الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الشرح الكبير - عبدالرحمن بن قدامه ج 1

الشرح الكبير

عبدالرحمن بن قدامه ج 1


[ 1 ]

الشرح الكبير على متن المقنع تأليف الشيخ الامام العالم العامل شيخ الاسلام وقدوة الانام بقية السلف الكرام * (شمس الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن الشيخ الامام العالم العامل الزاهد أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي) * المتوفي سنة 682 كلاهما على مذهب امام الائمة ومحي السنة الامام * (أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني رضي الله عنه وعنهم وجزاهم عن أنفسهم وعن المسلمين أفضل الجزاء الجزء الاول دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع

[ 2 ]

(بسم الله الرحمن الرحيم * وبه نستعين) (قال الشيخ الامام العالم العامل، شيخ الاسلام، قدوة الانام، بقية السلف الكرام، شمس الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن الشيخ الامام العالم العامل الزاهد أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي قدس الله روحه، ونور ضريحه آمين انه جواد كريم) الحمد لله العلي الاعظم، الجواد الاكرم، الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم، فرض طلب العلم على عباده المؤمنين، وأمرهم به في الكتاب المبين، فقال وهو أصدق القائلين (فلولا نفر من كل فرقة

[ 3 ]

منهم طائفة ليتفقهوا في الدين) أحمده على نعم جللها، وقسم أجزلها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة لا يضل من شهد بها ولا يشقى، وكلمة أستمسك بها ومن يؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله شاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله باذنه وسراجا منيرا، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما كثيرا. هذا كتاب جمعته في شرح [ كتاب المقنع ] تأليف شيخنا الشيخ الامام العالم العلامة موفق الدين

[ 4 ]

أبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي رضي الله عنه اعتمدت في جمعه على كتابه المغني وذكرت فيه من غيره ما لم أجده فيه من الفروع والوجوه والروايات ولم أترك من كتاب المغني الا شيئا يسيرا من الادلة وعزوت من الاحاديث ما لم يعز مما أمكنني عزوه، والله المسئول أن يجعلنا ممن رسخت في العلم قدمه، وجبل على اتباع الكتاب والسنة لحمه ودمه، انه على كل شئ قدير، وهو بالاجابة جدير، وهو حسبنا ونعم الوكيل

[ 5 ]

كتاب الطهارة الطهارة في اللغة الوضاءة والنزاهة عن الاقذار وهي في الشرع رفع ما يمنع من الصلاة من حدث أو نجاسة بالماء أو رفع حكمه بالتراب أو غيره فعند اطلاق لفظ الشارع أو في كلام الفقهاء انما ينصرف إلى الوضوء الشرعي دون اللغوي. وكذلك كل ماله موضوع شرعي ولغوي كالوضوء والصلاة والصوم والحج والزكاة ونحوه انما ينصرف المطلق منه إلى الموضوع الشرعي لان الظاهر من الشارع التكلم بموضوعاته وكلام الفقهاء مبني عليه باب المياه وهي ثلاثة أقسام ماء طهور وهو الطاهر في نفسه الذي يجوز رفع الاحداث والنجاسات به والطهور بضم الطاء المصدر قاله اليزيدي وبالفتح ما ذكرناه. هو من الاسماء المتعدية مثل الغسول وقال بعض الحنفية: هو لازم بمعنى الطاهر لان العرب لا تفرق بين الفاعل والمفعول في اللزوم والتعدي

[ 6 ]

بدليل قاعد وقعود وهذا ان أريد به ان الماء مختص بالطهور كما سيأتي في موضعه ان شاء الله والا فالنزاع في هذه المسألة لفظي والا شبه قول أصحابنا لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي جعلت لي الارض مسجدا وطهورا " متفق عليه ولو أراد به الطاهر لم يكن له مزية على غيره لانه طاهر في حق غيره ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوضوء بماء البحر قال " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " ولو لم يكن الطهور متعديا بمعنى المطهر لم يكن ذلك جوابا للقوم حيث سألوه عن

[ 7 ]

التعدي إذ ليس كل طاهر مطهرا والعرب قد فرقت بين فاعل وفعول قالت فاعل لمن وجد منه مرة وفعول لمن تكرر منه فينبغي أن يفرق بينهما هاهنا وليس إلا من حيث التعدي واللزوم (مسألة) قال (وهو الباقي على أصل خلقته) وجملة ذلك ان كل صفة خلق الله عليها الماء من حرارة أو برودة أو عذوبة أو ملوحة أو غيرها سواء نزل من السماء أو نبع من الارض وبقي على أصل خلقته فهو طهور لقول الله تعالى (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) وقول النبي صلى الله عليه وسلم " اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد " رواه مسلم وروى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال في البحر " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " رواه الامام أحمد (1) وقول النبي صلى الله عليه وسلم " الماء طهور لا ينجسه شئ " (2) وهذا قول أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم إلا انه روي عن ابن عمرو انه قال في ماء البحر لا يجزي من الوضوء ولا من الجنابة والتيمم أعجب إلي منه، وروي ذلك عن عبد الله بن عمرو الاول أولى لقول الله تعالى (فلم تجدوا ماء فتيمموا) وهذا واجد للماء فلا يجوز له التيمم ولحديث جابر الذي ذكرناه في البحر، وروي عن عمرانه قال من لم يطهره ماء البحر فلا طهر له (3) ولانه ماء بقي على أصل خلقته أشبه العذب


1) وكذا ابن ماجه وابن حبان والدار قطني ورواه أحمد واصحاب السان وغيرهم من حديث أبي هريرة وحكى الترمذي تصحيحه عن البخاري وان لم يخرجه. وهذا أتم مما سيأتي في المغني 2) رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن أبى سعيد في شأن بئر بضاعة وروي عن غيره، واختلف فيه والتحقيق انه ضعيف وان المسلمين أجمعوا على ان الماء المتغير بالنجاسة نجس وتجد تفصيل الكلام عن علله في الاوطار 3) ترى في الصفحة 8 من المغنى: فلا طهره الله وهو أصح

[ 8 ]

(مسألة) قال (وما تغير بمكثه) الماء المتغير بطول المكث باق على اطلاقه قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الوضوء بالماء المتغير من غير نجاسة حلت فيه جائز سوى ابن سيرين فانه كره ذلك. ولنا انه تغير من غير مخالطة أشبه التغير عن مجاورة وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه توضأ من بئر كأن ماءه نقاعة الحناء (مسألة) قال (أو بطاهر لا يمكن صونه عنه كالطحلب وورق الشجر) وجملته ان الماء المتغير بالطحلب وورق الشجر والخز وسائر ما ينبت في الماء أو يجري عليه الماء أو تحمله الريح أو السيول من التبن والعيدان أو ما يمر عليه الماء من الكبريت والقار ونحوه أو كان في الارض التي يقف فيها الماء وكذلك ما يتغير في آنية الادم والنحاس ونحوه يعفى عن ذلك كله ولا يخرج به الماء عن اطلاقه لانه يشق التحرز منه فان أخذ شئ من ذلك وألقي في الماء كان حكمه حكم؟؟ أمكن التحرز منه على ما يأتي وكذلك ما تغير بالسمك ونحوه من دواب البحر لانه لا يمكن التحرز عنه فأشبه ما ذكرناه (مسألة) قال (أو لا يخالطه كالعود والكافور والدهن) على اختلاف أنواعه وكالعنبر إذا لم يستهلك في الماء ولم يتحلل فيه لا يخرج به الماء عن اطلاقه لانه تغير عن مجاورة أشبه مالو تروح بريح شئ إلى جانبه وفي معناه ما تغير بالقطران والزفت والشمع لان فيه دهنية يتغير بها الماء (مسألة) قال (أو ما أصله الماء كالملح البحري) لان أصله الماء فهو كالثلج والبرد فان كان

[ 9 ]

معدنيا فهو كالزعفران وكذلك الماء المتغير بالتراب لانه يرافق الماء في صفتيه أشبه الملح (مسألة) قال (أو ما تروح بريح ميتة إلى جانبه) لا نعلم في ذلك خلافا (أو سخن بالشمس) لانه سخن بطاهر فلم تكره الطهارة به كما لو سخن بالحطب، وقال الشافعي: تكره الطهارة بماء قصد تشمسه لما روي عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سخنت له ماء في الشمس فقال " لا تفعلي يا حميراء فانه يورث البرص " ولنا ما ذكرناه من القياس والحديث رواه الدار قطني وقال يرويه خالد بن اسماعيل وهو متروك الحديث وعمرو بن محمد الاعسم وهو منكر الحديث ولانه لو كره لاجل الضرر لما اختلف بقصد التشميس وعدمه (مسألة) قال (أو بطاهر) كالحطب ونحوه فلا تكره الطهارة به لا نعلم فيه خلافا إلا ما روي

[ 10 ]

عن مجاهد أنه كره الوضوء بالماء المسخن وقول الجمهور أولى لما روي عن الاسلع بن شريك رحال النبي صلى الله عليه وسلم قال أجنبت وأنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فجمعت حطبا فاحميت الماء فاغتسلت فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكره علي رواه الطبراني بمعناه ولانه صفة خلق عليها الماء أشبه مطهر يرفع الاحداث ويزيل الانجاس غير مكروه الاستعمال) لما ذكرنا (مسألة) قال (وان سخن بنجاسة فهل يكره استعمالة؟ على روايتين) الماء المسخن بالنجاسة ينقسم ثلاثة أقسام (أحدها) أن يتحقق وصولها إليه فهذا نجس ان كان يسيرا لما يأتي (الثاني) إن غلب على الظن أنها لا تصل إليه فهو طاهر بالاصل ولا يكره استعماله في أحد الوجهين اختاره الشريف أبو جعفر وابن عقيل لان احتمال وصول النجاسة إليه يبعد أشبه غير المسخن والثاني يكره لاحتمال النجاسة اختاره القاضي (الثالث) ما عدا ذلك ففيه روايتان (احداهما) يكره وهو ظاهر المذهب لاجل النجاسة (والثانية) لا يكره كالتي قبلها وكالماء إذا شك في نجاسته وهذا مذهب الشافعي وذكر أبو الخطاب في الماء المسخن بالنجاسة روايتين على الاطلاق والله أعلم (فصل) ولا يكره الوضوء والغسل بماء زمزم لما روى علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف بعرفة وهو مردوف أسامة بن زيد فذكر الحديث وفيه ثم أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا

[ 11 ]

بسجل من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ. رواه عبد الله بن أحمد في المسند عن غير أبيه وعنه يكره لقول العباس لا أحلها للمغتسل، ولانه أزال به مانعا من الصلاة أشبه مالو أزال به النجاسة والاول أولى لما ذكرنا وكونه مباركا لا يمنع الوضوء به كالماء الذي وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده فيه (فصل) إذا خالط الماء طاهر لم يغيره لم يمنع الطهارة. قال شيخنا لا نعلم فيه خلافا، وحكي عن أم هانئ والزهري في كسر بلت في ماء غيرت لونه أو لم تغيره لا يجوز الوضوء به والاول أولى لانه طاهر لم يغير صفة الماء فلم يمنع كبقية الطاهرات، وقد اغتسل النبي صلى الله عليه وسلم هو وزوجته من قصعة فيها أثر العجين. رواه النسائي (فصل) إذا وقع في الماء ماء مستعمل عفى عن يسيره. رواة اسحاق بن منصور عن أحمد، وهذا ظاهر حال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لانهم كانوا يتوضأون من الاقداح ويغتسلون من الجفان، وقد اغتسل هو وعائشة من اناء واحد تختلف أيديهما فيه كل واحد منهما يقول لصاحبه " أبق لي: ومثل هذا لا يسلم من رشاش يقع في الماء، فان كثر الواقع فيه وتفاحش منع في أحدى الروايتين. وقال أصحاب الشافعي: إن كان الاكثر المستعمل منع وإلا فلا، وقال ابن عقيل إن كان الواقع بحيث لو كان خلا غير الماء منع وإلا فلا. وما ذكرنا من الخبر وظاهر حال النبي صلى الله عليه وسلم يمنع من اعتباره بالخل لسرعة نفوذه وسرايته فيؤثر قليله في الماء والحديث دل عن العفو عن اليسير مطلقا فينبغي أن يرجع في ذلك إلى العرف فما عد كثيرا وإلا فلا، وإن شك في كثرته لم يمنع عملا بالاصل. (فصل) فان كان معه ماء لا يكفيه لطهارته فكمله بمائع آخر لم يغيره جاز الوضوء به في احدى الروايتين لانه طاهر لم يغير الماء فلم يمنع كما لو كان الماء قدرا يكفيه لطهارته (والثانية) لا يجوز لانا نتيقن حصول غسل بعض أعضائه بالمائع والاول أولى لان المائع استهلك في الماء فسقط حكمه أشبه مالو كان الماء يكفيه لطهارته فزاده مائعا آخر وتوضأ منه وبقي قدر المائع (فصل) قال الشيخ رحمه الله (القسم الثاني ماء طاهر غير مطهر وهو ما خالطه طاهر فغير اسمه أو غلب علي أجزائه أو طبخ فيه) وجملته أن كل ماء خالطه طاهر فغير اسمه حتى صار صبغا

[ 12 ]

أو خلا أو غلب على أجزائه فصيره حبرا أو طبخ فيه فصار مرقا وتغير بذلك - الانواع الثلاثة لا يجوز الغسل ولا الوضوء بها، لا نعلم فيه خلافا إلا أنه حكي عن أصحاب الشافعي وجه في ماء الباقلا المغلي أنه يجوز الوضوء به، وحكي عن ابن أبي ليلى والاصم أنه يجوز الوضوء والغسل بالمياه المعتصره وسائر أهل العلم على خلافهم لان الطهارة انما تجوز بالماء لقوله تعالى (فلم تجدوا ماء فتيمموا) وهذا لا يقع عليه اسم الماء (مسألة) (فان غير أحد أوصافه - لونه أو طعمه أو ريحه ففيه روايتان) (احداهما) أنه غير مطهر وهو قول مالك والشافعي واسحاق واختيار القاضي، قال وهي المنصورة عند أصحابنا لانه ماء تغير بمخالطة ما ليس بطهور يمكن الاحتراز عن أشبه ماء الباقلا المغلي. إذا ثبت هذا فان أصحابنا لا يفرقون بين المذرور كالزعفران والاشنان وبين الحبوب من الباقلا والحمص والتمر كالتمر والزبيت

[ 13 ]

والورق ونحوه وقال الشافعية ما كان مذرورا منع إذا غير وما عداه لا يمنع الا أن ينحل في الماء فان غير ولم ينحل لم يسلب الطهورية كما لو تغير بالكافور ووافقهم أصحابنا في الخشب والعيدان وخالفوا فيما ذكرنا لان تغير الماء به انما كان لاتصال أجزاء منه وانحلالها فيه فوجب أن يمنع كالمذرور وكما لو أغلي فيه (فصل) ولم يفرق أصحابنا في التغيير بين اللون والطعم والرائحة بل سووا بينهم قياسا لبعضها على بعض وشرط الخرقي الكثرة في الرائحة دون اللون والطعم لسرعه سرايتها ونفوذها ولكونها تحصل تارة عن مجاورة وتارة عن مخالطة فاعتبرت الكثرة ليلعم أنها عن مخالطة والرواية الثانية أنه باق على طهوريته نقله عن أحمد جماعة من أصحابنا أبو الحرث والميموني وإسحاق بن منصور وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه لان الله تعالى قال (فلم تجدوا ماء فتيمموا) وهذا عام في كل ماء لانه نكرة في سياق النفي والنكرة في سياق النفي تفيد العموم فلا يجوز التيمم مع وجوده وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم " التراب كافيك ما لم تجد الماء " وهذا ماء ولانه ماء لم يسلبه اسمه ولا رقته ولا جريانه أشبه المتغير بالدهن فان تغير وصفان من أوصافه أو ثلاثة وبقيت رقته وجريانه فذكر القاضي أيضا فيه روايتين (إحداهما) يجوز الوضوء به لما ذكرنا فأشبه المتغير بالمجاورة

[ 14 ]

ولان الصحابة رضي الله عنهم كانوا يسافرون وغالب أسقيتهم الادم وهي تغير أوصاف الماء عادة ولم يكونوا يتيممون معها (والثانية) لا يجوز لانه غلب على الماء أشبه مالو زال اسمه أو طبخ فيه وقال ابن أبي موسى في الذي تغيرت إحدى صفاته بطاهر يجوز التوضؤ به عند عدم الماء المطلق في إحدى الروايتين (و) لا يجوز مع وجوده (مسألة) قال (أو استعمل في رفع حدث أو طهارة مشروعة كالتجديد وغسل الجمعة) اختلف المذهب في المنفصل من المتوضئ عن الحدث والمغتسل من الجنابة فروي أنه طاهر غير مطهر وهو المشهور من مذهب أبي حنيفة والشافعي وإحدى الروايتين عن مالك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من الجنابة " رواه أبو داود ولولا أنه يفيد منعا لم ينه عنه ولانه أزال به مانعا من الصلاة أشبه ما لو غسل به النجاسة، والرواية الثانية أنه مطهر وهو قول الحسن وعطاء والنخعي وأهل الظاهر والرواية الاخرى عن مالك، والقول الثاني للشافعي وهو قول ابن المنذر، ويروي عن علي وابن عمر فيمن نسي مسح رأسه إذا وجد بللا في لحيته أجزأه أن يمسح رأسه بذلك البلل لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " الماء لا يجنب " وأنه صلى الله عليه وسلم اغتسل من الجنابة فرأى لمعة لم يصبها الماء فعصر شعره عليها رواهما الامام أحمد ولانه ماء طاهر غسل به عضوا طاهرا أشبه مالو تبرد به أو غسل به الثوب - أو نقول أدى به فرضا فجاز أن يؤدي به غيره كالثوب يصلي فيه مرارا، وقال أبو يوسف هو نجس وهو رواية

[ 15 ]

عن أبي حنيفة وذكره ابن عقيل قولا لاحمد لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الغسل في الماء الراكد كنهيه عن البول فيه فاقتضى ان الغسل فيه كالبول وكما لو غسل به نجاسة ولانه يسمى طهارة والطهارة لا تعقل إلا عن نجاسة لان تطهير الطاهر محال - ووجه طهارته ان النبي صلى الله عليه وسلم صب على جابر من وضوءه إذ كان مريضا وكان إذا توضأ يكادون يقتتلون على وضوئه رواهما البخاري ولو كان نجسا لم يجز فعل ذلك ولان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ونساءه كانوا يغتسلون من الجفان ويتوضؤن من الاقداح ومثل هذا لا يسلم من رشاش يقع في الماء من المستعمل ولو كان نجسا لتنجس به الماء ولانه ماء طاهر لاقى عضوا طاهرا أشبه مالو تبرد به والدليل على طهارة أعضاء المحدث قول النبي صلى الله عليه وسلم " ان المؤمن لا ينجس " متفق عليه ولانه لو مس شيئا رطبا لم ينجسه ولو حمله مصل لم تبطل صلاته وقولهم انه نهى عن الغسل فيه كنهيه عن البول فيه قلنا يكفي اشتراكهما في أصل المنع من التطهر به ولا يلزم اشتراكهما في التنجس وانما سمي الوضوء والغسل طهارة لكونه يطهر عن الذنوب والآثام كما جاء في الاخبار لما ذكرنا من الادلة وجميع الاحداث سواء فيما ذكرنا الغسل والوضوء والحيض والنفاس وكذلك المنفصل من غسل الميت إذا قلنا بطهارته فأما المنفصل من غسل الذمية من الحيض فروي انه مطهر لانه لم يزل مانعا من الصلاة أشبه المتبرد وروي انه غير مطهر لانه زال به المانع من وطئ الزوج فأما ما اغتسلت به من الجنابة فهو مطهر وجها واحدا

[ 16 ]

لانه لم يؤثر شيئا ويحتمل أن يمنع استعماله كالمسلمة (فصل) فأما المستعمل في طهارة مشروعة كالتجديد وغسل الجمعة والاحرام وسائر الاغتسالات المستحبة والغسلة الثانية والثالثة والوضوء ففيه روايتان (أظهرهما) طهوريته لانه لم يرفع حدثا، ولم يزل نجسا أشبه التبرد، (والثانية) تسلب طهوريته لانه استعمل في طهارة مشروعة أشبه المستعمل في رفع الحدث، فان لم تكن الطهارة مشروعة لم يؤثر في الماء استعماله فيها شيئا كالتبرد ولا نعلم خلافا في المستعمل في التبرد والتنظيف لانه باق على اطلاقه (مسألة) قال (أو غمس فيه يده قائم من نوم الليل قبل غسلها ثلاثا فهل يسلب طهوريته؟ على روايتين) المراد باليد ههنا اليد إلى الكوع لما نذكره في التيمم فمتى غمس القائم من نوم الليل يده في الماء اليسير قبل غسلها ثلاثا ففيه روايتان (احداهما) لا يسلب الطهورية وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لان الماء قبل الغمس كان طهورا فيبقى على الاصل، ونهي النبي صلى الله عليه وسلم عن غمس اليد كان لو هم النجاسة فالوهم لا يزيل الطهورية كما لم يزل الطهارة وإن كان تعبدا اقتصر على مورد النص وهو مشروعية الغسل (والرواية الثانية) أن يسلب الطهورية لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها الاناء ثلاثا، فان أحدكم لا يدري أين باتت يده " رواه مسلم ورواه البخاري ولم يذكر ثلاثا، فلولا أنه يفيد منعا لم ينه عنه ظاهرا وعلى

[ 17 ]

قال: أحب الي أن يريقه إذا غمس يده فيه وهو قول الحسن وذلك لما روى أبو حفص العكبري عن النبي صلى الله عليه وسلم " فان أدخلهما قبل الغسل أراق الماء " فيحتمل وجوب إراقته فلا يجوز استعماله لانه مأمور باراقته أشبه الخمر، ويحتمل أن لا تجب إراقته ويكون طاهرا غير مطهر كالمستعمل في رفع الحدث والاول اختيار ابن عقيل، وهل يكون غمس بعض اليد كغمس الجميع؟ فيه وجهان (أحدهما) لا يكون وهو قول الحسن لان الحديث ورد في غمس جميع اليد وهو تعبد لا يلزم من كون الشئ مانعا كون بعضه مانعا كما لا يلزم من كون الشئ سببا كون بعضه سببا والله أعلم (والثاني) حكم البعض حكم الكل لان ما تعلق المنع بجميعه تعلق ببعضه كالحدث والنجاسة، وغمسها بعد غسلها دون الثلاث كغمسها قبل غسلها سببا لبقاء النهي (فصل) ولا فرق بين كون يد النائم مطلقة أو مشدودة في جراب أو مكتوفا لعموم الاخبار ولان الحكم إذا علق على المظنة لم يعتبر حقيقة الحكمة كالعدة الواجبة لاستبراء الرحم في حق الصغيرة والآيسة وربما تكون يده نجسة قبل نومه فينسى نجاستها لطول نومه على أن الظاهر عند من أوجب الغسل انه تعبد لا لعلة التنجيس ولهذا لم تحكم بنجاسة اليد فيعم الوجوب كل من تناوله الخبر. وقال ابن عقيل لا يجب الغسل إذا كان مكتوفا أو كانت يده في جراب لزوال احتمال النجاسة الذي لاجله شرع الغسل والاول أولى لما ذكرنا. ولا يجب غسل اليد عند القيام من نوم النهار رواية واحدة وسوى الحسن

[ 18 ]

بين نوم الليل والنهار. ولنا ان في الخبر ما يدل على تخصيصه بنوم الليل وهو قوله " فان أحدكم لا يدري أين باتت يده " والمبيت يكون في الليل خاصة ولا يصح قياس نوم النهار على نوم الليل لوجهين (أحدهما) ان الغسل وجب تعبدا فلا يقاس عليه (الثاني) ان نوم الليل يطول فيكون احتمال اصابة يده للنجاسة فيه أكثر (فصل) واختلفوا في النوم الذي يتعلق به هذا الحكم فذكر القاضي أنه النوم الذي ينقض الوضوء وقال ابن عقيل هو ما زاد على نصف الليل لانه لا يكون بائتا إلا بذلك بدليل أن من دفع من مزدلفة قبل نصف الليل فعليه دم بخلاف من دفع بعده وما قاله يبطل بمن وافاها بعد نصف الليل فانه لا يجب عليه دم مع كونه أقل من نصف الليل - وتجب النية للغسل في أحد الوجهين عند من أوجبه طهارة تعبد

[ 19 ]

أشبه الوضوء والغسل (والثاني) لا يفتقر لانه علل بوهم النجاسة ولا تعتبر في حقيقتها النية فالوهم أولى ولانه أتى بما أمر به وهو الغسل وفعل المأمور به يقتصي الاجزاء، ولا يفتقر الغسل إلى تسمية وقال أبو الخطاب يفتقر قياسا على الوضوء وهو بعيد لان التسمية إن وجبت في الوضوء وجبت تعبدا فلا يقاس عليه لان من شرط صحة القياس كون المعنى معقولا ليمكن تعدية الحكم والله أعلم، قال ابن عقيل ويستحب تقديم اليمنى على اليسرى في غسل اليدين لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيمن في طهوره وفي شأنه كله (فصل) فان كان القائم من نوم الليل صبيا أو مجنونا أو كافرا ففيه وجهان، أحدهما: هو كالمسلم البالغ العاقل لانه لا يدري أين باتت يده. والثاني لا يؤثر لان الغسل وجب بالخطاب تعبدا ولا خطاب في حق هؤلاء ولا تعبد (1) (فصل) إذا وجد ماء قليلا ويداه نجستان وليس معه ما يغترف به فان أمكنه أن يأخذ بفيه ويصب على يديه أو يغمس خرقة أو غيرها ويصب على يديه فعل وإن لم يمكنه يتيمم كيلا ينجس الماء ويتنجس به فان كان لم يغسل يديه من نوم الليل فمن قال ان غمسهما لا يؤثر قال يتوضأ ومن جعله مؤثرا قال يتوضأ ويتيمم معه، ولو استيقظ المحبوس من نومه فلم يدر أهو من نوم النهار أو الليل لم يلزمه غسل يديه لان الاصل عدم الوجوب (فصل) فان توضأ القائم من نوم الليل من ماء كثير أو اغتسل منه بغمس أعضائه فيه ولم ينو غسل اليد من نوم الليل فعند من أوجب النية لا يرتفع حدثه ولا يجزئه من غسل اليد من النوم لانه


1) الحديث في غسل اليدين خارج الاناء لمن قام من النوم قد علل في بعض رواياته بقوله صلى الله عليه وسلم (فانه لا يدري أين باتت - أو - أين طاتف يده) ووضحه الشافعي وغيره بأنهم كانوا يستنجون بالحجارة فإذا ناموا عرقوا فربما تصيب يد أحدهم موضع النجاسة فالامر للاحتياط لا للتعبد وهو عند جمهور السلف والخلف للاستجاب ونظر له المجد بن تيمية بحديث (إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنثر ثلاث مرات فان الشيطان يبيت على خياشيمه) متفق عليه ولم يذهب إلى وجوب الاستنثار حد

[ 20 ]

لم ينوه لان غسلها إما أنه وجب تعبدا أو لوهم النجاسة وبقاء النجاسة على العضو لا تمنعه من ارتفاع الحدث بدليل أنه لو غسل يده أو أنفه في الوضوء وهو نجس لارتفع حدثه وكذلك بقاء حدث لا يمنع من ارتفاع حدث آخر بدليل مالو توضأ الجنب ينوي رفع الحدث الاصغر أو اغتسل ينوي الكبري وحدها فانه يرتفع أحد الحدثين دون الآخر وهذا لا يخرج عن شبهه بأحد الامرين والله أعلم (فصل) إذا انغمس الجنب أو المحدث في ماء دون القلتين ينوي رفع الحدث صار مستعملا ولم يرتفع حدثه وقال الشافعي يصير مستعملا ويرتفع حدثه لانه انما يصير مستعملا بارتفاع حدثه فيه ولنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب " والنهي يقتضي فساد المنهي عنه ولانه بأول جزء انفصل عنه صار مستعملا فلم يرتفع الحدث عن سائر البدن كما لو اغتسل به شخص آخر فان كان الماء قلتين فصاعدا ارتفع الحدث والماء باق على اطلاقه لانه لا يحمل الخبث (فصل) إذا اجتمع ماء مستعمل إلى قلتين مطهرتين صار الكل طهورا لان المستعمل لو كان نجسا لم يؤثر في القلتين فالمستعمل أولى وإن انضم إلى ما دون القلتين ولم يبلغ الجميع قلتين فقد ذكرناه وإن بلغ قلتين باجتماعه فكذلك ويحتمل أن يزول المنع لحديث القلتين - وإن انضم مستعمل إلى مستعمل

[ 21 ]

ولم يبلغ القلتين فالجميع مستعمل، وإن بلغ قلتين ففيه احتمالان لما ذكرنا (مسألة) (وإن أزيلت به النجاسة فانفصل متنيرا أو قبل زوالها فهو نجس) أما إذا انفصل متنيرا بالنجاسة فلا خلاف في نجاسته، وأما إذا انفصل غير متغير مع بقاء النجاسة فهو مبني على تنجس الماء القليل لمجرد ملاقاة النجاسة من غير تغيير وسيأتي حكمه إن شاء الله تعالى (مسألة) قال (وإن انفصل غير متغير بعد زوالها فهو طاهر) رواية واحدة إن كان المحل أرضا، وقال أبو بكر انما يحكم بطهارته إذا كانت قد نشفت أعيان البول، فان كانت أعيانها قائمة فجرى الماء عليها فطهرها وفي المنفصل روايتان كغير الارض. ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " صبوا على بول الاعرابي ذنوبا من ماء " متفق عليه أمر بذلك لتطهير مكان البول فلو كان المنفصل نجسا لكان تكثيرا للنجاسة ولم يفرق بين نشافه وعدمه والظاهر أنه انما أمر عقيب البول (مسألة) (وإن كان غير الارض فهو طاهر في أصح الوجهين) وهو مذهب الشافعي لانه انفصل عن محل محكوم بطهارته أشبه المنفصل من الارض، ولان المنفصل بعض المتصل والمتصل طاهر بالاجماع كذلك المنفصل (والوجه الثاني) أنه نجس وهو قول أبي حنيفة واختيار ابن حامد لانه لاقى نجاسة أشبه مالو انفصل قبل زوالها أو وردت عليه وهل تكون طهورا؟ على وجهين بناء على المستعمل في رفع الحدث (مسألة) (وإن خلت بالطهارة منه امراة فهو طهور) بالاصل لانه يجوز لها أن تتوضأ به ولغيرها من النساء - أشبه الذي لم تخل به ولا يجوز للرجل الظهارة به في ظاهر المذهب لما روى الحكم بن عمرو

[ 22 ]

الغفاري قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة رواه الترمذي (1) وقال حديث حسن. قال أحمد جماعة كرهوه منهم عبد الله بن عمرو وعبد الله بن سرجس وخصصناه بالخلوة لقول عبد الله بن سرجس توضأ أنت ههنا وهي ههنا، فأما إذا خلت به فلا تقربنه ومعنى الخلوة أن لا يشاهدها انسان تخرج بحضوره عن الخلوة في النكاح، وذكر القاضي أنها لا تخرج عن الخلوة ما لم يشاهدها رجل مسلم، وذكر ابن عقيل في معنى الخلوة أن لا يشاركها أحد في الاستعمال وفيه رواية أخرى أنه يجوز للرجل أن يتطهر به لما روت ميمونة قالت أجنبت فاغتسلت من جفنة ففضلت فيها فضلة فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليغتسل منه فقلت إني اغتسلت منه فقال " الماء ليس عليه جنابة " رواه أبو داود (2) والظاهر خلوها به لان العادة أن الانسان يقصد الخلوة في غسل الجنابة وهذا أقيس إن شاء الله تعالى فان خلت به في ازالة النجاسة فقال ابن حامد فيه وجهان (أظهرهما) جواز الوضوء به لان الاصل الجواز وإن خلت بالطهارة في بعض أعضائها أو في تجديد طهارة واستنجاء ففيه وجهان (أحدهما) المنع قياسا علي الوضوء (والثاني) لا يمنع لان الطهارة المطلقة تنصرف إلى طهارة الحدث الكاملة فان خلت به الذمية في غسل الحيض ففيه وجهان (أحدهما) المنع كالمسلمة لانها أدنى منها وأبعد من الطهارة وقد تعلق به اباحة وطئها (والثاني) الجواز لان طهارتها لا تصح، وكذلك النفاس والجنابة، ويحتمل التفرقة بين الحيض والنفاس وبين الجنابة لان الجنابة لم تفد اباحة ولم تصح فهي كالتبرد والله أعلم وانما تؤثر خلوتها في الماء اليسير لان النجاسة لا تؤثر في الماء الكثير فهذا أولى ويجوز غسل النجاسة به وذكر القاضي وجها أنه لا يجوز للرجل غسل النجاسة به لان مالا يجوز الوضوء به لا يجوز غسل النجاسة به كالخل ويمكن القول بموجبه فان هذا يجوز للمرأة الطهارة به (فصل) ويجوز للرجل والمرأة أن يغتسلا ويتوضأ من اناء واحد من غير كراهة لان النبي صلى الله عليه وسلم


1) بل رواه أحمد وأصحاب السنن الارعة وفي تصحيحه خلاف 2) وكذا أحمد والنسائي والترمذي وقال حسن صحيح ولكن بابهام زوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة وهي المرادة به فقد رواه ابن عباس وهي حالته وقد روى عنه احمد ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بفضل ميمونة

[ 23 ]

كان يغتسل هو وزوجته من اناء واحد يغترفان منه جميعا رواه البخاري (فصل) ولا يجوز رفع الحدث إلا بالماء ولا يحصل بمائع سواه وبهذا قال مالك والشافعي وروي عن علي رضي الله عنه وليس بثابت أنه كان لا يرى بأسا بالوضوء بالنبيذ وبه قال الحسن وقال عكرمة النبيذ وضوء من لم يجد الماء وقال إسحاق النبيذ حلوا أعجب الي من التيمم وجمعهما أحب إلي وعن (أبي حنيفة) كقول عكرمة وقيل عنه يجوز الوضوء بنبيذ التمر إذا طبخ واشتد عند عدم الماء في السفر لما روى ابن مسعود أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن فأراد أن يصلي صلاة الفجر فقال " أمعك وضوء؟ قال لا معي اداوة فيها نبيذ - فقال ثمرة طيبة وماء طهور " ولنا قوله تعالى (فلم تجدوا ماء فتيمموا) أوجب الانتقال إلى التيمم عند عدم الماء ولانه لا يجوز الوضوء به في الحضر ولا مع وجود الماء فاشبه الخل والمرق وحديثهم لا يثبت لان راوية أبو زيد وهو مجهول عند أهل الحديث لا يعرف له غير هذا الحديث ولا يعرف بصحبة عبد الله قاله الترمذي وابن المنذر وروى مسلم باسناده عن عبد الله بن مسعود قال لم أكن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن ووددت أني كنت معه. فاما غير النبيذ فلا نعلم بين أهل العلم خلافا أنه لا يجوز به وضوء ولا غسل غير ما ذكرناه في الماء المعتصر فيما مضى والله أعلم

[ 24 ]

(فصل) قال رضي الله عنه (القسم الثالث ماء نجس وهو ما تغير بمخالطة النجاسة) كل ماء تغير بمخالطة النجاسة فهو نجس بالاجماع حكاه ابن المنذر فان لم يتغير وهو يسير فهل ينجس على روايتين (إحداهما) ينجس وهو ظاهر المذهب روي ذلك عن ابن عمر وهو قول الشافعي وإسحاق لما روى ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسئل عن الماء يكون بالفلاة من الارض وما ينوبه من الدواب والسباع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث " رواه الامام احمد وأبو داود والترمذي وتحديده القلتين يدل على تنجيس ما دونهما وإلا لم يكن التحديد مفيدا وصح نهي النبي صلى الله عليه وسلم القائم من نوم الليل عن غمس يده في الماء قبل غسلها فدل على أنه يفيد منعا وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بغسل الاناء من لوغ الكلب واراقة سؤره ولم يفرق بين ما تغير وبين ما لم يتغير مع أن الظاهر عدم التغيير (والرواية الثانية) أن الماء لا ينجس إلا بالتغير روي ذلك عن حذيفة وأبي هريرة وابن عباس والحسن وهو مذهب مالك والثوري وابن المنذر وروي أيضا عن الشافعي لما روى أبو أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الماء لا ينجسه شئ الا ما غلب على ريحه وطعمه ولوغه " رواه ابن ماجه والدار قطني وروى أبو سعيد قال قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة؟ وهي بئر يلقي فيها الحيض ولحوم والكلاب النتن قال " ان ا لماء طهور لا ينجسه شيئ " رواه الامام أحمد وأبو داود والترمذي وقال حديث حسن وصححه الامام أحمد (مسألة) قال (وان كان كثيرا فهو طاهر ما لم تكن النجاسة بولا أو عذرة)

[ 25 ]

بغير خلاف في المذهب روي ذلك عن عبد الله بن عمر وهو قول الشافعي وروي عن ابن عباس قال إذا كان الماء ذنوبين لم يحمل الخبث وقال عكرمة ذنوبا أو ذنوبين وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الماء الكثير يتنجس بالنجاسة من غير تغيير الا أن يبلغ حدا يغلب على الظن أن النجاسة لا تصل إليه واختلفوا في حده فقال بعضهم ما إذا حرك أحد طرفيه لم يتحرك الآخر وقال بعضهم ما بلغ عشرة أذرع في مثلها وما دون ذلك قليل وان بلغ الف قلة لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه " متفق عليه نهى عن الاغتسال من الماء الراكد بعد البول فيه ولم يفرق بين قليله وكثيره ولانه ماء حلت فيه نجاسة لا يؤمن انتشارها إليه أشبه اليسير ولنا خبر القلتين وبئر بضاعة اللذان ذكرناهما مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن بئر بضاعة يلقى فيه الحيض والنتن ولحوم الكلاب مع أن بئر بضاعة لا يبلغ الحد الذي ذكروه قال أبو داود قدرت بئر بضاعة فوجدته ستة أذرع وسألت الذي فتح لي باب البستان هل غير بناؤها؟ قال لا وسألت قيمها عن عمقها فقلت أكثر ما يكون فيها الماء؟ فقال إلى العانة. قلت فإذا نقص قال دون العورة ولانه ماء يبلغ القلتين فاشبه الزائد على عشرة أذرع وحديثهم عام وحديثنا خاص فيجب تخصيصه به وحديثهم لابد من تخصيصه بما زاد على الحد الذي ذكروه فيكون تخصيصه بقول النبي صلى الله عليه وسلم أولى من

[ 26 ]

تخصيصه بالرأي والتحكم من غير أصل وما ذكروه من الحد تقدير من غير توقيف ولا يصار إليه بغير نص ولا إجماع ثم ان حديثهم خاص في البول وهو قولنا في إحدى الروايتين جمعا بين الحديثين فنقصر الحكم على ما تناوله النص وهو البول لان له من التأكيد والانتشار ما ليس لغيره (مسألة) قال (الا أن تكون النجاسة بولا أو عذرة مائعة ففيه روايتان إحداهما لا ينجس) وهو كسائر النجاسات وهو اختيار أبي الخطاب وابن عقيل ومذهب الشافعي وأكثر أهل العلم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شئ " رواه الامام أحمد ولان نجاسة بول الآدمي لا تزيد على نجاسة بول الكلب وهو لا ينجس القلتين فهذا أولى وحديث النهي عن البول في الماء الدائم لابد من تخصيصه بما لا يمكن نزحه اجماعا فيكون تخصيصه بخبر القلتين أولى من تخصيصه بالرأي والتحكم ولو تعارضا ترجح حديث القلتين لموافقته القياس (والرواية الاخرى ينجس) يروى نحو ذلك عن علي بن أبي طالب فروى الخلال باسناده ان عليا رضي الله عنه سئل عن صبي بال في بئر فأمرهم بنزحها، وهو قول الحسن لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه " متفق

[ 27 ]

عليه وهذا يتناول القليل والكثير وهو خاص في البول فيجمع بينه وبين حديث القلتين بحمل هذا على البول وحمل حديث القلتين على سائر النجاسات والعذرة المائعة في معنى البول لان أجزاءها تتفرق في الماء وتنتشر فهي في معنى البول وهي أفحش منه وقال ابن أبي موسى حكم الرطبة حكم المائعة قياسا عليها والاولى التفريق بينهما لما ذكرنا من المعنى (مسألة) قال (إلا أن يكون مما لا يمكن نزحه لكثرته فلا ينجس) لا نعلم خلافا أن الماء الذي لا يمكن نزحه إلا بمشقة عظيمة مثل المصانع التي جعلت موردا للحاج بطريق مكة يصدرون عنها ولا ينفد ما فيها أنها لا تنجس إلا بالتغيير قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الماء الكثير كالرجل من البحر ونحوه إذا وقعت فيه نجاسة فلم تغير له لونا ولا طعما ولا ريحا انه بحالة يتطهر منه (فصل) ولا فرق بين قليل البول وكثيره قال مهنا سألت احمد عن بئر غزيرة وقعت فيها خرقة أصابها بول قال: تنزح لان النجاسات لا فرق بين قليلها وكثيرها كذلك البول (فصل) إذا كان بئر الماء ملاصقا لبئر فيها بول أو غيره من النجاسة وشك في وصوله إلى الماء فالماء طاهر بالاصل. وان أحب علم حقيقة ذلك فليطرح في البئر النجسة نفطا فان وجد رائحته في الماء علم وصوله إليه وإلا فلا وإن وجده متغيرا تغيرا يصلح أن يكون منها ولم يعلم له سببا آخر فهو نجس

[ 28 ]

لان الملاصقة سبب فيحال الحكم عليه والاصل عدم ما سواه ولو وجد ماء متغيرا في غير هذه الصورة ولم يعلم سبب تغيره فهو طاهر - وان غلب على ظنه نجاسته لان الاصل الطهارة. وان وقعت في الماء نجاسة فوجده متغيرا تغيرا يصلح أن يكون منها فهو نجس لان الظاهر كونه منها والاصل عدم ما سواه فيحال الحكم عليه وإن كان التغيير لا يصلح أن يكون منها لكثرة الماء وقلتها أو لمخالفته لونها أو طعمها فهو طاهر لان النجاسة لا تصلح أن تكون سببا هاهنا أشبه مالو لم يقع فيه شئ (فصل) فان توضأ من الماء القليل وصلى ثم وجد فيه نجاسة أو توضأ من ماء كثير ثم وجده متغيرا بنجاسة شك هل كان قبل وضوئه أو بعده فالاصل صحة طهارته وصلاته وإن علم ان ذلك قبل وضوئه بأمارة أعاد وإن علم ان النجاسة قبل وضوئه ولم يعلم أكان دون القلتين أو كان قلتين فنقص بالاستعمال أعاد لان الاصل نقص الماء (فصل) إذا وقعت في الماء نجاسة فغيرت بعضه فالمتغير نجس وما لم يتغير إن بلغ قلتين فهو طاهر وإلا فهو نجس لان الماء اليسير ينجس بمجرد الملاقاة لما ذكرنا وقال ابن عقيل وبعض الشافعية يكون نجسا وإن كثر كما لو كان يسيرا ولان المتغير نجس فينجس ما يلاقيه وما يلاقي ما يلاقيه حتى ينجس جميعه، فان اضطرب فزال تغيره طهر لزوال علة النجاسة وهي التغير ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شئ " وغير المتغير كثير فيدخل في عموم الحديث ولكنه ماء كثير لم يتغير بالنجاسة الواقعة فيه فلم ينجس كما لو لم يتغير منه شئ

[ 29 ]

ولا يصح القياس على اليسير لانه لا يدفع النجاسة عن نفسه، وقولهم ان الملاصق للمتغير ينجس ممنوع كالملاصق للنجاسة الجامدة وعلى قولهم ينبغي أن ينجس البحر. إذا تغير جانبه والماء الجاري ولا قائل به (فصل) قال ابن عقيل من ضرب حيوانا مأكولا (3) فوقع في ماء ثم وجده ميتا ولم يعلم هل مات من الجراحة أو بالماء فالماء على أصله في الطهارة والحيوان على أصله في الحظر الا أن تكون الجراحة موجبة فيكون الحيوان أيضا مباحا لان الظاهر موته بالجرح والماء طاهر الا أن يقع فيه دم (فصل) إذا كان الماء قلتين وفيه نجاسة فغرف منه باناء فالذي في الاناء طاهر والباقي نجس ان قلنا القلتان تحديد لانه ماء يسير فيه نجاسة، وان قلنا بالتقريب لم ينجس إلا أن يكون الاناء كبيرا يخرجه عن التقريب، وان ارتفعت النجاسة في الدلو فالماء الذي في الاناء نجس والباقي طاهر، ذكرها ابن عقيل. (فصل) وإذا اجتمع ماء نجس إلى ماء نجس ولم يبلغ القلتين فالجميع نجس وان بلغ القلتين فكذلك لانه كان نجسا قبل الاتصال والاصل بقاء النجاسة، ولان اجتماع النجس إلى النجس لا يولد بينهما طاهرا كما في سائر المواضع ويتخرج ان يطهر إذا بلغ قلتين وزال تغيره وهو مذهب الشافعي لزوال علة التنجيس، والغدير ان إذا كانت بينهما ساقية فيها ماء متصل بهما فهما كالغدير الواحد قل الماء أو كثر فمتى تنجس أحدهما ولم يبلغا القلتين لم يتنجس واحد منهما الا أن يتغير بالنجاسة كما قلنا في الواحد


3) أي بمحدد بقصد الصيد أو التذكية ولو قال من جرح أو رمي لكان أولى. والضرب بالحجر غير المحدد قد يكشط الجلد وهو وقذوان جرح

[ 30 ]

(مسألة) قال (وإذا انضم إلى الماء النجس ماء طاهر كثير طهره ان لم يبق فيه تغير وإذا كان الماء النجس كثيرا فزال تغيره بنفسه أو بنزح بقي بعده كثير طهر) وجملة ذلك أن تطهير الماء النجس ينقسم ثلاثة أقسام (أحدها) أن يكون الماء النجس دون القلتين فتطهيره المكاثرة بقلتين طاهرتين اما أن ينبع فيه أو يصب فيه أو يجري إليها من ساقية أو نحو ذلك فيزول بهما تغيره ان كان متغيرا فيطهر وان لم يكن متغيرا طهر بمجرد المكاثرة لان القلتين تدفع النجاسة عن نفسها وعما اتصل بها ولا تنجس الا بالتغير إذا وردت عليها النجاسة فكذلك إذا كانت واردة - ومن ضرورة الحكم بطهارتهما طهارة ما اختلط بهما (القسم الثاني) أن يكون قلتين فان لم يكن متغيرا بالنجاسة فتطهيره بالمكاثرة المذكورة وان كان متغيرا بها فتطهيره بالمكاثرة المذكورة إذا أزالت التغير وبزوال تغيره بنفسه لان علة التنجيس زالت وهي التغير أشبه الخمرة إذا انقلبت بنفسها خلا وقال ابن عقيل يحتمل أن لا يطهر إذا زال تغيره بنفسه بناء على أن النجاسة لا تطهر بالاستحالة (القسم الثالث) الزائد على القلتين فان كان غير متغير فتطهيره بالمكاثرة لا غير وان كان متغيرا فتطهيره بما ذكرنا من الامرين وبأمر ثالث وهو أن ينزح منه حتى يزول التغير ويبقى بعد النزح قلتان فان نقص عن القلتين قبل زوال تغيره ثم زال تغيره لم يطهر لان علة التنجيس في القليل مجرد ملاقاة النجاسة فلم تزل العلة بزوال

[ 31 ]

التغيير ولا يعتبر في المكاثرة صب الماء دفعة واحدة لانه لا يمكن ذلك لكن يوصله على حسب الامكان في المتابعة على ما ذكرنا (مسألة) (فان كوثر بماء يسير أو بغير الماء كالتراب ونحوه فازال التغير لم يطهر في أحد الوجهين) لان هذا لا يدفع النجاسة عن نفسه فعن غيره أولى (والثانى) يطهر لان علة النجاسة زالت وهو التغير أشبه مالو زال تغيره بنفسه ولان الماء اليسير إذا لم يؤثر فلا أقل من أن يكون وجوده كعدمه ويحتمل التفرقة بين المكاثرة بالماء اليسير وغيره فإذا كوثر بالماء اليسير طهر لما ذكرنا وإذا كوثر بالتراب أو غيره لم يطهر لان ذلك ربما ستر التغير الحادث من النجاسة فيظن انه قد زال ولم يزل (فصل) فاما الذي يقع فيه بول الآدمي إذا قلنا بنجاسته فلا يطهر بالمكاثرة بقلتين لان القلتين بالنسبة إلى البول كما دونهما بالنسبة إلى غيره لكن يطهر بأحد ثلاثة أشياء المكاثرة بما لا يمكن نزحه. الثاني: أن ينزح منه حتى يزول تغيره ويبقى مالا يمكن نزحه (الثالث) أن يزول تغيره بنفسه ان كان كذلك ذكره ابن عقيل (فصل) فاما غير الماء من المائعات إذا وقعت فيه نجاسة ففيه ثلاث روايات (إحداهن) انه يتنجس وان كثر وهو الصحيح إن شاء الله لان النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الفأرة تموت في السمن فقال " ان كان جامدا فألقوها وما حولها وإن كان مائعا فلا تقربوه " رواه الامام احمد - نهى عنه ولم يفرق بين قليله وكثيره ولانها لا تطهر غيرها فلا تدفع النجاسة عن نفسها كاليسير (والثانية) انها كالماء

[ 32 ]

لا ينجس منها ما بلغ قلتين إلا بالتغير قياسا على الماء قال حرب سألت احمد قلت كلب ولغ في سمن وزيت قال إذا كان في آنية كبيرة مثل حب أو نحوه رجوت أن لا يكون به بأس يؤكل وان كان في آنية صغيرة فلا يعجبني (والثالثة) ان ما أصله الماء كالخل التمري يدفع النجاسة لان الغالب فيه الماء وما لا فلا (فصل) وإذا قلنا: ان غير الماء من المائعات كالخل ونحوه يزيل النجاسة نبني على ذلك أن الكثير منه لا ينجس إلا بالتغيير لكون حكمه في دفع النجاسة حكم الماء والله أعلم (فصل) فاما الماء المستعمل في رفع الحدث وما كان طاهرا غير مطهر ففيه احتمالان (أحدهما) أنه يدفع النجاسة عن نفسه إذا كثر لحديث القلتين (والثاني) انه ينجس لانه لا يطهر أشبه الخل (فصل) ولا فرق بين يسير النجاسة وكثيرها ما أدركه الطرف وما لم يدركه الا أن ما يعفى عن يسيره كالدم - حكم الماء الذي يتنجس به حكمه في العفو عن يسيره وكذلك كل نجاسة نجست الماء حكمه حكمها لان نجاسة الماء ناشئة عن نجاسة الواقع وفرع عليها والفرع يثبت له حكم أصله، وروي عن الشافعي أن مالا يدركه الطرف من النجاسة معفو عنه للمشقة اللاحقة به ونص في موضع ان الذباب إذا وقع على خلاء رقيق أو بول ثم وقع على الثوب غسل موضعه ونجاسة الذباب مما لا يدركها الطرف

[ 33 ]

ولنا ان دليل التنجيس لا يفرق بين قليل النجاسة وكثيرها ولا بين ما يدركه الطرف وما لا يدركه فالتفريق تحكم وما ذكروه من المشقة ممنوع - لانا إنما نحكم بالنجاسة إذا علمنا وصولها ومع العلم لا يفترق القليل والكثير في المشقة ثم ان المشقة بمجردها حكمة لا يجوز تعلق الحكم بها بمجردها وجعل مالا يدركه الطرف ضابطا لها انما يصح بالتوقيف أو باعتبار الشرع له في موضع ولم يوجد واحد منهما

[ 34 ]

(مسألة) قال (والكثير ما بلغ قلتين واليسير ما دونهما) القلة الجرة سميت قلة لانها تقل بالايدي والمراد ههنا بالقلة قلال هجر لما يأتي وانما جعلنا القلتين حدا للكثير لان حديث القلتين دل على نجاسة ما لم يبلغهما بطريق المفهوم وعلى دفعهما للنجاسة عن أنفسهما فلذلك جعلناهما حدا للكثير فمتى جاء لفظ الكثير هاهنا فالمراد به القلتان والله أعلم

[ 35 ]

(مسألة) قال وهما خمسمائة رطل بالعراقي) في ظاهر المذهب وهو قول الشافعي لانه روي عن ابن جرير أنه قال رأيت قلال هجر فرأيت القلة تسع قربتين أو قربتين وشيئا والقربة مائة رطل بالعراقي باتفاق القائلين بتحديد الماء بالقرب والاحتياط أن يجعل الشئ نصفا فكانت القلتان بما ذكرنا خمسمائة رطل، وروي عن أحمد أن القلتين أربعمائة رطل بالعراقي. رواه عنه الاثرم واسماعيل ابن سعيد، وحكاه ابن المنذر لما روى الجوزجاني باسناده عن يحيى بن عقيل قال رأيت قلال هجر

[ 36 ]

وأظن كل قلة تأخذ قربتين. وروي نحو ذلك عن ابن جريج وانما خصصنا القلة بقلال هجر لوجهين (أحدهما) ما روى الخطابي باسناده إلى ابن جريج عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا " إذا كان الماء قلتين بقلال هجر " (والثاني) ان قلال هجر أكبر ما يكون من القلال وأشهرها في عصر النبي صلى الله

[ 37 ]

عليه وسلم ذكره الخطابي فقال: هي مشهورة الصنعة، معلومة المقدار، لا تختلف كما لا تختلف الصيعان والمكاييل فلذلك حملنا الحديث عليها وعملنا بالاحتياط فإذا قلنا هما خمسمائة رطل بالعراقي فذلك بالرطل الدمشقي الذي هو ستمائة درهم - مائة وسبعة أرطال وسبع رطل (مسألة) (وهل ذلك تقريب أو تحديد؟ على وجهين) أحدهما: انه تحديد وهو اختيار أبي

[ 38 ]

الحسن الآمدي وظاهر قول القاضي وأحد الوجهين لاصحاب الشافعي لان اعتبار ذلك احتياط وما اعتبر احتياطا كان واجبا كغسل جزء من الرأس مع الوجه ولانه قدر يدفع النجاسة فاعتبر تحقيقه كالعدد في الغسلات والثاني هو تقريب وهو الصحيح لان الذين نقلوا تقدير القلال لم يضبطوها بحد انما قال ابن جريج القلة تسع قربتين أو قربتين وشيئا ويحيى بن عقيل قال أظنها تسع قربتين وهذا

[ 39 ]

لا تحديد فيه وتقدير القربة بمائة رطل تقريب ولان الزائد على القلتين وهو الشيئ مشكوك والظاهر استعماله فيما دون النصف والقرب تختلف غالبا وكذلك لو اشترى شيئا أو أسلم في شئ وقدره بها لم يصح وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم ان الناس لا يكيلون الماء ولا يزنونه فالظاهر انه ردهم إلى التقريب فعلى هذا من وجد نجاسة في ماء فغلب على ظنه انه مقارب للقلتين توضأ منه وإلا فلا

[ 40 ]

وفائدة الخلاف أن من اعتبر التحديد قال: لو نقص الماء نقصا يسيرا لم يعف عنه والقائلون بالتقريب يعفون عن النقص اليسير وإن شك في بلوغ الماء قدرا يدفع النجاسة ففيه وجهان (أحدهما) يحكم بطهارته لان طهارته متيقنة قبل وقوع النجاسة فيه فلا يزول عن اليقين بالشك (والثاني) هو نجس لان الاصل قلة الماء فيبنى عليه ويلزم من ذلك النجاسة

[ 41 ]

(فصل في الماء الجاري) نقل عن أحمد ما يدل على التفرقة بينه وبين الواقف فانه قال في حوض الحمام قد قيل انه بمنزلة الماء الجاري وقال في البئر يكون لها مادة وهو واقف ليس هو بمنزلة الماء الجاري، فعلى هذا لا يتنجس الجاري إلا بالتغيير لان الاصل طهارته ولم نعلم في تنجيسه نصا ولا إجماعا فبقي على الاصل وقال عليه السلام " الماء طهور لا ينجسه شئ " وقال " إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث " وهذا يدل على انه لا ينجس لانه بمجموعه يزيد على القلتين فان قيل فالجرية منه لا تبلغ

[ 42 ]

قلتين فتنجس لحديث القلتين قلنا تخصيص الجرية بهذا التقدير تحكم لانه لا يصح قياسه على الراكد لقوته بجريانه واتصاله بمادته وهذا اختيار شيخنا وهو الصحيح ان شاء الله تعالى. وقال القاضي واصحابه كل جرية من الماء الجاري معتبرة بنفسها فإذا كانت النجاسة جارية مع الماء فما أمامها طاهر لانها لم تصل إليه وما وراءها طاهر لانه لم يصل إليها والجرية إن بلغت قلتين ولم تتغير فهي طاهرة وإلا فهي نجسة وان كانت النجاسة واقفة في النهر فكل جرية تمر عليها ان بلغت قلتين فهي طاهرة والا فلا

[ 43 ]

قالوا والجرية هي الماء الذي فيه النجاسة وما قرب منها من خلفها وأمامها مما العادة انتشارها إليه إن كانت مما تنتشر مع ما يحاذي ذلك فيما بين طرفي النهر، فان كانت النجاسة ممتدة فينبغي أن يكون لك جزء منها مثل تلك الجرية المعتبرة للنجاسة القليلة لانا لو جعلنا جميع ما حاذى النجاسة الكثيرة جرية أفضى إلى تنجيس النهر الكبير بالنجاسة القليلة دون الكثيرة لان ما يحاذي القليلة قليل فينجس وما يحاذي الكثيرة كثير فلا ينجس وهذا ظاهر الفساد (فصل) فان كان في جانب النهر أو في وهدة منه ماء واقف مائل عن سنن الماء متصل

[ 44 ]

بالجاري وكان ذلك مع الجرية المقابلة له دون القلتين فالجميع نجس لانه ماء يسير متصل فينجس بالنجاسة كالراكد، فان كان أحدهما قلتين لم ينجس واحد منهما ماداما متلاقيين إلا بالتغيير، فان كانت النجاسة في الجاري وهو قلتان فهو طاهر بكل حال وكذلك الواقف، وإن كان الواقف قلتين والجاري دون القلتين والنجاسة فيه فهو نجس قبل ملاقاته للواقف وبعد مفارقته له وطاهر في حال اتصاله به، وإن كانت في الواقف وهو قلتان لم ينجس بحال هو ولا الجاري وإن كان دون القلتين

[ 45 ]

والجاري كذلك الا أنهما بمجموعهما قلتان فصاعدا وكانت النجاسة في الواقف لم ينجس واحد منهما لان الماء الذي فيه النجاسة مع ما يلاقيه لا يزال كثيرا وان كانت في الجاري فقياس قول أصحابنا أن الجميع نجس لان الجاري ينجس قبل ملاقاته للواقف ومر على الواقف وهو يسير فنسه لان الواقف لا يدفع عن نفسه فعن غيره أولى، ويحتمل أن يحكم بطهارة الجاري حال ملاقاته للواقف ولا يتنجس به الواقف لحديث القلتين وهو مذهب الشافعي - هذا كله إذا لم يتغير فان تغير فهو نجس فان كان الجاري متغيرا والواقف كثيرا فهو طاهر ان لم يتغير فان تغير تنجس وكذلك الحكم في الجاري ان كان الواقف متغيرا وان كان بعض الواقف متغيرا وبعضه غير متغير وكان غير المتغير مع الجرية الملاقية له قلتين لم ينجس وان كان المتغير من الواقف يلي الجاري وغير المتغير لا يليه ولا يتصل به أصلا وكان كل

[ 46 ]

واحد منهما يسيرا فينبغي أن يكون الكل نجسا لان كل ما يلاقي الماء النجس يسير وان اتصل به من ناحية فكل ما لم يتغير طاهر إذا كان كثيرا كالغديرين إذا كان بينهما ماء متصل بهما فان شك في في ذلك فالماء طاهر بالاصل ويحتمل أن يكون نجسا، وان كان في الماء قلتان طاهرتان متصلة سابقة أو لاحقة فالمجتمع كله طاهر ما لم يتغير بالنجاسة لان القلتين تدفع النجاسة عن نفسها وعما اجتمع إليها والا فالجميع نجس في ظاهر المذهب والله أعلم. (مسألة) (وإذا شك في نجاسة الماء أو كان نجسا فشك في طهارته بنى على اليقين) إذا شك في نجاسة الماء فهو طاهر لان الاصل الطهارة فلا تزول بالشك وان وجده متغيرا لان التغير يحتمل أن

[ 47 ]

يكون بمكثه أو بما لا يمنع فلا يزول بالشك. وان تيقن نجاسته وشك في طهارته فهو نجس لما ذكرنا وان أخبره بنجاسته صبي أو كافر أو فاسق لم يلزمه قبول خبره لانه ليس من أهل الشهادة ولا الرواية أشبه الطفل والمجنون وإن كان بالغا عاقلا مسلما مستور الحال وعين سبب النجاسة لزم قبول خبره رجلا كان

[ 48 ]

أو امرأة حرا أو عبدا بصيرا أو ضريرا لان للاعمى طريقا إلى العلم بالحس والخبر كما لو أخبر بدخول وقت الصلاة وان لم يعين سببها فقال القاضي: لا يلزم قبول خبره لاحتمال اعتقاد نجاسة الماء بسبب لا يعتقده المخبر كموت ذبابة عند الشافعي. والحنفي يرى نجاسة الماء الكثير وان لم يتغير والموسوس

[ 49 ]

يعتقد نجاسته بما لا ينجسه ويحتمل أن يلزم قبول خبره إذا انتفت هذه الاحتمالات في حقه (فصل) فان أخبره أن كلبا ولغ في هذا الاناء ولم يلغ في هذا وقال آخر انما ولغ في هذا حكم بنجاستهما لانه يمكن صدقهما لكونهما في وقتين أو كانا كلبين فخفي على كل واحد منهما ما ظهر للآخر وان عينا كلبا ووقتا يضيق الوقت فيه عن شربه منهما تعارض قولهما ولم ينجس واحد منهما وان قال أحدهما ولغ في هذا الاناء وقال الآخر نزل ولم يشرب قدم قول المثبت الا أن يكون المثبت لم يتحقق شربه مثل الضرير الذي يخبر عن حس فيقدم قول البصير عليه (مسألة) (وان اشتبه الماء الطاهر بالنجس لم يتحر فيهما على الصحيح من المذهب ويتيمم) وجمنلته انه إذا اشتبهت الآنية الطاهرة بالنجسة لم يخل من حالين (أحدهما) أن يستوي عدد الطاهر والنجس فلا يجوز التحري بغير خلاف في المذهب فيما علمنا (الثاني) أن يكثر عدد الطاهر فقال أبو علي النجاد من أصحابنا يجوز التحري فيها وهو قول أبي حنيفة لان الظاهر اصابة الطاهر ولان جهة

[ 50 ]

الاباحة ترجحت أشبه مالو اشتبهت عليه أخته في نساء بلد وظاهر كلام أحمد انه لا يجوز التحري فيها بحال وهو قول أكثر الاصحاب وقول المزني وأبي ثور وقال الشافعي يتحرى في الحالين لانه شرط للصلاة فجاز التحري فيه كالو اشتبهت القبلة والثياب ولان الطهارة تؤدى باليقين تارة وبالظن أخرى كما قلنا بجواز الوضوء بالماء المتغير الذي لا يعلم سبب تغيره، وقال ابن الماجشون: يتوضأ من كل واحد منهما وضوءا ويصلي به وبه قال محمد بن مسلمة إلا أنه قال يغسل ما أصابه من الاول لانه أمكنه أداء فرضه بيقين أشبه من فاتته صلاة من يوم ولا يعلم عينها وكما لو اشتبهت الثياب ولنا انه اشتبه المباح بالمحظور فيما لا تبيحه الضرورة فلم يجز التحري كما لو اشتبهت أخته باجنبيات أو كما لو استوى العدد عند أبي حنيفة أو كان أحد الاناءين بولا عند الشافعي واعتذر أصحابه بأن البول لا أصل له في الطهارة قلنا وهذا الماء قد زال عنه أصل الطهارة وعلى أن البول قد كان

[ 51 ]

ماء فله أصل في الطهارة فهو كالماء النجس، وقولهم إذا كثر عدد الطاهر ترجحت الطهارة يبطل بما لو اشتبهت أخته بمائة أجنبية، وأما إذا اشتبهت أخته في نساء مصر فانه يشق اجتنابهن جميعا ولذلك يجوز له النكاح من غير تحر بخلاف هذا، وأما القبلة فيباح تركها للضرورة وفي صلاة النافلة بخلاف مسألتنا، وأما الثياب فلا يجوز التحري فيها عندنا على ما يأتي وأما المتغير فيجوز الوضوء به استنادا إلى أصل الطهارة ولا يحتاج إلى تحر وفي مسألتنا عارض يقين الطهارة يقين النجاسة فلم يبق له حكم ولهذا احتاج إلى التحري، وما قاله ابن الماجشون باطل لانه يتنجس يقينا وما قاله ابن مسلمة ففيه حرج ويبطل بالقبلة حيث لم يوجبا الصلاة إلى أربع جهات والله أعلم (مسألة) قال (وهل يشترط اراقتهما أو خلطهما فيه روايتان) احداهما تشترط ذكره الخرقي لان معه ماء طاهرا بيقين فلم يجز له التيمم مع وجوده فإذا خلطهما أو أراقهما جاز له التيمم لانه لم يبق

[ 52 ]

معه ماء طاهر (والثانية) يجوز التيمم قبل ذلك اختاره أبو بكر وهو الصحيح لانه غير قادر على استعمال الطاهر أشبه مالو كان في بئر لا يمكنه الوصول إليه، فان احتاج اليهما للشرب لم تجب اراقتهما بغير خلاف لانه يجوز له التيمم لو كانا طاهرين فههنا أولى، فإذا أراد الشرب تحري وشرب من الذي يظن طهارته فان لم يغلب على ظنه شئ شرب من أحدهما لانه حال ضرورة فإذا شرب من أحدهما أو أكل من المشتبهة بالميتة فهل يلزمه غسل فيه؟ يحتمل وجهين (أحدهما) لا يلزمه لان الاصل الطهارة (والثاني) يلزمه لانه محل منع من استعماله لاجل النجاسة فلزمه غسل أثره كالمتيقن فان علم عين النجس استحب اراقته ليزيل الشك، فان احتاج إلى الشرب شرب من الطاهر وتيمم، وإن خاف العطش في ثاني الحال فقال القاضي يتوضأ بالطاهر ويحبس النجس لانه غير محتاج إلى شربه في الحال فلم يجز التيمم مع وجوده. قال شيخنا: والصحيح إن شاء الله أنه يحبس الطاهر ويتيمم لان وجود النجس كعدمه عند الحاجة إلى الشرب في الحال فكذلك في المآل وخوف العطش في اباحة التيمم كحقيقته (مسألة) وإن اشتبه طهور بطاهر توضأ من كل واحد منهما وصلى صلاة واحدة. لا نعلم فيه خلافا

[ 53 ]

لانه أمكنه أداء فرضه بيقين من غير حرج فلزمه ذلك كما لو كانا طهورين فلم يكفه أحدهما، فان احتاج إلى أحد الاناءين للشرب تحرى وتوضأ بالطهور عنده وتيمم ليحصل له اليقين والله أعلم (مسألة) قال (وان اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة صلى في كل ثوب صلاة بعدد النجس وزاد صلاة) ولم يجز التحري وهذا قول ابن الماجشون لانه أمكنه أداء فرضه بيقين من غير حرج فلزمه كما لو اشتبه الطاهر بالطهور وكما لو فاتته صلاة من يوم لا يعلم عينها وقال أبو ثور والمزني: لا يصلي في شئ منها وقال أبو حنيفة والشافعي يتحرى كقولهما في الاواني والقبلة والاول أولى والفرق بين الثياب والاواني النجسة من وجهين (أحدهما) أن استعمال النجس في الاواني يتنجس به ويمنع صحة صلاته في الحال والمال بخلاف الثياب (الثاني) أن الثوب النجس يباح له الصلاة فيه إذا لم يجد غيره بخلاف الماء النجس والفرق بينه وبين القبلة من ثلاثة أوجه (أحدها) أن القبلة يكثر فيها الاشتباه (الثاني) أن الاشتباه ههنا حصل بتفريطه لانه كان يمكنه تعليم النجس بخلاف القبلة (الثالث) ان القبلة عليها أدلة من النجوم وغيرها فيغلب على الظن مع الاجتهاد فيها الاصابة بحيث يبقى احتمال الخطأ وهما ضعيفا بخلاف الثياب (فصل) فان لم يعلم عدد النجس صلى حتى يتيقن أنه صلى في ثوب طاهر فان كثر ذلك وشق

[ 54 ]

فقال ابن عقيل يتحرى في أصح الوجهين دفعا للمشقة (والثاني) لا يتحرى لان هذا يندر جدا فالحق للغالب (فصل) فان سقط على انسان من طريق ماء لم يلزمه السؤال عنه قال صالح سألت أبي عن الرجل يمر بموضع فيقطر عليه قطرة أو قطرتان فقال أن كان مخرجا يعنى خلاء فاغسله وان لم يكن مخرجا فلا تسأل عنه فان عمر رضي الله عنه مر هو وعمرو بن العاص على حوض فقال عمرو: يا صاحب الحوض أترد على حوضك السباع؟ فقال عمر يا صاحب الحوض لا تخبرنا فانا نرد عليها وترد علينا، رواه مالك في الموطأ، فان سأل فقال ابن عقيل: لا يلزم المسئول رد الجواب لخبر عمر قال شيخنا ويحتمل

[ 55 ]

أن يلزمه لانه سئل عن شرط الصلاة فلزمه الجواب كما لو سئل عن القبلة وخبر عمر يدل على أن سؤر السباع طاهر والله أعلم (باب الآنية) قال رحمه الله (كل إناء طاهر يباح اتخاذه واستعماله لو كان ثمينا كالجوهر ونحوه) وجملة ذلك أن جميع الآنية الطاهرة مباح اتخاذها واستعمالها سواء كان ثمينا كالبلور والياقوت والزمرد أو ليس بثمين كالعقيق والخشب والخزف والحجارة والصفر والحديد والادم ونحوه في قول عامة أهل العلم الا أنه روى عن ابن عمر أنه كره الوضوء في الصفر والنحاس والرصاص وما أشبهه واختار ذلك أبو الفرج المقدسي لان الماء يتغير فيها وقال وروي أن الملائكة تكره ريح النحاس وقال الشافعي في أحد قوليه ما كان ثمينا لنفاسة جوهره فهو محرم لان فيه سرفا وخيلاء وكسر قلوب الفقراء أشبه الاثمان ولان تحريم آنية الذهب والفضة تنبيه على تحريم ما هو أنفس منها

[ 56 ]

ولنا ما روى عبد الله بن زيد قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخرجنا له ماء في تور من صفر فتوضأ، رواه البخاري وعن عائشة قالت: كنت اغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم في تور من شبه رواه أبو داود وأما آنية الجواهر فلا يصح قياسها على الاثمان لوجهين (أحدهما) أن هذا لا يعرفه الاخواص الناس فلا تنكسر قلوب الفقراء لكونهم لا يعرفونه (الثاني) أن هذه الجواهر لقلتها لا يحصل اتخاذ الآنية منها الا نادرا ولو اتخذت كانت مصونة لا تستعمل ولا تظهر غالبا فلا تفضي اباحتها إلى استعمالها بخلاف آنية الذهب والفضة فانها في مظنة الكثرة فكان التحريم متعلقا بالمظنة فلم يتجاوزه كما تغلق حكم التحريم في اللباس بالحرير وجاز استعمال القصب من الثياب وان زادت قيمته على قيمة الحرير ولو جعل فص خاتمه جوهرة ثمينة جاز ولو جعله ذهبا لم يجز (مسألة) قال (الا آنية الذهب والفضة والمضبب بهما فانه يحرم اتخاذها واستعمالها على الرجال والنساء) قال شيخنا رحمه الله لا يختلف المذهب فيما علمنا في تحريم اتخاذ آنية الذهب والفضة وحكي عن

[ 57 ]

الشافعي اباحته لتخصيص النهي بالاستعمال ولانه لا يلزم من تحريم الاستعمال تحريم الاتخاذ كما لو اتخذ الرجل ثياب الحرير وذكره بعض أصحابنا وجها في المذهب ولنا أن ما حرم استعماله مطلقا حرم اتخاذه على هيئة الاستعمال كالملاهي، وأما ثياب الحرير فانها تباح للنساء وتباح التجارة فيها فحصل الفرق وأما تحريم استعمالها فهو قول أكثر أهل العلم منهم أبو حنيفة ومالك. وعن معاوية بن قرة أنه قال لا بأس بالشرب من قدح فضة، وعن الشافعي قول انه مكروه غير محرم لان النهي لما فيه من التشبه بالاعاجم فلا يقتضي التحريم ولنا ما روى حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافهما فانها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة " وعن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الذي يشرب في آنية الذهب والفضه انما يجرجر في بطنه نار جهنم " متفق عليهما فتوعد عليه بالنار فدل على تحريمه ولان في ذلك سرفا وخيلاء وكسر قلوب الفقراء - دل الحديثان على تحريم الاكل والشرب فكذلك الطهارة وسائر الاستعمال ولانه إذا حرم في غير العبادة

[ 58 ]

ففيها أولى ولا فرق في ذلك بين الرجال والنساء لعموم النص والمعنى فيهما وانما أبيح التحلي في حق المرأة لحاجتها إلى التزين للزوج وهذا يختص الحلي فاختصت الاباحة به، وكذلك المضبب بهما فان كان كثيرا فهو محرم بكل حال ذهبا كان أو فضة لحاجة أو غيرها وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة هو مباح لانه تابع للمباح أشبه اليسير ولنا ما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من شرب في اناء من ذهب أو فضة أو اناء فيه شئ من ذلك فانما يجرجر في بطنه نار جهنم " رواه الدار قطني ولان فيه سرفا وخيلاء أشبه الصفر الخالص وفارق اليسير فانه لا يوجد فيه المعنى المحرم (مسألة) قال (فان توضأ منها أو اغتسل فهل تصح طهارته؟ على وجهين) أحدهما: تصح طهارته اختاره الخرقي وهو قول أصحاب الرأي والشافعي واسحاق وابن المنذر لان فعل الطهارة وماءها لا يتعلق بشئ من ذلك أشبه الطهارة في الدار المغصوبة. والثاني: لا تصح، اختاره أبو بكر لانه

[ 59 ]

استعمل المحرم في العبادة فلم تصح كما لو صلى في دار مغصوبة والاول أصح، ويفارق هذا الصلاة في الدار المغصوبة لان القيام والقعود والركوع والسجود في الدار المغصوبة محرم وهي أفعال الصلاة وأفعال الوضوء من الغسل والمسح ليس بمحرم إذ ليس هو استعمال للاناء وانما يقع ذلك بعد رفع الماء من الاناء وفصله عنه فهو كما لو اغترف باناء فضة في إناء غيره وتوضأ منه ولان المكان شرط في الصلاة لا يمكن وجودها إلا به والاناء ليس بشرط فهو كما لو صلى وفي يده خاتم ذهب، فان جعل آنية الذهب مصبا لماء الوضوء والغسل يقع فيه الماء المنفصل عن العضو صح الوضوء لان المنفصل الذي يقع في الآنية قد رفع الحدث فلم يبطل بوقوعه في الاناء، ويحتمل أن تكون كالتي قبلها ذكره ابن عقيل لان الفخر والخيلاء وكسر قلوب الفقراء حاصل ههنا كحصوله في التي قبلها بل هو ههنا أبلغ وفعل الطهارة يحصل هاهنا قبل وصول الماء إلى الاناء وفي التي قبلها بعد فصله عنه فهي مثلها في المعنى وإن افترقا في الصورة

[ 60 ]

(فصل) فان توضأ بماء مغصوب فهو كما لو صلى في ثوب مغصوب لا تصح في أصح الوجهين ووجهه ما يأتي في بابه (مسألة) قال (الا أن تكون الضبة يسيرة من الفضة كتشعيب القدح فلا بأس بها إذا لم يباشرها بالاستعمال) وممن رخص في ضبة الفضه سعيد بن جبير وميسرة وطاوس والشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي واسحاق، وقال قد وضع عمر بن عبد العزيز فاه بين ضبتين، وكان ابن عمر لا يشرب من قدح فيه فضة ولا ضبة، وكره الشرب في الاناء المفضض علي بن الحسين وعطاء وسالم والمطلب بن حنظب ونهت عائشة أن يضبب الآنية أو يحلفها بالفضة ونحوه قول الحسن وابن سيرين، ولعلوم كرهوا ما قصد به الزينة أو كان كثيرا فيكون قولهم وقول الاولين واحدا ولا يكون في للسألة خلافا، فأما اليسير كتشعيب القدح ونحوه فلا بأس به لما روى أنس بن مالك ان قدح النبي صلى الله عليه وسلم انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة رواه البخاري، قال القاضي: يباح

[ 61 ]

يسير الفضة مع الحاجة وعدمها لما ذكرنا ولانه ليس فيه سرف ولا خيلاء أشبه الصفر الا أنه كره الحلقة لانها تستعمل، وقال أبو الخطاب لا نباح الا لحاجة لان الخبر انما ورد في تشعيب القدح وهو للحاجة ومعنى ذلك أن تدعو الحاجة إلى فعله وليس معناه أن لا يندفع بغيره ويكره مباشرة موضع الفضة بالاستعمال لئلا يكون مستعملا للفضة التي جاء الوعيد في استعمالها (مسألة) قال (وثياب الكفار وأوانيهم طاهرة مباحة الاستعمال ما لم تعلم نجاستها) والكفار على ضربين أهل الكتاب وغيرهم، فأما أهل الكتاب فيباح أكل طعامهم وشرابهم، واستعمال آنيتهم ما لم تعلم نجاستها، قال ابن عقيل لا تختلف الرواية في أنه لا يحرم استعمال أوانيهم لقول الله تعالى (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) وعن عبد الله بن مغفل قال: دلي جراب من شحم يوم

[ 62 ]

خيبر فالتزمته وقلت والله لا أعطي أحدا منه شيئا فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم رواه مسلم، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أضافه يهودي بخبز واهالة سنخة من المسند وتوضأ عمر من جرة نصرانية. وهل يكره استعمال أوانيهم على روايتين (احداهما) لا يكره لما ذكرنا (والثانية) يكره لما روى أبو ثعلبة الخشني قال: قلت يا رسول الله انا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ان وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها " متفق عليه، وأقل أحوال النهي الكراهة، ولانهم لا يتورعون عن النجاسة ولا تسلم آنيتهم منها وأدنى ما يؤثر ذلك الكراهة، وأما ثيابهم فما لم يتسعملوه أو علا منها كالعمامة والثوب الفوقاني فهو طاهر لا بأس بلبسه وما لاقى عوراتهم كالسراويل ونحوه فروي عن أحمد أنه قال أحب إلي أن يعيد إذا صلى فيه وهذا قول القاضي. وكره أبو حنيفة والشافعي لبس الازر والسراويلات وقال أبو الخطاب لا يعيد لان الاصل الطهارة فلا تزول بالشك

[ 63 ]

(الضرب الثاني) غير أهل الكتاب وهم المجوس وعبدة الاوثان ونحوهم ومن يأكل لحم الخنزير من أهل الكتاب في موضع يمكنهم أكله أو يأكل الميتة أو يذبح بالسن والظفر فحكم ثيابهم حكم ثياب أهل الذمة عملا بالاصل، وأما اوانيهم فقال أبو الخطاب حكمها حكم أواني أهل الكتاب يباح استعمالها ما لم يتحقق نجاستها وهذا مذهب الشافعي لان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه توضأوا من مزادة مشركة. متفق عليه. ولان الاصل الطهارة فلا تزول بالشك، وقال القاضي هي نجسة لا يستعمل ما استعملوه منها الا بعد غسله لحديث أبي ثعلبة ولان أوانيهم لا تخلو من أطعمتهم وذبائحهم ميتة فتتنجس بها وهذا ظاهر كلام أحمد فانه قال في المجوس لا يؤكل من طعامهم الا الفاكهة لان الظاهر نجاسة آنيتهم المستعملة في اطعمتهم، ومتى شك في الاناء هل استعملوه أم لا فهو طاهر لان الاصل طهارته، ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في إباحة لبس الثوب الذي نسجه الكفار فان النبي صلى الله عليه وسلم واصحابه انما كان لباسهم من نسج الكفار الا ان ابن أبي موسي ذكر في الارشاد في وجوب غسلها قبل لبسها روايتين (احداهما) لا يجب وهو الصحيح لما ذكرنا (والثانية) يجب ليتيقن الطهارة، فاما ثيابهم التى يلبسونها فاباح الصلاة فيها الثوري وأصحاب الرأي، وقال مالك في ثوب الكافر ان صلى فيه يعيد ما دام في الوقت. ولنا ان الاصل الطهارة ولم يترجح التنجيس فيه أشبه ما نسجه الكفار (فصل) وتباح الصلاة في ثياب الصبيان والمربيات وفي ثوب المرأة الذي تحيض فيه إذا لم

[ 64 ]

تتحقق نجاسته وهو قول الثوري وأصحاب الرأى لان النبي صلى الله عليه وسلم صلى وهو حامل أمامة بنت أبي العاص بن الربيع متفق عليه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فإذا سجد وثب الحسن على ظهره، قال أصحابنا والتوقي لذلك أولى لاحتمال النجاسة فيه وقد روى أبو داود عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلي في شعرنا ولحفنا. ولعاب الصبيان طاهر وقد روى أبو هريرة قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم حامل الحسين بن علي على عاتقه ولعابه يسيل عليه (فصل) ولا يجب غسل الثوب المصبوغ في حب الصباغ مسلما كان أو كتابيا نص عليه أحمد عملا بالاصل فان علمت نجاسته طهر بالغسل وان بقي اللون لقوله عليه السلام في الدم " الماء يكفيك ولا يضرك أثره " رواه أبو داود (فصل) ويستحب تخمير الاواني وإيكاء الاسقية لما روى أبو هريرة قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نغطي الاناء، ونوكي السقاء (مسألة) قال (ولا يطهر جلد الميتة بالدباغ). هذا هو الصحيح من المذهب وهو إحدى الروايتين عن مالك روي ذلك عن عمر وابنه وعائشة وعمران بن حصين رضي الله عنهم لما روى عبد الله بن عكيم أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى جهينة " اني كنت رخصت لكم في جلود الميتة فإذا جاءكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة باهاب ولا عصب " رواه أبو داود وليس في رواية أبي داود " كنت رخصت لكم " والامام احمد. وقال

[ 65 ]

اسناد جيد يرويه يحيى بن سعيد عن شعبة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه وفي لفظ أتانا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بشهر أو شهرين وهو ناسخ لما قبله لانه في آخر عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولفظه دال على سبق الرخصة وانه متأخر عنه لقوله " كنت رخصت لكم " وانما يؤخذ بالآخر من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم (فان قيل) هذا مرسل لانه من كتاب لا يعرف حامله قلنا كتاب النبي صلى الله عليه وسلم كلفظه ولذلك لزمت الحجة من كتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم وحصل له البلاغ لانه لو لم يكن حجة لم تلزمهم الاجابة ولكان لهم عذر في ترك الاجابة لجهلهم بحامل الكتاب والامر بخلاف ذلك، وروى أبو بكر الشافعي باسناده عن أبي الزبير عن جابر ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا تنتفعوا من الميتة بشئ " واسناده حسن ولانه جزء من الميتة فحرم الانتفاع به كسائرها ولقوله تعالى (حرمت عليكم الميتة (1) (مسألة) وهل يجوز استعماله في اليابسات (على روايتين) (احداهما) لا يجوز لحديث عبد الله بن عكيم (والثانية) يجوز الانتفاع بجلد ما كان طاهرا حال الحياة إذا دبغ لان النبي صلى الله


1) الشبه بفتحين من المعادن ما يشبه الذهب في لونه وهو أرفع الصفر بضم الصاد (كقفل) وكسرها النحاس وتقدم ذكره

[ 66 ]

عليه وسلم وجد شاة ميتة أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا أخذوا اهابها فدبغوه فانتفعوا به " رواه مسلم ولان الصحابة رضي الله عنهم لما فتحوا فارس انتفعوا بسروجهم وأسلحتهم وذبائحهم ميتة ونجاسته لا تمنع الانتفاع به كالاصطياد بالكلب وركوب البغل والحمار (مسألة) (وعنه يطهر منها جلد ما كان طاهرا حال الحياة) نص أحمد على ذلك قال بعض أصحابنا إنما يطهر جلد ما كان مأكول اللحم وهو مذهب الاوزاعي وأبي ثور واسحاق لانه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ذكاة الاديم دباغه " رواه الامام أحمد وأبو داود فشبه الدباغ بالذكاة والذكاة انما تعمل في مأكول اللحم ولانه أحد المطهرين للجلد فلم يؤثر في غير مأكول كالذبح والاول ظاهر كلام أحمد لعموم لفظه في ذلك ولان قوله صلى الله عليه وسلم " أيما أهاب دبغ فقد طهر " يتناول

[ 67 ]

المأكول وغيره وخرج منه ما كان نجسا في الحياة لكون الدبغ انما يؤثر في رفع نجاسة حادثة بالموت فتبقى فيما عداه على قضية العموم، وحديثهم يحتمل أنه أراد بالذكاة التطيبب من قولهم رائحة ذكية أي طيبة ويحتمل أنه أراد بالذكاة الطهارة فعلى هذين التأويلين يكون اللفظ عاما في كل جلد فيتناول ما اختلفنا فيه ويدل على التأويل الذي ذكرنا أنه لو أراد بالذكاة الذبح لاضافه إلى الحيوان كله لا إلى الجلد (فصل) فأما جلود السباع فقال القاضي: لا يجوز الانتفاع بها قبل الداغ ولا بعده، وبذلك قال الاوزاعي وابن المبارك واسحاق وأبو ثور، وروي عن عمر وعلي رضي الله عنهما كراهة الصلا في جلود الثعالب ورخص في جلود السباع جابر، وروي عن ابن سيرين وعروة أنهم رخصوا في الركوب على جلود النمور ومذهب الشافعي طهارة جلود الحيوانات كلها الا الكلب والخنزير لانه يرى طهارتها

[ 68 ]

في حال الحياة وله في جلد الآدمي وجهان، وقال أبو حنيفة يطهر كل جلد إلا جلد الخنزير، وحكي عن أبي يوسف طهارة كل جلد وهو رواية عن مالك ومذهب من حكم بطهارة الحيوانات كلها لعموم قوله صلى الله عليه وسلم " أيما إهاب دبغ فقد طهر " متفق عليه ولنا ما روى أبو ريحانة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ركوب النمور رواه الامام أحمد وأبو داود، وعن معاوية والمقدام بن معد يكرب أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن جلود السباع والركوب عليها. رواه أبو داود والنسائي مع ما ذكرناه، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الانتفاع بشئ من الميتة فجمعنا بين هذه الاحاديث وبين الاحاديث الدالة على طهارة جلود الميتة بحملها على ما كان طاهرا حال الحياة وحمل أحاديث النهي على ما لم يكن طاهرا لانه متى أمكن الجمع بين الاحاديث ولو من وجه كان أولى من التعارض بينها - يحقق ذلك أن الدبغ انما يزيل النجاسة

[ 69 ]

الحادثة بالموت ويرد الجلد إلى ما كان عليه حال الحياة فإذا كان في الحياة نجسا لم يؤثر فيه الدباغ شيئا والله أعلم. (فصل) وإذا قلنا بطهارة الجلد بالدباغ لم يحل أكله في قول عامة أهل العلم، وحكي عن ابن حامد انه يحل وهو وجه لاصحاب الشافعي لقوله صلى الله عليه وسلم " ذكاة الاديم دباغه " ولانه معنى يفيد الطهارة في الجلد أشبه الذبح، وظاهر قول الشافعي انه ان كان من حيوان مأكول جاز أكله لان الدباغ بمنزلة الذكاة والا لم يجز لان الذكاة لا تبيحه فالدباغ أولى، والاول أصح لقوله عزوجل (حرمت عليكم الميتة) والجلد منها ولقوله صلى الله عليه وسلم " انما حرم من الميتة أكلها " متفق عليه ولا يلزم من الطهارة اباحة الاكل بدليل تحريم الخبائث مما لا ينجس بالموت وقياسهم لا يقبل مع معارضة الكتاب والسنة (فصل) ويجوز بيعه واجارته والانتفاع به في كل ما يمكن سوى الاكل وهو قول الشافعي في الجديد ولا يجوز بيعه قبل الدبغ لا نعلم فيه خلافا لانه متفق على نجاسته أشبه الخنزير ويفتقر ما يدبغ

[ 70 ]

به إلى أن يكون منشفا للرطوبة منقيا للخبث كالشب والقرظ قال ابن عقيل يشترط أن يكون طاهرا لانها طهارة من نجاسة فلم تطهر بنجس كالاستجمار وهل يطهر الجلد بمجرد الدبغ قبل غسله بالماء؟ فيه وجهان (أحدهما) لا يحصل لقول النبي صلى الله عليه والسلم " يطهرها الماء والقرظ " رواه أبو داود ولان ما يدبغ به نجس بملاقاة الجلد فإذا اندبغ الجلد بقيت الآلة نجسة فتبقى نجاسة الجلد لملاقاتها له فلا تزول إلا بالغسل (والثاني) يطهر لقوله صلى الله عليه وسلم " ايما اهاب دبغ فقد طهر " ولانه طهر بانقلابه فلم يفتقر إلى استعمال الماء كالخمرة إذا انقلبت وروت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " طهور كل أديم دباغه قال شيخنا والاول أولى فان المعنى والخبر انما يدلان على طهارة عينه وذلك لا يمنع من وجوب غسله من نجاسة تلاقيه كما لو أصابته نجاسة سوى آلة الدبغ أو أصابته آلة الدبغ بعد فصله عنها ولاصحاب الشافعي وجهان كهذين

[ 71 ]

(فصل) ولا يفتقر الدبغ إلى فعل فلو وقع جلد في مدبغة فاندبغ طهر لانها ازالة نجاسة فهو كالمطر يطهر الارض النجسة (مسألة) قال ولا يطهر جلد غير المأكول بالذكاة وهذا قول الشافعي، وقال أبو حنيفة ومالك يطهر لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ذكاة الاديم دباغه " شبه الدبغ بالذكاة والدبغ بطهر الجلد على ما مضى كذلك الذكاة ولنا ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن افتراش جلود السباع وركوب النمور وهو عام في المذكى وغيره ولانه ذبح لا يبيح اللحم فلم يطهر الجلد كذبح المجوسي والخبر قد أجبنا عنه فيما مضى. وأما قياس الذكاة على الدبغ فلا يصح فان الدبغ أقوى لانه يزيل الخبث والرطوبات كلها ويطيب الجلد على وجه يتهيأ به للبقاء على وجه لا يتغير والذكاة لا يحصل بها ذلك ولا يستغنى بها عن الدبغ فدل على انه أقوى

[ 72 ]

(مسألة) (ولبن الميتة نجس لانه مائع في وعاء نجس فتنجس به وكذلك انفحتها في ظاهر المذهب لما ذكرنا) وهو قول مالك والشافعي وروي انها طاهرة وهو قول أبي حنيفة وداود لان الصحابة رضي الله عنهم أكلوا الجبن لما دخلوا المدائن وهو يعمل بالانفحة وذبائحهم ميتة لانهم مجوس والاول أولى لانه مائع في إناء نجس أشبه مالو حلب في اناء نجس، وأما المجوس فقد قيل انهم ما كانوا يذبحون بأنفسهم وكان جزاروهم اليهود والنصارى ولو لم ينقل ذلك عنهم كان الاحتمال كافيا فانه قد كان فيهم اليهود والنصارى والاصل الحل فلا يزول بالشك وقد روي ان الصحابة رضي الله عنهم لما قدموا العراق كسروا جيشا من أهل فارس بعد أن وضعوا طعامهم ليأكلوه فلما فرغ المسلمون منهم جلسوا فأكلوا الطعام وهو لا يخلو من اللحم ظاهرا فلو حكم بنجاسة ما ذبح في بلدهم لما أكلوا من لحمهم، وإذا حكمنا بطهارة اللحكم فالجبن أولى، وعلى هذا لو دخل الانسان أرضا فيها مجوس وأهل كتاب كان له أكل جبنهم ولحمهم لما ذكرنا

[ 73 ]

(فصل) وإن ماتت الدجاجة وفيها بيضة قد صلب قشرها فهي طاهرة وهو قول أبي حنيفة وبعض الشافعية وابن المنذر، وكرهها علي بن أبي طالب وابن عمر ومالك والليث وبعض الشافعية لانها جزء من الميتة، ولنا أنها بيضة صلبة القشرة منفصلة عن الميتة أشبهت الولد إذا خرج حيا من الميتة وكراهية الصحابة محمولة على التنزيه استقذارا لها، وإن لم تكمل البيضة فقال بعض أصحابنا ما كان قشرها أبيض فهو طاهر وما لم يبيض فهو نجس لانه ليس عليه حائل حصين، واختار ابن عقيل انها لا تتنجس لان البيضة عليها غاشية رقيقة كالجلد وهو القشر قبل أن يقوى فلا يتنجس منها إلا مالاقى النجاسة كالسمن الجامد إذا ماتت فيه فأرة إلا أن هذه تطهر إذا غسلت لان لها من القوة ما يمنع دخول أجزاء النجاسة فيها بخلاف السمن والله أعلم

[ 74 ]

(مسألة) قال (وعظمها وقرنها وظفرها نجس) عظام الميتة النجسة نجسة مأكولة اللحم أو غيرها كالفيلة لا تطهر بحال وهذا قول مالك والشافعي واسحاق، ورخص في الانتفاع بعظام الفيلة محمد بن سيرين وابن جريج لما روى أبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج، وقال مالك ان الفيل ان ذكي فعظمه طاهر والا فهو نجس لان الفيل مأكول عنده، وقال الثوري وأبو حنيفة عظام الميتات طاهرة لان الموت لا يحلها (1) فلا تنجس به كالشعر ولنا قول الله تعالى (حرمت عليكم الميتة) والعظم من جملتها فيكون محرما والفيل لا يؤكل لحمه فيكون نجسا على كل حال، والدليل على تحريمه نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع متفق عليه والفيل أعظمها نابا وحديث ثوبان قال الخطابي عن الاصمعي العاج الذبل ويقال


1) الحكم صحيح والتعليل باطل كما ثبت في الاخبار والآثار. والمحرم من الميتة أكلها كما صح مرفوعا والفيل ذو ناب وليس من السباع والنهي عن السباع للكراهة عند مالك وهو ما نختار لضرورة الجمع بينه وبين حصر القرآن المحرمات في أربع

[ 75 ]

هو عظم ظهر السلحفاة البحرية وقولهم ان العظام لا يحلها الموت ممنوع لان الحياة تحلها وكل ما تحله الحياة يحله الموت بدليل قوله تعالى (قال من يحيي العظام وهي رميم؟ قل يحييها الذي أنشأها أول مرة) ولان دليل الحياة الاحساس والالم وهو في العظم أشد منه في اللحم والضرس يألم ويلحقه الضرس ويحس ببرد الماء وحرارته وما يحله الموت ينجس، والقرن والظفر والحافر كالعظم إن أخذ من مذكى فهو طاهر وإن أخذ من حي فهو نجس لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ما يقطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة " رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب. وكذلك ما يتساقط من قرون الوعول في حياتها ويحتمل ان هذا طاهر لانه طاهر متصلا مع عدم الحياة فيه فلم ينجس بفصله من الحيوان كالشعر والخبر أريد به ما يقطع من البهيمة مما فيه حياة فيموت بفصله بدليل الشعر فاما ما لا ينجس بالموت كالسمك فلا بأس بعظامه فانه لا ينجس بالموت فهو كالمذكى (مسألة) قال (وصوفها وشعرها وريشها طاهر) يعني شعر ما كان طاهرا في حياته وصوفه

[ 76 ]

روي ذلك عن الحسن وابن سيرين، وبه قال مالك والليث بن سعد والاوزاعي وإسحاق وابن المنذر وأصحاب الرأي، وروي عن أحمد ما يدل على أنه نجس وهو قول الشافعي لانه ينمي من الحيوان فنجس بموته كأعضائه، ولنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ وصوفها وشعرها إذا غسل " رواه الدار قطني وقال لم يأت به إلا يوسف بن السفر وهو ضعيف ولانه لا تفتقر طهارة منفصله إلى ذكاة أصله فلم ينجس بموته كأجزاء السمك والجراد ولانه لا حياة فيه وما لا تحله الحياة لا يموت، والدليل على أنه لا حياة فيه أنه لو كان فيه حياة لنجس بفصله من الحيوان في حال حياته لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ما أبين من حي فهو ميت " رواه أبو داود بمعناه وما ذكروه ينتقض بالبيض ويفارق الاعضاء لان فيها حياة، ولذلك تنجس بفصلها من الحيوان حال حياته، والنمو لا يدل على الحياة بدليل نمو الشجر والريش كالشعر لانه في معناه فأما أصول الريش والشعر إذا نتف من

[ 77 ]

الميتة وهو رطب فهو نجس برطوبة الميتة وهل يطهر بالغسل على وجهين (أحدهما) يطهر كرءوس الشعر إذا تنجس (والثاني) لا يطهر لانه جزء من اللحم لم يكمل شعرا ولا ريشا (فصل) وشعر الآدمي طاهر منفصلا ومتصلا في الحياة والموت، وقال الشافعي في أحد قوليه ينجس بفصله (1) ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق شعره بين أصحابه قال أنس لما رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحر نسكه ناول الحالق شقه الايمن فحلقه ثم دعا أبا طلحة الانصاري فأعطاه اياه ثم ناوله الشق الايسر فقال: احلق فحلقه وأعطاه أبا طلحة فقال " اقسمه بين الناس " رواه مسلم، وروي أن معاوية أوصى أن يجعل نصيبه منه في فيه إذا مات. وكان في قلنسوه خالد شعرات من شعر النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان نجسا لما ساغ ذلك ولما فرقه النبي صلى الله عليه وسلم وقد علم أنهم يأخذونه يتبركون به وما كان طاهرا من النبي صلى الله عليه وسلم


1) ان كان الشافعي قال هذا فقد رجع هنا وقد زال الشارح هنا تبعا لاستاذه صاحب المغني فذكر شعر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المقام فخذفناه لبطلانه وتكريما لشعره عليه أفضل الصلاة والسلام

[ 78 ]

كان طاهرا ممن سواه كسائره ولانه شعر متصله طاهر فكذلك منفصله كشعر الحيوانات الطاهرة وكذلك نقول في أعضاء الآدمي وان سلمنا نجاستها فانها تنجس من الحيوانات بفصلها في الحياة بخلاف الشعر فحصل الفرق (فصل) ولا يجوز استعمال شعر الآدمي وان كان طاهرا لحرمته لا لنجاسته ذكره ابن عقيل فاما الصلاة فيه فصحيحة. (فصل) وكل حيوان فحكم شعره حكم بقية أجزائه في النجاسة والطهارة لا فرق بين حالة الحياة والموت إلا أن الحيوانات التي حكمنا بطهارتها لمشقة التحرز كالهر وما دونها فيها بعد الموت وجهان (أحدهما) نجاستها لانها كانت طاهرة في الحياة مع وجود علة التنجيس لمعارض وهو عدم امكان التحرز عنها وقد زال ذلك بالموت فتنتفي الطهارة (والثاني) هي طاهرة وهو أصح لانها كانت طاهرة في الحياة والموت لا يقتضي تنجيسها فتبقى طاهرة وما ذكر للوجه الاول لا يصح ولا نسلم

[ 79 ]

وجود علة التنجيس وإن سلمناه غير أن الشرع ألغاه ولم يعتبره في موضع فليس لنا اعتباره بالتحكم (فصل) وهل يجوز الخرز بشعر الخنزير فيه روايتان (احداهما) كراهته حكي ذلك عن الحسن وابن سيرين واسحاق والشافعي لانه استعمال للعين النجسة ولا يسلم من التنجيس بها فحرم الانتفاع بها كجلده (والثانية) يجوز الخرز به قال وبالليف أحب الينا، ورخص فيه الحسن ومالك والاوزاعي وأبو حنيفة لان الحاجة تدعو إليه، فإذا خرز به شيئا رطبا أو كانت الشعرة رطبة نجس ويطهر بالغسل، قال ابن عقيل وقد روي عن أحمد أنه لا بأس به ولعله قال ذلك لانه لا يسلم الناس منه وفي تكليف غسله اتلاف أموال الناس قال شيخنا والظاهر أن أحمد انما عنى لا بأس بالخرز فأما الطهارة فلابد منها

[ 80 ]

(باب الاستنجاء) الاستنجاء استفعال من نجوت الشجرة أي قطعتها فكأنه قطع الاذى عنه، وقال ابن قتيبة هو مأخوذ من النجوة وهي ما ارتفع من الارض لان من أراد قضاء الحاجة استتر بها، فأما الاستجمار فهو استفعال من الجمار وهي الحجارة الصغار لانه يستعملها في استجماره (مسألة) قال رحمه الله (يستحب لمن أراد دخول الخلاء أن يقول بسم الله) لما روى علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول بسم الله " رواه ابن ماجه ويقول " اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، ومن الرجس النجس الشيطان الرجيم " لما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء قال " اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث " متفق عليه، وعن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم " رواه ابن ماجه، قال أبو عبيدة الخبث بسكون الباء الشر، والخبث بضم الخاء والباء جمع خبيث، والخبائث جمع خبيثة استعاذ من ذكران الشياطين وانائهم

[ 81 ]

(مسألة) قال رحمه الله (ولا يدخله بشئ فيه ذكر الله تعالى) لما روى أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء وضع خاتمه. رواه ابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن صحيح غريب، وقيل انما كان النبي صلى الله عليه وسلم يضعه لان فيه محمد رسول الله فان احتفظ بما معه مما فيه ذكر الله واحترز عليه من السقوط وأدار فص الخاتم إلى كفه فلا بأس، قال أحمد الخاتم إذا كان فيه اسم الله يجعله في باطن كفه ويدخل الخلاء وبه قال إسحاق ورخص فيه ابن المسيب والحسن وابن سيرين، قال أحمد في الرجل يدخل الخلاء ومعه الدراهم أرجو أن لا يكون به بأس (مسألة) قال (ويقدم رجله اليسرى في الدخول واليمنى في الخروج) لان اليسرى للاذى واليمنى لما سواه (ولا يرفع ثوبه حتى يدنو من الارض لما روى أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان إذا أراد الحاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الارض ولان ذلك أسترله

[ 82 ]

(مسألة) (ويعتمد على رجله اليسرى) لما روى سراقة بن مالك قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتوكأ على اليسرى وأن ننصب اليمنى. رواه الطبراني في المعجم (مسألة) قال رحمه الله (ولا يتكلم) لما روى عبد الله بن عمر قال: مر بالنبي صلى الله عليه وسلم رجل فسلم عليه وهو يبول فلم يرد عليه. رواه مسلم ولا يذكر الله تعالى على حاجته بلسانه. روي كراهة ذلك عن ابن عباس وعطاء، وقال ابن سيرين والنخعي لا بأس به. ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد السلام الذي يجب رده فذكر الله أولى فان عطس حمد الله بقلبه ولم يتكلم، وقال ابن عقيل فيه رواية أخرى أن يحمد الله بلسانه والاول أولى لما ذكرناه، وروى أبو سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان فان الله يمقت على ذلك " رواه أبو داود وابن ماجه

[ 83 ]

(مسألة) قال (ولا يلبث فوق حاجته) لانه يقال ان ذلك يدمي الكبد ويأخذ منه الباسور (مسألة) قال (فإذا خرج قال غفرانك، الحمدالله الذي أذهب عنى الاذى وعافاني) لما روت عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال " غفرانك " رواه الترمذي وقال حديث حسن وعن أنس بن مالك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال: " الحمدلله الذي أذهب عني الاذى وعافاني " رواه ابن ماجه (فصل) ويستحب أن يغطى رأسه لما روت عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء غطى رأسه وإذا أتى أهله غطى رأسه. رواه البيهقي من رواية محمد بن يونس الكديمي وكان يتهم بوضع الحديث، ولا بأس أن يبول في الاناء قالت أمية بنت رقية كان للنبي صلى الله عليه وسلم قدح من عيدان يبول فيه ويضعه تحت السرير رواه أبو داود والنسائي

[ 84 ]

(مسألة) قال (وان كان في الفضاء) أبعد لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد رواه أبو داود (مسألة) قال (واستتر وارتاد مكانا رخوا) لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من أتى الغائط فليستتر فان لم يجد إلا أن يجمع كثيبا من رمل فليستدبره فان الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج " رواه أبو داود. ويرتاد مكانا رخوا لما روى ابو داود قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فأراد أن يبول فاتى دمثا في أصل جدار فبال ثم قال " إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله " رواه الامام احمد وأبو داود من رواية أبي التياح عن رجل كان يصحب ابن عباس لم يسمه عن أبي موسى ولئلا يترشش عليه البول ويستحب أن يبول قاعدا لئلا يترشش عليه ولانه أستر وأحسن، قال ابن مسعود من الجفاء أن تبول وأنت قائم قالت عائشة من

[ 85 ]

حدثكم ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يبول قائما فلا تصدقوه ما كان يبول إلا قاعدا. قال الترمذي هذا أصح شئ في الباب وقد رويت الرخصة فيه عن عمر وعلي وابن عمر وزيد بن ثابت لما روى حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال قائما رواه البخاري ومسلم والاول أولى لما روى عمر بن الخطاب قال رآني النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أبول قائما فقال " يا عمر لا تبل قائما " فما بلت قائما بعد. رواه ابن ماجه (1) وعن جابر قال نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبول قائما رواه ابن ماجه، وأما حديث حذيفة فلعل النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ليبين الجواز أو كان في موضع لا يتمكن من الجلوس فيه وقيل فعل ذلك لعلة كانت بمأبضه ليستشفي به والمأبض ما تحت الركبة من كل حيوان (مسألة) قال (ولا يبول في شق ولا سرب ولا طريق ولاظل نافع ولا تحت شجرة مثمرة) البول في هذه المواضع كلها مكروه منهي عنه ومثلها موارد الماء لما روى عبد الله بن سرجس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبال في الجحر رواه أبو داود قالوا لقتادة ما يكره من البول في الجحر؟ قال كان يقال انها مساكن الجن رواه الامام أحمد، وقد حكي عن سعد بن عبادة أنه بال في جحر ثم استلقى ميتا فسمعت الجن تقول نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة * ورميناه بسهمين فلم نخط فؤاده ولانه لا يأمن أن يكون فيه حيوان يلسعه، وروى معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " اتقوا الملاعن


1) لكنه ضعيف كما قاله الترمذي

[ 86 ]

الثلاثة البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل " رواه أبو داود وابن ماجه، والبول تحت الشجرة المثمرة ينجس الثمرة فيؤذي من يأكلها (فصل) ويكره البول في الماء الراكد لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البول في الماء الراكد متفق عليه، فأما الجاري فلا يجوز التغوط فيه لانه يؤذي من مر به، فأما البول فيه وهو كثير فلا بأس به لان تخصيص النهي بالماء الراكد دليل على أن الجاري بخلافه، ولا يبول في المغتسل لما روى الامام أحمد وأبو داود عن رجل صحب النبي صلى الله عليه وسلم قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسله، وقد روي ان عامة الوسواس منه، رواه

[ 87 ]

أبو داود وابن ماجه وقال سمعت علي بن محمد يقول انما هذا في الحفيرة فأما اليوم فمغتسلاتهم الجص والصاروج والقير فإذا بال وأرسل عليه الماء فلا بأس به، وقال الامام أحمد إن صب عليه الماء وجرى في البالوعة فلا بأس وقد قيل ان البصاق على البول يورث الوسواس وان البول على النار يورث السقم، ويكره أن يتوضأ على موضع بوله أو يستنجى عليه لئلا يتنجس به وتوقي ذلك كله أولى (مسألة) قال (ولا يستقبل الشمس ولا القمر) لما فيهما من نور الله وقد روي أن معهما ملائكة فان استتر عنهما بشئ فلا بأس ولا يستقبل الريح لئلا يتنجس باالبول (مسألة) (ولا يجوز أن يستقبل القبلة في الفضاء) وهذا قول أكثر أهل العلم لما روى أبو أيوب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط ولكن شرقوا أو غربوا " قال أبو أيوب فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو

[ 88 ]

الكعبة فننحرف عنها ونستغفر الله. متفق عليه ولم يقل البخاري ببول ولا غائط (1) وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها " رواه مسلم، وقال عروة وداود وربيعة يجوز استقبالها واستدبارها لما روى جابر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستقبل القبلة ببول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها قال الترمذي هذا حديث حسن غريب، وهذا دليل على النسخ. ولنا أحاديث النهي وهي صحيحة وحديث جابر يحتمل أنه رآه في البنيان أو مستترا بشئ فلا يثبت النسخ بالاحتمال ويتعين حمله على ما ذكرنا ليكون موافقا لما ذكر من الاحاديث (مسألة) (وفي استدبارها فيه واستقبالها في البنيان روايتان) وجملة ذلك ان استدبار الكعبة بالبول والغائط فيه ثلاث روايات (إحداها) يجوز في الفضاء والبنيان جميعا لما روي ابن عمر


1) اي في الحديث المسند ولكن ذكره في ترجمة الباب معزوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم

[ 89 ]

قال رقيت يوما على بيت حفصة فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم على حاجته مستقبل الشام مستدبرا للكعبة. متفق عليه (والثانية) لا يجوز ذلك فيهما لحديث أبي أيوب ولما روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها " رواه مسلم (والثالثة) يجوز ذلك في البنيان ولا يجوز في الفضاء وهو الصحيح روي جواز استقبال القبلة واستدبارها في البنيان عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم، وبه قال مالك والشافعي وابن المنذر لحديث جابر، ولما روت عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر له أن قوما يكرهون استقبال القبلة بفروجهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أقد فعلوها؟ استقبلوا بمقعدتي القبلة " رواه أصحاب السنن، قال أبو عبد الله أحسن ما روي في الرخصة حديث عائشة فان كان مرسلا فان مخرجه حسن انما سماه أبو عبد الله مرسلا لان عراك بن مالك رواه عن عائشة، قال أحمد ولم يسمع عنها، وروى مروان الاصفر قال رأيت ابن عمر أناخ ناقته (راحلته) مستقبل القبلة ثم جلس يبول إليها فقلت أبا عبد الرحمن: أليس نهي عن هذا؟ قال بلى انما نهي عن هذا في الفضاء أما إذا كان بينك وبين القبلة شئ يسترك فلا بأس. رواه أبو داود وهذا تفسير لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم العام وفيه جمع بين الاحاديث بحمل أحاديث النهي على الفضاء وأحاديث الرخصة على البنيان فيتعين المصير إليه، وأما

[ 90 ]

استقبالها في البنيان ففيه روايتان (احداهما) يجوز لما ذكرنا وبه قال مالك والشافعي (والثانية) لا يجوز وهو قول الثوري وأبي حنيفة لعموم أحاديث النهي والاول أولى (مسألة) قال (فإذا فرغ مسح بيده اليسرى من أصل ذكره إلى رأسه ثم ينتره ثلاثا) فيجعل يده على أصل الذكر من تحت الانثيين ثم يسلته إلى رأسه فينتر ذكره ثلاثا برفق لما روى يزداد اليماني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث مرات " رواه أحمد (مسألة) (ولا يمس ذكره بيمينه ولا يستجمر بها) لما روى أبو قتادة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول ولا يتمسح من الخلاء بيمينه " متفق عليه فان كان يستجمر من غائط أخذ الحجر بيساره فمسح به. وإن كان من البول أمسك ذكره بشماله ومسحه على الحجر فان كان الحجر، صغيرا وضعه بين عقبيه أو بين أصابعه ومسح عليه إن أمكنه وإلا أمسك الحجر بيمينه ومسح بيساره الذكر عليه، وقيل يمسك الذكر بيمينه ويمسحه بيساره والاول أولى لما ذكرنا من الحديث ولانه إذا أمسك الحجر بيمينه ومسح بيساره لم يكن ماسحا

[ 91 ]

بيمينه ولا ممسكا للذكر بها، فان كان أقطع اليسرى أو بها مرض استجمر بيمينه للحاجة. فأما الاستعانة بها في الماء فلا يكره لان الحاجة داعية إليه (فان استجمر بيمينه لغير حاجة أجزأه) في قول أكثر أهل العلم وحكي عن بعض أهل الظاهر أنه لا يجزئه لانه منهي عنه أشبه مالو استنجى بالروث والرمة والاول أولى لان الروث آلة الاستجمار المباشرة للمحل وشرطه فلم يجز استعمال الآلة المنهي عنها فيه واليد ليست المباشرة للمحل ولا شرطا فيه انما يتناول بها الحجر الملاقي للمحل فصار النهي عنها نهي تأديب لا يمنع الاجزاء (مسألة) (ثم يتحول عن موضعه لئلا يتنجس بالخارج منه ثم يستجمر ثم يستنجي بالماء) الجمع بين الحجر والماء أفضل لان الحجر يزيل ما غلظ من النجاسة فلا تباشرها يده. والماء يزيل ما بقي قال احمد: ان جمعهما فهو أحب إلي لما روي عن عائشة أنها قالت للنساء: مرن أزواجكن أن يتبعوا الحجارة الماء من أثر الغائط والبول فاني أستحبهما وان النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله قال الترمذي هذا حديث صحيح (مسألة) قال (ويجزئه أحدهما) في قول أكثر أهل العلم، وحكي عن سعد بن أبي وقاص وابن الزبير أنهما أنكرا الاستنجاء بالماء قال سعيد بن المسيب: وهل يفعل ذلك الا النساء؟ وقال عطاء غسل الدبر

[ 92 ]

محدث، والاول أولى لما روى أنس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل الخلاء فاحمل أنا وغلام نحوي أداوة من ماء وعنزة فيستنجى بالماء متفق عليه ولما ذكرنا من حديث عائشة وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " نزلت هذه الآية في أهل قباء (فيه رجال يحبون أن يتطهروا) قال كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيه هذه الآية " رواه أبو داود وروي عن ابن عمر انه كان لا يفعله ثم فعله وقال لنافع إنا جربناه فوجدناه صالحا ولانه يطهر النجاسة في غير محل الاستنجاء فجاز في محل الاستنجاء قياسا عليه، فأما الاقتصار على الاستجمار فهو جائز بغير خلاف بين أهل العلم لما يذكر من الاخبار وهو إجماع الصحابة رضي الله عنهم، ومتى أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل لما روينا من الاحاديث ولانه يزيل العين والاثر ويطهر المحل وأبلغ في التنظيف (مسألة) قال (الا أن يعدوا الخارج موضع الحاجة فلا يجزئ إلا الماء) مثل أن ينتشر إلى الصفحتين أو يمتد إلى الحشفة كثيرا وبهذا قال الشافعي وإسحاق وابن المنذر لان الاستجمار في المحل المعتاد رخصة لاجل المشقة في غسله لتكرر النجاسة فيه فما لا يتكرر لا يجزئ فيه إلا الماء كساقيه ولذلك قال علي رضي الله عنه - إنكم كنتم تبعرون بعرا وأنتم اليوم تثلطون ثلطا فاتبعوا الماء الاحجار فأما قوله عليه السلام " يكفي أحدكم ثلاثة أحجار " يحمل على ما إذا لم يتجاوز موضع العادة لما ذكرنا (فصل) والمرأة البكر كالرجل لان عذرتها تمنع انتشار البول، فأما الثيب فان خرج البول بحدة ولم ينتشر فكذلك وان تعدى إلى مخرج الحيض فقال أصحابنا يجب غسله لان مخرج الحيض غير مخرج البول، قال شيخنا ويحتمل أن لا يجب لان هذا إعادة في حقها فكفى فيه الاستجمار كالمعتاد في غيرها ولان الغسل لو لزمها لبينه النبي صلى الله عليه وسلم لازواجه لكونه مما يحتاج إلى معرفته، وان شك في انتشار الخارج لم يجب الغسل لان الاصل عدمه والاولى الغسل احتياطا

[ 93 ]

(فصل) والاقلف ان كانت بسرته لا تخرج من قلفته فهو كالمختتن وان كان يمكنه كشفها كشفها فإذا بال واستجمر أعادها، وان تنجست بالبول لزمه غسلها كما لو انتشر إلى معظم الحشفة (فصل) وان انسد المخرج المعتاد وانفتح آخر لم يجز فيه الاستجمار، وحكي عن بعض أصحابنا أنه يجزئه لانه صار معتادا - ولنا أن هذا نادر بالنسبة إلى سائر الناس فلم يثبت فيه أحكام الفرج ولان لمسه لا ينقض الوضوء ولا يتعلق بالايلاج فيه شئ من أحكام الوطئ أشبه سائر البدن (فصل) والاولى أن يبدأ الرجل بالاستنجاء في القبل لئلا تتلوث يده إذا شرع في الدبر لان قبله بارز فأما المرأة فهي مخيرة في البداية بايهما شاءت لعدم ذلك فيها وإذا استنجى بالماء ثم فرغ استحب له دلك يده بالارض لما روت ميمونة أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك رواه البخاري

[ 94 ]

ويستحب أن يمكث قليلا قبل الاستنجاء حتى ينقطع أثر البول فان استنجى عقيب انقطاعه جاز لان الظاهر انقطاعه، وقد قيل إن الماء يقطع البول ولذلك سمى الاستنجاء انتقاص الماء ويستحب أن ينضح على فرجه وسراويله بعد الاستنجاء ليزيل عنه الوسواس قال حنبل سألت أحمد قلت أتوضأ وأستبرئ وأجد في نفسي أني قد أحدثت بعد؟ قال: إذا توضأت فاستبرئ ثم خذ كفا من ماء فرشه في فرجك لا تلتفت إليه فانه يذهب إن شاء الله، وقد روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " جاءني جبريل فقال يا محمد إذا توضأت فانتضح " حديث غريب (فصل) وإذا استنجى بالماء لم يحتج إلى التراب لانه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استعمل التراب مع الماء في الاستنجاء ولا أمر به (مسألة) قال (ويجوز الاستجمار بكل طاهر ينقي كالحجر ونحوه الخشب والخرق) أما الاستجمار بالاحجار فلا خلاف فيه فيما علمنا وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار فانها تجزئ عنه " رواه أبو داود، فأما الاستجمار بما سواها كالخشب والخرق وما في معناها مما ينقي فهو جائز في الصحيح من المذهب وقول أكثر أهل العلم وعنه لا يجزئ الا الاحجار اختارها أبو بكر وهو مذهب داود لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالاحجار وأمره يقتضي الوجوب ولانه موضع رخصة ورد الشرع فيها بآلة مخصوصة فوجب الاقتصار عليها كالتراب في التيمم وقياسا على رمي الجمار، ولنا ما روى طاوس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " إذا أتى أحدكم البراز فلينزه قبلة الله فلا يستقبلها ولا يستدبرها وليستطب بثلاثة أحجار أو ثلاثة أعواد أو ثلاث حثيات من تراب " رواه الدار قطني قال وقد روي عن ابن عباس مرفوعا والصحيح انه مرسل وفي حديث سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم انه لينهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار وأن نستنجي برجيع أو عظم رواه مسلم. وتخصيص هذين بالنهي يدل على أنه أراد الحجارة وما قام مقامها والا لم يكن لتخصيص هذين بالنهي معنى، ولانه متى ورد النص بشئ لمعني معقول

[ 95 ]

وجب تعديته إلى ما وجد فيه المعنى، والمعني ههنا ازالة عين النجاسة وهذا يحصل بغير الاحجار كحصوله بها فأما التيمم فانه غير معقول (فصل) ويشترط فيما يستجمر به أن يكون طاهرا كما ذكر، فان كان نجسا لم يجزئه الاستجمار به وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة يجزئه لانه يجففه كالطاهر، ولنا أن ابن مسعود جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بحجرين وروثة ليستجمر بها فأخذ الحجر وألقى الروثة وقال " هذا ركس " يعني نجسا، رواه الترمذي وهذا تعليل من النبي صلى الله عليه وسلم يجب المصير إليه، ولانه ازالة نجاسة فلا تحصل بالنجس كالغسل، فان استجمر بنجس احتمل أن لا يجزئه الاستجمار بعده لانها نجاسة من خارج فلم يجز فيها غير الماء كما لو تنجس المحل بها ابتداء، ويحتمل أن يجزئه لان هذه النجاسة تابعة لنجاسة المحل فزالت بزوالها، ويشترط أن يكون مما ينقي لان الانقاء شرط في الاستنجاء فان كان زلجا كالزجاج والفحم الرخو وشبههما أو نديا لا ينقي لم يجز في الاستجمار لانه لا يحصل به المقصود (مسألة) قال (الا الروث والعظام والطعام وما له حرمة وما يتصل بحيوان) وجملة ذلك انه لا يجوز الاستجمار بالروث ولا العظام ولا يجزئ في قول أكثر أهل العلم وبهذا قال الثوري والشافعي واسحاق، وقال أبو حنيفة يجوز الاستجمار بهما لانهما يجففان النجاسة وينقيان المحل فهما كالحجر، وأباح مالك الاستنجاء بالطاهر منهما، ولنا ما روى مسلم عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام فانه زاد اخوانكم من الجن " وروى الدار قطني أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يستنجى بروث أو عظم وقال " انهما لا يطهران " وقال اسناد صحيح، وروى أبو داود عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لرويفع بن ثابت " اخبر الناس انه من استنجى برجيع أو عظم فهو برئ من محمد " وهذا عام في الطاهر منهما وغيره، والنهي يقتضي الفساد وعدم الاجزاء، وكذلك الطعام يحرم الاستنجاء

[ 96 ]

به بطريق التنبيه لان النبي صلى الله عليه وسلم علل النهي عن الروث والرمة بكونه زاد الجن فزادنا أولى لكونه أعظم حرمة، فان قيل فقد نهى عن الاستجمار باليمين كنهيه عن الاستجمار بهذين ولم يمنع ذلك الاجزاء فعنه جوابان (أحدهما) انه قد بين في الحديث انهما لا يطهران (الثاني) الفرق بينهما وهو ان النهي ههنا لمعنى في شرط الفعل فمنع صحته كالنهي عن الوضوء بالماء النجس وثم لمعنى في آلة الشرط فلم يمنع كالوضوء من إناء محرم وكذلك ماله حرمة مثل كتب الفقه والحديث لما فيه من هتك الشريعة والاستخفاف بحرمتها فهو في الحرمة أعظم من الروث والرمة وكذلك ما يتصل بحيوان كعقبه ويده وذنب البهيمة وصوفها المتصل بها لان له حرمة فهو كالطعام (مسألة) (ولا يجزئ أقل من ثلاث مسحات اما بحجر ذي شعب أو بثلاثة) أما الاستجمار بثلاثة أحجار فيجزئ إذا حصل بها الانقاء بغير خلاف علمناه لما ذكرناه من النص والاجماع فأما الحجر الذي له ثلاث شعب فيجوز الاستجمار به في ظاهر المذهب وهو اختيار الخرقي ومذهب الشافعي واسحاق وأبي ثور، وعن أحمد رواية أخرى لا يجزئ أقل من ثلاثة أحجار وهو قول أبي بكر وابن المنذر لقوله صلى الله عليه وسلم " لا يستنج أحدكم بدون ثلاثة أحجار " رواه مسلم ولا يكفي أحدكم دون ثلاثة احجار ولانه إذا استجمر بالحجر تنجس فلم يجز الاستجمار به ثانيا كالصغير. ولنا انه استجمر ثلاثا منقية بما وجد فيه شروط الاستجمار فأجزأه كما لو فصله ثلاثة احجار واستجمر بها فانه لا فرق بينهما إلا فصله ولا أثر لذلك في التطهير والحديث يقتضي ثلاث مسحات بحجر كما يقال ضربته ثلاثة اسواط أي ثلاث ضربات بسوط وذلك لان معناه معقول ومراده معلوم والحاصل من ثلاثة احجار حاصل من ثلاث شعب، ومن مسحه ذكره في صخرة عظيمة بثلاثة مواضع منها فلا معنى للجمود على اللفظ مع وجود ما يساويه، وقولهم ان الحجر يتنجس قلنا انما يمسح بالموضع الطاهر أشبه مالو تنجس جانبه بغير الاستجمار ولانه لو استجمر به ثلاثة حصل لكل واحد منهم مسحة وقام مقام ثلاثة احجار فكذلك إذا استجمر به الواحد (فصل) ولو استجمر ثلاثة بثلاثة احجار لكل حجر ثلاث شعب استجمر كل واحد بشعبة

[ 97 ]

من حجر أو استجمر بحجر ثم غسله وكسر ما تنجس منه ثم استجمر به ثانيا ثم فعل ذلك واستجمر به ثلاثا أجزأه لحصول المعنى والانقاء، ويحتمل على قول ابي بكر أن لا يجزئه جمودا على اللفظ وهو بعيد والله أعلم (فصل) ويشترط للاستجمار الانقاء وكمال العدد ومعى الانقاء في الاستجمار إزالة عين النجاسة وبللها بحيث يخرج نقيا ليس عليه أثر الا شيئا يسيرا، ومعنى الانقاء في الاستنجاء ذهاب لزوجة النجاسة وآثارها، فان وجد الانقاء ولم يكمل العدد لم يجزي وهذا مذهب الشافعي، وقال مالك يجزي وبه قال داود لحصول المقصود وهو الانقاء ولقوله صلى الله عليه وسلم " من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج " ولنا قول سلمان لقد نهانا يعني النبي صلى الله عليه وسلم أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار. فأما قوله " فلا حرج " في حديثهم يعني في ترك الوتر لا في ترك العدد لان المأمور به في الخبر الوتر فيعود نفي الحرج إليه (مسألة) (فان لم ينق بها زاد حتى ينقي) لان المقصود إزالة آثار النجاسة فإذا لم ينق لم يحصل مقصود الاستجمار (مسألة) قال (ويقطع على وتر) لما روى أبو هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من استجمر فليوتر " متفق عليه، وهو مستحب غير واجب لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج " رواه الامام احمد وأبو داود " فليستجمر ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو تسعا " فان أنقى بشفع أجزأ لما ذكرنا (فصل) وكيفما حصل الانقاء في الاستجمار أجزأ، وذكر القاضي ان المستحب أن يمر الحجر الاول من مقدم صفحته اليمنى إلى مؤخرها ثم يديره على اليسرى حتى يصل به إلى الموضع الذي بدأ منه ثم يمر الثاني من مقدم صفحته اليسرى كذلك ثم يمر الثالث على المسربة والصفحتين لقول النبي صلى الله عليه وسلم " أو لا يجد أحدكم حجرين للصفحتين وحجرا للمسربة، " رواه الدار قطني وقال إسناد حسن،

[ 98 ]

وذكر الشريف أبو جعفر وابن عقيل أنه ينبغي أن يعم المحل بكل واحد من الاحجار لانه إذا لم يعم كان تلفيقا فيكون مسحة واحدة وقالا معنى الحديث البداية بهذه المواضع، قال شيخنا ويحتمل أن يجزئه لكل جهة مسحة لظاهر الخبر والله أعلم (فصل) ويجزي الاستجمار في النادر كاجزائه في المعتاد، ولاصحاب الشافعي وجه انه لا يجزئ في النادر قال ابن عبد البر يحتمل أن يكون قول مالك لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسل الذكر من المذي وظاهر الامر الوجوب ولان النادر لا يتكرر فلا يشق اعتبار الماء فيه فوجب كغير هذا المحل - ولنا ان الخبر عام في الكل ولان الاستجمار في النادر انما وجب لما صحبه من بلة المعتاد، ثم إن لم يشق فهو في محل المشقة فيعتبر مظنة المشقة دون حقيقتها كما جاز الاستجمار على نهر جار. وأما المذي فمعتاد كثير وربما كان في بعض الناس أكثر من البول ولهذا أوجب مالك منه الوضوء وهو لا يوجبه من النادر فيجزئ فيه الاستجمار قياسا على سائر المعتاد والامر محمول على الاستحباب جمعا بينه وبين ما ذكرناه والله أعلم (مسألة) قال (ويجب الاستنجاء من كل خارج إلا الريح) سواء كان معتادا كالبول والغائط أو نادرا كالحصى والدود والشعر رطبا أو يابسا، فلو وطئ امرأته دون الفرج فدب ماؤه إلى فرجها ثم خرج منه وجب عليهما الاستنجاء هذا ظاهر كلام الخرقي وصرح به القاضي وغيره، ولو أدخل الميل في ذكره ثم أخرجه لزمه الاستنجاء لانه خارج من السبيل فأشبه الغائط المستحجر، والقياس أن لا يجب الاستنجاء من ناشف لا ينجس المحل وهو قول الشافعي، وهذا الحكم في الطاهر وهو المني إذا حكمنا بطهارته لان الاستنجاء انما شرع لازالة النجاسة ولا نجاسة ههنا، ولانه لم يرد به نص ولا هو في معنى المنصوص والقول بوجوب الاستنجاء في الجملة قول أكثر أهل العلم، وحكي عن

[ 99 ]

ابن سيرين فيمن صلى بقوم ولم يستنج لا أعلم به بأسا وهذا يحتمل أن يكون فيمن لم يلزمه الاستنجاء كمن توضأ من نوم أو خروج ريح، ويحتمل أنه لم ير وجوب الاستنجاء وهذا مذهب أبي حنيفة لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج " رواه أبو داود ولانها نجاسة يجزئ المسح فيها فلم يجب إزالتها كيسير الدم - ووجه الاول قول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار فانها تجزئ عنه " رواه أبو داود، وقال صلى الله عليه وسلم " لا يستنج أحدكم بدون ثلاثة أحجار " رواه مسلم أمر والامر يقتضي الوجوب وقال فانها تجزئ عنه والاجزاء انما يستعمل في الواجب، ونهى عن الاقتصار على أقل من ثلاثة أحجار والنهي يقتضي التحريم وإذا حرم ترك بعض النجاسة فالجميع أولى فأما قوله " لا حرج " يعني في ترك الوتر وقد ذكرناه وأما الاجتزاء بالمسح فيه فلمشقة الغسل لتكرر النجاسة في محل الاستنجاء. فأما الريح فلا يجب لها استنجاء لا نعلم فيه خلافا، قال أبو عبد الله ليس في الريح استنجاء في كتاب الله ولا في سنة رسوله وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من استنجى من ريح فليس منا " رواه الطبراني في المعجم الصغير، وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) إذا اقمتم من النوم ولم يأمر بغيره فدل على أنه لا يجب، ولان الوجوب من الشرع ولم يرد فيه نص ولا هو في معنى المنصوص ولانها ليست نجسة ولا يصحبها نجاسة فلا يجب غسل المحل منها كسائر المحال الطاهرة (مسألة) (فان توضأ قبله فهل يصح وضوؤه على روايتين) يعني إن توضأ قبل الاستنجاء (احداهما) لا يصح لانها طهارة يبطلها الحدث فاشترط تقديم الاستنجاء عليها كالتيمم (والثانية) يصح وهي أصح وهي مذهب الشافعي لانها إزالة نجاسة فلم تشترط لصحة الطهارة كالتي على غير الفرج فعلى هذه الرواية ان قدم التيمم خرج على الروايتين (احداهما) يصح قياسا على الوضوء (الثانية) لا يصح لانه لا يرفع الحدث وانما تستباح به الصلاة ولا تباح مع قيام المانع كما لو تيمم قبل الوقت، وقيل في التيمم لا يصح وجها واحدا لما ذكرنا، وإن كانت النجاسة على غير الفرج فهو كما لو كانت على الفرج ذكرها ابن عقيل لما ذكرنا من العلة. قال شيخنا: والاشبه التفريق بينهما كما افترقا في طهارة الماء، ولان نجاسة الفرج سبب وجوب التيمم فجاز أن يكون بقاؤها مانعا منه بخلاف سائر النجاسات

[ 100 ]

(باب السواك وسنة الوضوء) (مسألة) قال (والسواك مسنون في جميع الاوقات) لا نعلم خلافا في استحبابه وتأكده وذلك لما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " السواك مطهرة للفم مرضاة للرب " رواه الامام أحمد، وعن عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته بدأ بالسواك. رواه مسلم، وروى ابن ماجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " انى لاستاك حتى لقد خشيت أن أحفي مقادم فمي " (مسألة) قال (الا الصائم بعد الزوال فلا يستحب) قال ابن عقيل لا يختلف المذهب أنه لا يستحب للصائم السواك بعد الزوال لما نذكره، وهل يكره؟ على روايتين (احداهما) يكره وهو قول الشافعي وإسحاق وأبي ثور لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: يستاك ما بينه وبين الظهر ولا يستاك بعد ذلك. ولان السواك انما استحب لازالة رائحة الفم وقد قال صلى الله عليه وسلم " لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك " رواه الترمذي وقال حديث حسن وإزالة المستطاب عند الله مكروه كدم الشهداء وشعث الاحرام (والثانية) لا يكره وهو قول النخعي وابن سيرين وعروة ومالك وأصحاب الرأي وروي ذلك عن عمر وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم لعموم الاحاديث المروية في السواك ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من خير خصال الصائم السواك " رواه ابن ماجه وقال عامر بن ربيعة رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مالا أحصي يتسوك وهو صائم رواه الترمذي وقال حديث حسن

[ 101 ]

(فصل) أكثر أهل العلم يرون السواك سنة غير واجب. ولا نعلم أحدا قال بوجوبه إلا إسحاق وداود لانه مأمور به والامر يقتضي الوجوب. وروى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهرا وغير طاهر فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك عند كل صلاة، ووجه الاول قول النبي صلى الله عليه وسلم " لو لا أن أشق على أمتي لامرتهم بالسواك عند كل صلاة " متفق عليه وروى الامام احمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لو لا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك كما فرضت عليهم الوضوء " وهذان الحديثان يدلان على أنه غير واجب لان المشقة انما تلحق بالواجب ويدل على أن الامر في حديثهم أمر ندب واستحباب، ويحتمل أن يكون ذلك واجبا في حق النبي صلى الله عليه وسلم على الخصوص جمعا بين الخبرين (مسألة) قال (ويتأكد استحبابه في ثلاثة مواضع عند الصلاة للخبر) الاول ولما روى زيد بن خالد قال " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لو لا أن أشق على أمتي لامرتهم بالسواك عند كل صلاة " قال فكان خالد يضع السواك موضع القلم من اذن الكاتب كلما قام إلى الصلاة استاك رواه الترمذي وقال حديث صحيح (وعند القيام من النوم) لما روى حذيفة قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك، متفق عليه يعني يغسله يقال شاصه وماصه إذا غسله. وعن عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرقد من ليل أو نهار فيستيقظ الا تسوك قبل أن يتوضأ رواه الامام أحمد ولانه إذا نام ينطبق فوه فتغير رائحته (وعند تغير رائحة الفم) بمأكول أو غيره لان

[ 102 ]

السواك مشروع لتطييب الفم وإزالة رائحته، وقال الشيخ أبو الفرج يتأكد استحبابه عند قراءة القرآن والانتباه من النوم وتغير رائحة الفم (فصل) (ويستاك على أسنانه ولسانه) قال أبو موسى أتينا النبي صلى الله عليه وسلم فرأيته يستاك على لسانه متفق عليه (مسألة) (ويستاك بعود لين ينقي الفم ولا يجرحه ولا يضره ولا يتفتت فيه) كالاراك والعرجون لما روي عن ابن مسعود قال كنت أجتني لرسول الله صلى الله عليه وسلم سواكا من أراك رواه أبو يعلى الموصلي وقد رواه الامام أحمد عن ابن مسعود أنه كان يجتني سواكا من الاراك ولا يستاك بعود الرمان ولا الآس ولا الاعواد الذكية لانه روي عن قبيصة بن ذؤيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تخللوا بعود الريحان ولا الرمان فانهما يحركان عرق الجذام " رواه محمد ابن الحسين الازدي الحافظ باسناده وقيل السواك يعود الريحان يضر بلحم الفم (مسألة) (فان استاك باصبعه أو خرقة فهل يصيب السنة على وجهين) (أحدهما) لا يصيب السنة لانه لا يحصل الانقاء به حصوله بالعود (والثاني) يصيب من السنة بقدر ما يحصل من الانقاء ولا يترك القليل من السنة للعجز عن كثيرها وهو الصحيح لما روى أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يجزئ من السواك الاصابع " رواه البيهقي قال الحافظ محمد بن عبد الواحد المقدسي هذا اسناد لا أرى به بأسا

[ 103 ]

(مسألة) (ويستاك عرضا ويدهن غبا ويكتحل وترا) لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " استاكوا عرضا وادهنوا غبا واكتحلوا وترا " ولان السواك طولا ربما أدمى اللثة وأفسد الاسنان وروي الطبراني باسناده عن بهز قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يستاك عرضا، فان استاك على لسانه أو حلقه فلا بأس أن يستاك طولا لما روى أبو موسى قال دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يستاك وهو واضع طرف السواك على لسانه يستن إلى فوق فوصف حماد كانه يرفع سواكه قال حماد ووصفه لنا غيلان قال كأنه يستاك طولا رواه الامام أحمد. وروى الخلال باسناده عن عبد الله بن مغفل قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الترجل الا غبا. قال احمد معناه يدهن يوما ويوما، وروى جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " عليكم بالائمد فانه يجلو البصر وينبت الشعر " وروى أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من اكتحل فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج " والوتر ثلاث في كل عين وقيل ثلاث في اليمنى واثنان في اليسرى ليكون الوتر حاصلا في العينين معا (فصول في الفطرة) روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الفطرة خمس الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الاظفار ونتف الابط " متفق عليه. وروى عبد الله بن الزبير عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " عشر من الفطرة قص الشارب واعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص الاظفار وغسل البراجم ونتف الابط وحلق العانة وانتقاص الماء " قال بعض الرواة ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة قال وكيع: انتقاص الماء يعني الاستنجاء رواه مسلم، الاستحداد حلق العانة وهو مستحب لانه من الفطرة ويفحش بتركه وبأي شئ أزاله فلا بأس لان المقصود إزالته قيل لابي عبد الله ترى أن يأخذ الرجل سفلته بالمقراض وان لم يستقص؟ قال أرجو أن يجزئ إن شاء الله، قيل ما تقول في الرجل إذا نتف عانته؟ قال وهل يقوى على هذا أحد؟

[ 104 ]

وان اطلى بالنورة فلا بأس ولا يدع أحدا بلي عورته الا من يحل له الاطلاع عليها لما روى الخلال باسناده عن نافع قال كنت أطلي ابن عمر فإذا بلغ عانته نورها هو بيده وقد روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم والحلق أفضل لموافقته الحديث الصحيح (فصل) ونتف الابط سنة لانه من الفطرة ويفحش بتركه وان أزال الشعر بالنورة أو الحلق جاز والنتف أفضل لموافقته الخبر (فصل) ويستحب تقليم الاظفار لما ذكرنا ولانها تتفاحش بتركها وربما مكث الوسخ فيجتمع تحتها من المواضع المنتنة فيصير رائحة ذلك في رءوس أصابعه وربما منع وصول الماء في الطهارة إلى ما تحته، ويستحب أن يقلمها يوم الخميس لما روى علي رضي الله عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلم أظفاره يوم الخميس ثم قال " يا علي قص الظفر ونتف الابط وحلق العانة يوم الخميس، والغسل والطيب واللباس يوم الجمعة " وروي في حديث " من قص أظفاره مخالفا لم ير في عينيه رمدا " (1) وفسره أبو عبد الله بن بطة بأن يبدأ بخنصره اليمنى ثم الوسطى ثم الابهام ثم البنصر ثم السبابة ثم بابهام اليسرى ثم الوسطى ثم الخنصر ثم السبابة ثم البنصر، ويستحب غسل رءوس الاصابع بعد قص الاظفار لانه قيل ان الحك بالاظفار قبل غسلها يضر بالجسد، ويستحب دفن ما قلم من أظفاره أو أزال من شعره لما روى الخلال باسناده عن ثميل بنت مشرح الاشعرية قالت رأيت أبي يقلم أظفاره ويدفنها ويقول رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، وخرجه عنها البزار والطبراني والبيهقي في الشعر كذلك والحيكم الترمذي والبيهقي عن عبد الله بن بسر وأخرجه البيهقي وابن


1) هذا الحديث غير بل قال الحافظ السخاوي في المقاصد الحسنة. لم يثبت في كيفية قص الاظافر ولا في تعيين يوم له شئ عن النبي صلى الله عليه وسلم وما يعزى من النظم فيها لعلى فباطل

[ 105 ]

عدي عن ابن عمر يعني مشروعية الدفن، وعن ابن جريج عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كان يعجبه دفن الدم قال مهنا سألت أحمد عن الرجل يأخذ من شعره وأظفاره أيدفنه أو يلقيه؟ قال يدفنه، قلت بلغك فيه شئ؟ قال كان ابن عمر يدفنه (فصل) ويستحب قص الشارب لانه من الفطرة ويفحش إذا طال ولما روى زيد بن أرقم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من لم يأخذ من شاربه فليس منا " رواه الترمذي وقال حديث صحيح، ويستحب اعفاء اللحية لما ذكرنا من الحديث، وهل يكره أخذ ما زاد على القبضة، فيه وجهان (أحدهما) يكره لما روى ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خالفوا المشركين احفوا الشوارب واعفوا اللحى " متفق عليه (والثاني) لا يكره يروى ذلك عن عبد الله بن عمر، وروى البخاري قال كان عبد الله بن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه، ولا ينبغي أن يتركها أكثر من أربعين يوما لما روى أنس بن مالك قال وقت لنا في قص الشارب وتقليم الاظفار ونتف الابط وحلق العانة أن لا تترك أكثر من أربعين رواه مسلم (فصل) واتخاذ الشعر أفضل من ازالته قال اسحاق سئل أبو عبد الله عن الرجل يتخذ الشعر قال سنة حسنة لو أمكننا اتخذناه، وقال كان للنبي صلى الله عليه وسلم جمة وقال في بعض الحديث ان شعر النبي صلى الله عليه وسلم كان إلى شحمة أذنه وفي بعض الحديث إلى منكبيه، وروى البراء بن عازب قال ما رأيت من ذي لمة في حلة حمراء أحسن من النبي صلى الله عليه وسلم له شعر يضرب منكبيه متفق عليه، ويستحب أن يكون شعر الانسان على صفة شعر النبي صلى الله عليه وسلم إذا طال فالى المنكب وإذا قصر فالى شحمة الاذن وان طوله فلا بأس نص عليه أحمد، وقال أبو عبيدة: كان له عقيصتان وعثمان كان له عقيصتان، ويستحب ترجيل الشعر واكرامه لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من كان له شعر فليكرمه " رواه أبو داود، ويستحب فرقه لان النبي صلى الله عليه وسلم فرق شعره وذكره في الفطرة

[ 106 ]

(فصل) وهل يكره حلق الرأس في غير الحج والعمرة؟ فيه روايتان (احداهما) يكره لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال في الخوارج " سيماهم التحليق " وقال عمر لصبيغ: لو وجدتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك بالسيف، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " لا توضع النواصي الا في حج أو عمرة " أخرجه الدار قطني في الافراد (والثانية) لا يكره لكن تركه أفضل، قال حنبل كنت أنا وأبي نحلق رؤوسنا في حياة أبي عبد الله فيرانا ونحن نحلق فلا ينهانا وذلك لما روي عن عبد الله بن جعفر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء نعي جعفر أمهل آل جعفر ثلاثا أن يأتيهم ثم أتاهم قال " لا تبكوا على أخي بعد اليوم - ثم قال - ادعوا بي أخي - فجئ بنا قال - ادعوا لي الحلاق " فأمر بنا فحلق رؤوسنا. رواه أبو داود الطيالسي، وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القزع وقال " احلقه كله أو دعه كله " رواه أبو داود، ولانه لا يكره استئصال الشعر بالمقراض وهذا في معناه، قال ابن عبد البر أجمع العلماء في جميع الامصار على اباحة الحلق وكفى بهذا حجة، فأما أخذه بالمقراض واستئصاله فغير مكروه رواية واحدة قال أحمد انما كرهوا الحلق بالموسى وأما بالمقراض فليس به بأس لان أدلة الكراهة تختص الحلق (فصل) وحلق المرأة رأسها مكروه رواية واحدة من غير ضرورة لما روى الخلال باسناده عن قتادة عن عكرمة قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تحلق المرأة رأسها فان كان لضرورة جاز، قال الاثرم: سمعت أبا عبد الله يسئل عن المرأة تعجز عن شعرها وعن معالجته أتأخذه على

[ 107 ]

حديث ميمونة؟ فقال لاي شئ تأخذه؟ قيل له لا تقدر على الدهن وما يصلحه تقع فيه الدواب فقال إذا كان لضرورة فارجو أن لا يكون به بأس (فصل) ويكره نتف الشيب لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نتف الشيب وقال " إنه نور الاسلام " رواه الخلال في جامعه (فصل) ويكره حلق القفا لمن لم يحلق رأسه ولم يحتج إليه. قال المروذي سألت أبا عبد الله عن حلق القفا قال هو من فعل المجوس ومن تشبه بقوم فهو منهم وقال لا بأس أن يحلق قفاه في الحجامة فأما حف الوجه فقال أحمد: ليس به بأس للنساء واكرهه للرجال (فصل) وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن الواصلة والمستوصلة والنامصة والمنتمصة والواشرة والمستوشرة فهذه الخصال محرمة لان النبي صلى الله عليه وسلم لعن فاعلها، وفاعل المباح لا تجوز لعنته. والواصلة هي التي تصل شعرها أو شعر غيرها بغيره والمستوصلة الموصول شعرها بأمرها فوصله بالشعر محرم لما ذكرنا، فأما وصله بغير الشعر فان كان بقدر ما تشد به رأسها فلا بأس للحاجة وان كان أكثر من ذلك ففيه روايتان (إحداهما) أنه مكروه غير محرم لما روي عن معاوية أنه أخرج كبة من شعر وقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذا وقال " إنما هلك بنو اسرائيل حين اتخذ هذا نساؤهم " فخص التي تصله بالشعر فيمكن جعل ذلك تفسيرا للفظ العام في الحديث الذي ذكرناه ولان وصله بالشعر فيه تدليس بخلاف غيره (والثانية) أنه قال لا تصل المرأة برأسها الشعر ولا القرامل ولا الصوف وذلك لما روى الامام أحمد في مسنده عن جابر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تصل المرأة برأسها شيئا قال شيخنا والظاهر أن المحرم إنما هو وصل الشعر بالشعر لما فيه من التدليس واستعمال الشعر المختلف في نجاسته. وغير ذلك لا يحرم لعدم ذلك فيه وحصول المصلحة من تحسين المرأة لزوجها من غير مضرة وتحمل أحاديث النهي على الكراهة والله أعلم، فأما النامصة فهي التي تنتف الشعر من الوجه والمنتمصة المنتوف شعرها بامرها فلا يجوز للخبر، وان حلق الشعر فلا بأس لان الخبر ورد في النتف نص عليه أحمد، وأما الواشرة فهي التي تبرد

[ 108 ]

الاسنان لتحددها وتفلجها وتحسنها والمستوشرة المفعول بها ذلك باذنها، وفي خبر آخر لعن الواشمة والمستوشمة - والواشمة التي تغرز جلدها أو جلد غيرها بابرة ثم تحشوه كحلا والمستوشمة التي يفعل بها ذلك باذنها (فصل) ويستحب الطيب لان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعجبه الطيب ويتطيب كثيرا ويستحب النظر في المرآة قال حنبل: رأيت أبا عبد الله وكانت له صينية فيها مرآة ومكحلة ومشط فإذا فرغ من قراءة حزبه نظر في المرآة واكتحل وامتشط، وروى أبو أيوب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أربع من سنن المرسلين الحياء والتعطر والسواك والنكاح " رواه الامام أحمد (فصل) ويستحب خضاب الشيب بغير السواد قال أحمد اني لارى الشيخ المخضوب فأفرح به وذلك لما روي أن أبا بكر الصديق جاء بأبيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه ولحيته كالثغامة بياضا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " غيروهما وجنبوه السواد " ويستحب بالحناء والكتم لما روى الخلال وابن ماجه باسنادهما عن تميم بن عبد الله بن موهب قال دخلت على أم سلمة فأخرجت الينا شعرا من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم مخضوبا بالحناء والكتم. وخضب أبو بكر رضي الله عنه بالحناء والكتم ولا بأس بالورس والزعفران لان أبا مالك الاشجعي قال: كان خضابنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الورس والزعفران. ويكره الخضاب بالسواد، قيل لابي عبد الله تكره الخضاب بالسواد، قال إي والله لقول النبي صلى الله عليه وسلم " وجنبوه السواد " في حديث أبي بكر ولما روى ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يكون قوم في آخر الزمان يخضبون بالسواد كحواصل الحمام لا يربحون رائحة الجنة " ورخص فيه اسحاق بن راهويه للمرأة تتزين به لزوجها والله أعلم (مسألة) (ويكره القزع وهو حلق بعض الرأس) لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القزع وقال " احلقه كله أو دعه كله " رواه أبو داود. وفي شروط عمر رضي الله عنه على أهل الذمة أن يحلقوا مقادم رؤوسهم ليتميزوا عن المسلمين فمن فعل ذلك فقد تشبه بهم وقد نهي عن التشبه بهم

[ 109 ]

(مسألة) قال (ويجب الختان ما لم يخفه على نفسه) وجملة ذلك أن الختان واجب على الرجال ومكرمة للنساء وليس بواجب عليهن وهذا قول كثير من أهل العلم قال أحمد والرجل أشد وذلك أنه إذا لم يختتن فتلك الجلدة مدلاة على الكمرة فلا ينقى ماثم والمرأة أهون، وفيه رواية أخرى أنه يجب على المرأة كالرجل. قال أبو عبد الله وكان ابن عباس يشدد في أمره، وروي عنه لا حج له ولا صلاة يعني إذا لم يختتن. ورخص الحسن في تركه قال قد أسلم الناس الاسود والابيض لم يفتش أحد منهم ولم يختتنوا. والدليل على وجوبه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل أسلم " الق عنك شعر الكفر واختتن " رواه أبو داود وفي الحديث " اختتن ابراهيم خليل الرحمن بعد ما أتت عليه ثمانون سنة " متفق عليه واللفظ للبخاري وقال تعالى (وأوحينا اليك أن اتبع ملة ابراهيم) ولانه من شعائر المسلمين فكان واجبا كسائر شعائرهم، ولانه يجوز كشف العورة والنظر إليهم لاجله ولو لم يكن واجبا لما جاز النظر إلى العورة من أجله، وهذا ينتقض بالمرأة إذا قلنا لا يجب عليها فانه ليس واجبا عليها ويجوز كشف عورتها من أجله، فأما إن خاف على نفسه منه سقط لان الغسل والوضوء وما هو آكد منه يسقط بذلك فهذا أولى (فصل) ويشرع الختان في حق النساء لان قول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا التقى الختانان وجب الغسل " فيه بيان أن النساء كن يختتن. وروى الخلال باسناده عن شداد بن أوس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم " الختان سنة للرجال ومكرمة للنساء (فصل) اختلف العلماء في وقت الختان فقال مالك: يختن يوم أسبوعه وهو قول الحسن، وقال أحمد

[ 110 ]

لم أسمع في ذلك شيئا، وقال الليث الختان للغلام مابين سبع سنين إلى العشرة وروى مكحول وغيره أن ابراهيم عليه السلام ختن اسحاق لسبعة أيام واسماعيل لثلاث عشرة سنة، وروي عن أبي جعفر أن فاطمة عليها السلام كانت تختن ولدها يوم السابع، قال ابن المنذر ليس في باب الختان خبر حتى يرجع إليه ولا سنة تتبع والاشياء على الاباحة. قلت ولا يثبت في ذلك توقيت فمتى ختن قبل البلوغ كان مصيبا والله أعلم (مسألة) (ويتيامن في سواكه وطهوره وانتعاله ودخوله المسجد) لما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله. متفق عليه، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى، وإذا خلع فليبدأ باليسرى " رواه الطبراني في المعجم الصغير ولان عثمان وعليا وصفا وضوء النبي صلى الله عليه وسلم فبدأ باليمنى قبل اليسرى. رواه أبو داود (مسألة) (وسنن الوضوء عشرة السواك) لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لولا أن أشق على أمتي لامرتهم مع كل وضوء بسواك " رواه الامام أحمد (والتسمية وعنه أنها واجبة مع الذكر) وجملته أن التسمية فيها روايتان (إحداهما) انها واجبة في طهارات الحدث كلها الغسل والوضوء والتيمم وهذا اختيار أبي بكر ومذهب الحسن وإسحاق لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا وضوء لمن لا يذكر اسم الله عليه " رواه أبو داود والترمذي ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من أصحابه منهم أبو سعيد. قال أحمد حديث أبي سعيد أحسن حديث في الباب وهذا نفي في نكرة يقتضي أن لا يصح وضوؤه بدون التسمية (والثانية) أنها سنة وهذا ظاهر المذهب، قال

[ 111 ]

الخلال: الذي استقرت الروايات عليه انه لا بأس به يعني إذا ترك التسمية وهذا قول الثوري ومالك والشافعي وابن المنذر وأصحاب الرأي واختيار الخرقي لانها طهارة فلا تفتقر إلى التسمية كالطهارة من النجاسة أو عبادة فلا تجب فيها التسمية كسائر العبادات. والاحاديث قال أحمد ليس يثبت في هذا حديث ولا أعلم فيها حديثا له اسناد جيد وإن صح ذلك فيحمل على تأكيد الاستحباب ونفي الكمال بدونها كقوله " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " (فصل) فإذا قلنا بوجوبها فتركها عمدا لم تصح طهارته قياسا على سائر الواجبات، وإن نسيها فقال بعض أصحابنا لا تسقط قياسا لها على سائر الواجبات والصحيح أنها تسقط بالسهو نص عليه أحمد في رواية أبي داود فانه قال سألت أحمد إذا نسي التسمية في الوضوء قال أرجو أن لا يكون عليه شئ وهذا قول إسحاق ووجه ذلك قوله صلى الله عليه وسلم " عفي لامتي عن الخطأ والنسيان " ولان الوضوء عبادة تتغاير أفعالها فكان في واجباتها ما يسقط بالسهو كالصلاة ولا يصح قياسها على سائر واجبات الطهارة لتأكد وجوبها بخلاف التسمية فعلى هذا إذا ذكرها في اثناء طهارته سمى حيث ذكر لانه إذا عفي عنها مع السهو في جملة الوضوء ففي البعض أولى، وإن تركها عمدا حتى غسل عضوا لم يعتد بغسله لانه لم يذكر اسم الله عليه، وقال الشيخ أبو الفرج إذا سمى في أثناء الوضوء أجزأه يعني على كل حال لانه قد ذكر اسم الله على وضوئه والتسمية قول بسم الله لا يقوم غيرها مقامها كالتسمية المشروعة

[ 112 ]

على الذبيحة وعند الاكل والشرب وموضعها بعد النية لتكون شاملة لجميع أفعال الوضوء ولتكون النية شاملة لها كما يسمى على الذبيحة قبل ذبحها (مسألة) قال (وغسل الكفين إلا أن يكون قائما من نوم الليل ففي وجوبه روايتان) وجملة ذلك أن غسل اليدين إلى الكوعين سنة في الوضوء سواء قام من النوم أو لم يقم لان عثمان وعليا وعبد الله بن زيد وصفوا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكروا أنه غسل كفيه ثلاثا ولانهما آلة نقل الماء إلى الاعضاء ففي غسلهما احتياط لجميع الوضوء وليس بواجب إذا لم يقم من النوم بغير خلاف علمناه فأما عند القيام من نوم الليل فاختلفت الرواية عن أحمد في وجوبه فروي عنه وجوبه وهو الظاهر عنه واختيار أبي بكر وهو مذهب بن عمر وابي هريرة والحسن لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما الاناء ثلاثا فان أحدكم لا يدري اين باتت يده " متفق عليه. والامر يقتضي الوجوب، وروي عنه ان ذلك مستحب وهو اختيار الخرقي وقول مالك والشافعي واسحاق وأصحاب الرأي وابن المنذر لان الله تعالى قال (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) الآية وقال زيد بن أسلم في تفسيرها إذا قمتم من نوم. أمر بغسل الوجه عقيب القيام إلى الوضوء ولم يذكر غسل الكفين والامر بالشئ يقتضي حصول الاجزاء به ولانه قائم من نوم أشبه القائم من نوم النهار والحديث محمول على الاستحباب لانه علل وهم النجاسة وطريان

[ 113 ]

الشك على يقين الطهارة لا يؤثر فيها كما لو تيقن الطهارة وشك في الحدث وهذا هو الصحيح ان شاء الله تعالى والله أعلم (مسألة) قال (والبداية بالمضمضة والاستنشاق والمبالغة فيهما الا أن يكون صائما) البداية بالمضمضة والاستنشاق قبل غسل الوجه مستحب لان عثمان وعليا وعبد الله بن زيد ذكروا ذلك في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم والمبالغة فيهما سنة - والمبالغة في المضمضة ادارة الماء في أعماق الفم وأقاصيه ولا يجعله وجورا ثم يمجه وإن ابتلعه جاز لان الغسل قد حصل - ومعنى المبالغة في الاستنشاق اجتذاب الماء بالنفس إلى أقصى الانف ولا يجعله سعوطا وذلك لما روى لقيط بن صبرة قال: قلت يا رسول الله أخبرني عن الوضوء قال " أسبغ الوضوء وخلل بين الاصابع وبالغ في الاستنشاق الا أن تكون صائما " رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح. ثبت بذلك استحباب المبالغة في الاستنشاق وقسنا عليه المضمضة، ولانه من جملة اسباغ الوضوء المأمور به وقال أبو حفص العكبري هي واجبة في الاستنشاق على غير الصائم للحديث المذكور. فأما الصائم فلا يستحب له المبالغة فيهما لا تعلم فيه خلافا لما ذكرناه من الحديث (فصل) ويستحب المبالغة في غسل سائر الاعضاء بالتخليل ودلك المواضع التي ينبو عنها الماء ويستحب مجاوزة موضع الوجوب بالغسل لما روى نعيم المجمر أنه رأى أبا هريرة يتوضأ فغسل

[ 114 ]

وجهه ويديه حتى كاد يبلغ المنكبين ثم غسل رجليه حتى رفع إلى الساقين ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل " متفق عليه، ولمسلم عنه سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول " تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء " (مسألة) قال (وتخليل اللحية وهو سنة) وممن روي عنه انه كان يخلل لحيته ابن عمر وابن عباس، ووجهه ما روى عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان يخلل لحيته رواه ابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن صحيح وعن أنس بن مالك ان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء فجعله تحت حنكه وخلل به لحيته وقال " هكذا أمرني ربي " رواه أبو داود، وصفة التخليل أن يشبك لحيته بأصابعه ويعركها وكما روى ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ عرك عارضه بعض العرك ثم شبك لحيته بأصابعه من تحتها، رواه الدار قطني وقال الصواب انه موقوف على ابن عمر، قال يعقوب سألت احمد عن التخليل فأراني من تحت لحيته فخلل بالاصابع، وقال حنبل من تحت ذقنه من أسفل الذقن يخلل جانبي لحيته جميعا بالماء. ويستحب أن يتعهد بقية شعور وجهه ويمسح ماقيه لما روى أبو داود قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح الماقين (1) (مسألة) (وتخليل الاصابع) تخليل أصابع اليدين والرجلين في الوضوء مسنون لقول النبي صلى الله عليه وسلم للقيط بن صبرة " وخلل بين الاصابع " وهو في الرجلين آكد قال المستورد بن شداد رأيت


1) المؤق بالهمز وهو الاصل والموق والماق والماقي طرف العين المؤخرة الذي يلي الصدغ وجمعه أمآق وآماق بالقلب ومآقي

[ 115 ]

النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ دلك أصابع رجله بخنصره رواه أبو داود ويبدأ في تخليل اليمنى من خنصرها إلى ابهامها وفي اليسرى من ابهامها إلى خنصرها ليحصل له التيامن في التخليل. وذكر ابن عقيل في استحباب تخليل أصابع اليدين روايتين (إحداهما) يستحب لما ذكرناه ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك " رواه الترمذي وقال حديث حسن (والثانية) لا يستحب لان تفريقها يغني عن التخليل والاولى أولى (مسألة) قال (والتيامن) لا خلاف بين أهل العلم فيما علمنا في استحباب البداية باليمنى وأجمعوا على أنه لا اعادة على من بدأ بيساره قبل يمينه ووجه استحبابه حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه التيامن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله. متفق عليه. وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا توضأتم فابدءوا بميامنكم " رواه ابن ماجه (مسألة) (واخذ ماء جديد للاذنين) يعني انه مستحب قال احمد أنا أستحب أن يأخذ لاذنه ماء جديدا يروى ذلك عن ابن عمر وهو قول مالك والشافعي وقال ابن المنذر ليس بمسنون وحكاه أبو الخطاب رواية عن أحمد لان الذي قالوه غير موجود في الاخبار وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " الاذنان من الرأس " رواه ابن ماجه وروت الربيع بنت معوذ والمقدام بن معد يكرب أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه وأذنيه مرة واحدة رواه أبو داود ووجه الاول ما روي عن ابن عمر، وقد ذهب الزهري إلى أنهما من الوجه وقال الشعبي ما أقبل منهما من الوجه وظاهرهما من الرأس، وقال الشافعي وأبو ثور ليستا من الرأس ولا من الوجه ففي إفرادهما بماء جديد خروج من الخلاف فكان اولى فان مسحهما بماء الرأس أجزأه لما ذكرناه من الحديث (مسألة) قال (والغسلة الثانية والثالثة) وذلك لما روى علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ

[ 116 ]

ثلاثا ثلاثا رواه الامام أحمد والترمذي وقال هذا أحسن شئ في الباب وأصح وليس ذلك بواجب لما روى ابن عباس قال توضأ النبي صلى الله عليه وسلم مرة مرة رواه البخاري وعن أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بماء فتوضأ مرة مرة فقال " هذا وظيفة الوضوء - أو قال - وضوء من لم يتوضأه لم يقبل الله له صلاة " ثم توضأ مرتين مرتين ثم قال " هذا وضوء من توضأه أعطاه الله كفلين من الاجر " ثم توضأ ثلاثا ثلاثا فقال " هذا وضوئي ووضوء المرسلين من قبلي " رواه ابن ماجه (باب فروض الوضوء وصفته) (وفروضه ستة - غسل الوجه) وهو فرض بالاجماع والاصل فيه قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) الآية (مسألة) قال (والفم والانف منه) لدخولهما في حده على ما يأتي: (مسألة) قال (وغسل اليدين) وهو الفرض الثاني لقوله تعالى (وأيديكم إلى المرافق) (مسألة) قال (ومسح الرأس) وهو الفرض الثالث (وغسل الرجلين) وهو الفرض الرابع لقوله تعالى (وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) لا نعلم خلافا بين العلماء في وجوب غسل الوجه واليدين لما ذكرنا من النص، وكذلك مسح الرأس واجب بالاجماع في الجملة مع اختلاف الناس في قدر الواجب منه، فأما غسل الرجلين فهو فرض في قول أكثر أهل العلم، قال عبد الرحمن بن أبي ليلى اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على غسل القدمين، وروي عن علي أنه مسح على نعليه وقدميه ثم دخل المسجد ثم خلع نعليه ثم صلى، وحكي عن ابن عباس أنه قال ما أجد في كتاب الله الا غسلتين ومسحتين وحكي عن الشعبي

[ 117 ]

أنه قال الوضوء ممسوحان ومغسولان فالممسوحان بسقطان في التيمم وعن أنس بن مالك أنه ذكر له قول الحجاج اغسلوا القدمين ظاهرهما وباطنهما وخللوا بين الاصابع فانه ليس شئ من ابن آدم أقرب إلى الخبث من قدميه فقال أنس صدق الله وكذب الحجاج وتلا هذه الآية (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) وحكي عن ابن جرير أنه قال هو مخير بين المسح والغسل ولم نعلم أحدا من أهل العلم قال بجواز مسح الرجلين غير من ذكرنا واحتجوا بظاهر الآية، وبما روى ابن عباس قال توضأ النبي صلى الله عليه وسلم فأدخل يده في الاناء فتمضمض واستنشق مرة واحدة ثم أدخل يده فصب على وجهه مرة واحدة وصب على يديه مرة مرة ومسح برأسه وأذنيه مرة ثم أخذ كفا من ماء فرش على قدميه وهو منتعل: رواه سعيد، وروى سعيد عن هشيم أنبأنا يعلى بن عطاء عن أبيه قال أخبرني أوس بن أوس الثقفي أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم أتى كظامة قوم بالطائف فتوضأ ومسح على قدميه قال هشيم كان هذا في أول الاسلام ولنا أن عبد الله بن زيد وعثمان وصفا وضوء النبي صلى الله عليه وسلم وقالا فغسل قدميه وفي حديث عثمان ثم غسل كلتا رجليه ثلاثا متفق عليه وحكى علي وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ثم غسل رجليه إلى الكعبين ثلاثا ثلاثا وعن عمر رضي الله عنه أن رجلا توضأ فترك موضع ظفر من قدمه فأبصره النبي صلى الله عليه وسلم فقال " ارجع فاحسن وضوءك " فرجع ثم صلى رواه مسلم وعن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى قوما يتوضؤن وأعقابهم تلوح فقال " ويل للاعقاب من النار " رواه مسلم. وقد ذكرنا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتخليل وانه كان يعرك أصابعه

[ 118 ]

بخنصره بعض العرك وهذا كله يدل على وجوب الغسل لان الممسوح لا يحتاج إلى الاستيعاب والعرك، وأما الآية فقد روى عكرمة عن ابن عباس أنه كان يقرأ (وأرجلكم) قال عاد إلى الغسل وروي ذلك عن علي وابن مسعود والشعبي قراءتها كذلك وهي قراءة بن عامر فتكون معطوفة على اليدين ومن قرأ بالجر فللمجاورة كقوله تعالى (إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم) جر أليما وهو صفا للعذاب على المجاورة. وقول الشاعر: فظل طهاة اللحم من بين منضج * صفيف شواء أو قدير معجل فجر قديرا مع العطف للمجاورة. وإذا احتمل الامرين وجب الرجوع إلى فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لانه مبين يبين بفعله تارة وبقوله أخرى ويدل على صحة هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمرو بن عنبسة ثم غسل رجليه كما أمره الله فثبت بهذا ان الله تعالى انما أمره بالغسل لا بالمسح ويحتمل انه أراد بالمسح الغسل الخفيف، قال أبو علي الفارسي: العرب تسمي خفيف الغسل مسحا فيقولون تمسحت للصلاة أي توضأت، فان قيل فعطفه على الرأس يدل على انه أراد حقيقة المسح. قلنا قد افترقا من وجوه (أحدها) ان الممسوح في الرأس شعر يشق غسله والرجلان بخلاف ذلك فهما أشبه بالمغسولات (الثاني) انهما محدودان بحد ينتهى إليه أشبها اليدين (الثالث) انهما معرضتان للخبث لكونهما يوطأ بهما على الارض، وأما حديث أوس بن أوس فيحمل على انه أراد الغسل الخفيف وكذلك حديث ابن عباس وكذلك قال أخذ مل ء كف من ماء فرش على قدميه والمسح يكون بالبلل لا برش الماء والله أعلم

[ 119 ]

(مسألة) قال (والترتيب على ما ذكر الله تعالى) وهو الفرض الخامس وجملة ذلك ان الترتيب في الوضوء كما ذكر الله تعالى واجب في قول احمد، قال شيخنا لم أر عنه فيه اختلافا وهو مذهب الشافعي وأبي ثور وابي عبيد وإسحاق وحكى أبو الخطاب عن أحمد رواية أخرى انه غير واجب وهو مذهب مالك والثوري واصحاب الرأي واختاره ابن المنذر لان الله تعالى أمر بغسل الاعضاء وعطف بعضها على بعض بواو الجمع وهي لا تقتضي الترتيب فكيفما غسل كان ممتثلا، وروي عن علي انه قال: ما أبالي إذا أتممت وضوئي بأي اعضائي بدأت. وعن ابن مسعود لا بأس ان تبدأ برجليك قبل يديك في الوضوء، ووجه الاول ان في الآية قرينة تدل على الترتيب فانه ادخل ممسوحا بين مغسولين وقطع النظير عن نظيره والعرب لا تفعل ذلك إلا لفائدة والفائدة هي الترتيب. فان قيل فائدته استحباب الترتيب قلنا الآية ما سيقت إلا لبيان الواجب ولهذا لم تذكر السنن فيها ولانه متى اقتضى اللفظ الترتيب كان مأمورا به ولان كل من حكى وضوء رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم حكاه مرتبا وهو مفسر لما في كتاب الله تعالى وتوضأ مرتبا وقال " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " أي بمثله وقولهم إن الواو لا تقتضي الترتيب ممنوع فقد اقتضت الترتيب في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا) وما روي عن علي قال احمد انما عنى به اليسرى قبل اليمنى لان مخرجهما في الكتاب واحد ويروي الامام احمد باسناده ان عليا سئل فقيل له أحدنا يستعجل فيغسل شيئا قبل شئ فقال لا حتى يكون كما امر الله تعالى وروايتهم عن ابن مسعود لا نعرف لها أصلا، فأما ترتيب اليمنى على اليسرى فلا يجب بالاجماع حكاه ابن المنذر لان الله تعالى ذكر مخرجه واحدا فقال (وأيديكم وأرجلكم) وكذلك الترتيب بين المضمضة والاستنشاق والفقهاء يعدون اليدين عضوا والرجلين عضوا ولا يجب الترتيب بين العضو الواحد والله أعلم

[ 120 ]

(فصل) فان نكس وضوءه فبدأ بشئ من اعضائه قبل وجهه لم يحتسب بما غسله، قبله وإن بدأ برجليه وختم بوجهه لم يصح إلا غسل وجهه، وإن توضأ منكسا اربع مرات صح وضوؤه إذا كان متقاربا يحصل له من كل مرة غسل عضو ومذهب الشافعي نحو هذا ولو غسل اعضاءه دفعة واحدة لم يصح إلا غسل وجهه وإن انغمس في ماء جار فلم يمر على اعضائه إلا جرية واحدة فكذلك وإن مر عليه أربع جريات وقلنا الغسل يجزئ عن المسح أجزأه كما لو توضأ أربع مرات، وإن كان الماء راكدا فقال بعض أصحابنا إذا أخرج وجهه ثم يديه ثم مسح رأسه ثم خرج من الماء أجزأه لان الحديث انما يرتفع بانفصال الماء عن العضو. ونص أحمد في رجل أراد الوضوء فاغتمس في الماء ثم خرج من الماء فعليه مسح رأسه وغسل رجليه وهذا يدل على أن الماء إذا كان جاريا فمرت عليه جرية واحدة أنه يجزئه مسح رأسه ثم يغسل رجليه. وإن اجتمع الحدثان سقط الترتيب والموالاة على ما سنذكره إن شاة الله تعالى (مسألة) قال (والموالاة على إحدى الروايتين) الموالاة هي الشرط السادس وفيها روايتان (احداهما) هي واجبة نص عليها أحمد في مواضع وهو قول الاوزاعي وقتادة وأحد قولي الشافعي، قال القاضي وفيها رواية أخرى أنها غير واجبة وهو قول النخعي والحسن والثوري وأصحاب الرأي والقول الثاني للشافعي واختاره ابن المنذر لان المأمور به غسل الاعضاء فكيفما غسل فقد أتى بالمأمور به، وقد ثبت أن ابن عمر توضأ بالسوق فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه ثم دعي لجنازة فمسح على خفيه ثم صلى عليها ولانها احدى الطهارتين فلم تجب فيها الموالاة كالكبرى. وقال مالك ان تعمد التفريق بطل والا فلا. ووجه الاولى ما روى عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي وفي ظهر قدمه لمعة لم يصبها الماء فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد الوضوء والصلاة رواه أبو داود (1) ولو لم تجب الموالاة لاجزأه غسل اللمعة حسب ولانها عبادة يفسدها الحدث فاشترطت لها الموالاة كالصلاة والآية دلت على وجوب الغسل وبين النبي صلى الله عليه وسلم كيفيته بفعله فانه لم ينقل عنه أنه توضأ الا متواليا وغسل الجنابة بمنزلة العضو الواحد، وحكى بعض أصحابنا فيه منعا ذكره الشيخ أبو الفرج وفعل ابن عمر ليس فيه دليل على أنه أخل بالموالاة المشترطة


1) راجع حديث عمر عند مسلم في أول ص 123 من المغني

[ 121 ]

(مسألة) قال (وهو أن لا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله) في الزمان المعتدل اعتبار الزمن الحار الذي يسرع فيه النشاف ولا بالزمن البارد الذي يبطئ فيه، ولا يعتبر ذلك بين طرفي الطهارة، وقال ابن عقيل التفريق المبطل في احدى الروايتين ما يفحش في العادة لانه يحد في الشرع فرجع فيه إلى العادة كلاحراز والتفرق في البيع (فصل) فان نشفت أعضاؤه لاشتغاله بفرض في الطهارة أو سنة لم يبطل كما لو طول أركان الصلاة، وإن كان لوسوسة تلحقه فكذلك ويحتمل أن يبطل الوضوء لانه غير مفروض ولا مسنون وإن كان ذلك لعبث أو شئ زائد على المسنون وأشباهه عد تفريقا (مسألة) قال (والنية شرط لطهارة الحدث كله) الغسل والوضوء والتيمم، والنية هي القصد يقال نواك الله بخير أي قصدك ومحلها القلب لان محل القصد القلب فمتى اعتقد بقلبه أجزأ وإن لم يلفظ بلسانه، وإن لفظ بلسانه ولم يقصد بقلبه لم يجزه، ولو سبق لسانه إلى غير ما اعتقده لم يمنع صحة ما قصده بقلبه. ولا خلاف في المذهب في اشتراط النية لما ذكرنا، وروي ذلك عن علي رضي الله عنه وهو قول مالك وربيعة والليث والشافعي واسحاق وأبي عبيد وابن المنذر، وقال الثوري وأصحاب الرأي تشترط النية في التيمم دون طهارة الماء لان الله تعالى قال (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) الآية ولم يذكر النية ولو كانت شرطا لذكرها، ولان مقتضى الامر حصول الاجزاء بفعل المأمور به فتقتضي الآية حصول الاجزاء بما تضمنته ولانها طهارة بالماء فلم تفتقر إلى النية كغسل النجاسة ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " انما الاعمال بالنيات، وانما لكل امرئ ما نوى " متفق عليه فنفى أن يكون له عمل شرعي بدون النية، ولانها طهارة عن حدث فلم تصح بغير نية كالتيمم فأما الآية فهي حجة لنا فان قوله (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) أي للصلاة كما يقال إذا لقيت الامير فترجل أي له، وقولهم لو كانت النية شرطا لذكرها، قلنا انما ذكر الاركان ولم يذكر الشرائط كآية التيمم، وقولهم مقتضى الامر حصول الاجزاء به قلنا بل مقتضاه وجوب الفعل ولا يمنع أن

[ 122 ]

يشترط له شرط آخر كآية التيمم وقولهم إنها طهارة قلنا إلا أنها عبادة والعبادة لا تكون الا منوية كالصلاة لانها قربة إلى الله تعالى وطاعة وامتثال أمر ولا يحصل ذلك بغير نية (مسألة) قال (وهي أن يقصد رفع الحدث أو الطهارة لما لا يباح إلا بها) متى قصد بطهارته رفع الحديث وهو إزالة المانع مما يفتقر إلى الطهارة أو قصد بطهارته الصلاة والطواف ومس المصحف أو قصد الجنب بالغسل اللبث في المسجد صحت طهارته عند القائلين باشتراط النية لا نعلم بينهم فيه اختلافا، فان نوى التبرد وما لا تشرع له الطهارة كالاكل والبيع ولم ينو الطهارة لم يرتفع حدثه لانه لم ينو الطهارة ولا ما يتضمن نيتها فأشبه من لم يقصد شيئا، وان نوى الطهارة مع ذلك صحت الطهارة لانه نوى الطهارة وضم إليها مالا ينافيه فلم يؤثر كما لو نوى بالصلاة الطاعة والخلاص من خصمه (مسألة) قال (فان نوى ما تسن له الطهارة أو التجديد فهل يرتفع حدثه؟ على روايتين وجملته إذا نوى ما تشرع له الطهارة ولا تشترط كقراءة القرآن والاذان والنوم أو نوى التجديد ثم بان أنه كان محدثا ففيه روايتان (إحداهما) لا تصح طهارته لانه لم ينو رفع الحدث ولا ما يتضمنه أشبه ما لو نوى التبرد (والثانية) تصح طهارته وهي أصح لانه نوى طهارة شرعية فينبغي أن تحصل له للخبر ولانه يشرع له فعل هذا وهو غير محدث وقد نوى ذلك فينبغي أن يحصل ولانه نوى شيئا من ضرورته صحة الطهارة وهو الفضيلة الحاصلة لمن فعل ذلك على طهارة، فان قيل يبطل بما إذا نوى بطهارته ما لا تشرع له الطهارة قلنا ان نوى طهارة شرعية مثل من قصد الاكل وهو على طهارة شرعية أو قصد أن لا يزال على وضوء فهي كمسئلتنا تصح طهارته. وان قصد نظافة أعضائه من وسخ أو غيره لم تصح طهارته لانه لم يقصدها، وان نوى وضوءا مطلقا أو طهارة مطلقة ففيه وجهان (أحدهما) يصح لان الوضوء والطهارة عند الاطلاق ينصرفان إلى المشروع فيكون ناويا لطهارة شرعية (والوجه الثاني) لا يصح لانه قصد ما يباح بدون طهارة أشبه قصد الاكل ولان الطهارة تنقسم إلى مشروع

[ 123 ]

وغيره فلم تصح مع التردد والطهارة المطلقة منها مالا يرفع الحدث كالطهارة من النجاسة (مسألة) وان نوى غسلا مسنونا فهل يجزئ عن الواجب؟ على وجهين) مضى توجيههما (مسألة) (وان اجتمعت أحداث توجب الوضوء أو الغسل فنوى بطهارته أحدها فهل يرتفع سائرها؟ على وجهين) أحدهما لا يرتفع الا ما نواه قاله أبو بكر لانه لم ينوه أشبه إذا لم ينو شيئا، وقال القاضي يرتفع لان الاحداث تتداخل فإذا ارتفع بعضها ارتفع جميعها كما لو نوى رفع الحدث، وان نوى صلاة واحدة نفلا أو فرضا لا يصلي غيرها ارتفع حدثه ويصلي ما شاء لان الحدث إذا ارتفع لم يعد الا بسبب جديد ونية الصلاة تضمنت رفع الحدث (مسألة) (ويجب تقديم النية على أول واجبات الطهارة) لانها شرط لها فيعتبر وجودها في جميعها وأول واجباتها المضمضة أو التسمية على ما ذكرنا من الخلاف. فان وجد شئ من واجبات الطهارة قبل النية لم يعتد به فان غسل الكفين بغير نية فهو كمن لم يغسلهما (ويستحب تقديمها على مسنوناتها) فيقدمها على غسل الكفين لتشمل مفروض الوضوء ومسنونه فان غسل الكفين بغير نية فهو كمن لم يغسلهما (مسألة) (واستصحاب ذكرها في جميعها وان استصحب حكمها أجزأه) وجملته أنه يستحب استصحاب ذكر النية إلى آخر طهارته لتكون أفعاله مقترنة بالنية فان استصحب حكمها أجزأه، ومعنى استصحاب حكمها أن لا ينوي قطعها فان عزبت عن خاطره لم يؤثر في قطعها كالصلاة والصيام، ويجوز تقديم النية على الطهارة بالزمن اليسير قياسا على الصلاة، فان قطع النية في أثناء طهارته وفسخها مثل أن ينوي أن لا يتم طهارته فقال ابن عقيل تبطل الطهارة من أصلها لانها تبطل بالمبطلات أشبهت الصلاة وقال شيخنا لا يبطل ما مضى من طهارته لانه وقع صحيحا أشبه ما لو نوى قطعها بعد الفراغ من الوضوء وما غسله من أعضائه بعد قطع النية لا يعتد به فان أعاد غسله بنية أخرى قبل طول الفصل صحت طهارته. وان طال الفصل انبني على وجوب الموالاة، فأما إن غسل بعض أعضائه بنية

[ 124 ]

الوضوء وبعضها بنية التبرد ثم أعاد غسل ما نوى به التبرد بنية الوضوء قبل طول الفصل أجزأه والا ابتنى على وجوب الموالاة وجها واحدا، فان فسخ النية بعد الفراغ منها لم تبطل كالصلاة ويحتمل أن تبطل لان الطهارة تبطل بالحدث بعد فراغها بخلاف الصلاة (فصل) إذا شك في النية أثناء الطهارة لزمه استئنافها كما لو شك في نية الصلاة وهو فيها لان النية هي القصد فمتى علم أنه جاء ليتوضأ أو أراد فعل الوضوء مقارنا له أو سابقا عليه قريبا منه فقد وجدت النية. فمتى شك في وجود ذلك في أثناء طهارته لم يصح ما مضى منها وهكذا إن شك في غسل عضو أو مسح رأسه حكمه حكم من لم يأت به لان الاصل عدمه إلا أن يكون وهما كالوسواس فلا يلتفت إليه. وان شك في شئ من ذلك بعد فراغه من الطهارة لم يلتفت إليه لانه شك في العبادة بعد فراغه منها أشبه الشك في شرط الصلاة، ويحتمل أن تبطل لان حكمها باق بدليل انها تبطل بمبطلاتها بخلاف الصلاة. والاول أصح لانها كانت محكوما بصحتها فلا يزول ذلك بالشك كما لو شك في وجود الحدث والله أعلم (فصل) فان وضأه غيره أو يممه اعتبرت النية من المتوضئ دون الموضئ لانه المخاطب بالوضوء والموضئ آلة له فهو كحامل الماء إليه، وإن توضأ وصلى صلاة ثم أحدث وتوضأ وصلى أخرى ثم علم انه ترك واجبا في أحد الوضوءين لزمه إعادة الوضوء والصلاتين (فصل) (وصفة الوضوء أن ينوي ثم يسمي ثم يغسل يديه ثلاثا) هذه صفة الوضوء الكامل ووجهه ما ذكرنا (ثم يتمضمض ويستنشق ثلاثا من غرفة وان شاء من ثلاث وان شاء من ست) المضمضة إدارة الماء في الفم والاستنشاق اجتذاب الماء بالنفس إلى باطن الانف. والاستنثار مستحب وهو اخراج الماء من الانف وقد يعبر بالاسستنثار عن الاستنشاق لكونه من لوازمه ولا تجب ادارة الماء في جميع الفم ولا ايصال الماء إلى جميع باطن الانف وانما ذلك مبالغة مستحبة وقد ذكرناها، فان جعل الماء في فيه ينوي رفع الحدث الاصغر ثم ذكر أنه جنب فنوى رفع الحدثين ارتفعا لان الماء انما يثبت

[ 125 ]

له حكم الاستعمال بعد الانفصال، ولو لبث الماء في فيه حتى تغير بما يتحلل من ريقه لم يمنع لان التغير في محل الازالة لا يمنع كما لو تغير الماء على عضوه بعجين عليه (فصل) ويستحب أن يتمضمض ويستنشق بيمينه ثم يستنثر بيساره لما روي عن عثمان انه توضأ فدعا بماء فغسل يديه ثم غرف بيمينه ثم رفعها إلى فيه فتمضمض واستنشق بكف واحدة واستنثر بيسار فعل ذلك ثلاثا ثم ذكر سائر الوضوء ثم قال ان النبي صلى الله عليه وسلم توضأ لنا كما توضأت لكم. رواه سعيد، وهو مخير بين أن يتمضمض ويستنشق بغرفة أو بثلاث أو بست لما ذكرنا من حديث عثمان، وقال الاثرم: سمعت أبا عبد الله يسئل أيما أحب اليك المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة أو كل واحدة منها على حدة؟ قال بغرفة واحدة، وفي حديث عبد الله بن أبي زيد تمضمض واستنثر ثلاثا من غرفة واحدة رواه البخاري وعن علي رضي الله عنه أنه توضأ فتمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا من كف واحدة وقال هذا وضوء نبيكم صلى الله عليه وسلم من المسند، وفي لفظ أنه مضمض واستنشق واستنثر ثلاثا بثلاث غرفات متفق عليه وفي حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده أنه فصل بين المضمضة والاستنشاق رواه أبو داود ولان الكيفية في الغسل غير واجبة ولا يجب الترتيب بين المضمضة والاستنشاق وبين الوجه لانهما من جملته لكن يستحب أن يبدأ بهما لان الذين وصفوا وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ذكروا أنه بدأ بهما الا شيئا نادرا، وهل يجب الترتيب بينهما وبين سائر الاعضاء؟ على روايتين (احداهما) يجب لانهما من الوجه فوجب غسلهما قبل اليدين كسائره (والثانية) لا يجب بل لو تركهما وصلى تمضمض واستنشق وأعاد الصلاة ولم

[ 126 ]

يعد الوضوء لما روى المقدام بن معد يكرب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بوضوء فغسل كفيه ثلاثا ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل ذراعيه ثلاثا ثم تمضمض واستنشق رواه أبو داود، قال أصحابنا وهل يسميان فرضا إذا قلنا بوجوبهما على روايتين وهو مبنى على اختلاف الروايتين في الواجب هل يسمى فرضا أم لا والصحيح تسميته فرضا فيسميان فرضا والله أعلم (مسألة) قال (وهما واجبان في الطهارتين وعنه أن الاستنشاق وحده واجب وعنه أنهما واجبان في الكبرى دون الصغرى) وجملة ذلك أن المضمضة والاستنشاق واجبان في الطهارتين الغسل والوضوء جميعا لان غسل الوجه فيهما واجب وهما من الوجه. هذا المشهور في المذهب وهو قول ابن المبارك وابن أبي ليلى وإسحاق، وروي عن أحمد أن الاستنشاق وحده واجب في الطهارتين ذكر القاضي ذلك في المجرد رواية واحدة وبه قال أبو عبيد وأبو ثور قال ابن المنذر لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه (1) ثم لينثر " متفق عليه ولمسلم " من توضأ فليستنشق " أمر والامر يقتضي الوجوب ولان الانف لا يزال مفتوحا وليس له غطاء يستره بخلاف الفم، وقال غير القاضي من أصحابنا عن احمد رواية أخرى أنهما واجبان في الكبرى دون الصغرى وهذا مذهب الثوري وأصحاب الرأي لان الكبرى يجب فيها غسل ما تحت الشعور الكثيفة ولا يمسح فيها على الخفين فوجبا فيها بخلاف الصغرى، وقال مالك والشافعي هما مسنونان في الطهارتين وروي ذلك عن الحسن والحكم وربيعة والليث والاوزاعي لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " عشر من الفطرة " وذكر منها المضمضة والاستنشاق. والفطرة السنة وذكره لهما من الفطرة يدل على مخالفتهما لسائر الوضوء ولانهما عضوان باطنان فلم يجب غسلهما كباطن اللحية وداخل العينين ولان الوجه ما تحصل به المواجهة ولا تحصل المواجهة بهما ولنا ما روت عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " المضمضة والاستنشاق من الوضوء


1) أي فليجعل في انفه ماء - حذف المفعول في اكثر روايات البخاري وثبت في بعضها وفي رواية مسلم. وقوله فلينثر من الثلائي وفي رواية فلينثر

[ 127 ]

الذي لابد منه " رواه أبو بكر في الشافي. وعن أبي هريرة قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمضمضة والاستنشاق وفي حديث لقيط بن صبرة " إذا توضأت فتمضمض " رواه أبو داود وأخرجه الدار قطني. ولان كل من وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم مستقصى ذكر أنه تمضمض واستنشق ومداومته عليهما تدل على وجوبهما لان فعله يصلح أن يكون بيانا لامر الله تعالى ولانهما عضوان من الوجه في حكم الظاهر لا يشق غسلهما فوجب لقوله تعالى (فاغسلوا وجوهكم) والدليل على أنهما في حكم الظاهر ان الصائم لا يفطر بوضع الطعام فيهما ويفطر بوصول القئ اليهما ولا يجب الحد بترك الخمر فيها ويجب غسل النجاسة فيهما، فأما كونهما من الفطرة فلا ينفي وجوبهما لانه ذكر الختان في الفطرة وهو واجب. فأما غسل داخل العينين فلنا فيه منع وباطن اللحية يشق غسله فلذلك لم يجب في الوضوء ويجب في الطهارة الكبرى والله أعلم (مسألة) قال (ويغسل وجهه ثلاثا وحده من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولا مع ما استرسل من اللحية ومن الاذن إلى الاذن عرضا) غسل الوجه ثلاثا مستحب لما ذكرنا من حديث علي وغيره وغسله مرة واجب بالنص والاجماع وقد ذكرناه، وقوله في حده من منابت شعر الرأس يعني في غالب الناس ولا اعتبار بالاصلع الذي ينحسر شعره عن مقدم رأسه ولا بالاقرع الذي ينزل شعره إلى وجهه بل بغالب الناس فالاصلع يغسل إلى حد منابت الشعر في غالب الناس والاقرع يغسل الشعر الذي ينزل عن الوجه في الغالب. وقال الزهري الاذن من الوجه لقوله صلى الله عليه وسلم " سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره " رواه مسلم أضاف السمع إلى الوجه كما أضاف البصر، وقال مالك: ما بين اللحية والاذن ليس من الوجه ولا يجب غسله لان الوجه

[ 128 ]

ما تحصل به المواجهة وهذا لا يواجه به. قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدا من فقهاء الامصار قال بقول مالك هذا ولنا على الزهري قول النبي صلى الله عليه وسلم " الاذنان من الرأس " رواه ابن ماجه (1) ولم يحك أحد أنه غسلهما مع الوجه وانما أضافهما إلى الوجه للمجاورة، وعلى مالك أن هذا من الوجه في حق من لا لحية له فكذلك من له لحية كسائر الوجه وهذا تحصل به المواجهة من الغلام، ويستحب تعاهد المفصل بالغسل وهو ما بين اللحية والاذن نص عيه الامام أحمد، ويدخل في الوجه العذار وهو الشعر الذي على العظم الناتي. سمت صماخ الاذن والعارض الذي تحت العذار وهو الشعر النابت على الخد واللحيين قال الاصمعي: ما جاور وتد الاذن عارض، والذقن الشعر الذي على مجمع اللحيين فهذه الشعور النلاثة من الوجه يجب غسلها معه، وكذلك الحاجبان وأهداب العينين والشارب والعنفقة. فأما الصدغ وهو الذي فوق العذار وهو يحاذي رأس الاذن وينزل عن رأسها قليلا ففيه وجهان (أحدهما) هو من الوجه اختاره ابن عقيل لحصول المواجهة به واتصاله بالعذار (والثاني) أنه من الرأس وهو الصحيح لان في حديث الربيع أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه وصدغيه وأذنيه مرة واحدة. رواه أبو داود ولم ينقل أحد أنه غسله مع الوجه. ولانه شعر يتصل بشعر الرأس وينبت معه في حق الصغير بخلاف العذار فأما التحذيف وهو الشعر الداخل في الوجه ما بين انتهاء العذار والنزعة فقال ابن حامد هو من الوجه لانه شعر بين بياض الوجه أشبه العذار، وقال القاضي يحتمل أنه من الرأس لانه شعر متصل به لم يخرج عن حده أشبه الصدغ، قال شيخنا والاول أصح لان محله لو لم يكن عليه شعر كان من الوجه

[ 129 ]

فكذلك إذا كان عليه شعر كسائر الوجه. وأما النزعتان وهما ما انحسر عنه الشعر من الرأس متصاعدا في جانبي الرأس فقال ابن عقيل هما من الوجه لقول الشاعر: فلا تنكحي إن فرق الله بيننا * أغم القفا والوجه ليس بأنزعا وقال القاضي وشيخنا هما من الرأس وهو الصحيح لانه لا تحصل بهما المواجهة ولدخولهما في حد الرأس لانه ما ترأس وعلا، وذكر ابن عقيل في الشعر المسامت للنزعتين هل هو من الوجه ام لا؟ على وجهين ويجب غسل ما استرسل من اللحية في ظاهر المذهب وكذلك ما خرج عن حد الوجه عرضا وهذا ظاهر مذهب الشافعي لانها من الوجه بدليل ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قد غطى لحيته في الصلاة فقال " اكشف لحيتك فان اللحية من الوجه " ولانه نابت في محل الفرض أشبه اليد الزائدة ولانها تحصل بها المواجهة أشبهت سائر الوجه، وقال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه لا يجب غسل ما نزل منها عن حد الوجه طولا ولا ما خرج عرضا لانه شعر خارج عن محل الفرض أشبه ما نزل من شعر الرأس، وروي عن أبي حنيفة أنه لا يجب غسل اللحية الكثيفة وما تحتها من بشرة الوجه لان الوجه اسم للبشرة التي تحصل بها المواجهة ولم يوجد ذلك في واحدة منهما، وقال الخلال الذي ثبت عن أبي عبد الله في اللحية أنه لا يغسلها وليست من الوجه، وظاهر هذا كمذهب أبي حنيفة فيما ذكر عنه آخرا، والمشهور عن أبي حنيفة وجوب غسل ربع اللحية كقوله في مسح الرأس والقول

[ 130 ]

الاول هو المشهور في المذهب. وما روي عن أحمد يحتمل أنه أراد ما خرج عن الوجه منها كما ذكرنا عن الشافعي وأبي حنيفة فعلى هذا يصير فيه روايتان. ويحتمل انه أراد غسل باطنها فيكون موافقا للقول الاول وهو الصحيح إن شاء الله. وقياسهم على النازل من شعر الرأس لا يصح لانه لا يدخل في اسم الرأس وهذا يدخل في اسم الوجه لما ذكرنا من الحديث (مسألة) (فان كان فيه شعر خفيف يصف البشرة وجب غسلها معه. وإن كان يسترها أجزأه غسل ظاهره ويستحب تخليله) أما إذا كانت الشعور في الوجه تصف البشرة وجب غسل البشرة والشعر لان البشرة ظاهرة تحصل بها المواجهة فوجب غسلها كالتي لا شعر عليها ويجب غسل الشعر لانه نابت في محل الفرض تبع له، وإن كان كثيفا يستر البشرة أجزأه غسل ظاهره لحصول المواجهة به ولم يجب غسل ما تحته لانه مستور أشبه باطن الانف. ويستحب تخليله وقد ذكرنا ذلك في سنة الوضوء، ولا يجب التخليل لا نعلم فيه خلافا في المذهب وهو مذهب أكثر أهل العلم لان الله تعالى أمر بالغسل ولم يذكر التخليل ولان أكثر من حكى وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحكه ولو كان واجبا لما أخل به ولو فعله لنقله الذين نقلوا وضوءه أو أكثرهم. وتركه لذلك يدل على أن غسل ما تحت الشعر الكثيف ليس بواجب لان النبي صلى الله عليه وسلم كان كثيف اللحية فلا يبلغ الماء إلى تحت شعرها إلا بالتخليل وفعله للتخليل في بعض أحيانه يدل على استحبابه، وقال

[ 131 ]

إسحاق إذا ترك تخليل لحيته عامدا أعاد الوضوء لما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء فأدخله تحت حنكه وخلل به لحيته، وقال " هكذا أمرني ربي عزوجل " رواه أبو داود ولما ذكرنا من حديث ابن عمر، وقال عطاء وأبو ثور يجب غسل ما تحت الشعور الكثيفة في الوضوء قياسا على الجنابة ونحوه قول سعيد بن جبير. وقول الجمهور أولى، والفرق بين الوضوء والغسل أن غسل باطن الشعر الكثيف يشق في الوضوء لتكرره بخلاف الغسل، فان كان بعض الشعر كثيفا وبعضه خفيفا وجب غسل بشرة الخفيف معه وظاهر الكثيف. وجميع شعور الوجه في ذلك سواء، وذكر بعض أصحابنا في الشارب والعنفقة والحاجبين وأهداب العينين ولحية المرأة إذا كانت كثيفة وجهين (أحدهما) يجب غسل باطنها لانها لا تستر عادة وإن وجد ذلك فهو نادر ينبغي أن لا يتعلق به حكم وهو مذهب الشافعي (والثاني) لا يجب قياسا على لحية الرجل ودعوى الندرة في غير الاهداب ممنوع والله أعلم (فصل) ولا يجب غسل داخل العينين ولا يستحب في وضوء ولا غسل لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله ولا أمر به وفيه ضرر، وذكر القاضي في المجرد في وجوبه روايتين عن بعض الاصحاب قال ابن عقيل انما الروايتان في وجوبه في الغسل فأما في الوضوء فلا يجب رواية واحدة وذكر أن أحمد نص على استحبابه في الغسل لانه يعم جميع البدن ويجب فيه غسل ما تحت الشعور الكثيفة وذكره القاضي وأبو الخطاب من سنن الوضوء لانه روي عن ابن عمر أنه عمي من كثرة إدخال الماء

[ 132 ]

في عينيه ولانهما من جملة الوجه، والاول أولى وهو اختيار شيخنا وما ذكر عن ابن عمر فهو دليل على كراهته لكونه ذهب ببصره، وفعل ما يخاف منه ذهاب البصر إذ لم يرد به الشرع ولم يكن محرما فلا أقل من الكراهة والله أعلم (فصل) ويستحب التكثير في ماء الوجه لان فيه غضونا وشعورا ودواخل وخوارج ليصل الماء إلى جميعه وقد روى علي رضي الله عنه في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ثم أدخل يديه في الاناء جميعا فأخذ بهما حفنة من ماء فضرب بهما على وجهه ثم الثانية ثم الثالثة مثل ذلك ثم أخذ بكفه اليمنى قبضة من ماء فتركها تستن على وجهه رواه أبو داود يعني تسيل وتنصب. قال محمد بن الحكم كره أبو عبد الله أن يأخذ الماء ثم يصبه ثم يغسل وجهه وقال هذا مسح ولكنه يغسل غسلا والله أعلم (مسألة) (ثم يغسل يديه إلى المرفقين ثلاثا ويدخل المرفقين في الغسل) غسل اليدين واجب بالاجماع لقول الله تعالى (وأيديكم إلى المرافق) ويجب إدخال المرفقين في الغسل في قول أكثر أهل العلم منهم عطاء والشافعي واسحاق وأصحاب الرأي، وقال ابن داود وبعض المالكية لا يجب، وحكي ذلك عن زفر لان الله تعالى أمر بالغسل إلى المرافق وجعلها غاية بحرف إلى وهو لانتهاء الغاية فلا يدخل المذكور بعده فيه كقول الله تعالى (ثم أتموا الصيام إلى الليل)، ولنا ما روى جابر قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه أخرجه الدار قطني وهذا بيان للغسل المأمور به في الآية. وقولهم إن إلى لانتهاء الغاية قلنا قد تستعمل بمعنى مع كقوله تعالى (من انصاري إلى الله * يزدكم قوة إلى قوتكم * ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) أي مع أموالكم (1) وقال المبرد إذا كان الحد من جنس المحدود دخل فيه كقولهم بعت الثوب من هذا الطرف إلى هذا الطرف


1) الصواب ان هنا تضمينا لفعل الضم اي مضمونة إلى قوتكم والى اموالكم

[ 133 ]

(فصل) ويجب غسل أظفاره وان طالت والاصبع واليد الزائدة والسلعة لان ذلك من يده كالثؤلول وان كانت نابتة في غير محل الفرض كالعضد لم يجب غسلها طويلة كانت أو قصيرة لانها في غير محل الفرض فهي كالقصيرة وهذا قول ابن حامد وابن عقيل، وقال القاضي يجب غسل ما حاذى محل الفرض منها والصحيح الاول، واختلف أصحاب الشافعي في ذلك نحو ما ذكرنا، وان كانتا متساويتين ولم تعلم الاصلية منهما غسلهما جميعا ليخرج عن العهدة بيقين كما لو تنجست إحدى يديه غير معينة وان تعلقت جلدة من الذراع فتدلت من العضد لم يجب غسلها لانها صارت في غير محل الفرض، وان كان بالعكس وجب غسلها لانها صارت في محل الفرض أشبهت الاصبع الزائدة. وان تعلقت من أحد المحلين فالتحم رأسها في الآخر وبقي وسطها متجافيا وجب غسل ما حاذى محل الفرض من ظاهرها وباطنها وما تحتها (فصل) إذا كان تحت أظفاره وسخ يمنع وصول الماء إلى ما تحته فقال ابن عقيل: لا تصح طهارته حتى يزيله كما لو كان على يده شمع، قال شيخنا ويحتمل أن لا يجب ذلك لان هذا يستتر عادة فلو كان غسله واجبا لبينه صلى الله عليه وسلم لانه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة وقد عاب النبي صلى الله عليه وسلم عليهم كونهم يدخلون عليه قلحا ورفغ أحدهم بين أنملته وظفره يعنى أن وسخ أرفاغهم تحت أظفارهم يصل إليه رائحة نتنها ولم يعب بطلان طهارتهم ولو كان مبطلا للطهارة لكان ذلك أهم من نتن الريح (فصل) ومن كان يتوضأ من ماء يسير يغترف منه فغرف منه بيديه عند غسل يديه لم يؤثر ذلك في الماء، وقال بعض أصحاب الشافعي يصير الماء مستعملا بغرفه منه لانه موضع غسل اليد وهو ناو للوضوء ولغسلها أشبه مالو غمسها في الماء ينوي غسلها فيه، ولنا أن في حديث عثمان: ثم غرف بيده اليمنى على ذراعه اليمنى

[ 134 ]

فغسلها إلى المرفقين ثلاثا ثم غرف بيمينه فغسل يده اليسرى رواه سعد. وفي حديث عبد الله بن زيد: ثم أدخل يده في الاناء فغسل يديه إلى المرفقين مرتين متفق عليه. ولو كان هذا يفسد الوضوء لكان النبي صلى الله عليه وسلم أحق بمعرفته ولبينه لكون الحاجة ماسة إليه إذ كان لا يعرف بدون البيان ولا يتوقاه إلا متحذلق، وما ذكروه لا يصح فان المغترف لم يقصد بغرفه الا الاغتراف دون الغسل فأشبه من يغوص في البئر لترقية الدلو وهو جنب لا ينوي الغسل ونية الاغتراف صرفت نية الطهارة (1) والله أعلم (مسألة) (ثم يمسح رأسه) ومسح الرأس فرض بالاجماع لقول الله تعالى (وامسحوا برءوسكم) وهوما ينبت عليه الشعر في حق الصبي، وينبغي أن يعتبر غالب الناس فلا يعتبر الاقرع ولا الاجلح كما قلنا في حد الوجه، والنزعتان من الرأس وكذلك الصدغان وقد ذكرنا ذلك في الوجه (مسألة) (يبدأ بيديه من مقدمه ثم يمرهما إلى قفاه ثم يردهما إلى مقدمه) وجملته أن المستحب في مسح الرأس أن يبل يديه ثم يضع طرف احدى سبابتيه على طرف الاخرى ويضعهما على مقدم رأسه ويضع الابهامين على الصدغين ثم يمر يديه إلى قفاه ثم يردهما إلى الموضع الذي بدأ منه كما روى عبد الله بن زيد في وصف وضوء النبي صلى الله عليه وسلم قال: فمسح رأسه بيديه فأقبل


1) هذا مذهب الشافعي الذي عليه العمل

[ 135 ]

بهما وأدبر، وفي لفظ بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، متفق عليه، فان كان ذا شعر يخاف أن ينتفش برد يديه لم يردهما نص عليه الامام أحمد لانه قد روي عن الربيع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ عندها فمسح الرأس كله من فرق الشعر كل ناحية لمصب الشعر لا يحرك الشعر عن هيئته، رواه أبو داود. وسئل أحمد كيف تمسح المرأة؟ فقال هكذا ووضع يده على وسط رأسه ثم جرها إلى مقدمه ثم رفعها فوضعها حيث منه بدأ ثم جرها إلى مؤخره، وكيف مسح بعد استيعاب قدر الواجب اجزأه ولا يحتاج إلى ماء جديد في رد يديه على رأسه قال القاضي وقد روي عن احمد انه يأخذ للرد ماء جديد وليس بصحيح قاله القاضي (مسألة) (ويجب مسح جميعه مع الاذنين، وعنه يجزئ مسح اكثره) اختلفت الرواية عن احمد في قدر الواجب. فروي عنه مسح جميعه في حق كل احد وهو ظاهر قول الخرقي ومذهب مالك لقوله تعالى (فامسحو برءوسكم) الباء للالصاق فكأنه قال وامسحوا رءوسكم وصار كقوله سبحانه في التيمم (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) قال ابن برهان من زعم أن الباء للتبعيض فقد جاء أهل اللغة بما لا يعرفونه ولان الذين وصفوا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا انه مسح رأسه كله، وقد ذكرنا حديث عبد الله بن زيد وحديث الربيع وهذا يصلح أن يكون بيانا للمسح المأمور به، وروي عن احمد انه يجزئ مسح بعضه نقلها عنه أبو الحارث. ونقل عن سلمة بن الاكوع أنه كان يمسح مقدم رأسه وابن عمر مسح اليافوخ.

[ 136 ]

وممن قال بمسح البعض الحسن والثوري والاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر. قال شيخنا إلا أن الظاهر عن احمد رحمه الله في الرجل وجوب الاستيعاب وان المرأة يجزئها مسح مقدم رأسها، قال الخلال العمل في مذهب أبي عبد الله انها ان مسحت مقدم رأسها أجزأها لان عائشة رضي الله عنه كانت تمسح مقدم رأسها، واحتج من أجاز مسح البعض بما روى المغيرة بن شعبة قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة والخفين رواه مسلم. وعن أنس بن مالك قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وعليه عمامة قطرية فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة رواه أبو داود، واحتجوا بان من مسح بعض الرأس يقال مسح برأسه كما يقال مسح برأس اليتيم وإذا قلنا بجواز مسح البعض فأي موضع مسح أجزأه إلا أنه لا يجزئ مسح الاذنين عن الرأس لانهما تبع ولا يجزئ مسحهما عن الاصل. وقال ابن عقيل يحتمل أن لا يجزئ إلا مسح الناصية لانه صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته فوجب الاقتداء به واختلف العلماء في قدر البعض المجزئ فقال القاضي قدر الناصية لحديث المغيرة، وحكى أبو الخطاب وبعض الشافعية أنه لا يجزئه الا مسح الاكثر لانه ينطلق عليه اسم الجميع. وقال أبو حنيفة يجزئه مسح ربعه، وروي عنه أنه لا يجزئه أقل من ثلثه وهو قول زفر، وقال الشافعي يجزئ ما يقع عليه الاسم حكي عنه ثلاث شعرات وحكي عنه لو مسح شعرة أجزأه لوقوع اسم البعض عليه (فصل) ويجب مسح الاذنين معه لانهما منه بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم " الاذنان من الرأس " وروي عن أحمد أنه لا يجب مسحهما وهو ظاهر المذهب، قال الخلال كلهم حكوا عن أبي عبد الله فيمن

[ 137 ]

ترك مسح أذنيه عامدا أو ساهيا أنه يجزئه وظاهر هذا أنه لا يجب سواء قلنا بوجوب الاستيعاب أو لا لانهما من الرأس على وجه التبع ولا يفهم من اطلاق اسم الرأس دخولهما فيه ولا يشبهان أجزاء الرأس، ولذلك لا يجزي مسحهما عنه عند من اجتزأ بمسح البعض وهو اختيار شيخنا والاولى مسحهما لان النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما رواه الامام احمد، وروت الربيع أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ عندها فرأيته مسح على رأسه محاذي الشعر ما أقبل منه وما أدبر ومسح صدغيه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما رواهما الترمذي وأبو داود ويستحب أن يدخل سبابتيه في صماخي أذنيه ويمسح ظاهرهما بابهاميه لان في بعض الفاظ حديث الربيع فأدخل أصبعيه في حجري أذنيه رواه أبو داود، ولا يجب مسح ما استتر بالغضاريف لان الرأس الذي هو الاصل لا يجب مسح ما استتر منه بالشعر فالاذن أولى والله أعلم (فصل) ولا يجب مسح ما نزل عن الرأس من الشعر ولا يجزئ مسحه عن الرأس سواء رده فعقده فوق رأسه أو لم يرده لان الرأس ما ترأس وعلا، فان نزل الشعر عن منبته ولم ينزل عن محل الفرض فمسح عليه أجزأه لانه شعر على محل الفرض أشبه القائم على محله ولان هذا لا يمكن الاحتراز منه، وان خضب رأسه بما يستره لم يجزه المسح عليه نص عليه أحمد في الخضاب لانه لم يمسح على محل الفرض أشبه مالو مسح على خرقة فوق رأسه، ولو أدخل يده تحت الشعر فمسح البشرة دون الظاهر لم يجزه لان

[ 138 ]

الحكم تعلق بالشعر فلم يجزه مسح غيره كما لو أوصل الماء إلى باطن اللحية ولم يغسل ظاهرها، فأما ان مسح رأسه ثم حلقه أو غسل عضوا ثم قطع منه جزءا أو جلدة لم يؤثر في طهارته لانه ليس بدلا عما تحته، وان أحدث بعد ذلك غسل ما ظهر لانه صار ظاهرا فتعلق الحكم به ولو حصل في بعض أعضائه شق أو ثقب لزمه غسله لانه صار ظاهرا (فصل) ويمسح رأسه بماء جديد غير ما فضل عن ذراعية، وهو قول أبي حنيفة والشافعي والعمل عليه عند أكثر أهل العلم قاله الترمذي، وجوز الحسن وعروة والاوزاعي وابن المنذر مسحه بفضل ذراعيه لما روي عن عثمان أنه مسح مقدم رأسه بيده مرة واحدة ولم يستأنف له ماء جديدا حين حكى وضوء النبي صلى الله عليه وسلم رواه سعيد. ويتخرج لنا مثل ذلك إذا قلنا إن المستعمل طهور لا سيما الغسلة الثانية والثالثة، ووجه الاول ما روى عبد الله بن زيد قال ومسح رأسه بماء غير فضل يديه رواه مسلم. وفي حديثه المتفق عليه ثم أدخل يده في الاناء فمسح برأسه وكذلك حكى علي في رواية أبي داود ولان البلل الباقي في يده مستعمل فلا يجزئ به المسح كما لو فصله في إناء ثم استعمله (فصل) فان غسل رأسه بدل مسحه فعلى وجهين (أحدهما) لا يجزئه لان الله تعالى أمر بالمسح والنبى صلى الله عليه وسلم مسح ولانه أحد نوعي الطهارة فلم يجزئ عن الآخر كالمسح عن الغسل (والثاني) يجزئ لانه لو كان جنبا فانغمس في ماء ينوي الطهارتين أجزأه مع أنه لم يمسح فكذلك في الحدث الاصغر وحده

[ 139 ]

ولان في صفة غسل النبي صلى الله عليه وسلم أنه غسل يديه ووجهه ثم أفرغ على رأسه ولم يذكر مسحا ولان الغسل أبلغ من المسح فإذا أتى به ينبغي أن يجزئه وهذا فيما إذا لم يمر يده عليه فأما ان أمر يده على رأسه مع الغسل أو بعده أجزأه لانه قد أتى بالمسح وذلك لما روي عن معاوية أنه توضأ للناس كما رأى النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فلما بلغ رأسه غرف غرفة من ماء فتلقاها بشماله حتى وضعها على وسط رأسه حتى قطر الماء أو كاد يقطر ثم مسح من مقدمه إلى مؤخر ومن مؤخره إلى مقدمه رواه أبو داود ولو حصل على رأسه ماء المطر أوصب عليه انسان ثم مسح عليه يقصد بذلك الطهارة أو كان قد صمد للمطر أجزأه وان حصل الماء على رأسه من غير قصد أجزأه أيضا لان حصول الماء على رأسه بغير قصد لم يؤثر في الماء فمتى وضع يده على ذلك البلل ومسح به فقد مسح بماء غير مستعمل فصحت طهارته كما لو حصل بقصده. وقد نقل أبو داود عن احمد إذا اصاب برأسه ماء السماء فمسحه بيده لم يجزه وذلك لانه لم يوجد منه نية لذلك. ذكره القاضي في المجرد وهذا يدل على أنه يشترط أن يقصد حصول الماء على رأسه، قال ابن عقيل في هذه المسألة: تحقيق المذهب أنه متى صمد للمطر ومسح أجزأه ومتى أصابه المطر من غير قصد ولا نية لم يجزه وكذلك ان كان يتوضأ فصب انسان على رأسه ماء وهو لا يصد فمسح رأسه فانه لا يجزئه فاما ان حصل الماء على رأسه بغير قصد ولم يمسح بيده لم يجزه سواء قلنا ان الغسل يقوم مقام المسح أولا وان قصد وجرى الماء على رأسه أجزأه إذا قلنا يجزئ الغسل وإلا فلا (فصل) فان مسح رأسه بخرقة مبلولة أو خشبة أجزأه في أحد الوجهين لانه مأمور بالمسح وقد مسح أشبه مالو مسح بيده ولان مسحه بيده غير مشترط بدليل مالو مسح بيد غيره (والثاني) لا يجزئه لان النبي صلى الله عليه وسلم مسح بيده وقال " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " وان وضع على رأسه خرقة مبلولة فابتل رأسه بها أو وضع خرقة ثم بلها حتى ابتل شعره لم يجزه لان ذلك ليس بمسح ولا غسل، ويحتمل أن يجزئه لانه بل شعره قاصدا للوضوء فأجزأه كما لو غسله، وان مسح باصبع أو أصبعين أجزأه إذا بهما مسح ما يجب مسحه كله وهو قول الثوري والشافعي، ونقل بكر بن محمد عن أحمد لا يجزئه المسح بأصبع، قال القاضي هذا محمول على الرواية التي توجب الاستيعاب لانه لا يحصل بأصبع واحدة. وإن حلق بعض رأسه وقلنا بوجوب الاستيعاب مسح المحلوق والشعر، وإن قلنا باجزاء مسح البعض أجزأه مسح أحدهما

[ 140 ]

(فصل) وهل يستحب مسح العنق؟ فيه روايتان (احداهما) يستحب لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح رأسه حتى بلغ القذال وما يليه من مقدم العنق. رواه أحمد في المسند من رواية ليث بن أبي سليم وهو متكلم فيه، ولما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " امسحوا أعناقكم مخافة الغل " ذكره ابن عقيل في الفصول (والثانية) لا يستحب لان الله تعالى لم يأمر به، وان الذين حكوا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان وعلي وعبد الله بن زيد وابن عباس لم يذكروه ولم يثبت فيه حديث (مسألة) (ولا يستحب تكراره وعنه يستحب) الصحيح من المذهب أنه لا يستحب التكرار في مسح الرأس وهو قول أبي حنيفة ومالك، ويروى عن ابن عمر وابنه سالم والحسن ومجاهد قال الترمذي والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم، وعن أحمد أنه يستحب. يروى ذلك عن أنس وعطاء وسعيد بن جبير وهو قول الشافعي لما روى أبو داود عن شقيق بن سلمة قال: رأيت عثمان غسل ذراعيه ثلاثا ومسح برأسه ثلاثا ثم قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل مثل هذا وروي مثل ذلك عن غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروى علي وابن عمر وأبو هريرة وأبي بن كعب وغيرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا وفي حديث أبي قال " هذا وضوئي ووضوء المرسلين قبلي " ورواه ابن ماجه وقياسا على سائر الاعضاء، ووجه الرواية الاولى أن عبد الله بن زيد وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مسح برأسه مرة واحدة، متفق عليه وكذلك

[ 141 ]

روى علي وقال هذا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم من احب ان ينظر إلى طهور رسول الله صلى الله عليه وسلم فلينظر إلى هذا، وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وكذلك وصف عبد الله بن أبي أوفى وابن عباس وسلمة بن الاكوع والربيع كلهم قالوا ومسح برأسه مرة واحدة وحكايتهم لوضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم إخبار عن الدوام ولا يداوم إلا على الافضل، وحكاية ابن عباس وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليل حال خلوته ولا يفعل في تلك الحال إلا الافضل، ولانه مسح في طهارة فلم يسن تكراره كالمسح على الجبيرة والخفين، وأحاديثهم لا يصح منها شئ صريح، قال أبو داود أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة فانهم ذكروا الوضوء ثلاثا ثلاثا وقالوا فيها ومسح رأسه ولم يذكروا عددا والحديث الذي ذكر فيه مسح رأسه ثلاثا رواه يحيى بن آدم وخالفه وكيع فقال توضأ ثلاثا فقط والصحيح المتفق عليه عن عثمان انه لم يذكر في مسح الرأس عددا. ومن روى عنه ذلك سوى عثمان لم يصح لانهم الذين رووا أحاديثنا وهي صحيحة فيلزم من ذلك ضعف ما خالفها والاحاديث التي ذكروا فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا أرادوا بها سوى المسح لانهم حين فصلوا قالوا ومسح برأسه مرة واحدة قالوا والتفصيل يحكم به على الاجمال ويكون تفسيرا ولا يعارضه كالخاص مع العام

[ 142 ]

وقياسهم منقوض بالتيمم وإن قيل يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم مسح مرة ليبين الجواز ومسح ثلاثا ليبين الافضل كما فعل في الغسل فنقل الامران من غير تعارض قلنا قول الراوي هذا طهور رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على أنه كان يفعله على الدوام لان الصحابة رضي الله عنهم إنما وصفوا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعرفوا من سألهم وحضرهم صفة وضوئه في دوامه فلو شاهدوا وضوءه على صفة أخرى لم يطلقوا هذا الاطلاق الذي يفهم منه أنهم لم يشاهدوا سواه لانه يكون تدليسا وإيهاما لغير الصواب فلا يظن ذلك بهم ويحمل حال الراوي لغير الصحيح على الغلط لاغير ولان الحفاظ إذا رووا حديثا واحدا عن شخص واحد على صفة وخالفهم فيها واحد حكموا عليه بالغلط وإن كان ثقة حافظا فكيف إذا لم يكن معروفا بذلك والله أعلم (مسألة) ثم يغسل رجليه إلى الكعبين ثلاثا ويدخلهما في الغسل) وقد ذكرنا اختلاف العلماء في غسل الرجلين ويستحب غسلهما ثلاثا لان في حديث عثمان: ثم غسل كلتا رجليه ثلاثا، متفق عليه وعن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا رواه الترمذي وقال هذا أحسن شئ في الباب وأصح. ويدخل الكعبين في الغسل قياسا على المرفقين والكعبان هما العظمان الناتئان اللذان في أسفل الساق من جانبي القدم وحكي عن محمد بن الحسن أنه قال: هما في مشط القدم وهو معقد الشرك من الرجل بدليل أنه قال إلى الكعبين فدل على أن في الرجل كعبين لاغير ولو أراد ما ذكرتم كانت كعاب الرجلين أربعة.

[ 143 ]

ولنا أن الكعاب المشهورة هي التي ذكرنا قال أبو عبيد: الكعب هذا الذي في أصل القدم منتهى الساق إليه بمنزلة كعاب القنا وروي عن النعمان بن بشير قال كان أحدنا يلزق كعبه بكعب صاحبه في الصلاة رواه الخلال. وقوله إلى الكعبين حجة لنا فانه أراد كل رجل تغسل إلى الكعبين ولو أراد كعاب جميع الا رجل لذكر بلفظ الجمع كما قال إلى المرافق ويخلل أصابعهما لما ذكرناه (مسألة) (فان كان أقطع غسل ما بقي من محل الفرض) وسواء في ذلك اليدين والرجلين لقوله صلى الله عليه وسلم " إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم " (مسألة) (فان لم يبق شئ سقط وجوب الغسل) لعدم محله ويستحب أن يمس محل القطع بالماء لئلا يخلو العضو من طهارة، فان كان أقطع اليدين فوجد من يوضئه متبرعا لزمه ذلك لانه قادر عليه وان لم يجد من يوضئه إلا بأجر يقدر عليه لزمه كما يلزمه شراء الماء. وقال ابن عقيل يحتمل أن لا يلزمه كما لو عجز عن القيام في الصلاة لا يلزمه استئجار من يقيمه ويعتمد عليه، وان عجز عن الاجر أو لم يجد من يستأجره صلى على حسب حاله كعادم الماء والتراب. وان وجد من ييممه ولم يجد من يوضئه لزمه التيمم كعادم الماء إذا وجد التراب وهذا مذهب الشافعي ولا نعلم فيه خلافا

[ 144 ]

(مسألة) ثم يرفع نظره إلى السماء ويقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله لما روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ - أو - فيسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء " رواه مسلم ورواه الترمذي وزاد فيه " اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين " ورواه الامام احمد وابو داود وفي بعض رواياته " فاحسن الوضوء ثم رفع نظره إلى السماء " وعن أبي سعيد الخدري قال: من توضأ ففرغ من وضوئه وقال " سبحانك اللهم أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب اليك طبع عليها بطابع ثم رفعت تحت العرش فلم تكسر إلى يوم القيامة " رواه النسائي (فصل) (والوضوء مرة مرة يجزئ والثلاث أفضل) لما روى ابن عباس قال توضأ النبي صلى الله عليه وسلم مرة مرة رواه البخاري وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بماء فتوضأ مرة مرة ثم قال " هذا وظيفة الوضوء وضوء من لا يقبل الله له الصلاة إلا به " ثم تحدث ساعة ثم دعا بوضوء فتوضأ مرتين مرتين فقال " هذا وضوء من توضأه ضاعف الله له الاجر مرتين " ثم تحدث ساعة ثم دعا بماء فتوضأ ثلاثا ثلاثا فقال " هذا وضوئي ووضوء النبيين من قبلي " رواه سعيد وقد ذكر حديث أبي بن كعب بنحو هذا، وهذا قول أكثر أهل العلم إلا أن مالكا لم يوقت مرة ولا ثلاثا

[ 145 ]

قال انما قال الله تعالى (فاغسلوا وجوهكم) وقال الاوزاعي وسعيد بن عبد العزيز الوضوء ثلاثا ثلاثا إلا غسل الرجلين فانه ينقيهما. والاول أولى لما ذكرنا من الاحاديث وقد ذكرنا اختلافهم في تكرار مسح الرأس والله أعلم وإن غسل بعض أعضائه أكثر من بعض فحسن لان في حديث عبد الله بن زيد ان النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فغسل وجهه ثلاثا ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين ومسح برأسه مرة متفق عليه (فصل) وتكره الزيادة على الثلاث، قال أحمد رحمه الله لا يزيد على الثلاث إلا رجل مبتلى وذلك لما روي ان أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوضوء فأراه ثلاثا ثم قال " هذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء وظلم " رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه ويكره الاسراف في الماء لان النبي صلى الله عليه وسلم مر بسعد وهو يتوضأ فقال " لا تسرف " فقال يا رسول الله في الماء اسراف؟ قال " نعم وإن كنت على نهر جار " رواه ابن ماجه (مسألة) (وتباح معونته) لما روى المغيرة بن شعبة انه افرغ على النبي صلى الله عليه وسلم في وضوئه رواه مسلم، وعن صفوان بن عسال قال صببت على النبي صلى الله عليه وسلم الماء في الحضر

[ 146 ]

والسفر رواه ابن ماجه، وروى أنس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم ينطلق لحاجته فأحمل أنا وغلام نحوي اداوة من ماء وعنزة فيستنجي بالماء متفق عليه، ولا يستحب لما روى ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكل طهوره إلى أحد ولا صدقته التي يتصدق بها، يكون هو الذي يتولاها بنفسه. رواه ابن ماجه وروي عن أحمد انه قال: ما أحب أن يعينني على وضوئي أحد لان عمر قال ذلك (مسألة) قال ويباح تنشيف أعضائه ولا يستحب، قال الخلال المنقول عن احمد انه لا بأس بالتنشيف بعد الوضوء وممن روي عنه أخذ المنديل بعد الوضوء عثمان والحسن بن علي وأنس وكثير من أهل العلم. وممن رخص فيه الحسن وابن سيرين ومالك والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي وهو ظاهر قول أحمد لما روى سلمان ان النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثم قلب جبة كانت عليه فمسح بها وجهه. رواه ابن ماجه والطبراني في المعجم الصغير، وذكر ابن حامد في كراهته روايتين (احداهما) لا يكره لما ذكرنا (والثانية) يكره روي ذلك عن جابر بن عبد الله وابن أبي ليلى وسعيد بن المسيب والنخعي ومجاهد وذلك لما روت ميمونة ان النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل قالت فأتيته بالمنديل فلم يردها وجعل ينفض الماء بيديه متفق عليه. وروي عن ابن عباس انه كرهه في الوضوء ولم يكرهه في الجنابة، والاول أصح لان الاصل الاباحة فترك النبي صلى الله عليه وسلم لا يدل على الكراهة فانه قد يترك المباح، وهذه قضية في عين يحتمل انه ترك تلك المنديل لامر يختص بها ولانه

[ 147 ]

إزالة للماء عن بدنه أشبه نفضه بيديه ولا يكره نفض الماء عن بدنه بيديه لحديث ميمونة، ويكره نفض يديه ذكره أبو الخطاب وابن عقيل (فصل) ويستحب تجديد الوضوء نص عليه أحمد في رواية موسى بن عيسى وذلك لما روى أنس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة قلت وكيف كنتم تصنعون؟ قال يجزئ أحدنا الوضوء ما لم يحدث رواه البخاري، وقد نقل علي بن سعيد عن أحمد انه لا فضل فيه والاول أصح، ولا بأس أن يصلي بالوضوء الواحد ما لم يحدث لا نعلم فيه خلافا لحديث أنس ولما روى بريدة قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح خمس صلوات بوضوء واحد ومسح على خفيه فقال له عمر إني رأيتك صنعت شيئا لم تكن تصنعه فقال " عمدا صنعته " رواه مسلم (فصل) ولا بأس بالوضوء في المسجد إذا لم يؤذ أحدا بوضوئه ولم يؤذ المسجد، قال ابن المنذر أباح ذلك كل من نحفظ عنه من علماء الامصار وذلك لما روى أبو العالية عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال حفظت لك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ في المسجد رواه الامام أحمد، وروي عن أحمد انه كرهه صيانة للمسجد عن البصاق وما يخرج من فضلات الوضوء والله أعلم (فصل) والمفروض من ذلك بغير خلاف في المذاهب خمسة: النية وغسل الوجه، وغسل اليدين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين، وخمسة فيها روايتان: المضمضة والاستنشاق، والتسمية والترتيب، والموالاة. وقد ذكرنا عدد المسنون فيما مضى والله أعلم

[ 148 ]

(باب المسح على الخفين) المسح على الخفين جائز عند عامة أهل العلم، قال ابن المبارك ليس في المسح على الخفين اختلاف أنه جائز، وعن الحسن قال حدثني سبعون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين، والاصل فيه ما روى المغيرة بن شعبة قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فأهويت لا نزع خفيه فقال " دعهما فاني أدخلتهما طاهرتين " فمسح عليهما متفق عليه، وعن جرير بن عبد الله قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ ومسح على خفيه متفق عليه، قال ابراهيم كان يعجبهم هذا الحديث لان اسلام جرير كان بعد نزول المائدة، قال الامام أحمد ليس في قلبي من المسح شئ فيه أربعون حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (فصل) روي عن أحمد أنه قال المسح أفضل من الغسل لان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه انما طلبوا الفضل وهذا مذهب الشعبي والحكم واسحاق لانه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ان الله يحب أن يؤخذ برخصه " ولان فيه مخالفة أهل البدع، وذكر ابن عقيل فيه روايتين (احداهما) المسح أفضل لما ذكرنا (الثانية) الغسل أفضل لانه المفروض في كتاب الله تعالى والمسح رخصة، وروى حنبل عن أحمد أنه قال كله جائز المسح والغسل ما في قلبي من المسح شئ ولا من الغسل

[ 149 ]

وهذا قول ابن المنذر، وروي عن عمر أنه أمرهم أن يمسحوا على أخفافهم وخلع هو خفيه وتوضأ وقال حبب الي الوضوء وعن ابن عمر أنه قال إني لمولع بغسل قدمي فلا تقتدوا بي (مسألة) (يجوز المسح على الخفين لما ذكرنا ويجوز على الجرموقين) الجرموق مثال الخف إلا أنه يلبس فوق الخف في البلاد الباردة فيجوز المسح عليه قياسا على الخف، وممن قال بجواز المسح عليه إذا كان فوق الخف الحسن بن صالح وأصحاب الرأي، وقال الشافعي في الجديد لا يمسح عليه وسنذكر ذلك إن شاء الله فيما إذا لبس خفا فوق خف آخر (والجوربين) قال ابن المنذر يروى إباحة المسح على الجوربين عن تسعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم علي وعمار وابن مسعود وأنس وابن عمر والبراء وبلال وابن أبي أوفى وسهل بن سعد وهو قول عطاء والحسن وسعيد بن المسيب والثوري وابن المبارك واسحاق ويعقوب ومحمد، وقال أبو حنيفة ومالك والاوزاعي والشافعي وغيرهم لا يجوز المسح عليهما إلا أن ينعلا لانه لا يمكن متابعة المشي فيهما فهما كالرقيقين ولنا ما روى المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الجوربين والنعلين. رواه الامام أحمد وأبو داود والترمذي وقال حسن صحيح وهذا يدل على أنهما لم يكونا منعولين لانه لو كان كذلك لم يذكر النعلين فانه لا يقال مسحت على الخف ونعله ولان الصحابة رضي الله عنهم مسحوا على الجوارب ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم والجورب في معنى الخف لانه ملبوس ساتر لمحل الفرض يمكن متابعة المشي فيه أشبه الخف، وقولهم لا يمكن متابعة المشي فيهما قلنا انما يجوز المسح عليهما إذا ثبت بنفسه وأمكن متابعة المشي فيه وإلا فلا فأما الرقيق فليس بساتر

[ 150 ]

(فصل) وسئل أحمد عن جورب انخرق فكره المسح عليه ولعله انما كرهه لان الغالب فيه الخفة وأنه لا يثبت بنفسه فان كان مثل جورب الصوف في الصفاقة فلا فرق، فان كان لا يثبت الا بالنعل أبيح المسح عليه ما دام النعل عليه لحديث المغيرة، فان خلع النعل انتقضت الطهارة لان ثبوت الجورب أحد شرطي جواز المسح وانما حصل بالنعل فإذا خلعها زال الشرط المبيح للمسح فبطلت الطهارة كما لو ظهر القدم. قال القاضي يمسح على الجورب والنعل كما جاء في الحديث والظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم انما مسح على سيور النعل التي على ظاهر القدم فأما أسفله وعقبه فلا يسن مسحه من الخف فكذلك من النعل (مسألة) قال (والعمامة والجبائر) وممن قال بجواز المسح على العمامة أبو بكر الصديق وبه قال عمر بن الخطاب وأنس وأبو امامة وروي عن سعد بن مالك وأبي الدرداء رضي الله عنهم وهو قول عمر بن عبد العزيز والحسن وقتادة وابن المنذر وغيرهم، وقال عروة والنخعي والشعبي والقاسم ومالك والشافعي وأصحاب الرأي لا يمسح عليها لقول الله تعالى (وامسحوا برءوسكم) ولانه لا تلحقه المشقة بنزعها (1) أشبهت الكمين ولنا ما روى المغيرة بن شعبة قال توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسح على الخفين والعمامة قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وروى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين والخمار وعن عمرو بن أمية قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مسح على عمامته وخفيه رواه البخاري ولانه قول من سمينا من الصحابة ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم ولانه عضو يسقط فرضه في التيمم فجاز المسح على


1) هذا غير مسلم فالمشقة واقعة ولاسيما في العمائم المحنكة. وما قبله يرد عليه نص الآية في الرجلين

[ 151 ]

حائله كالقدمين والآية لا تنفي ما ذكرناه فان النبي صلى الله عليه وسلم مبين لكلام الله وقد مسح على العمامة وأمر بالمسح عليها وهذا يدل على أن المراد بالآية المسح على الرأس وحائله، ومما يبين ذلك أن المسح في الغالب انما يكون على الشعر ولا يصيب الرأس وهو حائل كذلك العمامة فانه يقال لمن مسح عمامة انسان أو قبلها قبل رأسه والله أعلم (فصل) والمسح على الجبائر لقول النبي صلى الله عليه وسلم في صاحب الشجة " انما كان يكفيه أن يتيمم وبعصب أو يعصر على جرحه خرقة ويمسح عليها ويغسل سائر جسده " رواه أبو داود ولما روى علي رضي الله عنه قال انكسرت إحدى زندي فأمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أمسح على الجبائر رواه ابن ماجه وهذا قول الحسن والنخعي ومالك واسحاق وأصحاب الرأي، وقال الشافعي في أحد قوليه يعيد كل صلاة صلاها لان الله تعالى امر بالغسل ولم يأت به، ووجه الاول ما ذكرنا ولانه مسح على حائل ابيح له المسح عليه فلم تجب معه الاعادة كالخف. (مسألة) (وفي المسح على القلانس وخمر النساء المدارة تحت حلوقهن روايتان) اراد القلانس المبطنات كدنيات القضاة والمنومنات فأما الكلتة فلا يجوز المسح عليها لا نعلم فيه خلافا لانها لا تستر جميع الرأس عادة ولا تدوم عليه فأما القلانس التي ذكرناها ففيها روايتان (إحداهما) لا يجوز المسح عليها رواه عنه اسحاق بن ابراهيم وهو قول الاوزاعي وسعيد بن عبد العزيز ومالك والشافعي والنعمان واسحاق. قال ابن المنذر لا نعلم أحدا قال به الا أنه يروى عن أنس أنه مسح على قلنسيته لانها لا يشق

[ 152 ]

نزعها أشبهت الكلتة ولان العمامة التي ليست محنكة ولا ذؤابة لها لا يجوز المسح عليها وهو اختيار الخلال قال لانه قد روي عن رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم باسانيد صحاح فروى الاثرم باسناده عن عمر أنه قال ان شاء حسر عن رأسه وان شاء مسح على قلنسيته وعمامته وروى باسناده عن أبي موسى أنه خرج من الخلاء فمسح على القلنسوة ولانه ملبوس معتاد يستر الرأس أشبه العمامة المحنكة وفارق العمامة التي قاسوا عليها لانها منهى عنها والله أعلم، وفي مسح المرأة على خمارها روايتان (إحداهما) يجوز يروى ذلك عن أم سلمة حكاه ابن المنذر ولانه ملبوس للرأس يشق نزعه أشبه العمامة (والثانية) لا يجوز وهو قول نافع والنخعي وحماد والاوزاعي ومالك والشافعي لانه ملبوس يختص بالمرأة أشبه الوقاية ولا يجوز المسح على الوقاية رواية واحدة ولا نعلم فيه خلافا لانها لا يشق نزعها فهي كطاقية الرجل (مسألة) قال (ومن شرطه أن يلبس الجميع بعد كمال الطهارة) لا نعلم في اشتراط تقدم الطهارة لكل ما يجوز المسح عليه خلافا الا للجبيرة ووجهه ما روى المغيرة بن شعبة قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأهويت لا نزع خفيه فقال " دعهما فاني أدخلتهما طاهرتين " فمسح عليهما متفق عليه. وعنه قال قلت يا رسول الله أيمسح أحدنا على خفيه؟ فقال " نعم إذا أدخلهما وهما طاهرتان " رواه الدار قطني فأما ان غسل أحد رجليه ثم لبس الخف ثم غسل الاخرى وأدخلها الخف لم يجز المسح أيضا وهو

[ 153 ]

قول الشافعي واسحاق ونحوه عن مالك، وعنه أنه يجوز رواها أبو طالب عنه وهو قول أبي ثور وأصحاب الرأي لانه أحدث بعد كمال الطهارة واللبس فجاز كما لو نزع الخف الاول ثم لبسه وكذلك الحكم فيمن مسح رأسه ولبس العمامة ثم غسل رجليه قياسا على الخف، وقد قيل فيمن غسل رجليه ولبس خفيه ثم غسل بقية أعضائه إذا قلنا إن الترتيب ليس بشرط جاز له المسح ووجه الاولى، ما ذكرناه من الحديثين وهو يدل على وجود الطهارة فيهما جميعا وقت ادخالهما ولم يوجد ذلك وقت لبس الاولى ولان ما اعتبر له الطهارة اعتبر له جميعها كالصلاة. وفارق ما إذا نزع الخف الاول ثم لبسه لانه لبسه بعد كمال الطهارة (فصل) كره أحمد لبس الخف وهو يدافع أحد الاخبثين لان الصلاة مكروهة بهذه الطهارة وكذلك اللبس الذي يراد للصلاة والاولى أن لا يكره، وروي عن ابراهيم النخعي انه كان إذا اراد أن يبول لبس خفيه ولانها طهارة كاملة أشبه ما لو لبسهما عند غلبة النعاس. والصلاة انما كرهت للحاقن لان اشتغال قلبه بمدافعة الاخبثين يذهب بخشوع الصلاة ويمنع الاتيان بها على الكمال ويحمله على العجلة ولا يضر ذلك في اللبس. (فصل) فان تطهر ثم لبس الخف فاحدث قبل بلوغ الرجل قدم الخف لم يجز له المسح لان الرجل حصلت في مقرها وهو محدث فصار كما لو بدأ اللبس وهو محدث (فصل) فان تيمم ثم لبس الخف لم يكن له المسح لانه لبسه على طهارة غير كاملة ولانها طهارة

[ 154 ]

ضرورة بطلت من أصلها فصار كاللابس له على غير طهارة ولان التيمم لا يرفع الحدث فقد لبسه وهو محدث، فأما ان تطهرت المستحاضة ومن به سلس البول وشبههما ولبسوا خفافا فلهم المسح عليها، نص عليه أحمد لان طهارتهم كاملة في حقهم، قال ابن عقيل لانها مضطرة إلى الترخص وأحق من يترخص المضطر فان انقطع الدم وزالت الضرورة بطلت الطهارة من أصلها ولم يكن لها المسح كالمتيمم إذا وجد الماء، وان لبس الخف بعد طهارة مسح فيها على العمامة أو العمامة بعد طهارة مسح فيها على الخف فقال بعض أصحابنا ظاهر كلام أحمد انه لا يجوز المسح لانه لبس على طهارة ممسوح فيها على بدل فلم يستبح المسح باللبس فيها كما لو لبس خفا على طهارة مسح فيها على خف، وقال القاضي يحتمل جواز المسح لانها طهارة كاملة وكل واحد منهما ليس ببدل عن الآخر بخلاف الخف الملبوس على خف ممسوح عليه (فصل) فان لبس الجبيرة على طهارة مسح فيها على خف أو عمامة وقلنا ليس من شرطها الطهارة جاز المسح عليها وان اشترطنا الطهارة احتمل أن يكون كالعمامة الملبوسة على طهارة مسح فيها على الخف واحتمل جواز المسح بكل حال لان مسحها عزيمة، وان لبس الخف على طهارة مسح فيها على الجبيرة جاز المسح عليه لانها عزيمة ولانها ان كانت نافعة فهو لنقص لم يزل فلم يمنع طهاره المستحاضة، وان لبس الجبيرة عل طهارة مسح فيها على الجبيرة جاز المسح لما ذكرنا (مسألة) قال (الا الجبيرة على احدى الروايتين) اختلفت الرواية عن أبي عبد الله رحمه الله في الجبيرة فروي أنه لا يشترط تقدم الطهارة لها

[ 155 ]

اختاره الخلال وذلك لما ذكرنا من حديث جابر في الذي أصابته الشجة فانه قال إنما كان يجزئه أن يعصب على جرحه خرقة ويمسح عليها ولم يذكر الطهارة، وكذلك حديث علي لم يأمره بالطهارة ولان اشتراط الطهارة لها تغليظ على الناس ويشق عليهم ولان المسح عليها انما جاز لمشقة نزعها وهو موجود إذا لبسها على غير طهارة. ويحتمل أن يشترط له التيمم عند العجز عن الطهارة فان في حديث جابر انما كان بكفيه أن يتيمم ويعصب أو يعصر على جرحه ثم يمسح عليها لانها عبادة اشترطت لها الطهارة فقام التيمم مقامها عند العجز كالصلاة، وروي عنه أنه يشترط تقدم الطهارة عليها وهو ظاهر قول الخرقي لانه حائل يمسح عليه فاشترط تقدم الطهارة على لبسه كسائر الممسوحات فعلى هذا إذا لبسها على غير طهارة ثم خاف من نزعها تيمم لها لانه موضع يخاف الضرر باستعمال الماء فيه أشبه الجرح (فصل) ولا يحتاج مع مسحها إلى تيمم، قال شيخنا ويحتمل أن يتيمم مع مسحها فيما إذا تجاوز بها موضع الحاجة لان ما على موضع الحاجة يقتضي المسح والزائد يقتضي التيمم وكذلك فيما إذا شدها على غير طهارة لانه مختلف في جواز المسح عليها فإذا جمع بينهما خرج من الخلاف، وللشافعي في الجمع بينهما قولان في الجملة لحديث صاحب الشجة: ولنا أنه محل واحد فلا يجمع فيه بين بدلين كالخف (فصل) ولا فرق بين كون الشد على كسر أو جرح لحديث صاحب الشجة فانها جرح الرأس وقياسا على الكسر وكذلك إن وضع على جرحه دواء وخاف من نزعه مسح عليه نص عليه في رواية الاثرم وذلك لما روى الاثرم باسناده عن ابن عمر أنه خرجت بابهامه قرحه فألقمها مرارة وكان يتوضأ

[ 156 ]

ويمسح عليها، ولو انقلع ظفر انسان أو كان بأصبعه جرح يخاف إن أصابه الماء أن يزرق الجرح جاز المسح عليه في المنصوص. وقال القاضي في اللصوق على الجروح إن لم يكن في نزعه ضرر نزعه وغسل الصحيح وتيمم للجريح ويمسح على موضع الجرح، وإن كان في نزعه ضرر مسح عليه كالجبيرة فان كان في رجله شق فجعل فيه قيرا فقال أحمد ينزعه ولا يمسح عليه هذا أهون هذا لا يخاف منه، فقيل له متى يسع صاحب الجرح أن يمسح عليه؟ قال إذا خشي أن يزداد وجعا أو شدة. وتعليل أحمد في القير بسهولته يقتضي أنه متى كان يخاف منه جاز المسح عليه كالاصبع المجروحة إذا ألقمها مرارة أو عصبها، قال مالك في الظفر يسقط يكسوه مصطكا ويمسح عليه وهو قول أصحاب الرأي (فصل) فان لم يكن على الجرح عصاب غسل الصحيح وتيمم للجريح. وقد روى حنبل عن أحمد في المجروح والمجدور يخاف عليه يمسح موضع الجرح ويغسل ما حوله يعني يمسح إذا لم يكن عصاب والله أعلم (مسألة) قال (ويمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن) لا نعلم فيه خلافا في المذهب وهو قول عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم وبه قال شريح وعطاء والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي وهو ظاهر قول الشافعي. وقال الليث يمسح ما بدا له وهو قول أكثر أصحاب مالك وكذلك قول مالك في المسافر، وعنه في المقيم روايتان وذلك لما روى أبي بن عمارة قال قلت يا رسول الله نمسح على الخفين؟ قال " نعم " قلت يوما؟ قال " ويومين " قلت وثلاثة؟ قال " وما شئت " رواه أبو داود

[ 157 ]

ولانه مسح في طهارة فلم تتوقت كمسح الرأس والجبيرة. ولنا ما روى علي قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم رواه مسلم. وعن عوف بن مالك الاشجعي ان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالمسح على الخفين في غزوة تبوك ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم رواه الامام احمد والدار قطني. قال الامام احمد: هذا أجود حديث في المسح لانه في غزوة تبوك آخر غزوة غزاها النبي صلى الله عليه وسلم وحديثهم ليس بالقوي. وقد اختلف في اسناده قاله أبو داود، ويحتمل انه قال وما شئت من اليوم واليومين والثلاثة، ويحتمل انه يمسح ما شاء إذا نزعها عند انتهاء مدته ثم لبسها. وقياسهم منقوض بالتيمم ومسح الجبيرة عندنا موقت بامكان نزعها والله أعلم (فصل) وسفر المعصية كالحضر في مدة المسح لان ما زاد على اليوم والليلة رخصة والرخص لا تستباح بالمعصية والله أعلم، وقال القاضي يحتمل أن لا يباح له المسح أصلا لكونه رخصة (1) والله أعلم (مسألة) قال (إلا الجبيرة فانه يمسح عليها إلى حلها) لان مسحها للضرورة فيقدر بقدرها والضرورة تدعو إلى مسحها إلى حلها بخلاف غيرها (فصل) ويفارق مسح الجبيرة الخف من خمسة أوجه (الاول والثاني) انه لا يشترط تقدم الطهارة لها ولا يتقدر مسحها بمدة وقد ذكرناهما (الثالث) انه يجب استيعابها بالمسح لانه لا ضرر في تعميمها


1) هذا التعليل وما قبله الرأى الذي لا يدل عليه كتاب ولا سنة ولا اجماع ولا اثر عن الصحابة ولا قياس صحيح ويمكن نقضه برأي اقوى منه بما يدل عليه من حكمة الشارع وهو ان العصاة اولى بالرخص من الاتقياء لئلا يتركوا الفرائض، والعمدة في رد الجمهور له ان خطاب الشرع عان وهذا الرأى لا يصح مخصصاله

[ 158 ]

بخلاف الخف (الرابع) انه لا يجوز المسح عليها إلا عند خوف الضرر بنزعها (الخامس) انه يمسح عليها في الطهارة الكبرى لان الضرر يلحق بنزعها فيها بخلاف الخف (مسألة) (وابتداء المدة من الحدث بعد اللبس، وعنه من المسح بعده) يعني بعد الحدث، ظاهر المذهب ان ابتداء المدة من الحدث بعد اللبس وهذا قول الثوري والشافعي وأصحاب الرأي. وفيه رواية أخرى ان ابتداءها من المسح بعد الحدث يروى ذلك عن عمر رضي الله عنه وهو اختيار ابن المنذر لقول النبي صلى الله عليه وسلم يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وقال الشعبي وإسحاق وأبو ثور يمسح المقيم خمس صلوات لا يزيد عليها، ووجه الرواية الاولى ما نقله القاسم بن زكريا المطرز في حديث صفوان عن الحدث إلى الحدث ولانها عبادة مؤقتة فاعتبر أول وقتها من حين جواز فعلها كالصلاة. ويجوز أن يكون أراد بالخبر استباحة المسح دون فعله. وأما تقديره بخمس صلوات فلا يصح لكون النبي صلى الله عليه وسلم قدره بالوقت دون الفعل، فعلى هذا يمكن المقيم أن يصلي بالمسح ست صلوات يؤخر الصلاة ثم يمسح في اليوم الثاني في أول وقتها قبل انقضاء المدة وإن كان له عذر يبيح الجمع من مرض أو غيره أمكنه أن يصلي سبع صلوات، ويمكن المسافر أن يصلي ستة عشر صلاة إن لم يجمع وسبع عشرة صلاة إن جمع على ما فصلناه والله أعلم (مسألة) قال (ومن مسح مسافرا ثم أقام أتم مسح مقيم) وهذا قول الشافعي وأصحاب الرأي

[ 159 ]

ولا نعلم فيه خلافا لانه صار مقيما فلم يجز له أن يمسح مسح المسافر، ولانها عبادة تختلف بالحضر والسفر فإذا ابتدأها في السفر ثم حضر في اثنائها غلب حكم الحضر كالصلاة، فان كان قد مسح يوما وليلة ثم أقام أو قدم خلع، وإن كان مسح اقل من يوم وليلة ثم أقام أو قدم أتم يوما وليلة لما ذكرنا، ولو مسح في السفر أكثر من يوم وليلة ثم دخل في الصلاة فنوى الاقامة في اثنائها بطلت لان المسح بطل فبطلت الطهارة التي هي شرط لصحة الصلاة، ولو تلبس بالصلاة في سفينة فدخلت البلدة في اثنائها بطلت صلاته لذلك والله أعلم (مسألة) (وإن مسح مقيما ثم سافر أو شك في ابتادئه أتم مسح مقيم، وعنه يتم مسح مسافر) اختلفت الرواية عن احمد في هذه المسألة فروي عنه انه يتم مسح مقيم اختاره الخرقي وهو قول الثوري والشافعي وإسحاق لانها عبادة تختلف بالحضر والسفر فإذا وجد أحد طرفيها في الحضر غلب حكمه كالصلاة، وروي عنه انه يتم مسح مسافر سواء مسح في الحضر لصلاة أو اكثر منها بعد أن لا تنقضي مدة المسح وهو حاضر وهذا مذهب ابى حنيفة لقوله صلى الله عليه وسلم " يمسح المسافر ثلاثة ايام ولياليهن " وهذا مسافر ولانه سافر قبل انقضاء مدة المسح اشبه من سافر بعد الحدث وقبل المسح وهذا اختيار الخلال وصاحبه، قال الخلال رجع احمد عن قوله الاول إلى هذا، وإن شك هل ابتدأ المسح في الحضر أو السفر بنى على مسح حاضر لانه لا يجوز المسح مع الشك في إباحته ولان الاصل الغسل والمسح رخصة فإذا شككنا في شرطها رجعنا إلى الاصل. فان ذكر بعد انه كان قد ابتدأ المسح في السفر جاز البناء على مسح مسافر، وان كان قد صلى بعد اليوم والليلة مع الشك ثم تيقن فعليه إعادة ما صلى مع الشك لانه صلى بطهارة لم يكن له أن يصلي بها فهو كما لو صلى يعتقد أنه محدث ثم ذكر انه

[ 160 ]

متطهر فان وضوءه صحيح ويلزمه إعادة الصلاة وهذا التفريع على الرواية الاولى. ومتى شك الماسح في الحدث بنى على الاحوط عنده لان الاصل غسل الرجل (فصل) فان لبث وأحدث وصلى الظهر ثم شك هل مسح قبل الظهر أو بعدها وقلنا ابتداء المدة من حين المسح بنى الامر في المسح على انه قبل الظهر وفي الصلاة على أنه مسح بعدها لان الاصل بقاء الصلاة في ذمته ووجوب غسل الرجل فرددنا كل واحد منهما إلى أصله والله أعلم (مسألة) (وان أحدث ثم سافر قبل المسح أتم مسح مسافر) لا نعلم بين أهل العلم خلافا في ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم " يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن؟ وهذا حال ابتداء المسح كان مسافرا (مسألة) قال (ولا يجوز المسح إلا على ما يستر محل الفرض ويثبت بنفسه) متى كان الخف ساترا لمحل الفرض لا يرى منه الكعبان لكونه ضيقا أو مشدودا جاز المسح عليه. فأما المقطوع من دون الكعبين فلا يجوز المسح عليه وهذا قول الشافعي وأبي ثور وهو الصحيح عن مالك، وحكي عن الاوزاعي ومالك جواز المسح عليه لانه خف يمكن متابعة المشى فيه أشبه السائر ولنا أنه لا يستر محل الفرض أشبه اللالكة والنعلين ولان حكم ما ظهر الغسل وحكم ما استتر المسح ولا سبيل إلى الجمع من غير ضرورة فغلب الغسل كما لو ظهرت إحدى الرجلين ولو كان للخف قدم وله شرج إذا شده يستر محل الفرض جاز المسح عليه وقال أبو الحسن الآمدي لا يجوز المسح

[ 161 ]

عليه كاللفائف، ولنا أنه خف ساتر يمكن متابعة المشي فهى أشبه غير ذي الشرج (فصل) فان كان الخف محرما كالقصب الحرير لم يجز المسح عليه في الصحيح من المذهب لان المسح رخصة فلا تستباح بالمعصية كما لا يستبيح المسافر الرخص بسفر المعصية (فصل) ويجوز المسح على كل خف ساتر لمحل الفرض سواء كان من جلود أو لبود وما أشبهها فان كان خشبا أو حديدا وما أشبههما جاز المسح عليه وهذا قول أبي الخطاب قال القاضي وهو قياس المذهب لانه خف يمكن متابعة المشي فيه ساتر لمحل الفرض أشبه الجلود، وقال بعض أصحابنا لا يجوز المسح عليها لان الرخصة وردت في الخفاف المتعارفة للحاجة (1) ولا تدعو الحاجة إلى المسح على هذه في الغالب. (مسألة) قال (ويثبت بنفسه) فان كان لا يثبت بنفسه بحيث يسقط من القدم إذا مشى فيه لم يجز المسح عليه لان الذي تدعو الحاجة إلى لبسه هو الذي يمكن متابعة المشي فيه فأما ما يسقط إذا مشى فيه فلا يشق نزعه ولا يحتاج إلى المسح عليه (مسألة) (فان كان فيه خرق يبدو منه بعض القدم أو كان واسعا يرى منه الكعب أو الجورب خفيفا يصف القدم أو يسقط منه إذا مشى أو شد لفائف لم يجز المسح عليه) وجملة ذلك انه انما يجوز المسح على الخف ونحوه إذا كان ساتر المحل الفرض لما ذكرنا، فان كان فيه خرق يبدو منه بعض القدم أو كان واسعا يرى منه الكعب لم يجز المسح سواء كان الخرق كبيرا أو صغيرا من موضع الخرز أو من غيره. فاما ان


1) إذا كانت الرخصة للحاجة فلم تقيد بالمتعارف في صفة عارضة لادخل لها في مس الحاجة كمادة الخف وشكله وصنعته؟ الحق الاول وهذا تعليل ضعيف

[ 162 ]

كان الشق ينضم فلا يبدو منه القدم لم يمنع جواز المسح نص عليه وهو مذهب معمر وأحد قولي الشافعي، وقال الثوري وإسحاق وابن المنذر يجوز المسح عل كل خف، وقال الاوزاعي يمسح الخف المخروق وعلى ما ظهر من رجله وقال أبو حنيفة ان كان أقل من ثلاث أصابع جاز المسح عليه وإلا لم يجز، وقال مالك ان كثر وتفاحش لم يجز وإلا جاز وتعلقوا بعموم الحديث وبأنه خف يمكن متابعة المشي فيه أشبه الصحيح ولان الغالب على خفاف العرب كونها مخرقة وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلبسها من غير تفصيل فينصرف إلى الخفاف الملبوسة عندهم غالبا ولنا أنه غير ساتر للقدم فلم يجز المسح عليه كما لو كثر وتفاحش ولان حكم ما ظهر الغسل وحكم ما استتر المسح فإذا اجتمعا غلب الغسل كما لو ظهرت إحدى الرجلين (فصل) وكذلك إن كان الجورب خفيفا يصف القدم لم يجز المسح عليه لانه غير ساتر (1) لمحل الفرض أشبه النعل. وكذلك ان كان يسقط من القدم ولا يثبت فيه لما ذكرنا، ولا يجوز المسح على اللفائف والخرق نص عليه أحمد لانها لا تثبت بنفسها انما تثبت بشدها ولا نعلم في هذا خلافا (مسألة) (وان لبس خفا فلم يحدث حتى لبس عليه آخر جاز المسح عليه) يعني على الفوقاني سواء كان التحتاني صحيحا أو مخرقا وهذا قول الثوري والاوزاعي وأصحاب الرأي، ومنع منه مالك والشافعي في أحد قوليهما لان الحاجة لا تدعو إلى لبسه في الغالب فلم تتعلق به رخصة عامة كالجبيرة


1) ان بدو القليل المعتاد في الخفاف ولا سيما في السفر وهذا اختيار شيخ الاسلام تقي الدين من الحنابلة

[ 163 ]

ولنا أنه خف ساتر يثبت بنفسه أشبه المنفرد وقوله الحاجة لا تدعو إليه ممنوع فان البلاد الباردة لا يكفى فيها خف واحد غالبا ولو سلمنا ذلك لكن الحاجة معتبرة بدليلها وهو الاقدام على اللبس لا بنفسها فهو كالخف الواحد. إذا ثبت ذلك فمتى نزع الفوقاني قبل مسحه لم يؤثر فيه، وان نزعه بعد مسحه بطلت الطهارة ووجب نزع الخفين وغسل الرجلين لزوال محل المسح ونزع أحد الخفين كنزعهما لان الرخصة تعلقت بهما فصار كانكشاف القدم، ولو أدخل يده من تحت الفوقاني ومسح الذي تحته جاز لان كل واحد منهما محل للمسح فجاز المسح عليه كما يجوز غسل قدميه في الخف مع جواز المسح عليه، ولو لبس أحد الجرموقين في أحد الرجلين دون الاخرى جاز المسح عليه وعلى الخف الذي في الرجل الاخرى فهو كما لو لم يكن تحته شئ (فصل) وان لبس مخرقا فوق صحيح فالمنصوص عن احمد جواز المسح عليه رواها عنه حرب لان القدم مستور بخف صحيح فجاز المسح عليه كما لو كان مكشوفا، وقال القاضي وأصحابه لا يجوز المسح إلا على التحتاني لان الفوقاني لا يجوز المسح عليه مفردا أشبه مالو كان تحته لفافة، فاما ان لبس مخرقا فوق لفافة لم يجز المسح عليه لان القدم غير مستور بخف صحيح، وان لبس مخرقا فوق مخرق فاستتر القدم بهما احتمل أن لا يجوز المسح لذلك واحتمل جواز المسح لان القدم استتر بهما أشبه مالو كان أحدهما مخرقا والآخر صحيحا

[ 164 ]

(فصل) فاما إن لبس الفوقاني بعد أن أحدث لم يجز المسح لانه لبسه على غير طهارة وكذلك ان مسح على الاول ثم لبس الثاني، وقال بعض أصحاب الشافعي يجوز لان المسح قام مقام الغسل ولنا أن المسح على الخف لم يزل الحدث عن الرجل فلم تكمل الطهارة أشبه التيمم ولان الخف الممسوح عليه بدل والبدل لا يكون له بدل آخر والله أعلم (مسألة) (ويمسح أعلى الخف دون أسفله وعقبه فيضع يده على الاصابع ثم يمسح إلى ساقه) هذه السنة في مسح الخف، فان عكس فمسح في ساقه إلى أسفل جاز والمسنون الاول لما روى الخلال باسناده عن المغيرة فذكر وضوء النبي صلى الله عليه وسلم قال ثم توضأ ومسح على الخفين فوضع يده اليمنى على خفه الايمن ووضع يده اليسرى على خفه الايسر ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة حتى كأني أنطر إلى أثر أصابعه على الخفين قال ابن عقيل: سنة المسح هكذا أن يمسح خفيه بيديه باليمنى اليمنى وباليسرى اليسرى وقال احمد كيفما فعلت فهو جائز باليد الواحدة أو باليدين، وان مسح باصبع أو أصبعين أجزأه إذا كرر المسح بها حتى يصير مثل المسح باصابعه ولا يسن مسح أسفله ولا عقبه وهذا قول عروة وعطاء والحسن والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي وابن المنذر، وروي مسح ظاهر الخفين وباطنهما عن سعد بن أبي وقاص وابن عمر وعمر ابن عبد العزيز وابن المبارك ومالك والشافعي لما روى المغيرة بن شعبة قال وضأت رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح أعلى الخف وأسفله رواه أبو داود والترمذي ولانه يحاذي محل الفرض أشبه ظاهره

[ 165 ]

ولنا قول علي رضي الله عنه: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من ظاهره وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح ظاهر خفيه رواه الامام احمد وأبو داود، وعن عمر قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالمسح على ظاهر الخفين إذا لبسهما وهما طاهرتان رواه الخلال ولان مسحه غير واجب ولا يكاد يسلم من مباشرة أذى فيه تتنجس به يده فكان تركه أولى، وحديثهم معلول قاله الترمذي وقال وسألت أبا زرعة ومحمدا عنه فقال ليس بصحيح وقال احمد هذا من وجه ضعيف وأسفل الخف ليس بمحل لفرض المسح بخلاف أعلاه (فصل) فان مسح أسفله أو عقبه دون أعلاه لم يجزه في قول أكثر العلماء، قال شيخنا لا نعلم أحدا قال يجزئه مسح أسفل الخف إلا أشهب من اصحاب مالك وبعض الشافعية لانه مسح بعض ما يحاذي محل الفرض فأجزأه كما لو مسح ظاهره، ومنصوص الشافعي كمذهب الجمهور لما ذكرنا ان النبي صلى الله عليه وسلم انما مسح ظاهر الخف ولا خلاف في انه يجزئ الاقتصار على مسح ظاهر الخف حكاه ابن المنذر (فصل) والقدر المجزئ في المسح أن يمسح أكثر مقدم ظاهره خطوطا بالاصابع قاله القاضي لما ذكرنا من حديث المغيرة، وقال الشافعي والثوري وأبو ثور يجزئ القليل منه لانه أطلق لفظ المسح ولم ينقل فيه تقدير فرجع إلى ما تناوله الاسم، وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن يجزئه قدر ثلاث أصابع وهو قول الاوزاعي، وقال إسحاق لا يجزئ حتى يمسح بكفيه

[ 166 ]

ولنا ان لفظ المسح ورد مطلقا وفسره النبي صلى الله عليه وسلم بفعله كما ذكرنا في حديث المغيرة، ولا يستحب تكرار مسحه لان في حديث المغيرة مسحة واحدة. روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وقال عطاء يمسح ثلاثا (فصل) فان مسح بخرقة أو خشبة احتمل الاجزاء لحصول المسح، واحتمل المنع لان النبي صلى الله عليه وسلم مسح بيده، فان غسل الخف لم يجزه وهذا قول مالك واختيار القاضي، قال ابن المنذر وهو أقيس لانه أمر بالمسح فلم يفعله فلم يجزه كما لو طرح التراب على وجهه ويديه في التيمم لكن إن أمر يديه على الخفين في حال الغسل أو بعده أجزأه لوجود المسح. وقال ابن حامد يجزئه وهو قول الثوري وأصحاب الرأي لانه أبلغ من المسح والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم أولى والمستحب أن يفرج أصابعه إذا مسح قال الحسن خطوطا بالاصابع ووضع الثوري أصابعه على مقدم خفيه وفرج بينهما ثم مسح على اصل الساق، وروي عن عمر أنه مسح حتى رئي آثار اصابعه على خفيه خطوطا (مسألة) (ويجوز المسح على العمامة المحنكة إذا كانت ساترة لجميع الرأس الا ما جرت العادة بكشفه) قد ذكرنا دليل جواز المسح على العمامة، ومن شروط جواز المسح عليها أن تكون ساترة لجميع الرأس الا ما جرت العادة بكشفه كمقدم الرأس والاذنين وجوانب الرأس فانه يعفى عنه بخلاف خرق الخف فانه يعفى عنه لان هذا جرت العادة به ويشق التحرز عنه وان ظهر بعض القلنسوة من تحت العمامة فالظاهر جواز المسح عليهما لانهما صارا كالعمامة الواحدة، ومتى كانت محنكة جاز المسح عليها رواية

[ 167 ]

واحدة سواء كان له ذؤابة أو لم يكن لان هذه عمائم العرب وهي أكثر سترا ويشق نزعها قاله القاضي وسواء كانت صغيرة أو كبيرة ولانها مأمور بها وتفارق عمائم أهل الكتاب (مسألة) قال (ولا يجوز على غير المحنكة الا ان تكون ذات ذؤابة فيجوز في احد الوجهين) اما إذا لم يكن لها حنك ولا ذؤابة فلا يجوز المسح عليها لانها على صفة عمائم اهل الذمة وقد نهي عن التشبه بهم ولانها لا يشق نزعها وان كان لها ذؤابة ولا حنك لها ففيه وجهان (احدهما) جوازه لانها لا تشبه عمائم اهل الذمة إذ ليس من عادتهم الذؤابة (والثاني) لا يجوز وهو الاظهر لان النبي صلى الله عليه وسلم امر بالتحلي ونهى عن الاقتعاط. رواه أبو عبيد قال: والاقتعاط ان لا يكون تحت الحنك منها شئ وروي ان عمر رضى الله عنه راى رجلا ليس بمحنك بعمامته فحنكه بكور منها وقال ما هذه الفاسقية ولانها لا يشق نزعها فلم يجز المسح كالتي لا ذؤابة لها ولا حنك (فصل) وما جرت العادة بكشفه من الرأس استحب ان يمسح عليه مع العمامة، نص عليه لان النبي صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته وعمامته في حديث المغيرة وهو صحيح، وهل يجب الجمع بينهما إذا قلنا بوجوب استيعاب مسح الرأس؟ فيه وجهان (احدهما) يجب للخبر ولان العمامة ثابت عما استتر فوجب مسح الباقي كما لو ظهر سائر رأسه (والثاني) لا يجب لان العمامة نابت عن الرأس فانتقل الفرض إليها وتعلق الحكم بها فلم يبق لما ظهر حكم ولان الجمع بينهما يفضي إلى الجمع بين البدل والمبدل في عضو واحد فلم يجز من غير ضرورة كالخف

[ 168 ]

ولا يجب مسح الاذنين مع العمامة لا نعلم فيه خلافا لانه لم ينقل وليستا من الرأس إلا على وجه التبع (فصل) وحكمها في التوقيت واشتراط تقدم الطهارة لها حكم الخف قياسا عليه، فان كانت العمامة محرمة اللبس كالحرير والمغصوبة لم يجز المسح عليها في الصحيح لما ذكرنا في الخف فان لبست المرأة عمامة لم يجز المسح عليها لانها منهية عن التشبة بالرجال فكانت محرمة في حقها وان كان لها عذر فهذا نادر لا يفرد يحكم (مسألة) (ويجزئ مسح أكثرها وقيل لا يجزئ الا مسح جميعها) اختلفت الرواية في وجوب استيعاب العمامة بالمسح فروي ما يدل على أنه يجزئ مسح أكثرها لانها احد الممسوحين على وجه البدل فأجزأ مسح بعضه كالحف، وروي عنه أنه يلزم استيعابها قياسا على مسح الرأس. والفرق بينهما أن البدل ههنا من جنس المبدل فيقدر بقدره كمن عجز عن قراءة الفاتحة وقدر على قراءة غيرها من القرآن يجب أن يكون بقدرها. ولو كان البدل تسبيحا لم يتقدر بقدرها لكونه ليس من جنسها. والخف بدل من غير الجنس لكونه بدلا عن الغسل فلم يتقدر بقدره كالتسبيح بدلا عن القرآن، والصحيح الاول قياسا عى الخف وما ذكر للرواية الثانية ينتقض بمسح الجبيرة فانه بدل عن الغسل وهو من غير جنس المبدل ويجب فيه الاستيعاب، وقال القاضي يجزئ مسح بعضها كالخف ويختص ذلك بأكوارها دون وسطها فان مسح وسطها وحده ففيه وجهان (أحدهما) يجزئه كما يجزئ مسح بعض دوائرها (والثاني) لا يجزئه كما لو مسح أسفل الخف

[ 169 ]

(مسألة) (ويمسح على جميع الجبيرة إذا لم تتجاوز قدر الحاجة) لانه لا يشق المسح عليها كلها بخلاف الخف فانه يشق تعيميم جميعه ويتلفه المسح ولانه مسح للضرورة أشبه التيمم، وان كان بعضها في محل الفرض وبعضها في غيره مسح ما حاذي محل الفرض نص عليه أحمد. وانما يجوز المسح عليها إذا لم يتعد بها موضع الكسر إلا بما لابد من وضع الجبيرة عليه فانها لابد أن توضع على طرفي الصحيح ليرجع الكسر، فان شدها على مكان يستغني عن شدها عليه كان تاركا لغسل ما يمكنه غسله من غير ضرر فلم يجز كما لو شدها على مالا كسر فيه، وقد روي عن أحمد أنه سهل في ذلك في مسألة الميموني والمروذي لان هذا مما لا ينضبط وهو شديد جدا. فعلى هذا لا بأس بالمسح على العصائب كيف شدها والاول أولى لما ذكرنا. فعلى هذا إذا تجاوز بها موضع الحاجة لزمه نزعها ان لم يخف الضرر وان خاف من نزعها تيمم لها لانه موضع يخاف الضرر باستعمال الماء فيه فجاز التيمم له كالجرح. (مسألة) قال (ومتى ظهر قدم الماسح أو رأسه أو انقضت مدة المسح استأنف الطهارة) لان المسح بدل عن الغسل فمتى ظهر القدم وجب غسله لزوال حكم البدل كالمتيمم يجد الماء (وعنه يجزئه مسح رأسه وغسل قدميه) وجملة ذلك أنه متى ظهر قدم الماسح بعد الحدث والمسح وقبل انقضاء المدة فقد اختلف العلماء فيه فالمشهور عن أحمد رحمه الله أنه يعيد الوضوء وبه قال النخعي والزهري ومكحول والاوزاعي واسحاق وهو أحد قولي الشافعي، وعن أحمد رواية أنه يجزئه غسل قدميه وهو قول الثوري وأبي ثور

[ 170 ]

والمزني وأصحاب الرأي والقول الثاني للشافعي لان مسح الخفين ناب عن الرجلين خاصة فظهورهما يبطل ما ناب عنه كالتيمم إذا بطل برؤية الماء بطل ما ناب عنه. وهذا الاختلاف مبني على وجوب الموالاة فمن لم يوجبها في الوضوء جوز غسل القدمين لان سائر أعضائه سواهما مغسولة ومن أوجب الموالاة أبطل الوضوء لفوات الموالاة، فعلى هذا لو خلع الخفين قبل جفاف الماء عن بدنه أجزأه غسل قدميه وصار كانه خلعهما قبل مسحه عليهما، وقال الحسن وقتادة: لا يتوضأ ولا يغسل قدميه واختاره ابن المنذر لانه أزال الممسوح عليه بعد كمال الطهارة أشبه مالو حلق رأسه بعد مسحه ووجه الرواية الاولى أن الوضوء بطل في بعض الاعضاء فبطل في جميعها كما لو أحدث وما ذكروه يبطل بنزع أحد الخفين فانه يلزمه غسلهما وانما ناب مسحه عن إحداهما. وأما التيمم عن بعض الاعضاء فسيأتي الكلام عليه في بابه ان شاء الله. وقال مالك والليث بن سعد: ان غسل رجليه مكانه صحت طهارته فان تطاول أعاد الوضوء لان الطهارة كانت صحيحة إلى حين نزع الخفين أو انقضاء المدة وانما بطلت في القدمين خاصة فإذا غسلهما عقيب النزع حصلت الموالاة بخلاف ما إذا تطاول، ولا يصح ذلك لان المسح بطل حكمه وصار الآن يضيف الغسل إلى الغسل فلم يبق للمسح حكم ولان الاعتبار في الموالاة انما هو بقرب الغسل من الغسل لا من حكمه فانه متى زال حكم الغسل بطلت الطهارة ولم ينفع قرب الغسل من الخلع شيئا لكون الحكم لا يعود بعد زواله إلا بسبب جديد والله أعلم

[ 171 ]

(فصل) وحكم خلع العمامة بعد المسح عليها عند القائلين بجواز المسح عليها حكم الخف لانها في معناه إلا أنه ههنا يلزمه مسح رأسه وغسل قدميه إذا قلنا بوجوب الترتيب. وكذلك الحكم لو نزع الجبيرة بعد المسح عليها قياسا على الخف والعمامة الا أنه ان كان مسح عليها في الجنابة لم يحتج إلى إعادة غسل ولا وضوء لان الترتيب والموالاة ساقطان فيه (فصل) وإذا انقضت مدة المسح بطلت طهارته أيضا ولزمه خلع الخفين والعمامة وإعادة الوضوء على الرواية الاولى وعلى الثانية يجزئه مسح رأسه وغسل قدميه وقد ذكرنا وجه الروايتين، ومتى أمكنه نزع الجبيرة من غير ضرر فهو كما لو انقضت مدة المسح قياسا عليه. وقال الحسن لا يبطل الوضوء ويصلي حتى يحدث ونحوه قول داود فانه قال ينزع خفيه ويصلي حتى يحدث لان الطهارة لا تبطل الا بالحدث والخلع ليس بحدث ولنا أن غسل الرجلين شرط للصلاة وإنما قام المسح مقامه في المدة فإذا انقضت لم يجز أن يقوم مقامه الا بدليل ولانها طهارة لا يجوز ابتداؤها فيمنع من استدامتها كالمتيمم عند رؤية الماء (فصل) ونزع أحد الخفين كنزعهما في قول أكثر أهل العلم منهم مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي ويلزمه نزع الآخر، وقال الزهري وأبو ثور يغسل القدم الذي نزع منه الخف ويمسح الآخر لانهما عضوان فأشبها الرأس والقدم ولنا أنهما في الحكم كعضو واحد ولهذا لا يجب ترتيب أحدهما على الآخر فيبطل مسح أحدهما بظهور الآخر كالرجل الواحدة وبهذا فارق الرأس والقدم (فصل) وانكشاف بعض القدم من خرق كنزع الخف. فان انكشطت الظهارة دون البطانة وكانت

[ 172 ]

البطانة ساترة لمحل الفرض تثبت بنفسها جاز المسح كما لو لم تنكشط، وان أخرج قدمه إلى ساق الخف فهو كخلعه وهذا قول إسحاق وأصحاب الرأي، وقال الشافعي لا يتبين لي أن عليه الوضوء إلا أن يظهر بعضها لان القدم مستور بالخف، وحكى أبو الخطاب في رءوس المسائل عن أحمد نحو ذلك، ولنا أن استقرار الرجل في الخف شرط جواز المسح بدليل مالو أدخل رجله الخف فأحدث قبل استقرارها فيه لم يكن له المسح، فإذا تغير الاستقرار زال شرط جواز المسح فبطل كما لو ظهر، وإن كان إخراج القدم إلى ما دون ذلك لم يبطل المسح لانها لم تزل عن مستقرها، وقال مالك: إذا أخرج قدمه من موضع المسح خروجا بينا غسل قدميه (فصل) وان نزع العمامة بعد المسح عليها بطلت الطهارة نص عليه أحمد وكذلك إن انكشف رأسه الا أن يكون يسيرا مثل أن حك رأسه ورفعها لاجل الوضوء، قال أحمد: إذا زالت العمامة من هامته لا بأس ما لم ينقضها أو يفحش ذلك لان هذا مما جرت العادة به فيشق التحرز عنه، وان انتقضت بعد مسحها فهو كنزعها لانه في معناه، وان انتقض بعضها ففيه روايتان (إحداهما) لا تبطل طهارته لانه زال بعض الممسوح عليه مع بقاء العضو مستورا فهو ككشط الخف مع بقاء البطانة (والثانية) تبطل قال القاضي لو انتقض منها كور واحد بطلت لانه زال الممسوح عليه أشبه نزع الخف

[ 173 ]

(مسألة) قال (ولا مدخل لحائل في الطهارة الكبرى إلا الجبيرة) لا يجوز المسح على غير الجبيرة في الطهارة الكبرى لما روى صفوان بن عسال قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا مسافرين أو سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة. رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. فأما الجبيرة فيجوز المسح عليها في الطهارة الكبرى لحديث صاحب الشجة ولانه مسح أبيح للضرر أشبه التيمم والله أعلم (باب نواقض الوضوء) (وهي ثمانية الخارج من السبيلين قليلا كان أو كثيرا نادرا أو معتادا) وجملة ذلك أن الخارج من السبيلين على ضربين معتاد كالبول والغائظ والمذي والودي والريح فهذا ينقض الوضوء إجماعا حكاه ابن المنذر، ودم الاستحاضة ينقض الطهارة في قول عامة أهل العلم إلا في قول ربيعة (الضرب الثاني) نادر كالدم والدود والحصى والشعر فينقض الوضوء أيضا، وهو قول الثوري والشافعي وأصحاب الرأي، وقال قتادة ومالك ليس في الدود يخرج من الدبر الوضوء، وروي عن مالك أنه لم يوجب الوضوء من هذا الضرب لانه نادر أشبه الخارج من غير السبيل

[ 174 ]

ولنا أنه خارج من السبيل أشبه المذي ولانه لا يخلو من بلة تتعلق به وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم المستحاضة بالوضوء لكل صلاة ودمها غير معتاد (فصل) فان خرجت الريح من قبل المرأة وذكر الرجل فقال القاضي ينقض الوضوء ونقل صالح عن أبيه في المرأة يخرج من فرجها الريح: ما خرج من السبيلين ففيه الوضوء. وقال ابن عقيل يحتمل أن يكون الاشبه بمذهبنا في الريح الخارج من الذكر أن لا ينقض لان المثانة ليس لها منفذ إلى الجوف ولا جعلها أصحابنا جوفا ولم يبطلوا الصوم بالحقنة فيه، قال شيخنا ولا نعلم لها وجودا في حق أحد. وقد قيل انه يعلم بأن يحس الانسان في ذكره دبيبا وهذا لا يصح لكونه لا يحصل به اليقين والطهارة لا تبطل بالشك. فان وجد ذلك يقينا نقض الطهارة قياسا على سائر الخارج من السبيلين (فصل) فان قطر في إحليله دهنا ثم عاد فخرج نقض الوضوء لانه خارج من السبيلين لا يخلو من بلة نجسة تصحبه فينتقض بها الوضوء كما لو خرجت منفردة. وقال القاضي لا ينقض لانه ليس بين الاحليل والمثانة منفذ وانما يخرج البول رشحا فإذا كان كذلك لم يصل الدهن إلى موضع نجس فإذا خرج فهو طاهر فلم ينقض كسائر الطاهرات إذا خرجت من البدن والاول أولى. وقوله لا يصل الدهن إلى موضع نجس ممنوع فان باطن الذكر نجس من آثار البول والماء لا يصل إليه فيطهره فيتنجس به الدهن، ولو احتشى قطنا في ذكره ثم أخرجه وعليه بلل نقض الوضوء أيضا كما لو خرج البلل منفردا

[ 175 ]

وان خرج ناشفا ففيه وجهان (أحدهما) ينقض لانه خارج من السبيل أشبه سائر الخارج (والثاني) لا ينقض لانه ليس بين المثانة والجوف منفذ ولم تصحبه نجاسة فلم ينقض كسائر الطاهرات، ونقل القاضي في المجرد عن أحمد في رواية عبد الله إذا احتشى القطن في ذكره وصلى ثم أخرجه ووجد بللا فلا بأس ما لم يظهر يعني جاريا وهذا يدل على أن نفس البلل لا ينقض، ولو احتقن في دبره فرجعت أجزاء خرجت من الفرج نقضت الوضوء، وهكذا لو وطئ امرأته دون الفرج فدب ماؤه فدخل الفرج ثم خرج نقض الوضوء وعليهما الاستنجاء لانه خارج من السبيل لا يخلو من بلة تصحبه من الفرج، فان لم يعلم خروج شئ منه احتمل وجهين (أحدهما) النقض فيهما لان الغالب انه لا ينفك عن الخروج فنقض كالنوم (والثاني) لا ينقض عملا بالاصل. لكن ان كان المحتقن قد أدخل رأس الزراقة ثم أخرجه نقض الوضوء وكذلك ان أدخل فيه ميلا أو غيره ثم خرج لانه خارج من السبيل فنقض كسائر الخارج (فصل) قال أبو الحرث سألت أحمد عن رجل به علة ربما ظهرت مقعدته قال ان علم انه يظهر معها ندى توضأ وان لم يعلم فلا شئ عليه. قال شيخنا رحمه الله يحتمل انه انما أراد ندى ينفصل عنها فأما الرطوبة اللازمة لها فلا تنقض لانها لا تنفك عن رطوبة فلو نقضت لنقض خروجها على كل حال وذلك لانه شئ لم ينفصل عنها فلم ينقض كسائر أجزائها وقد قالوا فيمن أخرج لسانه وهو صائم وعليه بلل ثم أدخله وابتلع ذلك البلل لم يفطر لانه لم يثبت له حكم الانفصال والله أعلم

[ 176 ]

(فصل) والمذي ما يخرج عقيب الشهوة زلجا متسبسبا فيكون على رأس الذكر ينقض الوضوء إجماعا وهل يجب غسل الذكر والانثيين منه؟ فيه روايتان (إحداهما) يوجب ذلك لما روي أن عليا رضي الله عنه قال كنت رجلا مذاء فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته فأمرت المقداد بن الاسود فسأله فقال " يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ " رواه أبو داود. وفي لفظ " توضأ وانضح فرجك " رواه مسلم. والامر للوجوب ولانه خارج بسبب الشهوة فاوجب غسلا زائدا على موجب البول كالمني فعلى هذا يجزئه غسلة واحدة لان المأمور به غسل مطلق فيكفي ما يقع عليه الاسم وقد بينه قوله في اللفظ الآخر " وانضح فرجك " وسواء غسله قبل الوضوء أو بعده لانه غسل غير مرتبط بالوضوء أشبه غسل النجاسة (والثانية) لا يوجب إلا الاستنجاء والوضوء روي ذلك عن ابن عباس وهو قول أكثر أهل العلم لما روى سهل بن حنيف قال كنت ألقى من المذي شدة وعناء وكنت أكثر منه الاغتسال فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال " انما يجزيك من ذلك الوضوء " رواه الترمذي وقال حسن صحيح ولانه خارج لا يوجب الغسل أشبه الودي والامر بالنضح والغسل في حديث علي محمول على الاستحباب وقوله " انما يجزيك من ذلك الوضوء " صريح في حصول الاجزاء به، والودي ماء أبيض يخرج عقيب البول ليس فيه وفي بقية الخارج الا الوضوء سوى المني يروى ذلك عن ابن عباس والله أعلم

[ 177 ]

(مسألة) (الثاني خروج النجاسات من سائر البدن فان كانت غائطا أو بولا نقض قليلها) لا يختلف المذهب في نقض الوضوء بخروج الغائط والبول سواء كان من مخرجهما أو من غيره ويستوي قليلهما وكثيرهما في ذلك سواء كان السبيلان منسدين أو مفتوحين من فوق المعدة أو من تحتها، وقال أصحاب الشافعي ان انسد المخرج وانفتح آخر دون المعدة لزم الوضوء بالخارج منه قولا واحدا. وان انفتح فوق المعدة ففيه قولان. وان كان المخرج مفتوحا فالمشهور أنه لا ينقض الوضوء بالخارج من غيره وبناه على أصله في أن الخارج من غير السبيلين لا ينقض ولنا عموم قوله تعالى (أو جاء أحد منكم من الغائط) وقول صفوان بن عسال أمرننا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا مسافرين - أو سفرا - ان لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة لكن من غائط وبول ونوم. هذا حديث صحيح قاله الترمذي ولانه غائط وبول خارج من البدن فنقض كالخارج من السبيلين (مسألة) قال (وان كان غيرهما لم ينقض الا كثيرها وهو ما فحش في النفس وحكي عنه أن قليلها ينقض) وجملة ذلك أن الخارج النجس من غير السبيلين غير البول والغائط ينقض كثيره بغير خلاف في المذهب روي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب وعطاء وقتادة والثوري وأصحاب الرأي، وقال مالك والشافعي ويحيى الانصاري وأبو ثور وابن المنذر لا وضوء فيه لانه خارج من غير المخرج مع بقاء المخرج فلم ينقض كالبصاق ولانه لانص فيه ولا يصح قياسه على الخارج من السبيل لكون الحكم فيه غير معلل ولان الخارج من السبيل لا فرق بين قليله وكثيره. وطاهره ونجسه. وههنا بخلافه فامتنع القياس

[ 178 ]

ولنا ماروى أبو الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ قال ثوبان صدق أنا سكبت له وضوءه رواه الترمذي وقال هذا أصح شئ في الباب، قيل لاحمد حديث ثوبان ثبت عندك؟ قال نعم، ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة " انه دم عرق فتوضئي لكل صلاة " رواه الترمذي علل بكونه دم عرق وهذا كذلك ولانه قول من سمينا من الصحابة ولم نعرف لهم مخالفا في عصرهم، ولانه خارج نجس فنقض كالخارج من السبيلين. وقياسهم منقوض بما إذا انفتح مخرج دون المعدة. والبصاق طاهر بخلاف هذا (فصل) فأما القليل فظاهر المذهب أنه لا ينقض الوضوء حكاه القاضي رواية واحدة، وقال بعض أصحابنا فيه رواية أخرى أن القليل ينقض قياسا على الخارج المعتاد. روي ذلك عن مجاهد وهذا قول أبي حنيفة وسعيد بن جبير فيما إذا سال الدم، قال إن وقف على رأس الجرح لم يجب لقوله صلى الله عليه وسلم " من قاء أو رعف في صلاته فليتوضأ " ووجه الرواية الاولى أنه قد روي ذلك عن جماعة من الصحابة قال أبو عبد الله: عدة من الصحابة تكلموا فيه: أبو هريرة كان يدخل أصابعه في أنفه وابن عمر عصر بثرة فخرج دم فصلى ولم يتوضأ وابن أبي أوفى عصر دملا، وابن عباس قال إذا كان فاحشا فعليه الاعادة، وجابر أدخل أصابعه في أنفه ولم نعرف لهم مخالفا في عصرهم فكان اجماعا وحديثهم لا نعرف صحته ولم يذكره أصحاب السنن وقد تركوا العمل به فقالوا: إذا كان دون مل ء الفم لم يجب منه الوضوء (فصل) وظاهر المذهب أن الكثير الذى. ينقض الوضوء لاحد له إلا أن يكون فاحشا قيل يا أبا عبد الله ما قدر الفاحش؟ قال ما فحش في قلبك، وروي نحو ذلك عن ابن عباس، قال الخلال الذي استقرت الرواية عن أبي عبد الله أن الفاحش ما يستفحشه كل انسان في نفسه لقول النبي صلى الله عليه وسلم " دع ما يريبك إلى مالا يريبك " وقال ابن عقيل انما يعتبر ما يفحش في نفوس أوساط الناس لا المتبذلين ولا الموسوسين كما رجعنا في يسير اللقطة إلى مالا تبيعه نفوس أوساط الناس، وقد روي عن أحمد أنه

[ 179 ]

سئل عن الكثير فقال شبر في شبر، وفي موضع قال قدر الكف فاحش، وقال في موضع إذا كان مقدار ما يرفعه الانسان بأصابعه الخمس من القيح والصديد والقئ فلا بأس به، قيل له فعشر أصابع فرآه كثيرا وقال قتادة في موضع: الدرهم فاحش وهو قول الاوزاعي وأصحاب الرأي لانه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " تعاد الصلاة من قدر الدرهم من الدم " والصحيح أن ذلك انما يرجع فيه إلى العرف فانه لاحد له في الشرع وما رووه فلا يصح قال الحافظ المقدسي هو موضوع، وقال القاضي إذا كان الدم قطرة أو قطرتين لم ينقض، وإن كان قدره إذا انفرش شبرا في شبر نقض وما كان بينهما ففيه روايتان، وقال في القئ إن كان مل ء الفم نقض، وإن كان مثل الحمصة والنواة لم ينقض رواية واحدة فيهما وما بينهما على روايتين وما نقله الخلال عنه أولى لما ذكرنا، ولان اعتبار حال الانسان بما يستفحشه غيره حرج فيكون منفيا (فصل) والقيح والصديد كالدم فيما ذكرنا قال أحمد هما أخف حكما من الدم لوقوع الخلاف فيهما فانه روي عن ابن عمر والحسن أنهما لم يريا القيح والصديد كالدم، وقال اسحاق كل ما سوى الدم لا يوجب وضوءا. وقال مجاهد وعطاء وعروة والشعبي وقتادة والحكم هو بمنزلة الدم، واختيار أبي عبد الله مع ذلك إلحاقه بالدم واثبات مثل حكمه فيه قياسا عليه لانه خارج نجس أشبه الدم لكن الذي يفحش منه يكون أكثر من الذي يفحش من الدم، والقلس كالدم ينقض الوضوء منه ما فحش قال الخلال الذي أجمع عليه أصحاب أبي عبد الله أنه إذا كان فاحشا أعاد الوضوء، وقد حكي عنه إذا كان مل ء الفم

[ 180 ]

نقض، وإن كان أقل من نصف الفم لا يتوضأ، وممن كان يأمر بالوضوء من القئ علي وابن عمر وأبو هريرة والاوزاعي وأصحاب الرأي والمذهب إلحاقه بالدم لانه في معناه. وهذا قول حماد بن أبي سليمان وكذلك الحكم في الدود الخارج من الجروح لانه خارج نجس أشبه الدم، فأما الجشاء والبصاق فلا وضوء فيه لا نعلم فيه خلافا، وكذلك النخامة سواء خرجت من الرأس أو من الصدر لانه لا نص فيها ولا هي في معنى المنصوص ولانها طاهرة أشبهت البصاق والله أعلم (مسألة) قال (الثالث زوال العقل إلا النوم اليسير جالسا أو قائما وعنه أن نوم الراكع والساجد لا ينقض يسيره) زوال العقل على ضربين: نوم وغيره، فأما غير النوم وهو الجنون والاغماء والسكر ونحوه مما يزيل العقل فينقض الوضوء يسيره وكثيره إجماعا، ولان في إيجاب الوضوء على النائم تنبيها على وجوبه بما هو آكد منه (الضرب الثاني) النوم وهو ناقض للوضوء في الجملة في قول عامة أهل العلم إلا ما حكي عن أبي موسى الاشعري وأبي مجاز انه لا ينقض وعن سعيد بن المسيب انه كان ينام مرارا مضطجعا ينتظر الصلاة ثم يصلي ولا يعيد الوضوء ولعلهم ذهبوا إلى أن النوم ليس بحدث في نفسه والحدث مشكوك فيه فلا يزول عن اليقين بالشك ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " العين؟؟ فمن نام فليتوضأ " رواه الامام أحمد وأبو داود وابن

[ 181 ]

ماجه وقول صفوان بن عسال لكن من غائط وبول ونوم حديث صحيح ولان النوم مظنة الحدث فاقيم مقامه كالتقاء الختانين في وجوب الغسل أقيم مقام الانزال إذا ثبت هذا فالنوم ينقسم ثلاثة أقسام (أحدها) نوم المضطجع فينقض يسيره وكثيره عند جميع القائلين بنقض الوضوء بالنوم (الثاني) نوم القاعد فان كان كثيرا نقض رواية واحدة وإن كان يسيرا لم ينقض وهذا قول مالك والثوري وأصحاب الرأي، وقال قوم متى خالط النوم القلب نقض بكل حال، وهذا قول الحسن واسحاق وابي عبيد، وروي معنى ذلك عن أبى هريرة وابن عباس وأنس وابن المنذر لعموم الاحاديث الدالة على أن النوم ينقض ولنا ما روى مسلم عن أنس قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينامون ثم يصلون ولا يتوضؤن وعنه قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤن رواه أبو داود ولان النوم يكثر من منتظرى الصلاة فعفي عنه لمشقة التحرز عنه، وقال الشافعي، لا ينقض وان كثر إذا كان القاعد متمكنا مفضيا بمحل الحدث إلى الارض لحديثي أنس وبهما يتخصص عموم الحديثين الاولين ولانه متحفظ عن خروج الحدث فلم ينقض كاليسير ولنا عموم الحديثين الاولين خصصناهما بحديث أنس وليس فيه بيان كثرة ولا قلة فحملناه على القليل لانه اليقين وما زاد عليه محتمل لا يترك له العموم المتيقن ولان نقض الوضوء بالنوم معلل بافضائه إلى الحدث ومع الكثرة والغلبة لا يحس بما يخرج منه بخلاف اليسير، وبهذا فارق اليسير الكثير فلا يصح قياسا عليه. (الثالث) ما عدا ذلك وهو نوم القائم والراكع والسجاد ففيه روايتان (إحداهما ينقض وهو قول الشافعي لانه لم يرد فيه نص ولا هو في معنى المنصوص لكون القاعد متحفظا متعمدا بمحل الحدث على الارض فهو أبعد من خروج الخارج بخلاف غيره (والثانية) حكمه حكم الجالس قياسا عليه ولانه على

[ 182 ]

حالة من أحوال الصلاة أشبه الجالس، والظاهر عن أحمد رحمه الله التسوية بين نوم القائم والجالس وهذا قول الحكم وسفيان وأصحاب الرأي، لما روى ابن عباس قال بت ليلة عند خالتي ميمونة فقلت لها إذا اقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأيقظيني فقام صلى الله عليه وسلم فقمت إلى جنبه الايسر فأخذ بيدي فجعلني في شقه الايمن فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني. رواه مسلم ولانهما يشتبهان في الانخفاض واجتماع المخرج وربما كان القائم أبعد من الحدث لكونه لو استثقل في النوم سقط فاما الراكع والساجد فالظاهر إلحاقهما بالمضطجع لانه ينفرج محل الحدث فلا يتحفظ فهو كالمضطجع، ويحتمل التفرقة بين الراكع والساجد فيلحق الراكع بالقائم لكونه لا يستثقل في النوم إذ لو استثقل سقط، فالظاهر أنه يحس بما يخرج منه بخلاف الساجد فانه يعتمد باعضائه على الارض ويستثقل في النوم فيشبه المضطجع فلا يحس بما يخرج وذكر ابن عقيل رواية عن أحمد أنه لا ينقض الا نوم الساجد وحده (فصل) واختلفت الرواية عن أحمد في القاعد المستند والمحتبي فعنه لا ينقض يسيره كالقاعد الذي ليس بمستند، وعنه ينقض بكل حال وهو ظاهر المذهب قال القاضي متى نام مضطجعا أو متسندا أو متكئا إلى شئ متى أزيل عنه سقط نقض الوضوء قليله وكثيره لانه معتمد على شئ فهو كالمضطجع، وعنه ما يدل على التفرقة بين المحتبي والمستند فانه قال في رواية أبي داود المتساند كانه أشد - يعني من المحتبي (قال شيخنا) والاولى أنه متى كان معتمدا بمحل الحدث على الارض أن لا ينقض منه الا الكثير لان دليل انتفاء النقض في القاعد لا تفريق فيه فيسوى بين أحواله (فصل) واختلف أصحابنا في حد اليسير من النوم الذي لا ينقض فقال القاضي ليس للقليل حد يرجع إليه فعلى هذا يرجع إلى العرف وقيل حد الكثير ما يتغير به النائم عن هيئته مثل أن يسقط على الارض أو يرى حلما، قال شيخنا والصحيح انه لاحد له لان التحديد انما يعلم بالتوقيف ولا توقيف فمتى

[ 183 ]

وجد ما يدل على الكثرة مثل سقوط المتمكن انتقض وضوؤه وإلا فلا، وان شك في كثرته لم ينتقض لان الاصل الطهارة فلا تزول عن اليقين بالشك (فصل) والنوم الغلبة على العقل فمن لم يغلب على عقله فلا وضوء عليه، وقال بعض أهل اللغة في قوله تعالى (لا تأخذه سنة ولا نوم) السنة ابتداء النعاس في الرأس فإذا وصل إلى القلب صار نوما قال الشاعر: وسنان أقصده النعاس فرنقت * في عينه سنة وليس بنائم ولان الناقض زوال العقل فمتى كان العقل ثابتا وحسه غير زائل مثل من يسمع ما يقال عنده ويفهمه لم يوجد سبب النقض وإن شك في النوم أو خطر بباله شئ لا يدري أرؤيا أو حديث نفس فلا وضوء عليه (مسألة) (الرابع مس الذكر بيده ببطن كفه أو بظهره) اختلفت الرواية عن أحمد في مس الذكر على ثلاث روايات (إحداها) لا ينقض بحال روي ذلك عن علي وعمار وابن مسعود وحذيفة وعمران بن حصين وأبي الدرداء وهو قول ربيعة والثوري وابن المنذر وأصحاب الرأي لما روى قيس بن طلق عن أبيه قال كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال مسست ذكري - أو - الرجل يمس ذكره في الصلاة عليه وضوء؟ قال " لا إنما هو بضعة منك " رواه الامام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي ولانه عضو فلم ينقض كسائر الاعضاء والرواية الثانية ينقض الوضوء بكل حال وهي ظاهر المذهب وهو مذهب ابن عمر وسعيد بن المسيب وعطاء وعروة وسليمان بن يسار والزهري والاوزاعي والشافعي وهو المشهور عن مالك لما روت بسرة بنت صفوان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من مس ذكره فليتوضأ " وعن جابر مثل ذلك رواهما ابن ماجه قال الترمذي حديث بسرة حسن صحيح وقال البخاري أصح شئ في هذا الباب حديث بسرة وصححه الامام أحمد، فأما حديث قيس فقال أبو زرعة وأبو حاتم قيس ممن لا تقوم بروايته حجة ووهناه ولم يثبتاه ثم إن حديثنا متأخر لان أبا هريرة قد رواه وهو متأخر الاسلام انما صحب النبي صلى الله عليه وسلم أربع سنين وكان قدوم طلق على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يؤسسون المسجد فيكون حديثنا ناسخا له وقياس الذكر

[ 184 ]

على سائر البدن لا يصح لانه يتعلق به أحكام ينفرد بها من وجوب الغسل بايلاجه والحد والمهر وغير ذلك والرواية الثالثة لا ينقض إلا أن يقصد مسه قال أحمد بن الحسين: قيل لاحمد الوضوء من مس الذكر؟ فقال هكذا - وقبض على يده - يعني إذا قبض عليه وهو قول مكحول وقال طاوس وسعيد بن جبير وحميد الطويل: ان مسه يريد وضوءا وإلا فلا شئ عليه لانه لمس فلا ينقض الوضوء لغير قصد كلمس النسا وسواء مسه ببطن كفه أو بظهره وهذا قول عطاء والاوزاعي، وقال مالك والشافعي واسحاق لا ينقض مسه بظاهر الكف وحكاه أبو الخطاب رواية عن احمد لانه ليس بآلة للمس فأشبه مالو مسحه بفخذه ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " من أفضى بيده إلى ذكره ليس دونه ستر فقد وجب عليه الوضوء " رواه الامام احمد والدار قطني وظاهر كفه من يده والافضاء اللمس من غير حائل ولانه جزء من يده أشبه باطن الكف. وانما ينتقض وضوؤه إذا لمسه من غير حائل لما ذكرنا، وذكر القاضي عن أحمد رواية أنه لا ينقض الا مس الثقب الذي في رأس الذكر ولا ينقض لمس غيره. قال والاول أصح لعموم الاحاديث الدالة على النقض، وذكر أبو الخطاب رواية أنه لا ينقض الا لمس الحشفة خاصة والاول أصح لعموم النص (مسألة) قال (ولا ينقض مسه بذراعه) وعنه ينقض لانه من يده وهو قول الاوزاعي والاول ظاهر المذهب لان الحكم المعلق على مطلق اليد في الشرع انما ينصرف إلى الكوع بدليل قطع السارق وغسل اليد من نوم الليل ولانه ليس بآلة للمس أشبه العضد وقياسهم يبطل بالعضد فانه لا خلاف بين العلماء فيه (فصل) ولا فرق بين ذكره وذكر غيره خلافا لداود قال لان النص انما ورد في ذكره ولنا أنه إذا نقض الوضوء مس ذكره مع كون الحاجة تدعو إلى مسه وهو جائز فلان ينقض بمس ذكر غيره مع كونه معصية أولى، ولان نصه على نقض الوضوء بمس ذكره مع أنه لم يهتك حرمة تنبيه على نقضه بمس ذكر غيره، ولان في بعض ألفاظ خبر بسرة " من مس الذكر فليتوضأ " وحكم ذكر الكبير والصغير واحد وهو قول الشافعي، وقال الزهري والاوزاعي لا ينقض مس ذكر الصغير لانه يجوز مسه والنظر إليه بخلاف الكبير ولما روي أنه صلى الله عليه وسلم مس زبيبة الحسن ولم يتوضأ وذكره الآمدي رواية عن احمد

[ 185 ]

ولنا عموم الاحاديث وخبرهم ليس بثابت ثم ليس فيه أنه صلى ولم يتوضأ فيحتمل أنه لم يتوضأ في مجلسه ذلك وجواز مسه والنظر إليه يبطل بذكر نفسه وذكر الميت كذكر الحي لبقاء الاسم والحرمة وهو قول الشافعي وقال اسحاق لا وضوء عليه وهو قول بعض أصحابنا كالمرأة الميتة (مسألة) (وفي مس الذكر المقطوع وجهان) (أحدهما) ينقض لبقاء اسم الذكر (والثاني) لا ينقض لذهاب الحرمة فهو كيد المرأة المقطوعة، ولو مس القلفة التي تقطع في الختان قبل قطعها انتقض وضوؤه لانها من جملة الذكر وان مسها بعد القطع فلا وضوء عليه لزوال الاسم والحرمة، وان انسد المخرج وانفتح غيره لم ينقض مسه لانه ليس بفرج (مسألة) (وإذا لمس قبل الخنثى المشكل وذكره انتقض وضوءه وان مس أحدهما لم ينقض إلا أن يمس الرجل ذكره لشهوة) لمس الخنثى المشكل ينقسم أربعة أقسام (أحدها) أن يمس فرج نفسه فمتى لمس أحد فرجيه لم ينتقض وضوؤه لجواز أن يكون خلقة زائدة وإن لمسهما جميعا انتقض وضوءه إن قلنا ان مس المرأة فرجها ينقض الوضوء لان أحدهما فرج بيقين وإلا فلا (الثاني) أن يكون اللامس رجلا فان مسهما جميعا لغير شهوة فهي كالتي قبلها، وإن مسهما لشهوة انتقض وضوؤه في ظاهر المذهب لانه ان كان رجلا فقد مس ذكره، وإن كان أنثى فقد مسها لشهوة، وكذلك الحكم إذا لمس ذكره لشهوة لما ذكرنا. فأما إن مس القبل وحده أو مس الذكر لغير شهوة لم ينتقض لجواز أن يكون خلقة زائدة الا إذا قلنا ان الملامسة تنقض الوضوء بكل حال فانه ينتقض بلمس الذكر وحده لانه ان كان رجلا فقد مس ذكره وان كانت أنثى فقد مسها (الثالث) أن يكون امرأة فان مستهما جميعا انتقض وضوؤها ان قلنا ان مس فرج المرأة ينقض الوضوء والا فلا وان مست أحدهما لغير شهوة لم ينتقض وضوؤها وكذلك ان مست الذكر لشهوة لجواز أن يكون خلقة زائدة من امرأة. وان مست الفرج لشهوة انتقض وضوؤها في ظاهر المذهب لانه ان كان رجلا فقد مسته لشهوة وان كانت أنثى فقد مست فرجها (الرابع) أن يكون اللامس خنثى مشكلا فان مس أحدهما لم ينتقض سواء كان لشهوة أو لا. وان مسهما جميعا انتقض وضوؤه إذا قلنا ان مس الفرج ينقض الوضوء. وان مس أحد الخنثيين ذكر الآخر ومس الآخر فرجه وكان اللمس لشهوة انتقض وضوء أحدهما قطعا لانهما إن كانا ذكرين فقد وجد بينهما

[ 186 ]

لمس ذكر، وان كانا أنثيين فقد وجد بينهما مس فرج امرأة وان كانا ذكرا وأنثى فقد وجدت بينهما ملامسة لشهوة ولا يحكم بنقض وضوء واحد منهما لانه متيقن الطهارة شاك في الحدث. وان كان لغير شهوة لم ينقض لجواز أن يكون الممسوس ذكره امرأة والممسوس فرجه رجلا، وان مس كل واحد منهما ذكر الآخر أو قبله لم ينتقض لاحتمال أن يكونا امرأتين في الاولى ورجلين في الثانية والله أعلم (مسألة) (وفي مس الدبر ومس المرأة فرجها روايتان) احداهما ينقض الوضوء لعموم قوله صلى الله عليه وسلم " من مس فرجه فليتوضأ " رواه ابن ماجه عن أم حبيبة. قال أحمد وأبو زرعة حديث أم حبيبة صحيح وبه قال الشافعي في مس الدبر ولانه أحد الفرجين أشبه الذكر (والثانية) لا ينقض قال الخلال العمل والاشيع في قوله انه لا يتوضأ من مس الدبر وكذلك روى المروذي انه قيل لاحمد في الجارية إذا مست فرجها عليها وضوء؟ قال لم أسمع في هذا بشئ لان الحديث المشهور انما هو في مس الذكر وهذا ليس في معناه لانه لا يقصد مسه ولا يفضي إلى خروج خارج فلم ينقض كلمس الانثيين (مسألة) قال (وعنه لا ينقض مس الفرج بحال) لحديث قيس بن طلق وقياسا على سائر الاعضاء (فصل) ولا ينقض الوضوء بمس غير الفرجين من البدن في قول الاكثرين الا أنه روي عن عروة الوضوء من مس الانثيين وقال عكرمة من مس ما بين الفرجين فليتوضأ، وقول الجمهور أولى لانه لا نص فيه ولا هو في معنى المنصوص ولا ينتقض وضوء الملموس فرجه أيضا لان السنة انما وردت في اللامس، ولا ينتقض بمس فرج البهيمة. وقال الليث بن سعد عليه الوضوء، وما عليه الجمهور أولى لانه ليس بمنصوص ولا هو في معناه (مسألة) (الخامس أن تمس بشرته بشرة أنثى لشهوة، وعنه لا ينقض، وعنه ينقض لمسها بكل حال) اختلفت الرواية عن أحمد رضي الله عنه في الملامسة فروي عنه أنها تنقض الوضوء بكل حال وهو مذهب الشافعي. ويروى ايجاب الوضوء من القبلة مطلقا عن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر والزهري وعطاء والشعبي والنخعي وسعيد بن عبد العزيز رواه الاثرم، وروي عن أحمد رواية ثانية أنه لا ينقض بحال يروى ذلك عن ابن عباس وهو قول طاوس والحسن ومسروق، وبه قال أبو حنيفة

[ 187 ]

وصاحباه. وقال قوم من قبل حلالا فلا وضوء عليه ومن قبل حراما فعليه الوضوء وهو قول عطاء. فان باشر لشهوة وليس بنيهما ثوب وانتشر فعليه الوضوء في قول أبي حنيفة ويعقوب، وقال محمد لا وضوء عليه إلا أن يخرج منه شئ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل عائشة وصلى ولم يتوضأ رواه أبو داود والنسائي من رواية التميمي وقالا لم يسمع من عائشة. وقال النسائي ليس في هذا الباب شئ أحسن من هذا الحديث وان كان مرسلا. وعن عائشة رضي الله عنها قالت فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدمه وهو في المسجد وهما منصوبتان. رواه مسلم وعنها قالت كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي متفق عليه. وللنسائي مسني برجله. والآية أريد بها الجماع قاله ابن عباس ولان المراد بالمس الجماع فكذلك اللمس ولانه ذكره بلفظ المفاعلة والمفاعلة لا تكون من أقل من اثنين، والرواية الثالثة وهي طاهر المذهب أنه ينقض إذا كان لشهوة ولا ينقض لغيرها جمعا بين الآية والاخبار ولان النبي صلى الله عليه وسلم صلى وهو حامل امامة بنت أبي العاص بن الربيع إذا سجد وضعها وإذا قام حملها. متفق عليه والظاهر أنه لا يسلم من مسها. ولان اللمس ليس بحدث في نفسه وانما هو داع إلى الحدث فاعتبرت الحالة التي يدعو فيها إلى الحدث وهي حالة الشهوة ولانه لمس لغير شهوة فلم ينقض كلمس ذوات المحارم وهذا مذهب الشعبي والنخعي والحكم وحماد ومالك والثوري واسحاق. إذا ثبت هذا فلا فرق بين الكبيرة والصغيرة وذوات المحارم وغيرهن، وقال الشافعي في أحد قوليه لا ينقض لمس ذات المحرم ولا الصغيرة لان لمسهما لا يفضي إلى خروج خارج أشبه لمس الرجل ولنا عموم النص واللمس الناقض معتبر بالشهوة فمتى وجدت فلا فرق بين الجميع، فاما لمس المرأة الميتة ففيه وجهان (أحدهما) ينقض اختاره القاضي لعموم الآية وكما يجب الغسل بوطئها (والثاني) لا ينقض اختاره الشريف أبو جعفر وابن عقيل لانها ليست محلا للشهوة فهي كالرجل (فصل) ولا يختص اللمس الناقض باليد بل أي شي ء منه لاقى شيئا من بشرتها مع الشهوة انتقض الوضوء به سواء كان عضوا أصليا أو زائدا. وحكي عن الاوزاعي لا ينقض اللمس إلا بأحد أعضاء الوضوء. والاول أولى لعموم النصوص والتخصيص بغير دليل تحكم فلا يصار إليه (فصل) فان لمسها من وراء حائل لم ينتقض وضوؤه هذا قول أكثر أهل العلم وقال مالك والليث ينقض

[ 188 ]

إذا كان ثوبا رقيقا وكذلك قال ربيعة إذا غمزها من وراء ثوب رقيق لشهوة وذلك لان الشهوة موجودة ولنا انه لمس فلم ينقض من وراة حائل كلمس الذكر ولانه لم يلمس جسم المرأة أشبه مالو لمس ثيابها لشهوة والشهوة لا توجب الوضوء بمجردها كما لو وجدت الشهوة بغير لمس (فصل) فان لمست المرأة رجلا لشهوة انتقض وضوؤها في إحدى الروايتين وهو ظاهر قول الخرقي. وقد سئل أحمد عن المرأة إذا مست زوجها قال ما سمعت فيه شيئا ولكن هي شقيقة الرجل يعجبني أن تتوضأ لانها ملامسة تنقض الوضوء فاستوى فيها الرجل والمرأة كالجماع. والرواية الثانية لا ينتقض وضوؤها. وللشافعي قولان كالروايتين لان النص انما ورد في الرجال ولا يصح قياسها عليه لان اللمس من الرجل مع الشهوة مظنة لخروج المذي الناقض فأقيم مقامه ولا يوجد ذلك في حق المرأة وإذا لم يكن نص ولا قياس فلا يثبت الحكم (مسألة) (ولا ينقض لمس الشعر والسن والظفر) وهذا ظاهر مذهب الشافعي وكذلك لمسها بشعره وسنه وظفره لان ذلك مما لا يقع عليه الطلاق بايقاعه عليه ولا الظهار فأشبه الثوب، ويتخرج أن ينقض لمس السن والشعر والظفر والامرد إذا كان لشهوة ذكره أبو الخطاب لان لمس المرأة انما نقض لوجود الشهوة الداعية إلى خروج المذي، ولا ينقض لمس الامرد ولا لمس الرجل ولا لمس المرأة المرأة لانه ليس بداخل في الآية ولا في معناه لكونه ليس محلا لشهوة الآخر شرعا. وقال القاضي في المجرد إذا لمس الرجل الرجل أو المرأة المرأة بشهوة انتقض وضوؤه في قياس المذهب. والاول أولى لما ذكرنا ولا ينتقض الوضوء بلمس البهيمة لما ذكرنا. ولا بمس خنثى مشكل لانه لا يعلم كونه رجلا ولا امرأة ولا ينتقض وضوء الخنثى بمس امرأة ولا رجل لانه متيقن بالطهارة شاك في الحدث، قال شيخنا ولا أعلم في هذا كله خلافا. وإن مس عضو امرأة مقطوع لم ينتقض وضوؤه لانه لا يقع عليه اسم المرأة ولا هو محل للشهوة (مسألة) وفي نقض وضوء الملموس روايتان (احداهما) ينتقض لان ما ينتقض بالتقاء البشرتين يستوي فيه اللامس والملموس كالجماع (والثانية) لا ينتقض لان النص انما ورد بالنقض في اللامس فاختص

[ 189 ]

به كلمس الذكر ولان الشهوة من اللامس أشد منها في الملموس فامتنع القياس وللشافعي قولان كهذين (مسألة) (السادس غسل الميت) وهو ناقض للوضوء في قول أكثر الاصحاب سواء كان المغسول صغيرا أو كبيرا ذكرا أو أنثى مسلما أو كافرا وهو قول النخعي واسحاق لان ابن عمرو ابن عباس كانا يأمران غاسل الميت بالوضوء وعن أبي هريرة قال أقل ما فيه الوضوء ولا نعلم لهم مخالفا في الصحابة فكان اجماعا ولان الغاسل لا يسلم من مس عورة الميت غالبا فاقيم مقامه كالنوم مع الحدث وقال أبو الحسن التميمي لا ينقض وهو قول أكثر العلماء قال شيخنا وهو الصحيح إن شاء الله لانه لم يرد فيه نص صحيح ولا هو في معنى المنصوص عليه ولانه غسل آدمي أشبه غسل الحي. وكلام أحمد يدل على انه مستحب غير واجب فانه قال: أحب إلي أن يتوضأ وعلل نفي وجوب الغسل من غسل الميت بكون الخبر الوارد فيه موقوفا على أبي هريرة فإذا لم يوجب الغسل بقول أبي هريرة مع احتمال أن يكون مرفوعا فلان لا يوجب الوضوء بقوله مع عدم هذا الاحتمال أولى ولان الاصل عدم وجوبه فيبقى على الاصل (مسألة) (السابع أكل لحم الجزور) وجملة ذلك أن أكل لحم الابل ينقض الوضوء سواء أكله عالما أو جاهلا نيئا أو مطبوخا في ظاهر المذهب، وهو قول جابر بن سمرة ومحمد بن إسحاق وأبي خيثمة ويحيى بن يحيى وابن المنذر وأحد قولي الشافعي، قال الخطابي ذهب إلى هذا عامة أصحاب الحديث. وروي عن أبي عبد الله انه قال إن كان لا يعلم فليس عليه وضوء وان كان قد علم وسمع فعليه الوضوء واجب ليس هو كمن لا يعلم. قال الخلال وعلى هذا استقر قول أبي عبد الله. وقال الثوري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي لا وضوء عليه بحال وحكاه ابن عقيل رواية عن احمد لما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " الوضوء مما يخرج لا مما يدخل " وقال جابر كان آخر الامرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار، رواه أبوداد ولانه مأكول فلم ينقض كسائر المأكولات

[ 190 ]

ولنا ما روى البراء بن عازب ان رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أنتوضأ من لحوم الابل؟ قال " نعم " قال أفنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال " لا " رواه الامام احمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي. وروى جابر بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله أخرجه مسلم. قال أحمد فيه حديثان صحيحان حديث البراء وجابر بن سمرة. فأما حديث ابن عباس فانما هو من قوله موقوف عليه ولو صح لوجب تقديم حديثنا عليه لكونه أصح وأخص والخاص يقدم على العام، وحديث جابر لا يعارض حديثنا أيضا لصحته وخصوصه فان قيل فحديث جابر متأخر فيكون ناسخا قلنا لا يصح أن يكون ناسخا لوجوه أربعة (أحدها) أن الامر بالوضوء من لحوم الابل متأخر عن نسخ الوضوء مما ممست النار أو مقارن له بدليل انه قرن الامر بالوضوء من لحوم الابل بالنهي عن الوضوء من لحوم الغنم وهي مما مست النار فاما أن يكون النسخ حصل بهذا النهي أو بشئ قبله فان كان حصل به كان الامر بالوضوء من لحوم الابل مقارنا لنسخ الوضوء مما مست النار فلا يكون ناسخا إذ من شروط النسخ تأخر الناسخ وكذلك إن كان بما قبله لان الشئ لا ينسخ بما قبله (الثاني) أن النقض بلحوم الابل يتناول ما مست النار وغيره ونسخ إحدى الجهات لا يثبت به نسخ الاخرى كما لو حرمت المرأة بالرضاع وبكونها ربيبة فنسح تحريم الرضاع لم يكن نسخا لتحريم الربيبة (الثالث) ان خبرهم عام وخبرنا خاص فالجمع بينهما ممكن يحمل خبرهم على ما سوى صورة التخصيص ومن شروط النسخ تعذر الجمع بين النصين (الرابع) ان خبرنا أصح من خبرهم وأخص والناسخ لابد وأن يكون مساويا للمنسوخ أو راجحا عليه، فان قيل الامر بالوضوء في خبركم يحتمل الاستحباب ويحتمل انه أراد بالوضوء غسل اليد لان اضافته إلى الطعام قرينة

[ 191 ]

تدل على ذلك كما كان صلى الله عليه وسلم يأمر بالوضوء قبل الطعام وبعده وخص ذلك بلحم الابل لان فيه من الحرارة والزهومة ما ليس في غيره، قلنا أما الاول فمخالف للظاهر من وجوه (أحدها) ان مقتضى الامر الوجوب (الثاني) أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن حكم هذا اللحم فأجاب بالامر بالوضوء منه فلو حمل على غير الوجوب كان تلبيسا لا جوبا (الثالث) انه صلى الله عليه وسلم قرنه بالنهي عن الوضوء من لحوم الغنم والمراد بالنهي ههنا نفي الايجاب لا التحريم فتعين حمل الامر على الايجاب ليحصل الفرق وأما الثاني فلا يصح لوجوه أربعة (أحدها) انه يلزم منه حمل الامر على الاستحباب لكون غسل اليد بمفردها غير واجب وقد بينا فساده (الثاني) أن الوضوء في لسان الشارع إنما ينصرف إلى الموضوع الشرعي إذ الظاهر منه التكلم بموضوعاته (الثالث) أنه خرج جوابا للسؤال عن حكم الوضوء من لحومها، والصلاة في مباركها فلا يفهم من ذلك سوى الوضوء المراد للصلاة ظاهرا (الرابع) أنه لو أراد غسل اليد لما فرق بينه وبين لحم الغنم فان غسل اليد منهما مستحب وما ذكروه من زيادة الزهومة ممنوع وان ثبت فهو أمر يسير لا يقتضي التفريق وصرف اللفظ عن ظاهره انما يكون بدليل قوي بقدر قوة الظواهر المتروكة وأقوى منها. فأما قياسهم فهو طردي لا معنى فيه وانتفاء الحكم في سائر المأكولات لانثفاء المقتضي لا لكونه مأكولا ومن العجب أن مخالفينا في هذه المسألة أوجبوا الوضوء بأحاديث ضعيفة تخالف الاصول، فأبو حنيفة أوجبه بالقهقهة في الصلاة دون خارجها بحديث مرسل من مراسيل أبي العالية، ومالك والشافعي أوجباه بمس الذكر بحديث مختلف فيه معارض بمثله دون مس سائر الاعضاء وتركوا هذا الحديث الصحيح الذي لا معارض له مع بعده عن التأويل وقوة دلالته لقياس طردي لا معنى فيه (مسألة) (فان شرب من لبنها فعلى روايتين) (احداهما) ينقض الوضوء لما روى أسيد بن حضير ان النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ألبان الابل فقل " توضؤا من ألبانها " وسئل عن ألبان الغنم فقال " لا تتوضؤا من ألبانها " رواه الامام أحمد وابن ماجه، وروي عن عبد الله بن عمر نحوه (والثانية) لا وضوء فيه لان الحديث الصحيح انما ورد في

[ 192 ]

اللحم، وحديث أسيد بن حضير في طريقه الحجاج بن ارطاة قال الامام أحمد والدار قطني لا يحتج به وحديث عبد الله بن عمر رواه ابن ماجه من رواية عطاء بن السائب وقد قيل عطاء اختلط في آخر عمره، قال أحمد: من سمع منه قديما فهو صحيح ومن سمع منه حديثا لم يكن بشئ، والحكم في اللحم غير معقول فيجب الاقتصار عليه (مسألة) (وإن أكل من كبدها أو طحالها فعلى وجهين) (إحدهما) لا ينقض لان النص لم يتناوله (والثاني) ينقض لانه من جملة الجزور، واللحم يعبر به عن جملة الحيوان فان تحريم لحم الخنزير يتناول جملته كذلك ههنا، وحكم سائر أجزائه غير اللحم كالسنام والكرش والدهن والمرق والمصران والجلد حكم الكبد والطحال لما ذكرنا (فصل) ولا ينتقض الوضوء بما سوى لحم الجزور من الاطعمة وهذا قول الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم ولا نعلم اليوم فيه خلافا. وحكى ابن عقيل عن أحمد رواية في نقض الوضوء بأكل لحم الخنزير والصحيح عنه الاول، لان الوجوب من الشرع ولم يرد وقد ذهب جماعة من الصحابة ومن بعدهم إلى ايجاب الوضوء مما غيرت النار، منهم ابن عمر وزيد بن ثابت وأبو موسى وأبو هريرة وعمر بن عبد العزيز والحسن والزهري وغيرهم لما روى أبو هريرة وعائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " توضؤا مما مست النار " رواهما مسلم، ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا تتوضأ من لحوم الغنم " وحديث جابر: كان آخر الامرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار، رواه أبو داود والنسائي وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل من كتف شاة وصلى ولم يتوضأ متفق عليه (مسألة) (الثامن الردة عن الاسلام) الردة عن الاسلام يبطل بها الوضوء والتيمم وهي الاتيان بما يخرج به عن الاسلام نطقا أو اعتقادا أو شكا فمتى عاود الاسلام لم يصل حتى يتوضأ وهذا قول الاوزاعي وأبي ثور، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي لا يبطل الوضوء بذلك وللشافعي في بطلان التيمم به قولان لقول الله تعالى (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم) ولانها طهارة فلم تبطل بالردة كالطهارة الكبرى

[ 193 ]

ولنا قول الله تعالى (لئن أشركت ليحبطن عملك) والطهارة عمل وحكمها باق فيجب أن يحبط بالآية، ولانها عبادة يفسدها الحدث فبطلت بالشرك كالصلاة، ولان الردة حدث لما روي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الحدث حدثان حدث الفرج، وحدث اللسان أشد من حدث الفرج وفيهما الوضوء " رواه الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في كتاب التحقيق وتكلم فيه وقال بقية يدلس، وما ذكروه تمسك بالمفهوم والمنطوق راجح عليه، وأما غسل الجنابة فقد زال حكمه وعندنا يجب الغسل على من أسلم أيضا. (فصل) ولا ينقض الوضوء ما عدا الردة من الكذب والغيبة والرفث والقذف ونحوها نص عليه أحمد، قال ابن المنذر أجمع من نحفظ قوله من علماء الامصار على أن القذف وقول الزور والكذب والغيبة لا يوجب طهارة ولا ينقض وضوءا وقد روينا عن غير واحد من الاوائل أنهم أمروا بالوضوء من الكلام الخبيث وذلك استحباب عندنا ممن أمر به، ولا نعلم حجة توجب وضوءا في شئ من الكلام وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من حلف باللات فليقل لا إله إلا الله " ولم يأمر في ذلك بوضوء رواه البخاري (فصل) والقهقهة لا تنقض الوضوء بحال روي ذلك عن عروة وعطاء والزهري ومالك والشافعي واسحاق وابن المنذر، وذهب الثوري والنخعي والحسن وأصحاب الرأي إلى أنها تبطل الوضوء داخل الصلاة دون خارجها لما روى أسامة عن أبيه قال: بينا نحن نصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل

[ 194 ]

رجل ضرير البصر فتردى في حفرة فضحكنا منه فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باعادة الوضوء كاملا واعادة الصلاة من أولها. رواه الدار قطني من طرق كثيرة وضعفها وقال انما روي هذا الحديث عن أبي العالية مرسلا، وقال نحو ذلك الامام أحمد وعبد الرحمن بن مهدي ولنا أنه معنى لا يبطل الوضوء خارج الصلاة فلم يبطله داخلها كالكلام، ولانه لا نص فيه ولا في شئ يقاس عليه وحديثهم قد ذكرنا الكلام عليه، قال ابن سيرين لا تأخذوا بمراسيل الحسن وأبي العالية فانهما لا يباليان عمن أخذا، والقهقهة أن يضحك حتى يتحصل من ضحكه حرفان ذكره ابن عقيل (مسألة) ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث أو تيقن الحدث وشك في الطهارة بنى على اليقين أما إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة فهو محدث يلغي الشك ويبني على اليقين لا نعلم في ذلك خلافا فان تيقن أنه توضأ وشك هل أحدث أو لا بنى على أنه متطهر، وبهذا قال عامة أهل العلم، وقال الحسن إن شك وهو في الصلاة مضى فيها وإن كان قبل الدخول فيها توضأ. وقال مالك إذا شك في الحدث إن كان يلحقه كثيرا فهو على وضوء وإن كان لا يلحقه كثيرا توضأ لا يدخل في الصلاة مع الشك ولنا ما روى عبد الله بن زيد قال: شكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يخيل إليه في الصلاة أنه يجد الشي فقال " لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا " متفق عليه، وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أوجر أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه أخرج منه شئ أم لم يخرج فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا " رواه مسلم ولانه إذا شك تعارض عنده الامران فيجب سقوطهما كالبينتين إذا تعارضتا ويرجع إلى اليقين. ولا فرق بين ان يغلب على ظنه أحدهما أو يتساوى الامران لان غلبة الظن إذا لم تكن مضبوطة بضابط شرعي لم يلتفت إليها كما لا يلتفت الحاكم إلى قول أحد المتداعيين إذا غلب على ظنه صدقه بغير دليل (مسألة) (فان تيقنهما وشك في السابق منهما نظر في حاله قبلهما فان كان متطهرا فهو محدث وان كان محدثا فهو متطهر) مثاله أن يتيقن أنه كان في وقت الظهر متطهرا مرة ومحدثا أخرى ولا يعلم أيهما كان قبل الآخر فانه ينظر في حاله قبل الزوال، فان كان متطهرا فهو الآن محدث لانه تيقن زوال تلك الطهارة بحدث ولم يتيقن زوال ذلك الحدث بطهارة أخرى لاحتمال أن تكون الطهارة التي

[ 195 ]

يتيقنها بعد الزوال هي التي كانت قبله فلم يزل يقين الحدث بالشك. وان كان محدثا قبل الزوال فهو الآن متطهر لما ذكرنا في التي قبلها (فصل) فان تيقن أنه نقض طهارته وتوضأ عن حدث في وقت واحد وشك في السابق منهما نظر في حاله قبلهما فان كان متطهرا فهو الآن متطهر لانه تيقن أنه نقض تلك الطهارة ثم توضأ إذ لا يمكن أن يتوضأ عن حدث مع بقاء تلك الطهارة. ونقض هذه الطهارة الثانية مشكوك فيه فلا يزول عن اليقين بالشك، وان كان محدثا فهو الآن محدث لانه تيقن أنه انتقل عنه إلى طهارة ثم أحدث منها ولم يتيقن بعد الحدث الثاني طهارة والله أعلم فهذه جميع نواقض الطهارة ولا ينتقض بغيرها في قول أكثر العلماء الا أنه قد حكي عن مجاهد والحكم وحماد في قص الشارب وتقليم الاظفار ونتف الابط الوضوء وقول جمهور العلماء بخلافهم وهو أولى ولا نعلم لهم فيما يقولون حجة والله أعلم (مسألة) قال (ومن أحدث حرم عليه الصلاة والطواف ومس المصحف) أما الصلاة فلقوله صلى الله عليه وسلم " لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ " متفق عليه والطواف لقول النبي صلى الله عليه وسلم " الطواف بالبيت صلاة الا أن الله أباح فيه الكلام " رواه الشافعي في مسنده، ومس المصحف روي هذا عن ابن عمر والحسن وعطاء وطاوس وهو قول مالك وأصحاب الرأي، وقال داود يباح مسه لان النبي صلى الله عليه وسلم كتب في كتابه إلى قيصر آية من القرآن. وأباح الحكم وحماد مسه بظاهر الكف لان آلة اللمس باطن اليد فينصرف إليه النهي دون غيره ولنا قوله تعالى (لا يمسه الا المطهرون) وفي كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزام " أن لا تمس القرآن الا وأنت طاهر " رواه الاثرم، فأما الآية التي كتاب بها النبي صلى الله عليه وسلم فانما قصد بها المراسلة والآية في الرسالة أو في كتاب فقه أو نحوه لا تمنع مسه ولا يصير بها الكتاب مصحفا. إذا ثبت هذا فانه لا يجوز مسه بشئ من جسده قياسا على اليد، قولهم ان المس يخص باطن اليد ممنوع بل كل شئ لاقى شيئا فقد مسه (فصل) ويجوز حمله بعلاقته وهو قول أبي حنيفة وروي ذلك عن الحسن وعطاء والشعبي وحماد ومنع منه الاوزاعي ومالك والشافعي تعظيما للقرآن ولانه مكلف محدث قاصد لحمل المصحف فهو كما لو حمله مع مسه

[ 196 ]

ولنا أنه غير ماس فلم يمنع كما لو حمله في رحله ولان النهي انما تناول المس والحمل ليس بمس وقياسهم لا يصح لان العلة في الاصل مسه وهو غير موجود في الفرع والحمل لا أثر له فلا يصح التعليل به وعلى هذا لو حمله بحائل بينه وبينه مما لا يتبع في البيع جاز وعندهم لا يجوز. ويجوز تقليبه بعود ومسه به وكتب المصحف بيده من غير أن يمسه، وذكر ابن عقيل في ذلك كله وفي حمله بعلاقته روايتين وفي مسه بكمه روايتان ووجههما ما تقدم والصحيح في ذلك كله الجواز قاله شيخنا لان النهي انما تناول مسه وهذا ليس بمس (فصل) ويجوز مس كتب الفقه والتفسير والرسائل وإن كان فيها آيات من القرآن لان النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى قيصر كتابا فيه آية، ولانها لا يقع عليها اسم المصحف ولا يثبت لها حرمته، وكذلك إن مس ثوبا مطرزا بآية من القرآن، وفي مس الصبيان ألواحهم التي فيها القرآن وجهان (أحدهما) الجواز لانه موضع حاجة فلو اشترطنا الطهارة أدى إلى تنفيرهم عن حفظه (والثاني) المنع لعموم النص، وفي الدراهم المكتوب عليها القرآن وجهان (أحدهما) المنع وهو مذهب أبي حنيفة لان القرآن مكتوب عليها أشبهت الورق (والثاني) الجواز لانه لا يقع عليها اسم المصحف أشبهت كتب الفقه ولان في الاحتراز منها مشقة أشبهت ألواح الصبيان، ومن كان متطهرا وبعض أعضائه نجس فمس المصحف بالعضو الطاهر جاز لان حكم النجاسة لا يتعدى محلها بخلاف الحدث، وإن احتاج المحدث إلى مس المصحف عند عدم الماء تيمم ومسه لانه يقوم مقام الماء، ولو غسل المحدث بعض أعضاء الوضوء لم يجز له مسه به قبل اتمام وضوئه لانه لا يكون متطهرا الا بغسل الجميع (فصل) ولا يجوز المسافرة بالمصحف إلى دار الحرب لما روى ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم "

[ 197 ]

باب الغسل (وموجباته سبعة) - غسل الجنابة بفتح الغين ذكره ابن بري والغسل بالضم الماء الذي يغتسل به قاله ابن السكيت والغسل ما غسل به الرأس (أحدها) خروج المني الدافق بلذة وهو موجب للغسل من الرجل والمرأة في اليقظة والنوم، وهذا قول عامة الفقهاء حكاه الترمذي ولا نعلم فيه خلافا وذلك لما روي أن أم سليم قالت يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " نعم إذا رأت الماء " متفق عليه، وماء الرجل غليظ أبيض وماء المرأة رقيق أصفر لان في حديث أم سليم في بعض رواياته فقالت وهل يكون هذا؟ فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم " نعم فمن أين يكون الشبه؟ إن ماء الرجل غليظ أبيض وماء المرأة رقيق أصفر فمن أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه " رواه مسلم (مسألة) (فان خرج لغير ذلك لم يوجب) يعني إذا خرج شبيه المني لمرض أو برد من غير شهوة وهذا قول أبي حنيفة ومالك، وقال الشافعي يجب ويحتمله كلام الخرقي، وذلك لقوله عليه السلام " نعم إذا رأت الماء " وقوله " الماء من الماء " ولانه مني خارج فأوجب الغسل كما لو خرج حال الاغماء. ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف المني الموجب بانه غليظ أبيض وقال لعلى " إذا فضخت المني

[ 198 ]

فاغتسل " رواه أبو داود - والفضخ خروجه على وجه الشدة، وقال ابراهيم الحربى بالعجلة وقوله عليه السلام " إذا رأت الماء " يعني في الاحتلام وانما يخرج في الاحتلام لشهوة والحديث الآخر منسوخ ويمكن منع كون هذا منيا لان النبي صلى الله عليه وسلم وصف المني بصفة غير موجودة في هذا (فصل) (فان رأى أنه قد احتلم ولم ير بللا فلا غسل عليه) قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم لان قول النبي صلى الله عليه وسلم " نعم إذا رأت الماء " يدل على أنه لم يجب إذا لم تره، وروت عائشة قالت سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاما قال " يغتسل " وعن الرجل يرى أن قد احتلم ولم يجد البلل قال " لا غسل عليه " قالت أم سليم المرأة ترى ذلك أعليها غسل؟ " نعم إنما النساء شقائق الرجال " رواه الامام أحمد وأبو داود وذكر ابن أبي موسى فيمن احتلم ووجد لذة الانزال ولم ير بللا رواية في وجوب الغسل عليه والاول أصح لما ذكرنا من النص والاجماع، لكن إن مشى فخرج منه المنى أو خرج بعد استيقاظه فعليه الغسل نص عليه أحمد لان الظاهر أنه كان انتقل وتخلف خروجه إلى ما بعد الاستيقاظ وان انتبه فرأى منيا ولم يذكر احتلاما فعليه الغسل. قال شيخنا: لا نعلم فيه خلافا، وروي ذلك عن عمر وعثمان وبه قال ابن عباس وسعيد بن جبير والشعبي والحسن ومالك والشافعي واسحاق لان الظاهر أن خروجه كان لاحتلام نسيه وذلك لما ذكرنا من حديث عائشة.

[ 199 ]

(فصل) فان انتبه من النوم فوجد بللا لا يعلم هل هو مني أو غيره فقال أحمد إذا وجد بلة غتسل إلا أن يكون به أبردة أو لاعب اهله فانه ربما خرج منه المذي فارجو أو لا يكون به بأس وكذلك إن كان انتشر من أول الليل بتذكر أو رؤية وهو قول الحسن لان الظاهر أنه مذي لوجود سببه فلا يجب الغسل بالاحتمال. وإن لم يكن وجد ذلك فعليه الغسل لحديث عائشة. وقد توقف أحمد في هذه المسألة، وقال مجاهد وقتادة لا غسل عليه حتى يوقن بالماء الدافق وهذا هو القياس والاولى الاغتسال لموافقة الخبر وعملا بالاحتياط. (فصل) فان رأى في ثوبه منيا وكان لا ينام فيه غيره وهو ممن يمكن أن يحتلم كابن اثنتي عشرة سنة فعليه الغسل وإلا فلا لان عمر وعثمان اغتسلا حين رأياه في ثوبهما ولان الظاهر أنه منه ويلزمه إعادة الصلاة من أحدث نومة نامها فيه إلا أن يرى أمارة تدل على أنه قبلها فيعيد من أدنى نومة يحتمل أنه منها فاما إن كان ينام فيه هو وغيره ممن يحتلم فلا غسل على واحد منهما لان كل واحد منهما مفرد شاك فيما يوجب الغسل والاصل عدم وجوبه، وليس لاحدهما الائتمام بالآخر لان أحدهما جنب يقينا (فصل) فان وطئ امرأته دون الفرج فدب ماؤه إلى فرجها ثم خرج أو وطئها في الفرج فاغتسلت ثم خرج ماؤه من فرجها فلا غسل عليها وبه قال قتادة والاوزاعي واسحاق، وقال الحسن تغتسل لانه مني خارج فأشبه ماءها والاول أولى لانه ليس منيها أشبه غير المني ولانه لا نص فيه ولا هو في معنى المنصوص (مسألة) فان أحس بانتقاله فأمسك ذكره فلم يخرج فعلى روايتين (إحداهما) يجب عليه الغسل

[ 200 ]

وهو المشهور عن أحمد، وأنكر أن يكون الماء يرجع اختاره ابن عقيل والقاضي ولم يذكر فيه خلافا قال لان الجنابة تباعد الماء عن محله وقد وجد فتكون الجنابة موجودة فيجب بها الغسل. ولان الغسل تراعى فيه الشهوة وقد حصلت بانتقاله أشبه مالو ظهر. والرواية (الثانية) لا غسل عليه وهو ظاهر قول الخرقي وقول أكثر الفقهاء وهو الصحيح ان شاء الله تعالى لان النبي صلى الله عليه وسلم علق الاغتسال على رؤية الماء بقوله " إذا رأت الماء " وقوله " إذا فضخت الماء فاغتسل " فلا يثبت الحكم بدونه وما ذكروه من الاشتقاق ممنوع لانه يجوز أن يسمى جنبا لمجانبته الماء ولا يحصل إلا بخروجه أو لمجانبته الصلاة أو المسجد وإذا سمي بذلك مع الخروج لم يلزم وجود التسمية من غير خروج فان الاشتقاق لا يلزم منه الاطراد ومراعاة الشهوة في الحكم لا يلزم منه استقلالها به فان أحد وصفي العلة وشرط الحكم مراعى له ولا يستقل بالحكم ثم يبطل ذلك بما لو وجدت الشهوة من غير انتقال فانها لا تستقل بالحكم وكلام احمد انما يدل على أن الماء إذا انتقل لزم منه الخروج وانما يتأخر. وكذلك يتأخر الغسل إلى حين خروجه (مسألة) فان خرج بعد الغسل وقلنا لا يجب الغسل بالانتقال لزمه الغسل لانه مني خرج بسبب الشهوة أوجب الغسل لقوله صلى الله عليه وسلم " إذا فضخت الماء فاغتسل " ولحديث أم سليم وكما لو خرج حال انتقاله وقد قال احمد في الرجل يجامع ولم ينزل فيغتسل ثم يخرج منه المني عليه الغسل

[ 201 ]

ولانه لو لم يجب الغسل على هذه الرواية أفضى إلى نفي الوجوب عنه بالكلية مع انتقال المني بشهوة وخروجه. وان قلنا يجب الغسل بالانتقال لم يجب بالخروج لانه تعلق بانتقاله وقد اغتسل له فلم يجب له غسل ثان كبقية المني إذا خرجت بعد الغسل. وهكذا الحكم في بقية المني إذا خرج بعد الغسل هذا هو المشهور عن احمد. قال الخلال تواترت الروايات عن أبي عبد الله أنه ليس عليه الا الوضوء بال أو لم يبل روي ذلك عن علي وابن عباس وعطاء والزهري ومالك والليث والثوري ولانه مني خرج على غير وجه الدفق واللذة أشبه الخارج في المرض ولانه جنابة واحدة فلم يجب به غسلان كما لو خرج دفعة واحدة، وفيه رواية (ثانية) انه يجب بكل حال وهو مذهب الشافعي لان الاعتبار بخروجه كسائر الاحداث. قال شيخنا وهذا هو الصحيح لان الخروج يصلح موجبا للغسل - قولهم إنه جنابة واحدة فلم يجب به غسلان يبطل بما إذا جامع فلم ينزل فاغتسل ثم أنزل فان احمد قد نص على وجوب الغسل عليه بالانزال مع وجوبه بالتقاء الختانين. واختار القاضي الرواية الاولى وحمل كلام احمد في هذه المسألة على أن تكون قارنته شهوة حال خروجه قال فان لم تقارنه شهوة فهو كبقية المني إذا خرجت، وفيه رواية ثالثة انه ان خرج قبل البول اغتسل وان خرج بعده لم يغتسل وهذا قول الاوزاعي وأبي حنيفة ونقل عن الحسن لانه قبل البول بقية ما خرج بالدفق والشهوة فأوجب الغسل كالاول وبعد

[ 202 ]

البول لا يعلم انه بقية الاول لانه لو كان بقية الاول لما تخلف بعد البول وقد خرج بغير دفق وشهوة وذكر القاضي في هاتين المسئلتين انه إن خرج بعد البول لم يجب الغسل رواية واحدة وان خرج قبله فعلى روايتين (مسألة) (الثاني: التقاء الختانين وهو تغييب الحشفة في الفرج قبلا كان أو دبرا من آدمي أو بهيمة حي أو ميت) معنى التقاء الختانين تغييب الحشفة في الفرج كما ذكر سواء كانا مختتنين أو لا. وسواء مس ختانه ختانها أو لا فهو موجب للغسل، ولو مس الختان الختان من غير ايلاج لم يجب الغسل اجماعا، واتفق العلماء على وجوب الغسل في هذه المسألة وقال داود لا يجب لقوله صلى الله عليه وسلم " الماء من الماء " روي نحو ذلك عن جماعة من الصحابة وروي في ذلك أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وكانت رخصة أرخص فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أمر بالغسل فروي عن أبي بن كعب قال ان الفتيا التي كانوا يقولون ان الماء من الماء رخصة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص فيها في أول الاسلام. ثم أمر بالاغتسال بعدها رواه الامام أحمد وأبو داود والترمذي وقال حسن صحيح، وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إذا جلس بين شعبها الاربع ثم جهدها فقد وجب الغسل متفق عليه زاد مسلم " وان لم ينزل " وحديثهم منسوخ بحديث أبي بن كعب (فصل) ويجب الغسل على كل واطئ وموطوء إذا كان من أهل الغسل سواء كان في الفرج قبلا أو دبرا من آدمي أو بهيمة حي أو ميت طائعا أو مكرها نائما أو يقظان، وقال أبو حنيفة لا يجب الغسل بوطئ الميتة ولا البهيمة لانه ليس بمقصود ولانه ليس بمنصوص ولا في معناه

[ 203 ]

ولنا انه ايلاج في فرج فوجب به الغسل كوطئ الآدمية في حياتها ووطئ الآدمية داخل في عموم الاحاديث وما ذكروه يبطل بالعجوز والشوهاء (فصل) فان أولج بعض الحشفة أو وطئ دون الفرج ولم ينزل فلا غسل عليه لانه لم يوجد التقاء الختانين ولا ما في معناه. وان انقطعت الحشفة فأولج الباقي من ذكره وكان بقدر الحشفة وجب الغسل وتعلقت به أحكام الوطئ من المهر وغيره وإن كان أقل من ذلك لم يجب شئ (فصل) فان أولج في قبل خنثى مشكل أو أولج الخنثى ذكره في فرج امرأة أو وطئ أحدهما أو كل واحد منهما الآخر لم يجب الغسل على واحد منهما لاحتمال أن يكون خلقة زائدة. فان أنزل الواطئ أو أنزل الموطوء من قبله فعلى من أنزل الغسل. ويثبت لمن أنزل من ذكره حكم الرجال ولمن انزل من فرجه حكم النساء لان الله تعالى أجرى العادة بذلك في حق الرجال والنساء، وذكر القاضي في موضع انه لا يحكم له بالذكورية بالانزال من ذكره ولا بالانوثية بالحيض من فرجه ولا بالبلوغ بهذا ولنا انه أمر خص الله تعالى به أحد الصنفين فكان دليلا عليه كالبول من ذكره أو من قبلة ولانه انزل الماء الدافق لشهوة فوجب الغسل لقوله عليه السلام " الماء من الماء " (فصل) فان كان الواطئ أو الموطوءة صغيرا فقال أحمد يجب عليهما الغسل. وقال إذا أتى على الصبية تسع سنين ومثلها يوطأ وجب عليها الغسل. وسئل عن الغلام يجامع مثله ولم يبلغ فجامع المرأة يكون عليهما الغسل؟ قال نعم. قيل له أنزل أو لم ينزل؟ قال نعم. وقال ترى عائشة حيث كان يطؤها النبي

[ 204 ]

صلى الله عليه وسلم لم تكن تغتسل ويروى عنها " إذا التقى الختانان وجب الغسل " وحمل القاضي كلام أحمد على الاستحباب وهو قول أصحاب الرأي وأبي ثور لان الصغيرة لا يتعلق بها المأثم ولا هو من أهل التكليف ولا تجب عليها الصلاة التي تجب لها الطهارة فأشبهت الحائض (قال شيخنا) ولا يصح حمل كلام أحمد على الاستحباب لتصريحه بالوجوب وذمه قول أصحاب الرأي بقوله هو قول سوء واحتج بفعل عائشة وروايتها للحديث العام في حق الصغير والكبير ولانها أجابت بفعلها وفعل النبي صلى الله عليه وسلم بقولها فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم فاغتسلنا. فكيف تكون خارجة منه وليس معنى وجوب الغسل في حق الصغير التأثيم بتركه بل معناه انه شرط لصحة الصلاة والطواف وإباحة قراءة القرآن وانما يأثم البالغ بتأخيره في موضع يتأخر الواجب بتركه ولذلك لو أخره في غير وقت الصلاة لم يأثم والصبي لا صلاة عليه فلم يأثم بالتأخير وبقي في حقه شرطا كما في حق الكبير فإذا بلغ كان حكم الحدث في حقه باقيا كالحدث الاصغر ينقض الطهارة في حق الصغير والكبير (مسألة) (الثالث: إسلام الكافر أصليا كان أو مرتدا وقال أبو بكر لا غسل عليه) وجملته أن الكافر إذا أسلم وجب عليه الغسل أصليا كان أو مرتدا سواء اغتسل قبل اسلامه أو لا وجد منه في زمن الكفر ما يوجب الغسل أو لم يوجد وهو قول مالك وأبى ثور وابن المنذر، وقال أبو بكر يستحب ولا يجب إلا أن يكون قد وجدت منه جنابة زمن كفره فعليه الغسل إذا اسلم وإن اغتسل قبل الاسلام وهو مذهب الشافعي، وقال أبو حنيفة لا يجب عليه الغسل بحال لان العدد الكثير والجم الغفير أسلموا

[ 205 ]

فلو أمر كل من أسلم بالغسل لنقل نقلا متواترا أو ظاهرا. ولان النبي صلى الله عليه وسلم حين بعث معاذا إلى اليمن لم يذكر له الغسل ولو كان واجبا لامرهم به لانه أول واجبات الاسلام ولنا ما روى قيس بن عاصم أنه أسلم فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل بماء وسدر. رواه الامام احمد وأبو داود والنسائي والترمذي وقال حديث حسن، والامر للوجوب وما ذكروه من قلة النقل فلا يصح ممن أوجب الغسل على من أسلم بعد الجنابة في كفره لان الظاهر أن البالغ لا يسلم منها على أن الخبر إذا صح كان حجة من غير اعتبار شرط آخر، وقد روي أن أسيد بن حضير وسعد بن معاذ حين أرادا الاسلام سألا مصعب بن عمير كيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الامر؟ قال نغتسل ونشهد شهادة الحق. وهذا يدل على انه كان مستفيضا ولان الكافر لا يسلم غالبا من جنابة تلحقه ونجاسة تصيبه وهو لا يصح غسله فأقيمت المظنة مقام حقيقة الحدث كما أقيم النوم مقام الحدث (فصل) فان أجنب الكافر ثم أسلم لم يلزمه غسل الجنابة سواء اغتسل في كفره أو لم يغتسل وهذا قول من أوجب غسل الاسلام وقول أبي حنيفة، وقال الشافعي عليه الغسل وهو قول أبي بكر لان عدم التكليف لا يمنع وجوب الغسل كالصبي والمجنون واغتساله في كفره لا يرفع حدثه قياسا على الحدث الاصغر، وحكي عن أبي حنيفة وأحد الوجهين لاصحاب الشافعي انه يرتفع حدثه لانه أصح

[ 206 ]

نية من الصبي ولا يصح لان الطهارة عبادة محضة فلم تصح من الكافر كالصلاة، ووجه الاول انه لم ينقل ان النبي صلى الله عليه وسلم أمر أحدا ممن أسلم بغسل الجنابة مع كثرة من أسلم من الرجال والنساء البالغين المتزوجين ولان المظنة أقيمت مقام حقيقة الحدث فسقط حكم الحدث كالسفر مع المشقة. ويستحب أن يغتسل بماء وسدر كما في حديث قيس. ويستحب إزالة شعره لان النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل أسلم " ألق عنك شعر الكفر واختتن " رواه أبو داود (مسألة) (الرابع) الموت (الخامس) الحيض (السادس) النفاس. وسيذكر ذلك في مواضعه ان شاء الله تعالى. (مسألة) قال (وفي الولادة وجهان) يعني إذا عريت عن الدم (أحدهما) يجب الغسل لانها مظنة النفاس الموجب فأقيمت مقامه كالتقاء الختانين ولانه يحصل بها براءة الرحم أشبهت الحيض ولاصحاب الشافعي فيها وجهان، و (الثاني) لا يجب وهو ظاهر قول الخرقي لان الوجوب من الشرع ولم يرد بالغسل ولا هو في منصوص. قولهم ان ذلك مظنة (قلنا) انما يعلم جعلها مظنة بنص أو اجماع ولم يوجد واحد منهما والقياس الآخر مجرد طرد لا معنى تحته ثم قد اختلفا في كثير من الاحكام فليس تشبيهه في هذا الحكم أولى من مخالفته في غيره وهذا الوجه أولى (فصل) فان كان على الحائض جنابة فليس عليها أن تغتسل حتى ينقطع حيضها في المنصوص وهو قول إسحاق لان الغسل لا يفيد شيئا من الاحكام وعنه عليها الغسل قبل الطهر ذكرها ابن أبي

[ 207 ]

موسى والصحيح الاول لما ذكرناه فان اغتسلت للجنابة في زمن حيضها صح غسلها وزال حكم الجنابة وبقي حكم الحيض لا يزول حتى ينقطع الدم نص عليه أحمد قال ولا أعلم أحدا قال لا تغتسل الاعطاء ثم رجع عنه وهذا لان بقاء أحد الحدثين لا يمنع ارتفاع الآخر كما لو اغتسل المحدث الحدث الاصغر (مسألة) قال (ومن لزمه الغسل حرم عليه قراءة آية فصاعدا وفي بعض آية روايتان) رويت الكراهة لذلك عن عمر وعلي والحسن والنخعي والزهري والشافعي وأصحاب الرأي وقال الاوزاعي لا يقرأ إلا آية الركوب والنزول (سبحان الذي سخر لنا هذا * وقل رب أنزلني منزلا مباركا) وقال ابن عباس يقرأ ورده وقال سعيد بن المسيب يقرأ القرآن أليس هو في جوفه؟ وحكي عن مالك جواز القراءة للحائض دون الجنب لان أيامها تطول فلو منعناها من القرآن نسيت ولنا ما روى علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يحجبه أوقال يحجزه عن قراءة القرآن شئ ليس الجنابة. رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي بمعناه وقال حسن صحيح. وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا يقرأ الحيض ولا النفاس شيئا من القرآن " رواه الدار قطني (فصل) ويحرم عليه قراءة آية فصاعدا لما ذكرنا، فاما بعض الآية فان كان مما لا يتميز به القرآن عن غيره كالتسمية والحمد لله وسائر الذكر فان لم يقصد به القرآن فهو جائز فانه لا خلاف في أن لهم ذكر الله تعالى ولانهم يحتاجون إلى التسمية عند اغتسالهم وقد روت عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه رواه مسلم. وان قصدوا به القراءة أو كان ما قرأه يتميز به القرآن عن غيره روايتان أظهرهما أنه لا يجوز لعموم النهي ولما روي أن عليا رضي الله عنه سئل

[ 208 ]

عن الجنب يقرأ القرآن؟ فقال لا ولا حرفا وهذا مذهب الشافعي ولانه قرآن فمنع منه كالآية و (والثانية) لا يمنع وهو قول أبي حنيفة لانه لا يحصل به الاعجاز ولا يجزئ في الخطبة أشبه الذكر ولانه يجوز إذا لم يقصد به القرآن فكذلك إذا قصد (مسألة) (ويجوز له العبور في المسجد ويحرم عليه اللبث فيه الا أن يتوضأ) يحرم عليه اللبث في المسجد لقول الله تعالى (ولا جنبا الا عابري سبيل حتى تغتسلوا) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا أحل المسجد لحائض ولا جنب " روه أبو داود فان خاف على نفسه أو ماله أو لم يمكنه الخروج أو الغسل والوضوء تيمم وأقام في المسجد لانه روي عن علي وابن عباس في قوله تعالى (ولا جنبا الا عابري سبيل) يعني مسافرين لا يجدون ماء فيتيممون، وقال بعض أصحابنا يلبث بغير تيمم لانه لا يرفع الحدث وهو غير صحيح لمخالفته قول الصحابة ولانه أمر تشترط له الطهارة فوجب له التيمم عند العجز عنه كسائر ما تشترط له الطهارة ويباح له العبور في المسجد للآية وانما يباح العبور للحاجة من أخذ شئ أو تركه في المسجد أو كون الطريق فيه فاما لغير ذلك فلا، وممن رويت عنه الرخصة في العبور ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن المسيب والحسن ومالك والشافعي، وقال الثوري واسحاق لا يمر في المسجد إلا أن لا يجد بدا فيتيمم وهو قول أصحاب الرأي لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا أحل المسجد لحائض ولا جنب " رواه أبو داود ولنا قول الله تعالى (الا عابري سبيل) والاستثناء من النهي اباحة. وروت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ناوليني الخمرة من المسجد - قالت اني حائض قال - ان حيضتك ليست في يدك " رواه مسلم

[ 209 ]

وعن زيد بن أسلم قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشون في المسجد وهم جنب. رواه ابن المنذر وهذا اشارة إلى جميعهم فيكون اجماعا، فان توضأ الجنب فله اللبث في المسجد عند أصحابنا وهو قول اسحاق، وقال الاكثرون لا يجوز للآية والخبر، ووجه الاول ما روى زيد بن أسلم قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدثون في المسجد على غير وضوء وكان الرجل يكون جنبا فيتوضأ ثم يدخل فيتحدث وهذا اشارة إلى جميعهم فنخص عموم الحديث، وعن عطاء بن يسار قال: رأيت رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضوء وضوء الصلاة. رواه سعيد بن منصور والاثرم، وحكم الحائض إذا انقطع حيضها حكم الجنب، فأما في حال حيضها فلا يباح لها اللبث لان وضوءها لا يصح (فصل) فأما المستحاضة ومن به سلس البول فلهم العبور في المسجد واللبث فيه إذا أمنوا تلويثه لما روت عائشة أن امرأة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اعتكفت معه وهي متسحاضة فكانت ترى الحمرة والصفرة وربما وضعنا الطست تحتها وهي تصلي. رواه البخاري، فأما إن خاف تلويث المسجد أو خشيت الحائض ذلك بالعبور فيه حرم عليهما لان المسجد يصان عن هذا كما يصان عن البول فيه (فصل) والاغسال المستحبة ثلاثة عشر غسلا (احدها) غسل الجمعه وهو مستحب بغير خلاف وفيه آثار كثيرة صحيحة منها ماروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من أتى منكم الجمعة فليغتسل "

[ 210 ]

متفق عليه وروى سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ويصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الامام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الاخرى " رواه البخاري وليس ذلك بواجب في قول أكثر أهل العلم وقد قيل إنه اجماع حكاه ابن عبد البر وسيذكر ذلك في موضعه بأبسط من هذا إن شاء الله تعالى (الثاني) غسل العيدين مستحب لما روى ابن عباس والفاكه بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل يوم الفطر والاضحى رواه ابن ماجه (الثالث) الاستسقاء لانها عبادة يجتمع لها الناس فاستحب لها الغسل كالجمعة (الرابع) الكسوف لانه كالاستسقاء (الخامس) الغسل من غسل الميت وهو مستحب لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من غسل ميتا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ " قال الترمذي هذا حديث حسن وليس بواجب، يروى ذلك عن ابن عباس وابن عمر وعائشة والحسن والنخعي والشافعي واسحاق وابن المنذر وأصحاب الرأي، وروي عن علي وأبي هريرة أنهما قالا من غسل ميتا فليغتسل، وبه قال سعيد ابن المسيب وابن سيرين والزهري لما ذكرنا من الحديث وذكر أصحابنا في وجوب الغسل من غسل الميت الكافر روايتين (احداهما) لا يجب كالمسلم (والثانية) يجب لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم

[ 211 ]

أمر عليا أن يغتسل حين غسل أباه ولنا قول صفوان بن عسال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن الا من جنابة حديث حسن ولانه غسل آدمي فلم يوجب الغسل كغسل الحي وحديثهم موقوف على أبي هريرة قاله أحمد، وقال ابن المنذر: ليس في هذا حديث يثبت ولذلك لم يعمل به في وجوب الوضوء على حامله لا نعلم به قائلا، وأما حديث علي فقال أبو إسحاق الجوزجاني ليس فيه أنه غسل أبا طالب إنما قال له النبي صلى الله عليه وسلم " اذهب فواره ولا تحدثن شيئا حتى تأتيني " قال فأتيته فأخبرته فأمرني فاغتسلت، وذكر بعض أصحابنا رواية في وجوب الغسل من غسل الحي الكافر قياسا على الميت، والصحيح أنه لا يجب لان الوجوب من الشرع ولم يرد به وقياسه على الميت لا يصح لان المسلم الميت يجب من غسله الوضوء بخلاف الحي وهذا يدل على افتراق حال الميت والحي ولا نعلم أحدا قال به من العلماء (السادس) الغسل من الاغماء والجنون إذا أفاقا من غير احتلام مستحب لانه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اغتسل للاغماء متفق عليه ولانه لا يؤمن أن يكون قد احتلم ولم يشعر والجنون في معناه بل أولى لان مدته تطول فيكون وجود الاحتلام فيه أكثر ولا يجب الغسل لذلك حكاه ابن المنذر إجماعا وذكر أبو الخطاب فيه روايتين (إحداهما) يجب لان النبي صلى الله عليه وسلم فعله (والثانية) لا يجب وهي أصح لان زوال العقل بنفسه ليس موجبا للغسل والانزال مشكوك فيه فلا يزول عن

[ 212 ]

اليقين بالشك فان تيقن منهما الانزال فعليهما الغسل لانه من جملة الواجبات (السابع) غسل المستحاضة لكل صلاة مستحب. لما روى أبو داود أن امرأة كانت تهراق الدم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة وقد ذهب بعض أهل العلم إلى وجوبه لما ذكرنا من الحديث وسنذكره في موضعه إن شاء الله، وذكر ابن أبي موسى أن انقطاع دم الاستحاضة يوجب الغسل. (الثامن) الغسل للاحرام وهو مستحب لما روى زيد بن ثابت أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لاهلاله واغتسل، رواه الترمذي، وقال حديث حسن (التاسع) دخول مكة (العاشر) الوقوف بعرفة (الحادي عشر) المبيت بمزدلفة (الثاني عشر) رمى الجمار (الثالث عشر) الطواف وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى، وقد روى البخاري عن ابن عمر أنه كان يغتسل ثم يدخل مكة نهارا ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله وروي الغسل للوقوف بعرفة عن علي وعبد الله بن مسعود واستحبه الشافعي، وروي عن ابن عمر أنه كان يغتسل لاحرامه قبل أن يحرم ولدخوله مكة ولوقوفه عشية عرفة رواه مالك في الموطأ ولانها انساك تجتمع لها الناس فاستحب لها الغسل كالاحرام ودخول مكة والله أعلم. (فصل) ولا يستحب الغسل من الحجامة وذكر ابن عقيل في استحبابه روايتين (إحداهما) يستحب

[ 213 ]

لانه يروى عن علي وابن عباس ومجاهد انهم كانوا يفعلون ذلك (والثانية) لا يستحب لانه دم خارج أشبه الرعاف والله أعلم (فصل في صفة الغسل) وهو ضربان: كامل ومجزئ فالكامل يأتي فيه بعشرة أشياء: النية والتسمية وغسل يديه ثلاثا وغسل ما به من أذى وقد ذكرنا الدليل على ذلك والوضوء ويحثي على رأسه ثلاثا يروي بها أصول الشعر ويفيض الماء على سائر جسده ثلاثا ويبدأ بشقه الايمن ويدلك بدنه بيديه وينتقل من موضع غسله فيغسل قدميه. ويستحب أن يخلل أصول شعر رأسه ولحيته بماء قبل افاضته عليه، ووجه ذلك ما روت عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غتسل من الجنابة غسل يديه ثلاثا وتوضأ وضوءه للصلاة ثم يخلل شعره بيده حتى إذا ظن انه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات ثم غسل سائر جسده، متفق عليه. وقالت ميمونة: وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم وضوء الجنابة فأفرغ على يديه فغسلهما مرتين أو ثلاثا ثم أفرغ بيمينه على شماله فغسل مذاكيره ثم ضرب بيده الارض أو الحائط مرتين أو ثلاثا ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه ثم أفاض على رأسه ثم غسل جسده فأتيته بالمنديل فلم يردها وجعل ينفض الماء بيديه متفق عليه، وفي رواية للبخاري: ثم تنحى فغسل قدميه، ففي هذين الحديثين كثير من الخصال المسماة. والبداية بشقه الايمن لانه قد روي في حديث عن عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة دعا بشئ نحو الحلاب فأخذ بكفيه بدأ بشق رأسه الايمن ثم الايسر ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه، متفق عليه، وقد اختلف عن أحمد في غسل الرجلين فقال في رواية بعد الوضوء على حديث ميمونة وقال في رواية العمل على حديث

[ 214 ]

عائشة وفيه انه توضأ للصلاة قبل اغتساله وقال في موضع غسل رجليه في موضعه، وبعده وقبله سواء ولعله ذهب إلى أن اختلاف الاحاديث فيه يدل على أن موضع الغسل ليس بمقصود وانما المقصود أصل الغسل (مسألة) قال (مجزئ) وهو أن يغسل ما به من أذى وينوي ويعم بدنه بالغسل مثل أن ينغمس في ماء راكد أو جار غامر أو يقف تحت صوب المطر أو ميزاب حتى يعم الماء جميع جسده فيجزئه لقوله تعالى (وإن كنتم جنبا فاطهروا) وقوله (حتى تغتسلوا) وقد حصل الغسل فتباح له الصلاة لان الله تعالى جعل الغسل غاية للمنع من الصلاة فتقتضي أن لا يمنع منها بعد الاغتسال (فصل) ويستحب امرار يده على جسده في الغسل والوضوء ولا يجب إذا تيقن أو غلب على ظنه وصول الماء إلى جميع جسده وهذا قول الحسن والنخعي والشعبي والثوري والشافعي واسحاق

[ 215 ]

وأصحاب الرأي. وقال مالك امرار يده على بدنه إلى حيث تنال واجب. ونحوه قال أبو العالية قالوا لان الله تعالى قال (حتى تغتسلوا) ولا يقال اغتسل الا لمن دلك نفسه ولانها طهارة عن حدث فوجب فيها امرار اليد كالتيمم ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لام سلمة في غسل الجنابة " إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين " رواه مسلم ولانه غسل واجب فلم يجب فيه امرار اليد

[ 216 ]

كغسل النجاسة وما ذكروه ممنوع فانه يقال غسل الاناء وان لم يدلكه والتيمم أمرنا فيه بالمسح لانها طهارة بالتراب ويتعذر في الغالب إمرارا التراب إلا باليد (فصل) ولا يجب الترتيب في غسل الجنابة لان الله تعالى قال (وإن كنتم جنبا فاطهروا) وقال (حتى تغتسلوا) فكيفما اغتسل فقد حصل التطهير ولا نعلم في هذا خلافا ولا تجب فيه موالاة نص عليه احمد. قال حنبل سألت أحمد عمن اغتسل وعليه خاتم ضيق؟ قال يغسل موضع الخاتم قلت فان جف غسله؟ قال يغسله ليس هو بمنزلة الوضوء. قلت فان صلى ثم ذكر؟ قال يغسل موضعه ثم يعيد الصلاة وهذا قول أكثر أهل العلم. وقال ربيعة من تعمد ذلك أعاد الغسل وهو قول الليث واختلف فيه عن مالك، وفيه وجه لاصحاب الشافعي قياسا على الوضوء، وذكر الشيخ أبو الفرج في الايضاح انه شرط، والاولى قول الجمهور لانها طهارة لا ترتيب فيها فلم تجب فيها موالاة كغسل النجاسة فعلى هذا نكون

[ 217 ]

واجبات الغسل شيئين. النية وتعميم البدن بالغسل وقد ذكرنا الاختلاف في التسمية فيما مضى (فصل) وان اجتمع شيئان يوجبان الغسل كالحيض والجنابة والتقاء الختانين والانزال فنواهما بغسله أجزأه عنهما وهو قول أكثر أهل العلم منهم مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وروي عن الحسن والنخعي في الحائض والجنب تغتسل غسلين ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يغتسل من الجماع إلا واحدا وهو يتضمن التقاء الختانين والانزال غالبا ولانهما سببان يوجبان الغسل فاجزأ الغسل الواحد عنهما كالحدث والنجاسة، وهكذا الحكم ان اجتمعت احداث توجب الطهارة الصغرى كالنوم واللمس وخروج النجاسة فنواها بطهارته وان نوى أحدها ففيه وجهان مضى ذكرهما (فصل) إذا بقيت لمعة من جسده لم يصبها الماء فمسحها بيده أو بشعره أو عصر شعره عليها فقد اختلفت الرواية فيه عن أحمد. فروي أنه سئل عن حديث العلاء بن زياد أن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل فرأى لمعة لم يصبها الماء فدلكها بشعره قال نعم آخذ به، وروى علي قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني اغتسلت من الجنابة وصليت الفجر ثم أصبحت فرأيت قدر موضع الظفر لم يصبه ماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لو كنت مسحت عليه بيدك أجزأك " رواه ابن ماجه وروي عن أحمد أنه قال يأخذ لها ماءا جديدا فيه حديث لا يثبت يعصر شعره. وذكر له حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم عصر لمته على لمعة كانت في جسده فضعفه ولم يصححه. قال

[ 218 ]

شيخنا والصحيح أن ذلك يجزئه إذا كان من بلل الغسلة الثانية أو الثالثة وجرى ماؤها على اللمعة لانه كغسلها بماء جديد على ما فيه من الاحاديث، فان لم يجر الماء فالاولى غسلها بماء جديد. ويمكن حمل المسح على الغسل الخفيف في الحديث فان الغسل الخفيف يسمى مسحا وإن عصر شعره في الغسلة الاولى انبنى على المستعمل في رفع الحدث على ما مضى (فصل) ولا يجب على المرأة نقض شعرها لغسلها من الجنابة رواية واحدة إذا روت أصوله ولا نعلم في هذا خلافا إلا أنه روي عن ابن عمرو أنه كان يأمر النساء بذلك وهو قول النخعي ولا نعلم أحدا وافقهما على ذلك. ووجه الاول ما روت أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله اني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه للجنابة؟ قال " لا انما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين " رواه مسلم، وعن عبيد بن عمير قال: بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤسهن فقالت يا عجبي لابن عمرو هذا يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤسهن أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤسهن لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من اناء واحد وما أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث افراغات. رواه مسلم إلا أن يكون في رأس المرأة حشو أو سدر يمنع وصول الماء إلى ما تحته فتجب إزالته، وإن كان خفيفا لا يمنع لم تجب (فصل) فأما غسل الحيض فنص أحمد على أنها تنقض شعرها فيه، قال مهنا سألت أحمد عن

[ 219 ]

المرأة تنقض شعرها من الحيض قال نعم فقلت له كيف تنقضه من الحيض ولا تنقضه من الجنابة؟ فقال حديث أسماء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " تنقضه " واختلف فيه أصحابنا فمنهم من أوجبه وهو قول الحسن وطاوس لما روي عن عائشة رضى الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها إذ كانت حائضا " خذي ماءك وسدرك وامتشطي " ولا يكون المشط إلا في شعر غير مضفور. وللبخاري " انقضي رأسك وامتشطي " ولان الاصل وجوب نقض الشعر ليتيقن وصول الماء إلى ما تحته فعفي عنه في غسل الجنابة لانه يكثر فيشق ذلك بخلاف الحيض. وقال بعض أصحابنا هو مستحب غير واجب. روي ذلك عن عائشة وأم سلمة وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي وأكثر العلماء وهو الصحيح لان في بعض ألفاظ حديث أم سلمة أفأنقضه للحيضة والجنابة قال لا؟ رواه مسلم. وهذه زيادة يجب قبولها وهذا صريح في نفي الوجوب فأما حديث عائشة الذي رواه البخاري فليس فيه أمر بالغسل. ولو كان فيه أمر لم يكن فيه حجة لان ذلك ليس هو غسل الحيض انما أمرت بالغسل في حال الحيض للاحرام بالحج ولو ثبت الامر بالغسل حمل على الاستحباب جمعا بين الحديثين ولان ما فيه يدل على الاستحباب وهو المشط والسدر وليس بواجب فما هو من ضرورته أولى (فصل) ويجب غسل بشرة الرأس كثيفا كان الشعر أو خفيفا وكذلك كل ما تحت الشعر كجلد اللحية لما روت أسماء قالت سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسل الجنابة فقال " تأخذ ماء فتطهر فتحسن الطهور أو تبلغ الطهور. ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى يبلغ شؤون رأسها ثم تفيض

[ 220 ]

عليه الماء رواه مسلم. وعن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من ترك موضع شعرة من جنابة لم يصبها الماء فعل به من النار كذا وكذا " قال علي فمن ثم عاديت شعري قال وكان يجز شعره رواه أبو داود (فصل) فاما غسل ما استرسل من الشعر وبل ما على الجسد منه ففيه وجهان (أحدهما) يجب وهو ظاهر قول أصحابنا ومذهب الشافعي لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وانقوا البشرة " رواه أبو داود ولانه شعر نابت في محل الفرض فوجب غسله كشعر الحاجبين (والثاني) لا يجب وهو قول أبي حنيفة لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات " مع اخبارها إياه بشد ضفر رأسها ومثل هذا لا يبل الشعر المشدود ضفره في العادة ولو وجب غسله لوجب نقضه ليعلم أن الماء قد وصل إليه ولان الشعر ليس من الحيوان بدليل أنه لا ينقض مسه من المرأة. ولا تطلق بايقاع الطلاق عليه فلم يجب غسله كثوبها. وأما حديث " بلوا الشعر " فيرويه الحارث بن وجيه وحده وهو ضعيف الحديث عن مالك بن دينار: والحاجبان انما وجب غسلهما من ضرورة غسل بشرتهما وكذلك كل شعر لا يمكن غسل بشرته الا بغسله لانه من قبيل ما لا يتم الواجب إلا به. فان قلنا بوجوب غسله فترك غسل شئ منه لم يتم غسله فان قطع المتروك ثم غسله أجزأه لانه لم يبق في بدنه شئ غير مغسول ولو غسله ثم تقطع لم يجب غسل موضع القطع كما لو قص أظفاره بعد الوضوء

[ 221 ]

(فصل) وغسل الحيض كغسل الجنابة إلا أنه يستحب أن يغتسل بماء وسدر وتأخذ فرصة ممسكة فتتبع بها مجرى الدم والموضع الذي يصل إليه الماء من فرجها ليزول عنها زفورة الدم فان لم تجد مسكا فغيره من الطيب فان لم تجد فالماء كاف لان في حديث أسماء " تأخذ إحداكن سدرتها وماءها فتطهر فتحسن الطهور ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكا شديدا حتى تبلغ شؤون رأسها ثم تصب عليه الماء ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها " قالت أسماء وكيف تطهر بها؟ فقال " سبحان الله تطهرين بها " فقالت عائشة تتبعين بها أثر الدم، رواه مسلم - الفرصة هي القطعة من كل شئ والمسك الاذفر الخالص (مسألة) قال (ويتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع فان سبغ بدونهما أجزأه) المد رطل وثلث بالعراقي والصاع أربعة أمداد وهو خمسة أرطال وثلث وهو برطل الدمشقي الذي هو ستمائة درهم رطل وسبع والمد ربعه وهو ثلاث أواق وثلاثة أسباع أوقية، ورطل العراقي مائة درهم وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم وذلك تسعون مثقالا والمثقال درهم وثلاثة أسباع ولا خلاف في حصول الاجزاء بالمد في الوضوء والصاع في الغسل فيما علمنا وذلك لما روى أنس قال: كان

[ 222 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، متفق عليه، وعن سفينة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسله الصاع من الماء من الجنابة ويوضئه المد، رواه مسلم، وفي حديث جابر أنه سئل عن غسل الجنابة فقال يكفيك صاع فقال رجل ما يكفيني فقال جابر كان يكفي من هو أوفى منك شعرا وخيرا منك - يعني النبي صلى الله عليه وسلم متفق عليه، والصاع والمد ما ذكرنا وهذا قول مالك والشافعي وإسحاق وأبي عبيد وأبي يوسف، وقال أبو حنيفة الصاع ثمانية أرطال والمد رطلان لان أنس بن مالك قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد وهو رطلان ويغتسل بالصاع ولنا ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة " اطعم ستة مساكين فرقا من طعام " متفق عليه، قال أبو عبيد: لا اختلاف بين الناس أعلمه في أن الفرق ثلاثة آصع والفرق ستة عشر رطلا، فثبت أن الصاع خمسة أرطال وثلث، وروي أن أبا يوسف دخل المدينة فسألهم عن الصاع فقالوا خمسة أرطال وثلث فطالبهم بالحجة فقالوا غدافجاء من الغد سبعون شيخا كل منهم أخذ صاعا تحت ردائه فقال صاعي ورثته من أبي عن جدي حتى انتهوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرجع أبو يوسف عن قوله، وهذا تواتر يحصل به القطع، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " المكيال مكيال أهل المدينة " وحديثهم تفرد به موسى بن نصر وهو ضعيف الحديث قاله الدار قطني (فصل) فان أسبغ بدونهما أجزأه - معنى الاسباغ أن يعم جميع الاعضاء بالماء بحيث يجري عليها

[ 223 ]

لان هذا هو الغسل وقد أمرنا بالغسل نص عليه أحمد. وهذا مذهب الشافعي وأكثر أهل العلم وقد قيل لا يجزئ في الغسل دون الصاع ولا في الوضوء دون المد، وحكي ذلك عن أبي حنيفة لان جابرا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يجزئ من الوضوء مد ومن الجنابة صاع " والتقدير بهذا يدل على أنه لا يحصل الاجزاء بدونه ولنا أن الله تعالى أمر بالغسل وقد أتى به، وقد روي عن عائشة أنها كانت تغتسل هي والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد يسع ثلاثة أمداد أو قريبا من ذلك رواه مسلم. وعن عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ بثلثي مد وحديثهم انما يدل بمفهومه وهم لا يقولون به وإن ذكروه على وجه الالزام فما ذكرناه منطوق وهو راجح عليه، وقد روي عن سعيد بن المسيب قال إن لى ركوة أو قدحا ما يسع إلا نصف المد أو نحوه ثم أبول ثم أتوضأ وأفضل منه فضلا. قال عبد الرحمن فذكرت هذا الحديث لسليمان بن يسار فقال سليمان وأنا يكفيني مثل ذلك فذكرت ذلك لابي عبيدة بن عمار بن ياسر فقال أبو عبيدة وهكذا سمعنا

[ 224 ]

من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ابراهيم النخعي انى لاتوضأ من كوز الحب مرتين (فصل) فإذا زاد على المد في الوضوء على الصاع في الغسل جاز فان عائشة قالت كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من اناء واحد من قدح يقال له الفرق - والفرق ثلاثة آصع وقال أنس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد متفق عليه. وعن أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالماء يسع رطلين رواه أبو داود. ويكره الاسراف في الماء والزيادة الكثيرة فيه لما روينا من الآثار، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بسعد وهو يتوضأ فقال " ما هذا السرف؟ " فقال أفي الوضوء اسراف؟ قال " نعم وإن كنت على نهر جار " رواه ابن ماجه. وعن أبي كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن للوضوء شيطانا يقال له ولهان فاتقوا وسواس الماء " رواه أحمد وابن ماجه (مسألة) (وإذا اغتسل ينوي الطهارتين أجزأ عنهما وعنه لا يجزئه حتى يتوضأ) ظاهر المذهب أنه يجزئه الغسل عن الطهارتين إذا نواهما نص عليه أحمد وعنه لا يجزئه حتى يتوضأ قبل الغسل أو بعده وهو أحد قولي الشافعي لان النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ولان الجنابة والحدث وجد منه فوجب لهما الطهارتان كما لو كانا منفردين

[ 225 ]

ووجه الاولى قوله تعالى (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى - إلى قوله - ولا جنبا الا عابري سبيل حتى تغتسلوا) جعل الغسل غاية للمنع من الصلاة فإذا اغتسل يجب أن لا يمنع منها ولانهما عبادتان من جنس فدخلت الصغرى في الكبرى في الافعال دون النية كالحج والعمرة قال ابن عبد البر المغتسل من الجنابة إذا لم يتوضأ وعم جميع بدنه فقد أدى ما عليه لان الله تعالى انما افترض على الجنب الغسل من الجنابة دون الوضوء بقوله (وان كنتم جنبا فاطهروا) وهو إجماع لا خلاف فيه بين العلماء إلا أنهم أجمعوا على استحباب الوضوء قبل الغسل تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم وقد روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يتوضأ بعد الغسل من الجنابة رواه الامام أحمد والترمذي (فصل) وان لم ينو الوضوء لم يجزه الا عن الغسل لقوله عليه السلام " وانما لامرئ ما نوى " فان نواهما أحدث في أثناء غسله أتم غسله ثم يتوضأ، وقال الحسن يستأنف الغسل ولا يصح لان الحدث الاصغر لا ينافي الغسل فل يؤثر وجوده فيه كغير الحدث

[ 226 ]

(فصل) ويسقط الترتيب والموالاة في أعضاء الوضوء إذا قلنا الغسل يجزئ عنهما لانهما عبادتان دخلت احداهما في الاخرى فسقط حكم الصغرى كالعمرة مع الحج نص عليه أحمد: فلو اغتسل إلا أعضاء الوضوء لم يجب الترتيب فيها لان حكم الجنابة باق وقال ابن عقيل والآمدي فيمن غسل جميع بدنه الا رجليه ثم أحدث يجب الترتيب في الاعضاء الثلاثة لانفرادها في الحدث الاصغر دون الرجلين لاجتماع الحدثين فيهما، ويعايابها فيقال طهارة يجب الترتيب في بعضها ولا يجب في البعض (مسألة) (ويستحب للجنب إذا أراد النوم أو الاكل أو الوطئ ثانيا أن يغسل فرجه ويتوضأ) وروي ذلك عن علي وعبد الله بن عمر وكان ابن عمر يتوضأ الا غسل قدميه وقال ابن المسيب إذا أراد أن يأكل يغسل كفيه ويتمضمض. وحكي نحوه عن امامنا واسحاق وأصحاب الرأي. وقال مجاهد يغسل كفيه لما روي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يأكل وهو جنب غسل يديه رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه. وقال مالك يغسل يديه ان كان أصابهما أذى. وقال ابن المسيب وأصحاب الرأي ينام ولا يمس ماء لما روت عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم ينام

[ 227 ]

وهو جنب ولا يمس ماء رواه أبو داود وابن ماجه ولنا أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال " نعم إذا توضأ فليرقد " متفق عليه، وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ " رواه مسلم. وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يأكل أو ينام توضأ يعني وهو جنب رواه أبو داود. فأما أحاديثهم فأحاديثنا أصح ويمكن الجمع بينها يحملها على الجواز وحمل أحاديثنا على الاستحباب (فصل) وإذا غمست الحائض أو الجنب أو الكافر أيديهم في الماء فهو طاهر ما لم يكن على أيديهم نجاسة لان أبدانهم طاهرة وهذه الاحداث لا تقتضي تنجيس الماء قال ابن المنذر أجمع عوام أهل العلم على أن عرق الجنب طاهر يروي ذلك عن عائشة وابن عباس وابن عمر وهو قول مالك والشافعي ولا نعلم عن غيرهم خلافا، وقد روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقيه في بعض طرق المدينة قال فانخنست منه فذهبت فاغتسلت ثم جئت فقال " أين كنت يا أبا هريرة " قال يا رسول الله كنت جنبا فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة فقال " سبحان الله ان المؤمن لا ينجس " متفق عليه وروي ان النبي صلى الله عليه وسلم قدمت إليه امرأة من نسائه قصعة ليتوضأ منها فقالت امرأة إني غمست يدي فيها وأنا جنب فقال " الماء لا يجنب " وكان النبي صلى الله عليه وسلم يشرب من سؤر عائشة

[ 228 ]

وهي حائض وتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم من مزادة مشركة متفق عليه، وأجاب النبي صلى الله عليه وسلم يهوديا أضافه يخبز واهالة سنخة. قال شيخنا ويتخرج التفريق بين الكتابي الذي لا يأكل الميتة والخنزير وبين غيره ممن يأكل ذلك ومن لا تحل ذبيحتهم كقولنا في آنيتهم وقد ذكرناه (فصل) فأما طهورية الماء فان الحائض والكافر لا يؤثر غمسهما أيديهما في الماء لان حدثهما لا يرتفع وأما الجنب فان لم ينو بغمس يده في الماء رفع الحدث عنها فكذلك بدليل حديث المرأة التي قالت غمست يدي في الماء وأنا جنب فقال النبي صلى الله عليه وسلم " الماء لا يجنب " ولان الحدث لا يرتفع من غير نية أشبه غمس الحائض، وإن نوت رفع حدثها فحكم الماء حكم مالو اغتسل الجنب فيه للجنابة كذا ذكره شيخنا وفي هذا نظر. فانهم قد قالوا ان الماء المستعمل إذا اختلط بالماء الطهور انما يؤثر فيه إذا كان بحيث لو كان مائعا آخر غيره. والمنفصل عن اليد ههنا يسير فينبغي إذا كان الماء كثيرا بحيث لا يؤثر فيه المنفصل عن غسل اليد لو غسلت منفردة بماء ثم صب فيه أن لا يؤثر ههنا لانه في معناه، وإن كان الماء يسيرا بحيث يغلب على الظن ان قدر المنفصل عن اليد يؤثر فيه لو غسلت منفردة ثم صب فيه أثر ههنا وقد روي عن أحمد ما يدل على هذا فانه سئل عن جنب وضع له ماء فأدخل يده ينظر حره من برده؟ قال إن كان أصبعا فأرجو أن لا يكون به بأس وإن كانت اليد أجمع فكأنه كرهه

[ 229 ]

(فصل) قال بعض أصحابنا إذا نوى رفع الحدث ثم غمس يده في الماء ليغرف بها صار الماء مستعملا. قال شيخنا والصحيح إن شاء الله أن ذلك لا يؤثر لان قصد الاغتراف منع قصد غسلها على ما بيناه في المتوضئ إذا اغترف من الاناء لغسل يديه بعد وجهه، وإن انقطع حيض المرأة فهي قبل الغسل كالجنب فيما ذكرنا من التفصيل. وقد اختلف عن أحمد في هذا فقال في موضع في الجنب والحائض يغمس يديه في الاناء إذا كانا نظيفين فلا بأس به، وقال في موضع كنت لا أرى به بأسا ثم حدثت عن شعبة عن محارب بن دثار عن ابن عمر وكأني تهيبته، وسئل عن جنب وضع له ماء فوضع يده فيه ينظر حرمه من برده فقال إن كان أصبعا فأرجو أن لا يكون به بأس وإن كانت اليد أجمع فكأنه كرهه وسئل عن الرجل يدخل الحمام وليس معه ما يصب به الماء على يده ترى له أن يأخذ بفيه؟ فقال لا يده وفمه واحد وقياس المذهب ما ذكرنا وكلام أحمد محمول على الكراهة لما فيه من الخلاف، وقال أبو يوسف إن أدخل الجنب يده في الماء لم يفسد وإن أدخل رجله فسد لان الجنب نجس فعفى عن يده لموضع الحاجة وكره النخعي الوضوء بسؤر الحائض، وأكثر أهل العلم لا يرون به بأسا منهم الحسن ومجاهد والزهري ومالك والاوزاعي والثوري والشافعي. وقد دللنا على طهارة الجنب والحائض، والتفريق بين اليد والرجل لا يصح لاستوائهما فيما إذا أصابتهما نجاسة كذلك في الجنابة قال شيخنا ويحتمل أن نقول به لان اليد يراد بها الاغتراف وقصده هو المانع من جعل الماء مستعملا وهذا لا يوجد في الرجل فيؤثر غمسها في الماء والله أعلم

[ 230 ]

(فصول في الحمام) بناء الحمام وكراؤه وبيعه وشراؤه مكروه عند أبي عبد الله فانه قال في الذي يبني حماما للنساء ليس بعدل وانما كرهه لما فيه من كشف العورة والنظر إليها ودخول النساء إليه (فصل) فأما دخول الحمام فان دخل رجل وكان يسلم من النظر إلى عورات الناس ونظرهم إلى عورته فلا بأس به فانه يروى أن ابن عباس دخل حماما بالجحفة، ويروى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان الحسن وابن سيرين يدخلان الحمام رواه الخلال. وان خشي أن لا يسلم من ذلك كره له لانه لا يأمن وقوعه في المحظور وهو النظر إلى عورات الناس ونظرهم إلى عورته وهو محرم بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة " وقوله عليه السلام " لا تمشوا عراة " رواهما مسلم. قال أحمد: ان علمت أن كل من في الحمام عليه ازار فادخله والا فلا تدخل

[ 231 ]

(فصل) فأما النساء فليس لهن دخوله مع ما ذكرنا من الستر الا لعذر من حيض أو نفاس أو مرض أو حاجة إلى الغسل ولا يمكنها أن تغتسل في بيتها لتعذر ذلك عليها أو خوفها من مرض أو ضرر فيباح لها إذا سترت عورتها وغضت بصرها ولا يجوز من غير عذر لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ستفتح أرض العجم وستجدون فيها حمامات فامنعوا نسائكم الا حائضا أو نفساء " وروي أن عائشة دخل عليها نساء من أهل حمص فقالت لعلكن من النساء اللاتي يدخلن الحمامات سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ان المرأة إذا خلعت ثيابها في غير بيت زوجها هتكت سترها بينها وبين الله تعالى " رواهما ابن ماجه (فصل) ومن اغتسل عريانا بين الناس لم يجز لما ذكرنا وان كان وحده جاز لان موسى عليه السلام اغتسل عريانا وأيوب اغتسل عريانا رواهما البخاري، وان ستره الانسان بثوب فلا بأس فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستر بثوب ويغتسل متفق عليه، ويستحب التستر وان كان خاليا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " فالله أحق أن يستحيي منه من الناس " وقد قال أحمد لا يعجبني أن يدخل الماء إلا مستترا ان للماء سكانا لانه يروى عن الحسن والحسين أنهما دخلا الماء وعليهما بردان

[ 232 ]

فقيل لهما في ذلك فقالا: ان للماء سكانا ولان الماء لا يستر فتبدو عورة من دخله عريانا والله أعلم (فصل) ويجزئه الوضوء والغسل من ماء الحمام قال أحمد لا بأس بالوضوء من ماء الحمام وذلك لان الاصل الطهارة وروي عن أحمد أنه قال لا بأس أن يأخذ من الانبوبة وهذا على سبيل الاحتياط ولو لم يفعله جاز لان الاصل الطهارة، وقد قال أحمد ماء لاحمام عندي طاهر وهو بمنزلة الماء الجاري، وهل يكره استعماله؟ فيه وجهان (احدهما) يكره لانه يباشره من يتحرى ومن لا يتحرى وحكاه ابن عقيل رواية عن أحمد وقد روى الاثرم عن أحمد. قال منهم من يشدد فيه ومنهم من يقول هو بمنزلة الماء الجاري (والثاني) لا يكره لكون الاصل طهارته فهو كالماء الذي شككنا في نجاسته والله أعلم (قال شيخنا) وقوله هو بمنزلة الماء الجاري فيه دليل على أن الماء الجاري لا ينجس الا بالتغيير لانه لو تنجس بمجرد لملاقاة لم يكن لكونه جاريا أثر وانما جعله بمنزلة الماء الجاري إذا كان الماء يفيض من الحوض ويخرج فان الذي يأتي أخيرا يدفع ما في الحوض ويثبت مكانه بدليل أنه لو كان ما في الحوض كدرا وتتابعت عليه دفع من الماء صافيا لزالت كدورته (فصل) ولا بأس بذكر الله في الحمام فان ذكره سبحانه حسن في كل مكان ما لم يرد المنع منه وقد روي أن أبا هريرة دخل الحمام فقال: لا إله إلا الله وروت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه رواه مسلم. فأما قراءة القرآن فيه فكرهها أبو وائل والشعبي والحسن ومكحول وحكاه ابن عقيل عن علي وابن عمر لانه كحل للتكشف ويفعل فيه ما لا يحسن في غيره فاستحب صيانة القرآن عنه ولم يكرهه النخعي ومالك لانا لا نعلم حجة توجب الكراهة، فاما رد السلام فقال أحمد ما سمعت فيه شيئا. وقال ابن عقيل يكره. والاولى جوازه من غير كراهة لعموم قوله عليه السلام " أفشوا السلام بينكم " ولانه لم يرد فيه نص والاشياء على الاباحة والله أعلم

[ 233 ]

باب التيمم التيمم في اللغة القصد قال الله تعالى (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) وقال امرؤ القيس تيممت العين التي عند ضارج * يفئ عليها الظل عرمضها طامي وقول الله تعالى (فتيمموا صعيدا طيبا) أي اقصدوه ثم نقل في عرف الفقهاء إلى مسح الوجه واليدين بشئ من الصعيد، والاصل فيه الكتاب والسنة والاجماع. أما الكتاب فقوله تعالى (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) وأما السنة فحديث عمار وغيره، وأجمعت الامة على جواز التيمم في الجملة وله شروط وفرائض وسنن ومبطلات تأتي في أثناء الباب ان شاء الله تعالى (مسألة) قال (وهو بدل لا يجوز الا بشرطين (أحدهما) دخول الوقت فلا يجوز لفرض قبل وقته ولا لنفل في وقت النهي عنه) وجملة ذلك أن التيمم بدل عن الماء انما يجوز عند تعذر الطهارة بالماء لعدمه أو مرض أو خوف أو نحوه لقوله تعالى (فلم تجدوا ماء فتيمموا) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم " التراب كافيك ما لم تجد الماء "

[ 234 ]

ولحديث ضاحب الشجة وحديث عمرو بن العاص وغير ذلك، ويشترط له ثلاثة شروط (أحدها) دخول الوقت فلا يجوز لصلاة مفروضة قبل دخول وقتها ولا لنافلة في وقت النهي عنها لانه ليس بوقت لها ولانه مستغن عن التيمم فيه فأشبه مالو تيمم عند وجود الماء، وان كانت فائتة جاز التيمم لها في كل وقت لجواز فعلها فيه. وهذا قول مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة يصح التيمم قبل وقت الصلاة لانها طهارة مشترطة للصلاة فأبيح تقديمها على الوقت كسائر الطهارات. وروي عن أحمد انه قال القياس أن التيمم بمنزلة الطهارة حتى يجد الماء أو يحدث، فعلى هذا يجوز قبل دخول الوقت. والصحيح الاول لانها طهارة ضرورة فلم تجز قبل الوقت كطهارة المستحاضة. وقياسهم ينتقض بطهارة المستحاضة ويفارق التيمم سائر الطهارات لكونها ليست لضرورة (الشرط الثاني) العجز عن استعمال الماء لعدمه لما ذكرنا وعدم الماء انما يشترط لمن تيمم لعذر عدم الماء دون من تيمم لغيره من الاعذار (الشرط الثالث) طلب الماء وفيه خلاف نذكره إن شاء الله (فصل) وعدم الماء يبيح التيمم في السفر الطويل والقصير، والطويل ما يبيح القصر، والقصير ما دونه مثل أن يكون بين قريتين متباعدتين أو متقاربتين. قال القاضي: لو خرج إلى ضيعة له تفارق البنيان والمنازل ولو بخمسين خطوة جاز له التيمم والصلاة على الراحلة وأكل الميتة للضرورة. وهذا قول مالك والشافعي. وقال قوم لا يباح إلا في الطويل قياسا على سائر رخص السفر ولنا قوله تعالى (وإن كنتم مرضى أو على سفر - إلى قوله - فتيمموا) فانه يدل بمطلقه على إباحة التيمم

[ 235 ]

في كل سفر ولان السفر القصير يكثر فيكثر عدم الماء فيه فيحتاج إلى التيمم فيه فينبغي أن يسقط به الفرض كالطويل. والقياس على رخص السفر لا يصح لان التيمم يباح في الحضر على ما يأتي ولان التيمم عزيمة لا يجوز تركه بخلاف سائر الرخص. ولا فرق بين سفر الطاعة والمعصية لان التيمم عزيمة لا يجوز تركه بخلاف بقية الرخص فان تيمم وصلى فهل يعيد؟ ذكر القاضي فيه احتمالين أولاهما لا يعيد لانه عزيمة (فصل) فان عدم الماء في الحضر بأن انقطع عنهم الما أو حبس وعدم الماء تيمم وصلى وهذا قول مالك والثوري والاوزاعي والشافعي وقال أبو حنيفة في رواية عنه لا يصلي لان الله تعالى شرط السفر لجواز التيمم فلا يجوز في غيره وقد روي عن أحمد أنه سئل عن رجل حبس في دار أو أغلق عليه الباب بمنزل المضيف أيتيمم؟ قال لا ولنا ما روى أبو ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ان الصعيد الطيب طهور المسلم وان لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فان ذلك خير " قال الترمذي حديث حسن صحيح وهذا عام في السفر وغيره ولانه عادم للماء أشبه المسافر فأما الآية فلعل ذكر السفر فيها خرج مخرج الغالب لكون الغالب أن الماء انما يعدم فيه - كما ذكر السفر وعدم وجود الكاتب في الرهن وليسا شرطين فيه. ثم ان الآية انما تدل على ذلك بدليل الخطاب وأبو حنيفة لا يقول به ولو كان حجة

[ 236 ]

فالمنطوق راجح عليه فعلى هذا إذا تيمم في الحضر لعدم الماء وصلى فهل يعيد إذا قدر على الماء؟ على روايتين (إحداهما) يعيد وهو مذهب الشافعي لانه عذر نادر فلا يسقط به القضاء كالحيض في الصوم (والثانية) لا يعيد وهو مذهب مالك لانه أتى بما أمر به فخرج عن العهدة ولانه صلى بالتيمم المشروع على الوجه المشروع فأشبه المريض والمسافر مع أن عموم الخبر يدل عليه، وقال أبو الخطاب ان حبس في المصر صلى ولم يذكر اعادة وذكر الروايتين في غيره. قال شيخنا: ويحتمل أنه ان كان عدم الماء لعذر نادر أو يزول قريبا كرجل أغلق عليه الباب مثل الضيف وما أشبه هذا فعليه الاعادة لان هذا بمنزلة المتشاغل بطلب الماء وتحصيله، وان كان عذرا ممتدا ويوجد كثيرا كالمحبوس ومن انقطع الماء من قريته واحتاج إلى استقاء الماء من مسافة بعيدة فله التيمم ولا اعادة عليه لان هذا عادم للماء بعذر متطاول معتاد فهو كالمسافر ولان عدم هذا الماء أكثر من عدم المسافر له فالنص على التيمم للمسافر تنبيه على التيمم ههنا. وما قاله صحيح والله تعالى أعلم (فصل) ومن خرج من المصر إلى أرض من أعماله كالحراث والحصاد والحطاب وأشباههم ممن لا يمكنه حمل الماء معه لوضوئه فحضرت الصلاة ولا ماء معه ولا يمكنه الرجوع ليتوضأ الا بتفويت حاجته فله أن يصلي بالتيمم ولا اعادة عليه لانه مسافر أشبه الخارج إلى قرية أخرى ويحتمل أن تلزمه الاعادة لكونه في أرض من عمل المصر أشبه المقيم فيه فان كانت الارض التي خرج إليها من غير

[ 237 ]

أرض قريبة فلا إعادة عليه وجها واحدا لانه مسافر (فصل) فان لم يجد إلا ماء ولغ فيه بغل أو حمار فروي عن احمد انه قال إذا لم يجد غير سؤرهما تيمم معه فيقدم الوضوء ثم يتيمم نص عليه احمد ليكون عادما للماء بيقين. قال ابن عقيل: ويحتمل في المذهب أن يصلي بكل واحد منهما ليحصل له تأدية فرضه بيقين، فعلى هذا يقدم التيمم ويصلي ثم يتوضأ لجواز أن يكون الماء نجسا ولا يضر ههنا تقديم التيمم مع كونه مسقطا للفرض كما إذا اشتبهت الثياب فان أراد أن يصلي صلاة أخرى في وقت واحد لم يحتج إلى اعادة الوضوء إذا لم يحدث لان الماء إن كان طاهرا فالوضوء بحاله وإن كان نجسا فلا حاجة إلى تكرار الوضوء بماء نجس ولا يحتاج في الصلاة الثانية إلى أن يفعلها مرتين لانه لا يحصل له تأدية فرضه بيقين لان أعضاءه قد تنجست بالماء على تقدير نجاسته هذا إذا كان مستديما للطهارة الاولى ذكره ابن عقيل قال ويمكن تأديته بيقين بأن يتيمم للحدث والنجاسة ويصلي لانه إن كان الماء طاهرا فقد صحت صلاته وإن كان نجسا فقد تيمم للنجاسة والحدث فتصح صلاته (مسألة) قال (أو لضرر في استعماله من جرح أو برد شديد أو مرض يخشى زيادته أو تطاوله) هذه تشتمل على مسائل أحدها التيمم لخوف البرد متى أمكنه تسخين الماء أو استعماله على وجه يأمن الضرر مثل أن يغسل عضوا عضوا كلما غسل شيئا ستره لزمه ذلك وإن لم يقدر تيمم وصلى في قول أكثر أهل العلم، وقال عطاء والحسن يغتسل وان مات. ومقتضى قول ابن مسعود نحو ذلك. ووجه الاول قوله تعالى (ولا تقتلوا أنفسكم) ولما روى عمرو بن العاص قال احتلمت في ليلة باردة في عزوة ذات

[ 238 ]

السلاسل فأشفقت ان اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال " يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت اني سمعت الله عزوجل يقول (ولا تقتلوا أنفسكم ان الله كان بكم رحيما) فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا. رواه الخلال وأبو داود وسكوت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على الجواز لانه لا يقر على الخطأ ولانه خائف على نفسه أشبه المريض، وهل تلزمه الاعادة إذا قدر على استعمال الماء؟ فيه روايتان (احداهما) لا تلزمه وهو قول الثوري ومالك وأبي حنيفة وابن المنذر لحديث عمرو فان النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره باعادة ولو وجبت لامره بها فانه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجه ولانه خائف على نفسه أشبه المريض (والثانية) تلزمه الاعادة في الحضر دون السفر وهو قول أبي يوسف ومحمد لانه عذر نادر غير متصل فلم يمنع الاعادة كنسيان الطهارة، قال الشيخ والاول أصح ويفارق نسيان الطهارة فانه لم يأت بما أمر به وانما ظن انه أتى به بخلاف مسئلتنا، وقال الشافعي يعيد الحاضر لما ذكرنا وفي المسافر قولان (فصل) الثاني الجريح والمريض إذا خاف على نفسه من استعمال الماء فله التيمم هذا قول أكثر أهل العلم منهم ابن عباس ومجاهد وعكرمة وطاوس والنخعي وقتادة ومالك والشافعي، وقال عطاء والحسن لا يجوز التيمم إلا عند عدم الماء

[ 239 ]

ولنا قول الله تعالى (ولا تقتلوا أنفسكم) وحديث عمرو بن العاص حين تيمم من خوف البرد وحديث صاحب الشجة ولانه يباح له التيمم إذا خاف العطش أو خاف من سبع فكذلك ههنا لان الخوف لا يختلف وانما اختلفت جهاته، واختلفوا في الخوف المبيح للتيمم فروي عن أحمد لا يبيحه الا خوف التلف وهذا أحد قولي الشافعي، والصحيح من المذهب أنه يباح له التيمم إذا خاف زيادة المرض أو تباطؤ البرء أو خاف شيئا فاحشا أو ألما غير محتمل وهذا مذهب أبي حنيفة والقول الثاني للشافعي لعموم قوله تعالى (وان كنتم مرضى) ولانه يجوز له التيمم إذا خاف ذهاب شئ من ماله أو ضررا في نفسه من لص أو سبع أو لم يجد الماء الا بزيادة كثيرة على ثمن مثله فلان يجوز ههنا أولى. ولان ترك القيام في الصلاة وتأخير الصوم في المرض لا ينحصر في خوف التلف فكذا ههنا. فأما المريض والجريح الذي لا يخاف الضرر باستعمال الماء مثل من به الصداع والحمى الحارة وأمكنه استعمال الماء الجاري ولا ضرر عليه فيه لزمه ذلك لان اباحة التيمم لنفي الضرر ولا ضرر عليه، وحكي عن مالك وداود اباحة التيمم للمريض مطلقا لظاهر الآية. ولنا أنه قادر على استعمال الماء من غير ضرر فأشبه الصحيح والآية اشترط فيها عدم الماء فلم يتناول محل النزاع على أنه لابد من اضمار الضرورة والضرورة انما تكون عند الضرر (مسألة) (أو عطش يخافه على نفسه أو رفيقه أو بهيمته) متى خاف العطش على نفسه جاز له التيمم ولا اعادة عليه اجماعا قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المسافر إذا كان

[ 240 ]

معه ماء وخشي العطش أنه يبقي الماء للشرب ويتيمم منهم علي وابن عباس والحسن وعطاء ومجاهد والثوري ومالك والشافعي واسحاق وأصحاب الرأي ولا نعلم عن غيرهم خلافهم، وان خاف على رفيقه أو رقيقه أو بهائمه فهو كما لو خاف على نفسه لان حرمة رفيقه كحرمة نفسه والخائف على بهائمه خائف من ضياع ماله وعليه ضرر فيه فجاز له التيمم كالمريض، وان وجد عطشان يخاف تلفه لزمه سقيه ويتيمم. قيل لاحمد رجل معه إداوة من ماء للوضوء فيرى قوما عطاشا أحب اليك أن يسقيهم أو يتوضأ؟ قال لا بل يسقيهم ثم ذكر عدة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتيممون ويحبسون الماء لشفاههم وقال أبو بكر والقاضي لا يلزمه بذله لانه محتاج إليه ولنا أن حرمة الآدمي تقدم على الصلاة بدليل مالو رأى حريقا أو غريقا عند ضيق وقت الصلاة لزمه ترك الصلاة والخروج لانقاذه فلان يقدمها على الطهارة بالماء أولى وقد روي في حديث البغي أن الله غفر لها بسقي الكلب عند العطش فإذا كان في سقي الكلب فالآدمي أولى (فصل) وإذا وجد الخائف من العطش ماء طاهراوماء نجسا يكفيه أحدهما لشربه فانه يحبس الطاهر لشربه ويريق النجس ان استغنى عنه، وقال القاضي: يتوضأ بالطاهر ويحبس النجس لشربه لانه وجد ماء طاهرا يستغني عن شربه أشبه ما لو كان الكل طاهرا

[ 241 ]

ولنا أنه لا يقدر على ما يجوز شربه والوضوء به إلا الطاهر فجاز له حبسه لشربه كما لو انفرد، وإن وجدهما وهو عطشان شرب الطاهر وأراق النجس إذا استغنى عنه سواء كان في الوقت أو قبله، وقال بعض الشافعية إن كان في الوقت شرب النجس لان الطاهر مستحق للطهارة فهو كالعدم، ولا يصح لان شرب النجس حرام وانما يصير الطاهر مستحقا للطهارة إذا استغنى عن شربه، وهذا غير مستغن عن شربه فوجود النجس كعدمه (مسألة) قال (أو خشية على ماله في طلبه) متى خاف على نفسه أو ماله في طلب الماء كمن بينه وبين الماء سبع أو عدو أو حريق أو لص فهو كالعادم لانه خائف للضرر باستعماله أو التلف فهو كالمريض ولو كان الماء بمجمع الفساق تخاف المرأة على نفسها منهم فهي كالعادمة وقد توقف أحمد عن هذه المسألة وقال ابن أبي موسى تتيمم ولا اعادة عليها في أصح الوجهين، قال شيخنا والصحيح جواز التيمم لها وجها واحدا ولا اعادة عليها بل لا يحل لها الخروج إلى الماء لما فيه من التعرض للزنا وهتك نفسها وعرضها وتنكيس رؤس أهلها وربما أفضى إلى قتلها. وقد أبيح لها التيمم حفظا للقليل من مالها المباح لها بذله وحفظ نفسها من زيادة مرض أو تباطؤ برء فههنا أولى وكذلك إن كان يخاف إذا ذهب إلى الماء شرود دابته أو سرقتها أو يخاف على أهله لصا أو سبعا فهو كالعادم لما دكرنا، فان كان خوفه جبنا لا عن سبب يخاف من مثله كالذي يخاف بالليل وليس شئ يخاف منه لم يجز له التيمم نص عليه أحمد قال شيخنا ويحتمل أن يباح له التيمم ويعيد إذا اشتد خوفه لانه بمنزلة الخائف لسبب، ومن كان خوفه لسبب ظنه مثل من رأى سوادا ظنه عدوا فتبين أنه ليس بعدو أو رأى كلبا فظنه نمرا فتيمم

[ 242 ]

وصلى فبان خلافه فهل تلزمه الاعادة؟ على وجهين (أحدهما) لا تلزمه الاعادة لانه أتى بما أمر به فخرج عن عهدته (والثاني) تلزمه لانه تيمم من غير سبب يبيح التيمم أشبه من نسي الماء بموضع يمكنه استعماله (فصل) ومن كان مريضا لا يقدر على الحركة ولا يجد من يناوله الماء فهو كالعادم قاله ابن أبي موسى وهو قول الحسن لانه لا سبيل له إلى الماء أشبه من وجده في بئر ليس له ما يستقي به منها، وإن وجد من يناوله قبل خروج الوقت فهو كالواجد في الحال لانه بمنزلة من يجد ما يستقي به في الوقت، وإن خاف خروج الوقت قبل مجيئه فقال ابن أبي موسى والحسن له التيمم ولا اعادة عليه لانه عادم في الوقت أشبه العادم مطلقا ويحتمل أن ينتظر مجئ من يناوله لانه حاضر ينتظر حصول الماء أشبه المشتغل باستقاء الماء وتحصيله (فصل) وإذا وجد بئرا وقدر على النزول إلى مائها من غير ضرر أو الاغتراف بشئ أو ثوب يبله ثم يعصره لزمه ذلك وإن خاف فوت الوقت لان الاشتغال به كالاشتغال بالوضوء وحكم من في السفينة في الماء كحكم واجد البئر إن لم يمكنه الوصول إلى الماء إلا بمشقة أو تغرير بالنفس فهو كالعادم وهذا قول الثوري والشافعي، وإذا كان الماء موجودا إلا أنه إن اشتغل بتحصيله واستعماله فات الوقت لم يبح له التيمم سواء كان حاضرا أو مسافرا في قول أكثر أهل العلم منهم الشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي وعن الاوزاعي والثوري أنه يتيمم رواه عنهما الوليد بن مسلم وروي عن مالك

[ 243 ]

وابن أبي ذئب كقول الجمهور لقوله تعالى (فلم تجدوا ماء فتيمموا) وهذا واجد ولقوله عليه السلام " التراب كافيك ما لم تجد الماء " ولانه قادر على الماء فلم يجز له التيمم كما لو لم يخف فوت الوقت (مسألة) قال (أو تعذره الا بزيادة كثيرة على ثمن مثله أو ثمن يعجز عن آدائه) وجملته أنه متى وجد ماء بثمن مثله في موضعه لزمه شراؤه إذا قدر على الثمن مع استغنائه عنه لقوته ومؤنة سفره لانه قادر على استعماله من غير ضرر وكذلك ان كانت الزيادة يسيرة لا تجحف بماله ذكره أبو الخطاب لما ذكرنا، وقال الشافعي لا يلزمه شراؤه مع الزيادة قليلة كانت أو كثيرة لان عليه ضررا في الزيادة أشبه مالو خاف لصا يأخذ من ماله ذلك المقدار ولنا قوله تعالى (فلم تجدوا ماء فتيمموا) وهذا واجد فان القدرة على ثمن العين كالقدرة على العين في المنع من الانتقال إلى البدل كما لو بيعت بثمن مثلها لان ضرر المال دون ضرر النفس وقد قالوا في المريض يلزمه الغسل ما لم يخف التلف فتحمل الضرر اليسير في المال أحرى وما ذكروه من الدليل يبطل بما إذا كان بثمن المثل فان كان عاجزا عن الثمن فهو كالعادم لانه عاجز عن استعمال الماء. وان بذل له ثمنه لم يلزمه قبوله لان فيه منة. فأما ان وهب له ماء لزمه قبوله لانه قادر على استعمال الماء ولا منة في ذلك في العادة. فأما ان كانت الزيادة كثيرة تجحف بماله لم يلزمه شراؤه لان عليه ضررا كثيرا وان كانت كثيرة لا تجحف بماله ففيه وجهان (أحدهما) يلزمه شراؤه لانه واجد للماء قادر عليه من غير اجحاف بماله فلزمه استعماله للآية وكما لو كانت الزيادة بسيرة (والثاني) لا يلزمه لان فيه ضررا ولما ذكرنا في الزيادة اليسيرة

[ 244 ]

(فصل) فان بذل له بثمن في الذمة يقدر على أدائه في بلده فقال القاضي يلزمه شراؤه لانه قادر على أخذه بما لا مضرة فيه. وقال الآمدي لا يلزمه لان عليه ضررا في بقاء الدين في ذمته وربما تلف ماله قبل أدائه وهو الصحيح إن شاء الله تعالى، وإن لم يكن له في بلده ما يؤدي ثمنه لم يلزمه شراؤه لان عليه ضررا، وإن لم يبذله له وكان فاضلا عن حاجته لم يجز له أخذه منه قهرا (1) لان الضرورة لا تدعو إليه ولان هذا له بدل وهو التيمم بخلاف الطعام في المجاعة (مسألة) (فان كان بعض بدنه جريحا تيمم له وغسل الباقي) وجملة ذلك أن الجريح والمريض إذا أمكنه غسل بعض بدنه دون بعض لزمه غسل ما أمكنه غسله وتيمم للباقي وهو قول الشافعي، وقال أبو حنيفة ومالك إن كان أكثر بدنه صحيحا غسله ولا يتيمم وإن كان أكثره جريحا تيمم ولا غسل عليه لان الجمع بين البدل والمبدل لا يجب كالصيام والاطعام ولنا ما روى جابر قال خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا شجة في وجهه ثم احتلم فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فاقل " قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ فانما شفاء العي السؤال انما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه ثم يمسح عليه ثم يغسل سائر جسده " رواه أبو داود ولانها شرط من شرائط الصلاة فالعجز عن بعضها لا يسقط جميعها كالستارة وما ذكروه ينتقض بالمسح على الخفين مع غسل بقية الاعضاء، فأما الذي قاسوا عليه فانه جمع بين البدل والمبدل في محل واحد بخلاف مسئلتنا فان التيمم بدل عما لم يصبه، وكل مالا يمكن غسله من الصحيح إلا بانتشار الماء إلى الجريح حكمه حكم الجريح فان لم يمكنه ضبطه وقدر أن يستنيب من يضبطه لزمه ذلك فان عجز تيمم وصلى واجزأه لانه عجز عن غسله فأجزأه التيمم عنه كالجريح


1) عبارة المغني لم يجز له مكارته الخ فهل سقط من كل مكان ما ثبت نظيره في الاخر؟ يتأمل

[ 245 ]

(فصل) ولا يلزمه أن يمسح على الجرح بالماء إذا أمكنه ذلك سواء كان معصوبا أو لا هذا اختيار الخرقي، وقال ابن عقيل نص أحمد في رواية صالح في المجروح إذا خاف مسح موضع الجرح وغسل ما حوله لقوله عليه السلام " إذا أمرتكم بامر فائتوا منه ما استطعتم " لانه عجز عن غسله وقدر على مسحه وهو بعض الغسل فوجب الاتيان بما قدر عليه كمن عجز عن الركوع والسجود وقدر على الايماء ووجه القول الاول أنه محل واحد فلا يجمع فيه بين المسح والتيمم كالجبيرة فإذا قلنا يجب المسح على موضع الجرح فهل يتيمم معه؟ على روايتين (إحداهما) لا يتيمم كالجرح المعصوب عليه والجبيرة على الكسر (والثانية) عليه التيمم لان المسح بعض الغسل فيجب أن يتيمم للباقى، ويفارق هذا الجبيرة لان الفرض فيها انتقل إلى الحائل فهي كالخفين (فصل) فان كانت جميع أعضاء الوضوء قريحة تيمم لها فان لم يمكنه التيمم صلى على حسب حاله وفي الاعادة روايتان كمن عدم الماء والتراب وسنذكر ذلك ان شاء الله

[ 246 ]

(فصل) إذا كان الجريح جنبا فهو مخير إن شاء قدم التيمم على الغسل وإن شاء أخره بخلاف ما إذا كان التيمم لعدم ما يكفيه لطهارته فانه يلزمه استعمال الماء أولا لان التيمم للعدم ولا يتحقق مع وجود الماء وههنا التيمم للعجز وهو متحقق على كل حال ولان الجريح يعلم أن التيمم بدل عن غسل الجرح والعادم لا يعلم القدر الذي يتيمم له إلا بعد استعمال الماء فلزمه تقديم استعماله وإن كان الجريح يتطهر للحدث الاصغر فذكر القاضي انه يلزمه الترتيب فيجعل التيمم في مكان الغسل الذي يتيمم بدلا عنه، فان كان الجرح في الوجه بحيث لا يمكنه غسل شئ منه تيمم أولا ثم أتم الوضوء، وإن كان في بعض وجهه خير بين غسل الصحيح منه ثم يتيمم وبين التيمم ثم يغسل صحيح وجهه ويتم الوضوء، وإن كان الجرح في عضو آخر لزمه غسل ما قبله ثم كان فيه على ما ذكرنا في الوجه. وإن كان في وجهه ويديه ورجليه احتاج في كل عضو إلى تيمم في محل غسله ليحصل الترتيب ولو غسل صحيح وجهه ثم تيمم له وليديه تيمما واحدا لم يجزه لانه يؤدي إلى سقوط الفرض عن جزء من الوجه واليدين في حال واحدة، فان قيل هذا يبطل بالتيمم عن جملة الطهارة حيث يسقط الفرض عن جميع الاعضاء جملة واحدة قلنا. إذا كان عن جملة الطهارة فالحكم له دونها وإن كان عن بعضها ناب عن ذلك البعض فاعتبر فيه ما يعتبر فيما ينوب عنه من الترتيب (قال شيخنا) ويحتمل أن لا يجب هذا الترتيب لان التيمم طهارة مفردة فلا يجب الترتيب بينها وبين الطهارة الاخرى كما لو كان الجريح جنبا

[ 247 ]

ولانه تيمم عن الحدث الاصغر فلا يجب أن يتيمم عن كل عضو في موضع غسله كما لو تيمم عن جملة الوضوء ولان فيه حرجا فيندفع بقوله تعالى (ما جعل عليكم في الدين من حرج) وحكى الماوردي عن مذهب الشافعي مثل هذه وحكى ابن الصباغ عنه مثل القول الاول والله تعالى أعلم (فصل) وان تيمم الجريح لجرح في بعض أعضائه ثم خرج الوقت بطل تيممه ولم تبطل طهارته بالماء ان كان غسلا للجنابة أو نحوها لان الترتيب والموالاة غير واجبين فيها، وان كانت وضوءا وكان الجرح في وجهه. فان قلنا يجب الترتيب بين التيمم والوضوء بطل الوضوء ههنا لان طهارة العضو الذي ناب التيمم عنه بطلت فلو لم يبطل ما بعده لتقدمت طهارة ما بعده عليه فيفوت الترتيب. فان قلنا لا يجب الترتيب لم يبطل الوضوء وجوز له التيمم لاغير، وان كان الجرح في رجليه فعلى قولنا لا يجب الترتيب لا تجب الموالاة بينهما أيضا وعليه التيمم وحده. وان قلنا يجب الترتيب فينبغي أن يخرج وجوب الموالاة ههنا على وجوبها في الوضوء وفيها روايتان. فان قلنا تجب في الوضوء بطل الوضوء ههنا لفواتها. وان قلنا لا تجب كفاه التيمم وحده (قال شيخنا) ويحتمل أن لا تجب الموالاة بين الوضوء والتيمم وجها واحدا لانهما طهارتان فلم تجب الموالاة بينهما كسائر الطهارات ولان في إيجابها حرجا فينتفي بقوله تعالى (ما جل عليكم في الدين من حرج) (مسألة) قال (وان وجد ماء يكفي بعض بدنه لزمه استعماله وتيمم للباقي ان كان جنبا. وان كان

[ 248 ]

محدثا فهل يلزمه استعماله على وجهين) وجملة ذلك أنه إذا وجد الجنب ماء يكفي بعض بدنه لزمه استعماله وتيمم للباقي نص عليه أحمد فيمن وجد ماء يكفيه لوضوئه وهو جنب قال يتوضأ ويتيمم وهذا قول عطاء وهو أحد قولي الشافعي، وقال الحسن والزهري ومالك وأصحاب الرأي وابن المنذر والقول الثاني للشافعي يتيمم ويتركه لان هذا الماء لا يطهره فلم يلزمه استعماله كالمستعمل ولنا قوله تعالى (فلم تجدوا ماء فتيمموا) وخبر أبي ذر شرط في التيمم عدم الماء. وقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا امرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم " رواه البخاري. ولانه وجد ما يمكنه استعماله في بعض جسده أشبه مالو كان أكثر جسده صحيحا وباقيه جريحا. ولانه قدر على بعض الشرط فلزمه كالسترة وإزالة النجاسة والحكم الذي ذكروه في المستعمل ممنوع وان سلم فلانه لا يطهر شيئا منه بخلاف هذا ويجب عليه استعمال الماء قبل التيمم ليتحقق العدم وقد ذكرناه (فصل) فان وجده المحدث الحدث الاصغر فهل يلزمه استعماله؟ على وجهين (أحدهما) يلزمه استعماله اختاره القاضي لما ذكرنا في الجنب وكما لو كان بعض بدنه صحيحا وبعضه جريحا (والثاني) لا يلزمه لان الموالاة شرط فيه فإذا غسل بعض الاعضاء دون بعض لم يفد بخلاف الجنابة وكذلك لو وجد الماء في الجنابة أجزأه غسل ما لم يغسله فقط. وفي الحدث الاصغر يلزمه استئناف الطهارة وفارق ما إذا كان بعض أعضائه صحيحا وبعضه جريحا لان العجز ببعض البدن يخالف العجز ببعض الواجب لان من بعضه حر إذا ملك يجزئه الحر رقبة لزمه اعتاقها في كفارته. ولو ملك الحر بعض رقبة لم يلزمه

[ 249 ]

اعتاقه وللشافعي قولان كهذين. والصحيح انه يلزمه استعماله لما ذكرنا بمن الادلة فيما إذا كان جنبا قياسا عليه وكما لو كان بعض أعضائه صحيحا وما ذكروه من أن العجز ببعض الواجب يخالف العجز ببعض البدن يبطل بالجنب وقولهم انه إذا وجد الماء في الحدث الاصغر يلزمه استئناف الطهارة - قلنا هذا لا يمنع وجوب استعمال الماء كالجريح. وان منعوا ذلك ثم فهذا في معناه والله أعلم، وإن قلنا لا تجب الموالاة في الوضوء فهو كالجنب سواء (مسألة) قال (ومن عدم الماء لزمه طلبه في رحله وما قرب منه. وان دل عليه قريبا لزمه قصده وعنه لا يجب الطلب) المشهور عن احمد رحمه الله اشتراط طلب الماء لصحة التيمم وهذا مذهب الشافعي وروي عنه لا يشترط الطلب وهو مذهب أبي حنيفة لقوله عليه السلام " التراب كافيك ما لم تجد الماء " ولانه غير واجد للماء قبل الطلب أشبه من طلب فلم يجد - ووجه الاولى قوله تعالى (فلم تجدوا ماء فتيمموا) ولا يقال لم يجد إلا لمن طلب لجواز أن يكون بقربه ماء لا يعلمه ولانه بدل فلم يجز العدول إليه قبل طلب المبدل كالصيام في الظهار ولانه سبب في الصلاة مختص بها فلزمه الاجتهاد في طلبه عند الاعواز كالقبلة. إذا ثبت هذا فصفة الطلب أن يطلب في رحله وما قرب منه وإن رأى خضرة أو شيئا يدل على الماء قصده فاستبراه وإن كان بقربه ربوة أو شئ قائم أتاه فطلب عنده وينظر وراءه وأمامه وعن يمينه وشماله. وإن كانت له رفقة يدل عليهم طلب منهم وإن وجد من له خبرة بالمكان سأله فان لم يجد تيمم. فان دل على ماء قريب لزمه قصده ما لم يخف على نفسه أو ماله أو يخشى فوات

[ 250 ]

رفقته ولم يفت الوقت وهذا مذهب الشافعي (فصل) وانما يكون الطلب بعد الوقت فان طلب قبله لزمه اعادة الطلب بعده ذكره ابن عقيل لانه طلب قبل المخاطبة بالتيمم فلم يسقط فرضه كالشفيع إذا طلب الشفعة قبل البيع. وإن طلب بعد الوقت ولم يتيمم عقيبه جاز التيمم بعد ذلك من غير تجديد طلب (فصل) إذا كان معه ماء فأراقه قبل الوقت أو مر بماء قبل الوقت فتاجوزه وعدم الماء في الوقت صلى بالتيمم من غير اعادة وهو قول الشافعي. وقال الاوزاعي ان ظن انه يدرك الماء في الوقت وإلا صلى بالتيمم من غير اعادة كقولنا والا صلى بالتيمم وعليه الاعادة لانه مفرط ولنا انه لم يجب عليه استعماله أشبه ما لو ظن انه يدرك الماء في الوقت. فأما ان أراق الماء في الوقت أو مر به في الوقت فلم يستعمله ثم عدم الماء تيمم وصلى، وفي الاعادة وجهان (أحدهما) لا يعيد لانه صلى بتيمم صحيح فهو كما لو أراقه قبل الوقت (والثاني) يعيد لانه وجبت عليه الصلاة بوضوء وهو فوت القدرة على نفسه فبقي في عهدة الواجب وان وهبه بعد دخول الوقت لم تصح الهبة ذكره القاضي لانه تعلق به حق الله تعالى فلم تصح هبته كالاضحية. وقال ابن عقيل يحتمل أن تصح والاول أولى، فان تيمم مع بقاء الماء لم يصح تيممه لانه واجد للماء وان تصرف فيه الموهوب له فهو كما لو أراقه الا أن يهبه لمحتاج إلى شربه من العطش وقد ذكرناه (مسألة) (وان نسي الماء بموضع يمكنه استعماله وتيمم لم يجزه) نص عليه أحمد وقطع انه لا يجزئه وقال هذا واجد للماء وروي عنه التوقف في هذه المسألة والمذهب الاول وهو آخر قولي الشافعي

[ 251 ]

وقال أبو حنيفة وابن المنذر يجزئه وعن مالك كالمذهبين وعنه أنه يعيد ما دام في الوقت لانه مع النسيان غير قادر على استعمال الماء أشبه العادم ولنا أنها طهارة تجب مع الذكر فلم تسقط بالنسيان كما لو صلى ناسيا لحدثه ثم ذكر أو صلى الماسح ثم بان له انقضاء مدة المسح قبل الصلاة ويفارق ما قاسوا عليه فانه غير مفرط وههنا مفرط بترك الطلب (فصل) وان ضل عن رحله الذي فيه الماء أو كان يعرف بئرا فضاعت عنه ثم وجدها فقال ابن عقيل يحتمل أن يكون كالناسي، والصيح أنه لا اعادة عليه وهو قول الشافعي لانه ليس بواجد للماء فيدخل في عموم قوله تعالى (فلم تجدوا ماء فتيمموا) ولانه غير مفرط بخلاف الناسي، وان كان الماء مع عبده فنسيه العبد حتى صلى سيده احتمل أن يكون كالناسي واحتمل أن لا يعيد لان التفريط من غيره فان صلى ثم بان أنه كان بقربه بئر أوماء فان كانت أعلامه ظاهرة فعليه الاعادة لانه مفرط وان كانت خفية وطلب فلم يجدها فلا اعادة عليه لعدم التفريط والله أعلم (مسألة) (ويجوز التيمم لجميع الاحداث وللنجاسة على جرح يضره إزالتها) يجوز التيمم للحدث الاصغر بغير خلاف علمناه إذا وجدت الشرائط لما ذكرنا من الادلة ويجوز للجنابة في قول أكثر أهل العلم منهم على وابن عباس وعمرو بن العاص وأبو موسى الاشعري وعمارا وهو قول الثوري ومالك والشافعي

[ 252 ]

واسحاق وأصحاب الرأي وكان ابن مسعود لا يرى التيمم للجنب وروي نحوه عن عمر رضي الله عنهما والدليل على اباحته ما روى عمران بن حصين ان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا معتزلا لم يصل مع القوم فقال " يا فلان ما منعك أن تصلي مع القوم؟ " فقال أصابتني جنابة ولا ماء فقال " عليك بالصعيد فانه يكفيك " متفق عليه وحديث أبي ذر وعمرو بن العاص وحديث صاحب الشجة ولانه حدث أشبه الحدث الاصغر وحكم الحائض إذا انقطع دمها حكم الجنب (فصل) ويجوز التيمم للنجاسة على بدنه إذا عجز عن غسلها لخوف الضرر أو عدم الماء قال احمد هو بمنزلة الجنب يتيمم روي نحو ذلك عن الحسن، وقال الاوزاعي والثوري وأبو ثور يمسحها بالتراب ويصلي لان طهارة النجاسة إنما تكون في محل النجاسة دون غيره. وقال أكثر الفقهاء لا يتيمم للنجاسة لان الشرع انما ورد بالتيمم للحدث وغسل النجاسة ليس في معناه لان الغسل انما يكون في محل النجاسة دون غيره ولان مقصود الغسل إزالة النجاسة ولا يحصل ذلك بالتيمم. (ووجه الاول) قوله عليه السلام " الصعيد الطيب طهور المسلم " وقوله " جعلت لي الارض مسجدا وطهورا " ولانها طهارة في البدن تراد للصلاة فجاز لها التيمم قياسا على الحدث ويفارق الغسل التيمم فانه في طهارة الحدث يؤتى به في غير محله فيما إذا تيمم لجرح في رجله بخلاف الغسل - قولهم لم يرد به الشرع قلنا هو داخل في عموم الاخبار، إذا ثبت هذا فتيمم وصلى فهل تلزمه الاعادة؟ فيه

[ 253 ]

روايتان (احداهما) لا تجب عليه الاعادة لانه أتى بما أمر (والثانية) تجب عليه لانه صلى مع النجاسة أشبه إذا لم يتمم. واختار أبو الخطاب وجوب الاعادة فيما إذا تيمم لعدم الماء بخلاف ما إذا كانت النجاسة على جرح لانه خائف للضرر باستعمال الماء أشبه المريض. وقال أصحابنا لا تلزمه الاعادة فيهما لقوله عليه السلام " التراب كافيك ما لم تجد الماء " وقياسا على طهارة الحدث وكما لو تيمم للنجاسة على الجرح عند أبي الخطاب فأما إن كانت النجاسة على ثوب لم يتيمم لها لان التيمم طهارة في البدن فلا تنوب عن غير البدن كالغسل (فصل) إذا ثبت أنه تيمم للنجاسة فقال القاضي يحتمل أن لا يحتاج إلى نية لان غسلها لا يفتقر إلى نية كذلك التيمم لها وقياسا على الاستجمار، قال ابن عقيل ويحتمل أن يشترط لقوله عليه السلام " وانما لكل امرئ ما نوى " ولان التيمم طهارة حكمية، وغسل النجاسة بالماء طهارة عينية فجاز أن تشترط النية في الحكمية دون العينية لما بينهما من الاختلاف (فصل) وإن اجتمع عليه نجاسة وحدث ومعه ماء يكفي أحدهما حسب قدم غسل النجاسة نص عليه أحمد وروي عن سفيان ولا نعلم فيه خلافا لان التيمم للحدث ثابت بالاجماع والتيمم للنجاسة مختلف فيه، وإن كانت النجاسة على ثوبه قدم غسلها وتيمم للحدث، وحكي عن أحمد أنه يدع الثوب ويتوضأ لانه واجد للماء والوضوء أشد من الثوب وحكاه أبو حنيفة عن حماد في الدم والاول أولى لما ذكرنا، ولانه إذا قدمت نجاسة البدن مع أن للتيمم فيها مدخلا فتقديم طهارة الثوب وليس له فيها مدخل أولى. وإ ن اجتمع نجاسة على الثوب ونجاسة على البدن غسل الثوب وتيمم لنجاسة البدن لان للتيمم فيها مدخلا (مسألة) وإن تيمم في الحضر خوفا من البرد وصلى ففي وجوب الاعادة روايتان (احداهما) تجب عليه الاعادة لان الحضر مظنة اسخان الماء ودخول الحمامات فهو عذر نادر بخلاف السفر (والثانية) لا إعادة عليه لانه خائف أشبه المريض والمسافر (مسألة) فان عدم الماء والتراب صلى على حسب حاله في الصحيح من المذهب وهو قول الشافعي وروي عن أحمد أنه لا يصلى حتى يقدر على أحدهما وهو قول الثوري والاوزاعي وأبي حنيفة لانها

[ 254 ]

عبادة لا تسقط القضاء فلم تجب كصيام الحائض. وقال مالك لا يصلي ولا يقضي لانه عجز عن الطهارة فلم تجب عليه الصلاة كالحائض قال ابن عبد البر هذه رواية منكرة عن مالك وذكر عن أصحابه قولين (أحدهما) كقول أبي حنيفة (والثاني) يصلي ويعيد ولنا ما روى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أناسا لطلب قلادة أضلتها عائشة فحضرت الصلاة فصلوا بغير وضوء فأتوا للنبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له فنزلت آية التيمم ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولا أمرهم باعادة فدل على أنها غير واجبة ولان الطهار شرط فلم تؤخر الصلاة عند عدمه كالسترة، إذا ثبت هذا فصلى ثم وجد الماء والتراب لم تجب عليه الاعادة في أصح الروايتن لما ذكرنا من الخبر ولانه أتى بما أمر فوجب أن يخرج عن العهدة ولانه أحد شروط الصلاة فسقط عند العجز كسائر شروطها (والثانية) تجب عليه الاعادة وهو مذهب الشافعي لانه فقد شرط الصلاة أشبه مالو صلى بالنجاسة والاولى أولى لما ذكرنا وما قاسوا عليه ممنوع. فأما قياس أبي حنيفة على الحائض في تأخير الصيام فلا يصح لان الصوم يدخله التأخير بخلاف الصلاة لان المسافر يؤخر الصوم دون الصلاة ولان عدم الماء لو قام مقام الحيض لاسقط الصلاة بالكلية لان قياس الصلاة على جنسها أولى من قياسها على الصوم وقياس مالك لا يصح لمخالفته لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم " ولان قياس الطهارة على شرائط الصلاة أولى من قياسه على الحائض والحيض عذر معتاد يتكرر والعجز ههنا عذر نادر فلا يصح إلحاقه بالحيض لان النادر لا يشق إيجاب القضاء فيه بخلاف المعتاد ولانه عذر نادر فلم يسقط الفرض كنسيان الصلاة وفقد سائر الشروط والله أعلم (مسألة) (ولا يجوز التيمم إلا بتراب طاهر له غبار يعلق باليد) لان الله تعالى قال (فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) قال ابن عباس الصعيد تراب الحرث والطيب الطاهر وقال سبحانه (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) وما لا غبار له لا يمسح بشئ منه. وبه قال الشافعي وإسحاق وأبو يوسف وداود وقال مالك وأبو حنيفة يجوز بكل ما كان من جنس الارض كالنورة والزرنيخ والحجارة وقال الاوزاعي الرمل من الصعيد. وقال حماد بن أبي سليمان لا بأس أن يتيمم بالرخام لقول النبي صلى الله عليه وسلم " جعلت لي الارض مسجدا وطهورا " رواه البخاري ولانه من جنس

[ 255 ]

الارض فجاز التيمم به كالتراب. ولنا أن الله تعالى أمر بالصعيد وهو التراب وقال (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) ولا يحصل المسح بشئ منه الا أن يكون ذا غبار يعلق باليد، وعن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أعطيت ما لم يعط نبي من انبياء الله جعل لي التراب طهورا " وذكر الحديث رواه الشافعي في مسنده ولو كان غير التراب طهورا ذكره فيما من الله به عليه، ولان الطهارة اختصت بأعم المائعات وجودا وهو الماء فتختص بأعم الجامدات وجودا وهو التراب وحديثهم تخصه بحديثنا (فصل) فأما السبخة فعن أحمد أنه يجوز التيمم بها رواها عنه أبو الحارث انه قال أرض الحرث أحب الي، وان تيمم من أرض السبخة أجزأه وهذا مذهب الشافعي والاوزاعي وابن المنذر لقوله عليه السلام " وجعل تربتها طهورا " وعن أحمد في الرمل والنورة والجص نحو ذلك، وحمل القاضي قول أحمد في جواز التيمم بذلك إذا كان له غبار والموضع الذي منع إذا لم يكن لها غبار، وعنه قول ثالث انه يجوز ذلك مع الاضطرار خاصة رواه عنه سندي. وقال الخلال إنما سهل أحمد فيها مع الاضطرار إذا كانت غبرة كالتراب، فمأ إذا كانت قحلة كالملح فلا يتيمم بها أصلا، وقال ابن أبي موسى يتيمم عند عدم التراب بكل طاهر تصاعد على وجه الارض مثل الرمل والسبخة والنورة والكحل وما في معنى ذلك ويصلي وهل يعيد؟ على روايتين (فصل) وإن دق الخزف أو الطين المحرق لم يجز التيمم به لان الطبخ أخرجه عن أن يقع عليه اسم التراب وكذا ان نحت المرمر والكذان حتى صار غبارا لم يجز التيمم به لانه غير تراب وان دق الطين الصلب كالارمني جاز تيممه به لانه تراب. وقال ابن عقيل يخرج عندي فيه وجهان لشبهه بالمعادن فهو كالنورة، وان ضرب بيده على لبد أو ثوب أو في شعير أو نحوه فعلق بيديه غبار فتيمم به جاز نص عليه أحمد وكذلك لو ضرب بيده على صخرة أو حائط أو حيوان أو أي شئ كان فصار على يده

[ 256 ]

غبار بدليل ما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يديه على الحائط ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه. رواه أبو داود، ولان المقصود التراب الذي يمسح به وجهه ويديه، وقد روي عن مالك وأبي حنيفة التيمم بصخرة لا غبار عليها وتراب ندي لا يعلق باليد منه غبار، وأجاز مالك التيمم بالثلج والحشيش وكل ما تصاعد على وجه الارض ومنع من التيمم بغبار اللبد والثوب قال لان النبي صلى الله عليه وسلم لما ضرب بيديه نفخهما ولنا قوله تعالى (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) ومن للتبعيض فيحتاج أن يمسح بجزء منه والنفخ لا يزيل الغبار الملاصق وذلك يكفي. وروى الاثرم عن عمر أنه قال: لا يتيمم بالثلج فان لم يجد فصفحة فرسه (1) أو معرفة دابته (فصل) فأما التراب النجس فلا يجوز التيمم به لا نعلم فيه خلافا إلا أن الاوزاعي قال إن تيمم بتراب المقبرة وصلى مضت صلاته. ولنا قوله تعالى (فتيمموا صعيدا طيبا) والنجس ليس بطيب ولان التيمم طهارة لم تجز بغير طاهر كالوضوء، فأما المقبرة فان كانت لم تنبش فترابها طاهر وإن تكرر نبشها والدفن فيها لم يجز التيمم بترابها لاختلاطه بصديد الموتى ولحومهم ذكر ذلك شيخنا. وقال ابن عقيل في التربة المنبوشة لا يجوز التيمم منها سوا تكرر النبش أم لا، وإن شك في ذلك أو في نجاسة التراب الذي يتيمم به جاز التيمم به لان الاصل الطهارة فهو كما لو شك في نجاسة الماء، وذكر ابن عقيل فيما إذا لم يعلم حال المقبرة وجهين (أحدهما) يجوز لما ذكرنا (والثاني) لا يجوز لان الظاهر من الدفن فيها حصول النجاسة في بعضها فيشتبه بغيره والمشتبه لا تجوز الطهارة به كالاواني. قال ابن عقيل ويكره الوضوء من البئر الذي في المقبرة وأكل البقل وثمر الشجر الذي فيها كالزروع التي تسمد بالنجاسة وكالجلالة


1) عبارة المغني فضفة سرجه

[ 257 ]

(فصل) ويجوز أن يتيمم جماعة من موضع واحد بغير خلاف كما يجوز أن يتوضؤا من حوض واحد، فأما التراب الذي يتناثر من الوجه واليدين بعد مسحهما به ففيه وجهان (أحدهما) يجوز التيمم به لانه لم يرفع الحدث وهو قول أبي حنيفة (والثاني) لا يجوز لانه مستعمل في طهارة اباحت الصلاة أشبه الماء المستعمل في الطهارة وللشافعي وجهان كهذين وكذلك التراب الذي بقي على وجه المتيمم ويديه إذا مسح غيره به أعضاء تيممه كالماء المستعمل (مسألة) (فان خالطه ذو غبار لا يجوز التيمم به كالجص ونحوه فهو كالماء إذا خالطته الطاهرات) إن كانت الغلبة للتراب جاز وإن كانت للمخالط لم يجز، ذكره القاضي وأبو الخطاب قياسا على الماء وقال ابن عقيل يمنع التيمم به وان كان قليلا، وهو مذهب الشافعي لانه ربما حصل في العضو فمنع وصول التراب إليه بخلاف الماء فان المائع يستهلك فيه فلا يجري على العضو إلا ومعه جزء من الماء، فأما ان كان المخالط لا يعلق باليد لم يمنع لان أحمد قد نص على جواز التيمم من الشعير وذلك لانه لا يحصل على اليد منه بما يحول بين الغبار وبينها (فصل) فان خالطه نجاسة فقال ابن عقيل: لا يجوز التيمم به وان كثر التراب لان التراب لا يدفع النجاسة عن نفسه فهو كالمائعات تتنجس بالنجاسة وان كثرت (فصل) وان كان في طين لا يجد ترابا فحكي عن ابن عباس انه يأخذ الطين فيطلي به جسده فإذا جف تيمم به وان خاف فوات الوقت قبل جفافه فهو كالعادة، ويحتمل انه ان كان يجف قريبا انتظر جفافه وان فات الوقت كالمشتغل بتحصيل الماء من بئر ونحوه، وان لطخ وجهه بطين لم يجزه لانه لا يقع عليه اسم الصعيد ولانه لا غبار فيه أشبه التراب الندي (فصل) (فرائض التيمم أربعة: مسح جميع وجهه ويديه إلى كوعيه والترتيب والموالاة على احدى

[ 258 ]

الروايتين) لا خلاف في وجوب مسح الوجه والكفين في التيمم لقوله تعالى (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) ويجب استيعاب الوجه والكفين بالمسح فيمسح ما يأتي عليه الماء إلا المضمضة والاستنشاق وما تحت الشعور الخفيفة وهذا قول الشافعي، وقال سليمان بن داود يجزئه إذا لم يصب إلا بعض وجهه وبعض كفيه ولنا قوله تعالى (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) والباء للالصاق فصار كأنه قال فامسحوا وجوهكم وأيديكم، فيجب تعميمهما كما وجب تعميمهما بالغسل بقوله تعالى (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) فان بقى من محل الفرض شئ لم يصله التراب أمر يده عليه ما لم يفصل راحته فان فصل راحته وكان قد بقي عليها غبار جاز أن يمسح بها وإن لم يبق عليها غبار احتاج إلى ضربة أخرى، وان كان المتروك من الوجه مسحه وأعاد مسح يديه ليحصل الترتيب، وان تطاول الفصل بينهما وقلنا بوجوب الموالاة استأنف التيمم ويرجع في طول الفصل وقصره إلى القدر الذي ذكرناه في الطهارة لان التيمم فرع عليها وقد ذكرنا الخلاف في وجوب الترتيب والموالاة في الوضوء وذكرنا الدليل بما يغني عن اعادته والتيمم مبني عليه لانه بدل عنه ومقيس عليه، وظاهر المذهب وجوبهما في الوضوء كذلك ههنا، والحكم في التسمية ههنا كالحكم في التسمية في الوضوء على ما ذكرنا من الخلاف فيه (فصل) ويجب مسح اليدين إلى الموضع الذي يقطع منه السارق أومأ إليه أحمد وقال: قال الله

[ 259 ]

تعالى (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) من أين تقع يد السارق أليس من ههنا. وأشار إلى الرسغ وقد روينا عن ابن عباس نحو هذا، وقال الشافعي يجب المسح إلى المرفقين كالوضوء وسنذكر ذلك ان شاء الله تعالى فان كان أقطع من فوق الرسغ سقط مسح اليدين وان كان من دونه مسح ما بقي وان كان من المفصل فقال ابن عقيل يمسح موضع القطع ونص عليه أحمد لان الرسغين في التيمم كالمرفقين في الوضوء فكما أنه إذا قطع من المرفقين في الوضوء غسل ما بقى كذلك ههنا يمسح العظم الباقي وقال القاضي يسقط الفرض لان محله الكف الذي يؤخذ في السرقة وقد ذهب لكن يستحب إمرار التراب عليه، ومسح العظم الباقي مع بقاء اليد انما كان ضرورة استيعاب الواجب لان الواجب لا يتم إلا به فإذا زال الاصل اسقط ما هو من ضرورته كمن سقط عنه غسل الوجه لا يجب عليه غسل جزء من الرأس (فصل) وان أوصل التراب إلى محل الفرض بخرقة أو خشبة فقال القاضي يجزئه لان الله تعالى أمر بالمسح ولم يعين آلته وقال ابن عقيل فيه وجهان بناء على مسح الرأس بخرقة رطبة وان مسح محل الفرض بيد واحدة أو ببعض يده أجزأه وان يممه غيره جاز كما لو وضأه وتعتبر النية في المتيمم دون الميمم لانه الذي يتعلق به الاجزاء والمنع (مسألة) (ويجب تعيين النية لما يتيمم له من حدث أو غيره) وجملته أن النية شرط للتيمم وهو قول أكثر أهل العلم منهم الليث وربيعة ومالك والشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر ولا نعلم عن غيرهم خلافهم الا ما حكي عن الاوزاعي والحسن بن صالح أنه يصح بغير نية وقد ذكرنا قول القاضي في التيمم للنجاسة، وسائر أهل العلم على خلافهم لقوله عليه السلام " وانما لامرئ ما نوى " وينوي به

[ 260 ]

استباحة الصلاة فان نوى رفع الحدث لم يصح تيممه لانه لا يرفع الحدث قال ابن عبد البر أجمع العلماء على أن طهارة التيمم لا ترفع الحدث إذا وجد الماء بل إذا وجده أعاد الطهارة جنبا كان أو محدثا وهذا مذهب مالك والشافعي وغيرهما، وحكي عن أبي حنيفة أنه يرفع الحدث وعن أحمد ما يدل على ذلك لانها طهارة عن حدث تبيح الصلاة فرفعت الحدث كطهارة الماء ولنا أنه لو وجد الماء لزمه استعماله لرفع الحدث الذي كان قبل التيمم وان كان جنبا أو محدثا أو امرأة حائضا ولو رفع الحدث لاستوى الجميع لاستوائهم في الوجدان ولانها طهارة ضرورة فلم ترفع الحدث كطهارة المستحاضة وبهذا فارق الماء (فصل) ويجب تعيين النية لما يتيمم له من الحدث الاصغر والجنابة والحيض والنجاسة وان كان التيمم عن جرح في عضو من أعضائه نوى التيمم عن غسل ذلك العضو لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إنما الاعمال بالنيات وانما لا مرئ ما نوى " (مسألة) (فان نوى جميعها جاز) لقوله عليه السلام " وانما لامرئ ما نوى " ولان فعله واحد أشبه ما لو كانت عليه أحداث توجب الوضوء أو الغسل فنواها وقال ابن عقيل إذا كان عليه حدث ونجاسة هل يكتفي بتيمم واحد؟ يبنى على تداخل الطهارتين في الغسل فان قلنا لا يتداخلان ثم فاولى أن لا يتداخلا ههنا لكونهما من جنسين وان قلنا يتداخلان فقال القاضي ههنا كذلك قياسا عليه فعلى هذا يتيمم لها تيمما واحدا قال والاشبه عندي لا يتداخلان كالكفارات والحدود وإذا كانت من جنسين والاول أصح. (مسألة) قال (وان نوى أحدهما لم يجزه عن الآخر) وبهذا قال مالك وأبو ثور وقال أبو

[ 261 ]

حنيفة والشافعي يجزئه لان طهارتهما واحدة فسقطت إحداهما بفعل الاخرى كالبول والغائط، ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " وإنما لا مرئ ما نوى " فيدل على انه لا يحصل له ما لم ينوه، ولانها أسباب مختلفة فلم تجزي نية بعضها عن الآخر كالحج والعمرة وهذا يفارق ما قاسوا عليه فان حكمهما واحد وهو الحدث الاصغر ولهذا تجزئ نية أحدهما عن نية الآخر في طهارة الماء (فصل) إذا تيمم للجنابة دون الحدث الاصغر أبيح له ما يباح للمحدث من قراءة القرآن واللبث في المسجد ولم تبح له الصلاة والطواف ومس المصحف فان أحدث لم يؤثر ذلك في تيممه كمالا يؤثر في الغسل. وان تيمم للجنابة والحدث ثم أحدث بطل تيممه للحدث وبقي تيمم الجنابة بحاله، ولو تيممت المرأة بعد طهرها من حيضها للحيض ثم أجنبت لم يحرم وطؤها لان حكم تيمم الحيض باق ولا يبطل بالوطئ لانه انما يوجب حدث الجنابة، وقال ابن عقيل إن قلنا كل صلاة تحتاج إلى تيمم احتاج كل وطئ إلى تيمم يخصه والاول أصح (مسألة) (وإن نوى نفلا أو أطلق النية للصلاة لم يصل الا نفلا) وهو قول الشافعي، وقال أبو حنيفة له أن يصلي بها ما شاء ويتخرج لنا مثل ذلك إذا قلنا ان التيمم لا يبطل بخروج الوقت فيكون حكمه حكم طهارة الماء لانها طهارة يصح بها النفل فأشبهت طهارة الماء

[ 262 ]

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " انما الاعمال بالنيات وانما لامرئ ما نوى " وهذا ما نوى الفرض فلا يحصل له وفارق طهارة الماء لانها ترفع الحدث المانع من فعل الصلاة فيباح له جميع ما يمنعه الحدث ولا يلزمه استباحة النفل بنية الفرض لان الفرض أعلى ما في الباب فنيته تضمنت نية ما دونه فإذا استباحه استباح ما دونه تبعا (مسألة) قال (وان نوى فرضا فله فعله والجمع بنى الصلاتين وقضاء الفوائت والتنفل إلى آخر الوقت) وجملة ذلك أنه متى نوى بتيممه فريضة سواء كانت معينة أو مطلقة فله أن يصلي ما شاء من الصلوات فيصلي الحاضرة ويجمع بين الصلاتين ويقضي فوائت ان كان عليه ويتطوع قبل الصلاة وبعدها إلى آخر الوقت هذا قول أبي ثور. وقال مالك والشافعي لا يصلي به فرضين وقد روي عن أحمد أنه قال لا يصلي بالتيمم الا صلاة واحدة ثم يتيمم للاخرى. وهذا يحتمل أن يكون مثل قولهما لما

[ 263 ]

روى ابن عباس أنه قال من السنة أن لا يصلي بالتيمم الا صلاة واحدة ثم يتيمم للاخرى وهذا مقتضى سنة محمد صلى الله عليه وسلم ولانها طهارة ضرورة فلا يجمع فيها بين فريضتين كما لو كانا في وقتين ولنا أنها طهارة صحيحة أباحت فرضا فأباحت فرضين كطهارة الماء ولانه بعد الفرض الاول تيمم صحيح مبيح للتطوع نوى به المكتوبة فكان له أن يصلي به فرضا كحالة ابتدائه. ولان الطهارة في الاصول انما تتقيد بالوقت دون الفعل كطهارة الماسح على الخف وهذه في النوافل وطهارة المستحاضة ولان كل تيمم أباح صلاة أباح ما هو من نوعها بدليل النوافل، وأما حديث ابن عباس فيرويه الحسن ابن عمارة وهو ضعيف ثم يحتمل أنه أراد أن لا يصلي به صلاتين في وقتين بدليل أنه يجوز أن يصلي به صلاة من التطوع وانما امتنع أن يصلي به فرضين في وقتين لبطلان التيمم بخروج الوقت ولذلك لا تصح به نافلة بخلاف هذا (فصل) وإذا تيممت الحائض عند انقطاع دمها وقلنا ان التيمم لا يبطل الا بالحدث جاز له وطؤها ما لم تحض وان قلنا يبطل بخروج الوقت فمتى خرج احتاجت إلى تيمم للوطئ وان قلنا يتيمم لكل فريضة احتاج كل وطئ إلى تيمم ذكره ابن عقيل

[ 264 ]

(فصل) إذا نوى الفرض استباح كل ما يباح بالتيمم من النفل قبل الفرض وبعده وقراءة القرآن ومس المصحف واللبث في المسجد وهذا قول الشافعي وأصحاب الرأي، وقال مالك لا يتطوع قبل الفريضة بصلاة غير راتبة وروي ذلك عن أحمد لان النفل تبع للفرض فلا يتقدم المتبوع ولنا أنه تطوع فأبيح له فعله إذا نوى الفرض كالسنن الراتبة وكما بعد الفرض، وقوله انه تبع قلنا انما هو تبع في الاستباحة لا في الفعل كالسنن الراتبة وقراءة القرآن وغيرهما، وإن نوى نافلة أبيح له قراءة القرآن ومس المصحف والطواف لان النافلة آكد من ذلك كله لكون الطهارة مشترطة لها بالاجماع وفيما سواها خلاف فدخل في نيتها كدخول النافلة في الفريضة ولان النافلة تشتمل على قراءة القرآن، وإن نوى شيئا من ذلك لم تبح له النافلة لانها أعلى منه لما بينا، وإن نوى الطواف أبيح له قراءة القرآن واللبث في المسجد لانه أعلى منهما فانه صلاة وله نفل وفرض ويدخل في ضمنه اللبث في المسجد لانه انما يكون في المسجد وإن نوى أحدهما لم يستبح الطواف لانه أعلى منهما وإن نوى فرض الطواف استباح نفله ولا يستبيح الفرض منه بنية النفل كالصلاة، وإن نوى قراءة القرآن لكونه جنبا أو مس المصحف أو اللبث في المسجد لم يستبح غير ما نواه لقوله عليه السلام " وانما لامرئ ما نوى " (فصل) وإن تيمم الصبي لاحدى الصلوات الخمس ثم بلغ لم يستبح بتيممه فرضا لان ما نواه كان

[ 265 ]

نفلا، ويباح له أن يتنفل به كما نوى به البالغ النفل، فأما ان توضأ قبل البلوغ ثم بلغ فله أن يصلي به فرضا ونفلا لان الوضوء للنفل يبيح فعل الفرض (فصل) وإذا قلنا يجوز أن يصلي بالتيمم فرائض إلى آخر الوقت جاز أن يطوف طوافي فرض وطوافي فرض ونذر، وأن يصلي على جنائز إذا تعينت عليه وإن فاتته صلاة لا يعلم عينها كفاه تيمم واحد يصلي به خمس صلوات، وإن قلنا لا يصلي به إلا فرضا واحدا فينبغي أن يحتاج كل واحد مما ذكرنا إلى تيمم قياسا عليه

[ 266 ]

(مسألة) (ويبطل التيمم بخروج الوقت ووجود الماء ومبطلات الوضوء) مبطلات التيمم ثلاثة كما ذكر وزاد بعض أصحابنا ظن وجود الماء على ما يأتي ذكره وخروج الوقت مبطل للتيمم في ظاهر المذهب فلا يجوز أن يصلي بالتيمم صلاتين في وقتين روي ذلك عن علي وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم وهو قول الشعبي والنخعي وقتادة ومالك والشافعي واسحاق، وروى الميموني عن أحمد أنه قال في المتيمم انه ليعجبني أن يتيمم لكل صلاة ولكن القياس أنه بمنزلة الطهارة حتى

[ 267 ]

يجد الماء أو يحدث لحديث النبي صلى الله عليه وسلم في الجنب يعني قول النبي صلى الله عليه وسلم " يا أبا ذر الصعيد الطيب طهور المسلم وان لم يجد الماء عشر سنين وإذا وجدت الماء فامسه بشرتك " وهذا مذهب سعيد بن المسيب والحسن والزهري والثوري وأصحاب الرأي، وروي عن ابن عباس كما ذكرنا ولانها طهارة تبيح الصلاة فلم تتقدر بالوقت كطهارة الماء

[ 268 ]

ولنا أنه روي عن علي وابن عمر أنه قال يتيمم لكل صلاة ولانها طهارة ضرورة فتقيدت بالوقت كطهارة المستحاضة وطهارة الماء ليست للضرورة بخلاف مسئلتنا والحديث أراد به أنه يشبه الوضوء في اباحة الصلاة ولا يلزم التساوي في سائر الاحكام (الثاني) وجود الماء المقدور على استعماله من غير ضرر على ما مر في موضعه وهو مبطل للتيمم خارج الصلاة إجماعا لا نعلم فيه خلافا لما ذكرنا

[ 269 ]

من الاحاديث، وان وجده في الصلاة ففيه اختلاف نذكره في موضعه ان شاء الله تعالى (الثالث) مبطلات الوضوء وهو مبطل للتيمم عن الحدث الاصغر لانه بدل عنه فإذا أبطل الاصل أبطل البدل بطريق الاولى فأما التيمم عن الجنابة فلا يبطل الا بخروج الوقت ووجود الماء وموجبات الغسل وكذلك التيمم لحدث الحيض والنفاس لا يزول حكمه الا بحدثهما أو بأحد الامرين (مسألة) (فان تيمم وعليه ما يجوز المسح عليه ثم خلعه لم يبطل تيممه وقال أصحابنا يبطل)

[ 270 ]

إذا تيمم وعليه خف أو عمامة يجوز المسح عليها ثم خلعها أو خلع الخف لم يبطل تيممه في اختيار شيخنا، وقال أصحابنا يبطل قال بعضهم نص عليه أحمد لانه مبطل للوضوء فأبطل التيمم كسائر مبطلاته وهذا يختص التيمم عن الحدث الاصغر على ما ذكرنا، والصحيح ما اختاره شيخنا رحمه الله وهو قول سائر الفقهاء لان التيمم طهارة لم يمسح فيها عليه فلا يبطل بنزعه كطهارة الماء وكما لو كان الملبوس مما لا يجوز المسح عليه. ولا يصح قولهم انه مبطل للوضوء لان مبطل الوضوء نزع ما هو ممسوح عليه فيه ولم يوجد ههنا. ولان إباحة المسح لا يصير بها ماسحا ولا بمنزلة الماسح كما لو لبس عمامة يجوز المسح عليها

[ 271 ]

ومسح على رأسه من تحتها فان الطهارة لا تبطل بنزعها كذلك هذا (فصل) ويجوز التيمم لكل ما يتطهر له من نافلة أو مس مصحف أو قراءة قرآن أو سجود تلاوة أو شكر أو لبث في مسجد، قال أحمد يتيمم ويقرأ جزأه يعني الجنب وبذلك قال عطاء ومكحول والزهري ومالك والشافعي والثوري وأصحاب الرأي، وقال أبو مجلز لا يتيمم الا لمكتوبة، وكره الاوزاعي أن يمس المتيمم المصحف ولنا حديث أبي ذر وقوله عليه السلام " جعلت لي الارض مسجدا وطهورا " ولانه يستباح بطهارة الماء فيستباح بالتيمم كالمكتوبة

[ 272 ]

(فصل) فان تيمم ثم رأى ركبا يظن أن معه ماء أو خضرة أوما يدل على الماء وقلنا بوجوب الطلب بطل تيممه وكذلك ان رأى سرابا ظنه ماء وهو قول الشافعي لانه لما وجب الطلب بطل التيمم وسواء تبين له خلاف ظنه أو لا (قال شيخنا) ويحتمل أن لا يبطل تيممه لان الطهارة المتيقنة لا تبطل بالشك كطهارة الماء ووجوب الطلب لا يبطل التيمم لان كونه مبطلا انما ثبت بدليل شرعي وليس ههنا نص ولا معنى نص فينتفي الدليل (مسألة) (وان وجد الماء بعد الصلاة لم تجب اعادتها) وجملته أن العادم للماء في السفر إذا وجد الماء بعد خروج الوقت وكان قد صلى بالتيمم لم تجب عليه اعادة الصلاة اجماعا حكاه ابن المنذر وان وجد في الوقت لم يلزمه أيضا اعادة سواء يئس من وجود الماء في الوقت أو ظن وجوده فيه وهذا قول أبي سلمة والشعبي والنخعي والثوري ومالك والشافعي واسحاق وابن المنذر وأصحاب الرأي وقال عطاء وطاوس والقاسم بن محمد وابن سيرين والزهري يعيد الصلاة ولنا ما روى أبو داود عن أبي سعيد أن رجلين خرجا في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيما صعيدا فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة ولم يعد الآخر ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا له ذلك فقال للذي لم يعد " أصبت وأجزأتك صلاتك " وقال للذي أعاد " لك الاجر مرتين " واحتج أحمد بأن ابن عمر تيمم وهو يرى بيوت المدينة فصلى العصر ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم يعد، ولانه أدى فرضه كما أمر فلم تلزمه الاعادة كما لو وجده بعد الوقت ولان عدم الماء عذر معتاد فإذا تيمم معه يجب أن يسقط فرض الصلاة كالمرض وكما لو وجده بعد الوقت

[ 273 ]

(مسألة) (وان وجده فيها بطلت وعنه لا تبطل) ظاهر المذهب أن المتيمم إذا قدر على استعمال الماء وهو في الصلاة بطل تيممه وبطلت صلاته لبطلان طهارته فيتوضأ ان كان محدثا ويغتسل ان كان جنبا واستقبل الصلاة ويتخرج أن يبني على ما مضى من صلاته كمن سبقه الحدث. وفيه روايتان أصحهما أن يستقبل الصلاة وههنا أولى لان ما مضى من صلاته انبنى على طهارة ضعيفة فلم يكن له البناء عليه كطهارة المستحاضة بخلاف من سبقه الحدث. والقول ببطلان الصلاة قول الثوري وأبي حنيفة وقال مالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر لا تبطل الصلاة وروي عن أحمد نحو ذلك وروي عنه أنه قال كنت أقول يمضي ثم تدبرت فإذا أكثر الاحاديث على أنه يخرج وهذا يدل على رجوعه عن هذه الرواية، واحتجوا بأنه وجد المبدل بعد تلبسه بمقصود البدل فلم يلزمه الخروج كما لو وجد الرقبة بعد التلبس بالصيام ولانه غير قادر على استعمال الماء لان قدرته تتوقف على إبطال الصلاة وهو منهي عن ابطالها بقوله تعالى (ولا تبطلوا أعمالكم) ولنا قوله عليه السلام " الصعيد الطيب وضوء المسلم وان لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك " أخرجه أبو داود والنسائي. دل بمفهومه على أنه لا يكون طهورا عند وجود الماء وبمنطوقه

[ 274 ]

على وجوب استعماله عند وجوده ولانه قدر على استعمال الماء فبطل تيممه كالخارج من الصلاة ولان التيمم طهارة ضرورة فبطلت بزوال الضرورة كطهارة المستحاضة إذا انقطع دمها. وقياسهم لا يصح فان الصوم هو البدل نفسه فنظيره إذا قدر على الماء بعد تيممه ولا خلاف في بطلانه، ثم الفرق بينهما أن مدة الصيام تطول فيشق الخروج منه لما فيه من الجمع بين فرضين شاقين بخلاف مسئلتنا. وقوله هو غير قادر غير صحيح فان الماء قريب وآلته صحيحة والموانع منتفية. قولهم انه منهي عن ابطال الصلاة قلنا لم يبطلها وانما هي بطلت بزوال الطهارة كما في نظائرها (فصل) فان وجد الماء قد ولغ فيه بغل أو حمار أو شئ من سباع البهائم وقلنا انه مشكوك فيه لم يلزمه الخروج لانه دخل في الصلاة بطهارة متيقنة فلم يخرج بأمر مشكوك فيه ذكره ابن عقيل، قال ويحتمل أن يخرج كما لو وجد ماء طاهرا والاول أولى. وكذلك ان رأى ركبا أو خضرة أو ما يدل على الماء في الصلاة لم تبطل صلاته ولا تيممه لانه دخل فيها بطهارة متيقنة فلا تزول بالشك (فصل) والمصلي على حسب حاله بغير وضوء ولا تيمم إذا وجد ماء في الصلاة أو ترابا خرج منها بكل حال لانها صلاة بغير طهارة، ويحتمل أن لا يخرج منها إذا قلنا لا تلزمه الاعادة كما في المتيمم إذا وجد الماء في الصلاة ولان الطهارة شرط سقط اعتباره فأشبهت السترة إذا عجز عنها فصلى عريانا ثم وجد السترة في أثناء الصلاة قريبا منه، وكل صلاة تلزمه اعادتها فانه يلزمه الخروج منها إذا زال العذر فيها ويلزمه استقبالها (فصل) ولو يمم الميت ثم قدر على الماء في أثناء الصلاة عليه لزمه الخروج لان غسل الميت ممكن غير متوقف على ابطال المصلي صلاته بخلاف مسئلتنا، ويحتمل أن يكون كمسئلتنا لان الماء وجد بعد الدخول في الصلاة (فصل) وإذا قلنا لا يلزم المصلي الخروج لرؤية الماء فهل يجوز له الخروج؟ فيه وجهان (أحدهما)

[ 275 ]

له ذلك لانه شرع في مقصود البدل فجاز له الرجوع إلى المبدل كمن شرع في صوم الكفارة يجوز له الانتقال إلى العتق (والثاني) لا يجوز له الخروج وهو أولى لان ما لا يوجب الخروج من الصلاة لا يبيحه كسائر الاشياء ولان فيه إبطالا للغسل فلم يجز لقوله تعالى (ولا تبطلوا أعمالكم) ولاصحاب الشافعي وجهان كهذين (فصل) إذا رأى ماء في الصلاة ثم انقلب قبل استعماله بطل تيممه وصلاته إن قلنا يلزمه الخروج منها ويلزمه استئناف التيمم والصلاة. وإن قلنا لا يبطل واندفق وهو في الصلاة فقال ابن عقيل ليس له أن يصلي بذلك التيمم صلاة أخرى وهو مذهب الشافعي لان رؤية الماء حرمت عليه افتتاح صلاة أخرى. ولو تلبس بنافلة ثم رأى ماء فان كان نوى عددا أتى به وإن لم يكن نوى عددا لم يكن له أن يزيد على ركعتين لانه أقل الصلاة على ظاهر المذهب قال شيخنا، ويقوى عندي أننا إذا قلنا لا تبطل الصلاة برؤية الماء فله افتتاح صلاة أخرى لان رؤية الماء لم تبطل التيمم في الصلاة ولا وجد بعدها ما يبطله فأشبه ما لو رآه وبينه وبينه سبع ثم اندفق قبل زوال المانع فعلى هذا له أن يصلي ما يشاء كما لو رأى الماء والله أعلم (فصل) وإن خرج الوقت وهو في الصلاة بطل تيممه وصلاته لان طهارته انتهت بانتهاء وقتها فبطلت كما لو انقضت مدة المسح وهو في الصلاة (مسألة) (ويستحب تأخير التيمم إلى آخر الوقت لمن يرجو وجود الماء) ذكره أبو الخطاب وان يئس من وجوده استحب تقديمه وهذا مذهب مالك، وقال الشافعي في أحد قوليه التقديم أفضل الا أن يكون واثقا بوجود الماء في الوقت لان أول الوقت فضيلة متيقنة فلا تترك لامر مظنون، وظاهر كلام الخرقي استحباب تأخير التيمم بكل حال وهو قول القاضي نص عليه أحمد روي ذلك

[ 276 ]

عن علي وعطاء والحسن وابن سيرين والزهري والثوري وأصحاب الرأي لقول علي رضي الله عنه في الجنب يتلوم ما بينه وبين آخر الوقت فان وجد الماء والا تيمم، ولانه يستحب تأخير الصلاة إلى بعد العشاء وقضاء الحاجة كيلا يذهب خشوعها وحضور القلب فيها، ويستحب تأخيرها لادراك الجماعة فتأخيرها لادراك الطهارة المشترطة أولى (مسألة) (فان تيمم في أول الوقت وصلى أجزأه) ولا تجب عليه الاعادة سواء وجد الماء في الوقت أو لم يجد وقد ذكرنا ذلك ولانه أتى بما أمر في حال العذر فلم تجب عليه الاعادة بزوال العذر كمن صلى عريانا ثم قدر على السترة وكمن صلى جالسا لمرض ثم برأ في الوقت (مسألة) (والسنة في التيمم أن ينوي ويسمي ويضرب بيديه مفرجتي الاصابع على التراب ضربة واحدة فيمسح وجهه بباطن أصابعه وكفيه براحتيه) المسنون عن أحمد رحمه الله التيمم بضربة واحدة، قال الاثرم قلت لابي عبد الله التيمم ضربة واحدة؟ فقال نعم للوجه والكفين. ومن قال ضربتين فانما هو شئ زاده، قال الترمذي وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم منهم علي وعمار وابن عباس وعطاء والشعبي والاوزاعي ومالك واسحاق، قال الشافعي: لا يجزئ التيمم الا بضربتين للوجه واليدين إلى المرفقين، وروي ذلك عن ابن عمر وابنه سالم والحسن والثوري وأصحاب الرأي لما روى ابن الصمة أن النبي صلى الله عليه وسلم تيمم فمسح وجهه وذراعيه، وروى ابن عمر وجابر وأبو امامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين " ولانه بدل يؤتى به في محل مبدله فكان حده فيهما واحدا كالوجه، ولنا ما روي عمار قال: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال " إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا " ثم ضرب بيديه الارض ضربة واحدة ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه متفق عليه، ولانه حكم علق على مطلق اليدين فلم يدخل فيه الذراع كقطع السارق ومس الفرج، وقد احتج ابن عباس بهذا وأما أحاديثهم فضعيفة قال الخلال الاحاديث في ذلك ضعاف جدا ولم يرو أصحاب السنن منها إلا حديث ابن عمر، وقال أحمد ليس بصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو عندهم

[ 277 ]

حديث منكر قال الخطابي يرويه محمد بن ثابت وهو ضعيف وحديث ابن الصمة صحيح لكن انما جاء في المتفق عليه فمسح وجهه ويديه فيكون حجة لنا لان ما علق على مطلق اليدين لا يتناول الذراعين. ثم أحاديثهم لا تعارض حديثنا لانها تدل على جواز التيمم بضربتين ولا ينفي ذلك جواز التيمم بضربة كما أن وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثا لا ينفي الاجزاء بمرة فان قيل: فقد روي في حديث عمار إلى المرفقين فيحتمل أنه أراد بالكفين اليدين إلى المرفقين. قلنا حيث إلى المرفقين لا يعول عليه انما رواه سلمة وشك فيه ذكر ذلك النسائي فلا يثبت مع الشك مع انه قد أنكر عليه وخالف به سائر الرواة الثقاة فكيف يلتفت إلى مثل هذا؟ وأما التأويل فباطل لامور: أحدها ان عمارا الراوي له الحاكي فعل النبي صلى الله عليه وسلم أفتى بعد النبي صلى الله عليه وسلم في التيمم للوجه والكفين عملا بالحديث وقد شاهد فعل النبي صلى الله عليه وسلم والفعل لا احتمال فيه (الثاني) انه قال ضربة واحدة وهم يقولون ضربتان (الثالث) انا لا نعرف في اللغة التعبير بالكفين عن الذراعين (الرابع) أن الجمع بين الخبرين بما ذكرناه من أن كل واحد من الفعلين جائز أقرب من تأويلهم وأسهل وقياسهم ينتقض بالتيمم عن الغسل الواجب فانه ينقص عن المبدل وكذلك في الوضوء فانه في عضوين وكذا في الوجه فانه لا يجب مسح ما تحت الشعور الخفيفة والله أعلم. (فصل) لا يختلف المذهب أنه يجزئ التيمم بضربة واحدة وبضربتين وإن تيمم بأكثر من ضربتين جاز لان المقصود ايصال التراب إلى محل الفرض فكيفما حصل جاز كالوضوء، فان تيمم بضربة فانه يمسح وجهه بباطن أصابعه وظاهر كفيه إلى الكوعين بباطن راحتيه. ويستحب أن يمسح احدى الراحتين بالاخرى ولا يجب ذلك لان فرض الراحتين قد سقط بامرار كل واحدة على ظهر الكف. ويفرق أصابعه عند الضرب ليدخل الغبار فيما بينها، وإن كان التراب ناعما فوضع اليدين عليه وضعا أجزأه، وإن مسح بضربتين مسح باحداهما وجهه وبالاخرى يديه. قال ابن عقيل: رأيت التيمم بضربة واحدة قد أسقط ترتيبا مستحقا في الوضوء وهو انه يعتد بمسح باطن أصابعه مع مسح وجهه وكيفما مسح بعد أن يستوعب محل الفرض أجزأه

[ 278 ]

(فصل) والمسنون عن أحمد رحمه الله التيمم بضربة كما وصفنا نص عليه، وقال القاضي التيمم بضربة إلى الكوعين صفة الاجزاء، والمسنون ضربتان يمسح بأولاهما وجهه وبالاخرى يديه إلى المرفقين فيضع بطون أصابع اليسرى على ظهر أصابع اليمنى يمرها إلى مرفقه ثم يدير بطن كفه إلى بطن الذراع ويمرها عليه ويمر ابهام اليسرى على ظهر ابهام اليمنى ثم يمسح يده اليسرى بيده اليمنى كذلك ويمسح احدى الراحتين بالاخرى، ويستحب تخليل الاصابع قياسا على الوضوء وانما استحب ذلك لوجهين (احدهما) أنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تيمم بضربتين إلى المرفقين وأقل أحوال فعله إذا لم يدل على الايجاب الاستحباب (الثاني) أنه فيه خروجا من الخلاف وانما اختار الامام أحمد الاول لان الاحاديث الصحيحة انما جاء فيها المسح إلى الكوعين (فصل) وإذا وصل التراب إلى وجهه ويديه بغير ضرب نحو أن نسفت الريح عليه غبارا فان لم يكن قصد الريح ولاصمد لها فمسح وجهه بما عليه لم يجزه لان الله تعالى أمر بقصد الصعيد ولم يوجد وان مسح وجهه بغير ما عليه أجزأه لانه قد أخذ التراب لوجهه فلا فرق بين أن يأخذ من ثيابه أو من الارض، وان كان صمد للريح وأحضر النية فقال القاضي والشريف أبو جعفر يجزئه كما لو صمد للمطر حتى جرى على أعضائه، قال شيخنا والصحيح انه لا يجزئه وهو اختيار ابن عقيل لانه لم يمسح وقد أمر الله تعالى بالمسح فعلى هذا ان مسح وجهه بما عليه أجزأه لحصول المسح، ويحتمل أن لا يجزئه

[ 279 ]

لان الله تعالى أمر بقصد الصعيد والمسخ به والله أعلم (فصل) وإذا علا على يديه تراب كثير لم يكره نفخه لان في حديث عمار أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب بيديه الارض ونفخ فيهما قال أحمد لا يضره فعل أو لم يفعل، وهذا قول ابن المنذر وممن لم يكره نفخ اليدين ونفضهما الشعبي. وقال مالك نفضا خفيفا. وقال الشافعي لا بأس به إذا بقي على يديه غبار وهو قول اسحاق، وقال أصحاب الرأي ينفضهما وكان ابن عمر لا ينفض يديه، وذكر القاضي وابن عقيل رواية أنه يكره كما يكره نفض الماء عن اليدين في الوضوء. فان كان التراب خفيفا فقال أصحابنا يكره نفخه رواية واحدة. فان ذهب ما عليهما بالنفخ أعاد الضرب لانه مأمور بالمسح بشئ من الصعيد (مسألة) (ومن حبس في المصر صلى بالتيمم ولا اعادة عليه) قد ذكرنا أن من صلى بالتيمم في الحضر لعدم الماء هل تجب عليه الاعادة؟ فيه روايتان على الاطلاق (إحداهما) لا تجب عليه الاعادة وهو مذهب مالك قياسا على السفر (والثانية) تجب عليه وهو مذهب الشافعي لانه عذر نادر فلا يلحق بالغالب وعنه لا يصلي حتى يجد الماء أو يسافر ذكره في المجرد، وقال أبو الخطاب لا تجب عليه الاعادة في هذه المسألة وهو الصحيح ان شاء الله تعالى. وذكر في غيرها روايتين ووجه قول أبي الخطاب أن هذا عادم للماء بعذر متطاول معتاد أشبه المسافر (مسألة) (ولا يجوز لواجد الماء التيمم خوفا من فوات المكتوبة ولا الجنازة وعنه يجوز للجنازة) وجملة ذلك أنه إذا كان الماء موجودا إلا أنه ان اشتغل بتحصيله واستعماله فات الوقت لم يبح له التيمم سواء كان حاضرا أو مسافرا في قول أكثر أهل العلم منهم الشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي، وعن الاوزاعي والثوري له التيمم. وروي عن مالك وسعيد بن عبد العزيز نحو القول الاول لقول الله تعالى (فلم تجدوا ماء فتيمموا) وحديث أبي ذر وهذا واجد للماء ولانه قادر على الماء فلم يجز له التيمم كما لو لم يخف فوت الوقت ولان الطهارة شرط فلم يبح تركها خيفة فوت وقتها كسائر شرائطها وان خاف فوت العيد فكذلك، وقال الاوزاعي وأصحاب الرأي له التيمم لانه يخاف فوتها بالكلية فاشبه العادم، ووجه الاول ما ذكرنا من الآية والمعنى. فاما ان خاف فوت الجنازة ففيه روايتان أظهرهما

[ 280 ]

لا يجوز له التيمم لما ذكرنا وهو قول الشافعي وابن المنذر (والثانية) يجوز يروى ذلك عن ابن عمر وابن عباس وبه قال النخعي والزهري والحسن والثوري والاوزاعي واسحاق وأصحاب الرأي لانه لا يمكن استدراكها بالوضوء أشبه العادم، وقال الشعبي يصلي عليها من غير وضوء ولا تيمم لانه لا ركوع فيها ولا سجود أشبهت الدعاء في غير الصلاة ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا يقبل الله صلاة بغير طهور " ولان الله تعالى قال (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) الآية ثم أباح ترك الغسل مشروطا بعدم الماء بقوله (فلم تجدوا ماء فتيمموا) فيبقى فيما عداه على قضية العموم. (مسألة) (وان اجتمع جنب وميت ومن عليها غسل حيض فبذل ماء يكفي أحدهم - لاولاهم به فهو للميت وعنه أنه للحي وأيهما يقدم؟ فيه وجهان) وجملته أنه إذا اجتمع جنب وميت ومن عليها غسل حيض ومعهم ماء لا يكفي الا أحدهم فان كان ملكا لاحدهم فهو أحق به لانه محتاج إليه لنفسه ولا يجوز بذله لغيره وان كان الماء لغيرهم فاراد أن يجود به على أولاهم به ففيه روايتان (أولاهما) أن الميت أحق به لان غسله خاتمة طهارته وصاحباه يرجعان إلى الماء فيغتسلان ولان لاقصد بغسل الميت تنظيفه ولا يحصل بالتيمم والحي يقصد بغسله إباحة الصلاة وذلك يحصل بالتراب (والثانية) الحي أولى لانه متعبد بالغسل مع وجود الماء والميت قد سقط الفرض عنه بالموت ولان الحي يستفيد مالا يستفيد الميت من قراءة القرآن ومس المصحف والوطئ اختارها الخلال. وهل يقدم الجنب أو الحائض فيه وجهان (احدهما) الحائض لانها تقصي حق الله تعالى وحق زوجها في إباحة وطئها (والثاني) الجنب أحق إذا كان رجلا لانه يصلح إماما لها ولا تصلح لامامته. وان كان على أحدهم نجاسة فهو أولى لان طهارة الحدث لها بدل مجمع عليه بخلاف النجاسة. وان وجدوا الماء في مكان فهو للاحياء لانه لا وجدان

[ 281 ]

للميت وإن كان للميت ففضلت منه فضلة فهو لورثته فان لم يكن له وارث حاضر فللحي أخذه بقيمته لان في تركه اتلافه، وقال بعض أصحابنا ليس له أخذه لان مالكه لم يأذن فيه إلا أن يحتاج إليه للعطش فيأخذه بشرط الضمان (فصل) وإن اجتمع جنب ومحدث وكان الماء لا يكفي الجنب فهو أولى لانه يستفيد به مالا يستفيده المحدث، وإن كان فوق حاجة المحدث فهو أولى به لانه يستفيد به طهارة كاملة، وإن كان لا يكفي واحدا منهما فالجنب أولى به لانه يستفيد به تطهير بعض أعضائه، وإن كان يفضل عن كل واحد منهما فضلة لا تكفي صاحبه ففيه ثلاثة أوجه (أحدها) يقدم الجنب لانه يستفيد بغسله ما لا يستفيده المحدث (والثاني) يقدم المحدث لان فضلته يلزم الجنب استعمالها رواية واحدة (والثالث)

[ 282 ]

التسوية لانه تقابل الترجيحان فتساويا فيدفع إلى أحدهما أو يقرع بينهما، وإذا تغلب من غيره أولى منه على الماء فاستعمله كان مسيئا وأجزأه لان الآخر لم يملكه وانما رجح لشدة حاجته (فصل) وهل يكره للعادم جماع زوجته إذا لم يخف العنت؟ فيه روايتان (احداهما) يكره يروى نحوه عن مالك لانه يفوت على نفسه طهارة ممكنا بقاؤها (والثانية) لا يكره روي ذلك عن علي وابن عمر وابن مسعود رضي الله عنهم وهو قول الزهري وجابر بن زيد والحسن وقتادة والثوري والاوزاعي والشافعي واسحاق وأصحاب الرأي وابن المنذر، وحكي عن عطاء ان كان بينه وبين الماء أربع ليال فأكثر فليصب أهله، وان كان ثلاث ليال فما دونها فلا يصبها وقال الزهري ان كان في سفر فلا

[ 283 ]

يقربها حتى يأتي وإن كان لاماء معزبا فلا بأس أن يصيبها، والاولى جواز وطئها مطلقا من غير كراهة لان أبا ذر قال للنبي صلى الله عليه وسلم إني أعزب عن الماء ومعي أهل فتصيبني الجنابة فأصلي بغير طهور؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " الصعيد الطيب طهور " رواه أبو داود والنسائي. وأصاب ابن عباس جارية له رومية وهو عادم للماء وصلى بأصحابه وفيهم عمار فلم ينكروه، قال إسحاق بن راهويه هو سنة مسنونة عن النبي صلى الله عليه وسلم في أبي ذر وعمار وغيرهما فإذا فعلا ووجدا من الماء ما يغسلان به فرجيهما غسلاهما ثم تيمما وان لم يجدا تيمما للجنابة والحدث الاصغر والنجاسة وصليا، ويجوز للمتيمم أن يصلي بالمتوضئين لما ذكرنا من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه والله أعلم باب ازالة النجاسة (لا تجوز إزالتها بغير الماء) في المصهور من المذهب وبه قال مالك والشافعي ومحمد بن الحسن وزفر (وروي عن أحمد ما يدل على أنها تزال بكل مائع طاهر مزيل للعين والاثر كالخل وماء الورد وماء الشجر ونحوه) وهو قول أبي حنيفة لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا ولغ الكلب في اناء أحدكم فليغسله سبعا متفق عليه أطلق الغسل فتقييده بالماء يحتاج إلى دليل ولانه مائع طاهر مزيل فجازت إزالة النجاسة به كالماء ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لاسماء " إذا أصاب إحداكن الدم من الحيضة فلتقرصه ثم لتنضحه

[ 284 ]

بماء ثم لتصل به " متفق عليه. وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذنوب من ماء فأهريق على بول الاعرابي وهذا أمر يقتضي الوجوب ولانها إحدى الطهارتين المشترطة للصلاة فأشبهت طهارة الحدث ومطلق حديثهم مقيد بحديثنا والماء مختص باحدى الطهارتين فكذلك الاخرى فاما ما لا يزيل كالمرق واللبن والدهن ونحوه فلا خلاف في أن النجاسة لا تزال به والله أعلم (مسألة) (ويجب غسل نجاسة الكلب والخنزير سبعا إحداهن بالتراب) لا يختلف المذهب في نجاسة الكلب والخنزير وما تولد منهما أنه نجس عينه وسؤره وعرقه وكل ما خرج منه روي ذلك عن عروة وهو قول الشافعي وأبي عبيدة وبه قال أبو حنيفة في السؤر. وقال مالك والاوزاعي وداود سؤرهما طاهر يتوضأ منه وان ولغ في طعام لم يحرم أكله، وقال الزهري يتوضأ منه إذا لم يجد غيره. وقال عبدة بن أبي لبابة والثوري وابن الماجشون يتوضأ ويتيمم قال مالك ويغسل الاناء الذي ولغ فيه الكلب تعبدا، واحتج مبعضهم على طهارته بأن الله تعالى قال (فكلوا مما أمسكن عليكم) ولم يأمر بغسل أثر فمه وروى أبو سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة تردها السباع والكلاب والحمر وعن الطهارة بها فقال " لها ما حملت في بطونها ولنا ما غبر طهور " رواه ابن ماجه ولانه حيوان يجوز اقتناؤه ويشق الاحتراز منه فكان طاهرا كالهر ولنا ما روي أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا " متفق عليه ولمسلم " فليرقه ثم لغسله سبع مرارا " ولو كان سؤره طاهرا لم تجز اراقته ولا وجب غسله فانه قالوا انما وجب غسله تعبدا كما تغسل أعصاء الوضوء وتغسل اليد من نوم الليل. قلنا الاصل وجوب الغسل عن النجاسة كما في سائر الغسل: ثم لو كان تعبدا لما أمر باراقة الماء ولما اختص الغسل

[ 285 ]

بموضع الولوغ لعموم اللفظ في الاناء كله وأما غسل اليد من نوم الليل فانما أمر به للاحتياط لاحتمال النجاسة والوضوء شرع للوضاءة والنظافة ليكون العبد في حال قيامه بين يدي الله تعالى على أحسن حال وأكملها ثم ان سلمنا ذلك فانما عهدنا التعبد في غسل البدن أما الآنية والثياب فانما يجب غسلها من النجاسات وقد روي في لفظ " طهور اناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبعا " أخرجه أبو داود ولا يكون الطهور الا في محل الطهارة، وقولهم ان الله تعالى أمر بأكل ما أمسكه الكلب قبل غسله قلنا الله تعالى أمر بأكله ورسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بغسله فيعمل بأمرهما، وان سلمنا انه لا يجب غسله فلانه يشق فعفي عنه، وحديثهم قضية في عين يحتمل أن الماء المسئول عنه كان كثيرا ولذلك قال في موضع آخر حين سئل عن الماء وما ينويه من السباع فقال " إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث " ولان لنا رواية أن الماء لا ينجس إلا بالتغيير فلذلك لا ينجس الماء شربها منه وقياسهم على الهر في معارضة النص لا يصح. والفرق بينهما أن الكلب يأكل النجاسات عادة بخلاف الهر والله أعلم. وإذا ثبتت نجاسة الكلب ثبتت نجاسة الخنزير بطريق التنبيه لانه شر منه وقد نص الشارع على تحريمه فكان تنجيسه أولى، إذا ثبت هذا فانه يجب غسلها إذا كانت على غير الارض سبعا

[ 286 ]

احداهن بالتراب، وممن قال يغسل سبع مرات أبو هريرة وابن عباس وعروة وطاوس وعمرو بن دينار والاوزاعي والشافعي واسحاق وأبو عبيد وابن المنذر وقال الزهري يغسل ثلاث مرات وقال عطاء كل قد سمعت ثلاثا وخمسا وسبعا، وعن أحمد أنه يجب غسلها ثمانية احداهن بالتراب وهو رواية عن الحسن لان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إذا ولغ الكلب في الاناء فاغسلوه سبعا وعفروه الثامنة بالتراب " رواه مسلم، ووجه الرواية الاولى ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا ولغ الكلب في اناء أحدكم فليغسله سبعا أولاهن بالتراب " رواه مسلم وهذه الرواية أصح ويحمل هذا الحديث على أنه عد التراب ثامنة لكونه جنسا آخر جمعا بين الخبرين. وقال أبو حنيفة لا يجب العدد في شئ من النجاسات انما يغسل حتى يغلب على الظن نقاؤه من النجاسة لانه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الكلب يلغ في الاناء " يغسل ثلاثا أو خمسا أو سبعا " فلم يعين عددا، ولانها نجاسة فلم يجب فيها العدد كما لو كانت على الارض ولنا ما ذكرنا من الحديثين وحديثهم يرويه عبد الوهاب بن الضحاك وهو ضعيف فلا يعارض حديثنا وقد روى غيره من الثقاة " فليغسله سبعا " وعلى أنه يحتمل الشك من الراوي فينبغي أن يتوقف فيه والارض سومح في غسلها للمشقة بخلاف غيرها (مسألة) (فان جعل مكانه أشنانا أو نحوه فعلى وجهين) يعني إن جعل مكان التراب في غسل نجاسة الكلب غيره من الاشنان والصابون والنخالة ففيه وجهان (أحدهما) لا يجزئه طهارة أمر فيها

[ 287 ]

بالتراب فلم يقم غيره مقامه كالتيمم ولان الامر به تعبد فلا يقاس عليه (والثاني) يجزئه لان هذه الاشياء أبلغ من التراب في الازالة فنصه على الترب تنبيه عليها ولانه جامد أمر به في إزالة النجاسة فألحق به ما يماثله كالحجر في الاستجمار، وقال ابن حامد انما يجوز العدول إلى غير التراب عند عدمه أو فساد المخل المغسول به فأما مع وجوده وعدم الضرر فلا. فان جعل مكانه غسلة ثامنة فقال بعض أصحابنا فيه وجهان والصحيح انها لا تقوم مقام التراب لانه ان كان القصد به تقوية الماء في الازالة فذلك لا يحصل من الثامنة وإن وجب تعبدا امتنع إبداله والقياس عليه والله أعلم وهذا اختيار شيخنا (فصل) ولا فرق بين غسل النجاسة من ولوغ الكلب أو يده أو رجله أو شعره أو غير ذلك من أجزائه قياسا على السؤر ولان ذلك حكم غيره من الحيوانات فكذلك الكلب وحكم الخنزير في سؤره وسائر أجزائه حكم الكلب على ما فصلنا لانه شر منه وقد نص الشارع على تحريمه وأجمع المسلمون عليه ولا يباح اقتناؤه بحال فثبت الحكم فيه بطريق الاولى (1) (فصل) وإذا ولغ في الاناء كلاب أو أصاب المحل نجاسات متساوية في الحكم فهي كنجاسة واحدة وان كان بعضها أغلظ كالولوغ مع غيره فالحكم لاغلظها ويدخل فيه ما دونه، ولو غسل الاناء دون السبع ثم ولغ فيه مرة أخرى فغسله سبعا أجزأه لانه إذا أجزأ عما يماثل فعما دونه أولى (فصل) والمستحب أن يجعل التراب في الغسلة الاولى لموافقة لفظ الخبر وليأتي الماء بعده


1) الجمهور يمتنعون القياس في هذه المسائل لعدم ثبوت العلة واهل الحديث أولى بالوقوف فيها عند النص

[ 288 ]

فينظفه ومتى غسل به أجزأه لانه روي في حديث إحداهن وفي حديث أولاهن وفي حديث في الثامنة فيدل على أن محل التراب من الغسلات غير مقصود (فصل) وإذا غسل محل الولوغ فأصاب ماء بعض الغسلات محلا آخر قبل اتمام السبع ففيه وجهان (احدهما) يجب غسله سبعا وهو ظاهر كلام الخرقي واختيار ابن حامد لانها نجاسة فلا يراعى فيها حكم المحل الذي انفصلت عنه كنجاسة الارض ومحل الاستنجاء (والثاني) يجب غسله من الاولى ستا ومن الثانية خمسا كذلك إلى آخره لانها نجاسة تطهر في محلها بدون السبع فطهرت به في مثله قياسا عليه وكالنجاسة على الارض. وتفارق المنفصل عن الارض ومحل الاستنجاء لان العلة في خفتها المحل وقد زالت عنه فزال التخفيف والعلة في تخفيفها ههنا قصور حكمها بما مر عليها من الغسل وهذا لازم لها حيثما كانت. ثم إن كانت قد انفصلت عن محل الغسل بالتراب غسل محلها بغير تراب وإن كانت الاولى بغير تراب غسلت هذه بالتراب وهذا اختيار القاضي وهو أصح إن شاء الله تعالى (مسألة) (وفي سائر النجاسات ثلاث روايات (احداهن) يجب غسلها سبعا وهل يشترط التراب على وجهين (والثانية) ثلاثا (والثالثة) تكاثر بالماء من غير عدد كالنجاسات كلها إذا كانت على الارض) وجملة ذلك أن في سائر النجاسات غير نجاسة الكلب والخنزير إذا كانت على غير الارض ثلاث روايات (احداهن) يجب غسلها سبعا قياسا على نجاسة الكلب والخنزير لما روي عن ابن عمر أنه قال: أمرنا بغسل الانجاس سبعا فينصرف إلى أمر النبي صلى الله عليه وسلم فعلى هذا هل يشترط التراب؟ فيه وجهان (أحدهما) يجب قياسا على الولوغ وهذا اختيار الخرقي (والثاني) لا يشترط لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالغسل للدم وغيره ولم يأمر بالتراب إلا في نجاسة الكلب فوجب أن يقتصر عليه

[ 289 ]

ولان الامر بالتراب ان كان تعبدا وجب قصره على محله وان كان لمعنى في نجاسة الولوغ من اللزوجة التي لا تنقلع الا بالتراب فلذلك لا يوجد في غيره. وفي هذا الدليل نظر لانه غير موجود في نجاسه الكلب غير الولوغ وقد قالوا بوجوب التراب فيه (والرواية الثانية) يجب غسلها ثلاثا لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا قام أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الاناء حتى يغسلها ثلاثا فانه لا يدري أين باتت يده " رواه مسلم أمر بغسلها ثلاثا ليرتفع وهم النجاسة ولا يرفع وهم النجاسة إلا ما يرفع الحقيقة (والثالثة) تكاثر بالماء من غير عدد حتى تزول عين النجاسة وهذا مذهب الشافعي لما روى ابن عمر قال كان غسل الثوب من البول سبع مرات فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يسأل حتى جعل غسل الثوب من البول مرة رواه الامام أحمد وأبو داود إلا أن في رواته أيوب بن جابر وهو ضعيف ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال لاسماء في الدم " اغسليه بالماء " ولم يذكر عددا ولانها نجاسة فلم يجب فيها العدد كنجاسة الارض وقد روي أن النجاسة في محل الاستنجاء تطهر بثلاث وفي غيره بسبع لان محل الاستنجاء تتكرر النجاسة فيه فاقتضى ذلك التخفيف ولانه قد اجتزئ فيها بثلاثة أحجار فأولى أن يجتزأ فيها بثلاث غسلات لان الماء أبلغ من الاحجار وفيه (رواية خامسة) (1) أن العدد لا يجب في نجاسة البدن ويجب في غيرها لان الابدان تعم البلوى فيها بملاقاة النجاسة تارة منها وتارة من غيرها فخفف أمرها لاجل المشقة ذكرها ابن عقيل وذكر القاضي رواية أن العدد لا يعتبر في غير محل الاستنجاء من البدن ويجب في محل الاستنجاء لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بعدد الاحجار فيه ويجب في سائر المحال وقال الخلال هذه الرواية وهم ولم يثبتها (فصل) وإذا أصابت النجاسة الاجسام الصقيلة كالمرآة ونحوها وجب غسله ولم يطهر بالمسن


1) ينظر أين الرابعة

[ 290 ]

لانه محل لا تنكر فيه النجاسة فلم يجز فيه المسح كالاواني (فصل) وغسل النجاسة يختلف باختلاف محلها فان كان جسما لا يتشرب النجاسة كالآنية فغسله بامرار الماء عليه كل مره غسلة سواء كان بفعل الآدمي أولا مثل أن ينزل عليه ماء المطر أو يجري عليه الماء فكل جرية تمر عليه غسلة لان القصد غير معتبر أشبه مالو صبه إدمي بغير قصد وان وقع في ماء راكد قليل نجسه ولم يطهر وان كان كثيرا اعتبر وضعه فيه ومرور الماء على أجزائه غسلة وان حركه في الماء بحيث تمر عليه أجزاء غير التي كانت ملاقية له احتسب بذلك غسلة ثانية كما لو مرت عليه جريات من الماء الجاري. وان كان المغسول إناء فطرح فيه الماء لم يحتسب به غسلة حتى يفرغه منه لانه العادة في غسله. فان كان الاناء يسع قلتين فصاعدا فملاه احتمل أن ادارة الماء فيه تجري مجرى الغسلات لان أجزاءه تمر عليها جريات من الماء غير التي كانت ملاقية لها أشبه ما لو مرت عليه جريات من الجاري. وقال ابن عقيل لا يكون غسلة الا بتفريغه أيضا، وان كان المغسول جسما تدخل فيه أجزاء النجاسة كالثوب لم يحتسب برفعه من الماء غسلة حتى يعصره وعصر كل شئ بحسبه فان كان بساطا ثقيلا أو نحوه فعصره بتقليبه ودقه حتى يذهب أكثر ما فيه من الماء والله أعلم (فصل) إذا أصاب ثوب المرأة دم حيضها استحب أن تحته بظفرها لتذهب خشونته ثم تقرصه بريقها ليلين للغسل ثم تغسله بالماء لقول النبي صلى الله عليه وسلم لاسماء في دم الحيض " حثيه ثم اقرصيه

[ 291 ]

ثم اغسليه بالماء، وإن اقتصرت على الماء جاز وإن لم يزل لونه وكانت إزالته تشق أو تتلف الثوب أو تضره لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ولا يضرك أثره " رواه أبو داود، وإن استعملت في إزالته شيئا يزيله كالملح وغيره فحسن لما روى أبو داود عن امرأة من غفار أن النبي صلى الله عليه وسلم أردفها على حقيبة فحاضت قالت فنزلت فإذا بها دم مني فقال " مالك لعلك نفست؟ " قالت نعم قال " فاصلحي من نفسك ثم خذي إناء من ماء فاطرحي فيه ملحا ثم اغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم " قال الخطابي فيه من الفقه جواز استعمال الملح وهو مطعوم في غسل الثوب وتنقيته من الدم فعلى هذا يجوز غسل الثياب بالعسل إذا كان الصابون يفسده وبالخل إذا أصابه الحبر والتدلك بالنخالة وغسل الايدي بها وبالبطيخ ودقيق الباقلاء وغيرها من الاشياء التي لها قوة الجلاء. (فصل) فان كان في الاناء خمر أو شبهه من النجاسات التي يتشربها الاناء ثم متى جعل فيها مائع سواه ظهر فيه طعما النجاسة أو لونها لم يطهر بالغسل لان الغسل لا يستأصل أجزاء النجاسة من جسم الاناء فلم يطهره كالسمسم الذي ابتل بالنجاسة، قال الشيخ أبو الفرج المقدسي في المبهج آنية الخمر منها المزفت فيطهر بالغسل لان الزفت يمنع وصول النجاسة إلى جسم الاناء ومنها ما ليس بمزفت فيتشرب أجزاء النجاسة فلا يطهر بالتطهير فانه متى ترك فيه مائع ظهر فيه طعمه أو لونه (فصل في تطهير النجاسة على الارض) متى تنجست الارض بنجاسة مائعة أي نجاسة كانت كالبول والخمر ونحوهما فطهورها أن تغمر بالماء بحيث يذهب لون النجاسة وريحها فان لم يذهبا لم تطهر لان بقاءهما دليل بقاء النجاسة، فان كانت مما لا يزول لونها أو رائحتها إلا بمشقة سقط ذلك كما قلنا

[ 292 ]

في الثوب، والدليل على أن الارض تطهر بذلك ما روى أنس قال: جاء اعرابي فبال في طائفة من المسجد فزجره الناس فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم فلما قضى بوله أمر بذنوب من ماء فأهرق عليه. متفق عليه ولا نعلم في ذلك خلافا (فصل) إذا أصاب الارض ماء المطر أو السيول فغمرها وجرى عليها فهو كما لو صب عليها لان تطهير النجاسة لا تعتبر النية فيه فاستوى ما صبه الآدمي وغيره. قال أحمد في البول يكون في الارض فتمطر عليه السماء إذا أصابه من المطر بقدر ما يكون ذنوبا كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصب على البول فقد طهر، وقال المروذي: سئل أبو عبد الله عن ماء المطر يختلط بالبول فقال: ماء المطر عندي لا يخالط شيئا إلا طهره إلا العذرة فانها تنقطع، وسئل عن ماء المطر يصيب الثوب فلم ير به بأسا الا أن يكون بيل فيه بعد المطر، وقال: كل ما ينزل من السماء إلى الارض فهو نظيف داسته الدواب أو لم تدسه، وقال في الميزاب إذا كان في الموضع النظيف لا بأس بما قطر عليك من المطر إذا لم تعلم قيل له فأسأل عنه؟ قال لا وما دعاك إلى السؤال؟ واحتج في طهارة طين المطر بحديث الاعرابي وبأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين كانوا يخوضون المطر في الطرقات فلا يغسلون أرجلهم روي ذلك عن عمر وعلى رضي الله عنهما، قال ابن مسعود كنا لا نتوضأ من موطئ ونحوه عن ابن عباس وهذا قول عوام أهل العلم لان الاصل الطهارة فلا تزول بالشك (فصل) فان كانت النجاسة ذات أجزاء متفرقة كالرميم والدم إذا جف والروث فاختلطت بأجزاء الارض لم تطهر بالغسل لان عينها لا تنقلب ولا تطهر الا بزالة أجزاء المكان بحيث يتيقن زوال

[ 293 ]

أجزاء النجاسة ولو بادر البول وهو رطب فقلع التراب الذي عليه أثره فالباقي طاهر لان النجس كان رطبا وقد زال وإن جف فأزال ما وجد عليه الاثر لم يطهر لان الاثر انما يبين على ظاهر الارض لكن ان قلع ما تيقن به زوال ما أصابه البول فالباقي طاهر (مسألة) (ولا تطهر الارض النجسة بشمس ولا ريح) وممن روي عنه ذلك أبو ثور وابن المنذر والشافعي في أحد قوليه، وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن تطهر إذا ذهب أثر النجاسة، وقال أبو قلابة جفاف الارض طهورها لان ابن عمر روى أن الكلاب كانت تبول وتقبل وتدبر في المسجد فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك رواه أبو داود ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " صبوا على بول الاعرابي ذنوبا من ماء " والامر يقتضي الوجوب (2) ولانه محل نجس فلم يطهر بغير الغسل كالثياب، فأما حديث ابن عمر فرواه البخاري وليس فيه ذكر البول ويحتمل أنه أراد انها كانت تبول ثم تقبل وتدبر في المسجد فيكون اقبالها وإدبارها فيه بعد بولها (مسألة) (ولا يطهر شئ من النجاسات بالاستحالة إلا الخمرة إذا انقلبت بنفسها) فلو أحرق السرجين فصار رمادا أو وقع كلب في ملاحة فصار ملحا لم يطهر كالدم إذا استحال قيحا أو صديدا ولان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل الجلالة وألبانها لاكلها النجاسة فلو كانت النجاسة تطهر


2) يقول الحنيفة كان هذا عقب بوله والنجاسة ظاهرة. ونظيره غسلهم المنى رطبا وفركه جافا. والمطلوب أن لا يكون هنا لك قدر بين ولم يرد نص بغسل كل ما تنجس على سبيل التعبد

[ 294 ]

بالاستحالة لم يؤثر أكلها النجاسة لانها تستحيل، ويتخرج أن تطهر النجاسات كلها بالاستحالة قياسا على الخمرة إذا انقلبت، وجلود الميتة إذا دبغت والجلالة إذا حبست (فصل) ودخان النجاسة وغبارها نجس فان اجتمع منه شئ أو لاقى جسما صقيلا فصار ماء فهو نجس إلا إذا قلنا إن النجاسة تطهر بالاستحالة وما أصاب الانسان من دخان النجاسة وغبارها فلم يجتمع منه شئ ولا ظهرت له صفة فهو طاهر لعدم إمكان التحرز منه، فأما الخمرة إذا انقلبت بنفسها خلا فانها تطهر لا نعلم في ذلك خلافا لان نجاستها لشدتها المسكرة الحادثة لها وقد زال ذلك من غير نجاسة خلفتها فوجب أن تطهر كالماء الذي يتنجس بالتغيير إذا زال تغييره بنفسه ولا يلزم عليه سائر النجاسات لكونها لا تطهر بالاستحالة لان نجاستها لعينها والخمر نجاستها لامر زال بالانقلاب (مسألة) (فان خللت لم تطهر في ظاهر المذهب) روي ذلك عن عمر وهو قول مالك، وقال الشافعي ان ألقي فيها شئ كالملح فتخللت لم تطهر وإن نقلت من شمس إلى ظل أو بالعكس فتخللت ففي إباحتها قولان، ويخرج لنا أيضا فيها احتمالان (أحدهما) تطهر كما لو نقلها لغير قصد التخليل فتخللت فانه لا فرق بينهما سوى النية (والثاني) لا تطهر كما لو وضع فيها شئ فتخللت لما روي أن أبا طلحة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أيتام ورثوا خمرا فقال " اهرقها " قال أفلا أخللها؟ قال " لا " من المسند رواه الترمذي ولو جاز التخليل لم ينه عنه ولم تبح اراقته. وقيل تطهر لان علة التحريم زالت أشبه مالو تخللت بنفسها ولان التطهير لا فرق فيه بين ما حصل بفعل الله تعالى وفعل العبد كتطهير

[ 295 ]

الثوب والارض وهذا قول أبي حنيفة وروي نحوه عن عطاء وعمرو بن دينار والحارث العكلي (مسألة) (ولا تطهر الادهان النجسة بالغسل) في ظاهر المذهب اختاره القاضي وابن عقيل قال ابن عقيل الا الزئبق فانه لقوته وتماسكه يجري مجرى الجامد. وقال أبو الخطاب يطهر بالغسل منها ما يتأتى غسله كالزيت ونحوه لانه يمكن غسله بالماء فطهر به كالجامد. وطريق تطهيره أن يجعل في ماء كثير ويحرك حتى يصيب الماء جميع أجزائه ثم يترك حتى يعلو على الماء فيؤخذ وان تركه في جرة وصب عليه ماء وحركه فيه وجعل له بزا لا يخرج منه الماء جاز. ووجه القول الاول أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن السمن إذا وقعت فيه الفأرة فقال إن كان مائعا فلا تقربوه رواه أبو داود ولو كان يمكن تطهيره لم يأمر باراقته ومن نصر قول أبي الخطاب قال الخبر ورد في السمن ولعله لا يمكن تطهيره لانه يجمد ويحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الامر بغسله لمشقة ذلك وقلة وقوعه (فصل) وإذا وقعت النجاسة في غير الماء وكان مائعا نجس، وقد ذكرنا الخلاف فيه وان كان جامدا كالسمن الجامد أخذت النجاسة فما حولها فالقيت والباقي طاهر لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الفأرة تموت في السمن فقال " إن كان جامدا فالقوها وما حولها وان كان مائعا فلا تقربوه " من المسند واسناده على شرط لصحيحين - وحد الجامد الذي لا نسري النجاسة إلى جميعه الذي يكون فيه قوة تمنع انتقال أجزاء النجاسة من الموضع الذي وقعت فيه النجاسة إلى ما سواه وقال ابن عقيل: الجامد الذي إذا فتح وعاؤه لم تسل أجزاؤه والظاهر خلاف هذا لان سمن الحجاز لا يكاد يبلغه ولان المقصود بالجمود أن لا تسري أجزاء النجاسة وهذا حاصل بما ذكرناه فنقتصر عليه

[ 296 ]

(فصل) فان تنجس العجين ونحوه لم يطهر لانه لا يمكن غسله وكذلك نقع شئ من الحبوب في الماء النجس حتى انتفخ وابتل نص عليه أحمد أنه لا يطهر وان غسل مرارا إذا ثبت ذلك فقال أحمد في العجين يطعم النواضح وقال الشافعي بطعم البهائم وقال الثوري وأبو عبيد يطعم الدجاج وقال ابن المنذر لا يطعم شيئا لان النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن شحوم الميتة تطلى بها السفن ويستصبح بها الناس قال " لا هو حرام " وهذا في معناه ولنا ما روى أحمد عن ابن عمر أن قوما اختبزوا من آبار الذين مسخوا فقال عليه السلام " اعلفوه النواضح " وقال في كسب الحجام " اعلفه ناضحك أو رقيقك " احتج به أحمد وقال ليس هذا بميتة والنهي انما تناول الميتة ولان استعمال شحوم الميتة فيما سئل عنه النبي صلى الله عليه وسلم يفضي إلى تعدي نجاستها وهذا لا يتعدى أكله قال أحمد ولا يطعم لشئ يؤكل في الحال ولا يحلب لبنه لئلا يتنجس به ويصير كالجلالة. (مسألة) (وإذا خفيت النجاسة لزمه غسل ما يتيقن به إزالتها) متى خفيت النجاسة في بدن أو ثوب وأراد الصلاة فيه لم يجز له حتى يتيقن زوالها وانما يتيقن ذلك بغسل كل محل يحتمل أن النجاسة أصابته فان لم يعلم جهتها من ثوب غسله وان علمها في أحد الكمين غسلهما وان رآها في بدنه أو ثوبه الذي عليه غسل كل ما يدركه بصره منه وبذلك قال النخعي ومالك والشافعي وابن المنذر، وقال

[ 297 ]

ابن شبرمة يتحرى مكان النجاسة فيغسله، وقال عطاء والحكم وحماد إذا خفيت النجاسة في الثوب نضحه كله وذلك لحديث سهل بن حنيف عن النبي صلى الله عليه وسلم في المذي قال: قلت يا رسول الله فكيف بما أصاب ثوبي منه؟ قال " يجزئك أن تأخذ كفا من ماء فتنضح به حيث ترى أنه أصاب منه " فأمر بالتحري والنضح ولنا أنه تيقن المانع من الصلاة فلم تبح له الصلاة إلا بيقين زواله كمن تيقن الحدث وشك في الطهارة والنضح لا يزيل النجاسة وحديث سهل مخصوص بالمذي دون غيره لانه يشق التحرز منه فلا يتعدى حكمه إلى غيره لان أحكام النجاسات تختلف. وقوله حيث ترى أنه أصاب منه محمول على من ظن أنه أصاب ناحية من ثوبه من غير يقين فيجزئه نضح المكان أو غسله (فصل) فان خفيت النجاسة في موضع فضاء واسع صلى حيث شاء ولا يجب غسل جميعه لان ذلك يشق فلو منع من الصلاة أفضى إلى أن لا يجد موضعا يصلي فيه. فان كان الموضع صغيرا كالبيت ونحوه غسله كله كالثوب (مسألة) (ويجزئ في بول الغلام الذي لم يأكل الطعام النضح) معنى النضح أن يغمره بالماء وإن لم ينزل عنه ولا يحتاج إلى مرس وعصر. فأما بول الجارية فيغسل وإن لم تأكل وهذا قول علي رضي الله عنه وبه قال عطاء والحسن والشافعي واسحاق. وحكي عن الحسن أن بول الجارية ينضح

[ 298 ]

ما لم تطعم كالصبي، قال القاضي رأيت لابي اسحاق بن شاقلا كلاما يدل على طهارة بول الغلام لانه لو كان نجسا لوجب غسله كسائر النجاسات، وقال الثوري وأبو حنيفة يغسل بول الغلام كبول الجارية بالقياس عليه ولانه حكم يتعلق بالنجاسة فاستوى فيه الذكر والانثى كسائر أحكامها ولنا ما روت أم قيس بنت محصن أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجلسه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره فبال على ثوبه فدعا بماء فنضحه ولم يغسله. متفق عليه، وعن لبابة بنت الحارث قالت: كان الحسين بن علي في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبال عليه فقلت البس ثوبا آخر واعطني إزارك حتى أغسله. قال " انما يغسل من بول الانثى وينضح من بول الذكر " رواه أبو داود، وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " بول الغلام ينضج وبول الجارية يغسل " قال قتادة هذا ما لم يطعما الطعام فإذا طعما غسل بولهما. رواه الامام أحمد وهذه نصوص صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم فاتباعها أولى من القياس، وقول النبي صلى الله عليه وسلم مقدم على من خالفه (فصل) قال أحمد الصبي إذا طعم الطعام وأراده واشتهاه غسل بوله. وليس إذا طعم لانه قد يلعق العسل ساعة يولد والنبي صلى الله عليه وسلم حنك بالتمر فعلى هذا ما يسقاه الصبي أو يلعقه للتداوي لا يعد طعاما يوجب الغسل وما يطعمه لغذائه وهو يريده ويشتهيه يوجب الغسل والله أعلم (مسألة) (وإذا تنجس أسفل الخف أو الحذاء وجب غسله، وعنه يجزئ دلكه بالارض

[ 299 ]

وعنه يغسل من البول والغائط ويدلك من غيرهما) وجملته أنه إذا تنجس أسفل الخف والحذاء ففيه ثلاث روايات إحداهن يجب غسله قياسا على الثوب والرجل وغيرها وهو قول الشافعي ومحمد بن الحسن (والثانية) يجزئ دلكه بالارض حتى تزول عين النجاسة وتباح الصلاة فيه وهذا قول الاوزاعي لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا وطئ أحدكم الاذى بخفيه فطهورهما التراب " وفي لفظ " إذا وطئ بنعله أحدكم الاذى فان التراب له طهور " وعن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فان رأى في نعليه قذرا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما " روى هذه الاحاديث أبو داود ولان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلون في نعالهم والظاهر أن النعل لا تخلو من نجاسة تصيبها فلو لم يجز دلكها لم تصح الصلاة فيها (والثالثة) يغسل من البول والغائط لفحشهما وتغليظ نجاستهما ويدلك من غيرهما لما ذكرنا وهو قول إسحاق، والاولى أنه يجزئ فيه الدلك مطلقا لما ذكرنا من الاحاديث، فان قيل فقول النبي صلى الله عليه وسلم في نعليه إن فيهما قذرا يدل على أنه لا يجزئ دلكهما ولم يزل القذر منهما. قلنا لا دلالة في هذا لانه لم ينقل أنه دلكهما والظاهر أنه لم يدلكهما لانه لم يعلم بالقذر فيهما حتى أخبره جبريل عليه السلام (فصل) إذا ثبت أنه يجزئ الدلك فهل يحكم بطهارتها أو يحكم بطهارة محل الاستجمار بعد الانقاء واستيفاء العدد؟ فيه وجهان (أحدهما) يحكم بطهارته اختاره ابن حامد لظاهر الاخبار التي ذكرناها وهذا ظاهر كلام أحمد فانه قال في المستجمر يعرق في سراويله لا بأس به لان قول النبي صلى الله عليه وسلم في

[ 300 ]

الروث والرمة أنهما لا يطهران مفهومه أن غيرهما يطهر ولانه معنى يزيل حكم النجاسة فطهرها كالماء وقال أصحابنا المتأخرون لا يطهر المحل فلو قعد المستجمر في ماء يسير نجسه ولو عرق كان عرقه نجسا لان المسح لا يزيل أجزاء النجاسة كلها فالباقي منها نجس لانه عين النجاسة فأشبه مالو وجد في المحل وحده، وقال القاضي في الخفين انما يجزئ دلكهما بعد جفاف نجاستهما لانه لا يبقى لها أثر ولا يجزئ قبل الجفاف وبه قال أبو حنيفة في الروث والعذرة والدم والمني. وقال في البول لا يجزئه حتى يغسل وان يبس لان رطوبة النجاسة باقية فلا يعفى عنها. وظاهر الاخبار لا يفرق بين رطب ولا جاف ولانه محل اجتزئ فيه بالمسح فجاز له مع رطوبة الممسوح كمحل الاستنجاء ولان رطوبة المحل معفو عنها إذا جفت قبل الدلك فعفي عنها إذا جفت به كالاستجمار (مسألة) قال (ولا يعفى عن يسير شئ من النجاسات الا الدم وما تولد منه من القيح والصديد وأثر الاستنجاء) أراد أثر الاستجمار ولا نعلم خلافا في العفو عنه بعد الانقاء واستيفاء العدد وقد ذكرنا الخلاف في طهارته (فصل) فأما الدم والقيح فأكثر أهل العلم يرون العفو عن يسيره وممن روي عنه ذلك ابن عباس وأبو هريرة وجابر وابن أبي أوفى وسعيد بن المسيب وابن جبير وطاوس ومجاهد وعروة والنخعي والشافعي وأصحاب الرأي، وروي عن ابن عمر أنه كان ينصرف من قليله وكثيره ونحوه عن الحسن

[ 301 ]

وسليمان التيمي لانه نجس أشبه البول ولنا ماروي عن عائشة قالت قد يكون لاحدانا الدرع فيه تحيض وفيه تصيبها الجنابة ثم ترى فيه قطرة من دم فتقصعه بريقها وفي رواية بلته بريقها ثم قصعته بظفرها. رواه أبو داود، وهذا يدل على العفو عنه لان الريق لا يطهره ويتنجس به ظفرها وهو اخبار عن داوام افعل ومثل هذا لا يخفى عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصدر إلا عن أمره، ولانه قول من سمينا من الصحابة ولم يعرف لهم مخالف وما روي عن ابن عمر فقد روي عنه خلافه فروى عنه الاثرم باسناده أنه كان يسجد فيخرج يديه فيضعهما بالارض وهما يقطران دما من شقاق كان في يديه. وعصر بثرة فخرج منها دم فمسحه بيده وصلى ولم يتوضأ. وانصرافه عنه في بعض الحالات لا ينافي ما رويناه عنه فقد يتورع الانسان عن بعض ما يرى جوازه ولانه يشق التحرز منه فعفي عنه كاثر الاستجمار. وحد اليسير المعفو عنه هو الذي لا ينقض الطهارة، وقد ذكرنا الخلاف فيه في نواقض الوضوء والله أعلم (فصل) والقيح والصديد مثله إلا أن أحمد قال هو أسهل من الدم لانه روي عن ابن عمر والحسن أنهما لم يرياه كالدم. قال أبو مجلز في الصديد انما ذكر الله الدم المسفوح. وقال أمي بن ربيعة رأيت طاوسا كأن إزاره نطع من قروح كانت برجليه ونحوه عن مجاهد، وقال ابراهيم في الذي يكون به الحبور يصلي ولا يغسله فإذا برأ غسله ونحوه قول عروة فعلى هذا يعفى منه عن أكثر مما يعفى عن مثله من الدم لان هذا لا نص فيه وانما ثبتت نجاسته لاستحالته من الدم (فصل) ولا فرق بين كون الدم مجتمعا أو متفرقا فإذا جمع بلغ هذا القدر ولو كانت النجاسة في شئ صفيق قد نفذت من الجانبين فاتصلت فهي نجاسة واحدة وإن لم تتصل بل كان بينهما شئ لم يصبه الدم فهما نجاستان إذا بلغا لو جمعا قدرا لا يعفى عنه لم يعف عنهما كجاني الثوب (فصل) ودم الحيض في العفو عنه كغيره لحديث عائشة الذي ذكرناه وكذلك سائر دماء

[ 302 ]

الحيوانات الطاهرات. فأما دم الكلب والخنزير وما تولدمنهما أو من أحدهما فلا يعفى عن يسيره لان رطوباته الطاهرة من غيره لا يعفى عن يسيرها فدمه أولى. فأما دم البغل والحمار وسباع البهائم والطير ان قلنا بطهارتها عفى عن يسير دمائها كسائر الحيوانات الطاهرات وان قلنا بنجاستها وقلنا لا يعفى عن يسير شئ من رطوباتها كالريق والعرق فأولى أن لا يعفى عن دمها كدم الكلب والخنزير. ولان دمها لابد أن يصيب جسمها فلم يعف عنه كالماء، وهكذا حكم كل دم أصاب نجاسة غير معفو عنها لم يعف عن شئ منه لذلك، وان قلنا يعفى عن يسير ريقها وعرقها احتمل أن يعفى عن يسير دمها قياسا عليه والله أعلم (فصل) ودم ما لا نفس له سائلة كالبق والبراغيث والذباب ونحوه طاهر في ظاهر المذهب. وممن رخص في دم البراغيث عطاء وطاوس والحسن والشعبي والحكم وحماد والشافعي واسحاق لانه لو كان نجسا لنجس الماء ليسير إذا مات فيه فانه إذا مكث في الماء لا يسلم من خروج فضلة منه، ولانه ليس بدم مسفوح. وانما حرم الله سبحانه الدم المسفوح، وروي عن أحمد أنه قال في دم البراغيث إني لا فزع منه إذا كثر. وقال النخعي اغسل ما استطعت، وقال مالك في دم البراغيث إذا كثر وانتشر فاني أرى أن يغسل والاول أظهر، وقول أحمد ليس فيه تصريح بنجاسته بل هو دليل التوقف ولان المنسوب إلى دم البراغيث انما هو بولها في الظاهر وبول هذه الحشرات ليس بنجس (فصل) فأما دم السمك فقال أبو الخطاب هو طاهر وهذا قول أبي الحسن لان اباحته لا تقف على سفحه ولو كان نجسا لوقفت الاباحة على اراقته بالذبح كحيوان البر ولانه إذا ترك استحال ماء وقال أبو ثور هو نجس لانه مسفوح فيدخل في عموم الآية والعلقة نجسة لانها دم خارج من الفرج أشبه دم الحيض، وعنه أنها طاهرة لانه بدء خلق آدمي أشبهت المني، قال شيخنا والصحيح نجاستها

[ 303 ]

لانها دم أشبهت سائر الدماء ولان الشرع لم يرد فيها بطهارة فتدخل في عموم النص - وما يبقى في اللحم من الدم معفو عنه. ولو علت حمرة الدم في القدر لم يكن نجسا لانه لا يمكن التحرز منه وإذا أصاب الاجسام الصقيلة كالسيف والمرآة نجاسة يعفى عن يسيرها كالدم عفي عن كثيرها بالمسح (2) لان الباقي بعد المسح يسير وإن كثر محله فعفي عنه كيسير غيره (فصل) (وانما يعفى عن يسير الدم في غير المائعات) فلو وقعت قطرة من دم في مائع يسير تنجس وصار حكمه حكم الدم في العفو عن يسيره لانه فرع عليه (مسألة) (وعنه في المذي والقئ وريق البغل والحمار وسباع البهائم والطير وعرقها وبول الخفاش والنبيذ والمني انه كالدم. وعنه في المذي انه يجزي فيه النضح) اختلفت الرواية عن احمد رحمه الله في ذلك فروي عنه في المذي انه قال: يغسل ما أصاب الثوب منه إلا أن يكون يسيرا، وروى الخلال باسناده قال: سئل سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وأبو سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار عن المذي فكلهم قال انه بمنزلة القرحة فما علمت منه فاغسله وما غلبك منه فدعه لانه يخرج من الشاب كثيرا فيشق التحرز منه فعفي عن يسيره كالدم. وعن أحمد انه كالمني لانه خارج بسبب الشهوة أشبه المني، وعنه أنه يجزئ فيه النضح لان في حديث سهل بن حنيف قال: قلت يا رسول الله فكيف بما أصاب ثوبي منه قال " انما يكفيك أن تأخذ كفا من ماء فتنضح به حيث ترى أنه أصاب منه " قال الترمذي حديث صحيح (والرواية الاخرى) يجب غسله لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسل الذكر منه ولانه نجاسة خارجة من الذكر أشبه البول يروى ذلك عن عمر وابن عباس وهو مذهب الشافعي وإسحاق وكثير من أهل العلم. وكذلك المني إذا قلنا بنجاسته لما ذكرنا في المذي. فأما الودي فهو نجس لا يعفى عنه في الصحيح لانه خارج من مخرج البول فهو كالبول وعن احمد أنه كالمذي. وأما القئ فروي عن أحمد انه قال هو عندي بمنزلة الدم لانه خارج نجس من غير السبيل أشبه الدم. وروي عن أحمد في ريق البغل والحمار وعرقهما انه يعفي عنه إذا كان يسيرا وهو الظاهر عن أحمد قال الخلال وعليه مذهب أبي عبد الله لانه يشق التحرز منه، قال أحمد من يسلم من هذا ممن يركب الحمير إلا


2) جملة: يعفى عن يسيرها صفه لقوله نجاسة - وقوله عفي عن كثير ها هو جواب الشرط

[ 304 ]

اني أرجو أن يكون ما جف منه أسهل، قال القاضي وكذلك ما كان في معناهما من سباع البهائم سوى الكلب والخنزير وكذلك الحكم في أرواثها وكذلك الحكم في سباع الطير لانها في معنى سباع البهائم وبول الخفاش، قال الشعبي والحكم وحماد وحبيب بن أبي ثابت لا بأس ببول الخفافيش. وكذلك الخفاش والخطاف لانه يشق التحرز منه فانه في المساجد كثير فلو لم يعف عن يسيره لم يقر في المساجد وكذلك النبيذ لوقوع الخلاف في نجاسته وكذلك بول ما يؤكل لحمه إذا قلنا بنجاسته لانه يشق التحرز منه لكثرته، وعن أحمد لا يعفى عن يسير شئ من ذلك لان الاصل أن لا يعفي عن شئ من النجاسة خولف في الدم وما تولد منه فيبقى ما عداه على الاصل (فصل) ولا يعفى عن يسير شئ من النجاسات غير ما ذكرنا وممن قال لا يعفى عن يسير البول مالك والشافعي وأبو ثور، وقال أبو حنيفة يعفى عن يسير جميع النجاسات لانها يكتفى فيها بالمسح في محل الاستنجاء فلو لم يعف عن يسيرها لم يكف فيها المسح ولانه يشق منه التحرز أشبه الدم ولنا عموم قوله تعالى (وثيابك فطهر) وقول النبي صلى الله عليه وسلم " تنزهوا من البول فان عامة عذاب القبر منه " ولانها نجاسة لا تشق إزالتها فوجبت كالكثير، وأما الدم فانه يشق التحرز منه فان الانسان لا يكاد يخلو من بثرة أو حكة أو دمل ويخرج من أنفه وغيره فيشق التحرز من يسيره أكثر من كثيره ولهذا فرق في الوضوء بين قليله وكثيره (مسألة) (ولا ينجس الآدمي بالموت ولا مالا نفس له سائلة كالذباب وغيره) ظاهر المذهب أن الآدمي طاهر حيا وميتا لقول النبي صلى الله عليه وسلم " المؤمن لا ينجس " متفق عليه. وعن أحمد أنه سئل عن بئر وقع فيها انسان فمات فقال تنزح حتى تغلبهم وهو مذهب أبي حنيفة قال: ينجس ويطهر بالغسل لانه حيوان له نفس سائلة فنجس بالموت كسائر الحيوانات، وللشافعي قولان كالروايتين، والصحيح الاول للخبر ولانه آدمي فلم ينجس بالموت كالشهيد ولانه لو نجس بالموت لم يطهر بالغسل كالحيوانات التي تنجس بالموت

[ 305 ]

(فصل) ولم يفرق أصحابنا بين المسلم والكافر لاستوائهما في حال الحياة، قال شيخنا ويحتمل أن ينجس الكافر بموته لان الخبر إنما ورد في المسلم ولا يقاس الكافر عليه لانه لا يصلى عليه ولا حرمة له كالمسلم (1) (فصل) وحكم أجزاء الآدمي وابعاضه حكم جملته سواء انفصلت في حياته أو بعد موته لانها أجزاء من جملة فكان حكمها كحكمها كسائر الحيوانات الطاهرة والنجسة، وذكر القاضي أنها نجسة رواية واحدة لانها لا حرمة لها بدليل أنها لا يصلى عليها وما ذكروه ممنوع فان لها حرمة فان كسر عظم الميت ككسره وهو حي ولانه يصلى عليها إذا وجدت من الميت ثم يبطل بشهيد المعركة فانه لا يصلى عليه وهو طاهر. (فصل) وما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت والمراد بالنفس الدم فان العرب تسمي الدم نفسا قال الشاعر: نبئت أن بني سحيم أدخلوا * أبياتهم تامور نفس المنذر أي دمه ومنه قيل للمرأة نفساء لسيلان دمها عند الولادة ويقال نفست المرأة إذا حاضت فكل ما ليس له دم سائل من حيوان البر والبحر من العلق والديدان والسرطان ونحوها لا ينجس بالموت ولا ينجس الماء إذا مات فيه في قول عامة العلماء قال ابن المنذر لا أعلم في ذلك خلافا الا ما كان من أحد قولي الشافعي فان عنده في تنجيس الماء إذا مات فيه قولان. فأما الحيوان في نفسه فهو عنده نجس قولا واحدا لانه حيوان لا يؤكل لا لحرمته فنجس باملوت كالبغل والحمار ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا وقع الذباب في اناء أحدكم فليمقله فان في أحد جناحيه داء


1) الاحتمال ضعيف لان الكلام في النجاسة الحسية التي تدرك ببعض الحواس ولا فرق فيها بين مؤمن وكافر قطعا

[ 306 ]

وفي الآخر شفاء " رواه البخاري وفي لفظ " فليغمسه كله ثم ليطرحه " وقال الشافعي مقله ليس يقتله قلنا اللفظ عام في كل شراب بارد أو حار أو دهن مما يموت بغمسه فيه فلو كان ينجس الشراب كان أمرا بافساده قود روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسلمان " يا سلمان أيما طعام أو شراب ماتت فيه دابة ليس لها نفس سائلة فهو الحلال أكله وشربه ووضوؤه " وهذا صريح أخرجه الدار قطني قال الترمذي يرويه بقية وهو يدلس فإذا روى عن الثقاة جود ولانه لا نفس له سائلة أشبه دود الخل إذا مات فيه فانهم سلموا أن ذلك لا ينجس الا أن يؤخذ ويطرح فيه أو يشق الاحتراز منه أشبه ما ذكرنا. وإذا ثبت أنه لا ينجس الماء لزم أن لا يكون نجسا والا لنجس الماء كسائر النجاسات (فصل) فاما أن كان متولدا من النجاسات كدود الحش وصراصره فهو نجس حيا وميتا لانه متولد من النجاسة فكان نجسا كالمتولد من الكلب والخنزير قال المروذي قال أحمد صراصر الكنيف والبالوعة إذا وقع في الاناء صب وصراصر البئر ليس هي بقذرة لانها لا تأكل العذرة (فصل) وماله نفس سائلة من الحيوان غير الآدمي ينقسم قسمين (أحدهما) ميتة طاهرة وهو السمك وسائر حيوان البحر الذي لا يعيش إلا في الماء فهو طاهر حيا وميتا لانه لو كان نجسا لم يبح أكله (القسم الثاني) مالا تباح ميتته غير الآدمي كحيوان البر المأكول وغيره وحيوان البحر الذي يعيش في البر كالضفدع والحية والتمساح ونحوه فكل ذلك ينجس بالموت وينجس الماء القليل إذا مات فيه والكثير إذا غيره وهذا قول ابن المبارك والشافعي وأبي يوسف، وقال مالك وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن في الضفدع لا تفسد الماء إذا ماتت فيه لانها تعيش في الماء أشبهت السمك ولنا أنها تنجس غير الماء فنجست الماء كحيوان البر ولانه حيوان له نفس سائلة لا تباح ميتتة أشبه طير الماء وبهذا فارق السمك (فصل) وفي الوزغ وجهان (أحدهما) لا ينجس بالموت لانه لا نفس له سائلة أشبه العقرب (والثاني) أنه نجس لان عليا رضي الله عنه كان يقول: ان ماتت الوزغة أو الفأرة في الحب يصب ما فيه وان ماتت في بئر فانتزحها تغلبك

[ 307 ]

(فصل) إذا مات في الماء ما لا يعلم هل ينجس بالموت أم لا فالماء طاهر لان الاصل طهارته والنجاسة مشكوك فيها وكذلك ان شرب منه حيوان يشك في نجاسة سؤره وطهارته لما ذكرناه (مسألة) (وبول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيه طاهر وعنه انه نجس) اختلفت الرواية في بول ما يؤكل لحمه وروثه فروي عن أحمد أنه طاهر وهو ظاهر كلام الخرقي وهو قول عطاء والنخعي والثوري ومالك ورخص في أبوال الغنم الزهري ويحيى الانصاري، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إباحة الصلاة في مرابض الغنم الا الشافعي فانه اشترط أن تكون سليمة من أبعارها وأبوالها، ورخص في ذرق الطائر الحكم وحماد وأبو حنيفة، وعن أحمد أن ذلك نجس وهو قول الشافعي وأبي ثور ونحوه عن الحسن لعموم قوله صلى الله عليه وسلم " تنزهوا من البول " ولانه رجيع فأشبه رجيع الآدمي ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر العرنيين أن يشربوا من أبوال الابل والنجس لا يباح شربه ولو أبيح للضرورة لامرهم بغسل أثره إذا أرادوا الصلاة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في مرابض الغنم وأمر بالصلاة فيها متفق عليه، وصلى أبو موسى في موضع فيه ابعار الغنم فقيل له: لو تقدم إلى ههنا؟ فقال هذا وذاك واحد ولم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما يصلون عليه من الاوطئة والمصليات وانما كانوا يصلون على الارض ومرابض الغنم لا تخلو من ابعارها وأبوالها فدل على أنهم كانوا يباشرونها في صلاتهم، ولانه لو كان نجسا لتنجست الحبوب التي تدوسها البقر فانها لا تسلم من أبوالها فيتنجس بعضها فيختلط النجس بالطاهر فيصير حكم الجميع حكم النجس وحكم قيئه ومنيه حكم بوله لانه في معناه (فصل) في الخارج من الحيوان الذي لا يؤكل لحمه وهو أربعة أقسام (أحدها) الآدمي فالخارج منه ثلاثة أنواع (أحدها) ريقه وعرقه ودمعه ومخاطه ونخامته فهو طاهر لانه جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الحديبية انه ما تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه، رواه البخاري وفي حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في قبلة المسجد فاقبل على الناس فقال " ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه فيتنخع أمامه أيحب أن يستقبل فيتنخع في وجهه؟ فإذا تنخع

[ 308 ]

أحدكم فليتنخع عن يساره أو تحت قدمه فان لم يجد فليقل هذا " ووصف القاسم فتفل في ثوبه ثم مسح بعضه ببعض رواه مسلم. ولو كانت نجسة لما أمر بمسحها في ثوبه وهو في الصلاة ولا تحت قدمه وسواء في ذلك البلغم الخارج من الرأس والصدر ذكره القاضي وهو مذهب أبي حنيفة. وقال أبو الخطاب البلغم نجس لانه استحال في المعدة أشبه القئ ولنا عموم الخبرين ولانه أحد نوعي النخامة أشبه الآخر ولانه لو كان نجسا لنجس الفم ونقض الوضوء ولم ينقل عن الصحابة رضي الله عنهم فيما علمنا شئ من ذلك مع عموم البلوى به، وقولهم انه طعام استحال في المعدة ممنوع إنما هو منعقد من الابخرة فهو كالمخاط ولانه يشق التحرز منه أشبه المخاط (النوع الثاني) قيؤه ودمه وما تولد منه من القيح والصديد فهو نجس وقد ذكرنا حكمه فيما مضى (النوع الثالث) الخارج من السبيلين من البول والغائط والمذي والودي والدم وغيره فلا نعلم في نجاسته خلافا إلا ما ذكرنا في المذي وسيأتي حكم المني إن شاء الله تعالى (فصل) القسم الثاني البغل والحمار وسباع البهائم والطير فان قلنا بطهارتها فحكمها حكم الآدمي على ما بينا الا في منيها فان حكمه حكم بولها وإن قلنا بنجاستها فجميع أجزائها وفضلاتها نجسة إلا السنور وما دونها في الخلقة وسيأتي بيان حكمها ان شاء الله تعالى (القسم الثالث) الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما فهو نجس بجميع أجزائه وفضلاته وما ينفصل عنه (القسم الرابع) ما لان نفس له سائلة فهو طاهر بجميع أجزائه وفضلاته المتصلة والمنفصلة إلا أن يكون متولدا من النجاسة وقد ذكرناه (مسألة) (والمني طاهر وعنه انه نجس ويجزئ فرك يابسه) اختلفت الرواية في المني عن أحمد رحمه الله فروي عنه أنه طاهر وهو ظاهر المذهب وروي عنه أنه كالدم نجس يعفى عن يسيره وروي عنه انه كالبول ويجزئ فرك يابسه بكل حال لحديث عائشة والرواية الاولى المشهورة في المذهب وهو قول سعد بن أبي وقاص وابن عمر وابن عباس ونحوه قول سعيد بن المسيب وهو مذهب الشافعي وأبي ثور وابن المنذر. وقال أصحاب الرأي هو نجس ويجزئ فرك يابسه وقال مالك غسل الاحتلام أمر واجب وهو مذهب الثوري والاوزاعي لما روت عائشة أنها كانت تغسل المني من ثوب

[ 309 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حديث صحيح ولانه خارج معتاد من السبيل أشبه البول ولنا ماروت عائشة قالت كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركا فيصلي فيه متفق عليه وقال ابن عباس امسحه عنك باذخرة أو خرقة ولا تغسله انما هو كالبزاق ورواه الدار قطني مرفوعا ولانه لا يجب غسله إذا جف فأشبه المخاط ولانه بدء خلق آدمي أشبه الطين وبهذا فارق البول (فصل) وان خفي موضع المني فرك الثوب كله ان قلنا بنجاسته وإن قلنا بطهارته استحب فركه وان صلى من غير فرك أجزأه وهو قول الشافعي ومن قال بالطهارة، وقال ابن عباس وعائشة وعطاء ينضح الثوب كله وقال ابن عمر وأبو هريرة والحسن يغسله كله ولنا أن فركه يجزئ إذا علم مكانه فكذلك إذا خفي وأما النضح فلا يفيد لانه لا يطهره إذا علم مكانه فكذلك إذا خفي قال أحمد انما يفرك مني الرجل خاصة لان الذي للرجل ثخين والذي للمرأة رقيق والمعنى في هذا أن الفرك يراد للتخفيف والرقيق لا يبقى له جسم بعد جفافه فلا يفيد فيه الفرك فعلى هذا ان قلنا بنجاسته فلا بد من غسله رطبا كان أو يابسا كالبول وإن قلنا بطهارته استحب غسله كما يستحب فرك مني الرجل فأما الطهارة والنجاسة فلا يفترقان فيه لانه مني خارج من السبيل بدء خلق آدمي (فصل) ومن أمنى وعلى فرجه نجاسة نجس منيه لاصابته النجاسة. وذكر القاضي في المني من الجماع أنه نجس لانه لا يسلم من المذي وهذا فاسد فان مني النبي صلى الله عليه وسلم انما كان من جماع لان الانبياء لا يحتلمون وهو الذي وردت الاخبار بفركه والطهارة لغيره فرع عليه والله أعلم

[ 310 ]

(مسألة) (وفي رطوبة فرج المرأة روايتان) (إحداهما) نجاسته لانه بلل في الفرج لا يخلق منه الولد أشبه المذي (والثانية) طهارته لان المني طاهر لما بينا وإذا كان من جماع فلا بد أن يصيب رطوبة الفرج ولاننا لو حكمنا بنجاسته لحكمنا بنجاسة منيها لانه يتنجس برطوبة فرجها لخروجه منه. وقال القاضي ما أصاب منه في حال الجماع فهو نجس لانه لا يسلم من المذي هذا ممنوع فان الشهوة إذا اشتدت خرج المني دون المذي كحالة الاحتلام (مسألة) (وسباع البهائم والطير والبغل والحمار الاهلي نجسة وعنه أنها طاهرة) روي عن أحمد رحمه الله في سباع البهائم وجوارح الطير ما خلا الكلب والخنزير والسنور وما دونها في الخلقة روايتان (إحداهما) أن سؤرها وعرقها نجس وهو اختيار الخرقي لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الماء وما ينوبه من السباع فقال " إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس " ولو كانت طاهرة لم يحد بالقلتين ولانه حيوان حرم أكله لا لحرمته يمكن التحرز عنه غالبا أشبه الكلب ولان الغالب عليها أكل الميتات والنجاسات فينبغي أن يقضى بنجاستها كالكلاب (والرواية الثانية) أنها طاهرة رواها عنه اسماعيل ابن سعيد يروى ذلك عن الحسن وعطاء والزهري ومالك والشافعي وابن المنذر لما روى أبو سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة تردها السباع والكلاب والحمر وعن الطهارة بها فقال " لها ما أخذت في أفواهها ولنا ما غبر طهور " رواه ابن ماجه. ومر عمر وعمرو بن العاص بحوض فقال عمرو يا صاحب الحوض ترد على حوضك السباع؟ فقال عمر يا صاحب الحوض

[ 311 ]

لا تخبرنا فانا نرد عليها وترد علينا. رواه مالك في الموطأ ولانه حيوان يجوز بيعه فكان طاهرا كبهيمة الانعام (فصل) وفي البغل والحمار ثلاث روايات (إحداها) أنها نجسة نروى كراهتها عن ابن عمر وهو قول الحسن وابن سيرين والشعبي والاوزاعي وإسحاق لما ذكرنا في السباع ولقول النبي صلى الله عليه وسلم " انها رجس " (والثانية) أنه مشكوك فيها لان أحمد قال في البغل والحمار إذا لم يجد غير سؤرهما تيمم منه وهو قول أبي حنيفة والثوري لانه تردد بين أمارة تنجسه وأمارة تطهره، فأمارة تنجيسه أنه محرم أشبه الكلب وأمارة تطهيره أنه ذو حافر يجوز بيعه أشبه الفرس (والثالثة) أنه طاهر وهو قول مالك والشافعي وابن المنذر وهذا اختيار شيخنا لما ذكرنا ولان النبي صلى الله عليه وسلم كان يركبهما وتركب في زمنه. ولو كان نجسا لبين النبي صلى الله عليه وسلم لهم ذلك ولانهما لا يمكن التحرز منهما لمقتنيهما فأشبها السنور، فأما قوله صلى الله عليه وسلم " انها رجس " أراد به التحريم كقول الله تعالى في الانصاب والازلام (انها رجس) ويحتمل أنه أراد لحمها الذي كان في قدورهم فانه نجس لان ذبح مالا يباح أكله لا يطهره (فصل) وفي الجلالة روايتان (احداهما) نجاستها لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ركوب الجلالة وألبانها، رواه أبو داود ولانها تنجست بالنجاسة والريق لا يطهر (والثانية أنها طاهرة لان الهر والضبع يأكلان النجاسة وهما طاهران وحكم أجزاء الحيوان من شعره وريشه وجلده ودمعه وعرقه

[ 312 ]

حكم سؤره لانه من أجزائه فأشبه السنور في الطهارة والنجاسة لانه في معناه والله أعلم (مسألة) (وسؤر الهرة وما دونها في الخلقة طاهر) سؤر الهرة وما دونها في الخلقة طاهر كابن عرس والفأرة ونحو ذلك من حشرات الارض طاهر لا نعلم فيه خلافا في المذهب أنه يجوز شربه والوضوء به ولا يكره. هذا قول أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلا أبا حنيفة فانه كره الوضوء بسؤر الهر فان فعل أجزأه، ورويت كراهته عن ابن عمر ويحيى الانصاري وابن أبي ليلى، وقال أبو هريرة يغسل مرة أو مرتين وهو قول ابن المسيب ونحوه قول الحسن وابن سيرين لما روى أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا ولغت فيه الهر يغسل مرة " وقال طاوس يغسل سبعا كالكلب ولنا ما روي عن كبشة بنت كعب بن مالك أن أبا قتادة دخل عليها فسكبت له وضوءا قالت فجاءت هرة فأصغى لها الاناء حتى شربت. قالت كبشة فرآني أنظر إليه قال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ فقلت نعم. فقال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " انها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات " أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وقال حديث حسن صحيح دل بلفظه على نفي الكراهة عن سؤر الهر وبتعليله على نفي الكراهة عما دونها مما يطوف علينا. وعن عائشة أنها قالت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " انها ليست بنجس انما هي من الطوافين عليكم " وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بفضلها رواه أبو داود، وحديثهم ليس فيه تصريح بنجاستها مع صحة حديثنا واشتهاره (فصل) وإذا أكلت الهر نجاسة ثم شربت من مائع بعد الغيبة فهو طاهر لان النبي صلى الله عليه وسلم

[ 313 ]

وسلم نفى عنها النجاسة وتوضأ بفضلها مع علمه بأكلها النجاسات وإن شربت قبل الغيبة فقال القاضي وابن عقيل ينجس لانه مائع وردت عليه نجاسة متيقنة، وقال أبو الحسن الآمدي ظاهر قول أصحابنا طهارته لان الخبر دل على العفو عنها مطلقا وعلل بعدم امكان التحرز عنها ولاننا حكمنا بطهارتها بعد الغيبة في مكان لا يحتمل ورودها على ماء كثير يطهر فاها ولو احتمل ذلك فهو شك لا يزيل يقين النجاسة فوجب إحالة الطهارة على العفو عنها وهو شامل لما قبل الغيبة (فصل) والخمر نجس لقوله تعالى (انما الخمر والميسر - إلى قوله - رجس) ولانه يحرم تناوله من غير ضرر أشبه الدم وكذلك النبيذ لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " كل مسكر خمر وكل خمر حرام " رواه مسلم ولانه شراب فيه شدة مطربة أشبه الخمر والله تعالى أعلم (باب الحيض) (مسألة) قال (وهو دم طبيعة وجبلة) الحيض دم يرخيه الرحم إذا بلغت المرأة في أوقات معتادة وهو دم طبع الله النساء وجبلهن عليه وليس بدم فساد بل خلقه الله تعالى لحكمة تربية الولد فإذا حملت المرأة انصرف ذلك باذن الله تعالى إلى غذائه ولذلك لا تحيض الحامل فإذا وضعت الولد قلبه الله

[ 314 ]

بحكمته لبنا ولذلك قلما تحيض المرضع. فإذا خلت المرأة من الحمل والرضاع بقي الدم لا مصرف له فيستقر في مكان ثم يخرج في الغالب في كل شهر ستة أيام أو سبعة وقد يزيد على ذلك وتقل وتطول أشهر المرأة وتقصر على حسب ما ركبه الله تعالى في الطباع - وسمي حيضا من قولهم حاض الوادي إذا سال وتقول العرب حاضت الشجرة إذا سال منها الصمغ الاحمر وهو من السيلان والاصل فيه قوله تعالى (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض) وقال أحمد رحمه الله الحيض يدور على ثلاثة أحاديث حديث فاطمة وأم حبيبة وحمنة، وفي رواية وحديث أم سلمة مكان حديث أم حبيبة وسنذكر هذه الاحاديث في مواضعها إن شاء الله (فصل) واختلف الناس في الحيض فقال قوم المحيض والحيض واحد مصدران بدليل قوله تعالى (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى) والاذى انما هو الدم وهو الحيض وكذلك قوله تعالى (واللائي يئسن من المحيض) وانما يئسن من الحيض وقال ابن عقيل المحيض مكان الحيض كالمقيل والمبيت مكان القيلولة والبيتوتة وما جاء في القرآن يحمل على المجاز وفائدة الخلاف انا إذا قلنا المحيض اسم لمكان الحيض اختص التحريم به وإذا قلنا اسم للدم جاز أن ينصرف إلى ما عداه لاجله (مسألة) (ويمنع عشرة أشياء (أحدها) فعل الصلاة (والثاني) وجوبها) قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على اسقاط فرض الصلاة عن الحائض في أيام حيضها وعلى أن قضاء ما تركت من الصلاة في أيام حيضها غير واجب وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث فاطمة بنت أبي حبيش " إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة " متفق عليه، ولما روت معاذة قالت سألت عائشة ما بال الحائض

[ 315 ]

تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت أحرورية أنت؟ فقلت لست بحرورية ولكني أسأل فقالت كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة متفق عليه إنما قالت لها عائشة ذلك لان الخوارج يرون على الحائض قضاء الصلاة (الثالث) فعل الصيام ولا يسقط وجوبه لما ذكرنا من الحديث وقال النبي صلى الله عليه وسلم " أليست إحداكن إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ " قلن بلى رواه البخاري وحكى ابن المنذر أن الحائض عليها قضاء الصوم إجماعا (الرابع) قراة القرآن لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن " رواه أبو داود والترمذي (والخامس) مس المصحف لقوله تعالى (لا يمسه إلا المطهرون) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب عمرو بن حزام " لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر " رواه الاثرم (والسادس) اللبث في المسجد لما ذكرنا في باب الغسل (والسابع) الطواف لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة إذ حاضت " فافعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري " متفق عليه (والثامن) الوطئ في الفرج لقوله تعالى (فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن) (التاسع) سنة الطلاق يعني أن طلاق الحائض محرم وهو طلاق بدعة لما نذكره في موضعه (العاشر) الاعتداد بالاشهر لقوله تعالى (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) فأوجب العدة بالقروء وقوله (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن) شرط في العدة بالاشهر عدم الحيض ويمنع أيضا صحة الطهارة لان خروج الدم يوجب الحدث فمنع استمراره صحة الطهارة كالبول. (مسألة) (ويوجب الغسل عند انقطاعه) لقول النبي صلى الله عليه وسلم " دعي الصلاة قدر الايام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي " متفق عليه ويوجب البلوغ لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ولا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار " ويوجب الاعتداد به لما ذكرنا وأكثر هذه الاحكام مجمع عليها (مسألة) (والنفاس مثله لا في الاعتداد) يعني أن حكم النفاس حكم الحيض فيما يجب به ويحرم وما يسقط عنها لا نعلم في هذا خلافا والخلاف في وجوب الكفارة بوطئها كالحائض وكذلك إباحة الاستمتاع فيما دون الفرج لانه دم الحيض احتبس لاجل الحمل ثم خرج فثبت حكمه إلا في الاعتداد لان الاعتداد بالقروء والنفاس ليس بقروء ولان العدة تنقضي بالحمل - ويفارقه أيضا في كونه لا يدل على البلوغ لانه لا يتصور لحصوله بالحمل قبله (مسألة) (فإذا انقطع الدم أبيح فعل الصيام والطلاق ولم يبح غيرهما حتى تغتسل) وجملة ذلك

[ 316 ]

أنه متى انقطع دم الحائض ولما تغتسل زال من الاحكام المتعلقة بالحيض أربعة أحكام (أحدها) سقوط فرض الصلاة لان سقوطه بالحيض وقد زال (الثاني) منع صحة الطهارة لذلك (الثالث) تحريم الصيام لان وجوب الغسل لا يمنع فعله كالجنابة (الرابع) إباحة الطلاق لان تحريمه لتطويل العدة أو لاجل الحيض وقد زال ذلك وسائر المحرمات باقية لانها تحرم على الجنب فههنا أولى (فصل) فأما الوطئ قبل الغسل فهو حرام في قول أكثر أهل العلم قال ابن المنذر هذا كالاجماع وقال أبو حنيفة ان انقطع الدم لاكثر الحيض حل وطؤها وإلا لم يبح حتى تغتسل أو تتيمم أو يمضي عليها وقت صلاة لان وجوب الغسل لا يمنع الوطئ كالجنابة ولنا قوله تعالى (ولا تقربوهن حتى يتطهرن فإذا تطهرن فائتوهن) قال مجاهد حتى يغتسلن وقال ابن عباس فإذا اغتسلن ولانه قال (فإذا تطهرن) والتطهر تفعل والتفعل إذا أضيف إلى من يصح منه الفعل اقتضى إيجاد الفعل منه كما في النظائر وانقطاع الدم غير منسوب إليها ولان الله سبحانه وتعالى شرط لحل الوطئ شرطين - انقطاع الدم والغسل فلا يباح بدونهما ولانها ممنوعة من الصلاة لحديث الحيض فمنع وطئها كما لو انقطع لاقل الحيض وبهذا ينتقض قياسهم وحدث الحيض آكد من حدث الجنابة فلا يصح الالحاق. (فصل) وانقطاع الدم الذي تتعلق به هذه الاحكام الانقطاع الكثير الذي يوجب عليها الغسل والصلاة فأما الانقطاع اليسير في أثناء الحيض فلا حكم له لان العادة أن الدم ينقطع تارة ويجري أخرى وسنذكر ذلك إن شاء الله (مسألة) (ويجوز الاستمتاع من الحائض بما دون الفرج) الاستمتاع من الحائض بما فوق السرة وتحت الركبة جائز بالاجماع والنص والوطئ في الفرج محرم بهما والاختلاف في الاستمتاع بما بينهما مذهب امامنا رحمه الله جوازه وهو قول عكرمة وعطاء والشعبي والثوري واسحاق، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي لا يباح لان عائشة رضي اله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض رواه البخاري ومسلم بمعناه. وعن عبد الله بن سعد الانصاري أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال " ما فوق الازار " رواه البيهقي ولنا قول الله تعالى (فاعتزلوا النساء في المحيض) وهو اسم لمكان الحيض كالمقيل والمبيت فتخصيصه موضع الدم بالمنع يدل على إباحته فيما عداه، فان قيل بل المحيض الحيض بدليل قوله تعالى (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى) والاذى هو الحيض وقوله تعالى (واللائي يئسن من المحيض) وانما يئسن من الحيض قلنا يمكن حمله على ما ذكرنا وهو أولى لوجهين (أحدهما) أنه لو أراد الحيض لكان أمرا باعتزال النساء في مدة الحيض بالكلية ولا قائل به (الثاني) أن سببب نزول الآية أن اليهود

[ 317 ]

كانت إذا حاضت المرأة اعتزلوها فلم يواكلوها ولم يشاربوها ولم يجتمعوا معها في البيت فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فنزلت هذه الآية فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اصنعوا كل شئ غير النكاح " رواه مسلم. وهذا تفسير لمراد الله تعالى لانه لا تتحقق مخالفة اليهود بارادة الحيض لانه يكون موافقا لهم ومن السنة هذا الحديث. وعن عكرمة عن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أراد من الحائض شيئا ألقى على فرجها خرقة، رواه أبو داود ولانه وطئ منع للاذى فاختص بمحله كالدبر وحديث عائشة ليس فيه دليل على تحريم ما تحت الازار فان النبي صلى الله عليه وسلم قد يترك بعض المباح تقذرا كتركه أكمل الضب والحديث الآخر يدل بالمفهوم والمطوق راجح عليه (مسألة) (فان وطئها في الفرج فعليه نصف دينار كفارة وعنه ليس عليه الا التوبة) اختلفت الرواية في وجوب الكفارة بوطئ الحائض في الفرج فروي عنه أن عليه الكفارة وهو المشهور في المذهب لما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال " يتصدق بدينار أو نصف دينار " رواه الامام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي (والثانية) لا كفارة عليه وهو قول مالك وأبو حنيفة وأكثر أهل العلم. وللشافعي قولان كالمذهبين لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم " رواه ابن ماجه ولم يذكر كفارة إلا أن البخاري ضعف هذا الحديث حكاه الترمذي ولانه وطئ نهي عنه لاجل الاذى أشبه الوطئ في الدبر وحديث الكفارة مداره على عبد الحميد بن زيد بن الخطاب وقد قيل لاحمد في نفسك منه شئ؟ قال: نعم، قال لو صح ذلك الحديث كنا نرى عليه الكفارة (1) وقد روي عن أحمد أنه قال: إن كانت له مقدرة تصدق بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وكلامه هذا يدل على أن المعسر لا شئ عليه. قال أبو عبد الله بن حامد: كفارة وطئ الحائض تسقط بالعجز عنها أو عن بعضها ككفارة الوطئ في رمضان. (فصل) وظاهر المذهب في الكفارة أنها دينار أو نصف دينار على وجه التخيير يروى ذلك عن ابن عباس لظاهر الحديث قال أبو داود هكذا الرواية الصحيحة قال دينار أو نصف دينار ولانه معنى تجب الكفارة بالوطئ فيه فاستوى الحال فيه بين اقباله وادباره كالاحرام. وعنه إن كان الدم أحمر فدينار وإن كان أصفر فنصف دينار وهو قول إسحاق لما روي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ان كان دما أحمر فدينار وإن كان دما أصفر فنصف دينار " رواه أبو داود والترمذي إلا أن أبا داود قال: هو وقوف من قول ابن عباس والاول أولى لما ذكرنا، فان قيل فكيف يخير بين شئ ونصفه؟ قلنا كما خير المسافر بين القصر والاتمام. (فصل) فان وطئها بعد الطهر قبل الغسل فلا كفارة عليه وقال قتادة والاوزاعي: عليه نصف


1) قال الحافظ في التلخيص ان رواية عبد الحميد كل رواتها في الصحيح الامقسم (هو التابعي الذي رواه عن ابن عباس) فانقرد به البخاري - ثم قال وقال الخلال عن أبى داود عن أحمد: ما احسن حديث عبد الحميد. فقيل له تذهيب إليه. قال نعم قال أبو داود وهى الرواية الصحيحة الخ. ثم اعتمد الحافظ قول من صححوا الحديث الحديث خلافا للنوى وذكر دون حديث القلتين وحديث بئر بضاعة الذين صححوهما

[ 318 ]

دينار لانه حكم تعلق بالوطئ في الحيض فلم يزل إلا بالغسل كالتحريم ولنا أن وجوب الكفارة من الشرع ولم يرد بذلك الا في الحائض وقياسهم يبطل بما لو حلف لا يطأ حائضا فانه يحنث بالوطئ في الحيض ولا يحنث بالوطئ قبل الغسل (فصل) وهل تجب الكفارة على الجاهل والناسي؟ على وجهين (أحدهما) تجب لعموم الخبر وقياسا على الوطئ في الاحرام (والثاني) لا تجب لقوله عليه السلام " عفي لامتي عن الخطأ والنسيان " ولانها وجبت لمحو الاثم فأشبهت كفارة اليمين، فان وطئ طاهرا فحاضت في أثناء وطئه لم تجب عليه الكفارة على الوجه الثاني وتجب على الاول وهو قول ابن حامد، وإن وطئ الصبي لزمته الكفارة عند ابن حامد لعموم الخبر وكالوطئ في الاحرام. قال شيخنا: ويحتمل أن لا تلزمه لانها من فروع التكليف وهو غير مكلف. (فصل) وتجب الكفارة على المرأة في المنصوص لانه وطئ يوجب الكفارة فأوجبها على المرأة كالوطئ في الاحرام، وقال القاضي: فيه وجهان (أحدهما) لا تجب لان الوجوب من الشرع ولم يرد فان كانت مكرهة أو غير عالمة فلا كفارة عليها لقوله صلى الله عليه وسلم " عفي لامتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " وحكم النفساء حكم الحائض في ذلك لانها في معناها. ويجزئ نصف دينار من أي ذهب كان إذا كان صافيا ويستوي التبر والمضروب لوقوع الاسم عليه، ويجزئ إخراج القيمة في أحد الوجهين لان المقصود يحصل بها فجاز من أي مال كان كالخراج (والثاني) لا يجوز لانه كفارة فاختص ببعض الانواع كسائر الكفارات. فعلى هذا الوجه هل يجوز إخراج الدراهم؟ ينبني على جوازه في الزكاة والصحيح جوازه لما ذكرنا واختاره شيخنا. ومصرفها إلى المسكين كسائر الكفارات والله أعلم (مسألة) (وأقل سن تحيض له المرأة تسع سنين) هذه المسألة تشتمل على أمرين (أحدهما) أن الصغيرة إذا رأت دما لدون تسع سنين فليس بحيض لا نعلم في ذلك خلافا في المذهب لان الصغيرة لا تحيض لقوله سبحانه (واللائي لم يحضن) ولان المرجع فيه إلى الوجود ولم يوجد من النساء من تحيض عادة فيما دون هذه السن ولان الله سبحانه خلق دم الحيض لحكمة تربية الولد وهذه لا تصلح للحمل فلا توجد فيها حكمته فينتفي لانتفاء حكمته (الامر الثاني) انها إذا رأت دما يصلح أن يكون حيضا ولها تسع سنين حكم بكونه حيضا وحكم ببلوغها وثبت في حقها أحكام الحيض كلها لانه روي عن عائشة أنها قالت: إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة. وروي ذلك مرفوعا من رواية ابن عمر والمراد به حكمها حكم المرأة. وذكر ابن عقيل أن نساء تهامة يحضن لتسع سنين وهذا قول الشافعي وقد حكي عنه أنه قال: رأيت جدة بنت إحدى وعشرين سنة وهذا يدل على أنها حملت لدون عشر سنين وكذلك بنتها. وحكى الميموني عن أحمد في بنت عشر رأت الدم قال: ليس بحيض قال القاضي: فيجب على هذا أن يقال: أول زمن يصح فيه وجود الحيض ثنتا عشرة سنة لانه الزمان

[ 319 ]

الذي يصح فيه بلوغ الغلام والاول أصح (مسألة) قال (وأكثره خمسون سنة وعنه ستون في نساء العرب) اختلفت الرواية في حد السن الذي تيأس فيه المرأة من الحيض فروي عنه أنه خمسون سنة وهذا قول إسحاق ويكون حكمها فيما تراه من الدم بعد الخمسين حكم المستحاضة لان عائشة رضي الله عنها قالت: إذا بلغت خمسين سنة خرجت من حد الحيض وروي عنها أنها قالت: لن ترى المرأة في بطنها ولدا بعد الخمسين. وروي عنه أنها لا تيأس من الحيض يقينا إلى ستين سنة وما تراه فيما بين الخمسين والستين حيض مشكوك فيه لا تترك الصلاة ولا الصوم لان وجوبهما متيقن فلا يسقط بالشك وتقضي الصوم المفروض احتياطا لانه واجب في ذمتها بيقين فلا يسقط بأمر مشكوك فيه هكذا رواه الخرقي. وروي عنه أن نساء العجم تيأس في خمسين ونساء قريش وغيرهم من العرب إلى ستين - وهذا قول أهل المدينة - لانهن أقوى جبلة. وروى الزبير بن بكار في كتاب النسب عن بعضهم أنه قال لا تلد لخمسين سنة إلا عربية ولا تلد لستين إلا قرشية وقال: إن هندا بنت أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة ولدت موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب ولها ستون قال أحمد في امرأة من العرب رأت الدم بعد الخمسين: ان عاودها مرتين أو ثلاثا فهو حيض وذلك لان المرجع في ذلك إلى الوجود وقد وجد حيض من نساء ثقات أخبرن عن أنفسهن بعد الخمسين فأشبه ما قبل الخمسين لان الكلام فيما إذا وجد من المرأة دم في زمن عادتها بعد الخمسين كما كانت تراه قبلها. قال شيخنا والصحيح أنه لا فرق بين نساء العرب وغيرهن لانهن سواء في سائر أحكام الحيض كذلك هذا. وما ذكر عن عائشة لا حجة فيه لان الحيض أمر حقيقي المرجع فيه إلى الوجود وقد وجد بخلاف ما قالت على ما حكاه الزبير بن بكار. وإن قيل هذا الدم ليس بحيض مع كونه على صفته وفي وقته وعادته بغير نص فهو تحكم فأما بعد الستين فلا خلاف في المذهب أنه ليس بحيض لانه لم يوجد وقد علم أن للمرأة حالا تيأس فيه من الحيض لقول الله تعالى (واللائي يئسن من المحيض) قال أحمد في المرأة الكبيرة ترى الدم هو بمنزلة الجرح وقال عطاء " هي بمنزلة المستحاضة وذلك لان هذا الدم إذا لم يكن حيضا فهو دم فساد حكمه حكم دم الاستحاضة ومن به سلس البول وسنذكره فيما بعد ان شاء الله تعالى (مسألة) (والحامل لا تحيض فان رأت دما فهو دم فساد) وهذا قول سعيد بن المسيب وعطاء والحسن وعكرمة والشعبي وحماد والثوري والاوزاعي وأبي حنيفة وابن المنذر وأبي عبيد وروي عن عائشة، والصحيح عنها انها إذا رأت الدم لا تصلي. وقال مالك والشافعي والليث: ما تراه من الدم حيض إذا أمكن. وروي ذلك عن الزهري وقتادة واسحاق لانه دم صادف العادة فكان حيضا كغير الحامل ولنا قوله صلى الله عليه وسلم " لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة " جعل وجود الحيض علما

[ 320 ]

على براءة الرحم فدل على أنه لا يجتمع معه، ولان ابن عمر لما طلق امرأته وهي حائض قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر " مره فليراجعها ثم يطلقها طاهرا أو حاملا " فجعل الحمل علما على عدم الحيض كالطهر احتج بذلك أحمد ولانه زمن لا ترى الدم فيه غالبا فلم يكن ما تراه حيضا كالآيسة، قال أحمد انما يعرف النساء الحمل بانقطاع الدم وقول عائشة يحمل على التي قاربت الوضع جمعا بين قوليها (فصل) فان رأته قبل ولادتها قريبا منها فهو نفاس تدع الصلاة والصوم، قال يعقوب بن بختان سألت أحمد عن المرأة إذا ضربها المخاض قبل الولادة بيوم أو يومين تعيد الصلاة؟ قال لا وهذا قول اسحاق، وقال الحسن إذا رأت الدم على الولد أمسكت عن الصلاة، وقال النخعي إذا ضربها المخاض فرأت الدم قال هو حيض، وهذا قول أهل المدينة والشافعي، وقال عطاء تصلي ولا تعده حيضا ولا نفاسا ولنا أنه دم خرج بسبب الولادة فكان نفاسا كالخارج بعده (فصل) وانما يعلم انه بسبب الولادة إذا كان قريبا منها ويعلم ذلك برؤية أمارتها في وقته، فأما ان رأت الدم من غير علامة على قرب الوضع لم تترك له العبادة لان الظاهر أنه دم فساد فان تبين كونه قريبا مع الوضع لوضعها بعده بيوم أو يومين أعادت الصوم المفروض الذي صامته فيه، وان رأته عند العلامة تركت العبادة، فان تبين بعده عنها أعادت ما تركته من العبادات الواجبة لانه تبين انه ليس بحيض ولا نفاس والله أعلم (مسألة) (وأقل الحيض يوم وليلة وعنه يوم وأكثره خمسة عشر يوما وعنه سبعة عشر) المشهور في المذهب أن أقل الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يوما هذا قول عطاء بن أبي رباح وأبي ثور، وروي عن أحمد أن أقله يوم وأن أكثره سبعة عشر، قال ابن المنذر بلغني ان نساء آل الماجشون كن يحضن سبع عشرة، قال الخلال: مذهب أبي عبد الله لا اختلاف فيه أن أقل الحيض

[ 321 ]

يوم وأكثره خمسة عشر ومذهب الشافعي نحو هذا في أقله وأكثره. وقال الثوري والنعمان وصاحباه أقله ثلاثة أيام وأكثره عشرة لما روى واثلة بن الاسقع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة " وقال أنس قرء المرأة ثلاث أربع خمس ست سبع ثمان تسع عشرة ولا يقول ذلك الا توقيفا وقال مالك ليس لاقله حد ولو كان لاقله حد لكانت المرأة لا تدع الصلاة حتى يمضى ذلك الحد ولنا أن ذكر الحيض ورد في الشرع مطلقا من غير تحديد ولا حد له في اللغة فرجع فيه إلى العرف والعادة كالقبض والاحراز والتفرق وقد وجد حيض معتاد أقل من ثلاثة وأكثر من عشرة. وقال عطاء رأيت من النساء من تحيض يوما وتحيض خمسة عشر، وقال شريك: عندنا امرأة تحيض كل شهر خمسة عشر يوما حيضا مستقيما، وقال أبو عبد الله الزبيري: كان في نسائنا من تحيض يوما وتحيض خمسة عشر يوما، وقال الشافعي رأيت امرأة أثبت لي عنها أنها لم تزل تحيض يوما لا تزيد عليه، وأثبت لي عن نساء أنهن لم يزلن يحضن أقل من ثلاثة أيام، وقولهن يجب الرجوع إليه لقوله تعالى (ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن) فلو لا أنه مقبول ما حرم عليهن الكتمان وجرى ذلك مجرى الشهادة ولم يوجد حيض معتاد أقل من ذلك في عصر من الاعصار فلا يكون حيضا بحال وحديث واثلة بن الاسقع يرويه محمد بن أحمد الشامي وهو ضعيف عن حماد بن المنهال وهو مجهول وحديث أنس رواه الجلد بن أيوب وهو ضعيف قال ابن عيينة: هو محدث لا أصل له وقال يزيد بن زريع ذاك أبو حنيفة لم يحتج إلا بالجلد بن أيوب وحديث الجلد ولو صح فقد روي عن علي رضي الله عنه ما يعارضه فانه قال: ما زاد على خمسة عشر استحاضة وأقل الحيض يوم وليلة (مسألة) (وغالبه ست أو سبع) لقول النبي صلى الله عليه وسلم لحمنة " تحيضي (1) في علم الله ستة أيام أو سبعة ثم اغتسلي وصلي أربعة وعشرين يوما أو ثلاثة وعشرين يوما كما تحيض النساء وكما يطهرن لميقات حيضهن وطهرهن " حديث حسن


1) هو بفتح التاء والحاء وتشديد الياء - اي عدي نفسك حائضا

[ 322 ]

(مسألة) (وأقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوما) لان كلام أحمد لا يختلف أن العدة يصح أن تنقضي في شهر إذا قامت به البينة، قال اسحاق توقيت هؤلاء بالخمسة عشر باطل وقال أبو بكر: أقل الطهر مبني على أكثر الحيض، فان قلنا أكثره خمسة عشر فأقل الطهر خمسة عشر، وإن قلنا أكثره سبعة عشر فأقل الطهر ثلاثة عشر، وهذا بناه على أن شهر المرأة لا يزيد على ثلاثين يوما يجتمع فيه حيض وطهر، وأما إذا زاد شهرها على ذلك فلا يلزم ما قال، وقال مالك والثوري وأبو حنيفة والشافعي أقله خمسة عشر،، وعن أحمد عشرة وعن أحمد نحو ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم تمكث " احداكن شطر عمرها لا تصلي " ولنا ما روى الامام أحمد عن علي رضي الله عنه أن امرأة جاءته وقد طلقها زوجها فزعمت أنها حاضت في شهر ثلاث حيض طهرت عند كل قرء وصلت. فقال علي لشريح قل فيها، فقال شريح إن جاءت ببينة من بطانة أهلها مما يرضى دينه وأمانته فشهدت بذلك والا فهي كاذبة. فقال علي: (قالون) يعني جيد بالرومية ولا يقول مثل هذا الا توقيفا ولانه قول صحابي انتشر ولم يعلم خلافه ولا يتصور الا على قولنا أقله ثلاثة عشر وأقل الحيض يوم وهذا في الطهر بين الحيضتين، فأما الطهر بين الحيضة فسيأتي حكمه وغالب الطهر أربعة وعشرون أو ثلاثة وعشرون لقول النبي صلى الله عليه وسلم لحمنة " ثم اغتسلي وصلي أربعة وعشرين يوما أو ثلاثة وعشرين يوما كما يحيض النساء وكما يطهرن " ولا حد لاكثره لان التحديد من الشرع ولم يرد به ولا نعلم له دليلا والله أعلم (مسألة) (والمبتدأة تجلس يوما وليلة ثم تغتسل وتصلي فان انقطع دمها لاكثره فما دون اغتسلت عند انقطاعه وتفعل ذلك ثلاثا فان كان في الثلاث على قدر واحد صار عادة وانتقلت إليه وأعادت ما صامته من الفرض فيه، وعنه يصير عادة بمرتين) وجملة ذلك أن المبتدأة أول ما ترى الحيض ولم

[ 323 ]

تكن حاضت قبله إذا كان في وقت يمكن حيضها - وهي التي لها تسع سنين فصاعدا - إذا انقطع لاقل من يوم وليلة فهو دم فساد، وان كان يوما وليلة فما زاد فانها تدع الصوم والصلاة لان دم الحيض جبلة وعادة ودم الاستحاضة لعارض الاصل عدمه. وظاهر المذهب انها تجلس يوما وليلة ثم تغتسل وتتوضأ لوقت كل صلاة وتصلي وتصوم. فإذا انقطع دمها لاكثر الحيض فما دون اغتسلت غسلا ثانيا عند انقطاعه ثم تفعل ذلك في الشهر الثاني والثالث، فان كان في الاشهر الثلاثة متساويا صار ذلك عادة وعلمنا أنها كانت حيضا فيجب عليها قضاء ما صامته من الفرض فيه لاننا تبينا أنها صامته في زمن الحيض وهذا اختيار الخرقي، قال القاضي المذهب عندي في هذا رواية واحدة وذلك لان العبادة واجبة في ذمتها بيقين فلا تسقط بأمر مشكوك فيه أول مرة كالمعتدة لا نحكم ببراءة ذمتها من العدة بأول حيضة ولا يلزم عليه اليوم والليلة لانها اليقين فلو لم نجلسها ذلك أدى إلى أن لا نجلسها أصلا وقد نقل عن أحمد فيها ثلاث روايات أخر (احداها) انها تجلس ستا أو سبعا نقلها عنه صالح على حديث حمنة لانه أكثر ما يجلسه النساء (والثانية) تجلس عادة نسائها كأمها وأختها وعمتها وخالتها، وهذا قول عطاء والثوري والاوزاعي لان الغالب انها تشبههن في ذلك وهو قول إسحاق غير أنه قال فان لم تعرف الام والخالة أو العمة فانها تجلس ستة أيام أو سبعة كما في حديث حمنة (والثالثة) أنها تجلس ما تراه من الدم ما لم يجاوز أكثر الحيض وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي اختاره شيخنا فان انقطع لاكثره فالجميع حيض لاننا حكمنا بأن ابتداء الدم حيض مع جواز أن يكون استحاضة فكذلك باقيه. ولان دم الحيض دم جبلة والاستحاضة دم عارض والاصل فيها الصحة والسلامة

[ 324 ]

(فصل) لا يختلف المذهب أن العادة لا تثبت بمرة، وظاهر مذهب الشافعي أنها تثبت بمرة لان المرأة التي استفتت لها أم سلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ردها إلى الشهر الذي يلي شهر الاستحاضة لان ذلك أقرب إليها فوجب ردها إليه ولنا أن العادة مأخوذة من المعاودة ولا تحصل بمرة والحديث حجة لنا لانه قال " لتنظر عدة الليالي والايام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها " و (كان) يخبر بها عن دوام الفعل وتكراره ولا يقال لمن فعل شيئا مرة كان يفعل. واختلفت الرواية هل تثبت العادة بمرتين أو ثلاث؟ فعنه أنها تثبت بمرتين لانها مأخوذة من المعاودة وقد عاودتها في المرة الثانية، وعنه لا تثبت إلا بثلاث وهو المشهور في المذهب لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " تدع الصلاة أيام اقرائها " والاقراء جمع وأقله ثلاثة ولان العادة انما تطلق على ما كثر ولان ما اعتبر له التكرار اعتبر ثلاثا كخيار المصراة، فان قلنا بهذه الرواية لم تنتقل عن اليقين في الشهر الثالث وإن قلنا بالرواية الاولى انتقلت إليه في الشهر الثالث وعلى قولنا انها تجلس أقل الحيض أو غالبه أو عادة نسائها إذا انقطع الدم لاكثر الحيض فما دون وكان في الاشهر الثلاثة على قدر واحد أو في شهرين على اختلاف الروايتين انتقلت إليه وعملت عليه وأعادت ما صامته من الفرض فيه لاننا تبينا انها صامته في حيضها (فصل) ومتى أجلسناها يوما وليلة أو ستا أو سبعا أو عادة نسائها فرأت الدم أكثر من ذلك لم يحل لزوجها وطؤها حتى ينقطع أو يجاوز أكثر الحيض لان الظاهر انه حيض وانما أمرناها بالعبادة فيه احتياطا لبراءة ذمتها فيجب ترك وطئها احتياطا أيضا، وإن انقطع الدم واغتسلت حل وطؤها ولم يكره لانها رأت النقاء الخالص وعنه يكره لانا لا نأمن معاودة الدم فكره وطؤها كالنفساء إذا انقطع دمها لاقل من أربعين يوما (مسألة) (فان جاوز أكثر الحيض فهي مستحاضة) لان الدم لا يصلح أن يكون حيضا (مسألة) (فان كان دمها متميزا بعضه أسود ثخين منتن وبعضه رقيق أحمر فحيضها زمن الدم الاسود وما عداه استحاضة) وجملة ذلك ان المبتدأة إذا جاوز دمها أكثر الحيض لم تخل من حالين

[ 325 ]

(احدهما) ان تكون مميزة وهي أن يكون بعض دمها أسود ثخينا منتنا وبعضه أحمر رقيقا أو أصفر لا رائحة له ويكون الدم الاسود أو الثخين لا يزيد على أكثر الحيض ولا ينقص عن أقله فحكم هذه أن حيضها زمن الدم الاسود والثخين فإذا انقطع فهي مستحاضة تغتسل للحيض وتتوضأ لكل صلاة وتصلي، وبهذا قال مالك والشافعي لما روت عائشة قالت جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله اني استحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم " انما ذلك عرق وليس بالحيضة فإذا اقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي " متفق عليه وللنسائي وأبي داود " إذا كان دم الحيض فانه أسود يعرف فامسكي عن الصلاة فإذا كان الآخر فتوضئي فانما هو عرق " وقال ابن عباس: اما ما رأت الدم البحراني فانها تدع الصلاة انها والله لن ترى الدم بعد أيام محيضها الا كغسالة ماء اللحم. ولانه خارج من الفرج يوجب الغسل فرجع إلى صفته عند الاشتباه كالمني والمذي (فصل) وظاهر كلام شيخنا رحمه الله ههنا أن المميزة إذا عرفت التمييز جلسته من غير تكرار وهو ظاهر كلام احمد والخرقي واختيار ابن عقيل لان معنى التمييز ان يتميز أحد الدمين عن الآخر في الصفة وهذا يوجد باول مرة، وهذا قول الشافعي وقال القاضي وأبو الحسن الآمدي انما تجلس

[ 326 ]

المميزة من التمييز ما تكرر مرتين أو ثلاثة بناء على الروايتين فيما تثبت به العادة ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي " أمرها بتر لا الصلاة إذا اقبلت الحيضة من غير اعتبار امر آخر ثم مده إلى حين ادباره لان التمييز امارة بمجردة فلم يحتج إلى ضم غيره إليه كالعادة. وعند القاضي لا تجلس من التمييز الا ما تكرر فعلى هذا إذا رأت في كل شهر خمسة احمر ثم خمسة اسود ثم احمر واتصل وجلست زمان الاسود فكان حيضها والباقي استحاضه، وهل تجلس الاسود في الشهر الثاني أو الثالث أو الرابع؟ يخرج ذلك على الروايات الثلاث وكذلك لو رأت عشرة احمر ثم خمسة اسود ثم احمر فان اتصل الاسود وعبر اكثر الحيض فليس لها تمييز وتحيضها من الاسود لانه أشبه بدم الحيض. ولو رأت أقل من يوم وليلة اسود فلا تمييز لها لانه لا يصلح حيضا. وان رأت في الشهر الاول احمر كله وفي الثاني والثالث والرابع خمسة أسود وفي الخامس كله احمر فانها تجلس في الاشهر الثلاثة اليقين على قولنا يعتبر التكرار في المميزة وفي الرابع ايام الدم الاسود في قول شيخنا وفي الخامس تجلس خمسة ايضا، وقال القاضي لا تجلس من الرابع إلا اليقين الا ان نقول تثبت العادة بمرتين، قال شيخنا وفيه نظر فانه أكثر ما يقدر فيها أنها لا عادة لها ولا تمييز ولو كانت كذلك لجلست ستا أو سبعا في اصح الروايات فكذا ههنا (قلت) فينبغي على هذا ان لا تجلس بالتمييز وانما تجلس غالب الحيض لما ذكره ومن لم يعتبر التكرار في التمييز

[ 327 ]

فهذه مميزة، ومن قال انها تجلس بالتمييز في الشهر الثاني قال انها تجلس الدم الاسود في الشهر الثالث لانها لا تعلم أنها مميزة قبله (الحال الثاني) أن لا يكون دمها متميزا على ما مضى ففيها أربع روايات (احداها) انها تجلس غالب الحيض من كل شهر وذلك ستة أيام أو سبعة وهذا اختيار الخرقي لانه غالب عادات النساء فيجب ردها إليه كردها في الوقت إلى حيضها في كل شهر (والرواية الثانية) انها تجلس أقل الحيض لانه اليقين وللشافعي قولان كهاتين الروايتين (والثالثة) انها تجلس أكثر الحيض وهو قول أبي حنيفة لانه زمان الحيض فإذا رأت الدم فيه جلسته كالمعتاد (والرابعة) انها تجلس عادة نسائها كأمها وأختها وعمتها وخالتها وهو قول عطاء والثوري والاوزاعي لان الظاهر أنها تشبههن في ذلك والاول أصح لقول النبي صلى الله عليه وسلم لحمنة " تحيضي في علم الله ستة أيام أو سبعة ثم اغتسلي وصلي أربعة وعشرين يوما أو ثلاثة وعشرين كما يحيض النساء وكما يطهرن لميقات حيضهن وطهرهن " حديث حسن صحيح - ردها النبي

[ 328 ]

صلى الله عليه وسلم إلى ذلك ولم يردها إلى غيره مما ذكر ولان هذه ترد إلى غالب عادات النساء في وقتها بمعنى انها تجلس في كل شهر مرة فكذلك في عدد ايامها وبهذا يبطل ما ذكر لليقين ولعادة نسائها (فصل) وهل ترد إلى ذلك إذا استمر بها الدم في الشهر الرابع أو الثاني؟ المنصوص انها لا ترد إلى ست أو سبع الا في الشهر الرابع لانا لا نحيضها اكثر من ذلك إذا لم تكن مستحاضة فأولى أن نفعل ذلك إذا كانت مستحاضة. وقال القاضي يحتمل أن تنتقل إليها في أيام الشهر الثاني بغير تكرار لانا قد علمنا استحاضتها فلا معنى للتكرار في حقها وهو أصح ان شاء الله لظاهر حديث حمنة (مسألة) (وذكر أبو الخطاب في المبتدأة اول ما ترى الدم الروايات الاربع) احداها تجلس

[ 329 ]

أقل الحيض لانه اليقين (والثانية) تجلس غالب الحيض لانه الغالب (والثالثة) تجلس عادة نسائها لان الظاهر شبهها بهن (والرابعة) تجلس ما تراه من الدم ما لم يجاوز أكثر الحيض قياسا على اليوم والليلة وقد ذكرنا ذلك (مسألة) (وان استحيضت المعتادة رجعت إلى عادتها وان كانت مميزة، وعنه يقدم التمييز وهو اختيار الخرقي وإن نسيت العادة عملت بالتمييز فان لم يكن لها تمييز جلست غالب الحيض من كل شهر. وعنه أقله وقيل فيها الروايات الاربع) وجملة ذلك أن المعتادة إذا استحيضت لم تخل من أربعة أقسام (أحدها) أن تكون معتادة ولا تمييز لها لكون دمها على صفة لا يختلف ولا يتميز بعضه من بعض أو بأن يكون الدم الذي يصلح للحيض ينقص عن أقل الحيض أو يزيد على أكثره فهذه تجلس أيام عادتها ثم تغتسل عند انقضائها وتتوضأ بعد ذلك لوقت كل صلاة وتصلي وهذا قول أبي حنيفة والشافعي، وقال مالك لا اعتبار بالعادة انما الاعتبار بالتمييز فان لم تكن مميزة استطهرت بعد زمان عادتها بثلاثة أيام ان لم تجاوز خمسة عشر يوما ثم هي بعد ذلك مستحاضة واحتج بحديث فاطمة الذي ذكرناه ولنا ما روت أم سلمة أن امرأة كانت تهراق الدماء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " لتنظر عدد الليالي والايام التي كانت تحيضهن قبل أن يصيبها الذي أصابها فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر فإذا خلفت ذلك فلتغتسل ثم لتستثفر بثوب ثم لتصل " رواه أبو داود والنسائي وقد روي في حديث فاطمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها " دعي الصلاة قدر الايام التي كنت تحيضين فيها

[ 330 ]

ثم اغتسلي وصلي " متفق عليه وروت أم حبيبة أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدم فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم " امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي وصلي " رواه مسلم ولا حجة له في الحديث على ترك العادة في حق من لا تمييز لها (فصل) لا يختلف المذهب أن العادة لا تثبت بمرة لانها مأخوذة من المعاودة. وهل تثبت بمرتين أو بثلاث على روايتين. وقد ذكرناه وتثبت العادة بالتمييز فإذا رأت دما أسود خمسة أيام في ثلاثة أشهر أو شهرين على إحدى الروايتين ثم صار أحمر واتصل ثم صار في سائر الاشهر دما مبهما كانت على عادتها زمن الدم الاسود (فصل) والعادة على ضربين متفقة ومختلفة فالمتفقة أن تكون أياما متساوية كخمسة في كل شهر فإذا استحيضت جلستها فقط، وأما المختلفة فان كانت على ترتيب مثل أن ترى في شهر ثلاثة وفي الثاني أربعة وفي الثالث خمسة ثم تعود إلى ثلاثة ثم إلى أربعة ثم إلى خمسة على ما كانت فهذه إذا استحيضت في شهر فعرفت نوبته عملت عليه ثم على الذي بعده والذي بعده على العادة. وإن نسيت نوبته حيضناها على اليقين وهو ثلاثة أيام ثم تغتسل وتصلي بقية الشهر وان علمت أنه غير الاول وشكت هل هو الثاني أو الثالث جلست أربعة لانها اليقين ثم تجلس من الشهرين الآخرين ثلاثة ثلاثة وتجلس في الرابع أربعة ثم تعود إلى الثلاثة كذلك أبدا. ويجزئها غسل واحد عند انقضاء المدة التي جلستها كالناسية إذا جلست أقل الحيض لان ما زاد على اليقين مشكوك فيه فلا يجب عليها الغسل بالشك. قال شيخنا ويحتمل وجوب الغسل عليها أيضا عند مضي أكثر عادتها لان يقين الحيض ثابت وحصول الطهارة بالغسل مشكوك فيه فلا يزول عن اليقين بالشك ولان هذه متيقنة وجوب الغسل عليها في أحد الايام الثلاثة في اليوم الخامس. وقد اشتبه عليها وصحة صلاتها تقف على الغسل فيجب عليها لتخرج عن العهدة بيقين وهذا الوجه أصح لذلك. وتفارق هذه الناسية لانها لا تعلم لها حيضا زائدا على ما جلسته وهذه تعلم لها حيضا زائدا تقف صحة صلاتها على غسلها منه فوجب

[ 331 ]

ذلك، فعلى هذا يلزمها غسل ثان عقيب اليوم الخامس في كل شهر، وإن جلست في رمضان ثلاثة أيام قضت خمسة أيام لان الصوم كان في ذمتها ولا تعلم أن اليومين الذين صامتهما أسقطا الفرض من ذمتها ويحتمل أنه يلزمها في كل شهر ثلاثة أغسال غسل عقيب اليوم الثالث والرابع والخامس لان عليها عقيب الرابع غسلا في بعض الاشهر وكل شهر يحتمل أن يكون هو الشهر الذي يجب الغسل فيه بعد الرابع فيلزمها ذلك كما قلنا في الخامس (فصل) وإن كان الاختلاف على غير ترتيب مثل أن تحيض من شهر ثلاثة، ومن الثاني خمسة ومن الثالث أربعة وأشباه ذلك فان أمكن ضبطه بحيث لا يختلف فهي كالتي قبلها، وإن لم يمكن ضبطه جلست الاقل من كل شهر واغتسلت عقيبه، وذكر ابن عقيل في هذا الفصل أن قياس المذهب أن تجلس أكثر عادتها في كل شهر كالناسية للعدد تجلس أكثر الحيض في احدى الروايات. قال شيخنا:

[ 332 ]

هذا لا يصح إذ فيه أمرها بترك الصلاة واسقاطها عنها مع يقين وجوبها عليها فاننا متى أجلسناها خمسا من كل شهر ونحن نعلم وجوب الصلاة عليها يومين منها في شهر ويوما في شهر آخر فقد أمرناها بترك الصلاة الواجبة يقينا والاصل بقاء الحيض فتبقى عليه (فصل) ولا تكون المرأة معتادة حتى تعرف شهرها وتعرف وقت حيضها منه وطهرها - وشهر المرأة عبارة عن المدة التي لها فيها حيض وطهر وأقل ذلك أربعة عشر يوما أو ستة عشر يوما إن قلنا أقل الطهر خمسة عشر ولا حد لاكثره لان أكثر الطهر لاحد له وغالبه الشهر المعروف بين الناس فإذا عرفت ان شهرها ثلاثون يوما وان حيضها منه خمسة ايام وان طهرها خمسة وعشرون وعرفت أوله فهي معتادة وإن عرفت أيام حيضها وأيام طهرها فقد عرفت شهرها. وإن عرفت أيام حيضها ولم تعرف

[ 333 ]

أيام طهرها أو بالعكس فليست معتادة لكنها متى جهلت شهرها رددناها إلى الغالب فحيضناها من كل شهر حيضة كما رددنا في عدد أيام الحيض إلى الغالب (فصل) القسم الثاني أن يكون لها عادة وتمييز فان كان الدم الذي يصلح للحيض في زمن العادة فقد اتفقت العادة والتمييز في الدلالة فتعمل بهما وإن كان أكثر من العادة أو أقل ولم ينقص عن أقل الحيض ولا زاد على أكثره ففيه روايتان (احداهما) يقدم التمييز وهو اختيار الخرقي وظاهر مذهب الشافعي لما ذكرناه من الادلة ولان صفة الدم أمارة قائمة به والعادة زمان منقض ولانه خارج يوجب الغسل فرجع إلى صفته عند الاشتباه كالمني (والثانية) تقدم العادة وهو ظاهر كلام أحمد وقول أكثر الاصحاب لان النبي صلى الله عليه وسلم رد أم حبيبة والمرأة التي استفتت لها أم سلمة إلى العادة ولم يستفصل عن كونها مميزة أو غيرها. وحديث فاطمة قد روي فيه ردها إلى العادة أيضا فتعارضت روايتان وبقيت أحاديثنا خالية عن معارض، على أن حديث فاطمة قضية في عين يحتمل انها أخبرته أن لا عادة لها أو علم ذلك من غيرها، وحديث عدي بن ثابت عام في كل مستاحضة فيكون أولى ولان العادة أقوى لكونها لا تبطل دلالتها، واللون إذا زاد على أكثر الحيض بطلت دلالته فما لا تبطل دلالته أولى. (فصل) ومن كان حيضها خمسة أيام من أول كل شهر فاستحيضت وصارت ترى ثلاثة دما أسود في أول كل شهر فمن قدم العادة قال تجلس في كل شهر خمسة كما كانت قبل الاستحاضة، ومن قدم التمييز جعل حيضها الثلاثة التي فيها الاسود إلا أنها انما تجلس الثلاثة في الشهر الثاني لانا لا نعلم انها

[ 334 ]

مستحاضة إلا بتجاوز الدم اكثر الحيض ولا نعلم ذلك في الشهر الاول. فان رأت في كل شهر عشرة دما اسود ثم صار احمر واتصل فمن قال إنها لا تلتفت إلى ما زاد على العادة حتى يتكرر لم يحيضها في الشهرين الاولين أو الثلاثة على اختلاف الروايتين إلا خمسة قدر عادتها، ومن قال انها إذا زادت على العادة جلسته بأول مرة أجلسها في الشهر الاول خمسة عشر يوما ثم تغتسل وتصلي، وفي الثاني تجلس أيام العادة وهي الخمسة الاولى من الشهر عند من يقدم العادة على التمييز، ومن قدم التمييز ولم يعتبر فيه التكرار أجلسها العشرة كلها فإذا تكرر ثلاثة أشهر على هذا الوصف قال القاضي: تجلس العشرة في الشهر الرابع على الروايتين جميعا لان الزيادة على العادة ثبتت بتكرار الاسود، قال شيخنا: ويحتمل أن لا تجلس زيادة على عادتها عند من يقدم العادة لاننا لو جعلنا الزائد على العادة من التمييز حيضا بتكرره لجعلنا الناقص عنها استحاضة بتكرره فكانت لا تجلس فيما إذا رأت ثلاثة اسود ثم صار احمر اكثر من الثلاثة والامر بخلاف ذلك (فصل) فان كان حيضها خمسا من أول كل شهر فاستحيضت فصارت ترى خمسة اسود ثم يصير احمر ويتصل فالاسود حيض بالاتفاق لموافقته زمن العادة والتمييز، وان رأت مكان الاسود أحمر ثم صار أسود وعبر سقط حكم الاسود لعبوره اكثر الحيض وكان حيضها الاحمر لموافقته زمن العادة، وإن رأت مكان العادة احمر ثم رأت خمسة اسود ثم صار احمر واتصل فمن قدم العادة أجلسها ايامها وإذا تكرر الاسود فقال القاضي: يصير حيضا ومن قدم التمييز جعل الاسود وحده حيضا (مسألة) قال (وإن نسيت العادة عملت بالتمييز) وهذا القسم (الثالث) من أقسام المستحاضة وهي التي لها تمييز وقد نسيت العادة، ومعنى التمييز أن يتميز بعض دمها عن بعض فيكون بعضه اسود ثخينا منتنا، وبعضه احمر رقيقا أو أصفر ولا رائحة له ويكون الاسود أو الثخين لا يزيد على اكثر الحيض ولا ينقص عن أقله فحكم هذه أن حيضها زمن الاسود الثخين أو المنتن فإذا انقطع فهى مستحاضة تغتسل للحيض وتتوضأ لوقت كل صلاة بعد ذلك وتصلي، وذكر أحمد المستحاضة فقال: لها سنن فذكر المعتادة ثم قال وسنة أخرى إذا جاءت فزعمت انها تستحاض فلا تطهر قيل لها أنت الآن ليس لك أيام معلومة فتجلسيها ولكن انظري إلى إقبال الدم وإدباره فإذا أقبلت الحيضة واقبالها أن ترى دما أسود يعرف فإذا تغير دمها وكان إلى الصفرة والرقة فذلك دم استحاضة فاغتسلي وصلي

[ 335 ]

وهذا مذهب مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة لا اعتبار بالتمييز إنما الاعتبار بالعادة خاصة لما روت أم سلمة ان امرأة كانت تهراق الدم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " لتنظر عدة الايام والليالي التي كانت تحيضهن قبل أن يصيبها الذي أصابها فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر فإذا خلفت ذلك فلتغتسل ثم لتستثفر بثوب ثم لتصل " رواه أبو داود وابن ماجه وهذا أحد الاحاديث الثلاثة التي قال الامام أحمد ان الحيض يدور عليها ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش " فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي " متفق عليه ولابي داود والنسائي " إذا كان دم الحيض فانه دم أسود يعرف فامسكي عن الصلاة فإذا كان الآخر فتوضئي فانما هو عرق " وحديث أم سلمة يدل على اعتبار العادة ولا نزاع فيه وهذه لاعادة لها (فصل) وقد ا ختلفوا: هل يعتبر للتمييز التكرار أم لا. فظاهر كلام شيخنا ههنا انه لا يعتبر له التكرار بل متى عرفت التمييز جلسته وهذا ظاهر كلام احمد والخرقي واختيار ابن عقيل وهو مذهب الشافعي، وقال القاضي والآمدي يعتبر له التكرار مرتين أو ثلاثا على اختلاف الروايتين فيما تثبت به العادة وقد ذكرنا ذلك في المبتدأة (فصل) فان لم يكن الاسود مختلفا مثل أن ترى في كل شهر ثلاثة أسود ثم يصير أحمر ويعبر أكثر الحيض فالاسود حيض وحده. وان كان مختلفا مثل أن ترى في الشهر الاول خمسة أسود وفي الثاني أربعة وفي الثالث ثلاثة أو في الاول خمسة وفي الثاني ستة وفي الثالث سبعة أو غير ذلك من الاختلاف فعلى قول شيخنا الاسود حيض في كل حال. وعلى قول القاضي الاسود حيض فيما تكرر وهو ثلاث في الاولى وخمس في الثانية وما زاد عليه يكون حيضا إذا تكرر وإلا فلا. ولا تجلس عند القاضي في الشهر الاول والثاني إلا اليقين الذي تجلسه من لا تمييز لها. وان كانت مبتدأة لم تجلس إلا يوما وليلة. وهل تجلس الذي يتكرر في الشهر الثالث أو الرابع؟ ينبني على الروايتين فيما تثبت به العادة ويكون حكمها حكم المبتدأة التي ترى دما لا يعبر أكثر الحيض الاسود كالدم والاحمر كالطهر هناك فان كانت ناسية وكان الاسود في أثناء الشهر وقلنا إن الناسية تجلس من أول الشهر جلست ههنا من أول الشهر ما تجلسه الناسية ولا تنتقل إلى الاسود حتى يتكرر فتنتقل إليه وتعلم أنه حيض فتقضي ما صامته من الفرض فيه كما ذكر في المبتدأة (فصل) فان رأت أسود بين أحمرين أو أحمر بين اسودين وانقطع لدون أكثر الحيض فالجميع حيض إذا تكرر لان الاحمر أشبه بالحيض من الطهر، وان عبر أكثر الحيض وكان الاسود بمفرده يصلح أن بكون حيضا فهو حيض والاحمر كله استحاضة لان الاحمر الاول أشبه بالاحمر الثاني الذي حكمنا

[ 336 ]

بأنه استحاضة وتلفق الاسود إلى الاسود فيكون حيضا ولا فرق بين كون الاسود قليلا أو كثيرا إذا كان بانضمامه إلى بقية الاسود يبلغ أقل الحيض ولا يزيد على أكثره ولا يكون بين طرفيهما زمن يكون على اكثر الحيض وكذلك لا فرق بين أن يكون الاحمر قليلا أو كثيرا إذا كان زمنه يصلح أن يكون طهرا فاما ان كان زمنه لا يصلح أن يكون طهرا مثل الشئ اليسير أو ما دون اليوم على إحدى الروايتين فانه يلحق بالدمين الذين هو بينهما لانه لو كان الدم منقطعا لم نحكم بكونه طهرا فإذا كان الدم جاريا كان أولى فلو رأت يوما دما أسود ثم رأت الثاني أحمر ثم رأت الثالث أسود ثم صار أحمر وعبر لفقت الاسود إلى الاسود فصار حيضا وباقي الدم استحاضة وان رأت نصف يوم أسود ثم صار احمر ثم رأت الثاني كذلك ثم رأت الثالث كله اسود ثم صار احمر وعبر فان قلنا ان الطهر يكون اقل من يوم لفقت الاسود إلى الاسود فكان حيضها يومين وان قلنا: لا يكون اقل من يوم فحيضها الايام الثلاثة الاول والباقي استحاضة، ولو رأت نصف يوم اسود ثم صار احمر إلى العاشر ثم رأته كله اسود ثم صار احمر وعبر فالاسود كله حيض الثاني والاول، ولو رأت بين الاسود والاحمر نقاء يوما أو اكثر لم يتغير الحكم الذي ذكرناه لان الاحمر محكوم بأنه استحاضة مع اتصاله بالاسود فمع انفصاله عنه أولى (فصل) إذا رأت في شهر خمسة اسود ثم صار احمر واتصل وفي الثاني كذلك ثم صار الثالث كله احمر ورأت في الرابع كالاول ثم رأت في الخامس خمسة احمر ثم صار اسود واتصل فحيضها الاسود من الاول والثاني والرابع واما الثالث والخامس فلا تمييز لها فيهما لان حكم الاسود في الخامس سقط لعبوره فان قلنا العادة تثبت بمرتين جلست ذلك من الثالث والرابع والخامس وان قلنا لا تثبت الا بثلاث جلسته من الخامس لانها قد رأت ذلك في ثلاثة اشهر وتجلس في الثالث ما تجسله من لا عادة لها ولا تمييز وقبل لا تثبت لها عادة وتجلس ما تجلسه من الخامس من الدم الاسود لانه اشبه بدم الحيض (مسألة) (فان لم يكن لها تمييز جلست غالب الحيض من كل شهر وعنه أقله وقيل فيها الروايات الاربع) وهذا القسم الرابع من اقسام المستحاضة وهي من لاعادة لها ولا تمييز ولها ثلاثة أحوال

[ 337 ]

(أحدها) ان تكون ناسية لوقتها وعددها وهذه تسمى المتحيرة وحكمها أنها تجلس في كل شهر ستة ايام أو سبعة في ظاهر المذهب وهو اختيار الخرقي فان كانت تعرف شهرها جلست ذلك منه لانه عادتها فترد إليه كما ترد المعتادة إلى عادتها الا انه متى كان شهرها اقل من عشرين يوما لم تجلس منه اكثرها من الفاضل عن ثلاثة عشر يوما أو خمسة عشر لئلا ينقص الطهر عن اقله ولا سبيل إليه، وان لم تعرف شهرها جلست من الشهر المعتاد لما روت حمنة بنت جحش قالت كنت استحاض حيضة كبيرة شديدة فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم استفته فوجدته في بيت اختي فقلت يا رسول الله اني استحاض حيضة كبيرة شديدة فما تأمرني فيها؟ قد منعتني الصيام والصلاة فقال " أنعت لك الكرسف فانه يذهب الدم " قلت هو اكثر من ذلك انما اثج ثجا فقال النبي صلى الله عليه وسلم " انما هي ركضة من الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام ثم اغتسلي فإذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي أربعا وعشرين ليلة أو ثلاثا وعشرين ليلة وأيامها وصومي فان ذلك يجزئك وكذلك فافعلي كما يحيض النساء وكما يطهرن

[ 338 ]

لميقات حيضهن وطهرهن " رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح. وقال الشافعي في هذه لا حيض لها بيقين وجميع زمنها مشكوك فيه تغتسل لكل صلاة وتصلي وتصوم ولا يأتيها زوجها وله قول انها تجلس اليقين. وقال بعض اصحابه الاول اصح لان هذه لها ايام معروفة ولا يمكن ردها إلى غيرها فجميع زمانها مشكوك فيه وقد روت عائشة ان ام حبيبة استحيضت سبع سنين فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال " انما ذلك عرق فاغتسلي ثم صلي " فكانت تغتسل عند كل صلاة. متفق عليه، ولنا ما ذكرنا من حديث حمنة وهو بظاهره يثبت الحكم في حق الناسية لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصلها هل هي مبتدأة أو ناسية ولو افترق الحال لاستفصل واحتمال ان تكون ناسية اكثر فان حمنة امرأة كبيرة، كذلك قال احمد، ولم يسألها النبي صلى الله عليه وسلم عن تمييزها لانه قد جرى من كلامها من تكثير الدم وصفته ما اغنى عن السؤال عنه ولم يسألها هل لها عادة فيردها إليها لاستغنائه عن ذلك بعلمه اياه إذا كان مشتهرا وقد امر به اختها ام حبيبة فلم يبق الا ان تكون ناسية ولانها لا عادة لها ولا تمييز اشبهت المبتدأة، قولهم: لها ايام معروفة، قلنا قد زالت المعرفة فصار وجودها كعدمها وأما ام حبيبة فكانت معتادة ردها الى عادتها لانه قد روى مسلم ان ام حبيبة شكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الدم فقال لها " امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي " فكانت تغتسل عند كل صلاة فيدل على انها انما كانت تغتسل لكل صلاة في غير وقت الحيض وأما وجوب غسل المستحاضة لكل صلاة فسيذكر في المستحاضة ان شاء الله تعالى (فصل) قوله ستا أو سبعا الظاهر انه ردها إلى اجتهادها فيما يغلب على ظنها انه عادتها أو ما

[ 339 ]

يشبه أن يكون حيضا ذكره القاضي وذكر في موضع آخر انه على وجه التخيير بين الست والسبع كما خير واطئ الحيض في التكفير بدينار أو نصف لان حرف " أو " للتخيير، قال شيخنا: والاول أصح لاننا لو خيرناها أفضى إلى أن نخيرها في اليوم السابع بين كون الصلاة عليها محرمة أو واجبة وليس لها في ذلك خيرة بحال، وأما التكفير ففعل اختياري، فأما أو فقد تكون للاجتهاد كقوله (فاما منا بعد وإما فداء) وإما كأوفي وضعها وليس للامام إلا فعل ما يؤديه إليه اجتهاده انه الاصلح والله أعلم. (فصل) وهل تجلس أيام حيضها من اول كل شهرر أو بالتحري؟ فيه وجهان أوجههما ما يأتي وعنه انها تجلس أقل الحيض وهو أحد قولي الشافعي لانه اليقين وما زاد عليه مشكوك فيه فلا تدع العبادة لاجله وعنه رواية ثالثة أنها تجلس عادة نسائها لان الظاهر انها تشبههن وعنه تجلس أكثر الحيض لانه يمكن أن يكون حيضا أشبه ما قبله والاول أصح لحديث حمنة والله أعلم. (مسألة) (وإن علمت عدد أيامها ونسيت موضعها جلستها من اول كل شهر في أحد الوجهين وفي الآخر تجلسها بالتحري) وهذا الحال الثاني من احوال الناسية وهي تتنوع نوعين (النوع الاول) أن لا تعلم لها وقتا أصلا مثل أن تعلم ان حيضها خمسة ايام ففيه وجهان (أحدهما) تجلسه من اول كل شهر إذا كان يحتمل لان النبي صلى الله عليه وسلم قال لحمنة " تحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي وصلي أربعا وعشرين ليلة أو ثلاثا وعشرين ليلة وايامها وصومي " فقدم حيضها على

[ 340 ]

الطهر ثم أمرها بالصلاة والصوم في بقية الشهر ولان المبتدأة تجلس من اول الشهر مع انها لا عادة لها فكذلك الناسية ولان دم الحيض دم جبلة والاستحاضة عارضة فإذا رأت الدم وجب تغليب دم الحيض (الثاني) انها تجلس بالتحري والاجتهاد اختاره أبو بكر وابن أبي موسى لان النبي صلى الله عليه وسلم ردها إلى اجتهادها في القدر فكذلك في الوقت ولان للتحري مدخلا في الحيض لان المميزة ترجع إلى صفة الدم فكذلك في زمنه فان لم يغلب على ظنها شئ تعين اجلاسها من اول الشهر لعدم الدليل فيما سواه (مسألة) (وكذلك الحكم في موضع حيض من لا عادة لها ولا تمييز) يعني ان فيه الوجهين اللذين ذكرهما وجههما ما تقدم. (مسألة) (وإن علمت ايامها في وقت من الشهر كنصفه الاول جلستها فيه إما من أوله أو بالتحري على اختلاف الوجهين) هذا النوع الثاني وهو أن تعلم أنها كانت تحيض اياما معلومة من العشر الاول فانها تجلس عدد ايامها من ذلك الوقت دون غيره إما من أوله أو بالتحري فيه ثم لا يخلو عدد ايامها إما أن يكون زائدا على نصف ذلك الوقت أو لا فان كان زائدا على نصفه مثل أن تعلم ان حيضها ستة ايام من العشر الاول أضعفنا الزائد فجعلناه حيضا بيقين وتجلس بقية ايامها من

[ 341 ]

أول العشر في أحد الوجهين وفي الآخر بالتحري، ففي هذا المسألة الزائد يوم وهو السادس فنضعفه ويكون الخامس والسادس حيضا بيقين يبقى لها أربعة ايام، فان جلستها من الاول كان حيضها من أول العشر إلى آخر السادس - منها يومان حيض بيقين والاربعة حيض مشكوك فيه والاربعة الباقية طهر مشكوك. وإن جلستها بالتحري فأداها اجتهادها إلى أنها من أول العشر فهي كالتي قبلها وإن جلست الاربعة من آخر العشر فهي عكس التي قبلها وعلى هذا فقس. وسائر الشهر طهر غير مشكوك، وحكم الحيض المشكوك فيه حكم المتيقن في ترك العبادات وحكم الطهر المشكوك فيه حكم الطهر المتيقن في وجوب العبادات. وإن كان حيضها نصف الوقت فما دون فليس لها حيض بيقين لانها متى كانت تحيض خمسة أيام من العشر احتمل ان تكون الخمسة الاولى واحتمل أن تكون الثانية واحتمل ان يكون بعضها من الاولى وبعضها من الثانية فتجلس بالتحري أو من أوله على اختلاف الوجهين ولا يعتبر التكرار في الناسية لانها عرفت استحاضتها في الشهر الاول فلا معنى للتكرار (مسألة) (وإن علمت موضع حيضها ونسيت عدده جلست فيه غالب الحيض أو أقله على اختلاف الروايتين) هذا الحال الثالث من أحوال الناسية وهي ان تعلم ان حيضها في العشر الاول ولا تعلم عددها (فحكمها في قدر ما تجلسه حكم المتحيرة) الصحيح انها تجلس ستا أو سبعا ويخرج فيها الروايات الاربع إلا انها تجلسها من العشر دون غيرها وهل تجلسها من أوله أو بالتحري؟ على الوجهين، وإن قالت أعلم أنني كنت أول الشهر حائضا ولا أعلم آخره أو أنني كنت آخر الشهر حائضا ولا أعلم أوله

[ 342 ]

أولا أعلم هل كان ذلك أول حيضي أو آخره حيضناها الذي علمته وأتمت بقية حيضها مما بعده في الصورة الاولى، ومما قبله في الثانية وبالتحري في الثالثة أو مما يلي أول الشهر على اختلاف الوجهين (فصل) وإذا ذكرت الناسية عادتها بعد جلوسها في غيرها رجعت إلى عادتها لان تركها لعارض نسيان وإذا زال العارض عادت إلى الاصل، وإن تبين أنها كانت تركت الصلاة في غير عادتها لزمها إعادتها وقضاء ما صامته من الفرض في عادتها، فلو كانت عادتها خمسة من آخر العشر الاول فجلست سبعا من أوله مدة ثم ذكرت لزمها قضاء ما تركت من الصلاة والصيام المفروض في الخمسة الاولى وقضاء ما صامت من الفرض في الثلاثة الايام الاخيرة لانها صامته في زمن حيضها (مسألة) (وإن تغيرت العادة بزيادة أو تقدم أو تأخر أو انتقال فالمذهب أنها لا تلتفت إلى ما خرج عن العادة حتى يتكرر ثلاثا أو مرتين على الاختلاف) وجملة ذلك أن المرأة إذا كانت لها عادة مستقرة في الحيض فرأت الدم في غير عادتها لم تلتفت إليه حتى يتكرر فتنتقل إليه وتصير عادة لها وتترك العادة الاولى الا أنها إذا رأته زائدا عن عادتها تغتسل غسلا ثانيا عند انقطاعه لجواز أن يكون حيضا كما قلنا في المبتدأة وكذلك ما تقدم عن العادة ويجب عليها قضاء ما صامته من الفرض في المرات التي أمرناها بالصيام فيها لاننا تبينا أنها صامته في حيض ولا تقضي الصلاة لان الحائض لا تقضي الصلاة قال أبو عبد الله لا يعجبني أن يأتيها زوجها في الايام التي تصلي فيها مع رؤية الدم قبل أن تنتقل إليها لاحتمال أن يكون حيضا فيجب ترك وطئها احتياطا كما وجبت الصلاة احتياطا للعبادة، وفي قدر

[ 343 ]

التكرار روايتان (أشهرهما) انه ثلاث فعلى هذه الرواية لا تنتقل إليه إلا في الشهر الرابع (والثانية) انه اثنتان فتنتقل في الشهر الثالث نقل الفضل بن زياد عنه هاتين الروايتين وقد ذكرنا وجههما في المبتدأة ونقل حنبل عنه في امرأة لها أيام معلومة فتقدمت الحيضة قبل أيامها لم تلتفت إليها تصوم وتصلي فان عاودها مثل ذلك في الثانية فانه دم حيض منتقل فيحتمل انها تنتقل إليه في المرة الثانية وتحسبه من حيضها، والرواية الاولى أشهر، مثال ذلك امرأة لها عادة ثلاثة أيام من أول كل شهر فرأت خمسة في أول الشهر ورأت يومين من آخر الشهر الذي قبله ويوما من شهرها أو طهرت اليوم الاول ورأت الثلاثة بعده أو طهرت الثلاثة الاول ورأت ثلاثة بعدها أو أكثر وما أشبه ذلك فانها لا تجلس في جميع ذلك إلا وقت الدم الذي تراه في الثلاثة الاول حتى يتكرر لقول النبي صلى الله عليه وسلم " امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك " رواه مسلم ولان لها عادة فردت إليها كالمستحاضة وقال أبو حنيفة إن رأته قبل العادة فليس بحيض حتى يتكرر مرتين. وإن رأته بعدها فهو حيض، قال شيخنا رحمه الله وعندي أنها تصير إليه من غير تكرار وبه قال الشافعي لان النساء كن يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الصفرة والكدرة فتقول لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء. معناه لا تعجلن بالغسل ولو لم تعد الزيادة حيضا لزمها الغسل عند انقضاء العادة وإن لم تر القصة ومعنى القصة أن تدخل القطنة في فرجها فتخرج بيضاء نقية ولان الشارع علق على الحيض أحكاما ولم يحده فعلم انه رد الناس فيه إلى عرفهم. والعرف بين

[ 344 ]

النساء أن المرأة متى رأت دما يصلح أن يكون حيضا اعتقدته حيضا. ولو كان عرفهن اعتبار العادة على الوجه المذكور لنقل ظاهرا ولذلك لما كان بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم معه في الخميلة فجاءها الدم فانسلت من الخميلة فقال لها النببي صلى الله عليه وسلم " مالك أنفست؟ " قالت نعم فأمرها أن تأتزر ولم يسألها هل وافق العادة أو خالفها ولا هي سألت عن ذلك وإنما استدلت على ذلك بخروج الدم فأقرها عليه النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك حين حاضت عائشة في عمرتها في حجة الوداع إنما عرفت الحيضة برؤية الدم لا غير والظاهر انه لم يأت في العادة لانها استنكرته وبكت حين رأته وقالت وددت أني لم أكن حججت العام ولو كانت لها عادة تعلم مجيئه فيها لما انكرته ولا شق عليها ولان العادة لو كانت معتبرة على المذكور في المذهب لبينه النبي صلى الله عليه وسلم لامته ولما وسعه تأخير بيانه لان حاجة النساء داعية إليه في كل وقت ولا يجوز تأخير البيان عن وقته. والظاهر أنهن جرين على العرف في اعتقاد ما يرينه من الدم حيضا ولم يأت من الشرع تغييره ولذلك أجلسنا المبتدأة من غير تقدم عادة ورجعنا في اكثر احكام الحيض إلى العرف والعرف ان الحيضة تتقدم وتتأخر وتزيد وتنقص ولم ينقل عنهن ولا عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر العادة ولا بيانها إلا في حق المستحاضة، واما امرأة طاهر ترى الدم في وقت يمكن أن يكون حيضا ثم ينقطع عنها فلم يذكر في حقها عادة اصلا. وفي اعتبار العادة على هذا الوجه اخلاء بعض المنتقلات عن الحيض بالكلية مع رؤيتهن الدم في زمن الحيض وصلاحيته له وهذا لا سبيل إليه كامرأة رأت الدم في غير ايام عادتها وطهرت ايام عادتها

[ 345 ]

ثلاثة أشهر فانها لا تدع الصلاة فإذا انتقلت في الشهر الرابع إلى أيام أخر لم تحيضها أيضا ثلاثة أشهر وكذلك أبدا فعلى هذا تجعل ما تراه من الدم قبل العادة وبعدها ما لم يجاوز أكثر الحيض فان جاوز أكثر الحيض علمنا استحاضتها فترج إلى عادتها وتقضي ما تركته من الصلاة والصيام فيما سوى العادة لاننا تبينا أنه استحاضة (فصل) فان كانت عادتها ثلاثة من كل شهر فرأت في شهر خمسة أيام ثم استحيضت في الشهر الآخر فانها لا تجلس مما بعده من الشهور إلا ثلاثة ثلاثة، وبهذا قال أبو حنيفة، وقال الشافعي تجلس خمسا من كل شهر وهذا مبني على أن العادة تثبت بمرة، وان رأت خمسة في شهرين خرج على الروايتين فيما نثبت به العادة، وان رأتها في ثلاثة أشهر ثم استحيضت انتقلت إليها وجلست من كل شهر خمسة بغير خلاف بينهم والله أعلم (مسألة) (وان طهرت في أثناء عادتها اغتسلت وصلت فان عاودها الدم في العادة. فهل تلتفت إليه؟ على روايتين) هذه المسألة تشتمل على فصلين (أحدهما) في حكم الطهر في زمن العادة (والثاني) في حكم الدم العائد بعده فمتى رأت الطهر فهي طاهر تغتسل وتصلي وتصوم ولم يفرق أصحابنا بين قليل الطهر وكثيره لقول ابن عباس. أما ما رأت الطهر ساعة فلتغتسل فاما ان كان النقاء أقل من ساعة فالظاهر أنه ليس بطهر لان الدم يجري تارة وينقطع أخرى وقد قالت عائشة لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء، وقد روي عن احمد أن النفساء إذا رأت النقاء دون يوم لا تثبت

[ 346 ]

لها أحكام الطاهرات فيخرج ههنا مثله قال شيخنا وهو الصحيح ان شاء الله تعالى لان العادة أن الدم يجري مرة وينقطع أخرى وفي ايجاب الغسل على من تطهر ساعة بعد ساعة حرج منفي بقوله تعالى (ما جعل عليكم في الدين من حرج) ولاننا لو جعلنا انقطاع الدم ساعة طهرا ولا تلتفت إلى الدم بعد افضى إلى أن لا يستقر لها حيض فعلى هذا لا يكون انقطاع الدم دون يوم طهرا الا أن ترى ما يدل عليه مثل أن يكون انقطاعه في آخر عادتها أو ترى القصة البيضاء وهو شئ يتبع الحيض أبيض يسمى الترية، روي ذلك عن امامنا، وهو قول مالك روي عنه أن القصة البيضاء هي القطنة التي تحشوها المرأة إذا خرجت بيضاء كما دخلت لا تغير عليها حكي ذلك عن الزهري وقال أبو حنيفة ليس النقاء بين الدمين طهرا بل لو صامت فيه فرضا لم يصح، ولا تجب عليها فيه صلاة ولا يأتيها زوجها وهو احد قولي الشافعي لان الدم يسيل تارة وينقطع اخرى ولانه لو لم يكن من الحيض لم يحتسب من مدته. ولنا قوله تعالى (ويسألونك عن المحيض قل هو اذى) وصف الحيض بكونه اذى فإذا ذهب الاذى وجب زوال الحيض وقال ابن عباس إذا رأت الطهر ساعة فلتغتسل وقالت عائشة لا تعجلين حتى ترين القصة البيضاء ولانها صامت وهي طاهر فلم يلزمها القضاء كما لو لم يعد الدم، فأما قولهم ان الدم يجري تارة وينقطع أخرى قلنا لا عبرة بالانقطاع اليسير وانما إذا وجد انقطاع كثير تمكن فيه الصلاة والصيام

[ 347 ]

وتتأدى العبادة فيه وجبت عليها لعدم المانع من وجوبها (الفصل الثاني) إذا عاودها الدم فان عاودها في العادة ولم يتجاوزها ففيه روايتان (احداهما) أنه من حيضها لانه صادف زمن العادة فأشبه مالو لم ينقطع. وهذا مذهب الثوري وأصحاب الرأي (والثانية) ليس بحيض وهو ظاهر كلام الخرقي واختيار ابن أبي موسى لانه عاد بعد طهر صحيح أشبه مالو عاد بعد العادة فعلى هذه الرواية يكون حكمه حكم مالو عاد بعد العادة على ما يأتي. وقد روي عن احمد رحمه الله أنها تصوم وتصلي وتقضي الصوم المفروض على سبيل الاحتياط كدم النفساء العائد في مدة النفاس (فصل) فان رأته في العادة وتجاوز العادة فان عبر أكثر الحيض فليس بحيض لان بعضه ليس بحيض فيكون كله استحاضة لاتصاله به وانفصاله عن الحيض فكان إلحاقه بالاستحاضة أولى، وإن انقطع لاكثره فما دون فمن قال ان ما لم يعبر العادة ليس بحيض فههنا أولى ومن قال هو حيض ففي هذا على قوله ثلاثة أوجه (أحدها) ان جميعه حيض لما ذكرنا في أن الزائد على العادة حيض ما لم يعبر أكثر الحيض (والثاني) أن ما وافق الحيض لموافقته العادة وما زاد عليها ليس بحيض لخروجه عنها (والثالث) أن الجميع ليس بحيض لاختلاطه بما ليس بحيض فان تكرر فهو حيض على الروايتين جميعا (فصل) فان رأته بعد العادة ولم يمكن أن يكون حيضا لعبوره أكثر الحيض وانه ليس بينه

[ 348 ]

وبين الدم الاول أقل الطهر فهو استحاضة سواء تكرر أولا لانه لا يمكن جعل جميعه حيضا فكان كله استحاضة لان إلحاق بعضه ببعت أولى من إلحاقه بغيره (فصل) وإن أمكن كونه حيضا وذلك يتصور في حالين (أحدهما) ان يكون بضمه إلى الدم الاول لا يكون بين طرفيهما أكثر من خمسة عشر يوما. فإذا تكرر جعلناهما حيضة واحدة وتلفق أحدهما إلى الآخر ويكون الطهر الذي بينهما طهرا في خلال الحيضة (الحال الثانية) ان يكون بينهما أقل من الطهر ويكون كل واحد من الدمين يصلح أن يكون حيضا بمفرده بأن يكون يوما وليلة فصاعدا فهذا إذا تكرر كان الدمان حيضتين. وإن نقص أحدهما عن أقل الحيض فهو دم فساد إذا لم يمكن ضمه إلى ما بعده. ومثال ذلك مالو كانت عادتها عشرة من اول الشهر فرأت خمسة منها دما وطهرت خمسة ثم رأت خمسة دما وتكرر ذلك فالخمسة الاولى والثانية حيضة واحدة تلفق الدم الثاني إلى الاول، وإن رأت الثاني ستا أو أكثر لم يمكن أن يكون الدمان حيضة لان بين طرفيهما اكثر من خمسة عشر يوما ولا حيضتين لانه ليس بينهما أقل الطهر، وإن رأت يوما دما وثلاثة عشر طهرا ثم رأت يوما دما وتكرر ذلك كانا حيضتين وصار شهرها أربعة عشر يوما. وكذلك ان رأت يومين دما وثلاثة عشر طهرا ثم رأت يومين دما وتكرر ويكون شهرها خمسة عشر وان كان الطهر بينهما احد عشر يوما فما دون وتكرر فهما حيضة واحدة لانه بين طرفيهما اكثر من خمسة ولا بينهما اقل الطهر وان كان بينهما اثنا عشر يوما لم يمكن كونهما جميعا حيضة لزيادتهما بما بينهما من الطهر على خمسة عشر ولا يمكن جعلهما حيضتين لانه ليس بينهما اقل الطهر. فعلى هذا يكون حيضها منهما ما وافق العادة والآخر استحاضة. وعلى هذا كل ما يتفرع من المسائل الا انها لا تلتفت إلى ما رأته بعد الطهر فيما خرج عن العادة حتى يتكرر مرتين أو ثلاثا، فان تكرر وامكن جعله حيضا فهو حيض والا فلا

[ 349 ]

(مسألة) قال (والصفرة والكدرة في أيام الحيض من الحيض) متى رأت في أيام عادتها صفرة أو كدرة فهو حيض وان رأته بعد أيام حيضها لم تعتد به نص عليه أحمد وهو مذهب الثوري ومالك والشافعي: وقال أبو يوسف وأبو ثور لا يكون حيضا إلا أن يتقدمه دم أسود لان ام عطية قالت كنا لا نعد الصفرة بعد الغسل شيئا رواه أبو داود ولنا قوله تعالى (ويسألونك عن المحيض قل هو اذى) وهذا يتناول الصفرة والكدرة ولان النساء كن يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الصفرة والكدرة فتقول لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء تريد بذلك الطهر من الحيضة. وحديث أم عطية انما يتناول ما بعد الطهر والاغتسال ونحن نقول به ويدل عليه قول عائشة ما كنا نعد الكدرة والصفرة حيضا مع قولها المتقدم (فصل) وحكمها حكم الدم العبيط في انها في ايام الحيض حيض وتجلس منها المبتدأة كما تجلس من غيرها وان رأتها بعد العادة متصلة بها فهو كما لو رأت غيرها، على مابينا وان طهرت ثم رأت كدرة أو صفرة لم تلتفت إليها لحديث ام عطية وعائشة وقد روى النجاد باسناده عن محمد بن إسحاق عن فاطمة عن

[ 350 ]

أسماء قالت كنا في حجرها مع بنات بنتها فكانت تطهر ثم تصلي ثم تنكس بالصفرة اليسيرة فنسألها فتقول اعتزلن الصلاة حتى لا ترين الا البياض خالصا. والاول أولى لما ذكرنا من حديث أو عطية وعائشة وهو أولى من قول أسماء. وقال القاضي معنى هذا انها لا تلتفت إليه قبل التكرار، وقول اسماء

[ 351 ]

فيما إذا تكرر فجمع بين الاخبار والله أعلم (مسألة) (ومن كانت ترى يوما دما ويوما طهرا فانها تضم الدم إلى الدم فيكون حيضا والباقي طهرا إلا أن يجاوز اكثر الحيض فتكون مستحاضة) قد ذكرنا أن الطهر في اثناء الحيضة طهر صحيح فإذا رأت يوما دما ويوما طهرا فانها تضم الدم إلى الدم فيكون حيضا وما بينهما من النقاء طهر على ما ذكرنا. ولا فرق بين كون زمن الدم أكثر من زمن الطهر أو مثله أو أقل منه فان جميع الدم حيض إذا تكرر ولم يجاوز اكثر الحيض، فان كان الدم أقل من يوم مثل أن ترى نصف يوم دما ونصفا طهرا أو ساعة وساعة فقال اصحابنا: هو كالايام تضم الدم إلى الدم فيكون حيضا وما بينهما

[ 352 ]

طهر إذا بلغ المجتمع منه أقل الحيض فان لم يبلغ ذلك فهوم دم فساد، وفيه وج آخر لا يكون الدم حيضا إلا أن يتقدمه حيض صحيح متصل وهذا كله مذهب الشافعي وله قول أن النقاء بين الدمين حيض وقد ذكرناه وذكرنا أيضا لنا وجها في أن النقاء إذا نقص عن يوم لم يكن طهرا، فعلى هذا متى نقص عنه كان كالدم وما بعده حيضا كله (فصل) فان جاوز أكثر الحيض مثل أن ترى يوما دما ويوما طهرا إلى ثمانية عشر فهي مستحاضة ترد إلى عادتها ان كانت معتادة. فان كانت عادتها سبعة ايام من اول الشهر فانها تجلس أول يوم ترى الدم فيه في العادة وتغتسل، وما بعده مبني على الروايتين في الدم الذي تراه بعد الطهر في أثناء الحيضة

[ 353 ]

فان قلنا ليس بحيض فحيضها اليوم الاول خاصة وما بعده استحاضة. وإن قلنا انه حيض فحيضها اليوم الاول والثالث والخامس والسابع فيحصل لها من عادتها أربعة أيام والباقي استحاضة وإن لم تر الدم إلا في اليوم الثاني جلسته والرابع والسادس فيحصل لها ثلاثة أيام، وفيه وجه آخر انه تلفق لها السبعة من أيام الدم جميعها فتجلس التاسع والحادي عشر والرابع عشر، والصحيح الاول لان هذه الايام ليس من عادتها فلم تجلسها كغير الملفقة، وان كانت ناسيه فأجلسها سبعه أيام فكذلك. وان كانت مميزة جلست زمان الدم الاسود والباقي استحاضة، وان كانت مبتدأة جلست اليقين في ثلاثة أشهر وفي شهرين من أول دم تراه ثم تنتقل بعد ذلك إلى غالب الحيض وهل تلفق لها السبعة من

[ 354 ]

خمسة عشر يوما أو تجلس أربعة من سبعة؟ على الوجهين كالمعتادة، وقال القاضي في المعتادة كما ذكرنا وفي غيرها ما عبر الخمسة عشر استحاضة وأيام الدم من الخمسة عشر كلها حيض إذا تكرر فان كان يوما ويوما فلها ثمانية أيام حيضا وان كانت انصافا فلها سبعة ونصف حيضا ومثابا طهرا لان الطهر في اليوم السادس عشر يفصل بين الحيض وما بعده لانها فيما بعده في حكم الطاهرات تصوم وتصلي (فصل) قال (والمستحاضة تغسل فرجها وتعصبه وتتوضأ لوقت كل صلاة وتصلي ما شاءت من الصلوات وكذلك من به سلس البول والمذي والريح والجريح الذي لا يرقأ دمه والرعاف الدائم) المستحاضة التي ترى دما لا يصلح أن يكون حيضا ولا نفاسا حكمها حكم الطاهرات في وجوب العبادات

[ 355 ]

وفعلها لانها نجاسة غير معتادة أشبه سلس البول، إذا ثبت ذلك فان المستحاضة ومن في معناها ممن ذكرنا وهو من لا يمكنه حفظ طهارته لاستمرار الحدث يجب عليه غسل محل الحدث والتحرز من خروج الحدث بما أمكنه. فالمستحاضة تحشوه بالقطن وما أشبهه فان لم يرد الدم استثفرت بخرقة مشقوقة الطرفين تشدهما على جنبيها ووسطها على الفرج لان في حديث أم سلمة " لتستثفر بثوب " قال لحمنة حين شكت إليه كثرة الدم " أنعت لك الكرسف " يعني القطن تحشين به المكان قالت انه اكثر من ذلك قال " تلجمي " فإذا فعلت ذلك وتوضأت ثم خرج الدم لرخاوة الشدة فعليها اعادة الشد والوضوء وان كان لغلبة الخارج وقوته لم تبطل الطهارة لعدم امكان التحرز منه قالت عائشة اعتكفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من ازواجه فكلت فترى الدم والصفرة والطست تحتها وهي تصلي رواه البخاري وفي لفظ " صلي وان قطر الدم على الحصير " والمبتلى بسلس البول وكثرة المذي يعصب رأس ذكره بخرقة ويحترس حسبما أمكنه وكذلك من به جرح أو ريح أو نحوه من الاحداث فان كان مما لا يمكن عصبه كالجرح الذي لا يمكن شده أو من به باسور أو ناصور لا يمكن عصبه صلى على حسب حاله لان عمر رضي الله عنه صلى وجرحه يثعب دما (فصل) ويجب على كل واحد من هؤلاء الوضوء لوقت كل صلاة الا ان لا يخرج منه شئ وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي، وقال مالك لا يجب الوضوء على المستحاضة وروي ذلك عن عكرمة وربيعة. واستحب مالك لمن به سلس البول أن يتوضأ لكل صلاة الا أن يؤذيه البرد فان آذاه فأرجو

[ 356 ]

أن لا يكون عليه ضيق. واحتجوا بأن في حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة بنت أبي حبيش " فاغتسلي وصلي " فلم يأمرها بالوضوء ولانه ليس بمنصوص عليه ولا في معنى النصوص لانه غير معتاد ولنا ما روى عدي بن ثابت عن أبيه عن جده في المستحاضة " تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتصوم وتصلي وتتوضأ عند كل صلاة رواه أبو داود والترمذي وعن عائشة قالت جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر خبرها ثم قال " وتوضئي لكل صلاة حتى يجئ ذلك الوقت " رواه الامام أحمد وأبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح وهذه زيادة يجب قبولها

[ 357 ]

ولانه حدث خارج من السبيل فنقض الوضوء كالمذي - إذا ثبت هذا فان طهارة هؤلاء مقيدة بالوقت لقوله " تتوضأ عند كل صلاة " وقوله " ثم توضئي لكل صلاة " ولانها طهارة عذر وضرورة فقيدت بالوقت كالتيمم. فعلى هذا إذا توضأ أحد هؤلاء قبل الوقت بطلت طهارته لان دخوله يخرج به الوقت الذي توضأ فيه. وكذلك ان خرج منه شئ لان الحدث مبطل للطهارة وانما عفي عنه مع الحاجة إلى الطهارة ولا حاجة قبل الوقت وان توضأ بعد الوقت صح وضوؤه ولم يؤثر فيه ما يتجدد من الحدث الذي لا يمكن التحرز منه لما ذكرنا. فان صلى عقيب الطهارة أو أخرها لما يتعلق بمصلحة الصلاة كلبس الثياب وانتظار الجماعة أو لم يعلم أنه خرج منه شئ جاز وان أخرها لغير ذلك. ففيه وجهان

[ 358 ]

(أحدهما) الجواز قياسا على طهارة التيمم (والثاني) لا يجوز لانه انما ابيح له الصلاة بهذا الطهارة مع وجود الحدث للضرورة ولا ضرورة ههنا. وإن خرج الوقت بعد أن خرج منها شئ أو أحدث حدثا غير هذا الخارج بطلت الطهارة (فصل) ويجوز للمستحاضة ومن في معناها الجمع بين الصلاتين وقضاء الفوائت والتنفل إلى خروج الوقت قال أحمد في رواية ابن القاسم انما آمرها أن تتوضأ لكل صلاة فتصلي بذلك الوضوء النافلة والصلاة الفائتة حتى يدخل وقت الصلاة الاخرى فتتوضأ أيضا وهذا يقتضي إلحاقها بالتيمم، وقال الشافعي في المستحاضة لا تجمع بين فرضين بطهارة واحدة ولا تقضي به فوائت كقوله في

[ 359 ]

التيمم لقول النبي صلى الله عليه وسلم " توضئي لكل صلاة " ولنا أنه قد روي في بعض ألفاظ حديث فاطمة " توضئي لوقت كل صلاة " وحديثهم محمول على الوقت كقوله صلى الله عليه وسلم " أينما أدركتك الصلاة فصل " أي وقتها ولان النبي صلى الله عليه وسلم أمر حمنه بالجمع بين الصلاتين بغسل واحد وأمر به سهلة بنت سهيل ولم يأمرها بوضوء لان الظاهر أنه لو مرها بالوضوء بينهما لنقل ولان هذا مما يخفى ويحتاج إلى بيان فلا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة أو غير المستحاضة من أهل الاعذار مقيس عليها (فصل) إذا توضأت المستحاضة ثم انقطع دمها فان اتصل الانقطاع بطل وضوؤها بانقطاعه

[ 360 ]

لان الحدث الخارج منها مبطل للطهارة عفي عنه للعذر فإذا زال العذر ظهر حكم الحدث، وإن عاد الدم فظاهر كلام احمد انه لا عبرة بهذا الانقطاع قال احمد بن القاسم سألت أبا عبد الله فقلت إن هؤلاء يتكلمون بكلام كثير ويؤقتون بوقت يقولون إذا توضأت للصلاة وقد انقطع الدم ثم سأل بعد ذلك قبل ان تدخل في الصلاة تعيد الوضوء ويقولون ادا تطهرت والدم سائل ثم انقطع الدم قولا آخر؟ قال لست أنظر في انقطاعه حين وضات سال أم لم يسل انما آمرها أن تتوضأ لكل صلاة فتصلي بذلك الوضوء النافلة والفائتة حتى يدخل وقت الصلاة الاخرى، وقال القاضي وابن عقيل ان تطهرت حال جريان الدم ثم انقطع قبل دخولها في الصلاة ولم يكن لها عادة بانقطاعه لم يكن لها الدخول في

[ 361 ]

الصلاة حتى تتوضأ لانها طهارة عفي عن الحدث فيها للضرورة فإذا زالت ظهر حكم الحدث كالمتيمم إذا وجد الماء. فان دخلت في الصلاة فاتصل الانقطاع بحيث يتسع للوضوء والصلاة فالصلاة باطلة لاننا تبينا بطلان الطهارة بانقطاعه وإلا فطهارتها صحيحة لاننا تبينا عدم الانقطاع المبطل أشبه مالو ظن أنه أحدث ثم بان بخلافه. وفي صحة الصلاة وجهان (أحدهما) تصح بناء على صحة الطهارة لبقاء الاستحاضة (والثاني) لا تصح لانها صلت بطهارة لم يكن لها أن تصلي بها فلم تصح كما لو تيقن الحدث وشك في الطهارة وصلى. ثم تبين أنه كان متطهرا وان عاودها الدم قبل دخولها في الصلاة لمدة تتسع للطهارة والصلاة بطلت الطهارة، وان كانت لا تتسع لم تبطل لما ذكرنا وإن كان انقطاعه في الصلاة

[ 362 ]

واتصل انبنى على المتيمم يجد الماء في الصلاة ذكره ابن حامد، وان عاودها الدم فهو كما لو انقطع خارج الصلاة على ما مضى وان توضأت وهو منقطع ثم عاد قبل الصلاة أو فيها وكانت مدة انقطاعه تتسع للطهارة والصلاة بطلت طهارتها بعوده لانها صارت بهذا الانقطاع في حكم الطاهرات فصار عود الدم كسبق الحدث. وان لم يتسع لم يؤثر هذا الانقطاع وهذا قول للشافعي، وقد ذكرنا أن ظاهر كلام أحمد رحمه الله أنه لا عبرة بهذا الانقطاع بل متى كانت مستحاضة أو من في معناها فتحرزت وتطهرت فطهارتها صحيحة ما لم تبرأ أو يخرج الوقت أو تحدث حدثا آخر وهو أولى لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر المستحاضة بالوضوء لكل صلاة من غير تفصيل فالتفصيل يخالف مقتضى الخبر ولان هذا

[ 363 ]

لم يرد الشرع به ولا سأل عنه النبي صلى الله عليه وسلم المستحاضة التي استفتته ولم ينقل عنه ولا عن أحد من أصحابه هذا التفصيل وذلك يدل ظاهرا على عدم اعتباره ولان اعتبار هذا يشق. والعادة في المستحاضة ونحوها أن الخارج يجري وينقطع. واعتبار مدة الانقطاع بما يمكن فيه فعل العبادة بشق وايجاب الوضوء به حرج منفي بقوله تعالى (وما جعل عليكم في الدين من حرج) وكذلك فيما إذا كان لها عادة بانقطاعه زمنا لا يتسع للطهارة والصلاة على ما مضى من الخلاف فيه (فصل) فان كان للمستحاضة عادة بانقطاع الدم زمنا لا يتسع للطهارة والصلاة فتوضأت ثم انقطع

[ 364 ]

لم نحكم ببطلان طهارتها ولا صلاتها ان كانت فيها لان هذا الانقطاع لا يحصل به المقصود وان اتصل الانقطاع و برأت وكان قد جرى منها دم بعد الوضوء بطلت الطهارة والصلاة لانا تبينا انها صارت في حكم الطاهرات بالانقطاع وإن اتصل زمنا يتسع للطهارة والصلاة فالحكم فيه كالتي لم يجر لها عادة بانقطاعه على ما ذكرنا، وان كانت لها عادة بانقطاعه زمنا يتسع للصلاة والطهارة لم تصل حال جريان الدم وتنتظر انقطاعه إلا أن تخشى خروج الوقت فتتوضأ وتصلي فان شرعت في الصلاة في آخر الوقت بهذه الطهارة فأمسك الدم عنها بطلت طهارتها لانها أمكنتها الصلاة بطهارة صحيحة أشبهت غير المستحاضة، وان كان زمن إمساكه يختلف فتارة يتسع وتارة لا يتسع فهي كالتي قبلها إلا أن تعلم أن هذا الانقطاع لا يتسع. قال شيخنا: ويحتمل أنها إذا شرعت في الصلاة ثم انقطع

[ 365 ]

الدم لم تبطل صلاتها لانها شرعت فيها بطهارة متيقنة وانقطاع الدم يحتمل أن يكون متسعا فتبطل ويحتمل أن يكون ضيقا فلا تبطل فلا تزول عن اليقين بالشك وان اتصل الانقطاع تبينا أنه كان مبطلا فبطلت الصلاة. (فصل) (ويستحب للمستحاضة أن تغتسل لكل صلاة) وذهب بعض العلماء إلى وجوبه روي ذلك عن على وابن عمر وابن عباس وابن الزبير وهو أحد قولي الشافعي في المتحيرة لان أم حبيبة استحيضت سبع سنين فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم فكانت تغتسل عند كل صلاة وروي أبو داود ان امرأة كانت تهراق الدماء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وان رسول الله صلى الله عليه وسلم امرها ان تغتسل عند كل صلاة، وقال بعضهم تغتسل كل يوم غسلا روي ذلك عن عائشة وابن عمر وانس وقال بعضهم تجمع بين كل صلاتي جمع بغسل وتغتسل للصبح لان النبي صلى الله عليه وسلم

[ 366 ]

قال لحمنة " فان قويت ان تؤخري الظهر وتعجلي العصر ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين - الظهر والعصر حين تطهرين وتصلين الظهر والعصر جميعا ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين وتغتسلين للصبح فافعلي وصومي ان قويت على ذلك " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " وهو اعجب الامرين الي " وامر به سهلة بنت سهيل وبه قال عطاء والنخعي واكثر اهل العلم على أنها تغتسل عند انقضاء الحيض ثم عليها الوضوء لكل صلاة لقول النبي صلى الله عليه وسلم " انما ذلك عرق وليست بالحيضة فإذا اقبلت فدعي الصلاة فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي وتوضئي لكل صلاة " وقد ذكرنا حديث عدي بن ثابت وهذا يدل على أن الغسل المأمور به امر استحباب جمعا بين الاحاديث والغسل لكل صلاة أفضل لانه احوط، وفيه خروج من الخلاف، ويليه في الفضل الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بغسل والغسل للصبح ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم " وهو اعجب الامرين الي " ويليه الغسل

[ 367 ]

كل يوم مرة ثم بعده الغسل عند انقطاع الدم والوضوء لكل صلاة وذلك مجزئ ان شاء الله تعالى (مسألة) (وهل يباح وطئ المستحاضة في الفرج من غير خوف العنت على روايتين) (احداهما) لا يباح الا أن يخاف على نفسه الوقوع في المحظور وهو مذهب ابن سيرين والشعبي لان عائشة يروى عنها أنها قالت: المستحاضة لا يغشاها زوجها ولان بها أذى فيحرم وطؤها كالحيض لان الاذى علة لتحريم الوطئ لان الشارع ذكره عقيبة بفاء التعقيب فكان علة له كقوله تعالى (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) والاذى موجود في الاستحاضة فمنع وطؤها كالحائض (والثانية) يباح وطؤها مطلقا وهو قول أكثر أهل العلم لما روى أبو داود عن عكرمة عن حمنة بنت جحش أنها كانت مستحاضة وكان زوجها يجامها، وقال ان أم حبيبة كانت تستحاض وكان زوجها يغشاها، وقد كانت حمنة تحت طلحة وأم حبيبة تحت عبد الرحمن بن عوف وقد سألتا النبي صلى الله عليه وسلم عن أحكام المستحاضة فلو كان حراما لبينه لهما، فأما ان خاف على نفسه العنت أبيج على الروايتين لان حكمه أخف من حكم الحيض ومدته

[ 368 ]

تطول فان وطئها لغير ذلك وقلنا بالتحريم لم يكن عليه فكفارة لان الشرع لم يرد بها وقد فرقنا بينه وبين الحيض فان انقطع دمها أبيح وطؤها قبل الغسل لانه غير واجب عليها أشبه سلس البول (فصل) قال أحمد لا بأس ان تشرب المرأة دواء يقطع عنها الحيض إذا كان دواء معروفا والله أعلم (فصل) قال (وأكثر النفاس أربعون يوما) هذا قول أكثر أهل العلم روي ذلك عن عمر وعلي وابن عباس وعثمان بن أبي العاص وعائذ بن عمر وأنس وأم سلمة رضي الله عنهم وبه قال الثوري واسحاق وأصحاب الرأي، وقال الحسن البصري النفساء لا تكاد تجاوز الاربعين فان جاوزت الخمسين فهي مستحاضة، وقال مالك والشافعي أكثره ستون وحكاه ابن عقيل رواية عن أحمد لانه روي عن الاوزاعي أنه قال عندنا امرأة ترى النفاس شهرين، وروي نحو ذلك عن عطاء، والمرجع في ذلك إلى الوجود قال الشافعي وغالبه أربعون يوما ولنا ما روى أبو داود والترمذي عن مسة الازدية عن أم سلمة رضي الله عنها قالت كانت النفساء

[ 369 ]

تجلس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم اربعين يوما قال الترمذي لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث أبي سهل وهو ثقة. قال الخطابي أثنى محمد بن اسماعيل على هذا الحديث ولانه قل من سميناه من الصحابة ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم فكان اجماعا. قال الترمذي أجمع أهل العلم من اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم على ان النفساء تدع الصلاة اربعين يوما إلا أن ترى الطهر قبل ذلك فتغتسل وتصلي. قال أبو عبيد وعلى هذا جماعة الناس. وما حكوه عن الاوزاعي يحنمل ان الزيادة كانت حيضا أو استحاضة كما لو زاد دمها على الستين، فعلى هذا ان زاد دم النفساء على اربعين وصادف عادة الحيض فهو حيض وإلا فهو استحاضة نص عليه احمد لانه لا يخلو من أحدهما والله أعلم. (مسألة) قال (ولا حد لاقله) وبه قال الثوري والشافعي، وقال أبو الخطاب أقله قطرة وقال

[ 370 ]

محمد بن الحسن وأبو ثور أقله ساعة، وقال أبو عبيد أقله خمسة وعشرون يوما، وقال يعقوب أدناه احد عشر يوما ولنا انه لم يرد في الشرع تحديده فيرجع فيه إلى الوجود وقد وجد قليلا وكثيرا وقد روي أن امرأة ولدت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم تر دما فسميت ذات الجفوف ولان اليسير دم وجد عقيب سببه فكان نفاسا كالكثير (مسألة) (أي وقت رأت الطهر فهي طاهر تغتسل وتصلي إذا كان الطهر أقل من ساعة فينبغي أن لا تلتفت إليه لما ذكرنا من قول ابن عباس في الحيض وإن كان أكثر من ذلك فظاهر قوله ههنا أنها تغتسل وتصلي لحديث ابن عباس وهذا قول أكثر أصحابنا لقول علي رضي الله عنه: لا يحل للنفساء

[ 371 ]

إذا رأت الطهر الا أن تصلي. وقد روي عن احمد أنها إذا رأت النقاء أقل من يومين لا يثبت لها أحكام الطاهرات رواه يعقوب عنه فعلى هذا لا يثبت لها حكم الطاهرات إلا أن ترى الطهر يوما كاملا لان الدم يجري تارة وينقطع أخرى فلم يمكن اعتبار مجرد الانقطاع فلابد من ضابط للانقطاع المعدود طهرا واليوم يصلح أن يكون ضابطا فتعلق الحكم به والله أعلم (مسألة) (ويستحب أن لا يقربها في الفرج حتى تتم الاربعين). متى طهرت النفساء في مدة الاربعين أكثر من يوم لزمها الصوم والصلاة بعد أن تغتسل، وان كان أقل من يوم فقد ذكرنا الخلاف فيه، ويستحب لزوجها أن لا يطأها في الفرج وهي طاهرة حتى تتم الاربعين. قال احمد ما يعجبني أن يأتيها زوجها على حديث عثمان بن أبي العاص أنها أتته قبل الاربعين فقال لا تقربيني ولانه لا يأمن عود الدم في زمن الوطئ فيكون واطئا في نفاس ولا يحرم وطؤها لانها في حكم الطاهرات

[ 372 ]

ولذلك تجب عليها العبادات، وذكر القاضي في تحريمه روايتين في المجرد والصحيح أنه لا يحرم لما ذكرنا (مسألة) (فان انقطع دمها في مدة الاربعين ثم عاد فيها فهو نفاس وعنه أنه مشكوك فيه تصوم وتقضي الصوم المفروض) متى انقطع دمها في مدة الاربعين انقطاعا تجب عليها فيه العبادات ثم عاد في مدة الاربعين ففيه روايتان (إحداهما) هو نفاس تدع له الصوم والصلاة نقلها عنه أحمد بن القاسم وهذا قول عطاء والشعبي لانه دم في مدة النفاس أشبه مالو اتصل (والثانية) هو مشكوك فيه وهي أشهر نقلها عنه الاثرم وغيره فعلى هذا تصوم وتصلي لان سبب العبادة متيقن وسقوطها بهذا الدم

[ 373 ]

مشكوك فيه. ويجب عليها قضاء الصوم احتياطا لان الصوم واجب عليها بيقين وسقوطه بهذا الفعل مشكوك فيه. ولا يقربها زوجها احتياطا بخلاف الناسية إذا جلست ستا أو سبعا فانه لا يجب عليها قضاء الصوم الذي صامته مع الشك فيه، والفرق بينهما أن الغالب من عادات النساء ست أو سبع وما زاد عليه نادر بخلاف النفاس ولان الحيض يتكرر فيشق ذلك فيه وكذلك الدم الزائد عن العادة في الحيض، وقال مالك ان رأت الدم بعد يومين أو ثلاثة فهو نفاس وان تباعد فهو حيض، ولاصحاب الشافعي فيما إذا رأت الدم يوما وليلة بعد طهر خمسة عشر هل هو حيض أو نفاس؟ قولان. وقال القاضي: ان رأت الدم أقل من يوم وليلة بعد طهر خمسة عشر فهو دم فساد تصوم وتصلي ولا تقضي وهو قول أبي ثور، وان كان الدم الثاني

[ 374 ]

يوما وليلة فهو مشكوك فيه ذكرنا حكمه، ولنا انه دم صادف زمن النفاس فكان نفاسا كما لو استمر أو رأته قبل مضي يومين وينبغي أن لا يفرق بين قليله وكثيره لما ذكرنا، ومن قال هو حيض فهو نزاع في عبارة لاستواء حكم الحيض والنفاس، فأما ما صامته في زمن الطهر فلا يجب قضاؤه لانه صوم صحيح (فصل) إذا رأت المرأة الدم بعد وضع شئ يتبين فيه شئ من خلق الانسان فهو نفاس نص عليه وإن رأته بعد إلقاء نطفة أو علقة فليس بنفاس، وإن كان جسما لا يتبين فيه شئ من خلق الانسان ففيه وجهان (أحدهما) هو نفاس لانه بدء خلق آدمي أشبه مالو تبين (والثاني) ليس بنفاس لانه لم يتبين أشبه النطفة والعلقة والله أعلم

[ 375 ]

(مسألة) (وإن ولدت توأمين فأول النفاس من، الاول وآخره منه وعنه أنه من الاخير والاول أصح) ذكر أصحابنا عن أحمد رحمه الله في هذه المسألة روايتين (احداهما) أن أول النفاس وآخره من الاول وهذا قول مالك وأبي حنيفة، فعلى هذا متى انقضت مدة النفاس من حين وضع الاول لم يكن ما بعده نفاسا لان ما بعد الاول دم بعد الولادة أشبه المنفرد، وإذا كان أوله منه كان آخره منه كالمنفرد (والرواية الثانية) اختلف فيها أصحابنا. فقال الشريف أبو جعفر وأبو الخطاب في رءوس المسائل هي ان أوله من الاول وآخره من الثاني. وذكره القاضي في كتاب الروايتين لان الثاني ولد فلا تنقضي مدة النفاس قبل انتهائها منه كالمنفرد. فعلى هذا تزيد مدة النفاس على أربعين في حق من ولدت توأمين، وقال القاضي أبو الحسين وأبو الخطاب في الهداية: هي أن أول النفاس وآخره من الثاني حسب. وهو قول زفر لان مدة النفاس تتعلق بالولادة فكان ابتداؤها وانتهاؤها من الثاني كمدة المدة

[ 376 ]

فعلى هذا ما تراه من الدم قبل ولادة الثاني لا يكون نفاسا، ولاصحاب الشافعي ثلاثة أوجه كالاقوال الثلاثة وقال القاضي في المجرد النفاس عنهما رواية وانما الروايتان في وقت الابتداء هل هو عقيب انفصال الاول أو الثاني قال شيخنا وهذا ظاهره انكار لرواية من روى أن آخره من الاول والله أعلم (كتاب الصلاة) الصلاة في اللغة عبارة عن الدعاء قال الله تعالى (وصل عليهم) أي أدع لهم، وقال صلى الله عليه وسلم " إذا دعي أحدكم فليجب، فان كان مفطرا فليطعم وان كان صائما فليصل " وفي الشرع عبارة عن الافعال المعلومة فإذا ورد في الشرع أمر بصلاة أو حكم معلق عليها انصرف إلى الصلاة الشرعية في الظاهر (والاصل) في وجوبها الكتاب والسنة والاجماع. أما الكتاب فقوله تعالى (وما أمروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء. ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة " ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم " بني الاسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، واقام الصلاة وإيتاء الزكاء، وصيام رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا " متفق عليه والاخبار في ذلك كثيرة وأجمع المسلمون على وجوب خمس صلوات في اليوم والليلة، وهي واجبة على كل مسلم بالغ عاقل الا الحائض

[ 377 ]

والنفساء لما ذكرنا ولقول الله تعالى (ان الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) فاما الحائض والنفساء فلا تجب عليهما الصلاة لما ذكرنا في باب الحيض (مسألة) قال (وتجب على النائم ومن زال عقله بسكر أو اغماء أو شرب دواء) لا نعلم خلافا في وجوب الصلاة على النائم بمعنى أنه يجب عليه قضاؤها إذا استيقظ لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها " رواه مسلم بمعناه ولو لم تجب عليه في حال نومه لما وجب عليه قضاؤها كالمجنون وكذلك السكران ومن شرب محرما يزيل عقله لانه إذا وجب بالنوم المباح فبالمحرم بطريق الاولى وحكم المغمى عليه حكم النائم في وجوب قضاء العبادات عليه من الصلاة والصوم يروى ذلك عن عمار وعمران بن حصين وسمرة بن جندب. وروي عن ابن عمر وطاوس والحسن والزهري قالوا: لا يقضي الصلاة، وقال مالك والشافعي لا يلزمه قضاء الصلاة الا أن يفيق في جزء من وقتها لانه يروى أن عائشة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يغمى عليه فيترك الصلاة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ليس من ذلك قضاء الا ان يغمى عليه فيفيق في وقتها فيصليها " وقال أصحاب الرأي إن أغمي عليه اكثر من خمس صلوات لم يقض شيئا والا قضى الجميع لان ذلك يدخل في التكرار فاسقط القضاء كالمجنون. ولنا أن الاغماء لا يسقط فرض الصيام ولا يؤثر في ثوبت الولاية ولا تطول مدته غالبا أشبه

[ 378 ]

النوم وحديثهم يرويه الحكم بن عبد الله بن سعد وقد نهى أحمد عن حديثه، وقال البخاري تركوه وقياسه على المجنون لا يصح لانه تطول مدته غالبا وتثبت عليه الولاية ويسقط عنه الصوم ولا يجوز على الانبياء عليهم السلام بخلاف الاغماء ولان مالا يؤثر في اسقاط الخمس لا يؤثر في إسقاط الزائد عليها كالنوم (فصل) فأما شرب الدواء المباح الذي يزيل العقل فان كان لا يدوم كثيرا فهو كالاغماء وان تطاول فهو كالمجنون، وأما ما فيه السموم من الادوية فان كان الغالب من استعماله الهلاك أو الجنون لم يجز وان كان الغالب منه السلامة ويرجى نفعه أبيح شربه في الظاهر لدفع ما هو أخطر منه كغيره من الادوية ويحتمل أن يحرم لان فيه تعرضا للهلاك أشبه ما لو لم يرد به التداوي، والاول أصح فان قلنا يحرم شربه فهو كالمحرمات من الخمر ونحوه وان قلنا يباح فهو كالمباحات فيما ذكرنا والله أعلم (مسألة) (ولا تجب على كافر ولا مجنون ولا تصح منهما) اختلف أهل العلم في خطاب الكفار بفروع الاسلام وعن احمد رحمه الله فيه روايتان مع اجماعهم على أنها لا تصح منه في حال كفره ولا يجب عليه قضاؤها بعد اسلامه إذا كان أصليا وقد قال تعالى (قل للذين كفروا ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) ولانه قد اسلم خلق كثير في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وبعده فلم يأمر أحدا بقضاء ولان في إيجاب القضاء عليه تنفيرا عن الاسلام فعفي عنه، وأما المرتد فذكر أبو إسحاق بن شاقلا في وجوب القضاء عليه روايتين (إحداهما) لا يلزمه وهو ظاهر كلام الخرقي فعلى هذا لا يلزمه قضاء ما ترك

[ 379 ]

في حال كفره ولا في حال اسلامه قبل ردته وإن كان قد حج لزمه استئنافه لان عمله قد حبط بكفره بدليل قوله تعالى (لئن أشركت ليحبطن عملك) فصار كالكافر الاصلي في جميع أحكامه (والثانية) يلزمه قضاء ما ترك من العبادات في حال كفره واسلامه قبل ردته ولا يجب عليه إعادة الحج لان العمل انما يحبط بالاشراك مع الموت لقوله تعالى (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم) وهذا مذهب الشافعي ولان المرتد أقر بوجوب العبادات عليه واعتقد ذلك وقدر على التسبب إلى آدائها فلزمه كالمحدث، وذكر القاضي رواية ثالثة انه لا قضاء عليه لما ترك في حال ردته وعليه قضاء ما ترك في اسلامه قبل الردة لانه كان واجبا عليه قبل الردة فبقي الوجوب. قال وهذا المذهب هو اختيار ابن حامد وعلى هذا لا يلزمه استئناف الحج لان ذمته برئت منه بفعله قبل الردة فلم تشتغل به بعد ذلك كالصلاة ولان الردة لو أبطلت حجه أبطلت سائر عباداته المفعولة قبل ردته وهذا أولى ان شاء الله تعالى. فأما المجنون فلا تصح منه الصلاة لانه ليس من أهل التكليف أشبه الطفل ولا تجب عليه في حال جنونه ولا يلزمه قضاؤها إلا أن يفيق في وقت الصلاة لا نعلم في ذلك خلافا. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن لصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل " رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن

[ 380 ]

(مسألة) (وإذا صلى الكافر حكم باسلامه) لقوله صلى الله عليه وسلم " من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، فله مالنا وعليه ما علينا " وقال صلى الله عليه وسلم " بيننا وبينهم الصلاة " فجعل الصلاة حدا فمن أتى بها ينبغي أن يدخل في حد الاسلام ولانها أحد مباني الاسلام المختصة به فإذا فعلها حكم باسلامه كالشهادتين (مسألة) (ولا تجب على صبي وعنه انها تجب على من بلغ عشرا) ظاهر المذهب ان الصلاة لا تجب على الصبي حتى يبلغ لما ذكرنا من الحديث، وفيه رواية أخرى انها تجب على من بلغ عشرا لقول النبي صلى الله عليه وسلم " مروا الصبي بالصلاة لسبع واضربوه عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع " رواه أبو داود - أمر بعقوبته ولا تشرع العقوبة إلا لترك الواجب ولان حد الواجب ما عوقب على تركه، والاول أصح لقول النبي صلى الله عليه وسلم " رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ " ولانه صبي فلم تجب عليه كالصغير ولان الصبي ضعيف العقل والبنية ولا بد من ضابط يضبط الحد الذي تتكامل فيه بنيته وعقله فانه يتزايد تزايدا خفي التدريج فلا يعلم بنفسه. والبلوغ ضابط لذلك ولهذا تجب به الحدود ويتعلق به أكثر أحكام التكليف فكذلك الصلاة، فأما التأديب ههنا فهو كالتأديب على تعلم الخط والقرآن والصناعة ليعتادها ويتمرن عليها. ولا فرق بين الذكر والانثى فيما ذكرنا، ولا خلاف في أنها تصح من الصبي العاقل ويشترط لصحة صلاته من يشترط لصحة صلاة الكبير إلا في السترة فان قوله صلى الله عليه وسلم " لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار " يدل على صحتها بدون الخمار

[ 381 ]

(مسألة) (ويؤمر بها لسبع ويضرب على تركها لعشر) وهذا قول مكحول والاوزاعي واسحاق وابن المنذر للخبر، وقال ابن عمر وابن سيرين إذا عرف يمينه من يساره لانه يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن ذلك فقال " إذا عرف يمينه من شماله فمروه بالصلاة " رواه أبو داود وقال مالك والنخعي: يؤمر إذا ثغر، وقال عروة إذا عقل، قال القاضي يجب على ولي الصبي تعليمه الطهارة والصلاة وأمره بها إذا بلغ سبع سنين وتأديبه عليها إذا بلغ عشر سنين لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك وظاهر الامر الوجوب وهذا الامر والتأديب في حق الصبي لتمرينه عليها كي يألفها ويعتادها فلا يتركها عند البلوغ (مسألة) (فان بلغ في أثنائها أو بعدها في وقتها لزمه اعادتها) وهذا قول أبي حنيفة، وقال الشافعي لا تلزمه في الموضعين لانه أدى وظيفة الوقت فلم تلزمه اعادتها كالبالغ ولنا أنه صلاها قبل وجوبها وسببه فلم تجزه عما وجد سبب وجوبها كما لو صلى قبل الوقت ولانها نافلة في حقه لم تجزه كما لو نواها نفلا، ولانه بلغ في وقت العبادة بعد فعلها فلزمه اعادتها كالحج (مسألة) (ولا يحل لمن وجبت عليه الصلاة تأخيرها عن وقتها الا لمن ينوي الجمع أو لمشتغل بشرطها) وذلك لما روى أبو قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " أما انه ليس في النوم تفريط انما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجئ وقت الصلاة الاخرى " أخرجه مسلم فسماه تفريطا. وعن سعد

[ 382 ]

أنه قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن (الذين هم عن صلاتهم ساهون) قال " اضاعة الوقت " توعدهم على ذلك فدل على وجوبه هذا إذا كان ذاكرا لها قادرا على فعلها، فأما من نوى الجمع لعذر جاز له تأخير الاولى إلى وقت الثانية لان النبي صلى الله عليه وسلم فعله وكذلك المشتغل بشرطها لا يأثم لان الصلاة لا تصح بدونه إذا قدر عليه فمتى كان شرطا مقدورا عليه وجب عليه الاشتغال بتحصيله ولم يأثم بالتأخير في مدة تحصيله كالمشتغل بالوضوء والغسل (مسألة) (فمن جحد وجوبها كفر) متى جحد وجوب الصلاة نظرنا فان كان جاهلا به وهو ممن يجهل مثله ذلك كحديث الاسلام والناشئ ببادية عرف وجوبها لم يحكم بكفره لانه معذور، وإن كان ممن لا يجهل ذلك كالناشئ بين المسلمين في الامصار لم يقبل منه ادعاء الجهل وحكم بكفره لان أدلة الوجوب ظاهرة في الكتاب والسنة والمسلمون يفعلونها على الدوام فلا يخفى وجوبها عليه فلا يجحدها الا تكذيبا لله ورسوله صلى الله عليه وسلم واجماع الامة فهذا يصير مرتدا حكمه حكم سائر المرتدين عن الاسلام، قال شيخنا ولا أعلم في هذا خلافا، وإن تركها لمرض أو عجز عن أركانها اعلم أن ذلك لا يسقط الصلاة وأنه يجب عليه أن يصلي على حسب طاقته (مسألة) (وإن تركها تهاونا لا جحودا دعي إلى فعلها، فان أبى حتى تضايق وقت التي بعدها وجب قتله وعنه لا يجب حتى يترك ثلاثا ويضيق وقت الرابعة) وجملته أن من ترك الصلاة تهاونا وكسلا مع اعتقاد وجوبها دعي إلى فعلها وهدد فقيل له: صل والا قتلناك فان لم يصل حتى تضايق وقت

[ 383 ]

التي بعدها وجب قتله في إحدى الروايتين واختيار ابن عقيل وهو ظاهر كلام الخرقي لانه إذا ترك الاولى لم نعلم أنه عزم على تركها إلا بخروج الوقت فإذا خرج علمنا أنه تركها ولا يجب قتله بها لانها فائتة فإذا ضاق وقت الثانية وجب قتله، وقال أبو إسحاق بن شاقلا ان كان الترك للصلاة إلى صلاة لا تجمع معها كالفجر إلى الظهر والعصر إلى المغرب وجب قتله، وان كانت تجمع معها كالظهر إلى العصر والمغرب إلى العشاء فلا يقتل لان وقتهما وقت واحد في حال العذر ولان الوقتين كالوقت الواحد عند بعض العلماء، قال شيخنا وهذا قول حسن (والرواية الثانية) لا يقتل حتى يترك ثلاث صلوات ويضيق وقت الرابعة. قال أحمد رحمه الله لئلا تكون شبهة لانه قد يترك الصلاة والصلاتين والثلاث لشبهة فإذا رأيناه ترك الرابعة علمنا أنه عزم على تركها وانتفت الشبهة فيجب قتله، والصحيح الاول وقد نص أحمد فيمن ترك صلاة الفجر عامدا حتى وجبت عليه أخرى يستتاب فان تاب والا ضربت عنقه لانه قد وجد الترك وليس تقديرها بثلاث أولى من تقديرها بأربع وخمس وهو مذهب مالك والشافعي، وقال الزهري يسجن ويضرب، وقال أبو حنيفة لا يقتل لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا يحل دم امرئ مسلم إلا باحدى ثلاث كفر بعد إيمان، أو زنا بعد احصان أو قتل نفس بغير حق " ولم يوجد من هذا أحد الثلاثة وقال صلى الله عليه وسلم " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " متفق عليهما ولانه أحد الفروع فلا يقتل بتركه كالحج ولان الاصل تحريم الدم فلا تثبت الاباحة إلا بنص أو معناه والاصل عدمه

[ 384 ]

ولنا قوله تعالى (اقتلوا المشركين - إلى قوله - فان تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) فأباح قتلهم حتى يتوبوا من الكفر ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فمتى ترك الصلاة لم يأت بشرط التخلية فتبقى إباحة القتل وقال صلى الله عليه وسلم " من ترك الصلاة متعمدا برئت منه ذمة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم " رواه الامام أحمد وهذا يدل على إباحة قتله وقال صلى الله عليه وسلم " بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة " رواه مسلم وقال " نهيت عن قتل المصلين " ولانها ركن من أركان الاسلام لا تدخله النيابة فوجب أن يقتل تاركه كالشهادة وحديثهم حجة لنا لان الخبر الذي رويناه يدل على أن تركها كفر والحديث الآخر استثنى منه " إلا بحقها " والصلاة من حقها ثم ان أحاديثنا خاصة تخص عموم ما ذكروه وقياسهم على الحج لا يصح لاختلاف الناس في جواز تأخيره (مسألة) (ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثا فان تاب وإلا قتل بالسيف) لا يقتل تارك الصلاة حتى يستتا ثلاثة أيام ويضيق عليه ويدعى في وقت كل صلاة إلى فعلها لانه قتل لترك واجب فتقدمته الاستتابة كقتل المرتد ويقتل بالسيف لقوله صلى الله عليه وسلم " إذا قتلتم فاحسنوا القتلة " الحديث (مسألة) (وهل يقتل حدا أو لكفره؟ على روايتين) إحداهما يقتل لكفره كالمرتد فلا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن بين المسلمين اختارها أبو إسحاق بن شاقلا وابن عقيل وابن حامد وبه قال الحسن والنخعي والشعبي والاوزاعي وابن المبارك واسحاق ومحمد بن الحسن لقول رسول الله

[ 385 ]

صلى الله عليه وسلم " بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة " رواه مسلم. وعن بريدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر " رواه الامام أحمد والنسائي والترمذي وقال حديث حسن صحيح، وقال صلى الله عليه وسلم " أول ما مفقدون من دينكم الامانة وآخر ما تفقدون الصلاة " قال أحمد كل شئ ذهب آخره لم يبق منه شئ. وقال عمر رضي الله عنه لا حظ في الاسلام لمن ترك الصلاة، وقال علي رضي الله عنه: من لم يصل فهو كافر، قال عبد الله بن شقيق لم يكن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون شيئا من الاعمال تركه كفر غير الصلاة. ولانها عبادة يدخل بفعلها في الاسلام فيخرج بتركها منه كالشهادة (والرواية الثانية) يقتل حدا مع الحكم باسلامه كالزاني المحصن وهذا اختيار أبي عبد الله بن بطة وأنكر قول من قال انه يكفر وذكر أن المذهب على هذا لم يجد خلافا فيه وهو قول أكثر الفقهاء منهم أبو حنيفة ومالك والشافعي لقول البني صلى الله عليه وسلم " إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله " وعن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنة حق وأن النار حق أدخله الله الجنة على ما كان من عمل " وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة " متفق عليهن. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لكل

[ 386 ]

نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته واني اختبأت دعوتي شفاعة لامتي يوم القيامة فهي نائلة ان شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا " رواه مسلم. وعن عبادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة فمن حافظ عليهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة. ومن لم يأت بهن لم يكن له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة " ولو كان كافرا لم يدخله في المشيئة، وروي عن حذيفة أنه قال: يأتي على الناس زمان لا يبقى معهم من الاسلام إلا قول لا إله إلا الله. فقيل له وما ينفعهم؟ قال ينجيهم من النار لا أبا لك. وقال صلى الله عليه وسلم " صلوا على من قال لا إله إلا الله " رواه الخلال ولان ذلك اجماع المسلمين فاننا لا نعلم في عصر من الاعصار احدا من تاركي الصلاة ترك تغسيله والصلاة عليه ولا منع ميراث موروثه ولا فرق بين الزوجين لترك الصلاة من أحدهما مع كثرة تاركي الصلاة ولو كفر لثبتت هذه الاحكام ولا نعلم خلافا بين المسلمين أن تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها مع اختلافهم في المرتد، وأما الاحاديث المتقدمة فهي على وجه التغليظ والتشبيه بالكفار لا على الحقيقة كقوله صلى الله عليه وسلم " سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر " وقوله " من قال لاخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما " وقوله " من حلف بغير الله فقد أشرك " وقوله صلى الله عليه وسلم " كفر بالله تبرؤ من نسب وإن دق " وأشباه هذا مما أريد به التشديد في الوعيد، (قال شيخنا) رحمه الله وهذا أصوب القولين والله أعلم (فصل) ومن ترك شرطا مجمعا عليه أو ركنا كالطهارة والركوع والسجود فهو كتاركها حكمه

[ 387 ]

حكمه لان الصلاة مع ذلك وجودها كعدمها فاما الاركان المختلف فيها كازالة النجاسة وقراءة الفاتحة والاعتدال عن الركوع فان تركه معتقدا جوازه فلا شئ عليه والا لزمته الاعادة ولا يقتل بحال لانه مختلف فيه فلم يتعلق به حد كالمتزوج بغير ولي وسارق مال فيه شبهة وقال ابن عقيل لا بأس بوجوب قتله كما نحده بفعل ما يوجب الحد على مذهبه والله أعلم (باب الاذان والاقامة) أصل الاذان في اللغة الاعلام. قال الله تعالى (واذان من الله ورسوله) أي إعلام وقال الشاعر * آذنتنا ببينها أسماء * أي أعلمتنا والاذان للصلاة إعلام بوقتها والاذان الشرعي هو اللفظ المعلوم المشروع في أوقات الصلاة (فصل) وفيه فضل عظيم لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لو يعلم الناس ما في النداء والصف الاول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه " متفق عليه، وعن معاوية ابن أبي سفيان قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة " رواه مسلم وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من أذن سبع سنين محتسبا كتب

[ 388 ]

الله له براءة من النار رواه ابن ماجه وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ثلاثة على كثبان المسك يوم القيامة رجل أم قوما وهم به راضون، ورجل يؤذن في كل يوم خمس صلوات وعبد أدى حق الله وحق مواليه " رواه أحمد والترمذي، وعن البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ان الله وملائكته يصلون على الصف الاول المقدم والمؤذن يغفر له بمد صوته ويصدقه من سمعه من رطب ويابس وله مثل أجر من صلى معه " رواه الامام أحمد والنسائي (فصل) قال القاضي الآذان أفضل من الامامة وهذاحدى الروايتين عن أحمد وهو اختيار ابن أبي موسى وجماعة من أصحابنا وهذا مذهب الشافعي لما ذكرنا من الاخبار في فضيلته ولما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " الامام ضامن والمؤذن مؤتمن اللهم أرشد الائمة واغفر للمؤذنين " رواه الامام أحمد وأبو داود والترمذي والامانة أعلى من الضمان والمغفرة أعلى من الارشاد (والرواية الثانية) الامامة أفضل لان النبي صلى الله عليه وسلم تولاها بنفسه وخلفاؤه من بعده ولا يختارون الا الافضل ولان الامامة يختار لها من هو أكمل حالا وأفضل واعتبار فضلته دليل على فضيلة منزلته ومن نصر الرواية الاولى قال انما لم يتوله النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه لضيق وقتهم عنه ولهذا قال عمرو: لو لا الخليفاء لاذنت والله أعلم (مسألة) (وهما مشروعان للصلوات الخمس دون غيرها للرجال دون النساء) اجمعت الامة على أن الاذان والاقامة مشروع للصلوات الخمس ولا يشرعان لغير الصلوات الخمس لان المقصود منه الاعلام بوقت المفروضة على الاعيان وهذا لا يوجد في غيرها، والاصل في الاذان ما روي عن أنس

[ 389 ]

ابن مالك رضي الله عنه قال: لما كثر الناس ذكروا أن يعلموا لوقت الصلاة بشئ يعرفونه فذكروا أن يوروا نارا أو يضربوا ناقوسا فأمر بلال أن يشفع الاذان ويوتر الاقامة، متفق عليه وعن عبد الله ابن زيد بن عبد ربه رضي الله عنه قال ما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناقوس يعمل ليضرب به لجمع الناس للصلاة طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسا في يده فقلت يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت ندعوا به إلى الصلاة قال أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت بلى قال فقال تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله الا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، ثم استأخر عني غير بعيد ثم قال ثم تقول إذا أقمت الصلاة، الله أكبر الله اكبر، أشهد أن لا اله الا الله أشهد أن محمدا رسول الله، حي عى الصلاة حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر لا اله الا الله، فلما أصبحت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما رأيت فقال " انها لرؤيا حق ان شاء الله فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به فانه أندى صوتا منك " فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به، قال فسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو في بيته فخرج يجر رداءه يقول والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل الذي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فلله الحمد " أخرجه الامام أحمد وأبو داود وهذا لفظه وابن ماجه وأخرج الترمذي بعضه وقال حديث حسن صحيح

[ 390 ]

(فصل) وليس على النساء أذان ولا إقامة كذلك قال ابن عمر وأنس وسعيد بن المسيب والحسن وابن سيرين والثوري ومالك وأصحاب الرأي ولا نعلم عن غيرهم خلافهم. واختلفوا هل يسن لهن ذلك؟ فروي عن أحمد ان فعلن فلا بأس وإن لم يفعلن فجائز. وقال القاضي هل تستحب لها الاقامة؟ على روايتين، وعن جابر انها تقيم وبه قال عطاء ومجاهد والاوزاعي، وقال الشافعي إن أذن وأقمن فلا بأس، وعن عائشة انها كانت تؤذن وتقيم وبه قال إسحاق وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لام ورقة أن يؤذن لها ويقام وتؤم نساء اهل دارها إلا أن هذا الحديث يرويه الوليد بن جميع وقد قال ابن حبان لا يحتج بحديثه ووثقه يحيى بن معين، وروي عنه لا يشرع لها ذلك لما روى النجاد باسناده عن أسماء بنت يزيد قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ليس على النساء أذان ولا إقامة " ولان الاذان يشرع له رفع الصوت ولا يشرع لها ولا تشرع لها الاقامة لان من لا يشرع له الاذان لا تشرع له الاقامة كغير المصلي وكالمسبوق (مسألة) قال (وهما فرض على الكفاية ان اتفق أهل بلد على تركهما قاتلهم الامام) كذلك ذكره أبو بكر بن عبد العزيز وهو قول أكثر الاصحاب وبعض أصحاب مالك وبه قال عطاء ومجاهد، قال ابن المنذر الاذان والاقامة واجبان على كل جماعة في الحضر والسفر لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر به مالك بن الحويرث وصاحبه والامر يقتضي الوجوب. وداوم عليه هو وخلفاؤه وأصحابه

[ 391 ]

ولانه من شعائر الاسلام الظاهرة فكان فرضا كالجهاد فعلى هذا إذا قام به من تحصل به الكفاية سقط عن الباقين كسائر فروض الكفايات وإن اتفقوا على تركه أثموا كلهم، ولان بلالا كان يؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم فيكتفي به، وإن اتفق أهل البلد على تركه قاتلهم الامام عليه لانه من شعائر الاسلام الظاهرة فقوتلوا عليه كصلاة العيدين، وظاهر كلام الخرقي ان الاذان سنة غير واجب لانه قال فان صلى بلا أذان ولا اقامة كرهنا له ذلك فجعله مكروها وهو قول أبي حنيفة والشافعي لانه دعاء إلى الصلاة فأشبه قوله: الصلاة جامعة، وقال ابن أبي موسى الاذان سنة في احدى الروايتين الا أذان الجمعة حين يصعد الامام فانه واجب، وعلى كلا القولين إذا صلى بغير أذان ولا اقامة كره له ذلك لما ذكرنا وصحت صلاته لما روي عن علقمة والاسود أنهما قالا دخلنا على عبد الله فصلى بنا بلا أذان ولا اقامة. رواه الاثرم قال شيخنا ولا أعلم أحدا خالف في ذلك الا عطاء قال من نسى الاقامة يعيد ونحوه عن الاوزاعي، والصحيح إن شاء الله قول الجمهور لما ذكرنا ولان الاقامة أحد الاذانين فلم يفسد تركها كالآخر (فصل) ومن أوجب الاذان من أصحابنا انما أوجبه على أهل المصر فأما غير أهل المصر من المسافرين فلا يجب عليهم كذلك ذكره القاضي، وقال مالك انما يجب النداء في مساجد الجماعة التي يجتمع فيها للصلاة، وذلك لان الاذان انما شرع في الاصل للاعلام بالوقت ليجتمع الناس إلى الصلاة

[ 392 ]

ويدركوا الجماعة، ويحتمل أن يجب في السفر للجماعة وهو قول ابن المنذر لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر به بلالا في السفر وقال لمالك بن الحويرث ولابن عم له " إذا سافرتما فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما " متفق عليه وهذا ظاهر في وجوبه، ويكفي مؤذن في المصر إذا كان يسمعهم ويجتزئ بقيتهم بالاقامة، قال أحمد في الذي يصلي في بيته يجزئه أذان المصر وهو قول أصحاب الرأي، وقال مالك والاوزاعي تكفيه الاقامة، وقال الحسن وابن سيرين ان شاء أقام لان النبي صلى الله عليه وسلم قال للذي علمه الصلاة " إذا أردت الصلاة فأحسن الوضوء ثم استقبل القبلة وكبر " وفي لفظ رواه النسائي " فأقم ثم كبر " وقد ذكرنا حديث ابن مسعود (فصل) والافضل لكل مصل أن يؤذن ويقيم إلا أنه ان كان يصلي قضاء أو في غير وقت الاذان لم يجهر به، وإن كان في الوقت في بادية أو نحوها استحب له الجهر بالاذان لقول أبي سعيد: إذا كنت في غنمك أو بادينك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء فانه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا انس ولا شئ الا شهد له يوم القيامة، قال أبو سعيد سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه البخاري. وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغير إذا طلع الفجر. وكان إذا سمع أذانا أمسك والا أغار فسمع رجلا يقول: الله أكبر الله اكبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " على الفطرة " فقال أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خرجت من النار " فنظر فإذا صاحب معز: رواه مسلم

[ 393 ]

(فصل) ويستحب الاذان في السفر وللراعي وأشباهه في قول أكثر أهل العلم وكان ابن عمر يقيم لكل صلاة إقامة إلا الصبح فانه يؤذن لها ويقيم وكان يقول انما الاذان على الامام والامير الذي يجمع الناس (وعنه) انه كان لا يقيم الصلاة في أرض تقام فيها الصلاة. وعن علي رضي الله عنه ان شاء أذن وأقام وان شاء أقام وبه قال الثوري، وقال الحسن تجزئه الاقامة وقال ابراهيم في المسافرين وإذا كانوا رفاقا أذنوا وأقاموا وان كان وحده أقام الصلاة ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤذن له في الحضر والسفر وأمر به مالك بن الحويرث وصاحبه وما نقل عن السلف في هذا فالظاهر أنهم أرادوا وحده كما قال ابراهيم النخعي في كلامه والاذان مع ذلك أفضل لما ذكرنا من حديث أبي سعيد وحديث أنس وروى عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " يعجب ربك من راعي غنم في رأس الشظية للجبل يؤذن بالصلاة ويصلي فيقول الله عز وجل انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة يخاف مني قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة " رواه النسائي. والصلاة في الاذان على أربعة أضرب ما يشرع لها الاذان والاقامة وهي الفرض المؤداة من الصلوات الخمس، وصلاة يقيم لها ولا يؤذن وهي الثانية من صلاتي الجمع وما بعد الاولى من الفوائت، وصلاة لا يؤذن لها ولا يقيم لكن ينادي لها: اللاة جامعة: وهي العيدان والكسوف والاستسقاء، وصلاة لا يؤذن لها أصلا وهي صلاة الجنازة

[ 394 ]

(مسألة) (ولا يجوز أخذ الاجرة عليهما في أظهر الروايتين) وهو قول ابن المنذر وكرهه القاسم ابن عبد الرحمن والاوزاعي وأصحاب الرأي لان النبي صلى الله عليه وسلم قال لعثمان بن أبي العاص " واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا " رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن ولانه قربة لفاعله لا يصح إلا من مسلم فلم يجز أخذ الاجرة عليه كالامامة وروي عن أحمد أنه يجوز أخذ الاجرة عليه ورخص فيه مالك وقال لا بأس به لانه عمل معلوم يجوز أخذ الرزق عليه أشبه سائر الاعمال (مسألة) (فان لم يوجد متطوع بهما رزق الامام من بيت المال من يقوم بهما) لا نعلم خلافا في جواز أخذ الرزق عليه وهو قول الاوزاعي والشافعي لان بالمسلمين إليه حاجة وقد لا يوجد متطوع به فإذا لم يدفع الرزق فيه تعطل ويرزقه الامام من الفئ لانه المعد للمصالح فهو كارزاق القضاة والغزاة وقال الشافعي لا يرزق المؤذن الا من خمس الخمس سهم النبي صلى الله عليه وسلم حكاه ابن المنذر فأما إن وجد متطوع به لم يرزق غيره لعدم الحاجة إليه والله أعلم (مسألة) (وينبغي أن يكون المؤذن صيتا أمينا عالما بالاوقات) وجملة ذلك أنه يستحب أن يكون المؤذن صيتا لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن زيد " ألقه على بلال فانه أندى صوتا منك " واختار أبا محظورة للاذان لكونه صيتا ولانه أبلغ في الاعلام المقصود بالاذان (قال شيخنا) ويستحب أن يكون حسن الصوت لانه أرق لسامعه وأن يكون عدلا أمينا لانه مؤتمن يرجع إليه

[ 395 ]

في الصلاة والصيام فلا يؤمن أن يغرهم بأذانه إذا لم يكن كذلك. وقد روي عن أبي محذورة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أمناء الناس على صلاتهم وسحورهم المؤذنون " رواه البيهقي من رواية يحيى بن عبد الحميد وفيه كلام ولانه يؤذن على موضع عال فلا يؤمن منه النظر إلى العورات، وأن يكون عالما بالاوقات ليتحراها فيؤذن في أولها ولانه إذا لم يكن عالما لا يؤمن منه الغلط والخطأ. ويستحب أن يكون بصيرا لان الاعمى لا يعرف الوقت فربما غلط. وكره أذان الاعمى ابن مسعود وابن الزبير وعن ابن عباس انه كره اقامته وإن أذن صح أذانه لان ابن أم مكتوم كان يؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم قال ابن عمر وكان رجلا أعمى لا ينادي حتى قال له أصبحت أصبحت رواه البخاري، ويستحب أن يكون معه بصير كما كان ابن أم مكتوم يؤذن بعد بلال، وإن أذن الجاهل أيضا صح لانه ذا صح أذان الاعمى فالجاهل أولى. (مسألة) (فان تشاح فيه نفسان قدم أفضلهما في ذلك، ثم أفضلهما في دينه وعقله) متى تشاح نفسان في الاذان قدم أفضلهما في الخصال المذكورة لان النبي صلى الله عليه وسلم قدم بلالا على عبد الله ابن زيد لكونه أندى صوتا منه وقدم أبا محذورة لصوته، وقسنا عليه سائر الخصال فان استويا في هذه الخصال قدم أفضلهما في دينه وعقله لما روى ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ليؤذن لكم خياركم وليؤمكم أقرؤكم " رواه أبو داود وابن ماجه. فان استويا قدم من يختاره الجيران

[ 396 ]

لان الاذان لاعلامهم فكان لرضاهم أثر في التقديم ولانهم أعلم بمن يبلغهم صوته ومن هو أعف عن النظر فان تساويا من جميع الجهات أقرع بينهما لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لو يعلم الناس ما في النداء والصف الاول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا " ولما تشاح الناس في الاذان يوم القادسية أقرع بينهم سعد (مسألة) (والاذان خمسة عشر كلمة لا ترجيع فيه) هذا اختيار أبي عبد الله رحمه الله كما جاء في حديث عبد الله بن زيد الذي رويناه، وبهذا قال الثوري وأصحاب الرأي وإسحاق وابن المنذر وقال مالك والشافعي ومن تبعهما من أهل الحجاز: الاذان المسنون أذان أبي محذورة وهو كما وصفنا في حديث عبد الله بن زيد ويزيد فيه الترجيع وهو أن يذكر الشهادتين مرتين مرتين يخفض بذلك ثم يعيدهما رافعا بهما صوته إلا أن مالكا قال التكبير في أوله مرتان حسب، فيكون الاذان عنده سبعة عشر كلمة وعند الشافعي تسعة عشر كلمة واحتجوا بما روى أبو محذورة أن النبي صلى الله عليه وسلم لقنه الاذان وألقاه عليه فقال له " تقول أشهد أن لا إله الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، تخفض بها صوتك ثم ترفع صوتك بالشهادة أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله " ثم ذكر سائر الاذان أخرجه مسلم، واحتج مالك قال: كان الاذان الذي يؤذن به أبو محذورة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله. رواه مسلم

[ 397 ]

ولنا ما ذكرنا من حديث عبد الله بن زيد وهو أولى لان بلالا كان يؤذن به مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حضرا وسفرا وأقره النبي صلى الله عليه وسلم عليه بعد أذان أبي محذورة، قال الاثرم سمعت أبا عبد الله يسئل إلى أي الاذان تذهب؟ قال إلى أذان بلال، قيل له أليس حديث أبي محذورة بعد حديث عبد الله بن زبد لان حديث أبي محذورة بعد فتح مكة؟ فقال أليس قد رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فأقر بلالا على اذان عبد الله بن زيد؟ ويحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم انما أمر أبا محذورة بذكر الشهادتين سرا ليحصل له الاخلاص بهما فانه في الاسرار أبلغ، وخص أبا محذورة بذلك لانه لم يكن مقرا بهما حينئذ فان الخبر انه كان مستهزئا يحكي أذان مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمع النبي صلى الله عليه وسلم صوته فدعاه فأمره بالاذان قال ولا شئ عندي أبغض من النبي صلى الله عليه وسلم ولا مما يأمرني به، فقصد النبي صلى الله عليه وسلم نطقه بالشهادتين سرا ليسلم بذلك وهذا لا يوجد في غيره، ودليل هذا الاحتمال كون النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر به بلالا ولا غيره ممن هو ثابت الاسلام (مسألة) (والاقامة احدى عشرة كلمة فان رجع في الاذان أوثنى في الاقامة فلا بأس) وجملة ذلك أن الاقامة المختارة عند امامنا رحمه الله اقامة بلال التي ذكرنا في حديث عبد الله بن

[ 398 ]

زيد وهي الله أكبر، الله أكبر، اشهد أن لا اله الا الله، اشهد ان محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله اكبر الله أكبر لا اله الا الله وبهذا قال الاوزاعي وأهل الشام ويحيى بن يحيى وأبو ثور وإسحاق والشافعي وأصحابه وأهل مكة، وقال الثوري وأصحاب الرأي: الاقامة مثل الاذان وتزيد " قد قامت الصلاة مرتين " لما روي عن عبد الله بن زيد قال كان أذان رسول الله صلى الله عليه وسلم شفعا شفعا في الاذان والاقامة رواه الترمذي، وعن أبي محذورة أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه الاذان تسع عشرة كلمة والاقامة سبع عشرة كلمة رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح. وقال مالك الاقامة عشر كلمات يقول قد قامت الصلاة مرة واحدة لقول انس أمر بلالا أن يشفع الاذان ويوتر الاقامة متفق عليه ولنا ما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما انه قال انما كان الاذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين مرتين والاقامة مرة مرة إلا أنه يقول قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، رواه الامام أحمد وأبو داود والنسائي وفي حديث عبد الله بن زيد انه وصف الاقامة كما ذكرنا والحديث الذي احتجوا به من حديث عبد الله بن زيد رواه عنه عبد الرحمن بن أبي ليلى وقد قال الترمذي عبد الرحمن لم يسمع من عبد الله بن زيد وقال الصحيح ما روينا. والذي احتج به مالك حجة لنا لانه ذكره مجملا وقد فسره عبد الله بن عمر في حديثه وبينه فكان الاخذ به أولى، وخبر ابي محذورة متروك بالاجماع لان الشافعي لا يعمل به في الاقامة وأبو حنيفة لا يعمل به في الاذان فكان الاخذ بحديث عبد الله بن زيد أولى ولانا قد بينا ترجيحه في الاذان كذا في الاقامة والاختلاف ههنا

[ 399 ]

في الافضلية مع جواز كل واحد من الامرين نص عليه الامام أحمد، وبه قال اسحاق لكون كل واحد من الامرين قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم (مسألة) (ويقول في آذان الصبح الصلاة خير من النوم مرتين) وهذا مستحب في صلاة الصبح خاصة بعد قوله حي على الفلاح ويسمى هذا التثويب وبه قال ابن عمر والحسن ومالك والثوري واسحاق والشافعي في الصحيح عنه، وقال أبو حنيفة التثويب بين الاذان والاقامة في الفجر أن يقول " حي على الصلاة " مرتين " حي على الفلاح " مرتين ولنا ما روى النسائي وأبو داود عن أبي محذورة: فان كان صلاة الصبح قلت الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله. وما ذكروه قال اسحاق هذا شئ أحدثه الناس. وقال الترمذي وهو التثويب الذي كرهه أهل العلم، ويكره التثويب في غير الفجر سواء ثوب في الاذان أو بعده لما روي عن بلال قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أثوب في الفجر ونهاني أن أثوب في العشاء رواه الامام احمد وابن ماجه، ودخل ابن عمر مسجدا يصلي فيه فسمع رجلا يثوب في أذان الظهر فخرج فقيل له إلى أين؟ فقال أخرجتني البدعة ولان صلاة الفجر وقت ينام فيه عامة الناس فاختص بالتثويب لاختصاصه بالحاجه إليه (فصل) ولا يجوز الخروج من المسجد بعد الاذان الا لعذر، قال الترمذي وعلى هذا العمل

[ 400 ]

من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم أن لا يخرج أحد من المسجد بعد الاذان الا من عذر، قال أبو الشعثاء كنا قعودا مع أبي هريرة في المسجد فأذن المؤذن فقام رجل من المسجد بمشي فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد. فقال أبو هريرة أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم رواه مسلم وأبو داود والترمذي، وقال حديث حسن صحيح، وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أدركه الاذان في المسجد، ثم خرج لم يخرج لحاجة وهو لا يريد الرجعة فهو منافق. رواه ابن ماجه. فأما ان خرج لعذر كفعل ابن عمر حين سمع التثويب فجائز وكذلك من نوى الرجعة لحديث عثمان والله أعلم (مسألة) (ويستحب أن يترسل في الاذان ويحدر الاقامة) الترسل التمهل والتأني من قولهم جاء فلان على رسله - والحدر ضد ذلك وهو الاسراع وهو من آداب الاذان ومستحباته وهذا مذهب ابن عمر وبه قال الثوري والشافعي واسحاق وأبو ثور وأبو حنيفة وصاحباه وابن المنذر ولا نعلم عن غيرهم خلافهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم لبلال " إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحدر " رواه الترمذي وقال في اسناده مجهول، وروى أبو عبيد باسناده عن عمر رضي الله عنه أنه قال للمؤذن " إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحذم وأصل الحذم في المشي الاسراع ولانه يحصل به الفرق بين الاذان والاقامة فاستحب كالافراد ولان الاذان اعلام الغائبين فالتثبت فيه أبلغ في الاعلام والاقامة اعلام الحاضرين فلا حاجة إليه فيها، وذكر أبو عبد الله بن بطة أنه في الاذان والاقامة لا يصل الكلام بعضه ببعض معزبا بل

[ 401 ]

حزما وحكاه ابن الاعرابي عن أهل اللغة، وروي عن ابراهيم النخعي أنه قال: شيئان مجزومان كانوا لا يعربونهما الاذان والاقامة وهذا إشارة إلى جميعهم (مسألة) (ويؤذن قائما متطهرا على موضع عال مستقبل القبلة) قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن من السنة أن يؤذن المؤذن قائما. وروي في حديث أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال " قم فأذن " وكان مؤذنو رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذنون قياما، فان أذن قاعدا لعذر فلا بأس، قال الحسن العبدي رأيت أبا زيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذن قاعدا وكانت رجله أصيبت في سبيل الله. رواه الاثرم، وإن فعله لغير عذر فقد كرهه أهل العلم ويصح لانه ليس آكد من الخطبة وتصح من القاعد (فصل) ويجوز الاذان على الراحلة. قال الاثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن الاذان على الراحلة فسهل فيه، قال ابن المنذر ثبت أن ابن عمر كان يؤذن على البعير وينزل فيقيم، ولانه إذا جاز التنفل على الراحلة فالاذان أولى به. قاله سالم بن عبد الله وربعي بن خراش ومالك والاوزاعي والثوري وأصحاب الرأي الا أن مالكا قال لا يقيم وهو راكب (فصل) ويستحب أن يؤذن متطهرا من الحدثين الاصغر والاكبر لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا يؤذن الا متوضئ " رواه الترمذي، وروي موقوفا على أبي هريرة والوقوف أصح فان أذن محدثا جاز لانه لا يزيد على قراءة القرآن والطهارة لا تشترط لها وهو قول الشافعي والثوري وأبي

[ 402 ]

حنيفة ويكره له ذلك رويت كراهته عن عطاء ومجاهد والاوزاعي والشافعي واسحاق وابن المنذر ورخص فيه النخعي والحسن البصري وقتادة وحماد وقال مالك يؤذن على غير وضوء ولا يقيم الا على وضوء (فصل) فان أذن جنبا ففيه روايتان (احداهما) لا يعتد به اختاره الخرقي وهو قول اسحاق لما ذكرنا من الحديث ولانه ذكر مشروع للصلاة أشبه القراءة والخطبة (والثانية) يعتد به. قال الآمدي وهو المنصوص عن أحمد وهو قول أكثر أهل العلم لانه أحد الحدثين فلم يمنع صحته كالآخر ويستحب أن يؤذن على موضع عال لانه أبلغ في الاعلام، وروي عن امرأة من بني النجار قالت: كان بيتي من أطول البيوت حول المسجد وكان بلال يؤذن عليه الفجر فيأتي بسحر فيجلس على البيت ينظر إلى الفجر فإذا رآه تمطى ثم قال: اللهم إني أستعينك وأستعديك على قريش أن يقيموا دينك قالت ثم يؤذن. رواه أبو داود ويؤذن مستقبل القبلة ولا نعلم خلافا في استحبابه. قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن من السنة أن يستقبل القبلة بالاذان وذلك لان مؤذني النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يؤذنون مستقبلي القبلة، فان أخل باستقبال القبلة كره له ذلك وصح. وإن مشى في أذانه لم يبطل لان الخطبة لا تبطل به وهي آكد منه ولانه لا يخل بالاعلام المقصود من الاذان وسئل أحمد عن الرجل يؤذن وهو يمشي قال نعم أمر الاذان عندي سهل وسئل عن المؤذن يمشي وهو يقيم فقال يعجبني أن يفرغ

[ 403 ]

ثم يمشي، وقال في رواية حرب في المسافر أحب الي أن يؤذن ووجهه إلى القبلة وأرجو أن يجزئ (مسألة) (فإذا أبلغ الحيعلة التفت يمينا وشمالا ولم يستدر) الحيعلة قوله: حي على الصلاة، حي على الفلاح. ويستحب للمؤذن أن يلتفت يمينا إذا قال حي الصلاة، ويسارا إذا قال حي على الفلاح، ولا يزيل قدميه. وهذا ظاهر كلام الخرقي وهو قول النخعي والثوري والاوزاعي وأبي حنيفة وصاحبيه والشافعي. لما روى أبو جحيفة قال رأيت بلالا يؤذن فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا يقول يمينا وشمالا يقول حي على الصلاة، حي على الفلاح، متفق عليه. وفي لفظ قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في قبة حمراء من أدم فخرج بلال فأذن فلما بلغ حي على الصلاة حي على الفلاح لوى عنقه يمينا وشمالا ولم يستدر، رواه أبو داود. وذكر أصحابنا عن أحمد فيمن أذن في المنارة روايتين (احداهما) لا يدور للخبر وكما لو كان على وجه الارض (والثانية) يدور لانه لا يحصل بدونه وتحصيل المقصود مع الاخلال بالآداب أولى من العكس وهذا قول اسحاق (فصل) ويستحب رفع الصوت بالاذان لانه أبلغ في الاعلام وأعظم للاجر لما ذكرنا في خبر أبي سعيد ولا يجهد نفسه زيادة على طاقته كيلا يضر بنفسه وينقطع صوته، قال القاضي ويرفع نظره إلى السماء لان فيه حقيقة التوحيد، ومتى أذن لعامة الناس جهر بجميع الاذان، ولا يجهر بالبعض ويخافت بالبعض لانه يخل بمقصود الاذان، وان أذن لنفسه أو لجماعة خاصة حاضرين فله أن يخافت ويجهر

[ 404 ]

وان يجهر بالبعض ويخافت بالبعض إلا أن يكون في غير وقت الاذان فلا يجهر بشئ منه لئلا يغر الناس (مسألة) (ويجعل أصبعيه في أذنيه) وذلك مستحب وهو المشهور عن أحمد وعليه العمل عند أهل العلم كذلك قال الترمذي لما روى أبو جحيفة ان بلالا وضع أصبعيه في أذنيه رواه الامام أحمد والترمذي وقال حديث حسن صحيح، وعن سعد القرظ ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بلالا أن يجعل أصبعيه في أذنيه وقال انه أرفع لصوتك، رواه ابن ماجه. وقال الخرقي يجعل أصبعيه مضمومة على أذنيه رواه أبو طالب عن احمد انه قال أحب إلي أن يجعل بديه على أذنيه على حديث أبي محذورة واحتج لذلك القاضي بما روى أبو حفص باسناده عن ابن عمر رضي الله عنهما انه كان إذا بعث مؤذنا يقول له: اضمم أصابعك مع كفيك واجعلها مضمومة على أذنيك، وبما روى الامام احمد عن أبي محذورة انه كان يضم اصابعه والاول أصح لصحة الحديث وشهرته وعمل اهل العلم به وأيهما فعل فحسن وإن ترك الكل فلا بأس (مسألة) (ويتولاهما معا) يستحب أن يتولى الاقامة من يتولى الاذان وهو قول الشافعي، وقال أبو حنيفة ومالك لا فرق بينه وبين غيره لما روى أبو داود في حديث عبد الله بن زيد حين رأى الاذان فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " القه على بلال فانه أندى صوتا منك " فألقاه عله فأذن بلال فقال عبد الله أنا رأيته وأنا كنت أريده قال له أقم أنت، ولانه يحصل المقصود منه أشبه مالو تولاهما معا ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث زياد بن الحرث الصدائي " أن أخا صداء أذن ومن

[ 405 ]

أذن فهو يقيم " ولانهما ذكران يتقدمان الصلاة فسن أن يتولاهما واحد كالخطبتين وما ذكروه يدل على الجواز وهذا على الاستحباب (فصل) فان سبق المؤذن بالاذان فأراد المؤذن أن يقيم. فقال أحمد لو أعاد الاذان كما صنع أبو محذورة فروى عبد العزيز بن رفيع قال رأيت رجلا أذن قبل أبي محذورة. قال فجاء أبو محذورة فأذن ثم أقام أخرجه الاثرم. فان أقام بغير اعادة فلا بأس وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي لما ذكرنا من حديث عبد الله بن زيد (مسألة) (ويستحب للمؤذن أن يقيم في موضع أذانه الا أن يشق عليه) يعني يقيم الصلاة في الموضع الذي يؤذن فيه كذلك روي عن أحمد قال أحب إلي أن يقيم في مكانه ولم يبلغني فيه شئ الا حديث بلال: لا تسبقني بآمين. يعني لو كان يقيم في المسجد لما خاف أن يسبقه بالتأمين لان النبي صلى الله عليه وسلم انما كان يكبر بعد فراغ بلال من الاقامة. ولان الاقامة شرعت للاعلام بدليل قول ابن عمر كنا إذا سمعنا الاقامة توضأنا ثم خرجنا إلى الصلاة فينبغي أن تكون في موضع الاذان لكونه أبلغ في الاعلام، فأما ان شق عليه ذلك بحيث يؤذن في المنارة أو في مكان بعيد من المسجد فيقيم في غير موضعه لئلا يفوته بعض الصلاة

[ 406 ]

(فصل) ولا يقيم إلا باذن الامام فان بلالا كان يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم وفي حديث زياد بن الحارث الصدائي أنه قال فجعلت أقول للنبي صلى الله عليه وسلم أقيم أقيم؟ وروى أبو حفص باسناده عن علي قال: المؤذن أملك بالاذان والامام أملك بالاقامة ورواه البيهقي. قال وقد روي عن أبي هريرة مرفوعا وليس بمحفوظ (1) (مسألة) (ولا يصح الاذان إلا مرتبا متواليا فان نكسه أو فرق بينه بسكوت طويل أو كلام كثير أو محرم لم يعتد به) وجملة ذلك أن من شرط صحة الاذان أن يكون مرتبا متواليا لانه لا يعلم أنه أذان بدونهما ولانه شرع في الاصل كذلك وعلمه النبي صلى الله عليه وسلم أبا محذورة مرتبا فان نكسه لم يصح لما ذكرنا (فصل) ولا يستحب أن يتكلم في أثناء الاذان وكرهه طائفة من أهل العلم منهم النخعي وابن سيرين. قال الاوزاعي لم نعلم أحدا يقتدى به فعل ذلك. ورخص فيه الحسن وعطاء وعروة وسليمان ابن صرد. فان لم يطل الكلام جاز وان طال الكلام بطل الاذان لاخلاله بالموالاة المشترطة فيه، وكذلك لو سكت سكوتا طويلا أو نام نوما طويلا أو أغمى عليه طويلا أو أصابه جنون يقطع الموالاة بطل أذانه لما ذكرنا وإن كان يسيرا محرما ففيه وجهان (أحدهما) لا يبطل لانه لا يخل بالمقصود أشبه المباح (والثاني) يبطل الاذان لانه فعل محرما أشبه الردة. فان ارتد في أثناء الاذان بطل لقوله تعالى (لئن أشركت ليحبطن عملك) وان ارتد بعده. فقال القاضي يبطل قياسا على الطهارة (قال شيخنا)


1) حديث ابي هريرة رواه ابن عدي في ترجمة شريك القاضي وضعفه به ولكن وثقه ابن معين واحمد والصواب ما حققه الحافظ ابن حجر من انه صدوق يخطئ كثيرا وقد تغير حفظه منذ ولي القضاء

[ 407 ]

والصحيح أنه لا يبطل لانها وجدت بعد فراغه وانقضاء حكمه فأشبه سائر العبادات. فاما الطهارة فحكمها باق بدليل أنها تبطل بمبطلاتها فاما الاقامة فلا ينبغي أن يتكلم فيها لانه يستحب حدرها، قال أبو داود قلت لاحمد الرجل يتكلم في أذانه؟ قال نعم فقيل له يتكلم في الاقامة قال لا، وقد روي عن الزهري أنه إذا تكلم في الاقامة أعادها، وأكثر أهل العلم على أنه يجزئه قياسا على الاذان وليس للرجل أن يبني على أذان غيره لانها عبادة بدنية فلا تصح من شخصين كالصلاة. فاما الكلام بين الاذان والاقامة فجائز وكذلك بعد الاقامة قبل الدخول في الصلاة لانه روي عن عمر أنه كان يكلم الرجل بعد ما تقام الصلاة والله أعلم (مسألة) (ولا يصح الا بعد دخول الوقت الا الفجر فانه يؤذن لها بعد نصف الليل) أما الاذان لغير الفجر قبل الوقت فلا يجزئ بغير خلاف نعلمه. قال ابن المندر: أجمع أهل العلم على أن من السنة أن يؤذن للصلاة بعد دخول وقتها إلا الفجر ولان الاذان شرع للاعلام بالوقت فلا يشرع قبل الوقت لعدم حصول المقصود (فصل) وأما الفجر فيشرع لها الاذان قبل الوقت، وهو قول مالك والاوزاعي والشافعي واسحاق وقال الثوري وأبو حنيفة ومحمد لا يجوز لما روى ابن عمر أن بلالا أذن قبل طلوع الفجر فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع فينادي ألا ان العبد نام فرجع فنادى: ألا إن العبد نام، وعن بلال أن

[ 408 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له " لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر هكذا " ومد يديه عرضا رواهما أبو داود وقال طائفة من أهل الحديث إذا كان له مؤذنان يؤذن أحدهما قبل طلوع الفجر والآخر بعده فلا بأس وإلا فلا لان الاذان قبل الفجر يفوت المقصود من الاعلام بالوقت فلم يجز كبقية الصلوات فأما إذا كان له مؤذنان يحصل إعلام الوقت باحدهما كما كان للنبي صلى الله عليه وسلم جاز ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم " متفق عليه وهذا يدل على دوام ذلك منه وقد أقره النبي صلى الله عليه وسلم عليه ولم ينهه فدل على جوازه وروى زياد بن الحارث الصدائي قال. لما كان أذان الصبح أمرني النبي صلى الله عليه وسلم فاذنت فجعلت أقول: أقيم أقيم يا رسول الله؟ فجعل ينظر إلى ناحية المشرق فيقول " لا " حتى إذا طلع الفجر نزل فبرز ثم انصرف الي وقد تلاحق أصحابه فتوضأ فاراد بلال أن يقيم فقال النبي صلى الله عليه وسلم " إن أخا صداء قد أذن ومن أذن فهو يقيم " قال فاقمت رواه أبو داود والترمذي (1) وهذا قد أمره النبي صلى الله عليه وسلم لاذان قبل طلوع الفجر وهو حجة على من قال انما يجوز ذلك إذا كان معه مؤذنان فان زيادا أذن وحده في حديث ابن عمر الذي احتجوا به ولم يروه كذلك الا حماد ابن زيد رواه أحمد بن زيد ولدراوردي فقالا كان مؤذن لعمر يقال له مسعود وقال هذا أصح. وقال الترمذي في هذا الحديث إنه غير محفوظ وكذلك قال عمر بن المديني والحديث الآخر قال ابن عبد البر لا تقوم بمثله حجة لضعفه وانقطاعه وإنما اختصت الفجر بذلك دون سائر الصلوات لانه وقت النوم ليتأهب الناس للخروج إلى الصلاة وينتبهوا ولا يوجد ذلك في غيرها، وقد روي في بعض


1) ضعفه الترمذي بعبد الرحمن بن زياد ابن انعم الافريقي ولكنه قال والعمل على هذا عند اكثر اهل العلم ان من اذن فهو يقيم

[ 409 ]

الاحاديث " ان بلالا يؤذن بليل لينتبه نائمكم ويرجع قائمكم " رواه أبو داود ولا ينبغي أن يتقدم على الوقت كثيرا إذا كان المعنى فيه ما ذكرنا وقد روي أن بلالا كان بين أذانه وأذان ابن أم مكتوم أن ينزل هذا ويصعد هذا. وقال بعض أصحابنا ويجوز أن يؤذن لها بعد نصف الليل وهو مذهب الشافعي لان بذلك يخرج وقت العشاء المختار ويدخل وقت الدفع من مزدلفة ورمي جمرة العقبة وطواف الزيارة وروى الاثرم قال كان مؤذن دمشق يؤذن لصلاة الصبح في السحر بقدر ما يسير الراكب ستة أميال فلا ينكر ذلك مكحول ولا يقول شيئا (فصل) ويستحب أن لا يؤذن قبل الفجر الا أن يكون معه مؤذن آخر يؤذن إذا أصبح كبلال وابن أم مكتوم ولانه إذا لم يكن كذلك لم يحصل الاعلام بالوقت المقصود بالاذان، وينبغي لمن يؤذن قبل الوقت أن يجعل أذانه في وقت واحد في الليالي كلها ليعرف الناس ذلك من عادته فلا يغتروا بأذانه ولا يؤذن في الوقت تارة وقبله أخرى فيلتبس على الناس ويغترون به فربما صلى بعض من سمعه الصبح قبل وقتها ويمتنع من سحوره والمتنفل من تنفله إذا لم يعلم حاله ومن علم حاله لا يستفيد بأذانه لتردده بين الاحتمالين (فصل) ونص أحمد على انه يكره الاذان للفجر في رمضان قبل وقتها لئلا يغتر الناس به فيتركوا سحورهم. والصحيح أنه لا يكره في حق من عرفت عادته في الاذان بالليل لما ذكرنا من حديث بلال

[ 410 ]

ولقوله صلى الله عليه وسلم " لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال فانه يؤذن بليل لينتبه نائمكم ويرجع قائمكم " رواه أبو داود، ويستحب أن يؤذن في أول الوقت ليتأهب الناس للصلاة وقد روى جابر بن سمرة قال: كان بلال لا يخرم الاذان عن الوقت وربما أخر الاقامة شيئا رواه ابن ماجه وفي رواية كان بلال يؤذن إذا مالت الشمس لا يخرم (مسألة) (ويستحب أن يجلس بعد أذان المغرب جلسة خفيفة ثم يقيم) لما روى تمام في فوائده باسناده عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " جلوس المؤذن بين الاذان والاقامة في المغرب سنة " وحكي عن أبي حنيفة والشافعي انه لا يسن ولنا ما ذكرنا من الحديث وقد روى عبد الله بن أحمد باسناده عن أبي بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا بلال اجعل بين أذانك واقامتك نفسا يفرغ الآكل من طعامه في مهل ويقضي المتوضئ (1) حاجته في مهل " لان الاذان شرع للاعلام فليسن تأخير الاقامة ليدرك الناس الصلاة في المغرب كسائر الصلوات (فصل) ويستحب أن يفصل بنى الاذان والاقامة بقدر الوضوء وصلاة ركعتين لما ذكرنا من الحديث ولما روي جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبلال " اجعل بين أذانك واقامتك قدر ما يفرغ الا كل من أكله، والشارب من شربه والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته " رواه أبو داود والترمذي (2) (فصل) قال اسحاق بن منصور رأيت أحمد خرج عند المغرب فحين انتهى إلى موضع الصف


1) رواه من حديث ابي الجوزاء وهو لم يسمع من ابي ابن كعب 2) في اسناده ضعيفان عبد المنعم بن نعيم ويحيى بن مسلم البكاء وله شاهدا ضعف منه

[ 411 ]

أخذ المؤذن في الاقامة فجلس قال احمد يقعد الرجل مقدار الركعتين إذا أذن المغرب. قيل من أين؟ قال من حديث أنس وغيره كان اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أذن المؤذن ابتدروا السواري وصلوا ركعتين، وروى الخلال عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء وبلال في الاقامة فقعد (مسألة) (ومن جمع بين صلاتين أو قضى فوائت أذن وأقام للاولى ثم أقام لكل صلاة بعدها) متى جمع بين صلاتين أذن واقام للاول ثم اقام للثانية سواء كان الجمع في وقت الاولى أو الثانية لما روى جابر ان النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر بعرفة وبين المغرب والعشاء بمزدلفة بأذان وإقامتين رواه مسلم. وعن ابن عمر قال جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء يجمع كل واحدة منهما باقامة رواه البخاري. إلا انه إذا جمع في وقت الاولى كان الاذان لها آكد لانها مفعولة في وقتها أشبه مالو لم يجمع، وإن كان في وقت الثانية فلم يؤذن أو جمع بينهما باقامة واحدة فلا بأس لما روى ابن عمر قال جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء بجمع صلى المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين باقامة واحدة، رواه مسلم ولان الاولى مفعولة في غير وقتها فهي كالفائتة. والثانية مسبوقة بصلاة فلم يشرع لها الاذان كالثانية من الفوائت، وقال مالك يؤذن للاولى

[ 412 ]

والثانية ويقيم لان الثانية منهما صلاة يشرع لها الاذان لو لم تجمع فكذلك إذا جمعت وهو مخالف لما ذكرنا من الاحاديث الصحيحة (فصل) فأما قضاء الفوائت فان كانت الفائتة واحدة أذن لها وأقام لما روى عمرو بن أمية الضمري قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فنام عن الصبح حتى طلعت الشمس فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تنحوا عن هذا المكان، قال ثم أمر بلالا فأذن ثم توضؤا وصلوا ركعتي الفجر ثم أمر بلالا فأقام الصلاة فصلى بهم صلاة الصبح رواه أبو داود، وإن كثرت الفوائت أذن وأقام للاولى ثم اقام لكل صلاة بعدها لما روى ابو عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود أن المشركين شغلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله فأمر بلالا فأذن ثم اقام فصلى الظهر ثم اقام فصلى العصر ثم اقام فصلى المغرب ثم اقام فصلى العشاء رواه الامام أحمد والنسائي والترمذي وقال حديث عبد الله ليس باسناده بأس إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من عبد الله، وإن لم يؤذن فلا بأس وهذا في الجماعة، فان كان وحده كان استحباب ذلك أدنى في حقه لان الاذان والاقامة للاعلام ولا حاجة إلى الاعلام ههنا. وقد روي عن أحمد فيمن فاتته صلوات فقضاها فأذن وأقام مرة واحدة فسهل في ذلك ورآه حسنا وروي ذلك عن الشافعي وله قولان آخران (أحدهما) انه يقيم ولا يؤذن وهو قول مالك لما روى أبو سعيد قال: حبسنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب بهوي من الليل قال فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأمره فأقام الظهر فصلاها ثم أمره فأقام العصر فصلاها، ولان الاذان للاعلام بالوقت وقد فات

[ 413 ]

والقول الثاني للشافعي: إن رجي اجتماع الناس أذن والا فلا لانه لا حاجة إليه، وقال أبو حنيفة يؤذن لكل صلاة ويقيم لان ما سن للصلاة في ادائها سن في قضائها كسائر المسنونات، والاول أولى لحديث ابن مسعود وهو متضمن للزيادة، والزيادة من الثقة مقبولة، وما قال أبو حنيفة مخالف لحديث ابن ابن مسعود وأبي سعيد، ولان الثانية من الفوائت صلاة قد أذن لما قبلها أشبهت الثانية من المجموعتين وقياسهم ينتقض بهذا والله أعلم (فصل) ومن دخل مسجدا قد صلي فيه فان شاء أذن وأقام نص عليه لانه روي عن أنس أنه دخل مسجدا قد صلوا فيه فأمر رجلا فأذن وأقام فصلى بهم في جماعة رواه الاثرم، وإن شاء صلى من غير أذان ولا إقامة قال عروة إذا انتهيت إلى مسجد وقد صلى فيه ناس أذنوا وأقاموا فان أذانهم وإقامتهم تجزئ عمن جاء بعدهم. وهذا قول الحسن والشعبي والنخعي إلا أن الحسن قال: كان أحب إليهم أن يقيم، وإن أذن أخفى ذلك لئلا يغر الناس

[ 414 ]

(فصل) وإن أذن المؤذن وأقام لم يستحب لسائر الناس أن يؤذن كل انسان في نفسه ويقيم بعد فراغ المؤذن لكن يقول كما يقول المؤذن لان السنة انما وردت بهذا (مسألة) (وهل يجزئ أذان المميز للبالغين؟ على روايتين) وجملة ذلك أن الاذان لا يصح الا من مسلم عاقل ذكر. فأما الكافر والمجنون والطفل فلا يصح أذانهم لانهم ليسوا من أهل العبادات، ولا يعتد بأذان المرأة لانه لا يشرع لها الاذان أشبهت المجنون ولان رفع صوتها منهي عنه، وإذا كان كذلك خرج عن كونه قربة فلا يصح كالحكاية، ولا أذان الخنثى المشكل لانه لا يعلم كونه رجلا وهذا كله مذهب الشافعي ولا نعلم فيه خلافا، ويصح أذان العبد لان امامته تصح فأذانه أولى، وهل يصح أذان الصبي؟ فيه روايتان (أولاهما) صحة أذانه وهذا قول عطاء والشعبي والشافعي وابن المنذر، وذكر القاضي أن المراهق يصح أذانه رواية واحدة، وقد روى ابن المنذر باسناده عن عبد الله بن أبي بكر بن أنس قال كان عمومتي يأمرونني أن أؤذن لهم وأنا غلام لم أحتلم وأنس بن مالك شاهد لم ينكر ذلك وهذا

[ 415 ]

مما يظهر ولا يخفى ولم ينكر فكان إجماعا ولانه ذكر تصح صلاته فصح أذانه كالبالغ (والثانية) لا يصح لان الاذان شرع للاعلام ولا يحصل الاعلام بقوله لانه لا يقبل خبره ولا روايته (مسألة) (وهل يصح أذان الفاسق، والاذان الملحن؟ على وجهين) ذكر أصحابنا في صحة أذان الفاسق وجهين (أحدهما) لا يصح لما ذكرنا في الصبي ولان النبي صلى الله عليه وسلم وصفهم بالامانة والفاسق غير أمين (والثاني) يصح لانه ذكر تصح صلاته فصح أذانه كالعدل. وهذا قول الشافعي وهذا الخلاف فيمن هو ظاهر الفسق. فأما مستور الحال فيصح أذانه بغير خلاف علمناه، وفي الاذان الملحن وجهان (أحدهما) لا يصح لما روى ابن عباس قال كان للنبي صلى الله عليه وسلم مؤذن يطرب فقال النبي صلى الله عليه وسلم " ان الاذان سمح سهل فان كان أذانك سمحا سهلا والا فلا تؤذن " رواه الدار قطني (والثاني) يصح وهو أصح لان المقصود يحصل به فهو كغير الملحن والحديث ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (فصل) ويكره اللحن في الاذان فانه ربما غير المعنى فان من نصب لام رسول أخرجه عن كونه خبرا، ولا يمد لفظة (أكبر) لانه يجعل فيها الفا فيصير جمع (كبر) وهو الطبل ولا يسقط الهاء من اسم الله واسم الصلاة، والحاء من الفلاح لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يؤذن لكم من يدغم الهاء - قلنا وكيف يقول؟ قال - يقول أشهد أن لا اله الا اللا أشهد أن محمدا رسول اللا " أخرجه

[ 416 ]

الدار قطني في الافراد. فأما ان كان ألثغ لثغة فاحشة كره أذانه وان كانت لا تتفاحش فلا بأس فقد روي أن بلالا كان يجعل الشين سينا. والفصيح أحسن واكمل والله أعلم (مسألة) (ويستحب لمن سمع المؤذن أن يقول كما يقول الا في الحيعلة فانه يقول لا حول ولا قوة الا بالله) وهذا مستحب لا نعلم في استحبابه خلافا لما روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إذا قال المؤذن: الله اكبر الله اكبر، فقال احدكم الله اكبر الله اكبر، ثم قال أشهد أن لا إله الا الله قال اشهد ان لا اله الا الله. ثم قال اشهد ان محمدا رسول الله قال اشهد ان محمدا رسول الله ثم قال حي على الصلاة قال لا حول ولا قوة الا بالله ثم قال حي على الفلاح قال لا حول ولا قوة الا بالله ثم قال: الله اكبر الله اكبر. قال الله اكبر الله اكبر ثم قال لا اله الا الله قال لا اله الا الله - من قلبه دخل الجنة " رواه مسلم قال الاثرم هذا من الاحاديث الجياد. وعن ابي رافع ان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع النداء قال مثل ما يقول المؤذن فإذا بلغ حي على الصلاة قال لا حول ولا قوة الا بالله رواه الاثرم، ويستحب لمن سمع الاقامة ان يقول مثل ما يقول ويقول عند كلمة الاقامة

[ 417 ]

أقامها الله وأدامها لما روى أبو داود باسناده عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ان بلالا أخذ في الاقامة فلما ان قال قد قامت الصلاة قال النبي صلى الله عليه وسلم " اقامها الله وادامها " قال في سائر الاقامة كنحو حديث عمر في الاذان (فصل) روى سعد بن أبي وقاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من قال حين يسمغ النداء وانا أشهد ان لا إله الا الله وحده لا شريك له، وان محمدا عبده ورسوله، رضيت بالله ربا، وبالاسلام دينا (1) وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا - غفر له ذنبه " رواه مسلم، وعن أم سلمة قالت علمني النبي صلى الله عليه وسلم أن أقول عند اذان المغرب " اللهم ان هذا اقبال ليلك، وادبار نهارك، واصوات دعائك فاغفر لي " رواه أبو داود (مسألة) (ثم يقول عند فراغه اللهم رب هذا الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته انك لا تخلف الميعاد) لما روى جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته - حلت له شفاعتي " رواه البخاري (فصل) ويستحب أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو لما روى جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من قال حين ينادي المنادي: اللهم رب هذه الدعوة القائمة والصلاة النافعة صل على محمد وارض عنه رضا لاسخط بعده، استجاب الله له دعوته " رواه الامام احمد، وروى أنس قال: قال


1) لفظ مسلم بمحمد رسولا وبالاسلام دينا

[ 418 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم " الدعاء لا يرد بين الاذان والاقامة " رواه الامام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وقال حديث حسن، وعن عبد الله بن عمرو أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فانه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فانها منزلة في الجنة لا تنبغي الا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة " رواه مسلم (فصل) فان سمع الاذان وهو يقرأ قطع القراءة ليقول مثله لانه يفوت والقراءة لا تفوت، فان سمعه وهو يصلي لم يقل كقوله لئلا يشتغل عن الصلاة بما ليس منها، وإن قالها ما عدا الحيعلة لم تبطل الصلاة لانه ذكر، وإن قال الدعاء فيها بطلت لانه خطاب لآدمي (فصل) وروي عن أحمد أنه كان إذا أذن فقال كلمة من الاذان قال مثلها سرا فظاهره أنه رأى ذلك مستحبا ليكون ما يظهره أذانا وما يسره ذكرا لله تعالى فيكون بمنزلة من سمع الاذان وقد رواه القاضي عن أحمد أنه قال استحب للمؤذن أيضا ان يقول مثل ما يقول في خفيه (فصل) قال الاثرم سمعت ابا عبد الله يسأل عن الرجل يقوم حين يسمع المؤذن مبادرا يركع (1) فقال يستحب أن يكون ركوعه بعد ما يفرغ المؤذن أو يقرب من الفراغ لانه يقال إن الشيطان ينفر


1) أي يصلي متنفلا

[ 419 ]

حين يسمع الاذان فلا ينبغي أن يبادر للقيام، وان دخل المسجد فسمع المؤذن استحب له انتظاره ليفرغ ويقول مثل ما يقول ليجمع بين الفضيلتين، وإن لم يقل كقوله وافتتح الصلاة فلا بأس نص عليه أحمد. (فصل) ولا تستحب الزيادة على مؤذنين كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له بلال وابن أم مكتوم إلا أن تدعو الحاجة فيجوز فانه قد روي عن عثمان رضي الله عنه أنه اتخذ أربعة مؤذنين وإذا كانوا أكثر من واحد وكان الواحد يسمع الناس فالمستحب أن يؤذن واحد بعد واحد كما روي عن مؤذني النبي صلى الله عليه وسلم فان كان الاعلام لا يحصل بواحد أذنوا على حسب الحاجة إما أن يؤذن كل واحد في ناحية أو دفعة واحدة في موضع واحد (فصل) ولا يؤذن قبل المؤذن الراتب إلا أن يتأخر أو يخاف فوات وقت التأذين فيؤذن غيره كما روي أن زياد بن الحارث أذن للنبي صلى الله عليه وسلم حين غاب بلالا فأما مع حضوره فلا. فان مؤذني النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن غيرهم يسبقهم بالاذان (فصل) وإذا أذن في الوقت كره له أن يخرج من المسجد إلا لحاجة ثم يعود لانه ربما احتيج إلى الاقامة فلا يوجد وإن أذن قبل الوقت للفجر فلا بأس بذهابه لانه لا يحتاج إلى حضوره قبل الوقت قال أحمد في الرجل يؤذن في الليل على غير وضوء فيدخل المنزل ويدع المسجد أرجو أن يكون موسعا عليه ولكن إذا أذن وهو متوضئ في وقت الصلاة فلا أرى له أن يخرج من المسجد حتى يصلي إلا ان يكون لحاجة.

[ 420 ]

(فصل) إذا أذن في بيته وكان قريبا من المسجد فلا بأس وان كان بعيدا كره له ذلك لان القريب من المسجد يسمع أذانه عند المسجد فيأتون إلى المسجد والبعيد قد يسمعه من لا يعرف المسجد فيغتر به ويقصده فيضيع عن المسجد فانه قد روي عن أحمد في الذي يؤذن في بيته وبينه وبين المسجد طريق يسمع الناس أرجو أن لا يكون به بأس وقال في رواية ابراهيم الحربي فيمن يؤذن في بيته على سطح معاذ الله ما سمعنا أن أحدا يفعل هذا فحمل الاول على القريب والثاني على البعيد وقد روي أن بلالا كان يؤذن على سطح امرأة من الانصار والله أعلم فصول في المساجد (فصل في فضل المساجد وبنائها وغير ذلك) عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من بني مسجدا - قال بكير حسبت أنه قال - يبتغي به وجه الله بني الله له بيتا في الجنة " متفق عليه وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من بنى مسجدا كمفحص قطاة أو أصغر بنى الله له بيتا في الجنة " رواه ابن ماجه وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها " رواه مسلم ويستحب اتخاذ المساجد في الدور وتنظيفها وتطبيبها لما روت عائشة قالت أمر رسول الله صلى الله

[ 421 ]

عليه وسلم ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب رواه الامام أحمد. وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد " رواه أبو داود، وعن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أخرج أذى من المسجد بنى الله له بيتا في الجنة " (فصل) يستحب تخليق المسجد وأن يسرج فيه لما روي عن أنس بن مالك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في قبلة المسجد فغضب حتى احمر وجهه فجاءته امرأة من الانصار فحكمتها وجعلت مكانها خلوقا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما أحسن هذا " رواه النسائي وابن ماجه. وعن ميمونة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها قالت: يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس؟ فقال " ائتوه فصلوا فيه " وكانت البلاد إذ ذاك حربا قال " فان لم تأتوه وتصلوا فيه فابعثوا بزيت يسرج في قناديله " رواه الامام احمد وأبو داود وابن ماجه. وفي رواية الامام أحمد " ائتوه فصلوا فيه فان صلاة فيه كألف صلاة - قالت أرأيت من لم يطق أن يتحمل إليه أو يأتيه قال - فليهد إليه زيتا يسرج فيه فان من أهدى له كان كمن صلى فيه "

[ 422 ]

(فصل فيما يباح في المسجد) يباح النوم فيه لما روى عبد الله بن عمر انه كان ينام وهو شاب عزب لا أهل له في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، متفق عليه. وكان أهل الصفة ينامون في المسجد ويباح للمريض أن يكون في المسجد وأن تكون فيه خيمة، قالت عائشة أصيب سعد يوم الخندق في الاكحل فضرب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد يعوده من قريب، متفق عليه ويباح دخول البعير المسجد لان النبي صلى الله عليه وسلم طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن متفق عليه. ولا بأس بالاجتماع في المسجد والاكل فيه والاستلقاء فيه لما روى أبو واقد الليثى قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد إذ اقبل ثلاثة نفر فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب واحد فأما أحدهما فرأى فرجه فجلس وأما الآخر فجلس خلفهم فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ألا أخبركم عن الثلاثة أما أحدهم فآوى إلى الله فأواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه " متفق عليه. عن عبد الله بن الحارث قال كنا نأكل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الخبز واللحم رواه ابن ماجه وعن عباد بن

[ 423 ]

تميم عن عمه عبد الله بن زيد انه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مستلقيا في المسجد واضعا إحدى رجليه على الاخرى متفق عليه. ويجوز السؤال في المسجد لما روى عبد الرحمن بن ابي بكر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هل منكم أحد أطعم اليوم مسكينا " وذكر الحديث رواه أبو داود ويجوز انشاد الشعر واللعان في المسجد لما روي عن ابي هريرة ان عمر مر بحسان وهو ينشد الشعر في المسجد فلحظ إليه فقال؟ قد كنت أنشد فيه وفيه خير منك. ثم التفت إلى ابي هريرة فقال أنشدك الله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أجب عني، اللهم أيده بروح القدس؟ قال نعم متفق عليه، وعن جابر بن سمرة قال شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من مائة مرة في المسجد وأصحابه يتذاكرون الشعر وأشياء من امر الجاهلية فربما تبسم معهم رواه الامام أحمد، وفي حديث سهل بن سعد ذكر حديث اللعان قال فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد متفق عليه

[ 424 ]

فصل فيما يكره في المسجد يكره إنشاد الضالة المسجد لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل لا ردها الله عليه إن المساجد لم تبن لهذا " راوه مسلم. عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيع والابتياع وعن تناشد الاشعار في المساجد. رواه الامام احمد وابو داود والنسائي والترمذي. وقال حديث حسن، ويكره تجصيص المساجد وزخرفتها لما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما ساء عمل قوم قط الا زخرفوا مساجدهم " رواه ابن ماجه، وعن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما أمرت بتشييد المساجد " قال ابن عباس ليزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى رواه أبو داود، وعن واثلة بن الاسقع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " اجنبوا مساجدنا صبيانكم ومجانينكم وشراكم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم واقامة حدودكم وسل سيوفكم واتخذوا على أبوابها المطاهر وجمروها في الجمع " رواه ابن ماجه من رواية الحارث بن نبهان

[ 425 ]

قال فيه يحيى بن معين لا يكتب حديثه ليس بشئ. ويكره أن يكتب على حيطان المسجد قرآنا أو غيره لانه يلهي المصلي ويشغله وهو يشبه الزخرفة وقد نهي عنها، والبصاق في المسجد خطيئة ويستحب تخليقها لما ذكرنا من الحديث، وهل يكره الوضوء في المسجد؟ على روايتين ذكرهما ابن عقيل الا أن ابن عقيل قال ان قلنا بنجاسة الماء المستعمل في رفع الحدث حرم ذلك في المسجد والله أعلم (باب شروط الصلاة) (مسألة) قال (وهي ما يجب لها قبلها وهي ست أولها دخول الوقت والثاني الطهارة من الحدث) أما الطهارة من الحدث فقد مضى ذكرها وهي شرط لصحه الصلاة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " ولا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ " متفق عليه، وعن عبد الله بن عمر قال سمعت رسول

[ 426 ]

الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا يقبل الله صلاة احدكم بغير طهور ولا صدقة من غلول " رواه مسلم (مسألة) قال (والصلوات المفروضات خمس) اجمع المسلمون على ان الصلوات الخمس في اليوم والليلة مفروضات لا خلاف بين المسلمين في ذلك وان غيرها لا يجب الا لعارض من نذر أو نحوه الا انهم اختلفوا في وجوب الوتر وسنذكره في موضعه ان شاء الله تعالى والاصل في ذلك ما روى عبادة بن الصامت قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة فمن حافظ عليهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة ومن لم يحافظ عليهن لم

[ 427 ]

يكن له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له " وروي أن اعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ماذا فرض علي من الصلاة؟ قال " خمس صلوات " قال فهل علي غيرها؟ قال " لا الا أن تطوع شيئا " فقال الرجل والذي بعثك بالحق لا أزيد عليها ولا أنقص منها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أفلح الرجل إن صدق " متفق عليه، وأجمعوا على أن الصلوات الخمس مؤقتات بمواقيت معلومة محدودة وقد ورد ذلك في أحاديث صحاح يأتي أكثرها إن شاء الله تعالى (مسألة) قال (الظهر وهي الاولى ووقتها من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شئ مثله بعد الذي زالت عليه الشمس) أجمع أهل العلم على أن أول وقت الظهر إذا زالت الشمس

[ 428 ]

حكاه ابن المنذر وابن عبد البر. وتسمى الهجير والاولى والظهر لان في حديث ابي برزة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الهجير التي تدعونها الاولى حين تدحض الشمس. متفق عليه، وانما بدأ بذكرها لان جبرائيل بدأ بها حين أم النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس وجابر وبدأ بها النبي صلى الله عليه وسلم حين علم أصحابه مواقيت الصلاة في حديث بريدة وغيره، فروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " أمني جبرائيل عليه السلام عند البيت مرتين فصلى بي الظهر في الاولى منهما حين كان الفئ مثل الشراك، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شئ مثله

[ 429 ]

ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس، وأفطر الصائم. ثم صلى العشاء حين غاب الشفق ثم صلى الفجر حين برق الفجر وحرم الطعام على الصائم. وصلى المرة الثانية الظهر حين كان ظل كل شئ مثله لوقت العصر بالامس ثم صلى العصر حين كان ظل كل شئ مثله ثم صلى المغرب لوقته الاول ثم صلى العشاء الاخيرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الصبح حين أسفرت الارض، ثم التفت جبريل فقال يا محمد هذا وقت الانبياء قبلك والوقت فيما بين هذين الوقتين " رواه الامام احمد وأبو داود والترمذي وقال حديث حسن وروى جابر نحوه ولم يذكر فيه " لوقت العصر بالامس " قال البخاري: أصح حديث في المواقيت حديث جابر، وروى بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا سأله عن وقت الصلاة فقال: " صل معنا هذين اليومين " فلما زالت الشمس أمر بلالا فأذن، ثم أمره فأقام الظهر، ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية لم يخالطها صفرة، ثم أمره فاقام المغرب حين غابت الشمس، ثم أمره فاقام العشاء حين غاب الشفق ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر، فلما كان اليوم الثاني أمره فأبرد بالظهر فأنعم أن يبرد بها وصلى العصر والشمس بيضاء مرتفعة أخرها فوق الذي كان، وصلى المغرب حين غاب الشفق وصلى العشاء حين ذهب ثلث الليل وصلى الفجر فأسفر بها ثم قال " أين السائل عن وقت الصلاة؟ " فقال الرجل أنا يا رسول الله فقال " وقت صلاتكم بين ما رأيتم " رواه مسلم، ومعنى زوال الشمس ميلها عن وسط السماء وانما يعرف ذلك بطول الظل بعد تناهي قصره لان الشمس حين تطلع يكون الظل طويلا وكلما ارتفعت قصر فإذا مالت عن كبد السماء شرع في الطول فذلك زوال الشمس فمن أراد معرفة ذلك فليقدر ظل شئ ثم يصبر قليلا ثم يقدره ثانيا فان نقص لم يتحقق الزوال وإن زاد فقد زالت، وكذلك إن لم ينقص لان الظل لا يقف فيكون قد نقص ثم زاد، وأما معرفة قدر ما تزول عليه الشمس بالاقدام فيختلف باختلاف الشهور والبلدان كلما طال النهار قصر الظل وإذا قصر طال

[ 430 ]

الظل. وقد ذكر أبو العباس الشيحي رحمه الله ذلك تقريبا قال: ان الشمس تزول في نصف حزيران على قدم وثلث وهو أقل ما تزول عليه الشمس، وفي نصف تموز وايار على قدم ونصف وثلث، وفي نصف آب ونيسان على ثلاثة أقدام، وفي نصف آذار وايلول على أربعة أقدام ونصف، وفي نصف شباط وتشرين الاول على ستة أقدام، وفي نصف كانون الثاني وتشرين الثاني على تسعة أقدام، وفي نصف كانون الاول على عشرة أقدام وسدس وهو أكثر ما تزول عليه، وفي اقليم الشام والعراق وما سامتهما فإذا أردت معرفة ذلك فقف على مستو من الارض وعلم الموضع الذي انتهى إليه ظلك ثم ضع قدمك اليمنى بين يدي قدمك اليسرى والصق عقبك بابهامك فإذا بلغت مساحته هذا القدر بعد انتهاء النقض فهو وقت زوال الشمس وتجب به الظهر والله أعلم (فصل) وتجب الصلاة بدخول أول وقتها في حق من هو من أهل الوجوب وهو قول الشافعي وقال أبو حنيفة تجب بآخر وقتها إذا بقي منه ما لا يتسع لاكثر منها لانه في أول الوقت يتخير بين فعلها وتركها فلم تكن واجبة كالنافلة ولنا انه مأمور بها في أول وقتها بقوله تعالى (أقم الصلاة لدلوك الشمس) والامر للوجوب على الفور ولان دخول الوقت سبب للوجود فترتب عليه حكمه عند وجوده ولانها تشترط لها نية الفرض ولو كانت نفلا لاجزأت بنية النفل كالنافلة. وتفارق النافلة من حيث إن النافلة يجوز تركها لا إلى بدل وهذه انما يجوز تركها مع العزم على فعلها كما تؤخر صلاة المغرب ليلة المزدلفة عن وقتها وكما تؤخر سائر الصلوات عن وقتها لمن هو مشتغل بشرطها (فصل) وآخر وقتها إذا زاد على القدر الذي زالت عليه الشمس قدر طول الشخص، قال الاثرم قيل لابي عبد الله وأي شئ آخر وقت الظهر؟ قال: أن يصير الظل مثله. قيل له فمتى يكون الظل مثله؟ قال إذا زالت الشمس فكان الظل بعد الزوال مثله ومعرفة ذلك أن يضبط مازالت عليه الشمس ثم

[ 431 ]

ينظر الزيادة عليه فان بلغت قدر الشخص فقد انتهى وقت الظهر وقدر شخص الانسان ستة أقدام ونصف وسسدس بقدمه تقريبا. فإذا أردت اعتبار الزيادة بقدمك مسحتها على ما ذكرناه في الزوال ثم أسقطت منه القدر الذي زالت عليه الشمس فإذا بلغ الباقي ستة أقدام وثلثين فهو آخر وقت الظهر وأول وقت العصر. فيكون ظل الانسان في نصف حزيران على ما ذكرنا في آخر وقت الظهر، وأول وقت العصر ثمانية أقدام بقدمه وفي بقية الشهور كما بينا وهذا مذهب مالك والثوري والشافعي والاوزاعي ونحوه قول أبي يوسف ومحمد وغيرهم، وقال عطاء لا تفريط للظهر حتى تدخل الشمس صفرة، وقال طاوس وقت الظهر والعصر إلى الليل، وحكي عن مالك وقت الاختيار إلى أن يضير ظل كل شئ مثليه ووقت الاداء إلى أن يبقى من غروب الشمس قدر ما يؤدي فيه العصر لان النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر في الحضر، وقال أبو حنيفة آخر وقت الظهر إذا صار ظل كل شئ مثليه لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " انما مثلكم ومثل أهل الكتابين كمثل رجل استأجر اجراء فقال من يعمل لي من غدوة إلى نصف النهار على قيراط؟ فعملت اليهود، ثم قال من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط فعملت النصارى ثم قال من يعمل لي من العصر إلى غروب الشمس على قيراطين؟ فانتم هم فغضبت اليهود والنصارى وقالوا ما لنا أكثر عملا وأقل عطاء؟ قال هل نقصتم من حقكم؟ قالوا لا فقال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء " أخرجه البخاري وهذا يدل على أن ما بين الظهر والعصر أكثر من العصر إلى المغرب ولنا حديث بريدة وابن عباس وفيه قول جبريل فيه " الوقت ما بين هذين، وحديث مالك محمول على العذر بمطر أو مرض وما احتج به أبو حنيفة فليس فيه حجة لانه قال إلى صلاة العصر وفعلها يكون بعد دخول الوقت وتكامل الشروط، على أن الاخذ باحاديثنا أولى لانه قصد بها بيان الوقت وخبرهم قصد به ضرب المثل فكانت أحاديثنا أولى قال ابن عبد البر خالف أبو حنيفة في هذه الآثار والناس وخالفه أصحابه

[ 432 ]

(مسألة) (وتعجيلها أفضل إلا في شدة الحر والغيم لمن يصلي الجماعة) وجملة ذلك أن تعجيل الظهر في غير الحر والغيم مستحب بغير خلاف علمناه قال الترمذي وهو الذي اختاره أهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم لما روى أبوبرزة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الهجير التي تدعونها الاولى حين تدحض الشمس وقال جابر: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة متفق عليهما. وروى الاموي في المغازي باسناده عن معاذ بن جبل قال لما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال " أظهر كبير الاسلام وصغيره وليكن من الكبرها الصلاة فانها رأس الاسلام بعد الاقرار بالدين فإذا كان الشتاء فصل الفجر في أول الفجر ثم أطل القراءة على قدر ما تطيق ولا تملهم وتكره إليهم أمر الله ثم عجل الصلاة الاولى بعد أن تميل الشمس. وصل العصر والمغرب في الشتاء والصيف على ميقات واحد، العصر والشمس بيضاء مرتفعة والمغرب حين تغيب الشمس وتوارى بالحجاب وصل العشاء فأعتم بها فان الليل طويل فإذا كان في الصيف فاسفر بالصبح فان الليل قصير وان الناس ينامون فأمهلهم حتى يدركوها وصل الظهر بعد أن ينقص الظل وتحرك الريح فان الناس يقيلون فامهلهم حتى يدركوها وصل العتمة فلا تعتم بها ولا تصلها حتى يغيب الشفق " وقالت عائشة ما رأيت أحدا أشد تعجيلا للظهر من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من أبي بكر ولا من عمر حديث حسن. فأما في شدة الحر فيستحب تأخيرها مطلقا في ظاهر كلام أحمد والخرقي حكاه عنه الاثرم، وهو قول إسحاق وأصحاب الرأي وابن المنذر وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا اشتد الحر فابردوا بالظهر فان شدة؟؟ لحر من فيح جهنم " متفق عليه، وظاهر كلام شيخنا ههنا أنه انما يستحب تأخيرها لمن يصلي جماعة

[ 433 ]

قال القاضي في المجرد انما يستحب الابراد بها بثلاثة شرائط - شدة الحر، وأن يكون في البلدان الحارة ومساجد الجماعات، فأما من صلاها في بيته أو في مسجد بفناء بيته فالافضل تعجيلها وهذا مذهب الشافعي لان التأخير انما استحب لينكسر الحر ويتسع فئ الحيطان فيكثر السعي إلى الجماعات ومن لا يصلي في جماعة لا حاجة به إلى التأخير. وقال في الجامع لا فرق بين البلدان الحارة وغيرها ولا بين كون المسجد ينتابه أو لا لان أحمد كان يؤخرها بمسجده ولم يكن بهذه الصفة ويؤخرها حتى يتسع فئ الحيطان فان في حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمؤذن " أبرد " حتى رأينا فئ التلول. ولا يؤخرها إلى آخر وقتها بل يصليها في وقت يكون إذا فرغ بينه وبين آخر الوقت فصل. فأما الجمعة فيسن تعجيلها في كل وقت بعد الزوال لان سلمة بن الاكوع قال: كنا نجمع مع النبي صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس متفق عليه. ولم ينقل انه أخرها بل كان يعجلها حتى قال سهل بن سعد ما كنا نقيل ولا نتغدى إلى بعد الجمعة أخرجه البخاري ولان التبكير إليها سنة فيتأذى الناس بتأخيرها، ويستحب تأخيرها في الغيم أيضا لمن يصلي جماعة ذكره القاضي فقال يستحب تأخير الظهر والمغرب في الغيم وتعجيل العصر والعشاء قال ونص عليه أحمد في رواية المروذي وجماعة. وعلل القاضي ذلك بانه وقت يخاف منه العوارض من المطر والريح والبرد فيشق الخروج لكل صلاة فيؤخر الاولى من صلاتي الجمع ويعجل الثانية ويخرج اليهما خروجا واحدا فيحصل له الرفق بذلك كما يحصل بالجمع وبه قال أبو حنيفة والاوزاعي وروي عن عمر رضي الله عنه مثل ذلك في الظهر والعصر، وعن ابن مسعود يعجل الظهر والعصر ويؤخر المغرب. وقال الحسن يؤخر الظهر وظاهر كلام الخرقي انه يسن تعجيل الظهر في غير الحر إذا غلب على ظنه دخول الوقت وهو مذهب الشافعي لما ذكرناه من الاحاديث وما

[ 434 ]

روي عن أحمد فيحمل على أنه أراد بالتأخير ليتيقن دخول الوقت ولا يصلي مع الشك فقد نقل أبو طالب عنه ما يدل على هذا أنه قال يوم الغيم يؤخر الظهر حتى لا يشك أنها قد حانت ويعجل العصر، والمغرب يؤخرها حتى يعلم انه سواد الليل ويعجل العشاء (مسألة) قال (ثم العصر وهي الوسطى ووقتها من خروج وقت الظهر إلى اصفرار الشمس وعنه إلى ان يصير ظل كل شئ مثليه ثم يذهب وقت الاختيار ويبقى وقت الضرورة إلى غروب الشمس) الصلاة الوسطى صلاة العصر في قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم منهم علي وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو أيوب وزيد بن ثابت وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم وهو قول عبيدة السلماني والحسن والضحاك وأبو حنيفة وأصحابه وابن المنذر. وروي عن ابن عمر وزيد وعائشة وعبد الله بن شداد أنها صلاة الظهر لما روي عن زيد بن ثابت قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منها فنزلت (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) رواه أبو داود، وروت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر) رواه أبو داود والترمذي وقال صحيح، وقال طاوس وعطاء وعكرمة ومجاهد والشافعي هي الصبح وروي أيضا عن ابن عمر وابن عباس لقوله تعالى (والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين) والقنوت طول القيام وهو مختص بالصبح ولانها من أثقل الصلاة على المنافقين فلذلك اختصت بالوصية بالمحافظة عليها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم " لو يعلمون ما في العتمة والصبح لاتوهما ولو حبوا " متفق عليه، وقال قوم هي المغرب لان الاولى الظهر فتكون المغرب الوسطى لانها الثالثة من الخمس ولانها الوسطى في عدد الركعات وخصت من بين الصلوات بأنها وتر والله وتر يحب الوتر ولانها تصلى في أول وقتها في جميع الامصار والاعصار

[ 435 ]

ويكره تأخيرها عنه ولذلك صلاها جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم في اليومين لوقت واحد، وقد قال صلى الله عليه وسلم " لا تزال أمتي بخير ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم " وهذا كله يدل على تأكدها وفضيلتها، وقيل هي العشاء لما ذكرنا في الصبح ولما روى ابن عمر قال مكثنا ليلة ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء الآخرة فخرج الينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده فقال انكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم ولولا ان أشق على أمتي لصليت بهم هذه الساعة " متفق عليه ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاحزاب " شغلونا عن صلاة الوسطى صلاة العصر " متفق عليه، وعن ابن مسعود وسمرة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " صلاة الوسطى صلاة العصر " قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وهذا نص لا يجوز خلافه وما روته عائشة فيجوز أن تكون الواو فيه زائدة كقوله (وليكون من المؤمنين) وقوله (وخاتم النبيين) وقوله (وقوموا لله قانتين) فقد قيل قانتين أي مطيعين وقيل القنوت السكوت، ولذلك قال زيد بن أرقم كنا نتكلم حتى نزل قوله تعالى (وقوموا لله قانتين) فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام (فصل) وأول وقت العصر من خروج وقت الظهر وهو إذا صار ظل كل شئ مثله بعد القدر الذي زالت عليه الشمس فبخروج وقت الظهر يدخل وقت العصر ليس بينهما فصل وهو قول الشافعي. وقال أبو حنيفة أول وقتها إذا زاد على المثلين لما تقدم من الحديث الذي ذكرناه لابي حنيفة في بيان آخر وقت الظهر ولقول الله تعالى (أقم الصلاة طرفي النهار) وعلى قولكم تكون وسط النهار، وحكي عن ربيعة أن وقت الظهر والعصر إذا زالت الشمس، وقال اسحاق آخر وقت الظهر أول وقت

[ 436 ]

العصر يشتركان في قدر الصلاة فلو ان رجلين صليا معا أحدهما يصلي الظهر والآخر يصلي العصر حين صار ظل كل شئ مثله لكانا مصليين الصلاتين في وقتهما، وحكي عن ابن المبارك لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس وصلى في المرة الثانية الظهر لوقت العصر بالامس ولنا ما تقدم من حديث جبريل فأما قوله تعالى (أقم الصلاة طرفي النهار) فان الطرف ما تراخى عن الوسط فلا ينفي ما قلنا، وقول النبي صلى الله عليه وسلم " لوقت العصر بالامس " أراد مقاربة الوقت يعني ان ابتداء صلاة العصر متصل بآخر صلاة الظهر في اليوم الثاني وقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عمر " ووقت الظهر ما لم تحضر العصر " رواه مسلم، وفي حديث ابي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ان للصلاة أولا وآخرا وان أول وقت الظهر حين تزول الشمس وآخر وقتها حين يدخل وقت العصر " رواه الترمذي، وآخر وقتها اخلفت الرواية فيه فروي عن أحمد أن آخر وقت الاختيار إذا صار ظل كل شئ مثليه وهو قول مالك والثوري والشافعي لقوله في حديث ابن عباس " الوقت ما بين هذين " وروي عنه ان آخره ما لم تصفر الشمس وهي أصح حكاها عنه جماعة منهم الاثرم وهذا قول ابي يوسف ومحمد، ونحوه عن الاوزاعي لما روى عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " وقت العصر ما لم تصفر الشمس " رواه مسلم، وفي حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم " وان آخر وقتها حين تصفر الشمس " قال ابن عبد البر أجمع العلماء على أن من صلى العصر والشمس بيضاء نقية فقد صلاها في وقتها وفي هذا دليل على أن مراعاة المثلين عندهم استحباب ولعلهما متقاربان بوجد أحدهما قريبا من الآخر (فصل) والاوقات ثلاثة أضرب: وقت فضيلة ووقت اختيار ووقت ضرورة، وقد ذكرنا وقت الفضيلة، ومعنى وقت الاختيار هو الذي يجوز تأخير الصلاة إلى آخره من غير عذر ووقت الضرورة انما يباح تأخير الصلاة إليه مع العذر، فان أخرها لغير عذر أثم، ومتى فعلها فيه فهو مدرك لها أداء

[ 437 ]

في وقتها سواء كان لعذر أو غيره لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر " متفق عليه ولا نعلم فيه خلافا وكذلك حكم سائر الصلوات إذا أدرك من وقتها ركعة، وان أدرك اقل من ذلك فسيأتي بيانه ان شاء الله، ومتى أخر العصر عن وقت الاختيار على ما فيه من الخلاف أثم إذا كان لغير عذر لما تقدم من الاخبار ولما روى أنس بن مالك قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " تلك صلاة المنافق تلك صلاة المنافق: يجلس أحدهم حتى إذا اصفرت الشمس فكانت بين قرني شيطان أو على قرني شيطان قام فنقر اربعا لا يذكر الله فيها الا قليلا " رواه مسلم ولو أبيح تأخيرها لما ذمه عليها وجعله علامة النفاق (مسألة) (وتعجيلها افضل بكل حال) وروي ذلك عن عمر وابن مسعود وعائشة وأنس وابن المبارك واهل المدينة والاوزاعي والشافعي وإسحاق. وروي عن ابي هريرة وابن مسعود انهما كانا يؤخران العصر. وروي عن ابي قلابة وابن شبرمة انهما قالا انما سميت العصر لتعصر. وقال اصحاب الرأي الافضل فعلها في آخر وقتها المختار لما روى رافع بن خديج ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر بتأخير العصر. وعن علي بن شيبان قال قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يؤخر العصر ما دامت بيضاء نقية ولانها آخر صلاتي جمع فاستحب تأخيرها كالعشاء ولناما روى ابو برزة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصي المدينة والشمس حية. متفق عليه. وقال رافع بن خديج كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر، ثم ننحر الجزور فيقسم عشرة أجزاء ثم نطبخ فنأكل لحما نضيجا قبل غروب الشمس متفق عليه. وعن ابي امامة بن سهل قال صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك فوجدناه يصلي العصر فقلنا يا أبا حمزة ما هذه الصلاة التي صليت؟

[ 438 ]

قال العصر وهذه صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كنا نصليها معه. متفق عليه وروى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " الوقت الاول من الصلاة رضوان الله والوقت الآخر عفو الله " وحديث رافع لا يصح قاله الترمذي وقال الدار قطني يرويه عن عبد الواحد بن نافع وليس بالقوي ولا يصح عن رافع ولا عن غيره من الصحابة، والصحيح عنهم تعجيل صلاة العصر والتبكير بها قال ابن المنذر الاخبار الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم تدل على ان أفضل الامرين تعجيل العصر في أول وقتها (مسألة) (ثم المغرب وهي الوتر ووقتها من مغيب الشمس إلى مغيب الشفق الاحمر) لا خلاف بين أهل العلم في دخول وقت المغرب بغروب الشمس والاحاديث تدل عليه. وآخره إذا غاب الشفق وهو قول الثوري وإسحاق وابي ثور وأصحاب الرأي، وقال مالك والاوزاعي والشافعي في أحد قوليه ليس لها إلا وقت واحد لان جبريل صلاها بالنبي صلى الله عليه وسلم في اليومين لوقت واحد في بيان مواقيت الصلاة وقال النبي صلى الله عليه وسلم " لا تزال أمتي بخير ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم " وعن طاوس لا تفوت المغرب والعشاء حتى الفجر وعن عطاء لا تفوت المغرب والعشاء حتى النهار ولنا حديث بريدة وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى المغرب في اليوم الثاني حين غاب الشفق وروى ابو موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر المغرب في اليوم الثاني حتى كان عند سقوط الشفق رواهما مسلم وعن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " وقت المغرب ما لم يغب الشفق " رواه مسلم وهذه نصوص صحيحة لا يجوز مخالفتها بشئ محتمل ولان ما قبل مغيب الشفق وقت لاستدامتها فكان وقتا لا بتدائها كأول وقتها وأحاديثهم محمولة على الاستحباب والاختيار وتأكيد فعلها في أول وقتها جمعا بينها وبين أحاديثنا ولو تعارضت وجب حمل أحاديثهم على أنها منسوخة لانها في أول فرض الصلاة بمكة وأحاديثنا بعدها بالمدينة فتكون ناسخة لما قبلها مما يخالفها والله أعلم

[ 439 ]

(فصل) والشفق الحمرة هذا قول ابن عمر وابن عباس وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير والزهري ومالك والثوري والشافعي وإسحاق ويعقوب ومحمد، وعن أنس وأبي هريرة ما يدل على ان الشفق البياض. وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز والاوزاعي وأبي حنيفة وهو اختيار ابن المنذر، وروي عن ابن عباس أيضا لان بخروج وقتها يدخل وقت عشاء الآخرة وأول وقت العشاء إذا غاب البياض لان النعمان بن بشير قال أنا أعلم الناس بوقت هذه الصلاة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليها لسقوط القمر لثالثة. رواه الامام أحمد وأبو داود، وروي عن أبي مسعود قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليها حين يسود الافق ولنا ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " وقت المغرب ما لم يسقط فور الشفق " رواه أبو داود. وروي ثور الشفق - وفور الشفق فورانه وسطوعه وثوره ثوران حمرته، وروى ابن عمر ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " الشفق الحمرة فإذا غاب الشفق وجبت العشاء " رواه الدار قطني، وما رووه ليس فيه بيان أنه أول الوقت فان النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤخر الصلاة عن اول الوقت قليلا ولهذا روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لبلال " اجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله والمتوضئ من وضوئه والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته " (مسألة) (وتعجيلها أفضل إلا ليلة جمع لمن قصدها) لا نعلم خلافا في استحباب تعجيل المغرب في غير حال العذر إلا ما ذكرنا من اختلافهم في الغيم وهو قول اهل العلم من اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم قاله الترمذي. وذلك لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي المغرب إذا وجبت. وعن رافع بن خديج قال: كنا نصلي المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فينصرف أحدنا وانه ليبصر مواقع نبله متفق عليهما، وعن سلمة بن الاكوع قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي المغرب ساعة تغرب الشمس إذا غاب حاجبها رواه أبو داود واللفظ له ورواه الترمذي وقال حسن صحيح، وفعل جبريل عليه السلام لها في اليومين في وقت واحد دليل على تأكد استحبابها ولان فيه خروجا من الخلاف فكان أولى. فأما ليلة جمع وهي ليلة المزدلفة فيستحب

[ 440 ]

تأخيرها ليصليها مع العشاء الآخرة لان النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك والاجماع منعقد على ذلك والله أعلم. (مسألة) (ثم العشاء ووقتها مغيب الشفق الاحمر إلى ثلث الليل الاول وعنه إلى نصفه) لا خلاف بين الناس في دخول وقت العشاء الآخرة بغيبوبة الشفق وانما اختلفوا في الشفق وقد ذكرناه فمتى غاب الشفق الاحمر دخل وقت العشاء إن كان في مكان يظهر له الافق. وان كان في مكان يستتر عنه الافق بالجبال أو نحوها استظهر حتى يغيب البياض فيستدل به على غيبوبة الحمرة لا لنفسه (فصل) واختلفت الرواية في آخر وقت الاختيار فروي عنه أنه ثلث الليل نص عليه في رواية الجماعة اختارها الخرقي وهو قول عمر وأبي هريرة وعمر بن عبد العزيز والشافعي في أحد قوليه لان في حديث جبريل أنه صلى بالنبي صلى الله عليه وسلم في المرة الثانية ثلث الليل وقال " الوقت ما بين هذين " وفي حديث بريدة انه صلاها في اليوم الثاني حين ذهب ثلث الليل رواه مسلم، وقال النخعي آخر وقتها إلى ربع الليل، وروي عن ابن عباس انه قال آخر وقتها إلى طلوع الفجر، وروي عن أحمد أن آخر وقتها إلى نصف الليل وهو قول ابن المبارك وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي وأحد قولي الشافعي لما روى أنس قال أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء إلى نصف الليل ثم صلى ثم قال: " صلى الناس وناموا أما انكم في صلاة ما انتظرتموها " متفق عليه، وعن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ووقت العشاء إلى نصف الليل " رواه مسلم وأبو داود. والاولى أن لا تؤخر عن ثلث لليل لان ثلث الليل يجمع الروايات. والزيادات تعارضت فيها الاخبار وإن أخرها جاز لما ذكرنا (مسألة) (ثم يذهب وقت الاختيار ويبقى وقت الضرورة إلى طلوع الفجر الثاني وهو البياض

[ 441 ]

المعترض في المشرق ولا ظلمة بعده وتأخيرها أفضل ما لم يشق. متى ذهب نصف الليل أو ثلثه على الخلاف فيه خرج وقت الاختيار وما بعده وقت ضرورة إلى طلوع الفجر الثاني والحكم فيه حكم الضرورة في وقت العصر على ما بينا، وتأخيرها أفضل إلى آخر وقتها إذا لم يشق وهو اختيار أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين كذلك قال الترمذي، وحكي عن الشافعي أن الافضل تقديمها لقول النبي صلى الله عليه وسلم " الوقت الاول رضوان الله، والوقت الآخر عفو الله " رواه الترمذي عن القاسم بن غنام عن أمهاته عن أم فروة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله رجل عن أفضل الاعمال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الصلاة لاول وقتها " رواه أبو داود ولان النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يؤخرها وانما أخرها ليلة واحدة ولنا قول أبي برزة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستحب أن يؤخر من العشاء التى تدعونها العتمة وقول النبي صلى الله عليه وسلم " لولا أن أشق على أمتي لامرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه " رواه الترمذي وقال حديث صحيح، وعن جابر بن سمرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤخر عشاء الآخرة رواه مسلم وأحاديثهم ضعيفة، أما خبر " أول الوقت رضوان الله " فيرويه عبيدالله العمري وهو ضعيف وحديث أم فروة رواته مجاهيل، وقال فيه الترمذي أيضا لا يروى إلا من حديث العمري وليس بالقوي في الحديث. قال أحمد لا أعرف ثبت في أوقات الصلاة أولها كذا وأوسطها كذا وآخرها كذا ولو ثبت كان الاخذ باحاديثنا أولى لانها خاصة وأخبارهم عامة وانما يستحب تأخيرها للمنفرد ولجماعة راضين بالتأخير. فأما مع المشقة بالمأمومين أو بعضهم فلا يستحب نص عليه أحمد في رواية الاثرم قال قلت لابي عبد الله كم قدر تأخير العشاء؟ قال يؤخرها بعد أن لا يشق على المأمومين وقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم الامر بتأخيرها كراهية المشقة، وروي عنه " من شق على امتي شق الله عليه " وروى جابر ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي العشاء

[ 442 ]

أحيانا واحيانا إذا رآهم اجتمعوا عجل وإذا رآهم أبطؤا أخر. وهذا يدل على مراعاة حال المأمومين وقد روى النعمان بن بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصليها لسقوط القمر لثالثة. وعن أبي مسعود قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي هذه الصلاة حين يسود الافق فيستحب الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في إحدى هاتين الحالتين ولا يشق على المأمومين فان النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالتخفيف رفقا بالمأمومين والله أعلم. (فصل) ولا يستحب تسمية هذه الصلاة العتمة وكان ابن عمر إذا سمع رجلا يقول العتمة صاح وغضب وقال انما هي العشاء، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا يغلبنكم الاعراب على اسم صلاتكم الا إنها العشاء وهم يعتمون بالابل " رواه مسلم وان سماها جاز لقول معاذ لقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة العتمة رواه أبو داود، وفي المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لو يعلمون ما في العتمة والصبح لاتوهما ولو حبوا " (مسألة) (ثم الفجر ووقتها من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس) وجملة ذلك أن وقت الفجر يدخل بطلوع الفجر الثاني إجماعا وقد دلت عليه الاخبار التي ذكرناها وهو البياض المعترض في المشرق المستطير في الافق. ويسمى الفجر الصادق لانه صدقك عن الصبح. والصبح ما جمع بياضا وحمرة ولا ظلمة بعده، فأما الفجر الاول فهو البياض المستدق المستطيل صعدا من غير اعتراض فلا يتعلق به حكم، وآخر وقتها طلوع الشمس لما روى عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " وقت الفجر ما لم تطلع الشمس " رواه مسلم (مسألة) (وتعجيلها أفضل وعنه ان أسفر المأمومون فالافضل الاسفار) التغليس بالفجر أفضل يروى عن أبي بكر وعمر وابن مسعود وأبي موسى وابي الزبير وعمر بن عبد العزيز ما يدل على ذلك

[ 443 ]

وبه قال مالك والشافعي واسحاق وابن المنذر، قال ابن عبد البر صح عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان أنهم كانوا يغلسون ومحال أن يتركوا الافضل وهم النهاية في اتيان الفضائل. وروي عن أحمد أن الاعتبار بحال المأمومين فان أسفروا فالافضل الاسفار لان جابرا روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك في العشاء فينبغي أن يكون كذلك في الفجر، وقال الثوري وأصحاب الرأي الافضل الاسفار لما روى رافع بن خديج قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول " أسفروا بالفجر فانه أعظم للاجر " رواه الترمذي وقال حسن صحيح ولنا ما روى جابر قال: والصبح كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها بغلس متفق عليه، وفي حديث ابي برزة وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه. وعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه يصلي الصبح فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس متفق عليهما، وعن أبي مسعود الانصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم غلس بالصبح ثم أسفر مرة ثم لم يعد إلى الاسفار حتى قبضه الله. رواه أبو داود، فأما الاسفار في حديثهم فالمراد به أن يتبين ضوء الصبح ويكثر من قولهم أسفرت المرأة عن وجهها إذا كشفته (فصل) ولا يأثم بتعجيل الصلاة المستحب تأخيرها ولا بتأخير ما يستحب تعجيله إذا أخره عازما على فعله ما لم يضق الوقت عن فعل جميع العبادة لان جبرائيل صلاها بالنبي صلى الله عليه وسلم في آخر الوقت وأوله، وصلاها النبي صلى الله عليه وسلم كذلك أيضا وقال " الوقت ما بين هذين " ولان الوجوب موسع فهو كالتكفير موسع في الاعيان، فان أخرها غير عازم على الفعل أو أخرها بحيث يضيق الوقت عن فعل جيمعها فيه أثم لان الركعة الاخيرة من الصلاة فلم يجز تأخيرها عن الوقت

[ 444 ]

كالاولى ومتى أخر الصلاة عن اول وقتها عازما على الفعل فمات قبل فعلها لم يمت عاصيا لانه فعل ما يجوز له وليس الموت من فعله فلم يأثم به والله أعلم (مسألة) (ومن أدرك تكبيرة الاحرام من صلاة في وقتها فقد أدركها) وجملة ذلك ان من ادرك ركعة من الصلاة قبل خروج وقتها فقد ادرك الصلاة سواء أخرها لعذر كحائض تطهر أو مجنون يفيق أو لغير عذر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " متفق عليه، وفي رواية " من ادرك ركعة من العصر قبل ان تغرب الشمس فقد ادرك العصر " وجميع الصلوات في ذلك سواء. وقال أصحاب الرأي فيمن طلعت الشمس وقد صلى ركعة تفسد صلاته لانه قد صار في وقت نهي عن الصلاة فيه ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " من ادرك ركعة من الصبح قبل ان تطلع الشمس فقد ادرك الصبح " وفي رواية " من ادرك سجدة من صلاة الصبح قبل ان تطلع الشمس فليتم صلاته " متفق عليه. ولانه ادرك ركعة من الصلاة في وقتها فكان مدركا لها كبقية الصلوات وانما نهي عن النافلة، فأما الفرائض فتصلى في كل وقت بدليل ما قبل طلوع الشمس فانه وقت نهي ولا يمنع من فعل الفرض فيه والله أعلم (فصل) وهل يدرك الصلاة بادراك ما دون الركعة فيه روايتان (احداهما) لا يدركها وهو ظاهر كلام الخرقي ومذهب مالك لظاهر الخبر الذي رويناه فان تخصيصه بركعة يدل على ان الادراك لا يحصل

[ 445 ]

بدونها ولانه إدراك للصلاة فلا يحصل بأقل من ركعة كادراك الجمعة (والثانية) يدركها بادراك جزء منها أي جزء كان قال القاضي وهو ظاهر كلام احمد واختيار ابي الخطاب فيمن ادرك تكبيرة الاحرام وهذا قول أبي حنيفة، وللشافعي قولان كالمذهبين لان أبا هريرة روى ان النبي صلى الله عليه وسلم " من أدرك سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته " متفق عليه " وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته " متفق عليه وللنسائي " فقد أدركها " ولان الادراك إذا تعلق به حكم في الصلاة استوى فيه الركعة وما دونها كادراك الجماعة وادراك المسافر صلاة المقيم، والقياس يبطل بادراك الركعة دون تشهدها والله أعلم (مسألة) (ومن شك في الوقت لم يصل حتى يغلب على ظنه دخوله) متى شك في دخول وقت الصلاة لم يصل حتى يتيقن دخوله أو يغلب على ظنه ذلك مثل من له صنعة جرت عادته بعمل شئ مقدر إلى وقت الصلاة، أو قارئ جرت عادته بقراءة شئ فقرأه وأشباه هذا فمتى فعل ذلك وغلب على ظنه دخول الوقت أبيح له الصلاة، والاولى تأخيرها قليلا احتياطا إلا أن يخشى خروج الوقت أو تكون صلاة العصر في وقت الغيم فانها يستحب التبكير بها. لما روى بريدة قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة فقال " بكروا بصلاة العصر في اليوم الغيم فانه من فاتته صلاة العصر حبط عمله " رواه البخاري. قال شيخنا ومعناه والله أعلم التبكير بها إذا حل فعلها بيقين أو غلبة ظن وذلك لان فعلها في وقتها المختار في زمن الشتاء ضيق فيخشى خروجه (مسألة) (فان أخبره بذلك مخبر عن يقين قبل قوله وان كان عن ظن لم يقبله) متى أخبره بدخول الوقت ثقة عن علم لزمه قبول خبره لانه خبر دينى فقبل فيه قول الواحد كالرواية، فأما إن

[ 446 ]

أخبره عن ظن لم يقلده واجتهد لنفسه لانه يقدر على الصلاة باجتهاد نفسه فلم يجز له تقليد غيره كحالة اشتباه القبلة. والبصير والاعمى والمطمور القادر على التوصل إلى الاستدلال سواء لاستوائهم في إمكان التقدير بمرور الزمان كما بينا (فصل) وإذا سمع الاذان من ثقة عالم بالوقت فله تقليده لان الظاهر أنه لا يؤذن الا بعد دخول الوقت فجرى مجرى خبره. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " المؤذن مؤتمن " ولولا أنه يقلد ويرجع إليه ما كان مؤتمنا وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال " خصلتان معلقتان في أعناق المؤذنين للمسلمين صلاتهم وصيامهم " رواه ابن ماجه. ولان الاذان شرع للاعلام بالوقت فلو لم يجز تقليد المؤذن لم تحصل الحكمة التي شرع الاذان لها ولم يزل الناس يجتمعون للصلاة في مساجدهم فإذا سمعوا الاذان قاموا إلى الصلاة وبنوا على قول المؤذن من غير مشاهدة للوقت، ولا اجتهاد فيه من غير نكير فكان إجماعا (فصل) ومن صلى قبل الوقت لم تجزه صلاته في قول أكثر أهل العلم سواء فعل ذلك خطأ أو عمدا كل الصلاة أو بعضها وبه قال الزهري والاوزاعي وأصحاب الرأي والشافعي. وروي عن ابن عمر وابي موسى انهما أعادا الفجر لانهما صليا قبل الوقت. وروي عن ابن عباس في مسافر صلى الظهر قبل الزوال يجزئه ونحوه قول الحسن والشعبي وعن مالك كقولنا. وعنه فيمن صلى العشاء قبل مغيب الشفق جاهلا أو ناسيا يعيد ما كان في الوقت فإذا ذهب الوقت قبل علمه أو ذكره فلا شئ عليه ولنا أن الخطاب بالصلاة يتوجه إلى المكلف عند دخول وقتها وما وجد بعد ذلك ما يزيله ويبرئ الذمة منه فيبقى بحاله (مسألة) (ومتى اجتهد وصلى فبان انه وافق الوقت أو ما بعده أجزأه) لانه أدى ما خوطب بادائه وفرض عليه (وان وافق قبله لم يجزه) لان المخاطبة بالصلاة وسبب الوجوب وجدا بعد فعله فلم يسقط حكمه بما وجد قبله (فصل) وان صلى من غير دليل مع الشك لم تجزه صلاته سواء أصاب أو أخطأ لانه صلى مع الشك في شرط الصلاة من غير دليل فلا تصح كمن اشتبهت عليه القبلة فصلى من غير اجتهاد

[ 447 ]

(مسألة) (ومن أدرك من الوقت قدر تكبيرة ثم جن أو حاضت المرأة لزمهم القضاء) لان الصلاة تحب بأول الوقت وقد ذكرناه ويستقر وجوبها بذلك فمتى أدرك جزءا من أول الوقت ثم جن أو حاضت المرأة لزمهم القضاء كما ذكر إذا أمكنهما. وقال الشافعي وإسحاق لا يستقر إلا بمضي زمن يمكن فعلها فيه فلا يجب القضاء بما دونه، واختاره أبو عبد الله بن بطة لانه لم يدرك من الوقت ما يمكنه الصلاة فيه أشبه مالو لم يدرك شيئا ولنا انها صلاة وجبت عليه فوجب قضاؤها إذا فاتته كالتي أمكن أداؤها، فأما التي لم يدرك شيئا من وقتها فانها لم تجب وقياس الواجب على ما لم يجب لا يصح والله أعلم (مسألة) وإن بلغ صبي أو أسلم كافر أو أفاق مجنون أو طهرت حائض قبل طلوع الشمس بقدر تكبيرة لزمهم الصبح، وان كان قبل غروب الشمس لزمهم الظهر والعصر، وان كان قبل طلوع الفجر لزمهم المغرب والعشاء) وجملة ذلك أنه متى أدرك أحد هؤلاء جزءا من آخر وقت الصلاة لزمه قضاؤها لانها وجبت عليه فلزمه القضاء كما لو أدرك وقتا يتسع لها، وهذا مذهب الشافعي ولا نعلم فيه خلافا. قال شيخنا: وأقل ذلك تكبيرة الاحرام لانها أقل ما يتلبس بالصلاة بها وقد أطلق أصحابنا القول فيه وقال القاضي إن أدرك ركعة كان مدركا لها وإن أدرك أقل من ركعة كان مدركا لها في ظاهر كلامه فان أدرك جزءا من آخر وقت العصر قبل غروب الشمس أو جزءا من آخر الليل قبل طلوع الفجر لزمته الظهر والعصر في الاولى والمغرب والعشاء في الآخرة. روي هذا في الحائض عن عبد الرحمن بن عوف وابن عباس وطاوس ومجاهد والزهري ومالك والشافعي وإسحاق، قال الامام أحمد عامة التابعين إلا الحسن وحده قال: لا تجب إلا الصلاة التي طهرت في وقتها وحدها وهو قول الثوري وأصحاب الرأي لان وقت الاولى خرج في حال العذر أشبه مالو لم يدرك شيئا من وقت الثانية

[ 448 ]

وحكي عن مالك أنه إن أدرك قدر خمس ركعات من وقت الثانية وجبت الاولى لان قدر الركعة الاولى من الخمس وقت للصلاة الاولى في حال العذر فوجبت بادراكه كما لو أدرك ذلك من وقتها المختار بخلاف مالو أدرك دون ذلك ولنا ما روى الاثرم وابن المنذر وغيرهما بالاسناد عن عبد الرحمن بن عوف وابن عباس أنهما قالا في الحائض تطهر قبل طلوع الفجر بركعة: تصلي المغرب والعشاء فإذا طهرت قبل غروب الشمس صلت الظهر والعصر جميعا. ولان وقت الثانية وقت للاولى حال العذر فإذا أدركه المعذور لزمه فرضها كما يلزمه فرض الثانية والقدر الذي يتعلق به الوجوب قدر تكبيرة الاحرام في ظاهر كلام أحمد، وقال الشافعي قدر ركعة لانه الذي روي عن عبد الرحمن وابن عباس في الحائض ولانه إدراك تعلق به إدراك الصلاة فلم يحصل بأقل من ركعة كادراك الجمعة وقد ذكرنا قول مالك ولنا ان ما دون الركعة تجب به الثانية فوجبت به الاولى كالركعة والخمس عند مالك ولانه إدراك فاستوى فيه القليل والكثير كادراك المسافر صلاة المقيم. فأما الجمعة فانما اعتبرت الركعة فيها بكمالها لان الجماعة شرط لصحتها فاعتبر ادراك ركعة لئلا يفوته الشرط في معظمها بخلاف مسئلتنا (فصل) فان أدرك من وقت الاولى من صلاتي الجمع قدرا تجب به ثم طرأ عليه العذر ثم زال العذر بعد خروج وقتهما وجبت الاولى، وهل يجب قضاء الثانية على روايتين (احداهما) يجب ويلزم قضاؤها لانها إحدى صلاتي الجمع فوجبت بادراك جزء من وقت الاخرى كالاولى (والثانية) لا يجب اختارها ابن حامد لانه لم يدرك جزءا من وقتها ولا من وقت تبعها فلم يجب كما لو لم يدرك من وقت الاولى شيئا وفارق مدرك وقت الثانية، فانه أدرك وقت تبع الاولى لان الاولى تفعل في وقت الثانية

[ 449 ]

متبوعة مقصودة ولان من لا يجوز الجمع في وقت الاولى ليس وقت الاولى عنده وقتا للثانية بحال ومن جوز الجمع في وقت الاولى فانه يجوز تقديم الثانية رخصة ويحتاج إلى نية التقديم، وترك التفريق بخلاف الاولى إذا أخرها إلى الثانية فلا يصح قياس الثانية على الاولى. والاصل ان لا تجب صلاة الا بادراك وقتها، فاما ان أدرك وقت الفجر لم تجب عليه العشاء ولا تجب العصر بادراك وقت المغرب لانه لم يدرك وقتها ولا تجمع معها في حال ولا نعلم في ذلك خلافا (مسألة) (ومن فاتته صلاة لزمه قضاؤها على الفور مرتبا قلت أو كثرت) وجملة ذلك أن من فاتته صلاة لزمه قضاؤها على الفور لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها " متفق عليه، وان فاتته صلوات لزمه قضاؤهن مرتبات نص عليه أحمد في مواضع. وروي عن ابن عمر ما يدل على وجوب الترتيب ونحوه عن الزهري والنخعي ومالك وأبي حنيفة واسحاق، وقال الشافعي لا يجب لانه قضاء لفريضة فاتته فلا يجب فيه الترتيب كالقيام ولنا ان النبي صلى الله عليه وسلم فاتته أربع صلوات فقضاهن مرتبات، رواه الامام أحمد والترمذي والنسائي وقال " صلوا كما رأيتموني اصلي " وعن ابي جمعة حبيب بن سباع وله صحبة قال ان النبي صلى الله عليه وسلم عام الاحزاب صلى المغرب فلما فرغ قال " هل علم أحد منكم اني صليت العصر؟ " قالوا لا يا رسول الله ما صليتها فأمر المؤذن فاقام الصلاة فصلى العصر ثم اعاد المغرب، رواه الامام احمد، ولانهما صلاتان مؤقتتان فوجب الترتيب بينهما كالمجموعتين، إذا ثبت هذا فانه يجب الترتيب فيها وان كثرت، وقال مالك وابو حنيفة لا يجب الترتيب في اكثر من صلاة يوم وليلة لان اعتباره فيما زاد يشق ويفضي إلى الدخول في التكرار فسقط كالترتيب في قضاء رمضان

[ 450 ]

ولنا انها صلوات واجبات تفعل في وقت يتسع لها فوجب فيها التريب كالخمس وافضاؤه إلى التكرار لا يمنع وجوبه كترتيب الركوع على السجود (فصل) وهذا الترتيب شرط لصحة الصلاة فلو أخل به لم تصح صلاته لما ذكرنا من الحديثين والمعنى ولانه ترتيب في الصلاة فكان شرطا كالركوع والسجود (فصل) فان ذكر أن عليه صلاة وهو في أخرى والوقت متسع أتمها وقضى الفائتة ثم أعاد الصلاة التي كان فيها اماما كان أو مأموما أو منفردا وهذا ظاهر كلام الخرقي وأبي بكر، وهو قول ابن عمر ومالك والليث واسحاق في المأموم وهو الذي نقله الجماعة عن أحمد في المأموم. ونقل عنه في الامام انه يقطع الصلاة ونقل عنه في المنفرد روايتان (احداهما) يقطع الصلاة ويقضي الفائتة وهو قول النخعي والزهري ويحى الانصاري (والثانية) انه يتم الصلاة. وان كان اماما فقال القاضي يقطع الصلاة إذا كان الوقت واسعا ويستأنف المأمومون، نقلها عنه حرب ولم يذكر القاضي غير هذه الرواية فصار في الجميع روايتان (احداهما) يقطعها ويقضي الفائتة ويعيد التي كان فيها. والدليل على وجوب الاعادة ما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من نسي الصلاة فلم يذكرها الا وهو مع الامام فإذا فرغ من صلاته فليعد الصلاة التي نسي ثم ليعد الصلاة التي صلاها مع الامام " رواه أبو يعلى الموصلي باسناد حسن. ولحديث أبي جمعة الذي ذكرناه. قال شيخنا والاولى انه لا يقطع الصلاة لقول الله تعالى (ولا تبطلوا أعمالكم) ولحديث ابن عمر قال أبو بكر لا يختلف كلام

[ 451 ]

أحمد في المأموم أنه يمضي واختلف قوله في المنفرد والذي أقول أنه يمضي (فصل) فان مضى الامام في صلاته بعد ذكره فهل تصح صلاة المأمومين؟ ينبني على ائتمام المفترض بالمتنفل، وإن انصرف المنصوص أنهم يستأنفون الصلاة. قال شيخنا ويتخرج أن يبنوا كما لو سبقه الحدث وكل موضع قلنا يمضي في صلاته فانه مستحب غير واجب لانها صلاة لا يعتد بها فلم يلزمه إمامها كالتطوع. (مسألة) (فان خشي فوات الحاضرة أو نسي الترتيب سقط وجوبه) متى خشي فوات الحاضرة سقط وجوب الترتيب مثل أن يشرع في صلاة حاضرة فيذكر فائتة والوقت ضيق أو لم يكن في صلاة لكن لم يبق من وقت الحاضرة ما يتسع لهما جميعا فانه يقدم الحاضرة ويسقط الترتيب في الصحيح من المذهب وهذا قول سعيد بن المسيب والحسن والثوري واسحاق وأصحاب الرأي، وعن أحمد أن الترتيب واجب بكل حال، اختارها الخلال، وهي مذهب عطاء والزهري والليث ومالك، ولا فرق بين كون الحاضرة جمعة أو غيرها لقوله صلى الله عليه وسلم " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها " ولانه ترتيب فلم يسقط بضيق الوقت كترتيب الركوع والسجود ولانه قد روي " لا صلاة لمن عليه صلاة " والرواية الاولى هي المشهورة. قال القاضي: عندي أن المسألة رواية واحدة أن الترتيب يسقط. قال أبو حفص عن الرواية الثانية: هذه الرواية تخالف ما نقله الجماعة فاما ان تكون غلطا أو قولا قديما لابي عبد الله ووجهها أن الحاضرة صلاة ضاق وقتها عن آكد منها فلم يجز تأخيرها كما لو لم يكن عليه فائتة ولان الصلاة ركن من أركان الاسلام فلم يجز تقديم فائتة على حاضرة عند خوف فوتها كالصيام، يحققه أنه لو أخر الحاضر صار فائتا وربما كثرت الفوائت فيفضي إلى أن

[ 452 ]

لا يصلي صلاة في وقتها ولا تلزمه عقوبة بتركها ولا يصلي جماعة اصلا وهذا لا يرد الشرع به. وتعلقهم بالامر بالقضاء معارض بالامر بفعل الحاضرة والحاضرة آكد بدليل أنه يقتل بتركها ويحرم عليه تأخيرها بخلاف الفائتة فان النبي صلى الله عليه وسلم لما نام عن صلاة الفجر أخرها شيئا وأمرهم فاقتادوا رواحلهم حتى خرجوا من الوادي. والحديث الذي ذكروه قال أحمد: ليس هذا حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم. فعلى هذه الرواية يبدأ فيقضي الفوائت على الترتيب حتى إذا خاف فوات الحاضرة صلاها ثم عاد إلى الفوائت نص عليه أحمد: فان حضرت جماعة في صلاة الحاضرة فقال أحمد: في رواية أبي داود فيمن عليه صلاة فائتة فأدركته الظهر ولم يفرغ من الصلاة يصلي مع الامام الظهر ويحسبهما من الفوائت ويصلي الظهر في آخر الوقت. وفيه رواية ثالثة إذا كثرت الفوائت بحيث لا يتسع لها وقت الحاضرة أن يصلي الحاضرة في أول وقتها نقلها عنه ابن منصور وهذا اختيار أبي حفص لان الوقت لا يتسع لقضاء ما في الذمة وفعل الحاضرة فسقط الترتيب كما لو فاتته صلاة وقد بقي من وقت الاخرى قدر خمس ركعات ولانه إذا لم يكن بد من الاخلال بالترتيب ففعلها في أول الوقت ليحصل فضيلة الوقت والجماعة أولى ولان فيه مشقة فانه يتعذر معرفة آخر الوقت في حق اكثر الناس وذكر ابن عقيل فيمن عليه فائته وخشي فوات الجماعة روايتين (إحداهما) يسقط الترتيب لانه اجتمع واجبان لابد من

[ 453 ]

تفويت أحدهما فكان مخيرا فيهما (والثانية) لا يسقط لما ذكرنا. قال شيخنا وهذه الرواية أحسن وأصح إن شاء الله تعالى والله أعلم (فصل) إذا ترك ظهرا وعصرا من يومين لا يدري أيتهما الاولى ففيه روايتان (احداهما) انه يتحرى أيتهما نسي أو لا فيقضيها ثم يقضي الاخرى نقلها عنه الاثرم وهذا قول أبي يوسف ومحمد لان الترتيب مما تبيح الضرورة تركه فيما إذا ضاق وقت الحاضرة أو نسي الترتيب فيدخله التحري كالقبلة (والثانية) أنه يصلي الظهر ثم العصر من غير تحر نقلها مهنا لان التحري فيما فيه أمارة وهذا لا أمارة فيه يرجع إليها فرجع إلى ترتيب الشرع. قال شيخنا والقياس انه يلزمه ثلاث صلوات - ظهر ثم عصر ثم ظهر أو بالعكس لانه أمكنه أداء فرضه بيقين أشبه ما إذا نسي صلاة لا يعلم عينها، وقد نقل أبو داود عن أحمد ما يدل على هذا، وهذا مذهب أبي حنيفة (فصل) ولا يعذر في ترك الترتيب بالجهل بوجوبه، وقال زفر يعذر كالناسي. ولنا انه ترتيب واجب في الصلاة فلم يسقط بالجهل كالمجموعتين، ولان الجهل بأحكام الشرع مع التمكن من العلم لا يسقطها كالجهل بتحريم الاكل في الصوم (فصل) ويجب عليه قضاء الفوائت على الفور وإن كثرت ما لم يلحقه مشقة في بدنه بضعف أو خوف مرض أو نصب أو اعياء - أو ماله بفوات شئ منه أو ضرر فيه أو قطع عن معيشته، نص أحمد على نحو هذا، فان جهل الفوائت فلم يعلم قدرها قضى حتى يتيقن براءة ذمته، ويقتصر على الفرائض ولا يتنفل بينها ولا يصلي سنتها لان النبي صلى الله عليه وسلم لما قضى الصلوات الفائتة يوم الخندق لم ينقل انه صلى بينها سنة. ولان الفرض أهم فالاشتغال به أولى، فان كانت صلاة أو نحوها فلا بأس بقضاء سنتها لان

[ 454 ]

النبي صلى الله عليه وسلم لما فاتته الفجر صلى سنتها قبلها وهذا قول الشافعي، وقال مالك يبدأ بالمكتوبة والاول أولى لما ذكرنا من الحديث وهو اختيار ابن المنذر (فصل) ومن فاتته صلاة من يوم لا يعلم عينها أعاد صلاة اليوم جميعه ينوي بكل واحدة أنها الفائتة نص عليه وهو قول أكثر أهل العلم لان التعيين شرط في صحة الصلاة المكتوبة ولا يتوصل إليه الا بذلك فلزمه. وقال الثوري يصلي الفجر ثم المغرب ثم يصلي أربعا ينوي إن كان الظهر أو العصر أو العشاء، وقال الاوزاعي يصلي أربعا باقامة (فصل) إذا نام في منزل في السفر فاستيقظ بعد خروج وقت الصلاة استحب له أن ينتقل عن ذلك المنزل فيصلى في غيره، نص عليه لما روى أبو هريرة قال: عرسنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ليأخذ كل رجل منكم برأس راحلته فان هذا منزل حضر فيه الشيطان " قال ففعلنا ثم دعا بالماء فتوضأ ثم سجد سجدتين ثم أقيمت الصلاة فصلى الغداة. متفق عليه، ويستحب أن يصلي الفائتة جماعة إذا أمكن لهذا الخبر، ولان النبي صلى الله عليه وسلم قضى الصلوات الفائتة يوم الخندق في جماعة ولا يلزم القضاء أكثر من مرة لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يقض أكثر من مرة، وقد روى عمران بن حصين حين ناموا عن صلاة الفجر قال فقلنا يا رسول الله ألا نصلي هذه الصلاة لوقتها؟ قال " لا ينهاكم الله عن الربا ويقبله منكم " رواه الاثرم واحتج به أحمد (فصل) إذا أخر الصلاة لنوم أو غيره حتى خشي خروج الوقت إن تشاغل بالسنة بدأ بالفرض نص عليه لان الحاضرة إذا قدمت على الفائتة الواجبة مراعاة للوقت فعلى السنة أولى وهكذا

[ 455 ]

إذا استيقظ وشك في طلوع الشمس بدأ بالفريضة نص عليه لان الاصل بقاء الوقت (فصل) ومن أسلم في دار الحرب فترك صلوات أو صياما لا يعلم وجوبه لزمه قضاؤه وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة لا يلزمه ولنا أنها عبادة تلزمه مع العلم فلزمته مع الجهل كما لو كان في دار الاسلام (مسألة) (وإن نسي الترتيب سقط وجوبه) حتى لو صلي الحاضرة ناسيا للفائتة ولم يذكرها حتى فرغ فليس عليه إعادة نص عليه أحمد في رواية الجماعة، وقال مالك يجب الترتيب مع النسيان كالمجموعتين والركوع والسجود ولحديث أبي جمعة ولنا قوله صلى الله عليه وسلم " عفي لامتي عن الخطأ والنسيان " ولان المنسية ليس عليها أمارة فجاز أن يؤثر فيها النسيان كالصيام، فأما حديث أبي جمعة فمن رواية ابن لهيعة وهو ضعيف ويحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكرها وهو في الصلاة جمعا بينه وبين ما ذكرنا من الدليل وانما لم يعذر في المجموعتين بالنسيان لانه لا يتحقق إذ لابد فيهما من نية الجمع بينهما ولا يمكن ذلك مع نسيان احداهما ولان اجتماع الجماعة يمنع النسيان إذ لا يكادون كلهم ينسون الاولى ولا فرق بين أن يكون سبق منه ذكر الفائتة ثم نسيها أو لم يسبق نص عليه لما ذكرنا والله أعلم. * (باب ستر العورة) * (وهو الشرط الثالث) ستر العورة شرط لصحة الصلاة في قول أكثر أهل العلم، قال ابن عبد البر: أجمعوا على فساد صلاة من ترك ثوبه وهو قادر على الاستتار به وصلى عريانا وهو قول الشافعي

[ 456 ]

وأصحاب الرأي، وقال إسحاق وبعض أصحاب مالك: هو شرط مع الذكر وقال بعضهم هو واجب وليس بشرط لان وجوبه غير مختص بالصلاة فلم يكن شرطا فيها كقضاء الدين ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار " وعن سلمة بن الاكوع قال: قلت يا رسول الله اني أكون في الصيد فأصلي في القميص الواحد؟ قال " نعم وازرره ولو بشركة " رواهما ابن ماجه والترمذي وقال فيهما حسن (مسألة) (وسترها عن النظر بما لا يصف البشرة واجب) لان الستر انما يحصل بذلك فان كان خفيفا يصف لون البشرة فيبين من ورائه بياض الجلد وحمرته لم تجز الصلاة فيه، وان كان يستر اللون ويصف الخلقة جازت الصلاة فيه لان البشرة مستورة وهذا لا يمكن التحرز منه وان كان الساتر صفيقا (مسألة) (وعورة الرجل والامة ما بين السرة والركبة وعنه أنها الفرجان) عورة الرجل ما بين السرة والركبة في ظاهر المذهب نص عليه في رواية الجماعة وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي وأكثر العلماء وروي عنه أنها الفرجان نقله عنه مهنا وهو قول ابن أبي ذئب لما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر حسر الازار عن فخذه رواه البخاري ومسلم. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا زوج أحدكم عبده أمته أو أجيره فلا ينظر إلى شئ من عورته فان ما تحت السرة إلى ركبته عورة " يريد الامة رواه الامام أحمد وأبو داود. وعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته كاشفا عن فخذيه فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على ذلك ثم استأذن عمر فأذن له وهو على ذلك رواه الامام أحمد. ولانه ليس بمخرج فلم يكن عورة كالساق، ووجه الاولى ما روى جرهد الاسلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له " غط فخذك فان الفخذ من العورة " رواه

[ 457 ]

الامام احمد وابو داود والترمذي وقال حديث حسن وعن علي بن أبي طالب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت " رواه أبو داود، وعن ابن عباس قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل وفخذه خارجة فقال: " غط فخذك فان فخذ الرجل من عورته " رواه الامام احمد: قال البخاري حديث أنس أسند وحديث جرهد أحوط (فصل) والسرة والركبتان ليست من العورة، وهو قول مالك والشافعي وقال أبو حنيفة الركبة من العورة لانه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " الركبة من العورة " ولنا ما روى ابو أيوب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " أسفل السرة وفوق الركبتين من العورة " رواه ابو بكر، وحديث عمرو بن شعيب، ولان الركبة حد العورة فلم تكن منها كالسرة والعبد والحر في ذلك سواء لعموم الاخبار فيهما وحديثهم يرويه ابو الجنوب ولا يثبته أهل النقل (فصل) وأما الامة، قال ابن حامد عورتها كعورة الرجل ما بين السرة والركبة، حكاه القاضي في المجرد وابن عقيل قال القاضي وقد لوح إليه احمد وهو ظاهر مذهب الشافعي لحديث عمرو بن شعيب والمراد به الامة فان الاجير والعبد لا تختلف حاله بالتزويج وعدمه، وقال القاضي في الجامع عورة الامة ما عدا الرأس واليدين إلى المرفقين والرجلين إلى الركبتين، وهو قول بعض الشافعية لان هذا يظهر عادة عند التقليب والخدمة فهو كالرأس وما سواه لا يظهر غالبا ولا تدعو الحاجة إلى كشفه أشبه ما بين السرة والركبة والاول أولى لما ذكرنا ولان من لم يكن رأسه عورة لم يكن صدره عورة كالرجل وقال الحسن في الامة إذا تزوجت أو اتخذها الرجل لنفسه يجب عليها الخمار ولنا أن عمر كان ينهى الاماء عن التقنع وقال انما القناع للحرائر واشتهر ذلك ولم ينكر فكان

[ 458 ]

اجماعا ولانها أمة أشبهت التي لم تتزوج، وفيه رواية ثالثة ان عورتها الفرجان كالرجل ذكرها ابو الخطاب وشيخنا في الكتاب المشروح والصحيح خلافها إن شاء الله تعالى. والمكاتبة والمدبرة والمعلق عتقها بصفة كالامة القن فيما ذكرنا لانهن إماء يجوز بيعهن وعتقهن أشبهن القن. وقال ابن البنا هن كام الولد (مسألة) (والحرة كلها عورة إلا الوجه وفي الكفين روايتان) أما وجه الحرة فانه يجوز للمرأة كشفه في الصلاة بغير خلاف نعلمه واختلفت الرواية في الكفين فروي عنه جواز كشفهما وهو قول مالك والشافعي لانه روي عن ابن عباس وعائشة في قوله تعالى (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) قال الوجه والكفين، ولانه يحرم على المحرمة سترهما بالقفازين كما يحرم ستر الوجه بالنقاب ويظهران غالبا وتدعو الحاجة إلى كشفهما للبيع والشراء فأشبها الوجه. وروي عنه أنهما من العورة وهذا اختيار الخرقي. قال القاضي وهو ظاهر كلام احمد، لانه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " المرأة عورة " رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح: وهذا عام في جميعها ترك في الوجه للحاجة فيبقى فيما عداه. وقول ابن عباس وعائشة قد خالفهما ابن مسعود فقال الثياب ولان الحاجة لا تدعو إلى كشفهما وظهورهما كالحاجة إلى كشف الوجه فلا يصح القياس ثم يبطل قياسهم بالقدمين فانهما يظهران عادة وسترهما واجب وهما بالرجلين أشبه من الوجه فقياسهما عليهما أولى (فصل) وما سوى الوجه والكفين فيجب ستره في الصلاة رواية واحدة وهو قول مالك والشافعي والاوزاعي. وقال أبو حنيفة القدمان ليسا من العورة لانهما يظهران عادة ويغسلان في الوضوء أشبها الوجه والكفين ولنا قوله تعالى (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) وما روت أم سلمة أنها سألت النبي صلى

[ 459 ]

الله عليه وسلم أتصلي المرأة في درع وخمار؟ قال " نعم إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها " رواه أبو داود، والخبر الذي رويناه في أن المرأة عورة خرج منه الوجه فيبقى فيما عداه على قضية الدليل وأما ما عدا الوجه والكفين والقدمين فهو عورة بالاجماع لا نعلم فيه خلافا لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا يقبل الله صلاة حائض الا بخمار " حديث صحيح (مسألة) (وأم الولد والمعتق بعضها كالامة وعنه كالحرة) نقل عن أحمد رحمه الله في المعتق بعضها روايتان (احداهما) أنها كالحرة لان فيها حرية تقتضي الستر فوجب كما يجب على الخنثى المشكل ستر فرجيه معا لوجوب ستر أحدهما (والثانية) هي كالامة القن لان المقتضى للستر بالاجماع الحرية الكاملة ولم توجد فتبقى على الاصل وهذا قول ابن المنذر (فصل) وحكم أم الولد حكم الامة في صلاتها وسترتها وهو قول النخعي والشافعي وأبي ثور وابن المنذر وعن أحمد انها كالحرة تغطي شعرها وقدميها نقلها عنه الاثرم لانها لا تباع ولا ينقل الملك فيها أشبهت الحرة وهو قول الحسن وابن سيرين في تغطية الرأس حكاه ابن المنذر. ووجه الاولى انها أمة حكمها حكم الاماء وكونها لا ينتقل الملك فيها لا يخرجها عن حكم الامة كالموقوفة، وانعقاد سبب الحرية فيها لا يؤثر أيضا بدليل المكاتبة والمدبرة، لكن يستحب لها ستر رأسها لتخرج من الخلاف وتأخذ بالاحتياط (فصل) وعورة الخنثى المشكل كعورة الرجل لانه اليقين والانوثة مشكوك فيها فلا نوجب عليه ستر محل مشكوك في وجوبه كما لو نوجب نقض الوضوء بمس أحد فرجيه ولا الغسل بايلاجه لكن يجب عليه ستر فرجيه إذا قلنا العورة الفرجان لان أحدهما فرج حقيقي ولا يتحقق ستره الا بسترهما فوجب عليه كستر ما قرب من العورة لاجل سترها، وعنه حكمه حكم المرأة ذكره في المستوعب لانه يحتمل أن يكون امرأة فوجب ذلك احتياطا (فصل) فان عتقت الامة في أثناء صلاتها وهي مكشوفة الرأس ووجدت سترة فهي كالعريان يجد السترة في أثناء صلاته وسيأتي ان شاء الله، وان لم تعلم بالعتق حتى أتمت صلاتها أو علمت به ولم تعلم

[ 460 ]

بوجوب الستر فصلاتها باطلة لان شروط الصلاة لا يعذر فيها بالجهل فأما ان عتقت ولم تقدر على سترة أتمت صلاتها ولا إعادة عليها لانها عاجزة عن السترة فهي كالحرة الاصلية إذا عجزت (مسألة) (ويستحب للرجل أن يصلي في ثوبين) لما روى ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قال قال عمر " إذا كان لاحدكم ثوبان فليصل فيهما فان لم يكن له الا ثوب واحد فليتزر به " رواه أبو داود، وعن عمر انه قال إذا أوسع الله فأوسعوا - جمع رجل عليه ثيابه - صلى رجل في ازار ورداء - في ازار وقميص - في ازار وقباء - في سراويل ورداء - في سراويل وقميص - في سراويل وقباء، في تبان وقميص، قال القاضى وذلك في الامام آكد لانه بين يدي المأمومين وتتعلق صلاتهم بصلاته فان لم يكن إلا ثوب واحد فالقميص أولى لانه أبلغ في الستر ثم الرداء ثم المئزر أو السراويل (مسألة) (فان اقتصر على ستر العورة أجزأه إذا كان على عاتقه شئ من اللباس) وجملة ذلك ان الرجل متى ستر عورته في الصلاة صحت صلاته إذا كان على عاتقه شئ من اللباس سواء كان من الثوب الذي ستر عورته أو من غيره إذا كان قادرا على ذلك لما روى عمر بن أبي سلمة أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في ثوب واحد في بيت أم سلمة قد ألقى طرفيه على عاتقه. وعن أبي هريرة أن سائلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في الثوب الواحد قال " أو لكلكم ثوبان؟ " متفق عليهما. وعن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا كان الثوب واسعا فالتحف به وإذا كان ضيقا فاشدده على حقوك - وفي لفظ - فاتزر به " رواه البخاري (فصل) ولا يجزئ من ذلك إلا ما ستر العورة عن غيره ونفسه فلو كان القميص واسع الجيب يرى عورته إذا ركع أو سجد أو كانت بحيث يراها لم تصح صلاته لقول النبي صلى الله عليه وسلم لسلمة بن الاكوع " وازرره ولو بشوكة " فان كان ذا لحية كبيرة تغطي الجيب فتستر عورته صحت صلاته نص عليه لان عورته مستورة وهذا مذهب الشافعي (فصل) ويجب عليه أن يضع على عاتقه شيئا من اللباس مع القدرة، اختاره ابن المنذر وأكثر العلماء على خلافه لانهما ليسا من العورة أشبها بقية البدن

[ 461 ]

ولنا ما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شئ " رواه مسلم، وعن بريدة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي في لحاف ولا يتوشح به وأن يصلي في سراويل ليس عليه رداء. رواه أبو داود وهو شرط لصحة الصلاة في ظاهر المذهب واختاره ابن المنذر لان النهي يقتضي فساد المنهي عنه ولان ستره واجب في الصلاة فالاخلال به يفسدها كالعورة، وذكر القاضي وابن عقيل أنه نقل عن أحمد ما يدل على أنه ليس بشرط فانه قال في رواية مثنى بن جامع فيمن صلى وثوبه على إحدى عاتقيه والاخرى مكشوفة يكره قيل له يؤمر أن يعيد؟ فلم ير عليه إعادة. قال شيخنا وليس هذا رواية أخرى إنما يدل على أنه لا يجب ستر المنكبين جميعا لان الخبر لا يقتضي سترهما فعلى هذا لا يجب سترهما جميعا بل يجزئه وضع ثوب على أحد عاتقيه وإن كان يصف البشرة لان وجوب ذلك بالخبر ولفظه " لا يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شئ " وهذا يقع على ما يعم المنكبين ومالا يعم، وقال القاضي وأبو الخطاب وابن عقيل يجب ستر المنكبين لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا صلى أحدكم في ثوب واحد فليخالف بين طرفيه على عاتقيه " صحيح (فصل) فان طرح على كتفيه ما يستر البشرة ومالا يستر - حبلا أو نحوه - لم يجزه في اختيار الخرقي والقاضي، وقال بعض أصحابنا يجزئه قالوا لان هذا شئ فيتناوله الخبر. قال بعضهم وقد روي عن جابر أنه صلى في ثوب واحد متوشحا به كاني أنظر إليه كأن على عاتقه ذنب فأرة، وعن ابراهيم قال كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم يجد أحدهم ثوبا ألقى على عاتقه عقالا وصلى وقال شيخنا والصحيح أنه لا يجزئ لان ذلك لا يسمى سترة ولا لباسا ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا صلى أحدكم في ثوب واحد فليخالف بين طرفيه على عاتقيه " صحيح رواه أبو داود والامر بوضعه على العاتقين للستر ولا يحصل ذلك بوضع خيط ولاحبل، وما روي عن جابر لا يصح، وما روي

[ 462 ]

الصحابة إن صح فلعدم ما سواه لقوله " إذا لم يجد " وفي هذا دليل على انه لا يجزي مع وجود الثوب والله أعلم (فصل) (وقال القاضي يجزئه ستر العورة في النفل دون الفرض) يعني إذا اقتصر على ستر العورة دون المنكبين أجزأه في النفل دون الفرض، نص عليه أحمد في رواية حنبل قال: يجزئه أن يأتزر بالثوب الواحد ليس على عاتقه منه شئ في التطوع لان مبناه على التخفيف ولذلك يسامح فيه بترك القيام والاستقبال في حال سيره مع القدرة فسومح فيه بهذا القدر واستدل أبو بكر بقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا كان الثوب ضيقا فاشدده على حقوك " قال هذا في التطوع. وحديث أبي هريرة في الفرض وظاهر كلام الخرقي التسوية بينهما لان ما اشترط للفرض اشترط للنفل كالطهارة ولان الخبر عام فيهما وهذا ظاهر كلام شيخنا رحمه الله والله أعلم. (مسألة) (ويستحب للمرأة أن تصلي في درع وخمار وملحفة فان اقتصرت على ستر العورة أجزأها) روي نحو ذلك عن عمر وابنه وعائشة وهو قول الشافعي وذلك أنه أستر وأحسن فانه إذا كان عليها جلباب تجافى عنها راكعة وساجدة فلا يصفها ولا تبين عجيزتها ومواضع العورة المغلظة. وروي عن ابن عمر وابن سيرين ونافع قالوا تصلي المرأة في أربعة أثواب لذلك وهذا على وجه الاستحباب فان اقتصرت على ستر عورتها أجزأها، قال أحمد: قد اتفق عامتهم على الدرع والخمار وما زاد فهو خير وأستر. وقد دل عليه حديث أم سلمة حين قالت: يا رسول الله أتصلي المرأة في درع وخمار؟ قال: " نعم إذا كان سابقا يغطي ظهور قدميها " وروي عن عاشة وميمونة وأم سلمة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم انهن كن يرين الصلاة في درع وخمار، حكاه ابن المنذر ولانها سترت ما يجب عليها ستره أشبهت الرجل (فصل) ويكره للمرأة النقاب وهي تصلي، قال ابن عبد البر: أجمعوا على ان على المرأة أن تكشف وجهها في الصلاة والاحرام ولان ذلك يخل بمباشرة المصلي بالجبهة والانف ويغطى الفم. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل عنه

[ 463 ]

(مسألة) (وإذا انكشف من العورة يسير لم يفحش في النظر لم تبطل صلاته) نص عليه أحمد وهو قول أبي حنيفة. وقال الشافعي تبطل لانه حكم يتعلق بالعورة فاستوى قليله وكثيره كالنظر ولنا ما روي عن عمرو بن سلمة الجرمي قال: انطلق أبي وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من قومه فعلمهم الصلاة وقال " يؤمكم أقرؤكم " فكنت أقرأهم فقدموني فكنت أؤمهم وعلي بردة صفراء صغيرة فكنت إذا سجدت انكشفت عني فقالت امرأة من النساء: واروا عنا عورة قارئكم. فاشتروا لي قميصا عمانيا فما فرحت بعد الاسلام فرحي به. وفي لفظ فكنت أؤمهم في بردة موصلة فيها فتق فكنت إذا سجدت فيها خرجت استى. رواه أبو داود والنسائي وهذا ينتشر ولم ينكر ولم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكره ولا أحد من أصحابه ولان ما صحت الصلاة مع كثيره حال العذر فرق بين قليله وكثيره في غير حال العذر كالمشي، ولان اليسير يشق الاحتراز منه فعفي عنه كيسير الدم وحد اليسير مالا يفحش في النظر عادة ولا فرق في ذلك بين الفرجين وغيرهما الا أن العورة المغلظة يفحش منها ما لا يفحش من غيرها فيعتبر ذلك وسواء في ذلك الرجل والمرأة. وقال أبو حنيفة إن انكشف من المغلظة قدر الدرهم أو من غيرها أقل من ربعها لم تبطل الصلاة وإن كان أكثر بطلت ولنا ان هذا تقدير لم يرد الشرع به فلا يجوز المصير إليه وما لم يرد الشرع فيه بالتقدير يرد إلى العرف كالكثير من العمل في الصلاة والتفرق والاحتراز فان انكشفت عورته من غير عمد فسترها في الحال لم تبطل لانه يسير في الزمن أشبه اليسير في القدر. وقال التميمي إن بدت عورته وقتا واستترت وقتا لم يعد لحديث عمرو بن سلمة فلم يشترط اليسير. قال شيخنا ولابد من اشتراطه لانه يفحش ويمكن التحرز منه أشبه الكثير في القدر (مسألة) (وان فحش بطلت) يعني ما فحش في النظر عادة وعرفا لما ذكرنا لان التحرز منه ممكن من غير مشقة أشبه سائر العورة. قال ابن المنذر أجمعوا على أن المرأة الحرة إذا صلت وجميع رأسها مكشوف ان عليها الاعادة ولان الاصل وجوب ستر جميع العورة عفي عنه في اليسير لمشقة التحرز

[ 464 ]

منه يبقى فيما عداه على قضية الدليل (مسألة) (ومن صلى في ثوب حرير أو مغصوب لم تصح صلاته وعنه تصح مع التحريم) لبس المغصوب والصلاة فيه حرام على الرجال والنساء وجها واحدا فان صلى فيه فهل تصح صلاته على روايتين أظهرهما لا تصح إذا كان هو الساتر للعورة لانه استعمل المحرم في شرط الصلاة فلم تصح كما لو كان نجسا ولان الصلاة قربة وطاعة وقيام هذا وقعوده في هذا الثوب منهي عنه فكيف يكون متقربا بما هو عاص به مأمورا بما هو منهي عنه. وقال ابن عمر من اشترى ثوبا بعشرة دراهم وفيه درهم حرام لم تقبل له صلاة مادام عليه. ثم أدخل أصبعيه في أذنيه وقال: صمتا إن لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم سمعته يقوله. رواه الامام أحمد وفي اسناده رجل غير معروف (والثانية) تصح وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي. لان النهي لا يعود إلى الصلاة ولا يختص التحريم بها فهو كما لو صلى في عمامة مغصوبة أو غسل ثوبه من النجاسة بماء مغصوب. فان ترك الثوب المغصوب في كمه أو صلى في عمامة مغصوبة أو في يده خاتم مغصوب صحت صلاته لان النهي لا يعود إلى شرط الصلاة فلم يؤثر فيها كما لو كان في جيبه درهم مغصوب. والفرض والنفل في ذلك سواء لان ما كان شرطا للفرض فهو شرط للنفل (فصل) فان صلى وعليه سترتان احداهما مغصوبة ففيه الروايتان سواء كان الفوقاني أو التحتاني لان الستر لا يتعين باحداهما والمغصوب من جنس ما يستتر به بمثابة ما زاد على المشروط من اللفائف في حق الميت فانه يجري مجراه في وجوب القطع فان صلى في قميص بعضه حلال وبعضه حرام لم تصح صلاته على الرواية الاولى سواء كان المغصوب هو الذي ستر العورة أو بالعكس لان القميص يتبع بعضه بعضا فلا يتميز بدليل دخوله في مطلق البيع، ذكر هذا الفصل ابن عقيل (فصل) وإن صلى الرجل في ثوب حرير لم يجز له والحكم في صحة الصلاة فيه كالحكم في الثوب

[ 465 ]

المغصوب على ما بينا لانه في معناه وتصح صلاة المرأة فيه لانه مباح لها وكذلك صلاة الرجل فيه في حال العذر إذا قلنا باباحتة له (مسألة) (ومن لم يجد الا ثوبا نجسا صلى فيه) وذلك لان ستر العورة آكد من إزالة النجاسة لتعلق حق الآدمي به في ستر عورته ووجوبه في الصلاة وغيرها فكان تقديمه أولى وهذا قول مالك، وقال الشافعي يصلي عريانا ولا يعيد، وقال أبو حنيفة في النجاسة كلها يخير في الفعلين لانه لابد من ترك واجب في كلا الفعلين، وقد ذكرنا أو الستر آكد فوجب تقديمه ولانه قدر على ستر عورته فلزمه كما لو وجد ثوبا طاهرا (مسألة) (وتلزمه الاعادة على المنصوص) لانه أخل بشرط الصلاة مع القدرة عليه أشبه ما لوصلى محدثا. ويتخرج أن لا يعيد بناء على من صلى في موضع نجس لا يمكنه الخروج منه فانه قال: لا إعادة عليه. وهذا اختيار شيخنا لان الشرع منعه نزعه أشبه ما إذا لم يمكنه وهو مذهب مالك والاوزاعي ولان التحرز من النجاسة شرط عجز عنه فسقط كالعجز عن السترة، فان لم يجد الا ثوب حرير صلى فيه ولا اعادة عليه لان تحريم لبسه يزول بالحاجة إليه، وذكر ابن عقيل انه يخرج على الروايتين في السترة النجسة فان لم يجد الا ثوبا مغصوبا صلى عريانا لان تحريمه لحق آدمي أشبه من لم يجد الا ماء مغصوبا وذكر ابن عقيل في وجوب الاعادة على من صلى في الثوب النجس روايتين (إحداهما) يعيد لما ذكرنا (والثانية) لا يعد لانه أتى بما أمر به أشبه مالو لم تكن عليه نجاسة (مسألة) (فان لم يجد الا ما يستر عورته سترها) إذا لم يجد الا ما يستر عورته حسب - بدأ بها وترك منكبيه لان ستر العورة متفق على وجوبه وستر المنكبين مختلف فيه ولان ستر العورة واجب في غير الصلاة ففيها أولى وقد روى حنبل عن أحمد فيمن معه ثوب واحد لطيف ان ستر عورته انكشف منكباه فقال يصلي جالسا ويرسله من ورائه على منكبيه وعجيزته واحتج لذلك بان ستر

[ 466 ]

المنكبين الحديث فيه أصح من ستر الفخذين والقيام يسقط في حق العريان وله بدل فإذا صلى جالسا حصل ستر العجيزة والمنكبين بالثوب وستر العورة بالجلوس. والصحيح الاول اختاره شيخنا لما ذكرنا ولما روى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " إذا كان الثوب واسعا فخالف بين طرفيه وإذا كان ضيقا فاشدده على حقوك " رواه أبو داود وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من كان له ثوبان فليأتزر وليرتد ومن لم يكن له ثوبان فليأتزر ثم ليصل " رواه الامام احمد ولان القيام متفق على وجوبه فلا يترك لامر مختلف فيه والله أعلم (مسألة) (فان لم يكف جميعها ستر الفرجين) لانهما أفحش وهما عورة بغير خلاف (مسألة) (فان لم يكفهما جميعا ستر أيهما شاء) لاستوائهما والاولى ستر الدبر على ظاهر كلامه لانه أفحش وينفرج في الركوع والسجود وقيل القبل أولى لان به يستقبل القبلة والدبر مستور بالاليتين (مسألة) (وان بذلت له سترة لزمه قبولها إذا كانت عارية) لان المنة لا تكثر في العارية فيكون قادرا على ستر عورته بما لا ضرر فيه. وان كانت هبة لا يلزمه قبولها لان المنة تكثر فيها. قال شيخنا ويحتمل أن يلزمه لان العار في كشف عورته أكثر من الضرر فيما يلحقه من المنة. وان وجد من يبيعه سترة أو يؤجره بثمن المثل أو زيادة يسيرة وقدر على العوض لزمه وان كانت كثيرة لا تجحف بماله فهو كما لو قدر على شراء الماء بذلك وفيه وجهان مضى توجيههما (مسألة) (فان عدم بكل حال صلى جالسا يومئ ايماء وان صلى قائما جاز، وعنه أنه يصلي قائما ويسجد بالارض) لا تسقط الصلاة عن العريان بغير خلاف علمناه لانه شرط عجز عنه فلم تسقط الصلاة بعجزه عنه كالاستقبال ويصلي جالسا يومئ بالركوع والسجود وهو قول أبي حنيفة، وقال مالك والشافعي وابن المنذر يصلي قائما كغير العريان لقوله صلى الله عليه وسلم " صلى قائما فان لم تستطع فقاعدا " رواه البخاري ولانه قادر على القيام من غير ضرر فلم يجز له تركه كالقادر على الستر ولنا ما روي عن ابن عمر أن قوما انكسرت بهم مركبهم فخرجوا عراة قال يصلون جلوسا

[ 467 ]

يومئون إيماء برؤوسهم ولم ينقل خلافه ولان الستر آكد من القيام لامرين (أحدهما) أنه لا يسقط مع القدرة بحال والقيام يسقط في النافلة (والثاني) أن الستر لا يختص الصلاة بخلاف القيام فإذا لم يكن بد من أحدهما فترك الاخف أولى، فان قيل فلا يحصل الستر كله مع فوات أركان ثلاثة القيام والركوع والسجود. فالجواب أنا إذا قلنا العورة الفرجان فقد حصل سترهما وان قلنا هما بعض العورة فهما آكدها وجوبا وأفحشها في النظر فكان سترهما أولى ولا تجب عليه إعادة لانه صلى كما أمر أشبه ما لو صلى إلى غير القبلة عند العجز فان صلى قائما جاز لما ذكرنا. وقد روي عنه أنه يصلي جالسا ويسجد بالارض لان السجود آكد من القيام لكونه مقصودا في نفسه ولا يسقط فيما يسقط فيه القيام وهو النفل. والاولى الايماء بالسجود لان القيام سقط عنهم لحفظ العورة وهي في حال السجود أفحش فكان سقوطه أولى وان صلى قائما وركع وسجد بالارض جاز في ظاهر كلام أحمد وقول أصحاب الرأي لانه لابد من ترك أحد الواجبين فأيهما ترك فقد أتى بالآخر وعلى أي حال صلى فانه يتضام ولا يتجافى، قيل لابي عبد الله يتضامون أم يتربعون؟ قال بل يتضامون، وقد قيل انهم يتربعون في حال القيام كصلاة النافلة قاعدا والاول أولى. (فصل) فإذا وجد العريان جلدا طاهرا أو ورقا يمكن خصفه عليه أو حشيشا يمكن ربطه عليه فيستتر لزمه لانه قادر على ستر عورته بطاهر لا يضره فقد ستر النبي صلى الله عليه وسلم رجلي مصعب بن عمير بالاذخر لما لم يجد سترة. وان وجد طينا يطلي به جسده لم يلزمه لانه يتناثر إذا جف وفيه مشقة ولا يغيب الخلقة، وقال ابن عقيل يلزمه لانه يستر وما تناثر سقط حكمه واستتر بما بقي وهو قول بعض الشافعية وان وجد ماء لم يلزمه النزول فيه وان كان كدرا لان عليه فيه مشقة وضررا لا يحتمل. وان وجد حفرة لم يلزمه النزول فيها لانها لا تلصق بجسده فهي كالجدار وان وجد سترة تضر به كبارية ونحوها لم يلزمه الاستتار بها لما فيها من الضرر والمنع من اكمال الركوع والسجود

[ 468 ]

(مسألة) (وان وجد السترة قريبة منه في أثناء الصلاة ستر وبني وان كانت بعيدة ستر وابتدأ) وجملة ذلك أن العريان متى قدر على السترة في أثناء الصلاة وأمكنه من غير زمن طويل ولا عمل كثير ستر وبنى على ما مضى من الصلاة كاهل قباء لما علموا بتحويل القبلة استداروا إليها وأتموا صلاتهم. وان لم يمكن الستر الا بعمل كثير أو زمن طويل بطلت الصلاة لانه لا يمكنه المضي فيها الا بما ينافيها من العمل الكثير أو فعلها بدون شرطها والمرجع في ذلك إلى العرف لانه لا تقدير فيه توقيفا وذكر القاضي فيمن وجدت السترة احتمالا أن صلاتها لا تبطل بانتظارها وان طال لانه انتظار واجب ولا يصح ذلك لانها صلت في زمن طويل عارية مع امكان الستر فلا تصح كالصلاة كلها وما ذكروه يبطل بما لو أتمت صلاتها في حال انتظارها وانتظرت من يأتي فيناولها وقياس الكثير على اليسير فاسد لما ثبت في الشرع من العفو عن اليسير دون الكثير في مواضع كثيرة (فصل) فان صلى عريانا ثم بان معه ستارة أنسبها أعاد لانه مفرط كما قلنا في الماء (مسألة) (ويصلي العراة جماعة وامامهم في وسطهم) الجماعة تشرع للعراة كغيرهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم " صلاة الرجل في الجميع تفضل على صلاته وحده بسبع وعشرين درجة " وهذا قول قتادة، وقال مالك والاوزاعي وأصحاب الرأي يصلون فرادى، قال مالك ويتباعد بعضهم من بعض وان كانوا في ظلمة صلوا جماعة ويتقدمهم امامهم وبه قال الشافعي في القديم، وقال في موضع الجماعة والافراد سواء لان في الجماعة الاخلال بسنة الموقف وفي الانفراد الاخلال بفضيلة الجماعة ووافقنا أن امامهم يقوم وسطهم وعلى مشروعية الجماعة للنساء العراة لان امامتهن تقوم في وسطهن فلا يحصل الاخلال في حقهن بفضيلة الموقف: ولنا الحديث الذي ذكرنا ولانهم قدروا على الجماعة من غير عذر أشبهوا المستترين ولا تسقط الجماعة لفوات السنة في الموقف كما لو كانوا في ضيق لا يمكن تقديم أحدهم، وإذا شرعت الجماعة حال الخوف مع تعذر الاقتداء بالامام في بعض الصلاة والحاجة إلى مفارقته وفعل ما يبطل الصلاة في غير

[ 469 ]

تلك الحال فأولى أن تشرع ههنا. إذا ثبت هذا فان امامهم يكون في وسطهم ويصلون صفا واحدا لانه أستر لهم فان لم يسعهم صف واحد وقفوا صفوفا وغضوا أبصارهم وإن صلى كل صف جماعة فهو أحسن (مسألة) (وإن كانوا رجالا ونساء صلى كل نوع لانفسهم) لئلا يرى بعضهم عوراة بعض وإن كانوا في ضيق صلى الرجال واستدبرهم النساء ثم صلى النساء واستدبرهم الرجال لئلا ينظر بعضهم إلى بعض (فصل) (فان كان مع العراة واحد له سترة لزمه الصلاة فيها) فان أعارها وصلى عريانا لم تصح لانه قادر على السترة، وإذا صلى فيه استحب أن يعيره لقول الله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى) ولا يجب ذلك بخلاف ما لو كان معه طعام فاضل عن حاجته ووجد مضطرا فانه يلزمه اعطاؤه. وإذا بذله لهم صلى فيه واحد بعد واحد ولم يجز لهم الصلاة عراة لقدرتهم على الستر، إلا أن يخافوا ضيق الوقت فيصلون عراة جماعة لانهم لو كانوا في سفينة لا يمكن جميعهم الصلاة قياما صلى واحد بعد واحد إلا أن يخافوا فوت الوقت فيصلي واحد قائما والباقون قعودا كذلك هذا ولان هذا يحصل به ادراك الوقت والجماعة وذاك انما يحصل به الستر خاصة. ويحتمل أن ينتظروا الثوب وإن فات الوقت لانه قدر على شرط الصلاة فلم تصح صلاته بدونه كواجد الماء لا يتيمم وإن خاف فوت الوقت. قال شيخنا: وهذا أقيس عندي، فان امتنع صاحب الثوب من إعارته فالمستحب أن يؤمهم ويقف بين أيديهم، فان كان أميا وهم قراء صلى العراة جماعة وصاحب الثوب وحده لانه لا يجوزه أن يؤمهم لكونه أميا ولا يأتم بهم لكونهم عراة وهو مستتر، وان صلى وبقي وقت صلاة واحدة استحب أن يعيره لمن يصلح لامامتهم وإن عاره لغيره جاز وصار حكمه حكم صاحب الثوب، فان استووا ولم يكن الثوب لواحد منهم أقرع بينهم فيكون من تقع له القرعة أحق به وإلا قدم من تستحب البداية بعاريته وإن كانوا رجالا ونساء فالنساء أحق لان عورتهن أفحشن وسترها آكد وإذا صلين فيه أخذه الرجال (مسألة) (ويكره في الصلاة السدل) وهو أن يطرح على كتفيه ثوبا ولا يرد أحد طرفيه على الكتف الآخر، وهذا قول ابن مسعود والثوري والشافعي لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن السدل في الصلاة، رواه أبو داود. فان فعل فلا اعادة عليه، وقال ابن أبي موسى: يعيد الصلاة في إحدى الروايتين للنهي عنه. فأما إن رد أحد طرفيه على الكتف الاخرى أو ضم طرفيه بيديه لم يكره لزوال السدل. وقد روي عن جابر وابن عمر الرخصة في السدل، قال ابن المنذر: لا أعلم فيه حديثا يثبت، وحكاه الترمذي عن أحمد (مسألة) (ويكره اشتمال الصماء وهو أن يضطبع بثوب ليس عليه غيره) لما روى أبو هريرة

[ 470 ]

وأبو سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبستين اشتمال الصماء وأن يحتبي الرجل بثوب ليس بين فرجيه وبين السماء شئ أخرجه الخباري، ومعنى الاضطباع أن يجعل وسط الرداء تحت عاتقه الايمن وطرفيه على عاتقه الايسر كلبسة المحرم وهذا هو اشتمال الصماء ذكره بعض أصحابنا وجاء مفسرا في حديث أبي سعيد بذلك من رواية إسحاق عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري أظن عن عطاء ابن يزيد عن أبي سعيد. وانما كره لانه إذا فعل ذلك وليس عليه ثوب غيره بدت عورته كذلك رواه حنبل عن أحمد، أما إذا كان عليه غيره فتلك لبسة المحرم وقد فعلها النبي صلى الله عليه وسلم وعلى هذا ينبغي أن يكون اشتمال الصماء محرما لافضائه إلى كشف العوره، وروى أبو بكر باسناده عن ابن مسعود قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلبس الرجل ثوبا واحدا يأخذ بجوانبه على منكبيه فتدعى تلك الصماء وقال بعض أصحاب الشافعي اشتمال الصماء أن يلتحف بالثوب ثم يخرج يديه من قبل صدره فتبدو عورته وهو في معنى تفسير أصحابنا. وقال أبو عبيد اشتمال الصماء عند العرب أن يشتمل الرجل بثوب يخلل به جسده كله ولا يرفع منه جانبا يخرج منه يده كأنه يذهب به إلى أنه لعله يصيبه شئ يريد الاحتراس منه فلا يقدر عليه. قال شيخنا والفقهاء أعلم بالتأويل (وعنه يكره وان كان عليه غيره) روي عن أحمد رحمه الله كراهة ذلك مطلقا لعموم النهي ولان كل ما نهي عنه من اللباس في الصلاة لم يفرق بين أن يكون عليه ثوب غيره أو لم يكن كالسدل والاسبال (مسألة) (ويكره تغطية الوجه والتلثم على الفم والانف) لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يغطي الرجل فاه رواه أبو داود، ففي هذا تنبيه على كراهية تغطية الوجه لاشتماله على تغطية الفم ويكره تغطية الانف قياسا على الفم، روي ذلك عن ابن عمر وفيه رواية أخرى لا يكره لان تخصيص الفم بالنهي يدل على إباحة غيره. (مسألة) (ويكره لف الكم) لقول النبي صلى الله عليه وسلم " أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ولا أكف شعرا ولا ثوبا " متفق عليه (مسألة) (ويكره شد الوسط بما يشبه شد الزنار) لما فيه من التشبه بأهل الكتاب وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التشبه بهم فقال " لا تشتملوا اشتمال اليهود " رواه أبو داود، فاما شد الوسط بمئزر أو حبل أو نحوهما مما لا يشبه شد الزنار فلا يكره. قال أحمد لا بأس به أليس قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا يصلي أحدكم إلا وهو محتزم " وقال أبو طالب سألت أحمد عن الرجل يصلي وعليه القميص يأتزر بالمنديل فوقه؟ قال نعم فعل ذلك ابن عمر. وعن الشعبي قال كان يقال: شد

[ 471 ]

حقوك في الصلاة ولو بعقال رواه الخلال، وعن يزيد بن الاصم مثله (مسألة) (ويكره اسبال شئ من ثيابه خيلاء) يكره اسبال القميص والازار مطلقا وكذلك السراويل لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر برفع الازار فان فعله خيلاء فهو حرام لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه " متفق عليه، وعن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من أسبل إزاره في صلاته خيلاء فليس من الله جل ذكره في حل ولا حرام " رواه أبو داود (فصل) ولا يجوز لبس ما فيه صورة حيوان في أحد الوجهين. اختاره أبو الخطاب لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة " متفق عليه (والثاني) لا يحرم قاله ابن عقيل لقول النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الخبر " الا رقما في ثوب " متفق عليه، ولانه يباح إذا كان مفروشا أو يتكأ عليه فكذلك إذا كان يلبس، ويكره التصليب في ا لثوب لقول عائشة رضى الله عنها ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يترك في بيته شيئا فيه تصليب الا قضبه. رواه أبو داود (مسألة) (ولا يجوز للرجل لبس ثياب الحرير ولا ما غالبه الحرير ولا افتراشه الا من ضرورة) يحرم على الرجل لبس ثياب الحرير في الصلاة وغيرها في غير حال العذر اجماعا حكاه ابن عبد البر لما روى أبو موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي وأحل لاناثهم " أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تلبسوا الحرير فانه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة " متفق عليه والافتراش كاللبس لما روى حذيفة قال: نهانا النبي صلى الله عليه وسلم أن نشرب في آنية الذهب والفضة وأن نأكل فيها وأن نلبس الحرير والديباج وأن نجلس عليه. رواه البخاري، فأما المنسوج من الحرير وغيره فان كان الاغلب الحرير حرم لعموم الخبر، وإن كان الاغلب غيره حل لان الحكم للاغلب والقليل مستهلك فيه أشبه الضبة من الفضة والعلم في الثوب. وقال ابن عبد البر مذهب ابن عباس وجماعة من أهل العلم أن المحرم الحرير الصافي الذي لا يخالطه غيره. قال ابن عباس انما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الثوب المصمت من الحرير أما العلم وسدى الثوب فليس به بأس. رواه أبو داود والاثرم (مسألة) فان استوى هو وما نسج معه فعلى وجهين (أحدهما) يباح لحديث ابن عباس ولان الحرير ليس بأغلب أشبه الاقل (والثاني) يحرم. قال ابن عقيل: هو الاشبه لعموم الخبر

[ 472 ]

(مسألة) ويحرم لبس المنسوج بالذهب والمموه به لما ذكرنا من حديث أبي موسى، فان استحال لونه فعلى وجهين (أحدهما) يحرم للحديث (والثاني) يباح لزوال علة التحريم من السرف والخيلاء وكسر قلوب الفقراء (مسألة) (وإن لبس الحرير لمرض أو حكة أو في الحرب أو ألبسه الصبي فعلى روايتين) متى احتاج إلى لبس الحرير لمرض أو حكة أو من أجل القمل جاز في ظاهر المذهب، لان أنسا روى أن عبد الرحمن بن عوف والزبير شكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم القمل فرخص لهما في قميص الحرير في غزاة لهما. وفي رواية شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم القمل فرخص لهما في قميص الحرير ورأيته عليهما. متفق عليه، وما يثبت في حق صحابي يثبت في حق غيره ما لم يقم على اختصاصه دليل فثبت بالحديث في القمل وقسنا عليه غيره مما ينفع فيه لبس الحرير. وعن أحمد رواية أخرى لا يباح وهو قول مالك لعموم الخبر المحرم والرخصة يحتمل أن تكون خاصة لهما (فصل) وفي لبسه في الحرب لغير حاجة روايتان (احداهما) الاباحة وهو ظاهر كلامه أحمد قال الاثرم سمعت أبا عبد الله يسئل عن لبس الحرير في الحرب؟ فقال: أرجو أن لا يكون به بأس وهو قول عروة وعطاء، وكان لعروة يملق من ديباج بطانته من سندس محشو قزا يلبسه في الحرب ولان المنع من لبسه لما فيه من الخيلاء وذلك غير مذموم في الحرب، فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى بعض أصحابه يمشي بين الصفين قال " انها لمشية يبغضها الله الا في هذا الموطن " (والثانية) يحرم لعموم الخبر، فأما إن احتاج إليه مثل أن يكون بطانة لبيضة أو درع أو نحوه أبيح. قال بعض أصحابنا يجوز مثل ذلك من الذهب كدرع مموه من الذهب لا يستغني عن لبسه وهو محتاج إليه (فصل) وهل يجوز لولي الصبي أن يلبسه الحرير؟ على روايتين (احداهما) تحريمه لعموم قوله صلى الله عليه وسلم " حرام على ذكور أمتي " وعن جابر قال: كنا ننزعه عن الغلمان ونتركه على الجواري رواه أبو داود وقدم حذيفة من سفر فوجد على صبيانه قمصا من حرير فمزقها عن الصباين وتركها على الجواري رواه الاثرم، وروي نحو ذلك عن عبد الله بن مسعود (والثانية) يباح لانهم غير مكلفين أشبهوا البهائم ولانهم محل للزينة أشبهوا النساء. والاول أولى لظاهر الخبر وفعل الصحابة، ويتعلق التحريم بالمكلفين بتمكينهم من الحرام كتمكينهم من شرب الخمر وغيره من المحرمات وكونهم محل الزينة مع تحريم الاستمتاع أبلغ في التحريم ولذلك حرم على النساء التبرج بالزينة للاجانب

[ 473 ]

(مسألة) (ويباح حشو الجباب والفرش به ويحتمل أن يحرم) ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي لانه لا خيلاء فيه، ويحتمل أن يحرم لعموم الخبر ولان فيه سرفا أشبه مالو جعل البطانة حريرا (فصل) (ولا بأس بلبس الخز) ص عليه وقد روي عن عمران بن حصين والحسن بن علي وأنس بن مالك وأبي هريرة وابن عباس وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم أنهم لبسوا الخز وعن عبد الله ابن سعد عن أبيه سعد قال: رأيت رجلا ببخارى على بغلة بيضاء عليه عمامة خز سوداء فقال: كسانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه أبو داود، وقال ابن عقيل في الخز: ان كان فيه وبر وكان الوبر أكثر من القز صحت الصلاة فيه. وان كان أكثره القز لم تصح الصلاة فيه في الصحيح. وان استويا احتمل وجهين فجعله كغيره من الثياب المنسوجة من الحرير وغيره (مسألة) (ويباح العلم الحرير في الثوب إذا كان أربع أصابع فما دون) لما روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحرير إلا موضع أصبعين أو ثلاث أو أربع، رواه مسلم وقال أبو بكر في التنبيه: يباح وان كان مذهبا لانه يسير أشبه الحرير ويسير الفضة وكذلك الرقاع ولبنة الجيب وسجف الفراء لدخوله فيما استثناه في الحديث (مسألة) (ويكره للرجل لبس المزعفر والمعصفر) لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى الرجال عن التزعفر متفق عليه، وعن علي قال: نهاني النبي صلى الله عليه وسلم عن لباس المعصفر، رواه مسلم ولا بأس بلبسه للنساء لان تخصيص النهي بالرجل دليل على إباحته للنساء (فصل) فأما لبس الاحمر غير المزعفر فقال أصحابنا: يكره وهو مذهب ابن عمر فروي عنه أنه اشترى ثوبا فرأى فيه خيطا أحمر فرده، وروي عن عبد الله بن عمرو قال: مر على النبي صلى الله عليه وسلم رجل عليه بردان أحمران فسلم فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم عليه، وعن رافع بن خديج قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم على رواحلنا أكسية فيها خيوط عهن أحمر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا أرى هذه الحمرة قد علتكم " فقمنا سراعا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نفر بعض ابلنا وأخذنا الاكسية فنزعناها عنها رواهما أبو داود، والصحيح أنه لا بأس بها لما روى أبو جحيفة قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم في حلة حمراء الحديث، وقال البراء: ما رأيت من ذي لمة في حلة حمراء أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، متفق عليهما (1) وعن هلال بن عامر قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم على بغلة وعليه برد أحمر رواه أبو داود، وقال أنس: كان أحب اللباس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحبرة،


1) لا نعلمه بهذا اللفظ في الصحيحين فيراجع

[ 474 ]

متفق عليه وهي التي فيها حمرة وبياض. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم بينا هو يخطب إذ رأى الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل النبي صلى الله عليه وسلم فأخذهما ولم ينكر ذلك ولانها لون أشبهت سائر الالوان فأما أحاديثهم فحديث رافع في إسناده رجل مجهول ويحتمل أنها كانت معصفرة فلذلك كرهها ولو قدر التعارض كانت أحاديث الاباحة أصح وأثبت فهي أولى. (فصل) فأما غير الحمرة من الالوان فلا يكره فقد قال صلى الله عليه وسلم " البسوا من ثيابكم البياض فانها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم " وعن ابن عمر انه قيل له: لم تصبغ بالصفرة؟ فقال: اني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ بها، رواهما أبو داود وعن أبي رمثة قال: انطلقت مع أبي نحو النبي صلى الله عليه وسلم فرأيت عليه بردين أخضرين ودخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء، متفق عليهما والله أعلم. (باب اجتناب النجاسات) (وهو الشرط الرابع) - فمتى لاقى بثوبه أو بدنه نجاسة غير معفو عنها أو حملها لم تصح صلاته) وجمله ذلك أن الطهارة من النجاسة في بدن المصلي وثوبه شرط لصحة الصلاة في قول أكثر أهل العلم منهم ابن عباس وسعيد بن المسيب وقتادة ومالك والشافعي وأصحاب الرأي، وروي عن ابن عباس أنه قال: ليس على ثوب جنابة ونحوه عن أبي مجلز وسعيد بن جبير والنخعي وقال الحارث العكلي وابن أبي ليلى: ليس في ثوب اعادة. وسئل سعيد بن جبير عن الرجل يرى في ثوبه الاذى وقد صلى قال: اقرأ علي الآية التي فيها غسل الثياب ولنا قول الله تعالى (وثيابك فطهر) قال ابن سيرين هو الغسل بالماء. وعن أسماء بنت أبي بكر الصديق قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن دم الحيض يكون في الثوب قال " اقرصيه وصلي فيه " وفي لفظ قالت سمعت امرأة تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تصنع احدانا

[ 475 ]

بثوبها إذا رأت الطهر أتصلي فيه؟ قال " تنظر فيه فان رأت فيه دما فلتقزحه بشئ من الماء ولتنضح ما لم تر ولتصل فيه " رواه أبو داود وحديث النبي صلى الله عليه وسلم حين مر بالقبرين فقال " انهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستتر من البول " متفق عليه وفي رواية - لا يستنزه من بوله - ولانها احدى الطهارتين فكانت شرطا للصلاة كطهارة الحدث (فصل) ويشترط طهارة موضع الصلاة أيضا وهو الموضع الذي تقع عليه ثيابه وأعضاؤه التي عليه قياسا على طهارة البدن والثياب، فان كان على رأسه طرف عمامته وطرفها الآخر وقع على نجاسة لم تصع صلاته كما لو وقع عليها شئ من بدنه، وذكر ابن عقيل احتمالا فيما يقع عليه ثيابه خاصة أنه لا تشترط طهارته لانه يباشرها بما هو منفصل عن ذاته أشبه مالو كان بجانبه انسان نجس الثوب فالتصق به ثوبه. والمذهب الاول لان سترته تابعة له فهي كأعضاء سجوده، فأما إذا كان ثوبه يمس شيئا نجسا كثوب من يصلي وبجانبه حائط لا يستند إليه قال ابن عقيل لا تفسد صلاته بذلك لانه ليس بمحل لبدنه ولا سترته. ويحتمل أن تفسد لان سترته ملاقية لنجاسة أشبه ما لو وقعت عليها، وان كانت النجاسة محاذية لجسمه في حال سجوده بحيث لا يلتصق بها شئ من بدنه ولا ثيابه لم تبطل الصلاة لانه لم يباشر النجاسة أشبه مالو خرجت عن محاذاته وذكر ابن عقيل وجها انها تبطل كما لو باشر بها أعضاءه وهو قول الشافعي وأبي ثور (فصل) وإن حمل النجاسة في الصلاة لم تصح صلاته كما لو كانت على بدنه أو ثوبه فان حمل حيوانا طاهرا أو صبيا لم تبطل صلاته لان النبي صلى الله عليه وسلم صلى وهو حامل امامة بنت أبي العاص متفق عليه ولان ما في الحيوان من النجاسة في معدنها فهي كالنجاسة في جوف المصلي، ولو حمل قارورة مسدودة فيها نجاسة لم تصح صلاته. وقال بعض اصحاب الشافعي تصح لان النجاسة لا تخرج عنها فهي كالحيوان وليس بصحيح لانه حامل نجاسة غير معفو عنها في غير معدنها أشبه حملها في كمه (مسألة) (وان طين الارض النجسة أو بسط عليها شيئا طاهرا صحت صلاته عليها مع الكراهة) هذا ظاهر كلام أحمد وهو قول مالك والاوزاعي والشافعي واسحاق، وذكر أصحابنا رواية أخرى أنه لا يصح لانه مدفن للنجاسة أشبه المقبرة ولانه معتمد على النجاسة أشبه ملاقاتها. والاول أولى لان الطهارة انما تشترط في بدن المصلي وثوبه وموضع صلاته وقد وجد ذلك كله والعلة في الاصل غير مسلمة بدليل عدم صحة الصلاة بين القبور وليس مدفنا للنجاسة، وقال ابن أبي موسى ان كانت النجاسة المبسوط عليها رطبة لم تصح الصلاة وإلا صحت

[ 476 ]

(فصل) ويكره تطيين المسجد بطين نجس وبناؤه بلبن نجس أو تطبيقه بطوابيق نجسة فان فعل وباشر النجاسة لم تصح صلاته، فأما الآجر المعجون بالنجاسة فهو نجس لان النار لا تطهر لكن إذا غسل طهر ظاهر. لان النار أكلت أجزاء النجاسة الظاهرة وبقي الاثر فطهر بالغسل كالارض النجسة ويبقى الباطن نجسا لان الماء لا يصل إليه فان صلى عليه بعد الغسل فهي كالمسألة قبلها. وكذلك الحكم في البساط الذي باطنه نجس وظاهره طاهر ومتى انكسر من الآجر النجس قطعة فظهر بعض باطنه فهو نجس لا تصح الصلاة عليه (فصل) ولا بأس بالصلاة على الحصير والبسط من الصوف والشعر والوبر والثياب من القطن والكتان وسائر الطاهرات في قول عوام أهل العلم. فروي عن ابن عمر أنه صلى على عبقري وابن عباس على طنفسة وزيد بن ثابت على حصير وابن عباس وعلي وابن مسعود وأنس على المسوح، وروي عن جابر أنه كره الصلاة على كل شئ من الحيوان واستحب الصلاة على كل شئ من نبات الارض ونحوه عن مالك الا انه قال في بساط الصوف والشعر إذا كان سجوده على الارض لم أر بالقيام عليه بأسا - والصحيح قول الجمهور فقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم على حصير في بيت أنس وعتبان بن مالك متفق عليه وروى عنه المغيرة بن شعبة أنه كان يصلي على الحصر والفرو المدبوغة، وروى ابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ملتفا بكساء يضع يديه عليه إذا سجد، ولان ما لم تكره الصلاة فيه لم تكره الصلاة عليه كالكتان والخوص، وتصح الصلاة على ظهر الحيوان إذا أمكنه استيفاء الاركان عليه والنافلة في السفر، وان كان الحيوان نجسا وعليه بساط طاهر كالحمار صحت الصلاة عليه في أصح الروايتين لان النبي صلى الله عليه وسلم صلى على حمار (والثانية) لا تصح كالارض النجسة إذا بسط عليها شيئا طاهرا، وتصح على العجلة إذا أمكنه ذلك لانه محل تستقر عليه أعضاؤه فهي كغيرها، وقال ابن عقيل: لا تصح لان ذلك ليس بمستقر عليه فهي كالصلاة في الارجوحة (فصل) ولا تصح صلاة المعلق في الهواء الا أن يكون مضطرا كالمصلوب وكذلك الارجوحة لانه ليس بمستقر القدمين على الارض فلم تصح صلاته كما لو سجد على بعض أعضاء السجود وترك الباقي معلقا، ذكره ابن عقبل (مسألة) (وإن صلى على مكان طاهر من بساط طرفه نجس صحت صلاته الا أن يكون متعلقا به بحيث ينجر معه إذا مشى فلا يصح) متى صلى على منديل طرفه نجس أو كان تحت قدمه حبل مشدود في نجاسة وما يصلي عليه طاهر فصلاته صحيحة سواء تحرك النجس بحركته أو لم يتحرك

[ 477 ]

لانه ليس بحامل للنجاسة ولا مصل عليها وانما اتصل مصلاه بها أشبه إذا صلى على أرض طاهرة متصلة بأرض نجسة، وقال بعض أصحابنا إذا كان النجس يتحرك بحركته لم تصح صلاته، قال شيخنا: والصحيح ما ذكرنا فأما ان كان الحبل أو المنديل متعلقا به ينجر معه إذا مشى لم تصح لانه مستتبع لها فهو كحاملها ولو كان في يده أو وسطه حبل مشدود في نجاسة أو حيوان نجس أو سفينة صغيرة فيها نجاسة تنجر معه إذا مشى لم تصح صلاته لانه مستتبع لها وان كانت السفينة أو الحيوان كبيرا لا يقدر على جره إذا استعصى عليه صحت لانه ليس بمستتبع لها. قال القاضي: هذا إذا كان الشد في موضع طاهر فان كان في موضع نجس فسدت صلاته لانه حامل لما هو ملاق للنجاسة والاول أولى لانه لا يقدر على استتباع الملاقي للنجاسة أشبه مالو أمسك غصنا من شجرة عليها نجاسة أو سفينة عظيمة فيها نجاسة. (مسألة) (ومتى وجد عليه نجاسة لا يعلم هل كانت في الصلاة أو لا فصلاته صحيحة لان لاصل عدمها في الصلاة وان علم أنها كانت في الصلاة لكنه جهلها أو نسيها فعلى روايتين) متى صلى وعليه نجاسة لا يعلم بها حتى فرغ من صلاته ففيه روايتان (احداهما) لا تفسد صلاته اختارها شيخنا، وهذا قول ابن عمر وعطاء وسعيد ابن المسيب ومجاهد واسحاق وابن المنذر (والثانية) يعيد وهو قول أبي قلابة والشافعي لانها طهارة مشترطة للصلاة فلم تسقط بالجهل كطهارة الحدث، وقال ربيعة ومالك: يعيد ما دام في الوقت، ووجه الاولى ما روى أبو سعيد قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره فخلع الناس نعالهم، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قال " ما حملكم على القائكم نعالكم؟ " قالوا: انا رأيناك القيت نعالك فألقينا نعالنا قال " ان جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا " رواه أبو داود، ولو كانت الطهارة شرطا مع عدم العلم بها لزمه استئناف الصلاة ويفارق طهارة الحدث لانها آكد لكونها لا يعفى عن يسيرها. فأما ان كان قد علم بالنجاسة ثم أنسيها فقال القاضي: حكى أصحابنا في المسئلتين روايتين، وذكر هو في مسألة النسيان أن الصلاة باطلة لانه منسوب إلى التفريط بخلاف الجاهل، وقال الآمدي يعيد إذا كان قد توانى رواية واحدة، قال شيخنا: والصحيح التسوية بينهما لان ما عذر فيه بالجهل عذر فيه النسيان بل النسيان أولى لورود النص بالعفو عنه (فصل) فان علم بالنجاسة في أثناء الصلاة فان قلنا لا يعذر بالجهل والنسيان فصلاته باطلة، وان قلنا يعذر فهي صحيحة، ثم ان أمكنه ازالة النجاسة من غير زمن طويل ولا عمل كثير أزالها وبنى

[ 478 ]

كما خلع النبي صلى الله عليه وسلم نعليه، وان احتاج إلى أحد هذين بطلت صلاته لافضائه إلى أحد أمرين إما استصحاب النجاسة في الصلاة زمنا طويلا أو أن يعمل فيها عملا كثيرا فصار كالعريان يجد السترة بعيدة منه. (فصل) وإذا سقطت عليه نجاسة ثم زالت عنه أو أزالها في الحال لم تبطل صلاته لما ذكرنا من حديث أبي سعيد، ولان النجاسة يعفى عن يسيرها فعفي عن يسير زمنها ككشف العورة وهذا مذهب الشافعي (مسألة) (وإذا جبر ساقه بعظم نجس فجبر لم يلزمه قلعه إذا خاف الضرر) وتصح صلاته لانه يباح له ترك الطهارة من الحدث بذلك وهي آكد وان لم يخف لزمه قلعه فان صلى معه لم تصح صلاته لانه صلى مع النجاسة وهو قادر على إزالتها من غير ضرر، ويحتمل أن يلزمه قلعه إذا لم يخف التلف لانه غير خائف للتلف أشبه إذا لم يخف الضرر، والاول أولى وان سقطت سنة فاعادها بحرارتها فثبتت فهي طاهرة ولان حكم ابعاض الآدمي حكم جملته سواء انفصلت في حياته أو بعد موته لانها أجزاء من جملة فكان حكمها كسائر الحيوانات الطاهرة والنجسة، وعنه انها نجسة اختاره القاضي لانها لا حرمة لها بدليل أنه لا يصلي عليها، فعلى هذا يكون حكمها حكم العظم النجس على ما بنيا (مسألة) (ولا تصح الصلاة في المقبرة والحمام والحش وأعطان الابل وهي التي تقيم فيها وتأوي إليها والموضع المغصوب، وعنه تصح مع التحريم) اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في الصلاة في هذه المواضع. فروي عنه أن الصلاة لا تصح فيها بحال - رويت كراهة الصلاة في المقبرة عن علي وابن عباس وابن عمر وعطاء والنخعي وابن المنذر، وممن قال لا يصلي في مبارك الابل ابن عمر وجابر بن سمرة والحسن ومالك واسحاق وأبو ثور. وعن أحمد أن الصلاة في هذه صحيحة ما لم تكن نجسة وهو مذهب الشافعي وابي حنيفة لقوله صلى الله عليه وسلم " جعلت لي الارض مسجدا وطهورا " وفي لفظ " فحيثما أدركتك الصلاة فصل فانه مسجد " متفق عليه، ولانه موضع طاهر فصحت الصلاة فيه كالصحراء، والاولى ظاهر المذهب لقول النبي صلى الله عليه وسلم " الارض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة " رواه أبو داود، وعن جابر بن سمرة أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أتصلي في مرابض الغنم؟ قال " نعم " قال أتصلي في مبارك الابل؟ قال " لا " رواه مسلم وهذه الاحاديث خاصة مقدمة على عموم أحاديثهم (فصل) فأما الحش فثبت الحكم فيه بالتنبيه لانه إذا منع من الصلاة في هذه المواضع لكونها

[ 479 ]

مظان النجاسة فالحش أولى لكونه معدا للنجاسة ومقصودا لها ولانه قد منع من ذكر الله تعالى والكلام فيه فمنع الصلاة فيه أولى. قال شيخنا ولا أعلم فيه نصا. وقال بعض أصحابنا إن كان المصلي عالما بالنهي لم تصح صلاته فيها لانه عاص بالصلاة فيها والمعصية لا تكون قربة ولا طاعة وإن كان جاهلا ففيه روايتان (احداهما) لا تصح لانها لا تصح مع العلم فلم تصح مع الجهل كالصلاة في محل نجس (والثانية) تصح لانه معذور (فصل) ذكر القاضي ان المنع من الصلاة في هذه المواضع تعبد فعلى هذا يتناول النهي كل ما يقع عليه الاسم فلا فرق في المقبرة بين الحديثة والقديمة وما تقلبت أتربتها أو لم تتقلب، فأما إن كان فيها قبر أو قبران لم يمنع من الصلاة فيها لانه لا يتناولها الاسم، وان نقلت القبور منها جازت الصلاة فيها لزوال الاسم ولان مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت فيه قبور المشركين فنبشت متفق عليه. ولا فرق في الحمام بين مكان الغسل والمسلخ والاتون وكل ما يغلق عليه باب الحمام لتناول الاسم له. وأعطان الابل هي التي تقيم فيها وتأوي إليها، وقيل هي المواضع التي تناخ فيها إذا وردت، والاول أجود لانه جعله في مقابلة مراح الغنم، والحش الذى يتخذ للغائط والبول فيمنع من الصلاة فيما هو داخل بابه، قال شخينا: ويحتمل أن المنع من الصلاة في هذه المواضع معلل بكونها مظان للنجاسات فان المقبرة تنبش ويظهر التراب الذي فيه دماء الموتى وصديدهم، ومعاطن الابل يبال فيها فان البعير البارك كالجدار يستتر به ويبول، كما روي عن ابن عمر ولا يتحقق هذا في غيرها والحمام موضع الاوساخ والبول. فنهي عن الصلاة فيها لذلك وان كانت طاهرة لان المظنة يتعلق الحكم بها وإن خفيت الحكمة ومتى أمكن تعليل الحكم كان أولى من قهر التعبد، ويدل على هذا تعدية الحكم إلى الحش المسكوت عنه بالتنبيه ولابد في التنبيه من وجود معنى المنطوق وإلا لم يكن تنبيها، فعلى هذا يمكن قصر الحكم على ما هو مظنة منها فلا يثبت الحكم في موضع المسلخ من الحمام ولا في سطحه لعدم المظنة فيه وكذلك ما أشبهه والله أعلم (فصل) ولا تصح الصلاة في الموضع المغصوب في أظهر الروايتين، وأحد قولي الشافعي. والرواية الثانية يصح، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والقول الثاني للشافعي لان النهي لا يعود إلى الصلاة فلم يمنع صحتها كما لو صلى وهو يرى غريقا يمكنه انقاذه فلم ينقذه أو مطل غريمه الذي يمكن ايفاؤه وصلى ووجه الاولى ان الصلاة عبادة أتى بها على الوجه المنهي عنه فلم تصح كصلاة الحائض فان حركاته من القيام والركوع والسجود أفعال اختيارية هو منهي عنها عاص بها فكيف يكون مطيعا بما

[ 480 ]

هو عاص به. فأما من رأى الغريق فليس بمنهي عن الصلاة انما هو مأمور بالصلاة وانقاذ الغريق وأحدهما آكد من الآخر، أما في مسئلتنا فان أفعال الصلاة في نفسها منهي عنها. إذا ثبت هذا فلا فرق بين غصبه لرقبة الارض ودعواه ملكيتها وبين غصبه منافعها بأن يدعي اجارتها ظالما أو يضع يده عليها مدة أو يخرج ساباطا في موضع لا يحل له أو يغصب راحلة ويصلي عليها أو سفينة ويصلي فيها أو لوحا فيجعله سفينة ويصلي عليه كل ذلك حكمه في الصلاة حكم الدار المغصوبة على ما بيناه (فصل) قال أحمد يصلي الجمعه في موضع الغصب يعني إذا كان الجامع أو بعضه مغصوبا صحت الصلاة فيه لان الجمعة تختص ببقعة فإذا صلاها الامام في الموضع المغصوب فامتنع الناس من الصلاة فيه فاتتهم الجمعة وكذلك من امتنع فاتته ولذلك أبيحت خلف الخوارج والمبتدعة وصحت في الطرق لدعاء الحاجة إليها وكذلك الاعياد والجنازة (فصل) ويكره في موضع الخسف قاله أحمد لانه موضع مسخوط عليه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لاصحابه يوم مر بالحجر " لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل ما أصابهم " ولا بأس بالصلاة في الكنيسة النظيفة روي ذلك عن عمر وأبي موسى وهو قول الحسن وعمر بن عبد العزيز والشعبي والاوزاعي. وكره ابن عباس ومالك الكنائس لاجل الصور، وقال ابن عقيل: تكره الصلاة فيها لانه كالتعظيم والتبجيل لها وقيل لانه يضر بهم ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في الكعبة وفيها صور ثم قد دخلت في عموم قوله صلى الله عليه وسلم " فأينما أدركتك الصلاة فصل فانه مسجد " متفق عليه (مسألة) (وقال بعض أصحابنا حكم المجزرة والمزبلة وقارعة الطريق وأسطحتها كذلك) لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " سبع مواطن لا يجوز فيها الصلاة: ظهر بيت الله، والمقبرة، والمزبلة، والمجزرة، والحمام، وعطن الابل، ومحجة الطريق " رواه ابن ماجه، وقال الحكم في هذه المواضع الثلاثة كالحكم في الاربعة ولان هذه المواضع مظان للنجاسات فعلق الحكم عليها وإن لم توجد الحقيقة كما انتقضت الطهارة بالنوم ووجب الغسل بالتقاء الختانين. قال شيخنا والصحيح جواز الصلاة فيها وهو قول أكثر أهل العلم ويحتمله اختيار الخرقي لانه لم يذكرها لعموم قوله صلى الله عليه وسلم " جعلت لي الارض مسجدا " متفق عليه. واستثنى منه المقبرة والحمام ومعاطن الابل بأحاديث صحيحة ففيما عدا ذلك يبقى على العموم، وحديث ابن عمر يرويه العمري وزيد بن جبيرة وقد تكلم فيهما من قبل حفظهما فلا يترك به الحديث الصحيح. وأكثر أصحابنا على القول الاول ومعنى

[ 481 ]

محجة الطريق الجادة المسلوكة في السفر وقارعة الطريق التي تقرعها الاقدام مثل الاسواق والمشارع ولا بأس بالصلاة فيما علا منها يمنة ويسرة وكذلك الصلاة في الطريق التي يقل سالكها كطريق الابيات اليسيرة فان بني مسجد في طريق وكان الطريق ضيقا بحيث يستضر المارة ببنائه لم يجز بناؤه ولا الصلاة فيه، وإن كان واسعا لا يضر بالمارة جاز وهل يشترط اذن الامام؟ على روايتين ذكره القاضي. والمجزرة التي يذبح فيها الناس المعدة لذلك ولا فرق في هذه المواضع بين الطاهر والنجس ولا في المعاطن بين أن يكون فيها إبل في ذاك الوقت أو لا، فأما المواضع التي تبيت فيها الابل في سيرها أو تناخ فيها لعلفها أو ورودها فلا تمنع الصلاة فيها. قال الاثرم سئل أبو عبد الله عن الصلاة في موضع فيه أبعار الابل فرخص فيه ثم قال إذا لم يكن من معاطن الابل الذي نهي عن الصلاة فيها التي تأوي إليها (فصل) فأما أسطحة هذه المواضع فقال القاضي وابن عقيل حكمها حكم السفل لان الهواء تابع للقرار ولذلك لو حلف لا يدخل دارا فدخل سطحها حنث والصحيح إن شاء الله قصر النهي على ما تناوله النص وأن الحكم لا يعدى إلى غيره ذكره شيخنا لان الحكم إن كان تعبدا لم يقس عليه وإن علل فانما يعلل بمظنة النجاسة ولا يتخيل هذا في أسطحتها، أما إن بنى على طريق ساباطا أو جناحا وكان ذلك مباحا له مثل أن يكون في درب غير نافذ باذن أهله أو مستحقا له فلا بأس بالصلاة عليه وإن كان على طريق نافذ فالمصلي فيه كالمصلي في الموضع المغصوب. وإن كان الساباط على نهر تجري فيه السفن فهو كالساباط على الطريق وهذا فيما إذا كان السطح حادثا على موضع النهي فان كان المسجد سابقا فحدث تحته طريق أو عطن أو غيرهما من مواضع النهي أو حدثت المقبرة حوله لم تمنع الصلاة فيه بغير خلاف لانه يتبع ما حدث بعده. وذكر القاضي فميا إذا حدث تحت المسجد طريق وجها في الصلاة فيه والاول أولى، فأما إن بني مسجد في مقبرة بين القبور فحكمه حكمها لانه لا يخرج بذلك عن أن يكون في المقبرة، وقد روى قتادة أن أنسا مر على مقبرة وهم يبنون فيها مسجدا فقال كان يكره أن يبنى مسجدا في وسط القبور (مسألة) (وتصح الصلاة إليها الا المقبرة والحش في قول ابن حامد) كره الصلاة إلى هذه المواضع فان فعل صحت صلاته نص عليه أحمد في رواية أبي طالب، وقال أبو بكر يتوجه في الاعادة قولان (أحدهما) يعيد لموضع النهي وبه أقول (والثاني) يصح لعدم تناول النهي له، وقال ابن حامد إن صلى إلى المقبرة والحش فهو كالمصلي فيها إذا لم يكن بينه وبينها حائل كما روى أبو مرثد الغنوي أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها " متفق عليه، قال القاضي وفي هذا تنبه على

[ 482 ]

المواضع التي نهي عن الصلاة فيها وذكر القاضي في المجرد قال: إن صلى إلى العطن فصلاته صحيحة بخلاف ما قلناه في الصلاة إلى المقبرة والحش. قال شيخنا والصحيح أنه لا بأس بالصلاة إلى شئ من هذه المواضع الا المقبرة لورود النهي فيها وذلك لعموم قوله عليه السلام " جعلت لي الارض مسجدا وطهورا " فانه يتناول الذي يصلي فيه إلى هذه المواضع وقياس ذلك على المقبرة لا يصح إن كان النهي عن الصلاة إليها تعبدا وكذلك إن كان لمعنى اختص بها وهو اتخاذ القبور مسجدا تشبها بمن يعظمها وكذلك قال عليه السلام " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " يحذر مثل ما صنعوا متفق عليه والله أعلم (مسألة) ولا تصح الفريضة في الكعبة ولا على ظهرها، وقال الشافعي وأبو حنيفة تصح لانه مسجد ولانه محل لصلاة النفل فكان محلا للفرض كخارجها ولنا قوله تعالى (وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره) والمصلي فيها أو على سطحها غير مستقبل لجهتها فأما النافلة فمبناها على التخفيف والمسامحة بدليل صحتها قاعدا وإلى غير القبلة في السفر على الراحلة (مسألة) (وتصح النافلة إذا كان بين يديه شئ منها) لا نعلم في ذلك خلافا لان النبي صلى الله عليه وسلم صلى في البيت ركعتين الا أنه ان توجه إلى الباب أو على ظهرها أو كان بين يديه شئ من الكعبة متصل بها صحت صلاته وإن لم يكن بين يديه شئ شاخص منها أو كان بين يديه آجر معبى وغير مبني أو خشب غير مسمر فقال أصحابنا لا تصح صلاته لانه غير مستقبل لشئ منها. قال شيخنا والاولى أنه لا يشترط كون شئ منها بين يديه لان الواجب استقبال موضعها وهوائها دون حيطانها بدليل مالو انهدمت، وكذلك لو صلى على جبل عال يخرج عن مسامة البنيان صحت صلاته إلى هوائها كذلك ههنا (باب استقبال القبلة) (وهو الشرط الخامس) لصحة الصلاة لقول الله تعالى (وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره) أي نحوه، وقال علي رضي الله عنه شطره قبله، وروي عن البراء قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا ثم انه وجه إلى الكعبة فمر رجل صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم على قوم من الانصار فقال ان رسول اله صلى الله عليه وسلم قد وجه إلى الكعبة فانحرفوا إلى الكعبة. أخرجه النسائي (مسألة) قال (الا في حال العجز عنه. والنافلة على الراحلة في السفر الطويل والقصير) وجملة ذلك أن الاستقبال يسقط في ثلاثة مواضع (أحدها) في حال العجز عنه لكونه مربوطا إلى غير القبلة ونحوه فيصلي على حسب حاله لانه شرط لصحة الصلاة عجز عنه أشبه القيام (الثاني) إذا اشتد الخوف

[ 483 ]

كحال التحام الحرب وسنذكره في موضعه ان شاء الله (الثالث) في النافلة على الراحلة ولا نعلم في اباحة التطوع على الراحلة إلى غير القبلة في السفر الطويل خلافا بين أهل العلم. قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه جائز لكل من سافر سفرا تقصر فيه الصلاة أن يتطوع على دابته حيثما توجهت به يومئ بالركوع والسجود ويجعل السجود أخفض من الركوع، وهل السفر القصير حكم الطويل في ذلك؟ وهو قول الاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، وقال مالك: لا يباح لانه رخصة سفر فاختص بالطويل لا القصير ولنا قول الله تعالى (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله) قال ابن عمر: نزلت هذه الآية في التطوع خاصة حيث توجه بك بعيرك، وعن ابن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجه يومئ برأسه متفق عليه، وللبخاري الا الفرائض، ولم يفرق بين قصير السفر وطويله ولان إباحة التطوع على الراحلة تخفيف كيلا يؤدي إلى تقليله وقطعه وهذا يستوي فيه الطويل والقصير. والفطر والقصر تراعى فيه المشقة وإنما توجد غالبا في الطويل. قال القاضي: الاحكام التي يستوي فيها السفر الطويل والقصير ثلاث: التيمم وأكل الميتة في المخمصة والتطوع على الراحلة وبقية الرخص تختص الطويل وهي القصر والجمع والمسح ثلاثا (فصل) ويجعل سجوده أخفض من ركوعه. قال جابر بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة فجئت وهو يصلي على راحلته نحو المشرق والسجود أخفض من الركوع. رواه أبو داود، ويصلى على البعير والحمار وغيرهما، قال ابن عمر: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على حمار وهو متوجه إلى خيبر، رواه أبو داود والنسائي، لكن إذا قلنا بنجاسة الحمار فلابد أن يكون تحته سترة طاهرة، فان كان على الراحلة في مكان واسع كالمنفرد في العمارية يدور فيها كيف شاء ويتمكن من الصلاة إلى القبلة والركوع والسجود بالارض لزمه ذلك كراكب السفينة وان قدر على الاستقبال دون الركوع والسجود لزمه الاستقبال وأومأ بهما نص عليه. وقال أبو الحسن الآمدي: يحتمل أن لا يلزمه شئ من ذلك كغيره لان الرخصة العامة يسوى فيها من وجدت فيه المشقة وغيره كالقصر والجمع، وان عجز عن ذلك سقط بغير خلاف (فصل) وقبلة هذا المصلي حيث كانت وجهته فان عدل عنها إلى جهة الكعبة جاز لانها الاصل وانما سقط للعذر، وإن عدل إلى غيرها عمدا فسدت صلاته لانه ترك قبلته عمدا، وإن كان مغلوبا أو نائما أو ظنا منه أنها جهة سيره فهو على صلاته ويرجع إلى جهة سيره إذا أمكنه فان تمادى به ذلك

[ 484 ]

بعد زوال عذره فسدت صلاته لتركه الاستقبال عمدا. ولا فرق بين جميع التطوعات في هذه النوافل المطلقة والسنن الرواتب والوتر وسجود التلاوة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يوتر على بعيره متفق عليه (مسألة) (وهل يجوز ذلك للماشي؟) على روايتين (احداهما) لا يجوز وهو ظاهر كلام الخرقي ومذهب أبي حنيفة لعموم قوله تعالى (وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره) والنص انما ورد في الراكب فلا يصح قياس الماشي عليه لانه يحتاج إلى عمل كثير ومشي متتابع ينافي الصلاة فلم يصح الالحاق (والثانية) يجوز ذلك للماشي نقلها عنه المثنى بن جامع واختاره القاضي، فعلى هذا يستقبل القبلة لافتتاح الصلاة ثم ينحرف إلى جهة سيره ويقرأ وهو ماش ويركع ثم يسجد بالارض، وهذا قول عطاء والشافعي لان الركوع والسجود ممكن من غير انقطاعه عن جهة سيره فلزمه كالواقف. وقال الآمدي: يومئ بالركوع والسجود كالراكب قياسا عليه. ووجه هذه الرواية أن الصلاة أبيحت للراكب كيلا ينقطع عن القافلة في السفر وهو موجود في الماشي ولانها إحدى حالتي السفر أشبه الراكب (فصل) وإذا دخل المصلي بلدا ناويا للاقامة فيه لم يصل بعد دخوله إليه إلا صلاة المقيم. وإن كان مجتازا غير ناو للاقامة أو نوى الاقامة مدة لا يلزمه فيها اتمام الصلاة استدام الصلاة مادام سائرا فإذا نزل فيه صلى إلى القبلة وبنى على ما مضى من صلاته كالخائف إذا أمن في أثناء صلاته. ولو ابتدأها وهو نازل إلى القبلة ثم أراد الركوب أتم صلاته ثم يركب وقيل يركب في الصلاة ويتمها إلى جهة سيره، كالآمن إذا خاف في صلاته والاولى أولى، والفرق بينهما أن حالة الخوف حالة ضرورة أبيح فيها ما يحتاج إليه من العمل وهذه رخصة من غير ضرورة فلا يباح فيها غير ما نقل ولم يرد باباحة الركوب الذي يحتاج إلى عمل وتوجه إلى غير جهة القبلة ولا جهة سيره سنة فيبقى على الاصل والله سبحانه وتعالى أعلم (مسألة) (فان أمكنه افتتاح الصلاة إلى القبلة فهل يلزمه ذلك؟ على روايتين) متى عجز عن استقبال القبلة في ابتداء صلاته كراكب راحلة لا تطيعه أو جمل مقطور لم يلزمه لانه عاجز عنه أشبه الخائف إذا عجز عن ذلك، وقال القاضي يحتمل أن يلزمه، وإن أمكنه ذلك كراكب راحلة منفردة تطيعه فهل يلزمه افتتاح الصلاة إلى القبلة؟ على روايتين (إحداهما) يلزمه لما روى أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة فكبر ثم صلى حيث كان وجهة ركابه، رواه الامام أحمد وأبو داود، ولانه أمكنه ابتداء الصلاة إلى القبلة فلزمه كالصلاة كلها وهذا اختيار الخرقي (والثانية) لا يلزمه لحديث ابن عمر اختاره أبو بكر ولانه جزء من أجزاء الصلاة أشبه بقية أجزائها ولان ذلك لا يخلو من مشقة فسقط، وخبر النبي صلى الله عليه وسلم يحمل على

[ 485 ]

الفضيلة والندب والله أعلم. (مسألة) (والفرض في القبلة اصابة العين لمن قرب منها واصابة الجهة لمن بعد عنها) الناس في القبلة على ضربين (أحدهما) يلزمه اصابة عين الكعبة وهو من كان معاينا لها ومن كان يمكنه من أهلها أو نشأ فيها أو أكثر مقامه فيها أو كان قريبا منها من وراء حائل يحدث كالحيطان والبيوت ففرضه التوجه إلى عين الكعبه وهكذا ان كان بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم لانه متيقن صحة قبلته فان النبي صلى الله عليه وسلم لا يقر على الخطأ، وقد روى أسامة ان النبي صلى الله عليه وسلم ركع ركعتين قبل القبلة وقال " هذه القبلة " كذلك ذكره أصحابنا، وفي ذلك نظر لان صلاة الصف المستطيل في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم صحيحة مع خروج بعضهم عن استقبال عين الكعبة لكن الصف أطول منها. وقولهم انه عليه السلام لا يقر على الخطأ صحيح لكن انما الواجب عليه استقبال الجهة وقد فعله وهذا الجواب عن الخبر المذكور، وان كان أعمى من أهل مكة أو كان غريبا وهو غائب عن الكعبة ففرضه الخبر عن يقين أو مشاهدة مثل أن يكون من وراء حائل وعلى الحائل من يخبره أو أخبره أهل الدار أنه متوجه إلى عين الكعبة فلزمه الرجوع إلى قولهم وليس له الاجتهاد كالحاكم إذا وجد النص، قال ابن عقيل: لو خرج ببعض بدنه عن مسامتة الكعبة لم تصح صلاته (الثاني) من فرضه اصابة الجهة وهو البعيد عن الكعبه فليس عليه اصابة العين، قال أحمد: ما بين المشرق والمغرب قبلة فان انحرف عن القبلة قليلا لم يعد ولكن يتحرى الوسط وهذا قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي وقال في الآخر: تلزمه اصابة العين لقول الله (وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره) وقياسا على القريب وقد روي ذلك عن أحمد وهو اختيار أبى الخطاب ولنا قوله عليه السلام " ما بين المشرق والمغرب قبلة " رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ولانا أجمعنا على صحة صلاة الاثنين المتباعدين يستقبلان قبلة واحدة وعلى صحة صلاة الصف الطويل على خط مستو لا يمكن أن يصيب عين الكعبة إلا من كان بقدرها فان قيل مع البعد يتسع المحاذي قلنا انما يتسع مع التقوس واما مع عدمه فلا (1) والله أعلم (مسألة) (فان أمكنه ذلك بخبر ثقة عن يقين أو استدلال بمحاريب المسلمين لزمه العمل به وإن وجد محاريب لا يعلم هل هي للمسلمين أو لا لم يلتفت إليها) متى أخبره ثقة عن يقين لزمه قبول خبره لما ذكرنا، وإن كان في مصر أو قرية من قرى المسلمين ففرضه التوجه إلى محاريبهم لان هذه القبلة ينصبها أهل الخبرة والمعرفة فجرى ذلك مجرى الخبر فأغنى عن الاجتهاد، وإن أخبره مخبر من


1) قال هذا تبعا للمغني وفي اطلاقه والحق القول بالاتساع والتقوس في حال البعد هو الذي يقتضي الخروج عن المحاذاة

[ 486 ]

أهل المعرفة بالقبلة من أهل البلد أو من غيره صار إلى خبره وليس له الاجتهاد كالحاكم يقبل النص من الثقة ولا يجتهد. ويحتمل أنه انما يلزمه الرجوع إلى الخبر والى المحاريب في حق القريب الذي يخبر عن التوجه إلى عين الكعبة، أما في حق من يلزمه قصد الجهة فان كان أعمى أو من فرضه التقليد لزمه الرجوع إلى ذلك وإن كان مجتهدا جاز له الرجوع لما ذكرنا كما يجوز له الرجوع في الوقت إلى قول المؤذن ولا يلزمه ذلك بل يجوز له الاجتهاد إن شاء إذا كانت الادلة على القبلة ظاهرة لان المخبر والذي نصب المحاريب انما يبني على الادلة وقد ذكر ابن الزاغوني في كتاب الاقناع قال: إذا دخل رجل إلى مسجد قديم مشهور في بلد معروف كبغداد فهل يلزمه الاجتهاد أم يجزئه التوجه إلى القبلة؟ فيه روايتان عن أحمد (احداهما) يلزمه الاجتهاد لان المجتهد لا يجوز له أن يقلد في مسائل الفقه (والثانية) لا يلزمه لان اتفاقهم عليها مع تكرر الاعصار إجماع عليها ولا يجوز مخالفتها باجتهاده. فإذا قلنا يجب الاجتهاد في سائر البلاد ففي مدينة النبي صلى الله عليه وسلم روايتان (احداهما) يتوجه إليها بلا اجتهاد لانه عليه الصلاة والسلام لا يداوم عليها إلا وهي مقطوع بصحتها فهو كما لو كان مشاهدا للبيت (والثانية) هي كسائر البلاد يلزمه الاجتهاد فيها لانها نازحة عن مكة فهي كغيرها (فصل) ولا يجوز الاستدلال بمحاريب الكفار لان قولهم لا يجوز الرجوع إليه فمحاريهم أولى إلا أن تعلم قبلتهم كالنصارى فإذا رأى محاريبهم في كنائسهم على أنها مستقبلة المشرق فان وجد محاريب لا يعلم هل هي للمسلمين أو الكفار لم يجز الاستدلالل بها لكونها لا دلالة فيها، وكذلك لو رأى على المحراب آثار الاسلام لجواز أن يكون الباني مشركا عمله ليغر به المسلمين إلا أن يكون مما لا يتطرق إليه هذا الاحتمال ويحصل له العلم أنه محاريب المسلمين فيستقبله. (فصل) وإذا صلي على موضع عال يخرج عن مسامتة الكعبة أو في مكان ينزل عن مسامتتها صحت صلاته لان الواجب استقبالها وما حاذاها من فوقها وتحتها لانها زالت صحت الصلاة إلى موضع جدارها والله أعلم (مسألة) (وان اشتبهت عليه في السفر اجتهد في طلبها بالدلائل وأثبتها بالقطب إذا جعله وراء ظهره كان مستقبلا الكعبة) (1) متى اشتبهت القبلة في السفر وكان مجتهدا وجب عليه الاجتهاد في طلبها بالادلة لان ما وجب عليه اتباعه عند وجوده وجب الاستدلال عليه عند خفائه كالحكم في الحادثة. والمجتهد هو العالم بأدلة القبلة وإن جهل أحكام الشرع لان كل من علم أدلة شئ كان مجتهدا فيه لانه


1) أي في المدينة المنورة وسورية وامثالهما من البلاد الشمالية كما سيأتي

[ 487 ]

يتمكن من استقبالها بدليله والجاهل الذي لا يعرف أدلة القبلة وان كان فقيها وكذلك الاعمى فهذان فرضهما التقليد، وأوثق أدلتها النجوم قال الله تعالى (وبالنجم هم يهتدون) وقال (لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر) وآكدها القطب وهو نجم خفي شمالي حوله أنجم دائرة في أحد طرفيها الجدي وفي الآخر الفرقدان وبين ذلك ثلاثة أنجم من فوق وثلاثة من أسفل تدور هذه الفراشة حول القطب كدوران الرحا حول سفودها في كل يوم وليلة دورة وقريب منها بنات نعش مما يلي الفرقدين تدور حولها والقطب لا يتغير من مكانه في جميع الازمان وقيل انه يتغير تغيرا يسيرا لا يؤثر وهو خفي يظهر لحديد النظر في غير ليالي القمر متى استدبرته في الارض الشامية كنت مستقبلا للكعبة، وقيل انه ينحرف في دمشق وما قاربها إلى المشرق قليلا وكلما قرب إلى المغرب كان انحرافه أكثر. وإن كان بحران أو قريبا منها جعل القطب خلف ظهره معتدلا، وإن كان بالعراق جعل القطب حذاء أذنه اليمنى (1) على علوها ومتى استدبر الفرقدين والجدي في حال علو أحدهما ونزول الآخر على الاعتدال فهو كاستدبار القطب وان استدبره في غير هذه الحال كان مستقبلا للجهة فان استدبر الغربي كان منحرفا إلى الشرق وبالعكس وان استدبر بنات نعش فكذلك الا أن انحرافه أكثر (فصل) والشمس والقمر ومنازلهما وهي ثمانية وعشرون منزلا، الشرطان، والبطين، والثريا والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنثرة، والطرف، والجبهة، والزبرة، والصدفة، والعواء والسماك، والغفر، والزبانا، والاكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة، وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الاخبية، والفرع المقدم، والفرع المؤخر، وبطن الحوت، منها أربعة عشر شامية تطلع من وسط المشرق مائلة إلى الشمال قليلا أولها الشرطان وآخرها السماك، والباقي يمانية تطلع من المشرق مائلة إلى التيامن، أولها الغفر وآخرها بطن الحوت، وينزل القمر كل ليلة بمنزل أو قريبا منه، ثم ينتقل الليلة الثانية إلى الذي يليه. والشمس تنزل بكل منزل منها ثلاثة عشر يوما فيكون عودها إلى المنزل الذي نزلت به عند تمام سنة شمسية. وهذه المنازل يكون منها فيما بين طلوع الشمس وغروبها أربعة عشر منزلا ومثلها من غروبها إلى طلوع وقت الفجر، منها منزلان وقت المغرب منزل وهو نصف سدس سواد الليل، وكلها تطلع من المشرق عن يسرة المصلي وتغرب


1) وفي مصر بالعكس

[ 488 ]

عن يمينه في المغرب الا أن أوائل الشامية وأواخر اليمانية وأول اليمانية وآخر الشامية تطلع من وسط المشرق أو قريبا منه بحيث إذا جعل الطالع منها محاذيا لكتفه الايسر كان مستقبلا للكعبة. والمتوسط من الشامية وهو الذراع وما يليه من الجانبين مطلعه إلى ناحية الشمال، والمتوسط من اليمانية كالبلدة وما هو من جانبها يميل مطلعه إلى التيامن، فاليماني منها يجعله أمام كتفه اليسرى، والشامي يجعله خلف كتفه، وكذلك الغارب عند الكتف الايمن، وإن عرف المتوسط منها بأن يرى بينه وبين أفق السماء سبعة من الجانبين. ولكل نجم من هذه المنازل نجوم تقاربه وتقارنه حكمها حكمه ويستدل بها عليه كالنسرين والشعريين والسماك الرامح وغير ذلك، وسهيل نجم كبير يطلع نحوا من مهب الجنوب ثم يسير حتى يصير في قبلة المصلي ويتجاوزها ثم يغرب قريبا من مهب الدبور، والناقة تطلع في المحرم من مهب الصبا وتغيب في مهب الشمال (فصل) والشمس تختلف مطالعها ومغاربها على حسب اختلاف منازلها، تطلع من المشرق وتغرب في المغرب، والقمر يبدأ أول ليلة في المغرب ثم يتأخر كل ليلة منزلا حتى يكون في السابع وقت المغرب في قبلة المصلي مائلا عنها قليلا إلى الغرب. ثم يطلع ليلة الرابعة عشرة من المشرق وليلة احدى وعشرين يكون في قبلة المصلي أو قريبا منها وقت الفجر وتختلف مطالعه باختلاف منازله (مسألة) والرياح الجنوب تهب مستقبلة لبطن كتف المصلي اليسرى مارة إلى يمينه من الزاوية التي بين القبلة والمشرق والشمال مقابلتها تهب إلى مهب الجنوب، والدبور تهب من الزاوية التي بين القبلة والمغرب مستقبلة شطر وجه المصلي الايمن. والصبا مقابلتها تهب إلى مهبها، فهذه الرياح التي يستدل بها وتعرف بصفاتها وخصائصها وربما هبت هذه الرياح بين الحيطان والجبال فتدور فلا اعتبار بها، وبين كل ريحين منها ريح تسمى النكباء لتنكبها طريق الرياح المعروفة، فهذا أصح ما يستدل به على القبلة، وقد يهتدي أهل كل بلد على القبلة بأدلة تختص بها من جبالها وأنهارها وغير ذلك، وذكر أصحابنا الاستدلال بالانهار الكبار وقالوا: كلها تجري عن يمنة المصلي إلى يسرته على انحراف قليل كدجلة والفرات والنهروان، ولا اعتبار بالانهار الصغار ولا المحدثة لانها بحسب الحاجات ما خلا نهرين (أحدهما) العاصي بالشام (والآخر) سيحون بالمشرق، قال شيخنا: وهذا لا ينضبط

[ 489 ]

فان الاردن بالشام نحو القبلة وكثير منها يجري نحو البحر يصب فيه والله أعلم (فصل) فان خفيت الادلة على المجتهد لغيم أو ظلمة تحرى وصلى وصحت صلاته لانه بذل وسعه في معرفة الحق مع علمه بأدلته، أشبه الحاكم إذا خفيت عليه النصوص. وقد روى عبد الله بن عامر ابن ربيعة عن أبيه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة فصلى كل رجل منا حياله فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزل (فأينما تولوا فثم وجه الله) رواه ابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن الا أنه من حديث أشعث السمان وفيه ضعف (مسألة) (وإذا اختلف اجتهاد رجلين لم يتبع أحدهما صاحبه ويتبع الجاهل والاعمى أوثقهما في نفسه) متى اختلف مجتهدان ففرض كل واحد منهما الصلاة إلى الجهة التى يؤديه إليها اجتهاده فلا يسعه تركها ولا تقليد صاحبه وان كان أعلم منه كالعالمين يختلفان في الحادثة فان اجتهد أحدهما دون الآخر لم يجز له تقليد من اجتهد حتى يجتهد بنفسه وان ضاق الوقت كالحاكم لا يسعه تقليد غيره وقال القاضي: ظاهر كلام احمد في المجتهد انه يسعه تقليد غيره إذا ضاق الوقت عن اجتهاده قال لان أحمد قال فيمن هو في مدينة فتحرى فصلى لغير القبلة في بيت يعيد لان عليه أن يسأل. قال شيخنا: وما استدل به لا دليل فيه وكلام أحمد انما دل على انه ليس لمن في المصر الاجتهاد لانه يمكنه التوصل إلى معرفة القبلة بالخبر وكذلك لم يفرق بين ضيق الوقت وسعته مع الاتفاق على أنه لا يجوز التقليد مع سعة الوقت (فصل) ومتى اختلف اجتهادهما لم يجز لاحدهما أن يؤم صاحبه لان كل واحد منهما يعتقد خطأ الآخر فلم يجز له الائتمام به كما لو خرجت من أحدهما ربح واعتقد كل واحد منهما أنها من الآخر. قال شيخنا: وقياس المذهب جواز ذلك، وهو مذهب أبي ثور، لان كل واحد منهما يعتقد صحة صلاة الآخر وان فرضه التوجه إلى ما توجه إليه فلم يمنع الاقتداء به اختلاف الجهة كالمصلين حول الكعبة وقد نص أحمد على صحة الصلاة خلف المصلي في جلود الثعالب إذا كان يعتقد صحة الصلاة فيها وفارق ما إذا اعتقد كل واحد منهما حدث صاحبه لانه يعتقد بطلان صلاته بحيث لو بان له يقينا حدث نفسه أعاد الصلاة بخلاف هذا، وهذا هو الصحيح ان شاء الله تعالى. فأما ان مال أحدهما يمينا والآخر شمالا مع اتفاقهما في الجهة فلا يختلف المذهب في صحة ائتمام أحدهما بالآخر لاتفاقهما في

[ 490 ]

الجهة الواجب استقبالها (فصل) (ويتبع الجاهل والاعمى أو ثقهما في نفسه) متى اختلف مجتهدان وكان معهما أعمى أو جاهل لا يقدر على تعلم الادلة قبل خروج الوقت ففرضه تقليد أوثقهما في نفسه وأعلمهما وأكثرهما تحريا لان الصواب إليه أقرب. فان قلد المفضول فظاهر كلامه ههنا أنه لا تصح صلاته لانه ترك ما يغلب على ظنه أنه الصواب فلم يجز له ذلك كالمجتهد يترك اجتهاده. والاولى صحتها وهو مذهب الشافعي لانه أخذ بدليل له الاخذ به لو انفرد فكذلك إذا كان معه غيره كما لو استويا ولا عبرة بظنه فانه لو غلب على ظنه اصابة المفضول لم يمنع ذلك تقليد الافضل، فان استويا قلد من شاء منهما كالعامي مع العلماء في بقية الاحكام (فصل) والمقلد من لا تمكنه الضلاة باجتهاد نفسه، اما لعدم بصره أو بصيرته بحيث لا يمكنه التعلم قبل خروج وقت الصلاة فان أمكنه التعلم قبل خروج الوقت لزمه، فان صلى قبل ذلك لم تصح لانه قدر على الصلاة باجتهاده فلم يجز له التقليد كالمجتهد، ولا يلزم هذا على العامي حيث لم يلزمه تعلم الفقه لوجهين (أحدهما) أن الفقه ليس شرطا لصحة الصلاة (الثاني) أنه يشق ومدته تطول فان أخر هذا التعلم والصلاة حتى ضاق الوقت عن التعلم والاجتهاد أو عن أحدهما أحدهما صحت صلاته بالتقليد كالذي يقدر على تعلم الفاتحة فيضيق الوقت عن تعلمها. وان كان بالمجتهد ما يمنعه رؤية الادلة كالرمد والمحبوس في مكان لا يرى فيه الادلة ولا يجد مخبرا الا مجتهدا فهو كالاعمى في جواز تقليده (فصل) فإذا شرع في الصلاة بتقليد مجتهد فقال له قائل قد أخطأت القبلة وكان يخبر عن يقين كمن يقول قد رأيت الشمس ونحوها وتيقنت خطأك لزمه الرجوع إلى قوله لانه لو أخبر بذلك المجتهد الذي قلده الاعمى لزمه قبول خبره فالاعمى أولى. وان أخبره عن اجتهاده أو لم يبين له ولم يكن في نفسه أوثق من الاول مضى على ما هو عليه لانه شرع في الصلاة بدليل يقيني فلا يزول عنه بالشك وان كان أوثق من الاول في نفسه وقلنا لا يلزمه تقليد الافضل فكذلك والارجع إلى قوله كالمجتهد إذا

[ 491 ]

تغير اجتهاده في أثناء صلاته. (فصل) ولو شرع مجتهد في الصلاة باجتهاده فعمي فيها بنى على ما مضى من صلاته لانه يمكنه البناء على اجتهاد غيره فاجتهاد نفسه أولى فان استدار عن تلك الجهة بطلت صلاته وان أخبره مخبر يخطئه عن يقين رجع إليه وان كان عن اجتهاده لم يرجع إليه لما ذكرنا، وان شرع فيها وهو أعمى فابصر في أثنائها فشاهد ما يستدل به على صواب نفسه من العلامات مضى عليه لان الاجتهادين قد اتفقا وان بان له خطؤه استدار إلى الجهة التي أداه اجتهاده إليها وبنى كالمجتهد إذا تغير اجتهاده في أثناء الصلاة وإن لم يتبين له صواب ولا خطأ بطلت صلاته واجتهد لان فرضه الاجتهاد فلم يجز له أداء فرضه بالتقليد كما لو كان بصيرا في ابتدائها وإن كان مقلدا مضى في صلاته لانه ليس في وسعه الا الدليل الذى بدأ به فيها (مسألة) (وإذا صلى البصير في حضر فأخطأ أو صلى الاعمى بلا دليل أعاد) متى صلى البصير في الحضر ثم بان له الخطأ أعاد سواء صلى باجتهاده أو غيره لان الحضر ليس بمحل للاجتهاد لقدرة من فيه على الاستدلال بالمحاريب ونحوها ولانه يجد من يخبره عن يقين غالبا فلم يكن له الاجتهاد كواجد النص في سائر الاحكام، وان صلى من غير دليل أخطأ لتفريطه وان أخبره مخبر فأخطأ فقد تبين أن خبره ليس بدليل، فان كان محبوسا لا يجد من يخبره فقال أبو الحسن التميمي يصلي بالتحري ولا يعيد لانه عاجز عن الاستدلال بالخبر والمحاريب أشبه المسافر، وأما الاعمى فهو في الحضر كالبصير لقدرته على الاستدلال بالخبر والمحاريب فانه يعرف باللمس وكذلك يعلم أن باب المسجد إلى الشمال أو غيرها فيمكنه الاستدلال به فمتى أخطأ أعاد وكذلك حكم المقلد في هذا (مسألة) (فان لم يجد الاعمى من يقلده صلى وفي الاعادة روايتان) وقال ابن حامد ان أخطأ أعاد وان أصاب فعلى وجهين وإذا كان الاعمى والمقلد في السفر ولم يجد مخبرا ولا مجتهدا يقلده فقال

[ 492 ]

أبو بكر يصلي على حسب حاله وفي الاعادة روايتان (إحداهما) يعيد بكل حال وهو ظاهر كلام الخرقي لانه صلى بغير دليل فلزمته الاعادة وان أصاب كالمجتهد إذا صلى بغير اجتهاد (والثانية) الاعادة عليه لانه أتى بما أمر به أشبه المجتهد ولانه عاجز عن غير ما أتى به فسقط عنه كسائر العاجزين عن الاستقبال ولانه عادم للدليل أشبه المجتهد في الغيم، وقال ابن حامد ان أخطأ أعاد لفوات الشرط وان أصاب فعلى وجهين وجههما كما ذكرنا. وقد ذكرنا أن هذا حكم المقلد فاما ان وجد من يخبره أو يقلده فلم يفعل أو خالف المخبر أو المجتهد وصلى بطلت صلاته بكل حال وكذلك المجتهد إذا صلى من غير اجتهاد وأداه اجتهاده إلى جهة فخالفها لانه ترك ما أمر به أشبه التارك التوجه إلى الكعبة مع علمه بها (مسألة) (ومن صلى بالاجتهاد إلى جهة ثم علم أنه أخطأ القبلة فلا اعادة عليه) وكذلك حكم المقلد الذي صلى بتقليده، وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه، وقال في الآخر تلزمه الاعادة لانه اخطأ في شرط من شروط الصلاة فلزمته الاعادة كما لو صلى ثم بان أنه أخطأ في الوقت أو بغير طهارة ولنا حديث عامر بن ربيعة الذي ذكرناه ولانه أتى بما أمر فخرج عن العهدة كالمصيب ولانه صلى إلى غير الكعبه للعذر أشبه الخائف ولانه شرط عجز عنه أشبه سائر الشروط، وأما المصلي قبل الوقت فانه لم يأت بما أمره به انما أمر بالصلاة في الوقت بخلاف مسئلتنا فانه مأمور بالصلاة بغير شك ولم يؤمر الا بهذه الصلاة لان غيرها محرمة عليه اجماعا وسائر الشروط إذا عجز عنها سقطت كذاههنا، ولا فرق بين كون الادلة ظاهرة فاشتبهت عليه أو مستورة بغيم أو ما يسترها عنه لما ذكرنا من الحديث فان الادلة استترت عنهم بالغيم ولانه أتى بما أمر في الحالين وعجز عن استقبال القبلة في الموضعين فاستويا في عدم الاعادة (فصل) وان بان له يقين الخطأ وهو في الصلاة استدار إلى جهة الكعبة وبنى على ما مضى من

[ 493 ]

صلاته لان ما مضى منها كان صحيحا فجاز البناء عليه كما لو لم يبن له الخطأ. وان كانوا جماعة قد قدموا أحدهم ثم بان لهم الخطأ في حال واحدة استداروا إلى الجهة التي بان لهم فيها الصواب لان أهل قباء بان لهم تحويل القبلة وهم في الصلاة واستداروا إلى جهة الكعبة وأتموا صلاتهم، وإن بان للامام وحده أو للمأمومين أو لبعضهم استدار من بان له الصواب ونوى بعضهم مفارقة بعض إلا على الوجه الذي قلنا ان لبعضهم الائتمام ببعض مع اختلاف الجهة، وإن كان فيهم مقلد تبع من قلده وانحرف بانحرافه وان قلد الجميع لم ينحرف إلا بانحراف الجميع لانه شرع بدليل يقيني فلا ينحرف بالشك الا من يلزمه تقليد الاوثق فانه ينحرف بانحرافه (مسألة) (فان أراد صلاة أخرى اجتهد لها فان تغير اجتهاده عمل بالثاني ولم يعد ما صلى بالاول) وجملته أن المجتهد متى صلى بالاجتهاد إلى جهة صلاة ثم أراد صلاة أخرى اجتهد لها كالحاكم إذا اجتهد في حادثة ثم حدث مثلها وهذا مذهب الشافعي، فان تغير اجتهاده عمل بالثاني ولم يعد ما صلى بالاول كالحاكم لو تغير اجتهاده في الحادثة الثانية عمل به ولم ينقض حكمه الاول وهذا لا نعلم فيه خلافا، فان تغير اجتهاده في الصلاة استدار وبنى على ما مضى. نص عليه احمد، وقال ابن أبي موسى والآمدي لا ينتقل لئلا ينقض الاجتهاد بالاجتهاد ولنا أنه مجتهد أداه اجتهاده إلى جهة فلم تجز له الصلاة إلى غيرها كما لو أراد صلاة أخرى وليس هذا نقضا للاجتهاد انما عمل به في المستقبل كما في الصلاة الاخرى. وإنما يكون نقضا للاجتهاد إذا ألزمناه إعادة ما مضى من صلاته، فان لم يبق اجتهاده وظنه إلى الجهة الاولى ولم يؤده اجتهاده إلى جهة اخرى بنى على ما مضى لانه لم يظهر له جهة أخرى يتوجه إليها. وان شك في اجتهاده لم يزل على جهته لان الاجتهاد ظاهر فلا يزول عنه بالشك، وان بان له الخطأ ولم يعرف جهة القبلة كمن كان يصلي إلى جهة فرأى بعض منازل القمر في قبلته ولم يدر أهو في الشرق أم في الغرب واحتاج إلى الاجتهاد بطلت صلاته لانه لا يمكنه استدامتها إلى غير القبلة وليست له جهة يتوجه إليها فبطلت لتعذر اتمامها والله أعلم (باب النية) (وهي الشرط السادس للصلاة على كل حال) النية هي القصد يقال نواك الله بخير أي قصدك ومحلها القلب فان لفظ بما نواه كان تأكيدا وإن سبق لسانه إلى غير ما نواه لم تفسد صلاته وان لم ينطق بلسانه أجزأ وهي واجبة لا نعلم فيه خلافا ولا تنعقد الصلاة الا بها ولا تسقط بحال لقول الله

[ 494 ]

تعالى (وما أمروا الا ليعبدوا الله مخصلين له الدين) والاخلاص عمل القلب وهو أن يقصد بعمله الله تعالى وحده غيره، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم " انما الاعمال بالنيات وانما لامرئ ما نوى " متفق عليه (مسألة) (ويجب أن ينوي الصلاة بعينها ان كانت معينة والا أجزأته نية الصلاة) متى كانت الصلاة معينة لزمه شيئان: نية الفعل، والتعيين، فان كان فرضا ظهرا أو عصرا أو غيرهما لزمه تعيينها، وكذلك ان كانت نفلا معينة كالوتر وصلاة الكسوف والاستسقاء والسنن الرواتب لزمه التعيين أيضا لعوم الحديث، وإن كانت نافلة مطلقة كصلاة الليل أجزأته نية مطلق الصلاة لا غير لعدم التعيين فيها (مسألة) (وهل تشترط نية القضاء في الفائتة ونية الفرضية في الفرض؟ على وجهين) اختلف أصحابنا في نية الفرضية في الفرض فقال بعضهم: لا يجب لان التعيين يغني عنها لكون الظهر لا تكون من المكلف إلا ظهرا فرضا، وقال ابن حامد لابد منها لان المعينة قد تكون نفلا كظهر الصبي والمعادة فعلى هذا يحتاج إلى نية الفعل والتعيين والفرضية (فصل) وينوي الاداء في الحاضرة والقضاء في الفائتة، وهل يجب ذلك؟ على وجهين (أحدهما) يجب لقوله " وانما لامرئ، ما نوى " (والثاني) لا يجب وهو أولى لانه لا يختلف المذهب انه لو صلى ينويها أداء فبان أن وقتها قد خرج ان صلاته صحيحة ويقع قضاء وكذلك لو نواها قضاء ظنا ان الوقت قد خرج فبان فعلها في وقتها وقعت أداء من غير نيته كالاسير إذا تحرى وصام فبان أنه وافق الشهر أو ما بعده أجزأه، فأما ان ظن ان عليه ظهرا فائتة فقضاها في وقت ظهر اليوم ثم بان أنه لا قضاء عليه أجزأته في أحد الوجهين لان الصلاة معينة وانما أخطأ في نية الوقت فلم يؤثر كما إذا اعتقد أن الوقت قد خرج فبان أنه لم يخرج أو كما لو نوى ظهر أمس وعليه ظهر يوم قبله (والثاني) لا يجزئه لانه لم ينو عين الصلاة أشبه ما لو نوى قضاء عصر فانها لا تجزئه عن الظهر، ولو نوى ظهر اليوم في وقتها وعليه فائتة لم يجزئه عنها ويتخرج فيها كالتي قبلها، فأما ان كانت عليه فوائت فنوى صلاة غير معينة لم تجزئه عن واحدة منها لعدم التعيين (مسألة) (ويأتي بالنية عند تكبيرة الاحرام) لانه أول الصلاة لتكون الينة مقارنة للعبادة (مسألة) (فان تقدمت قبل ذلك بزمن يسير جاز) ذكره أصحابنا ما لم يفسخها، واشترط الخرقي أن يكون بعد دخول الوقت، فان قطع النية أو طال الفصل لم يجزئه وهذا مذهب أبي حنيفة، وقال

[ 495 ]

الشافعي وابن المنذر: تشترط مقارنة النية للتكبير لقوله تعالى (وما أمروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) فقوله مخلصين حال لهم في وقت العبادة، أي مخلصين حال العبادة، والاخلاص هو النية ولان النية شرط فلم يجز أن تخلو العبادة عنها كسائر شروطها ولنا انها عبادة فجاز تقديم نيتها عليها كالصوم وتقدم النية على الفعل لا يخرجه عن كونه منويا ولا يخرج الفاعل عن كونه مخلصا كالصوم ولانه جزء من الصلاة أشبه سائر أجزائها (مسألة) (ويجب أن يستصحب حكمها إلى آخر الصلاة) معنى استصحاب حكمها أن لا يقطعها فلو ذهل عنها أو عزبت عنه في أثناء الصلاة لم يبطلها لان التحرز من هذا غير ممكن وقياسا على الصوم وغيره، وقد روى مالك في الموضأ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا أقيمت الصلاة أدبر الشيطان وله حصاص فإذا قضى التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول أذكر كذا أذكر كذا حتى يضل أحدكم أن يدري كم صلى " وروي أن عمر صلى صلاة لم يقرأ فيها، فقيل له انك لم تقرأ؟ فقال، اني جهزت جيشا للمسلمين حتى بلغت بهم وادي القرى، وان أمكنه استصحاب ذكرها فهو أفضل لانه أبلغ في الاخلاص (2) (مسألة) (فان قطعها في أثنائها بطلت الصلاة وإن تردد في قطعها فعلى وجهين) وجملة ذلك أنه يشترط أن يدخل في الصلاة بنية جازمة فان دخل بنية مترددة بين إتمامها وقطعها لم تصح لان النية عزم جازم ولا يحصل ذلك مع التردد فان تلبس بها بنية صحيحة ثم نوى قطعها والخروج منها بطلت، وهذا قول الشافعي. وقال أبو حنيفة لا تبطل بذلك لانها عبادة دخلها بنية صحيحة فلم تفسد بنية الخروج منها كالحج ولنا أنه قطع حكم النية قبل اتمام صلاته ففسدت كما لو سلم ينوي الخروج منها ولان النية شرط في جميع الصلاة وقد قطعها ففسدت لذهاب شرطها، وفارق الحج فانه لا يخرج منه بمحظوراته بخلاف الصلاة. فأما إن تردد في قطعها فقال ابن حامد: لا تبطل لانه دخل فيها بنية متيقة فلا يزول بالشك والتردد كسائر العبادات، وقال القاضي يحتمل أن تبطل وهو مذهب الشافعي لان استدامة النية شرط ومع التردد لا يبقى مستديما لها أشبه إذا نوى قطعها (فصل) فان شك في أثناء الصلاة في النية أو في تكبيرة الاحرام استأنفها لان الاصل عدمها فان ذكر أنه كان قد نوى أو كبر قبل قطعها أو شرع في عمل فله البناء لانه لم يوجد مبطل لها وإن


2) فيه أن تذكر المنوي وهو شكل الصلاة يشغل عن تدبر الذكر والقراءة وان الاخلاص إذا كان هو الباعث علي العبادة لا ينقطع إلا بطرو الرياء وحب السمعة على القلب وحينئذ يجب دفعه بتذكر احباطه للعمل وكون الناس لا يغنون عنه إذا حمدوا عبادته وهي مردودة عند الله تعالى وفيما عدا هذا يكون الاخلاص الذي بعث على العمل مصاحبا له فلا يحتاج إلى استصحاب بذكره كتبه محمد رشيد رضا

[ 496 ]

عمل فيها عملا مع الشك بطلت، ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي لان هذا العمل عري عن النية وحكمها لان استصحاب حكمها مع الشك لا يوجد، وقال ابن حامد لا تبطل ويبني لان الشك لا يزيل حكم النية فجاز له البناء كما لو لم يحدث عملا لانه لو أزال حكم النية لبطلت كما لو نوى قطعها، وإن شك هل نوى فرضا أو نفلا أتمها نفلا إلا أن يذكر أنه نوى الفرض قبل أن يحدث عملا فيتمها فرضا، وإن كان ذكره بعد أن أحدث عملا خرج فيه الوجهان، فان شك هل أحرم بظهر أو عصر فحكمه حكم مالو شك في النية لان التعيين شرط. ويحتمل أن يتمها نفلا كما لو أحرم بفرض فبان قبل وقته (مسألة) (وإن أحرم بفرض فبان قبل وقته انقلب نفلا) لان نية الفرض تشتمل على نية النفل فإذا بطلت نية الفرضية بقيت نية مطلق الصلاة (مسألة) (وان أحرم به في وقته ثم قلبه نفلا جاز، ويحتمل أن لا يجوز إلا لعذر مثل أن يحرم منفردا يريد الصلاة في جماعة) متى أحرم بفرض في وقته ثم قلبه نفلا فان كان لغير غرض كره وصح لان النفل يدخل في نية الفرض، أشبه مالو أحرم بفرض فبان قبل وقته وكما لو قلبها لغرض، ذكره أبو الخطاب ويكره ذلك لانه أبطل عمله. وقال القاضي في موضع لا يصح رواية واحدة، كما لو انتقل من فرض إلى فرض، وقال في الجامع يخرج على روايتين (احداهما) يصح لما ذكرنا (والثانية) لا يصح لانه أبطل عمله لغير سبب ولا فائدة، وللشافعي قولان كالوجهين. وإن كان لغرض صحيح مثل من أحرم منفردا فحضرت جماعة فقلبها نفلا ليحصل فضيلة الجماعة صح من غير كراهة لما ذكرنا، وقال القاضي: فيه روايتان (احداهما) لا تصح لما ذكرنا (والثانية) تصح لتحصل له مضاعفة الثواب (مسألة) (وان انتقل من فرض إلى فرض بطلت الصلاتان) تبطل الاولى لانه قطع نيتها ولا تصح الثانية لانه لم ينوها من أولها (مسألة) (ومن شرط الجماعة أن ينوي الامام والمأموم حالهما) يشترط أن ينوي الامام أنه إمام والمأموم أنه مأموم لان الجماعة يتعلق بها أحكام وجوب الاتباع وسقوط السهو عن المأموم وفساد صلاته بفساد صلاة امامه وانما يتميز الامام عن المأموم بالنية فكانت شرطا، فان نوى أحدهما دون صاحبه لم يصح ولان الجماعة انما تنعقد بالنية فاعتبرت منهما قياسا لاحدهما على الآخر فان صلى رجلان ينوي كل واحد منهما أنه امام صاحبه أو مأموم له فصلاتهما فاسدة نص عليهما لانه ائتم بمن ليس بامام في الصورة الثانية وأم من لم يأتم به في الاولى، ولو رأى رجلين يصليان فنوى الائتمام

[ 497 ]

بالمأموم لم يصح لانه ائتم بمن ليس بامام وان نوى الائتمام باحدهما لا بعينه لم يصح حتى يعين الامام لان تعيينه شرط. وان نوى الائتمام بهما معا لم يصح لانه ائتم بمن ليس بامام ولانه لا يجوز الائتمام باكثر من واحد. ولو نوى الائتمام بامامين لم يجز لانه لا يمكن اتباعهما معا (مسألة) (فان أحرم منفردا ثم نوى الائتمام لم يصح في أصح الروايتين) متى أحرم منفردا ثم نوى جعل نفسه مأموما بان تحضر جماعة فينوي الدخول معهم في صلاتهم ففيه روايتان (احداهما) يجوز سواء كان أول صلاته أو في أثنائها لانه نقل نفسه إلى الجماعة فجاز كما لو نوى الامامة (والثانية) لا يجوز وهي أصح لانه نقل نفسه مؤتما فلم يجز كالامام، وفارق نقله إلى الامامة لان الحاجة تدعو إليه قال أحمد في رجل دخل المسجد فصلى ركعتين أو ثلاثا ينوي الظهر ثم جاء المؤذن فاقام الصلاة: سلم من هذه وتصير له تطوعا ويدخل معهم. قيل له فان دخل مع القوم في الصلاة واحتسب به؟ قال لا يجزئه بها حتى ينوي بها الصلاة مع الامام في ابتداء الفرض (مسألة) (وان نوى الامامة صح في النفل ولم يصح في الفرض ويحتمل أن يصح وهو أصح عندي) إذا أحرم منفردا ثم انتقل إلى نية الامامة في النفل صح نص عليها أحمد لما روى ابن عباس قال بت عند خالتي ميمونة فقام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي متطوعا من الليل فقام إلى القربة فتوضأ فصلى فقام - فقمت لما رأيته صنع ذلك فتوضأت من القربة ثم قمت إلى شقه الايسر فاخذ بيدي (1) من وراء ظهره يعدلني كذلك إلى الشق الايمن متفق عليه واللفظ لمسلم، وروت عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل وجدار الحجرة قصير فرأى الناس شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام الناس يصلون بصلاته (فصل) فاما في الفريضة فان كان ينتظر أحدا كامام المسجد يحرم وحده وينتظر من يأتي ويصلي معه جاز ذلك نص عليه لان النبي صلى الله عليه وسلم أحرم وحده فجاء جابر وجبار فصلى بهما رواه أبو داود. والظاهر أنها كانت مفروضة لانهم كانوا مسافرين وان لم يكن كذلك لم يصح وهو قول الثوري واسحاق وأصحاب الرأي في الفرض والنفل جميعا لانه لم ينو الامامة في ابتداء الصلاة أشبه مالو ائتم بمأموم. ويحتمل أن يصلي وقد روي عن أحمد ما يدل عليه وهو مذهب الشافعي، قال شيخنا: وهو الصحيح ان شاء الله لانه قد ثبت في النفل بحديث ابن عباس وعائشة والاصل

[ 498 ]

مساواة الفرض للنفل في النية ومما يقوي ذلك حديث جابر وجبار في الفرض ولان الحاجة تدعو إليه فصح كحالة الاستخلاف. وبيانها أن المنفرد إذا جاء قوم فاحرموا معه فان قطع الصلاة وأخبرهم بحاله قبح لما فيه من ابطال العمل وان أتم الصلاة ثم أخبرهم بفساد صلاتهم فهو أقبح وأشق وقياسهم ينتقض بحالة الاستخلاف والله أعلم (مسألة) (وان أحرم مأموما ثم نوى الانفراد لعذر جاز) لما روى جابر قال صلى معاذ بقومه فقرأ سورة البقرة فتأخر رجل فصلى وحده فقيل له نافقت قال ما نافقت ولكن لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فقال " أفتان أنت يا معاذ؟ " مرتين متفق عليه ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل بالاعادة، والاعذار التي يخرج لاجلها مثل هذا والمرض وخشية غلبة النعاس أو شئ يفسد صلاته أو خوف فوات مال أو تلفه أو فوت رفقته أو من يخرج من الصف ولا يجد من يقف معه ونحو ذلك (مسألة) (وان كان لغير عذر لم يجز في إحدى الروايتين) لانه ترك متابعة امامه لغير عذر أشبه مالو تركها من غير نية المفارقة (والثانية) يصح كما إذا نوى المنفرد الامامة بل ههنا أولى فان المأموم قد يصير منفردا بغير نية وهو المسبوق إذا سلم امامه والمنفرد لا يصير مأموما بغير نية بحال (مسألة) (وان نوى الامامة لاستخلاف الامام له إذا سبقه الحدث صح في ظاهر المذهب) وجملة ذلك أنه إذا سبق الامام الحدث فله أن يستخلف من يتم بهم الصلاة روي ذلك عن عمر وعلي وهو قول الثوري والاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، وحكي عن أحمد رواية أخرى أن صلاة المأمومين تبطل، وقال أبو بكر تبطل صلاتهم رواية واحدة لانه فقد شرط صحة الصلاة في حق الامام فبطلت صلاة المأموم كما لو تعمد الحدث ولنا أن عمر رضي الله عنه لما طعن أخذ بيد عبد الرحمن بن عوف فقدمه فأتم بهم الصلاة ولم ينكره منكر فكان إجماعا. فان لم يستخلف الامام فقدم المأمومون رجلا فاتم بهم جاز وان صلوا وحدانا جاز قال الزهري في امام ينو به الدم أو يرعف: ينصرف وليقل أتموا صلاتكم وان قدمت كل طائفة من المأمومين اماما فصلى بهم فقياس المذهب جوازه، وقال أصحاب الرأي تفسد صلاتهم، ولنا أن لهم أن يصلوا وحدانا فجاز لهم أن يقدموا رجلا كحالة ابتداء الصلاة وان قدم بعضهم رجلا وصلى الباقون وحدانا جاز. (فصل) فاما أن فعل ما يبطل صلاته عامدا فسدت صلاة الجميع فان كان عن غير عمد لم تفسد صلاة المأمومين نص عليه أحد في الضحك وروي عن أحمد فيمن سبقه الحدث الروايتان وقد ذكرناه

[ 499 ]

(فصل) فأما الامام الذي سبقه الحدث فتبطل صلاته ويلزمه استئنافها قال احمد يعجبني أن يتوضأ ويستأنف وهذا قول الحسن وعطاء والنخعي لما روى علي بن طلق قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا فسا أحدكم في صلاته فلينصرف فليتوضأ وليعد صلاته " رواه أبو داود ولانه فقد شرط الصلاة في أثنائها على وجه لا يعود إلا بعد زمن طويل وعمل كثير ففسدت صلاته كما لو تنجس نجاسة يحتاج في ازالتها إلى مثل ذلك، وفيه رواية ثانية أنه يتوضأ ويبني روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من قاء أو رعف في صلاته فلينصرف فليتوضأ وليبن على ما مضى من صلاته " وعنه رواية ثالثة إن كان الحدث من السبيلين ابتدأ وان كان من غيرهما بنى لان حكم نجاسة السبيل أغلظ والاثر انما ورد في غيرها والاولى أولى وحديثهم ضعيف (فصل) قال أصحابنا يجوز استخلاف من سبق ببعض الصلاة ولمن جاء بعد حدث الامام فيبني على ما مضى من صلاة الامام من قراءة أو ركعة أو سجدة، وإذا استخلف من جاء بعد حدث الامام فينبغي أن تجب عليه قراءة الفاتحة ولا يبني على قراءة الامام لان الامام لم يتحمل عنه القراءة ههنا ويقضي بعد فراغ صلاة المأمومين. وحكي هذا القول عن عمر وعلي وأكثر من قال بالاستخلاف، وقيه رواية أخرى أنه مخير بين أن يبني أو يبتدئ. قال مالك يصلي لنفسه صلاة تامة فإذا فرغوا من صلاتهم قعدوا وانتظروه حتى يتم ويسلم بهم لان اتباع المأمومين للامام أولى من اتباعه لهم وكذلك على الرواية الاولى ينتظرونه حتى يقضي ما فاته ويسلم بهم لان الامام ينتظر المأمومين في صلاة الخوف فانتظارهم له أولى وان سلموا ولم ينتظروه جاز. وقال ابن عقيل يستخلف من يسلم بهم والاولى انتظاره وانهم ان سلموا لم يحتاجوا إلى خليفة لانه لم يبق من الصلاة إلا السلام فلا حاجة إلى الاستخلاف فيه. قال شيخنا ويقوى عندي انه لا يصح الاستخلاف في هذه الصورة لانه ان بنى جلس في غير موضع جلوسه وصار تابعا للمأمومين وان ابتدأ جلس المأمومون في غير موضع جلوسهم ولم يرد الشرع بهذا وإنما ثبت الاستخلاف في موضع الاجماع حيث لم يحتج إلى شئ من هذا فلا يلحق به ما ليس في معناه (فصل) فان سبق المأموم الحدث في فساد صلاته الروايات الثلاث فان كان مع الامام من تنعقد به صلاة غيره وإلا فحكمه كحكم الامام معه فيما فصلناه في قياس المذهب وان فعله عمدا بطلت صلاته وصلاة الامام لان ارتباط الامام بالمأموم كارتباط صلاة المأموم بالامام فما فسد ثم فسد ههنا وما صح ثم صح ههنا (مسألة) (وان سبق اثنان ببعض الصلاة فاتم أحدهما بصاحبه في قضاء ما فاتهما فعلى وجهين)

[ 500 ]

(أحدهما) يصح لانه انتقال من جماعة إلي جماعة لعذر فجاز كالاستخلاف ولان النبي صلى الله عليه وسلم جاء وأبو بكر في الصلاة فتأخر أبو بكر وتقدم النبي صلى الله عليه وسلم فأتم بهم الصلاة (والثاني) لا يصح بناء على عدم جواز الاستخلاف (مسألة) (وان كان لغير عذر لم يصح) يعني إذا انتقل عن امامه إلى امام آخر فأتم به أو صار المأموم إماما لغيره من غير عذر لم يصح لانه انما ثبت جواز ذلك في محل العذر بقضية عمر رضي الله عنه وغير حال العذر لا يقاس عليه (مسألة) (وان أحرم اماما لغيبة امام الحي ثم حضر امام الحي في أثناء الصلاة فأحرم بهم وبنى على صلاة خليفته وصار الامام مأموما فهل يصح على وجهين) روي عن أحمد في هذه المسألة ثلاث روايات (أحدها) يصح لما روى سهل بن سعد قال ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم فحانت الصلاة فصلى أبو بكر فجاء رسول الله والناس في الصلاة فخلص حتى وقف في الصف فاستأخر أبو بكر حتى استوى في الصف وتقدم النبي فصلى ثم انصرف متفق عليه. وما فعله النبي صلى الله عليه وسلم كان جائزا لامته ما لم يقم دليل الاختصاص (والرواية الثانية) أن ذلك يجوز للخليفة دون بقية الائمة نص عليه في رواية المروذي لان رتبة الخلافة تفضل رتبة سائر الائمة فلا يلحق بها غيرها (والثالثة) لا يصح لانه لا حاجة إليه وفعل النبي صلى الله عليه وسلم يحتمل أن يكون خاصا به لان أحدا لا يساويه في الفضل ولا ينبغي أن يتقدم عليه بخلاف غيره ولهذا قال أبو بكر ما كان لا بن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم (فصول في أدب المشي إلى الصلاة) يستحب للرجل إذا أقبل إلى الصلاة أن يقبل بخوف ووجل وخشوع وعليه السكينة ويقارب بين خطاه لتكثر حسناته فان كل خطوة يكتب له بها حسنة، لما روى زيد بن ثابت قال: أقيمت الصلاة فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وأنا معه فقارب في الخطا ثم قال " أتدري لم فعلت هذا؟ لتكثر خطانا في طلب الصلاة " ويكره أن يشبك بين أصابعه لما روى كعب بن عجرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج عامدا إلى المسجد فلا يشبكن بين يديه فانه في صلاة " رواه أبو داود (فصل) ويستحب أن يقول ما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى الصلاة

[ 501 ]

وهو يقول " اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي لساني نورا، واجعل في سمعي نورا، واجعل في بصري نورا، واجعل من خلفي نورا، ومن أمامي نورا، واجعل من فوقي نورا، ومن تحتي نورا واعطني نورا " أخرجه مسلم. وروى أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من خرج من بيته إلى الصلاة فقال اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وأسألك بحق ممشاي هذا فأني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تنقذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي انه لا يغفر الذنوب الا أنت اقبل الله إليه بوجهه واستغفر له سبعون ألف ملك " رواه الامام أحمد وابن ماجه (فصل) فان سمع الاقامة لم يسع إليها لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " إذا سمعتم الاقامة فامشوا وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا " وعن أبي قتادة قال بينا نحن نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ سمع جلبة رجال فلما صلى قال " ما شأنكم " قالوا استعجلنا إلى الصلاة فقال " لا تفعلوا إذا أتيتم الصلاة فعليكم السكنية فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا " متفق عليهما. قال الامام أحمد فان طمع أن يدرك التكبيرة فلا بأس أن يسرع شيئا ما لم تكن عجلة تقبح. جاء الحديث عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يعجلون شيئا إذا تخوفوا فوات التكبيرة الاولى (فصل) فإذا دخل المسجد قدم رجله اليمنى وإذا خرج قدم اليسرى. ويقول ما روى مسلم باسناده عن أبي حميد أو أبي أسيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا دخل أحدكم المسجد فليقل اللهم افتح لي أبواب رحمتك، فإذا خرج فليقل اللهم إني أسلك من فضلك " وعن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد صلى على محمد وقال " رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك " وإذا خرج صلى على محمد وقال " رب اغفر لي وافتح لي أبواب فضلك " فإذا دخل لم يجلس حتى يركع ركعتين، لما روى أبو قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين " متفق عليه. ثم يجلس مستقبل القبلة فانه قد روي خير المنازل ما استقبل به القبلة، ويشتغل بذكر الله تعالى أو قراءة القرآن أو يسكت ولا يشبك أصابعه لما روى أبو سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " إذا كان أحدكم في المسجد فلا يشبكن فان التشبيك من الشيطان وإن أحدكم لا يزال في صلاة ما كان في المسجد حتى يخرج منه " رواه الامام أحمد في المسند

[ 502 ]

(باب صفة الصلاة) روى محمد بن عمر وابن عطاء قال: سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو قتادة فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: فأعرض قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم يكبر حتى يقر كل عظم في موضعه معتدلا، ثم يقرأ ثم يكبر فيرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يرفع ويضع راحتيه على ركبتيه، ثم يعتدل فلا يصوب رأسه ولا يقنعه، ثم يرفع رأسه ويقول: سمع الله لمن حمده، ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه معتدلا، ثم يقول الله أكبر ثم يهوي إلى الارض فيجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها ويفتح أصابع رجليه إذا سجد ويسجد، ثم يقول الله أكبر ويرفع ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها حتى يرجع كل عظم إلى موضعه ثم يصنع في الاخرى مثل ذلك، ثم إذا أقام من الركعة فيرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما كبر عند افتتاح الصلاة، ثم يفعل ذلك في بقية صلاته حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخر رجله اليسرى وقعد متوركا على شقه الايسر. قالوا صدقت هكذا كان يصلي صلى الله عليه وسلم رواه مالك في الموطأ وأبو داود و الترمذي وقال حديث حسن صحيح. وفي لفظ رواه البخاري قال فإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه ثم هصر ظهره فإذا رفع رأسه استوى قائما حتى يعود كل فقار إلى مكانه فإذا سجد سجد غير مفترش ولا قابضهما واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة فإذا جلس في الركعتين

[ 503 ]

جلس على اليسرى ونصب الاخرى فإذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخر رجله اليسرى وجلس متوركا على شقه الايسر وقعد على مقعدته (مسألة) (يستحب أن يقوم إلى الصلاة إذا قال المؤذن قد قامت الصلاة) قال ابن عبد البر: على هذا أهل الحرمين. وقال الشافعي يقوم إذا فرغ المؤذن من الاقامة وكان عمر بن عبد العزيز ومحمد بن كعب وسالم والزهري يقومون في أول بدوة من الاقامة. وقال أبو حنيفة يقوم إذا قال حي على الصلاة فإذا قال قد قامت الصلاة كبر وكان أصحاب عبد الله يكبرون كذلك وبه قال النخعي واحتجوا بقول بلال: لا تسبقني بآمين. فدل على انه كان يكبر قبل فراغه. وعندنا لا يستحب أن يكبر الا بعد فراغه من الاقامة وهو قول الحسن وأبي يوسف والشافعي واسحاق وعليه جل الائمة في الامصار، وانما قلنا يقوم عند قول المؤذن: قد قامت الصلاة لان هذا خبر بمعنى الامر ومقصوده الاعلام ليقوموا فيستحب المبادرة إلى القيام امتثالا للامر وانما قلنا انه لا يكبر حتى يفرغ المؤذن لان النبي صلى الله عليه وسلم انما كان يكبر بعد فراغه يدل عليه ما روي عنه انه كان يعدل الصفوف بعد اقامة الصلاة فروى أنس قال أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه فقال " سووا صفوفكم وتراصوا فاني

[ 504 ]

أراكم من وراء ظهري " رواه البخاري. ويقول في الاقامة مثل قول المؤذن فروى أبو داود عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ان بلالا أخذ في الاقامة فلما أن قال قد قامت الصلاة قال النبي صلى الله عليه وسلم " أقامها الله وأدامها " وقال في سائر الاقامة كنحو حديث عمر في الاذان، فأما حديثهم فان بلالا كان يقيم في موضع أذانه والا فليس بين لفظ الاقامة والفراغ منها ما يفوت بلالا " آمين " مع النبي صلى الله عليه وسلم. إذا ثبت هذا فانما يقوم المأمومون إذا كان الامام في المسجد أو قريبا منه. قال أحمد ينبغي أن تقام الصفوف قبل أن يدخل الامام لما روى أبو هريرة قال كانت الصلاة تقام لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيأخذ الناس مصافهم قبل أن يقوم النبي صلى الله عليه وسلم مقامه. رواه مسلم، فأما ان أقيمت الصلاة والامام في غير المسجد ولم يعلموا قربه لم يقوموا لما روى أبو قتادة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت " رواه مسلم (مسألة) (ثم يسوي الامام الصفوف) وذلك مستحب، يلتفت عن يمينه فيقول: استووا رحمكم الله وعن يساره كذلك لما ذكرنا من الحديث ولما روى محمد بن مسلم قال: صليت إلى جنب أنس بن مالك يوما فقال: هل تدري لم صنغ هذا العود؟ قلت: لا والله، فقال: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة أخذه بيمنه فقال " اعتدلوا وسووا صفوفكم " ثم أخذه بيساره وقال

[ 505 ]

" اعتدلوا وسووا صفوفكم " رواه أبو داود، وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " سووا صفوفكم فان تسوية الصف من تمام الصلاة " متفق عليه (فصل) قيل لاحمد قبل التكبير تقول شيئا؟ قال لا، يعني ليس قبله دعاء مسنون إذ لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه ولان الدعاء يكون بعد العبادة لقوله تعالى " فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب) (مسألة) (ويقول الله أكبر لا يجزئه غيرها) لا تنعقد الصلاة الا بقول الله اكبر: وهو قول مالك وكان ابن مسعود والثوري والشافعي يقولون افتتاح الصلاة التكبير، وعليه عوام أهل الحديث قديما وحديثا الا أن الشافعي قال: تنعقد بقوله الله الاكبر لان الالف واللام لم تغيره عن بنيته ومعناه وانما أفادت التعريف، وقال أبو حنيفة تنعقد بكل اسم لله تعالى على وجه التعظيم كقوله الله عظيم أو كبير أو جليل وسبحان الله والحمد الله ولا اله الا الله ونحوه قول الحاكم لانه ذكر لله على وجه التعظيم أشبه قوله الله أكبر ولان الخطبة لا يتعين في أولها لفظ كذلك هذا ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " تحريمها التكبير " رواه أبو داود، وقوله للمسئ في صلاته " إذا قمت إلى الصلاة فكبر " متفق عليه، وفي حديث رفاعة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا يقبل الله صلاة امرئ. حتى يضع الطهور مواضعه ثم يستقبل القبلة ويقول الله اكبر " رواه أبو داود، وكان

[ 506 ]

النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بقوله " الله اكبر " لم ينقل عنه عدول عن ذلك حتى فارق الدنيا وقياسهم يبطل بقوله اللهم اغفر لي، ولا يصح القياس على الخطبة لانه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها لفظ بعينه في جميع الخطبة ولا امر به ولانه يجوز فيها الكلام بخلاف الصلاة، وما قاله الشافعي عدول عن المنصوص، فاشبه ما لو قال الله العظيم، وقولهم لم يغير بنيته ولا معناه ممنوع لان التنكير متضمن لاضمار أو تقدير بخلاف التعريف فان معنى قوله " الله اكبر " اي من كل شئ ولان ذلك لم يرد في كلام الله تعالى ولا في كلام رسوله ولا في المتعارف في كلام الفصحاء الا كما ذكرنا فاطلاق لفظ التكبير ينصرف إليها دون غيرها كما ان اطلاق لفظ التسمية انما ينصرف إلى قوله بسم الله دون غيره، وهذا يدل على ان غيرها لا يساويها (فصل) والتكبير ركن لا تنعقد الصلاة الا به لا يسقط في عمد ولا سهو وهو قول مالك والشافعي وقال سعيد بن المسيب والحسن والزهري والاوزاعي: من نسي تكبيرة الافتتاح اجزأته تكبيرة الركوع ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " تحريمها التكبير " فدل على أنه لا يدخل الصلاة بدونه (فصل) ولا يصح الا مرتبا فان نكسه لم يصح لانه لا يكون تكبيرا، ويجب على المصلي أن يسمعه نفسه اماما كان أو غيره الا أن يكون به عارض من طرش أو ما يمنع السماع فيأتي به بحيث لو كان سميعا أو لا عارض به سمعه لانه ذكر محله اللسان فلا يكون كاملا بدون الصوت. والصوت

[ 507 ]

ما يتأتى سماعه وأقرب السامعين إليه نفسه فمتى لم يسمعه لم يعلم أنه أتى بالقول والرجل والمرأة سواء فيما ذكرنا (فصل) ويبين التكبير ولا يمد في غير موضع المد فان فعل بحيث لم يغير المعنى مثل أن يمد الهمزة الاولى في اسم الله تعالى فيقول الله فيصير استفهاما أو يمد اكبر فيصير ألفا فيبقى جمع كبر وهو الطبل لم يجز لتغير المعنى، وإن قال الله أكبر وأعظم ونحوه لم يستحب، نص عليه وانعقدت به الصلاة (مسألة) (فان لم يحسنها لزمه تعلمها فان خشي فوات الوقت كبر بلغته) وجملة ذلك أنه لا يجزئه التكبير بغير العربية مع قدرته عليها، وبه قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة يجزئه لقول الله تعالى (وذكر اسم ربه فصلى) وهذا قد ذكر اسم ربه ولنا ما تقدم من النصوص وهي تخص ما ذكروه فان لم يحسن العربية لزمه تعلم التكبير بها لانه ذكر واجب في الصلاة لا تصح بدونه فلزمه تعلمه كالقراءة فان خشي فوات الوقت كبر بلغته في أظهر الوجهين وهو مذهب الشافعي لانه ذكر عجز عنه بالعربية فلزمه الاتيان به بغيرها كالفظ النكاح، ولان ذكر الله تعالى يحصل بكل لسان (والثاني) لا يصح ذكره القاضي في الجامع ويكون حكمه حكم الاخرس لانه ذكر تنعقد به الصلاة فلم يجز التعبير عنه بغير العربية كالقراءة فان عجز عن بعض اللفظ أو بعض الحروف أتى بما يمكنه كمن عجز عن بعض الفاتحة (فصل) فان كان أخرس لو عاجزا عن التكبير بكل لسان سقط عنه وعليه تحريك لسانه ذكره

[ 508 ]

القاضي في المجرد لان الصحيح يلزمه النطق بتحريك لسانه فإذا عجز عن أحدهما لزمه الآخر. قال شيخنا: وهذا غير صحيح لانه قول عجز عنه فلم يلزمه تحريك لسانه في موضعه كالقراءة وانما لزمه تحريك لسانه مع التكبير ضرورة توقف التكبير عليه فإذا سقط التكبير سقط ما هو من ضرورته كمن سقط عنه القيام سقط عنه النهوض إليه وإن قدر عليه، ولان تحريك لسانه بغير النطق مجرد عبث فلم يرد الشرع به كالعبث بسائر جوارحه (مسألة) ويجهر الامام بالتكبير كله ليسمع المأمومون فيكبروا بتكبيره فان لم يمكنه اسماعهم جهر بعض المأمومين ليسمعهم أو يسمع من لا يسمعه الامام لما روى جابر قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر خلفه فإذا كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر أبو بكر ليسمعنا متفق عليه (مسألة) (ويسر غيره به وبالقراءة بقدر ما يسمع نفسه) لا يستحب لغير الامام الجهر بالتكبير لانه لا حاجة إليه وربما ليس على المأمومين الا أن يحتاج إلى الجهر بالتكبير ليسمع المأمومين كما ذكرنا ويجب عليه أن يكبر بحيث يسمع نفسه وكذلك القراءة لانه لا يسمى كلاما بدون ذلك وقد ذكرناه قبل هذا (فصل) وعليه أن يأتي بالتكبير قائما فان انحنى إلى الركوع بحيث يصير راكعا قبل إنهاء التكبير لم تنعقد صلاته إن كانت فرضا لان القيام فيها واجب ولم يأت به، وإن كانت نافلة فظاهر قول القاضي أنها تنعقد فانه قال إن كبر في الفريضة في حال انحنائه إلى الركوع انعقدت نفلا لسقوط القيام فيه فإذا تعذر الفرض وقعت نفلا كمن أحرم بفريضة فبان قبل وقتها. قال شيخنا: ويحتمل أن لا تنعقد النافلة إلا أن يكبر في حال قيامه أيضا لان صفة الركوع غير صفة القعود ولم يأت بالتكبير قائما ولا قاعدا

[ 509 ]

ولان عليه الاتيان بالتكبير قبل وجود الركوع منه (فصل) ولا يكبر المأموم حتى يفرغ إمامه من التكبير. وقال أبو حنيفة يكبر معه كما يركع معه ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " إنما جعل الامام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا " متفق عليه والركوع مثل ذلك، إلا أنه لا تفسد صلاته بالركوع معه لانه قد دخل في الصلاة، وههنا بخلافه فان كبر قبل إمامه لم تنعقد صلاته وعليه إعادة التكبير بعد تكبير الامام (فصل) والتكبير من الصلاة خلافا لاصحاب أبي حنيفة في قولهم ليس منها لانه أضافه إليها في قوله " تحريمها التكبير " ولا يضاف الشئ إلى نفسه ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة " إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن " رواه مسلم. وما ذكروه فلا يصح، فان أجزاء الشئ تضاف إليه كيد الانسان وسائر أطرافه

[ 511 ]

(مسألة) (ثم يرفع يديه مع ابتداء التكبير ممدودة الاصابع مضموما بعضها إلى بعض إلى حذو منكبيه أو إلى فروع أذنيه) رفع اليدين عند افتتاح الصلاة مستحب بغير خلاف نعلمه، قال ابن المنذر: لا يختلف أهل العلم في أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، فروى

[ 512 ]

ابن عمر رضي الله عنهما قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعد ما يرفع رأسه من الركوع، ولا يرفع بين السجدتين متفق عليه. وهو مخير في رفعهما إلى حذو منكبيه أو فروع أذنيه؟ يعني انه يبلغ بأطراف أصابعه ذلك الموضع لان كلا الامرين قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالرفع إلى المنكبين قد روي في حديث ابن عمر، ورواه علي وأبو هريرة وهو قول الشافعي وإسحاق، والرفع إلى حذو الاذنين رواه واثل بن حجر ومالك بن الحويرث من رواية مسلم وقال به ناس من أهل العلم إلا ان ميل أبي عبد الله إلى الاول لكثرة رواته وقربهم من النبي صلى الله عليه وسلم. وجوز الآخر لصحة روايته فدل على ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل هذا وهذا، ويستحب أن يمد أصابعه وقت الرفع ويضم بعضها إلى بعض لما روى أبو هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل في الصلاه رفع يديه مدا، وقال الشافعي: السنة أن يفرق أصابعه، وقد روي ذلك عن أحمد لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينشر أصابعه للتكبير ولنا ما رويناه وحديثهم خطأ قاله الترمذي، ثم لو صح كان معناه المد، قال أحمد: أهل العربية قالوا هذا الضم - وضم أصابعه - وهذا النشر - ومد أصابعه - وهذا التفريق - وفرق أصابعه - ولان النشر لا يقتضي التفريق كنشر الثوب

[ 513 ]

(فصل) ويكون ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير وانتهاؤه مع انتهائه فإذا انقضى التكبير حط يديه لان الرفع للتكبير فكان معه. فان نسي رفع اليدين حتى فرغ من التكبير لم يرفعهما لانه سنة فات محلها وإن ذكره في أثناء التكبير رفعهما لبقاء محله، فان لم يمكنه رفع اليدين إلى المنكبين رفعهما قدر الامكان، وإن أمكنه رفع احداهما حسب رفعها لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم " فان لم يمكنه رفعهما الا بالزيادة على المسنون رفعهما لانه يأتي بالسنة وزيادة مغلوب عليها وهذا كله قول الشافعي. وإن كانت يداه في ثوبه رفعهما بحيث يمكن لما روى وائل بن حجر قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في الشتاء فرأيت أصحابه يرفعون أيديهم في ثيابهم في الصلاة، وفي رواية قال ثم جئت في زمان فيه برد شديد فرأيت الناس عليهم جل الثياب تتحرك أيديهم تحت الثياب رواهما أبو داود وفيه فرأيتهم يرفعون أيديهم إلى صدورهم ولا فرق في ذلك بين النافلة و الفريضة والامام والمأموم والمنفرد لعموم الاخبار والله أعلم (مسألة) (ثم يضع كف يده اليمنى على كوع اليسرى ويجعلهما تحت سرته) وضع اليمنى على اليسرى

[ 514 ]

في الصلاة مسنون روي عن علي وأبي هريرة والنخعي وسعيد بن جبير والثوري والشافعي وأصحاب الرأى وحكاه ابن المنذر عن مالك والذي عليه أصحابه ارسال اليدين روي ذلك عن ابن الزبير والحسن ولنا ما روى قبيصة بن هلب عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمنا فيأخذ شماله بيمينه، رواه الترمذي وقال حديث حسن وعليه العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم، وعن غطيف قال: ما نسيت من الاشياء فلم أنس أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعا يمنه على شماله في الصلاة من المسند. ويضعهما على كوعه أو قريبا منه لما روى وائل بن حجر أنه وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال في وصفه ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى - والرسغ والساعد (فصل) ويجعلهما تحت سرته، روي ذلك عن علي وأبي هريرة والثوري واسحاق قال علي رضي الله عنه من السنة وضع اليمين على الشمال تحت السرة، رواه الامام أحمد وأبو داود، وعن أحمد أنه يضعهما على صدره فوق السرة، وهو قول سعيد بن جبير والشافعي لما روى وائل بن حجر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فوضع يديه على صدره احداهما إلى الاخرى، وعنه رواية ثالثة أنه مخبر في ذلك لان الجميع مروي والامر في ذلك واسع (مسألة) وينظر إلى موضع سجوده وذلك مستحب لانه أخشع للمصلي، وأكف لنظره. قال محمد بن سيرين وغيره في قوله تعالى (والذين هم في صلاتهم خاشعون) هو أن لا يرفع بصره عن موضع سجوده. قال أبو هريرة كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة فلما نزل

[ 515 ]

(الذين هم في صلاتهم خاشعون) رموا بأبصارهم إلى موضع السجود (مسألة) (ثم يقول سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك) الاستفتاح من سنن الصلاة في قول أكثر أهل العلم، وكان مالك لا يراه بل يكبر ويقرأ لما روى أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين متفق عليه. ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسفتح بما سنذكره وعمل به الصحابة رضي الله عنهم فكان عمر يستفتح به صلاته يجهر به ليسمعه الناس، وعبد الله بن مسعود. وحديث أنس أراد به القراءة كما روى أبو هريرة يقول الله تعالى " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين " وفسره بالفاتحة مثل قول عائشة كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين ويتعين حمله على هذا لما ذكرنا من فعل عمر وهو ممكن روى عنه أنس (1) (فصل) ومذهب أحمد رحمه الله الاستفتاح الذى ذكرنا وقال: لو أن رجلا استفتح ببعض ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من الاستفتاح كان حسنا، والذي ذهب إليه أحمد قول أكثر أهل العلم منهم عمر بن الخطاب وابن مسعود والثوري واسحاق وأصحاب الرأي، قال الترمذي. وعليه العمل عند أهل العلم من التابعين وغيرهم. وذهب الشافعي وابن المنذر إلى الاستفتاح بما روي عن علي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة كبر ثم قال " وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض حنيفا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت أنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا انه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لاحسن الاخلاق لا يهدي لاحسنها


1) كذا في نسختنا وهو غير ظاهر وتراجع العبارة في السطر الخامس من الصفحة التالية

[ 516 ]

إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس اليك، أنا بك واليك، تباركت ربنا وتعاليت، أستغفرك وأتوب اليك " راه مسلم وأبو داود. وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر سكت إسكاته حسنة، قال هنيهة بين التكبير والقراءة. فقلت يا رسول الله؟ أرأيت إسكاتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال أقول " اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الابيض من الدنس. اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد " متفق عليه. وانما اختار أحمد رحمه الله الاستفتاح الاول لما روت عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استفتح الصلاة قال " سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك " رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي. وروى أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله من رواية النسائي والترمذي ورواه أنس أيضا وعمل به عمر بين يدي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلذلك اختاره أحمد وجوز الاستفتاح بغيره لكونه قد صح، إلا أنه قد قال في حديثهم بعضهم يقول في صلاة الليل ولان العمل به متروك، فانا لا نعلم أحدا يستفتح به كله، وانما يستفتحون بأوله قال أحمد: ولا يجهر الامام بالاستفتاح وعليه عامة أهل العلم لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يجهر به وانما جهر به عمر ليعلم الناس، فان نسيه أو تركه عمدا حتى شرع في الاستعاذة لم يعد إليه لانه سنة فات محلها، وكذلك إن نسي التعوذ حتى شرع في القراءة لم يعد إليه لذلك (مسألة) (ثم يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) الاستعاذة قبل القراءة في الصلاة سنة في قول الحسن وابن سيرين والثوري والاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي لقول الله تعالى (فإذا قرات القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قام إلى الصلاة استفتح ثم يقول " أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه "

[ 517 ]

قال الترمذي هذا أشهر حديث في هذا الباب. وقال مالك لا يتسعيذ لحديث انس وقد مضى جوابه وصفتها كما ذكرنا وهذا قول ابي حنيفة والشافعي للآية. وقال ابن المنذر جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان يقول قبل القراءة " اعوذ بالله من الشيطان الرجيم " وعن احمد انه يقول " اعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم " لحديث ابي سعيد فانه متضمن للزيادة، ونقل حنبل عنه انه يزيد بعد ذلك " ان الله هو السميع العليم " وهذا كله واسع وكيفما استعاذ فحسن (مسألة) (ثم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم) قراءة بسم الله الرحمن الرحيم مشروعة في الصلاة في أول الفاتحة وأول كل سورة في قول أكثر أهل العلم، وقال مالك والاوزاعي لا يقرؤها في أول الفاتحة لحديث أنس، وعن ابن عبد الله بن المغفل قال سمعني أبي وأنا أقول بسم الله الرحمن الرحيم فقال أي بني محدث، إياك والحدث، قال ولم أر احدا من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أبغض إليه الحدث في الاسلام - يعني منه - فاني صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع ابي بكر ومع عمر ومع عثمان فلم اسمع احدا منهم يقولها فلا تقلها فإذا صليت فقل (الحمد لله رب العالمن) رواه الترمذي وقال حديث حسن ولنا ما روي عن نعيم المجمر انه قال صليت وراء ابي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ثم قرأ بأم القرآن وقال والذي نفسي بيده إني لاشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم رواه النسائي، وروى ابن المنذر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم. وعن ام سلمة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم وعدها آية والحمد لله رب العالمين آيتين. فأما حديث انس فقد سبق جوابه ثم يحمل على ان الذي كان يسمع منهم الحمد لله رب العالمين وقد جاء مصرحا به فروى شعبة وشيبان عن قتادة قال سمعت انس بن مالك قال صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وابي بكر وعمر فلم اسمع احدا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وفي لفظ كلهم يخفي بسم الله الرحمن الرحيم، وفي لفظ ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسر بسم الله الرحمن

[ 518 ]

الرحيم وأبا بكر وعمر، رواه ابن شاهين، وحديث عبد الله بن المغفل محمول على هذا ايضا جمعا بين الاخبار، ولان مالكا قد سلم أنه يستفتح بها في غير الفاتحة والفاتحة أولى لانها أول القرآن وفاتحته (مسألة) (وليست من الفاتحة وعنه انها منها ولا يجهر بشى ء من ذلك) قد مضى ذكر الاستفتاح ولا نعلم خلافا في أنه لا يجهر بالاستعاذة، فأما بسم الله الرحمن الرحيم فالجهر بها غير مسنون عند أحمد رحمه الله لا اختلاف عنه فيه، قال الترمذي وعليه العمل عند اكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم من التابعين منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم وذكره ابن المنذر عن ابن مسعود وعمار وابن الزبير وهو قول الحكم وحماد والاوزاعي والثوري وابن المبارك واصحاب الرأي، ويروى الجهر بها عن عطاء وطاووس ومجاهد وسعيد بن جبير وهو مذهب الشافعي لحديث ابي هريرة انه قرأ بها في الصلاة وقد قال ما اسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمعناكم وما اخفى علينا اخفينا عنكم متفق عليه، وعن انس انه صلى وجهر ببسم الله الرحمن الرحيم وقال أقتدي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما تقدم من حديث ام سلمة ولانها آية من الفاتحة فيجهر بها الامام في صلاة الجهر كسائر آياتها ولنا ما ذكرنا من حديث انس وعبد الله بن المغفل، وعن عائشة ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين، متفق عليه وحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين " لم يذكر فيه بسم الله الرحمن الرحيم يدل على انه لم يذكر فيه بسم الله الرحمن الرحيم، وأما حديث ابي هريرة الذي احتجوا به فليس فيه انه جهر بها ولا يمتنع ان يسمع منه حال الاسرار كما سمع الاستفتاح والاستعاذة من النبي صلى الله عليه وسلم مع اسراره بهما فقد روي انه كان يسمعهم الآية احيانا في صلاة الظهر من رواية ابي قتادة

[ 519 ]

متفق عليه، وكذلك حديث أم سلمة ليس فيه ذكر الجهر وباقي أخبار الجهر ضعيفة لان رواتها هم رواة الاخفاء باسناد صحيح ثابت لا يختلف فيه فدل على ضعف ما يخالفه، وقد بلغنا أن الدار قطني قال: لم يصح في الجهر حديث (فصل) وليست من الفاتحة في أحدى الروايتين عن أحمد و هي المنصورة عند أصحابنا، وهو قول أبي حنيفة ومالك والاوزاعي، ثم اختلف عن أحمد فيها فقيل هي آية منفردة كانت تنزل بين كل سورتين فصلا بين السور (1) وقيل عنه إنها هي بعض آية من سورة النمل (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم) (والرواية الثانية) أنها آية من الفاتحة خاصة تجب قراءتها في الصلاة أولا اختارها أبو عبد الله بن بطة وأبو حفص وهو قول ابن المبارك والشافعي واسحاق وأبي عبيد، قال عبد الله بن المبارك: من ترك بسم الله الرحمن الرحيم فقد ترك مائة وثلاث عشرة آية، وكذلك قال الشافعي لحديث أم سلمة. وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا قرأتم (الحمد لله رب العالمين) فاقرءوا (بسم الله الرحمن الرحيم) فانها أم الكتاب وإنها السبع المثاني " وبسم الله الرحمن الرحيم آية منها ولان الصحابة رضي الله عنهم أثبتوها في المصاحف ولم يثبتوا بين الدفتين سوى القرآن، ووجه الرواية الاولى ما روى أبو هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " قال الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال الحمد لله رب العالمين، قال الله حمدني عبدي فإذا قال (الرحمن الرحيم) قال الله أثنى علي عبدي فإذا قال (مالك يوم الدين) قال الله مجدني عبدي فإذا قال (إياك نعبد وإياك نستعين) قال الله هذا بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) قال " هذا لعبدي ولعبدي ما سأل " رواه مسلم فلو كانت بسم الله الرحمن الرحيم آية لعدها وبدأ بها ولم


1) هذا القول لا يصدق علي بسملة الفاتحة فانها الاولي باجماع الصحابة كما سيأتي 1) فيه ان البسملة لله تعالى وحده فان القارئ يعنى به أنه يقرأ أو يصلى باسم الله على أن هذا منه بدأ واليه يعود وله يتلي ويصلي (قل إن صلاتي ونسكي ومحيائي ومماتي لله رب العالمين)

[ 520 ]

يتحقق التنصيف، فان قيل فقد روى عبد الله بن زياد بن سمعان " يقول عبدي إذا افتتح الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم فيذكرني عبدي " قلنا ابن سمعان متروك الحديث لا يحتج به قاله الدار قطني وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " سورة هي ثلاثون آية شفعت لقارئها ألا وهي تبارك الذي بيده الملك " وهي ثلاثون آية سوى بسم الله الرحمن الرحيم ولان مواضع الآي كالآي في أنها لا تثبت إلا بالتواتر ولا تواتر في هذا. فأما حديث أم سلمة فلعله من رأيها أو نقول هي آية مفردة للفصل بين السور وحديث أبي هريرة موقوف عليه فان راويه أبو بكر الحنفي عن عبد الحميد بن جعفر عن نوح بن أبي بلال قال أبو بكر: راجعت فيه نوحا فوقفه، واما اثباتها بين السور فللفصل بينها ولذلك كتبت سطرا على حدتها والله أعلم.

[ 521 ]

(مسألة) (ثم يقرأ الفاتحة وفيها احدى عشرة تشديدة) قراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاه لا تصح إلا به في المشهور عن أحمد وهو قول مالك والثوري والشافعي وإسحاق. وروي عن عمر وعثمان ابن أبي العاص وخوات بن جبير رضي الله عنهم أنهم قالوا لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب. وروي عن أحمد أنها لا تتعين ويجزئ قراءة آية من القرآن أي آية كانت وهو قول أبي حنيفة لقول النبي صلى الله عليه وسلم للمسئ في صلاته " ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن " وقول الله تعالى (فاقرءوا ما تيسر من القرآن) ولان الفاتحة وسائر القرآن سواء في سائر الاحكام كذلك في الصلاة

[ 522 ]

ولنا ما روى عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " متفق عليه. ولان القراءة ركن في الصلاة فكانت معينة كالركوع والسجود. فأما خبرهم فقد روى الشافعي باسناده عن رفاعة بن رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للاعرابي " ثم اقرأ بأم القرآن وما شاء

[ 523 ]

الله أن تقرأ " ثم يحمل على الفاتحة وما تيسر معها ويحتمل أنه ان لم يكن يحسن الفاتحة وكذلك نقول في الآية يجوز أن يكون أراد الفاتحة وما تيسر ويحتمل أنها نزلت قبل نزول الفاتحة، والمعنى الذي ذكروه أجمعنا على خلافه فان من ترك الفاتحة كان مسيئا بخلاف بقية السور وتشديدات الفاتحة إحدى عشرة

[ 524 ]

بغير خلاف أولها اللام في لله والباء في رب والراء في الرحمن وفي الرحيم والدال في الدين وفي اياك واياك تشديدتان وفي الصراط على الصاد وعلى اللام في الذين وفي الضالين تشديدتان في الضاد واللام وإذا قلنا البسملة منها صار فيها أربع عشرة تشديدة (فصل) وتجب قراءة الفاتحة في كل ركعة في حق الامام والمنفرد في الصحيح من المذهب

[ 525 ]

وهو قول مالك والاوزاعي والشافعي، وعن أحمد انها لا تجب في ركعتين من الصلاة. ونحوه يروى عن النخعي والثوري وأبي حنيفة، وروي نحوه عن الاوزاعي أيضا لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال اقرأ في الاوليين وسبح في الاخريين ولان القراءة لو وجبت في بقية الركعان لسن الجهر بها في بعض الصلوات كالاوليين، وعن الحسن أنه ان قرأ في ركعة واحدة أجزاه. وقالت طائفة ان ترك قراءة القرآن في ركعة واحدة سجد للسهو لا في الصبح فانه يعيد روي هذا عن مالك، وروي عن اسحاق انه قال: إذا قرأ في ثلاث ركعات اماما أو منفردا فصلاته جائزة وذلك لقول الله تعالى (فاقرؤا ما تيسر منه) ولنا ما روى أبو قتادة ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر في الاوليين بأم الكتاب وسورتين ويطول الاولى ويقصر الثانيه، ويسمع الآية أحيانا، وفي الركعتين الاخريين بأم الكتاب وقال " صلوا كما رأيتموني أصلي " متفق عليهما، ورى ابو سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب " وعنه وعن عبادة بن الصامت قالا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة، رواهما اسماعيل بن سعيد الشالنجي، ولان النبي صلى الله عليه وسلم علم المسئ في صلاته كيف يصلي الركعة الاولى ثم قال " وافعل ذلك في صلاتك كلها " فيتناول الامر بالقراءة، وحديث علي يرويه الحارث الاعور، قال الشعبي: كان كذابا ولو صح فقد خالفه عمر وجابر والاسرار بها لا ينفي وجوبها كالاوليين في الظهر (فصل) وأقل ما يجزئ قراءة مسموعة يسمعها نفسه أو يكون بحيث يسمعها لو كان سمعيا إلا

[ 526 ]

ان يكون ثم ما يمنع السماع كقولنا في التكبير فان ما دون ذلك ليس بقراءة، والمستحب ان يأتي بها مرتبة معربة يقف فيها عند كل آية ويمكن حروف المد واللين ما لم يخرجه ذلك إلى التمطيط لقول الله تعالى (ورتل القرآن ترتيلا) وروي عن أم سلمة انها سئلت عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: كان يقطع قراءته آية آية (بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين) من المسند. وعن أنس قال: كان قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم مدا مدا ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمد باسم ويمد الرحمن ويمد الرحيم، أخرجه البخاري. فان أخرجه ذلك إلى التمطيط والتلحين كان مكروها لانه ربما جعل الحركات حروفا، قال أحمد: يعجبني من قراءة القرآن السهلة وقال قوله " زينوا القرآن بأصواتكم " قال: يحسنه بصوته من غير تكلف، وقد روي في خبر " أحسن الناس قراءة من إذا سمعت قراءته رأيت انه يخشى الله " وروي " ان هذا القرآن نزل بحزن فاقرءوه بحزن " (مسألة) (فان ترك ترتيبها أو تشديدة منها أو قطعها بذكر كثير أو سكوت طويل لزمه استئنافها) وجملة ذلك انه يلزمه أن يأتي بقراءة الفاتحة مرتبة مشددة غير ملحون فيها لحنا يحيل المعنى مثل أن يكسر كاف إياك أو يضم تاء أنعمت أو يفتح ألف الوصل في اهدنا فان أخل بالترتيب أو لحن فيها لحنا

[ 527 ]

يحيل المعنى لم يعتد بها لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها مرتبة وقد قال " صلوا كما رأيتموني أصلي " إلا أن يعجز عن غير هذا، وكذلك ان أخل بتشديدة منها، ذكر القاضي نحو هذا في المجرد وهو قول الشافعي، وذكر في الجامع لا تبطل بترك شدة لانها غير ثابتة في خط المصحف وانما هي صفة للحرف ويسمى تاركها قارئا، والصحيح الاول لان الحرف المشدد أقيم مقام حرفين بدليل ان شدة راء الرحمن أقيمت مقام اللام وكذلك شدة دال الدين. فإذا أخل بها أخل بالحرف وغير المعنى إلا أن يريد انه أظهر المدغم مثل أن يظهر لام الرحمن فهذا يصح لانه انما ترك الادغام وهو لحن لا يحيل المعنى، قال القاضي: ولا يختلف المذهب انه إذا لينها ولم يخففها على الكمال انه لا يعيد الصلاة لان ذلك لا يحيل المعنى ويختلف باختلاف الناس ولعله أراد في الجامع هذا فيكون قوله متفقا، ولا تستحب المبالغة في التشديد بحيث يزيد على حرف ساكن لانها اقيمت مقامه فإذا زادها عن ذلك زادها عما اقيمت مقامه فيكره (فصل) فان قطع قراءة الفاتحة بذكر أو دعاء أو قراءة أو سكوت وكان يسيرا أو فرغ الامام من الفاتحة في اثناء قراءة المأموم فقال آمين لم تنقطع قراءته لقول أحمد إذا مرت به آية رحمة سأل، وإذا مرت به آية عذاب استعاذ لانه يسير فعفي عنه، وان كثر ذلك استأنف قراءتها لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها متوالية، فان كان السكوت مأمورا به كالمأموم شرع في قراءة الفاتحة ثم سمع قراءة الامام فينصت له فإذا سكت الامام أتم قراءته واجزأه. اومى إليه احمد وكذلك ان سكت نسيانا أو

[ 528 ]

نوما أو لانتقاله إلى غيرها غلطا ومتى ما ذكر اتى بما بقي منها فان تمادى فيما هو فيه بعد ذكره لزمه استئنافها كما لو ابتدأ بذلك، فان نوى قطع قراءتها من غير أن يقطعها لم تنقطع لان الاعتبار بالفعل لا بالنية. وكذا ان سكت مع النية سكوتا يسيرا لما ذكرنا ان النية لا عبرة بها ذكره القاضي في المجرد وذكر في الجامع انه متى سكت مع النية ابطلها وانه متى عدل إلى قراءة غيرها عمدا أو دعاء غير مأمور به بطلت قراءته ولم يفرق بين قليل وكثير. وان قدم آية منها في غير موضعها عمدا أبطلها وإن كان غلطا رجع فأتمها قال شيخنا: والاولى ان شاء الله ما ذكرناه لان المعتبر في القراءة وجودها لا نيتها فمتى قرأها متواصلة تواصلا قريبا صحت كما لو كان ذلك عن غلط والله أعلم (مسألة) (فإذا قال ولا الضالين قال آمين) التأمين عند الفراغ من قراءة الفاتحة سنة للامام والمأموم، روي ذلك عن ابن عمر وابن الزبير وهو قول الثوري وعطاء والشافعي واسحاق وأصحاب الرأي. وقال أصحاب مالك: لا يسن التأمين للامام لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إذا قال الامام غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين فانه من وافق قوله قول الملائكة غفر له " رواه مالك، وهذا دليل على أنه لا يقولها ولنا ما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أمن الامام فأمنوا فانه من

[ 529 ]

وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له " متفق عليه. وعن وائل ابن حجر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قال " ولا الضالين " قال " آمين " ورفع بها صوته، رواه أبو داود، وحديثهم لا حجة لهم فيه وإنما قصد به تعريفهم موضع تأمينهم وهو موضع تأمين الامام ليكون تأمين الامام والمأمومين موافقا تأمين الملائكة وقد جاء هذا مصرحا به، فروى الامام أحمد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا قال الامام ولا الضالين فقولوا آمين فان الملائكة تقول آمين والامام يقول آمين فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه " وقوله في اللفظ الآخر " إذا أمن الامام " يعني إذا شرع في التأمين (مسألة) (يجهر بها الامام والمأموم في صلاة الجهر) الجهر بآمين للامام والمأموم سنة، وقال أبو حنيفة ومالك في احدى الروايتين: يسن اخفاؤها لانه دعاء أشبه دعاء التشهد. ولنا حديث وائل بن حجر الذي ذكرناه، وقال عطاء ان ابن الزبير كان يؤمن ويؤمنون حتى ان للمجسد للجة، رواه الشافعي في مسنده. وما ذكروه يبطل بآخر الفاتحة فان دعاء ويسن الجهر به وفي آمين لغتان قصر الالف ومدهامع التخفيف فيها، قال الشاعر تباعد مني فطحل إذ دعوته + + + أمين فزاد الله ما بيننا بعدا وأنشد في المد يا رب لا تسلبني حبها أبدا + + + ويرحم الله عبدا قال آمينا ومعناها اللهم استجب. قاله الحسن، وقيل هو اسم من اسماء الله عزوجل، ولا يشدد الميم لانه يخل بالمعنى فيصير بمعنى قاصدين (فصل) فان نسي الامام التأمين أمن المأموم ورفع بها صوته ليذكر الامام لانه من سنن الاقوال

[ 530 ]

فإذا تركها الامام أتى بها المأموم كالاستعاذة، وان أخفاها الامام جهر بها المأموم لما ذكرنا فان ترك التأمين حتى شرع في قراءة السورة لم يعد إليه لانه سنة فات محلها (مسألة) (فان لم يحسن الفاتحة وضاق الوقت عن تعلمها قرأ قدرها في عدد الحروف وقيل في عدد الآيات من غيرها فان لم يحسن الا آية كررها بقدرها) وجملة ذلك ان من لم يحسن الفاتحة يلزمه تعلمها لانه واجب في الصلاة فلزمه تحصيله إذا أمكنه كشروطها فان لم يفعل مع القدرة عليه لم تصح صلاته، فان لم يقدر أو خشي فوات الوقت سقط، فان كان يحسن منها آية أو أكثر كررها بقدرها لا يجزئه غير ذلك، ذكره القاضي لان ذلك أقرب إليها من غيرها وقال ابن أبى موسى: لا يكررها وكذلك إن لم يحسن من القرآن الا آية. ويحتمل أن يأتي ببقية الآي من غيرها كمن وجد بعض الماء فانه يغسل به ويعدل إلى التيمم، ذكر القاضي هذا الاحتمال في الجامع ولاصحاب الشافعي وجهان كهذين. فأما إن عرف بعض آية لم يكررها وعدل إلى غيرها لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر الذي لا يحسن الفاتحة أن يقول الحمد لله وغيرها وهي بعض آية ولم يأمره بتكرارها، فان لم يحسن شيئا منها وأحسن غيرها من القرآن قرأ منه بقدرها ان قدر عليه لا يجزئه غير ذلك لما روى أبو داود عن رفاعة ابن رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا أقيمت الصلاة فان كان معك قرآن فاقرأ به والا فاحمد الله وهلله وكبره " ويجب أن يقرأ بعدد آياتها، وهل يعتبر أن يكون بعدد حروفها؟ فيه وجهان أظهرهما اعتبار ذلك اختاره القاضي وابن عقيل لان الحرف مقصود بدليل تقدير الحسنات به فاعتبر كالآي (والثاني) تعتبر الآيات ولا يعتبر عدد الحروف بدليل انه لا يكفي عدد الحروف دونها فأشبه من فاته صوم يوم طويل لا يعتبر في القضاء صوم يوم طويل مثله (وفيه وجه ثالث) أنه يكفيه أن يقرأ بعدد الحروف ولا يعتبر عدد الآيات وهو ظاهر كلام شيخنا ههنا لان الثواب مقدر بالحروف فكفى اعتبارها، فان لم يحسن الا آية كررها بقدرها فكان بمثابة من قرأها لانها من جنس الواجب (مسألة) (فان لم يحسن شيئا من القرآن لم يجز أن يترجم عنه بلغة أخرى ولزمه أن يقول: سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة الا بالله) لا يجوز له القراءة بغير العربية سواء أحسن قراءتها بالعربية أو لم يحسن وهو قول الشافعي وقول

[ 531 ]

أبي يوسف ومحمد إذا كان لا يحسن وبه قال بعض أصحاب الشافعي، وقال أبو حنيفة يجوز ذلك لقوله تعالى (وأوحي الي هذا القرآن لانذركم به ومن بلغ) وانما ينذر كل قوم بلسانهم ولنا قول الله تعالى (قرآنا عربيا) وقوله (بلسان عربي مبين) ولان القرآن لفظه ومعناه معجزة فإذا غير خرج عن نظمه ولم يكن قرآنا ولامثله وانما يكون تفسيرا له ولو كان تفسيره مثله لما عجزوا عنه إذا تحداهم بالاتيان بسورة من مثله، أما الانذار فإذا فسره لهم حصل بالمفسر لا بالتفسير، إذا ثبت هذا فانه يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا اله الا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة الا بالله، لما روى أبو داود قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال اني لا أستطيع أن آخذ شيئا من القرآن فعلمني ما يجزئني منه فقال تقول " سبحان الله، والحمد لله، ولا اله الا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة الا بالله " قال هذا لله فما لي؟ قال تقول " اللهم اغفر لي وارحمني وارزقني واهدني وعافنى " ولا تلزمه الزيادة على الخمس الاول لان النبي صلى الله عليه وسلم اقتصر عليها وانما زاده عليها حين طلب الزيادة. وذكر بعض أصحاب الشافعي أنه يزيد على الخمس كلمتين حتى يكون مقام سبع آيات فقال ابن عقيل يكون ما أتى به على قدر حروف الفاتحة كما قلنا فيما إذا قرأ من غيرها، والحديث يدل على أن الخمس المذكورة مجزئة ولا يلزم عليه القراءة من غير الفاتحة حيث لزم أن يكون بعدد آياتها لان هذا بدل من غير الجنس أشبه التيمم (مسألة) (فان لم يحسن الا بعض ذلك كرره بقدرها) كما قلنا فمين يحسن بعض الفاتحة. قال شيخنا ويحتمل أن يجزئه الحمد والتهليل والتكبير لقول النبي صلى الله عليه وسلم " فان كان معك قرآن فاقرأ به والا فاحمد الله وهلله وكبره " رواه أبو داود (مسألة) (فان لم يحسن شيئا من الذكر وقف بقدر القراءة) لان الوقوف كان واجبا مع القراءة فإذا عجز عن أحد الواجبين بقي الآخر على وجوبه ولان القيام ركن فلم يسقط بالعجز عن غيره كسائر الاركان

[ 532 ]

(فصل) ويستحب أن يسكت الامام عقيب قراءة الفاتحة سكتة يستريح فيها ويقرأ فيها من خلفه الفاتحة كيلا ينازع فيها وهذا قول الشافعي واسحاق، وكرهه مالك وأصحاب الرأي ولنا ما روى أبو داود وابن ماجه ان سمرة حدث انه حفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سكتتين؟ سكتة إذا كبر وسكتة إذا فرغ من (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فأنكر عليه عمران فكتبا في ذلك إلى أبي بن كعب فكان في كتابه اليهما ان سمرة قد حفظ (مسألة) (ثم يقرأ بعد الفاتحة سورة تكون في الصبح من طوال المفصل، وفي المغرب من قصاره وفي الباقي من أوساطه) قراءة السورة بعد الفاتحة في الركعتين الاوليين من كل صلاة مستحب لا نعلم فيه خلافا، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي قتادة وفي حديث أبي برزة واشتهر ذلك في صلاة الجهر ونقل نقلا متواترا وأمر به معاذا فقال: اقرأ " بالشمس وضحاها " الحديث متفق عليه. ويسن أن يفتتح السورة ببسم الله الرحمن الرحيم، وقد وافق مالك على ذلك ويسر بها في السورة كما يسر بها في أول الفاتحة والخلاف ههنا كالخلاف ثم (فصل) ويستحب أن تكون القراءة على الصفة التي ذكر لما روى جابر بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر بقاف والقرآن المجيد ونحوها، وكانت صلاته بعد إلى التخفيف، رواه مسلم وعن عمرو بن حريث قال: كأني أسمع صوت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة الغداة (فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس) رواه ابن ماجه. وعن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر بالسماء ذات البروج، والسماء والطارق) وشبههما أخرجه أبو داود، وعنه كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى وفي العصر نحو ذلك، وفي الصبح أطول من ذلك، أخرجه مسلم. وروى البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في العشاء بالتين والزيتون في السفر متفق عليه. وعن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد أخرجه ابن ماجه وروى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ " أفتان أنت يا معاذ يكفيك أن تقرأ بالشمس وضحاها، والضحى والليل إذا يغشى، وسبح اسم ربك الاعلى " وكتب عمر إلى أبي موسى أن أقرأ في الصبح بطوال المفصل، واقرأ في الظهر بأوساط المفصل، واقرأ في المغرب بقصار المفصل، رواه أبو حفص باسناده

[ 533 ]

(فصل) وإن قرأ على خلاف ذلك فلا بأس فان الامر في ذلك واسع، فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الصبح بالستين إلى المائة متفق عليه. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في الفجر بالروم، أخرجه النسائي. وعن عبد الله بن السائب قال: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح بالمؤمنين، فلما أتى على ذكر عيسى أصابته شرقة فركع، رواه ابن ماجه. وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب بالمرسلات. وعن جبير بن مطعم أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور متفق عليه، وروى زيد بن ثابت أنه قرأ فيها الاعراف، وعن رجل من جهينة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصبح (إذا زلزلت) في الركعتين كلتيهما فلا أدري أنسي رسول الله صلى الله عليه وسلم أم فعل ذلك عمدا، رواهما أبو داود، وعنه أنه قرأ في الصبح بالمعوذتين وكان صلى الله عليه وسلم يطيل تارة ويقصر بالاخرى على حسب الاحوال، وقال الخرقي يقرأ في الظهر في الاولى بنحو ثلاثين إية وفي الثانية بايسر من ذلك، وفى العصر على النصف من ذلك لما روى أبو سعيد قال: اجتمع ثلاثون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: تعالوا حتى نقيس قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما لم يجهر فيه من الصلاة فما اختلف رجلان فقاسوا قراءته في الركعة الاولى من الظهر قدر ثلاثين آية، وفي الركعة الاخرى قدر النصف من ذلك وقاسوا ذلك في صلاة العصر على قدر النصف من الركعتين الاخريين من الظهر، رواه ابن ماجه (فصل) ولا بأس بقراءة السورة في الركعتين قال أحمد في رواية أبي طالب واسحاق بن ابراهيم لما روى زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب بالاعراف في الركعتين كلتيهما رواه سعيد، وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم البقرة في الركعتين، رواه ابن ماجه، وسئل أحمد عن الرجل يقرأ بسورة ثم يقوم فيقرأ بها الركعة الاخرى فقال: وما بأس بذلك لما ذكرنا من حديث الجهني رواه أبو داود قال حرب: قلت لاحمد الرجل يقرأ على التأليف في الصلاة اليوم السورة وغدا التي تليها؟ قال ليس في هذا شئ إلا أنه روي عن عثمان أنه فعل ذلك في المفصل وحده. وقال منها: سألت أحمد عن الرجل يقرأ في الصلاة حيث ينتهي جزؤه قال لا بأس به في الفرائض. (مسألة) (ويجهر الامام بالقراءة في الصبح والاوليين من المغرب والعشاء) الجهر في هذه المواضع مجمع على استحبابه ولم يختلف المسلمون في مواضعه، والاصل فيه فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقد ثبت ذلك بنقل الخلف عن السلف، فان جهر في موضع الاسرار وأسر في موضع الجهر ترك السنة

[ 534 ]

وأجزأه. وقال القاضي: ان فعل ذلك عامدا صحت صلاته في ظاهر كلامه، ومن أصحابنا من قال تبطل وان فعله ناسيا لم تبطل الا أنه إذا جهر في موضع الاسرار ناسيا ثم ذكر في أثناء قراءته بنى على قراءته وان نسي فاسر في موضع الجهر ففيه روايتان (إحداهما) يمضي في قراءته كالتي قبلها (والثانية) يستأنف القراءة جهرا على سبيل الاختيار لا الوجوب والفرق بينهما أن الجهر زياة قد حصل بها المقصود وزيادة فلا حاجة إلى إعادته. والاسرار نقص فاتت به سنة تتضمن مقصودا وهو سماع المأمومين القراءة وقد أمكنه الاتيان بها فينبغي أن يأتي بها (فصل) ولا يشرع الجهر للمأموم بغير خلاف لانه مأمور بالاستماع للامام والانصات له ولا يقصد منه إسماع أحد، فأما المنفرد مخير في ظاهر كلامه، وكذلك من فاته بعض الصلاة مع الامام فقام ليقضيه فروي ذلك عن الاثرم قال ان شاء جهر وان شاء خافت انما الجهر للجماعة، وكذلك قال طاوس والاوزاعي فيمن فاته بعض الصلاة ولا فرق بين القضاء والاداء وقال الشافعي يسن للمنفرد لانه غير مأمور بالانصات أشبه الامام ولنا أنه لا يراد منه اسماع غيره أشبه المأموم في سكتات الامام بخلاف الامام فانه يقصد إسماع المأمومين فقد توسط المنفرد بين الامام والمأموم ولذلك كان مخيرا في الحالين (فصل) فان قضى الصلاة في جماعة وكانت صلاة نهار أسر سواء قضاها ليلا أو نهارا لا نعلم فيه خلافا لانها صلاة نهار وان كانت صلاة ليل فقضاها ليلا جهر في ظاهر كلامه لانها صلاة ليل فعلها ليلا فجهر فيها كالمؤداة وان قضاها نهارا احتمل أن لا يجهر وهو مذهب الشافعي والاوزاعي لانها مفعولة في النهار وصلاة النهار عجماء، وقد روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا رأيتم من يجهر بالقراءة في صلاة النهار فارجموه بالبعر " رواه ابو حفص باسناده واحتمل أن يجهر فيها وهو قول أبي حنيفة وابن المنذر وأبي ثور ليكون القضاء كالاداء ولا فرق عند هؤلاء بين الامام والمنفرد ظاهر كلام أحمد أنه غير بين الامرين (مسألة) (وان قرأ بقراءة تخرج عن مصحف عثمان لم تصح صلاته وعنه تصح) لا يستحب له أن يقرأ بغير ما في مصحف عثمان ونقل عن أحمد أنه كان يختار قراءة نافع من طريق اسماعيل بن جعفر فان لم يكن فقراءة عاصم من طريق أبي بكر بن عياش وأثنى على قراءة أبي عمر ولم يكره قراءة

[ 535 ]

أحد من العشرة الا قراءة حمزة والكسائي لما فيها من الكسر والادغام والتكلف وزيادة المد، وقد روي عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " نزل القرآن بالتفخيم " وعن ابن عباس قال: نزل القرآن بالتفخيم والتثقيل نحو الجمعة وأشباه ذلك ولانها تتضمن الادغام الفاحش وفيه اذهاب حروف كثيرة من كتاب الله تعالى ينقص بادغام كل حرف عشر حسنات، ورويت كراهتها والتشديد فيها عن جماعة من السلف منهم الثوري وابن مهدي ويزيد بن هارون وسفيان بن عيينة فروي عنه أنه قال لو صليت خلف انسان يقرأ قراءة حمزة لاعدت صلاتي، وقال أبو بكر بن عياش قراءة حمزة بدعة، وقال ابن ادريس ما استخير أن أقول يقرأ بقراءة حمزة انه صاحب سنة، قال بشر بن الحارث: يعيد إذا صلى خلف إمام يقرأ بها. وروي عن أحمد التسهيل في ذلك، قال الاثرم: قلت لابي عبد الله إمام يصلي بقراءة حمزة أصلي خلفه؟ قال لا تبلغ بهذا كله ولكنها لا تعجبني (فصل) فان قرأ بقراءة تخرج عن مصحف عثمان كقراءة ابن مسعود (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) وغيرها كره له ذلك لان القرآن يثبت بطريق التواتر ولا تواتر فيها ولا يثبت كونها قرآنا وهل تصح صلاته إذا كان مما صحت به الرواية واتصل اسنادها؟ على روايتين (احداهما) لا تصح صلاته لذلك

[ 536 ]

(والثانية) تصح لان الصحابة رضي الله عنهم كانوا يصلون بقراءتهم في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وبعده وكانت صلاتهم صحيحة. وقد صح ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " من احب ان يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن أم عبد " وكان الصحابة رضي الله عنهم يصلون بقراآت لم يثبتها عثمان في المصحف لا يرى احد منهم تحريم ذلك ولا بطلان صلاتهم به (فصل) فإذا فرغ من القراءة ثبت قائما وسكت حتى يرجع إليه نفسه قبل أن يركع ولا يصل قراءته

[ 537 ]

بتكبير الركوع قاله أحمد لان في حديث سمرة في بعض رواياته فإذا فرغ من القراءة سكت، رواه أبو داود

[ 538 ]

(مسألة) (ثم يرفع يديه ويركع مكبرا فيضع يديه على ركبتيه ويمد ظهره مستويا ويجعل رأسه حيال ظهره لا يرفعه ولا يخفضه) الكلام في هذه المسألة في ثلاثة أمور (أحدها) في رفع اليدين، ورفعهما في تكبيرة الركوع مستحب: ويرفعهما إلى فروع أذنيه ويكون ابتداء الفرع مع ابتداء التكبير، وانتهاؤه مع انتهائه كما قلنا في ابتداء الصلاة، وهذا قول ابن عمر وابن عباس وجابر وأبي هريرة وابن الزبير وأنس رضي الله عنهم، وبه قال الحسن وعطاء وطاووس وابن المبارك، والشافعي مالك في أحد قوليه وقال الثوري وأبو حنيفة والنخعي لا يرفعهما لما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: أصلي بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى فلم يرفع يديه إلا في أول مرة، حديث حسن. وروى يزيد بن زياد عن ابن أبي ليلى عن البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه إذا افتتح الصلا ثم لا يعود، رواه أحد بمعناه قالوا: والعمل في هذين الحديثين الاولين أولى لان ابن مسعود كان فقيها مالازما لرسول الله صلى الله عليه وسلم عالما بأحواله فتقدم روايته على غيره ولنا ما روى عبد الله بن عمر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعد ما يرفع رأسه من الركوع، متفق عليه، وقد ذكرنا حديث أبي حميد وفيه الرفع، رواه في عشرة من الصحابة منهم أبو قتادة فصدقوه، ورواه عمر وعلي ووائل ابن حجر ومالك بن الحويرث وأنس وأبو هريرة وأبو أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة وأبو موسى فصار كالمتواتر الذي لا يتطرق إليه شك بصحة سنده وكثرة رواته وعمل به الصحابة والتابعون

[ 539 ]

وأنكروا على من تركه، فروي أن ابن عمر كان إذا رأى من لا يرفع حصبه وأمره أن يرفع وحديثاهم ضعيفان، فحديث ابن مسعود قال ابن المبارك لم يثبت، وحديث البراء قال أبو داود: هذا حديث ليس بصحيح - ولو صحا كان الترجيح لاحاديثنا لانها أصح إسنادا وأكثر رواة ولانهم مثبتون والمثبت يقدم على النافي ولانه قد عمل به السلف من الصحابة والتابعين، وقولهم ان ابن مسعود امام، قلنا لا ننكر فضله وامامته، أما بحيث يقدم على عمر وعلي فلا ولا يساوي واحدا منهما فكيف تقدم روايته؟ (الامر الثاني) الركوع وهو واجب في الصلاة بالنص والاجماع قال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا) وأجمعوا على وجوب الركوع على القادر عليه (الامر الثالث) التكبير فيه وهو مشروع في كل خفض ورفع في قول أكثر أهل العلم منهم ابن مسعود وابن عمر وجابر وأبو هريرة وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي وعوام علماء الامصار، وروي عن عمر بن عبد العزيز وسالم والقاسم وسعيد بن جبير انهم كانوا لا يتمون التكبير لما روى عبد الرحمن بن أبي انه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان لا يتم التكبير، يعني إذا خفض وإذا رفع، رواه الامام أحمد ولنا ما روى أبو هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم ثم يكبر حين يركع ثم يقول سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع ثم يقول وهو قائم ربنا ولك الحمد ثم يكبر حين يهوي ساجدا ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس، متفق عليه. وعن ابن مسعود قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود، وأبو بكر وعمر، رواه الامام أحمد والترمذي وقال حسن صحيح. وقال النبي

[ 540 ]

صلى الله عليه وسلم " صلوا كما رأيتموني أصلي " وقال انما جعل الامام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا " متفق عليه ولانه شروع في ركن فشرع فيه التكبير كحالة الابتداء (فصل) ويستحب أن يضع يديه على ركبتيه ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قول عامة أهل العلم، وذهب قوم من السلف إلى التطبيق وهو أن يجعل المصلي أحد كفيه على الاخرى ثم يجعلهما بين ركبتيه إذا ركع وهذا كان في اول الاسلام ثم نسخ، قال مصعب بن سعد: ركعت فجعلت يدي بين ركبتي فنهاني أبي وقال إنا كنا نفعل هذا فنهينا عنه وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب متفق عليه. وفي حديث أبي حميد رأيته إذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ويستحب ان يفرج اصابعه لما روى وائل بن حجر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ركع فرج اصابعه، رواه البيهقي (فصل) ويجعل رأسه حيال ظهره لا يرفعه ولا يخفضه لان في حديث أبي حميد في صفة الركوع ثم هصر ظهره، وفي لفظ ثم اعتدل فلم يصوب رأسه ولم يقنع، وقالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ركع لم يرفع رأسه ولم يصوبه ولكن بين ذلك، متفق عليه. وجاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان إذا ركع لو كان قدح ماء على ظهره ما تحرك وذلك لاستواء ظهره، ويستحب أن يجافي عضديه عن جنبيه فان في حديث أبي حميد النبي صلى الله عليه وسلم وضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما ووتر ايديه فنحاهما عن جنبه، صحيح

[ 541 ]

(مسألة) (وقدر الاجزاء الانحناء بحيث يمكنه مس ركبتيه بيديه لانه لا يخرج عن حد القيام إلى الركوع إلا به ولا يلزمه وضع يديه على ركبتيه بل ذلك مستحب، فان كانتا عليلتين لا يمكنه وضعهما انحنى ولم يضعهما، وإن كانت احداهما عليلة وضع الاخرى (1) (فصل) وإذا رفع رأسه وشك هل رفع أو لا؟ أو هل أنى بقدر الاجزاء أو لا؟ لزمه أن يعود فيركع


1) سقط هذا السطر من نسخة الشرح الكبير فنقلناه من المغني وربما كان ما سقط أكثر

[ 542 ]

لان الاصل عدم ما شك فيه إلا أن يكون وسواسا فلا يلتفت إليه وكذلك حكم سائر الاركان (مسألة) (ثم يقول سبحان ربي العظيم ثلاثا وهو أدنى الكمال) قول سبحان ربي العظيم مشروع في الركوع، وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي، وقال مالك ليس عندنا في الركوع والسجود شئ محدود وقد سمعت أن التسبيح في الركوع والسجود ولنا ما روى عقبة بن عامر قال: لما نزلت (فسبح باسم ربك العظيم) قال النبي صلى الله عليه وسلم " اجعلوها في ركوعكم " وروى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا ركع أحدكم فليقل سبحان ربي العظيم ثلاث مرات وذلك أدناه " أخرجهما أبو داود وابن ماجه، وأدنى الكمال ثلاث لما ذكرناء ويجزئه تسبيحة واحدة لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر عددا في حديث عقبة ولانه ذكر مكررا فأجزأت واحدة كسائر الاذكار، قال احمد جاء الحديث عن الحسن البصري أنه قال " التسبيح التام سبع، والوسط خمس، وأدناه ثلاث " وقال القضي الكامل في التسبيح ان كان منفردا

[ 543 ]

مالا يخرجه إلى السهو وفي حق الامام مالا يشق على المأمومين، ويحتمل أن يكون الكامل عشر تسبيحات لان أنسا روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي كصلاة عمر بن عبد العزيز فحزروا ذلك بعشر تسبيحات. وقال الميموني صليت خلف أبي عبد الله فكنت أسبح في الركوع والسجود عشر تسبيحات وأكثر. وقال بعض أصحابنا الكمال أن يسبح مثل قيامه لما روى البراء قال: رمقت محمدا صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فوجدت قيامه، فركعته، فاعتداله بعد ركوعه، فسجدته، فجلسته

[ 544 ]

ما بين السجدتين فسجدته فجلسته ما بين التسليم والانصراف قريبا من السواء متفق عليه (فصل) الا ان الاولى للامام عدم التطويل لئلا يشق على المأمومين الا ان يكون الجماعة يرضون بذلك فيستحب له التسبيح الكامل على ما ذكرنا، وان قال سبحان ربي العظيم وبحمده فلا بأس فانه قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان إذا ركع قال " سبحان ربي العظيم وبحمده " ثلاثا إذا سجد قال " سبحان ربي الاعلى وبحمده " ثلاثا رواه أبو داود. قال أحمد بن نصر روي عن

[ 545 ]

أحمد انه سئل: تسبيح الركوع والسجود " سبحان ربي العظيم وبحمده " أعجب اليك أو " سبحان ربي العظيم؟ " فقال قد جاء هذا وجاء هذا. وروي عنه أنه قال: أما أنا فلا اقول وبحمده. وحكاه ابن المنذر عن الشافعي وأصحاب الرأي لان هذه الزيادة قال أبو داود: نخاف أن لا تكون محفوظة والرواية بدونها أكثر (فصل) يكره أن يقرأ في الركوع والسجود لما روى علي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه نهى عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، قال الترمذي هذا حديث صحيح (مسألة) (ثم يرفع رأسه قائلا سمع الله لمن حمده، ويرفع يديه) إذا فرغ من الركوع رفع رأسه

[ 546 ]

قائلا سمع الله لمن حمده، ويكون انتهاؤه عند انتهاء رفعه، ويرفع يديه لما روينا من الاخبار، وفي موضع الرفع روايتان (احداهما) بعد اعتداله قائما، حكاه أحمد بن الحسين انه رأى احمد يفعله لان في بعض ألفاظ حديث ابن عمر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا ركع، وبعد ما يرفع رأسه من الركوع (والثانية) يبتدئه حين يبتدئ رفع رأسه، لان أبا حميد قال في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثم قال " سمع الله لمن حمده " ورفع يديه. وفي حديث ابن عمر في الرفع: وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك ويقول " سمع الله لمن حمده " وظاهره انه رفع يديه حين أخذ في رفع رأسه كقوله إذا كبر أي إذا أخذ في التكبير ولانه محل رفع المأموم فكان محل رفع الامام كالركوع، فان الرواية لا تختلف في ان المأموم يبتدئ الرفع عند رفع رأسه لانه ليس في حقه ذكر بعد الاعتدال والرفع انما جعل هيئة للذكر. وقول سمع الله لمن حمده مشروع في حق الامام والمنفرد لا نعلم فيه خلافا في المذهب لما ذكرنا من حديث أبي حميد وحديث ابن عمر وروي ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لبريدة " يا بريدة إذا رفعت رأسك من الركوع فقل سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد " رواه الدار قطني، ويعتدل قائما حتى يرجع كل عضو إلى موضعه ويطمئن لقول أبي حميد في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا رفع رأسه استوى قائما حتى يعود كل فقار إلى مكانه متفق عليه، وقالت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم فكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائما، رواه مسلم

[ 547 ]

(فصل) وهذا الرفع والاعتدال عنه واجب وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة وبعض أصحاب مالك لا يجب لان الله تعالى لم يأمر به وإنما أمر بالركوع والسجود والقيام فلا يجب غيره. ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم للمسئ في صلاته " ثم ارفع حتى تعتدل قائما " متفق عليه وداوم على فعله وقد قال " صلوا كما رأيتموني أصلي " وقولهم لم يأمر به، قلنا قد أمر بالقيام وهذا قيام وقد أمر به النبي صلى الله عليه وسلم وأمره يجب امتثاله. ويسن الجهر بالتسميع للامام كم يسن له الجهر بالتكبير قياسا عليه، والله أعلم (فصل) وإذا قال مكان سمع الله لمن حمده: من حمد الله سمع له، لم يجزئه. وقال الشافعي: يجزئه لاتيانه باللفظ والمعنى. ولنا انه عكس اللفظ المشروع أشبه ما لو قال في التكبير: الاكبر الله، ولا نسلم ان المعنى لم يتغير فان قوله: سمع الله لمن حمده، صيغة تصلح للدعاء، واللفظ الآخر صيغة شرط وجزاء لا يصلح للذكر فاختلفا (مسألة) (فإذا اعتدل قائما قال ربنا ولك الحمد مل ء السموات ومل ء الارض ومل ء ما شئت من شئ بعد) قول ربنا ولك الحمد مشروع في حق كل مصل في المشهور عنه، وهو قول أكثر أهل العلم منهم ابن مسعود وابن عمر وأبو هريرة والشعبي والشافعي وإسحاق وابن المنذر، وعن أحمد لا يقوله المنفرد فانه قال في رواية اسحاق في الرجل يصلي وحده فإذا قال سمع الله لمن حمده، قال ربنا ولك الحمد

[ 548 ]

فقال انما هذا للامام جمعهما وليس هذا لاحد سوى الامام لان الخبر لم يرد به في حقه فلم يشرع له كقول سمع الله لمن حمده في حق المأموم. وقال مالك وأبو حنيفة لا يشرع هذا في حق الامام لا المنفرد لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا قال الامام سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا ولك الحمد، فانه من وافق قوله قول الملائكة غفر له " متفق عليه ولنا أن أبا هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع ثم يقول وهو قائم ربنا ولك الحمد. متفق عليه. وعن أبي سعيد وابن أبي أوفى ان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع " قال سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، مل ء السموات ومل ء الارض، ومل ء ما شئت من شئ بعد " رواه مسلم، وما ذكروه لا حجة لهم فيه فانه ان ترك ذكره في حديثهم فقد ذكره في أحاديثنا - ثم يقول الامام مل ء السموات ومل ء الارض ومل ء ما شئت من شئ بعد - لما ذكرنا من الاحاديث، والصحيح ان المنفرد يقول كما يقول الامام لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال لبريدة " يا بريدة إذا رفعت رأسك من الركوع فقل سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد مل ء السموات ومل ء الارض ومل ء ما شئت من شئ بعد " رواه الدار قطني، وهذا عام وقد صح ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك، رواه عنه علي وأبو

[ 549 ]

هريرة وابو سعيد وغيرهم ولم يفرقوا بين كونه اماما أو منفردا، ولانه ذكر للامام فشرع للمنفرد كسائر الاذكار. وذكر القاضي في المنفرد رواية انه يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد لا يزيد عليه قال والصحيح انه يقول مثل الامام (فصل) ويقول ربنا ولك الحمد بواو، نص عليه احمد في رواية الاثرم قال: سمعت ابا عبد الله يثبت أمر الواو وقال روى فيه الزهري ثلاثة أحاديث، عن أنس، وعن سعيد بن المسبب عن ابي هريرة، وعن سالم عن ابيه وهو قول مالك، ونقل ابن منصور عن احمد إذا رفع رأسه من الركوع قال اللهم ربنا لك الحمد، رواه ابو سعيد وابن ابي أوفى. فاستحب الاقتداء به في القولين، وقال الشافعي السنة قول ربنا لك الحمد، لان الواو للعطف وليس ههنا شئ يعطف عليه ولنا أن السنة الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وقد صح عنه ذلك، ولان اثبات الواو أكثر حروفا ويتضمن الحمد مقدرا ومظهرا إذ التقدير ربنا حمدناك، ولك الحمد فانها لما كانت للعطف ولا شئ ههنا يعطف عليه دلت على التقدير الذي ذكرناه كقولك سبحانك اللهم وبحمدك أي؟ وبحمدك سبحانك وكيفما قال كان حسنا لان السنة قد وردت به

[ 550 ]

(مسألة) فان كان مأموما لم يزيد على ربنا ولك الحمد، إلا عند أبي الخطاب. قال شيخنا لا أعلم خلافا في المذهب أنه لا يشرع للمأموم قول سمع الله لمن حمده، وهذا قول ابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة ومالك وأصحاب الرأي، وقال يعقوب ومحمد والشافعي واسحاق يقول ذلك كالامام لحديث بريدة وقياسا على الامام في سائر الاذكار ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا قال الامام سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد " وهذا يقتضي أن يكون قولهم ربنا ولك الحمد عقيب تسميع الامام بلا فصل لان الفاء للتعقيب وهذا ظاهر يجب تقديمه على القياس وعلى حديث بريدة، ولانه خاص بالمأموم وذلك عام، ولو تعارضا كان حديثنا أولى لانه صحيح، وحديث بريدة فيه جابر الجعفي، فأما قول مل ء السماء وما بعده فظاهر المذهب أنه لا يسن للمأموم، اختاره الخرقي ونص عليه احمد في رواية أبي داود وغيره، واختاره أكثر أصحابه لان النبي صلى الله عليه وسلم اقتصر على أمرهم بقول " ربنا ولك الحمد " فدل على أنه لا يشرع لهم سواه، ونقل الاثرم عنه ما يدل على أنه مسنون وهو أنه قال: ليس يسقط خلف الامام عنه غير سمع الله لمن حمده اختاره أبو الخطاب وهو قول الشافعي لانه ذكر مشروع في الصلاة أشبه سائر الاذكار (فصل) وموضع قول ربنا ولك الحمد في حق الامام والمنفرد بعد القيام من الركوع لانه في حال

[ 551 ]

قيامه يقول سمع الله لمن حمده فقوله قولوا ربنا ولك الحمد يقتضي تعقيب قول الامام قول المأموم، والمأموم يأخذ في الرفع عقيب قول الامام سمع الله لمن حمده فيكون قوله ربنا ولك الحمد حينئذ والله أعلم (فصل) وإن زاد على قول ربنا ولك الحمد: مل ء السموات ومل ء الارض ومل ء ما شئت من شئ بعد - فقد اختلف عن أحمد فيه، فروي عنه انه قيل له أتزيد على هذا فتقول أهل الثناء والمجد؟ فقال: قد روي ذلك وأما أنا فأقول هذا إلى: ما شئت من شئ بعد، فظاهر هذا أنه لا يستحب ذلك في الفريضة اتباعا لاكثر الاحاديث الصحيحة، ونقل عنه أبو الحارث أنه قال: وأنا أقول ذلك؟ يعني أهل الثناء والمجد، فظاهره أنه يستحب، اختاره أبو حفص وهو الصحيح لما روى أبو سعيد قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع قال " اللهم ربنا ولك الحمد مل ء السموات ومل ء الارض، ومل ء ما شئت من شئ بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد " وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع قال " اللهم ربنا لك الحمد، مل ء السموات ومل ء الارض، ومل ء ما شئت من شئ بعد، أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد " وروى عبد الله بن أبي أوفى بعد قوله " ومل ء ما شئت من شئ بعد، اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد، اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الابيض من الدنس " رواهن مسلم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يطيل القيام بين الركوع والسجود. قال أنس: كان

[ 552 ]

النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال سمع الله لمن حمده قام حتى نقول قد أوهم، ثم يسجد ويقعد بين السجدتين حتى نقول قد أوهم وليست حالة سكوت فنعلم انه عليه السلام كان يزيد على هذه الكلمات لكونها لا تستغرق هذا القيام كله (فصل) وإذا رفع رأسه من الركوع فعطس فقال ربنا ولك الحمد ينوي بذلك للعطسة والرفع فروي عنه لا يجزئه لانه لم يخلصه للرفع، قال شيخنا: والصحيح انه يجزئه لانه ذكر لا تعتبر له النية وقد اتى به فأجزئه كما لو قاله ذاهلا ويحمل قول احمد على الاستحباب لا على نفي الاجزاء حقيقة (فصل) وإذا أتى بقدر الاجزاء من الركوع فاعترضته علة منعته القيام سقط عنه الرفع لتعذره ويسجد عن الركوع، فان زالت العلة قبل سجوده فعليه القيام، وان زالت بعد سجوده إلى الارض سقط القيام لان السجود قد صح وأجزأ فسقط ما قبله، فان قام من سجوده عالما بتحريم ذلك بطلت صلاته لانه زاد في الصلاة فعلا وان كان جاهلا أو ناسيا لم تبطل ويعود إلى جلسة الفصل ويسجد للسهو (فصل) وان اراد الركوع فوقع إلى الارض فانه يقوم فيركع، وكذلك ان ركع فسقط قبل طمأنينة الركوع لانه لم يأت بما يسقط الفرض، فان ركع فاطمأن ثم سقط فانه يقوم منتصبا ولا يعيد

[ 553 ]

الركوع فان فرضه قد سقط والاعتدال عنه قد سقط بقيامه (فصل) إذا رفع رأسه من الركوع فذكر أنه لم يسبح في ركوعه لم يعد إلى الركوع سواء ذكره بعد اعتداله قائما أو قبله لان التسبيح قد سقط برفعه والركوع قد وقع صحيحا مجزئا فلو عاد إليه زاد ركوعا في الصلاة غير مشروع فان فعله عمدا أبطل الصلاة وان فعله ناسيا أو جاهلا لم تبطل الصلاة كما لو ظن أنه لم يركع ويسجد للسهو، فان أدرك المأموم الامام في هذا الركوع لم يدرك الركعة لانه ليس بمشروع في حقه ولانه لم يدرك ركوع الركعة فأشبه ما لو لم يدركه راكعا ذكره شيخنا، وقال القاضي في المجرد ان رجع الامام لم تبطل صلاته فان أدركه المأموم فقياس المذهب أنه يعتد بها ركعة لانه رجع إلى واجب غير أنه سقط عنه بالنسيان (مسألة) (ثم يكبر ويخر ساجدا ولا يرفع يديه) السجود واجب في الصلاة بالنص والاجماع والطمأنينة واجبة فيه لقول النبي صلى الله عليه وسلم للمسئ في صلاته " ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا " والخلاف فيها كالخلاف في طمأنينة الركوع، وينحط إلى السجود مكبرا لما ذكرنا من الاخبار ويكون ابتداء تكبيره مع ابتداء انحطاطه وانتهاؤه مع انتهائه، ولايستحب رفع يديه فيه في المشهور من المذهب ونقل عن الميموني أنه يرفع يديه وسئل عن رفع اليدين في الصلاة فقال: يرفع في كل خفض ورفع

[ 554 ]

وقال، فيه عن ابن عمر وأبي حميد أحاديث صحاح ووجه الاول حديث ابن عمر قال: وكان لا يفعل ذلك في السجود متفق عليه ولما وصف أبو حميد صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر رفع اليدين في السجود والاحاديث العامة مفسرة بالاحاديث المفصلة التي رويناها فلا يبقى فيها اختلاف (مسألة) (فيضع ركبتيه ثم يديه ثم جبهته وأنفه ويكون على أطراف أصابعه) هذا المشهور من المذهب روي ذلك عن عمر رضي الله عنه وهو قول أبي حنيفة والثوري والشافعي، وعن أحمد رواية أخرى أنه يضع يديه قبل ركبتيه، وهو مذهب مالك لما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه " رواه أبو داود والنسائي، وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد يضع يديه قبل ركبتيه، رواه أبو داود والنسائي والدار قطني، ووجه الاولى ما روى وائل بن حجر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه، رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي وقال حسن غريب، قال الخطابي هذا أصح من حديث أبي هريرة، وقد روى الاثرم من حديث أبي هريرة " إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه ولا يبرك بروك البعير " وعن سعد قال: كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا بوضع الركبتين قبل اليدين، فهذا يدل على أنه منسوخ رواه ابن خزيمة الا أنه من رواية يحيى بن سلمة بن كهيل وقد تكلم فيه البخاري وقال ابن معين ليس بشئ لا نكتب حديثه، وقال الدار قطني في حديث وائل بن حجر: تفرد به شريك عن عاصم ابن كليب وشريك ليس بالقوي فيما تفرد به، ويستحب أن يكون على أطراف أصابعه ويثنيها إلى القبلة لقول النبي صلى الله عليه وسلم " أمرت أن اسجد على سبعة أعظم " ذكر منها أطراف القدمين

[ 555 ]

وروى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد غير مفترش ولا قابضهما واستقبل بأطراف رجليه القبلة، وفي رواية وفتح أصابع رجليه، وهذا معناه (مسألة) (والسجود على هذه الاعضاء واجب إلا الانف على إحدى الروايتين) السجود على الاعضاء السبعة واجب في قول طاوس وإسحاق والشافعي في أحد قوليه، وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي في الآخر لا يجب السجود على غير الجبهة، ورواه الآمدي عن أحمد، وقال القاضي في الجامع هو ظاهر كلام أحمد فانه قد نص في المريض يرفع شيئا يسجد عليه انه يجزئه ومعلوم انه قد أخل بالسجود على يديه لقول النبي صلى الله عليه وسلم " سجد وجهي " وهذا يدل على ان السجود على الوجه ولان الساجد على الوجه يسمى ساجدا ووضع غيره على الارض لا يسمى به ساجدا، فالامر بالسجود ينصرف إلى ما يسمى به ساجدا دون غيره، ولانه لو وجب السجود على هذه الاعضاء لوجب كشفها كالجبهة ولنا ما روى ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أمرت أن أسجد على سبعة أعظم اليدين، والركبتين، والقدمين، والجبهة " متفق عليه وعن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك " رواه مسلم، وسجود الوجه لا ينفي سجود ما عداه، وسقوط الكشف لا يمنع وجوب السجود فانا نمنع في الجبهة على رواية ولو سلم فالجبهة

[ 556 ]

هي الاصل في السجود وهي مكشوفة عادة بخلاف غيرها فان أخل بالسجود على عضو من هذه الاعضاء لم تصح صلاته عند من أوجبه، وان قدر على السجود على الجبهة وعجز عن السجود على بعض هذه الاعضاء سجد على بقيتها وقرب العضو المريض من الارض غاية ما يمكنه ولا يجب عليه أن يرفع إليه شيئا، لان السجود هو الهبوط ولا يحصل بالرفع وان سقط السجود عن الجبهة لعارض من مرض أو غيره سقط عنه السجود على غيره لانه الاصل وغيره تبع له فإذا سقط الاصل سقط التبع ولهذا قال أحمد في المريض يرفع إلى جبهته شيئا يسجد عليه انه يجزئه. (فصل) وفي الانف روايتان (احداهما) يجب السجود عليه وهو قول سعيد بن جبير واسحاق لما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، الجبهة - وأشار بيده إلى أنفه - واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين " متفق عليه. وإشارته إلى أنفه تدل على ارادته. وللنسائي ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " أمرت أن أسجد على سبعة أعظم. الجبهة، والانف، واليدين والركبتين، والقدمين " (والرواية الثانية) لا يجب وهو قول عطاء والحسن والشافعي وابي يوسف ومحمد لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " أمرت أن أسجد على سبعة أعظم " ولم يذكر

[ 557 ]

الانف فيها، وروي أن جابرا قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم سجد بأعلى جبهته على قصاص الشعر، رواه تمام في فوائده وغيره، وإذا سجد بأعلى الجبهة لم يسجد على الانف، وروي عن أبي حنيفة إن سجد على جبهته دون أنفه أجزأه، ولعله ذهب إلى أن الجبهة والانف عضو واحد لاشارة النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر الجبهة و السجود على بعض العضو يجزئ، وهذا قول يخالف الحديث الصحيح والعلماء قبله. قال ابن المنذر لا أعلم أحدا سبقه إلى هذا القول والله أعلم (مسألة) (ولا تجب عليه مباشرة المصلى بشئ منها إلا الجبهة على إحدى الروايتين) لا تجب مباشرة المصلى بشئ من أعضاء السجود في الصحيح من المذهب. قال القاضي في المجرد: إذا سجد على كور العمامة أو كمه أو ذيله فالصلاة صحيحة رواية واحدة، وهل يكره على روايتين، وممن رخص في السجود على الثوب في الحر والبرد عطاء وطاوس والشعبي ومالك وإسحاق وأصحاب الرأي وسجد شريح على برنسه (وفيه رواية أخرى) أنه يجب عليه مباشرة المصلى بالجبهة ذكرها أبو الخطاب وروى الاثرم قال: سألت أبا عبد الله عن السجود على كور العمامة فقال: لا يسجد على كورها ولكن يحصر العمامة وهو مذهب الشافعي لما روى خباب قال شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر

[ 558 ]

الرمضاء في جباهنا واكفنا فلم يشكنا رواه البيهقي ورواه مسلم وليس فيه جباهنا واكفنا، وعن علي رضي الله عنه قال: إذا كان أحدكم يصلي فليحسر العمامة عن جبهته رواه البيهقي، ولانه سجد على ما هو حامل له أشبه مااذا سجد على يديه ولنا ما روى أنس قال كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود متفق عليه، وعن ثابت بن صامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني الاشهل وعليه كساء ملتف به يضع يديه عليه يقيه برد الحصى رواه ابن ماجه، وقال الحسن كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجدون وأيديهم في ثيابهم ويسجد الرجل على عمامته رواه البيهقي، ولانه عضو من أعضاء السجود فجاز السجود على حائله كالقدمين، وأما حديث خباب فالظاهر انهم طلبوا منه تأخير الصلاة أو تسقيف المسجد أو نحو ذلك مما يزيل عنهم الضرر الحاصل من الحر، اما الرخصة في السجود على العمامة والاكمام فالظاهر أنهم لم يطلبوه لان ذلك انما طلبه الفقراء ولم يكن لهم عمائم ولا أكمام طوال يتقون بها وان احتمل ذلك لكنه لا يتعين لجواز ما ذكرنا ولذلك لم يعملوا به في الاكف قال أبو إسحاق المنصوص عن الشافعي أنه لا يجب كشفهما وقد قيل فيه قول انه يجب وأما إذا سجد على يديه قائما لم يصح لان السجود عليهما يفضي إلى تداخل أعضاء السجود

[ 559 ]

بخلاف مسئلتنا، وقال القاضي في الجامع لم أجد نصا في هذه المسألة. ويجب أن تكون مبنية على السجود على غير الجبهة. ان قلنا لا يجب جاز كما لو سجد على العمامة، وإن قلنا يجب لم يجز لئلا يتداخل محل السجود بعضه في بعض، والاولى مباشرة المصلى بالجبهة واليدين ليخرج من الخلاف ويأخذ بالعزيمة وذكر القاضي في كراهية ستر اليدين روايتين قال أحمد واسحاق لا يعجبني الا في الحر والبرد، وكان ابن عمر يكره السجود على كور العمامة (مسألة) (ويجافي عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه، ويضع يديه حذو منكبيه، ويفرق بين ركبتيه) التجافي في السجود للرجل مستحب لان في حديث ابي حميد ان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد جافى عضديه عن جنبيه، وفيه إذا سجد فرج بين فخديه غير حامل بطنه على شئ من فخذيه، ولابي داود ثم سجد وأمكن أنفه وجبهته ونحى يديه عن جنبيه، ووضع يديه حذو منكبيه، وعن ميمونة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد لو شاءت بهيمة أن تمر بين يديه لمرت رواه مسلم، وعن جابر بن عبد الله قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد جافى حتى يرى بياض ابطيه، رواه الامام أحمد

[ 560 ]

(فصل) ويستحب أن يضع راحتيه على الارض مبسوطتين مضمومتي الاصابع مستقبلا بهما القبلة ويضعهما حذو منكبيه لما ذكرنا وهو مذهب الشافعي، ولما روى وائل بن حجر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد ضم أصابعه، رواه البيهقي. وروى الاثرم قال: رأيته سجد ويداه حذو أذنيه لما روى البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك " رواه الاثرم وابو داود بمعناه والجميع حسن (فصل) والكمال في السجود أن يضع جميع بطن كفه وأصابعه على الارض ويرفع مرفقيه، روي ذلك عن ابن عمر لما روى وائل بن حجر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد فجعل كفيه بحذاء أذنيه فان اقتصر على أطراف أصابع يديه فظاهر الخبر أنه يجزئه لانه قد سجد على يديه، وهكذا لو سجد على ظهور قدميه ولانه لا يخلو من اصابة بعض أطراف قدميه الارض فيكون ساجدا على أطراف القدمين الا أنه يكون تاركا للافضل (فصل) وإذا أراد السجود فسقط على وجهه فماست جبهته الارض اجزأه ذلك الا أن يقطع نية السجود وإن سقط على جنبه ثم انقلب فماست جبهته الارض لم يجزئه ذلك الا أن ينوي السجود والفرق

[ 561 ]

بين المسئلتين أنه ههنا خرج عن سنن الصلاة وهيآتها ثم كان انقلابه الثاني عائدا إلى الصلاة فافتقر إلى تجديد نية. وفي التي قبلها هو على هيئة الصلاة وسننها فاكتفى باستدامة النية (مسألة) (ويقول سبحان ربي الاعلى ثلاثا) الحكم في هذا التسبيح كالحكم في تسبيح الركوع على ما شرحناه، والاصل فيه حديث عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل (سبح اسم ربك الاعلى) قال " اجعلوها في سجودكم " وروى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا سجد أحدكم فليقل سبحان ربي الاعلى ثلاثا وذلك أدناه " وعن حذيفة انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد قال " سبحان ربي الاعلى ثلاث مرات " رواهن ابن ماجه وأبو داود ولم يقل ثلاث مرات. والحكم في عدده وتطويل السجود كما ذكرنا في الركوع (فصل) وان زاد دعاءا مأثورا أو ذكرا مثل ما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده " سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي " متفق عليه. وعن أبي سعيد ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " يا معاذ إذا وضعت وجهك ساجدا فقل اللهم أعني على شكرك وذكرك وحسن عبادتك " وقال عليه السلام " أحب الكلام إلى الله أن يقول العبد وهو ساجد رب اني ظلمت نفسي فاغفر لي " رواهما سعيد في سننه، وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده

[ 562 ]

" اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، وأوله وآخره، وسره وعلانيته " رواه مسلم - فهو حسن لما ذكرنا وقد قال عليه الصلاة والسلام " وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم " حديث صحيح، وقال الاقضي لا تستحب الزيادة على سبحان ربي الاعلى في الفرض، وفي التطوع روايتان، قال شيخنا وقد ذكرنا هذه الاخبار الصحيحة وسنة النبي صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع، والامر بالتسبيح لا ينفى الامر بغيره كما ان الامر بالدعاء لم ينف الامر بغيره (فصل) ولا بأس بتطويل السجود للعذر لما روي ان النبي صلى الله عليه وسلم خرج وهو حامل حسنا أو حسينا في احدى صلاتي العشاء فوضعه ثم كبر للصلاة فصلى فسجد بين ظهري صلاته سجدة أطالها فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قال الناس يا رسول الله انك سجدت بين ظهري صلاتك سجدة أطلتها حتى ظننا انه قد حدث أمر وانه يوحى اليك قال " كل ذلك لم يكن ولكن ابني ارتحلني فكرهت ان أعجله حتى يقضي حاجته " رواه الامام احمد والنسائي وهذا لفظه (فصل) ولا بأس أن يضع مرفقيه على ركبتيه إذا أطال السجود لما روى أبو هريرة قال شكا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مشقة السجود عليهم فقال " استعينوا بالركب " قال ابن عجلان هو أن يضع مرفقيه على ركبتيه إذا أطال السجود وأعيى، رواه الامام أحمد وأبو داود، وقال عمر رضي الله عنه ان الركب قد سنت لكم فخذوا بالركب، رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح (مسألة) (ثم يرفع رأسه مكبرا) يعني إذا قضى سجود ورفع رأسه مكبرا وجلس ويكون ابتداء تكبيره مع ابتداء رفعه وانتهاؤه مع انتهائه. وهذا الرفع والاعتدال عنه واجب وهو قول الشافعي، وقال

[ 563 ]

مالك وأبو حنيفة ليس بواجب بل يكفي عند أبي حنيفة أن يرفع رأسه مثل حد السيف لان هذه جلسة فصل بين متشاكلين فلم تكن واجبة كجلسة التشهد ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم للمسئ في صلاته " ثم اجلس حتى تطمئن جالسا " متفق عليه وروت عائشة قالت: كان - تعني النبي صلى الله عليه وسلم - إذا رفع رأسه من السجدة ثم لم يسجد حتى يستوي قاعدا متفق عليه، ولانه رفع واجب فكان الاعتدال عنه واجبا كالرفع من السجدة الاخيرة والتشهد الاول واجب عندنا في الصحيح (مسألة) قال (ويجلس مفترشا يفرش رجله اليسرى ويجلس عليها وينصب اليمنى ويقول رب اغفر لي ثلاثا) السنة أن يجلس بين السجدتين مفترشا يفرش رجله اليسرى فيبسطها ويجلس عليها وينصب رجله اليمنى ويخرجها من تحته ويجعل بطون أصابعها على الارض معتمدا عليها تكون أطراف أصابعها إلى القبلة لقول أبي حميد في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ثنى رجله اليسرى

[ 564 ]

وقعد عليها ثم اعتدل حتى رجع كل عظم في موضعه ثم يهوي ساجدا. وفي حديث عائشة وكان يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى، متفق عليه. قال الاثرم: تفقدت أبا عبد الله فرأيته يفتح أصابع رجله اليمنى فيستقبل بها القبلة، وروى باسناده عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنا نعلم إذا جلسنا في الصلاة أن يفترش الرجل منا قدمه اليسرى وينصب قدمه اليمنى على صدر قدمه فان كانت ابهام أحدنا لتنثني فيدخل يده حتى يعدلها. وعن ابن عمر قال: من سنة الصلاة أن ينصب القدم اليمنى واستقباله بأصابعها القبلة (فصل) والمستحب عند أبي عبد الله أن يقول: رب اغفر لي، يكرر ذلك والواجب منه مرة وأدنى الكمال ثلاث كقولنا في التسبيح، وفي وجوبه (روايتان) نذكرهما فيما يأتي ان شاء الله والاصل في هذا ما روى حذيفة أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان يقول بين السجدتين " رب اغفر لي " رواه النسائي وابن ماجه، وان قال رب اغفر لنا أو اللهم اغفر لنا فلا بأس

[ 565 ]

(مسألة) (ثم يسجد الثانية كالاولى) وهذه السجدة واجبة بالاجماع لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يسجد سجدتين لم يختلف عنه في ذلك (فصل) والمستحب أن يكون شروع المأموم في أفعال الصلاة من الرفع والوضع بعد فراغ الامام منه ويكره فعله معه في قول أكثر اهل العلم واستحب مالك أن تكون افعاله مع افعال الامام ولنا ما روى البراء قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال " سمع الله لمن حمده " لم

[ 566 ]

نزل قياما حتى نراه قد وضع جبهته بالارض ثم نتبعه، متفق عليه، وروى ابو موسى قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبين لنا سنتنا، وعلمنا صلاتنا فقال " إذا صليتم فاقيموا صفوفكم، وليؤمكم احدكم فإذا كبر فكبروا - إلى قوله - وإذا ركع فاركعوا فان الامام يركع قبلكم ويرفع قبلكم " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فتلك بتلك " رواه مسلم، وعن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " انما جعل الامام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا - إلى قوله - وإذا سجد

[ 567 ]

فاسجدوا " متفق عليه. رتبه عليه بفاء التعقيب فيقتضي أن يكون بعده كقوله جاء زيد فعمرو؟ أي بعده، فان وافق امامه في الافعال فركع وسجد معه أساء وصحت صلاته (مسألة) (ثم يرفع رأسه مكبرا ويقوم على صدور قدميه معتمدا على ركبتيه) وجملته انه إذا قضى السجدة الثانية نهض للقيام مكبرا، والقيام ركن. وفي وجوب التكبير (روايتان) ذكرنا وجههما وينهض على صدور قدميه معتمدا على ركبتيه ولا يعتمد على الارض بيديه، قال القاضي: لا يختلف قوله انه لا يعتمد على الارض سواء قلنا يجلس للاستراحة أم لا. وقال مالك والشافعي: السنة أن يعتمد على يديه في النهوض لان مالك بن الحويرث قال في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم انه لما رفع

[ 568 ]

رأسه من السجدة الثانية استوى قاعدا ثم اعتمد على الارض، رواه النسائي، ولان أعون للمصلي ولنا ما روى وائل بن حجر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه، رواه النسائي والاثرم. وفي لفظ وإذا نهض نهض على ركبتيه واعتمد على فخذيه. وعن ابن عمر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض في الصلاة، رواهما أبو داود. وقال علي رضي الله عنه ان من السنة في الصلاة المكتوبة إذا نهض الرجل في الركعتين الاوليين أن لا يعتمد بيديه على الارض إلا أن يكون شيخا كبيرا لا يستطيع، رواه الاثرم، ولانه أشق فكان أفضل كالتجافي وحديث مالك محمول على انه كان

[ 569 ]

من النبي صلى الله عليه وسلم لمشقة القيام لكبره فانه قال عليه السلام " اني قد بدنت فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود " (مسألة) (إلا أن يشق عليه فيعتمد بالارض) يعني إذا شق عليه النهوض على الصفة المذكورة فلا بأس باعتماده على الارض بيديه لا نعلم أحدا خالف في هذا، وقد دل عليه حديث مالك بن الحويرث وقول علي الا أن يكون شيخا كبير والمشقة تكون لكبر أو ضعف أو سمن أو نحوه (مسألة) (وعنه أنه يجلس جلسة الاستراحة على قدميه واليتيه) اختلفت الرواية عن أحمد في جلسة الاستراحة فروي عنه لا يجلس اختاره الخرقي وروي ذلك عن عمر وعلي وابن عمر وابن مسعود وابن عباس، وبه يقول مالك والثوري وأصحاب الرأي، قال أحمد أكثر الاحاديث على هذا قال الترمذي وعليه العمل عند أهل العلم قال ابو الزناد تلك السنة (والثانية) انه يجلس اختارها الخلال وهو أحد قول الشافعي. قال الخلال رجع أبو عبد الله عن قوله بترك الجلوس لما روى مالك بن الحويرث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض متفق عليه وذكره ابو حميد في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حديث صحيح فيتعين العمل به، وقيل إن كان المصلي ضعيفا جلس للاستراحة لحاجته، وإن كان قويا لم يجلس كما قلنا في الاعتماد بيديه على الارض. وحمل جلوس النبي صلى الله عليه وسلم على أنه كان في آخر عمره عند كبره، قال شيخنا وفي هذا جمع بين الاخبار، وتوسط بين القولين فإذا قلنا يجلس فانه يجلس مفترشا كالجلوس بين السجدتين وهو مذهب الشافعي لقول ابي حميد في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ثنى رجله وقعد واعتدل حتى رجع كل عضو في موضعه ثم نهض وهذا صريح لا ينبغي العدول عنه، وقال الخلال روى عن أحمد من لا أحصيه كثرة أنه يجلس على أليتيه قال القاضي يجلس على قدميه وأليتيه مفضيا بهما إلى الارض لانه لو جلس مفترشا لم يأمن السهو فيشك هل جلس عن السجدة الاولى أو الثانية، وقال أبو الحسن الآمدي لا يختلف أصحابنا أنه لا يلصق أليتيه بالارض في جلسة الاستراحة بل يجلس معلقا عن الارض (فصل) ويستحب أن يكون ابتداء تكبيره مع ابتداء رفع رأسه من السجود وانتهاؤه عند اعتداله

[ 570 ]

قائما ليكون مستوعبا بالتكبير جميع الركن وعلى هذا بقية التكبيرات الا من جلس جلسة الاستراحة فانه ينتهي بتكبيره عند انتهاء جلوسه ثم ينهض بغير تكبير وقال أبو الخطاب ينهض مكبراو لا يصح فانه يفضي إلى المولاة بين تكبيرتين في ركن واحد لم يرد الشرع بجمعهما فيه (مسألة) (ثم ينهض ثم يصلي الثانية كذلك الا في تكبيرة الاحرام والاستفتاح وفي الاستعاذة روايتان) وجملة ذلك أنه يصنع في الركعة الثانية كما يصنع في الاولى على ما وصفنا لان النبي صلى الله عليه وسلم وصف الركعة الاولى للمسئ في صلاته ثم قال " افعل ذلك في صلاتك كلها " وهذا لا نعلم فيه خلافا الا أن الثانية تنقص النية وتكبيرة الاحرام والاستفتاح لان ذلك يراد لافتتاح الصلاة ولا نعلم في ترك هذه الامور الثلاثة خلافا فيما عدا الركعة الاولى، فأما الاستعاذة ففيها روايتان (احداهما) تختص الركعة الاولى وهو قول عطاء والحسن والثوري لما روى أبو هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نهض من الركعة الثانية استفتح القراءة بالحمد لله رب العالمين ولم يسكت وهذا يدل على أنه لم يكن يستعيذ رواه مسلم، ولان الصلاة جملة واحدة فالقراءة فيها كلها كالقراءة الواحدة ولذلك اعتبرنا الترتيب في القراءة في الركعتين أشبه مالو سجد للتلاوة في أثناء صلاته فمتى أتى بالاستعاذة في أولها كفى ذلك كالاستفتاح فعلى هذه الرواية إذا ترك الاستعاذة في الاولى لنسيان أو غيره أتى بها في الثانية، والاستفتاح بخلاف ذلك نص عليه لانه يراد لافتتاح الصلاة فإذا نسيه في أولها فات محله

[ 571 ]

والاستعاذة للقراءة وهو يستفتحها في الثانية (والرواية الثانية) يستعيذ في كل ركعة، وهو قول ابن سيرين والشافعي لقوله سبحانه (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله) الآية فيقتضي ذلك تكرير الاستعاذة عند تكرير القراءة ولانها مشروعة للقراءة فتكرر بتكريرها كما لو كانت في صلاتين (فصل) والمسبوق إذا أدرك الامام فيما بعد الركعة الاولى لم يستفتح، وأما الاستعاذة فان قلنا تختص بالركعة الاولى لم يستعذ لان ما يدركه المأموم مع الامام آخر صلاته فإذا قام للقضاء استفتح

[ 572 ]

واستعاذ نص عليه أحمد، وان قلنا بالرواية الثانية استعاذ وإذا أراد المأموم القراءة استعاذ لقول الله تعالى (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) (مسألة) (ثم يجلس مفترشا ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى يقبض منها الخنصر والبنصر ويحلق الابهام مع الوسطى ويشير بالسبابة في تشهده مرارا ويبسط اليسرى على فخذه اليسرى) متى فرغ من الركعتين جلس للتشهد، وهذا الجلوس والتشهد فيه مشروعان بغير خلاف نقله الخلف عن السلف عن النبي صلى الله عليه وسلم نقلا متواترا فان كانت الصلاة اكثر من ركعتين فهما واجبان فيها على احدى الروايتين وسيأتي ذكره ان شاء الله تعالى. وصفة الجلوس لهذا التشهد كصفة الجلوس بين السجدتين مفترشا كما وصفنا وسواء كان آخر صلاته أو لم يكن وبهذا قال الثوري واسحاق وأصحاب الرأي، وقال مالك يكون متوركا على كل حال لما روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس في وسط الصلاة وفي آخرها متوركا. وقال الشافعي: ان كان متوسطا كقولنا، وإن كان آخر صلاته كقول مالك ولنا حديث أبي حميد أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس يعني للتشهد فافترش رجله اليسرى وأقبل بصدر اليمنى على قبلته وفي لفظ فإذا جلس في الركعتين جلس على اليسرى ونصب الاخرى حديث صحيح وهذا يقدم على حديث ابن مسعود، فان أبا حميد ذكر حديثه في عشرة من الصحابة فصدقوه وهو متأخر عن ابن مسعود وانما يؤخذ بالآخر فالآخر ولان أبا حميد قد بين في حديثه الفرق بين التشهدين والاخذ بالزيادة واجب، ويستحب أن يضع يده اليمنى على الفخذ اليمنى ويبسط اليسرى على الفخذ اليسرى مضمومة الاصابع مستقبلا باطراف أصابعهما القبلة كما ذكرنا لما روى وائل بن حجر أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع مرفقه الايمن على فخذه اليمنى ثم عقد من أصابعه

[ 573 ]

الخنصر والتي تليها وحلق حلقه بأصبعه الوسطى على الابهام ورفع السبابة يشير بها. قال أبو الحسن الآمدي: وروي عن ابي عبد الله انه يجمع أصابعه الثلاث ويعقد الابهام كعقد الخمسين لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده اليمنى على ركبته اليمنى وعقد ثلاثا وخمسين وأشار بالسبابة رواه مسلم وفي حديث وائل بن حجر أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده اليسرى على فخذه اليسرى ويشير بالسبابة عند ذكر الله تعالى ولا يحركها لما روى ابن الزبير أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشير بأصبعه ولا يحركها. رواه أبو داود، وفي لفظ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قعد يدعو وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى وأشار بأصبعه، وعنه انه يبسط الخنصر والبنصر لذلك فالاول أولى لما ذكرنا من الاحاديث وتكون اشارته بالسبابة عند ذكر الله تعالى (مسألة) (ثم يتشهد فيقول: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) هذا التشهد هو المختار عند امامنا رحمه الله وعليه أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم من التابعين، منهم الثوري واسحاق وأصحاب الرأي وكثير من أهل المشرق. وقال مالك: أفضل التشهد تشهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه: التحيات لله، الزاكيات لله، الصلوات لله، الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. وسائره

[ 574 ]

كتشهد ابن مسعود لان عمر قاله على المنبر بمحضر من الصحابة وغيرهم فلم ينكر فكان اجماعا، وقال الشافعي أفضله ما روي عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن فكان يقول " التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد ان لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله " رواه مسلم وفي لفظ سلام عليك سلام علينا ورواه الترمذي وفيه وأشهد أن محمدا رسول الله ولنا ما روى عبد الله بن مسعود قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد كفي بين كفيه كما يعلمني السورة من القرآن: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله الا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. وفي لفظ " فإذا صلى أحدكم فليقل التحيات لله فإذا فعلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد لله صالح في السماء والارض - وفيه - فليختر من المسألة ما شاء " متفق عليه. قال الترمذي حديث ابن مسعود قد روي من غير وجه وهو أصح حديث روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد وعليه

[ 575 ]

أكثر أهل العلم فكان الاخذ به أولى وقد رواه عن ابن مسعود وابن عمر وجابر وأبو هريرة وعائشة فأما حديث عمر فانما هو من قوله وأكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم على خلافه فكيف يكون إجماعا؟ على ان الخلاف ليس ههنا في الاجزاء انما الخلاف في الاحسن والافضل، وتشهد النبي صلى الله عليه وسلم الذي علمه أصحابه أولى وأحسن. وحديث ابن عباس تفرد به واختلف عنه في بعض ألفاظه، وحديث ابن مسعود أصح وأكثر رواة فكان أولى (فصل) وأي تشهد تشهد به مما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم جاز نص عليه أحمد لان النبي صلى الله عليه وسلم لما علمه الصحابة مختلفا دل على جواز الجميع كالقراآت المختلفة التي اشتمل عليها المصحف، قال القاضي: وهذا يدل على انه إذا أسقط لفظة هي ساقطة في بعض التشهدات المروية صح تشهده، فعلى هذا أقل ما يجزئ من التشهد: التحيات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله - أو - أن محمد رسول الله (فصل) وفي هذا القول نظر فانه يجوز أن يجزئ بعضها عن بعض على سبيل البدل كقولنا في القراآت ولا يجوز أن يسقط ما في بعض الاحاديث إلا أن يأتي بما في غيره من الاحاديث. وروي

[ 576 ]

عن أحمد في رواية أبي داود إذا قال وأن محمدا عبده ورسوله ولم يذكر أشهد أرجو أن يجزئه. وقال ابن حامد: رأيت بعض أصحابنا يقول لو ترك واوا أو حرفا أعاد الصلاة، قال شيخنا والاول أصح لما ذكرنا وهو مذهب الشافعي (مسألة) قال (هذا التشهد الاول فلا يستحب الزيادة على ما ذكرنا ولا تطويله) وهو قول النخعي والثوري واسحاق، وقال الشافعي لا بأس أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم فيه، وعن ابن عمر قال: بسم الله خير الاسماء، وقال ابن عمر زدت فيه وحده لا شريك له، وقد روى جابر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن " بسم الله وبالله، التحيات لله وباقيه كتشهد ابن مسعود وبعده " أسأل الله الجنة وأعوذ بالله من النار " رواه النسائي وابن ماجه وسمع ابن عباس رجلا يقول بسم الله فانتهره، وهو قول مالك وأهل المدينة وابن المنذر والشافعي وهو الصحيح لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس في الركعتين الاوليين كأنه على الرضف حتى يقوم رواه أبو داود، والرضف الحجارة المحماة يعني لما يخففه ولان الصحيح في التشهدات ليس فيه التسمية ولا شئ من هذه الزيادات فيقتصر عليها ولم تصح التسمية عند أصحاب الحديث ولا غيرها مما وقع الخلاف فيه وإن فعله جاز لانه ذكر

[ 577 ]

(فصل) وإذا أدرك بعض الصلاة مع الامام فجلس الامام في آخر صلاته لم يزد المأموم على التشهد الاول بل يكرره، نص عليه أحمد فيمن أدرك مع الامام ركعتين قال يكرر التشهد ولا يصلي على

[ 578 ]

النبي صلى الله عليه وسلم ولا يدعو بشئ مما دعا به في التشهد الاخير لان ذلك انما يكون في التشهد الذي يسلم عقيبه وليس هذا كذلك

[ 579 ]

(مسألة) (ثم يقول اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل ابراهيم انك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل ابراهيم إنك حميد مجيد، وان شاء قال: كما صليت على ابراهيم وآل ابراهيم وكما باركت على ابراهيم وآل ابراهيم) يعني إذا جلس في آخر صلاته تشهد بالتشهد الذي ذكرناه ثم صلى على النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا، وفي وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم روايتان (أصحهما) وجوبها وهو قول الشافعي واسحاق (والثانية) أنها سنة قال المروذى: قلت لابي عبد الله: ابن راهوية يقول لو أن رجلا ترك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد بطلت صلاته فقال: ما أجترئ أن أقول هذا وقال في موضع هذا شذوذ وهو قول مالك والثوري وأصحاب الرأي، قال ابن المنذر وهو قول جل أهل العلم إلا الشافعي وبه قال ابن المنذر قال: لاني لا أجد دليلا يوجوب الاعادة على من تركها، واحتجوا بحديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه التشهد ثم قال " إذا قلت هذا أو قضيت هذا فقد تمت صلاتك " وفي لفظ " فقد قضيت صلاتك فان شئت أن تقوم فقم " رواه أبو داود. وقال النبي صلى الله عليه وسلم " إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع " رواه مسلم، أمر بالاستعاذة عقيب التشهد من غير فصل ولان

[ 580 ]

الوجود من الشرع ولم يرد به. ولنا ما روى كعب بن عجزة قال إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج علينا فقلنا يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال " قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل ابراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى أل محمد كما باركت على آل ابراهيم إنك حميد مجيد " متفق عليه، وعن فضالة بن عبيد قال سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو في صلاته لم يمجد الله ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " عجل هذا " ثم دعاه فقال له " إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه والثناء عليه ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعو بما شاء " رواه الامام احمد وأبو داود والنسائي والترمذي وقال حديث حسن صحيح، وعن ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إذا تشهد أحدكم في الصلاة فليقل اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وبارك على محمد وعلى آل محمد وارحم محمدا وآل محمد كما صليت وباركت وترحمت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم انك حميد مجيد " رواه البيهقي فأما حديث

[ 581 ]

ابن مسعود فقال الدار قطني: الزيادة فيه من كلام ابن مسعود (فصل) وصفة الصلاة كم ذكرنا لحديث كعب بن عجرة وقد رواه النسائي كذلك وفيه " كما صليت على ابراهيم وآل ابراهيم انك حميد مجيد " قال الترمذي: هو حديث حسن صحيح. وفي حديث أبي حميد " اللهم صلى على محمد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على آل ابراهيم، وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته كما باركت على آل ابراهيم إنك حميد مجيد " متفق عليه واللفظ لمسلم. والاولى الاتيان بالصلاة كما في حديث كعب بن عجرة المتفق عليه فانه أصح شئ روي فيها وعلى أي صفة أتى بالصلاة عليه مما روي في الاخبار جاز كقولنا في التشهد، وظاهره انه إذا أخل بلفظ ساقط في بعض الاخبار جاز لانه لو كان واجبا لما أغفله النبي صلى الله عليه وسلم، قال القاضي: ظاهر كلام أحمد ان الصلاة واجبة على النبي صلى الله عليه وسلم حسب لان أبا زرعة الدمشقي حكى عن أحمد أنه قال كنت أتهيب ذلك يعني القول بوجوب الصلاة ثم تبينت فإذا الصلاة واجبة فذكر الصلاة حسب وهذا مذهب الشافعي، ولهم في وجوب الصلاة على آله وجهان، وقال بعض أصحابنا تجب الصلاة على ما في خبر كعب لانه أمر به والامر يقتضي الوجوب، وقد ذكرنا ما يدل على خلاف قولهم والنبي صلى الله عليه وسلم انما أمرهم بهذا حين سألوه ولم يبتدئهم به

[ 582 ]

(فصل) آل النبي صلى الله عليه وسلم أتباعه على دينه كما قال تعالى (آل فرعون) يعني أتباعه من أهل دينه، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل من آل محمد؟ قال " كل تقي " أخرجه تمام في فوائده، وقيل آله أهله الهاء منقلبة عن الهمزة كما يقال أرقت الماء وهرقته، فلو قال على أهل محمد مكان آل أجزأه عند القاضي وقال: معناهما واحد، ولذلك لو صغر قيل أهيل قال: ومعناهما جميعا اهل دينه، وقال ابن حامد أبو حفص: لا يجزئ لما فيه من مخالفة الاثر وتغيير المعنى فان الاهل يعبر به عن القرابة، والآل عن الاتباع في الدين والله اعلم (فصل) في تفسير التحيات، التحية العظمة، قاله ابن عباس، والصلوات الصلوات الخمس، والطيبات الاعمال الصالحة، وقال أبو عمرو: التحيات الملك وأنشد ولكل ما نال الفتى + + + قد نلته إلا التحية وقيل التحيات البقاء، وقال ابن الانباري: التحيات السلام، والصلوات الرحمة، والطيبات من الكلام (فصل) والسنة اخفاء التشهد لا نعلم في هذا خلافا، قال عبد الله بن مسعود من السنة إخفاء التشهد، رواه أبو داود، ولانه ذكر غير القراءة لا ينتقل به من ركن إلى ركن فاستحب إخفاؤه كالتسبيح. ومن قدر على التشهد بالعربية والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لم يجز بغيرها كالتكبير

[ 583 ]

فان عجز عن العربية تشهد بلسانه كقولنا في التكبير ويجئ على قول القاضي انه لا يتشهد وحكمه حكم الاخرس، فان قدر على تعلم التشهد والصلاة لزمه ذلك كالقراءة فان صلى قبل تعلمه مع إمكانه لم يصح فان خاف فوات الوقت أو عجز عن تعلمه أتى بما يمكنه وأجزأه للضرورة، وإن لم يحسن شيئا منه سقط (فصل) السنة ترتيب التشهد وتقديمه على الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فان نكسه من غير تغيير شئ من معانيه ولا إخلال بشئ من الواجب فيه فعلى وجهين (أحدهما) يجزئه ذكره القاضي وهو قول الشافعي لان المقصود المعنى وقد حصل أشبه ما لو رتبه (والثاني) لا يصح لانه أخل بالترتيب في ذكر ورد الشرع به فلم يصح كالاذان (مسألة) (ويستحب أن يتعوذ فيقول أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال) لما روى أبو هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو " اللهم اني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال " متفق عليه، ولمسلم " إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع " وذكره (مسألة) (وان دعا بما ورد في الاخبار فلا بأس) قال الاثرم: قلت لابي عبد الله ان هؤلاء يقولون لا يدعو في المكتوبة الا بما في القرآن، فنفض

[ 584 ]

يده كالمغضب وقال من يقف على هذا وقد تواترت الاحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف ما قالوا؟ قلت لابي عبد الله: إذا جلس في الرابعة يدعو بعد التشهد بما شاء؟ قال بما شاء لا أدري ولكن يدعو بما يعرف وبما جاء قلت على حديث عمرو بن سعد؟ قال سمعت عبد الله يقول إذا جلس أحدكم في صلاته ذكر التشهد ثم ليقل اللهم أني أسألك من الخير كله ما علمت منه وما لم أعلم وأعوذ بك من الشر كله ما علمت منه وما لم أعلم، اللهم اني أسألك من خير ما سألك عبادك الصالحون، وأعوذ بك من شر ما عاذ منه عبادك الصالحون، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ربنا اغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الابرار، ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة انك لا تخلف الميعاد. رواه الاثرم واختاره أحمد ذكره القاضي وقال لا يستحب للامام الزيادة على هذا لئلا يطيل على المأمومين، فان كان منفردا فلا بأس بكثرة الدعاء ما لم يخرجه إلى السهو فقد روى أبو داود عن عبد الله قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن قال وعلمنا أن نقول اللهم اصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، واصرف عنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا وذرياتنا، وتب علينا انك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها عليك قابليها وأتمها علينا. وعن أبى بكر الصديق أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم علمني دعاء أدعو به في صلاتي قال " قل اللهم اني ظلمت نفسي ظلما كثير ولا يغفر الذنوب الا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك

[ 585 ]

وارحمني انك أنت الغفور الرحيم " متفق عليه، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل " ما تقول في الصلاة؟ " قال أتشهد ثم اسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، أما والله ما أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ فقال " حولها ندندن " رواه أبو داود، وقوله بما ورد في الاخبار يعني أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والسلف رحمهم الله فقد ذهب أحمد إلى حديث ابن مسعود في الدعاء وهو موقوف عليه قال عبد الله بن أحمد سمعت أبي يقول في سجوده. اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصن وجهي عن المسألة لغيرك، وقال كان عبد الرحمن يقوله في سجوده وقال سمعت الثوري يقوله في سجوده (فصل) فأما ما يقصد به ملاذ الدنيا وشهواتها كقوله اللهم ارزقني جارية حسناء، وطعاما طيبا ودارا قوراء، وبستانا أنيقا، ونحوه فلا يجوز الدعاء به في الصلاة. وقال الشافعي: يدعو بما أحب لقوله عليه السلام في حديث ابن مسعود " ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه " متفق عليه. ولمسلم " ثم ليتخير بعد من المسألة ما شاء " ولنا قوله عليه السلام (ان صلاتنا هذه لا يصلح فيها شئ من كلام الناس انما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن " رواه مسلم، وهذا من كلام الآدميين ولانه كلام آدمي يتخاطب بمثله أشبه رد السلام وتشميت العاطس والخبر محمول على أنه يتخير من الدعاء المأثور (فصل) فأما الدعاء بما يتقرب به إلى الله مما ليس بمأثور ولا يقصد به ملاذ الدنيا فقال جماعة

[ 586 ]

من أصحابنا لا يجوز ويحتمله كلام أحمد لقوله يدعو بما جاء وبما يعرف، وحكى عنه ابن المنذر أنه قال لا بأس أن يدعو الرجل بجميع حوائجه من حوائج دنياه وآخرته وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى اختاره شيخنا لظواهر الاخبار فان في حديث أبي هريرة " ثم يدعو لنفسه بما بدا له " وعن أنس قال: جاءت أم سليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله علمني شيئا أدعو به في صلاتي فقال " احمدي الله عشرا، وسبحي الله عشرا، ثم سلي الله ما شئت " يقول نعم نعم نعم رواه الاثرم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " أما السجود فأكثروا فيه من الدعاء " ولم يعين لهم ما يدعون به فيدل على أنه أباح لهم جميع الدعاء الا ما خرج منه بالدليل في الفصل الذي قبله ولانه دعاء يتقرب به إلى الله عزوجل أشبه الدعاء المأثور (فصل) فأما الدعاء لانسان بعينه في صلاته ففي جوازه روايتان (احداهما) يجوز قال الميموني سمعت أبا عبد الله يقول لابن الشافعي أنا أدعو لقوم منذ سنين في صلاتي أبوك أحدهم. وروي ذلك

[ 587 ]

عن علي وأبي الدرداء لقول النبي صلى الله عليه وسلم في قنوته اللهم انج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش ابن أبي ربيعة " ولانه دعاء لبعض المؤمنين أشبه مالو قال: رب اغفر لي ولوالدي (والاخرى) لا يجوز كرهه عطاء والنخعي لشبهه بكلام الآدميين ولانه دعاء لمعين أشبه تشميت العاطس. وقد دل على المنع منه حديث معاوية بن الحكم السلمي، ويحتمل التفريق بين الدعاء وتشميت العاطس لانه مخاطبة لانسان لدخول كاف المخاطب فيه والله أعلم (فصل) ويستحب للامام ترتيل القراءة والتسبيح والتشهد بقدر ما يرى أن من خلفه ممن يثقل على لسانه قد أتى عليه والتمكن في الركوع والسجود حتى يرى أن الكبير والصغير والثقبل قد أتى عليه فان خالف فأتى بقدر ما عليه كره وأجزأه، ويكره له التطويل كثيرا لئلا يشق على من خلفه، وأما المنفرد فله التطويل في ذلك كله ما لم يخرجه إلى حال يخاف السهو، وقد روي عن عمار أنه صلى صلاة أوجز فيها

[ 588 ]

فقيل له في ذلك فقال: أني أبادر الوسواس، ويستحب للامام إذا عرض في الصلاة عارض لبعض المأمومين يقتضي خروجه أن يخفف لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " إني لاقوم في الصلاة وأنا أريد أن اطول فيه فأسمع بكاء الصبى فاتجوز فيها مخافة أن أشق على أمه " رواه أبو داود (مسألة) (ثم يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله وعن يساره كذلك) التسليم واجب في الصلاة لا يقوم غيره مقامه وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة لا يتعين السلام للخروج من الصلاة بل إذا خرج بما ينافي الصلاة من عمل أو حدث أو غير ذلك جاز فالسلام عندهم مسنون غير واجب لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلمه المسئ في صلاته ولو وجب لامر به لانه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ولان إحدى التسليمتين غير واجبة كذلك الاخرى ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم " رواه أبو داود ولانه أحد طرفي الصلاة فكان فيه نطق واجب كالاول ولان النبي صلى الله عليه وسلم فعله وداوم عليه فقال " صلوا كما رأيتموني أصلي " وحديث الاعرابي أجبنا عنه، والتسليمه الثانية عندنا واجبة على إحدى الروايتين (فصل) والمشروع أن يسلم تسليمتين عن يمينه وعن يساره روي ذلك عن أبي بكر الصديق وعلي وعمار وابن مسعود رضي الله عنهم وهو مذهب الثوري والشافعي واسحاق وابن المنذر وأصحاب الرأي، وقال عمر وأنس وسلمة بن الاكوع وعائشة والحسن وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز ومالك

[ 589 ]

والاوزاعي يسلم تسليمة واحدة وقال عمار بن أبي عمار: كان مسجد الانصار يسلمون فيه تسليمتين وكان مسجد المهاجرين يسلمون فيه تسليمة واحدة ولما روت عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه، وعن سلمة بن الاكوع قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى فسلم تسلمية واحدة. رواهما ابن ماجه، ولان التسليمة الاولى قد خرج بها من الصلاة فلم يشرع ما بعدها كالثالثة ولنا ما روى ابن مسعود قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم حتى يرى بياض خده عن يمينه ويساره، وعن جابر بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " انما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله " رواهما مسلم، وفي لفظ لحديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم عن يمينه " السلام عليكم ورحمة الله " وعن يساره " السلام عليكم ورحمة الله " قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، وحديث عائشة يرويه زهير بن محمد يروي مناكير (1) وقال أبو حاتم الرازي هذا حديث منكر، ويمكن حمل حديث عائشة على أنه كان يسمعهم تسليمة واحدة جمعا بين الاحاديث على أن أحاديثنا تتضمن الزيادة والزيادة من الثقة مقبولة، ويجوز أن يكون عليه السلام فعل الامرين ليبين الجائز والمسنون ولان الصلاة عبادة ذات احرام فيشرع لها تحللان كالحج (فصل) والتسليمة الاولى هي واجبة وهي ركن من أركان الصلاة، والثانية سنة في الصحيح


1) عزا المغني هذا القول إلى البخاري فهل تركه الشارح اختصارا أو تركه الناسخ سهوا؟

[ 590 ]

قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن صلاة من اقتصر على تسلمية واحدة جائزة (وفيه رواية أخرى) أنها واجبة ذكرها القاضي وأبو الخطاب قال القاضي وهي أصح لحديث جابر بن سمرة ولانها عبادة لها تحللان فكانا واجبين كتحللي الحج ولانها احدى التسليمتين أشبهت الاولى وعدها أبو الخطاب من أركان الصلاة لما ذكرنا، والصحيح الاول اختاره شيخنا فانه لا يصح عن أحمد تصريح بوجوب التسليمتين انما قال التسليمتان أصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجوز أن يكون ذهب إليه في المشروعية لا الايجاب كغيره. وقد دل عليه قوله في رواية مهنا أعجب إلي التسليمتان لان عائشة وسلمة بن الاكوع وسهل بن سعد قد رووا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم تسلمية واحدة، وكان المهاجرون يسلمون تسليمة واحدة ففيما ذكرناه جمع بين الاخبار وأقوال الصحابة في كون المشروع تسليمتين والواجب واحدة. وقد دل على صحة ذلك الاجماع الذي حكاه ابن المنذر. وحديث جابر بن سمرة يعني في إصابة السنة بدليل أن فيه " يضع يده على فخذه " وليس هو واجبا بالاتفاق ولانها صلاة فتجزئ فيها تسليمة واحدة كصلاة الجنازة والنافلة فان الخلاف انما هو في المفروضة، أما صلاة النافلة والجنازة وسجود التلاوة فلا خلاف أنه يخرج منها بتسليمة واحدة قاله القاضي ونص أحمد عليه في صلاة الجنازة وسجود التلاوة

[ 591 ]

(فصل) (فان لم يقل ورحمة الله لم يجزه، وقال القاضي يجزئه ونص عليه أحمد في صلاة الجنازة) وجملة ذلك ان الافضل أن يقول السلام عليكم ورحمة الله لما ذكرنا من حديث ابن مسعود، وقد روى وائل بن حجر قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان يسلم عن يمينه " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته - وعن شماله - السلام عليكم ورحمة الله وبركاته " رواه أبو داود، فان قال كذلك فحسن، والاول أحسن لكثرة رواته وصحة طرقه، فان قال السلام عليكم حسب فقال القاضي: يجزئه في ظاهر كلام أحمد ونص عليه في صلاة الجنازة وهو مذهب الشافعي لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " وتحليلها التسليم " وهذا التسليم. وعن علي رضي الله عنه أنه كان يسلم عن يمينه وعن يساره، السلام عليكم السلام عليكم، رواه سعيد ولان ذكر الرحمة تكرير للثناء فلم يجب كقوله وبركاته، وقال ابن عقيل الاصح انه لا يجزئه لان الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول " السلام عليكم ورحمة الله " ولانه سلام في الصلاة ورد مقرونا بالرحمة فلم يجز بدونها كالتسليم على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد (فصل) فان نكس السلام ففال عليكم السلام لم يجزه، وقال القاضي: يجزئه في وجه وهو مذهب الشافعي لحصول المعنى منه وليس هو قرآنا فيعتبر له النظم ولنا ان النبي صلى الله عليه وسلم قاله مرتبا وأمر به كذلك ولانه ذكر يؤتى به في أحد طرفي الصلاة فلم يجز منكسا كالتكبير

[ 592 ]

(فصل فان قال سلام عليكم منكرا منونا ففيه وجهان (أحدهما) يجزئه وهو قول الشافعي لان السلام الذي ورد في القرآن أكثره بغير ألف ولام كقوله (سلام عليكم بما صبرتم) ولانا أجزنا التشهد بتشهد ابن عباس وأبي موسى وفيهما سلام عليك والتسليمان واحد (والآخر) لا يجزئه لانه بغير صيغة السلام الوارد ويخل بحرف يقتضي الاستغراق فلم يجز كما لو أثبت اللام في التكبير، وقال الآمدي: لا فرق بين أن ينون التسليم أو لا ينونه لا حذف التنوين لا يخل بالمعنى بدليل مالو وقف عليه (فصل) ويسن أن يلتفت عن يمينه في التسلمية الاولى وعن يساره في الثانية كما وردت السنة في حديث ابن مسعود وجابر وغيرهما، قال الامام أحمد: ثبت عندنا من غير وجه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم عن يمينه وعن يساره حتى يرى بياض خديه، ويكون التفاته في الثانية أكثر لما روي عن عمار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يسلم عن يمينه حتى يرى بياض خده الايمن وإذا سلم عن يساره يرى بياض خده الايمن والايسر، رواه يحيى بن محمد بن صاعد باسناده، وقال ابن عقيل: يبتدئ بقوله السلام عليكم إلى القبلة ثم يلتفت عن يمينه ويساره في قوله ورحمة الله لقول

[ 593 ]

عائشة كان النبي صلى الله عليه وسلم يسلم تلقاء وجهه معناه ابتداؤه بالتسليم جمعا بين الاحاديث (فصل) روي عن أبي عبد الله ان التسلمية الاولى أرفع من الثانية اختار هذا أبو بكر الخلال وأبو حفص العكبري وحمل أحمد حديث عائشة أنه كان يسلم تسليمة واحدة على أنه كان يجهر بواحدة فيسمع منه ذلك لان الجهر في غير القراءة انما كان للاعلام بالانتقال من ركن إلى غيره وقد حصل الجهر بالاولى، واختار ابن حامد الجهر بالثانية وإخفاء الاولى لئلا يسابقه المأموم في السلام ويستحب حذف السلام لقول أبي هريرة حذف السلام سنة، وروي مرفوعا رواه الترمذي وقال حديث صحيح. قال أبو عبد الله هو أن لا يطول به صوته: وقال ابن المبارك معناه لا يمد مدا، قال ابراهيم النخعي: التكبير جزم والسلام جزم (مسألة) (وينوي بسلامه الخروج من الصلاة فان لم ينو جاز، وقال ابن حامد تبطل صلاته) الاولى أن ينوي بسلامه الخروج من الصلاة وان نوى مع ذلك الرد على الملكين وعلى من خلفه ان كان إماما أو الرد على من معه ان كان مأموما فلا بأس نص عليه أحمد فقال ينوي بسلامه الرد على الامام. وقال أيضا ينوي بسلامه الخروج من الصلاة، فان نوى الملكين ومن خلفه فلا بأس والخروج من الصلاة تختار. وقال ابن حامد ان نوى في السلام الرد على الملائكة أو غيرهم من الناس مع نية الخروج فهل تبطل صلاته؟ على وجهين (أحدهما) تبطل لانه نوى السلام على آدمي أشبه مالو سلم على من لم

[ 594 ]

يصل معه. وقال أبو حفص بن مسلمة ينوي بالتسليمة الاولى الخروج وبالثانية السلام على الحفظة والمأمومين ان كان اماما، والرد على الامام والحفظة ان كان مأموما ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جابر بن سمرة " انما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله " رواه مسلم، وفي لفظ أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نرد على الامام وأن يسلم بعضنا على بعض. رواه أبو داود. وهذا يدل على انه يسن التسليم على من معه وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي. فان لم ينو الخروج ولا شيئا غيره صح، وقال ابن حامد لا يصح وهو ظاهر مذهب الشافعي لانه ذكر في أحد طرفي الصلاة فافتقر إلى النية كالتكبير ولنا أنه جزء من أجزاء الصلاة فلم يحتج إلى نية تخصه كسائر أجزائها ولان الصلاة عبادة فلم تحتج إلى نية الخروج منها كالصوم وذلك لان النية إذا وجدت في أول العبادة انسحبت على أجزائها واستغنى عن ذكرها وقياس الجزء الآخر على الاول لا يصح لذلك (فصل) ويستحب ذكر الله تعالى والدعاء عقيب الصلاة والاستغفار كما ورد في الاخبار فروي المغيرة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دبر كل صلاة مكتوبة " لا اله الا الله وحده

[ 595 ]

لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد " متفق عليه، وقال ثوبان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا وقال " اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والاكرام " قال الاوزاعي يقول " استغفر الله استغفر الله " رواه مسلم، وقال أبو هريرة جاء فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا ذهب أهل الدثور من الاموال بالدرجات العلى والنعيم المقيم يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ولهم فضل من أموال يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون فقال " ألا أحدثكم بحديث ان أخذتم به أدركتم من سبقكم ولم يدرككم أحد بعدكم وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيهم الا من عمل مثله؟ تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين " قال سمي (1) فاختلفنا بيننا فقال بعضنا نسبح ثلاثا وثلاثين ونحمد ثلاثا وثلاثين ونكبر أربعا وثلاثين " فرجعت إليه يعني إلى أبي صالح فقال يقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر حتى يكون منهن كلهن ثلاث وثلاثون. متفق عليه واللفظ للبخاري. قال أحمد في رواية أبي داود يقول هكذا ولا يقطعه سبحان الله والحمد لله والله اكبر. وكان ابن الزبير يقول في دبر كل صلاة لا إله الا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، ولا حول ولا قوة الا بالله، لا إله الا الله ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل والثناء الحسن الجميل، لا إله الا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. وقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهلل بهن دبر كل صلاة رواه مسلم، وعن معاذ ابن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده فقال " يا معاذ والله اني لاحبك، أوصيك يا معاذ لا تدعن دبر كل صلاة تقول اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك " رواه الامام أحمد


1) قوله تعالى سمي ليس من لفظ البخاري بل جاءت في مسلم مع زيادة فلم يكن لذكره حاجة وسمى هذا من رواة هذا الحديث

[ 596 ]

وأبو داود والنسائي عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من قال في دبر صلاة الفجر وهو ثان رجله قبل أن يتكلم لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شئ قدير - عشر مرات - كتبت له عشر حسنات ومحي عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات وكان يومه ذلك كله في حرز من كل مكروه وحرس من الشيطان، ولم ينبغ للذنب أن يدركه ذلك اليوم الا الشرك بالله " رواه النسائي والترمذي وقال حسن غريب صحيح. وقال أبو معبد مولى ابن عباس ان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس كنت أعلم إذا انصرف الناس بذلك إذا سمعته متفق عليه (فصل) روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقعد بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس حسناء، رواه مسلم فيستحب للانسان أن يفعل ذلك اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم (مسألة) وان كانت الصلاة مغربا أو رباعية نهض مكبرا إذا فرغ من التشهد الاول فصلى الثالثة والرابعة مثل الثانية الا أنه لا يجهر ولا يقرأ شيئا بعد الفاتحة) متى فرغ من التشهد الاول نهض مكبرا كنهوضه من السجود قائما على صدور قدميه معتمدا على ركبتيه ولا يعتمد بالارض الا أن يشق عليه كما ذكرنا في النهوض من السجود ولا يقدم إحدى رجليه عند النهوض قاله ابن عباس وكرهه اسحاق وروي عن ابن عباس أنه يقطع الصلاة ورخص فيه مجاهد والاولى تركه لانه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد كرهه ابن عباس ولا تبطل به الصلاة لانه عمل يسير ولم يوجد فيه ما يقتضي البطلان (فصل) ويصلي الثالثة والرابعة كالثانية لقول النبي صلى الله عليه وسلم للمسئ في صلاته وقد وصف له الركعة الاولى " ثم افعل ذلك في صلاتك كلها " ولا يجهر فيهما لا نعلم في ذلك خلافا وأكثر

[ 597 ]

أهل العلم يرون انه لا تسن الزيادة على فاتحة الكتاب في غير الاوليين من كل صلاة. قال ابن سيرين لا أعلمهم يختلفون في أنه يقرأ في الركعتين الاوليين بفاتحة الكتاب وسورة وفي الاخريين بفاتحة الكتاب روي ذلك عن ابن مسعود وأبي الدرداء وجابر وابي هريرة وعائشة وهو قول مالك وأصحاب الرأي وأحد قولي الشافعي، وقال في الآخر يسن أن يقرأ سورة مع الفاتحة في الاخريين لما روى الصنابحي قال: صليت خلف أبي بكر الصديق رضي الله عنه فدنوت منه حتى إن ثيابي تكاد أن تمس ثيابه فقرأ في الركعة الاخيرة بأم الكتاب وهذه الآية (ربنا لا تزغ قلوبنا) رواه مالك في الموطأ ولنا حديث أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم - فذكر الحديث إلى قوله - في الركعتين الاخريين " بأم الكتاب " وكتب عمر إلى شريح أن اقرأ في الركعتين الاوليين بأم الكتاب وسورة، وفي الاخريين بأم الكتاب، وما فعل أبو بكر قصد به الدعاء لا القراءة ولو قصد القراءة لكان الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم أولى مع أن عمر وغيره من الصحابة قد خالفوه. فأما ان دعا الانسان في الركعة الاخيرة بآية كما روي عن الصديق فلا بأس لانه دعاء في الصلاة أشبه دعاء التشهد (مسألة) (ثم يجلس في التشهد الثاني متوركا يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى ويخرجهما عن يمينه ويجعل أليتيه على الارض) التورك في التشهد الثاني سنة وبه قال مالك والشافعي. وقال الثوري وأصحاب الرأي: يجلس فيه مفترشا كالتشهد الاول لما ذكرنا من حديث وائل وأبي حميد في صفة جلوس النبي صلى الله عليه وسلم ولنا أن في حديث أبي حميد: حتى إذا كانت الركعة التي يقضي فيها صلاته أخر رجله اليسرى وجلس متوركا على شقه الايسر، وهذا بيان الفرق بين التشهدين وزيادة يجب الاخذ بها والمصير إليها والذي احتجوا به في التشهد الاول ونحن نقول به. فأما صفة التورك فهو كما ذكر. قال الاثرم رأيت أبا عبد الله يتورك في الرابعة في التشهد فيدخل رجله اليسرى ويخرجها من تحت ساقه الايمن ولا يقعد على شئ منها وينصب اليمنى يفتح أصابعه وينحي عجزه كله ويستقبل بأصابعه اليمنى القبلة

[ 598 ]

وركبته اليمنى على الارض ملزقه وهذا قول أبي الخطاب وأصحاب الشافعي فان أبا حميد قال: فإذا كان في الرابعة أفضى بوركه اليسرى إلى الارض وأخرج قدميه من ناحية واحدة، رواه أبو داود. وقال الخرقي والقاضي: ينصب رجله اليمنى ويجعل باطن رجله اليسرى تحت فخذه اليمنى، ويجعل أليتيه على الارض لقول عبد الله بن الزبير كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى تحت فخذه وساقه وفرش قدمه اليمنى، رواه مسلم. وفي بعض ألفاظ حديث أبي حميد نحو هذا قال: جعل بطن قدمه عند مأبض اليمنى ونصب قدمه اليمنى، وأيهما فعل فحسن (فصل) وهذا التشهد والجلوس له من أركان الصلاة وممن قال بوجوبه عمر وابنه وأبو مسعود البدري والحسن والشافعي، ولم يوجبه مالك وأبو حنيفة، وأوجب أبو حنيفة الجلوس قدر التشهد لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلمه الاعرابي فدل على أنه غير واجب ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به فقال " قولوا التحيات لله " وفعله وداوم عليه. وروي عن ابن مسعود أنه قال: كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله قبل عباده، السلام على جبرائيل، السلام على ميكائيل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لا تقولوا السلام على الله ولكن قولوا التحيات لله " إلى آخره. وهذا يدل على أنه فرض بعد أن لم يكن مفروضا، وحديث الاعرابي يحتمل أنه كان قبل فرض التشهد، ويحتمل أنه ترك تعليمه لانه لم يتركه (فصل) ولا يتورك إلا في صلاة فيها تشهدان في الاخير منهما. وقال الشافعي: يسن التورك في كل تشهد يسلم فيه وان لم يكن ثانيا كتشهد الصبح والجمعة لانه تشهد يسن تطويله فسن التورك فيه كالثاني ولنا حديث وائل بن حجر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جلس للتشهد افترش رجله اليسرى ونصب رجله اليمنى ولم يفرق بين ما يسلم فيه ولا ما لا يسلم، وقالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في كل ركعتين التحية وكان يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى، رواه مسلم وهذان

[ 599 ]

يقضيان على كل تشهد بالافتراش إلا ما خرج منه بحديث أبي حميد في التشهد الثاني فيبقى فيما عداه على قضية الاصل ولان هذا ليس بتشهد ثان فلا يتورك فيه كالاول وهذا لان التشهد الثاني انما يتورك فيه للفرق بين التشهدين وما ليس فيه تشهد ثان لا يحتاج إلى الفرق، وما ذكروه من المعنى إن صح فيضم إليه هذا المعنى الذي ذكرناه ويعلل بهما والحكم إذا علل بمعنيين لم يتعد بدونهما (فصل) قيل لابي عبد الله ما تقول في تشهد سجود السهو؟ قال يتورك فيه أيضا هو من بقية الصلاة يعني إذا كان من السهو في صلاة رباعية لان تشهدها يتورك فيه وهذا تابع له، وقال القاضي: يتورك في كل تشهد لسجود السهو بعد السلام في الرباعية وغيرها لانه تشهد ثان في الصلاة يحتاج إلى الفرق، وقال الاثرم قلت لابي عبد الله الرجل يدرك مع الامام ركعة فيجلس الامام في الرابعة أيتورك معه الرجل المسبوق في هذه الجلسة؟ فقال إن شاء تورك، قلت فإذا قام يقضي يجلس في الرابعة فينبغي له أن يتورك؟ فقال نعم ينبغي أن يتورك لانها الرابعة يتورك ويطيل الجلوس في التشهد الاخير قال القاضي: قوله إن شاء تورك على سبيل الجواز لا انه مسنون، وقد صرح بذلك في رواية مهنا فيمن أدرك من صلاة الظهر ركعتين لا يتورك إلا في الاخيرتين ويحتمل أن تكون هاتين روايتين. (مسألة) (والمرأة كالرجل في ذلك كله إلا أنها تجمع نفسها في الركوع والسجود وتجلس متربعة أو تسدل رجليها فتجعلهما في جانب يمينها، وهل يسن لها رفع اليدين؟ على روايتين) الاصل ان

[ 600 ]

نثبت في حق المرأة من الاحكام ما نثبت في حق الرجل لشمول الخطاب لهما غير أنها لا يسن لها التجافي لانها عورة فاستحب لها جمع نفسها ليكون أستر لها فانه لا يؤمن أن يبدو منها شئ حال التجافي وكذلك في الافتراش، قال علي رضي الله عنه: إذا صلت المرأة فلتحتفز ولتضم فخذيها، وعن ابن عمر انه كان يأمر النساء أن يتربعن في الصلاة، قال أحمد السدل أعجب إلي واختاره الخلال ولا يسن لها رفع اليدين في إحدى الروايتين لانه في معنى التجافي، والرواية الاخرى يشرع لها قياسا على الرجل ولان أم سلمة كانت ترفع يديها (فصل) ويستحب للمصلي أن يفرج بين قدميه ويراوح بينهما إذا طال قيامه، قال الاثرم رأيت أبا عبد الله يفرج بين قدميه ورأيته يراوح بينهما. روي هذا عن عمرو بن ميمون والحسن، وروي الاثرم باسناده عن أبي عبيدة قال: رأى عبد الله رجلا يصلي صافا بين قدميه فقال لو راوح هذا بين قدميه كان أفضل، ورواه النسائي وفيه قال أخطأ السنة لو راوح بينهما كان أعجب إلي، ولا يستحب الاكثار منه لما روي عن عطاء قال: اني لاحب أن يقل التحريك وأن يعتدل قائما على قدميه إلا أن يكون إنسانا كبيرا لا يستطيع ذلك. فأما التطوع فانه يطول على الانسان فلا بد من التوكي على هذه مرة وعلى هذه مرة، وقد روى النجاد باسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا قام أحدكم في صلاته فليسكن أطرافه ولا يميل ميل اليهود "

[ 601 ]

(فصل) ويكره الالتفات في الصلاة لغير حاجة لما روي عن عائشة قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة فقال " هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد " رواه البخاري وعن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يزال الله عزوجل مقبلا على العبد في صلاته ما لم يلتفت فإذا صرف وجهه انصرف عنه " رواه الامام أحمد وأبو داود. وعن أنس قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم " إياك والالتفات في الصلاة فان الالتفات فيها هلكة فان كان لابد في التطوع لا في الفريضة " رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. فان كان لحاجة لم يكره لما روى سهل بن الحنظلية قال: ثوب بالصلاة فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو يلتفت إلى الشعب، رواه أبو داود قال: وكان أرسل فارسا إلى الشعب يحرس، وعن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتفت يمينا وشمالا ولا يلوي عنقه، رواه النسائي. ولا تبطل الصلاة بالالتفات إلا أن يستدير عن القبلة بجملته أو يستدبرها قال ابن عبد البر جمهور الفقهاء على أن الالتفات لا يفسد الصلاة إذا كان يسيرا (مسألة) ويكره رفع بصره إلى السماء لما روى أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم " فاشتد قوله في ذلك حتى قال " لينتهين عن ذلك أو لتخطف أبصارهم " رواه البخاري. ويكره الاستناد إلى الجدار ونحوه في الصلاة لانه يزيل مشقة القيام والتعبد به

[ 602 ]

(مسألة) قال (وافتراش الذراعين في السجود) قال الترمذي أهل العلم يختارون الاعتدال في السجود، وروي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا سجد أحدكم فليعتدل ولا يفترش ذراعيه افتراش الكلب " رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، وفي لفظ عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " اعتدلوا في السجود ولا يسجد أحدكم وهو باسط ذارعيه كالكلب " وهذا هو المنهي عنه كرهه أهل العلم وفي حديث أبي حميد فإذا سجد سجد غير مفترش ولا قابضهما (مسألة) (ويكره الاقعاء في الجلوس وهو أن يفرش قدميه ويجلس على عقبيه وعنه أنه سنة) كذلك وصف أحمد الاقعاء، وقال أبو عبيد هذا قول أهل الحديث، فأما عند العرب فهو جلوس الرجل على أليتيه ناصبا فخذيه مثل اقعاء الكلب. قال شيخنا ولا أعلم أحدا قال باستحباب الاقعاء على هذه الصفة. فأما الاول فكرهه علي وأبو هريرة وقتادة ومالك والشافعي وأصحاب الرأي وعليه العمل عند أكثر أهل العلم لما روى الحارث عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تقع بين السجدتين " وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا رفعت رأسك من السجود فلا تقع كما يقعي الكلب " رواهما ابن ماجه، وفيه رواية أخرى أنه سنة، وروى مهنا عن احمد أنه قال لا أفعله ولا أعيب على من يفعله العبادلة كانوا يفعلونه. قال طاوس رأيت العبادلة يفعلونه ابن عمر وابن الزبير

[ 603 ]

وابن عباس وقال طاوس قلنا لابن عباس في الاقعاء على القدمين في الجلوس فقال هي السنة. قال قلنا انا لنراه جفاء بالرجل فقال هي سنة نبيك رواه مسلم وأبو داود، والاول أولى لما ذكرنا وقد قال ابن عمر حين فعله لا تقتدوا بي فاني قد كبرت وفي حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفترش رجله اليسرى وينصب اليمنى وينهى عن قعية الشيطان (مسألة) (ويكره أن يصلي وهو حاقن) سواء خاف فوات الجماعة أو لا لا نعلم فيه خلافا وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي لما روت عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا صلاة بحضرة طعام ولا هو يدافعه الاخبثان " رواه مسلم، ولان ذلك يشغله عن خشوع الصلاة وحضور قلبه فيها فان خالف وفعل صحت صلاته وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وقال ابن أبي موسى ان كان به من مدافعة الاخبثين ما يزعجه ويشغله عن الصلاة أعاد في الظاهر من قوله، وقال مالك أحب الي أن يعيد إذا شغله ذلك لظاهر الخبر ولنا أنه ان صلى يحضرة الطعام أو قلبه مشغول بشئ من الدنيا صحت صلاته كذا ههنا وخبر عائشة أريد به الكراهة بدليل ما لو صلى بحضرة الطعام قال ابن عبد البر أجمعوا على أنه لو صلى بحضرة الطعام فاكمل صلاته ان صلاته تجزئه وكذلك إذا صلى حاقنا (مسألة) (أو بحضرة طعام تتوق إليه نفسه) وبهذا قال عمر وابنه وتعشي ابن عمر وهو يسمع

[ 604 ]

قراءة الامام قال ابن عباس: لا نقوم إلى الصلاة وفي أنفسنا شئ، وبهذا قال الشافعي واسحاق وابن المنذر وقال مالك: يبدأ بالصلاة إلا أن يكون طعاما خفيفا. ولنا حديث عائشة الذي ذكرناه. وروى ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا قرب عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء ولا تعجلوا حتى يفرغ منه " رواه مسلم وغيره. ولانه إذا قدم الصلاة على الطعام اشتغل قلبه عن خشوعها. إذا ثبت هذا فلا فرق بين أن يخشى فوات الجماعة أو لم يخش لعموم الحديثين. هذا إذا كانت نفسه تتوق إليه أو يخشى فواته أو فوات بعضه ان تشاغل بالصلاة أو تكون حاجته إلى البداية به لوجه من الوجوه، فان لم يفعل وبدأ بالصلاة صحت في قولهم جميعا حكاه ابن عبد البر لان البداية بالطعام رخصة فان لم يفعلها صحت صلاته كسائر الرخص (مسألة) (ويكره العبث في الصلاة) لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يعبث في الصلاة فقال " لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه " ويكره التخصر وهو أن يضع يده على خاصرته لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلي الرجل متخصرا متفق عليه (مسألة) قال (والتروح وفرقعة الاصابع وتشبيكها) يكره التروح الا من غم شديد لانه من العبث وبذلك قال اسحاق وعطاء وأبو عبد الرحمن ومالك، ورخص فيه ابن سيرين ومجاهد والحسن ويكره فرقعة الاصابع وتشبيكها في الصلاة لما روي عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا تفقع

[ 605 ]

أصابعك وأنت في الصلاة " رواه ابن ماجه، وعن كعب بن عجرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قد شبك أصابعه في الصلاة ففرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصابعه، رواه الترمذي وابن ماجه (فصل) وإذا تثاءب في الصلاة استحب أن يكظم ما استطاع فان لم يقدر وضع يده على فيه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا تثاءب أحدكم في الصلاة فليكظم ما استطاع فان الشيطان يدخل " رواه مسلم، وللترمذي " فليضع يده على فيه " (فصل) ومما يكره في الصلاة أن ينظر إلى ما يلهيه أو ينظر في كتاب لما روي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في خميصة لها أعلام فقال " شغلتي أعلام هذه اذهبوا بها إلى أبي جهم بن حذيفة وائتوني بانبجانيته " متفق عليه. وقال صلى الله عليه وسلم لعائشة " أميطي عنا قرامك هذا فانه لا يزال تصاويره تعرض لي في صلاتي " رواه البخاري. ويكره أن يصلي وهو معقوص أو مكتوف لما روي عن ابن عباس أنه رأى عبد الله ابن الحارث يصلي ورأسه معقوص من ورائه فقام إليه فحله فلما انصرف أقبل على ابن عباس فقال: مالك ورأسي فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إنما مثل هذا مثل الذي يصلي وهو مكتوف " رواه مسلم، ويكره أن يكف شعره أو ثيابه لقول النبي صلى الله عليه وسلم " أمرت أن أسجد على سبعة أعظم وأن لا أكف شعرا ولا ثوبا " متفق عليه. ولا نعلم بين أهل العلم في كراهية هذا خلافا، ونقلت كراهة بعضه

[ 606 ]

عن ابن عباس وعائشة ويكره أن يكثر الرجل مسح جبهته في الصلاة لما روي عن ابن مسعود أنه قال من الجفاء أن يكثر الرجل مسح جبهته قبل الفراغ من صلاته رواه ابن ماجه. ويكره النفخ وتحريك الحصى لما روت أم سلمة قالت: رأى النبي صلى الله عليه وسلم غلاما لنا يقال له أفلح إذا سجد نفخ فقال " يا أفلح ترب وجهك " رواه الترمذي، إلا أن فيه مقالا. قال ابن عباس: لا تمسح جبهتك ولا تنفخ ولا تحرك الحصى. ورخص فيه مالك وأصحاب الرأي، ويكره مسح الحصى لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يمسح الحصى فان الرحمة تواجهه " رواه أبو داود والترمذي، ويكره أن يعتمد على يده في الجلوس في الصلاة لما روى ابن عمر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد على يده، رواه الامام احمد وأبو داود، ويكره أن يغمض عينيه في الصلاة، نص عليه وقال: هو من فعل اليهود، وهو قول سفيان، وروي عن مجاهد والاوزاعي ورويت الرخصة فيه من غير كراهة عن الحسن، وروى عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يغمض عينيه " رواه الطبراني إلا أن فيه عبد الرحمن بن أبي حاتم وقال هذا منكر الحديث، ويكره الرمز بالعين والاشارة لغير حاجة لانه يذهب بخشوع الصلاة ويكره إخراج لسانه وفتح فمه لانه خروج عن هيئة الخشوع (مسألة) (وله رد المار بين يديه) ليس لاحد أن يمر بين يدي المصلي إذا لم يكن بين يديه

[ 607 ]

سترة وان كان له سترة فليس له المرور بينه وبينها لما روى أبو جهم الانصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لو يعلم المار بين يدى المصلي ماذا عليه من الاثم لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه " ولمسلم " لان يقف أحدكم مائة عام خير له من أن يمر بين يدي أخيه وهو يصلي " وروي عن يزيد قال رأيت رجلا بتبوك مقعدا فقال مررت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا على حمار وهو يصلي فقال " اللهم اقطع أثره " فما مشيت عليها بعد، رواه أبو داود، وفي لفظ قال " قطع صلاتنا قطع الله أثره " وان أراد أحد المرور بين يديه فله منعه يروي ذلك ابن مسعود وابن عمر وابنه سالم وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم عن غيرهم خلافهم لما روى أبو سعيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إذا كان أحدكم يصلي إلى سترة من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه فان أبى فليقاتله فانما هو شيطان " ومعناه والله أعلم فليدفعه

[ 608 ]

فان ألح فليقاتله أي يعنف في دفعه، وقوله فانما هو شيطان أي فعله فعل شيطان أو الشيطان يحمله على ذلك، وقيل معناه ان معه شيطانا، وأكثر الروايات عن أبي عبد الله " أن المار بين يدي المصلي إذا ألح في المرور وأبى الرجوع فللمصلي أن يجتهد في رده ما لم يخرجه ذلك إلى افساد صلاته بكثرة العمل فيها " وروي عنه انه قال: يرد ما استطاع وأكره القتال فيها وذلك لما يفضي إليه من الفتنة وفساد الصلاة، والنبي صلى الله عليه وسلم انما أمر برده حفظا للصلاة عما ينقضها فيعلم انه لم يرد ما يفسدها بالكلية فيحمل لفظ المقاتلة على دفع أبلغ من الدفع الاول والله أعلم. ويؤيد ذلك ما روت أم سلمة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في حجرة أم سلمة فمر بين يديه عبد الله أو عمرو بن ابي سلمة فقال بيده فرجع فمرت زينب بنت أم سلمة فقال بيده هكذا فمضت فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " هن أغلب " رواه ابن ماجه وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يجتهد في الدفع (فصل) ويستحب له أن يرد ما مر بين يديه من كبير وصغير وبهيمة لما روينا من حديث أم سلمة وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى جدار فاتخذه قبلة ونحن خلفه فجاءت بهيمة تمر بين يديه فما زال يدارئها حتى لصق بطنه بالجدار فمرت من ورائه (فصل) فان مر بين يديه انسان فعبر لم يستحب رده من حيث جاء، وهذا قول الشعبي والثوري واسحاق وابن المنذر، وروي عن ابن مسعود انه يرده من حيث جاء وفعله سالم بن عبد الله لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر برده فيتناول العابر ولنا ان هذا مرور ثان فينبغي أن لا يتسبب إليه كالاول ولان المار لو أراد أن يعود من حيث جاء لكان مأمورا بدفعه ولم يحل للعابر العود والحديث انما يتناول من أراد المرور لقوله " فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه " وبعد العبور فليس هو مريدا للاجتياز (فصل) ولا يقطع المرور الصلاة بل ينقصها نص عليه وروي عن ابن مسعود: ان ممر الرجل ليضع

[ 609 ]

نصف الصلاة. قال القاضي: ينبغي أن يحمل نقص الصلاة على من أمكنه الرد فلم يفعله، اما إذا لم تمكنه الرد فصلاته تامة لانه لم يوجد منه ما ينقص الصلاة فلا يؤثر فيها ذنب غيره والله أعلم (مسألة) (وله عد الآي والتسبيح) لا بأس بعد الآي في الصلاة، فأما التسبيح فتوقف فيه أحمد، وقال أبو بكر: هو في معنى عد الآي، وقال ابن أبي موسى: لا يكره في أصح الوجهين وهذا قول الحسن والنخعي وسعيد بن جبير وطاوس وابن سيرين والشعبي وإسحاق، وكرهه أبو حنيفة والشافعي لانه يشغل عن خشوع الصلاة ولنا إجماع التابعين فانه حكي عمن سمينا من غير خلاف في عصرهم فكان اجماعا وانما كره أحمد عد التسبيح دون الآي، لان المنقول عن السلف انما هو عد الآي، وكره الحسن أن يحسب شيئا سواه ولان التسبيح يتوالى لقصرة فيتوالى حسابه فيصير فعلا كثيرا (فصل) ولا بأس بالاشارة في الصلاة باليد والعين لما روى ابن عمر وأنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشير في الصلاة، روى الدار قطني حديث أنس باسناد صحيح، ورواه أبو داود. وروى الترمذي حديث ابن عمر وقال حسن صحيح (مسألة) (وله قتل الحية والعقرب والقملة ولبس الثوب والعمامة ما لم يطل) وهو قول الحسن والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي. وكرهه النخعي لانه يشغل عن الصلاة، والاول أولى لان النبي

[ 610 ]

صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الاسودين في الصلاة، الحيه والعقرب. رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح، ولا بأس بقتل القمل لان أنسا وعمر كانوا يفعلونه. وقال القاضي: التغافل عنها أولى، وقال الاوزاعي: تركه أحب إلي لان ذلك يشغل عن الصلاة لامر غير مهم يمكن استدراكه بعد الصلاة وربما كثر فأبطلها (فصل) ولا بأس بالعمل اليسير للحاجة لما روت عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي والباب عليه مغلق فاستفتحت فمشى ففتح لي ثم رجع إلى مصلاه، رواه أبو داود، ورواه أحمد عن عائشة وفيه ووصفت له الباب في القبلة، وروى أبو قتادة قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يؤم الناس وأمامة بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم على عاتقه فإذا ركع وضعها، وإذا رفع من السجود ردها، رواه مسلم. وصلى أبوبرزة ولجام دابته في يده فجعلت الدابة تنازعه وجعل يتبعها وجعل رجل من الخوارج يقول: اللهم افعل بهذا الشيخ فلما انصرف قال: اني سمعت قولكم واني غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ست غزوات أو سبع غزوات أو ثمان وشهدت من تيسيره اني ان كنت أرجع مع دابتي أحب إلي من أن ترجع إلى مألفها فيشق علي، رواه البخاري. قال لا بأس أن يحمل الرجل ولده في الصلاة الفريضة لحديث أبي قتادة. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه التحف بازاره وهو في الصلاة، فلا بأس إن سقط رداء الرجل أن يرفعه لذلك، وإن انحل

[ 611 ]

إزاره أن يشده، وإن عتقت الامة في الصلاة اختمرت وبنت على صلاتها، وقال من فعل كفعل أبي برزة حين مشى إلى الدابة حين أفلتت منه فصلاته جائزة وهذا لان النبي صلى الله عليه وسلم هو المشرع فما فعله وأمر به فلا بأس به، وقد روى سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على منبره فإذا أراد أن يسجد نزل عن المنبر فسجد بالارض ثم رجع إلى المنبر كذلك حتى قضى صلاته، وفي حديث جابر في صلاة الكسوف قال: ثم تأخر وتأخرت الصفوف حتى إنتهينا إلى النساء ثم تقدم وتقدم الناس معه حتى قام في مقامه متفق عليه. فكل هذا وأشباهه لا بأس به في الصلاة ولا يبطلها، وإن فعله لغير حاجة كره ولم يبطلها أيضا لما روى عمرو بن حريث قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما يضع اليمنى على اليسرى في الصلاة وربما مسح لحيته وهو يصلي، رواه البيهقي (فصل) ولا يتقدر الجائز من هذا بثلاث ولا بغيرها من العدد لان فعل النبي صلى الله عليه وسلم الظاهر منه زيادته على ثلاث كتأخره حتى تأخر الرجال فانتهوا إلى النساء، وكذلك مشي أبي برزة مع دابته ولان التقدير بابه التوقيف وهذا لا توقيف فيه لكن يرجع في الكثير واليسير إلى العرف فيما يعد كثيرا ويسيرا وما شابه فعل النبي صلى الله عليه وسلم فهو يسير (مسألة) (وإن طال الفعل في الصلاة أبطلها عمده وسهوه إلا أن يفعله متفرقا) متى طال الفعل في الصلاة وكثر أبطل الصلاة اجماعا عمدا كان أو سهوا إذا كان من غير جنس الصلاة الا أن

[ 612 ]

يكون لضرورة فيكون حكمه حكم الخائف فلا تتبطل الصلاة به، وإن فعله متفرقا لم تبطل الصلاة أيضا إذا كان كل عمل منها يسيرا بدليل حمل النبي صلى الله عليه وسلم امامة ووضعها في كل ركعة فان ذلك لو جمع كان كثيرا ولم تبطل به لتفرقه، فان احتاج إلى الفعل الكثير لغير ضرورة قطع الصلاة فعله. قال أحمد إذا رأى صبيين يتخوف أن يلقي أحدهما صاحبه في البئر فانه يذهب اليهما فيخلصهما ويعود في صلاته وقال: إذا لزم رجل رجلا فدخلا المسجد وقد أقيمت الصلاة فإذا سجد الامام خرج الملزوم فان الذي كان يلزمه يخرج في طلبه يعني ويبتدئ الصلاة وهكذا لو رأى حريقا يريد اطفاءه أو غريقا يريد انقاذه خرج إليه وابتدأ الصلاة. فان خاف على نفسه من الحريق ونحوه في الصلاة ففر منه بنى على صلاته فأتمها صلاة خائف على ما ذكرنا من قبل والله أعلم (مسألة) (ويكره تكرار الفاتحة) لانه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه لانها ركن، وفي ابطال الصلاة بتكررها خلاف فكره لذلك (مسألة) (ويكره الجمع بين سور في الفرض ولا يكره في النفل) أما الجمع بين السور في النفل فلا يكره رواية واحدة لا نعلم فيه خلافا فان النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعة سورة البقرة وآل عمران والنساء. وقال ابن مسعود: لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن بينهن فذكر عشرين سورة من المفصل سورتين في كل ركعة، متفق عليه وكان عثمان يختم القرآن في كل

[ 613 ]

ركعة، وأما الفريضة فيستحب أن يقتصر فيها على سورة بعد الفاتحة من غير زيادة لان النبي صلى الله عليه وسلم هكذا كان يصلي أكثر صلاته، وهل يكره الجمع بين السورتين فيها؟ على روايتين (احداهما) يكره لما ذكرنا (والثانية) لا يكره لان حديث ابن مسعود مطلق، وروي أن رجلا من الانصار كان يؤمهم وكان يقرأ قبل كل سورة (قل هو الله أحد) ثم يقرأ سورة أخرى معها فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " ما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟ " فقال اني احبها فقال " حبك اياها ادخلك الجنة " رواه البخاري تعليقا، ورواه الترمذي وقال حديث صحيح غريب، وروى الخلال باسناده عن ابن عمر انه كان يقرأ في المكتوبة بالسورتين في كل ركعة، رواه مالك في الموطأ، فأما قراءة السورة الواحدة في الركعتين يعيدها فلا بأس وقد ذكرناه (فصل) والمستحب ان يقرأ في الثانية سورة بعد السورة التي قرأها في الركعة الاولى في النظم، قال احمد في رواية مهنا اعجب الي ان يقرأ من البقرة إلى اسفل لان ذلك المنقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) وروي عن ابن مسعود أنه سئل عمن يقرأ القرآن منكوسا فقال ذلك منكوس القلب


1) فيه ان السور لم تكن مرتبة كلها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم على التحقيق الذي عليه الجمهور وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ليتزم هذا الترتيب الذي في المصحف والمراد بالتنكيس المذموم آيلت السورة

[ 614 ]

وفسره أبو عبيد بذلك، فان قرأ كذلك فلا بأس به لان أحمد قال حين سئل عن ذلك: لا بأس به أليس يعلم الصبي على هذا؟ وقد روي أن الاحنف قرأ الكهف في الاولى، وفي الثانية بيوسف، وذكر انه صلى مع عمر الصبح فقرأ بهما، استشهد به البخاري (مسألة) (ولا يكره قراءة أواخر السور وأوساطها. وعنه يكره) المشهور عن أحمد انه لا يكره قراءة أواخر السور وأوساطها في الصلاة نقلها عنه جماعة لقول الله تعالى (فاقرءوا ما تيسر منه) ولان أبا سعيد قال: أمرنا أن نقرأ فاتحة الكتاب وما تيسر، رواه أبو داود، وروى الخلال باسناده أن ابن مسعود كان يقرأ في الآخرة من صلاة الصبح آخر آل عمران وآخر الفرقان. وقال ابو برزة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بالستين إلى المائة فيه دليل على انه لم يكن يقتصر على قراءة سورة، ولان آخرها أحد طرفي السورة فلم يكره كأولها، وعن أحمد انه يكره في الفرض نقلها عنه المروذي وقال: سورة أعجب الي، وقال المروذي: وكان لابي عبد الله قرابة يصلي به فكان يقرأ في الثانية من الفجر بآخر السورة فلما أكثر قال أبو عبد الله: تقدم أنت فصل، فقلت له هذا يصلي بكم منذ كم؟ قال دعنا منه يجئ بآخر السور وكرهه، قال شيخنا رحمه الله ولعل احمد انما احب اتباع النبي صلى الله عليه وسلم فيما نقل عنه وكره المداومة على خلاف ذلك فان المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم قراءة السورة أو بعض السور من اولها، ونقل عنه رواية ثالثة انه يكره قراءة اوسط السورة دون آخرها لما روينا في آخر السور عن عبد الله بن مسعود ولم ينقل مثل ذلك في وسطها، قال الاثرم قلت لابي عبد الله الرجل يقرأ آخر السورة في الركعة فقال أليس قد روي في هذا رخصة عن عبد الرحمن بن يزيد وغيره؟

[ 615 ]

(فصل) فأما قراءة أوائل السور فلا خلاف في انه غير مكروه فان النبي صلى الله عليه وسلم قرأ من سورة المؤمنين إلى ذكر موسى وهارون ثم أخذته سعلة فركع، وقرأ سورة الاعراف في المغرب فرقها مرتين، رواه النسائي (مسألة) (وله ان يفتح على الامام إذا ارتج عليه في الصلاة وان يرد عليه إذا غلط) لا بأس به في الفرض والنفل روي ذلك عن عثمان وعلي وابن عمر وهو قول جماعة من التابعين، وكرهه ابن مسعود وشريح والثوري، وقال أبو حنيفة تبطل به الصلاة لما روى الحارث عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يفتح على الامام " وقال ابن عقيل إن كان في النفل جاز ذلك وإن كان في الفرض وارتج عليه في الفاتحة فتح عليه والا فلا ولنا ما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة فقرأ فيها فلبس عليه فلما انصرف قال لابي " أصليت معنا؟ " قال نعم، قال " فما منعك؟ " رواه أبو داود قال الخطابي اسناده جيد، وعن ابن عباس قال تردد رسول الله صلى الله عليه وسلم في القراءة في صلاة الصبح فلم يفتحوا عليه فلما قضى الصلاة نظر في وجوه القوم فقال " أما شهد الصلاة معكم أبي بن كعب؟ " قالوا لا فرأى القوم انما فقده ليفتح عليه. وروى مسور بن يزيد المالكي قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصلاة فترك آية من القرآن فقيل يا رسول الله آية كذا وكذا تركتها فقال " فهلا أذكرتنيها؟ " رواه أبو داود،

[ 616 ]

ولانه تنبيه في الصلاة بما هو مشروع فيها أشبه التسبيح، وحديث علي يرويه الحارث قال الشعبي كان كذابا، وقال أبو داود لم يسمع اسحاق من الحارث الا أربعة أحاديث ليس هذا منها (فصل) فان ارتج على الامام في الفاتحة فعلى المأموم أن يفتح عليه كما لو نسي سجدة لزمهم تنبيهه بالتسبيح، فان عجز عن اتمام الفاتحة فله أن يستخلف من يصلي بهم، وكذلك لو عجز في أثناء الصلاة عن ركن يمنع الائتمام به كالركوع فانه يستخلف من يتم بهم كما لو سبقه الحدث، بل الاستخلاف ههنا أولى لان من سبقه الحدث قد بطلت صلاته وهذا صلاته صحيحة، وإذا لم يقدر على اتمام الفاتحة فقال ابن عقيل يأتي بما يحسن ويسقط عنه ما عجز عنه وتصح صلاته لان القراءة ركن من أركان الصلاة فإذا عجز عنه في أثناء الصلاة سقط كالقيام، فأما المأموم فان كان أميا صحت صلاته أيضا، وإن كان قارئا نوى مفارقته وصلى وحده ولا يصح له اتمام الصلاة خلفه لان هذا قد صار في حكم الامي، قال شيخنا والصحيح أنه إذا لم يقدر على قراءة الفاتحة تفسد صلاته لانه قادر على الصلاة بقراءتها فلم تصح صلاته لعموم قوله عليه السلام " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " ولا يصح قياس هذا على الامي لان الامي لو قدر على تعلمها قبل خروج الوقت لم تصح صلاته بدونها وهذا يمكنه أن يخرج فيسأل عما وقف فيه ويصلي، ولا يصح قياسه على أركان الافعال لان خروجه من الصلاة لا يزيل عجزه عنها بخلاف هذا

[ 617 ]

(فصل) ويكره أن يفتح من هو في الصلاة على من هو في صلاة أخرى أو على من ليس في صلاة لان ذلك يشغله عن صلاته وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " ان في الصلاة لشغلا " فان فعل لم تبطل صلاته لانه قرآن انما قصد قراءته دون خطاب الآدمي أشبه مالو رد على امامه. وقال ابن عقيل في المصلي إذا رد على من ليس في الصلاة إن كان في النفل فلا بأس، وإن كان في الفرض فهل تبطل صلاته؟ يخرج على روايتين فأما غير المصلي فلا بأس ان يفتح على المصلي وقد روى النجاد باسناده قال كنت قاعدا بمكة فإذا رجل عند المقام يصلي وإذا رجل قاعد خلفه يلقنه فإذا هو عمر رضي الله عنه (مسألة) (وإذا نابه شئ مثل سهو امامه أو استئذان إنسان عليه سبح إن كان رجلا وان كانت امرأة صفحت ببطن كفها على الاخرى) وجملته انه إذا سها الامام فأتى بفعل في غير موضعه لزم المأمومين تنبيهه، فان كانوا رجالا سبحوا به، وان كانوا نساء صفقن ببطون أكفهن على ظهر الاخرى وبه قال الشافعي، وقال مالك: يسبح الرجل والنساء لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من نابه شئ في صلاته فليسبح الرجال ولتصفح النساء " متفق عليه ولنا ما روى سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا نابكم شئ في صلاتكم فليسبح الرجال، ولتصفح النساء " متفق عليه (فصل) وإذا سبح لتنبيه إمامه أو لاستئذان انسان عليه وهو في الصلاة أو كلمه بشئ أو نابه

[ 618 ]

أمر في صلاته فسبح ليعلمه انه في صلاة أو خشي على انسان الوقوع في شئ فسبح به، أو خشي أن يتلف بشئ فسبح ليتركه أو ترك إمامه ذكرا فرفع صوته به ليذكره لم يؤثر في الصلاة في قول أكثر أهل العلم منهم الاوزاعي والشافعي وإسحاق. وحكي عن أبي حنيفة: ان تنبيه الآدمي بالتسبيح أو القرآن أو الاشارة يبطل الصلاة لان ذلك خطاب آدمي فيدخل في عموم أحاديث النهي عن الكلام لانه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من أشار في الصلاة إشارة تفقه أو تفهم فقد قطع الصلاة " ولنا ما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء " متفق عليه، ولما ذكرنا من حديث سهل بن سعد: وعن ابن عمر قال: قلت لبلال كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه في الصلاة؟ قال: كان يشير بيده. وعن صهيب قال: مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسلمت فرد علي إشارة قال الترمذي كلا الحديثين صحيح. وقد ذكرنا حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشير في الصلاة رواه أبو داود. وعن علي قال: كنت إذا استأذنت على النبي صلى الله عليه وسلم فان كان في صلاة سبح، وان كان في غير صلاة أذن، وحديث أبي حنيفة يروية أبو غطفان وهو مجهول فلا تعارض به الاحاديث الصحيحة (فصل) فان عطس في الصلاة فقال: الحمد لله، أو لسعه شئ فقال بسم الله، أو سمع أو

[ 619 ]

رأى ما يغمه فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون. أو رأى ما يعجبه فقال سبحان الله - كره له ذلك ولم تبطل الصلاة، نص عليه أحمد في رواية الجماعة فيمن عطس فحمد الله لم تبطل صلاته. ونقل عنه مهنا فيمن قيل له في الصلاة ولد لك غلام فقال: الحمد لله. أو قيل احترق دكانك فقال: لا إله إلا الله، أو ذهب كيسك فقال لا حول ولا قوة إلا بالله فقد مضت صلاته وهذا قول الشافعي وأبي يوسف لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال له رجل من الخوارج وهو في صلاة الغداة (لئن أشركت ليحبطن عملك) الآية قال فأنصت له حتى فهم ثم أجابه وهو في الصلاه (فاصبر إن وعد الله حق) الآية رواه النجاد باسناده، واحتج به أحمد، وقال أبو حنيفة: تفسد صلاته لانه كلام آدمي، وقد روي نحو ذلك عن أحمد فانه قال: فيمن قيل له ولد لك غلام فقال: الحمد لله رب العالمين، أو ذكر مصيبة فقال (إنا لله وإنا إليه راجعون) قال يعيد الصلاة قال القاضي هذا محمول على من قصد خطاب الآدمي، ووجه الاول ما ذكرنا من حديث علي، وروى عامر بن ربيعة قال عطس شاب من الانصار خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فقال: الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه حتى يرضى ربنا وبعد ما يرضى من أمر الدنيا والآخرة. فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من القائل الكلمة؟ فانه لم يقل بأسا ما تناهت دون العرش " رواه أبو داود، ولان ما لا يبطل الصلاة ابتداء لا يبطلها إذا أتي به عقيب سبب كالتسبيح لتنبيه إمامه قال الخلال: اتفقوا عن أبي عبد الله

[ 620 ]

ان العاطس لا يرفع صوته بالحمد، وان رفع فلا بأس لحديث الانصاري. قال أحمد: في الامام يقول لا إله إلا الله فيقول من خلفه لا إله الا الله يرفعون بها أصواتهم قال: يقولون ولكن يخفضون. وانما لم يكره أحمد ذلك كما كره القراءة خلف الامام لانه يسير لا يمنع الانصات كالتأمين. قيل لاحمد فان رفعوا أصواتهم بهذا؟ قال: أكرهه قيل فينهاهم الامام؟ قال لا. قال القاضي: انما لم ينههم لانه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يسمعهم الآية أحيانا في صلاة الاخفات (فصل) قيل لاحمد إذا قرأ (أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى) هل يقول سبحان ربي الاعلى؟ قال ان شاء والا فيما بينه وبين نفسه ولا يجهر به، وقد روي عن علي أنه قرأ في الصلاة (سبح اسم ربك الاعلى) فقال سبحان ربي الاعلى. ومن ابن عباس أنه قرأ (أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى) فقال: سبحانك وبلى، وعن موسى بن أبي عائشة قال: كان رجل يصلي فوق بيته فكان إذا قرأ (أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى قال: سبحانك فبلى، فسألوه عن ذلك فقال سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه أبو داود (فصل) فان قرأ القرآن يقصد به تنبيه آدمي مثل أن يستأذن عليه فيقول (ادخلوها بسلام آمنين) أو يقولون لرجل اسمه يحيى (يا يحيى خذ الكتاب بقوة) فقد روي عن أحمد أنه يبطل الصلاة، وهو قول أبي حنيفة لانه خطاب آدمي أشبه ما لو كلمه. وروي عنه ما يدل على أنها لا تبطل فانه احتج

[ 621 ]

بحديث علي مع الخارجي قال له (اصبر ان وعد الله حق) وروي نحو هذا عن ابن مسعود وابن أبي ليلى، فروى الخلال باسناده عن عطاء بن السائب قال: استأذنا على عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو يصلي فقال (ادخلوا مصر ان شاء الله آمنين) ولانه قرآن فلم يفسد الصلاة كما لو لم يقصد به التنبيه، وقال القاضي: ان قصد التلاوة حسب لم تفسد صلاته، وان حصل التنبيه، وان قصد التنبيه حسب فسدت صلاته لانه خاطب آدميا، وان قصدهما ففيه وجهان (أحدهما) لا تفسد وهو مذهب الشافعي لما ذكرنا من الآثار والمعنى (والثاني) تفسد صلاته لانه خاطب آدميا أشبه ما لو لم يقصد التلاوة. فأما ان أتى بما لا يتميز به القرآن عن غيره كقوله لرجل اسمه ابراهيم يا ابراهيم ونحوه فسدت صلاته لان هذا كلام الناس ولم يتميز عن كلامهم بما يتميز به القرآن أشبه مالو جمع بين كلمات مفرقة من القرآن فقال يا ابراهيم خذ الكتاب الكبير (مسألة) (وان بدره البصاق بصق في ثوبه، وان كان في غير المسجد جاز أن يبصق عن يساره أو تحت قدمه) لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في قبلة المسجد فأقبل على الناس فقال " ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه فيتنخع أمامه، أيحب أحدكم أن يستقبل فينتخع في وجهه؟ فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره أو تحت قدمه فان لم يجد فليقل هكذا " ووصف القاسم فتفل في ثوبه ثم مسح بعضه على بعض. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " البصاق في المسجد

[ 622 ]

خطيئة وكفارتها دفنها " رواه مسلم (1) (مسألة) (ويستحب أن يصلي إلى سترة مثل آخرة الرحل) يستحب للمصلي الصلاة إلى سترة فان كان في مسجد أو بيت صلى إلى الحائط أو إلى سارية، وان كان في فضاء صلى إلى شئ شاخص بين يديه إما إلى حربة أو عصا أو يعرض البعير فيصلي إليه، لا نعلم في استحباب ذلك خلافا وسواه ذلك في الحضر والسفر لان النبي صلى الله عليه وسلم كانت تركز له الحربة فيصلي إليها، ويعرض البعير فيصلي إليه. وفي حديث أبي جحيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم ركزت له عنزة فتقدم فصلى الظهر ركعتين يمر بين يديه الحمار والكلب لا يمنع، متفق عليه. وعن طلحة بن عبيد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرجل فليصل ولا يبال من مر من وراء ذلك " رواه مسلم (فصل) وقدر طولها ذراع أو نحوه يروى ذلك عن عطاء والثوري واصحاب الرأي، وعنه انها قدر عظم الذراع وهو قول مالك والشافعي وهذا ظاهر التقريب لان النبي صلى الله عليه وسلم قدرها بمؤخرة الرحل وهي تختلف فتارة تكون ذراعا وتارة تكون أقل فما قارب الذراع أجزاء الاستتار به فأما قدرها في الغلط فلا نعلم فيه حدا فقد تكون غليظة كالحائط ورقيقة كالسهم فان النبي صلى الله عليه


1) لعل الاصل رواهما مسلم والا فاثاني متفق عليه وهو في الصحيحين بلفظ البزاق بالزاي

[ 623 ]

وسلم كان يستتر بالعنزة، وقال أبو سعيد كان يستتر بالسهم والحجر في الصلاة الا أن أحمد قال ما كان أعرض فهو أعجب إلي لما روي عن سبرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " استتروا في الصلاة ولو بسهم " رواه الاثرم، فقوله " ولو بسهم " يدل على أن غيره أولى منه (فصل) ويستحب أن يدنو من سترته لما روى سهل بن أبي حثمة يرفعه أنه قال " إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها لا يقطع الشيطان عليه صلاته " رواه أبو داود، وعن سهل بن سعد قال: كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين السترة ممر الشاة، رواه البخاري. ولان قربه من السترة أصون لصلاته وأبعد من أن يمر بينه وبينها شئ، وينبغي أن يكون مقدار ذلك ثلاثة أذرع فما دون قال أحمد ان ابن عمر قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم في الكعبة فكان بينه وبين الحائط ثلاثة أذرع، وكان عبد الله بن مغفل يجعل بينه وبين سترته ستة اذرع، وقال عطاء أقل ما يكفيك ثلاثة أذرع وهو قول الشافعي لخبر ابن عمر، وكلما دنا فهو أفضل لما ذكرنا من الاخبار والمعنى، قال مهنا سألت أحمد عن الرجل يصلي كم ينبغي أن يكون بينه وبين القبلة؟ قال يدنو من القبلة ما استطاع (فصل) ولا بأس أن يستتر ببعير أو حيوان فعله ابن عمر وأنس، وقال الشافعي لا يستتر بدابة

[ 624 ]

ولنا ما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى بعير، رواه البخاري، وفي لفظ قال: قلت فإذا ذهب الركاب قال: كان يعرض الرحل ويصلي إلى آخرته، فان استتر بانسان فلا بأس لانه يقوم مقامه، وقد روي عن حميد بن هلال قال: رأى عمر بن الخطاب رجلا يصلي والناس يمرون بين يديه فولاه ظهره وقال بثوبه هكذا - وبسط يديه هكذا - وقال صل ولا تعجل، وعن نافع كان ابن عمر إذا لم يجد سبيلا إلى سارية من سواري المسجد قال لنافع ولني ظهرك، رواهما النجاد. فأما الصلاة إلى وجه الانسان فتكره لان عمر أدب على ذلك، وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي حذاء وسط السرير وأنا مضطجعة بينه وبين القبلة، تكون لي الحاجة فأكره أن أقوم فأستقبله فأنسل انسلالا، متفق عليه (مسألة) (فان لم يجد خط خطا وصلى إليه وقام ذلك مقام السترة) نص عليه احمد وبه قال سعيد ابن جبير والاوزاعي، وأنكره مالك والليث وأبو حنيفة، وقال الشافعي بالخط بالعراق وقال بمصر لا يخط المصلي خط إلا أن يكون فيه سنة تتبع

[ 625 ]

ولنا ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا فان لم يجد فلينصب عصا فان لم يكن معه عصا فليخط خطا ثم لا يضره من مر أمامه (1) " رواه أبو داود وصفة الخط مثل الهلال. قال أبو داود: سمعت أحمد غير مرة وسئل عن الخط فقال هكذا عرضا مثل الهلال قال وسمعت مسددا قال: قال ابن أبي داود الخط بالطول وقال في رواية الاثرم قالوا طولا وقالوا عرضا وأما أنا فاختار هذا ودور بأصبعه مثل القنطرة وكيفما خطه أجزأ لان الحديث مطلق فكيفما أتى به فقد أتى بالخط والله اعلم (فصل) فان كا معه عصا لا يمكنه نصبها القاها بين يديه عرضا نقله الاثرم، وكذلك قال سعيد ابن جبير والاوزاعي، وكرهه النخعي ولنا أن هذا في معنى الخط الذي ثبت استحبابه بالحديث الذي رويناه (فصل) وإذا صلى إلى عود أو عمود أو نحوه استحب ان ينحرف عنه ولا يصمد له لما روى ابو داود عن المقداد بن الاسود قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى إلى عود أو إلى


1) هذا لفظ ابن حبان ولم يذكره المصف ولفظ أبي داود (ما مر) وهو أعم

[ 626 ]

عمود ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الايمن أو الايسر ولا يصمد له صمدا؟ أي لا يستقبله فيجعله وسطا، ومعنى الصمد القصد (فصل) وتكره الصلاة إلى المتحدثين لئلا يشتغل بحديثهم، واختلف في الصلاة إلى النائم فروي أنه يكره روي ذلك عن ابن مسعود وسعيد بن جبير. وعنه ما يدل على أنه انما يكره في الفريضة خاصة لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل وعائشة معترضة بين يديه كاعتراض الجنازة متفق عليه، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة إلى النائم والمتحدث، رواه أبو داود خرج التطوع منه لحديث عائشة وبقي الفرض على مقتضى العموم. وقيل لا يكره فيهما لان حديث عائشة صحيح، وحديث النهي ضعيف، قاله الخطابي، وتقديم قياس الخبر الصحيح أولى من الضعيف. ويكره أن يصلي إلى نار قال أحمد: إذا كان التنور في قبلته لا يصلي إليه، وكره ابن سيرين ذلك. قال أحمد في السراج والقنديل يكون في القبلة: أكرهه، وأما كره ذلك لان النار تعبد من دون الله فالصلاة إليها تشبه الصلاة لها، وقال أحمد: لا تصل الي صور منصوبة في وجهك

[ 627 ]

وذلك لان الصورة تعبد من دون الله، وقد روي عن عائشة قالت: كان التابوت فيه تصاوير فجعلته بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فنهاني أو قالت كره ذلك، رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم باسناده، ولان المصلي يشتغل بها عن صلاته. قال احمد: يكره أن يكون في القبلة شئ معلق مصحف أو غيره، ولا بأس أن يكون موضوعا إلى الارض، وروى مجاهد قال: لم يكن ابن عمر يدع بينه وبين القبلة شيئا إلا نزعه لا سيفا ولا مصحفا، رواه الخلال. قال احمد: ولا يكتب في القبلة شئ لانه يشغل قلب المصلي وربما اشتغل بقراءته عن الصلاة، وكذلك يكره التزويق وكل ما يشغل المصلي عن صلاته فانه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعائشة " أميطي عنا قرامك فانه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي " رواه البخاري، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم مع ما أيده الله به من العصمة والخشوع يشغله ذلك فغيره من الناس أولى، ويكره أن يصلي وأمامه امرأة تصلي لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " أخروهن من حيث أخرهن الله " وإن كانت عن يمينه أو يساره لم يكره وإن كانت تصلى، وكره احمد أن يصلي وبين يديه كافر، وروي عن إسحاق لان المشركين نجس

[ 628 ]

(فصل) ولا بأس أن يصلي بمكة إلى غير سترة روي ذلك عن ابن الزبير وعطاء ومجاهد وقال الاثرم: قيل لاحمد الرجل يصلي بمكة ولا يستتر بشئ فقال: قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى ثم ليس بينه وبين الطواف سترة قال احمد: لان مكة ليست كغيرها لما روى الاثرم باسناده عن المطلب قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من سبعة جاء حتى يحاذي الركن بينه وبين السقيفة فصلى ركعته في حاشية المطاف وليس بينه وبين الطواف أحد. وقال عمار بن أبي عمار رأيت ابن الزبير جاء يصلي والطواف بينه وبين القبلة، تمر المرأة بين يديه فينتظرها حتى تمر ثم يضع جبهته في موضع قدمها، رواه حنبل في كتاب المناسك. قال المعتمر: قلت لطاوس الرجل يصلي ركعتين بمكة فيمر بين يديه الرجل والمرأة فقال: أولا ترى الناس يبك بعضه بعضا وإذا هو يرى ان لهذا البلد حالا ليس لغيره، وذلك لا الناس يكثرون بها لاجل قضاء النسك ويزدحمون فيها ولذلك سميت بكة لان الناس يتباكون فيها أي يزدحمون ويدفع بعضهم بعضا فلو منع المصلي من يجتاز بين يديه لضاق على الناس. وحكم الحرم كله حكم مكة في هذا بدليل قول ابن عباس: أقبلت راكبا على حمار

[ 629 ]

أتان والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس إلى غير جدار، متفق عليه، ولان الحرم كله محل المشاعر والمناسك فجرى مجرى مكة في ذلك (فصل) فان صلى في غير مكة إلى غير سترة فلا بأس لما روى ابن عباس قال صلى النبي صلى الله عليه وسلم في قضاء ليس بين يديه شئ، رواه البخاري، قال أحمد في رجل يصلي في فضاء ليس بين يديه سترة ولا خط: صلاته جائزة فأحب إلى أن يفعل (مسألة) (فان مر من ورائها شئ لم يكره حتى لو صلى إلى سترة فمر من ورائها ما يقطع الصلاة لم تنقطع وان مر غير ذلك لم يكره) لما ذكرنا من الاحاديث وان مر بينه وبينها قطعها ان كان مما يقطعها وكره ان كان مما لا يقطعها (مسألة) (وإن لم يكن سترة فمر بين يديه الكلب الاسود البهيم بطلت صلاته وفي المرأة والحمار روايتان) اذا مر الكلب الاسود بين يدي المصلي قريبا منه قطع صلاته بغير خلاف في المذهب، وهذا قول عائشة وروي عن معاذ ومجاهد والبهيم الذي ليس في لونه شئ سوى السواد لما روى أبو ذر

[ 630 ]

قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا قام أحدكم يصلي فانه يستره مثل آخرة الرحل فان لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل فانه يقطع صلاته المرأة والحمار والكلب الاسود " قال عبد الله بن الصامت يا أبا ذر ما بال الكلب الاسود من الكلب الاحمر من الكلب الاصفر؟ فقال يا ابن أخي سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني فقال " الكلب الاسود شيطان " رواه مسلم وأبو داود وغيرهما، وفي المرأة والحمار روايتان (احداهما) لا يقطع الصلاة الا الكلب الاسود نقلها عنه الجماعة وهو قول عائشة لما روى الفضل بن عباس قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في بادية فصلى في صحراء ليس بين يديه سترة وحمار لنا وكلبة يعبثان بين يديه فما بالى ذلك. رواه أبو داود. وعن ابن عباس قال أقبلت راكبا على حمار اتان والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بمنى إلى غير جدار فمررت بين يدي بعض الصف فنزلت وأرسلت الاتان ترتع فدخلت في الصف فلم ينكر علي أحد. وقالت عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاته من الليل كلها وأنا معترضة بينه وبين القبلة، متفق عليهما وقد ذكرنا

[ 631 ]

حديث زينب بنت أبي سلمة حين مرت بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فلم تقطع صلاته، رواه ابن ماجه، (والثانية) ان المرأة والحمار يقطعان الصلاه لما ذكرنا من حديث أبي ذر: وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب " رواه مسلم. فأما حديث عائشة فقد قيل ليس بحجة لان حكم الوقوع يخالف حكم المرور بدليل كراهة المرور بين يدي المصلي بخلاف الاعتراض. وحديث ابن عباس ليس فيه إلا أنه مر بين يدي بعض الصف، وسترة الامام سترة لمن خلفه. روي هذا القول عن أنس لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي إلى سترة ولم ينقل أنه أمر أصحابه بنصب سترة أخرى. وحديث الفضل بن عباس في إسناده مقال ويجوز أن يكونا بعيدين. وقال مالك والثوري وأصحاب الرأي والشافعي لا يقطع الصلاة شئ لما ذكرنا من الاحاديث ولما روى أبو سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا يقطع الصلاة شئ " رواه أبو داود

[ 632 ]

ولنا حديث أبي هريرة وأبي ذر، وقد أجبنا عن الاحاديث المتقدمة. وحديث أبي سعيد يرويه مجالد وهو ضعيف فلا يعارض به الصحيح وهو عام وأحاديثنا خاصة فيجب تقديمها (فصل) ولا يقطع الصلاة غير ما ذكرنا لان تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم لها بالذكر يدل على عدمه فيما سواها، وقال ابن حامد: هل يقطع الصلاة مرور الشيطان؟ على وجهين (أحدهما) يقطع وهو قول بعض اصحابنا لتعليل النبي صلى الله عليه وسلم قطع الكلب الصلاة بكونه شيطانا (والثاني) لا يقطع اختاره القاضي، ومتي كان في الكلب الاسود لون غير السواد لم يقطع الصلاة وليس ببهيم إلا أن يكون بين عينيه نكتتان تخالفان لونه فلا يخرج بهما عن اسم البهيم. وأحكامه في قطعه الصلاة وتحريم صيده وإباحة قتله لانه قد روي في حديث " عليكم بالاسود البهيم ذي القرنين فانه شيطان " وانما خصصنا قطع الصلاة بالاسود البهيم لان النبي صلى الله عليه وسلم سماه شيطانا في

[ 633 ]

حديث أبي ذر، وقال عليه السلام " لولا أن الكلاب أمة من الامم لامرت بقتلها فاقتلوا منها كل أسود بهيم فانه شيطان " فبين أن الشيطان هو الاسود البهيم (فصل) ولا فرق بين الفرض والتطوع فيما ذكرنا لعموم الادلة، وقد روي عن أحمد ما يدل على التسهيل في التطوع. والصحيح التسوية لان مبطلات الصلاة في غير هذا يتساوى فيها الفرض والتطوع، وقال أحمد يحتجون بحديث عائشة بأنه في التطوع وما أعلم بين الفريضة والتطوع فرقا الا أن التطوع يصلى على الدابة (فصل) فان كان الكلب الاسود البهيم واقفا بين يديه أو نائما ولم يمر ففيه روايتان (احداهما) يبطل قياسا على المرور ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال " يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب " ولم يذكر مرورا، وقد قالت عائشة: عدلتمونا بالكلاب والحمر، وذكرت في معارضة ذلك ودفعه انها

[ 634 ]

كانت تكون معترضة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم كاعتراض الجنازة (والثانية) لا تبطل به الصلاة لان الوقوف والنوم مخالف لحكم المرور بدليل أن عائشة كانت تنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يكرهه ولا ينكره، وقد قال في المار " كان أن يقف أربعين خير له من أن يمر بين يديه " وكان ابن عمر يقول لنافع: ولني ظهرك ليستتر ممن يمر بين يديه، وقعد عمر بين يدي المصلي يستره من المرور، وإذا اختلف حكم الوقوف والمرور فلا يقاس عليه وقول النبي صلى الله عليه وسلم " يقطع الصلاة " لابد فيه من اضمار المرور أو غيره فانه لا يقطعها الا بفعله، وقد جاء في بعض الاخبار فيتعين حمله عليه (فصل) والذي يقطع الصلاة مروره انما يقطعها إذا مر قريبا والذي لا يقطع الصلاة انما يكره له المرور إذا كان قريبا أيضا فأما البعيد فلا يتعلق به حكم، قال شيخنا ولا أعلم أحدا من أهل العلم

[ 635 ]

حد البعيد في ذلك ولا القريب الا أن عكرمة قال: إذا كان بينك وبين الذي يقطع الصلاة قذفة بحجر لم يقطع الصلاة وروى أبو داود وعبد بن حميد عن ابن عباس قال: أحسبه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " إذا صلى احدكم إلى غير سترة فانه يقطع صلاته الكلب والحمار والخنزير والمجوسي واليهودي والمرأة ويجزئ عنه إذا مروا وبين يديه قذفة بحجر " هذا لفظ رواية أبي داود وفي رواية عبد " والنصراني والمرأة الحائض " فلو ثبت هذا الحديث تعين المصير إليه غير أنه لم يجزم برفعه، وفيه ما هو متروك بالاجماع وهو ما عدا الثلاثة المذكورة ولا يمكن تقييد ذلك بموضع السجود كما قال بعضهم، فان قوله عليه السلام " إذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل قطع صلاته الكلب الاسود " يدل على أن ما هو أبعد من السترة تنقطع فيه بمرور الكلب، والسترة تكون أبعد من موضع السجود. قال شيخنا: والصحيح تحديد ذلك بما إذا مشى إليه المصلي ودفع المار بين يديه لا بطل

[ 636 ]

صلاته لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بدفع المار بين يديه فتقيد بدلالة الاجماع بما يقرب منه بحيث إذا مشى إليه لا تبطل صلاته، واللفظ في الحديثين واحد، وقد تعذر حملهما على الاطلاق، وقد تقيد أحدهما بالاجماع فينبغي أن يقيد الآخر به والله أعلم (فصل) وإذا صلى إلى سترة مغصوبة فاجتاز وراءها ما يقطع الصلاة قطعها في أحد الوجهين ذكرهما ابن حامد لانه ممنوع من نصبها والصلاة إليها فوجودها كعدمها (والثاني) لا تبطل لقول النبي صلى الله عليه وسلم " كفى ذلك مثل آخرة الرحل " وقد وجد وأصل الوجهين إذا صلى في ثوب مغصوب وفيه روايتان (فصل) وسترة الامام سترة لمن خلفه، نص عليه أحمد، وروي عن ابن عمر قال الترمذي: قال أهل العلم سترة الامام سترة لمن خلفه وهو قول الفقهاء السبعة والنخعي ومالك والشافعي وغيرهم لان النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى سترة ولم يأمر أصحابه بنصب سترة أخرى وفي حديث ابن عباس

[ 637 ]

قال: أقبلت على حمار أتان والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف فنزلت وأرسلت الاتان يرتع ودخلت في الصف فلم ينكر علي أحد، متفق عليه، ومعنى قولهم سترة الامام سترة لمن خلفه أنه متى لم يحل بين الامام وسترته شئ يقطع الصلاة لم يضر المأمومين مرور شئ بين أيديهم في بعض الصف ولا فيما بينهم وبين الامام، وإن مر بين يدي الامام ما يقطع صلاته قطع صلاتهم، وقد دل على ذلك ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: هبطنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من ثنية أذاخر فحضرت الصلاة يعني إلى جدار فاتخذه قبلة ونحن خلفه فجاءت بهمة تمر بين يديه فما زال يدارئها حتى لصق بطنه بالجدار فمرت من وراثه، رواه أبو داود فلولا أن سترته سترة لهم لم يكن بين مرورها بين يديه وخلفه فرق (مسألة) (ويجوز له النظر في المصحف) يجوز له النظر في المصحف في صلاة التطوع قال أحمد

[ 638 ]

لا بأس أن يصلي بالناس القيام وهو يقرأ في المصحف قيل له الفريضة؟ قال لم أسمع فيها بشئ وسئل الزهري عن رجل يقرأ في رمضان في المصحف فقال: كان خيارنا يقرءون في المصاحف، روي عن عطاء ويحيى الانصاري، ورويت كراهته عن سعيد بن المسيب والحسن ومجاهد وابراهيم لانه يشغل عن الخشوع في الصلاة، وقال القاضي: لا بأس به في التطوع إذا لم يحفظ، فان كان حافظا كره لان أحمد سئل عن الامامة في المصحف في رمضان قال إن اضطر إلى ذلك، وقال أبو حنيفة تبطل الصلاة إذا لم يكن حافظا لانه عمل طويل، وروي عن ابن عباس قال: نهانا أمير المؤمنين أن نؤم الناس في المصاحف وأن يؤمنا الا محتلم. رواه أبو بكر بن أبي داود في كتاب المصاحف ولنا أن عائشة كان يؤمها عبد لها في المصحف، رواه الاثرم، وقول الزهري: ولانه نظر إلى موضع معين فلم نبطل الصلاة كالحافظ، واما فعله في الفرض ففيه روايتان (احداهما) يكره اختاره

[ 639 ]

القاضي لانه يشغل عن خشوع الصلاه ولا يحتاج إليه (والثانية) لا يكره، ذكره ابن حامد. وقال القاضي في المجرد: ان قرأ في التطوع في المصحف لم تبطل صلاته وإن فعل ذلك في الفريضة فهل يجوز؟ على روايتين (فصل) وإذا قرأ في كتاب في نفسه ولم ينطق بلسانه فقد نقل المروذي عن أحمد أنه كان يصلي وهو ينظر إلى جزء إلى جانبه، فظاهره أن الصلاة لا تبطل. وقال جماعة من أصحابنا تبطل الصلاة إذا تطاول: وكان ابن حامد يقول: إذا طال عمل القلب أبطل كعمل اليدين. والمذهب أن الصلاة لا تبطل ذكره القاضي (مسألة) (وإذا مرت به آية رحمة أن يسألها أو آية عذاب أن يستعيذ منها، وعنه يكره ذلك في الفرض) لا بأس بذلك في صلاة التطوع لان حذيفة روى أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله. فأما الفريضة فعنه إباحته فيها كالنافلة لانه دعاء وخير. وعنه الكراهة لانه انما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم

[ 640 ]

في النافلة فينبغي الاقتصار عليه والله أعلم (فصل) قال رحمه الله (أركان الصلاة اثنا عشر، القيام وتكبيرة الاحرام، وقراءة الفاتحة، والركوع، والاعتدال منه، والسجود، والجلوس بين السجدتين، والطمأنينة في هذه الافعال، والتشهد الاخير، والجلوس له، والتسليمة الاولى، والترتيب، من ترك منها شيئا عمدا بطلت صلاته) المشروع في الصلاة قسمان. واجب ومسنون، والواجب ينقسم إلى قسمين (أحدهما) لا يسقط في عمد ولا سهو، وهي الاركان التي ذكرها المصنف، إلا أن قراءة الفاتحة انما تجب على الامام والمنرد والقيام يسقط في النافلة، وفي وجوب بعضها اختلاف ذكرناه، وقد ذكرنا أدلتها في أثناء الباب سوى الترتيب ويدل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها مرتبة وقال " صلوا كما رأيتموني أصلي " وقد دل على وجوب أكثرها ماروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فدخل رجل

[ 641 ]

فصلى ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال " ارجع فصل فانك لم تصل " ثلاثا فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني قال " إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن؟؟؟، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا. ثم افعل ذلك في صلاتك كلها " متفق عليه وزاد مسلم " إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر " فدل ذلك على أن هذه المسماة في الحديث لا تسقط بحال فانها لو سقطت لسقطت عن الاعرابي لجهله، والجاهل كالناسي. فأما أحكام تركها فان كان عمدا بطلت صلاته في الحال، وان كان سهوا ثم ذكره في الصلاة أتى به على ما سنذكره ان شاء الله. وان لم يذكره حتى سلم وطال الفصل بطلت الصلاة وان لم يطل الفصل بنى على ما مضى من صلاته نص عليه أحمد في رواية جماعة وهو قول الشافعي. وقال بعض أصحابنا

[ 642 ]

متى لم يذكره حتى سلم بطلت صلاته. وقال الاوزاعي فيمن نسي سجدة من صلاة الظهر فذكرها في صلاة العصر: يمضي في صلاته فإذا فرغ سجدها ولنا على أن الصلاة لا تبطل مع قرب الفصل انه لو ترك ركعة أو كبر وذكر قبل طول الفصل أتى بما ترك ولم تبطل صلاته إجماعا وقد دل على ذلك حديث ذي اليدين، فإذا ترك ركنا واحدا فأولى أن لا تبطل. والدليل على أن الصلاة تبطل بطول الفصل أنه أخل بالموالاة فبطلت صلاته كما لو ذكر في يوم ثان والمرجع في طول الفصل إلى العرف وبه قال بعض الشافعية. وقال بعضهم الفصل الطويل قدر ركعة وهو نص الشافعي. وقال الخرقي في سجود السهو إذا تركه يسجد ما كان في المسجد لانه محل للصلاة فيحد قرب الفصل وبعده به. والاولى حده بالعرف لانه لا حد له في الشرع فرجع فيه إلى العرف كسائر ما لاحد له ولا يجوز التقدير بالتحكم

[ 643 ]

(فصل) ومتى كان المتروك سالما أتى به فحسب، وإن كان تشهدا أتى به وبالسلام، وإن كان غيرهما أتى بركعة كاملة. وقال الشافعي يأتي بالركن وما بعده لا غير. ويأتي الكلام عليه إن شاء الله وتختص تكبيرة الاحرام من بين سائر الاركان لان الصلاة لا تنعقد بتركها لانها تحريمها فلا يدخل في الصلاة بدونها، ويختص السلام بأنه إذا نسيه أتى به وحده وقد ذكرناه (مسألة) (وواجباتها تسعة: التكبير غير تكبيرة الاحرام، والتسبيح في الركوع والسجود مرة مرة، والتسميع والتحميد في الرفع من الركوع، وسؤال المغفرة بين السجدتين مرة، والتشهد الاول، والجلوس له، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الاخير في رواية) هذا هو القسم الثاني من الواجبات، وفي وجوبها روايتان (احداهما) هي واجبة وهو قول إسحاق (والرواية الثانية)

[ 644 ]

انها غير واجبة وهو قول أكثر الفقهاء إلا أن الشافعي قال بوجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وجعلها من الاركان وهو رواية عن أحمد لحديث كعب بن عجرة، ودليل عدم وجوبها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلمها المسئ في صلاته ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله وقال " صلوا كما رأيتموني أصلي " وقد روى أبو داود باسناده عن علي بن يحيى بن خلاد عن عمه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا تتم الصلاة لاحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء مواضعه، ثم يكبر ويحمد الله ويثني عليه، ويقرأ بما شاء من القرآن، ثم يقول الله أكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائما

[ 645 ]

ثم يقول الله أكبر ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول الله أكبر ويرفع رأسه حتى يستوي قاعدا ثم يقول الله أكبر ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع رأسه فيكبر، فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته " وفي رواية " لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك " وهذا نص في وجوب التكبير وقد ذكرنا

[ 646 ]

أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتسبيح في الركوع والسجود، ولان مواضع هذه الاركان أركان فكان فيها ذكر واجب كالقيام وقد أشرنا إلى أدلة الباقي منها. فأما حديث المسئ في صلاته فلم يذكر فيه جميع الواجبات بدليل أنه لم يعلمه التشهد ولا السلام، فلعله اقتصر على تعليم ما أساء فيه ولا يلزم

[ 647 ]

من التساوي في الوجوب التساوي في الاحكام بدليل واجبات الحج. وقد ذكر في الحديث الذي رويناه تعليم التكبير وهو زيادة يجب قبولها (مسألة) قال (ومن ترك منها شيئا عمدا بطلت صلاته، ومن تركه سهوا ترك للسهو. وعنه

[ 648 ]

أن هذه سنن لا تبطل الصلاة بتركها) وحكم هذه إذا قلنا بوجوبها أنه ان تركها عمدا بطلت صلاته لانها واجبة أشبهت الاركان، وان تركها سهوا جبرها بسجود السهو لان النبي صلى الله عليه وسلم لما قام إلى الثالثة وترك التشهد الاول سجد سجدتين قبل أن يسلم في حديث ابن نجيه ولولا أنه سقط

[ 649 ]

بالسهو لرجع إليه، ولولا أنه واجب لما سجد لجبره لانه لا يزيد في الصلاة زيادة محرمه لجبر ما ليس بواجب، وغير التشهد من الواجبات مقيس عليه، ولا يمتنع أن يكون لعبادة واجب يجبر إذا تركه وأركان لا تصح إلا بها كالحج، ويختص التسميع لسقوطه عن المأموم. وذكر ابن عقيل رواية فيمن

[ 650 ]

ترك شيئا من الواجبات ساهيا أن صلاته تبطل كالاركان. قال والاول أصح وهو أنها تنجبر بسجود السهو (مسألة) وسنن الاقوال اثنا عشر، الاستفتاح، والتعوذ، وقراءة بسم الله الرحمن الرحيم، وقول آمين، وقراءة السورة، والجهر، والاخفات، وقول مل ء السموات (1) بعد التحميد، وما زاد على


1) أي الخ الثناء المعروف

[ 651 ]

التسبيحة الواحدة في الركوع والسجود، وعلى المرة في سؤال المغفرة، والتعوذ في التشهد الاخير، والقنوت في الوتر، فهذه سنن لا تبطل الصلاة بتركها ولا يجب السجود لسهوها لان فعلها غير واجب فجبرها أولى وهل يشرع؟ على روايتين (احداهما) يشرع وهو مذهب مالك وأبي حنيفة في الامام إذا ترك الجهر. وقال الحسن والثوري والاوزاعي وأصحاب الرأي واسحاق: عليه سجود السهو إذا ترك قنوت

[ 652 ]

الوتر ناسيا لقوله عليه السلام " لكل سهو سجدتان " (والثانية) لا يشرع لان تركها عمدا يبطل الصلاة فلم يشرع لسهوها سجود كسنن الافعال وهذا قول الشافعي

[ 653 ]

(مسألة) (وما سوى هذا من سنن الافعال لا تبطل الصلاة بتركها ولا يشرع السجود لها)

[ 654 ]

فأما سنن الافعال فهي رفع اليدين عند الافتتاح والركوع والرفع منه ووضع اليمنى على اليسرى

[ 655 ]

وجعلها تحت السرة على ما ذكرنا من الاختلاف فيه، والنظر إلى موضع سجوده، ووضع اليدين على

[ 656 ]

الركبتين في الركوع، والتجافي في السجود، ومد ظهره معتدلا وجعله حيال رأسه، والبداءة بوضع

[ 657 ]

الركبتين قبل اليدين في السجود ووضع يديه حذو منكبيه واذنيه فيه ونصب قدميه وفتح اصابعهما

[ 658 ]

فيه، والجلوس والافتراش في الجلوس بين السجدتين، وفي التشهد الاول، والتورك في الثاني،

[ 659 ]

ووضع اليد اليمنى على الفخذ اليمنى مقبوضة محلفة، والاشارة بالسبابة، ووضع اليد اليسرى على الفخذ

[ 660 ]

اليسرى مبسوطة، والالتفات عن اليمين والشمال في التسليمتين، والسجود على الانف، وجلسة

[ 661 ]

الاستراحة ونية الخروج من الصلاة في سلامه على ما ذكرنا من الخلاف فيها، فهذه لا تبطل الصلاة بتركها عمدا ولا سهوا ولا يشرع السجود لها بحال لانه لا يمكن التحرز من تركها فلو شرع السجود لها

[ 662 ]

لم تخل صلاة من سجود في الغالب، وقال أبو الخطاب فيها روايتان وقال ابن عقيل يخرج في مشروعية السجود لسهوها روايتان بناء على سنن الاقوال والاول أولى

[ 663 ]

(القسم الثالث) من السنن ما يتعلق بالقلب وهو الخشوع في الصلاة، ونية الخروج وقد ذكرناه والله أعلم

[ 664 ]

(باب سجود السهو) قال الامام احمد يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم خمسه أشياء، سلم من اثنتين فسجد، وسلم من ثلاث فسجد، وفي الزيادة والنقصان، وقام من اثنتين ولم يتشهد. وقال الخطابي: المعتمد عند أهل العلم هذه الاحاديث الخمسة، حديثا ابن مسعود وأبي سعيد وأبي هريرة وابن بحينة (مسألة) قال (ولا يشرع في العمد وهو قول أبي حنيفة) وقال الشافعي: يسجد لترك التشهد والقنوت عمدا لان ما تعلق الجبر بسهوه تعلق بعمده كجبرانات الحج ولنا أن السجود يضاف إلى السهو فدل على اختصاصه به. والشرع انما ورد به فيه ولا يلزم من انجبار السهو به انجبار العمد لوجود العذر في السهو، وما ذكروه يبطل بزيادة ركن أو ركعة أو قيام في موضع جلوس (مسألة) (ويشرع السهو في زيادة ونقص وشك لان الشرع انما ورد به في ذلك) فأما حديث النفس فلا يشرع له سجود لان الشرع لم يرد به، ولانه لا يمكن التحرز منه وهو معفو عنه (مسألة) (للنافلة والفرض) لا فرق بين النافلة والفرض في سجود السهو أنه يشرع فيهما في قول عوام أهل العلم، وقال ابن سيرين: لا يشرع في النافلة ولنا عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين " وقوله " إذا نسي أحدكم فزاد أو نقص فليسجد سجدتين " ولانها صلاة ذات ركوع وسجود فشرع لها السجود كالفريضة

[ 665 ]

(فصل) ولا يشرع سجود السهو في صلاة الجنازة لانها لا سجود في صلبها ففي جبرها أولى ولا في سجود تلاوة لانه لو شرع كان الجبر زائدا على الاصل ولا في سجود السهو، نص عليه أحمد ولانه اجماع حكاه اسحاق لانه يفضي إلى التسلسل، ولو سها بعد سجود السهو لم يسجد لذلك والله أعلم (مسألة) (فمتى زاد فعلا من جنس الصلاة قياما أو قعودا أو ركوعا أو سجودا عمدا بطلت الصلاة، وإن كان سهوا سجد له) الزيادة في الصلاة تنقسم إلى قسمين، زيادة أقوال وزيادة أفعال وزيادة الافعال تتنوع نوعين (أحدهما) زيادة من جنس الصلاه مثل أن يقوم في موضع جلوس أو يجلس في موضع قيام أو يزيد ركعة أو ركنا، فان فعله عمدا بطلت صلاته اجماعا، وإن كان سهوا سجد له قليلا كان أو كثيرا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين " رواه مسلم (مسألة) (فان زاد ركعة فلم يعلم حتى فرغ منها سجد لها) لما روى عبد الله بن مسعود قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا فلما انفتل توشوش القوم بينهم فقال " ما شأنكم " قالوا يا رسول الله هل زيد في الصلاة؟ قال " لا " قالوا فانك صليت خمسا فانفتل ثم سجد سجدتين ثم سلم ثم قال " انما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين " وفي رواية قال " انما أنا بشر أذكر كما تذكرون، وأنسى كما تنسون " ثم سجد سجدتي السهو، وفي روايه قال " إذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين " رواه بطرقه مسلم

[ 666 ]

(مسألة) (وإن علم فيها جلس في الحال فتشهد إن لم يكن تشهد وسجد وسلم) متى قام إلى خامسة في الرباعية أو إلى رابعة في المغرب أو إلى الثالثة في الصبح لزمه الرجوع متى ذكر ويجلس فان كان قد تشهد عقيب الركعة التي تمت بها صلاته سجد للسهو ثم، وإن كان تشهد ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليه ثم سجد للسهو وسلم، وإن لم يكن تشهد تشهد وسجد للسهو ثم سلم وإن لم يذكر حتى فرغ من الصلاة سجد عقيب ذكره وتشهد وسلم وصحت صلاته، وبهذا قال علقمة والحسن وعطاء والزهري والنخعي ومالك والشافعي واسحاق. وقال أبو حنيفة: إن ذكر قبل أن يسجد جلس للتشهد، وإن ذكر بعد السجود وكان جلس عقيب الرابعة قدر التشهد صحت صلاته ويضيف إلى الزيادة أخرى لتكون نافلة. وإن لم يكن جلس بطل فرضه وصارت صلاته نافلة ولزمه إعادة الصلاة، ونحو قال حماد بن أبي سليمان، وقال قتادة والاوزاعي فيمن صلى المغرب أربعا: يضيف إليها أخرى فتكون الركعتان تطوعا لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد " فان كان صلى خمسا شفعن له صلاته " رواه مسلم ولنا حديث عبد الله بن مسعود الذي تقدم والظاهر منه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجلس عقيب الرابعة لان الظاهر أنه لو فعله لنقل، ولانه قام إلى الخامسة يعتقد أنه قام عن ثالثة لم تبطل صلاته بذلك ولم يضف إلى الخامسة أخرى. وحديث أبي سعيد حجة عليهم أيضا لانه جعل الزيادة

[ 667 ]

نافلة من غير أن يفصل بينها وبين التي قبلها بجلوس وجعل السجدتين يشفعها بها ولم يضم إليها ركعة أخرى وهذا كله يخالف ما قالوه فقد خالفوا الخبرين جميعا (فصل) ولو قام إلى الثالثة في صلاة الليل فهو كما لو قام إلى ثالثة في الفجر نص عليه أحمد، وقال مالك: يتمها أربعا ويسجد للسهو في الليل والنهار وهو قول الشافعي بالعراق. وقال الاوزاعي في صلاة النهار كقوله وفي صلاة الليل إن ذكر قبل ركوعه في الثالثة كقولنا وإن ذكر قبل ركوعه كقول مالك ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " صلاة الليل مثنى مثنى " ولانها صلاة شرعت ركعتين أشبهت صلاة الفجر، فأما صلاة النهار فيتمها أربعا (فصل) إذا جلس للتشهد في غير موضعه قدر جلسة الاستراحة فقال القاضي: يلزمه السجود سواء قلنا باستحباب جلسة الاستراحة أو لم نقل لانه لم يردها بجلوسه انما أراد التشهد سهوا. قال الشيخ ويحتمل أن لا يلزمه لانه فعل لا يبطل عمده صلاة فلم يسجد لسهوه كالعمل اليسير من غير جنس الصلاة (مسألة) (وإن سبح به اثنان لزمه الرجوع) متى سبح به اثنان يثق بقولهما لزمه الرجوع إليه سواء غلب على ظنه صواب قولهما أو خلافه. وقال الشافعي: ان غلب على ظنه خطؤهما لم يعمل بقولهما ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم رجع إلى قول أبي بكر وعمر في حديث ذي اليدين حين سألهما " أحق ما يقول ذو اليدين؟ " قالا نعم. ولان النبي صلى الله عليه وسلم أمر المأمومين بالتسبيح ليذكروا

[ 668 ]

الامام ويعمل بقولهم. وقال في حديث ابن مسعود " فإذا نسيت فذكروني ". فأما إن كان الامام على يقين من صواب نفسه لم يجز له متابعتهم، وقال أبو الخطاب: يلزمه الرجوع كالحاكم يحكم بالشاهدين ويترك يقين نفسه، قال شيخنا: وليس بصحيح لانه علم خطأهم فلا يتبعهم في الخطأ، وكذا نقول في الشاهدين متى علم الحاكم كذبهما لم يجز له الحكم بقولهما لعلمه أنهما شاهدا زور، ولا يحل الحكم بقول الزور لان العدالة اعتبرت في الشهادة ليغلب على الظن صدق الشهود وردت شهادة غيرهم لعدم ذلك فمع يقين الكذب أولى أن لا يقبل (مسألة) (فان لم يرجع بطلت صلاته وصلاة من اتبعه عالما، وإن فارقه أو كان جاهلا لم تبطل) متى سبح المأموم بالامام فلم يرجع في موضع يلزمه الرجوع بطلت صلاته، نص عليه أحمد لانه ترك الواجب عمدا، وليس للمأمومين اتباعه لان صلاته باطلة، فان اتبعوه عالمين بتحريم ذلك بطلت صلاتهم لانهم تركوا الواجب عمدا، وإن فارقوه وسلموا صحت، وهذا اختيار الخلال لانهم فارقوه لعذر أشبه من فارق إمامه إذا سبقه الحدث، وذكر القاضي رواية ثانية: أنهم يتبعونه في القيام استحبابا، وذكر رواية ثالثة: أنهم ينتظرونه ليسلم بهم اختارها ابن حامد، والاول أولى لان الامام مخطئ في ترك متابعتهم فلا يجوز اتباعه على الخطأ، وإن كانوا جاهلين فصلاتهم صحيحة لان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تابعوه في الخامسة في حديث ابن مسعود ولم تبطل صلاتهم، وتابعوه أيضا في السلام

[ 669 ]

في حديث ذي اليدين (فصل) فان سبح به واحد لم يرجع إلى قوله إلا أن يغلب على ظنه فيعمل بغلبة ظنه لا بتسبيحه لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يرجع إلى قول ذي اليدين وحده، وان سبح به فساق فكذلك لان قولهم غير مقبول وان افترق المأمومون طائفتين وافقه قوم وخالفه آخرون؟ سقط قولهم كالبينتين إذا تعارضتا ويحتمل أن يرجع إلى قول ما عنده (1) لانه قد عضده قول اثنين فترجح، ذكره القاضي ومتى لم يرجع وكان المأمومون على يقين من خطأ الامام لم يتابعوه لانهم انما يتابعونه في أفعال الصلاة وليس هذا منها إلا أنه ينبغي أن ينتظروه ههنا لان صلاته صحيحة لم تفسد بزيادته فينتظرونه كما ينتظرهم الامام في صلاة الخوف (مسألة) (والعمل المستكثر في العادة من غير جنس الصلاة يبطلها عمده وسهوه ولا تبطل باليسير ولا يشرع له سجود) وجملته ان العمل ينقسم إلى عمل من جنس الصلاة وقد ذكرنا، وعمل من غير جنس الصلاة كالحك والمشي والتروح فهذا تبطل الصلاة بكثيره عمدا كان أو سهوا بالاجماع وان كان متفرقا لم تبطل لان النبي صلى الله عليه وسلم حمل امامة في الصلاة إذا قام حملها وإذا سجد وضعها وهذا لو اجتمع كان كثيرا، وان كان يسيرا لم يبطلها لما ذكرنا والمرجع في الكثير واليسير إلى العرف وقد ذكرناه فيما مضى ولا يشرع له سجود لانه لا يكاد تخلو منه صلاة ويشق التحرز عنه


1) الظاهر ان كلمة (قول) زائدة من الناسخ

[ 670 ]

(مسألة) (وان أكل أو شرب عمدا بطلت صلاته، قل أو كثر، وان كان سهوا لم تبطل إذا كان يسيرا) إذا أكل أو شرب عامدا في الفرض بطلت صلاته لا نعلم فيه خلافا. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المصلي ممنوع من الاكل والشرب. واجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن من أكل أو شرب في صلاة الفرض عامدا أن عليه الاعادة، وان فعله في التطوع أبطله في الصحيح من المذهب، وهو قول أكثر الفقهاء، لان ما أبطل الفرض أبطل التطوع كسائر المبطلات وعن أحمد: أنه لا يبطلها ويروى عن ابن الزبير وسعيد بن جبير أنهما شربا في التطوع وهذا قول اسحاق لانه عمل يسير اشبه غير الاكل، فأما ان كثر فانه يفسدها بغير خلاف لان غير الاكل من الاعمال يبطل الصلاة إذا كثر، فالاكل والشرب أولى، فان كان سهوا وكثر أبطل الصلاة أيضا بغير خلاف لما ذكرنا، وان كان يسيرا لم يبطل به الفرض ولا التطوع وهو قول عطاء والشافعي. وقال الاوزاعي: يبطل الصلاة لانه فعل من غير جنس الصلاة يبطل عمده فابطل سهوه كالعمل الكثير. ولنا عموم قوله عليه السلام " عفي لامتي عن الخطأ والنسيان " ولانه يسوي بين قليله وكثيره حال العمد فعفي عنه في الصلاة إذا كان سهوا كالعمل من جنسها (فصل) إذا ترك في فيه ما يذوب كالسكر فذاب منه شئ فابتعله أفسد الصلاة لانه أكل

[ 671 ]

وإن بقي بين أسنانه أو في فيه من بقايا الطعام يسير يجري به الريق فابتعله لم تبطل لانه يشق الاحتراز منه، وان ترك في فيه لقمة ولم يبتلعها كره لانه يشغله عن خشوع الصلاة، وعن الذكر والقراءة فيها ولا يبطلها لانه عمل يسير فهو كما لو أمسك شيئا في يده والله أعلم (مسألة) (وان أتى بقول مشروع في غير موضعه كالقراءة في السجود والقعود، والتشهد في القيام وقراءة السورة في الاخريين لم تبطل الصلاة بعمده) لانه مشروع في الصلاة ولا يجب السجود لسهوه لان عمده لا يبطل الصلاة فلم يجب السجود لسهوه كسائر مالا يبطل عمده الصلاة وهل يشرع؟ فيه روايتان (إحداهما) يشرع لعموم قوله عليه السلام " إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس " رواه مسلم (والثانية) لا يشرع لان عمده لا يبطل الصلاة فلم يشرع السجود لسهوه كترك سنن الافعال (فصل) فان أتى فيها بذكر أو دعاء لم يرد به الشرع فيها كقوله آمين رب العالمين وقوله في التكبير الله أكبر كبيرا ونحوه لم يشرع له سجود لانه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمع رجلا يقول في الصلاة الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى فلم يأمره بالسجود (مسألة) (وان سلم قبل اتمام صلاته عمدا أبطلها لانه تكلم فيها عامدا، وإن كان سهوا ثم ذكر قريبا أتهما وسجد، وإن طال الفصل أو تكلم لغير مصلحة الصلاة بطلت) وجملته أن من سلم قبل إتمام صلاته ساهيا ثم علم قبل طول الفصل ولم ينتقض وضوؤه فصلاته صحيحة لا تبطل بالسلام وعليه

[ 672 ]

أن يأتي بما بقي منها ثم يتشهد ويسلم ويسجد سجدتين ويتشهد ويسلم، فان لم يذكر حتى قام فعليه أن يجلس لينهض إلى الاتيان بما بقي عن جلوس لان هذا القيام واجب في الصلاة ولم يأت به لها فلزمه الاتيان به مع النية ولا نعلم في جواز الاتمام في حق من نسي ركعة فما زاد خلافا - والاصل في هذا ما روى ابن سيرين عن أبي هريرة قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدى صلاتي العشاء قال ابن سرين: سماها لنا أبو هريرة ولكن أنا نسيت - فصلى ركعتين ثم سلم فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فوضع يده عليها كأنه غضبان وشبك بين أصابعه ووضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى وخرجت السرعان من المسجد فقالوا: قصرت الصلاة، وفي القوم أبو بكر وعمر فهاباه أن يكلماه وفي القوم رجل في يديه طول يقال له ذو اليدين فقال: يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال " لم أنس ولم تقصر " فقال " أكما يقول ذو اليدين " قالوا نعم، قال فتقدم فصلى ما ترك من صلاته ثم سلم، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر، وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر قال فربما سألوه ثم سلم قال: ثبت أن عمران بن حصين قال ثم سلم متفق عليه ورواه أبو داود وزاد قال: قلت فالتشهد؟ قال لم أسمع في التشهد وأحب إلي أن يتشهد. وروى عمران بن حصين قال: سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاث ركعات من العصر ثم قام فدخل الحجرة فقام رجل بسيط اليدين فقال أقصرت الصلاة يا رسول الله؟ فخرج مغضبا فصلى الركعة التي كان ترك ثم سلم ثم سجد

[ 673 ]

سجدتي السهو ثم سلم. رواه مسلم (فصل) فأما ان طال الفصل أو انتقض وضوءه استأنف الصلاة كذلك قال الشافعي، وإن ذكر قريبا مثل فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذي اليدين ونحوه بنى. وقال مالك نحوه. وقال الليث ويحيى الانصاري والاوزاعي بنى ما لم ينتقض وضوءه. ولنا انها صلاة واحدة فلم يجز بناء بعضها على بعض مع طول الفصل كما لو انتقض وضوءه والمرجع في طول الفصل وقصره إلى العادة ولاصحاب الشافعي في ذلك خلاف قد ذكرناه فيما إذا ترك ركنا في الباب قبله. والصحيح أنه لا حد له إذ لم يرد بتحديده نص فيرجع فيه إلى العادة والمقاربة لمثل حال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذي اليدين (فصل) فان لم يذكره حتى شرع في صلاة أخرى فان طال الفصل بطلت الاولى لما ذكرنا وإن لم يطل الفصل عاد إلى الاولى فأتمها وهذا قول الشافعي. وقال الشيخ أبو الفرج في المبهج: يجعل ما شرع فيه من الصلاة الثانية تماما للاولى فيبني إحداهما على الاخرى ويصير وجود السلام كعدمه لانه سهو معذور فيه وسواء كان ما شرع فيه نفلا أو فرضا. وقال الحسن وحماد بن أبي سليمان ان شرع في تطوع بطلت المكتوبة. وقال مالك أحب إلي أن يبتدئها. وروي عن أحمد مثل قول الحسن فانه قال في رواية أبي الحارث: إذا صلى ركعتين من المغرب وسلم ثم دخل في التكلم انه بمنزلة الكلام استأنف الصلاة. ولنا أنه أهمل عملا من جنس الصلاة سهوا فلم تبطل صلاته كما لو زاد خامسة

[ 674 ]

وأما إتمام الاولى بالثانية فلا يصح لانه قد خرج من الاولى بالسلام ونية الخروج منها ولم ينوها بعد ذلك ونية غيرها لا تجزئ. عن نيتها كحالة الابتداء (فصل) فان تكلم في هذه الحال - يعني إذا سلم يطن أن صلاته قد تمت - لغير مصلحة الصلاة كقوله يا غلام اسقني ماء ونحوه بطلت صلاته نص عليه أحمد في رواية يوسف بن موسى وجماعة سواه لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ان هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن " رواه مسلم، وعن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم في الصلاة يكلم أحدنا صاحبه وهو إلى جنبه حتى نزلت (وقوموا لله قانتين) فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام، رواه مسلم. وفيه رواية ثانية ان الصلاة لا تفسد بالكلام في تلك الحال بحال وهو مذهب مالك والشافعي لانه نوع من النسيان ولذلك تكلم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وبنوا على صلاتهم (مسألة) (وان تكلم لمصلحتها ففيه ثلاث روايات (احداها) لا تبطل (والثانية) تبطل (والثالثة) تبطل صلاة المأموم دون الامام اختارها الخرقي) وجملة ذلك أن من سلم عن نقص في صلاته كما ذكرنا ثم تكلم لمصلحتها ففيه ثلاث روايات (أحداها) أن الصلاة لا تفسد لان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه تكلموا في صلاتهم في حديث ذي اليدين وبنوا على صلاتهم. وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 675 ]

لنا أسوة حسنة، وهذا مذهب مالك والشافعي ونص عليه أحمد في رواية جماعة من أصحابه وممن روي أنه تكلم بعد أن سلم وأتم صلاته الزبير وابناه، وصوبه ابن عباس وهو الصحيح إن شاء الله تعالى (والثانية) تفسد صلاتهم وهو قول الخلال ومذهب أصحاب الرأي لعموم أحاديث النهي (والثالثة) أن صلاة الامام لا تفسد لان النبي صلى الله عليه وسلم كان إماما فتكلم وبنى على صلاته، وصلاة المأمومين تفسد لانه لا يصح اقتداؤهم بأبي بكر وعمر لانهما تكلما مجيبين للنبي صلى الله عليه وسلم وإجابته واجبة عليهما ولا بذي اليدين لانه تكلم سائلا عن نقص الصلاة في وقت يمكن ذلك فيها، وهذا غير موجود في زماننا، وهذا اختيار الخرقي وربما خصصناه بالكلام في شأن الصلاة لان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه انما تكلموا في شأن الصلاة (مسألة) قال (وإن تكلم في صلب الصلاة بطلت، وعنه لا تبطل إذا كان ساهيا أو جاهلا ويسجد له) متى تكلم عامدا عالما أنه في الصلاة مع علمه بتحريم ذلك لغير مصلحة الصلاة ولا لامر يوجب الكلام بطلت صلاته إجماعا حكاه ابن المنذر لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شئ من كلام الناس " وعن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم في الصلاة يكلم أحدنا صاحبه إلى جنبه حتى نزلت (وقوموا لله قانتين) فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام، رواهما مسلم. وعن ابن مسعود قال: كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من

[ 676 ]

عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد فقلنا يا رسول الله كنا نسلم عليك في الصباح فترد علينا؟ قال " ان في الصلاة لشغلا " متفق عليه. ولابي داود " إن الله يحدث من أمره ما يشاء وقد أحدث أن لا تتكلموا في الصلاة " (فصل) فأما إن تكلم جاهلا بتحريم ذلك في الصلاة فقال القاضي في الجامع: لا أعرف عن أحمد نصا في ذلك. وقد ذكر شيخنا فيه ههنا روايتين (أحداهما) تبطل صلاته لانه ليس من جنسه ما هو مشروع في الصلاة أشبه العمل الكثير ولعموم أحاديث النهي (والثانية) لا تبطل لما روى معاوية ابن الحكم السلمي قال: بينا أنا أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم فقلت: واثكل أمياه (1) ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت (2) فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه فوالله ما كهرني (3) ولا ضربني ولا شتمني ثم قال " إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الناس انما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن " أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه مسلم. فلم يأمره بالاعادة فدل على صحتها، وهذا مذهب الشافعي وفي كلام الناسي روايتان (احداهما) لا تبطل وهو قول مالك والشافعي لان النبي صلى الله عليه وسلم تكلم في حديث ذي اليدين، وقد ذكرنا حديث معاوية، وما عذر فيه بالنسيان عذر فيه بالجهل


1) عند أحمد ومسلم وغيرهما وثكل أماء وزيادة الياء رواية أبي داود كما في نيل الاوطار 2) أي لم أتكلم أولم أكملهم لكني سكت 3) قوله ما كهرني معناه ما انتهرني أو ما عبس في وجهي

[ 677 ]

(والثانية) تفسد صلاته وهو قول النخعي وأصحاب الرأي لعموم أحاديث المنع من الكلام وإذا قلنا أنه لا يبطل الصلاة سجد لعموم الاحاديث، ولان عمده يبطل الصلاة فوجب السجود لسهوه كترك الواجبات والله أعلم (فصل) فان تكلم في صلب الصلاة لمصلحة الصلاة مع علمه أنه في الصلاة بطلت صلاته لعموم الاحاديث. وذكر القاضي في ذلك الروايات الثلاث التي ذكرناها في المسألة التي قبلها ويحتمله كلام الخرقي لعموم لفظه، وهو مذهب الاوزاعي فانه قال: لو أن رجلا قال للامام وقد جهر بالقراءة في العصر: انها العصر، لم تفسد صلاته، ولان الامام يطرقه حال يحتاج إلى الكلام فيها وهو ما لو نسي القراءة في ركعة فذكرها في الثانية فقد فسدت عليه ركعة فيحتاج أن يبدلها بركعة هي في ظن المأمومين خامسة ليس لهم موافقته فيهاو لا سبيل إلى اعلامهم بغير الكلام، وقد يشك في صلاته فيحتاج إلى السؤال (1) قال شيخنا: ولم أعلم عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن صحابته ولا عن الامام نصا في الكلام في غير الحال التي سلم معتقدا تمام صلاته ثم تكلم بعد السلام، وقياس الكلام في صلب الصلاة عالما بها على هذه الحال ممتنع لان هذه حال نسيان لا يمكن التحرز من الكلام فيها وهي أيضا حال يتطرق الجهل


1) زاد في المغني هنا: فلذلك أبيع له الكلام.

[ 678 ]

إلى صاحبها بتحريم الكلام فيها فلا يصح قياس ما يفارقها في هذين الامرين عليها، وإذا عدم النص والقياس والاجما امتنع ثبوت الحكم لانه بغير دليل ولا سبيل إليه والله أعلم (فصل) فان تكلم مغلوبا على الكلام فهو ثلاثة أنواع (أحدها) أن يخرج الحروف من فيه بغير اختياره مثل أن يتثاءب فيقول هاه أو يتنفس فيقول آه أو يسعل فينطق بحرفين أو يغلط في القرآن فيأتي بكلمة من غير القرآن أو يغلبه البكاء فلا تفسد صلاته في المنصوص عنه فيمن غلبه البكاء وقد كان عمر يبكي حتى يسمع له نشيج. وقال مهنا: صليت إلى جنب أبي عبد الله فتثاءب خمس مرات وسمعت لتثاؤبه هاه هاه وهذا لان الكلام ههنا لا ينسب إليه ولا يتعلق به حكم من أحكام الكلام، وقال القاضي فيمن تثاءب فقال هاه تفسد صلاته، وهذا محمول على أن من فعل ذلك غير مغلوب عليه لما ذكرنا. وذكر ابن عقيل فيه احتمالين (أحدهما) تبطل صلاته لان لا يشرع جنسه في الصلاة أشبه الحدث (والثاني) لا تبطل لما ذكرنا (النوع الثاني) أن ينام فيتكلم فقد توقف أحمد عن الكلام فيه والاولى إلحاقه بالفصل الذي قبله لان القلم مرفوع عنه، وكذلك ليس لعتقه ولاطلاقه حكم، وقال ابن عقيل في النائم إذا تكلم بكلام الآدميين انبنى على كلام الناسي في أصح الروايتين (النوع الثالث) أن يكره على الكلام فيحتمل أن يكون ككلام الناسي لان النبي صلى الله عليه وسلم جمع

[ 679 ]

بينهما في العفو بقوله " عفي لامتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " قال القاضي وهذا أولى بالعفو وصحة الصلاة لان الفعل غير منسوب إليه، ولهذا لو أكره على اتلاف مال لم يضمنه، والناسي يضمن ما أتلفه قال شيخنا والصحيح ان شاء الله ان صلاته تفسد لانه أتى بما يفسد الصلاة عمدا أشبه مالو أكره على صلاة الفجر أربعا وقياسه على الناسي لا يصح لوجهين (أحدهما) أن النسيان يكثر بخلاف الاكراه (الثاني) أنه لو نسي فزاد في الصلاة أو نقص لم تفسد صلاته ولم يثبت مثله في الاكراه. والصحيح عند أصحاب الشافعي أن الصلاة لا تبطل بشئ من هذه الانواع (فصل) فان تكلم بكلام واجب كمن خشي على ضرير أو صبي أو رأى حية ونحوها تقصد غافلا أو يرى نارا يخاف أن تشتعل في شئ ونحو هذا ولم يمكن التنبيه بالتسبيح فقال أصحابنا تبطل الصلاة وهو قول بعض أصحاب الشافعي لما ذكرنا من كلام المكره قال شيخنا: ويحتمل أن لا تبطل الصلاة، وهو ظاهر كلام أحمد لانه قال في حديث ذي اليدين: انما كلم النبي صلى الله عليه وسلم القوم حين كلمهم لانه كان عليهم أن يجيبوه فعلل صحة صلاتهم بوجوب الكلام عليهم، وهذا كذلك وهو ظاهر مذهب الشافعي والحصيح عند أصحابه (فصل) وكل كلام حكمنا بأنه لا يفسد الصلاة فانما هو اليسير منه، فان كثر وطال أفسد الصلاة وهذا منصوص الشافعي. قال القاضي في المجرد: كلام الناسي إذا طال يفسد رواية واحدة، وقال في

[ 680 ]

الجامع لا فرق بين القليل والكثير في ظاهر كلام أحمد، لان ما عفي عنه بالنسيان استوى قليله وكثيره كالاكل في الصيام وهو قول بعض الشافعية. ووجه الاول أن دلالة الاحاديث المانعة من الكلام عامة تركت في اليسير بما ورد فيه من الاخبار فتبقى فيما عداه على مقتضى العموم، ولا يصح قياس الكثير عليه لعدم امكان التحرز من اليسير، ولان اليسير قد عفي عنه في العمل من غير جنس الصلاة بخلاف الكثير والكلام المبطل ما انتظم حرفين فصاعدا، هذا قول أصحابنا وأصحاب الشافعي لان الحرفين يكونان كلمة كقوله أب وأخ ويد ودم وكذلك الافعال والحروف لا تنتظم كلمة من أقل من حرفين ولو قال " لا " فسدت صلاته لانها حرفان لام وألف (مسألة) (وإن قهقه أو نفخ أو انتحب فبان حرفان فهو كالكلام إلا ما كان من خشية الله تعالى، وقال أصحابنا في النحنحة مثل ذلك، وقد روي عن أبي عبد الله أنه كان يتنحنح في الصلاة ولا يراها مبطلة للصلاة) إذا ضحك فبان حرفان فسدت صلاته، وكذلك إن قهقه ولم يتبين حرفان وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي، وكذلك ذكره شيخنا في المغني. وقال القاضي في المجرد: إن قهقه فبان حرف واحد لم تبطل صلاته، فان كان حرفان القاف والهاء فهو كالكلام تبطل إن كان عامدا وإن كان ساهيا أو جاهلا خرج على الروايتين وهو ظاهر قول الشيخ في هذا الكتاب. قال ابن المنذر أجمعوا علي أن الضحك يفسد الصلاة، وأكثر أهل العلم على أن التبسم لا يفسدها، وقد روى الدارقطني

[ 681 ]

في سننه عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " القهقهة تنقض الصلاة ولا تنقض الوضوء " (فصل) فأما النفخ فمتى انتظم حرفين أفسد الصلاة لانه كلام والا لم يفسدها، وقد قال أحمد: النفخ عندي بمنزلة الكلام. وروي عن ابن عباس أنه قال: من نفخ في الصلاة فقد تكلم. وروي عن أبي هريرة - إلا أن ابن المنذر قال: لا يثبت عن ابن عباس ولا أبي هريرة. وروي عن أحمد أنه قال: أكرهه ولا أقول يقطع الصلاة ليس كلاما. روي عن ابن مسعود وابن عباس وابن سيرين والنخعي وإسحاق، وجمع القاضي بين قولي أحمد فقال: الموضع الذي قال أحمد يقطع الصلاة إذ انتظم حرفين، والموضع الذي قال لا يقطع الصلاة إذا لم ينتظم منه حرفان. وقال أبو حنيفة: إن سمع فهو بمنزلة الكلام وإلا فلا يضر. قال شيخنا: والصحيح أنا لا يقطع الصلاة ما لم ينتظم منه حرفان لما روى عبد الله بن عمرو قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث إلى أن قال ثم نفخ فقال: أف أف. وأما قول أبي حنيفة: فان أراد مالا يسمعه الانسان من نفسه فليس ذلك بنفخ، وإن أراد مالا يسمعه غيره فلا يصح لان ما أبطل الصلاة إظهاره أبطلها اسراره كالكلام (فصل) فأما البكاء والتأوه والانين فما كان مغلوبا عليه لم يؤثر لما ذكرنا من قبل وما كان غير ذلك، فان كان لغير خشية الله أفسد الصلاة، وان كان من خشية الله فقال القاضي وأبو الخطاب: التأوه والبكاء لا يفسد الصلاة وكذلك الانين. وقال القاضي: التأوه ذكر مدح الله تعالى ابراهيم به

[ 682 ]

فقال (ان ابراهيم لاواه حليم) والذكر لا يفسد الصلاة، ولان الله سبحانه وتعالى مدح الباكين فقال (خروا سجدا وبكيا) وروى مطرف عن أبيه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل، رواه الخلال. قلت: رواه أحمد وأبو داود. وقال عبد الله بن شداد سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف، وقال شيخنا: لم أر عن أحمد في البكاء ولا في الانين شيئا والاشبه بأصوله أنه متى فعله مختارا فسدت صلاته فانه قال في رواية مهنا في البكاء: لا يفسد الصلاة ما كان من غلبة، ولان الحكم لا يثبت إلا بنص أو قياس أو اجماع وعموم النصوص تمنع من الكلام كله، ولم يرد في الانين والتأوه نص خاص، والمدح على التأوه لا يخصصه كتشميت العاطس، ورد السلام، والكلمة الطيبة (فصل) فأما النحنحة فقال أصحابنا: هي كالنفخ إن بان منها حرفان بطلت صلاته. وقد روى المروذي قال: كنت آتي أبا عبد الله فيتنحنح في صلاته لاعلم أنه يصلي. وقال مهنا: رأيت أبا عبد الله يتنحنح في الصلاة فقال أصحابنا: وهذا محمول على انه لم يأت بحرفين. قال شيخنا: وظاهر حال أحمد أنه لم يعتبر ذلك لانها لا تسمى كلاما وتدعو الحاجة إليها. وقد روي عن علي رضي الله عنه قال: كان لي ساعة في السحر أدخل فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فان كان في صلاة يتنحنح فكان ذلك اذني، رواه الخلال. واختلفت الرواية عن أحمد في كراهية تنبيه المصلي بالنحنحة فقال في موضع لا يتنحنح في الصلاة، قال النبي صلى الله عليه وسلم " إذا نابكم شئ في صلاتكم فالتسبيح للرجال، والتصفيق

[ 683 ]

للنساء " وقد روى الاثرم أنه كان يتنحنح ليعلمه أنه يصلي، وحديث علي يدل عليه وهو خاص فيقدم على العام (فصل) إذا سلم على المصلي لم يكن له رد السلام بالكلام فان فعل ذلك بطلت صلاته، روي نحو ذلك عن أبي ذر وهو قول مالك والشافعي. وكان سعيد بن المسيب والحسن وقتادة لا يرون به بأسا. وروي عن أبي هريرة أنه أمر بذلك، وقال اسحاق: ان فعله متأولا جازت صلاته ولنا ما روى عبد الله بن مسعود قال كنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيرد علينا فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا فقلنا يا رسول الله كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا؟ قال " ان في الصلاة لشغلا " متفق عليه. ولابي داود " إن الله يحدث من أمره ما يشاء وقد أحدث أن لا تتكلموا في الصلاة " وروى جابر قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعئي في حاجة فرجعت وهو يصلي على راحلته ووجهه إلى غير القبلة فسلمت عليه فلم يرد علي فلما انصرف قال " أما انه لم يمنعني أن أرد عليك الا أني كنت أصلي " ولانه كلام أدمي أشبه تشميت العاطس، إذ ثبت ذلك فأنه يرد السلام بالاشارة، وهذا قول مالك والشافعي وإسحاق، وروى عن ابن عباس أن موسى بن جميل سلم عليه وهو يصلي فقبض ابن عباس على ذراعه فكان ذلك رد ابن عباس وذلك لما روى صهيب قال مررت بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسلمت عليه وكلمته فرد على إشارة، وعن ابن عمر قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قباء يصلي فجاءته الانصار فسلموا عليه وهو يصلي قال قلت لبلال كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد عليهم حين كانوا يسلمون

[ 684 ]

عليه وهو يصلي؟ قال يقول هكذا (1) وبسط يعني كفه وجعل بطنه أسفل وظهره إلى فوق، رواهما أبو داود والترمذي وقال كلا الحديثين صحيح، وان رد عليه بعد فراغه من الصلاة فحسن لان في حديث ابن مسعود قال فقدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسلمت عليه فلم يرد علي فأخذني ما قدم وما حدث فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قال " ان الله يحدث من أمره ما يشاء وقد أحدث أن لا تتكلموا في الصلاة " (فصل) وإذا دخل على قوم وهم يصلون فلا بأس أن يسلم عليهم قاله أحمد. وروى ابن المنذر عنه أنه سلم على مصل وفعل ذلك ابن عمر وقال ابن عقيل يكره وكرهه عطاء وأبو مجلز والشعبي واسحاق لانه ربما غلط المصلي فرد بالكلام، ووجه تجويزه قوله تعالى (فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم) أي على أهل دينكم ولان النبي صلى الله عليه وسلم حين سلم عليه أصحابه لم ينكر ذلك (فصل) وأما النقص فمتى ترك ركنا فذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى بطلت التي تركه منها، وان ذكره قبل ذلك عاد فأتى به وبما بعده، فان لم يعد بطلت صلاته. وجملته أنه متى ترك ركنا سجودا أو ركوعا ساهيا فلم يذكر حتى شرع في قراءة الركعة التي تليها بطلت الركعة التي ترك منها الركن وصارت التي تليها مكانها نص عليه أحمد في رواية جماعة. قال الاثرم سألت أبا عبد الله عن رجل صلى ركعة ثم قام ليصلي أخرى فذكر أنه انما سجد للركعة الاولي سجدة واحدة فقال


1) أي يفعل هكذا

[ 685 ]

ان كان أول ما قام قبل أن يحدث عملا للاخرى فانه ينحط ويسجد ويعتد بها، وان كان قد أحدث عملا للاخرى ألغى الاخرى وجعل هذه الاولى قلت: فيستفتح أو يجتزئ. بالاستفتاح الاول قال: يجزئه الاول قلت: فنسي سجدتين من ركعتين قال: لا يعتد بتينك الركعتين. وهذا قول إسحاق وقال الشافعي: ان ذكر الركن المتروك قبل السجود في الثانية فانه يعود إلى سجدة الاولى، وان ذكره بعد سجوده في الثانية وقعت عن الاولى لان الركعة الاولى قد صحت وما فعله في الثانية سهوا لا يبطل الاولى كما لو ذكر قبل القراءة، وقد ذكر احمد هذا القول عن الشافعي وقربه الا أنه اختار الاول. وقال مالك: ان ترك سجدة فذكرها قبل رفع رأسه من ركوع الثانية ألغى الاولى. وقال الحسن والاوزاعي من نسي سجدة ثم ذكرها في الصلاة سجدها متى ذكرها. وقال الاوزاعي: يرجع إلى حيث كان من الصلاة وقت ذكرها فيمضي فيها. وقال أصحاب الرأي نحو قول الحسن ولنا أن المزحوم في الجمعة إذا زال الزحام والامام راكع في الثانية فانه يتبعه ويسجد معه ويكون السجود من الثانية دون الاولى كذا هنا. وأما إذا ذكرها قبل ذلك عاد فأتى به وبما بعده لانه ذكره في موضعه فلزمه الاتيان به كما لو ترك سجدة من الركعة الاخيرة فذكرها قبل السلام فانه يأتي بها في الحال، وان علم بعد السلام فهو كترك ركعة كاملة ان طال الفصل أو أحدث ابتدأ الصلاة لتعذر البناء وان ذكر قريبا أتى بركعة كاملة لما ذكرنا من أن الركعة التي ترك الركن منها بطلت بالشروع في غيرها

[ 686 ]

(فصل) فان مضى في موضع يلزمه الرجوع أو رجع في موضع يلزمه المضي عالما بتحريمه بطلت صلاته لتركه الواجب عمدا، وان فعله يعتقد جوازه لم تبطل لانه تركه غير متعمد أشبه مالو مضى قبل ذكر المتروك لكن إذا مضى في موضع يلزمه الرجوع فسدت الركعة التي ترك ركنها كما لو لم يذكر الا بعد الشروع في القراءة، وان رجع في موضع المضي لم يعتد بما فعله في الركعة التي تركه منها لانها فسدت بشروعه في قراءة غيرها فلم يعد إلى الصحة بحال (مسألة) (وان نسي أربع سجدات من أربع ركعات وذكر وهو في التشهد سجد سجدة فصحت له ركعة ويأتي بثلاث، وعنه تبطل صلاته) هذه المسألة مبنية على المسألة التي قبلها وهو أنه متى ترك ركنا من ركعة فلم يذكرها حتى شرع في قراءة التي بعدها بطلت، فههنا لما شرع في قراءة الثانية بطلت الاولى فلما شرع في قراءة الثالثة قبل إتمام الثانية بطلت الثانيه، وكذلك الثالثة تبطل بشروعه في الرابعة فبقيت الرابعة ولم يسجد فيها الا سجدة واحدة، فيسجد الثانية حين يذكر وتتم له ركعة ويأتي بثلاث ركعات، وبهذا قال مالك والليث. وفيه رواية أن صلاته تبطلا لان هذا يؤدي إلى التلاعب بالصلاة ويلغي عملا كثيرا في الصلاة وهو مابين التحريمة والركعة الرابعة، وهذا قول اسحاق. وقال الشافعي: يصح له ركعتان على ما ذكرنا في المسألة التي قبلها، وهو أنه إذا قام إلى الثانية سهوا قبل تمام الاولى كان عمله فيها لغوا فلما سجد فيها انضمت سجدتها إلى سجدة الاولى فكملت له ركعة وهكذا الحكم في الثالثة والرابعة. وحكي الامام احمد هذا القول عن الشافعي ثم قال: هو أشبه من

[ 687 ]

من قول أصحاب الرأي. وقال الاثرم: فقلت له فانه إذا فعل لا يستقيم لانه انما نوى بهذه السجدة عن الثانية قال: فلذلك أقول أنه يحتاج أن يسجد لكل ركعة سجدتين قال شيخنا: ويحتمل أن يكون القول المحكي عن الشافعي هو الصحيح وان يكون قولا لاحمد لانه قد حسنه واعتذر عن المصير إليه بكونه انما نوى بالسجدة الثانية عن الثانية، وهذا لا يمنع جعلها عن الاولى، وقال الثوري وأصحاب الرأي يسجد في الحال أربع سجدات، وهذا فاسد لان ترتيب الصلاة شرط لا يسقط بالسهو كما لو نسي فقدم السجود على الركوع فان لم يذكر حتى سلم ابتدأ الصلاة لان الركعة الاخيرة بطلت بسلامه في منصوص أحمد فحينئذ يستأنف الصلاة (فصل) إذا ترك ركنا ولم يعلم موضعه بنى الامر فيه على أسوإ الاحوال مثل أن يترك سجدة لا يعلم أمن الرابعة هي أم من غيرها؟ يجعلها مما قبلها لانه يلزمه ركعة كاملة، ولو جعلها من الرابعة أجزأه سجدة وان ترك سجدتين لا يعلم أمن ركعتين أم من ركعة جعلهما من ركعتين ليلزمه ركعتان وإن ترك ركنا من ركعة وعلم وهو فيها ولم يعلم أركوع هو أم سجود، جعله ركوعا، وعلى قياس هذا يأتي بما يتيقن به إتمام صلاته لئلا يخرج منها وهو شاك فيها فيكون مغرورا بها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " لا غرار في صلاة ولا تسليم " رواه أبو داود. قال الاثرم: سألت أبا عبد الله عن تفسير هذا الحديث فقال: أما أنا فأرى أن لا يخرج منها إلا على يقين أنها قد تمت

[ 688 ]

(مسألة) (وان نسي التشهد الاول ونهض لزمه الرجوع ما لم ينتصب قائما فان استتم قائما لم يرجع وان رجع جاز وان شرع في القراءة لم يجز له الرجوع وعليه السجود لذلك كله) إذا ترك التشهد الاول ناسيا وقام لم يخل من ثلاثة أحوال (أحدها) أن يذكره قبل أن يعتدل قائما فيلزمه الرجوع للتشهد، وممن قال يجلس علقمة والضحاك وقتادة والاوزاعي والشافعي وابن المنذر، وقال مالك ان فارقت أليتاه الارض لم يرجع وقال حسان بن عطية: إذا تجافت ركبتاه عن الارض مضى ولنا ما روى المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا قام أحدكم في الركعتين فلم يستتم قائما فليجلس فإذا استتم قائما فلا يجلس ويسجد سجدتي السهو " رواه أبو داود وابن ماجه (الثاني) ذكره بعد اعتداله قائما وقبل شروعه في القراءة فالاولى أن لا يرجع لحديث المغيرة وان رجع جاز، نص عليه كما ذكره قبل الاعتدال. وقال النخعي: يلزمه الرجوع ما لم يستفتح القراءة قال شيخنا: ويحتمل أن لا يجوز له الرجوع ههنا لحديث المغيرة ولانه شرع في ركن فلم يجز له الرجوع كما لو شرع في القراءة (الامر الثالث) ذكره بعد الشروع في القراءة فلا يجوز له الرجوع في قول أكثر أهل العلم، وممن روي عنه أنه لا يرجع عمر وسعد وابن مسعود والمغيرة بن شعبة والنعمان بن بشير وابن الزبير وغيرهم وقال الحسن: يرجع ما لم يركع، والصحيح الاول لحديث المغيرة ولانه شرع في ركن مقصود فلم يجز له الرجوع كما لو شرع في الركن، إذا ثبت ذلك فانه يسجد للسهو في جميع هذه

[ 689 ]

المسائل لحديث المغيرة، ولما روى عبد الله بن مالك بن بحينة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم الظهر فقام في الركعتين الاوليين ولم يجلس فقام الناس معه فلما قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه كبر وهو جالس فسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم سلم، متفق عليه (فصل) فان علم المأمومون بتركه التشهد الاول قبل قيامهم وبعد قيام الامام تابعوه في القيام ولم يجلسوا، حكاه الآجري عن أحمد، وهو قول مالك والشافعي وأهل العراق ولا نعلم فيه مخالفا لان النبي لما قام حين سها عن التشهد قام الناس معه، وفعله جماعة من الصحابة فروى الامام أحمد باسناده عن زياد بن علاثة قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة فلما صلى ركعتين قام ولم يجلس فسبح به من خلفه رواه الآجري عن عقبة بن عامر وقال: اني سمعتكم تقولون سبحان الله لكيما أجلس وليست تلك السنة، انما السنة التي صنعت. فأما إن سبحوا به قبل قيامه ولم يرجع تشهدوا لانفسهم ولم يتابعوه لانه ترك واجبا عليه فلم يكن لهم متابعته في تركه، ولو رجع إلى التشهد بعد شروعه في القراءة لم يتابعوه أيضا لانه أخطأ. فأما الامام فان فعل ذلك عالما بتحريمه بطلت صلاته لانه زاد في الصلاة من جنسها عمدا، أو ترك واجبا عمدا، وإن فعله ناسيا أو جاهلا بالتحريم لم تبطل لانه زاده سهوا، ومتى علم بتحريم ذلك وهو في التشهد نهض ولم يتم الجلوس

[ 690 ]

(فصل) فان ذكر الامام التشهد قبل انتصابه وقبل قيام المأمومين وشروعهم في القراءة فرجع لزمهم الرجوع لانه رجع إلى واجب فلزمهم متابعته ولا اعتبار بقيامهم قبله (فصل) وإن نسي التشهد دون الجلوس فالحكم فيه كما لو نسيهما لان التشهد هو المقصود. فأما ان نسي شيئا من الاذكار الواجبة غير التشهد كتسبيح الركوع والسجود، وقول رب اغفر لي بين السجدتين، وقول رنبا ولك الحمد، فانه لا يرجع إليه بعد الخروج من محله لان محل الذكر ركن وقع مجزئا صحيحا فلو رجع إليه لكان زيادة في الصلاة وتكرارا لركن ثم يأتي بالذكر في ركن غير مشروع بخلاف التشهد لكن يمضي ويسجد للسهو كترك التشهد (فصل) فان قام من السجدة الاولى ولم يجلس جلسة الفصل فهذا قد ترك جلسة الفصل والسجدة الثانية، ومتى ذكر قبل الشروع في القراءة لزمه الرجوع بغير خلاف علمناه، فإذا رجع جلس جلسة الفصل ثم سجد الثانية. وقال بعض الشافعية: لا يحتاج إلى الجلوس لان الفصل قد حصل بالقيام ولا يصح لان الجلسة واجبة فلم ينب عنها القيام كما لو قصد ذلك، فأما إن قام بعد أن جلس للفصل فانه يسجد ولا يلزمه جلوس، وقيل يلزمه ليكون سجود عن جلوس، ولا يصح لانه قد أتى بالجلسة فلم تبطل بالسهو بعدها كالسجدة الاولى، فان كان يظن أنه سجد سجدتين وجلس للاستراحة لم يجزئه عن جلسة الفصل لانها سنة فلا تنوب عن الواجب كما لو ترك سجدة من ركعة ثم سجد للتلاوة

[ 691 ]

فانها لا تجزئ. عن سجدة الصلاة والله أعلم (فصل) قال الشيخ رحمه الله (وأما الشك فمتى شك في عدد الركعات بنى على اليقين، وعنه يبني على غالب ظنه، وظاهر المذهب أن المنفرد يبني على اليقين، والامام على غالب ظنه) متى شك في عدد الركعات ففيه ثلاث روايات (إحداها) أن يبني على اليقين اماما كان أو منفردا اختارها أبو بكر. ويروى ذلك عن ابن عمر وابن عباس وابن عمرو، وهو قول ربيعة ومالك والثوري والاوزاعي والشافعي وإسحاق لما روى أبو سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم فان كان صلى خمسا شفعن له صلاته، وان كان صلى تمام الاربع كانتا ترغيما للشيطان " رواه مسلم. وعن عبد الرحمن بن عوف (1) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر زاد أو نقص، فان كان شك في الواحدة والثنتين فليجعلها واحدة، فان لم يدر اثنتين صلى أو ثلاثا فيجعلهما اثنتين، فان لم يدر ثلاثا صلى أو أربعا فيجعلها ثلاثا حتى يكون الشك في الزيادة ثم ليسجد سجدتين وهو جالس قبل أن يسلم ثم يسلم " رواه ابن ماجه والترمذي وقال حديث صحيح ولان الاصل عدم ما شك فيه فينبني على عدمه كما لو شك في ركوع أو سجود (والثانية) أن يبني على غالب ظنه إماما كان أو منفردا، نقلها عنه الاثرم، روي ذلك عن علي بن أبي طالب وابن مسعود


1) ذكر الحافظ في التلخيص أن حديث عبد الرحمن معلول وساق رواياته وحقق انه ضعيف

[ 692 ]

رضي الله عنهما، وهو قول النخعي، وبه قال أصحاب الرأي إذا تكرر ذلك منه، وان كان أول ما أصابه أعاد لقوله عليه السلام " لا غرار في صلاة ولا تسليم " ووجه هذه الرواية ما روى عبد الله ابن مسعدو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب وليتم عليه ثم يسجد سجدتين " متفق عليه، وللبخاري " بعد التسليم " وفي لفظ " فليتحر أقرب ذلك إلى الصواب " ولابي داود " إذا كنت في صلاة فشككت في ثلاث وأربع وأكثر ظنك على أربع تشهدت ثم سجدت سجدتين وأنت جالس ". والامام يبني على غالب ظنه لحديث ابن مسعود جمعا بين الاحاديث، وهذه المشهورة عن أحمد، اختارها الخرقي. وانما خصصنا الامام بالبناء على غالب ظنه لان له من ينبهه ويذكره إذا أخطأ فيتأكد عنده صواب نفسه، ولانه ان أصاب أقره المأمومون، وان أخطأ سبحوا به فرجع إليهم فيحصل له الصواب في الحالين بخلاف المنفرد إذ ليس له من يذكره فيبني على اليقين ليحصل له اتمام صلاته. وما قاله أصحاب الرأي فيخالف السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ان أحدكم إذا قام يصلي جاءه الشيطان فلبس عليه حتى لا يدري كم صلى، فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس " متفق عليه، وقوله عليه السلام " لاغرار في صلاة " يعني لا ينقص من صلاته ويحتمل أنه أراد ولا يخرج منها وهو شاك في اتمامها، ومن بنى على اليقين لم يخرج وهو شاك، وكذلك

[ 693 ]

الامام إذا بنى على غالب ظنه فوافقه المأمومون أو رد عليه فرجع إليهم (مسألة) (فان استوى الامران عنده بنى على اليقين) إماما كان أو منفردا وأتى بما بقي عليه من صلاته وسجد للسهو لما ذكرنا من الاحاديث ولان الاصل البناء على اليقين، وانما جاز تركه في حق الامام لمعارضة الظن الغالب فيبقى فيما عداه على الاصل (مسألة) (ومن شك في ترك ركن فهو كتركه) إذا شك في ترك ركن من أركان الصلاة وهو فيها فحكمه حكم تركه إماما كان أو منفردا لان الاصل عدمه، وإن شك في ترك واجب يوجب تركه السجود ففيه وجهان (أحدهما) لا سجود عليه، قاله ابن حامد لانه شك في سببه فلم يجب السجود له كما لو شك في الزيادة (والثاني) يسجد له ذكره القاضي لان الاصل عدمه، والصحيح وجوب السجود إلا على الرواية التي تقول إن هذه سنن فلا يجب والله أعلم. وإن شك في زيادة توجب السجود فلا سجود عليه لان الاصل عدمها فلا يجب السجود بالشك فيها. ولو شك في عدد الركعات أو في ركن ثم ذكره في الصلاة لم يسجد لان السجود لزيادة أو نقص أو احتمال ذلك ولم يوجد وانما يؤثر الشك في الصلاة إذا وجد فيها، فان شك بعد سلامها لم يلتفت إليه لان الظاهر أنه أتى بها على الوجه المشروع ولان ذلك يكثر فيشق الرجوع إليه، وهكذا الشك في سائر العبادات

[ 694 ]

(مسألة) (وليس على المأموم سجود سهو إلا أن يسهو إمامه فيسجد) وجملته ان المأموم إذا سها دون امامه لم يلزمه سجود في قول عامة أهل العلم. وحكي عن مكحول انه قام عند قعود امامه فسجد ولنا ان معاوية بن الحكم تكلم خلف النبي صلى الله عليه وسلم فلم يأمره بسجود، وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ليس على من خلف الامام سهو، فان سها امامه فعليه وعلى من خلفه " رواه الدار قطني. فأما إذا سها الامام فعلى المأموم متابعته في السجود سواء سها معه أو تفرد الامام بالسهو اجماعا، كذلك حكاه اسحاق وابن المنذر، وسواء كان السجود قبل السلام أو بعده لحديث ابن عمر ولقول النبي صلى الله عليه وسلم " انما جعل الامام ليؤتم به فإذا سجد فاسجدوا " (فصل) وإذا كان المأموم مسبوقا فسها الامام فيما لم يدركه فيه فعليه متابعته في السجود سواء كان قبل السلام أو بعده، روي هذا عن عطاء والحسن والنخعي وأصحاب الرأي، وقال ابن سيرين يقضي ثم يسجد، وقال مالك والليث والاوزاعي والشافعي في السجود قبل السلام كقولنا، وقول ابن سيرين فيما بعده، وروي ذلك عن أحمد لانه فعل خارج الصلاة فلم يتبع الامام فيه كصلاة أخرى. وعن أحمد رواية أخرى انه مخير بين متابعة امامه وتأخير السجود إلى آخر صلاته حكاه ابن أبي موسى ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " فإذا سجد فاسجدوا " وقوله في حديث ابن عمر " فان سها امامه فعليه وعلى من خلفه؟ ولان السجود من تمام الصلاة فيتابعه فيه كالذي قبل السلام وكغير المسبوق، وفارق صلاة أخرى فانها غير مؤتم به فيها إذا ثبت انه يتابع امامه، فإذا قضى ففي اعادة السجود روايتان (احداهما) يعيده لانه قد لزمه حكم السهو، وما فعله من السجود مع الامام كان متابعة له

[ 695 ]

فلا يسقط به ما لزمه كالتشهد الاخير (والثانية) لا يلزمه السجود لان سجود امامه قد كملت به الصلاة في حقهما وحصل به الجبران فلم يحتج إلى سجود ثان كالمأموم إذا سها وحده. وللشافعي قولان كالروايتين، فان نسي الامام السجود سجد المسبوق في آخر صلاته رواية واحدة لانه لم يوجد من الامام ما يكمل به صلاة المأموم. وكذلك ان لم يسجد مع الامام وإذا سها المأموم بعد مفارقة امامه في القضاء سجد رواية واحدة لانه قد صار منفردا فلم يتحمل عنه الامام السجود، وكذلك لو سها فسلم مع امامه قام فأتم وسجد بعد السلام كالمنفرد (مسألة) (فان لم يسجد الامام فهل يسجد المأموم؟ على روايتين) يريد غير المسبوق إذا سها امامه فلم يسجد المأموم فيه روايتان (أحداهما) يسجد اختارها ابن عقيل وقال هي أصح لان صلاة المأموم نقصت بسهو امامه ولم تنجبر بسجوده فيلزم المأموم جبرها وهذا مذهب ابن سيرين وقتادة ومالك والليث والشافعي (والثانية) لا يسجد روي ذلك عن عطاء والحسن والقاسم وحماد بن أبي سليمان والثوري وأصحاب الرأي لان المأموم انما يسجد تبعا فإذا لم يسجد الامام لم يوجد المقتضي لسجود المأموم. هذا إذا تركه الامام لعذر فان تركه قبل السلام عمدا وكان ممن لا يرى وجوبه فهو كتركه سهوا وان كان يعتقد وجوبه بطلت صلاته لانه ترك الواجب عمدا، وهل تبطل صلاة المأموم؟ فيه وجهان (أحدهما) تبطل لبطلان صلاة الامام كما لو ترك التشهد الاول (والثاني) لا تبطل لانه لم يبق من الصلاة الا السلام

[ 696 ]

(فصل) وإذا قام المأموم لقضاء ما فاته فسجد إمامه بعد السلام وقلنا تجب عليه متابعة إمامه فحكمه حكم القائم عن التشهد الاول وإن لم يستتم قائما لزمه الرجوع وإن استتم قائما لم يرجع وإن رجع جاز وإن شرع في القراءة لم يجز له الرجوع نص عليه أحمد في رواية الاثرم لانه قام عن الواجب إلى ركن أشبه القيام عن التشهد الاول، وذكر ابن عقيل فيه روايات ثلاث (احداها) يرجع لان امامه نفذ في الاداء ولانه سجود في الصلاة أشبه سجود صلبها (والثانية) لا يعود لانه نهض إلى ركن (والثالثة) هو مخير لان سجود السهو أخذ شبها من سجود صلب الصلاة من حيث انه سجود وشبها من التشهد الاول لكونه يسقط بالسهو فلذلك جبر، وما ذكرناه أولى (فصل) وليس على المسبوق ببعض الصلاة سجود لذلك في قول أكثر أهل العلم ويروى عن ابن عمر وابن الزبير وأبي سعيد ومجاهد وإسحاق فيمن أدرك وترا من صلاة إمامه سجد للسهو لانه يجلس للتشهد في غير موضع التشهد ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " وما فاتكم فأتموا " ولم يأمر بسجود وقد فات النبي صلى الله عليه وسلم بعض الصلاة مع عبد الرحمن بن عوف فقضى ولم يكن لذلك سجود، والحديث متفق عليه وقد جلس في غير موضع تشهده، ولان السجود انما شرع للسهو ولا سهو ههنا، ولان متابعة الامام واجبة فلم يسجد لفعلها كسائر الواجبات

[ 697 ]

(فصل) قال رحمه الله (وسجود السهو لما يبطل عمده الصلاة واجب في ظاهر المذهب، وعن أحمد أنه غير واجب) قال شيخنا: ولعل مبنى هذه الرواية على أن الواجبات التي شرع السجود لجبرها غير واجبة فيكون جبرها غير واجب. وهذا قول الشافعي وأصحاب الرأي لقول النبي صلى الله عليه وسلم " كانت الركعة والسجدتان نافلة له " ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به في حديث ابن مسعود وأبي سعيد وفعله، وقوله نافلة يعني أن له ثوابا فيه كما سميت الركعة أيضا نافلة وهي واجبة على الشاك بغير خلاف. فاما المشروع لما لم يبطل عمده الصلاة فغير واجب. قال أحمد إنما يجب السجود فيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم يعني وما كان في معناه ونقيس على زيادة خامسة سائر زيادات الافعال من جنس الصلاة وعلى ترك التشهد الاول ترك غيره من الواجبات وعلى التسليم من نقصان زيادات الاقوال المبطلة عمدا (مسألة) (ومحله قبل السلام، لا في السلام قبل إتمام صلاته، وفيما إذا بنى الامام على غالب ظنه، وعنه أن الجميع قبل السلام، وعنه ما كان من زيادة فهو بعد السلام، وما كان من نقص كان قبله) وجملة ذلك أن سجود السهو كله قبل السلام في ظاهر قول احمد إلا في الموضعين المذكورين وهي إذا سلم عن نقص في صلاته لحديث ذي اليدين وعمران بن حصين (والثاني) إذا بني الامام على غالب ظنه لحديث ابن مسعود، نص على ذلك في رواية الاثرم فقال: أنا أقول كل سهو جاء عن

[ 698 ]

النبي صلى الله عليه وسلم أنه سجد فيه بعد السلام، فانه يسجد فيه بعد السلام، وسائر السهو يسجد فيه قبل السلام، وهو أصح في المعنى لانه من شأن الصلاة فيقضيه قبل التسليم كسجود صلبها، وهذا قول سليمان بن داود وابن أبي خيثمة وابن المنذر. قال القاضي: لا يختلف قول احمد في هذين الموضعين أنه يسجد لهما بعد التسليم، وهذا اختيار الخرقي. والروايتان الاخريان ذكرهما أبو الخطاب (إحداهما) جميع السجود قبل السلام، روي ذلك عن أبي هريرة والزهري والليث والاوزاعي، وهو مذهب الشافعي لحديث ابن بحينة وأبي سعيد. قال الزهري: كان آخر الامرين السجود قبل السلام، ولانه تمام للصلاة فكان قبل سلامها كسائر أفعالها (والثانية) ما كان من زيادة كان بعد السلام لحديث ذي اليدين وحديث ابن مسعود حين صلى النبي صلى الله عليه وسلم خمسا، وما كان من نقص كان قبله لحديث ابن بحينة، وهذا مذهب مالك وأبي ثور والمزني، وقال أصحاب الرأي: جميع سجود السهو بعد السلام، وله فعله قبل السلام، روي نحو ذلك عن علي وسعد وابن مسعود وعمار وابن عباس وابن الزبير وأنس والحسن لحديث ذي اليدين وابن مسعود، وروى ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لكل سهو سجدتان بعد التسليم " رواه سعيد عن عبد الله بن جعفر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعد ما يسلم " رواهما أبو داود ولنا أنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم السجود قبل السلام وبعده في أحاديث صحيحة وفيما ذكرناه عملا بالاحاديث كلها وجمعا بينها وذلك واجب مهما أمكن فان خبر النبي صلى الله عليه وسلم

[ 699 ]

حجة يجب المصير إليه، والعمل به، ولا يترك الا لمعارض مثله أو أقوى منه وليس في سجوده في موضع ما ينفي سجوده في موضع آخر ودعوى نسخ حديث ذي اليدين لا وجه له لان راوييه أبو هريرة وعمران بن حصين وهجرتهما متأخرة وقول الزهري مرسل ثم لا يقتضي نسخا فانه يجوزأن يكون آخر الامرين سجوده قبل السلام لوقوع السهو آخرا فيما يسجد له قبل السلام، وحديث ثوبان يرويه اسماعيل بن عياش وزهير بن سالم وفي روايته عن أهل الحجاز ضعف وحديث ابن جعفر من رواية مصعب بن شيبة، قال أحمد يروي المناكير، وقال النسائي منكر الحديث وفيه ابن أبي ليلى وهو ضعيف قال الاثرم لا يثبت واحد منهما والله أعلم (مسألة) (وإن نسيه قبل السلام قضاه ما لم يطل الفصل أو يخرج من المسجد وعنه أنه يسجد وإن بعد) متى نسي سجود السهو قبل السلام قضاه بعد السلام ما لم يطل الفصل ما دام في المسجد وإن تكلم، وبه قال مالك والاوزاعي والشافعي وأبو ثور، وقال الحسن وابن سيرين إذا صرف وجهه عن القبلة لم يبن ولم يسجد، وقال أبو حنيفة إن تكلم بعد الصلاة سقط عنه سجود السهو لانه أتى بما ينافيها أشبه مالو أحدث ولنا ما روى ابن مسعدو أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد بعد السلام والكلام. رواه مسلم، وفي حديث ابن مسعود أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى خمسا فلما انفتل توشوش القوم فيما بينهم ثم سجد بعد انصرافه عن القبلة، ولانه إذا جاز اتمام الركعتين من الصلاة بعد الكلام والانصراف كما جاء في حديث ذي اليدين

[ 700 ]

وعمران بن حصين فالسجود أولى (فصل) فأما إن طال الفصل وخرج من المسجد لم يسجد، والمرجع في طول الفصل وقصره إلى العادة، وذكر القاضي: أنه يسجد ما لم يطل الفصل لان النبي صلى الله عليه وسلم رجع إلى المسجد بعد خروجه منه في حديث عمران بن حصين لاتمام الصلاة والسجود أولى، وهذا قول الشافعي وقال الخرقي: يسجد ما كان في المسجد، فان خرج لم يسجد، وهو قول الحكم وابن شبرمة، وعنه أنه يسجد وإن خرج، وقد حكاها ابن أبي موسى عن أحمد، وهو أحد قولي الشافعي لانه جبران فأتى به بعد طول الفصل والخروج كجبرانات الحج، وهذا قول مالك إن كان لزيادة، وإن كان لنقص أتى به ما لم يطل الفصل لانه لتكميل الصلاة. ووجه الاولى أنه لتكميل الصلاه فلا يأتي به بعد طول الفصل كركن من أركانها، وانما ضبطناه بالمسجد لانه محل الصلاة فاعتبرت فيه المدة كخيار المجلس (فصل) فان نسيه حتى شرع في صلاة أخرى سجد بعد فراغه منها في ظاهر كلام الخرقي ما كان في المسجد وعلى قول غيره: ان طال الفصل لم يسجد والا سجد (مسألة) (وكيفي لجميع السهو سجدتان الا أن يختلف محلهما ففيه وجهان) إذا سها سهوين أو أكثر من جنس كفاه سجدتان بغير خلاف علمناه، وإن كان السهو من جنسين فكذلك حكاه ابن المنذر عن أحمد وهو قول أكثر أهل العلم منهم الثوري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي وذكر أبو بكر

[ 701 ]

فيه وجهين (أحدهما) ما ذكرنا (والثاني) يسجد سجودين، وهو قول الاوزاعي وابن أبي حاتم و عبد العزيز بن أبي سلمة إذا كان أحدهما قبل السلام، والآخر بعده لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لكل سهو سجدتان " رواه أبو داود وابن ماجه، وهذان سهوان، ولان كل سهو يقتضي سجودا وانما يتداخلان في الجنس الواحد. ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا سها أحدكم فليسجد سجدتين " وهذا يتناول السهو في موضعين، ولان النبي صلى الله عليه وسلم سها وتكلم بعد سلامه فسجد لهما سجودا واحدا، ولانه شرع للجبر فكفى فيه سجود واحد كما لو كان من جنس واحد، وحديثهم في إسناده مقال. ثم ان المراد به لكل سهو في صلاة، والسهو وإن كثر داخل في لفظ السهو لانه اسم جنس فيكون التقدير لكل صلاة فيها سهو سجدتان يدل على ذلك انه قال " لكل سهو سجدتان بعد السلام " كذا رواية أبي داود، ولا يلزمه بعد السلام سجودان (فصل) ومعنى اختلاف محلهما أن يكون أحدهما قبل السلام والآخر بعده لاختلاف سببهما وأحكامهما. وقال بعض أصحابنا: هو أن يكون أحدهما من نقص والآخر من زيادة، قال شيخنا: والاول أولى إن شاء الله تعالى، فإذا قلنا يسجد لهما سجودا واحدا سجد قبل السلام لانه أسبق وآكد، ولان الذي قبل السلام قد وجد سببه ولم يوجد قبله ما يوجب منع وجوبه ولا يقوم مقامه

[ 702 ]

فلزمه الاتيان به، وإذا سجد له سقط الثاني لاغناء الاول عنه (فصل) ولو أحرم منفردا فصلى ركعة ثم نوى متابعة الامام وقلنا بجواز ذلك فسها فيما انفرد فيه وسها إمامه فيما تابعه فيه فان صلاته تنتهي قبل صلاة إمامه، فعلى قولنا هما من جنس واحد إن كان محلهما واحدا، وعلى قول من فسر الجنسين بالزيادة والنقص يحتمل كونهما من جنسين، وهكذا لو صلى من الرباعية ركعة ودخل مع مسافر فنوى متابعته فلما سلم أمامه قام ليتم ما عليه فقد حصل مأموما في وسط صلاته منفردا في طرفيها، فإذا سها في الوسط والطرفين جميعا فعلى قولنا إن كان محل سجودهما واحدا فهي جنس واحد، وان اختلف محل السجود فهي جنسان. وقال بعض أصحابنا: هي جنسان. ولاصحاب الشافعي فيها وجهان كهذين. ووجه ثالث: أنه يسجد ست سجدات لكل سهو سجدتان

[ 703 ]

(مسألة) (ومتى سجد بعد السلام جلس فتشهد ثم سلم) وجملة ذلك أنه متى سجد للسهو كبر للسجود والرفع منه سواء كان قبل السلام أو بعده، فان كان قبل السلام سلم عقيبه، وان كان بعده تشهد وسلم سواء كان محله بعد السلام أو كان قبله فنسيه إلى ما بعده وبهذا قال ابن مسعود والنخعي وقتادة والحكم والثوري والاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي في التشهد والتسليم، وقال أنس والحسن وعطاء ليس فيهما تشهد ولا تسليم. وقال ابن سيرين وابن المنذر: فيهما تسليم بغير تشهد، وعن عطاء: ان شاء تشهد وإن شاء ترك ولنا على التكبير قول ابن بحينة: فلما قضى الصلاة سجد سجدتين كبر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلم. وقول أبي هريرة: ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر. وأما التسليم فقد ذكره عمران بن حصين في حديثه الذي رواه مسلم قال فيه: سجد سجدتي السهو ثم سلم

[ 704 ]

وفي حديث ابن مسعود: ثم سجد سجدتين ثم سلم وأما التشهد فروي عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن ولانه سجود له تسليم فكان له تشهد كسجود صلب الصلاة. ويحتمل أن لا يجب التشهد لان ظاهر الحديثين الاولين أنه سلم من غير تشهد وهما أصح من هذه الرواية ولانه سجود مفرد أشبه سجود التلاوة (فصل) وإذا نسي سجود السهو حتى طال الفصل لم تبطل صلاته، وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي. وعن أحمد ان خرج من المسجد أعاد الصلاة، وهو قول الحكم وابن شبرمة وقول مالك وابي ثور في السجود قبل السلام ووجه الاول أنه جابر للعبادة بعدها فلم تبطل بتركه كجبرانات الحج (مسألة) (وان ترك السجود الواجب قبل السلام عمدا بطلت صلاته) لانه ترك واجبا في الصلاة

[ 705 ]

عمدا، وإن ترك المشروع بعد السلام لم تبطل لانه جبر للعبادة خارجا عنها فلم تبطل بتركه كجبرانات الحج وسواء كان محله بعد السلام أو كان قبله فنسيه فصار بعده. وقد نقل عن أحمد ما يدل على بطلان الصلاة. ونقل عنه التوقف فانه قال فيمن نسي سجود السهو: ان كان في سهو خفيف فأرجو أن لا يكون عليه. قال الاثرم: قلت لابي عبد الله فان كان فيما سها فيه النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال هاه ولم يجب فبلغني عنه أنه يستحب أن يعيد، فإذا كان هذا في السهو ففي العمد أولى وهذا ظاهر المذهب (فصل) ويقول في سجود السهو ما يقول في سجود صلب الصلاة قياسا عليه والله أعلم (باب صلاة التطوع) (مسألة) قال (وهي أفضل تطوع البدن) لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة " رواه ابن ماجه. ولان فرضها آكد الفروض فتطوعها آكد التطوع

[ 706 ]

(مسألة) (وآكدها صلاة الكسوف والاستسقاء) لان النبي صلى الله عليه وسلم فعلها وأمر بصلاة الكسوف في حديث ابن مسعود، فذكر الحديث إلى أن قال " فصلوا وادعوا حتى يكشف ما بكم " متفق عليه وفي حديث عائشة من رواية أبي داود، أمر بمنبر فوضع له ووعد الناس يوما يخرجون فيه أي في الاستسقاء، وهذا يدل على الاعتناء بها والمحافظة عليها (مسألة) قال (ثم الوتر وليس بواجب، ووقته ما بين صلاة العشاء وطلوع الفجر، وأقله ركعة وأكثره إحدى عشرة ركعة، يسلم من كل ركعتين ويوتر بركعة) الوتر سنة مؤكدة في المنصوص عنه قال أحمد: من ترك الوتر فهو رجل سوء، ولا ينبغي أن تقبل له شهادة، أراد بذلك المبالغة في تأكده ولم يرد الوجوب فانه قد صرح في رواية حنبل فقال: الوتر ليس بمنزلة الفرض، فان شاء قضى الوتر وان شاء لم يقضه. وذلك لان البني صلى الله عليه وسلم كان يداوم عليه حضرا وسفرا، وروى أبو

[ 707 ]

أيوب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " الوتر حق فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فيلفعل " رواه أبو داود (فصل) واختلف أصحابنا في الوتر وركعتي الفجر فقال القاضي: ركعتا الفجر آكد لاختصاصها بعدد لا يزيد ولا ينقص، وقال غيره: الوتر آكد وهو أصح لانه مختلف في وجوبه وفيه من الاخبار ما لم يأت مثله في ركعتي الفجر، لكن ركعتي الفجر تليه في التأكد (فصل) وليس الوتر واجبا، وبهذا قال مالك والشافعي، وذهب أبو بكر إلى وجوبه وهو قول أبي حنيفة لما ذكرنا من حديث أبي أيوب ولقول النبي صلى الله عليه وسلم " فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة " وعن بريدة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا " رواه الامام أحمد، وعن خارجة بن حذافة قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة فقال " ان الله أمدكم بصلاة فهي خير لكم من حمر النعم وهي الوتر فجعلها

[ 708 ]

لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر " رواه الامام أحمد وأبو داود، وعن أبي بصرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ان الله زادكم صلاة فصلوها مابين العشاء إلى صلاة الصبح " رواه الاثرم ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم للاعرابي حين سأله ما فرض الله عليه من الصلاة في اليوم والليلة قال " خمس صلوات " قال هل علي غيرها؟ قال " لا أن تطوع " فقال الاعرابي: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليها ولا أنقص منها فقال " أفلح الرجل ان صدق " حديث صحيح، وروي أن رجلا من كنانة يدعى المخدجي سمع رجلا من أهل الشام يدعى أبا محمد يقول: ان الوتر واجب قال: فرحت إلى عبادة بن الصامت فأخبرته فقال عبادة: كذب أبو محمد، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " خمس صلوات كتبهن الله تعالى على العباد فمن جاء بهن لم يضيع من حقهن

[ 709 ]

شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة " رواه مسلم. وعن علي رضي الله عنه قال: الوتر ليس بحتم، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوتر ثم قال " يا أهل القرآن أوتروا فان الله يحب الوتر " رواه أحمد، ولانه يجوز فعله على الراحلة من غير ضرورة فلم يكن واجبا كالسنن، فروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوتر على بعيره متفق عليه. وفي لفظ: كان يسبح على الراحلة قبل أي وجه توجه ويوتر عليها غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة، رواه مسلم، وأحاديثهم قد تكلم فيها، ثم ان المراد بها تأكده وفضيلته وذلك حق وزيادة الصلاة يجوز أن تكون سنة. والتوعد للمبالغة كقوله " من أكل من هاتين الشجرتين فلا يقربن مسجدنا " والله أعلم (فصل) ووقته ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر كذلك ذكره شيخنا في كتاب المغني وذكر

[ 710 ]

في الكافي أنه إلى صلاة الصبح لقول النبي صلى اله عليه وسلم " ان الله زادكم صلاة فصلوها ما بين العشاء إلى صلاة الصبح " رواه الامام أحمد في المسند. ووجه الاول ما روي عن معاذ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " زادني ربي صلاة وهي الوتر ووقتهاما بين العشاء إلى طلوع الفجر " (1) رواه الامام أحمد: فان أوتر قبل العشاء لم يصح وتره، وهو قول مالك والشافعي ويعقوب ومحمد. وقال الثوري وأبو حنيفة: ان صلاه قبل العشاء ناسيا لم يعد والاول أولى لما ذكرنا من الحديثين، ولانه صلاة قبل الوقت أشبه مالو صلاه نهارا، وان أخره حتى طلع الصبح احتمل أن يكون أداء لحديث أبي نصرة، وهو قول علي وابن مسعود رضي الله عنهما. قال شيخنا: والصحيح أن يكون قضاء لحديث معاذ ولقول النبي صلى الله عليه وسلم " فإذا خشي أحدكم الصبح يصلي ركعة فأوترت له ما قد صلى " وقال " واجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا " متفق عليه وقال " أوتروا قبل أن تصبحوا " رواه مسلم


1) قد يقال المراد بصلاة الصبح فيما قبله فهو بمعنى طلوع الفجر فالروايتان بمعنى واحد وهو الذي يتفق مع سائر الاحاديث فيه

[ 711 ]

(فصل) والافضل فعله في آخر الليل لقول عائشة، من كل الليل قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتهى وتره إلى السحر، متفق عليه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم " من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر من أوله، ومن طمع أن يقوم آخر فليوتر آخر الليل، فان صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل " رواه مسلم. وهذا صريح فإذا كان له تهجد جعل الوتر بعده لان النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك وقال " اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا " رواه مسلم. فأما إن خاف أن لا يقوم آخر الليل استحب أن يوتر من أوله لما ذكرنا من الحديث، ولان النبي صلى الله عليه وسلم أوصى به أبا هريرة وأبا ذر وأبا الدرداء وكلها أحاديث صحاح. وروى أبو داود ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لابي بكر " متى توتر؟ " قال: أوتر من أول الليل، وقال لعمر " متى توتر؟ " قال: آخر الليل، فقال لابي بكر " أخذ هذا بالحزم، وهذا بالقوة " وأي وقت أوتر من الليل بعد العشاء أجزأه بغير

[ 712 ]

خلاف. وقد دلت عليه الاخبار (فصل) ومن أوتر أول الليل ثم قام للتهجد صلى مثنى مثنى ولم ينقض وتره، روي ذلك عن أبي بكر الصديق وعمر وسعد بن أبي وقاص وابن عباس وأبي هريرة وعائشة، وبه قال طاوس والنخعي ومالك والاوزاعي وأبو ثور، قيل لاحمد: ولا ترى نقض الوتر؟ فقال " لا ثم قال وان ذهب إليه ذاهب فأرجو، قد فعله جماعة. روي عن عمر وعلي وأسامة وأبي هريرة وابن مسعود وعثمان وسعيد وابن عمر رضي الله عنهم، وبه قال اسحاق، ومعناه إذا قام للتهجد يصلي ركعة شفع الوتر الاول ثم يصلي مثنى مثنى ثم يوتر في آخر التهجد: ولعلهم ذهبوا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم " اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا " ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا وتران في ليلة " رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح

[ 713 ]

(فصل) واقله ركعة لما ذكرنا من حديث أبي أيوب ولما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة " وروى ابن عمر وابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " الوتر ركعة من آخر الليل " رواهما مسلم، وأكثره احدى عشرة ركعة يسلم من كل ركعتين ويوتر بركعة لما روت عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالليل احدى عشر ركعة يوتر منها بواحدة، رواه مسلم وفي لفظ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر احدى عشرة ركعة يسلم من كل ركعتين ويوتر بواحدة وذكر القاضي في المجردانه ان صلى احدى عشرة ركعة وما شاء منهن بسلام واحد أجزأه والاولى الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم (مسألة) (وان أوتر بتسع سرد ثمانيا وجلس ولم يسلم ثم صلى التاسعة وتشهد وسلم، وكذلك

[ 714 ]

السبع وان أوتر بخمس لم يجلس إلا في آخرهن) وجملته أنه يجوز أن يوتر بواحدة وثلاث وخمس وسبع وتسع وإحدى عشرة وقد ذكرنا دليل الواحد والاحدي عشرة وسنذكر الثلاث ان شاء الله تعالى. قال الثوري واسحاق: الوتر ثلاث وخمس وسبع وتسع واحدى عشرة، وقال ابن عباس انما هي واحدة أو خمس أو سبع أو أكثر من ذلك يوتر بما شاء. فظاهر قوله أنه لا بأس أن يوتر باكثر من إحدى عشرة ويدل عليه ما روى عبد الله بن قيس قال: قلت لعائشة بكم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر؟ قالت كان يوتر باربع وثلاث، وست وثلاث، وثمان وثلاث، وعشر وثلاث، ولم يكن يوتر باقل من سبع ولا بأكثر من ثلاث عشرة. رواه أبو داود، وهذا صريح في أنه يزيد على احدى عشرة (فصل) فان أوتر بتسع سرد ثمانيا ثم جلس فتشهد ولم يسلم ثم صلى التاسعة وتشهد وسلم ونحو هذا قال اسحاق، وذلك لما روى سعد بن هشام قال: قلت يعني لعائشة يا أم المؤمنين أنبئيني عن وتر

[ 715 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: كنا نعد له سواكه وطهوره فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه فيتسوك ويتوضأ ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم يسلم تسليما يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعد فتلك أحدى عشرة ركعة يا بني فلما أسن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذه اللحم أوتر بسبع وصنع في الركعتين مثل صنيعه في الاول، قال فانطلقت إلى ابن عباس فحدثته بحديثها فقال: صدقت رواه مسلم. وحكم السبع حكم التسع لان في حديث عائشة من رواية أبي داود أوتر بسبع لم يجلس إلا في السادسة والسابعة ولم يسلم إلا في السابعة. وقال القاضي: لا يجلس في السبع إلا في آخرها كالخمس لما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فتوضأ ثم صلى سبعا أو خمسا أوتر بهن لم يسلم الا في آخرهن، رواه مسلم وأبو داود، و ليس في هذا الحديث تصريح بأنه لم يجلس عقيب السادسة،

[ 716 ]

وحديث عائشة حجة عليه. وان أوتر بخمس لم يجلس إلا في آخرهن، روي ذلك عن زيد بن ثابت لما روى عروة عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شئ منها إلا في آخرها، متفق عليه (مسألة) (وأدنى الكمال ثلاث ركعات بتسليمتين) كذلك ذكره أبو الخطاب، وممن روى عنه أنه أوتر بثلاث عمر وعلي وأبي وأنس وابن مسعود وابن عباس وأبو أمامة وعمر بن عبد العزيز وبه قال أصحاب الرأي، وقد دل على ذلك حديث أبي أيوب. وقال أبو موسى: ثلاث أحب إلى من واحدة، وخمس أحب إلي من ثلاث، وسبع أحب إلى من خمس، وتسع أحب إلي من سبع إذا ثبت ذلك فاختيار أبي عبد الله أن يفصل بن الواحدة والثنتين بالتسليم قال: وان أوتر بثلاث لم يسلم فيهن لم يضيق عليه عندي. وممن كان يسلم من كل ركعتين ابن عمر حتى يأمر ببعض حاجته

[ 717 ]

وهو مذهب معاذ القارئ ومالك والشافعي واسحاق، وقال الاوزاعي: ان فصل فحسن، وان لم يفصل فحسن. وقال أبو حنيفة: لا يفصل بسلام، واستدل بقول عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوتر بأربع وثلاث، وست وثلاث، وثمان وثلاث، وقولها كان يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا. وظاهر هذا أنه كان يصلي الثلاث بتسليم واحد ولنا ما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة، رواه مسلم. وعن نافع عن ابن عمر أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوتر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " افصل بين الواحدة والثنتين بالتسليم " رواه الاثرم، وعن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفصل بين الشفع والوتر بتسليمة يسمعناها، رواه

[ 718 ]

الامام أحمد وهذا نص، فأما حديث عائشة فليس فيه تصريح بأنها بتسليم واحد. فان صلى خلف امام يصلي الثلاث بتسليم تابعه لئلا يخالف امامه وهو قول مالك والله أعلم (مسألة) قال (يقرأ في الاولى بسبح، وفي الثانية بقل يا أيها الكافرون، وفي الثالثة بقل هو الله أحد) يستحب أن يقرأ في ركعات الوتر الثلاث بذلك، وبه قال الثوري واسحاق وأصحاب الرأي، وقال الشافعي: يقرأ في الثالثة قل هو الله أحد والمعوذتين، وروي نحوه عن أحمد وهو قول مالك في الوتر وقال في الشفع: لم يبلغني فيه شئ معلوم لما روت عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعة الاولى بسبح اسم ربك الاعلى، وفي الثانية قل يا أيها الكافرون، وفي الثالثة قل هو الله أحد والمعوذتين، رواه ابن ماجه.

[ 719 ]

ولنا ما روى أبي بن كعب قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يوتر بسبح اسم ربك الاعلى، وقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد، رواه أبو داود وابن ماجه. وحديث عائشة في هذا لا يثبت يرويه يحيى بن أيوب وهو ضعيف، وقد أنكر أحمد ويحيى زيادة المعوذتين (مسألة) قال (ثم يقنت فيها بعد الركوع) القنوت مسنون في الركعة الاخيرة من الوتر في جميع السنة في المنصور عند أصحابنا وهو قول ابن مسعود وابراهيم وإسحاق وأصحاب الرأي، وعنه لا يقنت في إلا في النصف الاخير من رمضان، روي ذلك عن علي وأبي وهو قول مالك والشافعي اختاره الاثرم لما روي أن عمر جمع الناس على أبي بن كعب فكان يصلي بهم عشرين ولا يقنت الا في النصف الثاني، رواه أبو داود. وهذا كالاجماع. وقال قتادة: يقنت في السنة كلها إلا في النصف الاول من رمضان لهذا الخبر. والرواية الاولى هي المشهورة قال أحمد في رواية المروذي: كنت

[ 720 ]

أذهب إلى أنه في النصف من شهر رمضان ثم انى قنت هو دعاء وخير وذلك لما روى أبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر فيقنت قبل الركوع. وحديث علي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في آخر وتره " اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك " الحديث، وكان للدوام، وفعل أبي يدل على أنه رآه، ونحن لا ننكر الاختلاف في هذا، ولانه وتر فيشرع فيه القنوت كالنصف الاخير (فصل) ويقنت بعد الركوع نص عليه أحمد، وروي نحو ذلك من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وبه قال الشافعي. وقد قال أحمد: أنا أذهب إلى أنه بعد الركوع، وان قنت قبله فلا بأس ونحوه قال أيوب السختياني لما روى حميد قال: سئل أنس عن القنوت في صلاة الصبح فقال: كنا نقنت قبل الركوع وبعده، رواه ابن ماجه. وقال مالك وأبو حنيفة: قبل الركوع، روي ذلك عن أبي وابن مسعود وأبي موسى والبراء وابن عباس وأنس وعمر بن عبد العزيز، لان في حديث

[ 721 ]

أبي ويقنت قبل الركوع. وعن ابن مسعود ان النبي صلى الله عليه وسلم قنت قبل الركوع ولنا ما روى أبو هريرة وأنس ان النبي صلى الله عليه وسلم قنت قبل الركوع، رواه مسلم. وحديث ابن مسعود يروية أبان بن أبي عياش وهو متروك الحديث. وحديث أبي قد تكلم فيه أيضا وقبل: ذكر القنوت فيه غير صحيح والله أعلم (فصل) ويستحب أن يقول في قنوت الوتر ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فروى الحسن بن علي قل: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر " اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فانك تقضي ولا يقضى عليك، وانه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت " رواه أبو داود والترمذي وقال هذا حديث حسن، ولا نعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت

[ 722 ]

شيئا أحسن من هذا. وعن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في آخر وتره " اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " رواه الطيالسي. وعن عمر رضي الله عنه أنه قنت في صلاة الفجر فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إنا نستعينك ونستهديك ونستغفرك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير كله، ونشكرك ولا نكفرك، بسم الله الرحمن الرحيم " اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، واليك نسعى ونجفد، نرجوا رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق. اللهم عذب كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك، اللهم عذب كفرة أهل الكتاب. وهاتان سورتان في مصحف أبي، وقال ابن سيرين: كتبهما أبي في مصحفه يعني إلى قوله بالكفار ملحق - نحفد نبادر وأصل الحفد مداركة الخطو والاسراع، والجد بكسر الجيم الحق لا اللعب، وملحق

[ 723 ]

بكسر الحاء لاحق. هكذا روي هذا الحرف يقال لحقت القوم والحقتهم بمعنى واحد، ومن فتح الحاء أراد ان الله يحلقه إياه وهو معنى صحيح غير أن الرواية هي الاولى قال الخلال: سألت ثعلبا عن محلق وملحق فقال: العرب تقولهما معا (فصل) إذا أخذ الامام في القنوت أمن من خلفه لا نعلم فيه خلافا قال القاضي: وان دعا معه فلا بأس فان لم يسمع قنوت الامام دعا نص عليه. ويرفع يديه في حال القنوت قال الاثرم: كان أبو عبد الله يرفع يديه في القنوت إلى صدره يروى ذلك عن ابن مسعود وعمر وابن عباس وهو قول اسحاق وأصحاب الرأي، وأنكره الاوزاعي ومالك ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا دعوت الله فادع ببطون كفيك ولا تدع بظهورها، فإذا فرغت فامسح بهما وجهك " رواه أبو داود وابن ماجه. وروى السائب بن يزيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 724 ]

كان إذا دعا رفع يديه ومسح وجهه بيديه. رواه أبو داود (مسألة) وهل يمسح وجهه بيديه؟ على روايتين (إحداهما) يمسح، وهو قول الحسن وهو الصحيح لما ذكرنا من الحديثين (والثانية) لا يستحب لانه دعاء في الصلاة فلم يمسح وجهه فيه كسائر دعائها (مسألة) (ولا يقنت في غير الوتر) وبه قال الثوري وأبو حنيفة، وروي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وابن مسعود وأبي يالدرداء. وقال مالك والشافعي: يسن القنوت في صلاة الصبح في جميع الزمان لان أنسا قال: ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا. من المسند ولان عمر كان يقنت في الصبح بمحضر من الصحابة وغيرهم ولنا ما روى مسلم في صحيحه عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهرا يذعو على حي من أحياة العرب ثم تركه، وروى أبو هريرة وابن مسعود نحوه مرفوعا. وعن أبي مالك الاشجعي

[ 725 ]

قال: قلت لابي يا أبة انك قد صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ههنا بالكوفة نحو خمس سنين أكانوا يقنتون في الفجر؟ قال أي نبي محدث، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح ورواه أحمد وابن ماجه والنسائي والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يقنت في صلاة الفجر إلا إذا دعا لقوم أو دعا على قوم رواه سعيد، وروى سعيد أيضا عن هشيم عن عروة الهمداني عن الشعبي قال: لما قنت علي في صلاة الصبح أنكر ذلك لناس فقال علي: إنا إنما استنصرنا على عدونا. هذا وحديث أنس يحتمل أنه أراد طول القيام فانه سمى قنوتا. ويحتمل انه كان يقنت إذا دعا لقوم أو دعا على قوم ليكون موافقا لما ذكرنا من الحديثين قنوت عمر يحمل على أنه كان في أوقات النوازل فان أكثر الروايات عنه انه لم يكن يقنت، وعن سعيد بن جبير قال أشهد أني سمعت ابن عباس يقول ان القنوت في صلاة الفجر بدعة رواه الدارقطني

[ 726 ]

(مسألة) قال (الا أن ينزل بالمسلمين نازلة فللامام خاصة القنوت في صلاة الفجر) متى نزل بالمسلمين نازلة فللامام أن يقنت في صلاة الصبح في المنصوص عن أحمد في رواية الاثرم، وقال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن القنوت في الفجر فقال لو قنت أياما معلومة ثم ترك كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وبه قال الثوري وأبو حنيفة لما ذكرنا من الحديث، وفعل علي حين قال انما استنصرنا على عدونا. هذا ولا يقنت أحاد الناس وعنه يقنت رواها القاضي عن أحمد. والمشهور في رءوس المسائل الاول. ويقول في قنوته نحوا مما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وقد روي عن عمر أنه كان يقول في القنوت اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وألف بين قلوبهم، وأصلح دات بينهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم العن كفرة أهل الكتاب الذين يكذبون رسلك، ويقاتلون أولياءك، اللهم خالف بين كلمتهم، وزلزل أقدامهم وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد

[ 727 ]

عن القوم المجرمين، بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إنا نستعينك " رواه أبو داود (فصل) ولا يقنت في غير الفجر والوتر، وقيل يقنت في صلوات الجهر كلها قياسا على الفجر وقال أبو الخطاب: يقنت في الفجر والمغرب لانهما صلاتهما جهر في طرفي النهار، وعنه يقنت في جميع الصلوات، وهو مذهب الشافعي. والاول أولى لانه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه إلا في الفجر والوتر (فصل) قال أحمد: الاحاديث التي جاءت ان النبي صلى الله عليه وسلم وسلم أوتر بركعة كان قبلها صلاة متقدمة. قيل له: أوتر في السفر بواحدة قال: يصلي قبلها ركعتين. فقيل له رجل تنفل بعد عشاء الآخرة ثم تعشى ثم أراد أن يوتر يعجبك أن يركع ركعتين ثم يوتر؟ قال: نعم. وسئل عمن

[ 728 ]

صلى من الليل ثم نام ولم يوتر فلا يعجبني أن يركع ركعتين ثم يسلم ثم يوتر. وسئل عن رجل أصبح ولم يوتر قال: لا يوتر بركعة إلا أن يخاف طلوع الشمس. قيل له: فإذا لحق مع الامام ركعة الوتر؟ قال: إن كان الامام يفصل بينهن بسلام أجزأته الركعة وإلا تبعه ويقضي ما مضى مثل ما صلى فإذا فرغ قام يقضي ولا يقنت. قيل لابي عبد الله: رجل قام يتطوع ثم بدا له فجعل تلك الركعة وترا قال لا كيف يكون هذا قد قلب نيته؟ قيل له: أيبتدئ الوتر؟ قال نعم. قال أبو عبد الله: إذا قنت قبل الركوع كبر ثم أخذ في القنوت، وقد روي عن عمر أنه كان إذا فرغ من القراءة كبر ثم قنت ثم كبر حين يركع. وروي ذلك عن علي وابن مسعود والبراء وهو قول الثوري ولا نعلم فيه مخالفا (فصل) وإذا فرغ من وتره استحب أن يقول: سبحان الله الملك القدوس - ثلاثا - ويمد بها صوته في الثالثة لما روى عبد الرحمن بن أبزى قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يوتر (بسبح اسم ربك

[ 729 ]

الاعلى، وقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد) وإذا أراد أن ينصرف من الوتر قال " سبحان الملك القدوس " ثلاث مرات ثم يرفع صوته بها في الثالثة رواه الامام أحمد (مسألة) قال (ثم السنن الراتبة، وهي عشر ركعات، ركعتان قبل الظهر وركعتان بعدها وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر، وهما آكد، قال أبو الخطاب: وأربع قبل العصر) السنن الرواتب مع الفرائض عشر ركعات كما ذكر، وقال الشافعي: قبل الظهر أربعا لما روى عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة عن صلاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان يصلي في بيته قبل الظهر أربعا، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين، رواه مسلم قال أبو الخطاب: وأربع قبل العصر لما روى ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " رحم الله أمرأ صلى قبل العصر أربعا " رواه أبو داود. وعن علي رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم

[ 730 ]

يصلي قبل العصر أربع ركعات يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقربين ومن سمعه من المسلمين والمؤمنين رواه الامام أحمد والترمذي وقال حديث حسن ولنا ما روى ابن عمر قال: حفظت عن النبي صلى الله عليه وسلم عشر ركعات، ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الصبح. وكانت ساعة لا يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فيها حدثتني حفصة أنه كان إذا أذن المؤذن وطلع الفجر صلى ركعتين متفق عليه، وروى الترمذي مثل ذلك عن عائشة مرفوعا وقال هو حديث صحيح وقول النبي صلى الله عليه وسلم " رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعا " ترغيب فيها ولم يجعلها من السنن الرواتب بدليل أن ابن عمر لم يحفظها من النبي صلى الله عليه وسلم. وحديث عائشة قد اختلف فيه فروي عنها مثل رواية ابن عمر

[ 731 ]

(فصل) وآكدها ركعتا الفجر لقول عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن على شئ من النوافل أشد معاهدة منه على ركعتين قبل الصبح، متفق عليه وقال " ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها " رواه مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم " صلوهما ولو طردتكم الخيل " رواه أبو داود، ويستحب تخفيفهما فان عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتي الفجر فيخفف حتى إني لاقول هل قرأ فيهما بأم الكتاب متفق عليه. ويستحب أن يقرأ فيهما وفي ركعتي المغرب (قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد) لما روى ابن مسعود قال: ما أحصي ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعتين بعد المغرب وفي الركعتين قبل الفجر (بقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد) رواه الترمذي وابن ماجه. وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الركعتين قبل الفجر (بقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد) قال الترمذي هو حديث حسن. وعن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في

[ 732 ]

ركعتي الفجر (قولوا آمنا بالله وما أنزل الينا) الآية التي في البقرة، وفي الآخرة منهما (آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون) رواه مسلم (فصل) ويستحب أن يضطجع بعد ركعتي الفجر على جنبه الايمن، وكان أبو موسى ورافع بن خديج وأنس يفعلونه، وأنكره ابن مسعود، واختلف فيه عن ابن عمر ولنا ما روت عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الايمن متفق عليه، واللفظ للبخاري. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا صلى أحدكم الركعتين قبل الصلاة الصبح فليضطجع على جنبه الايمن " رواه الامام أحمد وأبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح غريب. وروي عن أحمد أنه ليس بسنة لان ابن مسعود أنكره، واتباع النبي صلى الله عليه وسلم أولى. ويستحب فعل الركعتين قبل الفجر والركعتين

[ 733 ]

بعد المغرب وبعد العشاء في بيته لما ذكرنا من حديث ابن عمر قال أبو داود: ما رأيت أحمد ركعهما يعني ركعتي الفجر في المسجد قط إنما كان يخرج فيقعد في المسجد حتى تقام الصلاة، قال الاثرم سمعت أبا عبد الله يسئل عن الركعتين بعد الظهر أين يصليان؟ قال: في المسجد ثم قال: أما الركعتان قبل الفجر ففي بيته، وبعد المغرب ففي بيته، ثم قال ليس ههنا شئ آكد من الركعتين بعد المغرب يعني فعلهما في بيت. قيل له: فان كان منزل الرجل بعيدا؟ قال: لا أدري وذلك لما روى سعد ابن إسحاق عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم في مسجد بني عبد الاشهل فصلى المغرب فرآهم يتطوعون بعدها فقال " هذه صلاة البيوت " رواه أبو داود، وعن رافع بن خديج قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني عبد الاشهل فصلى بنا المغرب في مسجدنا ثم قال " اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم " رواه ابن ماجه

[ 734 ]

(فصل) وكل سنة قبل الصلاة فوقتها من دخول وقتها إلى فعل الصلاة، وكل سنة بعدها فوقتها من فعل الصلاة إلى خروج وقتها والله أعلم (مسألة) (ومن فاته شئ من هذه السنن سن له قضاؤه) وهذا اختيار ابن حامد لان النبي صلى الله عليه وسلم قضى بعضها فروي عنه عليه السلام أنه قضى ركعتي الفجر مع الفجر حين نام عنها وقضى الركعتين اللتين قبل الظهر بعد العصر وقسنا الباقي عليه. وروى أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من نام عن الوتر أو نسيه فليصله إذا أصبح أو ذكر " رواه أبو داود والترمذي من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. قال أحمد: أحب أن يكون للرجل شئ من النوافل يحافظ عليه إذا فات قضاه. وقال بعض أصحابنا: لا يقضى الا ركعتا الفجر إلى وقت الضحى وركعتا الظهر فان أحمد قال: ما أعرف وترا بعد الفجر، وركعتا الفجر تقضى إلى وقت الضحى.

[ 735 ]

وقال مالك: يقضي إلى وقت الزوال ولا يقضي بعده. وقال النخعي وسعيد بن جبير والحسن: إذا طلعت الشمس فلا وتر. والصحيح الاول لما ذكرنا من النص والمعنى (فصل) ويستحب المحافظة على أربع قبل الظهر وأربع بعدها لما روت أم حبيبة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار " قال الترمذي حديث صحيح، وروى أبو أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " أربع قبل الظهر ليس فيهن تسليم تفتح لهن أبواب السماء " رواه أبو داود. وعلى أربع قبل العصر لما ذكرنا وعن علي رضي الله عنه في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأربعا قبل الظهر إذا زالت الشمس وركعتين بعدها، وأربعا قبل العصر يفصل بين كل ركعتين بالسلام على الملائكة المقربين والنبيين ومن تبعهم من المسلمين، رواه ابن ماجه، وعلى ست بعد المغرب لما روى أبو هريرة قال قال

[ 736 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم " من صلى بعد المغرب ست ركعات لم يتكلم بينهن بسوء عدلن له بعبادة ثنتي عشرة سنة " رواه الترمذي وقال لا نعرفه إلا من حديث عمرو بن أبي خثعم وضعفه البخاري. وعلى أربع بعد العشاء، قالت عائشة: ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء قط إلا صلى أربع ركعات أو ست ركعات، رواه أبو داود (فصل) واختلف في أربع ركعات منهما ركعتان قبل المغرب بعد الاذان، والظاهر عن أحمد جوازهما وعدم استحبابهما، قال الاثرم: قلت لابي عبد الله الركعتان قبل المغرب؟ قال: ما فعلته قط إلا مرة واحدة حين سمعت الحديث، وقال فيهما أحاديث جياد أو قال صحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين إلا أنه قال لمن شاء، فمن شاء صلى، وقال هذا شئ ينكره الناس وضحك كالمتعجب وقال هذا عندهم عظيم. ووجه جوازهما ما روى أنس قال: كنا نصلي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 737 ]

ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب، قال المختار بن فلفل: فقلت له أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاهما؟ قال: كان يرانا نصليهما فلم يأمرنا ولم ينهنا، متفق عليه. وقال أنس: كنا بالمدينة إذا أذن لصلاة المغرب ابتدروا السواري فصلوا ركعتين حتى ان الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب أن الصلاة قد صليت من كثرة من يصليها. رواه مسلم، وعن عبد الله المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " صلوا قبل المغرب ركعتين " ثم قال " صلوا قبل المغرب ركعتين لمن شاء " خشية أن يتخذها الناس سنة، متفق عليه (الثاني) الركعتان بعد الوتر وظاهر كلام أحمد انه لا يستحب فعلهما مع الجواز. قال الاثرم: سمعت أبا عبد الله يسئل عن الركعتين بعد الوتر فقال: أرجو ان فعله انسان أن لا يضيق عليه ولكن تكون وهو جالس كما جاء الحديث قلت تفعله أنت؟ قال لا ما أفعله. وعدهما أبو الحسن الآمدي من السنن الراتية. قال شيخنا: والصحيح أنهما ليستا بسنة لان أكثر من وصف تهجد النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكرهما منهم ابن عباس

[ 738 ]

وزيد بن خالد وعائشة فيما رواه عنها عروة وعبد الله بن شقيق والقاسم واختلف فيه عن أبي سلمة وأكثر الصحابة ومن بعدهم من أهل العلم على تركهما. ووجه قول من قال بالاستحباب ما روى سعد بن هشام عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل تسع ركعات ثم يسلم تسليما يسمعنا ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعد فتلك إحدى عشرة ركعة، وقال أبو سلمة سألت عائشة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان يصلي ثلاث عشرة ركعة يصلي ثماني ركعات ثم يوتر ثم يصلي ركعتين وهو جالس فإذا أراد أن يركع قام فركع ثم يصلي ركعتين بين النداء والاقامة من صلاة الصبح. رواهما مسلم وروى ذلك أبو أمامة أيضا (فصل) في صلوات معينة سوى ما ذكرنا (منها) صلاة التراويح، والضحى، وسجود التلاوة

[ 739 ]

والشكر، وسيأتي ذكرها ان شاء الله (ومنها تحية المسجد) فيستحب لمن دخل المسجد أن يصلي ركعتين قبل جلوسه لما روى أبو قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين " متفق عليه. فان جلس قبل الصلاة سن له أن يقوم فيصلي لما روى جابر قال: جاء سليك الغطفاني ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فجلس فقال " يا سليك قم فاركع ركعتين وتجوز فيهما " رواهما مسلم (فصل) ويستحب أن يتطوع مثل تطوع النبي صلى الله عليه وسلم فان عليا رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجر تمهل حتى إذا كانت الشمس من ههنا يعني من قبل المشرق مقدارها من صلاة العصر من ههنا يعني من قبل المغرب قام فصلى ركعتين ثم تمهل حتى إذا كانت الشمس من ههنا يعني من قبل المشرق مقدارها من صلاة الظهر قام فصلي أربعا، وأربعا قبل

[ 740 ]

الظهر إذا زالت الشمس، وركعتين بعدها، وأربعا قبل العصر يفصل بين كل ركعتين بالسلام على الملائكة المقربين والنبيين ومن تبعهم من المسلمين، فتلك ست عشرة ركعة تطوع النبي صلى الله عليه وسلم بالنهار، وقل من يداوم عليها، من المسند (فصل) ومنها صلاة الاستخارة فروى جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الامور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول " إذا هم أحدكم بالامر فيلركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل اللهم أني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فانك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم ان هذا الامر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمرى - أو قال - في عاجل أمري وآجله، فيسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الامر شر لي في ديني ومعيشتي وعاقبة أمري - أو قال - في

[ 741 ]

عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ورضني به، ويسمي حاجته " أخرجه البخاري، ورواه الترمذي وفيه " ثم رضني به " (فصل) ومنها صلاة الحاجة. عن عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من كانت له إلى الله حاجة أو إلى أحد من بني آدم فليتوضأ وليحسن الوضوء ثم ليصل ركعتين ثم ليثن على الله تعالى، وليصل على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ليقل لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، سبحان رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل أثم، لا تدع لي ذنبا الا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا حاجة هي لك رضى إلا قضيتها يا أرحم الراحمين " رواه ابن ماجه والترمذي وقال حديث غريب (فصل) في صلاة التوبة عن علي رضي الله عنه قال: حدثني أبو بكر وصدق أبو بكر قال:

[ 742 ]

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ما من رجل يذنب ذنبا ثم يقوم فيتطهر ثم يصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر له " ثم قرأ (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم) إلى آخرها إلا أنه رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن غريب وفي اسناده قال لانه من رواية أبي الورقاء وهو يضعف في الحديث (فصل) فأما صلاة التسبيح فان أحمد قال ما يعجبني قيل له لم؟ قال ليس فيها شئ يصح ونفض يده كالمنكر ولم يرها مستحبة. قال شيخنا: وإن فعلها انسان فلا بأس فان النوافل والفضائل لا يشترط صحة الحديث فيها، وقد رأى غير واحد من أهل العلم صلاة التسبيح منهم ابن المبارك، وذكروا الفضل فيها. ووجهها ما روى أبو داود والترمذي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للعباس ابن عبد المطلب " يا عباس يا عماه ألا أعطيك ألا أمنحك ألا أحبوك ألا أفعل بك عشر خصال إذا أنت فعلت ذلك غفر الله لك ذنبك أوله وآخره، قديمه وحديثه، خطأه وعمده، صغيره وكبيره سره

[ 743 ]

وعلانيته، أن تصلي أربع ركعات تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة فإذا فرغت من القراءة في أول ركعة وأنت قائم قلت سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، خمس عشرة مرة ثم تركع فتقولها وأنت راكع عشرا، ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولها عشرا، ثم تهوي ساجدا فتقولها عشرا، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشرا، ثم تسجد فتقولها عشرا، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشرا، فذلك خمس وسبعون في كل ركعة، تفعل ذلك في الاربع ركعات، ان استطعت أن تصليها في كل يوم مرة فافعل، فان لم تفعل ففي كل جمعة مرة، فان لم تفعل ففي كل شهر مرة، فان لم تفعل ففي كل سنة مرة، فان لم تفعل ففي عمرك مرة " رواه ابن خزيمة في صحيحة والطبراني في معجمه وفي آخره " فلو كانت ذنوبك مثل زبد البحر ورمل عالج غفر الله لك " (فصل) ويستحب لمن توضأ أن يصلي ركعتين عقيب الوضوء إذا كان في غير أوقات النهي

[ 744 ]

لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال عند صلاة الفجر " يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الاسلام فاني سمعت دق نعليك بين يدي في الجنة " فقال: ما عملت عملا أرجى عندي فاني لم أتطهر طهورا في ساعة من ليل أو نهار الا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي، متفق عليه، واللفظ للبخاري، وعن بريدة قال: أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بلالا فقال " يا بلال بم سبقتني إلى الجنة؟ ما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي إني دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك " وذكر الحديث وفيه قال: وقال لبلال " بم سبقتني إلى الجنة؟ " قال: ما أحدثت إلا توضأت وصليت ركعتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " بهذا " ورواه الامام أحمد وهذا لفظه والترمذي وقال حديث حسن صحيح غريب (فصل) وقد وصف عبد الله بن المبارك صلاة التسبيح فذكر أنه يقول قبل القراءة وبعد الاستفتاح

[ 745 ]

خمس عشرة مرة سبحان الله، والحمد لله، ولا إله الا الله، والله أكبر، ثم يقولها بعد القراءة عشرا، ويقولها في الركوع عشرا، وفي الرفع منه عشرا، وفي السجود عشرا، وفي الرفع منه عشرا، وفي السجدة الثانية عشرا، فتلك خمس وسبعون تسبيحة في كل ركعة، قال أبو وهب: وأخبرني عبد العزيز هو ابن أبي رزمة عن عبد الله قال: يبدأ في الركوع بسبحان ربي العظيم، وفي السجود بسبحان ربي الاعلى ثلاثا، ثم يسبح التسبيحات وعن أبي رزمة قال: قلت لعبد الله بن المبارك ان سها فيها أيسبح في سجدتي السهو عشرا عشرا؟ قالا لا انما هي ثلاثمائة تسبيحة رواه الترمذي (مسألة) (ثم التراويح وهي عشرون ركعة يقوم بها في رمضان في جماعة ويوتر بعدها في الجماعة) التراويح سنة مؤكدة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو هريرة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة فيقول " من قام رمضان ايمانا واحتسابا غفر

[ 746 ]

له ما تقدم من ذنبه " وعن عائشة: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ذات ليلة فصلى بصلاته ناس ثم صلى في القابلة وكثر الناس ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أصبح قال " قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج اليكم الا أني خشيت أن تفرض عليكم " وذلك في رمضان. رواه مسلم، وعن أبي ذر قال: صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رمضان فلم يقم بنا شيئا من الشهر حتى بقي سبع فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، فلما كانت السادسة فلم يقم بنا فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل فقلت يا رسول الله لو نفلتنا قيام هذه الليلة، قال فقال " ان الرجل إذا صلى مع الامام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة " قال فلما كانت الرابعة لم يقم، فلما كانت الثالثه جمع أهله ونساءه والناس فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا

[ 747 ]

الفلاح قال قلت وما الفلاح؟ قال السحور ثم لم يقم بقية الشهر. رواه الامام أحمد وأبو داود واللفظ له وابن ماجه والنسائي والترمذي وقال حديث حسن صحيح. وعن أبي هريرة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا الناس يصلون في ناحية المسجد فقال " ما هؤلاء؟ " فقيل هؤلاء أناس ليس معهم قرآن وأبي بن كعب يصلي بهم، وهم يصلون بصلاته فقال " أصابوا ونعم ما صنعوا " رواه أبو داود وقال: يرويه مسلم بن خالد وهو ضعيف، حتى كان زمن عمر رضي الله عنه فجمع الناس على أبي بن كعب. فروى عبد الرحمن بن عبد القادر قال: خرجت مع عمر ليلة في رمضان فإذا الناس متفرقون يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم فقال: نعمت البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون يريد آخر الليل. وكان الناس يقومون أوله، أخرجه البخاري

[ 748 ]

(فصل) وعددها عشرون ركعة وبه قال الثوري وابو حنيفة والشافعي، وقال مالك: ست وثلاثون، وزعم أنه الامر القديم وتعلق بفعل أهل المدينة، فان صالحا مولى التوأمة قال: أدركت الناس يقومون باحدى وأربعين ركعة يوترون منها بخمس ولنا أن عمر رضي الله عنه لما جمع الناس على أبي بن كعب كان يصلي بهم عشرون ركعة. وروى السائب بن يزيد نحوه، وروى مالك عن يزيد بن رومان قال: كان الناس يقومون في زمن عمر بن الخطاب في رمضان بثلاث وعشرين ركعة، وعن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي رضي الله عنه أنه أمر رجلا يصلي بهم في رمضان عشرين ركعة، وهذا كالاجماع، وأما ما روى صالح فان صالحا ضعيف، ثم لا يدري من الناس الذين أخبر عنهم وليس ذلك بحجة، ثم لو ثبت ان أهل المدينة كلهم فعلوه لكان ما فعله عمر وعلي وأجمع عليه الصحابة في عصرهم أولى بالاتباع. قال بعض أهل العلم

[ 749 ]

انما فعل هذا أهل المدينة لانهم أرادوا مساواة أهل مكة، فان أهل مكة يطوفون سبعا بين كل ترويحتين فجعل أهل المدينة مكان كل سبع أربع ركعات واتباع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق وأولى (فصل) والافضل فعلها في الجماعة نص عليه في رواية يوسف بن موسى ويوتر بعدها في الجماعة لما ذكرنا من حديث يزيد بن رومان. قال أحمد: كان جابر وعلي وعبد الله يصلونها في الجماعة، وبهذا قال المزني وابن عبد الحكم وجماعة من الحنفية. وقال مالك والشافعي: قيام رمضان لمن قوي في البيت أحب الينا لما روى زيد بن ثابت قال: احتجر رسول الله صلى الله عليه وسلم حجيرة بخصفة أو حصير فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيها قال: فتتبع إليه رجال وجاءوا يصلون بصلاته، ثم جاءوا ليلة فحضروا وأبطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم فلم يخرج إليهم فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضبا فقال لهم " ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه سيكتب

[ 750 ]

عليكم فعليكم الصلاة في بيوتكم، فان خير صلاة المرء في بيته الا المكتوبة " رواه مسلم ولنا إجماع الصحابة على ذلك، وجمع النبي صلى الله عليه وسلم أهله وأصحابه في حديث أبي ذر وقوله " ان الرجل إذا صلى مع الامام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة " وهذا خاص في قيام رمضان فيقدم على عموم ما احتجوا به وقول النبي صلى الله عليه وسلم لهم ذلك معلل بخشية فرضه عليهم ولهذا ترك القيام بهم معللا بذلك أو خشية أن يتخدها الناس فرضا، وقد أمن هذا بعده (فصل) قال أحمد: يقرأ بالقوم في شهر رمضان ما يخف عليهم ولا يشق لا سيما في الليالي القصار وقال القاضي: لا يستحب النقصان من ختمة في الشهر ليسمع الناس جميع القرآن، ولا يزيد على ختمة كراهية المشقة على من خلفه، قال الشيخ رحمه الله والتقدير بحال الناس أولى، فانه لو اتفق جماعة يرضون بالتطويل ويختارونه كان أفضل كما جاء في حديث أبي ذر قال فقمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح - يعني السجور. وعن السائب بن يزيد قال: كانوا يقومون على

[ 751 ]

عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شهر رمضان بعشرين ركعة وكانوا يقومون بالمائتين، وكانوا يتوكؤن على عصيهم في عهد عثمان رضي الله عنه من شدة القيام، رواه البيهقي. وعن أبي عثمان النهدي قال: دعا عمر بن الخطاب بثلاثة قراء فاستقرأهم فأمر أسرعهم قراءة أن يقرأ للناس بثلاثين آية وأوسطهم أن يقرأ خمسا وعشرين آية، وأمر أبطأهم أن يقرأ عشرين آية، رواه البيهقي، وكان السلف يستعجلون خدمهم بالطعام مخافة طلوع الفجر (فصل) فان كان له تهجد جعل الوتر بعده لقول النبي صلى الله عليه وسلم " واجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا " (مسألة) (فان أحب متابعة الامام فأوتر معه قام إذا سلم الامام فشفعها بأخرى) قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: يعجبني أن يصلي مع الامام ويوتر معه لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ان الرجل إذا قام مع الامام حتى ينصرف كتب له بقية ليلته " قال وكان أحمد يقوم مع الناس ويوتر معهم

[ 752 ]

وأخبرني الذي كان يؤمه في شهر رمضان انه كان يصلي معهم التراويح كلها والوتر قال: وينتظرني بعد ذلك حتى أقوم ثم يقوم كأنه يذهب إلى حديث أبي ذر. وإذا أوتر مع الامام شفعها بأخرى إذا سلم إمامه لقوله عليه السلام " لا وتران في ليلة " ويؤخر وتره إلى آخر الليل للحديث المذكور. قال ابو داود: وسئل أحمد عن قوم صلوا في رمضان خمس تراويح لم يتروحوا بينها قال، لا بأس. وسئل عمن أدرك من ترويحة ركعتين يصلي إليها ركعتين فلم ير ذلك، وقيل لاحمد: يؤخر القيام يعني في التراويح إلى آخر الليل؟ لا سنة المسلمين أحب إلي (فصل) ويجعل ختم القرآن في التراويح، نص عليه في رواية الفضل بن زياد قال: حتى يكون لنا دعاء بين اثنين قلت: كيف أصنع قال: إذا فرغت من آخر القرآن فارفع يديك قبل أن تركع

[ 753 ]

وادع بنا ونحن في الصلاة وأطل القيام. قلت بم أدعو؟ قال: بما شئت، قال حنبل: وسمعت أحمد يقول في ختم القرآن: إذا فرغت من قراءة قل أعوذ برب الناس فارفع يديك في الدعاء قبل الركوع قلت إلى أي شئ تذهب في هذا؟ قال: رأيت أهل مكة وسفيان بن عيينة يفعلونه، قال العباس بن عبد العظيم: أدركت الناس بالبصرة يفعلونه وبمكة، ويروي أهل المدينة في هذا شيئا وذكر عن عثمان بن عفان (فصل) واختلف اصحابنا في قيام ليلة الثلاثين من شعبان في الغيم، فحكي عن القاضي قال: جرت هذه المسألة في وقت شيخنا أبي عبد الله بن حامد فصلى وصلاها القاضي أبو يعلى لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " ان الله فرض عليكم صيامه، وسننت لكم قيامه " فجعل القيام مع الصيام، وذهب أبو حفص العكبري إلى ترك القيام وقال: المعول في الصيام على حديث ابن عمر وفعل الصحابة والتابعين ولم ينقل عنهم قيام تلك الليلة، واختاره الميموني لان الاصل بقاء شعبان وانما صرنا إلى الصوم

[ 754 ]

احتياطا للواجب والصلاة غير واجبة فتبقى على الاصل (فصل) وسئل أبو عبد الله إذا قرأ (قل أعوذ برب الناس) يقرأ من البقرة شيئا؟ قال: لا ولم يستحب أن يصل ختمته بقراءة شئ، ولعله لم يثبت فيه عنده أثر صحيح. وسئل عن الامام في شهر رمضان يدع الآيات من السورة ترى لمن خلفه أن يقرأها؟ قال نعم قد كان بمكة يوكلون رجلا يكتب ما ترك الامام من الحروف وغيرها، فإذا كان ليلة الختمة أعاده، وانما استحب ذلك لتكمل الختمة ويعظم الثواب. (مسألة) (ويكره التطوع بين التراويح، وفي التعقيب روايتان وهو أن يتطوع بعد التراويح والوتر في جماعة) يكره التطوع بين التراويح نص عليه أحمد وقال: فيه عن ثلاثة من أصحاب، رسول الله صلى الله عليه وسلم عبادة وأبو الدرداء وعقبة بن عامر، وذكر لابي عبد الله رخصة فيه عن بعض

[ 755 ]

الصحابة فقال: هذا باطل انما فيه عن الحسن وسعيد بن جبير، وقال أحمد يتطوع بعد المكتوبة ولا يتطوع بين التراويح، وروى الاثرم عن أبي الدرداء أنه أبصر قوما يصلون بين التراويح فقال: ما هذه الصلاة؟ أتصلي وامامك بين يديك ليس منا من رغب عنا، وقال من قلة فقه الرجل أنه يرى أنه في المسجد وليس في صلاة (فصل) فأما التعقيب أو صلاة التراويح في جماعة أخرى فعنه الكراهة نقلها عنه محمد بن الحكم إلا انه قول قديم، قال أبو بكر وإذا أخر الصلاة إلى نصف الليل أو آخره لم يكره رواية واحدة وانما الخلاف فيما إذا رجعوا قبل الامام، وعنه لا بأس به، نقلها عنه الجماعة وهو الصحيح لقول أنس رضي الله عنه ما يرجعون إلا بخير يرجونه، أو لشر يحذرونه، وكان لا يرى به بأسا، ولانه خير وطاعة فلم يكره كما لو أخره إلى آخر الليل

[ 756 ]

(فصل) ويستحب أن يجمع أهله عند ختم القرآن وغيرهم لحضور الدعاء، وكان أنس إذا ختم القرآن جمع أهله وولده، وروي ذلك عن ابن مسعود وغيره، ورواه ابن شاهين مرفوعا، واستحسن أبو عبد الله التكبير عند آخر كل سورة من سورة الضحى إلى آخر القرآن، لانه يروى عن أبي بن كعب أنه قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم فأمره بذلك، رواه القاضي باسناده في الجامع. ولا بأس بقراءة القرآن في الطريق ولا وهو مضطجع، قال اسحاق بن ابراهيم خرجت مع أبي عبد الله إلى الجامع فسمعته يقرأ سورة الكهف، وعن ابراهيم التيمي قال كنت أقرأ على أبي موسى وهو يمشي في الطريق فإذا قرأت السجدة قلت له أسجد في الطريق؟ قال نعم، وعن عائشة أنها قالت: اني لاقرأ القرآن وأنا مضطجعة على سريري، رواه الفيرباني في فضائل القرآن (فصل) ويستحب ختم القرآن في كل سبعة أيام، قال عبد الله بن أحمد كان أبي يختم القرآن

[ 757 ]

في النهار في كل سبع يقرأ كل يوم سبعا لا يكاد يتركه نظرا وذلك لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن عمرو " اقرأ القرآن في كل سبع ولا تزيدن على ذلك " رواه أبو داود وعن أوس بن حذيفة قال: قلنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقد أبطأت عنا الليلة قال " إنه طرأ علي حزبي من القرآن فكرهت أن أجئ حتى اختمه " قال أوس: سألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: ثلاثة وخمسة وسبعة وتسعة واحد عشر وثلاثة عشر وحزب المفصل وحده، رواه أبو داود، ورواه الامام أحمد وفيه حزب المفصل من ق حتى يختم، رواه الطبراني فسألنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزب القرآن؟ فقالوا: كان يحزبه ثلاثا وخسما وذكره وان قرأه في ثلاث فحسن لانه روي عن عبد الله بن عمرو قال: قلت لرسول صلى الله عليه وسلم ان لي قوة قال " اقرأه في ثلاث " رواه أبو داود فان قرأه في أقل من ثلاث فعنه يكره ذلك لما روى عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله

[ 758 ]

صلى الله عليه وسلم " لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث " رواه أبو داود وعنه أن ذلك غير مقدر بل هو على حسب ما يجد من النشاط والقوة لان عثمان كان يختمه في ليلة، وروي ذلك عن جماعة من السلف. والافضل الترتيل لقول الله تعالى (ورتل القرآن ترتيلا) وعن عائشة أنها قالت: لا أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ القرآن كله في ليلة رواه مسلم وعنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يختم القرآن في أقل من ثلاث، رواه أبو عبيد في فضائل القرآن، وقال ابن مسعود فيمن قرأ القرآن في أقل من ثلاث فهذ كهذ الشعر ونثر كنثر الدقل. ويكره أن يؤخر ختمه اكثر من أربعين يوما لان عبد الله بن عمرو سأل النبي صلى الله عليه وسلم في كم يختم القرآن؟ قال " في أربعين يوما - ثم قال - في شهر - ثم قال - في عشرين - ثم قال - في خمس عشرة - ثم قال - في عشر - ثم قال - في سبع " لم ينزل من سبع أخرجه أبو داود وقال أحمد أكثر ما سمعت أن يختم القرآن في أربعين ولان تأخيره أكثر من هذا يفضي إلى نسيانه والتهاون به وهذا إذا لم يكن عذر فأما مع العذر فذلك واسع

[ 759 ]

(فصل) قال أبو داود: قلت لاحمد قال ابن المبارك: إذا كان الشتاء فاختم القرآن في أول الليل، وإذا كان الصيف فاختمه في أول النهار فكأنه أعجبه لما روى طلحة بن مصرف قال: أدركت أهل الخير من صدر هذه الامة يستحبون الختم في أول الليل وأول النهار يقولون: إذا ختم في أول النهار صلت عليه الملائكة حتى يمسي، وإذا ختم في أول الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح. وقال بعض العلماء: يستحب أن يجعل ختمة النهار في ركعتي الفجر أو بعدهما، وختمة الليل في ركعتي المغرب أو بعدهما (فصل) وكره احمد قراءة القرآن بالالحان وقال: هي بدعة لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في اشراط الساعة " أن يتخذ القرآن مزامير يقدمون أحدهم ليس بأقرئهم ولا أفضلهم الا ليغنيهم غناء " ولان معجزة القرآن في لفظه ونظمه والالحان تغيره. قال شيخنا: وكلام احمد في هذا محمول

[ 760 ]

على الافراط في ذلك بحيث يجعل الحركات حروفا، ويمد في غير موضعه. أما تحسين القرآن والترجيع فلا يكره فان عبد الله بن المغفل قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة يقرأ سورة الفتح قال: فقرأ ابن مغفل ورجع في قراءته. وفي لفظ قال: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح في مسير له سورة الفتح على راحلته فرجع في قراءته قال معاوية بن قرة: لولا اني أخاف أن يجتمع علي الناس لحكيت لكم قراءته. رواهما مسلم، وفي لفظ أأأ، وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما أذن الله لشي ء كاذنه لنبي يتغنى بالقرآن يجهر به " رواه مسلم، وقال " زينوا القرآن بأصواتكم " وقال " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " رواه البخاري، قال أبو عبيد وجماعة: يتغنى بالقرآن يستغني به، وقالت طائفة معناه يحسن قراءته ويترنم به ويرفع صوته به كما قال ابو موسى للنبي صلى الله عليه وسلم لو علمت أنك تستمع قراءتي لحبرته لك تحبيرا، وقال

[ 761 ]

الشافعي يرفع صوته به. وقال أبو عبيد: يقرأ بحزن مثل صوت أبي موسى: وعلى كل حال فتحسين الصوت بالقرآن وتطريبه مستحب ما لم يخرج بذلك إلى تغيير لفظه أو زيادة حروف فيه لما ذكرنا من الاحاديث. وروي عن عائشة أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: كنت أسمع قراءة رجل في المسجد لم نسمع قراءة أحسن من قراءته، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فاستمع ثم قال " هذا سالم مولى أبي حذيفة الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل هذا " (مسألة) (وصلاة الليل أفضل من صلاة النهار) قد ذكرنا النوافل المعينة - فأما النوافل المطلقة فتستحب في جميع الاوقات الا في أوقات النهي لما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى: وتطوع الليل أفضل من تطوع النهار. قال أحمد: ليس بعد المكتوبة عندي أفضل من قيام الليل وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك بقوله تعالى (ومن الليل فتهجد به نافلة لك) وكان

[ 762 ]

قيام الليل مفروضا بقوله تعالى (يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا) ثم نسخ بآخر السورة. وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أفضل الصلاة بعد الفريضة قيام الليل " رواه مسلم والترمذي وقال هذا حديث حسن. وأفضلها وسط الليل (فصل) والنصف الاخير أفضل من الاول لما روى عمرو بن عنبسة قال قلت يا رسول الله أي الليل أسمع؟ قال " جوف الليل الآخر فصل ما شئت " رواه أبو داود. وقال النبي صلى الله عليه وسلم " أفضل الصلاة صلاة داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه " وفي حديث ابن عباس في صفة تهجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نام حتى انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل ثم استيقظ - فوصف تهجده قال - ثم أوتر ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن. وعن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام أول الليل ويحيي آخره: ثم ان كان له حاجة إلى أهله قضى

[ 763 ]

حاجته ثم ينام، فإذا كان عند النداء الاول وثب فأفاض عليه الماء، وإن لم يكن له حاجة توضأ. وقالت ما ألفى رسول الله صلى الله عليه وسلم من السحر الاعلى في بيتي إلا نائما، متفق عليهن. ولان آخر الليل ينزل فيه الرب عزوجل إلى السماء الدينا، فروى أبو هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له؟ ومن يسألني فأعطيه؟ ومن يستغفرني فأغفر له؟ " قال أبو عبد الله: إذا أغفى يعني بعد التهجد فانه لا يبين عليه السهر، فإذا لم يغف بين عليه (فصل) ويستحب أن يقول عند انتباهه ما روى عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من تعار من الليل فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال اللهم

[ 764 ]

غفر لي، أو دعا أستجيب له، فان توضأ وصلى قبلت صلاته " رواه البخاري. وعن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام يتهجد من الليل قال " اللهم لك الحمد أنت نور السموات والارض ومن فيهن ولك الحمد، أنت قيام السموات والارض ومن فيهن ولك الحمد، أنت ملك السموات والارض ومن فيهن ولك الحمد، أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك الحق، ولقاؤك حق والجنة حق، والنار حق، والساعة حق، والنبيون حق، ومحمد صلى الله عليه وسلم حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، واليك أنبت، وبك خاصمت، واليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بالله " متفق عليه. وفي مسلم " أنت رب السموات والارض ومن فيهن - وفيه - أنت إلهي لا إله إلا أنت " وعن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل افتتح صلاته قال " اللهم رب جبريل وميكائيل واسرافيل فاطر السموات والارض عالم الغيب والشهادة،

[ 765 ]

أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق باذنك، انك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم " رواه مسلم (فصل) ويستحب أن يتسوك لما روى حذيفة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك، متفق عليه. وعن عائشة قالت: كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم سواكه وطهوره فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه فيتسوك ويتوضأ ويصلي، أخرجه مسلم. ويستحب أن يفتتح تهجده بركعتين خفيفتين لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين " وعن زيد بن خالد أنه قال: لارمقن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم الليلة فصلى ركعتين خفيفتين، ثم صلى ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما،

[ 766 ]

ثم أوتر فذلك ثلاث عشرة ركعة، قال ابن عباس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة. أخرجهما مسلم، وقد اختلف في عدد الركعات في تهجد النبي صلى الله عليه وسلم ففي هذين الحديثين أنه ثلاث عشرة ركعة، وقالت عائشة ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا. وفي لفظ قالت: كانت صلاته في رمضان وغيره بالليل ثلاث عشرة ركعة منها الوتر وركعتا الفجر، وفي لفظ كان يصلي ما بين صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة متفق عليه. فلعلها لم تعد الركعتين الخفيفتين اللتين ذكرهما غيرها، ويحتمل أنه صلى في ليلة ثلاث عشرة وفي ليلة احدى عشرة (فصل) ويستحب أن يقرأ حزبه من القرآن في تهجده فان النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله

[ 767 ]

وهو مخير بين الجهر في القراءة والاسرار، فان كان الجهر انشط له في القراءة أو بحضرته من يستمع قراءته أو ينتفع بها فالجهر افضل، وان كان قريبا منه من يتهجد أو من يستضر برفع صوته فالاسرار اولى لما روى ابو سعيد قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر فقال " الا ان كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضا ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة - أو قال - في الصلاة " رواه أبو داود، والا فليفعل ما شاء. قال عبد الله بن ابي قيس: سألت عائشة كيف كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت ربما اسر وربما جهر. قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وقال ابن عباس كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم على قدر ما يسمعه من في الحجرة وهو في البيت، رواه أبو داود، وعن ابي قتادة ان النبي صلى الله عليه وسلم خرج فإذا هو بابي بكر يصلى يخفض من صوته، ومر بعمر وهو يصلي رافعا صوته قال: فلما اجتمعا عند النبي صلى الله عليه وسلم قال " يا ابا بكر مررت بك وانت تصلي تخفض صوتك " قال: اني اسمعت من

[ 768 ]

ناجيت يا رسول الله قال " ارفع قليلا " وقال لعمر " مررت وأنت تصلي رافعا صوتك " قال فقال يا رسول الله أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان قال " اخفض من صوتك شيئا " رواه أبو داود (فصل) ومن كان له تهجد ففاته استحب له قضاؤه بين صلاة الفجر والظهر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من نام عن حزبه أو عن شئ منه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل " وعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملا أثبته وكان إذا نام من الليل أو مرض صلى من النهار ثلثي عشرة ركعة قالت: وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ليلة حتى الصباح، وما صام شهرا متتابعا إلا رمضان، أخرجهما مسلم (مسألة) (وصلاة الليل مثنى مثنى فان تطوع في النهار بأربع فلا بأس والافضل مثنى) قوله مثنى يعني يسلم من كل ركعتين - والتطوع قسمان: تطوع الليل، وتطوع النهار، فلا يجوز تطوع الليل إلا مثنى مثنى، وهذا قول كثير من أهل العلم منهم ابو يوسف ومحمد. وقال القاضي: لو صلى ستا في ليل أو نهار كره وصح، وقال أبو حنيفة: ان شئت ركعتين، وإن شئت أربعا، وإن شئت ستا وان شئت ثمانيا

[ 769 ]

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " صلاة الليل مثنى مثنى " متفق عليه (فصل) فأما صلاة النهار فتجوز أربعا فعل ذلك ابن عمر. وقال اسحاق صلاة النهار أختار أربعا وإن صلى ركعتين جاز لما روي عن أبي أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " أربع قبل الظهر لا يسلم فيهن تفتح لهن أبواب السماء " رواه أبو داود. والافضل مثنى، وقال إسحاق الافضل أربعا ويشبهه قول الاوزاعي وأصحاب الرأي وحديث أبي أيوب، ولنا ما روى علي بن عبد الله البارقي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " صلاة الليل والنهار مثنى مثنى " رواه أبو داود، ولانه أبعد للسهو وأشبه بصلاة الليل تطوعات النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح ركعتان. وذهب الحسن وسعيد بن جبير ومالك إلى أن تطوع النهار مثنى مثنى لحديث علي بن عبد الله البارقي وقد ذكرنا حديث أبي أيوب، وحديث البارقي تفرد بذكر النهار من بين سائر الرواة ونحمله على الفضيلة جمعا بين الحديثين

[ 770 ]

(فصل) قال بعض اصحابنا لا تجوز الزيادة في النهار على أربع وهذا ظاهر كلام الخرقي، وقال القاضي يجوز ويكره، ولنا ان الاحكام انما تتلقى من الشارع ولم يرد شئ من ذلك والله اعلم (فصل) ويستحب التنفل بين المغرب والعشاء لما روي عن انس بن مالك في هذه الآية (تتجافى جنوبهم عن المضاجع) الآية قال: كانوا يتنفلون بين المغرب والعشاء يصلون، رواه أبو داود، وعن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من صلى بعد المغرب عشرين ركعة بنى الله له بيتا في الجنة " قال الترمذي هذا حديث غريب (فصل) وما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم تخفيفه أو تطويله فالافضل اتباعه فيه فانه عليه السلام لا يفعل الا الافضل، وقد ذكرنا بعض ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يخففه ويطوله. وما عدا ذلك ففيه ثلاث روايات (احداها) الافضل كثرة الركوع والسجود لقول ابن مسعود: انى لاعلم النظائر التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن بينهن سورتين في كل ركعة عشرون سورة من

[ 771 ]

المفصل. رواه مسلم، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم " ما من عبد سجد سجدة الا كتب الله له بها حسنة، ومحا عنه بها سيئة، ورفع له بها درجة " (والثانية) التطويل أفضل لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " أفضل الصلاه القنوت " رواه مسلم ولان النبي صلى الله عليه وسلم كان أكثر صلاته التهجد وكان يطيله على ما قد ذكرنا (والثالثة) هما سواء لتعارض الاخبار في ذلك والله أعلم (فصل) والتطوع في البيت أفضل لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " عليكم بالصلاة في بيوتكم فان خير صلاة المرء في بيته الا المكتوبة. وقال عليه السلام " إذا قضي أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبا من صلاته، فان الله جاعل في بيته من صلاته خيرا " رواهما مسلم. وعن زيد ابن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا الا المكتوبة " رواه أبو داود، ولان الصلاه في البيت أقرب إلى الاخلاص وأبعد من الرياء، وهو من عمل السر، والسر أفضل من العلانية

[ 772 ]

(فصل) ويستحب أن يكون للانسان تطوعات يداوم عليها وإذا فاتت يقضيها لقول عائشة سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الاعمال أفضل؟ قال " أدومه وان قل " متفق عليه، وقالت كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى صلاة أحب أن يداوم عليها، وكان إذا عمل عملا أثبته. رواه مسلم، وقال ابن عمر قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك القيام فنام الليل " متفق عليه، ولانه إذا قضى ما ترك من تطوعه كان أبعد له من الترك (فصل) ويجوز التطوع في جماعة وفرادى لان النبي صلى الله عليه وسلم فعل الامرين كليهما وكان أكثر تطوعه منفردا، وصلى بحذيفة مرة، وبابن عباس مرة، وبانس وأمه واليتيم مرة، وأم الصحابة في ليالي رمضان ثلاثا. وقد ذكرنا بعض ذلك فيما مضى وسنذكر الباقي ان شاء الله تعالى وهي كلها أحاديث صحاح (مسألة) (وصلاة القاعد على النصف من صلاة القائم ويكون في حال القيام متربعا) يجوز

[ 773 ]

التطوع جالسا مع القدرة على القيام بغير خلاف علمناه، والصلاة قائما أفضل لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من صلى قائما فهو أفضل، ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم " متفق عليه. وفي لفظ مسلم " صلاة الرجل قاعدا نصف الصلاة " وقالت عائشة: ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى كان يصلي كثيرا من صلاته وهو جالس، رواه مسلم. ولان كثيرا من الناس يشق عليه طول القيام فلو وجب التطوع لترك أكثره فسامح الشارع في ترك القيام فيه ترغيبا في تكثيره كما سامح في فعله على الراحلة في السفر وسامح في نية صوم التطوع من النهار (فصل) ويستحب للمتطوع جالسا أن يكون في حال القيام متربعا، روي ذلك عن ابن عمر وأنس وابن سيرين ومالك والثوري والشافعي واسحاق، وعن أبي حنيفة كقولنا، وعنه يجلس كيف شاء لان القيام سقط فسقطت هيئته، وروي عن ابن المسيب وعروة وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز أنهم كانوا يحتبون في التطوع، واختلف فيه عن عطاء والنخعي

[ 774 ]

ولنا ما روي عن أنس أنه صلى متربعا، ولان ذلك أبعد من السهو والاشتباه، ولان القيام يخالف القعود فينبغي أن يخالف هيئته في بدله هيئة غيره كمخالفة القيام غيره ولا يلزم من سقوط القيام لمشقته سقوط مالا مشقة فيه كمن سقط عنه الركوع والسجود ولا يلزم سقوط، الايماء بهما وهذا الذي ذكرنا من صفة الجلوس مستحب غير واجب إذ لم يرد بايجابه دليل (فصل) ويثني رجليه في الركوع والسجود، كذلك ذكره الخرقي لان ذلك يروى عن أنس وهو قول الثوري، وحكي عن أحمد واسحاق أنه لا يثني رجليه إلا في السجود خاصة ويكون في الركوع على هيئة القيام، وحكاه أبو الخطاب، وهو قول أبي يوسف ومحمد وهو أقيس لان هيئة الراكع في رجليه هيئة القائم فينبغي أن يكون على هيئته، قال شيخنا: وهذا أصح في النظر إلا أن أحمد ذهب إلى فعل أنس وأخذ به - وهو مخير في الركوع والسجود إن شاء من قيام، وإن شاء من قعود، لان النبي صلى الله عليه وسلم فعل الامرين، قالت عائشة: لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الليل قاعدا قط حتى أسن فكان يقرأ قاعدا حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحوا من ثلاثين أية أو

[ 775 ]

أربعين أية ثم ركع متفق عليه. وعنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي ليلا طويلا قائما وليلا طويلا قاعدا، وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ وهو قاعد ركع وسجد وهو قاعد، رواه مسلم (مسألة) (وأدنى صلاة الضحى ركعتان وأكثرها ثمان، ووقتها إذا علت الشمس) صلاة الضحى مستحبة. قال أبو هريرة: أوصاني خليلي بثلاث، صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى وان أوتر قبل أن أنام، وعن أبي الدرداء نحوه، متفق عليه. وروى ابو ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى " رواه مسلم، وأقل صلاة الضحى ركعتان لهذا الحديث، قال أصحابنا: وأكثرها ثماني ركعات لما روت أم هانئ. ان النبي صلى الله عليه وسلم دخل بيتها يوم فتح مكة وصلى ثماني ركعات فلم أر صلاة قط أخف منها غير أنه يتم الركوع والسجود، متفق عليه، ويحتمل أن يكون أكثرها اثنتي عشرة

[ 776 ]

ركعة لما روى أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من صلى الضحى ثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصرا في الجنة من ذهب " رواه ابن ماجه والترمذي وقال غريب، وأفضل وقتها إذا علت الشمس واشتد حرها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " صلاة الاوابين حين ترمض الفصال " رواه مسلم، ويمتد وقتها إلى زوال الشمس، وأوله حين تبيض الشمس (فصل) قال بعض أصحابنا: لا تستحب المداومة عليها لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يداوم عليها قالت عائشة: ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى قط، متفق عليه، وعن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى؟ قالت: لا إلا أن يجئ من مغيبه، رواه مسلم، وقال عبد الرحمن ابن أبي ليلى: ما حدثني أحد قط أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحي إلا ام هانئ. فانها حدثت أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بيتها يوم فتح مكة فصلى ثماني ركعات ما رأيته قط صلى صلاة أخف منها غير أنه كان يتم الركوع والسجود متفق عليه، ولان في المداومة عليها تشبيها بالفرائض، وقال أبو الخطاب: تستحب المداومة عليها لان

[ 777 ]

النبي صلى الله عليه وسلم وصى بها أصحابه وقال " من حافظ على شفعة الضحى غفرت له ذنوبه وإن كان مثل زبد البحر " رواه الترمذي وابن ماجه. وروت عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى أربعا ويزيد ما شاء الله. رواه مسلم، ولان أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه على ما ذكرنا (مسألة) (وسجود التلاوة صلاة) يعني يشترط له ما يشترط لصلاة النافلة من ستر العورة واستقبال القبلة والنية والطهارة من الحدث والنجس في قول عامة أهل العلم. وروي عن عثمان رضي الله عنه في الحائض تستمع السجدة تومئ برأسها، وهو قول سعيد بن المسيب قال: وتقول اللهم لك سجدت وقال الشعبي فيمن سمع السجدة على غير وضوء يسجد حيث كان وجهه ولنا قوله صلى الله عليه وسلم " لا يقبل الله صلاة بغير طهور " فيدخل في عمومة السجود، ولانه سجود فأشبه سجود السهو، فعلى هذا ان سمع السجود وهو محدث لم يلزمه الوضوء ولا التيمم. وقال النخعي: يتيمم ويسجد، وعنه يتوضأ ويسجد، وبه قال الثوري واسحاق وأصحاب الرأي

[ 778 ]

ولنا أنها تتعلق بسبب فإذا فات لم يسجد كما لو قرأ سجدة في الصلاة فلم يسجد لم يسجد بعدها فعلى هذا ان توضأ لم يسجد لفوات سببها، ولا يتيمم لها مع وجود الماء لان الله تعالى شرط لجواز التيمم المرض أو عدم الماء ولم يوجد واحد منهما، فان كان عادما للماء فتيمم فله السجود ان لم يطل لانه لم يبعد سببها ولم يفت بخلاف الوضوء (مسألة) (وهو سنة للقارئ والمستمع دون السامع) سجود التلاوة سنة مؤكدة ليس بواجب روي ذلك عن عمر وابنه وبه قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة وأصحابه بوجوبه لقوله تعالى (فما لهم لا يؤمنون، وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون) وهذا ذم ولا يذم الا على ترك الواجب ولانه سجود يفعل في الصلاة أشبه سجود صلبها ولنا ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قرأ يوم الجمعة على المنبر سورة النمل حتى إذا جاء السجدة

[ 779 ]

نزل فسجد وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها حتى إذا جاءت السجدة قال: يا أيها الناس انما نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا اثم عليه، ولم يسجد عمر. وفي لفظ ان الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء، وراه البخاري. وهذا كان يوم الجمعة بمحضر من الصحابة وغيرهم فلم ينكر فيكون إجماعا، وروى زيد بن ثابت قال قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم سورة النجم فلم يسجد منا أحد متفق عليه. فأما الآية فانما ذم فيها تارك السجود غير معتقد فضله ولا مشروعيته وقياسهم ينتقض بسجود السهو فانه في الصلاة وهو غير واجب عندهم (فصل) ويسن للتالي والمستمع وهو الذي يقصد الاستماع بغير خلاف علمناه سواء كان التالي في صلاة أو لم يكن، فان كان المستمع في صلاة فهل يسجد بسجود التالي؟ على روايتين وذلك لما روى ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا القرآن فإذا مر بالسجدة كبر وسجد وسجدنا معه رواه أبو داود وروي أيضا قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا السورة

[ 780 ]

في غير الصلاة فيسجد ونسجد معه حتى لا يجد أحدنا مكانا لموضع جبهته، متفق عليه، فأما السامع الذي لا يقصد الاستماع فلا يسن له روي ذلك عن عثمان وابن عباس وعمران بن حصين رضي الله عنهم وبه قال مالك. وقال أصحاب الرأي: عليه السجود وروي نحوه عن ابن عمر والنخعي واسحاق لانه سامع للسجدة أشبه المستمع، وقال الشافعي: لا أؤكد عليه السجود وان سجد فحسن ولنا ما روي عن عثمان أنه مر بقاص فقرأ القاص سجدة ليسجد عثمان معه فلم يسجد وقال: أنما السجدة على من استمع. وقال ابن عباس وعمران: ما جلسنا لها، ولم يعلم لهم مخالف في عصرهم. فأما ابن عمر فانما روي عنه أنه قال: انما السجدة على من سمعها، فيحتمل أنه أراد من سمعها قاصدا وينبغي أن يحمل على ذلك جمعا بين أقوالهم، ولان السامع لا يشارك التالي في الاجر فلم يشاركه في السجود كغيره أما المستمع فقد قال عليه السلام " التالي والمستمع شريكان في الاجر " فلا يقاس غيره عليه (مسألة) (ويعتبر أن يكون القارئ يصلح اماما له) يشترط لسجود التلاوة كون التالي يصلح

[ 781 ]

اماما له، فان كان امرأة أو خنثى مشكلا لم يسجد الرجل باستماعه رواية واحدة، وبهذا قال مالك والشافعي واسحاق وروي ذلك عن قتادة، والاصل في ذلك ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى إلى نفر من أصحابه فقرأ رجل منهم سجدة ثم نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " انك كنت امامنا ولو سجدت سجدنا " رواه الشافعي في مسنده والجوزجاني في المترجم عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فان كان التالي أميا سجد القارئ المستمع بسجوده لان القراءة ليست بركن في السجود، وان كان صبيا ففي سجود الرجل بسجوده وجهان بناء على صحة امامته في النفل (مسألة) (فان لم يسجد القارئ لم يسجد) يعني إذا لم يسجد التالي لم يسجد المستمع، وقال الشافعي يسجد لوجود الاستماع وهو سبب السجود، وقال القاضي إذا كان التالي في غير صلاة وهناك مستمع للقراءة فلم يسجد التالي لم يسجد المستمع في ظاهر كلامه فدل على أنه قد روي عنه السجود

[ 782 ]

ولنا ما روينا من الحديث ولانه تابع له فلم يسجد بدون سجوده كما لو كانا في الصلاة، وان كان التالي في صلاة دون المستمع سجد معه، وان كان المستمع في صلاة أخرى لم يسجد ولا ينبغي له الاستماع لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إن في الصلاة لشغلا " متفق عليه، فعلى هذا لا يسجد إذا فرغ من الصلاة وقال أبو حنيفة يسجد لان سبب السجود وجد وامتنع المعارض فإذا زال المعارض سجد ولنا أنه لو ترك السجود لتلاوته في الصلاة لم يسجد بعدها فلان لا يسجد ثم بحكم تلاوة غيره أولى وعن أحمد في المستمع أنه يسجد إذا كان في تطوع سواء كان التالي في صلاة أخرى أو لم يكن، قال شيخنا والاول أصح لانه ليس بامام له فلا يسجد بتلاوته كما لو كان في فرض (فصل) والركوع لا يقوم مقام السجود، وحكى صاحب المستوعب رواية عن أحمد أن ركوع الصلاة يقوم مقام السجود، وقال أبو حنيفة يقوم مقامه لقوله تعالى (وخر راكعا وأناب) ولنا أنه سجود مشروع فلم يقم الركوع مقامه كسجود الصلاة، والآية أريد بها السجود وعبر

[ 783 ]

عنه بالركوع بدليل أنه قال وخر ولا يقال للراكع خر وإنما روي عن داود عليه السلام السجود ولو قدر أن داود ركع حقيقة لم يكن فيه حجة لانه انما فعل ذلك توبة لا لسجود التلاوة. وإذا قرأ السجدة في الصلاة في آخر السورة فان شاء ركع وان شاء سجد ثم قام فقرأ شيئا من القرآن ثم ركع، وان شاء سجد ثم قام فركع من غير قراءة نص عليه أحمد، وهذا قول ابن مسعود والربيع ابن خيثم واسحاق وأصحاب الرأي. وروي عن عمر أنه قرأ بالنجم فسجد فيها ثم قام فقرأ سورة أخرى (فصل) وإذا قرأ السجدة على الراحلة في السفر أومأ بالسجود حيث كان وجهه. وقال القاضي: إن أمكنه أن يستفتح بها القبلة فعله، وان كان لا تطيق دابته احتمل أن لا يستفتح بها واحتمل أنه لا بد من الاستفتاح؟ وقد روي الايماء به على الراحلة عن علي وسعيد بن زيد وابن عمر وابن الزبير وهو قول مالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي لما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 784 ]

قرأ عام الفتح سجدة فسجد الناس كلهم منهم الراكب والساجد بالارض حتى ان الراكب ليسجد على يده رواه أبو داود، ولانه صلاة تطوع اشبه سائر التطوع، وان كان ماشيا سجد بالارض وبه قال ابو العالية وأبو ثور وأصحاب الرأي لما ذكرنا، وقال الاسود بن يزيد وعلقمة وعطاء ومجاهد يومئ وقد قال أبو الحسن الآمدي في صلاة الماشي يومئ وهذا مثله (مسألة) قال (وهو اربع عشرة سجدة) اختلفوا في سجود القرآن فالمشهور من المذهب ان عزائم السجود اربع عشرة سجدة (منها) ثلاث في المفصل وليس منها سجدة ص، ومنها اثنتان في الحج وهذا أحد قولي ابي حنيفة والشافعي الا ان ابا حنيفة جعل سجدة ص بدل من السجدة الثانية من الحج، وروي عن احمد انها خمس عشرة منها سجدة ص، وروي ذلك عن عقبة بن عامر وهو قول اسحاق لما روي عن عمرو بن العاص ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اقرأه خمس عشرة سجدة منها ثلاث في المفصل وفي الحج اثنتان، رواه أبو داود وابن ماجه. وقال مالك في رواية والشافعي في قول: عزائم السجود إحدى عشرة سجدة ويروي هذا القول عن ابن عمر وابن عباس منها سجدة

[ 785 ]

ص وأول الحج دون آخرها وليس فيها سجدات المفصل. وروي عن ابن عباس انه عدها عشرا وأسقط منا سجدة ص لما روى ابو الدرداء قال: سجدت مع النبي صلى الله عليه وسلم احدى عشرة سجدة ليس فيها من المفصل شئ، رواه ابن ماجه. وقال ابن عباس: ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يسجد في شئ من المفصل منذ تحول إلى المدينة. رواه أبو داود ولنا ما روى ابو رافع قال: صليت خلف أبي هريرة العتمة فقرأ (إذا السماء انشقت) فسجد فقلت ما هذه السجدة؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه، متفق عليه. وعن ابي هريرة قال سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في (إذا السماء انشقت، واقرأ باسم ربك) أخرجه مسلم، وعن عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم فسجد فيها وما بقي من القوم أحد إلا سجد، متفق عليه، وهذا مقدم على قول ابن عباس لانه اثبات والاثبات مقدم على النفي وابو هريرة انما أسلم بعد الهجرة في السنة السابعة ويمكن الجمع بين الاحاديث بحمل السجود على الاستحباب، وتركه السجود يدل على عدم الوجوب فلا تعارض إذا - وأما رواية كون السجود

[ 786 ]

خمس عشرة فمبناه على ان منها سجدة ص وقد روي عن عمر وابنه وعثمان انهم سجدوا فيها وهو قول الحسن ومالك والثوري وأصحاب الرأي لما روى ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيها وظاهر المذهب أنها ليست من عزائم السجود روي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وعلقمة وهو قول الشافعي لما روى ابو سعيد قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر ص فنزل فسجد وسجد الناس معه فلما كان يوم آخر قرأها فلما بلغ السجدة تشزن الناس للسجود فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " انما هي توبة نبي ولكني رأيتكم تشزنتم للسجود " فنزل فسجد وسجدوا. رواه أبو داود، وعن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم سجد في ص وقال " سجدها داود توبة، ونحن نسجدها شكرا " أخرجه النسائي، وقال ابن عباس ليست ص من عزائم السجود والحديث الذي ذكرناه للرواية الاولى من أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيها يدل على انه انما سجد فيها شكرا كما بين في حديث ابن عباس، فإذا قلنا ليست من عزائم السجود فسجدها في الصلاة احتمل أن لا تبطل صلاته لان سببها القراءة في الصلاة اشبهت عزائم السجود

[ 787 ]

واحتمل أن تبطل صلاته إذا فعل ذلك عمدا كسائر سجود الشكر والله أعلم (مسألة) قال (في الحج منها اثنتان) وهذا قول الشافعي وإسحاق وأبي ثور وابن المنذر وممن كان يسجد فيها سجدتين عمر وعلي وعبد الله بن عمر وأبو الدرداء وأبو موسى، وقال ابن عباس فضلت الحج بسجدتين. وقال الحسن وسعيد بن جبير والنخعي ومالك وأصحاب الرأي: ليست الثانية بسجدة لانه جمع فيها بين الركوع والسجود فلم تكن سجدة كقوله (يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين) ولنا حديث عمرو بن العاص الذي ذكرناه، وعن عقبة بن عامر قال قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سورة الحج سجدتان؟ قال " نعم ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما " رواه أبو داود. وقال أبو إسحاق أدركت الناس منذ سبعين سنة يسجدون في الحج سجدتين، وقال ابن عمر لو كنت تاركا لاحداهما لتركت الاولى، وذلك لان الاولى إخبار والثانية امر واتباع الامر أولى

[ 788 ]

(فصل) وموضع السجدات آخر الاعراف والرعد (بالغدو والآصال) وفي النحل (ويفعلون ما يؤمرون) وفي بني اسرائيل (ويزيدهم خشوعا) وفي مريم (خروا سجدا وبكيا) وفي الحج (يفعل ما يشاء) وفي الثانية (لعلكم تفلحون) وفي الفرقان (وزادهم نفورا) وفي النمل (رب العرش العظيم) وفي (الم تنزيل - وهم لا يستكبرون) وفي حم السجدة (وهم لا يسأمون) وآخر النجم وفي سورة الانشقاق (وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون) وآخر اقرأ باسم ربك (واقترب) وروي عن ابن عمر أن السجود في حم عند قوله (اياه تعبدون) وحكاه ابن أبي موسى وبه قال الحسن وابن سيرين وأصحاب عبد الله والليث ومالك لان الامر بالسجود فيها. ولنا تمام الكلام في الثانية فكان السجود بعدها كما في سجدة النحل عند قوله (ويفعلون ما يؤمرون) وذكر السجدة في التي قبلها (مسألة) قال (ويكبر إذا سجد وإذا رفع) متى سجد للتلاوة فعليه التكبير للسجود والرفع منه في الصلاة وغيرها وبه قال الحسن وابن سيرين والنخعي والشافعي وأصحاب الرأي وبه قال مالك إذا سجد في الصلاة واختلف عنه في غير الصلاة، وقال ابن أبي موسى: في التكبير إذا رفع رأسه من سجود التلاوة اختلاف في الصلاة وغيرها

[ 789 ]

ولنا ما روى ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا القرآن فإذا مر بالسجود كبر وسجد وسجدنا معه. قال عبد الرزاق: كان الثوري يعجبه هذا الحديث. قال أبو داود يعجبه لانه كبر رواه أبو داود ولانه سجود منفرد فيشرع التكبير في ابتدائه والرفع منه كسجود السهو بعد السلام. (فصل) ولا يشرع في ابتداء السجود أكثر من تكبيرة، وقال الشافعي: إذا سجد خارج الصلاة كبر تكبيرتين الافتتاح والسجود كما لو صلى ركعتين ولنا حديث ابن عمر وظاهره أنه كبر واحدة ولان معرفة ذلك من الشرع ولم يرد به ولانه سجود منفرد فلم يشرع فيه تكبيران كسجود السهو وقياسهم يبطل بسجود السهو وقياس هذا على سجود السهو أولى من قياسه على الركعتين لشبهه به، ولان الاحرام بالركعتين يتخلل بينه وبين السجود أفعال كثيرة فلذلك لم يكتف بتكبيرة الاحرام عن تكبير السجود بخلاف هذا (مسألة) (ويجلس ويسلم ولا يتشهد) المشهور عن أحمد أن التسليم واجب في سجود التلاوة وبه قال أبو قلابة وأبو عبد الرحمن لقول النبي صلى الله عليه وسلم " تحريمها التكبير وتحليلها التسليم " ولانها صلاة ذات

[ 790 ]

احرام فوجب السلام فيها كسائر الصلوات، وفيه رواية أخرى لا تسليم، وبه قال النخعي والحسن وسعيد بن جبير، وروي ذلك عن أبي حنيفة، واختلف قول الشافعي فيه. قال أحمد: أما التسليم فلا أدري ما هو لانه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم فعلى قولنا بوجوب السلام يجزئه تسليمة نص عليه أحمد، وبه قال اسحاق قال: يقول السلام عليكم. وذكر القاضي في المجرد عن أبي بكر رواية لا يجزئه الا اثنتان، والصحيح الاول لانها صلاة ذات إحرام لا ركوع فيها أشبهت صلاة الجنازة ولا تفتقر إلى تشهد، نص عليه أحمد لانه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولاعن أحد من أصحابه واختار أبو الخطاب أنه يفتقر إلى التشهد قياسا على الصلاة ولنا أنها صلاة لا ركوع فيها فلم تفتقر إلى تشهد كصلاة الجنازة ولا يسجد فيه للسهو كصلاة الجنازة (فصل) ويقول في سجوده ما يقول في سجود صلب الصلاة، نص عليه أحمد. وان قال ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فحسن. قالت عائشة: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجود القرآن بالليل " سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته " قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، وعن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول

[ 791 ]

الله إني رأيتني الليلة أصلي خلف شجرة فقرأت السجدة فسجدت، فسجدت الشجرة لسجودي فسمعتها وهي تقول: اللهم اكتب لي بها عندك أجرا، وضع عني بها وزرا، واجعلها لي عندك ذخرا فتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود. فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم سجدة ثم سجد، فقال ابن عباس فسمعته يقول مثلما أخبره الرجل عن قول الشجرة، رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وقال غريب: ومهما قال من نحو ذلك فحسن (مسألة) قال (وإذا سجد في الصلاة رفع يديه نص عليه، وقال القاضي لا يرفعهما) متى سجد للتلاوة خارج الصلاة رفع يديه في تكبيرة الابتداء لانها تكبيرة الاحرام، وإن كان في الصلاة فكذلك نص عليه أحمد لما روى وائل بن حجر قال: قلت لانظرن إلى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يكبر إذا خفض ورفع ويرفع يديه في التكبير، قال أحمد هذا يدخل في هذا كله، وفي رواية أخرى لا يرفع يديه في الصلاة اختاره القاضي وهو قياس المذهب لقول ابن عمر وكان لا يفعل ذلك في السجود متفق عليه، ويتعين تقديمه على حديث وائل بن حجر لانه أخص منه، ولذلك قدم عليه في سجود الصلاة كذلك ههنا (فصل) ويكره اختصار السجود وهو أن ينزع الآيات التي فيها السجود فيقرؤها ويسجد فيها

[ 792 ]

وبه قال الشعبي والنخعي والحسن واسحاق ورخص فيه أبو حنيفة ومحمد وأبو ثور، وقيل اختصار السجود أن يحذف في القراءة آيات السجود وكلاهما مكروه لانه لم يرو عن السلف رحمهم الله، بل المنقول عنهم كراهته (مسألة) (ولا يستحب للامام السجود في صلاة لا يجهر فيها) قال بعض أصحابنا يكره للامام قراءة السجدة في صلاة السر فان قرأ لم يسجد، وبه قال أبو حنيفة لان فيها ابهاما على المأموم. وقال الشافعي لا يكره لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في الظهر ثم قام فركع فرأى أصحابه أنه قرأ سورة السجدة، رواه أبو داود. قال شيخنا واتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم أولى (مسألة) (فان سجد فالمأموم مخير بين اتباعه وتركه) كذلك قال بعض أصحابنا لانه ليس بمسنون للامام ولم يوجد الاستماع المقتضي للسجود. قال شيخنا: والاولى السجود لقول النبي صلى الله عليه وسلم " انما جعل الامام ليؤتم به فإذا سجد فاسجدوا " وما ذكروه يبطل بما إذا كان المأموم بعيدا أو أطروشا في صلاة الجهر فانه يسجد بسجود امامه وإن لم يسمع (مسألة) (ويستحب سجود الشكر عند تجدد النعم، واندفاع النقم) وبهذا قال الشافعي واسحاق

[ 793 ]

وأبو ثور وابن المنذر. وقال النخعي ومالك وأبو حنيفة يكره لان النبي صلى الله عليه وسلم كان في أيامه الفتوح واستسقى فسقي ولم ينقل أنه سجد ولو كان مستحبا لم يخل به ولنا ما روى أبو بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه أمر يسر به خر ساجدا رواه ابن المنذر، وسجد الصديق حين بشر بفتح اليمامة، وعلي حين وجد ذا الثدية، وروي عن غيرهما من الصحابة فثبت ظهوره وانتشاره، وتركه تارة لا يدل على عدم استحبابه فان المستحب يفعل تارة ويترك أخرى وصفة سجود الشكر كصفة سجود التلاوة في أفعاله وأحكامه وشروطه على ما بينا (مسألة) (ولا يسجد له في الصلاة) لا يجوز أن يسجد للشكر في الصلاة لان سببه ليس منها فان فعل بطلت صلاته إن كان عمدا كما لو زاد فيها سجودا غيره. وإن كان ناسيا أو جاهلا بتحريم ذلك لم تبطل صلاته كما لو زاد في الصلاة سجودا ساهيا والله أعلم وقال ابن الزاغوني يجوز في الصلاة والاول أولى (فصل في أوقات النهى) وهي خمسة، بعد طلوع الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر،

[ 794 ]

وعند طلوعها حتى ترتفع قيد رمح، وعند قيامها حتى تزول، وإذا تضيفت للغروب حتى تغرب) كذلك عدها أصحابنا خمسة أوقات كما ذكرنا. وقال بعضهم: الوقت الخامس من حين شروع الشمس في الغروب إلى تكامله لما روى ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " إذا بدا حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تبرز وإذا غاب حاجب الشمس فاخروا الصلاة حتى تغيب " ووجه القول الاول حديث عقبة بن عامر الذي نذكره إن شاء الله تعالى، قال شيخنا: والمنهي عنه من الاوقات عند أحمد: بعد الفجر حتى ترتفع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب وعند قيامها حتى تزول وهو في معنى قول الاصحاب، وهذه الاوقات منهي عن الصلاة فيها وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي والاصل فيها ما روى ابن عباس قال: شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس " متفق عليهما. وعن عقبة بن عامر قال: ثلاث ساعات نهانا النبي صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا، حين تطلع الشمس بازغة

[ 795 ]

حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل، وحين تتضيف الشمس للغروب حتى تغرب، وعن عمرو بن عنبسة قال: قلت يا رسول الله أخبرني عن الصلاة؟ قال " صل صلاة الصبح ثم اقصر عن الصلاة حين تطلع الشمس حتى ترتفع، فانها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار ثم صل فان الصلاة محصورة مشهودة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم اقصر عن الصلاة فانه حينئذ تسجر جنهم، فإذا أقبل الفئ فصل فان الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلى العصر، ثم اقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس فانها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار " رواهما مسلم، وقال ابن المنذر انما المنهي عنه الاوقات الثلاثة التي في حديث عقبة بدليل تخصيصها بالنهي في حديثه وقوله " لا تصلوا بعد العصر الا أن تصلوا والشمس مرتفعة " رواه أبو داود، وقالت عائشة وهم عمر انما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتحرى طلوع الشمس أو غروبها ولنا ما ذكرنا من الاحاديث فانها صريحة صحيحة والتخصيص في بعض الاحاديث لا يعارض العموم الموافق له، بل يدل على تأكد الحكم فيما خصه، وقول عائشة في رد خبر عمر غير مقبول فانه مثبت لروايته عن النبي صلى الله عليه وسلم وهي تقول برأيها، ثم هي قد روت ذلك أيضا، فروت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد العصر وينهى عنها، رواه أبو داود. فكيف يقبل ردها لما قد

[ 796 ]

أقرت بصحته؟ وقد رواه ابو سعيد وأبو هريرة وعمرو بن عنبسة وغيرهم كنحو رواية عمر فكيف يترك هذا بمجرد رأي مختلف؟ (فصل) والنهي بعد العصر عن الصلاة متعلق بفعلها فمن لم يصل العصر أبيح له التنفل وان صلى غيره، ومن صلى فليس له التنفل وان صلى وحده، لا نعلم في ذلك خلافا عند من منع الصلاة بعد العصر. فأما النهي بعد الفجر ففيه روايتان (احداهما) يتعلق بفعل الصلاة أيضا يروى ذلك عن الحسن والشافعي لما روى أبو سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس " وروى أبو داود حديث عمر بهذا اللفظ. وفي حديث عمرو بن عنبسة " صل صلاة الصبح ثم اقصر عن الصلاة " رواه مسلم. وفي رواية أبي داود قال: قلت يا رسول الله أي الليل أسمع؟ قال " جوف الليل الآخر فصل فيما شئت فان الصلاة مقبولة مشهودة حتى تصلي الصبح ثم اقصر حتى تطلع الشمس فترتفع قيد رمح أو رمحين " ولان النهي بعد العصر متعلق بفعل الصلاة فكذلك بعد الفجر. (والرواية الثانية) ان النهي متعلق بطلوع الفجر. وبه قال ابن المسيب وحميد بن عبد الرحمن وأصحاب الرأي. وقد رويت كراهته عن

[ 797 ]

ابن عمر وابن عمرو وهو المشهور في المذهب لما روى يسار مولى ابن عمر قال: رآني ابن عمر وأنا أصلي بعد طلوع الفجر فقال: يا يسار ان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج علينا ونحن نصلي هذه الصلاة فقال " ليبلغ شاهدكم غائبكم لا تصلوا بعد الفجر الا سجدتين " (1) رواه أبو داود. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا طلع الفجر فلا صلاة الا ركعتا الفجر " وهذا يبين مراد النبي صلى الله عليه وسلم من اللفظ المجمل ولا يعارضه تخصيص ما بعد الصلاة من النهي فان دليل ذلك خطاب فالمنطوق أولى منه، وحديث عمرو بن عنبسة قد اختلفت ألفاظ الرواة فيه وهو في سنن ابن ماجه " حتى يطلع الفجر " (مسألة) قال (ويجوز قضاء الفرائض فيها) يجوز قضاء الفرائض الفائتة في جميع أوقات النهي وغيرها روي نحو ذلك عن علي رضي الله عنه وغير واحد من الصحابة، وبه قال أبو العالية والنخعي والشعبي والحكم وحماد ومالك والاوزاعي والشافعي واسحاق وابن المنذر، وقال أصحاب الرأي لا تقضى الفوائت في الاوقات الثلاثة التي في حديث عقبة بن عامر إلا عصر يومه يصليها قبل غروب الشمس لعموم النهي، ولان النبي صلى الله عليه وسلم لما نام عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس أخرها حتى


1) يعني ركعتين وهما سنة الفجر

[ 798 ]

ابيضت الشمس، متفق عليه ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها متى ذكرها " متفق عليه وفي حديث أبي قتادة " انما التفريط في اليقطة على من لم يصل الصلاة حتى يجئ وقت الاخرى فان فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها " متفق عليه (1) وخبر النهي مخصوص بالقضاء في الوقتين الآخرين فنقيس محل النزاع على المخصوص، وقياسهم منقوض بذلك أيضا، وحديثهم يدل على جواز التأخير لا على تحريم الفعل (فصل) ولو طلعت الشمس وهو في صلاة الصبح أتمها. وقال أصحاب الرأي: تفسد لانها صارت في وقت النهي ولنا ما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذ أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغيب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته " متفق عليه، وهذا نص خاص على عموم ما ذكروه (فصل) ويجوز فعل الصلاة المنذورة في وقت النهي سواء كان النذر مطلقا أو مؤقتا ويتخرج


1) الحديث غير متفق عليه بل رواه مسلم حديث طويل وأولل لبمرفوع في المسألة (انه ليس في النوم تفريط...) ورواه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه

[ 799 ]

انه لا يجوز بناء على صوم الواجب في أيام التشريق وهو قول أبي حنيفة لعموم النهي. ولنا أنها صلاة واجبة فأشبهت الفوائت من الفرائض وصلاة الجنازة فانه قد وافقنا فيما بعد صلاة العصر والصبح (مسألة) (وتجوز صلاة الجنازة وركعتا الطواف وإعادة الجماعة إذا أقيمت وهو في المسجد بعد الفجر والعصر، وهل يجوز في الثلاثة الباقية؟ على روايتين) تجوز صلاة الجنازة بعد الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تميل الشمس للغروب بغير خلاف قال ابن المنذر: إجماع المسلمين في الصلاة على الجنازة بعد العصر والصبح، فأما الصلاة عليها في الاوقات الثلاثة التي في حديث عقبة فلا تجوز، ذكره القاضي وغيره، وحكاه الاثرم عن أحمد، وقد روي عن جابر وابن عمر نحو هذا القول، قال الخطابي: هذا قول أكثر أهل العلم، وفيه رواية أخرى أنه يجوز حكاها أبو الخطاب وهو مذهب الشافعي لانها صلاة تباح بعد الصبح والعصر فأبيحت في سائر الاوقات كالفرائض، ولنا قول عقبة بن عامر: ثلاث ساعات كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهانا عن الصلاة فيهن وأن نقبر فيهن موتانا، وذكره للصلاة مقرونا بالدفن يدل على إرادة صلاة الجنازة ولانها صلاة من غير الصلوات الخمس أشبهت النوافل، وانما أبيحت بعد العصر والصبح لطول مدتهما فالانتظار يخاف منه عليها بخلاف هذه الاوقات، وقياسهم على

[ 800 ]

الفرائض لا يصح لتأكدها ولا يصح قياس الاوقات الثلاثة على الوقتين الطويلين لما ذكرنا (فصل) وتجوز ركعتا الطواف بعده في هذين الوقتين، وممن طاف بعد الصبح والعصر وصلى ركعتين ابن عمر وابن الزبير وابن عباس والحسن والحسين ومجاهد والقاسم بن محمد، وفعله عروة بعد الصبح وهو قول الشافعي وأبي ثور، وقال أبو حنيفة ومالك لا يجوز لعموم أحاديث النهي، ولنا ما روى جبير بن مطعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى فيه أية ساعة شاء من ليل أو نهار " ورواه الاثرم والترمذي وقال حديث حسن صحيح، ولان ركعتي الطواف تابعة له فإذا أبيح المتبوع ابيح التبع وحديثهم مخصوص بالفوائت وحديثنا لا تخصيص فيه فيكون اولى، وهل يجوز في الثلاثة الباقية؟ فيه روايتان (احداهما) يجوز لما ذكرنا وهو مذهب الشافعي وأبي ثور (والثانية) لا يجوز لحديث عقبة بن عامر ولتأكد النهي في هذه الاوقات الثلاثة وقصرها وكونها لا يشق تأخير الركوع للطواف فيها بخلاف غيرها (فصل) ويجوز اعادة الجماعة إذا أقيمت وهو في المسجد أو دخل وهم يصلون بعد الفجر والعصر

[ 801 ]

وهذا قول الحسن والشافعي، واشترط القاضي لجواز الاعادة ههنا أن يكون مع إمام الحي، ولم يفرق هنا بين إمام الحي وغيره ولا بين المصلي جماعة أو فرادى، وهو ظاهر قول الخرقي، وكلام احمد يدل على هذا أيضا. قال الاثرم: سألت أبا عبد الله عمن صلى في جماعة ثم دخل المسجد وهم يصلون أيصلي معهم؟ قال: نعم، وقال أبو حنيفة: لا تعاد الفجر ولا العصر في وقت النهي لعموم النهي ولنا ما روى جابر بن يزيد بن الاسود عن أبيه قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة فصليت معه صلاة الفجر في مسجد الخيف وأنا غلام شاب، فلما قضى صلاته إذا هو برجلين في آخر القوم لم يصليا معه فقال " علي بهما " فأتي بهما ترتعد فرائصهما فقال " ما منعكما أن تصليا معنا؟ " فقالا: يا رسول الله قد صلينا في رحالنا قال " لا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فانها لكما نافلة " رواه أبو داود والاثرم والترمذي، وهذا صريح في إعادة الفجر والعصر مثلها. والحديث باطلاقه يدل على الاعادة سواء كان مع إمام الحي أو غيره، وسواء صلى وحده أو في جماعة، وهل يجوز في الاوقات الباقية؟ على روايتين (احداهما) يجوز لما روى أبو ذر قال: ان خليلي يعني النبي صلى الله عليه وسلم أوصاني أن أصلي الصلاة لوقتها وقال " فإذا أدركتها معهم فصل

[ 802 ]

معهم فانها لك نافلة " رواه مسلم، وقياسا على الوقتين الآخرين (والثانية) لا يجوز لحديث عقبة بن عامر ولما بينها وبين هذين الوقتين من الفرق (مسألة) (ولا يجوز التطوع بغيرها في شئ من الاوقات الخمسة الا ماله سبب كتحية المسجد وسجود التلاوة، وصلاة الكسوف، وقضاء السنن الراتبة فانها على روايتين) أراد بغير ما ذكر من الصلوات وهي صلاة الجنازة، وركعتا الطواف، وإعادة الجماعة، وليس في المذهب خلاف نعلمه في أنه لا يجوز أن يبتدئ في هذه الاوقات تطوعا لا سبب له وهذا قول الشافعي وأصحاب الرأي، وقال ابن المنذر: رخصت طائفة في الصلاة بعد العصر يروى ذلك عن علي والزبير وابنه وتميم الداري والنعمان ابن بشير وأبي أيوب الانصاري وعائشة رضي الله عنهم وجماعة من أهل العلم سواهم. وروي عن أحمد أنه قال: لا نفعله ولا نعيب فاعله لقول عائشة ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين بعد العصر عندي قط، وقولها وهم عمر انما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتحرى طلوع الشمس أو غروبها. رواه مسلم، وقول علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم " لا صلاة بعد العصر إلا والشمس مرتفعة "

[ 803 ]

ولنا الاحاديث المذكورة وهي صحيحة صريحة، وروى أبو بصرة قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر بالمخمص فقال " إن هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم فضيعوها فمن حافظ عليها كان له أجره مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد " رواه مسلم، وهذا خاص في محل النزاع. وأما حديث عائشة فقد روى عنها ذكوان مولاها أنها حدثته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد العصر وينهى عنها. رواه أبو داود، وعن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عنهما ثم رأيته يصليهما وقال " يا بنت ابن أبي أمية إنه أتاني ناس من عبد القيس بالاسلام من قومهم فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان " رواهما مسلم، وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم انما فعله لسبب وهو قضاء ما فات من السنة، وأنه نهى عن الصلاة بعد العصر كما رواه غيرهما، وحديث عائشة يدل على اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ونهيه غيره وهو حجة على من خالف ذلك، فان النزاع في غير النبي صلى الله عليه وسلم وقد ثبت ذلك من غير معارض له وقولها وهم عمر قد أجبنا عنه (فصل) فاما ماله سبب فالمنصوص عن أحمد رضي الله عنه في الوتر أنه يفعل بعد طلوع الفجر

[ 804 ]

قبل الصلاة، روي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وحذيفة وأبي الدرداء وعبادة بن الصامت وعائشة وغيرهم رضي الله عنهم، وبه قال مالك والثوري والاوزاعي والشافعي. وروي عن علي رضى الله عنه أنه خرج بعد طلوع الفجر فقال: نعم هذه ساعة الوتر. وقد روي عن أبي موسى أنه سئل عن رجل لم يوتر حتى أذن المؤذن فقال: لا وتر له وأنكر ذلك عطاء والنخعي وسعيد بن جبير وهو قول أبي موسى لعموم النهي ولنا ما روى أبو بصرة الغفاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ان الله زادكم صلاة فصلوها ما بين العشاء إلى صلاة الصبح الوتر " رواه الاثرم، واحتج به أحمد وأحاديث النهي ليست صريحة في النهي قبل صلاة الفجر كما حكينا متقدما وقد روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من نام عن الوتر فليصله إذا أصبح " رواه ابن ماجه. إذا ثبت هذا فانه لا ينبغي أن يتعمد ترك الوتر حتى يصبح لهذا الخبر ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال " فإذا خشي أحدكم الصبح فليصل ركعة توتر له ما قد صلى " متفق عليه، وقال مالك ما فاتته صلاة الليل فله أن يصلي بعد الصبح قبل ان يصلي الصبح وحكاه ابن ابي موسى في الارشاد مذهبا لاحمد قياسا على الوتر ولان هذا الوقت لم يثبت النهي فيه صريحا فكان حكمه خفيفا (فصل) فاما سجود التلاوة وصلاة الكسوف وتحية المسجد فالمشهور في المذهب انه لا يجوز فعلها في شئ من اوقات النهي وكذلك قضاء السنن الراتبة في الاوقات الثلاثة المذكورة في حديث

[ 805 ]

عقبة بن عامر ذكره الخرقي في سجود التلاوة وصلاة الكسوف، وقال القاضي في ذلك روايتان أصحهما أنه لا يجوز وهو قول أصحاب الرأي (والثانية) يجوز وهو قول الشافعي لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين " متفق عليه، وقال في الكسوف " فإذا رأيتموها فصلوا " وهذا خاص في هذه الصلاة فيقدم على النهي العام ولانها صلوات ذوات سبب أشبهت ما ثبت جوازه ولنا أن كل واحد خاص من وجه إلا أن النهي للتحريم والامر للندب وترك المحرم أولى من فعل المندوب (فصل) فأما قضاء السنن الراتبة في الوقتين الآخرين فالصحيح أن ركعتي الفجر تقضى بعدها لان أحمد قال: أنا أختار أن يقضيهما مع الضحى وإن صلاهما بعد الفجر أجزأه لما روى قيس بن فهد قال: رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أصلي ركعتي الفجر بعد صلاة الفجر فقال: " ما هاتان الركعتان يا قيس؟ " قلت يا رسول الله لم أكن صليت ركعتي الفجر فهما هاتان، رواه الامام أحمد وأبو داود والترمذي وسكوت النبي صلى الله عليه وسلم يدل على الجواز، وفيه رواية أخرى لا يجوز ذلك وهو قول أصحاب الرأي لعموم أحاديث النهي. ولما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من لم يصل ركعتي الفجر فليصلهما بعد ما تطلع الشمس " رواه الترمذي وحديث قيس مرسل قاله أحمد والترمذي وإذا

[ 806 ]

كان الامر هكذا كان تأخيرهما إلى وقت الضحى أحسن ليخرج من الخلاف ولا يخالف عموم الحديث وإن فعلهما جاز لان هذا الخبر لا يقصر عن الدلالة على الجواز، والصحيح أن السنن الراتبة تقضى بعد العصر لان النبي صلى الله عليه وسلم فعله فانه قضى الركعتين اللتين بعد الظهر بعد العصر في حديث أم سلمة الذي ذكرناه والاقتداء بما فعله النبي صلى الله عليه وسلم متعين، ولان النهي بعد العصر خفيف لما روي في خلافه من الرخصة. وقول عائشة إنه كان ينهى عنها معناه والله أعلم أنه ينهى عنها لغير هذا السبب أو كان يفعلها على الدوام وهذا مذهب الشافعي، وفيه رواية أخرى لا يجوز وهو قول أصحاب الرأي لعموم النهي والاخذ بالحديث الخاص أولى (فصل) ولا فرق بين مكة وغيرها في المنع من التطوع في أوقات النهي، وقال الشافعي لا يمنع لما ذكرنا من حديث جبير بن مطعم ولما روى أبو ذر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا يصلين أحد بعد الصبح إلى طلوع الشمس ولا بعد العصر إلى أن تغيب الشمس إلا بمكة قال ذلك ثلاثا " رواه الدار قطني، ولنا عموم النهي ولانه معنى يمنع الصلاة فاستوت فيه مكة وغيرها لما ذكرنا من حديث جبير بن مطعم ولما روى أبو ذر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا يصلين أحد بعد الصبح إلى طلوع الشمس ولا بعد العصر إلى أن تغيب الشمس إلا بمكة قال ذلك ثلاثا " رواه الدار قطني، ولنا عموم النهي ولانه معنى يمنع الصلاة فاستوت فيه مكة وغيرها كالحيض وحديث جبير أراد به ركعتي الطواف وحديث أبي ذر يرويه عبد الله بن المؤمل وهو ضعيف قال (3) يحيى بن معين (فصل) ولا فرق في وقت الزوال بين يوم الجمعة وغيره ولا بين الشتاء والصيف كان عمر بن الخطاب ينهى عنه، وقال ابن مسعود كنا ننهى عن ذلك يعني يوم الجمعة ورخص فيه الحسن وطاوس


3) لعل الاصل:

[ 807 ]

والاوزاعي والشافعي واسحاق في يوم الجمعة لما روى أبو سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة. رواه أبو داود، ولان الناس ينتظرون الجمعة في هذا الوقت وليس عليهم قطع النوافل وأباحه عطاء في الشتاء دون الصيف لان ذلك الوقت حين تسجر جهنم ولنا عموم أحاديث النهي وهي عامة في يوم الجمعة وغيره وفي الصيف والشتاء، ولانه وقت نهي فاستوى فيه يوم الجمعة وغيره كسائر الاوقات وحديثهم في اسناده ليث وهو ضعيف وهو مرسل أيضا وقولهم انهم ينتظرون الجمعة قلنا إذا علم وقت النهي فليس له أن يصلي وإن شك فله أن يصلي حتى يعلم لان الاصل الاباحة فلا تزول بالشك ونحو هذا قال مالك والله أعلم (تم طبع الجزء الاول..) ع‍ 9 ن الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة. رواه أبو داود، ولان الناس ينتظرون الجمعة في هذا الوقت وليس عليهم قطع النوافل وأباحه عطاء في الشتاء دون الصيف لان ذلك الوقت حين تسجر جهنم ولنا عموم أحاديث النهي وهي عامة في يوم الجمعة وغيره وفي الصيف والشتاء، ولانه وقت نهي فاستوى فيه يوم الجمعة وغيره كسائر الاوقات وحديثهم في اسناده ليث وهو ضعيف وهو مرسل أيضا وقولهم انهم ينتظرون الجمعة قلنا إذا علم وقت النهي فليس له أن يصلي وإن شك فله أن يصلي حتى يعلم لان الاصل الاباحة فلا تزول بالشك ونحو هذا قال مالك والله أعلم (تم طبع الجزء الاول..) ع‍ 9

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية