل وهو يخطب أصليت؟ قال لا، وسأل عمر عثمان حين دخل وهو يخطب فأجابه عثمان ولان تحريم الكلام عليه لاشتغاله بالانصات الواجب وسماع الخطبة ولا يحصل ها هنا، وسواء سأله الخطيب فأجابه أو كلم بعض الناس الخطيب لحاجة ابتداء لما ذكرنا من الحديثين قبل * (فصل) * وإذا سمع متكلما لم ينهه بالكلام لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا قلت لصاحبك انصت والامام يخطب فقد لغوت " ولكن يشير إليه ويضع أصبعه على فيه كما روينا عن أبي. وهذا قول زيد بن صوخان وعبد الرحمن بن أبي ليلي والثوري والاوزاعي وكره الاشارة طاوس. ولنا ان الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم متى الساعة أومأ إليه الناس بالسكوت بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليهم ولان الاشارة تجوز في الصلاة للحاجة التي يبطلها الكلام فجوازها في الخطبة أولى * (فصل) * فأما الكلام الواجب كتحذير الضرير من البئر ومن يخاف عليه نارا أو حية ونحو ذلك فلا يحرم لان هذا يجوز في نفس الصلاة مع فسادها به فهنا أولى. فأما تشميت العاطس ورد السلام ففيه روايتان: احداهما يجوز. قال الاثرم سمعت أبا عبد الله يسأل يرد الرجل السلام يوم الجمعة ويشمت العاطس؟ فقال نعم والامام يخطب. وقال أبو عبد الله قد فعله غير واحد، قال ذلك غير مرة. وممن يرخص فيه الحسن والشعبي والنخعي وقتادة والثوري وإسحق لان هذا واجب فوجب الاتيان به في الخطبة لحق الآدمي فهو كتحذير الضرير. والرواية الثانية إن كان لا يسمع در

[ 220 ]

السلام وشمت العاطس، وإن كان يسمع فليس له ذلك نص عليه أحمد في رواية أبي داود. قلت لاحمد يرد السلام والامام يخطب ويشمت العاطس؟ قال إذا كان لا يسمع الخطبة فيرد وإذا كان يسمع فلا. قال الله تعالى (فاستمعوا له وأنصتوا) قيل له الرجل يسمع نغمة الامام بالخطبة ولا يدري ما يقول أيرد السلام؟ قال لا. وروي نحو ذلك عن عطاء وذلك لان الانصات واجب فلم يجز الكلام المانع منه من غير ضرورة كالامر بالانصات بخلاف من لا يسمع، وقال القاضي لا يرد ولا يشمت، وروي نحو ذلك عن ابن عمر وهو قول مالك والاوزاعي وأصحاب الرأي واختلف فيه عن الشافعي فيحتمل قول القاضي أن يكون مختصا بمن يسمع فيكون مثل الرواية الثانية، ويحتمل أن يكون عاما في الجميع لان وجوب الانصات شامل لهم فأشبهوا السامعين، ويجوز أن يرد على المسلم بالاشارة ذكره القاضي في المجرد لانه يجوز في الصلاة فها هنا أولى * (مسألة) * (ويجوز الكلام قبل الخطبة وبعدها وعنه يجوز فيها) يجوز الكلام قبل الخطبة وبعد فراغه منها من غير كراهة وبهذا قال عطاء وطاوس والزهرى النخعي ومالك والشافعي وإسحق ويعقوب ومحمد وروي عن ابن عمر وكرهه الحكم، وقال أبو حنيفة إذا خرج الامام حرم الكلام، قال ابن عبد البر: ابن عمر وابن عباس كانا يكرهان الكلام والصلاة بعد خروج الامام ولا مخالف لهم في الصحابة ولنا ما روى ثعلبة بن مالك انهم كانوا يتحدثون يوم الجمعة وعمر جالس على المنبر فإذا سكت المؤذن وقام عمر لم يتكلم أحد حتى يقضي الخطبة فإذا قامت الصلاة ونزل عمر تكلموا. وهذا يدل

[ 221 ]

على شهرة الامر بينهم ولان قول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا قلت لصاحبك انصت والامام يخطب فقد لغوت " يدل على تخصيصه بوقت الخطبة ولان الكلام؟ انما حرم لاجل الانصات للخطبة ولا وجه لتحريمه مع عدمها، وقولهم لا مخالف لهما في الصحابة قد ذكرنا عن عمومهم خلاف ذلك * (فصل) * فأما الكلام في الجلسة بين الخطبتين فيحتمل جوازه لما ذكرنا وهذا قول الحسن ويحتمل المنع وهو قول مالك والشافعي والاوزاعي وإسحق لانه سكوت يسير في أثناء الخطبتين أشبه السكوت للتنفس. وإذا بلغ الخطيب إلى الدعاء فهل يجوز الكلام؟ فيه وجهان: أحدهما الجواز لانه فرغ من الخطبة أشبه ما لو نزل. والثاني لا يجوز لانه تابع للخطبة فيثبت له ما ثبت لها كالتطويل في الموعظة ويحتمل انه ان كان دعاء مشروعا كالدعاء للمؤمنين والمؤمنات، والامام العادل أنصت وإن كان لغيره لم يلزم الانصات لانه لا حرمة له * (فصل) * ويكره العبث والامام يخطب لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ومن مس الحصى فقد لغا " قال الترمذي هذا حديث صحيح. واللغو الاثم قال الله تعالى (والذين هم عن اللغو معرضون) ولان العبث يمنع الخشوع ويكست الاثم ويكره أن يشرب والامام يخطب إذا كان يسمع وبه قال مالك والاوزاعي ورخص فيه مجاهد وطاوس والشافعي لانه لا يشتغل عن السماع، ووجه الاول انه فعل يشتغل به أشبه مس الحصى فان كان لا يسمع لم يكره نص عليه لانه لم يسمع فلا يشتغل به * (فصل) * قال الامام أحمد لا يتصدق على السؤال والامام يحطب لانهم فعلوا مالا يجوز فلا يعينهم عليه، قال الامام أحمد وإن حصبه كان أعجب الي لان ابن عمر رأى سائلا يسأل والامام يحطب يوم الجمعة فحصبه قيل للامام أحمد فان تصدق عليه انسان فناولته والامام يحطب؟ قال لا. قيل فان سأل

[ 222 ]

قبل خطبة الامام ثم جلس فأعطاني رجل صدقة أناوله إياها قال نعم. هذا لم يسأل والامام يخطب * (فصل) * ولا بأس بالاحتباء يوم الجمعة والامام يخطب روي ذلك عن ابن عمر وجماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واليه ذهب عامة أهل العلم منهم مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، وقال أبو داود لم يبلغني ان أحدا كرهه إلا عبادة بن سنى لان سهل بن معاذ روى ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الحبوة يوم الجمعة والامام يخطب رواه أبو داود ولنا ما روى يعلي بن شداد بن أوس قال شهدت مع معاوية ببيت المقدس فجمع بنا فنطرت فإذا جل من في المسجد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيتهم محتبين والامام يحطب، وفعله ابن عمر وأنس ولا نعرف لهما مخالفا فكان اجماعا والحديث في اسناده مقال قاله ابن المنذر والاولى تركه لاجل الحديث وان كان ضعيفا لانه يصير به متهيئا للنوم والسقوط واسقاط الوضوء، ويحمل النهى في الخبر على الكراهة وأحوال الصحابة الذين فعلوه على انه لم يبلغهم الخبر * (فصل) * قال الامام أحمد إذا كان يقرؤن الكتاب يوم الجمعة على الناس بعد الصلاة اعجب الي أن يسمع إذا كان فتحا من فتوح المسلمين أو كان فيه شئ من أمور المسلمين، وان كان شئ انما فيه ذكرهم فلا يستمع، وقال في الذين يصلون في الطرقات إذا لم يكن بينهم باب مغلق فلا بأس وسئل عمن صلى خارج المسجد يوم الجمعة والابواب مغلقة قال أرجو أن لا يكون به بأس، وسئل عن الرجل يصلي يوم الجمعة وبينه وبين الامام سترة قال إذا لم يقدر على غير ذلك يعني يجزيه

[ 223 ]

* (باب صلاة العيدين) * وهي مشروعة والاصل في ذلك الكتاب والسنة والاجماع. أما الكتاب فقوله عزوجل (فصل لربك وانحر) المشهور في التفسير أن المراد بها صلاة العيد. وأما السنة فثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بالتواتر انه كان يصلي العيدين. قال ابن عباس شهدت صلاة الفطر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر فكلهم يصليها قبل الخطبة متفق عليه. وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بغير أذان ولا اقامة، وأجمع المسلمون على صلاة العيدين * (مسألة) * (وهي فرض على الكفاية إن اتفق أهل بلد على تركها قاتلهم الامام) صلاة العيد فرض على الكفاية في ظاهر المذهب إذا قام بها من يكفي سقطت عن الباقين وبه قال بعض أصحاب الشافعي. وقال أبو حنيفة هي واجبة على الاعيان وليست فرضا، وقال ابن أبي موسى وقد قيل انها سنة مؤكدة وهو قول مالك وأكثر أصحاب الشافعي لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم للاعرابي حين ذكر خمس صلوات قال هل علي غيرهن قال " لا إلا أن تطوع " ولانها صلاة ذات ركوع وسجود لا يشرع لها أذان فلم تكن واجبة كصلاة الاستسقاء، ثم اختلفوا فقال بعضهم إذا امتنع جميع الناس من فعلها قاتلهم الامام عليها. وقال بعضهم لا يقاتلهم ولنا على انها لا تجب على الاعيان انها صلاة لا يشرع لها الاذان فلم تجب على الاعيان كصلاة الجنازة ولان الخبر الذي ذكره مالك ومن وافقه يقتضي نفي وجوب صلاة سوى الخمس، وانما خولف بفعل النبي صلى الله عليه وسلم ومن صلى معه فيختص بمن كان مثلهم ولانها لو وجبت على الاعيان لوجبت خطبتها والاستماع لها كالجمعة

[ 224 ]

ولنا على وجوبها في الجملة قوله تعالى (فصل لربك وانحر) والامر يقتضي الوجوب ولانها من أعلام الدين الظاهرة فكانت واجبة كالجمعة والجهاد ولانها لو لم تجب لم يجب قتال تاركيها لان القتال عقوبة فلا يتوجه إلى تارك مندوب كالقتل والضرب وقياسا على سائر السنن. فأما حديث الاعرابي الاعرابي فليس لهم فيه حجة لان الاعراب لا تلزمهم الجمعة فالعيد أولى على انه مخصوص بالصلاة على الجنازة المنذورة فكذلك صلاة العيد، وقياسهم لا يصح لان كونها ذات ركوع وسجود أثر له فيجب حذفه فينتقض بصلاة الجنازة وينتقض على كل حال بالصلاة المنذورة (فصل) وإذا اتفق أهل بلد على تركها قاتلهم الامام لانها من شعائر الاسلام الظاهرة فقوتلوا على تركها كالاذان ولانها من فروض الكفايات فقوتلوا على تركها كغسل الميت والصلاة عليه إذا اتفقوا على تركه * (مسألة) * (وأول وقتها إذا ارتفعت الشمس وآخره إذا زالت) أول وقت صلاة العيد إذا خرج وقت النهى وارتفعت الشمس قيد رمح من طلوع الشمس وذلك ما بين وقتي النهى عن صلاة النافلة. وقال أصحاب الشافعي أول وقتها إذا طلعت الشمس لما روى يزيد بن حمير قال خرج عبد الله بن بشر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم عيد فطر أو أضحى فأنكر ابطاء الامام وقال إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه وذلك حين صلاة التسبيح. رواه أبو داود وابن ماجه ولنا ما روى عقبة بن عامر قال ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع ولانه وقت نهي عن الصلاة فيه فلم

[ 225 ]

يكن وقتا للعيد كقبل طلوع الشمس ولان النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده لم يصلوا حتى ارتفعت الشمس بدليل الاجماع أن فعلها في ذلك الوقت أفضل ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليفعل إلا الافضل، ولو كان لها وقت قبل ذلك لكان تقييده بطلوع الشمس تحكما بغير نص ولا معنى نص، ولا يجوز التوقيت بالتحكم. وأما حديث عبد الله بن بشر فيحتمل على انه أنكر ابطاء الامام عن وقتها المجمع عليه لانه لو حمل على غير هذا لم يكن ابطاء، ولا يجوز أن يحمل ذلك على ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل الصلاة في وقت النهى لانه مكروه بالاتفاق والافضل خلافه، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يداوم على المفضول ولا المكروه فتعين حمله على ما ذكرنا * (مسألة) * (فان لم يعلم بالعيد إلا بعد الزوال خرج من الغد فصلى بهم) وهذا قول الاوزاعي والثوري وإسحق وابن المنذر. وحكى عن أبي حنيفة انها لا تقضى. وقال الشافعي إن علم بعد غروب الشمس كقولنا وإن علم بعد الزوال لم يصل لانها صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة فلا تقضى بعد فوات وقتها كالجمعة وانما يصليها إذا علم بعد غروب الشمس لان العيد هو الغد لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " فطركم يوم تفطرون واضحاكم يوم تضحون وعرفتكم يوم تعرفون " (1) ولنا ما روى أبو عمير بن أنس عن عمومة له من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ان ركبا جاؤا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشهدوا انهم رأوا الهلال بالامس فأمرهم أن يفطروا فإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم رواه أبو داود. وقال الخطابي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى أن تتبع، وحديث ابن عمير صحيح والمصير إليه واجب ولانها صلاة مؤقتة فلا تسقط بفوات الوقت كسائر الفروض: فأما الجمعة فانها معدول بها عن الظهر بشرائط منها الوقت فإذا فات واحد منهما رجع إلى الاصل


" 1 " رواه الشافعي والبيهقي عن عطاء مرسلا بسند ضعيف وروى أبو داود والبيهقي الجملتين في العيدين بسند صحيح عن أبي هريرة وله تتمة أخرى

[ 226 ]

(فصل) فأما الواحد إذا فاتته حتى تزول الشمس وأحب قضاءها قضاها متى أحب. وقال ابن عقيل لا يقضيها إلا من الغد كالمسألة قبلها وهذا لا يصح لان ما يفعله تطوع فمتى أحب أتى به وفارق إذا لم يعلم الناس لانهم تفرقوا على ان العيد في الغد فلا يجتمعون إلا إلى الغد، ولا كذلك ها هنا لانه يحتاج إلى اجتماع الجماعة ولان صلاة الامام هي الواجبة التي يعتبر لها شروط العيد ومكانه، فاعتبر لها العيد بخلاف هذا * (مسألة) * (ويسن تقديم الاضحى وتأخير الفطر والاكل في الفطر قبل الصلاة والامساك في الاضحى حتى يصلي) يستحب تقديم الاضحى ليتسع وقت التضحية لان التضحية لا تجوز إلا بعد الصلاة وتأخير الفطر ليتسع وقت اخراج صدقة الفطر لان السنة اخراجها يوم العيد قبل الصلاة وهذا مذهب الشافعي ولا أعلم فيه خلافا. وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى عمرو بن حزم " أن أخر صلاة الفطر وعجل الاضحى وذكر الناس " الحديث مرسل رواه الشافعي (فصل) ويستحب الاكل في الفطر قبل الصلاة وأن لا يأكل في الاضحى حتى يصلي، روي ذلك عن علي وابن عباس وهو قول مالك والشافعي ولا نعلم فيه خلافا لما روى أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات وقال مرجأ بن رجاء حدثنى عبيد الله قال حدثني أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ويأكلهن وترار رواه البخاري، وعن بريدة قال كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم ولا يطعم يوم الاضحى حتى يصلي رواه الامام أحمد والترمذي وهذا لفظه ورواه الاثرم ولفظ روايته حتى يضحي. ويستحب أن يفطر على تمرات ويأكلهن وترا لما ذكرنا من الحديث، وأما في الاضحى فان كان له أضحية استحب أن يفطر على شئ منها. قال أحمد والاضحى لا يأكل فيه حتى يرجع إذا كان له ذبح لان النبي صلى الله عليه وسلم

[ 227 ]

أكل من ذبيحته، وروى الدار قطني حديث بريدة وفيه وكان لا يأكل يوم النحر حتى يرجع فيأكل من أضحتيه وإذا لم يكن له ذبح لم يبال أن يأكل * (مسألة) * (ويستحب الغسل والتبكير إليها بعد الصبح ماشيا على أحسن هيئة إلا المعكتف يخرج في ثياب اعتكافه أو إماما يتأخر إلى وقت الصلاة) يستحب الغسل للعيد وكان ابن عمر يغتسل يوم الفطر رواه مالك في الموطأ، وروي ذلك عن علي رضي الله عنه وبه قال علقمة وعروة وعطاء والنخعي والشعبي ومالك والشافعي وابن المنذر لما روى ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل يوم الفطر ويوم الاضحى رواه ابن ماجه إلا أنه من رواية جنادة بن مغلس وهو ضعيف، وروى أيضا ان النبي صلى الله عليه وسلم قال في جمعة من الجمع " إن هذا يوم جعله الله عيدا للمسلمين فاغتسلوا، ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه، وعليكم بالسواك " علل بكونه عيدا ولانه يوم يشرع فيه الاجتماع للصلاة فاستحب الغسل فيه كيوم الجمعة، وان توضأ أجزأه لانه إذا أجزأ في الجمعة مع الامر بالغسل لها فها هنا أولى، ووقت الغسل بعد طلوع الفجر في ظاهر كلام الخرقي. قال الآمدي ان اغتسل قبل الفجر لم يصب سنة لاغتسال، وقال ابن عقيل المنصوص عن أحمد انه قبل الفجر وبعده ولان زمن العيد أضيق من وقت الجمعة فلو وقف على طلوع الفجر ربما فات ولان المقصود منه التنظيف وذلك يحصل بالغسل في الليل القربة من الصلاة، والاولى أن يكون بعد الفجر ليخرج من الخلاف ولانه أبلغ في النظافة لقربه من الصلاة والغسل لها غير واجب. قال ابن عقيل ويتخرج وجوبه بناء على غسل الجمعة لانها في معناها (فصل) ويستحب التبكير إلى العيد بعد صلاة الصبح والدنو من الامام ليحصل له أجر التبكير وانتظار الصلاة ويحصل له فضل الدنو من الامام من غير تخطي رقاب الناس ولا أذى أحد. قال عطاء بن السائب كان عبد الرحمن بن أبي ليلي وعبد الله بن مغفل يصليان الفجر يوم العيد وعليهما

[ 228 ]

ثيابهما ثم يتدافعان إلى الجبانة أحدهما يكبر والآخر يهلل، فأما الامام فانه يتأخر إلى وقت الصلاة لما روى أبو سعيد قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والاضحى إلى المصلى فأول شئ يبدأ به الصلاة رواه مسلم، قال مالك مضت السنة أن يخرج الامام من منزله قدر ما يبلغ المصلى وقد حلت الصلاة، وروي عن ابن عمر انه كان لا يخرج حتى تطلع الشمس، ويستحب أن يخرج ماشيا وعليه السكينة والوقار كما ذكرنا في الجمعة وهذا قول عمر بن عبد العزيز والنخعي والثوري والشافعي وغيرهم لما روي ان النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يركب في عيد ولا جنازة، وروى ابن عمر ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرج إلى العيد ماشيا ويرجع ماشيا رواه ابن ماجة، وإن كان بعيدا فلا بأس أن يركب نص عليه أحمد لما روي ان عمر بن عبد العزيز قال على المنبر يوم الجمعة ان الفطر غدا فامشوا إلى مصلاكم فان ذلك كان يفعل، ومن كان من أهل القرى فليركب فإذا جاء إلى المدينة فليمش إلى الصلاة. رواه سعيد (فصل) ويستحب أن يتطيب ويتسوك ويلبس أحسن ثيابه كما ذكرنا في الجمعة لما ذكرنا من الحديث، وروى ابن عبد البر باسناده عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتم ويلبس

[ 229 ]

برده الاحمر في العيدين والجمعة. وعن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس في العيدين برد حبرة وباسناده عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما على أحدكم أن يكون له ثوبان سوى ثوبي مهنته لجمعته وعيده " والامام بذلك أحق لانه المنظور إليه من بينهم إلا

[ 230 ]

أن المعتكف يستحب له الخروج في ثياب اعتكافه ليبقى عليه أثر العبادة والنسك. قال أحمد في رواية المروذي: طاوس كان يأمر بزينة الثياب. وعطاء قال هو يوم تخشع واستحسنهما جميعا

[ 231 ]

(فصل) ويستحب أن يكون في خروجه مظهرا للتكبير يرفع به صوته. قال أحمد يكبر جهرا إذا خرج من بيته حتى يأتي المصلى، وروى ذلك عن علي وابن عمر وأبي أمامة وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قول عمر بن عبد العزيز وفعله ابن أبي ليلي والنخعي وسعيد بن جبير وهو قول الحكم وحماد ومالك وإسحق وابن المنذر. وقال أبو حنيفة يكبر يوم الاضحى ولا يكبر يوم الفطر لان ابن عباس سمع التكبير يوم الفطر فقال ما شأن الناس؟ فقيل يكبرون. فقال أمجانين الناس؟ ولنا انه فعل من سمينا من الصحابة وقولهم، فأما ابن عباس فكان يقول يكبرون مع الامام ولا يكبرون وحدهم وهذا خلاف مذهبهم، إذا ثبت هذا فانه يكبر حتى يأتي المصلى لقول أبي جميلة رأيت عليا رضي الله عنه خرج يوم العيد فلم يزل يكبر حتى انتهى إلى الجبانة. قال الاثرم قيل

[ 232 ]

لابي عبد الله في الجهر بالتكبير حتى يأتي المصلى أو حتى يخرج الامام؟ قال حتى يأتي المصلى. وقال القاضي فيه رواية أخرى حتى يخرج الامام (فصل) ولا بأس بخروج النساء يوم العيد إلى المصلى. وقال ابن حامد يستحب ذلك، وروي عن أبي بكر وعلي رضي الله عنهما انهما قالا حق على كل ذات نطاق أن تخرج إلى العيدين، وكان ابن عمر يخرج من استطاع من أهله إلى العيدين، وروت أم عطية قالت أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرجهن في الفطر والاضحى والعواتق ذوات الخدور فأما الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين. قلت يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال " لتلبسها أختها من جلبابها " متفق عليه وهذا لفظ رواية مسلم. وقال القاضي ظاهر كلام أحمد أن ذلك جائز غير مستحب، وكرهه النخعي ويحيى الانصاري وقالا لا يعرف خروج المرأة في العيدين عندنا، وكرهه سفيان وابن المبارك، ورخص أهل الرأي للمرأة الكبيرة وكرهوه للشابة لما في خروجهن من الفتنة.

[ 233 ]

وقول عائشة رضي الله عنها لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن المساجد كما منعت نساء بني اسرائيل ولنا ما ذكرنا من سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهي أحق أن تتبع، وقول عائشة مختص بمن أحدثت دون غيرها، ولا شك في ان تلك يكره لها الخروج وانما يستحب لهن الخروج غير متطيبات ولا يلبسن ثوب شهرة ولا زينة ويخرجن في ثياب البذلة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " وليخرجن تفلات " ولا يخالطن الرجال بل يكن ناحية منهم * (مسألة) * (وإذا غدا من طريق رجع في أخرى) الرجوع في غير الطريق التي غدا منها سنة وبه قال مالك والشافعي لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله. قال أبو هريرة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج يوم العيد في طريق رجع في غيره. قال الترمذي هذا حديث حسن، قال بعض أهل العلم انما فعل هذا قصدا لسلوك الابعد في الذهاب ليكثر ثوابه وخطواته إلى الصلاة ويعود في الاقصر لانه أسهل، وقيل كان يحب أن يشهد له الطريقان، وقيل كان يحب المساواة بين أهل الطريقين في التبرك بمروره بهم وسرورهم برؤيته وينتفعون بمسئلته، وقيل لتحصل الصدقة ممن صحبه على أهل الطريقين من الفقراء، وقيل ليشترك الطريقان بوطئه عليهما. وفي الجملة الاقتداء به سنة لاحتمال بقاء المعنى الذي فعله لاجله ولانه قد يفعل الشئ لمعنى ويبقى في حق غيره سنة مع زوال المعنى كالرمل والاضطباع في طواف القدوم فعله هو وأصحابه لاظهار الجلد للكفار وهي سنة. قال عمر رضي الله عنه فيم الرملان الآن ولمن نبدي مناكبنا وقد نفى الله المشركين؟ ثم قال مع ذلك لا ندع شيئا فعلناه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 234 ]

* (مسألة) * (وهل من شرطها الاستيطان وإذن الامام والعدد المشروط للجمعة؟ على روايتين) يشترط لوجوب صلاة العيد ما يشترط لوجوب صلاة الجمعة من الاستيطان لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلها في سفره ولا خلفاؤه، وكذلك العدد المشترط لصلاة الجمعة لانها صلاة عيد فأشبهت الجمعة، وفي اشتراط اذن الامام روايتان أصحهما انه لا يشترط كما قلنا في الجمعة، ولا يشترط شئ من ذلك لصحتها لان انسا كان إذا لم يشهد العيد مع الامام جمع أهله ومواليه ثم قام عبد الله بن أبي عتبة مولاه فصلى بهم ركعتين يكبر فيهما ولانها في حق من انتفت فيه شروط الوجوب تطوع فلم يشترط لها ذلك كسائر التطوع. وقد ذكر شيخنا ها هنا روايتين وكذلك ذكره أبو الخطاب. وقال القاضي كلام أحمد يقتضي أن في اشتراط ذلك روايتين: إحداهما لا يقام العيد إلا حيث تقام الجمعة وهذا مذهب أبي حنيفة إلا انه لا يرى ذلك إلا في المصر لقوله لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع. والثانية يصليها المنفرد والمسافر والعبد والنساء وهذا قول الحسن والشافعي لما ذكرنا إلا ان الامام إذا خطب مرة ثم أرادوا أن يصلوا لم يخطبوا ثانيا وصلوا بلا خطبة كيلا يؤدي إلى تفريق الكلمة. وهذا التفصيل الذي ذكرناه أولى ما قيل به ان شاء الله تعالى (فصل) قال ابن عقيل إذا قلنا من شرطها العدد وكانت قرية إلى جانب قرية أو مصر يصلى فيه العيد لزمهم السعي إلى العيد سواء كانوا بحيث يسمعون النداء أم لا لان الجمعة انما لم يلزم اتيانها مع عدم السماع لتكررها بخلاف العيد فانه لا يتكرر فلا يشق اتيانه * (مسألة) * (وتسن في الصحراء وتكره في الجامع إلا من عذر) السنة أن يصلى العيد في المصلى أمر بذلك علي رضي الله عنه واستحسنه الاوزاعي وأصحاب

[ 235 ]

الرأي وهو قول ابن المنذر، وحكي عن الشافعي ان كان مسجد البلد واسعا فالصلاة فيه أولى لانه خير البقاع وأطهرها ولذلك يصلي أهل مكة في المسجد الحرام ولنا ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى المصلى ويدع مسجده وكذلك الخلفاء الراشدون بعده ولا يترك النبي صلى الله عليه وسلم الافضل مع قربه، ويتكلف فعل المفضول مع بعده، ولا يشرع لامته ترك الفضائل ولانا قد أمرنا باتباع النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به، ولا يجوز أن يكون المأمور به هو الناقص ولان هذا اجماع فان الناس في كل عصر يخرجون إلى المصلى فيصلون فيه العيدين مع سعة المسجد وضيقه ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم انه صلى العيد بمسجده إلا من عذر مع شرف مسجده، وروينا عن علي رضي الله عنه انه قيل له قد اجتمع في المسجد ضعفاء الناس وعميانهم فلو صليت بهم في المسجد؟ فقال أخالف السنة إذا، ولكن أخرج إلى المصلى وأستخلف من يصلي بهم في المسجد أربعا، وصلاة النفل في البيت أفضل منها مع شرفه، ويستحب للامام إذا خرج أن يستخلف في المسجد من يصلي بضعفة الناس في الجامع لان عليا رضي الله عنه استخلف أبا مسعود البدري يصلي بضعفة الناس في المسجد رواه سعيد، وهل يصلي المستخلف ركعتين أم أربعا على روايتين: إحداهما يصلي أربعا لما ذكرنا من قول علي، والثانية يصلى ركعتين وروي انه صلى أربعا فان كان عذر من مطر أو نحوه صلى في المسجد لما روى أبو هريرة قال أصابنا مطر في يوم عيد فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد. رواه أبو داود (فصل) ولا يشرع لها أذان ولا اقامة ولا نعلم في هذا خلافا إلا انه روي عن ابن الزبير انه

[ 236 ]

أذن وأقام، وقيل أول من أذن في العيدين ابن زياد، وهذا يدل على انعقاد الاجماع قبله انه لا يسن ذلك وبه يقول مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وقد روى ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم صلى العيدين بغير أذان ولا اقامة وعن جابر مثله متفق عليهما، وعن عطاء قال أخبرني جابر ان لا أذان للصلاة يوم الفطر حين يخرج الامام ولا بعد ما يخرج الامام ولا اقامة ولا نداء ولا شئ، لا نداء يومئذ ولا اقامة رواه مسلم، وقال بعض أصحابنا ينادى لها الصلاة جامعة وهو قول الشافعي والسنة أحق أن تتبع * (مسألة) * (ويبدأ بالصلاة فيصلي ركعتين) وجملة ذلك انه يبدأ في العيد بالصلاة قبل الخطبة لا نعلم في ذلك خلافا إلا ما روي عن بني أمية وقيل انه يروى عن عثمان وابن الزبير انهما فعلا ذلك ولا يصح عنهما، وخلاف بني أمية مسبوق بالاجماع فلا يعتد به ولانه مخالف لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة ولخلفائه الراشدين فان ابن عمر قال ان النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم كانوا يصلون العيدين

[ 237 ]

قبل الخطبة. متفق عليه، وقد أنكر على بني أمية فعلهم وعد منكرا وبدعة فروي طارق بن شهاب قال قدم مروان الخطبة قبل الصلاة فقام رجل فقال خالفت السنة كانت الخطبة بعد الصلاة، فقال ترك ذلك يا أبا فلان: فقام أبو سعيد فقال أما هذا المتكلم فقد قضى ما عليه قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فان لم يستطع فلينكره بلسانه فمن لم يستطع فلينكره بقلبه وذلك أضعف الايمان " رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة عن قيس بن مسلم عن طارق، ورواه مسلم بمعناه. فعلى هذا من خطب قبل الصلاة فهو كمن لم يخطب لانه خطب في غير محل الخطبة أشبه ما لو خطب في الجمعة بعد الصلاة (فصل) ولا خلاف بين أهل العلم أن صلاة العيد ركعتان وذلك المتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم انه فعل ذلك وفعله الائمة بعده وقد قال عمر رضي الله عنه: صلاة العيد ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم وقد خاب من افترى

[ 238 ]

* (مسألة) * (يكبر في الاولى بعد الاستفتاح وقبل التعوذ ستا وفي الثانية بعد القيام من السجود خمسا) السنة أن يستفتح بعد تكبيرة الاحرام ثم يكبر تكبيرات العيد ثم يتعوذ ثم يقرأ. هذا المشهور في المذهب ومذهب الشافعي، وعن الامام أحمد ان الاستفتاح بعد التكبيرات اختارها الخلال وصاحبه وهو قول الاوزاعي لان الاستفتاح يلي الاستعاذة. قال أبو يوسف يتعوذ قبل التكبير لئلا يفصل بين الاستفتاح والاستعاذة ولنا ان الاستفتاح يشرع لافتتاح الصلاة فكان في أولها كسائر الصلوات والاستعاذة شرعت للقراءة فهي تابعة لها فتكون عند الابتداء بها لقول الله تعالى (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) وانما جمع بينهما في سائر الصلوات لان القراءة تلي الاستفتاح من غير فاصل فلزم أن يليه ما يكون في أولها بخلاف مسئلتنا وأيما فعل كان جائزا (فصل) وعدد التكبيرات في الركعة الاولى ست تكبيرات غير تكبيرة الاحرام، وفي الثانية خمس سوى تكبيرة القيام نص عليه أحمد فقال يكبر في الاولى سبعا مع تكبيرة الاحرام ولا يعتد بتكبيرة الركوع لان بينهما قراءة ويكبر في الركعة الثانية خمس تكبيرات ولا يعتد بتكبيرة النهوض ثم يقرأ في الثانية ثم يكبر ويركع وروي ذلك عن فقهاء المدينة السبعة وعمر بن عبد العزيز والزهري ومالك والمزني، وروي عن أبي هريرة وأبي سعيد وابن عباس وابن عمر ويحيى الانصاري قالوا يكبر في الاولى سبعا وفي الثانية خمسا وبه قال الشافعي وأسحق إلا انهم قالوا يكبر سبعا في الاولى سوى تكبيرة الاحرام لقول عائشة رضي الله عنها وعن أبيها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في العيدين اثنتى عشرة تكبيرة سوى تكبيرة الافتتاح رواه الدارقطني، وروي عن ابن عباس وأنس والمغيرة بن شعبة وسعيد بن المسيب والنخعي يكبر سبعا. وقال أبو حنيفة والثوري في الاولى

[ 239 ]

والثانية ثلاث ثلاث لما روى أبو موسى قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر تكبيره على الجنازة ويوالى بين القراءتين رواه أبو داود، وروى أن سعيد بن العاص سأل أبا موسى وحذيفة كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في الاضحى والفطر؟ فقال أبو موسى كان يكبر أربعا تكبيره على الجنازة. فقال حذيفة صدق ولنا ما روى كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر في العيدين في الاولى سبعا قبل القراءة وفي الثانية خمسا قبل القراءة رواه الاثرم وابن ماجه والترمذي وقال هو حديث حسن وهو أحسن حديث في الباب، وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر في الفطر والاضحى في الاولى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمسا سوى تكبيرتي الركوع رواه أبو داود. قال ابن عبد البر قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق كثيرة حسان انه كبر في العيد سبعا في الاولى وخمسا في الثانية من حديث عبد الله بن عمرو وابن عمر وجابر وعائشة وأبي واقد وعمرو بن عوف ولم يرو عنه من وجه قوي ولا ضعيف خلاف هذا وهو أولى ما عمل به وحديث عائشة المعروف عنها كما رويناه وحديثهم انما رواه الدارقطني من رواية ابن لهيعة، وحديث أبي موسى ضعيف يرويه أبو عائشة جليس لابي هريرة وهو غير معروف والله أعلم * (مسألة) * (ويرفع يديه مع كل تكبيرة) يستحب أن يرفع يديه في حال تكبيره كرفعهما مع تكبيرة الاحرام وبه قال عطاء والاوزاعي وأبو حنيفة والشافعي. وقال مالك والثوري لا يرفعهما فيما عدا تكبيرة الاحرام لانها تكبيرات في أثناء الصلاة أشبهت تكبيرات الركوع

[ 240 ]

ولنا ما روي ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه مع التكبير. قال أحمد أما أنا فأرى أن هذا الحديث يدخل فيه هذا كله. وروي عن ابن عمر انه كان يرفع يديه في كل تكبيرة في الجنازة وفي العيد رواه الاثرم ولم يعرف له مخالف في الصحابة. فأما تكبيرات الركوع قلنا فيها منع، وإن سلم فلان هذه يقع طرفاها في حال القيام فهي بمنزلة تكبيرة الافتتاح والله أعلم * (مسألة) * (ويقول الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، وصلى الله على محمد النبي وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، وإن أحب قال غير ذلك) وجملة ذلك انه متى فرغ من الاستفتاح في صلاة العيد حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم فعل ذلك بين كل تكبيرتين وإن قال ما ذكرها هنا فحسن لكونه يجمع ذلك كله، وإن قال غيره نحو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أو ما شاء من الذكر فجائز وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة ومالك والاوزاعي يكبر متواليا لا ذكر بينه لانه لو كان بينه ذكر مشروع

[ 241 ]

لنقل كما نقل التكبير ولانه ذكر من جنس مسنون فكان متواليا كالتسبيح في الركوع والسجود ولنا ما روى علقمة ان عبد الله بن مسعود وحذيفة وأبا موسى خرج عليهم الوليد بن عقبة قبل العيد يوما فقال لهم إن هذا العيد قد دنا فكيف التكبير فيه؟ فقال عبد الله تبدأ فتكبر تكبيرة تفتتح بها الصلاة وتحمد ربك وتصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم تدعو وتكبر وتفعل مثل ذلك ثم تدعو وتكبر وتفعل مثل ذلك ثم تدعو وتكبر وتفعل مثل ذلك ثم تدعو وتكبر وتفعل مثل ذلك ثم تدعو وتكبر وتفعل مثل ذلك ثم تقرأ ثم تكبر وتركع ثم تقوم فتقرأ وتحمد ربك وتصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم تدعو وتكبر وتفعل مثل ذلك ثم تكبر وتفعل مثل ذلك ثم تركع. فقال حذيفة وأبو موسى صدق أبو عبد الرحمن رواه الاثرم، ولانها تكبيرات حال القيام فاستحب أن يتخللها ذكر كتكبيرات الجنازة وتفارق التسبيح فانه ذكر يخفى ولا يظهر بخلاف التكبير، وقياسهم ينتقض بتكبيرات الجنازة. قال القاضي يقف بين كل تكبيرتين بقدر آية متوسطة وهذا قول الشافعي * (مسألة) * (ثم يقرأ بعد الفاتحة في الاولى بسبح وفي الثانية بالغاشية ويجهر بالقراءة) لا خلاف بين أهل العلم في انه يشرع أن يقرأ في كل ركعة من صلاة العيد بفاتحة الكتاب وسورة وانه يسن الجهر في القراءة فيما نعلم إلا انه روي عن علي انه كان إذا قرأ في العيدين أسمع من يليه ولم يجهر ذلك الجهر. وقال ابن المنذر أكثر أهل العلم يرون الجهر بالقراءة، وفي أخبار من أخبر بقراءة النبي صلى الله عليه وسلم فيها دليل على انه كان يجهر ولانها صلاة عيد أشبهت الجمعة. ويستحب أن يقرأ في الاولى بسبح اسم ربك الاعلى وفي الثانية بالغاشية نص عليه أحمد لان النعمان بن بشير قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة بسبح اسم ربك الاعلى

[ 242 ]

وهل أتاك حديث الغاشية وربما اجتمعا في يوم واحد فقرأ بهما رواه مسلم. وقال الشافعي يقرأ بقاف واقتربت وحكاه ابن أبي موسى عن أحمد لما روي أن عمر سأل أبا واقد الليثي ماذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ به في الفطر والاضحى؟ فقال كان يقرأ بقاف والقرآن المجيد واقتربت الساعة وانشق القمر رواه مسلم. قال أبو حنيفة ليس فيه شئ مؤقت وحكاه ابن عقيل رواية عن أحمد، وكان ابن مسعود يقرأ بالفاتحة وسورة من المفصل ومهما قرأ به كان حسنا إلا أن ما ذكرناه أحسن لانه كان مذهبا لعمر رضي الله عنه وعمل به ولانه قد رواه مع النعمان ابن عباس وسمرة ولان في (سبح) الحث عل الصلاة وزكاة الفطر على ما قاله سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز في تفسير قوله تعالى (قد أفلح من تزكى) فاختصت الفضيلة به كاختصاص الجمعة بسورتها * (مسألة) * (وتكون بعد التكبير في الركعتين وعنه يوالي بين القراءتين) المشهور عن أحمد رحمه الله أن القراءة تكون بعد التكبير في الركعتين روي ذلك عن أبي هريرة والفقهاء السبعة وعمر بن عبد العزيز والزهري ومالك والشافعي والليث، وروى عن أحمد انه يوالي بين القراءتين ومعناه انه يكبر في الاولى قبل القراءة وفي الثانية بعدها اختارها أبو بكر وروي ذلك عن ابن مسعود وحذيفة وأبي موسى وأبي مسعود البدري والحسن وابن سيرين والثوري وهو قول أصحاب الرأي لما ذكرنا من حديث ابن مسعود، وعن أبي موسى قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر تكبيره على الجنازة ويوالي بين القراءتين رواه أبو داود ولنا ما روت عائشة ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر في العيدين سبعا وخمسا قبل القراءة رواه أحمد في المسند. وعن عبد الله بن عمر قال قال نبي الله صلى الله عليه وسلم " التكبير في الفطر

[ 243 ]

سبع في الاولى وخمس في الآخرة والقراءة بعدهما كلتيهما رواه أبو داود والاثرم ورواه ابن ماجه عن سعد مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، وحديث أبي موسى ضعيف قاله الخطابي وليس في رواية أبي داود انه والى بين القراءتين * (مسألة) * (فإذا سلم خطب خطبتين يجلس بينهما يفتتح الاولى بتسع تكبيرات، والثانية بسبع يحثهم في خطبة الفطر على الصدقة ويبين لهم ما يخرجون، ويرغبهم في الاضحية في الاضحى ويبين لهم حكم الاضحية) الخطبتان مشروعتان بعد صلاة العيد ويستحب الجلوس بينهما لما روى جابر قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فطر أو أضحى فخطب قائما ثم قعد قعدة ثم قام رواه ابن ماجه ويكونان بعد الصلاة وقد ذكرنا ذلك وصفتها كصفة خطبتي الجمعة قياسا عليهما إلا أنه يستفتح الاولى بتسع تكبيرات متواليات، والثانية بسبع متواليات. قال القاضي وإن جعل بينهما تهليلا أو ذكرا فحسن

[ 244 ]

لما روى سعيد حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبيد الله بن عبد الله قال يكبر الامام يوم العيد على المنبر قبل أن يخطب بتسع تكبيرات ثم يخطب وفي الثانية بسبع تكبيرات، وروى عنه انه قال هو من السنة ذكره البغوي. ويستحب أن يكثر التكبير في اضعاف خطبته لما روى سعد مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم انه صلى الله عليه وسلم كان يكثر التكبير في خطبة العيدين بين اضعاف الخطبة رواه ابن ماجه (1) وإذا كبر في أثناء الخطبة كبر الناس بتكبيره. وقد روي عن أبي موسى انه كان يكبر يوم العيد على المنبر ثلاثين أو أربعين تكبيرة، ويستحب أن يجلس إذا صعد المنبر قبل الخطبة ليستريح كالجمعة وقيل لا يجلس لان الجلوس في الجمعة للاذان ولا أذان ها هنا (فصل) فان كان فطرا يحثهم على الصدقة ويبين لهم وجوب صدقة الفطر وثوابها وقدر المخرج وجنسه وعلى من تجب ووقتها، وإن كان أضحى ذكر لهم الاضحية وفضلها وتأكد استحبابها وما يجزي منها وما لا يجزي ووقت الذبح وصفة تفريقها وما يقول عند ذبحها ليعملوا بذلك. وقد روى أبو سعيد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج يوم الاضحى ويوم الفطر فيبدأ بالصلاة فإذا صلى صلاته وسلم قام فأقبل على الناس وهم جلوس في مصلاهم فان كان له حاجة ببعث ذكره للناس أو كانت له حاجة بغير ذلك أمرهم بها كان يقول " تصدقوا تصدقوا " وكان أكثر من يتصدق النساء متفق عليه واللفظ لمسلم. وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها أخرى، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وقد أصاب سنة المسلمين "


" 1 " هو ضعيف ولفظه محرف وصوابه كما في المغني أعلاه

[ 245 ]

* (مسألة) * (والتكبيرات الزوائد والذكر بينهما والخطبتان سنة) لا تبطل بتركه الصلاة عمدا ولا سهوا بغير خلاف علمناه، فان نسي التكبير حتى شرع في القراءة لم يعد إليه، ذكره ابن عقيل وهو أحد قولي الشافعي لانه سنة فلم يعد إليه بعد الشروع في القراءة كالاستفتاح. وقال القاضي فيه وجه آخر أنه يعود إليه وهو قول مالك وأبي ثور والقول الثاني للشافعي لانه ذكره في محله فيأتي به كما قبل الشروع في القراءة لان محله القيام وقد ذكره فيه. فعلى هذا يقطع القراءة ويكبر ثم يستأنفها لانه قطعها متعمدا بذكر طويل، وإن كان المنسي يسيرا احتمل أن يبنى لانه يسير أشبه ما لو قطعها بقول أمين، واحتمل أن يبتدئ لان محل التكبير قبل القراءة ومحل القراءة بعد التكبير، فان ذكر التكبير بعد القراءة فأتى به لم يعد القراءة لانها وقعت موقعها، وإن لم يذكره حتى ركع سقط وجها واحدا لفوات محله، وكذلك المسبوق إذا أدرك الركوع لم يكبر فيه. وقال أبو حنيفة يكبر فيه لانه بمنزلة القيام بدليل ادراك الركعة به ولنا انه ذكر مسنون حال القيام فلم يأت به في الركوع كالاستفتاح وقراءة السورة والقنوت عنده وانما أدرك الركعة بادراكه لانه أدرك معظمها ولم يفته إلا القيام وقد حصل منه ما يجزي في تكبيرة الاحرام. وأما المسبوق إذا أدرك الامام بعد تكبيره فقال ابن عقيل يكبر لانه أدرك محله، ويحتمل ألا يكبر لانه مأمور بالانصات لقراءة الامام. فعلى هذا ان كان يسمع أنصت وإن كان بعيدا كبر (فصل) وإذا شك في عدد الركعات بنى على اليقين فان كبر ثم شك هل نوى تكبيرة الاحرام

[ 246 ]

أو لا ابتدأ الصلاة هو والمأمومون لان الاصل عدم النية إلا أن يكون وسواسا فلا يلتفت إليه (فصل) والخطبتان سنة لا يجب حضورها ولا استماعها لما روى عبد الله بن السائب قال شهدت مع رسول الله عليه وسلم العيد فلما قضى الصلاة قال " إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس ومن أحب أن يذهب فليذهب " رواه أبو داود وقال هو مرسل ورواه ابن ماجه والنسائي. قال شيخنا وانما أخرت الخطبة عن الصلاة والله أعلم لانها لما لم تكن واجبة جعلت في وقت يتمكن من أراد تركها من تركها بخلاف خطبة الجمعة. وذكر ابن عقيل في وجوب الانصات لها روايتين: احداهما يجب كالجمعة والثاني لا يجب لان الخطبة غير واجبة فلم يجب الانصات لها كسائر السنن والاذكار والاستماع لها أفضل وقد روي عن الحسن وابن سيرين انهما كرها الكلام يوم العيد والامام يخطب. وقال ابراهيم يخطب الامام يوم العيد قدر ما يرجع النساء إلى بيوتهن، وهذا يدل على أنه لا يستحب لهن الجلوس لاستماع الخطبة لئلا يختلطن بالرجال، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم في موعظته النساء بعد فراغه من خطبته دليل على انهن لم ينصرفن، وسنته صلى الله عليه وسلم أولى بالاتباع (فصل) ويستحب أن يخطب قائما لما روى جابر قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فطر أو أضحى فخطب قائما ثم قعد ثم قام رواه ابن ماجه، وإن خطب قاعدا فلا بأس لانها غير واجبة أشبهت صلاة النافلة، وإن خطب على راحلته فحسن لما روى سلمة بن نبيط عن أبيه انه حج فقال

[ 247 ]

رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب على بعيره رواه ابن ماجه. وعن أبي جميلة قال رأيت عليا عليه السلام صلى يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة ثم خطب على دابته، ورأيت عثمان بن عفان رضي الله عنه يخطب على راحلته رواه سعيد * (مسألة) * (ولا يتنفل قبل صلاة العيد ولا بعدها في موضع الصلاة) يكره التنفل قبل صلاة العيد وبعدها في موضع الصلاة للامام والمأموم سواء كان في المصلى أو المسجد وهو مذهب ابن عباس وابن عمر، وروي عن علي وابن مسعود وحذيفة وبريدة وسلمة بن الاكوع وجابر وابن أبي أوفى وبه قال شريح وعبد الله بن مغفل ومسروق والضحاك والقاسم والشعبي قال الزهري لم أسمع أحدا من علمائنا يذكر ان أحدا من سلف هذه الامة كان يصلي قبل تلك ولا بعدها يعني صلاة العيد. وقال ما صلى قبل العيد بدري ونهى عنه أبو مسعود البدري. وروي أن عليا رضي الله عنه رأى قوما يصلون قبل العيد فقال ما كان هذا يفعل على عهد رسول الله عليه وسلم. قال أحمد: أهل المدينة لا يتطوعون قبلها ويتطوعون بعدها وهذا قول علقمة والاسود ومجاهد والنخعي والثوري وأصحاب الرأي، وقال مالك كقولنا في المصلى وله في المسجد روايتان: احداهما يتطوع لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين " وقال

[ 248 ]

الشافعي يكره ذلك للامام لانه يستحب له التشاغل عن الصلاة ولا يكره للمأموم لانه وقت لم ينه عن الصلاة فيه أشبه ما بعد الزوال ولنا ما روى ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم الفطر فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما متفق عليه ولانه اجماع كما حكاه الزهري وغيره ولانه وقت نهى الامام عن التنفل فيه فكره للمأموم كسائر أوقات النهى وكما قبل الصلاة عند أبي حنيفة وكما لو كان في المصلى عند مالك والحديث الذي ذكره مالك مخصوص بما ذكرنا من المعنى. وقال الاثرم قلت لاحمد قال سليمان بن حرب انما ترك النبي صلى الله عليه وسلم التطوع لانه كان إماما، قال أحمد فالذين رووا هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتطوعوا، ثم قال: ابن عمر وابن عباس هما روياه وأخذا به يشير والله أعلم إلى أن عمل راوي الحديث به تفسير له وتفسيره يقدم على تفسير غيره ولو كانت الكراهة للامام كيلا يشتغل عن الصلاة لاختصت بما قبل الصلاة إذ لم يبق بعدها ما يشتغل به، وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر في صلاة العيد سبعا وخمسا ويقول: " لا صلاة قبلها ولا بعدها " رواه ابن بطة باسناده (فصل) قيل لاحمد فان كان لرجل صلاة في ذلك الوقت قال أخاف أن يقتدى به. قال ابن

[ 249 ]

عقيل كره أحمد أن يتعمد لقضاء صلاة وقال أخاف أن يقتدوا به (فصل) وانما يكره التنفل في موضع الصلاة فأما في غيره فلا بأس به، وكذلك لو خرج منه ثم عاد إليه بعد الصلاة. قال عبد الله بن أحمد سمعت أبي يقول روي عن ابن عمر وابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل قبلها ولا بعدها ورأيته يصلي بعدها ركعات في البيت وربما صلاها في الطريق يدخل بعض المساجد. وروي عن أبي سعيد قال كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلي قبل العيد شيئا فإذا دخل إلى منزله صلى ركعتين رواه ابن ماجه * (مسألة) * (ومن كبر قبل سلام الامام صلى ما فاته على صفته) لانه أدرك بعض الصلاة التي ليست مبدلة من أربع فقضاها على صفتها كسائر الصلوات، وإن أدرك معه ركعة وقلنا ما يقضيه المسبوق أول صلاته كبر في الذي يقضيه سبعا، وان قلنا أخر صلاته كبر خمسا على ما ذكرنا من الاختلاف من قبل (فصل) فان أدركه في الخطبة فان كان في المسجد فقال شيخنا يصلي تحية المسجد لانها إذا صليت في خطبة الجمعة مع وجوب الانصات لها ففي خطبة العيد أولى، ولا يكون حكمه في ترك التحية

[ 250 ]

حكم من أدرك العيد. وقال القاضى يجلس ويستمع الخطبة ولا يصلي لما ذكرنا من الادلة قبل ولان صلاة العيد تفارق صلاة الجمعة لان التطوع قبلها وبعدها مكروه بخلاف صلاة الجمعة، وان لم يكن في المسجد جلس فاستمع ولم يصل لئلا يشتغل عن استماع الخطبة ثم ان أحب قضاء صلاة العيد قضاها على ما نذكره * (مسألة) * (وإن فاتته الصلاة استحب أن يقضيها على صفتها وعنه يقضيها أربعا وعنه انه مخير بين ركعتين وأربع) وجملة ذلك انه لا يجب قضاء صلاة العيد على من فاتته لانها فرض كفاية وقد قام بها من حصلت به الكفاية وان أحب قضاءها استحب له أن يقضيها على صفتها نقل ذلك عن أحمد اسماعيل بن سعيد واختاره الجوزجاني وهو قول النخعي ومالك والشافعي وأبي ثور لما روي عن أنس انه كان إذا لم يشهد العيد مع الامام بالبصرة جمع أهله ومواليه ثم قام عبد الله بن أبي عتبة مولاه فيصلي بهم ركعتين يكبر فيهما ولانها قضاء صلاة فكانت على صفتها كسائر الصلوات وهو مخير إن شاء صلاها في جماعة كما ذكرنا عن أنس وان شاء صلاها وحده وعنه انه يقضيها أربعا اما بسلام واحد أو بسلامين وهو قول الثوري لما روي عن عبد الله بن مسعود انه قال من فاته العيد فليصل أربعا. وروي عن علي انه قال ان أمرت رجلا أن يصلي بضعفة الناس أمرته أن يصلي أربعا رواهما سعيد ولانه قضاء صلاة عيد فكانت أربعا كقضاء الجمعة، وعنه انه مخير بين ركعتين وأربع وهذا قول الاوزاعي لانها صلاة تطوع أشبهت صلاة الضحى * (مسألة) * (ويستحب التكبير في ليلتي العيدين)

[ 251 ]

يستحب اظهار التكبير في ليلتى العيدين في المساجد والطرق والاسواق والمسافر والمقيم فيه سوءا لقوله تعالى (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم) قال بعض أهل العلم لتكملوا عدة رمضان ولتكبروا الله عند كماله على ما هداكم، ويستحب رفع الصوت به وانما استحب ذلك لما فيه من اظهار شعائر الاسلام وتذكير الغير، وكان ابن عمر يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ويكبر أهل الاسواق حتى ترتج منى تكبيرا. قال أحمد كان ابن عمر يكبر في العيدين جميعا. والتكبير في الفطر آكد لورود النص فيه وليس التكبير واجبا. وقال داود هو واجب في الفطر لظاهر الآية ولنا انه يكبر في عيد فلم يكن واجبا كتكبير الاضحى، والآية ليس فيها أمر انما أخبر الله تعالى عن ارادته فقال (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) إلى قوله (ولتكبروا الله على ما هداكم) ويستحب أن يكبر في طريق العيد ويجهر بالتكبير. قال ابن أبي موسى يكبر الناس في خروجهم من منازلهم لصلاتي العيدين جهرا حتي يأتي الامام المصلى فيكبر الناس بتكبير الامام في خطبته وينصتون فيما سوى ذلك. وقد روى سعيد باسناده عن ابن عمر انه كان إذا خرج من بيته إلى العيد كبر حتى يأتي المصلى، وروي عن سعيد بن جبير وابن أبى ليلى. قال القاضي التكبير في الفطر مطلق غير مقيد على ظاهر كلامه يعني لا يختص بادبار الصلوات وهو ظاهر كلام الخرقي لان قوله تعالى (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم) غير مختص بوقت. وقال أبو الخطاب يكبر من غروب الشمس من ليلة الفطر إلى خروج الامام إلى الصلاة في احدى الروايتين وهو قول الشافعي، وفي الاخرى إلى فراغ الامام من الصلاة * (مسألة) * (وفي الاضحى يكبر عقيب كل فريضة في جماعة وعنه يكبر، وإن كان وحده من

[ 252 ]

صلاة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق) وجملة ذلك ان التكبير في الاضحى مطلق ومقيد فالمطلق التكبير في جميع الاوقات من أول العشر إلى آخر أيام التشريق لقوله تعالى (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات) وقال (واذكروا الله في أيام معددودات) فالايام المعلومات أيام العشر والمعدودات أيام التشريق قاله ابن عباس. قال البخاري كان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما وروي أن ابن عمر كان يكبر بمنى في تلك الايام خلف الصلوات وعلى فراشه وفي فسطاطه ومجلسه وممشاه تلك الايام جميعا ويكبر في قبته حتى ترتج منى تكبيرا (فصل) وأما المقيد فهو التكبير في ادبار الصلوات ولا خلاف بين العلماء في مشروعية التكبير في عيد النحر وانما اختلفوا في مدتة فذهب أحمد رحمه الله إلى انه من صلاة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق وهو قول عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم واليه ذهب الثوري وابن عيينة وأبو يوسف ومحمد وهو قول للشافعي. وعن ابن مسعود انه كان يكبر من غداة عرفة إلى العصر من يوم النحر واليه ذهب النخعي وعلقمة وأبو حنيفة لقوله تعالى (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات) وهي أيام العشر، وأجمعنا على انه لا يكبر قبل عرفة فلم يبق إلا يوم عرفة ويوم النحر. وعن ابن عمر وعمر بن عبد العزيز ان التكبير من صلاة الظهر يوم النحر إلى الفجر من

[ 253 ]

آخر أيام التشريق وبه قال مالك والشافعي في المشهور عنه لان الناس تبع للحاج يقطعون التلبية مع أول حصاة ويكبرون مع الرمي وانما يرمون يوم النحر، وأول صلاة بعد ذلك الظهر وآخر صلاة بمنى الفجر من اليوم الثالث من أيام التشريق ولنا ما روى جابر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الصبح من غداة عرفة أقبل على أصحابه فيقول " على مكانكم " ويقول الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد " فيكبر من غداة عرفة إلى العصر من آخر ايام التشريق. وعن علي وعمار ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر يوم عرفة صلاة الغداة ويقطعها صلاة العصر آخر أيام التشريق رواهما الدارقطني إلا انهما من رواية عمر بن شمر عن جابر الجعفي وقد ضعفا ولانه قول عمر وعلي وابن عباس رواه سعيد عنهم. قيل لاحمد بأي حديث تذهب إلى التكبير من صلاة الفجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق؟ قال لاجماع عمر وعلي وابن عباس ولان الله تعالى قال (واذكروا الله في أيام معدودات) وهي أيام التشريق فيتعين الذكر في جميعها، وأما قوله تعالى (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات) فمحول على ذكر الله على الهدايا والاضاحي عند رؤيتها فانه مستحب في جميع العشر وهو أولى من تفسيرهم لانهم لم يعملوا به في كل العشر ولا في أكثره، ولو صح تفسيرهم فقد أمر الله بالذكر في أيام معدودات وهى أيام التشريق فيعمل به أيضا، وأما المحرم فانما لم يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة

[ 254 ]

لاشتغاله عنها بالتلبية كما ذكروا، وغيره يبتدئ من غداة يوم عرفة لعدم المنافع، وقولهم ان الناس في هذا تبع للحاج مجرد دعوى بغير دليل وقولهم ان آخر صلاة يصلونها بمنى الفجر من آخر أيام التشريق ممنوع لان الرمي انما يكون بعد الزوال (فصل) والتكبير المقيد انما يكون عقيب الصلوات المكتوبات في الجماعات في المشهور عن أحمد. قال الاثرم قلت لابي عبد الله اذهب إلى فعل ابن عمر انه كان يكبر إذا صلى وحده؟ قال نعم. وقال ابن مسعود انما التكبير على من صلى في جماعة وهذا مذهب الثوري وأبي حنيفة وعنه رواية أخرى انه يكبر عقيب الفرائض وإن كان وحده وهذا مذهب مالك لانه ذكر مستحب للمسبوق فاستحب للمنفرد كالسلام. قال الشافعي يكبر عقيب كل صلاة فريضة كانت أو نافلة منفردا أو في جماعة قياسا على الفرض في الجماعة. ولنا انه قول ابن مسعود وفعل ابن عمر ولا مخالف لهما في الصحابة فكان اجماعا (فصل) فأما المحرم فانه يبتدئ التكبير من صلاة الظهر يوم النحر لانه يكون مشغولا بالتلبية قبل ذلك وأول صلاة بعد قطع التلبية الظهر (فصل) والمسافرون كالمقيمين فيما ذكرنا لعموم النص. وحكم النساء حكم الرجال في انهن يكبرن في الجماعة وفي الانفراد روايتان. وقال البخاري كان النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان

[ 255 ]

وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد، وينبغي أن يخفضن أصواتهن حتى لا يسمعهن الرجال، وعن أحمد انهن لا يكبرن لانه ذكر يشرع فيه رفع الصوت فلم يشرع في حقهن كالاذان (فصل) والمسبوق ببعض الصلاة يكبر إذا فرغ من قضاء ما فاته نص عليه أحمد وبه قال أكثر أهل العلم. وقال الحسن يكبر ثم يقضي لانه ذكر شرع في آخر الصلاة فيأتي به المسبوق قبل القضاء كالتشهد. وعن مجاهد ومكحول يكبر ثم يقضي ثم يكبر لذلك ولنا انه ذكر مشروع بعد الصلاة فلم يأت به في أثناء الصلاة كالتسليمة الثانية والدعاء بعدها وان كان على المصلي سجود سهو بعد السلام سجد ثم كبر وبه قال الثوري والشافعي وإسحق وأصحاب الرأي لانه سجود مشروع للصلاة فكان التكبير بعده وبعد تشهده كسجود صلبها (فصل) وإذا فاتته صلاة من أيام التشريق أو من غيرها فقضاها فيها فحكمها حكم المؤداة في التكبير لانها مفروضة في أيام التشريق، وان فاتته في أيام التشريق فقضاها في غيرها لم يكبر لان التكبير مقيد بالوقت فلم يفعل في غيره كالتلبية، ويكبر مستقبل القبلة. قال أبو بكر وعليه العمل وحكاه أحمد عن ابراهيم لانه ذكر مختص بالصلاة أشبه الاذان والاقامة، ويحتمل أن يكبر كيفما شاء لما روى جابر ان النبي صلى الله عليه وسلم أقبل عليهم فقال " الله أكبر الله أكبر " * (مسألة) * (وإن نسي التكبير قضاه ما لم يحدث أو يخرج من المسجد لانه مختص بالصلاة) أشبه سجود السهو، فعلى هذا إن ذكره في المسجد بعد أن قام عاد إلى مكانه فجلس واستقبل القبلة فكبر وقال الشافعي يكبر ماشيا. قال شيخنا وهو أقيس لانه ذكر مشروع بعد الصلاة أشبه سائر الذكر، فان ذكره بعد خروجه من المسجد لم يكبر لما ذكرنا وهو قول أصحاب الرأي، ويحتمل أن يكبر لانه ذكر بعد الصلاة فاستحب وإن خرج كالدعاء والذكر المشروع بعد الصلاة وإن نسيه حتى أحدث فقال أصحابنا لا يكبر سواء أحدث عامدا أو ساهيا لان الحدث يقطع الصلاة عمده وسهوه، وبالغ ابن عقيل فقال إن تركه حتى تكلم لم يكبر

[ 256 ]

قال الشيخ والاولى ان شاء الله أنه يكبر لان ذلك ذكر منفرد بعد سلام الامام فلا يشترط له الطهارة كسائر الذكر ولان اشتراط الطهارة إما بنص أو معناه ولم يوجد، وإن نسيه الامام كبر المأموم وهذا قول الثوري لانه ذكر يتبع الصلاة أشبه سائر الذكر * (مسألة) * (وفي التكبير عقيب العيد وجهان) أحدهما يكبر اختاره أبو بكر. وقال القاضي: هو ظاهر كلام أحمد لانها صلاة مفروضة في جماعة

[ 257 ]

فأشبهت الفجر. والثاني لا يسن قاله أبو الخطاب لانها ليست من الصلوات الخمس أشبهت النوافل والاول أولى لان هذه الصلاة أخص بالعيد فكانت أحق بتكبيره * (مسألة) * (وصفة التكبير شفعا الله أكبر الله أكبر لا إله الا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد) وهذا قول عمر وعلي وابن مسعود وبه قال الثوري وأبو حنيفة وإسحق وابن المبارك إلا انه زاد، على ما هدانا لقوله تعالى (ولتكبروا الله على ما هداكم) وقال مالك والشافعي يقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثلاثا لان جابرا صلى في أيام التشريق فلما فرغ من صلاته قال الله أكبر الله أكبر الله أكبر رواه ابن ماجه وهذا لا يقوله إلا توقيفا ولان التكبير شعار العيد فكان وترا كتكبير الصلاة والخطبة

[ 258 ]

ولنا خبر جابر المذكور وهو نص في كيفية التكبير وانه قول الخليفتين الراشدين وقول ابن مسعود وقول جابر لا يسمع مع قول النبي صلى الله عليه وسلم ولا يقدم على قول أحد ممن ذكرنا فكيف قدموه على قول الجميع مع تقدمهم عليه في الفضل والعلم وكثرتهم ولانه تكبير خارج الصلاة فكان شفعا كتكبير الاذان وقولهم ان جابرا لا يفعله إلا توقيفا لا يصح لوجوه أحدها انه قد روى خلاف قوله فكيف يترك ما صرح به لاحتمال وجود ضده، والثاني انه إن كان قول توقيفا فقول من ذكرنا توقيف وهو مقدم

[ 259 ]

على قوله بما بينا، والثالث أن هذا ليس مذهبا لهم، الرابع ان قول الصحابي انما يحمل على التوقيف إذا خالف الاصول وذكر الله تعالى لا يخالف الاصل لاسيما إذا كان وترا (فصل) ولا بأس أن يقول للرجل في يوم العيد تقبل الله منا ومنك. قال حرب سألت أحمد عن قول الناس في العيدين تقبل الله منا ومنكم؟ قال لا بأس به يرويه أهل الشام عن أبي أمامة قيل وواثلة بن الاسقع؟ قال نعم. وذكر ابن عقيل في ذلك أحاديث منها ان محمد بن زياد قال كنت مع أبي أمامة الباهلي وغيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكانوا إذا رجعوا من العيد يقول بعضهم لبعض تقبل الله منا ومنك، وقال اسناد حديث أبي أمامة اسناد جيد. قال مالك لم نزل نعرف هذا بالمدينة، وروي عن أحمد انه قال لا ابتدئ به أحدا وان قاله أحد رددت عليه (فصل) ولا بأس بالتعريف عشية عرفة بالامصار ذكره القاضي. وقال الاثرم سألت أبا عبد الله

[ 260 ]

عن التعريف بالامصار يجتمعون في المساجد يوم عرفة؟ قال أرجو ألا يكون به بأس قد فعله غير

[ 261 ]

واحد، وروى الاثرم عن الحسن قال: أول من عرف بالبصرة ابن عباس رحمه الله. وقال أحمد أول

[ 262 ]

من فعله ابن عباس وعمرو بن حريث، وقال أحمد لا بأس به انما هو دعاء وذكر الله. وقال

[ 263 ]

الحسن وبكر وثابت ومحمد بن واسع كانوا يشهدون المسجد يوم عرفة، قيل له فتفعله أنت؟ قال أما أنا فلا، وروي عن يحيى بن معين انه حضر مع الناس عشية عرفة

[ 264 ]

(فصل) ويستحب الاجتهاد في عمل الخير أيام العشر من الذكر والصيام والصدقة وسائر أعمال

[ 265 ]

البر لما روى ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما العمل في أيام أفضل منها في

[ 266 ]

هذه " يعني أيام العشر. قالوا ولا الجهاد؟ قال " ولا الجهاد إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم

[ 267 ]

يرجع بشئ " رواه البخاري. وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما من أيام

[ 268 ]

أعظم عند الله تعالى ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الايام العشر فاكثروا فيهن من التهليل

[ 269 ]

والتكبير والتحميد " رواه الامام أحمد.

[ 270 ]

.

[ 271 ]

.

[ 272 ]

.

[ 273 ]

* (باب صلاة الكسوف) * الكسوف والخسوف شئ واحد وكلاهما قد وردت به الاخبار القرآن بلفظ الخسوف * (مسألة) * (وإذا كسفت الشمس أو القمر فزع الناس إلى الصلاة جماعه وفرادى باذن الامام (1) وغير إذنه) صلاة الكسوف سنة مؤكدة لان النبي صلى الله عليه وسلم فعلها وأمر بها ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في مشروعيتها لكسوف الشمس. فأما خسوف القمر فأكثر أهل العلم على انها مشروعة له فعلها ابن عباس وبه قال عطاء والحسن والنخعي والشافعي وإسحق، وقال مالك ليس لكسوف القمر سنة وحكى عنه ابن عبد البر. وعن أبي حنيفة انهما قالا يصلي الناس لخسوف القمر وحدانا ركعتين ركعتين ولا يصلون جماعة لان في خروجهم إليها مشقة ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فصلوا " متفق عليه. فأمر بالصلاة لهما أمرا واحدا. وعن ابن عباس انه صلى بأهل البصرة في خسوف القمر ركعتين وقال انما صليت لاني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، ولانه أحد الكسوفين فأشبه كسوف الشمس، ويسن فعلها جماعة وفرادى وبه قال مالك والشافعي. وحكي عن الثوري انه قال إن صلاها الامام فصلوها معه وإلا فلا.


(1) يعني الامام الاعظم وهو السلطان

[ 274 ]

ولنا قوله صلى الله عليه وسلم " فإذا رأيتموها فصلوا " ولانها نافلة فجازت في الانفراد كسائر النوافل، وفعلها في الجماعة أفضل لان النبي صلى الله عليه وسلم صلاها في جماعة. والسنة أن يصليها في المسجد لان النبي صلى الله عليه وسلم فعلها فيه لقول عائشة: خسفت الشمس في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إلى المسجد فصف الناس وراءه رواه. البخاري، ولان وقت الكسوف يضيق فلو خرج إلى المصلى احتمل التجلي قبل فعلها، ويشرع في الحضر والسفر باذن الامام وغير إذنه. وقال أبو بكر هي كصلاة العيد، فيها روايتان ولنا عموم قوله عليه السلام " فإذا رأيتموها فصلوا " ولانها نافلة أشبهت سائر النوافل. وتشرع في حق النساء لان عائشة وأسماء صلتا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه البخاري، ويسن أن ينادى لها الصلاة جامعة لما روى عبد الله بن عمرو قال لما كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله علية وسلم نودي بالصلاة جامعة متفق عليه. ولا يسن لها أذان ولا اقامة لان النبي صلى الله عليه وسلم صلاها بغير أذان ولا اقامة ولانها من غير الصلوات الخمس أشبهت سائر النوافل * (مسألة) * (ثم يصلي ركعتين يقرأ في الاولى بعد الفاتحة سورة طويلة ويجهر بالقراءة ثم يركع ركوعا طويلا ثم يرفع فيسمع ويحمد ويقرأ الفاتحة وسورة ويطيل وهو دون القيام الاول ثم يركع

[ 275 ]

ويطيل وهو دون الركوع الاول ثم يرفع ثم يسجد سجدتين طويلتين ثم يقوم إلى الثانية فيفعل مثل ذلك ثم يتشهد ويسلم) المستحب في صلاة الكسوف أن يصلي ركعتين يكبر تكبيرة الاحرام ثم يستفتح ويستعيذ ويقرأ الفاتحة وسورة البقرة أو قدرها، ثم يركع فيسبح قدر مائة آية ثم يرفع فيقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، ثم يقرأ الفاتحة وآل عمران أو قدرها ثم يركع فيسبح نحوا من سبعين آية ثم يرفع فيسمع ويحمد ثم يسجد سجدتين فيطيل السجود نحوا من الركوع ثم يقوم إلى الثانية فيقرأ الفاتحة وسورة النساء أو نحوها ثم يركع فيسبح نحوا من خمسين آية ثم يرفع ويسمع ويحمد ويقرأ الفاتحة وسورة المائدة ثم يركع فيطيل دون الذي قبله ثم يرفع ثم يسجد سجدتين طويلتين ثم يتشهد ويسلم ويجهر بالقراءة ليلا كان أو نهارا، وليس هذا التقدير في القراءة منقولا عن الامام أحمد رحمه الله تعالى ولكن قد نقل عنه ان الاولى أطول من الثانية وجاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما ان النبي صلى الله عليه وسلم قام قياما طويلا نحوا من سورة البقرة متفق عليه. وفي حديث لعائشة حزرت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيت انه قرأ في الركعة الاولى سورة البقرة وفي الثانية سورة آل عمران وبهذا قال مالك والشافعي إلا انهما قالا لا يطيل السجود حكاه ابن المنذر عنهما لان ذلك لم ينقل وقالا: لا يجهر في كسوف الشمس

[ 276 ]

ويجهر في كسوف القمر ووافقهم أبو حنيفة لقول عائشة حزرت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو جهر بالقراءة لم يحتج إلى الحزر، وكذلك قال ابن عباس قام قياما طويلا نحوا من سورة البقرة ولانها صلاة نهار فلم يجهر فيها كالظهر. وفي حديث سمرة قال فلم أسمع له صوتا. قال الترمذي هذا حديث صحيح. وقال أبو حنيفة يصلي ركعتين كصلاة التطوع لما روى النعمان بن بشير قال انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج فكان يصلي ركعتين حتى انجلت الشمس رواه أحمد، وروى قبيصة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " فإذا رأيتموها فصلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة " ولنا على انه يطيل السجود أن في حديث عائشة ثم رفع ثم سجد سجودا طويلا ثم قام قياما طويلا وهو دون القيام الاول ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الاول ثم سجد سجودا طويلا وهو دون السجود الاول. رواه البخاري. وفي حديث عبد الله بن عمرو في صفة صلاة الكسوف ثم سجد فلم يكد يرفع رواه أبو داود. وترك ذكره في حديث لا يمنع مشروعيته إذا ثبت عن النبي صلى الله عليه: وأما الجهر فروي عن علي رضي الله عنه انه فعله وهو مذهب أبي يوسف وإسحق وابن المنذر لما روت عائشة ان النبي صلى الله عليه وسلم جهر في صلاة الكسوف متفق عليه. وعنها أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الكسوف وجهر فيها. قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح ولانها

[ 277 ]

نافلة شرعت لها الجماعة فكان من سنتها الجهر كصلاة الاستسقاء. فأما قول عائشة حزرت قراءته ففي اسناده مقال لانه من رواية ابن إسحق، ويحتمل أن تكون سمعت صوته ولم تفهم للبعد أو قرأ من غير أول القرآن بقدر البقرة، ثم حديثنا صحيح صريح فكيف يعارض بمثل هذا، وحديث سمرة محمول على انه لم يسمع لبعده فان في حديثه ما يدل على هذا، وهو انه قال دفعته إلى المسجد وهو بازر يعني وهو مغتص بالزحام. ثم إن هذا نفي يحتمل أمورا كثيرة فكيف يترك لاجله الحديث الصحيح وقياسهم منتقض بما ذكرنا من القياس والدليل على صفة الصلاة التي ذكرناها ما روت عائشة قالت: خسفت الشمس في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فقام وكبر وصف الناس وراءه فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم قراءة طويلة ثم كبر فركع ركوعا طويلا ثم رفع رأسه فقال سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، ثم قام فاقترأ قراءة طويلة وهي أدنى من القراءة الاولى ثم كبر فركع ركوعا طويلا وهو أدنى من الركوع الاول ثم قال سمع الله لمن حمده وربنا ولك الحمد، ثم سجد ثم فعل في الركعة الاخرى مثل ذلك حتى استكمل أربع ركعات وأربع سجدات وانجلت الشمس قبل

[ 278 ]

أن ينصرف. وعن ابن عباس مثل ذلك وفيه انه قام في الاولى قياما طويلا نحوا من سورة البقرة متفق عليهما. فأما أحاديهم فغير معمول بها باتفاقنا فانهم قالوا يصلي ركعتين، وحديث النعمان فيه انه يصلي ركعتين، وحديث قبيصة مرسل وحديث النعمان يحتمل انه صلى ركعتين في كل ركعة ركوعين لان فيه جمعا بين الاحاديث ولو قدر التعارض كانت أحاديثنا أولى لصحتها وشهرتها واشتمالها على الزيادة والزيادة من الثقة مقبولة (فصل) ومهما قرأ به جاز سواء كانت القراءة طويلة أو قصيرة لما روت عائشة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي في كسوف الشمس والقمر أربع ركعات في أربع سجدات وقرأ في الاولى بالعنكبوت والروم وفي الثانية بيس أخرجه الدارقطني (فصل) وقال أصحابنا لا خطبة لصلاة الكسوف ولم يبلغنا عن أحمد رحمه الله في ذلك شئ. وهذا مذهب مالك وأصحاب الرأي، وقال إسحق وابن المنذر يخطب الامام بعد الصلاة، قال الشافعي يخطب كخطبتي الجمعة لان في حديث عائشة ان النبي صلى الله عليه وسلم انصرف وقد

[ 279 ]

انجلت الشمس فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال " ان الشمس والقمر آيتان من آيات الله عزوجل لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا " ثم قال " يا أمة محمد لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا " متفق عليه ولنا ان في هذا الخبر ما يدل على ان الخطبة لا تشرع لها لانه صلى الله عليه وسلم أمرهم بالصلاة والدعاء والتكبير والصدقة ولم يأمرهم بخطبة، ولو كانت سنة لامرهم بها وانما خطب النبي صلى الله عليه وسلم بعد الصلاة ليعلمهم حكمها، وهذا مختص به ليس في الخبر ما يدل على انه خطب خطبتى الجمعة، واستحب ذكر الله تعالى والدعاء والتكبير والاستغفار والصدقة والعتق والتقرب إلى الله تعالى بما استطاع للخبر المذكور، وفي خبر أبي موسى فافزعوا إلى ذكر الله تعالى ودعائه واستغفاره وروي عن أسماء انها قالت إنا كنا لنؤمر بالعتق في الكسوف * (مسألة) * (فان تجلى الكسوف فيها أتمها خفيفة، وان تجلى قبلها أو غابت الشمس كاسفة أو طلعت والقمر خاسف لم تصل) وقت صلاة الكسوف من حين الكسوف إلى حين التجلى، فان فاتت لم تقض لانه قد روي

[ 280 ]

عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " إذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة حتى تتجلى " فجعل الانجلاء غاية للصلاة ولان الصلاة انما سنت رغبة إلى الله في ردها فإذا حصل ذلك حصل مقصود الصلاة وان تجلت وهو في الصلاة أتمها خفيفة لان المقصود التجلى وقد حصل، وان استترت الشمس والقمر بالسحاب وهما منكسفان صلى لان الاصل بقاء الكسوف، وان تجلى السحاب عن بعضها فرأوه صافيا صلوا ولان الباقي لا يعلم حاله، وان غابت الشمس كاسفة أو طلعت على القمر وهو خاسف لم يصل لانه قد ذهب وقت الانتفاع بنورهما، وان غاب القمر ليلا فقال القاضي يصلي لانه لم يذهب وقت الانتفاع بنوره، ويحتمل أن لا يصلي لان ما يصلى له قد غاب أشبه ما لو غابت الشمس، فان لم يصل حتى طلع الفجر الثاني ولم يغب أو ابتدأ الخسف بعد طلوع الفجر وغاب قبل طلوع الشمس ففيه احتمالان ذكرهما القاضي: احدهما لا يصلي لان القمر آية الليل وقد ذهب الليل أشبه إذا طلعت الشمس، والثاني يصلي لان الانتفاع بنوره باق أشبه ما قبل الفجر، وان فرغ من الصلاة والكسوف قائم لم يصل صلاة أخرى واشتغل بالذكر والدعاء لان الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه لم يزد على ركعتين (فصل) وإذا اجتمع مع الكسوف صلاة أخرى كالجمعة والعيد أو الوتر أو صلاة مكتوبة بدأ بأخوفهما فوتا، فان خيف فوتهما بدأ بالواجبة، فان لم يكن فيهما واجبة بدأ بالكسوف لتأكده، ولهذا تسن

[ 281 ]

له الجماعة ولان الوتر يقضى وصلاة الكسوف لا تقضى: فان اجتمعت التراويح والكسوف ففيه وجهان عند أصحابنا. وقال شيخنا الصحيح أن الصلوات الواجبة التي تصلى في الجماعة تقدم على الكسوف بكل حال لان تقديم الكسوف عليها يفضي إلى المشقة لالزام الحاضرين بفعلها مع كونها ليست واجبة عليهم وانتظارهم الصلاة الواجبة مع ان فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتخفيف الصلاة الواجبة لئلا يشق على المأمومين، فتأخير هذه الصلاة الطويلة الشاقة مع ان غيرها واجبة أولى، وإن اجتمعت مع التراويح قدمت التراويح لذلك، وإن اجتمعت مع الوتر في أول وقت الوتر قدمت لان الوتر لا يفوت، وان خيف فوات الوتر قدم لانه يسير يمكن فعله وادراك وقت الكسوف، وان لم يبق إلا قدر الوتر فلا حاجة إلى التلبس بصلاة الكسوف لانها تقع في وقت النهى، فان اجتمعت مع صلاة الجنازة قدمت الجنازة وجها واحدا لان الميت يخاف عليه والله أعلم (فصل) إذا أدرك المأموم الامام في الركوع الثاني احتمل أن تفوته الركعة قاله القاضي لانه فاته من الركعة ركوع أشبه ما لو فاته الركوع من غير هذه الصلاة، وأحتمل أن تصح له الركعة لانه يجوز أن يصلي هذه الصلاة بركوع واحد فاجتزئ به في حق المسبوق، وهذا الخلاف على الرواية التي تقول يركع ركوعين. فأما على الرواية التي يركع أكثر من ركوعين فانه يكون مدركا للركعة إذا فاته ركوع واحد لادراكه معظم الركعة حكاه ابن عقيل * (مسألة) * (وإن أتى في كل ركعة بثلاث ركوعات أو أربع فلا بأس)

[ 282 ]

تجوز صلاة الكسوف على كل صفة رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا في صلاة الخوف والاولى عند أبي عبد الله الصلاة على الصفة التي ذكرنا فانه قال روي عن ابن عباس وعائشة في صلاة الكسوف أربع ركعات وأربع سجدات، وأما علي فيقول ست ركعات وأربع سجدات نذهب إلى قول ابن عباس وعائشة. وروي عن ابن عباس انه صلى ست ركعات وأربع سجدات، وعن حذيفة وهو قول إسحق وابن المنذر لانه قد روي عن عائشة وابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم صلى ست ركعات وأربع سجدات أخرجه مسلم. وروي عنه انه صلى الله عليه وسلم صلى أربع ركعات وسجدتين في كل ركعة رواه مسلم. قال ابن المنذر روينا عن علي وابن عباس انهما صليا هذه الصلاة، وحكى عن إسحق انه قال وجه الجمع بين هذه الاحاديث ان النبي صلى الله عليه وسلم انما كان يزيد في الركوع إذا لم ير الشمس قد انجلت فإذا انجلت سجد. فمن ها هنا صارت زيادة الركعات. قال شيخنا ولا يجاوز أربع ركعات في كل ركعة لانه لم يأتنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من ذلك قلت وقد روى أبي بن كعب قال انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم فقرأ سورة من الطوال وركع خمس ركعات وسجد سجدتين ثم جلس كما هو مستقبل القبلة يدعو حتى انجلى كسوفها رواه أبو داود. فعلى هذا لا بأس أن يأتي في كل ركعة بخمس ركوعات لهذا الحديث ولا يزيد عليها لما ذكرنا * (مسألة) * (ولا يصلى لشئ من سائر الآيات إلا الزلزلة الدائمة)

[ 283 ]

قال أصحابنا يصلى للزلزلة كصلاة الكسوف نص عليه وهو مذهب إسحق وأبي ثور. قال القاضي ولا يصلى للرجفة والريح الشديدة والظلمة ونحوها، وقال الآمدي يصلى لذلك ولرمي الكواكب والصواعق وكثرة المطر وحكاه عن ابن أبي موسى. وقال أصحاب الرأي الصلاة لسائر الآيات حسنة لان النبي صلى الله عليه وسلم علل الكسوف بأنه من آيات الله يخوف بها عباده، وصلى ابن عباس للزلزمة بالبصرة رواه سعيد. وقال مالك والشافعي لا يصلى لشئ من الآيات سوى الكسوف لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل لغيره ولا خلفاؤه، وقد كان في عصره بعض هذه الآيات، ووجه الصلاة للزلزلة فعل ابن عباس وغيرها لا يصلى له لما ذكرنا والله أعلم * (باب صلاة الاستسقاء) * * (مسألة) * (وإذا أجدبت الارض وقحط المطر فزع الناس إلى الصلاة) صلاة الاستسقاء عند الحاجة إليها سنة مؤكدة لان النبي صلى الله عليه وسلم فعلها وكذلك خلفاؤه، فروى عبد الله بن زيد قال خرج النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي فتوجه إلى القبلة يدعو

[ 284 ]

وحول رداءه وصلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة متفق عليه. وهذا قول سعيد بن المسيب وداود ومالك والاوزاعي والشافعي، وقال أبو حنيفة لا تسن صلاة الاستسقاء ولا الخروج إليها لان النبي صلى الله عليه وسلم استسقى على المنبر يوم الجمعة ولم يخرج ولم يصل لها، وليس هذا بشئ فانه قد ثبت بما رويناه من حديث عبد الله بن زيد، وروى أبو هريرة انه خرج وصلى وفعله صلى الله عليه وسلم ما ذكروه لا يمنع فعل ما ذكرنا. قال ابن المنذر ثبت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الاستسقاء وهو قول عوام أهل العلم إلا أبا حنيفة وخالفه صاحباه واتبعا سائر العلماء، والسنة يستغنى بها عن كل قول، ولا ينبغي أن يعرج على ما خالفها * (مسألة) * (وصفتها في موضعها وأحكامها صفة صلاة العيد) وجملة ذلك انه يستحب فعلها في المصلى كصلاة العيد. قالت عائشة شكى الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحط المطر فأمر بمنبر فوضع له في المصلى رواه أبو داود. ولان الناس يكثرون فكان المصلى أرفق بهم، وهي ركعتان عند العاملين بها لا نعلم بينهم خلافا في ذلك. واختلفت الرواية في صفتها فروي أنه يكبر فيها سبعا في الاولى وخمسا في الثانية كتكبير العيد وهو قول سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز وداود والشافعي، وحكى عن ابن عباس في حديثه ثم صلى ركعتين كما

[ 285 ]

يصلى العيد رواه أبو داود. وروى الدارقطني عن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين كبر في الاولى سبع تكبيرات وقرأ سبح اسم ربك الاعلى وقرأ في الثانية هل أتاك حديث الغاشية وكبر فيها خمس تكبيرات. وروى جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يصلون صلاة الاستسقاء يكبرون فيها سبعا وخمسا رواه الشافعي، والثانية انه يصلي ركعتين كصلاة التطوع وهو مذهب مالك وأبي ثور والاوزاعي وإسحق لان عبد الله بن زيد قال صلى ركعتين ولم يذكر انه كبر سبعا وخمسا وروى أبو هريرة نحوه، وظاهره انه لم يكبر وهذا ظاهر كلام الخرقي ويسن أن يجهر فيهما بالقراءة لما ذكرنا من حديث عبد الله بن زيد، وأن يقرأ فيهما بسبح اسم ربك الاعلى، وهل أتاك حديث الغاشية لحديثي ابن عباس (فصل) ولا يسن لها أذان ولا اقامة لا نعلم بين أهل العلم خلافا فيه وقد روى أبو هريرة قال:

[ 286 ]

خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما يستسقي فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا اقامة رواه الاثرم ولانها نافلة فلم يؤذن لها كسائر النوافل. قال أصحابنا وينادى لها الصلاة جامعة كالعيد وصلاة الكسوف، وليس لها وقت معين إلا انها لا تفعل في وقت النهى بغير خلاف لان وقتها متسع فلا يخاف فوتها والاولى فعلها في وقت صلاة العيد لما روت عائشة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حين بدأ حاجب الشمس رواه أبو داود ولانها تشبهها في الموضع والصفة فكذلك في الوقت، وقال ابن عبد البر الخروج إليها عند زوال الشمس عند جماعة العلماء إلا أبا بكر بن حزم وهذا على سبيل الاختيار لا انه يتعين فعلها فيه * (مسألة) * (وإذا أراد الامام الخروج إليها وعظ الناس وأمرهم بالتوبة من المعاصي والخروج من المظلم والصيام والصدقة وترك التشاحن، لكون المعاصي سبب الجدب، والتقوى سبب البركات) قال الله تعالى (ولو أن أهل القرى آمنوا وتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون) وقال مجاهد في قوله تعالى (ويلعنهم اللاعنون) البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا أمسك المطر، وقال هذا من شؤم بني آدم * (مسألة) * (وبعدهم يوما يخرجون فيه) لما روت عائشة قالت شكى الناس الي رسول الله صلى الله عليه وسلم قحوط المطر فأمر بمنبر فوضع له في المصلى ووعد الناس يوما يخرجون فيه رواه أبو داود * (مسألة) * (ويتنظف لها بالغسل والسواك وازالة الرائحة قياسا على صلاة العيد) ولا يتطيب لانه يوم استكانة وخشوع * (مسألة) * (ويخرج متواضعا متخشعا متذللا متضرعا) السنة الخروج لصلاة الاستسقاء على الصفة المذكورة من التواضع والخشوع في ثياب بذلته، ولا يلبس ثياب زينه لانه يوم تواضع، ويكون متخشعا في مشيه وجلوسه متضرعا إلى الله تعالى متذللا راغبا إليه. قال ابن عباس خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم للاستسقاء متذللا متواضعا متخشعا متضرعا

[ 287 ]

حتى أتى المصلى فلم يخطب كخطبتكم هذه ولكن لم يزل في الدعاء والتكبير، وصلى ركعتين كما كان يصلي في العيد، قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح * (مسألة) * (ويخرج معه أهل الدين والصلاح والشيوخ لانه أسرع للاجابة) ويستحب الخروج لكافة الناس، فأما النساء فلا بأس بخروج العجائز منهن ومن لا هيئة لها. وقال ابن حامد يستحب، فأما الشواب وذوات الهيئة فلا يستحب لهن لان الضرر في خروجهن أكثر من النفع، ولا يستحب اخراج البهائم لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله وبه قال أصحاب الشافعي لانه روى ان سليمان عليه السلام خرج يستسقى فرأى نملة مستلقية وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنى عن رزقك. فقال سليمان ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم. وقال ابن عقيل والقاضي لا بأس به لذلك، والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم أولى * (مسألة) * (ويجوز خروج الصبيان كغيرهم من الناس) وقال ابن حامد يستحب اختاره القاضي فقال خروج الشيوخ والصبيان أشد استحبابا من الشباب لان الصبيان لا ذنوب عليهم * (مسألة) * (وإن خرج معهم أهل الذمة لم يمنعوا ولم يختلطوا بالمسلمين) وجملة ذلك انه لا يستحب اخراج أهل الذمة لانهم أعداء الله الذين بدلوا نعمة الله كفرا فهم بعيدون من الاجابة، وإن أغيث المسلمون فربما قالوا هذا حصل بدعائنا واجابتنا، وإن خرجوا لم يمنعوا لانهم يطلبون أرزاقهم من ربهم فلا يمنعون من ذلك. ولا يبعد أن يجيبهم الله تعالى لانه قد ضمن أرزاقهم في الدنيا كما ضمن أرزاق المؤمنين، ويؤمر بالانفراد عن المسلمين لانه لا يؤمن أن يصيبهم عذاب فيعم من حضرهم، فان عادا استسقوا فأرسل الله عليهم ريحا صرصرا فأهلكتهم، فان قيل فينبغي أن يمنعوا الخروج يوم يخرج المسلمون لئلا يظنوا أن ما حصل من السقيا بدعائهم. قلنا ولا يؤمن أن يتفق نزول الغيث يوم يخرجون وحدهم فيكون أعظم لفتنتهم وربما فتن بهم غيرهم * (مسألة) * (فيصلي بهم ثم يخطب خطبة واحدة يفتتحها بالتكبير كخطبة العيد) قد ذكرنا الاختلاف في مشروعية صلاة الاستسقاء وصفتها، واختلفت الرواية في خطبة

[ 288 ]

الاستسقاء، وفي موضعها فروي انه لا يخطب وانما يدعو ويتضرع لقول ابن عباس لم يخطب كخطبتكم هذه لكن لم يزل في الدعاء والتضرع. والمشهور أن فيها خطبة بعد الصلاة، قال أبو بكر اتفقوا عن أبي عبد الله ان في صلاة الاستسقاء خطبة وصعودا على المنبر. والصحيح انها بعد الصلاة وبه قال مالك والشافعي ومحمد بن الحسن، قال ابن عبد البر وعليه جماعة الفقهاء لقول أبي هريرة صلى ركعتين ثم خطبنا لانها صلاة ذات تكبير فأشبهت صلاة العيدين، وفيها رواية ثانية انه يخطب قبل الصلاة. روي ذلك عن عمر وابن الزبير وابان بن عثمان وهشام بن اسماعيل وأبي بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم وبه قال الليث بن سعد وابن المنذر لما روى أنس وعائشة ان النبي صلى الله عليه وسلم خطب وصلى. وعن عبد الله بن زيد قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم خرج يستسقى فحول ظهره إلى الناس واستقبل القبلة يدعو ثم حول رداءه ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة متفق عليه. وفيها رواية ثالثة انه مخير في الخطبة قبل الصلاة وبعدها لورود الاخبار بكلا الامرين ودلالتها على

[ 289 ]

كلتا الصنفين، فحمل على أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل الامرين، وأياما فعل ذلك فهو جائز لان الخطبة غير واجبة على جميع الروايات والاولى أن يخطب بعد الصلاة كالعيد وليكونوا قد فرغوا من الصلاة فان أجيب دعاؤهم وأغيثوا لم يحتاجوا إلى الصلاة في المطر، وقول ابن عباس لم يخطب كخطبتكم نفي لصفة الخطبة لا لاصلها بدليل قوله انما كان جل خطبته الدعاء والتضرع والتكبير، ويستحب أن يفتتحها بالتكبير كخطبة العيد (فصل) والمشروع خطبة واحدة وبهذا قال عبد الرحمن بن مهدي، وقال مالك والشافعي يخطب كخطبتي العيدين لقول ابن عباس صنع النبي صلى الله عليه وسلم كما صنع في العيد، ولانها أشبهتها في صفة الصلاة فكذلك في صفة الخطبة ولنا قول ابن عباس لم يخطب كخطبتكم هذه ولكن لم يزل في الدعاء والتكبير وهذا يدل على

[ 290 ]

انه ما فصل بين ذلك بسكوت ولا جلوس ولان كل من نقل الخطبة لم ينقل خطبتين. والصحيح من حديث ابن عباس انه قال صلى ركعتين كما كان يصلي في العيد، ولو كان النقل كما ذكروه فهو محمول على الصلاة بدليل أول الحديث، وإذا صعد المنبر للخطبة جلس وإن شاء لم يجلس لانه لم ينقل ولا ها هنا أذان يجلس لفراغه * (مسألة) * (ويكثر فيها الاستغفار وقراءة الآيات التي فيها الامر به) يستحب أن يكثر في خطبته الاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وقراءة الايات التي فيها الامر بالاستغفار كقوله تعالى (ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه، يرسل السماء عليكم مدرارا) وكقوله (استغفروا ربكم انه كان غفارا، يرسل السماء عليكم مدرارا) ولان الاستغفار سبب لنزول الغيث بدليل ما ذكرنا، والمعاصي سبب لانقطاع الغيث، والاستغفار والتوبة يمحوان المعاصي. وقد روي عن عمر رضي الله عنه انه خرج يستسقي فلم يزد على الاستغفار وقال لقد استسقيت بمجاديح السماء * (مسألة) * (ويرفع يديه فيدعو بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم) يستحب رفع الايدي في دعاء الاستسقاء لما روى البخاري عن أنس قال كان النبي صلى الله

[ 291 ]

عليه وسلم لا يرفع يديه في شئ من دعائه إلا الاستسقاء فانه يرفع حتى يرى بياض أبطيه. وفي حديث أنس أيضا فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ورفع الناس أيديهم. ويستحب أن يدعو بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم فروى عبد الله بن عمر ان رسول الله عليه وسلم كان إذا استسقى قال " اللهم أسقنا غيثا مغيثا، هنيئا مريعا، غدقا محبللا، طبقا سحا دائما. اللهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إن بالعباد والبلاد من اللآواء والجهد والصنك ما لا نشكوه إلا اليك، اللهم أنبت لنا الزرع، وادر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وانزل علينا من بركاتك. اللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعري، وارفع عنا من البلاء مالا يكشفه غيرك. اللهم إنا نستغفرك، انك كنت غفارا، فأرسل السماء علينا مدرارا " وروى جابر ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اللهم اسقنا غيثا مغيثا، مريئا مريعا، نافعا غير ضار، عاجلا غير آجل " رواه أبو داود. قال الخطابي مربعا يروى على وجهين بالياء والباء، فمن رواه بالياه جعله من المراعة يقال أمرع المكان إذا أخصب ومن رواه بالباء مربعا كان معناه منبتا للربيع. وعن عائشة رضي الله عنها قالت شكى الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحوط المطر فأمر بمنبر فوضع له في المصلى ووعد الناس يوم يخرجون فيه وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بدأ حاجب الشمس فقعد على المنبر فكبر وحمد الله ثم قال

[ 292 ]

" انكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر إبان زمانه عنكم، فقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم " ثم قال " الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا إله إلا الله، يفعل ما يريد. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغنى، ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى حين. ثم رفع يديه فلم يزل في الرفع حتى يرى بياض أبطيه، ثم حول إلى الناس ظهره وقلب أو حول رداءه وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس فنزل فصلى ركعتين " رواه أبو داود. وروى ابن قتيبة باسناده في غريب الحديث عن أنس ان النبي صلى الله عليه وسلم خرج للاستسقاء فصلى بهم ركعتين يجهر فيهما بالقراءة، وكان يقرأ في العيدين والاستسقاء في الركعة الاولى بفاتحة الكتاب وسبح اسم ربك الاعلى، وفي الركعة الثانية فاتحة الكتاب وهل أتاك حديث الغاشية. فلما قضى صلاته استقبل القبلة بوجهه وقلب رداءه ورفع يديه وكبر تكبيره قبل أن يستسقى ثم قال " اللهم اسقنا غيثا مغيثا، وحيا ربيعا، وجدا طبقا غدقا مغدقا مونقا هنيا مريا مريعا مربعا مرتعا، سابلا مسبلا، مجللا دائما، درورا نافعا غير ضار، عاجلا غير آجل. اللهم تحى به البلاد، وتغيث به العباد، وتجعله بلاغا للحاضر منا والباد. اللهم أنزل في أرضنا زينتها، وأنزل علينا في أرضنا سكنها. اللهم أنزل علينا من السماء ماء طهورا، فأحي به بلدة ميتا، واسقه مما خلقت أنعاما وأناسي كثيرا " قال ابن قتيبة المغيث المحيي باذن الله تعالى، والحيا الذي تحيا به الارض

[ 293 ]

والمال، والجدا المطر العام ومنه أخذ جدا العطية، والجدا مقصورا، والطبق الذي يطبق الارض، والغدق والمغدق الكثير القطر، والمونق المعجب، والمريع ذو المراعة والخصب، والمربع من قولك ربعت بمكان كذا إذا أقمت فيه، واربع على نفسك ارفق، والمرتع من رتعت الابل إذا رعت، والسابل من السبل وهو المطر يقال سبل السابل كما يقال مطر ماطر، والرائث البطئ، والسكن القوة لان الارض تسكن به * (مسألة) * (ويستقبل القبلة في أثناء الخطبة ويحول رداءه ويجعل الايسر على الايمن والايمن على الايسر ويفعل الناس كذلك ويتركونه حتى ينزعوه مع ثيابهم) وجملة ذلك انه يستحب للخطيب استقبال القبلة في أثناء الخطبة لما روى عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يستسقى فتوجه إلى القبلة يدعو رواه البخاري. وفي لفظ فحول إلى الناس ظهره واستقبل القبلة يدعو. ويستحب أن يحول رداءه حال أستقبال القبلة لان في حديث عبد الله بن زيد ان النبي صلى الله عليه وسلم خرج يستسقى فاستقبل القبلة يدعو وحول رداءه متفق عليه، ولمسلم فحول رداءه حين استقبل القبلة. وقال أبو حنيفة لا يسن لانه دعاء فلا يستحب تحويل الرداء فيه كسائر الادعية وسنة النبي صلى الله عليه وسلم أولى بالاتباع. ويستحب التحويل للمأموم في قول أكثر أهل العلم، وحكي عن سعيد بن المسيب وعروة والثوري ان التحويل مختص بالامام وهو قول الليث وأبي يوسف ومحمد لانه انما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم دون أصحابه

[ 294 ]

ولنا ان ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم يثبت في حق غيره ما لم يقم على اختصاصه دليل، كيف وقد عقد المعنى في ذلك وهو التفاؤل بقلب الرداء ليقلب الله ما بهم من الجدب إلى الخطب، وقد جاء ذلك في بعض الحديث. وروى الامام أحمد حديث عبد الله بن زيد وفيه انه عليه الصلاة والسلام تحول إلى القبلة وحول رداءه فقلبه ظهرا لبطن وتحول الناس معه، إذا ثبت ذلك فصفة التقليب أن يجعل ما على اليمين على اليسار وما على اليسار على اليمين، روي ذلك عن أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز وهشام بن اسماعيل وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ومالك وكان الشافعي يقول به ثم رجع فقال يجعل أعلاه أسفله لان النبي صلى الله عليه وسلم استسقى وعليه خميصة سوداء فأراد أن يجعل اسفلها أعلاها فلما ثقلت جعل العطاف الذي على الايسر على الايمن رواه أبو داود ولنا ما روى عبد الله بن زيد ان النبي صلى الله عليه وسلم حول عطافه وجعل عطافه الايمن على عاتقه الايسر وجعل عطافه الايسر على عاتقه الايمن رواه أبو داود. وفي حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قلب رداءه فجعل الايمن على الايسر والايسر على الايمن رواه الامام أحمد وابن ماجه، والزيادة التي نقلوها إن ثبتت فهي ظن الراوي لا يترك لها فعل النبي صلي الله عليه وسلم وقد نقل التحويل جماعة لم ينقل أحد منهم انه جعل أعلاه أسفله، ويبعد أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم ترك ذلك في جميع الاوقات لثقل الرداء * (مسألة) * (ويدعو سرا حال استقبال القبلة) فيقول اللهم إنك أمرتنا بدعائك، ووعدتنا إجابتك، وقد دعوناك كم أمرتنا، فاستحب لنا

[ 295 ]

كما وعدتنا، اللهم فامنن علينا بمغفرة ذنوبنا واجابثنا في سقيانا وسعة أرزاقنا. ثم يدعو بما شاء من أمر دين أو دنيا، وانما استحب الاسرار ليكون أقرب إلى الاخلاص وأبلغ في الخشوع والخضوع والتضرع وأسرع في الاجابة قال الله تعالى (ادعوا ربكم تضرعا وخفية) واستحب الجهر ببعضه ليسمع الناس فيؤمنون على دعائه (فصل) ويستحب أن يستسقي بمن ظهر صلاحه لانه أقرب إلى اجابة الدعاء، وقد استسقى عمر رضي الله عنه بالعباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فروى ابن عمر قال استسقى عمر عام الرمادة بالعباس فقال اللهم إن هذا عم نبيك صلى الله عليه وسلم نتوجه اليك به فاسقنا، فما برحوا حتى سقاهم الله عزوجل، وروي ان معاوية خرج يستسقي فلما جلس على المنبر قال أين يزيد بن الاسود؟ فقام يزيد فدعاه معاوية فأجلسه عند رجليه ثم قال: اللهم إنا نتشفع اليك بخيرنا وأفضلنا يزيد بن الاسود. ارفع يديك. فرفع يديه ودعا الله، فثارت في الغرب سحابة مثل الترس، وهبت لها ريح فسقوا حتى كادوا لا يبلغون منازلهم. واستسقى به الضحاك بن قيس مرة أخرى * (مسألة) * (فان سقوا وإلا عادوا ثانيا وثالثا، وإن سقوا قبل خروجهم شكروا الله تعالى وسألوه المزيد من فضله) وبهذا قال مالك والشافعي. وقال إسحق لا يخرجون إلا مرة واحدة لانه صلى الله عليه وسلم انما خرج مرة واحدة، ولكن يجتمعون في مساجدهم فإذا فرغوا من الصلاة ذكروا الله تعالى ودعوا ويدعو الامام يوم الجمعة على المنبر ويؤمن الناس

[ 296 ]

ولنا أن هذا أبلغ في الدعاء والتضرع. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " إن الله يحب الملحين في الدعاء " وأما النبي صلى الله عليه وسلم فانما لم يخرج ثانيا لاستغنائه باجابته أول مرة، والخروج في المرة الاولى آكد مما بعدها لورود السنة بها (فصل) فان تأهبوا فسقوا قبل خروجهم لم يخرجوا وشكروا الله وحمدوه على نعمته، وسألوه المزيد من فضله. وقال القاضي وابن عقيل يخرجون ويصلون شكرا لله تعالى، وان كانوا قد خرجوا فسقوا قبل أن يصلوا شكروا الله تعالى وحمدوه قال الله تعالى (لئن شكرتم لازيدنكم) ويستحب الدعاء عند نزول الغيث لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " اطلبوا استجابة الدعاء عند ثلاث: عند التقاء الجيوش، واقامة الصلاة، ونزول الغيث " وعن عائشة ان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى المطر قال " صيبا نافعا " رواه البخاري * (مسألة) * (وينادى لها الصلاة جامعة) كذلك ذكره أصحابنا قياسا على صلاة الكسوف * (مسألة) * (وهل من شرطها اذن الامام على روايتين) احداهما لا يستحب إلا إذا خرج الامام أو رجل من قبله، فان خرجوا بغير اذن الامام فقال أبو بكر يدعون وينصرفون بلا صلاة ولا خطبة نص عليه أحمد والثانية لا يشترط ويصلون لانفسهم ويخطب بهم أحدهم. فعلى هذه الرواية يشرع الاستسقاء في حق كل أحد مقيم ومسافر وأهل القرى والاعراب قياسا على صلاة الكسوف. ووجه الاولى ان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بها وانما فعلها على صفة وهو انه صلاها بأصحابه فلم يتعدى تلك الصفة وكذلك فعل خلفاؤه ومن بعدهم بخلاف صلاة الكسوف فانه أمر بها

[ 297 ]

* (مسألة) * (ويستحب أن يقف في أول المطر ويخرج رحله وثيابه ليصيبها لما روى أنس ابن مالك ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل على منبره حتى رأينا المطر يتحادر عن لحيته رواه البخاري وعن ابن عباس انه كان إذا أمطرت السماء قال لغلامه " اخرج رحلي وفراشي يصيبه المطر " ويستحب أن يتوضأ من ماء المطر إذا سال السيل، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان إذا سال السيل قال " اخرجوا بنا إلى هذا الذي جلعه الله طهورا فنتطهر " (فصل) قال القاضي وابن عقيل إذا نقصت مياه العيون في البلد الذي يشرب منها أو غارت وتضرر الناس بذلك استحب الاستسقاء كما يستحب لانقطاع المطر، وقال أصحابنا لا يستحب لانه لم ينقل والله أعلم (فصل) والاستسقاء ثلاثة أضرب ذكرها القاضي: أحدها الخروج والصلاة كما وصفنا وهو أكملها، والثاني استسقاء الامام يوم الجمعة على المنبر لما روى أنس ان رجلا دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما ثم قال يا رسول الله هلكت الاموال وانقطعت السبل فادع الله يغثنا فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال " اللهم أغثنا، اللهم أغثنا " قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب، ولا قزعة، ولا شئ بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت. فلا والله ما رأينا الشمس سبتا، ثم دخل من ذلك الباب رجل في الجمعة المقبلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فاستقبله قائما وقال يا رسول الله هلكت المواشي وانقطعت السبل فادع الله

[ 298 ]

أن يمسكها. قال فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال " اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الاودية ومنابت الشجر " قال فانقطعت وخرجنا نمشي في الشمس متفق عليه. والثالث أن يدعوا الله تعالى عقيب صلواتهم في خلواتهم * (مسألة) * وإذا زادت المياه فخيف منها استحب له أن يقول اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على

[ 299 ]

الظراب والآكام وبطون الاودية ومنابت الشجر، ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به الآية لما ذكرنا

[ 300 ]

من الحديث. وكذلك ان زادت مياه العيون بحيث يضر استحب لهم أن يدعوا الله ليخففه عنهم

[ 301 ]

ويصرفه إلى أماكن ينفع ولا يضرر لان الضرر بزيادة المطر أحد الضررين فاستحب الدعاء لازالته وانقطاعه كالاخر. (فصل) وإذا جاء المطر استحب أن يقول مطرنا بفضل الله ورحمته ولا يقول مطرنا بنوء كذا لانه كما جاء في الحديث

[ 302 ]

كتاب الجنائز يستحب ذكر الموت لانه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " أكثروا ذكر هاذم اللذات، فما ذكر في كثير إلا قلله، ولا في قليل الا كثره " روى البخاري أوله. قال ابن عقيل معناه متى ذكر في قليل من الرزق استكثره الانسان لاستقلال ما بقي من عمره، ومتى ذكره في كثير قلله لان كثير الدنيا إذا علم انقطاعه بالموت قل عنده. ويستحب الاستعداد للموت قال الله تعالى (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا) وإذا مرض الانسان استحب أن يصبر لما وعد الله الصابرين من الاجر قال الله تعالى (وانما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) ويكره الانين لانه روي عن طاوس كراهته، ولا يتمنى الموت لضر نزل به لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، ويقول اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي " متفق عليه وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، ويحسن ظنه بربه تعالى لما روى جابر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول " لا يموتن أحدكم الا وهو يحسن الظن

[ 303 ]

بالله عزوجل " رواه مسلم بمعناه وأبو داود. وقال معتمر عن أبيه انه قال عند موته: حدثني بالرخص * (مسألة) * (ويستحب عيادة المريض وتذكيره التوبة والوصية) عيادة المريض مستحبة لما روى البراء قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع. أمرنا بعيادة المريض واتباع الجنازة وذكر الحديث رواه البخاري ورواه مسلم بمعناه. وعن علي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ما من مسلم يعود مسلما الا ابتعث الله له سبعون ألف ملك يصلون عليه أي ساعة من النهار كانت حتى يمسى، وأي ساعة من الليل كانت حتى يصبح " رواه الامام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي، وزاد وكان له خريف في الجنة، وقال حديث حسن غريب. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من عاد مريضا نادى مناد من السماء طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلا " رواه الترمذي وابن ماجه وهذا لفظه، وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ان الله عزوجل يقول يوم القيامة يا ابن مرضت فلم تعدني. قال يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال أما علمت ان عبدي فلانا مرض فلم تعده، أما علمت انك لو عدته لوجدتني عنده " وذكر الحديث رواه مسلم. وإذا دخل على المريض سأل عن حاله ودعا له ورقاه. قال ثابت لانس يا أبا حمزة اشتكيت. قال أنس أفلا أرقيك برقية رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال بلى، قال " اللهم رب الناس، مذهب الباس، اشف أنت الشافي، شفاء لا يغادر سقما " وروى أبو سعيد. قال " أتى جبريل النبي صلى الله عليه

[ 304 ]

وسلم فقال يا محمد اشتكيت؟ قال نعم. قال بسم الله أرقيك، من كل شئ يؤذيك، من شر كل نفس وعين حاسدة الله يشفيك " قال أبو زرعة كلا الحديثين صحيح. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في الاجل، فانه لا يرد من قضاء الله شيئا، وانه يطيب نفس المريض " رواه ابن ماجه (فصل) ويستحب أن يرغبه في التوبة من المعاصي والخروج من المظالم وفي الوصية، لما روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين وله شئ يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عنده " متفق عليه * (مسألة) * (وإذا نزل به تعاهد بل حلقه بماء أو شراب ويندي شفتيه بقطنة) يستحب أن بلي المريض أرفق أهله به وأعلمهم بسياسته وأنقاهم لله تعالى، فإذا رآه منزولا به تعاهد بل حلقه بتقطير ماء أو شراب فيه ويندي شفتيه بقطنة لانه ربما ينشف حلقه من شدة ما نزل به فيعجز عن الكلام * (مسألة) * (ويستحب أن يلقنه قول لا إله إلا الله مرة) لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لقنوا موتاكم لا إله إلا الله " رواه مسلم. وقال الحسن سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الاعمال أفضل؟ فقال " أن تموت يوم تموت ولسانك رطب من ذكر الله " رواه سعيد بن منصور

[ 305 ]

* (مسألة) * (ولا يزيد على ثلاث لئلا يضجره إلا أن يتكلم بعده بشئ فيعيد تلقينه بلطف ومداراة ليكون آخر كلامه لا إله إلا الله نص عليه أحمد وروي عن عبد الله بن المبارك انه لما حضره الموت جعل رجل يلقنه لا إله الا الله فأكثر عليه. فقال له عبد الله إذا قلت مرة فأنا على ذلك ما لم أتكلم: قال الترمذي انما أراد ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " من كان آخر كلامه لا إله الا الله دخل الجنة " رواه أبو داود. وروى باسناده عن معاذ بن جبل انه لما حضرته الوفاة قال: اجلسوني. فلما أجلسوه قال: كلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت أخبؤها ولو لا ما حضرني من الموت ما أخبرتكم بها، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من كان آخر قوله عند الموت أشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له إلا هدمت ما كان قبلها من الخطايا والذنوب فلقنوها موتاكم " فقيل يا رسول الله فكيف هي للاحياء؟ قال " هي أهدم وأهدم " * (مسألة) * (ويقرأ عنده سورة يس) لما روى معقل بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اقرأوا (يس) على موتاكم " رواه أبو داود. وقال أحمد ويقرءون عند الميت إذا حضر ليخفف عنه بالقرآن يقرأ (يس) وأمر بقراءة فاتحة الكتاب. وروى الامام أحمد " (يس) قلب القرآن لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له واقرأوها على مرضاكم " * (مسألة) * (ويوجهه إلى القبلة) التوجيه إلى القبلة عند الموت مستحب. وهو قول عطاء والنخعي ومالك وأهل المدينة والاوزاعي وأهل الشام والشافعي وإسحق وأنكره سعيد بن المسيب فانهم لما أرأدوا أن يحولوه إلى القبلة قال: ألم أكن على القبلة إلى يومي هذا؟ والاول أولى لان حذيفة قال وجهوني. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم " خير المجالس ما استقبل به القبلة " ولان فعلهم ذلك بسعيد دليل على انه كان مشهورا بينهم يفعله المسلمون بموتاهم. وصفة توجيهه إلى القبلة أن يوضع على جنبه الايمن كما يوضع

[ 306 ]

في اللحد إن كان المكان واسعا وهذا مذهب الشافعي لان هكذا استقبل المصلى على جنبه، وإن كان المكان ضيقا جعل على ظهره ويجعل رأسه على موضع مرتفع ليتوجه نحو القبلة، هكذا ذكره القاضي ويحتمل أن يجعل على ظهره، بكل حال ويحتمله كلام الخرقي لقوله وجعل على بطنه مرآة أو غيرها، وانما يمكن ذلك إذا كان على ظهره. ويستحب تطهير ثياب الميت قبل موته، لان أبا سعيد لما حضره الموت دعا بثياب جدد فلبسها ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها " (1) رواه أبو داود * (مسألة) * (فإذا مات أغمض عينيه وشد لحييه ولين مفاصله وخلع ثيابه وسجاه بثوب يستره وجعل على بطنه مرآة أو نحوها ووضعه على سرير غسله متوجها منحدرا نحو رجليه) يستحب تغميض الميت عقيب الموت، ويستحب لمن حضر الميت أن لا يتكلم إلا بخير، لما روت أم سلمة قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال: " ان الروح إذا قبض تبعه البصر " فضج ناس من أهله فقال " لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فان الملائكة يؤمنون على ما تقولون " ثم قال " اللهم اغفر لابي سلمة وارفع درجته في المقربين واخلفه


(1) الحديث معارض بما ثبت في الصحاح من ان الناس يبعثون حفاة عراة، وتأول بعضهم الثياب بالعمل فيكون بمعنى " يبعث كل عبد على ما مات عليه " كما ثبت في صحيح مسلم

[ 307 ]

في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره ونور له فيه " رواه مسلم. وروى شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا حضرتم موتاكم فاغمضوا البصر فان البصر يتبع الروح، وقولوا خيرا فانه يؤمن على ما قال أهل الميت " رواه الامام أحمد في المسند. ويستحب شد ذقنه بعصابة عريضة يربطها من فوق رأسه، لان الميت إذا كان مفتوح العينين والفم قبح منظره، ولا يؤمن دخول الهوام فيه والماء في وقت غسله. قال بكر بن عبد الله المزني ويقول الذي يغمضه: بسم الله وعلى وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجعل على بطنه شئ من الحديد كالمرآة ونحوها لئلا ينتفخ بطنه ويلين مفاصله وهو أن يردد ذراعيه إلى عضديه وعضديه إلى جنبيه ثم يرددهما ويرد ساقيه إلى فخذيه وفخذيه إلى بطنه ثم يرددهما ليكون ذلك أبقى للينه فيكون أمكن للغاسل في تمكينه وتمديده. قال أصحابنا ويستحب ذلك عقيب موته قبل قسوتها ببرودته، فان شق عليه ذلك تركه، ويخلع ثيابه لئلا يحمى فيسرع إليه الفساد والتغير ويسجيه بثوب يستره لما روت عائشة ان النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي سجي ببرد حبرة، متفق عليه، ويستحب أن يلي ذلك منه أرفق الناس به بأرفق ما يقدر عليه. قال أحمد تغمض المرأة عينيه إذا كانت ذات محرم، قال ويكره للحائض

[ 308 ]

والجنب تغميضه وأن يقرباه وكره ذلك علقمة، وروي نحوه عن الشافعي، وكره الحسن وابن سيرين وعطاء أن تغسل الحائض والجنب الميت ونحوه قال مالك، وقال ابن المنذر يغسله الجنب لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إن المؤمن لا ينجس " ولا نعلم بينهم خلافا في صحة تغسيلهما وتغميضهما له، ولكن الاولى أن يكون المتولي لذلك طاهرا لانه أكمل وأحسن، ويوضع على سرير غسله أو لوح لانه أحفظ له ولا يدعه على الارض لئلا يسرع إليه التغير بسبب نداوة الارض، ويكون متوجها منحدرا نحو رجليه لينصب عنه ماء الغسل وما يخرج منه ولا يستنقع تحته فيفسده * (مسألة) * (ويسارع في قضاء دينه) لما روي ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه " رواه الامام احمد وابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن. وعن سمرة قال: صلى نبي الله صلى الله عليه وسلم الصبح فقال " ها هنا أحد من بني فلان؟ " قالوا نعم. قال " فان صاحبكم محتبس على باب الجنة في دين عليه " رواه الامام أحمد، وإن تعذر ايفاء دينه في الحال استحب لوارثه أو غيره أن يتكفل به عنه كما فعل أبو قتادة لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجنازة ولم يصل عليها، قال أبو قتادة: صل عليها يا رسول الله وعلي دينه رواه البخاري * (مسألة) * (ويسارع في تفريق وصيته ليتعجل له ثوابها يجريانها على الموصى له) * (مسألة) * (ويستحب المسارعة في تجهيزه إذا تيقن موته لانه أصون له وأحفظ له من التغيير) قال أحمد كرامة الميت تعجيله لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " إني لارى طلحة قد حدث فيه الموت فآذنوني به وعجلوا فانه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله " رواه أبو داود. ولا بأس أن ينتظر بها مقدار ما يجتمع لها جماعة لما يؤمل من الدعاء له إذا صلى عليه ما لم يخف عليه أو يشق على الناس نص عليه أحمد، وإن شك في أمر الميت اعتبر بظهور أمارات الموت من انفصال كفيه واسترخاء رجليه وميل أنفه وانخساف صدغيه وامتداد جلدة وجهه، فان مات فجأة كالمصعوق أو خائف

[ 309 ]

من حرب أو سبع أو تردى من جبل انتظر به هذه العلامات حتى يتيقن موته. قال الحسن في المصعوق ينتظر به ثلاثا. قال أحمد وربما تغير في الصيف في اليوم والليلة. قال فكيف تقول؟ قال يترك بقدر ما يعلم انه ميت. قيل له من غدوة إلى الليل؟ قال نعم * (فصل في غسل الميت) * * (مسألة) * (غسل الميت ودفنه وتكفينه والصلاة عليه فرض كفاية) لان النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذي وقصته راحلته " اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوب " متفق عليه، وقال صلى الله عليه وسلم " صلوا على من قال لا إله إلا الله " ودفنه فرض كفاية لان في تركه أذى للناس به وهتك حرمته، وهذا مذهب الشافعي ولا نعلم فيه خلافا * (مسألة) * (وأحق الناس به وصيه ثم أبوه ثم جده ثم الاقرب فالاقرب من عصباته ثم ذوا أرحامه إلا الصلاة عليه فان الامير أحق بها بعد وصيه) أحق الناس بغسل الميت وصيه في ذلك. وقال أصحاب الشافعي: أولى الناس بغسل الميت عصباته الاقرب فالاقرب، فان كان له زوجة فهل تقدم على العصبات؟ فيه وجهان ولنا على تقديم الوصي أن أبا بكر رضي الله عنه أوصى أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس، وأوصى أنس أن يغسله محمد بن سيرين فقدما بذلك، ولا يعرف لهما مخالف في الصحابة ولانه حق للميت فقدم فيه وصيه على غيره كتفريق ثلثه (فصل) فان لم يكن له وصي فالعصبات أولى الناس به وأولاهم أبوه ثم جده وان علا، ثم ابنه ثم ابن ابنه وان نزل، ثم الاقرب فالاقرب من عصباته على ترتيب الميراث لانهم أحق بالصلاة عليه (فصل) وأحق الناس بالصلاة عليه وصيه، وهذا قول سعيد بن زيد وأنس وأبي برزة وزيد ابن أرقم وأم سلمة. وقال الثوري ومالك والشافعي وأبو حنيفة تقدم العصبات لانها ولاية تترتب بترتيب العصبات فالولي فيها أولى كولاية النكاح ولنا اجماع الصحابة رضي الله عنهم فان أبا بكر أوصى أن يصلي عليه عمر قاله أحمد. قال وعمر أوصى أن يصلي عليه صهيب، وأم سلمة أوصت أن يصلي عليها سعيد بن زيد، وأبو بكرة أوصى أن يصلي عليه أبوبرزة، وقال غيره عائشة أوصت أن يصلي عليها أبو هريرة، وابن مسعود أوصى أن يصلى عليه الزبير، وأبو سريحة أوصى أن يصلي عليه زيد بن أرقم، فجاء عمرو بن حريث وهو أمير الكوفة ليتقدم فيصلي عليها. فقال ابنه أيها الامير ان أبي أوصى أن يصلى عليه زيد بن أرقم. فقدم زيدا. وهذه قضايا اشتهرت ولم يظهر لها مخالف فكانت إجماعا. ولانه حق للميت فانها شفاعة له فقدم وصيه فيها كتفريق ثلثه، وولاية النكاح يقدم عندنا فيها الوصي أيضا على الصحيح، وان سلمت

[ 310 ]

فليست حقا له، انما هي حق للمولى عليه، ولان الغرض في الصلاة الدعاء والشفاعة إلى الله عزوجل، فالميت يختار لذلك من هو أظهر صلاحا وأقرب اجابة بخلاف ولاية النكاح، فان كان الوصي فاسقا أو مبتدعا لم يقبل الوصية كما لو كان الوصي ذميا، وان كان الاقرب إليه كذلك لم يقدم وصلى غيره كما يمنع من التقديم في الصلوات الخمس * (مسألة) * (والامير أحق بالصلاة عليه بعد الوصي) وقال به أكثر أهل العلم. وقال الشافعي في أحد قوليه يقدم الولي قياسا على تقديمه في النكاح ولنا قوله صلى الله عليه وسلم " لا يومن الرجل في سلطانه " وقال أبو حازم شهدت حسينا حين مات الحسن يدفع في قفا سعيد بن العاص ويقول تقدم لو لا السنة ما قدمتك. وسعيد أمير المدينة وهذا يقتضي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروى أحمد باسناده عن عماد مولى بني هاشم قال شهدت جنازة أم كلثوم بنت علي وزيد بن عمرو فصلى عليهما سعيد بن العاص وكان أمير المدينة وخلفه يومئذ ثمانون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وفيهم ابن عمر والحسن والحسين. وقال علي رضي الله عنه: الامام أحق من صلى على الجنازة، وعن ابن مسعود نحو ذلك، وهذا أشهر ولم ينكر فكان اجماعا ولانها صلاة شرعت فيها الجماعة فقدم فيها الامير كسائر الصلوات، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه يصلون على الجنائز، ولم ينقل الينا انهم استأذنوا أولياء الميت في التقديم والمراد بالامير ها هنا الامام، فان لم يكن فالامير من جهته، فان لم يكن فالنائب من قبله في الامامة فان لم يكن فالحاكم (فصل) وأحق الناس بالصلاة بعد ذلك العصبات وأحقهم الاب ثم الجد أبو الأب وان علا ثم الابن ثم ابنه وان نزل، ثم الاخ العصبة ثم ابنه ثم الاقرب فالاقرب ثم المولى المعتق ثم عصباته، هذا الصحيح من المذهب. وقال أبو بكر، في تقديم الاخ على الجد قولان، وحكي عن مالك تقديم الابن على الاب لانه أقوى تعصيبا منه، والاخ على الجد لانه يدلي بالابن والجد يدلي بالاب ولنا انهما استويا في الادلاء، والاب أرق وأشفق، ودعاؤه لابنه أقرب إلى الاجابة، فكان أولى كالقريب مع البعيد، ولان المقصود بالصلاة الدعاء للميت والشفاعة له بخلاف الميراث (فصل) وان اجتمع زوج المرأة وعصباتها فأكثر الروايات عن أحمد تقديم العصبات، وهو ظاهر كلام الخرقي وقول سعيد بن المسيب والزهري ومذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي إلا أن أبا حنيفة يقدم زوج المرأة على ابنها منه، وروي عن أحمد تقديم العصبات، قال ابن عقيل وهي أصح لان أبا بكر صلى على زوجته ولم يستأذن اخوتها، وروي ذلك عن ابن عباس وهو قول الشعبي وعطاء وعمر بن عبد العزيز وإسحق

[ 311 ]

ولنا انه يروى عن عمر انه قال لاهل امرأته: أنتم أحق بها، ولان الزوج قد زالت زوجيته بالموت فصار أجنبيا والقرابة لم تزل، فعلى هذه الرواية ان لم يكن لها عصبات فالزوج أولى لان له سببا وشفقة فكان أولى من الاجنبي (فصل) فان اجتمع أخ من أبوين، وأخ من أب، ففي تقديم الاخ من الابوين أو التسوية وجهان بناء على الروايتين في ولاية النكاح والحكم في الاعمام وأولادهم وأولاد الاخوة كذلك فان انقرض العصبة فالمولى المنعم، ثم عصباته ثم الرجال من ذوي أرحامه ثم الاقرب فالاقرب ثم الاجانب، فان استوى وليان في الدرجة فأحقهما أولاهما بالامامة في المكتوبات، وقال القاضي يحتمل تقديم الاسن وهو ظاهر مذهب الشافعي لانه أقرب إلى اجابة الدعاء وأعظم عند الله قدرا، والاول أولى لقوله صلى الله عليه وسلم " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله " وفضيلة السن معارضة بفضيلة العلم وقد رجحها الشارع في سائر الصلوات مع انه يقصد فيها اجابة الدعاء والحظ للمأمومين، وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم انه قال " أئمتكم شفعاؤكم " ولا يسلم ان المسن الجاهل أعظم قدرا عند الله من العالم والاقرب اجابة، فان استووا وتشاحوا اقرع بينهم كما في سائر الصلوات (فصل) ومن قدمه الولي فهو بمنزلته، لانها ولاية ثبتت له فكانت له الاستنابة فيها كولاية النكاح (فصل) وان كان القريب عبدا فالحر البعيد أولى منه لان العبد لا ولاية له في النكاح ولا المال، كذلك هذا. فان اجتمع صبي ومملوك ونساء، فالمملوك أولى لانه تصح امامته بهما، فان لم يكن الا نساء وصبيان فقياس المذهب انه لا يصح أن يؤم أحد الجنسين الآخر، ويصلي كل نوع لانفسهم وامامهم منهم، ويصلي النساء جماعة وامامتهن في وسطهن نص عليه أحمد وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: يصلين منفردات لا يسبق بعضهن بعضا، وان صلين جماعة جاز ولنا انهن من أهل الجماعة فسن أن يصلين جماعة كالرجال، وما ذكروه من كونهن منفردات لا يسبق بعضهن بعضا تحكم لا يصار إليه الا بدليل، وقد صلي أزواج النبي صلى الله عليه وسلم على سعد ابن أبي وقاص رواه مسلم (فصل) فان اجتمع جنائز فتشاح أولياؤهم فيمن يتقدم للصلاة عليهم قدم أولاهم بالامامة في الفرائض وقال القاضي يقدم من سبق ميته ولنا انهم تساووا فأشبهوا الاولياء إذا تساووا في الدرجة مع قوله صلى الله عليه وسلم " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله " وان أراد ولي كل ميت افراد ميته بصلاة جاز * (مسألة) * (وأحق الناس بغسل المرأة وصيها ثم الاقرب فالاقرب من نسائها أمها ثم بنتها ثم بناتها ثم أخواتها كما ذكرنا في حق الرجل)

[ 312 ]

وكل من لها رحم ومحرم بحيث لو كانت رجلا لم يحل له نكاحها أولى بها ممن لا رحم لها وبعدها التي لها رحم وليست بمحرم، كبنات العم والعمات وبنات الخال والخالة، فهن أولى من الاجانب، وبهذا قال الشافعي ان لم يكن لها زوج، فان كان لها زوج فهل يقدم على النساء؟ فيه وجهان: أحدهما يقدم لانه ينظر منها إلى ما لا ينظر النساء، والثاني يقدم النساء على الزوج لان الزوجية تزول بالموت والرحم لا يزول كما ذكرنا في حق الرجل * (مسألة) * ولكل واحد من الزوجين غسل صاحبه في احدى الروايتين، كذلك السيد مع سريته) اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله تعالى في غسل كل واحد من الزوجين الآخر، فروي عنه الجواز فيهما نقلها عنه حنبل، وروى عنه المنع مطلقا حكاها ابن المنذر، وروي عنه التفرقة وهو جواز غسل الزوج دون الزوجة، والقول بجواز غسل المرأة زوجها قول أهل العلم حكاه ابن المنذر اجماعا، قالت عائشة: لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا ما غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم الا نساؤه رواه أبو داود، وأوصى أبو بكر رضي الله عنه أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس ففعلت، وغسل أبا موسى امرأته أم عبد الله، قال أحمد ليس فيه اختلاف بين الناس، وعنه لا يجوز، حكى عنه صالح ما يدل على ذلك لانها فرقة بين الزوجين أشبهت الطلاق، ولانها أحد الزوجين أشبهت الآخر (فصل) والمشهور عن أحمد جواز غسل الرجل زوجته، وهو قول علقمة وعبد الرحمن بن يزيد وجابر بن زيد وسليمان بن يسار وأبي سلمة وأبي قتادة وحماد ومالك والاوزاعي والشافعي واسحق، وعن أحمد رواية ثانية، ليس للزوج غسلها وهو قول أبي حنيفة والثوري لان الموت فرقة تبيح أختها وأربعا سواها فحرمت اللمس والنظر كالطلاق ولنا ما روى ابن المنذر أن عليا رضي الله عنه غسل فاطمة عليها السلام واشتهر ذلك فلم ينكر فكان اجماعا، ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة " لو مت قبلي لغسلتك وكفنتك " رواه ابن ماجه، والاصل في إضافة الفعل إلى الشخص أن يكون للمباشرة فان حمله على الامر يبطل فائدة التخصيص، ولانه أحد الزوجين فأبيح له غسل صاحبه كالآخر. والمعنى في ذلك ان كل واحد من الزوجين يسهل عليه اطلاع الآخر على عورته لما كان بينهما في الحياة، ويأتي بالغسل على ما يمكنه لما كان بينهما من المودة والرحمة، وما قاسوا عليه لا يصح لانه يمنع الزوجة من النظر بخلاف هذا ولانه لا فرق بين الزوجين إلا بقاء العدة. ولو وضعت حملها عقيب موته كان لها غسله وقد انقضت عدتها * (فصل) * فان طلق امرأته طلاقا بائنا ثم مات أحدهما في العدة لم يجز لواحد منهما غسل الآخر لان اللمس والنظر محرم حال الحياة فبعد الموت أولى، وإن كان الطلاق رجعيا وقلنا الرجعية محرمة فكذلك، وان قلنا هي مباحة فحكمها حكم الزوجين لانها ترثه ويرثها ويباح له وطؤها والخلوة والنظر

[ 313 ]

إليها أشبه سائر الزوجات (فصل) وحكم أم الولد حكم الزوجة فيما ذكرنا، واختار ابن عقيل انه لا يجوز لها غسل سيدها لانها عتقت بموته، ولم يبق علقة من ميراث ولا غيره، وهو قول أبي حنيفة واحد الوجهين لاصحاب الشافعي ولنا انها في معنى الزوجة في اللمس والنظر والاستمتاع فكذلك في الغسل، والميراث ليس من جملة المقتضي بدليل ما لو كان أحد الزوجين رقيقا والاستبراء ها هنا كالعدة. فأما غيرها من الاءماء فيجوز لسيدها غسلها في أصح الروايتين. ذكره أبو الخطاب لانه يلزمه كفنها ودفنها ومؤنتها فهي أولى من الزوجة، وهل يجوز لها غسل سيدها؟ قال شيخنا: يحتمل أن لا يجوز لان الملك انتقل فيها إلى غيره، ويحتمل أن يجوز ذلك لسريته لانها محل استمتاعه ويلزمها الاستبراء بعد موته أشبهت أم الولد، فان مات الزوج قبل الدخول بامرأته احتمل أن لا يباح لها غسله لانه لم يكن بينهم استمتاع حال الحياة (فصل) فان كانت الزوجة ذمية فليس لها غسل زوجها، لان الكافر لا يغسل المسلم، لان النية واجبة في الغسل ولا تصح من الكافر. وقال الشافعي يكره لها غسله، فان غسلته جاز لان القصد التنظيف، وليس لزوجه غسلها لان المسلم لا يغسل الكافر، ولا يتولى دفنه ما يأتي، ولانه لا ميراث بينهما ولا موالاة، وقد انقطعت الزوجية بالموت، ويتخرج جواز ذلك بناء على غسل المسلم الكافر وهو مذهب الشافعي (فصل) وليس لغير من ذكرنا من الرجال غسل أحد من النساء، ولا لاحد من النساء غسل غير من ذكرنا من الرجال، وإن كن ذات رحم محرم، وهذا قول أكثر أهل العلم. وقد روي عن أحمد انه حكي له عن أبي قلابة غسل ابنته فاستعظم ذلك ولم يعجبه، وذلك انها محرمة حال الحياة فلم يجب غسلها كالاجنبية وأخته من الرضاع، فان لم يوجد من يغسلها من النساء فقال مهنا: سألت أحمد عن الرجل يغسل أخته إذا لم يجد نساء؟ قال لا. قلت فكيف يصنع؟ قال يغسلها وعليها ثيابها يصب الماء صبا. قلت لاحمد وكذلك كل ذات محرم تغسل وعليها ثيابها؟ قال نعم. وذلك لانه لا يحل مسها، والاولى انها تيمم كالاجنبية. لان الغسل من غير مس لا يحصل به التنظيف، ولا إزالة النجاسة. بل ربما كثرت أشبه ما لو عدم الماء. وقال الحسن ومحمد ومالك والشافعي لا بأس بغسل ذات محرمه عند الضرورة * (مسألة) * (وللرجل والمرأة غسل من له دون سبع سنين وفي ابن السبع وجهان) أما غسل النساء للطفل الصغير فهو اجماع حكاه ابن المنذر، واختلف أهل العلم في حده فقال أحمد لهن غسل من له دون سبع سنين. وقال الحسن إذا كان فطيما أو فوقه، وقال الاوزاعي ابن أربع أو خمس، وقال أصحاب الرأي الذي لم يتكلم

[ 314 ]

ولنا أن من له دون سبع سنين لم يؤمر بالصلاة، ولم يخير بين أبويه، ولا عورة له أشبه ما لو سلموه فأما من بلغ السبع ففيه وجهان (أحدهما) يجوز اختاره أبو بكر لانه غير مكلف أشبه ما قبل السبع، (والثاني) لا يجوز اختاره ابن حامد وهو ظاهر كلام أحمد في رواية الاثرم، وقيل سئل عن غلام ابن سبع سنين تغسله المرأة؟ فقال هو ابن سبع وهو يؤمر بالصلاة، ولو كان أقل من سبع كان أهون عندي، وحكى أبو الخطاب فيمن بلغ السبع روايتين، والصحيح ان من بلغ عشرا ليس للنساء غسله لان النبي صلى الله عليه وسلم قال: " وفرقوا بينهم في المضاجع " وأمر بضربهم على الصلاة لعشر، فاما من بلغ السبع والعشر ففيه احتمالان ووجههما ما ذكرنا، وأما الجارية إذا لم تبلغ سبعا فقال القاضي وأبو الخطاب يجوز للرجال غسلها، وقال الخلال: القياس التسوية بينهما لكل واحد منهما على الآخر فعلى قولنا حكمها حكم الغلام، ولا يغسل الرجل من بلغت عشرا لما ذكرنا في الصبي ويحتمل أن يحد ذلك بتسع في حق الجارية لقول عائشة إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة وفيما قبل ذلك الوجهان، ونقل عن أحمد رحمه الله كراهة ذلك وقال النساء أعجب الي، وذكر له أن الثوري قال: تغسل المرأة الصبي والرجل الصبية، فقال لا بأس أن تغسل المرأة الصبى، وأما الرجل يغسل الصبية فلا أجترئ عليه إلا أن يغسل الرجل ابنته الصغيرة، ويروى عن أبي قلابة انه غسل ابنة له صغيرة وهو قول الحسن، وكره غسل الرجل الصغيرة سعيد والزهرى، قال شيخنا: وهذا أولى من قول الاصحاب، لان عورة الجارية أفحش من عورة الغلام، ولان العادة مباشرة المرأة للغلام الصغير، والنظر إلى عورته في حال تربيته ومسها، ولم تجر العادة للرجل بمباشرة عورة الجارية حال الحياة فكذلك حالة الموت، وهذا اختيار شيخنا والله أعلم (فصل) ويصح أن يغسل المحرم الحلال والحلام المحرم لان كل واحد منهما تصح طهارته وغسله * (مسألة) * (وإذا مات رجل بين نسوة أو امرأة بين رجال أو خنثى مشكل يمم في أصح الروايتين وفي الاخرى يصب عليه الماء من فوق قميص ولا يمس) إذا مات رجل بين نسوة أجانب، أو امرأة بين رجال أجانب، أو مات خنثى مشكل، فانه ييمم في الصحيح من المذهب. وهذا قول سعيد بن المسيب والنخعي وحماد ومالك وأصحاب الرأي وابن المنذر وهو أحد الوجهين لاصحاب الشافعي، والوجه الثاني يغسل في قميص ويجعل الغاسل على يده خرقة وفيه رواية أخرى انه يغسل من فوق القميص يصب عليه الماء صبا ولا يمس، وهو قول الحسن وإسحق ولنا ما روى واثلة بن الاسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا ماتت المرأة مع الرجال ليس بينها وبينهم محرم تيمم كما ييمم الرجال " ولان الغسل من غير مس لا يحصل به التنظيف

[ 315 ]

ولا إزالة النجاسة بل ربما كثرت، ولا يسلم من النظر، فكان العدول إلى التيمم أولى، كما لو عدم الماء فأما ان ماتت الجارية بين محارمها الرجال فقد ذكرناه * (مسألة) * (ولا يغسل مسلم كافرا ولا يدفنه إلا أن لا يجد من يواريه غيره) إذا مات كافر مع مسلمين لم يغسلوه سواء كان قريبا لهم أو لا، ولا يتولوا دفنه إلا أن لا يجدوا من يواريه وهذا قول مالك، وقال أبو حفص العكبري: يجوز له غسسل قريبه الكافر ودفنه، وحكاه قولا لاحمد وهو مذهب الشافعي لما روي عن علي رضي الله عنه قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ان عمك الشيخ الضال قد مات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اذهب فواره " رواه أبو داود والنسائي ولنا انه لا يصلي عليه ولا يدعو له فلم يكن له غسله كالاجنبي، والحديث يدل علي مواراته وله ذلك إذا خاف من التغير به والضرر ببقائه، قال أحمد في يهودي أو نصراني مات وله ولد مسلم: فليركب دابته ويسر أمام الجنازة، وإذا أراد أن يدفن رجع مثل قول عمر رضي الله عنه * (مسألة) * (وإذا أخذ قي غسله ستر عورته وجرده، وقال القاضي يغسل في قميص واسع الكمين) يجب ستر عورة الميت بغير خلاف علمناه وهو ما بين سرته إلى ركبته وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي " لا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت " رواه أبو داود، قال ابن عبد البر: وروي " الناظر من الرجال إلى فروج الرجال كالناظر منهم إلى فروج النساء والمتكشف ملعون " قال أبو داود: قلت لاحمد الصبي يستر كما يستر الكبير (أعني) الصبي الميت في الغسل؟ قال: أي شئ يستر منه ليست عورته بعورة ويغسله النساء

[ 316 ]

(فصل) ويستحب تجريد الميت عند غسله ما سوى عورته رواه الاثم عن أحمد وهذا ظاهر كلام الخرقي، واختيار أبي الخطاب واليه ذهب ابن سيرين ومالك وأبو حنيفة وروى المروذي عن أحمد انه قال: يعجبني أن يغسل الميت وعليه ثوب يدخل يده من تحت الثوب قال: وكان أبو قلابة إذا غسل ميتا جلله بثوب، وقال القاضي: السنة أن يغسل في قميص رقيق ينزل الماء فيه ولا يمنع أن يصل إلى يديه، وويدخل يده في كم القميص فيمرها على بدنه والماء يصب، فان كان القميص ضيقا فتق رأس الدخاريص وأدخل يده فيه، وهذا مذهب الشافعي لان النبي صلى الله عليه وسلم غسل في قميصه، وقال سعد اصنعوا پي كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أحمد غسل النبي صلى الله عليه وسلم في قميصه وقد أرادوا خلعه فنودوا ألا تخلعوه واستروا نبيكم ولنا ان تجريد الميت أمكن لتغسيله وتطهيره، والحي يتجرد إذا اغتسل فكذلك الميت ولانه إذا اغتسل في ثوبه ينجس الثوب بما يخرج وقد لا يطهر بصب الماء عليه فينجس الميت به، فأما النبي صلى الله عليه وسلم فذلك خاص له، ألا ترى انهم قالوا: نجرده كما نجرد موتانا كذلك روته عائشة، قال ابن عبد البر روي ذلك عنها من وجه صحيح، فالظاهر ان تجريد الميت فيما عدا العورة كان مشهورا عندهم ولم يكن هذا ليخفى عن النبي صلى الله عليه وسلم بل الظاهر انه كان بأمره لانهم كانوا ينتهون إلى رأيه ويصدرون عن أمره في الشرعيات، واتباع أمره وفعله أولى من اتباع غيره، ولان ما يخشى من تنجيس قميصه بما يخرج منه كان مأمونا في حق النبي صلى الله عليه وسلم لانه طاهر حيا وميتا بخلاف غيره، وانما قال سعد: إلحدوا لي لحدا، وانصبوا علي اللبن نصبا كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 317 ]

* (مسألة) * (ويستر الميت عن العيون، ولا يحضره إلا من يعين في غسله) يستحب ستر الميت وأن يغسل في بيت إن أمكن لانه أستر له، فان لم يكن بيت جعل بينه وبين السماء سترا، وكان ابن سيرين يستحب أن يكون البيت الذي يغسل فيه مظلما ذكره أحمد، وروى أبو داود باسناد له قال: أوصى الضحاك أخاه سالما قال: إذا غسلتني فاجعل حولي سترا، واجعل بيني وبين السماء سترا، وذكر القاضي ان عائشة قالت: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نغسل ابنته فجعلنا بينها وبين السقف سترا، وانما استحب ذلك لئلا يستقبل السماء بعورته، وانما استحب ستر الميت، وأن لا يحضره إلا من يعين في غسله لانه يكره النظر إلى الميت إلا لحاجة لانه ربما كان بالميت عيب يكتمه ويكره أن يطلع عليه بعد موته وربما حدث منه أمر يكره الحي أن يطلع منه على مثله، وربما ظهر فيه شئ هو في الظاهر منكر فيتحدث به فيكون فضيحة وربما بدت عورته فشاهدها، ويستحب للحاضرين غض أبصارهم عنه إلا لحاجة كذلك، ولهذا أجبنا أن يكون الغاسل ثقة أمينا ليستر ما يطلع عليه. وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم " ليغسل موتاكم المأمونون " رواه ابن ماجه، وعن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " ليله أقربكم منه ان كان يعلم، فان كان لا يعلم فمن ترون عنده حظا من ورع " رواه الامام أحمد. وقال القاضي: لوليه

[ 318 ]

أن يدخل كيف شاء والاولى ما ذكرنا ان شاء الله لان العلة تقتضي التعميم * (مسألة) * (ثم يرفع رأسه برفق إلى قريب من الجلوس ويعصر بطنه عصرا رفيقا ويكثر صب الماء حينئذ) يستحب للغاسل أن يبدأ فيحني الميت حنيا رفيقا لا يبلغ به الجلوس لان في الجلوس أذية، ثم يمر يده على بطنه يعصره عصرا ليخرج ما معه من نجاسة كيلا يخرج بعد ذلك، ويكثر صب الماء حينئذ ليخفى ما يخرج منه ويذهب به الماء. ويستحب أن يكون بقربه مجمر فيه بخور حتى لا يظهر منه ريح. وروي عن أحمد انه قال لا يعصر بطن الميت في المرة الاولى، ولكن في الثانية، وقال في موضع آخر يعصر بطنه في الثالثة يمسح مسحا رفيقا مرة واحدة، وقال أيضا: عصر بطن الميت في الثانية أمكن، لان الميت لا يلين حتى يصيبه الماء (فصل) فان كانت امرأة حاملا لم يعصر بطنها لئلا يؤذي أم الولد، لما روت أم سليم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا توفيت المرأة فأرادوا غسلها فليبدأن ببطنها فليمسح مسحا رفيقا إن لم تكن حبلى، فان كانت حبلى فلا يحركنها " رواه الخلال

[ 319 ]

* (مسألة) * (ثم يلف على يده خرقة فينجيه ولا يحل مس عورته، ويستحب أن لا يمس سائر بدنه الا بخرقة) يستحب للغاسل إذا عصر بطن الميت أن ينجيه فيلف على يده خرقة خشنة بمسحه بها لئلا يمس عورته لان النظر إلى عورة الميت حرام فمسها أولى، ويزيل ما على بدنه من نجاسة لان الحي يبدأ بذلك في اغتساله من الجنابة، ويستحب أن لا يمس سائر بدنه الا بخرقة لما روي ان عليا رضي الله عنه غسل النبي صلى الله عليه وسلم وبيده خرقة يمسح بها ما تحت القميص. قال القاضي: يعد الغاسل خرقتين يغسل باحداهما السبيلين وبالاخرى سائر بدنه * (مسألة) * (ثم ينوي غسلهما ويسمي) النية في غسل الميت واجبة على الغاسل، وفي وجوب التسمية روايتان كغسل الجنابة، وانما أوجبناها على الغاسل لتعذرها من الميت ولان الحي هو المخاطب بالغسل. وقال القاضي وابن عقيل ويحتمل أن لا تعتبر النية لان القصد التنظيف فأشبه غسل النجاسة، والصحيح الاول لانه لو كان كذلك لما وجب غسل متنظف ولجاز غسله بماء الورد، وكل ما يحصل به التنظيف وانما هو غسل تعبد فأشبه غسل الجنابة * (مسألة) * قال (ويدخل أصبعيه مبلولتين بالماء بين شفتيه فيمسح أسنانه وفى منخريه فينظفها ويوضيه ولا يدخل الماء في فيه ولا أنفه)

[ 320 ]

وجملة ذلك انه إذا نجى الميت وأزال النجاسة بدأ بعد ذلك فوضاه وضوء الصلاة فيغسل كفيه ثم يأخذ خرقة خشنة فيبلها ويجعلها على أصبيعيه فيسمح أسنانه وأنفه حتى ينظفهما ويكون ذلك في رفق ثم يغسل وجهه ويتمم وضوءه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء اللاتي غسلن ابنته " ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها " متفق عليه ولان الحي يبدأ بالوضوء في غسله ولا يدخل الماء في فيه ولا أنفه في قول أكثر أهل العلم منهم سعيد بن جبير والنخعي والثوري وأبو حنيفة، وقال الشافعي يمضمضه وينشقه كما يفعل الحي ولنا ان ذلك لا يؤمن معه وصوله إلى جوفه فيفضي إلى المثلة به ولا يؤمن من خروجه في اكفانه فيفسدها

[ 321 ]

* (مسألة) * (ثم يضرب السدر فيغسل برغوته رأسه ولحيته وسائر بدنه، ثم يغسل شقه الايمن ثم الايسر يفعل ذلك ثلاثا) يستحب أن يبدأ الغاسل بعد وضوء الميت بغسل رأس الميت فيغسله برغوة السدر ويغسل بدنه بالتفل يفعل ذلك ثلاثا، والمنصوص عن أحمد رحمه الله انه يستحب أن يغسل ثلاثا بماء وسدر قال صالح: قال أبي: الميت يغسل بماء وسدر ثلاث غسلات. قلت فيبقى عليه؟ قال أي شئ يكون هو أنقى له. وذكر عن عطاء ان ابن جريج قال له انه يبقى عليه السدر إذا غسل به كل مرة، قال عطاء هو طهور، واحتج أحمد بحديث أم عطية ان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفيت ابنته قال " اغسلنها ثلاثا أو أربعا أو خمسا أو أكثر من ذلك ان رأيتن بماء وسدر واجعلن في الاخيرة كافورا " متفق عليه وذهب كثير من أصحابنا المتأخرين إلى انه لا يترك في الماء سدر يغيره ثم اختلفوا فقال ابن حامد يطرح في كل المياه شئ يسير من السدر لا يغيره ليجمع بين العمل بالحديث ويكون الماء باقيا على اطلاقه، وقال القاضي وأبو الخطاب يغسل أول مرة بالسدر ثم يغسل بعد ذلك بالماء القراح فيكون الجميع غسلة واحدة ويكون الاعتداد بالآخر دون الاول، لان أحمد رحمه الله شبه غسله بغسل الجنابة، ولان السدر ان غير الماء سلبه الطهورية، وان لم يغيره فلا فائدة في ترك يسير لا يؤثر، والاول ظاهر كلام أحمد ويكون هذا من قوله دالا على ان تغيير الماء بالسدر لا يخرجه عن طهوريته، فان لم يجد السدر غسله بما يقوم مقامه ويقرب منه كالخطمي ونحوه لحصول المقصود به، وان غسله بذلك مع وجود السدر جاز لان الشرع ورد بهذا لمعنى معقول وهو التنظيف فيتعدى إلى كل ما وجد فيه المعنى، قال أبو الخطاب: ويستحب أن يخضب رأس المرأة ولحية الرجل بالحناء ويستحب أن يبدأ بشقه الايمن فيغسل وجهه ويده اليمنى من المنكب إلى الكفين وصفحة عنقه اليمنى وشق صدره وجنبه وفخذه وساقه وهو مستلق ثم يصنع ذلك بالجانب الايسر ثم يرفعه من جانبه ولا

[ 322 ]

يكبه لوجهه فيغسل الظهر وما هناك من وركه وفخذه وساقه ثم يعود فيحرفه على جنبه الايمن ويغسل شقه الايسر كذلك، هكذا ذكره ابراهيم النخعي والقاضي وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم " ابدأن بميامنها " وهو أشبه بغسل الحي (فصل) والواجب غسلة واحدة لانه غسل واجب من غير نجاسة أصابته فكان مرة واحده كغسل الجنابة. قال عطاء: يجزيه غسلة واحدة ان نقوه، وقد روي عن أحمد انه قال: لا يعجبني إن غسل واحدة لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " اغسلنها ثلاثا أو خمسا " وهذا على سبيل الكراهة دون الاجزاء لما ذكرنا، ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال في المحرم " اغسلوه بماء وسدر " ولم يذكر عددا (فصل) والحائض والجنب إذا ماتا كغيرهما في الغسل، قال ابن المنذر هذا قول من نحفظ عنه من علماء الامصار، وقد قال الحسن وسعيد بن المسيب: ما مات ميت الا جنب، وقيل عن الحسن انه يغسل الجنب للجنابة والحائض للحيض ثم يغسلان للموت، والاول أولى لانهما خرجا من أحكام التكليف ولم يبق عليهما عبادة واجبة، وانما الغسل للميت تعبد وليكون في حال خروجه من الدنيا على أكمل حال من النظافة وهذا يحصل بغسلة واحدة ولان الغسل الواحد يجزي من وجد في حقه شيئان كالحيض والجنابة كذا هذا (فصل) وقال بعض أصحابنا: يتخذ الغاسل ثلاث أواني آنية كبيرة يجمع فيه الماء الذي يغسل به الميت تكون بالبعد منه، واناءين صغيرين يطرح من أحدهما على الميت والثالث يغرف به من الكبير في الصغير الذي يغسل به الميت ليكون الكبير مصونا، فإذا فسد الماء الذي في الصغير وطار فيه من رشاش الماء كان ما بقى في الكبير كافيا، ويستعمل في كل أموره الرفق به في تقليبه وعرك أعضائه وعصر بطنه وتليبن مفاصله وفي سائر أموره احتراما له فانه مشبه بالحي في حرمته ولا يأمن ان عنف به أن ينفصل منه عضو فيكون مثلة به وقد قال صلى الله عليه وسلم " كسر عظم الميت ككسر عظم الحي " وقال " ان الله يحب الرفق في الامر كله "

[ 323 ]

* (مسألة) * (فان لم ينفق بالثلاث وخرج منه شئ غسله إلى خمس فان زاد فالى سبع) إذا فرغ الغاسل من الغسلة الثالثة لم يمر يده على بطن الميت لئلا يخرج منه شئ، فان رأى الغاسل انه لم ينق بالثلاث غسله خمسا أو سبعا إن رأى ذلك ولا يقطع إلا على وتر. قال الامام أحمد ولا يزاد على سبع لقول النبي صلى الله عليه وسلم " اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعا " لم يزد على ذلك وجعل ما أمر به وترا، وقال أيضا " اغسلنها وترا " فان لم ينق بالسبع فقال شيخنا: الاولى غسله حتى ينقى لقوله صلى الله عليه وسلم " اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك " ولان الزيادة على الثلاث انما كانت للانقاء أو للحاجة إليها، فكذلك ما بعد السبع، ولا يقطع إلا على وتر لما ذكرنا، ولم يذكر أصحابنا انه يزيد على سبع (فصل) فان خرج من الميت نجاسة بعد الثلاث وهو على مغتسله من قبله أو دبره غسله إلى خمس فان خرج بعد الخمس غسله إلى سبع، ويوضيه في الغسلة التي تلي خروج النجاسة. قال صالح قال أبي يوضأ الميت مرة واحدة إلا أن يخرج منه شئ فيعاد عليه الوضوء وهذا قول ابن سيرين وإسحق، واختار أبو الخطاب انه يغسل موضع النجاسة ويوضأ ولا يجب اعادة غسله وهو قول الثوري ومالك وأبي حنيفة لان خروج النجاسة من الحي بعد غسله لا يبطله فكذلك الميت، وللشافعي قولان كالمذهبين ولنا أن القصد من غسل الميت أن يكون خاتمة أمره الطهارة الكاملة ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال " اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعا إن رأيتن ذلك بماء وسدر " فان خرجت منه نجاسة من غير السبيلين فقال أحمد في رواية أبي داود: الدم أسهل من الحدث يعني الدم الذي يخرج من أنفه أسهل من الحدث في انه لا يعاد له الغسل لان الحدث ينقض الطهارة بالاتفاق ويسوى بين قليله وكثيره، ويحتمل انه إن أراد الغسل لا يعاد من يسيره كما لا ينقض الوضوء بخلاف الخارج من السبيلين * (مسألة) * (ويجعل في الغسلة الاخيرة كافورا) يستحب أن يجعل في الغسلة الاخيرة كافورا لشده ويبرده ويطيبه لقول النبي صلى الله عليه

[ 324 ]

وسلم للنساء اللاتي غسلن ابنته " اغسلنها بالسدر وترا ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك واجعلن في الغسة الاخيرة كافورا " وفي حديث أم سليم " فإذا كان في آخر غسلة من الثالثة أو غيرها فاجعلن ماء فيه شئ من كافور وشئ من سدر ثم اجعلي ذلك في جرة جديدة ثم أفرغيه عليها وابدئي برأسها حتى يبلغ رجليها " * (مسألة) * (والماء الحار والخلال والاشنان يستعمل إن احتيج إليه) هذه الثلاثة تستعمل عند الحاجة إليها مثل أن يحتاج إلى الماء الحار لشدة البرد، أو الوسخ لا يزول إلا به، وكذلك الاشنان يستعمل إذا كان على الميت وسخ. قال أحمد إذا طال ضنا المريض غسل بالاشنان يعني انه يكثر وسخه فيحتاج إلى الاشنان ليزيله، والخلال يحتاج إليه لاخراج شئ والاولى أن يكون من شجرة كالصفصاف ونحوه ومما ينقي ولا يجرح، وإن جعل على رأسه قطنا فحسن ويتتبع ما تحت أظفاره فينقيه فان لم يحتج إلى شئ من ذلك لم يستحب استعماله وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة والمسخن أولى لكن حال انه ينقي مالا ينقي البارد ولنا ان البارد يمسكه والمسخن يرخيه ولهذا يطرح الكافور في الماء ليشده ويبرده والانقاء يحصل بالسدر إذا لم يكثر وسخه، فان كثر ولم يزل إلا بالحار صار مستحبا * (مسألة) * (ويقص شاربه ويقلم أظافره ولا يسرح شعره ولا لحيته) متى كان شارب الميت طويلا استحب قصه وهذا قول الحسن وبكر بن عبد الله وسعيد بن جبير وإسحق، وقال أبو حنيفة ومالك لا يؤخذ من الميت شئ لانه قطع شئ منه فلم يستحب كالختان، ولاصحاب الشافعي اختلاف كالقولين

[ 325 ]

ولنا قول أنس: اصنعوا بموتاكم ما تصنعون بعرائسكم. والعروس يحسن ويزال عنه ما يستقبح من الشارب وغيره ولان تركه يقبح منظره فشرع إزالته كفتح عينيه وفمه، ولانه فعل مسنون في الحياة لا مضرة فيه فشرع بعد الموت كالاغتسال، وعلى هذا يخرج الختان لما فيه من المضرة، وإذا أخذ منه جعل مع الميت في أكفانه، وكذلك كل ما أخذ منه من شعر أو ظفر أو غيرها فانه يغسل ويجعل معه في أكفانه لانه جزء من الميت فأشبه أعضاءه (فصل) فأما قص الاظفار إذا طالت ففيها روايتان. إحداهما لا تقلم وينقى وسخها وهو ظاهر كلام الخرقي لان الظفر لا يظهر كظهور الشارب فلا حاجة إلى قصه، والثانية يقص إذا كان فاحشا نص عليه لانه من السنة ولا مضرة فيه فيشرع اخذه كالشارب، ويمكن حمل الرواية الاولى على ما إذا لم يفحش. ويخرج في نتف الابط وجهان بناء على الروايتين في قص الاظفار لانه في معناه (فصل) فأما العانة ففيها وجهان: أحدهما لا تؤخذ وهو ظاهر كلام الخرقي وهو قول ابن سيرين ومالك وأبي حنيفة. وروي عن أحمد أن أخذها مسنون وهو قول الحسن وبكر بن عبد الله وسعيد ابن جبير وإسحق لان سعد بن أبي وقاص جز عانة ميت ولانه شعر يسن إزالته في الحياة أشبه قص الشارب، والصحيح الاول لانه يحتاج في أخذها إلى كشف العورة ولمسها وهتك الميت وذلك محرم لا يفعل لغير واجب، ولان العانة مستورة يستغنى بسترها عن إزالتها لانها لا تظهر بخلاف الشارب. فإذا قلنا بأخذها فقال أحمد تؤخذ بالموسى أو بالمقراض. وقال القاضي تزال بالنورة لانه أسهل ولا يمسها، ووجه قول أحمد انه فعل سعد، والنورة لا يؤمن أن تتلف جلد الميت، ولاصحاب الشافعي وجهان كهذين

[ 326 ]

(فصل) فأما الختان فلا يشرع لانه إبانة جزء من أعضائه وهذا قول أكثر أهل العلم. وحكي عن بعض أهل العلم انه يختن حكاه الامام أحمد، والاول أولى لما ذكرناه، ولا يحلق رأس الميت وقال بعض أصحاب الشافعي يحلق إذا لم يكن له جمة للتنظيف، والاول أولى لانه ليس من السنة في الحياة وانما يراد لزينة أو نسك، ولا يطلب شئ من ذلك ها هنا (فصل) وإن جبر عظمه بعظم فجبر ثم مات فان كان طاهرا لم ينزع وإن كان نجسا وأمكن إزالته من غير مثلة أزيل لانه نجاسة مقدور عى إزالتها من غير ضرر، وإن أفضى إلى المثلة لم يقلع وإن كان في حكم الباطن كالحي، وإن كان عليه جبيرة يفضي نزعها إلى مثلة مسح عليها كحال الحياة وإلا نزعها وغسل ما تحتها. قال أحمد في الميت تكون أسنانه مربوطة بذهب إن قدر على نزعه من غير أن تسقط بعض أسنانه نزعه، وإن خاف سقوط بعضها تركه (فصل) ومن كان مشنجا أو به حدب أو نحو ذلك فأمكن تمديده بالتليين والماء الحار فعل ذلك وإن لم يمكن إلا بعسف تركه بحاله، فان كان على صفة لا يمكن تركه على النعش إلا على وجه يشهر بالمثلة ترك في تابوت أو تحت صكبه كما يصنع بالمرأة لانه أصون له وأستر ويستحب أن يترك فوق سرير المرأة شئ من الخشب أو الجريد مثل القبلة ويترك فوقه ثوب ليكون أستر لها. وقد روي ان فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها أول من صنع لها ذلك بأمرها. (فصل) فأما تسريح رأسه ولحيته فكرهه أحمد، وقالت عائشة: علام تنصون ميتكم؟ أي لا تسرحوا رأسه بالمشط ولان ذلك بقطع شعره وينتفه وهذا مذهب أبي حنيفه. وقد روى عن

[ 327 ]

أم عطية قالت: مشطناها ثلاثة قرون متفق عليه. قال أحمد انما ضفرن وأنكر المشط فكأنه تأول قولها مشطناها على انها أرادت ضفرناها لما ذكرنا والله أعلم * (مسألة) * (ويضفر شعر المرأة ثلاثة قرون ويسدل من ورائها) يستحب ضفر شعر المرأة ثلاثة قرون قرنيها وناصيتها ويلقى من خلفها، وبهذا قال الشافعي وإسحق وبن المنذر. وقال الاوزاعي وأصحاب الرأي لا يضفر ولكن يرسل مع خديها من الجانبين ثم يرسل عليه الخمار لان ضفره يحتاج إلى تسريحه فيتقطع وينشف ولنا ما روت أم عطية قالت: ضفرنا شعرها ثلاثة قرون وألقيناه خلفها تعني بنت النبي صلى الله عليه وسلم متفق عليه. ولمسلم فضفرنا شعرها ثلاثة قرون قرنيها وناصيتها، وفي حديث أم سليم عن النبي صلى الله عليه وسلم واضفرن شعرها ثلاثة قرون قصة وقرنين ولا تشبهنها بالرجال * (مسألة) * (ثم ينشفه بثوب) وذلك مستحب لئلا تبتل أكفانه، وفي حديث ابن عباس في غسل النبي صلى الله عليه وسلم قال: فجففوه بثوب ذكره القاضي وهذا مذهب الشافعي * (مسألة) * (فان خرج منه شئ بعد السبع حشاه بالقطن فان لم يستمسك فبالطين الحر)

[ 328 ]

متى خرجت من الميت نجاسة بعد السبع لم يعد إلى الغسل نص عليه أحمد لان اعادة غسله

[ 329 ]

يفضي إلى الحرج، ولان النبي صلى الله عليه وسلم أمر ثلاثا أو خمسا أو سبعا في حديث أم عطية، لكن يحشوه

[ 330 ]

بالقطن أو يلجم بالقطن كما تفعل المستحاضة ومن به سلس البول، فان لم يمسكه ذلك حشى بالطين الخالص الصلب الذي له قوة يمسك المحل

[ 331 ]

* (مسألة) * (ثم يغسل المحل ويوضأ) وقد ذكر عن أحمد انه لا يوضأ وهو قول لاصحاب الشافعي والاولى ان شاء الله انه يوضأ كالجنب إذا أحدث بعد الغسل لتكون طهارته كاملة * (مسألة) * (فان خرج منه شئ بعد وضعه في أكفانه لم يعد إلى الغسل) قال شيخنا رحمه الله لا نعلم في ذلك خلافا إذا كان الخارج يسيرا لما في اعادة الغسل من المشقة الكثيرة لانه يحتاج إلى اخراجه واعادة غسله وغسل أكفانه وتجفيفها أو ابدالها ثم لا يؤمن مثل هذا في المرة الثانية والثالثة فسقط ذلك، ولا يحتاج أيضا إلى اعادة وضوئه ولا غسل موضع النجاسة

[ 332 ]

دفعا لهذه المشقة ويحمل بحاله، وقد روي عن الشعبي ان ابنة له لما لفت في أكفانها بدا منها شئ. فقال الشعبي: ارفعوا. وان كان كثيرا. فالظاهر عنه انه يحمل أيضا لما ذكرنا، وعنه انه يعاد غسله ويطهر كفنه لانه يؤمن مثله في الثاني للتحفظ بالتلجم والشد * (مسألة) * (ويغسل المحرم بماء وسدر ولا يلبس المخيط ولا يخمر رأسه ولا يقرب طيبا) إذا مات المحرم لم يبطل حكم احرامه بموته ويجنب ما يجنبه المحرم من الطيب وتغطية الرأس ولبس المخيط وقطع الشعر، روي ذلك عن عثمان وعلي وابن عباس وبه قال عطاء والثوري والشافعي وإسحق، وقال مالك والاوزاعي وأبو حنيفة يبطل احرامه بموته ويصنع به ما يصنع بالحلال. وروي ذلك عن عائشة وابن عمر وطاوس لانها عبادة شرعية فبطلت بالموت كالصلاة والصيام ولنا ما روى ابن عباس أن رجلا وقصه بعيره ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين ولا تمسوه طيبا ولا تخمروا رأسه، فان الله يبعثة يوم القيامة ملبدا " وفي رواية " ملبيا " متفق عليه. فان قيل هذا خاص له لانه يبعث يوم القيامة ملبيا قلنا حكم النبي صلى الله عليه وسلم في واحد حكمه في مثله إلا ان يرد تخصيصه، ولهذا ثبت حكمه في شهداء أحد وفي سائر الشهداء قال أبو داود سمعت أحمد يقول: في هذا الحديث خمس سنن - كفنره في ثوبيه أي يكفن في ثوبين، وأن يكون في الغسلات كلها سدر، ولا تخمروا رأسه، ولا تقربوه طيبا، وكون الكفن من جميع المال. قال أحمد في موضع يصب عليه الماء صبا، ولا يغسل كما يغسل الحلال، وانما كره عرك رأسه ومواضع الشعر كيلا ينقطع شعره (فصل) واختلف عن أحمد في تغطية وجهه فعنه لا يغطى نقلها عنه اسماعيل بن سعيد لان في بعض الحديث " ولا تخمروا رأسه ولا وجهه " وعنه لا بأس بتغطية وجهة. نقلها عنه سائر أصحابه لحديث ابن عباس المذكور فانه أصح ما روي فيه وليس فيه سوى المنع من تغطية الرأس، ولا يلبس المخيط لانه يحرم عليه في حياته فكذلك بعد الموت، واختلف عن أحمد أيضا في تغطية رجليه، فروى حنبل عنه لا يغطى رجلاه كذلك ذكره الخرقى. وقال الخلال لا أعرف هذا في الاحاديث ولا رواه أحد عن أبي عبد الله غير حنبل وهو عندي وهم من حنبل، والعمل على انه يغطى جميع المحرم إلا رأسه ولان المحرم لا يمنع من تغطية رجليه في حياته فكذلك بعد موته، فان كان الميت امرأة محرمة ألبست القميص وخمرت كما تفعل في حياتها ولم تقرب طيبا ولم يغط وجهها لانه يحرم عليها في حياتها فكذلك بعد موتها، فان ماتت المتوفى عنها زوجها في عدتها احتمل أن لا تطيب لانها ممنوعة حال حياتها، واحتمل أن تطيب لان التطيب انما حرم لكونه يدعو إلى نكاحها وقد زال بالموت وهو أصح، ولاصحاب الشافعي وجهان

[ 333 ]

* (مسألة) * (والشهيد لا يغسل إلا أن يكون جنبا) إذا مات الشهيد في المعركة لم يغسل رواية واحدة إذا لم يكن جنبا، وهذا قول أكثر أهل العلم ولا نعلم خلافا إلا عن الحسن وسعيد بن المسيب فانهما قالا يغسل ما مات ميت إلا جنبا ولنا ما روى جابر ان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بدفن شهداء أحد في دمائهم ولم يغسلهم ولم يصل عليهم متفق عليه. إذا ثبت هذا فيحتمل ان ترك الغسل لما يتضمنه من ازالة أثر العبادة المستطاب شرعا فانه جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة اللون لون دم والريح ريح مسك " رواه البخاري. وروى عبد الله بن ثعلبة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " زملوهم بدمائهم فانه ليس كلم يكلم في الله إلا يأتي يوم القيامة يدمى لونه لون الدم وريحه ريح المسك " رواه النسائي، ويحتمل ان الغسل لا يجب إلا من أجل الصلاة إلا ان الميت لا فعل له فأمرنا بغسله ليصلى عليه، فمن لم تجب الصلاة عليه لم يجب غسله كالحي، ويحتمل ان الشهداء في المعركة يكثرون فيشق غسلهم فعفي عنه لذلك (فصل) فان كان الشهيد جنبا غسل وبه قال أبو حنيفة، وقال مالك لا يغسل لعموم الخبر في الشهداء وعن الشافعي كالمذهبين ولنا ما روي ان حنظلة بن الراهب قتل يوم أحد فقال النبي صلى الله عليه وسلم " ما شأن حنظلة فاني رأيت الملائكة تغسله " قالوا انه جامع ثم سمع الهيعة فخرج إلى القتال رواه ابن إسحق في المغازي ولانه غسل واجب لغير الموت فلم يسقط بالموت كغسل النجاسة. وحديثهم ورد في شهداء أحد وحديثنا خاص في حنظلة وهو من شهداء أحد فيجب تقديمه، وعلى هذا كل من وجب عليه الغسل بسبب سابق على الموت كالمرأة تطهر من حيض أو نفاس ثم تقتل فهي كالجنب لما ذكرنا من العلة، ولو قتلت في حيضها أو نفاسها لم يجب الغسل لان الطهر شرط في الغسل أو في السبب الموجب فلا يثبت الحكم بدونه، فان أسلم ثم استشهد قبل الغسل فلا غسل عليه لانه روي ان اصيرم بني عبد الاشهل أسلم يوم أحد ثم قبل فلم يؤمر بغسل * (مسألة) * (وينزع عنه السلاح والجلود ويزمل في ثيابه وان أحب فيكفنه في غيرها) أما دفنه في ثيابه فلا نعلم فيه خلافا وقد ثبت بقول النبي صلى الله عليه وسلم " ادفنوهم في ثيابهم " وعن ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم رواه أبو داود وابن ماجه، وليس ذلك بواجب لكنه الاولى، ويجوز للولي أن ينزع ثيابه ويكفنه بغيرها، وقال أبو حنيفة لا ينزع ثيابه لظاهر إلخبر

[ 334 ]

ولنا ما روي أن صفية أرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثوبين ليكفن فيهما حمزة فكفنه في أحدهما وكفن في الآخر رجلا آخر رواه يعقوب بن شيبة وقال هو صالح الاسناد، وحديثهم يحمل على الاباحة والاستحباب، إذا ثبت هذا فانه ينزع عنه ما لم يكن من عامة لباس الناس من الجلود والفراء والحديد. قال أحمد لا يترك عليه فرو ولا خف ولا جلد وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، وقال مالك لا ينزع عنه فرو ولا خف ولا محشو لعموم الخبر وهو قوله " ادفنوهم في ثيابهم " وما رويناه أخص فكان أولى * (مسألة) * (ولا يصلى عليه في أصح الروايتين) وهذا قول مالك والشافعي وإسحق، وعن أحمد رواية أخرى انه يصلى عليه اختارها الخلال وهو قول الثوري وأبي حنيفة إلا ان كلام أحمد رحمه الله في هذه الرواية يشير إلى ان الصلاة عليه مستحبة غير واجبة، وقد صرح بذلك في رواية المروذي فقال: الصلاة عليه أجود وإن لم يصلوا عليه أجزأه، وقال في موضع آخر يصلى عليه وأهل الحجاز لا يصلون عليه وما تضره الصلاة لا بأس به، فكأن الروايتين في استحباب الصلاة لا في وجوبها، إحداهما يستحب لما روى عقبة أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف إلى المنبر متفق عليه، وعن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد. ووجه الرواية الاولى ما روى جابر ان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بدفن شهداء أحد في دمائهم ولم يغسلهم ولم يصل عليهم متفق عليه، وحديث عقبة مخصوص بشهداء أحد فانه صلى عليهم في القبور بعد سنين وهم لا يصلون على القبر أصلا ونحن لا نصلي عليه بعد شهر، وحديث ابن عباس يرويه الحسن بن عمارة وهو ضعيف، وقد أنكر عليه شعبة رواية هذا الحديث، إذا ثبت هذا فيحتمل أن يكون سقوط الصلاة عليهم لكونهم أحياء عند ربهم، والصلاة انما شرعت في حق الموتى، ويحتمل ان ذلك لغناهم عن الشفاعة لهم، فان الشهيد يشفع في سبعين من أهله فلا يحتاج إلى شفيع، والصلاة انما شرعت للشفاعة (فصل) والبالغ وغيره سواء في ترك غسله والصلاة عليه إذا كان شهيدا وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور وابن المنذر، وقال أبو حنيفة لا يثبت حكم الشهادة لغير البالغ لانه ليس من أهل القتال ولنا انه مسلم قتل في معترك المشركين بقتالهم أشبه البالغ ولانه يشبه البالغ في غسله والصلاة عليه إذا لم يكن شهيدا فيشبه في سقوط ذلك عنه بالشهادة، وقد كان في شهداء أحد حارثة بن النعمان وهو صغير، والحديث عام في الكل وما ذكروه يبطل بالنساء * (مسألة) * (وإن سقط من دابته ووجد ميتا لا أثر به أو حمل فأكل أو طال بقاؤه غسل وصلي عليه) إذا سقط من دابته فمات أو وجد ميتا ولا أثر به فانه يغسل ويصلى عليه، نص عليه أحمد.

[ 335 ]

وتأول الحديث: ادفنوهم بكلومهم فإذا كان به كلم (1) لم يغسل، وهذا قول أبي حنيفة في الذي يوجد ميتا لا أثر به. وقال الشافعي لا يغسل بحال لانه مات بسبب من أسباب القتال ولنا أن الاصل وجوب الغسل فلا يسقط بالاحتمال ولان سقوط الغسل في محل الوفاق مقرون بمن كلم فلا يجوز ترك اعتبار ذلك (فصل) وكذلك ان حمل فأكل أو طال بقاؤه لان النبي صلى الله عليه وسلم غسل سعد بن معاذ وصلى عليه وكان شهيدا رماه ابن العرقة يوم الخندق بسهم فقطع أكحله فحمل إلى المسجد فلبث فيه أياما ثم مات وظاهر كلام الخرقي انه متى طالت حياته بعد حمله غسل وصلي عليه، وإن مات في المعركة أو عقب حمله لم يغسل ولم يصل عليه. وقال مالك إن أكل أو شرب أو بقي يومين أو ثلاثة غسل، وقال أحمد في موضع: ان تكلم أو أكل أو شرب صلي عليه. وعن أحمد انه سئل عن المجروح إذا بقي في المعركة يوما إلى الليل ثم مات فرأى أن يصلى عليه. وقال أصحاب الشافعي ان مات حال الحرب لم يغسل ولم يصل عليه وإلا غسل وصلى عليه. قال شيخنا: والصحيح التحديد بما ذكرنا من طول الفصل والاكل لان الاكل لا يكون إلا من ذي حياة مستقرة وطول الفصل يدل على ذلك وقد ثبت اعتبارهما في كثير من المواضع. وأما الكلام والشرب وحالة الحرب فلا يصح التحديد بشئ منها لما روي ان النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم أحد " من ينظر ما فعل سعد بن الربيع؟ " فقال رجل أنا أنظر يا رسول الله، فنظر فوجده جريحا به رمق. فقال له: ان رسول الله أمرني أن أنظر في الاحياء أنت أم في الاموات؟ قال: فأنا في الاموات فأبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عني السلام. وذكر الحديث قال: ثم لم أبرح أن مات، وروي ان اصيرم بني عبد الاشهل وجد صريعا يوم أحد فقيل له: ما جاء بك؟ قال أسلمت ثم جئت، وهما من شهداء أحد دخلا في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم " ادفنوهم بدمائهم وثيابهم " ولم يغسلا ولم يصل عليهما وقد تكلما وماتا بعد انقضاء الحرب، وفي حديث أهل اليمامة عن ابن عمر انه طاف في القتلى فوجد أبا عقيل الانفي قال فسقيته ماء وبه أربعة عشر جرحا كلها قد خلص إلى مقتل، فخرج الماء من جراحاته كلها فلم يغسل (فصل) فان كان الشهيد قد عاد عليه سلاحه فقتله فهو كالمقتول بأيدي العدو. وقال القاضي يغسل ويصلى عليه لانه مات بغير أيدي المشركين أشبه من أصابه ذلك في غير المعترك ولنا ما روى أبو داود عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أغرنا على حي من جهينة فطلب رجل من المسلمين رجلا منهم فضربه فأخطأه فأصاب نفسه بالسيف. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أخوكم يا معشر المسلمين " فابتدره الناس فوجدوه قد مات فلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بثيابه ودمائه وصلى عليه. فقالوا يا رسول الله أشهيد هو؟ قال " نعم وأنا له شهيد " وعامر بن الاكوع بارز مرحبا


(1) الكلم الجرح وجمعه كلوم كفرح وقروح، وجرح وجروح

[ 336 ]

يوم خيبر فذهب سيف له فرجع سيفه على نفسه فكانت فيها نفسه فلم يفرد عن الشهداء بحكم ولانه شهيد المعركة أشبه ما لو قتله الكفار، وبهذا فارق ما لو كان في المعترك (فصل) ومن قتل من أهل العدل في المعركة فحكمه في الغسل حكم من قتل في معركة المشركين وقال القاضي يخرج على روايتين كالمقتول ظلما ولنا ان عليا رضي الله عنه لم يغسل من قتل معه وعمار أوصى أن لا يغسل وقال ادفنوني في ثيابي فأني مخاصم ولانه شهيد المعركة أشبه قتيل الكفار وهذا قول أبي حنيفة، وقال الشافعي في أحد قوليه يغسلون لان أسماء غسلت ابنها عبد الله بن الزبير والاول أولى لما ذكرنا، فأما عبد الله بن الزبير فانه أخذ وصلب فصار كالمقتول ظلما ولانه ليس بشهيد المعركة، وأما الباغي فيحتمل أن يغسل ويصلى عليه اختاره الخرقي والقاضي، ويحتمل إلحاقه بأهل العدل لانه لم ينقل غسل أهل الجمل وصفين من الجانبين ولانهم يكثرون في المعترك فيشق عليهم غسلهم أشبهوا أهل العدل، وهل يصلى على أهل العدل فيه احتمالان: أحدهما لا يصلى عليهم لانهم أشبهوا شهداء المشركين، ويحتمل أن يصلى عليهم لان عليا رضي الله عنه صلى عليهم، والمرجوم يغسل ويصلى عليه، وكذلك المقتول قصاصا كسائر الموتى * (مسألة) * (ومن قتل مظلوما فهل يلحق بالشهيد على روايتين) احداهما يغسل ويصلى عليه اختارها اخلال وهو قول الحسن ومذهب مالك والشافعي لان رتبته دون رتبة الشهيد في المعترك أشبه المبطون ولان هذا لا يكثر القتل فيه فلم يجز إلحاقه بشهيد المعترك، والثانية حكمه حكم الشهيد وهو قول الشعبي والاوزاعي وإسحق في الغسل لانه شهيد أشبه شهيد المعترك. قال النبي صلى الله عليه وسلم " من قتل دون ماله فهو شهيد " (فصل) فأما الشهيد بغير قتل كالمعطون والمبطون والغرق وصاحب الهدم والنفساء فانهم يغسلون ويصلى عليهم لا نعلم فيه خلافا، إلا انه روي عن الحسن لا يصلى على النفساء ولنا ان النبي صلى الله عليه وسلم صلى على امرأة مانت في نفاسها فقام وسطها متفق عليه. وصلى المسلمون على عمر وعلي رضي الله عنهما وهما شهيدان، وقال النبي صلى الله عليه وسلم " الشهداء خمس: المطعون والمبطون والغرق وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله " قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وكلهم غير الشهيد في سبيل الله يغسلون ويصلى عليهم ولان النبي صلى الله عليه وسلم ترك غسل شهيد المعركة لما يتضمنه من ازالة الدم المستطاب شرعا أو لمشقة غسلهم لكثرتهم أو لما فيهم من الجراح ولا يوجد ذلك ها هنا * (مسألة) * (وإذا ولد السقط لاكثر من أربعة أشهر غسل وصلي عليه) السقط الولد الذي تضعه المرأة لغير تمام أو ميتا، فان خرج حيا واستهل غسل وصلى عليه

[ 337 ]

بغير خلاف حكاه ابن المنذر اجماعا، وان خرج ميتا فقال أحمد إذا أتى له أربعة أشهر غسل وصلي عليه. وهذا قول سعيد بن المسيب وابن سيرين واسحق، وصلى ابن عمر على ابن لابيه ولد ميتا، وقال الحسن وابراهيم والحكم وحماد ومالك والاوزاعي وأصحاب الرأي لا يصلى عليه حتى يستهل وللشافعي قولان كالمذهبين لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " الطفل لا يصلى عليه ولا يرث ولا يورث حتى يستهل " رواه الترمذي، ولانه لم يثبت له حكم الحياة ولا يرث ولا يورث فلا يصلى عليه كمن دون أربعة أشهر ولنا ما روى المغيرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " والسقط يصلى عليه " رواه أبو داود والترمذي. وفي رواية الترمذي " والطفل يصلى عليه "، وقال هذا حديث حسن صحيح وذكره أحمد واحتج به، ولحديث أبي بكر الصديق انه قال: ما أحد أحق أن يصلى عليه من الطفل ولانه نسمة نفخ فيها الروح فيصلى عليه كالمستهل فان النبي صلى الله عليه وسلم أخبر في حديث الصادق والمصدوق انه ينفخ فيه الروح لاربعة أشهر، وحديثهم قال الترمذي: قد اضطرب الناس فيه فرواه بعضهم مرفوعا، قال الترمذي: كان هذا أصح من المرفوع وانما لم يرث لانه لا يعلم حياته حال موت موثه وذلك من شرط الارث والصلاة من شرطها أن تصادق من كانت فيه حياة، وقد علم ذلك بما ذكرنا من الحديث ولان الصلاة دعاء له ولوالديه فلم يحتج فيها إلى الاحتياط واليقين بخلاف الميراث. فأما من لم يبلغ أربعة أشهر فلا يغسل ولا يصلى عليه ويلف في خرقة ويدفن لعدم وجود الحياة لا نعلم فيه خلافا إلا عن ابن سيرين فانه قال: يصلى عليه إذا علم انه نفخ فيه الروح. وحديث الصادق المصدوق يدل عى انه لا ينفخ فيه الروح إلا بعد الاربعة أشهر وقبل ذلك لا يكون نسمة فلا يصلى عيه كسائر الجمادات ذكره شيخنا، وحكى ابن أبي موسى انه يصلى على السقط إذا استبان فيه بعض خلق الانسان والاول أولى (فصل) ويستحب أن يسمى السقط لانه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: " سموا أسقاطكم فانهم أسلافكم " رواه ابن السماك باسناده، قيل انهم يسمون ليدعون يوم القيامة باسمائهم، فإذا لم يعلم أذكر هو أم أنثى سمى اسما يصلح لهما جميعا كسلمة وقتادة وهبة الله وما أشبه * (مسألة) * (ومن تعذر غسله يمم) من تعذر غسله لعدم الماء وللخوف عليه من التقطع بالغسل كالمجدور والغريق والمحترق يمم إذا أمكن كالحي العادم للماء أو الذي يؤذيه الماء، وإن أمكن غسل بعضه غسل ويمم للباقي كالحي، ويحتمل ألا يمم ويصلى عليه على حسب حاله، ذكره ابن عقيل لان المقصود بغسل الميت التنظيف ولا يحصل ذلك

[ 338 ]

بالتيمم، والاول أصح ان أمكن غسله بأن يصب عليه الماء صبا ولا يمس غسل كذلك والله أعلم * (مسألة) * (وعلى الغاسل ستر ما رأه ان لم يكن حسنا) ينبغي للغاسل ومن حضر إذا رأى من الميت شيئا مما يحب الميت ستره أن يستره ولا يحدث به لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " من غسل ميتا ثم لم يفش ما عليه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه " رواه ابن ماجه، وقال " من ستر عورة مسلم ستره الله في الدنيا والاخرة " فان رأى حسنا مثل أمارات الخير من وضاءة الوجه والتبسم ونحو ذلك استحب اظهاره ليكثر الترحم عليه والتشبه بجميل سيرته، قال ابن عقيل الا أن يكون مغموصا عليه في الدين والسنة، مشهورا ببدعة فلا بأس باظهار السر عليه لتحذر طريقته، وعلى هذا ينبغي أن يكتم ما يرى عليه من أمارات الخير لئلا يغتر به فيقتدى به في بدعته * (فصل في الكفن) * * (مسألة) * (ويجب كفن الميت في ماله مقدما على الدين وغيره) من الوصية والميراث لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر به ولان سترته واجبة في الحياة فكذلك بعد الموت ويكون ذلك من رأس ماله لان حمزة ومصعب رضي الله عنهما لم يوجد لكل واحد منهما الا ثوب فكفن فيه ولان لباس المفلس مقدم على قضاء دينه فكذلك كفن الميت، ولا ينتقل إلى الورثة من مال الميت الا ما فضل عن حاجته الاصلية وهذا قول أكثر أهل العلم وفيه قولان شاذان: أحدهما قول خلاس بن عمرو: ان الكفن من الثلث، والآخر قال طاوس: ان كان المال قليلا فمن الثلث. والصحيح الاول لما ذكرنا، وكذلك مؤونة دفنه وتجهيزه ومالا بد للميت منه قياسا على الكفن: فأما الحنوط والطيب فليس بواجب ذكره ابن حامد لانه لا يجب في الحياة فكذلك بعد الموت: وقال القاضي يحتمل انه واجب لانه مما جرت العادة به، وليس بصحيح لان العادة جرت بتحسين الكفن وليس بواجب، ولاصحاب الشافعي وجهان كهذين * (مسألة) * (فان لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته الا الزوج لا يلزمه كفن امرأته) إذا لم يكن للميت مال فكفنه على من تلزمه مؤونته في الحياة وكذلك دفنه وما لا بد للميت منه لان ذلك يلزمه حال الحياة فكذلك بعد الموت الا الزوج لا يلزمه كفن امرأته وهذا قول الشعبي وأبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي: وقال بعضهم يجب على الزوج واختلف فيه عن مالك واحتجوا بأن كسوتها واجبة عليه في الحياة فوجب كفنها كسيد العبد ولنا ان النفقة والكسوة وجبت في النكاح للتمكين من الاستمتاع ولهذا تسقط بالنشوز والبينونة وقد انقطع ذلك بالموت فأشبه ما لو انقطع بالفرقة في الحياة ولانها بانت منه في الموت فأشبهت الاجنبية

[ 339 ]

وفارقت المملوك فان نققته بحق الملك لا بالانتفاع، ولهذا تجب نفقة الآبق وفطرته والوالد تجب نفقته بالقرابة، ولا تبطل بالموت بدليل ان السيد والوالد أحق بدفنه وتوليه. إذا تقرر هذا فان لم يكن لها مال فعلى من تلزمه نفقتها من الاقارب، فان لم يكن ففي بيت المال كمن لا زوج لها (فصل) ويستحب تحسين الكفن لما روى مسلم ان النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلا من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل فقال " إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه " فان تساح الورثة جعل بحسب حال الحياة ان كان موسرا كان حسنا رفيعا على نحو ما كان يلبس في حال الحياة، وان كان دون ذلك فعلى حسب حاله وليس لثمنه حد لان ذلك يختلف باختلاف البلدان والاوقات ولان التحديد انما يكون بنص أو اجماع ولم يوجد واحد منهما. وقال الخرقي إذا تشاح الورثة في الكفن جعل بثلاثين، وان كان موسرا فبخمسين وهذا محمول على وجه التقريب، ولعل الجيد في زمنه والمتوسط كان يحصل بهذا القدر، وقد روي عن ابن مسعود انه أوصى أن يكفن بنحو من ثلاثين درهما (فصل) والمستحب أن يكفن في جديد الا أن يوصي الميت بغيره فتمتثل وصيته كما روي عن الصديق رضي الله عنه انه قال: كفنوني في ثوبي هذين فان الحي أحوج إلى الجديد من الميت وانما هما للهلة والتراب رواه البخاري بمعناه، وذهب ابن عقيل إلى ان التكفين في الخليع أولى لهذا الخبر والاول أولى لدلالة قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعل أصحابه به * (مسألة) * (ويستحب تكفين الرجل في ثلاث لفائف بيض يبسط بعضها فوق بعض بعد تجميرها) الافضل عند امامنا رحمه الله أن يكفن الرجل في ثلاث لفائف بيض ليس فيها قميص ولا عمامة لا يزيد عليها ولا ينقص منها قال الترمذي، والعمل عليها عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم وهو مذهب الشافعي، ويستحب كون الكفن أبيض لان النبي صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب بيض ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " البسوا من ثيابكم البياض فانه أطهر وأطيب وكفنوا فيه موتاكم " رواه النسائي، وحكي عن أبي حنيفة ان المستحب أن يكون في إزار ورداء وقميص لما روى عبد الله ابن المغفل ان النبي صلى الله عليه وسلم كفن في قميصه ولان النبي صلى الله عليه وسلم ألبس عبد الله بن أبي قميصه رواه النسائي ولنا قول عائشة كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة متفق عليه، وهو أصح حديث يروى في كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة أقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم واعرف بأحواله، ولهذا لما ذكر لها قول الناس ان النبي صلى الله عليه وسلم كفن في برد، قالت: قد أتي بالبرد ولكنهم لم يكفنوه فيه فحفظت ما أغفله غيرها، وقالت أيضا: أدرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في حلة يمنية كانت لعبد الله بن أبي بكر ثم نزعت عنه فرفع عبد الله بن أبي بكر الحلة وقال: أكفن فيها؟ ثم قال: لم يكفن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكفن فيها فتصدق بها رواه مسلم، ولان حال الاحرام

[ 340 ]

أكمل أحوال الحي، وهو لا يلبس المخيط فكذلك حالة الموت. وأما إلباس النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي قميصه فانما فعل ذلك تكرمة لابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي لانه كان سأله ذلك ليتبرك به أبوه ويندفع عنه العذاب ببركة قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل انما فعل ذلك جزاء لعبد الله بن أبي عن كسوته العباس قميصه يوم بدر (فصل) ويستحب تجمير الاكفان وهو تجميرها بالعود فيجعل العود على النار في مجمر ثم يبخر به الكفن حتى تعبق رائحته ويكون ذلك بعد أن يرش عليه ماء الورد لتعلق به الرائحة، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " إذا أجمرتم الميت فأجمروه ثلاثا " رواه الامام أحمد وأوصى أبو سعيد وابن عمر وابن عباس أن تجمر أكفانهم بالعود، ولان هذا عادة الحي عند غسله وتجديد ثيابه أن تجمر بالطيب والعود فكذلك الميت * (مسألة) * (ثم يوضع عليها مستلقيا ويجعل الحنوط فيما بينها ويجعل منه في قطن يجعل بين إليتيه ويشد فوقه خرقة مشقوقة لطرف كالتبان يجمع إليتيه ومثانته ثم يجعل الباقي على منافذ وجهه ومواضع سجوده وإن طيبه كله كان حسنا) وجملة ذلك ان المستحب أن يؤخذ أوسع اللفائف وأحسنها فتبسط أولا لتظهر للناس لان هذا عادة الحي يجعل الظاهر أفخر ثيابه ويجعل عليها حنوطا ثم تبسط الثانية التي تليها في الحسن والسعة عليها ويجعل فوقها حنوطا وكافورا ثم تبسط فوقها الثالثة ويجعل فوقها حنوطا وكافورا ولا يجعل على وجه العليا ولا على النعش شيئا من الحنوط لان الصديق رضي الله عنه قال: لا تجعلوا على أكفاني حنوطا ثم يحمل الميت مستورا بثوب فيوضع عليها مستلقيا لانه أمكن لادراجه فيها، ويجعل من الحنوط والكافور في قطن ويجعل منه بين إليتيه برفق ويكثر ذلك ليرد شيئا ان خرج منه حين تحريكه، ويشد فوقه خرقة مشقوقة الطرف كالتبان وهو السراوبل بلا أكمام ليجمع إليتيه ومثانته ويجعل باقي الطيب على منافذ وجهه في فيه ومنخره وعينيه لئلا يحدث منهن حادث وكذلك في الجراح النافذة ويترك منه على مواضع السجود تشريفا لهذه الاعضاء المختصة بالسجود، ويطيب رأسه ولحيته لان الحي يتطيب هكذا، وإن طيبه كله كان حسنا * (مسألة) * (ثم يرد طرف اللفافة العليا على شقه الايمن ثم يرد طرفها الآخر على شقه الايسر) وانما استحب ذلك لئلا يسقط عنه الطرف الايمن إذا وضع على يمينه في القبر ثم يفعل بالثانية والثالثة كذلك ويجعل ما عند رأسه أكثر مما عند رجليه لانه أحق بالستر من رجليه، فالاحتياط لستره بتكثير ما عنده أولى ثم يجمع ما فضل جمع وطرف العمامة (1) فيرده عند رأسه ورجليه، وإن خاف انتشارها عقدها فإذا وضعه في قبره حلها لان عقد هذا انما كان للخوف من انتشارها وقد أمن بدفنه


(1) كذا بالاصل وفي المغنى (ثم يجمع ما فضل عند رأسه ورجليه فيرده على رأسه ورجليه)

[ 341 ]

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه لما أدخل نعيم بن مسعود الاشجعي القبر نزع الاخلة بفيه وعن ابن مسعود وسمرة نحوه ولا يخرق الكفن لانه افساد له (فصل) وتكره الزيادة في الكفن على ثلاثة أثواب لما فيه من اضاعة المال وقد نهى عنه عليه السلام، ويحرم ترك شئ مع الميت من ماله لغير حاجة لما ذكرنا إلا مثل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه ترك تحته قطيفة في قبره فان ترك نحوه فلا بأس * (مسألة) * (وإن كفن في قميص ومئزر ولفافة جاز) التكفين في القميص واللفافة والمئزر جائز إلا ان الاول أفضل، وهذا جائز لا كراهة فيه، فان النبي صلى الله عليه وسلم ألبس عبد الله بن أبي قميصه لما مات رواه البخاري، فيؤزر بالمئزر ويلبس القميص ثم يلف باللفافة بعد ذلك، وقال أحمد إن جعلوه قميصا فأحب إلي أن يكون مثل قميص له كمان وتخاريصان وأزرار ولا يزر عليه القيص (فصل) قال أبو داود قلت لاحمد يتخذ الرجل كفنه يصلي فيه أياما أو قلت يحرم فيه ثم يغسله ويضعه لكفنه فرآه حسنا؟ قال: يعجبني أن يكون جديدا أو غسيلا وكره أن يلبسه حتى يدنسه (فصل) ويجوز التكفين في ثوبين لقول النبي صلى الله عليه وسلم في المحرم الذي وقصته دابته " وكفنوه في ثوبين " رواه البخاري (فصل) قال أحمد: يكفن الصبي في خرقة وان كفن في ثلاثة فلا بأس، وكذلك قال إسحق ونحوه قال سعيد بن المسيب والثوري وأصحاب الرأي وغيرهم لا اختلاف بينهم في ان ثوبا يجزيه، وان كفن في ثلاثة فلا بأس * (مسألة) * (وتكفن المرأة في خمسة أثواب إزار وخمار وقميص ولفافتين) قال ابن المنذر: أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم يرى أن تكفن المرأة في خمسة أثواب منهم الشعبي ومحمد بن سيرين والنخعي والاوزاعي والشافعي وإسحق وأبو ثور وأصحاب الرأي وكان عطاء يقول تكفن في ثلاثة أثواب درع وثوب تحت الدرع تلف به وثوب فوقه تلف فيه. وقال موسى

[ 342 ]

ابن سليمان: درع وخمار ولفافة والصحيح الاول، وانما استحب ذلك لان المرأة تزيد في حال حياتها على الرجل في الستر لزيادة عورتها على عورته فكذلك بعد الموت، ولما كانت تلبس المخيط في احرامها وهو أكمل أحوال الحي استحب إلباسها إياه بعد موتها بخلاف الرجل، وقد روى أبو داود باسناده عن ليلى بنت قانف الثقفية قالت: كنت فيمن غسل أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وفاتها فكان أول ما أعطانا الخفاء ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة ثم أدرجت بعد ذلك في الثوب الآخر قالت: ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند الباب معه كفنها يناولناها ثوبا ثوبا، وروت أم عطية ان النبي صلى الله عليه وسلم ناولها إزارا ودرعا وخمارا وثوبين (فصل) قال المروذي: سألت أبا عبد الله في كم تكفن الجارية إذا لم تبلغ؟ قال في لفافتين وقميص لا خمار فيه، وكفن ابن سيرين بنتا له قد أعصرت أي قاربت المحيض في قميص ولفافتين، وروي في بقير ولفافتين. قال أحمد النقير القميص الذي ليس له كمان. والحد الذي تصير به الجارية في حكم المرأة في الكفن هو البلوغ، هذا ظاهر كلام أحمد في رواية المروذي لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار " مفهومه ان غيرها لا تحتاج إلى خمار في صلاتها كذلك في كفنها وروى عن أحمد أكثر أصحابه: إذا كانت بنت تسع يصنع بها ما يصنع بالمرأة واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بعائشة وهي بنت تسع، وقالت عائشة إذا بلغت الجارية تسعا فهي امرأة

[ 343 ]

(فصل) قال أحمد لا يعجبني أن يكفن في شئ من الحرير، وكره ذلك الحسن وابن المبارك وإسحق قال ابن المنذر: ولا أحفظ عن غيرهم خلافهم، وفي جواز تكفين المرأة بالحرير احتمالان: أحدهما الجواز وهو أقيس لانه من لبسها في حياتها، والثاني المنع لانها انما تلبسه في حياتها لانها محل للزينة والشهوة وقد زال ذلك، وعلى كل حال فهو مكروه، وكذلك يكره تكفينها بالمعصفر ونحوه لما ذكرنا قال الاوزاعي: لا تكفين في الثياب المصبغة إلا ما كان من العصب يعني ما صنع بالعصب وهو بنت باليمن (فصل) وان أحب أهل الميت أن يروه لم يمنعوا لما روى جابر قال: لما قتل أبي جعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي والنبي صلى الله عليه وسلم لا ينهاني، وقالت عائشة رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل عثمان بن مظعون وهو ميت حتى رأيت الدموع تسيل: والحديثان صحيحان * (مسألة) * (والواجب من ذلك ثوب يستر جميعه لما روت أم عطية قالت: لما فرغنا يعني من غسل ابنة النبي صلى الله عليه وسلم ألقى الينا حقوه فقال " اشعرنها اياه " ولم يزد على ذلك رواه البخاري، وقال معنى اشعرنها الففنها فيه ولان العورة المغلظة يجزي في سترها ثوب واحد فكفن الميت أولى، وهذا وجه لاصحاب الشافعي، وظاهر مذهبهم ان الواجب ما يستر العورة كالحي: وقال القاضي لا يجزي للقادر أقل من ثلاثة أثواب، وروي نحوه عن عائشة. قال: لانه لو أجزأ أقل منها لم يجز التكفين بها في حق من له أيتام احتياطا لهم والصحيح الاول، وما احتج به القاضي لا يصح لانه يجوز التكفين بالحسن مع حصول الاجزاء بما دونه (فصل) فان لم يجد ثوبا يستر جميعه ستر رأسه وجعل على رجليه حشيش أو ورق كما روي عن مصعب انه قتل يوم أحد فلم يوجد له شئ يكفن فيه إلا نمرة، فكات إذا وضعت على رأسه بدت رجلاه وإذا وضعت على رجليه خرج رأسه فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يغطى رأسه ويجعل على رجليه الاذخر رواه البخاري، فان لم يجد الا ما يستر العورة سترها كحال الحياة، فان كثر القتلى وقلت الاكفان كفن الرجل والرجلان والثلاثة في الثوب الواحد، قال أنس: كثر القتلى وقلت الثياب يعني يوم أحد قال: فكفن الرجل والرجلان والثلاثة في الثوب الواحد ثم يدفنون في قبر واحد رواه أبو داود والترمذي وهذا لفظه وقال حديث حسن غريب

[ 344 ]

* (فصل في الصلاة على الميت) * والصلاة على الميت فرض كفاية لقول النبي صلى الله عليه وسلم " صلوا على من قال لا إله الا الله " * (مسألة) * (السنة أن يقوم الامام عند رأس الرجل ووسط المرأة) المستحب أن يقوم الامام في صلاة الجنازة حذاء رأس الرجل ووسط المرأة، وان وقف في غير هذا الموضع خالف السنة وصحت صلاته وبه قال اسحق والشافعي وأبو يوسف ومحمد، وقال الخرقي: يقوم عند صدر الرجل وهو قريب من القول الاول لقرب أحدهما من الآخر، فالواقف عند أحدهما واقف عند الآخر، وقال أبو حنيفة يقوم عند صدر الرجل والمرأة لانهما سواء، فإذا وقف عند صدر الرجل فكذلك المرأة، وقال مالك يقف عند وسط الرجل لان ذلك يروى عن ابن مسعود ويقف عند منكب المرأة لان الوقوف عند أعاليها أمثل وأسلم، وروى سعيد قال حدثني خالد بن يزيد بن أبي مالك الدمشقي قال حدثي أبي قال: رأيت واثلة بن الاسقع يصلي على الجنائز فإذا كانوا رجالا صفهم ثم قام أوسطهم، وإذا كانوا رجالا ونساء جعل رأس أول امرأة عند ركبة الرحل ثم يقوم وسط الرجال ولنا ما روي ان أنسا صلى على رجل فقام عند رأسه ثم صلى على امرأة فقام حبال وسط السرير فقال له العلاء بن زياد هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على الجنازة مقامك منها، ومن الرجل مقامك منه، قال نعم. فلما فرغ قال احفظوا، قال الترمذي: هذا حديث حسن. وعن سمرة قال: صليت وراء النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة ماتت في نفاسها فقام وسطها متفق عليه. والمرأة تخالف الرجل في موقف الصلاة فجاز أن تخالفه ها هنا، وقيام الامام عند وسطها أستر لها فكان اؤلى * (مسألة) * (ويقدم إلى الامام أفضلهم ويجعل وسط المرأة حذاء رأس الرجل، وقال القاضي يسوى بين رؤوسهم) إذا كانت الجنائز نوعا واحدا قدم أفضلهم إلى الامام لان الافضل يلي الامام في صف المكتوبة فكذلك ها هنا، وقد دل على الاصل قوله عليه السلام " ليلني منكم اولوا الاحلام والنهى فان تساووا في الفضل قدم الاكبر فالاكبر " نص عليه أحمد في رواية الميموني، فان تساووا قدم السابق وقال القاضي يقدم السابق وان كان صبيا ولا تقدم المرأة وان كانت سابقة لموضع الذكورية، فان تساووا قدم الامام من شاء، فان تشاحوا أقرع بينهم (فصل) فان كانوا أنواعا كرجال وصبيان وخناثى ونساء قدم الرجال بغير خلاف في المذهب الا ما حكينا من قول القاضي إذا سبق الصبي وهذا قول أكثر أهل العلم ثم يقدم بعدهم الصبيان. هذا المنصوص عن أحمد في رواية الجماعة وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، وقال الخرقي يقدم النساء

[ 345 ]

على الصبيان لان المرأة شخص مكلف فهي أحوج إلى الشفاعة. وروى عمار مولى الحارث بن نوفل انه شهد جنازة أم كلثوم وابنها فجعل الغلام مما يلي القبلة فأنكرت ذلك وفي القوم ابن عباس وأبو سعيد وأبو قتادة وأبو هريرة فقالوا هذا السنة ولنا انهم يقدمون عليهن في الصف في الصلاة المكتوبة إذا اجتمعوا فكذلك عند اجتماع الجنائز كالرجال. فأما حديث عمار فالصحيح فيه انه جعلها مما يلي القبلة وجعل ابنها مما يليه كذلك رواه سعيد وعمار مولى بني سلمة عن عمار مولى بني هاشم، وأخرجه كذلك أبو داود والنسائي وغيرهما ولفظه قال: شهدت جنازة صبي وامرأة فقدم الصبي مما يلي القوم ووضعت المرأة وراءه وفي القوم أبو سعيد الخدري وابن عباس وأبو قتادة وأبو هريرة فقلنا لهم. فقالوا السنة أما الحديث الاول فغير صحيح فان زيد بن عمر هو ابن أم كلثوم الذي صلي عليه معها وكان رجلا له أولاد، كذلك قال الزبير بن بكار ولان زيدا ضرب في حرب كانت بين بني عدي في خلافة بعض بني أمية فصرع وحمل فمات ومثل هذا لا يكون الا رجلا (فصل) ولا نعلم خلافا في تقديم الخنثى على المرأة لانه يحتمل أن يكون رجلا، وأدنى أحواله مساواته لها، ويقدم الحر على العبد لشرفه وتقديمه عليه في الامامة وذلك في تقديم الكبير على الصغير لذلك. وقد روى الخلال باسناده عن علي رضي الله عنه في جنازة حر وعبد ورجل وامرأة وصغير وكبير، يجعل الرجل مما يلي الامام والمرأة أمام ذلك، والكبير مما يلي الامام والصغير أمام ذلك، والحر مما يلي الامام والمملوك أمام ذلك، فان اجتمع حر صغير وعبد كبير فقال أحمد في رواية الحسن ابن محمد يقدم الحر وإن كان غلاما، ونقل أبو الحارث يقدم الاكبر. قال شيخنا وهو أصح إن شاء الله تعالى لانه يقدم في الصف في الصلاة، وقول علي متعارض فانه قد قال: يقدم الكبير على الصغير كقوله يقدم الحر على العبد (فصل) وإذا اجتمع رجل وامرأة فصلى عليهما جميعا جعل رأس الرجل حذاء وسط المرأة في إحدى الروايتين عن أحمد اختاره أبو الخطاب ليكون موقف الامام عند رأس الرجل ووسط المرأة، والرواية الثانية يسوي بين رؤسهم اختارها القاضي وهو قول ابراهيم وأهل مكة وأبي حنيفة ويروى ذلك عن ابن عمر، وروى سعيد باسناده عن الشعبي ان أم كلثوم بنت علي وابنها زيد بن عمر توفيا جميعا فأخرجت جنازتاهما فصلى عليهما أمير المدينة فسوى بين رؤوسهما وأرجلهما حين صلى عليهما * (مسألة) * (ثم يكبر أربع تكبيرات يقرأ في الاولى الفاتحة ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في الثانية) وجملة ذلك ان التكبير على الجنازة أربع لا يجوز النقص منها ولا تسن الزيادة عليها لان النبي صلى الله عليه وسلم كبر على النجاشي أربعا متفق عليه. فيكبر الاولى ثم يستعيذ في الصحيح من

[ 346 ]

المذهب. وقال القاضي يخرج على روايتين كالاستفتاح ويقرأ الحمد يبتدئها ببسم الله الرحمن الرحيم كسائر الصلوات، ولا يسن الاستفتاح في المشهور عنه، قال أبو داود: سمعت أحمد يسأل عن الرجل يستفتح الصلاة على الجنازة بسبحانك اللهم وبحمدك؟ قال ما سمعت. قال ابن المنذر: كان الثوري يستحب أن يستفتح في صلاة الجنازة ولم نجده في كتب سائر أهل العلم، وقد روي عن أحمد مثل قول الثوري لان الاستعاذة فيها مشروعة فسن فيها الاستفتاح كسائر الصلوات ولنا ان صلاة الجنازة شرع فيها التخفيف ولهذا لا يقرأ فيها بعد الفاتحة بشئ وليس فيها ركوع ولا سجود. فأما التعوذ فهو سنة للقراءة مطلقا في الصلاة وغيرها لقول الله تعالى (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) ولاصحاب الشافعي في الاستعاذة والاستفتاح وجهان (فصل) وقراءة الفاتحة واجبة في صلاة الجنازة روي ذلك عن ابن عباس وهو قول الشافعي وإسحق، وقال الثوري والاوزاعي ومالك وأبو حنيفة لا يقرأ فيها بشئ لان ابن مسعود قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوقت فيها قولا ولا قراءة ولان مالا ركوع فيه لا قراءة فيه كسجود التلاوة ولنا ما روت أم شريك قالت: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب رواه ابن ماجه. وعن جابر ان النبي صلى الله عليه وسلم كبر على الجنازة اربعا وقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الاولى رواه الشافعي في مسنده، ثم هو داخل في عموم قوله عليه السلام " لا صلاة لمن لا يقرأ بأم القرآن " ولانها صلاة يجب فيها القيام فوجبت فيها القراءة كسائر الصلوات. وحديث ابن مسعود إن سح فانما قال: لم يوقت أي لم يقدر، ولا يدل هذا على نفي أصل القراءة، وقد روى عنه ابن المنذر انه قرأ على جنازة بفاتحة الكتاب، ثم لا يعارض ما رويناه لانه نفي مقدم عليه الاثبات وفارق سجود التلاوة فانه لا قيام فيه والقراءة محلها القيام، ويستحب اسرار القراءة والدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيها لا نعلم فيه خلافا ولا يقرأ بعد الفاتحة شيئا. وقد روي عن ابن عباس انه جهر بفاتحة الكتاب في صلاة الجنازة، قال أحمد: انما جهر ليعلمهم (فصل) ويكبر الثانية ويصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، لما روي عن ابن عباس انه صلى على جنازة بمكة فكبر ثم قرأ وجهر وصلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دعا لصاحبه فأحسن ثم انصرف وقال: هكذا ينبغي أن تكون الصلاة على الجنازة، وعن أبي أمامة بن سهل انه أخبره رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن من السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الامام ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الاولى يقرأ في نفسه ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات لا يقرأ في شئ منهن ثم يسلم سرا في نفسه. رواه الشافعي في مسنده.

[ 347 ]

وصفة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كصفة الصلاة عليه في التشهد نص عليه أحمد وهو مذهب الشافعي لان النبي صلى الله عليه وسلم لما سألوه كيف نصلي عليك؟ علمهم ذلك، وإن أتى بها على غير صفة التشهد فلا بأس لان القصد مطلق الصلاة. وقال القاضي يقول: اللهم صلى على ملائكتك المقربين، وأنبيائك والمرسلين، وأهل طاعتك أجمعين، من أهل السموات وأهل الارضين، انك على كل شئ قدير. لان أحمد قال في رواية عبد الله يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويصلي على الملائكة المقربين * (مسألة) * (ويدعو في التكبيرة الثالثة) لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء " رواه أبو داود. والدعاء ها هنا واجب لهذا الحديث ولانه المقصود فلا يجوز الاخلال به، ويكفي أدنى دعاء لهذا الحديث. قال أحمد: ليس على الميت دعاء مؤقت والاولى أن يدعو لنفسه ولوالديه وللميت وللمسلمين بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فروى أبو إبراهيم الاشهلي عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى على الجنازة قال " اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهرنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا " قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وروى أبو داود عن أبي هريرة مثل حديث أبي ابراهيم وزاد " اللهم من أحييته منا فأحيه على الايمان، ومن توفيته منا فتوفه على الاسلام، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده " وفي حديث آخر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم " اللهم أنت ربها، فأنت خلقتها، وأنت هديتها للاسلام، وأنت قبضتها، وأنت أعلم بسرها وعلانيتها، جئنا شفعاء، فاغفر له " رواه أبو داود. وعن عوف بن مالك الاشجعي قال صلى النبي صلى الله عليه وسلم على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول " اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، واكرم نزله واوسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الابيض من الدنس، وابدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وزوجا خيرا من زوجه، وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار " حتى تمنيت أن أكون ذلك الميت، رواه مسلم. وذكر ابن أبي موسى انه يقول مع ذلك: الحمد لله الذي أمات وأحيا، الحمد لله الذي يحي الموتى، له العظمة والكبرياء والملك والقدرة والسناء، وهو على كل شئ قدير. اللهم انه عبدك ابن عبدك ابن أمتك، وأنت خلقته ورزقته، وأنت أمته وأنت تحييه، وأنت تعلم سره، جئناك شفعاء له، فشفعنا فيه. اللهم إنا نستجير بحبل جوارك له، انك ذو وفاء وذمة. اللهم وقه من فتنة القبر، ومن عذاب جهنم. اللهم إن كان محسنا فجازه باحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عنه. اللهم قد نزل بك، وأنت خير منزول به، فقيرا إلى رحمتك، وأنت غني عن عذابه. اللهم ثبت عند المسألة منطقه، ولا تبتله في قبره " وقال الخرقي

[ 348 ]

يقول في الدعاء: اللهم انه عبدك وابن أمتك، نزل بك وأنت خير منزول به، ولا نعلم إلا خيرا، وقوله لا نعلم إلا خيرا انما يقوله لمن لم يعلم منه شرا لئلا يكون كاذبا. وقد روى القاضي حديثا عن عبد الله بن الحارث عن أبيه ان النبي صلى الله عليه وسلم علمهم الصلاة على الميت " اللهم اغفر لاحيائنا وأمواتنا وصغيرنا وكبيرنا وشاهدنا وغائبنا. اللهم ان عبدك وابن عبدك نزل بفنائك، فاغفر له وارحمه، ولا نعلم إلا خيرا " فقلت وأنا أصغر الجماعة يا رسول الله وإن لم أعلم خيرا؟ قال " لا تقل إلا ما تعلم " وانما شرع هذا للخبر ولان النبي صلى الله عليه وسلم لما أثني عنده على جنازة بخير قال " وجبت " وأثني على جنازة أخرى بشر قال " وجبت " ثم قال " ان بعضكم على بعض شهداء " رواه أبو داود. وفي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " ما من عبد مسلم يموت فشهد له اثنان من جيرانه الادنين بخير إلا قال الله تعالى قد قبلت شهادة عبادي على ما علموا وغفرت له ما أعلم " رواه الامام أحمد في المسند، في لفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " ما من مسلم يموت فيقوم رجلان من جيرانه الادنين فيقولان اللهم لا نعلم إلا خيرا. إلا قال الله تعالى قد قبلت شهادتهما لعبدي وغفرت له ما لا يعلمان " أخرجه للالكائي * (مسألة) * (وإن كان صبيا جعل مكان الاستغفار له اللهم اجعله ذخرا لوالديه وفرطا وأجرا وشفيعا مجابا، اللهم ثقل به موازينهما وأعظم به أجورهما، واجعله في كفالة أبيه ابراهيم، وألحقه بصالح سلف المؤمنين، وقه برحمتك عذاب الجحيم، اللهم اغفر لاسلافنا وافراطنا ومن سبقنا بالايمان) وبأي شئ دعا مما ذكرنا أو نحوه أجزأ * (مسألة) * (ثم يقف بعد الرابعة قليلا ويسلم تسليمة واحدة عن يمينه) ظاهر كلام شيخنا رحمه الله انه لا يدعو بعد الرابعة نقل ذلك عن أحمد جماعة من أصحابه انه قال: لا أعلم فيه شيئا لانه لو كان فيه دعاء مشروع لنقل، وعن أحمد انه يدعو ثم يسلم لانه قيام في صلاة الجنازة فكان فيه ذكر مشروع كالذي قبل الرابعة. قال ابن أبي موسى وأبو الخطاب يقول: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) وقيل يقول: اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله. والخلاف ها هنا في الاستحباب ولا خلاف في المذهب انه غير واجب. وقد روى الجوزجاني باسناده ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر أربعا ثم يقول ما شاء الله ثم ينصرف. قال الجوزجاني: أحسب هذه الوقفة ليكبر آخر الصفوف، فان الامام إذا كبر ثم سلم خفت أن يكون تسليمه قبل أن يكبر آخر الصفوف، فان كان هكذا فالله عزوجل الموفق له، وإن كان غير ذلك فاني أبرأ إلى الله عزوجل من أن أتأول على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرا لم يرده، أو أراد خلافه

[ 349 ]

(فصل) والتسليم واجب فيها لقوله عليه السلام " وتحليلها التسليم " والسنة أن يسلم على الجنازة تسليمة واحدة. قال أحمد: التسليم على الجنازة تسليمة واحدة عن ستة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس فيها اختلاف إلا عن ابراهيم، روي ذلك عن علي وابن عمر وابن عباس وجابر وأبي هريرة وأنس وابن أبي أوفى وواثلة بن الاسقع وبه قال سعيد بن جبير والحسن وابن سيرين وأبو إمامة بن سهل والقاسم بن محمد وابراهيم النخعي والثوري وابن عيينة وابن المبارك وعبد الرحمن ابن مهدي وإسحق. قال ابن المبارك: من سلم على الجنازة تسليمتين فهو جاهل جاهل، واختار القاضي أن المستحب تسليمتان وواحدة تجزي وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي قياسا على سائر الصلوات ولنا ما روى عطاء بن السائب ان النبي صلى الله عليه وسلم سلم على الجنازة تسليمة واحدة رواه الجوزجاني ولانه قول من سمينا من الصحابة ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم فكان إجماعا، واختيار القاضي في هذه المسألة مخالف لقول إمامه وأصحابه ولاجماع الصحابة والتابعين رحمة الله عليهم. ويستحب أن يسلمها عن يمينه وإن سلم تلقاء وجهه فلا بأس. وسئل أحمد يسلم تلقاء وجهه؟ قال كل هذا جائز. وأكثر ما روي فيه عن يمينه، قيل خفية؟ قال نعم. يعني إن الكل جائز. والتسليم عن يمينه أولى لانه أكثر ما روي وهو أشبه يسائر الصلوات. قال أحمد: يقول السلام عليكم ورحمة الله وروى عنه علي بن سعيد انه قال: إذا قال السلام عليكم أجزأه، وروى الخلال باسناده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه انه صلى على يزيد بن المكفف فسلم واحدة عن يمينه السلام عليكم (فصل) وروي عن مجاهد انه قال: إذا صليت فلا تبرح مصلاك حتى ترفع. قال ورأيت عبد الله بن عمر لا يبرح مصلاه إذا صلى على جنازة حتى يراها على أيدي الرجال. قال الاوزاعي لا تنقص الصفوف حتى ترفع الجنازة * (مسألة) * (ويرفع يديه مع كل تكبيرة) أجمع أهل العلم على ان المصلي على الجنازة يرفع يديه في التكبيرة الاولى، ويستحب أن يرفع يديه في كل تكبيرة، يروى ذلك عن سالم وعمر بن عبد العزيز وعطاء وقيس بن أبي حازم والزهري وإسحق وابن المنذر والاوزاعي والشافعي، وقال مالك والثوري وأبو حنيفة لا يرفع يديه إلا في الاولى لان كل تكبيرة مقام ركعة ولا ترفع الايدي في جميع الركعات ولنا ما روى عن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في كل تكبيرة رواه ابن أبي موسى. وعن ابن عمر وأنس انهما كانا يفعلان ذلك ولانها تكبيرة حال الاستقرار أشبهت الاولى وما قاسوا عليه ممنوع. إذا ثبت ذلك فانه يحط يديه إذا رفعهما عند انقضاء التكبيرة

[ 350 ]

ويضع يده اليمنى على اليسرى كما في بقية الصلوات، وفيما روى ابن أبي موسى ان النبي صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة فوضع بمينه على شماله (فصل) والواجب من ذلك التكبيرات والقيام وقراءة الفاتحة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وأدنى دعاء للميت والسلام لما ذكرنا من قبل. ويشترط لها النية وسائر شروط المكتوبة قياسا عليها إلا الوقت ويسقط بعض واجباتها عن المسبوق على ما سيأتي، ولا يجزي أن يصلي على الجنازة راكبا لانه يفوت القيام الواجب وهو قول أبي حنيفة والشافعي ولا نعلم فيه خلافا (فصل) ويستحب أن يصف في الصلاة على الجنازة ثلاثة صفوف لما روى الخلال باسناده عن مالك بن هبيرة وكانت له صحبة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب " قال فكان مالك بن هبيرة إذا استقل أهل الجنازة جزأهم ثلاثة أجزاء. قال الترمذي هذا حديث حسن. قال أحمد أحب إذا كان فيهم قلة أن يجعلهم ثلاثة صفوف. قيل له فان كان وراءه أربعة؟ قال يجعلهم صفين في كل صف رجلين، وكره أن يكون في صف رجل واحد وذكر ابن عقيل ان عطاء بن أبي رباح روى ان النبي صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة فكانوا سبعة فجعل الصف الاول ثلاثة والثاني اثنين والثالث واحدا. قال ابن عقيل ويعايابها فيقال أين تجدون فذا انفراده أفضل؟ قال شيخنا: ولا أحسب هذا الحديث صحيحا فانني لم أره في غير كتاب ابن عقيل وقد صار أحمد إلى خلافه ولو علم فيه حديثا لم يعده إلى غيره، والصحيح في هذا أن يجعل كل اثنين صفا (فصل) ويستحب تسوية الصف في صلاة الجنازة نص عليه أحمد. وقيل لعطاء حد على الناس أن يصفوا على الجنازة كما يصفون في الصلاة؟ قال لا قوم يدعون ويستغفرون. وكره أحمد قول عطاء هذا وقال يسوون صفوفهم فانها صلاة ولان النبي صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذى مات فيه وخرج إلى المصلى فصف بهم وكبر أربعا متفق عليه. وعن أبي المليح انه صلى على جنازة فالتفت فقال استووا ولتحسن شفاعتكم * (مسألة) * (وان كبر الامام خمسا كبر بتكبيره، وعنه لا يتابع في زيادة على أربع، وعنه يتابع إلى سبع) لا يختلف المذهب انه لا تجوز الزيادة على سبع تكبيرات ولا النقص من أربع، والاولى أن لا يزاد على أربع فان كبر الامام خمسا تابعه المأموم في ظاهر المذهب، ولا يتابعه فيما زاد عليها كذلك رواه الاثرم وهو ظاهر كلام الخرقي، وعنه لا يتابعه في زيادة على أربع ولكن لا يسلم الا مع الامام،

[ 351 ]

نقلها عنه حرب اختارها ابن عقيل، وهذا قول الثوري ومالك وأبي حنيفة والشافعي لانها زيادة غير مسنونة للامام فلا يتابعه المأموم فيها كالقنوت في الركعة الاولى والرواية الاولى هي الصحيحة. قال الخلال كل من روى عن أبي عبد الله يخالف حربا ولنا ما روي عن زيد بن أرقم انه كبر على جنازة خمسا وقال كان النبي صلى الله عليه وسلم يكبرها أخرجه مسلم ورواه سعيد وفيه فسئل عن ذلك فقال سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى سعيد باسناده عن مولى لحذيفة انه كبر على جنازة خمسا فقيل له؟ فقال مولاي وولي نعمتي صلى على جنازة وكبر عليها خمسا، وذكر حذيفة ان النبي صلى عليه وسلم فعل ذلك، وباسناده أن عليا صلى على سهل بن حنيف فكبر عليه خمسا، وروى الخلال باسناده قال: كل ذلك قد كان أربعا وخمسا وأمر الناس بأربع. قال أحمد في اسناد حديث زيد بن أرقم اسناده جيد، ومعلوم ان المصلين معه كانوا يتابعونه وهذا أولى مما ذكروه. فأما ان زاد على خمس ففيه أيضا روايتان: احداهما لا يتابعه المأموم لان المشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه خلافها، والثانية يتابعه إلى سبع. قال الخلال ثبت القول عن أبي عبد الله انه يكبر مع الامام إلى سبع ثم لا يزاد عليه، وهذا قول بكر بن عبد الله المزني لانه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كبر على حمزة سبعا رواه ابن شاهين وكبر علي على ابن أبي قتادة سبعا وعلى سهل بن حنيف ستا وقال انه بدري. وروى أن عمر رضى الله عنه جمع الناس فاستشارهم فقال بعضهم كبر النبي صلى الله عليه وسلم سبعا، وقال بعضهم أربعا فجمع عمر الناس على أربع تكبيرات وقال: هو أطول الصلاة. وإذا قلنا لا يتابعه لم يسلم حتى يسلم امامه. قال ابن عقيل لا يختلف قول أحمد إذا كبر الامام زيادة على أربع انه لا يسلم قبل امامه على الروايات الثلاث بل يقف ويسلم معه وهو مذهب الشافعي. وقال الثوري وأبو حنيفة ينصرف كما لو قام الامام إلى خامسة. قال أبو عبد الله ما أعجب حال الكوفيين سفيان ينصرف إذا كبر الخامسة والنبي صلى الله عليه وسلم كبر خمسا وفعله زيد بن أرقم وحذيفة. وقال ابن مسعود كبر ما كبر امامك ولان هذه زيادة مختلف فيها فلم يسلم قبل امامه إذا اشتغل به كما لو صلى خلف من يقنت في صلاة يخالفه المأموم في القنوت فيها، وهذا يخالف ما قاسوا عليه من وجهين: أحدهما ان زيادة الركعة الخامسة لا خلاف فيه، الثاني ان الركعة زيادة فعل وهذه زيادة قول، وكل تكبيرة قلنا يتابع الامام فيها فله فعلها وما لا فلا (فصل) فان زاد على سبع لم يتابعه نص عليه أحمد. وقال في رواية أبي داود: ان زاد على سبع فينبغي أن يسبح به ولا أعلم أحدا قال بالزيادة على سبع الا عبد الله بن مسعود. قال علقمة روي ان أصحاب عبد الله قالوا له ان أصحاب معاذ يكبرون على الجنائز خمسا فلو وقت لنا وقتا؟ فقال إذا تقدمكم امام فكبروا ما يكبر فانه لا وقت ولا عدد. رواه سعيد والاثرم، والصحيح انه لا يزاد عليها

[ 352 ]

لانه لم ينقل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه، ولكن لا يسلم حتى يسلم امامه لما ذكرنا (فصل) والافضل أن لا يزيد على أربع لان فيه خروجا من الخلاف وأكثر أهل العلم يرون التكبير أربعا منهم عمر وابنه وزيد بن ثابت وجابر وابن أبي أوفى والحسن بن علي والبراء بن عازب وابو هريرة وعقبة بن عامر وابن الحنفية وعطاء والاوزاعي وهو قول أبي حنيفة ومالك والثوري والشافعي لان النبي صلى الله عليه وسلم كبر على النجاشي أربعا متفق عليه، وكبر على قبر بعدما دفن أربعا، وجمع عمر الناس على أربع ولان أكثر الفرائض لا يزيد على أربع (فصل) ولا يجوز النقص من أربع وروي عن ابن عباس أنه كبر على الجنازة ثلاثة ولم يعجب ذلك أبا عبد الله وقال قد كبر أنس ثلاثا ناسيا فأعادو لانه خلاف ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولان الصلاة الرباعية إذا أنقص منها ركعة بطلت كذا هنا فعلى هذا ان نقص منها تكبيرة عامدا بطلت لانه ترك واجبا فيها عمدا وان تركها سهوا احتمل أن يعيدها كما فعل أنس واحتمل أن يكبرها ما لم يطل الفصل كما لو نسي ركعة ولا يشرع لها سجود سهو في الموضعين (فصل) قال أحمد يكبر إلى سبع ثم يقطع لا يزيد على ذلك حتى ترفع الاربع، قال أصحابنا إذا كبر على جنازة ثم جئ بأخرى كبر الثانية عليهما أو ينويهما فان حئ بثالثة كبر الثالثة عليهن ونواهن فان جئ برابعة كبر الرابعة عليهن ونواهن ثم يكمل التكبير عليهن إلى سبع ليحصل للرابعة أربع إذ لا يجوز النقصان منهن ويحصل للاولى سبع وهو أكثر ما ينتهي إليه التكبير فان جئ بخامسة لم ينوها بالتكبير لانه دائر بين أن يزيد على سبع أو ينقص في تكبيرها عن أربع، وكلاهما لا يجوز وهكذا ان جئ بثانية بعد أن كبر الرابعة لم يجز أن يكبر عليها الخامسة لما بينا، فان أراد أهل الجنازة الاولى دفعها قبل سلام الامام لم يجز لان السلام ركن لا تتم الصلاة الا به إذا تقرر هذا فانه يقرأ في التكبيرة الخامسة الفاتحة ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في السادسة ويدعو للميت في السابعة ليكمل لجميع الجنائز القراءة والاذكار كما كمل لهن التكبيرات وذكر ابن عقيل وجها قال يحتمل أن يكبر ما زاد على الاربع متابعا كما قلنا في القضاء للمسبوق، والصحيح الاول لان ما بعد الاول جنائز فاعتبر في الصلاة عليهن شروط الصلاة كالاولى * (مسألة) * (ومن فاته شئ من التكبير قضاه على صفته وقال الخرقى يقضيه متتابعا) يستحب للمسبوق في صلاة الجنازة قضاء ما فاته منها وهذا قول سعيد بن المسيب وعطاء والنخعي والزهري وابن سيرين وقتادة ومالك والثوري والشافعي واسحق وأصحاب الرأى لقوله عليه السلام " فما أدركتم فصلوا " وفي لفظ " فأتموا " وقياسا على سائر الصلوات ويكون القضاء على صفة الاداء لما

[ 353 ]

ذكرنا، فعلى هذا إذا أدرك الامام في الدعاء تابعه فيه فإذا سلم الامام كبر وقرأ الفاتحة ثم كبر وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم كبر وسلم وقال الشافعي متى دخل المسبوق في الصلاة ابتدأ الفاتحة ثم أتى بالصلاة في الثانية، ووجه الاولى أن المسبوق في سائر الصلوات يقرأ فيما يقضيه الفاتحة وسورة على صفة ما فاته فينبغي أن يأتي ها هنا بالقراءة على صفة ما فاته قياسا عليه. وقال الخرقي يقضيه متتابعا وكذلك روي عن أحمد وحكاه عن ابراهيم قال يبادر بالتكبير متتابعا، لما روى نافع عن ابن عمر انه قال لا يقضي فان كبر متتابعا فلا بأس ولم يعرف له مخالف في الصحابة فكان إجماعا وكذا قال ابن المنذر يقضيه متواليا وقال القاضي وأبو الخطاب: ان رفعت الجنازة قبل اتمام التكبير قضاه متواليا وإن لم ترفع قضاه على صفته كما سبق. * (مسألة) * (فان سلم ولم يقضه فعلى روايتين) احداهما لا تصح وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي لما ذكرنا من الحديث والمعنى، والثانية تصح اختارها الخرقي لما ذكرنا من حديث ابن عمر. وقد روي عن عائشة انها قالت: يا رسول الله إني أصلي على الجنازة ويخفى علي بعض التكبير؟ قال " ما سمعت فكبري، وما فاتك فلا قضاء عليك " وهذا صريح، ولانها تكبيرات متواليات حال القيام فلم يجب قضاء ما فات منها كتكبيرات العيد. وحديثهم ورد في الصلوات الخمس بدليل قوله في صدر الحديث " فلا تأتوها وأنتم تسعون " وفي رواية سعى في جنازة سعد حتى سقط رداؤه عن منكبيه فعلم انه لم يرد بالحديث هذه الصلاة، والقياس على سائر الصلوات لا يصح لانه لا يقضي في شئ من الصلوات التكبير المنفرد ويبطل بتكبيرات العيد (فصل) إذا أدرك لامام بين تكبيرتين فعن أحمد انه ينتظر الامام حتى يكبر معه وهو قول أبي حنيفة والثوري وإسحق لان التكبيرات كالركعات ثم لو فاتته ركعة لم يتشاغل بقضائها كذلك التكبيرة، والثانية يكبر ولا ينتظر وهو قول الشافعي لانه في سائر الصلوات إذا أدرك الامام كبر معه ولم ينتظر، وليس هذا اشتغالا بقضاء ما فاته وانما يصلي معه ما أدركه فيجزيه ذلك كالذي يتأخر عن تكبير الامام قليلا وعن مالك كالروايتين. قال ابن المنذر: سهل أحمد في القولين جميعا ومتى أدرك الامام في التكبيرة الاولى فكبر وشرع في القراءة ثم كبر الامام قبل أن يتمها فانه يكبر ويتابعه ويقطع القراءة كالمسبوق في بقية الصلوات إذا ركع الامام قبل اتمامه القراءة * (مسألة) * (ومن فاتته الصلاة على الجنازة صلى على القبر إلى شهر) من فاتته الصلاة على الجنازة فله أن يصلي عليها ما لم تدفن، فان دفنت فله أن يصلي على القبر إلى شهر، هذا قول أكثر أهل العلم، روي ذلك عن أبي موسى وابن عمر وعائشة رضي الله عنهم وهو مذهب الاوزاعي والشافعي. وقال النخعي والثوري ومالك وأبو حنيفة لا تعاد الصلاة على الميت

[ 354 ]

إلا للولي إذا كان غائبا ولا يصلى على القبر إلا كذلك، ولو جاز ذلك لصلي على قبر النبي صلى الله عليه وسلم في جميع الاعصار ولنا ما روي ان النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلا مات فقال " فدلوني على قبره " فأتى قبره فصلى عليه متفق عليه. وعن ابن عباس انه مر مع النبي صلى الله عليه وسلم بقبر منبوذ فأمهم وصلوا خلفه قال أحمد ومن يشك في الصلاة على القبر يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم من ستة وجوه كلها حسان، ولان غير الولي من أهل الصلاة فسنت له الصلاة كالولي وانما لم يصل على قبر النبي صلى الله عليه وسلم لانه لا يصلى على القبر بعد شهر (فصل) ولا يصلى على القبر بعد شهر ويصلى قبله وبهذا قال بعض أصحاب الشافعي. وقال بعضهم يصلى عليه أبدا واختاره ابن عقيل لان النبي صلى الله عليه وسلم صلى على شهداء أحد بعد ثماني سنين حديث صحيح. وقال بعضهم يصلى عليه ما لم يبل جسده، وقال أبو حنيفة يصلي عليه الولي خاصة إلى ثلاث. وقال إسحق يصلي عليه الغائب إلى شهر والحاضر إلى ثلاث ولنا ما روى سعيد بن المسيب ان أم سعد ماتت والنبي صلى الله عليه وسلم غائب فلما قدم صلى عليها وقد مضى لذلك شهر. قال أحمد: أكثر ما سمعت ان النبي صلى الله عليه وسلم صلى على أم سعد ابن عبادة بعد شهر، ولانها مدة يغلب على الظن بقاء الميت أشبهت الثلاثة أو كالغائب، وتجويز الصلاة عليه مطلقا باطل بأن قبر النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلى عليه الآن اجماعا، وكذلك التحديد ببلى الميت لكونه عليه السلام لا يبلى، فان قيل فالخبر دل على الصلاة بعد شهر فكيف منعتموه. قلنا تحديده بالشهر يدل على ان صلاته عليه الصلاة والسلام كانت عند رأس الشهر ليكون مقاربا للحد وتجوز الصلاة بعد الشهر قريبا منه لدلالة الخبر عليه، ولا يجوز بعد ذلك لعدم وروده فيه (فصل) ومن صلى عليها مرة فلا تسن له اعادة الصلاة عليها، وإذا صلى على الجنازة لم توضع لاحد يصلي عليها ويبادر بدفنها. قال القاضي الا أن يرجى مجئ الولي فتؤخر الا أن يخاف تغيره، وقال ابن عقيل لا ينتظر به أحدا لان النبي صلى الله عليه وسلم قال في طلحة بن البراء " عجلوا به فانه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله " وأما من أدرك الجنازة ممن لم يصل فله أن يصلي عليها فعله علي وأنس وسلمان بن ربيعة وأبو حمزة رضي الله عنهم (فصل) ويصلى على القبر وتعاد عليه الصلاة جماعة وفرادى نص عليهما أحمد. وقال وما بأس بذلك قد فعله عدة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي حديث ابن عباس قال: انتهى النبي صلى الله عليه وسلم إلى قبر رطب فصفوا خلفه فكبر أربعا. متفق عليه * (مسألة) * (ويصلى على الغائب بالنية فان كان في أحد جانبي البلد لم تصح عليه بالنية في أصح الوجهين)

[ 355 ]

تجوز الصلاة على الغائب في بلد آخر بالنية بعيدا كان البلد أو قريبا، فيستقبل القبلة ويصلي عليه كصلاته على الحاضر، وسواء كان الميت في جهة القبلة أو لم يكن وبهذا قال الشافعي. وقال مالك وأبو حنيفة لا يجوز، وحكى ابن أبي موسى عن أحمد رواية كقولهما ليس من شرط الصلاة على الجنازة حضورها بدليل ما لو كان في البلد ولنا ان النبي صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي صاحب الحبشة في اليوم الذي مات فيه وصلى بهم بالمصلى فكبر عليه أربعا متفق عليه. فان قيل فيحتمل ان النبي صلى الله عليه وسلم زويت له الارض فأري الجنازة قلنا لم ينقل ذلك ولو كان لاخبر به ولنا الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ما لم يثبت ما يقتضي اختصاصه ولان الميت مع البعد لا تجوز الصلاة عليه، وان رئي ثم لو اختصت الرؤية بالنبي صلى الله عليه وسلم لا اختصت الصلاة به وقد صف النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فصلى بهم، فان قيل لم يكن بالحبشة من يصلي عليه. قلنا ليس هذا مذهبكم فانكم لا تجيزون الصلاة على الغريق والاسير، وإن كان لم يصلى عليه ولان هذا بعيد لان النجاشي كان ملك الحبشة وقد أظهر اسلامه فيبعد انه لم يوافقه أحد يصلي عليه (فصل) فان كان الميت في أحد جانبي البلد لم يصل عليه من في الجانب الآخر في أصح الوجهين اختاره أبو حفص البرمكي لانه يمكنه الحضور للصلاة عليه أو على قبره أشبه ما لو كانا في جانب واحد والثاني يجوز كما لو كان في بلد آخر. وقد روي عن ابن حامد انه صلى على ميت مات في أحد جانبي بغداد وهو في الآخر * (فصل) * وتتوقت الصلاة على الغائب بشهر كالصلاة عى القبر لانه لا يعلم بقؤه من غير تلاش أكثر من ذلك، فعلى هذا قال ابن عقيل في أكيل السبع والمحترق بالنار يحتمل أن لا يصلى عليه لذهابه، ويصلى على الغريق إذا غرق قبل الغسل كالغائب البعيد لان الغسل تعذر لمانع أشبه الحي إذا غجز عن الغسل والتيمم صلى على حسب حاله * (مسألة) * (ولا يصلي الامام على الغال ولا من قتل نفسه) الغال هو الذي يكتم غنيمته أو بعضها ليأخذها لنفسه ويختص بها فهذا لا يصلي عليه الامام ولا على قاتل نفسه عمدا ويصلي عليهما سائر الناس نص على هذا أحمد: وقال عمر بن عبد العزيز والاوزاعي لا يصلى على قاتل نفسه بحال لان من لا يصلي عليه الامام لا يصلي عليه غيره كشهيد المعركة، وقال عطاء والنخعي والشافعي يصلي الامام وغيره على جميع المسلمين لقول النبي صلى الله عليه وسلم " صلوا على من قال لا إله إلا الله " رواه الحلال باسناده ولنا ما روى جابر بن سمرة ان النبي صلى الله عليه وسلم جاؤه برجل قد قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه

[ 356 ]

رواه مسلم. وروى أبو داود نحوه، وعن زيد بن خالد الجهني قال: توفي رجل من جهينة يوم خيبر فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " صلوا على صاحبكم " فتغيرت وجوه القوم، فلما رآى ما بهم قال " ان صاحبكم غل من الغنيمة " احتج به أحمد واختص الامتناع بالامام لان النبي صلى الله عليه وسلم لما امتنع من الصلاة على الغال قال " صلوا على صاحبكم " وروي انه أمر بالصلاة على قاتل نفسه، وكان صلى الله عليه وسلم هو الامام فألحق به من ساواه في ذلك، ولا يلزم من ترك صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ترك صلاة غيره فانه كان في بدء الاسلام لا يصلي على من عليه دين لا وفاء له ويأمرهم بالصلاة عليه، فان قيل هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم لان صلاته سكن. قلنا ما ثبت في حق النبي صلى الله عليه ثبت في حق غيره ما لم يقم على اختصاصه به دليل. فان قيل فقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على من عليه دين. قلنا ثم صلى عليه بعد، فروى أبو هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين فيقول " هل ترك لدينه من وفاء " فان حدث انه ترك وفاء صلى عليه وإلا قال للمسلمين " صلوا على صاحبكم " فلما فتح الله الفتوح قام فقال " أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين وترك دينا علي قضاؤه، ومن ترك مالا فلورثته " قال الترمذي: هذا حديث صحيح. ولو لا النسخ كان كمسئلتنا، وهذه الاحاديث خاصة فيجب تقديمها على قوله " صلوا على من قال لا إله إلا الله " * (فصل) * قال أحمد: لا أشهد الجهمية ولا الرافضة ويشهده من شاء، قد ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على أقل من ذا: الدين والغلول وقاتل نفسه، وقال: لا يصلى على الواقفي " وقال أبو بكر بن عياش: لا أصلي على رافضي ولا حروري. وقال الفريابي: من شتم أبا بكر فهو كافر لا يصلى عليه. قيل له فكيف تصنع به وهو يقول لا إله إلا الله؟ قال لا تمسوه بأيديكم ادفعوا بالخشب حتى تواروه. وقال أحمد: أهل البدع لا يعادون ان مرضوا، ولا تشهد جنائزهم ان ماتوا، وهو قول مالك. قال ابن عبد البر: وسائر العلماء يصلون على أهل البدع والخوارج وغيرهم لعموم قوله عليه السلام " صلوا على من قال لا إله إلا الله " ولنا ان النبي صلى الله عليه وسلم ترك الصلاة بأدون من هذا فأولى أن تترك الصلاة به، وروى ابن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ان لكل أمة مجوسا وان مجوس أمتي الذين يقولون لا قدر، فان مرضوا فلا تعودوهم، وان ماتوا فلا تشهدوهم " رواه الامام أحمد * (فصل) * ولا يصلى على أطفال المشركين لان لهم حكم آبانهم الامن حكمنا باسلامه بان يسلم أحد أبويه أو يموت أو يسبى منفردا من أبويه أو من أحدهما فانه يصلى عليه، وقال أبو ثور فيمن سبي مع أحد أبويه لا يصلى عليه حتى يختار الاسلام ولنا أنه محكوم باسلامه أشبه من سبي منفردا منهما

[ 357 ]

* (فصل) * ويصلى على سائر المسلمين أهل الكبائر والمرجوم في الزنا وغيرهم قال أحمد من استقبل قبلتنا وصلى صلاتنا نصلى عليه وندفنه ونصلي على ولد الزنا والزانية والذي يقاد منه في القصاص أو يقتل في حد. وسئل عمن لا يعطى زكاة ماله قال نصلي عليه ما نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الصلاة على أحد إلا على قاتل نفسه والغال وهذا قول عطاء والنخعي والشافعي وأصحاب الرأي إلا أن أبا حنيفة قال لا يصلى على البغاة ولا على المحاربين لانهم باينوا أهل الاسلام أشبهوا أهل دار الحرب وقال مالك لا يصلى على من قتل في حد لان أبا برزة الاسلمي قال لم يصل النبي صلى الله عليه وسلم على ماعز بن مالك ولم ينه عن الصلاة عليه، رواه أبو داود ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " صلوا على من قال لا إله إلا الله " رواه الخلال وروي عن أبي شميلة، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى قباء فاستقبله رهط من الانصار يحملون جنازة على باب فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما هذا؟ قالوا مملوك لآل فلان قال " أكان يشهد أن لا إله الا الله " قالوا نعم ولكنه كان وكان فقال " أكان يصلي؟ " قالوا قد كان يصلي ويدع فقال لهم " ارجعوا به فغسلوه وكفنوه وصلوا عليه وادفنوه والذي نفسي بيده لقد كادت الملائكة تحول بيني وبينه " وأما أهل الحرب فلا يصلى عليهم لكفرهم لا تقبل فيهم شفاعة ولا يستجاب فيهم دعاء وقد نهينا عن الاستغفار لهم، وأما ترك الصلاة على ماعز فيحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الصلاة عليه لعذر بدليل أنه صلى على الغامدية فقال له عمر ترجمها وتصلي عليها فقال " لقد تابت توبة لو قسمت على أهل المدينة لوسعتهم " كذلك رواه الاوزاعي وروى معمر وهشام أنه أمرهم بالصلاة عليها والله أعلم * (مسألة) * (وان وجد بعض الميت غسل وصلي عليه وعنه لا يصلى على الجوارح) وهذا المشهور في المذهب وهو مذهب الشافعي وعنه لا يصلى على الجوارح نقلها عنه ابن منصور قال الخلال ولعله قول قديم لابي عبد الله والاول الذي استقر عليه قوله. وقال أبو حنيفة ومالك ان وجد الاكثر صلي عليه والا فلا لانه بعض لا يزيد على النصف فلم يصل عليه كالذي بان في حياة صاحبه والشعر والظفر. ولنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم قال أحمد صلى أبو أيوب على رجل وصلى عمر على عظام بالشام وصلى أبو عبيدة على رءوس بالشام رواهما عبد الله بن أحمد باسناده وقال الشافعي القى طائر يدا بمكة من وقعة الجمل عرفت بالخاتم وكانت يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد فصلى عليها أهل مكة وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم نعرف من الصحابة مخالفا في ذلك ولانه بعض من جملة تجب الصلاة عليها فيصلى عليه كالاكثر وفارق مابان في الحياة لانه من جملة لا يصلى عليها والشعر والظفر لا حياة فيه

[ 358 ]

* (فصل) * وان وجد الجزء بعد دفن الميت غسل وصلي عليه ودفن إلى جانب القبر أو نبش بعض القبر ودفن فيه ولا حاجة إلى كشف الميت لان ضرر نبش الميت وكشفه أعظم من الضرر بتفرقة أجزائه. * (مسألة) * (وإن اختلط من يصلى عليه بمن لا يصلى عليه صلي على الجميع ينوي من يصلى عليه) قال أحمد ويجعلهم بينه وبين القبلة ثم يصلي عليهم، وهذا قول مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة إن كان المسلمون أكثر صلي عليهم والا فلا لان الاعتبار بالاكثر بدليل أن دار المسلمين الظاهر فيها الاسلام لكثرة المسلمين بها وعكسها دار الحرب لكثرة الكفار بها ولنا أنه أمكن الصلاة على المسلمين من غير ضرر فوجب كما لو كانوا أكثر ولانه إذا جاز أن يقصد بصلاته ودعائه الاكثر جاز أن يقصد الاقل ويبطل ما قالوه بما إذا اختلطت أخته باجنبيات أو ميتة بمذكيات فانه يثبت الحكم للاقل دون الاكثر * (فصل) * وإن وجد ميت فلم يعلم أمسلم هو أم كافر؟ نظر إلى العلامات من الختان والثياب والخضاب فان لم يكن عليه علامة وكان في دار الاسلام غسل وصلي عليه، وإن كان في دار الكفر لم يغسل ولم يصل عليه، نص عليه أحمد لان الاصل أن من كان في دار فهو من أهلها يثبت له حكمهم ما لم يقم على خلافه دليل. * (مسألة) * (ولا بأس بالصلاة على الميت في المسجد إذا لم يخف تلويثه) وبهذا قال الشافعي وإسحق وأبو ثور وداود وكره ذلك مالك وأبو حنيفة لانه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من صلى على جنازة في المسجد فلا شئ له " رواه أحمد في المسند ولنا ما روى مسلم وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن ييضاء إلا في المسجد، وروى سعيد قال حدثنا عبد العزيز بن محمد عن هشام بن عروة عن أبيه قال صلي على أبي بكر في المسجد وقال حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر قال صلي على عمر بالمسجد وهذا كان بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم فلم ينكر فكان اجماعا ولانها صلاة فلم يمنع منها في المسجد كسائر الصلوات وحديثهم يرويه صالح مولى التؤمه وقد قال فيه ابن عبد البر: من أهل العلم من لا يحتج بحديثه أصلا لضعفه، ومنهم من يقبل منه ما رواه عن ابن أبي ذئب خاصة ثم يحمل على من خيف منه الانفجار وتلويث المسجد. * (فصل) * فاما الصلاة على الجنازة في المقبرة ففيها روايتان احداهما لا بأس بها لان النبي صلى

[ 359 ]

صلى الله عليه وسلم صلى على قبر وهو في المقبرة، وقال ابن المنذر ذكر نافع أنه صلي على عائشة وأم سلمة وسط قبور البقيع، صلى على عائشة أبو هريرة وحضر ذلك ابن عمر وفعله عمر بن عبد العزيز والرواية الثانية يكره، روي ذلك عن علي وعبد الله بن عمرو بن العاص وابن عباس وبه قال عطاء والنخعي والشافعي واسحق وابن المنذر لقول النبي صلى الله عليه وسلم " الارض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام " ولانه ليس بموضع للصلاة غير صلاة الجنازة فكرهت فيه صلاة الجنازة كالحمام * (مسألة) * (وإن لم يحضره إلا النساء صلين عليه) لان عائشة رضي الله عنها أمرت أن يؤتى بسعد بن أبي وقاص لتصلي عليه، ولان الصلاة على الميت صلاة مشروعة فتشرع في حقهن كسائر الصلوات * (فصل في حمل الميت ودفنه) * * (مسألة) * (يستحب التربيع في حمله) ومعناه الخذ بقوائم السرير الاربع وهو سنة لقول ابن مسعود رضي الله عنه: إذا اتبع أحدكم جنازة فيأخذ بجوانب السرير الاربع ثم ليتطوع بعد أو ليذر فانه من السنة رواه سعيد في سننه وهذا يقتضي سنة النبي صلى الله عليه وسلم. * (مسألة) * قال (وهو أن يضع قائمة السرير اليسرى المقدمة على كتفه اليمنى ثم ينتقل إلى المؤخرة ثم يضع قائمته اليمنى المقدمة على كتفه اليسرى ثم ينتقل إلى المؤخرة) هذا صفة لتربيع في المشهور في المذهب اختاره الخرقي واليه ذهب أبو حنيفة والشافعي وعن أحمد أنه يدور عليها فيأخذ بعد ياسرة المؤخرة يامنة المؤخرة ثم المقدمة وهو مذهب اسحق، روي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وسعيد بن جبير وأيوب ولانه أخف، ووجه الاول أنه أحد الجانبين فينبغي أن يبدأ فيه بمقدمه كالاول. * (مسألة) * (وإن حمل بين العمودين فحسن) حكاه ابن المنذر عن عثمان وسعد بن مالك وابن عمر وأبي هريرة وابن الزبير وقال به الشافعي وأحمد وأبو ثور وابن المنذر وكرهه النخعي والحسن وأبو حنيفة واسحق والصحيح الاول لان الصحابة رضى الله عنهم فعلوه وفيهم أسوة حسنة وقال مالك ليس في حمل الميت توقيت يحمل من حيث شاء ونحوه قال الاوزاعي واتباع الصحابة رضي الله عنهم فيما فعلوه وقالوه أحسن * (مسألة) * (ويستحب الاسراع بها)

[ 360 ]

لا نعلم فيه خلافا بين الائمة رحمهم الله وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم " أسرعوا بالجنازة فان تكن صالحة فخير تقدمونها إليه، وان كانت غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم " متفق عليه واختلفوا في الاسراع المستحب فقال القاضي هو اسراع لا يخرج عن المشي المعتاد وهو قول الشافعي، وقال أصحاب الرأي يخب ويرمل، لما روى أبو داود عن عيبنة بن عبد الرحمن عن أبيه قال كنا في جنازة عثمان بن أبي العاص وكنا نمشي مشيا خفيفا فلحقنا أبو بكر فرفع سوطه فقال لقد رأيثنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نرمل رملا: ولنا ما روى أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر عليه بجنازة تمخض مخضا فقال " عليكم بالقصد في جنائزكم " رواه الامام أحمد في المسند ولان الاسراف في الاسراع يمخضها ويؤذي حامليها ومتبعيها ولا يؤمن على الميت، وقال ابن عباس في جنازة ميمونة لا تزلزلوا وارفقوا فانها أمكم * (فصل) * واتباع الجنائز سنة لقول البراء أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم باتباع الجنائز متفق عليه واتباع الجنائز على ثلاثة أضرب أحدها، أن يصلي عليها ثم ينصرف قال زيد بن ثابت إذا صليت فقد قضيت الذي عليك، وقال أبو داود رأيت أحمد ما لا احصي صلى على جنائز ولم يتبعها إلى القبر

[ 361 ]

ولم يستأذن، الثاني أن يتبعها إلى القبر ثم يقف حتى تدفن لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من شهد الجنازة حتى يصلي فله قيراط، ومن شهد حتى تدفن فله قيراطان - قيل وما القيراطان؟ قال مثل الجبلين العظيمين " متفق عليه. الثالث: أن يقف بعد الدفن فيستغفر له ويسأل الله له التثبيت ويدعو له بالرحمة فانه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دفن ميتا وقف فقال " استغفروا الله (1) واسألوا الله له التثبيت فانه الآن يسئل " رواه أبو داود، وروي عن ابن عمر أنه كان يقرأ عنده عند الدفن أول البقرة وخاتمتها ويستحب لمتبع الجنازة أن يكون متخشعا متفكرا في حاله متعظا بالموت وبما يصير إليه الميت، لا يتحدث بأحاديث الدنيا ولا يضحك، قال سعد بن معاذ ما تبعت جنازة فحدثت نفسي بغير ما هو مفعول بها ورأى بعض السلف رجلا يضحك في جنازة فقال تضحك وأنت تتبع الجنازة لا كلمتك أبدا * (مسألة) * (ويستحب أن يكون المشاة أمامها والركبان خلفها) أكثر أهل العلم يرون الفضيلة للماشي أن يكون أمام الجنازة، روي ذلك عن أبى بكر وعمر وعثمان وابن عمر وأبي هريرة والحسن بن علي وابن الزبير وأبي قتادة وأبي أسيد وشريح والقاسم بن محمد وسالم والزهري ومالك والشافعي. وقال الاوزاعي وأصحاب الراي المشي خلفها أفضل لما روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " الجنازة متبوعة ولا تتبع ليس منها من تقدمها " وقال علي رضي الله عنه: فضل الماشي خلف الجنازة على الماشي قدامها كفضل المكتوبة على التطوع سمعته من رسول


(1) كذا والرواية المشهورة " استغفروا لاخيكم " الخ

[ 362 ]

الله صلى الله عليه وسلم، ولانها متبوعة فيجب أن تقدم كالامام في الصلاة. ولهذا قال في الحديث الصحيح " من تبع جنازة " ولنا ما روى ابن عمر قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازه، رواه أبو داود والترمذي وعن أنس نحوه رواه ابن ماجه قال ابن المنذر ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازه، وقال أبو صالح كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشون أمام الجنازة ولانهم شفعاء له بدليل قوله عليه السلام " ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة لهم يشفعون له الا شفعوا فيه " رواه مسلم، والشفيع يتقدم المشفوع له، وحديث ابن مسعود يرويه أبو ماجد وهو مجهول، قيل ليحيى من أبو ماجد هذا؟ قال طائر طار قال الترمذي سمعت محمد بن اسماعيل يضعف هذا الحديث والحديث الآخر لم يذكره أصحاب السنن وقالوا هو ضعيف ثم نحمله على من تقدمها إلى موضع الصلاة أو الدفن ولم يكن معها وقياسهم يبطل بسنة الصبح والظهر فانها تابعة لهما وتتقدمهما في الوجود * (فصل) * ويكره الركوب في اتباع الجنائز لما روى ثوبان قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فرأى ناسا ركبانا فقال " ألا تستحون أن ملائكة الله على أقدامهم وأنتم على ظهور الدواب " رواه الترمذي. فان ركب فالسنة أن يكون خلف الجنازة، قال الخطابي: في الراكب لا أعلمهم اختلفوا

[ 363 ]

في أنه يكون خلفها لقول النبي صلى الله عليه وسلم " الراكب يمشي خلف الجنازة والماشي يمشي خلفها وأمامها وعن يمينها وعن يسارها قريبا منها " رواره أبوداد والترمذي، ولفظه " الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها. والطفل يصلى عليه " وقال هذا حديث صحيح ولان سير الراكب أمامها يؤذي المشاة، فأما الركوب في الرجوع من الجنازة فلا بأس به. قال جابر بن سمرة: إن النبي صلى الله عليه وسلم اتبع جنازة ابن الدحداح ماشيا ورجع على فرس، قال الترمذي هذا حديث صحيح * (فصل) * ويكره رفع الصوت عند الجنائز لنهي النبي صلى الله عليه وسلم أن تتبع الجنائز بصوت، قال ابن المنذر: روينا عن قيس بن عباد انه قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون رفع الصوت عند ثلاث: عند الجنائز، وعند الذكر، وعند القتال. وكره سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن والنخعي وإمامنا وإسحق قول القائل خلف الجنازة استغفروا له. قال الاوزاعي بدعة. وقال سعيد بن المسيب في مرضه إياي وحاديهم هذا الذي يحدو لهم يقول استغفروا له غفر الله لكم. وقال فضيل بن عمرو بينا ابن عمر في جنازة إذ سمع قائلا يقول: استغفروا له غفر الله لكم. فقال ابن عمر لا غفر الله لك. رواهما سعيد. قال أحمد ولا يقول خلف الجنازة سلم رحمك الله فانه بدعة،

[ 364 ]

ولكن يقول بسم الله وعلى ملة رسول الله ويذكر الله إذا تناول السرير. ومس الجنازة بالايدي أو الاكمام والمناديل محدث مكروه ولا يؤمن معه فساد الميت، وقد منع العلماء مس القبر فمس الجسد مع احتمال الاذى أولى بالمنع * (فصل) * ويكره اتباع الميت بنار، قال ابن المنذر: يكره ذلك كل من يحفظ عنه من أهل العلم روي عن ابن عمر وأبي هريرة وعبد الله بن مغفل ومعقل بن يسار وأبي سعيد وعائشة وسعيد بن المسيب أنهم وصوا أن لا يتبعوا بنار، وروى ابن ماجه أن أبا موسى حين حضره الموت قال: لا تتبعوني بمجمر. قالوا له أو سمعت فيه شيئا؟ قال نعم. من رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى أبو داود باسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار " فان دفن ليلا فاحتاجوا إلى ضوء فلا بأس به انما كره المجامر فيها البخور، وفي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم انه دخل قبرا ليلا فأسرج له سراج، قال الترمذي هذا حديث حسن * (فصل) * ويكره اتباع النساء الجنائز لما روي عن أم عطية قالت: نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا متفق عليه. كره ذلك ابن مسعود وابن عمر وأبو امامة وعائشة ومسروق والحسن والنخعي والاوزاعي وإسحق. وروي ان النبي صلى الله عليه وسلم خرج فإذا نسوة جلوس، قال " ما يجلسكن؟ " قلن ننتظر الجنازة. قال " هل تغسلن " قلن لا. قال " هل تحملن " قلن لا. قال " هل تدلين فيمن

[ 365 ]

يدلي " قلن: لا. قال " فارجعن مأزورات غير مأجورات " رواه ابن ماجه. وروي ان النبي صلى الله عليه وسلم لقي فاطمة قال " ما أخرجك يا فاطمة من بيتك؟ " قالت يا رسول الله أتيت أهل هذا البيت فرحمت إليهم ميتهم أو عزيتهم به. قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم " فلعلك بلغت معهم الكدى " قالت معاذ الله وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر. قال " لو بلغت معهم الكدى " فذكر تشديدا رواه أبو داود * (فصل) * فان كان مع الجنازة منكر يراه أو يسمعه، فان قدر على انكاره وإزالته زاله، وان لم

[ 366 ]

يقدر على ازالته ففيه وجهان: أحدهما ينكره ويتبعها فيسقط فرضه بالانكار ولا يترك حقا لباطل، (والثاني) يرجع لانه يؤدي إلى استماع محظور ورؤيته مع قدرته على ترك ذلك

[ 367 ]

* (مسألة) * (ولا يجلس من تبعها حتى توضع) وممن رأى ان لا يجلس حتى توضع عن أعناق الرجال الحسن بن علي وابن عمر وأبو هريرة

[ 368 ]

وابن الزبير والنخعي والشعبي والاوزاعي واسحق، ووجه ذلك ما روى مسلم باسناده عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا اتبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى توضع " وقال الشافعي

[ 369 ]

هذا منسوخ بقول علي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قعد رواه مسلم. قال إسحق معنى قول علي: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى الجنازة قام ثم ترك ذلك بعد. وعلى هذا التفسير لا يصح

[ 370 ]

دعوى النسخ، وليس في اللفظ عموم فيعم الامرين جميعا فلم يجز النسخ بأمر محتمل ولان قول علي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قعد يدل على ابتداء فعل القيام، وها هنا انما وجدت منه الاستدامة إذ ثبت هذا فأظهر الروايتين أنه أريد وضعها عن أعناق الرجال وهو قول من ذكرنا من قبل.

[ 371 ]

وقد روي الحديث " إذا اتبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى توضع بالارض " ورواه أبو معاوية " حتى يوضع في اللحد " وحديث سفيان أصح.

[ 372 ]

وأما من تقدم الجنازة فلا بأس أن يجلس قبل أن تنتهي إليه. قال الترمذي: روي عن بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم انهم كانوا يتقدمون الجنازة فيجلسون قبل أن تنتهي إليهم، وإذا جاءت وهو جالس لم يقم لها لما يأتي بعد

[ 373 ]

* (مسألة) * (وان جاءت وهو جالس لم يقم لها لما ذكرنا من حديث علي وقد فسره اسحق بما حكينا) وقد روي عن أحمد انه قال: ان قام لم أعبه وان قعد فلا بأس. وذكر ابن أبي موسى والقاضي

[ 374 ]

ان القيام مستحب لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا رأى أحدكم الجنازة فليقم حين يراها حتى تخلفه " رواه مسلم. وقد ذكرنا ان آخر الامرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك القيام لها

[ 375 ]

والاخذ من آخر أمره أولى. وقد روي في حديث ان يهوديا رأى النبي صلى الله عليه وسلم قام للجنازة

[ 376 ]

فقال يا محمد: هكذا نصنع؟ فترك النبي صلى الله عليه وسلم القيام لها

[ 377 ]

* (مسألة) * (ويدخل قبره من عند رجل القبر ان كان أسهل عليهم) المستحب أن يوضع رأس الميت عند رجل القبر ثم يسل سلا إلى القبر روي ذلك عن ابن عمر وأنس وعبد الله بن يزيد الانصاري والنخعي والشعبي والشافعي. وقال أبو حنيفة توضع الجنازة على جانب القبر مما يلي القبلة ثم يدخل القبر معترضا لانه يروى عن علي رضي الله عنه، وقال النخعي حدثني من رأى أهل المدينة في الزمن الاول يدخلون موتاهم من قبل القبلة وان السل شئ أحدثه أهل المدينة ولنا ان الحارث أوصى أن يليه عند موته عبد الله بن يزيد الانصاري فصلى عليه ثم دخل القبر فأدخله من رجلي القبر وقال هذه السنة وهذا يقتضي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه الامام أحمد. وروى ابن عمر وابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم سل من قبل رأسه سلا، وما ذكر عن النخعي لا يصح لان مذهبه بخلافه ولانه لا يجوز على العدد الكثير أن يغيروا سنة الا بسبب ظاهر أو سلطان قاهر ولم ينقل شئ من ذلك، ولو نقل فسنة النبي صلى الله عليه وسلم مقدمة على فعل أهل المدينة فأما ان كان أخذه من قبل القبلة أو من رأس القبر أسهل عليهم فلا حرج فيه لان استحباب أخذه من عند رجل القبر انما كان طلبا للاسهل. قال أحمد كل لا بأس به * (فصل) * قال أحمد يعمق القبر إلى الصدر الرجل والمرأة في ذلك سواء. كان الحسن

[ 378 ]

وابن سيرين يستحبان ذلك، وروى سعيد باسناده ان عمر بن عبد العزيز لما مات ابنه أمرهم أن يحفروا قبره إلى السرة ولا يعمقوا، فان ما على ظهر الارض أفضل مما سفل منها. وذكر أبو الخطاب انه يستحب أن يعمق قدر قامة وبسطة وهو قول الشافعي لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " احفروا وأوسعوا وأعمقوا " رواه أبو داود ولان ابن عمر أوصى بذلك. والمنصوص عن أحمد ما ذكرنا أولا لان التعميق قدر قامة وبسطة يشق ويخرج عن العادة وقوله صلى الله عليه وسلم " اعمقوا " ليس فيه بيان قدر التعميق ولم يصح ما رووه عن ابن عمر، ولو صح عند أحمد لم يعده إلى غيره. إذا ثبت هذا فانه يستحب تحسينه وتعميقه وتوسيعه للخبر. وقد روى زيد بن أسلم قال: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبر فقال اصنعوا كذا اصنعوا كذا ثم قال: " ما بي أن يكون يغني عنه شيئا، ولكن الله يحب إذا عمل العمل أن يحكم " قال معمر وبلغني انه قال " ولكنه أطيب لانفس أهله " رواه عبد الرزاق في كتاب الجنائز * (مسألة) * قال (ولا، يسجى القبر الا أن يكون لامرأة) قال الشيخ رحمه الله لا نعلم في استحباب تغطية قبر المرأة خلافا بين أهل العلم، وقد روى ابن سيرين ان عمر قال يغطى قبر المرأة، ومن علي رضي الله عنه بقوم قد دفنوا ميتا وبسطوا على قبره الثوب فجذبه وقال: انما يصنع هذا بالنساء ولان المرأة عورة ولا يؤمن أن يبدو منها شئ فيراه الحاضرون فأما قبر للرجل فيكره ستره لما ذكرنا وكرهه عبد الله بن يزيد ولم يكرهه أصحاب الرأي وأبو ثور والاول أولى لان فعل علي يدل على كراهته ولان كشفه أمكن وأبعد من التشبه بالنساء مع ما فيه من اتباع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 379 ]

* (مسألة) * (ويلحد له لحدا وينصب عليه اللبن نصبا) لقول سعد بن أبي وقاص: ألحدوا لي لحدا وانصبوا علي اللبن نصبا كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم رواه مسلم. ومعنى اللحد انه إذا بلغ أرض القبر حفر فيه مما يلي القبلة مكانا يوضع فيه الميت، فان كانت الارض رخوة جعل له شبه اللحد من الحجارة. قال أحمد ولا أحب الشق لما روى ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " اللحد لنا والشق لغيرنا " رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال غريب، فان عجز عن اللحد شق له في الارض، ومعنى الشق أن يحفر في أرض القبر شقا يضع الميت فيه ويسقفه عليه بشئ

[ 380 ]

* (مسألة) * (ولا يدخل القبر خشبا ولا شيئا مسته النار) قال ابراهيم كانوا يستحبون اللبن ويكرهون الخشب، ولا يستحب الدفن في تابوت لانه خشب ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه، وفيه تشبه بأهل الدنيا والارض أنشف لفضلاته، ويكره الآجر وسائر ما مسته النار تفاؤلا أن لا تمسه النار * (مسألة) * (ويقول الذي يدخله بسم الله وعلى ملة رسول الله) لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أدخل الميت القبر قال " بسم الله وعلى ملة رسول الله " وروي " في سبيل الله وعلى سنة رسول الله " قال الترمذي هذا حديث حسن غريب. وروى ابن ماجه عن سعيد بن المسيب قال: حضرت ابن عمر في جنازة فلما وضعها في اللحد قال " بسم الله وعلى ملة رسول الله " فلما أخذ في تسوية اللبن على اللحد قال " اللهم أجرها من الشيطان ومن عذاب القبر، اللهم جافي الارض عن جنبيها، وصعد روحها، ولقها منك رضوانا " قلت يا ابن عمر أشئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم أم قلته برأيك؟ قال اني إذا لقادر على القول بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم روي عن عمر انه كان إذا سوى على الميت قال: الله أسلمه إليك الاهل والمال والعشيرة وذنبه عظيم وفاغفر له. رواه ابن المنذر

[ 381 ]

* (فصل) * وإذا مات في سفينة في البحر فقال أحمد ينتظر به إن كانوا يرجون أن يجدوا له موضعا يدفنونه حبسوه يوما أو يومين ما لم يخافوا عليه، فان لم يجدوا غسل وكفن وحنط ويصلى عليه ويثقل بشئ ويلقى في الماء. وهذا قول عطاء. قال الحسن: يترك في زنبيل ويلقى في البحر. وقال الشافعي يربط بين لوحين ليحمله البحر إلى الساحل فربما وقع إلى قوم يدفنونه، وإن ألقوه في البحر لم يأثموا، والاول أولى لانه يحصل به الستر المقصود من دفنه، وإلقاؤه بين لوحين يعرض له التغير والهتك وربما بقى على الساحل مهتوكا عريانا وربما وقع إلى قوم من المشريكين فكان ما ذكرنا أولى * (مسألة) * (ويضعه في لحده وعلى جنبه الايمن مستقبل القبلة بوجهه) لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا نام أحدكم فليتوسد يمينه " ويستحب أن يضع تحت رأسه لبنة أو حجرا أو شيئا مرتفعا كما يصنع الحي وإن تركه فلا بأس لان عمر رضي الله عنه قال: إذا جعلتموني في اللحد فافضوا بخدي إلى الارض. ويدنى من الحائط لئلا ينكب على وجهه، ويسند من ورائه بتراب لئلا ينقلب. قال أحمد ما أحب أن يجعل في القبر مضربة ولا مخدة وقد جعل في قبر النبي صلى الله عليه وسلم قطيفة حمراء فان جعلوا قطيفة فلعلة، فإذا فرغوا نصبوا عليه للبن نصبا لما ذكرنا من حديث سعد ويسد عليه بالطين لئلا يصل إليه التراب وإن جعل مكان اللبن قصبا فحسن لان الشعبي قال جعل على لحد النبي صلى الله عليه وسلم طن قصب. قال الخلال

[ 382 ]

كان أبو عبد الله يميل إلى اللبن ويختاره على القصب ثم ترك ذلك ومال إلى استحباب القصب على اللبن وأما الخشب فكرهه على كل حال ورخص فيه الضرورة قال شيخنا: وأكثر الروايات عن أحمد استحباب اللبن وتقديمه على القصب لحديث سعد وقوله أولى من قول الشعبي لان الشعبي لم ير ولم يحضر وكلاهما حسن. قال حنبل: قلت لاحمد فان لم يكن لبن قال ينصب عليه القصب والحشيش وما أمكن من ذلك * (مسألة) * (ويحثو (1) التراب في القبر ثلاث حثيات ويهال عليه التراب) روي عن أبي عبد الله انه حضر جنازة فلما ألقي عليها التراب قام إلى القبر فحثى عليه ثلاث حثيات ثم رجع إلى مكانه وقال: قد جاء عن علي وصح انه حثى على قبر ابن المكفف وروي عنه انه قال: إن فعل فحسن وإن لم يفعل فلا بأس، ووجه استحبابه ما روي ان النبي صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة ثم أتى قبر الميت من قبل رأسه فحثى عليه ثلاثا أخرجه ابن ماجه. وعن جعفر بن محمد عن أبيه ان النبي صلى الله عليه وسلم حثى على الميت ثلاث حثيات بيديه جميعا رواه الشافعي. وعن ابن عباس انه لما


(1) ورد حثا يحثوا حثوا وحثى يحثي حثيا وهو أن ياخذه بيده ويرميه في القبر

[ 383 ]

دفن زيد بن ثابت حثى في قبره ثلاثا وقال هكذا يذهب العلم، فإذا فرغ من لحده أهال عليه التراب لان دفنه واجب وذلك يحصل باهالة التراب عليه * (فصل) ويرفع القبر عن الارض قدر شبر مسنما. ويستحب رفع القبر عن الارض ليعرف انه قبر فيتوفى ويترحم على صاحبه. وقد روى الساجي عن جابر ان النبي صلى الله عليه وسلم رفع قبره عن الارض قدر شبر، وروى القاسم بن محمد قال: قلت لعائشة يا أمه اكشفي لي عن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء رواه أبو داود. ولا يستحب رفعه أكثر من ذلك لما ذكرنا ولقول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي " لا تدع تمالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته " رواه مسلم وغيره، والمشرف ما رفع كثيرا بدليل قول القاسم في صفة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه لا مشرفة ولا لاطئة. ولا يستحب

[ 384 ]

رفع القبر بأكثر من ترابه نص عليه أحمد ورواه عن عقبة بن عامر. وروى الحلال باسناده عن جابر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزاد على القبر على حفرته (فصل) وتسنيم القبر أفضل من تسطيحه وبه قال مالك وأبو حنيفة والثوري، وقال الشافعي تسطيحه أفضل، قال: وبلغنا ان النبي صلى الله عليه وسلم سطح قبر ابنه ابراهيم. وعن القاسم قال: رأيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر مسطح ولنا ما روى سفيان التمار قال: رأيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسنما رواه البخاري، وعن الحسن مثله ولان التسطيح أشبه بأبنية أهل الدنيا وهو أشبه بشعار أ؟ ل البدع فكان مكروها وحديثنا أثبت من حديثهم وأصح فكان أولى * (مسألة) * (ويرش عليه الماء ليتلبد ترابه) قال أبو رافع: سل رسول الله صلى الله عليه وسلم سعدا ورش على قبر: ماء رواه ابن ماجه، وعن جابر: إن النبي صلى الله عليه وسلم رش على قبره ماء رواه الخلال

[ 385 ]

(فصل) ولا بأس بتعليم القبر بحجر أو خشبة يعرفه بها نص عليه أحمد لما روى أبو داود باسناده عن عبد المطلب قال: لما مات عثمان بن مظعون أخرج بجنازة فدفن أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيه بحجر فلم يستطع حمله، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فحسر عن ذراعيه ثم حملها فوضعها عند رأسه وقال " أعلم بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهله " ورواه ابن ماجه عنه عليه السلام من رواية أنس (فصل) فأما التلقين بعد الدفن فقال شيخنا: فلم نسمع فيه عن أحمد شيئا، ولا أعلم فيه للائمة قولا سوى ما رواه الاثرم قال: قلت لابي عبد الله فهذا الذي يصنعون إذا دفن الميت يقف الرجل فيقول يا فلان ابن فلان اذكر ما فارقت عليه: شهادة أن لا إله إلا الله؟ فقال ما رأيت أحدا فعل هذا إلا أهل الشام حين مات أبو المغيرة جاء انسان فقال ذلك. قال وكان أبو المغيرة يروي فيه عن أبي بكر بن أبى مريم عن أشياخهم انهم كانوا يفعلونه. وقال القاضي وأبو الخطاب يستحب ذلك ورويا فيه عن أبي امامة الباهلي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إذا مات أحدكم فسويتم عليه التراب فليقم أحدكم

[ 386 ]

عند رأس قبره ثم ليقل يا فلان بن فلانة؟ فانه يسمع ولا يجيب، ثم ليقل يا فلان بن فلانة الثانية، فيستوي قاعدا، ثم ليقل يا فلان بن فلانة؟ فانه يقول: أرشدنا يرحمك الله، ولكن لا تسمعون. فيقول اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وانك رضيت بالله ربا، وبالاسلام دينا، وبمحمد نبيا، وبالقرآن اماما. فان منكرا ونكيرا يتأخر كل واحد منهما فيقول: انطلق فما يقعدنا عند هذا وقد لقن حجته. ويكون الله تعالى حجته دونهما " فقال رجل يا رسول الله فان لم يعرف اسم أمه؟ قال " فلينسبه إلى حواء " رواه ابن شاهين باسناده في كتاب ذكر الموت * (مسألة) * (ولا بأس بتطيينه) وممن رخص في ذلك الحسن والشافعي، وروى أحمد باسناده عن نافع قال: توفي ابن لعبد الله ابن عمر وهو غائب فقدم فسألنا عنه فدللناه عليه فكان يتعاهد القبر ويأمر باصلاحه. وقال ابن عقيل روي عن جعفر بن محمد عن أبيه ان النبي صلى الله عليه وسلم رفع قبره من الارض شبرا، وطين بطين أحمر من العرصة، وجعل عليه من الحصباء. وان تركه كان حسنا لما روى الحسن عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يزال الميت يسمع الاذان ما لم يطين قبره " أو قال " ما لم يطو قبره "

[ 387 ]

* (مسألة) * (ويكره تجصيصه والبناء عليه والجلوس والوطئ عليه والاتكاء إليه والكتابة عليه) لما روى جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجصص القبر وأن نبنى عليه وأن نقعد عليه رواه مسلم والترمذي، وزاد وأن يكتب عليها وقال حديث حسن صحيح، ولان ذلك من زينة الدنيا فلا حاجة بالميت إليه، وكره أحمد أن يضرب على القبر فسطاط لان أبا هريرة أوصى حين حضره الموت أن لا تضربوا علي فسطاطا، وروي أبو مرثد الغنوي ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها " رواه مسلم. وقال الخطابي ثبت ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن توطأ القبور. قال: وروي ان النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قد اتكأ على قبر فقال " لا تؤذ صاحب القبر " وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لان يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس عى قبر مسلم " رواه مسلم. ويكره التغوط بين القبور لما روى عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لان أطأ على جمرة أو سيف أحب إلي من أن أطأ على قبر مسلم، ولا أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي أو وسط السوق " رواه الخلال وابن ماجه (فصل) ولا يجوز اتخاذ السرج على القبور لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لعن الله زوارات القبور والمتخذات عليها المساجد والسرج " رواه أبو داود والنسائي بمعناه، ولو أبيح لم يلعن النبي صلى الله عليه وسلم

[ 388 ]

من فعله، ولان فيه تضييعا للمال في غير فائدة، ولا يجوز اتخاذ المساجد على القبور لهذا الخبر ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال " لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " يحذر مثل ما صنعوا متفق عليه ولان تخصيص القبور بالصلاة عندها يشبه تعظيم الاصنام بالسجود لها. وقد روي ان ابتداء عبادة الاصنام تعظيم الاموات باتخاذ صورهم ومسحها والصلاة عندها (فصل) ويستحب خلع النعال لمن دخل المقابر لما روى بشير بن الخصاصية قال: بينا أنا أماشي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رجل يمشي في القبور عليه نعلان فقال له " يا صاحب السبتيتين ألق سبتيتك " فنظر الرجل فلما عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم خلعها فرمى بهما رواه أبو داود. قال أحمد اسناده جيد اذهب الامر عليه!! واكثر أهل العلم لا يرون بذلك بأسا. قال جرير بن حازم: رأيت الحسن وابن سيرين يمشيان بين القبور بنعالهما. ومنهم من احتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم في الميت إذا دفن وتولى عنه أصحابه انه يسمع قرع نعالهم رواه البخاري. وقال الخطابي: يشبه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم انما كره للرجل المشي في نعليه لما فيه من الخيلاء فان نعال السبت من لباس أهل التنعم، قال عنترة * يحذى نعال السبت ليس بتوأم * ولنا أمره عليه السلام في الحديث المتقدم، وأدنى أحوال الامر الندب، ولان خلع النعلين أقرب إلى الخشوع وزي أهل التواضع واحترام أموات المسلمين. وإخبار النبي صلى الله عليه وسلم أن الميت يسمع قرع نعالهم لا ينفي الكراهة انما يدل على وقوع هذا منهم ولا نزاع فيه. فأما إن كان للماشي عذر يمنعه من الخلع من شوك يخاف منه على قدميه، أو نجاسة تمسهما لم يكره المشى فيهما لان العذر يمنع الوجوب في بعض الاحوال فالاستحباب أولى، ولا يدخل في الاستحباب نزع الخفاف لانه يشق

[ 389 ]

وقد روي عن أحمد انه كان إذا أراد أن يخرج إلى الجنازة لبس خفيه مع أمره بخلع النعال، فأما غير النعال مما يلبس كالتمشكات وغيرها ففيه وجهان: أحدهما يخلع قياسا على النعال، والثاني ان الكراهة لا تتعدى النعال ذكره القاضي لان النهي غير معلل فلا يتعدى محله (فصل) والدفن في مقابر المسلمين أعجب إلى أبي عبد الله من الدفن في البيوت لانه أقل ضررا على الاحياء من الورثة، وأشبه بمساكن الآخرة، وأكثر للدعاء له والترحم عليه، ولم يزل الصحابة والتابعون ومن بعدهم يقبرون في الصحاري. فأما النبي صلى الله عليه وسلم فانما قبر في بيته قالت عائشة: لئلا يتخذ قبره مسجدا رواه البخاري ولانه صلى الله عليه وسلم كان يدفن أصحابه بالبقيع وفعله أولى من فعل غيره وانما أصحابه رأوا تخصيصه بذلك، ولانه روي يدفن الانبياء حيث يموتون، وصيانة له عن كثرة الطراق، وتمييزا له عن غيره صلى الله عليه وسلم (فصل) ويستحب الدفن في المقبرة التي يكثر فيها الصالحون لتناله بركتهم، وكذلك في البقاع الشريفة فقد روي في البخاري ومسلم أن موسى عليه السلام لما حضره الموت سأل الله تعالى أن يدنيه إلى الارض المقدسة رمية بحجر (فصل) وجمع الاقارب في الدفن حسن لقول النبي صلى الله عليه وسلم حين حضر عثمان بن مظعون " ادفن إليه من مات من أهله " ولانه أسهل لزيارتهم وأكثر للترحم عليهم، ويسن تقديم الاب ثم من يليه في السن والفضيلة إذا أمكن (فصل) ويستحب دفن الشهيد حيث قتل. قال أحمد: أما القتلى فعلى حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ادفنوا القتلى في مصارعهم " وروى ابن ماجه ان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتلى أحد أن يردوا إلى مصارعهم ولا ينقل الميت من بلد إلى آخر إلا لغرض صحيح وهذا قول الاوزاعي وابن المنذر.

[ 390 ]

قال عبد الله بن أبي مليكة: توفي عبد الرحمن بن أبي بكر بالحبشة فحمل إلى مكة فدفن، فلما قدمت عائشة أتت قبره ثم قالت: والله لو حضرتك ما دفنت الا حيث مت، ولو شهدتك ما زرتك، ولان ذلك أخف لمؤنته وأسلم له من التغيير، فأما ان كان فيه غرض صحيح جاز. قال أحمد: ما أعلم بنقل الرجل يموت في بلدة إلى بلدة أخرى باسا. وسئل الزهري عن ذلك فقال: قد حمل سعد ابن أبي وقاص وسعيد بن زيد من العقيق إلى المدينة. وقال ابن عيينة: مات ابن عمر هاهنا فأوصى أن لا يدفن هاهنا وأن يدفن بسرف (فصل) وإذا تنازع اثنان من الورثة فقال أحدهما يدفن في المقبرة المسبلة وقال الآخر يدفن في ملكه دفن في المسبلة لانه لامنة فيها وهو أقل ضررا على الورثة، فان تشاحا في الكفن قدم قول من قال نكفنه من ملكه لان ضرره على الوارث بلحوق المنة وتكفينه من ماله قليل الضرر: وسئل أحمد عن الرجل يوصي أن يدفن في داره؟ قال: يدفن في المقابر مع المسلمين وان دفن بداره أضر بالورثة، وقال لا بأس أن يشتري الرجل موضع قبره ويوصي أن يدفن فيه، فعل ذلك عثمان وعائشة وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم، وإذا تشاح اثنان في الدفن في المقبرة المسبلة قدم أسبقهما كما لو تنازعا في مقاعد الاسواق ورحاب المساجد، فان تساويا اقرع بينهما

[ 391 ]

(فصل) وإذا تيقن ان الميت قد بلي وصار رميما جاز نبش قبره ودفن غيره فيه، وان شك في

[ 392 ]

ذلك رجع إلى قول أهل الخبرة، فان حفر فوجد فيها عظاما دفنها وحفر في مكان آخر نص عليه،

[ 393 ]

واستدل بأن كسر عظم الميت ككسره وهو حي. وسئل أحمد عن الميت يخرج من قبره إلى غيره؟ فقال:

[ 394 ]

إذا كان شئ يؤذيه، قد حول طلحة وحولت عائشة. وسئل عن قوم دفنوا في بساتين ومواضع رديئة؟

[ 395 ]

فقال: قد نبش معاذ امرأته وقد كانت كفنت في خلقان فكفنها، ولم ير أبو عبد الله بأسا أن يحولوا

[ 396 ]

* (مسألة) * (ولا يدفن فيه اثنان إلا لضرورة ويقدم الافضل إلى القبلة ويجعل بين كل اثنين حاجز من التراب)

[ 397 ]

لا يدفن في القبر أكثر من واحد إلا لضرورة. وسئل احمد عن الاثنين والثلاثة يدفنون في

[ 398 ]

قبر واحد؟ قال أما في مصر فلا. ولكن في بلاد الروم تكثر القتلى وهذا قول الشافعي ولان النبي

[ 399 ]

صلى الله عليه وسلم كان يدفن كل ميت في قبر ولانه لا يتعذر في الغالب أفراد كل واحد بقبر في المصر ويتعذر

[ 400 ]

ذلك غالبا في دار الحرب وفي موضع المعترك، فان وجدت الضرورة جاز دفن الاثنين والثلاثة سواء

[ 401 ]

كان في مصر أو غيره للحاجة، ومتى دفنوا في قبر واحد قدم الافضل إلى القبلة ثم الذي يليه على

[ 402 ]

حسب تقديمهم الي الامام في الصلاة عليهم على ما ذكرنا لما روى هشام بن عامر قال: شكي إلى

[ 403 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم الجراحات يوم أحد فقال " احفروا واوسعوا واحسنوا وادفنوا الاثنين والثلاثة

[ 404 ]

في قبر واحد وقدموا أكثرهم قرآنا " رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. وينبغي أن يجعل

[ 405 ]

بين كل اثنين حاجز من تراب لان الكفن حائل غير حصين، قال أحمد: ولو حفر لهم شبه النهر

[ 406 ]

وجعل رأس أحدهم عند رجل الآخر وجعل بينهما حاجزا من تراب لم يكن به بأس

[ 407 ]

(فصل) فان مات له أقارب بدأ بمن يخاف تغيره، فان استووا في ذلك بدأ بأقربهم إليه على

[ 408 ]

ترتيب النفقات، فان استووا في القرب قدم أسنهم وأفضلهم.

[ 409 ]

.

[ 410 ]

.

[ 411 ]

.

[ 412 ]

.

[ 413 ]

.

[ 414 ]

* (مسألة) * (وإن وقع في القبر ماله قيمة نبش وأخذ) قال أحمد إذا الحفار مسحاته في القبر جاز أن ينبش عنها. قيل فان أعطاه أولياء الميت؟ قال: إن أعطوه حقه أي شئ يريد؟ وقد روي ان المغيرة بن شعبة طرح خاتمة في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال خاتمي. ففتح موضع منه فأخذ المغيرة خاتمة، وكان يقول أنا أقربكم عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم ولانه أمكن رده إلى صاحبه من غير ضرر فوجب * (مسألة) * (وإن كفن بثوب غصب أو بلع مال غيره غرم ذلك من تركته، وقيل ينبش ويؤخذ الكفن ويشق جوفه فيخرج) إذا بلع الميت ما لا يخل من أن يكون له أو لغيره، فان كان له لم يشق بطنه لانه استهلكه في حياته، ويحتمل انه إن كان كثير القبمة شق بطنه وأخرج لان فيه حفظ المال عن الضياع ونفع الورثة الذين تعلق حقهم بماله في مرضه، وإن كان المال لغيره وابتلعه بأذنه فهو كماله لان صاحبه

[ 415 ]

أذن في اتلافه، وإن ابتلعه غصبا ففيه وجهان: أحدهما لا يشق بطنه ويغرم من تركته لما في ذلك من المثلة ولانه إذا لم يشق بطن الحامل من أجل الولد المرجو حياته فمن أجل المال أولى. والثاني يشق ان كثرت قيمته لان فيه دفع الضرر عن المالك برد ماله إليه، وعن الميت بابراء ذمته، وعن الورثة بحفظ التركة لهم. ويفارق الجنين من وجهين: أحدهما انه لا يتحقق حياته، والثاني انه ما حصل بجنايته، فان لم يكن له تركة ولم يتبرع انسان بتخليص ذمته شق بطنه على كلا الوجهين. وعلى الوجه الاول إذا بلي جسده وغلب على الظن ظهور المال وتخليصه من أعضاء الميت جاز نبشه وإخراجه، لما روى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " هذا قبر أبي رغال، وآية ذلك أن معه غصنا من ذهب إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه معه " فابتدره الناس فاستخرجوا الغصن: ولو كان في أذن الميت حلق أو في أصبعه خاتم أخذ، فان صعب أخذه برد وأخذ لان تركه تضييع للمال، وإن كفن بثوب مغصوب غرم قيمته من تركته ولا ينبش ذكره القاضي لما فيه من هتك حرمته مع إمكان دفع الضرر بدونها، ويحتمل أن ينبش إن كان الكفن باقيا بحاله ليرد إلى مالكه عين ماله، وإن كان باليا فقيمته في تركته، وان دفن في أرض غصب أو أرض مشتركة بينه وبين غيره بغير إذن الشريك نبش وأخرج لان القبر في الارض يدوم ضرره ويكثر بخلاف الكفن، وإن أذن المالك في الدفن في أرضه ثم أراد إخراجه لم يملك ذلك لان في ذلك ضررا، وإن بلي الميت وعاد ترابا فلصاحب الارض أخذها، وكل موضع أخزنا نبشه لحرمة ملك الآدمي فالافضل تركه (فصل) وإن دفن من غير غسل أو إلى غير القبلة نبش وغسل ووجه إلا أن يخاف عليه أن يتفسخ فيترك، وهذا قول مالك والشافعي وأبي ثور. وقال أبو حنيفة لا ينبش لان النبش مثلة وقد نهي عنها ولنا ان هذا واجب فلا يسقط بذلك كاخراج ماله قيمة وقولهم ان النبش مثلة قلنا انما هو مثلة في حق من تغير وهو لا ينبش (فصل) وإن دفن قبل الصلاة عليه، فروي عن أحمد انه ينبش ويصلى عليه، وعنه إن صلي على القبر

[ 416 ]

جاز. واختار القاضي انه يصلى على القبر ولا ينبش وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي لان النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر المسكينة ولم ينبشها ولنا انه دفن قبل واجب أشبه ما لو دفن من غير غسل، وانما يصلى على القبر عند الضرورة. وأما المسكينة فقد كان صلي عليها فلم تبق الصلاة عليها واجبة فلذلك لم تنبش، فان تغير الميت لم ينبش بحال (فصل) وان دفن بغير كفن ففيه وجهان: أحدهما يترك لان القصد بالكفن ستره وقد حصل بالتراب، والثاني ينبش ويكفن لان التكفين واجب فأشبه الغسل والله أعلم (فصل) ولا يجوز الدفن في الساعات التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الدفن فيها في حديث عقبة بن

[ 417 ]

عامر وهو قوله: ثلاث ساعات كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهانا عن الصلاة فيهن وأن نقبر فيهن موتانا " حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، وحين تتضيف الشمس للغروب حتى تغرب " رواه مسلم، ومعنى تتضيف أي تجنح وتميل للغروب، من قولك تصيفت فلانا إذا ملت إليه. فأما في غير هذه الاوقات فيجوز الدفن ليلا ونهارا. قال أحمد في الدفن بالليل وما بأس بذلك، أبو بكر

[ 418 ]

دفن ليلا، وعلي دفن فاطمة ليلا. وحديث عائشة: كنا سمعنا صوت المساحي من آخر الليل في دفن النبي صلى الله عليه وسلم، ودفن عثمان وعائشة ليلا وهذا قول عقبه بن عامر وسعيد بن المسبب وعطاء والثوري والشافعي وإسحق، وعنه انه يكره وهو قول الحسن لما روى ملسم ان النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلا من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل ودفن ليلا فزجر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبر الرجل بالليل الا أن يضطر انسان إلى ذلك. ووجه الاول ما ذكرنا من فعل الصحابة، وروى ابن مسعود قال: والله لكأني أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وهو في قبر ذي البجادين وأبو بكر وعمر وهو يقول

[ 419 ]

" ادنيا مني أخاكما حتى أسنده في لحده " ثم قال لما فرغ من دفنه وقام على قبره مستقبل القبلة " اللهم اني أمسيت عنه راضيا فارض عنه " وكان ذلك ليلا قال: فوالله لقد رأيتني ولوددت اني مكانه، ولقد أسلمت قبله بخمس عشرة سنة، وأخذه من قبل القبلة، رواه الخلال في جامعه. وعن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم دخل قبرا ليلا فأسرج له سراج فأخذ من قبل القبلة وقال " رحمك الله ان كنت لاواها تلاء للقرآن " قال الترمذي حديث حسن ولانه أحد الزمانين فجاز الدفن فيه كالنهار.

[ 420 ]

وحديثهم محمول على التأديب، والدفن بالنهار أولى لانه أسهل على متبعها وأكثر للمصلين عليها وأمكن لاتباع السنة في دفنه وإلجاده * (مسألة) * (وان ماتت حامل لم يشق بطنها وتسطو عليه القوابل فيخرجنه) إذا ماتت حامل وفي بطنها ولد يتحرك وترجي حياته لم يشق بطنها مسلمة كانت أو ذمية، ويدخل القوابل أيدبهن في فرجها فيخرجن الولد من مخرجه، فان لم يوجد نساء لم يسطوا الرجال

[ 421 ]

عليه لما فيه من هتك الميتة وتترك حتى يتيقن موته، ومذهب مالك وأسحق نحو هذا، ويحتمل أن يشق بطنها إذا غلب على الظن انه يحيا وهو مذهب الشافعي لانه اتلاف جزء من الميت لابقاء حي فجاز كما لو خرج بعضه حيا ولم يمكن خروج باقيه الا بالشق ولانه يشق لاخراج المال فابقاء الحى أولى ولنا ان هذا الولد لا يعيش عادة ولا يتحقق انه يحيا فلا يجوز هتك حرمة متيقنة لامر موهوم وقد قال عليه السلام " كسر عظم الميت ككسر عظم الحي " رواه أبو داود، وفيه مثلة وقد نهى

[ 422 ]

النبي صلى الله عليه وسلم عن المثلة، وفارق الاصل فان حياته متيقنة وبقاؤه مظنون. فعلى هذا ان خرج بعض الولد حيا ولم يمكن اخراجه الا بالشق شق المحل وأخرج لما ذكرنا، وان مات على حاله فأمكن اخراجه أخرج وغسل، وان تعذر خروجه غسل ما ظهر من الولد وما بقى ففي حكم الباطن لا يحتاج

[ 423 ]

إلى تيمم لان الجميع كان في حكم الباطن وظهر البعض فتعلق الحكم به وما بقي فهو على ما كان عليه، ذكره ابن عقيل وقال: هي حادثة سئلت عنها (فصل) وان ماتت ذمية حامل من مسلم دفنت وحدها وتجعل ظهرها إلى القبلة. وانما اختار أحمد ذلك لانها كافرة فلا تدفن في مقبرة المسلمين وولدها محكوم باسلامه فلا يدفن بين الكفار مع

[ 424 ]

ان؟ لك روي عن واثلة بن الاسقع وعن عمر انها تدفن في مقابر المسلمين. قال ابن المنذر: لا يثبت ذلك، قال أصحابنا ويجعل ظهرها إلى القبلة على جانبها الايسر ليكون وجه الجنين إلى القبلة على جانبه الايمن لان وجه الجنين إلى ظهرها * (مسألة) * (ولا تكره القراءة على القبر في أصح الروايتين) هذا هو المشهور عن أحمد فانه روي عنه انه قال: إذا دخلتم المقابر اقرأ آية الكرسي وثلاث مرار قل هو الله أحد ثم قل اللهم ان فضله لاهل المقابر، وروي عنه انه قال: القراءة عند القبر بدعة، وروي ذلك عن هشيم. قال أبو بكر نقل ذلك عن أحمد جماعة ثم رجع رجوعا أبان به عن نفسه. فروى جماعة ان أحمد نهى ضريرا يقرأ عند القبر وقال له: القراءة عند القبر بدعة. فقال له محمد

[ 425 ]

ابن قدامة الجوهري: يا أبا عبد الله ما تقول في مبشر الحلبي؟ قال ثقة. قال فأخبرني مبشر عن أبيه انه أوصى إذا دفن أن يقرأ عنده بفاتحة البقرة وخاتمتها. وقال سمعت ابن عمر يوصي بذلك؟ فقال أحمد بن حنبل: فارجع فقل للرجل يقرأ. وقال الخلال: حدثني أبو علي الحسن بن الهيثم البزار شيخنا الثقة المأمون قال: رأيت أحمد بن جنبل يصلي خلف ضريرا يقرأ على القبور، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " من زار قبر والديه أو أحدهما فقرأ عنده أو عندهما (يس) غفر له " وروي عنه عليه السلام انه قال " من دخل المقابر فقرأ سورة (يس) خفف عنهم يومئذ وكان له بعدد من فيها حسنات * (مسألة) * (وأي قربة فعلها وجعل ثوابها للميت المسلم نفعه ذلك) أما الدعاء والاستغفار والصدقة وقضاء الدين وأداء الواجبات فلا نعلم فيه خلافا إذا كانت الواجبات مما يدخله النيابة قال الله تعالى (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان) وقال سبحانه (واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم لابي سلمة حين مات وللميت الذي صلى عليه ولذي النجادين حين دفنه، وشرع الله تعالى ذلك لكل من صلى على ميت. وسأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله، ان أمي ماتت أينفعها إن تصدقت عنها؟ قال " نعم " رواه أبو داود. وجاءت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله ان فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال " أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته " قالت نعم. قال " فدين الله أحق أن تقضي " وقال في الذي سأله ان أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال " نعم " وكلها أحاديث صحاح وفيها دلالة على انتفاع الميت بسائر القرب لان الصوم والحج والدعاء والاستغفار كلها عبادات بدنية وقد أوصل الله نفعها إلى الميت فكذلك ما سواها مع ما ذكرنا من الحديث في ثواب من قرأ (يس) وتخفيف الله عزوجل عن أهل المقابر بقراءته، ولانه عمل بر وطاعة فوصل نفعه وثوابه كالصدقة والصيام والحج الواجب. وقال الشافعي ما عدا الواجبات والصدقة والدعاء والاستغفار لا يفعل عن

[ 426 ]

الميت ولا يصل ثوابه إليه لقول الله تعالى (وأن ليس للانسان الا ما سعى) وقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا مات ابن آدم انقطع عمله الا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به من بعده، أو ولد صالح يدعو له " ولان نفعه لا يتعدى فاعله يتعداه فلا ثوابه. وقال بعضهم إذا قرئ القرآن عند الميت أو اهدي إليه ثوابه كان الثواب لقارئه ويكون الميت كأنه حاضرها فترجى له الرحمة ولنا ما ذكرناه وانه اجماع المسلمين فانهم في كل عصر ومصر يجتمعون ويقرأون القرآن ويهدون ثوابه إلى موتاهم من غير نكير، ولان الحديث صح عن النبي صلى الله عليه وسلم " ان الميت يعذب ببكاء أهله عليه " والله أكرم من أن يوصل عقوبة المعصية إليه ويحجب عنه المثوبة، والآية مخصوصة بما سلموه فيقاس عليه ما اختلفنا فيه لكونه في معناه ولا حجة لهم في الخبر الذي احتجوا به لانه انما دل على انقطاع عمله، وليس هذا من عمله فلا دلالة عليه فيه، ولو دل عليه كان مخصوصا بما سلموه فيتعدى إلى ما منعوه، وما ذكروه من المعنى غير صحيح، فان تعدي الثواب ليس بفرع لتعدي النفع ثم هو باطل بالصوم والدعاء والحج وليس له أصل يعتبر به والله أعلم (1) * (مسألة) * (ويستحب أن يصلح لاهل الميت طعاما يبعث إليهم ولا يصلحون هم طعاما للناس) لما روى عبد الله بن جعفر قال: لما جاء نعي جعفر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد جاءهم أمر شغلهم " رواه أبو داود. ويروى عن عبد الله بن أبي بكر انه قال: فما زالت السنة فينا حتى تركها، من تركها ولان أهل الميت ربما اشتغلوا بمصيبتهم وبمن يأتي إليهم عن اصلاح طعام لهم ولان فيه جبرا لقلوبهم. فأما لصلاح أهل الميت طعاما للناس فمكروه لانه زيادة على مصيبتهم وشغلا لهم إلى شغلهم، وتشبيها بصنيع أهل الجاهلية، وقد روي ان جريرا وفد على عمر فقال: هل يناح على ميتكم قال لا. قال فهل يجتمعون عند أهل الميت ويجعلون الطعام؟ قال نعم. قال ذلك النوح. وإن دعت الحالة إلى ذلك جاز فانه ربما جاءهم من يحضر ميتهم من أهل القرى البعيدة ويبيت عندهم فلا يمكنهم إلا أن يطعموه (فصل) (ويستحب للرجال زيارة القبور، وهل يكره للنساء على روايتين) لا نعلم خلافا بين أهل العلم في استحباب زياره الرجال القبور. قال علي بن سعيد قلت لاحمد

[ 427 ]

زيارة القبور أفضل أم تركها؟ قال: زيارتها. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فانها تذكر الموت " وللترمذي " فانها تذكر الآخرة " فأما زيارة القبور للنساء ففيها روايتان (إحداهما) الكراهة لما روت أم عطية قالت: نهينا عن زيارة القبور ولم يعزم علينا. متفق عليه، ولقول النبي صلى الله عيله وسلم " لعن الله زائرات القبور " قال الترمذي حديث صحيح. وهذا خاص في النساء، والنهي المنسوخ كان عاما للرجال والنساء، ويحتمل انه كان خاصا للرجال. ويحتمل كون الخبر في لعن زوارات القبور بعد أمر الرجال بزيارتها فقد دار بين الحظر والاباحة فأقل أحواله الكراهة، ولان المرأة قليلة الصبر كثيرة الجزع وفي زيارتها للقبر تهييج للحزن وتجديد لذكر مصابها فلا يؤمن أن يفضي بها ذلك إلى فعل ما لا يحل - بخلاف الرجل - ولهذا اختصصن بالنوح والتعديد وخصصن بالنهي عن الحلق والصلق ونحوهما. (والرواية الثانية) لا يكره لعموم قوله عليه السلام " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها " وهو يدل على سبق النهي ونسخه فيدخل فيها الرجال والنساء، وروى ابن أبي مليكة عن عائشة انها زارت قبر أخيها فقال لها قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زيارة القبور، قالت نعم قد نهى ثم أمر بزيارتها، وروى الترمذي ان عائشة زارت قبر أخيها، وروي عنها انها قالت لو شهدته ما زرته (مسألة) ويقول إذا زارها أو مر بها ما روى مسلم عن بريدة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا ان شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية. وفي حديث عائشة: ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين. وفي حديث آخر: اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم - وان زاد - اللهم اغفر لنا ولهم - كان حسنا. (مسألة) (ويستحب تعزية أهل الميت) لا نعلم فيه خلافا، وسواء في ذلك قبل الدفن وبعده الا أن الثوري قال: لا يستحب بعد الدفن لانه خاتمة أمره ولنا قوله عليه السلام " من عزى مصابا فله مثل أجره " قال الترمذي حديث غريب وروى ابن ماجه باسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " ما من مؤمن يعزي اخاه بمصيبة الا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة، والمقصود بالتعزية تسلية أهل المصيبة وقضاء حقوقهم وسواء في ذلك

[ 428 ]

قبل الدفن وبعده، ويستحب تعزية كل أهل المصيبة كبارهم وصغارهم ويبدأ بخيارهم والمنظور إليه منهم ليستن به غيره، وذا الضعف منهم عن تحمل المصيبة لحاجته إليها، ولا يعزى الرجل الاجنبي شواب النساء مخافة الفتنة (فصل) ويكره الجلوس لها، وذكره أبو الخطاب لانه محدث، وقال ابن عقيل: يكره الاجتماع بعد خروج الروح لان فيه تهييجا للحزن، وقال احمد اكره التعزية عند القبر الا لمن لم يعز فيعزي إذا دفن الميت أو قبله، وقال: ان شئت أخذت بيد الرجل في التعزية وان شئت فلا. وإذا رأى الرجل قد شق ثوبه على المصيبة عزا ولم يترك حقا لباطل وان نهاه فحسن ويقول في تعزية المسلم بالمسلم: عظم الله أجرك، وأحسن عزاءك ورحم ميتك. هكذا ذكره بعض أصحابنا، قال شيخنا ولا أعلم في التعزية شيئا محدودا إلا انه يروى ان النبي صلى الله عليه وسلم عزى رجلا فقال " رحمك الله وآجرك " رواه الامام أحمد، وعزى أحمد أبا طالب فوقف على باب المسجد فقال: أعظم الله أجركم وأحسن عزاءكم. واستحب بعض أهل العلم أن يقول ما روى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءت التعزية سمعوا قائلا يقول: ان في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كل ما فات فبالله فثقوا، وإياه فارجو فان المصاب من حرم الثواب. رواه الشافعي في مسنده. وان عزى مسلما بكافر قال أعظم الله اجرك وأحسن عزاءك (مسألة) ويقول في تعزية الكافر بالمسلم أحسن الله عزاك، وغفر لميتك، وفي تعزيته عن كافر: أخلف الله عليك ولا نقص عددك. توقف أحمد عن تعزية أهل الذمة وهي تخرج على عيادتهم وفيها روايتان (احداهما) لا نعودهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا تبدؤوهم بالسلام " وهذا في معناه (والثانية) نعودهم لان النبي صلى الله عليه وسلم أتى غلاما من اليهود كان مرض يعوده فقعد عند رأسه فقال له " اسلم " فنظر إلى أبيه وهو عند رأسه فقال أطع أبا القاسم فأسلم فقام النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول " الحمد لله الذي انقذه بي من النار " رواه البخاري، فعلى هذا يعزيهم ويقول ما ذكرنا، ويقصد بقوله لا نقص عددك زيادة عددهم لتكثر جزيتهم، وقال أبو عبد الله بن بطة: يقول أعطاك الله على مصيبتك أفضل ما أعطى احدا من اهل دينك

[ 429 ]

(فصل) فأما الرد من المعزي فروي عن أحمد بن الحسن قال سمعت ابا عبد الله وهو يعزي في عبثر بن عمه وهو يقول استجاب الله دعاك ورحمنا وإياك (مسألة) ويجوز البكاء على الميت وان يجعل المصاب على رأسه ثوبا ليعرف به ليعزى، البكاء بمجرده لا يكره في حال، وقال الشافعي يباح قبل الموت ويكره بعده لما روى عبد الله بن عتيك قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن ثابت يعوده فوجده قد غلب فصاح به فلم بجبه فاسترجع وقال " غلبنا عليك يا أبا الربيع " فصاح النسوة وبكين فجعل ابن عتيك يسكتهن فقال النبي صلى الله عليه وسلم " دعهن فإذا وجب فلا تبكين باكية " يعني إذا مات ولنا ما روى انس قال شهدنا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس على القبر فرأيت عينيه تدمعان، وقبل النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن مظعون وهو ميت وعيناه تهراقان، وقالت عائشة دخل أبو بكر فكشف عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله ثم بكى، وكلها احاديث صحاح وروي ان النبي صلى الله عليه وسلم دخل على سعد بن عبادة وهو في غاشيته فبكى وبكى اصحابه وقال " ألا تسمعون ان الله لا يعذب بدمع العين ولا يحزن القلب ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم " متفق عليه، وحديثهم محمول على رفع الصوت والندب وشبهها بدليل ما روى جابر أن النبي اخذ ابنه فوضعه في حجره فبكى فقال له عبد الرحمن بن عوف أتبكي؟ أو لم تكن نهيت عن البكاء؟ قال " لا ولكن نهيت عن صوتين احمقين فاجرين، صوت عند مصيبة وخمش وجوه وشق جيوب ورنة شيطان " حديث حسن وهذا يدل على انه لم ينه عن مطلق البكاء انما نهى عنه موصوفا بهذه الصفات. وقال: عمر ما على نساء بني المغيرة أن يبكين على أبي سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقه اللقلقة رفع الصوت والنقع التراب

[ 430 ]

(مسألة) ولا يجوز الندب ولا النياحة ولا شق الثياب ولطم الخدود وما أشبه ذلك الندب هو تعداد محاسن الميت وما يلقون بعده بلفظ الندبة كقولهم وارجلاه واجبلاه وانقطاع ظهراه، فهذا وأشباهه من النوح وشق الجيوب ولطم الخدود والدعاء بالويل والثبور ونحوه لا يجوز، وقال بعض أصحابنا هو مكروه، ونقل حرب عن أحمد كلاما يحتمل إباحة النوح والندب، واختاره الخلال وصاحبه لان واثلة بن الاسقع وأبا وائل كانا يستمعان النوح ويبكيان، وقال احمد: إذا ذكرت المرأة مثل ما حكي عن فاطمة في مثل الدعاء لا يكون مثل النوح، يعني لا بأس به، وروي عن فاطمة انها قالت: يا أبتاه، من ربه ما ادناه، إلى جبريل انعاه، يا أبتاه، أجاب ربا دعاه، وروي عن علي عن فاطمة رضي الله عنهما انها أخذت قبضة من تراب قبر النبي صلى الله عليه وسلم فوضعتها على عينها ثم قالت ماذا على مشتم تربة أحمد * أن لا يشم مدى الزمان غواليا صبت علي مصائب لو انها * صبت على الايام عدن لياليا ووجه الاولى ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها في حديث جابر الذي ذكرناه، وقال الله تعالى (ولا يعصينك في معروف) قال احمد هو النوح، ولعن رسول الله صلى اله عليه وسلم النائحة والمستمعة وقالت ام عطية: اخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند البيعة ان لا ننوح. متفق عليه وعن أبي موسى ان النبي صلى الله عليه وسلم برئ من الحالقة والصالقة والشاقة. الصالقة التي ترفع صوتها، وعن ابن مسعود ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب ودعى بدعوى الجاهلية " متفق عليهما. ولان ذلك يشبه التظلم والاستغاثة والتسخط بقضاء الله، ولان شق الجيوب افساد المال بغير الحاجة (فصل) وينبغي للمصاب أن يستعين بالله، ويتعزى بعزائه، ويمتثل أمره في الاستعانة بالصبر والصلاة، ويستنجز ما وعد الله الصابرين، قال الله تعالى (وبشر الصابرين) الآيتين ويسترجع

[ 431 ]

ويقول اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرا منها. لقول أم سلمة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرا منها، إلا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرا منها " قلت: فلما مات أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخلف الله لي خيرا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه مسلم. وليحذر أن يتكلم بشئ يحبط أجره، ويسخط ربه مما يشبه التظلم والاستغاثة فان الله عدل لا يجور، له ما أخذ وله ما أعطى، ولا يدعو على نفسه فان النبي صلى الله عليه وسلم قال لما مات أبو سلمة " لا تدعو على أنفسكم فان الملائكة يؤمنون على ما تقولون " ويحتسب ثواب الله تعالى وبحمده، لما روى أبو موسى ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته قبضتم ولد عبدى؟ فيقولون نعم. فيقولون: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون نعم. فيقول. ماذا قال عبدي؟ فيقولون حمدك واسترجع. فيقول: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد " حديث حسن غريب (فصل) وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " ان الميت يعذب في قبره بما يناح عليه " وفي لفظ إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه " متفق عليهما. واختلف أهل العلم في معنى الحديث فحمله قوم على ظاهره وقالوا. ينصرف الله سبحانه في خلقه بما يشاء، وأيدوا ذلك بما روى أبو موسى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ما من ميت يموت فيقوم باكيهم فيقول: واجبلاه، واسيداه، ونحو ذلك إلا وكل الله به ملكين يلهزانه أهكذا كنت؟ " حديث حسن. وروى النعمان بن بشير قال: أغمي على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته عمرة تبكي واجبلاه، واكذا واكذا تعدد عليه. فقال حين أفاق ما قلت شيئا إلا قيل أنت كذاك. فلما مات لم تبك عليه أخرجه البخاري. وأنكرت عائشة رضي الله عنها حمله على ظاهره ووافقها ابن عباس فقالت: يرحم الله عمر، والله ما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم " ان الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه " ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ان الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه " وقالت: حسبكم القرآن ولا تزر وازرة وزر أخرى. وذكر ذلك ابن عباس لابن عمر حين روى حديثه فما قال شيئا رواه مسلم، وحمله قوم

[ 432 ]

على من كان النوح سنته ولم ينه عنه أهله لقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا) وقول النبي صلى الله عليه وسلم " كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته " وحمله آخرون على من أوصى بذلك في حياته كقول طرفة: إذا مت فانعيني بما أنا أهله * وشقي علي الجيب يا بنت معبد وقال آخر: من كان من أمهاتي باكيا أيدا * فاليوم إني أراني اليوم مقبوضا ولا بد من حمل البكاء في هذا الحديث على البكاء الذي معه ندب ونياحة ونحو هذا بدليل ما قدمنا من الاحاديث (فصل) ويكره النعي، وهو أن يبعث مناديا ينادي في الناس إن فلانا مات لتشهد جنازته، لما روى حذيفة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن النعي. قال الترمذي هذا حديث حسن، واستحب جماعة من أهل العلم أن لا يعلم الناس بجنائزهم منهم ابن مسعود وعلقمة والربيع بن خيثم وعمرو بن شرجبيل قال: إذا أنا مت فلا أنعى. وقال كثير من أهل العلم لا بأس من أن يعلم بالرجل اخوانه ومعارفه وذوو الفضل من غير نداء. قال ابراهيم النخعي لا بأس أن يعلم الرجل اخوانه وأصحابه انما كانوا يكرهون أن يطاف في المجالس: أنعي فلانا كفعل أهل الجاهلية، وممن رخص في هذا أبو هريرة وابن عمر وابن سيرين، فروي عن ابن عمر انه لما نعي له رافع بن خديج

[ 433 ]

قال: كيف تريدون أن تصنعوا به؟ قالوا: نحبسه حتى نرسل إلى قباء والى من قد بات حول المدينة ليشهدوا جنازته. قال: نعم ما رأيتم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الذي دفن ليلا " ألا أذنتموني " وقد صح ان النبي صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه متفق عليه، ولان في كثرة المصلين عليه أجرا لهم ونفعا للميت، فانه يحصل لكل مصل منهم قيراط من الاجر. وروى الامام أحمد باسناده عن أبي المليح انه صلى على جنازة فالتفت فقال: استووا ولتحسن شفاعتكم، ألا وانه حدثني عبد الله بن سليط عن إحدى أمهات المؤمنين وهي ميمونة وكان أخاها من الرضاعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ما من مسلم يصلي عليه أمة من الناس إلا شفعوا فيه " فسألت أبا المليح عن الامة؟ فقال أربعون. آخر الصلاة والحمد لله رب العالمين كتاب الزكاة قال ابن قتيبة: الزكاة من الزكاء والنماء والزيادة سميت بذلك لانها تثمر المال وتنميه، يقال زكا الزرع إذا كثر ريعه، وزكت النفقة إذا بورك فيها، وهي في الشريعة: حق يجب في المال، فعند اطلاق لفظها في الشرع تنصرف إلى ذلك. والزكاة أحد أركان الاسلام وهي واجبة بالكتاب والسنة والاجماع. أما الكتاب فقوله تعالى (وآتوا الزكاة) وأما السنة فان النبي صلى الله عليه وسلم

[ 434 ]

بعث معاذا إلى اليمن فقال " اعلمهم ان الله قد افترض عليهم صدقه تؤخذ من أعنيائهم، فترد في فقرائهم " متفق عليه. وأجمع المسلمون في جميع الاعصار على وجوبها، واتفق الصحابة رضي الله عنهم على قتال مانعي الزكاة، فروى البخاري باسناده عن أبي هريرة قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب وكفر من كفر من العرب فقال عمر لابي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إلا الا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه الا بحقه، وحسابه على الله " فقال أبو بكر: والله لاقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فان الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فو الله ما هو الا اني رأيت أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعرفت انه الحق رواه أبو داود وقال: لو منعوني عقالا قال أبو عبيد: العقال صدقة العام قال الشاعر: سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا * فكيف لو قد سعى عمر وعقالين وقيل: كانوا إذا أخذوا الفريضة أخذوا معها عقالها، ومن روى عناقا ففي روايته دليل على جواز أخذ الصغيرة من الصغار * (مسألة) * (وتجب الزكاة في أربعة أصناف من المال: السائمة من بهيمة الانعام، والخارج من الارض، والاثمان، وعروض التجارة. وسيأتي شرح ذلك في مواضعه ان شاء الله) ولا تجب في غير ذلك لان الاصل عدم الوجوب وهذا قول أكثر أهل العلم. وقال أبو حنيفة في الخيل الزكاة إذا كانت ذكورا وإناثا، فان كانت ذكورا أو إناثا مفردة ففيها روايتان. وزكاتها دينار عن كل فرس، أو ربع عشر قيمتها، والخيرة في ذلك إلى صاحبها، لما روى جابر ان النبي صلى الله عليه وسلم قال في الخيل السائمة " في كل فرس دينار " وعن عمر انه كان يأخذ من الرأس عشرة، ومن الفرس

[ 435 ]

عشرة، ومن البر دون خمسة، ولانه حيوان يطلب نماؤه لجهة السوم أشبه النعم ولنا قوله عليه السلام " ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة " متفق عليه. وقوله عليه السلام " عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق " حديث صحيح، ولان ما لا تخرج زكاته من جنسه لا تجب فيه الزكاة كسائر الدواب، وحديثهم برويه غورل السعدي وهو ضعيف. وأما عمر فانما أخذ منهم شيئا تبرعوا به وعوضهم عنه رزق عبيدهم. كذلك رواه أحمد، والزكاة لا يؤخذ عنها عوض ولان عمر حين عرضوا عليه ذلك شاور الصحابة فيه. فقال علي: هو حسن إن لم يكن جزية يؤخذون بها من بعدك، فدل على أن أخذهم بذلك غير جائز، وقياسها على النعم لا يصح لكمال نفعها بدرها ولحمها ويضحى بجنسها وتكون هديا، وتجب الزكاة من عينها ويعتبر كمال نصابها، والخيل بخلاف ذلك والله أعلم * (مسألة) * (وقال أصحابنا تجب في المتولد بين الوحشي والاهلي) وسواء كانت الوحشية الفحول أو الامهات. وقال أبو حنيفة ومالك: إن كانت الامهات أهلية وجبت الزكاة فيها وإلا فلا، لان ولد البهيمة يتبع أمه. وقال الشافعي: لا زكاة فيها لانها متولدة من وحشي أشبه المتولد من وحشيين، وحجة أصحابنا انها متولدة بين ما تجب فيه الزكاة وما لا تجب فوجب فيها الزكاة كالمتولد بين سائمة ومعلوقة، وزعم بعضهم ان غنم مكة متولدة بين الظباء والغنم وفيها الزكاة بالاتفاق. فعلى هذا القول تضم إلى جنسها من الاهلي في وجوب الزكاة وتكون كأحد أنواعه قال شيخنا والقول بانتفاء الزكاة فيها أصح لان الاصل انتفاء الوجوب وانما يثبت بنص أو اجماع أو قياس ولا نص فيها ولا إجماع ولا قياس، لان النص انما هو في بهيمة الانعام من الازواج الثمانية وليس هذا منها ولا داخلة في اسمها ولا حكمها ولا حقيقتها، فان المتولد بين شيئين منفرد باسمه وجنسه كالبغل، والسمع المتولد بين الضبع والذئب، فكذلك المتولد بين الظبي والمعز في كونه لا يجزي في

[ 436 ]

هدي ولا أضحية ولا دية، ولو وكل وكيلا في شراء شاة لم يدخل في الوكالة ولا يحصل منه ما يحصل من الشاة من الدر وكثرة النسل. بل الظاهر انه لا نسل له كالبغل فامتنع القياس، فاذن ايجاب الزكاة فيه تحكم بغير دليل، فان قيل تجب الزكاة فيه احتياطا وتغليبا للايجاب كما أثبتنا التحريم فيها في الحرم والاحرام احتياطا لم يصح لان الواجبات لا تثبت احتياطا بالشك، ولهذا لا تجب الطهارة على من تيقنها وشك في الحدث. وأما السوم والعلف فالاعتبار فيه بما تجب فيه الزكاة لا بأصله الذي تولد منه، بدليل انها تجب في أولاد المعلوفة إذا أسامها، ولا تجب في أولاد السائمة إذا علفها، وقول من زعم ان غنم مكة متولدة من الظباء والغنم لا يصح وإلا لحرمت في الحرم والاحرام كسائر المتولد بين الوحشي والاهلي ولما كان لها نسل كالبغل والسمع * (مسألة) * (وفي بقر الوحش روايتان) إحداهما فيها الزكاة اختارها أبو بكر لان اسم البقر يشملها فتدخل في مطلق الخبر. والثانية لا زكاة فيها وهي أصح وهو قول أكثر أهل العلم لان اسم البقر عند الاطلاق لا ينصرف إليها، ولا تسمى بقرا إلا بالاضافة إلى الوحش ولانها حيوان لا يجزي نوعه في الاضحية والهدي فلم تجب فيه الزكاة كالظباء، وليست من بهيمة الانعام فلم تجب فيها الزكاة كسائر الوحش. يحقق ذلك أن الزكاة انما وجبت في بهيمة الانعام دون غيرها لكثرة النماء فيها من درها ونسلها وكثرة الانتفاع بها وخفة مؤنتها، وهذا المعنى مختص بها فاختصت الزكاة بها، ولا تجب الزكاة في الظباء لا نعلم فيه خلافا لعدم تناول اسم الغنم لها والله أعلم * (مسألة) * (ولا تجب إلا بشروط خمسة: الاسلام والحرية فلا تجب على كافر ولا عبد ولا مكاتب) لا تجب الزكاة على كافر لقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن " انك تأتي قوما أهل كتاب

[ 437 ]

فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله - إلى قوله - فان هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله تعالى قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد في فقرائهم " متفق عليه. فجعل الاسلام شرطا لوجوب الزكاة، ولانها أحد أركان الاسلام فلم تجب على كافر كالصيام، وذهب بعض العلماء إلى أنها تجب عليه في حال كفره بمعنى أنه يعاقب عليها إذا مات على كفره وهذا لا يتعلق به حكم فلا حاجة إلى ذكره. هذا حكم الكافر الاصلي، فأما المرتد فلنا فيه وجه أنه يجب عليه قضاء الزكاة في حال ردته إذا أسلم. ولاصحاب الشافعي فيه قولان مبنيان على زوال ملكه بالردة، فان قلنا يزول فلا زكاة عليه، وإن قلنا لا يزول ملكه أو هو موقوف وجبت عليه لانه حق التزمه بالاسلام فلم يسقط بالردة كحقوق الآدميين والاول ظاهر المذهب. ولا تجب على عبد وهذا قول أكثر أهل العلم وروي عن عطاء وأبي ثور أنه يجب على العبد زكاة ماله ولنا أن العبد ليس بتام الملك فلم يلزمه زكاة كالمكاتب، ولان الزكاة انما وجبت على سبيل المواساة وملك العبد ناقص لا يحتمل المواساة بدليل أنه لا تجب عليه نفقة أقاربه لكونها وجبت مواساة ولا يعتقون عليه، ولا تجب على مكاتب لانه عبد لقوله عليه السلام " المكاتب عبد ما بقي عليه درهم " رواه أبو داود. ولان ملكه غير تام فهو كالعبد ولا نعلم أحدا قال بوجوب الزكاة على المكاتب الا أبا ثور ذكره عنه ابن المنذر، واحتج أبو ثور بأن الحجر من السيد لا يمنع وجوب الزكاة كالحجر على الصبي والمجنون والمرهون، وحكي عن أبي حنيفة أنه أوجب العشر في الخارج من أرضه بناء على أصله في أن العشر مؤونة الارض وليس بزكاة ولنا ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا زكاة في مال المكاتب " رواه الفقهاء في كتبهم، ولان الزكاة تجب على طريق المواساة فلم تجب في مال المكابت كنفقة الاقارب وفارق المحجور عليه فانه منع التصرف لنقص تصرفه لا لنقص ملكه، والمرهون منع من التصرف فيه بعقده فلم يسقط حق

[ 438 ]

الله تعالى، ومتى كان منع التصرف فيه لدين لا يمكنه وفاؤه من غيره فلا زكاة عليه وسيأتي ذلك ان شاء الله تعالى، فان عجز المكاتب ورد في الرق صار ما في يده لسيده فاستقبل به حولا إن كان نصابا وإلا ضمه إلى ما في يده كالمستفاد، وإن أدى المكاتب ما عليه وبقي في يده نصاب فقد صار حرا تام الملك فيستأنف الحول من حين عتقه ويزكي كسائر الاحرار * (مسألة) * (فان ملك السيد عبده مالا وقلنا إنه يملكه فلا زكاة فيه، وإن قلنا لا يملكه فزكاته على سيده) اختلفت الرواية عن احمد رحمه الله في زكاة مال العبد الذي ملكه اياه سيده فروي عنه زكاته على سيده هذا مذهب سفيان وأصحاب الرأي واسحق وعنه لا زكاة فيه على واحد منهما. قال ابن المنذر وهذا قول ابن عمر وجابر والزهري وقتادة ومالك، وللشافعي قولان كالمذهبين. وقال أبو بكر المسألة مبنية على الروايتين في ملك العبد بالتمليك (احداهما) لا يملك. قال أبو بكر: وهو اختياري وهو ظاهر كلام الخرقي لان العبد مال فلا يملك المال كالبهائم، فعلى هذا تكون زكاته على السيد لانه ملك له في يد عبده فكانت زكاته عليه كالمال الذي في يد المضارب والوكيل (والثانية) يملك لانه آدمي يملك النكاح فملك المال كالحر ولان قوله عليه السلام " من باع عبدا وله مال " يدل على أنه يملك، ولانه بالآدمية يتمهد للملك من قبل أن الله تعالى خلق المال لبني آدم ليستعينوا به على القيام بوظائف العبادات، واعباء التكاليف قال الله تعالى (خلق لكم ما في الارض جميعا) فبالآدمية يتمهد للملك كما تمهد للتكليف فعلى هذا لا زكاة على السيد في مال العبد لانه لا يملكه، ولا على العبد لنقص ملكه والزكاة انما تجب على تام الملك (فصل) ومن بعضه حر عليه زكاة ماله لانه يملك بجزئه الحر ويورث عنه فملكه كامل فهو كالحر في وجوب الزكاة وهذا أحد الوجهين لاصحاب الشافعي وفيه لهم وجه آخر لا تجب لانه ناقص

[ 439 ]

أشبه القن والاول أولى، فأما أم الولد والمدبر فحكمها حكم القن لانه لا حرية فيهما * (مسألة) * (الثالث ملك نصاب، فان نقص عنه فلا زكاة فيه إلا أن يكون نقصا يسيرا كالحبة والحبتين) ملك النصاب شرط لوجوب الزكاة لما يأتي في أبوابه مفصلا إن شاء الله، فان نقص عن النصاب فلا زكاة فيه إن كان النقص كثيرا بالاتفاق، وإن كان يسيرا فقد اختلفت الرواية عن احمد رحمه الله في ذلك فروي أنه قال في نصاب الذهب إذا نقص ثمنا لا زكاة فيه. اختاره أبو بكر وهو ظاهر قول الخرقي ومذهب الشافعي واسحق وابن المنذر لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ليس فيما دون خمس أواق صدقة " وقال " ليس في أقل من عشرين مثقالا من الذهب صدقة " وروي عن احمد أن نصاب الذهب إذا نقص ثلث مثقال زكاه وهو قول عمر بن عبد العزيز وسفيان، وإن نقص نصفا لا زكاة فيه. وقال أصحابنا إن كان النقص يسيرا كالحبة والحبتين وجبت الزكاة لانه لا ينضبط غالبا فهو كنقص الحول ساعة أو ساعتين، وان كان نقصا بينا كالدانق والدانقين فلا زكاة فيه. وقال مالك: إذا نقص نقصا يسيرا يجوز جواز الوازنة وجبت الزكاة لانها تقوم مقام الوازنة أشبهت الوازنة والاول ظاهر الاخبار فينبغي أن لا يعدل عنه * (مسألة) * (وتجب فيما زاد على النصاب بالحساب الا في السائمة) فلا شئ في أوقاصها على ما يأتي بيانه. واتفقوا على زيادة الحب أن الزكاة تجب فيها بالحساب، واختلفوا في زيادة الذهب والفضة فروي وجوب الزكاة فيها عن علي وابن عمر رضي الله عنهما، وبه قال عمر ابن عبد العزيز والنخعي ومالك والثوري والاوزاعي والشافعي وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور وأبو عبيد وابن المنذر، وقال سعيد بن المسيب وعطاء وطاوس والحسن والشعبى ومكحول والزهري وعمر وبن دينار وأبو حنيفة: لا شئ في زيادة الدراهم حتى تبلغ أربعين، ولا في زيادة الذهب حتى تبلغ أربعة دنانير لقوله عليه السلام " من كل أربعين درهما درهما " وعن معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " إذا

[ 440 ]

بلغ الورق مائتين ففيه خمسة دراهم، ثم لا شئ فيه حتى يبلغ إلى أربعين درهما " ولان له عفوا في الابتداء فكان له عفو بعد النصاب كالسائمة ولنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " هاتوا ربع العشور من كل أربعين درهما درهما، وليس عليكم شئ حتى يتم مائتين، فإذا كانت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم فما زاد فبحساب ذلك " رواه الاثرم والدار قطني، وروي ذلك عن علي وابن عمر موقوفا عليهما ولم نعرف لهما مخالفا في الصحابة فيكون اجماعا، ولانه مال يتجزاء فلم يكن له عفو بعد النصاب كالحبوب، وما احتجوا به من الخبر الاول فهو احتجاج بدليل الخطاب والمنطوق راجح عليه، والخبر الثاني يرويه أبو العطوف الجراح بن منهال وقد قال الدار قطني هو متروك الحديث. وقال مالك هو دجال، ويرويه عن عبادة بن نسي عن معاذ ولم يلق عبادة معاذا فيكون منقطعا والماشية يشق تشقيصها بخلاف الاثمان * (مسألة) * (والشرط الرابع تمام الملك) فلا زكاة في دين المكاتب بغير خلاف علمناه لنقصان الملك فيه فان له أن يعجز نفسه ويمتنع من أدائه * (مسألة) * (ولا تجب في السائمة الموقوفة ولا في حصة المضارب من الربح قبل القسمة على أحد الوجهين فيهما) لا تجب زكاة في السائمة الموقوفة لان الملك لا يثبت فيها في وجه وفي وجه يثبت ناقصا لا يتمكن من التصرف فيها بأنواع التصرفات، وذكر شيخنا في هذا الكتاب المشروح وجها آخر أن الزكاة تجب فيها، وذكره القاضي ونقل مهنا عن احمد ما يدل على ذلك لعموم قوله عليه السلام " في أربعين شاة شاة " ولعموم غيره من النصوص، ولان الملك ينتقل إلى الموقوف عليه في الصحيح من المذهب أشبهت سائر املاكه وللشافعية وجهان كهذين فإذا قلنا بوجوب الزكاة فيه فينبغي أن يخرج من غيره لان الوقف لا يجوز نقل الملك فيه

[ 441 ]

(فصل) فأما حصة المضارب من الربح قبل القسمة فلا تجب فيها الزكاة نص عليه احمد في رواية صالح وابن منصور فقال: إذا احتسبا يزكي المضارب إذا حال الحول من حين احتسبا لانه علم ماله في المال، ولانه إذا أبضع بعد ذلك كانت الوضيعة على صاحب المال يعني إذا اقتسما لان القسمة في الغالب تكون عند المحاسبة فقول احمد يدل على أنه أراد بالمحاسبة القسمة لقوله: إن الوضيعة تكون على رب المال وهذا انما يكون بعد القسمة وهذا اختيار شيخنا، واختار أبو الخطاب وجوب الزكاة فيها من حين ظهور الربح إذا كملت نصابا الا إذا قلنا إن الشركة تؤثر في غير الماشية لان العامل يملك الربح بظهوره فإذا ملكه جرى في الحول الزكاة، ولان من أصلنا أن الزكاة تجب في الضال والمغصوب وان كان رجوعه مظنونا كذلك هذا ولنا أن المضارب لا يملك الربح بالظهور على رواية وعلى رواية يملكه ملكا غير تام لانه وقاية لرأس المال فلو نقصت قيمة الاصل أو خسر فيه أو تلف بعضه لم يحصل للمضارب، ولانه ممنوع من التصرف فيه فلم يكن فيه زكاة كمال المكاتب. ولان ملكه لو كان تاما لاختص بربحه كما لو اقتسما ثم خلطا المال والامر بخلاف ذلك، فان من دفع إلى رجل عشرة مضاربة فربح فيها عشرين ثم اتجر فربح ثلاثين، فان الخمسين التي ربحها بينهما نصفان، ولو تم ملكه بمجرد ظهور الربح لملك من العشرين الاولى عشرة واختص بربحها وهي عشرة من الثلاثين وكانت العشرون الباقية بينهما نصفين فيصير للمضارب ثلاثون وفارق المغصوب والضال، فان الملك فيه تام وانما حيل بينه وبينه بخلاف مسئلتنا ومن أوجب الزكاة على المضارب فانما يوجبها عليه إذا حال الحول من حين تبلغ حصته نصابا أو يضمها إلى ما عنده من جنس المال أو من الاثمان إلا إذا قلنا إن الشركة تؤثر في غير السائمة، وليس عليه اخراجها قبل القسمة كالدين، وإن أراد اخراجها من المال قبل القسمة لم يجز لان الربح وقاية

[ 442 ]

لرأس المال، ويحتمل أن يجوز لانهما دخلا على حكم الاسلام، ومن حكمه وجوب الزكاة واخراجها من المال: (فصل) وإن دفع إلى رجل ألفا مضاربة على أن الربح بينهما نصفان فحال الحول وقد ربح ألفين فعلى رب المال زكاة ألفين، وقال الشافعي في أحد قوليه: عليه زكاة الجميع لان الاصل له والربح إنما نمى ولنا أن حصة المضارب له دون رب المال لان للمضارب المطالبة بها، ولو أراد رب المال دفع حصته إليه من غير هذا المال لم يلزمه قبوله، ولا يجب علي الانسان زكاة ملك غيره وقوله: إنما نمى ماله قلنا إلا أنه لغيره فلم تجب عليه زكاته كما لو وهب نتاج سائمته لغيره. إذا ثبت هذا فانه يخرج الزكاة من المال لانها من مؤنته فكانت منه كمؤنة حمله ويحسب من الربح لانه وقاية لرأس المال. * (مسألة) * (ومن كان له دين على ملي من صداق أو غيره زكاه إذا قبضه لما مضى) الدين على ضربين أحدهما دين على معترف به باذل له فعلى صاحبه زكاته الا أنه لا يلزمه اخراجها حتى يقبضه فيزكيه لما مضى. يروى ذلك عن علي رضي الله عنه، وبهذا قال الثوري وأبو ثور وأصحاب الرأي، وقال عثمان بن عفان وابن عمر وجابر وطاوس والنخعي وجابر بن زيد والحسن والزهري وقتادة والشافعي وإسحق وأبو عبيد: عليه اخراج الزكاة في الحال وان لم يقبضه لانه قادر على أخذه والتصرف فيه أشبه الوديعة، وروي عن عائشة وابن عمر: ليس في الدين زكاة وهو قول عكرمة لانه غير تام فلم تجب زكاته كعرض القنية، وروي عن سعيد بن المسيب وعطاء وأبي الزناد يزكيه إذا قبضه لسنة واحدة. ولنا أن ملكه يقدر على قبضه والانتفاع به فلزمته زكاته لما مضى كسائر أمواله، ولا يجب عليه زكاته قبل قبضه لانه دين ثابت في الذمة فلم يلزمه الاخراج قبل قبضه كالدين على المعسر ولان الزكاة تجب على سبيل المواساة وليس من المواساة أن يخرج زكاة مال لا ينتفع به وأما المستودع فهو كالذي في يده لان المستودع نائب عنه فيده كيده.

[ 443 ]

* (مسألة) * (وفي الدين على غير الملي والمؤجل والمجحود والمغصوب والضائع روايتان) هذا الضرب الثاني وهو الدين على المماطل والمعسر والمجحود الذي لا بينة به والمغصوب والضال حكمه حكم الدين على المعسر وفي ذلك كله روايتان، أحداهما لا تجب فيه الزكاة وهو قول قتادة واسحق وأبي ثور وأهل العراق لانه مال ممنوع منع غير قادر على الانتفاع به أشبه الدين على المكاتب والرواية الثانية: يزكيه إذا قبضه لما مضى، وهو قول الثوري وأبي عبيد لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال في الدين المظنون ان كان صادقا فليزكه إذا قبضه لما مضى، وعن ابن عباس نحوه رواهما أبو عبيد ولانه مال يجوز التصرف فيه أشبه الدين على الملئ ولان ملكه فيه تام أشبه ما لو نسي عند من أودعه؟ وللشافعي قولان كالروايتين وعن عمر بن عبد العزيز والحسن والليث والاوزاعي ومالك يزكيه إذا قبضه لعام واحد لانه كان في ابتداء الحول في يده، ثم حصل بعد ذلك في يده فوجب أن لا تسقط الزكاة عن حول واحد. ولنا أن هذا المال في جميع الاحوال على حال واحد فوجب أن يتساوى في وجوب الزكاة أو سقوطها كسائر الاموال. قولهم إنه حصل في يده في كل الحول (قلنا) هذا لا يوثر لان المانع إذا وجد في بعض الحول منع كنقص النصاب ولا فرق بين كون الغريم يجحده في ظاهر دون الباطن أو فيهما (فصل) وظاهر كلام أحمد أنه لا فرق بين الحال والمؤجل لان البراءة تصح من المؤجل ولو لا أنه مملوك لم تصح منه البراءة لكنه في حكم الدين على المعسر لتعذر قبضه في الحال. (فصل) ولو أجر داره سنين باربعين دينارا ملك الاجرة من حين العقد وعليه زكاة الجميع إذا حال الحول لان ملكه عليها تام بدليل جواز التصرف فيها بأنواع التصرفات ولو كانت جارية كان له وطؤها وكونها بعرض الرجوع لانفساخ العقد لا يمنع وجوب الزكاة كالصداق قبل الدخول ثم ان

[ 444 ]

كان قد قبض الاجرة أخرج الزكاة منها، وان كانت دينا فهي كالدين معجلا أو مؤجلا، وقال ابن أبي موسى فيه رواية أنه يزكيه في الحال كالمعدن، والصحيح الاول لقوله عليه السلام " لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول " وكما لو ملكه بهبة أو ميراث أو نحوه، وقال مالك وأبو حنيفة لا يزكيها حتى يقبضها ويحول عليها حول بناء على أن الاجرة انما تستحق بانفضاء مدة الاجارة وهذا يذكر في موضعه ان شاء الله تعالى. (فصل) ولو اشترى شيئا بعشرين دينارا أو أسلم نصابا في شئ فحال الحول قبل أن يقبض المشتري المبيع أو المسلم فيه والعقد باق فعلى البائع والمسلم إليه زكاة الثمن لان ملكه ثابت فيه فان انفسخ العقد لتلف المبيع أو تعذر السلم فيه وجب رد الثمن وزكاته على البائع والمسلم إليه. (فصل) والغنيمة يملك الغانمون أربعة أخماسها بانقضاء الحرب فان كانت جنسا واحدا تجب فيه الزكاة كالاثمان والسائمة، ونصيب كل واحد منهم نصاب فعليه زكاته إذا انقضى الحول ولا يلزمه اخراج زكاته قبل قبضه كالدين على الملئ، وان كان دون النصاب فلا زكاة فيه الا أن يكون أربعة أخماسها يبلغ النصاب فتكون خلطة ولا تضم إلى الخمس لانه لا زكاة فيه فان كانت أجناسا كأبل وبقر وغنم فلا زكاة على واحد منهم لان للامام أن يقسم بينهم قسمة تحكم فيعطي لكل واحد منهم من أي أصناف المال شاء فما تم ملكه على شئ معين بخلاف الميراث. (فصل) وقد ذكرنا أن حكم المال المغصوب حكم الدين على المعسر على ما فيه من الخلاف فان كان سائمة وكانت معلوفة عند صاحبها وغاصبها فلا زكاة فيها لفقدان الشرط، وإن كانت سائمة عندهما ففيها الزكاة على الرواية في وجوب الزكاة في المغصوب، وان كانت معلوفة عند المالك سائمة عند الغاصب ففيه ووجهان أحدهما لا زكاة فيها لان صاحبها لم يرض باسامتها فلم تجب عليه الزكاة

[ 445 ]

بفعل الغاصب كما لو رعت من غير أن يسيمها. والثاني عليه الزكاة لان السوم يوجب الزكاة من المالك فاوجبها من الغاصب كما لو كانت سائمة عندهما وكما لو غصب بذرا فزرعه وجب العشر فيما خرج منه، وان كانت سائمة عند المالك، معلوفة عند الغاصب، فلا زكاة فيها لفقدان الشرط، وقال القاضي فيه وجه آخر ان الزكاة تجب فيها لان العلف محرم فلم يؤثر في الزكاة كما لو غصب اثمانا فصاغها حليا، قال أبو الحسن الآمدي هذا هو الصحيح لان العلف انما أسقط الزكاة لما فيه من المؤنة ولا مؤنة عليه هاهنا. ولنا أن السوم شرط لوجوب الزكاة وقد فقد فلم يجب كنقص النصاب. (قوله) إن العلف محرم ممنوع انما المحرم الغصب والعلف تصرف في ماله باطعامها اياه ولا تحريم فيه ولهذا لو علفها عند مالكها لم يحرم عليه، وما ذكره الآمدي من خفة المؤنة غير صحيح فان الخفة لا تعتبر بنفسها وانما تعتبر بمظنتها وهو السوم ثم يبطل ما ذكراه بالمعلوفة عندهما جميعا، ويبطل ما ذكره القاضي بما إذا علفها مالكها علفا محرما أو أتلف شاة من النصاب فانه محرم وتسقط به الزكاة وأما إذا غصب ذهبا فصاغه حليا فلا يشبه ما اختلفنا فيه، لان العلف فات به شرط الوجوب والصياغة لم يفت بها شئ وانما اختلف في كونها مسقطة بشرط كونها مباحة فإذا كانت محرمة لم يوجد شرط الاسقاط، ولان المالك لو علفها علفا محرما سقطت الزكاة ولو صاغها صياغة محرمة لم تسقط فافترقا. ولو غصب حليا مباحا فكسره أو ضربه نقدا وجبت فيه الزكاة لان المسقط لها زال ويحتمل أن لا يجب كما لو غصب معلوفة فأسامها. ولو غصب عروضا فاتجر فيها لم تجب فيها الزكاة

[ 446 ]

لان نية التجارة شرط ولم توجد من المالك، وسواء كانت للتجارة عند مالكها أولا لان بقاء النية شرط ولم ينو التجارة بها عند الغاصب، ويحتمل أن تجب فيها الزكاة إذا كانت للتجارة عند مالكها واستدام النية لانها لم تخرج عن ملكه بغصبها وان نوى بها الغاصب القنية. وكل موضع أوجبنا الزكاة فعلى الغاصب ضمانها لانه نقص حصل في يده فضمنه كتلفه * (فصل) * إذا ضلت واحدة من النصاب أو أكثر أو غصبت فنقص النصاب فالحكم فيه كما لو ضل جميعه أو غصب لان كمال النصاب شرط لوجوب الزكاة لكن ان قلنا بوجوب الزكاة فعليه الاخراج عن الموجود عنده، وإذا رجع الضال والمغصوب أخرج عنه كما لو رجع جميعه (فصل) وإن أسر المالك لم تسقط الزكاة عنه سواء حيل بينه وبين ماله أو لم يحل لان تصرفه في ماله نافذ يصح بيعه وهبته وتوكيله فيه. وقال بعض أصحاب الشافعي يخرج فيه وجه انه لا تجب فيه الزكاة إذا حيل بينه وبينه كالمغصوب (فصل) وإن ارتد قبل مضي الحول، وحال الحول وهو مرتد فلا زكاة عليه لان الاسلام شرط لوجوب الزكاة فعدمه في بعض الحول يسقط الزكاة كالملك، وإن رجع إلى الاسلام قبل مضي الحول استأنف حولا لما ذكرنا نص عليه أحمد فأما إن ارتد بعد الحول لم تسقط عنه الزكاة وهو قول الشافعي. وقال أبو حنيفة تسقط لان من شرطها النية فسقطت بالردة كالصلاة ولنا أنه حق مالي فلا يسقط بالردة كالدين. وأما الصلاة فلا تسقط أيضا لكن لا يطالب بفعلها لانها لا تصح منه ولا تدخلها النيابة فإذا عاد لزمه قضاؤها، والزكاة تدخلها النيابة ويأخذها الامام

[ 447 ]

من الممتنع فكذا هاهنا يأخذ الامام منه ماله فان أسلم بعد أخذها لم يلزمه أداؤها لانها سقطت بأخذ الامام كسقوطها بالاخذ من المسلم الممتنع. ويحتمل أن لا تسقط لانها عبادة فلا تصح بغير نية. وأصل هذا إذا اخذ من المسلم الممتنع قهرا. وسيأتي ذكره ان شاء الله تعالى. وان أخذها غير الامام أو نائبه لم تسقط عنه لانه لا ولاية له عليه فلا يقوم مقامه بخلاف نائب الامام وان أداها في حال ردته لم يجزه لانه كافر فلا تصح منه لكونها عبادة كالصلاة (فصل) وحكم الصداق حكم الدين لانه دين للمرأة في ذمة الرجل. فان كان على ملئ وجبت فيه الزكاة فإذا قبضته أدت لما مضى، وإن كان على جاحد أو معسر فعلى الروايتين، ولا فرق بين ما قبل الدخول وبعده لانه دين في الذمة فهو كثمن مبيعها، فان سقط نصفه بطلاقها قبل الدخول وقبضت النصف فعليها زكاة ما قبضته خاصة لانه دين لم تتعوض عنه، ولم تقبضه فأشبه ما تعذر قبضه لفلس أو جحد. وكذلك لو سقط الصداق كله قبل قبضه لانفساخ النكاح بسبب من جهتها ليس عليها زكاة لما ذكرنا، ويحتمل أن تجب عليها زكاة لان سقوطه بسبب من جهتها أشبه الموهوب. وكذلك كل دين سقط قبل قبضه من غير إسقاط صاحبه. أو أيس صاحبه من استيفائه. والمال الضال إذا أيس منه فانه لا زكاة على صاحبه لان الزكاة مواساة فلا تلزمه المواساة الا مما حصل له، وإن كان الصداق نصابا فحال عليه الحول ثم سقط نصفه وقبضت النصف فعليها زكاة النصف المقبوض لان الزكاة وجبت فيه ثم سقطت من نصفه لمعنى اختص به فاختص السقوط به، وان مضى عليه حول قبل قبضه ثم قبضته كله زكته لذلك الحول وان مضت عليه أحوال قبل قبضه ثم قبضته زكته لما مضى كله وقال أبو حنيفة لا تجب الزكاة عليها ما لم تقبضه لانه بدل عما ليس بمال فلم تجب الزكاة فيه قبل قبضه كدين الكتابة

[ 448 ]

ولنا انه دين يستحق قبضه ويجبر المدين على أدائه فوجبت فيه الزكاة كثمن المبيع بخلاف دين الكتابة يستحق قبضه وللمكاتب الامتناع من أدائه ولا يصح قياسهم عليه لانه عوض عن مال (فصل) وان قبضت صداقها قبل الدخول ومضى عليه حول فزكته ثم طلقها الزوج قبل الدخول رجع عليها بنصفه وكانت الزكاة من النصف الباقي لها. وقال الشافعي في قول يرجع الزوج بنصف الموجود ونصف قيمة المخرج لانه لو تلف الكل رجع عليها بنصف قيمته فكذلك إذا تلف البعض ولنا قوله تعالى (فنصف ما فرضتم) ولانه يمكنه الرجوع في العين فلم يكن له الرجوع إلى القيمة كما لو لم يتلف منه شئ ويخرج على هذا إذا تلف كله لعدم إمكان الرجوع في العين، وان طلقها بعد الدخول وقبل الاخراج لم يكن لها الاخراج من النصاب لان حق الزوج تعلق به على وجه الشركة والزكاة لا نتعلق به على وجه الشركة لكن يخرج الزكاة من غيره أو يقتسمانه ثم تخرج الزكاة من حصتها فان طلقها قبل الدخول ملك النصف مشاعا، وكان حكم ذلك كما لو باعت نصفه قبل الحول مشاعا وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى (فصل) فان كان الصداق دينا فأبرأت الزوج منه بعد مضي الحول ففيه روايتان احداهما عليها الزكاة لانها تصرفت فيه أشبه ما لو قبضته، والثانية زكاته على الزوج لانه ملك ما ملك عليه فكأنه لم يزل ملكه عنه. والاول أصح وما ذكرناه لهذه الرواية لا يصح فان الزوج لم يملك شيئا وانما

[ 449 ]

سقط عنه ثم لو ملك في الحال لم يقنض هذا وجوب زكاة ما مضى. ويحتمل أن لا تجب الزكاة على واحد فيهما لم ذكرنا في الزوج. وأما المرأة فلم تقبض الدين أشبه ما لو سقط بغير إسقاطها. وهذا إذا كان الدين مما تجب فيه الزكاة إذا قبضته، وكل دين على انسان ابرأه صاحبه منه بعد مضي الحول عليه فحكمه حكم الصداق فيما ذكرنا. قال أحمد: إذا وهبت المرأة مهرها لزوجها وقد مضى له عشر سنين فان الزكاة على المرأة لان المال كان لها، وإذا وهب رجل لرجل مالا فحال الحول ثم ارتجعه الواهب فالزكاة على الذي كان عنده. وقال في رجل باع شريكه نصيبه من داره لم يعطه شيئا فلما كان بعد سنة قال ليس عندي دراهم فأقلني فأقاله قال عليه أن يزكي لانه قد ملكه حولا * (مسألة) * (قال الخرقي: واللقطة إذا جاء ربها زكاها للحول الذي كان الملتقط ممنوعا منها) قد ذكرنا في المال الضائع روايتين وهذا منه وعلى مقتضى قول الخرقي أن الملتقط لو لم يملكها كمن لم يعرفها فانه زكاة على ملتقطها. وإذا جاء ربها زكاها للزمان كله وإذا كانت ماشية فانما تجب عليه زكاتها إذا كانت سائمة عند الملتقط. فان علفها فلا زكاة على صاحبها على ما ذكرنا في المغصوب

[ 450 ]

(فصل) وزكاتها بعد الحول الاول على الملتقط في ظاهر المذهب لان اللقطة تدخل في ملكه كالميراث فتصير كسائر ماله يستقبل بها حولا، وعند أبي الخطاب انه لا يملكها حتى يختار ذلك وهو مذهب الشافعي وسنذكر ذلك إن شاء الله في بابه. وحكى القاضي في موضع ان الملتقط إذا ملكها وجب عليه مثلها إن كانت مثلية أو قيمتها ان لم تكن مثلية وهو مذهب الشافعي. ومقتضى هذا أن لا تجب عليه زكاتها لانه دين فمنع الزكاة كسائر الديون. وقال ابن عقيل يحتمل أن لا تجب الزكاة فيها لمعنى آخر وهو ان ملكه غير مستقر عليها، ولصاحبها أخذها منه متى وجدها. والمذهب الاول، وما ذكره القاضي يفضي إلى ثبوت معاوضة في حق من لا ولاية عليه بغير فعله ولا اختياره ويقتضي ذلك أن يمنع الدين الذي عليه الميراث والوصية كسائر الديون، والامر بخلافه. وما ذكره بن عقيل يبطل بما وهبه الاب لولده، وبنصف الصداق فان لهما استرجاعه ولا يمنع وجوب الزكاة * (مسألة) * (ولا زكاة في مال من عليه دين ينقص النصاب إلا في المواشي والحبوب في احدى الروايتين) وجملة ذلك ان الدين يمنع وجوب الزكاة في الاموال الباطنة رواية واحدة، وهي الاثمان وعروض التجارة وبه قال عطاء وسليمان بن يسار والحسن والنخعي والليث ومالك والثوري والاوزاعي واسحق وأبو ثور وأصحاب الرأي. وقال ربيعة وحماد بن أبي سليمان والشافعي في الجديد لا يمنع لانه حر مسلم ملك نصابا حولا فوجبت عليه الزكاة كمن لا دين عليه

[ 451 ]

ولنا ما روى السائب بن يزيد قال: سمعت عثمان بن عفان يقول: هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤده حتى تخرجوا زكاة أموالكم. رواه أبو عبيد في الاموال، وفي لفظ: من كان عليه دين فليقض دينه، وليترك بقية ماله. قال ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكروه فدل على اتفاقهم عليه وروى أصحاب مالك عن عمير بن عمران عن شجاع عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا كان لرجل ألف درهم، وعليه ألف درهم فلا زكاة عليه " وهذا نص، ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال " أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم، فأردها في فقرائكم " فدل على انها انما تجب على الاغنياء ولا تدفع الا إلى الفقراء، وهذا ممن يحل له أخذ الزكاة فيكون فقيرا فلا تجب عليه الزكاة لانها انما تجب على الاغنياء للخبر، وكذلك قوله عليه السلام " لا صدقة الا عن ظهر غنى " فأما من لا دين عليه فهو غني بملك النصاب فهو بخلاف هذا يحقق هذا ان الزكاة انما وجبت مواساة للفقراء وشكرا لنعمة الغنى، والمدين محتاج إلى قضاء دينه كحاجة الفقير أو أشد، وليس من الحكمة تعطيل حاجة الملك لدفع حاجة غيره وقد قال عليه الصلاة والسلام " ابدأ بنفسك ثم بمن تعول " إذا ثبت ذلك فظاهر كلام شيخنا انه لا فرق بين الحال والمؤجل لما ذكرنا من الادلة. وقال ابن أبي موسى ان المؤجل لا يمنع وجوب الزكاة لانه غير مطالب به في الحال (فصل) فأما الاموال الظاهرة وهي المواشي والحبوب والثمار ففيها روايتان: احداهما أن الدين يمنع وجوب الزكاة فيها لما ذكرنا. قال أحمد في رواية إسحق بن ابراهيم: يبتدئ بالدين

[ 452 ]

فيقضيه ثم ينظر ما بقي عنده بعد اخراج النفقة فيزكيه، ولا يكون على أحد - دينه أكثر من ماله - صدقة في إبل أو بقر أو غنم أو زرع وهذا قول عطاء والحسن والنخعي وسليمان بن يسار والثوري والليث وإسحق. والرواية الثانية لا يمنع الزكاة فيها وهو قول مالك والاوزاعي والشافعي، وروي عن أحمد انه قال: قد اختلف ابن عمر وابن عباس فقال ابن عمر: يخرج ما استدان أو أنفق على ثمرته وأهله ويزكي ما بقي، وقال الآخر: يخرج ما استدان أو أنفق على ثمرته ويزكي ما بقي، واليه أذهب أن لا يزكي ما أنفق على ثمرته ويزكي ما بقي لان المصدق إذا جاء فوجد إبلا أو بقرا أو غنما لم يسأل أي شئ على صاحبها من الدين؟ وليس المال هكذا، فظاهر ذلك أن هذه رواية ثالثة وهو أنه لا يمنع الدين الزكاة في الاموال الظاهرة إلا في الزروع والثمار فيما استدانه للانفاق عليها خاصة. وهذا ظاهر كلام الخرقي. وقال أبو حنيفة: الدين الذي تتوجه به المطالبة يمنع في سائر الاموال إلا الزروع والثمار بناء منه على ان الواجب فيها ليس بصدقة. والفرق بين الاموال الباطنة والظاهرة أن تعلق الزكاة بالظاهرة آكد لظهورها وتعلق قلوب الفقراء بها، ولهذا يشرع ارسال السعاة لاخذها من أربابها، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث السعاة فيأخذون الصدقات من أربابها وكذلك الخلفاء بعده ولم يأت عنهم انهم طالبوا أحدا بصدقة الصامت ولا استكرهوه عليها إلا أن يأتي بها طوعا، ولان السعاة يأخذون زكاة ما يجدون ولا يسألون عما على صاحبها من الدين، فدل انه لا يمنع زكاتها، ولان تعلق الاطماع من الفقراء بها أكثر، والحاجة إلى حفظها أوفر، فتكون الزكاة فيها أوكد

[ 453 ]

(فصل) وانما يمنع الدين الزكاة إذا كان يستغرق النصاب أو ينقصه ولا يجد ما يقضيه به سوى النصاب أو مالا يستغنى عنه مثل أن يكون له عشرون مثقالا وعليه مثقال أو أقل مما ينقص به النصاب إذا قضاه ولا يجد له قضاء من غير النصاب، فان كان ينقص به النصاب أسقط مقدار الدين وأخرج زكاة الباقي، فان كان له ثلاثون مثقالا وعليه عشرة فعليه زكاة العشرين، وإن كان عليه أكثر من عشرة فلا زكاة عليه. وكذلك لو ان له مائة من الغنم وعليه ما يقابل ستين فعليه زكاة الاربعين، وإن قابل إحدى وستين فلا زكاة عليه لانه ينقص النصاب، وإن كان له مالان من جنسين وعليه دين جعلته في مقابلة ما يقضي منه، فلو كان عليه خمس من الابل وله خمس من الابل ومائتا درهم فان كانت عليه سلما أو دية أو نحو ذلك مما يقضى بالابل جعلت الدين في مقابلتها ووجبت عليه زكاة الدراهم، فان كان أتلفها جعلت قيمتها في مقابلة الدراهم لانها تقضى منها، وان كانت قرضا خرج على الوجهين فيما يقضي منه، فان كانت إذا جعلناها في مقابلة أحد المالين فضلت منها فضلة تنقص النصاب الآخر، وإذا جعلناها في مقابلة الآخر لم يفضل منها شئ كرجل له مائتا درهم وخمس من الابل وعليه ست من الابل قيمتها مائتا درهم إذا جعلناها في مقابلة المائتين لم يبق من الدين شئ ينقص نصاب السائمة، وان جعلناها في مقابلة الابل فضل منها بعير ينقص نصاب الدراهم أو كانت بالعكس مثل أن يكون عليه مائتان وخمسون درهما وله من الابل خمس أو أكثر تساوي الدين أو تفضل عليه - جعلنا الدين في مقابلة الابل هاهنا وفي مقابلة الدراهم في الصورة الاولى لان له من المال ما يقضي به الدين سوى النصاب، وكذلك ان كان عليه مائة درهم وله مائتا درهم

[ 454 ]

وتسع من الابل فإذا جعلناها في مقابلة الابل لم ينقص نصابها لكون الاربع الزائدة عنه تساوي المائة أو أكثر منها، وان جعلناها في مقابلة الدراهم سقطت الزكاة منها جعلناها في مقابلة الابل لما ذكرنا ولان ذلك أحظ للفقراء، ذكر القاضي نحو هذا فقال: إذا كان النصابان زكويين جعلت الدين في مقابلة ما الحظ للمساكين في جعله في مقابلته وان كان من غير جنس الدين، وان كان أحد المالين لا زكاة فيه والآخر فيه الزكاة كرجل عليه مائتا درهم وله مثلها وعروض للقنية تساوي مائتين فقال القاضي يجعل الدين في مقابلة العروض وهذا مذهب مالك وأبي عبيد، قال أصحاب الشافعي وهو مقتضى قوله لانه مالك لمائتين زائدة عن مبلغ دينه فوجبت عليه زكاتها كما لو كان جميع ماله جنسا واحدا وهذا ظاهر كلام أحمد رضي الله عنه انه يجعل الدين في مقابلة ما يقضى عنه، فانه قال في رجل عنده ألف وعليه ألف وله عروض بألف، إن كانت العروض للتجارة زكاها، وإن كانت لغير التجارة فليس عليه شئ وهذا مذهب أبي حنيفة. ويحكى عن الليث بن سعد لان الدين يقضى من جنسه عند التشاح فجعل الدين في مقابلة أولى كما لو كان النصابان زكويين قان شيخنا: ويحتمل أن يحمل كلام أحمد هاهنا على ما إذا كان العرض يتعلق به حاجته الاصلية ولا فضل فيه عن حاجته فلا يلزمه صرفه في وفاء الدين لان حاجته أهم، ولذلك لم تجب الزكاة في الحلي المعد للاستعمال ويكون قول القاضي محمولا على من كان العرض فاضلا عن حاجته، وهذا أحسن لانه في هذه الحال مالك لنصاب فاضل عن حاجته وقضاء دينه فلزمته زكاته كما لو لم يكن عليه دين. فأما إن كان عنده نصابان زكويان وعليه دين من غير جنسهما ولا يقضى من أحدهما فانك تجعله في مقابلة ما الحظ للمساكين في جعله في مقابلته * (مسألة) * (والكفارة كالدين في أحد الوجهين)

[ 455 ]

دين الله تعالى كالنذر والكفارة فيه وجهان: أحدهما يمنع الزكاة لانه دين يجب قضاؤه فهو كدين الآدمي وقد قال عليه السلام " دين الله أحق أن يقضى " والآخر لا يمنع لان الزكاة آكد منه لتعلقها بالعين فهي كأرش الجناية، ويفارق دين الآدمي لتأكده وتوجه المطالبة به فان نذر الصدقة بمعين فقال الله علي أن أتصدق بهذه المائتي درهم إذا حال الحول. فقال ابن عقيل: يخرجها ولا زكاة عليه لان النذر آكد لتعلقه بالعين والزكاة مختلف فيها، ويحتمل أن تلزمه زكاتها وتجزيه الصدقة بها إلا انه ينوي الزكاة بقدرها ويكون ذلك صدقة مجزية عن الزكاة والنذر لكون الزكاة صدقة وباقيها يكون صدقة لنذره وليس بزكاة، وان نذر الصدقة ببعضها وكان ذلك البعض قدر الزكاة أو أكثر. فعلى هذا الاحتمال يخرج المنذور وبنوي الزكاة بقدرها منه، وعلى قول ابن عقيل يحتمل أن تجب الزكاة عليه لان النذر انما تعلق بالبعض بعد وجود سبب الزكاة وتمام شرطه فلا يمنع الوجوب لكون المحل متسعا لهما جميعا، وإن كان المنذور أقل من قدر الزكاة وجب قدر الزكاة ودخل النذر فيه في أحد الوجهين، وفي الآخر يجب اخراجهما جميعا (فصل) وإذا قلنا لا يمنع الدين وجوب الزكاة في الاموال الظاهرة فحجر الحاكم عليه بعد وجوب الزكاة لم يملك اخراجها لانه قد انقطع تصرفه في ماله وإن أقربها بعد الحجر لم يقبل اقراره ويتعلق بذمته كدين الآدمي، ويحتمل أن تسقط إذا حجر عليه قبل امكان ادائها كما لو تلف ماله، فان أقر الغرماء بوجوب الزكاة عليه أو ثبت ببينة أو كان قد أقر بها قبل الحجر عليه وجب اخراجها من المال

[ 456 ]

فان تركوها فعليهم اثمها، فان حجر الحاكم على المفلس في أمواله الزكوية فهل ينقطع حولها - يخرج على الروايتين في المال المغصوب وقد ذكرناه (فصل) وإذا جنى العبد المعد للتجارة جناية تعلق ارشها برقبته ومنع وجوب الزكاة فيه إن كان ينقص النصاب لانه دين وإن لم ينقص النصاب منع الزكاة في قدر ما يقابل الارش * (مسألة) * (الشرط الخامس مضي الحول شرط إلا في الخارج من الارض) مضي الحول شرط لوجوب الزكاة في السائمة والاثمان وعروض التجارة لا يعلم في ذلك خلافا إلا ما نذكره في المستفاد. والاصل فيه ما روى ابن ماجه باسناده عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول " رواه ابن عمر أيضا وأخرجه الترمذي وهو لفظ عام. فأما ما يكال ويدخر من الزروع والثمار والمعدن فلا يعتبر لهما حول، والفرق بين ما اعتبر له الحول وما لا يعتبر أن ما اعتبر له الحول مرصد للنماء، فالماشية مرصدة للدر والنسل، وعروض التجارة مرصدة للربح، وكذا الاثمان فاعتبر له الحول لكونه مظنة النماء ليكون إخراج الزكاة من الربح فانه أسهل وأيسر، ولان الزكاة انما وجبت مواساة ولم يعتبر حقيقة النماء لكثرة اختلافه وعدم ضبطه ولان ما اعتبرت مظنته لم يلتفت إلى حقيقته كالحكم مع الاسباب، ولان الزكاة تتكرر في هذه الاموال فلا بد لها من ضابط كيلا يفضي إلى تعاقب الوجوب في الزمن الواحد فينفذ مال المالك. أما الزروع والثمار فهي نماء في نفسها تتكامل عند اخراج الزكاة منها فتؤخذ الزكاة منها حينئذ ثم تعود في النقص بملا تجب فيها زكاة ثانية لعدم ارصادها للنماء، وكذلك الخارج من المعدن مستفاد خارج من الارض فنزلة الزروع والثمار إلا انه إن كان من جنس الاثمان وجبت وجبت فيه الزكاة عند كل حول لانه مظنة

[ 457 ]

للنماء من حيث ان الاثمان قيم الاموال ورؤوس مال التجارات وبها تحصل المضاربة والشركة وهي مخلوقة لذلك فكانت بأصلها وخلقتها كمال التجارة المعد لها * (مسألة) * (فإذا استفاد مالا فلا زكاة حتى يتم عليه الحول الانتاج السائمة وربح التجارة فان حوله حول مثله إن كان نصابا، وإن لم يكن نصابا فحوله من حين كمل النصاب) وجملة ذلك ان من استفاد مالا زكويا مما يعتبر له الحول ولم يكن له مال سواه وكان المستفاد نصابا أو كان له مال من جنسه لا يبلغ نصابا فبلغ بالمستفاد نصابا انعقد عليه حول الزكاة من حينئذ، فإذا تم وجبت فيه الزكاة لعموم قوله عليه السلام " لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول " وهذا مذهب الشافعي واسحق وأبي ثور وأصحاب لرأي لانه لم يحل الحول على النصاب فلم تجب الزكاة فيها كما لو كملت بغير سخالها، والحكم في فصلان الابل وعجول البقر كالحكم في السخال، وعن أحمد فيمن ملك النصاب من الغنم فكمل بالسخال احتسب الحول من حين ملك الامهات وهو قول مالك والمذهب الاول لان النصاب هو السبب فاعتبر مضي الحول على جميعه. وان كان عنده نصاب لم يخل المستفاد من ثلاثة أقسام: أحدها أن يكون من نمائه كربح مال التجارة ونتاج السائمة فهذا يجب ضمه إلى ما عنده من أصله في الحول لا نعلم في ذلك خلافا الا ما حكي عن الحسن والنخعي: لا زكاة في السخال حتى يحول عليها الحول للحديث المذكور، والاول أولى لقول عمر رضي الله عنه لساعية: اعتد عليهم بالسخلة

[ 458 ]

يروح بها الراعي على يديه. والحديث مخصوص بربح التجارة لانه تبع له من جنسه أشبه زيادة القيمة في العروض وثمن العبد والجارية القسم الثاني: أن يكون المستفاد من غير جنس النصاب فهذا له حكم نفسه لا يضم إلى ما عنده في حول ولا نصاب، بل ان كان نصابا استقبل به حولا وزكاه والا فلا شئ فيه وهذا قول جمهور العلماء. وروي عن ابن مسعود وابن عباس ومعاوية ان الزكاة تجب فيه حين استفاده. قال أحمد عن غير واحد: يزكيه حين يستفيده. وعن الاوزاعي فيمن باع عبده انه يزكي الثمن حين يقع في يده إلا أن يكون له شهر يعلم فيؤخره حتى يزكيه مع ماله، وجمهور العلماء على القول الاول منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم. قال ابن عبد البر: والخلاف في ذلك شذوذ لم يعرج عليه أحد من العلماء ولا قال به أحد من أهل الفتوى لما ذكرنا من الحديث. وقد روي عن أحمد فيمن باع دار. بعشرة آلاف إلى سنة إذا قبض المال يزكيه، وهذا محمول من قوله على انه يزكيه لكونه دينا في ذمة المشتري فيجب على البائع زكاته كسائر الديون. وقد صرح بذلك في رواية بكر بن محمد عن أبيه فقال: إذا أكرى عبدا أو دارا في سنة بألف فحصلت له الدراهم وقبضها زكاها إذا حال عليها الحول من حين قبضها، وان كانت على المكتري فمن يوم وجبت له فيها الزكاة يمنزلة الدين إذا وجب له على صاحبه زكاه من يوم وجب له القسم الثالث: أن يستفيد مالا من جنس نصاب عنده قد انعقد عليه حول الزكاة بسبب مستقل كمن عنده أربعون من الغنم مضى عليها بعض الحول فيشتري أو يرث أو يهب مائة فهذا لا يجب فيه

[ 459 ]

الزكاة حتى يمضي عليه حول أيضا وبهذا قال الشافعي، ولا يبني الوارث حوله على حول الموروث وهو أحد القولين للشافعي لانه تجديد ملك، والقول الثاني انه ينبى على حول موروثه لان ملكه مبني على ملك الموروث بدليل انه لو اشترى شيئا معيبا ثم مات قام الوارث مقامه في الرد بالعيب والاول أولى. وقال أبو حنيفة يضمها إلى ما عنده في الحول فيزكيهما جميعا عند تمام حول المال الاول الذي كان عنده إلا أن يكون عوضا من مال مزكى. والدليل على ذلك انه مال يضم إلى جنسه في النصاب فضم إليه في الحول كالنتاج ولانه إذا ضم في النصاب وهو سبب فضمه إليه في الحول الذي هو شرط أولى، وبيان ذلك انه لو ان عنده مائتا درهم مضى عليها بعض الحول فوهب له مائة أخرى فان الزكاة تجب فيها إذا تم حولها بغير خلاف، ولو لا المائتان ما وجب فيها شئ، فإذا ضمت إلى المائتين في أصل الوجوب فكذلك في وقته، ولان افراده بالحول يفضي إلى تشقيص الواجب في السائمة واختلاف أوقات الواجب والحاجة إلى ضبط أوقات التملك ومعرفة قدر الواجب في كل جزء ملكه ووجوب القدر اليسير الذي لا يتمكن من إخراجه ويتكرر ذلك وهذا حرج منفي بقوله تعالى (وما جعل عليكم في الدين من حرج) وقد اعتبر الشارع ذلك بايجاب غير الجنس فيما دون خمس وعشرين من الابل وضم الارباح والنتاج إلى حول أصلها مقرونا بدفع هذه المفسدة، فدل على انه علة لذلك فيتعدى الحكم إلى محل النزاع وقال مالك كقول أبي حنيفة في السائمة دفعا للتشقيص في الواجب وكقولنا في الاثمان لعدم ذلك فيها ولنا قوله عليه الصلاة والسلام " لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول " رواه ابن ماجه. وروى الترمذي باسناده عن ابن عمر انه قال: من استفاد مالا فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول، ورواه مرفوعا إلا انه قال الموقوف أصح. وانما رفعه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف، ولانه مملوك أصلا فيعتبر له الحول شرطا كالمستفاد من غير الجنس. وأما الارباح والنتاج فانما ضمت إلى أصلها لانها تبع لها ومتولدة منها لا لما ذكرتم، وإن سلمنا إن علة ضمها ما ذكرتم من الحرج إلا ان الحرج في الارباح يكثر ويتكرر في الايام والساعات ويعسر ضبطها، وكذلك النتاج وقد يوجد ولا يشعر به فالمشقة فيه أتم لكثرة تكرره بخلاف هذه الاسباب المستقلة فان الميراث والاغتنام والاتهاب ونحو ذلك يندر ولا يتكرر غالبا فلا يشق ذلك فيه وإن شق فهو دون المشقة في الاولاد والارباح فيمتنع الالحاق، وقولهم: ذلك حرج. قلنا التيسير فيما ذكرنا أكثر لان المالك يتخير بين التعجيل والتأخير وهم يلزمونه بالتعجيل، ولا يشك بأن التخيير بين شيئين أيسر من تعيين أحدهما، لانه

[ 460 ]

حينئذ يختار أيسرهما عليه، وأما ضمه إليه في النصاب فلان النصاب معتبر لحصول الغنى وقد حصل الغنى بالنصاب الاول، والحول معتبر لاستنماء المال ليحصل أداء الزكاة من الربح، ولا يحصل ذلك بمرور الحول على أصله فوجب أن يعتبر له الحول * (مسألة) * (وإن ملك نصابا صغارا انعقد عليه الحول من حين ملكه وعنه لا ينعقد حتى يبلغ سنا يجزي مثله في الزكاة). الرواية الاولى هي المشهورة في المذهب لعموم قوله عليه السلام " في خمس من الابل شاة " ولان السخال تعد مع غيرها فتعد منفردة كالامهات. والرواية الثانية: لا ينعقد عليه الحول حتى يبلغ سنا يجزي مثله في الزكاة وهو قول أبي حنيفة، وحكى عن الشعبي لانه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ليس في السخال زكاة " ولان السن معنى يتغير به الفرض فكان لنقصانه تأثير في الزكاة كالعدد، والاولى أولى، والحديث يرويه جابر الجعفي وهو ضعيف عن الشعبي مرسلا ثم يمكن حمله على أنه لا يجب فيها قبل حولان الحول والعدد تزيد الزكاة بزيادته بخلاف السن، فإذا قلنا بالرواية الثانية وماتت الامهات كلها إلا واحدة لم ينقطع الحول، وان ماتت كلها انقطع، وقال ابن عقيل إذا كانت السخال لا تأكل المرعى بل تشرب اللبن احتمل أن لا تجب فيها الزكاة لعدم تحقق السوم فيها واحتمل أن تجب لانها تبع للامهات كما تتبعها في الحول * (مسألة) * (ومتى نقص النصاب في بعض الحول أو باعه أو أبدله بغير جنسه انقطع الحول) وجود النصاب في جميع الحول شرط لوجوب شرط لوجوب الزكاة فان نقص الحول نقصا يسيرا، فقال أبو بكر ثبت أن نقص الحول ساعة أو ساعتين معفو عنه، وقال شيخنا في كتاب الكافي: ان نتجت واحدة ثم هلكت واحدة لم ينقطع الحول، وإن خرج بعضها وهلكت الاخرى قبل خروج بقيتها انقطع الحول لانه لا يثبت لها حكم الوجود في الزكاة حتى يخرج جميعها وقال القاضي إن كان النتاج والموت حصلا في وقت واحد لم تسقط الزكاة لان النصاب لم ينقص وإن تقدم الموت النتاج سقطت الزكاة وظاهر قولهما أنه لا يعفى عن النقص في الحول وان كان يسيرا لعموم قوله عليه السلام " لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول " ويحتمل ان يحمل كلام أبى بكر على أنه أراد النقص في طرف الحول فيكون كنقص النصاب حبة أو حبتين والله أعلم. وقال بعض أصحابنا: ان نقص الحول أقل من يوم لا يؤثر لانه يسير أشبه الحبة والحبتين، وظاهر الحديث يقتضي التأتير وهو أولى ان شاء الله تعالى (فصل) ومتى باع النصاب في أثناء الحول أو أبدله بغير جنسه انقطع حول الزكاة واستأنف له

[ 461 ]

حولا لما ذكرنا من الحديث ولا نعلم في ذلك خلافا إلا أن يبدل ذهبا بفضة أو فضة بذهب فانه مبني على الروايتين في ضم أحدهما إلى الآخر احداهما يضم لانهما كالجنس الواحد إذ هما أروش الجنايات وقيم المتلفات فهما كالمال الواحد فعلى هذا لا ينقطع الحول: والرواية الثانية لا يضم أحدهما إلى الآخر لانهما جنسان في باب الربا فلم يضم أحدهما إلى الآخر كالتمر والزبيب فعلى هذا ينقطع الحول، ولا يبنى أحدهما على حول الآخر كالجنسين من الماشية * (مسألة) * (الا أن يقصد بذلك الفرار من الزكاة عند قرب وجوبها فلا تسقط) وكذا لو أتلف جزءا من النصاب لينقص النصاب فتسقط عنه الزكاة لم تسقط وتؤخذ منه في آخر الحول، وهذا قول مالك والاوزاعي وابن الماجشون وإسحق وأبي عبيد، وقال أبو حنيفة والشافعي تسقط عنه الزكاة لانه نقص قبل تمام حوله فلم تجب فيه الزكاة كما لو أتلفه لحاجته. ولنا قوله عزوجل (إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة - إلى قوله - فأصبحت كالصريم) فعاقبهم الله تعالى بذلك لفرارهم من الصدقة ولانه قصد اسقاط نصيب من انعقد سبب استحقاقه فلم يسقط كما لو طلق امرأته في مرض موته ولانه لما قصد قصدا فاسدا اقتضت الحكمة عقوبته بنقيض قصده كمن قتل موروثه لاستعجال ميراثه عاقبه الشرع بالحرمان. أما إذا أتلفه لحاجة فلم يقصد قصدا فاسدا وانما يؤثر ذلك إذا كان عند قرب الوجوب لانه حينئذ مظنة الفرار فان فعل ذلك في أول الحول لم تجب الزكاة لكونه ليس بمظنة للفرار وقيل تجب لما ذكرنا. (فصل) وإذا قلنا لا تسقط الزكاة وحال الحول أخرج الزكاة من جنس المال المبيع دون الموجود لانه الذي وجبت الزكاة بسببه ولولاه لم يجب في هذه زكاة. (فصل) وإذا باع النصاب فانقطع الحول ثم وجد بالثاني عيبا فرده استأنف حولا لزوال ملكه بالبيع قل الزمان أو كثر وان حال الحول على النصاب المشترى وجبت فيه الزكاة فان وجد به عيبا قبل اخراج زكاته فله الرد سواء قلنا الزكاة تتعلق بالعين أو بالذمة لان الزكاة لا تتعلق بالعين بمعنى استحقاق الفقراء جزءا منه بل بمعنى تعلق حقهم به كتعلق الارش بالجاني فعلى هذا يرد النصاب وعليه إخراج زكاته من مال آخر فان أخرج الزكاة منه ثم أراد رده انبنى على المعيب إذا حدث به عيب آخر عن المشتري هل له رد؟ على روايتين ومتى رده فعليه عوض الشاة المخرجة تحسب عليه بحصتها من الثمن والقول قول المشتري في قيمتها مع يمينه لانه غارم إذا لم يكن بينة، وفيه وجه أن القول قول البائع لانه يغرم ثمن المبيع فبرده والاول أصح لان الغارم لثمن الشاة المدعاة هو المشتري فان أخرج الزكاة من غير النصاب فله الرد وجها واحدا.

[ 462 ]

(فصل) وان كان البيع بالخيار انقطع الحول في ظاهر المذهب سواء كان الخيار للبائع أو للمشتري أو لهما لان ظاهر المذهب أن البيع بشرط الخيار ينقل الملك عقيب العقد ولا يقف على انقضاء الخيار فعلى هذا إذا رد المبيع على البائع استقبل به حولا، وعن أحمد لا ينتقل الملك حتى ينقضي الخيار وهو قول مالك وقال أبو حنيفة لا ينتقل الملك ان كان الخيار للبائع وان كان للمشتري خرج عن البائع ولم يدخل في ملك المشتري، وعن الشافعي ثلاثة أقوال قولان كالروايتين وقول ثالث أنه م‍؟ اعى فان فسخاه تبينا أنه لم ينتقل والا تبينا أنه انتقل. ولنا أنه بيع صحيح فانتقل الملك عقيبه كما لو يشترط الخيار وهكذا الحكم لو فسخا البيع في المجلس بخيارهما لانه لا يمنع نقل الملك فهو كخيار الشرط. ولو مضى الحول في مدة الخيار ثم فسخا البيع كانت زكاته على المشتري لانه ملكه، وان قلنا بالرواية الاخرى لم ينقطع الحول ببيعه لان ملك البائع لم يزل عنه ولو حال عليه الحول في مدة الخيار كانت زكاته على البائع، فان أخرجها من غيره فالبيع بحاله وان اخرجها منه بطل البيع في المخرج وهل يبطل في الباقي؟ على وجهين بناء على تفريق الصفقة وان لم يخرجها حتى سلمت إلى المشتري وانقضت مدة الخيار لزم البيع فيه وكان عليه الاخراج من غيره كما لو باع ما وجبت فيه الزكاة، ولو اشترى عبدا فهل هلال شوال ففطرته على المشتري وان كان في مدة الخيار على الصحيح، وعلى الرواية الاخرى يكون في مدة الخيار على البائع. (فصل) فان كان البيع فاسدا لم ينقطع به الحول وبني على حوله الاول لانه لا ينقل الملك الا أن يقبضه المشتري ويتعذر رده فيصير كالمغصوب على ما مضى. (فصل) ويجوز التصرف في النصاب الذي وجبت فيه الزكاة بالبيع وأنواع التصرفات وليس للساعي فسخ البيع، وقال أبو حنيفة يصح الا أنه إذا امتنع من أداء الزكاة نقض البيع في قدرها وقال الشافعي في أحد قوليه لا يصح لاننا إذا قلنا إن الزكاة تتعلق بالعين فقد باع ما لا يملكه، وان قلنا تتعلق بالذمة فقدر الزكاة مرتهن بها وبيع الرهن لا يجوز. ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها متفق عليه، ومفهومه صحة بيعها إذا بدأ صلاحها وهو عام فيما تجب فيه الزكاة وغيره، ونهى عن بيع الحب حتى يشتد والعنب حتى يسود وهما مما تجب الزكاة فيه، ولان الزكاة ان وجبت في الذمة لم تمنع صحة بيع النصاب كما لو باع ماله وعليه دين لآدمي وان تعلقت بالعين فهو تعلق لا يمنع التصرف في جزء من النصاب فلم يمنع بيع جميعه

[ 463 ]

كأرش الجناية وقولهم: باع ما لا يملكه لا يصح فان الملك لم يثبت للفقراء في النصاب بدليل أن له أداء الزكاة من غيره بغير رضاهم وليس برهن فان أحكام الرهن غير ثابتة فيه فعلى هذا إذا تصرف في النصاب ثم أخرج الزكاة من غيره والا كلف اخراجها وتحصيلها ان لم تكن عنده فان عجز بقيت في ذمته كسائر الديون، ويحتمل أن يفسخ البيع في قدر الزكاة ههنا وتؤخذ من النصاب ويرجع البائع عليه بقدرها لان على الفقراء ضررا في إتمام البيع وتفويتا لحقوقهم فوجب فسخه لقوله عليه السلام " لا ضرر ولا ضرار " وهذا أصح. * (مسألة) * (وان أبدله بنصاب من جنسه بني على حوله) ويتخرج أن ينقطع إذا باع نصابا للزكاة مما يعتبر له الحول بجنسه كالابل بالابل والذهب بالذهب لم ينقع الحول، ويبنى حول الثاني على حول الاول وبهذا قال مالك، ويتخرج أن ينقطع الحول ويستأنف الحول من حين الشراء وهذا مذهب الشافعي لقوله عليه السلام " لا زكاة في مال حتي يحول عليه الحول " ولانه أصل بنفسه فلم يبن على حول غيره كما لو اختلف الجنسان، ووافقنا أبو حنيفة في الاثمان ووافق الشافعي فيما سواها لان الزكاة إنما وجبت في الاثمان لكونها ثمنا وهذا المعنى يشمله بخلاف غيرها ولنا أنه نصاب يضم إليه نماؤه في الحول فبني حول بدله من جنسه على حوله كالعروض والحديث مخصوص بالنماء والعروض والنتاج فنقيس عليه محل النزاع والجنسان لا يضم أحدهما إلى الآخر مع وجودهما فاولى أن لا يبنى حول أحدهما على الآخر. (فصل) قال أحمد بن سعيد سألت أحمد عن الرجل يكون عنده غنم سائمة فيبيعها بضعفها من الغنم أعليه أن يزكيها كلها أم يعطي زكاة الاصل؟ قال بل يزكيها كلها على حديث عمر في السخلة يروح بها الراعي لان نماها معها (قلت) فان كانت للتجارة؟ قال يزكيها كلها على حديث حماس. فأما ان باع النصاب بدون النصاب انقطع الحول، وان كان عنده مائتان فباعها بمائة فعليه زكاة مائة وحدها * (مسألة) * (وإذا تم الحول وجبت الزكاة في عين المال وعنه تجب في الذمة) الزكاة تجب في عين المال إذا تم الحول في احدى الروايتين عن أحمد واحد قولي الشافعي وهذه الرواية هي الظاهرة عند أكثر الاصحاب لقول النبي صلى الله عليه وسلم " في أربعين شاة شاة - وقوله - فيما سقت السماء العشر " وغير ذلك من الالفاظ الواردة بحرف في وهي للنظر فية، وإنما جاز الاخراج من غير النصاب رخصة.

[ 464 ]

والرواية الثانية: أنها تجب في الذمة وهو القول الثاني للشافعي واختيار الخرقي لان اخراجها من غير النصاب جائر فلم تكن واجبة فيد كزكاة الفطر ولانها لو وجب فيه لامتنع المالك من التصرف فيه ولتمكن المستحقون من الزامه أداء الزكاة من عينه أو ظهر شئ من أحكام ثبوته فيه ولسقطت الزكاة بتلف النصاب من غير تفريط كسقوط ارش الجناية بتلف الجاني، وفائدة الخلاف فيما إذا كان له نصاب فحال عليه حولان لم يؤد زكاتها وسنذكره ان شاء الله تعالى. * (مسألة) * (ولا يعتبر في وجوبها مكان الاداء) الزكاة تجب بحولان الحول وان لم يتمكن من الاداء، وبهذا قال أبو حنيفة وهو أحد قولي الشافعي، وقال في الآخر هو شرط وهو قول مالك، حتى لو أتلف الماشية بعد الحول قبل امكان الاداء فلا زكاة عليه إذا لم يقصد الفرار من الزكاة لانها عبادة، فاشترط لوجوبها مكان الاداء كسائر العبادات. ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول " فمفهومه وجوبها عليه إذا حال الحول ولانه لو لم يتمكن من الاداء حتى حال عليه حولان وجبت زكاة الحولين، ولا يجوز وجوب فرضين في نصاب واحد في حال واحدة وقياسهم ينقلب عليهم فيقال عبادة فلا يشترط لوجوبها امكان الاداء كسائر العبادات فان الصوم يجب على الحائض والمريض والعاجز عن آدائه، والصلاة تجب على المغمى عليه والنائم ومن أدرك من أول الوقت جزءا ثم جن أو حاضت المرأة، ثم الفرق بينهما أن تلك العبادات بدنية يكلف فعلها ببدنه فاسقطها تعذر فعلها، وهذه عبادة مالية يمكن ثبوت الشركة للمساكين في ماله والواجب في ذمته مع عجزه عن الآداء كثبوت الديون في ذمة المفلس وتعلقها بماله بجنايته * (مسألة) * (ولا تسقط بتلف المال وعنه أنها تسقط إذا لم يفرط) المشهور عن أحمد أن الزكاة لا تسقط بتلف المال سواء فرط أو لم يفرط وحكى عنه الميموني أنه ان أتلف النصاب قبل التمكن من الاداء سقطت الزكاة وان تلف بعده لم تسقط، وحاكه ابن المنذر مذهبا لاحمد وهو قول الشافعي والحسن بن صالح واسحق وأبي ثور وابن المنذر وبه قال مالك الا في الماشية فانه قال لا شئ فيها حتى يجئ المصدق فان هلكت قبل مجيئة فلا شئ عليه وقال أبو حنيفة تسقط الزكاة بتلف النصاب على كل حال الا أن يكون الامام قد طالبه بها فمنعه لانه تلف قبل محل الاستحقاق فسقطت الزكاة كما لو تلف الثمرة قبل الجذاذ ولانه تعلق بالعين فسقط بتلفها كارش الجناية في العبد الجاني، ومن اشترط التمكن قال هذه عبادة يتعلق وجوبها بالمال فيسقط فرضها بتلفه قبل إمكان آدائها كالحج، ومن نصر الاول قال مال وجب في الذمة فلم يسقط بتلف النصاب كالدين

[ 465 ]

أو فلم يشترط في ضمانه امكان الاداء كثمن المبيع، فأما الثمرة فلا تجب زكاتها في الذمة حتي تحرز لانها في حكم غير المقبوض ولهذا لو تلفت كانت من ضمان البائع على ما دل عليه الخبر، وإذا قلنا بوجوب الزكاة في العين فليس هو بمعنى استحقاق جزء منه ولهذا لا يمنع التصرف فيه والحج لا يجب حتى يتمكن من الاداء فإذا وجب لم يسقط بتلف المال بخلاف الزكاة فان التمكن ليس بشرط لوجوبها على ما قدمنا قال شيخنا والصحيح ان شاء الله أن الزكاة تسقط بتلف المال إذا لم يفرط في الاداء لانها تجب على سبيل المواساة فلا تجب على وجه يجب أداؤها مع عدم المال وفقر من تجب عليه ولانه حق يتعلق بالعين فيسقط بتلفها من غير تفريط كالوديعة والتفريط ان يمكنه اخراجها فلا يخرجها فان لم يتمكن من اخراجها فليس بمفرط سواء كان لعدم المستحقق أو لبعد المال أو لكون الفرض لا يوجد في المال ولا يجد ما يشتري أو كان في طلب الشراء ونحو ذلك، وإن قلنا بوجوبها بعد التلف فأمكنه أداؤها أداها وإلا أمهل إلى ميسرته وتمكنه من أدائها من غير مضرة عليه، لانه إذا لزم انظاره بدين الادمي المعين فهذا أولى فان تلف الزائد عن النصاب في السائمة لم يسقط شئ من الزكاة لانها تتعلق بالنصاب دون العفو: * (مسألة) * (وإذا مضى حولان على نصاب لم يؤد زكاتهما فعليه زكاة واحدة ان قلنا تجب في العين وزكاتان ان قلنا تجب في الذمة الا ما كان زكاته الغنم من الا بل فان فيه لكل حول زكاة) إذا كان عنده أربعون شاة مضى عليها ثلاثة أحول لم يؤد زكاتها فعليه شاة واحدة، ان قلنا تجب في العين لان الزكاة تعلقت في الحول الاول من النصاب بقدرها فلم تجب فيه فيما بعده زكاة لنقصه عن النصاب وهذا هو المنصوص عن أحمد في رواية جماعة فانه قال في رواية محمد بن الحكم إذا كانت الغنم أربعين فلم يأته المصدق عامين فإذا أخذ المصدق شاة فليس عليه شئ في الباقي وفيه خلاف وقال في رواية صالح إذا كان عند الرجل مائتا درهم فلم يزكها حتى حال عليها حول آخر يزكيها للعام الاول لان هذه تصير مائتين غير خمسة دراهم وقال في رجل له الف درهم فلم يزكها سنين زكى في أول سنة خمسة وعشرين ثم في كل سنة بحساب ما بقي وهذا قول مالك والشافعي وأبي عبيد فان كان عنده أربعون من الغنم نتجت سخلة في كل حول وجب عليه في كل سنة شاة لان النصاب كمل بالسخلة الحادثة فان كان نتاج السخلة بعد وجوب الزكاة عليه استؤنف الحول الثاني من حين نتجت لانه حينئذ كمل وإن قلنا إن الزكاة تجب في الذمة وجب عليه لكل حول زكاة، مثل من له أربعون شاة مضى عليها ثلاثة أحوال لم يؤد زكاتها فعليه ثلاث شياه وكذلك من له مائة دينار مضى عليها ثلاثة أحوال لم يؤد زكاتها فعليه فيها سبعة دنانير ونصف لان الزكاة وجبت في ذمته فلم تؤثر في تنقيص

[ 466 ]

النصاب لكن إن لم يكن له مال آخر يؤدي الزكاة منه احتمل أن تسقط الزكاة في قدرها لان الدين يمنع وجوب الزكاة، وقال ابن عقيل لا تسقط الزكاة بهذا الحال لان الشئ لا يسقط نفسه وقد يسقط غيره بدليل ان تغير الماء بالنجاسة في محلها لا يمنع صحة طهارتها وازالتها به ويمنع إزالة نجاسة غيرها والاول أولى لان الزكاة الثانية غير الاولى. (فصل) فأما ما كانت زكاته الغنم من الابل كما دون خمس وعشرين فان عليه لكل حول زكاة نص عليه أحمد فقال في رواية الاثرم المال غير الابل إذا أدي عن الابل لم تنقص ذلك لان الفرض يجب من غيرها فلا يمكن تعلقه بالعين وقال الشافعي في أحد قوليه إن الزكاة تنقصه كسائر الاموال فإذا كان عنده خمس من الابل فمضى عليها أحوال فعلى قولنا يجب فيها لكل حول شاة وعلى قوله لا يجب فيها الا شاة واحدة لانها نقصت بوجوب الزكاة فيها في الحول الاول عن خمسة كاملة فلم يجب فيها شئ كما لو ملك أربعا وجزءا من بعير ولنا أن الواجب من غير جنس النصاب فلم ينقص به النصاب كما لو أداه وفارق غيره من المال، فان الزكاة يتعلق وجوبها بعينه فتنقصه كما لو أداه من النصاب. فعلى هذا لو ملك خمسا وعشرين فحالت عليها أحوال فعليه للحول الاول بنت مخاض وعليه لكل حول بعده أربع شياه؟ وإن بلغت قيم الشياه الواجبة أكثر من خمس من الابل * (مسألة) * (وان كان أكثر من نصاب فعليه زكاة جميعه لكل حول) إن قلنا تجب في الذمة، وإن قلنا تجب في العين نقص من زكاته لكل حول بقدر نقصه لها، وقد ذكرنا شرح ذلك في المسألة قبلها * (مسألة) * (وإذا مات من عليه الزكاة أخذت من تركته، فان كان عليه دين اقتسموا بالحصص) إذا مات من عليه الزكاة أخذت من تركته ولم تسقط بموته، هذا قول عطاء والحسن والزهري وقتادة ومالك والشافعي وإسحق وأبي ثور وابن المنذر. وقال الاوزاعي والليث: تؤخذ من الثلث مقدما على الوصايا ولا يجاوز الثلث. وقال ابن سيرين والشعبي والنخعي وحماد بن أبي سليمان والنبي والثوري وأصحاب الرأي لا يخرج إلا أن يوصي بها فتكون كسائر الوصايا تعتبر من الثلث ويزاحم بها أصحاب الوصايا لانها عبادة من شرطها النية فسقطت بموت من هي عليه كالصوم والصلاة ولنا انه حق واجب تصح الوصية به فلم تسقط بالموت كدين الآدمي، ويفارق الصوم والصلاة فانهما عبادتان بدنيتان لا تصح الوصية بهما. فعلى هذا إذا كان عليه دين وضاق ماله عن الدين

[ 467 ]

والزكاة اقتسموا ماله بالحصص كديون الآدميين إذا ضاق عنها المال، ويحتمل أن تقدم الزكاة إذا قلنا انها تتعلق بالعين كما تقدم حق المرتهن على سائر الغرماء بثمن الرهن لتعلقه به * (باب زكاة بهيمة الانعام) * * (مسألة) * (ولا تجب إلا في السائمة منها) والسائمة الراعية وقد سامت تسوم سوما إذا رعت، وأسمتها إذا رعيتها ومنه قوله تعالى (فيه تسيمون) وذكر السائمة هاهنا احترازا من المعلوفة والعوامل فانه لا زكاة فيها عند أكثر أهل العلم. وحكي عن مالك ان فيها الزكاة لعموم قوله عليه السلام " في كل خمس شاة " قال أحمد ليس في العوامل زكاة وأهل المدينة يرون فيها الصدقة وليس عندهم في هذا أصل

[ 468 ]

ولنا قوله صلى الله عليه وسلم في حديث بهز بن حكيم " في كل سائمة في أربعين بنت لبون " قيده بالسائمة فدل على أنه لا زكاة في غيرها، وحديثهم مطلق فيحمل على المقيد. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم " ليس في العوامل صدقة " رواه الدار قطني، ولان وصف النماء معتبر في الزكاة، والمعلوفة يستغرق علفها نماءها ولانها تعد للانتفاع دون النماء أشبهت ثياب البذلة إلا أن تكون للتجارة فيجب فيها زكاة التجارة على ما يأتي إن شاء الله * (مسألة) * (وهي التي ترعى في أكثر الحول) متى كانت سائمة في أكثر الحول وجبت فيها الزكاة وهذا مذهب أبي حنيفة. وقال الشافعي يعتب السوم في جميع الحول لانه شرط في الزكاة أشبه الملك وكمال النصاب ولان العلف مسقط والسوم موجب، فإذا اجتمعا غلب الاسقاط كما لو كان فيها سائمة ومعلوفة

[ 469 ]

ولنا عموم النصوص الدالة على وجوب لزكاة في الماشية، واسم السوم لا يزول بالعلف اليسير فلم يمنع دخولها في الاخبار، ولانه لا يمنع خفة المؤونة أشبه السائمة في جميع الحول، ولان العلف اليسير لا يمكن التحرز عنه، فاعتباره في جميع الحول يفضي إلى اسقاط الزكاة بالكلية لا سيما عند من يسوغ له الفرار من الزكاة فانه متى أراد إسقاط الزكاة علفها يوما فأسقطها ولان هذا وصف معتبر في رفع الكلفة فاعتبر فيه الاكثر كالسقي بغير كلفة في الزروع والثمار. قولهم السوم شرط ممنوع بل العلف في نصف الحول فما زاد مانع، كما ان السقى بكلفة كذلك مانع من وجوب العشر، ولئن سلمنا انه شرط فيجوز أن يكون الشرط وجوده في أكثر الحول كالقى بغير كلفة شرط في وجوب العشر. ويكتفى فيه بالوجود في الاكثر، ويفارق ما إذا كان بعض النصاب معلوفا لان النصاب سبب الوجوب

[ 470 ]

فلا بد من وجود الشرط في جميعه، والحول والسوم شرط الوجوب فجاز أن يعتبر الشرط في أكثره * (مسألة) * وهي ثلاثة أنواع (أحدها الابل فلا زكاة فيها حتى تبلغ خمسا فتجب فيها شاة) بدأ بذكر الابل لانها أهم لكونها أعظم النعم قيمة وأجساما وأكثر أموال العرب، ووجوب الزكاة فيها مما أجمع عليه علماء الاسلام وصحت فيه السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أحسن ما روي فيها ما روى البخاري باسناده عن أنس بن مالك ان أبا بكر الصديق رضي الله عنه كتب له كتابا لما وجهه إلى البحرين: بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي أمر الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعط في أربع وعشرين فما دونها من الابل في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين

[ 471 ]

ففيها بنت مخاض أنثى، فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى، فإذا بلغت ستا وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل، فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت ستا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتها الجمل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، ومن لم يكن معه إلا أربع من الابل فليس عليه فيها صدقة إلا أن يشاري بها، فإذا بلغت خمسا من الابل ففيها شاة، وتمام الحديث نذكره إن شاء الله في أبوابه. وقول الصديق التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني قدر، ومنه فرض الحاكم للمرأة بمعنى التقدير وقول المصنف: ولا شئ فيها حتى تبلع خمسا مجمع عليه، وقد دل عليه قوله في هذا الحديث " ومن لم يكن معه إلا أربع من الابل فليس فيها صدقة " وقوله عليه السلام " ليس فيما دون خمس ذود صدقة، فإذا بلغت خمسا ففيها شاة " وهذا مجمع عليه أيضا، وقد دل عليه الحديث المذكور أيضا،

[ 472 ]

وانما أوجب الشارع فيما دون خمس وعشرين من الابل الشاة لانها لا تحتمل المواساة من جنسها لان واحدة منها كثير وايجاب شقص منها يضر بالمالك والفقير، والاسقاط غير ممكن فعدل إلى ايجاب الشاة جمعا بين الحقوق فصارت أصلا في الوجوب لا يجوز اخراج الابل مكانها (فصل) ولا يجزي في الغنم المخرجة في الزكاة إلا الجذع من الضأن وهو ماله ستة أشهر فما زاد، والثني من المعز وهو ماله سنة، وكذلك شاة الجبران وأيهما أخرج أجزأه، ولا يعتبر كونها من جنس غنمه ولا جنس غنم البلد لان الشاة مطلقة في الخبر الذي ثبت به وجوبها، وليس غنمه ولا غنم البلد سببا لوجوبها فلم يتقيد بذلك كالشاة الواجبة في الفدية وتكون أنثى ولا يجزئ الذكر كالشاة الواجبة في نصاب الغنم، ويحتمل أن تجزئه لان النبي صلى الله عليه وسلم أطلق الشاة ومطلق الشاة يتناول الذكر

[ 473 ]

والانثى وقياسا على الاضحية، فان لم يكن له غنم لزمه شراء شاة. وقال أبو بكر يخرج عشرة دراهم قياسا على شاة الجبران ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على الشاة فيجب العمل بنصه ولان هذا اخراج قيمة فلم يجز كالشاة الواجبة في نصبها، وشاة الجبران مختصة بالبدل بالدراهم بدليل انها لا تجوز بدلا عن الشاة الواجبة في سائمة الغنم، ولان شاة الجبران يجوز ابدالها بالدراهم مع وجودها بخلاف هذه (فصل) وتكون الشاة المخرجة كحال الابل في الجودة والرداءة التوسط فيخرج عن السمان سمينة وعن الهزال هزيلة، وعن الكرام كريمة، وعن اللئام ليئمة، فان كانت مراضا أخرج شاة صحيحة على قدر قيمة المال، فيقال لو كانت الابل صحاحا كانت قيمتها مائة وقيمة مائة وقيمة الشاة خمسة

[ 474 ]

فينقص من قيمتها قدر ما نقصت الابل، فان نقصت الابل خمس قيمتها وجب شاة قيمتها أربعة، وقيل تجزئه شاة تجزئ في الاضحية من غير نظر إلى القيمة، وعلى القولين لا يجزئه مريضة لان المخرج من غير جنسها وليس كله مراضا فتنزل منزلة الصحاح، والمراض لا تجزئ فيها إلا صحيحة * (مسألة) * (فان أخرج بعيرا لم يجزئه) يعني إذا أخرج بعيرا عن الشاة الواجبة في الابل لم يجزه سواء كانت قيمته أكثر من قيمة الشاة أو لم يكن، حكي ذلك عن مالك وداود. وقال الشافعي وأصحاب الرأي: يجزئ البعير عن العشرين فما دونها ويتخرج لنا مثل ذلك إذا كان المخرج مما يجزي عن خمس وعشرين لانه يحزئ عن خمس وعشرين والعشرون داخلة فيها ولان ما أجزأ عن الكثير أجزأ عما دونه كابنتي لبون عما دون ست وسبعين

[ 475 ]

ولنا انه أخرج غير المنصوص عليه من غير جنسه فلم يجزه كما لو أخرج البعير عن أربعين شاة، ولانها فريضة وجبت فيها شاة فلم يجز عنها البعير كنصاب الغنم، ويفارق ابنتي لبون عن الجذعة لانهما من الجنس * (مسألة) * (وفي العشر شاتان، وفي خمسة عشرة ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه) وهذا كله مجمع عليه وثابت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي رويناها وغيرها * (مسألة) * (فإذا بلغت خمسا وعشرين ففيها بنت مخاض وهي التي لها سنة) متى بلغت الابل خمسا وعشرين ففيها بنت مخاض لا نعلم فيه خلافا إلا انه يحكى عن علي رضي الله عنه في خمس وعشرين خمس شياه. قال ابن المنذر: ولا يصح ذلك عنه وحكاه إجماعا، وابنة المخاض التي لها سنة وقد دخلت في الثانية سميت بذلك لان أمها قد حملت، والماخض الحامل وليس كون أمها ماخضا شرطا وانما ذكر تعريفا لها بغالب حالها كتعريفه الربيبة بالحجر، وكذلك بنت اللبون

[ 476 ]

وبنت المخاض أدنى سن تؤخذ في الزكاة، ولا تجب إلا في خمس وعشرين إلى خمس وثلاثين خاصة لما ذكرنا من الحديث * (مسألة) * (فان عدمها أجزاه ابن لبون وهو الذي له سنتان، فان عدمه لزمه بنت مخاض) إذا لم يكن في إبله بنت مخاض أجزاه ابن لبون ولا يجزئه مع وجودها لان في حديث أنس " فإذا بلغت خمسا وعشرين ففيها بنت مخاض إلى أن تبلغ خمسا وثلاثين، فان لم يكن فيها ابنة مخاض ففيها ابن لبون ذكر " رواه أبو داود، وهذا مجمع عليه أيضا، فان اشترى ابنة مخاض وأخرجها جاز لانها الاصل، وان أراد اخراج ابن لبون بعد شرائها لم يجز لانه صار في ابله بنت مخاض، وان لم يكن في ابله ابن لبون وأراد الشراء لزمه شراء بنت مخاض وهذا قول مالك. وقال الشافعي يجزئه شراء ابن لبون لظاهر الخبر

[ 477 ]

ولنا انهما استويا في العدم فلزمته ابنه مخاض كما لو استويا في الوجود، والحديث محمول على حال وجوده لان ذلك للرفق به اغناء له عن الشراء، ومع عدمه لا يستغني عن الشراء. على ان في بعض ألفاظ الحديث " فمن لم يكن عنده ابنة مخاض على وجها وعند ابن لبون فانه يقبل منه وليس معه شئ " فشرط في قبوله وجوده وعدمها وهذا في حديث أبي بكر، وفي بعض الالفاظ أيضا " ومن بلغت عنده صدقة بنت مخاض وليس عنده الا ابن لبون " وهذا تقييد يتعين حمل المطلق عليه. وان لم يجد الا ابنة مخاض معيبة فله الانتقال إلى ابن لبون لقوله في الخبر " فمن لم يكن عنده ابنة مخاض على وجهها " ولان وجودها كعدمها لكونها لا يجوز اخراجها فأشبه الذي لا يجد الا ماء لا يجوز الوضوء به في انتقاله إلى البدل، وان وجد ابنة مخاض أعلا من صفة الواجب لم يجزه ابن لبون

[ 478 ]

لوجود بنت مخاض على وجهها ويخير بين اخراجها وبين شراء بنت مخاض على صفة الواجب. وقال أبو بكر: يجب عليه اخراجها بناء على قوله انه يخرج عن المراض صحيحة حكاه عنه ابن عقيل والاول أولى لان الزكاة وجبت على وجه المساواة وكانت من جنس المخرج عنه كزكاة الحبوب (فصل) ولا يجبر نقص الذكورية بزيادة سن في غير هذا الموضع فلا يجزئه أن يخرج عن بنت لبون حقا، ولا عن الحقة جذعا مع وجودها ولا عدمها. وقال القاضي وابن عقيل: يجوز ذلك عند العدم كابن لبون عن بنت مخاض ولنا انه لا نص فيها ولا يصح قياسهما وعلى ابن لبون مكان بنت مخاض لان زيادة سن ابن لبون على بنت مخاض يمتنع بها من صغار السباع ويرعى الشجر بنفسه وير الماء ولا يوجد هذا في الحق

[ 479 ]

مع بنت لبون لانهما يشتركان في هذا فلم يبق الا مجرد زيادة السن فلم يقابل الانوثية، ولان تخصيصه في الحديث بالذكر دون غيره يدل على اختصاصه بالحكم بدليل الخطاب * (مسألة) * (وفى ست وثلاثين بنت لبون وفي ست وأربعين حقة وهي التي لها ثلاث سنين وفي احدى وستين جذعة وهي التي لها أربع سنين، وفي ست وسبعين ابنتا لبون، وفي احدى وتسعين حقتان إلى مائة وعشرين) وهذا كله مجمع عليه، والخبر الذي رويناه يدل عليه، وبنت اللبون التي تمت لها سنتان ودخلت في الثانية سميت بذلك لان أمها قد وضعت فهي ذات لبن، والحقة التي لها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة سميت بذلك لانها قد استحقت أن يطرقها الفحل واستحقت أن يحمل عليها وتركب، والجذعة التي لها أربع سنين ودخلت في الخامسة وقيل لها ذلك لانها تجذع إذا سقطت سنها، وهي أعلا سن

[ 480 ]

تجب في الزكاة، وان رضي رب المال أن يخرج مكانها ثنية جاز وهي التي لها خمس سنين ودخلت في السادسة سميت بذلك لانها قد ألقت ثنيتها، وهذا المذكور في الاسنان ذكره أبو عبيد حكاية عن الاصمعي وأبي زيد الانصاري وأبي زياد الكلابي وغيرهم * (مسألة) * (فإذا زادت على عشرين ومائة واحدة ففيها ثلاث بنات لبون ثم في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة) إذا زادت الابل على عشرين ومائة واحدة ففيها ثلاث بنات لبون كما ذكر في أظهر الروايتين وهذا مذهب الاوزاعي والشافعي واسحق، وفيه رواية ثانية لا يتغير الفرض إلى ثلاثين ومائة فيكون فيها حقة وبنتا لبون وهذا مذهب محمد بن اسحق وأبي عبيد واحدى الروايتين عن مالك لان الفرض لا يتغير بزيادة الواحدة بدليل سائر الفروض

[ 481 ]

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون " والواحدة زيادة وقد جاء مصرحا به في حديث الصدقات الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عند آل عمر بن الخطاب رواه أبو داود والترمذي وقال هو حديث حسن. وقال ابن عبد البر: هو أحسن شئ روي في أحاديث الصدقات فان فيه " فإذا كانت احدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون " وهذا صريح لا يجوز العدول عنه ولان سائر ما جعله النبي صلى الله عليه وسلم غاية للفرض إذا زا عليه واحدة تغير الفرض، كذا هذا قولهم ان الفرض لا يتغير بزيادة الواحدة، قلنا هذا ما تغير بالواحدة وحدها بل تغير بها مع ما قبلها فهي كالواحدة الزائدة على التسعين والستين وغيرها. وقال ابن مسعود والنخعي

[ 482 ]

والثوري وأبو حنيفة: إذا زادت الابل على عشرين ومائة استؤنفت الفريضة في كل خمس شاة إلى خمس وأربعين ومائة فيكون فيها حقتان وبنت مخاض إلى خمسين ومائة ففيها ثلاث حقاق، ويستأنف الفريضة في كل خمس شاة لما روي ان النبي صلى الله عليه وسلم كتب لعمرو بن حزم كتابا ذكر فيه الصدقات والديات وذكر فيه مثل هذا. ولنا ان في حديثي الصدقات الذي كتبه أبو بكر لانس والذي كان عند آل عمر بن الخطاب مثل مذهبنا وهما صحيحان وأما كتاب عمرو بن حزم فقد اختلف في صفته فرواه الاثرم في سننه مثل مذهبنا والاخذ بذلك أولى لموافقته الاحاديث الصحيحة مع موافقته القياس فان المال إذا وجب فيه من جنسه لم يجب من غير جنسه كسائر بهيمة الانعام، وانما وجبت في الابتداء من غير جنسه لانه ما احتمل المواساة

[ 483 ]

من جنسه فعدلنا إلى غير الجنس ضرورة وقد زال بكثرة المال وزيادته ولانه عندهم ينتقل من بنت مخاض إلى حقة بزيادة خمس من الابل وهي زيادة يسيرة لا تقتضي الانتقال إلى حقة، فانا لم ننتقل في محل الوفاق من بنت مخاض إلى حقة الا بزيادة إحدى وعشرين، فان زادت على عشرين ومائة جزءا من بعير لم يتغير الفرض اجماعا لان في بعض الروايات فإذا زادت واحدة وهذا يقيد مطلق الزيادة في الرواية الاخرى ولان سائر الفروض لا يتغير بزيادة جزء كذا هذا. وعلى كلتا الروايتين متى بلغت مائة وثلاثين ففيها حقة وبنتا لبون، وفي مائة وأربعين حقتان وبنت لبون، وفي مائة وخمسين ثلاث حقاق، وفي مائة وستين أربع بنات لبون، ثم كلما زادت على ذلك عشرا أبدلت بنت لبون بحقة، ففي مائة وسبعين حقة وثلاث بنات لبون، وفي مائة وثمانين حقتان وابنتا لبون، وفى مائة وتسعين ثلاث حقاق وبنت لبون

[ 484 ]

* (مسألة) * (فإذا بلغت مائتين انفق الفرضان، فان شاء أخرج اربع حقاق، وان شاء خمس بنات لبون، والمنصوص انه يخرج الحقاق) إذا بلغت إبله مائتين اجتمع الفرضان لان فيها أربع خمسينات وخمس أربعينات فيجب عليه أربع حقاق أو خمس بنات لبون أي الفرضين شاء أخرج لوجود المقتضي لكل واحد منهما، وان كان أحدهما أفضل من الاخر، ومنصوص أحمد رحمه الله أنه يخرج الحقاق وذلك محمول على أن عليه أربع حقاق بصفة التخيير اللهم إلا أن يكون المخرج ولي يتيم أو مجنون فليس له أن يخرج من ماله الا أدنى الفرضين، وقال الشافعي الخيرة إلى الساعي، ومقتضى قوله إن رب المال إذا أخرج لزمه اخراج أعلا الفرضين، واحتج بقول الله تعالى (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) ولانه وجد سبب الفرضين

[ 485 ]

فكانت الخيرة إلى المستحق أو نائبه كفتل العمد الموجب للقصاص أو الدية. ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب الصدقات الذي كان عند آل عمر بن الخطاب " فإذا كانت مائتان ففيها أربع حقان أو خمس بنات لبون أي الشيئين وجدت أخذت " وهذا نص لا يعرج معه على ما يخالفه ولانها زكاة ثبت فيها الخيار فكان ذلك لرب المال، كالخيره في الجبران بين الشياه ولدراهم وبين النزول والصعود والآية لا تتناول ما نحن فيه لانه انما يأخذ الفرض بصفة المال بدليل أنه يأخذ من الكرام كريمة ومن غيرها من الوسط فلا يكون خبيثا ولان الادنى ليس بخبيث وكذلك لو لم يكن يوجد إلا سبب وجوبه وجب إخراجه، وقياسنا أولى من قياسهم، لان قياس الزكاة على مثلها أولى من قياسها على الديات، فان كان أحد الفرضين في ماله دون الآخر فهو مخير بين اخراجه

[ 486 ]

وشراء الآخر، ولا يتعين عليه اخراج الموجود لان الزكاة لا تجب من عين المال، وقال القاضي يتعين عليه اخراح الموجود وهو بعيد لما ذكرنا الا أن يكون أراد إذا عجز عن شراء الاخر. (فصل) فان أراد إخراج الفرض من نوعين نظرنا فان لم نحتج إلى تشقيص كزكاة الثلاثمائة يخرج عنها حقتين وخمس بنات لبون جاز، وهذا مذهب الشافعي وان احتاج إلى تشقيص كزكاة المائتين لم يجز لانه لا يمكن من غير تشقيص، وقيل يحتمل أن يجوز على قياس قول أصحابنا في جواز عتق نص عبدين في الكفارة وهذا غير صحيح فان الشرع لم يرد بالتشقيص في زكاة السائمة الا من حاجة ولذلك جعل لها أوقاصا دفعا للتشقيص عن الواجب فيها وعدل فيما دون خمس وعشرين من الابل عن الجنس إلى الغنم فلا يجوز القول بجوازه مع امكان العدول عنه إلى فريضة كاملة وان وجد

[ 487 ]

أحد الفرضين كاملا والآخر ناقصا لا يمكنه اخراجه الا بجبران معه مثل أن يجد في المائتين خمس بنات لبون وثلاث حقاق تعين أخذ الفريضة الكاملة لان الجبران بدل لا يجوز مع المبدل وان كان كل واحد يحتاج إلى جبران، مثل أن يجد أربع بنات لبون وثلاث حقاق فهو مخير أيهما شاء أخرج بنات اللبون وحقة وأخذ الجبران، وان شاء أخرج الحقاق وبنت اللبون مع جبرانها، فان قال خذوا مني حقة وثلاث بنات لبون مع الجبران لم يجز لانه لا يعدل عن الفرض مع وجوده إلى الجبران ويحتمل الجواز لكونه لا بد من الجبران، وان لم يجد الا حقة وأربع بنات لبون أداها وأخذ الجبران ولم يكن له دفع ثلاث بنات لبون وحقة مع الجبران في أصح الوجهين، ولاصحاب الشافعي وجهان كهذين وان كان الفرضان معدومين أو معيبين فله العدول عنهما مع الجبران فان شاء أخرج أربع جذعات وأخذ

[ 488 ]

ثماني شياه أو ثمانين درهما وان شاء دفع خمس بنات مخاض ومعها عشر شياه أو مائة درهم، وان أحب أن ينتقل عن الحقاق إلى بنات المخاض أو عن بنات اللبون إلى الجذع لم يجز لان الحقاق وبنات اللبون منصوص عليهن في هذا المال فلا يصعد إلى الحقاق بجبران ولا ينزل إلى بنات اللبون بجبران * (مسألة) * (وليس فيما بين الفريضتين شئ) ما بين الفريضتين يسمى الاوقاص ولا شئ فيها لعفو الشارع عنها، قال الاثرم قلت لابي عبد الله الاوقاص كما بين الثلاثين إلى الاربعين في البقر وما أشبه هذا؟ قال نعم. والشنق ما دون الفريضة قلت له كأنه ما دون الثلاثين من البقر؟ قال نعم؟ وقال الشعبي الشنق ما بين الفريضتين أيضا، قال أصحابنا والزكاة تتعلق بالنصاب دون الوقص، ومعناه أنه إذا كان عنده ثلاثون من الابل فالزكاة تتعلق

[ 489 ]

بخمس وعشرين دون الخمسة الزائدة فعلى هذا لو وجبت الزكاة فيها وتلفت الخمسة قبل التمكن من أدائها، وقلنا إن تلف المال قبل التمكن يسقط الزكاة لم يسقط ههنا منها شئ لان التالف لم تتعلق الزكاة به، وان تلف منها عشر سقط من الزكاة خمسها لان الاعتبار بتلف جزء من النصاب وانما تلف من النصاب، خمسة، وأما من قال: لا تأثير لتلف النصاب في اسقاط الزكاة فلا فائدة في الخلاف عنده في هذه المسألة فيما أعلم. * (مسألة) * (ومن وجبت عليه سن فعدمها أخرج سنا أسفل منها ومعها شاتان أو عشرون درهما وإن شاء أخرج أعلى منها وأخذ مثل ذلك من الساعي) هذا هو المذهب الا أنه لا يجوز أن يخرج أدنى من ابنة مخاض لانها أدنى سن تجب في الزكاة

[ 490 ]

ولا يخرج أعلى من الجذعة الا أن يرضى رب المال باخراجها بغير جبران فيقبل منه، والاختيار في الصعود والنزول والشياه والدراهم إلى رب المال، وبهذا قال النخعي والشافعي وابن المنذر واختلف فيه عن إسحق، وقال الثوري يخرج شاتين أو عشرة دراهم لان الشاة مقومة في الشرع بخمسة دراهم بدليل أن نصابها أربعون، ونصاب الدراهم مائتان، وقال أصحاب الرأي يدفع قيمة ما وجب عليه أو دون السن الواجبة وفضل ما بينهما دراهم. ولنا أن في حديث الصدقات الذي كتبه أبو بكر لانس أنه قال: ومن بلغت عنده من الابل صدقة الجذعة وليست عنده حقة فانها تقبل منه الحقة ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهما، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده وعنده الجذعة فانها تقبل منه الجذعة

[ 491 ]

وبعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده الا ابنة لبون فانها تقبل منه بنت لبون ويعطي شاتين أو عشرين درهما، ومن بلغت صدقته بنت لبون وليست عنده وعنده بنت مخاض فانها نقبل منه بنت مخاض ويعطي معها عشرين درهما أو شاتين، وهذا نص ثابت صحيح فلا يلتفت إلى ما سواه، إذا ثبت هذا فانه لا يجوز العدول إلى هذا الجبران مع وجود الاصل لانه مشروط في الخبر بعدم الاصل، فان أراد أن يخرج في الجبران شاة وعشرة دراهم. فقال القاضي يجوز كما قلنا في الكفارة له اخراجها من جنسين، ولان الشاة مقام عشرة دراهم فإذ اختار اخراجها وعشرة جاز، ويحتمل المنع لان النبي صلى الله عليه وسلم " خير بين شاتين أو عشرين درهما " وهذا قسم ثالث فتجويزه يخالف الخبر والله أعلم.

[ 492 ]

* (مسألة) * (فان عد السن التي تليها انتقل إلى الاخرى وجبرها باربع شياه أو أربعين درهما وقال أبو الخطاب لا ينتقل إلا إلى سن تلي الواجب) وذلك كمن وجبت عليه جذعة فعدمها وعدم الحقة أو وجبت عليه حقة فعدمها وعدم الجذعة وبنت اللبون فيجوز أن ينتقل إلى السن الثالث مع الجبران، فيخرج في الصورة الاولى ابنة لبون ومعها أربع شياه أو أربعين درهما ويخرج ابنة مخاض في الثانية ويخرج معها مثل ذلك ذكره القاضي وذكر أن أحمد أومأ إليه وهو مذهب الشافعي، وقال أبو الخطاب لا ينتقل الا إلى سن تلي الواجب فأما ان انتقل من حقة إلى بنت مخاض أو من حذعة إلى بنت لبون، لم يجز لان النص انما ورد بالعدول إلى سن واحدة فيجب الاقتصار عليه كما اقتصرنا في أخذ الشاة عن الابل على الموضع الذي

[ 493 ]

ورد به النص وهذا قول ابن المنذر، ووجه الاول أنه قد جوز الانتقال إلى السن التي تليه مع الجبران وجوز العدول عنها أيضا إذا عدم مع الجبران إذا كان هو الفرض وههنا لو كان موجودا أجزأ فإذا عدم جاز العدول إلى ما يليه مع الجبران، والنص إذا عقل عدي وعمل بمعناه، وعلى مقتضى هذا القول يجوز العدول عن الجذعة إلى بنت مخاض مع ست شياه أو ستين درهما، ومن بنت مخاض إلى الجذعة ويأخذ ست شياه، أو ستين درهما، وان أراد أن يخرج عن الاربع شياه شاتين وعشرين درهما جاز لانهما جبرانان فهما كالكفارتين وكذلك في الجبران الذي يخرجه عن فرض المائتين من الابل إذا أخرج عن خمس بنات لبون خمس بنات مخاض أو مكان أربع حقاق أربع بنات لبون جاز أن يخرج بعض الجبران دراهم وبعضه شياها. ومتى وجد سنا تلي الواجب لم يجز العدول إلى

[ 494 ]

سن لا تليه لان الانتقال عن السن التي تليه إلى السن الاخرى بدل لا يجوز مع امكان الاصل فلو عدم الحقة وابنة اللبون ووجد الجذعة وابنة المخاض وكان الواجب الحقة لم يجز العدول إلى بنت المخاض وان كان الواجب ابنة لبون لم يجز اخراج الجذعة. (فصل) فان كان النصاب كله مراضا وفريضته معدومة فله أن يعدل إلى السن السفلى مع دفع الجبران، وليس له أن يصعد مع أخذ الجبران لان الجبران أكثر من الفضل الذي بين الفرضين وقد يكون الجبران خيرا من الاصل فان قيمة الصحيحين أكثر من قيمة المريضين وكذلك قيمة ما بينهما وإذا كان كذلك لم يجز في الصعود وجاز في النزول لانه متطوع بالزائد، ورب المال يقبل منه الفضل ولا يجوز للساعي أن يعطي الفضل من المساكين لذلك فان كان المخرج وليا ليتيم لم يجز له النزول أيضا

[ 495 ]

لانه لا يجوز أن يعطي الفضل من مال اليتيم فيتعين شراء الفرض من غير المال * (مسألة) * ولا مدخل للجبران في غير الابل. وذلك لان النص انما ورد فيها ولبس غيرها في معناها لانها أكثر قيمة ولان الغنم لا تختلف فريضتها باختلاف سنها وما بين الفريضتين في البقر يخالف ما بين الفريضتين في الابل فامتنع القياس فمن عدم فريضة البقر أو الغنم ووجد دونها لم يجز له اخراجها وان وجد أعلى منها فأحب أن يدفعها متطوعا بغير جبران قبلت منه وان لم يفعل كلف شراءها من غير ماله. (فصل) قال رضي الله عنه: (النوع الثاني البقر: ولا شئ فيها حتى تبلغ ثلاثين فيجب فيها تبيع أو تبيعة وهى التي لها سنة، وفي الاربعين مسنة وهى التي لها سنتان، وفى الستين تبيعان ثم في كل ثلاثين تبيع وفى كل أربعين مسنة)

[ 496 ]

صدقة البقر ثابتة بالسنة والاجماع، أما السنة فروى أبو ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه تنطحه بقرونها وتطؤه بأخفافها كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس " متفق عليه. وعن معاذ قال: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وأمرني أن آخذ من كل حالم دينارا أو عدله معافر. وأمرني أن آخذ من كل أربعين مسنة ومن كل ثلاثين بقرة تبيعا حوليا. رواه الامام أحمد وهذا لفظه وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ولم يذكر الترمذي حوليا وقال حديث حسن وعند النسائي قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثني إلى اليمن أن لا آخذ من البقر شيئا حتى تبلغ ثلاثين فإذا بلغت ثلاثين ففيها عجل تابع جذع أو جذعة حتى تبلغ أربعين فإذا بلغت أربعين

[ 497 ]

بقرة مسنة. وروى الامام أحمد باسناده عن يحيى بن الحكم ان معاذا قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أصدق أهل اليمن وأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا ومن كل أربعين مسنة. قال: فعرضوا علي أن آخذ مما بين الاربعين والخمسين وبين الستين والسبعين وما بين الثمانين والتسعين فأبيت ذلك وقلت لهم حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقدمت فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم فأمرني ان آخذ من كل ثلاثين تبيعا ومن أربعين مسنة ومن الستين تبيعين ومن السبعين مسنة وتبيعا، ومن الثمانين مسنتين ومن التسعين ثلاثة أتباع ومن المائة مسنة وتبيعين ومن العشرة ومائة مسنتين وتبيعا ومن العشرين ومائة ثلاث مسنات أو أربعة أتباع. وأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ان لا آخذ فيما بين ذلك شيئا حتى تبلغ مسنة أو جذعا يعني تبيعا. وزعم ان الاوقاص لا فريضة فيها ولا نعلم خلافا

[ 498 ]

في وجوب الزكاة في البقر قال أبو عبيد: لا أعلم الناس يختلفون فيه اليوم، ولا تجب في البقر زكاة حتى تبلغ ثلاثين في قول جمهور العلماء وحكي عن سعيد بن المسيب والزهري أنهما قالا في كل خمس شاة لانها عدلت بالابل في الهدي والاضحية كذلك في الزكاة ولنا ما تقدم من الخبر، ولان نصب الزكاة انما تثبت بالنص والتوقيف وليس فيما ذكراه نص ولا توقيف فلا يثبت وقياسهم منتقض بخمس وثلاثين من الغنم فانها تعدل بخمس من الابل في الهدي ولا زكاة فيها وانما تجب الزكاة فيها إذا كانت سائمة وحكي عن مالك في العوامل والمعلوفة زكاة كقوله في الابل لعموم الخبر.

[ 499 ]

ولنا ما روى عمر وبن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ليس في العوامل صدقة " رواه الدار قطني. وعن علي رضي الله عنه قال الراوي أحسبه عن النبي صلى الله عليه وسلم في صدقة البقر قال: " وليس في العوامل شئ " رواه أبو داود. وهذا مقيد يحمل عليه المطلق ولانه قول علي ومعاذ وجابر ولان صفة النماء معتبرة في الزكاة وانما توجد في السائمة * (فصل) * والواجب فيها في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة وهو الذي له سنة ودخل في الثانية وقيل له ذلك لانه يتبع أمه، وفي كل أربعين مسنة وهي التي لها سنتان وهى الثنية، ولا فرض في البقر غيرهما

[ 500 ]

وفى الستين تبيعان كما ذكر في أول المسألة وهذا قول جمهور العلماء منهم الشعبي والنخعي والحسن ومالك والليث والثوري والشافعي واسحق وأبو عبيد وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة في رواية عنه فيما زاد على الاربعين بحسابه في كل بقرة ربع عشر مسنة فرارا من جعل الوقص تسعة عشر فانه مخالف لجميع أوقاصها فانها عشرة عشرة ولنا حديث معاذ المذكور وهو صريح في محل النزاع ولان البقر أحد بهيمة الانعام فلم يجب في زكاتها كسر كسائر الانواع ولا ينتقل من فرضها فيها بغير وقص كسائر الفروض وكما بين الثلاثين

[ 501 ]

والاربعين، ومخالفة قولهم للاصول أشد من الوجوه التي ذكرناها وعلى ان أوقاص الابل والغنم مختلفة فجاز الاختلاف ههنا فان رضي رب المال باعطاء المسنة عن التبيع والتبيعين عن المسنة أو أكبر منها سنا عنها جاز والله أعلم. * (مسألة) * ولا يجزئ الذكر في الزكاة في غير هذا الا ابن لبون مكان بنت مخاض إذا عدمها إلا أن يكون النصاب كله ذكورا فيجزئ الذكر في الغنم وجها واحدا وفى البقر والابل في أحد

[ 502 ]

الوجهين. الذكر لا يخرج في الزكاة أصلا إلا في البقر فأما ابن لبون مكان بنت مخاض فليس بأصل ولهذا لا يجزئ مع وجودها وإنما يجزئ الذكر في البقر عن الثلاثين وما تكرر منها كالستين والتسعين وما تركب من الثلاثين وغيرها كالسبعين فيها تبيع ومسنة، وان شاء أخرج مكان الذكور اناثا لورود النص بهما فأما الاربعون وما تكرر منها كالثمانين فلا يجزئ في فرضها إلا الاناث لنص الشارع عليها الا أن يخرج عن المسنة تبيعين فيجوز، فإذا بلغت مائة وعشرين خير المالك بين إخراج

[ 503 ]

ثلاث مسنات أو أربعة أتباع أيهما شاء أخرج على ما نطق به الخبر، هذا التفصيل فيما إذا كان في بقر أناث * (فصل) * وإذا كان في ماشيته إناث لم يجز اخراج الذكر وجها واحدا الا في الموضعين المذكورين وقال أبو حنيفة: يجوز اخراج الذكر من الغنم الاناث لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " في أربعين شاة شاة "

[ 504 ]

ولفظ الشاة يقع على الذكر والانثى ولان الشاة إذا أمر بها مطلقا أجزأ فيها الذكر والانثى كالاضيحة ولنا أنه حيوان تجب الزكاة في عينه فكانت الانوثية معتبرة في فرضه كالابل والمطلق يتقيد بالقياس على سائر النصب، والاضحية غير معتبرة بالمال بخلاف مسئلتنا (فصل) فان كانت ماشيته كلها ذكورا أجزأ الذكر في الغنم وجها واحدا ولان الزكاة مواساة فلا يكلف المواساة من غير ماله، ويجوز إخراجه في البقر في أصح الوجهين لذلك، وفيه وجه آخر انه

[ 505 ]

لا يجوز لان النبي صلى الله عليه وسلم نص على المسنات في الاربعينات، فيجب اتباع مورده فيكلف شراءها إذا عدمها كما لو لم يكن في ماشيته إلا معيبا. والصحيح الاول لانا قد جوزنا الذكر في الغنم مع أنه لا مدخل له في زكاتها مع وجود الاناث، فالبقر التي للذكر فيها مدخل أولى وفي الابل وجهان أوجههما ما ذكرنا والفرق بين النصب الثلاثة أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على الانثى في فرائض الابل والبقر، وأطلق الشاة الواجبة، وقال في الابل من لم يجد بنت مخاض أخرج ابن لبون ذكرا ومن حيث المعنى أن الابل يتغير فرضها بزيادة السن فإذا جوزنا اخراج الذكر أفضى إلى التسوية بين الفرضين لانه يخرج ابن لبون عن خمس وعشرين للخبر وعن ست وثلاثين، وهذا المعنى يختص الابل فعلى هذا يخرج أنثى ناقصة بقدر قيمة الذكر فان قيل فالبقر أيضا يأخذ منها تبيعا عن ثلاثين وتبيعا عن أربعين إذا كانت

[ 506 ]

كلها أتبعة وقلنا بأخذ الصغيرة من الصغار قلنا هذا يلزم مثله في اخراج الانثى فلا فرق، ومن جوز اخراج الذكر في الكل قال يأخذ ابن لبون من خمس وعشرين قيمته دون قيمة ابن لبون يأخذه من ستة وثلاثين ويكون بينهما في القيمة كما بينهما في العدد ويكون الفرض بصفة المال وإذا اعتبرنا القيمة لم يرد إلى التسوية كما قلنا في الغنم، ويحتمل أن يخرج ابن مخاض عن خمسة وعشرين من الابل فيقوم الذكر مقام الانثى التي في سنه كسائر النصب. * (مسألة) * (ويؤخذ من الصغار صغيرة ومن المراض مريض، وقال أبو بكر لا يؤخذ إلا كبيرة صحيحة على قدر المال). متى كان حال نصاب كله صغارا جاز أخذ الصغيرة في الصحيح من المذهب وانما يتصور ذلك

[ 507 ]

بان تبديل كبار بصغار في أثناء الحول أو يكون عنده نصاب من الكبار فتوالد نصابا من الصغار ثم تموت الامهات، ويحول الحول على الصغار، وقال أبو بكر لا يؤخذ الا كبيرة تجزي في الاضحية وهو قول مالك لقول النبي صلى الله عليه وسلم " انما حقنا في الجذعة أو الثنية " ولان زيادة السن في المال لا يزيد بها الواجب كذلك نقصانه لا ينقص به. ولنا قول الصديق رضي الله عنه والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليها، فدل على أنهم كانوا يؤدون العناق ولانه مال تجب فيه الزكاة من غير اعتبار قيمته فيجزي الاخذ من عينه كسائر الاموال. وأما زيادة السن فليس يمتنع الرفق بالمالك في الموضعين كما أن ما دون النصاب عفو وما فوقه عفو والحديث

[ 508 ]

محمول على مال فيه كبار وظاهر ما ذكره شيخنا هاهنا وقول الاصحاب أن الحكم في الفصلان والعجول كالحكم في السخال لما ذكرنا في الغنم ويكون التعديل بالقيمة مكان زيادة السن كما قلنا في اخراج الذكر من الذكور، قال شيخنا ويحتمل أن لا يجوز اخراج الفصلان والعجول وهو قول الشافعي لئلا يفضي إلى التسوية بين الفروض فيخرج ابنة مخاض عن خمس وعشرين وست وثلاثين وست وأربعين وإحدى وستين، ويخرج ابنتي اللبون عن ست وسبعين واحدى وتسعين ومائة وعشرين ويفضي الانتقال من بنت اللبون الواحدة من إحدى وستين إلى ابنتي لبون في ست وسبعين مع تقارب الوقص بينهما وبينهما في الاصل أربعون، والخبر ورد في السخال فيمتنع قياس الفصلان والعجول عليها لما ذكرنا من الفرق.

[ 509 ]

(فصل) وكذلك إذا كان النصاب كله مراضا فالصحيح من المذهب جواز اخراج الفرض منه ويكون وسطا في القيمة ولا اعتبار بقلة العيب وكثرته لان القيمة تأتي على ذلك وهو قول الشافعي وأبي يوسف ومحمد وقال مالك ان كانت كلها جربا اخرج جرباء وان كانت هتما كلف شراء صحيحة وقال أبو بكر لا يجزئ الا صحيحة لان احمد قال لا يؤخذ الا ما يجوز في الاضاحي وللنهي عن أخذ ذات العوار فعلى هذا يكلف شراء صحيحة بقدر قيمة المريضة ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " اياك وكرائم اموالهم " وقال " ان الله لم يسألكم خيره ولم يأمركم بشره " رواه أبو داود، ولان مبنى الزكاة على المواساة وتكليف الصحيحة عن المراض اخلال بالمواساة ولهذا يأخذ من الردئ من الحيوان والثمار من جنسه، ومن اللئام والهزال من المواشي من جنسه كذا هذا

[ 510 ]

وأما الحديث فيحممل على ما إذا كان فيه صحيح فان الغالب الصحة وان كان في النصاب بعض الفريضة صحيحا أخرج الصحيحة وتمم الفريضة من المراض على قدر المال ولا فرق في هذا بين الابل والبقر والغنم، والحكم في الهرمة والمعيبة كالحكم في المريضة سواء لانها في معناها والله أعلم (فصل) فان اجتمع كبار وصغار وصحاح ومراض وذكور وإناث لم يؤخذ إلا أنثى كبيرة صحيحة على قدر قيمة المالين متى كانت عنده نصاب فنتجت منه سخال في أثناء الحول وجبت الزكاة في الجميع في قول أكثر أهل العلم وكأن حول السخال حول أصلها، وحكي عن الحسن والنخعي لا زكاة في السخال حتى يحول عليها الحول لقوله عليه السلام " لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول "

[ 511 ]

ولنا قول عمر رضي الله عنه لساعيه: اعتد عليهم بالسخلة يروح بها الراعي على يديه ولا تأخذها منهم. وهو مذهب علي رضي الله عنه ولا يعرف لهما مخالف في الصحابة فكان اجماعا. والخبر مخصوص بمال التجارة فانه يضم إليه نماؤه بالاتفاق فيقاس عليه والحكم في فصلان الابل وعجاجيل البقر كالحكم في السخال. إذا ثبت هذا فان السخلة لا تؤخذ في الزكاة لما ذكرنا من قول عمر ولما ذكرنا في المسألة التي قبلها (فصل) وان كان في النصاب ذكور وأناث لم يؤخذ الا انثى وقد ذكرنا ذلك، وان كان فيه صحاح وأمراض أخرج صحيحة قيمتها على قدر قيمة المالين ولا يجوز اخراج المريضة لقوله تعالى (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) ولقوله عليه السلام " ولا يخرج في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس الا أن يشاء المصدق "

[ 512 ]

وان كان النصاب كله مراضا الا مقدار الفرض فهو مخير بين اخراجه وبين شراء فريضة قليلة القيمة فيخرجها، ولو كانت الصحيحة غير الفريضة بعدد الفريضة مثل من وجب عليه ابنتا لبون وعنده حواران صحيحان فان عليه شراء صحيحتين فيخرجهما وان وجبت عليه حقتان وعنده ابنتا لبون صحيحتان خير بين اخراجهما مع الجبران وبين شراء حقتين صحيحتين على قدر قيمة المال، وان كان عنده جزعتان صحيحتان فله اخراجهما مع أخذ الجبران، وان كان عليه حقتان ونصف ماله صحيح ونصفه مريض فقال ابن عقيل له اخراج حقة صحيحه وحقة مريضة لان النصف الذي يجب فيه احدى الحقتين مريض كله، والصحيح في المذهب خلاف ذلك لان في ماله صحيحا ومريضا فلم يملك اخراج مريضة كما لو كان نصابا واحدا ولم يتعين النصف الذي وجبت فيه الحقة في المراض

[ 513 ]

وكذلك لو كان لشريكين لم يتعين حق أحدهما في المراض دون الآخر، وان كان النصاب كله صحيحا لم يجز اخراج المعيبة وان كثرت قيمتها للنهى عن أخذها، ولما فيه من الاضرار بالفقراء ولهذا يستحق ردها في البيع وان كثرت قيمتها * (مسألة) * (وإن كان نوعين كالبخاتي والعراب والبقر والجواميس والضأن والمعز، أو كان فيه كرام ولئام وسمان ومهاريل أخذت الفريضة من أحدهما على قدر قيمة المالين. لا نعلم خلافا بين أهل العلم في ضم أنواع الاجناس بعضها إلى بعض في إيجاب الزكاة، قال ابن المنذر أجمع من نحفظ عنه من أهل العلم على ضم الضأن إلى المعز إذا ثبت هذا فانه يخرج الزكاة من أي الانواع أحب سواء دعت الحاجة إلى ذلك، بان يكون الواجب واحدا أو لا يكون أحد النوعين

[ 514 ]

موجبا لواحد أو لم تدع بأن يكون كل واحد من النوعين فيه فريضة كاملة، وقال عكرمة ومالك واسحق يخرج من أكثر العددين فان استويا أخرج من أيهما شاء، وقال الشافعي القياس أن يؤخذ من كل نوع ما يخصه اختاره ابن المنذر لانها أنواع تجب فيها الزكاة فتجب زكاة كل نوع منه كانواع الثمرة والحبوب ولنا أنهما نوعا جنس من الماشية فجاز الاخراج من أيهما شاء، كما لو استوى العددان وكالسمان والمهازيل، وما ذكره الشافعي يفضي لى تشقيص الفرض، وقد عدل إلى غير الجنس فيما دون خمس وعشرين من الابل من أجل ذلك فالعدول إلى النوع أولى إذا ثبت ذلك فانه يخرج من أحد النوعين ما قيمته كقيمة المخرج من النوعين فإذا كان النوعان سواء وقيمة المخرج من أحدهما اثنى عشر وقيمة المخرج من الآخر خمسة عشر أخرج من أحدهما ما قيمته ثلاثة عشر وان كان الثلث معزا والثلثان ضأنا

[ 515 ]

أخرج ما قيمته أربعة عشر، وان كان بالعكس أخرج ما قيمته ثلاثة عشر، وان كان في أبله عشر بخاتي وعشر مهرية وعشر عرابية وقيمة ابنة المخاض البختية ثلاثون والمهرية أربعة وعشرون والعرابية اثنى عشر أخرج ابنة مخاض قيمتها ثلث قيمة بنت مخاض بختية وهو عشرة وثلث قيمة مهرية ثمانية وثلث قيمة عرابية أربعة فصار الجميع اثنين وعشرين وكذلك الحكم في أنواع البقر وفي السمان مع المهازيل والكرائم مع اللئام. (فصل) والاولى أن يخرج عن ماشيته من نوعها فيخرج عن البخاتي بختية وعن العراب عربية وعن الكرا؟ كريمة فان أخرج عن الكرام هزيلة بقيمة السمينة جاز ذكره أبو بكر وحكي عن القاضي أنه لا يجوز، والصحيح الاول لان القيمة مع اتحاد الجنس هي المقصودة فان أخرج عن النصاب من غير نوعه مما ليس في ما له منه شئ ففيه وجهان أحدهما يجزي لانه أخرج عنه من جنسه فجاز كما لو أخرج

[ 516 ]

من أحد النوعين عنهما اختاره أبو بكر، والثاني لا يجزي لانه أخرج من غير نوع ما له أشبه ما لو أخرج من غير الجنس وفارق ما إذا أخرج من أحد نوعي ما له لانه جاز فرارا من تشقيص الفرض بخلاف مسئلتنا والله أعلم. (فصل) قال رضي الله عنه * (النوع الثالث في الغنم) * * (مسألة) * (ولا شئ فيها حتى تبلغ أربعين فتجب فيها شاة إلى مائة وعشرين فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه ثم في كل مائة شاة شاة) الاصل في وجوب صدقة الغنم السنة والاجماع، أما السنة فما روى أنس في كتاب الصدقات الذي كتبه له أبو بكر رضي الله عنه أنه قال في صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين

[ 517 ]

ومائة شاة فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين ففيها شاتين فإذا زادت على مائتين إلى ثلثمائة ففيها ثلاث شياه فإذا زادت على ثلثمائة ففي كل مائة شاة وإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة واحدة فليس فيها صدقة الا أن يشاء ربها، ولا يخرج في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيسا الا ما شاء المصدق واختار سوى هذا وأجمع المسمون على وجوب الزكاة فيها وهذا المذكور هاهنا مجمع عليه حكاه اين المنذر الا أنه حكي عن معاذ رضي الله عنه أن الفرض لا يتغير بعد المائة واحدى وعشرين حتى تبلغ مائتين واثنين وأربعين ليكون مثل مائة واحدى وعشرين، ورواه سعيد بن خالد عن مغيرة عن الشعبي عن معاذ أنه كان إذا بلغت الشياه مائتين لم يغيرها حتى تبلغ أربعين ومائتين فيأخذ منها ثلاث شياه، فإذا بلغت ثلاثمائة لم يغيرها حتى تبلغ أربعين وثلاثمائة فيأخذ منها أربعا ولا يثبت عنه.

[ 518 ]

والحديث الذي رويناه دليل على خلاف ما روي عنه، والاجماع على خلاف هذا القول دليل على فساده، وما رواه سعيد منقطع فان الشعبي لم يلق معاذا، وظاهر المذهب أن فرض الغنم لا يتغير بعد مائتين وواحدة حتى يبلغ أربعمائة فيجب في كل مائة شاة ويكون ما بين مائتين وواحدة إلى أربعمائة وقصا وذلك مائة وتسعة وتسعون، وهذا قول أكثر العلماء وعن أحمد رواية أخرى أنها إذا زادت على ثلاثمائة واحدة ففيها أربع شياه ثم لا يتغير الفرض حتى تبلغ خمسمائة فيكون في كل مائة شاة ويكون الوقص الكبير ما بين ثلاثمائة وواحدة إلى خمسمائة اختاره أبو بكر وهو قول النخعي والحسن بن صالح لان النبي صلى الله عليه وسلم جعل الثلاثمائة حدا للوقص وغاية فيجب أن يتعقبه تغير النصاب كالمائتين. ولنا أن قول النبي صلى الله عليه وسلم " فإذا زادت ففى كل مائة شاة " يقتضي ألا يجب فيما دون المائة شئ

[ 519 ]

وفي كتاب الصدقات الذي كان عند آل عمر بن الخطاب: فإذا زادت على ثلاثمائة واحدة فليس فيها شئ حتى تبلغ أربعمائة شاة ففيها أربع شياه وهذا صريح لا يجوز خلافه وتحديد النصاب لاستقرار الفريضة لا للغاية. * (مسألة) * (ويؤخذ من المعز الثني ومن الضأن الجذع) لا يجزي في صدقة الغنم الا الجذع من الضأن وهو ما له ستة أشهر والثني من المعز وهو ما له ستة فان تطوع المالك باعلى منهما في السن جاز لما نذكره فان كان الفرض في النصاب أخذه للساعي وإن كان فوق القرض خير المالك بين دفع واحدة س‍؟ ه وبين شراء الفرض فيخرجه وبه قال الشافعي، وقال؟؟ وحنيفة في احدى الروايتين عنه لا يجزي الا ال‍؟ يه منهما جميعا لانهما نوعا جنس ف‍؟؟ ن؟ فرض منهما واحدا

[ 520 ]

كالابل والبقر وقال مالك تجزي الجذعة منهما لذلك، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم " انما حقنا في الجذعة أو الثنية " ولنا على أبي حنيفة هذا الخبر وقول سعد بن دليم أتاني رجلان على بعير فقالا إنا رسولا رسول الله اليك لتودي صدقة غنمك؟ قلت فأي شئ تأحذان قالا عناق جذعة أو ثنية أخرجه أبو داود ولنا على مالك ما روى سويد بن غفلة قال أتانا مصدق النبي صلى الله عليه وسلم وقال أمرنا أن ناخذ الجذعة من الضأن والثنية من المعز، وهذا صريح وفيه بيان للمطق في الحديثين قبله، ولان جذعة الضأن تجزي في الاضحية بخلاف جذعة المعز بدليل قول النبي صلي الله عليه وسلم لابي بردة اين دينار في جذعة المعز تجزي عنك ولا تجزي عن أحد بعدك. * (مسألة) * (ولا يؤخذ في الصدقة تيس ولا هرمة ولا ذات عوار وهي المعيبة)

[ 521 ]

هذه الثلاث لا تؤخذ لدنائتها ولقول الله تعالى (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) ولان في حديث أنس " ولا يخرج في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيسا الا أن يشاء المصدق وقد قيل لا يؤخذ تيس الغنم لفضيلته وكان أبو عبيد يروي هذا الحديث " الا ما شاء المصدق " بفتح الدال يعني صاحب المال فعلى هذا يكون الاستثناء في الحديث راجعا إلى التيس وحده، وذكر الخطابي أن جميع الرواة يخالفونه في هذا فيروونه المصدق بكسر الدال أي العامل وقال: التيس لا يؤخذ لنقصه وفساد لحمه، وعلى هذا لا يأخذ المصدق وهو الساعي احد هذه الثلاثة الا أن يرى ذلك بان يكون جميع المال من جنسه فيكون له أن يأخذ من جنس المال فيأخذ هرمة من الهرمات ومعيبة من المعيبات وتيسا من التيوس، وقال مالك والشافعي إن رأى الساعي أن أخذ هذه الثلاث خير له وأنفع للفقراء فله أخذها لظاهر الاستثناء

[ 522 ]

ووجه الاول ما ذكرنا. ولان في أخذ المعيبة عن الصحاح اضرارا بالفقراء ولذلك يستحق ردها في البيع ولانها من شرار المال وقد قال عليه السلام " إن الله لم يسألكم خيره ولم يأمركم بشره " * (مسألة) * (ولا الربى وهي التي تربي ولدها ولا الماخض ولا كرائم المال الا أن يشاء ربه) الربى قريبة العهد بالولادة تقول العرب في ربائها كما تقول في نفاسها قال الشاعر: جنين أم البوفي ربائها. قال أحمد: والماخض التي قد حان ولادها فان لم يقرب ولادها فهي خلفة، وهذه الثلاثة لا تؤخذ لحق رب المال ولا تؤخذ أيضا الاكولة لذلك قال عمر رضي الله عنه لساعيه لا تأخذ الربا ولا الماخض

[ 523 ]

ولا الاكولة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن " إياك وكرائم أموالهم " متفق عليه ولا فحل الغنم، فان تطوع رب المال باخراجها جاز أخذها وله ثواب الفضل لان الحق له فجاز برضاه كما لو دفع فرضين مكان فرض، وإذا تقرر أنه لا يجوز أخذ الردئ لاجل الفقراء، ولا كرائم المال من أجل أربابه، ثبت أن الحق في الوسط من المال. قال الزهري: إذا جاء المصدق قسم الشياه ثلاثا ثلث خيار وثلث أوساط وثلث شرار، وأخذ من الوسط، وروى نحو ذلك عن عمر رضي الله عنه، والاحاديث تدل على نحو هذا، فروى أبو داود والنسائي باسنادهما عن سعد بن دليم قال كنت في غنم لي فجاءني رجلان على بعير فقالا انا رسولا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليك لتؤدي الينا صدقة غنمك قلت وما علي فيها؟ قالا شاة فاعمد الي شاة قد عرفت

[ 524 ]

مكانها ممتلئة محضا وشحما فاخرجتها اليهما قالا هذه شافع وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نأخذ شاة شافعا، والشافع الحامل سميت بذلك لان ولدها قد شفعها والمحض اللبن، وروى أبو داود باسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الايمان من عبد الله وحده وأنه لا إله إلا هو وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه رافدة عليه كل عام ولم يعط الهرمة ولا الدرنة ولا المريضة ولا الشرط اللئيمة ولكن من أوسط أموالكم فان الله لم يسألكم خيره ولم يامركم بشره ". رافدة معينة (1) والدرنة الجرباء والشرط رذالة المال: * (مسألة) * (ولا يجوز اخراج القيمة وعنه يجوز) ظاهر المذهب أنه لا يجوز اخراج القيمة في شئ من الزكوات وبه قال مالك والشافعي. وقال الثوري

[ 525 ]

وأبو حنيفة يجوز، وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز والحسن وعن أحمد مثل قولهم فيما عدا زكاة الفطر فاما زكاة الفطر فقد نص على أنه لا يجوز. قال أبو داود قيل لاحمد وأنا أعطي دراهم، يعني في صدقة الفطر قال أخاف أن لا يجزئه، خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أبو طالب قال أحمد لا يعطي قيمته قيل له قوم يقولون عمر بن عبد العزيز كان يأخذ بالقيمة قال يدعون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون قال فلان؟ قال ابن عمر فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) وقال الله تعالى (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) ونقل عن أحمد في غير زكاة الفطر جواز اخراج القيمة، قال أبو داود وسئل أحمد عن رجل باع ثمرة نخله قال عشره على الذي باعه قيل له فيخرج تمرا أو ثمنه قال إن شاء أخرج تمرا وان شاء أخرج من الثمن، ووجه ذلك قول معاذ لاهل اليمن أئتونى بخميس أو لبيس آخذه منكم فانه أيسر عليكم وأنفع

[ 526 ]

للمهاجرين بالمدينة، وروى سعيد باسناده قال لما قدم معاذ إلى اليمن قال ائتوني بعرض ثياب آخذه منكم مكان الذرة والشعير فانه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة، ولان المقصود دفع حاجة الفقراء ولا يختلف ذلك باختلاف صور الاموال إذا حصلت القيمة. ولنا قول ابن عمر فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير، فإذا عدل عن ذلك فقد ترك المفروض وقال النبي صلى الله عليه وسلم " في أربعين شاة شاة وفي مائتي درهم خمسة دراهم " وهو وارد بيانا لقوله تعالى (وآتوا الزكاة) فتكون الشاة المذكورة هي المأمور بها والامر للوجوب، وفي كتاب ابي بكر رضي الله عنه: هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفسرها بالشاة والبعير، والفريضة واجبة والواجب لا يجوز تركه، وقوله عليه السلام " فان لم يكن بنت مخاض

[ 527 ]

فابن لبون ذكر " يمنع اخراج ابنة اللبون مع وجود ابنة المخاض ويدل على أنه أراد البعير دون المالية فان خمسا وعشرين من الابل لا تخلو من مالية بنت مخاض واخراج القيمة يخالف ذلك ويفضي إلى اخراج الفريضة مكان الاخرى من غير جبران وهو خلاف النص، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن " خذ الحب من الحب والشاة من الغنم والبعير من الابل والبقر من البقر " رواه أبو داود وابن ماجه، ولان الزكاة وجبت لدفع حاجة الفقير من كل نوع ما تندفع به حاجته ويحصل شكر النعمة بالمواساة من جنس ما أنعم الله عليه ولانه عدل عن الجنس المنصوص عليه فهو كما لو عدل عنه إلى منافع دار أو عبد أو ثوب، وحديث معاذ الذي رووه - في الجزية بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم

[ 528 ]

أمره بتفريق الصدقة في فقرائهم ولم يأمره بحملها وفي حديثه هذا: فانه أنفع للمهاجرين بالمدينة * (مسألة) * (وإن أخرج سنا أعلى من الفرض من جنسه جاز) وذلك مثل أن يخرج بنت لبون عن بنت مخاض أو عن الجذعة ابنتي لبون أو حقتين فان ذلك جائز لا نعلم فيه خلافا لانه زاد على الواجب من جنسه ما يجزي عنه مع غيره فكان مجزيا عنه على انفراده كما لو كانت الزيادة في العدد، وقد روى الامام أحمد وأبو داود باسنادهما عن أبي بن كعب قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا فمررت برجل فلما جمع لي ماله لم أجد عليه فيه الا بنت مخاض فقلت أد بنت مخاض فانها صدقتك فقال ذاك ما لا لبن فيه ولا ظهر ولكن هذه ناقة فتية عظيمة سمينة فخذوها فقلت ما أنا بآخذ ما لم أومر به وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم منك قريب فان أجبت أن تأتيه فتعرض عليه ما عرضت علي فافعل فان قبله منك قبلته وان رده عليك رددته قال فاني فاعل فخرج معي وخرج بالناقة

[ 529 ]

التي عرض علي حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: يا نبي الله أتاني رسولك ليأخذ مني صدقة ما لي وايم الله ما قام في مالي رسول الله ولا رسوله قبله فجمعت له مالي فزعم أن ما علي فيه بنت مخاض وذاك ما لا لبن فيه ولا ظهر وقد عرضت عليه ناقة فتية سمينة عظيمة ليأخذها فأبى وقال ها هي ذه قد جئتك بها يا رسول الله خذها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " ذاك الذي وجب عليك فان تطوعت بخير آجرك الله فيه وقبلناه منك " قال فها هي ذه يا رسول الله قد جئتك بها، قال فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبضها ودعا له في ماله بالبركة.

[ 530 ]

* (فصل في الخلطة) * * (مسألة) * (وإذا اختلط نفسان أو أكثر من أهل الزكاة في نصاب من الماشية حولا لم يثبت لهما حكم الانفراد في بعضه فحكمها في الزكاة حكم الواحد سواء كانت خلطة أعيان بان يكون مشاعا بينهما أو خلطة أوصاف بان يكون مال كل واحد منهما متميزا فخلطاه واشتركا في المراح والمسرح والمشرب والراعي والفحل) الخلفة في السائمة تجعل المالين كالمال الواحد إذا وجدت فيها الشروط المذكورة فتجب فيها الزكاة إذا بلغ المجموع نصابا، فإذا كان لكل واحد منهما عشرون فعليهما شاة وإن زاد المالان على النصاب

[ 531 ]

لم يتغير الفرض حتى يبلغا فريضة ثانية مثل أن يكون لكل واحد منهما ستون شاة فلا يجب عليهما إلا شاة وسواء كانت خلطة أعيان بان تكون الماشية مشتركة بينهما لكل واحد منهما نصيب مشاع مثل أن يرثا نصابا أو يشترياه فيبقياه بحاله أو خلطة أوصاف وهي أن يكون مال كل واحد منهما متميزا فخلطاه واشتركا في الاوصاف التي ذكرناها، وسواء تساويا في الشركة أو اختلفا مثل أن يكون لرجل شاة ولآخر تسعة وثلاثون أو يكون لاربعين رجلا أربعون شاة لكل واحد منهم شاة نص عليهما أحمد

[ 532 ]

وهذا قول عطاء والاوزاعي والليث والشافعي وإسحق وقال مالك انما تؤثر الخلطة إذا كان لكل واحد من الشركاء نصاب، وحكي ذلك عن الثوري وأبي ثور واختاره ابن المنذر وقال أبو حنيفة لا أثر لها بحال لان ملك كل واحد دون النصاب فلم يجب عليه زكاة كما لو انفرد، وعلى قول مالك أن كل واحد منهما يملك أربعين م الغنم فوجبت عليه شاة لقوله عليه الصلاة والسلام " في أربعين شاة شاة ". ولنا ما روى البخاري في حديث أنس " ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة وما كان من خليطين فانهما يتراجعان بينهما بالسوية " ولا يجئ التراجع الا على قولنا في خلطة الاوصاف

[ 533 ]

وقوله " لا يجمع بين متفرق " إنما يكون هذا إذا كان لجماعة فان الواحد يضم بعض ماله إلى بعض وإن كان في أماكن وهكذا قوله " لا يفرق بين مجتمع " ولان للخلطة تأثيرا في تخفيف المؤنة فجاز أن تؤثر في الزكاة كالسوم، وقياسهم مع مخالفة النص غير مسموع. (فصل) ويعتبر للخلطة شروط أربعة (أولها) أن يكون الخليطان من أهل الزكاة فان كان أحدهما ذميا أو مكاتبا لم يعتد يخلطته لانه لا زكاة في ماله فلم يكمل النصاب (الثاني) أن يختلطا في نصاب لما في خمس من الابل أو ثلاثين من البقر أو أربعين من الغنم فان اختلطا فيما دون النصاب لم تؤثر الخلطة سواء كان لهما مال سواه أو لم يكن لان المجتمع دون النصاب فلم تجب الزكاة فيه

[ 534 ]

(الثالث) أن يختلطا في جميع الحول فان اختلطوا في بعضه لم يؤثر اختلاطهم، وبه قال الشافعي في القول الجديد، وقال مالك لا يعتبر اختلاطهم في أول الحول لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع " يعني في وقت الزكاة. ولنا أن هذا مال ثبت له حكم الانفراد في بعض الحول أشبه ما لو انفرد في آخر الحول ولان الخلطة معنى يتعلق به ايجاب الزكاة فاعتبرت في جميع الحول كالنصاب (الرابع) أن يكون اختلاطهم في السائمة وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى. (فصل) ويعتبر لخلطة الاوصاف اشتراكهم في الاوصاف المذكورة وهي ستة (المراح) وهو الذي تروح إليه الماشية، قال الله تعالى (حين تريحون وحين تسرحون) و (المسرح) وهو المرعى الذي

[ 535 ]

ترعى فيه الماشية، و (المحلب) المكان الذى تحلب فيه الماشية، وليس المراد منه خلط اللبن في إناء واحد لان هذا ليس بموافق بل مشقة لما فيه من الحاجة إلى قسم اللبن (والفحل) وهو أن لا يكون فحولة احد المالين لا نطرق غيره (والراعي) وهو أن لا يكون لكل مال راع ينفرد برعايته دون الآخر والاصل في هذه الشروط ما روى سعد بن أبي وقاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة " والخليطان ما اجتمعا في الحوض والفحل والراعي رواه الدار قطني وروي المرعى، وبنحو هذا قال الشافعي وقال بعض أصحاب مالك لا يعتبر إلا شرطان الراعي والمرعى لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق " والاجتماع يحصل بذلك ويسمى خلطة فاكتفي به. ولنا قوله " والخليطان ما اجتمعا في الحوض والراعي والفحل " وحكى ابن أبي موسى عن أحمد أنه لا يعتبر إلا الحوض والراعي والمراح وهو بعيد لانه ترك ذكر الفحل وهو مذكور في الحديث فان قيل

[ 536 ]

فلم اعتبرتم زيادة على هذا، قلنا هذا تنبيه على بقية الشرائط وإلغاء لما ذكروه ولان لكل واحد من هذه الاوصاف تأثيرا فاعتبر كالمرعى، ولا تعتبر نية الخلطة وحكي عن القاضي أنه اشترطها. ولنا قوله عليه السلام " والخليطان ما اجتمعا في الحوض والراعي والفحل " ولان النية لا تؤثر في الخلطة فلا تؤثر في حكمها، ولان المقصود من الخلطة من الارتفاق يحصل بدونها فلم يعتبر وجودها معه كما لا تعتبر نية السوم في السائمة ولا نية السقي في الزروع والثمار. * (مسألة) * (فان اختل شرط منها أو ثبت لهما حكم الانفراد في بعض الحول زكيا زكاة المنفردين فيه) متى اختل شرط من شروط الخلطة المذكورة بطل حكمها لفوات شرطها وصار وجودها كعدمها فيزكي كل واحد ماله ان بلغ نصابا وإلا فلا، وكذلك ان ثبت لهما حكم الانفراد في بعض الحول كرجلين لهما ثمانون شاة بينهما نصفين وكانا منفردين فاختلطا في أثناء الحول فعلى كل واحد منهما عند

[ 537 ]

تمام حوله شاة، وفيما بعد ذلك من السنين يزكيان زكاة الخلطة فان اتفق حولاهما أخرجا شاة عند تمام الحول على كل واحد نصفها، وان اختلف فعلى الاول منهما عند تمام حوله نصف شاة، فإذا تم حول الثاني فان كان الاول أخرجها من غير المال فعلى الثاني نصف شاة أيضا وإن أخرجها من النصاب فعلى الثاني أربعون جزأ من تسعة وسبعين جزأ ونصف من شاة * (مسألة) * (وإن ثبت لاحدهما حكم الانفراد وحده فعليه زكاة المنفرد وعلى الثاني زكاة الخلطة ثم يزكيان فيما بعد ذلك الحول زكاة الخلطة كلما تم حول أحدهما فعليه بقدر ما له منها) يتصور ثبوت حكم الانفراد لاحدهما بان يملك رجلان نصابين فيخلطانهما ثم يبيع أحدهما نصيبه أجنبيا أو يكون لاحدهما نصاب وللآخر، دون النصاب فيختلطان في أثناء الحول فإذا تم حول الاول

[ 538 ]

فعليه شاة، فإذا تم حول الثاني فعليه زكاة الخلطة على التفصيل المذكور ويزكيان فيما بعد ذلك الحول زكاة الخلطة كلما تم حول أحدهما فعليه بقدر ماله منه، فإذا كان المال جميعا ثمانين شاة وأخرج الاول منها شاة عن الاربعين فإذا تم حول الثاني فعليه أربعون جزأ من تسعة وسبعين جزأ فان أخرج الشاة كلها من ملكه وحال الحول الثاني فعلى الاول نصف شاة زكاة الخلطة فان أخرجه وحده فعلى الثاني تسعة وثلاثون جزأ من سبعة وسبعين جزأ ونصف جزء من شاة وإن توالدت شيئا حسب معها (فصل) وإن كان بينهما ثمانون شاة مختلطة مضى عليها بعض الحول فتبايعاها بأن باع كل واحد منهما غنمه صاحبه مختلطة وبقيا على الخلطة لم ينقطع حولهما ولم تزل خلطتهما، وكذلك لو باع بعض غنمه ببعض غنمه من غير إفراد قل المبيع أو كثر فاما إن أفرداها ثم تبايعاها ثم خلطاها وتطاول زمن الانفراد بطل حكم الخلطة، وان خلطاها عقيب البيع ففيه وجهان أحدهما لا ينقطع لان هذا زمن يسير فعفى عنه، والثاني ينقطع لوجود الانفراد في بعض الحول، وإن أفرد كل واحد منهما نصف نصاب

[ 539 ]

وتبايعاه لم ينقطع حكم الخلطة لان ملك الانسان يضم بعضه إلى بعض فكأن الثمانين مختلطة بحالها وكذلك إن تبايعا أقل من النصف، وان تبايعا أكثر من النصف منفردا بطل حكم الخلطة لان من شرطها كونها في نصاب فمتى بقيت فيما دون النصاب صارا منفردين، وقال القاضي تبطل الخلطة في جميع هذه المسائل في المبيع ويصير منفردا وهذا مذهب الشافعي لان عنده أن المبيع بجنسه ينقطع حكم الحول فيه فتنقطع الخلطة بانقطاع الحول وقد بينا فيما مضى أن حكم الحول لا ينقطع إذا باع الماشية بجنسها فلا تنقطع الخلطة لان الزكاة انما تجب في المشترى ببنائه على حول المبيع فيجب أن يبنى عليه في الصفة التي كان عليها، فأما ان كان مال كل واحد منهما منفردا فخلطاه ثم تبايعاه فعليهما في الحول الاول زكاة الانفراد لان الزكاة تجب فيه ببنائه على أول الحول وهو منفرد فيه، ولو كان لرجل نصاب منفردا فباعه بنصاب مختلط زكا كل واحد منهما زكاة الانفراد لان الزكاة في الثاني تجب ببنائه

[ 540 ]

على الاول فيهما كالمال الواحد الذي حصل الانفراد في أحد طرفيه، فان كان لكل واحد منهما أربعون مختلطة مع مال آخر فتبايعاها وبقيت مختلطة لم يبطل حكم الخلطة، وان اشترى أحدهما بالاربعين المختلطة أربعين منفردة وخلطها في الحال، احتمل أن يزكي زكاة الخلطة لانه يبني حولها على حول مختلطة وزمن الانفراد يسير فعفي عنه واحتمل أن يزكي زكاة المنفرد لوجود الانفراد في بعض الحول * (مسألة) * (ولو ملك رجل نصابا شهرا ثم باع نصفه مشاعا أو أعلم على بعضه وباعه مختلطا فقال أبو بكر ينقطع الحول ويستأنفانه من حين البيع) لان النصف المشترى قد انقطع الحول فيه فكأنه لم يجر في حول الزكاة أصلا فلزم انقطاع الحول في الآخر (وقال ابن حامد لا ينقطع حول البائع وعليه عند تمام حوله زكاة حصته) لان حدوث الخلطة لا يمنع ابتداء الحول فلا يمنع استدامته ولانه لو خالط غيره في جميع الحول وجبت الزكاة فإذا خالط في بعضه نفسه وفي نعضه غيره كان أولى بالايجاب وانما بطل حول المبيعة لانتقال الملك فيها والا فهذه العشرون لم تزل مخالطة لمال جار في حول الزكاة

[ 541 ]

وهكذا الحكم فيما إذا كانت الاربعون لرجلين، فباع أحدهما نصيبه أجنبيا فعلى هذا إذا تم حول الاول فعليه نصف شاة. * (مسألة) * (فان أخرجها من المال انقطع حول المشتري لنقصان النصاب) في بعض الحول ألا أن يكون الفقير مخالطا لهما بالنصف الذي صار له فلا ينقص النصاب إذا ويخرج الثاني نصف شاة أيضا على قول ابن حامد. * (مسألة) * (وإن اخرجها من غيره وقلنا الزكاة في العين فكذلك، وإن قلنا في الذمة فعليه عند تمام حوله زكاة حصة) إذا أخرج البائع الزكاة من غير المال في هذه المسألة وقلنا الزكاة تتعلق بالعين، فقال القاضي يجب نصف شاة أيضا لان تعلق الزكاة بالعين لا بمعنى أن الفقراء يملكون جزأ من النصاب بل بمعنى

[ 542 ]

أن تعلق حقهم به، كتعلق ارش الجناية بالجاني فلم يمنع وجوب الزكاة، والصحيح أنه لا شئ على المشتري، ذكره شيخنا وهو قول أبي الخطاب لان تعلق الزكاة بالعين نقص النصاب فمنع وجوب الزكاة على المشتري، ولان فائدة قولنا الزكاة تتعلق بالعين انما تظهر في منع الزكاة وقد ذكره القاضي في غير هذا الموضع، وإن قلنا الزكاة تتعلق بالذمة لم يمنع وجوب الزكاة على المشتري، لان النصاب لم ينقص وعلى قياس هذا لو كان لرجلين نصاب خلطة فباع أحدهما خليطه في بعض الحول فهي عكس المسألة الاولى في الصورة ومثلها في المعنى لانه كان في الاول خليط نفسه ثم صار خليط أجنبي وهاهنا كان خليط أجنبي ثم صار خليط نفسه، ومثله لو كان رجلان متوارثان لهما نصاب خلطة فمات أحدهما في بعض الحول فورثه صاحبه فعلى قياس قول أبي بكر لا يجب عليه شئ حتى يتم الحول على المالين من حين ملكه لهما الا أن يكون أحدهما بمفرده يبلغ نصابا، وعلى قياس قول ابن حامد تجب الزكاة في النصف الذي كان له خاصة إذا تم حوله. * (مسألة) * (وان أفرد بعضه وباعه ثم اختلطا انقطع الحول) ذكره ابن حامد لثبوت حكم الانفراد في البعض، وقال القاضي: يحتمل أن يكون كما لو باعها مختلطة إذا كان زمنا يسيرا لان اليسير معفو عنه * (مسألة) * (وان ملك نصابين شهرا ثم باع أحدهما مشاعا فعلى قياس قول أبي بكر يثب للبائع حكم الانفراد وعليه عند تمام حوله زكاة المنفرد (لثبوت حكم الانفراد له) وعلى قياس

[ 543 ]

قول ابن حامد عليه زكاة خليط) لانه لم يزل مخالطا في جميع الحول (فإذا تم حول المشتري فعليه زكاة خليط وجها واحدا) لكونه لم يثبت به حكم الانفراد أصلا * (مسألة) * (ولو مالك رجل نصابا شهرا ثم ملك آخر لا يتغير به الفرض) مثل أن يملك أربعين شاة في المحرم وأربعين في صفر فعليه زكاة الاول عند تمام حوله شاة لانه ملك نصابا حولا، فإذا تم حول الثاني فعلى وجهين أحدهما لا زكاة فيه لان الجميع ملك واحد فلم يزد فرضه على شاة كما لو اتفقت أحواله، والثاني فيه زكاة خليط لان الاول استقل بشاة فتجب الزكاة في الثاني وهو نصف شاة لاختلاطها بالاربعين الاولى كالاجنبي في المسألة التي قبلها (فصل) فان كان ملك أربعين أخرى في ربيع ففيها وجهان: أحدهما لا زكاة فيها والثاني فيها ثلث شاة لانه ملكها مختلطة بالثمانين المتقدمة. وذكر أبو الخطاب وجها ثالثا أنه يجب في الثاني شاة وكذلك في الثالث لانه نصاب كامل وجبت الزكاة فيه بنفسه أشبه ما لو انفرد وهذا ضعيف لانه لو كان مالك الثاني والثالث أجنبيين ملكاهما مختلطين لم يجب عليهما إلا زكاة خلطة، فإذا كانا لمالك الاول كان أولى لان ضم بعض ملكه إلى بعض أولى من ضم ملك الخليط إلى خليطه * (مسألة) * (وإن كان الثاني يتغير به الفرض، مثل أن يملك مائة شاة فعليه زكاته إذا تم حوله وجها واحدا) كما لو اتفقت أحواله والواجب فيه شاة على الوجه الاول والثالث، لانه لو ملكها دفعة واحدة لم يجب عليه أكثر من شاتين، وعلى الوجه الثاني يجب عليه شاة وثلاثة أسباع شاة لانه لو ملك المالين دفعة واحدة كان عليه فيهما شاتان حصة المائة منها خمسة أسباعهما وهو شاة وثلاثة أسباع، فان كان ملك مائة أخرى في ربيع فعلى الوجه الاول والثالث عليه فيها شاة، وعلى الوجه الثاني عليه شاة وربع لانه لو ملك المائتين وأربعين دفعة واحدة كان عليه فيها ثلاث شياة حصة المائة الثانية منهن

[ 544 ]

ربعهن وسدسهن وذلك شاة وربع، ولو كان المالك للاموال الثلاثة ثلاثة أشخاص وملك الثاني والثالث سائمتهما مختلطة لكان الواجب على الثاني والثالث كالواجب على المالك في الوجه الثاني لا غير (فصل) وإن مك عشرين من الابل في المحرم وخمسا في صفر فعليه في العشرين إذا تم حولها أربع شياه وفي الخمس عند تمام حولها خمس بنات مخاض على الوجهين الاولين، وعلى الوجه الثالث عليه شاة وإن ملك في المحرم خمسا وعشرين وخمسا في صفر، فعليه في الاول عند تمام حوله بنت مخاض ولا شئ عليه في الخمس على الاول وعلى الثاني عليه سدس بنت مخاض، وعلى الثالث عليه شاة فان ملك مع ذلك ستا في ربيع فعليه في الاول عند تمام حوله بنت مخاض ولا شئ عليه في الخمس على الوجه الاول حتى يتم حول الست فيجب فيها ربع بنت لبون ونصف تسعها، وفي الوجه الثاني عليه في الخمس سدس بنت مخاض إذا تم حولها وفي الست سدس بنت لبون، وفي الوجه الثالث عليه في الخمس والست عند تمام حول كل واحد منهما شاة * (مسألة) * (وإذا كان الثاني يتغير به الفرض ولا يبلغ نصابا) مثل أن يملك ثلاثين من البقر في المحرم وعشرا في صفر فعليه في الثلاثين إذا تم حولها تبيع وفي العشر إذا تم حولها ربع مسنة على الوجهين الاولين لان الفريضة الموجبة للمسنة قد كملت وقد أخرج زكاة الثلاثين فوجب في العشر بقسطها من المسنة وهو ربعها، وعلى الوجه الثالث يقتضي أن لا يجب عليه في العشر شئ كما لو ملكها منفردة * (مسألة) * (وان ملك مالا يغير الفرض كخمس فلا شئ فيها على الوجه الاول كما لو ملك الجميع

[ 545 ]

دفعة واحدة وعلى الوجه الثاني عليه سبع تبيع إذا تم حولها، كما لو كان المالك لها أجنبيا ولا شئ عليه فيها في الوجه الثالث). * (مسألة) * (وإذا كان لرجل ستون شاة كل عشرين فيها مختلطة بعشرين لآخر فعلى الجميع شاة نصفها على صاحب الستين ونصفها على الخلطاء على كل واحد سدس شاة) كما لو كانت لشخص واحد ولو كان رجلان لكل واحد منهما ستون فحالط كل واحد منهما صاحبه بعشرين فقط وجب عليهما شاة بينهما نصفين لذلك فان كان له ستون كل عشر منها مختلطة بعشر لآخر فعليه شاة ولا شئ على خلطائه لم يختلطوا (؟) في نصاب كذلك قال أصحابنا * (مسألة) * (وإذا كانت ماشية الرجل متفرقة في بلدين لا تقصر بينهما الصلاة فهي كالمجتمعة يضم بعضها إلى بعض ويزكيها كالمختلطة) لا نعلم في ذلك خلافا وإن كان بينهما مسافة القصر، وكذلك في احدى الروايتين عن احمد. اختارها أبو الخطاب وهو قول سائر العلماء وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لقوله عليه السلام " في أربعين شاة شاة " ولانه ملك واحد أشبه ما لو كان في بلدان متقاربة وكغير السائمة فعى هذا يخرج الفرض في أحد البلدين لانه موضع حاجة (والرواية الثانية) أن لكل مال حكم نفسه يعتبر على حدته إن كان نصابا ففيه الزكاة وإلا فلا، نص عليه احمد. قال ابن المنذر: لا أعلم هذا القول عن غير احمد واحتج يظاهر قوله عليه السلام " لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة " وهذا متفرق فلا يجمع، ولانه لا أثر لاجتماع مالين لرجلين في كونهما كالمال الواحد يجب أن يؤثر افتراق مال الرجل الواحد حتى يجعله كالمالين والحديث محمول على المجتمعة، ولا يصح القياس على غير السائمة لان الخلطة لا تؤثر فيها كذلك الافتراق والبلدان المتقاربة بمنزلة البلد الواحد، والصحيح الاول على

[ 546 ]

ما ببنا وكلام احمد محمول على أن الساعي لا يأخذها، فأما رب المال فيخرج إذا بلغ ماله نصابا فانه قد روي عنه فيمن له مائة شاة في بلدان متفرقة لا يأخذ المتصدق منها شيئا لانه لا يجمع بين متفرق وصاحبها إذا ضبط ذلك وعرفه أخرج هو بنفسه يضعها في الفقراء كذلك رواه الميموني وحنبل عنه * (مسألة) * (ولا تؤثر الخلطة في غير السائمة وعنه أنها تؤثر) لا تؤثر الخلطة في غير السائمة كالذهب والفضة والزروع والثمار وعروض التجارة ويكون حكمهم حكم المنفردين وهذا قول أكثر أهل العلم، وعن أحمد أن شركة الاعيان تؤثر في غير الماشية، فإذا كان بينهم نصاب يشتركون فيه فعليهم الزكاة وهذا قول اسحق والاوزاعي في الحب والتمر قياسا على خلطة الماشية، والمذهب الاول قال احمد: الاوزاعي يقول في الزرع إذا كانوا شركاء يخرج لهم خمسة أوسق فيه الزكاة قاسه على الغنم ولا يعجبنى قول الاوزاعي، فأما خلطة الاوصاف فلا مدخل لها في غير الماشية بحال لان الاختلاط لا يحصل، وخرج القاضي وجها أنها تؤثر لان المؤنة تخف إذا كان الملقح واحدا والناطور والجرين وكذلك أموال التجارة الدكان والمخزن والميزان والبائع فأشبه الماشية ومذهب الشافعي على نحو مذهبنا والصحيح الاول لقول النبي صلى الله عليه وسلم " والخليطان ما اشتركا في الحوض والفحل والراعي " فدل على أن ما لم يوجد فيه ذلك لا يكون خلطة مؤثرة، وقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا يجمع بين متفرق خشية الصدقة " انما يكون في الماشية لان الزكاة يقل جمعها تارة ويكثر أخرى، وسائر الاموال يجب فيما زاد على النصاب بحسابه فلا أثر لجمعها، ولان خلطة الماشية تؤثر في النفع تارة وفي الضرر أخرى، وفي غير الماشية تؤثر ضررا محضا برب المال فلا يصح القياس، فعلى هذا إذا كان لجماعة وقف أو حائط مشترك بينهم فيه ثمرة أو زرع فلا زكاة عليهم إلا أن يحصل في يد بعضهم نصابا

[ 547 ]

فتجب عليه الزكاة، وعلى الرواية الاخرى إذا كان الخارج نصابا ففيه الزكاة، فان كان الوقف نصابا من السائمة وقلنا إن الزكاة تجب في لسائمة الموقوفة فينبغي أن تجب عليهم الزكاة لا شتراكهم في ملك نصاب تؤثر الخلطة فيه * (مسألة) * (ويجوز للساعي أخذ الفرض من مال أي الخليطين شاء هذا ظاهر كلام احمد وسواء دعت الحاجة إلى ذلك بأن تكون الفريضة عينا واحدة لا يمكن أخذها من المالين ونحو ذلك، أو لم تدع الحاجة إلى ذلك بأن يجد فرض كل واحد من المالين فيه. قال احمد: انما يجئ المصدق فيجد الماشية فيصدقها ليس يجئ فيقول: أي شئ لك وأي شئ لك قال الهيثم بن خارجة لابي عبد الله: أنا رأيت مسكينا كانت له في غنم شاتان فجاء المصدق فأخذ احداهما. ووجه ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم " ما كان من خليطين فانهما يتراجعان بينهما بالسوية " يعني إذا أخذ من مال أحدهما، ولان المالين قد صارا كالمال الواحد في وجوب الزكاة فكذلك في اخراجها * (مسألة) * (ويرجع المأخوذ منه على خليطه بحصته من القيمة لما ذكرنا من النص والمعنى) فإذا كان لاحدهما ثلث المال وللآخر ثلثاه فأخذ الفرض من مال صاحب الثلث رجع بثلثي قيمة المخرج على شريكه، وان أخذه من الآخر رجع بالثلث على شريكه * (مسألة) * (فان اختلفا في القيمة فالقول قول المرجوع عليه) إذا عدمت البينة لانه غارم فأشبه الغاصب إذا اختلفا في قيمة المغصوب بعد تلفه وعليه اليمين لانه منكر * (مسألة) * (وإذا أخذ الساعي أكثر من الفرض ظلما لم يرجع بالزيادة على خلبطه) إذا أخذ الساعي أكثر من الفرض بغير تأويل مثل أن يأخذ مكان الشاة شاتين، أو جذعة

[ 548 ]

مكان حقة لم يكن للمأخوذ منه الرجوع الا بقدر الواجب لان شريكه لم يظلمه فلم يكن له الزجوع فيه كغيره، ولانه ظلم اختص به الساعي فلم يرجع به على غيره كما لو غصبه على غير وجه الزكاة * (مسألة) * (وان أخذه بقول بعض العلماء رجع عليه) وذلك مثل أن يأخذ الصحيحة عن المراض والكبيرة عن الصغار لان ذلك إلى اجتهاد الامام فإذا أداه اجتهاده إلى أخذه وجب دفعه وصار بمنزلة الفرض الواجب والساعي نائب الامام فعله كفعل الامام، وكذلك إذا أخذ القيمة يرجع على شريكه بما يخصة منها لما ذكرنا والله أعلم * (باب زكاة الخارج من الارض) * والاصل فيها الكتاب والسنة والاجماع، أما الكتاب فقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الارض) والزكاة تسمى نفقة بدليل قوله تعالى (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله) وقال تعالى (وآتوا حقه يوم حصاده) قال ابن

[ 549 ]

عباس حقة: الزكاة المفروضة. وقال مرة: العشر ونصف العشر، ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " متفق عليه وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " فيما سقت السماء أو كان عثريا العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر " أخرجه البخاري وأبو داود وعن جابر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول " فيما سقت الانهار والغيم العشر، وفيما سقي بالسانبة نصف العشر " رواه مسلم وأبو داود، وأجمع أهل العلم على وجوب الزكاة في الحنطة والشعير والتمر والزبيت حكاه ابن المنذر وابن عبد البر * (مسألة) * (تجب الزكاة في الحبوب كلها وفي كل ثمر يكال ويدخر كالتمر والزبيب واللوز والفستق والنبدق ولا يجب في سائر الثمر ولا في الخضر والزهر والبقول) وجملة ذلك أن الزكاة تجب فيما اجتمع فيه الكيل والادخار من الثمر والحبوب مما ينبته الآدميون سواء كان قوتا كالحنطة والشعير والسلت والارز والذرة والدخن، أو من القطنيات كالباقلا والعدس والماش والحمص، أو من الابازير كالكسفرة والكمون والكراويا أو البزور كبزر الكتان والقثاء

[ 550 ]

والخيار، وحب البقول كالرشاد، حب الفجل والقرطم والترمس والسمسم وسائر الحبوب. ويجب أيضا فيما جمع هذه الاوصاف من الثمار كالتمر والزبيب والقشمش واللوز والفستق والبندق. ولا زكاة في سائر الفواكه من الخوخ والرمان والاجاص والكمثرى والتفاح والمشمش والتين والجوز ونحوه، ولا في الخضر كالقثاء والخيار والباذنجان واللفت والجزر، وبهذا قال عطاء في الحبوب كلها ونحوه قول أبي يوسف ومحمد. وقال أبو عبد الله ابن حامد: لا شي في الابازير، ولا البزور، ولا حب البقول ولعله لا يوجب الزكاة الا فيما كان قوتا، أو أدما لان ما عداه لا نص فيه ولا هو في معنى المنصوص عليه فيبقى على النفي الاصلي، وقال مالك والشافعي لا زكاة في ثمر إلا التمر والزبيب ولا في حب الا ما كان قوتا في حالة الاختيار - لذلك إلا في الزيتون على اختلاف، وحكي عن أحمد، لا زكاة الا في الحنطه والشعير والتمر والزبيب، وهذا قول ابن عمر وموسى بن طلحة والحسن وابن سيرين والشعبي وابن أبي ليلى وابن المبارك. والسلت وهو نوع من الشعير ووافقهم ابراهيم وزاد الذرة ووافقهم ابن عباس وزاد الزيتون لان ما عدا هذا لا نص فيه ولا اجماع ولا هو في معنى المنصوص ولا المجمع عليه فيبقى على الاصل وقد

[ 551 ]

روى عمر وبن شعيب عن أبية عن عبد الله بن عمر وأنه قال انما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحنطة والشعير والتمر والزبيب، وعن أبي بردة عن أبي موسى ومعاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثهما إلي اليمن يعلمان الناس أمر دينهم فأمرهمم أن لا يأخذوا الصدقة الا من هذه الاربعة الحنطة والشعير والتمر والزبيب، رواهن الدار قطني ولان غير هذه الاربعة لا يساويها في غلبة الاقتيات بها، وكثرة نفعها ووجودها فلا يصح قياسه عليها، وقال أبو حنيفة في كل ما يقصد بزراعته نماء الارض إلا الحطب والقصب والحشيش، لقوله عليه السلام " فيما سقت السماء العشر " وهو عام ولان هذا يقصد بزراعته نماء الارض أشبه الحبوب. ولنا (1) عموم قوله عليه السلام " فيما سقت السماء العشر " وقوله لمعاذ " خذ الحب من الحب " خرج منه ما لا يكال وما ليس بحب بمفهوم قوله عليه السلام " ليس في حب ولا ثمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق " رواه مسلم والنسائي وعن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ليس في الخضراوات صدقة " وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ليس فيما أنبتت الارض من الخضر صدقة " رواهما الدار قطني وقال موسى بن طلحة جاء الاثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في خمسة أشياء " الشعير والحنطة والسلت

[ 552 ]

والزبيب والتمر وما سوى ذلك مما أخرجت الارض فلا عشر فيه " وروى الاثرم باسناده أن عامل عمر كتب إليه في كروم فيها من الفرسك والرمان ما هو أكثر غلة من الكروم أضعافا فكتب إليه عمر ليس عليها عشر هي من العضاة (فصل) ولا يجب فيما ليس بحب ولا ثمر سواء وجد فيه الكيل والادخار أو لا فلا يجب في ورق مثل السدر والخطمي والاشنان والصعتر والآس ونحوه لانه ليس بمنصوص عليه ولا في معناه ولان قوله عليه السلام " ليس في حب ولا ثمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق " يدل على أن الزكاة لا تجب في غيرهما، قال ابن عقيل ولانه لا زكاة في ثمر السدر فورقه أولى، ولان الزكاة لا تجب في الحب المباح ففي الورق أولى، وقال أبو الخطاب تجب الزكاة في الصعتر والاشنان لانه مكيل مدخر والاول أولى لما ذكرنا ولانه ليس بمنصوص ولا هو في معنى المنصوص، ولا تجب في الزهر كالزعفران والعصفر والقطن لانه ليس بحب ولا تمر ولا مكيل فلم تجب فيه الزكاة وكالخضراوات قال أحمد ليس في القطن شئ وقال ليس في الزعفران زكاة وهذا ظاهر كلام الخرقي واختيار أبي بكر، وروي عن علي رضي الله عنه ليس في الفاكهة والبقل والتوابل والزعفران زكاة، وعنه انها تجب في الزيتون والقطن والزعفران إذا بلغا بالوزن نصابا، وروي عن أحمد رواية أخرى أن في القطن والزعفران زكاة، وخرج أبو الخطاب في العصفر والورس وجها قياسا على الزعفران، وقال القاضي الورس عندي بمنزلة الزعفران يخرج

[ 553 ]

على روايتين لاجتماع الكيل والادخار فيه أشبه الجنوب والاول أولى، وهذا مخالف لاصول أحمد فان المروي عنه روايتان احداهما أنه لا زكاة إلا في الاربعة، والثانية أنها تجب في الحنطة والشعير والتمر والزبيب والذرة والسلت والارز والعدس وكل شئ يقوم مقام هذه حتى يدخر ويجري فيه القفيز مثل اللوبيا والحمص والسماسم والقطنيات ففيه الزكاة وهذا لا يجري فيه القفيز ولا هو في معنى ما سماه وإذا قلنا بوجوب الزكاة في القطن احتمل أن يجب في الكتان والقنب لانه في معنى القطن ولا تجب الزكاة في التين وقشور الحب كما لا تجب في كرب النخل وخوصه (فصل) واختلفت الرواية في الزيتون عن أحمد فقال في رواية ابنه صالح: فيه العشر إذا بلغ. يعني خمسة أوسق وان عصر قوم ثمنه لان الزيت له بقاء، وهذا قول الزهري والاوزاعي ومالك والليث والثوري وأبي ثور وأصحاب الرأي واحد قولي الشافعي، وروي عن ابن عباس لقول الله تعالى.

[ 554 ]

(وأتوا حقه يوم حصاده) في سياق قوله تعالى (والزيتون والرمان) ولانه يمكن ادخار غلته أشبه التمر، وروي عنه لا زكاة فيه نقلها عنه يعقوب بن بختان وهو اختيار أبي بكر وظاهر كلام الخرقي وهذا قول ابن أبي ليلى والحسن بن صالح وأبي عبيد وأحد قولي الشافعي لانه لا يدخر يابسا فهو كالخضراوات ولانه لم يرد بها الزكاة لانها مكية، والزكاة انما فرضت بالمدينة ولهذا ذكر الرمان ولا عشر فيه، وقال النخعي وأبو جعفر هذه الآية منسوخة على أنها محمولة على ما يتأتى حصاده بدليل أن الرمان مذكور بعده ولا زكاة فيه (فصل) (ونصابه خمسة أوسق) نص عليه أحمد في رواية صالح. فاما نصاب الزعفران والقطن وما الحق بهما من الموزونات فهو الف وستمائة رطل بالعراقي لانه ليس بمكيل فيقوم وزنه مقام كيله ذكره القاضي في المجرد. وحكي عنه إذا بلغت قيمته نصابا من أدنى ما تخرجه الارض مما فيه الزكاة ففيه الزكاة وهذا قول أبي يوسف في الزعفران لانه لا يمكن اعتباره بنفسه فاعتبر بغيره كالعروض تقوم بادنى النصابين من الاثمان، وقال أصحاب الشافعي في الزعفران تجب الزكاة في قليله وكثيره وحكاه القاضي في المجرد قولا في المذهب، قال شيخنا رحمه الله ولا أعلم لهذين القولين دليلا ولا أصلا يعتمد عليه ويردهما قول النبي صلى الله عليه وسلم " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " ولان إيجاب الزكاة في قليله وكثيره مخالف لجميع أموال الزكاة واعتباره بغيره مخالف لجميع ما يجب فيه العشر واعتباره باقل ما تجب الزكاة فيه قيمة لا نظير له أصلا، ولا يصح قياسه على العروض لانها لا تجب الزكاة في عينها وانما تجب في قيمتها فيؤدي من القيمة التي اعتبرت بها والقيمة

[ 555 ]

ترد إليها كل الاموال المتقومات فلا يلزم من الرد إليها الرد إلى ما لم يرد إليه شئ أصلا ولا تخرج الزكاة منه ولان هذا مال تخرج الزكاة من جنسه فاعتبر بنفسه كالحبوب * (مسألة) * (وقال ابن حامد لا زكاة في حب البقول كحب الرشاد والابازير كالكسفرة والكمون وبزر القثاء والخيار ونحوه لما ذكرنا) * (مسألة) * (ويعتبر لوجوبها شرطان أحدهما أن يبلغ نصابا قدره بعد التصفية في الحبوب والجفاف في الثمار خمسة أوسق) لا تجب الزكاة في شئ من الزروع والثمار حتى تبلغ خمسة أوسق، هذا قول أكثر أهل العلم منهم ابن عمر وجابر وأبو أمامة بن سهل وعمر بن عبد العزيز والحسن وعطاء ومكحول والنخعي ومالك وأهل المدينة والثوري والاوزاعي والشافعي وأبو يوسف ومحمد ولا نعلم أحدا خالف فيه إلا مجاهدا وأبا حنيفة ومن تابعة قالوا تجب الزكاة في قليل ذلك وكثيره لعموم قوله عليه السلام " فيما سقت السماء العشر " ولانه لا يعتبر له حول فلا يعتبر له نصاب كالركاز ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " وهذا خاص يجب تقديمه على ما رووه كما خصصنا قوله " في سائمة الابل الزكاة " بقوله " ليس فيما دون خمس ذود صدقة " وقوله " في الرقة ربع العشر " بقوله " ليس فيما دون خمس اواق صدقة " ولانه مال تجب فيه الزكاة فلم تجب في يسيره كسائر الاموال الزكوية وانما لم يعتبر الحول لانه يكمل نماؤه باستحصاده لا ببقائه، واعتبر الحول في غيره لانه مظنة لكمال النماء في سائر الاموال، والنصاب اعتبر ليبلغ حدا يحتمل المواساة منه فلهذا اعتبر فيه، يحققه أن الصدقة انما تجب على الاغنياء لما ذكرنا فيما تقدم ولا يحصل الغنى بدون النصاب فهو كسائر الاموال الزكوية: (فصل) وتعتبر الخمسة الاوسق بعد التصفية في الحبوب، والجفاف في الثمار، فلو كان له عشرة أوسق عنبا لا يجئ منها خمسة أوسق زبيبا لم يجب عليه شئ لانه حال وجوب الاخراج منه فاعتبر النصاب بحاله حينئذ. * (مسألة) * (والوسق ستون صاعا، والصاع خمسة أرطال وثلث بالعراقي، فيكون ذلك الفا وستمائة رطل). الوسق ستون صاعا بغير خلاف حكاه ابن المنذر، وروى الاثرم باسناده عن سلمة بن صخر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " الوسق ستون صاعا " وروى أبو سعيد وجابر نحوه رواه ابن ماجه، والصاع خمسة أرطال وثلث بالعراقي وفيه خلاف بين العلماء، وقد ذكرنا في كتاب الطهارة ذلك وبيناه فيكون

[ 556 ]

النصاب الفا وستمائة رطل بالعراقي كما ذكر، والرطل العراقي مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم، ووزنه بالمثاقيل تسعون ثم زيد في الرطل مثقال واحد وهو درهم وثلاثة أسباع، فصار إحد وتسعين مثقالا كمل وزنه بالدراهم مائة وثلاثون درهما، والاعتبار به قبل الزيادة فيكون الصاع بالرطل الدمشقي الذي وزنه ستمائة درهم رطلا وسبعا، وتكون خمسة الاوسق ثلثمائة واثنين وأربعين رطلا وستة أسباع رطل، والنصاب معتبر بالكيل لان الاوساق مكيلة، وإنما نقلت إلى الوزن لتضبط وتحفظ وتنقل لعدم امكان ضبط الكيل، ولذلك تعلق وجوب الزكاة بالمكيلات دون الموزونات، والمكيلات تختلف في الوزن فمنها الثقيل كالحنطة والعدس ومنها الخفيف كالشعير والذرة ومنها المتوسط، وقد نص أحمد على أن الصاع خمسة أرطال وثلث من الحنطة، رواه عنه جماعة وقال حنبل: قال أحمد أخذت الصاع من أبي النضر وقال أبو النضر أخذته من ابن أبي ذئب وقال هذا صاع النبي صلى الله عليه وسلم الذي يعرف بالمدينة، قال أبو عبد الله فاخذنا العدس فعبرنا به وهو أصلح ما يكال به لانه لا يتجافى عن مواضعه فكلنا به ثم وزناه فإذا هو خمسة أرطال وثلث، قال هذا أصلح ما وقفنا عليه وما بين لنا من صاع النبي صلى الله عليه وسلم فمتى بلغ القمح الفا وستمائة رطل أو نحوه من العدس ففيه الزكاة لانهم قدروا الصاع بالثقيل، فاما الخفيف فتجب الزكاة فيه إذا قارب هذا وإن لم يبلغه، ومتى شك في وجوب الزكاة فيه ولم يجد مكيا لا يقدر به فالاحتياط الاخراج، فان لم يخرج فلا حرج، لان الاصل عدم وجوب الزكاة فلا تجب بالشك: (فصل) قال القاضي، النصاب معتبر تحديدا فمتى نقص شيئا لم تجب الزكاة لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " إلا أن يكون نقصا يسيرا يدخل في المكاييل، كالاوقية ونحوها فلا عبرة به لان مثل ذلك يجوز أن يدخل في المكاييل، فلا ينضبط فهو كنقص الحول ساعة أو ساعتين. * (مسألة) * (قال إلا الارز والعلس - نوع من الحنطة يدخر في قشره -، فان نصاب كل واحد منهما مع قشره عشرة أوسق) العلس نوع من الحنطة يدخر في قشره زعم أهله أنه يخرج على النصف، وأنه إذا أخرج من قشره لا يبقى بقاء غيره فاعتبر نصابه في قشره للضرر في اخراجه، فإذا بلغ بقشره عشرة أوسق ففيه العشر لان فيه خمسة أوسق حبا، وإن شككنا في بلوغه نصابا خير صاحبه بين إخراج عشره، وبين اخراجه من قشره كقولنا في مغشوش الذهب والفضة ولا يجوز تقدير غيره من الحنطة في قشره ولا إخراجه قبل تصفيته لان العادة لم تجربة، ولا تدع الحاجة إليه ولا نعلم قدر ما يخرج منه

[ 557 ]

(فصل) ونصاب الارز كنصاب العلس كذلك ذكره أبو الخطاب لانه يدخر مع قشره، وإذا خرج من قشره لا يبقى بقاء ما في القشر فهو كالعلس فيما ذكرنا سواء، وقال بعض أصحابنا لا يعتبر نصابه بذلك الا أن يقول ثقات من أهل الخبرة إنه يخرج على النصف فيكون كالعلس فعلى هذا متى لم يوجد ثقات يخبرون بهذا، أو شككنا في بلوغه نصابا خير ربه بين تصفيته وبين الاخراج، ليعلم قدره كمغشوش الاثمان. * (مسألة) * (وعنه أنه يعتبر نصاب ثمرة النخل والكرم رطبا ويؤخذ عشره يابسا) روى الاثرم عن أحمد أنه يعتبر نصاب النخل والكرم عنبا ورطبا ويؤخذ منه مثل عشر الرطب تمرا اختاره أبو بكر، قال شيخنا وهذا محمول على أنه أراد يؤخذ عشر ما يجئ منه من التمر إذا بلغ رطبها خمسة أوسق لان إيجاب قدر عشر الرطب من التمر ايجاب لاكثر من العشر وذلك يخالف النص والاجماع فلا يجوز حمل كلام الامام عليه، وظاهر ما حكى عنه الاثرم أنه يؤخذ مقدار عشر الرطب يابسا فانه روي أنه قيل لاحمد خرص عليه مائة وسق رطبا يعطيه عشرة أوسق تمرا؟ قال نعم على ظاهر الحديث والصحيح الاول لما ذكرنا.

[ 558 ]

* (مسألة) * (وتضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض في تكميل النصاب) تضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض سواء اتفق وقت اطلاعها وإدراكها أو اختلف فلو أن الثمرة جدت ثم أطلعت أخرى وجدت ضم احداهما إلى الاخرى، وكذلك زرع العام الواحد يضم بعضه إلى بعض في تكميل النصاب كما قلنا في الثمرة سواء اتفق زرعه وادراكه أو اختلف، ويضم الصيفي إلى الربيعي ولو حصدت الدخن والذرة ثم نبتت أصولها ضم أحدهما إلى الآخر لان الجميع زرع عام واحد فضم بعضه إلى بعض كما لو تقارب زرعه وادراكه. * (مسألة) * (فان كان له نخل يحمل في السنة حملين ضم أحدهما إلى الاخر. وقال القاضي لا يضم) وهو قول الشافعي لانه حمل ينفصل عن الاول فكان حكمه حكم عام آخر كحمل العامين، وان كان له نخل يحمل مرة ونخل يحمل حملين ضممنا الحمل الاول إلى الحمل المنفرد ولم يجب في الثاني شئ الا أن يبلغ بمفرده نصابا، والصحيح الاول اختاره أبو الخطاب وابن عقيل لانها ثمرة عام واحد فضم بعضها إلى بعض كزرع العام الواحد وكالذرة التي تنبت مرتين، ولان الحمل الثاني يضم إلى الحمل المنفرد لو لم يكن حمل أول فكذلك إذا كان لان وجود الحمل الاول لا يصلح أن يكون مانعا بدليل حمل الذرة الاول وبها يبطل ما ذكروه من الانفصال.

[ 559 ]

* (مسألة) * (ولا يضم جنس إلى آخر في تكميل النصاب وعنه أن الحبوب يضم بعضها إلى بعض وعنه تضم الحنطة إلى الشعير والقطنيات بعضها إلى بعض) القطنيات بكسر القاف جمع قطنية ويجمع أيضا قطاني، قال أبو عبيد هي صنوف الحبوب من العدس والحمص والارز والجلبان والجلجلان وهو السمسم، وزاد غيره الدخن واللوبيا والفول والماش وسميت قطنية فعلية من قطن يقطن في البيت أي يمكث فيه. وجملة ذلك أنه لا خلاف بين أهل العلم في غير الحبوب والاثمان أنه لا يضم جنس إلى جنس آخر في تكميل النصاب، فالماشية ثلاثة أجناس الابل والبقر والغنم لا يضم جنس إلى غيره وكذلك الثمار لا يضم جنس إلى آخر فلا يضم التمر إلى الزبيب ولا إلى غيره من الثمار ولا تضم الاثمان إلى السائمة ولا إلى الحبوب والثمار، ولا خلاف بينهم فيما ذكرنا من أن أنواع الاجناس يضم بعضها إلى بعض في الكمال النصاب ولا نعلم بينهم خلافا في أن العروض والاثمان يضم كل واحد منهما إلى الآخر إلا أن الشافعي لا يضمها الا إلى جنس ما اشتريت به لان نصابها عنده معتبر بذلك. فاما الحبوب فاختلفوا في ضم بعضها إلى بعض، وفى ضم أحد النقدين إلى الآخر، فروي عن أحمد في الحبوب ثلاث روايات احداهن لا يضم جنس منها إلى غيره، ويعتبر النصاب في كل جنس

[ 560 ]

مفردا وهذا قول عطاء ومكحول وابن أبي ليلى والاوزاعي والثوري والحين بن صالح وشريك والشافعي وأبي ثور وأبي عبيد وأصحاب الرأي لانها أجناس فاعتبر النصاب في كل واحد منفردا كالنصاب والمواشي والثانية: أن الحبوب كلها يضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب اختارها أبو بكر وهذا قول عكرمة وحكاه ابن المنذر عن طاوس لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا زكاة في حب ولا ثمر حتى يبلغ خمسة أوسق " فمفهومه وجوب الزكاة فيه إذا بلغ خمسة أوسق، ولانها تتفق في النصاب وقدر المخرج فوجب ضم بعضها إلى بعض كانواع الجنس وهذا الدليل منتقض بالثمار. والثالثة: أن الحنطة تضم إلى الشعير وتضم القطنيات بعضها إلى بعض، حكاها الخرقي ونقلها أبو الحرث عنه قال القاضي وهذا هو الصحيح وهو مذهب مالك والليث إلا أنه زاد فقال الذرة والدخن والارز والقمح والشعير صنف واحد لان هذا كله مقتات فضم بعضه إلى بعص كانواع الحنطة، وقال الحسن والزهرى تضم الحنطة إلى الشعير لانها تتفق في الاقتيات والمنبت والحصاد والمنافع فوجب ضمها كما يضم العلس إلى الحنطة والاولى أصح ان شاء الله لانها أجناس يجوز التفاضل فيها فلم يضم بعضها إلى بعض كالثمار ولا يصح القياس على العلس مع الحنطة لانه نوع منها، وإذا انقطع القياس لم يجز إيجاب الزكاة بالتحكم ولا يوصف غير معتبر ثم هو باطل باثمر فانها تتفق فيما ذكروه ولا يضم

[ 561 ]

بعضها إلى بعض ولا خلاف فيما نعلمه في ضم الحنطة إلى العلس لانه نوع منها وعلى قياسه السلت إلى الشعير (فصل) ولا تفريع على الروايتين الاوليين لوضوحهما. فاما الثالثة وهي ضم الحنطة إلى الشعير والقطنيات بعضها إلى بعض فان الذرة تضم إلى الدخن لتقاربهما في المقصد فانهما بتخذان خبزا وادما وقد ذكر من جملة القطنيات فيضمان إليها والبزور لا تضم إلى القطنيات ولا إلى الابازير وينبغي أن يضم بعضها إلى بعض وكل ما تقارب من الحبوب ضم بعضه إلى بعض والا فلا، وما شككنا فيه لا يضم لان الاصل عدم الوجوب فلا يجب بالشك (فصل) ومتى قلنا بالضم فان الزكاة تؤخذ من كل جنس على قدر ما يخصه ولا يؤخذ من جنس عن غيره، فاننا إذا قلنا في أنواع الجنس يؤخذ من كل نوع ما يخصه ففي الاجناس مع تقارب مقاصدها أولى. الثاني أن يكون النصاب مملوكا له وقت وجوب الزكاة فلا زكاة فيما يكتسبه اللقاط ولا فيما يأخذه أجرة بحصاده نص عليه أحمد وقال هو بمنزلة المباحات ليس فيه صدقة فهو كما لو اتهبه وكذلك

[ 562 ]

ما ينبت من المباح الذي لا يملك الا باخذه كالبطم والعفص والزعبل وهو شعير الجبل وبزر قطونا وحب الثمام وبزر البقلة وحب الاشنان إذا أدرك حصلت فيه مزوزة وملوحة وأشباه هذا ذكروه ابن حامد لانه انما يملك بحيازته وأخذه، والزكاة انما تجب فيه إذا بدا صلاحه وفي تلك الحال لم يكن مملوكا له فلا يتعلق به الوجوب كالذي يلتقطه اللقاط وكالموهب له وقال أبو الخطاب فيه الزكاة لاجتماع الكيل والادخار فيه، والصحيح الاول لما ذكرنا، وقال القاضي فيه الزكاة إذا نبت في أرضه يعنى في المباح ولعله بنى هذا على أن ما ينبت في أرضه من الكلا يملكه، والصحيح خلافه فاما ما ينبت في أرضه مما يزرعه الآدميون كمن سقط في أرضه حب من الحنطة أو الشعير فنبتت ففيه الزكاة لانه يملكه ولو اشترى زرعا بعد بدو الصلاح فيه أو ثمرة قد بدا صلاحها أو ملكها بجهة من جهات الملك لم تجب فيه الزكاة وسنذكر ذلك ان شاء الله تعالى. (فصل) (ويجب العشر فيما سقي بغير مؤنة كالغيث والسيوح وما يشرب بعروقه. ونصف العشر فيما سقي بكلفة كالدوالي والنواضح) وهذا قول مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه خلافا لقول النبي صلى الله عليه وسلم " فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر " رواه البخاري، قال أبو عبيد العثري ما تسقيه السماء وتسميه العامة العدي، وقال القاضي هو الماء المستنقع في بركة أو نحوها يصب إليه ماء المطر في سواقي تشق له فإذا اجتمع سقي منه واشتقاقه من العاثور وهي الساقية التي يجري فيها الماء لانه يعثر بها من يمر بها، والنواضح الابل يستقى عليها لشرب الارض وهى السواني أيضا وعن معاذ قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرني أن آخذ مما سقت السماء أو سقي بعلا العشر وما سقي بدالية نصف العشر قال أبو عبيد البعل ما يشرب بعروقه من غير سقي، وفي الجملة كل ما سقي بكلفة أو

[ 563 ]

مؤنة من دالية أو سانية أو دولاب أو ناعورة أو نحو ذلك ففيه نصف العشر وما سقي بغير مؤنة ففيه العشر لما ذكرنا من النص ولان للكلفة تأثيرا في اسقاط الزكاة بالكلية في المعلوفة ففي تخفيفها أولى ولا يؤثر حفر الانهار والسواقي في نقصان الزكاة لان المؤنة تقل فيه لكونها من جملة إحياء الارض ولا يتكرر كل عام وكذلك احتياجها إلى من يسقيها ويحول الماء في نواحيها ولان ذلك لا بد منه في السقي بكلفة أيضا فهو زيادة على المؤنة فجرى مجرى حرث الارض وتسحيتها ون كان الماء يجري من النهر في ساقية إلى الارض ويستقر في مكان قريب من وجهتها الا أنه لا يصل إليها الا بغرف أو دولاب فهو من الكلفة المسقطة لنصف العشر ولان مقدار الكلفة وقرب الماء وبعده لا يعتبر والضابط لذلك الاحتياج في ترقية الماء إلى الارض إلى آلة أو نضح أو دالية أو نحو ذلك وقد وجد. * (مسألة) * (فان سقى نصف السنة بهذا ونصفها بهذا ففيه ثلاثة أرباع العشر) وهذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه مخالفا لان كل واحد منهما لو وجد في جميع السنة لا رجب مقتضاه، فإذا وجد في نصفها أوجب نصفه، وان سقى باحدهما أكثر من الآخر اعتبر أكثرهما نص عليه أحمد وهو قول عطاء والثوري وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي لان اعتبار مقدار السقي وعدد مراته وقدر ما يشرب في كل سقية يشق فاعتبر الاكثر كالسوم في الماشية وقال ابن حامد تؤخذ بالقسط وهو القول الثاني للشافعي لان ما وجب فيه بالقسط عند التماثل وجب عند التفاضل كفطرة العبد المشترك، وان جهل المقدار وجب العشر احتياطا نص عليه أحمد في رواية عبد الله لان الاصل وجوب العشر وانما يسقط بوجود الكلفة فما لم يتحقق المسقط يبقى على الاصل ولان الاصل عدم الكلفة في الاكثر فلا يثبت وجودها مع الشك فيه، وان اختلف رب المال والساعي في أيها سقى به أكثر فالقول قول رب المال بغير يمين فان الناس لا يستحلفون على صدقاتهم (فصل) وإذا كان لرجل حائطان يسقى أحدهما بمؤنة والآخر بغيرها ضم غلة أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب وأخرج من الذي سقي بغير مؤنة عشره ومن الآخر نصف عشره، كما يضم أحد النوعين إلى الآخر ويخرج من كل منهما ما وجب فيه. * (مسألة) * (وإذا اشتد الحب وبدا الصلاح في الثمر وجبت الزكاة) لانه حينئذ يقصد للاكل والاقتيات به فاشبه الياس وقبله لا يقصد لذلك فهو كالرطبة وقال ابن أبي موسى تجب زكاة الحب يوم حصاده لقوله عزوجل (وآتوا حقه يوم حصاده) وفائدة الخلاف أنه

[ 564 ]

لو تصرف في الثمرة أو الحب قبل الوجوب لا شئ عليه كما لو أكل السائمة أو باعها قبل الحول، وان تصرف فيها بعد الوجوب لم تسقط الزكاة كما لو فعل ذلك في السائمة، فان قطعها قبل ذلك سقطت الا أن يقطعها فرارا من الزكاة فتلزمه لانه فوت الواجب بعد انعقاد سببه، أشبه ما لو طلق امرأته في مرض موته. * (مسألة) * (ولا يستقر الوجوب الا بجعلها في الجرين وبجعل الزرع في البيدر فان تلفت قبله بغير تعد منه سقطت الزكاة سواء كانت خرصت أو لم تخرص) إذا خرص وترك في رؤس النخل فعليهم حفظه فان أصابته جائحة فلا شئ عليه إذا كان قبل الجداد نص عليه أحمد وحكاه ابن المنذر اجماعا ولانه قبل الجداد في حكم ما لم تثبت عليه اليد بدليل أنه لو اشترى ثمرة فتلفت بجائحة رجع بها على البائع، وإن تلف بعض الثمرة فقال القاضي إن كان الباقي نصابا ففيه الزكاة وإلا فلا وهذا القول يوافق قول من قال إنه لا تجب الزكاة فيه الا يوم حصاده لان وجود النصاب شرط في الوجوب فمتى لم يوجد وقت الوجوب لم يجب، وأما من قال إن الوجوب يثبت إذا بدا الصلاح واشتد الحب فقياس قوله إن تلف البعض ان كان قبل الوجوب فهو كما قال القاضي وان كان بعده وجب في الباقي بقدره سواء كان نصابا أو لم يكن لان المسقط اختص بالبعض فاختص السقوط به كما لو تلف بعض نصابر السائمة بعد وجوب الزكاة فيها وهذا فيما إذا تلفت بغير تفريطه ولا عدوانه، فاما إن أتلفها أو تلفت بتفريطه بعد الوجوب لم تسقط عنه الزكاة، وإن كان

[ 565 ]

قبل الوجوب سقطت الا أن يقصد بذلك الفرار من الزكاة فيضمنها ولا تسقط عنه لما ذكرنا * (مسألة) * (ومتى ادعى رب المال تلفها من غير تفريطه قبل قوله من غير يمين سواء كان ذلك قبل الخرص أو بعده ويقبل قوله أيضا في قدرها وكذلك في سائر الدعاوى قال أحمد لا يستحلف الناس على صدقاتهم وذلك لانه حق لله تعالى فلا يستحلف فيه كالصلاة والحد) (فصل) وان أحرز الثمرة في الجرين أو الحب في البيدر استقر وجوب الزكاة عليه عند من لم ير التمكين من الاداء شرطا في استقرار الوجوب فان تلف بعد ذلك لم تسقط الزكاة عنه وعليه ضمانها كما لو تلف نصاب الاثمان بعد الحول وعلى قولنا في الرواية الاخرى التمكن من الاداء معتبر لا يستقر الوجوب فيها حتى تجف الثمرة ويصفى الحب ويتمكن من الاداء فلا يؤدي وان تلف قبل ذلك فلا شئ عليه على ما ذكرنا من قبل. (فصل) ويصح تصرف المالك في النصاب قبل الخرص وبعده بالبيع والهبة وغيرهما فان باعه أو وهبه بعد بدو صلاحه فصدقته على البائع والواهب، وبهذا قال الحسن ومالك والثوري والاوزاعي وهو قول الليث الا أن يشترطها على المبتاع لانها كانت واجبة عليه قبل البيع فبقي الوجوب على ما كان عليه وعليه اخراج الزكاة من جنس المبيع، وعنه أنه مخير بين ذلك وبين أن يخرج من الثمن بناء على جواز اخراج القيمة في الزكاة، والصحيح الاول ولان عليه القيام بالثمرة حتى يؤدي الواجب فيها ثمرا فلا يسقط ذلك عنه ببيعها ويتخرج أن تجب الزكاة على المشتري عند من قال إن الزكاة إنما تجب

[ 566 ]

يوم الحصاد لان الوجوب إنما تعلق بها في ملكه فكانت عليه، ولو اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها ثم بدا صلاحها في يده على وجه صحيح كمن اشترى شجرة مثمرة واشترط ثمرتها أو وهبت له ثمرة قبل بدو صلاحها فبدا صلاحها في يده أو وصي له بالثمرة فقبلها بعد موت الموصي ثم بدا صلاحها فالصدقة عليه في هذه الصور لان سبب الوجوب وجد في ملكه فهو كما لو ملك عبدا أو ولد له ولد آخر يوم من رمضان وجبت عليه فطرته * (فصل) * وإذا اشترى الثمرة قبل بدو صلاحها فتركها حتى بدا صلاحها من غير شرط القطع فالبيع باطل وزكاتها على البائع وإن شرط القطع بطل البيع أيضا ويكون كما لو لم يشترط القطع القطع وعنه أنه صحيح ويشتركان في الزيادة فعلى هذا يكون على المشتري زكاة حصته منها إن بلغت نصابا فان لم يكن المشترى من الزكاة فلا صدقة فيها فان عاد البائع فاشتراها بعد بدو الصلاح فلا زكاة فيها إلا أن يكون قصد ببيعها الفرار من الزكاة فلا تسقط * (مسألة) * (ويجب إخراج زكاة الحب مصفى والثمر يابسا) لانه أوان الكمال وحال الادخار. والمؤنة التي تلزم الثمرة إلى حين الاخراج على رب المال لان الثمرة كالماشية ومؤنة الماشية وحفظها ورعيها على ربها إلى حين الاخراج كذلك هذا فان أخذ الساعي الزكاة قبل التجفيف فقد أساء ويرده إن كان رطبا بحاله وان تلف رد مثله، وان جففه وكان قدر الزكاة فقد استوفى الواجب وان كان دونه أخذ الباقي وان كان زائدا رد الفضل وإن كان المخرج رب المال لم يجزه ولزمه إخراج الفرض بعد التجفيف لانه أخرج غير الفرض فلم يجزه كما لو أخرج الصغيرة من الماشية عن الكبار. * (مسألة) * (فان احتيج إلى قطع الثمرة قبل كمالها وبعد بدو الصلاح للخوف من العطش أو

[ 567 ]

لضعف الاصل جاز قطعها لان حق الفقراء انما يجب على طريق المواساة فلا يكلف الانسان ما يهلك أصل ماله). ولان حفظ الاصل أحظ للفقراء من حفظ الثمرة لان حقهم يتكرر بحفظها في كل سنة فهم شركاء رب النخل ثم ان كان يكفي تخفيف الثمرة دون قطع جميعها خففها وان لم يكف الا قطع الجميع جاز وكذلك ان قطع بعض الثمرة لتحسين الباقي وكذلك ان كان عنبا لا يجئ منه زبيب كالخمري أو رطا لا يجئ منه تمر كالبرني والهلبات فانه يخرج منه عنبا ورطبا للحاجة ولان الزكاة مواساة فلم تجب عليه من غير ما عنده كردئ الجنس، وقال القاضي يخير الساعي إذا أردا ذلك رب المال بين أن يقاسم رب المال قبل الجداد بالخرص ويأخذ نصيبهم نخلات منفردة يأخذ ثمرتها وبين أن يجدها ويقاسمه اياها بالكيل ويقسم الثمرة في الفقراء وبين بيعها من رب المال ومن غيره قبل الجداد وبعده ويقسم ثمنها، والمنصوص أنه لا يخرج الا يابسا وأنه لا يجوز له شراء زكاته، اختاره أبو بكر لان اليابس حال الكمال في تلك الحال والدليل على أنه لا يجوز له شراء زكاته حديث عمر حين استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في شراء الفرس الذي حمل عليه فقال " لا تشتره ولا تعد في صدقتك وان باعكه بدرهم " فان قيل فهلا قلتم لا زكاة في العنب والرطب الذي لا يجئ منه زبيب لكونه لا يدخر فهو كالخضراوات قلنا بل يدخر في الجملة وانما لم يدخر هاهنا لان أخذه رطبا أنفع فلم تسقط منه الزكاة بذلك ولا تجب فيه الزكاة حتى يبلغ حدا يكون منه خمسة أوسق تمرا أو زبيبا الا على الرواية الاخرى فان أتلف رب المال هذه الثمرة، فقال القاضي عليه قيمتها كما لو أتلفها غيره وعلى قول أبي بكر يجب عليه العشر تمرا أو زبيبا كما في غير هذه الثمرة، قال فان لم يجد التمر ففيه وجهان: أحدهما تؤخذ منه قيمته والثاني يبقى في ذمته إلى أن يجده فيأتي به. * (مسألة) * (وينبغي أن يبعث الامام ساعيا إذا بدا الصلاح في الثمر فيخرصه عليهم ليتصرفوا فيه فيعرف بذلك قدر الزكاة ويعرف المالك ذلك)

[ 568 ]

وممن كان يرى الخرص عمر بن الخطاب وسهل بن أبي حثمة ومروان والقاسم بن محمد والحسن وعطاء والزهري ومالك والشافعي وأكثر أهل العلم، وحكي عن الشعبي أن الخرص بدعة وقال أهل الرأي الخرص ظن وتخمين لا يلزم به حكم وإنما كان تخويفا للاكرة من الخيانة ولنا ما روى عتاب بن أسيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث على الناس من يخرص عليهم كرومهم وثمارهم رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي، وفي لفظ قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرص العنب كما نخرص النخل وتؤخذ زكاته زبيبا كما تؤخذ زكاة النخل تمرا، وقالت عائشة وهي تذكر شأن خيبر كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث عبد الله بن رواحة إلى يهود فيخرص عليهم النخل حين يطيب قبل أن يؤكل منه رواه أبو داود وقولهم هو ظن قلنا بل هو اجتهاد في معرفة قدر الثمر بالخرص الذي هو نوع من المقادير فهو كتقويم المتلفات ووقت الخرص حين يبدو الصلاح لحديث عائشة، ولان فائدة الخرص معرفة قدر الزكاة واطلاق أرباب الثمار في التصرف فيها وأنما تدعو الحاجة إلى ذلك حين يبدو الصلاح (فصل) ويجزئ خارص واحد لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث ابن رواحة يخرص ولم يذكر معه غيره ولان الخارص يفعل ما يؤديه إليه اجتهاده فهو كالحكم والقائف ويعتبر فيه أن يكون أمينا كالحكم * (مسألة) * (فان كان أنواعا خرص كل نوع وحده) لان الانواع تختلف فمنها ما يكثر رطبه ويقل

[ 569 ]

ثمره ومنها بالعكس وهكذا العنب ولانه يحتاج إلى معرفة قدر كل نوع حتى يخرج عشره * (مسألة) * (وان كان نوعا واحدا فله خرص كل شجرة وحدها) فيطيف بها وله خرص الجميع دفعة واحدة دفعا للمشقة وينظر كم يجئ منه تمرا أو زبيبا ثم يعرف المالك قدر الزكاة ويخيره بين أن يضمن قدر الزكاة ويتصرف فيها بما شاء من أكل أو غيره وبين حفظها إلى وقت الجداد والجفاف فان حفظها وجففها فعليه زكاة الموجود لا غير سواء اختار الضمان أو الحفظ وسواء كانت أكثر مما خرصه الخارص أو أقل، وبهذا قال الشافعي وقال مالك يلزمه ما قال الخارص زاد أو نقص إذا كانت الزكاة متقاربة وعن أحمد نحو ذلك فانه قال إذا خرص الخارص فإذا فيه فضل كثير مثل الضعف تصدق بالفضل لانه يخرص بالسوية لان الحكم انتقل إلى ما قال الساعي بدليل وجوب ما قال عند تلف المال ولنا أن الزكاة أمانة فلا تصير مضمونة بالشرط كالوديعة، ولا نسلم أن الحكم انتقل إلى ما قال الساعي وإنما يعمل بقوله إذا تصرف في الثمرة ولم يعلم قدرها لان الظاهر أصابته قال أحمد إذا تجافى السلطان

[ 570 ]

عن شئ من العشر يخرجه فيؤديه، وقال إذا حط من الخرص عن الارض يتصدق بقدر ما نقصوه من الخرص، وان أخذ منهم اكثر من الواجب عليهم فقال أحمد يحتسب لهم من الزكاة لسنة أخرى ونقل عنه أبو داود لا يحتسب بالزيادة لان هذا غصب اختاره أبو بكر، قال شيخنا: ويحتمل الجمع بين الروايتين فيحتسب إذا نوى صاحبه به التعجيل ولا يحتسب إذا لم ينو (فصل) وإذا ادعى رب المال غلط الخارص وكان ما ادعاه محتملا قبل قوله بغير يمين، وان لم يكن محتملا مثل أن ادعى غلط النصف ونحوه لم يقبل لانه لا يحتمله فيعلم كذبه وان قال لم يحصل في يدي الا كذ قبل قوله لانه قد يتلف بعضه بآفة لا نعلمها (فصل) فان أتلف رب المال الثمرة أو تلفت بتفريطه بعد خرصها فعليه ضمان نصيب الفقراء بالخرص وان أتلفها أجنبي فعليه قيمة ما أتلف والفرق بينهما أن رب المال وجب عليه تجفيف هذا الرطب بخلاف الاجنبي ولهذا قلنا فيمن أتلف ضحيته المعينة فعليه أضحية مكانها وان اتلفها أجنبي فعليه قيمتها، وان تلفت بحائحة من السماء سقط عنهم الخرص نص عليه، لانها تلفت قبل استقرار زكاتها وان ادعى تلفها قبل قوله بغير يمين وقد ذكرناه * (مسألة) * (ويجب أن يترك في الخرص لرب المال الثلث أو الربع)

[ 571 ]

توسعة على رب المال لانه يحتاج إلى الاكل هو وأضيافه ويطعم جيرانه وأهله ويأكل منها المارة ويكون في الثمرة الساقطة وينتابها الطير فلو استوفى الكل منهم أضربهم وبهذا قال اسحق وأبو عبيد والمرجع في تقدير المتروك إلى اجتهاد الساعي فان رأى الاكلة كثيرا ترك الثلث والا ترك الربع لما روى سهل ابن أبي حثمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول " إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث فان لم تدعوا الثلث فدعوا الربع " رواه أبو داود والنسائي والترمذي، وروي أبو عبيد باسناده عن مكحول قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث الخراص قال " خففوا على الناس فان في المال العرية والواطئة والاكلة " قال أبو عبيد الواطئة السابلة سموا بذلك لوطئهم بلاد الثمار مجتازين والاكلة أرباب الثمار وأهلوهم ومن لصق بهم ومنه حديث سهل في مال سعد بن أبي سعد حين قال لو لا أني وجدت فيه أربعين عريشا لخرصته بسبعمائة وسق فكانت تلك العرش لهؤلاء الاكلة، والعرية النخلة أو النخلات يهب انسانا ثمرتها فجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ليس في العرايا صدقة " والحكم في العنب كالحكم في الرطب سواء لانه في معناه * (مسألة) * (فان لم يفعل فلرب المال الاكل بقدر ذلك) ولا يحتسب عليه نص عليه أحمد لانه حق لهم فان لم يخرج الامام خارصا فاحتاج رب المال إلى التصرف في الثمرة فأخرج خارصا جاز أن يأخذ بقدر ذلك ذكره القاضي فان خرص هو وأخذ بقدر

[ 572 ]

ذلك جاز ويحتاط أن لا يأخذ اكثر مما له أخذه ثم إن بلغ الباقي نصابا زكاه والا فلا (فصل) ويخرص النخل والكرم لما ذكرنا من الاثر فيهما ولا يخرص الزرع في سنبله وبهذا قال عطاء والزهري ومالك لان الشرع لم يرد بالخرص فيه ولا هو في معنى المنصوص عليه لان ثمرة النخل والكرم تؤكل رطبا فيخرص على أهله للتوسعة عليهم ليخلي بينهم وبين الاكلة والتصرف فيه ولان ثمرة الكرم والنخل ظاهرة مجتمعة فخرصها أسهل من خرص غيرها وما عداهما لا يخرص وانما على أهله فيه الامانة إذا صار مصفى يابسا ولا بأس أن يأكلوا منه ما جرت العادة بأكله ولا يحتسب عليهم وقد سئل أحمد عما يأكله أرباب الزروع من الفريك قال لا بأس به أن يأكل منه صاحبه ما يحتاج إليه وذلك لان العادة جارية به فأشبه ما يأكله أرباب الثمار من ثمارهم وإذا صفى الحب أخرج زكاة الموجود كله ولم يترك منه شئ لانه انما ترك لهم في الثمر شئ لكون النفوس تتوق إلى أكلها رطبة والعادة جارية به وفي الزرع إنما يؤكل منه شئ يسير لا وقع له ولا يخرص الزيتون ولا غير النخل والكرم لان حبه متفرق في شجره مستور بورقه، ولا حاجة باهله إلى اكله بخلاف النخل والكرم، وبهذا قال مالك وقال الزهري والاوزاعي والليث يخرص قياسا على الرطب والعنب.

[ 573 ]

ولنا ما ذكرنا من المعنى ولانه لا نص فيه ولا هو في معنى النصوص * (مسألة) * (ويخرج العشر من كل نوع على حدته فان شق ذلك أخذ من الوسط) وجملة ذلك أنه إذا كان المال الزكوي نوعا واحدا أخذ منه جيدا كان أورديا لان حق الفقراء يجب على طريق المواساة فهم بمنزلة الشركاء ولا نعلم في هذا خلافا وان كان أنواعا أخذ من كل نوع ما يخصه وهذا قول أكثر العلماء، وقال مالك والشافعي يؤخذ من الوسط وكذلك ذكره شيخنا ههنا وأبو الخطاب إذا شق عليه إخراج زكاة كل نوع منه دفعا للحرج والمشقة وقياسا على السائمة والاول أولى لان الفقراء بمنزلة الشركاء فينبغي أن يتساووا في كل نوع ولا مشقة في ذلك بخلاف الماشية فان إخراج زكاة كل نوع منها يفضي إلى التشقيص وفيه مشقة بخلاف الثمار، ولا يجوز اخراج الردئ لقوله تعالى (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) قال أبو أمامة سهل بن حنيف في هذه الآية هو الجعرور ولون الحبيق فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤخذ في الصدقة. رواه النسائي وأبو عبيد قال وهما ضربان من

[ 574 ]

التمر أحدهما إنما يصير قشرا على نوى والآخر إذا أثمر صار حشفا. ولا يجوز أخذ الجيد عن الردئ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " إياك وكرائم أموالهم ". فاما إن تطوع رب المال باخراج الجيد عن الردئ جاز وله أجر ذلك على ما ذكرنا في الماشية (فصل) وأما الزيتون فان كان مما لا زيت فيه فانه يحرج منه عشره حبا إذا بلغ نصابا لانه حال كماله وادخاره، وإن كان له زيت أخرج منه زيتا إذا بلغ الحب نصابا، وهذا قول الزهري والاوزاعي ومالك والليث قالوا يخرص الزيتون ويؤخذ منه زيتا صافيا وقال مالك إذا بلغ خمسة أوسق أخذ العشر من زيته بعد أن يعصر، وقال الثوري وأبو حنيفة يخرج من حبه كسائر الثمار ولانه الحالة التي يعتبر فيها الاوساق فكان اخراجه فيها كسائر الثمار وهذا جائز، واخراج الزيت أولى وأفضل لانه يكفي الفقراء مؤنته ولانه حال كما له وادخاره أشبه الرطب إذا يبس والله أعلم * (مسألة) * (ويجب العشر على المستأجر دون المالك) وبهذا قال مالك والثوري وشريك وابن المبارك والشافعي وابن المنذر، وقال أبو حنيفة هو على ملك الارض لانه من مؤنتها أشبه الخراج ولنا أنه واجب في الزرع فكان على مالكه كزكاة القيمة فيما إذا أعده للتجارة وكعشر زرعه في ملكه ولا يصح قولهم إنه من مؤنة الارض لانه لو كان من مؤنتها لوجب فيها وان لم تزرع ولوجب على الذمي كالخراج ولتقدر بقر الارض لا بقدر الزرع ولوجب صرفه إلى مصارف الفئ فان استعار أرضا فزرعها فالزكاة على صاحب الزرع لانه مالكه وان غصبها فزرعها وأخذ الزرع فالعشر عليه لانه نبت على مالكه وان أخذه مالكها قبل اشتداد حبه فالعشر عليه، وان أخذه بعده احتمل أن يجب عليه أيضا لان أخذه اياه استند إلى أول زرعه فكأنه أخذه من تلك الحال، ويحتمل أن تكون زكاته على الغاصب لانه كان ملكا له حين وجوب عشره وهو حين اشتداد الحب، وان زارع رجلا مزارعة فاسدة

[ 575 ]

فالعشر على من يجب الزرع له وان كانت صحيحة فعلى كل واحد منهما عشر حصته ان بلغت نصابا أو كان له من الزرع ما يبلغ بضمه إليه نصابا والا فلا، وان بلغت حصة أحدهما نصابا دون الآخر فعلى من بلغت حصته العشر دون صاحبه الا إذا قلنا الخلطة تؤثر في غير السائمة فيلزمهما العشر إذا بلغ زرعهما نصابا ويخرج كل واحد منهما عشر نصيبه الا أن يكون أحدهما ممن لا عشر عليه كالمكاتب فلا يلزم شريكه شئ الا أن تبلغ حصته نصابا وكذلك الحكم في المساقاة * (مسألة) * (ويجتمع العشر والخراج في كل أرض فتحت عنوة) الارض أرضان صلح وعنوة، فاما الصلح فهو كل أرض صولح أهلها عليها لتكون ملكا لهم ويؤدون عليها خراجا فهذه الارض ملك لاربابها وهذا الخراج كالجزية متى أسلموا سقط عنهم ولهم بيعها وهبتها ورهنها وكذلك كل أرض أسلم عليها أهلها، كأرض المدينة وشبهها ليس عليها خراج ولا شئ الا الزكاة فهي واجبة على كل مسلم، ولا خلاف في وجوب العشر في الخارج من هذه الارض قال ابن المنذر اجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على ان على كل أرض أسلم عليها أهلها قبل قهرهم عليها الزكاة فيما زرعوا فيها وأما العنوة فالمراد بها ما فتح عنوة ووقف على المسلمين وضرب عليه خراج معلوم فانه يؤدى الخراج عن رقبة الارض وعليه العشر عن غلتها إذا كانت لمسلم وكذلك الحكم في كل أرض خراجية وهذا قول عمر بن عبد العزيز والزهري ويحي الانصاري وربيعة والاوزاعي ومالك والثوري والشافعي وابن المبارك واسحق وأبو عبيد وقال أصحاب الرأي لا عشر في الارض الخراجية لقوله عليه السلام " لا يجتمع العشر والخراج في أرض مسلم " ولانهما حقان سبباهما متنافيان فلم يجتمعا، كزكاة السوم والتجارة وكالعشر وزكاة القيمة، وبيان تنافيهما أن الخراج وجب عقوبة لانه جزية للارض والزكاة وجبت طهورا وشكرا. ولنا قوله تعالى (ومما أخرجنا لكم من الارض) وقول النبي صلى الله عليه وسلم " فيما سقت السماء العشر " وغيره من عمومات الاخبار، قال ابن المبارك يقول الله تعالى (ومما أخرجنا لكم من الارض) ثم قال نترك القرآن لقول أبي حنيفة ولانهما حقان يجبان لمستحقين يجوز وجوب كل واحد منهما على المسلم فجاز اجتماعهما كالكفارة والقيمة في الصيد الحرمي المملوك وحديثهم يرويه يحيى بن عنبسة وهو ضعيف عن أبي حنيفة ثم نحمله على الخراج الذي هو جزية وقولهم إن سببيها متنافيان غير صحيح فان الخراج أجرة الارض والعشر زكاة الزرع ولا يتنافيان كما لو استأجر أرضا فزرعها وقولهم الخراج عقوبة قلنا لو كان عقوبة لما وجب على مسلم كالجزية، وان كانت الارض لكافر فليس عليه فيها سوى الحرج

[ 576 ]

قال أحمد ليس في أرض اهل الذمة صدقة انما قال الله تعالى (تطهرهم وتزكيهم بها) فأي طهرة للمشركين؟ (فصل) فان كان في غلة الارض ما لا عشر فيه كالثمار التي لا زكاة فيها والخضراوات وفيها زرع فيه الزكاة جعل ما لا زكاة فيه في مقابلة الخراج وزكي ما فيه الزكاة إذا كان ما لا زكاة فيه وافيا بالخراج وان لم يكن لها غلة الا ما تجب فيه الزكاة أدى الخراج من غلتها وزكى ما بقي في أصح الروايات اختارها الخرقي، وهذا قول عمر بن عبد العزيز قال أبو عبيد عن ابراهيم بن أبي عبلة كتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله على فلسطين فيمن كانت في يده أرض بجزيتها من المسلمين أن يقبض منها حزيتها ثم تؤخذ منها زكاة ما بقي بعد الجزية وذلك لان الخراج من مؤنة الارض فيمنع وجوب الزكاة في قدره لقول ابن عباس يحسب ما أنفق على زرعه دون ما أنفق على أهله وفيه رواية ثانية ان الدين كله يمنع وجوب الزكاة في الاموال الظاهرة فعلى هذه الرواية يحسب كل دين عليه ثم يخرج العشر مما بقي ان بلغ نصابا يروى نحو ذلك عن ابن عمر لانه دين فمنع وجوب العشر كالخراج وما انفقه على زرعه وفيه رواية ثالثة ان الدين لا يمنع وجوب الزكاة في الاموال الظاهرة مطلقا سواء استدانه لنفقة زرعه أو لنفقة اهله فيحتمل على هذه ان يزكي الجميع وقد ذكرنا ذلك في باب الزكاة * (مسألة) * (ويجوز لاهل الذمة شراء الارض العشرية ولا عشر عليهم، وعنه عليهم عشران يسقط أحدهما بالاسلام) وجملة ذلك أنه لم يكره للمسلم بيع أرضه من الذمي واجارتها منه لافضائه إلى اسقاط عشر الخارج منها. قال محمد بن موسى: سألت أبا عبد الله عن المسلم يؤاجر أرض الخراج من الذمي؟ قال: لا يؤاجر من الذمي انما عليه الجزية وهذا ضرر، وقال في موضع آخر لانهم لا يؤدون الزكاة فان أجرها من الذمي أو باع أرضه التي لا خراج عليها لذمي صح البيع والاجارة وهو مذهب الثوري والشافعي وأبي عبيد وليس عليهم فيها عشر ولا خراج. قال حرب سألت احمد عن الذمي يشتري أرض العشر قال لا أعلم شيئا وأهل المدينة يقولون في هذا قولا حسنا، يقولون لا يترك الذمي يشتري أرض العشر، وأهل البصرة يقولون قولا عجبا يقولون يضاعف عليهم وقد روي عن احمد أنهم يمنعون من شرائها اختارها الخلال وهو قول مالك وصاحبه، فان اشتروها ضوعف عليهم العشر فأخذ منهم الخمس كما لو اتجروا بأموالهم إلى غير بلدهم يؤخذ منهم نصف العشر وهذا قول أهل البصرة وأبي يوسف ويروى ذلك عن الحسن وعبيد الله بن الحسن العنبري. وقال محمد بن الحسن: العشر بحاله، وقال أبو حنيفة: تصير أرض خراج ولنا ان هذه أرض لا خراج عليها فلا يلزم فيه الخراج ببيعها كما لو باعها مسلما ولانها مال مسلم

[ 577 ]

يجب الحق فيه للفقراء فلم يمنع من بيعه للذمي كالسائمة وإذا ملكها الذمي فلا عشر عليه فيما يخرج منها لانه زكاة فلا تجب على الذمي كزكاة السائمة وما ذكروه ينتقض بزكاة السائمة وما ذكروه من تضعيف العشر تحكم لا نص فيه ولا قياس (1) (فصل) وفي العسل العشر سواء أخذه من موات أو من ملكه ونصابه عشرة أفراق كل فرق ستون رطلا. قال الاثرم: سئل أبو عبد الله أنت تذهب إلى أن في العسل زكاة؟ قال نعم أذهب إلى أن في العسل زكاة العشر قد أخذ عمر منهم الزكاة، قلت ذلك على أنهم تطوعوا به، قال لا بل أخذ منهم. ويروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز ومكحول والزهري والاوزاعي واسحق. وقال مالك والشافعي وابن أبي ليلى والحسن بن صالح وابن المنذر لا زكاة فيه لانه مائع خارج من حيوان أشبه اللبن. قال ابن المنذر: ليس في وجوب الصدقة في العسل حديث يثبت ولا اجماع فلا زكاة فيه. وقال أبو حنيفة ان كان في أرض العشر ففيه الزكاة والا فلا زكاة فيه، ووجه الاول ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأخذ في زمانه من قرب العسل من كل عشر قرب قربة من أوسطها رواه أبو عبيد والاثرم وابن ماجه، وعن سليمان بن موسى أن أبا سيارة المتعي قال: قلت يا رسول الله ان لي نحلا، قال " أد العشر " قال فاحم إذا جبلها فحماه له رواه أبو عبيد وابن ماجه وروى الاثرم عن ابن أبي ذبابة عن أبيه عن جده أن عمر رضي الله عنه أمره في العسل بالعشر

[ 578 ]

أما اللبن فان الزكاة وجبت في أصله وهو السائمة بخلاف العسل وقول أبي حنيفة ينبني على أن العشر والخراج لا يجتمعان وقد ذكرناه ونصابه عشرة أفراق وهذا قول الزهري، وقال أبو يوسف ومحمد خمسة أوساق لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " وقال أبو حنيفة تجب في قليله وكثيره بناء على أصله في الحبوب والثمار (ووجه الاول) ما روي عن عمر رضي الله عنه أن ناسا سألوه فقالوا: ان رسول صلى الله عليه وسلم قطع لنا واديا باليمن فيه خلايا من نحل وانا نجد ناسا يسرقونها، فقال عمر: ان أديتم صدقتها من كل عشرة أفراق فرقا حميناها لكم. رواه الجوزجاني. وهذا تقدير من عمر رضي الله عنه فيجب المصير إليه، إذا ثبت هذا فقد اختلف المذهب في قدر الفرق، فروي عن احمد ما يدل على أنه ستة عشر رطلا، فانه قال في رواية أبي داود قال الزهري في عشرة أفراق فرق والفرق ستة عشر رطلا فيكون نصابه مائة وستون رطلا بالعراقي. وقال ابن حامد: الفرق ستون رطلا فيكون النصاب ستمائة رطل وكذلك ذكره القاضي في المجرد فانه يروى عن الخليل بن احمد قال: الفرق باسكان الراء مكيال ضخم من مكاييل أهل العراق، وحكي عن القاضي أن الفرق ستة ثلاثون رطلا، وقيل هو مائة وعشرون رطلا. قال

[ 579 ]

شيخنا: ويحتمل أن يكون نصابه ألف رطل لحديث عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده أنه كان يأخذ من كل عشر قرب قربة من أوسطها، والقربة مائة رطل بالعراقي بدليل قرب القلتين. ووجه الاول قول عمر: من كل عشرة أفراق فرقا - والفرق بتحريك الراء ستة عشر رطلا. قال أبو عبيد: لا خلاف بين الناس أعلمه في أن الفرق ثلاثة آصع. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة " أطعم ستة مساكين فرقا من طعام " فقد بين أنه ثلاثة آصع. وقالت عائشة: كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من اناء هو الفرق هذا المشهور فينصرف الاطلاق إليه والفرق الذي هو مكيال ضخم لا يصح حمله عليه لوجوه (أحدها) أنه غير مشهور في كلامهم فلا يحمل عليه المطلق من كلامهم. قال ثعلب. قل فرق ولا تقل فرق (الثاني) أن عمر قال: من كل عشرة أفراق فرقا - والافراق جمع فرق بفتح الراء وجمع الفرق باسكان الراء فروق لان ما كان على وزن فعل ساكن العين غير معتل فجمعه في القلة أفعل وفي الكثرة فعال أو فعول (والثالث) أن الفرق الذي هو ضخم من مكاييل أهل العراق لا يحمل عليه كلام عمر، وانما يحمل كلام عمر رضي الله عنه على مكاييل أهل الحجاز لانه بها ومن أهلها ويؤكد ذلك تفسير الزهري له في نصاب العسل بما قلنا والامام احمد ذكره في معرض الاحتجاج به فيدل على أنه ذهب إليه والله أعلم

[ 580 ]

* (فصل في المعدن) * * (مسألة) * (ومن استخرج من معدن نصابا من الاثمان أو ما قيمته نصاب من الجواهر والقار والصفر والزئبق والكحل والزرنيخ وسائر ما يسمى معدنا ففيه الزكاة في الحال ربع العشر من قيمته أو من عينها ان كانت أثمانا سواء استخرجه في دفعة أو دفعات لم يترك العمل بينها ترك اهمال) الكلام في هذه المسالة في فصول أربعة (احدها) في صفة المعدن الذي تتعلق به الزكاة وهو كل ما خرج من الارض مما خلق فيها من غيرها مما له قيمة كالذي ذكر ههنا ونحوه من البلور والعقيق والحديد والسبج والزاج والمغرة والكبريت ونحو ذلك، وقال الشافعي ومالك: لا تتعلق الزكاة الا بالذهب والفضة لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا زكاة في حجر " ولانه مال مقوم مستفاد من الارض أشبه الطين الاحمر وقال أبو حنيفة في احدى الروايتين: تتعلق الزكاة بكل ما ينطبع كالرصاص والحديد والنحاس دون غيره ولنا عموم قوله تعالى (ومما أخرجنا لكم من الارض) ولانه معدن فتعلقت الزكاة به كالاثمان ولانه مال لو غنمه خمسه فإذا أخرجه من معدن وجبت زكاته كالذهب فأما الطين فليس بمعدن لانه تراب والمعدن ما كان في الارض من غير جنسها (الفصل الثاني) في قدر الواجب فيه وصفته، وقدر الواجب فيه ربع العشر وهو زكاة وهذا

[ 581 ]

قول عمر بن عبد العزيز ومالك. وقال أبو حنيفة: الواجب فيه الخمس وهو فئ واختاره أبو عبيد. وقال الشافعي هو زكاة واختلف عنه في قدره كالمذهبين واحتج من أوجب الخمس بقوله عليه الصلاة والسلام " ما لم يكن في طريق مأتي ولا في قرية عامرة ففيه وفي الركاز الخمس " رواه النسائي والجوزجاني، وفي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " وفي الركاز الخمس " قيل يا رسول الله ما الركاز؟ قال " الذهب والفضة المخلوقان في الارض يوم خلق الله السموات والارض " وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الركاز هو الذهب الذي ينبت مع الارض " وفي حديث علي عليه السلام أنه قال " وفي السيوب الخمس " قال والسيوب عروق الذهب والفضة التي تحت الارض ولنا ما روى أبو عبيد باسناده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث المزني معادن القبلية من ناحية الفرع قال فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الركاز إلى اليوم، وقد أسنده كثير بن عبد الله ابن عمر وبن عون المزني عن أبيه عن جده، ورواه الدراوردي عن ربيعة عن الحارث بن بلال عن بلال بن الحارث أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ منه زكاة المعادن القبلية، قال أبو عبيد القبلية بلاد معروفة بالحجاز ولانها زكاة أثمان فكانت ربع العشر كسائر الاثمان، أو تتعلق بالقيمة أشبهت زكاة التجارة، وحديثهم الاول لا يتناول محل النزاع لان النبي صلى الله عليه وسلم انما ذكر ذلك في جواب سؤاله عن اللقطة وهذا ليس بلقطة فلا يتناوله النص، وحديث أبي هريرة يرويه عبد الله بن سعيد وهو ضعيف وسائر أحاديثهم لا نعرف صحتها ولا هي مذكورة في المسانيد

[ 582 ]

(الفصل الثالث) في نصاب المعدن وهو عشرون مثقالا من الذهب أو مائتا درهم من الفضة أو قيمة ذلك من غيرهما وهذا مذهب الشافعي. وقال أبو حنيفة: يجب الخمس في قليله وكثيره بناء على أنه ركاز لعموم الاحاديث التي احتجوا بها، ولانه لا يشترط له حول فلم يشترط له نصاب كلركاز ولنا قوله عليه السلام " ليس فيما دون خمس أواق صدقة " وقوله عليه السلام " ليس في الذهب شئ حتى يبلغ عشرين مثقالا " ولانها زكاة تتعلق بالاثمان أو بالقيمة فاعتبر لها النصاب كالاثمان والعروض وقد بينا أن هذا ليس بركاز وأنه مفارق للركاز من حيث إن الركاز مال كافر مظهور عليه في الاسلام فهو كالغنيمة وهذا وجب مواساة وشكرا لنعمة الغنى فاعتبر له النصاب كسائر الزكوات، وانما لم يعتبر له الحول لحصوله دفعة واحدة فأشبه الزروع والثمار، ولان النماء يتكامل فيه بالوجود والاخذ فهو كالزرع، إذا ثبت هذا فانه يشترط إخراج النصاب دفعة واحدة أو دفعات لا يترك العمل بينهن ترك اهمال، فان أخرج دون النصاب ثم ترك العمل مهملا له ثم أخرج دون النصاب فلا زكاة فيهما، وإن بلغا بمجموعهما نصابا لفوات الشرط، وإن بلغ أحدهما نصابا دون الآخر زكى النصاب وحده، ويجب فيما زاد على النصاب بحسابه كالاثمان والخارج من الارض، فأما ترك العمل ليلا وللاستراحة أو لعذر من مرض أو لاصلاح الاداة أو اباق عبد ونحوه فلا يقطع حكم العمل، وحكمه حكم المتصل لان العادة كذلك، وكذلك إن كان مشتغلا بالعمل فخرج بين المعدنين تراب لا شئ فيه

[ 583 ]

(فصل) وإن اشتمل المعدن على أجناس كمعدن فيه الذهب والفضة فذكر القاضي انه لا يضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب لانها أجناس فلا يضم أحدهما إلى غيره كغير المعدن قال شيخنا والصواب إن شاء الله انه إن كان المعدن يشتمل على ذهب وفضة ففي ضم أحدهما إلى الآخر وجهان مبنيان على الروايتين في ضم أحدهما إلى الآخر في غير المعدن وإن كان فيه أجناس من الذهب والفضة ضم بعضها إلى بعض لان الواجب في قيمتها فأشبهت عروض التجارة وإن كان فيها إحدى النقدين وجنس آخر ضم أحدهما إلى الآخر كما تضم العروض إلى الاثمان وان استخرج نصابا من معدنين وجبت الزكاة فيه كالزرع في مكانين (الفصل الرابع) في وقت الوجوب وتجب الزكاة فيه حين يتناوله ويمكل نصابه ولا يعتبر له حول وهذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي وقال إسحق وابن المنذر يعتبر له الحول لعموم قوله عليه السلام " لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول " ولنا أنه مستفاد من الارض فلا يعتبر في وجوب حقه حوله كالزرع والثمار والركاز، ولان الحول انما يعتبر في غير هذا ليكمل النماء وهذا يتكامل نماؤه دفعة واحدة فلم يعتبر له حول كالزرع والخبر مخصوص بالزرع والثمر فنقيس عليه محل النزاع * (مسألة) * (ولا يجوز اخراجها إذا كانت اثمانا إلا بعد السبك والتصفية كالحب والثمرة فان

[ 584 ]

أخرج ربع عشر ترابه قبل تصفيته وجب رده إن كان باقيا أو قيمته ان كان تالفا) والقول في قدر المقبوض قول الآخذ لانه غارم فان صفاه الآخذ فكان قدر الزكاة أجزأ وإن زاد رد الزيادة الا أن يسمح له المخرج وان نقص فعلى المخرج، وما أنفقه الآخذ على تصفيته فهو من ماله لا يرجع به على المالك، ولا يحتسب المالك ما أنفقه على المعدن في استخراجه ولا تصفيته من المعدن لان الواجب فيه زكاة فلا يحتسب بمؤنة استخراجه وتصفيته كالحبوب فان كان ذلك دينا عليه احتسب به على الصحيح من المذهب كما يحتسب بما انفق على الزرع وقال أبو حنيفة لا تلزمه المؤنة من حقه وشبهه بالغنيمة وبناه على أصله في أنه ركاز وقد مضى الكلام في ذلك * (مسألة) * (ولا زكاة فيما يخرج من البحر واللؤلؤ والمرجان ونحوه في أحد الوجهين) وهو اختيار أبي بكر وظاهر قول الخرقي روي نحو ذلك عن ابن عباس وبه قال عمر بن عبد العزيز وعطاء ومالك والثوري وابن أبي ليلى - والحسن بن صالح والشافعي وأبو حنيفة ومحمد وأبو ثور والرواية الاخرى فيه الزكاة لانه خارج من معدن أشبه الخارج من معدن البر ويروى عن عمر بن عبد العزيز انه أخذ من العنبر الخمس وهو قول الحسن والزهري وزاد الزهري في اللؤلؤ يخرج من البحر ولنا أن ابن عباس قال ليس في العنبر شئ انما هو شئ ألقاه البحر وعن جابر نحوه رواهما أبو عبيد ولانه قد كان يخرج على محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه فلم يأت فيه سنة عنه ولا عنهم من وجه يصح

[ 585 ]

ولان الاصل عدم الوجوب فيه ولا يصح قياسه على معدن البر لان العنبر انما يلقيه البحر فيوجد على الارض فيؤخذ من غير تعب فهو كالمباحات المأخوذة من البر كالمن وغيره فأما السمك فلا شئ عليه بحال في قول أهل العلم كافة الا شئ روي عن عمر بن عبد العزيز رواه عنه أبو عبيد وقال ليس الناس على هذا ولا نعلم أحدا قال به وعن أحمد أن فيه الزكاة كالعنبر والصحيح أن هذا لا شئ فيه لانه صيد فلم تجب فيه زكاة كصيد البر ولانه لا نص فيه ولا اجماع ولا يصح قياسه على ما فيه الزكاة فلا وجه لايجابها (فصل) (وفي الركاز الخمس أي نوع كان من المال قل أو أكثر لاهل الفئ وعنه أنه زكاة وباقيه لواجده). الواجب في الركاز الخمس لما روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال " وفي الركاز الخمس " متفق عليه وقال ابن المنذر لا نعلم أحدا خالف هذا الحديث الا الحسن فانه فرق بين ما يوجد في أرض الحرب وأرض العرب فقال فيما يوجد في أرض الحرب الخمس وفيما يوجد في أرض العرب الزكاة (فصل) والركاز الذي فيه الخمس كل ما كان مالا على اختلاف أنواعه من الذهب والفضة والحديد والرصاص والصفر والآنية وغير ذلك وهو قول اسحق وأبى عبيد وابن المنذر وأصحاب الرأي والشافعي في قول واحد الروايتين عن مالك وقال الشافعي في الآخر لا يجب الا في الاثمان

[ 586 ]

ولنا عموم قوله عليه السلام " وفي الركاز الخمس " ولانه مال مظهور عليه من مال الكفار فوجب فيه الخمس على اختلاف أنواعه كالغنيمة. إذا ثبت هذا فان الخمس يجب في كثيره وقليله وهذا قول مالك وإسحق وأصحاب الرأي والشافعي في القديم وقال في الجديد يعتبر فيه النصاب لانه مستخرج من الارض يجب فيه حق أشبه المعدن والزرع ولنا الحديث المذكور ولانه مال مخموس فلا يعتبر له النصاب كالغنيمة والمعدن والزرع يحتاج إلى كلفة فاعتبر فيه النصاب تخفيفا بخلاف الركاز (فصل) وقد اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في مصرف خمس الركاز فروي عنه أنه لاهل الفئ نقلها عنه محمد بن الحكم وبه قال أبو حنيفة والمزني لما روي أبو عبيد باسناده عن الشعبي أن رجلا وجد ألف دينار خارجا من المدينة فأتى بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأخذ منها الخمس مائتي دينار ودفع إلى الرجل بقيتها وجعل عمر يقسم المائتين بين من حضره من المسلمين إلى أن فضل منها فضلة فقال أين صاحب الدنانير فقام إليه فقال عمر خذها فهي لك ولو كان زكاة لخص به أهل الزكاة ولم يرده على واجده ولانه يجب على الذمي والزكاة لا تجب عليه ولانه مال مخموس زالت عنه يد الكفار أشبه خمس الغنيمة وهذه الرواية أقيس في المذهب وروي عنه أن مصرفه مصرف الصدقات نص عليه أحمد في رواية حنبل فقال يعطي الخمس من الركاز على مكانه وإن تصدق به على المساكين أجزأه واختاره الخرقي وهذا قول الشافعي لما روى الامام أحمد باسناده عن عبد الله بن بشر الخثعمي عن رجل من

[ 587 ]

قومه يقال له ابن حممة قال سقطت على جرة من دير قديم بالكوفة عند جبانة بشر فيها أربعة آلاف درهم فذهبت بها إلى علي عليه السلام فقال اقسمها خمسة أخماس فقسمتها فأخذ منها علي خمسا وأعطاني أربعة أخماس فلما أدبرت دعاني فقال في جيرانك فقراء ومساكين؟ قلت نعم قال فخذها فاقسمها بينهم والمساكين مصرف الصدقات ولانه حق يجب في الخارج من الارض فأشبه صدقة المعدن (فصل) ويجوز لواجد الركاز أن يتولى تفرقة الخمس بنفسه وبه قال أصحاب الرأي وابن المنذر لما ذكرنا من حديث علي ولانه أدى الحق إلى مستحقه فبرئ منه كما لو فرق الزكاة ويتخرج أن لا يجوز لانه فئ فلم يملك تفرقته بنفسه كخمس الغنيمة وبهذا قال أبو ثور وان فعل ضمنه الامام. قال القاضي ليس للامام رد خمس الركاز على واجده لانه حق مال فلم يجز رده على من وجب عليه كالزكاة وخمس الغنيمة وقال ابن عقيل يجوز لان عمر رضي الله عنه رد بعضه على واجده ولانه فئ فجاز رده أورد بعضه على واجده كخراج الارض وهذا قول أبي حنيفة (فصل) ويجب الخمس على من وجد الركاز من مسلم وذمي وحر وعبد ومكاتب وكبير وصغير وعاقل ومجنون الا أن الواجد له إذا كان عبدا فهو لسيده لانه كسب مال أشبه الاحتشاش والمكاتب يملكه وعليه خمسه لانه بمنزلة كسبه، والصبي والمجنون يملكانه ويخرج عنهما وليهما وهذا قول أكثر أهل العلم قال ابن المنذر أجمع من أحفظ عنه من أهل العلم على أن على

[ 588 ]

الذمي في الركاز يجده الخمس قاله مالك وأهل المدينة والثوري والاوزاعي وأهل العراق من أصحاب الرأي وغيرهم وقال الشافعي لا يجب الخمس الا على من تجب عليه الزكاة لانه زكاة وحكي عنه في الصبي والمرأة انهما لا يملكان الركاز وقال الثوري والاوزاعي وأبو عبيد إذا وجده عبد يرضخ له منه ولا يعطاه كله ولنا عموم قوله عليه السلام " وفي الركاز الخمس " فانه يدل بعمومه على وجوب الخمس في كل ركاز وبمفهومه على أن باقيه لواجده كائنا من كان ولانه مال كافر مظهور عليه فكان فيه الخمس على من وجده وباقيه لواجده كالغنيمة ولانه اكتساب مال فكان لواجده ان كان حرا ولسيده إن كان عبدا كالاحتشاش والاصطياد ويتخرج لنا أن لا يجب الخمس إلا على من تجب عليه الزكاة بناء على انه زكاة والاول أصح (فصل) وباقي الركاز لواجده لما ذكرنا ولان عمر وعليا رضي الله عنهما دفعا باقي الركاز بعد الخمس إلى واجده ولانه مال كافر مظهور عليه فكان لواجده بعد الخمس كالغنيمة وقد ذكرنا الخلاف فيه * (مسألة) * قال (إن وجده في موات أو أرض لا يعلم مالكها وإن علم مالكها أو كانت مستقلة إليه فهو له أيضا وعنه انه لمالكها أو لمن انتقلت عنه إن اعترف به وإلا فهو لاول مالك وإن وجده في أرض حربى ملكه إلا أن لا يقدر عليه إلا بجماعة من المسلمين فيكون غنيمة) وجملة ذلك أن موضع الركاز لا يخلو من أربعة أقسام أحدهما أن يجده في موات أو أرض لا يعلم لها

[ 589 ]

مالكا كالارض التى يوجد فيها آثار الملك من الابنية القديمة والتلول وجدران الجاهلية وقبورهم فهذا فيه الخمس بغير خلاف فيه الا ما ذكرنا ولو وجده في هذه الارض على وجهها أو في طريق غير مسلوك أو قرية خراب فهو كذلك في الحكم لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة فقال " ما كان في طريق مأني أو في قرية عامرة ففيه وفي الركاز الخمس " رواه النسائي (القسم الثاني) أن يجده في ملكه المنتقل إليه فهو له في إحدى الروايتين لانه مال كافر مظهور عليه في الاسلام فكان لمن ظهر عليه كالغنائم ولان الركاز لا يملك بملك الارض لانه مودع فيها وإنما يملك بالظهور عليه وهذا قد ظهر عليه فوجب أن يملكه والرواية الثانية هو للمالك قبله ان اعترف به وإن لم يعترف به فهو للذي قبله كذلك إلى أول مالك وهذا مذهب الشافعي لانه كانت يده على الدار فكانت على ما فيها وان انتقلت الدار بالميراث حكم بأنه ميراث فان اتفق الورثة على انه لم يكن لمورثهم فهو لاول مالك فان لم يعرف أول مالك فهو كالمال الضائع الذي لا يعرف له مالك والاول أصح إن شاء الله لان الركاز لا يملك بملك الدار لانه ليس من اجزائها وانما هو مودع فيها فهو كالمباحات من الحطب والحشيش والصيد يجده في أرض غيره فيأخذه لكن ان ادعى المالك الذي

[ 590 ]

انتقل عنه المالك انه له فالقول قوله لان يده كانت عليه بكونه على محله وان لم يدعه فهو لواجده وان اختلف الورثة فادعى بعضهم أنه لمورثهم وأنكر البعض فحكم من أنكر في نصيبه حكم المالك الذي لم يعترف به وحكم المدعين حكم المالك المعترف (القسم الثالث) أن يجده في ملك آدمي معصوم مسلم أو ذمي فعن احمد ما يدل على أنه لصاحب الدار فانه قال فيمن استأجر حفارا ليحفر له في داره فأصاب كنزا عاديا فهو لصاحب الدار وهذا قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن، ونقل عن احمد ما يدل على أنه لواجده لانه قال في مسألة من اسأجر أجيرا ليحفر له في داره فأصاب في الدار كنزا فهو للاجير، نقل عنه ذلك محمد بن يحيى الكحال. قال القاضي هو الصحيح، وهذا يدل أن الركاز لواجده وهو قول الحسن بن صالح وأبي ثور واستحسنه أبو يوسف، وذلك لان الكنز لا يملك بملك الدار على ما ذكرنا في القسم الذي قبله، لكن إن ادعاه المالك فالقول قوله لان يده عليه بكونها على محله وإن لم يدعه فهو لواجده. وقال الشافعي: هو لمالك الدار إن اعترف به وإلا فهو لاول مالك، ويخرج لنا مثل ذلك على ذكرنا في القسم الثاني، وإن استأجر حفارا ليحفر له طلبا لكنز يجده فوجده فهو للمستأجر لانه استأجره لذلك أشبه ما لو استأجره ليحتش له أو ليصطاد، فان الحاصل من ذك للمستأجر دون الاجير، وإن استأجره لامر غير طلب الركار فالواجد له هو الاجير وهكذا قال الاوزاعي

[ 591 ]

(فصل) وإن اكترى دارا فوجد فيها ركازا فهو لواجده في أحد الوجهين، وفي الآخر هو للمالك بناء على الروايتين فيمن وجد ركازا في ملك انتقل إليه، وإن اختلفا فقال كل واحد منهما هذا كان لي فعلى وجهين أيضا (أحدهما) القول قول المالك لان الدفن تابع للارض (والثاني) القول قول المكتري لان هذا مودع في الارض وليس منها فكان القول قول من يده عليه كالقماش (القسم الرابع) أن يجده في أرض الحرب، فان لم يقدر عليه إلا بجماعة المسلمين فهو غنيمة لهم وإن قدر عليه بنفسه فهو لواجده حكمه حكم ما لو وجده في موات من أرض المسلمين. وقال أبو حنيفة والشافعي: إن عرف مالك الارض وكان حربيا فهو غنيمة أيضا لانه في حرز مالك معين أشبه ما لو أخذه من بيت أو خزانة

[ 592 ]

ولنا أنه ليس لموضعه مالك محترم أشبه ما لو لم يعرف مالكه ويخرج لنا مثل قولهم بناء على قولنا أن الركاز في دار الاسلام يكون لمالك الارض * (مسألة) * (والركاز ما وجد من دفن الجاهلية عليه علامتهم، فان كان عليه علامة المسلمين أو لم تكن عليه علامة فهو لقطة) الدفن بكسر الدال المدفون والركاز هو المدفون في الارض واشتقاقه من ركز يركز إذا أخفى

[ 593 ]

يقال ركز الرمح إذا غرز أسفله في الارض ومنه الركز وهو الصوت الخفي، قال الله تعالى (أو تسمع لهم ركزا) والركاز الذي يتعلق به وجوب الخمس ما كان من دفن الجاهلية، هذا قول الحسن والشعبي ومالك والشافعي وأبي ثور، ويعتبر ذلك بأن يرى عليه علامتهم كأسماء ملوكهم وصورهم وصلبهم وصور أصنامهم ونحو ذلك لان الظاهر أنه لهم، فان كان عليه علامة الاسلام أو اسم النبي صلى الله عليه وسلم أو

[ 594 ]

أحد من خلفاء المسلمين أو ولاتهم أو آية من القرآن ونحو ذلك فهو لقطة لانه ملك مسلم لم يعلم زواله عنه، وإن كان على بعضه علامة الاسلام وعلى بعضه علامة الكفر فكذلك نص عليه احمد في رواية ابن منصور لان الظاهر أنه صار إلى مسلم ولم يعلم زواله عن ملكه فأشبه ما على جميعه علامة المسلمين وكذلك إن لم يكن عليه علامة فهو لقطة تغليبا لحكم الاسلام إلا أن يجده في ملك انتقل إليه فيدعيه

[ 595 ]

المالك قبله بلا بينة ولا صفة فهل يدفع إليه؟ فيه روايتان ذكرهما ابن تيمية في كتاب المحرر (احداهما) لا يدفع إليه كاللقطة (والثانية) يدفع إليه لانه تبع للملك، فان كان على بعضه علامة الكفار وليس على بعضه علامة فينبغي أن يكون ركازا لان الظاهر أنه ملك الكفار

[ 596 ]

* (باب زكاة الاثمان) * وهي الذهب والفضة، والاصل في وجوبها الكتاب والسنة والاجماع، أما الكتاب فقوله تعالى (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) وأما السنة فما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما من صاحب ذهب ولا فضه لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد " أخرجه مسلم إلى غير ذلك من الاحاديث، وأجمع المسلمون على أن في مائتي درهم خمسة دراهم، وعلى أن الذهب إذا كان عشرين مثقالا قيمتها مائتا درهم أن الزكاة تجب فيه إلا ما اختلف فيه عن الحسن * (مسألة) * (ولا شئ في الذهب حتى يبلغ عشرين مثقالا فيجب فيه نصف مثقال)

[ 597 ]

لا يجب في الذهب زكاة إلا أن يبلغ عشرين مثقالا، إلا أن يتم بعرض تجارة أو ورق على ما فيه من الخلاف. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الذهب إذا كان عشرين مثقالا قيمتها مائتا درهم ان الزكاة تجب فيها إلا ما حكي عن الحسن أنه قال. لا شئ فيها حتى تبلغ أربعين، وأجمعوا على أنه إذا كان أقل من عشرين مثقالا ولا يبلغ قيمة مائتي درهم فلا زكاة فيه. وقال عامة الفقهاء: نصاب الذهب عشرون مثقالا من غير اعتبار قيمتها، وحكي عن عطاء وطاوس والزهري وسليمان بن حرب وأيوب السختياني أنهم قالوا. هو معتبر بالفضة فما كان قيمته مائتي درهم ففيه الزكاة وإلا فلا لانه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تقدير في نصابه فثبت أنه حمله على الفضة ولنا ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه " قال ليس في أقل من عشرين مثقالا من الذهب، ولا في أقل من مائتي درهم صدقة " رواه أبو عبيد

[ 598 ]

وروى ابن ماجه عن عمر وعائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من كل عشرين دينارا فصاعدا نصف دينار، ومن الاربعين دينارا وروى سعيد والاثرم عن علي: على كل أربعين دينارا دينار وفي كل عشرين دينارا نصف دينار ورواه غيرهما مرفوعا، ولانه مال تجب الزكاة في عينه فلم يعتبر بغيره كسائر الاموال الزكوية * (مسألة) * قال (ولا في الفضة حتى تبلغ مائتي درهم فيجب فيها خمسة دراهم) لا يجب فيما دون المائتي درهم من الفضة صدقة، لا نعلم فيه خلافا لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ليس فيما دون خمس أواق صدقة " متفق عليه. والاوقية أربعون درهما، فإذا بلغت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم لا خلاف بين العلماء في ذلك، والواجب فيه ربع العشر بغير خلاف، وقد روى البخاري باسناده في كتاب أنس " وفي الرقة ربع العشر، فان لم تكن إلا تسعين ومائة فليس فيها شئ إلا أن

[ 599 ]

يشاء ربها " الرقة الدراهم المضروبة والدراهم التي يعتبر بها النصاب هي الدراهم التي كل عشرة منها سبعة مثاقيل بمثقال الذهب، وكل درهم نصف مثقال وخمسه وهي الدراهم الاسلامية التي يقدر بها نصب الزكاة ومقدار الجزية والديات ونصاب القطع في السرقة وغير ذلك، وكانت الدراهم في صدر الاسلام صنفين سودا وطبرية، وكانت السود ثمانية دوانيق، والطبرية أربعة دوانيق فجمعا في الاسلام وجعلا درهمين متساويبن كل درهم ستة دوانيق فعل دلك بنو أمية ولا فرق في ذلك بين التبر والمضروب، ومتى نقص النصاب فلا زكاة فيه. هذا ظاهر كلام الخرقي لظاهر الحديث. قال أصحابنا إلا أن يكون نقصا يسيرا وقد ذكرنا الخلاف فيما مضى * (مسألة) * (ولا زكاة في مغشوشهما حتى يبلغ قدر ما فيه نصابا) من ملك ذهبا أو فضه معشوشا أو مختلطا بغيره فلا زكاة فيه حتى يبلغ قدر الذهب والفضة نصابا لما ذكرنا من الاحاديث

[ 600 ]

* (مسألة) * (فان شك فيه خير بين سبكه وبين الاخراج) إذا شك في بلوغ قدر ما في المغشوش من الذهب والفضة نصابا خير بين سبكهما ليعلم قدر ما فيهما وبين أن يستظهر ويخرج ليسقط الفرض بيقين، فان أحب أن يخرج استظهارا فأراد اخراج الزكاة من المغشوشة وكان الغش لا يختلف مثل أن يكون الغش في كل دينار سدسه، وعلم ذك جاز أن يخرج منها لانه يكون مخرجا لربع العشر، وإن اختلف قدر ما فيها أو لم يعلم لم يجزه الاخراج منها إلا أن يستظهر باخراج ما يتيقن أن فيما أخرجه من العين قدر لزكاة، فان أخرج عنها ذهبا أو فضة لا غش فيه فهو أفضل، وإن أراد اسقاط الغش واخراج الزكاة عن قدر ما فيه من الذهب والفضة كمن معه أربعة وعشرون دينارا سدسها غش فأسقط السدس أربعة وأخرج نصف دينار عن عشرين جاز لانه لو سبكبا لم يلزمه إلا ذلك، ولان غشها لا زكاة فيه إلا أن يكون غش الذهب فضة وعنده من الفضة ما يتم به النصاب وله نصاب سواه فيكون عليه زكاة الغش حينئذ، وكذلك إن قلنا بضم الذهب إلى الفضة، وإن ادعى رب المال أنه علم الغش أو أنه استظهر وأخرج الفرض فيلزمه بغير يمين، وإن زادت قيمة المغشوش بالغش فصارت قيمة العشرين تساوي اثنين وعشرين فعليه اخراج ربع عشرها مما قيمته كقيمتها لان عليه اخراج زكاة المال الجيد من جنسه بحيث لا ينقص عن قيمته والله أعلم * (مسألة) * (ويخرج عن الجيد الصحيح من جنسه) ويخرج عن كل نوع من جنسه لان الفقراء شركاؤه وهذه وظيفة الشركة فان كان أنواعا متساوية القيم جاز إخراج الزكاة من أحدهما كما يخرج من أحد نوعي الغنم، وإن كانت مختلفة القيم أخذ من

[ 601 ]

من كل نوع ما يخصه وإن أخرج من أوسطها ما يفي بقدر الواجب جاز وله ثواب الزيادة لانه زاد خيرا وإن أخرجه بالقيمة مثل أن يخرج عن نصف دينار ردئ ثلث دينار جيد لم يجز لان النبي صلى الله عليه وسلم نص على نصف دينار فلم يجز النقص منه، وان أخرج من الادنى من غير زياة لم يجزئ لقوله تعالى (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) وإن زاد في المخرج ما يفي بقيمة الواجب كمن أخرج عن دينار دينارا ونصفا يفى بقيمته جاز، لان الربا لا يجري بين العبد وسيده، وقال أبو حنيفة يجوز إخراج الرديئة عن الجيدة من غير جبران لان الجودة إذا لاقت جنسها فيما فيه الربا لا قيمة لها ولنا أن الجودة متقومة في الاتلاف ولانه إذا لم يجبره بما يتم به قيمة الواجب دخل في قوله تعالى (ولا تيمموا الخبيث) الآية ولانه أخرج رديئا عن جيد بقدره فلم يجزئ كالماشية. وأما الربا فلا يجرى ها هنا لانه لا ربا بين العبد وسيده فان قيل فلو أخرج في الماشية عن الجيدة رديئين لم يجزئ أو اخرج عن القفيز الجيد قفيزين رديئين لم يجزئ فلم أجزتم ها هنا؟ قلنا الفرق بينهما أن القصد في الاثمان القيمة لا غير فإذا تساوى الواجب والمخرج في القيمة والوزن جاز وسائر الاموال يقصد الانتفاع بعينها فلا يلزم من التساوي في الامرين الجواز لفوات بعض المقصود * (مسألة) * (فان أخرج مكسرا أو بهرجا وزاد قدر ما بينهما من الفضل جاز نص عليه) إذا أخرج عن الصحاح مكسرة وزاد بقدر ما بينهما من الفضل جاز لانه أدى الواجب عليه قيمة

[ 602 ]

وقدرا وإن أخرج بهرجا عن الجيد وزاد بقدر ما يساوي قيمة الجيد جاز لذلك وهكذا ذكر أبو الخطاب وقال القاضي يلزمه اخراج جيد ولا يرجع فيما أخرجه من المعيب لانه أخرج معيبا في حق الله فاشبه ما لو أخرج مريضة عن صحاح وبهذا قال الشافعي الا أن أصحابه قالوا له الرجوع فيما أخرج من المعيب في احد الوجهين. * (مسألة) * (وهل يضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب أو يخرج أحدهما عن الآخر؟ على روايتين) إذا كان له من كل واحد من الذهب والفضة مالا يبلغ نصابا بمفرده فقد نقل عن أحمد أنه توقف في ضم أحدهما إلى الآخر في رواية الاثرم وجماعة وقطع في رواية حنبل أنه لا زكاة عليه حتى يبلغ كل واحد منهما نصابا وقد نقل الخرقي فيها روايتين ونقلهما غيره من الاصحاب احداهما لا يضم وهو قول ابن أبي ليلى والحسن بن صالح وشريك والشافعي وأبي عبيد وأبي ثور واختيار أبي بكر عبد العزيز لقوله عليه السلام " ليس فيما دون خمس اواق صدقة " متفق عليه ولانهما مالان يختلف نصابهما فلم يضم أحدهما إلى الآخر كاجناس الماشية، والثانية يضم وهو قول الحسن وقتادة ومالك والثوري والاوزاعي وأصحاب الرأي لان أحدهما يضم إلى ما يضم إليه الآخر فيضم إلى الآخر كأنواع الجنس ولانهما نفعهما واحد والمقصود منهما متحد فانهما قيم المتلفات وأروش الجنايات وثمن البياعات وحلي لمن يريدهما فاشبها النوعين والحديث مخصوص بعرض التجارة فنقيس عليه (فصل) وهل يخرج أحدهما عن الآخر في الزكاة فيه روايتان نص عليهما أحمد أحدهما لا يجوز اختاره أبو بكر لانهما جنسان فلم يجز إخراج أحدهما عن الآخر كسائر الاجناس، ولان أنواع الجنس

[ 603 ]

إذا لم يخرج أحدهما عن الآخر إذا كان أقل في المقدار فمع اختلاف الجنس أولى، والثانية يجوز لان المقصود من احدهما يحصل باخراج الآخر فيجزي كأنواع الجنس وذلك لان المقصود منهما جمعيا التنمية والتوسل بهما إلى المقاصد وهما يشتركان فيه على السواء فاشبه اخراج المكسرة عن الصحاح بخلاف سائر الاجناس والانواع مما تجب فيه الزكاة فان لكل جنس مقصودا مختصا به لا يحصل من الجنس الآخر، وكذلك أنواعها فلا يحصل من اخراج غير الواجب من الحكمة ما يحصل من إخراج الواجب وها هنا المقصود حاصل فوجب إجزاؤه إذ لا فائدة في اختصاص الاجزاء بعين مساواة غيرها لها في الحكمة ولان ذلك أوفق بالمعطي والآخذ وأرفق بهما فانه لو تعين اخراج زكاة الدنانير منها شق على من يملك أربعين دينارا إخراج جزء من دينار ويحتاج إلى التشقيص ومشاركة الفقير له في دينار من ماله أو بيع أحدهما نصيبه، ولانه إذا دفع إلى الفقير قطعة من الذهب في موضع لا يتعامل بها فيه أو قطعة في مكان لا يتعاملون به فيه لا يقدر على قضاء حاجته بها، وان أراد بيعها احتاج إلى كلفة البيع والظاهر أنها تنقص عوضها عن قيمتها فقد دار بين ضررين، وفي جواز إخراج أحدهما عن الآخر دفع لهذا الضرر وتحصيل لحكمة الزكاة على الكمال فلا وجه لمنعه وان توهمت ههنا منفعة تفوت بذلك فهي يسيرة مغمورة فيما يحصل من النفع الظاهر ويندفع من الضرر والمشقة من الجانبين فلا يعتبر وهذا اختيار شيخنا وعلى هذا لا يجوز الا بدال في موضع يلحق الفقير ضرر مثل أن يدفع إليه مالا ينفق عوضا

[ 604 ]

عما ينفق لانه إذا لم يجز إخراج أحد النوعين عن الآخر مع الضرر فمع غيره أولى، وإن اختار المالك الدفع من الجنس واختار الفقير الاخذ من غيره لضرر يلحقه في أخذ الجنس لم يلزم المالك اجابته لانه أدى ما فرض الله عليه فلم يكلف سواه والله أعلم. * (مسألة) * (ويكون الضم بالاجزاء وقيل بالقيمة فيما فيه الحظ للمساكين) إذا قلنا يضم أحد النقدين إلى الآخر في تكميل النصاب فانما يضم بالاجزاء فيحسب كل واحد منهما من نصابه فإذا كملت أجزاؤهما نصابا وجبت الزكاة مثل أن يكون عنده نصف نصاب من أحدهما ونصف نصاب أو أكثر من الآخر أو ثلث من أحدهما وثلثان من الاخر وهو أن يملك مائة درهم وعشرة دنانير أو خمسة عشر دينارا وخمسين درهما أو بالعكس فيجب عليه فيه الزكاة فان نقصت أجزاؤهما عن نصاب فلا زكاة فيها، سئل أحمد عن رجل يملك مائة درهم وثمانية دنانير فقال: انما قال من قال فيها الزكاة إذا كان عنده عشرة دنانير ومائة درهم وهذا قول مالك وأبي يوسف ومحمد والاوزاعي لان كل واحد منهما لا تعتبر قيمته في إيجاب الزكاة إذا كان منفردا فلا يعتبر إذا كان مضموما كالحبوب وأنواع الاجناس كلها وقد قيل يضم بالقيمة إذا كان أحظ للمساكين، قال أبو الخطاب ظاهر كلام أحمد في رواية المروذي أنها تضم بالاحوط من الاجزاء والقيمة، ومعناه أنه يقوم الغالي منها بقيمة الرخيص فإذا بلغت قيمتها بالرخيص نصابا وجبت الزكاة فيهما، كمن ملك مائة درهم وتسعة

[ 605 ]

دنانير قيمتها مائة درهم أو عشرة دنانير وتسعين درهما قيمتها عشرة دنانير فتجب عليه الزكاة وهذا قول أبي حنيفة في تقويم الدنانير بالفضة لان كل نصاب وجب فيه ضم الذهب إلى الفضة ضم بالقيمة كنصاب القطع في السرقة، ولان أصل الضم يحظ الفقراء فكذلك صفته والاول أصح لان الزكاة تجب في عين الاثمان فلم تعتبر قيمتها كما لو انفردت وتخالف نصاب القطع فان النصاب فيه الورق خاصة في احدى الروايتين وفي الاخرى أنه لا يجب في الذهب حتي يبلغ ربع دينار * (مسألة) * (وتضم قيمة العروض إلى كل واحد منهما) يعني إذا كان في ملكه ذهب أو فضة وعروض للتجارة فان قيمة العروض تضم إلى كل واحد منهما ويكمل به نصابه، قال شيخنا: لا أعلم فيه خلافا، وقال الخطابي لا أعلم عامتهم اختلفوا فيه وذلك لان الزكاة انما تجب في قيمة العروض وهو يقوم بكل واحد منهما فيضم إلى كل واحد منهما فلو كان ذهب وفضة وعروض وجب ضم الجميع بعضه إلى بعض في تحميل النصاب لان العرض مضموم إلى كل واحد منهما فيجب ضمهما إليه. (فصل) قال (ولا زكاة في الحلي المباح المعد للاستعمال في ظاهر المذهب) روي ذلك عن ابن عمر وجابر وأنس وعائشة وأسماء أختها رضي الله عنهم، وبه قال القاسم والشعبي وقتادة ومحمد بن علي ومالك والشافعي في أحد قوليه وأبو عبيد واسحق وأبو ثور وذكر ابن أبي موسى عن أحمد رواية أخرى

[ 606 ]

أن فيه الزكاة، روي ذلك عن عمر وابن مسعود وابن عباس وعبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وابن جبير وعطاء ومجاهد والزهري والثوري وأصحاب الرأي وغيرهم لعموم قوله عليه السلام " في الرقة ربع العشر وليس فيما دون خمس اواق صدقه " مفهومه أن فيها صدقة إذا بلغت خمس اواق وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: أتت امرأة من أهل اليمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعها ابنة لها في يدها مسكتان من ذهب فقال " هل تعطين زكاة هذا؟ " قالت: لا. قال " أيسرك أن يسورك الله بسوارين من نار " رواه أبو داود ولانه من جنس الاثمان أشبه التبر، وقال الحسن وعبيد الله بن عتبة زكاته عاريته قال أحمد خمسة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون ليس في الحلي زكاة، زكاته عاريته ووجه الاولى ما روى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ليس في الحلي زكاة " ولانه مرصد لاستعمال مباح فلم تجب فيه الزكاة كالعوامل من البقر وثياب القنية، والاحاديث الصحيحة التي احتجوا بها لا تتناول محل النزاع لان الرقة هي الدراهم المضروبة، قال أبو عبيد لا نعلم هذا الاسم في الكلام المعقول عند العرب الا على الدراهم المضروبة ذات السكة السائرة في الناس وكذلك الاواقي ليس معناها الا الدراهم كل أوقية أربعون درهما، وأما حديث المسكتين فقال أبو عبيد لا نعلمه الا من وجه قد تكلم الناس فيه قديما وحديثا وقال الترمذي ليس يصح في هذا الباب شئ ويحتمل أنه أراد بالزكاة العارية كما قد ذهب إليه جماعة من الصحابة وغيرهم، والتبر غير معد للاستعمال بخلاف الحلي ولا فرق بين الحلي

[ 607 ]

المباح أن يكون مملوكا لامرأة تلبسه أو تعيره أو لرجل يحلي به أهله أو يعيره أو يعده لذلك لانه مصروف عن جهة النماء إلى استعمال مباح أشبه حلي المرأة فان اتخذ حليا فرارا من الزكاة لم تسقط عنه الزكاة لانها انما سقطت عن عما أعد للاستعمال لصرفه عن جهة النماء ففيما عداه يبقى على الاصل (فصل) فان انكسر الحلي كسرا لا يمنع اللبس قهو كالصحيح الا أن ينوي ترك لبسه، وان كان كسرا يمنع الاستعمال ففيه الزكاة لانه صار كالبقرة وان نوى يحل اللبس التجارة والكري انعقد عليه حول الزكاة من حين نوى لان الوجوب الاصل فانصرف إليه بمجرد النية كما لو نوى بمال التجارة القنية (فصل) وكذلك ما يباح للرجال من الحلي كخاتم الفضة وقبيعة السيف وحلية المنطقة على الصحيح من المذهب والجوشن والخوذة وما في معناه وأنف الذهب وكل ما أبيح للرجل حكمه حكم حلي المرأة في عدم وجوب الزكاة لانه مصروف عن جهة النماء أشبه حلي المرأة

[ 608 ]

* (مسألة) * (فاما الحلي المحرم والآنية وما أعد للكرى والنفقة ففيه الزكاة إذا بلغ نصابا) كل ما أعد للكرى والنفقة إذا احتاج إليه ففيه الزكاة لانها إنما سقطت عما أعد للاستعمال لصرفه عن جهة النماء ففيما عداه يبقى على الاصل، ولاصحاب الشافعي وجه فيما أعد للكرى لا زكاة فيه وكل ما كان اتخاذه محرما من الاثمان ففيه الزكاة لان الاصل وجوب الزكاة فيها لكونها مخلوقة للتجارة والتوسل بها إلى غيرها ولم يوجد ما يسقط الزكاة فيا فبقيت على الاصل، قال أحمد ما كان على سرج أو لجام ففيه الزكاة ونص على حلية الثفر والركاب واللجام أنه محرم، وقال في رواية الاثرم أكره رأس المكحلة فضة ثم قال هذا شئ تأولته وعلى قياس ما ذكره حلية الدواة والمقلمة والسرج ونحوه مما على الدابة ولو موه سقفه بذهب أو فضة فهو محرم وفيه الزكاة، وقال أصحاب الرأي يباح لانه تابع للمباح فتبعه في الاباحة

[ 609 ]

ولنا أنه سرف ويفضي إلى الخيلاء وكسر قلوب الفقراء فحرم كاتخاذ الآنية وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التختم بخاتم الذهب للرجل فتمويه السقف أولى فان صار التمويه الذي في السقف مستهلكا لا يجتمع منه شئ لم تحرم استدامته لانه لا فائدة في إتلافه وإزالته ولا زكاة فيه لان ما ليته ذهبت وان لم تذهب ماليته ولم يكن مستهلكا حرمت استدامته، وقد بلغنا أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لما ولي أراد جمع ما في مسجد دمشق مما موه به من الذهب فقيل له إنه لا يجتمع منه شئ فتركه، ولا يجوز تحلية المصاحف ولا المحاريب ولا اتخاذ قناديل من الذهب والفضة لانها بمنزلة الآنية، وان وقفها على مسجد أو نحوه لم يصح لانه ليس ببر ولا معروف ويكون ذلك بمنزلة الصدقة فتكسر وتصرف في مصلحة المسجد

[ 610 ]

وعمارته، وكذلك ان حبس الرجل فرسا له لجام مفضض، وقد قال أحمد في الرجل يقف فرسا في سبيل الله ومعه لجام مفضض فهو على ما وقفه وإن بيعت الفضة من السرج واللجام وجعلت في وقف مثله فهو احب الي لان الفضة لا ينتفع بها ولعله يشتري بذلك سرجا ولجاما فيكون أنفع للمسلمين قيل فتباع الفضة وتنفق على الفرس؟ قال نعم وهذا يدل على اباحة حلية السرج واللجام بالفضة لو لا ذلك لما قال هو على ما وقفه وهذا لان العادة جارية به فاشبه حلية المنطقة، وإذا قلنا بتحريمه فصار بحيث لا يجتمع منه شئ لم تحرم استدامته كقولنا في تمويه السقف، وقال القاضي، تباح علاقة المصحف ذهبا

[ 611 ]

وفضة للنساء خاصة وليس بجيد لان حلية المرأة ما لبسته وتحلت به في بدنها أو ثيابها وما عداه فحكمه حكم الاواني يستوي فيه الرجال والنساء ولو أبيح لها ذلك لابيح علاقة الاواني ونحوه ذكره ابن عقيل، ويحرم على الرجل خاتم الذهب لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه وكذلك طوق الفضة لانه غير معتاد في حقه فهذا وكل ما يحرم اتخاذه إذا بلغ نصابا ففيه الزكاة أو بلغ نصابا بضمه إلى ما عنده لما ذكرنا (فصل) واتخاذ الاواني محرم على الرجال والنساء وكذلك استعمالها، وقال الشافعي في أحد قوليه لا يحرم اتخاذها وقد ذكرنا ذلك في باب الآنية ففيها الزكاة بغير خلاف نعلمه بين أهل العلم، ولا زكاة فيه حتى يبلغ نصابا أو يكون عنده ما يبلغ بضمه إليه نصابا فان لم يبلغ نصابا فلا زكاة فيه لمعوم الاخبار لقوله عليه السلام " ليس فيما دون خمس اواق صدقة " وغير ذلك

[ 612 ]

* (مسألة) * (والاعتبار بوزنه إلا ما كان مباح الصناعة فان الاعتبار في النصاب بوزنه وفي الاخراج بقيمته) اعتبار النصاب في الذهب المحلى والآنية وغيره مما تجب فيه الزكاة بالوزن للخبر، فان كانت قيمته أكثر من وزنه لصناعة محرمة فلا عبرة بها لانها لا قيمة لها في الشرع وله أن يخرج عنها قدر ربع عشرها بقيمته غير مصوغ وله كسرها واخراج ربع عشرها مكسورا وان أخرج ربع عشرها مصوغا جاز لان الصناعة لم تنقصها عن قيمه المكسور وذكر أبو الخطاب وجها في اعتبار قيمتها إذا كانت صناعتها مباحة كمن عنده حلي للكراء وزنه مائة وخمسون درهما وقيمته مائتان تجب فيه الزكاة والاول أصح لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ليس فيما دون خمس أواق صدقة " (فصل) وما كان مباح الصناعة كحلي التجارة فالاعتبار في النصاب بوزنه لما ذكرنا وفي الاخراج

[ 613 ]

بقيمته فإذا كان وزنه مائتين وقيمته ثلاثمائة فعليه قدر ربع عشره في زنته وقيمته لان زيادة القيمة ههنا بغير محرم أشبه زيادة قيمته لنفاسة جوهره فان أخرج ربع عشره مشاعا جاز وان دفع قدر ربع عشره وزاد في الوزن بحيث يستويان في القيمة بان أخرج سبعة دراهم ونصف جاز وكذلك إن أخرج حليا وزنه خمسة دراهم وقيمته سبعة ونصف لان الربا لا يجري ههنا وإن أراد كسره ودفع ربع عشره مكسورا لم يجز لان كسره ينقص قيمته، وحكي القاضي في المجرد إذا نوى بالحلي القنية أن الاعتبار في الاخراج بوزنه أيضا فان كان للتجارة اعتبر بقيمته قال وعندي في الحلي المعد للقنية أنه تعتبر قيمته أيضا، فان كان في الحلي جواهر ولآلئ وكان للتجارة قوم جميعه، وان كان لغيرها فلا زكاة فيها لانها لا زكاة فيها منفردة فكذلك مع غيرها.

[ 614 ]

* (مسألة) * (ويباح للرجال من الفضة الخاتم وقبيعة السيف، وفي حلية المنطقة روايتان وعلى قياسها الجوشن والخوذة والخف والران والحمائل) يباح للرجال خاتم الفضة لان النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من ورق متفق عليه، ويباح حلية السيف من القبيعة وتحليتها لان أنسا قال: كانت قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فضة، وقال هشام بن عروة كان سيف الزبير محلى بالفضة رواهما الاثرم، والمنطقة يباح تحليتها بالفضة في أظهر الروايتين لانها حلية معتادة للرجل فهي كالخاتم وعنه كراهة ذلك لما فيه من الفخر والخيلاء أشبه الطوق والاول أولى

[ 615 ]

لان الطوق ليس بمعتاد في حق الرجل وعلى قياس المنطقة الجوشن والخوذة والخف والران والحمائل وكذلك الضبة في الاناء وما أشبهها للحاجة، وقد ذكرنا ذلك في باب الآنية، وقال القاضي يباح اليسير وان لم يكن لحاجة وإنما كره أحمد الحلقة لانها تستعمل * (مسألة) * (ومن الذهب قبيعة السيف وما دعت إليه الضرورة كالانف وما ربط به أسنانه وقال أبو بكر يباح يسير الذهب) يباح من الذهب للرجل ما دعت الضرورة إليه كالانف لمن قطع أنفه لما روي أن عرفجة بن أسعد

[ 616 ]

قطع أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفا من ورق فانتن على فأمره النبي صلى الله عليه وسلم فاتخذ أنفا من ذهب رواه أبو داود، وقال الامام أحمد يجوز ربط الاسنان بالذهب أن خشي عليها أن تسقط قد فعله الناس ولا بأس به عند الضرورة وروى الاثرم عن أبي جمرة الضبعي وموسى بن طلحة وأبي رافع وثابت البناني واسماعيل بن زيد بن ثابت والمغيرة بن عبد الله أنهم شدوا أسنانهم بالذهب وما عدا ذلك من الذهب فقد روي عن أحمد الرخصة فيه في السيف، قال أحمد قد روي أنه كان في سيف عثمان بن حنيف مسمار من ذهب وقال إنه كان لعمر سيف فيه سبائك من ذهب من حديث اسماعيل بن أمية عن نافع

[ 617 ]

وروى الترمذي باسناده عن مزيدة العصري أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعلى سيفه ذهب وفضة وروي عن احمد رواية أخرى تدل على تحريم ذلك قال الاثرم قلت لابي عبد الله يخاف على أن يسقط يجعل فيه مسمارا من ذهب؟ قال انما رخص في الاسنان وذلك انما هو على وجه الضرورة. فأما المسمار فقد روي من تحلى بخريصيصة قلت أي شئ خريصيصة قال شئ صغير مثل الشعيرة، وروى الاثرم باسناده عن عبد الرحمن بن غنم " من تحلى بخريصيصه كوي بها يوم القيامة مغفورا له أو معذبا " وحكي عن أبي بكر من أصحابنا أنه أباح يسير الذهب ولعله يحتج بما روينا من الاخبار ولانه أحد الثلاثة المحرمة

[ 618 ]

على الذكور دون الاناث فلم يحرم يسيره كسائرها وكل ما أبيح من الحلي فلا زكاة فيه إذا أعد للاستعمال * (مسألة) * (ويباح للنساء من الذهب والفضة كل ما جرت عادتهن بلبسه قل أو كثر وقال ابن حامد إن بلغ الف مثقال حرم وفيه الزكاة) ويباح للنساء من حلي الذهب والفضة والجواهر كل ما جرت عادتهن بلبسه كالسوار والخلخال والقرط والخاتم وما يلبسنه على وجوههن وفي أعناقهن وأيديهن وأرجلهن وآذانهن وغيره فأما ما لم تجر عادتهن بلبسه كالمنطقة وشبهها من حلي الرجال فهو محرم وعليها زكاته، كما لو اتخذ الرجل لنفسه حلى المرأة، وقليل الحلي وكثيره سواء في الاباحة والزكاة وقال ابن حامد يباح ما لم يبلغ الف مثقال فان

[ 619 ]

بلغها حرم وفيه الزكاة لما روى أبو عبيد والاثرم عن عمرو بن دينار قال: سئل جابر عن الحلي هل فيه زكاة؟ قال لا؟ فقيل الف دينار قال إن ذلك لكثير ولانه يخرج إلى السرف والخيلاء ولا يحتاج إليه في الاستعمال، والاول أصح لان الشرع أباح التحلي مطلقا من غير تقييد، فلا يجوز تقييده بالرأي والتحكم، وحديث جابر ليس بصريح في نفي الوجوب بل يدل على التوقف وقد روي عنه خلافه فروى الجوزجاني باسناده عن أبي الزبير قال: سألت جابر بن عبد الله عن الحلي فيه زكاة قال لا؟

[ 620 ]

قلت إن الحلي يكون فيه الف دينار. قال وان كان فيه يعار ويلبس، ثم إن قول جابر قول صحابي وقد

[ 621 ]

خالفه غيره من الصحابة ممن يرى التحلي مطلقا فلا يبقى قوله حجة والتقييد بمجرد الرأي والتحكم غير جائز والله أعلم.

[ 622 ]

* (باب زكاة العروض) * (تجب الزكاة في عروض التجارة إذا بلغت قيمتها نصابا) العروض جمع عرض وهو غير الاثمان من المال على اختلاف أنواعه من الحيوان والعقار والثياب وسائر المال والزكاة واجبة فيها في قول أكثر أهل العلم، قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن في العروض التي يراد بها التجارة الزكاة إذا حال عليها الحول روي ذلك عن عمر وابنه وابن عباس وبه قال الفقهاء السبعة والحسن وجابر بن زيد وميمون بن مهران والنخعي والثوري والاوزاعي والشافعي وأبو عبيد وأصحاب الرأي واسحق وحكي عن مالك وداود أنه لا زكاة فيها، لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق " ولنا ما روى أبو داود باسناده عن سمرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعده للبيع، وروى الدارقطني عن أبي ذر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " في الابل صدقتها وفي الغنم صدقتها وفي البز صدقته " قاله بالزاي ولا خلاف بين أهل العلم أن الزكاة لا تجب في عينها وثبت أنها تجب في قيمتها وعن أبي عمرو بن حماس عن أبيه قال: أمرني عمر فقال أد زكاة مالك فقلت مالي مال الا جعاب وأدم، فقال قومها ثم أد زكاتها رواه الامام أحمد وأبو عبيد وهذه قضية يشتهر مثلها

[ 623 ]

ولم تنكر فتكون إجماعا ولانه مال تام فوجبت فيه الزكاة كالسائمة وخبرهم المراد به زكاة العين لا زكاة القيمة بدليل ما ذكرنا على أن خبرهم عام وحديثنا خاص فيجب تقديمه (فصل) ويعتبر أن تبلغ قيمته نصابا لانه مال تام يعتبر له الحول فاعتبر له النصاب كالماشية يعتبر له الحول لقوله عليه السلام " لا زكاة في مال حتى يحول على الحول " ولا نعلم فيه خلافا فعلى هذا من ملك عرضا للتجارة فحال عليه الحول وهو نصاب قومه في آخر الحول فما بلغ أخرج زكاته ولا تجب فيه الزكاة إلا إذا بلغت قيمته نصابا وحال عليه الحول وهو نصاب، فلو ملك سلعة قيمتها دون النصاب فمضى نصف حول وهي كذلك ثم زادت قيمتها فبلغت نصابا أو باعها بنصاب أو ملك في أثناء الحول عرضا أخرا وأثمانا ثم بها النصاب ابتداء الحول من حينئذ ولا يحتسب عليه بما مضى وهذا قول الثوري وأهل العراق والشافعي وإسحق وأبي عبيد وأبي ثور وابن المنذر، ولو ملك للتجارة نصابا فنقص عن النصاب في أثناء الحول ثم زاد حتى بلغ نصابا استأنف الحول عليه لكونه انقطع بنقصه في أثناء الحول

[ 624 ]

وقال مالك ينعقد الحول على ما دون النصاب فإذا كان في آخره نصابا زكاه وقال أبو حنيفة يعتبر كونه نصابا في طرفي الحول دون وسطه لان التقويم يشق في جميع الحول فعفى عنه إلا في آخره فصار الاعتبار به ولانه يحتاج إلى تعرف قيمته في كل وقت ليعلم أن قيمته تبلغ نصابا وذلك يشق ولنا أنه مال يعتبر له الحول والنصاب فيجب اعتبار كمال النصاب في جميع الحول كسائر الاموال التي يعتبر لها ذلك وقولهم يشق التقويم لا يصح لان غير المقارب للنصاب لا يحتاج إلى تقويم لظهور معرفته، والمقارب للنصاب إن سهل عليه التقويم والا فله الاداء والاخذ بالاحتياط كالمستفاد في أثناء الحول إن سهل على ضبط حوله وإلا فله تعجيل زكاته مع الاصل (فصل) (والواجب فيه ربع عشر قيمته لانها زكاة تتعلق بالقيمة فاشبهت زكاة الاثمان ويجب فيما زاد بحسابه كالاثمان) إذا ثبت هذا فانه تجب فيه الزكاة في كل حول وبهذا قال الثوري والشافعي وإسحق وأبو عبيد وأصحاب الرأي، وقال مالك لا يزكيه إلا لحول واحد إلا أن يكون مدبرا لان الحول الثاني لم يكن المال عينا في أحد طرفيه فلم تجب فيه الزكاة كالحول الاول إذا لم يكن في أوله عينا

[ 625 ]

ولنا أنه مال تجب فيه الزكاة في الحول الاول لم ينقص عن النصاب ولم تتبدل صفته فوجبت زكاته في الحول الثاني كما لو نض (1) في أوله ولا نسلم أنه إذا لم يكن في أوله عينا لا تجب الزكاة فيه، وإذا اشترى عرضا للتجارة بعرض للقنية جرى في حول الزكاة من حين الشراء * (مسألة) * (ويؤخذ منها لا من العروض) تخرج الزكاة من قيمة العروض دون عينها لان نصابها يعتبر بالقيمة لا بالعين فكانت الزكاة منها كالعين في سائر الاموال وهذا أحد قولي الشافعي، وقال في الآخر هو مخير بين الاخراج من قيمتها ومن عينها وهو قول أبي حنيفة لانه مال تجب فيه الزكاة فجاز اخراجها منه كسائر الاموال ولنا ما ذكرنا من المعنى ولا نسلم أن الزكاة وجبت في المال انما وجبت في قيمته (فصل) وإذا ملك نصبا للتجارة في أوقات متفرقة لم يضم بعضها إلى بعض لما ذكرنا في المستفاد وإن كان العرض الاول ليس بنصاب فكمل بالثاني نصابا فحولهما من حين ملك الثاني ونماؤهما تابع لهما ولا يضم الثالث اليهما بل ابتداء الحول فيه من حين ملكه، وتجب زكاته إذا حال عليه الحول وإن كان دون النصاب لان في ملكه نصابا قبله ونماؤه تابع له * (مسألة) * (ولا تصير للتجارة إلا أن يملكها بفعله بنية التجارة بها) لا يصير العرض للتجارة إلا بشرطين أحدهما أن يملكه بفعله كالبيع والكاح والخلع وقبول الهبة والوصية والغنيمة واكتساب المباحات لان ما لا يثبت له حكم الزكاة بدخوله في ملكه لا يثبت بمجرد النية كالسوم، ولا فرق بين أن يملكه بعوض أو بغير عوض وهكذا ذكره أو الخطاب وابن عقيل لانه ملكه بفعله أشبه ما لو ملكه بعوض، وذكر القاضي أنه لا يصير للتجارة الا أن يملكه بعوض وهو قول الشافعي فان ملكه بغير عوض كالهبة والغنيمة ونحوهما لم يصر للتجارة لانه لم يملكه بعوض أشبه الموروث، الثاني أن ينوي عند تملكه أنه للتجارة، فان لم ينو عند تملكه أنه للتجارة لم يصر للتجارة لقوله في الحديث " مما نعده للبيع " ولانها مخلوقة في الاصل للاستعمال فلا تصير للتجارة الا بنيتها كما أن ما خلق للتجارة لا يصير للقنية إلا بنيتها


" 1 " في القاموس: نض الدرهم أو الدينار إذا تحول عينا بعد ان كان متاعا

[ 626 ]

* (مسألة) * (فان ملكها بارث أو ملكها بفعله بغير نية التجارة ثم نوي التجارة بها لم تصر للتجارة) إذا ملك العرض بالارث لم يصر للتجارة وإن نواها لانه ملكه بغير فعله فجرى مجرى الاستدامة فلم يبق الا مجرد النية ومجرد النية لا يصير بها العرض للتجارة لما ذكرنا وكذلك إن ملكها بفعله بغير نية التجارة ثم نواها بعد ذلك لم يصر للتجارة لان الاصل في العروض القنية فإذا صارت للقنية لم تنتقل عنه بمجرد النية كما لو نوى الحاضر السفر وعكسه ما لو نوى المسافر الاقامة يكنفي فيه مجرد النية * (مسألة) * (وان كان عنده عرض للتجارة فنواه للقنية ثم نواه للتجارة لم يصر للتجارة، وعنه أن العروض تصير للتجارة بمجرد النية) ولا يختلف المذهب أنه إذا نوى بعرض التجارة القنية أنه يصير للقنية وتسقط الزكاة منه وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي، وقال مالك في احدى الروايتين لا يسقط حكم التجارة بمجرد النية كما لو نوى بالسائمة العلف. ولنا أن القنية الاصل والرد إلى الاصل يكفي فيه مجرد النية كما لو نوى بالحلي التجارة أو نوى المسافر الاقامة، ولان نية التجارة شرط لوجوب الزكاة في العروض فإذا نوى القنية زالت نية التجارة ففات شرط الوجوب، وفارق السائمة إذا نوى علفها لان الشرط فيها الاسامة دون نيتها فلا ينتفى الوجوب الا بانتفاء السوم وإذا صار العرض للقنية ثم نواه للتجارة لم يصر للتجارة لما ذكرنا. وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي والثوري وذهب أبو بكر وابن عقيل إلى أنها تصير للتجارة بمجرد النية وحكوه رواية عن أحمد قال بعض أصحابنا هذا على أصح الروايتين لقول سمرة أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرج الصدقة مما نعده للبيع وهذا داخل في عمومه، ولان نية القنية كافية بمجردها فكذلك نية التجارة بل هذا أولى لان الايجاب يغلب على الاسقاط احتياطا، ولانه نوى به التجارة أشبه ما لو نوى حال الشراء، ووجه الاولى أن كل ما لا يثبت له الحكم بدخوله في ملكه لا يثبت بمجرد النية كما لو نوى بالمعلوفة السوم، ولان القنية الاصل والتجارة فرع عليها فلا ينصرف إلى الفرع بمجرد النية كالمقيم ينوي السفر، ويعتبر وجود النية في جميع الحول لانها شرط أمكن اعتباره في جميع الحول، فاعتبر فيه كالنصاب. (فصل) وإذا كانت عنده ماشية للتجارة نصف حول فنوى بها الاسامة وقطع نية التجارة انقطع حول التجارة واستأنف حولا كذلك قال الثوري وأبو ثور وأصحاب الرأي لان حول التجارة انقطع بنية الاقتناء وحول السوم لا يبنى على حول التجارة. قال شيخنا والاشبه بالدليل أنها متى كانت سائمة

[ 627 ]

من أول الحول وجبت الزكاة فيها عند تمامه، يروى نحو هذا عن إسحق لان السوم سبب لوجوب الزكاة وجد في جميع الحول خاليا عن معارض فوجبت به الزكاة، كما لو لم ينو التجارة أو كما لو كانت السائمة لا تبلغ نصاب القيمة. * (مسألة) * (وتقوم العروض عند الحول بما هو أحظ للمساكين من عين أو ورق ولا يعتبر ما اشتريت به) إذا حال الحول على عروض التجارة وقيمتها بالفضة نصاب ولا تبلغ نصابا بالذهب قومناها بالفضة وان كانت قيمتها بالذهب تبلغ نصابا ولا تبلغ نصابا بالفضة قومناها بالذهب لتجب الزكاة فيها ويحصل الحظ للفقراء سواء اشتراها بذهب أو عروض وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي تقوم بما اشتراه من ذهب أو فضة، لان نصاب العرض مبني على ما اشتراه به فوجبت الزكاة فيه واعتبرت به، كما لو لم يشتر به شيئا. ولنا أن قيمته بلغت نصابا فوجبت الزكاة فيه كما لو اشتراه بعرض وفي البلد نقدان مستعملان تبلغ قيمة العرض بأحدهما نصابا ولان تقويمه يحظ المساكين فيعتبر مالهم فيه الحظ كالاصل، وأما إذا لم يشتر بالنقد شيئا فان الزكاة في عينه لا في قيمته بخلاف العرض فان كان النقد معدا للتجارة فينبغي أن تجب الزكاة فيه إذا بلغت قيمته بالنقد الآخر نصابا وان لم يبلغ بعينه نصابا كالسائمة التي للتجارة فان بلغت قيمة العروض نصابا بكل واحد من النقدين قومه بما شاء منهما وأخرج ربع عشر قيمته

[ 628 ]

من أي النقدين شاء، لكن الاولى أن يخرج من النقد المستعمل في البلد لانه أحظ للمساكين فان كانا مستعملين أخرج من الغالب في الاستعمال لذلك فان تساويا أخرج من أيهما شاء، وان باع العروض بنقد وحال الحول عليه قوم النقد دون العروض لانه انما يقوم ما حال عليه الحول دون غيره * (مسألة) * (وان اشترى عرضا بنصاب من الاثمان أو من العروض بنى على حوله) لان مال التجارة انما تتعلق الزكاة بقيمته، وقيمته هي الاثمان، انما كانت ظاهرة فخفيت فأشبه ما لو كان له نصاب فأقرضه لم ينقطع حوله بذلك، وهكذا الحكم إذا باع العرض بنصاب أو بعرض قيمته نصاب لان القيمة كانت خفية فظهرت أو بقيت على خفائها فأشبه ما لو كان له قرض فاستوفاه أو أقرضه انسانا آخر، ولان النماء في الغالب في التجارة انما يحصل بالتقليب ولو كان ذلك يقطع الحول لكان السبب الذي وجبت فيه الزكاة لاجله يمنعها لان الزكاة لا تجب الا في زمان تام، وان قصد بالاثمان غير التجارة لم ينقطع الحول، وقال الشافعي: ينقطع لانه مال تجب الزكاة في عينه دون قيمته فانقطع الحول بالبيع كالسائمة ولنا انه من جنس القيمة التي تتعلق الزكاة بها فلم ينقطع الحول ببيعها به كما لو قصد به التجارة وفارق السائمة فانها من غير جنس القيمة

[ 629 ]

* (مسألة) * (وان اشتراه بنصاب من السائمة لم يبن على حوله) إذا أبدل عرض التجارة بنصاب من السائمة ولم ينو به التجارة أو اشترى بنصاب من السائمة عرضا للتجارة لم يبن حول أحدهما على الاخر لانهما مختلفان، وان أبدل عرض التجارة بعرض القنية بطل الحول، وان اشترى عرض التجارة بعرض القنية انعقد عليه الحول من حين ملكه ان كان نصابا لانه اشتراه بما لا زكاة فيه فلم يمكن بناء الحول عليه وان اشتراه بما دون النصاب من الاثمان أو من عروض التجارة انعقد عليه الحول من حين تصير قيمته نصابا لان مضي الحول على نصاب كامل شرط لوجوب الزكاة وقد ذكرناه. (مسألة) (وان ملك نصابا من السائمة للتجارة فعليه زكاة التجارة دون السوم فان لم تبلغ قيمته نصاب التجارة فعليه زكاة السوم) إذا اشترى للتجارة نصابا من السائمة فحال الحول والسوم ونية التجارة موجودان زكاه زكاة التجارة. وبهذا قال أبو حنيفة والثوري، وقال مالك والشافعي في الجديد: يزكيها زكاة السوم لانها أقوى لانعقاد الاجماع عليها واختصاصها بالعين فكانت أولى ولنا ان زكاة التجارة أحظ للمساكين لانها تجب فيما زاد على النصاب بالحساب، ولان الزائد عن النصاب قد وجد سبب وجوب زكاته فوجب كما لو لم يبلغ بالسوم نصابا، وان سبق وقت وجوب زكاة السوم وقت وجوب زكاة التجارة مثل أن يملك أربعين من الغنم قيمتها دون مائتي درهم، ثم صارت فيمتها في أثناء الحول مائتي درهم فقال القاضي: يتأخر وجوب الزكاة حتى يتم حول التجارة

[ 630 ]

لانه أنفع للفقراء ولا يفضي إلى سقوطها لان الزكاة تجب فيها إذا تم حول التجارة، ويحتمل أن تجب زكاة العين عند تمام حولها لوجود مقتضيها من غير معارض، فإذا تم حول التجارة وجبت زكاة الزائد عن النصاب لوجود مقتضيها لانه مال للتجارة حال عليه الحول وهو نصاب، ولا يمكن ايجاب الزكاتين بكمالهما لانه يفضي إلى إيجاب زكاتين في حول واحد بسبب واحد، فلم يجز ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا تثني في الصدقة " وفارق هذا زكاة التجارة وزكاة القطر في العبد الذي للتجارة لانهما يجتمعان لكونهما بسببين فان زكاة الفطر تجب عن بدن المسلم طهرة له، وزكاة التجارة تجب عن قيمته شكرا لنعمة الغني مواساة للفقراء، فأما ان وجد نصاب السوم دون التجارة كمن ملك نصابا من السائمة للتجارة لا تبلغ قيمتها مائتي درهم وحال الحول عليها كذلك فان زكاة العين لا تجب فيها بغير خلاف لانه لم يوجد لها معارض أشبه إذا لم تكن للتجارة، وكذلك ان ملك أربعا من الابل قيمتها مائتا درهم تجب فيها زكاة التجارة بغير خلاف لما ذكرنا * (مسألة) * (وان اشتري أرضا أو نخلا للتجارة فأثمرت النخل أو زرعت الارض فعليه فيهما العشر ويزكي الاصل للتجارة)

[ 631 ]

زكاة التجارة فيها أنفع للفقراء. فأما ان سبق وجوب العشر حول التجارة وجب عليه العشر لوجود سببه من غير معارض وهو أحظ للفقراء كما بينا إذا اشترى أرضا أو نخلا للتجارة فأثمرت النخل، أو زرعت الارض واتفق حولاهما بأن يكون بدو الصلاح في الثمرة واشتداد الحب عند تمام الحول وكانت قيمة الاصل تبلغ نصابا للتجارة فانه يزكي الحب والثمرة زكاة العشر إذا بلغ نصابا، ويزكي الاصل زكاة القيمة. وهذا قول أبي حنيفة وأبي ثور وقال القاضي وأصحابه: يزكي الجميع زكاة القيمة، وذكر ان أحمد أومأ إليه لانه مال تجارة فوجبت فيه زكاة التجارة كالسائمة ولنا ان زكاة العشر أحظ للفقراء فان العشر أحظ من ربع العشر فيجب تقديم ما فيه الحظ، ولان الزيادة على ربع العشر قد وجد سبب وجوبها فتجب، وفارق زكاة السوم المعدة للتجارة لان

[ 632 ]

(فصل) وإذا حال الحول أدى زكاة الاصل والنماء لانه تابع له في الملك فتبعه في الحول كالسخال والنتاج، وبهذا قال مالك واسحق وأبو يوسف، وأما أبو حنيفة فانه يبني حول كل مستفاد على حول جنسه النماء وغيره. وقال الشافعي: ان نضت الفائدة قبل الحول لم يبن حولها على حول النصاب، ويستأنف لها حولها لقوله عليه السلام " لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول " ولانها فائدة تامة لم تتولد مما عنده أشبه المستفاد من غير الربح. وان اشترى سلعة بنصاب فزادت قيمتها عند رأس الحول فانه يضم الفائدة ويزكي عن الجميع بخلاف ما إذا باع السلعة قبل الحول ولنا أنه نماء جار في حول تابع لاصله في الملك فضم إليه في الحول كالنتاج وكما لو لم ينض ولانه ثمن عرض تجب زكاة بعضه يضم إليه الباقي قبل البيع فضم إليه بعده كبعض النصاب ولانه لو بقي عرضا زكي جميع القيمة، فإذا نض كان أولى لانه يصير متحققا والحديث فيه مقال وهو مخصوص

[ 633 ]

بالنتاج وبما لم ينض فنقيس عليه. (فصل) وإذا اشترى للتجارة شقصا مشفوعا بالف فحال الحول وهو يساوي الفين فعليه زكاة الفين فان جا الشفيع أخذه بالف لان الشفيع إنما يأخذ بالثمن لا بالقيمة، والزكاة على المشتري لانها وحبت في ملكه ولو لم يأخذه الشفيع لكن وجد المشتري به عيبا فرده فانما يأخذ من البائع الفا، ولو اشتراه بالفين وحال الحول وقيمته الف فعليه زكاة الف ويأخذه الشفيع ان أخذه ويرده بالعيب بالفين لانهما الثمن الذي وقع به البيع. (فصل) وإذا دفع إلى رجل الفا مضاربة على أن الربح بينهما فحال الحول وهو ثلاثة آلاف فعلى رب المال زكاة الفين لان ربح التجارة حوله حول أصله على ما بينا، وقال الشافعي في أحد قوليه عليه زكاة الجميع لان الاصل له والربح نماء ماله ولا يصح ذلك لان حصة المضارب له وليست ملكا لرب المال بدليل أن للمضارب المطالبة بها ولو أراد رب المال دفع حصته إليه من غير هذا المال لم يلزمه

[ 634 ]

قبوله، ولا يجب على الانسان زكاة ملك غيره ولان رب المال يقول حصتك أيها العامل مترددة بين أن تسلم فتكون لك أو تتلف فلا تكون لي ولا لك فكيف يجب علي زكاة ما ليس لي بوجه ما؟ وقوله إنها نماء ماله فلنا الا أنه لغيره فلم تجب عليه زكاته كما لو وهب نتاج سائمته لغيره إذا ثبت هذا فانه يخرج الزكاة من المال لانه من مؤنته فكان منه كمؤنة حمله، ويحتسب من الربح لانه وقاية لرأس المال كذلك ذكره شيخنا في كتاب المغني، وقال في كتاب تحتسب الزكاة من حصة رب المال لانها واجبة عليه فحسبت من نصيبه كدينه، فاما حصة المضارب فمن أوجبها لم يجوز اخراجها من المال لان الربح وقاية لرأس المال، ويحتمل أن يجوز لانهما دخلا على حكم الاسلام

[ 635 ]

ومن حكمه وجوب الزكاة واخراجها من المال ولاصحاب الشافعي في هذه المسألة نحو مما ذكرنا * (مسألة) * (وإذا اذن كل واحد من الشريكين لصاحبه في اخراج زكاته أو أذن رجلان غير

[ 636 ]

الشريكين كل واحد منهما للآخر في إخراج زكاته فأخرج كل واحد منهما زكاته وزكاة صاحبه

[ 637 ]

معا في حال واحدة ضمن كل واحد منهما نصيب صاحبه لان كل واحد منهما انعزل من طريق الحكم

[ 638 ]

عن الوكالة لاخراج الموكل زكاته بنفسه)

[ 639 ]

ويحتمل أن لا يضمن إذا لم يعلم باخراج صاحبه إذا قلنا إن الوكيل لا ينعزل قبل العلم بعزل الموكل

[ 640 ]

أو بموته ويحتمل أن لا يصمن وإن قلنا إنه ينعزل لانه غره بتسليطه على الاخراج وأمره به ولم يعلمه

[ 641 ]

باخراجه فكان خطر التغرير عليه كما لو غره بحرية أمة، قال شيخنا وهذا أحسن ان شاء الله تعالى. وعلى

[ 642 ]

هذا إن علم أحدهما دون الآخر فعلى العالم الضمان دون الآخر

[ 643 ]

* (مسألة) * (فان أخرجها أحدهما قبل الآخر ضمن الثاني نصيب الاول علم أو لم يعلم) لما ذكر

[ 644 ]

وهذا على الوجه الاول وعلى الوجه الثاني لا ضمان عليه إذا لم يعلم لما ذكرنا والله أعلم

[ 645 ]

باب زكاة الفطر قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن صدقة الفطر فرض. قال إسحق هو كالاجماع من أهل العلم وحكى ابن عبد البر أن بعض المتأخرين من أصحاب مالك وداود يقولون هي سنة مؤكدة وسائر العلماء على أنها واجبة لما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعا من تمر أو صاعا من شعير على كل حر وعبد ذكر أو أنثى من المسلمين. متفق عليه، وللبخاري والصغير والكبير من المسلمين وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة، وعن أبي سعيد قال كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام أو صاعا من شعير أو صاعا من تمر أو صاعا من أقط أو صاعا من زبيب. متفق عليهما. وقال سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز في قوله تعالى (قد أفلح من تزكى) هو زكاة الفطر واضيفت هذه الزكاة إلى الفطر لانها تجب بالفطر من رمضان قال ابن قتيبة وقبل لها فطرة لان الفطرة الخلقة قال الله تعالى (فطرة الله التي فطر الناس عليها) وهذه يراد بها الصدقة عن البدن والنفس، قال بعض أصحابنا وهل تسمى فرضا مع القول بوجوبها على

[ 646 ]

روايتين والصحيح أنها فرض لقول ابن عمر: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر ولان الفرض إن كان الواجب فهي واجبة وإن كان الواجب المتأكد فهى متأكدة مجمع عليها على ما حكاه ابن المنذر * (مسألة) * (وهي واجبة على كل مسلم تلزمه مؤنة نفسه إذا فضل عنده عن قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته صاع وان كان مكاتبا) وجملة ذلك أن زكاة الفطر تجب على كل مسلم تلزمه مؤنة نفسه صغيرا كان أو كبيرا حرا أو عبدا ذكرا أو أنثى لما ذكرنا من حديث ابن عمر وهذا قول عامة أهل العلم وتجب على اليتيم ويخرج عنه وليه من ماله لا نعلم أحدا خالف فيه إلا محمد بن الحسن قال ليس في مال الصغير صدقة، وقال الحسن صدقة الفطر على من صام من الاحرار وعلى الرقبق، وعموم حديث ابن عمر يقتضي وجوبها على اليتيم والصغير مطلقا ولانه مسلم فوجبت فطرته كما لو كان له أب (فصل) ولا تجب صدقة الفطر على أهل البادية في قول اكثر أهل العلم روي ذلك عن ابن الزبير، وهو قول الحسن ومالك والشافعي وابن المنذر وأصحاب الرأي، وقال عطاء والزهري وربيعة لا صدقة عليهم: ولنا عموم الحديث، ولانها زكاة فوجبت عليهم كزكاة المال ولانهم مسلمون أشبهوا أهل الامصار (فصل) ولا تجب على كافر أصلي حرا كان أو عبدا، أما المرتد ففى وجوبها عليه اختلاف ذكرناه فيما مضى، قال شيخنا ولا نعلم خلافا بينهم في الحر البالغ الكافر أنها لا تجب عليه وقال امامنا ومالك والشافعي وأبو ثور لا تجب على العبد أيضا ولا على الصغير ويروى عن عمر بن عبد العزيز وعطاء

[ 647 ]

ومجاهد وسعيد بن جبير والنخعي والثوري وإسحق وأصحاب الرأي أن على السيد المسلم اخراج الفطرة عن عبده الذمي، وقال أبو حنيفة يخرج عن ابنه الصغير إذا ارتد، ورووا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " أدوا عن كل حر وعبد صغير أو كبير يهودي أو نصراني أو مجوسي نصف صاع من بر " ولان كل زكاة وجبت بسبب عبده المسلم وجبت عبده الكافر كزكاة التجارة ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر من المسلمين، وروى أبو داود عن ابن عباس قال فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من الرفث واللغو وطعمة للمساكين من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقه من الصدقات، وحديثهم لم نعرفه ولم يذكره صحاب السنن، وزكاة التجارة تجب عن القيمة ولذلك تجب في سائر الحيوانات وسائر الاموال وهذه طهرة للبدن ولهذا اختص بها الآدميون بخلاف زكاة التجارة (فصل) فان كان لكافر عبد مسلم وهل هلال شوال وهو ملكه، فحكي عن أحمد أن على الكافر إخراج صدقة الفطر عنه، واختاره القاضي وقال ابن عقيل يحتمل أن لا يجب، قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن لا صدقة على الذمي في عبده المسلم لقوله عليه السلام " من المسلمين " ولانه كافر فلم تجب عليه الفطرة كسائر الكفار، ولانها زكاة فلم تجب على الكفرة كزكاة المال ووجه

[ 648 ]

الاولى أن العبد من أهل الطهرة فوجب أن تؤدي عنه الفطرة كما لو كان سيده مسلما وقوله من المسلمين يحتمل أنه أراد به المؤدى عنه بدليل أنه لو كان للمسلم عبد كافر لم تجب فطرته ولانه ذكر في الحديث كل عبد وصغير وهذا يدل على أنه أراد المؤدى عنه لا المؤدي ولاصحاب الشافعي في هذا وجهان كالمذهبين (فصل) وهي واجبة على من قدر عليها ولا يعتبر في وجوبها النصاب، وبهذا قال أبو هريرة وأبو العالية والشعبي وعطاء وابن سيرين والزهري ومالك وابن المبارك والشافعي وأبو ثور، وقال أصحاب الرأي، لا تجب إلا على من يملك مائتي درهم أو ما قيمته نصاب فاضلا عن مسكنه لقوله عليه السلام " لا صدقة الا عن ظهر غنى، والفقر لا غنى له فلا تجب عليه ولانه تحل له الصدق فلا تجب عليه كالعاجز عنها ولنا ما روى ثعلبه بس ابي صغير عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " أدوا صدقة الفطر صاعا من قمح " أو قال " بر عن كل إنسان صغير أو كبير حر أو مملوك غني أو فقير ذكر أو أنثى أما غنيكم فيزكيه الله وأما فقيركم فيرد الله عليه اكثر مما أعطى " وفي رواية أبي داود صاع من بر أو قمح عن كل اثنين ولانه حق مال لا يزيد يزيادة المال فلم يعتبر وجود النصاب له لكفارة ولا يمتنع أن يؤخذ منه ويعطى كمن وجب عليه العشر والقياس على العاجر لا يصح وحديثهم محمول على زكاة المال

[ 649 ]

(فصل) ومن له دار يحتاج إليها لسكناه أو إلى أجرها لنفقته أو ثياب بذلة له أو لمن تلزمة مؤنته أو رقيق يحتاج إلى خدمتهم هو أو من يمونه أو بهائم يحتاجون إلى ركوبها والانتفاع بها في حوائجهم الاصلية أو سائمة يحتاج إلى نمائها لذلك أو بضاعة يختل ربحها الذي يحتاج إليه باخراج الفطرة منها فلا فطرة عليه لذلك لان هذا مما تتعلق به حاجته الاصلية فلم يلزمه بيعه كمؤنة نفسه يوم العيد ومن له كتب يحتاج إليها للنظر فيها والحفظ منها لا يلزمه بيعها، والمرأة إذا كان لها حلي للبس أو الكرى المحتاج إليه لم يلزمها بيعه في الفطرة وما فضل من ذلك كله عن حوائجه الاصلية وأمكن بيعه أو صرفه في الفطرة وجبت الفطرة به لانه أمكنه أداؤها من غير ضرر أصلي أشبه ما لو ملك من الطعام ما يؤديه فاضلا عن حاجته. (فصل) وليس على السيد في مكاتبه زكاة الفطر، وهذا قول أبي سلمة بن عبد لرحمن والثوري والشافعي في أشهر قوليه وأصحاب الرأي وقال عطاء ومالك وابن المنذر على السيد لانه عبد أشبه سائر العبيد ولنا قوله عليه السلام " ممن تمونون " وهذا لا يمونه ولانه لا تلزمه مؤنته أشبه الاجنبي وبهذا فارق سائر عبيده. إذا ثبت هذا فان على المكاتب فطرة نفسه وفطرة من تلزمه نفقته كزوجته ورقيقه وقال أبو حنيفة والشافعي لا يجب عليه قياسا على الثمن ولانها زكاة فلم تجب على المكاتب كزكاة المال ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم فرض صدقة الفطر على الحر والعبد والذكر والانثى وهذا عبد لا يخلو من كونه ذكرا أو أنثى ولانه تلزمه مؤنة نفسه فلزمته الفطرة كالحر ويفارق زكاة المال لانه يعتبر لها الغنى والنصاب والحول ولا يحملها أحد عن غيره بخلاف الفطرة ولا يصح قياسه على القن لان مؤنة القن على سيده بخلاف المكاتب ويجب على المكاتب فطرة من يمونه لعموم قوله عليه السلام " عمن تمونون " * (مسألة) * (وإن فضل بعض صاع فهل يلزمه إخراجه؟ على روايتين)

[ 650 ]

احداهما لا يلزمه اختارها ابن عقيل لانها طهرة فلا تجب على من يعجز عن بعضها كالكفارة والثانية يلزمه إخراجه لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا أمرتكم بامر فاءتوا منه ما استطعتم " ولانها طهرة فوجب منها ما قدر عليه كالطهارة بالماء ولان بعض الصاع يخرج بمن العبد المشترك فجاز أن يخرج عن غيره كالصاع * (مسألة) * (ويلزمه فطرة من يمونه من المسلمين). إذا وجد ما يؤدي عنهم لحديث ابن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض صدقة الفطر عن كل صغير وكبير حر وعبد ممن تمونون (فصل) والذين يلزم الانسان فطرتهم ثلاثة أصناف الزوجات والعبيد والاقارب فاما الزوجات فتلزمه فطرتهن في قول مالك والليث والشافعي وإسحق، وقال أبو حنيفة والثوري وابن المنذر لا تجب عليه وعلى المرأة فطرة نفسها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " صدقة الفطر على كل ذكر وأنثى " ولانها زكاة فوجبت عليها كزكاة مالها ولنا الخبر الذي رويناه ولان النكاح سبب تجب به النفقة فوجبت به الفطرة كالملك والقرابة بخلاف زكاة المال فانها لا تتحمل بالملك والقرابة، فان كان لامرأته من يخدمها بأجره فليس على الزوج فطرته لان الواجب الاجر دون النفقة وإن كان لها نظرت، فان كانت ممن لا يجب لها خادم فليس عليه نفقة خادمها ولا فطرته وإن كانت ممن يخدم مثلها فعلى الزوج أن يخدمها ثم هو مخير بين أن يشتري لها خادما أو يكتري أو ينفق على خادمها فان اختار الانفاق على خادمها فعليه فطرته وإن استأجر لها خادما فليس عليه نفقته ولا فطرته سواء شرط عليه مؤنته أو لم يشترط لان المؤنة إذا كانت أجرة فهي من مال المستأجر وإن كانت تبرعا فهو كما لو تبرع بالانفاق أجنبي وسنذكره إن شاء الله تعالى (فصل) الثاني العبيد وتجب فطرتهم على السيد إذا كانوا لغير التجارة اجماعا وإن كانوا للتجارة فكذلك وهو قول مالك والليث والاوزاعي والشافعي وإسحق وابن المنذر. وقال عطاء

[ 651 ]

والنخعي والثوري وأصحاب الرأي لا تلزمه فطرتهم لانها زكاة ولا تجب في مال واحد زكاتان وقد وجب فيهم زكاة التجارة فيمتنع وجوب الزكاة الاخرى كالسائمة إذا كانت للتجارة ولنا عموم الاحاديث وقول ابن عمر فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر على الحر والعبد وفي حديث عمرو بن شعيب " ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم ذكر أو أنثى حر أو عبد صغير أو كبير " ولان نفقتهم واجبة اشبهوا عبيد القنية وزكاة الفطر تجب على البدن ولهذا تجب على الاحرار وزكاة التجارة تجب عن القيمة وهي المال بخلاف السوم والتجارة فأنهما يجبان بسبب مال واحد ومتى كان عبيد التجارة في يد المضارب وجبت فطرتهم من مال المضاربة لان مؤنتهم منها وحكى ابن المنذر عن الشافعي انها على رب المال ولنا أن الفطرة تابعة للنفقة وهي من المال فكذلك الفطرة (فصل) وأما عبيد عبيده فان قلنا إن العبد لا يملكهم بالتمليك ففطرتهم على السيد لانهم ملكه وهذا ظاهر كلام الخرقي وقول مالك والشافعي وأصحاب الرأي وإن قلنا يملك بالتمليك فقد قيل لا تجب فطرتهم على أحد لان السيد لا يملكهم وملك العبد ناقص والصحيح وجوب فطرتهم على العبد لان نفقتهم واجبة عليه فكذلك فطرتهم وعدم تمام الملك لا يمنع وجوب الفطرة بدليل وجوبها على المكاتب عن نفسه وعبيده مع نقص ملكه (فصل) وأما زوجة العبد فذكر أصحابنا المتأخرون أن فطرتها على نفسها إن كانت حرة وعلى سيدها ان كانت أمة قال شيخنا رحمه الله وقياس المذهب عندي وجوب فطرتها على سيد العبد لوجوب نفقتها عليه كما أنه يجب على الزوج نفقة خادم امرأته مع انه لا يملكها لوجوب نفقتها ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال " أدوا صدقة الفطر عمن تمونون " وهذه ممن يمون وهكذا لو زوج الابن أباه وكان ممن تجب عليه نفقته ونفقة امرأته فعليه فطرتهما

[ 652 ]

* (مسألة) * (فان لم يجد ما يؤدي عن جميعهم بدأ بنفسه ثم بامرأته ثم برقيقه ثم بولده ثم بأمه ثم بأبيه ثم بالاقرب فالاقرب في الميراث) إذا لم يفضل عنده الا صاع أخرجه عن نفسه لقوله عليه السلام " أبدا بنفسك ثم بمن تعول " ولان الفطرة تبنى عليه النفقة فكما انه يدأ بنفسه في النفقة فكذلك في الفطرة فان فضل صاع أخرجه عن امرأته لان نفقتها آكد لانها تجب على سبيل المعاوضة مع اليسار والاعسار ونفقة الاقارب صلة إنما تجب مع اليسار فان فضل آخر أخرجه عن رقيقه لوجوب نفقتهم في الاعسار أيضا قال ابن عقيل ويحتمل تقديمهم على الزوجة لان فطرتهم متفق عليها وفطرتها مختلف فيها فان فضل آخر أخرجه عن ولده الصغير لان نفقته منصوص عليها ومجمع عليها وفي الوالد والولد الكبير وجهان أحدهما يقدم الولد لانه كبعضه أشبه الصغير والثاني الوالد لانه كبعض ولده ويقدم فطرة الام على فطرة الاب لان الام مقدمة في البر بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم للاعرابي حين قال من أبر؟ قال " أمك " قال ثم من؟ قال " أمك " قال ثم من؟ قال " أمك " قال ثم من؟ قال " أباك " ولانها ضعيفة عن الكسب ويحتمل تقديم فطرة الاب وحكاه ابن أبي موسى رواية عن أحمد لقوله عليه السلام " أنت ومالك لابيك " ثم بالجد ثم بالاقرب على ترتيب الميراث ويحتمل تقديم فطرة الولد على فطرة المرأة لما روى أبو هريرة قال أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصدقة فقام رجل فقال يا رسول الله عندي دينار قال " تصدق به على نفسك " قال عندي آخر قال " تصدق به على ولدك " قال عندي آخر قال " تصدق به على زوجك " قال عندي آخر قال " تصدق به على خادمك " قال عندي آخر قال " أنت أبصر " فقدم الولد في الصدقة عليها فكذلك الصدقة عنه ولان الولد كبعضه فيقدم كتقديم نفسه ولانه إذا ضيع ولده لم يجد من ينفق عليه والزوجة إذا لم ينفق عليها فرق بينهما وكان لها من يمونها من زوج أو ذي رحم ولان نفقة

[ 653 ]

الزوجة على سبيل المعاوضة فكانت أضعف في استتباع الفطرة من النفقة الواجبة على سبيل الصلة لان وجوب زيادة عليه يتصدق بها عنه ولذلك لم تجب فطرة الاجير المشروط نفقته بخلاف القرابة فانها كما اقتضت صلته بالانفاق عليه اقتضت صلته بتطهيره باخراج الفطرة عنه والله أعلم * (مسألة) * (ويستحب الاخراج عن الجنين ولا يجب) يستحب إخراج الفطرة عن الجنين لان عثمان رضي الله عنه كان يخرجها عنه ولانها صدقة عمن لا تجب عليه فكانت مستحبة كسائر صدقات التطوع وظاهر المذهب أن فطرة الجنين غير واجبة وهو قول أكثر أهل العلم قال ابن المنذر كل من نحفظ عنه من علماء الامصار لا يوجب على الرجل زكاة الفطر عن الجنين في بطن أمه وعن أحمد رحمه الله رواية أخرى أنها تجب عليه لانه آدمي تصح الوصية له وبه ويرث فيدخل في عموم الاخبار ويقاس على المولود ولنا انه جنين فلم تتعلق به الزكاة كأجنة البهائم ولانه لم تثبت له أحكام الدنيا إلا في الارث والوصية بشرط خروجه حيا فحكم هذا كسائر الاحكام * (مسألة) * (ومن تكفل بمؤنة شخص في شهر رمضان لم تلزمه فطرته عند أبي الخطاب والمنصوص انها تلزمه) وهذا قول أكثر الاصحاب وقد نص عليه أحمد في رواية أبي داود فيمن ضم إلى نفسه يتيمة يؤدي عنها لعموم قوله عليه السلام " أدوا صدقة الفطر عمن تمونون " وهذا ممن يمون ولانه شخص يتفق عليه فلزمته فطرته كعبده واختار أبو الخطاب أنه لا تلزمه فطرته لانه لا تلزمه مؤنته فلم تلزمه فطرته كما لو لم يمنه وهذا قول أكثر أهل العلم وهو الصحيح إن شاء الله وكلام أحمد في هذا محمول على الاستحباب والحديث محمول على من تلزمه مؤنته لا على حقيقة المؤنة بدليل انه تلزمه فطرة الآبق ولم يمنه ولو ملك عبدا عند غروب الشمس أو تزوج أو ولد له ولد لزمته فطرتهم لوجوب مؤنتهم

[ 654 ]

عليه وإن لم يمنهم ولو باع عبده أو طلق امرأته أو ماتا أو مات ولده لم تلزمه فطرتهم وان مانهم ولان قوله " عمن تونون " فعل مضارع يقتضي الحال لو الاستقبال دون الماضي ومن مانه في رمضان إنما وجدت منه المؤنة في رمضان وإنما وجدت منه المؤنة في الماضي فلا يدخل في الخبر ولو دخل فيه لاقتضى بعمومه وجوب الفطرة على من مانه ليلة واحدة لانه ليس في الخبر ما يقتضي تقييده بالشهر ولا بغيره فالتقييد بمؤنة الشهر تحكم، فعلى هذا تكون فطرته على نفسه كما لو لم يمنه وعلى قول أصحابنا المعتبر الانفاق في جميع الشهر وقال ابن عقيل قياس مذهبنا انه إذا مانه آخر ليلة وجبت فطرته قياسا على من ملك عبدا عند غروب الشمس، فان مانه جماعة في الشهر كله أو مانه انسان في بعض الشهر فعلى تخريج ابن عقيل تكون فطرته على من مانه آخر ليلة وعلى قول غيره يحتمل أن لا تجب فطرته على أحد ممن مانه لانه سبب الوجب المؤنة في جميع الشهر ولم توجد ويحتمل أن تجب على الجميع فطرة واحدة بالحصص لانهم اشتركوا في سبب الوجوب أشبه ما لو اشتركوا في ملك عبد * (مسألة) * (وإذا كان العبد بين شركاء فعليهم صاع وعنه على كل واحد صاع وكذلك الحكم فيمن بعضه حر) فطرة العبد المشترك واجبة على مواليه وبه قال مالك ومحمد بن سلمة وعبد الملك والشافعي ومحمد بن الحسن وأبو ثور وقال الحسن وعكرمة والثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف لا فطرة على واحد منهم لانه ليس عليه لاحد منهم ولاية تامة أشبه المكاتب ولنا عموم الاحاديث ولانه عبد مسلم مملوك لمن يقدر على الفطرة وهو من أهلها فلزمته كمملوك الواحد وفارق المكاتب فانه لا يلزم سيده مؤنته ولان المكاتب يخرج عن نفسه زكاة الفطر بخلاف القن والولاية غير معتبرة في وجوب الفطرة بدليل عبد الصبي، ثم إن ولايته للجميع فتكون فطرته

[ 655 ]

عليهم واختلفت الرواية في قدر الواجب على كل واحد منهم ففي احداهما على كل واحد صاع لانها طهرة فوجب تكميلها على كل واحد من الشركاء ككفارة القتل والثانية على الجميع صاع واحد على كل واحد بقدر ملكه فيه هذا الظاهر عن أحمد قال قوران رجع أحمد عن هذه المسألة وقال يعطي كل واحد منهم نصف صاع يعني رجع عن إيجاب صاع كامل على كل واحد وهذا قول سائر من أوجب فطرته على سادته لان النبي صلى الله عليه وسلم أوجب صاعا عن كل واحد وهذا عام في المشترك وغيره ولان نفقته تقسم عليهم فكذلك فطرته التابعة لها ولانه شخص واحد فلم يجب عنه أكثر من صاع كسائر الناس ولانها طهرة فوجبت على سادته بالحصص كماء الغسل من الجنابة إذا احتيج إليه وبهذا ينتقض ما ذكرناه للرواية الاولى (فصل) (ومن بعضه حر ففطرته عليه وعلى سيده وبه قال الشافعي وأبو ثور وقال مالك على الحر بحصته وليس على العبد شئ) ولنا انه مسلم تلزم مؤنته شخصين من أهل الفطرة فكانت فطرته عليهما كالمشترك وهل يلزم كل واحد منهما صاع أو بالحصص ينبني على ما ذكرنا في العبد المشترك فان كان أحدهما معسرا فلا شئ عليه وعلى الاحرار القدر الواجب عليه فان كان بين السيد والعبد مهايأة أو كان المشتركون في العبد قدتها يؤوا عليه لم تدخل الفطرة في المهايأة لان المهايأة معاوضة كسب بكسب والفطرة حق لله تعالى فلم تدخل في ذلك كالصلاة) ولو ألحقت القافة ولدا برجلين أو أكثر فالحكم في فطرته كالحكم في العبد المشترك وكذلك المعسر القريب لاثنين أو لجماعة نفقته عليهم وفطرته عليهم حكمها حكم فطرة العبد المشترك على ما ذكر فيه * (مسألة) * (وإن عجز زوج المرأة عن فطرتها فعليها أو على سيدها إن كانت امة فطرتها ويحتمل أن لا تجب) إذا أعسر بفطرة زوجته فعليها فطرة نفسها أو على سيدها إن كانتت مملوكة لانها تتحمل إذا

[ 656 ]

كان ثم متحمل فإذا لم يكن عاد إليها كالنفقة ويحتمل أن لا يجب عليها شئ لانها لم نجب على من وجد سبب الوجوب في حقه لعسرته فلم تجب على غيره كفطرة نفسه ويفارق النفقة فان وجوبها آكد لانها مما لابد منه وتجب على المعسر والعاجز وبرجع عليه بها عند يساره والفطرة بخلافها * (مسألة) * (ومن كان له غائب أو آبق فعليه فطرته الا أن يشك في حياته فتسقط) تجب فطرة العبد الحاضر والغائب الذي تعلم حياته والآبق والمرهون والمغصوب قال ابن المنذر اجمع عوام أهل العلم على أن على المرء زكاة الفطر عن مملوكه الحاضر غير المكاتب والمغصوب والآبق والغائب تجب فطرته إذا علم أنه حي سواء رجا رجعته أو أيس منها، وسواء كان مطلقا أو محبوسا كالاسير وغيره قال ابن المنذر: أكثر أهل العلم يرون أن تؤدى زكاة الفطر عن الرقيق غائبهم وحاضرهم لانه مالك لهم فوجبت فطرتهم عليه كالحاضرين، وممن أوجب فطرة الآبق الشافعي وأبو ثور وابن المنذر والزهري إذا علم مكانه، والاوزاعي إن كان في دار الاسلام، ومالك إن كانت غيبته قريبة، ولم يوجبها عطاء والثوري وأصحاب الرأي لانه لا يلزمه الانفاق عليه فلا تجب فطرته كالمرأة الناشز ولنا أنه ماله فوجبت زكاته في حال غيبته كمال التجارة، ويحتمل أن لا يلزمه اخراج زكاته حتى يرجع كزكاة الدين والمغصوب ذكره ابن عقيل، ووجه القول الاول أن زكاة الفطر تجب تابعة للنفقة والنفقة تجب مع الغيبة بدليل أن من رد الآبق رجع بنفقته، فأما من شك في حياته وانقطعت أخباره لم تجب فطرته. نص عليه في رواية صالح لانه لا يعلم بقاء ملكه عليه، ولانه لو أعتقه عن كفارته لم يجزئه فلم تجب فطرته كالميت * (مسألة) * (وإن علم حياته بعد ذلك أخرج لما مضى) لانه بان له وجود سبب الوجوب في الزمن الماضي فوجب عليه الاخراج لما مضى كما لو سمع بهلاك

[ 657 ]

ماله الغائب، ثم بان له أنه كان سليما والحكم في القريب الغائب كالحكم في العبيد لانهم ممن تجب فطرتهم مع الحضور فكذلك مع الغيبة كالعبيد، ويحتمل أن لا تجب فطرتهم مع الغيبة لانه لا يلزمه بعث نفقتهم إليهم ولا يرجعون بالنفقة الماضية * (مسألة) * (ولا يلزم الزوج فطرة الناشز وقال أبو الخطاب تلزمه) إذا نشزت المرأة في وقت وجوب الفطرة ففطرتها على نفسها دون زوجها لان نفقتها لا تلزمه، واختار أبو الخطاب أن عليه فطرتها لان الزوجية ثابتة عليها فلزمته فطرتها كالمريضة التي لا تحتاج إلى نفقة والاول أصح لان هذه ممن لا تلزمه مؤنته فلا تلزمه فطرته كالاجنبية، وفارق المريضة لان عدم الانفاق عليها لعدم الحاجة لا لخلل في المقتضي لها فلا يمنع ذلك من ثبوت تبعها بخلاف الناشز وكذلك كل امرأة لا تلزمه نفقتها كغير المدخول بها إذا لم تسلم إليه، والصغيرة التي لا يمكن الاستمتاع بها فانه لا تلزمه نفقتها ولا فطرتها لانها ليست ممن يمون * (مسألة) * (ومن لزم غيره فطرته فأخرج عن نفسه بغير اذنه فهل يجزئه على وجهين) من وجبت نفقته على غيره كالمرأة والنسيب الفقير إذا أخرج عن نفسه باذن من تجب عليه صح بغير خلاف نعلمه لانه نائب عنه، وإن أخرج بغير اذنه ففيه وجهان (أحدهما) يجزئه لانه أخرج فطرة نفسه فأجزأه كالتي وجبت عليه (والثاني) لا يجزئه لانه أدى ما وجب على غيره بغير اذنه فلم يصح كالمؤدي عن غيره * (مسألة) * (ولا يمنع الدين وجوب الفطرة إلا أن يكون مطالبا به) انما لم يمنع الدين الفطرة لانها آكد بدليل وجوبها على الفقير وشمولها لكل مسلم قدر على اخراجها ووجوب تحملها عمن وجبت نفقته على غيره ولا تتعلق بقدر من المال فجرى مجرى النفقة، ولان زكاة

[ 658 ]

المال تجب بالملك والدين يؤثر في الملك فأثر فيها، وهذه تجب على البدن والدين لا يؤثر فيه. فأما عند المطالبة بالدين فتسقط الفطرة لوجوب ادائه عندها وتأكده بكونه حق آدمي معين لا يسقط بالاعسار وكونه أسبق سببا وأقدم وجوبا يأثم بتأخيره (فصل) وإن مات من وجبت عليه الفطرة قبل ادائها أخرجت من ماله، فان كان عليه دين وله مال يفي بهما قضيا جميعا، وإن لم يف بهما قسم بين الدين والصدقة بالحصص نص عليه احمد في زكاة المال أن التركة تقسم بينهما فكذا ههنا، فان كان عليه زكاة مال وصدقة الفطر ودين فزكاة الفطر والمال كالشئ الواحد لاتحاد مصرفهما فيحاصان الدين، وأصل هذا أن حق الله تعالى وحق الآدمي إذا تعلقا بمحل واحد فكانا في الذمة أو كانا في العين تساويا في الاستيفاء (فصل) وإذا مات المفلس وله عبيد فهل شوال قبل قسمتهم بين الغرماء ففطرتهم على الورثة لان الدين لا يمنع نقل التركة، بل غايته أن يكون رهنا بالدين وفطرة الرهن على مالكه (فصل) ولو مات عبيده أو من يمونه بعد وجوب الفطرة لم تسقط لانها دين ثبت في ذمته بسبب عبده فلم يسقط بموته كما لو استدان العبد باذنه دينا وجب في ذمته، ولان زكاة المال لا تسقط بفطرته فالفطرة أولى، فان زكاة المال تتعلق بالعين في احدى الروايتين وزكاة الفطر بخلافه * (مسألة) * (وتجب بغروب الشمس من ليلة الفطر، فمن أسلم بعد ذلك أو ملك عبدا أو زوجة أو ولد لم تلزمه فطرته، وإن وجد ذلك قبل الغروب وجبت) ولو كان حين الوجوب معسرا ثم أيسر في ليله تلك أو في يومه لم يجب عليه شئ، ولو كان وقت الوجوب موسرا ثم أعسر لم تسقط عنه اعتبارا بحالة الوجوب ومن مات ليلة الفطر بعد غروب الشمس فعليه صدقة الفطر نص عليه احمد، وبهذا قال الثوري وإسحق ومالك في احدى الروايتين

[ 659 ]

عنه، والشافعي في أحد قوليه. وقال الليث وأبو ثور وأصحاب الرأي: تجب بطلوع الفجر يوم العيد وهي رواية عن مالك لانها قربة تتعلق بالعيد فلم يتقدم وقتها يوم العيد كالاضحية ولنا قول ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر طهرة للصائم من الرفث واللغو، ولانها تضاف إلى الفطر فكانت واجبة به كزكاة المال، وذلك لان الاضافة دليل الاختصاص والسبب أخص بحكمه من غيره، والاضحية لا تتعلق بطلوع الفجر ولا هي واجبة، ولا تشبه ما نحن فيه، فعلى هذا إذا غربت والعبد المبيع في مدة الخيار، أو وهب له عبد فقبله ولم يقبضه أو اشتراه ولم يقبضه فالفطرة على المشتري والمتهب لان الملك له والفطرة على المالك، ولو أوصي له بعبد أو مات الموصي قبل غروب الشمس فلم يقبل الموصى له حتى غربت فالفطرة عليه في أحد الوجهين، والآخر على ورثة الموصي بناء على الوجهين في الموصى به هل ينتقل بالموت أو من حين القبول، ولو مات الموصى له قبل الرد والقبول فقبل ورثته وقلنا بصحة قبولهم فهل تكون فطرته على ورثة الموصي أو في تركة الموصى له؟ على وجهين. وقال القاضي فطرته في تركة الموصى له لانا حكمنا بانتقال الملك من حين موت الموصى له، فان كان موته بعد هلال شوال ففطرة العبد في تركته لان الورثة انما قبلوه له، وإن كا موته قبل هلال شوال ففطرته على الورثة، ولو أوصى لرجل برقبة عبد ولآخر بنفعه فقبلا كانت الفطرة على مالك الرقبة لان الفطرة تجب بالرقبة لا بالمنفعة، ولهذا تجب على من لا نفع فيه، ويحتمل أن تكون تبعا لنفقته وفيها ثلاثة أوجه (أحدها) أنها على مالك نفعه (والثاني) أنها على مالك رقبته (والثالث) في كسبه * (مسألة) * (ويجوز اخراجها قبل العيد بيومين) ولا يجوز قبل ذلك. قال ابن عمر: كانوا يعطونها قبل الفطر بيوم أو يومين. وقال بعض أصحابنا

[ 660 ]

يجوز تعجيلها بعد نصف الشهر كما يجوز تعجيل أذان الفجر والدفع من مزدلفة بعد نصف الليل. وقال أبو حنيفة: يجوز تعجيلها من أول الحول لانها زكاة أشبهت زكاة المال. وقال الشافعي: يجوز من أول شهر رمضان لان سبب الصدقة الصوم والفطر عنه، فإذا وجد أحد السببين جاز تعجيلها كزكاة المال بعد مالك النصاب ولنا ما روى الجوزجاني ثنا يزيد بن هارون أنا أبو معشر عن نافع عن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر به فيقسم. قال يزيد: أظن قال يوم الفطر ويقول " أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم " والامر للوجوب، ومتى قدمها بالزمن الكثير لم يحصل اغناؤهم بها يوم العيد، وسبب وجوبها الفطر بدليل اضافتها إليه وزكاة المال سببها ملك النصاب، والمقصود اغناء الفقير بها في الحول كله فجاز اخراجها في جميعه، وهذا المقصود منها الاغناء في وقت مخصوص فلم يجز تقديمها قبل الوقت، أما تقديمها بيوم أو يومين فجائز لما روى البخاري باسناده عن ابن عمر قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر من رمضان - وقال في آخره - وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين، وهذا اشارة إلى جميعهم فيكون اجماعا، ولان تعجيلها بهذا القدر لا يخل بالمقصود منها، فان الظاهر أنها تبقى أو بعضها إلى يوم العيد فيستغنى بها عن الطواف والطلب فيه، ولانها زكاة فجاز تعجيلها قبل وجوبها كزكاة المال * (مسألة) * (والافضل اخراجها يوم العيد قبل الصلاة) لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة في حديث ابن عمر، وقال في حديث ابن عباس " من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات " فان أخرها عن الصلاة ترك الافضل لما ذكرنا من السنة، ولان المقصود منها الاغناء عن الطواف والطلب في هذا اليوم فمتى أخرها لم يحصل اغناؤهم في جميعه، ومال إلى هذا القول عطاء

[ 661 ]

ومالك وموسى بن وردان وأصحاب الرأي. وقال القاضي: إذا أخرجها في بقية اليوم لم يكره، وقد ذكرنا من الخبر والمعنى ما يقتضي الكراهة * (مسألة) * (ويجوز في سائر اليوم لحصول الاغناء في اليوم إلا أنه يكون قد ترك الافضل على ما ذكرنا) فان أخرها عنه أثم لتأخيره الحق الواجب عن وقته ولزمه القضاء لانه حق مال وجب فلا يسقط بفوات وقته كالدين، وحكى عن ابن سيرين والنخعي الرخصة في تأخيرها عن يوم العيد، وحكاه ابن المنذر عن احمد، وروى محمد بن يحيى الكحال قال: قلت لابي عبد الله: فان أخرج الزكاة ولم يعطها؟ قال نعم إذا أعدها لقوم واتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى (فصل) قال الشيخ رحمه الله: والواجب في الفطرة صاع من البر والشعير ودقيقهما وسويقهما والتمر والزبيب ومن الاقط في احدى الروايتين الكلام في هذه المسألة في أمور ثلاثة (أحدها) أن الواجب في صدقة الفطر صاع عن كل انسان من جميع أجناس المخرج، وبه قال مالك والشافعي وإسحق، وروي عن أبي سعيد الخدري والحسن وأبي العالية. وروي عن ابن الزبير ومعاوية أنه يجزئ نصف صاع من البر خاصة وهو مذهب سعيد ابن المسيب وعطاء وطاوس ومجاهد وعمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير وأبي سلمة وسعيد بن جبير وأصحاب الرأي، واختلفت الرواية عن علي وابن عباس والشعبي فروي صاع وروي نصف صاع، وعن أبي حنيفة في الزبيب روايتان: احداهما صاع والاخرى نصف صاع، واحتجوا بما روى ثعلبة ابن أبي صعير عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " صاع من بر أو قمح على كل اثنين " رواه أبو داود وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث مناديا في فجاج مكة ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم ذكر أو أنثى، حر أو عبد، صغير أو كبير، مدان من قمح أو سواه صاعا من طعام. قال الترمذي هذا حديث حسن غريب

[ 662 ]

ولنا ما روى أبو سعيد الخدري قال: كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من طعام أو صاعا من شعير أو صاعا من تمر أو صاعا من زبيب أو صاعا من أقط، فلم نزل نخرجه حتى قدم معاوية المدينة فتكلم فكان فيما كلم الناس: اني لارى مدين من سمراء الشام تعدل صاعا من تمر. فأخذ الناس بذلك. قال أبو سعيد: فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم فرض صدقة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير، فعدل الناس إلى نصف صاع من بر. متفق عليهما. ولانه جنس يخرج في صدقة الفطر فكان صاعا كسائر الاجناس فأما أحاديثهم فال تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. قاله ابن المنذر، وحديث ثعلبة ينفرد به النعمان بن راشد قال البخاري وهو يهم كثيرا. وقال مهنا. ذكرت لاحمد حديث ثعلبة بن أبي صعير في صدقة الفطر نصف صاع من بر، فقال ليس بصحيح انما هو مرسل يرويه معمر وابن جريج عن الزهري مرسلا قلت من قبل من هذا؟ قال من قبل النعمان بن أبي راشد ليس هو بقوي في الحديث، وسألته عن ابن أبي صعير أمعروف هو؟ قال من يعرف ابن أبي صعير؟ ليس هو معروف وضعفه احمد وابن المديني جميعا. وقال ابن عبد البر: ليس دون الزهري من تقوم به حجة، وقد روى أبو إسحاق الجوزجاني حديث ثعلبة باسناده عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أدوا صدقة الفطر صاعا من قمح - أو قال بر - عن كل انسان صغير أو كبير " وهذا حجة لنا واسناده حسن، قال الجوزجاني والنصف صاع ذكره عن النبي صلى الله عليه وسلم وروايته ليس تثبت، ولان ما ذكرناه أحوط مع موافقته القياس (فصل) والصاع خمسة أرطال وثلث بالعراقي وقد دللنا عليه فيما مضى وذكرنا الاختلاف فيه والاصل فيه الكيل وانما قدره العلماء بالوزن ليحفظ وينقل وقد روى جماعة عن أحمد انه قال الصاع وزنته وقدرته فوجدته خمسة أرطال وثلثا حنطة، وروي عنه تقديره بالعدس أيضا وإذا كان الصاع خمسة أرطال وثلثا من الحنطة والعدس وهما من اثقل الحبوب فمتى أخرج من غيرهما خمسة أرطال وثلثا

[ 663 ]

فهي أكثر من صاع وقال محمد بن الحسن ان أخرج خمسة أرطال وثلثا برا لم يجزئه لان البر يختلف فيكون ثقيلا وخفيفا وقال الطحاوي يخرج ثمانية أرطال مما يستوي كيله ووزنه وهو الزبيب والماش ومقتضى كلامه انه إذا أخرج ثمانية أرطال مما هو أثقل منهما لم يجزئه حتى يزيد شيئا يعلم انه قد بلغ صاعا قال شيخنا والاولى لمن أخرج من الثقيل بالوزن أن يحتاط فيزيد شيئا يعلم به انه قد بلغ صاعا وقدر الصاع بالرطل الدمشقي رطل وسبع وقدره بالدراهم ستمائة درهم وخمسة وثمانون درهما وخمسة أسباع درهم ويجزى إخراج مد بالدمشقي من سائر الاجناس لانه أكثر من صاع يقينا والله أعلم. (الامر الثاني) انه لا يجوز العدول عن هذه الاجناس المذكورة مع القدرة عليها سواء كان المعدول إليه قوت بلده أو لم يكن وقال أبو بكر يتوجه قول آخر انه يعطى ما قام مقام الخمسة على ظاهر الحديث صاعا من طعام والطعام قد يكون البر والشعير وما دخل في الكيل قال وكلا القولين محتمل وأقيسهما لا يجوز غير الخمسة إلا أن يعدمها فيعطي ما قام مقامها وقال مالك يخرج من غالب قوت البلد وقال الشافعي أي قوت كان الاغلب على الرجل أدى زكاة الفطر منه واختلف أصحابه فمنهم من قال كقول مالك ومنهم من قال الاعتبار بغالب قوت المخرج ثم إن عدل عن الواجب إلى أعلى منه جاز وان عدل إلى دونه جاز في أحد القولين لقوله عليه السلام " اغنوهم عن الطلب " والغنى يحصل بالقوت والثاني لا يجوز لانه عدل عن الواجب إلى أدنى منه فلم يجزئه كما لو عدل عن الواجب في زكاة المال إلى أدنى منه ولنا قول ابن عمر فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من تمر أو صاعا من شعير. متفق عليه. وروى أبو سعيد قال كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام أو صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو صاعا من زبيب، متفق عليه، وفي لفظ لمسلم كنا نخرج إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر عن كل صغير أو كبير حر أو مملوك صاعا من طعام أو صاعا من أقط أو صاعا من شعير أو صاعا من تمر أو صاعا من زبيب. فقصروها على أجناس معدودة فلم يجز العدول عنها كما لو أخرج القيمة وكما لو أخرج عن زكاة المال من غير جنسه والاغناء يحصل بالاخراج من المنصوص عليه فلا منافاة بين الخبرين

[ 664 ]

لكونهما جميعا يدلان على وجوب الاغناء بأحد الاجناس المفروضة. والسلت نوع من الشعير فيجوز اخراجه لدخوله في المنصوص عليه وقد صرح بذكره في بعض ألفاظ حديث ابن عمر قال كان الناس يخرجون صدقة الفطر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من شعير أو تمر أو سلت أو زبيب رواه أبو داود (الامر الثالث) انه يجوز اخراج أحد الاصناف المذكورة أيها شاء وإن لم يكن قوتا له وقال مالك يخرج من غالب قوت البلد وقال الشافعي أي قوت كان أغلب على الرجل أخرج منه ولنا أن خبر الصدقة ورد بحرف " أو " هي للتخيير بين هذه الاصناف فوجب التخيير فيه ولانه عدل إلى منصوص عليه فجاز كما لو عدل إلى الاعلا ولانه خير بين الزبيب والتمر والاقط ولم يكن الزبيب والاقط قوتا لاهل المدينة فدل على انه لا يعتبر أن يكون قوتا للمخرج (فصل) ويجوز إخراج الدقيق نص عليه أحمد وكذلك السويق قال أحمد قد روي عن ابن سيرين دقيق أو سويق وقال مالك والشافعي لا يجوز اخراجهما لحديث ابن عمر ولان منافعه نقصت فهو كالخبز ولنا حديث أبي سعيد وفي بعض ألفاظه أو صاعا من دقيق رواه النسائي ثم شك سفيان بعد فقال دقيق أو سلت ولان الدقيق والسويق أجزاء الحب بحتا يمكن كيله وادخاره فجاز إخراجه كالحب وذلك لان الطحن انما فرق أجزاءه وكفى الفقير مؤنته فأشبه ما لو نزع نوى التمر ثم أخرجة ويفارق الخبز فانه قد خرج عن حال الادخار والكيل والمأمور به صاع وهو مكيل وحديث ابن عمر لم يقتض ما ذكروه ولم يعملوا به (فصل) وفي جواز إخراج الاقط إذا قدر على غيره من الاجناس المذكورة روايتان أحدهما يجزئه لحديث أبي سعيد المذكور والثانية لا يجزئه لانه جنس لا تجب الزكاة فيه فلم يجز اخراجه مع القدرة على غيره من الاصناف المنصوص عليها كاللحم ويحمل الحديث علي من هو قوت له أو لم

[ 665 ]

يقدر على غيره وقال الخرقي ان أخرج اهل البادية الاقط اجزأ إذا كان قوتهم فظاهر انه يجوز اخراجه وان قدر على غيره إذا كان من اهل البادية وكان قوتا له وعلى قوله ينبغي ان يجزئ غير اهل البادية إذا كان قوتهم ايضا لان الحديث لم يفرق وحديث ابي سعيد يدل عليه وهم من غير اهل البادية ولعله انما ذكر اهل البادية لان الغالب انه لا يقتاته غيرهم وقال أبو الخطاب في اخراج الاقط لمن قدر عليه غيره مطلقا روايتان وظاهر حديث ابي سعيد يدل على خلافه وذكر القاضي انا إذا قلنا يجواز اخراج الاقط وعدمه اخرج لبنا لانه اكمل من الاقط لكونه يجئ منه الاقط وغيره وحكاه ابو ثور عن الشافعي وقال الحسن ان لم يكن بر ولا شعير اخرج صاعا من لبن وما ذكره القاضي لا يصح فانه لو كان اكمل من الاقط لجاز اخراجه مع وجوده ولان الاقط اكمل من اللبن من وجه لانه بلغ حالة الادخار وهو جامد بخلاف اللبن لكن يكون حكم اللبن حكم اللحم يجزئ اخراجه عند عدم الاصناف المنصوص عليها على قول ابن حامد ومن وافقه وكذلك الجبن وما أشبهه * (مسألة) * ولا يجزئ غير ذلك إلا أن يعدمه فيخرج مما يقتات عند ابن حامد وعند ابن بكر يخرج ما يقوم مقام المنصوص لا يجوز اخراج غير الاجناس المذكورة مع القدرة عليها لان في بعض ألفاظ حديث أبي سعيد فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر صاعا من طعام أو صاعا من شعير أو صاعا من تمز أو صاعا من أقط رواه النسائي ولما ذكرنا الا أن يعدمها فيخرج مما يقتات عند ابن حامد كالذرة والدخن واللحم واللبن وسائر ما يقتات لان مبناها على المواساة وقال أبو بكر يخرج ما يقوم مقام المنصوص عند عدمه من كل مقتات من الحب والتمر كالذرة والدخن والارز والتين اليابس وأشباهه لانه أشبه بالمنصوص عليه فكان أولى من غيره وهذا ظاهر كلام الخرقي. * (مسألة) * (ولا يخرج حبا معيبا ولا خبزا) لا يجوز أن يخرج حبا معيبا كالمسوس والمبلول والقديم الذي تغير طعمه لقول الله تعالى (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) فان كان القديم لم يتغير طعمه إلا أن الحديث أكثر قيمة جاز اخراجه لعدم العيب فيه والافضل الاجود قال أحمد كان ابن

[ 666 ]

سيرين يجب أن ينقى الطعام وهو أحب الي ليكون على الكمال ويسلم مما يخالطه من غيره فان كان المخالط له يأخذ حظا من المكيال وكان كثيرا بحيث يعد عيبا فيه لم يجزئه وإن لم يكثر جاز إخراجه إذا زاد على المخرج قدرا يزيد على ما فيه من غيره ليكون المخرج صاعا كاملا. ولا يجوز اخراج الخبز ولا الهريسة ولا الكبولا وأشباهها لانه خرج عن الكيل والادخار ولا الخل والدبس لانهما ليسا قوتا * (مسألة) * (ويجزئ اخراج صاع من أجناس) إذا كان من الاجناس المنصوص عليها لان كل واحد منهما يجزئ منفردا فاجزأ بعض من هذا وبعض من الآخر كفطرة العبد المشترك إذا أخرج كل واحد من جنس * (مسألة) * (وأفضل المخرج التمر ثم ما هو أنفع للفقراء بعده) وهذا قول مالك قال ابن المنذر واستحب مالك اخراج العجوة منه واختار الشافعي وأبو عبيد اخراج البر وقال بعض أصحاب الشافعي يحتمل أن الشافعي قال ذلك لان البر كان أغلا في زمنه لان المستحب أن يخرج أغلاها ثمنا وأنفسها لان النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أفضل الرقاب فقال " أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها " وإنما اختار أحمد اخراج التمر اقتداء بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وروي باسناده عن أبي مجلز قال قلت لابن عمر ان الله قد أوسع والبر أفضل من التمر قال إن أصحابي سلكوا طريقا وأحب أن أسلكه (1) وظاهر هذا أن جماعة الصحابة كانوا يخرجون التمر فأحب ابن عمر موافقتهم وسلوك طريقهم وأحب أحمد أيضا الاقتداء بهم واتباعهم وروى البخاري عن ابن عمر قال فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير فعدل الناس به نصف صاع من بر فكان ابن عمر يخرج التمر فاعوز أهل المدينة من التمر فأعطى شعيرا ولان التمر فيه قوت وحلاوة وهو أقرب تناولا وأقل كلفة فكان أولى. والافضل بعد التمر البر وقال بعض أصحابنا الزبيب لانه أقرب تناولا وأقل كلفة أشبه التمر ولنا أن البر أنفع في الاقتيات وأبلغ في دفع حاجة الفقير ولذلك قال أبو مجلز لابن عمر البر


(1) سبب ذلك الظاهر أنه كان غالب قوت أهل المدينة وفقراء مصر والشام إذا وجد عندهم التمر يوم العيد لا يغنيهم عن سؤال القوت لانه في عرفهم حلوى وعقبة طعام لا قوت وكذلك الزبيب

[ 667 ]

أفضل من التمر فلم ينكره بن عمر وانما عدل عنه اتباعا لاصحابه وسلوك طريقتهم ولهذا عدل نصف صاع منه بصاع من غيره وتفضيل التمر انما كان لاتباع الصحابة فيبقى فيما عداه على قضية الدليل ويحتمل أن يكون الافضل بعد التمر ما كان أعلا قيمة وأكثر نفعا لما ذكرنا من الحديث * (مسألة) * (ويجوز أن يعطي الجماعة ما يلزم الواحد والواحد ما يلزم الجماعة) أما إعطاء الجماعة ما يلزم الواحد فلا نعلم فيه خلافا إذا أعطى من كل صنف ثلاثة لانه دفع الصدقة إلى مستحقها وأما إعطاء الواحد ما يلزم الجماعة فان الشافعي ومن وافقه أوجبوا تفريق الصدقة على ستة أصناف من كل صنف ثلاثة وقد روي مثل هذا عن أحمد وسنذكر ذلك فيما بعد هذا الباب إن شاء الله تعالى وظاهر المذهب الجواز وبه قال مالك وأبو ثور وأصحاب الرأي وابن المنذر لانها صدقة لغير معين فجاز صرفها إلى واحد كالتطوع (فصل) ومصرف صدقة الفطر مصرف سائر الزكوات لعموم قوله تعالى (انما الصدقات للفقراء) الآية ولانها زكاة أشبهت زكاة المال فلا يجوز دفعها إلى من لا يجوز دفع زكاة المال إليه وبهذا قال مالك والليث والشافعي وأبو ثور وقال أبو حنيفة يجوز وعن عمرو بن ميمون وعمرو بن شرحبيل ومرة الهمداني انهم كانوا يعطون منها الرهبان ولنا انها زكاة فلم يجز دفعها إلى غير المسلمين كزكاة المال، وزكاة المال لا يجوز دفعها إلى غير المسلمين اجماعا قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على انه لا يجوز أن يعطي من زكاة المال احدا من أهل الذمة (فصل) فان دفعها إلى مستحقها فأخرجها آخذها إلى دافعها أو جمعت الصدقة عند الامام ففرقها على أهل السهمان فعادت إلى انسان صدقته فاختار القاضي جواز ذلك قال لان أحمد نص فيمن له نصاب من الماشية والزروع أن الصدقة تؤخذ منه وترد إليه إذا لم يكن له قدر كفايته وهو مذهب الشافعي لان قبض الامام أو المستحق ازال ملك المخرج وعادت إليه بسبب آخر أشبه ما لو عادت

[ 668 ]

إليه بميراث وقال أبو بكر مذهب أحمد انه لا يحل له اخذها لانها طهرة فلم يجز له أخذها كشراتها لان عمر رضي الله عنه اراد أن يشتري الفرس الذي حمل عليه في سبيل الله فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " لا تسترها ولا تعد في صدقتك فان العائد في صدقته كالعائد في قيئه " فان عادت إليه بالشراء ففيه من الخلاف مثل ما ذكرنا والمنصوص انه لا يجوز فان عادت إليه بالميراث فله اخذها لانها رجعت إليه بغير فعل منه والله اعلم. باب اخراج الزكاة (لا يجوز تأخيره عن وقت وجوبها مع إمكانه إلا لضرر مثل أن يخشى رجوع الساعي عليه أو نحو ذلك) الزكاة واجبة على الفور ولا يجوز تأخير إخراجها مع القدرة عليه إذا لم يخش ضررا، وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة له التأخير ما لم يطالب لان الامر بأدائها مطلق فلا يتعين الزمن للاداء دون غيره كما لا يتعين المكان ولنا ان الامر المطلق يقتضي الفور على ما يذكر في موضعه، ولذلك يستحق مؤخر الامتثال العقاب بدليل ان الله تعالى أخرج ابليس وسخط عليه بامتناعه من السجود. ولو أن رجلا أمر عبده ان يسقيه فأخر ذلك استحق العقوبة، ولان جواز التأخير ينافي الوجوب لكون الواجب ما يعاقب على تركه ولو جاز التأخير لجاز إلي غير غاية فتنتفي العقوبة بالترك. ولو سلمنا ان مطلق الامر لا يقتضي الفور لاقتضاه في مسئلتنا إذ لو جاز التأخير ههنا لاخره بمقتضى طبعه ثقة منه بأنه لا يأتم بالتأخير فيسقط عنه بالموت أو بتلف ماله أو بعجزه عن الاداء فيتضرر الفقراء، ولان هنا قرينة تقتضي الفور وهو ان الزكاة وجبت لحاجة الفقراء وهي ناجزة فيجب أن يكون الوجوب ناجزا، ولانها

[ 669 ]

عبادة تتكرر فلم يجز تأخيرها إلى وقت وجوب مثلها كالصلاة والصوم، قال الاثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن الرجل يحول الحول على ماله فيؤخر عن وقت الزكاة فقال لا، ولم يؤخر إخراجه؟ وشدد في ذلك، قيل فابتدأ في إخراجها فجعل يخرج أولا فأولا فقال لا بل يخرجها كلها إذا حال الحول، فأما ان كان يتضرر بتعجيل الاخراج مثل أن يخشى ان أخرجها بنفسه أخذها الساعي منه مرة أخرى فله تأخيرها، نص عليه أحمد وكذلك ان خشي في اخراجها ضررا في نفسه أو مال له سواها فله تأخيرها لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا ضرر ولا ضرار " ولانه إذا جاز تأخير دين الآدمي فتأخير الزكاة أولى (فصل) فان أخرها ليدفعها إلى من هو أحق بها من ذي قرابة أو حاجة شديدة فان كان شيئا يسيرا فلا بأس وان كان كثيرا لم يجز. قال أحمد: لا يجزئ على أقرابه من الزكاة في كل شهر يعني لا يؤخر اخراجها حتى يدفعها إليهم مفرقة في كل شهر شيئا، فأما إن عجلها فدفعها إليهم والى غيرهم مفرقة أو مجموعة جاز لانه لم يؤخرها عن وقتها، وكذلك ان كانت عنده أموال أحوالها مختلفة مثل أن يكون عنده نصاب وقد استفاد في أثناء الحول من جنسه لم يجز تأخير الزكاة ليجمعها كلها لانه يمكنه جمعها بتعجيلها في أول واجب منها (فصل) فان أخرج الزكاة فضاعت قبل دفعها إلى الفقير لم تسقط عنه، وهذا قول الزهري وحماد والثوري وأبي عبيد والشافعي الا انه قال: ان لم يكن فرط في اخراج الزكاة وفي حفظ ذلك المخرج رجع إلى ماله فان كان فيما بقي زكاة أخرج والا فلا. وقال أصحاب الرأي: يزكى ما بقي الا أن ينقص عن النصاب وان فرط. وقال مالك: أراها تجزئه إذا أخرجها في محلها، وان أخرجها بعد ذلك ضمنها. وقال مالك: يزكي ما بقي بقسطه وان بقي عشرة دراهم ولنا انه حق متعين على رب المال تلف قبل وصوله إلى مستحقه فلم يبرأ منه بذلك كدين الادمي. قال أحمد: ولو دفع إلى رجل زكاته خمسة دراهم فقبل أن يقبضها منه قال اشتر لي ثوبا بها

[ 670 ]

أو طعاما فذهبت الدراهم أو اشترى بها ما قال فضاع منه فعليه أن يعطي مكانها لانه لم يقبضها منه ولو قبضها ثم ردها إليه وقال: اشتر لي بها أو اشتر بها فضاعت أو ضاع ما اشتراه فلا ضمان عليه إذا لم يكن فرط، وانما قال ذلك لان الفقير لا يملكها الا بقبضه فإذا وكله في الشراء بها لم يصح التوكيل وبقيت على ملك رب المال فإذا تلفت كانت من ضمانه، ولو عزل قدر الزكاة ينوي انه زكاة فتلف فهو من ضمان رب المال ولا تسقط الزكاة عنه بذلك سواء قدر على دفعها أو لم يقدر وهي كالمسألة قبلها * (مسألة) (فان جحد وجوبها جهلا به عرف ذلك فان أصر كفر وأخذت منه واستتيب ثلاثا فان لم يتب قتل) من جحد وجوب الزكاة جهلا به وكان ممن يجهل ذلك اما لحداثة عهده بالاسلام أو لانه نشأ ببادية بعيدة عرف وجوبها ولم يحكم بكفره لانه معذور، وان كان مسلما ناشئا ببلاد الاسلام بين أهل العلم فهو مرتد تجري عليه أحكام المرتدين ويسثتاب ثلاثا فان تاب والا قتل لان أدلة وجوب الزكاة ظاهرة في الكتاب والسنة واجماع الامة فلا تكاد تخفى على من هذا حاله فإذا جحدها لا يكون الا لتكذيبه الكتاب والسنة وكفره بهما * (مسألة) * (وان منعها بخلا بها أخذت منه وعزر، فان غيب ماله أو كتمه أو قاتل دونها وأمكن أخذها أخذت من غير زيادة، وقال أبو بكر: يأخذها وشطر ماله) إذا منع الزكاة مع اعتقاد وجوبها وقدر الامام على أخذها منه أخذها وعزره قال ابن عقيل إلا أن يكون كتمها لفسق الامام لكونه يصرفها في غير مصرفها فلا يعزر لان له عذرا في ذلك ولم يأخذ زيادة عليها في قول أكثر اهل العلم منهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأصحابهم، وكذلك ان غل ماله فكتمه أو قاتل دونها فقدر عليه الامام، وقال اسحاق بن راهويه وأبو بكر عبد العزيز يأخذها وشطر ماله لما روى أبو داود والنسائي والاثرم عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان يقول " في كل سائمة الابل في كل أربعين بنت لبون لا تفرق الابل عن حسابها من أعطاها مؤتجرا

[ 671 ]

فله أجرها، ومن أبى فانا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا لا يحل لآل محمد منها شئ " وسئل أحمد عن اسناده فقال هو عندي صالح الاسناد وقال ما أدري ما وجهه ووجه الاول قول النبي صلى الله عليه وسلم " ليس في المال حق سوى الزكاة " ولان منع الزكاة كان عقيب موت النبي صلى الله عليه وسلم مع توفر الصحابة فلم ينقل عنهم أخذ زيادة ولا قول بذلك، واختلف أهل العلم في العذر عن هذا الخبر فقيل كان في بدء الاسلام حيث كانت العقوبات في المال ثم نسخ بالحديث الذي رويناه ولذلك انعقد الاجماع على ترك العمل به في المانع غير الغال. وحكى الخطاب عن ابراهيم الحربي أنه يؤخذ منه السن الواجب عليه من خيار ماله من غير زيادة في سن ولا عدد لكن ينتقي من خيار ماله ما يزيد به صدقته في القيمة بقدر شطر قيمة الواجب عليه فيكون المراد بماله ههنا الواجب عليه من ماله فيزاد في القيمة بقدر شطره والله أعلم * (مسألة) * (فان لم يكن أخذها استتيب ثلاثا فان تاب وإلا قتل وأخذت من تركته، وقال بعض أصحابنا ان قاتل عليها كفر) متى كان مانع الزكاة خارجا عن قبضة الامام قاتله لان الصحابة رضي الله عنهم اتفقوا على قتال مانعي الزكاة وقال أبو بكر: والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه. فان ظفر به وبماله أخذها من غير زيادة لما ذكرنا ولم يسب ذريته لان الجناية من غيرهم ولان المانع لا يسبى فذريته أولى، وإن ظفر به دعاه إلى أدائها فان تاب وأدى وإلا قتل قياسا على تارك الصلاة ولم يحكم بكفره في ظاهر المذهب. وعن احمد انه قال: إذا منعوا الزكاة وقاتلوا عليها كما قاتلوا أبا بكر لم يورثوا ولم يصل عليهم. وهذا حكم منه بكفرهم واختاره بعض اصحابنا. قال عبد الله بن مسعود وما تارك الصلاة بمسلم، ووجه ذلك ما روي ان أبا بكر رضي الله عنه لما قاتلهم وعضتهم الحرب قالوا نؤديها قال لا أقبلها حتى تشهدوا أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. ولم ينقل انكار ذلك عن أحد من الصحابة فدل على كفرهم. ووجه الاول أن عمر وغيره امتنعوا من القتال في بدء الامر ولو اعتقدوا

[ 672 ]

كفرهم لما توقفوا عنه ثم اتفقوا على القتال وبقي الكفر على أصل النفي ولان الزكاة فرع من فروع الدين فلم يكفر بتركه كالحج، وإذا لم يكفر بتركه لم يكفر بالقتال عليه كأهل البغي، وأما الذين قال لهم أبو بكر هذا القول فيحتمل انهم جحدوا وجوبها فانه نقل عنهم انهم قالوا انما كنا نؤدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لان صلاته سكن لنا وليس صلاة أبي بكر سكنا لنا فلا نؤدي إليه. وهذا يدل على انهم جحدوا وجوب الاداء إلى أبي بكر رضي الله عنه، ولان هذه قضية في عين ولم يتحقق من الذين قال لهم أبو بكر هذا القول فيحتمل انهم كانوا مرتدين ويحتمل انهم جحدوا وجوب الزكاة ويحتمل غير ذلك فلا يجوز الحكم به في محل النزاع ويحتمل أن أبا بكر قال ذلك لانهم ارتكبوا كبائر وماتوا عليها من غير توبة فحكم لهم بالنار ظاهرا كما حكم لقتلى المجاهدين بالجنة ظاهرا والامر إلى الله تعالى في الجميع، ولانه لم يحكم عليهم بالتخليد ولا يلزم من الحكم بالنار الحكم بالكفر فقد أخبر عليه السلام أن قوما من أمته يدخلون النار ثم يخرجهم الله تعالى منها ويدخلهم الجنة * (مسألة) * (وإن ادعى ما يمنع وجوب الزكاة من نقصان الحول، أو النصاب، أو انتقاله عنه في بعض الحول قبل قوله بغير يمين) نص عليه احمد لان الزكاة عبادة وحق لله فلم يستحلف عليه كالصلاة والحد * (مسألة) * (والصبي والمجنون يخرج عنهما وليهما) تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون إذا كان حرا مسلما تام الملك، روي ذلك عن عمر وعلي وابن عمر وعائشة والحسن بن علي وجابر رضي الله عنهم، وبه قال جابر بن زيد وعطاء ومجاهد وربيعة ومالك والحسن بن صالح وابن أبي ليلى والشافعي والعنبري واسحاق وأبو عبيد وأبو ثور، وحكي عن

[ 673 ]

ابن مسعود والثوري والاوزاعي أنهم قالوا: تجب الزكاة ولا يخرج حتى يبلغ الصبي ويفيق المعتوه وقال الحسن وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وأبو وائل والنخعي وأبو حنيفة: لا تجب الزكاة في أموالهما. قال أبو حنيفة: إلا العشر وصدقة الفطر وذلك لقوله عليه السلام " رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق " (1) ولانها عبادة محضة فلا تجب عليهما كالصلاة والحج ولنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من ولي يتيما له مال فليتجر له ولا يتركه حتى تأكله الصدقة " أخرجه الدارقطني، وفي رواته المثنى بن الصباح وفيه مقال (2) وروي موقوفا عن عمر رضي الله عنه وانما تأكله الصدقة باخراجها، وانما يجوز اخراجها إذا كانت واجبة لانه ليس له أن يتبرع بمال اليتيم ولان من وجب العشر في زرعه وجب نصف العشر في ورقه كالبالغ العاقل وتخالف الصلاة والصوم فانها مختصة بالبدن ونية الصبي ضعيفة عنها، والمجنون لا يتحقق منه نيتها والزكاة حق يتعلق بالمال أشبه نفقة الاقارب والزوجات وأروش الجنايات، والحديث أريد به رفع الاثم والعبادات البدنية بدليل وجوب العشر وصدقة الفطر والحقوق المالية، ثم هو مخصوص بما ذكرنا والزكاة في المال في معناه ومقيسة عليه. إذا تقرر هذا فان الولي يخرج عنهما من مالهما لانها زكاة واجبة فوجب اخراجها كزكاة البالغ العاقل والولي يقوم مقامه في اداء ما عليه، ولانه حق واجب على الصبي والمجنون فكان على الولي اداؤه عنهما كنفقة أقاربه، وتعتبر نية الولي في الاخراج كما تعتبر النية من رب المال * (مسألة) * (ويستحب للانسان تفرقة زكاته بنفسه ويجوز دفعها إلى الساعي، وعنه يستحب أن يدفع إليه العشر ويتولى تفريق الباقي) وانما استحب ذلك ليكون على يقين من وصولها إلى مستحقها، وسواء كانت من الاموال الظاهرة والباطنة. قال احمد: أعجب إلي أن يخرجها، وإن دفعها إلى السلطان فهو جائز. وقال الحسن ومكحول وسعيد بن جبير: يضعها رب المال في مواضعها. وقال الثوري احلف لهم واكذبهم ولا


" 1 " الظاهر انه ذكر منه ما يتعلق بغرضه بالمعنى. والمروي عن أحمد وأصحاب السنن الا الترمذي والحاكم عن عائشة مرفوعا " رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلي حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر " والاولان والاخير في واقعة مع على وعمر " رفع القلم عن ثلاثة عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم " " 2 " والحديث رواه الترمذي من طريقه أيضا وهو ضعيف لا يحتج به

[ 674 ]

تعطهم شيئا إذا لم يضعوها مواضعها. وقال طاوس: لا تعطهم. وقال عطاء: أعطهم إذا وضعوها مواضعها. وقال الشعبي وأبو جعفر: إذا رأيت الولاة لا يعدلون فضعها في أهل الحاجة. وقال ابراهيم ضعوها في مواضعها، فان أخذها السلطان أجزأك. وقال ثنا سعيد ثنا أبو عوانة عن مهاجر أبي الحسن قال: أتيت أبا وائل وأبا بردة بالزكاة وهما على بيت المال فأخذاها، ثم جئت مرة أخرى فرأيت أبا وائل وحده فقال لي: ردها فضعها مواضعها، وقد روي عن احمد أنه قال: أما صدقة الارض فيعجبني دفعها إلى السلطان، وأما زكاة الاموال كالمواشي فلا بأس أن يضعها في الفقراء والمساكين، فظاهر هذا أنه استحب دفع العشر خاصة إلى الائمة، وذلك لان العشر قد ذهب قوم إلى أنه مؤنة الارض يتولاه الائمة كالخراج بخلاف سائر الزكاة. قال شيخنا: والذي رأيت في الجامع قال: أما صدقة الفطر فيعجبني دفعها إلى السلطان، ثم قال أبو عبد الله قيل لابن عمر: إنهم يقلدون بها الكلاب ويشربون بها الخمور، قال ادفعها إليهم * (مسألة) * (وعند أبي الخطاب دفعها إلى الامام العادل أفضل) اختاره ابن أبي موسى وهو قول أصحاب الشافعي، وممن قال بدفعها إلى الامام الشعبي ومحمد بن علي والاوزاعي لان الامام أعلم بمصارفها ودفعها إليه يبرئه ظاهرا وباطنا ودفعها إلى الفقير لا يبرئه باطنا لاحتمال أن يكون غير مستحق لها، ولانه يخرج من الخلاف وتزول عنه التهمة، وكان ابن عمر يدفع زكاته إلى من جاءه من سعاة ابن الزبير أو نجدة الحروري، وقد روي عن سهيل ابن أبي صالح قال أتيت سعد بن أبي وقاص فقلت: عندي مال وأريد أن أخرج زكاته وهؤلاء القوم على ما ترى فما تأمرني، قال ادفعها إليهم، فأتيت ابن عمر فقال مثل ذلك، فأتيت أبا هريرة فقال مثل ذلك، فأتيت أبا سعيد فقال مثل ذلك، وروي نحوه عن عائشة رضي الله عنهم. وقال مالك وأبو حنيفة: لا يفرق الاموال الظاهرة إلا الامام لقول الله تعالى (خذمن أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) ولان أبا بكر

[ 675 ]

رضي الله عنه طالبهم بالزكاة وقاتلهم عليها وقال: والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليها. ووافقه الصحابة على هذا، ولان ما للامام قبضه بحكم الولاية لا يجوز دفعه إلى المولى عليه كولي اليتيم وللشافعي قولان كالمذهبين ولنا على جواز دفعها بنفسه أنه دفع الحق إلى مستحقه الجائز تصرفه فأجزأه كما لو دفع الدين إلى غريمه وكزكاة الاموال الباطنة والآية تدل على أن للامام أخذها ولا خلاف فيه ومطالبة أبي بكر لهم بها لكونهم لم يؤدوها إلى أهلها ولو أدوها إلى أهلها لم يقاتلهم عليها لان ذلك مختلف في إجزائه ولا يجوز المقاتلة من أجله وانما يطالب الامام بحكم الولاية والنيابة عن مستحقها، فإذا دفعها إليهم جاز لانهم أهل رشد بخلاف اليتيم وأما وجه فضيلة دفعها بنفسه فلانه إيصال للحق إلى مستحقه مع توفير أجر العمالة وصيانة حقهم عن خطر الجناية، ومباشرة تفريج كربة مستحقها واغنائه بها مع اعطائها للاولى بها من محاويج أقاربه وذوي رحمه وصلة رحمه بها فكان أفضل كما لو لم يكن اخذها من أهل العدل، فان قيل فالكلام في الامام العادل والخيانة مأمونة في حقه، قلنا الامام لا يتولى ذلك بنفسه وانما يفوضه إلى نوابة فلا تؤمن منهم الخيانة، ثم ربما لا يصل إلى المستحق الذي قد علمه المالك من أهله وجيرانه شئ منها وهم أحق الناس بصلته وصدقته ومؤاساته، وقولهم إن أخذ الامام يبرئه ظاهرا وباطنا، قلنا يبطل هذا بدفعها إلى غير العادل فانه يبرأ أيضا وقد سلموا أنه ليس بأفضل، ثم إن البراءة الظاهرة تكفي وقولهم إنه تزول به التهمة، قلنا متى أظهرها زالت التهمة سواء أخرجها بنفسه أو دفعها إلى الامام، ولا يختلف المذهب أن دفعها إلى الامام جائز سواء كان عادلا أو غير عادل، وسواء كانت من الاموال الظاهرة أو الباطنة، ويبرأ بدفعها سواء تلفت في يد الامام أو لا، أو صرفها في مصارفها أو لم يصرفها، لما ذكرنا عن الصحابة رضي الله عنهم، ولان الامام نائب عنهم شرعا فبرئ بدفعها إليه كولي اليتيم إذا قبضها

[ 676 ]

له، ولا يختلف المذهب أيضا في أن صاحب المال يجوز أن يفرقها بنفسه (فصل) وإذا أخذ الخوارج والبغاة الزكاة اجزأت عن صاحبها، حكاه ابن المنذر عن احمد والشافعي وأبي ثور في الخوارج أنها تجزئ، وكذلك كل من أخذها من السلاطين اجزأت عن صاحبها سواء عدل فيها أو جار، وسواء أخذها قهرا أو دفعها إليه اختيارا لما ذكرنا من حديث أبي صالح. وقال ابراهيم: تجزئ عنك ما أخذ العشارون، وعن سلمة بن الاكوع أنه دفع صدقته إلى نجدة، وعن ابن عمر أنه سئل عن مصدق ابن الزبير ومصدق نجدة فقال: إلى أيهما دفعت اجزأ عنك، وبهذا قال أصحاب الرأي فيما غلبوا عليه وقالوا: إذا مر على الخوارج فعشره لا يجزئ عن زكاته. وقال أبو عبيد: على من أخذ الخوارج منه الزكاة الاعادة لانهم ليسوا بأئمة أشبهوا قطاع الطريق ولنا قول الصحابة رضي الله عنهم من غير خلاف في عصرهم علمناه فيكون اجماعا، ولانه دفعها إلى أهل الولاية فأشبه دفعها إلى أهل البغي. " مسألة " (ولا يجزئ اخراجها إلا بنية إلا أن يأخذها الامام منه قهرا. وقال أبو الخطاب لا تجزئه أيضا بغير نية) مذهب عامة أهل العلم أن النية شرط في اخراج الزكاة، وحكي عن الاوزاعي أنها لا تجب لها النية لانها دين فلا تجب لها النية كسائر الديون، ولهذا يخرجها ولي اليتيم ويأخذها السلطان من الممتنع ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " انما الاعمال بالنيات " وأداؤها عمل ولانها عبادة منها فرض ونفل فافتقرت إلى النية كالصلاة وتفارق قضاء الدين فانه ليس بعبادة فانه يسقط باسقاط مستحقة وولي اليتيم والسلطان ينويان عند الحاجة إذا ثبت ذلك فالنية أن يعتقد انها زكاته أو زكاة من يخرج عنه كالصبي والمجنون ومحلها القلب لانها محل الاعتقادات كلها (فصل) ويجوز تقديم النية على الآداء بالزمن اليسير كسائر العبادات ولانها يجوز التوكيل فيها فاعتبار مقارنة النية للاخراج يؤدي إلى التقرين بماله ولو تصدق الانسان بجميع ماله ولم ينو به

[ 677 ]

الزكاة لم يجزئه وهذا قول الشافعي وقال أصحاب أبي حنيفة يجزئه استحسانا ولنا انه لم ينو الفرض فلم يجزئه كما لو تصدق ببعض ماله وكما لو صلى مائة ركعة لم ينو الفرض بها (فصل) ومن له مال غائب يشك في سلامته يجوز اخراج الزكاة عنه وتصح منه نية الاخراج لان الاصل بقاؤه فان نوى أن هذا زكاة مالي ان كان سالما وإلا فهو تطوع فبان سالما أجزأت لانه اخلص النية للفرض ثم رتب عليها النقل وهذا حكمها لو لم يقله فإذا قاله لم يضر ولو قال هذا زكاة مالي الغائب والحاضر صح لان التعيين لا يشترط بدليل أن من له أربعون دينارا إذا أخرج نصف دينار عنها صح وإن كان يقع عن عشرين غير معينة وان قال هذا زكاة مالي الغائب أو تطوع لم تجزئه ذكره أبو بكر لانه لم يخلص النية للفرض أشبه ما لو قال أصلي فرضا أو تطوعا وان قال هذا زكاة مالي الغائب ان كان سالما والا فهو زكاة لمالي الحاضر أجزأه عن السالم منهما، فان كانا سالمين فعن أحدهما لان التعيين ليس بشرط وان قال زكاة مالي الغائب وأطلق فبان تالفا لم يكن له أن يصرفه إلى كفارة غيره انه عينه فأشبه ما لو اعتق عبدا عن كفارة عينها فلم يقع عنها لم يكن له صرفه إلى كفارة اخرى. هذا التفريع فيما إذا كانت الغيبة مما لا تمنع اخراج زكاته في بلد رب المال أما لقربه أو لكون البلد لا يوجد فيه أهل السهمان أو على الرواية التي نقول باجزاء اخراجها في بلد بعيد من بلد المال وإن كان له موروث غائب فقال ان كان موروثي قد مات فهذه زكاة ماله الذي ورثته عنه فبان ميتا لم يجزئه لانه ينبني على غير أصل فهو كقوله ليلة الشك ان كان غدا من رمضان فهو فرضي وإلا فهو نفل (فصل) فان اخذها الامام منه قهرا اجزأت بغير نية وهذا قول الخرقي ومفهوم هذا الكلام انه متى دفعها طوعا لم يجزئه الا بنية سواء دفعها إلى الامام وغيره أما في حال القهر فتسقط النية لان تعذرها في حقه أسطقها كالصغير والمجنون وقال القاضي لا تشترط النية إذا أخذها الامام في حال الطوع والكره وهو قول الشافعي لان أخذ الامام بمنزلة القسم بين الشركاء فلم يحتج إلى نية ولان للامام ولاية في أخذها ولذلك يأخذها من الممتنع اتفاقا ولو لم تجزئه لما أخذها ولاخذها ثانيا

[ 678 ]

وثالثا حتى ينفد ماله لان أخذها ان كان لاجزائها فهو لا يحصل بدون النية وان كان لوجوبها فهو باق بحاله واختار أبو الخطاب وابن عقيل انها لا تجزئه أيضا من غير نية فيما بينه وبين الله تعالى لان الامام إما وكيله وإما وكيل الفقراء أو وكيلهما وأي ذلك كان فلا بد من نية رب المال ولانها عبادة تجب لها النية فلا تجزئ عمن وجبت عليه إذا كان من أهل النية بغير نية كالصلاة وانما أخذت منه حراسة للعلم الظاهر كالممتنع من الصلاة يحبر عليها ليأتي بصورتها ولو صلى بغير نية لم تجزئه والمرتد يطالب بالشهادة فإذا أتى بها حكم باسلامه ظاهرا وإن لم يعتقد صحتها لم يصح اسلامه باطنا ومن نصر القول الاول قال ان للامام ولاية على الممتنع فقامت نيته مقام نيته كولي المجنون واليتيم وفارق الصلاة فان النيابة فيها لا تصح فلابد من نية فاعلها وقوله لا يخلو من كونه وكيلا له أو للفقراء أو لهما قلنا بل هو وكيل على المالك والحاق الزكاة بالقسمة غير صحيح لانها ليست عبادة ولا يعتبر لها نية بخلاف الزكاة * (مسألة) * (وان دفعها إلى وكيله اعتبرت النية في الموكل دون الوكيل) إذا وكل في دفع الزكاة فدفعها الوكيل إلى مستحقها قبل تطاول الزمن أجزأت نية الموكل ولم يفتقر إلى نية الوكيل لان الموكل هو الذي عليه الفرض فاكتفى بنيته ولان تأخر الاداء عن النية بالزمن اليسير جائز على ما ذكرنا فان تطاول الزمن فقال أبو الخطاب يجزئ كما لو تقارب الدفع وهو ظاهر كلام شيخنا ها هنا والصحيح انه لابد من نية الموكل حال الدفع إلى الوكيل ونية الوكيل عند الدفع إلى المستحق لئلا يخلو الدفع إلى المستحق عن نية مقارنة أو مقاربة ولو نوى الوكيل دون الموكل لم يجز تتعلق الفرض بالموكل ووقوع الاجزاء عنه وإن دفعها إلى الامام ناويا ولم ينو الامام حال دفعها إلى الفقراء جاز وان طال الزمن لانه وكيل الفقراء * (مسألة) * (ويستحب أن يقول عند الدفع اللهم اجعلها مغنما ولا تجعلها مغرما) ويحمد الله على التوفيق لادائها لما روي أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أعطيتم الزكاة

[ 679 ]

فلا تنسوا ثوابها أن تقولوا اللهم اجعلها مغنما ولا تجعلها مغرما " أخرجه ابن ماجه * (مسألة) * (ويقول الآخذ آجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت وجعله لك طهورا) (فصل) وان دفعها إلى الساعي أو الامام شكره ودعا له لقول الله تعالى (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم) وقال عبد الله بن أبي أوفى كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال " اللهم صل على آل فلان " فأتاه أبي بصدقته فقال " اللهم صلى على آل أبي أوفى " متفق عليه والصلاة ها هنا الدعاء والتبرك وليس هذا بواجب لان النبي صلى الله عليه وسلم حين بعث معاذا أو أمره يأخذ الزكاة منهم لم يأمره بالدعاء ولان ذلك لا يجب على الفقير المدفوع إليه فالنائب أولى * (مسألة) * ولا يجوز نقلها إلى بلد تقصر إليه الصلاة فان فعل فهل تجزئه؟ على روايتين قال أبو داود سمعت أحمد سئل عن الزكاة يبعث بها من بلد إلى بلد؟ قال لا، قيل وان كان قرابته بها؟ قال لا. واستحب أكثر أهل العلم أن لا تنقل من بلدها وروي عن الحسن والنخعي انهما كرها نقل الزكاة من بلد إلى بلد الا لذي قرابة وكان أبو العالية يبعث بزكاته إلى المدينة ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ أخبرهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم وهذا يختص فقراء بلدهم وقال سعيد حدثنا سفيان عن معمر عن بن طاوس عن أبيه قال في كتاب معاذ ابن جبل من أخرج من مخلاف إلى مخلاف فان صدقته وعشره ترد إلى مخلافه وروي عن عمر بن عبد العزيز انه رد زكاة أتي بها من خراسان إلى الشام إلى خراسان ولما بعث معاذ الصدقة من اليمن إلى عمر أنكر ذلك عمر وقال لم أبعثك جابيا ولا آخذ جزية ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فترد في فقرائهم فقال معاذ ما بعثت اليك بشئ وأنا اجد من يأخذه مني، رواه أبو عبيد في الاموال وروي أيضا عن ابراهيم بن عطاء مولى عمران بن حصين أن زيادا أو بعض الامراء بعث عمران على الصدقة فلما رجع قال أين المال؟ قال أللمال بعثتني؟ أخذناها من حيث كنا نأخذها على عهد رسول الله

[ 680 ]

صلى الله عليه وسلم ووضعناها حيث كنا نضعها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولان المقصود اغناء الفقراء بها فإذا أبحنا نقلها أفضى إلى بقاء فقراء أهل ذلك البلد محتاجين فان خالف ونقل ففيه روايتان احداهما تجزئه وهو قول أكثر اهل العلم واختارها أبو الخطاب لانه دفع الحق إلى مستحقه فبرئ كالدين وكما لو فرقها في بلدها والاخرى لا تجزئه اختارها أبن حامد لانه دفع الزكاة إلى غير من أمر بدفعها إليه أشبه ما لو دفعها إلى غير الاصناف (فصل) فان استغنى عنها فقرا أهل بلدها جاز نقلا نص عليه أحمد فقال قد تحمل الصدقة إلى الامام إذا لم يكن فقراء أو كان فيها فضل عن حاجتهم وقال أيضا لا تخرج صدقة قوم عنهم من بلد إلى بلد الا أن يكون فيها فضل لكن الذي كان يجئ إلى المدينة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر من الصدقة انما كان عن فضل منهم يعطون ما يكفيهم ويخرج الفضل عنهم وروى أبو عبيد في كتاب الاموال باسناده عن عمرو بن شعيب أن معاذا لم يزل بالجند إذ بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات النبي صلى الله عليه وسلم ثم قدم على عمر فرده على ما كان عليه فبعث إليه معاذ بثلث صدقة الناس فأنكر ذلك عمر وقال: لم أبعثك جابيا ولا آخذ جزية، لكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فتردها على فقرائهم. فقال معاذ: ما بعثت اليك بشئ وأنا أجد من يأخذه مني، فلما كان العام الثاني بعث إليه بشرط الصدقة فتراجعا بمثل ذلك، فلما كان العام الثالث بعث إليه بها كلها فراجعه عمر بمثل ما راجعه فقال معاذ: ما وجدت أحدا يأخذ منى شيئا، وكذلك إذا كان ببادية ولم يجد من يدفعها إليه فرقها على فقراء أقرب البلاد إليه (فصل) ويستحب أن يفرق الصدقة في بلدها ثم الاقرب فالاقرب من القرى والبلدان. قال أحمد في رواية صالح: لا بأس أن يعطي زكاته في القرى التي حوله ما لم تقصر الصلاة في اتيانها ويبدأ بالاقرب فالاقرب، فان نقلها إلى البعيد لتحري قرابة أو من كان أشد حاجة فلا بأس ما لم يجاوز مسافة القصر

[ 681 ]

" مسألة " (فان كان في بلد وماله في آخر أخرج زكاة المال في بلده وفطرته في البلد الذي هو فيه) قال احمد في رواية محمد بن الحكم: إذا كان الرجل في بلد وماله في بلد فأحب إلي أن يؤدي حيث كان المال، فان كان بعضه حيث هو وبعضه في مصر يؤدي زكاة كل مال حيث هو، فان كان غائبا عن مصره وأهله والمال معه فأسهل أن يعطي بعضه في هذا البلد بعضه في البلد الآخر، فأما إن كان المال في البلد الذي هو فيه حتى يمكث فيه حولا تاما فلا يبعث بزكاته إلى بلد آخر، فان كان المال تجارة يسافر به فقال القاضى: يفرق زكاته حيث حال حوله في أي موضع كان، ومفهوم كلام احمد في اعتباره الحول التام أنه يسهل في أن يفرقها في ذلك البلد وغيره من البلدان التي أقام بها في ذلك الحول. وقال في الرجل يغيب عن أهله فتجب عليه الزكاة يزكيه في الموضع الذي أكثر مقامه فيه، فأما زكاة الفطر فانه يفرقها في البلد الذي وجبت عليه فيه سواء كان ماله فيه أو لم يكن لانه سبب وجوب الزكاة ففرقت في البلد الذي سببها فيه (فصل) إذا أخذ الساعي الصدقة فاحتاج إلى بيعها لمصلحة من كلفة نقلها أو مرضها ونحوهما فله ذلك لما روى قيس بن أبي حازم أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في ابل الصدقة ناقة كوماء فسأل عنها فقال المصدق: اني ارتجعتها بابل فسكت عنه. رواه أبو عبيد في الاموال وقال: الرجعة أن يبيعها ويشتري بثمنها مثلها أو غيرها، فان لم يكن حاجة إلى بيعها فقال القاضي: لا يجوز والبيع باطل وعليه الضمان قال شيخنا: ويحتمل الجواز لحديث قيس فان النبي صلى الله عليه وسلم سكت حين أخبره المصدق بارتجاعها ولم يستفصل " مسألة " (وإذا حصل عند الامام ماشية استحب له وسم الابل في أفخاذها والغنم في آذانها فان كانت زكاة كتب لله أو زكاة، وإن كانت جزية كتب صغارا أو جزية)

[ 682 ]

انما استحب ذلك لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يسميها، ولان الحاجة تدعو إلى ذلك لتمييزها من غنم الجزية والضوال ولترد إلى مواضعها إذا شردت ويسم الابل والبقر في أفخاذها لانه موضع صلب يقل ألم الوسم فيه وهو قليل الشعر فتطهر السمة ويسم الغنم في آذانها لانه مكان تظهر فيه السمة لا تضرر به الغنم (فصل) قال ويجوز تعجيل الزكاة عن الحول إذا كمل النصاب ولا يجوز قبل ذلك وجملة ذلك أنه متى وجد سبب وجوب الزكاة وهو النصاب الكامل جاز تقديم الزكاة، وبهذا قال الحسن وسعيد بن جبير والزهري والاوزاعي وأبو حنيفة والشافعي واسحاق وأبو عبيد، وحكي عن الحسن أنه لا يجوز، وبه قال ربيعة ومالك وداود لانه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا تؤدى زكاة قبل حلول الحول " ولان الحول أحد شرطي الزكاة فلم يجز تقديم الزكاة عليه كالنصاب، ولان للزكاة وقتا فلم يجز تقديمها عليه كالصلاة ولنا ما روي علي أن العباس سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعجيل صدقته قبل أن تحل فرخص له في ذلك، وفي لفظ في تعجيل الزكاة فرخص له في ذلك. رواه أبو داود، وقال يعقوب بن شيبة هو أثبتها اسنادا، وروى الترمذي عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعمر " انا قد أخذنا زكاة العباس عام أول للعام " وفي لفظ قال " إنا كنا تعجلنا صدقة العباس لعامنا هذا عام أول " رواه سعيد عن عطاء وابن أبي مليكة والحسن بن مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، ولان تعجيل المال وجد سبب وجوبه فجاز كتعجيل قضاء الدين قبل حلول أجله، واداء كفارة اليمين بعد الحلف وقبل الحنث، وكفارة القتل بعد الجرح قبل الزهوق، وقد سلم مالك تعجيل الكفارة وفارق تقديمها قبل النصاب لانه تقديم لها على سببها فأشبه تقديم الكفارة على اليمين وكفارة القتل على الجرح، ولانه قدمها على الشرطين وههنا قدمها على أحدهما، وقولهم إن للزكاة وقتا قلنا الوقت إذا دخل في الشئ رفقا بالانسان كان له

[ 683 ]

أن يعجله ويترك الارفاق بنفسه كالدين المؤجل وكمن أدى زكاة مال غائب: وإن لم يكن على يقين من وجوبها، ومن الجائز أن يكون المال تالفا في ذلك الوقت، وأما الصلاة والصيام فتعبد محض والتوقيت فيها غير معقول فيجب أن يقتصر عليه (فصل) فأما تعجيلها قبل ملك النصاب فلا يجوز بغير خلاف نعلمه، فلو ملك بعض نصاب فعجل زكاته أو زكاه نصاب لم يجز لانه تعجل الحكم قبل سببه " مسألة " (وفي تعجيلها لاكثر من حول روايتان) (احداهما) لا يجوز لان النص لم يرد بتعجيلها لاكثر من حول فاقتصر عليه (والثانية) يجوز لانه قد روي في حديث عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " وأما العباس فهي علي ومثلها " متفق عليه ورواه الامام احمد، وروي أنه قال عليه السلام في حديث العباس " انا استسلفنا زكاة عامين " ولانه تعجيل لها بعد وجود النصاب أشبه تقديمها على الحول الواحد وما لم يرد به النص يقاس على المنصوص إذا كان في معناه، ولا يعلم معنى سوى أنه تقديم للمال الذي وجد سبب وجوبه على شرط وجوبه وهذا متحقق في التقديم في الحولين كتحققه في الحول الواحد، فعلى هذا إذا كان عنده أكثر من النصاب فعجل زكاته لحولين جاز، وإن كان قدر النصاب مثل من عنده أربعون شاة فعجل شاتين لحولين وكان المعجل من غيره جاز، وإن أخرج شاة منه وشاة من غيره أجزأ عن الحول الاول ولم يجز عن الثاني لان النصاب نقص، فان تكمل بعد ذلك صار اخراج زكاته وتعجيله لها قبل كمال نصابها وإن أخرج الشاتين جميعا من النصاب لم تجب الزكاة في الحول الاول إذا قلنا ليس له ارتجاع ما عجله لانه كالتالف فيكون النصاب ناقصا، فان كمل بعد ذلك استؤنف الحول من حين كمل النصاب وكان ما عجله سابقا على كمال النصاب فلم يجز عنه (فصل) فأما تعجيلها لما زاد على الحولين فقال ابن عقيل: لا يجوز رواية واحدة لان التعجيل على خلاف الاصل وانما جاز في عامين للنص فيبقى فيما عداه على قضية الاصل

[ 684 ]

" مسألة " (وإن عجلها عن النصاب وما يستفيده اجزأ عن النصاب دون الزيادة) إذا ملك نصابا فعجل زكاته وزكاة ما يستفيده وما ينتج منه أو يربحه فيه أجزأه عن النصاب دون الزيادة، وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة: يجزئه لانه تابع لما هو مالكه، وحكى ابن عقيل عن احمد رواية فيما إذا ملك مائتي درهم وعجل زكاة أربعمائة أنه يجزئه عنهما لانه قد وجد سبب وجوب الزكاة في الجملة بخلاف تعجيل الزكاة قبل ملك النصاب، وكذلك لو كان عنده نصاب من الماشية فعجل زكاة نصابين ولنا أنه عجل زكاة ما ليس في ملكه فلم يجز كالنصاب الاول، ولان الزائد من الزكاة على زكاة النصاب انما سببها الزائد في الملك فقد عجل الزكاة قبل وجود سببها فأشبه ما لو عجل الزكاة قبل ملك النصاب، وقوله انه تابع قلنا انما يتبع في الحول، فأما في الايجاب فان الوجوب ثبت بالزيادة لا بالاصل ولانه انما يصير له حكم بعد الوجود، فأما قبل ظهوره فلا حكم له في الزكاة (فصل) وإن عجل زكاة نصاب من الماشية فتوالدت نصابا، ثم ماتت الامهات وحال الحول على النتاج اجزأ المعجل عنها لانها دخلت في حول الامهات وقامت مقامها فأجزأت زكاتها عنها، فإذا كان عنده أربعون من الغنم فعجل عنها شاة ثم توالدت أربعين سخلة وماتت الامهات وحال الحول على السخال اجزأت المعجلة عنها لانها كانت مجزئة عنها وعن أمهاتها لو بقيت فلان تجزئ عن أحدهما أولى. وإن كان عنده ثلاثون من البقر فعجل عنها تبيعا ثم توالدت ثلاثين عجلة وماتت الامهات وحال الحول على العجول احتمل أن يجزئ عنها لانها تابعة لها في الحول واحتمل أن لا يجزئ عنها لانه لو عجل عنها تبيعا مع بقاء الامهات لم يجزئ عنها فلان لا يجزئ عنها إذا كان التعجيل عن غيرها أولى وهكذا الحكم في مائة شاة إذا عجل عنها شاة فتوالدت مائة ثم ماتت الامهات وحال الحول على السخال وإن توالد نصفها ومات نصف الامهات وحال الحول على الصغار ونصف الكبار، فان قلنا بالوجه الاول اجزأ المعجل عنهما جميعا، وإن قلنا بالثاني فعليه في الخمسين سخلة شاة لانها نصاب لمم تؤد

[ 685 ]

زكاته، وليس عليه في العجول إذا كانت خمس عشر شئ لانها لم تبلغ تصابا، وانما وجبت الزكاة فيها بناء على أمهاتها التي عجلت زكاتها، وإن ملك ثلاثين من البقر فعجل مسنة زكاة لها ولنتاجها فنتجت عشرا اجزأته عن الثلاثين دون العشر ووجب عليه في العشر ربع مسنة، ويحتمل أن تجزئه المسنة المعجلة عن الجميع لان العشر تابعة للثلاثين في الوجوب والحول فانه لو لا ملكه للثلاثين لما وجب عليه في العشر شئ فصارت الزيادة على النصاب منقسمة أربعة أقسام (الاول) ما لا يتبع في وجوب ولا حول وهو المستفاد من غير الجنس فهذا لا يجزئ تعجيل زكاته قبل وجوده وملك نصابه بغير خلاف (الثاني) ما يتبع في الوجوب دون الحول وهو المستفاد من الجنس بسبب مستقل فلا يجزئ تعجيل زكاته أيضا قبل وجوده مع الخلاف في ذلك وحكى ابن عقيل رواية أنه يجزئ (الثالث) ما يتبع في الحول دون الوجوب كالنتاج والريح إذا بلغ نصابا فانه يتبع أصله في الحول فلا يجزئ التعجيل عنه قبل وجوده كالذي قبله (الرابع) ما يتبع في الحول والوجوب وهو الربح والنتاج إذا لم يبلغ نصابا فهذا يحتمل وجهين: (أحدهما) لا يجزئ تعجيل زكاته قبل وجوده كالذي قبله (والثاني) يجزئ لانه تابع في الوجوب والحول أشبه الموجود * (مسألة) * (وإن عجل عشر الثمرة قبل طلوع الطلع والحصرم لم يجزه) لانه تقديم لها قبل وجود سببها فاما تعجيلها بعد وجود الطلع والحصرم وتعجيل عشر الزرع بعد نباته فظاهر كلام القاضي أنه لا يجوز لانه قال: كل ما تتعلق الزكاة فيه بشيئين حول ونصاب جاز تعجيل زكاته فمفهومه أنه لا يجوز تعجيل زكاة غيره لان الزكاة معلقة بسبب واحد وهو ادراك الزرع والثمرة، فإذا قدمها كان قبل وجود سببها، لكن إن أداها بعد الادراك وقبل اليبس والتصفية جاز. وقال أبو الخطاب: يجوز بعد ظهور الطلع والحصرم ونبات الزرع، ولا يجوز قبل ذلك لان وجود الزرع

[ 686 ]

واطلاع النخل بمنزلة ملك النصاب والادراك بمنزلة حولان الحول فجاز تقديمها عليه، وتعلق الزكاة بالادراك لا يمنع جواز التعجيل بدليل أن زكاة الفطر يتعلق وجوبها بهلال شوال وهو زمن الوجوب ويجوز تعجيلها قبله * (مسألة) * (وإن عجل زكاة النصاب فتم الحول وهو ناقص قدر ما عجله جاز) لان حكم ما عجله حكم الموجود في ملكه يتم النصاب به، فإذا زاد ماله حتى بلغ النصاب أو زاد عليه وحال الحول اجزأ المعجل عن زكاته لما ذكرنا، فان نقص أكثر مما عجله فقد نقص بذلك عن كونه سببا للزكاة مثل من له أربعون شاة فعجل شاة، ثم تلفت أخرى فقد خرج عن كونه سببا للزكاة فان زاد بعد ذلك إما بنتاج أو شراء ما يتم به النصاب استؤنف الحول كمل النصاب ولم يجز ما عجله كما ذكرنا من قبل * (مسألة) * (وإن عجل زكاة المائتين فنتجت عند الحول سخلة لزمته شاة ثالثة) وبما ذكرنا قال الشافعي في المسألتين. وقال أبو حنيفة: ما عجله في حكم التالف فقال في المسألة الاولى لا تجب الزكاة ولا يكون المخرج زكاة. وقال في هذه المسألة: لا يجب عليه زيادة لان ما عجله زال ملكه عنه فلم يحسب من ماله كما لو تصدق به تطوعا ولنا أن هذا نصاب تجب الزكاة فيه بحلول الحول فجاز تعجيلها منه كما لو كان أكثر من أربعين ولان ما عجله بمنزلة الموجود في إجزائه عن ماله فكان بمنزلة الموجود في تعلق الزكاة به، ولانها لو لم تعجل كان عليه شاتان، فكذلك إذا عجلت لان التعجيل انما كان رفقا بالمساكين فلا يصير سببا لنقص حقوقهم والتبرع يخرج ما تبرع به عن حكم الموجود في ماله، وهذا في حكم الموجود في الاجزاء عن الزكاة (فصل) وكل موضع قلنا لا يجزئه ما عجله عن الزكاة فان كان دفعها إلى الفقراء مطلقا فليس له

[ 687 ]

الرجوع فيها، وإن كان دفعها بشرط أنها زكاة معجلة فهل له الرجوع؟ على وجهين يأتي توجيههما إن شاء الله تعالى (فصل) وإن عجل زكاة ماله ثم مات فأراد الوارث الاحتساب بها عن زكاة حوله لم يجز، وذكر القاضي وجها في جوازه بناء على ما لو عجل زكاة عامين ولا يصح لانه تعجيل للزكاة قبل وجود سببها أشبه ما لو عجل زكاة نصاب لغيره ثم اشتراه وذلك لان سبب الزكاة ملك النصاب وملك الوارث حادث ولا يبني الوارث على حول الموروث، ولانه لم يخرج الزكاة وانما أخرجها غيره عن نفسه، واخراج الغير عنه من غير ولاية ولا نيابة لا يجزئ ولو نوى فكيف إذا لم ينو؟ وقد قال أصحابنا: لو أخرج زكاته وقال: إن كان موروثي قد مات فهذه زكاة ماله فبان أنه قد مات لم يقع الموقع وهذا أبلغ ولا يشبه هذا تعجيل الزكاة لعامين لانه ثم عجل بعد وجود السبب وأخرجها بنفسه بخلاف هذا فان قيل فانه لو مات الموروث قبل الحول كان للوارث ارتجاعها فإذا لم يرتجعها احتسب بها كالدين قلنا فلو أراد أن يحسب الدين عن زكاته لم يصح، ولو كان له عند رجل شاة من غصب أو قرض فأراد أن يحسبها عن زكاته لم يجزئه " مسألة " (وإن عجلها فدفعها إلى مستحقها فمات أو ارتد أو استغنى اجزأت عنه) إذا دفع الزكاة المعجلة إلى مستحقها لم يخل من أربعة أقسام (أحدها) أن لا يتغير الحال ففي هذا القسم يقع المدفوع موقعه ويجزئ عن المزكي ولا يلزمه بدله ولا له استرجاعه كما لو دفعها بعد وجوبها (الثاني) أن يتغير حال الاخذ بأن يموت قبل الحول أو يستغنى أو يرتد فهذا في حكم القسم الذي قبله وبهذا قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: لا يجزئ لان ما كان شرطا للزكاة إذا عدم قبل الحول لم يجزء كما لو تلف المال أو مات ربه ولنا أنه أدى الزكاة إلى مستحقها فلم يمنع الاجزاء تغير حاله كما لو استغني بها، ولانه حق أداه إلى مستحقه فبرئ منه كالدين يعجله قبل أجله وما ذكروه منتقض بما إذا استغنى بها والحكم

[ 688 ]

في الاصل ممنوع ثم الفرق بينهما ظاهر، فان المال إذا تلف تبين عدم الوجوب فأشبه ما لو أدى إلى غريمه دراهم يظنها عليه فتبين أنها ليست عليه، وكما لو أدى الضامن الدين فبان أن المضمون عنه قضاه وفي مسألتنا الحق واجب وقد أخذه مستحقه (القسم الثالث) أن يتغير حال رب المال وسيأتي ذكر ذلك إن شاء الله تعالى (القسم الرابع) أن يتغير حالهما فهو كالقسم الثالث " مسألة " (وإن دفعها إلى غني فافتقر عند الوجوب لم يجزه) لانه لم يدفعها إلى مستحقها أشبه ما لو لم يفتقر " مسألة " (وإن عجلها ثم تلف المال لم يرجع على الآخذ. وقال ابن حامد: إن كان الدافع الساعي أو أعلمه أنها زكاة معجلة رجع عليه) وجملة ذلك أن من عجل زكاة ماله فدفعها إلى مستحقها ثم تلف المال أو بعضه فنقص عن النصاب قبل الحول أو تغير حال رب المال بموت أو ردة أو باع النصاب فقال أبو بكر: لا يرجع بها على الفقير سواء أعلمه أنها زكاة معجلة أو لم يعلمه. قال القاضي: وهو المذهب عندي لانها وصلت إلى الفقير فلم يكن له ارتجاعها كما لو لم يعلمه، ولانها زكاة دفعت إلى مستحقها فلم يجز ارتجاعها كما لو تغير حال الآخذ وحده، وقال أبو عبد الله بن حامد: إن كان الدافع لها الساعي استرجعها بكل حال، وإن كان رب المال وأعلمه أنها زكاة معجلة رجع بها، وإن أطلق لم يرجع وهذا مذهب الشافعي لانه مال دفعه عما يستحقه القابض في الثاني، فإذا طرأ ما يمنع الاستحقاق وجب رده كالاجرة إذا انهدمت الدار قبل السكنى، أما إذا لم يعلمه فيحتمل أن يكون تطوعا ويحتمل أن يكون هبة فلم يقبل قوله في الرجوع، فعلى قول ابن حامد إن كانت العين لم تتغير أخذها وان زادت زيادة متصلة بزيادتها لانها تتبع في الفسوخ، وإن كانت منفصلة أخذها دون زيادتها لانها حدثت في ملك الفقير، وإن كانت ناقصة رجع على الفقير بالنقص لان الفقير قد ملكها بالقبض فكان نقصها عليه كالمبيع إذا نقص في يد المشتري ثم علم عيبه، وإن كانت تالفة أخذ قيمتها يوم القبض لان ما زاد بعد ذلك أو نقص فانما هو في ملك الفقير فلم يضمنه كالصداق يتلف في يد المرأة فان تغير حالهما فهو كما لو تغير حال رب المال سواء

[ 689 ]

(فصل) إذا قال رب المال قد أعلمته أنها زكاة معجلة فلي الرجوع وأنكر الاخذ فالقول قوله لانه منكر والاصل عدم الاعلام وعليه اليمين، وإن مات الآخذ واختلف وارثه والمخرج فالقول قول الوارث ويحلف أنه لا يعلم أن موروثه أعلم بذلك (فصل) إذا تسلف الامام الزكاة فهلكت في يده فلا ضمان عليه وكانت من ضمان الفقراء ولا فرق بين أن يسأله ذلك رب المال أو الفقراء أو لم يسأله أحد لان يده كيد الفقراء. وقال الشافعي إن تسلفها من غير سؤال ضمنها لان الفقراء رشد لا يولى عليهم، فإذا قبض بغير اذنهم ضمن كالاب إذا قبض لابنه الكبير، وإن كان بسؤالهم كان من ضمانهم لانه وكيلهم، وإن كان بسؤال أرباب الاموال لم يجزهم الدفع وكان من ضمانهم لانه وكيلهم، وإن كان بسؤالهما ففيه وجهان أصحهما أنه في ضمان الفقراء ولنا أن للامام ولاية على الفقراء بدليل جواز قبض الصدقة لهم بغير اذنهم سلفا وغيره، فإذا تلفت في يده من غير تفريط لم يضمن كولي اليتيم إذا قبض له، وما ذكروه يبطل بالقبض بعد الوجوب وفارق الاب فانه لا يجوز له القبض لولده الكبير لعدم ولايته عليه ولهذا يضمن ما قبضه له بعد وجوبه * (باب ذكر أهل الزكاة) * وهم ثمانية أصناف سماهم الله تعالى فقال (انما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله، والله عليم حكيم) وروي أن رجلا قال: يا رسول الله أعطني من هذه الصدقات، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانيه أجزاء، فان كنت من تلك الاجزاء أعطيتك حقك " ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في أنه لا يجوز دفع هذه الزكاة إلى غير هذه الاصناف إلا ما روي عن أنس والحسن أنهما قالا: ما أعطيت في الجسور والطرق فهي صدقة قاضية. والصحيح الاول لان الله تعالى قال (انما الصدقات) وانما للحصر تثبت المذكور وتنفي ما عداه لانها مركبة من حرفي نفي واثبات وذلك كقوله تعالى (انما الله إله واحد) أي لا إله الا الله وكقول النبي صلى الله عليه وسلم " انما الولاء لمن أعتق "

[ 690 ]

* (مسألة) * (الفقراء وهم الذين لا يجدون ما يقع موقعا من كفايتهم (الثاني) المساكين وهم الذين يجدون معظم كفايتهم) الفقراء والمساكين صنفان في الزكاة وصنف واحد في سائر الاحكام لان كل واحد من الاسمين ينطلق عليهما، فأما إذا جمع بين الاسمين وميز المسميين تميزا وكلاهما يشعر بالحاجة والفاقة وعدم الغنى إلا أن الفقير أشد حاجة من المسكين لان الله تعالى بدأ به وانما يبدأ بالاهم فالاهم، وبهذا قال الشافعي والاصمعي، وذهب أبو حنيفة إلى أن المسكين أشد حاجة، وبه قال الفراء وثعلب وابن قتيبة لقول الله تعالى (أو مسكينا ذا متربة) وهو المطروح على التراب لشدة حاجته وأنشد أما الفقير الذي كانت حلوبته * وفق العيان فلم يترك له سبد فأخبر أن الفقير حلوبته وفق عياله ولنا أن الله تعالى بدأ بالفقراء فيدل على أنهم أهم، وقال تعالى (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر) فأخبر أن المساكين لهم سفينة يعملون فيها. ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال " اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين " (1) وكان يستعيذ من الفقر، ولا يجوز أن يسأل شدة الحاجة ويستعيذ من حالة أصلح منها، ولان الفقير مشتق من فقر الظهر فعيل بمعنى مفعول أي مفقور وهو الذي نزعت فقره ظهره فانقطع صلبه قال الشاعر: لما رأى لبد النسور تطايرت * رفع القوادم كالفقير الاعزل أي لم يطق الطيران كالذي انقطع صلبه والمسكين مفعيل من السكون وهو الذي أسكنته الحاجة ومن كسر صلبه أشد حالا من الساكن، فأما الآية فهي حجة لنا لان نعت الله سبحانه المسكين بكونه ذا متربة يدل على أن هذا النعت لا يستحقه باطلاق اسم المسكنة كما يقال ثوب ذو علم ويجوز التعبير عن الفقير بالمسكين بقرينة وبغير قرينة والشعر أيضا حجة لنا، فانه أخبر أن الذي كانت حلوبته وفق العيال لم يترك له سبد فصار فقيرا لا شئ له إذا تقرر ذلك فالفقير الذي لا يقدر على كسب ما يقع موقعا من كفايته ولا له من الاجرة أو من المال الدائم ما يقع موقعا من كفايته ولا له خمسون درهما ولا قيمتها من الذهب مثل الزمنى والمكافيف


" 1 " رواه الحاكم من حديث أبي سعيد وصححه

[ 691 ]

وهم العميان لان هؤلاء في الغالب لا يقدرون على اكتساب ما يقع موقعا من كفايتهم، وربما لا يقدرون على شئ أصلا، قال الله تعالى (للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الارض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا) فمعنى قوله يقع موقعا من كفايته أنه يحصل به معظم الكفاية أو نصفها مثل من يكفيه عشرة فيحصل له من مسكنه أو غيره خمسة فما زاد، والذي لا يجد إلا ما لا يقع موقعا من كفايته كالذي لا يحصل إلا ثلاثة أو دونها فهذا هو الفقير والاول هو المسكين، فأما الذي يسأل فيحصل الكفاية أو معظمها من مسئلته فهو من المساكين لكنه يعطى جميع كفايته ليغتني عن السؤال، فان قيل فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " ليس المسكين بالطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان، ولكن المسكين الذي لا يسأل الناس ولا يفطن له فيتصدق عليه " (1) قلنا هذا تجوز وانما نفي المسكنة عنه مع وجودها حقيقة فيه مبالغة في اثباتها في الذي لا يسأل الناس كما قال عليه السلام " ليس الشديد بالصرعة، وانما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب " وأشباه ذلك كقوله " ما تعدون الرقوب فيكم؟ قالوا: الذي لا يعيش له ولد، قال: لا ولكن الرقوب الذي لم يقدم من ولده شيئا " * (مسألة) * (ومن ملك من في الاثمان مالا يقوم بكفايته فليس يغني وإن كثرت قيمته) وجملة ذلك أنه إذا ملك مالا تتم به كفايته من غير الاثمان، فان كان مما لا تجب فيه الزكاة كالعقار ونحوه لم يكن ذلك مانعا من أخذها نص عليه احمد فقال في رواية محمد ابن الحكم: إذا كان له عقار يستغله أو ضيعة تساوي عشرة آلاف أو أقل أو أكثر لا تقيمه يأخذ من الزكاة، وهذا قول الثوري والنخعي والشافعي وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه خلافا لانه فقير محتاج فيدخل في عموم الآية، فاما إن ملك نصابا زكويا لا تتم به الكفاية كالمواشي والحبوب فله الاخذ من الزكاة. قال الميموني ذاكرت احمد فقلت: قد يكون للرجل الابل والغنم تجب فيها الزكاة وهو فقير ويكون له أربعون شاة ويكون له الضيعة لا تكفيه يعطى من الصدقة؟ قال نعم، وذكر قول عمر: أعطوهم وإن راحت عليهم من الابل كذا وكذا، قلت فلهذا قدر من العدد أو الوقت؟ قال لم أسمعه. وهذا قول الشافعي. وقال أصحاب الرأي: ليس له أن يأخذ منها لانه تجب عليه الزكاة فلم تجب له لقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ


" 1 " هذا الحديث وما بعده متفق عليهما من حديث أبي هريرة

[ 692 ]

" أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم " فجعل الاغنياء من تجب عليهم الزكاة وإذا كان غنيا لم يكن له الاخذ من الزكاة للخبر ولنا أنه لا يملك ما يغنيه ولا يقدر على كسب ما يكفيه فجاز له الاخذ من الزكاة كما لو كان ما يملكه لا تجب فيه الزكاة، ولانه فقير فجاز له الاخذ لان الفقر عبارة عن الحاجة، قال الله تعالى (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله) وقال الشاعر: * واني إلى معروفها لفقير * أي محتاج وهذا محتاج فقيرا غير غني، ولانه لو كان ما يملكه لا زكاة فيه لكان فقيرا ولا فرق في دفع الحاجة بين المالين، فأما الخبر فيجوز أن يكون الغنى الموجب للزكاة غير الغنى المانع منها لما ذكرنا من المعنى فيكون المانع منها وجود الكفاية والموجب لها ملك النصاب جمعا بين الادلة (فصل) فان ملك غير الاثمان ما يقوم بكفايته كمن له مكسب يكفيه أو أجرة عقار أو غيره فليس له الاخذ من الزكاة وهذا قول الشافعي واسحاق وأبي عبيد وابن المنذر. وقال أبو حنيفة وأصحابه إن كان المال مما لا تجب فيه الزكاة جاز الدفع إليه إلا أن أبا يوسف قال: إن دفع إليه الزكاة فهو قبيح وأرجو أن يجزئه لانه ليس بغني لما ذكرنا لهم في المسألة قبلها ولنا ما روى الامام احمد ثنا يحيى بن سعيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عدي بن الخيار عن رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهما أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه الصدقة فصعد فيهما النظر فرأهما جلدين فقال " إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب " قال احمد: ما أجوده من حيث. وقال هو أحسنها اسنادا، ولان له ما يغنيه عن الزكاة فلم يجز الدفع إليه كما لك النصاب * (مسألة) * (وإن كان من الاثمان فكذلك في إحدى الروايتين والاخرى إن ملك خمسين درهما أو قيمتها من الذهب فهو غني) لا يجوز دفع الصدقة إلى غني لاجل الفقر والمسكنة بغير خلاف لان الله تعالى جعلها للفقراء والمساكين والغني غير داخل فيهم ولقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا تحل الصدقة لغني ولا لقوي مكتسب "

[ 693 ]

واختلف العلماء في الغنى المانع من أخذ الزكاة فنقل عن احمد فيها روايتان (احداهما) أنه ملك خمسين درهما أو قيمتها من الذهب، أو وجود ما تحصل به الكفاية على الدوام من مكسب أو تجارة أو أجر أو عقار أو نحو ذلك، ولو ملك من الحبوب أو العروض أو العقار أو السائمة مالا تحصل به الكفاية لم يكن غنيا اختاره الخرقي وهذا قول الثوري والنخعي وابن المبارك واسحاق وروي عن علي وابن مسعود انهما قالا لا تحل الصدقة لمن له خمسون درهما أو قيمتها أو عدلها من الذهب لما روى عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من سأل وله ما يغنيه جاءت مسئلته يوم القيمة خموشا أو خدوشا أو كدوحا في وجهه) فقيل يا رسول الله ما الغنى؟ قال " خمسون درهما أو قيمتها من الذهب " رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن فان قيل هذا يرويه حكيم ابن جبير وكان شعبة لا يروي عنه وليس بقوي في الحديث قلنا قد قال عبد الله بن عثمان لسفيان حفظي أن شعبة لا يروي عن حكيم بن جبير فقال سفيان حدثناه زبيد عن محمد بن عبد الرحمن وقد قال علي وعبد الله مثل ذلك (الثانية) أن الغنى ما تحصل به الكفاية فإذا لم يكن محتاجا حرمت عليه الصدقة وإن لم يملك شيئا وإن كان محتاجا حلت له المسألة وان ملك نصابا والاثمان وغيرهما في هذا سواء وهذا اختيار أبي الخطاب وابن شهاب العكبري وقول مالك والشافعي لان النبي صلى الله عليه وسلم قال لقبيصة بن المخارق " لا تحل المسألة الا لاحد ثلاثة: رجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه قد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش " رواه مسلم فمد إباحة المسألة إلى وجود اصابة القوام أو السداد ولان الحاجة هي الفقر والغني ضدها فمن كان محتاجا فهو فقير فيدخل في عموم النص ومن استغنى دخل في عموم النصوص المحرمة، والحديث الاول فيه ضعف ثم يجوز أن تحرم المسألة ولا يحرم أخذ الصدقة إذا جاءته من غير مسألة فان المذكور فيه تحريم المسألة فيقتصر عليه وقال الحسن وأبو عبيد الغنى ملك اوقية وهي أربعون درهما لما روى أبو سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من سأل وله قيمة اوقيه فقد ألحف " وكانت الاوقية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين درهما رواه أبو داود. وقال أصحاب الرأي: الغنى المانع من أخذ الزكاة هو الموجب لها وهو ملك نصاب تجب فيه الزكاة من الاثمان أو العروض المعدة للتجارة أو السائمة أو غيرها لقول النبي

[ 694 ]

صلى الله عليه وسلم لمعاذ " أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم " فجعل الاغنياء من تجب عليهم الزكاة فدل ذلك على أن من تجب عليه غني ومن لا تجب عليه ليس بغني فيكون فقيرا فتدفع الزكاة إليه لقوله " فترد في فقرائهم " ولان الموجب للزكاة غنى والاصل عدم الاشتراك، ولان من لا نصاب له لا تجب عليه الزكاة فلا يمنع منها كمن له دون الخمسين ووجه الرواية الاولى أنه يجوز أن يكون الغنى المانع من أحذ الزكاة غير الموجب لها بدليل حديث ابن مسعود وهو أخص من حديثهم فيجب تقديمه، ولان فيما ذكرنا جمعا بين الحديثين وهو أولى من التعارض، ولان حديث معاذ انما يدل على أن من تجب عليه الزكاة غني، أما أنه يدل على أن من لا تجب عليه الزكاة فقير فلا، وعلى هذا فلا يلزم من عدم الغنى وجود الفقر فلا يدل على جواز الدفع إلى غير الغني إذا لم يثبت فقره، وقولهم الاصل عدم الاشتراك قلنا قد قام دليله بما ذكرنا فيجب الاخذ به والله أعلم (فصل) فمن قال الغنى هو الكفاية سوى بين الاثمان وغيرها وجوز الاخذ لكل من لا كفاية له وإن ملك نصبا من جميع الاموال، ومن قال بالرواية الاخرى فرق بين الاثمان وغيرها لحديث ابن مسعود، ولان الاثمان آلة الانفاق المعدة له دون غيرها فجوز الاخذ لكل من لا يملك خمسين درهما ولا قيمتها من الذهب ولا ما تحصل بها الكفاية من مكسب أو أجرة عقار أو غيره، فان كان له مال معد للانفاق من غير الاثمان فينبغي أن تعتبر الكفاية في حول كامل لان الحول يتكرر وجوب الزكاة بتكرره فيأخذ منها كل حول ما يكفيه إلى مثله والله أعلم * (مسألة) * (الثالث: العاملون عليها وهم الجباة لها والحافظون لها) العاملون على الزكاة هم الصنف الثالث من اصناف الزكاة وهم السعادة الذين يبعثهم الامام لاخذها من أربابها وجمعها وحفظها ونقلها ومن يعينهم ممن يسوقها ويرعاها ويحملها، وكذلك الحاسب والكاتب والكيال والوزان والعداد وكل من يحتاج إليه فيها يعطى أجرته منها لان ذلك من مؤنتها فهو كعلفها، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث على الصدقة سعاة ويعطيهم عمالتهم فبعث عمر وأبا موسى وابن اللتبية وغيرهم وليس فيه اختلاف مع ما ورد من نص الكتاب ما يغني عن التطويل * (مسألة) * (ويشترط أن يكون العامل مسلما أمينا من غير ذوي القربى ولا يشترط حريته ولا فقره. وقال القاضي: لا يشترط اسلامه ولا كونه من غير ذوي القربى)

[ 695 ]

وجملة ذلك أن من شرط العامل أن يكون بالغا عاقلا أمينا لان ذلك ضرب من الولاية والولاية يشترط ذلك فيها، ولان الصبي والمجنون لا قبض لهما والخائن يذهب بمال الزكاة ويضيعه ويشترط اسلامه، اختاره شيخنا وأبو الخطاب، وذكر الخرقي والقاضي أنه لا يشترط اسلامه لانه اجارة على عمل فجاز أن يتولاه الكافر كجباية الخراج وقيل عن احمد في ذلك روايتان ولنا أنه يشترط له الامانة فاشترط له الاسلام كالشهادة، ولانه ولاية على المسلمين فاشترط لها الاسلام كسائر الولايات، ولان الكافر ليس بأمين، ولهذا قال عمر: لا تأمنوهم وقد خونهم الله. وأنكر على أبي موسى تولية الكتابة نصرانيا. فالزكاة التي هي ركن الاسلام أولى، ويشترط كونه من غير ذوي القربى إلا أن تدفع إليه أجرته من غير الزكاة. وقال أصحابنا: لا يشترط لانها أجرة على عمل تجوز للغني فجازت لذوي القربى كأجرة النقال وهذا أحد الوجهين لاصحاب الشافعي ولنا أن الفضل بن عباس والمطلب بن ربيعة بن الحارث سألا النبي صلى الله عليه وسلم أن يبعثهما على الصدقة فأبى أن يبعثهما وقال " انما هذه الصدقة أوساخ الناس وانها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد " وهذا ظاهر في تحريم أخذهم لها عمالة فلا تجوز مخالفته ويفارق النقال والحمال فانه يأخذ أجرة لحمله لا لعمالته، ولا يشترط حريته لان العبد يحصل منه المقصود فأشبه الحر، ولا كونه فقيها إذا كتب له ما يأخذه وحد له كما كتب النبي صلى الله عليه وسلم لعماله فرائض الصدقة وكذلك كتب أبو بكر لعماله أو بعث معه من يعرفه ذلك ولا يشترط كونه فقيرا لان الله تعالى جعل العامل صنفا غير الفقراء والمساكين فلا يشترط وجود معناهما فيه كما لا يشترط معناه فيهما وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " لا تحل الصدقة لغني الا لخمسة لغاز في سبيل الله أو لعامل عليها أو لغارم أو لرجل ابتاعها بماله أو لرجل كان له رجل مسكين فتصدق على المسكين فاهدى المسكين إلى الغني " رواه أبو داود وذكر أصحاب الشافعي انه يشترط الحرية لانه ولاية فنافاها الرق كالقضاء ويشترط الفقه ليعلم قدر الواجب وصفته ولنا ما ذكرنا ولا نسلم منافاة الرق للولايات الدينية فانه يجوز أن يكون اماما في الصلاة ومفتيا وراويا للحديث وشاهدا وهذه منه الولايات الدينية وأما الفقه فانما يحتاج إليه في معرفة ما يأخذه ويتركه ويحصل ذلك بالكتابة له كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه رضي الله عنه (فصل) ذكر أبو بكر في التنبيه في قدر ما يعطى العامل روايتين احداهما يعطى الثمن مما يجبيه والثانية يعطى بقدر عمله، فعلى هذه الرواية يخير الامام بين أن يستأجر العامل اجارة صحيحة بأجر

[ 696 ]

معلوم اما على عمل معلوم أو مدة معلومة بين أن يجعل له جعلا معلوما على عمله فإذا فعله استحق الجعل وإن شاء بعثه من غير تسمية ثم أعطاه فان عمر رضي الله عنه قال بعثني النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة فلما رجعت عملني فقلت أعطه من هو أحوج إليه مني وذكر الحديث (فصل) ويعطى منها أجرة الحاسب والكاتب والحاشر والخازن والحافظ والراعي ونحوهم لانهم من العاملين ويدفع إليهم من حصة العاملين فأما الكيال والوزن ليقبض العامل الزكاة فعلى رب المال لانه من مؤنة دفع الزكاة * (مسألة) * (فان تلفت الصدقة في يده من غير تفريط أعطي أجرته من بيت المال) إذا تلفت الزكاة في يد الساعي من غير تفريط فلا ضمان عليه لانه أمين ويعطى أجرته من بيت المال لانه لمصالح المسلمين وهذا من مصالحهم وان لم تتلف أعطى أجر عمله منها وكان أكثر من ثمنها لان ذلك من مؤنتها فجرى مجرى علفها ومداواتها وان رأى الامام أعطاه أجره من بيت المال أو يجعل له رزقا في بيت المال ولا يعطيه منها شيئا فعل وان تولى الامام أو الوالي من قبله أخذ الصدقة وقسمها لم يستحق منها شيئا لانه يأخذ رزقه من بيت المال (فصل) ويجوز للامام أن يولي الساعي جبايتها وتفريقها وأن يوليه أحدهما فان النبي صلى الله عليه وسلم ولى ابن اللتبية فقدم بصدقته على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هذا لكم وهذا أهدي لي " وقال لقبيصة " أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها " وأمر معاذا أن يأخذ الصدقة من أغنيائهم فيردها في فقرائهم ويروى أن زيادا ولى عمران بن حصين الصدقة فلما جاء قيل له أين المال؟ قال أو للمال بعثتني. أخذناها كما كنا نأخذها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضعناها حيث كنا نضعها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود. وعن أبي جحيفة قال: أتانا مصدق النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ الصدقة من أغنيائنا فوضعها في فقرائنا وكنت غلاما يتيما فأعطاني منها قلوصا. أخرجه الترمذي * (مسألة) * (الرابع: المؤلفة قلوبهم وهم السادة المطاعون في عشائرهم ممن يرجى إسلامه أو يخشى شره أو يرجى بعطيته قوة ايمانه أو اسلام نظيره أو جباية الزكاة ممن لا يعطيها أو الدفع عن المسلمين وعنه ان حكمهم انقطع)

[ 697 ]

المؤلفة قلوبهم قسمان: كفار ومسلمون، وهم جميعا السادة المطاعون في عشائرهم كما ذكرنا. فالكفار ضربان (أحدهما) من يرجى إسلامه فيعطى لتقوى نيته في الاسلام وتميل نفسه إليه فيسلم فان النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة أعطى صفوان بن أمية الامان واستصبره صفوان أربعة أشهر لينظر في أمره وخرج معه إلى حنين، فلما أعطي النبي صلى الله عليه وسلم العطايا قال صفوان: مالي؟ فأومأ النبي صلى الله عليه وسلم إلى واد فيه إبل محملة فقال " هذا لك " فقال صفوان هذا عطاء من لا يخشى الفقر (والضرب الثاني) من يخشى شره فيرجى بعطيته كف شره وكف شر غيره معه. فروى ابن عباس أن قوما كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فان أعطاهم مدحوا الاسلام وقالوا هذا دين حسن، وإن منعهم ذموا وعابوا. وقال أبو حنيفة: انقطع سهم هؤلاء، وهو أحد أقوال الشافعي لما روي أن مشركا جاء يلتمس من عمر مالا فلم يعطه وقال: من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ولانه لم ينقل عن عثمان ولا علي أنهم أعطوهم شيئا من ذلك، ولان الله تعالى أظهر الاسلام وقمع المشركين فلا حاجة بنا إلى التأليف عليه ولنا قول الله تعالى (والمؤلفة قلوبهم) وهذه الآية في سورة براءة وهي من آخر ما نزل من القرآن وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى المؤلفة من المشركين والمسلمين وأعطى أبو بكر رضي الله عنه عدي بن حاتم حين قدم عليه من الصدقة بثلثمائة حمل ثلاثين بعيرا، ومخالفة كتاب الله تعالى وسنة رسوله واطزاحها بلا حجة لا يجوز، ولا يثبت النسخ بترك عمر وعثمان وعلي أعطاءهم، ولعلهم لم يحتاجوا لهم فتركوا ذلك لعدم الحاجة إلى اعطائهم لا لسقوط سهمهم ومثل هذا لا يثبت به النسخ والله أعلم وأما المسلمون فأربعة أضرب: (قوم) من سادات المسلمين لهم نظراء من الكفار، أو من المسلمين الذين لهم نية حسنة في الاسلام، فإذا أعطوا رجي اسلام نظرائهم وحسن نياتهم فيجوز اعطاؤهم لان أبا بكر رضي الله عنه أعطى عدي بن حاتم والزبرقان بن بدر مع حسن نياتهما واسلامهما (الضرب الثاني) سادات مطاعون في قومهم يرجى بعطيتهم قوة ايمانهم ومناصحتهم في الجهاد فيعطون لان النبي صلى الله عليه وسلم أعطى عيينة بن حصن والاقرع بن حابس وعلقمة بن علاثة والطلقاء من أهل مكة وقال للانصار: " يا معشر الانصار على ما تأسون؟ على لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما لا إيمان لهم وكلتكم إلى إيمانكم " وروى البخاري عن عمرو بن تغلب أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى ناسا وترك ناسا، فبلغه عن الذين ترك أنهم عتبوا فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال " اني أعطي ناسا لما في قلوبهم من الجزع

[ 698 ]

والهلع، وأكل ناسا إلى ما في قلوبهم من الغنى والخير منهم عمرو بن تغلب " وعن أنس قال: حين أفاء الله على رسوله أموال هوازن طفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي رجالا من قريش مائة من الابل، فقال ناس من الانصار: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشا ويمنعنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اني اعطي رجالا حديث عهد بكفر أتألفهم " متفق عليه (الضرب الثالث) قوم في طرف بلاد الاسلام إذا أعطوا دفعوا عمن يليهم من المسلمين (الضرب الرابع) قوم إذا أعطوا جبوا الزكاة ممن لا يعطيها إلا أن يخاف فكل هؤلاء يجوز الدفع إليهم من الزكاة لانهم من المؤلفة قلوبهم فيدخلون في عموم الآية، وحكى حنبل عن احمد أنه قال: المؤلفة قد انقطع حكمهم اليوم والمذهب الاول لما ذكرنا، ولعل معنى قول احمد انقطع حكمهم أنه لا يحتاج إليهم في الغالب، أو أن الائمة لا يعطونهم اليوم شيئا لعدم الحاجة إليهم، فانهم انما يجوز اعطاؤهم عند الحاجة إليهم والله سبحانه أعلم (فصل) الخامس الرقاب وهم المكاتبون لا نعلم خلافا بين أهل العلم في ثبوت سهم الرقاب، ولا يختلف المذهب في أن المكاتبين من الرقاب يجوز صرف الزكاة إليهم وهو قول الجمهور. وقال مالك: انما يصرف سهم الرقاب في اعتاق العبيد ولا يعجبنى أن يعان منها مكاتب، وقوله مخالف لظاهر الآية لان المكاتب من الرقاب لانه عبد واللفظ عام فيدخل في عمومه. إذا ثبت ذلك فانه انما يدفع إليه إذا لم يكن معه ما يقضي به كتابته ولا يدفع إلى من معه وفاء كتابته شئ لانه مستغن عنه في وفاء الكتابة، فان كان معه بعض الكتابة تمم له وفاء كتابته لان حاجته لا تندفع إلا بذلك، وإن لم يكن معه شئ أعطي جميع ما يحتاج إليه لوفاء الكتابة لما ذكرنا، ولا يعطى بحكم الفقر شيئا لانه عبد ويجوز اعطاؤه قبل حلول كتابته لئلا يحل النجم ولا شئ معه فتفسخ الكتابة ولا يدفع إلى مكاتب كافر شئ لانه ليس من مصارف الزكاة * (مسألة) * (ويجوز أن يشتري بها أسيرا مسلما نص عليه) لانه فك رقبة من الاسر فهو كفك رقبة العبد من الرق، ولان فيه اعزازا للدين فهو كصرفه إلى المؤلفة قلوبهم، ولانه يدفعه إلى الاسير في فك رقبته أشبه ما يدفعه إلى الغارم لفك رقبته من الدين * (مسألة) * (وهل يجوز أن يشتري بها رقبة يعتقها؟ على روايتين)

[ 699 ]

اختلفت الرواية عن احمد رحمه الله في جواز الاعتاق من الزكاة فروي عنه جواز ذلك وهو قول ابن عباس والحسن والزهري ومالك واسحق وأبي عبيد والعنبري وأبي ثور لعموم قوله تعالى (وفي الرقاب) وهو متناول للقن، بل هو ظاهر فيه فان الرقبة تنصرف إليه إذا أطلقت كقوله تعالى (فتحرير رقبة) وتقدير الآية وفي اعتاق الرقاب، ولانه اعتاق للرقبة فجاز صرف الزكاة فيه كدفعه في الكتابة (والثانية) لا يجوز وهو قول ابراهيم والشافعي لان الآية تقتضي صرف الزكاة إلى الرقاب كقوله (في سبيل الله) يرد الدفع إلى المجاهدين كذلك ههنا، والعبد القن لا يدفع إليه شئ. قال احمد في رواية أبي طالب قد كنت أقول: يعتق من زكاته ولكن أهابه اليوم لانه يجر الولاء، وفي موضع آخر قبل له فما يعجبك من ذلك؟ قال يعين في ثمنها فهو أسلم، وقد روي نحو هذا عن النخعي وسعيد بن جبير فانهما قالا: لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة لكن يعطي منها في رقبة ويعين مكاتبا، وبه قال أبو حنيفة وصاحباه: لانه إذا أعتق من زكاته انتفع بالولاء من أعتقه فكأنه صرف الزكاة إلى نفسه وأخذ ابن عقيل من هذه الرواية أن احمد رجع عن القول بالاعتاق من الزكاة، وهذا والله أعلم انما كان على سبيل الورع من احمد فلا يقتضي رجوعا لان العلة التي علل بها جر الولاء ومذهبه في احدى الروايتين عنه انما رجع من الولاء رد في مثله فلا ينتفع إذا باعتاقه من الزكاة (فصل) ولا يجوز أن يشتري من زكاته من يعتق عليه بالرحم، فان فعل عتق عليه ولم تسقط عنه الزكاة. وقال الحسن. لا بأس أن يعتق أباه من الزكاة لان دفع الزكاة لم يكن إلى أبيه، وانما دفع الثمن إلى البائع ولنا أن نفع زكاته عاد إلى أبيه فلم يجز كما لو دفعها إليه، ولان عتقه حصل بنفس الشراء مجازاة وصلة للرحم فلم يجز أن يحسب له من الزكاة كنفقة أقاربه، ولو أعتق عبده المملوك له عن زكاته لم يجزئه لان اداء الزكاة عن كل مال من جنسه والعبد ليس من جنس ما تجب الزكاة فيه، وكذلك لو أعتق عبدا من عبيد التجارة لم يجز لان الزكاة تجب في قيمتهم لا في عينهم * (مسألة) * (السادس الغارمون وهم المدينون وهم ضربان: (ضرب) غرم لاصلاح ذات البين، (وضرب) غرم لاصلاح نفسه في مباح) الغارمون ضربان (أحدهما) الغارمون لاصلاح نفوسهم ولا خلاف في استحقاقهم وثبوت سهمهم في الزكاة، وأن المدينين العاجزين عن وفاء ديونهم منهم، لكن من غرم في معصية مثل أن يشتري خمرا، أو يصرفه في زنا، أو قمار، أو غناء، أو نحوه لم يدفع إليه قبل التوبة شئ لانه اعانة له على

[ 700 ]

المعصية وسنذكر ذلك، ولا يدفع إلى غارم كافر لانه ليس من أهل الزكاة، ولذلك لم يدفع إلى فقيرهم ومكاتبهم. وإن كان من ذوي القربى فقال أصحابنا: يجوز الدفع إليه لان علة منعه من الاخذ منها لفقره صيانته عن أكلها لكونها أوساخ الناس، وإذا أخذها للغرم صرفه إلى الغرماء فلا يناله دناءة وسخها. قال شيخنا: ويحتمل أن لا يجوز لعموم النصوص في منعهم من أخذها وكونها لا تحل لهم، ولان دناءة أخذها تحصل سواء أكلها أو لم يأكلها، ولا يدفع إلى غارم له ما يقضي به دينه لان الدفع إليه لحاجته وهو مستغن عنها (الضرب الثاني) من غرم لاصلاح ذات البين وهو أن يقع بين الحيين أو أهل القريتين عداوة وضغائن يتلف بها نفس أو مال ويتوقف صلحهم عمن يتحمل ذلك فيسعى انسان في الاصلاح بينهم ويتحمل الدماء التي بينهم والاموال فيسمى ذلك حمالة بفتح الحاء وكانت العرب تعرف ذلك فكان الرجل منهم يتحمل الحمالة ثم يخرج في القبائل فيسأل حتى يؤديها فورد الشرع باباحة المسألة فيها وجعل لهم نصيبا من الصدقة، فروى مسلم باسناده عن قبيصة ابن المخارق قال: تحملت حمالة فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وسألته فيها فقال " أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها " ثم قال " يا قبيصة إن الصدقة لا تحل إلا لثلاثة: رجل تحمل حمالة فيسأل فيها حتى يؤديها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب سدادا من عيش، أو قواما من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يشهد ثلاثة من ذوي الجحى من قومه لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب سدادا من عيش أو قواما من عيش وما سوى ذلك فهو سحت يأكلها صاحبها سحتا يوم القيامة " وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة " ذكر منهم الغارم * (مسألة) * (السابع في سبيل الله وهم الغزاة الذين لا ديوان لهم) هذا الصنف السابع من أصناف الزكاة ولا خلاف في استحقاقهم وبقاء حكمهم، ولا خلاف في أنهم الغزاة لان سبيل الله عند الاطلاق هو الغزو (1) وقال الله تعال (وقاتلوا في سبيل الله) وقال (ويجاهدون


" 1 " هذا غير صحيح بل سبيل الله هو الطريق الموصل إلى مرضاته وجنته وهو الاسلام في جملته وآيات الانفاق في سبيل الله تشمل جميع أنواع النفقة المشروعة. وماذا يقول في آيات الصد والاضلال عن سبيل الله والهجرة في سبيل الله بل لا يصح أن يفسر سبيل الله في آيات القتال نفسها بالغزو لان القتال هو الغزو وانما يكون في سبيل الله إذا أريد به أن يكون كلمة الله هي العليا ودينه هو المتبع، فسبيل الله في الآية يعم الغزو الشرعي وغيره من مصالح الاسلام بحسب لفظه العربي ويحتاج التخصيص إلى دليل صحيح. وكتبه محمد رشيد رضا

[ 701 ]

في سبيله) (1) وقال (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا) ذكر ذلك في غير موضع من كتابه العزيز (فصل) وانما يستحق هذا السهم الغزاة الذين لا ديوان لهم وانما يتطوعون بالغزو إذا نشطوا. قال احمد: يعطي ثمن الفرس ولا يتولى مخرج الزكاة شراء الفرس بنفسه لان الواجب إيتاء الزكاة، فان اشتراها بنفسه فما أعطى إلا فرسا، وكذلك الحكم في شراء السلاح والمؤنة. وقال في موضع آخر إن دفع ثمن الفرس وثمن السيف فهو أعجب إلي، وإن اشتراه هو رجوت أن يجزئه. وقال أيضا: يشتري الرجل من زكاته الفرس ويحمل عليه والقناة ويجهز الرجل، وذلك لانه قد صرف الزكاة في سبيل الله فجاز كما لو دفعها إلى الغازي فاشترى بها وقال: ولا يشتري من الزكاة فرسا يصير حبيسا في سبيل الله ولا دارا ولا ضيعة يصيرها للرباط ولا يقفها على المجاهدين لانه لم يؤت الزكاة لاحد وهو مأمور بايتائها. قال: ولا يغزو الرجل على الفرس الذي أخرجه من زكاة ماله لانه لا يجوز أن يجعل نفسه مصرفا لزكاته كما لا يجوز أن يقضي بها دينه، ومتى أخذ الفرس الذي اشتريت بماله صار هو مصرفا لزكاته * (مسألة) * (ولا يعطى منها في الحج وعنه يعطي الفقير قدر ما يحج به الفرض أو يستعين به فيه) اختلف الرواية عن احمد رحمه الله في ذلك، فروي عنه أنه لا يصرف منها في الحج، وبه قال مالك وأبو حنيفة والثوري والشافعي وأبو ثور وابن المنذر وهي أصح لان سبيل الله عند الاطلاق انما ينصرف إلى الجهاد، فان كل ما في القرآن من ذكر سبيل الله انما أريد به الجهاد إلا اليسير فيجب أن يحمل ما في آية الزكاة على ذلك لان الظاهر ارادته به، ولان الزكاة انما تصرف إلى أحد رجلين محتاج إليها كالفقراء والمساكين وفي الرقاب والغارمين لقضاء ديونهم، أو من يحتاج إليه المسلمون كالعامل والغازي والمؤلف والغارم لاصلاح ذات البين، والحج للفقير لا نفع للمسلمين فيه ولا حاجة بهم إليه ولا حاجة به أيضا لان الفقير لا فرض عليه فيسقطه، ولا مصلحة له في إيجابه عليه وتكليفه مشقة قد رفهه الله منها وخفف عنه إيحابها، وتوفير هذا القدر على ذوي الحاجة من سائر الاصناف، أو دفعه في مصالح المسلمين أولى


" 1 " هذا اللفظ لا يوجد في القرآن وانما يوجد فيه (يجاهدون في سبيل الله) وهو في سورة المائدة الآية 57 وفيها أيضا " وجاهدوا في سبيله " وهي الآية 38

[ 702 ]

وروي عنه أن الفقير يعطى قدر ما يحج به الفرض أو يستعين به فيه، يروى اعطاء الزكاة في الحج عن ابن عباس وعن ابن عمر الحج من سبيل الله وهو قول اسحاق لما روي ان رجلا جعل ناقة له في سبيل الله فأرادت امرأته الحج فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم " اركبيها فان الحج من سبيل الله " (1) رواه أبو داود بمعناه والاول أولى، وأما الخبر فلا يمتنع أن يكون الحج من سبيل الله والمراد بالآية غيره لما ذكرنا (فصل) فإذا قلنا يدفع في الحج منها فلا يعطى إلا بشرطين أحدهما أن يكون ممن ليس له ما يحج به سواها لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي " وقال " لا تحل الصدقة إلا لخمسة " ولم يذكر الحاج فيهم ولانه يأخذ لحاجته لا لحاجة المسلمين إليه فاعتبرت فيه الحاجة كمن يأخذ لفقره. الثاني أن يأخذ لحجة الفرض وكذلك ذكره أبو الخطاب لانه يحتاج إلى اسقاط فرضه وابراء ذمته، أما التطوع فله عنه مندوحة. وقال القاضي ظاهر كلام أحمد جوازه في الفرض والنفل معا وهو ظاهر قول الخرقي لان الكل من سبيل الله ولان الفقير لا فرض عليه فالفرض منه كالتطوع فعلى هذا يجوز أن يدفع ما يحج به حجة كاملة وما يعينه في حجه، ولا يجوز أن يحج من زكاة نفسه كما لا يجوز أن يغزو بها * (مسألة) * (الثامن ابن السبيل وهو المسافر المنقطع به دون المنشئ للسفر من بلده) ابن السبيل هو الصنف الثامن من أصناف الزكاة ولا خلاف في استحقاقه وبقاء سهمه وهو المسافر الذي ليس له ما يرجع به إلى بلده وإن كان يسار في بلده فيعطى ما يرجع به إلى بلده، وهذا قول قتادة ونحوه قول مالك وأصحاب الرأي. وقال الشافعي هو المجتاز، ومن يريد انشاء السفر إلى بلد أيضا فيدفع اليهما ما يحتاجان إليه لذهابهما وعودهما لانه يريد السفر لغير معصية فأشبه المجتاز ولنا ان السبيل هو الطريق وابن السبيل الملازم للطريق الكائن فيها كما يقال ولد الليل للذي يكثر الخروج فيه والقاطن في بلده ليس في طريق ولا يثبت له حكم الكائن فيها ولهذا لا يثبت له حكم السفر بعزمه عليه دون فعله ولانه لا يفهم من ابن السبيل إلا الغريب دون من هو في وطنه ومنزله وإن انتهت به الحاجة منتهاها فوجب أن يحمل المذكور في الآية على الغريب دون غيره وانما يعطى وله اليسار في بلده لانه عاجز عن الوصول إليه والانتفاع به فهو كالمعدوم في حقه، فان كان ابن السبيل فقيرا في بلده أعطي لفقره، وكونه ابن سبيل لوجود الامرين فيه، ويعطى لكونه ابن سبيل قدر ما يوصله إلى بلده لان الدفع إليه للحاجة إلى ذلك فيقدر بقدرها (فصل) وان كان ابن السبيل مجتازا يريد بلدا غير بلده فقال أصحابنا يدفع إليه ما يكفيه في مضيه إلى مقصده ورجوعه إلى بلده لان فيه اعانة على السفر المباح وبلوغ الغرض الصحيح، لكن


" 1 " الحج من سبيل الله قطعا ولكن المتبادر من جعل قسم من الزكاة في سبيل الله انه ما يكون في مصالح الاسلام العامة كتأمين طريق الحج وتسهيله مثلا وليس منه اعطاء الفقير ما يحج به فان الفقير انما يعطى لفقره ما يدفع به حاجته وحاجة من يمونه وهو لا يدخل في عموم كلمة سبيل الله. وكتبه محمد رشيد رضا

[ 703 ]

يشترط كون السفر مباحا إما قربة كالحج والجهاد وزيارة الوالدين أو مباحا كطلب المعاش وطلب التجارات، وأما المعصية فلا يجوز الدفع إليه فيها لانه اعانة عليها فهو كفعلها فان وسيلة الشئ جارية مجراه، وان كان السفر للنزهة ففيه وجهان: أحدهما يدفع إليه لانه غير معصية. والثاني لا يدفع إليه لانه لا حاجة به إلى هذا السفر. قال شيخنا ويقوى عندي انه لا يجوز الدفع للسفر إلى غير بلده لانه لو جاز ذلك لجاز للمنشئ للسفر من بلده ولان هذا السفر إن كان لجهاد فهو يأخذ له من سهم سبيل الله وان كان حجا فغيره أهم منه، وإذا لم يجز الدفع في هذين ففي غيرهما أولى، وانما ورد الشرع بالدفع إليه لرجوعه إلى بلده لانه أمر تدعو حاجته إليه ولا غناء به عنه فلا يجوز إلحاق غيره به لانه ليس في معناه فلا يصح قياسه عليه ولانه لا نص فيه فلا يثبت جوازه لعدم النص والقياس * (مسألة) * (ويعطى الفقير والمسكين ما يغنيهما) لان الدفع اليهما للحاجة فيقدر بقدرها فان قلنا ان الغنى هو ما تحصل به الكفاية أعطي ما يكفيه في حول كامل لان الحول يتكرر وجوب الزكاة بتكرره فينبغي أن يأخذ ما يكفيه إلى مثله ويعتبر وجود الكفاية له ولعائلته ومن يمونه لان كل واحد منهم مقصود دفع حاجته فيعتبر له ما يعتبر للمنفرد. وان قلنا ان الغنى يحصل بخمسين درهما جاز أن يأخذ له ولعائلته حتى يصير لكل واحد منهم خمسون قال أحمد في رواية أبى داود فيمن يعطى الزكاة وله عيال يعطي كل واحد من عياله خمسين خمسين * (مسألة) * (ويعطى العامل قدر أجرته) لان الذي يأخذه بسبب العمل فوجب أن يكون بمقداره (والمؤلف ما يحصل به التأليف لانه المقصود) " مسألة " (والغارم والمكاتب ما يقضيان به دينهما) لان حاجتهما انما تندفع بذلك " مسألة " (والغازي ما يحتاج إليه لغزوه وإن كثر) فيدفع إليه قدر كفايته وشراء السلاح والفرس ان كان فارسا وحمولته ودرعه وسائر ما يحتاج إليه لغزوه وان كثر لان الغزو انما يحصل بذلك، ومتى ادعى انه يريد الغزو قبل قوله لانه لا يمكن اقامة البينة على نيته ويدفع إليه دفعا مراعى، فان لم يغز رده لانه أخذه لذلك، وان مضى إلى الغزو فرجع من الطريق أو لم يتم الغزو الذي دفع إليه من أجله رد ما فضل معه لان الذي أخذ لاجله لم يفعله كله " مسألة " (ولا يزاد أحد منهم على ذلك لما ذكرنا) ولان الدفع لحاجة فوجب أن يتقيد بها، وان اجتمع في واحد سببان كالغارم الفقير دفع إليه لهما لان كل واحد منهما سبب للاخذ فوجب أن يثبت حكمه حيث وجد

[ 704 ]

" مسألة " (ومن كان ذا عيال أخذ ما يكفيهم لما ذكرنا) " مسألة " (ولا يعطي أحد منهم مع الغنى إلا أربعة: العامل والمؤلف والغارم لاصلاح ذات البين والغازي) يجوز للعامل الاخذ مع الغنى بغير خلاف علمناه لانه يأخذ أجر عمله ولان الله تعالى جعل العامل صنفا غير الفقراء والمساكين فلا يشترط وجود معناهما فيه كما لا يشترط وجود معناه فيهما، وكذلك المؤلف يعطى مع الغنى لظاهر الآية ولانه يأخذ لحاجتنا إليه أشبه العامل ولانهم انما أعطوا لاجل التأليف وذلك يوجد مع الغنى. والغارم لاصلاح ذات البين والغازي يجوز الدفع إليهم مع الغنى وبهذا قال مالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وابن المنذر. وقال أبو حنيفة وصاحباه لا يدفع إلا إلى الفقير لعموم قوله عليه السلام " أعلمهم ان عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم " فظاهر هذا انها كلها ترد في الفقراء. ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا تحل الصدقة إلا لخمسة. لغاز في سبيل الله أو لغارم " وذكر بقيتهم، ولان الله تعالى جعل الفقراء والمساكين صنفين وعد بعدهما ستة أصناف لم يشترط فيهم الفقر فيجوز لهم الاخذ مع الغنى بظاهر الآية ولان هذا يأخذ لحاجتنا إليه أشبه العامل والمؤلف ولان الغارم لاصلاح ذات البين انما يوثق بضمانه ويقبل إذا كان مليئا ولا ملاءة مع الفقر، فان أدى الغرم من ماله لم يكن له الاخذ من الزكاة لانه لم يبق غارما، وإن استدان وأداها جاز له الاخذ لبقاء الغرم (فصل) وخمسة لا يأخذون إلا مع الحاجة وهم الفقراء والمساكين والمكاتب والغارم لمصلحة نفسه في مباح وابن السبيل لانهم يأخذون لحاجتهم لا لحاجتنا إليهم إلا أن ابن السبيل انما تعتبر حاجته في مكانه وان كان له مال في بلده لانه الآن كالمعدوم، وإذا كان الرجل غنيا وعليه دين لمصلحة لا يطيق قضاءه جاز أن يدفع إليه ما يتم به قضاءه مع ما زاد عن حد الغنى، فإذا قلنا الغنى يحصل بخمسين درهما وله مائة وعليه مائة جاز أن يعطى خمسين ليتم قضاء المائة من غير أن ينقص غناؤه. قال أحمد لا يعطى من عنده خمسون درهما أو حسابها من الذهب إلا مدينا فيعطى دينه، ومتى أمكنه قضاء الدين من غير نقص من الغنى لم يعط شيئا، وان قلنا ان الغنى لا يحصل إلا بالكفاية وكان عليه دين إذا قضاه لم يبق له ما يكفيه أعطي ما يتم به قضاء دينه بحيث يبقى له قدر كفايته بعد قضاء الدين على ما ذكرنا، وان قدر على قضائه مع بقاء الكفاية لم يدفع إليه شئ. وقد روي عن أحمد انه قال إذا كان له مائتان وعليه مثلها لا يعطى من الزكاة لان الغنى خمسون درهما وهذا يدل على انه اعتبر في الدفع إلى الغارم كونه فقيرا، وإذا أعطي للغرم وجب صرفه إلى قضاء الدين، وان أعطي للفقر جاز أن يقضي به دينه

[ 705 ]

(فصل) وإذا أراد الرجل دفع زكاته إلى الغارم فله أن يسلمها إليه ليدفعها إلى غريمه فان دفعها إلى الغريم قضاء الدين ففيه عن أحمد روايتان: احداهما يجوز ذلك نص عليه أحمد في ما نقل عنه أبو الحرث قال قلت لاحمد رجل عليه ألف وكان على رجل زكاة ماله ألف فأداها عن هذا الذي عليه الدين يجوز هذا من زكاته؟ قال نعم ما أرى بذلك بأسا لانه دفع الزكاة في قضاء دين المدين أشبه ما لو دفعها إليه فقضى بها دينه. والثانية لا يجوز، قال أحمد أحب الي أن يدفعه إليه حتى يقضي هو عن نفسه، قيل هو محتاج يخاف أن يدفعه إليه فيأكله ولا يقضي دينه قال فقل له يوكله حتى يقضيه. وظاهر هذا انه لا يدفعها إلى الغريم الا بوكالة الغارم لان الدين انما هو على الغارم فلا يصح قضاؤه الا بتوكيله، ويحتمل أن يحمل هذا على الاستحباب ويكون قضاؤه عنه جائزا، وان كان دافع الزكاة الامام جاز أن يقضيها عنه من غير توكيله لان للامام ولاية عليه في ايفاء الدين ولهذا يجبره عليه إذا امتنع منه " مسألة " (وان فضل مع المكاتب والغارم والغازي وابن السبيل شئ بعد حاجتهم لزمهم رده والباقون يأخذون أخذا مسنقرا فلا يردون شيئا، وظاهر كلام الخرقي ان المكاتب يأخذ أخذا مستقرا) أصناف الزكاة قسمان: قسم يأخذون أخذا مستقرا فلا يراعى حالهم بعد الدفع وهم الفقراء والمساكين والعاملون والمؤلفة فمتى أخذوها ملكوها ملكا مستقرا لا يجب عليهم ردها بحال. وقسم يأخذون أخذا مراعى وهم أربعة المكاتبون والغارمون والغراة وابن السبيل فان صرفوه في الجهة التي استحقوا لاخذ لاجلها والا استرجع منهم، والفرق بين هذا القسم والذي قبله ان هؤلاء أخذوا لمعنى لم يحصل بأخذهم للزكاة، والقسم الاول صحل المقصود بأخذهم وهو غنى الفقراء والمساكين وتأليف المؤلفين وأداء أجر العاملين، وان قضى المذكورون في القسم الثاني حاجتهم وفضل معهم فضل ردوا الفضل لانهم أخذوه للحاجة وقد زالت، وذكر الخرقي في غير هذا الباب ان الغازي إذا فضل معه شئ بعد غزوه فهو له لاننا دفعنا إليه قدر الكفاية وانما ضيق على نفسه. وظاهر قول الخرقي في المكاتب انه يأخذ أخذا مستقرا فلا يرد ما فضل لانه قال وإذا عجز المكاتب ورد في الرق وكان قد تصدق عليه بشئ فهو لسيده ونص عليه أحمد في رواية المروذي والكوسج ونقل عنه حنبل إذا عجز يرد ما في يديه في المكاتبين. وقال أبو بكر عبد العزيز إن كان باقيا بعينه استرجع منه لانه انما دفع إليه ليعتق به ولم يقع. وقال القاضي كلام الخرقي محمول على ان الذي بقي في يده لم يكن عين الزكاة وانما نصرف فيها وحصل عوضها وفائدتها، ولو تلف المال الذي في يد هؤلاء بغير تفريط لم يرجع عليهم بشئ

[ 706 ]

* (مسألة) * (وإن ادعى الفقر من عرف بالغنى لم يقبل قوله إلا ببينة) لقول النبي صلى الله عليه وسلم " أن المسألة لا تحل لاحد إلا لثلاثة: رجل أصحابته فاقه حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحجى من قومه لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، أو سدادا من عيش " رواه مسلم، ولان الاصل بقاء الغنى فلم يقبل قوله بمجرده فيما يخالف الاصل، وهل يعتبر في البينة على الفقر ثلاثة أو يكتفي باثنين فيه وجهان (أحدهما) لا يكتفي إلا بثلاثة لظاهر الخبر (والثاني) يقبل اثنين لان قولهما يقبل في الفقر بالنسبة في حقوق الآدميين المبنية على الشح والضيق ففي حق الله تعالى أولى والخبر انما ورد في حل المسألة فيقتصر عليه * (مسألة) * (وإن ادعى أنه مكاتب، أو غارم، أو ابن سبيل لم يقبل قوله إلا ببينة) لان الاصل عدم ما يدعيه وبراءة الذمة، فان كان يدعي الغرم من جهة اصلاح ذات البين فالامر فيه ظاهر لا يكاد يخفى ويكفى اشتهار ذلك فان خفي لم يقبل إلا بينة * (مسألة) * (فان صدق المكاتب سيده أو الغارم غريمه فعلى وجهين) (أحدهما) يقبل لان الحق في العبد لسيده، فإذا أقر بانتقال حقه عنه قبل، ولان الغريم إذا صدق الغارم قبت عليه ما أقر به (والثاني) لا يقبل لانه متهم في أن يواطئه ليأخذ المال به * (مسألة) * (وإن ادعى الفقر من لم يعرف بالغنى قبل قوله لان الاصل عدم الغنى) فان رآه جلدا وذكر أنه لا كسب له أعطاه من غير يمين بعد أن يخبره أنه لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب. إذا كان الرجل صحيحا جلدا وذكر أنه لا كسب له أعطى من الزكاة وقبل قوله بغير يمين إذا لم يعلم كذبه لان النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الرجلين الذين سألاه ولم يحلفهما، وفي بعض رواياته أنه قال: أتينا النبي صلى الله عليه وسلم فسألناه من الصدقة فصعد فينا النظر فرآنا جلدين فقال " إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب " رواه أبو داود (فصل) وإن رآه متجملا قبل قوله ايضا. لانه لا يلزم من ذلك الغنى بدليل قوله سبحانه (يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف) لكن ينبغي أن يخبره أنها زكاة لئلا يكون ممن لا تحل له، وإن رآه ظاهر المسكنة أعطاه منها ولم يحتج أن يبين له شرط جواز الاخذ، ولا أن ما يدفعه إليه زكاة. قال احمد رحمه الله وقد سئل عن الرجل يدفع زكاته إلى رجل هل يقول له هذه زكاة؟ فقال: يعطيه ويسكت ولا يقرعه فاكتفى بظاهر حاله عن السؤال * (مسألة) * (وإن ادعى أن له عيالا قلد وأعطى) ذكره القاضي وأبو الخطاب كما يقلد في دعوى حاجته، ويحتمل أن لا يقبل إلا ببينة اختاره ابن

[ 707 ]

عقيل لان الاصل عدمهم، ولا يتعذر اقامة البينة عليه وفارق ما إذا ادعى أنه لا كسب له لانه يدعي ما يوافق الاصل، ولان الاصل عدم الكسب والمال ويتعذر اقامة البينة عليه * (مسألة) * (ومن سافر أو غرم في معصية لم يدفع إليه شئ فان تاب فعلى وجهين) من غرم في معصية كالخمر والزنا والقمار والغناء ونحوه لم يدفع إليه شئ قبل التوبة لانه اعانة على المعصية، وكذلك إذا سافر في معصية فأراد الرجوع إلى بلده لا يدفع إليه شئ قبل التوبة لما ذكرنا، فان تاب من المعصية فقال القاضي وابن عقيل: يدفع إليه لان بقاء الدين في الذمة ليس من المعصية بل يجب تفريغها والاعانة على الواجب قربة لا معصية فأشبه من أتلف ماله في المعاصي حتى افتقر فانه يدفع إليه من سهم الفقراء (والوجه الثاني) لا يدفع إليه لانه استدانه للمعصية فلم يدفع إليه كما لو لم يتب ولانه لا يؤمن أن يعود إلى الاستدانة للمعاصي ثقة منه بأن دينه يقضى بخلاف من أتلف في المعاصي فانه يعطى لفقره لا لمعصيته، وكذلك من سافر إلى معصية ثم تاب أو أراد الرجوع إلى بلده يجوز الدفع إليه في أحد الوجهين لان رجوعه ليس بمعصية أشبه غيره، بل ربما كان رجوعه إلى بلده تركا للمعصية واقلاعا عنها كالعاق يريد الرجوع إلى أبوية (والوجه الثاني) لا يدفع إليه لان سبب ذلك المعصية أشبه الغارم في المعصية * (مسألة) * (ويستحب صرفها في الاصناف كلها فان اقتصر على انسان واحد اجزأه، وعنه لا يجزئه إلا ثلاثة من كل صنف إلا العامل فانه يجوز أن يكون واحدا) يستحب صرف الزكاة إلى جميع الاصناف، أو إلى من أمكن منهم لانه يخرج بذلك من الخلاف ويحصل الاجزاء يقينا، فان اقتصر على انسان واحد اجزأه وهذا قول عمر وحذيفة وابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير والحسن وعطاء، واليه ذهب الثوري وأبو عبيد وأصحاب الرأي، وروي عن النخعي إن كان المال كثيرا يحتمل الاصناف قسمه عليهم، وإن كان قليلا جاز وضعه في صنف واحد وقال مالك: يتحرى موضع الحاجة منهم ويقدم الاولى فالاولى: وقال عكرمة والشافعي: يجب أن يقسم زكاة كل صنف من ماله على الموجودين من الاصناف الستة الذين سهمانهم ثابتة قسمة على السواء ثم حصة كل صنف منهم لا تصرف إلى أقل من ثلاثة أو أكثر، فان لم يجد إلا واحدا صرف حصة ذلك الصنف إليه. وروى الاثرم ذلك عن احمد اختاره أبو بكر لان الله تعالى جعل الصدقة لجميعهم وشرك بينهم فيها فلم يجز الاقتصار على بعضهم كأهل الخمس ولنا قول الله تعالى (إن تبدوا الصدقات فنعما هي، وان تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم) وقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن " اعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم " متفق

[ 708 ]

عليه، فلم يذكر في الآية والخبر إلا صنفا واحدا (1)، وأمر بني زريق بدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر وقال لقبيصة " أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها " ولو وجب صرفها إلى جميع الاصناف لم يجز صرفها إلى واحد، ولانه لا يجب صرفها إلى جميع الاصناف إذا فرقها الساعي فكذلك المالك ولانه لا يجب عليهم تعميم أهل كل صنف بها فجاز الاقتصار على واحد كما لو وصى لجماعة لا يمكن حصرهم ويخرج على هذين المعنيين الخمس فانه يجب على الامام تفريقه على جميع مستحقيه بخلاف الزكاة، وهذا الذي اخترناه هو اللائق بحكمة الشرع وحسنه، إذ غير جائز أن يكلف الله سبحانه وتعالى من وجبت عليه شاة أو صاع من البر أو نصف مثقال دفعه إلى ثمانية عشر نفسا، أو أحد وعشرين نفسا، أو أربعة وعشرين من ثمانية أصناف لكل ثلاثة منهم ثمنها، الغالب تعذر وجودهم في الاقليم العظيم، فكيف يكلف الله تعالى كل من وجبت عليه زكاة جمعهم وإعطاؤهم وهو سبحانه القائل (وما جعل عليكم في الدين من حرج) وقال (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وأظن من قال بوجوب دفعها على هذا الوجه انما يقوله بلسانه ولا يفعله، ولا يقدر على فعله، وما بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل هذا في صدقة من الصدقات، ولا أحد من خلفائه، ولا من صحابته ولا غيرهم، ولو كان هذا هو الواجب في الشريعة المطهرة لما أغفلوه ولو فعلوه مع مشقته لنقل ولما أهمل، إذ لا يجوز على أهل التواتر اهمال نقل ما تدعو الحاجة إلى نقله لاسيما من كثرة من تجب عليهم الزكاة ووجود ذلك في كل زمان في كل عصر وبلد، وهذا أمر ظاهر ان شاء الله تعالى، والآية انما سيقت لبيان من يجوز الصرف إليه لا لايجاب الصرف إلى الجميع بدليل أنه لا يجب تعميم كل صنف بها، فأما العامل فانه يجوز أن يكون واحدا لانه انما يأخذ أجر عمله فلم تجز الزيادة عليه مع الغناء عنه، ولان الرجل إذا تولى اخراجها بنفسه سقط سهم العامل لعدم الحاجة إليه، فإذا جاز تركهم بالكلية جاز الاقتصار على بعضهم بطريق الاولى (فصل) وقد ذكرنا أنه يستحب تفريقها على من أمكن من الاصناف وتعميمهم بها، فان كان المتولي لتفريقها الساعي استحب احصاء أهل السهمان من عمله حتى يكون فراغه من قبض الصدقات بعد تناهي أسمائهم وانسابهم وحاجاتهم وقدر كفاياتهم ليكون تفريقه عقيب جمع الصدقة، ويبدأ باعطاء العامل لانه يأخذ على وجه المعاوضة فكان استحقاقه أولى، ولذلك إذا عجزت الصدقة عن أجره تمم من بيت المال ولان ما يأخذه أجر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " أعطوا الاجير أجره قبل أن يجف عرقه " ثم الاهم فالاهم، وأهمهم أشدهم حاجة، ويعطى كل صنف قدر كفايته على ما ذكرنا، فان فضلت عن كفايتهم نقل الفاضل إلى أقرب البلاد إليه وإن نقصت أعطى كل انسان منهم ما يرى * (مسألة) * (ويستحب صرفها إلى أقاربه الذين لا تلزمه مؤنتهم وتفريقها فيهم على قدر حاجتهم


" 1 " لم يقل أحد من المسلمين بجواز دفع جميع الزكاة إلى الفقراء وحدهم مع وجود غيرهم من الاصناف معهم، ولا يتفق مع أصول أحد من أئمة الفقه ان يكون حديث معاذ ناسخا لآية (انما الصدقات) الخ وكذا ما بعده من الاحاديث التى يجب حملها على أحوال أو وقائع لا تنافى الآية. ولم يقل عكرمة والشافعي ولا احمد في الرواية الاخرى عنه انه يجب على من عليه صاع من زكاة الفطر ان يتكلف البحث في البلد أو القطر 24 حاصلة من ضرب 3 في 8 فيدفعه إليهم كما ذكره الشارح بعبارة كالتهكم أو التجهيل، وانما يقولون بوجوب ما اعتمد هو انه مستحب عند امكانه

[ 709 ]

إذا تولى الرجل تفريق زكاته استحب أن يبدأ بأقاربه الذين يجوز الدفع إليهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم " صدقتك على ذي القرابة صدقة وصلة " رواه الترمذي والنسائي ويخص ذوي الحاجة لانهم أحق، فان استووا في الحاحة فأولاهم أقربهم نسبا * (مسألة) * (ويجوز للسيد دفع زكاته إلى مكاتبه والى غريمه) يجوز للسيد دفع زكاته إلى مكاتبه في الصحيح من المذهب لانه صار معه في باب المعاملة كالاجنبي يجري بينهما الربا فهو كالغريم يدفع زكاته إلى غريمه، ويجوز للمكاتب ردها إلى سيد بحكم الوفاء أشبه إيفاء الغريم دينه بها. قال ابن عقيل: ويجوز دفع الزكاة إلى سيد المكاتب وفاء عن دين الكتابة وهو الاولى لانه أعجل لعتقه وأوصل إلى المقصود الذي كان الدفع من أجله لانه إذا أخذه المكاتب قد يدفعه وقد لا يدفعه: ونقل حنبل عن احمد أنه قال: قال سفيان لا تعط مكاتبا لك من الزكاة. قال وسمعت أبا عبد الله يقول: وأنا أرى مثل ذلك. قال الاثرم: وسمعت أبا عبد الله يسئل: يعطى المكاتب من الزكاة؟ قال المكاتب بمنزلة العبد وكيف يعطى، ومعناه والله أعلم لا يعطي مكاتبه من الزكاة لانه عبده وماله يرجع إليه إن عجز وإن عتق، وله ولاؤه، ولانه لا تقبل شهادته لمكاتبه ولا شهادة مكاتبه له فلم يعط من زكاته كولده، وكذلك يجوز للرجل دفع زكاته إلى غريمه لانه من جملة الغارمين فان رده إليه الغارم فله أخذه. نص عليه احمد في رواية مهنا لان الغريم قد ملكه بالاخذ أشبه ما لو وفاه من مال آخر، وإن سقط الدين عن الغريم وحسبه زكاة لم تسقط عنه الزكاة لانه مأمور بادائها وهذا اسقاط. قال مهنا: سألت أبا عبد الله عن رجل له على رجل دين برهن وليس عنده قضاؤه ولهذا الرجل زكاة مال يريد أن يفرقها على المساكين فيدفع إليه رهنه ويقول له: الدين الذي عليك هو لك: يحسبه من زكاة ماله؟ قال لا يجزئه ذلك. فقلت له فيدفع إليه زكاته، فان رده إليه قضاء من ماله له أخذه؟ قال نعم. وقال في موضع آخر: وقيل له فان أعطاه ثم رده إليه؟ قال إذا كان بحيلة فلا يعجبني، قبل له فان استقرض الذي عليه الدين دراهم فقضاه اياها ثم ردها عليه وحسبها من الزكاة قال إذا أراد بهذا احياء ماله فلا يجوز. فحصل من كلامه أن دفع الزكاة إلى الغريم جائز سواء دفعها ابتداء أو استوفى حقه ثم دفع ما استوفاه إليه، إلا أنه متى قصد بالدفع احياء ماله واستيفاء دينه لم يجز لان الزكاة لحق الله تعالى فلا يجوز صرفها إلى نفعه والله أعلم (فصل) قال رحمه الله: (ولا يجوز دفعها إلى كافر ولا عبد، ولا فقيرة لها زوج غني) قال الشيخ رحمه الله لا نعلم خلافا بين أهل العلم في أن زكاة المال لا تعطى لكافر ولا لمملوك. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن الذمي لا يعطى من زكاة الاموال شيئا، وقد قال

[ 710 ]

النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ " اعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم " فخصهم بصرفها إلى فقرائهم كما خصهم بوجوبها على أغنيائهم، ولان المملوك لا يملك ما يدفع إليه، وانما يملكه سيده فكأنه دفع إلى السيد، ولانه تجب نفقته على السيد فهو غني بغناه (فصل) إلا أن يكون الكافر مؤلفا قلبه فيجوز الدفع إليه، وكذلك إن كان عاملا على احدى الروايتين وقد ذكرنا الخلاف فيه، وكذلك العبد إذا كان عاملا يجوز أن يعطى من الزكاة أجر عمله وقد مضى ذكر ذلك (فصل) والفقيرة إذا كان لها زوج غني ينفق عليها لم يجز دفع الزكاة إليها لان الكفاية حاصلة لها بما يصلها من النفقة الواجبة فأشبهت من له عقار يستغنى بأجرته، وإن لم ينفق عليها وتعذر ذلك جاز الدفع إليها كما تعطلت منفعة العقار وقد نص احمد على هذا * (مسألة) * (ولا إلى الوالدين وإن علوا، ولا إلى الولد وإن سفل) قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الزكاة لا يجوز دفعها إلى الولدين في الحال التي يجبر الدافع إليهم على النفقة عليهم، ولان دفع زكاته إليهم تغنيهم عن نفقته ويسقطها عنه فيعود نفعها إليه فكأنه دفعها إلى نفسه فلم يجز كما لو قضى بها دينه، وأراد المصنف بالوالدين الاب والام، وقوله وإن علوا يعني آباءهما وأمهاتهما وإن ارتفعت درجتهم من الدافع، كأبوي الاب وأبوي الام من يرث منهم ومن لا يرث، وقوله ولا إلى الولد وإن سفل، يعني وإن نزلت درجته من أولاد البنين وأولاد البنات الوارث وغيره. نص عليه احمد فقال: لا يعطى الوالدين من الزكاة، ولا الولد، ولا ولد الولد، ولا الجد ولا الجدة، ولا ولد البنت، قال النبي صلى الله عليه وسلم " إن ابني هذا سيد " يعني الحسن فجعله ابنه لانه من عمودي نسبه فأشبه الوارث، ولان بينهما قرابة جزئية وبعضية بخلاف غيرهما * (مسألة) * قال (ولا إلى الزوجة) وذلك اجماع. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الرجل لا يعطي زوجته من الزكاة، وذلك لان نفقتها واجبة عليه فتستغني بها عن أخذ الزكاة، فلم يجز دفعها إليها كما لو دفعها إليها على سبيل الانفاق عليها * (مسألة) * (ولا بني هاشم ولا مواليهم) لا نعلم خلافا في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد انما هي أوساخ الناس " أخرجه مسلم، وعن أبي هريرة قال: أخذ الحسن تمرة من تمر الصدقة فقال النبي صلى الله عليه وسلم " كخ كخ " ليطرحها وقال " أما شعرت انا لا نأكل الصدقة " متفق عليه، وسواء

[ 711 ]

أعطوا من خمس الخمس أو لم يعطوا لعموم النصوص، ولان منعهم من الزكاة لشرفهم وشرفهم باق فيبقى المنع، فان أعطوا منها لغزو أو حمالة جاز ذلك ذكره شيخنا، وإن كان الهاشمي عاملا، أو غارما لم يجزئه الاخذ في أظهر الوجهين وقد ذكرنا ذلك (فصل) وحكم مواليهم حكمهم عند احمد رحمه الله. وقال أكثر أهل العلم: يجوز الدفع إليهم لانهم ليسوا بقرابة النبي صلى الله عليه وسلم فلم يمنعوا الصدقة كسائر الناس ولنا ما روى أبو رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلا من بني مخزوم على الصدقة فقال لابي رافع اصحبني كيما تصيب منها، فقال لا حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسأله، فانطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فقال " إنا لا تحل لنا الصدقة، وإن موالي القوم منهم " أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وقال حديث حسن صحيح، ولانهم ممن يرثه بنو هاشم بالتعصيب فلم يجز دفع الصدقة إليهم كبني هاشم وقولهم انهم ليسوا بقرابة، قلنا هم بمنزلة القرابة بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم " الولاء لحمة كلحمة النسب " ويثبت فيهم حكم القرابة من الارث والعقل والنفقة فلا يمتنع ثبوت حكم تحريم الصدقة فيهم (فصل) وروى الخلال باسناده عن أبي مليكة أن خالد بن سعيد بن العاص بعث إلى عائشة سفرة من صدقة فردتها وقالت: انا آل محمد لا تحل لنا الصدقة. وهذا يدل على تحريمها على أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم * (مسألة) * (ويجوز لبني هاشم الاخذ من صدقة التطوع، ووصايا الفقراء، والنذور وفي الكفارة وجهان) قال احمد رحمه الله في رواية ابن القاسم انما لا يعطون من الصدقة المفروضة فأما التطوع فلا، وعن احمد رواية أخرى أنهم يمنعون من صدقة التطوع أيضا لعموم قوله عليه السلام " انا لا تحل لنا الصدقة " والاول أظهر، فان النبي صلى الله عليه وسلم قال " المعروف كله صدقة " متفق عليه، وقال الله تعالى (فمن تصدق به فهو كفارة له) وقال تعالى (فنطرة إلي ميسرة، وأن تصدقوا خير لكم) ولا خلاف في اباحة إيصال المعروف إلى الهاشمي والعفو عنه وانظاره. وقال أخوة يوسف (وتصدق علينا) والخبر أريد به صدقة الفرض لان الطلب كان لها والالف واللام تعود إلى المعهود، وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أنه كان يشرب من سقايات بين مكة والمدينة، فقلت له أتشرب من الصدقة! فقال انما حرمت علينا الصدقة المفروضة (1)، ويجوز أن يأخذوا من الوصايا للفقراء ومن النذور لانهما تطوع فأشبه ما لو وصى لهم، وفي الكفارة وجهان (أحدهما) يجوز لانها ليست بزكاة ولا هي أوساخ الناس فأشبهت صدقة التطوع (والثاني) لا يجوز لانها واجبة لايجابه على نفسه أشبهت الزكاة


" 1 " بقي ان تعليل تحريم الصدقة عليهم بأنها من أوساخ أظهر في صدقة التطوع لما فيها من المنة بكونها اختيارية. وزكاة مال حق في النصاب. وتسمية المعروف صدقة مجاز واخوة يوسف لم تكن الصدقة محرمة عليهم. وتقدم مثل هذا في حواشي المغني

[ 712 ]

ولو أهدى المسكين مما تصدق به عليه إلى الهاشمي حل له لان النبي صلى الله عليه وسلم أكل مما تصدق به على أم عطية وقال " انها بلغت محلها " متفق عليه (فصل) وكل من حرم صدقة الفرض من الاغنياء وقرابة المتصدق ولكافر وغيرهم يجوز دفع صدقة التطوع إليهم ولهم أخذها، قال الله تعالى (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) ولم يكن الاسير يومئذ الا كافرا، وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة فقلت يا رسول الله: ان أمي قدمت علي وهي راغبة أفأصلها؟ قال " نعم صلي أمك " وكسا عمر أخا له مشركا حلة كان النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه اياها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد " ان نفقتك على أهلك صدقة، وأن ما تأكل امرأتك صدقة " متفق عليه (1) (فصل) فأما النبي صلى الله عليه وسلم فالظاهر أن الصدقة جميعها كانت محرمة عليه فرضها ونقلها لان اجتنابها كان من دلائل نبوته فلم يكن ليحل بذلك بدليل أن في حديث سلمان الفارسي أن الذي أخبره عن النبي صلى الله عليه وسلم ووصفه له قال: انه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة. وقال أبو هريرة: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتي بطعام سأل عنه، فان قيل صدقة قال لاصحابه " كلوا " ولم يأكل، وان قيل هدية ضرب بيديه وأكل معهم أخرجه البخاري. وقال في لحم تصدق به على بريرة " هو عليها صدقة وهو لينا هدية " ولان النبي صلى الله عليه وسلم كان أشرف الخلق وكان له من المغانم خمس الخمس والصفي فحرم نوعي الصدقة فرضها ونفلها، وآله دونه في الشرف ولهم خمس الخمس وحده فحرموا أحد نوعيها وهو الفرض، وقد روي عن احمد أن صدقة التطوع لم تكن محرمة عليه والصحيح الاول ان شاء الله تعالى لما ذكرنا من الادلة والله تعالى أعلم * (مسألة) * (وهل يجوز دفعها إلى سائر من تلزمه مؤنته من أقاربه أو إلى الزوج أو بني المطلب على روايتين) الاقارب غير الوالدين قسمان: من لا يرث منهم دفع الزكاة إليه سواء كان انتفاء الارث لانتفاء سببه لكونه بعيد القرابة ليس من أهل الميراث في حال أو كان لمانع مثل أن يكون محجوبا عن الميراث كالاخ المحجوب بالابن والعم المحجوب بالاخ وابنه فيجوز دفع الزكاة إليه لانه لا قرابة جزئية بينهما ولا ميراث فأشبها الاجانب. والثاني من يرث كالاخوين اللذين يرث كل واحد منهما الآخر ففيه روايتان: إحداهما يجوز لكل واحد منهما دفع زكاته إلى الاخر وهي الظاهرة عنه رواها عنه الجماعة قال في رواية إسحق بن ابراهيم واسحق بن منصور وقد سأله يعطى الاخ والاخت والخالة من الزكاة؟ قال يعطى كل القرابة إلا الابوين والولد وهذا قول أكثر أهل العلم لقول النبي صلى الله عليه وسلم " الصدقة على المسكين صدقة وهي لذي الرحم اثنتان صدقة وصلة " فلم يشترط نافلة ولا


" 1 " وحديث أسماء متفق عليه أيضا وقال سفيان بن عيينة احد رواته عند البخاري: فأنزل الله فيها (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين)

[ 713 ]

فريضة ولم يفرق بين الوارث وغيره ولانه ليس من عمودي نسبه فأشبه الاجنبي (والرواية الثانية) لا يجوز دفعها إلى الموروث وهو ظاهر قول الخرقي لان على الوارث مؤنة الموروث فإذا دفع إليه الزكاة أغناه عن مؤنته فيعود نفع زكاته إليه فلم يجز كدفعها إلى والده أو قضاء دينه بها، والحديث يحتمل صدقة التطوع فيحمل عليها. فعلى هذا إن كان أحدهما يرث الآخر ولا يرثه الآخر كالعمة مع ابن أخيها والعتيق مع معتقه فعلى الوارث منهما نفقة موروثة وليس له دفع زكاته إليه على هذه الرواية وليس على الموروث منهما نفقة وارثة ولا يمنع من دفع الزكاة إليه لانتفاء المقتضي للمنع، ولو كان أخوان لاحدهما ابن والآخر لا ولد له فعلى أبي الابن نفقة أخيه وليس له دفع زكاته إليه وللذي لا ولد له دفع زكاته إلى أخيه ولا تلزمه نفقته لانه محجوب عن ميرائه، ونحو هذا قول الثوري. فأما ذوو الارحام في الحال يرثون فيها فيجوز دفعها إليهم في ظاهر المذهب لان قرابتهم ضعيفة لا يرث بها مع عصبة ولا ذي فرض غير أحد الزوجين فلم يمنع دفع الزكاة كقرابة سائر المسلمين فان ماله بصير إليهم عند عدم الوارث (فصل) فان كان في عائلته من لا يجب عليه الانفاق عليه كيتيم أجنبي، فظاهر كلام أحمد انه لا يجوز دفع زكاته إليه لانه ينتفع بدفعها إليه لاغنائه بها عن مؤنته. والصحيح ان شاء الله جواز دفعها إليه لانه داخل في الاصناف المستحقين للزكاة ولم يرد في منعه نص ولا اجماع ولا قياس صحيح فلم يجز اخراجه عن عموم النص بغير دليل. وقد روى البخاري ان امرأة عبد الله سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن بني أخ لها أيتام في حجرها فتعطيهم زكاتها؟ قال " نعم " فان قيل فهو ينتفع بدفعها إليه قلنا قد لا ينتفع به لامكان صرفها في مصالحه التي لا يقوم بها الدافع، وان قدر الانتفاع به فانه نفع لا يسقط به واجبا عليه ولا يجتلب به مالا إليه فلم يمنع ذلك الدفع كما لو لم يكن من عائلته (فصل) ويجوز أن يعطي الانسان ذا قرابته من الزكاة لكونه غارما أو مؤلفا أو عاملا أو غارما لاصلاح ذات البين ولا يعطى لغير ذلك (فصل) وفي دفع الزكاة إلى الزوج روايتان: احداهما لا يجوز دفعها إليه اختارها أبو بكر وهو مذهب أبو حنيفة لانه أحد الزوجين فلم يجز دفع الزكاة إليه كالآخر ولانها تنتفع بدفعها إليه لانه ان كان عاجزا عن الانفاق عليها تمكن بأخذ الزكاة من الانفاق فيلزمه وان لم يكن عاجزا لكنه أيسر بها فلزمته نفقة الموسرين فينتفع بها في الحالين فلم يجز لها ذلك كما لو دفعتها في أجرة دار أو نفقة رقيقها أو بهائمها، فان قيل فيلزم على هذا الغريم فانه يجوز له دفع زكاته إلى غريمه ويلزم

[ 714 ]

الاخذ بذلك وفاء دينه، قلنا الفرق بينهما من وجهين: أحدهما لن حق الزوجة في النفقة آكد من حق الغريم بدليل ان نفقة المرأة مقدمة في مال المفلس على وفاء دينه وانها تملك أخذها من ماله بغير علمه إذا امتنع من أدائها. والثاني ان المرأة تنبسط في مال زوجها بحكم العادة ويعد مال كل واحد منهما مالا للآخر. ولهذا قال ابن مسعود في عبد سرق مرآة امرأة سيده: عبدكم سرق مالكم، ولم يقطعه وروى ذلك عن عمر. والرواية الثانية يجوز للمرأة دفع زكاتها إلى زوجها وهو مذهب الشافعي وابن المنذر وطائفة من أهل العلم لان زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت يا رسول الله انك أمرت اليوم بالصدقة وكان عندي حلي لي فأردت أن أتصدق به فزعم ابن مسعود انه هو وولده أحق من تصدقت عليهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم " صدق ابن مسعود زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم " رواه البخاري ولانه لا تجب نفقته فلم يمنع دفع الزكاة إليه كالأجنبي، وبهذا فارق الزوجة فان نفقتها واجبة عليه ولان الاصل جواز الدفع إلى الزوج لدخوله في عموم الاصناف المسمين في الزكاة وليس في المنع نص ولا اجماع وقياسه على من يثبت المنع في حقه لا يصح لوضوح الفرق بينهما فيبقى جواز الدفع ثابتا والاستدلال بهذا أقوى من الاستدلال بحديث ابن مسعود لانه في صدقة التطوع لقولها أردت أن أتصدق بحلي لي ولا تجب الصدقة بالحلي وقول النبي صلى الله عليه وسلم " زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم " والولد لا تدفع إليه الزكاة (فصل) وهل يجوز دفع الزكاة إلى بني المطلب على روايتين: احداهما ليس لهم ذلك نقلها عنه عبد الله بن أحمد وغيره لقول النبي صلى الله عليه وسلم " أنا وبنو المطلب لم نفترق في جاهلية ولا اسلام انما نحن وهم شئ واحد " وفي لفظ رواه الشافعي في مسنده " انما بنو هاشم وبنو المطلب شئ واحد " وشبك بين أصابعه ولانهم يستحقون من خمس الخمس فمنعوا من الزكاة كبني هاشم. وقد أكد ذلك ما روي ان النبي صلى الله عليه وسلم علل منعهم من الصدقة باستغنائهم عنها بخمس الخمس فقال " أليس في خمس الخمس ما يغنيكم " والرواية الثانية لهم الاخذ منها وهو قول أبي حنيفة لدخولهم في عموم الصدقات لكن خرج بنو هاشم لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ان الصدقة لا تنبغي لآل محمد " فوجب أن يختص المنع بهم ولا يصح قياسهم على بني هاشم لان بني هاشم أقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأشرف وهم آل النبي صلى الله عليه وسلم ومشاركة بني المطلب لهم في خمس الخمس ما استحقوه بمجرد القرابة بدليل ان بني عبد شمس وبنى نوفل يساوونهم في القرابة ولم يعطوا شيئا وانما شاركوهم بالنصرة أو بهما جميعا والنصرة لا تقتضي منع الزكاة

[ 715 ]

* (مسألة) * (وان دفعها إلى من لا يستحقها وهو لا يعلم ثم علم لم يجزه إلا الغني إذا ظنه فقيرا في احدي الروايتين) إذا دفع الزكاة إلى من لا يستحقها جاهلا بحاله كالعبد والكافر والهاشمي وقرابة المعطي ممن لا يجوز دفعها إليه لم يجزئه رواية واحدة لانه ليس بمستحق ولا يخفى حاله غالبا فلم يجزئه الدفع إليه كديون الآدميين. فأما ان أعطى من يظنه فقيرا فبان غنيا ففيه روايتان: احداهما يجزئه اختارها أبو بكر وهو قول الحسن وأبي عبيد وأبي حنيفة لان النبي صلى الله عليه وسلم اعطى الرجلين الجلدين وقال " إن شئتما أعطيتكما منها ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب " وقال للرجل الذي سأله من الصدقة " إن كنت من تلك الاجزاء أعطيتك حقك " ولو اعتبر حقيقة الغنى لما اكتفى بقولهم. وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " قال رجل لاتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني فأصبحوا يتحدثون: تصدق على غني، فأتي فقيل له: أما صدقتك فقد تقبلت لعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله " رواه النسائي. والرواية الثانية لا يجزيه لانه دفع الواجب إلى غير مستحقه فلم يخرج من عهدته كما لو دفعها إلى كافر أو ذي قرابة وكديون الآدميين. وهذا قول الثوري وأبي يوسف وابن المنذر، وللشافعي قولان كالروايتين والاول أولى ان شاء الله تعالى لان الفقر والغنى يعسر الاطلاع عليه والمعرفة بحقيقته قال الله تعالى: (يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم) فاكتفى بظهور الفقر ودعواه بخلاف غيره والله أعلم. (فصل) وصدقة التطوع مستحبة في جميع الاوقات لقول الله تعالى (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة) وأمر بالصدقة في آيات كثيرة وحث عليها ورغب فيها، وروى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى الله إلا طيب فان الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل " متفق عليه. وصدقة السر أفضل من العلانية لقول الله تعالى (إن تبدو الصدقات فنعما هي، وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم) وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله " ذكر منهم رجلا " تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه " متفق عليه. وروي عنه عليه الصلاة والسلام انه قال " صدقة السر تطفئ غضب الرب " رواه الترمذي * (مسألة) * (وأفضل ما تكون في شهر رمضان وأوقات الحاجات) لقول الله تعالى (أو اطعام في يوم ذي مسغبة) ولان الحسنات تضاعف في شهر رمضان وفيها

[ 716 ]

اعانة على أداء الصوم المفروض، ومن فطر صائما كان له مثل أجره. وتستحب الصدقة على ذي القرابة لقوله سبحانه (يتيما ذا مقربة) وقال النبي صلى الله عليه وسلم " الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة " وهو حديث حسن، وسألت زينب امرأة ابن مسعود رسول الله صلى الله عليه وسلم هل يسعها أن تضع صدقتها في زوجها وبني أخ لها يتامى قال " نعم لها أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة " رواه النسائي. ويستحب أن يخص بالصدقة من اشتدت حاجته لقول الله تعالى (أو مسكينا ذا متربة) * (مسألة) * (وتستحب الصدقة بالفاضل عن كفايته وكفاية من يمونه على الدوام) لقول النبي صلى الله عليه وسلم " خير الصدقة ما كان عن ظهر غني وابدأ بمن تعول " متفق عليه فان تصدق بما ينقص مؤنة من تلزمه مؤنته اثم لقول النبي صلى الله عليه وسلم " كفى بالمرء اثما أن يضيع من يقوت " وروى أبو هريرة قال: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصدقة فقام رجل فقال: يا رسول الله عندي دينار، فقال " تصدق به على نفسك " فقال عندي آخر، قال " تصدق به على ولدك " قال عندي آخر، قال " تصدق به على زوجك " قال عندي آخر، قال " تصدق به على خادمك " قال عندي آخر، قال " أنت أبصر " رواهما أبو داود، فان وافقه عياله على الايثار فهو أفضل لقوله بعالى (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) وقال النبي صلى الله عليه وسلم " أفضل الصدقة جهد من مقل إلى فقير في السر " * (مسألة) * (ومن أراد الصدقة بماله كله وهو يعلم من نفسه حسن التوكل والصبر عن المسألة فله ذلك وإن لم يثق من نفسه بذلك كره له) من أراد الصدقة بجميع ماله وكان وحده أو كان لمن يمونه كفايتهم وكان مكتسبا أو واثقا من نفسه بحسن التوكل والصبر على الفقر والتعفف عن المسألة فله ذلك لما ذكرنا من الآية والخبر في المسألة قبلها، ولما روى عمر رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق فوافق ذلك مالا عندي فقلت اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما أبقيت لاهلك " قلت أبقيت لهم مثله، فأتى أبو بكر بكل ما عنده فقال له " ما أبقيت لاهلك " قال أبقيت لهم الله ورسوله، فقلت لا أسابقك إلى شئ أبدا، فكان هذا فضيلة في حق الصديق رضي الله عنه لقوة يقينه وكمال إيمانه وكان تاجرا ذا مكسب، فانه قال حين ولي: قد علم الناس أن مكسبي لم يكن ليعجز عن مؤنة عيالي، وإن لم يوجد في المتصدق أحد هذين كره له لما روى أبو داود عن جابر بن عبد الله قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إد جاء رجل بمثل بيضة من ذهب فقال يا رسول الله: أصبت هذه من معدن خذها فهي صدقة ما أملك غيرها، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتاه من قبل ركنه الايمن فقال مثل ذلك فأعرض عنه، ثم أتاه من قبل ركنه الايسر فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم

[ 717 ]

أتاه من خلفه فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فحذفه بها فلو أصابته لعقرته أو لاوجعته، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يأتي أحدكم بما يملك فيقول هذه صدقة ثم يقعد يستكف الناس، خير الصدقة ما كان عن ظهر غني " فقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم على المعنى الذي كره الصدقة بجميع ماله وهو " أن يستكف الناس " أي يتعرض للصدقة فيأخذها ببطن كفه، يقال تكفف واستكف إذا فعل ذلك وروى النسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى رجلا ثوبين من الصدقة، ثم حث على الصدقة فطرح الرجل أحد ثوبيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألم تروا إلى هذا دخل بهيئة بذة فأعطيته ثوبين ثم قلت تصدقوا فطرح أحد ثوبيه " خذ ثوبك وانتهره، ولان الانسان إذا أخرج جميع ماله لا يأمن فتنة الفقر وشدة نزاع النفس إلى ما خرج منه فيندم فيذهب ماله ويبطل أجره ويصير كلا على الناس * (مسألة) * (ويكره لمن لا صبر له على الضيق أن ينقص نفسه من الكفاية التامة) والله أعلم * (تم طبع الجزء الثاني) * من كتاب المغني وهو الذي في أعلى الصحائف وكتاب الشرح الكبير للمقنع وهو الذي في أدناها وكان ذلك في أواخر شهر رجب من سنة 1345 ه‍ ويليه الجزء الثالث وأوله في الكتابين (كتاببهيئة بذة فأعطيته ثوبين ثم قلت تصدقوا فطرح أحد ثوبيه " خذ ثوبك وانتهره، ولان الانسان إذا أخرج جميع ماله لا يأمن فتنة الفقر وشدة نزاع النفس إلى ما خرج منه فيندم فيذهب ماله ويبطل أجره ويصير كلا على الناس * (مسألة) * (ويكره لمن لا صبر له على الضيق أن ينقص نفسه من الكفاية التامة) والله أعلم * (تم طبع الجزء الثاني) * من كتاب المغني وهو الذي في أعلى الصحائف وكتاب الشرح الكبير للمقنع وهو الذي في أدناها وكان ذلك في أواخر شهر رجب من سنة 1345 ه‍ ويليه الجزء الثالث وأوله في الكتابين (كتاب الصيام)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية