الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




البحر الرائق - ابن نجيم المصري ج 9

البحر الرائق

ابن نجيم المصري ج 9


[ 1 ]

تكملة البحر الرائق شرح كنز الدقائق للامام العلامة الشيخ محمد بن على الطوري القادري الحنفي المتوفي بعد سنة 1138 ه‍ ضبطه وخرج آياته واحاديثه الشيخ زكريا عميرات الجزء التاسع منشورات محمد على بيضون دار الكتب العلمية بيروت - لبنان

[ 2 ]

جميع الحقوق محفوطة جميع حقوق الملكية الادبية والغنية محفوظة ادار الكتب العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملا أو مجزا أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو ادخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات ضوئيه إلا بموافقة الناشر خطيا. Copyright c All right reserved - Exclusive right by DAR al - KOTOB al , publication may be trnslated , reproduced distributed in any from or by any means , or stored in a data base or retrieval system without the prior written permission of the publisher الطعبة الاولى 1418 ه‍ - 1997 م‍ دار الكتب العلمية بيروت لبنان العنوان: رمل الظريف. شارع البحتري. بناية ملكارت تلفون وفاكس: 364398 - 366135 - 602133 (9611) 00 صندوق البريد 9424 - 11 بيروت لبنان DAR aL - KOTB aL - ILMIYAH Beirut - Lebanon 1 Addres: R amel al - zarif , Bohtory st , Melkart bldg , st Floore 000: Tel & Fax P O Box 11 - Beirut 4249 - Lebanon

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الجنايات أورد الجنايات عقيب الرهن لان كل واحد منهما للوقاية والصيانة فإن الرهن وثيقة لصيانة المال وحكم الجناية لصيانة النفس ألا ترى إلى قوله تعالى * (ولكم في القصاص حياة) * (البقرة: 179) ولما كان المال وسيلة لبقاء النفس قدم الرهن على الجنايات بناء على تقدم الوسائل على المقاصد، كذا في أكثر الشروح. قال في غاية البيان: ولكن قدم الرهن لانه مشروع بالكتاب والسنة بخلاف الجناية لانها محظورة فإنها عبارة عما ليس للانسان فعله ا ه‍. أقول: هذا ليس بشئ لان المقصود بالبيان في كتاب الجنايات إنما هو أحكام الجنايات دون أنفسها، ولا شك أن أحكامها مشروعة ثابتة بالكتابة والسنة. أيضا فلا معنى لتأخيرها من هذه الحيثية، ثم إن الجناية في اللغة اسم لما تجنيه من شئ أي تكسبه وهي في الاصل مصدر جنى عليه شرا جناية وهو عام في كل ما يقبح ويسوء إلا أنه في الشرع خص بفعل محرم حل بالنفوس والاطراف، والاول يسمى قتلا وهو فعل من العباد تزول به الحياة، والثاني يسمى قطعا وجرحا، هذا زبدة ما في الكتاب والشروح. الكلام في الجناية من أوجه: للاول في معرفة مشروعيتها. والثاني في سبب وجوبها. والثالث في تفسيرها لغة. والرابع في تفسيرها عند الفقهاء. والخامس في ركنها. والسادس في شرطها. والسابع في حكمها. أما الاول فهو معرفة مشروعيتها لقوله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص) * (البقرة: 178) الآية. وقوله صلى الله عليه وسلم العمد قود والقتل عدوان (1) او سبب مشروعية القصاص رفع الفساد في الارض. وأما معناها لغة فهي في اللغة اسم لما يجنيه المرء من شر وما اكتسبه تسمية للمصدر من جنى عليه شرا وهو عام إلا أنه خص بما يحرم من الفعل، وأصله من جنى التمر وهو أخذه من الشجرة، وأما في الشرع فهو اسم لفعل

[ 4 ]

محرم شرعا، سواء كان من مال أو نفس. لكنه في عرف الفقهاء يراد به عند إطلاقه اسم الجناية الواقعة في النفس والاطرا ف من الآدمي والجناية الواقعة في المال تسمى غصبا والجناية الواقعة من المحرم أوفي الحرم على الصيد جناية المحرم. وأما ركنه فهو القتل وهو فعل مضاف إلى العباد تزول به الحياة بمجرد العادة. وأما شرطه فالمماثلة والمعادلة في الاستيفاء لان المماثلة مشروطة في أجزية السيآت وضمان العدوانات لقوله تعالى * (ومن جاء بالسيئة فلا يجزي إلا مثلها) * (الانعام: 160) ولان في إيجاب الناقض بخسا بحق المظلوم وفي إيجاب الزيادة جور على الظالم والبخس غير مشروع والحيف حدام فكان الانصاف والانتصاف في إيجاب المماثلة إلا أنه سقط اعتبار المماثلة في محال الافعال في الانفس في نوع ضرورة وهو أن قتل الواحد بطريق الاجتماع غالب وجودا ويظهر من الافراد نادرا وقوعها فقتل الجماعة بالواحد، ولو اعتبرنا المماثلة في محل الافعال لادى إلى فتح باب العدوان وسد باب القصاص، وأية فائدة في شرع القصاص فسقط اعتبار المماثلة في الانفس للضرورة وبقيت المماثلة في الاطراف معتبرة فإن الاجتماع على إتلاف الطرف ليس بغالب بل هو نادر. وأما حكمه فهو وجوب القصاص والدية والاثم. قال محمد رحمه الله تعالى: القتل على ثلاثة أوجه: عمد وخطأ وشبه عمد. فالعمد هو أن يتعمد ضربه بسلاح وما يجري مجراه مما له حد يقطع ويجرح لان العمد والقصد مما لا يوقف عليه ولكن الضرب بآلة جارحة قابلة قاطعة دليل على القتل فيقام مقام العمد، ثم آلة القتل على ضربين: آلة السلاح وغير السلاح. أما السلاح فكل آلة جارحة كالسيف والسكين ونحوهما فيقتل به وهو عمد محض، ولو قتله بحديد لا حد له نحو أن يضربه بعمود أو بصنجة حديد أو نحاس أو صفر فعلى رواية الطحاوي يكون عمدا محضا لان الحديد إذا لم يجرح يكون عمدا لقوله عليه الصلاة والسلام لا قود إلا من حديد والحديد أصل في القتل به وأنه منصوص عليه في إيجاب القود به، والحكم في المنصوص عليه يتعلق بعين النص لا بالمعنى، والنص الوارد في الحديد والسيف يكون واردا فيما هو في معناه في الاستعمال دلالة والنحاس يستعمل منه السلاح كما يستعمل من الحديد فيكون الحكم فيه ثابتا بدلالة النص لا بعينه. ولو ضربه بصنجة رصاص لا يكون عمدا لانه لا يستعمل منه استعمال الحديد وهو السلاح، وأما غير السلاح كالليطة والمروة والرمح الذي لا سنافيه ونحوه إذا جرحه فهو عمد محض لانه إذا فرق الاجزاء عمل عمل السيف لانه حصل ما هو المقصود من الحديد بما هو معتاد له فلا تكون شبهة العمد اعتبار قصور الآلة ولهذا قال: إذا أحرق رجلا بالنار يقتل به لان النار تفرق الاجزاء وتبعضها وتعمل عمل الحديد. وأما شبه العمد وهو القتل بآلة لم توضع له ولم يحصل به الموت غالبا مثل السوط الصغير والعصا الصغيرة ونحوه، فأما القتل بالعصا الكبير وبكل آلة مثقلة يحصل بها الموت غالبا لكنها غير جارحة

[ 5 ]

قاطعة بل هي مدققة مكسرة وهو شبه العمد عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى خلافا لهم لما يأتي. وأما الخطأ وهو مالو تعمد شبها فيصيب آدميا أو يقصده فيظنه صيدا أو حربيا، فإذا هو مسلم، ونوع ما هو ملحق بالخطأ كالنائم إذا انقلب على إنسان فقتله، وكذا القتل بطريق التسبب كحفر البئر ووضع الحجر في الطريق الممر لانه إذا تسبب للقتل صار كالموقع والدافع ولما لم يقصد القتل هو كالخطأ في الحكم ولا يكون فيما دون النفس شبه العمد لان ما دون النفس لا يختص إتلافه بآلة دون آلة بل يختص بآلة جارحة قاطعة، فأما القتل يختص بآلات بعضها جارحة قاطعة وبعضها لا يختلف حكم النفس باختلاف الآلات، وأما حكمها فسيأتي. ولا يخفي أن القتل على خمسة أوجه: عمد وخطأ وشبه عمد وأما أجرى مجرى الخطأ والقتل بسبب. قال صاحب النهاية: وجه الانحصار في هذه الخمسة هو أن القتل إذا صدر عن إنسان لا يخلو إما إن حصل بسلاح أو بغير سلاح، إن حصل بسلاح إما أن يكون به قصد القتل أولا، فإن كان فهو عدوان، وإن لم يكن فهوخطأ. وإن لم يكن بسلاح فلا يخلو إما أن يكون جاريا مجرى الخطأ أولا، فإن كان فهشبه العمد، وإن لم يكن فلا يخلو إما أن يكون معه قصد التأديب أو الضرب أولا، فإن كان فهو شبه العمد، وإن لم يكن فلا يخلو إما أن يكون جاريا مجرى الخطأ أو، فإن كان فهو الخطأ، وإن لم يكن فهو القتل بسبب، وبهذا الاختصار يعرف تفسير كل واحد منها ا ه‍. أقول: فيه خلل، أما أولا فلانه جعل القتل خطأ مخصوصا بما حصل بسلاح وليس كذلك إذ لا شك أن القتل الخطأ كما يكون بسلاح يكون أيضا بما ليس بسلاح كالحجر العظيم والخشبة العظيمة. وأما ثانيا فلان قوله وإن لم يكن جاريا مجرى الخطأ فهو القتل بسبب ليس بتام لان ما لا يكون جاريا مجرى الخطأ لا يلزم أن يكون القتل بسبب ألبتة بل يحوز أن يكون القتل بخظأ محض أيضا فلا يتم الحصر في القتل بسبب، ولما تنبه صاحب العناية لما في وجه الحصر الذي ذكره صاحب النهاية من القصور قال في بيان: قول المصنف القتل علس خمسة أوجه وذلك أنا استقربنا فوجدنا ما يتعلق به شئ من الاحكام المذكورة أحد هذه الاوجه المذكورة ونقل ما ذكر صاحب النهاية من وجه الحصر فقال: وضعفه وركاكته ظاهران من غير تفصيل وبيان والمراد بيان قتل يتعلق به الاحكام. قال جمهور الشراح: إنما قيد به لاأنواع القتل من حيث هو قتل من غير نظر إلى ضمان القتل وعدم ضمانه أكثر من خمسة أوجه كقتل المرتد والقتل قصاصا والقتل رجما والقتل يقطع الطريق وقتل الحربي حتى قال بعضهم: ونظير هذا ما قاله محمد رحمه الله تعالى في كتاب الايمان الايمان ثلاثة ولم يرد جنس الايمان لانها أكثر من ثلاثة يميت بالله تعالى ويمين بالطلاق ويمين بالعتاق والحج والعمرة إنما أراد بذلك الايمان بالله تعالى ا ه‍. قال قاضيخان أقول فيما قالوا نظر إذا الظاهر أن شيئا من أنواع القتل لا يخرج عن الاوجه الخمسة المذكور في الكتاب بل يدخل كل من ذلك واحد من تلك الاوجه فإن ما

[ 6 ]

ذكره من قتل المرتد وقتل الحربي والقتل قصاصا أو رجما أو بقطع الطريق يكون قتلا عمدا إن تعمد القاتل ضرب المقتول بسلاح وما أجرى مجرى السلاح، ويكون شبه عمدان تعمد ضربه بما ليس بسلاح ولا ما أجرى مجرى السلاح، ويكون خطأ إن لم يكن بطريق التعمد بل كان بطريق الخطأ إل غير ذلك من الاوجه المذكورة. وإنما تكون تلك الانواع المباحة من القتل خارجة عن الاحكام المذكورة لهذه الاوجه الخمسة فلا معنى للقول بأن أنواع القتل أكثر من خمسة. فإن قلت: كيف يتصور خروج تلك الانواع من الاحكام للاوجه الخمسة للقتل إلا من نفسه هذه الاوجه، وحكم الشئ ما يترتب عليه ويلزمه؟ قلت: قد يكون ترتب الحكم على شئ مشروطا بشرط ألا ترى أنهم جعلوا وجوب القود من أحكام القتل العمد مع أنه له شروط كثيرة منها كون القاتل عاقلا بالغا إذ لا يجب القود على الصبي والمجنون أصلا. ومنها أن لا يكون المقتول جزء القاتل حتى لو قتل الاب ولده عمدا لا يجب عليه القصاص. وكذا لو قتلت الام ولدها. وكذا الجد والجدة. ومنها أن لا يكون المقتول ملك القاتل حتى لا يقتل المولى بعبده. ومنها كون المقتول معصوم الدم مطلقا فلا يقتل مسلم ولا ذمي بالكافر الحربي ولا بالمرتد لعدم العصمة أصلا، ولا بالمستأمن في ظاهر الرواية لان عصمته ما ثبتت مطلقة بل مؤقتة إلى غاية مقامه في دار الاسلام، صرح بذلك كل ما في عامة المعتبرات فكذا كون القتل بغير حق شرطا لترتيب كل من الاحكام المذكورة للاوجه الخمسة من القتل وليس شئ مما ذكروا من الاحكام من هذه الانواع المذكورة لها بناء على أن انتفاء شرط تلك الاحكام وهو كون القتيل معصوم الدم وكون القتل بغير حق لا يقدح في شئ فالاظهر أن مراد المصنف بقوله والمراد بيان قتل يتعلق به الاحكام هو التنبيه على أن المقصود بالبيان في كتاب الجنايات أنما هو أحوال بغير حق إذ هو الذي يكون من الجنايات ويترتب عليه أحكامها دون أحوال مطلق القتل وإن كان الاوجه الخمسة المذكورة تتناول كل ذلك. قال رحمه الله: (موجب القتل عمدا وهم ما تعمد ضربه بسلاح ونحوه في تفريق الاجزاء كالمحدد من الحجر والخشب والنار الاثم والقود عينا) أي القتل الموصوف بهذه الصفة يوجب الاثم والقصاص متعين. قال السغناقي: القتل فعل يضاف إلى العباد تزول به الحياة. وفي المنتقي: ذكر ما يعرف به العمد من غيره. قال محمد: رجل تعمد أن يضرب يد رجل أو شيئا منه بالسيف فأخطأ فأصاب عنقه وأبان رأسه فهو عمد، ولو أراد أن يضرب يد رجل أو شيئا منه بالسيف فأخطأ فأصاب عنق غيره فهو خطأ لانه أصاب غير ما تعمد وفي الاول أصاب ما تعمد لانه قصد إتلاف طرف ذلك الرجل. ولو رمى قلنسوة على رأسه فأصاب عنق غيره فهو خطأ، وكذلك لو قصد ضرب القلنسوة فأصابه السيف فهو خطأ. ولو رمى

[ 7 ]

رجلا فأصاب حائطا ثم رجع السهم فأصاب الرجل فهو خطأ لانه أخطأ في أصابه الحائط ورجوع السهم مبني على إصابة الحائط لا على الرمي السابق لانه آخر السببين والحكم يضاف إلى آخر السببين وجودا وقد تخلل بين الرمي والاصابة الاخيرة إصابة الحائط فقطع حكم الاصابة الاخيرة على الرمي السابق. ولو لف ثوبا فضرب به رأس إنسان فشجه موضحة فهو عمد، سواء اقتصر على الشجة أو مات لانه أصاب ما تعمد به وقد علمت الآلام عملها أثرت في الظاهر والباطن جميعا وقد مات من غير أن يجرح قال صار خطأ. وقال محمد في الديات: رجل ضرب رجلا بسيف بغمده فخرق السيف الغمدة فقتلة قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: لا قود عليه. وقال محمد: إن كان الغمد يقتل لو ضرب به وحده يقتل لان الغمد لا يقصد به إلا الضرب إذا كان يقتل به وهو قاصد إلى القتل وقد أصاب المقتل فوجب القصاص. لابي حنيفة أنه أصاب الضرب دون القتل لان الغمد لا يقصد به الا الضرب عادة فصورة الخظأ هو أن يصيب خلاف ما قصد، وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى: رجل ضرب رجلا بإبرة أو بشئ يشبه الابرة تعمدا فقتله فلا قود عليه، وإن ضربه بمسلة أو نحوها فعليه القود لان الابرة مما لا يقصد بها القتل عادة، وإن كانت الآلة جارحة لان آلة الخياطة دون القتل فإذا تمكنت فيه شبهة عدم العمدية امتنع وجوب ما لا يجامع، فأما المسلة فهي آلة جارحة يقصد بها القتل، وفي رواية أخرى عنه أنه إن غرز بالابرة في المقتل فعليه القود وإلا فلالان غرز الابرة في المقتل يقصد به القتل لا التأديب. وفي الفتاوي الكبرى: ضر ب بحديد أو ذهب أو فضة أو شبهه أو نحاس أو رصاص أو صفر فجرحه ومات أنه يقتل، وإن رماه بصنجة ألف درهم فجرحه أو لم يجرحه فمات منه قتل، ولو ضرب بعصا رأسها مضبب بالحديد وقد أصاب الحديد حتى جرحه أو أزهق سائر جسده أو ضربه بقفة حديد أو شبهة أو بقدر حديد فمات منه قتل، وهذا كله على قياس ظاهر الرواية على ما بينا. ولو ضربه بعصا من خشب قاد معه أو بحجر غيره ممدود لا يقتل، وإن كان ممدودا حتى جرحه يقتل. وعن أبي حنيفة في المجرد لو ألقى رجلا في الماء ثم أخرج وبه رمق فمكث أياما حتى مات يقتل به، وإن كان يجئ ويذهب حتى مات لم يقتل. ولو قمط رجلا وألقاه في البحر فغرق تجب الدية، ولو سبح سباحة ثم غرق لا دية عليه لانه غرق بعجزه وفي الاول نظير جيد. وفي الفتاوي الكبرى ما يجب القصاص في سبب دون سبب لف ثوبا فضرب به رأس رجل فشجه موضحا وجب القصاص، ولو مات لا يجب القصاص، ولو مات من ذلك يجب القصاص، وما يجب في سببه ومسببه إن شجه موضحة بحديد فيها قصاص، وإن مات منها يجب القصاص وعلى عكسه ما لا يجب في سبب ولا في مسببه أن يجرحه بخشبة عظيمة فلا يجب القصاص ولو مات كذلك. وفي الاجناس: وما ليس بسلاح فيما دون النفس عمد واعترض بأن قوله موجب هذا

[ 8 ]

أثر العمد والاثر متأخر. وفصل بين المبتدأ وهو قوله موجبه وخبره وهو قوله الاثم بأجنبي وهو قوله أن يتعمد الضمير جاز أن يرجع إلى المضاف وأن يرجع إلى المضاف إليه. والضمير إذا احتمل فسد المعنى على أحد الاحتمالين فيتعين الاظهار بأن يقول العمد أن يتعمد. وعبر بقوله موجبه دون أن يقول حكمه وأثره ليفيد أن صفته الوجوب، وقد يجاب بأن المقصود الاحكام لا الحقائق فكذا قدم الحكم على التعريف وهذا فصل بغير أجنبي فلا يضر، والضمير يرجع إلى الاقرب وهو القتل لانه محل للتعمد فلا فساد. قوله ضربه أي ضرب المقتول قالوا: فيخرج العمد فيما دون النفس قوله ضربه أي ضرب المقتول قاله قاضي زاده أقول برد على المقتول في المنتقي كما نقله في المحيط إذا تعمد أن يضرب يد رجل فأخطأ فأصاب عنق ذلك الرجل فأبان رأسه وقتله فهو عمد وفيه القود، وإن أصاب عنق غيره فهو خطأ. ووجه الورود أنه لم يتعمد القتل بل تعمد ضرب اليد وجرى عمدا فظهر أن الشرط ولو للقطع لا لتقييد القتل كما قالوا، أما اشتراط العمد فلان الجناية لا تتحقق دونها ولا بد منها ليترتب عليها العقوبة لقوله عليه الصلاة والسلام رفع عن أمتي الخطأ والنسيان الحديث. وأما اشتراط السلاح فلان العمد هو القصد وهو فعل قد لا يوقف عليه لانه أمر يخفي فأقيم استعمال الآلة القاتلة غالبا مقامه، وظاهر هذا أنه إذا قتل بهذه الآلة ثم قال لم أقصد قتله لم يقبل منه والمنقول أنه لا يقبل منه. قال في المجرد: قتلت فلانا بسيفي ثم قال إنما أردت غيره فأصابته درئ عنه القصاص ولا يخفي عدم الورود لانه قال ضربه لا أن يتعمد قتله لان الشرط تعمد للضرب لا تعمد للقتل بدليل تعمد قطع اليد. أقول: فيه بحث وهو أن هذا القدر من التعليل يشكل بما إذا استعمل إلا آلة القاتلة في القتل الخطأ كما إذا رمى شخصا بسهم أو ضربه بسيف يظنه صيدا فإذا هو آدمي أو يظنه حربيا فإذا هو مسلم وهذا في نوع الخطأ في القصد، وكذا إذا رمى عرضا بآلة قاتلة فأصاب آدميا وهذا في نوع الخطأ في الفعل فإن استعمال الآلة القاتلة الذي جعل دليلا على القصد قد تحقق هناك أيضا مع أنه ليس بعمد بل هو خطأ محض على ما نصبوا عليه قاطبة. فإن قلت: المراد باستعمال الآلة القاتلة في التعليل المذكور استعمالها لضرب المقتول لا استعمالها فيه أيضا لضرب المقتول لكن الخطأ في وصف المقتول. فإن قلت: المراد استعمالها لضرب المقتول من حيث إنه آدمي لا استعمالها لضربه مطلقا وفي نوع الخطأ في القصد لم يتحقق الحيثية المذكورة قلت: كون الاستعمال من هذه الحيثية أمر مضمر راجع إلى النية والقصد فلا يوقف عليه كما لا يوقف على العمد فلا بد من دليل آخر خارجي فتدبر. وذكر قاضيخان أنه لا يشترط الجرح في الحديد وما يشبه الحديد من النحاس غيره في ظاهر الرواية، وأما الاثم فلقوله تعالى * (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها) * (النساء: 93) الآية. أقول: القائل أن يقول الدليل خاص والمدعي عام لان إيجاب القتل المؤثم والقود لا ينفك عن لزوم الماثم والآية المذكورة مخصوصة

[ 9 ]

بقتل المؤمن اللهم إلا أن يقال: الآية المذكورة وإن أفادت المأثم في قتل المؤمن عمدا فقط بعبارتها إلا أنها تفيد المأثم في قتل الذمي أيضا بدلا بناء على ثبوت العصمة بين المسلم والذمي نظرا إلى التكليف أو الدار كما سيأتي تفصيله. فإن قيل: بقي خصوص الدليل مع عموم المدعي من جهة أخرى وهي أن المذهب عند أهل السنة والجماعة أن المؤمن لا يخلد في النار وإن ارتكب كبيرة ولم يثبت، والظاهر أن المراد بمن يقتل في الآية المذكورة وهو المستحل بدلالة خالدا فيها فكان القتل بدون الاستحلال خارجا عن مدلول الآية. قلنا: لا نسلم ظهور كون المراد بمن يقتل في الآية المذكورة هو المستحل لجواز أن يكون المراد بالخلود المذكور فيها هو المكث الطويل كما ذكر في التفاسير فلا ينافي التعميم مذهب أهل السنة والجماعة، ولئن سلم كون المراد بذلك هو المستحل كما ذكر في الكتب الكلامية وفي التفاسير أيضال ففي الآية دلالة على عظم تلك الجناية وتحقق الاثم في قتل المؤمن عمدا بدون الاستحلال أيضا وإلا لما لزم من استحلاله الخلود في النار. وأما القود فلقوله عليه الصلاة والسلام العمد قود ولقوله تعالى * كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر) * (البقرة: 178) الآية. إلا أنه يتقيد بوصف العمد لقوله عليه الصلاة والسلام العمد قود أي موجبه يعني أن ظاهر الآية يوجب القود بالقصاص أينما يوجد القتل ولا يفصل بين العمد والخطأ إلا أنه تقيد بوصف العمدية بالحديث المشهور الذي تلقته الامة بالقبول وهو قوله صلى الله عليه وسلم العمد قود أي موجبه قود، كذا في الشروح. قال صاحب الكفاية بعد ذلك: لا يقال إن قوله عليه الصلاة والسلام العمد قود لا يوجب التقييد لانه تخصيص بالذكر فلا يدل علي نفي ما عداه لانا نقول: لو لم يوجب هذا الخبر تقييد الآية لم يكن القود موجب العمد فقط فلا يكون لذكر لفظ العمد فائدة ا ه‍. أقول: سؤال ظاهر الورود وينبغي أن يخطر ببال كل ذي فطرة سليمة ولكن لم أر أحدا سواه حول ذكره. وأما جوابه فمنظور فيه عندي لجواز أن يكون سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن حكم العمد فقط بأن كانت الجناية قتل العمد فصار قوله عليه الصلاة والسلام العمد قودجوابا عن سؤالهم، ففائدة ذكر لفظ العمد حينئذ تطبيق الجواب للسؤال ومع هذا الاحتمال كيف يتعين تقييد كتاب الله بالحديث المزبور. قال رحمه الله: (إلا أن يعفوا) يعني يجب القصاص إلا أن يعفو الاولياء فيسقط القصاص بعفوهم ولا يجب شئ. هذا إذا كان العفو بغير بدل، وإن كان ببدل يجب المشروط ويتعين بالصلح لا بالقتل. قال الامام الشافعي رحمه الله تعالى: الواجب أحدهما لا بعينه ويتعين باختيار الولي. ولنا ما تلونا وروينا من قوله عليه الصلاة والسلام العمد قود فيقتضي أن جنس العمد وجود القود لا للمال، ومن جعله موجبا للمال فقد زاد عليه وهو لا يجوز، وإلى هذؤا المعنى أشار ابن عباس رضي الله عنهما بقوله العمد قود لامال فيه ولان المال لا يصلح موجبا لعدم المماثلة بينه وبين الآدمي صورة ومعنى إذ الآدمي خلق مكرما ليتحمل

[ 10 ]

التكليف ويشتغل بالطاعة وليكون خليفة الله تعالى في الارض. والمال خلق لاقامة مصالحه ومبتذلا له في حوائجه فلا يصلح جابرا وقائما مقامه، والقصاص يصلح للمماثلة صورة لانه قتل بقود، وكذا معنى لان المقصود بالقتل الانتقام والثاني فيه كالاول ولهذا سمي قصاصا وبه تحصل منفعة الاحياء بكونه زاجرا فلا يكون موجبا للمال، ولهذا يضاف ما يوجب من المال في قتل العمد إلى الصلح ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام لا تعقل العاقلة عمدا ولا صلحا ولو كان عمدا موجبا للمال لم أضافه إلى الصلح. والمراد بما روي ثبوت الخيار للمولى عندإعطاء القاتل الدية وتخييره لا ينافي رضا الآخر في غير الواجب، وهذا كما يقال للدائن خذ بدينك إن شئت دراهم وإن شئت دنانير وإن شئت عروضا. ومعناه أن لا يأخذ غير حقه إلا برضا المدين وهذا شائع في الكلام ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام لا تأخذ إلا سلمك أو رأس مالك أي لا تأخذ إلا سلمك عند المضي في العقد ولا تأخذ إلا رأس مالك عند التفاسخ فخيره، ومعلوم أنه لا يأخذ رأس ماله إلا برضا الآخر لان الفسخ لا يتم إلا باتفاقهم، فإذا كان المراد بالحديث ذلك أو احتمله لا يبقى حجة والذي يدلك على ذلك ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما إنه قال: كان القصاص في بني اسرائيل ولم تكن الدية فانزل الله هذه الآية * (كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر) * إلى قوله * (فمن عفى له من أخيه شئ) * (البقرة: 178) والعفو في أن يقبل الدية في العمد ذلك تخفيف من ربكم فيما كان كتب على من كان قبلكم فأخبر أن بني اسرائيل لم تكن فيهم دية أي كان ذلك حراما عليهم أخذه عوضا عن الآدمي ويتركوه فخفف الله تعالى عن هذه الامة ونسخ ذلك بقوله تعالى فمن عفى له من أخيه شئ الآية. ونبه النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الجهة بل بينها بقوله من قتل له قتيل فهو بالخيار بين أن يقتص أو يعفو ويأخذ الدية التي أبيحت لهذه الامة وجعل لهم أخذها إذا أعطوها. وعن أنس بن مالك أن عمه الربيع لطمت جارية فكسرت ثنيتها فقال عليه الصلاة والسلام حين اختصموا إليه: كتب الله القصاص. ولم يخير ولو كان المال واجبا به لخير إذ من وجب له أخذ شيئين على الخيار لا يحكم له بأحدهما معينا وإنما يحكم بأن يختار أيهما شاء، والذي يحققه أن الولي إن عفا عن القصاص قبل اختيار القصاص صح عفوه ولو لم يكن هو الواجب بالقتل ما صح عفوه قبل تعينه واختياره إذ العفو عن الشئ‌قبل وجوبه باطل، فإن كان القصاص هو الواجب الاصلي لا ينفرد الولي بالعدول عند إلى المال بدلا عنه لانه معاوضة ولا يجبر أحد على المعاوضة كما في سائل الحقوق، ولهذا لو ترك المولى القصاص بمال آخر غير الدية كالدار ونحوه من الاعيان لا يجبر القاتل على الدفع وإن فيه إحياء نفسه، ولا نسلم أن المضطر الذي ذكره يجبر على الشراء بحيث يدخل. في ملكه من غير رضاه وإنما نقول يأثم إذا ترك الشراء مع القدرة عليه ومات، وكذا نقول هنا أيضا يأثم. ثم إذا لم يخلص نفسه مع القدرة عليه وقوله الآدمي قد يضمن بالمال كما في

[ 11 ]

الخطأ قلنا: وجوب الضمان في الخطأ ضرورة صون الدم عن الاهدار باعتبار أنه مثل له، وهذا لانه لما تعذر العقوبة وهو القصاص لعدم الجناية صيراليه لصون الدم عن الاهدر ولولا ذلك لتخلط كثير من الناس وأدى إلى التفاني، ولان النفس محترمة فلا تسقط حرمتها بعذر الخاطئ كما في المال فيجب المال صيانة لها عن الاهدار، ولا يقال وجوب القصاص لا ينافي وجوب المال ولا العدول إليه من غير رضا الجاني ألا ترى أن رجلا لو قطع يد رجل وهي صحيحة ويد القاطع شلاء فالمقطوع يده بالخيار إن شاء أخذ الارش، وإن شاء قطع يده الشلاء. وكذا لو عفا أحد الاولياء بطل حق الباقين في القصاص ووجب لهم الدية، ولو أنه وجب بالجناية لما وجب بغير رضاهم لانا نقول: إنما كان لهم ذلك لتعذر استيفاء حقهم كاملا. قال رحمه الله: (لا الكفارة) أي لا تجب الكفارة بقتل العمد. قال الشافعي رحمه الله تعالى: تجب اعتبارا بالخطأ بل أولى لانها شرعت تمحو الاثم وهو في العمد أكثر فكان ادعى إلى ايجابها. ولنا أن الكفارة دائرة بين العباد والعقوبة فلا بد من أن يكون سببها أيضا دائرا بين الخطر والاباحة لتعلق العبادة بالمباح والعقوبة المحظور وقتل العمد كبيرة محض فلا تناط به كسائر الكبائر مثل الزنا والسرقة والربا. قال تاج الشريعة فإن قلت: يشكل بكفارة قتل صيد المحرم فإنه كبيرة محضة ومع هذا تجب فيه الكفارة قلت: هو جناية على المحل ولهذا لو اشترك رجلان في قتل صيد الحرم يلزم جزاء واحد، ولو كان جناية الفعل لوجب جزآن والجناية على المحل يستوي فيها العمل والخطأ ا ه‍. أقول: في الجواب بحث، أما أولا فلانه لا يدفع السؤال المذكور لان مورده مضمون الدليل المزبور وهو الكفارة لا تناط بما هو كبيرة محضة لا أصل المدعي وهو أنه لا كفارة في القتل العمد، فإذا سلم كون قتل صيد الحرم كبيرة محضة يلزم أن يشكل الدليل المزبور به، سواء كان في جناية الفعل أو جناية المحل، وكون الجناية على المحل يستوي فيها العمد والخطأ إنما يفيد لو ورد السؤال على أصل المدعي فإنه يمكن الجواب عنه حينئذ بأن ما قلناه في جناية الفعل دون جناية المحل وقتل صيد الحرم من قبيل الثانية دون الاولى. وأما ثانيا فلانه قد تقرر في كتب أصول الفقه أن الكفارة جزاء الفعل من كل الوجوه لا جزاء المحل أصلا، فلو كان قتل صيد الحرم جناية على المحل لا جناية الفعل لزم أن لا تصلح الكفارة لكون الكفارة جزاء الفعل من كل الوجوه لا جزاء المحل أصلا، ولا يمكن قياسه على الخطأ لانه دونه في الاثم فشرعه لدفع الادنى لا يدل على دفع الاعلى، ولان في قتل العمد وعيدا محكما ولا يمكن أن يقال يرتفع المأثم فيه بالكفارة مع وجود الشدة في الوعيد بنص قاطع لا شبهة فيه، ومن ادعى ذلك كان محكما فيه بلا دليل، ولان الكفارة من المقدورات فلا يجوز إثباتها بالقياس على ما عرف في موضعه، ولان قوله تعالى فجزاؤه جهنم الآية. كل موجبه إذ هو مذكور في سياق الجزاء للشرط فتكون الزيادة عليه نسخا ولا

[ 12 ]

يجوز بالرأي. قال رحمه الله: (وشبهه وهوان يتعمد ضربه بغير ما ذكر الاثم والكفارة على القاتل ودية مغلظة على العاقلة لا القود) أي موجب القتل شبه العمد الاثم والكفارة على القاتل والدية المغلظة على العاقلة ولا يوجب القصاص. وقوله وهو أن يتعمد ضربه بغير ما ذكر أي بغير ما ذكر في العمد هو المحدد وغيره هو الذي لا حد له من الادلة، وكالحجر والعصا وكل شئ‌ليس له حد يفرق الاجزاء، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وفي شرح الطحاو: شبه العمد عند الامام تعمد الضرب بما ليس بسلاح ولا هو في معنى السلاح في تفريق الاجزاء. قال محمد: ويكون قصده الضرب والتأديب. وقالا: إذا ضربه بحجر عظيم أو بخشبة عظيمة فهو عمد وشبه العمد أن يتعمد ضربه بما لا يقتل به غالبا. ولهما أن معنى العمدية يتقاصر باستعمال آلة لا تقتل غالبا لانه يقصد به التأديب، وأما التي تقتل غالبا كالسيف فكان عمدا فوجب القود ألا ترى أنه عليه الصلاة والسلام رض بين حجرين رأس يهودي رض رأس صبي بين حجرين، وكذا قتل المرأة التي قتلت امرأة بمسطح وهو عمود الفسطاط. ولابي حنيفة رحمه الله تعالى قوله عليه الصلاة والسلام ألا أن قتيل خطأ العمد قتيل السوط والعصا والحجر وفيه دية مغلظة مائة من الابل منها أربعون خلفة في بطونها أولادها وبإطلاقه يتناول العصا الكبير والكلام في مثلها ولان قضية القتل أمر مبطن لا يعرف إلا بدليل وهو استعمال الآلة القاتلة على ما بينا، وهذه الآلة لا تصلح دليلا على قصد القتل لانها غير موضوعة له ولا مستعملة فيه إذ لا يمكن القتل بها على غفلة منه ولا يقع القتل بها غالبا فقدمت العمدية كذلك فصار كالعصا الصغير، وهذا لان ما يوجب القصاص وهو الآلة المحدودة لا يختلف بين الصغير منهما والكبير لان الكل صالح للقتل لتخريب البنية ظاهرا وباطنا فكذا ما لا يوجب القصاص وجب أن يسوي بين الصغير والكبير منه حتى لا يوجب الكل القصاص لانه غير معد للقتل ولا صالح له لعدم نقض البنية ظاهرا وكان في قصد القتل شك لما فيه من القصور والقصاص نهاية في العقوبة فلا يجب مع الشك، وما روياه رض اليهودي يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أن اليهودي كان قاطع الطريق إذا قتل بسوط أو عصا أو غيره بأي شئ كان يقتل به حدا، ويحتمل أنه جعله كقاطع الطريق لكونه ساعيا في الارض بالفساد فقتله حدا كما يقتل قاطع الطريق فإن ذلك جائز أن يلحق به على ما بينا في قاطع الطريق. وأما حديث المرأة فقال عبيد بن فضيلة عن المغيرة بن شعبة: إن امرأتين ضربت إحداهما الاخرى بعمود الفسطاط فقتلتها فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدية على عصبة القاتلة وقضى فيما في بطنها بغرة فقال الاعرابي: أغرم ممن لا طعم ولا شرب ولا صاح فاستهل ومثل ذلك باطل فقال: أسجع كسجع الاعرابي. وفي رواية قال: هذا من إخوان الكهان من أجل سجعه. فعلم بذلك أن ما روياه غير صحيح، والذي يدل على ذلك حمل ابن مالك على زعمهم

[ 13 ]

فإنهم قالوا قال حمل ابن مالك: كنت بين بنتي امرأتي فضربت إحداهما الاخرى بمسطح فقتلتها وجنينها فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنينها بغرة وأن تقتل به، هكذا رووه. وقال ابن المسيب عن أبي سليمة عن أبي هريرة: اقتتلت امرأتان من هذيل فضربت أحدهما الاخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى أن دية جنينها عبد وقضى بدية المرأة على عاقلتها وورثها ولدها فقال حمل ابن مالك بن النابغة: يا رسول الله اغرم ممن لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل ومثل ذلك باطل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: هذا من إخوان الكهان. وهذا هو المشهور عن حمل ابن مالك فكيف يصح أن يتصور عنه خلاف ذلك؟ ثم لا فرق عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى بين أن يموت بضربة واحدة وبين أن يوالي عليه ضربات حتى مات كل ذلك شبه عمد لا يوجب القصاص، واختلفوا على قولهما في الموالاة. وقال الامام الشافعي رحمه الله تعالى: يصير عمدا بها فوجب القصاص. ولو ألقاه من جبل أو سبطح أو غرقه في الماء أو خقنه حتى مات كان ذلك شبه عمد عنده، وعندهما عمد وإنما كان آثما في شبه العمد لانه ارتكب محرما في دينه قاصدا له وإنما وجبت الكفارة به لانه خطأ من وجه فيدخل تحت النص على الخطأ. أقول: المتبادر من قوله لدخوله تحت الخطأ أن هذه الكفارة إنما وجبت في شبه العمد باعتبار الدخول. فإن قلت: يرد عليه أن تعين الكفارة لدفع الذنب الادنى بالشرع لا تعينها كما قالوا في العمد إذ لا شك أن شبه العمد أعلى ذنبا من الخطأ المحض فإن الجاني في شبه العمد قد قصد الضرب وفي الخطأ لم يقصد الضرب. وقد يجاب بأن ذنب شبه العمد دائر بين الادنى والاعلى فإلحاقه بالادنى أولى طلبا للتخفيف فلذا وجبت فيه الكفارة. وذكر صاحب الهداية أن صاحب الايضاح قال في الايضاح: وجدت في كتب أصحابنا أن اكفارة في شبه العمد لا تجب على قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى فإن الاثم كامل وتناهيه يمنع شرع الكفارة لان ذلك من باب التخفيف. وجوابه على الظاهر أن يقول: إنه إثم الضر ب لانه قصده لا إثم القتل لانه لم يصدقه، وهذه الكفارة تجب بالقتل وهو فيه مخطئ وتجب بالضرب ألا ترى أنها لا تجب بالضرب بدون القتل وبعكسه تجب، فكذا عند اجتماعهما يضاف الوجوب إلى القتل دون الضرب. وأما وجوب الدية فلما روينا، وإنما وجبت على العاقلة لانه خطأ من وجه على ما بينا فيكون معذورا فيتحقق التخفيف كذلك، ولانها تجب بنفس القتل فتجب على العاقلة كما في الخطأ ولهذا أوجبها عمر رضي الله عنه في ثلاث سنين. ويتعلق بهذا القتل حرمان الميراث كالخطأ بل أولى لانه جزاء القتل وهو أولى بالمجازاة لوجود القصد منه إلى الفعل، فحاصله أنه كالخطأ إلا في حق الاثم وصفة التغليظ في الدية على ما تبين من بعد إن شاء الله. قال رحمه الله: (والخطأ وهو أن يرمي شخصا ظنه صيدا أو حربيا فإذا هو مسلم أو

[ 14 ]

عرضا فأصاب آدميا وما جرى بمجراه كالنائم إذا انقلب على رجل فقتله الكفارة والدية على العاقلة) قوله وهو أن يرمي شخصا إلى آخره تفسير لنفس الخطأ فإنه على نوعين: خطأ في القصد وخطأ في الفعل. وقد تبين النوعين بقوله وهو أن يرمي شخصا ظنه صيدا أو حربيا فإذا هو مسلم تفسير للخطأ في القصد لا في الفعل حيث ث أصاب ما رمى وإنما أخطأ في القصد أي الظن حيث ظن المسلم حربيا والآدمي صيدا. وقوله أو عرضا فأصاب آدميا هذا بيان للخطأ في افعل دون القصد فيكون معذورا. أقول: في عبارة الشارح والمصنف هنا تسامح فإنه قال في تفسير الخطأ في القصد وهو أن يرمي شخصا يظنه صيدا إلى آخره. وقال في تفسير الخطأ في الفعل وهو أن يرمي عرضا فيصيب آدميا. ولا يخفي أن كل واحد من نوعي الخطأ غير منحصر فيما ذكره في تفسيره بل الذي ذكره في تفسير كل واحد منهما جزء من جزئياته فكان أخص منه جدا فلم يصلح لان يكون تفسيرا له فكان الظاهر أن يقال في كل واحد منهما وهو نحو أن يرمي إشارة إلى العموم كما تداركه صاحب الوقاية حيث قال: وفي الخطأ قصدا كرميه مسلما ظنه صيدا أو حربيا وفعلا كرميه عرضا فأصاب آدميا ا ه‍. ثم إن صدر الشريعة قال في شرح الوقاية: الخطأ ضربان: خطأ في القصد وخطأ في الفعل. فالخطأ الذي في الفعل إن يقصد فعلا فيصدر منه فعل آخر كما إذا رمى الغرض فأخطأ فأصاب غيره، هذا هو الخطإ في الفعل. وأما الخطأ في القصد هو أن لا يكون الخطأ في الفعل وإنما يكون الخطأ في قصده، فإن قصد بهذا الفعل حربيا لكن أخطأ في ذلك القصد وهو الغرض حيث لم يكن قصده ا ه‍. ورد عليه صاحب الاصلاح والايضاح حيث قا: الخطأ في الفعل أن لا يصدر عنه الفعل الذي قصده بل فعل آخر وليس كذلك فإنه إذا رمى عرضا فأصابه ثم رجع عنه أو تجاوز إلى ما وراءه فأصاب رجلا يتحقق الخطأ في الفعل، والشرط المذكور ههنا مفقود في الصورتين. ثم إنه أخطأ من وجه آخر حيث اعتبر القصد فيه وذلك غير لازم فإذا سقط من يده خشبة أو لبنة فقتل رجلا يتحقق الخطأ في الفعل ولا قصد فيه ا ه‍. وقول المؤلف عرضا هذا معطوف على قيد وظاهره أن الرمي معتبر في الخطأ في الفعل وليس كذلك فإنه لو سقط منه خشبة أو لبنة فقتل رجلا هذا خطأ في الفعل ولا رمي. وقوله كنائم انقلب على رجل تفسير لما جرى مجرى الخطأ لان هذا ليس بخطأ حقيقة ولما وجد فعله حقيقة وجب عليه ما أتلفه كفعل الطفل فجعله كاخطأ لانه محذور كالمخطئ، وإنما كان حكم المخطئ ما ذكره لقوله تعالى فيه * (فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله) * (النساء: 92) وقد قضى به عمر رضي الله تعالى عنه في ثلاث سنين بمحضر في الصحابة من غير نكير فقصار إجماعا. قال رحمه الله: (والقتل بسبب كحافر البئر وواضع الحجر في غير ملكه الدية على العاقلة

[ 15 ]

لا الكفارة) أي موجب القتل بسبب الدية على العاقلة لا الكفارة، أما وجوب الدية فلانه سبب التلف وهو متعد فيه بالحفر فجعل كالدافع الملقى فيه فتجب في الدية صيانة للانفس فتكون على العاقلة لان القتل بهذا الطريق دون القتل بالخطأ فيكون معذورا فتجب عى العاقلة تخفيفا كما في الخطأ بل أولى لعدم القتل منه مباشرة، ولهذا لا تجب الكفارة فيه. وفي الاصل: لو كان على دابة فوطئ دابته إنسان فقتله. وفي الينابيع أو سقط من سطح على إنسان فقتله. هذا كله قتل خطأ ومباشرة. وفي شرح الطحاوي: والكفارة تحرير رقبة في حق القادر، وصيا شهرين متتابعين في حق غير القادر. ولو أفطر يوما يجب الاستئناف ولا يجوز إلابنية من الليل ولا إطعام فيه فتعتبر القدرة وقت الاداء لا وقت الوجوب ا ه‍. قال رحمه الله: (والكل يوجب حرمان الارث إلا هذا) أي كل نوع من أنواع القتل التي تقدم من عمد وشبهه وخطأ وما أجرى مجراه يوجب حرمان الارث إلا القتل بسبب فإنه لا يوجب ذلك كما لا يوجب الكفارة. وقال الشافعي: هو ملحق بالخطأ في أحكامه. قال رحمه الله: (وشبه العمد في النفس عمد فيما سواها) لان إتلاف ما دون النفس لا يختص بآلة دون آلة فلا يتصور فيه شبه العمد بخلاف النفس على ما بينا، والذي يدلك على هذا ما روي عن أنس ابن مالك أن عمة الربيع لطمت جارية فكسر ت ثنيتها فطلبوا إليهم العفو فأبوا والارش فأبوا إلا القصاص واختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا القصاص فقال أنس بن النضر: أتكسر ثنية الربيع والذي بعثك بالحق نبيا لا تكسر ثنيتها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أنس كتاب الله القصاص فرضي القوم فعفوا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من عباد الله من لو أقسم على الله لابره. ووجه دلالته على ما نحن فيه أننا علمنا أن اللطمة لو أتت على النفس لا توجب القصاص ورأيناها فيما دون النفس قد أوجبته بحكه عليه الصلاة والسلام فثبت بذلك أن ما كان من النفس شبه عمد فهو عمد فيما دونها ولا يتصور أن يكون شبه عمد والله أعلم. باب ما يوجب القصاص وما لا يوجبه لما فرغ من بيان أنواع القتل شرع في تفصيل ما يجب القصاص من القتل وما لا يوجبه في باب على حدة. قال رحمه الله: (يجب القصاص بقتل كل محقون الدم على التأبيد عمدا) لما بينا وشرط أن يكون المقتول محقون الدم على التأبيد ليدفع شبه الاباحة عنه لان القصاص نهاية في العقوبة فيستدعي الكمال في الجناية فلا يجب مع الشبهة، واحترز بذلك عن المستأمن فإنه

[ 16 ]

غير محقون الدم على التأبيد. قال في العناية: وفيه البحث من أوجه: الاول أن العفو مندوب إليه وذلك ينافي وصف القصاص بالوجوب. الثاني أن حقن الدم على التأبيد غير متصور لان غاية ما يتصور منه أن يكون للمسلم في دار الاسلام وهو يزول بالارتداد والعياذ بالله تعالى. الثالث أنه منقوض بمسلم قتل ابنه المسلم فإنها موجودة فيه ولا قصاص. الرابع أن قيد التأبيد لثبوت المساواة وإذا قتل المسأمن مسلما وجب القصاص ولا مساواة. والجواب عن الاول أن المراد بالوجود ثبوت الاستيفاء ولا منافاة بينه وبين العفو. وعن الثاني أن المراد بالحقن على التأبيد ما هو بحسب الاصل والارتداد عارض لا يعتبر ورجوع الحربي أصل لاعارض. وعن الثالث بأن القصاص ثابت لكنه انقلب لشبهة الابوة. وعن الرابع بأن التفاوت إلى نقصان غير مانع عن الاستيفاء بخلاف العكس. وفي الكافي: القصاص واجب بقتل كل محقون الدم على التأبيد وليس بينهما شبهة الملك ولا شبهة الحرية يعني به ليس المقتول بولده ولا هو عبده ولا له عليه شئ من الرق ويقتل، فإن كان القاتل سليما والمقتول به مغمى وعليه أو مبرسما أو مقطوعا أو أعمى أو مقطوع الجوارح أو أشل الجوارح أو كان صبيا أو مجنونا فإنه يقتل به. وفي العيون: ضرب رجلا بسيف في غمده فخرق السيف الغمد وقتله قال أبو حنيفة: لا قصاص عليه. وقال محمد: إن كان الغمد لو ضرب به وحده قتل قتل به. وفي الكبرى: والفتوى على قول أبي حنيفة. قال محمد في الجامع الصغير: إذا حمى التنور فألقى فيها إنسانا أو ألقاه فيما لا يستطيع الخروج منه فأحرقته النار يجب القصاص فوضع المسألة يصير إلى أن الاحماء يكفي، وإن لم يكن فيه نار قال البقالي في فتاواه: هو الصحيح. وفي البقالي: إذا ألقاه في النار ثم أخرج وبه رمق فبقي أياما مريضا من ذلك حتى مات قتل به وإن كان يجئ ويذهب. وفي الخانية: فمكث أياما لم يزل صاحب فراش، وإن كان يجئ ويذهب فلا. وفي الجامع الصغير أيضا: وذكر شيخ الاسلام في شرح ديات الاصل إن غرق إنسانا بالماء إن كان الماء قليلا لا يقبل منه غالبا ويرجى منه النجاة في الغالب فمات من ذلك فهو خطأ العمد عندهم جميعا، فأما إذا كان الماء عظيما إن كان بحيث يمكنه النجاة منه بالسباحة بأن كان غير مشدوولا مثقل وهو يحسن السباحة فمات فإنه يكون خطأ العمد، وإن كان بحيث لا يمكنه النجاة فعلى قول أبي حنيفة هو خطأ العمد فلا قصاص، وعلى قولهما هو عمد منحض ويجب القصاص. وفي الخانية: ولو ألقاه في الماء فغرق من ساعته لا قصاص في قول أبي حنيفة، وفي قول صاحبيه يجب القصاص. وفي المنتقي عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: رمى رجلا من سفينة في بحر أو في دجلة أو غر كما وقع فعلى عاقلته الدية، وإن كان حين ألقاه سبح ساعة ثم غرق فلا دية فيه. ولو ألقاه من سطح أو جبل أو ألقاه في بئر فعلى قول أبي حنيفة هذا خطأ العمد، أما على قولهما إن كان موضعا يرجى منه النجاة غالبا فهو خطأ، وإن كان لا ترجى منه النجاة غالبا فهو عمد محض يجب القصاص به

[ 17 ]

عندهما، وفي الخلاصة: لو جرح رجلا جراحة لا يتوهم معها النجاة وجرح آخر جراحة أخرى فالقاتل هو الذي جرحه جراحة لا يتوهم معها النجاة، هذا إذا كانت الجراحتان متعاقبتين، فإن كانتا معا وكلاهما قاتلة يقتلان به، وكذلك لو جرح رجلا جراحة لا يتوهم معها النجاة. هذا إذا كانت الجراحتان متعاقبتين، فإن كانتا معا وكلاهما قاتلة يقتلان به، وكذلك لو جرح رجلا جراحتين والآخر جراحة واحدة كلا منها قاتلة، إذا جرح رجل حتى مات فعلى قول أبي حنيفة لا قصاص عليه ولكن إن اعتاد ذلك فالامام يقتله حد وهو نظير الساحر إذا تاب، وأمنا على قولهما إن دام على الخنق حتى مات فعليه القصاص كما لو قتله بحجر عظيم أو خشبة عظيمة. وإن كان ترك الخنق قبل الموت ثم مات بعد ذلك فإنه ينظر، إن دام على الخنق مقدارا لا يموت الانسان منه غالبا فلا قصاص. وفي الظهيرية: ولو قمط رجلا ثم أغلى له ماء في قدر يثخنه حتى صار كأنه نار وألقاه في الماء فسلخ فمات قتل به وإن كان الماء حارا لا يغلي غليا شديدا فألقاه فيه ثم مكث ساعة ثم مات وقد سقط جلده قتل به وإلا فلا، وإن هو أخرج من القدر في هذه الوجوه وقد انسلخ فمات من ساعته أو يومه أو مكث أياما يخاف عليه من ذلك قتل به، وإن عاش حتى يجئ ويذهب ومات من ذلك لم يقتل عليه الدية، وهذا قياس قول أبي حنيفة. ولو ألقاه في ماء بارد في يوم شات فمات ساعة ألقاه فعليه الدية، وكذلك لو أخذه فاجعله في سطح في يوم شديد البرد فلم يزل حتى مات من البرد، وكذلك لو قمطه فجعله في الثلج، ولو أن رجلا قمط رجلا أو صبيا ثم وضعه في الشمس فلم يخلص حتى مات من حر الشمس فعليه الدية، ولو أن رجلا أدخل رجلا في بيت وأدخل معه سبعا وأغلق عليه الباب وأخذ الرجل السبع فقتله لم يقتل به ولا شئ عليه، وكذا لو نهشته حية أو سعته عقرب، وكذا لو قمط صبيا فألقاه في الشمس أو في يوم بارد حتى مات على عاقلته الدية. ولو ضرب إنسانا ضربة لا أثر لها في نفس لا يضمن شيئا، نص الامام السرخسي. في مجموع النوازل: رجل صاح بآخر فجاءه فمات من صحيته تجب فيه الدية، ولو سلخ جلد وجهه ففيه الدية، وإذا سقا رجلا سما فمات من ذلك فهو على ثلاثة أوجه: إما أن يكون أوجره على كره أو كراهة على شربه حتى شرب أو ناوله وشربه من غير أن يكرهه عليه. فإن أوجره إيجارا أو ناوله وأكرهه على شربه حتى شرب فلا قصاص وعلى عاقلته الدية. وفي الذخيرة ذكر المسألة في الاصل مطلقا من غير خلاف ولم يفصل بين ما إذا كان مقدرا يقتل مثله غالبا أو لا يقتل، وهذا الجواب لا يشكل على قول أبي حنيفة وذلك لان القتل حصل يحال لا يخرج لامن حيث الحقيقة ولا من حيث الاعتبار فكان خطأ العمد على مذهبه، وأما على قول أبي يوسف ومحمد فمن مشايخنا من قال الجواب عندهما على التفصيل إن كان ما أوجره من السم مقدار ما يقتل مثله غالبا كان عمدا محضا، وإن كان قدرا لا يقتل مثله غالبا فإنه يكون خطأ العمد ومن

[ 18 ]

مشايخنا من قال بأنه على قولهم جميعا يكون خطأ العمد، سواء كان مما يقتل مثله غالبا أو لا يقتل، وكان كمن أوجر رجلا سقمونيا تحتمله النفوس فمات لا يكون عمدا محضا. وإذا تناوله فشرب من غير أن أكره لم يكن عليه قصاص ولا دية، سواء علم الشارب بكونه سما أو لم يعلم. وفي الخانية: لا قصاص عليه ولا دية لانه شرب باختياره إلا أن الدافع خدعه فلا يجب عليه إلا التعزير والاستغفار. ومن دفع سكينا إلى رجل فقتل به نفسه لم يكن على الدافع شئ. وفي فتاوي الخلاصة: ادخل نائما أو مغمى عليه أو صبيا في بيته فسقط عليه البيت ضمن في الصبي والمعتوه دون النائم، إن أدخل إنسانا في بيت حتى مات جوعا أو عطشا لا يضمن شيئا عند أبي حنيفة، وعندهما تجب الدية. وفي الكبرى: إذا طين على آخر بيتا حتى مات جوعا أو عطشا لم يضمن شيئا في قول أبي حنيفة. وقالا: عليه الدية. وفي الخانية قال محمد: يعاقب الرجل وعلى عاقلته الدية. وفي الظهيرية: ولو أن رجلا أخذ رجلا فقيده وحبسه حتى مات جوعا قال محمد: أوجعه عقوبة والدية على عاقلته. والفتوى على قول أبي حنيفة أنه لا شئ عليه. وفي المنتفي سئل محمد عن رجل ألقى رجلا حيا في قبر ومات قال: فيه دية. وفي الذخيرة: يقاد فيه لانه قتله عمدا. وفي الكبرى: ولو ألقاه حيا في قبر يقتل به لانه قتله عمدا وهذا قول محمد، والفتوى أنه على عاقلته الدية. وفي الظهيرية: والفتوى على قول أبي حنيفة. وفي المجرد روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: فلان قتله بحديدة أو قال بالسيف ثم قال إنما أردت غيره فأصابته درئ عنه القتل. وفي المنتقي: إذا قال الرجل قتلنا فلانا بأسيافنا متعمدين ثم قال كان معي غيري لم يصدق وقتل به، ولو قال قتله فلانا متعمدا بحديدة فلما أخذ بذلك قال كنت يومئذ غلاما لم يصدق وقتل به، ولو قال ضربت فلانا بالسيف متعمدا ثم قال لا أدري مات منها أم لا ولكنه مات وقال الولي مات من ضربتك فالقول قول القاتل وعليه نصف الدية. وفي المنتقي: إذا قطع حلقوم الرجل وبقي شئ قليل من الحلقوم وفيه الروح فقتله رجل آخر فلا قود عليه لان هذا ميت، ولو مات ابنه بعد ذلك وهو على تلك الحالة ورثه ابنه ولم يرث هو من ابنه. وفي الظهيرية: رجل نائم وهو صحيح فذبحه إنسان وقال ذبحته وهو ميت فإنه يقتل به قياسا، وفي الاستحسان تجب الدية. ولو شق بطن رجل وخرج أمعاءه كلها وسقطت على الارض إلا أنه صحيح بعد فقتله رجل فلا قود عليه. وفي الخانية: رجل عدا على رجل فشق بطنه وأخرج أمعاءه ثم ضرب رجل عنقه بالسيف عمدا فالقاتل هو الذي ضرب العنق عمدا، وإن كان خطأ تجب الدية، وعلى الذي شق البطن ثلث الدية، وإن كان نفذ إلى الجانب الآخر يجب ثلثا الدية لانهما حاشيتان في كل منهما ثلث الدية. هذا إذا كان مما يعيش بعد الشق يوما أو بعض يوم، فإن كان الشق بحال لا يتوهم معه وجود الحياة ولم يبق معه إلا اضطراب الموت فالقاتل هو الذي شق البطن فيقتص في العمد وتجب الدية في الخطأ. ولو قت رجلا وهو في

[ 19 ]

النزع فقتل القاتل به وإن كان يعمل أنه لا يعيش وسيأتي شئ من هذا الجنس. وفى فصل متفرقات الاسبيجابي: إذا شهد الشهود أنه ضربه فلم يز صاحب فراش حتى مات فإن كان عمدا فعليه القصاص. وفي الجناية: رجل جرح رجلا جراحة وآخر جراحة عمدا ثم صالح المجروح أحدهما عن الجرح وما يحدث منه على ما ثم مات منهما جميعا عليه نصف الدية لوليه. قال رحمه الله: (وقتل الحر بالحر وبالعبد) وقال الشافعي رحمه الله تعالى: لا يقتل الحر بالعبد لقوله تعالى * (الحبالحر والعبد بالعبد) * (البقرة: 178) فهذا يقتضي مقابلة الجنس بالجنس، ومن ضرورة المقابلة أن لا يقتل الحر بالعبد، ولان القصاص يقتضي المساواة ولا مساواة بينهما إذ الحر مالك والعبد مملوك والمالكية أمارة القدرة والمملوكية أمارة العجز. ولنا العمومات نحو قوله تعالى * (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) * (المائدة: 45) وقوله تعالى * (كتب عليكم القصاص في القتلى) * (البقرة: 178) وقوله عليه الصلاة والسلام العمد قود ولا يعارض بما تلي لان فيه مقابلة مقيدة وفيما تلونا مقابلة مطلقا فلا يحمل على المقيد على أن مقابلة الحر بالحر لا تنافي الحر بالعبد لانه ليس فيه إلا ذلك لبعض ما شمله العموم على موافقة حكمه وذلك لا يوجب تخصيص ما بقي ألا ترى أنه قابل الانثى بالانثى دليل على جريان القصاص بين الحرة والامة، وفائدة هذه المقابلة في الآية على ما قال ابن عباس رضي الله عنهما كانت بين النصير وبني قريظة مقابلة وكانوا بنوا قريظة أقل منهم عددا وكان بنوا النضير أشرف عندهم فتراضوا على أن العبد من بني النضير بمقابلة الحر من بني قريظة، والانثى منهم بمقابلة الذكر من بني قريظة فأنزل الله تعالى الآية ردا عليهم وبيانا على أن الجنس يقتل بجنسه على اختلاف مواضعتهم من القبيلتين جميعا فكانت اللام لتعريف العهد لا لتعريف الجنس، ولانهما مستويان في العصمة إذ هي بالدين عنده وبالدار عندنا وهي المعتبرة فيجري القصاص بينهما حسما لمادة الفساد وتحقيقا لمعنى الزجر، ولو اعتبرت المساواة في غير العصمة في النفس لما جرى القصاص بين الذكر والانثى، والقصاص يجب باعتبار أنه آدمي وليدخل في الملك من هذا الوجه بل هو منفي على أصل الحرية من هذا الوجه ولهذا يقتل العبد بالعبد، وكذا قتل العبد بالحر، ولو كان مالا لما قتل. وكذلك عجزه أو موته وبقاء أثر كفره حكمي فلا يؤثر ذلك في سقوط العصمة ولا يؤثر شبهة، ولو أورث شبهة لما جرى القصاص بين العبيد بعضهم ببعض. ووجوب القصاص في الاطراف يعتمد المساواة في الجزء المبان بعد المساواة في العصمة ولهذا لا تقطع الصحيح بالشلاء، وفي النفس لا يشترط ذلك حتى يقتل الصحيح بالزمن والمفلوج ولا مساواة بين أطلافا الحر والعبد لا في العصمة فأظهر أن أثر الرق فيها دون النفس لما أن العبد من حيث النفس آدمي مكلف خلق معصوما. قال رحمه الله: (والمسلم بالذمي) يعني يقتل المسلم بالذمي. وقال الشافعي: لا يقتل به لما أخرجه

[ 20 ]

علي بن أبطالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده (1) الحديث. ولنا ما تلونا من كتاب الله وما روينا من السنة فإنه بإطلاقه يتناوله، وقد صح عن عبد الرحمن ابن سلمة ومحمد بن المنكذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى برجل من المسلمين قد قتل معاهدا من أهل الذمة فأمر به فضرب عنقه فقال: أنا أولى من وافي بذمته، والقصاص يعتمد العصمة على ما بينا في العبد وقد وجدت نظرا إلى الدار وإلى التكليف، ولان شرط التكليف القدرة على ما كلف به ولا يتمكن من إقامة ما كلف به إلا يدفع أسباب الهلاك عنه، وذلك بأن يكون محرم التعرض ولا نسلم أن الكفر مبيح بنفسه بلا بواسطة الحراب ألا ترى أن من لا يقاتل منهم لا يحل قتله كالشيخ الفاني وقد اندفع الحراب بعقد الذمة فكان معصوما بلا شبهذا يقتل الذمي بالذمي، ولو كان في عصمته خلل لما قتل الذمي بالذمي كما لا يقتل المستأمن بالمستأمن وقد قال علي رضي الله عنه: إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا. وذلك بأن تكون معصومة بلا شبهة كالمسلم ولهذا يقطع المسلم بسرقة مال الذمي، ولو كانت في عصمته شبهة لما قطكما لا يقطع في سرقة مال المستأمن لان المال تبع للنفس وأمر المال أهون من النفس، فلما قطع بسرقته كان أولى أن يقتل بقتله لان أمر النفس أعظم من المال ألا ترى أن العبد لا يقطع بسرقة مال مولاه ويقتل بقتل مولاه لما ذكرنا، والذي يدلك على ما قلنا أن الذمي لو قتل ذميا ثم أسلم القاتل قبل أن يقتل قتل به فعلم أن المراد بالحربي إذ هو لا يقتل به مسلم ولا ذمي، ولا يقال معناه لا يقتل ذو عهد مطلقا أي لا يحل قتله فيكون ابتداء كلام لانا نقول: هذا لا يستقيم لوجهين: أحدهما أن ذا عهد مفرد وقد عطف على جملة فيأخذ الحكم منها لان المعطوف الناقص يأخذ الحكم من المعطوف عليه التام كما يقال قام زيد وعمرو أو يقال قتل زيد بعمرو وخالد أي كلهما قام أو قتل، ولا يجوزأن يقدر له خبر آخر، والظاهر أن المعنى يأبى ذلك لان المراد بسوق الكلام الاول نفي القتل قصاصا لا نفي مطلق القتل فكذا الثاني تحقيقا للعطف إذ لا يجوز ذلك ألبتة في المفرد ألا ترى إلى قوله تعالى * (وما يستوي الاعمى والبصير) * (فاطر: 19) أن المنفي الاستواء في البصر العمى لا في كل وصف، ولهذا أجرى القصاص بينهما لاستوائهما في العصمة، وكذا نقصان حال الكافر بكفرلا يزيل عصمته فلا عبرة به كسائر الاوصاف الناقصة كالشلل والانوثة، ولا نسلم أن كفره مبيح للقتل بلا حرابة هو المبيح وقد ذكرناه غيره مرة بخلاف ما ذكر من الملك والاخت من الرضاع فإنه مبيح للوطئ، وإنما امتنع في الاخت المذكورة بعارض فأورث شبهة.

[ 21 ]

قال رحمه الله: (ولا يقتلان بمستأمن) أي لا يقتل المسلم ولا الذمي بحربي دخل دارنا بأمان لان دمه ليس بمحقون على التأبيد فانعدمت المساواة، وكذا كفره باعث على الحراب لقصده الرجوع إلى دار الحرب ويقتل المستأمن بالمستأمن قياسا لوجود المساواة بينهما ولا يقتل استحسانا لوجود المبيح. قال رحمه الله: (والرجل بالمرأة والكبير بالصغير والصحيح بالاعمى والزمن وناقص الاطراف وبالمجنون) يعني يقتل الرجل الصحيح بهؤلاء وهو معطوف على ما تقدم من قوله وقتل الحر بالحرالخ لا على ما يليه من قوله ولا يقتلان بمستأمن وإنما جرى القصاص بينهم لوجود المساواة بينهم في العصمة والمساواة فيها هي المعبرة في هذا الباب، ولو اعتبرت فيما وراءها لا نسد باب القصاص ولظهر الفتن. قال رحمه الله: (والولد بالوالد) لما تلونا وروينا من العمومات ولما ذكرنا من المعاني. قال رحمه الله: (ولا يقتل الرجل بالولد) لقوله عليه الصلاة السلام لا يقاد الوالد بولده ولا السيد بعبده (1) ولان الوالد لا يقتل ولده غالبا لو فور شفقته فيكون ذلك شبهة في سقوط القصاص، ولان الاب لا يستحق العقوبة بولده لان سبب لاحيائه فمن المحال أن يكون الولد سببا لافنائه ولهذا لا يقتله إذا وجده في صف المشركين مقاتلا أو زانيا وهو محصن، وهذا لان القصاص يستحقه الوارث بسبب انعقد للميت خلافه ولو قتل به كان القاتل هو الابن نيابة وطولب بالفرق بين هذا وبين من زنى بابنته وهو محصن فإنه يرجم. أجيب بأن الرجم حق الله على الخصوص بخلاف القصاص، لا يقال فيجب أن يحد إذا زنى بجارية ابنه لانا نقول: ثبت له حق الملك بقوله عليه الصلاة والسلام أنت ومالك لابيك (2). قال رحمه الله: (والام والجد والجدة كالاب) سواء كان من جهة الاب أو من جهة الام لانه جزؤهم فالنص الوارد في الاب يكون واردا فيهم دلالة فكانت الشبهة شاملة للجميع في جميع صور القتل. وقال مالك رحمه الله تعالى: إن قتله ضربا بالسيف فلا قصاص عليه لاحتمال أنه قصد تأديبه، وإن كان ذبحه ذبحا فعليه القصاص لانه عمد لا شبهة فيه ولا تأويل بل جناية الاب أغلظ لان فيه قطع الرحم فصار كمن زنى بابنته حيث يرجم كما لو زنى بالاجنبية. والحجة عليه مروينا وما بينا وليس هذا كالزنا ببنته لان الاب لوفور شفقته يجتنب ما يضر ولده بل يتحمل الضرر عنه حتى يسلم ولده فهذا هو العادة الفاشية بين الناس فلا يتوهم أن يقصد قتل ولده، فإن وجد ما يدل على ذلك فهو من العوارض النادرة فلا يتغير بذلك القواعد الشرعية ألا ترى أن السفر المشقة غالبا كان له أن يترخص برخصة المسافرين فلا يتغير ذلك بما يتفق فيه لبعضهم من الراحة ولا كذلك الزنا. قال رحمه الله: (وبعبده ومدبره ومكاتبه

[ 22 ]

وبعبد ولده وبعبد ملك بعضه) يعني لا يقتل بهؤلاء لما روينا ولانه لو وجب القصاص لوجب له 0 كما إذا قتله غيره ولا يجوز له أن يجوب على نفسه عقوبة. وكذا لا يستوجب ولده القصاص عليه لما بينا والقصاص لا يتجزئ فيسقط في البعض لاجل أنه ملك البعض فيسقط في الكل لعدم التجزئ. قال رحمه الله: (وإن ورث قصاصا على أبيه سقط) لما ذكرنا أن الابن لا يستوجب العقوبة على أبيه وصورة المسألة فيما إذا قتل الاب أخ امرأته ثم ماتت امرأته قبل أن يقتص به فإن ابنه يرث القصاص الذي لها على أبيه فسقط لما ذكرنا كما إذا قتل امرأته وليس لها ابن إلا أنها منه فيسقط القصاص قال رحمه الله: (وإنما يقتص بالسيف) وقال الشافعي رحمه الله تعالى: يقتص بمثل ما قتل إن قتله بفعل مشروع، وإن قبله بغير فعل مشروع كلواطة يتخذ له خشبة ويفعل به كما فعل. ولنا ما رواه سفيان من قوله عليه الصلاة والسلام لا قود إلا بالسيف (3) وهو نص على نفي استيفاء القود بغير السيف فكيف يلحق به دلالة ما كان سلاحا من غير السيف؟ وهل يتصور أنه يدل كلام واحد على نفي شي وإثباته معا؟ والحق أن يكون المراد بالسيف في الحديث المزبور السلاح مطلقا بطريق الكناية كما أشار إليه المصنف بقوله والمراد به السلاح. وصرح به صاحب الكافي والكفاية حيث قالا: ولنا قوله عليه الصلاة والسلام لا قود إلا بالسيف (3) والمراد بالسيف السلاح هكذا فهمت الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وقال في النهاية: فإن قيل يحتمل أن يكوالمراد من الحديث لا قود يجب إلا بالسيف لا أن يكون معناه لا قود يستوفي إلا بالسيف قلنا. القود اسم لقعل هو جزاء القتل دون ما يجب شرعا وإن حمل عليه كان مجازا، ولان القود قد يجب بغير السيف كالقتل بالنار والابرة فلم يمكن حمله عليه لوجود وجوب القود بدون القتل بالسيف وإنما السيف مخصوص بالاستيفاء اه‍. وما رواه كان مشروعا ثم نسخ كما نسخت المثلة أو يكون اليهودي ساعيا في الارض بالفساد فيقتل كما يراه الامام ليكون أردع وهذا هو الظاهر، ولان اليهودي كان أخذ المال ألا ترى إلى ما روي في الخبر عن أنس بن مالك أنه قال: عدا يهودي على جارية فأخذها بما معها الحديث. وهذا شأن قطاع الطريق وهذا يقتل بأي شاء الامام يؤيد هذا المعنى ما روي أنه عليه الصلاة والسلام قتل اليهودي بخلاف ما كان قتل به الجارية. والاستيفاء إما أن يكون بحكم الارث أو الملك أو بحكم السلطنة والولاية، والمستحق للقصاص والدية الورثة مثل ما يستحق ما له على فرائض الله تعالى يدخل في ذلك الزوج والزوجة، والوارث يقوم مقام المورث في استحقاق كل ما كان له من الاملاك والحقوق إلا أن الدية تجب حقا للميت ابتداء حتى نقضي منها ديونه وننفذ وصاياه ثم تثبت للورثة بطريق الخلافة والوراثة عند أبي حينفة رضي الله عنه حتى لو أقام واحد من الورثة البينة على

[ 23 ]

القصاص لا بملك أن يقتص وحده ولا ينفرد أحدهم بالاستيفاء، إذا كانوا كبارا حتى يجتمعوا لانا لو اطلقنا للبعض الاستيفاء مع غيبة الباقين يؤدى الى حق الباقين في الاستيفاء وكذلك ليس للسلطان استيفاؤه مع الكبير عنده خلافا لهما، حجتهم أن ملك القصاص ثابت في المحل للكل بدليل أنهم يملكون الاعتياض والعفو عنه ويستوفي بحكم الملك عن الاختيار، ولو مات أحدهم يورث نصيبه وهذه فوائد الملك وثمراته، وملك الصغير معصوم محترم وأثر العصمة أن لا يقدر أحد على إبطاله إلا بعوض له إذا استيفاؤه معجلا منجزا يكون منتظما دافعا للمفسدة وهي صون القود وحفظه عن نظيره، فالفوات إليها إما بجهة الغيبة أو بجهة الموت فإن مدة الصبا مدة مديدة والموت في هذه المدة المديدة غير نادر وتغيب القاتل نفسه على وجه لا يضلع أحد عليه مخافة على نفسه غالب وليس بنادر. قال رحمه الله: (مكاتب قتل عمدأ وترك وفاء ووارثه سيده فقط أو لم يترك وفاء وله وارث يقتص) أما الاول وهو ما إذا ترك وفاء ولا وارث له سوى المال فالمذكور هنا هو قولهما، وعن محمد رحمه الله تعالى لا يجب القصاص لان سبب الاستحقاق قد اختلف ولان المولى يستحقه بالولاية بأن مات حرا أو بالملك إن مات عبدا فاشتبه الحال فلا يستحق لان اختلاف السبب كاختلاف المستحق فيسقط أصلا كما إذا كان له وارث غير المولى فصار كما لو قال لغيره يعني هذه الجارية بكذا وقال المولى زوجتها منك لا يحل له وطؤها لاختلاف الحكم. ولهما أن المولى هو المستحق للقصاص على التقديرين بيقين وهو معلوم فلا يضر مجرد اختلاف السبب لان السبب لا يراد لذاته وإنما يراد لحكمه وقد حصل بخلاف المستشهد به لاختلاف حكم السببين ولا يدري بأيهما يحكم فلا يثبت الحل بدون تعيين السبب. وأما الثاني وهو ما إذا لم يترك وفاء له وراث غير المولى فلانه مات رقيقا لانفساخ الكتابة بموته لا عن وفاء فظهر أنه قتل عبدا عمدا فيكون القصاص للمولى بخلاف معتق البعض إذا قتل ولم يترك وفاء له حيث لا يجب القصاص لان العتق في البعض لا يفسخ بموته عاجزا، ولان الاختلاف في أنه يعتق كله أو بعضه ظاهر فأشبه المستحق فأورث ذلك شبهة كالمكاتب إذا قتل عن وفاء. أقول: فيه نظر لانه قد مر من قبل أن أصل أبي حينفة وأبي يوسف رحمهما الله هو أن اختلاف السبب الذي لا يفضي إلى منازعة ولا إلى الاختلاف الحكم لا يبالي به ولهذا كان للمولى القصاص عندهما فيما إذا قتل المكاتب عمدا وليس له وراث سوى المال وترك وفاء، فكيف يتم تعليل عدم وجوب القصاص عند أبي حنيفة في مسألة معتق البعض إذا مات عاجزا بأن المولى يستحق القصاص في بعضه بالولاية وفي بعضه بالملك فلا يثبت له الاستحقاق بسببين مختلفين ولا إفضاء إلى المنازعة على مقتضى هذا التعليل ولا إلى الاختلاف في الحكم، فمن أين لا يثبت له الاستحقاق عنده بمجرد اختلاف السبب؟ ثم أقول: لعل المراد بقولهم بخلاف معتق العبض إذا مات ولم يترك

[ 24 ]

وفاء، فأما إذا كان له وارث غير المولى يرشد إليه ذكر مخالف هذه المسألة في حيز قوله وإن لم يترك وفاء وله ورثة أحرار إلى آخره فيحنئذ يصح تتميم ما حمله المصنف في تعليله بقوله لان العتق في البعض لا ينفسخ بالعجز بأن يقال فالمولى يستحق القصاص. في البعض المملوك بالملك والوارث يستحقه في البعض المعتق بالارث فيكون السببان راجعين إلى الشخصين فيبالي باختلافهما للافضاء إلى المنازعة نأمل تقف. واشتراط الوارث وقع اتفاقا فإنه إذا لم يكن له وراث أيضا الحكم كذلك لموته رقيقا، وذكر ذلك لينبه على أنه لا فرق بين أن يكون له وارث أو لم يكن بخلاف المسألة الاولى. قال رحمه الله: (وإن ترك وفاء ووارثا لا) أي لا يقتص وهذا بالاجماع وإن اجتمع المولى والوراث لاشتباه من له الحق لانه إن مات حرا كما قال على وابن مسعود رضي الله عنهم فالقصاص للوارث، وإن مات عبدا كما قال زيد بن ثابت رضي الله عنه فالقصاص للمولى. قال ابن قاضي زاده على عبارة الهداية أقول: أطلق الوارث ههنا ولم يفيده بالحر وقيده في الصورة الآتية حيث قال: وإن لم يترك وفاء وله ورثة أحرار وكان الاولى أن يعكس الامر فإنه إذا كان الوارث ههنا رقيقا فالظاهر أنه يجب القصاص للمولى عند أبي حنيفة وأبي يوسف لكون حق الاستيفاء للمولى خاصة إذ لا ولاية للارقاء على استيفاء القصاص فلم يشتبه من له الحق ههنا، وأما إذا كانت الورثة أرقاء في الصورة السابقة فيجب القصاص للمولى وحده في قولهم جميعا كما إذا كانت ورثته أحرارا لانه مات عبدا في تلك الصورة، والتقييد بالاحرار يشعر بكون الحكم في الارقاء خلاف ذلك على أن مفهوم المخالفة معتبر عندنا أيضا في الروايات كما صرحوا به. فإن الوارث بالحر بل لا وجه له لاشعاره بكون الرقيق أيضا وراثا قلت: المراد بالوارث هنا من كان من شأنه أن يرن والرقيق كذلك لانه يرث عند زوال الرق لا من يرث بالفعل فيحتمل التقييد بالحرية وإلا يلزم أن لا يتم تقييد الورثة بالاحرار في الصورة الآتية أيضا مع أنها قيدت بها في الكتاب بل في أصل الجامع الصغير للامام الرباني. قال رحمه الله: (وإن قتل عبد الرهن لا يقتص حتى يجتمع الراهن والمرتهن) لان الراهن لا يليه لما فيه من إبطال حق المرتهن في الدين لانه لو قتل القاتل لبطل حق المرتهن في الدين لهلاك الرهن بلا بدل، وليس للراهن أن يستوفي تصرفا يؤدي إلى بطلان حق الغير. وذكر في العيون والجامع الصغير لفخر الاسلام أنه لا يثبت لهما القصاص وإن اجتمعا فجعلاه كالمكاتب الذي ترك وفاء وارثا، ولكن الفرق بينهما ظاهر فإن المرتهن لا يستحق القصاص لانه لا ملك له ولا وفاء فلا يشبه من له الحق بخلاف المكاتب على ما بينا. وفي العيون: العبد المرهون إذا قتل عمدا فإن اجتمعا على القصاص فلهما أن يقتصا في قوله أبي حنيفة وأبي

[ 25 ]

يوسف ويكون المستوفي هو الراهن. وقال محمد وزفر: لا قصاص وعلى القاتل القيمة. وفي الينابيع روى هشام عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه يؤخذ من القاتل قيمته ويكون رهنا مكانه. وروى ابن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنهما إذا اتفقا على القصا ص وقيمته أقل من الدين أو مثله فلهما ذلك، وإن اختلفا فلهما قيمته وتكون رهنا مكانه. ثم على قول أبي يوسف إذا اجتمعا على القصاص سقط الدين على المرتهن في الرواية الظاهرة، وإن اجتمعا على أخذ القيمة يرجع المرتهن على الراهن بدينه كالعبد الموصى بخدمته. ولو قال المؤلف وإن قتل عبد فيه حقان تمامان لا يقتص حتى يجتمعا لكان أولى وأخصر، أما كونه أولى فلانه يشمل العبد الموصى برقبته لانسان وبخدمته لآخر وغيره. وقولنا حقان ليفيد أنه إذا كانا مالكين فلا بد من اجتماعهما. وكونه أخصر أظهر. وقولنا تامان ليخرج العبد المبيع المقتول قبل القبض كما سيأتي. وفي فتاوي الفضلي: الموصى به إذا قتل قبل أن يقبل الموصى له الوصية فلا قصاص للوارث ولا للموصى له إن اتفقا أنه مات قبل قبول الموصى له ثم بعد ذلك ينظر، إن قبل الموصى له الوصية رجع على القاتل بقيمته ولا ترجع الورثة بذلك والموصى برقبته لرجل وبخدمته لآخر إذا قتل عمدا فلا قصاص فيه إلا أن يجتمعا. وفي الكبرى: إن اتفقا بطل حق صاحب الخدمة ويستوفيه صاحب الرقبة وإن لم يرض صاحب الخدمة فإنه تجب القيمة على القاتل ويشتري بها عبدا آخر ويكون حاله مثل حال الاول. وفي القدوري قال أبو يوسف: العبد الممهور إذا قتل قبل قبض المرأة وبدل الخلع إذا قتل قبل قبض الزوج وبدل الصلح عن دم العمد إذا قتل في يد الغاصب عمدا، فإن شاء المالك اقتص من القاتل، وإن شاء ضمن الغاصب قيمة عبده ثم يرجع الغاصب على القاتل. وإن قتل العبد المبيع قبل القبض فالقصاص للمشتري إن أجاز البيع لانه المالك، وإن نقص فللبائع لان البيع ارتفع وظهر أنه المالك، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وفي العيون وفي فتاوي الفضلي: العبد المبيع إذا قتل قبل القبض عمدا يخير المشتري بين المضي والرد، فإن اختار المضي فله أن يقتص ولكن لا يكون له الاستيفاء إلا بعد نقد الثمن فقد جوزوا إجازة البيع بعد الموت هنا، ولو رد المشتري المبيع للبائع أن يقتص في قوله أبي حنيفة، وإذا أدى الثمن قال أبو يوسف: لا يقتص البائع. وعند محمد تجب القيمة في الوجهين لاشتباه المستحق. وفي نوادر ابن سماعة عن محمد: رجل قطع يد عبد رجل أو شجه رجل ثم إن المولى باعه ثم رد عليه بعيب بقضاء قاض أو وهبه المولى من إنسان ثم رجع في الهبة بقضاء أو بغير ثم مات العبد من الجناية فإن مولى العبد يرجع على الجاني بجميع قيمته. وفي نوادر بشر عن أبي يوسف: لو أن أمة قطعت يدها خطأ وباها المولى من إنسان على أنه بالخيار وردت على المولى فماتت عنده من القطع فعلى القاطع قيمتها تامة، وإن كان القطع عمدا رأت القصاص استحسانا. وفي نوادر داود بن رشيد عن محمد: عبد قطع رجل يده ثم مات ثم اختلف

[ 26 ]

القاطع والمولى وفي قيمته يوم القطع فقال القاطع كانت قيمته يوم القطع ألفي درهم فالقول قول القاطع، فإن غرم ذلك أو لم يغرم حتى تلفت اليد ومات فعلى قاطع اليد وعاقتله الدية، وأما النفس فلا يصدق واحد منهما عليه فيغرم القاتل قيمة النفس يوم تلفت ويكون على العاقلة ألف وخمسمائة منها أرش اليد. رجل فقأ عينين عبد وقطع الآخر رجله أو يده فيرئ وكانت الجناية عنهما معا فعليهما قيمته أثلاثا ويأخذان العبد فيكون بينهما على قدر ذلك، وكذلك لو كانت جراحة من اثنين معا جراحة هذا في عضو وجراحة هذا في عضو يستغرق ذلك القيمة كلها فإنه يدفعه إليهما ويغرمان القيمة على قدر أرش جنايتهما ويكون بينهما على ذلك. وإن مات منهما والجناية خطأ فعلى كل واحد منهما أرش جراحته على حدة من قيمة عبدصحيح ومات بقي من النفس عليهما نصفان، وإن علم أن إحدى الجراحتين قبل الاخرى وقد مات منهما فعلى الجارح الاول أرش جراحته من قيمته صحيحا وعلى الجارح الثاني أرش جراحته من قيمته مجروحا الجراحة الاولى، وما بقي من قيمته فعليهما نصفان. وإن برئ منهما والجراحة الاخرى تستغرق القيمة والاولى تستغرق القيمة فعلى الاول أرش جراحته وعلى الثاني أرش جراحته. وفي نوادر ابن سماعة عن أبي يوسف: رجل حمل على عبد رجل مختوما ورجل آخر حمل عليه مختومين وكان بغير إذن المولى فمات من ذلك كله فعلى صاحب المختوم ثلث القيمة، وعلى صاحب المختومين ثلثا القيمة وهو قول أبي حينفة. وفي نوادر هشام عن أبي يوسف: رجل قتل رجلا فجاء رجل وادعى أنه عبده وأقام البينة وشهدوا أنه كان عبده فأعتقه وهو حر اليوم، فإن كان له وارث قضى لوارثه بالقصاص في العمد وبالدية في الخطأ، وإن لم يكن له وراث فلمولاه قيمته في الخطأ والعمد. وفي الذخيرة: عبد مقطوع اليد جاء إنسان وقطع رجله، إن قطع من هذا الجانب فعلى القاطع نقصان قيمة العبد المقطوعة يده، وإن قطعها من الجانب الآخر فعليه نصف قيمة العبد المقطوع يده. وفي مختصر الكافي: وعلى هذا البائع إذا قطع يد العبد المبيع قبل التسليم إلى المشتري فيسقط نصف الثمن، ولو كان العبد مقطوع اليد فقطع البائع يده الثانية قبل التسليم يغرم النقصان ويسقط من المشتري بقدره من الثمن حتى لو انتقض ثلث لسقط ثلث الثمن، وكذلك لو كان مكان قطع اليد فق ء العين. وفي الظهيرية: ولو كان العبد مقطوع اليد فقطع إنسان يده الاخرى كان على قاطع اليد الثانية نقصان قيمته مقطوع اليد. قال رحمه الله: (ولابي المعتوه القود والصلح لا العفو بقتل وليه) يعني إذا قتل رجل قريبا للمعتوه فلو لي المعتوه استيفاء القصاص وله أن يصالح لان له تمام الشفقة والرأفة وله ولاية على المعتوه فقام مقامه، ولان في الصلح منفعة المعتوه. قال جمهور الشراح: هذا إذا صالحا على مثل الدية، أما إذا صالحا على أقل من الدية لم يجز ويجب كمال الدية، ولنا فيه نظر لان لفظ محمد في الجامع الصغير مطلق حيث جوز صلح أبي المعتوه عن دم قريبه مطلقا لانه

[ 27 ]

قال وله أن يصالح من غير قيد بقدر الدية فينبغي أن يجوز الصلح على أقل من الدية عملا بإطلاقه. وإنما جاز صلحه على المال لانه أنفع للمعتوه من القصاص فإذا جاز استيفاء القصاص فالصلح أولى، والنفع يحصل بالقليل والكثير ألا ترى أن الكرخي قال في مختصره: وإذا وجب لرجل على رجل قصاص في نفس أو فيما دونها فصالح صاحب الحق من ذلك على مال فذلك جائز، قليلا كان المال أو كثيرا، كان ذلك دون دية النفس أو أرش الجراحة أو أكثر، إلى هنا لفظ صاحب العناية. أقول: نظره ساقط جدا فإن لاصحا ب التخريج من المشايخ صرف إطلاق كلام المجتهد إلى التقييد إذا اقتضاه الفقه كما صرحوا به وله نظائر كثيرة في مسائل الفقه والله تعالى أعلم. أما القتل فلان القصاص شرع للتشفي ودرك الثأر وكل ذلك راجع إلى النفس ولاية على نفسه فيليه كالانكاح بخلاف الاخ وأمثاله حيث لا يكون لهم استيفاء قصاص وجب للمعتوه لان الاب لو فور شفقته جعل التشفي الحاصل للابن ولهذا يعد ضرر ولده ضرا على نفسه، وأما العفو فلا يصح لانه إبطال لحقه بلا عوض ولا مصلحة فلا يجوز، وكذلك إن قطعت يد المعتوه عمدا لما بينا. والوصي كالاب في جميع ما ذكرنا إلا في القتل فإنه لا يقتل لان القتل من باب الولاية على النفس حتى لا يملك تزويجه، ويدخل تحت هذا الاطلاق الصلح عن النفس واستيفاء القصاص في الطرف إذا لم يسر القود في النفس. وذكر في كتاب الصلح أن الوصي أن يملك الصلح في النفس لانه فيها بمنزلة الاستيفاء وهو لا يملك الاستيفاء. وجه المذكور هنا وهو المذكور في الجامع الصغير أن المقصود من الصلح المال والوصي يتولى التصرف فيه كما لو يتولى الاب بخلاف القصاص لان القصة التشفي وهو مختص بالاب ولا يملك العفو لان الاب لا يملكه في النفس لان المقصود متحد وهو التشفي، وفي الاستحسان يملكه لان الاطراف يسلك فيها مسلك الاموال لانها خلقت وقاية للانفس كالمال فكان استيفاؤه وبمنزلة التصرف فيه. والقاضي بمنزلة الاب فيه في الصحيح ألا ترى أن من قتل ولا ولي له يستوفيه السلطان والقاضي بمنزلته فيه وهذا أولى، والصبي كالمعتوه ولما عرف في موضعه. قال رحمه الله: (والقاضي كالاب والوصي يصالح فقط والصبي كالمعتوه) يعني أن القاضي يملك استيفاء القصاص في الصغير الذي لا ولي له وهو قول المتأخرين من أصحابنا. وذكر الناطقي أنه لا يملك والوصي يملك الصلح ولا يملك استيفاء القصاص. هذا الكلام فيما إذا كان المجني عليه مولى الصغير أو المعتوه، فلو جنى صغير أو مجنون على نفس أو طرف وأراد الاب أن يصالح عن ذلك فله ذلك. وقوله والوصي يصالح فقط هذا إذا كان القصاص في النفس، وأما إذا كان في الاطراف ففي رواية الاصل ليس له ذلك، وعلى رواية الجامع الصغير له ذلك. وذكر شيخ الاسلام أنه يملك ذلك على وجه الاستحسان. وقوله والصبي كالمعتوه

[ 28 ]

يعني ولي الصبي يملك ما قدمناه في أن ولي المعتوه يملكه. وفي العيون: إذا ثبت القتل عليه ثم جنى القاتل قال محمد: في القياس يقتل، وفي الاستحسان تؤخذ منه الدية. قالرحمه الله: (وللكبار القود قبل كبر الصغار) يعني إذا كان القصاص مشتركا بأن قتل رجل وله أولاد كبار وصغار فللكبار أن يعتلو القاتل قبل أن يبلغ الصغار وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: ليس لهم ذلك حتى يبلغ الصغار لان القصاص مشترك بينهم ولان الكبار ليس لهم ولاية على الصغار حتى يستوفوا حقهم فتعين التأخير كما لو كان الكل كبارا وفيهم كبير غائب أو كان أحد الوليين غائبا في العبد المشترك بخلاف ما إذا عفا الكبير حيث صح عفوه، وإن بطل حق الصغير في القصاص فإنه بطل بعوض فجعل كلا بطلان. ولابي حنيفة ما روى أن عبد الرحمن بن ملجم حين قتل عليا قتل به وكان في أولاد علي صغار وكان بمحضر من الصحابة من غير نكير فحل محل الاجماع، ولهذا لو استوفى بعض الاولياء القتل بنفسه لا يضمن شئ ولو لم يكن له ذلك اضمن كما لو قتل من وجب عليه القصاص اجنبي فافترقا، وبخلاف ما إذا كان بين الموليين وأحدهما صغي رلان سبب الملك أ الولاء وهو غير مكامل، وفي مسألتنا القرابة وهي متكاملة. قال الشارح: ولانه حق لا يتجزى لانه سببه وهي القرابة لا تتجزى. أقول: في تمام الاستدلال بعدم تجزي سبب القصاص وهو القرابة على عدم تجزأ القصاص نفسه فيه خفاء لان العقل لا يجد محذورا في كون السبب بسيطا والمسبب مركبا، كيف والظاهر أن القرابة التي لا تتجزى كما أنها سبب لاستحقاق القصاص في القتل العمد كذلك هي سبب أيضا لاستحقاق الدية في القتل الخطأ مع أنه لا شك أن الدية تتجزى لانها مال والمال يتجزئ بلا ريب، فالاظهر في بيان كون القصاص حقا لا يتجزى ما ذكر في الكافي ومعراج الدراية تقرير دليل الامامين وهو أن القتل غير متجزئ، ثم إن بعض الفضلاء طعن في قولهم ههنا أن سبب القصاص هو القرابة حيث قال: كيف يكون سببه القرابة وهو يثبت للزوج والزوجة؟ اه‍. أقول: نعم السبب للزوج والزوجة هو الزوجية وفي العتق والمعتقة هو الولاء دون القرابة إلا أن الظاهر أن قولهم ههنا وهو القرابة إما بناء على التغليب لكون أولياء القتل في الاكثر قرابة، وإما بناء على أنهم أرادوا بالقربة ههنا الاتصال الموجب للارث دون حقيقة القرابة فيعم الكل. وقيدنا محل الخلاف بكون القصاص بين الاخوين فلو كان بين الاب والاولاد الصغار أو بين الجد والاولاد الصغار فللاب والجد أن يستوفي القصاص بالاجماع، وفي الجامع: هذه المسألة على وجهين: إما أن يكون القتل عمدا أو خطأ، فإن كان خطأ، فإن كان الشريك الكبير أبا الصغير كان له أن يستوفس جميع الدية حصة نفسه بحكم الملك وحصة الصغير بحكم الولاية وإن كان الشريك الكبير أخا أو عما ولم يك وصيا للصغير الكبير يستوفي حصة نفسه ولا يستوفي حصة الصغير، وإن كان القتل عمدا إن كان الشريك الكبير أبا كان له أن يستوفي القصاص بالاجماع، وإن كان الشريك الكبير أجنبيا بأن قتل عبد وهو مشترك بين أجنبيين

[ 29 ]

أحدهما صغير والآخر كبير ليس للاجنبي أن يستوفي القصاص بالاجماع. وفي المنتقي: إلا أن يكون الصغير ابنا فيستوفي حينئذ، وإن كان الشريك الكبير أخا أو عما فعلى قول أبي حنيفة له أن يستوفي القصاص قبل بلوغ الصغير، وعلى قولهما ليس له ذلك حتى يبلغ الصغير، وعلى هذا الاختلاف إذا كان الشريك الكبير معتوها أو مجنونا والكبير أخو المعتوه أو عمه وأراد السلطان أن يستوفي حصة الصغير مع الكبير لا شك أن على قول أبي حنيفة له ذلك، وأما على قولهما ليس له ذلك. وأجمعوا على أن القصاص إذا كان كله للصغير ليس للاخ الكبير ولاية الاستيفاء، والعبد المشترك بين صغير وكبير إذا قتل عمدا حتى وجب القصاص فأراد الكبير أن يستوفي القصاص، بعض مشايخنا قال إنه على الخلاف، وبعضهم قال لا يستوفيه الكبير بالاجماع. رجل له عبد أن قتل أحدهما الآخر عمدا فللولي أن يستوفي القصاص من القاتل، ذكره محمد في آخر إعتاق الاصل في باب جناية الرقيق. قال رحمه الله: (وإن قتله بمر يقتص أن أصابه الحديد وإلا لا كالخنق والتغريق) هذا إذا أصابه بحد الحديد من غير خلاف، وإن أصابه بظهرها أو بالعود لا كالخنق والتغريق فهو على الخلاف الذي ذكرناه في أول الباب. والمرعود في طرفها حديدة قال العيني: المر بفتح الميم وتشديد الراء وهو خشبة طويلة في رأسها حديدة عريضة من فوقها خشبة عريضة يضع الرجل رجله عليها ويحفر بها الارض، وبالفارسية تسمى بيل قال. رحمه الله: (ومن جرح رجلا عمدا فصار فراش حتى مات يقتص) يعني إذا جرح إنسان آخر فصار المجروح صاحب الفراش حتى مات وإنه يقتص من الجارح لان الجرح سبب ظاهر لموته فيحال الموت عليه ما لم يوجد ما يقطعه كحز الرقبة أو البرء منه. قال رحمه الله: (وإن مات بفعل نفسه وزيد وأسد وحية ضمن زيد نصف الدية) لان فعل الاسد والحية جنس واحد لكونه هدرا في الدنيا والآخرة وفعله بنفس جنس آخر لكونه هدرا في الدنيا معتبرا في الآخرة حتى يأثم به، وفعل زيد معتبر في الدنيا والآخرة فصارت ثلاثة أجناس: هدر مطلقا، ومعتبر مطلقا ومعتبر من وجه دون وجه وهو فعله بنفسه فيكون الثابت فعلا واحدا فيجب على زيثلث الدية، ثم إن كان فعل زيد عمدا تجب عليه الدية في ماله وإلا فعلى العاقلة لما عرف في موضعه. وفي المبسوط وغيره: المشاركة في القتل لا يخلوا إما أيشارك القاتل من لا يكون فعله مضمونا أو يشاركه من يكون فعله مضمونا، فإن شاركه من لا يكون فعله مضمونا كالسبع والبهيمة والحربي والمرتد أو جرح انسان نفسه ثم جرحه آخر أو قطع الامام يد السارق في سرقة ثم قطع آخر يده أو جرحه ومات فلا قصاص على القاتل بالاجماع، وإن شاركه من يكون فعله مضمونا كالخاطئ والصبي والمجنون فلا قصاص على واحد منهما ولو كان مكان العمد خطأ تجب دية واحدة، ولو جرحه رجلان

[ 30 ]

عامدا ثم مات أحد الجارحين ثم مات المجروح أو رمى رجلان إلى آخر فمات أحدهما ثم أصاب السهمان فمات من ذلك هل يجب القصاص على الحي؟ قال بعضهم: يجب لان فعل كل واحد منهما موجب. وقال بعضهم: لا يجب لان فعل أحدهما إنما ينعقد موجبا بعد الاصابة فلا ينعقد أحدهما موجبا بانفراده. رجلان قتلا رجلا أحدهما بالسيف والآخر بالعصا يقضي بالدية على عاقله صاحب العصا والقصاص على صاحب السيف. وفي المبسوط: أصله أن النفس متى تلفت بجنايات ووجب المال فإنه ينظر، إن تلفت بجنايات بني آدم فالعبرة فيها بعدد الجاني ولا عبرة بعدد الجنايات في حق الضمان حتى لو جرح واحد عشر جراحات خطأ وجرحه آخر واحدة خطأ بالدية عليهما نصفان لان فعل الانسان في نفسه معتبر لانه لا ينقلب عن حكمه في الدنيا وهو القصاص والدية أو إلا ثم في الآخرة فاعتبر عدد الجاني لا عدد الجنايات لان كل جناية تصلح أن تكون سبب الموت لو انفردت والعلة لا تترجح بالزيادة من جنسها فاعتبر الكل جناية واحدة، وإذا تلفت بجنايات البهائم وبجنايات بني آدم فلا عبرة بعدد الجنايات لان فعل البهائم هدر أصلا لانه لا يناط به حكم ما فاعتبر جنايات البهائم كلها كجناية واحدة لان حكم الكل واحد وهو الهدر، وهذا كرجل به جروح ودماميل قاتله فجرحه رجل آخر فمات من الكل يضمن الجارح نصف الدية وبرفع النصف ويسقط عنه اعتبار عدد الدماميل لانها مهدرة. ولو قطع رجل يده ولصاحبه حجر فشجه وعقره كلب فكسر رجله وافترسه سبع فعلى القاطع نصف الدية لان النفس تلفت بجنايات أربع واحدة فصار كأنها تلفت بجنايتين إحداهما معتبرة والاخرى مهدرة. ولو قطع يده رجل وجرحه آخر وجرح هو أيضا نفسه وافترسه سبع ضمن القاطع ربع الدية والجارح ربعها لان النفس تلفت بجنايات أربعة، ثنتان منها من بني آدم وهو معتبرتان، وواحدة من غير بني آدم وهي مهدرة فقد تلفت بجناية كل واحد من الاجنبين ربعه وقد سبق بيانه. قال رحمه الله: (ومن أشهر على المسلمين سيفا وجب قتله) ولا شئ بقتله لقوله عليه الصلاة والسلام من شهر على المسلمين سيفا فقد أبطل دمه ولان دفع الضرر واجب فوجب عليهم قتله إذا لم يكن دفعه إلا به، ولا يجب على القاتل شئ لانه صار باغيا بذلك، وكذا إذا أشهر على رجل سلاحا فقتله أو قتله غيره دفعا عنه فلا يجب بقتله شئ لما بينا، ولا يختلف بين أن يكون بالليل أو بالنهار في المصر أو خارج المصر لانه لا يلحقه الغوث بالليل ولا في خارج المصر فكان له دفعة بالقتل بخلاف ما إذا كان في المصر نهارا. وفي النوادر: يغسل ويصلي عليه، وعن الثاني يغسل ولا يصلي عليه. قال رحمه الله: (ومن شهر على رجل سلاحا ليلا أو نهارا في المصر أو غيره أو شهر عليه عصا ليلا أو نهارا في غيره فقتله المشهور عليه فلا شئ عليه)

[ 31 ]

لما بينا من المنقول والمعقول. قال رحمه الله: (ومن شهر عصا نهارا في مصر فقتله المشهور عليه قتل به) لان العصا خفيفة والغوث غير منقطع في المصر فكان بالقتل معتديا، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى ظاهر لانه ليس كالسلاح عنده، وقيل عندهما يحتمل أن يكون على الخلاف المذكور في العمد لانه كالسلاح عندهما حتى يجب القصاص بالقتل به وقد بيناه، وقيل هذا في الزمان المتقدم، أما اليوم إذا شهر عليه العصا في مصر وقتله لا شئ عليه لان الناس تركوا الاغاثة والغوث. قال رحمه الله: (وإن شهر المجنون على غيره سلاحا فقتله المشهور عليه عمدا تجب الدية) وعلى هذا الصبي والدابة. وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى: لا تجب الدية في الصبي والمجنون. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: لا يجب الضمان في الكل لانه قتله دافعا عن نفسه فصار كالبالغ العاقل وهذا لانه يصير محمولا على قتله فعله كان قال له اقتلني وإلا قتلتك وكون الدابة مملوكة للغير لا تأثير له في وجوب الضمان كالعبد إذا شهر سيفا على رجل فقتله فإنه لا يجب الضمان فكذا هذا فصار كالعبد إذا صال على الحر فقتله. ولابي يوسف إن فعل الصبي والمجنون معتبر أصلا حتى لا يعتبر في حق وجوب الضمان لان جناية العجماء جبار وكذا عصمتها لحقها، وعصمة الدابة لحق المالك فكان فعلهما مسقطا لحقهما لعصمتهما فلا يضمنان ويضمن الدابة بخلاف الصيد إذا صال على المحرم أو صيد الحرم على الحلال لان الشارع أذن في قتله ولم يوجب علينا تحمل أذاه ألا ترى أن الخمس الفواسق أباح قتلها مطلقا لتوهم الاذى منها فما ظنك إذا تحقق الاذى ومالك الدابة لم يأذن فيجب الضمان؟ وكذا عصمة عبد الغير لحق نفسه وفعله محظور فتسقط به عصمته. ولنا أن الفعل من هذه الاشياء غير متصف بالحرمة فلم يقع بغيا فلا تسقط العصمة به لعدم الاختيار الصحيح ولهذا يجب القصاص على الصبي والمجنون بقتلهما، فإذا لم تسقط كان قضيته أن يجب القصاص لانه قتل نفسا معصومة إلا أنه لا يجب القصاص لوجود المبيح وهدفع الشر فتجب الدية. قال رحمه الله تعالى: (ولو ضربه الشاهر فانصرف فقتله الآخر قتل القاتل) معناه إذا شهر رجل على رجل سلاحا فضربه الشاهر فانصرف، ثم إن المضروب وهو المشهور عليه ضرب الضارب وهو الشاهر فقتله فعليه القصاص لان الشاهر لما انصرف بعد الضرب عاد معصوما مثل ما كان لان حل دمه كان باعتبار شهره وضربه، فإذا رجع على وجه لا يريد ضربة ثانيا اندفع شره فلا حاجة إلى قتله لارتفاع شره بدونه فعادت عصمته فإذا قتله بعد ذلك فقد قتل رجلا معصوما ظلما فيجب عليه القصاص. قال رحمه الله: (ومن دخل عليه غيره ليلا فاخرج

[ 32 ]

السرقة فاتبعه فقتله فلا شئ عليه) لقوله عليه الصلاة والسلام قاتل دون مالك أي لاجل مالك، ولان له أن يمنعه بالقتل ابتداء فكذا له أن يسترده به انتهاء إذا لم يقدر على أخذه منه، ولو علم أنه لو صاح عليه يطرح ماله فقتله مع ذلك يجب عليه القصاص لان قتله بغير حق وهو بمنزلة المغصوب منه إذا قتل الغاصب حيث يجب عليه القصاص لانه يقدر على دفعه بالاستعانة بالمسلمين والقاضي فلا تسقط عصمته بخلاف السارق والذي لا يندفع بالصياح والله تعالى أعلم. باب القصاص فيما دون النفس لما فرع من بيان القصاص فيما دون النفس شرع في بيان القصاص فيما دون النفس لان الجزء يتبع الكل. قال رحمه الله تعالى: (يقتص بقطع اليد من المفصل وإن كانت يد القاطع أكبر وكذا الرجل وما رن الانف والاذن) لقوله تعالى: * (والجروح قصاص) * (المائدة: 45) أي ذو قصاص لقوله تعالى: * (والسن بالسن) * (المائدة: 45) والقصاص يبني على المماثلة فكل ما أمكن فيه رعاية المماثلة يجب فيه القصاص وما لا فلا. وقد أمكن في هذه الاشياء التي ذكرناها ولا عبرة بكبر العضو لانه لا يوجب التفاوت في المنفعة، وإذا قلنا أن المدار عن التساوي في المنفعة فلا تقطع اليمنى باليسرى، ولا الصحيحة بالشلاء، ولا يد المرأة بيد الرجل، ولا يد الحر بيد العبد. وقيد بقوله من المفصل لانه لو قطع ذلك من غير المفصل لا قصاص فيه. وفي النوادر روى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أنه إذا قطع شحمه اذنه يقتص منه، وإن قطع نصف إذنه وكان يقدر أن يقتص مثل ذلك اقتص منه لان شحمه الاذن لها حد معلوم وللاذن مفاصل معلومة، فإذا قطع منها شئ يعلم أن القطع من أي المفصل أمكن القصاص، وكذلك إذا قطع غضروف الاذن قطعا يستطاع فيه القصاص اقتص منه يعمل ذلك بحديدة أو بغير حديدة. وإن جذب أذنه فانتزع شحمته لا قصاص فيه وعليه الارش في ماله، وإن كان أذن القاطع سكا أي صغيرة الخلقة وأذن المقطو صحيحة كبيرة كان بالخيار إن شاء ضمنه نصف الدية، وإن شاء قطعها على صغرها. وكذلك لو كانت أذن القاطع مقطوعة أو خرماء أو مشقوقة كان المقطوع بالخيار، وإن كانت الناقصة هي المقطوعة كان له حكومة عدل لا قصاص فيه. وفي نوادر ابن سماعة عن محمد: ولو قطع المارن وهو أرنبه الانف ففيها القصاص، وإن قطع من أصله لا قصاص عليه لانه عظم وليس بمفصل ولا قصاص في العظم. قال أبو حنيفة: لو قطع ذكره من أصله أو من الحشفة منه لانه أمكن استيفاؤه وعلى سبيل المساواة إذ له حد معلوم فأشبه اليد من الكوع. قال رحمه الله:

[ 33 ]

(والعين ذهب ضوءها وهي قائمة وإن قلعها لا والسن وإن تفاوتا وكل شجة تتحقق فيها الممائلة) لقوله تعالى * والعين بالعين) * (المائدة: 45) يعني لو ضرب العين فأذهب ضوءها وهي قائمة يجب القصاص لانه أمكن بأن تحمى لها المرآة وتجعل على وجهه قطن رطب وتشد عينه الاخرى ثم تقرب المرآة من عينه بخلاف ما إذا انقلعت حيث لا يقتص منه لعدم إمكان رعاية المماثلة، وكانت هذه الحادثة وقعت في زمن عثمان رضي الله عنه فشارو الصحابة فقال علي رضي الله تعالى عنه: يجب القصاص فبين إمكان الاستيفاء بالطريق التي ذكرناها. ثم هنا لم يعتبر الكبر والصغر حتى أجرى القصاص في الكل بأستيفاء الكل واعتبر بالشجة في الرأس إذا كانت استوعبت رأس ذلك المشجوج وهي لم تستوعبه رأس الشاج فأثبت للمشجوع الخيار إن شاء اقتص وأخذ بقدر شجته، وإن شاء أخذ أرش ذلك لان ما لحقه من الشين أكثر لان الشجة المستوعبة لما بين قرينه أكثر شيأ من الشجة التي لم تستوعب ما بين قرينه بخلاف قطع العضو فإن الشين فيه لا يختلف، وكذا منفعته لا تختلف فلم يمكن إلا القصاص لوجود المساواة فيه من كل وجه، وإذا قلعت لا يجب حيث لا يمكن المماثلة إذ لا قدرة لنا أن نفعل به كما فعل من غير زيادة ولا نقصان فلهذا لا يجب القصاص. وفي الهداية: ولو قلع السن من أصله يقلع الثاني تماثلا. قال صاحب الكافي وعامة شراح الكتاب في هذا المقام: ولو قلع السن من أصله لا يقلع سنه قصاصا لتعذر اعتبار المماثلة فربما تفسد به المماثلة ولكن تبرد بالمبرد إلى موضع أصل السن، وعزاه الشارح إلى المبسوط. أقول: أسلوب تحريرهم ههنا محل تعجب فإن أحدا منهم لم يتعرض لما ذكر في الكتاب لا بالرد ولا بالقبول بل ذكروا المسألة على خلاف ما ذكر في الكتا ب، وكان من دأب الشراح التعرض لما في الكتاب إما بالقول وإما بالرد فكأنهم لم يروا أصلا، نعم القول الذي نقلته ههنا عن المصنف غير مذكور في بعض النسخ لكنه واقع في كثير من النسخ ليس بمثابة أن لا يطلع عليه أحد من الشرائع، كيف وقد أخذه صاحب الوقاية فذكره في متنه حيث قال: ولا وقود في عظم إلا في السن فتقلع إن قلعت وتبرد إن كسرت. وكان ما أخذه متن الوقاية هو الهداية كما صرح به صاحبه، وكذا ذكره في كثير من المتون: ثم إن التحقيق ههنا هو أنه إذا قلع سن غيره هل يقلع سنه قصاصا أم يبرد بالمبرد إلى أن ينتهي إلى اللحم؟ فيه روايتان كما أفصح عنه في المحيط البرهاني حيث قال: إن كانت الجناية بكسر بعض السن يؤخذ من سن الكاسر بالمبرد مقدار ما كسر من سن الآخر وهذا بالاتفاق، وإن كانت الجناية بقلع سن ذكر القدوري أنه لا يقلع سن القالع ولكن يبرد سن القالع بالمبرد إلى أن ينتهي إلى اللحم ويسقط الباقي، وإليه مال شمس الائمة السرخسي. وذكر شيخ الاسلام في شرحه أنه يقلع سن القلع وإليه أشار محمد في الجامع الصغير

[ 34 ]

حيث ذكر بلفظ النزع والنزع والقلع واحد. وفي الزيادات نص على القلع إلى هنا لفظ المحيط. وأما الشفتان ففي كل واحدة منهما نصف الدية إن كان خطأ، وأما إذا كان عمدا فذكر الطحاوي في شرحه عن الامام: إذا قطع شفة رجل السفلى أو العليا وكان يستطاع أن يقتص منه بقدر ما فعل يجب القصاص وإن قطع بعضه لا يجب ويقتص العليا بالعليا والسفلى بالسفلى. وقوله والسن إن تفاوتت يعني يجب قطع السن بالسن إذا أمكنت المماثلة. وإن تفاوتا في الصغر والكبر وإلا فلا وفي المنتقى: إذا أراد أن يقلع سن آخر مظلما فله أن يقتله إذا كان في موضع لا يغيثه الناس. وفي الذخيرة: ومن أراد أن يبرد سن آخر فليس له أن يقتله وإن كان لا يغاث. وفي الاصل: ينبغي أن يؤخذ الضرس بالضرس والثنية بالثنية والناب بالناب ولا يؤخذ الاعلى بالاسفل بل بالاعلى. وفي الخلاصة: الحاصل أن النزع مشروع والاخذ بالمبرد احتياط. وفي الجامع الصغير: وإذ كسر سن انسان وسن الكاسر أكبر يقتص منه وكذلك في القلع ولا قصاص في السن الزائدة وإنما فيها حكومة عدل، وإذا كسر سن انسان والسن المكسورة مثل ربع سن الكاسر يقتص منه ولا يكون على قدر الصغر والكبر بل يكون على قدر ما كسره من السن. وفي الحاوي: فإن كان سن المنزوع أطول وأعظم لم يكن له إلا القصاص، وإن كسر إن كان مستويا يمكن استيفاء القصاص منه اقتص منه بمبرد، وإن لم يكن مستويا ولا يستطاع أن يقتص كان عليه أرشه وفي الخلاصة: وإن كسر ثلثا ليس بمستو بحيث لا يستطاع أن يقتص منه فعليه أرش ذلك في كل سن خمس من الابل أو من البقر. وفي المنتقي: إذا كسر من سن رجل طائفة منها انتظر بها حولا فإذا تم الحول ولم يكمل فعليه القصاص تبرد بالمبرد ويطلب لذلك طبيب عالم أو يقال لها قيمتها كم ذهب منها، فإن قال ذهب منها النصف يبرد من سن القالع النصف. وفيه أيضا: إذا كسر من رجل بعضها وسقط ما بقي فإن أبا يوسف كان يقول يجب القصاص. وفي القدورى: لا قصاص في المشهور، وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: إذا نزع الرجل سن رجل فنبت نصفها فعليه نصف أرشها ولا قصاص في ذلك، فإن نبتت بيضاء تامة ثم نزعها آخر ينتظر بها سنة، فإن نبتت وإلا اقتص منه ولا شئ على الاول. وقال ابن أبي مالك قال أبو يوسف: يجب عليه فإن نبتت صفراء فعليه حكومة عدل. وقال ابن سماعة في السن إذا نزعت ينتظر بها سنة، فإن لم تنبت اقتص منه. وفي جامع الفتاوى في الاملاء: يقتص من ساعته وإن نبتت صفراء ففيها حكومة عدل. وروى ابن مالك عن أبي حنيفة في السن إذا نزعت ينتظر بها البرد ثم يقتص من الجاني. وفي شرح الطحاوي: إذا كسر بعض سن انسان عمدا ثم اسود الباقي بذلك أو احمرت أو اخضرت أو دخلها عيب بوجه من الوجوه فلا قصاص ويجب الارش في مال الجاني، وبهذه الرواية تبين أن ما ذكره القاضي الامام صدر الاسلام والصدر الشهيد في الجامع الصغير فإذا كسر بعض سن إنسان واسود الباقي يجب

[ 35 ]

فيها حكومة عدل ليس بصحيح. ولو قال المجني عليه أنا أستوفي القصاص في المكسور واترك ما أسود ليس له ذلك، وإذا ضرب سن انسان فتحرك ينتظر فيه حولا فإن احمر أو اخضر أو اسود تجب الدية كاملة في مال الجاني، وإن اصفر اختلف المشايخ فيه، هكذا ذكر شيخ الاسلام في شرحه. قال بعضهم: يجب كمال أرش السن كما في الاسود والاحمر. وقال بعضهم يجب حكومة عدل. وذكر شيخ الاسلام أحمد الطواويسي في شرحه أن في هذا الفصل اختلاف الروايات، روى عن أبي يوسف أنه يلزمه كمال الارش كما في الاسود، وعن محمد أنه قال ينظر في ذلك، فإن كان يلحقه من الشين بسبب الاصفرار ما يلحقه من الشين بسبب الاسوداد يلزمه كمال الارش وإلا فيقدر الشين. وعن أبي خنيفة أنه يلزمه حكومة عدل. وذكر القدوري أن هشاما روى عن محمد عن أبي حنيفة أن سن الحر إذا اصفرت فلا شئ، وإن كان عبدا ففيه حكومة عدل، وعن أبي يوسف عن أبي حنيفة أن فيه الحكومة، وروي عن أبي مالك عن أبي يوسف أن الصفرة إذا اشتدت حتى صارت كالخضرة ففيها كمال الارش، وإن كانت دون ذلك ففيها الحكومة. ثم إن محمدا أوجب كمال الارش باسوداد السن ولم يفصل بين أن يكون السن من الاضراس التي لا ترى أو من القوارض التي ترى قالوا: ويجب أن يكون الجواب فيها على التفصيل إن كان السن من الاضراس التي لا ترى إن فاتت منفعة المضغ بالاسوداد يجب الارش كاملا، وإن لم تفت متفعة المضغ يجب فيه حكومة عدل، وإن كان السن قائمة من القوارض التي ترى وتظهر من الاسنان فيجب كمال الارش بلاسوداد وإن تفت منفعته. وفي الينابيع: ولو ضرب سن انسان فتحركت سنة الاخرى فجاء للقاضي ليظهر أثر فعله، فإن أجله القاضي حولا وقد سقطت سنة فاختلفا قبل السنة فقال المضروب من ضربك وقال الضارب لا بل من ضرب رجل آخر فالقول للمضروب، وإن جاء بعد السنة واختلفا فالقول للضارب، ولو لم تسقط لا شئ على الضارب. وعن أبي يوسف أنه تجب حكومة عدل في الالم وفي شرح الطحاوي: ومن ضرب رجلا حتى سقط أسنانه كلها وهي اثنان وثلاثون سنا منها عشرون أضراس وأربعة أنياب وأربع ثنايا وأربع ضواحك فإن عليه دية وثلاثة أخماس الدية وهي من الدراهم ستة عشر ألفا في السنة الاولى، ثلثا الدية ثلث من الدية الكاملة وثلث من ثلاثة أخماس الدية، وفي السنة الثانية ثلث الدية، وفي السنة الثالثة وهي ما بقي من الدية والثلاثة أخماس. وإذا قلع الرجل سن رجل خطأ ثم نبتت فلا شئ على القالع عند علمائنا، وروى عنهما في النوادر أنه يجب الارش، والصحيح ما قلنا لان القياس يأبى وجوب الارش بالقلع وإن لم تنبت لان المتلف ليس بمال ولكنا تركنا القياس بالنص وإنما أوجب النص الارش إذا لم تنبت مكانه أخرى فإذا نبتت مكانه أخرى يقع على أصل القيا س، فإذا نبتت أخرى سوداء بقي الارش على حاله. وإذا نزع سن رجل عمدا أو انتزع المنزوع سنه سن النازع ثم نبتت سن الاول فعلى الاول

[ 36 ]

أرش سن الثاني، ولو نبت معوجا يجب حكومة عدل، وإن نبتت سوداء جعل كأنها لم تنبت. وفي الكافي: ولو قلع سن غيره فردها صاحبها إلى مكانها ونبت عليها اللحم فعلى القالع كمال الارش. وقال الشافعي في قول عليه الضمان بخلاف ما لو قطع شجرة رجل فنبتت مكانها أخرى حيث لا يسقط الضمان. السغنافي ذكر في المبسوط: ولو قلع سن رجل فنبتت كما كانت فلا شئ عليه في ظاهر الرواية ويرجع على الجاني بقدر ما يحتاج إليه من ثمن الدواء وأجرة الاطباء، وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول: لا يجب شئ. وفي الينابيع وقال أبو يوسف: لو نبتت سن البالغ بعد القلع لا يسقط الارش بل تلزمه الدية كاملة بخلاف سن الصبي. وقال أبو حنيفة: لا شئ في سن الصبي. وقال أبو يوسف: فيها حكومة عدل وإذا لم تنبت يجب فيها الارش كاملا، وإذا قلع الرجل ثنية رجل عمدا واقتص له من ثنية القالع ثم نبتت ثنيته لم يكن للمقتص له أن يقلع تلك الثنية التي نبتت ثانيا، ومثله لو نبتت ثنية المقتص له ولم تنبت ثنية المقتص منه غرم المقتص للمقتص منه أرش ثنيته. قال في الاصل: إذا قلع الرجل سن رجل فأخذ المقلوع سنه وأثبتها في مكانها فثبتت فقد كان القلع خطأ فعلى القالع أرش السن كاملا. قال شيخ الاسلام: وهذا إذا لم يعد إلى حالته الاولى بعد الثبات في المنفعة والجمال والغالب أن لا يعود إلى تلك الحالة، وإذا تصور عود الجمال والمنفعة وبالاثبات لم يكن على القالع شئ كما لو نبتت السن المقلوع. قال في الاصل: إذا نزع ثنية رجل وثنية الجاني سوداء فامجني عليه بالخيار وعلى نحو ما ذكرنا في مسألة العين وتفريع هذه المسألة على نحو تفريع مسألة العين. وفي السنغاقي عن أبي يوسف فيما إذا قلع سن رجل بالغ ثم نبت مكانها أخرى يجب حكومة العدل لمكان الالم فيقوم وبه هذا الالم فيجب ما انتقض منه بسبب الالم من القيمة. ولو نزع ثنية رجل وثنية النازع سوداء فلم يخير المجني عليه شيئا حتى سقطت السن السوداء ونبتت مكانها أخرى صحيحة فقد بطل حق المجني عليه. وفي الكافي: وكذا إذا لم يكن للقالع ثنية حين قلع ثم نبتت فلا قصاص له وله الارش، ولو قلع رجل ثنية رجل وثنية القلع مقلوعة فنبتت ثنيته بعد القلع فلا قصاص فيه وللمقلوع ثنيته أرشها. وفي المجرد عن أبي حنيفة: إذا نزع سن إنسان ينبغي للقاضي أن يأخذ ضمينا من النازع ثم يؤجله سنة من النزع، فإذا مضت سنة ولم تنبت اقتص منه، وعلى هذا إذا ضرب إنسان إنسانا وأسود السن فقال الضارب إنما اسودت من ضربة حدثت فيها بعد ضربتي فالقول للمضروب استحسانا، هكذا ذكر المسألة في الاصل وهكذا روى ابن سماعة عنأبي يوسف. وفي المنتقى في الباب الاول من الجنايات رواية الحسن عن أبي حنيفة في عين هذه الصورة أن القول قول الضارب وليس هذا في شئ من الجنايات إلا في السن للاثر. وفي النوازل سئل عن جل ضرب على وجه رجل فتناثرت أسنانه كلها قال: يجب لكل سن دية خمسمائة. قال الفقيه: إكانت جملتها اثنين وثلاثين يجب عليه ستة

[ 37 ]

عشر ألفا، وإن كانت أسنانه ثلاثين فعليه خمسة عشر ألفا، ولو كانت ثمانية وعشرين فعليه أربعة عشر ألفا. وفي السراجية: في سن الرجل خمسمائة وفي سن المرأة نصف ذلك. وفي الفتاوى: أمره بنزع سنه ثم اختلفا فقال الآمر أمرتك بغير هذا فإنه قال: القول قول الآمر مع يمينه فإذا حلف فأرش السن على عاقله المأمور أو في ماله لا رواية في هذا. وفي المنتقى قالوا: وليس في نفس الآدمي شئ من الاعضاء ديته زائدة على دية النفس إلا الاسنان. رجلان قاما في اللعب ليتضار بابا لو كز يعني (مسه درن حابرل) فركب أحدهما الآخر وكسر سنه فعلى الضارب القصاص ولكن بالشرائط التي قلنا لان هذا عمد والمسألة كانت واقعة الفتوى على هذا. وفي الظهيرية: ولو قال كل واحد منهما (درن) فوكز أحدهما صاحبه لا شئ عليه وهو الصحيح بمنزلة قوله اقطع يدي فقطعها، وإذا قلع سن صبي وآخر حولا فمات الصبي قبل تمام الحول فلا شئ على الجاني في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: فيه حكومة عدل وفي الكبرى قال: فيه حكومة عدل، وإذا ضرب سن رجل فاسود سن الرجل ثم جاء آخر فنزعها فعلى الاول تمام أرشها. وفي الخانية: خمسمائة وعلى الثاني حكومة عدل، وإذا نزع سن رجل وسن الثاني سوداء أو صفراء أو حمراء أو خضراء والنزع كان عمدا يخير المجني عليه إن شاء اقتص منه، وإن شاء ضمنه أرش سنه خمسمائة. وإن كان المعيوب سن المجني عليه فله حكومة عدل ولا يقتص سنه لسنه. وفي الخانية: ولو ضرب سن إنسان فاسودت وسن الجاني سوداء أو حمراء أو خضراء أو صفراء كان المجني عليه بالخيار إن شاء ضمنه، وإن شاء استوفى القصاص ناقصا. وفي الكبرى: ولو نزع سن رجل فنبت نصفها فعليه نصف أرشها وإن نبتت صفراء ففيها حكومة عدل. قال رحمه الله: (ولا قصاص في عظم) لقوله عليه الصلاة والسلام لا قصاص في العظم وقال عمر وابن مسعود: لا قصاص في عظم إلا في السن. وهذا هو المراد بالحديث وبموضوع صاحب العتاب ولان القصاص يبني عن المساواة وقد تعذر اعتبارها في غير السن. واختلف الاطباء في السن هل هو عظم أو طرف عصب يابس فمنهم من ينكر أنه عظم لانه يحدث وينمو بعد تمام الخلقة ويلين بالخل فعلى هذا لا يحتاج إلى الفرق بينه وبين سائر العظام لانه ليس بعظم فلعل صاحب الكتاب ترك السن لذلك لانه لم يدخل تحت الاسم ولذا لم يستثنه في الحديث، ولئن قلنا بأنه عظم فالفرق بينه وبين سائر العظام أن المساواة فيه ممكنة بأن يبرد بالمبرد بقدر ما كسر منه وكذلك إن قلع سنه فإنه لا يقلع سنه قصاصا لتعذر اعتبار المماثلة فيه فلربما تفسد به، وإنما يبرد بالمبرد إلى موضع أصلب السن، كذا ذكره في النهاية معزيا إلى الذخيرة والمبسوط. قال رحمه الله: (وطرفي رجل وامرأة وحر وعبد وعبدين) أي لا قصاص في الطرف بين الرجل والمرأة. قوله وطرف رجل وامرأة إلى آخره فإن قيل:

[ 38 ]

سلمنا وجود التفاوت في القيمة في الاطراف وأنه يمنع الاستيفاء لكن المعقول منه منع استيفاء الاكمل بالانقص دون العكس فإن الشلاء نقطع بالصحيحة وأنتم لا تقطعون يد المرأة بيد الرجل ولا يد عبد بحر. والجواب أنا قد ذكرنا أن الاطراف يسلك بها مسلك الاموال لانها خلقت وقاية للانفس كالمال فالواجب أن يعتبر التفاوت المالي شائعا مطلقا والشلل ليس منه فيعتبر مانعا من جهتة الاكمل، كذا في العناية. ولا مماثلة بين طرفي الذكر والانثى للتفاوت وبينهما في القيمة بتقسيم الشارع، ولا بين الحر والعبد، ولا بين العبدين للتفاوت في القيمة، وإن تساويا فيها بالظن فصار شبهة منع القصاص. فإن قيل: إن استقام عدم المماثلة في الحر والعبد لم يستقم بين العبدين لامكان تساوي قيمتها بتقويم المقومين أجيب بأن التساوي إنما يكون بالحزر والظن والمماثلة المشروطة شرعا لا تثبت بذلك كالمماثلة في الاموال الربوية بخلاف طرفي الحر بن لان استوائهما متقين بتقويم الشرع، وبخلاف الانفس لان الخلاف فيها متعلق بإزهاق الروح ولا تفاوت فيه. قال صاحب الكفاية: فإن قيل قوله تعالى * (والعين بالعين والاذن بالاذن) * (المائدة: 45) مطلق يتناول موضع النزاع فيكون حجة عليكم قلنا: قد خص منه الحربي والمستأمن والعام إذا خص منه شئ يجوز تخصيصه بخبر الواحد فحصصناه بما روى عن عمران بن حصين أنه قال: قطع عبد لقوم فقراء أذن عبد لقوم أغنياء فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقض بالقصاص اه‍. أقول: فيه نظر، أما أولا فلانه قد نقرر في علم الاحوال أن النص العام إذا خص منه شئ بكلام مستقل موصول به يكون ذلك العام المخصص منه البعض ظنيا في الباقي فيجوز تخصيصه بخبر الواحد، وأما إذا خرج من النص العام شئ مما هو مفصول عنه غير موصول به فلا يكون ذلك ظنيا في الباقي بل يكون باقيا على حالته الاولى، ولا شك أن مخرج الحربي والمستأمن من الآية المذكورة ليس بكلام موصول بها فتكون باقية على قطيعتها الاصلية فلا يجوز تخصيصها بخبر الواحد، وقد مر منا غير مرة نظير هذا النظر في محاله. وأما ثانيا فلان حديث عمران بن حصين إنما يفيد عدم جريان القصاص في الاطراف بين العبدين ولا يفيد عدم جريانه فيما بين الرجل والمرأة ولا بين الحر والعبد فبقي الاعتراض بإطلاق الآية المذكورة في هاتين الصورتين ولم يتم الجواب. قال رحمه الله: (وطرف الكافر والمسلم سيان) أي مثلان فيجري القصاص بينهما للتساوي في الارش. وقال الشافعي: لا يجري لما ذكرنا من أصله. قال رحمه الله: (وقطع يد من نصف ساعد وجائفة برئ ء منها ولسان وذكر إلا أن تقطع الجشفة) أي لا قصاص في هذه الاشياء لعدم المماثلة فيها لان في القطع من نصف الساعد كسر العظم ويتعذر التساوي فيها إذا لا ضابط له، وفي الجائفة البرءنادر فلا يمكن أن يخرج الثاني جائفة على وجه يبرأ منه فيكون إهلاكا فلا يجوز، والذكر للسان ينقبضان وينبسطان فلا

[ 39 ]

يمكن اعتبار المماثلة فيهما إلا أن يقطع من الحشفة لان موضع القطع معلوم فيصار إليه. وعن أبي يوسف أنه إذا قطع من أصلها يجب بخلاف ما إذا قطع بعضها لتعذر اعتبار المماثلة فيه. قال في الينابيع: إذا قطع اليد من العضو والرجل من الفخذ فعندهما فيه الدية، وما فوق الكتف والقدم ففيه حكومة عدل، وعند أبي يوسف: ما فوق الكعب والقدم مع الاصابع. وفي الخلاصة: دية اليد تجب مؤجلة في سنتين ثلثاها في السنة الاولى والباقي في السنة الثانية، وإذا كسر يد عبد رجل أو رجله لا يجب في الحال شئ، ولو قطع أصبعا زائدة وفي يده مثلها لا قصاص بالاجماع. وقال أبو حنيفة في الاقطعين والاشلين إنه لا قصاص هو قول أبي يوسف في رواية الحسن عنه، وكذلك مقطوع الابهام أو الاصابع كلها إذا قطع إنسان يده فلا قصاص في قول أبي حنيفة أنه لا قصاص فيه وفيه حكومة عدل. ولو كسر عظما من ساعد أو ساق أو غيره ففيه حكومة عدل، وفي ثدي المرأة دية كاملة ولا ذكر له في الكتب. وفي كسر الصلب دية كاملة إن منعه عن الجماع وأحد به فأما إذا لم يحد به ولم يمنعه من الجماع فهذا على نوعين: إما أن يبقى للجراحة أثر ففيه حكومة عدل ولم يجب كمال الدية، وأما إذا لم يبق لها أثر لم يجب فيه شئ وقد مر هذا فيما تقدم. وفي الظهيرية: وكذا صدر المرأة إذا انكسر وانقطع الماء منه ففيه الدية، وفي الصلب إذا دق لكن يقدر على الجماع ففيه حكومة عدل، وإن لم يقدر وصار أحدب فدية كاملة، وإن عاد إلى حبله ولم ينقص ولكن فيه أثر الضرب ففيه حكومة عدل وإن لم يقدر وصار أحدب فدية كاملة، وإن عاد إلى حبلة ولم ينق‍ ص ولكن فيه أثر الضرب ففيه حكومة عدل، وإن لم يكن فيه أثر فلا شئ فيه في قول أبي حنيفة، وعندهما تجب أجرة الطبيب، وفي الذكر كمال الدية، وفي ذكر الخصي حكومة عدل سواء كان يتحرك أو لا يقدر الخصي على الوطئ أو لا يقدر على هذا الخلاف ذكر العنين. وأما ذكر الشيخ الكبير إن كان يتحرك ولا يقدر على الوطئ فالجواب فيه كالجواب في ذكر الخصي وذكر العنين. وفي التهذيب: وفي ذكر الخصي والعينين حكومة عدل وهو ما يرى القاضي بمشورة أهل البصيرة، وقيل يقوم أن لو كان عبدا محبوبا وغيره فتجب نسبة النقصان من ديته كما لو نقص عشر القيمة يجب عشر الدية والاول أصح. وفي التجريد: المرأة إذا أفضاها فصارت لا تستمسك البول والغائط أو أحدهما ففيه دية كاملة، وفي الاثنين كمال الدية. وإذا قطع الحشفة يجب كمال الدية فإن قطع باقي الذكر فإن كان قبل تخلل البرء تجب دية كاملة ويجعل كأنه قطع الذكر بدفعة واحدة، وإن تخلل بينهما برء فيجب كمال الدية في الحشفة وحكومة العدل في الباقي. وإذا قطع الذكر والاثنين من الرجل الصحيح خطأ إن بدأ بقطع الذكر ففيه ديتان. وفي التجريد: وكذا إنما قطعها من جانب واحد. ولو بدأ بقطع الاثنين ثم بالذكر ففي الاثنتين الدية كاملة وفي الذكر حكومة عدل، وإن قطعهما من جانب الفخذ كعا فعليه ديتان. وفي التحفة: وفي الاثنين إذا قطعهما

[ 40 ]

مع الذكر جملة واحدة في حالة واحدة يجب عليه ديتان: دية بإزاء الذكر ودية بإزاء الاثنيين. وإذا قطع الذكر أولا ثم الاثنين يجب ديتان أيضا لان بقطع منفعة الاثنيين وهي إمساك المني، فأما إذا قطع الاثنيين أولا ثم الذكر تجب الدية بقطع الاثنيين وتجب بقطع الذكر حكومة العدل، وفي الاليتين إذا قطعتا خطأ كمال الدية. وفي الظهيرية: وفي أحدهما نصف الدية. وفي المنتقي عن محمد: إذا قطع إحدى أنثييه وانقطع ماؤه دية ونصف قال: ولا نعلم ذهاب الماء إلا باقرار الجاني فإذا قطع الباقي من إحدى الاثنيين يجب نصف الدية. ولم يذكر في الكتاب الحكم في العمد والطاهر الانثيين أنه يجب فيه القصاص حالة العمد وفي الرجلين كمال الدية في الخطأ، وفي أحدهما نصف الدية، وفي كل أصبع من أصابع الرجلين عشر الدية، وفي الرجل في العمد القصاص إذا قطع من مفصل القدم أو من مفصل الركبة ومن مفصل الركبة أو من مفصل الورك، وإن قطعت من غير المفصل لا يجب القصاص. وفي الذخيرة: وكذلك الحكم في أصابع الرجلين إن قطعت من المفصل عمدا يجب القصاص، وإذا قطع الرجل خطأ من نصف الساق تجب الدية لاجل القدم وحكومة العدل فيما وراء القدم والكلام فيه نظير الكلام في اليد إذا قطعت من نصف الساعد. وإن كسر فخذه فبرأت واستقامت فلا شئ عليه، وفي قول أبي يوسف حكومة عدل، وذكر أبو سليمان عن محمد في كتاب الخراج قال أبو حنيفة: ما انكسر من إنسان يدا أو رجلا أو غير ذلك وبرئ وعاد كهيئته فليس فيه عقل، وإن كان فيه نقص بأن نقص بأن برئ العظم وبقي فيه ورم ففيه من عقله بحساب ما نقص، وكذلك في الجزاحة الجسم إذا برأ وعاد كهيئة فليس فيه شئ. ولو كان في شئ ذلك من شلل ففيه حكومة عدل إلا الجائفة فإن فيها ثلث دية النفس، وإذا طعن برمح أو غيره في دبره وصار لا يستمسك الطعام في جوفه ففيه الدية، وإذا ضرب فسلسل بوله وصار بحال لا يستمسكه ففيه الدية، وإذا ضرب فقطع فرج امرأة وصارت يحال لا يمكن جماعها ففيه الدية. وفي الينابيع: وكذا لو قطع فرجها من الجانبين حتى وصل إلى العظم، وإن قطع أحدهما ففيه نصف الدية. وفي فتاوى سمر قند: فإن جامع امرأة لا يجامع مثلها فماتت فعلى عاقلته ديتها. وفي جنايات المنتقي: إذا جامع امرأة فأقضاها حتى لا تستمسك البول فلا شئ عليه وهذا قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: إن كانت لا تستمسك البول فعليه الدية في ماله، وإن كانت تستمسك فعليه ثلث الدية وفي الكبرى: وإن كانت بحيث تستمسك ففيها ثلث الدية وفي فتاوى الخلاصة: رجل جامع صغيرة لا يجامع مثلها فماتت، فإن كانت أجنبية فالدية على العاقلة، وإن كانت منكوحته فالدية على العاقلة والمهر على الزوج، ولو أزال بكارة امرأة بالحجر أو غيره يجب المهر. وفي الينابيع: وإن زني بها مطاوعة وأفضاها فلا شئ عليه عندهما. وقال أبو يوسف: تجب الدية على عاقلته. وفي الينابيع: وإذا ضرب امرأة فأقضاها وصارت بحيث لا

[ 41 ]

تستمسك، فإن كانت بكرا يجب جميع الدية ولا يجب المهر عندهما. وقال محمد رحمه الله: يجمع بينهما. وفي التجريد وقال أبو يوسف: وإذا وطئ امرأة بشبهة فأفضاها وصارت لا تستمسك البول تجب الدية ولا مهر لها. وقامحمد: لها المهر والدية. ولو دق فخذها أو يدها من الوطئ فأرش ذلك في ماله لانه قد يقع على جسدها، وفي المجامع يتعمد ذلك فهذا منه عمد. وعن أبي يوسف عن محمد: رجل جامع امرأة ومثلها يجامع فمماتت من ذلك فلا شئ عليه. وقال أبو يوسف: إذا جامع امرأة فذهب منها عين أو أفضاها إن ماتت فهو ضامن. وقال محمد: يضمن في هذا أكله إلا الافضاء والقتل في الجماع وهو قول أبي حنيفة فيما حكي عن هشام عن محمد قال: وهو قول أبي يوسف. وعن الفقيه أبي نصر الدبوسي: إذا دفع أجنبية فوقعت وذهبت عذرتها فعلى الدافع مثلها والتعزير. وعن الشيخ الامام أبي حفص الكبير سئل عمن دفع امرأة فذهبت عذرتها ثم طلقها قبل الدخول بها كان عليه نصف المهر في قول أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أبي يوسف عليه جميع المهر. بكر دفعت بكرا أخرى فزالت عذرتها قال محمد: على الدافعة مهر مثل الاخرى. قال رحمه الله: (وخير بين الارش والقود إن كان القاطع أشل أو ناقص الاصابع أو كان رأس الشاج أكبر) قيد بحالة القطع فجعلها قيدا في التخيير لانها لو تغيرت بعد القطع لا يخير كما سيأتي بيانه. وأطلق في الشلاء فشمل ما إذا كان ينتفع بها أو فلو قيد في الشلاء فقال شلاء ينتفع بها لكان أولى كما سنبينه أيضا. أما الاول فهما إذا كانت يد القاطع شلاء أو ناقصة الاصابع ويد المقطوع صحيحة كاملة الاصابع فلا استيفاء حقه متعذر فيخير بين أن يتجوز بدون حقه في القطع وبين أن يأخذ الارش كاملا، ثم إذا استوفى القصاص سقط حقه في الزيادة. وقال الشافعي: يضمنه النقصان لانه قدر على استيفاء البعض فيستوفي ما قدر عليه وما تعذرا استيفاؤه يضمنه. ولنا أن الباقي وصف فلا يضمن بانفراده فصار كما لو تجوز بالردئ مكان الجيد، ولو سقطت يده المعيبة قبل اختيار المجني عليه بطل حقه ولا شئ له عليه فإن حقه تعين في القصاص لما مر أن موجب العمد القود عينا وحقه ثابت فيه قبل اختياره بخلاف ما إذا قطعت بقود أو سرقة حيث يجب عليه الارش. وقال الشافعي: يجب عليه الارش في الموضعين لانه لما تعذر استيفاء الحق طهر أنه كان مستحقا عليه بخلاف النفس إذا وجبت على القاتل فقتل بجناية أخرى حيث لا يضمن. وأما الثاني وهو ما إذا كانت رأس الشاج أكبر بأن كانت استوعبت ما بين قرني المشجوج وفي استيفاء ما بين قرني الشاج زيادة على ما فعل، وفي استيفاء قدر حقه لا يلحق الشاج من الشين مثل ما يلحق المشجوج فيتخير، ثم لو اختار القود يبدأ من أي الجانبين شاء لانه حقه في ذلك المحل فكان له أن يتخير، ولو كانت رأس المشجوج أكبر تخير أيضا لتقرير الاستيفاء كملا. وفي السراجية: ولا يقطع الابهام بالسبابة

[ 42 ]

ولا بالوسطى. والحاصل أنه لا يؤخذ شئ من الاعضاء إلا بمثله من القاطع. قال محمد في الاصل: وإذا قطع الرجل يد آخر وفيها ظفر سوداء يجب القصاص وإن لم يكن ظفر يد القاطع مسودا لان الاسوداد لا يوجب نقصانا في منفعة اليد وهي البطش ألا ترى أنه لو قطع إنسان يده خطأ كان على عاقلة القاطع نصف الدية، وإذا لم يكن للاسوداد في الظفر أثر في نقصان دية اليد صار وجود هذا العيب وعدمه بمنزلة اليد الشلاء، وإن كان نقصانا يوهن في البطش حتى يجب بقطعها حكومة عدل لا نصف الدية كان بمنزلة اليد الشلاء واليد لصحيحة لا تقطع بالشلاء. وإذا قطع الرجل يد رجل عمدا ويد القاطع ناقصة فهذا على وجهين: إما أن تكون ناقصة من حيث الصفة بأن كانت شلاء أو كانت ناقصة من حيث الاصابع بأن كانت ناقصة أصبع أو إصبعين، فإن كان النقصان من حيث الصفة فالمقطوع يده بالخيار، فإن اختار القطع فلا شئ له مع القطع عندهم جميعا وإن شاء لم يقطع واحد يده حتى يصل إليه بدل حقه على الكمال من ماله، وكان الشهيد برهان الائمة يقول: إنما يثبت الخيار للمقطوعة يده في هذه الصورة إذا كانت اليد الشلاء مما ينتفع بها مع ذلك، فأما إذا كانت غير منتفع بها فهي ليست بمحل القصاص فلا يخير المجني عليه حينئذ بل له دية صحيحة كما لو لم يكن القاطع يد أصلا وبه يفتي، وتفريع المسألة بعد هذا على حسب ما ذكرنا في العين والسن الكبرى، وكذا لو كان القاطع صحيح اليد عند القطع فشلت يده بعد ذلك لا خيار للمجني عليه بين القصاص والارش بل يقطع الشلاء أو يترك ولا شئ له، وإن كانت ناقصة فهذا على وجهين: إن كان النقصان حاصلا لا بفعل أحد وإن كانت ناقصة من حيث القدر فكذلك يتخير، فإن اختار القطع فلا شئ له على القاطع. وقال الشافعي رحمه الله: أخذ منه أرض ما كان فائتا من الاصابع. هذا إذا كانت ناقصة وقت القطع فأما إذا نتقصت بعد القطع فهذا على وجهين: إن كان النقصان حاصلا لا بفعل أحد بأن سقط أصبح من أصابعه بآفة سماوية الجواب فيه كالجواب فيما إذا كانت ناقصة وقت القطع، وكل جواب عرفته ثم فهو الجواب هنا، وإن كان بفعل أحد بأن قطع أصبعا من أصابعه ظلما أو قطع القاطع أصبعا أو قضى به حقا واجبا عليه فالجواب فهي كالجواب في اليد، هكذا ذكر شيخ الاسلام في شرحه. فهذا إشارة إلا أن للمقطوع يده الخيار في الفصول كلها غير أن النقصان إذا كان بآفة سماوية واختار قطع اليد لا شئ له من الارش عنده، وذكر شمس الائمة الحلواني في شرحه أنه إن قطع أصبعه بقصاص وجب عليه في الاصبح فللمقطوعة يده الخيار، وإن قطع يده ظلما فلا خيار للقطاع وليس له إلا القصاص. وأشار إلى الفرق فقال: إذا قطع أصبعه قصاصا فقد قضى بها حقا مستحقا عليه فيصير متلفا بعد حق صاحب الحق فيكون له الخيار ولا كذلك ما إذا قطع يده ظلما، وهذا الفرق إشارة إلى أنها لو سقطت بآفسماوية فلا خيار له. ذكر الشيخ أحمد الطواويسي في شرحه أنها إذا قطعت

[ 43 ]

بقصاص فله الخيار، وإذا قطعت ظلما أو بآفة سماوية فلا خيار له. هذا إذا كانت يد القاطع قائمة وقت القاطع، فأما إذا كانت فائتة وقت القطع بأن قطع يمين رجل ولا يمين للقاطع فحق المقطوع في الارش في ماله لانه لا يجد عين حقه وكان له بدل حقه، وإن كانت يد القاطع قائمة وقت القطع ثم فاتت بعد ذلك فهذا على وجهين: إما إن فاتت لا بفعله بأن فاتت بآفة سماوية بأن وقعت فيها أكلة فسقطت أو قطعها إنسان ظلما أو فاتت من جهته بأن قضى حقا واجبا، وإن أتلفه بنفسه بأن قطع يمينه، فإن فاتت بعد القطع لا بفعله فإنه يبطل حق المقطوع يده وذلك لان حق المقطو يده في العين فيفوت حقه بفوات العين كالعبد الجاني إذا هلك وكمال الزكاة إذا هلك ولا يضمن القاطع يده، وإذا قطع المفصل الاعلى من أصبع رجل عمدا أو اقتص منه ثم قطع أحدهما بعد ذلك يد صاحبه عمدا فلا قصاص بينهما. وفي النوازل: مقطوع الابهام من يده اليمنى إذا قطع ساعد مثله لا قصاص وقال محمد: إذا قطع الرجل أصبع رجل من المفصل ثم قطع يد آخر وبدأ باليد ثم قطع الاصبع وذلك كله في يد واحد بأن كان في اليمنى وفي اليسرى وحضر صاحب الاصبع والمقطوعة يده وطلبا من القاضي القصاص فإن القاضي يقطع أولا لصاحب الاصبع ثم يخير صاحب اليد، فإن شاء قطع الثاني لجهته ولا شئ له من أرش الاصبع، وإن شاء لم يقطع يده وكان له دية اليد في ماله، فرق بين هذا وبين ما إذا قطع يمنى رجلين ثم جار أو طلبا حقهما من القاضي فإن القاضي لا يبدأ بأحدهما بل يقضي لهما بالقصاص في يمينه ودية في ماله، هذا الذي ذكرنا إذا كان صاحب الاصبع وصاحب اليد حاضرين، فأما إذا كان أحدهما حاضرا والآخر غائبا، فإن كان الحاضر صاحب الاصبع فلا يقطع الاصبع له، وإن كان الحاضر صاحب اليد فإنه يقطع له، وإذا جاء صاحب الاصبع بعد ذلك فإنه يأخذ أرش الاصبع من ماله. ولو قطع رجل أصبع رجل من المفصل الاعلى ثم آخر قطع من المفصل الاوسط ثم آخر قطع أصبعا أخرى من المفصل السفلى وذلك كله في أصبع واحد. هذا على وجهين: إما أن يكون صاحب الاصابع حضورا أو بعضهم غائبا، فإن كان الكل حضورا وطلبوا من القاضي حقهم فإن القاضي قطع من المفصل الا وعلى حق صاحب الاعلى لصاحب المفصل الاعلى، وإن كان صاحب الاسفل والاوسط ثابتا في الاعلى لانهما لا حق لهما في قطع المفصل الاعلى إلا على سبيل الشركة لان القاطع لم يضع السكين على المفصل من أصابعهما وإنما وضع على صاحب المفصل الاعلى من كل وجه، ثم خير صاحب المفصل، وإنما وضع على صاحب المفصل الاوسط من كل وجه لان حقه كان في مفصلين لان الفائت منفصلان فبفوات أحدهما يتخير كما خير صاحب اليد بعدما قطعنا الاصبع لصاحب الاصبع، فإن شاء قطع من القاطع مفصله الوسطى ولا شئ له من دية الاصبع، وإن شاء لم يقطع وضمنه ثلث دية الاصبع لانه فوت عليه من أصبع مفصلين فيضمن ثلث دي الاصبع. وإحضر أحدهم وغاب الآخران، فإن كان الحاضر صاحب المفصل الاعلى

[ 44 ]

يقطع، فإن قطع المفصل الاعلى له ثم حضر الآخران فإنهما يخبران على الوجه الذي ذكرنا، فإن اختار القطع لم يضمن لاحد منهما شيئا، وإن قطع كف رجل من مفصل ثم قطع الآخر مرفقة وكانا حاضرين فإنه يبدأ بحق صاحب الكف. وفي الكافي: قطع يمين رجلين فقطع أحدهما إبهامه وقطع الآخر كفه فعلى قاطع اليدين خمسة آلاف درهم لقاطع الابهام أربعة آلاف ولقاطع الكف ألف درهم، وإن بدأ الاجنبي فقطع أصبعا من أصابع القاطع ثم قطع أحد صاحبي القصاص بعد ذلك أصبعا من أصابع اليدين ثم عاد الاجنبي فقطع أصبعا من أصابع القاطع، ثم أن الذي لم يقطع شيئا من أصابع القاطع قطع الكف وعليها أصبع فإن القاضي يقضي على القاطع بدية يديه وأخذ ربعها للذي أخذ الكف وثلاثة أرباع للذي قطع الاصبع ولا يجعل الاصبع الذي قطعه الاجنبي قبل قطع أحد صاحبي القصاص قائما حكما، فإن اجتمع اصحب القصاص على قطع الكف مع الاصبعين فالدية المأخوذة تقسم بينهم لقاطع الاصبع والآخر الخمسة إتمامها. وفي الجامع الصغير: رجل قطع يد رجل من المفصل وليس في الكف إلا أصبع واحد ففيه عشر الدين، فإن كان فيه أصبعان فالخمس ولا شئ في الكف. وقالا: ينظر إلى أرش الاصبع بالكف فيكون عليه الاكثر ويدخل القليل في الكثير. سئل أبو يوسف ومحمد عن رجل قطع يد رجل خطأ ثم قطع رجله من خلاف خطأ ماذا يجب عليه؟ فقالا: يجب عليه دية كاملة لكل عضو نصفها. وفي الجامع الصغير الحاسمي: رجل قطعت يده فاقتص له من اليد ثم مات يقتل المقتص منه وعن أبي يوسف أنه لا يقتص. فصل لما كان تصور الصلح بعد تصور الجناية أتبع الصلح ذلك في فصل على حدة. قال رحمه الله: (وإن صولح على ما وجب حالا وسقط القود) يعني إذا صالح القاتل أولياء المقتول على مال عن القصا ص سقط القصاص ووجب المال حالا قليلا كان المال أو كثيرا لقوله تعالى * (فمن عفى له من أخيه شئ) * (البقرة: 178) الآية. ولقوله عليه الصلاة والسلام أولياء المقتول بين خيرتين أن يأخذوا المال أو يقتلوا القاتل بخلاف حق القذف فإنه حق الله تعالى فلا يجري فيه العفو ولا التعويض. وبخلاف ما إذا كان القليل خطأ حيث لا يجوز بأكثر من الدية لانه دين ثابت في الذمة فيكون أخذ أكثر منها ربا. وإنما وجب حالا لانه دين وجب بالعقود والاصل في مثله الحلول كالثمن والمهر بخلاف الدية لانها لم تجب بالعقد وإنما وجبت بسقوط القود، ولانه موجب العقد ولانه لم يرض ببذل

[ 45 ]

المال إلا مقابلا به فيوفر عليه مقصوده وهو الحال. وقوله وإن صولح الخ أطلق في العبارة فشمل ما إذا كان المقتول متعددا والقاتل واحدا قبل القضاء بالقصاص أو بعده والاطلاق في محل التقييد لا ينبغي، فلو قال وإن صالح في واحد قبل القضاء بالقصاص أو بعده إلى آخره كان أولى لان في قولنا في واحد يخرج ما إذا كان المقتول متعددا والقاتل واحدا قبل القضاء بالقصاص أو بعده والاطلاق في محل التقييد لا ينبغي، فلو قال وإن صالح في واحد أو حصل العفو، وبقولنا قبل القضاء أو بعده يفيد أنه إذا كان المقتول واحدا فالعفو يسقط القصاص قبل القضاء وبعده بخلاف ما إذا كان المقتول متعددا على تفصيل يأتي بيانه. قال رحمه الله: (وتنصف أن أمر الحر القاتل وسيد القاتل رجلا بالصلح عن دمهما على ألف ففعل) معناه لو كان القاتل حرا وعبدا فأمر الحر القاتل ومولى العبد رجلا بأن يصالح عن دمهما على ألف درهم ففعل المأمور فالالف على الحر والعبد نصفان لانه مقابل بالقصاص وهو عليهما على السواء فيقسم بدله عليهما بالسواء، ولان الالف وجبت بالعقد وهو مضاف إليهما فينصف موجبه وهو الالف عليهما. قال رحمه الله: (فإن صالح أحد الاولياء من حظه على عوض أو عفا فلمن بقي حظه من الدية) لان كل واحد منهم متمكن من التصرف في نصيبه استيفاء وإسقاطا بالعفو وبالصلح لانه يتصرف في خالص حقه فينفذ عفوه وصلحه فسقط به حقه من القصاص، ومن ضرورية سقوط حقه سقوط حق الباقين أيضا فيه لانه لا يتجزئ، ألا ترى أنه لا يتجزئ ثبوتا فكذا سقوطا. وفي عبارة المصنف قصور من وجهين: الاول أنه يقال صالح عن كذا. وذكر في الكتاب كلمة من الثاني قوله من نصيبه يوهم تجزئ القصاص وقد قدمنا أنه لا يتجزئ، قال الشارح: بخلا فما لو قتل رجلين فعفا أولياء أحدهما حيث يكون لاولياء الآخر قتله لان الواجب فيه قصاصان لاختلاف القاتل والمقتول فسقط أحدهما لا يسقط الآخر ألا ترى أنهما يفترقان ثبوتا، وكذا بقاء بخلاف ما نحن فيه فإذا سقط انقلب نصيب من لم يعف مالا لانه تعذر استيفاؤه فيجب المال كما في الخطأ فإن سقوط القصاص فيه لمعنى في القتل وهو كونه مخطأ ولا يجب للعافي شئ لانه أسقط حقه المتعين بفعله ورضاه بلا عوض بخلاف شركائه لعدم ذلك منهم فينقلب نصيبهم مالا والورثة في ذلك كلهم سواء. قال مالك والشافعي: لا حق للزوجين في القصاص ولا في الدية لان في الوراثة خلافه وهي بالنسب دون السبب لانقطاعه بالموت. وقال ابن أبي ليلى: لا يثبت حقهما في القصاص لان سبب استحقاقهما العقد والقصاص لا يستحق بالعقد ألا ترى أن الوصي لا يثبت له حق في القصاص لان المقصود في القصاص التشفي والانتفاع وذلك يختص به الاقارب الذين ينصر بعضهم بعضا ولهذا لا يكون أحدهما عاقلة الآخر لعدم التناصر. ولنا قوله عليه الصلاة والسلام من

[ 46 ]

ترك مالا أو حقا فلورثته (1) الحديث. والقصاص حقه فيكون لجميعهم كالمال، وأمر عليه الصلاة والسلام بتوريث امرأة أسيم الضبابي من دية زوجها أسيم، ولان القصاص حق يجري فيه الارث حتى إذا قتل وله ابنان فمات أحدهما عن ابن كان القصاص بين الابن وبين ابن الابن فيثبت كسائر الورثة، والزوجية تبقى بعد الموت حكما كما في حق الارث أو يثبت الارث مستندا إلى سببه وهو الجرح، وكانعلى رضي الله عنه يقسم الدية على من أحرز الميراث. والدية حكمها حكم سائر الاموال ولهذا لو أوصى بثلث ماله تدخل الدية فيه والقصا ص بدل النفس كالدية فيورث كسائر أمواله ولهذا لو انقلبت مالا فيقضي به دينه وتنفذ به وصاياة. واستحقاق الارث بالزوجية كاستحقاقه بالقرابة لا بالعقد ألا ترى أنه لا يرتد بالرد بخلاف الوصية ولهذا يتبين أن الاستحقاق ليس بالعقد بل بالعقد ولا يلزم من عدم التناصر وعدم العقل عدم الارث للقصاص ألا ترى أن النساء من الاقارب لا يعقلن ويرثن القصاص والدية أقرب منه إذا المرأة لا تعقل عنها أبناؤها الكبار ويرثونها. قال رحمه الله: (ويقتل الجمع بالمفرد) لما روي أن سبعة من أهل صنعاء قتلوا واحدا فقتلهم عمر به وقال: لو تمالآ عليه أهل صنعاء لقتلتهم. ولان القتل بطريق التغالب والقصاص شرع حكمه للزجر فيجعل كل واحد منهم كالمنفرد به فيجري القصاص عليهم جميعا تحقيقا لمعنى الاحياء، ولولا ذلك لسد باب القصاص وفتح باب تغالب إذ لا يوجد القتل من واحد غالبا يغلب لا فيما يندر. قال صاحب النهاية: هذا جواب الاستحسان. وفي القياس لا يلزمهم القصاص لان المعتبر في القصاص المساواة لما في الزيادة من الظلم على المتعدي، وفي النقصان من البخس بحق المتعدي عليه ولا مساواة بين العشرة والواحد في شئ هذا يعلم ببداهة العقل فالواحد من العشرة يكون مثلا للواحد فكيف تكون العشرة مثلا للواحد؟ وأيد هذا القياس قوله تعالى * (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) * (المائدة: 45) وذلك ينفي مقابلة النفوس بنفس ولكن ترك هذا القياس بما روي أن سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلا فقضى عمر رضي الله عنه بالقصاص عليهم وقال: لو تمالآ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به. انتهى كلامه. أقول: فيه بحث لانه صرح بأن هذا القياس مقيد بقوله تعالى * (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) * (المائدة: 45) وقال في بيانه: وذلك ينفي مقابلة النفوس بنفس فعلى ذلك يلزم من ترك هذا القياس ترك العمل بمدلول الآية المذكورة وذا لا يجوز بما روي عن عمر رضي الله عنه لان عمر إن كان منفردا في قضائه

[ 47 ]

وقوله المزبورين فظاهر لان قول صحابي واد وفعله لا يصلحان للمعارضة لكتاب الله تعالى فضلا عن الرجحان عليه، وإن انضم إليه إجماع الصحابة حيث كانوا متوافرين ولم ينكر عليه أحد منهم فحل محل الاجماع كما صرح به في العناية وغيرها فكذلك إذ قد تقرر في أصول الفقه أن الاجماع لا يكون ناسخا للكتاب ولا السنة كما لا يكون القياس ناسخا لشئ منهما، فالحق في أسلوب تحرير هذا المقام أن لا يتعرض لحديث كون الآية المذكورة مؤيدة لما هو مقتضى القياس في هذه المسألة وأن يبين عدم المنافاة بين مدلول تلك الآية وبين جواب الاستحسان ههنا وسيجئ منا الكلام في التوفيق بينهما بعيد القول إن شاء الله تعالى. قالوا: القتل بطريق التغالب غالب والقصاص شرع لحكمه الزجر فيجب تحقيقا لحكمه الاحياء. قال صاحب العناية: لقائل أن يقول ما ذكرت من المقتول إن لم يكن قياسا على مجمع عليه لا يكون معتبرا في الشرع، وإن كان فلا يربو عن القياس المقتضى لعدمه الؤيد بقوله تعالى أن النفس بالنفس. والجواب أنه قياس سائر أبواب العقوبات المرتبة على ما يوجب الفساد من أفعال العباد ويربو على ذلك بوقة الباطن وهو إحياء كلمة الاحياء وقوله تعالى أن النفس بالنفس لا ينافيه لانهم في إزهاق الروح الغير المتجزئ عن مجموعهم وجعلهم كشخص واحد. اه‍ كلامه. أقول: فيه نظر لان جعل الاشخاص المتعددة الذوات في الحقيقة شخصا واحدا بمجرد صدور إزهاق الروح الغير المتجزئ عن مجموعهم وجعلهم متساوين كشخص واحد بحيث يتحقق بين ذلك الشخص الواحد وبين هؤلاء لجماعة مماثلة معتبرة في القصاص بعيد جدا عن مساعدة العقل والنقل، وأيضا ينافي هذا ما سيأتي في تعليل المسألة الآتية من أن الاصل أن كل واحد منهم قاتل بوصف الكمال الصادر منهم بهذا الاعتبار فثلاث متعددة على عدد رؤسهم فحصلت المماثلة المعتبرة في القصاص والحق عندي ههنا أن يقال: إن قوله تعالى أن النفس بالنفس لا ينافي ما قالوا في هذه المسألة إذ لا دلالة فيه على اعتبار الوحدة في النفس بل فيه مجرد مقابلة جنس النفس بجنس النفس كما ترى والمقصود منه الاحتراز عن أن تقتل النفس بما في قوله تعالى * (والعين بالعين والانف بالانف) * (المائدة: 45) ونحوهما. وأما أنه هل تحقق المماثلة المعتبرة في القصاص عند تعذر النفس في جانب القاتل والمقتول وإنما يستفاد ذلك من دليل آخر ألا ترى أن العين اليمنى لا تقتص بالعين اليسرى وكذا العكس مع أن قوله تعالى والعين بالعين لا يدل عليه نظرا إلى ظاهر إطلاقه بل إنما يستفاد ذلك من دليل آخر فكذا هنا تبصر. قال رحمه الله: (والفرد بالجمع اكتفاء) يعني إذا قتل واحد جماعة يقتل بهم يعني إذا حضر الاولياء وطلبوا يقتل بهم. وقال الامام الشافعي رحمه الله تعالى: يقتل بالاول فقط. لونا أنه لو قتل كل واحد منهم بوصف الكمال فيقتل بهم لحصول التماثل. وفي الحاوي: قتل رجلا فقيل له لم قتلت فلانا فقال قد كان ذلك كله مكتوبا في اللوح المحفوظ، ثم قال آخر لم قتلت غلامي فقال

[ 48 ]

قتلت عدوي يقتل. وفي المحيط: وإذا قتل واحد رجلين يقتص بهما ولا يغرم الدية لان بقتله صار كل واحد منهما مستوفيا حقه على الكمال لان حق كل واحد منهما في عدم الحياة وبقتل الواحد حصل لهما إعدام الحياة معنى لما بينا. وإن حضر أحدهما والآخر غائب كان للحاصر أن يستوفي القصاص لان كل واحد في إتلاف كل النفس واستيفاء البعض لمكان المزاحمة ولا مزاحمة هنا لان حق الحاضر قد ظهر عند القاضي وحق الغائب لم يظهر وصار كأحد الشفيعين إذا حضر فقضى له بالجميع فكذا هذا. ولو كان قطع اليدين لهما فقطع لاحدهما والمسألة بحالها فللآخر دية يده بخلاف القصاص بالنفس إذا قضى لاحدهما وقتله لم يجب للآخر شئ لان فوات حقه في الاستيفاء يكون سببا لقصور في المحل فإنهما إذا اجتمعا واستوفيا صار كل واحد منهما مستوفيا حقه على الكمال فلا تجب معه الدية، وإما في الطرف فوات حقه بسبب قصور في المحل لا يضر عن إيفاء حق كل واحد منهما فيجب الضمان. ولو عفا أحدهما قبل القضاء بالقصاص أو الدية بطل حقواقتص للآخر لان المزاحمة قد انقطعت بالعفو فبقي حق الآخر في الكل، وإن عفا بعد القضاء بالقصاص وصالح ولي المقتول فالدية بينهما، فلو قتل وقطع اليد من آخر وأخذ الدية فللساكت دية اليد عند محمد. وقالا: للساكت أن يقطع اليد على أن لهما حق استيفاء القصاص في يد واحدة واستيفاء دية واحدة ولا قصاص مع وجود الموافقة والملائمة وانعدام المنازعة والمشاجرة ولكنه أقصى ما يجب لهما وهو أن يجتمعا على القطع وأخذ الدية بينهما فصار الحال بعد القضاء كالحال قبله. ولو أخذ الدية عن اليد ثم عفا أحدهما يكون للآخر نصف الدية لانهما لما قبضا الدية فقد ملكاها، ومن ضرورة ثبوت الملك في المستوفي أن لا يبقى الحق في اليد فسقط حق كل واحد منهما في نصف اليد كيلا يجتمع البدل والمبدل في ملك واحد فلا يتمكن من استيفاء كل اليد بدون نصيب العافي فبطل حقه في القصاص فامتنع القطع لان موجبه الدية في نصيبه كما إذا كان خطأ، ولو أخذ الدية كفيلا ثم عفا أحدهما فللآخر القصاص لان الكفالة توقيف. قال رحمه الله: (فإن حضر واحد قتل وسقط حق البقية) كموت القاتل حتف أنفه لفوات محل الاستيفاء فصار كموت العبد الجاني وفيه خلاف الامام الشافعي لان الواجب عنده أحدهما على ما بينا، فإن فات أحدهما قضى الآخر لفوات المحل وقد قدمناه. قال رحمه الله: (ولا يقطع يد رجلين بيد) معناه إذا قطع رجلان يد رجل فلا قصاص على واحد منهما. وقال الامام الشافعي: تقطع أيديهما ومحل الخلاف فيما أخذ سكينا واحدا من جانب وأمراها على يده حتى انقطعت هو يعتبرها بالانفس لان الاطراف تابعة لها وملحقة بها فأخذت حمها بخلاف ما إذا أمر أحدهما السكين من جانب والآخر من جانب حتى التقت السكينان في الوسط وبانت اليد حيث لا يجب القصاص فيه على واحد منهما لانه لم يوجد من كل واحد منهما إمرار السلاح على بعض العضو. ولنا أن كل واحد منهما قاطع للبعض لان ما

[ 49 ]

انقطع بقوة أحدهما أن يقطع بقوة الآخر فلا يجوز أن يقطع الكل بالبعض والاثنين بالواحد لانعدام المساواة فصار كما إذا أمرها كل واحد من جانب الآخر بخلاف النفس فإن شرط فيه المساواة في العصمة لا غير، وفي الطرق يعتبر المساواة في النفع والقيمة ولهذا لا تقطع الصحيحة بالشلاء النفس السالمة من العيوب تقتل بالمفلوج والمسلول، وكذا الاثنان بالواحد فلا يصح القياس على النفس، ولان زهوق الروح لا يتجزئ فأضيف إلى كل واحد كلا وقطع العضو يتجزئ ألا ترى أنه يمكن أن يقطع البعض ويترك الباقي، وفي القتل لا يمكن ذلك ولهذا لو أمر أحدهما السكين علقفاه والآخر على حلقه حتى التقتا في الوسط ومات منهما يجب القصاص وفي اليد لا يجب، ولان القتل بطريق الاجماع غالب مخالفة الغوث لا في القطع لانه يحتاج إلى مقدمات بطيئة فيلحقه الغوث بسببها كالنداء ونقول ثبت وجوب القصاص في النفس والاجتماع على خلاف القياس والطرف ليس مثلها فلا يحلق بها. وقوله رجلان مثال وليس بقيد قال في التجريد: إذا قطع رجلان يدي رجل فلا قصاص عليهما وعليهما الدية، وكذا ما زاد على هذا العدد في هذا الحكم سواء. وقال محمد رحمه الله في الزيادات: رجل قطع المفصل الاعلى من أصبع رجل وبرأ منه ثم عاد وقطع الثاني أيضا ثم اختصما إلى القاضي فالقاضي يقضي على القاطع بالقصاص في المفصل الثاني. هذا الذي ذكرنا إذا قطع المفصل الاعلى وبرئ ثم عاد وقطع المفصل الثاني فإنه يقطع أصبع القاطع من المفصل الاسفل ويجعل كأنه قطع المفصلين بدفعة واحدة، فمن مشايخنا مقال ما ذكر ههنا قولهما، أما على قول أبي حينفة رحمه الله للمقطوع مفصلاه أن يقطع المفصل الاعلى ثم الاسفل، ومنهم من قال هذا قول الكل، ولو قطع المفصل الاعلى واقتص من القاطع ثم عاد وقطع المفصل الثاني وبرئ يجب لوجود المساواة، فرق بين هذا وبين رجلين مقطوعي الاصابع قطع أحدهما كف صاحبه لا يقطع كف القاطع. أقول فيه نظر لان المساواة ممكنة فينبغي أن يقطع لامكانها فتدبره، وكذا إذا كان مقطوع الكف قطع أحدهما زند صاحبه لا يقطع زند القاطع. ولو قطع من أصبع رجل نصف مفصل وكسر وبرئ ثم قطع ما بقي من المفصل وبرئ فلا قصاص عليه في شئ من ذلك، أما في النصف الاول فلحلول الجناية في العظم، وأما في النصف الثاني فلعدم المساواة لان أصبع القاطع حال ما قطع الثاني من المفصل صحيحة والاصبع المقطوعة من نصف المفصل ناقصة ولو لم يحل بينهما برئ يجب القصاص في المفصل وجعل كأنه قطع المفصل بدفعه واحدة، وكذلك لو قطع الاصابع من رجل وعاد وقطع الكف إن لم يحل بنيهما برء يجب القصاص في يد كأنه قطع الكل دفعة واحدة وإن حال بينهما برء يجب القصاص في الاصابع وحكومة عدل في الكف، وكذا إذا قطع حشفة إنسان خطأ ثم عاد وقطع باقي الذكر إن كان قبل تخلل البرء تجب دية واحدة، وإن كان تخلل بينهما برء يجب كمال الدية في الحشفة وحكومة عدل في الباقي. ولو قطع المفصل الاعلى من أصبع

[ 50 ]

رجل فقبل البرء قطع النصف من المفصل الثاني ثم برئ القصاص وجعل كأنه من الابتداء قطع النصف من المفصل الثاني وهناك لا يجب القصاص بل يجب الارش فهذا ذلك، ولو برأ من القطع الاول ثم قطع النصف من المفصل الثاني يجب القصاص في المفصل الاعلى لوجود الشرط ويجب نصف الارش في الثاني. وفي الظهيرية: ولو قطع آخر كفه ثم قطع آخر مرفقه فمات، فإن كان عمدا فقصاص النفس على الثاني ودية القاطع على الاول وهذا قول علمائنا الثلاثة. وقال زفر: إن كان عمدا وإن كان خطأ وليتخلل البرء فدية النفس عليهما. وإن قطع أصبع رجل عمدا ثم قطع آخر كفه خطف مات يقتص من قاطع الاصبع وعلى عاقلة الآخر دية النفس. وقال زفر: لا يقتص ولكل واحد منهما نصف الدية، وإذا ضرب رجل على يد رجل فشلت اليد فعليه دية كاملة. وفي النوازل: وسئل شداد عن رجل قطع رأس أصبع رجل من مفصله قال: يقتص منه فإن اقتص منه ثم قطع أحدهما يد صاحبه فقال ليس بينهما قصاص. وفي العيون: رجل قطع أصبع رجل خطأ فجاء آخر وقطع كفه عمدا فمات منها جميعا في قول الامام لا يجب القصاص وعلى كل واحد منهما نصف الدية وبه قال الامام الشافعي رحمه الله تعالى: وقال أبو يوسف رحمه الله: يقطع من الكف وعلى عاقلة الذي قطع الاصبع دية الاصبع. وفي شرح الطحاوي ومن قطع يد مرتد فأسلم فمات فلا شئ على القاطع. ولو قطع يده وهو مسلم فارتد فمات فعليله دية اليد لا غيره، ولو رجع إلى الاسلام ثم مات فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف عليه دية النفس، وفي قول محمد عليه دية اليد. وكذلك لو لحق بدار الحرب ولم يقض القاضي بلحوقه ثم عاد مسلما فمات تجب دية اليد لا غير. وفي شرح الطحاوي: ومن قطع من رجل يدا أو رجلا أو أصبعا أو نملة من أصبع أو ما سوى ذلك مفصلا من المفصل عمدا فعليه القصاص بعد البرء من الجناية ولا قصاص عليه قبل ذلك، وإذا قطع رجل يد آخر عمدا فإن كان القاطع والمقطوع حرين مسلمين أو كتابين أو أحدهما مسلم والآخر كتابي يجري القصاص بينهما أو كانا امرأتين حرتين مسلمتين أو أحدهما مسلمة والاخرى كتابية أو كانتا ذميتين يجب القصاص. ولو كانا عبدين أو أحدهما عبد والآخر حر أو أحدهما ذكر والآخر أنثى فلا قصاص بينهما والارض في ماله حالا. وهذا كله بيان حكم العمد رجعنا إلى بيان حكم الخطأ فنقول وبالله التوفيق: اليدين إذا قطعتا خطأ الدية لفوات جنس المنفعة على الكمال وفي أحدهما نصف الدية ولا تفضل اليمن على الشمال وإن كانت اليمين أكثر بطشا من الشمال لان العبرة في الجنايات لجنس المنفعة لا للزيادة، وفي اليد إذا قطعت من نصف الساعد دية اليد وحكومة عدل فيما وراء الكف وهو قول الحنفي والشافعي، روى صاحب الامالي عن أبي يوسف أنه لا يجب في الساعد شئ وهو قول زفر ومالك وسفيان والثوري، وكذلك على هذا الاختلاف إذا قطع اليد من المرفق أو المنكب فإنه يجب في الكف دية

[ 51 ]

اليد وحكومة العدل فيما وراء الكف. وعن أبي يوسف ومن تابعه في المسألة الاولى أنه يجب دية اليد لا غير والصحيح قولابي حنيفة. وفي الظهيرية: ولو قطع رجل ثلاثة أصابع من كف رجل خطأ ثم قطع آخر أصبعين ثم شلت الكف من الجراحتين فعلى الاول دية ما قطع. وعلى الثاني دية ما قطع ما بقي من الكف بعد الاصابع فهو نصفان، فما يصيب صاحب الاكثر دخل أرش الاقل في الاكثر، وأما النصف الآخر إن كان الآخر قطع أصبعين فعليه خمسا دية الاصل وهو عشر الدية، وفي الانملة حكومة عدل. والظفر إذا نبت كما كان لا شئ فيه، وإن نبت على عيب فحكومة دون الاوى. وفي الينابيع: إذا قطع اليد من العضد والرجل من الفخد فعندهما فيه الدية وما فوق الكف والقدم ففيه حكومة عدل، وعند أبي يوسف ما فوق الكعب إلى القدم تبع للاصابع. وإذا كسر يد عبد رجل أو رجل لا يجب في الحال شئ. وفي الكافي: ولو قطع اليد وفيها ثلاث أصابع فعليه ثلاثة أخماس دية اليد ولا شئ في الكف بالاجماع وقاطع يد لا كف له فلا قصاص عليه في الساعد. وقال أبو يوسف: إذا كانا سواء اقتص منه وعلى هذا الاختلاف إذا قطع كف رجل وفيها أصبع زائدة وفي يد القاطع أصبع زائدة، ولو قطع أصبعا زائدا في يده مثلها لا قصاص بالاجماع. وقال أبو حنيفة في الاقطعين والاشلين إنه لا قصاص وهو قول أبي يوسف في رواية الحسن عنه، وذلك مقطوع الابهام والاصبع كلها إذا قطع يد أشل فلا قصاق في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وفي الخانية: لو قطع أظافر اليدين أو الرجلين روى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا قصاص فيه وفيه حكومة عدل، ولو كسر عظما من ساعد أو ساق أو ترقوة أو غيره فقيه حكومة عدل. قال رحمه الله: (وضمنا ديتها) أي ضمن القاطعان دية المقطوع لان التلف حصل بفعلهما فيجب عليهما نصف الدية على كل واحد منهما الربع فتجب في مالهما لان العاقلة لا تتحمل العمد. قال رحمه الله: (وأن قطع واحد يميني رجلين فلهما قطع يمينه ونصف الدية) يعني إذا حضرا معا سواء كان القطع جملة واحدة أو على التعاقب. وقال الشافعي: إن قطعهما على التعاقب يقطع للاول منهما ويغرم أرش اليد للثاني. ولنا أن المساواة في سبب الاستحقاق يوجب المساواة في الاستحقاق ولا عبرة في التقدم والتأخر كالغريمين في الشركة. وهذا لان حق كل واحد منهما ثابت في كل اليد لتقرر السبب في حق كل واحد منهما وهو القطع. وكونه مشغولا يحق الاول لا يمنع تقرر السبب في حق الثاني، ولهذا لو كان القاطع لهما عبدا استويا في استحقاق رقبته، ولو ان يمنع بالاول لما شاركه الثاني بخلاف الرهن لانه استيفاء حكما فلا يثبت للثاني بعد ما ثبت للاول كالاستيفاء حقيقة، فإذا لم يمنع الاول بثبوت حق الثاني فيها استويا فيها يقطع لهما إذا حضرا معا لعدم الاولوية ويقضي لهما بنصف الدية يقسمانه نصفين لاستوائهما فيه بخلاف ما إذا كان القصاص في النفس حيث يكتفي فيه

[ 52 ]

بالقتل لهما ولا يقضي لهما بالدية لما بينا من الفرق فيما تقدم وقد مثاله مزيد بيان فارجع إليه. قال رحمه الله: (وإن حضر واحد فقطع يده له فللآخر عليه نصف الدية) لان للحاضر أن يستوفي حقه ولا يجب عليه التأخير حتى يحضر الآخر ثبوت حقه بيقين وحق الآخر متردد لاحتمال أن لا يطلب أو يعفو مجانا أو صلحا فصار كأحد الشفيعين إذا حضر والآخر غائب حيث يقضي له بالشفعة في الكل لما قلنا. ثم إذا حضر الآخر بعد ما قطعت للآخر وطلب يقضي له بالدية لان يده وفاؤها حق مستحق عليه فيضمنها لسلامتها له. ولو قضى بالقصاص بينهما ثم عفا أحدهما قبل استيفاء الدية فللآخر القود عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد له الارش لان القصاص بالقضاء أثبت الشركة بينهما فعاد حق كل واحد منهما إلى البعض، فإذا عفا أحدما فقد منع الآخر من استيفاء الكل. ولهما أن الامضاء من القضاء في العقوبات فالعفو قبله كالعفو قبل القضاء، ولو قطع أحدهما يد القاطع من المرفق سقط القصاص لذهاب اليد التي فيها القصا ص بالقطع ظلما ولا ينقلب مالا كما كما إذا قطعها أجنبي أو سقطت بآفة سماوية، ولهما نصف الدية على حالها لانها واجبة قبل قطعهما ولا تسقط بالقطع ظلما، ثم القاطع الاول بالخيار إن شاء قطع ذراع القاطع، وإن شاء ضمنه دية اليد وحكومة عدل في قطع الذراع إلى المرفق لان يد القاطع كانت مقطوعة من الكف حين قطع القاطع الاول من المرفق فكانت كالشلاء، وعلى هذا لو كان المقطوع يده واحدا فقطع القاطع من المرفق سقط حقه في القصاص ووجب عليه القصاص، وللمقطوع من المرفق الخيار إن شاء قطع من المرفق، وإن نشاء أخذ الارش لما ذكرنا وقدمنا له مزيد بيان. قال رحمه الله: (قال رحمه الله: (وإن أقر عبد بقتل عمد يقتص منه) وقالزفر رحمه الله: لا يصح إقراره لانه يؤدي إلى إبطال المولى فصار كالاقرار بالقتل خطأ أو بالمال. ولنا أنه غير متهم في مثله لكونه يلحقه الضرر به فيصح، ولان العبد يبقى على أصل الحرية في حق الدم عملا بآدميته ألا ترى أن إقرار المولى عليه بالحدود والقصاص لا يجوز فإذا صح لزمه إبطال حق المولى ضرورة وذلك لا يضر، وكم من شئ يصح ضمنا وإن كان لا يصح قصدا بخلاف الاقرار بالمال لانه إقرا على المولى بإبطال قصدا لان موجبه بيع العبد أو الاسيتيفاء، وكذا إقراره بالقتل خطأ لان موجبه دفع العبد أو الفداء على المولى ولا يجب على العيد شئ ولا يصح سواء كان العبد محجورا عليه أو مأذونا له في التجارة لانه باطل. قال رحمه الله: (وإن رمى رجلا عمدا فنفذ السهم منه إلى آخر يقتص للاول وللثاني الدية) لان الاول عمد والثاني أحد نوعي الخطأ وهو الخطأ في الفعل فكأنه رمى إلى حربي وأصاب مسلما والفعل الواحد يتعدد بتعدد أثره والله تعالى أعلم. فصل: لما فرغ من ذكر حكم الجناية الواحدة شرع في ذكر الجنايات المتعددة لان الاثنين

[ 53 ]

بعد الواحد. قال رحمه الله: (ومن قطع يد رجل ثم قتله أخذ بالامرين ولو عمدين أو مختلفين أو خطئين تخلل بينهما برأو لا إلا في خطئين لم يتخلل بينهما برء فتجب دية واحدة كمن ضرب رجلا مائة سوط فبرئ من تسعين ومات من عشرة) يعني إذا قطع يده ثم قتله يجب عليه موجب القطع وموجب القتل إن كانا عمدين أو أحدهما عمد والآخر خطأ أو كانا خطئين وتخلل بينهما برء وفي خطئين لم يتخلل بينهما برء فتجب عليه دية واحدة، فحاصله أن الكل لا يتداخل إلا في خطئين فإنهما يتداخلان فيجب فيهما دية واحدة، إذا لم يتخلل بينهما برء، وإن تخلل بينهما برء لا يتداخلان. أما الاول وهو ما إذا كانا عمدين فالمذكور قول أبي حنيفة، وعندهما يتداخلان فيقتل حدا ولا يقطع يده لان الجمع بينهما ممكن لتجانس الفعلين وعدم تخلل البرء بينهما فصار كالخطاين، وهذا لان الجمع بين الجراحات واجب ما أمكن لان القتل يقع بضربات غالبا واعتبار كل ضربة على حدتها يؤدي إلى الحرج فيجمع تيسيرا إلا أن لا يمكن بأن يختلف حكم الفعلين كالعمد والخطأ أو يتخلل البرء بينهما لان البرء قاطع للسراية فلا يمكن أن يجعل الثاني تتميما للاول فيعتبر على حاله وأمكن ذلك قبل البرء فصار كسراية الاول. وله أن الجمع متعذر لان حز الرقبة يمنع سراية القطع كالبرء حتئ لو صدر من شخصين وجب عى كل واحد منهما القصاص فكذا إذا كان من شخص واحد فتقطع أولا يده ثم يقتلوه إن شاؤوا وإن شاؤا قتلواه من غير قطع لان القصاص يعتمد المساواة في الفعل وذلك بأن يكون القتل بالقتل والقطع بالقطع واستيفاء القطع بالقتل متعذر لاختلافهما حقيقة وحكما، ولان المماثلة صورة ومعنى يكون باستيفائهما وبالاكتفاء بالقتل لم توجد المماثلة إلا معنى فلا يصار إليه مع القدرة على المماثلة صورة ومعنى فيخير الولي بخلاف ما إذا مات من السراية لان الفعل واحد، وبخلاف ما إذا كان خطأين لان الموجب فيه الدية وهو بدل المحل والمقتول واحد ألا ترى أن عشرة لو قتلوا واحدا خطأ يجب عليهم دية واحدة لاتحاد المحل وإن تعدد الفعل، ولو قتلوه به جميعا لان القصاص جزاء الفعل وهو متعدد وإن اتحد، ولان أرش اليد لو وجب كان يجب عليه عند الجزاء لانه وقت استحكام أثر الفعل ولا سبيل إليه لانه حينئذ تجب دية النفس بالجزاء فيجتمع وجوب بدل الجزاء والكل في حالة واحدة وهو محال، ولوجب ذلك لوجب بقتل النفس الواحد ديات كثيرة للاطراف لانها تتلف بتلف النفس، أما القتل والقطع فقصاصان فأمكن اجتماعهما، وبخلاف ما إذا قطع وسرى حيث يكتفي بالقطع لاتحاد الفعل. وأما الثاني وهو ما إذا كانا مختلفين بأن كان أحدهما خطأ والآخر عمدا. والثالث وهو ما إذا كانا خطأين وتحلل بينما برء فلان الجمع

[ 54 ]

غير ممكن فيهما لاختلاف حكم الفعلين في الاول ولتخلل البرء في الثاني وهو قاطع للسراية فيعطي لكل فعل حكم نفسه. وقوله لا في خطأين لم يتخلل بينهما برء فتجب دية واحدة وهذا إخراج من قوله آخذ بالامرين أي موجبي فعله إلا في هذه الصورة فإنهما يتداخلان لا يؤخذ إلا بالقتل فيجب فيه دية النفس لا غير وقد بينا وجهه في أثناء البحث. وقوله كمن ضرب رجلا مائة سوط فبرئ ومن تسعين ومات من عشرة يعني تجب فيه دية واحدة كما إذا كان القطع والقتل خطأين ولم يتخلل بينهما برء وإنما كان كذلك لان الضربات التي برأ منها ولم يبق لها أثر سقط أرشها لزوال الشين، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وعن أبي يوسف وفيها حكومة عدل. وعن محمد أنه يجب فيها أجرة الطبيب وثمن الادوية وستأتي المسألة بأدلتها في فصل الشجاإن شاء الله تعالى. ولو بقي لها أثر بعد البرء يجب موجبه مع دية النفس بالاجماع لان الارش يجب باعتبار الشين في النفس وهو ببقاء الاثر، ولو قطع أصبعه أو يده ثم قطع الآخر ما بقي من اليد فمات كان القصاص على الثاني في النفس دون الاول ويقطع أصابع الاول أو يده. وقال زفر والشافعي: يقتلان. ولهما أن زوال الحياة مضاف إلى القطعين لانه اتصل الموت بهما قبل البرء وزال أثر بهما وليس أحدهما بإضافة الازهاق إليه أولى من الآخر فأصنف إليهما كما لو قطع كل واحد منهما يدا على حدة قبل البرء. ولنا أن زوال الحياة ألم الثاني غير قطع الاول فصار زوال الحياة مضافا إلى القطع الثاني فصار الثاني قتلا دون الاول بخلاف ما لو قطع كل واحد يدا على حدة أو أصبعا على حدة لان محل قطع الاول قائم وقت الموت فيتصور منه حدوث زيادة الالم فحصل بألم حدث القطعين فصار الموت مضافا إليهما، وإذا قطع المفصل الاعلى من أصبع رجل فبرئ ولم يقتص حتى قطع مفصلا آخر من تلك الاصبع يقطع له المفصل الاعلى دون الاسفل وعليه أرش من الاسفل لان القصاص مبناه على المساواة وحال قطع الثاني لا يمكن المساواة لسلامة أصبع القاطع وفوات مفصل المقطوع، ولان أصبع القاطع وإن كانت مستحقة بالقصاص ولكن ملك القصاص ملك ضرورة لا يثبت إلا عند الاستيفاء فقتله يكون مقصودا به مملوكية صاحبه، ولهذا لو قلنا لو قطعت يد من عليه القصاص إن كان عمدا يجب القصاص، إن كان خطأ يجب الارش له لا لمن له القصاص لانه لم توجد المساواة حال قطع الثاني، وكذلك لو أبرأ الثاني ثم قطع المفصل الثالث ولم لم يكن القطعين برئ ووجب له القصاص في كل الاصابع. بقطعها من أصلها مرة واحدة لانه لم يتخلل بين القطعين برء وجعلنا كلا الفعلين جناية واحدة كأنه قطع ابتداء من المفصل الثاني بفعل واحد. وفي المبسوط: أصله أن تعذر استيفاء القصاص لتعذر القتل أنه متى جاء من قبل القاتل فصار إلى المال اعتبارا بالخطأ فإن هناك امتنع استيفاء القصاص بمعنى من جهة القاتل

[ 55 ]

وهو الخطأ، فإذا تعذر صيانة الاستيفاء القصاص من قبل من له الحق لا يصار إلى المال لان الشرع غير حقه في القصاص لكن هو الذي فوته وفرط بإتيان ما أعجزه فأهدره فلم يبق مستحقا للنظر، وإذا أقر القاتل بالخطأ وادعى الولي العمد لم يقتص ولزمه الدية استحسانا. وقال زفر: لا يلزمه شئ قياسا لان ما أقربه لم يثبت لانه كذبه المدعي في إقراره بمقتضي دعواه القصاص وصار كما لو أقر القاتل بالعمد وادعى الولي الخطأ لا يلزمه شئ فكذا هذا. ولنا أنهما تصادقا على القتل إلا أنه تعذر استيفاء القصاص بمعنى من قبل القاتل وهو دعوى الخطأ فتجب الدية صونا لدمه عن الهدر. ولان في زعم الولي أن القصاص هو الواجب إلا إنه لما أقر بالخطأ فقد أقر بالمال وللولي ترك القصاص وأخذ المال ولم يكن به صريحا فيكون له أخذ المال. ولو أقر بالعمد وادعى الولي الخطأ بطل حقه لا تعذر استيفاء القصاص جاء من قبل من له الحق الزيادات، ولو ادعى الولي العمد على رجلين فقال أحدهما أنا قطعت يده عمدا وهذا الآخر قطع رجله عمدا وأنكر الآخر الجناية قال: يقتص من المقر لانهمتصادقا على وجوب القود ولو لم تتمكن الشبهة فيه حين أنكر الآخر الجناية لانه يمكن الشبهة إنما يكون باختلاط الموجب وغير الموجب في المحل وذلك لا يتصور قبل وجوب الجناية من الآخر. وإذا ادعى الولي الخطأ فلا شئ على المقر لانه لما أنكر الآخر الجناية صار كالعدم فبطل عدواه الخطأ، وإقرار القاتل بالعمد في هذا لا يجب شئ. وإن مات رجل من قطع يده ورجله فقال رجل قطعت يده عمدا وقال قطع عمرو رجله عمدا فقال الولي بل أنت قطعتهما يجب القصاص عليه لانهما تصادقا عل وجوب القصاص والشركة لم تثبت لعدم دعواه، وفإن قال الولي لا أدري من قطع رجله فلا شئ‌على قاطع اليد لان قاطع الرجل مجهول يجز أن يكون خاطئا أو صبيا أو مجنونا فتعذر إيجاب القصاص، وتعذر استيفاء القصاص جاء من قبل من له الحق، فإن جهل قاطع الرجل جهل قاطع اليد فلا يجب المال. ولو قال الولي بعد ذلك فلان قطع رجله عمدا وأنكر فلان ليس له أن يقتل المقر قياسا وله أن يقتله استحسانا لان الولد لا يعرف قاتل أبيه عند كثرتهم فيعتذر في التناقض. وعبر المؤلف بمن التي لفظها مفرد ومعناه جمع لانه لا فرق في الحكم بين ما إذا كان الفاعل مفردا أو متعددا. قال رحمه الله: (فإن عفا المقطوع عن القطع فمات ضمن القاطع الدية ولو عفا عن القطع وما يحدث منه أو عن الجناية لا فالخطأ من الثلث والعمد من كل المال) يعني لو قطع يد رجل عمدا أو أخطأ فقال المقطوع عفوت عن القطع فمات ضمن القاطع في العمد الدية بخلاف ما لو قال عفوت عن الجناية كما سيأتي. وأطلق المؤلف في قوله والخطأ من ثلث المال ولم يفرق بين ما إذا كان العافي يخرج ويجئ أو كان لا يخرج سيأتي بيانه. وقوله

[ 56 ]

بإطلاقه قول الامام. وفي الجامع الصغير: رجل قطع يد رجل ظلما عمدا فعفا المقطوع يده عن القطع ثم سرى إلى النفس ومات أو شج إنسان موضحة عمدا فعفا المشجوج رأسه عن الشجة ثم سرى إلى النفس ومات يجب أن يعلبأن هنا مسألتين: أحدهما في العمد والاخرى في الخطأ. وكل مسألة على وجوه: إما أن يقول المقطوعة يده عفوتك عن الجناية أو يقول عفوتك عن القطع وما يحدث منه، فإن كانت الجناية عمدا فقال المقطوعة يده أو قال المشجوجة رأسه عفوتك عن الجناية صح العفو وبرئ من القطع أو الشجة أو ممات حتى لا يجب شئ في الحالين ثم تصح البراءة عن جميع المال، سواء برأ أو مات. وإن قال عفوتك عن القطع ولم يقل وما يحدث من القطع أو قال عفوتك عن الشجة ولم يقل وما يحدث منها صح العفو عندهم جميعا، فلو مات تجب الدية. قال أبو حنيفة: مع أن العفو باطل والقصاص أن يجب على المعفو عنه القصاص إلا أني أستحسن وجوب الدية في ماله. قال أبو يوسف ومحمد: بأن العفو عنه جائز ولا شئ على المعفو عنه لا القصاص ولا الدية. وهذا الذي ذكرنا إذا كانت الجناية عمدا، فإذا كانت خطأ إن عفا عن الجناية أو عن القطع وما يحدث منه صح العفو سواء برئ أو مات إلا أنه إن عفا في حال يخرج ويجئ ويذهب بعد الجناية وأنه على قول بعض المشايخ يعتبر من جميع ماله. وذكر في المنتقي في هذه الصورة أنه يعتبر من ثلث المال وإن عفا عن القطع إن اقتصر عن القطع إن برأ صح العفو بلا خلاف من جميع المال وإن صار قاتلا فعلى قول أبي حنيفة العفو باطل وكان على عاقلة القاتل الدية، وعندهما العفو جائز كما لو عفا عن القطع وعما يحدث منه إلا إنه إن عفا في حالة حكم الصحة بأن كان يذهب ويجئ يصح من جميع المال، وعلى قياس رواية المنتقي من ثلث المال، وإن عفا في حال حكم المرض بأن صار صاحب فراش يعتبر من ثلث المال. ولو قال عفوت عن الجناية أعن القاطع وما يحدث منه كان عفوا عند دية النفس بالاجماع حت ء إذا مات سقط كل الدية فيه غير أنه يعتير من الثلث في الخطأ لان موجبه المال وقد تعلق به حق الورثة فيعتبر من الثلث كسائر أمواله بخلاف ما إذا كان عمدا حيث يصح من جميع المال لان موجبه القصاص ولم يتعلق بحق الورثة لانه ليس بمال. قال في العناية: فيه بحث وهو أن القصاص موروث بالاتفاق فكيف لم يتعلق به حق الورثة ثم قال: والجواب عنه أن المصنف نفي تعلق حق الورثة به لا كونه موروثا ولا تنافي بينهما لان حق الورثة إنما يثبت بطريق الخلافة وحكم الخلف لا يثبت مع وجود الاصل. والقياس في المال أيضا أن لا يثبت فيه تعلق حق الورثة إلا بعد موت المورث لكن ثبت ذلك شرعا بقوله عليه الصلاة والسلام لان تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس وتركهم أغنياء إنما يتحقق بتعلق حقهم بما يتعلق به التصرف فيه والقصاص ليس بمال فلا يتعلق به لكنه موروث ا ه‍. أقول: في تقرير البحث المذكور

[ 57 ]

خلل فاحش وفي تحرير الجواب المزبور التزام ذلك، أما الاول فلانه سيجئ‌في أول باب الشهادة في القتل أن القصاص ثبت لورثة القتيل ابتداء لا بطريق الوراثة منه كالدين والدية، فقوله أن القصاص موروث بالاتفاق كذب صريح وقد مر نظير هذا من صاحب العناية في الفصل السابق وثبت بطلانه هناك أيضا فتذكر. وأما الثاني فلانه لم يقع التعرض فيه لكونه القصاص غير موروث من المقتول عند إمامنا الاعظم بل سبق الكلام على وجه يشعر بكونه موروثا بالاتفاق ألا ترى إى قوله في خاتمته والقصاص ليس بمال فلا يتعلق به لكونه موروثا. وفي المحيط: ويكون هذا وصيللعاقلة، سواء كان القاتل واحدا منهم أو لم يكن لان الوصية للقاتل إذا لم تصح للعاقلة كمن أوصى لحي وميت فالوصية كلها للحي ا ه‍. وظهر هنا من قول صاحب المحيط وصية للعاقلة فساد ما اعترض به من الوصية للقاتل لا تصح ومن أن القاتل كواحد من العاقلة فكيف جازت الوصية له بجميع الثلث فتأمل. ويظهر من أن القول بأنه وصية أنه لو لم يكن له مال في العمد تسعى العاقلة في ثلثي الدية وفي الخطأ إن خرجت الدية من الثلث فلا سعاية، ولو لم تخرج من الثلث يسقط بقدر ما يخرج وتسعى العاقلة في البقية كما سيأتي في نظائره في كتاب الوصايا وهذا من خصائص هذا الكتاب. قال رحمه الله: (وإن قطعت امرأة يد رجل عمدا أو تزوجها على اليد ثم مات فلها مهر مثلها والدية في مثلها وعلى عاقلتها لو خطأ) يعني لو تزوج امرأة على قطعها يده عمدا فمات الزوج منه فلما مهر مثلها والدية في مالها وعلى عاقلتها لو خطأ وهذا قول الامام. ولم يفصل المؤلف بين ما إذا مات قبل الدخول أو بعده لكن في قوله مهر المثل يشير إلى أنه بعد الدخول. وفي الكافي: إما أن يكون القطع عمدا أو خطأ وكل مسألة على ثلاثة أوجه: إما أن تزوجها على القطع أو على القطع وما يحدث منه أو على الجناية وقد برئ من ذلك أو مات، فإن كان القطع عمدا وبرئ من ذلك صحت التسمية وصار أرش اليد مهرها لها عندهم جميعا. قال الشارح: فإذا كان القطع عمدا فهدا تزوج على القصاص في الطرف وهو ليس بمال على تقدير الاستيفاء وعلى تقدير وعلى تقدير السقوط أولا، فإذا لم يصلح مالا لا يصلح مهرا فيجب لها مهر المثل إذا مات ولا يجب القصاص لا يقال لا يجري القصاص بين الرجل والمرأة في الاطراف فكيف يكون تزويجا عليه لانا نقول: الموجب الاصلي في العمد القصاص وإنما سقط للتعذر ثم تجب عليه الدية فإذا سرى تبين أنه قتل ولم يتناوله العفو فتجب الدية لعدم العفو عن النفس وذلك في مالها لان العاقلة لاتتحمل العمد. ا ه‍. قال في النهاية فإن قلت: لم لم يجب القصاص ههنا على المرأة مع أن القطع كان عمدا وهي قتل من الابتداء

[ 58 ]

فإذا مات ظهر أن الموجب الاصلي هو القصاص ولما لم يصلح القصاص مهرا صار كأنه تزوج ولم يذكر شيئا وفيه القصا ص فكذا ههنا. قلت: نعم كذلك إلا أنه لما جعل القصاص مهرا جعل ولاية استيفاء القصاص للمرأة، ولو استوفت القصاص تستوفيه من نفسها وهو محال ولما سقط القصاص بقي النكاح بلا تسمية فيجب مهر المثل كما إذا لم يسم ابتداء ا ه‍. ولو تزوجها على موجب القطع جاز فإن طلقها بعد الدخول بها أو مات عليها سلم لها جميع الارش، وإن طلقها قبل الدخول بها سلم لها من ذلك ألفان وخمسمائة ورد على الزوج ألفان وخمسمائة لانه تزوجها في الحاصل على خمسة آلاف، فإن طلقها قبل الدخول بها يسلم لها نصف ذلك ويلزمها أن ترد النصف على الزوج. هذا إذا أبرئ من القطع، وإن مات من ذلك فالتسمية باطلة عندهم جميعا ولها مهر مثلها. وقيد بقوله مهر مثلها المفيد أنه بعد الدخول لا قبل الدخول فلها المتعة، ثم القياس أن لا تجب عليها الدية في قول أبي حنيفة، وفي الاستحسان تجب الدية في مالها، وعلى قولهما صح العفو ولم يكن عليها لا قصاص ولا دية لو مات. هذا إذا تزوجها على القطع قيد بذكر اليد فقط لانه إذا تزوجها على القطع وما يحدث منه إن برئ من ذلك صار أرش يده مهرا لها عندهم جميعا ويسلم لها ذلك، وإن كان أكثر من مهرها مثلها، وإن مات من ذلك بطلت التسمية وكان لها مهر مثلها وسقط القصاص مجانا بغير شئ ولا ميراث لها من زوجها لانها قاتلته وعليها عدة المتوفي عنها زوجها. وقيد بقوله عمدا لانها إذا كانت الجناية خطأ وقد تزوجها على القطع إن برئ من ذلك صار أرش يده مهرا لها، فإن دخل بها أو مات عنها سلم لها جميع ذلك وسقط عن العاقلة، وإن طلقها قبل الدخول بها سلم لها نصف ذلك وذلك ألفان وخمسمائة وتؤدي العاقلة ألفين وخمسمائة إلى زوجها، فأما إذا مات من ذلك بطلت التسمية في قول أبي حنيفة وكان لها مهر مثلها وعلى عاقلتها دية الزوج، وعندهما تصح التسمية وتصير دية الزوج مهرا لها، فأما إذا تزوجها على القطع وما يحدث أو على الجناية إن برئ من ذلك صار أرش يده مهرا لها وإن مات ثم ينظر إلى مهر مثلها وإلى الدية، فإن كان مهر المثل مثل الدية لا شك أن الكل يسلم لها سواء تزوجها بعد القطع في حال ما يجئ ويذهب أو بعد ما صار صاحب فراش. وإن كان مهر مثلها أقل من الدية، فإن كان تزوجها في حال يجئ ويذهب أو بعد ما صار صاحب فراش. وإن كان مهر مثلها أقل من الدية، فإن كان تزوجها في حال يجئ ويذهب فالكل يسلم لها، وإن كانت الزيادة إلى تمام الدية تخرج من ثلث مال الزوج وتعتبر الزيادة على مهر مثلها وصية للعاقلة، وإن كانت لا تخرج الزيادة على مهرها مثلها من ثلث ماله فيقدر ما يخرج من الثلث يسقط عن العاقلة ويعتبر ذلك وصية لهم. هذا إذا لم يطلقها الزوح قبل موته حتى مات، فإن طلقها قبل موتها قبل الدخول بها سلم لها من ذلك خمسة آلاف مهر مثلها وصية للعاقلة ويسقط عن العاقلة، وإن كان مهر مثلها أقل من خمسة آلاف إن كانت الزيادة على غير مهر مثلها إلى تمام خمسة آلاف يخرج من ثلث ماله

[ 59 ]

فكذا يسقط عن العاقلة خمسة ألاف، وإن كان لا يخرج فبقدر مايخرج من الثلث مقدار مهر مثلها يسقط عن العاقلة ويردون الباقي إلى ورثة الزوج وكذلك إن تزوجها على الجناية فالجواب فيه من أوله إلى آخره كالجواب فيما إذا تزوجها على القطع، وما يحدث به اسماعيل بن عمار عن أبي يوسف في رجل قتل عمدا وله وليان فصالح واحد وليتي القاتل عن جميع الدين على خمسين ألفا فللذي صالح خمسة وعشرون ألفا والآخر الباقي، وهذا إذا تزوجها المقطوع يده، فلو تزوجها وليه قال امرأة قتلت رجلا خطأ فتزوجت ولي المقتول على الدية التي وجبت على العاقلة فذلك جائز والعاقلة برأت، فإن طلقها قبل الدخول بها رجع على العاقلة بنصف الدية. رجل شج رجلا موضحة عمدا أو صالحه المشجوج عن الموضحة وما يحدث منها على مال مسمى قبضه ثم شجه رجل آخر موضحة عمدا ومات من الموضحتين فعلى الآخر القصاص ولا شئ على الاول، وكذلك لو كان الصلح مع الاول بعد ما شجه الآخر قال أبو الفضل: فقد استحسن في موضع آخر من هذا الكتاب أن له القصاص على الآخر إذا كان شجه بعد صلح الاول. رجل شج رجلا موضحة عمدا وصالحه عنها وما يحدث عنها على عشرة آلاف درهم وقبضها ثم شجه آخر خطأ ومات منها فعلى الثاني خمسة آلاف درهم عل عاقلته ويرجع الاول في ماله المقتول بخمسة آلاف درهم، وإن كانت الشجتان عمدا جاز إعطاء الاول وقتل الآخر، الاسبيجابي جامع الفتاوي. وعن أبي يوسف في جامع: إذا صالح الشاج من موضحة الخطأ على خمسمائة درهم ثم مات منها يحط عن العاقلة الثلث وبطل الصلح ويرجع الشاج بما دفع. وفي الكبرى: وهذا الجواب على قولهما خاصة، أما على قول أبي حنيفة فالصلح والعفو عن الشجة لا يتناول ما يحدث منها، فإذا مات المشجوج ها هنا صار وجود الصلح كعدمه عنده، ولو انعدم الصلح عنده فالدية على عاقة الشالج كذا هنا. وفي الظهيرية: وإن وقع الصلح على خمسة عشر ألفا بعد قضاء القاضي بعشرة آلاف فهذا الصلح باطل لما فيه من الزيادة على الدية، وإن كان المقضي به مائة من الابل فاصطلحا على مائة وخمسين إن وقع اصلح نسيئة لا شك أنه لا يجوز، وإن كان يدا بيد إن كان الابل بأعيانها ثم اصطلحوا على مائة وخمسين من الابل بأعيانها كان ذلك جائزا هذا إذا وقع الصلح على أكثر من النوع الذي وقع به القضاء، أما إذا وقع الصلح على أقل مما وقع به القضاء فإنه يجوز حالا ونسيئة، وإذا اصطلحا على خلاف جنس ما وقع به القضاء وقد صالحه على أكثر مما قضى به فإنه يجوز. هذا الذي ذكرنا إذا اصطلحا بعد القضاء أو الرضا، أما إذا اصطلحا قبل القضاء إن كان المصالح عليه أكثر من الدية فإنه لا يجوز. ابن سماعة عن محمد في رجل جرحه رجلان جراحة عمدا فقضى بالقصاص على أحدهما ثم مات من الجراحتين قال: لورثته أن يقتلوا الآخر، ولو جرحه رجل

[ 60 ]

جراحة عمدا وعفا عنه ثم جرحه آخر عمدا فلم يعف حتى مات منهما فلا قود على الثاني. وسئل أبو سلمة عجماعة كانوا يرمون على كل كلب عقور فأخطأ واحد منهم فأصاب صغيرة فماتت وعر ف أن هذا سهم فلان ولكن لم يشهد أحد أنه رماه فلان فصالح صاحب السهم على كرم ثم طلب المصالح رد الصلح قال: إن كان يعلم أن المصالح هو الذي جرحها وأن الصبية ماتت من تلك الجراحة فالصلح ماض، فإن علم أن الجارج صاحب السهم ولكن استغاثت الصغيرة بأبيها فلطمها أبوها فسقطت وماتت ولم يدر أنها ماتت من اللطمة أو من الرمي قال: فإن كان الصلح من الاب بإذن سائر الورثة فالصلح جائز والبدل لسائر الورثة ولا ميراث للاب، وإن كان الميراث بغير إذنهم فالصلح باطل. وفي نوادر هشام قال: سألت محمدا عند قلع سن صبي أو حلق رأس امرأة فصالح الجاني أبا الصبي والمرأة على دراهم ونبت الشعر أو السن فأخبر أن أبا حنيفة يرد الدراهم قال: وكذلك أقول، وكذلك قول محمد قال: وكذلك إن كان هذا كسر يده فصالحه عنها ثم جبرت وصحت؟ قال: نم. قلت: فإن زعم صاحب اليد أن يده قد ضعفت وليست كما كانت قال: أمر من ينظر إليها فإنه لا يكاد يخفي. قال رحمه الله: (وإن تزوجها على اليد وما يحدث منها أو على الجناية فمات منه فلها مهر المثل) كما لو تزوجها على خمر أو خنزير وقد تقدم. قال رحمه الله: (ولا شئ عليها) لانه رضي بسقوط القصاص على أنه يصير مهرا وهو لا يصير مهرا فسقط أصلا فصار كما إذا سقط القصار بشرط أن لا يصير مالا فإنه يسقط مجانا وقد تقدم. قال رحمه الله: (ولو خطأ رفع عن العاقلة مهر مثلها ولهم ثلث ما ترك وصية) لان التزوج على اليد وما يحدث منها أو على الجناية تزوج على موجبها وموجبها هنا الدية وهي تصلح مهرا فصحت التسمية إلا أنه يقدر مهر مثلها يعتبر من جميع المال لانه ليس فيه محاباة والمريض لا يجر عليه من التزوج لانه من الحوائج الاصلية فينفذ قدر مهر مثلها من جميع المال، وما زاد على ذلك من الثلث لانه تبرع والدية على عاقلتها وقد صارت مهرا فيسقط كلها عنهم إن كان مهر مثلها مثل الدية أو أكثر، ولا يرجع عليهم بشئ لانهم كانوا يتحملون عنها بسبب جنايتها، فإذا صار ذلك ملكا لها يسقط عنهم أصلا فلا يغرمون لها، وإن كان مهر مثلها أقل من الدية سقط عنهم أيضا لانه وصيته لهم فيصح لانهم أجانب، وإن كان لا يخرج من الثلث سقط عنهم قدر الثلث وأدوا الزيادة إلى الولي لان الوصية لا نفاذ لها إلا من الثلث. ثم قيل لا يسقط قد نصيب القاتل لان الوصية للقاتل لا تصح، والاصح أنه يسقط كله لانه أوصى لمن تجوز له الوصية فهو كن أوصى لحي وميت فإن الوصية كلها تكون للحي، ولانه لو لم يسقط نصيبه لكان ذلك القدر هو الواجب بالقتل فتتحمله العاقلة عنه فينقسم أيضا فيلزم مثل ذلك عن نصيبه منه أيضا ثم هكذا وهكذا إلى أن لا يبقى منه شئ، فلو أبطلنا الوصية في صحته ابتداء لزمنا

[ 61 ]

تصحيحها انتهاء فصححناها ابتداء قصر للمسافة. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: كذلك الجواب فيما إذا تزوجها على اليد أيضا العفو عن اليد عفو عما يحدث منه عندهما فصار الجواب في الفصلين واحدا. وأقول: في عبارة المصنف احتمال آخر وهو أنه يجوز أن يكون معناها وللعاقلة ثلث ما ترك الميت وصية فيشمل الدية وغيرها، ولو قال المؤلف ولو خطأ دفع عن العاقلة مهر مثلها والباقي وصية فإن خرج من الثلث سقط وإلا فثلث المال لكان أولى، وقول المؤلف رفع إلى آخره فأفاد أن مهر المثل أقل من الدية كما بيناه. قال رحمه الله: (ولو قطع يده فاقتص له فمات الاول قتل به) يعني رجل قطع يد رجل فاقتص له فمات المقطوع الاول قتل المقطوع الثاني به وهو القاطع الاول قصاصا لانه تبين أن الجناية كانت قتلا عمدا من الاول واستيفاء الحق الاول لا يوجب سقوط حقه في القتل لان من له القصاص في النفس إذا قطع طرف من عليه القصاص ثم قتله لا يجب عليه شئ إلا أنه مسئ ألا ترى أنه لو أحرقه بالنار لا يجب عليه شئ غير الاساءة، فإذا بقي له فيه القصاص فلو ارثه أن يقوم مقامه. وعن أبي يوسف أنه يسقط حقه في القصاص لان إقدامه على القطع دليل على أنه أبرأه عن غيره قلنا: إنما قدم عليه على ظن أنه حقه فيه لا حق له في غيره وبعد السراية تبين أن حقه في القول فلم يكن مبرئا عنه بدون علمه. قيد بقوله الاول لانه لو مات المقتص منه وهو المقطوع قصاصا من القطع فديته على عاقلة المقتص له عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي: لا شئ عليه لانه استوفى حقه وهو القطع فيسقط حكم سرايته إذا لامتناع عن السراية خارج عن وسعه فلا يتقيد بشرط السلامة كيلا ينسد باب القصاص فصار كالامام، وإذا قطع يد السارق فسرى إلى النفس ومات كالنزاع والفصاد والحجام والختان وكما لو قال لغيره اقطع يدي فقطعهما ومات، وهذا لان السراية تبع لابتداء الجناية فلا يتصور أن يكون ابتداء الفعل غير مضمون وسرايته مضمونة. ولابي حنيفة أن حقه في القطع والموجود قتل حتى لو قطع ظلما كان قتلا فلم يكن مستوفيا حقه فيضمن، وكان القياس أن يجب القصاص إلا أنه سقط للشبهة فوجبت الدية بخلاف ما ذكروا من المسائل لان إقامة الحد واجب على الامام. قال رحمه الله: (وإن قطع يد القاتل وعفا ضمن القاتل دية اليد) وهذا عند الامام. قال في الكافي: ولا فرق بين ما إذا قضى له بالقصاص أو لا. وعندهما لا شئ عليه يعني لو قتل إنسان آخر عمدا فقطع وله المقتول يد القاتل وعفا ضمن الدية. أطلق فشمل ما إذا كان قتل فقط أو قتل وقطع وما إذا مات من القطع أو برأ وليس كذلك. فلو قال المؤلف في قتل فقط لكان أولى لانه علم ما تقدم لو قطع وقتل له فعلهما، ولو قال دية اليد لو برأ لكان أولى لانه محل الخلاف لهما أنه قطع يدا من نفس لو أتلفها لا يضمن كما لو قطع يد مرتد ثم أسلم ثم سرى، وهذا لانه استحق إتلافه بجميع أجزائه إذ الاجزاء تبع

[ 62 ]

للنفس فبطل حقه بالعفو فيما بقي لا فيما استوفاه. ولهذا لو لم يعف لا يجب عليه ضمان اليد، وكذا إذا عفا ثم سرى لا يضمن والقطع الساري أفحش من المقتصر، أو قطع وما عفاه وما سرى ثم جز رقبته قبل البرء وبعد فصار كما لو كان له قصاص في اليد فقطع أصابعه ثم عفا عن اليد فإنه لا يضمن أرش الاصابع الاصابع من الكف كالاطراف من النفس. ولابي حنيفة أنه استوفي غير حقه فيضمن، وهذا لان حقه في القتل لا في القطع، وكان القياس أن يجب القصاص إلا أنه سقط للشبهة إذ كان له أن يتلف الطرف تبعا للنفسه، وإذا سقط القود وجبت الدية. وإنما لم يضمن في الحال لاحتمال أن يصير قتلا بالسراية فيظهر أنه استوفى حقه وحقه في الطرف ثبت ضرورة ثبوت القتل وهذه الضرورة عند الاستيفاء لا قبله، فإذا وجد الاستيفاء ظهر حقه في الاطراف تبعا، وإذا لم يستوف لم يظهر حقه في الطرف لا أصلا ولا تبعا فتبين أنه استوفى غير حقه، فأما إذا لم يعف فإنما لم يضمن لمانع وهو قيام الحق في النفس لاستحالته أن يملك قتله وتكون أطرافه مضمونة عليه، فإن زال المانع بالعفو ظهر حكم السبب. وإذا سرى فهو استيفاء للقتل فتبين أن العفو كان بعد الاستيفاء. ولو قطع وما عفا وبرأ فهو على الخلاف في الصحيح، ولو قطع ثم حزر قبته قبل البرء فهو استيفاء لان القطع انعقد على وجه يحتمل السراية وكان حز رقبته تتميما لما انعقد له القطع فلا يضمن حتى لو حز رقبته بعد البرء فهو على الخلاف في الصحيح على أنا لا نسلم ظهور حقه عند الاستيفاء في التواقع وإنما دخلت في النفس لعدم إمكان التحرز عن إتلافها والاصابع تابع قياما والكف تابع لها عرضا لان منفعة البطش تقوم بالاصابع بخلاف الطرف فإنه تابع للنفس من كل وجه والله أعلم. باب الشهادة في القتل لما كانت الشهادة في القتل أمرا متعلقا بالقتل أوردها بعد ذكر حكم القتل لان ما يتعلق بالشئ يكون أدنى درجة من ذلك الشئ. قال رحمه الله: (ولا يقيد حاضر بحجته إذا أخوه غاب عن خصومته فإن بعد لا بد من إعادته ليقتلا ولو خطأ أو دينا لا) يعني إذا قتل رجل وله وليان بالغان عاقلان أحدهما حاضر والآخر غائب فأقام الحاضر بينة على القتل لا يقتل قصاصا، فإن عاد الغائب فليس لهما أن يقتلا بتلك البينة بل لا بد لهما من إعادة البينة للقتل عند الامام. وقالا: لا يعيد ولو كان القتل خطأ أو دينا لا يعيدها بالاجماع، وأجمعوا على أن القاتل يحبس إذا أقام الحاضر البينة لانه صار متهما بالقتل والمتهم يحبس، وأجمعوا على أنه لا يقضي بالقصاص ما لم يحضر الغائب لان المقصود والقصاص والحاضر لا يتمكن من الاستيفاء

[ 63 ]

بالاجماع بخلاف ما إذا كان خطأ أو دينا فإنه يتمكن من استيفاء نصيبه في غيبة الآخر فلم تجب إعادتها بعد، والوارث ينتصب خصما عن نفسه وعن شركائه فيما يدعي للميت وعلى الميت. ولابي حنيفة أن القصاص غير موروث لانه يثبت بعد الموت للتشفي ودرك الثأر والميت ليس من أهله وإنما يبت للورثة ابتداء بطريق الخلافة بسبب انعقد للميت أي يقومون مقامه فيستحق به ابتداء من غير أن يثبت للميت كالعبد يقبل الهدية يقع الملك فيها للمولى ابتداء بطريق الخلافة عنه. وإنما كان كذلك لان القصاص ملك الفعل في المحل بعد موت المجروح ولا يتصور الفعل من الميت لهذا صح عفو الورثة قبل موت المجروح وإنما صح عفو المجروح لان السبب انعقد له وفي قوله تعالى * (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) * (الاسراء: 33) نص على أن القصاص يثبت للوارث ابتداء بخلاف الدية والدين لان الميت أهل لملك المال، ولهذا لو نصب شبكة وتعلق بها صيد بعد موته يملكه، وأصل الاختلاف راجع إلى أن استيفاه القصاص حق الورثة عنده، وحق الميت عندهما، فإذا كان القصاص يثبت حقا للورثة عنده ابتداء لا ينتصب أحدهم خصما عن الآخر في إثبات حقهم بغير وكالة منه، وبإقامة الحاضر البينة لا يثبت القصاص في حق الغائب فيعيدها بعد حضور ليتمكن من الاستيفاء، ولا يلزمه أن القصاص إذا انقلب ما لا يصير حقا للميت لانه إذا انقلب مالا صار صالحا لقضاء حوائجه فصار مفيدا بخلاف القصاص ولا يصح الاستدلال بصحة عفو المورث لانه إنما يصح في جواب الاستحسان لوجود سببه على ما بينا وهو الاستدلال معارض بعفو الوارث فإنه يجوز أيضا قبل موت المورث بعد الجرح استحسانا لوجود السبب، فلولا أن الحق يثبت فيها له ابتداء لما صح عفوه. أقول: فيه بحث لان ما تمسكا به لا ينهض حجة على أبي حنيفة رحمه الله، وما تمسك به وينهض حجة عليهما فكيف يتحقق التدافع؟ وذلك أن القصاص وإن كان حقا للوارث عنده باعتبار ثبوته للوارث بناء على القصاص لا يثبت إلا بعد الموت والميت ليس من أهل أن يثبت له هذا الحق لانه شرع للتشفي ودرك الثأر والميت ليس بأهل لذلك لكنه حق للمورث أيضا عنده باعتبار انعقاد سببه الذي هو الجناية في حق المورث، وقد صرح به كثير من أصحاب الشروح فأبو حنيفة رحمه الله راعى فيما نحن فيه جهة كون القصاص حقا للوارث فقال باشتراط إعادة البينة إذا حضر الغائب احتيالا للدرء، وقال بصحة العفو منه أيضا احتيالا للدرء أيضا، وأما عندهما فالقصاص حق ثابت للمورث ابتداء من كل الوجوه ثم ينتقل بعد موته إلى الوارث بطريق الوراثة كسائر أملاكه فيتجه عليهما المؤاخذة بصحة العفو من الوارث حال حياة الموروث بالاجماع فتدبر. قال رحمه الله: (فإن أثبت القاتل عفو الغائب لم يعد) معناه أن القاتل لو أقام بينة أن الغائب قد عفا عنه كان الحاضر خصما وسقط القصاص ولا تعاد البينة لو حضر لانه ادعى حقا على الحاضر وهو سقوط حقه في القصاص وانقلاب نصيبه مالا ولا يتمكن من إثباته إلا

[ 64 ]

بإثبات العفو من الغائب فانتصب الحاضر خصما عن الغائب في الاثبات عليه بالبينة، فإذا قضى عليه صار الغائب مقتضيا عليه تبعا له. قال رحمه الله: (وكذا لو قتل عبدهما وأحدهما غائب) أي لو كان عبد بين رجلين فقتل عمدا واحد الموليين غائب فحكمه مثل ما ذكرنا أحد في الوليين حتى يقتل بينة أقامها الحاضر من غير إعادة بعد عود الغائب، ولو أقام القاتل البينة أن الغائب قد عفا فالشاهد خصم ويسقط القصاص لما بينا فحاصله أن هذه المسألة مثل الاولى في جميع ما ذكرنا إلا أنه إذا كان القتل عمدا أو خطأ لا يكون الحاضر خصما عن الغائب بالاجماع، والفرق لهما في الكل. ولابي حنيفة في الخطأ. أن أحد الورثة خصم عن الباقين على ما بينا ولا كذلك أحد الموليين على ما عرف في موضعه وقدمنا له مزيد بيان عند ذكر الكبير والصغير فارجع إليه. قال رحمه الله: (وإن شهد وليان بعفو ثالثهما لغت) أي إذا كان أولياء المقتول ثلاثة فشهد اثنان منهم على الثالث أنه عفا فشهادتهما باطلة لانهما يجران لانفسهما نفعا وهو انقلاب القود مالا وهو عفو منهما وزعمهما معتبر في حق أنفسهما إطلاق في قوله بعفو ثالثهما فشمل ما إذا كان في العمد والخطأ. وقيد في المحيط الخطأ حيث قال: فشهادتهما جائزة في الخطأ إذا لم يقبضا نصيبهما ا ه‍. وإنما قيد به لانهما إذا قبضا نصيبهم لم يحتاجا إلى إثبات عفو الغائب لان العفو حصل منهما وهو قيد حسن لا بد منه، ولو قيد به المؤلف لكان أولى. وذكر في المبسوط في كتاب الصلح: والمأذون في دين بين ثلاثة شهد اثنان على الثالث أنه أبرأ عن نصيبه لا تقبل لان شهادتهما تجر لانفسهما نفعا لان شهادتهما تقطع شركة المشهود عليه في الباقي من الدين فلا تقبل كما لو شهد أنه أبرأه عن نصيبه بعد ما قبضا نصيبهما. وجه هذه الرواية التي ذكرها المؤلف أنهما بشهادتهما لا يثبتان لانفسهما حق المشاركة للمشهود عليه لانهما لم يقبضا شيئا من الدين ولا حولا نصيبهما مالا. وإنما منعت ثبوت المشاركة للمشهود عليه متى قبضا نصيبهما والشاهد يملك المنع ولا يملك الابطال، وإذا شهد شاهدان بالعفو على الخطأ فقضي به ثم رجعا ضمنا ما أتلفاه نصفين لانهما أبطلا على المشهود عليه دينا مؤجلا فيضمنان لذلك. شهد شاهدان على ولي الدم أنه أخر القاتل اليوم إلى الليل على جعل معلوم لم يكن عفوا ولا مال له لان تأخير الحق لا يقتضي سقوطه فكذا تأجيل القتل لا يقتضي سقوطه والمال باطل لانه لو وجب عوضا عن الاجل والاعتياض عن الاجل باطل. ولو شهد على أنه أخذ الجعل على أن يعفو عنه يوما كان صلحا لانه عفا عن القصاص يوما والعفو لا يقبل التأقيت فصح العفو وبطل التأقيت، وصار كما لو طلق امرأته وأعتق عبده على ألف إلى الليل جاز الصلح وبطل التأقيت فكذا هذا. وقوله على أن يعفو ولم يخرج مخرج العدة وإنما يراد به الاخبار كالرجل يقول للمرأة

[ 65 ]

تزوجتك على ألف درهم فقبلت فهو نكاح فكان المراد منه الايجاب فكذا هذا. قال رحمه الله: (فإن صدقهما القاتل فالدية لهم اثلاثا) أي صدقهما القاتل دون الولي المشهود عليه لان تصديقه لهما إقرار لهما بثلثي الدية ويلزمه لانهم كانوا يزعمون أن نصيب الولي المشهود عليه قد سقط بعفوه وهو ينكر فلا يقبل قولهم عليه فوجب عليه كل الدية وللمنكر ثلثها. قال رحمه الله: (وإن كذبهما فلا شئ لهما وللآخر ثلث الدية) أي إن كذبهما القاتل أيضا بعد أن كذبهما الولي المشهود عليه بالعفو فلا شئ للوليين الشاهدين لان شهادتهما عليه إقرار ببطلان حقهما عليه في القصاص فصح إقرارهما في حق أنفسهما، وإن ادعيا انقلابهما مالا فلا يصدقا في دعواهما إلا ببينة، وللولي المشهود عليه ثلث الدية لان شهادتهما عليه بالعفو وهو ينكر بمنزلة إقرارهما بالعفو فينقلب نصيبهما مالا. وفي النهاية: وإن كذبهما المشهود عليه يجب على القاتل فية كاملة بينهم اثلاثا فجعل الضمير فاعل كذبهما المشهود عليه لا القاتل. قال الشارح: وإن صدقهما الولي المشهود عليه وحده دون القاتل ضمن القاتل ثلث الدية للولي المشهود عليه لانه أقر له بذلك. فإن قيل: كيف له الثلث وهو قد أقر أنه لا يستحق على القاتل شيئا بدعواه العفو؟ قلنا: ارتد إقراره بتكذيب القاتل إياه فوجب له ثلث الدية عليه. وفي الجامع الصغير: كان هذا الثلث للشاهدين لا للمشهود عليه وهو الاصح لان المشهود عليه يزعم أنه قد عفا أو لا شئ له وللشاهدين على القاتل ثلث الدية دينا في ذمته والذي في يده وهو ثلث الدية مال القاتل وهو من جنس حقهما فيصرف إليهما لاقراره لهما بذلك كمن قال لفلان علي ألف درهم فقال المقر له ليس ذلك لي وإنما هو لفلان فإنه يصرف إليه فكذا هنا، وهذا كله استسحان. والقياس أن لا يلزم القاتل شئ لان ما ادعاه الشاهدان على القاتل لم يثبت لانكاره. وما أقر به القاتل للمشهود عليه قد بطل بإقراره بالعفو لكونه تكذيبا له. وجوابه أن القائل بتكذيب الشاهدين قد أقر للمشهود عليه بثلث الدية لزعمه أن القصاص قد سقط بشهادتهما كما إذا عفا والمقر له لم يكذب القاتل حقيقة بل أضاف الوجوب إلى غيره فجعل الواجب للشاهدين وفي مثله لا يرتد الاقرار كمن قال لفلان علي كذا فقال المقر له ليس لي ولكنه لفلان على ما بينا. قيد المؤلف بقوله ولو شهد اثنان وإن كان الحكم في الواحد كذلك لانه إذا علم أن شهادة الاثنين باطلة علم ببطلان شهادة الواحد الفرد من باب أولى. ولم يتعرض لما إذا شهدا معا أو متعاقبا ونحن نذكر ذلك ونذكر شهادة الفرد تتميما للفائدة. وقال في المبسوط: له وليان اثنان فشهد أحدهما على صاحبه أنه عفا فهو على قسمين: إما أن يشهد أحدهما على صاحبه بالعفو أو يشهد كل واحد منهما على صاحبه بالعفو. أما القسم الاول فهو على خمسة أوجه: إما أن يصدقه صاحبه والقاتل جميعا أو كذباه أو كذبه

[ 66 ]

صاحبه وصدقه القاتل أو على عكسه أو سكتا جميعا فالعفو واقع في المفصول كلها لان الشاهد متى أقر بعفو صاحبه فقد أقر بسقوط القصاص في نصيبه، وإذا سقط يسقط في نصيب الآخر كما لو عفا الشاهد عن نصيبه. وأما الدية إن تصادقا فاللشاهد نصف الدية لان الثابت بالتصادق والموافقة كالثابت بالمعاينة، وإن كذباه فلا شئ للشاهد ويجب للآخر نصف الدية لانه لما شهد بالعفو فقد أقر ببطلان حقه في القصاص فصح وادعى انقلاب نصيب نفسه مالا فلم يصدق ويحول نصيب الآخر مالا لان تعذر استيفاء القصاص في نصيبه من جهة غيره لان سقوط القصاص مضاف إلى شهادة بالعفو فكان بمنزلة العفو منه، وإن كذبه صاحبه وصدقه القاتل ضمن الدية بينهما لانه لما صدقه فقد أقر له بنصف الدية فلزمه وادعى بطلان حق المشهود عليه بالعفو فلم يصدق نصيب الساكت مالا لان في زعم الشاهد أن نصيبه تحول مالا بعفو صاحبه والقاتل صدقه فيه فوجب له نصف الدية على القاتل وفي نصيب صاحبه لم يسقط من جهته لانه لم يثبت عفوه في حقه لتكذيبه وإنما سقط بإقرارا الشاهد فينقلب نصيبه مالا. وإن كذبه القاتل وصدقه صاحبه ضمن نصف الدية للمشهود عليه ولا يضمن للشاهد شيئا. وقال زفر: لا شئ لهما لان الغفو ثبت في حقهما بتصادقهما ولم يثبت في حق القاتل لتكذيبه فسقط نصيب الشاهد ولم يجب لتكذيب نصف الدية فيبرأ القاتل. ولنا أن القاتل لما أكذب الشاهد في الشهادة بالعفو فقد كذبه فيما ادعى عليه من نصف الدية وأقر للمشهود عليه بنصف الدية في ماله لانه زعم أن نصيب المشهود عليه إنما سقط لمعنى جاء من قبل الشاهد لا من جهته فإنه أنكر عفو المشهود عليه، والمشهود عليه لما صدق الشاهد في شهادته فقد أقر بذلك المال للشاهد، والمقر له بالمال إذا قال للمقر ما أقررت به ليس لي وإنما هو لفلان كان المقر به لفلان كمن أقر بمائة لزيد فقال زيد هي لعمر وصارت المائة لعمرو فكذا هذا. وأما القسم الثاني لو شهد كل واحد منهما على صاحبه بالعفو فلا يخلو إما أن يشهدا معا أو متعاقبا، فإن شهدا معا إن كذبهما القاتل بطل حقهما لان كل واحد منهما أقر بسقوط القصاص في نصيبه نصف الدية وأنه وجب له على القاتل لان كل واحد منهما زغم أن حق العافي في القصاص قد سقط وانقلب نصيبه مالا فصح اقرارهما بسقوط القصاص لانهما لا يتهمان في حقهما، ولم يصح بالمال على القاتل لانه دعوى والدعوى لا تثبت إلا بحجة، وكذلك إن صدقهما القاتل لانه متى صدق أحدهما في عواه فقد كذب الآخر في دعواه من المال لان العافي لا يجب له شئ فقد تعارض التصديق والتكذيب بالشك فصار كأنه سكت. وإن صدقهما على التعاقب فلهما دية كاملة لانه صدق الاول في دعواه المال فقد كذب الثاني في دعواه المال، فإذا صدق الثاني بعد ذلك فقد صدقه بعدما كذبه والتصديق بعد التكذيب جائز، وبتصديق الثاني إن صار مكذبا فيما ادعاه إلا أنه كذبه بعدما نفذ حكم التصديق بالسكوت عليه وكان التكذيب منه رجوعا عن إقراره فلم يصح. وأما إذا شهد متعاقبا فإن

[ 67 ]

كذبهما القاتل فللشاهد آخرا نصف الدية ولا شئ للاول لان القاتل لما كذب الاول فقد زعم أن للثاني نصف الدية ولم يثبت عفوه ولم يوجد منه تكذيب القاتل في إقراره فوجب له نصف الدية، والاول قد أقر بسقوط القصاص في نصيبه بنصف دية وجبت له على القاتل وقد كذبه القاتل في ذلك فلم يثبت، وكذبه إن صدقهما معا فلا شئ للاول، وللثاني نصف الدية لانه تعارض التصديق والتكذيب منه في حق كل واحد منهما فتساقطا فصار كأنه سكت، ولو سكت يجب للثاني نصف الدية ولا يبطل بتكذيب القاتل لان تكذيب القاتل باطل في حق الثاني، وإن صدقه الثاني وكذبه الاول فللثاني نصف الدية ولا شئ للاول لانه ثبت عفو الاول في حق القاتل بتصديق الثاني في شهادته ولم يثبت عفو الثاني بتكذيب الاول في شهادته. ولو عفا أحد الوليين وعلم الآخر أن القتل حرام عليه فقتل عليه القصاص وله نصف الدية في مال القاتل لان قتله تمحض حراما، وإن لم يعلم بالحرمة فعليه الدية في ماله علم بالعفو أو لم يعلم لانه اشتبه عليه لان ظنه استند إلى دليل يوجب الاشتباه وهو القياس على سائر الحقوق المشتركة بين اثنين إذا أبرأ أحدهما لا يبطل حق الآخر فكانت ظنا في موضع الاشتباه فأورث شبهة لسقوط القصاص، ولهذا اشتبه على عمر رضي الله عنه مع جلالة قدره في العلم حيث شاور ابن مسعود في ذلك على ما ذكرنا. قال رحمه الله: (وأن أشهدا أنه ضربه فلم يزل صاحب فراش حتى مات يقتص) لان الثابت بالبينة كالثابت معاينة وفي ذلك القصاص على ما عرف، والشهادة على قتل العمد يتحقق على هذا الوجه لانه إذا كان مخطئا لا يحل لهم أن يظلقوه بل يقولون قصد غيره فأصابه لان الموت بسبب الضرب إنما يعرف إذا صار بالضرب صاحب فراش وأقام على ذلك حتى مات. قال الشارح: وتأويله إن شهدوا أنه ضربه بشئ جارح أقول قال في الكفاية: إنما أوله لتكون المسألة مجمعا عليها. قال في معراج الدراية: الاطلاق في الجامع الصغير إن كان قولهما فهو مجرى على إطلاقه، وإن كان قول الكل فتأويله أن تكون الآلة جارحة. قال جمهور الشراح: فإن قيل الشهود شهدوا على الضرب بشئ جارح ولكن الضرب به قد يكون خطأ فيكف يثبت القود مع أنهم لم يشهدوا أنه كان عمدا؟ قلنا: لما شهدوا أنه ضربه وإنما يشهدون أنه قصد غيره فأصابه وقالوا: كذلك ذكره شيخ الاسلام خواهر زاده. قال رحمه الله: (وإن اختلفا شاهد القتل في الزمان أو المكان أو فميا وقع به القتل أو قال أحدهما قتله بعصا وقال الآخر لم ندر بماذا قتله بطلت) ولو قال المؤلف ولو شهد أربعة بقتل واختلفوا في الزمان أو المكان أو فيما وقع به القتل أو قالا قتله بعصا وقال الآخر لم ندر بماذا قتله بطلت لكان أولى لانه إذا علم ببطلان شهادة المثنى عند الاختلاف علم بطلان شهادة الفرد

[ 68 ]

من باب أولى لان القتل لا يتكرر فالقتل في زمان أو في مكان غير القتل في مكان آخر أو في زمان آخر، وكذا القتل بآلة غير القتل بآلة أخرى وتختلف الاحكام باختلاف الآلة فكان على كل قتل شهادة فرد فلم تقتل، ولان اتفاق الشاهدين شر للقبول ولم يوجد، ولان القاضي يقضي بكذب أحدهما لاستحالة اجتماع ما ذكرنا فلا تقبل بمثله. وكذا لو كمل النصاب في كل واحد منهما لتيقن القاضي بكذب أحد الفريقين دون الآخر حيث يقبل الكامل منهما لعدم المعارض. أطلق في المكان وهو مقيد بالكبير قال شيخ الاسلام خواهر زاده في شرح ديات الاصل: إنهما إذا اختلفا في المكان والمكانان متقاربان كبيت صغير فشهد أحدهما أنه رآه قتله في هذا الجانب وشهد الآخر أنه قتله في الجانب الآخر فإنه تقبل الشهادة استحسانا، وكذلك لو اختلفا في الآلة. وفي الاسبيجابي: كما إذا كان قال أحدهما قتله بالسيف وقال الآخر قتله بالقصاص. وقيدنا بما ذكر لانهما لو اختلفا في القاتل لا تقبل كما سيأتي. واعلم بأن الكلام في الآلة على فصول: أحدها أن يتفقا على الآلة بأن شهدا أنه قتله عمدا بالسيف أو قتله بالعصا، فإن شهدا أنه قتله بالسيف إن ذكرا صفة التعمد بأن قالا قتله عمدا بالسيف فإنه تقبل شهادتهما ويقضى عليه بالقصاص، ولو قالا قتله بالسيف خطأ تقبل شهادتهما ويقضى بالدية على العاقلة، وإن سكتا عن ذكر صفة العمد والخطأ فهذا وما لو ذكرا صفة العمد سواء، وإن قالا لا ندري قتله عمدا أو خطأ فإنه تقبل هذه الشهادة ويقضى بالدية في مال القاتل، وهذا الذي ذكرنا أن الشهادة مقبولة جواب الاستحسان، والقياس أن لا تقبل هذه الشهادة. وإن شهدا أنه قتله بالعصا إن كان العصا صغيرا لا تقتل مثله غالبا فإنه تقبل الشهادة ويقضى بالدية عندهما جميعا كما لو ثبت معاينة سواء شهدا بالعمد أو بالخطأ أو أطلقا، وإن كان العصا كبيرا تقتل مثله غالبا فعلى قول أبي حنيفة الجواب عنه كالجواب فيما لو شهدوا أنه قتله بالسيف، وأما إذا بين أحدهما الآلة وقال الآخر لا أدري بماذا قتله فلان المطلق يغاير المقيد لانه معدوم والمقيد موجود فاختلفا. وكذا أيضا حكمهما مختلف فإن من قال قتله بعصا يوجب الدية على العاقلة، ومن قال لا أعلم بماذا قتله على القاتل فاختلف المشهود به فبطلت وهو المراد بقوله وقال أحدهما قتله بعصا وقال الآخر لم ندر بماذا قتله. وكذا لو شهد أحدهما بالقتل معاينة والآخر على إقرار القاتل بذلك كان باطلا لاختلاف المشهود به، فإن شهد أحدهما بالقتل معاينة والآخر على إقرار القاتل بذلك كان باطلا لاختلاف المشهود به فإن أحدهما فعل يوجب القصاص والآخر الدية. قال رحمه الله: (وإن شهدا أنه قتله وقالا لا ندري بماذا قتله) يعني بأي شئ قتله وجب عليه الدية في ماله استحسانا، والقياس أن لا تقبل هذه الشهادة أصلا لانهما شهدا بقتل مجهول لان الآلة إذا جهلت فقد جهل القتل لان القتل يختلف حكمه باختلاف الآلة فيكون

[ 69 ]

هذا غفلة من الشهود. وجه الاستحسان أنهما شهدا بقتل مطلق والمطلق ليس بمجهول لامكان العمل به فيجب أقل موجبه وهو الدية فلا يحمل قولهما لا ندري على الغفلة بل يحمل على أنهما سعيا للدرء المندوب إليه في العقوبات استحسانا للظن ومثل ذلك سائغ شرعا لان الشرع أطلق الكذب في إصلاح ذات البين على ما قاله عليه الصلاة والسلام ليس بكذاب من أصلح بين اثنين فقال خيرا أو انمى خيرا فهذا مثله أو أحق منه فحمل عليه فلا يثبت جهلهما أو اختلافهما بالشك. وإنما وجبت الدية في ماله دون العاقلة لان المطلق يحمل على الكمال فلا يثبت الخطأ بالشك. وقال محمد رحمه الله: رجل قتل وله وليان لا وراث له غيرهما فأقام أحدهما وهو عبد الله بينة على صاحبه وهو زيد أنه قتله عمدا وأقام زيد على أجنبي بينة أنه قتله عمدا قبلت البينتان عند أبي حينفة رحمه الله وعلى الولي المشهود عليه وهو زيد نصف الدية في ماله لصاحبه، وعلى المشهود عليه الاجنبي نصف الدية في ماله لصاحبه، وإن كان القتل خطأ فعلى عاقلة كل واحد منهما نصف الدية. وقال أبو يوسف ومحمد: بينة الابن على أخيه أولى ويقضى له على الاخ المشهود عليه بالقود إن كان عمدا وإن كان خطأ فله الدية على عاقلته وبطلت بينة الابن المشهو دعليه بالقود. واختلف المشايخ في الميراث، قال بعضهم: الميراث بينهما أرباعا ثلاثة أرباع لعبد الله وربعه لزيد. وقال بعضهم: الميراث بينهما نصفان وهو الاصح. ولو أقام كل واحد منهما البينة على صاحبه أنه قتل أباهما عمدا أو خطأ فعلى قول أبي يوسف ومحمد تهاترت البينتان ولا تجب الدية والميراث بينهما، وأما على قول أبي حينفة يقضى لكل واحد منهما على صاحبه بنصف الدية إن كان القتل عمدا ويتقاصان، وإن كان خطأ فعلى عاقلة كل منهما الدية، ولو كان البنون ثلاثة فأقام عبد الله على زيد بينة أنه قتل الاب وأقام محمد وزيد على عبد الله أنه قتل الاب فهنا تقبل البينتان بالاتفاق ولا يجب القصاص على واحد منهم بالاتفاق، ثم على قول أبي حنيفة رحمه الله يقضي لكل واحد منهم على صاحبه بثلث الدية في ماله إن كان عمدا، وعلى عاقلته إن كان خطأ ويكون الميراث بينهم أثلاثا، وأما على قول أبي يوسف ومحمد يقضى لكل واحد منهم على صاحبه بنصف الدية. ولو أقام عبد الله البينة على زيد وعمر وأنهما قتلا أباهم عمدا أو خطأ وأقام زيد وعمرو البينة على عبد الله أنه قتل أباهم عمدا أو خطأتها ترت البينتان عندهما وانتصف الوراثة بينهما أثلاثا كما لو لم توجد إقامة البينة، فإما على قول أبي حنيفة يقضي لعبد الله على زيد وعمر وبنصف الدية في مالهما إن كان عمدا، وعلى عاقلتهما إن كان خطأ، ففي مال عبد الله وإن كان خطأ فعلى عاقلته والميراث يكون نصفه لعبد الله ونصفه لزيد وعمرو. ولو أقام عمرو على زيد البينة أنه قتل أباهم ولم يقم واحد منهما البينة على عبد الله فإن يقال لعبد الله ما تقول في هذا، وإنما وجب السؤال لعبد الله لانه صاحب حق في هذا الدم إذ هو ليس بقاتل فعد هذه المسألة على ثلاثة أوجه: إما أن يدعي عبد الله على أحدهما بعينه أو لم يدع على

[ 70 ]

واحد منهما بأن قال لم يقتله واحد منهما أو ادعى عليهما بأن قال هما قتلاه، فإن ادعى القتل على واحد بعينه وهو عمر وفعلى قياس أبي حنيفة يقضى على عمر وبثلاثة أرباع الدية ويكون ذلك بينه وبين عبد الله نصفين فإن كان القتل عمدا ففي مال عمرو، وإن كان خطأ فعلى عاقلة عمرو ويقضى لعمر وعلى زيد بربع الدية ويكون ذلك في مال زيد إن كان عمدا، وإن كان خطأ فعلى عاقتله. وأما الميراث فنصفه لعبد الله ونصفه لزيد وعمرو، وأما على قول أبي يوسف ومحمد يقضي لعبد الله على عمر وبالقود إن كان عمدا، ويقضى بالدية على عاقلة عمر وإن كان خطأ ويكون ذلك بين عبد الله وزيد نصفين ويكون الميراث بينهما نصفين أيضا. وإن لم يدع عبد الله القتل على واحد منهما بأن قال لم يقتله واحد ففي قياس قول أبي حينفة يقضى لعمرو على زيد بربع الدية إن كان عمدا ففي ما له، وإن كان خطأ فعلى عاقتله ولا شئ لعبد الله من الدية ويكن الميراث أثلاثا. وعند أبي يوسف ومحمد لا يقضى ها هنا بشئ لا بالدية ولا بالقصاص. وإن ادعى القتل عليهما بأن قال قتلتماه فعلى قول أبي حينفة لا يقضى لعبد الله بشئ من الدية، وأما الميراث فنصفه لعبد الله ونصفه لهما، أما على قول أبي يوسف ومحمد فقدتها ترت بينة كل واحد منهما على صاحبه ولا بينة لعبد الله على ما يدعي فلا يقضى بشئ من الدية والميراث يكون بينهم أثلاثا. ولو ترك المقتول أخا وابنا فأقام الاخ البينة على الابن أنه قتل الاب وأقام الابن البنية على الاخ أنه هو الذي قتل الاب كانت بينة الابن أولى بخلاف ما إذا كانا ابنين حيث يقضي هنا ك بنصف الدية على قول أبي حنيفة وههنا بينة الابن أولى ولم يذكر الخلاف. ولو ترك المقتول ابنين وأخا فأقام كل واحد من الابنين البينة على صاحبه بالقتل وصدق الاخذ أحدهما أو صدقهما كان التصديق من الاخ والعدم بمنزلة واحدة، فإن أقام الاخ بينة أنهما قتلاه بعد أن أقام كل واحد من الابنين البينة على صاحبه أنه هو القاتل فعلى قول أبي يوسف مع محمد البينة بينة الاخ ويكون الميراث له ويقتل الابنين إن كان القتل عمدا، وإن كان خطأ فعلى عاقلتهما الدية. ولم يذكر قول أبي حنيفة رحمه الله في هذه المسألة، وينبغي أن يكون عنده أن لا تقبل بينة الاخ. وإن ترك ثلاث بنين فأقام اثنين منهم على الثالث أنه قتل أباهم وأقام الثالث بينة بذلك على الاجنبي فعلى قول أبي يوسف ومحمد بينة الابنين أولى فيقضي القاضي بالقصاص على الثالث للآخرين إن كان عمدا، وبالدي على عاقلته إن كان خطأ، ولا يرث الابن المشهود عليه ويكون الميراث بين الابنين على بينة لثالث فيقضى للاثنين على الثالث بثلثي الدية إن كان عمدا ففي ماله وإن كان خطأ فعلى عاقلته، ويقضي للثالث على الاجنبي بثلث الدية ويكون الميراث بينهم أثلاثا. وإذا قتل الرجل وترك ثلاثا فأقام الاكبر بينة على الاوسط أنه قتل الاب وأقام الاوسط بينة على الاصغر بذلك وأقام الاصغر بينة على الاجنبي بذلك، ففي قياس قول أبي حنيفة رحمه الله يقضي لكل واحد منهم على الذي أقام عليه البينة بثلث الدية، وأما على قول أبي يوسف

[ 71 ]

ومحمد يقضى للاكبر على الاوسط بنصف الدية، وللاوسط على الاصغر بنصف الدية، ولا يقضي للاصغر على الاجنبي بشئ. قال رحمه الله: (وإن أقر كل واحد منهم أنه قتله وقال الولى قتلاه جميعا له قتلهما ولو كان مكان الاقرار شهادة لغت) يعني لو أقر رجلان كل واحد منهما أنه قتل زيد منفرادا فقال الولي قتلاه جميعا له قتلهما، وإن شهد اثنان على رجل أنه قتله وشهد آخران على آخر أنه قتله بطلت الشهادة، والفرق بينهما أن كل واحد من الاقرار والشهادة يثبت أن كل القتل وجد من المقر والمشهود عليه ومقتضاه أن يجب القصاص عليه وحده لان معنى قوله أنا قتلته انفردت بقتله، وكذا قول الشهود قتله فلان يوجب انفراده بالقتل وقول الولي قتلهما تكذيب له حيث ادعى اشتراكهما في القتل فكأنه قال لم ينفرد أحد كما يقتله بل شاركه الآخر، وهذا القدر من التكذيب يمنع صحة قبول الشهادة لادعائه فسقهم به دون الاقرار لان فسق المقر لا يمنع صحة الاقرار. ولو قال في الاقرار صدقتما ليس له أن يقتل واحدا منهما لان تصديق كل واحد منهما تكذيب للآخر لان كل واحد منهما يدعي الانفراد بالقتل بتصديقه فوجب ذلك فصار كأنه قال لكل واحد منهما قتلت وحدك ولم يشاركك فيه أحد فيكون مقرا بأن الآخر لم يقتله بخلاف الاول وهو ما إذا قال قتلتماه تصديق لهما. قلنا هو تصديق ضمني والضمني يتسامح فيه ما لا يتسامح في القصدي وهو قوله صدقتما، ولو أقر رجل أنه قتله وقامت البينة على الآخر أنه قتله وقال الولي قتله كلاكما كان له أن يقتل المقردون المشهود عليه لان فيه تكذيبا البعض موجبه على ما مر. وعلى هذا لو قال لاحد المقرين صدقت أنت قتلت وحدك كان له أن يقتله لانهما تصادقا على وجوب القتل عليه وحده، وكذا إذا قال الاحد المشهود عليهما أنت قتلته كان له أن يقتله لعدم تكذيب المشهود له وإنما كذب الآخرين، وكذلك الحكم في الخطأ في جميع ما ذكرنا. وفي الاصل: ادعى الولي العمد أو الخطأ وصدق المدعى عليه أو كذب ويدخل فيه اختلاف الشاهدين، الاصل أن تعذر استيفاء القصاص بعد ظهور القتل إن كان لمعنى من جهة الولي لا تجب الدية، وإن كان لمعنى من جهة القاتل تجب الدية استحسانا فإنه يخرج على الاصل الذي قلنا فرع على ما إذا ادعى الولي الخطأ وأقر القاتل بالعمد فقال لو صدق الولي بعد ذلك القاتل وقال إنك قتلته عمدا فله الدية على القاتل بالعمد. وعن أبي يوسف في نوادر ابن سماعة: إذا ادعى الولي الخطأ وأقر القاتل بالعمد فعلى القاتل الدية. وقال محمد رحمهما الله في الزيادات: ادعى رجل على رجلين أنهم قتلا وليه عمدا بحديدة فله عليهما القصاص فقال أحدهما صدقت وقال الآخر ضربته أنا خطأ بالعصا فإنه يقضي لولي القتل عليهما بالدية في ما لهما في ثلاثة سنين، وهذا الذي ذكرناه استحسان،

[ 72 ]

والقياس أن لا يقضي عليهما بشئ. ولو ادعى الولي العمد عليهما وصدقه أحدهما في ذلك وأنكر الآخر القتل فلا شئ على المقر. وفي الخانية: ولو ادعى الخطأ عليهما وأقر أحدهما بالعمد وجحد الآخر فلم يقض بشئ ولو ادعى العمد عليهما فأقر أحدهما وجحد الآخر القتل قتل المقر. ولو أقر أحدهما بالعمد والآخر بالخطأ وأنكر شركة الخاطئ قتل العامد، ولو قال رجل لرجل قتلت أنا وفلان وليك عمدا وقال فلان قتلناه خطأ وقال الولي للمقر بالعمد أنت قتلته وحدك عمدا فإن للولي أن يقتل المقر، وإن ادعى الولي الخطأ في هذه الصورة لا يجب شئ. رجل القطع يده ورجله ومات منهما فقال رجل قطعت يده عمدا وفلان قطع رجله ومات من ذلك وقال الولي لا بل أنت قطعت ذلك كله عمدا فإن للولي أن يقتله، وإن قال لا أدري من قطع رجله لا يكون له أن يقطع المقر وإن أزال الولي الجهالة بعد ذلك. وقال زفر: إذا بين صح بيانه حتى كان له أن يقتل المقر قال مشايخنا. وهذا إذا بين الولي قبل أن يقضي القاضي ببطلان حقه في القصاص قبل المقر حيث قال لا أدري من قطع رجله، فأما إذا قضى بذلك ثم بين لا يصح بيانه ولا يكون له أن يقتل المقر. وفي نوادر بشر عن أبي يوسف: رجل قال لرجل أنا قتلت وليك عمدا فصدقه وقتله ثم جاء آخر وقال أنا الذي قتلته وحدي وصدقه فعليه دية الذي قتله وله على الآخر الدية. قال محمد رحمه الله في الزيادات: ادعى رجل على رجلين أنهما قتلا وليه عمدا بالسيف وقضى له عليهما بالقصاص فأقر أحدهما بالقتل وأقام آخر شاهدين على الآخر أنه قتله وحده عمدا كان للمدعي أن يقتل المقر مكان العمد وليس له أن يقتل المشهود عليه وبطلت شهادة شاهدين ولو كان مكان قتل العمد قتل الخطأ وباقي المسألة بحالها لا شئ على المشهود عليه من الدية وعى المقر نصف الدية وإن أقر بالكل. وفيها أيضا: رجل قتل مقطوع اليدين وادعى وليه أفلانا قطع يده اليمنى عمدا وفلان قطع يده اليسرى عمدا ومات منهما فقال المد ع عليه أنا قطعت يده اليسرى عمدا ولا أدري من قطع يده اليمنى الا انى اعلم ان اليمنى قطعت عمدا ومات من القطع وقال المدعى عليه قطعت اليد اليسرى ومات منها خاصة لا شئ على المقر، ولو قال الولي قطع فلان يده اليسرى عمدا ولا أدري من قطع اليمنى إلا أني أعلم أن اليمنى قطعت عمدا فمات منهما فلا قود عليه وعليه نصف الدية استحسانا. والقياس أن لا يلزمه شئ من الدية. وفيها أيضا: رجل ادعى على رجل أنه شج وليه موضحة عمدا ومات منها وجحد المدعى عليه ذلك فجاء المدعي بشاهدين فشهدا بالموضحة وبالموت منها كما ادعاه المدعي وشهد الآخر بالموضحة والبرء قبلت شهادتهما على الموضحة وقضى بالقصاص في الموضحة، فمن مشايخنا من قال ما ذكره من الجواب قول أبي يوسف ومحمد، أما على قول أبي حنيفة رحمه الله ينبغي أن لا تقبل هذه الشهادة ولا يقضى بشئ، ومنهم من قال لا بل هذا قول الكل. ولو ادعى الموضحة والبرء منها وشهد أحد الشهدين بالموضحة والبرء والآخر بالسراية

[ 73 ]

لا تقبل الشهادة، ولو ادعى الولي أنه مات منها وجاء بشاهدين شهد أحدهما كما ادعاه المدعي وشهد الآخر أنه برئ من ذلك قبلت الشهادة على الشجة وقضى بأرشها في مال الجاني، وذلك لو كان الميت عند رجل فاعدى مولاه أن الشاج شجه موضحة عمدا ومات منهما وأن له عليه القود وجاء بشاهدين فشهد أحدهما كما ادعى المدعى وشهد الآخر أنه برئ منها فالقاضي يقضي بأرض الشحة في مال الجاني والله أعلم. باب في بيان اعتبار حالة القتل لما كانت الاحوال صفات لذواتها ذكرها بعد القتل وما يتعلق به. قال رحمه الله: (المعتبر حالة الرمي) في حق الحل والضمان عند ذلك. قال رحمه الله: (فتجب الدية بردة المرمي إليه قبل الوصول) يعني لو رمى رجل رجلا مسلما فارتد المرمي إليه والعياذ بالله قبل وصول السهم إليه ثم وقع به السهم تجب على الرامي الدية وهذا عند الامام. وقالا: لا شئ عليه لان التلف حصل في محل لا عصمة له لانه بارتداده أسقط تقوم نفسه فاصر مبرئا للرامي عن موجبه كما لو أبرأه في هذه الحالة. وللامام أن الضمان يجب بفعله وهو الرمي لانه هو الذي يدخل تحت قدرته دون الاصابة ولا فعل له أصلا بعده فيصير قاتلا بالرمي ألا ترى أنه لو رمى إلى صيد وهو مسلم ثم ارتد والعياذ بالله تعالى فأصاب السهم الصيد وهو مرتد فجرحه ومات بالجرح حل أكله، وكذلك لو كفر بعد الرمي قبل الاصابة جاز تكفيره، وكان القياس أن يجب القصاص لما ذكرنا لكنه سقط بالشبهة. قال في النهاية: وقولهما أنه بالارتداد صار مبرئا له عن ضمان الجناية غير صحيح لان اعتقاده المرتد أن الردة لا تبطل التقوم فكيف يصير مبرئا عن ضمان الجناية غير صحيح، كذا في الجامع الصغير لقاضيخان والتمرتاشي والمحبوبي. قال رحمه الله: (لا بإسلامه) أي لا يجب شئ بإسلام المرمي إليه بأن رمى إلى حربي أو مرتد فأسلم قبل الاصابة ثم أصابه بعدما أسلم، وهذا بالاجماع لان الرمي لم ينعقد موجبا للضمان لعدم تقوم المحل لان المرتد والحربي لا عصمة لدمهما. قال رحمه الله: (والقيمة بعتقه) يعني لو رمى إلى عبد فأعتقه المولى بعد الرمي قبل الاصابة فأصابه السهم فمات لزم الرامي القيمة عند الامام. وقال محمد: له فضل ما بين قيمته مرميا وغير مرمي لان العتق قطع السراية، وإذا انقطعت بقي مجرد الرمي وهي جناية تنتقص بها قيمة المرمي إليه بالاضافة إلى ما قبل الرمي فيجب عليه ذلك حتى لو كانت قيمته ألف درهم قبل الرمي وثمانمائة بعده لزمه مائتان لان العتق قاطع

[ 74 ]

للسراية ألا ترى أن من قطع يد عبد ثم عتقه مولاه ثم مات منه لا يجب عليه إلا أرش اليد مع النقصان الذي نقصه القطع إلى العتق وهو بنفس الرمي فصار جانيا عليه لان يوجب النقصان. ولابي حنيفة رحمه الله أن الرمي يصير قاتلا له من وقت الرمي وهو مملوك في تلك الحالة بخلاف القطع والجرح لان كل واحد منهما إتلاف لبعض المحل والاتلاف يوجب الضمان للمولى لانه ورد على محل مملوك له، ثم إذا سرى لا يوجب شيئا لانه لو أوجب شيئا لوجب للعبد لا للمولى لانقطاع حق المولى عنه وظهور حقه فيه فيصير النهاية مخافة للبدية فصار ذلك كتبدل المحل، وعند تبدل المحل لا تتبدل السراية فكذا هنا. أما الرمي فقبل الاصابة به ليس بإتلاف شئ منه لانه لا أثر له في المحل وإنما قلت فيه الرغبات فلا يجب فيه الضمان قبل الاتصال بالمحل، وعند الاتصال بالمحل يستند الوجوب إلى وقت الانعقاد فلا تخالف النهاية البداية فتجب قيمته للولى. وقال زفر رحمه الله: عليه الدية لان الرمي إنما صار علة عند الاصابة إذ الاتلاف لا يصير علة من غير تلف يتصل به وقت التلف المتلف حر فتجب ديته، وأبو يوسف مع أبي حنيفة فيه. والفرق له بين هذا وبين ما تقدم من مسألة الاتداد أنه اعترض على الرمي ما يوجب عصمة المحل فيما تقدم فحصل ذلك بمنزلة الابراء، أما هنا اعترض على الرمي بما يؤكد عصمة المحل وهو الاعتاق فلا تبطل به الجناية. قال رحمه الله: (ولا يضمن الرامي برجوع شاهد الرجم بعد الرمي) معناه إذا قضي القاضي برجم رجل فرماه رجل ثم رجع أحد الشهود بعد الرمي قبل الاصابة ووقع عليه الحجر فلا شئ على الرامي لما أن المعتبر حالة الرمي وهو مباح الدم. قال رحمه الله: (وحل الصيد بردة الرامي لا بإسلامه) معناه إذا رمى مسلم صيدا فارتد قبل وقوع السهم بالصيد حل أكله، ولو رماه وهو مجوسي فأسلم قبل الوقوع لا يحل لان المعتبر حالة الرمي في حق الحل والحرمة إذ الرمي هو الذكاة لانه فعله ويدخل تحت قدرته لا الاصابة فتعتبر الاهلية وعدمها عنده. قال رحمه الله: (ووجب الجزاء بحله لا بإحرامه) أي لو رمى المحرم صيدا فحل قبل الاصابة ثم أصاب وجب عليه الجزاء، وإن رماه وهو حلال فأحرم قبل الاصابة فوقع الصيد وهو محرم لا يجب عليه الجزاء لان الجزاء يجب بالتعدي وهو الرمي في حالة الاحرام ووجد ذلك في الاول دون الثاني، والاصل في مسائل هذا الكتاب أن يعتبر وقت الرمي بالاتفاق، وإنما عدل أبو يوسف ومحمد عن ذلك فيما إذا رمى إلى مسلم فارتد والعياذ بالله قبل الاصابة باعتبار أنه صار مبرئا له على ما بينا في أول هذا الفصل والله تعالى أعلم بالصواب.

[ 75 ]

كتاب الديات قال في العناية: ذكر الديات بعد الجنايات ظاهر المناسبة لما أن الدية أحد موجبي الجنابة في الآدمي صيانة له عن القصاص لكن القصاص أشد جناية فلذ قدمه. والكلام فيها من وجوه: الاول في دليل مشروعيتها، والثاني في معناها لغة، والثالث في معناها عند الفقهاء، والرابع في سبب وجوبها، والخامس في فائدتها، والسادس في ركنها، والسابع في شرطها، والثامن في حكمها. أما دليل المشروعية فقوله تعالى * (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله) * (النساء: 92) الآية. وأما معناها في اللغة فالدية مصدر ودية القاتل المقتول أعطى ديته وأعطى لوليه المال الذي هو بدل النفس، ثم قيل لذلك المال الدية تسمية بالمصدر، كذا في المغرب. قال في القاموس: الدية حق للقتيل جمعها ديات. وفي الصحاح: وديت القتيل أديه دية إذا أعطيت ديته. وأما معناها شرعا فالدية عبارة عما يؤدي وقد صار هذا الاسم علما على بدل النفوس دون غيرها وهو الارش. وأما سبب وجوبها فالخطأ فإن الآدمي لما خلق في الاصل معصوم النفس محقون الدم مضمونا عن الهدر فيجب صون حقه عن البطلان. وأما الخامس وهو فائدتها فهو دفع الفساد وإطفاء نار ولي المقتول. وأما ركنها فهو الاداء والايتاء. وأما شرط وجوبها فكون المقتول معصوم الدم متقوما بعصمة الدار ومنعة الاسلام حتى لو أسلم الحربي في دار الحرب ولم يهاجر إلينا فقتل لا تجب الدية. وأما حكمها فتمحيض ذنب التقصير بالتفكير. وفي المبسوط: يحتاج إلى بيان كيفية وجوب الدية وكيفية مقدارها. أما كيفية وجوب الدية ففي نفس الحر تجب دية كاملة يستوي فيها الصغير والكبير، والوضيع والشريف، والمسلم والذمي. وقال الشافعي رحمه الله: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم، وفي المجوس ثمانمائة، والصحيح قولنا لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بدية المستأمنين اللذين قتلهما عمرو ابن أبي أمية كدية حرين مسلمين. وعن الزهري أنه قال: قضى أبو بكر وعمر في دية الذمي بمثل دية المسلم. ولانهما يستويان في العصمة والحرية ولهذا قال علي رضي الله عنه: إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كذمائنا وأموالهم كأموالنا ونقص

[ 76 ]

الكفر يؤثر في أحكام العقائد فيستويان في الدية. قال في الكافي: الدية المال الذي هو بدل النفس والارش اسم للواجب على ما دون النفس اه‍. أقول: الظاهر من هذه المذكورات كلها أن تكون الدية مختصة بما هو بدل النفس وينافيه ما سيجئ في الفصل الآتي من أن في المارن الدية، وفي اللسان الدية، وفي الذكر الدية، وفي اللحية الدية، وفي شعر الرأس الدية، وفي الحاجبين الدية وفي العينين الدية، وفي اليدين الدية، وفي الرجلين الدية إلى غير ذلك من المسائل التي أطلقت الدية فيها على ما هو بدل ما دون النفس. وكذا ما ورد في الحديث وهو ما روى سعيد بن المسيب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في النفس وفي اللسان الدية، وفي المارن وهكذا هو الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم رضي الله عنه كما سيأتي، فالاظهر في تفسير الدية ما ذكره صاحب العناية آخرا فإنه بعد أن ذكر مثل ذلك في المغرب وعامر الشروح قال: والدية اسم لضمان يجب بمقابلة الآدمي أو طوق منه سمى بها لانه يؤدي عادة لانه قل ما يجري فيه العفو لعظم حرمة الآدمي اه‍. ولما كان المقصود من الفقه بيان الاحكام لا بيان الحقائق ترك المؤلف بيان الحقيقة وشرع يبين أنواعها. قال رحمه الله: (دية شبه العمد مائة من الابل أرباعا من بنت مخاض إلى جذعة) يعني خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون جذعة، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد والشافعي: ثلاثون حقة وثلاثون حذعة وأربعون ثنية في بطونها أولادها لقوله عليه الصلاة والسلام ألا إن قتيل الخطأ العمد بالسوط والعصا والحجر وفيه دية مغلظة مائة من الابل أربعون منها ثنية إلى بازل عامها كلهن خلفة ولانه لا خلاف أن التغليظ فيه واجب لشبهه بالعمد ومعنى التغليظ بتحقق بإيجاب شئ لا يجب في الخطأ. ولهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في الدية بمائة من الابل أرباعا، ومعلوم أنه لم يرد به الخطأ لانه تجب فيه أخماسا فعلم أن المراد به شبه العمد، ولانه لا خلاف بين الامة أن الدية مقدرة بمائة من الابل. قاعليه الصلاة والسلام في نفس المؤمن مائة من الابل واختلفوا في صفة التغليظ فذهب ابن مسعود رضي الله عنه إلى أنها أرباع مثل مذهبنا، ومذهب علي رضي الله عنه أنها أثلاث ثلاث وثلاثون حقه وثلاث وثلاثون جذعة وأربعة وثلاثون خلفة. قال رحمه الله: (ولا تتغلظ الدية إلا في الابل) لان الشرع ورد به وعليه الاجماع والمقدرات لا تعرف إلا سماعا إذ لا مدخل للرأي فيها فلم تتغلظ بغيره حتى لو قضى به القاضي لا ينفذ قضاؤه لعدم التوقيف بالتقدير بغير الابل. قال رحمه الله: (وفي الخطأ مائة من الابل أخماسا) أي دية الخطأ مائة من الابل أخماسا ابن مخاض الخ. أي

[ 77 ]

عشرون ابن مخاض، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة وعشرون جذعة. فإذا كانت أخماسا يكون من كل نوع من هذه أنواع عشرين لما روى ابن مسعود رضي الله عنه ابن النبي صلى الله عليه وسلم قال في دية الخطأ عشرون حقة، وعشرون حذعة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون بنت مخاض رواه أبو داود والترمذي وأحمد وغيرهم. والشافعي أخذ بمذهبنا غير أنه قال يجب عشرون ابن لبون مكان ابن مخاض، والحجة عليه ما روينا، ولان ما قلنا أخف لاقامة ابن المخاض مقام ابن لبون فكان لبون أليق بحال المخطئ، ولان الشرع جعل ابن اللبون بمنزلة بنت المخاض في الزكاة حيث أخذه مكانها فإيجاب العشرين منه مع العشرين من بنت المخاض كإيجاب أربعين بنت مخاض وذلك لا يليق بل لا يجوز لعدم التغاير وذلك لانه عليه الصلاة والسلام لم يرد بتغيير أسنان الابل إلا التخفيف ولا يتحقق فيه التخفيف فلا يجوز. قال رحمه الله: (أو ألف دينار أو عشرة آلاف درهم) وقال مالك والشافعي رحمهما الله تعالى: الدية اثنا عشر ألف درهم لما رويا عن ابن عباس أن رجلا قتل فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ديته اثني عشر ألفا. رواه أبو داود والترمذي. ولانه لا خلاف أنها من الدنانير ألف دينار وكانت قيمة الدينار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم اثني عشر درهما. ولنا ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدية في قتيل بعشرة آلاف درهم. وما قلنا أولى للتيقين به لانه أقل أو يحمل على ما روياه على وزن خمسة، وما رويناه على وزن ستة، وهكذا كانت دراهمهم من زمان النبي صلى الله عليه وسلم الى زمان عمر على ما ثلاثة الواحد منها وزن عشرة أي العشرة منه وزن عشرة دنانير وهو قدر الدينار، والثاني وزن ستة أي العشرة منه وزن ستة إلى آخر ما تقدم في كتاب الزكاة. فجمع عمر رضي الله عنه بين الثلاثة فخلط فجعله ثلاثة دراهم فصار ثلث المجموع درهما فكشف هذا أن الدينار عشرون قيراطا فوق العشرة يكون مثله عشرون قيراطا ضرورة استوائهما، ووزن الستة يكون نصف الدينار وعشرة فيكون اثني عشر قيراطا وزن الخمسة يكون صنف الدينار فيكون عشرة قراريط فيكون المجموع اثنين واربعين قيراطا، فإن جعلتها أثلاثا صار كل ثلث أربعة عشر قيراطا وهو الذي كان عليه دراهمهم. فإذا حمل ما رواه الشافعي على وزن خمسة وما رويناه على وزن ستة استويا. والذي يرجح مذهبنا ما روي أن الواجب في الجنين خمسمائة درهم وهو عشر دية الام عنده سواء كان ذكرا أو أنثى، وعندنا عشر دية النفس إن كان أنثى، ونصف العشر إن كان ذكرا، فعلم بذلك أن دية الام خمسة ألاف ودية الرجل ضعف ذلك وهو عشرة آلاف، ولانا أجمعنا أنها من الذهب ألف دينار والدينار مقوم في الشرع بعشرة دراهم ألا ترى أن نصاب الفضة في الزكاة مقدر بمائتي درهم ونصاب الذهب فيها بعشرين دينارا فيكون غنيا بهذا القدر من كل واحد منهما إذا الزكاة لا تجب إلا على الغني فيعلم بذلك علما ضروريا أن الدينار مقدر

[ 78 ]

بعشرة دراهم. ثم الخيار في هذه الانواع الثلاثة إلى القاتل لانه هو الذي يجب عليه فيكون الخيار إليه كما في كفارة اليمين، ولا تثبت الدية إلا إن هذه الانواع الثلاثة عند أبي حنيفة رحمه الله. وقالا: يجب منها ومن البقر مائتا بقرة ومن الغنم ألفا شاة ومن الحلل مائتا حلة كل حلة ثوبان لما روي عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم فرض في الدية على أهل الابل مائة من الابل، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل هذه الشياه ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة. رواه أبو داود. وكان عمر رضي الله عنه يقضي بذلك على أهل كل مال كما ذكرنا. وكل حلة ثوبا إزار ورداء وهو المختار. وفي النهاية: قيل في زماننا قميص وسراويل. وله أن التقدير إنما يستقيم بشئ معلوم المالية وهذه الاشياء مجهولة المالية ولهذا لا يقدر بها ضمان المتلفات، والتقدير بالابل عرف بالآثار المشهورة ولم يوجد ذلك في غيرها فلا يعدل عن القياس، والآثار التي وردت فيها تحتمل القضاء فيها بطريق الصلح فلا يلزم حجة. وذكر في المعاقل أنه لو صالح على الزيادة على مائتي حلة أن مائتي بقرة لا يجوز وتأويله أنه قولهما. قال رحمه الله: (وكفارتهما ما ذكر في النص) أي كفارة القتل خطأ وشبه العمد هو الذي ذكر في القرآن وهو الاهعتاق والصوم على الترتيب متتابعا كما ذكر في النص قال الله تعالى: * (فتحرير رقبة مؤمنه) * وشبه العمد خطأ في حق القتل وإن كان عمدا في حق الضرب فتتناولهما الآية. ولا يختلفان فيه لعدم النقل باختلاف بخلاف الدية حيث تجب في شبه العمد مغلظة لوجود التوفيق في التغليظ في شبه العمد دون الخطأ والمقادير لا تجب إلا سماعا. قال رحمه الله: (ولا يجوز الاطعام والجنين) لان الاطعام لم يرد به النص والمقادير لم تعرف إلا سماعا، ولان المذكور كل الواجب أما في الجواب أو لكونه كل المذكور والجنين لم تعرف حياته ولا سلامته فلا يجوز، ولانه عضو من وجه فلا يدخل تحت مطلق النص. قال رحمه الله: (ويجوز الرضيع لو أحد أبويه مسلما) لانه مسلم تبع له والظاهر سلامة أطرافه على ما عليه الحيلة، ولا يقال كيف اكتفى هذا بالظاهر في سلامة أطرافه حتى جاز التكفير ولم يكتف بالظاهر في حد وجوب الضمان بإتلاف أطرافه لانا نقول: الحاجة في التكفير إلى دفع الواجب والظاهر يصلح حجة للدافع والحاجة في الاتلاف إلى دفع الضمان وهو لا يصلح حجة فيه، ولانه يظهر حال الاطراف فيما بعد التكفير إذا عاش ولا كذلك الاتلاف فافترقا. قال رحمه الله: (ودية المرأة على النصف من دية الرجل في النفس وفيما دونها) روي ذلك عن علي موقوفا ومرفوعا. وقالالشافعي: الثلث وما دون الثلث لا يتنصف لما روي عن سعيد بن المسيب أنه السنة. وقال الشافعي: السنة إذا أطلقت يراد به سنة النبي صلى الله عليه وسلم. ولنا ما روينا وما رواه أن كبار الصحابة أفتوا

[ 79 ]

بخلافه، ولو كان سنة النبي صلى الله عليه وسلم لما خالفوه. وقوله سنة محمول على أنه سنة زيد لانه لم يرو إلا عنه موقوفا، ولانه هذا يؤدي إلى المحال وهو أما إذا كان ألمها أشد ومصابها أكبر أن يقل أرشها بيانه أنه لو قطع أصبع منها يجب عشر من الابل، وإذا قطع أصبعان يجب عشرون، وإذا قطع ثلاثة يجب ثلاثون لانها تساوي الرجل فيه على زعمه لكونه ما دون الثلث، ولو قطع أربعة يجب عشرون للتنصيف فيما هو أكثر من الثلث فقطع الرابعة لا يوجب شيئا بل يسقط ما وجب بقطع الثالث، وحكمة الشارع تنافي ذلك فلا تجوز نسبته إليه لان من المحال أن تكون الجناية لا توجب شيئا شرعا وأقبح منه أن تسقط ما وجب لغيرها وهذا مما تحيله العقلاء بالبديهة، ولان الشافعي يعتبر الاطراف بالانفس وتركه هنا حيث نصف دية النفس ولم ينصف دية الاطراف إلا إذا زاد على الثلث. قال رحمه الله: (ودية المسلم والذمي سواء) لما روي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في مستأمن قتله عمرو بن أمية الضمري بمائة من الابل وقال عليه الصلاة والسلام: ودية كل ذي عهد في عهده ألف دينار. وعن الزهري أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا يجعلان دية الذمي مثل دية المسلم. وقال علي رضي الله عنه: إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا وفي ظاهر قوله تعالى * (وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله) * (النساء: 92) دلالة عليه لان المراد منه ظاهر ما هو المراد من قوله تعالى في قتل المؤمن ودية مسلمة إلى أهله لانهم معصومون متقومون لاحرازهم أنفسهم بالدار فوجب أن يكونوا ملحقين بالمسلمين إذ يجب بقتلهم ما يجب بقتلهم أن لو كانوا مسلمين ألا ترى أن أموالهم لما كانت معصومة متقومة يجب بإتلافها ما يجب بإتلاف مال المسلم، فإذا كان هذا في أموالهم فما ظنك في أنفسهم؟ ولا يقال إن نقص الكفر فوق نقص الانوثة والرق فوجب أن تنقص ديته به كما تنتقص بالانوثة والرق ولان الرق أتر الكفر فإذا انتقص بأثره فأولى أن ينتقص به لانا نقول نقصان دية المرأة والعبد لا باعتبار نقصان الانوثة والرق بل باعتبار نقصان صفة المالكية فإن المرأة لا تملك النكاح والعبد لا يملك المال والحر الذكر يملكهما، ولهذا زادت قيمته ونقصت قيمتهما والكافر يساوي المسلم في هذا المعنى فوجب أن يكون بدله كبدله والمستأمن ديته مثل دية الذمي في الصحيح لما روينا. فصل لما فرغ من بيان دية النفس شرع يذكر ما يلحق بها فيها. قال رحمه الله: (في النفس والمارن) يعني تجب الدية في كل واحد منهما. قال محمد رحمه الله: وفي الانف الدية، وفي

[ 80 ]

المارن الدية والمارن مالان من الانف. في الذخيرة: فيه حكومة عدل. وفي الاصل: وإذا قطع أنف رجل وذهب شمه تجب دية كاملة. وفي الظهيرية: وبه يفتى. وعن محمد أنه تجب حكومة العدل. وفي الكافي: ولو قطع المارن مع القصبة لا يزاد على دية واحدة. وطريق معرفة ذهاب الشم أن يوضع بين يديه ماله رائحة كريهة فإن نفر عن ذلك علم أنه لم يذهب شمه. وفي المنتقي: إذا جنى عليه فصار لا يستنثر من أنفه ولكن يستنثر من فمه فعليه حكومة عدل. وفي شرح الطحاوي: إذا قطع المارن ثم الانف، فإن كان قبل البرء تجب دية واحدة، وإن كان بعد البرء تجب الدية في المارن وحكومة العدل في الباقي. وفي جنايات الحسن: إذا كان أنف القاطع أصفر كان المقطوع أنفه بالخيار إن شاء قطع أنفه وإن شاء أخذ أرشه، فإن كان في أنف القاطع نقصان من شئ أصابه أو كان أخشم لا يجد الريح فكذلك الجواب. وفي الحاوي: أخشم يعني أصغر أو أخرق. فالمقطوع أنفه بالخيار إن شاء قطع أنف القاطع، وإن شاء ضمنه دية الانف. وفي الكبرى: لو قطع الانف من أصل العظم اقتص منه ومعناه ما يليه المارن فإنه قال: لو ضرب أنفه فوق العظم فانكسر العظم وتدغدغ اللحم حتى ذهب بالانف لم يكن فيه قصاص. وعن محمد أنه لو قطع المارن وهي أرنبته يقتص منه، وإن قطع من أصله فلا قصاص عليه لانه عظم وليس بمفصل. والجواب: أما السن فقد قيل إنه ليس بعظم وإنما هو عصب ينعقد ولو كان عظما لنبت إذا كسر بخلاف سائر العظام، ومراد محمد العظام الذي لا ينتقص على حسب المراد إلا أنه سامح وأوجز في اللفظ. في القدوري: في الانف المقطوعة أرنبته حكومة عدل. وفي الاصل: إذا انكسر أنف إنسان ففيه حكومة عدل، وإذا قطع كل المارن عمدا يجب القصاص، وإذا قطع بعضه لا يجب القصاص، وإذا قطع بعض عصبة الانف لا يجب القصاص بالاتفاق، وإذا قطع كل الانف لا يجب القصاص، وعند أبي يوسف يجب، هكذا ذكره الكرخي. قال القوري: أراد بقوله إذا قطع كل الانف يجب الفاضل عن قول أبي يوسف في المارن، أما عصبة الانف عظم ولا قصاص في العظم بالاجماع وقدمنا ذلك بتفاصيله. قال رحمه الله: (وفي اللسان والذكر والحشفة) يعين الدية. أما اللسان قال محمد في الاصل: وفي اللسان الدية يريد به حالة الخطأ وإذا قطع بعض اللسان إن منعه عن الكلام ففيه كمال الدية، وأما إذا منعه عن بعض الكلام دون البعض فإنه تجب الدية بقدر ما فات، إن كان الفائ‍ ت إن كان الفائت نصفا يجب نصف الدية، وإن كان ربعا يجب ربع الدية. وكيف نعرف مقدار الفائت من الباقي؟ اختلف المشايخ المتأخرون، قال بعضهم: يعرف بالتهجي بحروف المعجم التي عليها مدار كلام العرب وهي ثمانية وعشرون حرفا، فإن أمكنه التكلم بنصف الحروف أربعة عشر وعجز عن النصف علم أن الفائت نصف الكلام فتجب نصف الدية، وإن أمكنه التكلم بثلاثة أرباع منها وذلك أحد وعشرون كان الفائت هو الربع فيجب ربع الدية، وإن أمكنه التكلم بربعها وهو سبعة كان الفائت ثلاثة

[ 81 ]

أرباعه فيلزمه ثلاثة أرباع الدية. والاصل في هذا روي أن رجلا قطع طرف لسانه في زمن علي رضي الله عنه فأمره أن يقرأ ألف ب ت ث فما قرأ حرفا أسقط الدية بقدر ذلك، وما لم يقرأه أوجب الدية بحساب ذلك. وقال بعضهم: لا يهجي بجميع حروف المعجم وإنما يتهجى بالحروف المتعلقة باللسان اللازمة، فإن لم يمكنه التهجي بالنصف كان الفائت نصفا فيلزمه نصف الدية، وإن أمكنه التكلم بالثلث يلزمه ثلثا الدية قالوا: والاول أصح اه‍. وفي التجريد: المعتبر الحرو ف التي تتعلق باللسان فالهوائية والحلقية والشفوية لا تدخل في القسمة. وفي السغناقي: الحروف التي تتعلق باللسان وهي الالف والتاء الثاء والجيم والدال والذال والراء والزاي والسين والشين والصاد والضاد والطاء والظاء واللام والنون والياء. فإن لم يمكنه إتيان بحرف منها يلزمه حصته من الدية. فأما الهوائية والحلقية والشفوية فلا تدخل في القسمة. فالشفوية: الباء والميم والواو. والحلقية: الهاء والعين والغين والحاء والخاء والقاف. وهذا كله في لسان البالغ والكلام في لسان الصبي يأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى. وإذا قطع لسان غيره عمدا ذكر في الاصل أنه لا قصاص بقطع البعض أو قطع الكل، وعن أبي يوسف أنه إذا قطع الكل ففيه القصاص. وفي شرح الطحاوي: وإذا قطع اللسان أن لا قصاص فيبالاجماع. وفي العيون قال أبو حنيفة في اللسان: إذا أمكن القصاص يقتص. وفي الظهيرية: والفتوى على لا قصاص في اللسان لانه لا يمكن اعتبار المماثلة فيه لانه ينقبض وينبسط. وفي الواقعات: لا قصاص في اللسان وإن قطع من وسط اللسان أو من طرفه فإن ادعى ذهاب الكلام يشتغل عنه حتى يسمع كلامه أو لا يسمع وفي لسان الاخرس حكومة عدل. وأطلق المؤلف في وجوب الدية في الذكر ولم يفرق بين شاب وشيخ، وبين مريض وصحيح، ولا بين ذكر خصي وعنين، ولا بد من بيان ذلك. ولو قال ويقطع ذكر يفوت به الايلاج لكان أولى. وفي المحيط: وفي ذكر الخصي والعنين حكومة عدل. وعن الشافعي كمال الدية. قلنا: ذكر الخصي والعنين لا يتصور منه الايلاج بنفسه فلاتجب فيه دية، وفي ذكر المريض دية كاملة لانه بزوال المرض يعود إلى قوته الكاملة، وفي ذكر الشيخ الكبير إن كان لا يتحرك ولا قدرة له على الوطئ حكومة عدل، وإن كان يتحرك ويقدر على الوطئ دية كاملة، وفي قطع الذكر المقطوع الحشفة حكومة عدل. وفي التجريد: وفي الانثيين كاملة كمال الدية. وفيه أيضا: وفي قطع الحشفة دية كاملة، فإن جاء بعد ذلك وقطع باقي الذكر قبل تخلل برء تجب دية واحدة كاملة ويجعل كأنه قطع الذكر بدفعة واحدة، وإن تخلل بينهما برء يجب كمال الدية في الحشفة وحكومة العدل في الباقي وإذا قطع الذكر والانثيين من الرجل الصحيح خطأ إن بدأ بقطع الذكر ففيه ديتان. وفي التجريد: وكذا إذا قطعهما من جانب واحد معا ففيه ديتان. وفي التحفة: وفي الانثيين إذا قطعهما مع الذكر جملة مرة

[ 82 ]

واحدة في حالة واحدة يجب عليه ديتان دية بإزاء الذكر ودية بإزاء الانثيين، وإن قطع الذكر أولا ثم الانثيين يجب ديتان أيضا لان بقطع الذكر تفوت منفعة الانثيين وهي إمساك المني، فأما إذا قطع الانثيين أولا ثم الذكر تجب الدية بقطع الانثيين ويجب بقطع الذكر حكومة العدل، وفي الانثيين إذا قطعهما خطأ كمال الدية. وفي الظهيرية: وفي أحدهما نصف الدية وقد قدمناه. وفي المنتقي عن محمد: إذا قطع إحدى أنثييه فانقطع ماؤه دية ونصف ولا يعلم ذهاب الماء إلا بإقرار الجاني فإن قطع الباقي من إحدى الانثيين يجب نصف الدية، ولم يذكر في الكتاب أنه إذا قطع الانثيين عمدا هل يجب القصاص، والظاهر أنه يجب فيهما القصاص حال العمد، إن قطع الحشفة كلها عمدا ففيها القصاص، وإن قطع بعضها فلا قصاص فيه، ولو قطع الذكر كله ذكر في الاصل أنه ينقبض وينبسط فلا يمكن استيفاء القصاص فيه وصار كاللسان، وعن أبو يوسف أنه يجب القصاص. قال رحمه الله: (وفي العقل والسمع والبصر والشم والذوق) يعني تجب في كل واحد منهما دية كاملة. أما العقل فلان بذهابه تذهب منافع الاعضاء كلها لان أفعال المجنون تجري مجرى أفعال البهائم، وأما السمع فلانه بفواته يفوت جنس المنفعة على الكمال وهو منفعة الاستماع، وأما الشم فلان بفواته يفوت إدراك الروائح الطيبة والتفرقة بين الرائحة الطيبة والخبيثة، وأما الذوق فلان بفواته يفوت إدراك الحلاوة والمرارة والحموضة وقد روي عن عمر رضي الله عنه قضى لرجل على رجل بأربع ديات بضربة واحدة وقعت على رأسه ذهب بها عقله وسمعه وبصره وكلامه. وقال أبو يوسف: لا يعرف الذهاب والقول قول الجاني لانه المنكر ولا يلزمه شئ إلا إذا صدقه أو نكل عن اليمين. وقيل: ذها ب البصر تعرفه الاطباء فيكون فيه قول رجلين عدلين منهم حجة فيه. وقيل يستقبل به الشمس مفتوح العينين فإذا دمعت عينه علم أنها باقية وإلا فلا. وقيل: يلقي بين يديه حية فإن هرب منها علم أنها لم تذهب، وإن لم يهرب فهي ذاهبة، وطريق معرفة ذهاب السمع أن يغافل ثم ينادي، فإن أجاب علم أنه لم يذهب وإلا فهو ذاهب، وروي اسمعيل بن حماد أن امرأة ادعت أنها لا تسمع وتطارشت في مجلس حكمه فاشتغل بالقضاء عن النظر إليها ثم قال لها فجأة: غطي عورتك. فاضطربت وتسارعت إلى جمع ثيابها فظهر كذبها. قال رحمه الله: (واللحية إن لم تنبت وشعر الرأس والعينين والاذنين والحاجبين وثدي المرأة الدية وفي كل واحد من هذه الاشياء نصف الدية وفي أجفان العينين الدية وفي أحدهما ربع الدية) يعني إذا حلق اللحية أو شعر الرأس ولم ينبت في كل واحد منهما دية كاملة لانه أزال جمالا على الكمال. وقال مالك الشافعي: لا تجب فيها الدية وتجب فيها حكومة عدل

[ 83 ]

لان ذلك زيادة في الآدمي ولهذا ينمو بعد كمال الخلقة ولهدا تحلق الرأس واللحية وبعضها في بعض البلاد فلا تتعلق به الدية كشعر الصدر والساق إذ لا تتعلق به منفعة، ولهذا لا تجب في شعر العبيد نقصان القيمة. ولنا قول علي رضي الله عنه في الرأس إذا حلق ولم ينبت الدية كاملة، والموقوف في هذا كالمرفوع لانه من المقادير فلا يهتدي إليه بالرأي لان اللحية في أوانها جمال فيلزمه كمال الدية كما لو قطع الاذنين الشاخصين، والدليل على أنه جمال قوله عليه الصلاة والسلام إن لله ملائكة تسبيحهم سبحان من زين الرجال باللحاء، والنساء بالقدود والذوائب بخلاف شعر الصدر والساق لانه لا يتعلق به الجمال. وأما شعر العبد فقد روى الحسن عن أبي حنيفة أنه يجب عليه كمال القيمة فلا يلزمنا. والجواب عن الظاهر أن المقصود من العبد الاستخدام دون الجمال وهو لا يفوت بالحلق بخلاف الحر لان المقصود منه في حقه الجمال فيجب بفواته كمال الدية. وفي الشارب حكومة عدل في الصحيح لانه تابع للحية فصار طرفا من أطراف اللحية. واختلفوا في لحية الكوسج والظاهر أنه إن كان في ذقنه شعرات معدودة فليس في حلقها شئ لان وجودها يشينه ولا يزينه، وإن كان أكثر من ذلك كان على الخد والذقن جميعا ولكنه غير متصل ففيه حكومة عدل لانه فيه بعض الجمال، وإن كان متصلا ففيه كمال الدية لانه ليس بكوسج وفي لحيته كمال جمال، وهذا كله إذا انسد المنبت، فإن نبت حتى استوى كما كان لا يجب شئ لانه لم يبق لفعل الجاني أثر في البدن ولكنه يؤدب على ذلك لارتكابه المحرم، وإن نبت أبيض ض فقد ذكر في النوادر أنه لا يلزمه شئ عند أبي حنيفة في الحر لان الجمال يزداد ببياض الشعر في اللحية، وعندهما تجب حكومة عدل لان البياض يشينه في غير أوانه فتجب حكومة عدل باعتباره. وفي العبد تجب حكومة عدل عندهم لانه تنتقص به قيمته. ويستوي العمد والخطأ في حلق الشعر لان القصاص لا يجب فيه لانه عقوبة فلا يثبت فيها قياسا، وإذا ثبت نصا أو دلالة والنص إنما ورد في النفس والجراحات ويؤجل فيه سنة، فإن لم ينبت فيها وجبت الدية ويستوي فيها الصغير والكبير، والذكر الانثى. فإن مات قبل تمام السنة ولم ينبت فلا شئ عليه. أما ما يكون مزودجا في الاعضاء كالعينين واليدين ففي قطعهما كمال الدية، وفي قطع أحدهما نصف الدية، وأصل ذلك ما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال في العينين الدية، وفي أحدهما نصف الدية، وفي الرجلين الدية، وفي أحدهما نصف الدية ولان تفويت اثنين منها تفويت المنفعة أو تفويت الجمال على الكمال. وفي تفويت الرجلين تفويت منفعة المشي. وفي تفويت الانثيين تفويت منفعة الامناء وتالنسل. وفي ثديي المرأة تفويت منفعة الارضاع بخلاف ثديي الرجل لانه ليس فيه تفويت المنفعة ولا الجمال على الكمال فيجب فيه حكومة عدل. وفي حلمتي المرأة كمال الدية، وفي أحدهما نصف الدية لفوات منفعة الارضاع وإمساك الصبي لانها إذا لم يكن لها حلمة يتعذر على الصبي الالتقام عند الارضاع. وقال مالك

[ 84 ]

والشافعي: يجب في الحاجبين حكومة عدل بناء على أصلهما لانهما لا يريان وجوب الدية في الشعر، وعندنا يجب فيهما الدية لتفويت الجمال على الكمال. وأما ما يكون من الاعضاء أربعا فهو أشفار العينين ففيها الدية إذا قطعها ولم تنبت، وفي أحدهما ربع الدية لانها يتعلق بها الجمال على الكمال ويتعلق بها دفع الاذى والقذر عن العين وتفويت ذلك ينقص البصر ويورث العمى، فإذا وجب في الكل الدية وهي أربعة وجب في الواحد منها ربع الدية. وفي الانثيين نصف الدية. وفي الثلاث ثلاث أرباع الدية. وقال محمد: في أشفار العينين الدية كاملة إذا لم تنبت فأراد به الشعر لان الشعر هو الذي ينبت دون الجفون وأيهما أريد كان مستقيما لان في كل واحد من الشعر دية كاملة فلا يختل المعنى. ولو قطع الجفون بأهدابها تجب دية واحدة لان الاشفار مع الجفون كشئ واحد كالمارن مع القصبة والموضحة مع الشعر، وأما ما يكون من الاعضاء أعشارا كالاصابع ففي القطع اليدين أو الرجلين كل الدية. وفي قطع واحد منها عشر الدية، وفي قطع الجفون التي شعر فيها حكومة عدل. وإذا كان الجاني على الاهداب واحدا وعلى الجفون واحد آخر كان على الذي جنى على الاهداب تمام الدية. وعلى الذي جنى على الجفون حكومة عدل. وفي الظهيرية: ولو حلق نصف اللحية فلم تنبت وحلق ربع الرأس أو نصف الرأس تجب نصف الدية لانه ما زال الجمال على الكمال لان الشين إنما يكمل بفوات الكل. وقال بعضهم: يجب كمال الدية لان نصف الحلق لا يبقى زينة فتفوت الزينة بالكلية بفوات نصف اللحية ففيه كمال الدية كما لو قطع الشارب. وفي لحية العبد حكومة عدل وهو الصحيح لان المقصود من العبد الخدمة كالجمال لان لحية العبد جمال من حيث إنه آدمي، نقصان من حيث إنه مال لانه مما يوجب نقصانا في المالية فإنه لا يساوي غير الملتحي في الجمال فلو يوجد إزالة الجمال على الكمال. وروي عن الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله أنه تجب كمال الدية لا القيمة لان الجمال في حقه مقصود أيضا. وإن نبت مكانها أخرى مثل الاولى فلا شئ فيها كما في السن. فإن كانت الاولى سوداء فنبتت مكانها بيضاء ذكر في النوادر أن عند أبي حنيفة في الحر لا يجب شئ، وفي العبد حكومة عدل لان البياض في الشعر مما ينقص من قيمة العبد لان البياض في غير وقته عيب وشين. قال رحمه الله: (وفي كل أصبع من أصابع اليد أو الرجل عشر الدية وما فيها ثلاث مفاصل ففي أحدها ثلث الدية ونصفها لو فيها مفصلان) يعني ما يكون من الاعضاء أعشارا كالاصابع ففي كل أصبع عشر الدية، ولو قطع أصابع اليدين أو رجلين فعليه كل الدية لقوله عليه الصلاة والسلام وفي كل أصبع عشرة من الابل وفي قطع الكل تفويت

[ 85 ]

منفعة المشي أو البطش وفيه دية كاملة وهي عشرة فتقسم الدية عليها. والاصابع كلها سواء لاطلاق ماروينا. ولان الكل سواء في أصل المنفعة فلا تعتبر الزيادة. أما ما فيها ثلاثة مفاصل ففي أحدها ثلث دية الاصبع لانها ثلثها، وما فيها مفصلان كالابهام ففي أحدهما نصف دية الاصبع لانه نصفها وهو نصير انقسام دية اليد على الاصابع وهو المراد بقوله في المختصر وما فيها ثلاثة مفاصل ففي أحدها ثلث دية الاصبع ونصفها لو فيها مفصلان. وإذا قطع الرجل أذن الرجل خطأ فأثبتها المقطوعة أذنه في مكانها فتبثت فعلى القاطع أرش الاذن كاملا. قال الشيخ أحمد الطواويسي: هذا الجواب غير صحيح لان الاذن لا يتصور إثباتها بالاحتيال وإنما تثبت باتصال العروق، فإذا ثبتت فالظاهر أنه اتصل العروق وزالت الجناية فيزول موجبها. وفي الكبرى: وإن جذب أذنه فانتزع شحمته فعليه الارش في ماله دون القصاص لتعذر مراعاة التساوي في القصاص، وعن أبي حنيفة فيمن قطع أذن عبد أو أنفه فعليه ما نقصه. قال رحمه الله: (وفي كل سن خمس من الابل أو خمسمائة درهم) يعني في كل سن نصف عشر الدية وهو خمس من الابل أو خمسمائة درهم لقوله عليه الصلاة والسلام وفي كل سن خمس من الابل والاسنان والاضراس سواء وهي كلها سواء لاطلاق ما روينا. ولما روي في بعض طرقه والاسنان كلها لان الكل في أصل المنفعة سواء فلا يعتبر التفاوت فيه كالايدي والاصابع. ولئن كان في بعضها زيادة منفعة ففي الآخر زيادة الجمال فاستويا فزادت دية هذا الطرف على دية النفس ثلاثة أخماس الدية لان الانسان له اثنان وثلاثون سنا، عشرون ضرسا وأربعة أنياب وأربع ثنايا وأربع ضواحك، فإذا وجب في الواحدة نصف عشر الدية يجب في الكل دية وثلاثة أخماس الدية وذلك ستة عشر ألف درهم، هذا إذا كان خطأ، وأما إن كان عمدا ففيه القصاص وقد بيناه من قبل قولهم والاسنان والاضراس سواء. قال في العناية قالوا: فيه نظر والصواب أن يقال: والاسنان كلها سواء ويقال والانياب والاضراس كلها سواء لان السن اسم جنس يدخل تحته اثنان وثلاثون أربع منها ثنايا وهي لاسنان المتقدمة اثنان فوق واثنان أسفل، ومثلها رباعيات وهي ما يلي الثنايا، ومثلها أنياب تلي الرباعيات، ومثلها ضواحك تلي الانياب. واثني عشر سنا تسمى بالطواحين من كل جانب ثلاث فوق. وثلاث أسفل. وبعدها سن وهو آخر الاسنان يسمى ضرس الحلم لانه ينبت بعد البلوغ وقت كمال العقل فلا يصح أن يقال الاسنان والاضراس سواء لعوده إلى معنى أن يقال الاسنان وبعضها سواء ا ه‍. أقول: في هذا النظر مبالغة مردودة حيث قيل في أوله والصوا ب أن يقال: وفيه إشارة إلى أن ما في الكتاب خطأ وقال في آخره فلا يصح أن يقال الاسنان والاضراس سواء وفيه تصريح بعدم صحة ما في الكتاب مع أن تصحيحه على طريق التمام فإن عطف الخاص على العام

[ 86 ]

طريقة معروفة قد ذكرت مرتبة في علم البلاغة وله أمثلة كثيرة في التنزيل قوله تعالى * (حافضوا على الصلوات والصلاة الوسطى) * (البقرة، 238) ومنها قوله تعالى * (من كان عدو الله وملائكته ورسله وجبريل وميكال) * (البقرة: 98) فجاز أن يكون ما نحن فيه من قبيل ذلك ويعود حاصل معناه إلى أنه يقال الاضراس وما عداها من الاسنان سواء، فإنه إذا عطف الخاص على العام يراد بالمعطوف عليه ما عدا المعطوف من أفراد العام كما صرحوا به فلا يلزم المحذوف. ثم إن قوله أو يقال والانياب والاضراس كلها سواء مثل ما ذكر في الايراد على ما في الكتاب فلا معنى لان يكون ذلك صوابا دون ما في الكتاب، نعم الاظهر في إفادة المراد ههنا أن يقال والاسنان كلها سواء على ما جاء به لفظ الحديث، أو أن يقال في الاضراس والثنايا كلها سواء بالجمع بين النوعين كما ذكر في المبسوط. قال رحمه الله: (وكل عضو ذهب منفعته ففيه دية كيد شلت وعين ذهب ضوءها) أي إذا ضرب عضوا فذهب نفعه بضربه ففيه دية كاملة كما إذا ضرب يده فشلت به أو عينه فذهب ضوءها لان وجوب الدية يتعلق بتفويت جنس المنفعة، فإذا زالت منفعته كلها وجب عليه أرش موجبه كله، ولا عبرة للصورة بدون المنفعة لكونها تابعة فلا يكون لها حصة من الارش إلا إذا تجردت عند الاتلاف بأن أتلف عضوا ذهب منفعته فحينئذ يجب فيه حكومة عدل إن لم يكن فيه جمال كاليد الشلاء أو أرشه كاملا إن كان فيه جمال كالاذن الشاخصة فلا يلزم من اعتبار الصورة والجمال عند انفراده عن المنفعة اعتبارها معا بل يكون تبعا لها فيكون المنظر إليه هي المنفعة فقط عند الاجماع، وكم من شئ يكون تبعا لغيره عند الاتلاف فلا يكون له أرش. ثم إذا انفرد عند الاتلاف يكون له أرش ألا ترى أن الاعضاء كلها تبع للنفس فلا يكون لها أرش إذا تلفت معها، وإذا انفردت بالاتلاف كان لها أرش. ومن ضرب صلب رجل فانقطع ماؤه تجب الدية لان فيه تفويت منفعة الجمال على الكمال لان جمال الآدمي في كونه منتصب القامة، وقيل هو المراد بقوله تعالى * (لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم) * (التين: 4) ولو زالت الحدوبة فلا شئ عليه لزوالها لاعن أثر، ولو بقي أثر الضربة ففيه حكومة عدل لبقاء الشين ببقاء أثرها والله أعلم. فصل في الشجاج الشجاج عشرة: الخارصة وهي التي تخرص الجلد أي تخدشه ولا تخرالدم مأخوذة من خرص القصار الثوب إذا شقه في الدق. والدامعة بالعين المهملة مأخوذة من الدمع

[ 87 ]

سميت بها لان الدم يخرج منها بقدر الدمع من القلة، وقيل لان عينه تدمع بسبب ألم يحصل له منها. وفي المحيط: الدامعة هي التي يخرج منها ما يشبه الدمع مأخوذة من دمع العين، والدامية وهي التي يسيل منها الدم. وذكر المرغيناني أن الدامية هي التي تدمي من غير أن يسيل منها دم هو الصحيح يروى عن أبي عبيد، والدامعة وهي التي يسيل منها الدم كدمع العين. ومن قال أن صاحبها تدمع عيناه من الالم فقد أبعد والباضعة وهي التي تبضع الجلد أي تقطعه مأخوذة من البضع وهو الشق والقطع ومنه مبضع الفصاد. أقول: في تفسير الباضعة بما ذكره الشارح فتور وإن تابعه صاحب الكافي وكثير من المتأخرين فيه لان قطع الجلد متحقق في الصورة الاولى منها لا سيما في الدامعة والدامية إذا الظاهر أن شيئا من إظهار الدم وأصالته لا يتصور بدون قطع الجلد وقد صرح الشراح بتحقق قطع الجلد في كل الانواع العشرة للشجة فكان التفسير المذكور شاملا للكل غير مختص بالباضعة، فالظاهر في تفسير الباضعة هو ما ذكر في المحيط والبدائع حيث قال في المحيط: ثم الباضعة وهي تبضع اللحم أي تقطعه. وقال في البدائع: والباضعة هي التي تبضع اللحم أي تقطعه ا ه‍. ويعضد ذلك ما وقع في معتبرات كتب اللغة قال في المغرب: وفي الشجاج الباضعة وهي التي جرحت الجلد وشقت اللحم ا ه‍. وقال في الصحاح: الباضعة الشجة التي تقطع الجلد وتشق اللحم وتدمي إلا أنها لا تسيل الدم. وقال في القاموس: والباضعة الشجة التي تقطع الجلد وتشق اللحم شقا خفيفا وتدمي إلا أنها لا تسيل الدم ا ه‍. لا يقال فعلى هذا يلزم تشبيه الباضعة بالمتلاحمة فإنهم قالوا والمتلاحمة هي التي تأخذ في اللحم وهذا في المآل غير ما نقلته عن المحيط والبدائع في تفسير الباضعة لانا نقول: من فسر الباضعة بما قلنا من المعنى الظاهر لا يقول بتفسير المتلاحمة بما ذكر حتى يلزم الاشتباه بل يزيد عليه قيدا، وعن هذا قال في المحيط: ثم الباضعة وهي التي تبضع اللحم أي تقطعه. قال شيخ الاسلام: ولا تنزع شيئا من اللحم. ثم المتلاحمة وهي التي تقطع اللحم وتنزع شيئا من اللحم، إلى هنا لفظ المحيط. وقال في البدائع: والباضعة وهي التي تبضع اللحم أي تقطعه، والمتلاحمة هي التي تذهب في اللحم أكثر مما تذهب الباضعة فيه. وقال في المغر ب: والمتلاحمة من الشجاج هي التي تشق اللحم دون العظم ثم تتلاحم بعد شقها أي تتلاءم ا ه‍. وقال في الصحاح: والمتلاحمة الشجة التي أخذت في اللحم دون العظم ثم تتلاحم ولم تبلغ السمحاق ا ه‍. وقال في القاموس: وشجة متلاحمة أخذت فيه ولم تبلغ السمحاق والمتلاحمة وهي التي تأخذ في اللحم كله ثم تتلاحم بعد ذلك أي تلتئم وتتلاصق سميت بذلك تفاؤلا على ما يؤل إليه. وروي عن محمد أن المتلاحمة قبل الباضعة لان المتلاحمة من قولهم التحم الشيآن إذا اتصل أحدهما بالآخر فالمتلاحمة هي التي تظهر اللحم ولا تقطعه والباضعة بعدها لانها تقطعه. وفي ظاهر الرواية والمتلاحمة تعمل في قطع أكثر اللحم وهي بعد الباضعة. وقال الازهري: الاوجه أن يقال

[ 88 ]

المتلاحمة أي القاطعة للحم والاختلاف الذي وجد في الشجاج راجع إلى مأخذ الاشتقاق لا إلى الحكم. والسمحاق وهي التي تصل إلى السمحاق وهي الجلدة الرقيقة التي بين اللحم وعظم الرأس، والموضحة وهي التي توضح العظم أي تبينه، والهاشمة وهي التي تهشم العظم، والمنقلة وهي التي تنقل العظم بعد الكسر أي تحوله والآمة وهي التي تصل إلى أم الدماغ، وأم الدماغ هي الجلدة الرقيقة التي تجمع الدماغ، وبعد الآمة شجة تسمى الدامغة بالغبن المعجمة وهي التي تصل إلى الدماغ لم يذكرها محمد لان النفس لا تبقى بعدها عادة فتكون قتلا، ولا تكون من الشجاج والكلام في الشجاج ولذا لم يذكر الخارصة والدامغة لانها لا يبقى لها في الغالب أثر. وهذه الشجاج تختص بالرأس والوجه وما كان في غيرهما يسمى جراحة فهذا هو الحقيقة والحكم يترتب على الحقيقة فلا يجب بالجراحة ما يجب بالشجة من المقدار لان التقدير بالنقل وهو إنما ورد في الشجاع وهي تختص بالرأس والوجه فخص الحكم المقدم بها، ولا يجوز إلحاق الجراحة بها دلالة ولا قياسا لانها ليست في معناها في الشين لان الوجه والرأس يظهران في الغالب وغيرهما مستور غالبا لا يظهر. واختلفوا في اللحيين فعندهما في الوجه فيتحقق الشجاج فيهما فيجب فيها موجبها خلافا لما يقول مالك رحمه الله فإنه يقول إنهما ليسا من الوجه لان المواجهة لا تقع بهما، ونحن نقول هما متصلان بالوجه من غير فاصل ويتحقق معنى المواجهة فصار كالذقن لانهما تحتها. وقال شيخ الاسلام: ويجب أن يفرض غسلهما في الوضوء لانهما من الوجه حقيقة إلا أنا تركناهما للاجماع ولا إجماع هنا فبقينا العيرة للحقيقة. وفي المبسوط: الشجاج في الرأس والوجه أحد عشر أولها الخارصة وهي تشق الجلد مأخوذة من قولهم خرص القصار الثوب إذا شقه من الدق، ثم الدامعة وهي التي يخرج منها ما يشبه الدمع مأخوذة من دمع العين. ولم يذكرها محمد لانها لم يبق لها أثر في الغالب، ثم الدامية وهي التي يخرج منها الدم، ثم الباضعة وهي التي تبضع اللحم، ثم المتلاحمة، وعن محمد أنه جعل المتلاحمة قبل الباضعة خلافا لابي يوسف، وتفسيرها عند أبي يوسف التي تقشر الجلد وتجمع اللحم في موضع الجراحة ولا تقطعه مأخوذة من التحام، يقال التحم الجيشان إذا اجتمعا. ثم السمحاق وهي التي تصل إلى جلدة رقيقة فوق العظم تسمى السمحاق، ثم الموضحة وهي التي توضح العظم واللحم، ثم الهاشمة وهي التي تهشم العظم، ثم المنقلة التي يخرج منها العظم لانها تكسر العظم وتنقله عن موضعه، ثم الآمة التي تصل إلى أم الرأس وهي الجلدة التي فوق الدماغ، ثم الدامغة التي تخرق الجلد وتصل إلى الدماغ ولم يذكرها محمد لان الانسان لا يعيش معها. وأما أحكامها فإن كانت هذه الشجاج عمدا ففي الموضحة القصاص لان السكين ينتهي إلى العظم ولا يخاف منه الهلاك غالبا فيجب القصاص لقوله تعالى * (والجروح قصاص) * (المائدة: 5) وذكر الكرخي عنه أنه ليس في شئ من

[ 89 ]

الشجاج إلا في القصاص والموضحة. وليس لهذه الشجاج أروش مقدرة وموجب هذه الشجاج لا يتحمله العاقلة، فإن كانت هذه الشجاج خطأ ففيما قبل الموضحة حكومة عدل لانه ليس لها أرش مقدر وفي الموضحة خمس من الابل، وفي الهاشمة عشر من الابل، وفي المنقلة خمسة عشرة، وفي الآمة ثلث الدية، هكذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كتب إلى حزم حين بعثه إلى اليمين وذكر فيه أن في النفس مائة من الابل، وفي الانف الدية، وفي الشفتين الدية، وفي اللسان الدية، وفي العينين الدية، وفي الصلب الدية، وفي الذكر الدية، وفي الانثيين الدية، وفي الرجل نصف الدية، وفي الآمة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة من الابل، وفي الموضحة خمس من الابل، هكذا رواه علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وفي النوادر: رجل أصلع ذهب شعره شجه إنسان موضحة عمدا قال محمد: لا يقتص وعليه الارش لانه أقل من موضحة لان المساواة معتبرة في تناول الاطراف ولا مساواة لان الموضحة في أحدهما مؤثرة في الجلد واللحم فتعذر مراعاة المساواة وصار كصحيح اليد إذا قطع يد الاشل لا يقطع فكذا هذا، وإن قال الشاج رضيت أن يقتص مني ليس له ذلك لان الجناية إذا لم توجب القصاص لا يوجب الاستيفاء بالرضا، وإن كان الشاج أيضا أصلع عليه القصاص لان اعتبار المساواة ممكن فصار كالاشل إذا قطع يد الاشل، وإن لم يبق للجراحة أثر فعند أبي حنيفة وأبي يوسف لا شئ عليه، وعند محمد يلزمه قدر ما أنفق عليه إلى أن يبرأ لانه بجنايته اضطر إلى الانفاق على الجراحة خوفا من السراية فكان الزوال مضافا إلى جنايته. لهما أنه كان مختارا في الانفاق ولم يكن مضطرا فيه لان لحوق السراية لا يثبت الاضطرار لان السراية موهومة فلا يثبت الاضطرار بالوهم والارتياب فلم يصر مفوتا لشئ من المال ولا من المنفعة والجمال فلا يضمن كما لو لطمه فألمه. قال رحمه الله: (وفي الموضحة نصف عشر الدية وفي الهاشمة عشرها وفي المنقلة عشر ونصف عشر وفي الآمة والجائفة ثلثها فإن نفذ من الجائفة فثلثاها) لما روي وقد قدمناه، ولانها إذا نفذت صارت جائفتين فيجب في كل واحدة منهما الثلث وهو يكون في الرأس والبطن. وقوله جائفة قال في الايضاح: الجائفة ما يصل إلى الجوف من الصدر والبطن والظهر والجنب وما وصل من الرقبة إلى الموضع الذي وصل إليه الشراب وما فوق ذلك فليس بجائفة. قال في النهاية ومعراج الدراية بعد نقل ذلك: فعلى هذا ذكر الجائفة هنا في مسائل الشجاج وقع اتفاقا، وكذا في العناية نقلا عن النهاية، أقول: نعم على ما ذكر في الايضاح يكون الامر كذلك إلا أن غيره تداركه قال فيما بعد وقالوا: الجائفة تختص بالجو ف وجوف الرأس أو جوف البطن يعني أنها لما تناولت ما في جوف الرأس أيضا كانتمن الشجاع فيما إذا وقعت في الرأس فتدخل في

[ 90 ]

فصل الشجاج باعتبار ذلك فلا يكوذكرها في مسائل الشجاج فيما وقع اتفاقا بخلاف سائر الشجاج فإنه حيث لا يكون إلا في الرأس والوجه، وقيل لا تتحقق الجائفة فيما فوق الحلق. قال رحمه الله: (وفي الخارصة والدامعة والدامية والباضعة والمتلاحمة والسمحاق حكومة عدل) لان هذه ليس فيها أرش مقدر من جهة الشرع ولا يمكن إهدارها فيجب فيها حكومة عدل، وهو مأثور عن ابراهيم النخعي وعمر بن عبد العزيز. واختلفوا في تفسير هذه الحكومة قال الطحاوي: تفسيرها أن يقوم مملوكا بدون هذا الاثر ثم يقوم وبه هذا الاثر ثم ينطر إلى تفاوت ما بينهما، فإن كان ثلث عشر القيمة مثلا يجب ثلث عشر الدية، وإن كان ربع عشر القيمة يجب ربع عشر الدية. وقال الكرخي: ينظركم مقدار هذه الشجة من الموضحة فيجب بقدر ذلك من نصف عشر الدية لان ما لا نص فيه يرد إلى المنصوص عليه، وكان الكرخي رحمه الله يقول: ما ذكره الطحاوي ليس بصحيح لانه اعتبر ذلك الطريق فربما يكون نقصان القيمة أكثر من نصف الدية فيؤدي إلى أن يوجب في هذه الشجاج وهو دون الموضحة أكثر مما أوجبه الشرع في الموضحة وأنه محال بل الصحيح الاعتبار بالمقدار. وقال الصدر الشهيد: ينظر المفتي في هذا إن أمكنه الفتوب الثاني بأن كانت الجناية في الرأس والوجه يفتي بالثاني وإن لم يتيسر عليه ذلك يفتي بالقول الاول لانه الايسر قال، وكان المرغيناني يفتي به. وقال في المحيط: والاصح أنه ينظركم مقدار هذه الشجة من أقل شجة لها أرش مقدر، فإن كان مقداره مثل نصف شجة لها أرش أو ثلثها وجب نصف أو ثلث أرش تلك الشجة، وأن ربعا فربع، ذكره بعد ذكر القولين فكأنه جعله قولا ثالثا والاشبه أن يكون هذا تفسيرا لقول الكرخي. وقال شيخ الاسلام: وقول الكرخي أصح لان عليا اعتبره بهذا الطريق فيمن قطع طرف لسانه على ما بيناه. قال رحمه الله: (ولا قصاص في غير الموضحة) لانه لا يمكن اعتبار المساواة فيه لان ما دون الموضحة ليس له حد ينتهي إليه السكين وما فوقها كسر العظم ولا قصاص فيه لقوله عليه الصلاة والسلام لا قصاص في العظم وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله. وفي ظاهر الرواية يجب القصاص فيما دون الموضحة، ذكره محمد رحمه الله في الاصل وهو الاصح لانه ممكن فيه اعتبار المساواة فيه إذ ليس فيه كسر العظم ولا خوف التلف فيستر قدرها اعتبارا ثم يتخذ حديدة بقدر ذلك فيقطع بها مقدار ما قطع فيتحقق استيفاء القصاص بذلك، وفي الموضحة القصاص إن كانت عمدا لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قضى بالقصا ص في الموضحة لان المساواة فيها ممكنة بانتهاء السكين إلى العظم فيتحقق استيفاء القصاص. قال رحمه الله: (وفي أصابع اليد نصف الدية) أي أصابع اليد الواحدة لان في كل أصبع عشرة من الابل لما روينا فيكون في الخمسة خمسون ضرورة وهو النصف، ولان بقطع الاصابع تفوت منفعة البطش وهو الموجب على ما

[ 91 ]

مر. أقول: لقائل أن يقول لمن ذكر فيما مر أن في كل أصبع من أصابع اليدين والرجلين عشر الدية كان ذكر هذه المسألة هنا مستدركا إذ لا شك أن خمسة أعشار الدية نصف الدية وعلم قطعا مممر أن في أصابع اليد الواحدة وهي خمس أصابع نصف الدية ولو لم يكن الاستلزام والاقتضاء في حصول العلم بمثله بل كان لا بد فيه من التصريح بها للزم أن يذكر أيضا أن في الاصبعين عشري الدية، وفي ثلاث أصابع ثلاثة أعشار الدية، وفي أربعة أصابع أربعة أعشار الدية إلى غير ذلك من المسائل المتروك ذكرها صراحة في الكتاب. ويمكن الجواب عنه بأن ذكر هذه المسألة هنا ليس ببيان نفسها أصالة حتى يتوهم الاستدراك بل ليكون ذكرها توطئة للمسألة المعاقبة إياها وهي قوله فإن قطعها مع الكف ففيه أيضا نصف الدية، فالمقصود في البيان هنا أن قطع الاصابع وحدها وقطعها مع الكف سيان في الحكم وعن هذا قال في الوقاية في هذا المقام: وفي أصابع يد بلا كف ومعها نصف الدية. قال رحمه الله: (ولو مع الكف) هذا متصل بما قبله أي في أصابع اليد نصف الدية وإن قطعها مع الكف ولا يزيد الارش بسبب الكف لان الكف سبب للاصابع في حق البطش فإن قوة البطش بها وقال عليه الصلاة والسلام في اليدين الدية، وفي أحدهما نصف الدية واليد اسم لجارحة يقع بها البطش لان اسم اليد يدل على القدرة والقوة والبطش يقع بالاصابع والكف فيجب فيها دية واحدة لان منفعتها جنس واحد فيكون الكف تبعا للاصابع. قال رحمه الله: (ومع نصف الساعد نصف الدية وحكومة) عدل نصف الدية في الكف والاصابع والحكومة في نصف الساعد وهو قول أبي حنيفة ومحمد وهو رواية عن أبي يوسف، وعند ما زاد على الاصابع من اليدين والرجلين من أصل الساعد والفخذ هو تبع فلا يزيد على الدية لان الشارع أوجب في الواحدة منهما نصف الدية واليد اسم لهذه الجارحة إلى المنكب والرجل إلى الفخذ فلا يزيد على تقدير الشارع، ولان الساعد ليس له أرش مقدر فيه كالكف. ووجه الظاهر أن اليد اسم لآلة باطشة ووجوب الارش باعتبار منفعة البطش، وكذا في الارش ولا يقع البطش بالساعد أصلا ولا تبعا فلا يدخل في أرشه. وقال بعض الشراح: ولهما أن اليد آلة باطشة والبطش يتعلق بالكف والاصابع دون الذراع. أقول: لقائل أن يقول الظاهر من هذا الكلام أن يكون لكل واحد من الكف والاصابع مدخل في البطش ومدلول قوله فيما قبل، ولان الكف تبع للاصابع لان البطش بها أن يكون الباطش هو الاصابع لا غير فبين كلاميه في الموضعين نوع تدافع، وكان صاحب الكافي تفطن له حيث غير تحريره ههنا فقال: لهما أن أرش اليد إنما يجب باعتبار أنه آلة باطشة والاصل في البطش الاصابع والكف تبع لها أما الساعد فلا يتبعها لانه غير متصل بها فلم يجعل تبعا لها في حق التضمين ا ه‍. ثم أقول: يمكن التوفيق بين كلاميه أيضا بنوع عناية وهو أن يقدر المضاف في قوله فيما قبل لان

[ 92 ]

البطش بها فلا ينافي أن يكون بالكف أيضا بطش في الجملة بالتبعية فيرتفع التدافع، ولانه لو جعل تبعا لا يخلو إما أن يجعل تبعا للاصابع أو الكف ولا وجه إلى الاول لوقوع الفصل بينهما بالكف ولا إلى الثاني لان الكف تبع للاصابع ولا تبع للتبع ولا نسلم اليد اسم لهذه الجارحة إلى المنكب بل هي اسم إلى الزند إذا ذكرت في موضع القطع بدليل آية السرقة. قال رحمه الله: (وفي قطع الكف وفيها أصبع أو اصبعان عشرها أو خمسها ولا شئ في الكف) أي إذا كان في الكف أصبع أو أصبعان فقطعهما يجب عشر الدية في الاصبع الواحدة وخمسها في أصبعين ولا يجب في الكف شئ وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: ينظر إلى أرش الكف وإلى أر ش ما فيها من الاصابع فيجب أكثرها ويدخل القليل في الكثير لان الجمع بين الارشين متعذر إجماعا لان الكل شئ واحد لان ضمان الاصابع هو ضمان الكف وضمان الكف فيه ضمان الاصبع، وكذا إهدار أحدهما متعذر أيضا لان كل واحد منهما أصل من وجه، أما الكف فلان الاصابع قائمة به، وأما الاصابع فلانها هي الاصل في منفعة البطش، فإذا كان واحد منهما أصلا من وجه ورجخنا بالكثرة كما قلنا فيمن شج رأس إنسان وتناثر بعض شعر رأسه يدخل القليل في الكثير. ولابي حنيفة رحمه الله أن الاصابع أصل حقيقة لان منفعة اليد وهي البطش والقبض والبسط قائمة بها وكذا حكما لانه عليه الصلاة والسلام جعل اليد بمقابلة الاصابع حيث أوجب في اليد نصف الدية، ثم جعل في كل أصبع عشرا من الابل ومن ضرورته أن تكون كلها بمقابلة الاصابع دون الكف والاصل أولى بالاعتبار وإن قل ولا يظهر التتابع بمقابلة الاصل فلا يعارض حتى يصار إلى الترجيح بالكثرة، ولئن تعارضا فالترجيح بالاصل حقيقة وحكما أولى من الترجيح بالكثرة ألا ترى أن الصغار إذا اختلطت مع الكبار تجب فيها الزكاة تبعا وإن كان الصغار أكثر ترجيحا للاصل بخلاف ما استشهد به من الشجة لان أحدهما ليس بتبع للآخر وروى الحسن عنه أن الباقي إذا كان دون الاصبع يعتبر أكثرهما إرشادا لان أرش مدون الاصبع غير منصوص عليه وإنما يثبت باعتباره بالمنصوص عليه بنوع اجتهاوكونه أصلا باعتبار النص، فإذا لم يرد النص بأرش مفصل ولا مفصلين: اعتبرنا فيه الكثرة والاول أصح لان أرشه ثبت بالاجماع وهو كالنص، ولو لم يبق في الكف أصبع غير منصوص عليه يجب عليه حكومة عدل لا يبلغ بها أرش الاصابع، ولا يجب فيه الارش بالاجماع لان الاصابع أصل على ما بينا وللاكثر حكم الكل فاستتبعت الكف كما إذا كانت كلها قائمة. قوله وفي قطع الكف الخ لا يخفي أنه مكرر مع قوله وفي كل اصبع عشر الدية وقوله ولا شئ في الكف الخ لا يخفي أنه مكرر مع قوله ولو مع الكف لانه إذا علم أن الكف لا شئ فيه مع كل الاصابع علم بالاولى مع بعضها. قال رحمه الله: (وفي الاصبع الزائدة وعين الصبي وذكره ولسانه إن لم يعرف صحته

[ 93 ]

بنظر وحركة وكلام حكومة) عدل. أما الاصبع الزائدة فلانها جزء الآدمي ي فيجب الارش فيها تشريفا له وإن لم يكن فيها نفع ولا زينة كما في السن الزائدة، ولا يجب فيها القصاص، وإن كان المقطوع أصبعا زائدة ولان المساواة شرط لوجوب القصاص في الطرف ولم يعلم تساويهما إلا بالظن فصار كالعبد يقطع طرف العبد، فإن تعذر القصاص للشبهة وجب أرشها وليس لها أرش مقدر في الشرع فيجب فيها حكومة عدل بخلاف لحية الكوسج حيث لا يجب فيها شئ لان اللحية لا يبقى فيها أثر الحلق فلا يلحقه الشين بل ببقاء الشعرات يلحقه ذلك فيكون نظير من قلم ظفر غيره بغير إذنه، وفي قطع الاصبع الزائدة يبقى أثر ويشينه ذلك فيجب الارش. وأما عين الصبي وذكره ولسانه فلان المقصود من هذه الاشياء المنفعة فإذا لم يعلم صحتها لا يجب أرشها كاملا بالشك بخلاف المارن والاذن الشاخصة لان المقصود منها الجمال وقد فوته. وتعرف الصحة باللسان في الكلام، وفي الذكر بالحركة، وفي العين بما يستدل به على الرؤية وهو المراد بقوله إن لم تعرف صحته بنظر وحركة كلام فيكون بعد معرفة صحة ذلك حكمه حكم البالغ في الخطأ والعمد إذا ثبت ذلك بالبينة أو بإقرار الجاني، فإن أنكر ولم يقم به بينة فالقول قول الجاني، وكذا إذا قال لا أعرف صحته لا يجب عليه الارش كاملا إلا بالبينة، وقال الشافعي: تجب الدية كاملة كيفما كان لان الغالب فيه الصحة فأشبه الاذن والمارن. قلنا: الظاهر لا يصلح للاستحقاق وإنما يصلح للدفع وحاجتنا الاستحقاق وقد ذكرنا الفرق بين هذه الاشياء وبين الاذن والانف. قال رحمه الله: (ومن شج رجلا موضحة فذهب عقله أو شعر رأسه دخل أرش الموضحة في الدية) فصار كما إذا أوضحه فمات لان تفويت العقل يبطل منفعة جميع الاعضاء. قيد بالموضحة لانه لو قطع يده فذهب عقله لا يدخل كما سيأتي. أقول: فيه نظر إذ لو كان فوات العقل بمنزلة الموت وكان هذا مدار دخول أرش الموضحة في الدية لما تم ما سبق في فصل فيما دون النفس من أنه روي أن عمر رضي الله عنه قضى بأربع ديات في ضربة واحدة ذهب فيها العقل والكلام والسمع والبصر فإنهم صرحوا بأنه لو مات من الشجة لم يكن فيه إلا دية واحدة فيتأمل. وأرش الموضحة يجب بفوات حزء من الشعر حتى لو لم ينبت تجب الدية بفوات كل الشعر. قال صاحب النهاية: أي لو نبت الشعر والتأمت الشجة فصار كما كان لا يجب شئ، فثبت بهذا أن وجوب أرش الموضحة بسبب فوات الشعر ا ه‍. وقال صاحب العناية: قوله وأرش الموضحة تجب بفوات جزء من الشعر لبيان الجزئية. قوله حتى لو نب‍ ت يعني الشعر يسقط يعني أرش الموضحة لبيان أن الارش يجب بالفوات، كذا في النهاية، وليس بمفتقر إليه لكونه معلوما ا ه‍. أقول: إن قوله وليس بمفتقر إليه لكونه

[ 94 ]

معلوما ليس بشئ إذ لا ريب أن كون وجوب أرش الموضحة بفوات جزء من الشعر لا بمجرد تفريق الاتصال والايلام الشديد أمر خفي جدا غير معلوم بدون البيان والاعلام إذا كان الظاهر المتبادر مما ذكره في فصل الشجاج إذ لا يشترط في وجوب أر ش الموضحة فوات جزء من الشعر بالكلية بأن لا ينبت من بعد أصلا فإنهم قالوا الموضحة من الشجاج هي التي توضح العظم أي تبينه، ثم بينوا حكمها بأنه القصاص إن كانت عمدا ونصف عشر الدية إن كانت خطأ، ولا شك أن اسم الموضحة وحدها المذكورة يتحققان فيما نبت فيه الشعر أيضا فكان اشتراط أن لا ينبت الشعر بعد البرء أصلا في وجوب أرشها أمرا خفيا محتاجا إلى البيان بل إلى البرهان ولهذا قالوا: وأر ش الموضحة يجب بفوات جزء من الشعر حتى لو نبت يسقط. وقال في الكافي: وأرش الموضحة باعتبار ذهاب الشعر ولهذا لو نبت الشعر على ذلك الموضع واستوى لا يجب شئ. وقال في المبسوط: وجوب أرش الموضحة باعتبار ذهاب الشعر بدليل أنه لو نبت الشعر على ذلك الموضع فاستوى كما كان لا يجب شئ إلى غير ذلك من البيانات الواقعة من الثقات وقد تعلقا بسبب واحد وهو فوات الشعر فيدخل الجزء في الجملة فصار كما إذا قطع أصبع رجل فشلت يده كلها، فحاصله أن الجناية متى وقعت على عضو وأتلفت شيئين وأرش أحدهما أكثر دخل الاقل فيه، ولا فرق في هذا بين أن تكون الجناية عمدا أو خطأ، فإن وقعت على عضوين لا يدخل ويجب لكل واحد منهما أرشه سواء كان عمدا أو خطأ عند أبي حنيفة لسقوط القصاص به عنده، وعندهما يجب للاول القصاص إن كان عمدا وأمكن الاستيفاء وإلا فكما قال أبو حنيفة. وقال زفر: لا يدخل أرش الاعضاء بعضها في بعض لان كلا منهما جناية فيما دون النفس فلا يتداخلان كسائر الجنايات وجوابه ما بيناه. وفي المبسوط: أصله أن الجنايات متى وقعت على عضو واحد أتلفت شيئين وأرش أحدهما أكثر فإنه يدخل فيه الاقل في الاكثر أصله في الموضحة متى كانت في الرأس لا بد أن يتناثر الشعر مقدار الموضحة وتناثر الشعر مقدار الموضحة يوجب الارش والنبي صلى الله عليه وسلم أوجب في الموضحة خمسا من الابل ولم يوجب في تناثر الشعر شيئا، فعلم أن أرش ما تناثر من الشعر وهو أقل من أرش الموضحة دخل في أرش الموضحة، وكذلك إن كانت الجناية على عضو واحد وأتلفت شيئين أحدهما يوجب القصاص والآخر يوجب المال فإنه يجب المال. وأصله الخاطئ مع العامد متى اشتركا في قتل واحد يجب المال، وإن وقعت الجناية على عضوين أحدهما يوجب القود والآخر يوجب المال إن كان خطأ لا يدخل أرش الاقل في الاكثر لانه لم يكن في معنى ما ورد به النص على قضية القياس، وإن كان عمدا يجب المال عند أبي حنيفة، وعندهما القصاص لما يأتي. ولو شجه موضحة فذهب شعر رأسفلم ينبت غرم الدية ويدخل فيها أرش الموضحة لان الجناية وقعت على عضو واحد لا الجناية وقعت على الرأس والشعر بالرأس، ولو ذهب بعض الشعر دخل الاقل في الاكثر، وكذلك لو كانت الموضحة في الحاجب وقد ذهب شعر

[ 95 ]

الحاجب. ولو ذهب سمعه وبصره فلو يخلو إن كانت الشجة خطأ أو عمدا، فإن كانت خطأ لا يدخل أر ش الموضحة في دية السمع والبصر بل يجب كلاهما، وروي عن أبي يوسف في النوادر أنه قال: يدخل أرش الشجة في دية السمع ولا يدخل في دية البصر لان محل السمع الاذنان والاذنان من الرأس حكما لقوله عليه الصلاة والسلام الاذنان من الرأس فصارت الجناية واقعة على عضو واحد وأتلفت شيئين فيدخل الاقل في الاكثر. وجه ظاهر الرواية أن الجناية وقعت على عضوين لان الاذنين ليستا من الرأس حقيقة وحكما ولكنهما جعلا من الرأس في حق حكم كل الاحكام حتى لو اقتصر على المسح على الاذنين لم يجز عن مسح الرأس فيتيقن أن الاذنين مع الرأس عضوان مختلفان متباينان في حق الجناية فلا يدخل أرش أحدهما في الآخر، وإن ذهب عقله بالشجة يدخل أرش الموضحة في دية العقل خلافا لزفر والشافعي والحسن لان الجناية وقعت على عضوين مختلفين فإن محل الشجة الرأس ومحل العقل الصدر فكان كالسمع والبصر. والصحيح قولنا لان الجناية وقعت على عضو واحد معنى لان العقل وإن كان نورا وجوهرا مضيئا في الصدر يبصر به الانسان عواقب الامور وحسن الاشياء وقبحها إلا أن الدماغ كالفتيلة لهذا النور يقوي ويضعف بقوة الدماغ وضعفه ويزول ويذهب بفساد الدماغ، فإن كان العقل بهذا الاعتبار لتعلقه بالدماغ بقاء وذهابا فكانت الجناية واقعة على عضو واحد وقد أتلفت شيئين فيدخل الاقل في الاكثر، وأما البصر فإنه ينظر إليه أهل العلم فإن قالوا بذهابه وجبت الدية، وإن قالوا لا ندري تعتبر الدعوى والانكار والقول قول الضارب لانه منكر. وأما الشم فيختبر بالرائحة الكريهة المنتنة، فإن ظهر فيه تغير علم أنه كاذب. هذا كله إذا كان خطأ، فإن كانت الشجة موضحة عمدا فذهب سمعه وبصره أو قطع أصبعا فتلفت الاخرى بجنبها أو قطع اليمنى فشلت اليسرى تجب دية السمع والبصر ويجب أرش الاصبعين واليدين في ماله، ولا يقتص عند أبي حنيفة، وعندهما يقتص في الشجة والقطع ويغرم دية أخرى في ماله. ولو شجه موضحة فصار ت منقلة أو كسر بعض سنة فاسود ما بقي أو قطع مفصلا فشل ما بقي ضمن الارش عندهما، ولا يقتص لهما أنهما لاقتا محلين متباينين فإن الفعل لا يعرف إلا بالاثر فيتقدر بتقدر الاثر ألا ترى أن من رمى إلى أنسان فأصابه ونفذ منه فأصاب آخر فإنه يجب القصاص للاول والدية للثاني، وكذا إذا قطع أصبعا فاضطرب السكين فأصاب أصبعا أخرى خطأ يقتص في الاولى ويجب الارش في الثانية. وإذا صارت الجناية بمنزلة الجنايتين ثم تعذرت الشبهة في أحدهما إلى الاخرى له أن السراية لا تنفصل إلى الجناية لان أثر الجناية لا ينفصل عنها فيكون الفعل معدا له أثر أن في محلين في شخص واحد ويتصور سراية الجناية إلى جميع البدن فيتصور سرايتها، فإذا لم يكن آخر الفعل موجبا للقصاص لا يكون أوله موجبا بخلاف المستشهد بهما لان أحدهما ليس من سراية الاخرى لانه لا يتصور سراية الفعل من شخص إلى شخص فاختلف الفعل باختلاف المحلين

[ 96 ]

في شخصين. ولو قطع أصبعا فسقطت أخرى إلى جنبها لم يجب القصاص فيهما عند أبي حنيفة لما بينا، وعند أبي يوسف يجب في الاولى دون الثانية، وعند محمد وجب القصاص فيهما رواه ابن سماعة لان سراية الفعل تنسب إلى الفاعل ويجب الفعل مباشرا للسراية فصار كما لو باشر اسقاطهما وكما لو سرى إلى النفس. قال رحمه الله: (وإن ذهب سمعه أو بصره أو كلامه لا) أي لو شجه موضحة فذهب أحد هذا لاشياء بها لا يدخل أرش الموضحة في أرش أحد هذه الاشياء، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد سواء كانت عمدا أو خطأ. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمه الله: يدخل أرش الموضحة في دية السمع والكلام ولا يدخل في دية البصر لانه ظاهر فلا يلحق بالعقل فلا يدخل فيه أرش الموضحة، وأما السمع والكلام فباطنان فيلحقان بالعقل فيدخل فيهما أرش الموضحة كما يدخل في أرش العقل وقد قدمناه بفروعه. ولهما أن كل واحد من هذه المنافع أصل بنفسها فيتعدد حكم الجناية بتعددها ولا يدخل بعضها في بعض لان العبرة لتعدد أثر الفعل لا لاتحاد الفعل بخلاف العقل لان منفعته تعود إلى كل الاعضاء إذ لا ينتفع بالاعضاء بدونه فصار كالنفس. قال في معراج الدراية قال الهندواني: كنا نفرق بهذا الفرق حتى رأيت ما ينقضه وهو أنه لو قطع يده فذهب عقله أن عليه دية العقل وأرش اليد بلا خلاف من أحد، ولو كان زوال العقل كزوال الروح لما وجب أرش اليد كما لو مات. والصحيح من الفرق أن الجناية وقعت على عضو واحد في العقل ووقعت في السمع والبصر على عضوين فلا يدخل اه‍. أقول: كما ينتقض الفرق المذكور في الكتاب بالمسألة التي ذكرها الهندواني كذلك ينتقض ما عده صحيحا من الفرق بتلك المسألة عضوا مغايرا لعضو اليد فتكون الجناية فيها واقعة على العضوين بذلك الاعتبار فلم يعتبر العقل في مسألة الشجة أيضا عضوا مغايرا لمحل الشجة حتى تكون هذه المسألة أيضا بذلك الاعتبار من قبيل ما لو وقعت الجناية على عضوين فلا يدخل الارش في الدية كما في السمع والبصر. وبالجملة ما عده الهندوانى صحيحا من الفرق هنا لا يخلو عن الانتقاض منه أيضا فتأمل أو نقول: ذهاب العقل في معنى تبديل النفس وإلحاقه بالبهائم فيكون بمنزلة الموت ولا كذلك سائر الاعضاء أو نقول: إن العقل ليس له موضع يشار إليه فصار كالروح للجسد. وقال الحسن: أرش الموضحة بخلاف الموضحة مع الشعر والحجة على ما بينا. قال بعض الشراح، ووجه الثاني أن السمع والكلام مبطن. قال صاحب العناية: قيل يريد به الكلام النفسي بحيث لا ترتسم فيه المعاني ولا يقدر على نظم التكلم، فإن كان المراد ذلك كان الفرق بينه وبين ذهاب السمع العقل عسرا جدا، وإن كان المراد به التكلم بالحروف والاصوات ففي جعله مبطنا نظر اه‍. أقول: يمكن أن يقال المراد به هو الثاني والمراد بكون السمع والكلام مبطنين كون محلهما مستورا غائبا عن

[ 97 ]

الحس بخلاف البصر فإن محله ظاهر مشاهد فيندفع النظر كما ترى. قال رحمه الله: (ولو شجه موضحة فذهبت عيناه أو قطع أصبعا فشلت أخرى أو قطع المفصل الاعلى فشل ما بقي أو كل اليد أو كسر نصف سنة فاسود ما بقي فلا قود) وهذا كله قول أبي حنيفة مطلقا. وقالا: يجب القصاص في الموضحة والدية في العينين فيما إذا شجه موضحة فذهبت عيناه، وكذا إذا قطع أصبعا فشلت أخرى بجنبها يقتص للاولى ويجب الارش للاخرى، وعنده لما لم يجب القصاص في العضوين يجب أرش كل واحد منهما كاملا وإن كان عضوا واحدا كقطع الاصبع من المفصل الاعلى فشل ما بقي منها يكتفي بأرش واحد إن لم ينتقع بما بقي، وإن كان ينتقع به يجب دية المقطوع وتجب حكومة عدل في الباقي بالاجماع، وكذا إذا كسر نصف السن واسود ما بقي أو اصفر أو احمر يجب السن كله بالاجماع. ولو قال اقطع المفصل الاعلى واترك ما بقي أو قال اكسر القدر المكسور من السن واترك الباقي لم يكن له ذلك لان الفعل في نفسه لم يقع موجبا للقود فصار كما إذا شجه منقلة فقال اشجه موضحة وأترك الباقي ليس له ذلك. والاصل عنده أن الفعل الواحد إذا أوجب مالا في البعض سقط القصاص سواء كانا عضوين أو عضوا واحدا لا يجب لهما. وفي الخلاصة: إن الفعل في محلين مختلفين فيكون جنايتين لان الفعل يتعدد بتعدد أثره فصار كجنايتين مبتدأتين فالشبهة في أحدهما لا يتعدى إلى الآخر. ولابي حنيفة أن الجزاء بالمثل والجرح الاول سار وليس وسعه الساري فيسقط القصاص ويجب المال، والدليل على أنه سار إن فعله أثر في نفس واحدة والسراية عبارة عن إيلام يتعاقب عن الجناية على البدن ويتحقق ذلك في موضعين منهما كما يتحقق في الاطراف مع النفس بأن مات من الجناية بخلاف نفسين فإن الفعل في النفس الثانية مباشرة على حدة ليس بسراية الاولى أو نقول: إن ذهاب البصر ونحوه جعل بطريق التسبب فإن الفعل باق على اسمه لم يتغير، والاصل في سراية الافعال أن لا يبقى الاول بعد حدوث السراية كالقطع إذا سرى إلى النفس صار قتلا فلم يبق قطعا، وههنا الشجة أو القطع لم ينعدم بذهاب البصر ونحوه فكان الفعل الاول تسببا إلى فوات البصر ونحوه بمنزلة حفر البئر والتسبب لا يوجب القصاص. وعمحمد رحمه الله في المسألة الاولى وهي ما إذا اشجه موضحة فذهب بصره أنه يجب القصاص منهما رواية ابن سماعة عنه، ووجهه أن سراية الفعل انتسب إلى فاعله شرعا حتى يجعل الفاعل مباشرا للسراية فيؤخذ به كما لو سرى إلى النفس فإنه يجب ويعتبر قتلا بطريق المباشرة بخلاف ما لو قطع أصبعا فشلت بجنبها أخرى أو شجه موضحة فذهب عقله أو كلامه لا يجب القصاص في السمع والكلام والشلل لعدم الامكان، وفي البصر يجب لامكان الاستيفاء ألا ترى أنه لو أذهبه وحده بفعل مقصود منه

[ 98 ]

يجب القصاص في البصر دون الشلل والسمع والكلام فافترقا. ولو كسر بعض السن فسقطت ففيها القصاص على رواية ابن سماعة، وعلى الرواية المشهورة لا قصاص فيها، ولو شجه فأوضحه ثم شجه أخرى فأوضحه فتكاملتا حتى صارتا شيئا واحدا فلا قصاص فيهما كما في المشهور على رواية ابن سماعة عن محمد يجب القصاص والوجه فيهما ما بيناه. قال رحمه الله: (وإن قلع سنة فنبت مكانها أخرى سقط الارش) وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله. وقالا: عليه الارش كاملا لان الجناية وقعت موجبة له والتي نبتت نعمة مبتدأة من الله تعالى فصار كما لو أتلف مال إنسان فحصل للمتلف عليه مال آخر ولهذا يستأني حولا بالاجماع أي يؤجل سنة بالاجماع. وذكر في التتمة أن البالغ إذا سقط ينتظر حتى يبرأ موضع السن لا الحول هو الصحيح لان نبات سن البالغ نادر فلا يفيد التأجيل إلا أن قبل البرء لا يقتص ولا يؤخذ الارش لانه لا يدري عاقبته اه‍. قال صاحب العناية بعد نقل ذلك اجمالا: ذلك ليس بظاهر وإنما الظاهر ما قالوه لان الحول يشتمل على الفصول الاربعة ولها تأثير فيما يتعلق ببدن الانسان فكل فصل منها يوافق مزاج المجني عليه فيؤثر في إنباته قال: ولكن قوله بالاجماع فيه نظر لانه قال في الذخيرة: وبعض مشايخنا قال الاستيناء حولا من فصل القلع في البالغ والصغير جميعا لقوله عليه الصلاة والسلام في الجراحات كلها يستأني حولا وهو كما ترى ينافي الاجماع. قال رحمه الله: (وإن أقيد فنبتت سن الاول تجب الدية) معناه إذا قلع سن رجل فأقيد أي اقتص من القالع ثم نبت سن الاول المقتص له يجب على المقتص له أرش سن المقتص منه لانه تبين أنه استوفى بغير حق لان الموجب فساد المنبت ولم يفسد حيث نبت مكانها أخرى فانعدمت الجناية ولهذا يستأني حولا. وينبغي أن ينظر الناس في ذلك القصاص خوفا من مثله إلا أن في اعتبار ذلك تضييع الحقوق فاكتفينا بالحول لانه ينبت فيه ظاهرا على تقدير عدم الفساد، فإذا مضى الحول ولم تنبت فيه قضينا بالقصاص، ثم إذا تبين أنا أخطأنا فيه كان الاستيفاء بغير حق إلا أن القصاص سقط للشبهة فيجب المال. ولو ضرب سن إنسان فتحركت يستأني حولا ليظهر فعله، فإن سقطت سنة واختلفا قبل الحول فالقول للمضروب لتيقن التأجيل بخلاف ما لو شجه موضحة ثم جاء وقد صارت منقلة حيث يكون القول للضارب لان الموضحة لا تورث المنقلة والتحريك يورث السقوط. ولو اختلفا بعد القول كان القول للضارب لانه منكر وقصد مضى الاجل الذي ضرب للثاني، ولو لم يسقط فلا شئ للضارب، وإن اختلفا في حصول الاسوداد بضربه فالقول قول الضارب قياسا لانه هو المنكر ولا يلزم من الضرب الاسوداد فصار إنكاره له كإنكاره أصل الفعل. وفي الاستحسان القول قول المضروب لان ما يظهر عقيب فعل من الاثر يحال على الفعل لانه هو السبب الظاهر إلا

[ 99 ]

أن يقيم الضارب البينة أنه بغيره. قال رحمه الله: (وإن شج رجلا فالتحم ولم يبق له أثر أو ضرب فجرح فبرأ وذهب أثره فلا أرش) وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله. وقال أبو يوسف رحمه الله: عليه أرش الالم وهو حكومة عدل لان الشين الموجب إن زال فالالم الحاصل لم يزل. وقال محمد رحمه الله: عليه أجرة الطبيب لان ذلك أثر فعله فكان له أخذ ذلك من ماله واعطاؤه الطبيب، وفي شرح الطحاوي فسر قول أبي يوسف عليه أرش الالم بأجرة الطبيب والمداواة فعلى هذا الاختلاف بين أبي يوسف ومحمد. ولابي حنيفة رحمه الله أن الموجب هو الشين الذي يلحقه بفعله وزوال منفعته وقد زال ذلك بزوال أثره والمنافع لا تتقوم إلا بالعقد كالاجارة والمضاربة الصحيحين أو ما يشبه العقد كالفاسد منهما ولم يوجد شئ من ذلك في حق الجاني فلا يلزم الغرامة، وكذلك مجرد الالم لا يوجب شيئا لانه لا قيمة له بمجرد الالم ألا ترى أن من ضرب إنسانا ضربا مؤلما من غير جرح لا يجب عليه شئ من الارش، وكذا لان لو شتمه شتما يؤلم نفسه لا يضمن شيئا. قال رحمه الله: (ولا قود بجرح حتى يبرأ) وقال الشافعي رحمه الله: يقتص منه في الحال لان الموجب قد تحقق فلا يؤخر كما في القصاص في النفس. ولناما روي أنه عليه الصلاة والسلام نهى أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه. رواه أحمد والدار قطني. ولان الجراحات يعتبر فيها مالهما لاحتمال أن تسري إلى النفس فيظهر أنه قتل فلا يعلم أنه جرح إلا بالبرء فيستقر به. قال رحمه الله: (وكل عمد سقط فيه قوده لشبهة كقتل الاب ابنه عمدا ففيه دية في مال القاتل وكذا ما وجب صلحا أو اعترافا أو لم يكن نصف العشر) أي نصف عشر الدية لما روي عن ابن عباس موقوفا ومرفوعا لا تعقل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا صلحا ولا اعترافا، ولان العاقلة تتحمل عن القاتل تخفيفا عنه وذلك يليق بالمخطئ لانه معذور دون المتعمد لانه يوجب التغليظ، والذي وجب بالصلح إنما وجب بعقده والعاقلة لا تتحمل ما يجب العقد وإنما تتحمل ما يجب بالقتل، وكذا ما لزمه بالاقرار لا تتحمله العاقلة لان له ولاية على نفسه دون عاقلته فيلزمه دونهم. وإنما لا تتحمل أقل من نصف عشر الدية لانه لا يؤدي إلى الاجحاف والاستئصال بالجاني والتأجيل تحرزا عنه فلا حاجة إليه، ثم الكل يجب مؤجلا إلى ثلاث سنين إلا ما وجب بالصلح فإنه يجب حالا لانه واجب بالعقد فيكون حالا بخلاف غيره وما دونه أرش الموضحة يجب في سنة لا ما دون ثلث الدية والثلث وما دونه يجب في سنة. وقال الشافعي رحمه الله: ما وجب بقتل الاب ابنه يجب حالا لان القصاص سقط شرعا إلى بدل فيكون ذلك البدل حالا كسائر المتلفات. ولنا أن المتلف ليس بمال وما ليس بمال لا يضمن بالمال أصلا لانه ليس بقيمة إذ لا تقوم مقامه وقيمة الشئ ما يقوم مقامه، وإنما عرفنا تقومه بالمال بالشرع والشرع إنما قومه بدية مؤجلة

[ 100 ]

إلى ثلاث سنين وإيجاب المال حالا زيادة على ما أوجبه الشرع وصفا كما لا يجوز إيجاب الزيادة على ما أوجبه الشرع قدرا. قال رحمه الله: (وعمد الصبي والمجنون خطأ وديته على عاقلته ولا تكفير فيه ولا حرمان فيه) أي عن الميراث والمعتوه كالصبي. وقال الشافعي رحمه الله: عمده عمد فتجب الدية في ماله لان العمد هو القصد وهو ضد الخطأ فمن يتحقق منه الخطأ يتحقق منه العمد ولهذا يؤدب ويعزر، وكان ينبغي أن يجب القصاص إلا أنه سقط للشبهة لانهم ليسوا من أهل العقوبة فيجب عليهم موجبه الآخر وهو المال لانهم أهل لوجوبه عليهم فصار نظير السرقة فإنهم إذا سرقوا لا يقطع أيديهم ويجب عليهم ضمان المال المسروق لما قلنا، ولهذا وجب عليهم التكفير بالمال لانه أهل لفوات المالية دون الصوم لعدم الخطاب، وكذا يحرم الميراث عنده بالقتل. ولنا أن مجنونا صال على رجل بسيف فضربه فرفع ذلك إلى علي رضي الله عنه فجعل عقله على عاقلته بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم وقال: عمده وخطؤه سواء. ولان الصبي مظنة المرحمة قال عليه الصلاة والسلام من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا فليس مناوالعاقل المخطئ لما استحق التخفيف حتى وجبت الدية على عاقلته فهؤلاء أولى بهذا التخفيف فيجب على العاقلة إذا كان الواجب قدر نصف العشر أو أكثر بخلاف ما دونه لانه يسلك به مسلك الاموال كما في البالغ العاقل لانه لم يتحقق العمد منه لانه عبارة عن القصد وهو يترتب على العلم والعلم بالعقل. وهؤلاء عدموا العقل فكيف يتحقق منهم القصد وصاروا كالنائم، وحرمان الارث عقوبة وهم ليسوا من أهلها، والكفارة كاسمها ساترة ولا ذنب لهم تستره لانهم مرفوع عنهم القلم، ولان الكفارة دائرة بين العبارة والعقوبة يعني أن فيها معنى العبادة ومعنى العقوبة ولا يجب عليهم عبادة ولا عقوبة، وكذا سبب الكفارة تكون دائرة بين الحظر والاباحة لكون العقوبة متعلقة بالحظر وفعلهم لا يوصف بالجناية لانها اسم لفعل محظور وكل ذلك ينبئ عن الخطاب وهم ليسوا بمخاطبين فكيف تجب عليهم الكفارة والله أعلم. فصل في الجنين لما ذكر أحكام الجناية المتعلقة بالآدمي شرع في بيان أحكامها المعلقة بالآدمي من وجه دون

[ 101 ]

وجه وهو الجنين، بيان ذلك ما ذكر شمس الائمة السرخسي في أصوله أن الجنين ما دام مجتنا في البطن ليس له ذمة صالحة لوجوب لكونه في حكم جزء من الام لكنه منفرد بالحياة بعد الا أن يكون نفسا له ذمة فباعتبار هذا الوجه يكون أهلا الحق له من عتق أو إرث أو نسب أو وصية، وباعتبار الوجه الاول لا يكون أهلا لوجوب الحق عليه فأما بعدما يولد فله ذمة صالحة، ولهذا لو انقلب على مال إنسان أتلفه يكون ضامنا له ويلزمه مهر امرأته بعقد الولي. جنين على وزن فعيل بمعنى مفعول وهي مجنون أي مستور من جنه إذا ستره من باب طلب، والجنين اسم للولد في بطن أمه ما دام فيه والجمع أجنة فإذا ولد يسمى وليدا ثم رضيعا إلى غير ذلك. قال رحمه الله: (ضرب بطن امرأة فالقت جنينا ميتا تجب غرة نصف عشر الدية) الغرة الخيار، غرة المال خياره كالفرس والبعير البخت والعبد والامة ألفا درهم، وقيل إنما سمي ما يجب في الجنين غرة لانه أول مقدار ظهر في باب الدية وغرة الشئ أوله كما سمي أول الشهر غرة، وسمي وجه الانسان غرة لانه أول شئ يظهر منه. والمراد بنصف عشر الدية دية الرجل لو كان الجنين ذكرا وفي الانثى دية عشر المرأة وكل منهما خمسمائة درهم ولهذا لم يبين في المختصر أنه ذكر أو أنثى لان دية المرأة نصف دية الرجل، فالعشر من ديتها قدر نصف العشر من دية الرجل. والقياس أن لا يجب شئ من الجنين لانه لم يتحقق جناية، الظاهر لا يصلح حجة للاستحقاق ولهذا لا يجب في جنين البهيمة الا نقصان الام إن نقصت وإلا فلا يجب شئ، والقياس أن لا يجب كمال الدية لانه يضربه منع حدوث الحياة فيه فيكون بذلك كالمزهق للروح ولهذا المعنى وجبت قيمة ولد المغرور فإنه منع من حدوث الرق فيه، وكذلك وجب على المحرم قيمة بيض الصيد في كسره، وجه الاستحسان ما روي أن امرأة من هذيل ضربت بطن امرأة بحجر فقتلتها وما في بطنها فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو أمة قيمته خمسمائة، كذا وجدته بخط شيخي. وفي المنتقي: رجل ضرب بطن امرأته فألقت جنينا حيا ثم ما ت ثم ألقت جنينا ميتا ثم ماتت الام بعد ذلك وللرجل الضارب بنت من غير هذه المرأة وليس له ولد من هذه التي ولدت ولها إخوة من أبيها وأمها فعلى عاقلة الاب دية الولد الذي وقع حيا ثم مات ترث من ذلك أمه السدس وما بقي فلاخت هذا الولد من أبيه وعلى والده كفارتان في الولد الواقع حيا وكفارة في أمه، الولد الذي سقط ميتا ففيه غرة على عاقلة الاب خمسمائة ويكون للام من ذلك السدس أيضا وما بقي فلاخت هذا الولد من أبيه أيضا، فلو كان الرجل ضرب بطنها بالسيف عمدا فقطع البطن ووقع أحد الولدين حيا وبه جراحة السيف ثم مات ووقع الآخر ميتا وبه جراحة السيف أيضا ثم ماتت الام من ذلك فعلى الرجل القود في الام على عاقلته دية الولد الحي وغرة الجنين الميت. قال محمد في الجامع الصغير: وأطلق في قوله امرأة قال في السراجية: فشمل الحرة مسلمة كانت أو كافرة ويكون بدل الجنين

[ 102 ]

بين الورثة. وفي الكافي: هذا إذا تبين خلقه أو بعض خلقه. وفي شرح الطحاوي: أو كانت أمة علقت من سيدها والكفارة في الجنين تجب في سنة واحدة. وفي شرح الطحاوي: ولو ألقت جنينين تجب غرتان، وإن كان أحدهما خرج حيا ثم مات والآخر خرج ميتا تجب غرة ودية وعلى الضارب الكفارة، وإن ماتت الام ثم خرج الجنينان تجب دية الام وحدها إلا إذا خرج الجنينان ثم ماتا تجب عليه ثلاث ديات. فاعتبر على هذا القياس. وإن كان في بطنها جنينان فخرج أحدهما قبل موت الام وخرج الآخر بعد موت الام وهما ميتان تجب الغرة في الذي خرج قبل موت الام ولا يرث من دية أمه شيئا وترث الام من ديته والجنين الآخر وهو الذي خرج بعد موت أمه لا يرث من أحد ولا يورث عنه قال، وإن كان الذي خرج بعد موت الام خرج حيا ثم مات ففيه الدية كاملة. وفي شرح الطحاوي: ولو خرج الولد حيا ثم مات تجب ديتان قال: ويرث هذا الجنين من دية أمه. وهل يرث هذا الجنين الاول وهو الذي خرج ميتا قبل موت الام؟ ينظر إن كان الآخر حيا لا يرث. وإن لم يكن حيا يرث. قال رحمه الله: (وإن ألقته حيا فمات فدية) أي تجب دية كاملة لانه أتلف آدميا خطأ أو شبه عمد فتجب فيه الدية كاملة. قال رحمه الله: (فإن القت ميتا فماتت الام فدية وغرة) لما روينا ولانهما جنايتان فيجب فيهما موجبهما وهذا لما عرف أن الفعل يتعدد بتعدد أثره فصار كما إذا رمى فأصاب شخصا ونفذت منه إلى آخر فقتله فإنه يجب عليه ديتان إن كان خطأ وإن كان الاول عمدا يجب القصاص في الاول وفي الثاني الدية. قال رحمه الله (وإن ماتت فالقتة ميتا فدية فقط) وقال الشافعي: تجب الغرة مع الدية لان الجنين مات بضربته ظاهرا فصار كما إذا ألقته ميتا وهي بالحياة. ولنا أن موت الام سبب لموته ظاهرا لان حياته بحياتها وتنفسه بتنفسها فيتحقق بموتها فلا يكون في معنى ما ورد به النص إذ الاحتمال فيه أقل فلا يجب شئ بالشك، وإن ألقته حيا بعدما ماتت تجب ديتان دية الام ودية الولد لانه كما إذا ألقته حيا وماتت. قال رحمه الله: (وما يجب فيه يورث عنه ولا يرث الضارب فلو ضرب بطن امرأته فألقت ابنه ميتا على عاقلة الاب غرة ولا يرث منها) وإنما يورث لانه نفس من وجه على ما بينا والغرة بدله فيرثها وارثه ولا يرث الضارب من الغرة شيئا لانه قاتل مباشرة ظلما ولا ميراث للقاتل بهذه الصفة. قال رحمه الله (وفي جنين الامة لو ذكرا نصف عشر قيمته لو كان حيا وعشر قيمته لو أنثى) وقال الشافعي: يجب فيه عشر قيمة الام لانه جزء من وجه وضمان الاجزاء يومئذ بمقدارها من الاصل ولهذا وجب في جنين الحرة عشر ديتها بالاجماع وهو الغرة. لنا أنه بدل نفسه فلا يقدر بغيره إذ لا نظير له في الشرع، والدليل على أنه بدل نفسه أن الامة أجمعت على أنه لا يشترط فيه نقصان الاصل، ولو كان ضمان الطرف لما وجب إلا عند نقصان الاصل. ويؤيد

[ 103 ]

ذلك أن ما يجب في جنين الحرة موروث ولو كان بدل الطرف لما ورث والحر والعبد لا يختلفان في ضمان الطرف لانه لا يورث وإنما يختلفان في ضماالنفس، لو كان ضمان الطرف لما روث في الحر فإذا ثبت أنه ضمان النفس كان دية مقدرة بنفس الجنين لا بنفس غيره كما في سائر المضمونات، ولا نسلم أن الغرة مقدرة بدية الام بل بدية نفس الجنين إذا لو كان حيا تجب نصف عشر ديته إن كاذكرا، وعشر ديته إن كان أنثى فكذا في جنين الامة يجب بتلك النسبة من قيمته لان كل ما كان بقدر دية الحر فهو مقدر من قيمة العبد فيجب نصف عشر قيمته إن كان ذكرا وعشر قيمته إن كان أنثى. هذا دية الحر إذا كان الجنين من غير مولاها ومن غير مغرور، وأما إذا كان من أحدهما ففيه الغرة المذكورة في جنين الحرة ذكرا كان أو أنثى كما تقدم. وفي نوادر ابن سماعة: رجل قال لامته الحبلى أحد الولدين اللذين في بطنك حر فضرب إنسان بطنها فألقت جنينين ميتين غلام وجارية قال: على الجاني غرة وذلك خمسمائة، وعليه أيضا في الغلام ربع عشر قيمته لو كان حيا، وعليه في الجارية نصف خمسمائة ونصف عشر قيمتها. وفي العيون هشام عن وأبي يوسف في رجل اشترى أمة حاملا فلم يقبضها حتى أعتق ما في بطنها ثم ضرب إنسان بطنها فألقت غلاما ميتا فالمشتري بالخيار إن شاء أخذ الامة بجميع الثمن واتبع الجاني بأرش الجنين أرش حر فيكون له الفضل طيبا، وإن شاء فسخ البيع في الامة ولزمه الولد بحصته من الثمن. ولو كان للجنين أب حر كان أرش الجنين لوالده في الوجهين جميعا ولا شئ للمشتري. وفي التتمة وسئل يوسف بن محمد البلالي عن رجل زنى بجارية الغير فأحبلها ثم احتال هو وامرأته فأسقطا الحمل من الجارية وماتت الجارية بذلك السبب ما الحكم في ذلك وما يجب عليهما؟ فقال: أما الجارية فإنه يجب عليه ضمانها إذا ماتت بذلك السبب، وفي الحمل الغرة إن كان ميتا، وإن سقط وهو حي ثم مات فإنه يجب قيمته، وإن كان الحمل ماء ودما فإنه لا يجب فيه شئ. وفي المنتقى قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا ضرب الرجل بطن امرأته فألقت جنينا ميتا فلا كفارة عليه ولا يرث منه، وإن ألقت جنينا ميتا قد استبان من خلقه شئ ثم ماتت هي من تلك الضربة ثم ألقت جنينا حيا ومات ففي الاول الغرة، وفي الام الدية، وفي الجنين الثاني الدية كاملة. وفي النسفية سئل عن مختلفة حامل مضت عدتها بإسقاط الولد هل للزوج أن يخاصمها في هذا الحمل؟ فقال: إن أسقطته بفعلها وجب عليها للزوج غرة قيمتها خمسمائة درهم نقرة خالصة ولا يسقط شئ من ذلك لميراثها لانها قاتلة فلا ترث. وسئل أبو القاسم عن امرأة شربت الدواء فألقت جنينها ميتا أو حملت حملا ثقيلا فألقت جنينا ميتا أن على عاقلتها خمسمائة درهم في سنة واحدة لوارث الحلم أبا كان أو غيره، وإن لم يكن لها عاقلة فهي في مالها في سنة. وفي الحاوي: وذلك لزوجها لانه هو الوارث، قاله يوسف بن عيسى. وفي جامع الفتاوي: ولو لم يعلم أنه ذكر أو أنثى يؤخذ بالمتيقن كالخنثى المشكل ضاع الجنين ولا يمكنها

[ 104 ]

تقويمه باعتبار قيمته وهيآته ووقع التنازع في قيمته القول للضارب لانه المنكر كما لو قتل عبدا خطأ ووقع التنازع في قمته وعجز القاضي عتقويمه باعتبار حاله كان القول للضارب، كذا في شرح الهداية للعيني. قال رحمه الله: (فإن حرره سيده بعد ضربه فالقته فمات ففيه قيمته حيا) ولا تجب الديوإن كان بعد العتق لان الوجوب بالضرب والضرب صادفه وهو رقيق فتجب قيمته حيلانه صار قاتلا له وهو حي فاعتبرنا حالتي السبب والتلف فأوجبنا عليه القيمة باعتبار حالتي السبب وهو الضرب لانه رقيق حنيئذ، وأوجبنا عليه جميع قيمته باعتبار حالة التلف كأنه ضربه في الحال، وكان ينبغي أن يجب ما نقص بضربه إلى أن يوجد العتق كما لو قطع يد عبد أو جرحه فأعتقه المولى ثم مات يجب عليه أرش اليد والجرح وما نقص من قيمته إلى العتق لان العتق يقطع السراية لكن اعتبر فيه الحالتان فجعل كأن الضرب لم يوجد في حق الجنين لان المقصود بالضرب الام فأوجبنا القيمة دون الدية لانه صار قاتلا له بالضرب الاول فصار كما لو رمى عبدا فأعتقه المولى ثم وقع عليه السهم فمات فإنه تجب عليه القيمة للمولى لان الرمي ليس بجناية ما لم يتصل بالمحل فلا يجب فيه شئ بدون الاتصال بخلاف القطع والجرح لانه جناية في الحال والعتق يقطع السراية ومع هذا تجب القيمة دون الدية لانه يصير قاتلا له من وقت الرمي لانه الفعل المملوك له. وقال فخر الاسلام قال بعض مشايخنا: معنى قوله ضمن أي الدية، وقوله ولا تجب الدية ليس هو في الجامع الصغير. ووجه أن الضرب وقع على الام فلم يعتبر جناية في الجنين إلا بعد الانفصال حيا ولذلك لم تنقطع سرايته بخلاف من جرح فأعتقه مولاه. قال بعضهم: بل المراد به حقيقة القيمة لان الجناية قد تمت منه لكن لا يعتبر في حق الجنين مقصودا إلا بعد الانفصال فأشبه الرمي الذي تم من الرامي ولا يعتبر في حق المرمي إليه إلا بعد الاصابة. وقيل: هذا عندهما، وعند محمد تجب قيمته ما بين كونه مضروبا إلى كونه غير مضروب لان القطع قاطع السراية. وقيد بقوله بعد ضربه لانه لو حرره قبل الضر ب فألقته حيا فالواجب الدية على قولهما، وعلى قول الامام تجب قيمته ما بين كونه مضروبا إلى كونه غير مضروب، واختلف المشايخ لمن يكون هذا المقدار قال بعضهم: لورثة هذا الجنين. وقال بعضهم: للمولى، كذا في التتارخانية. قال رحمه الله: (ولا كفارة في الجنين) وقال الشافعي رحمه الله: تجب الكفارة لانه نفس من وجه فتجب احتياطا لما فيها من العبادة. ولنا أن الكفارة فيها معنى العقوبة لانها شرعت زاجرة، وفيها معنى العبادة لانها تتأدى بالصوم وقد عرف وجوبها في النفس المطلقة فلا تتعداها لان العقوبة لا يجري فيها القياس، وقول الشافعي فيه تناقض لانه يعتبره جزأ حتى أوجب عليه عشر قيمة الام وههنا اعتبره نفسا حتى أوجب فيه الكفارة، ونحن اعتبرنا جزأ

[ 105 ]

من وجه ولهذا لم يجب فيه كل البدل فكذا لا تجب فيه الكفارة لان الاعضاء لا كفارة فيها إلا إذا تبرع بها هو لانه ارتكب محظورا فإذا تقرب بها إلى الله تعالى كان أفضل ويستغفر الله تعالى مما صنع من الجريمة العظيمة. والجنين الذي استبان بعض خلقه في جميع ما ذكرنا من الاحكام كالتام لاطلاق ما روينا، ولانه ولد في حق الاحكام كأمومية الولد وانقضاء العدة به والنفا س وغير ذلك فكذا في حق هذا الحكم، ولانه يتميز من العلقة والدم فلا بد منه. قال رحمه الله: (وإن شربت دواء لتطرحه أو عالجت فرجها حتى أسقطته ضمن عاقلتها الغرة إن فعلت بلا إذن) لانها ألقته متعدية فيجب عليها ضمانه وتتحمل عنها العاقلة لما بينا، ولا ترث هي من الغرة شيئا لانها قاتلته بغير حق والقاتل لا يرث بخلاف ما إذا فعلت ذلك بإذن الزوج حيث لا تجب الغرة لعدم التعدي. ولو فعلت أم الولد ذلك بنفسها حتى أسقطت فلا شئ عليها الاستحالة وجوب الدين على المملوك لسيده، ولو استحقت وجب للمولى غرة لانه تبين أنه ليس بمالك لهما وأنه مغرور وولد المغرور حر الاصل وهي متعدية بذلك الفعل فصارت قاتلة للجنين فتجب الغرة له، ويقال للمستحق إن شئت سلم الجارية وإن شئت أفدها لانه الحكم في جناية المملوك. وفي جامع الفتاوي وفي نوادر رستم: امرأة شربت دواء لتسقط ولدها عمدا فألقت جنينا حيا ثم مات فعلى العاقلة ولا ترث منه شيئا وعليها الكفارة، وإن ألقت جنينا ميتا فعلى عاقلتها غرة ولا ترث منه شيئا وعليها الكفارة، وقال أبو بكر في هذه الصورة: إنها إذا اسقطت سقطا ليس عليها إلا التوبة والاستغفار، وإن كان جنينا فعليها غرة، وتأويله إذا شربت دواء يوجب سقوط الولد وتعمدت ذلك. وفي المنتقي رواية مجهولة: امرأة شربت دواء فأسقط ت وكانت شربت لغير ذلك يعني لغير إسقاط الولد فعليها الغرة ولا كفارة عليها في قول أبي حنيفة ومحمد ولا ترثه. وقال بعضهم: عليها الكفارة، وهذا الجواب من زيادات الحاوي. وفي المنتقى سئل أبو بكر عن حامل أرادت أن تلقي العلقة لغلبة الدم قال: يسأل أهل الطب عن ذلك إن قالوا يضر بالحمل لا تفعل، إن قالوا لا يضر تفعل، وكذا الحجامة والفصد. قال الفقيه: وسمعت ممن يعرف ذلك الامر قال: لا ينبغي لها أن تفعل ما لم يتحرك الولد فإذا تحرك فلا بأس بالحجامة ما لم تقرب الولادة، فإذا قريت فلا يفعل. وأما الفصد فالامتناع في حال الحبل أفضل لانه يخاف على الولد إلا أن يدخل الام ضرر بين في تركه. وفي فتاوي النسفي سئل عن مختلعة وهي حامل احتالت لاسقاط العدة بإسقاط الولد قال: إن سقط بفعلها وجب عليها الغرة ويكون ذلك للزوج. وفي الحاوي: وهي لا ترث منه لانها قاتلة. قال: الاب إذ ضرب ابنه الصغير تأديبا فعطب من ذلك ينظر إن ضربه حيث لا يضرب للتأديب فعليه الدية والكفارة عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: لا شئ عليه. وفي نوادر بشر عن أبي يوسف أن عليه كفارة، وعلى هذا

[ 106 ]

الخلاف الوصي إذا ضرب الصغير تأديبا. وفي الكبرى: وإن كان ضربه المعلم في الموضع المعتاد فمات لا يضمن هو ولا الاب ولا الوصي في قولهم جميعا، وكذا المؤدب الذي يعلمه الكتابة إذا ضربه بإذن والده لا ضمان عليه وعليه الكفارة في قولهما. وهذا إذا كان ضربه المعلم في موضع معتاد وفي رواية مجهولة لا كفارة عليهما والفتوى على الاول. والزوج إذا ضرب زوجته حيث تضرب للتأديب مثل ما تضرب حال نشوزها يضمن بالاجماع، والاب والوصى إذا سلما الصغير إلى معلم يعلمه القرآن أو علما آخر فضربه المعلم للتعليم فلا ضمان على المعلم ولا على الاب والوصي. وفي المنتقي عن أبي حنيفة أبي يوسف أن عليه الكفارة وإن ضربه حيث لا يضرب أو فوق ضرب التعليم فالمعلم ضامن. قال هشام في نوادره قلت لمحمد: إن لم يكن الاب قال له في أمر الضرب شيئا قال: يضمن المعلم. وفي رواية في بعض النسخ أن ضرب الصغير إنما يضمن على قول أبي حنيفة إذا كان للتأديب، أما إذا ضربه لتعليم القرآن لا يضمن كالمعلم فإذا لا فرق بين ضرب المعلم بإذن الاب وبين ضرب الاب إذا كان للتعليم. وذكر شمس الائمة الحلواني في شرح كتاب الاجارات أن في ضرب الاب ابنه وفي ضرب الزوج زوجته روايتين عن محمد في رواية يضمن، وفي رواية لا يضمن. أما الوالدة إذا ضربت ولدها الصغير للتأديب فلا شك أنها تضمن على قول أبي حنيفة، وقد اختلف المشايفيه على قولهما قال بعضهم لا تضمن، وقال بعضهم هي ضامنة لان الضرب تصرف في النفس وليس لها ولاية التصرف في النفس أصلا. وفي كتاب العلل للزوج أن يضر ب امرأته على ترك الصلاة وللاب أن يضرب ابنه على ترك الصلاة، وذكر مسألة المعلم إذا ضرب الصغير بإذن الاب على الاتفاق قال نحو ما ذكرنا قال محمد ثمة وهذا عندنا. وفي العيون: إذا قال لرجلين اضربا مملوكي هذا مائة سوط فليس لاحدهما أن يضربه المائة كلها، فإن ضربه أحدهما تسعة وتسعين وضربه الآخر سوطا واحدا ففي القياس يضمن ضارب الاكثر، وفي رواية لا يضمن وهو نظير ما لو قال لامرأتيه إن أكلتما هذا الخبر فأنتما طالقتان فأكلتاه، وإن أكلت إحداهما عامته والاخرى بقيته لا تطلق استحسانا. وفي الكبرى: المحترف إذا ضرب التلميذ فمات إن كان ضربه بأمر أبيه 0 أو وصيه لا يضمن إذا كان في الموضع المعتاد لو ضرب امرأته على المضجع أو في أدب فماتت يضمن إجماعا وعليه الكفارة، هما فرقا بينها وبين الاب فإن ضرب الاب لمنفعة الابن وضرب المرأة لمنفعة الزوج. وفي السراجية: رجل ضرب رجلا سياطا فجرحه فبرأ منه فعليه أرش الضرب إن بقي أثر الضرب، وإن لم يبق لا يجب عليه شئ سوى التعزير. وقال أبو يوسف: تجب حكومة عدل. وقال محمد: أجرة الطبيب وثمن الادوية. وفي الجامع الصغير: الخامسة وهذا إذا جرح ابتداء، فأما إذا لم يجرح في الابتداء لا يجب بالاتفاق. وفي المنتقي: رجل قتل عمدا وله

[ 107 ]

أخ معروف فأقر أخوه بابن المقتول وادعى ذلك الابن وهو كبير فإن للمقر به القود. وقال أبو الفضل: هذا الجواب خلاف ما في الالاصل. وفي نوادر هشام عن أبي يوسف: رجل ادعى أنه عبده وأقام البينة وشهد الشهود أنه كان عبده فأعتقه وهو حر اليوم، فإن كان له وارث قضى لوارثه بالقصاص في العمد وبالدية في الخطأ، وإن لم يكن له وارث فلمولاه قيمته في العمد الخطأ وفي نوادر ابن سماعة قال: سمعت أبا يوسف يقول في رجل في يده صبي صغير فقطع الرجل يد الصبي عمدا ثم قال القاطع هو عبد ك وقال الذي في يده هو ابني لا أصدقه على ذلك، ولو قال هذه المقالة قبل موت المجني عليه فعلى الجاني القود. وفي المنتقي: رجل جرح فقال فلان قتلني ثم أقام وارثه بينة على رجل آخر أنه قتله قبلت بينته. وذكر بعد ذلك هذه المسألة عن أبي يوسف: رجل قال فلان جرحني فأقام ابن له بينة على ابن له آخر أنه جرحه خطأ فإني أقبل البينة على الابن وأحرمه عن الميراث بذلك. فلما أجزنا ذلك في الميراث جعلنا الدية على عاقلته. قال هشام: سمعت محمدا يقول في رجل أدخل نائما أو مغمى عليه في بيته فسقط البيت عليه قال: لا يضمن إلا في المعتوه والصبي. وفي المنتقي: رجل فقأ عيني عبد وقطع الآخر رجله أو يده فبرأ وكانت الجناية منهما معا فعليهما قيمته أثلاثا ويأخذان العبد فيكون بينهما على قدر ذلك، وكذلك كل جارحة من اثنين معا جراحة هذا هو عضو وجراحة الآخر في عضو تستغرق ذلك القيمة كلها فإنه يدفعه إليهما ويغرمان قيمته على قدر أرش جراحتهما ويكون بينهما على ذلك، وإن مات منهما والجراحة خطأ فعلى كل واحد منهما فعلى الجارح الاول أرش جراحته من قيمته مجروحا بالجراحة الاولى وما بقي من قيمته فعليهما نصفان، وإن برأ منهما والجراحة الاخيرة تستغرق القيمة والجراحة الاولى لا تستغرق فعلى الاول أرش جراحته وعلى الثاني قيمته مجروحا بالجرح الاول ويدفع العبد إليه، وإن كانت الجراحة الاولى هي التي تستغرق القيمة فعلى الجارح الثاني أرش جراحته. ومن أمسك رجلا حتى جاء آخر وقتله عمدا أو خطأ فلا شئ على الممسك عندنا وعلى القاتل القصاص في العمد والدية في الخطأ وهي مسألة كتاب الديات، وعلى هذا من أمسك رجلا حتى جاء آخر وأخذ دراهمه فضمان الدراهم على الآخذ عندنا لا على الممسك. وفي الخانية: لو وطئ جارية إنسان بشبهة أو أزال بكارتها فعلى قول أبي يوسف ومحمد ينظر إلى مهر مثلها فيزاد إلى نقصان بكارتها إن كان أكثر يجب ذلك ويدخل الاقل في الاكثر. ولو أن صبيا زنى في صبية وأذهب عذرتها كان عليه المهر بإزالة البكارة لو كانت المرأة بالغة مستكرهة، وإن كانت مطاوعة لا يجب المهر لانه لو وجب على الصبي كان لولي الصبي أن يرجع بذلك عليها كما لو أمر صبيا بشئ يلحقه ضمانه كان لولي الصغير أن يرجع على الآمر فلا يفيد تضمين الصغير. ولو أن امرأة بالغة غصبها فزنى بها وأذهب عذرتها بأمرها كان على الصبي مهرها لان أمر الامة لم يصح في حق مولى الامة. حريق وقع في محلة فهدم رجل دار

[ 108 ]

بغير بغير أم صاحبه وبغير أمر السلطان حتى ينقطع عن داره ضمن ولم يأثم. ابن سماعة عن محمد: حر معه سيف وعبد معه عصا فالتقيا وضرب كل واحد منهما صاحبه حتى قتله وماتا ولا يدري أيهما بدأ بالضرب فليس على ورثة الحر ولا على مولى العبد شئ، وإن كان السيف بيد العبد والعصا بيد الحر فعلى عاقلة الحر نصف قيمة العبد ولا شئ لورثة الحر على مولى العبد، وإن كان بيد كل واحد منهما عصار وضرب كل واحد منهما الآخر وشجه موضحة ثم ماتا ولا يدري من الذي بدأ بالضرب فعلى عاقلة الحر قيمة العبد صحيحا لمولاه ثم يقال لمولاه ادفع من ذلك قيمة الشجة إلى ولي الحر وهذا استحسان، والقياس أن لا يكون له شئ منه. بشر بن الوليد عن أبي يوسف في رجل ضرب كل واحد منهما صاحبه هذا بالسيف وهذا معه عصا فماتا ولا يدري أيهما بدأ قال: على صاحب العصا نصف دية صاحب السيف على عاقلته وليس لصاحب العصا شئ، وإذا جرح الرجل عمدا بالسيف فأشهد المجروح بالسيف على نفسه أن فلانا لم يجرحه ثم مات المجروح من ذلك هل يصح هذا الاشهاد؟ قالوا: هذا على وجهين: إما أن تكون جراحة فلان معروفة عند القاضي وعند الناس أو غير معروفة، فإن لم تكن معروفة كان الاشهاد صحيحا. وفي الذخيرة: وإن أقام الورثة بينة بعد ذلك على أن فلانا جرحه لم تقبل هذه البينة. وفي التجريد: ولو أمر رجل عشرة رجال أن يضرب كل واحد منهم عبده سوطا ففعلوا ثم إن آخر ضرب سوطا ولم يأمره فمات العبد من ذلك كله فعلى الذي لم يؤمر أرش ما نقص بضربه مضروبا عشرة أسواط وعليه أيضا جزء من أحد عشر جزأ من قيمته مضروبا أحد عشر سوطا. ولو أن المولى ضربه بيده عشرة أسواط ثم ضربه هذا الرجل سوطا ومات فعليه نقصان سوطه ونصف قيمته مضروبا أحد عشر سوطا. وفي الجامع الصغير عن محمد فيمن اجتمع عليه الصبيان أو المجانين يريدون قتله. وفي الحاوي: أو أخذ ماله ولا يقدر على دفعهم إلا بالقتل - قال: ليس له أن يقتلهم ولو قتل تجب عليه الدية. قال المعلى قلت لمحمد: إن صاحبنا يقول بالضمان وعنى أنه أبو مطيع قال المعلى: كنت في الطواف فإذا محمد بن الحسن فقال: يا خراساني القول ما قال صاحبكم. قال الشيخ: وبه يفتى. وكان نصير يقضي بالضمان في الصبي والمجنون والبهيمة إذا قتله الرجل دافعا. وكان الفقيه أبو بكر يفتي بعدم الضمان. قال الفقيه أبو الليث: هذا القول يخالف ما قيل في الروايات الظاهرة. وفي فتاوي الذخيرة: أمة الرجل إذا ارتدت والعياذ بالله تعالى فقتلها رجل فلا شئ على القاتل، هكذا ذكر محمد. وفي غيرها أن على القاتل قيمتها. وفي النسفية سئل عمن سعى فيه إلى السلطان وأخذ من الرجل مالا ظلما هل يضمن للساعي؟ قال: نعم. وروى هذا عن زفر وأخذ به كثير من مشايخنا لما فيه من المصلحة. فتاوي الخلاصة: من سعى برجل إلى سلطان حتى غرمه لا يخلو من ثلاثة أوجه: أحدها إن كانت السعاية بحق بأن كان يؤذيه ولا يمكنه دفع الاذى إلا بالرفع إلى السلطان أو

[ 109 ]

كان فاسقا لا يمتنع عن الفسق بالامر بالمعروف وفي مثل هذا لا يضمن الساعي. الثاني أن يقول إن فلانا وجد كنزا أو لقطة وظهر أنه كاذب ضمن إلا إذا كان السلطان عادلا لا يغرم بمثل هذه السعايات أو قد يغرم وقد لا يغرم لا يضمن الساعي. الثالث إذا وقع في قلبه أن فلانا يجئ إلى امرأته فرفع إلى السلطان فغرمه السلطان ثم ظهر كذبه فعندهما لا يضمن الساعي، وعند محمد يضمن. وقال صدر الاسلام في كتاب اللقطة: والفتوى على قول محمد لغلبة السعاية في زماننا. وقيل سواء قال صدقا أو كذبا إن لم يكن محتسبا وليس للسلطان حق الاخذ على قياس قول محمد إذا أمر الاعوان بأخذ المال باعتبار الظاهر لا يجب واعتبار السعاية يجب، أما إذا لم يأمر الاعوان ولكن أراه بيته وأخذ من بيته شيئا لا يضمن. وقال الشيخ الامام: لا يضمن الجاني مطلقا. قال الفقيه أبو الليث: الساعي لا يضمن أيضا، والمشايخ المتأخرون منهم القاضي الامام علي السغدي والحاكم عبد الرحمن وغيرهما أفتوا بوجوب الضمان على الساعي، هكذا اختار الصدر الشهيد وهو أصح. ولو قال عند السلطان إن لفلان قوسا جيدا أو جارية حسناء والسلطان يأخذ فأخذ يضمن ولو كان الساعي عبدا يطلب بعد العتق، ولو اشترى شيئا فقيل له اشتريت بثمن غال فسغى عند ظالم وأخذه إن كان قال صدقا لا يضمن وإن كان كذبا يضمن. وقال في الجامع الصغير: قال أبو نصر الدبوسي فيمن قطع يعبده أو قتله إن عليه التعزير. وفي الفتاوي عن خلف قال: سألت أسد بن عمر عمن ضربه بيده أو رجله ومات منه قال: هذا شبه العمد. وفي المنتقى عن محمد قال في رجل قصد أن يضرب آخر بالسيف فأخذ المضروب السيف من يده فقطع السيد أصابة الآخر قال: إن كان من غير المفصل فعلى الجاذب الدية، وإن كان من المفصل فعليه القصاص. وفي المنتقي: رجل قتل عمدا وله ابنان وامرأة فعفت المرأة عن الدم ثم إن أحد الابنين. قتل القاتل وهو يعلم العفو فعليه الدية في ماله في ثلاث سنين يدفع عنه من ذلك ما كان له على قاتل الاب، وأما إذا قتل أحدهما أبا عمدا وقتل الآخر أمه عمدا فللاول أن يقتل الثاني بالام ويسقط القصاص عن الاب لان القصاص الاول لما قتل صار القصاص موروثا بين الابن الآخر وبين الام للام من ذلك الثمن، فإن قتل الآخر الام صار الثمن الذي ورثته الام من الاب ميراث الاول فسقط ضرورة. وإذا جنى على مكاتب إنسان ثم دبره مولاه لانهدار السراية بل تكون السراية مضمونة على الجاني بعد التدبير. ولو كاتبه أو أعتقه هدرت السراية أيضا، وإذا جنى على مكاتب إنسان ثم أدى المكاتب فعتق ثم مات المكاتب من تلك الجناية فعلى الجاني قيمة المكاتب لا الدية وإن مات حرا. وقال في المنتقي: رجل شهد له رجلان أنه قتل ابن هذا فلان وشهد آخران لهذا الرجل أيضا أنه قتل ابن هذا فلانا وسميا ابنا آخر له غير الذي سمياه الاولان وزكى الفريق الاول ولم يزك الفريق الثاني فدفع المشهود عليه على المشهود له ليقتله فقال

[ 110 ]

المشهود له أنا أقتلك يا بني الذي لم تزك الشهود على قتله ولا أقتلك بابني الذي ذكر الشهود على قتله ثم قتله فلا شئ‌عليه، وإن قال لم يقتل ابني الذي زكى الشهود على قتله وإنما قتل ابن آخر لي فقتله كان عليه الدية استحسانا. وفي القياس عليه القتل. وفي المنتقي قال محمد في نصراني عليه نصرانيان أنه قتل ابن هذا النصراني عمدا فقضى عليه بالقصاص ودفع إليه ليقتله فأسلم فإني أدرأ عنه القتل وأجعل عليه الدية. وروى الحسن عن أبي حنيفة في مسلم قطع يد عبد النصراني عمدا فأقام العبد بينة على النصراني أن مولاكان أعتقه قبل أن يقطع هذا المسلم يده قبلت شهادتهم على العتق ولا يقضي له بالقصاص وله نصف القيمة والله تعالى أعلم بالصواب. باب ما يحدث الرجل في الطريق لما فرغ من بيان أحكام القتل مباشرة شرع في بيان أحكامه تسببا، وقدم الاول لكونه أصلا لانه قتل بلا واسطة ولكنه أكثر وقوعا فكان أمس حاجة إلى معرفة أحكامه. قال رحمه الله: (ومن أخرج إلى طريق العامة كنيفا أو ميزابا أو جرصنا أو دكانا فلكل نزعه) أي لكل أحد من أهل المرور الخصومة مطالبة بالنقص كالمسلم البالغ العاقل الحر وكالذمي لان لكل منهم المرور بنفسه وبدوابه فتكون له الخصومة بنفسه كما في الملك المشترك بخلاف العبيد والصبيان المحجور عليهم حيث لا يؤمر بالهدم بمطالبتهم لان مخاصمة المحجور عليهم لا تعتبر في ماله بخلاف الذمي، هذا إذا بنى لنفسه. قيد بما ذكر ليحترز عما إذا بنى للمسلمين كالمسجد ونحوه فلا ينتقض، كذا روي عن محمد رحمه الله. وقال اسمعيل الصفار: إنما ينقض بخصومته إذا لم يكن له مثل ذلك فإن كان له مثله لا يلتفت إلى خصومته لانه لو أراد به إزالة الضرر عن الناس لبدأ بنفسه وحيث لم يزل ما في قدرته علم أنه متعنت. قال في العناية: الكنيف المستراح، والميزاب والجرصن قيل هو البرج. وقال فخر الاسلام: جذع يخرجه الانسان من الحائط ليبني عليه. ثم الكلام في هذه المسألة في ثلاثة مواضع: أحدهما في أنه هل يحل له إحداثه في الطريق أم لا. والثاني في الخصومة في منعه من الاحداث فيه ورفعه بعده. والثالث في ضمان ما تلف بهذه الاشياء. أم الاحداث فقال شمس الائمة: إن كان الاحداث يضر بأهل الطريق فليس له أن يحدث ذلك، وإن كان لا يضر بأحد لسعة الطريق جاز له إحداثه فيه ما لم يمنع منه لان الانتفاع في الطريق بغير أن يضر بأحد جائز فكذا ما هو مثله فيلحق به إذاحتاج إليه فإذا أضر بالمار لا يحل لقوله عليه الصلاة والسلام

[ 111 ]

لا ضرر ولا ضرار في الاسلام وهذا نظير من عليه الدين فإنه لا يسعه التأخير إذا طالبه، فلو لم يطالبه جاز له تأخيره. وعلى هذا القعود في الطريق للبيع والشراء يجوز إن لم يضر بأحد، وأن أضر لم يجز لما قلنا. وأما الخصومة فيه فقال أبو حنيفة: لكل واحد من عرض الناس أن يمنعه من الوضع وأن يكلفه الرفع بعد الوضع، سواء كان فيه ضرر ولم يكن إذا وضع بغير إذن الامام لافتياته على رأيه لان التدبير في أمور العامة إلى الامام. والعرض بالضم الناحية والمراد واحد من الناس. وعلى قول أبي يوسف لكل واحد أن يمنعه من ذلك، وعلى قول محمد ليس لاحد أن يمنعه قبل الوضع ولا بعده إذا لم يكن فيه ضرر الناس لانه مأذون له في إحداثه شرعا ألا ترى أنه يجوز له ذلك إن لم يمنعه أحد والمانع منه متعنت فلا يمكن من ذلك فصار كما لو أذن له الامام بل أولى لان إذن الشارع أحرى ولاية وأقوى كالمرور حتى لا يجوز لاحد أن يمنعه. وجوابه أن هذا انتفاع بما لم توضع له الطريق فكان لهم منعه وإن كان جائزا في نفسه بخلاف المرور فيه لانه انتفاع بما وضع له فلا ن يكون لاحد منعه. قال رحمه الله: (وله التصرف في النافذ إلا إذا أضر) أي له أن يتصرف بإحداث الجرصن وغيره مما تقدم ذكره في الطريق النافذ إذا لم يضر بالعامة معناه إذا لم يمنعه أحد وقد ذكرناه. والخلاف الذي فيه فلا نعيده. قال رحمه الله: (وفي غيره لا يتصرف فيه إلا بإذنهم) أي في غير النافذ من الطريق لا يتصرف أحد بإحداث ما ذكرنا إلا بإذن أهله لان الطريق التي ليست بنافذة مملوكة لاهلها فهم فيها شركاء ولهذا يستحقون بها الشفعة والتصرف في الملك المشترك من الوجه الذي لم يوضع له لا يملك إلا بإذن الكل أضربهم أو لم يضر بخلاف النافذ لانه ليس لاحد فيه ملك فيجوز الانتفاع به ما لم يضر بأحد، ولانه إذا كان حق العامة فيتعذر الوصول إلى إذن الكل فجعل كل واحد كأنه هو المالك وحده في حق الانتفاع ما لم يضر بأحذ ولا كذلك غير النافذ لان الوصول إلى ارضائهم ممكن فيبقى على شركته حقيقة وحكما. وفي المنتقي: إنما يؤمر برفع هذه الاشياء إذا علم حدوثها فلو كانت قديمة فليس لاحد حق الرفع وإن لم يدر حال هذه الاشياء تجعل قديمة وهذا هو الاصل. قال رحمه الله: (فإن مات أحد بسقوطها فديته على عاقلته كما لو حفر بئرا في طريق أو وضع حجرا فتلف به إنسان) أي إذا مات إنسان بسقوط ما ذكره من كنيف أو ميزاب أو جرصن فديته على عاقلة من أخرجه إلى الطريق لانه تسبب للهلاك متعديا في إحداث ما تضرر به المارة بإشغال هواء الطريق به أو بإحداث ما يحول بينهم وبين الطريق، وكذا إذا عثر

[ 112 ]

بنقضه إنسان. ولو عثر بما أحدث به هو رجل فوقع على آخر فماتا فديتهما على عاقلة من إحدثه لان الواقع كالمدفوع على الآخر، ولو سقط الميزاب فأصاب ما كان في الداخل رجلا فقتله فلا ضمان على أحد لانه وضع ذلك في ملكه فلا يكون متعديا فيه. وإن أصابه ما كان خارجا فيه يضمن وإن لم يعلم أخرجا أم دخلا لانه إن كان خارجا ضمن، وإن كان داخلا لا يضمن، ففي القياس لا يضمن بالشك لان فراغ ذمته ثابت بيقين وفي الشغل شك، وفي الاستحسان يضمن النصف لانه في حال يضمن الكل، وفي حال لا يضمن شيئا فيضمن النصف، ولا يقال ينبغي أن يضمن ثلاثة أرباع الدية لانه يضمن في حالة النصف وهو ما إذا أصابه الطرفان فيتنصف فيكون مع النصف الاول ثلاثة أرباع لان أحوال الاصابة حالة واحدة فلا تتعدد الاستحالة اجتماعهما بخلاف حالة الجرحين. ولو أشرع جناحا إلى الطريق ثم باع الكل فأصاب الجناح رجلا فقتله أو وضع خشبة في الطريق ثم باع الخشبة وتركها المشتري حتى عطب بها إنسان فالضمان على البائع لان فعله لم ينفسخ بزوال ملكه وهو الموجب بخلاف الحائط المسائل إذا باعه بعد الاشهاد عليه ثم سقط في ملك المشتري على إنسان حيث لا يضمن البائع ولا المشتري لان المشتري لم يشهد عليه وهو شرط الحائط المائل، وفي حق البائع قد بطل الاشهادة الاول لان الملك شرط لصحة الاشهاد فيبطل بخروجه عن ملكه لانه لا يتمكن من نقض ملك الغير، وفيما نحن فيه إنما يضمن بإشغال الطريق لا باعتبار الملك والاشغال باق بعد البيع ألا ترى أن ذلك الاشغال لو حصل من غير مالك كالمستأجر أو المعير أو الغاصب يضمن، وفي الحائط لا يضمن غيرا لمالك. ولو استأجر رب الدار الفعلة لاخراج الجناح أو الظلفوقع قبل أن يفرغوا من العمل فقتل إنسانا فالضمان عليهم لان التلف بفعلهم لان العمل لا يكون مسلما إلى رب الدار قبل فراغهم منه فانقلب فعلهم قتلا حتى وجبت عليهم الكفارة ويحرمون من الارث بخلاف ما تقدم من المسائل من إخراج الجناح أو الميزاب أو الكنيف إلى الطريق فقتل إنسانا بسقوطه حيث لا تجب فيه الكفارة ولا يحرم الارث لانه تسبب وهنا مباشرة والقتل غير داخل في عقده فلم يستند فعلهم إليه فاقتصر عليهم. قال شيخ الاسلام رحمه الله تعالى: هذا على وجوه: إما إن قال لهم ابنوا لي جناحا على فناء داري فإنه ملكي ولي منه حق إشراع الجناح إليه من القديم ولم تعلم الفعلة ثم ظهر بخلاف ما قال ثم سقط فأصاب شيئا فالضمان على الآجر ويرجون بالضمان على الآمر قياسا واستحسانا. سواء سقط قبل الفراغ من العمل أبعده، لان الضمان وجب على الفاعل بأمر الآمر فكان له أن يرجع به عليه كما لو استأجر شخصا ليذبح له شاة ثم استحقت الشاة بعد الذبح كان للمستحق أن يضمن الذابح ويرجع الذابح به على الآمر فكذا هذا. وأما إذا قال لهم اشترعوا لي جناحا على فناء داري وأخبرهم أنه ليس له حق الشرع في القديم أو لم يخبرهم حتى بنوا ثم سقط فأتلف شيئا، إن سقط قبل الفراغ من العمل فالضمان عليهم ولم

[ 113 ]

يرجعوا به على الآمر قياسا، وإن سقط بعد الفراغ من العمل فكذلك في جواب القياس لان المستأجر أمرهم بما لا يملك مباشرته بنفسه وقد علموا فساد أمره فلم يحكم بالضمان على المستأجر كما لو استأجر رجلا ليذبح شاة جاز له وأعلمه فذبح ثم ضمن الذابح للجار لم يرجع به على الآمر، وكذا لو استأجرهم ليبنوا له بيتا في وسط الطريق ثم سقط وأتلف شيئا لم يرجعوا به على الآمر. وفي الاستحسان يكون الضمان على الآمر لان هذا الامر صحيح من حيث إنه لا يجوز بيعه فمن حيث إن الامر صحيح يكون إقرار الضمان على الآمر بعد الفراغ من العمل، ومن حيث إنه فاسد يكون الضمان على العامل قبل الفراغ من العمل عملا بها، وإظهار شبهة الصحة بعد الفراغ من العلم أولى من إظهاره قبل الفراغ لان أمر الآمر إنما لا يصلح من حيث إنه لا يملك الانتفاع بفناء داره وإنما حصل له ذلك بعد الفراغ من العمل. قوله كما لو حفر بئرا في طريق فتلف به إنسان أي القتل بسقوط الميزاب ونحوه كالقتل بحفر البئر ووضع الحجر في الطريق لان كل واحد منهما قتل بسبب حتى لا تجب فيه الكفارة ولا يحرم الميزاب فيكون حكمه كحكمه فيما ذكرناه. قوله حفر إلى آخره حفر بئرا في الطريق فجاء آخر وحفر طائفة في أسفلها ثم وقع فيها إنسان ومات في القياس يضمن الاول وبه أخذ محمد، وفي الاستحسان يجب الضمان عليهما أثلاثا. ولو حفر بئرا ثم جاء آخر ووسع رأسها فسقط فيها إنسان ومات كان الضمان عليهما أثلاثا قالوا: تأويل المسألة أن الثاني وسع رأسها بحيث يعلم الناس أن الواقع إنما وقع في موضع بعضه من حفر الاول وبعضه من حفر الثاني، أما إذا وسع الثاني رأسها بحيث إنه إنما وقع في موضع حفر الثاني كان الضمان على الثاني وإن لم يدر فالضمان عليهما. قاضيخان: قوله حفر إلى آخره سقط إنسان فقال الحافر إنه ألقى نفسه وكذبه الورثة في ذلك كان القول قول الحافر في قول أبي يوسف أخرا وهو قول محمد لان الظاهر أن البصير يرى موضع قدميه، وإن كان الظاهر أن الانسان لا يوقع نفسه إلا إذا وقعت له شدة فلا يجب الضمان بالشك. قوله حفر بئرا في الطريق ثم كساها بالتراب أو بخضر أو بما هو من جنس الارض يضمن الاول، ولو غطى رأسها وجاء آخر ورفع الغطاء فوقع فيها إنسان ضمن الاول، وقال قاضيخان: قيد بقوله فتلف فيه فلو لم يمت من ذلك بل مات جوعا أو عطشا أو غما هل يضمن الحافر؟ لم يذكر محمد هذا وقد ذكر أبو يوسف في الاملاء خلافا فقال: على قول أبي حنيفة لا يضمن الحافر إذا مات جوعا فالجواب كما قال أبو حنيفة، فأما إذا مات غما فإنه يضمن الحافر. وفي الكبرى: والتفوى على قول أبي حنيفة رحمه الله. وفي الذخيرة وقال محمد: يضمن في الحالتين. هذا إذا كان الحفر في طريق المسلمين، فأما إذا كان الحفر في فناء داره فوقع فيه إنسان فمات هل يضمن إن كان الفناء لغيره يكون ضامنا، وأما إذا حفر في ملكه أو كان له حق الحفر في القديم فكذا الجواب لا يضمن، وإن

[ 114 ]

لم يكن ملكا له ولكن كان لجماعة المسلمين أو كان شركا بأن كان في سكة غير نافذة فإنه يضمن. قال في المنتقي: فناء دار الرجل ما كان في داره يحتاج إليه وإن كان في عرض سكته أو أعرض منها، فأما إذا أمر رجلا أن يحفر له بئرا في أصل حائط جاره وفنائه فهذا كله فناء الآمر وفناء جاره الذي هو فناء له فهو فناؤهما، وإن كانت السكة غير نافذة فأمر بالحفر في موضع ليس له فيه منفعة ولا تحتاج إليه الدار وهذا ليس بفنائه، وإذا أوقع إنسان نفسه في البئر فلا ضمان على الحافر. شرح الطحاوي: ومن حفر بئرا على قارعة الطريق فوقع فيها دابة أو إنسان فتلف فالضمان على الحافر ولو جاء إنسان فدفعه وألقاه في البئر وهلك فالضمان على الدافع دون الحافر. وفي الخانية: رجل حفر بئرا في ملكه ثم سقط إنسان فقتل الساقط ذلك الانسان أو الدابة كان الساقط ضامنا دية أو قيمة من كان فيها، وإن كان البئر في الطريق كان الضمان على حافر البئر، فإذا حفر في ملك نفسه فسقوطه لا يكون ضامنا إلى الحافر وكان تلف السقوط عليه مضافا إلى الساقط. وإذا حفر الرجل بئرا في طريق المسلمين ثم آخر حفر طائقة أخرى في أسفلها ثم وقع إنسان ومات فإنه ينبغي في القياس أن يضمن الاول وبه أخذ محمد، واختلف المشايخ في جواب الاستحسان فمنهم من قال جواب الاستحسان أن يكون الضمان على الاول والثاني، ومنهم من قال جواب الاستحسان أن يكون الضمان على الثاني خاصة إلا أن أصحابنا أخذوا بالقياس وكان كمن حفر بئرا على قارعة الطريق فجاء إنسان ووضع في البئر سلاحا ثم جاء إنسان ووقع على السلاح ومات من ذلك فإن الضمان على الحافر. وسئل بعضهم عمن حفر في صحراء قرية التي هي لاهل القرية وهي مبيت دوابهم حفيرة يضع فيها الحنطة والشعير بغير إذن الباقين فجاء رجل وأوقد في الحفيرة نارا كستها وذلك أيضا بغير إذن الباقين فوقع فيها حمار فاحترق بالنار فالضمان على من يجب؟ فقال: على الحافر. قال: وهذا قياس ما نقل عن أصحابنا في كتاب الديات أن من حفر بئرا على قارعة الطريق وألقى رجل فيها حجرا بعدما وقع في البئر رجل فأصابه الحجر الذي في البئر فمات أن الدية على الحافر، ومثله لو وضع رجل حجرا على الارض بقرب البئر فتعقل فيها إنسان ووقع فهلك فالدية على من وضع الحجر كأنه ألقاه في البئر فمات، ولو كان كذلك كان الضمان على الدافع. وكذلك ههنا هذا إذا وضع الحجر واضع، فأما إذا لم يضعه أحد ولكن كان الحجر راسخا فتعقل به إنسان ووقع في البئر ومات فالضمان على الحافر لانه متعد في التسبب وكان بمنزلة الماشي إذا وقع في البئر ولم يعلم بالبئر فالضمان على الحافر، وإن كان الماشي دافعا نفسه في البئر وأنه مباشر والحافر متسبب. وفي الظهيرية: وإن كان الحجر لم يضعه أحد لكنه حميل السيل جاء به فالضمان على الحافر ومن هذا الجنس ما ذكر في المنتقي: رجل حفر بئرا على قارعة الطريق فجاء إنسان وزلق بما صبه رجل آخر على الطريق ووقع في البئر ومات فالضمان على الذي صب الماء، فإن كان الماء ماء السماء

[ 115 ]

فعلى صاحب البئر، وإذا حفر الرجل بئرا في طريق مكة في الفيافي والمفازات في غير ممر الناس فوقع إنسان فإنه لا ضمان له، وهذا بخلاف ما لو حفر في الطريق فإنه يصير ضامنا، فإذا حفر بئرا على قارعة الطريقة فوقع إنسان فسلم من الوقعة وطلب الخروج منها فتعلق حتى إذا كان في وسطها سقط وعطب فلا ضمان. ولو مشى في أسفلها فعطب بصخرة فيها، فإن كانت الصخرة في موضعها من الارض فلا ضمان، وإن كان صاحب البئر قلعها من موضعها ووضعها في ناحية البئر فعلى صاحب البئر، هكذا ذكر في المنتقي. شرح الطحاوي: وإذا حفر الرجل بئرا في الطريق فسقط فيه رجل فتعلق به آخر وتعلق الثاني بثالث وسقطوا جميعا وماتوا جميعا فهو على ثلاثة أوجه: إن ماتوا من وقوعهم ولم يقع بعضهم على بعض أو من وقوعهم ووقع بعضهم على بعض وقد علم كيفية الموت أو لم يعلم كيف ماتوا، فإن ماتوا من وقوعهم ولم يقع بعضهم على بعض فدية الاول على الحافر لانه كالدافع ودية الثاني على الاول لان الثاني مباشر ودية الثالث على الثاني، وإذا خرجوا أحياء وأخبروا عن حالهم ثم ماتوا فموت الاول على سبعة أوجه: أما إن مات من وقوعه لا غير فديته على الحافر، وإن مات من وقوع الثاني عليه فديته هدر لانه قاتل لنفسه بجره، وإن مات من وقوع الثالث عليه فديته على الثاني لانه هو جر الثالث، وإن مات من وقوع الثاني والثالث فنصف ديته هدر ونصفها على الثاني، وإن مات من وقوعه ووقوع الثالث عليه فالنصف على الحافر والنصف على الثاني، وإن مات من وقوعه ووقوع الثاني والثالث فالثلث هدر لانه قتل نفسه بجر الثاني عليه والثلث على الحافر لانه كالدافع والثالث على الثاني بجر الثالث مباشرة، وأما الحكم في الثاني، فإن مات بوقوع والثالث عليه فديته هدر لانه جره إلى نفسه، وإن مات من وقوع الاول عليه فديته على الاول لانه صار كالدافع للثاني في البئر، وإن مات من وقوع الاول والثالث معا فنصف ديته هدر لجره الثالث إلى نفسه ونصفها على عاقلة الاول لجره الاول وإيقاعه في البئر، وأما دية الثالث فعلى الثاني لجر الثاني له. هذا إذا كان يدري حال وقوعهم، فأما إذا كان لا يدري فلا يخلو إما أن يكون بعضهم على بعض أو وجدوا متفرقين، فإن كانوا متفرقين فدية الثالث على الثاني ودية الثاني على الاول ودية الثالث على الثاني وهو قول محمد رحمه الله تعالى، وفي قول آخر لم يبين محمد قائله في الاصل ويقال هو قول أبي يوسف وهو الاستحسان أن دية الاول أثلاثا، ثلث على صاحب البئر وثلث على الثاني لانه جر الثالث عليه وثلث هدر لانه الاول هو الذي جر الثاني ودية الثاني نصفان، نصف على الاول لانه هو الذي جره، ونصف هدر لانه جر الثالث إلى نفسه، ودية الثالث على الثاني. عبد حفر بئرا على قارعة الطريق فجاء إنسان ووقع فيها فعفا عنه الولي ثم وقع فيها آخر فعلى المولى أن يدفع كله أو يفديه في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: يدفع إليه نصف لانهما وقعا معا فعفا عنه أحد الوليين. رجل مات وترك دارا وعليه من الدين ما

[ 116 ]

يستغرق قيمتها فحفر فيها ورثته فهو ضامن لنقصان الحفر للغرماء، فإن وقع فيها إنسان فعليه ضمان ذلك على عاقلته. وفي المنتقي محمد عن أبي يوسف عبد حفر بئرا ثم أعتقه مولاه ثم وقع العبد المعتق في البئر ومات قال: على المولى قيمته لورثته. قال محمد: لا أرى عليه شيى ولو أعتقه المولى أولا ثم حفرووقع فيها فلا شئ على المولى بلا خلاف. وفي نوادر ابن سماعة عن أبي يوسف: مكاتب حفر بئرا في الطريق ثم قتل إنسانا فقضى عليه بقيمته ثم وقع في البئر إنسان ومات قال: يشارك الساقط في البئر الذي أخذ القيمة فيها قال: وكذلك المدبر. قال: وإذا جاء ولي الساقط في البئر فأخذ الذي أخذ قيمة المدبر من مولاه لم يكن بينه وبينه خصومة ولا أقبل بينة عليه، وإنما أقبل بينة على مولى المدبر فإذا زكت كذا في المولى يرجع على الذي أخذ القيمة بنصفها. وفي التجريد: ولو كان الحافر مدبرا أو أم ولد وقضى على المولى بقيمة واحدة تعتبر القيمة يوم الحفر ولا يعتبر بزيادة القيمة ونقصانها، وأما المكاتب فتلزمه الجنايات وتعتبر قيمته يوم الحفر. ولو كان الحافر عبدا فالجنايات كلها في رقبته ويخاطب المولى بالدفع أو الفداء بجميع الاروش، فإن أعتقه المولى بعد الحفر قبل الوقوع ثم لحقته الجنايات فعلى المولى قيمته يوم عتق يشترك فيها أصحاب الجنايات التي كانت بعد العتق وقبله يضرب في ذلك كل واحد بقدر أرش جنياته ولو لم يعتق ولكن وقع واحد ومات فيدفع به ثم وقع ثان وثالث فيشتركوا مع المدفوع إليه الاول في رقبته بقدر حقوقهم. ولو أن عبدا قتل إنسانا ودفعه المولى به ثم وقع إنسان في بئر كان حفرها العبد قبل ذلك عند الدافع فالعبد يدفع نصفه إلى ولي الساقط في البئر أو يفديه بالدية، ولو عفا ولي الساقط في البئر لم يدفع إلى المولى شئ من العبد ولا خصومة في هذه المسألة بين المولى الاول وإنما يخاصم الذي في يده العبد. وفي الخانية: ولو أن رجلا حفر بئرا في سوق العامة أو بنى فيه دكانا فعطب به شئ، فإن فعل ذلك بأذن الامام لا يكون ضامنا، وبغير إذنه يكون ضامنا كما لو أوقف دابته في السوق في موضع معد للدابة فأوقف الدابة في ذلك الموضع إن عينوا ذلك الموضع بإذن السلطان فعطب لا يكون ضامنا. وإن لم يكن بإذن السلطان كان ضامنا لان السلطان إذا أذن بذلك يخرج ذلك الموضع عن أن يكون طريقا فتعين لايقاف الدواب، وبغير إذن السلطان لا يخرج من أن يكون طريقا. ولو أن مدبرا حفر بئرا في الطريق ثم أعتقه المولى أو مات المولى حتى عتق المدبر بموته ثم أوقع نفسه كان للمشتري قيمته على البائع، وكذا لو كان المدبر عبدا وأعتقه المولى وقد ذكر هذه المسألة على الخلاف بين أبي يوسف ومحمد، وإذا حفر الرجل نهرا في غير ملكه فأكسر من ذلك النهر ماء يغرق أرضا أو قرية كان ضامنا، ولو كان في ملكه فلا ضمان. رجل سقى أرضه من نهر العامة وكان على نهر العامة أنها صغار مفتوحة فوهاتها ودخل الماء في الانهار الصغار وفسد بذلك أرض قوم. قال شيخ الاسلام الاجل ظهير الدين: يكون ضامنا لانه أجرى الماء فيها.

[ 117 ]

قال رحمه الله: (ولو بهيمة فضمانها في ماله) أي لو كان الهالك في البئر أو بسقوط الجرصن بهيمة يكون ضمانها في ماله لان العاقلة لا تتحمل ضمان المال وإبقاء الميزاب واتخاذ الطين في الطريق بمنزلة إلقاء الحجر والخشبة لان كل واحد من ذلك مسبب بطريق من التعدي بخلاف ما إذا كان في ملكه لعدم التعدي، وبخلاف ما إذا كنس الطريق فعطب بموضع كنسه إنسان حيث لم يضمن لانه ليس بمتعد فيه لانه لم يحدث فيه شيئا وإنما قصد إماطة الاذى عن الطريق حتى لو جمع الكناسة في الطريق فعطب بها إنسان ضمن لوجود التعدي بشغله الطريق. ولو وضع حجرا فنجاه غيره عن موضعه فتلف به نفس أو مال كان ضمانه على من نجاه لان فعل الاول قد انتسخ، وكذا إذا صب الماء في الطريق أو رش أو توضأ فعطب به نفس أو مال يضمن لانه متعد فيه بخلاف ما إذا فعل ذلك في سكة غير نافذة وهو من أهلها أو قعد فيه أو وضع خشبة أو متاعة لان الكل واحد من أهله أن يفعل ذلك لكونه من ضرورات السكن كما في الدار المشتركة بخلاف الحفر لانه ليس من ضرورات السكن فيضمن ما عطب به كالدار المشتركة غير أنه لا يضمن في السكة ما نقص بالحفر، وفي الدار المشتركة يضمن لان لشريكه ملكا حقيقة في الدار حتى يبيع نصيبه ويقسم بخلاف السكة قالوا: هذا إذا رش ماء كثيرا بحيث يزلق منه عادة، وأما إذا لم يجاوز المعتاد لا يضمن. ولو تعمد المرور في موضع الصب مع علمه به لا يضمن الراش لانه هو الذي خاطر بنفسه فصار كمن وثب في الطريق من جانب إلى جانب فوقع فيها بخلاف ما إذا كان بغير علمه بأن كان ليلا أو أعمى، وقيل يضمن مع العلم أيضا إذا رش جميع الطريق لانه مضطر إلى المرور فيه، وكذا الحكم في الخشبة الموضوعة في الطريق في جميع أجزاء الطريق أو بعضه، ولو رش فناء حانوت بإذن صاحبه فضمان ما عطب على الآمر استحسانا. قال رحمه الله: (ومن جعل بالوعة في طريق بأمر السلطان أو في ملكه أو وضع خشبة فيها) أي في الطريق (أو قنطرة بلا إذن الامام فتعمد الرجل المرور عليها لم يضمن) أما بناء البالوعة بأمر الامام أو في ملكه ووضع الخشبة فلانه ليس بمتعد، وأما بناء القنطرة فلان الباني فوت حقا على غيره فإن التدبير في وضع القنطرة من حيث تعيين المكان للامام فكانت جناية بهذا الاعتبار فتعمد رجل المرور عليها لم يضمن ووضع الخشبة والقنطرة وإن وجد التعدي منه فيهما لكن تعمده المرور عليهما يسقط النسبة إلى الواضع لان الواضع متسبب والمار مباشر فصار هو صاحب علة فلا يعتبر التسبب معه وقد بيناه فيما مضى. وإن استأجر أجراء يحفرون له في غير فنائه فضمانه على المستأجر ولا شئ على الآجرإن لم يعلموا أنه في غير فنائه لان أمره قد صح إذا لم يعلموا فنقل فعلهم إلى الآمر لانهم مغرورون من جهته فصار كما إذا أمر أجيرا بذبح هذه الشاة فذبحها ثم ظهر أن الشاة لغيره يضمن المأمور ويرجع به على الآمر لكونه مغرورا من جهته،

[ 118 ]

وهنا يجب الضمان على المستأجر ابتداء لان كل واحد منهما متسبب والاجير غير متعد والمستأجر متعد فترجح جانبه، فإن علموا بذلك فالضمان على الآجر لان أمره لم يصح لانه لا يملك أن يفعل بنفسه ولا غرور من جهته لعلمهم بذلك فبقي الفعل مضافا إليهم، ولو قال لهم هذا فنائي وليس لي حق الحفر فيه فحفروا فمات فيه إنسان فالضمان على الاجراء قياسا لانهم علموا بفساد الامر فلم يغرهم. وفي الاستحسان الضمان على المستأجر لان كونه فناء لهم بمنزلة كونه مملوكا له لانطلاق يده بالتصرف فيه من إلقاء الطين والحطب وربط الدابة والركوب وبناء الدكان فكان آمرا بالحفر في ملكه ظاهرا بالنظر إلى ما ذكرنا فكذا ينقل إليه. وقال شيخ الاسلام: إذا كان الطريق معروفا أنه للعامة ضمنوا سواء قال لهم أو لا، وإذا استأجر الرجل أجيرا ليحفر له بئرا فحفر له الاجير ووقع فيها إنسان ومات فهذا على وجهين: الاول أن يستأجر الاجير ليحفر له بئرا في الطريق فإنه على وجهين: الاول أن يكون طريقا معروفا لعامة المسلمين يعرفه كل أحد، وفي هذا الوجه يجب الضمان على الاخير سواء علمه المستأجر بذلك أو لم يعلمه. وإن كان الطريق لعامة المسلمين إلا أنه طريق غير مشهور، فإن أعلم المستأجر الاجير بأن هذا الطريق لعامة المسلمين فكذا الجواب أيضا، فأما إذا لم يعلم فالضمان على الآمر لا على الاجير، وهذا بخلاف مالو استأجر أجيرا لذبح فذبحها ثم علم أن الشاة لغير الآمر فإن الضمان على الاجير أعمله المستأجر بأن الشاة لغيره أو لم يعلمه، ثم يرجع إذا لم يعلم. الوجه الثاني إذا استأجره ليحفر له بئرا في الفناء وقد تقدم بيانه، وفي الفتاوى الخلاصة: إذا استأجر رجلا ليبني له أو ليحدث له شيئا في الطريق أو يخرج حائطا فما عطب به من نفس أو مال فذلك على المستأجر دون الاجير استحسانا إلا إذا سقط من يده لبن فأصاب إنسانا فقتله تجب الدية على عاقلة الذي سقط من يده وعليه الكفارة، وفي السغناقي: من حفر بئرا على قارعة الطريق فجاء آخر وخاطر بنفسه ووثب من أحد الجانبين إلى الجانب الآخر ووقع فيه ومات لم يضمن الحافر شيئا. وفي المنتقي: رجل جاء بقوم إلى طريق من طرق المسلمين وقال احفروا إلى هنا بئرا أو قال ابنوا لي هنا ولم يقل غيره فإن ضمان ما عطب به من ذلك على الآمر دون الفاعل ذكر المسألة مطلقا، وتأويلها ما إذا لم يكن الطريق مشهورا لعامة المسلمين ولم يعلمه المستأجر بذلك كما ذكر شيخ الاسلام، وذكر عقيب هذه المسألة: رجل جاء لقوم وقال احفروا في هذا الطريق بئرا ولم يقل لي ولم يقل أستأجر على ذلك وظنوا أنه الآمر، وكذلك لو أدخلهم دارا وقال لهم احفروا فيها فحفروا ظنوا أنها دار الآمر فهو على أن يقول إن استأجرهم على ذلك. وذكر بعد هذا بشر بن الوليد عن أبي يوسف: رجل استأجر رجلا فحفر له في غير فنائه فالضمان في رقبة العبد، علم العبد بذلك أم لا. ولو استأجر مكاتبا أو عبدا محجورا عليه لحفر بئرفوقعت البئر عليهما وماتا فالضمان على المستأجر في الحر لا في المكاتب ويضمن قيمة العبد لمولاه، فإذا

[ 119 ]

أخذ القيمة دفع المولى القيمة إلى ورثة الحر والمكاتب فيضرب ورثة الحر في قيمته بثلث الدية وورثة المكاتب بثلث قيمة المكاتب ثم يرجع المالك على المستأجر بقيمة العبد مرة فيسلم له وللمستأجر أن يرجع على عاقلة الحر بثلث قيمة العبد ويأخذ أولياء المكاتب من الحر ثلث قيمة المكاتب، ثم يؤخذ من المكاتب مقدار قيمته فيكون بين ورثة الحر والمستأجر يضرب ورثة الحر بثلث ديته والمستأجر بثلث قيمة العبد. قال رحمه الله: (ومن حمل شيئا في الطريق فسقط على إنسان ضمن) سواء تلف بالوقوع أو بالعثرة به بعد الوقوع لان حمل المتاع في الطريق على رأسه أو على ظهره مباح له لكنه مقيد بشرط السلامة بمنزلة الرمي إلى الهدف أو الصيد. قال رحمه الله: (فلو كان رداء قد لبسه فسقط لا) أي لو كان المحمول رداء قد لبسه فسقط على إنسان فعطب به لا يضمن، والفرق بينه وبين الشئ المحمول أن الحامل يقصد حفظه فلا يخرج بالتقييد بوصف الصلاة واللابس يقصد حفظ ما يلبسه فيخرج بالتقييد بوصف السلامة فجعل في حقه مباحا مطلقا. وعن محمد: إذا لبس زيادة على قدر الحاجة وما لا يلبس عادة كاللبد والجوالق والدرع من الحديد في غير الحرب ضمن لانه لا ضرورة إلى لبسه وسقوط الضمان باعتبارهما العموم البلوى. قال رحمه الله: (مسجد لعشيرة فعلق رجل منهم قنديلا أو جعل فيها بوارى أو حصاة فعطب به رجل لم يضمن وإن كان من غيرهم ضمن) وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله. وقالا: لا يضمن في الوجهين لان هذه قربة يثاب عليها الفاعل فصار كأهل المسجد وكما لو كان بإذنهم، وهذا لان بسط الحصير وتعليق القنديل من باب التمكين من إقامة الصلاة فيه فيكون من باب التعاون على البر والتقوى فيستوي فيه أهل المسجد وغيرهم. وله أن التدبير فيما يتعلق بالمسجد لاهله دون غيرهم كنصب الامام واختار المتولي رفع بابه وإغلاقه وتكرار الجماعة حتى لا يعتد بمن سبقهم في حق الكراهة وبعدهم يكره فكان فعلهم مباحا مطلقا من غير قيد بشرط السلامة وفعل غيرهم مقيد بها وقضية القربة لا تنافي الغرامة إذا أخطأ الطريق كما إذا انفرد بالشهادة على الزنا، وكما إذا وقف على الطريق لاماطة الاذى ولدفع المظالم فعثر به غيره يؤجر على ذلك ويغرم والطريق فيه الاستئذان من أهله. وقال الحلواني: أكثر المشايخ أخذوا بقولهما وعليه الفتوى. وعن ابن سلام: باني المسجد أولى بالعمارة، والقوم أولى بنصب الامام والمؤذن. وعن الاسكافي أن الباني أحق به. قال أبو الليث: وبه نأخذ إلا أن ينصب شخصا والقوم يرون من هو أصلح لذلك. وفي الجامع الصغير: أو حصيرا. وفي الذخيرة: أو حفر بئرا فعطب به إنسان لا شئ عليه، وإن كان الحافر من غير العشيرة ضمن

[ 120 ]

ذلك كله، هذا هو لفظ هذا لكتاب. وفي الاصل يقول: وإذا احتفر أهل المسجد في مسجدهم بئرا لماء المطر أو علقوا فيه قناديل أو جعلوا فيه حبا يصب فيه الماء أو طرحوا فيه حصا أو ركبوا فيه بابا فلا ضمان عليهم فيمن عطب بذلك، فأما إذا أحدث هذه الاشياء من هو من غير أهل المحلة فعطب به إنسان فهذا على وجهين: إما أن يفعلوا بغير إذن أهل المحلة إن أحدثوا شيئا أو حفروا بئرا فعطب فيها إنسان فإنهم يضمنون بالاجماع، فأما إذا وضعوا حبا ليشربوا منه منه الماء أو بسطوا حصيرا أو علقوا قناديل بغير إذن أهل المحلة فتعقل إنسان بالحصير فعطب أو وقع القنديل وأحرق ثوب إنسان أو أفسده قال أبو حنيفة: إنهم يضمنون. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يضمنون. قال الشيخ الامام شمس الائمة الحلواني: وأكثر مشايخنا أخذوا بقو لهما في هذه المسألة وعليه الفتوى. قال فيه أيضا: إذا قعد الرجل في المسجد لحديث أو نام فيه أو قام فيه بغير الصلاة أو مر فيه ما لحاجة من الحوائج فعثر به إنسان فمات قال أبو حنيفة رحمه الله بأنه ضامن، وقال أبو يوسف ومحمد بأنه لا ضمان عليه إلا أن يمشي فيه على إنسان، فأما إذا قعد لعبادة بأن كان ينتظر الصلاة أو كان قعد للتدريس وتعليم القضاء وللاعتكاف أو قعد لذكر الله تعالى وتسبيحه وقراءة القرآن فعثر به إنسان فمات هل يضمن؟ على قول أبي حنيفة لا رواية لهذ في الكتاب والمشايخ المتأخرون اختلفوا فيه، فمنهم من يقول يضمن عند أبي حنيفة وإليه ذهب أبو بكر الرازي، وقال بعضهم لا يضمن وإليه ذهب أبو عبد الله الجرجاني. فأما إذا كان يصلي فعثر به إنسان فلا ضمان عليه، سواء كان يصلي الفرض أو التطوع، السغناقي. قال الفقيه أبو جعفر: سمعت أبا بكر البلخي يقول: إن جلس القراءة القرآن معتكفا في المسجد لا يضمن عندهم جميعا. وذكر فخر الاسلام والصدر الشهيد في الجامع الصغير: إن جلس للحديث فعطب به رجل يضمن بالاجماع لانه غير مباح له، الذخيرة. وفي المنتقي رواية مجهولة: وإذا فرش الرجل فرشا في المسجد ونام عليه فعثر رجل بالنائم فلا ضمان، ولو عثر بالفراش فهو ضامن. وفيه أيضا رواية مجهولة: إذا بنى مسجدا في طريق المسلمين بغير أمر السلطان فعطب بحائطه فهو ضامن في قول أبي حنيفة، وكذلك في قولابي يوسف إذا كان في طريق الامصار حيث يكون تضييقا أو اضرارا، وإن كان في الصحراء بحيث لا يضر بالطريق غير أنه في أفنية المصر فلا ضمان عليه استحسانا، ولو أن رجلا أخرج من داره مسجدا وبنى كان أولى الناس من أهل المحلة وغيرهم بإصلاحه والاسراج وليس لاحد أن يشركه فيه بإذنه. وعن أبي يوسف برواية بشر عن أبي حنيفة لاهل المسجد أن يهدموا مسجدهم ويهدموا بناءه وليس لغيرهم أن يفعل ذلك إلا برضاهم. قال محمد في الجامع الصغير في رجل جعل قنطرة على نهر بغير إذن الامام فمر عليها رجل متعمدا فوقع فعطب فلا ضمان عليه، هكذا ذكر المسألة هنا.

[ 121 ]

واعلم أن هذه المسألة على وجهين: أما إذا كان النهر مملوكا له أو لم يكن مملوكا، فلو كان مملوكا له فلا ضمان وإن صار مسببا للتلف لانه غير متعد في هذ السبب، وإن لم يكن النهر مملوكا له فهذا على وجهين: إن كان نهرا خاصا لاقوام مخصوصين فلاضمان عليه إن كان تعمد المرور عليها، وإن لم يتعمد المرور عليها. وفي الكافي بأن كان أعمى أو مر ليلا فهو ضامن وصار الجواب فيه كالجواب فيما إذا حفر بئرا في ملك إنسان فوقع فيها إنسان، أما إذا كان نهرا عاما لجماعة مسلمين وقد فعل ذلك بغير إذن الامام فالجواب فيه كالجواب فيما لو نصب جسرا أو قنطرة على نهر خاص لاقوام معينين، هكذا ذكر في ظاهر الرواية. وروي عن أبي يوسف قي غير رواية بشر إلا إذا كان النهر عاما لجماعة مسلمين فإنه لا ضمان على واضع القنطرة والجسر سواء علم الماشي عليه فانخرق به فمات إن تعمد المرور عليها لا ضمان على واضع القنطرة، وإن لم يعلم المار به ضمن كمن نصب خشبة في طريق فمر به كان ضامنا قالوا: إن كانت الخشبة الموضوعة صغيرة بحيث لا يوطأ على مثلها لا يضمن واضعها لان الوطئ على هذه مثل الخشبة بمنزلة تعمد الزلق. وإن كانت الخشبة كبيرة يوطأ على مثلها يضمن واضعها. هذا إذا كان النهر خاصا لاقوام مخصوصين، فإن كان النهر لعامة المسلمين في ظاهر الرواية يكون ضامنا، وعن أبي يوسف أنه يكون ضامنا. قال التمرتاشي: لو ضاق المسجد بأهله لهم أن يمنعوا من ليس من أهله من الصلاة. وفي العيني على الهداية: ولا يمتنع أن يكون المسجد لعامة المسلمين ويختص أهله بتدبيره ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ مفاتيح الكعبة من بني شيبة فأمره الله تعالى أن يردها إليهم بقوله تعالى * (إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها) * (النساء: 58). قال رحمه الله: (وإن جلس فيه) أي في المسجد (رجل منهم فعطب به آخر ضمن أن كان في غير وقت الصلاة وإن كان فيها لا) وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله. وقالا: لا يضمن على كل حال وقد تقدم بيان ذلك، لهما أن المساجد بنيت للصلاة والذكر قال الله تعالى * (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه) * (النور: 36) وقال تعالى * (وأنتم عاكفون في المساجد) * (البقرة: 187) فإذا بنيت لها لا يمكنه أداء الصلاة مع الجماعة إلا باستنظارها فكان الجلوس فيه من ضرورتها فيباح له، ولان المنتظر للصلاة في الصلاة لقوله عليه الصلاة والسلام المنتظر للصلاة في الصلاة ما دام ينتظرها وتعليم الفقه وقراءة القرآن عبادة كالذكر. وله أن المسجد بني للصلاة وغيرها من العبادة تبع بدليل أن المسجد إذا ضاق على المصلي كان له أن يزعج القاعد عن موضعه حتى

[ 122 ]

يصلي فيه وإن كان القاعد مشتغلا بذكر الله تعالى أو بالتدريس أو معتكفا وليس لاحد أن يزعج المصلي من مكانه الذي سبق إليه لما أنه بنى لها، واسمه يدل عليه لان المسجد اسم لموضع السجود، وفي العادة أيضا لا يعرف بناء المسجد إلا للصلاة فإذا كان كذلك فلا بد من إظهار التفاوت بينهما فكان الكون فيه في حق الصلاة مباحا مطلقا من غير تقييد بشرط السلامة، وفي حق غيرها مقيد بشرط السلامة ليظهر التفاوت بين الاصل وبين التبع ولا يبعد أن يكون الفعل قربة مقيدا بشرط السلامة ألا ترى أن من وقف في الطريق لاصلاح ذات البين قربة في نفسه ومع هذا مقيد بالسلامة في الصحيح. وذكر صدر الاسلام أن الاظهر ما قالاه لان الجلوس من ضرورة الصلاة فيكون ملحقا بها لان ما ثبت ضرورة لشئ يكون حكمه كحكمه. وفي العيني على الهداية: وبه أخذ مشايخنا. وفي الذخيرة: بقولهما يفتي. وذكر شمس الائمة أن الصحيح من مذهب أبي حنيفة أن الجالس لانتظار الصلاة لا يضمن وإنما الخلاف في عمل لا يكون له اختصاص بالمسجد كقراءة القرآن ودرس الفقه والحديث والله أعلم. فصل وفي الحائط المائل: لما ذكر رحمه الله تعالى أحكام القتل الذي يتعلق بالانسان مباشرة وتسببا شرع في بيا أحكام القتل الذي يتعلق بالجماد وهو الحائط المائل، وكان من حقها أن تؤخر عن مسائل جميع الحيوانات تقديما للحيوان على الجماد إلا أن الحائط المائل لما ناسب الجرصن والروشن والجناح والكنيف وغيرها ألحق مسائلة بها، ولهذا عبر بلفظ الفصل لا بلفظ الباب، كذا في النهاية وغيرها. قال رحمه الله: (حائط مال إلى طريق العامة ضمن ربه ما تلف به من نفس أو مال إن طالب بنقضه مسلم أو ذمي ولم ينقضه في مدة يقدر على نقضه) وهذا استحسان. والقياس أن لا يضمن وهو قول الشافعي رحمه الله تعالى لانه لم يوجد منه صنع هو فعل ولا مباشرة علة ولا مباشرة شرط أو سبب والضمان باعتبار ذلك فصار كما إذا لم يشهد عليه وبطل نقضه منه. ووجه الاستحسان ما روي عن علي وعن شريح والنخعي وغيرهم من أئمة التابعين ما قلناه، ولان الحائط لما مال فقد أشغل هواء الطريق بملكه ورفعه في قدرته، فإذا طولب برفعه لزمه ذلك، فإذا امتنع مع التمكن منه صار متعديا فيلزمه موجبه، ولان الضرر الخاص يجب تحمله لدفع الضرر العام كالكفار إذا تترسوا بالمسلمين ثم ما تلف به من النفوس تحمله العاقلة لئلا يؤدي إلى الاجحاف. وقال محمد: لا تتحمل العاقلة

[ 123 ]

حتى يشهد الشهود على ثلاثة أشياء: على التقدم في النقض، وعلى أنه مات بالسقوط عليه، وعلى أن الدار لفلان وما تلف به من الاموال فضمانه عليه لان العاقلة لا تتحمل المال والشرط الطلب للنقض منه دون الاشهاد وإنما ذكر الاشهاد ليتمكن من إثباته عند الجحود أو جحود العاقلة فكان من باب الاحتياط ويصح الطلب بكل لفظ يفهم منه طلب النقض من أن يقول حائطك هذه مخوف أو مائل فاهدمه حتى لا يسقط، وكذلك لو قال اشهدوا أني تقدمت إلى هذا الرجل في هدم حائطه هذا يصح أيضا. ولو قال ينبغي لك أن تهدمه فليس هذا بطلب ولا إشهاد ويشترط أن يكون طلب التفريغ إلى من له ولاية النقض كالمالك والاب والجد والوصي في ملك الصغير والعبد التاجر كان عليه دين أو لا، وإلى الراهن في الدار المرهونة لان القادر على الهدم وإلى المكاتب، ثم إن تلف حال بقاء الكتابة تجب عليه قيمته لتعذر الدفع وبعد العتق على عاقلة المولى، وبعد الحجر لا يجب على أحد لعدم قدرة المكاتب ولعد الاشهاد على المولى، ولو تقدم إلى من يسكن أو للمرتهن أو للمولى لا يعتبر حتى لو سقط وأتلف شيئا لا يضمن الساكن ولا المالك، ويشترط دوام القدرة إلى وقت السقوط حتى لو خرج عن ملكه بالبيع بعد الاشهاد برئ عن الضمان لعدم قدرته على النقض، ولا يصح الاشهاد قبل أن يميل لانعدام سببه. وسوى في المختصر بين أن يطالب بالنقض مسلم أو ذمي لان حق المرور للكل بخلاف العبيد والصبيان لعدم قدرتهم على النقض إلا إذا أذن لهم المولى في الخصومة فحينئذ جاز طلبهم وإشهادهم لانهم التحقوا بالبالغ، ثم بعد الاشهاد تكون الخصومة عند سلطان أو نائبه. ولو جن بعد الاشهاد مطبقا أو ارتد ولحق فقضى القاضي به ثم عاد مسلما ورد عليه الدار ثم سقط الحائط بعد ذلك وأتلف إنسانا كان هدرا، وكذا لو أفاق المجنون، وكذا إذا ردت عليه بعيب أو خيار شرط أو خيار رؤية لا يجب الضمان إلا بإشهاد مستقبل، ولو كان بعض الحائط صحيحا وبعضه واه فأشهد عليه فسقط الواهي وغير الواهي وقتل إنسانا يضمن صاحب الحائط إلا أن يكون الحائط طويلا بحيث وهي بعضه ولم يوه البعض فحينئذ يضمن ما أصاب الواهي ولا يضمن ما أصابه الذي لم يوه لانه إذا كان كذلك صار بمنزلة حائطين أحدهما صحيح والآخر مائل وأشهد عليهم فلم يسقط المائل وسقط الصحيح فيكون هدرا. وفيه أيضا: اللقيط له حائط مائل وأشهد عليه فسقط الحائط وأتلف إنسانا كان دية القتيل في بيت المال لان ميراثه يكون لبيت المال، وكذا الكافر إذا أسلم. وإذا كان الرجل على حائط له والحائط مائل أو غير مائل فسقط الرجل بالحائط من غير فعله وأصاب إنسانا فقتله كان ضامنا لما هلك بالحائط إن كان أشهد عليه في نقضه، ولا ضمان عليه فيما سواه. وإن كان هو الذي سقط من أعلى الحائط على إنسان من غير أن يسقط به الحائط وقتل أنسانا

[ 124 ]

كان هو ضامنا دية المقتول، وإن مات الساقط بمن كان في الطريق، فإن كان يمشي في الطريق فلا ضمان عليه لانه غير متعد في المشي، وإن كان واقفا في الطريق قائما أو قاعدا كانت دية الساقط عليه. قيد بقوله طولب بنقضه لانه لو سقط وأتلف قبل أن يطالب بنقضه لا يضمن. وفي شرح الطحاوي: ولو أنكرت العاقلة أن تكون الدار له لا عقل عليهم ولا يضمن حتى يشهدوا على التقويم عليه وعلى أنه مات من سقوط الحائط عليه وأن الدار له، فإذا أنكرت العاقلة واحدا من هذه الاشياء الثلاثة فلا تعقل، ولو أقر رب الدار بهذا الاشهاد الثلاثة تلزم في ماله ولا تجب على العاقلة. وفي المنتقي: رجل ادعى دارا في يد رجل وفيها حائط مائل يخاف سقوطه من الذي يقدم إليه فيه ويشهد عليه بعد بينة المدعي قال: يؤخذ الذي في يده الدار بنقضه ويشهد عليه بميله وهو بمنزلة دار ادعاها وأقام البينة لم يترك البينة فإنه يتقدم بنقضه الذي في يده ثم زكيت البينة ضمن تقدم له القيمة. قال في الجامع الصغير: أشهد عليه في حائط مائل له فذهب يطلب من يهدمه وكان في ذلك حتى سقط الحائط لا يضمن شيئا. وفيه أيضا: رجل أشهد عليه في حائط مائل إلى دار رجل فسأل صاحب الحائط المائل من القاضي أن يؤجله يومين أو ثلاثة أو ما أشبه ذلك ففعل القاضي ذلك ثم سقط الحائط وأتلف شيئا كان الضمان واجبا على صاحب الحائط، ولو وجد التأجيل من صاحب الدار فوقع الحائط في مدة التأجيل وأفسد شيئا لا يجب الضمان، ولو سقط الحائط بعد مدة التأجيل كان ضامنا. وفيه أيضا: رجل أشهد عليه في حائط مائل في الطريق الاعظم وطلب صاحب الحائط من القاضي أن يؤجله يوما أو يومين أو ثلاثة ففعل القاضي ذلك ثم سقط الحائط المائل فأتلف شيئا كان الضمان واجبا، وكذلك في هذه المسألة، ولو لم يؤخره القاضي ولكن أخره الذي أشهد عليه لا يصح لا في حق غيره ولا في حق نفسه. وفي نوادر ابن رستم: مسجد مائل حائطه فأشهد على الذي بناه. فإن وقع ذلك على رجل فقتله فالدية على العاقلة. ولو أشرع المكاتب كنيفا أو جناحا من حائط مائل إلى طريق المسلمين ثم أدى الكتابة وعتق ثم وقع ذلك على إنسان فقتله كان على المكاتب الاقل من دية المقتول ومن قيمته يوم الاشراع. قال في الكتاب: لو أن رجلا أعتقه مولاه لعتاقة رجل وأبو عبد أشهد عليه في حائط مائل فلم ينقضه حتى عتق الاب ثم سقط الحائط وقتل إنسانا فديته على عاقلة الاب، ولو سقط قبل عتق الاب فالدية على عاقلة الام بمثله. ولو أشرع كنيفا ثم عتق أبوه ثم وقع الكنيف على إنسان وقتله فالدية على عاقلة الام. رجل أشهد عليه في حائط مائل فسقط في الطريق وعثر رجل بنقض الحائط ومات فديته على عاقلة صاحب الحائط وهذا قول محمد. وفي شرح الطحاوي: ولو أشهد على حائط فسقط فما سقط بنقضه فإنه يضمن في قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: ما تلف بالنقض لا يضمن إلا إذا اشهد على النقض. ولو سقط الحائط على رجل فقتله أو عثر رجل بنقض الحائط ومات ثم عثر رجل بالقتيل فلا

[ 125 ]

ضمان عليه ولا على عاقلة صاحب الحائط، ولو كان مكان الحائط جناح أخرجه إلى الطريق فوقع على الطريق فعثر إنسان بنقضه فمات وعثر رجل آخر بالقتيل ومات أيضا فدية القتيلين جميعا على صاحب الجناح. حائط مائل لرجل أشهد عليه في الحائط ثم إن صاحب الحائط وضع جرة لغيره على الحائط فسقط الحائط ورميت الجرة وأصابت إنسانا فقتلته فدية المقتول على صاحب الحائط، ولو عثر بالجرة وبنقضها أحد فلا ضمان على أحد. ولو باع الدار بعد الاشهاد عليه في الحائط ثم رد المشتري الدار بخيار رؤية أو بخيار رؤية أو بخيار شرط أو بخيار عيب بقضاء القاضي. وفي الخانية: وغيره ثم سقط الحائط على إنسان وقتله فإنه لا ضمان عليه. وفي الخانية: إلا بإشهاد مستقبل بعد الرد، ولو كان الخيار للبائع ثم سقط الحائط وأتلف شيئا كان ضامنا لان خيار البائع لا يبطل ولاية الاصلاح فلا يبطل الاشهاد، ولو أسقط البائخياره وأوجب البيع بطل الاشهاد لانه أزال الحائط عن ملكه، وفي اخراخ الكنيف والجناح والميزاب لا يبطل الضمان بشئ من هذه الاشياء. وفي الكافي: لا ضمان على المشتري لانه لم يشهد عليه في الهدم، فإذا أشهد على المشتري بعد شرائه فهو ضامن. وفي شر 0 ح الطحاوي: ولو مال إلى سكة غير نافذة فالخصومة إلى واحد من أهل السكة، ولو مال إلى دار جاره فالخصومة إلى صاحب تلك الدار وإن مستعيرا أو مستأجرا فالاشهاد إلى السكان وليس إلى غيرهم. قال رحمه الله: (وإن بناه مائلا ابتداء ضمن ما تلف بسقوطه بلا طلب) لانه تعدى بالبناء فصار كاشراع الجناح ووضع الحجر وحفر البئر في الطريق. أطلق المؤلف في الميلان ولم يفرق بين يسيره وفاحشه. وفي المنتقي: إن كان يسيرا وقت البناء لا يضمن لان الجدار لا يخلو عن يسير الميلان وإن كان فاحشا يضمن وإن كان لم يتقدم أحد يطلب منه النقض، ولو شغل الطريق بأن أخرج جذعا فيها فهو على التفصيل، ومن المشايخ من لا يفصل في الجذع ولا في الميلان. وفي المنتقي قال محمد: حائط مائل تقدم إلى صاحبه فيه فلم يهدمه حتى ألقته الريح فهو ضامن، وليس هذا كحجر وضعه إنسان على الطريق وقلبه الريح من موضع إلى موضع فعثر به إنسان فإنه لا يضمن. وإذا أقرت العاقلة أن الدار له ضمنوا الدية كما لو أقر بجناية خطأ وصدقته العاقلة في ذلك، وكذلك الجناح والميزاب يشرعه الرجل من داره في الطريق فوقع على إنسان ومات وأنكرت العاقلة أن تكون الدار له وقالوا: وإنما أمر رب الدار بإخراج الجناح فلا ضمان عليهم إلا أن تقام البينة أالدار له، وذلك لان إخراج الجناح من الدار التي في يده إنما يوجب الضمان على العاقلة إذا أخرج من داره إلى الطريق لا بالبينة ولا بإقرار العاقلة كأن أقر رب الدار له وكذبته العاقلة لا يعقل. وفي قاضيخان: رجل تقدم إليه في حائط مائل له فلم ينقضه حتى وقع على حائط جاره وهدمه فهو ضامن لحائط الجار و

[ 126 ]

يكون ربها بالخيار إن شاء ضمنه قيمة حائطه والنقض له، وإن شاء أخذ النقض وضمنه النقضان، ولو أراد أن يجبره على البناء كما كان ليس له ذلك. وفي الكافي: وما تلف بوقوع الاول والثاني فعلى مالك الاول، ولم يذكر محمد رحمه الله قيمة الحائط، حكي عن الشيخ الامام شمس الائمة الحلواني قال: تقوم الدار وحيطانها محيطة بها، وكذلك قال في المنتقي: أنا أرسل دابته في زرع غيره وأفسد ضمن قيمة الزرع وطريق معرفة قيمته أن تقوم الارض مع الزرع الثابت فيضمن حصة الزرع، وإذا ضمن قيمة حائطه كان النقض للضامن، فلو جاء إنسان وعثر بنقض الحائط فالضمان على عاقلته المتقدم عليه، وهذا على قول محمد، وإن عثر بنقض الحائط الثاني قيل يضمن صاحب الحائط الاول، ولو أن الحائط الاول حين وقع على الحائط الثاني وهدمه وقع الحائط الثاني على رجل وقتله لا ضمان على صاحب الحائط الثاني وإنما الضمان على عاقلة صاحب الحائط الاول. قال رحمه الله: (وإن مال إلى دار رجل فالطلب إلى ربها) لان الحق له على الخصوص، وإذا كان يسكنها غيره كان له أن يطالبه لان له المطالبة بإزالة ما شغل هواها. قال رحمه الله: (فإن أجله أو أبرأه صح) بخلاف الطريق إن أجله صاحب الدار أو أبرأه جاز تأجيله وأبرأه حتى لو سقط في الابراء وقبل مضي المدة في التأجيل لا يضمن لان الحق له على ما ذكرناه بخلاف ما إذا مال للطريق العام فأجله القاضي أو من أشهد عليه أو أبرأه لا يصح التأجيل والابراء لما ذكرنا. وقوله إلى دار رجل مثال وليس بقيد حتى لو مال العلو إلى الاسفل أو الاسفل إلى العلو فالحكم كذلك، كذا في قاضيخان. قال رحمه الله: (حائط بين خمسة أشهد على أحدهم فسقط على رجل ضمن خمسة الدية دار بين ثلاثة حفر أحدهم فيها بئرا أو بنى حائطا فعطب به رجل ضمن ثلثي الدية) وهذا عند الامام. وقالا: يضمن النصف في الصورتين لان التلف بنصيب من أشهد عليه يعتبر وبنصيب من لم يشهد عليه هدر، وفي الحفر باعتبار ملكه غير متعد باعتبار ملك شريكه متعد وكانا قسمين فانقسما نصفين عليهما. وللامام أن الموت حصل بعلة واحدة وهي القتل فيضاف التلف إلى العلة الواحدة ثم يقسم على أربابها بقدر الملك. فإن قيل: الواحد من الشركاء لا يقدر أن يهدم شيئا من الحائط فكيف يصح تقدمه إليه؟ قلنا: إن لم يتمكن من هدم نصيبه يتمكن من اصلاحه بالمرافعة إلى الحاكم وبه يحصل الغرض وهو إزالة الضرر. وفي المحيط قال: يقدر على هدم نصيبه بحكم الحاكم ومطالبة الباقين بالنقض فيكون قادرا على النقض بهذا الطريق. ولم يذكر الفرق للامام بين المسألتين حيث يضمن خمس الدية وفي الحائط، ويضمن ثلث الدية فيما إذا حفر وبنى في دار. والفرق بينهما أن كل حجر وضعه أو حفره فهو متعد في ثلثي الوضع والحفر وليس متعديا في الثلث فلهذا يضمن الثلثين.

[ 127 ]

وقوله حائط بين خمسة ودار بين ثلاثة مثال وليس بقيد. وفي الظهيرية: والحائط إذا كان مشتركا بين اثنين فأشهد على أحدهما فهو بمنزلة ما لو أشهد على أحد الورثة. وفي المنتقي: رجل مات وترك دارا وعليه من الدين ما يستغرق قيمتها وفيها حائط مائل إلى الطريق ولا وارث للميت غير هذا الابن فالتقدم في حائطه إليه، وإن كان لا يملكها فإن وقع التقدم بعد التقدم إليه كانت الدية على عاقلة الاب دون عاقلة الابن، فإن كان الحائط المائل بين خمسة نفر أخماسا وتقدم إلى أحدهم بالنقص ثم سقط على إنسان فإنه يضمن المتقدم إليه خمس الدية ويجب على عاقلته ويهدر أربعة أخماس وهو حصة شركائه، وهو قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد بأن الشريك الحاضر المتقدم إليه يضمن نصف الدية فتجب ذلك على عاقلته ويهدر النصف، ذكر المسألة في الجامع الصغير على هذا الوجه، وذكر هذه المسألة في الاصل ولم يذكر فيها خلافا. قال في الجامع الصغير أيضا: إذا كانت الدار بين ثلاثة نفر حفر أحدهم في هذه الدار المشتركة بئرا ووقع فيها إنسان ومات قال: على عاقلة الحافر عند أبي حنيفة ثلث دية المقتول، وعلى قول أبيوسف ومحمد يجب على الحافر نصف الدية، وهذه المسألة مذكورة في الاصل من غير خلاف، والخلاف في هاتين المسألتين من خصائص الحامع الصغير. وفي السغناقي: وإذا وضع الرجل على حائطه شيئا فوقع ذلك الشئ فأصاب إنسانا فلا ضمان عليه فيه لانه وضعه على ملكه وهو لا يكون متعديا فيما يحدثه في ملكه. سواء كان الحائط مائلا أو غير مائل. وفي المنتقي: ولو أن رجلا بنى حائطا مائلا بين رجلين اثلاثا تقدم إلى صاحب الثلث فيه ثم سقط على رجل وقتله صرعا فعليه ثلث الدية بلا خلاف. وهو بمنزلة حمار حمل عليه إنسان عشرة أقفزة وحمل الآخر عليه خمسة أقفزه وكل ذلك بغير إذن المولى فمات الحمار من ذلك تجب القيمة اثلاثا، وهو بمنزلة رجل أخذ بنفس إنسان وأخذ آخر بنفسه الآخر فمات المأخوذ من ذلك وهناك يجب الضمان كذاهنا. هذا إذا وقع الحائط على حر، ولو وقع الحائط على عبد إن قتله غما فإن قيمته عليهما أثلاثا، وإن جرحته الحائط ومات العبد من الجراحة فالجراحة عليهما أثلاثا والنفس عليهما نصفين، فإن جره الحائط ثم مات من الغم والجراحة فإن الجراحة عليهما اثلاثا نصف ما بقي من النفس وهو حصة الغم بينهما أثلاثا أيضا، والنصف الآخر وهو حصة الجراحة بينهما نصفين. عن أبي حنيفة في حائط مائل لرجلين أشهد عليهما وحائط مائل لرجل أشهد عليه سقطا على إنسان فقتلاه فنصف الدية على الرجل الذي له الحائط ونصف الدية على رجلين. وروى الحسن بن زيادة فسقطا على الرجلين فماتا فالدية عليهما مطلقا. وقال أبو يوسف ومحمد: إن مات من جرح جرحه الحائط فالدية عليهم أثلاثا، وإن مات من ثقلهما فالدية عليهما نصفين ولا يضمن إذا لم يكن متعديا، فأما إذا وضع في ملكه عرضا حتى خرج طرفه منه إلى الطريق إن سقط فأصاب الطرف الخارج منه

[ 128 ]

شيئا فإنه يضمن كان الجواب فيه كالجواب في اخراج الميزاب، وكذلك لو كان الحائط مائلا وكان ممكن وضع الجذع عليه طولا حتى لم يخرج شئ منه إلى الطريق ثم سقط ذلك الجذع على إنسان ومات فإنه لا يضمن، هكذا ذكر في الكتاب وأطلق الجواب اطلاقا. ومن مشايخنا من قال هذا إذا كان الحائط مائلا إلى الطريق ميلا يسيرا غير فاحش، فأما إذا مال ميلا فاحشا فإنه يضمن، وذلك لان الميلان إذا كان غير فاحش بحيث يوجب ذلك القدر وقت البناء يكون وجوده وعدمه بمنزلة لان الجدار قلما يخلو عن قليل ميلان يكون له إلى الطريق فإما إذا كانا ميلا فاحشا بحيث يحترز منه عند البناء في الاصل فإنه يضمن إذا سقط ذلك على إنسان إن لم يتقدم إليه بالرفع لانه متى وضع الجذع طولا على الحائط المائل فيعتبر بما لو شغل الهواء بغر واسطة، ولو شغل هواء الطريق بواسطة بأن أخرج الجذع عن الحائط فسقط فأصاب إنسانا كذا هذا. ومنهم من قال الجواب فيه كما أطلقه محمد لا يضمن في الحالين، ولو كان الوضع بعد ما تقدم إليه في الحائط ثم سقط الجذع فأصاب إنسانا يقول بأنه يضمن، كذا في المنتقي والله تعالى أعلم. باب جناية البهيمة والجناية عليها وغير ذلك لما فرغ رحمه الله تعالى من بيان أحكام جناية الانسان شرع في بيان جناية البهيمة، ولا شك في تقدم جناية الانسان على البهيمة، كذا في النهاية ويرد عليه أنه لم يفرغ من بيان جناية الانسان مطلقا بل بقي منها جناية المملوك، ولا شك أنه من الانسان فيقدم على البهيمة وكان من حقه أن يقدم على جناية البهيمة، كذا في غاية البيان. قال رحمه الله: (ضمن الراكب ما أوطأت دابته بيد ورجل أو رأس أو كدمت أو خبطت أو صدمت لا ما نفجت برجل أو ذنب إلا إذا أوقفها في الطريق) والاصل في هذا الباب أن المرور في طريق المسلمين مباح بشرط السلامة لانه تصرف في حقه وفي حق غيره من وجه لكونه مشتركا بين كل الناس إذ الاباحة مقيدة بالسلامة، والاحتراز عن الايطاء والكدم والصدم والخبط ممكن لانه ليس من ضرورة السير، وقيدناه بشرط السلامة، وفي العيني على الهداية: الكدم بمقدم الانسان، والخبط باليد والصدم هو أن تطلب الشئ بجسدك ولا يمكن الاحتراز عن النفحة أيضا لانه يمكن الاحتراز عن الايفاق وهو المراد بقوله إذا إذا أوقفها في الطريق أطلق فيما ذكره وهو مقيد بأن يكون في غير ملكه، أما إذا كان في ملكه لا يضمن إلا في الايطاء وهو راكبها لانه فعل منه مباشرة حتى يحرم به عن الميراث وتجب عليه الكفارة بشرط التعدي فصار كحفر البئر،

[ 129 ]

وفي المباشرة لا يشترط ذلك، وإن كان ذلك في ملك غيره، فإن كان غيره تسبب فيه بإذن مالكه فهو كما لو كان في ملكه، فإن كان بغير إذن مالكه فإن دخلت الدابة من غير أن يدخلها مالكها ولم يكن معها لم يضمن شيئا، فإن أدخلها هو ضمن الجميع سواء كان معها أو لم يكن معها لوجود التعدي بالادخال في ملك الغير والملك المشترك كملكه الخاص به فيما ذكرنا من الاحكام، والمسجد كالطريق فيما ذكرناه من الاحكام، ولو جعل الامام موضعا لوقوف الدواب عند باب المسجد فلا ضمان فيما يحدث من الوقوف فيه، وكذا إيقاف الدواب في سوق الدواب لانه مأذون فيه من جهة السلطان، وكذا إذا أوقفها في طريق متسعة لا يضر وقوفها بالناس فلا يحتاج فيه إلى إذن الامام بخلاف ما إذا كانت غير متسعة. وفي الخلاصة: دابة مربوطة في غير ملكه فإن ذهب وحل الرباط فقد زالت الجناية فما عطب به من ذلك فهو هدر، فلو جالت الدابة في رباطها فما أصاب شيئا وأتلفه فهو مضمون، سواء ضربت بيدها أو برجلها أو برأسها، فلو ربطها في مكان فذهبت إلى مكان آخر فما أصابت في ذلك المكان فهو هدر. وفيها أيضا: الراكب إذا كانت الدابة تسير به فنخسها رجل فألقت الراكب، إن كان الراكب أذن له في النخس لا يجب على الناخس شئ، وإن كان بغير إذنه ضمن الدية، وإن ضربت الناخس فمات فدمه هدر، وإن أصابت رجلا آخر بالذنب أو الرجل أو كيفما أصابت إن كان بغير إذن الراكب فالضمان على الناخس، وإن كان بإذنه فالضمان عليهما إلا في النفحة بالرجل أو الذنب فإنه جبار إلا إذا كان الراكب واقفا بغير ملكه فأمر رجلا فنخسها فنفحت برجلها فالضمان عليهما، وإن كان بغير إذنه فالضمان على الناخس ولا كفارة عليه فيما نفحت برجلها. قال عامة الشراح: نفحت الدابة إذا ضربت بحافرها. قال في النهاية: ومثل هذا في الصحاح والمغرب واقتفى أثره صاحب الكفاية ومعراج الدراية. أقول: كون المذكور في الصحاح كذا ممنوع إذا لم يعتبر فيه كون الضرب بحد الحافر بل قال فيه ونفحت الناقة ضربت برجلها ثم أقول: بقي إشكال في عبارة الكتاب وهو أن الذي يظهر مما ذكر في كتب اللغة ومما ذكره الشراح ههنا أن لا تكون النفحة إلا بالرجل فيلزم أن لا يصح قوله ولا يضمن بالنفحة ما نفحت برجلها أو ذنبها لانه يقتضي أن تكون النفحة بالذنب أيضا بل يلزم أيضا استدراك قوله برجلها لان الضرب بالرجل كان داخلا في مفهوم النفحة: لا يقال ذكر الرجل محمول على التأكيد وذكر الذنب على التحديد لانا نقول: اعتبار التأكيد والتحديد معا بالنظر إلى كلمة واحدة في موضع واحد متعذر للتنافي بينهما كما لا يخفي على الفطن، بل التأويل الصحيح أن تحمل النفحة المذكور في عبارة الكتاب على مطلق الجمع بطريق عموم المجاز فيصح ذكر الرجل والذنب كليهما بلا إشكال فتأمل. قال رحمه الله: (وإن أصابت بيدها أو رجلها حصاة أو نواة أو أثار غبارا أو حجرا

[ 130 ]

صغيرا ففقأ عينا لم يضمن ولو كبيرا ضمن) لان التحرز عن الحجارة الصغار والغبار متعذر لان سير الدابة لا يخلو عنه وعن الكبار من الحجارة ممكن، وإنما يكون ذلك عادة من قلة هداية الراكب فيضمن. وفي الذخيرة: قيل لو عنف الدابة فأثارت حجرا صغيرا أو كبيرا يضمن. وفي الظهيرية: لو أوقف دابة في طريق المسلمين ولم يربطها فسارت إلى مكان آخر وأتلفت شيئا فلا ضمان على صاحبها، كذا في الكبرى. وكل بهيمة من سبع أو غيره فهو ضامن ما لم يتغير عن حاله، وإذا ساالرجل على دابته في الطريق فضربها وكبحها باللجام فضربت برجلها أو بذنبها لم يكن عليه شئ. وفي السغناقي: ومن هذا الجنس ما قالوا فيمن ساق دابة عليها وقر من الحنطة فأتلفت شيئا من الطريق نفسا أو مالا فهو على وجوه: إما أن قال السائق أو القائد أو الراكب اليك فإن سمع هذه المقالة ولم يذهب فهو على وجهين: إما إن لم يبرح من مكانه مع القدرة على المكان أو لم يجد مكانا آخر ليذهب فمكث في مكانه ذلك حتى تخرق ثيابه ففي هذا الوجه الاول لا يضمن صاحب الدابة، وفي الوجه الثاني يضمن، وإن لم يقل إليك ركب الدابة ضمن. وفي الفتاوي: رجل ساق حمارا عليه وقر حطب فقال السائق بالفارسية (كوسيت أو يرثة) فلم يسمع الواقف حتى أصابه الحطب فخرق ثوبه أو سمع لكن لم يتهيأ له أن ينتحي عن الطريق لقصر المدة ضمن، وإن سمع وتهيأ ولم ينتقل لا يضمن، ونظير هذا من أقام حمارا على الطريق وعليه ثياب فجاء راكب وكرشلا وخرق الثياب، إن كان الراكب يبصر الحمار وأرسون يضمن وإن لم يبصر ينبغي أن لا يضمنوا. الثياب على الطريق فجعل الناس يمرو عليه وهم لا يبصرون لا يضمن، وكذا رجل جلس على الطريق فوقع عليه إنسان فلم يرده فمات الجالس لا يضمن، ثم الذي ساق الحمار إذا كان لا ينادي يا رب أي لو شئت حتى تعلق الحطب بثوب رجل فتخرق يضمن إن مشى الحمار إلى صاحب الثوب، وإن مشى إلى الحمار وهو يراه أو لم يتباعد عليه لا يضمن. ولو وثب من نخسه على رجل فقتله أو وطئت رجلا فقتلته فالضمان على الناخس دون الراكب. وفي الكافي: فديته على عاقلة الناخس، كذا في الذخيرة. قال رحمه الله: (فإن راثت أو بالت في الطريق لم يضمن ما عطب به إن أوقفها لذلك وإن أوقفها لغيره ضمن) لان سير الدابة لا يخلو عن روث وبول فلا يمكنه التحرز عنه فلا يضمن ما تلف به فيما إذا راثت أو بالت وهي تسير، وكذا إذا أوقفها لذلك لان من الدواب من لا يفعل ذلك إلا واقفا وهو المراد بقوله وإن أوقفها لغيره فبالت أو راثت فعطب به إنسان ضمن لانه متعد في الايقاف إذ هو ليس من ضروريات السير وهو أكثر ضررا أيضا من السير لكونه أدوم منه فلا يلحق به وهو المراد بقوله وإن أوقفها لذلك وإن أوقفها لغيره ضمن. وفي المنتقي: رجل واقف على دابته

[ 131 ]

في الطريق فأمر رجلا أن ينخس دابته فنخسها فقتلت رجلا فدية الرجل الاجنبي على الناخس والراكب جميعا ودم الآمر بالنخس هدر، ولو سارت عن موضعها ثمن نفحت من فور النخس فالضمان على الناخس دون الراكب، ولو لم تسر ونفحت الناخس ورجلا آخر وقتلتهما فدية الاجنبي على الناخس والراكب ونصف دية الناخس على الراكب، ولو لم يوقفها الراكب على الطريق ولكن حرنت فوقفت فنخسها هو وغيره لتسير فنفحت إنسانا فلا شئ عليهما. وفيه أيضا: رجل اكترى من آخر دابة ليذهب عليها في حاجة له فاتبعه صاحبها فله أن يسوقها، فإن وقف الراكب في الطريق على أهل مجلس فحرنت فنخسها صاحب الدابة أو ضربها أو ساقها فنفحت الدابة وهي واقفة فقتلت إنسانا فالضمان على الراكب والسائق جميعا. وفيه أيضا: صبي ركب دابة بأمر أبيه ثم إن الصبي الراكب أمر صبيا فنخسها فالقول فيه إذا كان مأذونا كالقول في الكبير، وإن كان لم يؤذن له في ذلك فأمر صبيا حتى نخسها فسارت ونفحت من النخسة فعلى الناخس الضمان ولا شئ على الراكب، وإن أمر بذلك ووطئت إنسانا فقتلته وكان سيرها من النخسة فالدية على عاقلة الناخس ولا يرجعون بذلك على عاقلة الراكب. وفيه أيضا: رجل ركب دابة رجل قد أوقفها ربها في الطريق وربطها وغاب فأمر رب الدابة رجلا حتى نخسها فنفحت رجلا أو نفحت الآمر فديته على الناخس، وإن كان الآمر أوقفها في الطريق ثم أمر رجلا حتى نخسها فقتلت رجلا فديته على الآمر والناخس نصفين رجل أذن رجلا أن يدخل داره وهو راكب فدخلها راكبا فوطئت دابته على شئ كان ضامنا، له، إن كان سائقا أو قائدا فلا ضمان. أدخل بعيرا برجله فوقع عليه المتعلم فقتله فقد اختلف المشايخ فمنهم من قال لا ضمان على صاحب المتعلم، وقال بعضهم إن أدخل صاحب المتعلم بغير إذن صاحب الدار فعليه الضمان، وإن كان دخلها بإذنه فلا ضمان وبه أخذ الفقيه أبو الليث وعليه الفتوى. وفي فتاوي الخلاصة: ولو كان البعير غير متعلم فحكمه حكم متعلم. وفي الفتاوي: ربط حماره في أرضه ليأكعلفا فجاء حمار رجل فعقره فجعله معيوبا عيبا فاحشا قال: لا يرجع بنقصان العيب على صاحب الحمار. قلت قال القاضي بديع الدين: إن كان صاحبه معه يضمن وإلا فلا يضمن. قال رحمه الله: (وما ضمنه الراكب ضمن السائق والقائد) أي كل شئ يضمنه الراكب يضمنان لانهما سببان كالراكب في غير الايطاء فيجب عليهما الضمان بالتعدي فيه كالراكب. وقوله وما ضمنه الراكب ضمنه السائق والقائد يطرد وينعكس في الصحيح. وذكر القدوري أن السائق يضمن النفحة بالرجل لانه بمرأى عينه فيمكنه الاحتراز عنها مع السير وغائبة عن بصر الراكب والقائد فلا يمكنهما الاحتراز عنها بخلاف الكدم والصدم. وقال الشافعي رحمه الله: يضمنون كلهم النفحة والحجة عليه ما ذكرنا. وقوله عليه الصلاة والسلام الرجل جبار ومعناه النفحة بالرجل.

[ 132 ]

قال رحمه الله: (وعلى الراكب الكفارة لا عليهما) أي لا على السائق والقائد ومراده في الايطاء لان الراكب مباشر فيه لان التلف بثقله وثقل دابته تبع فإن سير الدابة مضاف إليه وهي العلة وهما مسببان لانه لا يتصل منهما شئ بالمحل، وكذلك الراكب في غير الايطاء، والكفارة حكم المباشرة لا حكم التسبب. وكذا يتعلق بالايطاء في حق الراكب حرمان الميراث والوصية دون السائق والقائد لانه يختص بالمباشر. ولو كان سائق وراكب قيل لا يضمن السائق ما فعلت الدابة لان الراكب مباشر فيه كما ذكرنا، والسائق مسبب والاضافة إلى المباشرة أولى، وقيل: الضمان عليهما لان كذلك سبب الضمان ألا ترى أن محمدا رحمه الله ذكر في الاصل أن الراكب إذا أمر إنسانا فنخس المأمور الدابة ووطئت إنسانا كان الضمان عليهما فاشتركا في الضمان والناخس سائق والآمر راكب، فتبين بهذا أنهما مستويان والصحيح لما ذكرنا والجواب عما ذكر في الاصل أن المسبب إنما يضمن مع المباشرة إذا كان السبب شيئا لا يعمل بانفراده في الاتلاف كالحفر مع الالقاء فإن الحفر لا يعمل شيئا بدون الالقاء. وأما إذا كان السبب يعمل بانفراده في الاتلاف فيشتركان وهذا منه. وفي الاصل يقول: رجل قاد قطارا من الابل في طريق المسلمين فما وطئ أول القطار وآخر مالا أو رجلا فقتله فالقائد ضامن ولا كفارة، وإن كان معه سائق يسوق الابل إن أنه تارة يتقدم وتارة يتأخر فإنهما يشتركان في الضمان، وإلا كان معهما ثالث يسوق الابل وسط القطار فما أصاب مما خلف هذا الذي في وسط القطار أو مما قبله فضمان ذلك عليهم أثلاثا يريد به إذا كان هذا الذي يمشي في وسط القطار ولا يمشي في جانب القطار ولا يأخذ بزمام بعير يقود ما خلفه لانه سائق لوسط القطار فيكون سائقا للكل بحكم اتصال الازمة، فأما إذا كان الذي في وسط القطار آخذا بزمام يقود ما خلفه ولا يسوق ما قبله فما أصاب مما خلف هذا الذي في هذا القطار فضمان ذلك على القائد الاول ولا شئ فيه على هذا الذي في وسط القطار لانه ليس بقائد لما قبله ولا سائق حتى لو كان سائقا له يشارك الاول في الضمان، كذا في المغني. وفي الينابيع: وإن كان السائق في وسط القطار فما أصاب من خلفه أو بين يديه فهو عليهما. وإن كانوا ثلاثة نفر أحدهم في مقدم القطار والآخر في مؤخر القطار والثالث في وسط القطار، فإن كان الذي في الوسط والمؤخر يسوقان والمقدم يقود القطار فما عطب بما أمام الذي في الوسط فذلك كله على القائد، وما تلف مما هو خلفه فهو كله على القائد ولا شئ على المؤخر إلا أن يكون سائقا، وإن كانوا يسوقون فالضمان عليهم جميعا. السغناقي: ولو كان الرجل راكبا وسط القطار على بعيره ولا يسوق منها شيئا لم يضمن ما تعيب الابل التي بين يديه لانه ليس بسائق لما بين يديه وهو معهم في الضمان مما أصاب البعير الذي هو عليه أو ما خلفه. وقال بعض المتأخرين: هذا الذي ذكر إذا كان زمام ما خلفه بيده يقوده، وأما إذا كان نائما على بعيره أو قاعدا فلاضمان عليه في ذلك فهو في حق ما خلفه بمنزلة

[ 133 ]

المتاع الموضوع على البعير. الظهيرية: ولو أن رجلا يقود قطارا وآخر من خلف القطار يسوقه وعلى الابل في المحال نيام أو غير نيام فوطئ بعير منها إنسان فقتله فالدية على عاقلة القائد والسائق والراكبين الذين قدام البعير على عواقلهم على عدد رؤوسهم، والكفارة على راكب البعير الذي وطئ خاصة لانه بمنزلة المباشر. قال في المنتقي: إذا قاد الرجل قطارا وخلفه سائق وأمامه راكب فوطئ الراكب إنسانا فالدية عليهم أثلاثا، وكذلك إذا وطئ بعير مما خلف الراكب إنسانا، وإن كان وطئ بغير أمام فهو على القائد والسائق نصفين ولا شئ على الراكب. وذكر في المنتقي مسألة القطار بعد هذا في صورة أخرى وأوجب الضمان على القائد وعلى من كان قدام البعير الذي أوطأ من الركبان قال: وليس على من خلفه من الركبان شئ ألا أن يكون إنسانا مؤجرا ويسوق فيكون عليه وعلى السائق الذي خلفه يشتركون جميعا فيه. الخانية: رجل يقود دابة فسقط شئ مما يحمل على الابل على إنسان أو سقط سرج الدابة أو لجامها على أنسان فقتله أو سقط ذلك في الطريق فعثر به إنسان ومات يضمن القائد، وإن كان معه سائق كان الضمان عليهما. القاضي: وسئل أيضا عن صاحب زرع سلم الحمار إلى المزارع فربط الدابة عليه وشد الحمار في الدالية بأمره فانقطع خيط من خيوطها فوقع الحمار في حفرة الدالية فعطب الحمار هل يجب الضمان على المزارع؟ فقال: لا. قال محمد في الجامع الصغير: رجل قاد قطارا في طريق المسلمين ولم يعلم به فأصاب ذلك البعير إنسانا فضمانه عى القائد دون الرابط، وإن كان كل منهما سببا للاتلاف فهل يرجع على عاقلة الرابط؟ قال: لا يرجع وإن لم يعلم. ولم يفصل محمفي الجامع الصغير بين ما إذا ربط البعير بالقطار والقطار يسير وفي بعض كتب النوادر: إن القطار إن كان يسير حالة الربط فقادها القائد بعد الربط لا يرجع القائد على عاقلة الرابط، علم القائد بربطه أو لم يعلم، فإن كان القطار يسير حالة الربط فالقائد يرجع على عاقلة الرابط إذا لم يعلم بربطه. وفي المنتقي: وإذا سار الرجل على دابة وخلفه رديف وخلف الدابة سائق وأمامها قائد فوطئت إنسانا فالدية عليهم أرباعا وعلى الراكب والرديف الكفارة، وإذا سار الرجل على دابته في الطريق فعثرت بحجر وضعه رجل أو بد كان بناه رجل أو بما صبه رجل فوقعت على إنسان وأتلفته فالضمان على الذي وضع الحجر وبنى الدكان وصب الماء لانه مسبب الاتلاف وهو متعد في هذا السبب ولا ضمان على الراكب، وفي الكفارة إذا أرسل كلبا أو دابة أو طيرا فأصاب في فوره شيئا ضمن في الدابة دون الكلب والطير. وفي الصغرى الطحاوي: وعن أبي يوسف أنه يضمن الكل، كذا في الجامع الصغير. قال رحمه الله: (ولو اصطدم فارسان أو ماشيان فماتا ضمن عاقلة كل دية الآخر) وقال زفر والشافعي رحمه الله تعالى: يجب على عاقلة كل واحد نصف دية الآخر، وروي ذلك عن

[ 134 ]

علي رضي الله عنه لان كل واحد منهما مات بفعله وفعل صاحبه فيعتبر نصفويهدر النصف كما إذا كان الاصطدام عمدا وجرح كل واحد منهما نفسه وصاحبه أو حفر على قارعة الطريق بئرا فانهدم عليهما أو وقفا فيه يجب على كل واحد منهما النصف فكذا هذا. ولنا أن قتل كل واحد منهما مضاف إلى فعل صاحبه لان فعله في نفسه مباكالمشي في الطريق فلا يعتبر في حق الضمان بالنسبة إلى نفسه لانه مباح مطلقا في حنفسه، ولو اعتبر ذلك لوجب نصف الدية فيما إذا وقع في بئر في قارعة الطريق لانه لو لا مشيه وثقله في نفسه لما هوى في البئر، وفعل صاحبه وإن كان مباحا لكنه مقيد بشرط السلامة في حق غيره فيكون سببا للضمان عند وجود التلف، به وروي عن علي رضي الله عنه أنه أوجب كل الدية على عاقلة كل واحد منهما فتعارضت روايتان فرجحنا ما ذكرنا، ويحتمل ما روي عنه أنه أوجب كل الدية على الخطأ توفيقا بينهما. وأما ما استشهدا به من الاصطدام وجرح كل منهما نفسه وصاحبه وحفر البئر في الطريق فعلى كل واحد محظور مطلقا فيعتبر في حق نفسه أيضا فيكون قاتلا لنفسه، وهذا الحكم الذي ذكرناه في العمد والخطأ في الحرين. ولو كانا عبدين هدر الدم لان المولى فيه غير مختار للفداء، ولو كان أحدهما حرا والآخر عبدا يجب على عاقلة الحر قيمة العبد كلها في الخطأ ونصفها في العبد فيأخذها ورثة الحر المقتول ويبطل ما زاد عليه لعدم الخلف، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، لان قيمة العبد المقتوتجب على العاقلة على أصلهما لانه ضمان الآدمي، وإذا تجاذب رجلان حبلا فانقط الحبل فسقطا أو ماتا ينظر، فإن وقعا على القفا لا تجب لهما دية لان كل واحد منهما مات بقوة نفسه، وأن وقعا على الوجه وجب على عاقلة كل واحد منهما دية الآخر، وإن قطع إنسان الحبل بينهما فوقع كل واحد منهما على القفا فديتهما على عاقلة القاطع، وكذا على هذا سائر الضمانات وقد قدمنا شيئا من هذا عند قوله ولو رب بطن امرأته فراجعه. قال في النهاية: وفي تقييد الفارسين في الكتاب بقولوإذا اصطدم الفارسان ليست زيادة قائدة فإن الحكم في اصطدام الماشيين وموتهما بذلك، كذلك ذكره في المبسوط، سوى أن موت المصطدمين في الغالب إنما يكون في الفارسين ا ه‍. وقال في العناية آخذا في النهاية: حكم الماشيين حكم الفارسين لكن لما كان موت المصطدمين غالبا في الفارسين خصهما بالذكر ا ه‍. وقال في معراج الدراية: وكذا الحكم إذا اصطدم الماشيان والتقييد بالفارسين اتفاقي أو بحسب الغالب ا ه‍. وتبعه الشارح العيني. أقول: عجيب من هؤلاء الشراح مثل هذه التعسفات مع كون وجه التقييد بالفارسين بينا لان الباب الذي عرفته باب جناية البهيمة والجناية عليها، ولا يخفي أن اصطدام الماشيين ليس من ذلك في شئ فكان خارجا عن مسائل هذا الباب. رجل وجد في زرعه في الليل ثورين فظن أنهما لاهل القرية فبانا أنهما لغيرهم فأراد أن يدخلهما فدخل واحد وفر آخر فتبعه ولم يقدر عليه فجاء صاحبه يضمنه. قال الشيخ الامام أبو بكر محمد بن الفضل: إن

[ 135 ]

كان نيته عند الاخذ أن يمنعه من صاحبه يضمن وإن كان نيته أن يرد إلا أنه لم يقدر لم يضمن فقيل: إن كان ذلك بالنهار؟ قال: إن كان لغير أهل القرية كان لقطة، فإن ترك الاشهاد مع القدرة عليه يضمن، وإن لم يجد شهودا يكون عذرا وإن كان لاهل القرية فكما أخرجه يكون ضامنا. وقال القاضي علي السغدي: وإن وجد في زرعه دابة فساقها بقدر ما يخرجها عن ملكه لان يكون ضامنا فإذا ساق وزاد وراء ذلك القدر يصير غاصبا بالسوق والصحيح ما قاله القاضي علي السغدي. عبدان التقيا ومع كل واحد عصا فأضربا وبرئا خير مولى كل واحد منهما بالآخر ولا يتراجعان بشئ سوى ذلك لان كل واحد منهما ملك عبده من صاحبه ولا يفيد التراجع لانه لو رجع أحدهما لرجع الآخر لان حق كل واحد منهما ثبت في رقبة كاملة فما يأخذ أحدهما من صاحبه فذاك بدل الآخر وتعلق به حقه فلا يفيد الرجوع، وإن اختار الفداء فدى كل واحد بجميع أرش جنايته لانهما لما ضربا معا فقد جنى كل واحد منهما على عبد صحيح فتعلق حق كل واحد من الموليين بعبد صحيح فيجب بدل عبد صحيح، وإن سبق أحدهما بالضربة خير المولى مولى البادئ لان البداية من مولى اللاحق لا تفيد لان حق اللاحق في عبد صحيح كامل الرقبة، فإذا دفع إلى البادئ عبدا مشجوجا كان للاحق أن يسترد منه ثانيا لانه يقول عبدك شج عبدي وهو صحيح ودفعت إلى عبدك بدل تلك الشجة فيكون لي والبداية ممولى البادئ بالدفع مفيدة لان حق البادئ ثبت في عبد مشجوج فمتى دفعه مشجوجا لا يكون له أن يسترده فكان دفعه مفيدا، فإن دفعه فالعبد للمدفوع إليه ولا شئ للدافع لانه لو رجع البادئ بشئ كان للمدفوع إليه أن يرجع عليه ثانيا لان حقه في رقبة عبد صحيح فلا يفيد رجوع البادئ، وإن فداه خير مولى اللاحق بين الدفع والفداء لانه ظهر عند البادئ عن الجناية بالفداء وصار كأنه لم يجن. وإن جنى عليه العبد اللاحق فإن مات البادئ كانت قيمته في عنق الثاني يدفع بها أو الفداء، فإن فداه بقيمة الميت رجع في تلك القيمة بأرش جراحته عبدا لان بالفداء أظهر عبد اللاحعن الجناية وصار كأنه لم يجن وإنا جنى عليه البادئ، والبادئ وإن مات فالقيمة قامت مقامه لانه حق قائم مقامه. وإن دفعه رجع بأرش شجة عبده في عنقه ويخير المدفوع إليه بين الدفع والفداء لان المدفوع قام مقام الميت الشاج، وإن مات العبد القاتل خير مولى العبد البادئ، وإن فداه أو دفع بطل حقه في شجه عبده لانه حين شج اللاحق البادئ كان اللاحق مشجوجا فثبت حقه مولى البادئ في عبد مشجوج فثبت فيما وراء الشجة فمات لا إلى خلف لما مات العبد القاتل فبطل حق مولى البادئ فشجة عبده. ولو مات البادي من شئ آخر سوى الجناية وبقي اللاحق خير مولى البادئ ويقال له إن شئت فاعف عن مولى اللاحق ولا سبيل لواحد منهما على الآخر، وإن شئت ادفع أرش شجة اللاحق وطالبه بحقك، وإن دفع إلى صاحبه أرش عبده يرجع بأرش جناية عبده فيدفع مولى اللاحق عبده بها أو يفديه. أما المفهوم فلان مولى البادئ بجنايته إذا دفع كان لمولى اللاحق أن يطالبه بأرش شجة

[ 136 ]

عبده وكان لمولى البادئ أن يدفع إليه العبد المدفوع ثانيا إليه عن حقه فلا يفيده الدفع وإنما دفع أرش شجة اللاحق لانه متى دفع أرش عبد اللاحق فقد طهر البادئ عن الجناية وصار كأنه لم يجن وإنما جنى عليه العبد اللاحق فيخاطب مولى اللاحق بالدفع والفداء وأي ذلك اختار لا يبقى لواحد منهما على صاحبه سبيل لانه وصل إلى كل واحد منهما حقه. وإن أبى مولى البادئ أن يدفع الارش فلا شئ له في عتق الآخر فإن مولى البادئ كان مخيرا بين العفو وبين دفع الارش والمطالبة شجة لعبده، فإذا امتنع من دفع الارش صار مختارا للعفو وصار كأنه قال عفوتك عن حقي فيبطل حقه. ولو مات اللاحق وبقي البادئ خير مولاه، فإن دفعه بطل حقه، وإن فداه بأرش عبده في الفداء لان البادئ طاهر عن الجناية لعفو وأحدهما عن جناية نصف العبد ولا يزداد حقه فكذا هذا. قال رحمه الله: (ولو ساق دابة فوقع السرج على رجل فقتله ضمن) يعني إذا ساق دابة ولها سرج فوقع السرج على رجل فقتله ضمن عاقلته الدية وقد قدمناها بفروعها. قال رحمه الله: (وإن قاد قطارا فوطئ بعير إنسانا ضمن عاقلة القائد الدية) لان القائد عليه حفظ القطار كالسائق وقد أمكنه التحرز عنه فصار متعديا بالتقصير فيه والتسبب بلفظ التعدي سبب للضمان غيره أن ضمان النفس على العاقلة وضمان المال عليه في ماله. رجل له مزرعة فأكلها جمل غير فأخذه وحبسه في الاصطبل ثم وجد الجمل مكسور الرجل كيف الحكم بينهما في ذلك؟ فقال: إن لم يكسر رجله في حبسه قالوا لا ضمان عليه وقد قالوا الضمان عليه ما لم يسلمه إلى صاحبه والرأي فيه إلى القاضي. قال رحمه الله: (وإن كان معه سائق فعليهما) أي إذا كان مع القائد سائق تجب على عاقلتهما الضمان لاستوائهما في التسبب لان قائد الواحد قائد الكل، وكذا سائقه لاتصال اللازمة، وأما البعير الذي هو راكبه فهو ضامن لما أصابه فيجب عليه وعلى القائد غير ما أصابه بالابطاء فإن ذلك ضمانه على الراكب وحده لانه جعل فيه مباشرا حتى جرت عليه أحكام المباشرة على ما بيناه. قال رحمه الله: (وإن ربط بعيرا على قطار رجع على عاقلة القائد بدية ما تلف به على عاقلة الرابط) أي إذا ربط رجل بعيرا على قطار والقائد لذلك القطار لا يعلم فوطئ البعير المربوط إنسانا فقتله فعلى عاقلة القائد ديته لانه يمكنه أن يصون قطاره عن ربط غيره به فإذا ترك صيانته صار متعديا بالتقصير وهو متسبب وفيه الدية على العاقلة كما في قتل الخطأ ثم يرجعون بها على عاقلة الرابط لانه هو الذي أوقعهم فيه، وإنما لا يجب الضمان على القائد والرابط ابتداء مع أن كل واحد منهما متسبب لان القود بمنزلة المباشرة بالنسبة إلى الربط لاتصال التلف به دون الربط فيجب فيه الضمان وحده ثم يرجع به عليه. قالوا: هذا إذا

[ 137 ]

ربط والقطار يسير لان الرابط أمر بالقود دلالة وإذا لم يعلم لا يمكنه التحفظ عنه ولكن جهلة لا ينفي وجوب الضمان عليه لتحقق الاتلاف منه وإنما ينفي الاثم فيكون قرار الضمان على الرابط، وأما إذا ربط والابل واقفة ضمنها عاقلة القائد ولا يرجعون على عاقلة الرابط بما لحقهم من الضمان لان القائد رضي بذلك والتلف قد اتصل بفعله فلا يرجع به وهو القياس فيما إذا لم يعلم لان الجهلا ينافي التسبب ولا الضمان إلا أنا استحسنا الرجوع لما ذكرنا. وفي الجامع الصغير: رجل قاد قطارا في طريق المسلمين فجاء بعير آخر وربطه والقائد لا يعلم به أو علم فأصاب ذلك البعير إنسانا فضمانه على القائد دون الرابط وإن كان كل واحد منهما متسببا للاتلاف. وهل يرجع على عاقلة الرابط؟ إن علم لا يرجع، وإن لم يعلم يرجع. ولم يفصل محمد رحمه الله في الجامع الصغير بين ما إذا ربط البعير بالقطار والقطار يسير. وفي بعض كتب النوادر: وإن كان القطار لا يسير حالة الربط فقادها القائد بعد الربط لا يرجع القائد على عاقلة الرابط، علم القائد بربطه أو لم يعلم. وإن كان القطار يسير حالة الربط فالقائد يرجع على عاقلة الرابط إذا لم يعلم بربطه. وفي المنتقي: وإذا سار الرجل على دابته وخلفه رديف وخلف الدابة سائق وأمامها قائد فوطئت إنسانا فالدية عليهم أرباعا وعلى الراكب والرديف الكفارة، وإذا سار الرجل على دابته في الطريق فعثرت بحجر وضعه رجل أو قد كان بناه رجل أو بماء قد صبه رجل فوقعت على إنسان وأتلفته فالضمان على الذي وضع الحجر في المكان أو صب الماء لانه مسبب في هذا الاتلاف وهو متعد في هذا السبب ولا ضمان على الراكب. قالوا: ولو نخس الدابة رجل فوطئت إنسانا فالضمان عليهما إن وطئت في فور النخس لان الموت حصل بثقل الراكب وفعل الناخس فيكون مضافا إليهما. أقول: ولقائل أن يقول الراكب مباشر فيما أتلفت بالوطئ لحصول التلف بثقله وثقل الدابة جميعا كما صرحوا به والناخس مسبب كما مر في الكتاب، وإذا اجتمع المباشر والمسبب فالاضافة إلى المباشر أولى كما صرحوا به لا سيما في مسألة الراكب والسائق فما بالهم صرحوا هنا بإضافة الفعل إلى الراكب والناخس معا وحكموا بوجوب الدية عليهما جميعا فتدبره. قال رحمه الله: (ومن أرسل بهيمة وكان سائقها فما أصابت في فورها ضمن) يعني إذا أرسل إنسان بهيمة وساقها فكل شئ أصابته في فورها فإنه يضمنه. قال رحمه الله: (وإن أرسل طيرا أو كلبا ولم يكن سائقا أو انفلتت دابته فأصابت مالا أو آدميا ليلا أو نهارا لا يضمن) أي في هذه الصور كلها، أما الطير فلان بدنه لا يحتمل السوق فصار وجود السوق وعدمه سواء فلا يضمن مطلقا بخلاف الدابة فإن بدنها يحمل السوق

[ 138 ]

فيعتبر فيها السوق ومن ثم قالوا: ولو أرسل بازيا في الحرم فقتل لا يضمن المرسل، وأما الكلب فلانه وإن كايحتمل السوق لكنه لم يوجد منه السوق حقيقة بأن يمشي خلفه ولا حكما بأن يصيب على فور الارسال، والتعدي يكون بالسوق لكنه فلا يضمن، وهذا لان الاصل أن الفعل الاختياري يضاف إلى فعل صاحبه ولا يجوز إضافته إلى غيره لانا تركنا ذلك في فعل البهيمة فأضفناه إليه استحسانا صيانة للانفس والاموال، وإذا لم يوجد منه السوق بقي على الاصل ولا يجوز إضافته إليه لعدم الفعل منه مباشرة وتسببا بخلاف ما إذا أرسل الكلب على صيد حيث يؤكل ما أصابه وإن لم يكن سائقا له حقيقة ولا حكما لان الحاجة مست إلى الاصطياد به فأضيف إلى المرسل ما دام الكلب في تلك الجهة ولم يفتر عنها إذ لا طريق للاصطياد سواه، وهذا لان الاصطياد به مشروع، ولو شرط السوق لاستدبابه وهو مفتوح فأضيف إليه، ولو غاب عن بصره مع الصيد ولا حاجة إليه في حق ضمان العدوان فبقي على الاصل فكان مضافا إلى الكلب لانه مختار في فعله ولا يصلح نائبا عن المرسل فلا يضاف فعله إلى غيره. وقله سائقا قيد في الكلب دون الطير، وقيد في الدابة بالانفلات لانه لو أرسلها يضمن. وفي المبسوط: إذا أرسل دابة في طريق المسلمين فما أصابت في فورها فالمرسل ضمن لان سيرها مضاف إليه ما دامت تسير على سننها، ولو انعطفت عنه يمنة أو يسرة انقطع حكم الارسال إلا إذا لم يكن له طريق آخر سواه، وكذا إذا وقفت ثم سارت أي ينقطع حكم الارسال بالوقفة أيضا كما ينقطع بالعطفة بخلاف ما إذا وقف الكلب بعد الارسال في الاصطياد ثم سار فأخذ الصيد لان تلك الوقفة تحقق مقصود المرسل لتمكنه من الصيد وهذه تنافي مقصود المرسل لان مقصوده السير فينقطع به حكم الارسال وبخلاف ما إذا أرسله إلى صيد فأصاب نفسا أو مالا في فوره حيث لا يضمن من أرسله، وفي إرسال البهيمة في الطريق يضمن لانه شغل الطريق تعديا فيضمن ما تولد منه، وأما الارسال للاصطياد فمباح ولا ينسب بوصف التعدي، كذا ذكره في النهاية. وظاهره سواء كان سائقا لها أو لا. وذكر قاضيخان: ولو أن رجلا أرسل بهيمة وكان سائقا لها ضمن ما أصابت في فورها، وكذا لو أرسل كلبه وكان سائقا له يضمن ما أتلف، ولو لم يكن سائقا لا يضمن. وكذا لو أشلى كلبه على رجل فعقره أو مزق ثيابه لا يضمن إلا أن يسوقه وقيل إذا أرسل كلبه وهو لا يمشي خلفه فعقر إنسانا أو أتلف غيره إن لم يكن معلما لا يضمن لان غير المعلم يذهب بطبع نفسه، وإن كان معلما ضمن إن مر على الوجه الذي أرسله لانه ذهب بإرسال صاحبه، أما إذا أخذ يمنة أو يسرة فلا يضمن لانه مال عن سنن الارسال إلا إذا كان خلفه. ولو أشلى كلبه حتى عض رجلا لا يضمن كما لو أرسل بازياف، وعن أبى يوسف يضمن سواء كان يسوقه أو يقوده أو لا يقوده ولا يسوقه كما لو أرسل البهيمة. وعند محمد أنه إن كان سائقا أو قائدا يضمن وإلا فلا، وبه أخذ الطحاوي، والفقيه أبو الليث كان يفتي

[ 139 ]

بقول أبي يوسف: وفي الزيادات: أشار إلى ذلك وعليه الفتوى. وفي الخلاصة: ولو كان لرجل كلب عقور يؤذي من مر به فلاهل البلدان يقتلوه، وإن أتلف شيئا على صاحبه الضمان إن كان تقدم إليه قبل الاتلاف وإلا فلا شئ عليه كالحائط المائل. ولو أن رجلا طرح رجلا قدام سبع فقتله السبع فليس على الطارح شئ إلا التعزير والحبس حتى يتوب، وإنما قلنا بعدم الضمان في انفلات البهيمة لقوله على الصلاة والسلام العجماء جبار (1) أي فعلها هدر. وقال محمد: المنفلتة وهذا صحيح ظاهر ولان الفعل مقتصر عليها وغير مضاف إلى صاحبها لعدم ما يوجب النسبة إليه من الركوب وأخواته. وفي الخانية: رجل بعث غلاما صغيرا في حاجة نفسه بغير إذن أهل الصغير فرأى الغلام علمانا صغارا يلعبون فانتهى إليهم وارتقى ومات ضمن الذي أرسله في حاجته، ولو أن عبدا حمل صبيا على دابة فوقع الصبي منها ومات فدية الصبي تكون في عتق العبد يدفعه المولى أو يفديه، وإن كان العبد مع الصبي على الدابة فسارا عليها ووطئت الدابة إنسانا ومات فعلى عاقلة الصبي نصف الدية وفي عنق العبد نصفها. ولو أن حرا كبيرا حمل عبدا صغيرا علدابة ومثله يضرب الدابة ويستمسك عليها ثم أمره أن يسير عليها فوطئ إنسانا فكذلك تكون في عنق العبد فيأمر مولى العبد بالدفع أو الفداء ثم يرجع مولى العبد على الآمر لانه باستعمال عبدالغير يصير غاصبا، فإذا لحقه غرم يرجع بذلك على الغاصب. وفي الفتاوي: أمر جلا بكسر الحطب فأعطى غلاما الفاس فقال اعطني الاجرة لاكسر فأبى فكس بغير إذنه فوقع الحطب على عين الغلام وذهب عينه اتفق مشايخنا أنه لا يكون على صاحب الحطب شئ. وفي التتمة سئل أبو الفضل عن صغيرين كانا يلعبان فأوقع أحدهما صاحبه إلى الارض فانكسر عظم فخذه هل يجب على أقاربه شئ؟ فقال: إذا كان بحال لا يمكنه المشي بها فنصف الدية خمسمائة دينار على أقارب الصبي من جهة الاب. قال رحمه الله: (وفي فق ء عين شاة لقصاب ضمن النقصان) لان المقصود من الشاة اللحم فلا يعتبر فيها إلا النقصان. قال رحمه الله: (وفي عين بدنة الجزار والحمار والفرس ربع القيمة) وقال الشافعي رحمه الله: ليس فيه إلا النقصان أيضا اعتبارا بالشاة. ولنا ما روي أنه عليه الصلاة والسلام قضى في عين الدابة بربع القيمة. قال في العناية: فإن قيل يجوز أن يكون قضاء رسول الله عليه الصلاة والسلام فيما يؤكل، فالجواب أن الشئ الذي أوجب ذلك في غير المأكول من اللحم والركوب والزينة والجمال والعمل موجود في مأكول اللحم فيلحق به اه‍. ولان فيها مقاصد سوى اللحم كالركوب وللزينة واللحم والعمل فمن هذا الوجه يشبه الآدمي وقد تمسك بغيره كالاكل، ومن هذا الوجه يشبه المأكولات فعملنا

[ 140 ]

بالشبهين بشبه الآدمي في إيجاب الربع وبالشبه الآخر في نفي النصف، ولانه إنما يمكن إقامة العمل فيها بأربعة أعين عيناها وعينا الفاعل لها فصارت كأنها ذات أعين أربع فيجب الربع بفوات أحدها. وإن فقأ عينيها فصاحبها بالخيار إن شاء تركها على الفاقئ وضمنه القيمة، وإن شاء أمسكها وضمنه النقصان لان المعمول به النص وهو ورد في عين واحدة فيقتصر عليه. وفي العناية: وإنما قال بدنة ليشمل البقر والابل فإن الحكم فيها واحد وهو ربع القيمة. وفي العيني على الهداية: وفي فق ء عين بدنة الجزار - بفتح الجيم - وهو ما اتخذ للنحر يقع على الذكور والانثى، كذا في الطحاوي. والجزر القطع وجزر الجزور نحرها والجزار هو الذي ينحر البقرة اه‍. والله أعلم. باب جناية المملوك والجناية عليه لما فرغ رحمه الله من بيان حكم جناية المالك وهو الحر والجناية عليه شرع في بيان أحكام جناية المملوك وهو العبد، وأخره لانحطاط رتبه العبد عن رتبه الحر، كذا في الشروح. أقول: فيه شئ وهو أن لقائل أن يقول: لما وقع الفراغ من بيان أحكام جناية الحر على الحر مطلقا بقي منه بيان حكم جناية الحر على العبد فالاظهر أن يقال: لما فرغ من بيان جناية الحر على الحر شرع في بيان جناية المملوك والجناية عليه، ولما كان فيه تعلق الملك بالمملوك ألبتة من جانب أخره لانحطاط رتبة المملوك عن المالك ثم قال صاحب العناية: لا يقال العبد لا يكون أدنى منزلة من البهيمة فيكف أخر باب جنايته عن باب جناية البهيمة لان جناية البهيمة كانت باعتبار الراكب والسائق أو القائد وهم ملاك اه‍. أقول: فيه أيضا شئ إذ لقائل أن يقول: إن أراد جناية البهيمة كانت باعتبار الراكب أو السائق أو القائد فهو ممنوع فإن جنايتها بطريق النفحة برجلها أو ذنبها وهي تسير لا يكون باعتبار أحد منهم وإلا لوجب عليهم الضمان في تلك الصورة وليس كذلك كما عرف في بابها، وكذا الحال فيما إذا أصابت بيدها أو رجلها حصاة أو نواة أو أثارت غبارا أو حجرا صغيرا فقأ عين إنسان أو أفسد ثوبه، وكذا إذا انفلتت فأصابت مالا أو آدميا ليلا أو نهارا كما عرف كل ذلك أيضا في بابها. وإن أراد أن جنايتها قد تكون باعتبار أحد منهم فهو مسلم ولكن لا يتم به تمام التعريف. ويمكن أن يقال: الصور التي لا يجب فيها مفعل البهيمة ضمان على أحد بل يكون فعلها هدرا مما لا يترتب عليه حكم من أحكام الجناية في الشرع. وإنما ذكرت في بابها استطرادا وبناء الكلام هنا على ماله حكم من لاحكام الشرعية فيتم التعريف. قال رحمه الله: (جناية المملوك لا توجب إدفعا واحد لو محلالها وإلا قيمة واحدة) أي جناية العبد لا

[ 141 ]

توجب إلا دفع رقبته إذا كان محلا للدفع إذا كان قنا وهو الذي لم ينعقد له شئ من أسباب الحرية كالتدبير وأمومية الولد والكتابة، سواء كانت الجناية واحدة أو أكثر، لا توجب إلا دفع رقبته إذا كانت الجناية في النفس موجبة للمال وإلا فقيمة واحدة إن لم يكن محلا للدفع بأن انعقد له شئ مما ذكرنا يوجب جنايته قيمة واحدة ولا يزيد عليها وإن تكررت الجناية. وفي القن إذا جنى بعد الفداء يؤمر بالدفع أو الفداء بخلاف المدبر وأختيه فإنه لا يوجب إلا قيمة واحدة على ما بيناه في أثناء المسائل. والكلام في جناية المدبر وأم الولد من وجوه: الاول في جنايته على مولا. والثاني في سعايته. والثالث في جناية المدبر. والرابع في جناية المدبر في يد الغاصب ودية جناية المدبر نفسا وما دونها على مولاه الاقل من قيمته ومن أرش الجناية، فإن كانت القيمة مثل الدية أو أكثر غرم مثل الدية إلا عشرة دراهم ويضمن قيمته يوم جنى وقيمة المدبر ثلثا قيمته كما تقدم، وهو إذا جنى جنايات أو جناية واحدة لا توجب إلا قيمة واحدة، ولو مات المدبر بعد الجناية بلا فصل ولم تنقص قيمته لم يسقط عن المولى شئ من قيمة العبد. ولو قتل مدبر رجلا خطأ وقيمته ألف ثم صارت قيمته ألفين فقتل آخر خطأ فالالف درهم للثاني وتحاصا في القيمة الاولى وهي ألف درهم، فلو دفع المولى القيمة للاول بغير قضاء غرم للثاني ألف درهم واتبع الاول في نصف القيمة، وإن دفع بقضاء لا يغرم شيئا اتفاقا. ولو قتل المدبر مولاه خطأ سعى في قيمته، ولو جنى مدبر بعد موت المولى ولم يخرج من الثلث سعى في قيمته كالمكاتب إذا قتل مولاه خطأ سعى في قيمته، وإن خرج من الثلث كانت على العاقلة اتفاقا. ومدبر ذمي في ذلك كله كمدبر مسلم، وكذا مدبر حربي مستأمن ما دام في دار الاسلام معه، فلو دبره في دار الاسلام ثم رجع به إلى دار الحرب فسبي عتق المدبر ولا يعزم ما جنى بعدما سبى ويعتق المدبر بموت المولى حكما كما يعتق بموته حقيقة. ولو جنى الحر على المدبر فهو كما لو جنى الحر على القن، فلو قتله فعلى عاقلته الدية، ولو قطع يده فعليه نصف قيمته. مدبر قتل رجلا خطأ فدفع المولى القيمة ثم قتل آخر خطأ فإن شاء الثاني تبع الاول بنصف القيمة، وإن شاء أخذ من المولى نصف القيمة ويرجع به المولى على الاول عند أبي حنيفة رحمه الله، وعندهما لا يغرم المولى شيئا. مدبر حفر بئرا فمات فيها رجل فدفع المولى قيمته وهي ألف بقضاء ثم مات ولي الجناية وترك ألفا وعليه ألفان دينا لرجلين لكل ألف ووقع في البئر آخر فمات فالالف الذي تركه ولي الجناية الاولى يقسم بين الغرماء وبين ولي الجناية الثانية على خمسة أسهم للغرماء أربعة وله سهم لانه لما وقع في البئر ظهر أن نصف قيمة المدبر وذلك خمسمائة دين لولي الجناية الثانية على ولي الجناية الاولى فظهر أن القيمة مشتركة بينهما تقسم على ما ذكرناه. عبد لرجل شجه رجل موضحة ثم دبره ثم شجه موضحة أخرى ثم كاتبه ثم شجه موضحة ثالثة ثم أدى الكتابة فعتق ثم شجه موضحة رابعة فمات من ذلك فهاهنا حكم الشجاج وحكم النفس، أما حكم الشجاج فالاولى يضمن

[ 142 ]

الشاج نصف عشر قيمته وهو عبد صحيح، وأما حكم الشجة الثالثة فإنه يضمن نصف عشر قيمته وهو مدبر مكاتب مشجوج شجتين، وأما حكم الشجة الرابعة فإنه يضمن ثلث الدية ولا يضمن الارش، وأما حكم النفس فلا شئ على الشاج بسراية الشجة الاولى والثانية لان سرايتهما منقطعة عن الجناية بالعتق والكتابة ويضمن للشجة الثالثة ثلث قيمته وهو مدبر مكاتب مشجوج بأربع شجات ولا يضمن ثلث الدية وإن مات حرا لان ابتداء الشجة لاقى الكتابة، وإنما يضمن ثلث قيمته لاربعها لا الجناية الاولى والثانية حكمهما واحد والشجة الرابعة لاقته وهو حر وموجبها الدية فبان بهذا، واتضح أن النفس إنما تلفت معنى واعتبارا بثلاث جنايات ثلثها بالجناية الاولى وقد هدرت سرايتها وثلثها بالجناية الثالثة وسرايتها معتبرة فيضمن ثلث قيمته مشجوحا بأربع شجاج لان ثلاث شجاج منها ضمنها مرة فلا يضمن مرة أخرى، وما تلف بالشجة الرابعة يكون مضمونا على الشاج بالشجة الثالثة لانه مات وهو منقوص بأربع شجات، كذا في المحيط مع اختصار. وفي الذخيرة: أم الولد إذا جنت جناية خطأ فالجواب فيها كالجواب في المدبر على التفصيل المتقدم اه‍. قارحمه الله: (جنى عبد خطأ دفعه بالجناية فيملكه أو فداه بأرشها) أي إذا جنى العبد خطأ فمولاه بالخيار إن شاء دفعه إلى ولي الجناية فإن دفعه ملكه ولي الجناية، وإن شاء فداه بأرشها. وقوله خطأ يحترز به من العمد وهذا التقييد إنما يفيد إذا كانت الجناية على النفس لانها إن كانت عمدا توجب القصاص، وأما إذا كانت على الاطراف لا يفيد التقييد به إذا لا يجري القصاص فيها بين العبيد وبين الاحرار والعبيد. وقال الشافعي رحمه الله: جناية العبد تتعلق برقبته يباع فيها إلا أن يقضى المولى الارش. وثمرة الخلاف تظهر في اتباع الجاني عنده وعندنا لا يتبع لا في حالة الرق ولا بعد الحرية، والمسألة مختلفة بين الصحابة رضي الله عنهم، فعن ابن عباس مثل مذهبنا، وعن عمر وعلي مثل مذهبه، له أن الاصل في موجب الجناية أن يجب على الجاني لانه المتعدي قال الله تعالى * (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) * (البقرة: 194) إلا أن العاقلة تتحمل عنه ولا عاقلة للعبد فيجب في ذمته كما في الذمي ويتعلق برقبته ويباع فيه كما في الجناية على المال. ولنا أن المستحق بالجناية على النفوس نفس الجاني إذا أمكن إلا أن استحقاق النفس قد يكون بطريق الاتلاف عقوبة وقد يكون بطريق التملك والعبد من أهل أن يستحق نفسه بالطريقين فتصير نفسه مستحقة للمجني عليه صيانة عن الهدر إلا أن يختار المولى الفداء فيكون له ذلك لانه ليس فيه إبطال حق المجني عليه بل مقصود المجني يحصل بذلك بخلاف إتلاف المال فإنه لا يستحق به نفس الجاني أبدا، ولان الاصل في موجب الجناية خطأ أن يتباعد عن الجاني لكونه معذورا ولكون الخطأ مرفوعا شرعا ويتعلق بأقرب الناس إليه تخفيفا عن المخطئ وتوقيا عن الاجحاف إلا أن عاقلة العبد

[ 143 ]

مولاه لان العبد يستنصر به وباعتبار النصرة تتحمل العاقلة حتى تجب الدية على أهل الديوان فيجب ضمان جنايته على المولى بخلاف الذمي فإنهم لا يتناصرون فيما بينهم فلا عاقلة لهم فيجب في ذمته صيانة عن الهدر، وبخلاف الجناية على المال لان العاقلة لا تعقل المال إلا أن المولى يخير بين الدفع والفداء لانه واحد. واختلف في الموجب الاصلي قال التمرتاشي: الصحيح أن الاصل هو الدية أو الارش لكن للمولى أن يختار الدفع وفي إثبات الخيرة نوع تخفيف في حقه كيلا يستأصل فيخير لان التخيير مفيد. وقال غيره: الواجب الاصلي هو الدفع في الصحيح ولهذا يسقط الواجب بموت العبد الجاني قبل الاختيار لفوات محل الواجب، وإن كان له حق النقل إلى الفداء كما في مال الزكاة عند أبي يوسف ومحمد فإن الواجب جزء من النصاب وله النقل إلى القيمة فكذا هذا بخلاف الجاني الحر في الخطأ حيث لا يبطل الموجب بموته لانه لا يتعلق به الواجب استيفاء فصار كالعبد في صدقة الفطر. وإذا اختار الدفع يلزمه حالا لانه عين فلا يجوز التأجيل في الاعيان وإن كان مقدرا بغيره وهو المتلف ولهذا سمى فداء وأيهما اختار فعله فلا شئ لولي الجناية غيره. أما الدفع فلان حقه متعلق به فإذا خلى بينه وبين الرقبة سقط حق المطالبة عنه، وأما الفداء فلانه لا حق له إلا الارش، فإذا أوفاه حقه سلم العبد له، وكذا إذا اختار أحدهما ولم يفعل أو فعل ولم يخيره قولا سقط حق المولى في الآخر لان المقصود تعيين المحل حتى يتمكن من الاستيفاء والتعيين يحصل بالقول كما يحصل بالفعل بخلاف كفارة اليمين حيث لم تتعين إلا بالفعل لان المقصود في حقوق الله تعالى الفعل والمحل تابع لضرورة وجوده، ولا فرق بين أن يكون المولى قادرا على الارش أو لم يكن قادرا عند أبي حنيفة رحمه الله لانه اختار أصل حقهم فبطل حقهم في العبد لان ولاية التعيين للمولى لا للاولياء. وقالا: لا يصح اختياره الفداء إذا كان مفلسا إلا برضا الاولياء لان العبد صار حقا للاولياء حتى لا يضمنه المولى بالاتلاف فلا يملك إبطال حقهم إلا برضاهم أو بوصول البدل إليهم وهو الدية، وإن لم يختر شيئا حتى مات العبد بطل حق المجني عليه لفوات محل حقه بخلاف ما إذا مات بعد اختياره الفداء حيث لم يبراء المولى لتحول الحق من رقبة العبد إلى ذمة المولى. قال في المحيط: ولو جنى عبد على جماعة فدفع إليهم فكان مقسوما بينهم، وإن شاء المولى أمسكه وغرم الجنايات لان تعلق حق الاول لا يمنع تعلق حق الباقين وللمولى أن يفدي بعضهم ويدفع إلى بعض مقدار ما تعلق به حقه بخلاف ما لو قتل العبد رجلا خطأ وله وليان فاختار المولى الفداء لاحدهما أو الدفع إلا الآخر لم يكن له ذلك لان ثمة الحق متحد يجب للمقتول أولا ثم ينتقل إلى الورثة بطريق الخلافة عنه وهذا موجب الجناية المتحدة، وهنا الجنايات مختلفة وللمولى خيار الدفع أو الفداء فملك تعيين أحد الموجبين في كل جناية. ولو قتل إنسانا وفقأ عين آخر وقطع يده دفع العبد لان الاستحقاق بقدر الحق وحق المقتول في

[ 144 ]

كل العبد وحق المفقوأة عينه في نصفه، وكذلك المقطوع يده، وكذلك إذا شج ثلاثة شجاج مختلفة دفع إليهم وقسم بينهم بقدر جناياتهم. ولو جنى العبد جنايات فغصبه إنسان وجنى في يد الغاصب جنايات فمات في يده فالقيمة تقسم بين أصحاب الجنايات كما تقسم الرقبة ولا خيار للمولى فيه لان القسمة تعينت واجبا وهي أقل من أن يكون امساكها مفيدا وإن كان الفداء أكثر من القيمة. ولو قتل العبد الجاني عبد الرجل آخر فخير مولى العبد بين الدفع والفداء فإن فداه بقية المقتول قسمت القيمة بين أولياء الجناية الاولى على قدر حقوقهم لان القيمة قائمة مقامه، ولو دفعه إلى مولى المقتول خير مولى المقتول في المدفوع بين الدفع والفداء فإن فداه بقيمة المقتول قسمت القيمة بين أولياء الجناية الاولى على قدر حقوقهم لان الثاني قائم مقام الاول فكأنه هو، ولو كان حيا قائما يخير المولى فكذا فيمن قام مقامه. وكذا لو قطع عبد يد الجاني فدفع به خير مولى العبد المقطوع بين الدفع والفداء لان العبد الثاني قائم مقام الاول وكان حق ولي المقتول متعلقا بجميع أجزائه فيظهر حقه في بدل الجزء ولو لم يظهر حقه في بدل الكل. ولو اكتسب العبد الجاني أو ولدت الامة الجانية لم يدفع الكسب والولد معها لان الملك ثبت لمولى الجانية بالدفع لا قبله فكان الدفع تمليكا للعبد فإذا اقتصر الملك على حالة الدفع لم يظهر في حق الكسب والولد بخلاف الارش فإنه بدل الجزء فكان حق الدفع متعلقا بذلك الجزء فيظهر استحقاق الاصل في حق البدل أمة قطعت يد رجل ثم ولدت فقتلها الولد خير المولى فإن شاء دفع الولد، وإن شاء دفع فداه بالاقل من دية اليد ومن قيمة الام لان جناية المملوك على مملوك مولاه معتبرة إذا تعلق حق الغير به لان الحق بمنزلة الحقيقة في حق إيجاب الضمان وقد تعلق بالام حق المقطوعة يده فكانت جناية الولد عليها معتبرة قضاء لحق صاحب الحق. وأما الجاني على أطراف العبد قال أبو حنيفة: وكل شئ من الحر فيه الدية يجب في العبد القيمة وكل شئ من الحرفية نصف الدية ففيه من العبد نصف القيمة إلا إذا كانت قيمته عشرة ألاف وأكثر ينقص عشرة أو خمسة ففي رواية المبسوط والجامع أنه يجب أرش مقدر فيما دون النفس، وعندهما يقوم صحيحا ويقوم منقوصا بالجناية فيجب فضل ما بين القيمتين وهو رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة، لهما أن ضمان أطراف العبيد ضمان أموال لان أطراف العبيد معتبرة بالاموال لانها خلقت حربا للنفس ولهذا لا يجب ضمانها على العاقلة وضمان الاموال مقدر بقدر النقصان. وله أن الاطراف من جملة النفوس حقيقة لان النفس مركبة من الاطراف وفي إتلافها إتلاف النفس وفي استكمالها كمال النفس لكن فيها معنى المالية باعتبار أنها خلقت لمانع النفس ومصالحها فيجب اعتبارها فلا يجوز اخلاء النفسية عن أطراف البعيد بالكلية، وباعتبار النفسية فيها يجب أن يكون بدلا مقدرا كالاطراف، وباعتبار معنى المالية فيها أوجبنا ضمانها على الجاني دون العاقلة لان النص ورد بإيجاب الضمان على

[ 145 ]

العاقلة في النفوس المطلقة ولم يوجد، فأما تقرير الضمان بما هو ملحق بالنفوس ملائم للاصل ألا ترى أن ضمان عين البقر والفرس مقدر بربع قيمته فصاالعبد أولى أن يكون مقدرا. ولو قطع رجل يد عبد قيمته ألف ثم بعد القطع صار ت قيمته ألفا كما كانت قبل القطع ثم قطع رجل آخر رجله من خلاف ثم مات منها ضمن الاول ستمائة وخمسة وعشرين والآخر سبعمائة وخمسين لان الاول قطع يده وقيمته ألف فغرم خمسمائة لان اليد من الآدمي نصفه وبقيت قيمة النصف الآخر خمسمائة، وإذا زادت خمسمائة أخرى صارت ألفا فهذه الزيادات لا تعتبر في حق قاطع اليد لانها لم تكن موجودة وقت القطع وإنما حدثت بعده فبقي في حق قاطع اليد قيمة الباقي خمسمائة، ثم قاطع الرجل أتلف النصف الباقي وذلك مائتان وخمسون بقيت مائتان وخمسون تلفت بسراية جنايتهما فيجب على قاطع اليد نصف ذلك وذلك مائة وخسمة وعشرون وقاطع الرجل حين قطع رجله كانت قيمة العبد ألفا ضمن نصفه وهو خمسمائة وبقي خمسمائة في حقه وقد تلفت بسراية جنايتين فضمن نصفه وذلك مائتان وخمسون يضم ذلك إلى خمسمائة فتصير سبعمائة وخمسين، ولو صار يساوي ألفين وهو أقطع فعلى قاطع الرجل ألف وخمسمائة لان الزيادة في حق قاطع اليد غير معتبرة فصار وجودها وعدمها بمنزلة فعليه ستمائة وخمسة وعشرون كما وصفنا، فأما قاطع الرجل بالقطع أتلف نصفه فضمن قيمته وهي ألف وألف تلف بسراية الجنايتين يغرم نصفه وهو خمسمائة فيضم خمسمائة إلى الالف فيكون ألفا وخمسمائة، وفي النوازل روى الحسن في المجرد عن أبي حنيفة رحمه الله: رجل قطع أذن عبد أو أنفه أو حلق لحيته فلم تنبت فعليه ما نقصه، وروي محمد عن أبي حنيفة أن عليه للمولى قيمته تامة إن دفع إليه العبد. وجه رواية الحسن أن الفائت من العبد معتبر من حيث المالية وبفوات الجمال تقل رغبات الناس فتنتقص المالية فيضمن النقصان. وجه رواية محمد أن ما يجب بتفويته من الحر كمال الدية فيجب بتفويته من العبد كمال القيمة في اليدين والرجلين لان دية أطراف العبد مقدرة لما بينا. رجل فقأ عيني عبد ثم قطع آخر يده كان على الفاقئ ما نقصه وعلى القاطع نصف قيمته مفقوء العينين استحسانا، والقياس أن لا شئ على الفاقئ على أصل أبي حنيقة لان عنده ليس للمولى إمساك المفقوء وتضمين النقصان وإنما له كمال القيمة وتمليك الجثة منه وبالقطع الطارئ على المفقوء امتنع تضمين القيمة فيقدر إيجاب الضمان عليه. وجه الاستحسان أن الجناية تقررت موجبة للضمان قبل القطع فلا يجوز تعطيل السبب عن الحكم وإهدار الجناية فيغرم النقصان صونا للذمة عن الهدر والبطلان. وروى الحسن عن أبي حنيفة في عبد قتل رجلا عمدا وله وليان فعفا أحدهما ثم قتل آخر خطأ فاختار الدفع فإنه يدفع أرباعا ثلاثة أرباعه لولي الخطأ وربعه لولي العمد الذي لم يعف وهو قولهما. وروي أبو يوسف عن أبي حنيفة يدفع إليهما أثلاثا ثلثاه لصاحب الخطأ وثلث لصاحب العمد.

[ 146 ]

وقال زفر رحمه الله: يدفع نصفه إلى ولي الخطأ وربعه إلى ولي العمد ويبقى ربعه للمولى. ولزفر رحمه الله أن حق الوليين متعلق بالعين وبعفو أحدهما سقط حقه وانتقل حق الآخر إلى الرقة أو الفداء في النصف وحق ولي الخطأ في الكل لانه لا يشاركه غيره فيه وحق الولي بالعفو عاد إلى الربع فيكون الربع له بقي ثلاثة أرباعه بينهما على قدر حقهما. وجه رواية الحسن أنه إذا عفا أحد ولي العمد ففي حق الآخر المزاحمة في الربع لانه تعلق حق ولي الخطأ بالنصف لا بالكل فبقي حق غير الفاقئ فيه الربع فانتقل إلى الرقبة أو الفداء فيكون الباقي بينهما أرباعا. وجه رواية أبي يوسف وهو الاصح أنه إذا عفا أحد ولي العمد بقي حق الآخر في النصف لاحقهما قد تعلق بالكل لان تعلق الاول لا يمنع تعلق الثانية إلا أن بالعفو فرغ نصف الرقبة عن حكم الجناية الاولى فبقي حق الاول متعلقا بالنصف وحق الثاني في الكل فيكون المدفوع بينهما أثلاثا. هشام عن محمد قال: مملوك قتل مملوكا لرجل خطأ ثم قتل أخا مولاه وليس لاخي مولاه وارث غيره فإنه يدفع نصف العبد كله إلى مولى العبد أو يفديه والنصف الباقي للمولى لان حق أخي المولى تعلق برقبة الجاني بعدما تعلق به حق المولى فتقع المزاحمة بينهما فيكون بينهما نصفين، وإذا انتقل النصف إلى المولى بالارث سقط بعد الوجوب لان المولى لا يستوجب على عبده شيئا فبقي حق الاول في النصف، فإن قتل أخا مولاه أولا ثم قتل مملوك رجل خطأ فإنه يدفع العبد كله إلى مولى العبد المقتول أو يفديه لانه لما انتقل الحق إلى المولى بالارث سقط عنه، وإذا جنى على الثاني ولا يزاحمه الاول فقد تعلق حق ولي الجناية الثانية من غير مزاحمة، وإن كان لاخي مولاه بنت وقد قتله العبد أولا فإنه يضمن ثلاثة أرباع العبد لمولى العبد المقتول وربعه للبنت لان حق ولي الجناية الثانية تعلق بالنصف وتعلق حق الوارثين بالنصف إلا أنه سقط حق المولى عن الربع وبقي حق البنت في الربع، فإن كانت الضربتان معا وليس له بنت فالعبد بينهما نصفان لان الجنايتين افترقتا فلم تصادف إحداهما محلا فارغا. قال أبو حنيفة: رجل فقأ عيني عبد فمات العبد من غير الفق ء فلا شئ على الفاقئ، وإن لم يمت ولكنه قتله إنسان لزم الفاقئ النقصان لان الضمان ضمان تفويت المالية والقتل تفويت المال والموت حكم المالية ولا يفوتها. وقال محمد رحمه الله: يضمن النقصان في الوجهين لان الجناية تحققت في الحالين فانعقدت موجبة للضمان. قال في الهداية: والمولى عاقلته. قال بعض الافاضل: ليس هذا مخالفا حيث لا تعقل العواقل عمدا ولا عبدا اه‍. وأجيب بأن المراد المولى كالعاقلة اه‍. قال في العناية: لا يقضى على المولى بشئ حتى يبرأ المجني أو يتم أمره لان القضاء قبله قضاء بالمجهول وهولا يجوز. وفي المنتقي: إذا قتل العبد رجلا خطأ فقال المولى أفدي نصفه وأدفع نصفه فهذا اختيار منه للعبد وعليه دية كاملة. قال رحمه الله: (فإن فداه فجنى فهي كالاولى فإن جنى جنايتين دفعه بهما أفداه بأرشهما) لانه لما ظهر حكم الجناية الاولى بالفداء جعل كأنه لم يجن من قبل وهذه ابتداء

[ 147 ]

جناية، ولو جنى قبل أن تختار في الاولى شيى أو جنى جنايتين دفع دفعة واحدة، ولو جنايات قيل لمولاه إما أن تدفعه أو تفديه بأرش كل واحدة من الجنايات لان تعلق الاولى برقبته لا يمنع تعلق الثانية بها كالمديون لاقوام أو لواحد ألا ترى أن ملك المولى لا يمنع تعلق الجناية فحق المجني عليه أولى أن لا يمنع بخلاف الرهن حيث لا يتعلق به حق غيره من الغرماء، والفرق أن الرهن إيفاء واستيفاء حكما فصار كالاستيفاء حقيقة، فأما الجناية فليس فيها إلا تعلق الحق لولي الاولى وذلك لا يمنع تعلق حق آخر به ثم إذا دفعه إليهم اقتسموه على قدر حقوقهم وحق كل واحد منهم أرش جنايته. قال رحمه الله: (فإن أعتقه غير عالم بالجناية ضمن الاقل من قيمته ومن الارش) يعين لو أعتق الجاني ولم يعلم بها ضمن الاقل من القيمة ومن الارش، وإذا جرح العبد رجلا فاختار المولى الفداء ثم مات المجروح خير مرة أخرى عند محمد استحسانا، وعند أبي يوسف عليه الدية ولا يخير قياسا. وهي من المسائل التي رجع فيها أبو يوسف رحمه الله من الاستحسان إلى القياس، ولو أعتقه وهو يعلم ثم مات المجروح كان مختارا للدية إن كان خطأ وجه القياس أنه اختار أرش الجراحة فيكون اختيارا لارشها، ما يحدث ويتولد عنها كالعفو عن الجراحة ويكون عفوا عنها وعما يحدث منها لان السراية لا تنفك عن الجناية فيكون اختيار الاصل اختيارا للتبع المتولد منه ضرورة لانه صار قاتلا بتلك الجراحة فظهر أنه اختار إمساك العبد بعد القتل وهو عالم بالقتل كما لو أعتق العبد بعد الجراحة. وجه الاستحسان أن المولى إنما اختار إمساك العبد بمال قليل على حساب أن الجراحة لا تسري فبعد الموت لو لزمه لزمه حكم الاختيار بمال كثير وهو دية واختيار الانسان إمساك العبد بمال قليل لا يكون اختيارا منه بأداء مال كثير لانه غير راض به، فلو لزمه تضرر به فوجب أن لا يلزمه حكم الاختيار بالدية بخلاف ما لو أعتقه بعد الجراحة ثم مات لانه لم ينص على اختيار العبد بمال قليل بل اختار إمساك العبد مطلقا. قتل عبد رجلا عمدا وله ولي واحد فطلب الفداء فاختار المولى الفداء عن نصف العبد يصير مختارا للفداء عن الكل لان في التفريق ضررا عليه فلا يتمكن المولى من ذلك فصار مختارا للفداء عن الكل ضرورة، وإن كان له وليان فاختار الفداء في نصيب أحدهما يصير مختارا للفداء في حق الآخر في عامة الروايات لان المستحق لموجب الجناية هو الميت لان الجناية وردت على حقه وأمكن إثبات الملك لموجب الجناية لان بعد الموت تبقى التركة على حكم الملك، ولهذا لا تنفذ وصاياه وتقضى منها ديونه فوقع الملك للميت أولا ثم انتقل إلى الوارث وكان المستحق لموجب الجناية هذا فيصير مختارا للفداء من الكل ضرورة. وفي رواية كتاب الدر لا يصير مختارا لان الملك في موجب الجناية يثبت للمولى ابتداء لا الميت ليس بأهل للملك فكان المستحق للجناية اثنين فالتفريق لا يلتحق

[ 148 ]

بأحدهما ضرر لم يكن مستحقا عليه. وفي قتل الخطأ لو كان الولي واحدا فاختار الفداء في النصف يكون اختيارا للفداء في حق الآخر ما دام العبد قائما لان حقهما ثبت في العبد متفرقا مشتركا. وإذا مات العبد قبل أن يدفع النصف إلى الآخر يصير مختارا للفداء لان الحق ثبت للمقتول، ولو صالح أحدهما على نصف العبد خير المولى والولي المدفوع إليه بين أن يدفعا نصف العبد إلى الثاني أو يفديا لان الجناية انقلبت مالا والعبد في ملكهما فيعتبر بما لو لو جنى جناية خطأ والعبد ملكهما يخير بين الدفع والفداء فكذا هذا لان العبد فرغ من نصف الجناية بالصلح وبقي مشغولا بالنصف فثبت لهما الخيار في النصف. وإن صالح أحدهما عن جميع العبد قيل للشريك ادفع نصفه إلى أخيك أو أفده لانه انتقل الملك إليه ونصفه مشغول بالجناية، ولو قتلت أمة رجلا عمدا وله وليان فصالح المولى أحدهما على ولدها صار مختارا للفداء في نصيب الآخر فيفديه بنصف الدية. وذكر في كتاب الدرر لا يصير مختارا للفداء. ولو صالح أحدهما في ثلث الامة كان الثاني له خيار أن يدفعه أو يفديه. وفي الجامع والدرر: لا يكون منه اختيارا. وجه هذه الرواية أنه سوى بين الدفع والفداء في البعض وذلك لان الملك يقع للميت أولا ثم ينتقل إلى الوارث لما بينا فكان ملك الميت أصلا وملك الوارث بناء عليه فيكون المستحق للجناية واحدا، فاختيار الدفع والفداء في البعض يكون اختيارا في الكل لئلا يتفرق الملك على المستحق. وجه رواية الصلح وهو الفرق بين الدفع والفداء أن الانسان قد يضطر إلى أن يخرج بعض العبد عن ملكه لكي يعيد الزائل إلى ملكه في الثاني، وإذا وجد ثمن فلا يكون اختيار دفع النصف اختيار دفع النصف الآخر دلالة، فأما اختيار بعض الفداء يدل على اختيار إمساك الامة في ملكه لرغبة لامساكها المنافع تحصل له منها لا تحصل له من غيرها وتلك المنافع تحصل من كلها لا من بعضها، فاختيار إمساك الامة يدل على اختيار الفداء ضرورة اختيار الصلح أن يقول المولى اخترت الفداء أو الدلالة كما لو تصرف فيه بالبيع أو بالهبة أو بالصدقة أو بالعتق أو بالتدبير أو بالكتابة أو بعيب كفق ء العين والجراحة وقطع اليد. وأما في الرهن والاجارة والنكاح كما لو تزوج منه امرأة وكانت أمة فتزوجها فهذا لا يكون اختيارا في ظاهر الرواية. وذكر الطحاوي أنه يصير مختارا. ولو أن العبد ما ت قبل أن يختار المولى شيئا بطلت الجناية عمدا كانت أو خطأ ولا يؤخذ المولى بشئ، فإن لم يمت ولكن قتله مولاه فإنه يصير مختارا للارش، فإن لم يقتله مولاه ولكن أجنبي، فإن كان عمدا بطلت الجناية وللمولى أن يقتص، وإن كان خطأ يأخذ القيمة ثم يدفع تلك القيمة إلى أولياء الجناية حتى لو تصرف في تلك القيمة لا يصير مختارا للارش. وكذلك لو قتله عبد فخير الولي بين الدفع والفداء ويدفع إلى ولى الجناية، ولو دفع العبد إلى مولى العبد المقتول قام مقامه لحما ودما كأنه هو فيخير المولى بالفداء حتى لو تصرف في العبد المدفوع بالبيع أو بالعتق أو نحوه فإنه يصير مختارا للفداء،

[ 149 ]

ولو لم يقتله عبد الاجنبي ولكنه قتله عبد آخر لمولاه فإنه يخير المولى بين الدفع والفداء بقيمة العبد المقتول فإن دفعه العبد إليسلم لهم، وإن اختار الفداء يفدى بقيمة العبد المقتول. ولو قطع الاجنبي يد هذا وفقا عينه أو جراحة فيخير العبد الاجنبي، فإن دفع أو فداه بالارش فإنه يقال لمولى العبد المفقوءة عينه ادفع عبدك هذا إلى ولي الجناية أو افده، وقيد الضمان في العتق يكون للقتل خطأ لانه لو كان عمدا فأعتق لا يلزمه شئ، ولو كان العبد قتل رجلا عمدا ووجب القصاص فأعتقه مولاه فلا يلزم المولى شئ، ولو كان للمقتول ولدان فعفا أحدهما بطل حقه وانقلب نصيب الآخر مالا فله أن يستسعى العبد في نصف قيمته ولا يجب على المولى نصف القيمة. هذا إذا جنى فقط، فلو جنى وأتلف مالا قال: ولو كان العبد استهلك مالا فوجب عليه وقتل آخر خطأ فحضر أصحاب الديون وأولياء الجناية معا فإنه يخير المولى بين الدفع والفداء، فإن ظهرت رقبة العبد عن الجناية فبعد ذلك يباع في الدين إلا إذا قضى السيد الدين، وإن اختار الدفع دفعه إلى أولياء الجناية ثم يتبعونه في دينهم. وإن حضر أصحاب الديون أولا فباع المولى العبد في دينهم بغير أمر القاضي فإنه ينظر، إن كان عالما بالجناية صار مختارا للفداء، وإن كان غير عالم بالجناية يلزمه الاقل من قيمته ومن الدين. وإن كان الدفع للقاضي فإن كان القاضي غير عالم بالجناية فباع العبد في الدين لم تبطل الجناية، وإن كان القاضي يعلم بالجناية فباعه في الدين بطلت الجناية. وفي الذخيرة وفي الاصل: إذا جنى جناية وخير المولى بين الدفع والفداء فاختار نصف العبد واختار الفداء في نصفه الآخر فهذه المسألة على وجوه: أحدها أن يكون ولي الجناية واحدا بأن قتل العبد رجلا خطأ وله ولد واحد والقتل خطأ، وفي هذا الوجه إذا اختار المولى الفداء في نصف العبد يصير مختارا للفداء في الكل لذلك، وإذا اختار نصف العبد يصير مختارا لدفع الكل وهذا باتفاق الروايات. والثاني أن يكون المقتول اثنين بأن قتل العبد رجلين خطأ ولكل واحد منهما ابن واختار المولى الفداء في أحدهما أو الدفع فإنه يبقى على اختياره في حق الآخر وهذا باتفاق الروايات أيضا. الثالث إذا كان المقتول واحدا وله وليان فاختار المولى الفداء في حق الآخر ففي عامة الروايات يكون مختارا للفداء، وفي كتاب الدرر لا يكون مختارا للفداء، والاصل في هذه المسألة أن المولى متى أحدث في العبد تصرفا يعجزه عن الدفع وهو غير عالم بالجناية يصير مختارا، وإذا أحدث تصرفا لا يعجزه عن الدفع لا يصير مختارا. وإن كان عالما بالجناية، فإذا ثبت هذا الاصل فنقول الاعتاق تصرف يعجزه عن الدفع لان إعتاقه نافذ وبعد العتق لا يمكنه الدفع فإذا أعتق مع العلم بالجناية يكون مختارا للفداء، ولو كانت أمة فوطئها فهذا ليس باختيار للفداء عند علمائنا الثلاثة. وقال زفر رحمه الله: يكون مختارا للفداء. وكذلك إذا تزوجها لا يكون مختارا للفداء. وفي الظهيرية: إلا إذا أحبلها. وفي التهذيب: ولو كانت أمة فتزوجها لا يصير مختارا للفداء، وكذلك إذا وطئها لا يكون مختارا للفداء إلا إذا كانت بكرا أو علقت.

[ 150 ]

وذكر في المنتفي عن أبي يوسف في مسألة الوطئ ثلاث روايات: قال في رواية الوطئ لا يكون مختارا للفداء وإن كانت الجارية بكرا وهذه روياة هشام، وفي رواية الحسن عن أبي مالك إن كان الوطئ نقصها فهو اختيار للفداء، وإن لم ينقصها فليس باختيار وبه كان يقول أبو حنيفة. وعن أبي يوسف رواية أخرى أن الوطئ اختيار للفداء على كل حال. وفي الذخيرة وذكر في عتاق الاصل أنه يكون اختيارا للفداء فإن استخدمها لا يكون اختيارا للفداء. وفي السغناقي: حتى لو عطبت في الخدمة لا ضمان عليه، وكذا لو كان عليه دين فاستخدمه المولى لم يضمن الفداء. وفي السراجية: المولى إذا أذن العبد الجاني في التجارة ولحقه دين لم يصيره مختارا للفداء. وفيه أيضا: عبد قتل حرا خطأ ثم قتله رجل آخر خطأ فأخذ المولى قيمته من قاتله لم يكن مختارا ويضمن مثلها لمولى الحر. السغناقي: ولو ضربه ضربا أثر فيه الضرب حتي صار مهزولا وقلت قيمته ببقاء أثر الضرب فهو مختار إذا كان عالما بالجناية، وإذا ضربه وهو غير عالم بالجناية كان عليه الاقل من قيمته ومن أرش الجناية إلا أن يرضى ولي الدم أن يأخذه ناقصا ولا ضمان على المولى. ولو ضرب المولى عنيه فابيضت وهو غير عالم به ثم ذهب البياض لا يكون مختارا للفداء بل يدفع ويفدي، ولو خوصم في حالة البياض فضمنه القاضي الدية ثم زال البياض فالقضاء نافذ فلا يرد. وأطلق في العتق والضمان فشمل ما إذا أعتقه بإذن ولي المجني عليه أو لا. وفي نوادر ابن سماعة: إذا أعتقه المولى بإذن ولي الجناية فهو اختيار للفداء وعليه الدية. وفي الاملاء عن محمد رحمه الله: إن إجازة بيع العبد بعد جنايته في يده ليس باختيار للفداء في قول أبي يوسف ومحمد ويقال للمشتري ادفع أو رد. وفي التجريد: وأطلق في العتق فشمل ما إذا أعتق أو أمر به قال: ولو أمر المولى المجني عليه بإعتاقه فأعتقه صار المولى مختارا. عبد بين رجلين جنى جنايتين فشهد أحد الموليين على صاحبه أنه أعتقه لم تجز شهادته عليه ولو بالغا حين شهد بهذا فعليه نصف الدية وعلى الآخر نصف القيمة. وفيه: رجل ورث عبدا أو اشتراه فجنى جناية وزعم المولى بعد جنايته أن الذي باعه إياه كان أعتقه قبل البيع أو أن أباه كان أعتقه فإنه مختار للفداء بهذا القول. وفي الجامع الصغير: إذا قال لعبده إذا قتلت فلانا أو أدميته أو شججته أو ضربته فأنت حر يصير مختارا للفداء. وفي الكافي: يكون على المولى دية القتيل عند علمائنا الثلاثة. وفي الكافي وقال زفر: لا يصير مختارا للفداء وعليه قيمة العبد. قال الشيخ الامام خواهر زاده: هذا إذا علق العتق بضرب يوجب الضمان حتى يكون المولى يخير بين الدفع والفداء، وأما إذا علق العتق بضرب يوجب القصاص بأن قال إن ضربت فلانا بالسيف فأنت حرفإنه لا يلزم المولى شئ لا القيمة ولا الفداء. وفيه: رجل أذن لعبده في التجارة فلحقه دين ألف درهم وقيمته ألف وجنى جناية فأعتقه المولى وهو لا يعلم فإن عليه قيمتين. قتل العبد المرهون رجلا خطأ وقيمته مثل الدين فللمرتهن أن يفدي

[ 151 ]

وليس له أن يدفع، فإن قال لا أفدي كان للراهن أن يدفع بالجناية، فإن أعتقه كان مختارا للفداء. وفي الكافي: ولو أقر مولى الجناية بعد العلم بالجناية أن العبد لهذا فهو اختيار للفداء عند زفر، وعندنا لا يكون مختارا. وفي السغناقي: ولو أن عبدافي يد رجل جنى جناية فقال ولي الجناية هو عبدك وقال الرجل هو وديعة عندي لفلا أو عارية أو إجارة أو رهن، فإن أقام على ذلك بينة أجزت الامر فيه، وإن لم يقم خوطب بالدفع أو الفداء. وقال زفر: مختار الدية بمجرد قوله إنه لفلان فإن فداثم قدم الغائب أخذه عبده بغير شئ، وإن كان دفعه فالغائب بالخيار إن شاء أمضذلك، وإن شاء أخذ العبد ودفع الارش. وفي المنتقي: عبد قتل قتيلا وقامت علية البينة بذلك ثم أقر المولى أنه قتل قتيلا آخر فإنه يؤمر بدفعه إليهما نصفين ثم يضمن نصف قيمته لصاحب البينة. الحسن بن زياد عن أبي يوسف: رجل أقر أن عبده قتل رجلا خطأ ثم أقر عليه أيضا برجل آخر أنه قتله خطأ يقال للمولى ادفع عبدك للاول خاصة أو افده، فإن دفعه فلا شئ للآخر، وإن فداه من الاول قيل له ادفع إلى الآخر نصيبه أو افده بنصف الدية. وروي ابن مالك أنه يقال للمولى ادفعه إليهما نصفين، فإن دفعه غرم الاول نصف قيمته، وإن قال أنا أفديه من الآخر دفعه كله إلى الاول، فإن قال أفديه من الاول دفع نصفه إلى الآخر وهو قول زفر. وذكر العباس بن الوليد عنه أنه إذا دفع نصفه إلى الثاني فهو مختار الدية من الاول. رجل في يديه عبد لا يدري أنه له أن لغيره لم يدع صاحب اليد أنه له ولم يسمع من العبد إقراره أنه عبد صاحب اليد إلا أنه يقر بأنه عبد فجنى هذا العبد جناية وثبت ذلك بالبينة أو بإقرار صاحب اليد ثم إن صاحب اليد أقر أنه عبد رجل وصدقه المقر له بذلك وكذبه في الجناية، فإن كانت الجناية بينة قيل للمقر له ادفع أو افده، وإن كانت الجناية بإقرار الذي كان العبد في يده أخذ المقر له العبد وبطلت الجناية ولم يكن على المقر من الجناية شئ. وفيه أيضا: عبد قطع يد رجل خطأ فبرأت فدفعه مولاه بجنايته ثم انتقض الجرح فمات منه قال يدفع قيمة عبده. وفي العيون الحسن بن زياد عن أبي حنيفة في عبد قطع أصبع رجل خطأ ففداه المولى بألف ثم مات المقطوع أصبعه كان ذلك الفداء باطلا وكان عليه تمام الدية إن كان الفداء بغير قضاء القاضي، وصار بمنزلة من أعتق وهو يعلم. وفي الكافي: رجل قطع يد رجل عمدا فصالح المقطوعة يده على عبد ودفع إليه فأعتقه المقطوع يده ثم مات من ذلك فالعبد صلح بالجناية، وإن لم يعتقه رد على مولاه، وقيل للاولياء إما أن تقتلوه وأما أن تعفوا. وفي النوادر: عبد جنى فأقر ابن السيد أنه حر فمات السيد فورثه هذا الابن فهو حر وعلى الابن الدية. جارية جنت وهي حامل فأعتق السيد ما في بطنها وهو يعلم بالجناية صار مختارا قبل أن تضع ولو لم يكن عالمة بالجناية، فإن حضر الطالب قبل الوضع خير إن شاء ضمن المولى قيمتها حاملا، وإن شاء أخذها حاملا بجنايتها وكان ولدها حرا، وإن حضر بعد ما ولدت

[ 152 ]

خير المولى إن شاء دفع، وإن شاء فدى ولا سبيل على الولد. وفي نوادر ابن سماعة عن أبي يوسف: إذا أعتق الرجل ما في بطن جاريته ثم جنت جناية فدفعها بالجناية جاز. وفي العيون أيضا: باع جارية فولدت عند المشتري لاقل من ستة أشهر فجنى على الولد ثم ادعاه البائع وهو يعلم بالجناية فعليه الدية لاصحاب الجناية في قول أبي يوسف. وقال زفر رحمه الله تعالى: عليه القيمة دون الدية والفتوى على قول أبي يوسف. وفيه أيضا: جارية بين رجلين فولدت ولدها، فإن ادعاه أحدهما وهو عالم بالجناية قال أبو يوسف: الدية عليه، وإن لم يعلم قال زفر: إذا علم فعليه نصف القيمة. وفي العيون: جارية بين رجلين جاءت بولد فجنى الولد جناية فادعاه أحدهما، فإن علم بالجناية فعليه نصف الدية، وإن لم يعلم فعليه نصف القيمة، وهذا قول. وقال أبو يوسف: عليه نصف الدية علم أو لم يعلم. قال لعبديه أحد كما حر ثم جنى أحدهما ثم صرف المولى العتق إليه قال أبو يوسف: إن علم بالجناية فعليه الدية. وقال زفر: عليه القيمة. وفي الظهيرية: ولو جنى كل واحد منهما بعد الايجاب ثم بين العتق في أحدهما عتق ولزمه الاقل من قيمته ومن الدية وبقي الآخر ملكا له يقال ادفعه أو افده بالدية ولا يصير مختارا للفداء ولكن لو كانت جناية أحدهما قطع يد رجل وجناية الآخر نفس لا يختلف الجواب. وفي التجريد قال أبو يوسف: إذا غصب رجل عبدا فقتل عنده قتيلا خطأ ورده على مولاه فقتل عنده قتيلا ودفعه المولى بالجنايتين رجع الولي على الغاصب بنصف القيمة وذفع إلى ولي الجناية الاولى ثم برجع به على الغاصب فيسلم له. وقال محمد وزفر: يأخذ نصف القيمة فيسلم له ولا يدفعها إلى ولى الجناية. عبد جنى فأوصى المولى بعتقه في مرضه فأعتقه الوارث أو الوصي، فإن الوصي عالما بالجناية فعليه الدية قدر قيمته من جميع المال والزيادة من الثلث، وإن لم يكن عالما بها تجب القيمة في ما الميت في قول زفر، ولم يذكر أن الذي أعتق هل يضمن وماذا يضمن. وقال أبو يوسف: إن علم الذي أعتقه بالجناية فعليه الدية. قال الفقيه أبو الليث: أن يكون هذا قول أبي يوسف الاول أما على قياس قوله الآخر ينبغي أن يكون قوله مثل قول زفر كما قال في آخر كتاب البيوع: لو اشترى عبدا ولم ينقد الثمن حتى وكل وكيلا بعتقه فأعتقه الوكيل لا ضمان على الوكيل في قول أبي يوسف الآخر وهو قول محمد. وهكذا روي عن أبي حنيفة رحمه الله. هذا إذا كانت الوصية بالعتق بعد ما جنى، أما إذا أوصى بعتقه قبل الجناية ثم جنى فمات الموصي فأعتقه الوصي وهو يعلم بالجناية فهو ضامن للجناية، وإن لم يعلم فهو ضامن من القيمة ولا يرجع على الورثة. إذا وكل رجلين بعتق عبده ثم إن العبد جنى جناية ثم أعتقه الوكيل وهو يعلم بالجناية فالمولى ضامن لقيمة العبد إن لم يكن عالما بالجناية. وفي المنتقي وفي نوادر ابن سماعة عن محمد: إذا أوصى بعتق عبده ثم مات وقد كان أوصى إلى رجل فجنى العبد جناية بعد موت الموصي ثم أعتقه الوصي وهو يعلم بالجناية فهو مختار الدية في ماله، وإن لم يعلم فعليه القيمة. وفي الظهيرية:

[ 153 ]

ولو قال لعبديه وقيمة كل واحد منهما ألف أحدكما حر ثم قتل أحدهما إنسانا خطأ ثم مات المولى قبل البيان وهو عالم بالجناية عتق من كل واحد منهما سش نصفه ويسعى في نصف قيمته ويجب على المولى قيمة العبد الجاني فيستوفي من جميع تركته ولا يصير مختارا للفداء بالموت من غير بيان واحد من العبدين. وفي التجريد: ولو قتل العبد المغصوب في يد الغاصب ومات وقد كان جنى قبل الغصب جنايات فالقيمة لاصحاب الجنايات ولا خيار للمولى في ذلك ولا يجوز إقرار العبد المأذون والمحجور عليه بالجناية ولا يسعى بعد العتق، ولو أقر بعد العتق أنه كان جنى في حالة الرق لم يلزمه شئ، ولو قتل العبد قتيلا خطأ ثم قطعت يد العبد ثم آخر خطأ فارش يده يسلم لاولياء الجناية الاولى ثم يدفعه العبد فيكون بين ولي الجنايتين، ولو اختلف المولى. وولي الجناية فادعى المولى أن قتل كان قبل الجناية وادعى ولي الجناية أنه كان بعدها فالقول قول الولي. ولو شج انسانا موضحة وقيمته ألف ثم قال قتل آخر وقيمته ألفان فإن المولى يدفع بينهما على أحد وعشرين سهما لصاحب الموضحة سهم، وعشرون لولي القتيل. وكذلك لو كان عمي بعد القتل قبل الشجة وما يحدث من الزيادة والنقصان فهو على الشركة. وفي العيون: إذا أوصى بعتق عبد له فجنى العبد جناية أرشادهم فقالت الورثة بعد موت الموصى لانفدي فلهم ذلك. فإذا تركوا الفداء يدفع بالجناية وتبطل بالوصية إلا أن يؤدي العبد من غير ما اكتسبه بأن يقول للانسان أدعني درهما ففعل يصح ويصير ذلك الدرهم دينا على العبد يطالب به إذا اعتق. قال رحمه الله: (ولو عالما بها لزمه الارش كبيعه وتعليق عتقه بقتل فلان ورميه وشجه إن فعل ذلك) يعني أعتق عبده عالما بالجناية صار مختارا للفداء بهذا العتق لان الاعتاق يمنع من الدفع فلاقدام عليه اختيار، فإذا أعتقه وهو يعلم بالجناية صار مختارا للفداء لما قلنا وهو المراد بقوله كبيعه يعني لو باعه عالما بالجناية وعلى هذين الوجهين الهبة والتدبير والاستيلاد لان كل واحد منهما يمنع من الدفع لزوال الملك والتمليك به بخلاف الاقرار لغيره بالعبد الجاني على رواية الاصل لانه لا يسقط به حق ولي الجناية فإن المقر له يخاطب بالدفع إليه وليس فيه نقل الملك لان الاقرار ليس بتمليك من جهة المقر وإنما إظهار الحق فيحتمل أن لم يكون صادقا بذلك، فإذا لم يصر مختارا لا يلزمه الفداء وتندفع الخصومة عنه إن أقام بينة أنه للمقر له، وإن لم تقم فيقال له إما أن تفديه أو تدفعه، فإن فداه صار متطوعا بالفداء حتى لا يرجع به على المقر له إذا حضر وصدقه أنه له، وإن دفعه كان المقر له بالخيار إذا حضر إن شاء أجاز دفعه، وإن شاء فداه. ولا فرق في هذا المعنى بين أن تكون الجناية في النفس أو في الاطراف لان الكل موجب للفداء فلا يختلف، وكذا لا فرق في البيع بين أن يكون بتا وبين أن يكون فيه خيار المشتري لان الكل يزيل الملك بخلاف ما إذا كان الخيار للبائع ثم نقضه أو العرض على البيع لان الملكلم يزل به، ولا يقال المشتري بالخيار إذا باع بشرط الخيار له يصير مختارا للاجازة به فوجب هنا أن يكون مختارا للفداء لانا نقول: لو لم يكن المشتري

[ 154 ]

مختارا للزم منه ملك غيره وهنا لا يلزم، ولانه يلزم في البيع بيع الغرر هنا لا يلزم. ولو باعه بيعا فاسدا لم يصير مختارا للفداء حتى يسلمه لان الملك لا يزول إلا به بخلاف الكتابة الفاسدة حيث يكون مختارا للفداء بها لان حكم الكتابة تعلق العتق بأداء المال وفك الحجر عن العبد في الحال وهو ثابت بنفس الكتابة ولا كذلك البيع الفاسد لان حكمه وهو الملك لا يثبت إلا بالقبض. ولو كانت الكتابة صحيحة ثم عجز كان له أن يدفعه بالجناية، فإن كان ذلك قبل أن يقضي عليه بالقيمة وبعدها لا يدفعه لتقرر القيمة بالقضاء. ولو باعه من المجني عليه كان مختار للفداء بخلاف ما إذا وهبه منه لان المستحق له أخذه بغير عوض وهو متحقق في الهبة دون البيع واعتاق المجني عليه بأمر المولى بمنزلة إعتاق المولى فيما ذكرنا لان فعل المأمور به ينتقل إلى الآمر. ولو ضربه فنقصه كان مختارا بعد العلم لانه جنس جزء منه، فإن أزال النقصان قبل القضاء بالقيمة كان له أن يدفعه بها الزوال المانع من الدفع قبل استقرار القيمة ويصير مختارا بالاجارة والرهن في رواية كتا ب الاعتاق لانهما الازمان فيكون محدثا فيه ما يعجز عن الدفع والاظهر أنه لا يصير مختاربهما للفداء لانه لم يعجزه عن الدفع لان له أن يفسخ الاجازة والرهن لحق المجني لتعلق حقه بعين العبد سابقا على حقهما فيفسخان صونا لحقه عن البطلان، وكذا يصير مختارا بالاذن في التجارة وإن ركبه دين لان الاذن لا يفوت الدفع ولا ينقض الرقبة إلا أن لمولى الجناية أن يمتنع من القبول لان الدين لحقه من جهة المولى بعدما تعلق به حقه فلزم المولى قيمته. ولو جنى جنايتين فعلم بأحدهما دون الاخرى وتصرف به تصرفا يصير به تصرفا مختارا للفداء فيما علم، وفيما لا يعلم يلزمه حصته من قيمة العبد. وقوله كبيعه وتعليق عتقه بقتل فلان أو رمية وشجه إن فعل ذلك أي يصير مختارا ببيعه بعد العلم بها وبتعليق عتقه بما ذكرنا من القتل والرمي والشج يصير مختارا كما يصير مختارا بالاعتاق بعد الاعلام بها، وإنما يصير مختارا بالتعليق عند علمائنا الثلاثة. وقال زفر: لا يصير مختارا كما لا يصير مختارا بالاعتاق بعد الاعلام بها وإنما يصير مختارا بما ذكرنا لان أوان تكلمه به لا جناية من العبد ولا علم للمولى بما سيؤجد بعد وبعد الجناية لم يوجد منه فعل يصير به مختارا ألا ترى أنه لو علق الطلاق أو العتاق بالشرط ثم حلف أن لا يطلق أو لا يعتق ثم وجد الشرط وثبت العتق والطلاق لا يحنث بذلك في يمينه فكذا هذا ولنا أنه علق الاعتاق بالجناية والمعلق بالشرط ينزل عند وجود الشرط كالمنجز عنده فصار كما إذا أعتقه بعد الجناية ألا ترى أن من قال لامرأته إذا دخلت الدار فوالله لا أقربك أربعة أشهر يصير ابتداء إلا يلاء من وقت الدخول، وكذا إن قال لها إذا مرضت فأنت طالق ثلاثا ومات من ذلك يصير فارا لانه يصير مطلقا بعد الدخول ووجود المرض بخلاف ما أورده لان غرضه طلاق أو عتاق يمكنه الامتناع عنه فلا يدخل تحته ما لا يمكنه الامتناع عنه، ولانه حرصه على مباشرة الشرط بتعليق أقوى الدواعي إلى القتل، والظاهر أنه يفعله وهذا

[ 155 ]

دلالة الاختيار. هذا إذا علقه بجناية توجب المال كالخطأ وشبه العمد، وإن علقه بجناية توجب القصاص بأن قال له إن ضربته بالسيف فأنت حر فلا يجب على المولى شئ بالاتفاق لانه لا فرق بين العبد والحر في القصا ص فلم يكن المولى مفوتا حق ولي الجناية بالعتق. وبكل قتل تجب الكفارة فيه يصير المولى مختارا كالقتل بالمباشرة، وإن لم تجب الكفارة فيه لا يصير مختارا وهو القتل تسببا كما لو وقع في بئر حفرها المولى لان القتل تسببا ليس بقتل حقيقة لان القتل فعل في الحر ويؤثر في إزهاق الروح والتسبب ليس بفعل في الحر لانه لم يوصل إلا إلى الدية ولهذا لم يجب القصاص ولا يحرم الارث فلم يصر مستملكا للعبد وبالقتل مباشرة صار مستدعيا للعمد في كل موضع صار متلفا للعبد يضمن الفداء لما بينا. ولو أخبره عبده بالجناية فاعتقه المولى وقال لم أصدقه فعند أبي حنيفة رحمه الله لا يضمن ما لم يخبره رجل حر عدل، وعندهما يضمن الدية وإن كان المخبر فاسقا أو كافرا وقد مرت في الوكالة والشفعة. ولو به لغيره فهو على قسمين: إما أن أقر بالجناية أولا ثم بالملك أو على عكسه، وكل قسم لا يخلوا إما أن كان الملك في العبد معروفا للمقر أو كان مجهولا. أما القسم الاول لو أقربا بالجناية ثم بالملك لغيره والملك في العبد معروف للمقر، فإن صدقة المقر له في الملك والجناية جميعا يقال للمقر له ادفع العبد أو فده لانه صح الاقرار لان حق المجني عليه لا يمنع نفوذ تصرف المولى لان حقه في الدافع أو الفداء وهو باق بعد الاقرار والثابت بالاقرار كالثابت بالبينة العادلة، ومتى ظهر الملك للمقر له بالاقرار ظهر أن الجناية صدرت من ملكه وإن كان كذبه فيها لا يكون المقر مختارا للفداء خلافا لزفر، له أن صحة الاقرار لا تتوقف على تصديق المقر له، ولهذا لو مات المقر قبل التصديق يصير المقربه ميراثا لورثته فقد زال العبد عن ملكه بنفس الاقرار وهو عالم بالجناية فيصير مختارا. ولنا أن صحة الاقرار لا توجب على التصديق والبطلان يتوقف على التكذيب وإذا اتصل به التكذيب بطل من الاصل، فلو صدقه في الملك وكذبه في الجناية صار المقر مختارا للفداء لان الاقرار بالجناية على العبد صادف ملكه في العبد فصح، ثم إذا أقر بالملك لغيره وصدقه المقر له صار مزيلا للعبد عن ملكه فصار كما لو باعه أو وهبه. وأما القسم الثاني لو أقر بالملك أولا ثم بالجناية إن صدقه فيهما فالخصم هو المقر له، وإن كذبه فيهما فالخصم هو المقر، وإن صدقه في الملك وكذبه في الجناية هدرت الجناية لانه لما صدقه المقر في الملك ظهر أن اقراره بجناية العبد صادق فلا يصح إقراره بالجناية متى كذبه المقر له فلم تثبت الجناية، وكذلك إن كان العبد مجهولا لا يدري أنه للمقر أم لغيره فأقر بالجناية أولا ثم بالملك أو بالملك أولا ثم بالجناية لان الملك ثابت للمقر بظاهر اليد لا يستند إلى دليل، والملك الثابت بظاهر اليد لا يصلح حجة للاستحقاق واختيار الفداء فلم يصر مختارا للفداء بخلاف ما لو كان الملك ك له معروفا لان ملكه ثابت مستند إلى دليل سوى ظاهر اليد فصلح حجة لاثبات ما لم يكن، ولو قال كنت بعته من فلان قبل الجناية وصدقه فلان يخير المشتري بين الدفع والفداء لانه ثبت الملك بتصادقهما.

[ 156 ]

قال رحمه الله: (عبد قطع يد حر عمدا ودفع إليه فحرره فمات من اليد فالعبد صلح بالجناية وإن لم يحرره رد على سيده ويقاد) لانه إذا لم يعتقه وسرى ظهر أن الصلح كان باطلا لان الصلح وقع على المال وهو العبد عن دية اليد لان القصاص لا يجري بين الحر والعبد في الاطراف وبالسراية ظهر أن دية اليد غير واجبة وأن الواجب هو القود فصار الصلح باطلا لان الصلح لا بد له من مصالح عنه والمصالح عنه المال ولم يوجد فبطل الصلح والباطل لا يورث شبهة كما لو وط مطلقته ثلاثا في عدتها مع العلم بحرمتها عليه فإنه لا يصير شبهة في درء الحد فكذا هذا فوجب القصاص. أقول: فيه بحث وهو أنه إذا أراد أن البطلان لا يورث الشبهة فيما إذا علم بطلانه كما هو الظاهر مما ذكره في نظيره حيث قال فيه مع العلم بحرمتها عليه فهو مسلم لكن لا يجدي نفعا ههنا لان الدافع لم يعلم أن القطع يسري فيكون موجبه القود بل ظن أن لا يسري وكان موجبة المال، وإن أراد أن الباطل لا يورث الشبهة وإن لم يعلم بطلانه فهو ممنوع ألا ترى أنه إذا وطئ المطلقة ثلاثا في عدتها ولم يعلم يحرمتها عليه بل ظن أنها تحل له فإنه يورث الشبهة فيدرء الحد كما صرحوا به في كتاب الحدود، ويفهم أيضا ههنا من قوله مع العلم بحرمتها عليه. وأما إذا أعتقه فقد قصد صحة الاعتاق ضرورة لان العاقل يقصد تصحيح تصرفه ولا صحة له إلا بالصلح عن الجناية وما يحدث منها ابتداء ولهذا لو نص عليه ورضي به جاز فكان مصالحا عن الجناية، وما يحدث منها على العبد مقتضى الاقدام على الاعتاق والمولى أيضا مصالحا لجامعه على هذا الوجه راضيا به لانه لما رضي بكون العبد عوضا عن القليل كان راضيا بكونه عوضا عن الكثير، فإذا أعتقه صح الصلح في ضمن الاعتاق ابتداء، وإذا لم يعتقه لم يوجد الصلح ابتداء والصلح الاول وقع باطلا فيرد العبد إلى المولى والاولياء بالخيار إن شاؤا عفوا عنه، وإن شاؤا قتلوه. وذكر في بعض نسخ الجامع الصغير: رجل قطع يد رجل عمدا فصالح المقطوع يده على عبده ودفعه إليه فأعتقه المقطوع يده ثم مات من ذلك فالعبد صلح بالجناية، وإن لم يعتقد رد على مولاه، وقيل للاولياء إما أن تقتلوه أو تعفوا عنه، والوجه ما بيناه فاتحد الحكم والعلة واختلفا صورة: ثم هذه المسألة وهي مسألة الصلح ترد إشكالا على قول أبحنيفة فيما إذا عفا عن اليد ثم سرى إلى النفس ومات حيث يبطل العفو ولا يجب القصاص هناك، وفي هذه المسألة قال: يبطل الصلح ويجب القصاص فيما إذا لم يعتق العبد، وإن أعتقه فالصلح باق على حاله، فالجواب أما إذا لم يعتقه فقد قيل ما ذكر في مسألة الصلح جواب القياس، وما ذكر في مسألة الصلح جواب الاستحسان فيكونان على القياس والاستحسان. وقيل بالفرق بينهما ووجهه أن الصلح عن الجناية على مال يقرر الجناية ولا يبطلها لان الصلح عن الجناية استيفاء للجناية معنى باستيفاء بدلها ولهذا تعينت الجناية وتوفر عليه عقوبتها وهو القصاص، أقول: يرد عليه

[ 157 ]

أنه إن أريد بقولهم الصلح لا يبطل الجناية بل يقررها أن الصلح لا يسقط موجب الجناية بل يبقيه على حاله فهو ممنوع كيفما كان، وقد صرحوا في صدر كتاب الجنايات بأن موجب القتل العمد القود إلا أن يعفو الاولياء أو يصالحوا فقد جعلوا الصلح كالعفو وفي إسقاط موجب الجنايات، وإن أريد بذلك أن الصلح لا ينافي ثبوت موجب الجناية في الاصل بل يقرر ذلك حيث وقع الصلح عنه على مال، وإن سقوطه بعد تحقق الصلح فهو مسلم لكن لا يتم حينئذ قولهم، فإذا لم تبطل الجناية لم يمنع العقوبة إذا لا يلزم من عدم بطلان الجناية بمعنى ثبوتها في الاصل عدم امتناع العقوبة بعد تحقق الصلح عنها كما هو الحال فيما نحن فيه بل لا يتم حينئذ الفرق رأسا بين صورتي الغد والصلح، والعفو أيضا لا ينافي ثبوت موجب الجناية في الاصل قبل العفو كما لا يخفي. وأما العفو فهو معدم للجناية والعفو عن القطع وإن بطل بالسراية إلى النفس لكن بقيت شبهته لوجود صورة العفو وهي كافية لدرء الحد، وأما إذا أعتقه فجوابه هو الفرق الذي ذكرناه أن العتق يحصل صلحا ابتداء بخلاف العفو، وعلى قولهما أيضا يرد في الصورتين لانهما كانا يجعلان العفو عن القطع عفوا عما يحدث منه وفي الصلح لم يجعلا كذلك بل أوجبا القصاص عليه إذا لم يعتقه وجعلاه صلحا مبتدأ إذا أعتقه وقد قدمنا مسائل سراية الجرح فلا نعيدها، والله أعلم. قال رحمه الله: جنى ماذون مديون خطأ فحرره سيده بلا علم عليقيمتان قيمة لرب الدين وقيمة لولي الجناية) لانه أتلف حقين كل واحد منهما مضمون بكل القيمة على الانفراد الدفع على الاولياء والبيع على الغرماء فكذا عند الاجتماع، ويمكن الجمع بين الحقين أيضا من الرقبة الواحدة بأن يدفع إلى ولي الجناية أولا ثم يباع للغرماء فيضمنهما بالتفويت بخلاف ما إذا أتلفه أجنبي والمسألة بحالها حيث يجب عليه قيمة واحدة للمولى بحكم الملك في رقبته فلا يظهر حق الفريقين بالنسبة إلى ملك المالك لانه دون الملك فصار كأنه ليس فيه حق ثم الغريم أحق بتمليك القيمة لانها مالية العبد والغريم مقدم في المالية على ولي الجنابة لان الواجب أن يدفع إليه ثم يباع للغريم فكان مقدما معنى والقيمة هي فتسلم إليه، وفي الفصل الاول كان التعارض بين الحقين وهما متساويان فيضمنهما فيظهران. وقيد بعدم العلم لانه لو أعتقه وهو عالم بالجناية كان عليه الدية إذا كانت الجناية في النفس لاوليائه وقيمة العبد لصاحب الدين لان الاعتاق بعد العلم موجب الارش، والاصل أن العبد إذا جتى وعليه دين خير المولى بين الدفع إلى ولي الجناية والفداء، فإن اختار الدفع إلى ولي الجناية دفع ثم يباع في الدين، فإن فضل شئ فهو لولي الجناية لانه بدل ملكه وإلا فلا شئ له، وإن بدأ بالدفع جمعا بين الحقين لانه أمكن بيعه بعد الدفع، ولو بدأ ببيعه في الدين لا يمكن دفعه بالجناية لانه لم يوجد في يد المشتري جناية، ولا يقال لا فائدة في الدفع إذا كان يباع عليه لانا نقول: فائدته ثبوت استخلاص العبد لان ولي الجناية ثبت له حق الاستخلاص وللانسان أغراض في

[ 158 ]

العين، فإذا كان الواجب هو الدفع فلو أن للمولى دفعة إلى ولي الجناية بغير قضاء لا يضمن استحسانا لانه فعل عين ما يفعله القاضي وفي القياس يضمن قيمته لوجود التمليك كما لو باعه أو وهبه، ولو دفعه إلى أصحاب الدين صا مختارا للفداء كما لو باعه لانه ليس بواجب عليه بل الواجب عليه الدفع الجناية أولا. ولو أن القاضي باعه في الدين ببينة قامت عليه ثم حضر ولي الجناية ولم يفضل من الثمن شئ سقط حقه لان القاضي لا تلزمه العهدة فيما فعل، ولو فسخ البيع ودفع إلى ولي الجناية لا حتيج إلى بيعه ثانيا لما ذكرنا فلا فائدة في الفسخ وقد قررنا هذه المسألة بفروعها. قال رحمه الله: (ماذونة مديونة ولدت بيعت مع ولدها في الدين وإن جنت فولدت لم يدفع الولد له) والفرق إن الدين متعلق برقبتها لان الدين عليها وهو وصف لها حكمي فسرى إلى الولد لان الصفات الشرعية الثابتة في الاصل تسري إلى الفروع كالملك والرق والحرية، وأما الدفع في الجناية فواجب في ذمة المولى لا في ذمتها وإنما يلاقيها أثر الفعل الحقيقي وهو الدفع وقبل الدفع كانت رقبتها خالية عن حق الجناية فكذلك لا يجري القصاص على الاولاد ولا الحد لانهما فعلان محسوسان كالدفع ولا يبيعها فيه. فإن قيل: إذا كان الدين عليهما فلماذا يضمن المولى إذا أعتقها والانسان إذا أتلف المديون لا يضمن شيئا؟ قلنا: وجوب الضمان باعتبار تفويت ما تعلق به حقهم استيفاء لا باعتبار وجوب الدين على المولى ألا ترى أنه يضمن القيمة لاغير، ولو كان باعتبار الوجوب عليه يضمن كل الدين كالعبد الجاني إذا أعتقه الولى بعد العلم بالجناية ولهذا يتبع الغريم بالفاضل العبد المديون بعد العتق، ولو كان على المولى لما أتبعه كالعبد الجاني ولا يرد علينا وجوب دفع الارش معها إذا جنى عليها قبل الدفع وأخذ المولى الارش لان الارش بدل جزئها وهو ولي الجناية متعلق بجميع أجزائها، فإذا فات جزء منها وأخلف بدلا تعلق به حقه كما إذا قتلت وأخلفت بدلا اعتبارا للجزء بالكل بخلاف الولد. وقوله مأذونة ولدت شرط السراية إلى الولد أن تكون الولادة بعد لحوق الدين لانها إذا ولدت ثم لحقها الدين لا يتعلق حق الغرماء بالولد بخلاف الاكتساب حيث يتعلق حق الغرماء بما كسبت قبل الدين وبعده لان لها يدا معتبرة في الكسب حتى لو نازعها فيه أحد كانت هي الخصم فيه، فباعتبار اليد كانت هي أحق به من سيدها لقضاء دينها بخلاف الولد فإنه إنما يستحق بالسراية وذلك قبل الانقضاء لا بعده كولد المكاتبة وولد أم الولد والمدبرة وكولد الاضحية لانها حقوق مستقرة في الرقبة حتى صار صاحبها ممنوعا عن التصرف. وإذا جنى العبد جناية ثم أذن له المولى في التجارة فلحقه دين دفع بجنايته فإن الدائن يتبعه، فإذا بيع لهم رجع أولياء الجناية على المولى بقيمة العبد، وكذلك لو أقر عليه بدين ثم دفعه بجنايته في دينه ورجع أولياء الجناية بقيمته على

[ 159 ]

المولى، وذكر بعد هذا إذا وجب الدين على العبد ببينة ثم أقر المولى عليه بجنايته خطأ بيع العبد في الدين وليلتفت إلى الجناية. وفيه أيضا: رجل في يده عبد لا يدري أنه له أو لغيره ولم يدع صاحب اليد أنه له ولم يسمع من العبد إقرار أنه عبد صاحب اليد إلا أنه يقر بأنه عبد فجنى هذا العبد جناية وثبت ذلك بالبينة أو بإقرار صاحب اليد، ثم إن صاحب اليد أقر أنه لرجل وصدقه المقر له بذلك وكذبه في الجناية فإن كانت الجناية ببينة قيل للمقر له ادفع أو افده، وإن كانت الجناية باقرار الذي كان العبد في يده أخذ المقر له العبد وبطلت الجناية ولم يكن على المقر من الجناية شئ وقد قدمناها بغير هذه العبارة. قال رحمه الله: (عبد زعم رجل أن سيده حرره وقتل وليه خطأ لا شئ له عليه) معناه إذا كان العبد لرجل فزعم رجل أن مولاه أعتقه فقتل العبد خطأ ولي ذلك الرجل الذي زعم أن مولاه أعتقه وليه فلا شئ له لانه لما زعم أن مولاه أعتقه فقد أقر أنه لا يستحق على المولى دفع العبد ولا الفداء بالارش وإنما يستحق الدية عليه وعلى العاقلة لانه حر فيصدق في حق نفسه فيسقط الدفع والفداء عن المولى ولا يصدق في دعواه الدية عليهم إلا بحجة. وقال في النهاية: وضع المسألة فيما إذا جنى جناية ثم أقر المجني عليه أنه حرره قبل الدفع وجعل في الكتاب الاقرار بالحرية قبل الجناية وهما لا يتفاوتان، وكذا إذا أقر المجني عليه بعد الدفع إليه أنه حر لانه ملكه بالدفع وقد أقر له بحريته فيعتق عليه بإقراره، وصار نظير من اشترى عبدا ثم أقر بتحريره مولاه قبل الدفع. وفي الاصل جعل المسألة على ثلاث أوجه: أما إن أقر ولي الجناية أن العبد حر الاصل أو أقر أنه حر أو أقر أن مولاه أعتقه، فإن أقر أنه حر الاصل فلا ضمان لولي الجناية لا على العبد ولا على المولى، وكذلك الجواب إذا أقر أنه حر الاصل أو أقر أن مولاه أعتقه، فأما إذا أقرأنه أعتقه فإن أقر به قبل الجناية فالجواب كالجواب فيما إذا أقر أنه حر الاصل، وإن أقر أنه أعتقه بعد الجناية فقد أقر ببراءة العبد وادعى على المولى الفداء إن ادعى أنه أعتقه وهو عالم بالجناية، وإن ادعى أنه لم يكن عالما ادعى على المولى ضمان القيمة وأنكر المولى ما ادعى عليه من ضمان الفداء أو القيمة فيكون القول قول المولى مع يمينه وعلى ولي الجناية إقامة البينة، وفي المسألتين الاوليين لا يدع على المولى ضمانا فلا يكون بين ولي الجناية وبين المولى خصومة ويكون العبد على حاله. هذا إذا كان الاقرار من ولي الجناية قبل الدفع، فأما إذا كان الاقرار من ولي الجناية وبين المولى خصومة ويكون المولى بعد الدفع إليه أقر أنه حر الاصل أو أقر أنه حر لم يكن له على المولى سبيل ولا على العبد إلا أن العبد يعتق ولا يكون لاحد على العبد ولاء، وإن أقر أنه كان أعتقه قبل الجناية فإنه يحكم بحرية العبد لانه أقر بحريته والعبد في ملكه ويكون ولاؤه موقوفا لانه لمولى العبد ومولى العبد يبرء من ذلك وأقر بأنه لولي الجناية، فإن زعم أنه أعتق من جهته فيكون ولاؤه موقوفا. قال رحمه الله:

[ 160 ]

(قال معتق لرجل قتلت أخاك خطأ وأنا عبد وقال بعد العتق فالقول للعبد) معناه إذا أعتق العبد ثم قال لرجل بعد العتق قتلت أخاك خطأ وأنا عبد وقال الرجل قتلته وأنت حر فالقول قول العبد لانه منكر للضمان لما أنه أسند إلى العتق حالة معهودة منافية للضمان إذ الكلام فيما إذا كان رقه معروفا، والوجوب في جناية العبد على المولى دفعا أو فداء فصار كما إذا قال البالغ العاقل طلقت امرأتي وأنا صبي أو بعت داري وأنا صبي وقال طلقت امرأتي وأنا مجنون وقد كان جنونه معروفا كان القول قوله لما ذكرنا. وقد اتفقوا على أصلين: أحدهما أن الانتساب إلى عادة معهودة متنافية للضمان توجب سقوط المقر به، والآخر أن من أقر بسبب الضمان ثم ادعى ما يبرئه لا يسمع منه إلا بحجة. فإن قيل: إن العبد قد ادعى تاريخا سابقا في إقراره والمقر له منكر فينبغي أن يكون القول قوله، وأجيب بأن اعتبار التاريخ للترجيح بعد الوجوب كأن قال لها قطعت يدك لاصله وهنا هو منكر لاصله فصار كمن يقول لعبده أعتقتك قبل أن تخلق أو قبل أن أخلق. قال رحمه الله: (وإن قال لها قطعت يدك وأنت أمتي وقالت بعد العتق فالقول لها وكذا كل ما أخذ منها إلا الجماع والغلة) وهذا عندهما. وقال محمد: لا يضمن إلا شيئا قائما بعينه يؤمر برده عليها لانه منكر وجوب الضمان لاسناد الفعل إلى حالة معهودة منافيه له كما في المسألة الاولى، وكما في الوطئ والغلة وفي القائم أقر للضمان حيث اعترف بالاخذ منها ثم ادعى التملك عليها وهي تنكر والقول قول المنكر ولهذا يؤمر بالرد عليهما. ولهما أنه أقر بسبب ظاهر ثم ادعى ما يبرئه فلا يكون القول قوله كما إذا قال لغيره أذهبت عينك اليمنى وعيني اليمنى صحيحة ثم فقئت فقال المقر لا بل أذهبتها وعينك اليمنى مفقوءة كان القول قول المقر له. وهذا إذا لم يسنده إلى حالة منافية للضمان لانه لا يضمن يدها إذا قطعها وهي مديونة بخلاف الوطئ والغلة لان وطئ المولى أمته المديونة لا يوجب العقر، وإذا أخذه من غلتها أو إن كانت مديونة لا يوجب الضمان عليه فحصل الاسناد إلى حالة معهودة منافية للضمان في حقها أي في حق الغلة والوطئ، وعلى هذا الخلاف لو قال رجل لرجل حربي أسلم أخذت مالك وأنت حربي فقال بل أخذته بعد ما أسلمت. وفي العناية: ومثلها مسألة الحربي وصورتها: مسلم دخل دار الحرب بأمان فأخذ مال حربي ثم أسلم الحربي ثم خرجا إلينا فقال المسلم أخذت منك وأنت حربي وقال الحربي الذي أسلم أخذت مني وأنا مسلم فالقول للحربي على الخلاف المتقدم ا ه‍. وعلى هذا الاختلاف إذا قال أخذت منك ألف درهم من كسبك وأنت عبدي وقال العبد لا بل أخذته بعد العتق، وعلى هذا الخلاف ما إذا أسلم الحربي أو صار ذميا فقال له رجل مسلم قطعت يدك وأنت حربي وأخذت كذا وكذا وأنت حربي في دار الحرب وقال الحربي لا بل فعلت بعد ما أسلمت أو قال بعد ما صرت إلى دار

[ 161 ]

الاسلام فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف القول قول الحربي والمسلم ضامن، وعلى قول محمد وزفر القول قول المسلم ولا ضمان عليه. وإذا أسلم الحربي فقال لرجل مسلم قطعت يدك وأنا حربي في دار الحرب وقال المسلم فعلت ما فعلت وأنت في دار الاسلام، وذكر في كتاب الاقرار من الاصل أنه على هذا الخلاف وأجمعوا على أنه إذا قال لجاريته بعد ما عتقها وطئتك قبل العتق وقالت الجارية لا بعد العتق أن القول قول المولى ولا ضمان عليه وأجمعوا على أن من أعتق عبدا له فقال العبد لرجل آخر قطعت يدك وأنا عبد وقال ذلك الرجل لا بل بعد ما أعتقت أن القول قول المقر ولا ضمان عليه. قال رحمه الله: (عبد محجور أمر صبيا حرا بقتل رجل فقتله فديته على عاقلة الصبي) لان الصبي هو المباشر للقتل وعمده وخطؤة سواء تجب على عاقلته ولا شئ على العبد الآمر، وكذا الحكم إذا أمره بذلك صبي، والاصل أن الامر بما لا يملكه الآمر إذا لم يعلم المأمور بفساد الامر صحيح في حق الآمر والمأمور حتى يثبت للمأمور والرجوع عن الامر إذا لحقه غرم في ذلك بيان ذلك: أمر رجلا بأن يذبح هذه الشاة وهي لجاره ولم يعلم المأمور بذلك فإنه يصح الامر في حقهما حتى إذا ضمن الذابح للجار قيمة الشاة يرجع بها على الآمر، فإن علم أن الشاة لغيره وهو حر بالغ لا يصح الامر حتى لا يرجع بما لحقه من مغرم لانه لم يصر عاملا للآمر، وإن كان المأمور صبيا يصح الامر سواء كان عالما بفساد الآمر حتى لا يرجع بما لحقه من مغرم أو لا لنقصان عقل ويلحق به المجنون، وأما مسألتنا فالاصل أن الصبي مؤاخذ بضمان الافعال دون الاقوال فيما يتنوع إلى صحيح وفاسد، أما صحة فعله فلصدوره من أهله في محله. النوادر: أمر صبيا بقتل دابة أو بمزق ثوب أو بأكل طعام لغيره فالضمان على الصبي في ماله ويرجع بذلك على الآخر، ولو أمر الصبي بالغا ففعل لم يضمن الصبي، ولو أمر الحر البالغ بذلك فالضمان على الفاعل. وفي المحيط: لو قال اقتل ابني أو اقطع يد أو اقتل أخي فقتله اقتص من القاتل قياسا وتجب الدية استحسانا ولا رجوع لعاقلة الصبي على الصبي الآمر أبدا ويرجعون على العبد الآمر بعد العتق لان عدم الاعتبار كان لحق المولى لا بنقصان أهلية العبد وقد زال حق المولى بالاعتاق بخلاف الصبي لانه قاصر الاهلية. وفي شرح الزيادات: لا ترجع العاقلة على العبد أيضا أبدا لان هذا ضمان جناية وهو على المولى لا على العبد وقد تعذر إيجابه على المولى لما كان على العبد الحجر، وهذا أوفق للقواعد ألا ترى أن العبد إذا أقر بعد العتق بالقتل قبله لا يجب عليه شئ لكونه أسنده إلى حالة منافية للضمان على ما بينا قبل هذا ولهذا لو حفر العبد بئرا فأعتقه مولاه ثم وقع فيها إنسان فهلك لا يجب على العبد شئ وإنما يوجب على المولى فيجب عليه قيمة واحدة، ولو مات فيها ألف نفس فيقسموها بالحصص. قال رحمه الله: (وكذا إن أمر عبدا) معناه أن يكون الآمر عبدا والمأمور أيضا عبدا

[ 162 ]

محجورا عليهما فيخاطب مولى القاتل بالدفع أو الفداء ولا رجوع له على الآمر في الحال ويرجع بعد العتق بالاقل من الفداء وقيمة العبد لانه غير مضطر في دفع الزيادة، وعلى قياس ما ذكره العتابي لا يجب عليه شئ لما بينا. وهذا إذا كان القتل خطأ، وكذا إذا كان عمدا والعبد القاتل صغيرا لان عمده خطأ على ما بينا، وأما إذا كان كبيرا يجب القصاص لانه من أهل العقوبة. ولو أمر رجل حر صبيا حرا فالدية على عاقلة الصبي لانه المباشر ثم ترجع العاقلة على عاقلة الصبي لانه المتسبب إذ لو لا أمره لما قتل لضعف فيه. ولا يقال كيف تعقل عاقلة الرجل ما لزم بسبب القتل فينبغي أن يكون كالاقرار لانا نقول: هذا قول لا يحتمل الكذب وهو تسبب فيعلقه بخلاف الاقرار بالقتل لانه يحتمل الكذب فلا تعقله العاقلة. ولو كان المأمور عبدا محجورا عليه كبيرا أو صغيرا يخير المولى بين الدفع والفداء وأيهما اختار يرجع بالاقل على الآمر في ماله لان الآمر صار غاصبا للعبد بالامر كما إذا استخدمه وضمان الغصب في ماله لا على العاقلة. وإن كان المأمور حرا بالغا عاقلا فعلى عاقلته الدية ولا ترجع العاقلة على الآمر بحال لان أمره لم يصح ولا يؤثر وهو أيضا يأمر مثله لا سيما في الدم، وأن كان الآمر عبدا مأذونا له في التجارة كبيرا كان أو صغيرا والمأمور عبدا محجورا عليه أو مأذونا يخير مولى المأمورين الدفع والفداء وأيهما فعل يرجع على العبد المأذون له لان هذا ضمان غصب وأنه من جنس ضمان التجارة لانه يؤدي إلى تملك المضمون بأداء الضمان، والمأذون له يؤخذ بضمان التجارة بخلاف ما إذا كان المأمور حرا حيث لا ترجع عاقلة المأمور على الآمر في الحال ولا بعد الحرية لعدم تحقق الغصب في الحر. ولو كان المأمور صبيا حرا مأذونا له في التجارة فحكمه حكم العبد المأذون له حتى يرجع عليه فيما إذا كان المأمور عبدا لتحقق الغصب فيه ويكون ذلك في ماله دون العاقلة لانه ليس بضمان جناية وإنما هو ضمان تجارة ولا يرجع عليه إذا كان المأمور حرا لعدم تصور الغصب فيه فصار الصبي الآمر في حقه كالصبي المحجور. ولو كان الآمر مكاتبا صغيرا كان أو كبيرا والمأمور صبي حر تجب الدية على عاقلة الصبي وترجع العاقلة على المكاتب بالاقل من قيمته ومن الدين لان هذا حكم جناية المكاتب بخلاف القن فإن حكم جنايته على المولى فيجب عليه إن أمكن والاسقاط على ما بينا. وإن عجز المكاتب بعد ما قضى القاضي عليه بالقيمة تباع رقبته إلا أن يفدي المولى بديتهم، والقياس أن يبطل حكم جنايته وهو قول أبي حنيفة لانه بالعجز صار قنا وأمره لا يصلح، وهما يقولان لما قضى عليه بالقيمة صار دينا عليه وتقرر فلا يسقط حتى لو عجز قبل القضاء عليه بالقيمة بطل حكم جنايته لان حكم جنايته إنما يصير دينا عليه بالقضاء ولم يوجد، وإن عجز بعد ما أدى كل القيمة لا يبطل، وإن كان المأمور عبدا يخير مولاه بين الدفع أو الفداء ثم يرجع على المكاتب بقيمة المأمور إلا إذا كانت قيمته أكثر من الدية فنقص عشرة دراهم. بقي

[ 163 ]

إشكال وهو أن يقال إن هذا ضمان الغصب ففيه يضمن قيمته بالغة ما بلغت فكيف ينقص عشرة دراهم كضمان الجناية؟ فجوابه هذا الغصب لكن يحصل بسبب الجناية فاعتبر بها في حق التقدير. وإن عجز المكاتب فمولى المأمور ويطلب مولى المكاتب ببيعه لان ضمان الغصب لا يسقط بعجز المكاتب، وإن أعتق المولى المكاتب فالمأمور بالخيار إن شاء رجع بجميع قيمة المأمور على المعتق وبالفضل على المعتق لانه ضمان غصب فلا يبطل بالاعتاق وإن شاء رجع على المولى بقدر قيمة المعتق إلى تمام قيمة المأمور. وإن كان المأمور مكاتبا يجب على المأمور ضمان قيمة نفسه ولا يرجع به على الآمر لانه تعذر أن يجعل ضمان غصب لان المكاتب حر من وجه فلا يكون محلا للغصب صغيرا كان أو كبيرا لان المكاتب الصغير ملحق بالكبير فصار كالحر البالغ العاقل إن كان مأمورا. قيد بقوله عجز لانه لو جنى قبل العجز لا يباع بل يخير المولى. قال في المحيط: مكاتب جنى جنايات أو واحدة كان على المولى الاقل من قيمته ومن أرش الجنايات لان المكاتب مملوك رقبة حر يدا مطلقا وتصرفا، فباعتبار أنه مملوك رقبة تكون جنايته على المولى، وباعتبار أنه حر يدا وكسبا يجب أن يكون موجب جنايته عليه على أن إكسابه حق له وقد تعذر دفعه بموجب الجناية فيجب عليه الاقل من القيمة ومن الارش، وإن تكررت الجنايات قبل القضاء لزمه قيمة واحدة، ولو جنى فقضى عليه ثم جنى أخرى يقضي عليه بقيمة أخرى خلافا لابي يوسف. ولو قتل رجلا ولم يقض عليه حتى عجز وعليه دين دفع بالجناية ثم يباع في الدين وإن فداه بيع بالدين، ولو مات عن مال قضى في ماله بالجناية ثم بالكتابة ثم بالارث لانه مات عن وفاء فلا تنفسخ الكتابة، وإن كان عليه دين وجناية فقضى عليه بالجناية فالدين والجناية سواء لان الجناية صارت دينا بالقضاء، وإن لم يقض بالجناية فحكم ما تقدم. مكاتبة جنت ثم ولدت ولم يقض دفعت وحدها، ولو قضى عليها ثم ولدت بيعت، فإن وفى ثمنها بالجناية وإلا بيع ولدها لان الولد المولود في الكتابة حكمه حكم أمه. ولو كاتب نصف أمته فجنى أحدهما على صاحبه لزم الجاني الاقل من قيمته ومن نصف الجناية وجناية عبد المكاتب كجناية عبد الحر، ولو جنى المكاتب على مولاه أو على عبد مولاه أو على ابن مولاه كانت الجناية عليهم كالجناية على غيرهم لان جناية المكاتب عليهما معتبرة، وإذا كان مكاتب بين اثنين يعتير كل نصف منه على حدة في الاحكام المتقدمة بناء على أن الكتابة تتجزئ. ولو كانت أمة مشتركة فكاتبها أحدهما بغير إذن شريكه فولدت وكاتب الآخر نصيبه من الولد ثم جنى الولد على الام أو الام عليه لزم كل واحد منهما ثلاثة أرباع قيمة المقتول عند الامام، ولو أقر المكاتب بالجناية. المبسوط: أصله أن المكاتب في حق جناية توجب المال بمنزلة الحر لانه استيجاب المال على نفسه والمكاتب من أهل استيجاب المال على نفسه بخلاف العبد لو أقر بجناية توجب المال لا يصح لان موحبها يجب على مولاه فجعل مقرا

[ 164 ]

على مولاه فلم يصح. وإذا أقر المكاتب بجناية عمدا أو خطأ لزمه لانه في حق الجناية ملحق بالحر، ولو قضى عليه بجناية خطأ ثم عجز هدر موجبه عند أبي حنيفة، وعندهما يؤخذ ويباع فيها بناء على أن المكاتب لو أقر بجناية موجبة للمال لا يؤاخذ به ولو عجز عنده وصار دينا عليه أو لا. وعندهما يؤخذ به إذا صار دينا عليه بالقضاء. ولو أعتق ضمن قضى بها أو لا، وكذلك لو صالح ولي العمد وقد أقر به ثم عجز هدرت عند أبي حنيفة رحمه الله، وعندهما يباع فيه لان القصاص بعد الصلح صار موجبا للمال وأصل الجناية ثبت بإقراره. ومن أقر بجناية موجبة للمال لا يؤاخذ به بعد العجز عند أبي حنيفة، وعندهما يؤاخذ به إذا صار دينا عليه بالصلح. ولو أقر الولد على أمه بجناية لم يثبت، فإن ماتت الام لزمه الاقل من الدين والكتابة لان الفاضل من الدين المورو ث يكون له فيقدر الفضل من دينه جعل مقرا على نفسه وصار كالحر، إذا أقر على مورثه بدين ثم مات المورث وعليه دين صح الاقرار بالفاضل من دينه فكذا هذا. وإذا عجز بعد ذلك لم يلزمه لانه صار قنا، وإن كان أدى ثم عجز لا يسترد من المقر له لان إقراره بذلك قد صح. ولو أقرت الام على ابنها بجناية ثم قتل الابن خطأ وأخذت قيمته قضى بما أقرت في القيمة لان بدل الولد يكون للام ككسبه فصارت مقرة على نفسها، وكذلك لو أقرت على ابنها بدين وفي يده مال ولا دين عليه جاز إقرارها بالدين في كسبه لان كسب ولدها لها فصارت مقرة على نفسها. عبد بين رجلين فقأ العبد عين أحدهما ثم جرحه ثم كات المفقوءة عينه نصيبه منه ثم جرحه جرحا آخر فمات منها سعى المكاتب في الاقل من نصف القيمة وربع الدية وعلى المولى الذي لم يكاتب نصف قيمة العبد لورثة المقتول لانه قتل بجنايتين لانه جنى عليه قبل الكتابة وبعدها، فما تلف بالجناية قبل الكتابة وهو الربع هدر لانه جناية عبد على مولاه، وما تلف بالجناية بعد الكتابة وهو الربع معتبرة لانه جناية مكاتب على مولاه فيضمن المكاتب الاقل من نصف قيمته ومن ربع الدية لانه لما هدرت بالجناية قبل الكتابة صار كأنه جنى نصف المكاتب على ربع مولاه لا غير. وأما نصف الساكت فلانه قتل الحر بجنايتين لانه جنى عليه قبل الكتابة بعدها، فما تلف بالجناية قبل الكتابة وهو الربع هدر لانه جناية عبد الغير على أجنبي فضمن الساكت نصف القيمة ما لم يصل إليه نصيبه بضمان أو سعاية لان قيمة نصيبه بالكتابة وجبت على المكاتب حال حياته، فما لم يصل إليه حقه من تركته لا يلزمه أيضا نصف القيمة. عبد بين رجلين فجنى على أحدهما ثم باع الآخر نصف نصيبه من المجني عليه وهو يعلم بالجناية ثم جنى عليه بجناية أخرى، ثم أن الذي باع نصفه اشترى الربع وكاتب المجني عليه نصيبه منه ثم جنى عليه ثلاث جنايات ثم أدى الكتابة فعتق ثم مات المولى من الجنايات فعلى المكاتب بجنايته وهو مكاتب الاقل من نصف قيمة

[ 165 ]

العبد ومن سدس وربع سدس الدية لان نصف المكاتب قيل نصف الحر بثلاث جنايات جنايتان قبل الكتابة وهما مهدرتان لانهما جناية عبد على مولاه، وجناية بعد الكتابة وهي معتبرة لانها جناية المكاتب على مولاه، فالمهدرتان صارتا كجناية واحدة لان حكمهما واحد فبقيت جنايتان أحدهما مهدرة، والاخرى معتبرة فيضمن المكاتب ربع الدية. وأما نصف الساكت فربعه المبيع قبل ربع الحر بثلاث جنايات جناية قبل البيع وهي معتبرة لانها جناية مملوك على مولاه، وجناية بعد الكتابة وهي معتبرة لانها جنايمملوك على أجنبي، فسهمان من هذا الربع مضمون وسهم مهدرة، وصار كل ربع على ثلاثة أسهم والكل على اثني عشر، والربع الذي لم يبعه قبل ربع الحر بثلاث جنايا ت جناية قبل البيع وقد تلف بها سهم من الحر وقد صار المولى مختارا لذلك السهم من الدية بالبيع، وجناية بعد البيع، وجناية بعد الكتابة وهما معتبرتان لانهمجناية مملوك على أجنبي فهاتان الجنايتان حكمهما واحد فيعتبران كجناية واحدة فصار كأن هذا الربع جنى جنايتين فصار المولى مختارا لسهمين ونصف من النصف الذي للساكت فيكون سدسا وربع سدس من اثني عشر ولم يصر مختارا لسهمين ونصف ونصف سهم ونصف من الربع وسهمان من الربع الذي باعه وهو هدر نصف سدس الدية وذلك سهم من اثني عشر. ولو قطع يد رجل ثم باعه أحدهما من صاحبه وهو يعلم ثم اشتراه فقطع يد آخر وفقأ عين الاول فماتا قبل للمشتري ادفع نصفك إليهما نصفين أو افده بعشرة آلاف بينهما، وقيل للبائع افد الاول بربع الدية أو ادفع نصفك إليهما أثلاثا ثلثه للاول وثلثه للثاني أو افده من الاول بربع الدية ومن الثاني بنصف لان النصف الذي لم يبع قبل نصف كل واحد منهما إلا أن نصف أحدهما بجنايتين والاخرى بجناية واحدة وكلاهما معتبرتان فيخاطب بالدفع أو الفداء والنصف الذي باع قبل نصف كل واحد منهما إلا أن نصف أحدهما بجنايتين بجناية قبل البيع وهي القطع وقدر صار مختارا للبيع الذي تلف بهذه الجناية بالبيع فعليه ربع الدية وبجناية بعد البيع وهي الفقؤ، ولم يصر مختارا لما تلف بهذه الجناية فتيقن في نصيبه ربع دية أحدهما ونصف دية الآخر فيدفع نصيبه إليهما أثلاثا أو الفداء، كذا في المحيط. قال رحمه الله: (عبد قتل رجلين عمدا ولكل وليان فعفا أحد وليي كل منهما دفع سيده نصفه إلى الآخرين أو فداه بالدية) أي للمولى الخيار إن شاء دفع نصف العبد إلى الذي لم يعف من ولي القتيلين، وإن شاء فداه بدية كاملة لان كل واحد من القتيلين يجب له قصاص كامل على حدة، فإذا سقط القصاص وجب أن ينقلب كله ما وذلك ديتان فيجب على المولى عشرون ألفا ودفع العبد غير أن نصيب العافين سقطمجانا فانقلب نصيب الساكتين مالا وذلك

[ 166 ]

دية كل واحد منهما نصف الدية أو دفع نصف العبد لهما فيخير المولى بينهما، كذا ذكر الشارح. قال في المحيط: عبداالتقيا ومع كل واحد عصا فاضطربا وبرئا دفع مولى كل واحد بالآخر ولا يرجعان بشئ‌سوى ذلك لان كل واحد منهما ملك عبده من صاحبه ولا يفيد التراجع لانه لو رجع أحدهما لرجع الآخر لان حق كل واحد منهما ثبت في رقبة كاملة، فما يأخذ أحدهما من صاحبه فذاك بدل آخر وتعلق به حقه فلا يفيد الرجوع وإن اختار الفداء فدى كل واحد بجميع أرش جنايته لانهما لما اضطربا معا فقد جنى كل واحد منهما على عبد صحيح فتعلق حق كل واحد من الموليين بعبد صحيح فيجب بدل عبد صحيح، وإن سبق أحدهما بالضربة خير مولى البادئ لان البداية من مولى اللاحق لا تفيد لان حق اللاحق في عبد صحيح كامل الرقبة، فإذا دفع إلى البادئ عبده مشجوجا كان للاحق أن يسترده منه فكان دفعه مفيدا، فإن دفعه فالعبد للمدفوع إليه ولا شئ للدافع لانه لو رجع البادئ بشئ كان للمدفوع إليه أن يرجع عليه ثانيا لان حقه في رقبة عبد صحيح فلا يفيد رجوع البادئ، وإن فداه خير مولى اللاحق بين الدفع والفداء لانه برئ عبد البادئ عن الجناية بالفداء وصار كأنه لم يجن وإن جنى عليه العبد اللاحق، فإن مات البادئ كانت قيمته في عنق الثاني يدفع بها أو يفدي، فإن فداه بقيمة الميت يرجع في تلك القيمة بأرش جراحة عبد وصار كأنه لم يجن، وإنما جنى عليه البادئ والبادئ إن مات فالقيمة قائمة مقامه لانه حي قائم وإن دفعه رجع بأرش شجة عبده في عنقه ويخير المدفوع إليه بين الدفع والفداء لان المدفوع قام مقام الميت الشاج. وإن مات العبد القاتل خير مولى العبد البادئ، فإن فداه أو دفع بطل حقه في شجته لانه حين شج اللاحق البادئ كان اللاحق مشجوجا فثبت حق المولى البادئ في شجة عبده. ولو مات البادئ من شئ آخر سوى الجناية وبقي اللاحق خير المولى ويقال له إذا شئت ادفع واعف عن مولى اللاحق ولا سبيل لواحد منهما على الآخر، وإن شئت ادفع أرش شجة اللاحق وطالبه، فإن دفع إلى صاحبه أرش عبده يرجع بأرش جناية عبده فيدفع مولى اللاحق عبده أو يفده، أما العفو فلانه مولى البادئ بجنايته وإذا دفع كان لمولى اللاحق أن يطالبه بأرش شجة عبده وكان لمولى البادئ أن يدفع إليه العبد المدفوع ثانيا ليبرأ عن حقه فلا يفيد الدفع. وإنما دفع أرش شجة اللاحق لانه متى دفع أرش عبد اللاحق فقد طهر البادئ عن الجناية وصار كأنه لم يجن، وإنما جنى عليه العبد اللاحق فيخاطب مولى اللاحق بالدفع أو الفداء وأي ذلك اختار لا يبقى لواحد منهما على صاحبه سبيل لانه وصل إلى كل واحد منهما حقه، وإن أبى مولى البادئ أن يدفع الارش فلا تعلق له في عنق الحر لان مولى البادئ كان مخيرا بين العفو وبين دفع الارش والمطالبة بشجة عبده، فإذا امتنع من دفع الارش صار مختارا للعفو وصار كأنه قال عفوتك عن حقي فبطل حقه. ولو مات اللاحق وبقي البادئ خير مولاه. فإن دفعه بطل حقه، وإن فداه بأرش فداه عبده وفي الفداء لان البادئ طهر عن

[ 167 ]

الجناية فلا يكون لمولى اللاحق أن يسترجع منه الارش ثانيا. فأما الدفع لم يظهر عن الجناية فبقي حق مولى اللاحق متعلقا بما فات بالشجة من العبد البادئ والعبد المدفوع بدله فيتعلق حقه ببدله، فلو رجع مولى البادئ بأرش شجته كان لمولى اللاحق أن يسترجع منه لان حقه كان متعلقا بالفائت من الفائت البادئ فلا يفيد الرجوع. ولو برئا ثم قتل البادئ اللاحق جريحا كان في عنق البادئ أرش اللاحق وقيمته ويخير بين دفعه وفدائه، فإن دفعه فلا شئ له لما بينا، وأن فداه فداه بأرش الشجة وقيمة المقتول لان البادئ شج اللاحق ثم قتله مشجوجا فيلزمه أرش الشجة وقيمته مشجوجا متى اختار الفداء ويسلم أرش الشجة المقتول لمولاه خاصة ويكون أرش شجة الحي في هذه القيمة يأخذ مولاه منها وما بقي لمولى المقتول لان حق مولى الباد إنما يثبت في حق اللاحق وهو مشجوج لانه حين جنى على البادئ وهو مشجوج فيأخذ من قيمته مشجوجا أرش شجة البادئ، فإن فضل منه شئ يكون لمولى اللاحق لانه بدل عبده وقد فرغ عن حق الغير. ولو قتل البادئ اللاحق فإن لم يطلب ولي المقتول الجناية لم يكن لاحدهما على صاحبه شئ لان مولى المقتول يخير بين العفو والفداء بأرش الشجة الثانية، وإن طلب الجناية بدأ عنه بأرش الحي ثم خير مولى الحي بين أن يدفع عبده أو يفديه بقيمة المقتول ويسلم ذلك لولي المقتول لان العبد اللاحق قبل البادئ مشجوجا فيخير مولاه بين دفعه وفدائه بقيمته مشجوجا وأي ذلك فعل لا يبقى لاحدهما على صاحبه سبيل لانه وصل إلى كل واحد منهما. حقه. ولو قتل أحدهما صاحبه بعدما برئا ولا يعلم البادئ بالشجة خير مولى القاتل لانه تعذرت البداءة بالبادئ للجهالة، ولو تعذرت البداءة بسبب موت البادي تعذر القتل فكذا هذا، فإن دفع عبده كان له نصف أرش شجة المقتول وعلى قيمته مشجوجا فيأخذ الذي دفعه من حصته قيمته مشجوجا من العبد المدفوع أو يفديه لان القاتل بالدفع قام مقام المقتول لحما ودما فصار كان المقتول بقي حيا لمولاه يرجع بنصف أرش شجة عبده متى اختار الدفع فكذا إذا دفع بدله. وأن اختار مولى القاتل فداه بقيمة المقتول صحيحا لان القاتل هو البادئ بالشجة. شج عبدا صحيحا ثم قتله فعليه قيمة عبد صحيح، وإن كان القاتل هو اللاحق فقد شج البادي وهو صحيح ثم قتله كان المولى القاتل أن يفدي عبده بقيمة المقتول صحيحا ويرجع بأرش الشجة في الفداء بعد ما يدفع إلى مولى العبد المقتول نصف أرش شجته لان القيمة قامت مقام المقتول. ولو كان المقتول حيا وقد شج كل واحد منفما صاحبه ولا يعلم البادئ منهما يرجع كل واحد منهما فيما دفع إلى صاحبه بنصف أرش شجة عبده، والمدفوع إليه يتخير بين الفداء وبين ما يخص نصف أرش الشجة من العبد المدفوع إليه فكذا تركته. قال رحمه الله: (وإن قتل أحدهما عمدا والآخر خطأ فعفا أحد وليي العمد فدى بالدية

[ 168 ]

لولي الخطأ وبنصفها لاحد وليي العمد) لان حقهما في الدية عشر آلاف وحق وليي العمد في القصاص، فإن عفا أحدهما انقلب نصيب الآخر مالا وهو نصف الدية خمسة آلاف، فإذا فداه بخمسة عشر ألف درهم عشرة آلاف لولي الخطأ وخمسة آلاف لغير العافي من ولي العمد، وإن دفعه إليهم أثلاثا ثلثاه لولي الخطأ وثلثه للساكت من ولي العمد بطريق العمد لان حقهم في الدية كذلك فيضرب وليا الخطأ بعشرة آلاف ويضرب غير العافي من ولي العمد بخمسة ألاف، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: يدفعه أرباعا بطريق المنازعة ثلاثة أرباعه لولي الخطأ وربعه لغير العافي من ولي العمد لان نصفه سلم لولي الخطأ بلا منازعة فاستوت منازعتهم في النصف الآخر فينتصف. فإن قيل: ينبغي أن يسلم للمولى ربع العبد في هذه المسألة وهي نصيب العافي من ولي العمد ويدفع ثلاثة أرباعه إليهم تقسم بينهم على قدر حقوقهم كما سلم له الصنف وهو نصيب العافين قلنا: لا يمكن ذلك هنا لان لولي الخطأ استحقاق كلولم يسقط من حقهما شئ، وهذا لان حق كل واحد من الفريقين تعلق بكل الرقبة في المسألتين غير أنه لما عفا ولي كل قتيل سقط حق العافين على الرقبة في المسألة الاولى وخلى نصيبهما منه عن حقهما وصار ذلك للمولى وهو النصف بخلاف ما نحن فيه فإن حق ولي الخطأ ثابت في الكل على حاله وكانت الرقبة كلها مستحقة لهما والنصف لغير العافي من ولي العمد فلهذا افترقا فيقسمونها كلها على قدر حقوقهم بطريق العول والمنازعة، ولهذه المسألة نظائر ذكرناها في كتاب الدعوى من هذا الكتاب بأصولها الذي نشأ منها الخلاف بتوفيق الله تعالى فلا نعيدها. ولم يتعر ض المؤلف لما إذا جنى القن على الغاصب ونحن نذكر ذلك تتميما للفائدة. قال في الجامع الصغير: غصب عبدا فقتل عند الغاصب عمدا رجلا ثم رده إلى مولاه فقتل عند رجلا آخر خطأ واختار المولى دفعه بالجنايتين فإنه يكون بينهما نصفين، ثم يرجع المولى على الغاصب بنصف قيمة العبد ويدفعه إلى ولي الجناية الاولى، ثم يرجع به على الغاصب في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد وزفر: يرجع ذلك إلى ولي الجناية الاولى، ولو كان العبد جنى عند المولى أولا ثم عند الغاصب ثم رد الغاصب العبد على المولى ودفعه المولى بالجنايتين جميعا رجع المولى على الغاصب بنصف قيمة العبد ويدفعها إلى ولي القتيل، ولا يرجع بذلك مرة أخرى على الغاصب في قولهم جميعا. أما دفعها إلى ولي القتيلين فيكون بينهما نصفين ثم يرجع المولى على الغاصب بنصف قيمة العبد ويدفعها إلى ولي القتيل، وكذلك لو كان مكان العبد مدبر كان الجواب فيه كالجواب في العبد من الوفاق والخلاف وصورته: رجل غصب مدبر رجل وقد كان المدبر قتل قتيلا خطأ عند المولى فقتل قتيلا آخر عند الغاصب فرد الغاصب المدبر على المولى فعلى المولى قيمة المدبر بين ولي القتيلين نصفين، ثم يرجع المولى على الغاصب بنصف قيمة المدبر ولا يرجع بجميع قيمة المدبر، فإذا رجع المولى على الغاصب بنصف القيمة فإن

[ 169 ]

لولي القتيل الاول أن يأخذ ذلك من المولى، عندهم جميعا، ولو كان جنى أولا عند الغاصب وجنى ثانيا عند المولى وحصر المولى قيمته ورجع على الغاصب بنصف قيمته هل يسلم ذلك للمولى؟ فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف الاول لا يسلم، وعلى قول زفر يسلم: قال في الاصل: وإذا غصب الرجل عبدا من رجل فقتل عنده قتيلا خطأ ثم اجتمع المولى وأولياء القتيل فإن العبد يرد على مولاه، وإذا رد عليه العبد يقال له جنى وهو بمحل الدفع فتخير، فإن دفع أو فداه رجع على الغاصب بالاقل من قيمة العبد ومن الارش، وإن كان زاد عند الغاصب زيادة متصلة واختار الدفع فإنه يدفع العبد مع الزيادة سواء حدثت الزيادة قبل الجناية أو بعدها، ثم لا يرجع المولى على الغاصب بقيمة الزيادة، وإن استحقت الزيادة بسبب أحدثه العبد عند الغاصب، ولو هلكت الزيادة من حيث القيمة لا يضمنها الغاصب. هذا إذا زاد العبد في يد الغاصب، فإن اعور العبد في يد الغاصب وقد جنى عنده جناية فهو على وجهين: إما إن اعور بعد الجنايتين أو قبل، فإن اعور بعد الجناية. وقد اختار المولى الدفع فإنه يدفعها إلى ولي الجناية ثم يرجع المولى على الغاصب ثانيا بنصف قيمة العبد صحيحا حين جنى وكل له قيمة العبد، وإن اعور قبل الجناية واختار المولى الدفع فإنه يدفع العبد اعور ثم يرجع بقيمة العبد صحيحا على الغاصب، فإذا أخذ ذلك سلم له ولم يكن لولي الجناية أن يأخذ منه شيئا. العبد المغصوب إذا جنى على مولاه جناية موجبة للمال بأن قتله خطأ أو جنى على رقيقه خطأ أو على ماله بأن أتلف شيئا من ملكه قال أبو حنيفة: إنه تعتبر جنايته حتى يضمن الغاصب قيمة العبد المغصوب لمولاه إلا أن يكون الارش أو قيمة العبد المتلف أقل من قيمة العبد المغصوب. وقال أبو يوسف ومحمد: بأن جناية المغصوب على مولاه وعلى رقيقه وعلى ماله هدر، فأما العبد المرهون إذا جنى على الراهن أو على ماله هل تعتبر جنايته؟ قالوا: ذكر هذه المسألة في كتاب الرهن وقال تهدر جنايته ولم يذكر فيه خلافا إلا أن المشايخ قالوا: ما ذكر في كتاب الرهن أنه يهدر على قول أبي يوسف رحمه الله تعالى، فأما على قول أبي حنيفة تعتبر على الراهن بقدر الدين كما تعتبر جناية المغصوب هنا على الغاصب وعلى رقيقه. هذا إذا جنى المغصوب على مولاه أو على مال مولاه، فأما إذا جنى على الغاصب أو على رقيق الغاصب فجنايته موجبة للمال. قال أبو حنيفة: إنه لا يعتبر فيكون هدرا حتى لا يخاطب مولى العبد بالدفع أو الفداء، وكذلك على هذا الاختلاف للعبد المرهون إذا جنى جناية على المرتهن أو على ماله، فعلى قول أبي حنيفة لا تعتبر الجناية بقدر الدين، وقال أبو يوسف ومحمد بأن يعتبر الحر والعبدان إذا تضاربا وتشاجا. وفي المبسوط: حرجنى على عبدوجنى العبد على رجل آخر وعلى الجاني فاختار مولاه الدفع ثم اختلفا فقال المولى جنى على عبدي أولا فأرشه لي ودية المدفوع إليه فالقول للمولى مع يمينه لان الحر المجني عليه لما ادعى أن البادئ بالجناية هو العبد فقد ادعى على المولى شيئين: العبد وأرش العبد مع اختيار دفع العبد إليه لانه ادعى أن حقه ثبت في عبد صحيح اليدين

[ 170 ]

لان العبد لما بدأ بقطع يد الحر كانت يداه صحيحة، فإذا تعلق حقه بيد العبد تعلق بيد لها أيضا، والمولى أقر له بالعبد وأنكر الارش فيكون القول له فصار كما لو تصادقا على أن البادئ في الجناية هو الحر لان الثابت بقول من جعل لشرعا كالثابت بالتصادق، ومتى تصادقا أن البادئ بالجناية هو الحر يضمن نصف قيمة العبد والمولى يخير بين الدفع والفداء، وله أن يدفع العبد دون الارش لان حي المجني عليه تعلق بعبد مقطوع اليد، فأما مقطوع اليد فلا يتعلق ببدلها وهو الار ش، وأن تصادقا أنهما لا يعلمان البادئ منهما بالجناية ضمن الحر الجاني قيمة العبد والمولى إن اختار الدفع يدفع العبد ونصف أرش يده لان كل واحد منهما يجوز أن يكون بادئا بالجناية ويجوز أن يكون لاحقا، فإن كان الحر هو البادئ فليس على المولى إلا دفع العبد، وإن كان العبد هو البادئ فعلى المولى دفع العبد مع أرش يده فللحر أرش اليد في حالة وليس له ذلك في حالة فيجب أن يصرف الارش. حر وعبد التقيا ومع كل واحد منهما عصا واضطربا فشج كل واحد صاحبه ثم اختلف مولى العبد والحر في البداءة فالقول للمولى أن الحر بدأ وعليه أرش جنايته على العبد للمولى، ثم يدفع العبد بجنايته أو يفديه لان الحر أقر بأرش يد الجناية لانه ادعى الابراء متى اختار المولى دفع العبد إليه وأنكر المولى فيكون القول له. ولو كان مع العبد سيف ومع الحر عصا فمات العبد وبرأ الحر واختلفا كان القول للمولى وقيمة العبد على عاقلة الحر يسلم المولى من مقدار ما نقصه الحر من قيمته إلى يوم ضرب العبد الحر والباقي قمة أرش جنايته على الحر، فإن فضل شئ فهو للمولى لان الحر قتل بعصا فيكون قتيل خطأ العمد فيجب قيمته على عاقلة الحر والقيمة قامت مقام العبد كأن العبد حي فيأخذ المولى قدر ما انتقص بجناية الحر ويأخذ الحر من الباقي أرش جراحته، فإن فضل شئ منه فهو للمولى لانه بدل عبده وقد فرغ العبد عن حق الغير، وإن انتقص الباقي لا يكون على المولى شئ كما لو دفع العبد وقيمته أقل من أرش الجراحة. ولو كان السيف مع الحر ومع العبد عصا فمات العبد وبرأ الحر ولا يدري أيهما بدأ بالجناية فللمولى أن يقتل الحر ويبطل حق الحر لان الحر قتل بالسيف عمدا فوجب القود فقد مات العبد ولم يخلف بدلا فيبطل حق الحر، وكذلك لو كان العبد هو الذي بدأ بالجناية لانه لا يتصور تملك العبد بسبب بعد ما مات. ولو كان مع كل واحد منهما عصا فشج كل واحد منهما صاحبه موضحة وبرئا واتفقوا أنهم لا يعلمون البادئ من هو خير المولى، فإن دفع العبد يرجع على الحر بنصف أر ش عبده لان الحر إن كان هو البادئ بالجناية يجب عليه جميع أرش عبده، وإن كان اللاحق فهو لا يجب عليه شئ فيجب نصفه، وإن شاء فداه بجميع أرش الحر ورجع على الحر بجميع أرش عبده لانه يجب على الحر جميع أرش العبد تقدمت جنايته أو تأخرت، فإن كانا سواء اتفقا، وإن كان أحدهما أقل فالاقل بمثله يصير قصاصا ويرد الفضل على صاحبه.

[ 171 ]

قال رحمه الله: (عبدهما قتل قريبهما فعفا أحدهما بطل الكل) معناه إن كان عبد بين رجلين فقتل قريبا لهما كأمهما أو أخيهما فعفا أحدهما بطل الجميع ولا يستحق غير العافي منهما شيئا من العبد غير نصيبه الذي كان له من قبل، وكذا إذا كان العبد لقريب لهما أو لمعتقهما فقتل مولاه فورثاه بطل الكل هذا عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: يدفع الذي عفا نصف نصيبه إلى الآخر إن شاء، وإن شاء فداه بربع الدية لان حق القصاص ثبت لهما في العبد على الشيوع لان الملك لا ينافي استحقاق القصاص عليه للمولى فإذا عفا أحدهما انقلب نصيب الآخر وهو النصف مالا غير أنه شائع في كل العبد فيكون نصفه في نصيبه ونصفه في نصيب صاحبه فما أصاب نصيبه سقط لان والمولى لا يستوجب على عبده مالا، وما أصاب نصيب صاحبه ثبت وهو نصف النصف وهو الربع فيدفع نصف نصيبه أو يفديه بربع الدية. ولا بحنيفة أن ما يجب من المال يكون حق المولى لانه بدل دمه ولهذا يقضى منه ديونه وتنفذ منه وصاياه، ثم الورثة يخلفونه فيه عند الفراغ من حاجته والمولى لا يستوجب على عبده مالا فلا تخلفه الورثة فيه، ولان القصاص لما صار مالا صار بمعنى الخطأ وفيه لا يجب شئ فكذا ما هو في معنى ذلك. وفي الكافي: ومن قتل وليه عمدا فقطع يد قاتله ثم عفا وقد قضى له بالقصاص أو لم يقض فعلى قاطع اليد دية عند أبي حنيفة. وقالا: لا شئ عليه. وكذا إذا عفا ثم سرى لا يضمن شيئا والقطع السارى أفحش من المقتصر وصار كما لو كان له قصاص في اليد فقطع أصابعه ثم عفا عن اليد فإنه لا يضمن أرش الاصابع والاصابع والكف كأطراف النفس. ولو قطع وما عفا ثم برأ فهو على الخلاف في الصحيح، ولو قطع ثم حرز رقبته قبل البرء فهو على استيفاء قتل يضمن حتى لو حز رقبته بعد البرء فهو على الخلاف في الصحيح. شج رجلا موضحة عمدا فعفا عنها وما يحدث منها ثم شجه شجة أخرى عمدا فلم يعف عنه فعلى الجاني الدية كاملة في ثلاث سنين إذا مات منها جميعا من قبل أنه عفا عن الاولى بطل عنه القصاص وصارت الثانية مالا وصارت الاولى أيضا مالا ولم يجز له العفو لانه لا وصية له، وروى الحسن ابن زياد عن أبي يوسف في مثل هذه الصورة أن على الجاني الدية. رجل قتل عمدا وقضى لوليه بالقصاص على القاتل فأمر الولي رجلا بقتله ثم إنه طلب من الولي أن يعفو عن القاتل فعفا عنه فقتله المأمور وهو لا يعلم بالعفو قال: عليه الدية ويرجع بذلك على الآمر. امرأة قتلت رجلا خطأ فتزوجها ولي المقتول على الدية التي وجبت على العاقلة فذلك جائز والعاقلة برآء، فإن طلقها قبل الدخول بها رجع على العاقلة بنصف الدية. رجل شج رجلا موضحة عمدا ومات من الموضحتين فعلى الآخر القصاص ولا شئ على الاول، وكذلك لو كان الصلح مع الاول بعد ما شجه الآخر قال أبو الفضل: فقد استحسن في موضع آخر من هذا الكتاب أنه له القصاص على الآخر إذا كان شجه بعد صلح الاول. رجل شج رجلا موضحة عمدا وصالحه عنها وما يحدث منها على

[ 172 ]

عشرة آلاف درهم وقبضها ثم شجه آخر خطأ ومات منها فعلى الثاني خمسة آلاف درهم على عاقلته ويرجع الاول في مال المقتول بخمسة آلاف درهم على عاقلته، وإن كانت الشجتان عمدا جاز إعطاء الاول وقتل الآخر والله أعلم. فصل: لما فرغ من بيان أحكام جناية العبد شرع في بيان أحكام الجناية على العبد، وقدم الاول ترجيحا لجانب الفاعلية، كذا في العناية وهو حق الاداء. وقال في النهاية وغاية البيان: إنما قدم جناية العبيد على الجناية عليهم لان الفاعل قبل المفعول وجودا فكذا ترتيبا. أقول: فيه بحث لانه إن أريد أن ذات الفاعل قبل ذات المفعول وجودا فهو ممنوع إذ يجوز أن يكون وجود ذات المفعول قبل وجود ذات الفاعل بمدة طويلة مثلا يجوز أن يكون عمر المجني عليه سبعين سنة أو أكثر وعمر الجاني عشرين سنة أو أقل، وإن أريد فاعلية الفاعل قبل معقولية المفعول وجودا فهو أيضا ممنوع لان الفاعلية والمفعولية يوجدان معا في آن واحد وهو أن تعلق الفعل المتعدي بالمفعول بوقوعه عليه وقبل ذلك لا يتصف الفاعل بالفاعلية ولا المفعول بالمفعولية وكل ذلك بوقوعه عليه ليس خاف على العارف الفطن بالقواعد والله أعلم. قال رحمه الله: (عبد قتل خطأ تجب قيمته ونقص عشرة لو كانت عشرة آلاف أو أكثر وفي الامة عشرة من خمسة آلاف وفي المغصوب تجب قيمته بالغة ما بلغت) وهذا عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف والشافعي في القن: تجب قيمته بالغة ما بلغت. وفي الغصب تجب قيمته بالغة ما بلغت بالاجماع لما روي عن عمر وعلي وابن عمر رضي الله عنهم أنهم أوجبوا في قتل العبد قيمته بالغة ما بلغت لان الضمان بدل المالية ولهذا يجب للمولى وهو لا يملك إلا من حيث المالية، ولو كان بدل الدم لكان للعبد إذ هو في حق الدم مبقي على أصل الحرية فعلم أنه بدل المالية، ولهذا لو قتل العبد المبيع قبل القبض يبقى عقد البيع وبقاؤه ببقاء المالية أصلا أو بدلا في حال قيامه أو هلاكه فصار كسائر الاموال وكقليل القيمة والغصب، ولان ضمان المال بالمال أصل وضمان ما ليس بمال بالمال خلاف الاصل، ومهما أمكن إيجا ب الضمان على موافقة القياس لا يصار إلى إيجابه بخلاف الاصل قال القدوري في كتابه التقرير قال أبو يوسف إذا قتل المبيع في يد البائع فاختار المشتري إجازة البيع كان له القصاص، وكذا إن اختار فسخ البيع كان للبائع القصاص وهذا حفطي عن أبي حنيفة. قال أبو يوسف: ليس للبائع القصاص. وروى ابن زياد عنه لا قصاص للمشتري أيضا. ولابي حنيفة قوله تعالى * (ودية مسلمة) * (النساء: 92) أوجبها

[ 173 ]

مطلقا من غير فصل بين أن يكون حرا أو عبدا، والدية اسم للواجب بمقابلة الآدمية وهو آدمي فيدخل تحت النص، وهذا لان المذكور في الآية حكمان: الدية والكفارة. والعبد داخل فيها في حق الكفارة بالاجماع لكونه آدميا فكذا في الدية لانه آدمي ولهذا يجب القصاص بقتله بالاجماع ويكون مكلفا، ولولا أنه آدمي لما وجب القصاص وكان كسائر الاموال، ولانه لما كان فيه معنى المالية والآدمية وجب اعتبار أعلاهما وهي الآدمية عند تعذر الجمع بينهما بإهدار الادنى وهي المالية لان الآدمية أسبق والرق عارض بواسطة الاستنكاف فكان اعتبار ما هو الاصل أولى ألا ترى أن القصاص يجب بقتله عمدا بهذا الاعتبار والمتلف في حالة العمد والخطأ واحد، فإذا اعتبر في إحدى حالتي القتل آدميا وجب أن يعتبر في الحالة الاخرى كذلك إذا لشئ الواحد لا يتبدل جنسه باختلاف حالة اتلافه، وهذا أولى من العكس لان في العكس إهدار آدميته وإلحاقه بالبهائم والجماد، وما رويا من الاثر معارض بأثر ابن مسعود وهو محمول على الغصب وضمان الغصب بمقابلة المالية لانه لا تعارض لها إذ الغصب لا يرد إلا على المال وبقاء العقد لا يعتمد المالية وإنما يعتمد الفائدة ألا ترى أنه يبقى بعد قتله عمدا أيضا وإن لم يكن القصاص مالا ولا بدلا عن المالية في قليل القيمة الواجب بمقابلة الآدمية إلا أنه لا سمع فيه فقدرناه بقيمته رأيا بخلاف كثير القيمة لان فيه قول ابن مسعود لا يبلغ بقيمة العبد دية الحر وينقص منه عشرة دراهم والاثر في المقدرات كالخبر إذ لا يعرف إلا سماعا، ولان آدميته أنقص ويكون بدلها أقل كالمرأة والجنين ألا ترى أنه لما كان أنقص نصفت النعم والعقوبات في حقه اظهار الانحطاط رتبته فكذا في هذا، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يجب في الامة خمسة آلاف درهم إلا خمسة لان دية الانثى نصف الذكر فيكون الناقص عن دية الانثى نصف الناقص عن دية الذكر كما في الاطراف والاول أظهر لان أقل مال له خطر في الشرع عشرة كنصاب السرقة والمهر وما دونه لا يعتبر بخلاف الاطراف لانه بعض الدية فينقص من كل جزء بحسابه، ولو نقص من كل جزء عشرة لما وجب أصلا. ولم يتعرض المؤلف لمسائل الضرب ونحن نذكرها تكميلا للفائدة. قال في الجامع: مسائل الضرب على ثلاثة فصول: أحدها في ضرب المولى عبده، والثاني في أمر أحد الشريكين بضرب العبد المشترك، والثالث في ضرب الشريك أو أجنبي أصله العبرة في الجنايات لتعدد الجاني لا لتعدد الجناية لان النفس تبرأ من جراحات كثيرة وتموت من جراحات قليلة ولهذا سقط اعتبار طولها وعرضها وعمقها. أمر رجلا أن يضرب عبده سوطين فضربه ثلاثة وضربه المولى سوطا ثم ضربه أجنبي سوطا ثم مات من ذلك كله فعلى عاقلة المأمور بالسوطين أرش السوط الثالث مضروبا وهو سدس قيمته مضروبا أربعة أسواط، وعلى عاقلة الاجنبي أرش السوط الخامس مضروبا أربعة أسواط وهو ثلث قيمته مضروبا بأربعة أسواط ويبطل ما سوى ذلك لان المأمور ضربه ثلاثة أسواط اثنان منها هدر

[ 174 ]

مع السراية للاذن والثالث معتبر لانه ضرب بغير إذن فيضمن أرشه مضمونا بهما، والرابع هدر لان جناية المولى على مملوكه هدر، والخامس معتبر فيضمن الاجنبي أرشه منقوصا بأربعة أسواط، وإذا مات العبد من هذه فقد مات من خمس جنايات فانقسم تلف التلف على الجنايات فيقسم عليها لان العبرة لعدد الجاني لا لعدد الجنايات فانقسم عليهما أثلاثا، ثلث على الاجنبي وثلثاه تلف بجناية المأمور الاول فانقسم هذا الثلث نصفين، نصفه هدر ونصفه معتبر، والاصل الثاني أن الجناية على المماليك متى أتلفت نفسا أو عضوا وأفضى إلى الموت فتحمله العاقلة لانه ضمان دم وضمان الدم تتحمله العاقلة، وإن اقتصرت على ما دون النفس يجب ضمانه في مال الجاني. عبد بين رجلين قال أحدهما أضربه سوطا فإن زدت فهو حر فضربه ثلاثة فمات من ذلك كله فعلى الضارب نصف أرش السوطين منقوصا سوطا في ماله، وعلى المعتق لشريكه إن كان موسرا نصف قيمته مضروبا سوطين وعلى الضارب أرش السوط الثالث مضروبا سوطين ونصف قيمته مضروبا ثلاثة أسوافيكون ذلك على عاقلته فليستوفها أولياء العبد أو يأخذ المعتق من ذلك ما غرم ويكون الباقي لورثة العبد لان السوط الاول كله هدر لان نصفه في ملكه ونصفه لاقى ملك شريكه ولكنه بإذنه، والسوط الثاني نصفه هدر ونصفه معتبر لان نصفه لا في ملكه ونصفه لا في ملك شريكه بغير إذنه فيضمن أرش السوط الثاني مضروبا سوطا في ما له لشريكه لان سرايته انقطعت لما أعتقه فاقتصرت الجناية على ما دون النفس فتجب في مال الجاني، وصار العبد كله ملكا للمعتق بالضمان لان المعتق بالضمان يملك نصيب الضارب عند أبي حنيفة ويصير مكاتبا له لانه يوقف عتق هذا النصف على أداء السعاية إليه، فالسوط الثالث لاقى مكاتب غيره فيكون معتبرا كله فيضمن الضارب جميع ما نقصه الوسط الثالث مضروبا سوطين لان السوط الثالث حل به وهو منقوص سوطين، فلما مات العبد فقد مات من ثلاث جنايات إلا أن الجنايتين الاوليين كجناية واحدة لاتفاق حكمها واتحاده وانهدرت سرايتهما، والجناية الثالثة معتبرة بأصلها وسرايتها وإن عتق العبد بعد ذلك لان إعتاق المكاتب لا يقطع السراية لما بينا فصارت النفس تالفة بجنايتين: إحداهما معتبرة والاخرى مهدرة فيهدر نصف قيمته ويضمن الضارب نصف قيمته مضروبا ثلاثة أسواط لانه مات منقوصا ثلاثة أسواط، فإن ظفر المعتق بما له كان له أن يأخذ من ماله ما ضمن لشريكه كما له ورثة وللحالف لان ولاءه له ولم يباشر قتله وإنما أمر بقتله فيكون مسببا لقتله، والمتسبب للقتل لا يحرم عن الارث. وإن كان المعتق معسرا فلا ضمان عليه وعلى الضارب الضمان كما وصفنا ويكون نصفه في ماله ونصفه على العاقلة فيأخذ الضارب من ذلك نصف قيمة العبد مضروبا سوطين، فإن بقي شئ فلورثة العبد لان الحالف متى كان معسرا لا يكون للضارب تضمين الحالف وإنما له استسعاء نصيبه فبقي نصيب الضارب على ملكه وصار نصيبه مكاتبا له لانه توقف عتق نصيبه على أداء السعاية إليه ونصيب المعتق

[ 175 ]

صار حرا مولى له وكان السوط الاول هدرا والسوط الثاني نصفه هدر ونصفه معتبر لما بينا، والسوط الثالث كله معتبر لان نصفه مكاتب للضارب ونصفه لمولى الحالف وقد مات العبد بجنايتين: إحداهما معتبرة والاخرى مهدرة. فكان على الضارب نصف قيمة العبد مضروبا بثلاثة أسواط نصفه على العاقلة لان نصفه مكاتب ونصفه معتق الحالف وموجب جنايته على مكاتب نفسه في ماله وموجب جنايته على معتق غيره على عاقلته ويكون ذلك كسب المكاتب فيستوفي الضارب منه مقدار نصف قيمته مضروبا سوطين لانه يأخذ من ماله مال جنايته لانه صار دينا عليه فيأخذ أيضا من تركته بعد وفاته. ولو كانت المسألة بحالها ثم ضربه الآمر سوطا ثم ضربه الاجنبي سوطا ومات من ذلك كله فعلى المأمور نصف أرش السوط الثاني مضروبا سوطا في ماله لشريكه وعلى عاقله المأمور إن كان المعتق موسرا أرش السوط الثالث مضروبا سوطين وهو سدس قيمته مضروبا خمسة أسواط في ماله وعلى عاقلة الاجنبي أرش السوط الخامس مضروبا أربعة أسواط وهو ثلث قيمته مضروبا خمسة أسواط لان السوط الاول كله هدر والسوط الثاني نصفه معتبر لانه نصفه لاقى ملك شريكه بغير إذنه فيغرم الضارب نصف أرش في ماله لشريكه وسراية الجنايتين مهدرة لان الحالف أعتق نصيبه بعد السوط الثاني وهو مسر فكان للضارب أن يضمن قيمة نصيبه مضروبا سوطين وصار نصيب الضارب ملكا للحالف بالضمان وصار مكاتبا له، والسوط الثالث معتبر كللانه لاقى شخصا نصفه معتق مكاتب له والجناية على المعتق والمكاتب معتبرة والسوط الرابع من المولى أيضا معتبر لانه لاقى شخصا نصفه مولى للآمر ونصفه مكاتب له وجناية الانسان على مولاه ومكاتبه معتبرة فيغرم الآمر ما نقصه السوط الرابع منقوصا ثلاثة أسواط، والسوط الخامس من الاجنبي معتبر فيغرم أرش ما نقصه مضروبا أربعة أسواط، وإذا مات العبد من ذلك كله يغرم الضارب سدس قيمته مضروبا خمسة أسواط لانه قتل النفس ثلاثة فقد تلفت النفس بجنايات الضارب وهي ثلاثة أسواط إلا أن السوطين الاولين حكمهما واحد فإن سرايتهما مهدرة فتجعل جناية واحدة، والسوط الثالث بأصله وسرايته معتبرة فهذا الثلث تلف بجنايتين إحداهما معتبرة والاخرى مهدرة. فيغرم نصف الثلث وذلك سدس الكل ويجب على عاقلته لانه جنى على معتق ومكاتب غيره ويضمن الآمر نصف قيمته مضروبا خمسة أسواط في ماله لانه جنى على المكاتب نفسه لانه لم يظهر لعتق نصيبه أثر في حكم من أحكام الحرية فكان الكل مكاتبا له حكما واعتبارا على عاقلة الاجنبي ثلث قيمته مضروبا خمسة أسواط لانه جنى على مكاتب غيره ومولى غيره يكون من عاقلة الاجنبي ومن الآمر ومن المأمور للعبد لانه كسب العبد ويأخذ المأمور من الآمر بذلك من مال العبد لان هذا أرش له على العبد، وما بقي في ماله فلعصبة المولى الآمر إن لم يكن للعبد عصبة لان الولاء لهما إلا أن الآمر باشر قتله بغير حق محرم عن الميراث فيجعل كالميت فيكون ما بقي لاقرب عصيات الآمر. وقال في

[ 176 ]

النهاية: هذا بخلاف ظاهر الرواية لانه ذكر في المبسوط ففي طرف المملوك تعتبر بأطراف الحر من الدية إلى آخره. فإن قيل: عند الامام يدفع إليه العبد ويأخذ قيمته في قطع الاطراف فأي تقدير على قوله؟ فالجواب أن التقدير على قوله فيما إذا جنى عليه آخر بقطع يد أو رجل فسرى فيه إلى النفس أو فوت جنس المنفعة في عدم التقدير والدفع في غيره، وقيل يضمن في الاطراف بحسابه بالغة ما بلغت ولا ينقص منه شئ لان الاطراف يسلك فيها مسلك الاموال، وهذا يؤدي إلى أمر شنيع وهو أن ما يجب في الاطراف أكثر مما يجب في النفوس بأن كانت قيمته مثلا مائة ألف فإنه بقطع يده يجب خمسون ألفا ويقتله يجب عشرة آلاف إلا عشرة. قال رحمه الله: (قطع يد عبد فحرره سيده فمات منه وله ورثة غيره لا يقتص وإلا اقتص منه) وإنما لا يقتص في الاول لاشتباه من له الحق لان القصاص يجب عند الموت مستند إلى وقت الجرح فعلى اعتبار حالة الجرح يكوالحق للمولى، وعلى اعتبار الحالة الثانية يكون للورثة فتحقق الاشتباه فتعذر فلاتجب على وجه يستوفي إذ الكلام فيما إذا كان للعبد ورثة أخرى سوى المولى واجتماعهما لا يزيل الاشتباه لان الملك يثبت لكل واحد منهما في إحدى الحالتين، ولا يثبت على الدوام فيها فلا يكون الاجتماع مقيدا. ولا يقال يأذن كل واحد منهما لصاحبه لان الاذن إنما يصح إذا كان الآذن يملك ذلك بخلاف العبد الموصى برقبته لرجل وبخدمته لآخر وكل واحد منهما دائم فصار بمنزلة الشريكين فيه فلا يفرد أحدهما دون الآخر لما فيه من إبطال حق الآخر فيتصل باجتماعهما للرضا ببطلان حقه. وأما في الثاني وهو ما إذا لم يكن له ورثة غير المولى فهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد رحمه الله: لا يجب القصاص فيه أيضا لان سبب الولاية قد اختلف لان الملك على اعتبار العتق والولاء على اعتبار حالة الموت فنزل اختلاف السبب منزلة اختلاف المستحق فيما لا يثبت مع الشبهة أو فيما يحتاط فيه فصار كما إذا قال لآخر بعتني هذه الجارية وقال لا بل زوجتها منك لا يحل له وطؤها لما قلنا بخلاف ما إذا أقر لرجل بألف درهم من القرض وقال المقر له من ثمن مبيع فإنه يقضي له عليه بألف وإن اختلف السبب لان الاموال تثبت بالشبهة فلا يبالي باختلا ف السبب عند اتحاد الحكم، ولان الاعتاق قاطع للسراية وبانقطاعها يبقى الجرح بلا سراية والسراية بلا قطع فيمتنع القصاص. ولهما أنهما تيقنا ثبوت الولاية للمولى فيستوفيه، وهذا لان المقضى له معلوم والحكم متحد فأمكن الايجاب والاستيفاء لاتحاد المستوفي والمستوفي منه ولا معتبر باختلاف السبب بعد ذلك كمسألة الاقرار بخلاف الفصل الاول لان المقضى له مجهول، وبخلاف مسألة الجارية لان الحكم مختلف لان ملك اليمين يغاير ملك النكاح في الحكم لان النكاح يثبت الحل مقصودا وملك اليمين لا يثبته مقصودا

[ 177 ]

وقد لا يثبت الحل أصلا، ولان ما ادعى كل واحد منهما من السبب للحل انتفى بانكار الآخر فبقي بلا سبب فلا يثبت الحل بدونه إذ لا يجري فيه البدل بخلا ف ما نحن فيه لان السبب موجود بيقين ولا منكر له فلم يوجد ما يبطله ولا ما يحتمل الابطال فأمكن استيفاؤه، والاعتاق لا يقطع السراية لذاته بل الاشتباه من له الحق وذلك إذا كان له وارث آخر غير المولى على ما بينا أو في الاطراف أو في القتل خطأ لان العبد لا يصلح مالكا للمال فعلى اعتبار حالة الجرح يكون الحق للمولى، وعلى اعتبار حالة الموت أو زيادة الجرح في الحالة الثانية يكون للعبد حتى تقضى منه ديونه وتنفذ وصاياه فحصل الاشتباه فيمن له الحق فسقط ما حدث بعد الحرية من ذلك الجرح. وأما القتل عمدا فموجبه القصاص فلا اشتباه فيه إذا لم يكن له وار ث سوى المولى لانه على اعتبار أن يكون الحق للعبد فالمولى هو الذي يتولاه فلا اشتباه فيمن له الحق، فالحاصل من هذا كله أن من قطع يد عبد غيره فأعتقه المولى ثم مات لا يزيد على أربع لانه إما إن قطع عمدا أو خطأ، فإن كان الاول فإما أن يكون للعبد وارث سوى المولى أو لم يكن، فإن كان يقطع الاعتاق السراية بالاتفاق فلا يجب القصاص لجهالة المقضى له والمقضى به، وإن لم يكن لا يقطعها عندهما خلافا لمحمد. وإن كان الثاني فالاعتاق لا يقطعها فحاصله أنهم أجمعوا في الخطأ وفي العمد فيما إذا كان له وارث آخر أن الاعتاق يقطع السراية فلا يجب إلا أرش القطع وما ينقص بذلك إلا الاعتاق ويسقط الدية والقصاص، وكذا في القطع إذا لم يمت منه لا يجب عليه سوى أرش القطع وما نقص إلى الاعتاق ولا يجب عليه ما حدث من النقصان بعد الاعتاق بالاجماع فعلم بذلك أن كل موضع لا يجب فيه القصاص يجب فيه أرش القطع، وما نقصه إلى الاعتاق ولا يجب عليه الدية وما نقص منه بعد الاعتاق. قال رحمه الله: (قال أحدكما حر فشجا فبين في أحدهما فارشهما للسيد) يعني إذا قال لعبديه أحدكما حر ثم شجا فبين في أحدهما العتق بعد الشج فأرشهما للمولى لان العتق غير نازل في المعين فالشجة تصادف المعين فبقيا مملوكين في حق الشجة، ولو قتلهما رجل واحد في وقت واحد معا تجب دية حر وقيمة عبد والفرق أن البيان إنشاء من وجه وإظهار من وجه على ما عرف وبعد الشجة بقي محلا للبيان فاعتبر إنشاء في حق المحل وبعد الموت لم يبق محلا للبيان فاعتر إظهارا محضا، فإذا قتلهما رجل واحد معا فأحدهما حر يجب عليه دية حر وقيمة عبد فيكون الكل نصفين بين المولى والورثة لعدم الاولوية، وإن اختلفت قيمتهما يجب نصف قيمة كل واحد منهما ودية حر فيقسم مثل الاول بخلاف ما إذا قتلهما على التعاقب حيث تجب عليه قيمة الاول لمولاه ودية الثاني للورثة، وبخلاف ما إذا قتل كل واحد منهما رجلا معا تجب قيمة المملوكين لانا لم نتيقن بقتل كل واحد منهما حرا وكل منهما ينكر ذلك، لان

[ 178 ]

القياس يأبى ثبوت العتق في المجهول لانه لا يفيد فائدته. وإنما صححناه ضرورة صحة التصرف وأثبتنا له ولاية لنقل من المجهول إلى المعلوم فيقدر بقدر الضرورة وهي النفس دون الاطراف والدية فبقي مملوكا في حقهما فتجب القيمة فيهما فيكون نصفين بين المولى والورثة فيأخذ هو نصف كل واحد منهما ويترك النصف لورثته لان موجب العتق ثابت في أحدهما في حق المولى فلا بدل له فوزع ذلك عليهما نصفين، وإن قتلاهما على التعاقب فعلى قاتل الاول قيمته للمولى لتعينه للرق، وعلى قاتل الثاني ديته لورثته لتعينه للعتق بعد موت الاول. وإن كان لا يدري أيهما قتل أولا فعلى كل واحد منهما قيمته وللمولى من كل واحد منهما نصف القيمة كالاول لعدم أولوية أحدهما بالتقدم. وفي الجامع الصغير: وإذا قال الرجل لعبدين له في صحته أحدكما حر ثم إن أحدهما قتل رجلا خطأ فالقاضي يجبر المولى على البيان، فإن أوقع العتق على غير الجاني خير في الثاني بين الدفع والفداء، وإن أوقع العتق على الجاني صار مختارا للفداء في الجاني، فرق بين هذا وبين ما إذا باع عبدا على أنه بالخيار ثلاثة أيام فجنى العبد في يد البائع جناية موجبة للمولى في مدة الخيار بأن قتل رجلا خطأ فأجاز البائع البيع فيه مع العلم بالجناية لم يصر مختارا للفداء، وإن أعجز نفسه عن الدفع مع العلم بالجناية. وكذا إذا كان الخيار للمشتري فجنى العبد في مدة الخيار ثم رد المشتري العبد لا يكون مختارا للفداء، وإن عجز نفسه عن الدفع بسبب الرد بالجناية. ولو كان كل واحد من العبدين قتل رجلا خطأ بعد العتق المبهم ثم أوقع المولى العتق على أحدهما بعينه يخير بين الدفع والفداء في العبد الاخير وعليه قيمة العبد الذي أوقع فيه العتق لولي الجناية يريد إذا كانت قيمته أقل من الدية ولم يصر مختارا للفداء بصرف العتق إلى الجاني، فرق بين هذا وبين ما لو طلق إحد امرأتيه في صحته ثلاثا ثم مرض مرض الموت فأجبر على البيان فأوقع ذلك على أحدهما فإنه يصير فارا وإن كان مضطرا إلى البيان، وكذلك لو كانت جناية أحد العبدين قطع يد وجناية الآخر قتل نفس خطأ كان الجواب كما قلنا. ولو قال في صحته لعبدين قيمة كل واحد منهما ألف أحدكما حر ثم قتل أحدهما رجلا خطأ ثم مات المولى قبل البيان عتق من كل واحد منهما نصفه وسعى كل واحد منهما في نصف قيمته وللمجني عليه في مال المولى قيمة الجاني يريد به إذا كانت قيمته أقل من الارش ويصير من جميع ما له ولا يصير المولى مختارا للفداء. ولو كان كل واحد من العبدين قتل رجلا خطأ والمسألة بحالها سعى كل واحد من العبدين في نصف قيمته ولكل واحد من المجني عليهما في مال المولى قيمة العبد الذي جنى عليه ولم يصر المولى مختارا للفداء. هذا الذي ذكرناه كله إذا أوقع المولى العتق المبهم على أحد عبديه قبل الجناية، أما إذا كان إيقاع العتق المبهم بعد الجناية فقال: رجل له عبدان قيمة كل واحد منهما ألف فقتل أحدهما قتيلا خطأ ثم قال المولى في صحته أحدكما حر وهو عالم بالجناية ثم مات المولى قبل البيان عتق من كل واحد منهما نصفه وسعى كل واحد منهما في

[ 179 ]

نصف قيمته ويصير المولى مختارا للفداء في الجاني، ثم إذا صار مختارا للفداء فمقدار القيمة معتبر من جميع المال، وإذا جنى كل واحد من العبدين جناية والمسألة بحالها سعيا على الوجه الذي وصفناه وصار مختارا للفداء في الجنايتين ولكن تجب دية واحد في مال المولى وقيمة العبدين ويكون ذلك من جميع المال وما زاد على القيمة إلى تمام الدية يعتبر من ثلث المال وتكون الجنايتان نصفين إذ ليس أحدهما أولى من الآخر. قال في الجامع الصغير: رجل له عبدان سالم ورابع فقتل سالم رجلا خطأ في صحة المولى فقال المولى أحدكما حر ثم قتل رابع رجلا آخر في صحة المولى ثم مات المولى قبل البيان عتق من كل واحد منهما نصفه وسعى كل واحد منهما في نصف قيمته ولزم المولى الفداء في قتل سالم، وهذا منه اختيار للفداء إلا أن فداء سالم في الدية يعتبر من جميع المال وما زاد على ذلك إلى تمام الدية يعتبر من الثلث ولا يلزمه الفداء في قتل رابع، ولو أن المولى لم يقل ما ذكر ولكن المولى أوقع العتق على سالم صار مختارا للفداء في قتل سالم، وإن أوقع المولى العتق على رابع لم يصر مختارا. قال رحمه الله: (فقأ عيني عبد دفع سيده عبده وأخذ قيمته أو أمسكه ولا يأخذ النقصان) أي إذا فقأ رجل عيني عبد فالمولى بالخيار إن شاء دفع العبد المفقوء إلى الفاقئ وأخذ قيمته كامل، وإن شاء أمسكه ولا شئ له وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: إن شاء أمسك العبد وأخذ ما أنفقه، وإن شاء دفع العبد وأخذ قيمته. وقال الشافعي: يضمنه كل القيمة ويمسك الجثة لانه يجعل الضمان مقابلا بالفائت فبقي الباقي على ملكه كما إذا قطع إحدى يديه وفقأ إحدى عينيه ونحن نقول المالية قائمة في الذوات وهي معتبرة في حق الاطراف فصار اعتبار المالية في الذوات دون الاطراف ساقطا بل المالية تعبر في الاطراف أيضا بل اعتبار المالية في الاطراف أولى لانها يسلك بها مسالك الاموال فإذا كانت المالية معتبرة وقد وجد أيضا إتلاف النفس من وجه بتفويت جنس المنفعة وهذا الضمان مقدر بقيمة الكل فوجب أن يتملك الجثة دفعا للضرر عنه ورعاية للمالية بخلاف ما إذا فقأ عيني حر لانه ليس فيه معنى المالية وبخلاف عيني المدبر لانه لا يقبل النقل من ملك إلى ملك، وفي قطع إحدى اليدين وفق ء إحدى العينين لم يوجد تفويت جنس المنفعة فإذا ثبت هذا جئنا إلى تعليل مذهب الفريقين. لهما أن العبد في حكم الجناية على أطرافه بمنزلة المال حتى لا يجب القود فيها ولا تتحملها العاقلة وتجب قيمته بالغة ما بلغت فكان معتبرا بالمال، فإذا كان معتبرا به وجب تخيير المولى على الوجه الذي قلناه كما في سائر الاموال، فإن خرق ثوب الغير خرقا فاحشا يوجب تخيير المالك إن شاء دفع الثوب وضمن قيمته، وإن شاء مسكه وضمنه النقصان. وله أن المالية وإن كانت معتبرة في الذات والآدمية أيضا غير مهدرة فيه وفي الاطراف ألا ترى أن عبدا لو قطع يد عبد آخر يؤمر مولاه بالدفع أو الفداء وهذا من أحكام الآدمية لان موجب الجناية على المال

[ 180 ]

أن تباع رقبته فيها، ثم من أحكام الآدمية أن لا ينقسم الضمان على الجزء الفائت والقائم بل يكون بإزاء الفائت لا غير ولا يتملك الجثة، ومن أحكام المالية أن ينقسم على الجزء الفائت والقائم ويتملك الجثة فوفرنا على الشبهين حظهما فقلنا بأنه لا ينقسم اعبارا للآدمية، ويتملك الجثة اعتبارا للمالية وهذا أولى مما قالاه إذ فيما قالاه اعتبار جانب المالية فقط وهو أدنى وإهدار جانب الآدمية وهو أعلى، ومما قاله الشافعي أيضا لان فيه اعتبار الآدمية فقط والشئ إذا أشبه شيئين يوفر عليه حظهما. قال رحمه الله: (جنى مدبر أو أم ولد ضمن السيد الاقل من القيمة ومن الارش) لما روي عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه أنقضى بجناية المدبر على المولى بمحضر من الصحابة من غير نكير وكان يومئذ أميرا بالشام فكان إجماعا، ولان المولى صار مانعا ما ذكرنا. قال القدوري في التقريب قال أبو يوسف: يضمن المولى قيمة المدبر وأم الولد بالجناية مدبرا. وقال زفر: يضمن قيمته عبدا. الكرخي في مختصره: وجناية المدبر على سيده وفي ماله هدر بالتدبير، وكذا بالاستيلاد وإنما يصر مختارا للفداء لعدم علمه بما يحدث فصار كما إذا فعل بعد الجناية وهو لا يعلم. وإنما يجب الاقل من القيمة ومن الارش لانه لاحق لولي الجناية في أكثر من الارش ولا منع من المولى في أكثر من العين وقيمتها تقوم مقامها، ولا يخير في الاكثر أو الاقل لانه لا يفيده في جنس واحد لاختياره الاقل بخلاف ما إذا كان الجاني قنا حيث يخير المولى بين الدفع والفداء ولا يجب الاقل لان فيه فائدة لاختلاف الجنس لان من الناس من يختار دفع العين ومنهم من يختار دفع الفداء على ما هو الايسر عنده أو يبقى ما اختاره على ملكه ويخرج الآخر عن ملكه. ثم الاصل فيه أن جنايات المدبر لا توجب إلا قيمة واحدة وإن كثرت لانه لا يمنع منه إلا رقبة واحدة، ولان دفع القيمة فيه كدفع العين في القن ودفع العين لا يتكرر فكذا ما قام مقامها ويتضاربون بالحصص في القيمة وتعتبر قيمته في حق كل واحد منهم في حال الجناية عليه لانه يستحقه في ذلك الوقت حتى لو قتل رجلا وقيمته ألف ثم قتل آخر وقيمته الفان ثم قتل آخر وقيمته خمسمائة يجب على المولى ألفا درهم لانه جنى على الوسط وقيمته ألفان فيكون المولى الاوسط ألف منها لا يشاركه فيه أحد لان ولي الاول لا حق له فيما زاد على الالف وإنما حقه في قيمته يوم جنى على وليه وهو ألف درهم، وكذلك الثالث لا حق له فيما زاد على الخمسمائة لما ذكرنا، ثم يعطى خمسمائة فتنقسم بين الاول والاوسط فيضرب الاول بجميع حقه وهو عشرة آلاف درهم ويضرب الاوسط بما بقي من حقه وهو عشرة آلاف درهم إلى آخره لانا ننتظر إلى دية المقتول وما وصل منها وما تأخر منها يضرب له بعشرة آلاف درهم إلى آخره. قال في المحيط: مدبر قتل رجلا وقيمته ألف درهم ثم صارت قيمته ألفين فقتل آخر خطأ فالالف درهم للثاني وتحاصا

[ 181 ]

في الالف الاولى في المرتهن. قال رحمه الله: (فإن دفع القيمة بقضافجنى أخرى شارك الثاني الاول) يعني إذا دفع المولى القيمة لولي الجناية الاول بقضاء القاضي ثم جناية أخرى بعد ذلك فلا شئ على المولى لان جناياته كلها لا توجب إلا قيمة واحدة ولا تعدي من المولى بدفعها إلى ولي الجناية الاولى لانه مجبور عليه بالقضاء فيتبع ولي الجناية الثانية ولي الاولى فيشاركه فيها ويقتسماها على قدر حقهما على ما ذكرنا. قال رحمه الله: (ولو بغير قضاء اتبع السيد أو ولى الجناية) أي لو دفع المولى القيمة إلى ولي الجناية الاولى بغير قضاء كان ولي الجناية الثانية بالخيار إن شاء اتبع المولى بحصته من القيمة، وإن شاء اتبع ولي الجناية الاولى وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: لا شئ على الولي لانه فعل عين ما يفعله القاضي ولا تعدي منه بتسليمه إلى الاول لانه حين دفع الحق إلى مستحقه لم تكن الجناية الثانية موجودة ولا علم له بما يحدث حتى يجعل متعديا. ولابي حنيفة رحمه الله تعالى أن جنايات المدبر توجب قيمة واحدة وهم شركاء فيها والجناية المتأخرة كالمقارنة حكما ولهذا يشتركون فيها كلهم جميعا، ثم إذا دفعها إلى الاول باختياره صار متعديا في حق الثاني لان حصته وجبت عليه وليس له ولاية عليه، فإذا لم ينفذ دفع المولى في حق الثاني فالثاني بالخيار إن شاء تبع الاول لانه قبض حقه ظلما فصار به ضامنا فيأخذه منه، وإن شاء اتبع المولى لانه دفع حقه بغير إذنه فإذا أخذ منه رجع المولى على الاول بما ضمن للثاني وهو حصته لانه قبضه بغير حق فيسترده منه، وهذا لانه لا يجب عليه إلا قيمة واحدة فلو لم يكن له حق الرجوع لكان الواجب عليه أكثر من القيمة، ولان الثاني مقارنة من وجه حتى يشاركه ومتأخرة من وجه في حق اعتبار القيمة فيعتبر مقارنة في حق التضمين أيضا كيلا يبطل حق ولي الثانية. وإذا أعتق المدبر وقد جنى جناية لم يلزمه إلا قيمة واحدة لما ذكرنا، وسواء أعتقه بعد العلم بالجناية أو قبله لان حق المولى لم يتعلق بالعبد فلم يكن مفوتا بالاعتاق وأم الولد كالمدبر، وإذا أقر المدبر وأم الولد بجناية توجب المال لم يجز إقراره وجنايته على المولى لا على نفسه وإقراره على المولى غير نافذ بخلاف ما إذا كانت الجناية موجبة للقود بأن أقر بالقتل عمدا حيث يصح إقراره فيقتل به لان إقراره على نفسه فينفذ عليه لعدم التهمة. باب غصب العبد والمدبر والصبي والجناية في ذلك قال في النهاية: لما ذكر حكم المدبر في الجناية ذكر في هذا الباب ما يرد عليه وما يرد منه وذكر حكم ما يلحق به ا ه‍. وقال في غاية البيان: لما ذكر جناية العبد والمدبر ذكر في هذا الباب جنايتهما مع غصبهما لان المفرد قبل المركب ثم جر كلامه إلى بيان حكم غصب

[ 182 ]

الصبي ا ه‍. وتبعه العيني. أقول: هذا أشبه الوجوه المذكورة وإن أمكن التقرير بأحسن منه تدبر. قال رحمه الله: (قطع يد عبده فغصبه رجل ومات منه ضمن قيمته اقطع وإن قطع يده في يد الغاصب فمات منه برئ) لان الغصب يوجب ضمان ما غصب ففي المسألة الاولى لما قطعه المولى نقصت قيمته بالقطع فيجب على الغاصب قيمته أقطع، وفي الثاني حين قطع المولى العبد في يد الغاصب صار مستردا له لاستيلائه عليه وبرئ الغاصب من ضمانه لوصول ملكه إلى يده. قال صاحب الهداية في الفرق بين المسألتين: إن الغصب قاطع للسراية لان سبب الملك كالبيع فيصير كأنه هلك بآفة سماوية فتجب قيمته أقطع ولو لم يوجد القاطع في الفصل الثاني فكانت السراية مضافة إلى البداية فصار المولى متلفا فيصير مستردا وهذا مشكل، لان السراية إنما تنقطع باعتبار تبدل الملك لاختلاف المستحقين والغصب ليس بسبب للملك وضعا والغاصب لا يملك إلا بأداء الضمان ضرورة كيلا يجتمع البدلان في ملك واحد وذلك بعد ملك المولى البدل ولم يوجد تحقيقه أن معنى قولهم بقطع السراية أن ما حصل من التلف بالسراية يكون هدرا إلا أن تسبب ذلك إلى غير الجاني. واعترض عليه الامام قاضيخان بأن هذا يخالف مذهبنا، فإن الغصب لا يقطع السراية ما لم يملك البدل على الغاصب بقضاء أو رضا لان السراية أو رضا لان السراية إنما تنقطع به باعتبار تبدل الملك، وإنما يتبدل الملك به إذا ملك البدل على الغاصب وهو قيمة العبد أقطع أما قبله فلا يضمن. وفي رهن الجامع الصغير في الباب الثاني من جناياته: إنما يضمن الغاصب هنا قيمة العبد لان السراية وإن لم تنقطع بالغصب وردت على مال متقوم فوجب سبب الضمان فلا يبرأ عنه الغاصب إلا إذا ارتفع الغصب والشئ إنما يرتفع بما هو فوقه أو مثله ويد الغاصب ثابتة على المغصوب حقيقة وحكما ويد المولى ثابتة عليه حكما باعتبار السراية لا حقيقة لان بعد الغصب لم تثبت يده على العبد حقيقة والثابت حكما دون الثابت حقيقة وحكما فلم يرتفع الغصب باتصال السراية فقصر عليه الضمان. قال صاحب العناية: فيه نظر لانا لا نسلم أن يد الغاصب عليه ثابتة حكما فإن يد المولى ثابتة عليه حكما ولا يثبت على الشئ الواحد يدان حكميان بكمالهما. أقول نظره ساقط إذ لا وجه لمنع ثبوت يد الغاصب عليه حكما فإن معنى ثبوت اليد على الشئ حكما أن يترتب على تلك اليد حكما من الاحكام وقد ترتب على يد الغاصب فيما نحن فيه وجوب الضمان بالاجماع، وأما يد منعه فليس بتام أيضا إذ لا محذور في أن يثبت على الشئ الواحد يدان حكميان أن بكمالهما من جهتين مختلفتين وهنا كذلك فإن ثبوت يد المولى على العبد المغصوب منه حكما باعتبار سراية القطع الذي صدر منه وثبوت يد الغاصب عليه حكما باعتبار ثبوت يده عليه حقيقة فاختلفت الجهتان. قال رحمه الله: (غصب

[ 183 ]

محجور مثله فمات في يده ضمن) يعني إذا غصب عبد محجور عليه عبدا محجورا عليه فمات المغصوب في يد الغاصب ضمنه لان المحجور عليه مؤاخذ بأفعاله وهذا منها فيضمن. قال رحمه الله: (مدبر جنى عند غاصبه ثم عند سيده ضمن قيمته لهما) أي لو غصب رجل مدبرا فجنى عنده جناية ثم رده على مولاه فجنى عنده جناية أخرى ضمن المولى القيمة لولي الجنايتين فتكون بينهما نصفين لان موجب جناية المدبر وإن كثرت قيمته واحدة فيجب ذلك على الملك للمولى لانه هو الذي أعجز نفسه عن الدفع بالتدبير السابق من غير أن يصير مختارا للفداء كما في القن إذا أعتقه بعد الجنايات من غير أن يعلمها، وإنما كانت القيمة بينهما نصفين لاستوائهما في السبب. قال رحمه الله: (ورجع بنصف قيمته على الغاصب) أي رجع المولى بنصف ما ضمن من قيمة المدبر على الغاصب للتعدي لانه ضمن القيمة بالجنايتين نصفها بسبب كان يمتد للغاصب والنصف الآخر بسبب عنده فيرجع عليه بسبب لحقه من جهة الغاصب فصار كأنه لم يرد نصف العبد لان رد المستحق بسبب وجد وعبده عند الغاصب كلا رد. قال رحمه الله: (ورده للاول) أي دفع المولى نصف القيمة الذي أخذه من الغاصب إلى ولي الجناية الاولى وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف. قالوا: ولهما أن حق الاول في جميع القيمة لانه حين جنى في حقه لا يزاحمه أحد وإنما انتقص باعتبار مزاحمة الثاني إلى آخره. قال في العناية: واعترض بأن الثانية مقارنة للاولى حكما فكيف يكون الحق للاول في جميع القيمة؟ وأجيب بأن المقارنة جعلت حكما في حق الضمان لا غير والاولى مقدمة حقيقة وقد انعقدت موجبة لكل القيمة من غير مزاحمة وأمكن توفير موجبها فلا يمتنع بلا مانع. أقول: في الجواب بحث لانا لا نسلم أن المقارنة جعلت حكما في حق التضمين لا غير بل جعلت حكما أيضا في حق مشاركة ولي الجناية الثانية لولي الجناية الاولى كما أرشد إليه قول صاحب الهداية في الفصل السابق لان الثانية مقارنة حكما من وجه ولهذا يشارك ولي الجناية ا ه‍. فإذا جعلت المقارنة حكما في حق مشاركته وفي الجناية الثانية أيضا كان ولي الجناية الثانية مزاحما لولي الجناية الاولى في الاستحقاق جميع القيمة فكيف يأخذ ولي الجناية الثانية ايضا كان ولى الجناية الثلاية مزاحما لولى الجناية الاولى في الاستحقاق جميع القيمة فكيف ياخذ ولى الجناية الثانية ايضا كان ولى الجناية الثانية مزاحما لولى الجناية الاولى في الاستحقاق جميع القيمة فكيف يلاخذ ولى الجناية الاولى وحده كل القيمة مع مزاحمة الاولى الثانية له في استحقاقه إياه؟ وإن كان الاعتبار لتقدم الاولى حقيقة دون المقارنة الحكمية ينبغي أن لا يستحق ولي الثانية شيئا من قيمة المدبر وليس الامر كذلك بالاجماع فليتأمل في جواب الشافعي. وقال محمد رحمه الله: لا يدفعها إليه لان الذي يرجع به المولى على الغاصب عوض ما سلم لولي الجناية الاولى لانه إنما يرجع على الغاصب فلا يدفع إليه كيلا يؤدي إلى جتماع البدل والمبدل في ملك رجل، وكيلا يتكرر الاستحقاق. وقوله عوض ما سلم إلي ولي الجناية الاولى، قلنا هو كذلك

[ 184 ]

لكن ذلك في حق المولى والغاصب لان ما أخذه المولى من الغاصب عوض المدفوع إلى ولي الجناية الاولى وأما في حق المجني عليه فهو عوض ما لم يسلم له ومثله جائز كالذمي إذا باع خمرا وقضى دين مسلم يجوز له أخذه لان تلك الدراهم ثمن الخمر في حق الذمي وبدل الدين في حق المسلم. قوله ودفع إلى الاول فإن قلت: هذا يناقض قوله أولا جناية العبد لا توجب إلا دفعا واحدا لو محلا أو قيمة واحدة وهنا أوجبت قيمة ونصفا أو دفع العبد ونصف القيمة للاول، فالجواب أن الكلام الاول فيما إذا تعددت الجناية في يد شخص واحد من غير غصب ورد يكون جامعا لها فلهذا تجب قيمة واحدة أو دفع واحد، وهنا لما كانت عند شخصين لم يمكن جمعها فلها حكمان وإن كانت في يد واحد لكن بعد غصب ورد كما سيأتي في قوله ورده. قال رحمه الله: (ثم يرجح به على الغاصب) أي يرجع المولى بذلك الذي دفعه إلى ولي الجناية الاولى ثانيا على الغاصب عندهما لانه استحق من يده بسبب كان في يد الغاصب فيرجع عليه بذلك فصار كأنه لم يرد ولم يضمن له شيئا إذا لم يبق شئ من العبد أو من بدله في يده. قال رحمه الله: (وبعكسه لا يرجع به ثانيا) أي بعكس ما ذكره لا يرجع غاصب المولى على الغاصب بالقيمة ثانيا وصورته أن المدبر جنى عند مولاه أولا فغصبه رجل فجنى عنده جناية أخرى ثم رده على المولى ضمن قيمته لولي الجنايتين فيكون بينهما نصفين، ثم يرجع المولى على الغاصب بنصف القيمة لانه استحق عليه بسبب كان في يد الغاصب فيدفعه إلى ولي الجناية الاولى بالاجماع. أما عندهما فظاهر لما بينا، وأما عند محمفإنه يمتنع الدفع إلي ولي الجناية الاولى في المسألة الاولى كيلا يجتمع البدل والمبدل في ملك واحد على ما بينا، وهنا لا يلزم ذلك لان ما أخذه من الغصب عوض ما دفع إلى ولي الجناية الثانية فإذا دفعه إلى ولي الاولى لا يجتمع البدلان في ملك واحد، وفي الاول يجتمع لانه عوض ما أخذه هو بنفسه، ثم إذا أدفعه إلي ولي الاولى لا يرجع به على الغاصب بالاجماع وهو المراد بقوله وبعكسه لا يرجع ثانيا لان المولى لما لم يدفع ما أخذه من الغاصب إلى ولي الاولى سلم له ما أخذه من الغاصب فلم يتصور الرجوع عليه وهنا لم يسلم له بالاجماع ومع هذا لا يرجع على الغاصب بالاجماع بما دفعه ثانيا لان الذي دفعه المولى إلى ولي الجناية الاولى ثانيا هنا بسبب جناية وجدت عنده فلا يرجع به على أحد بخلاف المسألة الاولى عندهما لان دفع المولى ثانيا إلى ولي الجناية الاولى فيها بسبب جناية وجدت عند الغاصب فيرجع عليه هنا كما ذكرنا. قال رحمه الله: (والقن كالمدبر غير أن المولى يدفع العبد هنا وثمة القيمة) أي العبد القن فيما ذكرنا كالمدبر، ولا فرق بينهما إلا أن المولى يدفع القن وفي المدبر القيمة حتى إذا غصب رجل عبدا فجنى في يده ثم رده على المولى فجنى عنده جناية أخرى فإن المولى يدفعه إلى الاول ثم يرجع على الغاصب عندهما، وعند محمد لا يدفع ما أخذه من الغاصب إلى الاول بل يسلم له فلا يتصور الرجوع على الغاصب ثانيا على ما ذكرنا في المدبر، وإن جنى

[ 185 ]

عند المولى أولا ثم غصبه فجنى في يده ثم رده إلى المولى دفعه إلى ولي الجنايتين نصفين ثم يرجع بنصف قيمته على الغاصب لما ذكرنا. قال رحمه الله: (مدبر جنى عند غاصبه فرده فغصبه أخرى فجنى فعلى سيده قيمته لهما) أي إذا غصب رجل مدبرا فجنى عنده جناية فرده على المولى ثم غصبه ثانيا فجنى عنده جناية أخرى فعلى المولى قيمته بين ولي الجنايتين نصفين لان منعه بالتدبير فوجب عليه قيمته على ما بينا. قال رحمه الله: (ورجع بقيمته على الغاصب) لان الجنايتين كانت في يد الغاصب فاستحق كل بسبب كان في يد فرجع عليه بالكل بخلاف المسائل المتقدمة فإن هناك استحق النصف بسبب كان عنده والنصف بسبب كان في يد المالك فيرجع بالنصف لذلك. قال رحمه الله: (ودفع نصفها إلى الاول) أي دفع المولى نصف القيمة المأخوذة من الغاصب ثانيا إلى ولي الجناية الاولى لانه استحق كل القيمة لعدم المزاحمة عند وجود جنايته وإنما انتقص حقه بحكم المزاحمة من بعد. قال رحمه الله: (ورجع بذلك النصف على الغاصب) أي يرجع المولى بالنصف الذي دفعه ثانيا إلى ولي الجناية الاولى على الغاصب لان ولي الجناية الاولى استحق هذا النصف ثانيا بسبب كان في يد الغاصب فيرجع عليه به ويسلم الباقي له ولا يدفعه إلى ولي الجناية الاولى لانه استوفى حقه في حقه ولا إلى ولي الثانية لانه لا حق له إلا في النصف لسبق حق الاول عليه وقد وصل ذلك إليه، وهذا لان الثاني يستحق النصف لوجود المزاحمة وقت جنايته والمزاحمة موجودة فبقي على ما كان بخلاف ولي الاولى لانه استحق الكل وقت الجناية، وإنما رجع حقه إلى النصف للمزاحمة قالوا: وكلما وجد شيئا من بدل العبد أخذه حتى يستوفي حقه، ثم قيل هذه المسألة على الخلاف كالاولى، وقيل على الاتفاق، والفرق لمحمد أن الذي يرجع به ولي الجناية الاولى عوض ما سلم له في المسألة الاولى لان الثانية كانت في يد المالك فلو دفع إليه ثانيا تكرر الاستحقاق، وأما في هذه المسألة فيمكن أن يجعله عوضا عن الجناية الثانية لانها كانت في يد الغاصب فلا يؤدي إلى ما ذكرنا. وفي المبسوط: وإذا غصب رجل عبدا وجارية فقتل كل واحد رجلا خطأ ثم قتل العبد الجارية ورد العبد فإنه يرد معه قيمة الجارية فيدفعها المولى إلي ولي قتيل الجارية ويرجع بها على الغاصب لان قيمة الجارية استحقت من يد المولى بسبب كان عند الغاصب عند أبي حنيفة رحمه الله. وعندهما لا يرجع وإن اختار الدفع دفع العبد كله إلى ولي قتيل العبد فدفع في قياس قول أبي حنيفة ويرجع بقيمته على الغاصب، وعندهما يدفعه إلى ولي قتيل العبد وإلى الغاصب على أحد عشر سهما إذا كانت قيمة الجارية ألف درهم سهم للغاصب وعشرة لولي قتيل العبد، ثم يرجع المولى على الغاصب بقيمة العبد فيدفع منها إلى ولي قتيله جزأ من

[ 186 ]

أحد عشر جزأ ثم يرحع بذلك على الغاصب. وهذا بناء على أن الغاصب لما ملك الجارية بالضمان ميوم الغصب ظهر أن العبد قتل جارية مملوكة وجناية المغصوب على الغاصب وعلى ماله هدر عنده، وعندهما معتبرة لما تبين، فعنده لما هدرت جناية العبد على الجارية بقي في رقبته جناية واحدة وهو دم الحر فيدفع كله إلى ولي دم الحر ويفديه كله إليه وهو مضطر في الدفع والفداء وقد استحق العبد من يده بسبب كان في الغاصب وضمانه فيرجع بقيمته عليه، وعندهما لما كانت جناية العبد على الجارية عشرة آلاف وحق الغاصب في قيمة الجارية ألف درهم فيقسم العبد بينهما على أحد عشر ويرجع بقيمته على الغاصب لان جميع العبد استحق من يد المولى بجناية كانت في ضمان الغاصب بخلاف الفداء لانه وجب للغاصب على المولى قيمة الجارية لان جناية عبده على جارية الغاصب معتبرة عندهما، وللمولى على الغاصب قيمة العبد فوقعت المقاصصة لانهما اتفقا جنسا ومقدار دية الحر مع قيمة العبد مختلفان جنسا وقدرا فلا يتقاصان. ولو كان الغاصب معسرا وقال ولي الجناية انتظر يساره دفع العبد إلى ولي قتيله أو فداه ويرجع بقيمته على الغاصب إذا أيسر وبقيمة الجارية مرتين واحدة يدفعها إلى ولي قتيلها وواحدة تسلم له، وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى. عندهما يدفع من العبد عشرة أجزاء من أحد عشر جزأ إلى ولي قتيله فإذا أيسر الغاصب دفع إليه الجزء الثاني لجواز أن يؤدي الغاصب قيمة الجارية فيثبت له حق في العبد على قولهما فمتى دفع جميع العبد إلى ولي قتيل العبد يبطل حق الغاصب في العبد متى أدى قيمة الجارية فيوقف جزأ من أحد عشر جزأ مما عليه، وإن قال ولي قتيلها أضرب بقيمة الجارية في الغلام دفع إليهما على أحد عشر لان نصفه لا في رقبة العبد للحال وحق الغاصب غير ثابت للحال، وفي الثاني عسى يثبت وعسى لا يثبت ثم يرجع بقيمتها فيدفع إلى ولي قتيلهما تماما لان حقه كان ثابتا في جميع العبد وقد وصل إليه عشرة أجزاء من العبد ولم يصل إليه جزء واحد وفي يد المولى بدله فكان له أن يأخذ ذلك منه، ثم يرجع على الغاصب بمثل ذلك لما بينا، ولولي قتيل الجارية أن يأخذ من المولى عشرة أجزاء من قيمتها في رواية لانه وصل إليه بدل جميع الجارية لان العبد قام مقام الجارية، وإذا كانت قيمته أقل من قيمة الجارية لان قليل القيمة إذا قتل كثير القيمة ودفع به قام مقام جميعه، فإذا قام العبد مقام جميع الجارية فصار كأنه وصل إليه جميع الجارية بخلاف ولي قتيل العبد لان حقه كان في جميع العبد ولم يتحول إلى بدله وقد وصل إليه بعض العبد فكان له أن يأخذ بدل ما لم يصل إليه من العبد. ولو قتل العبد المغصوب الغاصب هدر دمه وكذلك العبد المرهون إذا قتل المرتهن عند أبي حنيفة رحمه الله، وعندهما يعتبر حتى يؤمر المولى بالدفع أو الفداء، لهما أن في اعتبار جنايته فائدة لان الغاصب ملكه بالدفع بالقيمة ويملك عبد الغير بالقيمة مفيدا كما لو اشترى منه وبالفداء يملك دية نفسه وهي أكثر من القيمة ظاهرا

[ 187 ]

فيحصل للغاصب زيادة على القيمة، فدل على أن في اعتبار هذه الجارية فائدة فوجب اعتبارها والله أعلم. ولابي حنيفة رحمه الله تعالى أن المولى متى أخذ الضمان من الغاصب يملك الغاصب العبد مستندا إلى وقت الغصب، وظاهره أن الجناية ظهرت من المملوك على مالكه وجناية المملوك على مالكه هدر لان المولى لا يستوجب على مملوكه شيئا وجناية المغصوب على مولاه معتبرة عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى خلافا لهما لما مر في الرهن. قال رحمه الله: (غصب صبيا حرا فمات في يده فجأة أو بحمى لم يضمن وإن مات بصاعقة أو نهش حية فديته على عاقلة الغاصب) وهذا استحسان، والقياس أن لا يضمن في الوجهين وهو قول زفر والشافعي رحمهما الله تعالى لان الغصب في الحر لا يتحقق ألا ترى أنه لا يتحقق في المكاتب وإن كان صغيرا لكونه حرا يدا مع أنه رقيق رقبة فالحر يدا، ورقبة أولى أن لا يضمن به. وجه الاستحسان أن هذا ضمان إتلاف لا ضمان غصب والصبي يضمن بالاتلاف، وهذا لان نقله إلى أرض مسبعة أو إلى مكان الصواعق إتلاف منه تسببا وهو متعد فيه بتفويت يد الحافظ وهو المولى فيضمن، وهذا لان الحيات والسباع والصواعق لا تكون في كل مكان فأمكن حفظه عنده فإذا نقله إليه وهو متعد فيه فقد أزال حفظ المولى عنده متعديا فيضاف إليه لان شرط العلة بمنزلة العلة إذا كان تعديا كالحفر في الطريق بخلاف الموت فجأة أو بحمى فإن ذلك لا يختلف باختلاف الاماكن حتى لو نقله إلى مكان تغلب فيه الحمى والامراض يقول إنه يضمن وتجب الدية على العاقلة لكونه قتلا تسببا بخلاف المكاتب لانه في يد نفسه، وإن كان صغيرا فهو يلحق بالكبير ألا ترى أنه لا يزوج إلا برضاه كالبالغ والحر الصغير يزوجه وليه بدون رضاه فإذا أخرجه من يد المولى فما تمما يمكن التحرز عنه يضمن والمكاتب لا يعجز عن حفظ نفسه فلا يضمن بالغصب كالحر الكبير حتى لو لم يمكنه من حفظ نفسه فلا يضمن بالغصب ما صنع من قيد ونحوه يضمن المكاتب، وكالحر الكبير أيضا كما يضمن الصغير لانه حينئذ يكون التلف مضافا إلى الغاصب بتقصير حفظه. قال رحمه الله: (كصبي أودع عبدا فقتله وإن أودع طعاما وأكله لم يضمن) أي يضمن عاقلة الغاصب كما يضمن عاقلة الصبي إذا قتل عبدا أودع عنده، وهذا الفرق بين العبد المودع والطعام المودع هو قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف والشافعي رحمهما الله تعالى: يضمن الصبي المودع في الوجهين وعلى هذا لو أودع العبد المحجور عليه مالا فاستهلكه لا يؤخذ بالضمان في الحال عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى ويؤخذ به بعد العتق، وعند أبي يوسف والشافعي رحمهما الله تعالى يؤخذ به في الحال، وعلى هذا الخلاف الاقرار في العبد والوصي وكذا الاعارة فيهما. ثم أن محمدا رحمه الله شرط في الجامع أن يكون الصبي عاقلا. وفي الجامع

[ 188 ]

الكبير: وضع المسألة في الصبي الذي عمره اثني عشر سنة وذلك دليل عل أن غير العاقل يضمن بالاتفاق ولان التسليط غير معتبر فيه وفعله معتبر لابي يوسف والشافعي رحمهم الله تعالى إذا أتلف مالا متقوما معصوما حقا للمالك فيجب عليه ضمانه كما إذ كان الوديعة عبدا أو كان الصبي مأذونا له في التجارة وفي الحفظ من جهة الولي، وكما إذا أتلف غير ما في يده ولم يكن معصوما لثبوت ولاية الاستهلاك فيه. ولهما أنه أتلف مالا غير معصوم فلا يؤاخذ بضمانه كما لو أتلفه بإذنه ورضاه. وهذا لان العصمة تثبت حقا له وقد فوتها على نفسه حيث وضعه في يد غير مانعة فلا يبقى معصوما إلا إذا أقام غيره مقام نفسه في الحفظ ولا إقامة هنا لانه لا ولاية له على الصبي حتى يلزمه ولا ولاية للصبي على نفسه حتى يلتزم بخلاف المأذون له لان له ولاية على نفسه كالبالغ، وبخلاف ما إذا كانت الوديعة عبدا لان عصمته لحق نفسه إذ هو مبقى على أصل الحرية في حق الدم فكانت عصمته لحق نفسه لا للمالك لان عصمة المالك إنما تعتبر فيما له ولاية استهلاك حتى يمكن غيره من الاستهلاك بالتسليط وليس للمولى ولاية استهلاك عبده فلا يقدر أن يمكن غيره من ذلك فلا يعتبر تسليطه فيضمن الصبي باستهلاكه بخلاف سائر الاموال. قال في العناية: وإذا استهلك الصبي ينظر، إن كان مأذونا في التجارة وإن كان محجورا عليه لكنه قبل الوديعة بإذن وليه ضمن بالاجماع إن كان محجورا عليه وقبلها بغير أمر وليه فلا ضمان عليه عند الامام ومحمد في الحال ولا بد الانزال، وقال أبو يوسف: يضمن في الحال. وأجمعوا على أنه لو استهلك مال الغير من غير أن يكون عنده وديعة يضمن في الحال وهو تقسيم حسن ا ه‍. باب القسامة لما كان أمر القتيل يؤول إلى القسامة فيما إذا لم يعلم قاتله ذكرها هنا في باب على حدة في آخر الديات. والكلام في القسامة من وجوه: الاول في معناها لغة. والثاني في معناها شرعا. والثالث في ركنها. والرابع في شرطها. والخامس في صفتها. والسادس في دليلها. اعلم أن القسامة في اللغة اسم وضع موضع الاقسام، كذا في عامة الشروح أخذا من المغرب. وقال في معراج الدراية. القسامة لغة مصدر أقسم كما لا يخفي على من له دراية بعلم الادب. وأما في علم الشريعة فهي أيمان يقسم بها أهل محلة أو دار أو غير ذلك وجد فيها قتيل به أثر يقول كل منهم والله ما قتلته ولا علمت له قاتلا، كذا في العناية. قال في النهاية: وأما تفسيرها شرعا فما روى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه قال في القتيل الذي يوجد في المحلة أو دار رجل في المصر إن كان جراحة أو أثر ضرب أو أثر خنق ولا يعلم قاتله

[ 189 ]

يقسم خمسون رجلا من أهل المحلة كل منهم يقول بالله ما قتلته ولا علمت له قاتلا ا ه‍. أقول: ما ذكر في النهاية إنما هو مسألة القسامة شرعا فإن التفسير من قبيل التصورات وما ذكر فيها تصديق من قبيل الشرطيات كما ترى، نعم يمكن أن يؤخذ منه تفسير القسامة شرعا بتدقيق النظر لكنه في موضع بيان معنى القسامة شرعا في أول الباب تعسف خارج عن سنن الطريق. وأما ركنها فهو أنه يجري من أن يقسم هذه الكلمات التي يقسم بها على لسانه ثم قال في النهاية: وأما شرطها فهو أن يكون المقسم رجلا بالغا عاقلا حرا فلذلك لم يدخل في القسامة المرأة والصبي والمجنون والعبد وأن يكون في الميت الموجود أثر القتل، وأما لو وجد ميتا لا أثر به فلا قسامة ولا دية، ومن شرطها أيضا تكميل اليمين بالخمسين ا ه‍. وفي غاية البيان أيضا كذلك. ومن شروطها أيضا أن لا يعلم قاتله فإن علم فلا قسامة فيه ولكن يجب القصاص فيه أو الدية كما تقدم. ومنها أن يكون القتيل من بني آدم فلا قسامة في بهيمة وجدت في محلة قوم، ومنها الدعوى من أولياء القتيل لان القسامة يمين واليمين لا تجب بدون الدعوى كما في سائر الدعاوي، ومنها إنكار المدعي عليه لان اليمين وظيفة المنكر، ومنها المطالبة في القسامة لان اليمين حق المدعي وحق الانسان يوفي عند طلبه كما في سائر الاموال، ومنها أن يكون الموضع الذي وجد فيه القتيل ملكا لاحد أو في يد أحد فإن لم يكن ملكا لاخد ولا في يد أحد أصلا فلا قسامه فيه ولا دية في قن أو مدبر أو أم ولد أو مكاتب أو مأذون وجد مقتولا في دار مولاه، نص في البدائع على هاتيك الشروط كلها بالوجه الذي ذكرناه مع زيادة تفصيل وأورد على اشتراط الحرية إذا وجد قتيل في دار مكاتب فعليه القسامة. إذا حلف يجب الاقل من قيمته ومن الدية، نص عليه في البدائع. وأجيب بأن المكاتب حر يدا، وإن لم يكن حرا رقبة كما صرحوا به في الباب السابق فوجد فيه الحرية في الجملة فجاز اشتراطنا الحرية في القسامة مطلقا بناء على ذلك لكن لا يخفي ما فيه. وأما صفتها فهي وجوب الايمان. وأما دليلها فالاحاديث المشهورة وإجماع الامة. وأما سببها فوجود القتيل في المحلة وما في معناه. قال رحمه الله: (قتيل وجد في محلة لم يدر قاتله حلف خمسون رجلا منهم يتخيرهم الولي بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا) هذا على سبيل الحكاية عن الجميع، وأما عند الحلف فيحلف كل واحد منهم بالله ما قتلته ولا علمت له قاتلا لجواز أنه قتله وحده فيجري على يمينه ما قلنا يعني جميعا ولا يعكس لانه إذا قتله مع غيره كان قاتلا له. وقال الشافعي رحمه الله: إذا كان هناك لوث استحلف الاولياء خمسين يمينا ويقضى لهم بالدية على المدعى عليه عمدا كانت الدعوى أو خطأ. وقال مالك رحمه الله: يقضى بالقود إذا كانت الدعوى في القتل العمد وهو أحد قولي الشافعي، واللوث عندهما أن يكون هناك علامة القتل على واحد بعينه أو ظاهر يشهد للمدعي من عداوة ظاهرة أو يشهد عدل أو جماعة غير عدول أن أهل المحلة

[ 190 ]

قتلوه، وإن لم يكن ثم لوث استحلف المدعى عليهم فإن حلفوا لا دية عليهم، وإن أبوا أن يحلفوا حلف المدعي واستحق ما ادعاه. لنا قوله صلى الله عليه وسلم لو أعطى الناس بدعواهم الحديث. وقوله البينة على المدعى واليمين على من أنكر ولا فرق في ذلك بين الدم والاموال على ظاهر الاحاديث، وما روي في قتيل وجد بين قوم قال يستحلف خمسين رجلا منهم فهو كقول المؤلف قتيل خرج مخرج الغالب. قال في العناية: جرح رجل في قبيلة ولم يعلم جارحه فإما أن يصير صاحب فراش أو يكون صحيحا بحيث يذهب ويجئ، فإن كان الثاني فلا ضمان بالاتفاق، وإن كان الاول ففيه القسامة والدية على القبيلة عند الامام، وعند الثاني لا شئ فيه اه‍. وأطلق في القتيل فشمل الخطأ والعمد والدعوى بذلك قال في الاصل: وإذا وجد قتيل في محلة قوم وادعى ولي القتيل القتل عمدا أو خطأ فهذا على ثلاثة أوجه: إما أن يدعي ولي القتيل على واحد من أهل المحلة أنه هو الذي قتله وليه، فإن ادعى على جميع أهل المحلة أنهم قتلوا وليه عمدا أو خطأ وادعى على واحد من غير أهل المحلة أنه هو الذي قتله وليه عمدا أو خطأ وأنكر أهل المحلة فإنه يحلف خمسون رجلا منهم كل واحد بالله ما قتلته ولا علمت له قاتلا، فإن حلفوا غرموا الدية، وإن نكلوا فإنه يحبسهم حتى يحلفهم. وفي الذخيرة: هذا الحبس بدعوى العمد وإن كان يدعي الخطأ فإذا نكلوا عن اليمين يقضى عليهم بالدية اه‍. وقوله يتخيرهم الولي يعني يختار الصالحين دون الطالحين ولو من أهل الذمة، وإن كان القتيل مدبرا أو مكاتبا وجبت القسامة وقيمته في ثلاث سنين لان العبد بمنزلة الاحرار في حق الدماء، وروي عن أبي يوسف أنه لا شئ فيه لانه في حكم الاموال عنده ولا قسامة في الجنين لانه ناقص الخلقة اه‍. قال رحمه الله: (وإن حلفوفعلى أهل المحلة الدية ولا يحلف الولي) وقال الشافعي رحمه الله: يحلف وقد تقدم. ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: يحلف خمسون رجلا منكم بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا ثم أغرموا الدية فقال الحالف: يا رسول الله يحلف ويغرم؟ فقال: نعم الحديث. هذا إذا ادعى عليهم لا بأعيانهم القتل عمدا أو خطأ لان المدعى عليهم لا يميزون عن الباقين، ولو ادعى على البعض بأعيانهم القتل عمدا أو خطأ فكذلك الجواب وإطلاق الكتاب يدل على ذلك. وعن أبي يوسف في غير رواية الاصول أن القسامة والدية تسقط عن الباقين من أهل المحلة ويقال للولي ألك بينة؟ فإن قال لا يستحلف المدعى عليه يمينا واحدة. وروى ابن المبارك عن أبي حنيفة مثله. ووجهه أن القياس يأباه لاحتمال وجود القتل من غيرهم، وفي الاستحسان تجب القسامة والدية على أهل المحلة والنصوص لم تفرق بين دعوى ودعوى فيجاب بإطلاق النصوص لا بالقياس بخلاف ما إذا ادعى على واحد من غيرهم

[ 191 ]

لانه ليس فيه نص، فلو أوجبناهما بالقياس وهو ممتنع، ثم إن حلف برئ، وإن نكل ففي دعوى المال يثوفي دعوى القصاص فهو على الاختلاف الذي ذكرناه في كتاب الدعوى. قال رحمه الله: (وإن لم يتم العدد كرر الحلف عليهم ليتم خمسين يمينا) لان الخمسين وجبت بالنص فيجب تمامه ما أمكن ولا يشترط فيه الوقوف على الفائدة فيما يثبت بالنص وقد روي عن عمر رضي الله عنه أن قضى بالدية، وروي عن شريح والنخعي مثل ذلك ولان فيه استعظاما لامر الدم فيتكمل، وتكرار اليمين من واحد على سبيل الوجوب ممكن شرعا كما في كلمات اللعان، وإن كان العدد كاملا فأراد الولي أن يكرر على أحدهم فليس له ذلك لان المصير إلى التكرار ضرورة الاكمال وقد كمل. قال رحمه الله: (ولا قسامة على صبي ومجنون وامرأة وعبد) لانهم ليسوا من أهل النصر وإنما هم أتباع والنصرة لا تقوم بالاتباع واليمين على أهل النصرة، ولان الصبي والمجنون ليسا من أهل القول الصحيح واليمين قول قوله وامرأة وعبد لانهما ليسا من أهل النصرة واليمين على أهلها. أقول: يشكل إطلاق هذا بقول أبي حنيفة ومحمد في مسألة وهي أنه لو وجد قتيل في قرية لامرأة فعند أبي حينفة ومحمد عليها القسامة تكرر عليها الايمان والدية على عاقلتها، وأما عند أبي يوسف القسامة أيضا على العاقلة. قال رحمه الله: (ولا قسامة ولا دية في ميت لا أثر به أو يسيل دم من فمه أو أنفه أو دبره بخلاف عينه وأذنه) لان القسامة تجب في القتيل وهذا ليس بقتيل وإنما مات حتف أنفه وفي مثله لا قسامة ولا غرامة لان الغرامة تتبع فعل العبد والقسامة لاحتمال القتل منهم فلا بد من أثر يكون بالميت يستدل به على أنه قتيل بخلاف ما إذا خرج دمه من عينه وأذنه لانه لا يخرج عادة إلا من كثرة الضرب فيكون قتيلا ظاهرا فتجري عليه أحكامه وهو المراد بقوله بخلاف عينه وأذنه. ولو وجد بدن القتيل كله أو أكثر من نصفه أو النصف ومعه الرأس في ملحة فعلى أهلها القسامة والدية، وإن وجد نصفه مشقوقا بالطول أو وجد أقل من النصف وكان معه الرأس أو لم يكن فلا شئ عليهم لان هذا حكم عرف بالنص وقد ورد به في البدن ولكن للاكثر حكم الكل فأجرينا عليه أحكامه تعظيما للآدمي والاقل ليس معناه فلا يلحق به وإلا لو اعبترناه لاجتمعت الديات والقسامات بمقابلة شخص واحد بأن توجد أطرافه في القرى مفرقة وهو غير مشروع، وينبني على هذا صلاة الجنازة لانها لا تتكرر كالقسامة والدية. قال الشارح: ولو وجد فيهم جنين أو سقط ليس به أثر الضرب لا شئ على أهل المحلة لانه لا يفوق الكبير حالا، وإن كان به أثر الضرب وهو تام الخلق وجبت القسامة والدية عليهم لان الظهر أن تام الخلق ينفصل حيا إلى آخره. أقول: في تحرير هذه المسألة فتور من وجوه: الاول أن الجنين على ما صرحوا به في عامة كتب اللغة الولد ما دام

[ 192 ]

في البطن فكيف يتصور أنه يوجد فيهم جنين وحده وهو في بطن أمه، وأما وجوده مع أمه بمعزل عما نحن فيه لكون الحكم هناك للام دون الجنين. والثاني أن ذكر الجنين يغني عن ذكر السقط لان السقط على ما صرح به في كتب اللغة الولد الذي يسقط قبل تمامه والجنين يعم تام الخلق وغير تامة. والثالث أن قوله ليس به أثر الضرب غير كاف في جواب المسألة إذ لا بد فيه من أن يكون به أثر الجراحة والخنق كما تقرر فيما سبق، فلاقتصار هنا على نفي أثر الضرب تقصير. والاظهر أن يقال: ولو وجد فيهم ولد صغير ساقط ليس فيه أثر القتل فلا شئ عليهم فتدبر. قوله وإن كان به أثر الضرب وهو تام الخلق وجبت القسامة والدية عليهم لان الظاهر أن تام الخلق ينفصل حيا. فإن قيل: الظاهر يصلح للدفع دون الاستحقاق ولهذا قلنا في عين الصبي ولسانه وذكره إذا لم يعلم صحته حكومة عدل عندنا وإن كان الظاهر سلامتها. أجيب بأنه إنما لم يجب في الاطراف قبل أن يعلم صحتها ما يجب في السليمة لان الاطراف يسلك بها مسلك الاموال وليس تعظيم كتعظيم النفس فلم يجب فيها قبل العلم بالصحة قصاص أو دية بخلاف الجنين فإنه نفس من وجه عضو من وجه، فإذا انفصل تام الخلق وبه أثر الضرب وجب فيه القسامة والدية تعظيما للنفوس لان الظاهر أنه قتيل لوجود دلالة القتل وهو الاثر إذا الظاهر هو حال تام الخلق أن ينفصل حيا، وأما إذا وجد ميتا ولا ثر به لا يجب فيه شئ فكذا هذا. قال جمهور الشراح: ورد صاحب العناية جوابهم المزبور حيث قال بعد ذكر السؤال والجواب: وهذا كما ترى مع تطويله لم يرد السؤال وربما قواه لان الظاهر إذا لم يكن حجة للاستحقاق في الاموال وما سلك به مسلكها فلان يكون فيما هو أعظم خطرا أولى انتهى. ولان الجنين نفس فاعتبرنا جهة النفس إن انفصل حيا فيستدل عليه بتمام الخلق وعضو من وجه فاعتبرنا جهة العضو إن انفصل ميتا فيستدل عليه بنقصان الخلق. قال رحمه الله: (قتيل على دابة ومعها سائق أو قائد أو راكب فديته على عاقلته) دون أهل المحلة لانه في يده فصار كما إذا كان في داره، وإن اجتمع فيها السائق والقائد والراكب كانت الدية عليهم جميعا لان القتيل في أيديهم دون أهل المحلة فصار كما إذا وجد في دارهم، ولا يشترط أن يكونوا ماليكن للدابة بخلاف الدار. والفرق أن تدبير الدابة إليهم وإن لم يكونوا مالكين لها وتدبير الدار إلى ماكلها وإن لم يكن ساكنا فيها. وقيل: القسامة والدية على مالك الدابة فعلى هذا أن لا فرق بينهما وبين الدار. وعن أبي يوسف أنه لا يجب على السائق إلا إذا كان يسوقها مختفيا لان الانسان قد ينقل قريبه الميت من مكان إلى مكان للدفن، وأما إذا كان على وجه الخفية فالظاهر أنه هو الذي قتله. وإن لم يكن مع الدابة أحد فالدية والقسامة على أهل المحلة الذين وجد فيهم القتيل على الدابة لان وجوده وحده على الدابة كوجوده في الموضع الذي فيه الدابة. وفي شرح الطحاوي: أو كان الرجل يحمله على

[ 193 ]

ظهره فهو كالذي مع الدابة. وظاهر عبارة المؤلف أنه لا فرق بين أن يكون المالك معروفا أو لا. وفي شرح الطحاوي: فالقسامة والدية عليهم هكذا ذكر محمد، ولم يفصل بين ما إذا كان للدابة مالك وبين ما إذا لم يكن بل أطلق الجواب، ومن مشايخنا من قال: هذا إذا لم يكن للدابة مالك معروف وإنما يعر ف ذلك القائد والسائق، فأما إذا كان مالك الدابة معروفا فإنما تجب القسامة والدية على ملك الدابة نظير هذا ما قال محمد في كتاب العتاق: إن الرجل إذ استولد جارية في يده ثم أقر أنها لفلان إن كان المقر له مالكا معروفا لهذه الجارية صدق المستولد ولم تصر أم ولده، وإن لم يكن المقر له مالكا معروفا لم يصدق لانها صارت أم ولد له من حيث الظاهر فكذلك هنا. ومن المشايخ من قال: سواء كان للدابة مالك معروف أو لم يكن فإن القسامة تجب على الذي في يده الدابة والدية على عاقلته، ولو وقعت المنازعة بين أهل المحلة وبين السائق كان القول قول السائق أن الدابة دابته. قال رحمه الله: (مرت دابة عليها قتيل بين قريتين فعلى أقربهما) لما روي أنه صلى الله عليه وسلم أمر في قتيل وجد بين قريتين بأن يذرع فوجد أحدهما أقرب بشبر فقضى عليهم بالقسامة قيل هذا محمول على ما إذا كانوا بحيث يسمع منهم الصوت، وأما إذا كانوا بحيث لا يسمع منهم الصوت فلا شئ عليهم لانهم إذا كانوا بحيث لا يسمع منهم الصوت لا يمكنهم الغوث، وهذا قول الكرخي رحمه الله تعالى. وعبارة الماتن ظاهرها الاطلاق، وأما إذا وجد في فلاة في أرض فإن كانت ملكا لانسان فهما على المالك، وإن لم تكن ملكا لاحد فإن كانت يسمع منها الصوت من مصر من الامصار فعليهم القسامة، وإن كان لا يسمع فإن كان للمسلمين فيها منفعة للاحتطاب والكلا فالدية في بيت المال، وإن انقطعت عنها منفعة المسلمين فدمه هدر، فظهر أن قوله على أقربها إذا لم تكن الارض ملكا لاحد كما قال إذا كان يسمع منها الصوت من المصر وهو أحد القولين في القريتين إذا وجد قتيل بينهما. وقوله بين قريتين مثال وكذا لو وجد بين قبيلتين أو بين محلتين. قال في المحيط: أما إذا وجد في فلاة مباح فإن وجد في خيمة أو فسطاط فالقسامة على مالكها والدية على من يسكنها لانها في يده كما في الدار، وإن كان خارجا عنها فعلى القبيلة التي وجد فيها القتيل لانهم لما نزلوا قبائل في أماكن مختلفة صارت الامكنة بمنزلة المحال المختلفة في المقر ألا ترى أنه ليس لغيرهم إزعاجهم عن هذا المكان. ولو وجد بين القبيلتين فعلى أقربهما، فإن استويا فعليهما كما لو وجد بين المحلتين وبين القريتين. هذا إذا نزلوا بين قبائل متفرقين، فإن نزلوا جملة مختلطين ووجد القتيل خارج الخيام فعلى أهل العسكر كلهم لانهم لما نزلوا جملة صارت الامكنة كلها بمنزلة محلة واحدة لان الامكنة كلها منسوبة إلى جميع العسكر لا إلى البعض، وإن كان العسكر في أرض رجل

[ 194 ]

فالقسامة والدية عليه لان العكسر في هذا المكان بمنزلة السكان والقسامة والدية على الملاك دون السكان بالاجماع وهما سويا بين هذه وبين الدار، وأبو يوسف رحمه الله تعالى فرق فإن عنده في الدار تجب على السكان دون الملاك، والفرق أن العسكر نزلوا في هذا المكان للانتقال والارتحال لا للقرار وما لا قرار له وجوده وعدمه بمنزلة، فأما السكان في الدار للقرار لا للانتقال والفرار فلا بد من اعتباره. وإن كان أهل العسكر فذ لقوا عدوهم فلا قسامة ولا دية لان الظاهر أنه قتل العدو. ولو جرح في محلة أو قبيلة فحمل مجروحا ومات في محلة أخرى من تلك الجراحة فالقسامة والدية على أهل المحلة التي جرح فيها لان القتل حقيقة وجد في المحلة الاولى دون الاخرى. رجل جرح وحمله إنسان من أهله فمكث يوما أو يومين ثم مات لم يضمن الحامل عند أبي يوسف وفي قياس أبي حنيفة يضمن وهذا بناء على ما إذا جرح في قبيلة ثم مات في أهل قبيلة أخرى لان يده بمنزلة المحلة فصار وجوده مجروحا في يده كوجوده في محلته. قال رحمه الله: (وإن وجد في دار إنسان فعليه القسامة والدية على عاقلته) لان الدار في يده وتصرفه ولا يدخل السكان في القسامة مع المالك عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله. وقال أبو يوسف: هي عليهم جميعا لان ولا ية التدبير تكون بالسكنى كما تكون بالملك. ولنا أن الملاك هم المختصون بنصرة المنفعة عادة دون السكان ولان تمليك الملاك ألزم وقرارهم أدوم وكانت ولاية التدبير إليهم فتحقق التقصير منهم. وفي الاصل: وإذا وجد القتيل في الدار تجب القسامة على صاحب الدار والدية على عاقلة الدار يعني أهل الخطة. وفي الذخيرة: باتفاق الروايات. وكذا ذكر محمد في هذه المسألة في الاصل، وذكر في موضع آخر من الاصل أن القسامة والدية على قوم صاحب الدار، فاتفقت الروايات أن الدية على قومه، واختلفت الروايات في القسامة ذكر في بعض الروايات إنما تكون على المشتري خاصة، وذكر في بعض الروايات أنها تكون على عاقلة المشتري، وحكي عن الكرخي أنه وفق بين الروايتين قال: إنها تجب عليه خاصة إذا كان قومه غيبا ومعنى الرواية التي قال إنها تكون عليه وعلى قومه أن يكون قومه حضورا حتى لو لم يوجد منهم في المحلة ثم وجد قتيل في سكة من سككهم أي في مسجد من مساجدهم وفيها سكان ومشترون فإن القسامة على المشتري، وهذا الذي ذكقول أبي حنيفة ومحمد، فأما في قول أبي يوسف في إحدى الروايتين عنه تجب القسامة والدية على السكان لا على المشترين الذي هم ملاك، وفي الرواية الثانية يقول تجب على المشتري والسكان. وفي الذخيرة: وجد قتيل في دار فقال صاحب الدار أنا قتلته لانه أراد أخذ مالي وعلى المقتول سيما السراق وهو مبهم، فعن أبي حنيفة أنه لا شئ على صاحب الدار، وفي موضع آخر قال: إن عليه الدية لا القصاص وإن لم يقر صاحب الدار بقتله لا نقتله وتقسم الدية على العاقلة. وفي

[ 195 ]

الينابيع رجل وجد قتيلا فادعى ولي الجناية على رجل أنه قتله وكان بينه وبين المقتول عداوة ظاهرة فإن أنكر المدعى عليه فقال الولي أحلف أنك قتلته وآخذ منك الجناية أي الدية فإنه ليس للقاضي أن يفعل ذلك عندنا. وقوله دار إنسان مثال وكذا لو وجد في حانوت والكرم والارض في الحكم كما ذكرنا في الدار. وفي المحيط: وإذا وجد قتيل في محلة خربة ليس فيها أحد وبقربها محلة عامرة فيها أناس كثيرة تجب القسامة والدية على أهل المحلة العامرة لانها أقرب الاماكن إليها، ولو وجد في دار من لا تقبل شهادته له أو امرأة في دار زوجها تجب فيها القسامة والدية ولا يحرم الارث لانه حكم بأنه قتله حكما بترك الحفظ. ولو وجد القتيل في دار امرأة كرر عليها اليمين خمسين مرة والدية على عاقلتها وهو قول محمد، وعند أبي يوسف على أقرب القبائل. قال في المحيط: رجلان كانا في بيت ليس معهما ثالث فوجد أحدهما مذبوحا قال أبو يوسف: يضمن الآخر الدية لان الظاهر أنه لا يقتل نفسه وإنما قتله الآخر. وقال محمد: لا حكم لانه يحتمل أن الآخر قتل نفسه وأن الآخر قتله فلا أضمنه بالشك، ولو أن دارا مغلقة ليس فيها أحد ووجد فيها قتيل فالقسامة والدية على عاقلة رب الدار. قال رحمه الله: (وهي على أهل الخطة دون السكان والمشترين) هذا قول الامام ومحمد، وأهل الخطة ثم الذين خط لهم الامام الارض بخطه. وقال أبو يوسف: الكل مشترك لان الضمان إنما يجب بترك الحفظ ممن له ولاية الحفظ وهم في ذلك سواء فكذا في ترك الحفظ فصار كالدار المشتركة بين واحد من أهل الخطة وبين المشتري، ولو كان للخطة تأثير في التقديم لما شاركهم المشتري. ولهما أن صاحب الخطة هو المختص بنصرة البقعة في العرف، وكذا في الحفظ ولان صاحب الخطة أصيل والمشتري دخيل وولاية الحفظ على الاصيل دون الدخيل، وفي الدار المشتركة ولاية تدبيرها إلى المالك مطلقا بخلاف القرية والمحلة والدار فإنه إذا وجد قتيل في دار مشتركة بين مشتر وصاحب خطة فإنهما يستويان في القسامة والدية بالاجماع، وفي المحلة أوجب القسامة والدية على أهل الخطة دون المشترين مع أن كل واحد منهم لو انفرد كانت القسامة عليه والدية على عاقلته. والفرق أن العرف جار بأن تدبير المحلة لاهلها دون المشتري منه وتدبير الدار للمشتري، ولو قال وهما على أهل الخطة لكان أولى لان الضمير يرجع لاقرب مذكور وهو الدية وقدمنا أنه لا فرق بينهما في الحكم متأخرا. قال رحمه الله: (فإن لم يبق واحد منهم فعلى المشترين) يعني إن لم يبق واحد من أهل الخطة فعلى المشترين لان الولاية انتقلت إليهم لزوال من يزاحمهم، ثم إذا وجد في دار إنسان تدخل العاقلة في القسامة إن كانوا حاضرين عندهما، وعند أبي يوسف لا تدخل لان رب الدار أخص به من غيره فلا يشاركه غيره فيها كأهل المحلة لا يشاركهم فيها عواقلهم فصاروا كما

[ 196 ]

إذا كانوا غائبين. ولهما أنهم في الحضور لزمتهم نصرة البقعة كما يلزم صاحب الدار فيشاركونه في القسامة وقد بينا أن هذا قول الكرخي. قال رحمه الله: (ولو وجد في دار مشتركة على التفاوت فهي على عدد الرؤس) أي إذا وجد القتيل في دار مشتركة بين جماعة انصباؤهم فيها متفاضلة بأن كانت بين ثلاثة مثلا لاحدهم النصف وللآخر الثلث وللثالث السدس تقسم الدية والقسامة على عدد رؤسهم، ولا يعتبر بتفاوت الانصباء لان صاحب القليل يزاحم صاحب الكثير في التدبير فكانوا سواء في الحفظ والتقصير فيكون على عدد الرؤس بمنزلة الشفعة. وفي الجامع الصغير: دار نصفها لرجل وعشرها لآخر ولآخر ما بقي فوجد فيها قتيل فهي على عدد رؤس الرجال دون تفاوت الملك حتى إن القتيل إذا وجد في دار بين اثنين أثلاثا فالدية تجب بينهما نصفين، وكذا دار بين بكر وزيد أثلاثا فوجد فيها قتيل فالدية على عاقلتهم أثلاثا، وهذا الذي ذكرنا قول محمد رواه عن أبي حنيفة. وروي عن أبي يوسف بخلاف هذا فإنه قال: على عدد الملك. ولو وجد قتيل بين قريتين فالدية على أهل القريتين على السواء ولا ينظر إلى عدد أهل القريتين، وكذلك قال أبو يوسف في دار بين تميمي وبين أربعة من همدان وجد فيها قتيل فالدية بينهما نصفين، وعند محمد تجب الدية أخماسا. وإذا وجد قتيل بين قريتين وهو في القرب إليهما على السواء ووجد في إحدى القريتين أناس كثيرة وفي الاخرى أقل من ذلك فالدية في القريتين نصفين بلا خلاف. وقال أبو يوسف في قتيل وجد بين ثلاث دور دار لتميمي وداران لهمدان وهو في القرب منهما جميعا على السواء فالدية نصفان واعتبر القبيلة دون القرب. وإذا وجد القتيل في دار بين ثلاثة تفر فالقسامة على عواقلهم جميعا أثلاثا وتمام الخمسين على العواقل، وكذا لو وجد في المسجد أو المحلة فالمعتبر عدد القبائل والقبائل هنا ثلاث فالدية أثلاث ولهذا قلنا بأن أهل الديوان إذا جمعهم ديوان واحد وقاتل واحد منهم كان على أهل ديوانه لا على أهله وعشيرته. قال رحمه الله: (وإن بيع فلم يقبض فهي على عاقلة البائع وفي الخيار على ذي اليد) إذا بيعت الدار ولم يقبضها المشتري ووجد فيها قتيل فضمانه على عاقلة البائع، وإن كان في البيع خيار لاحدهما فهو على عقالة الذي في يده، وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: إذا لم يكن فيه خيار فهو على عاقلة المشتري، وإن كان فيه خيار فهو على عاقلة الذي يصير له لانه إنما نزل قاتلا باعتبار التقصير في الحفظ فلا يجب إلا على من له ولاية الحفظ والولاية تستفاد بالملك، ولهذا لو كانت الدار وديعة تجب الدية على صاحب الدار دون المودع والملك للمشتري قبل القبض في البيع البات، وفي الذي شرط فيه الخيار يعتبر قرار الملك كما في صدقة الفطر. ولابي حنيفة أن القدرة على الحفظ باليد دون الملك أر ترى أنه يقدر على الحفظ باليد دون الملك ولا

[ 197 ]

يقدر بالملك بدون اليد في الدار المغصوبة، وفي البيع البات اليد للبائع قبل القبض، وكذا فيما فيه الخيار لاحدهما لانه دون البات. ولو كان المبيع في يد المشتري والخيار له فهو أخص الناس به تصرفا، وإذا كان الخيار للبائع فهو في يده مضمون عليه بالقيمة كالمغصوب فيعتبر يده إذ بها يقدر على الحفظ بخلاف صدقة الفطر فإنها تجب على المالك لا على الضامن، وهذه ضمان جناية فتجب على الضامن لان ضمان الجناية لا يشترط فيه الملك ألا ترى أن الغاصب يجب عليه ضمان جناية العبد المغصوب ولا ملك بخلاف ما إذا كانت الدار في يده وديعة لان هذا الضمان ضمان ترك الحفظ وهو إنما يجب على من كان قادرا على الحفظ وهو من له يد أصالة لا يد نيابة ويد المودع يد نيابة، وكذا المستعير والمرتهن، وكذا الغاصب لان يده يد أمانة لان العقار لا يضمن بالغصب عندنا ذكره في الهداية والنهاية لا يدل على أن الضمان على الغاصب. فإن قلت: لو جنى العبد في البيع البات قبل القبض يخير المشتري بين الرد وإمضائه وهنا لا يخير، والفرق أن الدار لا يستحقها بوجود القتيل فيها بخلاف العبد لانه يصير مستحقا بالجناية. وفي مختصر خواهر زاده: وإن وجد في دار يتامى المسلمين فالقسامة والدية على عاقلة اليتامى، والاصل أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى يعتبر لوجود الدية على العاقلة اليد الحقيقية لانها تثبت القدرة على الحفظ هما يعتبران الملك. قال رحمه الله: (ولا تعقل عاقلة حتى تشهد الشهود أنها لذي اليد) أي إذا كانت دار في يد رجل فوجد فيها قتيل لا تعقله عاقلته حتى تشهد الشهود أنها لصاحب اليد لان ملك صاحب اليد لا بد منه حتى تعقل عاقلته عنه واليد، وإن كانت تدل على الملك ولكنها محتملة فلا تكفي إلا بإيجاب الضمان على العاقلة كما لا يخفى للاستحقاق وتصلح للدفع وقد عرف في موضعه. قال صاحب العناية: ولا يختلج في وهمك صورة تناقض بعدم الاكتفاء باليد مع وما تقدم أن الاعتبار عند أبي حنيفة رضي الله عنه لليد لان اليد المعتبرة عنده هي التي تكون بالاصالة لكن كيف يتم على أصله التعليل الذي ذكره المصنف بقوله لانه لا بد من الملك لصاحب اليد حتى تعقل العواقل عنه، وهل لا يناقض هذا ما مر من أن الاعتبار عند أبي حنيفة لليد دون الملك كما في المسألة المتقدمة آنفا فإن الملك هناك للمشتري مع أن الدية عنده على عاقلة البائع لكونه صاحب اليد قبل القبض كما مر تفصيله؟ قال صاحب العناية: ولا يلزم أبا حنيفة أن يعتبر اليد في استحقاق الدية كما قال في الدار المبيعة في يد البائع يوجد فيها تقيل لان الدية تجب على عاقلة البائع لانه يعتبر يد المالك لا مجرد اليد فلم تثبت هنا يد المالك إلا بالبينة اه‍. وذكر في معراج الدراية ما يوافقه حيث قال: وفي جامع كربيسي اعتبر أبو حنيفة رضي الله عنه مجرد اليد في المسألة المتقدمة وهناك لا يثبت ذلك إلا بالبينة فلا يرد نقضا عليه اه‍. أقول: هذا التوجيه مشكل لان الملك في المسألة المتقدمة كان للمشتري لا محالة وعن هذا نشأ النزاع بين أبي حنيفة رحمه الله وصاحبيه في تلك المسألة إذ لو كان الملك

[ 198 ]

أيضا للبائع لما صار محل الخلاف وإقامة الحجة من الجانبين على ما مر بيانه، فإذا كان الملك هنا للمشتري فيكف يتحقق البائع أن ذاك يد المالك إذ ثبوت يد الملك له يقتضي ثبوت نفس الملك أيضا له فيلزم أن يجتمع على الدار المبيعة في حالة واحدة ملكان وهما ملك البائع وملك المشتري وهو محال وإن أريد بيد الملك غير معناه الظاهر أي اليد التي كانت لصاحبها ملكا في الاصل، وإن زال ذلك الملك في الحال بالبيع فما معنى اعتبار مثل ذلك الاصل المزيل في ترتب الحكم الشرعي عليه في الحال؟ وهي يليق أن يعد ذلك أصلا لامامنا الاعظم فعليك بالتأمل الصادق. وظاهر إطلاق المصنف أنه لا فرق بين ما إذا أنكر العواقل أن الدار له وأقروا بها. قال فخر الاسلام البزدوي: قصد بهذا الكلام إذا أنكر العواقل كون الدار له وقالوا هي وجيعة في يده فالقول لهم إلا أن يقيموا بينة على الملك، كذا في العيني على الهداية. ولا فرق في ذلك بين أن يكون القتيل الموجود فيها صاحب الدار أو غيره عند الامام رحمه الله تعالى. قال رحمه الله: (وفي الفلك على من فيها من الركاب والملاحين) لانه في أيديهم فيستوي المالك وغيره في الدار فيه، وعلى هذا قول أبي يوسف ظاهر لان عنده يستوي المالك والساكن في الدار، والفرق لهما أن الفلك ينقل ويحول فيكون في اليد حقيقة بخلاف العقار فإنه لا ينقل ولا يحول. وفي المحيط: وقيل يجب على سكان السفينة دون مالكها لان السفينة تحت يد الساكن دون المالك. وفي شرح الطحاوي: إنما تجب على راكب السفينة إذا لم يكن لها مالك معروف، وإن كان لها مالك معروف فعلى مالك السفينة، ومنهم من يقول على الراكب مطلقا، وإطلاق محمد في النوازل الجواب على هذا. قال رحمه الله: (وفي مسجد محلة لهم وفي الجامع والشارع لاقسامة والدية على بيت المال) للعامة لا يختص به واحد منهم والقسامة لنفي تهمة القتل وذلك لا يتحقق في حق الكل فديته تكون في بيت المال لانه مال العامة، وكذلك الجسور العامة والسوق العامة التي تكون في الشوارع لان التدبير في هذا كله إلى الامام لانه نائب المسلمين لا إلى أهل السوق. وقال في النهاية: أراد به أن يكون السوق الاعظم نائبا عن المحال، وأما الاسواق التي في المحال فهي محفوظة بحفظ أهل المحلة فتكون القسامة والدية على أهل المحلة، وكذا في السوق النائي عن المحال إذا كان لها سكان أو كان لاحد فيها دار مملوكة، وأما كون القسامة والدية عليهم لانه يلزمهم الحفظ بخلاف الاسواق المملوكة لاهلها أو التي في المحال والمساجد التي فيها حيث يجب الضمان فيها على أهل المحلة أو على المالك على الاختلاف الذي بينا لانها محفوظة بحفظ أربابها أو بحفظ أهل المحلة. وفي المنتقي: إذا وجد قتيل في صف من السوق فإن كان أهل ذلك الصف يبيتون في حوانيتهم فدية القتيل عليهم، وإن كانوا لا يبيتون فيها فالدية على

[ 199 ]

الذين لهم ملك الحوانيت. ولو وجد في السجن فديته على بيت المال عندهما، وغند أبي يوسف على أهله وهي مبنية على مسألة السكان والملاك. قال رحمه الله: (ويهدر لو في برية أو وسط الفرات) لان الفرات ليس في يد أحد ولا في ملكه إذا كان يمر به الماء بخلاف ما إذا كان النهر صغيرا بحيث يستحق ربه الشفعة حيث يكون ضمانه على أهله لقيام يدهم عليه، وكذا البرية لا يد لاحد فيها ولا ملك فيهدر ما وجد فيها من القتل حتى لو كانت البرية مملوكة لاحد أو كانت قريبة من القرية بحيث يسمع منه الصوت تجب على المالك وعلى أهل القرية لما بينا. ولو وجد القتيل في المسجد الحرام من غير زحام الناس في المسجد أو بعرفة فالدية على بيت المال من غير قسامة، هذه الجملة في المتقي. وفيه أيضا: وكل قتيل يوجد في المسجد الجامع ولا يدري من قتله أو قتله رجل من المسلمين ولكن لا يدري من هو أو زحمه الناس يوم الجمعة فقتلوه ولا يدري من هو فهو على بيت المال، وإذا وجد في المسجد لقبيلة فهو على أقرب الدور منه إن كان لا يعلم الذي اشتراه وبناه، وإن كان يعلم الذي اشترى المسجد وبناه كان على عاقلته القسامة والدية، وإن كان في درب غير نافذ أو مصلاه واحد كان على عاقلة أصحاب الدور الذي في الدرب. وفيه أيضا: وإذا وجد القتيل في قبيلة فيها عدة مساجد فهو على القبيلة كلها، وإذا لم يكن قبيلة فهو على أصحاب المحلة وأهل كل مسجد محلة. وفي السغناقي: وإذا وجد القتيل في وقف المسجد فهو كوجوده في المسجد الجامع كان الدية في بيت المال، وإن كان الوقف على قوم معلومين فالدية والقسامة عليهم وكذلك المحسوب للعامة. وفي المنتقي: إذا وجد قتيل على الجسر أو على القنطرة فذلك على بيت المال. وذكر الكرخي وشيخ الاسلام: وإن النهر العظيم إذا كان انصباب مائة في دار الاسلام تجب الدية في بيت المال لانه في أيدي المسلمين بخلاف ما إذا كان موضع انصباب مائة في دار الحرب لانه يحتمل أن يكون قتيل أهل الحرب فيهدر. قال رحمه الله: (ولو محتبسا بالشاطئ فعلى أقرب القرى) أي لو كان القتيل محتبسا بالشاطئ فعلى أقرب القرى في ذلك الموضع لان الشط في أيديهم يستقون منه ويوردون دوابهم فكانوا أخص بنصرته. وفي شرح الطحاوي: وإن كان الشط ملكا لاحد فإن كان ملكا خاصا فهو كالدار، وإن كان ملكا عاما فهو كالمحلة فأما إذا كان نهرا صغيرا انحدر من الفرات ألا نحوه لاقوام معروفين فإنه تجب القسامة على أصحاب النهر والدية على عاقلتهم. وفي الكافي: والنهر الصغير ما يستحق بالشركة فيه الشفعة وإلا فهو عظيم كالفرات وجيحون. ولم يتعرض المؤلف لما إذا وجد في بيت من ثبتت له بعض الحرية. وفي الخانية: ولوجد المكاتب قتيلا في دار اشتراها لا يجب فيه شئ في قولهم جميعا، وفي المكاتب سوى أبو حنيفة أيضا بين ما إذا وجد قتيلا في داره وبين ما إذا وجد غيره قتيلا إلا أنه إذا وجد غيره قتيلا لا تجب الدية

[ 200 ]

على العاقلة لانه لا عاقلة للمكاتب وإنما تجب عليه لان عاقلته نفسه، ولو وجد جميع أهل المحلة فلا تجب الدية على عواقلهم وتسقط القسامة. وذكر في المنتقى عن ابن أبي مالك عن أبي حنيفة أن من وجد قتيلا في دار نفسه فليس فيه قسامة ولا دية. وروى الحسن ابن زياد عن أبي يوسف أنه قال: على سكان القبيلة وعلى عاقلة المقتول دية. قالوا: وهو قول أبي حنيفة فرواية ابن أبي مالك تخالف رواية الاصول. وفي الذخيرة: وفي شرح شيخ الاسلام إذا وجد قتيل في محلة وزعم أهل المحلة أن رجلا منهم قتله ولم يدع ولي القتيل على واحد منهم بعينه لم تسقط عنهم القسامة والدية، ورواية الحسن بن زياد إذا وجد العبد أو المكاتب أو المدبر أو أم الولد الذي سعى في بعض قيمته قتيفي محلة فعليهم القسامة وتجب القيمة على عواقل أهل المحلة في ثلاث سنين، وقد روي عن أبي يوسف أنه لا يجب عليهم شئ في العبد والمكاتب والمدبر وأم الولد، وهذا يجعل كجناية على البهائم ولهذا قال بأنه تجب قيمته بالغة ما بلغت إذا كان خطأ، وإذا كان عمدا يجب القصاص. وأما معتق البعض فإنه تجب فيه القسامة والدية عندهم جميعا لانه بمنزلة الحر عند أبي يوسف ومحمد، والحر إذا وجد قتيلا في محلة فإنه تجب على أهل المحلة القسامة والدية، وعند أبي حنيفة هو بمنزلة المكاتب في الحكم إذا وجد قتيلا في محلة عنده. هذا وفي شرح الطحاوي: ولو وجد القتيل في دار المكاتب فإنه تكرر عليه الايمان، فإن حلف يجب عليه الاقل من قيمته ومن الدية إلا عشرة لان المكاتب عاقلة نفسه. وفي التجريد: والاعمى والمحدود في القذف والكافر القسامة عليهم، وإذا وجد العبد قتيلا في دار مولاه فلاشئ فيه لان المولى صار قاتلا له حكما بملك الدار فيعتبر بما لو باشر، ولو باشرلم يكن على المولى شئ فكذا هذا قالوا: وهذا إذا لم يكن على العبد دين، فأم‍ إذا كان على العبد دين فإنه يضمن المولى الاقل من قيمته ومن الدين. وقد نص محمد على هذا التفصيل في كتاب المأذون. قال رحمه الله: (وإن التقى قوم بالسيوف فاجلوا عن قتيل فعلى أهل المحلة القسامة والدية إلا أن يدعي الولي على أولئك أو على معين منهم) لان القتيل بين أظهرهم والحفظ عليهم فتكون القسامة والدية عليهم إلا إذا أبرأهم الولي بدعوى القتيل على واحد منهم بعينه فيبرأ أهل المحلة ولا يثبت على عاقلته إلا بحجة على ما بينا. وقوله على معين منهم إن أريد به الواحد من أهل المحلة ليستقيم على قول أبي يوسف لان أهل المحلة يبرؤن بدعوى الولي على واحد منهم معين وهو القياس، وعندهما لا يبرؤن وهو استحسان وبينان في أوائل الباب فلا يستقيم. وإن أريد به واحد من الذين التقوا بالسيوف ويستقيم بالاجماع. وقال أبو جعفر في كشف الغوامض: هذا إذا كان الفريقان غير متناولين اقتتلو عصبة، وإن كانوا مشركين أو خوارج فلا شئ فيه ويجعل ذلك من إصابة العدو. وإذا كان القتال بين المسلمين والمشركين

[ 201 ]

في دار الاسلام ولا يدري القاتل يرجح حال قتلى المشركين حملا لامر المسلمين على الصلاح في أنهم لا يتركون المسلمين في مثل ذلك الحال ويقتلون المسلمين فإن قيل: الظاهر أن قاتله من غير المحلة وأنه من خصمائه قلنا: قد تعذر الوقوف على قاتله حقيقة فيتعلق الحكم بالسبب الظاهر وهو وجوده قتيلا في محلتهم، كذا في النهاية والعناية. أقول: يرد على هذا الجواب أن يقال: ما بالكم تجعلون هذا الظاهر وهو وجوده قتيلا في محلتهم موجبا لاستحقاق القسامة والدية على أهل المحلة ولا يجعلون ذلك الظاهر وهو كون قاتله خصماءه من غير أهل المحلة دفعا للقسامة والدية عن أهل المحلة مع أن الاصل الشائع أن يكون الظاهر حجة للدفع دون الاستحقاق، فالاظهر في الجواب أن يقال: الظاهر لا يكون حجة للاستحقاق فبقي حال القتل مشكلا فأوجبنا القسامة والدية على أهل المحلة لورود النص بإضافة القتيل إليهم عند الاشكال فكان العمل بما ورد فيه النص أولى، وسيأتي مثل هذا عن قريب إن شاء الله تعالى. قال في الهداية: وإن كان القوم لقوا قتالا ووجد قتيل بين أظهرهم فلا قسامة ولا دية لان الظاهر أن قتله كان هدرا يحوج إلى ذكر الفرق بين هذا وبين ما إذا اقتتل المسلمون عصبية في محلة فأجلوا عن قتيل فإن عليهم القسامة والدية كما مر أنفا. وقالوا في الفرق: إن القتال إذا كان بين المسلمين والمشركين في مكان في دار الاسلام ولا يدري أن القاتل من أيهما يرجح جانب احتمال قتل المشركين حملا لامر المسلمين على الصلاح. في أنهم لا يتركون الكفار في مثل ذلك الحال ويقتلون المسلمين وأما في المسلمين من الطرفين فليس ثمة جهه الحمل على الصلاح حيث كان الفريقان مسلمين فبقي حال القتل مشكلا فأوجبنا القسامة والدية على أهل ذلك المكان لورود النص بإضافة القتل إليهم عند الاشكال، وكان العمل بما ورد به النص أولى عند الاحتمال من العلم بالذي لم يكن كذلك اه‍. وقال بعض الفضلاء طعنا في المصير إلى الفرق المذكور: إنه ظاهر فإن الظاهر هنا حجة للدفع عن المسلمين فيصلح حجة وثمة لو كان حجة لكان حجة للاستحقاق وذلك غير جائز فيجب على أهل المحلة للنص اه‍. أقول: ليس هذا الفرقي بتمام فضلا عن كونه ظاهرا إذا لا نسلم أن الظاهر ثمة لو كان حجة لكان حجة للاستحقاق بل يجوز أن يكون حجة لدفع القسامة والدية على أهل المحلة ولا يكون حجة للاستحقاق على المسلمين الذين اقتتلوا عصبة في ذلك المحل فيلزم أن يكون هدرا فلا بد من تمام الفرق بين المسألتين من المصير إلى ما ذكره المشايخ من البيان، ونقله صاحب العناية كما تحققته. قال رحمه الله: (وإن قال المستحلف قتله زيد حلف بالله ما قتلته ولا عرفت له قاتلا غير زيد) لانه لما أقر بالقتل على واحد صار مستثنيا عن اليمين وبقي حكم من سواه على حاله فيحلف عليه فلا يقبل عليه قول المستحلف أنه قتله لانه يريد بذلك إسقاط الخصومة عن نفسه فلا يقبل ويحلف على ما ذكرنا. وفي النهاية: هذا

[ 202 ]

قول محمد وأما على قول أبي يوسف فلا يحلف على العلم لانه قد عرف القاتل واعترف به فحاجة إليه، ومحمد يقول بجواز أنه عرف أن له قاتلا آخر معه قال رحمه الله: (وبطل شهادة بعض أهل المحلة على قتل غيرهم أو واحد منهم) وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: تقبل شهادتهم إذا شهدوا على غيرهم لان الولي لما ادعى القتل على غيرهم تبين أنهم ليسوا بخصماء. غاية الامر أنهم كانوا عرضية أنهم يصيرون خصماء بمنزلتهم قابلين للتقصير الصادر منهم فلا تقبل شهادتهم وإن خرجوا من الخصومة، فحاصله أن من صار خصما في حادثة لا تقبل شهادته فيها، ومن كان بعرضية أن يصير خصما ولم ينتصب خصما بعد تقبل شهادته، وهذان أصلان متفق عليهما غير أنهما يجعلان أهل المحلة ممن له عرضية أن يصير خصما وهو يجعلهم ممن انتصب خصما، وعلى هذين الاصلين يتخرج كثير من المسائل، فمن جنس الاول الوكيل بالخصومة إذا خاصم عند الحاكم ثم عزل لا تقبل شهادته، والشفيع إذا طلب الشفعة ثم تركها لا تقبل شهادته بالبيع. ومن جنس الثاني الوكيل إذا لم يخاصم والشفيع إذا لم يطلب تقبل شهادتهما. ولو ادعى الولي على رجل بعينه من أهل المحلة وشهد شاهدان من أهلها عليه لم تقبل شهادتهما عليه لان الخصومة قائمة مع الكل والشاهد يقطعها عن نفسه فكان متهما فلا تقبل شهادتهما. قال المتأخرون من أصحابنا: المرأة تدخل مع العاقلة في التحمل لانا نراها قاتلة فيجب عليها وهو مختار الطحاوي وهو الاصح فصار كما إذا باشرت القتل بنفسها والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.

[ 203 ]

كتاب المعاقل قال في النهاية: لما كان موجب القتل الخطأ وما في معناه الدية على العاقلة لم يكن بد من معرفتها ومعرفة أحكامها فذكرها في هذا الباب. ورده صاحب المعراج وقال: وجه المناسبة إنما هو لما فرغ من بيان القتل الخطأ وتوابعه شرع في بيان من تجب عليه الدية إذ لا بد من معرفتها. قال رحمه الله: (هي جمع معقلة وهي الدية) أي المعاقل جمع معقلة بالضم والمعقلة الدية وتسمى عقلا لانها تعقل الدماء من أن تسفك أي تمسكها، يقال عقل البعير عقلا إذا شده بالعقال، ومنه العقل لانه يمنع صاحبه من المقاتل. أقول: هكذا وقع العنوان في عامة المعتبرات لكن كان ينبغي أن يذكر العواقل بدل المعاقل لان المعاقل جمع معقلة وهي الدية كما صرح به المصنف وغيره فيصير المعنى كتاب الديات، وهذا مع كونه مؤديا إلى التكرار ليس بتام في نفسه لان بيان أقسام الديات وأحكامها قد مر مستوفى في كتاب الديات، والمقصود بالبيان هنا بيان من تجب عليهم الدية بتفاصيل أنواعهم وأحكامهم وهم العاقلة، فالمناسبة في العنوان ذكر العواقل لانها جمع العاقلة. والكلام هنا من وجوه: الاول في تفسيرها لغة. والثاني في تفسيرها شرعا. والثالث في كيفية وجوب الدية. والرابع في بيان مدة الواجب. والخامس فيما تتحمله العاقلة. والسادس فيمن يحول على الدية من عاقلة إلى عاقلة. والسابع في عاقلة مولى الموالاة وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى. قال في المبسوط فيه فصول: أحدها في معرفة العاقلة. والثاني في كيفية وجوب الدية عليه. والثالث في بيان مدة الواجب. والرابع فيما تتحمله العاقلة وما لا تتحمله العاقلة. والخامس فيمن يحول الدية من عاقلة إلى عاقلة. والسادس في عاقلة مولى الموالاة. أما تفسيرها لغة فالعاقلة اسم مشتق من العقل وهو المنع ولهذا يقال لما يعقل به البعير عقالا لانه يمنعه من النفور، ومنه سمي اللب عقلا لانه مما يمنع الانسان عما يضره فذلك عاقلة الانسان وهم أهل نصرته ممن يمنعونه من قتل من ليس له قتله. وأما العاقلة والعقل هو الدية وجمعه المعاقل ومنه العاقلة وهم الذين يتحملون العقل هو الدية. وأما العاقلة شرعا فهم أهل الديوان من المقاتلة

[ 204 ]

وأهل الديوان الذين لهم رزق في بيت المال وكتب أسماؤهم في الديوان، ومن لا ديوان له فعاقلته من عصبة النسب لا على أهل الديوان. وعند الشافعي رضي الله عنه: العقل على عصبته من النسب لا على أهل الديوان. وذكر الطحاوي من أصحابنا أنها تجب في مال القاتل لان وجوب العقل على العاقلة عرف بخلاف القياس لان مؤاخذة غير الجاني بالجاني مما يأباه القياس، والشرع إنما أوجب على أهل الديوان أو على العشيرة فبقي على ما عداهما على قضية القياس. ومن ليس له ديوان ولا عشيرة قيل يعتبر المحال ونصرة القلوب فالاقرب، وقيل تجب في ماله، وقيل تجب في مال بيت المال، وكذلك اللقيط على هذا الخلاف. ولا تعقل مدينة عن مدينة، وتعقل مدينة عن قراها لان العقل إنما بني على التناصر والتعاون وأهل كل مصر ينتصرون بأهل ديوان مصرهم ولا ينتصرون بديوان أهل مصر آخر، وأهل كل مصر ينتصرون بأهل سوادهم وقراهم وإن كان يعبد المنزل منهم لان البادية بادية واحدة فكانوا كأهل الديوان في مصر واحد يتعاونون على أهل المصر وإن بعدت منازلهم، والباديتان إذا اختلفتا كانتا بمنزلة مصرين وعاقلة المعتق قبيلة مولاه ومولى الموالاة يعقل عنه مولاه وقبيلته. قال رحمه الله: (كل دية وجبت بنفس القتل على العاقلة) والعاقلة الجماعة الذين يعقلون العقل وهو الدية يقال وديت القتيل إذا أعطيت ديته وعقلت عن القاتل أي أديت عنه ما لزمه من الدية، وقد ذكرنا الدية وأنواعها في كتاب الديات. وأما وجوبها على العاقلة فالاصل فيه ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى بدية المرأة المقتولة ودية جنينها على عصبة العاقلة فقال أبو القاتلة المقضى عليه: يا رسول الله كيف أغرم من لا صاح ولا استهل ولا شرب ولا أكل ومثل ذلك ضلال؟ فقال عليه الصلاة والسلام: هذا من الكهان. ولان النفس محرمة فلا وجه إلى إهدارها ولا إيجاب على المخطئ لانه معذور فرفع عنه الخطأ وفي إيجاب الكل عليه عقوبة لما فيه من إجحافه واستئصاله فيضم إليه العاقلة تحقيقا للتخفيف فكانوا أولى بالضم. وقوله كل دية وجبت بنفس القتل يحترز به عما ينقلب مالا بالصح أو بالشبهة لان العدو يوجب العقوبة فلا يستحق التخفيف فلا تتحمل عنه العاقلة. وفي مبسوط شيخ الاسلام: طعن بعض وقال لا جناية من العاقلة ووجوب الدية باعتبارها فتكون في مال القاتل يؤيد ذلك قوله تعالى * (ولا تزروا زرة وزر أخرى) * (الانعام: 164) ألا ترى أن من أتلف دابة يضمنها في ماله فكذا إيجاب الدية. قلنا: إيجاب الدية على العاقلة مشهور ثبت بالاحاديث المشهورة وعليه عمل الصحابة ومن بعدهم يتراد به على كتاب الله تعالى. قال رحمه الله: (وهي أهل الديوان إن كان القاتل منهم) تؤخذ من عطاياهم في ثلاث سنين. وأهل الديوان هم الجيش الذين كتبت أسماؤهم في الديوان وهذا عندنا. وقال الشافعي: على أهل العشيرة لما روينا وكان كذلك إلى أيام عمر رضي الله عنه ولا نسخ بعد النبي صلى الله عليه وسلم فيبقى على ما كان ولانها صلة والاقارب أولى بها كالارث والنفقات. ولنا أقضية

[ 205 ]

عمر رضي الله عنه فإنه لما دون الدواوين جعل الدية على أهل الديوان بمحضر من الصحابة من غير نكير منهم وليس ذلك بنسخ بل هو تقرير معنى لانه كان على أهل النصرة وقد كانت بأنواع بالحلف والولاء والعدو وفي عهد عمر رضي الله عنه قد صارت بالديوان فجعل على أهلها اتباعا للمعنى ولهذا قالوا: لو كان اليوم يتناصرون بالحرف فعاقلتهم أهل الحرفة، وإن كانوا بالحلف فأهله والدية صلة كما قال لكن إيجابها فيما هو صله وهو العطار أولا من إيجابها في أصول أموالهم لانه أحق وما تحملت العاقلة إلا للتخفيف، والتقدير بثلاث سنين مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ومحكي عن عمر رضي الله عنه اه‍. قال رحمه الله: (فإن خرجت العطايا في أكثر من ثلاث سنين أو أقل أخذ منها) لحصول المقصود لان المقصود التخفيف وقد حصل. أقول: فيه بحث وهوأن القياس كان يأبى إيجاب المال بمقابلة النفس المحترمة لعدم المماثلة بينهما إلا أن الشرع ورد بذلك كما صرحوا به، والشرع إنما ورد بإيجابه مؤجلا بثلاث سنين فإنه المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو المحكي عن عمر رضي الله عنه كما مر آنفا فينبغي أن يختص التأجيل بثلاث سنين إذ تقرر عندهم أن الشرع الوارد على خلاف القياس يختص بما ورد به وسيجئ نظير هذا في الكتاب في تعليل أن ما وجب على القاتل في ماله كما إذا قتل الاب ابنه عمدا ليس بحال عندنا بل مؤجلا بثلاث سنين فتأمل هل يمكن دفعه؟ وهذا إذا كانت العطايا للسنين المستقبلة حتى لو اجتمعت في السنين الماضية قبل القضاء بالدية ثم خرجت بعد القضاء لا يؤخذ منها لان الوجوب بالقضاء، ولو خرجت عطايا ثلاث سنين مستقبلة في سنة واحدة يؤخذ منها كل الدية لانها بعد الوجوب إذ الوجوب بالقضاء وقد حصل المقصود بذلك وهو التخفيف، وإذا كان الواجب ثلث الدية أو أقل يجب في سنة واحدة، وإذا كان أكثر منه يجب في سنتين إلى تمام الثلثين، ثم إذا كان أكثر منه إلى تمام الدية تجب في ثلاث سنين لان جمع الدية في ثلاث سنين فيكون كل ثلث في سنة ضرورة، والواجب على القاتل كالواجب على العاقلة حتى تجب في ثلاث سنين وذلك مثل الاب إذا قتل ابنه عمدا إذا انقلب القصاص مالا. ولو قتل عشرة رجلا واحدا خطأ فعلى عاقلة كل واحد منهم عشر الدية في ثلاث سنين اعتبارا للجزء بالكل وهو بدل النفس فيؤجل كل جزء من أجزائه بثلاث سنين. وأول المدة يعتبر من وقت القضاء بالدية لان الواجب الاصلي هو الدية والنقل إلى القيمة بالقضاء فتعتبر قيمته من ذلك الوقت. قال رحمه الله: (وإن لم يكن ديوانا فعلى عاقلته) لما روينا ولان نصرته بهم وهي المعتبرة في الباب. قال رحمه الله: (وتقسم عليهم في ثلاث سنين لا يؤخذ من كل في كل سنة إلا درهم أو درهم وثلث ولم يزد على كل واحد من كل الدية في

[ 206 ]

ثلاث سنين على أربعة) وذكر القدوري: لا يزاد الواحد على أربعة دراهم في كل سنة وينقص منها والاول أصح فإن محمدا نص على أنه لا يزاد على كل واحد من جميع الدية في ثلاث سنين على ثلاثة أو أربعة فلا يؤخذ من كل واحد في كل قال رحمه سنة إلا درهم وثلث كما ذكرنا هنا لان معنى التخفيف مراعي فيه. قال رحمه الله: (فإن لم تتسع القبيلة لذلك ضم إليها أقرب القبائل نسبا على ترتيب العصبات) لتحقق معنى التخفيف. واختلفوا في أبي القاتل وأبنائه قيل يدخلون لقربهم، وقيل لا يدخلون لان الضم ينفي الحرج حتى لا يصيب كل واحد أكثر من أربعة، وهذا المعنى إنما يستحق عند الكثرة والابناء والآباء لا يكثرون. قالوا: هذا في حق العرب لانهم حفظوا أنسابهم فأمكن إيجابهم على أقرب القبائل، وأما العجم فقد ضيعوا أنسابهم فلا يمكن ذلك في حقهم فإذا لم يمكن فقد اختلفوا فيه، فقال بعضه يعتبر بالمحال والقرية الاقرب فالاقرب، وقال بعضهم رأي يفوض ذلك إلى الامام لانه هو العالم به وهذا كله عندنا، وعند الامام الشافعي يجب على كل واحد نصفدينار فيستوي بين الكل لانه كله صلة فيعتبر بالزكاة. ولو كانت عاقلته أصحا ب الرزق يقضي بالدية في أرزاقهم في ثلاث سنين في كل سنة الثلث يؤخذ كلما خرج رزق ثلث الدية بمنزلة العطايا، وإن كان يخرج في كل سنة وأرزاق في كل شهر فرضت الدية في الاعطية دون الارزاق لان الاخذ من الاعطية أيسر لهم والاخذ من الارزاق يؤدي إلى الاضرار بهم إذ الارزاق لكفاية الوقت ويتضررون بالاداء منه والاعطية ليكونوا مؤتلفين في الديوان قائمين بالنصرة فتيسر عليهم الاداء منه. قال رحمه الله: (والقاتل كأحدهم) أي كواحد من العاقلة فلا معنى لاخراجه ومؤاخذة غيره به. وقال الشافعي رضي الله عنه: لا يجب على القاتل شئ من الدية لانه معذور ولهذا لا يجب عليه الكل فكذا البعض إذ الجزء لا يخالف الكل. قلنا: ايجاب الكل إجحاف به ولا كذلك إيجاب البعض ولانها تجب بالنصرة ولا ينصر نفسه مثل ما ينصر غيره بل أشد فكان أولى بالايجاب عليه، فإذا كان المخطئ معذورا فالبرئ منه أولى قال الله تعالى: * (ولا تزروا زرة وزر أخرى) *. (الانعام: 164) قال رحمه الله: (وعاقلة المعتق قبيلة مولاه) إذ نصرته بهم واسمها ينبي عنها يؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم مولى القوم منهم. قال رحمه الله (ويعقل عن مولى الموالاة مولاه وقبيلته) ومولى الموالاة هو الحليف فيعقل عنه مولاه الذي عاقده وعاقله مولاه وهو المراد بقوله وقبيلته أي قبيلة مولاه الذي عاقده لانه المعروف به فأشبه مولى العتاقة. قال رحمه الله: (ولا تعقل عاقلة جناية العبد) ولا العمد وما لزم صلحا واعترافا لما روينا ولانه لا ينتصر بالعبد والاقرار والصلح لا يلزمان العاقلة لقصور ولايته عنهم. قال رحمه الله (إلا أن

[ 207 ]

يصدقوه في الاقرار) لان التصديق إقرار منهم فتلزمهم بإقرارهم بأن لهم ولاية على أنفسهم والامتناع كان لحقهم وقد زال أو تقوالبينة لان ما ثبت بالبينة كالمشاهدة لانها كاسمها مبينة، وتقبل البينة هنا مع الاقرار وإن كانت لا تعتبر معه لانها تثبت ما ليس بثابت باقرار المدعى عليه وهو الوجوب على العاقلة، ثم ما ثبت بالاقرار يجب مؤجلا وما ثبت بالصلح حال إلا إذ شرط التأجيل في الصلح وقد عرف في موضعه. ولو أقر بالقتل خطأ فلم يرتفعوا إلى الحاكم إلا بعد سنين فقضي عليه بالدية في ماله في ثلاث سنين كان أول المدة من يوم قضي عليه لان التأجيل من وقت القضاء في الثابت بالبينة فكذا في الثابت بالاقرار أولى لانه أضعف. ولو تصادق القاتل وأولياء المقتول على أن قاضي بلد كذا قضى بالدية على عاقلته بالبينة وكذبتهما العاقلة فلا شئ على العاقلة لان تصادقهما لا يكون حجة عليهم ولم يكن عليه شئ في ماله لان الدية بتصادقهما تقررت على العاقلة بالقضاء وتصادقهما حجة في حقهما فلا يلزم إلا حصته بخلاف الاول حيث تجب جميع الدية على المقر لانه لم يوجد التصديق من الولي بالقضاء بالدية على العاقلة وقد وجد هنا فافترقا. قال رحمه الله: (وإن جنى حر على عبد خطأ فهي على عاقلته) يعني إذا قتله لان العاقلة لا تتحمل أطراف العبد. وقال الشافعي: لا تتحمل النفس أيضا بل يجب في مال القاتل. ولنا أنه آدمي فتتحمله العاقلة كالحر وهذا لان ما يجب بقتله دية وهي بدل الآدمي لا المال على ما بيناه من قبل فكانت على العاقلة بخلاف ما دون النفس لانه يسلك به مسلك الاموال، والمراد بالحديث قوله صلى الله عليه وسلم لا تعقل العاقلة عمدا عبدا ولا جناية أي لا تعقل العاقلة جناية عمدا ولا جناية عبد ونحن نقول به لان جنايته توجب دفعة إلا أن يفدية المولى. قال أصحابنا: ليس على المرأة والذرية ممن له حظ في الديوان عقل لقول عمر رضي الله عنه: لا يعقل مع العواقل صبي ولا امرأة. ولان العقل إنما يجب على أهل النصرة والناس لا يتناصرون بالصبيان والنساء ولهذا لا يوضع عليهم ما هو خلف عن النصرة وهو الجزية، وعلى هذا لو كان القاتل صبيا أو امرأة لا شئ عليهما من الدية وهذا صحيح فيما إذا قتله غيرهما، وأما إذا باشرا القتل بأنفسهما فالصحيح أنهما يشاركان العاقلة، وكذا المجنون إذا قتل فالصحيح أن يكون كواحد من العاقلة. والحاصل أن الاستنصار بالديوان أظهر فلا يظهر معه حكم النصرة بالقرابة والولاء وقرب السكني والعدو الحلف وبعد الديوان النصرة بالنسب على ما بينا، وعلى هذا يخرج كثيرا من مسائل المعاقل. أخوان ديوان أحدهما بالبصرة وديوان الثاني بالكوفة لا يعقل أحدهما عن صاحبه إنما يعقل عنه أهل ديوانه، ومن جنى جناية من أهل البصرة وليس له في أهل الديوان عطاء وأهل البادية أقرب إليه نسبا ومسكنه المصر عقل عنه أهل الديوان من ذلك المصر، ولم يشترط أن يكون بينه وبين أهل الديوان قرابة لان أهل

[ 208 ]

الديوان هم الذين يدرؤن عن أهل المصر ويقومون بنصرتهم ويدفعون عنهم ولا يخصون بالنصرة أهل العطاء فقط بل ينصرون أهل المصر كلهم. وقيل: إذا لم يكونوا قريبا له لا يعقلونه وإنما يعقلون إذا كانوا قريبا له وله في البادية أقرب منهم نسبا لان الوجوب بحكم القرابة وأهل مصر أقرب منهم فكانت القدرة على أهل النصرة لهم فصار نظير مسألة الغيبة المنقطعة في الانكاح. ولو كان البدوي نازلا في المصر لا مسكن له فيه لا يعقله أهل المصر النازل فيهم لانه لا يستنصر بهم، وإن كان لاهل الذمة عواقل معروفة يتعاقلون بها فقتل أحدهم قتيلا فديته على عاقلته بمنزلة المسلم لانهم التزموا أحكام الاسلام في المعاملات سيما في المعاني العاصمة عن الاضرار ومعنى التناصر موجود في حقهم، فإن لم تكن عاقلة معروفة فديته في ماله في ثلاث سنين من يوم يقضى بها عليه كما في حق المسلم لانا بينا أن الوجوب على القاتل وإنما تتحول عنه إلى العاقلة إذا وجدت، فإن لم توجد بقي عليه بمنزلة مسلمين تاجرين في دار الحرب قتل أحدهما صاحبه فيقضي بالدية في ماله لان أهل دار الاسلام لا يعقلون عنه لان تمكنه من القتل ليس بنصرتهم، ولا يعقل عاقكافر عن مسلم ولا مسلم عن كافر لعدم التناصر، والكفار يتعاقلون فيما بينهم وإن اختلفت مللهم لان الكفر كله ملة واحدة. قالوا: هذا إذا لم تكن المعادات بينهم ظاهرة، أما إذا كانت ظاهرة كاليهود والنصارى ينبغي أن لا يعقل بعضهم بعضا وهذا عند أبي يوسف لا نقاطع التناصر بينهم. ولو كان العاقل من أهل الكوفة وله بهاء عطاء وحمول ديوانه إلى البصرة ثم إذا رفع إلى القاضي فإنه يقضي بالدية على عاقلته من أهل البصرة. وقال زفر: يقضي على عاقلته من الكوفة وهم أهل الكوفة فصار كما لو حول بعد القضاء. ولنا أن الدية إنما تجب بالقضاء على ما ذكرنا أن الواجب هو المثل بالقضاء ينقل إلى المال بخلاف ما إذا حول بعد القضاء لان الوجوب قد تقرر بالقضاء فلا ينتقل بعد ذلك لان حصة القاتل تؤخذ من عطائه بالبصرة لانها تؤخذ من العطاء وعطاؤه بالبصرة بخلاف ما إذا نقلت العاقلة بعد القضا عليهم حيث يضم إليهم أقرب القبائل في النسب لان في النقل إبطال الحكم الاول فلا يجوز بحال، وفي الضم تكثير المتحملين فيما قضى به عليهم فكان فيه تقرير الحكم الاول لا إبطاله. وعلى هذا لو كان القاتل مسكنه بالكوفة وليس له عطاء بها فلم يقض عليهم حتى استوطن البصرة قضى على أهل البصرة بالدية، ولو كان قضى بها على أهل الكوفة فلم ينتقل إليهم، وكذا البدوي إذا لحق بالديوان بعد القتل قبل قضاء القاضي يقضي بالدية على أهل الديوان وبعد القضاء على عاقلته فالدية لا تتحول عنهم بخلاف ما إذا كان قوم من أهل البادية فقضى عليهم بالدية في أموالهم في ثلاث سنين ثم جعلهم الامام في العطاء حيث تصير الدية في عطاياهم، ولو كان قضى بها في أول مرة لانه ليس له نقض القضاء الاول لانه قضى بها في أموالهم وأعطاهم أموالهم غير أن الدية تقضى من أيسر الاموال إذ الاداء من العطاء أيسر إذا صاروا من أهل

[ 209 ]

العطاء إلا إذا لم يكن مال العطاء من جنس ما قضى به عليهم بأن كان القضاء بالابل والعطاء دراهم فحينئذ لا يتحول إلى الدراهم لما فيه من إبطال القضاء الاول لكن تقضى الابل من مال العطايا بأن يشتري به لانه أيسر. قال علماؤنا رحمهم الله تعالى: إن القاتل إذا لم يكن له عاقلة والدية في بيت المال إذا كان القاتل مسلما لان جماعة المسلمين هم أهل نصرته وليس بعضهم أخص من البعض بذلك، ولهذا إذا مات فميراثه لبيت المال فكذا ما يلزمه من الغرامة يلزم بيت المال. وعن أبي حنيفة رواية شاذة أنها تجب الدية في ماله. الغرامة يلزم بيت المال وابن الملاعنة تعقل عنه عاقلة أمه لان نسبه ثابت منها دون الاب، فإذا عقلت عنه ثم ادعاه الاب رجعت عاقلة الام بما أدت على عاقلة الاب في ثلاث سنين من يوم قضى لهم بالرجوع عليهم لانه تبين أن الدية كانت وجبت عليهم لانه بالدعوى ظهر أن النسب كان ثابتا منه من الاصل، فقوم الام يحملون ما كان واجبا على قوم الاب فيرجعون بها عليهم لانهم مضطرون في ذلك، وكذا إذا مات المكاتب عن وفاء وله ولد مسلم حر فلم يؤد كتابته حتى جنى ابنه وعقل عنه قوم أمه ثم أديت الكتابة ترجع عاقلة الام على عاقلة الاب لانه إذا أدى الكتابة يتحول ولاؤه إلى قوم أبيه من وقت تثبيت الحرية للاب وهو آخر جزء من أجزاء حياته، فتبين أن قوم الام عقلوا عنهم فيرجعون عليهم. وكذا رجل أمر صبيا بقتل رجل فقتله فضمنت عاقلة الصبي الدية رجعت بها على عاقلة الآمر ان كان الامر ثبت بالبينة وفي مال الامر إن كان ثبت بإقراره في ثلاث سنين من يوم يقضى بها على الآمر أو على عاقلته لان الدية تجب مؤجلة بطريق التيسير عليهم فكذا الرجوع بها تحقيقا للمماثلة. ثم مسائل العاقلة من هذا الجنس كثيرة وأجوبتها مختلفة، والضابط الذي يرد كل جنس إلى أصله أن يقال: إن حال القاتل أن تبدل حكما بسبب حادث فانتقل ولاء إلى ولاء لم تنتقل جنايته عن الاول قضى بها أو لم يقض، وذلك كالولد المولود بين حرة وعبد إذا جنى ثم أعتق العبد لا يجر ولاء الولد إلى قومه، ولا تتحول الجناية عن عاقلة الام قضى بها أو لم يقض. وكذا لو حفر هذا الغلام بئراثم أعتق أبوه ثم وقع فيها إنسان يقضى بالدية على عاقلة الام لان العبرة بحالة الحفر، ومن نظيره حربي أسلم ووالى رجلا فجنى ثم أعتق أبوه جر ولاء لان ولاء العتاقة أقوى وجنايته على عاقلة من والاه لان العبرة لوقت الجناية وتحول الولاء بسببحادث فلا يعتبر في حق تلك الجناية فلا يتبدل، وإن لم يتبدل حال القاتل ولكن ظهرت حالة خفيت فيه توحلت الجناية إلى الاخرى وقع القضاء بها أو لم يقع، وذلك مثل دعوة ولد الملاعنة وولد المكاتب إذا مات المكاتب عن وفاء وأمر الرجل الصبي بالجناية. ولو لم يتبدل حال الجاني ولم يظهر فيه الحالة الحقيقية ولكن العاقلة تبدلت كان الاعتبار في ذلك الوقت القضاء لا غير، فإن قضى بها على الاول لم تنتقل إلى الثاني وإلا قضى بها على الثانية، وذلك مثل أن يكون من ديوان أهل الكوفة ثم جعل من ديوان أهل

[ 210 ]

البصرة، فإن لم يكن فيه شئ مما ذكرنا لكن لحق العاقلة زيادة أو نقصان اشتركوا في حكم الجناية قبل القضاء وبعده إلا فيما سبق آداؤه فمن أحكم هذا الفصل وتأمل فيه أمكنه تخريج المسائل ورد كل واقعة من النظائر والاضداد إلى أصلها. قال بعض الفضلاء: هذا مخالف لما سبق في أول باب جناية المملوك أن أهل الذمة لا يتعاقلون فيما بينهم، وجوابه أن ذلك مبني على الغالب ا ه‍. أقول: يأبى هذا الجواب قول المصنف هنا فلا عاقلة بعد قوله أنهم لا يتعقلون فيما بينهم لان النكرة المنفية تفيد العموم على ما عرف، فالاولى في الجواب أن يقال: المراد هناك نفي الوقوع أي لم يقع التعاقل فيما بينهم، والمراد هنا بيان الجواز أي لو وقع التعاقل فيما بينهم جاز ولا يضره اختلاف مللهم فتبصر والله تعالى أعلم.

[ 211 ]

كتاب الوصايا قال الشراح: إيراد كتاب الوصايا في آخر بالكتاب ظاهر المناسبة إذ آخر الاحوال في الآدمي في الدنيا الموت والوصية معاملة وقت الموت. أقول: برد عليه أن كتاب الوصايا ليس بمورود في آخر هذا الكتاب وإنما المورود في آخرة كتاب الخنثى كما ترى نعم أن كثير من أصحاب التصانيف أوردوه في آخر كتبهم لكن الكلام في شرح هذا الكتاب، ويمكن الجواب من قبل الشراح حمل الآخر في قولهم في آخر الكتاب على الاضافي فإن آخره الحقيقي وإن كتاب الخنثى إلا أن كتاب الوصايا أيضا آخره بالاضافة إلى ما قبله حيث كان في قرب آخره الحقيقي، ومن هذا ترى القوم يقولون وقع هذا في أوائل كذا أو أواخره فإن صيغته الجمع لا تتمشى في الاول الحقيقي والآخر الحقيقي وإنما المخلص في ذلك تعميم الاول والآخر الحقيقي والاضافي. والكلام في الوصية من وجوه: الاول في تفسيرها لغة. والثاني في تفسيرها شرعا. والثالث في سبب المشروعية. والرابع في ركنها. والخامس في شرطها. والسادس في صفتها. والسابع في حكمها. والثامن في دليل مشروعيتها. أما الوصية في اللغة فهي اسم بمعنى المصدر الذي هو التوصية ومنه قوله تعالى: * (حين الوصية) * (المائدة: 106) ثم سمى الموصى به وصية ومنه قوله تعالى: * (من بعد وصية توصون بها) * (النساء: 12) وفي الشريعة * (الوصية تمليك مضاف لما بعد الموت) * بطريق التبرع سواء كانت ذلك في الاعيان أو في المنافع، كذا في عامة الشروح. أقول: وهذا التعريف ليس بجامع لانه لا يشمل حقوق الله تعالى والدين الذي في ذمته، ولو قال المؤلف هي طلب براءة ذمته من حقوق الله تعالى والعباد ما لم يصلهما أو تمليك إلى الآخره لكان أولى. لا يقال إدخال أو في الحدود الحقيقية ولا تعدد فيها لانا نقول: إذا أريد تعريف الحقيقة في ضمن الافراد جاز ذلك كما تقرر. قال بعض المتأخرين: ثم الوصية والتوصية وكذا الايصاء في اللغة طلب فعل من غيره ليفعله في غيبته حال حياته أو بعد وفاته. وفي الشريعة تمليك

[ 212 ]

مضاف إلى ما بعد الموت على سبيل التبرع عينا كان أو منفعة، هذا هو التعريف المذكور في عامة الكتب. وذكر في الايضاح أن الوصية هي ما أوجبه الانسان في ماله بعد موته أو في مرض موته والوصية بهذا المعنى هي المحكوم عليها بأنها مستحبة غير واجبة وأن القياس يأبى جوازها فعلى هذا يكون بعض المسائل مثل مسألة حقوق الله تعالى وحقوق العباد والمسائل المتعلقة بالوصي مذكورة في كتاب الوصايا بطريق التطفل لكن التحقيق أن هذه الالفاظ كما أنها موضوعة في الشرع للمعنى المذكور موضوعه فيه أيضا لطلب شئ من غيره ليفعله بعد مماته فقد نقل هذا عن شيخ الاسلام خواهر زاده لكن يشترط استعمال لفظ الايصاء باللام في المعنى الاول وب‍ " إلى في المعنى الثاني، فحينئذ يكون ذكر المسائل المذكورة على أنها من فروع المعنى الثاني لا على سبيل التطفل، إلى هنا لفظه. ثم إن سبب الوصية سبب سائر التبرعات وهو إرادة تحصيل الذكر الحسن في الدنيا ووصول الدرجات العالية في العقبى. وأما شرائطها فكون الموصي أهلا للتبرع، وأن لا يكون مديونا، وكون الموصى له حيا وقت الوصية وإن لم يكن مولودا حتى إذا أوصى للجنين إذا كان موجودا حيا عند الوصية تصح وإلا فلا. وإنما تعرف حياته في ذلك الوقت بأن ولدته قبل سنة أشهر حيا. وكونه أجنبيا حتى إن الوصية للوارث لا تجوز إلا بإجازة الورثة، وأن لا يكون قاتلا، وكون الموصى به شيئا قابلا للتمليك من الغير بعقد من العقود حال حيات الموصي، سواء كان موجودا في الحال أو معدوما. وأن يكون أيضا الموصى به بقدر الثلث حتى إنها لا تصح فيما زاد على الثلث، كذا في النهاية. وفي العناية أيضا بطريق الاجمال. وفي الاصل: ومن شروطها كون الموصي أهلا للتبرع فلا تصح من صبي ولا عبد. وأقول: فيه قصور بلا خلل، أما أولا فلانه جعل من شرائطها أن لا يكون الموصي مديونا بدون التقييد بأن يكون الدين مستغرقا لتركته والشرط عدم هذا الدين المقيد لا عدم الدين المطلق كما صرح به في البدائع وغيره. وأما ثانيا فلانه جعل من شرائطها كون الموصي له حيا وقت الوصية والشرط كونه موجودا وقت الوصية لا كونه حيا ألا ترى أنهم جعلوا الدليل عليه الولادة قبل ستة أشهر حيا وتلك إنما تدل على وجود الجنين وقت الوصية لا على حياته في ذلك الوقت كما لا يخفى على العارف بأحوال الجنين في الرحم وبأقل مد الحمل، وعن هذا كان المذكور في عامة المعتبرات عند بيان هذا الشرط أن يكون الموصى له موجودا وقت الوصية بدون ذكر قيد الحياة أصلا. وأما ثالثا فلانه جعل من شرائطها أن يكون الموصى به مقدار الثلث لا زائدا عليه وهو ليس بسديد على إطلاقه فإن الموصي إذا ترك ورثه فإنما لا تصح وصيته بما زاد على الثلث إن لم تجز الورثة، وإن أجازوه صحت وصيته به. وأما إذا لم يترك وارثا فتصح وصيته بما زاد على الثلث حتى بجميع ماله عندنا كما تقرر في موضعه فلا بد من التقييد مرتين مرة بأن يكون له وارث، وأخرى بأن لا يجيزه الوارث والله أعلم. وأما ركنها فقوله أوصيت بكذا. وأما

[ 213 ]

صفتها فقد ذكرها المؤلف. وأما حكمها فالموصى له يملك المال بالقبض. وأما سبب مشروعيتها فقوله تعالى: * (من بعد وصية يوصى بها أو دين) * (النساء: 12) قال رحمه الله: وهي مستحبة يعني الوصية مستحبة. أقول: الحكم بالاستحباب على الوصية مطلقا لا يناسب ما سيأتي من التفصيل في الكتاب من أن الوصية بالثلث للاجنبي جائزة بدون الثلث مستحبة إن كانت الورثة أغنياء أو يستغنون بنصيبهم، وإن كانوا فقراء لا يستغنون بما يرثون فترك الوصية أولى وأنها لا تجوز للوارث والقاتل فكان الظاهر أن يقال: الوصية غير واجبة بل هي مستحبة أو جائزة اللهم إلا أن يوجه قوله وهي مستحبة بأن المراد به أن غاية أمرها الاستحباب دون الوجوب لا أنها مستحبة على الاطلاق فكأنه قال إنها لا تصل إلى مرتبة الوجوب بل قصارى أمرها الاستحباب لكن يرد عليه النقض بالوصية لحقوق الله تعالى كالصلاة والزكاة والصوم والحج التي فرط فيها. والظاهر أنها واجبة كما صرح به الامام الزيلعي في التبيين. قال في العناية أخذا من النهاية: فقوله غير واجبة رد لقول من يقول إن الوصية للوالدين والاقربين إذا كانوا ممن لا يرثون فرض، ولقول من يقول الوصية واجبة على كل أحد ممن له مروأة ويسار لقوله تعالى * (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والاقربين) * (البقرة: 180) والمكتوب علينا فرض ولما لم يفهم الاستحباب من نفي الوجوب لجواز الاباحة قال الشارح: هذا إذا لم يكن عليه حق مستحق لله، وإن كان عليه حق مستحق لله كالزكاة والصوم أو الحج أو الصلاة التي فرط فيها فهي واجبة والقياس يأبى جوازها لانها تمليك مضاف إلى حال زوال الملك، ولو أضافه إلى حال قيامه بأن قال ملكتك غدا كان باطلا فهذا أولى إلا أن الشارع أجازة لحاجة الناس إليها لان الانسان مغرور إلى بأمله مقصر في عمله، فإذا عرض له عارض وخاف الهلاك يحتاج إلى تلافي ما فاته من التقصير بماله على وجه لو تحقق ما كان مخالفة يحصل مقصوده وقد يبقى الملك بعد الموت باعتبار الحاجة كما يبقى في قدر التجهيز والدين وقد نطق بها الكتاب وهو قوله تعالى * (من بعد وصية يوصى بها أو دين) * والسنة وهو قوله عليه الصلاة والسلام إن الله قد تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في حسناتكم ليجعلها لكم زيادة في أعمالكم وعليه إجماع الامة. ثم تصح الوصية للاجنبي بالثلث من غير إجازة الوارث ولا تجوز بما زاد على الثلث لما روي عن سعد ابن أبي وقاص أنه قال: جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني من وجع اشتد بي قلت: يا رسول الله قد بلغ بي من الوجع ما ترى وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي افأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا. قال قلت: فالشطر يا رسول الله؟ قال: لا. قال قلت: فالثلث؟ قال: فالثلث والثلث كثير إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير

[ 214 ]

لك من إن تذرهم عالة يتكففون الناس. ولان حق الورثة تعلق بماله لانعقاد سبب الزوال إليهم وهو استغناؤه عن المال إلا أن الشرع لم يظهر فحق الاجانب بقدر الثلث ليتدارك تقصيره وأظهره في حق الورثة لان الظاهر أنه لا يتصدق به عليهم تحرزا عما يتفق لهم من التأذي بالايثار، وقد جاء في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قال الحيف في الوصية من أكبر الكبائر وفسروه بالزيادة على الثلث وبالوصية للوارث. وقوله مستحبة الخ الافضل لمن كان قليل المال أن لا يوصي بشئ، والافضل لمن كان له مال كثير أن يوصي بما لا معصية فيه. وقدر الاغنياء عند الامام إذا ترك لكل واحد من الورثة أربعة آلاف دون الوصية، وعن الامام الفضل عشرة آلاف. وفي الموصي الذي أراد أن يوصي ينبغي أن يبدأ بالواجبات فإن لم يكن عليه شئ من الواجبات بدأ بالقرابة، فإن كانوا أغنياء فالجيران. وفي الفتاوى: عامل السلطان أوصى بأن يعطي للفقراء كذا كذا من ماله قال أبو القاسم: إن علم بأنه مال غيره لا يحل أخذه، وإن علم أنه مختلط بمال غيره جاز أخذه، وإن لم يعلم لا يجوز حتى يتبين أنه ماله. قال الفقيه أبو الليث: الجواز قول أبي حنيفة لانه ملكه بالخلط، وعلى قولهما لا يجوز. وفي الخانية: إذا أوصى أن ينفق على فرس فلان جاز وهي وصية لصاحب الفرس. قال رحمه الله: (ولا تصح بما زاد على الثلث) فهذه العبارة أولى من عبارة الهداية حيث قال: ولا تجوز لانه يلزم من عدم الصحة عدم الجواز ولا يلزم من عدم الجواز عدم الصحة، والمراد بعدم الصحة عدم النفاذ حتى لا ينفذ بل يتوقف على الاجازة كما سيأتي إن شاء الله تعالى. قال بعض ا لمتأخرين: يعني لا يجوز بما زاد على الثلث حتى لا يجوز في حق الفاضل على الثلث بل في حق الثلث، فقط لا أنه لا تجوز هذه الوصية أصلا. فإن قلت: كيف جاز استعمال اللفظ في بعض مدلولاته دون بعض وبأي وجه أمكن ذلك؟ قلت: يجعله في حكم وصايا متعددة بأن يجعل قوله أوصيت لفلان بثلثي مالي في قوة قوله أوصيت له بثلثه دون الزائد والوصية تارة تكون منجزة، وتارة معلقة بشرط فيجب أن يعلم بأن تعلق الوصية بالشرط جائز. وفي نوادر بشر عن أبي يوسف في الاملاء: إذا أوصى بثلثه لرجل على أن يحج عنه فهذا جائز إن قبل ذلك الموصى له. ابن سماعة عن أبي يوسف: إذا قال في وصيته ينفق على فلان كذا والموصى له غائب أو مات الموصي وهو غائب فهو بمنزلة رد الوصية ولا شئ له، وكذلك إن قدم فسلم يقبل، وإن قدم وقبفله ما مضى. قال أبو يوسف: رجل أوصل بثلث ماله لرجل وقال أن أبي فهو لفلان فمات الموصى له الاول أو لم يأب فالثلث للاول ولو أبى كان للآخر، لو قال ثلثي وصية لفلان فإن لم يشأ ذلك فلفلان فهو مثل الاول، ولو قال ثلثي وصية لفلان إن شاء وإن أبى فهو لفلان فمات الموصى له قبل أن يتكلم بشئ فالثلث مردود على الورثة. ابن سماعة عن محمد: رجل أوصى لرجل بوصية

[ 215 ]

وقال إن لم يقبل فلان ما أوصيت له به أو قال إن رد فلان ما أوصيت به فهو لفلان فإذا الموصى له الاول حيا أو كان حيافمات قبل الموصي ولم يعمل بالوصية قال هي للثاني كلها إن أسلمت جاريتي هذه فأعتقوها فباعوها قبل أن تسلم ثم أسلمت بعد مضي البيع صح ولا ترد. قال أبو حنيفة: إذا قال أوصيت أن يخدم عبدي فلانا سنة ثم هو لفلان فقال فلان لا أقبل الوصية قال: يخدم الورثة سنة ثم الموصي له ولا تبطل وصيته للثاني بأباء الاول الخدمة. قال أعطوه فلانا بعد السنة فإن مات فلان خدم تمام السنة للورثة ثم يدفع إلى الموصى له بعد تمام السنة. وقال أبو حنيفة: هذه وصية فيها يمين وليست المسألة الاولى كهذه ابراهيم بن رستم عن محمد: قال أرضي التي في موضع كذا وغلامي فلان لام ولده فيصير ميراثا منها. ابن سماعة عن أبي يوسف: أوصى أن ينفق على أم ولده ما قامت على ولدها وقال إن تزوجت فلا شئ لها فتزوجت وطلقها زوجها فرجعت إلى ولدها لم يرد عليها ما كان أوصى به لها وقد بطل ذلك، وكذلك إن خرجت من بلادها إلى بلاد أخرى، ولو خرجت من دارها أو جاء منها شئ يعرف أنها قد تركتهم ولم تقم عليهم فلا هذه الدار لك على أن تصح في سبيل الله أو قال هذه الدابة لك على أن تغزوا عليها في سبيل الله قال: هي له وله أن يصنع بها ما شاء. عن أبي يوسف: رجل أوصى بثلث ماله لرجل وشرط عليه أن يقضي دينه معناه شرط الموصي على الموصى له أن يقضي دين الموصي فهذا على وجوه: إن كان الدين مجهولا أو كان معلوما إلا أن الثلث مجهول فالوصية باطلة، وإن كان الدين معلوما والثلث معلوما فإن لم يكن في الثلث ذهب ولا فضة فهو جائز ويجب له الثلث بالدين إذا قبل كما يجب في البيع، وإن كان في الثلث دراهم إن كان أكثر من الدين فإن هذا لا يجوز من قبيل أن هذا بيع دراهم بدراهم وفضل عروض سوى ذلك، وإن كانت الدراهم التي في الثلث أقل من الدين جاز، فإن قبض الثلث ساعة يموت أو قبض الدراهم التي في الثلث ساعة يموت وقضى الدين ساعته انتقص ذلك في الدراهم ما يخصه وجاز في العروض. أوصى بألف درهم على أن يقضي عنه فلانا خمسمائة لا يجوز، ولو قال على أن يقضي فلانا منها خمسمائة جاز العلاء في نوادر هشام عن أبي يوسف: إذا قال إذا مت وهذان العبدان في ملكي فهما وصية لفلان فمات أحد العبدين ثم مات الموصي والثاني في ملكه فالوصية باطلة، ولو قال إن مت وفلان حيان فهذا العبد وصية لهما فمات أحدهما قبل موت الموصي فإن الثاني منهما يعطي نصف العبد. قال: وإذا أوصى رجل لامته أن تعتق على أن تتزوج ثم مات الموصي فقالت الامة لا أتزوج فإنها تعتق، ويجب أن يعلم بأن الموصي متى علق عتق مملوكه بشئ بعد موته فإنه لا يخلو من وجهين: أن يعلقه على فعل غير مؤقت بأن قال هي حرة إن ثبتت على الاسلام بعد موتي أو أوصى أن يعتقوها بعد موته على أن لا تتزوج أو قال هي حرة بعد موتي إن لم تتزوج أو علق عتقه على فعل مؤقت بأن قال إن مكثت مع ولدي شهرا فهي حرة أو

[ 216 ]

قال أعتقوه إن لم يتزوج شهرا. فإن علق عتقه بالثبات على فعل غير مؤقت حال حياته بأن قال لمملوكه حال حياته إن ثبت مع ولدي أو في هذه الدار شهرا فأنت حرة فثبتت ساعة عتقت، وكذا إذا علق عتقه بالثبات على فعل غير مؤقت بأن أوصى بأن يعتقوها على أن لا تتزوج أو قال إن لم تتزوج إذا قالت بعد موت المولى لا أتزوج فإنها تعتق إذا كانت تخرج من ثلث ماله، هكذا وقع في بعض النسخ. وفي بعض النسخ إذا لم تتزوج يوما أو أقل وأكثر فإن الوصية لها صحيحة، فإن تزوجت بعد ذلك صح نكاحها ولا يبطل عتقها ووصيتها ولا يلزمها السعاية في شئ للورثة، وهذا قول علمائنا الثلاثة. قال: أوصى لام ولده بألف درهم على أن تتزوج أو قال إن لم تتزوج إن قالت لا أتزوج بعد موت الموصي فإنه يعطي لها وصيتها، فإن تزوجت بعد ذلك لا يسترد الالف منها. ولو قال ما لم تتزوج شهرا فهو على ما قال لا تستحق وصيتها ما لم تترك التزوج شهرا، وإذا تزوجت قبل مضي الشهر تبطل وصيتها. أوصى لها بألف درهم على أن تثبت مع ولدها فمكثت مع ولدها ساعة استحقت الوصية. قال: وإذا أوصى لرجل بخادمه على أن يقيم مع ابنته ومع ابنته ومع ابنه حتى يستغنيا ثم هي حرة فهذا على وجهين: فأما كانا كبيرين أو كانا صغيرين، فإن كانا كبيرين فإنها تخدم الابنة حتى تتزوج وتخدم الابن حتى يتأهل أو يجد ما يشتري به خادما يخدمه فيستغني عن خدمتها، وإن كان صغيرين تخدمهما حتى يبلغا، وإن مات أحدهما أو ماتا جميعا قبل أن يستغنيا فإن الجارية لا تعتق وتبطل الوصية. قال: إذا أوصى لها بالعتق على أن تتزوج فلانا بعينه فقالت أفعل تعتق من ثلثه وبعد هذا إذا أبت أن تزوج نفسها من فلان وفلان أجنبي لا شئ عليها. قال: ولو أوصى بعتق عبد له أن لا يفارق وارثه أبدا وعليه دين يحيط به وبطلت وصيته وبيع في الدين. ولم يتعرض المؤلف لبيان ما يدخل في الوصية بطريق التبع وما لا يدخل. قال محمد: الولد والكسب إذا ولدا قبل موت الموصي فإنهما لا يدخلان تحت الوصية. سواء كانا يخرجان من الثلث أو لا يخرجان. فأما إذا حدث الولد والكسب بعد موت الموصي إن حدثا يوم القسمة والتسليم لا يدخلان تحت الوصية ولا يسلمان للموصى له بحكم الوصية حتى لا يعتبر فيها الثلث والثلثان، فأما إذا حدث الولد والكسب قبل قبول الموصى له قبل القسمة والتسليم هل يصير موصى به حتى يعتبر خروجه من الثلث أو لا يجعل موصى به حتى لا يكون للموصى له من غير اعتبار الثلث؟ لم يذكر محمد هذا في شئ من الكتب نصا، وقد اختلف فيه المشايخ المتأخرون، ذكر القدوري أنه لا يصير موصى به حتى لا يعتبر خروجه من الثلث وكان للموصى له من جميع المال كما لو حدث بعد القسمة والتسليم، ومشايخنا قالوا بأنه يصير موصى به حتى لا يعتبر خروجه من الثلث كما لو وجد قبل القبول. وفي نوادر ابراهيم عن محمد فيمن أوصى لرجل بحائط فهو بأرضه كله وصية، ولو أوصى بنخلة فهو على النخلة دون الارض قال: إنما تسمى نخلة وهي مقطوعة وهذا في

[ 217 ]

عرفهم، وفي عرفنا تسمى نخلة وهي قائمة أيضا فعليه تدخل أرضها. في نوادر المعلي عن أبي يوسف: أوصى لرجل بنخل كثير أو نخلة واحدة أوهب أو تصدق أو باع فله ما على ظهر الارض، ولو أوصى له بكرم أو بستان أو جمة فله ذلك بأصله ولا يشبهه هذه النخلة، وذكر المعلي عن أبي يوسف: إذا أوصى ينخلة لانسان ولآخر بثمرها فالوصية جائزة والنخل للموصي له بالنخل بأصله وأرضه. وفي نوادر ابن سماعة عن محمد: إذا أوصى بزق زيت. فهو على الزق دون الزيت، ولو قال بزق الزيت فهو على الزق وحده، ولو بسفينة الطعام فهو على السفينة، وكذلك على هذه الوجوه في رواية الماء وقوصرة التمر. ولو أوصى لاحد بميزان فهو على العمود والكفتين والخيوط ولا يدخل فيه السجات والغلاف، وهذا إذا كان بغير عينه، وأما إذا كان بعينه دخل فيه. وقال أبو يوسف: إذا أوصى لرجل بالميزان فله الكفتان والعمود ولا يمكن له السنجات، وأما القبان فهو له برمانته وكفته. وذكر الحسن بن زياد في كتاب الاختلاف عن أبي يوسف: إذا أوصى لرجل بسيف فله النصدون الجفن وهو قول أبي حنيفة. وعنه أن له السيف مع جفنه ورواية ابن سماعة موافقة لرواية الاصل. ولو أوصى بمصحف وله إذا أوصى غلاف فله المصحف دون الغلاف في قول أبي حنيفة. وفي البقالي له بقبة تركية فهو له بالآلة، فلو أوصى بحملة فله الكسوة دون العيدان، وفيه أيضا أبي يوسف: أوصى لرجل بسرج فكل شئ علق به وحرز فيه فهو له ولا يكون له غيره. وذكر الحسن في كتاب الاختلاف عن أبي يوسف في الوصية بالسرج أن له الدرفتين والركابين والمرة لا يكون للعبد والرفادة والصنقة وذكر ابراهيم عن محمد في رجل مات فأعتق عبده قال: له كسوته ومنطقته. قال محمد: هي وصية عبد الله بن المبارك لغلامه. وفي نوارد بشر عن أبي يوسف: أوصى لرجل بشاة من غنمه ولم يقل من غنمي هذه فأعطى الورثة الموصى له شاة قد ولدت بعد موت المولى قال، لا يتبعها ولدها. ولو قال أوصيت لفلان بشاة من غنمي هذه فأعطوه شاة قد ولدت بعد موت الموصى ولدا قال يتبعها ولدها. ولو استهلك الوارث الولد قبل أن يعطي الشاة فلا ضمان عليه، وكذلك لو أوصى له بنخلة بأصلها ولم يقل من نخلي هذا فهي مثل الشاة التي أوصى بها ويعطونه أي نخلة شاؤوا دون ثمرتها التي أثمرتها في حياة الموصي أو بعد وفاته، وإن كانوا استهلكوا ذلك فلا ضمان عليهم. وما يتصل بهذا الفصل ما إذا أوصى أن تعتق جاريته هذه بعد موته ومات فقبل أن تعتق ولدت ولدا فهي مع ولدها يخرجان من الثلث، عتقت الجارية ولم يعتق الولد، وكذا لو أوصى بأن يكاتب هذه الجارية بعد موته أو أوصى أن تباع هي من نفسها أو تعتق على مال فولدت ولدا بعد موت الموصى لا تنفذ الوصية في الولد. ولو أوصى أيتصدق بجاريته هذه على المساكين أو على فلان أو توهب من فلان فولدت ولدا بعموته فتنفذ الوصية في الولد كما تنفذ في الجارية، ولو أوصى بأن تباع

[ 218 ]

جاريته هذمن فلان بألف درهم فولدت ولدا بعد موت الموصي بيعت هي ولا يباع ولدها. ولو أوصى بأن تباع جاريته هذه ويتصدق بثمنها على المساكين أو على فلان فولدت الجارية بعد موته ولدا فإنه تنفذ الوصية في الولد، ولو أوصى بأن تباع جاريته هذه من فلان بألف درهم فجاء عبد وقتلها فدفع بها أو قطع يدها فدفع بيدها أو وطئها وطأ بشبهة حتى غرم العقر فإنه لا يباع العبد المدفوع ولا الارش ولا العقر فبعد ذلك ينظر، إن كانت قد قتلت بطلت الوصية لفقدان محلها، وإن كانت قد قطعت يدها بيعت من الموصى له بنصف الثمن إن شاء، ولو وطئت وهي ثيب لم ينقصها الوطئ لا يحط شئ من الثمن، وكذلك إذا تلفت عينها أو يدها بآفة سماوية بيعت بجميع الثمن المشتري إلا إذا صارت إليه أصلا فصار له حصته من الثمن، ولو أوصى بأن تباع جاريته هذه من فلان بألف درهم ويتصدق بثمنها على المساكين فآبى فلان البيع بطلت الوصيتان جميعا، وكذلك لو قتلت الجارية بعد موت الموصي وغرم القاتل قيمتها بطلت الوصيتان، وكذلك لو أوصى أن تكاتب جاريته ويتصدق ببدل الكتابة أو تباع من نفسها ويتصدق بثمنها على المساكين فولدت بعد موته ولدا بيعت هي وحدها ولم يبع معها ولدها، وأما بيان الالفاظ التي تكون وصية والتي لا تكون وصية روى ابن سماعة في نوادره عن محمد: إذا قال الرجل أشهدوا أني أوصيت لفلان بألف درهم وأوصيت بأن لفلان في مالي ألف درهم فالالف الاولى وصية الاخرى إقرار. والفرق أن أوصيت لما دخلت على أن المصدرية تستعمل بمعنى ذكرت ولهذا كان إقرارا بخلاف الاولى فإنها على بابها. وفي الاصل: إذا قال في وصيته سدس داري لفلان وأبي أجيز ذلك يكون وصية، ولو قال سدس في داري لفلان وإني أجيز ذلك يكون وصية، ولو قال لفلان سدس في داري فإنه يكون إقرارا، وعلى هذا إذا قال الرجل لفلان درهم من مالي يكون وصية استحسانا، وإن كان في ذكر وصيته إذا قال في مالي كان إقرارا، وإذقال عبدي هذا لفلان وداري هذه لفلان ولم يقل وصية ولا كان في ذكر وصيه ولا بعد موتكانت هبة قياسا واستحسانا، وإن قبضها في حال حياته صح، وإن لم يقبضها حتى مات فهو باطل، وإن ذكرها في خلال الوصية ذكر الشيخ الامام الزاهد أحمد الطواويسي في شرح وصايا الاصل القياس أن يكون هذا وصية، وفي الاستحسان لا يكون وصية. وإذا قال أوصيت أن يوهب لفلان سدس داري بعد موتي كان ذلك وصية عملا بقوله بعد موتي فالهبة بعد الموت هي الوية فتصح مع الشيوع ولا يشترط قبضه في حيات الموصي. ولو قال ثلثي مالي لفلان أو قال سدس مالي لفلان ثم مات قبل أن يقبض فالقياس أن يكون هذا باطلا، وفي الاستحسان يكون وصية جائزة وتأويله إذا قال ذلك في خلال الوصايا يكون وصية ظاهرة فصار كأنه قال ثلث مالي وصية لفلان، ولو قال هكذا فإنه جائز، وإن كان قبل القبض، وكذلك إذا قال بعد موتي لانه لما قال بعد موتي فإنه نص على الوصية بخلاف ما إذا قال في صحته ثلث مالي لفلان لانه

[ 219 ]

لم يصرح بالوصية ولاذكرها في خلال الوصايا ولا إضافة إلى ما بعد الموت فلا يجعل وصية بل يجعل هبة لو ذكرها في خلال الوصايا أو إضافة إلى ما بعد الموت وكان ذلك في حال الصحة يكون وصية. والحاصل لا فرق بين حالة الصحة وحالة المرض، وروى محمد عن أبي يوسف وعن أبي حنيفة في رجل قال في مرضه أو في صحته إن حدث لي حادث فلفلان كذا هذا وصية، وكذلك لو قال لفلان ألف درهم من ثلثي فهذا وصية وإن لم يذكر فيها الموت، ولو قال لفلان ألف درهم من ثلث مالي أو قال من نصف مالي أو قال من ربع مالي فهو باطل، وفي الخانية: قال ذلك في صحته أو مرضه إلا أن يكون عند ذكر الوصية. وفي فتاوى الليث: مريض قال أخرجوا ألف درهم من مالي أو قال أخرجوا ألف درهم ولم يزد على هذا ثم مات، فإن قال ذلك في ذكر الوصية جاز. وفي الخانية، ويصرف إلى الفقراء رجل حضرته الوفاة فقال له رجل ألا توصي فقال قد أوصيت بثلث مالي ولم يزد عليه حتى مات يدفع كل السدس للفقراء. وفي الخانية: مريض قالوا له لم لا توصي فقال قد أوصيت بأن يخرج من ثلث مالي ألفان فيتصدق بألف على المساكين ولم يزد على ذلك حتى مات فإذا ثلث ماله ألفان. قال الشيخ الامام أبو القاسم: يتصدق بالالف. ولو قال المريض أوصيت أن يخرج ثلث مالي ولم يزد عليه قال بتصدق بجميع الثلث على الفقراء. وفي المنتقي: إذا قال إن مت من مرضي هذا فأمتي هذه حرة وما كان في يدها فهو عليها صدقة قال: أرى ذلك جائزا على وجه الصدقة وما كان في يدها يوم مات وعليه البينة أن هذا كان في يدها يوم مات، ولو قال إن مت من مرضي هذا فغلماني أحرار ويعطي فلان من مالي كذا وكذا ويحج عني ثم برأ مرضه ثم مرض ثانيا وقال للشهود الذين أشهدهم على الوصية الاولى أو لغيرهم اشهدوا أني على الوصية الاولى قال محمد: أما في القياس هذا باطل لانه قد بطلت وصيته الاولى حين صح من مرضه ذلك لكنا نستحسن فنجيز ذلك منه ويتحاصون في الثلث، وعلى هذا القياس والاستحسان إذا قال أوصيت لعبد ابنه بمائة درهم وللمساكين بمائة درهم ثم قال إن مت من مرضي هذا فغلماني أحرار ثم برأ ثم مرض ثانيا. ولو قال إن لم أبرأ من مرضي وزاد في فتاوي الفضلي أو قال بالفارسية الدين الدين يتمارى من أبدأ يأرين يتمارى ممن مر فحينئذ إذا برأ تبطل وصيته. وفي الظهيرية ومجموع النوازل: رجل قال لآخر في وصيته بالفارسية يتمارى دار في ربدان مرابصين من فقد جعله وصيا في تركته، وكذا لو قال معدهم وممر يأمرهم وما يجري مجراه. ول قال المريض عمر كان من وريد من تحول بعد أن مات أو قال مرور بدان من أصابع فمات قال: يصير وصية امرأة أوصت بأشياء وقال في ذلك حر لسان من أما وكان بها هندان قال من هل تصح هذه الوصية وماذا يعطي قال: هذه وصية لمن ليس هو من جملة أربابها والتقدير في هذا ذلك لما يخاطبه بذلك يعطي ما لها أقرباؤها وقد يبطل اسم التذكرة. الخانية: مريض أوصى بوصايا يأثم برأ من مرضه ذلك وعاش سنين

[ 220 ]

ثم مرض فوصاياه ثابتة إن لم يقل إن مت من مرضي هذا أو قال إن لم أبرأ من مرضي هذا فقد أوصيت بكذا أو قال بالفارسية الدمن ارين سماري غير من حينئذ إذ برأ بطلت وصيته. ولو قال أبرأت غرماني ولم يسمهم ولم ينو أحدا منهم بقلبه قال أبو القاسم: روى ابن مقاتل عن أصحابنا أنهم لا يبرؤن. رجل له دين على رجل فقال المديون إذا مت فأنت برئ من ذلك الدين قال أبو القاسم: يجوز ويكون وصية من الطالب للمطلوب. وفي النوازل سئل عن رجل كان له على رجل دين فقال له إذا مت فأنت برئ من ذلك الدين قال: يجوز وتكون وصية من الطالب للمطلوب إذا مات. وإذ قال إن مت برئ من ذلك الدين قال: لا يبرأ وهو مخاطرة. وهو بمنزلة قوله إن دخلت الدار فأنت برئ مما عليك. وفي المنتقى: إذا قال الرجل ضعوا ثلثي حين أمر الله تعالى يرد إلى الورثة. وفي الخلاصة: ولو قال ثلث مالي حيثما يرى الناس أو حيثما يرى المسلمون قيل في عرفنا ليست بوصية. وفي العيون: إذا قال انظروا إلى كل ما يجوز لي أن يوي به فأعطوه فهذا على الثلث. ولو قال انظروا ما يجوز لي أن أوصي به فأعطوه فالامر إلى الورثة لانه يجوز أن يوصي بدرهم وبأكثر. وقوله ما يجوز لي كذا ذكرهما ههنا ومراده إذا كانت الورثة كبارا كلهم، أما إذا كان فيهم صغير أو من في معناه يجعل في حقه كان الموصي أوصى بدرهم لا غير لانه هو المتيقن. وسئل أبو نصر عمن قال إدفعوا هذه الدراهم أو هذه الثياب إلى فلان ولم يقل هي له قال: إن هذا باطل لان هذا ليس بوصية. وسئل أبو نصر الدبوسي عمن قال في وصيته ثلث مالي وقف ولم يزد على هذا قال: إن كان ماله نقدا يعني دراهم أو دنانير وما أشبه ذلك فهذا القول منه باطل وصار كقوله هذه الدراهم وقف، وإن كان ماله ضياعا ونحوه صار وقفا على الفقراء. وفي الظهيرية: وقد قيل الفتوى على أنه لا يجوز ما لم يبين جهة الوقف. ولو أوصى رجل أن ما وجد مكتوبا من وصية والدي ولم أكن نفذتها تنفذ أو أقر بذلك على نفسه إقرارا في مرضه قالوا: هذه وصية إن صدقته الورثة بتصديقهم، وإن كذبوه كان من الثلث بخلاف الدين. وفي الخانية: بخلاف الدين الذي لا طالب له إلا الله تعالى وكان حكمه حكم الزكاة والكفارات. وسئل محمد بن مقاتل عمن أوصى أن يعطي للناس ألف درهم قال: الوصية باطلة، ولو قال تصدقوا بألف درهم فهو جائز ويعطي للفقراء. وفي الخلاصة: لو قال لعبده أنت لله لا يعتق وقال محمد: الوصية جائزة وتصرف إلى وجوه البر. وفي الخانية: وفي مسألة العتق إن أراد به العتق عتق، وإن أراد به أنه لله لا يلزمه شئ والوصية تارة تكون بالالفاظ وتارة تكون بالاشارة المفهمة. قال في فتاوي أبي الليث: مريض أوصى وهو لا يقدر على الكلام لضعفه فأشار برأسه يعلم منه أنه يعتمد قال ابن مقاتل: تجوز وصيته عندي ولا تجوز عند أصحابنا، وكان الفقيه أبو الليث يقول: إذا فهم منه الاشارة يجوز. وفي فتاوي أبي الليث: إذا كتب وصيته ثم قال أنفذوا وما في هذا الكتاب تنفذ وصيته، هكذا ذكر في كتاب الشهادات قال الشيخ الامام أبو

[ 221 ]

بكر محمد بن الفضل: هو باطل لان هذا يكون للاغنياء والفقراء جميعا، ولو قال ست ورمران مرروان كسد كانت الوصية جائزة لان هذا للفظ يراد به القربة. وقال الامام علي بن الحسن السغدي: قوله وإن كسد ليس من لساننا فلا أعرف هذا وإذا قرئ صك الوصية على رجل فقيل له أهو كذا فأشار برأسه نعم يجوز ذلك على ما تقدم. قال رحمه الله: (والجحود لا يكون رجوعا) يعني لو جحد الوصية فإنه لا يكون رجوعا وليس هذا كجحود الموكل الوكالة وجحود أحد الشريكين وجحود المودع الوديعة المستأجرين، فعلى رواية الجامع لا يكون فسخا، وعلى رواية المبسوط يكون فسخا. وجه روايه الجامع أن الجحود كذب حقيقة فإنه قال أنا لم أوص ويحتمل الفسخ مجازا لانهما يتفقان في المعنى الخاص لان الفسخ رفع العقد من الاصل والجحود الكذب لا يكون رجوعا، وإن أراد الفسخ يجعل فسخا لا كذبا صونا لكلام العاقل عن الكذب والفساد، وحملا لامره على الصحة والسداد لقوله عليه الصلاة والسلام لا تظنن بكلمة خرجت من أحد شرا أو أنت تجد لها من الخير محلا فلا يجعل جحود الموصي فسخا منه لانه ممن يتعود بالفسخ وسيأتي تمامه إن شاء الله تعالى. قال أبو يوسف: لو أوصى لرجلين ثم رجع عن إحدى الوصيتين ولم يبين أيتهما تلك حتى مات فللوارث أن يبطل أيتهما شاء ويمضي الاخرى، فإن كان الوارث صغيرا فأبوا الوصي، وإن لم يكن له وصي فالحاكم. ولو أوصى بأرض ثم حفرها فهذا رجوع، وإن زرع فيها إنسانا فهو رجوع، وإن زرعها حنطة فليس برجوع لان حفر الكرم وغر س الاشجار للاستدامة والاستقرار. ولم يتعرض المؤلف للرجوع عن بعض الوصية ونحن نذكر ذلك تتميما للفائدة. قال في المبسوط: ولو قال أوصيت بهذه الالف لفلان فقد أوصيت لفلان منها بمائة فليس هذا برجوع فالمائة بينهما نصفان تسعمائة للاول لان عطف الوصية الثانية على الاولى في المائة والعطف يقتضي الاشتراك مع المعطوف عليه فيما عطف، وإنما عطف في المائة فيوجب الاشتراك بينهما في المائة. ولو قال قد أوصيت لفلان وفلان بألف إلا بمائة لاحدهما فالمائة لهذا والتسعمائة للاول منهما، وكذا هذا في الاقرار وقد مرت في الاقرار. ولو أوصى لرجل بثلث ماله ثم قال قد أوصيت لفلان بما أحب من ثلثه، فإن أحب الثلث كله كان الثلث بينهما نصفين، وإن أحب كله إلا درهما ضرب له بالثلث إلا درهما لانه فوض إلى الاول إرادة الوصية للثاني فما أراده الاول وأحبه يكون للثاني إلا إذا أراد كله يكون الثلث بينهما كما لو أوصى بالثلث لهذا فيكون الثلث بينهما نصفين لما يأتي فكذا هذا. ولو قال العبد الذي أوصيت به لفلان فهو لفلان كان رجوعا لان اللفظ يدل على قطع الشركة بخلاف ما إذا أوصى به لرجل ثم أوصى به لآخر لان المحل يحتمل الشركة واللفظ صالح لها، وكذا إذا قال بها فهو لفلان وارثي يكون رجوعا عن الاول ويكون وصية لوارث، وحكمه أنه يجوز إن

[ 222 ]

أجازته الورثة، ولو كان فلان الآخر ميتا حين أوصى فالوصية الاولى على حالها لان الوصية الاولى إنما تبطل ضرورة كونها للثاني فلم تكن فبقي الاول على حاله، ولو كان فلان حين قال ذلك حيا ثم مات قبل موت الموصي فهو للوارث لبطلان الوصية الاولى بالرجوع والثانية بالموت وقد تقدم بعض هذه المسائل فراجعه. باب الوصية بثلث المال لما كان أقضى ما يدور عليه مسائل الوصايا عند عدم إجازة الورثة ثلث المال ذكر تلك المسائل التي تتعلق بها فهچذا الباب بعد ذكر مقدمات هذا الكتاب، كذا في النهاية والغاية. قال رحمه الله: (أوصى لهذا بثلث ماله ولآخر بثلث ماله ولم تجز الورثة فثلثه لهما) أي إذا لم تجز الورثة الوصيتين كان الثلث بينهما لان ثلث المال يضيق عن حقهما إذ لا يزاد عليه عند عدم الاجازة وقد تساويا في سبب الاستحقاق فيستويان في الاستحقاق والمحل يقبل الشركة فيكون الثلث بينهما نصفين لاستواء حقهما ولم يوجد ما يدل على الرجوع عن الاول، ولو أوصى لرجل بسيف قيمته مائة درهم ولآخر بسدس ماله وليس له سوى السيف خمسمائة درهم نقدا وعروضها فما فضل على سدس السيف فهو لصاحبه، والسدس بينه وبين صاحب السدس نصفان، ولصاحب السدس سدس الخمسائة عند أبي حنيفة. وعندهما السيف بينهما على سبعة لصاحب السدس سبعة. وأما تخريج أبي حنيفة فلان القسمة في السيف عنده على سبيل المنازعة لانه عين شائع فلا يكون ملحقا بالميراث فنقول اجتمع في السيف وصيتان وصية بالثلث ووصية بالسدس فاجعل السيف على ستة أسهم، ولا منازعة لصاحب السدس فيما زاد فيه وذلك خمسة أسهم تسلم للموصى له بلا منازعة، وبقي سهم استوت منازعتهم فيه فيكون بينهما نصفين، فإن كسره بالنصف فأضعف حتى يزول الكسر. فأما التخريج لهما فلان القسمة عندهما على سبيل العول والمضاربة فيضرب الموصى له بالكل بستة ويضرب الموصى له بالسد س بسهم فصار السيف على سبعة. ولو أوصى بثلث ماله لآخر مع هذا ولم تجز الورثة فصاحب السدس في الثلث بسدس خمسمائة وثلث سدس السيف، وصاحب السيف بخمسة أسداس السيف إلا سدس سبعة عند أبي حنيفة لانه اجتمع في السيف ثلاث وصايا وصية بالكل، ووصية بالثلث، ووصية بالسدس، فاجعل السيف على ستة فلا منازعة لاحد فيما زاد على الثلث وذلك أربعة فسلم لصاحب السيف بقي سهمان لا منارعة لصاحب السدس فيما زاد على سهم واحد يدعيه صاحب السيف وصاحب الثلث فيكون بينهما نصفين فانكسر الحساب بالنصف فأضعف

[ 223 ]

حتى يزول الكسر فصار السيف على اثنتي عشر لصاحب السيف أربعة ونصف ضعيفة فصار تسعة ولصاحب الثلث نصف سهم ضعيفة بقي سهمان استوت منازعة الكل فيهما فيكون بينهم أثلاثا فانكسر بالاثلاث فاضرب اثني عشر في ثلاثة فيصير ستة وثلاثين لصاحب السيف سبعة صارت مضروبة في ثلاثة فصار له ثلاثة، والمنكسر سهمان ضربتهما في ثلاثة فصارت ستة يستقيم بينهم لكل واحد سهمان، ثم اجعل كل مائة من الخمسمائة على ستة وثلاثين لان القيمة في السيف مائة وقد صار على ستة وثلاثين فاضرب خمسة في ستة وثلاثين فصار مائة وثمانين، فإن أجازت الورثة فلصاحب الثلث ثلثه وذلك ستون ولصاحب السدس سدسه وذلك ثلاثون فلصاحب السيف سبعه وذلك ستة وثلاثون فصار سهام الوصايا مائة وستة عشر، فإن لم تجز الورثة يجعل الثلث على قدر سهام الوصايا وذلك مائة وستة عشر وجميع المال ثلثمائه وثمانية وسبعون والسبعة سدسه يكون ثلاثة وستين فيدفع إليهم من الثلث مثل ما كان يدفع عند الاجازة من جميع المال فيدفع إلى صاحب السيف ستة وثلاثين وإلى صاحب الثلث ستين وإلى صاحب السدس ثلاثين فحصل سهام الوصايا مائة وستة مثل ثلث المال. وأما عندهما يقسم على سهام العول والمضاربة فيضرب صاحب السيف بالسيف كله وذلك ستة، وصاحب الثلث بالثلث وذلك سهمان، وصاحب السدس بسدس السيف وذلك سهم فصار السيف على تسعة، ولما صار السيف وقيمته مائة على تسعة أسهم صار كل مائة من الخمسمائة على سبعة فيصير خمسة وأربعين، وإن أجازت الورثة فلصاحب الثلث ثلثه وذلك خمسة عشر ولصاحب السدس سدسه وذلك سبعة ونصف، فإن كسر السيف فأضعفه فصار سبعين وأضعف السيف وذلك تسعة فيصير ثمانية عشر فضم ذلك تسعون فصار جميع المال مائة وثمانية لصاحب الثلث خمسة عشرأضعفناه فصار له ثلاثون ولصاحب السدس سبع ونصف أضعفناه فصار خمسة عشر ولصاحب السيف تسعة أضعفناه صار ثمانية عشر لو زادت سهام الوصايا على الثلث فهي لهم إن أجازه الورثة، فإن لم يجيزوا يقسم الثلث بينهم على قدر أنصبائهم لا على قدر سهام الوصايا فيضرب كل واحد في الثلث بجميع حقه والوصايا سدس وثلث وسدس أيضا لان السيف سدس جميع المال لان قيمته مائة وجميع المال ستمائة فيصير ثلث المال أربعة سدسان وثلث وذلك سهمان فيصير جميع المال اثني عشر سهما لصاحب الثلث سهمان سدس في السيف وخمسة أسداسها في باقي المال فانكسر بالاسداس فاضرب أصل الفريضة وذلك اثني عشر في ستة فيصير اثنين وسبعين كان لصاحب السيف سهم في ستة فصار ستة كله في السيف وكان لصاحب الثلث سهمان ضربناهما في ستة صار اثني عشر سدسه في السيف وذلك سهمان والباقي في المال فكان لصاحب السدس سهم ضربته في ستة وهي له سهم في السيف وخمسة أسهم في باقي المال فبلغت سهام

[ 224 ]

الوصايا أربعة وعشرين وذلك ثلث جميع المال. قال رحمه الله: (وإن أوصى لآخر بسدس ماله فالثلث بينهما أثلاثا) معناه مع الوصية الاولى وهي الوصية بثلث ماله لان كل واحد منهما يستحق بسبب صحيح شرعي فضاق الثلث عن حقهما إذ لا مزيد للوصية على الثلث فيقسمان الثلث على قدر حقهما فيجعل السدس بينهما لانه الاقل فصار ثلاثة أسهم لصاحب السدس سهم واحد ولصاحب الثلث سهمان. قال رحمه الله: (وإن أوصى لاحدهما بجميع ماله ولآخر بثلث ماله ولم تجز الورثة فثلثه بينهما نصفان) وهذا عند أبي حنيفة. قال رحمه الله: (ولا يضرب الموصى له بأكثر من الثلث إلا في المحاباة والسعاية والدراهم المرسلة) عنده، وعندهما الثلث بينهما أرباعا بينهم سهم لصاحب الثلث وثلاثة أسهم لصاحب الجميع وقد بيناه فيضرب الموصى له بما زاد على الثلث لان الموصي قصد شيئين: الاستحقاق والتفصيل. وامتنع الاستحقاق لحق الورثة ولا مانع من التفصيل فيثبت كما في السعاية وأختيها. ولابي حنيفة أن الوصية بما زاد على الثلث وقعت بغير مشروع عند عدم الاجازة من الورثة إذ لا يتصور نفاذها بحال فتبطل أصلا ولا يعتبر الباطل والتفصيل ثبت في ضمن الاستحقاق فيبطل ببطلان الاستحقاق كالمحاباة الثابتة في ضمن البيع فتبطل ببطلان البيع بخلاف الوصية بالدراهم المرسلة وأختيها لان لها نفاذا في الجملة بدون إجازة الورثة بأن كان في المال سعة فيعتبر فيها التفاصل فيضرب كل واحد منهم بجميع حقه لكونه مشروعا، ولاحتمال أن يصل كل واحد منهم إلى جميع حقه بأن يظهر له مال فيخرج الكل من الثلث. وقال في الهداية: وهذا بخلاف ما إذا أوصى بعين من تركته قيمتها تزيد على الثلث فإنه يضرب بالثلث، وإن احتمل أن يزيد المال فيخرج من الثلث لان هناك الحق يتعلق بعين التركة بدليل أنها لو هلكت التركة واستفاد مالا آخر تبطل الوصية، وفي الدارهم المرسلة لو هلكت الدراهم تنفذ فيما يستفاد فلم يكن متعلقا بعين ما تعلق به حق الورثة وهذا ينتقض بالمحاباة فإنها تعلقت بالعين مثله ومع هذا يضرب بما زاد على الثلث. وقول المؤلف إلا في المحاباة أي في ثلاث مسائل: أحدها المحاباة، والثانية السعاية. والثالثة الدراهم المرسلة أي المطلقة. وعندهما الثلث بينهما أرباعا سهم لصاحب الثلث وثلاثة أسهم لصاحب الجميع فيضرب الموصى له بما زاد على الثلث لان الوصية أخت الميراث والوارث يضرب بكل حقه في التركة فكذا هذا وبه قالت الثلاثة. وله أن الموصى له يضرب بما يستحقه وهو لا يستحق ما وراء الثلاث إلا بإجازة الورثة ولم توجد بخلاف الدراهم المرسلة وأختيها لان لها نفاذا في الجملة بدون إجازة الورثة بأن كان في المال سعة فيعتبر فيها التفاضل فيضرب كل واحد منهم بجميع حقه لكونه مشروعا. صورة المحاباة أن

[ 225 ]

يكون عبدان قيمة أحدهما ألف ومائة وقيمة الآخر ستمائة وأوصى بأن يباع واحد منهما بمائة درهم لفلان ولآخر بمائة لفلان آخر فقد حصلت المحاباة لاحدهما بألف درهم والآخر بخمسمائة، فإن خرج ذلك من ثلث المال أو أجازت الورثة جاز ذلك. وإن لم يكن له مال غيرهما أو لم تجز الورثة جاز محاباتهما بقدر الثلث فيكون الثلث بينهما أثلاثا يضرب الموصى له بالالف بحسب وصيته وهي الالف والموصى له الآخر بحسب وصيته وهي خمسمائة، فلو كان هذا كسائر الوصايا وجب أن لا يضرب الموصى له بألف على قياس قوله بأكثر من خمسمائة وستة وستين وثلثي درهم لان عنده الموصى له بأكثر من الثلث لا يضرب إلا بالثلث وهذا ثلث ماله. صورة السعاية أن يوصي بعتق هذين العبدين قيمة أحدهما ألف وقيمة الآخر ألفان ولا مال له غيرهما، فإن أجازت الورثة يعتقان معا، وإن لم تجز الورثة يعتقان من ثلث المال وثلث ماله ألف الثلث الذي قيمته ألف فيعتق منه هذا القدر مجانا وهو ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون والثلث الذي قيمته ألفان في ألف وخمسمائة ثلاثة أرباع قيمته لانه حينئذ لا يضرب الذي قيمته ألفان إلا بألف فوجب أن يكون بينهما نصفان. صورة الدراهم المرسلة أن يوصي لاحدهما بألف ولآخر بألفين وثلث ماله ألف ولم تجز الورثة يكون الثلث بينهما أثلاثا يضرب كل واحد منهما بقدر حصته فللموصى له بالالف ثلثه ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث درهم، وللموصى له بألفين صفقة ستمائة وستة وستون وثلثا درهم، وكان قياس أصل أبي حنيفة أن يكون الالف بينهما نصفين، كذا في العيني. قال في المبسوط: فصل في البيع في الثلث وهو على نوعين: بيع لا محاباة فيه، والثاني بيع فيه محاباة وإذا ترك عبدا لا غير وقيمته ألف وقد أوصى أن يباع من فلان بألف ثم أوصى به فهو على ثلاثة أوجه: أما إن أوصى بالعين أو بالمال أو بالثلث فإن أوصى به بعينه بعد ذلك أو قبله لآخر فلم تجز الورثة أو أجازت ولم يجز صاحبه فللموصى له بالرقبة سدس العبد ويباع ما بقي من الآخر بخمسة أسداس الالف فيكون للورثة. قيل هذا قولهما، وعند أبي حنيفة نصف سدس العبد للموصى له بالرقبة ويباع خمسة أسداسه ونصف سدسه من الآخر بقيمته فيكون للورثة فتخريجهما أن حقهما في الثلث قد استويا في حق الوصايا عندهما لانه أوصى لكل واحد منهما بكل العبد لاحدهما بالبيع وللآخر بالرقبة فيجعل الثلث بينهما نصفين، وإذا صار الثلث على سهمين صار الكل على ستة أسهم يسلم للموصي له بالرقبة نصف الثلث وذلك سدس الكل ويباع الباقي من الموصى له بالبيع ويكون الثمن كله للورثة لا حق لصاحب الرقبة فيه لان الوصية بالرقبة وصية بالعين ألا ترى أنه لو هلكت العين بعد موت الموصي بطلت الوصية. والتخريج لابي حنيفة أن للموصى له بالرقبة جزء من اثني عشر جزء من الرقبة لان وصية صاحب الرقبة فيما زاد على الثلث تبطل ضربا واستحقاقا عنده فيضرب هو في الثلث بقدر الثلث وللموصي له بالبيع يضرب بجميع الرقبة وذلك ثلاثة

[ 226 ]

لان شيئا من وصيته لا يبطل بعد إجازة الورثة فصار الثلث على أربعة والعبد كله على اثني عشر سهما يسلم لصاحب الرقبة سهم من ثلاثة وذلك جزء من اثني عشر جزءا ويباع الباقي بأحد عشر جزء من الالف. وقيل المذكور في الكتاب قول الكل، وأن أجازوا ورضي بذلك صاحب البيع يضرب كل واحد بكمال وصيته فيقسم نصفين: نصفه لصاحب الرقبة ونصفه يباع من الآخر فيكون ثمنه بين الورثة لان حقيهما قد استويا عند إجازة الورثة فتساويا ضربا واستحقاقا. وقيل عند أبي حنيفة على أربعة أوجه، والوجه الثاني: لو أوصى أن يباع العبد من رجل بألف وأوصى بجميع ماله لآخر فهذا كالمسألة الاولى في قول أبي حنيفة إلا أن صاحب الجميع يأخذ سدس الالف من الورثة من جملة الثمن مع أخذه من سدس الرقبة، وفي المسألة الاولى ليس له من الثمن شئ لانه أوصى له بالمال هنا والثمن لمالك الرقبة فيجوز تنفيذ ثمنه في الثمن وهناك أوصى له بالعين وهي الرقبة والثمن غير فلا يمكن تكميل وصيته من الثمن، وإن أجازوا بيع نصف العبد ثم أخذ صاحب الجميع ثمنه فلا شئ للورثة. وقيل عند أبي حنيفة إن لم يجيزوا فمن اثنا عشر كما في المسألة الاولى فهما مرا على أصلهما. وعلى قول أبي يوسف ينبغي أن يباع العبد كله من الموصى له بالبيع بألف ثم يعطي الموصى له بالمال ثلث الثمن لان هذا أمكن تنفيذ الوصيتين لاختلاف محل حقهما لان حق أحدهما في الرقبة وحق الآخر في مطلق المال والثمن مال كالرقبة فتنفذ كلاهما. لهما لما مات الموصى جاء أولا تنفيذ الوصية ومحل ذلك ماله والرقبة ماله فتنفذ فيها ولا يجوز التأخير إذ في التأخير توهم الابطال بهلاك الموصي به. والوجه الثالث: لو أوصى أن يباع من فلان بألف وأوصى بثلث ماله لآخر فقول محمد كقول أبي حنيفة في هذا يأخذ صاحب الثلث جزء من اثني عشر جزءا من الرقبة ويباع الباقي من الموصى له بالبيع يأخذ أحد عشر جزء من الالف إلا أن صاحب الثلث يأخذ من الثمن تمام الثلث ثم موصى له بثلث ماله والثمن ماله. وعند أبي يوسف يباع الكل من الموصى له بالبيع ويعطي من الثلث الثمن إلى صاحبه. ولو أوصى بالعبد إلى رجل وقيمته ألف وأوصى أن يباع من آخر بمائة درهم فعند أبي حنيفة نصف السدس من العبد للموصى له به ويباع الباقي من صاحب البيع من ثلثي قيمة العبد فيسلم للورثة لان عنده يصير الثلث على أربعة أسهم لصاحب الرقبة ربع السدس وهو جزء من اثني عشر جزء ويباع الباقي من صاحب البيع بثلثي قيمة العبد بثلث قيمته وذلك ستمائة وستة وستون وثلثان فيسلم ذلك للورثة لانهما وصيتان وصية بالبيع ووصية بالمحاباة في الثمن لان الوصية بالمحاباة إنما تنفذ من الثلث فينظر إلى ما بقي من الثلث بعد ما أخذ صاحب الرقبة وذلك ثلاثة أجزاء فيسلم ذلك المقدار له وما بقي وهو ثلث المال حق الورثة. وعنده الوصية بالمحاباة مقدمة على سائر الوصايا ولكن محاباة منفذة تثبت في ضمن عقد لازم لا يملك الموصي الرجوع عنها وهذا وصية بمحاباة غير منفذة.

[ 227 ]

وعند محمد لصاحب الرقبة سدس العبد ويباع الباقي بثلثي الالف لان حقهما في الثلث على السواء فيضرب كل واحد منهما بجميع حقه فيكون الثلث بينهما نصفين نصفه لصاحب الرقبة نصفه يباع من صاحب البيع بثلثي القيمة، فإن كان أوصى بجميع ماله لرجل وأن يباع من أخر بمائة ولم تجز الورثة فقياس قول أبي حنيفة أن يكون للموصى له جميع المال ثلث العبد ويباع ما بقي وهو أحد عشر جزءا من اثني عشر جزء بمائتي سهم وثلث وبمائتين سهم وربع من أربعمائة أو سبعة عشر سهما من قيمة العبد يأخذ الموصى له بالمال خمسة أسهم وربع سهم من الثمن تمام وصيته ومائتان وثمانية وسبعون للورثة. وعند محمد سدس العبد للموصى له بالمال ويباع خمسة أسداسه من الآخر سبعة وعشرين من اثنين وأربعين من قيمة العبد سهم للموصى له بالمال تمام وصيته وثمانية وعشرون للورثة، وهذه المسألة ملقبة بالعروس لحسن تخريجها ووضوح طريقها. أما تخريجها لمحمد أن حق الموصي في الثلث على السواء فيسلم للموصي له بالمال نصف الثلث وهو سدس العبد ويباع خمسة أسداسه من الآخر بسبعة وعشرين من اثنين وأربعين من قيمة العبد إذ هاتان وصيتان وصية بجميع المال ووصية بالمحاباة لصاحب البيع تسعمائة إلا أنه قد بطل من وصيته سدسه وذلك مائة وخمسون من تسعمائة لان سدس الرقبة صار مستحقا للموصى له بالمال بوصيته فبطلت فيه الوصية بالبيع والوصية بالمحاباة في ضمن الوصية بالبيع فتبطل ببطلانها ألا ترى أن الموصى له بالبيع لو قال لا أريد الشراء وأريد المحاباة لا يكون له ذلك فبقيت الوصية في سبعمائة وخمسين وهو يضرب بالثلث بهذا القدر في الآخر يضرب بجميع المال وذلك القدر لانه وإن أخذ سدس المال وكفى ولكن يضرب بجميع المال لتيقن مقدار حقه فيحسب عليه ما أخذ من الرقبة وهو السدس ويعطي له ما بقي فصار حقه في أربعة أسهم وحق الموصى له بالبيع في ثلاثة أسهم كل سهم مائتان وخمسون فتكون جملته سبعة فصار الثلث على سبعة صار الكل إحدى وعشرين فحق صاحب المال أربعة وقد سلم له ثلاثة ونصف هو سدس العبد بقتي له نصف سهم إلى تمام حقه وحق الورثة في أربعة عشر فظهر أن خمسة أسداس العبد تباع من صاحب البيع بأربعة عشر سهما سهم تمام حقه فقد نفذنا وصية المحاباة في ثلاثة فتكون الجملة على سبعة والباقي للورثة وهو أربعة فاستقام الثلث والثلثان، ومحمد أخرجه على ضعف ذلك تحرزا. وأما تخريج أبي يوسف أنا يباع جميع العبد من الموصى له بالبيع بثمانية وأربعين سهما من سبعة وخمسين سهما من قيمة العبد لانه اجتمع ها هنا وصيتان وصية بالالف ووصية بالمحاباة بتسعمائة فاجعل كل مائة سهما فيصير حق أحدهما عشر وحق الآخر تسعة فتكون جملته تسعة عشر سهما فهذا سهام الثلث فتكون الجملة سبعة وخمسين لصاحب المحاباة تسعة أسهم فيباع العبد بما بقي وذلك ثمانية وأربعون فيعطي لصاحب المال عشرة وللورثة ثمانية وثلاثين فاستقام الثلث والثلثان. وأما تخريج أبي حنيفة وهو أن هنا وصيتين وصية بالالف ووصية

[ 228 ]

بالمحاباة أن وصية الألف فيما زاد على الثالث تبطل واستحقاقا عند عدم إجازة الورثة فبقي حقه في ثلث الالف ويبطل من وصية المحاباة سهم وذلك خمسة وسبعون لانه بطل الوصية بالبيع في نصف سدس الرقبة لاستحقاق الموصي بالمال لما بينا في حقه في ثمانمائة وخمسة وعشرين فخمسة وعشرون ربع ماله. وقد انكسر ذلك بالارباع وحق صاحب المال في ثلث الالف وذلك ثلثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث فقد انكسر بالاثلاث فاضرب ثلاثة في أربعة فيكون اثني عشر ثم اجعل كل مائة على اثني عشر كل سهم ثمانية دراهم وثلث درهم فصار حق صاحب المال أربعين سهما وحق صاحب البيع تسعة وتسعين سهما فيكون كل المال أربعمائة وسبعة عشر سهما فحق صاحب المال أربعون سهما وصل إليه من ذلك أربعة وثلاثون وثلاثة أرباع سهم لانه وصل إليه من العبد نصف سدسه وذلك جزء من اثني عشر جزء فصار العبد على أربعمائة وأربعة عشر سهما جزء من اثني عشر جزء منه يكون أربعة وثلاثين وثلاثة أرباع سهم بقي إلى تمام حقه خمسة أسهم وربع سهم وحق الورثة مائتان وثمانية وسبعون. وإذا أوصى أن يباع من الرجل بألف وهي قيمته ولآخر بثلث ماله قا أبو يوسف: لا شئ لصاحب الثلث من الرقبة ويباع العبد فيكون له ثلث ثمنه وقد ذكرنا هذا فيما أوصى لرجل بجميع ماله وقولهما في هذا معروف. قال رحمه الله: (وبنصيب ابنه بطل وبمثل نصيب ابنه صح) أي الوصية بنصيب ابنه باطلة والوصية بمثل نصيب ابنه صحيحة. وقال زفر: كلتاهما صحيحة لان الجميع ماله في الحال وذكر نصيب الابن للتقدير به، ولانه يجوز أنه حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، فقوله أوصيت بنصيب ابني أي بمثل نصيبه ومثله شائع لغة قال الله تعالى * (واسأل القرية) * (يوسف: 82) أي أهلها. ولنا أن نصيب الابن ما يصيبه بعد الموت فكان وصية بمال الغير بخلاف ما إذا أوصى بمثل نصيب ابنه لان مثل الشئ غيره وإنما يجوز حذف المضاف إذا كان هناك ما يدل عليه كما في الآية لان السؤال يدل على المسؤول وهو الاهل ولم يوجد هنا ما يدل على المحذوف فلا يجوز. وفي الاصل: الوصية بنصيب الابن أو بمثل نصيب الابن إن لم تجز الورثة لم يجزأ ويجز بعضهم. وقال محمد: رجل هلك وترك أما وأبا أوصى لرجل بنصيب بنت لو كانت فالوصية من سبعة عشر منها الموصى له خمسة أسهم وللام سهمان وللاب عشرة أسهم قال: ولو ترك ابنا فأوصى بنصيب ابن آخر لو كان وأجازت الورثة الوصية فالفريضة من خمسة عشر للموصي سبعة أسهم وللابن سبعة، وكذلك إذا أوصى بمثل نصيب ابنه لو كان الجواب كما قلنا. وفي شرح الطحاوي قال: ومن أوصى لرجل بمثل نصيب ابنه فهذا لا يخلو إما أن كان أوصى له بمثل نصيب ابنه أو بنصيب ابنه كان له ابن أو لم

[ 229 ]

يكن ابن أو ابنه، فلو كان وليس له ابن ولا ابنه فإنه تجوز الوصية، فإن كان أكثر من الثلث فيحتاج إلى إجازة الورثة، فإن كان ثلثا أو أقل جازت من غير إجازة نحو ما إذا أوصى بمثل نصيب ابنه وله ابن واحد صار موصيا له بنصف المال ولو كان له ابنان يكون بينهما نصفين كذلك ههنا يكون المال بينهما نصفين نصف للابن ونصف للموصى له إن أجاز الابن، وإن لم يجز الابن فللموصى له الثلث، وإن كان له ابنان فإنه يكون للموصى له ثلث المال ولا يحتاج إلى الاجازة. ولو أوصى بمثل نصيب ابنه وله ابنة واحدة فإنه يكون للموصى له نصف المال إن أجازت الابنة، وإن لم تجز فله الثلث. ولو كانت له ابنتان والمسألة بحالها فيكون للموصى له ثلث المال، ولو أوصى بنصيب ابن لو كان فالجواب فيه كما لو أوصى بمثل نصيب ابنه. قال: وإذا هلك الرجل وترك أخا وأختا وأوصى لرجل بنصيب ابن لو كان فأجاز فللموصى له جميع المال ولا شئ للاخ والاخت، ولو أوصى بمثل نصيب ابن لو كان للموصى له نصف المال إن أجاز وإن لم يجز فللموصى له ثلث المال إن أجاز أو لم يجز. روى بشر عن أبي يوسف وفي الامالي: هلك وترك ابنين وأوصى لرجل بنصف ماله ولآخر بمثل نصيب أحد الابنين ولم تجز الورثة قال: الثلث بين الموصى لهما يضرب فيها صاحب النصف بنصف المال والآخر بتسع المال، فإن أجاز الابنان وصيتهما يأخذ صاحب النصف تمام النصف أربعة ونصفا من تسعة وصاحب مثل النصيب يأخذ سهمين من تسعة ويبقى للابنين تسعان ونصف. ولو كان أوصى لرجل بنصيب أحد الابنين وأوصى لآخر بمثل نصيب الآخر وأجاز الابنان كان لهما نصف المال وللابنين النصف ولو لم يجيزا فالثلث بينهما نصفان، وإن أجاز أحدهما دون الآخر فللذي أجاز الربع اعتبار الوجود الاحازة وللذي لم يجز الثلث. قال: وإذا هلك الرجل وترك أبا وابنا وأوصى لرجل بمثل نصيب ابنه أو بنصيب ابن لو كان وأجاز فللموصى له خمسة من أحد عشر وللاب سهم وللابن خمسة، وإن لم يجيزا فللموصى له الثلث أولا والباقي بين الاب والابن أسداسا. وإن أجاز أحدهم دون الآخر وذكر في الكتاب أنه ينظر إلى حال الاجازة وحال عدم الاجازة فالفريضة عند الاجازة من أحد عشر للموصى له خمسة وعند عدم الاجازة الفريضة من تسعة للموصى له ثلثه فيضرب أحد الفريضتين في الاخرى فيصير تسعة وتسعين، فعند عدم الاجازة للموصى له الثلث ثلاثة وثلاثون وللاب سدس وما بقي أحد عشر وللابن خمسة من أحد عشر وللابن خمسة أسداس وما بقي خمسة وخمسون، وعند الاجازة للموصى له خمسة من أحد عشر مضروبا في تسعة فيكون خمسة وأربعين وللاب سهم مضروبا في تسعة فيكون تسعة فتفاوت ما بين الحالتين في حق الموصى له اثنا عشر سهما من ذلك من نصيب الاب وذلك من تسعة إلى أحد عشر وعشرة من نصيب الابن وذلك من خمسة وأربعين إلى خمسة وخمسين، فإذا أجاز ولو قال أوصيت بثلث مالي للمسجد جاز عند محمد. وقال أبو يوسف: لا يجوز إلا أن يقول ينفق على المسجد. وفي الخانية: ولو أوصى بثلث ماله للمسجد وعين المسجد أو لم يعين

[ 230 ]

فهي باطلة في قوأبي يوسف جائزة في قول محمد. ولو أوصى بأن ينفق ثلثه على المسجد جاز في قولهم. وفي النوازل: إذا أوصى لارباب المسجد المعين وعمارته وفي ثمن آجر وجبس وغيره فيما احتيج إليه وما كان فيه مصلحة جاز، ولو بجنب هذا المسجد نهر يجري ماؤه بالمسجد ففسد النهر ولم يصل إلى المحلة جاز أن ينفقوا منها في ذلك عند تبين الضرر. وفي العيون عن محمد: إذا قال ثلث مالي للكعبة جاز ويعطي مساكين مكة، ولو قال لثغور فلان فالقياس أن يبطل، وفي الاستحسان يجوز. الظهيرية: ولو قال لبيت المقدس جاز وينفق عليه. وفي سراجه: قيل هذا في عرفهم ولو أوصى بثلث ماله يسرج به في المسجد يجوز، ولو أوصى بثلث ما له للسراج لا يجوز وهو نظير ما لو أوصى بدرهم لشاة فلان أو يرذون فلان فإنه لا يجوز. ولو أوصى بثلث ماله ليعلف به دواب فلان يجوز ونظيره لو أوصى بثلث ماله في أكفان فقراء المسلمين يجوز، ولو أوصى بثلث ماله لموتي الفقراء لا يجوز، فلو أوصى بمثل نصيب أحدهما وثلث أو ربع ما بقي ودرهم للآخر، وصورة المسألة: رجل مات وترك ثلاث بنين وأوصى بمثل نصيب أحدهم ودرهم وثلث وربع ما بقي من الثلث فيجعل ثلث المال سهاما، ولو أحاط بالنصيب سهما وبالدراهم سهما لانه متى كان في الوصية درهم يجعل لكل سهم درهم حتى يصير الحساب كله جنسا واحدا، فإذا ذهب إثنان من أربعة عشيبقى إثنا عشر فأعط بالثلث سهمين وبربعه سبعة يبقى خمسة فأعط بالدرهم الاخر سهما يبقى أربعة فهذه فاضلة عن سهام الوصايا ترد إلى الرثة فرده إلى ثلث المال فيصير أربعة وثلاثين وحاجتنا إلى ستة لانا لو أعطينا بالنصيب سهمين فيجب أن يكون نصيب الابنين ستة والخطأ الثاني وقع بزيادة مائة وعشرين والاول بزيادة تسعة وعشرين فاضرب الثلث الاول في الثاني وهو ثمانية وعشرون يصير أربعمائة وخمسة وثلاثين، ثم اطرح الاقل من الاكثر يبقى ثلاثة وأربعون فهذا هو الثلث، وإذا اردت معرفة النصيب فاضرب النصيب الاول وهو سهم في المقطع الثاني وهو ثمانية وعشرون فيصير ثمانية وخمسين، ثم اطرح الاكثر من الاقل يبقى ثلاثون فظهر عند النصيب ثلاثون وثلث المال ثلاثة وأربعون فيعطي بالنصيب من الثلث ثلاثين يبقى ثلاثة عشر فيعطي بالدراهم سهم يبقى اثنا عشر سهما فيعطي ثلث ما بقي وربعه سبعة بقي خمسة فيعطي من الدرهم الاخر سهم يبقى أربعة فرده الاربعة إلى ثلثي المال وبيان تعليله في المحيط. وأما لو أوصى بمثل نصيب الابن إلا ثلث ما بقي من الثلث صورتها: ترك ثلاث بنين وأوصى لرجل بمثل نصيب أحدهم إلا ثلث ما يبقى من الثلث بعد النصيب فالفريضة تسعة وثلاثون والثلث ثلاثة عشر والنصيب بعد الابنين شبهة وبيان تخريجه في المحيط. وأما لو قال في المسألة المتقدمة إلا ثلث ما يبقى من الثلث بعد الوصية فأصل الفريضة ما ذكرنا في الفصل الاول. وأما لو قال في صورة المسألة إلا ثلث ما بقي

[ 231 ]

مطلقا قال عامة مشايخنا عن أبي يوسف والحسن بن زياد، يخرج كما خرجتا في الفصل الاول. قال محمد: يخرج على الفصل الثاني وما بمثل نصيب الابن الامثل نصيب الآخر، فلو مات عن ابن واحد وأوصى لرجل بمثل نصيبه إلا بمثل نصيب آخر لو كان له الثلث أجاز الابن أو لم يجز، وإن ترك ابنين وأوصى بمثل نصيبه إلامثل نصيب آخر لو كان له الثلث أجاز الابن أو لم يجز، وإن ترك ابنين وأوصى بمثل نصيب أحدهما لرجل إلا مثل نصيب الواحد لو كان أو أوصى لآخر بثلث ما يبقى من الثلث فالقسمة خمسة عشر سهمان لصاحب النصيب وسهم لصاحب ثلث ما يبقى ولكل ابن ست وتخريجه في المحيط. قال رحمه الله: (فإن كان له ابنان فله الثلث والقياس أن يكون له النصف عند إجازة الورثة) لانه أوصى له بمثل نصيب ابنه لكل واحد منهما النصف. وجه الاول أنه قصد أن يجعله مثل ابنه إلا أن يزيد نصيبه على نصيب ابنه وذلك بأن يجعل الموصى له كأحدهم. قال رحمه الله: (ويسهم أو جزء من ماله فالبيان إلى الورثة) أي إذا أوصى بسهم أو جزء من ماله كان بيان ذلك إلى الورثة فيقال لهم اعطوه ما شئتم لانه مجهول يتناول القليل والكثير والوصية لا تمتنع بالجهالة والورثة قائمون مقام الموصي فكان إليهم بيانه. سوى هنا بين السهم والجزء وهو اختيار بعض المشايخ والمروي عن أبي حنيفة أن السهم عبارة عن السدس نقل ذلك عن ابن مسعود وعن إياس ابن معاذ. وقال في الجامع الصغير: له أخس سهام الورثة إلا أن يكون أقل من السدس فحينئذ يعطى له السدس. وقال في الاصل: له أخس سهام الورثة إلا أن يكون أكثر من السدس فلا يزاد عليه جعل السهم يمنع النقصان. وذكر في الهداية أنه يمنع الزيادة ثم قال في تعليقه: إنه يذكر ويراد به السدس ويذكر ويراد به سهم من سهام الورثة لان السهم يراد به نصيب أحد الورثة عرفا لا سيما في الوصية فيصرف إليه وهذا في عرفهم، وأما في عرفنا فهو الذي ذكرناه أولا. قوله ويجزئ قال صاحب التسهيل أقول: دلت هذه المسألة على أن أحدا لو أقر بمجهول كقوله لفلان على دين ولم يبين قدره فمات فجملا تجبر ورثته على البيان، وكذا لو أقيم البينة على إقراره بمجهول ينبغي أن قبل وتجبر ورثته على البيان اه‍. ورد عليه بعض المتأخرين حيث قال بعد نقل ذلك قلت: ما ذكره قياس مع الفارق لان الاقرار ولو بمجهول يوجب تعلق الغير به من وقت الاقرار فيجبر المقر على بيانه بطلب المقر له، فإذا فات الخبر في حياته بوفاته سقط سيما إذا كان بتقصير من المقر له فلم تنب عنه ورثته بخلاف الوصية بمجهول لعدم ثبوت حق الغير إلا بعد موت الموصي فقبل موته لا يجبر على بيانه، وبعد موته تعلق الحق بتركته ولا يمكن جبره فيجبر من يقوم مقامه أحياء لحق ثابت. قال رحمه الله: (قال سدس مالي لفلان ثم قال ثلث م لي له له ثلث

[ 232 ]

ماله) لان الثلث متضمن للسدس فيدخل فيه فلا يتناول أكثر من الثلث. قال رحمه الله: (وإن قال سدس مالي لفلان ثم قال سدس ما لي له له السدس) يعني سدسا واحدا سواء قال ذلك في مجلس واحد أو في مجلسين لان السدس ذكر معرفا بالاضافة إلى المال والمعرف إذا أعيد معرفا كان الثاني عين الاول وهكذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى * (فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا) * (الشرح: 5 و 6) لن يغلب عسر يسرين وفي الهداية: ولو قال ثلث مالي لفلان وسدس مالي له وأجازت الورثة فله ثلث المال ويدخل السدس فيه لان الكلام الثاني يحتمل أنه أراد به زيادة الثلث على الاول حتى يتم له السدس، ويحتمل أنه أراد به إيجاب ثلث على السدس حتى يصير المجموع نصفا وعند الاحتمال لا يثبت له إلا القدر المتيقن فيجعل السدس داخلا في السدس حملا لكلامه على المتيقن، هذا هو المذكور في الشروح. قال بعض المتأخرين بعد ذكر الدليل على هذا المنوال: هكذا قالوا وهذا كما ترى حمل الكلام على أحد محتمليه ولك أن تقول: لما كان الكلام محتملا للمعنيين وكان القدر الثابت به يتعين على الاحتمالين الثلث قلنا ما يثبت به من الوصية لان المتيقن ثبوت الثلث بمجموع الاحتمالين لا بأولهما، إلى هنا كلامه. قال رحمه الله: (وإن أوصى بثلث دراهمه أو غنمه وهلك ثلثاه له ما بقي) أي إذا وصى بثلث دراهمه أو بثلث غنمه وهلك ثلثا ذلك وبقي ثلثه وهو يخرج من ثلث ما بقي من ماله فله جميع ما بقي من الدراهم والغنم. وقال زفر: له ثلث ما بقي من ذلك النوع لان كل واحد منهما شركة بينهما والمال المشترك يهلك ما هلك منه على الشركة ويبقى الباقي كذلك فصار كما إذا أوصى به أجناسا مختلفة. ولنا أن حق بعضهم يمكن جمعه في البعض الباقي فصار كما إذا أوصى بدرهم أو بعشرة دراهم أو بعشرة رؤوس من الغنم فهلك ذلك الجنس كله إلا القدر المسمى فإنه يأخذه إذا كان يخرج من ثلث بقية ماله بخلاف الاجناس المختلفة فإنه لا يمكن الجمع فيها جبرا فكذا تقديما، والمال المشترك إنما يهلك الهالك منه على الشركة أو لو استوى الحقان، أما إذا كان أحدهما مقدما على الآخر فالهالك يصرف إلى المؤخر كما إذا كان في التركة ديون ووصايا وورثة ثم هلك بعض التركة فإن الهالك يصرف إلى المؤخر وهو الوصية والارث لان الدين مقدم عليهما، وهنا الوصية مقدمة على الارث لقوله تعالى * (من بعد وصية يوصى بها أو دين) * (النساء: 12) فيصرف الهلاك إلى الارث تقديما للوصية على وجه لا ينقص حق الورثة على الثلثين مع جميع التركة لانه لا يسلم للموصى له شئ حتى يسلم للورثة ضعف ذلك. وكذا إذا هلك البعض في المضاربة يصرف الهلاك للربح لان رأس المال مقدم على ما عرف في موضعه الاصل في هذا الباب أن يحتاج إلى معرفة الوصية المقيدة والمطلقة والعين والدين كما سبكه المؤلف وأنواع الوصية بهما وأحكامها. قال أبو يوسف: العين الدراهم والدنانير

[ 233 ]

دون التبر والحلي والعروض والثياب والدين كل شئ يكون واجبا في الذمة من ذهب أو فضة أو حنطة ونحو ذلك لان العين عند الاطلاق ينصرف للذهب والفضة المضروبين: وأما غيرهما فيسمى في اللغة عروضا وسلعة وحليا وصياغة. وأما أنواع الوصية بهما فالوصية نوعان: مرسلة ومقيدة. فالمرسلة أن يوصي بجزء شائع من ماله نحو أن يوصي بثلث ماله وربعه، والمقيدة أن يوصي بثلث مال بعينه بأن يوصي بثلث دراهمه أو دفانيره أو بثلث الغنم فالوصية المقيدة حكمها أن يكون حقه مقدما على حق الورثة وعلى حق الوصية المرسلة، ولو هلك شئ منها قبل القسمة يصرف الهلاك إلى الورثة لا إلى الموصى له حيث كانت الوصايا تخرج من ثلث مال الميت بأن كان له مال آخر يعطى للموصى له كل الموصى به لانه قيدها بنوع من المال فتقيد بذلك النوع ولهذا لا يزداد حقه بزيادة مال الميت، وكذا لا ينقص بنقصانه لان حقه لم يثبت شائعا في جميع التركة فكان حقه مقدما على حق الورثة لقوله تعالى * (من بعد وصية يوصي بها أو دين) * (النساء: 12) فصار الهلاك مصروفا إلى المؤخر حقه لا إلى المقدم لانه ما لم يفضل عن الوصية لا يصير حقا للورثة وإنما حكم الوصية المرسلة فهو أن صاحبها بمنزلة واحد من الورثة لان حقه ثبت شائعا في جميع التركة حتى يزاد حقه بزيادة المال وينقص بنقصانه كحق الورثة فصارت التركة كالمشتركة بينه وبين الورثة فما توى من شئ من التركة يتوى على الشركة، وما بقب يبقى على الشركة فكان وراثا حكما ومعنى وموصى له اسما والعبرة للحكم والمعنى، ولهذا لو اجتمع في التركة وصية مقيدة ووصية مرسلة تقدم الوصية المقيدة ثم تقاسم الوصية المرسلة مع الورثة على قدر حقوقهم. وأما ما يتعلق بمسائل الهلاك والاستحقاق فلو أوصى لرجل بثلث ماله فما هلك أو استحق فهو على الحقين لان الوصية مطلقة مرسلة لانه أضاف الوصية إلى جميع ماله على العموم والشيوع فيكون له ثلث كل شئ من ماله فكان شريكا في التركة بمنزلة أحد الورثة فما هلك يهلك على الشركة، فإن أوصى بثلث الدراهم وثلث الدنانير ثم هلك عشرون دينارا بعد موت الموصى أو قبل موته كان له ثلث ما بقي نصفه من الدراهم ونصفه من الدناينر لان هذه وصية مقدمة لانه أوصى له بثلث دراهمه ودنانيره فقد قيد الوصية بنوع مال مخصوص ولم يضفها إلى مال مرسل فكانت وصية مقيدة فتعلق بذلك المال بقاء وبطلانا. ولو كان أوصى بسدس الدراهم وسدس الدنانير أخذ السدس كله من الباقي لان الهلاك مصروف إلى حق الورثة فيبقى حق الموصى له في سدس جميع المال وذلك خمسة دنانير كما كان قبل الهلاك فكان له خمسة دنانير من العشرة الباقية إذ أصله ثلاثون وخمسون درهما من الدنانير وكذلك الابل والبقر على هذا. وإذا مات عن ألف وعبد قيمته ألف وأوصى أن يعتق عبده ولرجل بثلث ماله ولآخر بسدس ماله فالثلث بينهم على أحد عشر للعبد ستة ولصاحب الثلث أربعة ولآخر واحد ففي هذه المسألة يقسم على سبيل العول والمضاربة لا على

[ 234 ]

سبيل المنازعة بالاجماع لان المنازعة لا تتحقق ههنا لانه لا يجتمع في رقبة العبد وصبتان لان حق الموصى له بالثلث في السعاية لا في الرقبة لان الموصى له بثلث مال مطلقة بمنزلة أحد الورثة وحق الورثة في السعاية إذا كان العبد موصى بعتقه لانهم لايمكلون العبد الموصى بعتقه وإن كان لا يخرج من الثلث لانه معتق البعض ومعتق البعض لا يملك وكذلك الموصى له بالثلث مرسلا. وإذا لم يثبت حقه في رقبة العبد فلا تنازع في العبد فيقسم على سبيل العول والمضاربة لا على سبيل المنازعة، والوجه فيه أن يحتاج إلى فريضة لها نصف وثلث وسدس لان العبد موصى له بنصف ماله لان ماله ألفان ألف وعبد قيمته ألف ولآخر ثلث ماله ولآخر سدس ماله وأقل حساب يخرج منه هذه السهام اثنا عشر فنصفه ستة وثلثه أربعة وسدسه سهم فيكون كله أحد عشر، فإذا صار الثلث على أحد عشر فصار الجميع ثلاثة وثلاثين فللعبد من ثلث المال ستة والعبد من جمع المال نصفه وذلك ستة عشر ونصف فيعتق منه ستة أجزاء ويسعى في عشرة ونصف سهم وللموصى له سدس جزء واحد من أحد عشر من الثلث ويبقى اثنان وعشرون ضعف ذلك للورثة فقد استقام الثلث والثلثان. ولو استحق نصف العبد وضاع نصف الالف فالثلث على ستة ثلاثة للعبد وسهمان لصاحب الثلث ومنهم لصاحب السدس لانه لما استحق نصف العبد انتقصت نصف وصية العبد فبقيت وصيته في ثلاثة أسهم، ولما ضاع نصف الالف انتقص نصف وصية الموصى له بالثلث وهو سهمان لانها ضاعت عليه وعلى الورثة لانه بمنزلة أحد الورثة ووصية صاحب السدس باقية على حالها في سهم واحد لان وصيته مقيدة بألف فصار الهلاك مصروفا إلى الورثة لان وصيته تخرج من ثلث ماله إذا كان سدس الالف بعينها، فلما ضاع نصفها انقلب ثلثه سدس ما بقي لان سدس الكل ثلث النصف، وإذا صار ثلث المال ستة صار الجميع ثمانية عشر ونصفه تسعة فيعتق من العبد ثلاثة أجزاء من تسعة ويسعى في ستة فيضم ذلك إلى النصف الآخر فيصير كله خمسة عشر للموصى له بالسدس سهم من تسعة من الخمسمائة الباقية يبقى أربعة عشر فيبقى المال على أربعة عشر سهمان لصاحب الثلث واثنا عشر للورثة. وخرج محمد على سبعة لان بين نصيب صاحب الثلث وبين الورثة موافقة بالنصف فإن نصيب صاحب الثلث سهمان ونصيب الورثة اثنا عشر وبين العبد والدين موافقة بالنصف فاختصر نصيب كل واحد على نصفه فصار سبعة. قال رحمه الله: (ولو رقيقا أو ثيابا أو دورا له ثلث ما بقي) أي إذا أوصى بثلث رقيقه أو ثيابه أو بثلث دوره فهلك ثلثا ذلك وبقي الثلث وهو يخرج من ثلث ما بقي من ماله كان له ثلث الباقي كما قال زفر لان الجنس مختلف فلا يمكن جمعه بخلاف الاول على ما بينا. قالوا: هذا إذا كانت الثياب من أجناس مختلفة، وإن كانت من جنس واحد فهي

[ 235 ]

بمنزلة الدراهم، وكذا كل مكيل أو موزون كالدراهم لما بينا. وقيل: هذا قول أبي حنيفة في الرقيق والدور لانه لا يرى الجبر على المقاسمة فيهما. وقليل: هذا قول الكل لان الجميع إنما يتحقق بقضاء القاضي عن اجتهاد عندهما ولا يتحقق بدون القضاء بل يتعذر ولا قضاء هنا فلم يتحقق الجمع إجماعا، والاشبه أن يكون على الخلاف لان كل ما أمكن جمعه بدون القضاء أمكن جمعه تقديرا وهذا هو الفقه في هذا الباب ألا ترى أنه أمكن الجمع بدون القضاء عندهما فيما إذا كانت الوصية بثلث الدراهم أو الغنم على ما بينا. قال رحمه الله: (وبألف وله عين ودين فإن خرج الالف من ثلث العين دفع إليه) أي إذا أوصى بألف درهم وله عين ودين فإن خرج من ثلث العين دفع إليه لان إيفاء حق كل واحد ممكن من غير بخس بأحد. قال في المبسوط: أصل المسألة متى كانت التركة بعضها قائم وبعضها غير قائم تقسم القائمة بين الورثة والموصى له على السهام التي تقسم لو كانت كلها قائمة اعتبارا للبعض بالكل، ثم ما أصاب المديون من العين القائمة من التركة جعل قصاصا بما عليه إذا كان ما عليه مثل حقه في العين أو أكثر، فإن كان أقل فبقدره. وهذا إذا كانت التركة من جنس الدين، وإن كانت من خلاف جنسه بأن كانت عروضا والدين دراهم أو دنانير فعن رواية الوصايا أنه يجعل نصيبه قصاصا بما عليه وهو القياس. وفي رواية هذا الكتاب يحتبس عنه من العين حتى يوفي ما عليه استحسانا فإن لم يوف وطلب صاحب الدين من القاضي أن يبيع نصيبه ببيع القاضي ويقضى من ثمنه دينا. ثم المسائل مشتملة على فصولا: فصل في الوصية بالسهام في العين والدين، وفصل في الوصية بالدراهم والسهام معينة، وفصل بالوصية بالدراهم والعروض. رجل مات وترك ابنين ومائة درهم عينا ومائة دينار على أحد ابنيه وأوصى لرجل بالثل كان له نصف العين والنصف لغير المدين لان العين تقسم بينهم أثلاثا ثلثه للموصى له وثلثه لمن لا دين عليه وثلثه للدين إلا أن المدين لا يعطيه نصيبه لان ما عليه أكثر مما له والتركة من جنس الدين فيحسب ما له قصاصا بما عليه لان ما عليه أكثر مما له والتركة من جنس الدين فإن ما يخص الابن المدين ذهب بحصته مما عليه ستة وستون وثلثان ويؤدي ثلاثة وثلاثين وثلث بين الابن غير المدين والموصى له نصفين لان حقهما سيان. ولو أوصى بربع العين والدين كان له نصف العين لان جميع مال الميت مائتا درهم للموصى له ربعه وذلك خمسون يبقى مائة وخمسون لكل ابن خمسة وسبعون إلا أنه لا يعطى للمدين شئ من العين بل يطرح عنه نصيبه من الدين لانه لا فائدة في ذلك فيطرح مما عليه نصيبه وذلك خمسة وسبعون ويؤدي ما بقي عليه وهو خمسة وعشرون ويقسم ذلك مع المائة العين بين الموصى له وبين غير المدين على خمسة أسهم سهمان للموصى له وذلك خمسة وثلاثة أخماس للابن الذي لا دين عليه ويبرأ المدين عن

[ 236 ]

مثلها، وفرق بين الوصية بخمس مطلق وبين الوصية بخمس مقيد، والفرق أن الوصية بالعين والدين وصية مقيدة والموصى له المقيد يضر ب بجميع وصيته يوم الموت إذا كانت وصيته تخرج من ثلث ما له لما بينا وهذا وصيتتخرج من ثلث ماله لان وصيته من العين والدين أربعون درهما منهما وقد خرج من العين قدر وصيته وزيادة فيأخذ وصيته من العين وذلك أربعون. وأما الموصى له المطلق يضرب في المال بقدر عشر ماله في العين يوم القسمة لأن حقه في العين المطلق المرسل لا في العين فيكون له خمس المال المرسل وذلك ثلاثة وثلاثون وثلث من العين. ولو أوصى لرجل بربع ماله ولآخر بثلث ماله كان نصف العين بينهما على ثمانية لصاحب الربع أربعة وأربعة لصاحب الثلث لان أصل الفريضة من ثلاثة إذا لم تجز الورثة سهم الموصى له بقي سهمان بين الاثنين نصفين لكل واحد سهم لان ما يصيب المدين من العين يطرح لان ما عليه أكثر مما له، وأقسم المائة العين بين الابن غير المدين وبين الموصى لهما نصفين لكل واحد خمسون ويحسب للابن المدين ما عليه خمسون مثلما حصل للابن غير المدين فصار العين من مال الميت حقيقة وحكما مائة وخمسين مئة عين حقيقة وخمسون عين حكما وهو قدر ما استوفاه الابن المدين وبقي على المدين خمسون ناويا ما دام معتبرا فلا بد من مال الميت، ثم ما أصاب الموصى له من نصف العين يقسم بينهما على سبعة لان أقل حساب له ثلث وربع اثنا عشر فحق الموصى له بالثلث في أربعة وحق الموصى له بالربع في ثلاثة فصار جميع ذلك سبعة، فاقسم الثلث على سبعة أربعة لصاحب الثلث وثلاثة لصاحب الربع فإن أيسر الابن المدين وقدر على الاداء اعتبر المال كله فيكون بين الورثة والموصى لهما أثلاثا، ثم مال الموصى لهما بينهما على سبعة لانلما أيسر ظهر أن مال الميت كان مائتين فيكون ثلث ماله ستة وستين وثلاثين فيقسم دين الموصى لهما على سبعة كما وصفنا، وإذا كان له مائة درهم عينا ودينا على امرأته ثم مات وترك امرأته وابنه وأوصى بثلث ماله لرجل قسم العين بين الابن والموصى له على أحد عشر للموصى له أربعة، فإن قدرت المرأة على الاداء كان للموصى له ثلث كل المال ستة وستون وثلثان للمرأة ثمن الباقي ستة عشر وثلثان تؤدي الفضل، فإذا أدت قسم بين الابن والموصى له على أحد عشر. قال رحمه الله: (وإلا فثلث العين وكلما خرج شئ من الدين له ثلثه حتى يستوفي الالف) أي إن لم يخرج الالف من ثلث العين دفع إلى الموصى له ثلث العين، ثم كلما أخرج شئ من الدين دفع إليه ثلثه حتى يستوفي حقه وهو الالف لان الموصى له شريك الوارث في الحقيقة ألا ترى أنه لا يسلم له شئ حتى يسلم للورثة ضعفه وفي تخصيصه بالعين بخس في الورثة لان العين مقدمة على الدين، ولان الدين ليس بمال في مطلق الحال ولهذا لو

[ 237 ]

حلف أنه لا مال له وله دين على الناس لا يحنث وإنما يصير مالا عند الاستيفاء وباعتباره تتناوله الوصية فيعتد النظر بقسمة كل واحد منهما من الدين والعين أثلاثا، هذا إذا أوصى لواحد، فلو أوصى لاثنين قال في الاصل في الوصية بالدين والعين والثياب والمتاع والسلاح والذهب والفضة والحديد وما أشبه ذلك ذكر في فتاوي الفضل: إذا كان رجل أوصى بثلث ما له الدين لرجل والآخر بثلث ماله العين والعين والدين مائة اقتسما ثلث مائة العين نصفين، فإن خرج من الدين خمسون ضم إلى العين وكان ثلث جميع ذلك بينهما على خمسة أسهم. ولو أوصى بثلث العين لرجل وبثلث العين لرجل آخر والدين لآخر ولم يخرج من الدين شئ من الدين اقتسما ثلث ذلك خمسون درهما بينهما أثلاثا في قول أبي يوسف ومحمد، وأما على قول أبي حنيفة الثلث بينهما في هذه المسألة على خمسة أيضا. وإذا كان لرجل مائة درهم عينا ومائة درهم دينا على أجنبي فأوصى الرجل بثلث ماله لرجل فإنه يأخذ ثلث العين. ذكر في فتاوي الفضل أن من أوصى بدين له على رجل أن يصرف على وجوه البر تعلقت الوصية بالدين، فإن وهب بعض الدين لمديونه بعد ذلك تبطل الوصية بقدر ما وهب كأنه رجوع عن وصيته بذلك القدر. قال البقالي: وتدخل الحنطة في الدين قال هو ويدخل في الوصية بالعين الدراهم والدنانير. قال رحمه الله: (وبثلثه لزيد وعمرو وهو ميت فلزيد كله) أي إذا أوصى لزيد وعمرو بثلث ماله وعمرو ميت فالثلث كله لزيد لان الميت ليس بأهل للوصية فلا يشارك الحي الذي هو أهل كما إذا أوصى لزيد وجدار. وعن أبي يوسف أنه إذا لم يعلم بموته كان له نصف الثلث لان الوصية عنده صحيحة لعمرو فلم يوص للحي إلا بنصف الثلث بخلاف ما إذا علم بموته لان الوصية لعمرو لم تصح فكان راضيا بكل الثلث للحي. هذا إذا كان المزاحم معدوما من الاصل، أما إذا خرج المزاحم بعد صحة الايجاب يخرج بحصته ولا يسلم للآخر كل الثلث لان الوصية صحت لهما وتثبت الشركة بينهما فبطلان حق أحدهما بعد ذلك لا يوجب زيادة حق الآخر مثاله إذا قال ثلث مالي لفلان ولفلان ابن عبد الله إن مت وهو فقير فمات الموصي وفلان ابن عبد الله غني كان لفلان نصف الثلث، وكذا لو قال ثلث مالي لفلان إن كان عبد الله في البيت ولم يكن عبد الله في البيت كان لفلان نصف الثلث لان بطلان استحقاقه لفقد شرطه لا يوجب الزيادة في حق الآخر، ومتى لم يدخل في الوصية لفقد الاهلية كان الكل للآخر وقد قمدناه في بعض هذه المسائل. وفي الزيادات: أصله أن الوصية متى أضيفت إلى شخصين معينين إن كانا أهلا للاستحقاق كان الثلث بينهما لان الايجاب لهما قد صح لوجود الاهلية فيهما عند الايجاب، وإن انعدمت أهلية أحدهما عن الاستحقاق بالموت فتثبت المزاحمة في الايجاب بسبب إيجاب النصف لكل واحد منهما كما لو أوصى بالثلث لاجنبي ولوارثة لم يكن للاجنبي إلا نصف الثلث وإن لم يثبت الاستحقاق

[ 238 ]

لصحة الايجاب لهما لوجود الاهلية فيهما، وإن لم يكن أحدهما أهلا للاستحقاق عند الايجاب كان الثلث كله للاهل كما لو أوصى بالثلث لفلان ولحائط. ولو قال أوصيت بثلث مالي بين فلان وفلان وأحدهما ميت فنصف الثلث للآخر، وكذلك لو قال بين فلان وبين هذا وأشار إلى حائط ونحوه لان كلمة بين تقتضي الاشتراك أو التنصيف ألا ترى أنه لو قال ثلث مالي بين فلان وفلان وسكت لم يكن له إلا نصف الثلث وكلمة بين ملفوظ سواء كانا حيين أو أحدهما حي والآخر ميت فكان الاشتراك بموجب اللفظ لا بحكم المزاحمة في المحل بخلاف ما لو قال ثلث مالي لفلان وفلان وأحدهما ميت لان الاشتراك والتنصيف هنا بحكم المزاحمة لا بموجب اللفظ لان اللفظ يقتضي الافراد بالكل لما بينا. ولو قال ثلث مالي لفلان ولعقبه ثم مات الموصي فالثلث كله لفلان والوصية لعقبه باطلة لانه جمع بين الموجود والمعدوم في الايجاب لان عقب فلان من يخلفه بعد موته فلا يتصور له عقب في حياته واتسحقاقه الوصية حال حياة الموصى له والعقب معدوم والايجاب للمعدوم لا يصح. ولو قال لفلان ولولد عبد الله فالثلث كله لفلان لان الوصية لولد عبد الله إنما تتناول ولده عند موت الموصي لا عند الايصاء لانه أرسل الموصى له. ولو أرسل الموصى به فقال ثلث مالي لفلان فينصرف إلى ثلث ماله يوم موت الموصي لا يوم الوصية فكذلك الموصى له ولا ولد لعبد الله يوم موت الموصى فلا يصح إيجاب الوصية له فصار كأنه أوصى لفلان لا غير. وتحقيقه أن العين تعرف بالاشارة إليها لا بالصفة فلم يشترط الوصف لتناول الايجاب وغيره والدين إنما يعرف بصفته وإنما يتناول الايجاب إذا وجد فيه تلك الصفة عند موت الموصي فلم توجد الصفة فلم يتناوله الايجاب فكان الثلث للآخر. وكذلك لو قال ثلث مالي لفلان إن مت وهو حر ولفلان بن فلان، فإن مات وهو حر فالثلث بينهما، وإن مات قبل موته كان للثاني النصف لا غير لما قلنا. ولو قال ثلث مالي لفلان ولمن افتقر من ولد فلان ثم مات الموصي وولد فلان كلهم أغنياء فالثلث كله لفلان لانه ضم إلى فلان شخصا موصوفا بأنه فقير، وما أشار إلى العين فيكون مرسلا لا معينا فتتعين فيه حال الموت ولا وقت الايصاء. وقوله لمن افتقر يتناول من احتاج بعد أن كان غنيا دون من كان فقيرا من الاصل لان هذا اللفظ إنما يستعمل فيمن احتاج بعد الغناء وفي المبرة معه زيادة ثواب وقد ندب الشرع إليه لقوله عليه الصلاة والسلام اكرموا ثلاثة عزيز قوم ذل وغنيا افتقرو عالما بين جهال فيجوز أن يكون للموصي قصد بالتخصيص هذه الزيادة. ولو أوصى لامرأته بأحد العبدين وللاجنبي بالآخر كان للاجنبي ثلثا عبده يبدأ به أربعة من ستة فصار كل عبد على ستة وكلاهما اثنا عشر وللمرأة ربع ما بقي من العبدين سهمان من ثمانية بالميراث سهم ونصف من عبدهما ونصف سهم من الاجنبي يبقى لهما من وصيتها أربعة ونصف ويبقى للاجنبي من وصيته اثنان فيضرب كل واحد بذلك في الستة الباقية، فإذا أردت تصحيح الفريضة جعلت كل عبد مائة وستة وخمسين سهما لان

[ 239 ]

الباقي للمرأة أربعة وللاجنبي سهمان فيكون ستة ونصفا فانكسر بالنصف فأضعف ليزول الكسر فصار ثلاثة عشر، فإذا صار نصف المال على ثلاثة عشر صار الكل ستة وعشرين فاضرب أصل الحساب وذلك اثنا عشر في ستة وعشرين فيصير ثلاثمائة وخمسين يأخذ الموصى له مائة وأربعة والباقي للمرأة بوصيتها وميراثها لان الاجنبي بأخذ أولا ثلثي عبده وذلك مائة وأربعة اسهم تأخذ المرأة ربع ما بقي وذلك اثنان وخمسون بقي مائة وخسمة وستون سهما يقسم بينهم على ثلاثة سهما تسعة اسهم من ذلك وذلك ثلاثمائة وثمانية وأربعون للاجنبي من عبده الموصى به له، فإذا ضمت ذلك إلى مائة واربعة صار كله مائتين واثنين وخمسين. أصله أن الوصية للقاتل بمنزلة الوصية للوراث حتى لا تجوز إلا بإجازة الورثة عند أبي حنيفة، وعندهما لا تجوز أصلا لما يأتي في بابه. وإذا أوصى بماله كله لقاتله ولا وراث له وبكله لاجنبي قيل للاجنبي ثلث المال والثلث للقاتل لان ثلثي المال صار مستحقا للاجنبي بوصية قوية والمستحق بالوصية القوية تبطل فيه الوصية الضعيفة ضربا واستحقاقا يبقى ثلث المال استوت وصيتهما فيه لان وصيتهما فيما زاد على الثلث ضعيفة حتى لا تنفذ بالاجازة الوارث فإذا تساويا في الوصية تساويا في القسمة.. وإذا ماتت امرأة وتركت زوجها وأوصت لاجنبي بثلث مالها ولقاتلها بمالها للزوج ثلثاه والثلث الباقي بين الاجنبي والقاتل أثلاثا، عند محمد للقاتل منه سهمان ويكون المال كله من تسعة للاجنبي أولا ثلاثة وللزوج ثلاث للاجنبي سهم وللقائل سهمان، وعند محمد الباقي بينهما نصفين لان عنده القاتل لا يضرب بما صار مستحقا للزوج بالميراث وإنما يضرب ما بقي وهو الثلث وللاجنبي كذلك فصار الثلث بينهما نصفين والقسمة من ستة للاجنبي النصف ثلاثة وللزوج سهمان وللقاتل سهم، وعند أبي يوسف لا تجوز الوصية للقاتل أبدا وإن لم يكن وارث وتبين أنها إذا لم يكن لها وارث غير الزوج جاز إقرارها لان المانع من صحة إقرار المريض لوارثه حق سائر الورثة حتى لو صدقوه كان الاقرار صحيحا وقد فقد المانع هذا الانعدام الوارث لها فصح إقرارها. وإذا قتلها زوجها وأجنبي عمدا ثم عفت عنهما فأوصت للاجنبي بنصف مالها جازت الوصية ولا ميراث للزوج لانه قاتلها والقتل العمد يحرم عن الميراث فقد التحقت بمن لا وارث لها أصلا فجازت الوصية للقاتل لان المانع من جواز الوصية وجود الوارث ولا وارث لها ففقد المانع. قال رحمه الله: (ولو قال بين زيوعمر ولزيد نصفه) أي إذا قالت ثلث مالي بين زيد وعمرو وعمرو ميت كان لزيد نصف الثلث لان كلمة بين توجب التنصيف فلا يتكامل لعدم المزاحمة بخلاف ما إذا قال لفلان وفلان فبان أحدهما ميتا حيث يكون للحي كل الثلث لان الجملة الاولى كلام يقتضي الاختصاص بالحكم لان العطف يقتضي المشاركة في الحكم

[ 240 ]

المذكور والمكذور وصية بكل الثلث والتصنيف بكل المزاحمة، فإن زالت المزاحمة تكامل ألا ترى أن من قال ثلث مالي لفلان وسكت كان له جميع الثلث، ولو قال ثلث مالي بين فلان وسكت ليستحق الثلث كله بل نصفه ألا ترى إلى قوله تعالى * (ونبئهم أن الماء قسمة بينهم) * (القمر: 28) اقتضى أن يكون النصف بدليل قوله تعالى * (لها شرب ولكم شرب يوم معلوم) * (الشعراء: 155) قال رحمه الله: (وبثلثه له ولا مال له له ثلث ما يملكه عند الموت) لان الوصية عقد الاستخلاف مضاف إلى ما بعد الموت ويثبت حكمه بعده فيشترط وجود المال عند الموت، سواء اكتسبه بعد الوصية أو قبلها بعد أن لم يكن الموصى به عينا أو عينا معينا، وأما إذا أوصى بعين أو بنوع من ماله كثلث غنمه فهلكت قبل موته فتبطل الوصية لانها تعلقت بالعين فتبطل بفواتها قبل الموت حتى لو اكتسب غنما أخرى أو عينا أخرى بعد ذلك لا يتعلق حق الموصى له بذلك ولم يكن له غنم عند الوصية فاستفادها ثم مات فالصحيح أن الوصية تصح لانها لو كانت بلفظ المال تصح فكذا إذا كانت بلفظ نوعه لان المعتبر وجوده عند الموت لا غيره. ولو قال له شاة من مالي وليس له غنم يعطى له قيمة شاة لانه لما أضاف الشاة إلى المال علمنا أن مراده الوصية بمالية الشاة إذ ماليتها توجد في مطلق المال ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام في خمس من الابل السائمة شاة وعين الشاة لم توجد في الابل وإنما توجد في ماليتها. ولو أوصى بشاة ولم يضفها إلى ماله ولا غنم قيل لا تصح لان المصحح إضافتها إلى المال وبدون الاضافة إلى المال تعتبر صورة الشاة ومعناها، وقيل تصح لانه لما ذكر الشاة وليس في ملكه شاة علم أن مراده المالية. ولو قال شاة من غنمي ولا غنم له فالوصية باطلة لانه لما أضافها إلى الغنم علمنا أن مراده عين الشاة حيث جعلها جزء من الغنم بخلاف ما إذا أضافها إلى المال، وعلى هذا خرج كل نوع من أنواع المال كالبقر والثوب ونحوها، اعلم أنه وقع في عبارة الوقاية ولا شاة له موضع ولا غنم له الواقع في عبارة الهداية في وضع هذه المسألة فقال صدر الشريعة في شرحه للوقاية: واعلم أنه قال في الهداية ولا غنم له وقال في المتن ولا شاة له وبينهما فرق لان الشاة فرد من الغنم وإذا لم يكن له شاة لا يكون له غنم لكن إذا لم يكن له غنم لا يزلم إن لا يكون له شاة لاحتمال أن يكون له واحدة لا كثير، فعبارة الهداية تتناول صورتين: ما إذا لم يكن له شاة أصلا وما يكون له شاة لا غنم له في الصورتين تبطل الوصية، وعبارة المتن لم تتناول إلا الصورة الاولى ولم يعلم منها الحكم في الصورة الثانية فعبارة الهداية أشمل وأحوط اه‍ كلامه. ورد عليه صاحب الاصلاح والايضاح حيث قال في شرحه: إنما قال ولا شاة ولم يقل ولا غنم له كما قال صاحب الهداية لان الشاة فرد من الغنم فإذا لم يكن له شاة لا يكون له غنم بدون العكس والشرط عدم الجنس لا عدم الجمع حتى لو وجد الفرد تصح الوصية يفصح عن ذلك قول الحاكم الشهيد في الكافي ولو قال شاة من غنمي أو قفيز من حنطتي فإن الحنطة اسم

[ 241 ]

جنس لا اسم جمع اه‍. وقال في حاشيته: أخطأ هذا صدر الشريعة حيث قال تبطل الوصية في الصورتين اه‍. وقصد بعض المتأخرين أن يجب عنه بعدما نقل كلام صدر الشريعة واعترض عليه بعض الافاضل بمحاصله أن عبارة الوقاية هي الصواب وأن الحكم في وجود الفرد صحة الوصية، وزعم أن الشرط عدم الجنس لا عدم الجمع. قلت: بعد تسليم أن الغنم جمع أو اسم جمع لا اسم جنس وإن بقي الغنم كما وقع في عبارة الهداية وعامة الكتب هو الصواب وأنه لا تصح الوصية بوجود شاة واحدة لان الشرط عدم الجمع لا عدم الجنس كما زعمه المعترض لانه أوصى بشاة عن غنمه فإذا لم يكن له غنم بل فرد لم يتحقق شاة من غنمه فتبطل الوصية فهذا هو السر في تعميم الغنم دون الشاة إلى هنا كلامه. قال رحمه الله: (وبثلثه لامهات أولاده وهن ثلاث وللفقراء والمساكين وأمهات أولاده ثلاثيقسم الثلث أخماسا فلهن ثلاثة أسهم ولكل طائفة من المساكين والفقراء سهم) وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: يقسم أسباعا لان المذكور لفظ الجمع وأدناه في الميراث اثنان قال الله تعالى * (فإن كان له اخوة فلامه السدس) * (النساء: 11) وقال * (فإن كن نساء فوق اثنتين) * (النساء: 11) الآية والمراد بالاثنتين اثنان فكان من كل طائفة اثنان وأمهات الاولاد ثلاثة فكان المجموع سبعة فيقسم أسباعا. قلنا: اسم الجنس المحلى بالالف واللام يتناول الادنى مع احتمال الكل كالمفرد المحلى بهما لانه يراد بهما الجنس إذا لم يكن ثم معهود قال الله تعالى * (لا يحل لك النساء من بعد) * (الاحزاب: 52) وقال الله تعالى * (وجعلنا من الماء كل شئ حي) * (الانبياء: 30) ولا يحتمل ما بينهما فتعين الادنى لتعذر إرادة الكل، ولهذا لو حلف لا يشتري العبد يحنث بواحد فيتناول من كل فريق واحدا وأمهات الاولاد ثلاثة فتبلغ السهام خمسة وليس فيما تلي زادة على ما ذكر لان المذكور في الاثنين نكرة وكلامنا في المعرفة حتى لو كان فيما نحن فيه منكر قلنا كما قال: ثم هذه الوصية تكون لامهات أولاده اللاتي يعتقن بموته دون اللاتي عتقن في حياته من أمهات الاولاد لان الاسم لهن في العرف واللاتي عتقن حال حياته موال لا أمهات أولاده وإنما تصرف إليهن الوصية عند عدم أولئك لعدم من يكون أولى منهن بهذا الاسم، ولا يقال إن الوصية لمملوكه بماله لا تجوز لان العبد لا يملك شيئا وإنما يجوز له الوصية بالعتق أو برقبته لكونه عتقا فوجب أن يكون لامهات أولاد اللاتي يعتقن حال حياته لانا نقول: القياس أن لا تجوز الوصية لهن لانها لو جازتلهن لكنه حال تزول العتق بهن لكون العتق والتمليك معلقا بالموت والتعليق يقع عليهن وهن إماء فكذا تملكهن يقع وهن إماء وهو لا يجوز إلا أذا جوزناه استحسانا لان الوصية مضافة إلى ما بعد عتقهن لا حال حلول العتق بهن بدلالة حال الموصي لان الظاهر

[ 242 ]

من حاله أن يقصد بإيصائه وصية صحيحة لا باطلة، والصحيحة هي المضافة إلى ما بعد عتقهن، كذا في عامة الشروح وعزاه جماعة من الشراح إلى الذخيرة، ولعل الامام قاضيخان والامام المحبوبي عن هذا فقالا: أما جواز الوصية لامهات أولاده فلان أوان ثبوت الوصية وعملها بعد الموت وهن حرائر بعد الموت فتجوز الوصية لهن كما ذكره صاحب النهاية نقلا عنهما. ثم قال في العناية: فإن قيل الوصية بثلث المال لعبده جائزة ولا يعتق بعد موته وأم الولد ليست أقل حالا منه فكيف لم تصح لها الوصية قياسا؟ وأجيب بأن الوصية بثلث المال للعبد إنما جازت لتناوله ثلث رقبته فكانت وصية برقبة إعتاقا وهو يصح منجزا ومضافا بخلاف أم الولد فإن الوصية ليست إعتاقا لانها تعتق بموت المولى وإن لم يكن ثمة وصية أصلا. ولقائل أن يقول الوصية بثلث المال إما أن صادفتها بعد موت المولى وهي حرة أو أمة، فإن كان الاول فلا وجه لنفي القياس، وإن كان الثاني فكذلك لانها كالعبد الموصى له بثلث المال. والجواب أنها ليست كالعبد لان عتقها لا بد وأن يكون بموت المولى فلو كان بالوصية أيضا توراد علتان مستقلتان على ملعول واحد بالشخص وهو ثلث رقبتها وذلك باطل، إلى هنا لفظ العناية. وفي نوادر بشر عن أبي يوسف: ولو أوصى لامهات أولاده بألف ولمواليه بألف وله أمهات أولاد عتقن في حياته ومواليات اعتبر كل فريق على حدة، ولو أوصى بثلث ماله لمواليه ولم يذكر أمهات الاولاد دخلت أمهات الاولاد في الوصية وظاهر قوله وهن ثلاثة أنهن لو كن ثنتين يقسم المال على أربعة لهن. ولو أوصى لاولاد رسول الله صلى الله عليه وسلم والعلوية والشيعة ومحب أولاد رسول الله صلى الله عليه وسلم والفقهاء والعلماء أصحاب الحديث سئل الفقيه أبو جعفر عن رجل أوصى لاولاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر أبو نصر بن يحيى كان يقول: الوصية لاولاد الحسن والحسين ولا يكون لغيرهما، فأما العلوية فهل يدخلون في هذه الوصية لانه كان للحسن رضي الله عنه بنت زوجت من ولد عمر رضي الله عنهم. وإذا أوصى للعلوية فقد حكي عن الفقيه أبي جعفر أنه لا يجوز لانهم لا يحصون وليس في هذا الاسم ما ينبئ عن الفقر والحاجة. ولو أوصى لفقهاء العلوية يجوز وعلى هذا الوصية للفقهاء لا تجوز، ولو أوصى لفقرائهم تجوز. وقد حكي عن بعض مشايخنا أن الوقف على معلم في المسجد يعلم الصبيان فيه يجوز لان عامتهم الفقراء والفقراء فيهم الغالب فصار الحكم لغلبة الفقر كالمشروط. وقال الشيخ الامام شمس الائمة الحلواني: كان القاضي الامام يقول على هذا القياس إذا أوصى لطلبة علم كورة أو لطلبة علم كذا يجوز. ولو أعطى الوصي واحدا من فقراء الطلبة أو من فقراء العلوية جاز عند أبي يوسف، وعند محمد لا يجوز إلا إذا صرف إلى اثنين منهم فصاعدا. وإذا أوصى للشيعة ومحتى آل محمد المقيمين ببلدة كذا فاعلم بأن في الحقيقة كل مسلم شيعة ومحب لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يصح في ديانتهم إلا ذلك، وأما ما وقع عليه ممن أراد به الموصي فمراده الذي ينصرفون بالميل إليهم وصاروا موسومين بذلك

[ 243 ]

دون غيرهم فقد قبل الوصية باطلة، فأما إذا كانوا لا يحصون فيكون للفقراء استحسانا على قياس مسألة اليتامى. وقال الفقيه أبو جعفر: ولم يكن في بلدنا أحد يسمى فقيها غير أبي بكر الاعمش شيخنا وقد اختار أبو بكر الفارسي وبذل مالا كثيرا لطلبة العلم حتى تادوه في مجلس أيها الفقيه. وإذا أوصى لاهل العلم ببلدة كذا فإنه يدخل فيه أهل الفقه وأهل الحديث ولا يدخل فيه من يتعلم الحكمة. وفي الخانية: وهل يدخل فيه من يتعلم الحكم؟ وهل يدخل فيه المتكلمون؟ لا ذكر فيه. وعن أبي القاسم: فعلى قياس هذه المسألة لا يدخل في الوصية المتكلمون. وإذا أوصى بثلث ماله لفقراء طلبة العلم من أصحاب الحديث الذين يختلفون إلى مدرسة منسوبة في كورة كذا لا يدخل متعلموا الفقه إذا لم يكونوا من جملة أصحاب الحديث ويتناول من يقرأ الاحاديث ويسمع ويكون في طلب ذلك، سواء كان شافعي المذهب أو حنفي المذهب أو غير ذلك، ومن كان شافعي المذهب إلا أنه لا يقرأ الاحاديث ولا يسمع ولا يكون في طلب ذلك لا يتناوله اسم أصحاب الحديث. قال رحمه الله: (وبثلثه لزيد وللمساكين لزيد نصفه ولهم نصفه) أي إذا أوصى بثلث ماله لزيد والمساكين كان لزيد النصف وللمساكين النصف وهذا عندهما، وعند محمد ثلثله لفلان وثلثاه للمساكين وقد بينا مأخذ كل واحد من الفريقين. قال رحمه الله: (وبمائة لرجل وبمائة لآخر فقال لآخر اشركتك معهما) له ثلث مالكل منهما وبأربعمائة له وبمائتين لآخر فقال لآخر أشركتك معهما له نصف ما لكل واحد منهما يعني إذا أوصى لرجل بمائة درهم ولآخر بمائة ثم قال لآخر قد أشركتك معهما فلثلث كل مائة. ولو أوصى لرجل بأربعمائة درهم ولآخر بمائتين ثم قال لآخر قد أشركتك معهما كان له نصف ما لكل واحد منهما لان الشركة للمساواة لغة ولهذا حمل قوله تعالى * (فهم شركاء في الثلث) * على المساواة وقد أمكن إثبات المساواة بين الكل في الاول لاستواء المالين فيأخذ هو من كل واحد منهما ثلث المائة فتم له ثلثا المائة ويأخذ من كل واحد منهما ثلثي المائة ولا يمكن المساواة بين الكل في الثانية لتفاوت المالين فحملناه على مساواة الثالث مع كل واحد منهما بما سماه له فيأخذ النصف من كل واحد من المالين. ولو أوصى لرجل بجارية ولآخر بجارية أخرى ثم قال لآخر أشركتك معهما، فإن كانت قيمة الجاريتين متفاوتة له نصف كل واحدة منهما بالاجماع، وإن كانت قيمتهما على السواء فله ثلث كل واحدة منهما عندهما، وعند أبي حنيفة له نصف كل واحدة منهما بناء على أنه لا يرى قسمة الرقيق فيكونان كجنسين مختلفين وهما يريانها فصار كالدراهم المتساوية. ولو أوصى لرجل بثلث ماله ثم قال لآخر أشركتك أو أدخلتك أو جعلتك معه فالثلث بينهما لما ذكرنا. قال صاحب العناية: وما ذكره المؤلف استحسان، والقياس له نصف كل مائة لان لفظ الاشتراك يقتضي التسوية عند الاطلاق قال

[ 244 ]

الله تعالى * (فهم شركاء في الثلث) * وقد أشرك الثالث فيما أوصى به لكل واحد منهما في استحقاق المائة وذلك يوجب أن يكون له نصف كل مائة. وجه الاستحسان أنه أثبت الشركة بينهم وهي تقتضي المساواة وإنما ثبتت المساواة إذا لم يؤخذ من كل واحد منهما نصف المائفعلم بهذا أنه شركة معهما جملة واحدة فلا يعتبر باشراكه إياه مع كل واحد منهما متفرقا اه‍. قال رحمه الله: (وإن قال لورثته لفلان علي دين فصدقوه فإنه يصدق إلى الثلث) وهذا استحسان، والقياس أن لا يصدق لان الاقرار بالمجهول وإن كان صحيحا لا يحكم به إلا بالبيان. وقوله فصدقوه مخالف للشرع لان المدعي لا يصدق إلا بحجة فتعذر جعله إقرارا مطلقا فلا يعتبر فصار كمن قال كل من ادعى علي شئ فأعطوه فإنه باطل لكونه مخالفا للشرع إلا أن يقول إن رأى الموصي أن يعطيه فحينئذ يجوز من الثلث. وجه الاستحسان أنا نعلم قصده تقديمه على الورثة وقد أمكن تنفيذ قصده بطريق الوصية وقد يحتاج إليه من يعلم بأصل الحق عليه دون مقداره فيسعى في تفريغ ذمته فيجعل وصية جعل التقدير فيها إلى الموصى له كأنه قال لهم إذا جاءكم فلان وادعى شيئا فأعطوه من مالي ما شاء فهذه معتبرة فكذا هذا فيصدق إلى الثلث. قال رحمه الله: (فإن أوصى بوصايا) أي مع ذلك قوله: (عزل الثلث لاصحاب الوصايا والثلثان للورثة وقيل لك صدقوه فيما شئتم وما بقي من الثلث فللوصايا) الأصحاب الوصايا لا يشاركهم فيه صاحب الدين وإنما عزل الثلث والثلثان لان الوصايا حقوق معلومة في الثلث والميراث معلوم في الثلثين وهذا ليس يدين معلوم ولا وصية معلومة فلا يزاحم المعلوم وقدمنا عزل المعلوم، وفي الاقرار فائدة أخرى وهي أن أحد الفريقين قد يكون أعرف بمقدار هذا الحق وما يتعلق به وربما يختلفون في الفضل إذا ادعاه الخصم، فإذا أقر فقد علمنا أن في التركة دينا شائعا في جميع التركة فيؤمر أصحاب الوصايا والورثة ببيانه، فإذا بينوا شيئا أخذ أصحاب الوصايا بثلث ما أقروا به والورثة بثلثي ما أقروا به لان إقرار كل فريق نافذ في حق نفسه فتلزمه بحصته، وإن ادعى المقر له أكثر من ذلك حلف كل فريق على نفي العلم لانه تحليف على فعل الغير. قال الشارح قال العبد الضعيف الراجي عفو ربه الكريم: هذا مشكل من حيث إن الورثة كانوا يصدقونه إلى الثلث ولا يلزمهم أن يصدقوه في أكثر من الثلث لان أصحاب الوصايا أخذوا الثلث على تقدير أن تكون الوصايا تستغرق الثلث كله ولم يبق في أيديهم من الثلث شئ فوجب أن لا يلزمهم تصديقه. قال صاحب العناية: حاصله أنه تصرف بشبه الاقرار لفظا ويشبه الوصية تنفيذا فباعتبار شبه الوصية لا يصدق في الزيادة على الثلث. وباعتبار شبه الاقرار يجعل شائعا في الا ثلاث ولا يخصص بالثلث الذي لاصحاب الوصايا عملا بالشبهين، وقد سبقه تاج الشريعة

[ 245 ]

إلى بيان حاصل هذا المقام بهذا الوجه. أقول: فيه كلام وهو أن العمل بمجموع الشبهين إن كان أمرا واجبا فكيف يصلح ذلك تعليلا كما هو الظاهر المعروف فما بالهم لم يعلموا بشبهة الاقرار في هذا التصرف إذا لم يوص بوصايا غير ذلك كما تقدم بل جعلوه وصية جعل التقدير فيها إلى الموصى له كما إذا قال إذا جاءكم فلان وادعى شيئا فأعطوه من مالي ولم يعتبروا شبه الاقرار قط حيث لم يجعلوا له حكما أصلا في تلك الصورة، وإن لم يكن ذلك أمرا واجبا فيكف يصلح ذلك تعليلا لجواب هذه المسألة في هذه الصورة؟ واعترض عليه بعض الفضلاء بوجه آخر حيث قال: فيه بحثا فإنه لا يؤخذ بقوله في هذه الصورة لا في الثلث ولا في أقل منه بل يؤخب قول الورثة وأصحاب الوصايا فتأمل اه‍. وقصد بعض المتأخرين أن يجيب عنه فقافي الحاشية بعد نقل ذلك قلت: بعد تسليم ذلك أن عدم التصديق في الزيادة على الثلث لا يوجب التصديق في الثلث فالمعنى لا يصدق في صورة دعوى الزيادة بل يؤخب قولهم فلا اعتبار فتأمل اه‍. قال رحمه الله: (ولاجنبي ووارثه له نصف الوصية وبطل وصيته للوارث) أي إذا أوصى لاجنبي ووارثه كان للاجنبي نصف الوصية وبطلت للوارث لانه أوصى بما يملك وبما لا يملك فصح فيما يملك وبطل في الآخر بخلاف ما إذا أوصى لحي وميت حيث يكون الكل للحي لان الميت ليس بأهل للوصية فلا تصح، وبخلاف الوارث فإنه من أهلها ولهذا تصح باجازة الورثة فافترقا. وعلى هذا إذا أوصى للقاتل والاجنبي، وهذا بخلاف ما إذا أقر بعين أو دين لوارثه ولاجنبي حيث لا تصح في حق الاجنبي أيضا لان الوصية إنشاء تصرف وهو تمليك مبتدأ لهما والشركة تثبت حكما للتمليك فتصح في حق من يستحقه دون الآخر لان بطلان التمليك لاحدهما لا يوجب بطلان التمليك من الآخر. أما الاقرار بها اخبارا عن الكائن وقد أخبر بوصف الشركة في الماضي ولا وجه إلى اثباته بدون هذا الوصف لانه خلاف ما أخبر به ولا إلى اثبات هذا الوصف لانه يصير الوارث فيه شريكا ولانه لو قبض الاجنبي شيئا كان للوارث أن يشاركه فيه فيبطل في ذلك القدر فلا يكون مفيدا. قال في النهاية قال التمرتاشي: هذا إذا تصادقا، أما إذا أنكر الاجنبي شركة الوارث أو أنكر الوارث شركة الاجنبي فإنه يصح إقراره في صحة الاجنبي عند محمد لان الوارث مقر ببطلان حقه وبطلان حق شريكه فيبطل في حقه ولا يبطل في حق الآخر، وعندهما يبطل في الكل لان حق الوارث لم يتميز عن حق الاجنبي وإنما أوجبه مشتركا بينهما كما بينا. وفي المبسوط: مسائله على فصول: أحدها في الوصية لاجنبي ولوارثه، والثاني في الوصية للاجنبي مع أحد الزوجين، والثالث في الوصية للاجنبي وللقاتل: والرابع في الوصية بالبيع من الوارث أو من الاجنبي. رجل أوصى لاجنبي ولوارثه فللاجنبي نصف الوصية لان الايصاء ابتداء إيجاب.

[ 246 ]

وقد أضيف إلى ما لا يملكه وإلى ما يملكه فيصح فيما يملكه ويبطل فيما لا يملكه، ولم يبطل هذا ببطلان الآخر لان الشركة بينهما في حكم الايجاب وببطلان بعض الحكم لا يبطل الايجاب بخلاف ما لو أقر المريض لاجنبي ولوارثه في كلا واحد حيث يبطل الكل عند أبي حنيفة وأبي يوسف لان الاشتراك هناك يخبر عنه لان الاقرار اخبار عن كائن سابق والخبر بناء على المخبر به فكان المخبر به العلة والخبر بمنزلة الحكم للعلة، فإذا لم يثبت المخبر المخبر عنه وهو الاشتراك لم يثبت حكمه وهو الخبر. أصله أن الوارث إذا كان بحال لا يحوز جميع الميراث فالوصية بمقدار الثلث للاجنبي مقدمة في التنفيذ في حق هذا الوارث وفيما زاد على الثلث مؤخرة فإن الوصية بالثلث تقع نافذة من غير إجازة فكانت وصية قوية مستحكمة فتكون في التنفيذ مقدمة، والوصية بما زاد على الثلث واهية ضعيفة لانها لا تجوز إلا بالاجازة لتعلق حق الورثة به فكانت مؤخرة عن حق الورثة لان حقهم متأكد، فإذا وصل إلى الوارث حقه صار كمن لا وارث له فتنفذ وصيته فيه. والثاني أن من لا وارث له تصح وصيته بجميع المال الموجود المطلق وهي مالكيته وأهليته. امرأة ماتت عن زوج وأوصت بنصف مالها لاجنبي جاز للزوج الثلث وهو نصف الثلثين وللموصى له النصف يبقى سدس لبيت المال لان وصية الاجنبي بقدر الثلث وصية مؤكدة فكانت في التنفيذ مقدمة فصار الثلث مستحقا بالوصية فيبطل الارث فيه فيبقى تركتها ثلثي المال فللزوج نصف ذلك وهو ثلث الكل يبقى ثلث آخر وليس له مستحق بالميراث فتنفذ فيه الوصية في ثلثه وذلك سدس فوصل إلى موصى له نصف المال وبقي سدس لاوصية ولا وارث فيه فيصرف إلى بيت المال. وكذلك لو مات الرجل عن امرأته وأوصى بماله كله لاجنبي ولم تجز الوصية فللمرأة السدس وخمسة أسداسه للموصى له لان الثلث صار مستحقا بالوصية بقيت التركة بثلثي المال فللمرأة ربع ذلك والباقي للموصى له لان الوصية مقدمة على بيت المال. ولو ماتت عن زوج وأوصت لقاتلها بالنصف يأخذ الزوج النصف أولا وللقاتل النصف الآخر وهي وصية ضعيفة لانه بمنزلة الوارث فيقدم الميراث عليها فيستحق الزوج أولا نصف المال بالارث والنصف الباقي فارغ عن حق الورثة فتنفذ الوصية فيه للقاتل كما تنفذ الوصية للقاتل في تركة من لا وارث له. ولو تركت عبدين قيمتهما سواء وأوصت بأحدهما لزوجها فله العبدان بالارث والوصية لانه مستحق لما فضل عن فرضه فيكون عاريا عن حق الغير فصحت الوصية لفقد المانع، أصله أن الوصية للوارث بالثلث بمنزلة الوصية للاجنبي بما زاد على الثلث حتى لا تنفذ كل واحدة منهما إلا بإجازة الورثة لانها صادفت محلا تعلق به حق بعض الورثة فيتوقف على اجازتهم. قال رحمه الله: (وبثياب متفاوتة لثلاثة فضاع ثوب ولم يدر أي والوارث يقول لكل هلك حقك بطلت) أي إذا أوصى بثلاثة ثياب متفاوتة وهي جيد ووسط وردئ لثلاثة أنفار لكل

[ 247 ]

واحد منهم بثوب فضاع منها ثوب ولا يدري أيهم والوارث يجحد ذلك بأن يقول لكل واحد منهم هلك حقك أو حق أحدكم ولا يدري من هو الهالك فلا أدفع إليكم شيئا بطلت الوصية لان المستحق مجهول وجهالته تمنع صحة القضاء وتحصيل غرض الموصي فيبطل كما إذا أوصى لاحد الرجلين. وقول المؤلف والوارث يقول إلى آخره ومعنى حجودهم أن يقول الوارث لكل واحد منهما الثوب الذي هو حقك قد هلك أقول: في ظاهر تعبير المؤلف ههنا فساد لان هلاك كل واحد منهم إنما يتصور فيما إذا ضاعت الاثواب الثلاثة معا والغرض في وضع المسألة أن ضياع ثوب واحد منه غير معلوم بخصوصه فكيف يصح أن يقول الوارث لكل واحد منهم الثوب الذي هو حقك قد هلك فإنه كذب ظاهر لا ينبغي أن يسمع أصلا فضلا عن أن يترتب عليه حكم شرعي بل قوله لواحد منهم الثوب الذي هو حقك قد هلك يقضي الاعتراف بكون الثوبين الباقيين لصاحبه، والاولى في التعبير ما ذكر في الجامع الصغير سيما للصدر الشهيد والامام قاضيخان وهو أن المراد بجحود الوارث أن يقول حق واحد منكم بطل ولا ندري من بطل حقه ومن بقي حقه فلا نسلم إليكم شيئا، والذي يمكن في توجيه كلام المصنف أن يكون مراده معنى جحوده أن يقول الوارث لكل واحد بعينه الثوب الذي قد هلك يحتمل أن يكون حقك فكأنه سامح في العبارة بناء على ظهور والمراد، ووافقه صاحب الكافي في هذه العبارة مع ظهور كما لها. قال رحمه الله: (إلا إن يسلموا ما بقي) أي إلا أن يسلم الورثة ما بقي من الثياب فحينئذ تصح الوصية لانها كانت صحيحة في الاصل، وإنما بطلت بجهالة طارئة مانعة من التسليم فإذا سلموا الباقي زال المانع فعادت صحيحة كما كانت فتقسم بينهم قال رحمه الله: (فلذى الجيد ثلثاه ولذي الردئ ثلثاه ولذي الوسط ثلث كل) أي لصاحب الجيد ثلثا الثوب الجيد ولصاحب الردئ يعطى ثلثا الثوب الردئ ولصاحب الوسط ثلث كل واحد منهما فيصيب كل واحد منهم ثلثا ثوب لان الاثنين إذا قسما على ثلاثة أصحاب كل واحد منهما الثلثان، وإنما أعطى لصاحب الوسط ثلث كل واحد منهم وللآخرين الثلثين من ثوب واحد لان صاحب الجيد لا حق له الردئ بيقين لانه إنما يكون هو الردئ أو الوسط ولا حق له فيهما، واحتمل أن يكون حقه في الردئ بأن كان الهالك هو الجيد أو الوسط واحتمل أن يكون له فيه حق بأن يكون الهالك أجود، ويحتمل أن يكون في الردئ بأن يكون الهالك أراد أو يحتمل أن يكون له فيهما حق بأن كان الهالك هو الوسط، فإذا كان كذلك أعطى كل واحد منهم حقه من محل يحتمل أن يكون هو له لان التسوية بإبطال حق كل واحد منهم إليه وهم في احتمال بقاء حقه وبطلانه سواء، وفيما قلنا إيصال حق كل واحد منهم بقدر الامكان وتحصيل غرض الموصي من التفضيل فكان متعينا. وفي العيون: إذا أوصى لرجل بثياب جيدة فله ما يلبس من الجباب والقمص

[ 248 ]

والاردية والطيلسان والسراويلات والاكسية ولا يكون له شئ من القلانس والخفاف والجوارب. وفي الخانية: فإن ذلك ليس من الثياب. وفي فتاوى الفضلي: قال بالفارسية حامه من هر وشيدو بدرويشان وهيد فهذا في عرفنا يقع على جميع ثياب بدنه إلا الخف فإنه يبعد أن يراد بهذا اللفظ في عرفنا الخف ويدخل في الوصية بالثوب الديباج وغيره مما يلبس عادة من كساء أوفرو، هكذا ذكر في السير. ولا يدخل فيه البساط والستر، وكذا العمامة والقلنسوة ولا تدخل ذكره في السير. وقد قيل إذا كانت العمامة طويلة يجئ منها ثوب كامل تدخل تحت الوصية. وفي فتاوى أهل سمرقند: إذا أوصى بمتاع بدنه يدخل تحت الوصية القلنسوة والخف واللحاف والدثار والفراش لانه يصون بهذه الاشياء بدنه عن الحر والبرد والاذى. وفي السير: إن اسم المتاع في العادة يقع على ما يلبسه الناس ويبسط وعلى هذا يدخل في الوصية بالمتاع الثياب والفراش والقمص. والستر هل يدخل فيها أولا؟ فقد اختلف المشايخ أشار محمد في السير إلى أنه يدخل. وإذا أوصى لرجل بفرس بسلاحه سأل أبو يوسف أهو على سلاح الرجل أو على سلاح الفرس؟ على سلاح الرجل. قال البقالي في فتاويه: وأدنى ما يكون من السلاح سيف وترس ورمح وقرص. ولو أوصى له بذهب أو فضة وللموصي سيف محلى بذهب أو فضة كانت الحلية له وبعد هذا ينظر: إن لم يكن في نزع الحلية ضرر فاحش ينزع الحلية من السيف وتعطى للموصى له، وإن كان في نزعها ضرر فاحش ينظر إلى قيمة الحلية وإلى قيمة السيف فإن كانت قيمة السيف أكثر تخير الورثة إن شاؤا أعطوا الموصى له قيمة الحلية مصوغا من خلاف جنسها وصار السيف مع الحلية لهم، وإن كانت قيمة الحلية أكثر يخير الموصى له إن شاء أعطى وأخذ السيف وإن شاء أخذ القيمة، وإن كانت قيمتها على السواء كان الخيار للورثة. ولو أوصى لرجل بفرو وللموصي جبة بطانتها ثوب فرو وظهارتها ثوب فرو كان للموصي له الثوب والآخر للورثة، ولو أوصى بجبة حرير وله جبة وبطانتها حرير دخلت تحت الوصية إن كانت الظهارة حريرا والبطانة حريرا كذلك الجواب، وإن كانت البطانة حريرا فلاشئ له. ولو أوصى له بحلى يدخل كل بذهب وله ثوب ديباج منسوج من ذهب فإن كان الذهب مثلا الثوب مثل الغزل فليس له شئ إن كان الذهب فيه شئ جرى كان ذلك للموصى له، وما رواء ذلك للورثة فيباع الثوب ويقسم الثمن على قيمة الذهب، وما سواه فما أصاب الذهب فهو للموصى له. ولو أوصى له بحلي دخل تحتها الخاتم من الذهب، وهل يدخل تحتها الخاتم من الفضة؟ فإن كان من الخواتم التي تستعملها الرجال دون النساء لا يدخل. وهل يدخل فيه اللؤلؤ والياقوت والزبرجد؟ فإن كان مركبا في شمن الذهب والفضة يدخل بالاتفاق، وإن لم يكن مركبا فعلى قول أبي حنيفة لا يدخل لانه ليس بحلي، وعلى قولهما يدخل. أصل المسالة

[ 249 ]

إذا حلفت المرأة لا تلبس حليا ولبست عقد اللؤلؤ لا يخالطه ذهب ولا فضة لا تحنث في يمينها عند أبي حنيفة، وعندهما تحنث، ولو لبست عقد لؤلؤ مركب من ذهب وفضة تحنث في يمينها الاجماع. ولو أوصى له بحديد وله سرج ركاباه من حديد نزع الركابان وأعطيا للموصى له والباقي للورثة وفي المنتقى: إذا أعتق عبدا له وقال كسوته له فله خفاه وقلنسوته وقميصه وسراويله وإزاره ولا يدخل فيه منطقته ولا سيفه، وإن قال له متاعة دخل السيف والمنطقة أيضا وهي وصية عبد الله بن المبارك لغلامه. قال رحمه الله: (وببيت عين من دار مشتركة وقسم ووقع في حظه فهو للموصى له والامثل ذرعه) معناه إذا كانت الدار مشتركة بين اثنين فأوصى أحدهما ببيت بعينه لرجل فإن الدار تقسم، فإن وقع البيت في نصيب الموصي فهو للموصى له، وإن وقع في نصيب الآخر للموصى له مثل ذرع البيت، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى. وقال محمد رحمه الله: له نصف البيت إن وقع في نصيب الموصي، وإن وقع في نصيب الآخر كان له مثل ذرع نصف البيت لانه أوصى بملكه وبملك غيره لان الداركلها مشتركة فتنفذ في ملكه ويتوقف الباقي على إجازة صاحبه، ثم إذا ملكه بعذلك فالقسمة التي هي مبادلة لا تنفذ الوصية السابقة كما إذا أوصى بملك الغير ثم اشتراه ثم أصابه بالقسمة عين البيت كان للموصي له نصفه لانه عين ما أوصى به، وإن وقع في نصيب صاحبه كان مثل نصف البيت لانه يجب تنفيذها في البدل عند تعذر تنفيذها في عين الموصي به كالجارية الموصي بها إذا قتلت تنفذ الوصية في بدلها بخلاف ما إذا بيع العبد الموصي به حيث لا تتعلق الوصية بثمنه لان الوصية تبطل بالاقدام على البيع على ما بينا في مسائل الرجوع عن الوصية ولا تبطل بالقسمة. ولهما أنه إذا أوصى بما يستقر ملكه فيه بالقسمة لانه يقصد الايصاء بما يمكن الانتفاع به على الكمال ظاهرا وذلك يكون بالقسمة لان الانتفاع بالمشاع فاصر وقد استقر ملكه في جميع البيت إذا وقع في نصيبه فتنفذ الوصية فيه، ومعنى المبادلة في القسمة تابع، وإنما المقصود الاقرار تكميلا للمنفعة ولهذا يجبر على القسمة فيه. قال صاحب النهاية في بحث وهو أنه قال في كتاب القسمة والاقرار هو الظاهر في المكيلات والموزونات: ومعنى المبادلة هو ظاهر في الحيوانات والعروض وما نحن فيه من العروض فكيف كانت المبادلة فيه تابعة؟ وأجيب بأنه قال هناك بعد قوله ومعنى المبادلة هو الظاهر في العروض إلا أنها إذا كانت من جنس واحد أجبر القاضي على القسمة عند طلب أحد الشركاء وما نحن فيه كذلك فكان معنى المبادلة فيه تابعا كما ذكر ههنا لان الجبر لا يجري في المبادلة، ويكون معنى قوله هناك ومعنى المبادلة هو الظاهر في الحيوانات والعروض إذا لم تكن من جنس واحد وإلى هذا أشار بقوله وإنما الاقرار تكميلا ولا تبطل الوصية إذا وقع البيت كله في نصيب شريكه،

[ 250 ]

ولو كانت مبادلة لبطلت كما لو باع الموصى به فعلى اعتبار الاقرار صار كأن البيت كله في نصيب شريكه، ولو كانت مبادلة كله ملكه من الابتداء. وإذا وقع في نصيب الآخر تنفذ في قدر ذرعا البيت جميعه من الذي وقع في نصيب الموصى لانه عوضه ومراد الموصي من ذكر البيت تقديره به غير أنا نقول: يتعين البيت إذا وقع البيت في نصيبه جمعا بين الجهتين التقدير والتمليك، وإذا وقع في نصيب الآخر عملنا بالتقدير أو نقول: إنه أراد التقدير على اعتبار وقوع البيت في نصيب شريكه وأراد التمليك على اعتبار وقوعه في نصيبه ولا يبعد أن يكون لكلام واحد جهتان باعتبارين ألا ترى أن لكلام واحد جهتين فيمن علق بأول ولد تلده أمته طلاق امرأته وعتق ذلك الولد فيتقيد في حق العتق بالولد الحي لا في حق الطلاق، ثم إذا وقع البيت في نصيب غير الموصي والدار مائة ذراع والبيت عشرة أذرع يقسم نصيب الموصى بين الموصى له والورثة على عشرة أسهم عند محمد تسعة للورثة وسهم للموصى له فيضرب الموصى له بنصف البيت وهو خمسة أذرع وهم بنصف الدار إلا نصف البيت الذي صار له وهم خمسة وأربعون ذراعا ونصيب البيت من الدار خمسون ذراعا فيجعل كل خمسة منها سهما فصار عشرة أسهم، وعندهما تقسم على خمسة أسهم لان الموصى له يضرب بجميع البيت وهو عشرة أذرع وهم بنصف كله إلا البيت الموصى به وهو أربعون ذراعا فيجعل كل عشرة أذرع سهما فصار المجموع خمسة أسهم سهم للموصي له وأربعة لهم. قال رحمه الله: (والاقرار مثلها) أي الاقرار ببيت معين من دار مشتركة مثل الوصية به حيث يؤمر بتسليم كله إن وقع البيت في نصيب المقر عندهما، وإن وقع في نصيب الآخر يؤمر بتسليم مثله. وعند محمد يؤمر بتسليم النصف أو قدر النصف، وقيل محمد معهما في الاقرار. والفرق له على هذه الرواية أن الاقرار بملك الغير صحيح حتى إن من أقر بملك الغير لغيره ثم تملكه يؤمر بالتسليم إلى المقر له والوصية بملك الغير لا تصح حتى لو ملكت بوجه من الوجوه ثم مات لا تنفذ فيه الوصية. قال في الاصل: الاقرار بالوصية من الوارث والشهادة عليها وإقرار الوارث بالدين والوديعة والشركة قال: وإذا أقر الوارث أن أباه أوصى بالثلث لفلان وشهدت الشهود أنه أوصى بالثلث لآخر كان الثلث كله للمشهود له ولا يكون للذي أقر له الوارث من الثلث شئ، ولا يضمن الوارث للمقر له شيئا إذا هلك المال في يده قبل الدفع أو دفع إلى المشهود له بقضاء قاض أو بغير قضاء. قال: وإذا أقر الوارث أن أباه أوصى بالثلث لفلان ثم قال بعد ذلك بل أوصى به لفلان أو قال أوصى به لفلان لا بل لفلان فإنه يكون للاول في الوجهين جميعا، ولا يضمن الوارث شيئا للثاني إذا هلكت التركة في يده قبل الدفع للاول بقضاء، وإن دفع للاول بغير قضاء قاض صار ضامنا للثاني. ثم إن محمدا فرق بين هذا وبين الاقرار بالوديعة قال: إذا أقر الرجل أن هذا العبد وديعة لفلان ثم قال لا بل لفلان ودفع العبد إلى الاول بقضاء قاض أو بغير قضاء فإنه يضمن للثاني قيمة العبد في الحالين، ومنها لو

[ 251 ]

دفع الوارث الثلث إلى الاول بقضاء قاض فإنه لا يضمن للثاني عندهم جميعا. وهذا الذي ذكرنا كله إذا كان الاقرار للثاني منفصلا عن الاول، فأما إذا كان متصلا كان الثلث بينهما نصفين، ونظير هذا الاقرار بالوديعة لو أقر أن هذا العبد عنده وديعة لفلان وفلان أو قال وديعة عنده ولفلان آخر متصلا كان العبد بينهما نصفين كأنه قال هذا العبد وديعة عندي لفلان ثم قال لا بل لفلان فإن العبد كله للاول فكذا هذا قال: وإذا أقر الوارث بوصية ألف درهم بعينها ثم أقر ذلك بعد بالثلث لآخر ثم رفع ذلك إلى القاضي فإنه يدفع الالف إلى الاول وكان الجواب فيه كالجواب فيما إذا أقر بالثلث لآخر ثم رفع ذلك إلى القاضي فإنه يدفع الالف إلى الاول، ثم أقر بعد ذلك للثاني، فإن الثلث كله يدفع للاول ولا يكون للثاني فيه شئ كذلك هذا الجواب فيما لو أقر بوصية بغير عينها والجواب فيما لو أقر بألف بعينها لان الوصايا تنفذ من الثلث فصار الثلث كله مستحقا للاول بالاقرار الاول، وكان الجواب فيما لو أقر بألف. قال محمد في الجامع في الرجل يموت ويترك وارثين وألفي درهم فيأخذ كل واحد منهما ألفا فغاب أحدهما وأقر الحاضر لرجل أن الميت أوصى له بثلث أخذ المقر له من الحاضر ثلث ما في يده، فرق بين هذا وبين ما إذا أقر الحاضر بدين له فإنه يأخذ كل ذلك من نصيبه، وإن أقر أحدهما بوديعة بعينها وذلك في نصيبه وكذبه الآخر فإنه يؤخذ ذلك كله من المقر، وإن أقر بوديعة مجهولة يستوفي الكل من نصيبه. ولو أقر أحدهما بشركة بينه وبين الآخر وكذبه الآخر صح في نصيبه ويقسم ما في يده بين المقر والمقر له ولا يأخذ المقر له من الجاحد شيئا لان إقرار كل مقر يصح في حقه ولا يصح في حق غيره، ونظير هذا ما قالوا في رجل مات وترك بنتين وأقرب إحدى البنتين بأخ مجهول وكذبتها البنت الاخرى فإن الاخ المقر له يأخذ من نصيب البنت المقرة وفي الكافي: ابنان اقتسما تركه الاب ألفا ثم أقر أحدهما الرجل أن لاب أوصى له بثلث ماله فالمقر يعطيه ثلث ما في يده استحسانا. وقال زفر: يعطيه نصف ما في يده قياسا، ولو كان البنون ثلاثة والتركة ثلاثة آلاف فاقسموها فجاء رجل وادعى أن الميت أوصى له بثلث ماله مصدقه واحد منهم فإنه يعطيه عند زفر ثلاثا اخماس ما في يده، وعندنا يعطيه ثلث ما في يده. قال رحمه الله: (وبألف عين من مال آخر فأجاز رب المال بعد موت الموصى ودفعه صح وله المنع بعد الاجازة) أي إذا اوصى لرجل بألف درهم بعينها من مال غيره فأجاز صاحب المال بعد موت الموصي ودفعه إليه جاز وله الامتناع من التسليم بعد الاجازة لانتبرع بمال الغير فيتوقف على إجازة صاحبه، فإن أجاز كان منه هذا إبتداء تبرع فله أن يمتنع من التسليم كسائر التبرعات بخلاف ما إذا أوصى بالزيادة على الثلث أو للقاتل أو للوارث فأجازتها الورثة حيث لا يكون لهم أن يمنعوا من التسليم لان الوصية

[ 252 ]

في نفسها صحيحة لمصادفتها ملكه، وإنما امتنع لحق الورثة فإذا اجازوها سقط حقهم فتنفذ من جهة الموصى على ما بيناه من قبل، كذا ذكر الشارح. قال رحمه الله: (وصح اقرار أحد الابنين بعد القسمة بوصية أبيه في ثلث نصيبه) معناه إذا قسم الابنان تركة أبيهما وهي ألف درهم مثلا ثم أقر أحدهما لرجل أن أباه أوصى له بثلث ماله فإن المقر يعطيه ثلث ما في يده وهذا استحسان، والقياس يعطيه نصف ما في يده وهو قول زفر لان إقراره بالثلث له تضمن إقراره بمساواته إياه والتسوية في إعطاء النصف ليبقى له النصف فصار كما إذا أقر أحدهما بأخ ثالث لهما، وهذا لأن ما أخذه المنكر كالهالك فيهلك عليهما. وجه الاستحسان أنه أقر له بثلث شائع في جميع الشركة وهي في أيديهما فيكون مقرا له بثلث ما في يده وبثلث ما في يد أخيه فيقبل إقراره في حق نفسه ولا يقبل في حق أخيه لعدم الولاية عليه فيعطيه ثلث ما في يده، ولانه لو أخذ منه نصف ما في يده أدى إلى محظور وهو أن الابن الآخر ربما يقربه فيأخذ نصف ما في يده فيأخذ نصف التركة فيزداد نصيبه على الثلث وهو خلف. وقيدنا بالوصية ليحرز عن الدين قال بخلاف ما إذا أقر أحدهما بالدين على أبيهما حيث يأخذ صاحب الدين المقر له جميع ما في يد المقر حتى يستوفي دينه وشئ للمقر إن لم يفضل منه شئ لان الدين مقدم على الميراث فيكون مقرا بتقديمه عليه فيقدم عليه ولا كذلك الوصية لان الموصى له شريك للورثة فلا يأخذ شيئا إلا إذا سلم للوارث ضعف ذلك ولا نسلم أنه أقر له بالمساواة بل أقر له بثلث التركة وإنما حصلت المساواة باتفاق الحال، ولهذا لو لم يكن له أخ فأقر له بالوصية لا يزيد حقه على الثلث ولو كان مقرا بالمساواة لمساواة حالة الانفراد أيضا بخلاف ما إذا أقر بأخ ثالث وكذبه أخوه حيث يكون ما في يد المقر بينهما نصفين لانه أقر له بالمساواة فيساويه مطلقا، ولهذا لو كان وحده أيضا ساواه فيكون ما أخذه المنكر هالكا عليهما اه‍. كلام الشارح. وهذا حيث لا بينة، وأما إذا كان إقرار وبينة قال في المبسوط: أقر أن فلانا أوصى لفلان بالثلث وقامت البينة لآخر يدفع إليه ولا يضمن الوارث شيئا لان الشهادة حجة على الكافة والاقرار حجة قاصرة على المقر وليس بحجة في حق المشهود له فثبتت وصية المشهود له في حق المقر له ولم تثبت وصية المقر له في حق المشهود له فيكون هو أولى باستحقاق الثلث من المقر له كما لو أقر ذو اليد بالدار لرجل وأقام الآخر البينة على أنها ملكه يقضي بها للمشهود له فكذا هذا. قال رحمه الله: (وبأمة فولدت بعد موته وخرجا من ثلثه فهما له وإلا أخذ منها ثم منه) أي إذا أوصى لرجل بجارية فولدت بعد موت الموصي ولدا وكلاهما يخرجان من جميع الثلث فهما للموصى له لان الام دخلت في الوصية أصالة والولد تابع حين كان متصلا بها،

[ 253 ]

وعبارته صادقة بما إذا ولدت قبل القبول والقسمة، فلو قال فولدت بعدهما إلى آخره لكان أولى لانها إذا ولدت قبل القسمة والتركة مبقاة على ملك الميت قبلها حتى يقضي منها ديونه وتنفذ وصاياه دخل ولدها في الوصية فيكونان للموصي له، وإن لم يخرجا من الثلث ضرب الموصى له بالثلث وأخذما يخصه من الام أولا، فإن فضل شئ أخذه من الولد وهذا عند أبي حنيفة، وعندهما يعطي له الثلث منهما بالحصص. قال الشارح: وعبارة المؤلف صادقة بما إذ حدثت قبل القبول أو بعده. قال في المبسوط: أصله أن التركة قبل القسمة مبقاة على حكم الميت حتى إن الزيادة الحادثة قبل القسمة تعد من مال الميت حتى يقضي دينه وتنفذ وصاياه لان الموصى له والورثة تتملك والوصية من جهة الميت فيعتبر بما لو ملك المال من غيره بالبيع أو بالنكاح، والزوائد الحادثة من المبيع والمهر قبل القبض حادثة على ملك المالك حتى يصير لها حصة من الثمن بالقبض لان ما يملك يكون مبقى عل ملك المملك فكذا هذا. وظاهر قوله قبل القسمة أنها بعد القسمة ليست بمبقاة فتكون الزوائد للموصى له. ثم المسائل على فصلين: أحدهما في الزيادة والثاني في النقصان. والزيادة الحادثة من الموصى به كالولد والغلة والكسب والارش بعد موت الموصي قبل قبول الموصى له الوصية يصير موصى بها حتى تعتبر من الثلث لانها حدثت بعد انعقاد سبب الملك للموصى له في الاصل، فإذا حدثت بسبب الملك فيه إلى وقت الموت تدخل تحت الوصية كالمبيعة إذا ولدت في مدة الخيار واختار من له الخيار البيع فتصير الزيادة مبيعة حتى تصير لها حصة من الثمن، فأما إذا حدثت قبل الموصى له قبل القسمة هل يصير موصى بها؟ لم يذكره محمد وذكر القدوري أنه لا يصير موصى بها حتى كانت للموصى له من جميع المال كما لو حدثت بعد القسمة لان الزيادة حدثت بعد ملك الموصى له وبعد تأكد ملكه لانه ملك الرقبة وتصرف فيه جميعا فصار كالزيادة الحادثة من المبيعة بعد القبض. وقال مشايخنا: يصير موصى بها حتى يعتبر خروجها من الثلث لانها حدثت بعد الملك قبل تأكد الملك في الاصل لان ملكه لم يتأكد ولم يتقرر بعد لانه لو هلك ثلث التركة وصارت الحادثة بحيث لا تخرج من ثلث ماله يكون من الحادثة بقدر ثلث الباقي فصار كالزيادة الممهورة الحادثة قبل القبض تصير مهرا حتى تسقط بالطلاق قبل الدخول وقد ملكت الرقبة والتصرف جميعا لان ملكها غير متأكد قبل القبض حتى لو هلك هلك على الزوج لا عليها ثم الحق الكسب الولد في الوصية وفي البيع لم يلحقه بالولد لان الكسب بدل المنفعة والمنفعة يجوز أن تملك بالوصية مقصودا فكذلك بذلها أيضا بخلاف البيع فلم يمكن أن يجعل الكسب مبيعا مقصودا بحكم الوارد بالبيع لان القبض يرد عليه مقصودا لهما أن الزيادة متى حدثت قبل القبض تصير موصى بها حكما. ولابي حنيفة أن الحادث قبل القبض صار مقصودا لكنه تبعا لا أصلا، وهذا لبيان أنها كانت باقية على ملك الميت فلو تصرف فيه الوارث صح. قال فيه أيضا: رجل له أمة قيمتها ثلثمائة درهم ولا مال له غيرها

[ 254 ]

فأوصى بها لرجل ثم مات فباعها الوارث بغير محضر من الموصى له فولدت في يد المشتري ولدا قيمته ثلثمائة درهم ثم جاء الموصى له فلم يجز الموصى له البيع سلم للمشتري ثلثي الجارية وثلثي الولد وللموصى له ثلث الجارية وثلث الولد لان الجارية مشتركة بين الورثة بين الموصى له وبيع أحد الشريكين لا ينفذ إلا في نصيبه فنفذ البيع في حصة الورثة وهو ثلث الجارية ولم ينفذ في حصة الموصى له وهو ثلثها فسلم له ثلث الجارية والزيادة حدثت بعد نفاذ التصرف الذي حكم القسمة والقبض فيكون ثلثا الولد بعد نفاذ البيع نفذ على ملك المشتري فلا يعد من مال الميت، وثلثه حدث على ملك الميت فيكون ذلك من مال الميت فصار مال الميت يوم القسمة ثلثي الجارية قيمتها مائتا درهم، ولو كانت ازدادت في مدتها فصارت قيمتها ستمائة فثلثاها سالم للمشتري وثلثها للموصى له وثلث ثلثها للورثة لان مال الميت أربعمائة لان البيع نافذ في ثلثي الجارية فحدثت ثلثا الزيادة على ملك المشتري فبقي مال الميت قيمتها ثلاثمائة وثلث الزيادة قيمته مائة فصار مال الميت قيمته أربعمائة فيكون ثلثها للموصى له وذلك مائة وثلاثة وثلاثون وثلث وثلثمائة من أصل الجارية وثلاثة وثلاثون من الزيادة لان قيمة ثلثي الجارية مائتان فيكون ثلثها مائة وثلاثة وثلاثين وثلث ثلثها للورثة ستة وثلاثون وثلث. ولو أن الجارية نقصت حتى صارت تساوي مائة أخذ الموصى له ثلثها ويرجع على الورثة من قيمتها بأربعة وأربعين وأربعة أتساع درهم تمام ثلث المال لان الجارية مشتركة بين المشتري والموصي له ثلثاها للمشتري وثلثها للموصي له، فما ضاع على الحصتين وما بقي بقي على الحصتين فللموصي له ثلث الجارية قيمته ثلاثة وثلاثون وثلث لان المال وحق الموصى له يعتبير يوم القسمة وقد انتقص من قيمة الجارية ثلثاها فذهب ثلثا حقه، وقيمتها في حق الورثة تعتبر يوم البيع لانه استهلكها الوارث بالبيع فتعتبر قيمتها يوم الاستهلاك، ويوم البيع كانت قيمة ثلثي الجارية مائتي درهم فصار مال الميت مائتين وثلاثة وثلاثين وثلث فللموصى له ثلث ذلك وهو سبعة وسبعون وسبعة أتساع درهم قبل الورثة ولم يجعل للموصي أن ينقض البيع فيما بقي من حقه لانه يؤدي إلى الدور لان ما نقص فيه كأنه لم يبعه الورثة، وإذا هلك شئ منه هلك من ما الميت فيحتاج إلى أن ينقص وصيته عن ذلك، وإذا انتقصت بعد البيع بقدر ما انتقصت وصيته، فإذا نفذ البيع عاد حق الموصى له واحتجت إلى النقص فيؤدي إلى ما لا يتناهى وسهم الدور ساقط فلم يكن حق البعض في الابتداء كيلا يؤدي إلى الدور. رجل أوصى لرجل بشاة من غنمه وقد لحقت الاولاد بالامهات بعد موته فللورثة أن يعطوه شاة بدون ولدها، وإن قال شاة من غنمي سلموا معها ولدها وما حلب من لبنها وجزء من صوفها إن كان قائما وما كان مستهلكا من ذلك فلا يضمونه لان الوصية تناولت شاة من قطيع معين فتدخل زوائدها تحت الوصية، ولذلك لو أوصى بنخلة ولم يقل من نخلي هذه يعطونه نخلة دون ثمرتها، وإن قال من نخلي هذه وقد أثمرت بعد موته تبعها الثمر.

[ 255 ]

هذا إذا أوصى بمعين، فلو أوصى بأحدهما قال فيه أيضا: ولو أوصى بإحدى هاتين الامتين فولدت إحداهما أعطاه الورثة أيتهما شاؤوا، فلو أعطوا التي ولدت تبعها ولدها، ولو قال قد أوصيت بجارية من جواري هؤلاء أو قال بشاة من غنمي هذه فولدت في حياة الموصي فأراد الورثة بعد موته أن يعطوه من الاولاد لم يكن لهم ذلك، وإن أعطوه جارية أو شاة أو نخلة تبعها ثمرها ولا يتبعها أولادها وثمرتها الحادثة قبل موت الموصي لانه إنما وجب له ذلك بالوصية بعد الموت وبعد الموت الايجاب لا يتناول الزوائد الحادثة قبل الموت، فإن هلكت الامهات إلا واحدة بعد موت الموصي كان حقه في هذه الواحدة وإن لم يبق شئ من الامهات دفعوا إليه الاموال. قال رحمه الله: (ولابنه الكافر أو الرقيق في مرضه فاسلم الابن أو أعتق قبل موت الاب ثم مات بطل كالهبة وإقراره) أي إذا أوصى لابنه الكافر أو لابنه الرقيق في مرضه فأسلم الابن أو عتق قبل موت الاب ثم مات من ذلك المرض بطلت الوصية له كما تبطل الهبة له والاقرار له بالدين، أما الوصية فلان المعتبر فيها حالة الموت وهو وارث فيها فلا تجوز له والهبة حكمها مثل الوصية لما عرف في موضعه، وأما الاقرار فإن كان الابن كافرا فلا إشكال فيه لان الاقرار وقع لنفسه وهو وارث بسبب كان ثابتا عند الاقرار وهو البنوة فيمتنع لما فيه من تهمة إيثار البعض فكان كالوصية فصار كما إذا كان له ابن وأقر لاخيه في مرضه ثم مات الابن قبل أبيه وورثه أخوه المقر له، فإن كان الاقرار له يكون باطلا لما ذكرنا، كذا في هذا بخلاف ما إذا أقر لامرأة في مرضه ثم تزوجها حيث لا يبطل الاقرار لها لانها صارت وارثة بسبب حادث والاقرار يلزمه بنفسه وهي أجنبية حال صدوره فيلزم لعدم المانع من ذلك ويعتبر من جميع المال بخلاف الوصية لها لانها ايجاب عند الموت وهي وارثة فلهذا اتحد الحكم فيها في الوصية وافترقا في الاقرار حتى كانت الزوجة قائمة عند الاقرار وهي غير وارثة، فإن كانت نصرانية أو أمة ثم أسلمت قبل موته أو أعتقت لا يصح الاقرار لها لقيام السبب حال صدوره. وإن كان الابن عبدا فإن كان عليه دين لا يصح إقراره له لان الاقرار وقع له وهو وارث عند الموت فتبطل كالوصية، وإن لم يكن عليه دين صح الاقرار لانه وقع للمولى إذ العبد لا يملك وقيل الهبة له جائزة لانها تمليك في الحال وهو لا يملك فيقع للمولى وهو أجنبي فيجوز بخلاف الوصية لانها إيجاب عند الموت وهو وارث عنده فيمتنع. وفي عامة الروايات هي في المرض كالوصية فيه لانها وإن كانت منجزة صورة فهي كالمضاف إلى ما بعد الموت حكما لان حكمها يتقرر عند الموت ألا ترى أنها تبطل بالدين المستغرق ولا تجوز بما زاد على الثلث، والمكاتب كالحر لان الاقرار والهبة يقع له وهو وارث عند الموت فلا يجوز كالوصية، كذا ذكر الشارح. قال رحمه الله: (والمقعد والمفلوج والاشل والمسلول إن تطاول ذلك ولم يخف منه الموت فهبته من كل المال) لانه

[ 256 ]

إذا تقادم العهد صار من طبعه كالعمى والعرج، وهذا لان المانع من التصرف مرض الموت ومرض الموت يكون سببا للموت غالبا وإنما يكون سببا للموت إذا كان بحيث يزداد حالا فحالا إلى أن يكون آخره الموت وأما إذا استحكم وصار بحيث لا يزداد ولا يخاف منه الموت لا يكون سببا آخره الموت كالعمى ونحوه ولهذا لا يستقل بالتداوي. قال رحمه الله: (وإلا فمن الثلث) أي إن لم يتطاول يعتبر تصرفه من الثلث إذا كان صاحب فراش ومات منه في أيامه لانه من ابتدائه يخاف منه الموت ولهدا يتداوى فيكون من مرض الموت، وإن صار صاحب فراش بعد التطاول فهو كمرض حادث به حتى تعتبر تبرعاته من الثلث، كذا ذكر الشارح والله تعالى أعلم. باب العتق في المرض والوصية بالعتق لما كان الاعتاق في المرض من أنواع الوصية وكان له أحكام مخصوصة أفرده بباب على حدة وأخرجه عن صريح الوصية لان الصريح هو الاصل. قال رحمه الله: (تحريره في مرضه) يعني يكون وصية فإن خرج من الثلث لا سعاية عليه وسيأتي حكم ذلك إن شاء الله تعالى. أطلق في كونه وصية فشمل ما إذا عجل البدل أو بعضه فمات السيد أو مات العبد قبل السيد وترك مالا وما إذا أعتق على مال أو لا. قال في المبسوط: مسائله تشتمل على فصول: احداها في تعجيل المعتق السعاية إلى مولاه، والثاني في ترك السعاية بعد موته، والثالث في تعجيل بعض السعاية في حياته وترك السعاية بعد موته. وإذا أعتق عبدا في مرضه قيمته ثلثمائة فعجل العبد لمولاه مائتي درهم فأنفقها ثم مات ولا مال له غيرها يسعى في ثلثي المائة الباقية وسلم له ثلث المائة وهو حر لان العتق في مرض الموت وصية في الوصايا يعتبر مال الميت يوم القسمة لا يوم الوصية والموت ومال الميت يوم القسمة مائة درهم لانه لما عجل ثلثي السعاية في حياة المولى صح التعجيل لانه عجل بعد وجود سبب الوجوب لان السعاية تجب عليه بعد الموت لكن بالسبب السابق وهو العتق وتعجيل الحكم بعد وجود سبب الوجوب جائزة كتعجيل الزكاة وغيرها فصار المعجل ملكا للمولى وقد أنفقها في حياته في حاجته والوصايا تنفذ عما يفضل عن جاجته الحالية، والفاضل عن حاجته يوم القسمة مائة درهم وقد أوصى للعبد بجميع المائة فيكون له ثلث المائة الباقية، ولو عجل قيمته كلها فأنفقها لم يسع في شئ لانه أدى قيمة نفسه مرة بعد ما صار مكاتبا عند أبي حنيفة، وحرا

[ 257 ]

مديونا عندهما فلا يلزمه أخرى كالمكاتب الحقيقي إذا ادى بدل الكتابة مرة يعتق فكذا هذا. ولو عجل شيئا واكتسب العبد ألف درهم ثم مات العبد وترك بنتا ومولاه ثم مات السيد فللمولى من الالف خمسمائة وعشرون وسعاية العبد من ذلك أربعون وميراثه أربعمائة وثمانون والباقي للبنت، ولو عجل للمولى قيمته كلها فأنفقها المولى والمسألة بحالها فللبنت من تلك الالف ستمائة ولوارث المولى أربعمائة، ولو اكتسب العبد ومات عن ثلثمائة وترك بنتا وإمرأة ثم مات المولي في مرضه فلورثة المولى من ذلك مأتان وثمانية وعشرون درهما واربعة أسباع درهم وللبنت سبعة وخمسون درهما وللمرأة أربعة عشر درهم. ولو ترك بنتين وامرأة ومولا والمسألة بحالها قسمت الثلاثمائة على سبعة وستين للمولى من ذلك ثلاثة وأربعون سعاية وخمسة ميراثا وللبنين ستة عشر وللمرأة ثلاثة. وإذا أعتق في مرضه عبدا قيمته ثلاثمائة ثم اكتسب العبد ثلاثمائة ثم مات وترك بنتا ثم مات المولى وله أيضا ثلاثمائة وصية فمن ذلك مائتان وأربعون للمولى من ذلك مائة وعشرون من إرثه وللبنت مائة وعشرون، وتخريجه لابي حنيفة في المحيط. ولو عجل مائة إلى المولى فأكلها ثم مات وترك ثلاثمائة وبنتا ومولاه فللمولى من ذلك مائة درهم بالسعاية ومائة بالميراث، ولو أعتق عبدين في المرض قيمة كل واحد منهما ثلاثمائة لا مال له غيرهما فمات أحدهما وترك ألف درهم اكتسبها بعد العتق ولا وارث له غير المولى سعى الحي في أربعين درهما وكانت للمولى مع الالف الذي تركه الميت لان ماله ألف وثلاثمائة متروكة عن الميت وثلاثمائة قيمة الحي. ولو أوصى بستمائة لما أعتق العبدين في مرضه وستمائة أكثر من ثلث ماله فإذا لم تجز الورثة يجعل ماله على ثلاثة أسهم، سهم للعبدين بالوصية بينهما نصفين فانكسر فأضعف فصار ستة للمولى أربعة للعبد سهمان وتخريجه يطلب في المحيط. قال الشارح: إن حكم التحرير حكم الوصية يعتبر من الثلث ومزاحمة أصحاب الوصايا في التصرف لا حقيقة الوصية. قال رحمه الله: (ومحاباته) يعني في مرضه وصية تعتبر من الثلث. قال في المحيط: والمحاباة في المرض وصية. وأطلق المحاباة فشمل ما إذا كان في نكاح أو بيع: أصله أن الوصية عقد إرث صحيحة لان منافع البضع عند الدخول متقومة. وإذا تزوج المريض امرأة على مائة درهم ولا مال له غيرها ومهر مثلها خمسون درهما ثم ماتت المرأة ثم مات الزوج كان وصيتها ثلاثة وثلاثين درهما وثلثا. وتخريجه أن مال الزوح لما حابى به وهو خمسون وما ورث منها وذلك نصف مهر مثلها خمسة وعشرون فصار مال الزوج خمسة وسبعين، فيجعل ذلك على ثلاثة أسهم سهم للمرأة يعود نصفه إلى الزوج بالميراث فانسكر فأضعف فصار ستة سهمان للمرأة يعود سهم من نصيبها إلى الزوج بالميراث وهذا هو السهم الدائر فيطرح من نصيب الزوج يبقى له ثلاثة وللمرأة سهمان فيصير مال الزوج في الآخرة على خمسة وسبعين خمساها للمرأة الثلث وذلك ثلاثون من خمسة وسبعين فلها ثلاثون درهما بالوصية من مائة

[ 258 ]

ويرد عشرون على ورثة الزوج نقصا للوصية بالمحاباة، ثم يضم ثلاثون إلى مهر مثلها وذلك خمسون فصار ثمانين للزوج نصفه وذلك أربعون وينقص أربعون، وثم ما أصاب الزوج من أربعين يضم إلى ما أخذه بنقص الوصية وذلك عشرون فصار له ستون وقد نفذنا الوصية في ثلاثين فاستقام الثلث والثلثان. وأما تخريج أبي يوسف أن مال الزوج لما حابى به وذلك خمسون فيكون لها ثلث المحاباة وذلك ستة عشر وثلثان ولا يعتبر ماله بما يرث منها لما بينا في الباب المتقدم، ثم يضم ستة عشر وثلثين إلى مهر مثلها وذلك خمسون فيصير ستة وستين وثلثين، للزوج نصف ذلك بالميراث وذلك ثلاثة وثلاثون وثلث فهذا مال استفاده الزوج بالميراث فيجعل على ثلاثة أسهم سهم للمرأة فيعود نصفه إلى الزوج بالميراث فانكسر فأضعف صار ستة للمرأة سهمان فيعود منها سهم إلى الزوج فهذا هو السهم الدائر فاطرحه من نصيب الزوج يبقى له ثلاثة وللمرأة سهمان وذلك ثلاثة وثلاثون وثلث على خمسة خمساه للمرأة وذلك ثلاثة عشر وثلث درهم يضم ذلك إلى ستة عشر فصار ثلاثين. وأما تخريج محمد بأن للمرأة ثلث المحاباة وذلك ستة عشر وثلثان يضم ذلك إلى مهر مثلها وذلك خمسون فصار ستة وستين وثلثا درهم فيجعل ذلك على سهمين سهم للزوج فقد مات الزوج عن سهم للمرأة ثلث ذلك بالوصية فانكسر بالثلث فاضرب سهمين في ثلاثة فصار ستة للزوج ثلاثة وللمرأة سهم فصار المال وهو ستة وستون وثلثان على خمسة خمس ذلك للمرأة وذلك ثلاثة عشر وثلث يضم إلى ما أعطينا لها في الابتداء وذلك ستة عشر وثلثان فصار وصيتها ثلاثين. قال رحمه الله: (وهبته وصية) يعني حكمها حكم الوصية أي إذا وهب المريض في مرضه يكون حكمه حكم الوصية. أطلق في الهبة فشمل ما إذا عادت للمريض أو لم تعوللاجنبي وللوارث. قال في المنتقى: وهب المريض لرجل أمة وقيمتها ثلاثمائة ولامال له غيرها فباعها الموهوب له للواهب وهو صحيح بمائة درهم ولم يقبض المائة، ثم مات الواهب من مرضه والجارية تسلم لورثة الواهب ويأخذون من الموهوب له ثلاثة وثلاثين درهما وثلثا لانه حين باعها إياه كان كأنه قد استملك الجارية وصارت قيمتها دينا عليه وهي ثلثمائة فكانت هذه الثلاثمائة زيادة في مال الميت فصار ماله ستمائة إلا أن عليه دين مائة درهم فصار ماله الذي تجوز فيه وصيته خمسمائة درهم فللموهوب له ثلثها وذلك مائة وستة وستون وثلثان فيكون ذلك وصيلة له من قيمة الامة يبقى عليه مائة وثلاثة وثلاثون وثلث وقد كان له على الواهب مائة دينا يبقى عليه ثلاثة وثلاثون وثلث. ولو وهب المريض أمة قيمتها ستمائة درهم فباعها الموهوب له من الواهب بمائتي درهم ثم ماتا جميعا ولا مال لواحد منهما غيرها فإن الجارية تباع وتدفع المائتين إلى ورثته لان الهبة قد نفذت من الثلث فينفذ بيعمن الواهب في الثلث لان بيع المريض لا يجوز إلا بمثل قيمته وقيمته ثلثها مائة درهم فيرد ذلك القدر من ثمنها إلى تركة الموهوب له. مريض وهب عبده لرجل وعليه دين محيط بقيمته ولا مال له غيرها فأعتقه الموهوب له قبل

[ 259 ]

موت المريض جاز عتقه لانه أعتق ما يملكه، وإن أعتقه بعد موته لم يجز عتقه لانه تعلق حق الغريم به بيعا واستيفاء وصار مستغرقا بدينه فانقضت الهبة من الاصل وعاد إلى قديم ملكه فظهر أنه أعتق مالا يملكه. قال محمد: مريض أقر لعبد رجل أنه ابنه ثم مات قال أبو يوسف: إن صدقه السيد في حياة المريض ورثه لانه ثبت نسبه منه بتصادقهما، فإن صدقه بعد موته لا يرثه لان إقراره قد بطل بموته. وذكر الحسن بن زياد عن أبي يوسف في مريض له ابن معروف وهو عبد لرجل فأقر المريض أن المولى قد أعتق ابنه قال إن صدقه في حياته ورثه إذا مات، وإن صدقه بعد موته لم يرثه لما بينا. ولو وهب أحد الزوجين لصاحبه في المرض أصله أن أجوبتهم لمسائل الباب متفقة وتخاريجهم لها مختلفة فأبو حنيفة اعتبر جميع مال الموصي في القسمة وطرح السهم الدائر من جملة المال لان الدور يقع بسبب المال المستفاد بالميراث وأنه لو لم يرث منها شيئا بأن كان عليها دين مستغرق لجميع ماله لم يقع الدور، ومحمد اعتبر القسمة في المال الموصى به وطرح السهم الدائر من المال المستفاد بالوصية لان الدور يقع من ذلك فإنه لو لم يستفد شيئا بالوصية بأن كان على الزوج دين مستغرق يقع الدور، والصحيح ما قاله أبو حنيفة لان الوصية للمرأة والمرأة للزوج من وصيتها إنما توزع من مال الزوج لا من مالها فكان العمل من ماله فكان طرح السهم الدائر من نصيبه أولى. ثم المسائل على فصول: أحدها في هبة الزوج لامرأته في مرضه، والثاني في هبته في مرضه لامرأته ووصيته لاجنبي، والثالث في هبة كل واحد من الزوجين لصاحبه. وإذا وهب لامرأته في مرضه مائة درهم لا مال له غيرها وماتت ومات وتركت عصبة للزوج لورثة الزوج ستون ببعض الهبة وجازت في أربعين للزوج من ذلك عشرة بميراثه ولعصبتها عشرون لانها لما ماتت قبل موت الزوج صارت أجنبية ولم تبق وارثة قبل موت الزوج فصحت الهبة لها فلم تبطل الهبة لها، وإن كانت الهبة المنفذة وصية والوصية تبطل موت الموصى له قبل موت الموصي لانها هبة حقيقية حتى ملكها الموهوب له في الحال وصية حكما حتى تنفذ من الثلث والهبة لا تبطل بموت الموهوب له قبل موت الواهب بعد ما تمت بالقبض، وباعتبار أنها وصية تنفذ من الثلث عملا بالشبهين ولا يجوز إبطالها بالشك بعد صحتها. ثم تخريجه لابي حنيفة وهو أن جميع المال للزوج المائة الموهوبة فيجعل على ثلاثة أسهم لحاجتين لاجل الوصية للمرأة وذلك سهم وسهمان للزوج ماتت المرأة عن سهم فيكون ميراثا بين زوجها وعصبتها نصفين وقد انكسر بالنصف فأضعف فصار ستة فصار للزوج أربعة ولها سهمان فيعود إلى الزوج سهم بالميراث منها وهو السهم الدائر فاطرحه من نصيب الزوج فكان نصيبه أربعة فبقي له ثلاث، ولها سهمان فصار جميع مال الزوج على خمسخمسا المائة وذلك أربعون لها بالوصية وللزوح ثلاثة أخماسها ستون، ثم يعود إلى الزوج نصف حصتها بالميراث فصار للزوج ثمانون ولعصبتها عشرون. وأما تخريج أبيوسف وهو أن مال الزوج ما يرث منها لا

[ 260 ]

جميع ما وهب منها لان هذه هبة منفذة ولهذا لا تبطل بموتها قبل موت الزوج فيعتبر بما لو وهبها في الصحة ثم ماتت والزوج وارثها يعتبر مال الزوج ما ورث منها لا جميع الموهوب فكذا هذا، وقد ورث الزوج منها ستة عشر درهما وثلثي درهم لان لها ثلث المائة ثلاثة وثلاثين وثلث فيكون للزوج نصفه وذلك ستة عشر درهما وثلثان، ثم لها خمسا ستة عشر بعد طرح السهم الدائر من الوجه الذي بينا وذلك ستة دراهم وثلثان يضم إلى ما أعطينا لها في الابتداء وذلك ثلاثة وثلاثون وثلث فصار لها أربعون، ثم يرث الزوج منها عشرين فيصير لورثة الزوج ثمانون. وأما تخريج محمد بأن لها ثلث المائة وذلك ثلاثة وثلاثون وثلث فيجعل ذلك المال على سهمين لحاجتك إلى النصف للزوج بالميرا ث فيكون لها ثلث ذلك السهم بالوصية فانكسر بالثلث فاضرب أصل الفريضة وذلك سهمان في ثلاثة فصار ستة فاطرح السهم الدائر من جميع السهام فصار خمسة فلها خمسي ثلاثة وثلاثين وثلث وذلك ستة دراهم وثلثان فصار لها أربعون وللورثة ثمانون، ولو كان لها مائة أخرى والمسألة بحالها فإنه يرد إلى ورثة الزوج عشرون درهما ببطلان الهبة وأربعون درهما بالميراث وتخريجه أن مال الزوج مائتا درهم وخمسون درهمو للمرأة بالوصية خمسا ذلك بعد طرح السهم الدائر وذلك مائة ثم يعود إلى الزونصفها بالميراث وذلك خمسون فصار للزوج مائتان وقد نفذنا الوصية في مائة فاستقام الثلث والثلثان. ولو كان للمرأة مائتا درهم ثم سوى ذلك ولا مال للزوج سوى ما وهب والمسألة بحالها جازت الهبة في ستين، وتخريجه أن مال الزوج يوم القسمة مائة وخمسون المائة الموهوبة به وخمسون ميراثا فيجعل ذلك على ثلاثة للمرأة سهم وللزوج سهمان، ثم سهم المرأة يصير ميراثا بين زوجها وعصبتها فانكسر بالنصف فضعف فصار لها سهمان، ثم عاد إلى الزوج سهم بالميراث فصار في يد الزوج خمسة فالسهم الخامس هو الدائر فاطرحه من نصيب الزوج بقي نصيبه ثلاثة وبقي حق المرأتين سهمين فصار مال الزوج على خمسة فلها خمساه وذلك ستون ويرد أربعوإلى الزوج فصار في يد الزوج تسعون ثم يعود نصف ما صار لها بالوصية إلى الزووذلك ثلاثون فصار للزوج مائة وعشرون وقد نفذت الوصية في ستين فاستقام الثلث والثلثان. ولو كان على أحدهما دين قضى دينه أولا ثم ما فضل ينفذ التبرع في ثلثه وهب لامرأته في مرضه مئة لا مال له غيرها وعليه دين خمسون ثم ماتت المرأة قبله أخذ رب الدين خمسين وجازت وصيتها في عشرين يعود نصفه إلى الزوج بالميراث فيكون لورثة الزوج أربعون ولورثتها عشرة لان الوصية تنفذ من المال الفارغ عن الدين وخمسون درهما من مال الزوج مشغول بالدين فيجعل كالهالك ويعتبر ماله الفارغ خمسون وقد أوصى بذلك كله فتنفذ الوصية من الثلث ولها خمسا خمسين بعد طرح السهم الدائر على ما بينا وذلك عشرون فلها عشرون بالوصية وترد ثلاثين على ورثة الزوج ثم يعود نصف ما صار لها بالوصية من الزوج

[ 261 ]

وبالميراث وذلك عشر فصار له أربعون وقد نفذنا الوصية في عشرين. ولو وهب لها ثمانين درهما وكان عليها عشرة دينا كانت وصيتها ثلاثين درهما، وتخريجه أن مال الزوج خمسة وسبعون لان دين المرأة نصفه على الزوج لان قدر ما يصير للمرأة بالوصية كان ملكا للزوج ويعود إلى ملكه بالميراث فصار كالقائم في ملكه لما عاد إليه مثله فكذا هذا، ونصف الدين من ذلك المال فكان نصف الدين على الزوج معنى واعتبارا وذلك خمسة والمشغول بالدين كالهالك في حق تنفيذ الوصية فيبقى مال الزوج خمسة وسبعين فيجعل ذلك على ثلاثة أسهم، سهم لها يعود نصفه إلى الزوج بالميراث فانكسر فأضعف ستة سهمان للمرأة وأربعة للزوج ثم يعود سهم من سهمي المرأة إلى الزوج بالميراث فيصير له خمسة فالسهم الخامس هو السهم الدائر فاطرح من نصيب الزوج فصار ماله على خمسة أسهم خمساه للمرأة وذلك ثلاثون يقضي من ذلك دينها عشرة يبقى عشرون فارغا عن الدين والوصية فيعود نصف ذلك إلى الزوج بالميراث وذلك عشرة فصار لها ستون. ولو وهب لها مائة وعليها عشرة دراهم والمسألة بحالها فلها ثمانون وثلثان بالوصية وتخريجه على ما ذكرنا. ولو وهب لها مائة درهم وأوصى لرجل بثلث ماله قسمت المائة على أحد عشر سهما سهمان للمرأة وسهمان للموصى له وسبعة لورثة الزوج في قول أبي حنيفة، ثم يرث الزوج منهما سهما فيكون لورثته ثمانية أسهم. وعلى قولهما تقسم على أحد وعشرين لها ستة وللموصى له سهمان ثم ترجع منها ثلاثة إلى الزوج بالارث. وتخريجه لابي حنيفة وهو أنه اجتمع في مال الزوج وصيتان وصية للمرأة ووصية للآخر بالثلث ولم تجز الورثة فيجعل ثلث المال بينهما نصفين لان عنده الموصي له بأكثر من الثلث لا يضرب إلا بالثلث فصار كأنه أوصى كل واحد منهما بالثلث فيقسم على طريق العول لا على سبيل المنازعة لان هذه الوصية بمعنى الميراث لان حق كل واحد منهما شائع في كل التركة فاجعل ثلث المال على سهمين لحاجتك إلى النصف فصار حقه في سبعة وبقي حق الموصى لهما في أربعة كما كان فصار مال الزوج في الآخرة على أحد عشر ثم يعود سهم من سهام المرأة إلى الزوج بالميراث فيصير لورثة الزوج ثمانية وقد نفذنا الوصية في أربعة وبقي لعصبة المرأة سهم وللموصى له بالثلث سهمان. وأما تخريجهما أن من أصلهما أن الموصى له بالجمع يضرب في الثلث بجميع حقه والموصى له بالثلث فتضرب المرأة بثلاثة أسهم وللاجنبي بسهم فصار الثلث على أربعة وصار الجميع على اثني عشر لورثة الزوج ثمانية وللموصى لهما أربعة للمرأة من ذلك ستة وللاجنبي سهمان فقد ماتت المرأة عن سبعة فيعود نصفها إلى الزوج بالميراث وهو ثلاثة ونصف، وهذا مال استفاده الزوج لم تنفذ فيه الوصية فيصير بين الموصى لهما وبين ورثة الزوج فهي السهام الدائرة فاطرحها من نصيب الزوج ونصيبه ستة عشر بقي له ثلاثة عشر وللموصى له ثمانية فقد صار المال في الآخرة على أحد وعشرين للمرأة ستة يعود نصفها

[ 262 ]

إلى الزوج بالميراث فصار له ستة عشر، بقي للمرأة ثلاثة وللاجنبي سهم لان عند محمد تطرح السهام الدائرة من جميع المال بقي أحد وعشرون فتقسم على نحو ما ذكرنا. ولو كانت هي التي أوصت بثلث مالها ولم يوص الزوج جازت الوصية في ثلاثة أسهم من ثمانية أسهم سهم من ذلك للموصى له وسهم يعود إلى الزوج بميراثه منها وسهم لورثتها. وتخريجه أن تجعل المال على ثلاثة أسهم سهم للمرأة بالوصية وقد انكسر هذا السهم بين ورثتها والموصى له على ثلاثة فاضرب ثلاثة في ثلاثة فصار تسعة فثلاثة بين الموصى له والزوج والعصبة على ثلاثة مستقيم لكل واحد فقد عاد إلى الزوج سهم بالميراث وهو السهم الدائر فاطرحه من نصيب الزوج يبقى للزوج خمسة وللمرأة ثلاثة فصار مال الزوج ثمانية، ثم يعود سهم مما صار لها إلى الزوج بالميراث فيصير لورثة الزوج ستة وقد نفذت الوصية في ثلاثة، ولو تركت ابنها وزوجها ولم يوص إلا لها بالهبة فالهبة في أربعة أسهم من أحد عشر سهما، وتخريجه أن يجعل مال الزوج وذلك مائة على ثلاثة أسهم للمرأة ثلاثة انكسر على ورثتها بالربع فاضرب ثلاثة في أربعة فصار اثني عشر صار للمرأة أربعة وقد استقامت بين ورثتها فيعود سهم إلى الزوج بالميراث فهو السهم الدائر فاطرحه من نصيب الزوج يبقى له سبعة وبقي حقها في أربعة فصار مال الزوج على أحد عشر فيعود سهم إلى الزوج بالميراث منها فصاله ثمانية وقد نفذنا الوصية في أربعة فصار مال الزوج على أحد عشر. امرأة وهبت لزوجها في مرضها مائة درهم ووهب لها في مرضه مائة درهم ولا مال لهما غيرهما ثماتا معا لم يرث أحدها من صاحبه ويجوز كل واحد منهما نصف الهبة لانهما لما ماتا معا لم يبق كل واحد وارثا لصاحبه لانه ميت وقت موت صاحبه فجازت الهبتان في النصف. وتخريجه أن مال الزوج يوم القسمة مائة وثلاثة وثلاثون. قال رحمه الله: (ولم يسع أن أجيز) أي إذا أجازت الورثة العتق في المرض فلا سعاية على المعتق لان العتق في المرض وصية على ما بيناه وهو يجوز بإجازة الورثة فلا يلزمه شئ لان المنع لحقهم فيسقط بالاجازة على ما بينا، هذا إذا لم يخرج من الثلث. قال رحمه الله: (فإن حابا فحرر فهي أحق وبعكسه استويا) أي إذا حابا ثم أعتق فالمحاباة أولى، فإن أعتق ثم حابا فهما سواء وهو المراد بقوله وبعكسه استويا. وأطلق في المحاباة فشمل الدراهم والدنانير والاجل والبيع والاقالة وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: هما سواء في المسألتين. والاصل فيهما أن الوصايا إذا لم يكن فيها ما جاوز الثلث فلكل واحد من أصحاب الوصايا أن يضرب بجميع وصيته في الثلث لا يقدم البعض على البعض إلا بالعتق الموقع في المرض والعتق المعلق بموت الموصى كالتدبير الصحيح. سواء كان مطلقا أو مقيدا. والمحاباة في المرض بخلاف ما إذا قال إذا مت فهو حر بعد موتي بيوم والمعنى فيه أن كل ما يكون منفذا عقيب الموت من غير حاجة إلى التقييد فهو في المعنى أسبق مما يحتاج إلى تقييد بعد

[ 263 ]

الموت والترجيح يقع بالسبق لان ما ينفذ بعد الموت من غير تنفيذ ينزل منزلة الديوان فإن صاحب الدين ينفرد باستيفاء دينه إذا ظفر بجنس حقه وفي هذه الاشياء يصير مستوفيا بنفس الموت والدين مقدم على الوصية فكذا الحق الذي في معناه وغيرها من الوصايا قد تساوت في السبب والتساوي فيه يوجب التساوي في الاستحقاق، فإذا ثبت هذا فهما يقولان إن العتق أقوى لانه لا يلحقه الفسخ والمحاباة يلحقها ولا معتبر بالتقدم في الذكر لانه لا يوجب التقديم إلا إذا اتحد المستحق واستوت الحقوق على ما يجئ بيانه إن شاء الله تعالى. وأبو حنيفة يقول: أن المحاباة أقوى لانها تثبت في ضمن عقد المعاوضة فكان تبرعا بمعناها لا بصفتها حتى يأخذه الشفيع ويملكه العبد والصبي المأذون لهما. والاعتاق تبرع صيغة ومعنى فإذا وجدت المحاباة أولا دفعت الاضعف وإذا وجد العتق أولا وثبت وهو لا يحتمل الدفع كان من ضروراته المزاحمة، وعلى هذا قال أبو حنيفة: إذا حابى ثم أعتق ثم حابى يقسم الثلث بين المحابتين نصفين، ثما أصاب المحاباة الاخيرة قسم بينهما وبين العتق لان العتق مقدم عليهما فيستويان. ولو أعتق ثم حابى ثم أعتق قسم الثلث بين العتق الاول وبين المحاباة وما أصاب العتق قسم بينه وبين العتق الثاني. ولا يقال إن أصحاب المحاباة تسترد ما أصاب العتق الذي بعده في المسألتين لكونه أولى منه لانا نقول: لا يمكن ذلك لانه لا يلزم منه الدور بيانه أن صاحب المحاباة الاول في المسألة الاولى لو استرد من العتق لكونه أول لاسترد منه صاحب المحاباة الثاني لاستوائهما ثم استرد العتق لانه يساوي صاحب المحاباة الثاني. وفي المسألة الثانية لو استرد صاحب المحاباة وهكذا إلى ما لا يتناهى والسبيل في الدور قطعه، وعندهما العتق أولى من الكل. وفي المحيط: إذا أسلم الرجل في مرضه مائة درهم في عشرة أكرار حنطة تساوي مائة درهم ثم مات قبل حلوله، فإن شاء الذي عليه السلام يعجل ثلثي الطعام وكان عليه إلى أجله، وإن شاء رد عليهم رأس المال لان المريض حابى بالاجل لانه اشترى بمائة طعاما يساوي مائة وأجله في جميع ماله وتأجيل المال بمعنى الوصية بجميع المال لان الوارث يصير ممنوعا من جميع المال إلى الاجل متى صحت بجميعه، وإن أبوا فالوصية تصح بقدر الثلث فيصح التأجيل بقدر الثلث وبطل في الثلثين، فإذا بطل الاجل في الثلث يخير المسلم إليه لانه لزمه زيادة شئ لم يرض منه لان المسلم إليه إنما رضي أن يكون جميع الطعام عليه مؤجلا، فإذا لزمه تعجيل ثلثي الطعام والمعجل خير من المؤجل فقد لزمه زيادة شئ لم يرض به فيخير. ولو كان الطعام يساوي خمسين، فإن شاء عجل الطعام كله ورد سدس المال، وإن شاء فسخ ورد كل المال لانه حابى بالثمن وبالاجل وقد تقدم اعتبار المحابتين جميعا لانه ينقسم ثلثا المال عليهما نصفين لانه لو حابى بالثمن لا غير كان لصاحب المحاباة ثلث المائة، وكذلك لو حابى بالاجل كان له ثلث الطعام إلى أجله، فإذا صار نصف المال للمحابات كان بالثمن كان نصف ثلث الطعام إلى أجله، وإذا صار الثلث للمحابتين

[ 264 ]

جميعا متى اختار المسلم إليه المضي في السلم أنه يرد ثلث رأس المال إلى رب السلم حتى ينقسم ثلث المال على المحابتين جميعا ينقض السلم في الثلث، فإذا دخل الاجل وأدى المسلم إليه سدس الطعام ويسترد منه نصف الثلث من رأس المال لانه بحلول الاجل ذهب بالمحاباة في الاجل وبقيت المحاباة في الثمن، ومتى استرد نصف الثلث تنقض الاقالة في السلم بعد استقرارها في رأس المال وأنه لا يجوز فلهذه الضرورة تعذر اعتبار المحاباة بالاجل مع المحاباة بالثمن فكان إلغاء المحاباة بالاجل أولى لانه بيع، وإذا لغت المحاباة بالاجل صار كأنه حابى بالثمن لا غير فيخير. وإذا أسلم المريض عشرة دراهم في كريساوي عشرين ثم أقاله ثم مات جازت الاقالة في ثلثي الكر ويقال للمسلم إليه أد ثلث الكر ورد عليهم ثلثي رأس المال لان المحاباة في مرض الموت وصية والوصية معتبرة في الثلث، ولو أسلم عشرة دراهم في كريساوي ثلاثين درهما وقد حابى بعشرين والعشرة من عشرين قدر نصفه، ولو أخذ منه رأس المال وأنفقه جازت الاقالة في ثلث الكر وبطلت في ثلثيه ويقال للمسلم إليه أد إلى الورثة ثلثي الكر وارجع عليهم بثلثي العشرة لان ثلث ماله مثل ثلث المحاباة لان ماله يوم القسمة ستة دراهم وثلاثين وقد حاباه بعشرين فيكون ثلث ماله مثل ثلث المحاباة فتجوز الاقالة في ثلثي الكر وبطلت في ثلثه فرد المسلم إليه إلى الورثة ثلثي الكر وقيمته عشرون إلا أن على رب السلم ستة دراهم وثلاثين دينا لانه قبض عشرة دراهم من المسلم إليه رأس المال ثلثه بحق جواز في ثلثي الكر وثلثه بغير حق لبطلان الاقالة في ثلثي الكر وقد استهلكها فصار ذلك دينا عليه. والاقالة قبل قبض السلم وبعده سواء عندهما، وعند أبي حنيفة هو بعد القبض ابتداء بيع لما عرف أن الاقالة فسخ عندهما، وعنده بيع جديد. وإذا اشترى في مرضه عبدا قيمته مائة بخمسين دهما فلم يتقابضا حتى تقايلا البيع فالبائع بالخيار إن شاء رد العبد وأخذ ثمنه وبطلت الاقالة، وإن شاء سلم لهم ثلث العبد وأخذ منهم ثلث الخمسين لان ثلث المال مثل ثلث المحاباة لان ثلث المال المشتري ثلاثة وثلاثون وثلث لان ماله عند قسمته مائة وقد حابى بخمسين فتجوز الاقالة في ثلثي العبد ولا تجوز في ثلثه، ثم يخير بين فسخ الاقالة وبين أن يجيزه أو لم يجيزه في السلم لان الاقالة في البيع تحتمل الفسخ ما دام المعقود عليه قائما، وفي السلم لا تحتمل الفسخ لانه لا يمكن أن يجعل بيعا مستقلا لان الاستدلال بالمسلم فيه قبل القبض لا يجوز. ولو أسلم عشرين درهما في كريساوي عشرة في مرضه وله على الناس ديون فلم يخرج حتى أبطل القاضة السلم أو أعطى الكل ورد سدس رأس المال ثم خرج الدين جاز ذلك ولم يرد على المسلم إليه شئ إلا أن يخرج الدين قبل أن يختصموا، فإن خرج مقدار ما يخرج المحاباة من الثلث سلم له المحاباة لان المحاباة عشرة لان ماله العين عشرون درهما والدين لا يعد ماله الميت ما لم يقض لانه قد لا يخرج فيكون ثلث ماله ستة دراهم وثلثان فتصح المحاباة

[ 265 ]

بقدر ويتخير بين الفسخ والمضي لان السلم يحتمل الفسخ وقد تعين على المسلم إليه شرط عقده فيتخير، فإذا أبى المسلم إليه الفسخ ونقض القاضي فإنه لا ينتقض النقض بعد ذلك، فإن زال السبب المقتضي للنقض وهو عدم خروج المحاباة من ثلث ماله لان القضاء بالنقض لا يحتمل البطلان كما لو قضى بفسخ البيع بسبب العيب ثم زال العيب لا يعود البيع، وإن زال المقتضي للفسخ وهو العيب فكذا هذا، وإن خرج من الدين قبل النقض مقدار ما يخرج المحاباة من الثلث سلم له المحاباة لان الدين بالقبض صار عينا فيعتبر ماله يوم القسمة. وإذا أسلم إلى مريض عشرة دراهم في كريساوي أربعين فأنفق رأس المال ثم مات ولا مال له غير الكر فرب السلم بالخيار إن شاء نقض السلم ورجع على الورثة بدراهمه، وإن شاء أخذ الكر وأعطى عشرين درهما لانه تغير عليه شرط عقده، فإن رضي أن يسلم له جميع الكر بعشرة دراهم والآن لا يسلم له الجميع بعشرة وعقده مما لا يحتمل الفسخ فيتخير، فإن مضى في السلم أخذ جميع الكر ورد عشرين لان المسلم إليه حاباه بقدر ثلاثين فإنه باع ما يساوي أربعين بعشرة والمحاباة أكثر من ثلث ماله فتنفذ الوصية من الثلث وجميع ماله بعد الدين ثلاثون لان عشرة من الكر مشغول بالعشرة التي استهلكها المسلم إليه فالمشغول بالدين لا يعدل مال الميت لان الدين مقدم على الوصية والفارغ من الدين قدر ثلثين فيكون له عشرة بالوصية ويرد عشرا على الورثة، هكذا ذكره الحاكم في مختصره. وذكر الفقيه أبو بكر البلخي في وجيزه أنه متى اختار المضي يأخذ نصف الكر ويترك النصف لانه يكون لرب السلم نصف الكر قيمته عشرون عشرة منها تعوض ما قبض وهو رأس المال وعشره بغير عوض بالمحاباة وهو ثلث مال الميت والصحيح ما ذكر الحاكم لان في هذا تبعيض على ورثة المسلم إليه بغير رضاهم وهذا لا يجوز كما في العبد والثوب الواحد، فإن كان على الميت دين يحيط بتركته لم تجز المحاباة في التركة لان المحاباة في المرض وصية والوصية تنفذ من ثلث المال الفارغ عن الدين ولم يوجد. ولو أسلم إلى مريض عشرة في كر قيمته مائة فقبض رأس المال وأنفقه ومات وقد أوصى بثلث ماله، فإن شاء رب السلم نقض السلم وأخذ دراهمه ويجوز للآخر وصيته، وإن شاء أخذ الكر وأعطى الورثة ستين درهما ولا شئ لصاحب الوصية في قول أبي حنيفة، وعندهما يتحاصان في الثلث يضرب فيه رب السلم بتسعين وصاحب الوصية بثلاثين وهو ثلث المال فيكون الثلث بينهما على أربعة فيأخذ رب السلم الكر ويؤدي سبعة وستين درهما ونصف منها تسعة ربع الثلث لصاحب الوصية. وتخريجه أن عند أبي حنيفة المحاباة أولى من الوصية ومال الميت قيمته مائة إلا أن عشرة منها مشغولة بالدين فيبقى ماله الفارغ بين رب السلم والموصى له على أربعة لان الوصية بالمحاباة وصية بجميع ماله وذلك تسعون والوصية الاخرى بالثلث وذلك ثلاثون فيقسم الثلث على سبيل العول عندهما على أربعة ثلاثة أرباعه لصاحب المحاباة وذلك ثلاث وعشرون ونصف وأربعة للموصى له

[ 266 ]

الآخر. وإذا كان للمريض على رجلين كر حنطة يساوي ثلاثين ورأس ماله عشرة وأقالهما ومات وأحدهما غائب قيل للحاضر رد ثلاثة أعشار نصف رأس المال وذلك درهم ونصف وأد سبعة أعشار نصف الكر وذلك يساوي عشرة ونصف، فإذا قدم الغائب جازت الاقالة في نصف الكر فيؤدي القادم نصف رأس المال حصته درهم ونصف وربع الكر قيمته سبعة دراهم ونصف، وترد الورثة على الحاضر الطعام الذي أخذوه قدر ثلثه من عشرة ونصف ويأخذون منه درهما من رأس المال والثلث على سهمين والجميع على ستة للغائب فيطرح نصيبه لانه مستوفي وصيته بقي خمسة خمس للحاضر وأربعة للورثة فيكون للحاضر خمس ما عليه وعليه نصف كر قيمته خمسة عشر وخمس خمسة ثلاثة درهم فيكون له ثلاثة دراهم ثلاثة أعشار ثلث ماله فصحت الاقالة بقدر ثلاثة أعشار ثلث ماله فصحت الاقالة بقدر ثلاثة أعشار ونصف وبطلت في سبعة أعشار نصف الكر فيرد ذلك وقيمته عشرة ونصف إلا أن درهما ونصفا العوض ما أدى من درهم من رأس المال وثلاثة محاباة. وإذا ظهرت وصية الحاضر ثلاثة درهم ظهر أن وصية الغائب مثل ذلك فقد نفذنا الوصية في ستة وأعطينا الورثة ضعفها اثني عشر فقد استقام الثلثوا الثلثان، وإذا حضر الغائب فقد صحت الاقالة في نصف الكر. رجل اشترى أبويوأخاه في مرضه بثلاثة آلاف درهم وقيمتهم سواء ففي قياس قول أبي حنيفة تجوز الوصية بالعتق للام والاخ والثلث بينهما وللاب ما بقي وتسعى الام في نصف قيمتها والاخ في نصف قيمته. وقال محمد: الوصية كلها للاخ جائزة لانه لا يرث بأن يعتق مع الابوين ولا وصية للام ولها الميراث مع الاب وتسعى فيما زاد على حصتها. قال رحمه الله: (وإن أوصى أن يعتق عنه بهذه المائة عبدا فهلك منها درهم لم تنفذ) بخلاف الحج وهذا قول أبي حنيفة في العتق. وقالا: يعتق عنه بما بقي لانه وصية بنوع قربة فيجب تنفيذها ما أمكن قياسا على الوصية بالحج. وله أنه وصية بالعتق بعيد يشتري بمائة من ماله وتنفيذها فيمن يشتري بأقل منه تنفيذ في غير الموصى له وذلك لا يجوز بخلاف الوصية بالحج لانها قربة محضة هي حق الله تعالى والمستحق لم يتبدل، وصار كما إذا أوصى لرجل بمائة فهلك بعضها يدفع إليه الباقي. وقيل: هذا الخلاف مبني على الخلاف في العتق هل هو حق الله تعالى أو حق العبد. وقيدنا بالمائة لانه لو ذكر الثلث وقال وهو ألف فظهر أنه أقل فالوصية باطلة، ولو أوصى بأن يشتري بثلث ماله وهو ألف عبدا يعتق عنه فإذا هو أقل من ذلك فالوصية باطلة. قيل: هذا قول أبي حنيفة، وقيل قول الكل. والفرق لهما أن الوصية لهما وقد الشك في صحتها فلا تصح بالشك ولا كذلك مسألة الكتاب لانها كانت صحيحة فلا تبطل بالشك. هذا إذا أوصى له بالعتق فقط، فلو أوصى له بالعتق وبالمال قال في الفتاوي: سأل أبو القاسم عمن أوصى إلى رجل فقال إذا بلغ ولدي فأعتق عبدي هذا وأعطه

[ 267 ]

مائتي درهم والعبد مفسد وهو في تعب منه فرضي العبد أن يعتق في الحال ولا يطلب صلته قال: لا يجوز عتق الوصي قبل الوقت الذي أقر به الموصي. وسأل أبو بكر عمن أوصى بعتق عبديه وأوصى لهم بصلة وللعبيد متاع وكسوة كسا لهم صاحبهم ومتاع وهبة لهم من غير المولى قال: لا يكون للعبيد من المتاع إلا ما يواري جسدهم. وفي المنتقي: إذا قال في مرضه الذي مات فيه إن مت من مرضي هذا ففلانة حرة وما كان في يدها من شئ فهو عليها صدقة قال: أرى ذلك جائزا على وجه الصدقة ولها ما كان في يدها يوم مات وعليها البينة أن هذا كان في يدها يوم مات. وفي فتاوي الفضلي: أوصى بعتق أمه وأن يعطي لها بعد العتق من ثلث ماله كذا قال: إن كانت الامة معينة جازت لها الوصية بالعتق وبالمال جميعا، وإن كانت بغير عينها جازت الوصية بالعتق ولا تجوز الوصية بالمال إلا أن يقول جعلت ذلك مفوضا إلى الوصي إن أحب أعطى التي أعتقها فيكون ذلك وصية جائزة كقوله ضع ثلث مالي حيث شئت ألا ترى أنه لو أوصى أن تباع أمته ممن أحب جاز ويخير الوارث على أن يبيعها ممن أحب، وإن أبى ذلك الرجل أن يشتريها بقيمتها حط عن قيمتها مقدار ثلث ما للموصي. أوصى أن يشتري عبدا في بلد كذا بمائة ويعتق يعتبر بلد الموصي لا بلد العبد. وفي الجامع: إذا أوصى بثلثه يشتري منه كل سنة بمائتين درهم عبدا فيعتق أو قال من ثلث فإنه يشتري بذلك في أول السنة ويعتق عنه ولا يوزع على المدة. هذا إذا لم يعينه، فإن كان معينا قال في الاصل: وإذا أوصى أن تعتق عنه جارية بعينها وهي تخرج من الثلث أو أوصى أن يشتري له نسمة بعينها وتعتق عنه فاشتريت له وجنى عليها جناية قبل العتق فإن الارش للورثة، وإن اشترى به مالا يمكن إعتاقه يكون صارفا وصية الميت إلى غير ما أوصى وهذا لا تجوز، وكذلك لو كان الارش عبدا مدفوعا فيها فلو أعتق فإنه لا يعتق وكان ما اكتسب من مال فهو للورثة. قال رحمه الله: (وبعتق عبده فمات فجنى ودفع بطلت) أي إذا أوصى بعتق عبد فمات المولى فجنى العبد ودفع بالجناية بطلت الوصية لان الدفع قد صح لان حق ولي الجناية يقدم على حق الموصى فكذا على حق الموصى له وهو العبد نفسه لانه يتلقى الملك من جهة الموصى وملك الموصي باق إلى أن يدفع وبه بزول ملكه، فإذا خرج به عن ملكه بطلت الوصية كما إذا باعه الوصي أو وارثه بعد موته بالدين. هذا إذا قتل خطأ، فلو قتل عمدا فتارة يقتل مولاه عمدا وتارة يقتل غيره قال في المبسوط: أصله أن الدم متى انقلب مالا فإنه يعبتر ذلك من مال الميت حتى تنفذ منه وصته ويقضى دينه لان ذلك بدل نفسه بعد وفاته كما لو كان القتل خطأ، والدم متى كان مشتركا بين اثنين فعفا أحدهما بعتبر مال الميت خمسة آلاف حصة غير العافي ولا يجعل كأن العافي أتلف القصاص وأنه ليس بمال فلا يمكننا أن نجعله

[ 268 ]

مستوفيا للمال، ولهذا شهود القصاص إذا رجعوا لم يضمنوا وتقسم التركة بعد تنفيذ الوصية على السهام التي كانت تقسم قبل الوصية حتى يكون ضرر نقصان الوصية عائدا على الكل بقدر حصصهم لان حقوقهم في التركة على السواء، فما يلحقهم من الضرر بسبب تنفيذ الوصية يجب أن يكون على الكل لان الاستحقاق بالوصية بمنزلة الهلاك وهلاك بعض التركة يكون على الكل فكذا الاستحقاق، فإذا أعتق عبدا قيمته ألف في مرضه ثم قتله عمدا وله وليان فعفا أحدهما أخذ غير العافي نصف الدية فقاسمه أخاه على اثني عشر سهما للعافي وعتق العبد بلا سعاية لان جميع مال الميت ستة آلاف خمسة آلاف بعد الوصية بالعتق فتقسم بينهما على اثني عشر سهما لان الباقي بعد الوصية يقسم على السهام التي كانت قبل الوصية، وقبل الوصية كان يقسم مال الميت بين الانثين على اثني عشر لان حق العافي في نصف العبد خمسة وحق الساكت في خمسة آلاف وخمسمائة. وإن كانت قيمة العبد ثلاثة آلاف سعى في ثلثمائة وثلاثة وثلاثين فيقسم ذلك مع نصف الدية بين الاثنين على ستة عشر للعافي ثلاثة أسهم والباقي للساكت لان مال الميت ثمانية آلاف وثلاثة آلاف قيمة العبد وثلث ماله ألفان وستمائة وستة وستون وثلثا درهم فيعتق منه هذا القدر بغير سعاية ويسعى في الباقي وذلك ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث فبقي مال الميت خمسة آلاف وثلاثمائة وثلاثين فيقسم بين الاثنين على ستة عشر لان حق العافي في نصف العبد وذلك ألف وخمسمائة وحق الساكت ثلاثة عشر سهما، ولو لم يكن في المال وصية يقسم المال على هذه السهام فكذلك بعد الوصية. وإن مات العبد قبل أن يسعى فللعافي سدس نصف الدية والباقي للاخر لان الباقي من المال بعد الوصية وهلاك بعض التركة يقسم بين الورثة على السهام التي كانت تقسم قبل الوصية والهلاك، ولو لم يكن في المال وصية يقسم مال الميت بين الاثنين على ستة أسهم لان حق العافي في نصف العبد وذلك ألف ومائتان وخمسون وحق الساكت في العبد كذلك، وفي نصف الدية خمسة آلاف فيكون حقه في ستة آلاف ومائتين وخمسين فاجعل كلا بألف ومائتين وخمسين سهما فيصير حق العافي في سهم وحق الساكت في خمسة فيكون كله ستة أسهم فيقسم بعد الوصية والهلاك على هذه السهام فيكون للعافي سهمن ستة وذلك سدس نصف الدية. ولو كان على المقتول دين ألف قضى الدين من نصف الدية ثم اقتسما الباقي على سبعة أسهم سهم للعافي لان العبد صار مستوفيا نصيبه قدر ألفي درهم لانا نجعل الباقي من مال الميت بعد الدين وذلك أربعة آلاف درهم ثلثي مال الميت يريد عليه مثل نصفه وذلك ألفان فقد صار العبد مستوفيا من وصيته قدر ألفين فصار كأن الميت ترك خمسة آلاف درهم وقيمته ألفان فيكون كله سبعة آلاف فذهب بالدين ألفان وبالوصية ألف بقي من المال أربعة آلاف فيقسم ذلك بين الاثنين على سبعة أسهم لان قبل الوصية والدين حق العافي في نصف العبد قيمته ألف درهم وحق الساكت في نصف العبد ألف وخمسة آلاف نصف الدين فاجعل

[ 269 ]

ألفا سهما فصار حق العافي في سهم وحق الساكت في ستة أسهم، وكذلك بعد الوصية والدين يقسم على هذه السهام. ولو كان له عبدان قيمة كل واحد ألفان والمسألة بحالها سعى كواحد في خمسمائة يضم ذلك إلى نصف الدية يقسم بينهما على تسعة للعافي سهمان لان جميع مال الميت تسعة آلاف خمسة نصف الدية وأربعة قيمة العبدين وقد أوصى بأربعة آلاف وثلث ماله ثلاثة آلاف فيكون بين العبدين نصفين لاستواء وصيتهما فأصاب كل عبد ألف وخمسمائة وذلك ثلاثة أرباعه فيعتق من كل واحد ويسعى في أربعة فيضم ألف العساية إلى خمسة آلاف نصف الدية فيصير ستة آلاف يقسم بينهما على تسعة لان حق العافي في نصف العبدين وذلك ألفان وحق الساكت كذلك وله أيضا نصف الدية فيكون نصيبه سبعة آلاف فيكون تسعة أسهم فيقسم ستة آلاف على تسعة أسهم للعافي من ذلك سهمان وذلك ألف وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث والباقي للساكت، فن مات أحد العبدين قبل أن يؤدي شيئا سعى الباقي في ستمائة إلى نصف الدية ويقسم بين الورثة على إثنين وأربعين سهما ثمانية ونصف من مال العافي والباقي للساكت لان الميت صار مستوفيا وصيته وذلك سهم من ستة لان الثلث كان بينهما نصفين على سهمين بقي خمسة أسهم سهم من ذلك العبد الحي وأربعة أسهم للورثة وجميع مال الميت سبعة ألاف نصف الدية وألفان قيمة العبد الحي فيكون للعبد الحي خمس سبعة آلاف وخمس السبعة آلاف ألف وأربعمائة فقد صار مستوفيا من وصيته ذلك القدر ويسعى من ستمائة إلى تمام قيمته فيظهر أن الميت صار مستوفيا من وصيته ذلك القدر أيضا ون حقهما سواء، فصار مال الميت ثمانية آلاف وأربعمائة خمسة آلاف نصف الدية وألفان قيمة العبد الحسي وألف وأربعمائة قيمة العبد الميت، وما زاد على ذلك صار مستوفيا من وصيته هذا القدر أيضا لان حقهما صار تاويا فلا يحتسب من مال الميت وقد نفذنا الوصية في ألفين وثمانمائة بقي للورثة خمسة آلاف وستمائة ضعف ما نفذنا الوصية فيه فيقسم ذلك بين الابنين على أربعة وثمانين من غير كسر لان قيمة الحي ألفان وجميع مال الميت ثمانية آلاف وأربعمائة فاجعل لكل مائة سهما فصار أربعة وثمانين سهما سبعة عشر للعافي لان حقه في ألف وسبعمائة والباقي للساكت. ولو كان للميت ألف عينا ومات أحد العبدين سعى العبد الحي في أربعمائة ويقسم بين الابنين على ثمانية وأربعين فنقول: قيمة العبد ثلاثة آلاف وستمائة وألف قائمة بين الابنين نصفين لكل واحد ألفان وثلثمائة وقد كان للساكت نصف خمسة آلاف فصار نصيبه سبعة آلاف وثلاثمائة، فاجعل كل مائة سهم فيصير كل ألف عشرة أسهم فيصير نصيب العافي ثلاثة وعشرين ونصيب الساكت ثلاثة وسبعين فصار مال الميت مقسوما بينهما على ستة وتسعين. وإذا أوصى لرجل بعبد بعينه يساوي أربعة آلاف درهم لا مال له غيره ثم قتل رجلا عمدا وله ابنان فعفا أحدهما كان للموصى له ثلاثة أرباع العبد ويرد ربعه ويضم إلى نصف الدية الذي يؤخذ من القاتل فيقتسمانه على أربعة وخمسين للعافي من

[ 270 ]

ذلك إثنا عشر يأخذ منها أربعة ونصفا من العبد والباقي من نصف الدية. وتخريجه أن مال الميت كله تسعة آلاف خمسة آلاف دية وقيمة العبد أربعة آلاف وقد أوصى بأربعة آلاف والموصى له بأكثر من الثلث إذا لم يتجز الورثة لا يضرب إلا بقدر الثلث فيكون للموصى له ثلث ماله ثلاثة آلاف وذلك ثلاثة أرباع العبد ويرد ربعه إلى الورثة فيحصل للورثة ستة آلاف، فيقسم ذلك بينهما على تسعة أسهم لان العبد كان بينهما نصفين لكل واحد منهما ألفان وللساكت خمسة آلاف نصف الدية فاجعل كل ألف سهمين فصار حق الساكت في سبعة وحق العافي في سهمين وستة آلاف على تسعة لا تستقيم فتضرب ستة في تسعة فصار أربعة وخمسين كان للعافي سهمان ضربناهما في ستة فصار له إثنا عشر، وللساكت سبعة ضربناها في ستة فصار اثنين وأربعين، ثم العافي يأخذ أربعة ونصفا من العبد الباقي في الدية لان العبد مع الدية جنسان مختلفان فيختلف المقصود بخلاف السعاية مع الدية لان السعاية من جنس الدية دراهم أو دنانير فلم يختلف المقصود فلهذا لم يتبين حق كل واحد منهما في السعاية والمرض. قال رحمه الله: (وإن فدى لا) أي لا تبطل الوصية إن فداه الورثة وكان الفداء في أموالهم لانهم هم الذين التزموه وجازت الوصية لان العبد طهر عن الجناية فصار كأنه لم يجز. هذا إذا كان خطأ وولي الجناية واحد، فلو كان له وليان والقتل عمدا فعفا أحدهما واختار أخذ العبد قال في المبسوط: فلو عفا عنه ولي المقتول في العمد وهو عبد قيمته عشرة آلاف وأوصى لرجل بثلث ماله فاختار مولى الجناية أخذ العبد كان له سدس العبد وسدسه للموصى له بالثلث وأربعة أسداسه للروثة عند أبي حنيفة، وإن اختار الفداء فدي بخمسة أسداس الدية وأخذ صاحب الثلث سدس الدية من الورثة لان عنده الموصى له بالثلث يساوي الموصى له بالجميع لان الموصى له بالثلث لا يضرب بالزيادة فصار الثلث على سهمين وصار الجميع على ستة، فالولي يملك سدس العبد ويدفع خمسة أسداس إلى الورثة، ثم الموصى له بالثلث يأخذ جميع ما بقي من الثلث من يد الورثة وذلك سدس الكل وبقي للورثة سدس العبد، ومتى كانت الدية والقسمة سواء لا يختلف الجواب بين الدفع والفداء، وإن كانت قيمته ألف درهم فحكم الدفع كذلك، وإن فداه فدى ثلثه بثلث الدية يأخذ الموصى له من ذلك ثلث ألف من ثلث الدية والباقي للورثة. وعلى قولهما إن مولى العبد يضرب في الثلث بجميع العبد وصاحب الثلث يضرب بالثلث فيقسم ثلث المال على أربعة لمولى العبد ثلاثة أرباع الثلث ويدفع الباقي إلى الورثة فيأخذ صاحب الثلثين من الورثة ربع الثلث فيجري الجواب على قولهما على مقتضى هذا. ولو كانت قيمته خمسة آلاف فحكم الدفع لا يختلف، فإن فداه فدي خمسة أسباعه بخمسة أسباع الدية سهم من ذلك لصاحب الثلث وأربعة للورثة وتخريجه في المحيط. ولو قتل خطأ وللمقتول وليان قال: ولو دفع العبد بالجناية لاحد الوليين ثم مات

[ 271 ]

العبد قال في المبسوط: ولو قتل عبد لرجل رجلا خطأ وله وليان فدفع نصفه أحدهما والآخر غائب ثم مات العبد ولا مال له غيره فإن الولي الغائب يرجع على القابض بربع قيمة العبد لان نصف العبد الجاني مات وأخلف بدلا لان النصف الذي قبضه الحاضر مضمون عليه وأن قبضه للاستيفاء قبض ضمان فقد فات نصف المقبوض عن خلف وهو القيمة، وفات النصف الذي غير مقبوض بلا خلف لان العبد في مولى الجاني أمانة وليس بمضمون فيرجع الغائب بنصف قيمته ما هو مضمون على القابض وهو ربع قيمة الكل. ولو كان قد أنصفه منه بنفس الدية ثم مات العبد وحضر الغائب فإنهما يقتسمان نصفه نصفين ويرجعان على مولى العبد بنصف الدية أيضا فيكون بينهما نصفين. ولو فدى من أحدهما ثم قتل العبد وأخذ السيد قيمته دفع نصف القيمة إلى الغائب لان اختيار الفداء في حق أحدهما لا يكون اختيارا للفداء في حق الآخر ما دام قائما لانه لا ضرر على الآخر في ذلك، فإنه لو اختار الدفع إليهما كان يصل إليه نصف العبد وهذا العبد قائم معنى لقيام بدله وهو القيمة لان البدل قائم مقام المبدل معنى واعتبارا فيدفع البدل إلى الغائب لانه بدل حقه ولا يتراجعان، وإن كان دفع القيمة إلى الغائب فهو كدفع نصف العبد إليه، ولو دفع إليه نصف العبد لا يتراجعان فكذا إذا دفعه معنى واعتبارا. قيل: المراد بنصف القيمة نصف الدية، ومن أصحابنا من قال اختيار الفداء للحاضر لا يكون اختيارا للدية في حق الغائب عند أبي حنيفة لان أحد الورثة لا ينتصب خصما عن الباقين فتكون المسألة الثانية على قول أبي حنيفة، والاولى على قولهما. ولو دفع نصفه إلى أحدهما واختار الفداء من الآخر وهو معسر لا يقدر على شئ فإنه يرجع على أخيه بربع العبد، وإن كان مستهلكا بربع القيمة. وقال في الاصل: بربع الدية وهو محمول على أن القيمة مثل الدية فهذا قولهما، وفي قول أبي حنيفة لا يرجع على الآخر بربع القيمة لكن يتبع مولى العبد بنصف الدية متى أقر لان عنده اختيار الفداء من المفلس لا يصح لما مر في كتاب الديات. قال رحمه الله: (وبثلثه لزيد وترك عبدا فادعى زيد عتقه في صحته والوارث في مرضه فالقول للوارث ولا شئ لزيد إلا إن يفضل من ثلثه شئ أو يبرهن على دعواه) أي إذا أوصى بثلث ماله لزيد وله عبد وأقر الموصى له والوارث أن الميت أعتق هذا العبد فقال الموصى له أعتقه في الصحة وقال الوارث أعتقه في المرض فالقول قول الوراث ولا شئ للموصى له إلا أن يفضل من الثلث شئ أو تقوم البينة أن العتق كان في الصحة لان الموصى له يدعي استحقاق ثلث ماله سوى العبد لان العتق في الصحة ليس بوصية فينفذ من جميع المال والوارث ينكر استحقاقه ثلث ماله غير العبد لان العتق في المرض وصية وهو مقدم على غيره من الوصايا فذهب الثلث بالعتق فبطل حق الموصى له بالثلث فكان منكرا لاستحقاقه

[ 272 ]

والقول للمنكر مع اليمين ولكن العتق حادث والحوادث تضاف إلى أقرب الاوقات للتيقن بها فكان الظاهر شاهدا للورثة فيكون القول قولهم مع اليمين فلا شئ للموصى له إلا أن يفضل من الثلث شئ من قيمة العبد فإنه لا مزاحم له فيه فيسلم له ذلك أو تقوم له البينة أن العتق وقع في الصحة فيكون له جميع العبد لان الثابت بالبينة كالثابت معاينة، والموصى له خصم بالاجماع إلا أنه ثبت حقه فكذا العبد. أما عند أبي حنيفة فظاهر لان العتق حق العبد على ما عرف من مذهبه فيكون خصما فيه لاثبات حقه، وأما عندهما فلان العتق فيه حق العبد وإن كان حقا بعد فيكون بذلك خصما وهو نظير حد القذف فإنه حق الله تعالى وفيه حق العبد فيكون خصما بذلك، وكذا السرقة الحد فيها حق الله تعالى، فاسترداد المال حق العبد فلا بد من خصومته حتى يقطع السارق، كذا في الشارح. هذا إذا كان الموصى له غير العبد، لو كان هو العبد قال في الاصل: رجل مات وترك عبدا وورثة صغارا وترك دنينا على رجل فأقام العبد بينة أن مولاه أعتقه وأوصى إليه ومن عليه الدين حاضر فالشهادة جائزة ويقضى بالعتق وبالوصايا للعبد. وينبغي في قياس قول أبي حنيفة أن لا تقبل شهادتهما في العتق. وإن كانت الورثة كبارا وأقام العبد بينة على ذلك فالشهادة جائزة ويقضى بالعتق وبالوصايا. هذا على خلاف رواية الاصل. وفي نوادر إبراهيم عن محمد: رجل مات ولرجل عليه دين وأوصى بثلث ماله أو بدرهم سماه لرجل فأخذها الموصى له ثم جاء الغريم والورثة شهود أو غيب وقدم الموصى له إلى القاضي والموصى له لا يكون خصما للغريم. هذا إذا حصلت الوصية له بقدر الثلث، وإذا حصلت الوصية بما زاد على الثلث إلى جميع المال وصحة الوصية بأن لم يكن للميت وارث فالموصى له خصم الغريم في هذه الحالة ويعتبر الموصى له في هذه الحالة بالوارث. قال محمد رحمه الله في الجامع: رجل هلك وترك ثلاثة آلاف درهم وأقام وارث واحدا فأقام رجل البينة أن الميت أوصى له بثلث ماله وجحد الوارث ذلك قضى القاضي له بالثلث وأعطاه بذلك وهو ألف درهم، ثم جاء رجلا وأقام البينة أن الميت أوصى له بثلث ماله وأحضر الموصى له إلى القاضي فالقاضي يجعله خصما ويأمره أن يدفع نصف ما في يده إلى الثاني، فإن قضى القاضي على الاول بنصف الثلث ولم يكن عنده شئ بأن هلك الثلث في يده أو استهلكه وهو فقير والوارث لم يكلف الثاني إعادة البينة وكان للموصى له الثاني أن يشارك الوراث فيما في يده ويأخذ خمس ما في يد الوراث. ولو كان الموصى له هو الغائب فأحضر الثاني الوراث إلى القاضي قضى على الاول، وإن كان القاضي قضى بوصية الأول ولم يدفع إليه شيئا عتى خاصمه الثاني والوارث غائب، فإن خصمه إلى ذلك القاضي بعينه جعل خصما، وإن خاصمه إلى قاض آخر لم يجعله خصما. ولو كان الموصى له الاول هو الغائب والوارث حاضر لم يدفع المال إلى الاول فالوارث خصم للموصى له الثاني. وهذا كله إذا أقر الموصى له الاول بأن كان المال الذي في يدبحكم الوصية أو كان ذلك معلوم للقاضي، فإذا لم يكن شئ من ذلك فقال الاول هو مالي ورثته عن أبي الميت وما

[ 273 ]

أوصى لي بشئ وما أخذت من ماله شيئا فإنه يكون خصما للموصى له الثاني بمنزلة ما لو ادعى رجل عبدا في يد رجل أنه اشتراه من فلان بكذا وقال ذو اليد هو عبدي ورثته عن أبي يكون خمسا ويقضى عليه للمدعي كذا هنا. وإن قال هذا المال عندي وديعة لفلان الميت الذي يدعي الوصية من جهته أو قال غصبته فهو خصم إلا أن يقيم بينة على ما قال. قال رجل أقام بينة على وارث ميت أن الميت أوصى بهذه الجارية بعينها وهي ثلث ماله وقضى القاضي بذلك ودفعها إليه وغاب الوارث، ثم أقام الآخر البينة على الموصى له أن الميت أوصى له بها ذكروا ورجوعا قضى القاضي بكل الجارية للثاني، وإن لم يذكروا رجوعا قضى بنصفها للثاني للمزاحمة والمساواة ويكون هذا قضاء على الوراث غاب أو حضر حتى إن الموصى له الاول لو أبطل حقه كان كل الجارية للثاني، فإن غاب الموصى له وحضر الوارث لم ينتصب الوارث خصما للموصى الآخر خاصمه إلى القاضي الاول أو إلى غيره، فإن كان القاضي قضى للاول بالجارية فلم يدفعها إليه حتى خاصم الثاني الوارث، فإن خاصمه فيها إلى القاضي الاول لم يجعله خصما، وإن خاصمه إلى قاض آخر يجعله خصما، ثم القاضي إذا سمع بينة الثاني على الوراث في هذا الفصل وهو ما إذا خاصمه الثاني عند قاض آخر قضى للثاني بنصف الجارية، سواء شهد شهوده على الرجوع عن الاول أو لم يشهدوا على الرجوع، وإنما يشكل فيما إذا شهدوا على الرجوع. ولو أقام الاول بينة أن الميت أوصى له بثلث ماله ودفعه القاضي إليه ثم أقام الثاني البينة على الاول أن الميت رجع عن الوصية الاولى وأوصى بثلث ماله للثاني فالقاضي يأخذ الثلث من الاول ويدفعه إلى الثاني. قال محمد في الجامع الصغير: رجل له على آخر ألف درهم قرض أو كان غصب منه ألف درهم وكانت في يد الغاصب قائمة بعينها أقام رجل البينة أن فلانا استودعه ألف درهم وهي قائمة بعينها في يد المودع فأقام رجل البينة أن صاحب المال توفي وأوصى له بهذا الالف التي هي قبل هذا الرجل والرجل مقر بالمال لكنه يقول لا أدري مات فلان أو لم يمت لم يجعل القاضي بينهما خصومة حتى يحضر وارث أو وصي كذلك، ونظيرها إذا دعى عينا في يد رجل أنه اشتراها من فلان الغائب صاحب اليد يقول أنا مودع الغائب أو غصبته منه لا ينتصب خصما للمودع كذا هنا. وهذا الذي ذكرنا إن كان الذي قبله المال مقرا بذلك، فإن كان الذي في يده المال قال هذا ملكي وليس عندي من مال الميت شئ صار خصما للمدعي وصار كرجل ادعى عينا في يد رجل أنه اشتراه من فلان الغائب وصاحب اليد يقول هو لي ينتصب خصما للمدعي كذا هذا. وإن جعله القاضي خصما في هذا الوجه قضى له بثلث ما في يد المدعى عليه إلا أن يقيم البينة أن الميت ترك ألف درهم غير هذا الالف وأن الوارث قبض ذلك فحينئذ يقضي القاضي للموصى له بكل هذا الالف. ولو حضر الوارث بعد ذلك وقال لم أقبض من مال الميت شيئا ما لم يلتفت إلى قوله، فإن أقام البينة أن فلانا مات ولم يدع وارثا ولا وصيا يقبل القاضي بينته، ثم عاد محمد

[ 274 ]

إلى صدر المسألة فقال: لو أن الموصى له أقام البينة أن فلانا مات ولم يدع وارثا وأوصى إليه بالالف التي قبل فلان وقال الشهود لا نعلم له وارثا والذي قبله المال مقر بالمال الذي قبله فالقاضي يقضي بالمال للموصى له. قال محمد في الجامع: رجل ألف درهم دين أو كان الالف في يده غصبا أو وديعة أو كانت الالف فهذا فغاب صاحب المال فقام رجلا وادعى أن صاحب المال أوصى له بهذالالف الذي قبل هذا الرجل ولا بينة له فصدقه الذي قبله المال فهذا على وجهين: أما إن أقر المدعي أن لصاحب المال وارثا غائبا، أو قال لا أدري أله وارث أم لا، أو قال المدعي ليس لصاحب المال وارث. وإن كان صاحب المال رجلا نصرانيا أسلم ولم يترك أحدا وصدقه الذي قبله المال في ذلك ففي الوجه الاول القاضي لا يقضي على الذي في يديه المال في الوجوه الاربعة الغصب والوديعة والدين والايصاء إلا أن القاضي يتلوم في ذلك ويتأنى ولا يعجل، فإن جاء مدع أو وارث إلا قضى القاضي بالمال للمدعي، وإن كان المال وديعة عند رجل كان له أن يضمن القابض بإجماع. وهل له أن يضمن المودع؟ فعل قول محمد رحمه الله كان له ذلك، وعلى قول أبي يوسف رحمه الله ليس له ذلك. وإن كان المال دينا فلصاحب المال أن يضمن الغريم وليس له أن يضمن القابض، وإن ضمن الغريم كان للغريم أن يرجع على القابض. وأما إذا كان المال وصل إليه من قبل أبيه أوصى إليه أبوه وصورة هذا وتفسيره إذا كان الرجل ألف درهم دفعها إلى رجل وجعله وصيا فيه ثم مات الموصى له فوصل المال إلى ابن الموصي من جهة أبيه الذي كان أوصى بها إلى ابنه وكان في يديه فدفع إلى هذا المدعي بأمر القاضي. ثم جاء صاحب المال حيا ولكن حضر وارثه فأقام البينة أنه أخوه من أبيه وأمه لا وارث له غيره فلا ضمان على الذي قبله المال في الوجوه كلها، وأن الذي في يده المال أقر أن هذا أخ صاحب المال وأنه قد مات إلا أني لا أدري أهذا وارثه أم لا لم يقض القاضي في ذلك زمانا فلم يظهر له وارث آخر ودفع المقر المال إلى المقر له بأمر القاضي ثم جاء صاحب المال حيا قال محمد في الكتاب: فهو بمنزلة الموصى له في جميع ما وصفت لك في حق التضمين، ولو بقي صاحب المال حيا لكن جاء رجل وأقام البينة أنه ابنه قال في الكتاب: هذا بمنزلة الموصى له في جميع ما وصفت لك في أنه لا ضمان على الذي قبله المال في الفصول كلها، وأن الضمان على القابض. ولو أن الذي في يده المال أقر لرجل أنه أبن الميت وأن للميت ابنا آخر وقال الابن المقر له ليس له ابن آخر تلوم القاضي زمانا، وإذا تلوم زمانا ولم يحضر وارث آخر دفع المال كله إليه. ثم قال في الكتاب: إذا تلوم القاضي زمانا ولم يظهر للميت ابن آخ أمر القاضي الذي قبله المال أن يدفع المال كله إلى المدعي ويأخذ منه كفيلا ثقة، وما لم يعطه كفيلا ثقة لا يدفع المال نظرا للغائب لجواز أن يكون للميت ابن آخر، فمن مشايخنا مقال: هذا قولهما. أما على قول أبي حنيفة لا يأخذ كفيلا. وقال بعض المشايخ:

[ 275 ]

لابل هذا على الاتفاق، فإن جاء وارث آخر فلا ضمان على الذي قبله المال في الوجوه كلها، ولكن الضمان على القابض وكفيله. ولو كان الذي حضر ادعى أن له على صاحب المال ألف درهم دين وأنه مات فصدقه الذي قبله المال في ذلك لم يلتفت القاضي إلى ذلك ولم يجعل بينهما خصومة حتى يحضر الوارث في الوجوه الاربعة. وهذا إذا أنكر المدعي أن للميت وراثا وقال لا أدري له وراثا أم لا، فإن أقر الذي قبله المال والمدعي أنه ليس له وراث فالقاضي يتلوم ويتأنى زمانا، ثم إذا تلوم زمانا ولم يظهر له وارث فالقاضي لا يدفع المال إلى المقر ولكن ينصب لنصيب الميت وصيا ليستوفي مال الميت على الناس ويوفي ما على الميت للناس. وإذا نصب يأمر المدعي بإقامة البينة على الوصي، فإن أقام البينة على هذا الوصي يأمر القاضي الوصي بأن يدفع حقه إليه وإذا دفع ثم جاء صاحب المال حيا ولمال مستهلك عند المقر له كان الجواب في الوجوه كلها الاربعة الوديعة والدين والغصب والايصاء كما قلنا في الفصل الاول. ولو لم يجئ صاحب المال حيا لكن حضر وارثه وجحد الدين لم يلتفت إلى جحوده وكان قضاء القاضي ماضيا ولا يكلف المدعي المدين إقامة البينة على الوارث. وقال في الجامع الصغير: رجل له وديعة أو غصب أو دين عليه فجاء رجل وأقام البينة أن صاحب المال قد توفي وهذا المدعي أخوه لابيه وأمه ووارثه لا وارث له غيره والذي قبله المال جاحد للمال أو مقر بالمال منكر لما سواه فالمدعى عليه خصم له، فإذا قضى القاضي له بالمال كله فقبضه ثم جاء صاحب المال حيا وقد هلك في يد القابض فإن كان الذي عنده غاصبا فصاحب المال بالخيار إن شاء ضمن الشهود، وإن شاء ضمن الغاصب وإن شاء ضمن الاخ، فإن اختار تضمين الغاصب كان الغاصب بالخيار، وإن شاء ضمن الشهود ورجعوا على الاخ، وإن شاء ضمن الاخ، لا يرجع على أحد ولا يرجع على الشهود. وإن كان الذي عليه المال مودوعا فلاضمان لصاحب المال على الشهود، فإذا أخذ صاحب المال الدين من الغريم كان الغريم بالخيار إن شاء ضمن الشاهدين أو ضمن الاخ فإن ضمن الشهود رجعوا على الاخ، وإن ضمن الاخ لا يرجع على الشهود. ولو لم يأت صاحب المال حيا فلا يتحقق موته كما شهدت الشهود فجاء رجل وأقام بينة أني ابن الميت قضى القاضي بذلك فلا ضمان على الدافع في الوجوه كلها، ولكن الابن مخير إن شاء ضمن الشهود، وإن شاء ضمن الاخ. فإن ضمن الاخ لم يرجع على الشهود، وإن ضمن الشهود رجعوا على الاخ. ولو لم يقل الثاني بينة أنه ابن الميت كلنه أقام بينة أن أخو الميت لابيه وأمه ووارثه قضى القاضي ببينته ويقضي القاضي له بنصف ما قبض الاول من الميراث ولا ضمان على الذي قبله المال في الصور كلها ولا ضمان على الشهود هنا. قال رحمه الله: (ولو ادعى رجل دينا والعبد عتقا وصدقهما الوارث سعى في قيمته

[ 276 ]

وتدفع إلى الغريم) وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: يعتق ولا يسعى في شئ لان الدين والعتق في الصحة ظهرا معا بتصدق الوارث في كلام واحد فصار كأنهما وجدا معا أو ثبت ذلك بالبينة والعتق في الصحة لا يوجب السعاية وإن كان على المعتق دين. وله أن الاقرار بالدين أقوى من الاقرار بالعتق ولهذا يعتبر ولهذا يعتبر إقراره بالدين من جميع المال وبالعتق من الثلث والاقوى يدفع الادنى فصار كإقرار المورث نفسه بأن ادعى عليه رجل دينا وعبده عتقا في صحته فقال في مرضه صدقتما فإن يعتق العبد ويسعى في قيمته فكذا هذا. وقضية الدفع أن يبطل العتق في المرض أصلا إلا أنه بعد وقوعه لا يحتمل البطلان فيدفع من حيث المعنى بإيجاب السعاية عليه، ولان الدين أسبق فإنه لا مانع له من الاستناد فيستند إلى حالة الصحة ولا يمكن استناد العتق إلى تلك الحالة لان الدين يمنع العتق في حال المرض مجانا فتجب السعاية، وعلى هذا الخلاف إذا مات وترك أل‍ ف درهم فقال رجل لي على الميت ألف درهم دين وقال آخر هذا الالف كان لي عنده وديعة فعنده الوديعة أقوى، وعندهما سواء، كذا في الهداية. وقال في النهاية: ذكر فخر الاسلام والكيساني الوديعة أقوى عندهما لا عنده عكس ما ذكر في الهداية بخلاف إقرار المورث نفسه لان إقراره بالدين يثبت في الذمة وبالوديعة يتناول العين فيكون صاحبها أولى لتعلق حقه بها، وإقرار الوراث بالدين يتناول عين التركة كإقراره بالوديعة يتناول العين، وصاحب الكافي ضعف أيضا ما ذكره صاحب الهداية وجعل الاصح خلافه. وفي الفتاوى سأل أبو القاسم عمن أوصى إلى رجل فقال إذا أدرك ولدي فأعتق عبدي هذا وأعطه مائتي درهم والعبد معه وهو في لعب منه فرضي العبد أن يعتق في الحال ولا يطلب منه شيئا قال: لا يجوز عتق العبد قبل الوقت الذي أقر به الوصي. وسأل أبو بكر عمن أوصى بعتق عبده وأوصى له بصله وللعبد متاع وكسوة من سيده وهبه وهبها له غير المولى قال: لا يكون للعبد من ذلك المتاع إلا ما يواري عورته. قال رحمه الله: (وبحقوق الله قدمت الفرائض وإن أخرها كالحج والزكاة والكفارات) لان الفرض أهم من النفل والظاهر منه البداية بالاهم. قال في الاصل: إذا اجتمعت الوصايا فإن كان ثلث المال يوفي بالكل أو أجازت الورثة الوصايا بأسرها نفذت الوصايا بأسرها، وإن لم تجز الورثة الوصايا فإن كانت الوصايا كلها للعباد يقدم الاقوى فالاقوى وإلا بدئ بما بدأ به كما سيأتي في القول التي بعدها. فإن كان في الوصايا عتق قدم على غيره، وإن استوت في القوة فإنهم يتحاصون فيها بأن يضرب بقدر حقه في الثلث وقد تقدم وإن كانت الوصايا كلها لله تعالى إن كان النوافل كلها عينا بأن أوصى أن يتصدق بمائة على فقير بعينه وأوصى بأن يعتق نسمة بعينها تطوعا فإنهما بتحاصان ولا يبدأ بما بدأ به الميت، فإن كان صاحب النسمة لا يبيع النسمة بما يخصها أو ماتت النسمة في يد صاحبها حتى وقع العجز

[ 277 ]

عن تنفيذ الوصية فإنه يكمل وصية الموصى له بالمائة لان صحة الوصية للعبد صحت ثم بطلت لانا نعتبر البطلان بوقوع اليأس عن تنفيذ الوصية للعبد، فأما إذا كانت الوصايا كلها فرائض وقد استوت في الوكالة وليس معها وصية للمعين بأن أوصى بأداء الزكاة وبحجة الاسلام وبأن يعتق عنه عبد عن كفارة يمين فإن على قول الفقيه أبي بكر البلخي يبدأ بما بدأ به الميت بخلاف ما لو أوصى بعتق في كفارة فطر فإنه يبدأ بكفارة الفطر أو القتل وإن أخرها الميت، وقد روى أبو يوسف في الامالي عن أبي حنيفة والحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه يبدأ بالحج ثم بالزكاة ثم بالعتق عن كفارة اليمين سواء بدأ بالحج أو أخر. وفي الكافي: وروي عن أبي يوسف أنه يقدم عليه الزكاة بكل حال، ثم يقدم الحج على الكفارات، وكفارة الظهار والقتل واليمين مقدم على صدقة الفطر، وصدقة الفطر مقدمة على الاضحية، وعلى هذا القياس يقدم بعض الواجبات كالنذر يقدم على الاضحية، وما ليس بواجب يقدم منه ما قدمه الموصي فإن أوصى بعتق في كفارة قتل أو كفارة يمين أو ظهار يبدأ بكفارة القتل، وإن أخرها الميت، وإن كانت الكفارة كفارة اليمين ساوت كفارة القتل في القوة والوكالة بخلاف ما إذا أوصى بالعتق في كفارة يمين وبالعتق في كفارة ظهار وبكفارة جزاء الصيد وبكفارة الحلف في الاذى فإنه يبدأ بما بدأ به الميت. وروي القاضي الامام الجليل في شرح مختصر الطحاوي عن أصحابنا أنه يبدأ بالزكاة ثم بالحج ثم بالعتق عن الكفارة. هذا كله إذا لم يكن مع الفرائض نفل، فإن كان النفل بغير العين بأن أوصى بأن يحج عنه حجة الاسلام ويعتق عنه نسمة لا بعينها تطوعا فالفرض أولى وإن أخره الميت، وهذا استحسان. والقياس أن يبدأ بالنفل إذا كان الميت بدأ بالنفل، فأما إذا كان مع الفرائض عين بأن أوصى بحجة الاسلام وبأن يعتق عنه معين يتحاصان سواء بدأ بالعتق أو أخر. هذه جملة ما أورده الشيخ الامام المعروف بخواهر زاده. وذكر الشيخ الامام الزاهد أحمد الطواف في شرحه: ويسن أن بعد الفرائض تقدم الكفارة على النذور. وفي الذخيرة: تقدم كفارة القتل على غيرها من الكفارات، وعلى النذور، وتقدم النذور على الاضحية وصدقة الفطر، وتقدم صدقة الفطر على الاضحية لانها واجبة بالاتفاق. وإن كان مع الفرض وصية بعتق ونفل ليس بمعين بأن أوصى لرجل بمائة درهم وأوصى بعتق نسمة لا بعينها فإنه يجب التوزيع والمحاصة لتظهر صحة المعين، فإذا ظهر صحة المعين من الثلث خرج المعين عن الوسط بقي بعد هذا فرض ونفل وليس بعين فيقدم الفرض، فإن بقي بعد الفرض شئ ولا يأخذ بذلك نسمة قالوا: يصرف إلى الموصى له بالعين. وفي فتاوي الخلاصة: فإن كان مع شئ من هذه الوصايا حق الله نحو أن يقول ثلث مالي في الحج والزكاة والكفارة ولزيد قسم على أربعة أسهم. وفي فتاوي أبي الليث: إذا قال أخرجوا من مالي عشرين ألفا فأعطوا فلانا كذا وفلانا كذا حتى بلغ أحد عشر ألفا ثم قال والباقي

[ 278 ]

للفقراء ثم مات فإذا ثلث ماله تسعة آلاف درهم والورثة لم يجيزوا فإنه ينفذ من وصية كل واحد منهم تسعة أجزاء من عشرين جزءا ويبطل من وصية كل واحد منهم أحد عشجزءا من عشرين جزءا أو يجعل قوله والباقي للفقراء بعدما سمى عشرين ألفا وذلك لكل واحد من ذلك نصيبهما حتى بلغ أحد عشر ألفا فإنه قال أعطوا ثلث مالي لفلان كذا حتى بلغ أحد عشر ألفا ثم قال وأعطوا الباقي للفقراء، فإذا بلغ ماله تسعة آلاف أو أكثر إلى أحد عشر ألفا لا شئ للفقراء ويعطى كل واحد من أصحاب الوصايا حصة كاملة إن كان الثلث أحد عشر ألفا، ثم يعطى كل واحد منهم تسعة أجزاء من أحد عشرجزأ من وصيته ويبطل سهمان من أحد عشر. وفي الواقعات للناطفي: الواجبات في الوصايا على أربع مراتب: ما أوجبه الله تعالى أبدا كالزكاة والحج، والثاني ما أوجبه على العبد بسبب من جهته ككفارة اليمين وكفارة الظهار وكفارة القتل، والثالث ما أوجبه على نفسه من غير ثبوته عليه بالنذر كقوله علي صدقة أو عتق وما أشبهه، والرابع التطوع كقوله تصدقوا عني بعد وفاتي. وقد اختلفت الرواية في الحج مع الزكاة فعن أبي حنيفة في المجرد أنه تقدم حجة الاسلام وإن أخر الحج عن الزكاة في الوصية لفظا. وفي نوادر ابن رستم: إذا أوصى بالزكاة والحج والفرض يبدأ بما بدأ به الميت، فعلى هذا الترتيب الذي بيناه يجب إبفاؤها مرتبة إذا لم يف ثلث ما له بذلك كله. قال رحمه الله: (وإن تساوت في القوة بدئ بما بدأ به) لان الظاهر من حال المريض يبدأ بما هو الاهم عنده والثابت بالظاهر كالثابت فصار كأنه نص على تقديمه باعتبار حاله فتقدم الزكاة على الحج لتعلق حق العبد بها. وعن أبي يوسف أن الحج يقدم وهو قول محمد، وهما يقدمان على الكفار لرجحانهما عليها لانه جاء الوعيد فيهما ما لم يأت في غيرهما قال الله تعالى * (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) * الآية وقال تعالى * (فتكوى بها جباههم وجنوبهم) * وقال تعالى * (ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) * مكان قوله ومن ترك الحج إلى غير ذلك من النصوص والاخبار الواردة فيهما. وكذا ما ورد نص بوعيد فيه يقدم وما ليس بواجب قدم منه ما قدمه الموصى لما بينا، وقد تقدم أن الوصايا إذا اجتمعت لا يقدم البعض على البعض إلا العتق والمحاباة على ما بينا من قبل، ولا معتبر بالتقديم ولا بالتأخير ما لم ينص عليه ولهذا لو أوصى لجماعة على التعاقب يستوون في الاستحقاق ولا يقدم أحد على أحد غير أن المستحق إذا اتحد ولم يف الثلث بالوصايا كلها يقدم الاهم فالاهم باعتبار أن الموصي يبدأ بالاهم عادة فيكون ذلك كالتنصيص عليه لان من عليه قضاء من صلاة أو حج أو صوم لا يشتغل بالنفل من ذلك الجنس ويترك القضاء عادة، لو فعل ذلك نسب إلى الحيف

[ 279 ]

وقدمنا لو كان معها وصية لآدمي. قال رحمه الله: (وبحجة الاسلام أحجوا عنه رجلا من بلده يحج عنه راكبا) لانه وجب عليه أيحج من بلده فيجب عليه الاحجاج كما وجب لان الوصية لاداء ما هو الواجب عليه وإنما اشترط أن يكون راكبا لانه لا يلزمه أن يحج ماشيا فوجب عليه الاحجاج على الوجه الذي لزمه. وفي النوازل وقال نصير: رجل مات وأوصى بأن يحج عنه فحج عنه ابنه ثم مات في الطريق قال: إن لم يكن له وارث غير فإنه يحج عن الميت من وطنه ويغرم الوارث ما أنفق في الطريق. وقال محمد بن سلمة: الذي يحج عن الميت لا يتداوى من مال الميت ولا يحتجم ولا يشتري منه ماء ليتوضأ أو يغتسل من الجنابة ولا بأس بأن يشتري ما يغسل به ثيابه وبدنه ورأسه من الوسخ. ولم يتعرض المؤلف للوصية بالصدقة ونحن نذكر ذلك تتميما للفائدة، هذا يشتمل على أقسام: الاول إذا أوصى بالتصدق بشئ فيتصدق بغيره سأل ابن مقاتل عمن أوصى أن يتصدق عنه بألف درهفتصدق عنه بالحنطة أو على عكسه قال: يجوز. قال الفقيه: معناه أنه أوصى أن يتصدق عنه بألف درهم حنطة ولكن سقط ذلك عن السؤال فقيل له: إن كانت الحنطة موجودة فأعطى قيمته دراهم قال: أرجو أن يجوز. وفي النوازل: وبه نأخذ. وفي الظهيرية: رجل قال تصدقوا بثلث مالي وورثته فقراء فإن كانوا كبارا كلهم فأجاز بعضهم لبعض جاز للموصي أن يعطيهم من ذلك شيئا. وعن محمد: لو أوصى بصدقة ألف درهم بعينها فتصدق الوصي مكانها بألف من مال الميت جاز، وإن هلكت الاولى قبل أن يتصدق الوصي يضمنه الورثة مثلها وعنه أن تبطل الوصية. ولو أوصى بأن يتصدق بشئ من ماله على فقراء الحج هل يجوز أن يتصدق على غيرهم من الفقراء؟ قال الشيخ الامام أبو نصر: أيجوز ذلك، وإن أوصى بالدراهم وأعطاهم حنطة لم يجز. قال الفقيه: وقد قيل إنه يجوز وبه نأخذ. وسأل خلف عمن أوصى أن يتصدق بهذا الثوب قال: إن شاؤوا تصدقوا بعينه، وإن شاؤوا باعوا وأعطوا ثمنه، وإن شاؤا أعطوا قيمة الثوب وأمسكوا الثوب. وقال محمد بن سلمة: بل يتصدق بعينه كما هو وكذا اللقطة ولو نذر وقال لله على أن أتصدق بهذا الثوب جاز أن يتصدق بقيمته. قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: بقول خلف نأخذ فإنه ذكر في الزيادات فيمن أوصى أن يباع هذا العبد ويتصدق بثمنه على المساكين جاز لهم التصدق بعين العبد فثبت أن التصدق بالعين وبالثمن على السواء. وسأل أبو القاسم عمن أوصى إلى رجل وقال له بالفارسية فلان نعم راجام كر فأعطاه ثمن الكراباس قال: هذا يقع على المخيط. وفي الاجناس وفي نوادر ابن سماعة عن محمد: إذا أوصى أن يتصدق عنه بألف درهم فتصدق بقيمتها دنانير يجوز. وفي الخانية روى ابن سماعة عن محمد: إنه يجوز. ولو أوصى أن يتصدق بثمنه فليس له أن يمسك الثوب للورثة ويتصدق بقيمته، ولو قال اشتر عشرة أثواب وتصدق بها فاشترى الوصي فله أن يبيعها ويتصدق

[ 280 ]

بثمنها، وكذلك لو قال تصدقوا بثلث مالي وله دور وأرضون فللوصي أن يبيع تلك الدور والارضين ويتصدق بالثمن، وكذلك لو قال تصدقوا بثلث مالي وبهذا العبد فللوصي أن يبيع ذلك العبد ويتصدق بالثمن. وعن محمد: إذا أوصى أن يتصدق عنه بألف درهم بعينها فتصدق الوصي بألف أخرى مكانها من مال الميت جاز. والحاصل أن الحي إذا نذر بالتصدق بمال نفسه فتصدق بمثله أو قيمته ففيه روايتان، فإن هلكت الالف التي عينها الوصي قبل أن يتصدق الوصي ضمن الوارث مثلها. وعنه أيضا: لو أوصى بألف درهم بعينها تصدق عنه فهلكت الالف بطلت الوصية. وفي النوازل: إذا أوصى لرجل بهذه البقرة لم يكن للورثة أن يتصدقوا بثمنها. قال الفقيه: وبه نأخذ. القسم الثاني من هذا النوع إذا أوصى أن يتصدق على مسكين بعينه فتصدق على غيره ضمن. وفي نوادره إذا أوصى أن ينصدق على مساكين مكة أو مساكين الري فتصدق الوصي على غير هذا الصنف ضمن إن كان الآخر حيا، وكذلك لو أوصى أن يتصدق على المرضى من الفقراء أو الشيوخ من الفقراء فتصدق على الشباب من الفقراء ضمن في ذلك كله، ولم يقيد هذه المسألة بحياة الآمر. وفي الخانية: ولو قال لله علي أن أتصدق على فلان فتصدق على غيره لو فعل ذلك بنفسه جاز، ولو أمر غيره بالتصدق ففعل المأمور ذلك ضمن المأمور. ولو قال لله علي أن أتصدق على مساكين مكة فله أن يتصدق على غيرهم، وعن أبي يوسف رواية أخرى فيمن أوصى أن يتصدق عنه على فقراء مكة فتصدق على فقراء غيرها أنه يجوز. وسأل أبو نصر عمن أوصى أن يتصدق عنه لهم فتصدق على غيرهم من الفقراء قال: يجوز على ما تقدم عنه. وفي أمالي الحسن: قول أبي حنيفة كقول محمد والمذكور في الامالي: إذا أوصى لمساكين الكوفة فقسم الوصي في غير مساكين الكوفة ضمن، ولم يفرق بين حياة الآمر وبين وفاته والفتوى على الجواز في هذه المسائل. وفي نوادر أبي يوسف. إذا قال لعبده تصدق بهذه العشر الدراهم على عشرة مساكين فتصق بها على مسكين واحد دفعة واحدة جاز قال: وهذا على أن الآمر في الصدقة لا ليس على عدد المساكين، لو قال تصدق بها على عشرة لا يجو. وفي الظهيرية: ولو قال تصدق بها على مسكين واحد فأعطاها عشرة مساكين جاز، ولو قال في عشرة أيام فتصدق في يوم واحد جاز، وكذا في الخانية. وفي الفتاوي: سأل إبراهيم بن يوسف عمن أوصى لفقراء أهل بلخ فالافضل أن لا يتجاوز بلخ، ولو أعطى فقراء مكة وكورة أخرى جاز. قال رحمه الله: (وإلا فمن حيث يبلغ) أي إن لم يبلغ ثلث النفقة إذا أحجوا عنه من بلده حجوا من حيث يبلغ، والقياس أن لا يحج عنه لانه أوصى بالحج على صفة وقد عدمت تلك الصفة فيه ولكن جاز ذلك استحسانا لان مقصوده تنفيذ الوصية فيجب تنفذها ما أمكن ولا يمكن على هذا الوجه فيوفى به على وجه ممكن وهو أولى من إبطاله بخلاف العتق، وقد فرقنا بينهما فيما إذا أوصى بأن يشتري عبدا بمال قدره فضاع بعضه على قول أبي حنيفة. قال رحمه

[ 281 ]

الله: (ومن خرج من بلده حاجا فمات في الطريق وأوصى بأن يحج عنه يحج عنه من بلده) وإن أحجوا عنه من موضع آخر، فإن كان أقرب من بلده إلى مكة ضمنوا النفقة، وإن كان أبعد لا ضمان عليهم لانهم في الاول لم يحصلوا مقصوده بصفة الكمال والاطلاق يقتضي ذلك، وفي الثاني حصلوا مقصوده وزيادة وهذا عند أبي حينفة. وقال: يحج عنه من حيث مات استحسانا لان سفره بنية الحج وقع قربة وسقط فرض من قطع المسافة بقدره وقد وقع أجره على الله * (ومن يخرج من بيته مهاجرا) * الآية. ولم ينقطع سفره بموته بل كتب له حج مبرور فيبدأ من ذلك المكان كأنه من أهل ذلك المكان بخلاف ما إذا خرج من بيته للتجارة لان سفره لم يقع قربة فيحج عنه من بلده. ولابي حنيفة أن الوصية تنصرف إلى الحج من بلده لانه الواجب عليه عفى ما قررناه وعمله قد انقطع بالموت لقوله عليه الصلاة والسلام كل عمل ابن آدم ينقطع بموته إلا ثلاث الحديث. والمراد بالثلاث في حق أحكام الآخرة من الثواب. وهذا الخلاف فيمن له وطن، وأما من لا وطن له فيحج عنه من حيث مات بالاجماع لانه لو جح بنفسه إنما كايتجهز من حيث هو فكذا إذا حج غيره لان وطنه حيث حل. قال رحمه الله: (والحاج عن غيره مثله) أي المأمور بالحج عن الغير فحج عنه فمات في الطريق فحكمه حكم الحاج عن نفسه إذا مات في الطريق حتى يحج عنه كما بينا من وطنه عند أبي حنيفة، وعندهما من حيث مات الاول وقد ذكرناها في كتاب الحج والله أعلم. باب الوصية للاقارب وغيرهم قال في العناية: إنما أخر هذا الباب عما تقدم لان في هذا الباب ذكر أحكام الوصية لقوم مخصوصين وفيما تقدم ذكر أحكامها على وجه العموم والخصوص أبدا يتلو العموم. وقوله جيرانه كان حق الكلام أن يقدم ذكر الوصية للاقارب نظرا إلى ما في الترجمة، ويجوز أن يقال الواو لا تدل على الترتيب وأن يقال قدم ذكر الجيران للاهتمام بهم. قال رحمه الله: (جيرانه ملاصقوه) يعني لو أوصى إلى جيرانه يصرف ذلك للملاصقين لجداره، وهذا عند أبي حنيفة وهو القياس لانه مأخوذ من المجاورة وهي الملاصقة ولهذا حمل قوله عليه الصلاة والسلام الجار أحق بشفعته حتى لا يستحق الشفعة غير الملاصق بالجوار، ولانه لما تعذر صرفه إلى الجميع صرف إليه ألا ترى أنه يدخل فيه جار المحلة وجار الارش وجار القرية فوجب صرفه إلى أخص الخصوص وهو الملاصق في الاستحسان، وفي قولهما جار الرجل

[ 282 ]

هو من يسكن محلته ويجمعهم مسجد المحلة لان الكل يسمون جارا عرفا وشرعا. قال عليه الصلاة والسلام لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ففسر بكل من سمع النداء، ولان المقصود بالوصية للجيران برهم والاحسان إليهم، واستحسانه ينتظم الملاصقين وغيرهم إلا أنه لا بد من الاختلاط ليتحقق منهم معنى الاسم والاختلاط عند اتحاد المسجد. وقال الشافعي رحمه الله: الجار إلى أربعين دارا من كل جانب لقوله عليه الصلاة والسلام حق الجار أربعون دارا هكذا وهكذا قلنا هذا ضعيف عند أهل النقل فلا يصح الاحتجاج به ويستوي فيه الجار الساكن والمالك والذكر والانثى والمسلم والذمي لان الاسم يتناول الكل، ويدخل فيه العبد الساكن عنده لان مطلقا هذا يتناوله، ولا يدخل عندهما لان الوصية له وصية لمولاه وهو ليس بجار بخلاف المكاتب لان استحقاق ما في يده للاختصاص به ثبت له ولا يملكه المولى إلا بالتمليك منه ألا ترى أنه يجوز له أخذ الزكاة وإن كان مولاه غنيا بخلاف القن والمدبر وأم الولد فالارملة تدخل لان سكناها مضاف إليها، ولا تدخل التي لها بعل لان سكناها غير مضاف إليها وإنما هي تبع فلم تكن جارحقيقة. وفي المنتقى: ولو أوصى بثلث ماله لجيرانه، فإن كانوا بحصون يقسم على اغنيائهم وفقرائهم ولذلك لو قال لاهل محلة كذا أو لاهل مسجد كذا لانه ليس في اللفظ ما يدل على التخصيص. قال محمد رحمه الله: رجل أوصى بمائة درهم لرجل من حيرانه ثم أوصى لجيرانه بمائة ينظر فيما أوصى لهذا وفيما يصيبه مع الجيران فيدخل الاقل من الاكثر لان المائة إذا كانت أكثر فإنه يستحقها باسم الحيرة وقد آثره الموصي بتعين المائة فلا يستحق شيئا آخر، فإذا كان نصيبه مع الجيران أكثر يكون رجوعا عما سمى له وشركا له مع الجيران كلهم. ولو أوصى بثلث ماله لمجاوري مكة فإن الوصية جائزة، فإن كانوا لا يحصون صرف إلى أهل الحاجة منهم، وإن كانوا يحصون قسمت على رؤوسهم. واختلفوا في تفسير الاحصاء وتقديره، على قول أبي يوسف لا يحصون إلا بكتاب وحساب فإنهم يحصون. وقال محمد: إن كانوا أكثر من المائة لا يحصون، وإن كانوا أقل يحصون. وقيل: الامر موكول إلى رأي القاضي وهو الاحوط. وقال أبو يوسف: لكهول أهل بيته فهو لابناء الثلاثين إلى الاربعين والشاب إذا احتلم إلى ثلاثين، والشيخ من كان شبيه أكثر فهو شيخ، وإن كان السواد أكثر فهو ليس بشيخ. وعن أبي يوسف في رواية أخرى أن الكهل من له أربعون سنة إلى خمسين، وذكر في موضع آخر إذا بلغ ثلاثا وثلاثين سنة صار كهلا. وقال في موضع آخر: إذا بلغ الثلاثين وخالطه الشيب فهو كهل، وإن لم يخالطه فهو شاب. وفي بعض الروايا ت الاعتبار بالسن لانه أمكن مراعاة في حق الكل على نهج واحد، وفي بعضها اعتبر من حيث الامارة والعلامة فإن الناس يتعارفون ذلك وأطلقوا الاسم عند وجود العلامة وهو الشمط والشيب. قال رحمه الله: (وإصهاره كل ذي رحم محرم من امرأته) لما روأنه عليه الصلاة

[ 283 ]

والسلام لما تزوج صفية أعتق كل من ملك من ذي رحم محرم منها إكراما لها وكانوا يسمون أصهار النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا التفسير اختيار محمد وأبي عبيد الله، وفي الصحاح: الاصهار أهل بيت المرأة. ولم يقيده بالمحرم وقال القرافي في قوله تعالى: * (وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا) * النسب ما لا يحل نكاحه والصهر الذي يحل نكاحه كبنات العم والخال وأشباههن من القرابة التي يحل تزويجها. وعن ابن عباس خلاف ذلك فإنه قال: حرم الله من النسب سبعا ومن الصهر سبعا * (حرمت عليكم أمهاتكم) * إلى قوله تعالى: * (وبنات الاخت) * ومن الصهر سبعا بقوله تعالى: * (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم) * إلى قوله * (وإن تجمعوا بين الاختين) * قال في المغرب عقيب ذكره قاله الازهري وهذا هو الصحيح لا ارتياب فيه هذا هو المذكور في كتب اللغة، وكذا يدخل في كل ذي رحم محرم من زوجة أبيه وزوجة ابنه وزوجة كل ذي رحم محرم منه لان الكل أصهار. وشرطه أن يموت وهي منكوحته أو معتدته من طلاق رجعي لا من بائن، سواء ورثت بأن أبانها في المرض أو لم ترث لان الرجعي لا يقطع النكاح والبائن يقطعه. وقال الحلواني: الاصهار في عرفهم كل ذي رحم محرم من نسائه الذي يموت هو وهن نساؤه أوفي عدة منه، وفي عرفنا أبو المرأة وأمها ولا يسمى غيرهما صهرا. قال رحمه الله: (واختار زوج كل ذي رحم محرم منه) كأزواج البنات والعمات والخالات لان الكل يسمى ختنا وكل ذي رحم محرم منه محرم من أزواجهن لانهن يسمون أختانا. وقيل: هذا في عرفهم، وفي عرفنا لا يتناول إلا أزواج المحارم ويستوي فيه الحر والعبد. قال: إذا أوصى بثلث ماله لاختانة إو لاختان فلان فاعلم أن الاختان أزواج كل ذي رحم محرم منه كأزواج البنات والاخوات والعمات والخالات، وكذا كل ذي رحم محرم من أزواج هؤلاء من ذكر أو أنثى فهما أختان، كذا ذكر محمد في الكتاب. قال مشايخنا: وهذا بناء على عرف أهل الكوفة، أما في سائر البلدان اسم الختن يطلق على زوج البنت وزوج كل ذي رحم محرم منه ولا يطلق على ذي رحم محرم منه من أزواج هؤلاء والعبرة للعرف. وفي الكافي: ويستوي فيه الحر والعبد والاقرب والابعد واللفظ يشمل الكل. قال: ولا يكون الاختان من قبل أبي الموصي يريد به أن امرأة الموصي إذا كانت لها بنت من زوج آخر ولها زوج فزوج ابنتها لا يكون ختنا للموصي، فلو أوصى لاصهاره من نساء الموصي فهي صهره، هكذا ذكر محمد في الكتاب وتقدم غيره، والاخذ بما ذكر محمد أولى لانه موافق للعرف وإنما يدخل تحت الوصية من كان صهرا للوصي يوم موتلما ذكرنا أن المعتبر حالة الموت وذلك إنما يكون إذا كانت المرأة التي يثبت بها الصهر منكوحة له عند الموت أو معتدة عنه بطلاق رجعي، أما إذا كانت بائن بثلاث تطليقات أو بتطليقة بائنة فلا. وكذلك في مسألة الاختان إنما تدخل تحت الوصية من كان ختنا للموصي عند موته وذلك إنما يكون لقيام النكاح بين محارمه وأزواجهن عند موت الموصي

[ 284 ]

ويستوي أن تكون المرأة أمة أو حرة على دينه أو غيدينه كما في المنتقى: إذا قال أوصيت لزوجه ابني بكذا فهو على زوجها يوم ما ت الموصي، ولو قال لازواج ابنتي ولابنته أزواج قد طلقوا وزوج حال الموت لم يطلقها فالوصية للكل. ولو أوصى لامرأة ابنه فهذا على امرأة ابنه يوم موت الموصى وإنما يدخل تحت الوصية امرأة واحدة حتى لو كان لابنه امرأة يوم الوصية وتزوج بامرأة أخرى ثم مات الموصي فالخيار إلى الورثة يعطون أيتهما شاؤوا ويجبرون على أن يبينوا في أحدهما. قال رحمه الله (وأهله زوجته) وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا، رحمهما الله: ينتناول كل من يعولهم وتضمهم نفقته غير مماليكه اعتبارا بالعرف وهو مؤيد بالنص قال الله تعالى: * (وأتوني باهلكم أجمعين) * (يوسف: 93) وقال تعالى: * (فانجيناه وأهله إلا امرأته) * (الاعراف: 83) والمرا من كان في عياله. ولابي حنيفة أن الاسم حقيقة للزوجة يشهد بذلك النص والعرف قال الله تعالى: * (وسار بأهله) * (القصص: 29) والمطلق ينصرف إلى الحقيقة المستعملة. قال رحمه الله: (وآله أهل بيته) وقال عليه الصلاة والسلام: من تأهل ببلدة فهو منها لان الآل القبيلة التي ينسب إليها فيدخل فيه كل من ينسب إليه من قبل آبائه إلى أقصى أب له في الاسلام الاقرب والابعد، والذكر والانثى، والمسلم والكافر، والصغير والكبير فيه سواء، ولا يدخل فيه أولاد البنات وأولاد الاخوات ولا أحد من قرابة أمه لانهم لا ينسبون إلى أبيه وإنما ينسبون إلى آبائهم فكانوا من جنس آخر لان النسب يعتبر من الآباء وفي المبسوط: وله اوصى بماله لقربته فالقرابة من قبل الاب لان القرب يثبت بالاتصال من الجانبين، فإن أوصى لذوي قرابته أو لذوي أرحامه فعند أبي حنيفة هو لكل ذي رحم محرم منه اثنان فصاعدا الاقرب، وعندهما يستحقه الواحد ويستوي فيه المحرم وغير المحرم والبعيد والقريب وهو قول الشافعي. لهما القرابة اسم عام يعم الكل ويشملهم بدليل أنه لما نزل قوله تعالى: * (وأنذر عشيرتك الاقربين) * (الشعراء: 214) دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبائل قريش وأنذرهم فأكثر بني هاشم ليس بمحرم منه وبعيد عنه في القرابة، ولان إطلاق القريب في استعمال الكلام في الاباعد من الاقارب أكثر من إطلاقه على الاقرب من الاقارب فإنه يقال لمن بعد منه هذا قريب مني ولا يقال لمن قرب منه كالعم هذا قريبي، والقرابة اسم جنس فيتناول الواحد فصاعدا كاسم الرجل. وأبو حنيفة اعتبر في استحقاق أربعة شرائط: أحدها أن يكون المستحق اثنين فصاعدا إذا كانت الوصية باسم الجمع وهو قوله قرابتي من القرب ومعنى الاجماع فيه وهو مقابلة الفرد بالفرد والجمع من وجه ملحق بالجمع من كل وجه في الميراث فكذا في الوصية لانها أخت الميراث. والثاني أنه يعتبر الاقرب فالاقرب لانه علق استحقاق المال باسم القرابة و في الميراث يقدم الاقرب فالاقرب ويكون الابعد محجوبا بالاقرب فكذا في الوصية لانهما أخوان لقوله عليه الصلاة والسلام الوصية أخت الميراث والاختية تقتضي الاستواء والمشاركة

[ 285 ]

في أصل الاستحقاق. والثالث أن يكون ذو رحم محرم من الموصي حتى إن أولاد العم لا تستحقه بهذه الوصية لان المقصود من الوصية صلة القرابة فيختص بها من يستحق الصلة بالقرابة وهو القرابة المحرمة للنكاح الموجبة للصلة لانه يتعلق بها صلة استحقاق النفقة والعتق عند دخوله في ملكه. والرابع أن يكون ممن يرث من الموصي لان قصد الموصي صحة الوصية ولا تصح الوصية للوارث ويستوي فيه الرجال والنساء لان اسم القرابة يتناولهما لصفة واحدة، وليس في لفظ الموصي ما يدل على تفضيل الذكر على الانثى ولا يدخل فيه الوالدان والولد لانهما لا ينطبق عليهما اسم القرابة لقوله تعالى: * (للوالدين والاقربين) * (البقرة: 180) فقد عطف الاقربين على الوالدين والمعطوف غير المعطوف عليه، ولان الجزئية والبغضية بينهما ثابتة واسم القرابة لا يطلق مع وجود الجزئية والبغضية في عرف الاستعمال. والجد والجدة وولد الولد من ذكر وأنثى يدخلون في هذه الوصية لانهم ينسبون إليه بواسطة القريب، وروى الحسن عن أبي حنيفة أن الجد لا يدخل بمنزلة الاب لان اسم الاب يتناوله ويتناول اسم القريب عند أبي حنيفة، فلو كان واحد يستحق نصف الوصية لان ما زاد على الواحد ليس له نهاية معلومة فلا يعتبر للمزاحم أكثر من الواحد كما في الميراث. قال رحمه الله: (وجنسه أهل بيت أبيه) لان الانسان يتجنس بأبيه فصار كأنه هو بخلاف قرابته حيث يدخل فيه جهة الاب والام لان الكل يسمون قرابته فلا يختص بشئ منهم، وكذا أهل نسبته وأهل نسبه فيكون حكمه حكم جميع ما ذكرنا ويدخفيه الاب والجد لان الاب أصل النسب والجد أصل نسب أبيه. وقال في الكافي: لكان الاب الاكبر حيا لا يدخل تحت الوصية لان الوصية للمضاف لا للمضاف إليه، ولو أوصت المرأة لجنسها أو لاهل بيتها لا يدخل ولدها لان ولدها ينسب إلى أبيه لا إليها إلا أن يكون أبوه من قوم أبيها وقرابته. قال رحمه الله: (وإن أوصى لاقاربه أو لذوي قرابته أو لارحامه أو لانسابه) فهي للاقرب فالاقرب من كل ذي رحم محرم منه ولا يدخل الوالدان والولد والوارث ويكون لللاثنين فصاعدا. وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: الوصية لكل من ينسب إلى أقصى أب له في الاسلام وإن لم يسلم بعد أن أدرك الاسلام أو أسلم على ما اختلف فيه المشايخ، وفائدة الاختلاف تظهر في مثل أبي طالب وعلي رضي الله عنه إذا وقعت الوصية لاقرباء النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخل فيه أولاد أبي طالب، وعلى هذا وقعت الوصية على قول من شرط الاسلام ويدخلون على قول من شرط أدراك الاسلام، ومن شرط إسلامه صرفه إلى أولاد علي لا غير، ولا يدخل أولاد عبد المطلب بالاجماع لانه لم يدرك الاسلام. لهما أن الاسم يتناول الكل لان لفظه القريب حقيقة للكل إذ هي مشتقة من القرابة فيكون اسما لكل من قامت به فيتناول مواضع الخلاف ضرورة. ولابي حنيفة أن الوصية أخت الميراث وفي الميراث يعتبر

[ 286 ]

الاقرب فالاقرب فكذا في أخته لان الاخت لا تخالف الاخت في الاحكام، ولان المقصود من هذه الوصية تلافي ما فرط في إقامة الواجب وهو صلة الرحم والوجوب يختص بذي الرحم المحرم ولا معتبر بظاهر اللفظ بعد انعقاد الاجماع على تركه فإن كلا منهما قيده بما ذكره، والامام الشافعي قيده بالاب الادنى. ولا تدخل قرابة الاولاد عندنا لانهم لا يسمون أقرباء عادة ومن يسمى والده قريبا يكون منه عقوقا إذ القريب في عرف أهل اللغة من تقرب إلى غيره بواسطة غيره، وتقرب الوالد والولد بنفسه لا بغيره ولهذا عطف القريب على الوالدين في قوله تعالى: * (الوصية للوالدين والاقربين) * (البقرة: 108) والعطف للمغايرة، ولو كان منهم لما عطفوا عليهما. ويدخل فيه الجد والجدة وولد الولد في ظاهر الرواية، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف أنهم لا يدخلون، وقيل ما ذكراه إلى أنه يصرف إلى أقصى أب له في الاسلام كان في ذلك الزمان حين لم يكن في أقرباء الانسان الذين ينسبون إلى أقصى أب له في الاسلام كثرة، وأما في زماننا ففيهم كثرة لا يمكن احصاؤهم فيصرف الوصية إلى أولاد أبيه وجده وجد أبيه وأولاد أمه وجد أمه وجدته وجده أمه، ولا يصرف إلى أكثر من ذلك. ويستوي الحر والعبد، والمسلم والكافر، والصغير والكبير والذكر والانثى على المذهبين. وإنما يكون للاثنين فصاعدا عنده لان المذكور فيه بلفظ الجمع وفي الميراث يراد بالجمع المثنى فكذا في الوصية لانها أخته. قال الراجي عفو ربه: هذا ظاهر في الاقارب، وأما في الانسان فمشكل لانه جمع نسب وفيه لا تدخل قرابتمن جهة الام فكيف دخلوا فيه هنا؟ قال في الاصل: ولو ترك الموصي ولدا يحوز ميراثه وترك عمين وخالين فالوصية عند أبي حنيفة للعمين، وإنما شرط قيام الولد كيلا يكون العمان وارثين. وعند أبي يوسف ومحمد الوصية بين العمين والخالين أرباعا لاستوائهم في تناول اسم القريب، ولو كان عما وخالين فللعم النصف والباقي للخالين عند أبي حنيفة، وعندهما الوصية بينهم بالسوية. وإن ترك عما وعمة وخالا وخالة فالوصية للعم والعمة عند أبي حنيفة. وفي الكافي: ولو أوصى لاقاربه وله عمان وخالان فالوصية لعميه عند أبي حنيفة، وعندهما يقسم بينهم أرباعا، كذا في قوله لارحامه ولذوي أرحامه ولانسابه ولذوي أنسابه. ولو قال لذوي قرابته أو لذي نسبته أو لقرابته فالجواب ما ذكرنا إذ هنا لا يعتبر الجمع عند أبي حنيفة فإنه يدخل تحت الوصية الاقرب فالاقرب والواحد فصاعدا بلا خلاف. وفي الكافي: ولو أوصى لذوي قرابته لا يشترط فيه الجمع لاستحقاق الكل حتى لو كان له عم وخالان فكله للعم عنده. قال: ويعتبر في هذه المسائل قرابة الموصي له وقت موت الموصي لا وقت الايصاء. قال في الاصل: وإن لم يكن للموصي ذو رحم في هذه المسائل فالوصية باطلة عند أبي حنيفة. وفي النوازل وفي الظهيرية: الوصية إذا كانوا إلا يحصون اختلف المشايخ في جوازها قال بعضهم: إنها باطلة. وقال محمد ابن سلمة: إنها جائزة وعليه الفتوى لانها قرية لكونها صلة. ولو أوصى بثلث ماله

[ 287 ]

لاهل بيته دخل في الوصية كل من يتصل به من قبل آبائه إلى اقصى أب له في الاسلام يستوي فيه المسلم والكافر والذكر والانثى، والمحرم والقريب والبعيد. ونسب الانسان من قبل أبيه وكل من يتصل به من قبل آبائه إلى أقصى أب في الاسلام، فهو من أهل بيت نسبته فيدخل تحت الوصية، ولا يدخل تحت الوصية أولاد البنات قال: إلا إذا كان أزواجهن من بني أعمام الوصي وعشيرته، ولا يدخل فيه أولاد الاخوات ولا أحد من قرابة أم الموصي. وإذا أوصى لجنسه فهذا وما أوصى لاهل بيته سواء لان الانسان من جنس قوام أبيه ألا ترى أن إبراهيم ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قرشيا وكذلك أولاد الخلفاء يصلحون للخلافة وإن كان أكثرهم من إلا ماء واعتبروا من جنس قوم آبائهم فصار قوله وجنسه وقوله لاهل بيته سواء وكل من يتصل به إلى اقصى أب في الاسلام يدخل تحت الوصية إن أوصى لآله فهذا وما لو أوصى لاهل بيته سواء لانهم يستعملون استعمالا واحدا يقال آل محمد وأهل بيت محمد وآل عباس وأهل بيت عباس. إذا اوصى بثلث ماله لاهله أو لاهل هل فلان فالوصية للزوجة خاصة دون من سواها قياسا إلا أنا استحسنا وجعلنا الوصية لكل من يكون عياله وتلزمه نفقتهم ويضمهم بيته ولا يدخل تحت الوصية مماليكه فلو كان أهل في بلدتين أو في بيتين دخلوا تحت الوصية لعموم اللفظ. قال رحمه الله: (فإن كان له عمان وخالان) فهي لعميه لانهما أقرب كما في الارث ولفظ الجمع يراد به المثنى في الوصية على ما بينا فكذا هنا، وهذا عند أبي حنيفة وعندهما يكون بينهم أرباعا لانهم لا يعتبرون الاقرب وقد تقدم. قال رحمه الله (ولو كان له عم وخالان كان له النصف ولهما النصف) أي لو كان له عم وخالان كان للعم نصف ما أوصى به وللخالين النصف لان اللفظ جمع فلا بد من اعتبار معنى الجمع فيه وهو الاتيان في الوصية على ما عرف فيضم إلى العم الخالان ليصير جمعا فيأخذ هو النصف لانه أقرب ويأخذ أن النصف بخلاف ما إذا أوصى لذي قرابته حيث يكون جميع اعتبار الوصية للعم إذ هو الاقرب، ولو كان له عم واحد لا غير كان له نصف الوصية لما بينا أنه لا بد من اعتبار الجمع فيه ويرد النصف إلى الورثة لعدم من يستحقه لان اللفظ جمع وأدناه اثنان في الوصية فيكون لكل واحد منهما النصف والنصف الآخر يرد إلى الورثة. قال رحمه الله: (ولو له عم وعمة استويا) لان قرابتهما مستويان ومعنى الجمع قد تحقق بهما فاستحقا حتى لو كان له أخوال معهما لا يستحقون شيئا لانهما أقرب ولا حاجة إلى الضم إليها لكمال النصاب بهما، ولو انعدم المحرم بطلت الوصية لانها متقيدة بهذا فلا بد من مراعاته، وهذا كله عند أبي حنيفة وعندهما لا تبطل ولا تختص الاعمام بالوصية دون الاخوال لما عرف من مذهبهما وقدمنا بيانه. قال رحمه الله: (ولولد فلان للذكر والانثى سواء) يعني لو أوصى لاولاد فلان للذكر

[ 288 ]

والانثى سواء لان اسم الولد يشمل الكل وليس في اللفظ شئ يقتضي التفضيل فتكون الوصية بينهم على السواء. قال في العيني على الهداية قال الفقيه أبو الليث: ولو أوصى لولد فلان ولفلان ولد الصلب وله ولد ولد فالوصية كلها له وليس لولد الولد شئ. وقال شمس الائمة في شرح الكافي: لو كان له ولد واحد ذكرا أو أنثى فجميع الوصية له. وذكر الكرخي بخلاف ذلك فقال: إذا أوصى الائمة بثلث ماله فلان وله ولد الصلب ذكر أو أنثى كان الثلث لهم بعد أن يكون اثنين فصاعدا، ولم يكن لولد ولده شئ ولو كان لصلبه واحد أوله ولد ولد كان للذي لصلبه نصف الثلث ذكرا كان أو أنثى، وكان ما يبقى لولد ولده بالسوية الذكر والانثى وهذا كله قول أبي حنيفة اه‍. ولو أوصى لولد فلان أو لابن فلان فهذا على وجهين: إما إن كان فلان أبا قبيلة يعني أبا جماعة كثيرة كتميم لبني تميم وأسد لبني أسد أو كان فلان أبا خاص ليس باب لجماعة كثيرة. واعلم بأن أولى الاسامي في هذا الباب الشعب - بفتح الشين - سمى شعبا لتشعب القبائل منها ولهذا بدأ الله تعالى بذكره فقال * (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) * (الحجرات: 13) ثم القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الفصيلة، فمضر شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم أبو جد النبي صلى الله عليه وسلم فخذ، وعبد المطلب فصيلة. وإذا أوصى لبني قريش وقريش عمارة فإنه لا يدخل تحت الوصية أولاد مضر وكنانة وتدخل أولاد قريش وأولاده قصي وهاشم وأولاد والعباس وأولاده. وإذا أوصى لبني قصي وهم بطنه فإنه لا يدخل تحت الوصية أولاد مضر وكنانة وأولاد قريش ويدخل من دونهم وإذا أوصى لبني هاشم الذي هو فخذ فإنه لا يدخل تحت الوصية من فوقهم ويدخل من دونهم من أولاد الفصيلة. ولو أوصى لبني الفصيلة فإنه لا يدخل تحت الوصية أولاد العباس وأولاد أبي طالب وأولاد علي ولا يدخل من فوقهم. قال الشيخ الزاهد أحمد الطواويسي: مثال الفخذ مضر، ومثال البطن بنو هاشم، ومثال القبيلة قريش، ومثال الشعب العرب. وفي الذخيرة: وإذا أوصى لولد على وهم فخذ لا يدخل تحته من فوقهم وهم أولاد قريش لانهم فوقهم فإذا عرفنا هذه الجملة جئنا إلى المسألة التي ذكرناها وهو ما إذا أوصى بثلث ماله لبني فلان وفلان القبيلة وله أولاد ذكور وإناث فإن ثلث ماله يكون بين الذكور والاناث من أولاده بالسوية إذا كانوا يحصون بالاجماع، وإن كن نساء كلهن ولم يذكر هذا في الكتاب قلوا: ينبغي أن يكون الثلث لهن. وإن كانوا ذكورا كلهم يستحقون كله، فأما إذا كان فلان أبا واحدا أولاد ذكور كلهم فإن ثلث ماله لهم، وإن كان أولاد اناثا كلهن لا شئ لهن وإن كان فلان أبا خاصا وأولاد فلان ذكورا أو إناثا اختلفوا فيه، قال أبو حنيفة وأبو يوسف: الوصية للذكور منهم دون اللاناث. وقال محمد بأن الوصية للذكور والاناث بينهم بالسوية إذا كانوا يحصون، وقد روى أبو يوسف بن خالد السمتي عن أبي حنيفة مثل قول محمد. حكى الكرخي أنه كان

[ 289 ]

يقول ما ذكره في هذه الرواية قول أبي حنيفة الآخر وما يرويه أبو يوسف بن خالد السمني قوله الاول وكان يجعل لابي حنيفة قولا كان أولا وآخرا في هذه المسألة فيقول: قوله الاول قياس وقوله الآخر استحسان فإن لم يكن لفلان أولاد صلبية وكان له أولاد هل يدخلون تحت الوصية يدخلون كلهم وإن كان له أولاد بنات فإنهم لا يدخلون تحت الوصية، وإن كانوا ذكورا كلهم أو كانوا ذكورا وإناثا لا غير، وإن كان أولاد البنات اناثا كلهن فلا شك أنه شئ لهن، وفي الذخيرة سأل عن هذه المسألة فقال: أولاد البنات لا يدخلون تحت الوصية ثم أنشد: بنونا وبنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الاباعد. هذا إذا أوصى لبني فلان، فأما إذا أوصى لولد فلان ولفلان بنات لا غير دخلن تحت الوصية بخلاف ما لو أوصى لبني فلان ولفلان بنات لا شئ لهن، فإن كان لفلان بنون وبنات فالثلث بينهم عندهم جميعا ويكون ثلث ماله بينهم بالسوية لا يفضل الذكور على الاناث قال: فإن كانت له امرأة حامل دخل. ما في بطنها في الوصية أيضا ولا تدخل أولاد الاولاد تحت هذه الوصيه كولد فلان وولد فلان وولد فلان في الحقيقة من يولد لفلان وللذي يولد منه ابنه وابنته لصلبه، فأما ولا ابنه أو ابنته يولد من ابنه أو ابنته ولم يتولد من فلان وكان حقيقة هذا الاسم لولد الصلب فما دام لفلان ولد صلبه لا يدخل ولد ابنه. وهذا إذا كان فلان أبا خاصا، فإذا كان هو أبا فخذا فأولاد الاولاد يدخلون تحت الوصية حال قيام ولد الصلب، وإن لم يكن له ود إلا ولدا واحدا كان الثلث له بخلاف ما لو أوصى لاولاد فلان وله ود واحد فإنه يستحق النصف، وإذا أوصى لاولاد فلان وليس لفلان أولاد لصلبه يدخل تحت الوصية أولاد البنين. وهل يدخل فيه أولاد البنات؟ ففيه روايتان في دخول بني البنات، وأما بنات البنات لا يدخلون في الوصية رواية واحدة. ولو أوصى لاولاد رسول الله صلى الله عليه وسلم العلوية والشيعية والفقهاء والعلماء وأصحاب الحديث صحت الوصية. وسأل الفقه أبو جعفر عن رجل أوصى لاولاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر أن أبا نصر بن يحي كان يقول: الوصية لاولاد الحسن والحسين ولا تكون لغيرهما وأما العمرية فهل يدخلون في هذه الوصية؟ قال: ينظر كل من كان ينسب إلى الحسن والحسين ولا يكون لغيرهما، فأما العمرية فهل يدخلون في هذه الوصية ويتصل بما في هذه الوصية لانه كان رضي الله عنه زوج ابنتيه من ولد عمر رضي الله عنه. وأذا أوصى للعلوية فقد حكى عن الفقيه أبي جعفر أنه لا يجوز لانهم لا يحصون وليس في هذا الاسم ما يني عن الفقر أو ذي الحاجة. ولو أوصى لفقراء العلوية يجوز وعلى هذا الوصية للفقهاء لا تجوز، ولو أوصى لفقرائهم يجوز، وقد حكي عن بعض مشايخنا أن الوقف على معلمي الصبيان في المساجد يجوز لان عامتهم فقراء والفقر فيهم هو الغالب فصار حكم غلبة الفقر كالمشروط. قال الشيخ الامام شمس الامة الحلواني: كان

[ 290 ]

الامام القاضي يقول على هذا القياس: إذا أوصى لطلبه علم كورة كذا أو لطلبة علم كذا يجوز، ولو أعطى الوصي واحدا من فقراء الطلبة أو من فقراء العلوية جاز عند أبي يوسف، وعند محمد لا يجوز إلا إذا صرف إلى اثنين منهم وإذا أوصى للشيعة ومحيية قال محمد: اعلم بأن كل مسلم شيعة ومحب لآل رسول صلى الله عليه وسلم، وأما ما وقع عليهم الوهم من أنهم الذين يعرفون بالميل إليهم وصاروا موسومين بذلك دون غيرهم فقد قيل الوصية باطلة قياسا إذا كانوا لا يحصون، وإذا أوصى لفقراء الفقهاء حكي عن الفقيه أبي جعفر أنه قال: الفقيه عندنا من بلغ من الفقه الغاية وليس المتفقة بفقيه. ولي له من الوصية بنصيب قال الفقيه أبو جعفر: إنه لم يكن في بلدنا أحد يسمى فقيها غير أبي بكر الاعمش شيخنا. وقد أهدى أبو بكر الفارسي مالا كثيرا لطلبة العلم حين نادوه في مجلس أيها الفقيه. وإذا أوصى لاهل العلم ببلدة كذا فإنه يدخل فيه أهل الفقه وأهل الحديث ولا يدخل من يتعلم الحكمة. وفي الخانية: ولا يدخل من يتعلم الحكمة مثل كلام الفلسفة وغيره لان هؤلاء يسمون المتفلسفة لا طلبة علم وهل يدخل فيه المتكلمون؟ فلا ذكر لهذه المسألة أيضا في الكتب. وعن أبي القاسم أن كتب الكلام ليست كتب علم يعني في العرف ولا يسبق إلى الفهم فلا يدخل تحت كتب العلم، فعلى هذه المسألة لا يدخل في الوصية المتكلمون. وإذا أوصى بثلث ماله على فقراء طلبة العلم من أصحاب الحديث الذين يختلفون إلى مدرسة منسوبة في كورة كذا فالمتعلم للفقه إذا لم يكونوا من جملة أصحاب الحديث لا يتناول شافعي المذهب ويتناول من يقرأ الاحاديث ويسمع ويكون في طلب ذلك، سواء كان شافعي المذهب أو حنفي المذهب أو غير ذلك، ومن كان شافعي المذهب إلا أنه لا يقرأ الاحاديث ولا يسمع ولا يكون في طلب ذلك لا يتناوله اسم أصحاب الاحاديث قال في المحيط: ولو أوصى لبني فلان فإن كانوا يحصون فالوصية باطلة لانا عجزنا عن تنفيذ هذه الوصية لانه لا يمكنه تنفيذها للكل لانهم لا يحصون فبطلت الوصية كما لو أوصى لواحد من عرض الناس بخلاف ما لو أوصى للفقراء لان الوصية للفقراء وقعت لله تعالى والفقراء مصارف ولهذا لا يرتد بردهم وجاز صرفها إلى الواحد منهم عند أبي يوسف لانه واحد معلوم فوقعت الوصية له بخلاف الوصية لبني فلان لانها تناولت الاغنياء كما تناولت الفقراء فيقع للغنى لا لله تعالى حتى ترتد برده ولو أوصى لبني فلان وهم لا يحصون، فإن كانوا فقراء جازت الوصية لانها وقعت لله تعالى، وإن كانوا أغنياء لا يجوز لانها وقعت للعباد وقد تعذر تنفيذها، ثم لا يخلوا إما إن كان فلان أبا قبيلة أو فلان أب أو جد فإن كان فلان أبا قبيلة وهم ذكور وإناث فالثالث بينهم بالسوية إن كانوا يحصون لان النساء إذا اختلطن بالرجال يدخلن في خطاب الرجال قال الله تعالى * (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) * (البقرة: 43) وقد تناول ذلك الرجال والنساء جميعا وقوله تعالى * (فإن كان له أخوة فلامه السدس) * (النساء: 176) وقد تناول الذكور والاناث. فإن كن إناثا خلصا لم يذكره في

[ 291 ]

الكتاب وقالوا: على قياس تعليل محمد لهذه المسألة يكون الثلث لهن لانه ذكر وقال: يحسن أن يقال هذه المرأة من بني فلان إذا كان فلان أبا وجدا وله أولاد بنات فلا شئ لهن، وإن كانوا ذكورا وبنات فالثلث للذكور خاصة عند أبي حنيفة، وعندهما للذكور والاناث. وذكر في بعض النسخ قول أبي يوسف مع أبي حنيفة وهو الاصح، وعند محمد يدخل الاناث. لمحمد أن الاناث متى اختلطلت بالذكور يتبعن الذكور ويغلب الذكور على الاناث فإنه يقال بنو آدم وبنو هاشم وبنو تميم فإنه يتناول الذكور والاناث ولهذا لو أوصى لاخوة فلان دخل الاخوة والاخوات تحت الوصية لما ذكرناه من الآية. لهما أن حقيقة هذا اللفظ يطلق على الذكور خاصة وإنما يطلق على الذكور والاناث حالة الاختلاط مجازا والعمل بالحقيقة واجب ما أمكن مع أن في استعمال هذا المجاز اشتراكا لان فلانا إذا كان أبا أو جدا فكما يذكر اسم الاب ويراد به الذكور والاناث يذكر ويراد به الذكور خاصة دون الاناث لانه قد تخلوا أولاده عن الاناث، وإطلاق هذا الاسم على الذكور خاصة حقيقة مستعملة وعلى الاناث خاصة مجاز غير مستعمل فحالة الاختلاط وقع الشك في دخول الاناث تحت الوصية فلا يدخل بالشك بخلاف ما لو أوصى لبني تميم لان المقصود ليس هو الاعيان والاشخاص وإنما المقصود مجرد الاسباب والوصية للاخوة على هذا الخلاف تكون وصية للاخوة دون الاخوات عندهما لان اسم الاخوة لا يتناول الاخوات بحقيقته بل بمجازه ولهذا قال الله تعالى * (وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الانثيين) * (النساء: 176) فقد فسر الاخوة بالرجال والنساء، ولو تناول اسم الاخوة الاخوات لم يحتج إلى هذا التفصيل. ولو وجد في الوصية مثل هذا التفسير بأن قال بإخوة فلان رجالا ونساء دخلت الاخوات فيها وليس لولد الولد شئ. وإن كانوا مع ولد الصلب وإن لم يكن لفلان ولد صلب فالوصية لابن ابنه دون بنات ابنه لان ولد الابن بيسمى ولدا إلا أنه ناقص في الاضافة والانتساب إليه لانه يضاف إليه بواسطة والناقص لا يدخل تحت مطلق اسم المضاف كأولاد البنات فعند الاطلاق يحمل على ولد الصلب لانه أحق بهذا الاسم فإن تعذر حمله على الحقيقة حمل على المجاز تحريا للجواز ولان ابن الابن قائم مقام ابن الصلب حال عدم الصلب في الميراث حجبا واستحقاقا، وسقط اعتبار نقصان الاضافة إليه شرعا فكذلك الوصية لانها أخت الميراث. ولو أوصى لبني فلان بالثلث ولم يكن لفلان بنون يوم الوصية فهو لبنيه الذين حدثوا قبل موت الموصي لان الوصية تمليك من الموصى للموصى له بعد الموت فيعتبر وجود الموصى له وقت موت الموصي ولهذا صحت الوصية بثلث ماله، وإن لم يكن له مال عند الوصية وإن كان لفلان بنون أربعة وولد له أخر إن ثم مات الموصي فالثلث للباقين وللمولودين سواء لانه متى أضاف الوصية إلى بني فلان مطلقا ولم يسهم تقع الوصية لبنيه الموجودين وقت الموت لا لبنيه الموجودين وقت الوصية لان الوصية تمليك مضاف على ما بعد الموت فيعتبر الملك وقت الموت حتى لو قال

[ 292 ]

أوصيت بالثلث لبني فلان هؤلاء وسماهم تقع لبنيه الموجودين وقت الوصية حتى تبطل بموتهم ولا يكون لبنيه الموجودين عند الموت. ولو قال لولد فلان دخل الذكو والاناث لان الولد يتناول الكل حقيقة وكذلك الجنين لانه ولده، وإنما تصح الوصية للجنين بشرط أن ينفصل حيا. وتعليق الوصية بالشرط والاحصار جائزة فإن الوصية بالمعدوم للمعدوم جائز وإن كان له بنات وبنو ابن فالوصية للبنات لان اسم الولد يتناوله البنات الصلبية حقيقة وولد الابن مجازا لان الاسم مشتق من التوليد والتفرع والبنت الصلبية متولدة عنه حقيقة وولد الابن متولد بواسطة، فإن لم يكن له ولد صلب فالوصية لولد الابن الذكور والاناث سواء كان ولد الابن مضافا أو منسوبا إليه بواسطة الاب، وفي الاضافة إليه نوع قصور فعند الاطلاق ينصرف الاسم إلى الولد الصلبي لانه أحق، وعند عدمه يحمل على ولد الابن مجازا، ولا شئ لولد البنت لان ولد البنت غير منسوب إليه ومضاف إليه لانه من جهة الاباء دون الامهات على ما مر بشرحه في كتاب الوقف، ولو لم يكن له إلا ولد واحد فكل الثلث له لان اسم الولد يتناول الواحد فصاعدا. ولو أوصى بالثلث لاكابر ولد فلان وله أولاد بعضهم أبناء سبعين وبعضهم أبناء ستين وبعضهم أبناء أربعين فالوصية لابناء ما زاد على الخمسين أو في النصف الاول شئ فكذلك السيد إذا قال أكابر رقيقي أحرار. ولو قال ثلث مالي بين بني فلان وبني فلان ولاحدهما ثلاث بنين وللآخر واحد كان الثلث بينهم على عدد رؤوسهم، وإن لم يكن للآخر ابن رد نصف الثلث إلى الورثة. ولو قال بين أعمامي وأخوا لي وله عم وخال فالثلث بينهم لان أقل الجمع في باب الوصية والميراث اثنان لما بينا، وإن كان له عم واحد أو عمان وليس له خال رد نصف الثلث للورثة. ولو قال لاخواتي وله أخ واحد وهو يعلم أو لا يعلم فله نصف الثلث، ولو قال ثلث مالي لفلان ولبنيه وللمساكين فإذا لفلان ابن واحد فالثلث بينهما أرباعا لفلان سهم ولابنه سهم وللمساكين سهم ويرجع سهم إلى الورثة لانه قال لبني فلان والابن الواحد لا يكون بنين ويكون الابنان بني فلان لان اسم الجمع يطلق على الابنين ولو أوصى بثلثه لآل فلان أو لاهل ببيت فلان وليس له بيت ولا قرابة فإنه يعط الرجل الذي سماه وعياله الذي يعوله من ولده وتدخل امرأته فيهم. الفتاوي: رجل أوصى بثلث ماله لبني فلان وهم ثلاثة قبل موت الموصي، فإن كان أبوهم حيا فالثلث بينهما نصفان، وإن كان ميتا بطل ثلث الوصية فالثلثان بينهما نصفان. قال الفقيه أبو الليث: وبه نأخذ لان أباهم لو مات لا يبقى له ولد سواهم فانصرفت الوصية إلى عددهما فصار كأنه قال ثلث مالي لفلان وفلان فلما مات أحدهم بطلت وصيته. وإذا أوصى بثلثه لقرابة بني فلان وهم لا يحصون دخل مواليهم وموالي مواليهم وموالي الموالاة وحلفاؤهم يقسمه بين من يقدر عليه منهم بالسوية لان كل فريق من هؤلاء ينسبون إلى فلان بالبنوة قال عليه الصلاة والسلام إن مولى القوم منهم. وحليف القوم منهم والحليف من

[ 293 ]

والي قوما ويحلفون له على الموالاة والقريب من يصير بغيحلف. وإن أعطى الكل أو واحدا منهم جاز عند أبي يوسف. وقال محمد: يعطيه ابنين فصاعدا لما يأتي في باب الوصية للفقراء وإن كان فلان أبا خاصا وليس بأبي قبيلة ولا جد فالثلث لبنيه لصلبه ولم تدخل الموالي والحليف في الوصية لان مواليهم أبعد إلى فلان من بني بنيه وبنو بنيه لا يدخلون تحت الوصية فالموالي لانهم لا ينسبون إليه إذا لم تكن القبيلة مضافة إليه. ولو أوصى ليتامى أو أرامل بني فلان فالوصية جائزة يحصون أو لا. قال في الاصل: واليتيم كل من مات أبوه ولم يبلغ الحلم غنيا كان أو فقيرا. وقول محمد حجة في اللغة لانه من أرباب اللغة وهكذا قال الخليل، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام لا يتم بعد الحلم ثم اليتيم في اللغة مأخوذ من اليتم وهو الانفراد والمباينة عن الشئ كما يقال هذه الدرة يتيمة لانفرادها عن أشكالها ونظائرها، وتسمى المرأة يتيمة مجازا لانفرادها عن قوة القلب إلا أنه في عرف الشرع اسم لمن انفرد عن أبيه في حال صغره. والارملة كل امرأة فقيرة فارقها زوجها أو مات عنها دخل بها أو لم يدخل، وقول محمد حجة، وهكذا قال صاحب الزاهر: والارملة المرأة التي لا زوج لها مأخوذ من قولهم أرمل القوم إذا فني زادهم، والذكر يسمى أرملا مجازا. ثم اليتامى إن كانوا يحصون فالثلث بينهم بالسوية يدخل الغني والفقير فيه، وإن كانوا لا يحصون فهو للفقراء خاصة من يقدر عليهم منهم لان اليتامى يذكرون ويراد بهم الفقراء المحتاجون قال الله تعالى * (واعلموا أنما غنمتم من شئ) * (الانفال: 41) الآية ذكر اليتامى وأراد بهم المحتاجين. وبهذا تبين أن اسم اليتيم لغة مما ينبئ عن الحاجة فيكون هذا وصية بالصدقة والوصية بالصدقة وصية لله تعالى فتكون جائزة لان الله تعالى معلوم فأنكر تخصيص المحتاجين إلى من يقوم مقامهم بإضافة الوصية إليهم تصحيحا لعقده، ولو أعطاه واحدا فعلى الخلاف الذي مر، فإن أوصى بثلثه لا يأمى بني فلان أو ثيب بني فلان أو أبكار بني فلان ولم يحصو فالوصية باطلة لجهالة الموصى له وليس في اسم الايم ما ينبئ عن الحاجة حتى يحمل على الوصية بالصدقة بخلاف الارامل واليتامى على ما مر، فإن كن يحصين فهو بينهم بالسوية، والايم كل امرأة لا زوج لها جومعت حراما أو حلالا، بلغت أو لم تبلغ، غنية أو فقيرة، وقال الكرخي وأبو القاسم الصفار: الجماع والانوثة ليست بشرط لثبوت هذا الاسم حتى قالا بأن الرجل والبكر يدخلان تحت الوصية بدليل قول الشاعر: إن القبور تنكح الايامي النسوة الارامل اليتامى والقبور كما تضم الثيب تضم البكر، والصحيح قول محمد لانه حجة في اللغة هكذا قاله الخليل بن أحمد في العين. ولهذا قال عليه الصلاة والسلاالايم أحق بنفسها من وليها

[ 294 ]

والبكر تستأمر في نفسها أعطف البكر على الايم والمعطوف غير المعطوف عليه. قال رحمه الله: (ولورثة فلان للذكر مثل حظ الانثيين) يعني لورثة فلان يدفع للذكر قدر حظ الانثيين لانه اسم مشتق من الوارثة. وترتب الاسم على المشتق يدل على العلية ألا ترى أن الله تعالى لما نص على الوراثة بقوله * (وعلى الوارث مثل ذلك) * ترتب الحكم عليهما حتى وجبت النفقة بقدرها، ثم شرط هذه الوصية أن يموت فلان الموصي لورثته قبل موت الموصي حتى يعرف ورثته منهم حتى لو مات الموصي قبل موت الموصى لورثته بطلت الوصية بخلاف ما إذا أوصى لولده، كان مع ورثته موصى له آخر قسم بينهم وبينه على الرؤوس، ثم ما أصاب الورثة جمع وقسم بينهم للذكر مثل حظ الانثيين. باب الوصية بالخدمة والسكني والثمرة لما فرغ من بيان الوصية المتعلقة بالاعيان شرع في بيان الوصية المتعلقة بالمنافع وأخر هذا الباب لان المنافع بعد الاعيان وجودا فأخرها عنها وضعا. قال رحمه الله: (وتصح الوصية بخدمة عبده وسكنى داره مدة معلومة وأبدا) لان المنافع يصح تمليكها في حال الحياة ببدل أو بغير بدل، وكذا بعد الممات للحاجة كما في حكم الاعيان ويكون محبوسا على ملك الميت في حق المنفعة حتى يستوفيه الموصى له على ملكه كما يستوفي الموقوف عليه المنافع على حكم ملك الواقف. قال في الاختيار شرح المختار: وليس للموصى له أن يؤجرا لانه مل المنافع بغير بدل، والذي يملك أن يؤجر هو الذي يتملك المنافع بعوض. قال في الهداية: وليس له أن يخرج العبد من بلد الموصي إلا إذا كان الموصى له وأهله في بلد أخرى فيخرجه إلى بلده لخدمته لان المقصود من الوصية الخدمة، ومتى أمكن توصله إلى الخدمة من بلد الموصي فلا يخرجه منها. وأفاد بقوله مدة وأبدا أنها تجوز مؤبدة ومؤقتة كما في العارية، وتفسيرها أن يقوم الوارث مقام المورث فيما كان له وذلك في عين تبقى والمنفعة عوض يعني وكذا الوصية بغلة الدار والعبد جائزة لانها بدل المنفعة والمجوز للوصية بها الحاجة وهي تشمل الكل إذا الموصيحتاج إلى التقريب إلى الله تعالى بما يقدر عليه، وكذا الموصى له محتاج إلقضاء حاجته بأي شئ كان. قال رحمه الله: (فإن

[ 295 ]

خرج العبد من ثلثه سلم إليه ليخدمه) لان حق الموصى له في الثلث لا يزاحمه الورثة فيه قال في الاصل: يجب أن يعلم بأن الوصية بخدمة الرقيق وسكنى الدار وغلة الرقيق والدور والارضين والبساتين جائزة في قول علمائنا رحمه الله تعالى، وإذا جازت الوصية بخدمة الرقيق وسكني الدور وغلة الرقيق فنقول: إذا أوصى لرجل بخدمة عبده سنة ولا مال له غيره فهذا على وجهين: إما أن تكون السنة معينة بأن قال أوصيت بخدمة هذا العبد مثلا سنة سبعين وأربعمائة أو كانت غير معينة بأن لم يقل سنة كذا، وكل وجه من ذلك على وجهين: إما أن يكون العبد يخرج من ثلث ماله أو لا يخرج من ثلث ماله، فإن أوصى له بخدمة عبده في سنة بعينها ومضت تلك السنة بعينها قبل موت الموصى بطلت الوصية، وإن مات الموصي قبل دخول تلك السنة التي عينها دخلت تلك السنة التى عينها ينظر إلى العبد، إن كان العبد يخرج من ثلث ماله أو لا يخرج من ثلث ماله ولكن أجازت الورثة الوصية فإنه يسلم العبد الموصى به إليه حتى يستوفي وصيته، وإن كان لا يخرج العبد من الثلث ولم تجز الورثة الوصية فإن العبد يخدم الموصى له يوما والورثة يومين حتى تمضى السنة التي عينها، فإذا مضت تلك السنة التي عينها سلم العبد للورثة. هذا إذا كانت السنة بعينها، وإن انت السنة بغير عينها إن كان العبد يخرج من ثلث ماله أو لا يخرج وقد أجازوا فيسلم العبد إلى الموصى له حتى يستخدمه سنة كاملة ثم يرده على الورثة، فإن كان العبد لا يخرج من ثلث ماله ولم تجز الورثة فإنه يخدم الموصى له بالخدمة، وكان يجب أن يعين السنة التي وجد فيها الموت. كل جواب عرفته فيما إذا أوصى له بخدمة عبده سنة فهو الجواب فيما إذا أوصى له بغلة داره سنة أو سكنى داره سنة عين السنة أو لم يعين السنة إل آخر ما ذكرنا في الخدمة. وفي المنتقي برواية المعلى عن أبي يوسف: إذا أوصى لرجل بسكنى داره ولم يوقت كان ذلك ما عاش. وعن محمد عن أبي حنيفة: إذا أوصى بغلة عبده هذا لفلان ولم يسم وقتا وقهو يخرج من ثلث ماله فله غلته حال حياته، وإن كانت الغلة أكثر من الثلث، وكذلك الوصية بغلة البستان أو بسكني الدار أو خدمة العبد وهو قول أبي يوسف ومحمد. وفي نوادر بشر عن أبي يوسف: إذا أوصى بخدمة عبده أو سكني داره لعبد رجل جاز للعبد الموصى له ولا يجوز لمولاه ويسكن العبد الدار ولا يسكن مولاه، فإن مات العبد الموصى به بطلت الوصية، وإن بيع أو أعتق فبقية الوصية. وفي نوادر بن سماعة عن أبي يوسف: رجل أوصى أن يخدم عبده فلان حتى يستغني، فإن كان فلان صغيرا خدمه حتى يدرك، وإن كان كبيرا فالوصية باطلة. قال: وإذا أوصى لهما بالسكنى فالسكنى بينهما بخلاف العبد فإنه يقسم الخدمة بينهما ولم يقسم العين. وفي الكافي: ولو اقتسموا الدار مهايأة من حيث الزمان يجوز أيضا إلا أن الاول. ولو أوصى له

[ 296 ]

بغلة عبده أو بثمرة بستانه فإنه يجوز، ولو لم يكن له مال غيره كان له ثلث الغلة والثمرة بخلاف الخدمة، وليس للورثة بيع ما في أيديهم من ثلثي الدار. وعن أبي يوسف أن لهم ذلك. ولو خرب ما في يده من الدار كان له أن يزاحم الورثة فيما في أيديهم. ولو أوصى بغلة عبده أو داره فاستخدمه وسكنها بنفسه، قيل يجوز ذلك قال: والاصح أنه لا يجوز وليس للموصى له بالخدمة والسكين أن يؤجر العبد أو الدار. وفي الظهيرية: وعليه الفتوى. وقال الشافعي: له ذلك. وإذا أوصى رجل بثمرة بستانه فهو على وجهين: إما إن قال أبدا أو لم يقل، فإن كان في بستانه ثمر وهو يخرج من ثلث ماله كان له ذلك ولم يكن له ما يحدث من الثمار بعد ذلك إلى أن يموت. هذا إذا كان في البستان ثمار قائمة يوم الموت، فأما إذا لم يكن في البستان ثمار قائمة بعد الموت فالقياس أن تبطل الوصية ولا تصرف الوصية إلى ما يحدث من الثمار بعد الموت، ولكن في الاستحسان لا تبطل الوصية ويكون للموصى له ما يحد ث من الثمار بعد موت الموصي إذا كان البستان يخرج من ثلث ماله، وهذا الذي ذكرنا كله إذا لم ينص على الابد، فأما إذا قال أوصيت لك بثمرة بستاني أبدا فحدث في البستان شجر من أصول النخيل وأثمر دخل غلة ذلك في الوصية، وإن قاسم الوصي الموصى له بثلث غلة البستان مع الورثة فأغل الذي لهم ولم يغل الذي له فإنه يشاركه ويشاركونهم في الغلة قال: وللورثة أن يبيعوا ثلثي البستان فيكون المشتري شريكا للموصى له بالغلة بخلاف ما لو باعوا الكل فإنه لا يجوز البيع في حصة الثلث. وفي المنتقى: إذا أوصى بسكنى داره لرجل ولا مال له غيرها قال أبو حنيفة: ليس للورثة أن يبيعوا الثلثين. وقال أبو يوسف: لهم أن يبيعوا الثلثين ولهم أن يقاسموا فيكون لصاحب الوصية الثلث. قال أبو حنيفة: لو كانت هذه الوصية بغلة الدار كان للموصى له ثلث الغلة ولم يكن لهم أن يقسموا الدار، فإذا خاف إذا قسمت أن لا تغل فليس له شئ، وقال أبو يوسف: يقاسموا فيكون له الثلث فإذا أغل فهو له، وإن لم يغل فليس له شئ وللورثة أن يبيعوا ثلثهم قبل القسمة وبعدها. وإذا أوصى الرجل لرجل بغلة أرضه وليس عليها نخل ولا شجر وليس له مال غيرها فإنها تؤجر فيعطي صاحب الغلة ثلث الاجر، وإن كان فيها شجر أعطي ثلث ما يخرج من النخيل ولا يدفع له مزارعة بالنصف أو الثلث. وإن كانت الزراعة إجارة الار ض إذا كان البذر من قبل العامل لانها ليست بإجارة من كل وجه بل إجارة وشركة حتى إذا لم تخرج الارض شيئا لا يكون لصاحب الارض شئ وقد ذكرنا أن الوصية باسم الغلة تنصرف إلى الاجارة من كل وجه ولم تنصرف إلى المزارعة. وإذا أوصى أن تؤجر أرضه منذ سنين مسماة كل سنة بكذا وهي جميع ماله إنه ينظر إلى أجرتها، فإن كان سمى أجر مثلها وجب تنفيذ هذه الوصية وإن كان المسمى أقل من أجر مثلها، فإن كانت المحاباة بحيث تخرج من ثلث مال الميت فإنه تنفذ هذ الوصية، وإن كانت المحاباة بحيث لا

[ 297 ]

تخرج من ثلث مال الميت يقال للموصى له بالاجارة إن أردت أن تؤجر منك هذه الارض فبلغ الاجر إلى تمام الثلثين، فإن بلغ تؤجر الارض منه، وإلم يبلغ لا تؤجر الارض منه، كان الجواب في الاجارة كالجواب فيما إذا أوصى أن تباع أرضه من فلان بكذا وذلك جميع ماله هناك إن كان المسمى مثل قيمة الارض أو أكثرا أو أقل من قيمة الارض بغبن يسير تباع منه، وإن كان بغبن فاحش، فإن كان المحاباة بحيث لا تخرج من ثلث ماله يقال للموصى له بالبيع إن أردت أن تباع منك هذه الارض فبلغ الثمن إلى تمام ثلثي القيمة، إن بلغ تباع الارض منه وإن لم تبلغ فإنها لا تباع الارض منه فكذا في الاجارة. ومن مشايخنا من قال: لا يجوز أن يكون الجواب في الاجارة كالجواب في البيع. ومنهم من قال: ما ذكره محمد من الجواب صحيح في الاجارة. وإذا أوصى وليس له بستان ثم اشترى بستانا ثم مات فالوصية جائزة من الثلث، وإذا أوصى لانسان بشاة من غنمه ولم يقل يوم الموت إن كان في ملكه يوم الوصية صحت الوصية وتعلق بها حتى إذا هلكت بعد ذلك بطلت الوصية، وإن لم يكن في ملكه غنم يوم الوصية كانت الوصية باطلة. ولو قال أوصيت لك بشاة من غنمي يوم الموت فالوصية جائزة، وإن لم يكن في ملكه غنم يوم الوصية وإذا أوصى رجل لرجل بغلة بستانه فأغل البستان سنة أو سنتين أو أكثر من ذلك قبل موت الموصى ثم ما ت الموصي فليس للموصي له من تلك الغلة شئ إنما يكون له من الغلة ما يكون في البستان يوم مات الموصي وما يحدث بعد موته في المستقبل إلى أن يموت الموصى له، فأما ما يوجد من غلة البستان قبل موت الموصي بعد الوصية فإنه لا يكون للموصى له من ذلك شئ. وإذا أوصى رجل لرجل بغلة بستانه ثم إن الموصى له بالغلة اشترى البستان من ورثة الميت فذلك جائز وتبطل وصيته. وكذلك لو لم تبعه الورثة ولكنهم تراضوا على شئ دفعوه إليه على أن يسلم الغلة ويبرأ منها فإن ذلك جائز، وكذلك الصلح عن سكني الدار وخدمة العبد جائز، وإن كان بيع هذه الحقوق لا يجوز، وذكر مسألة الصلح عن مسألة النخيل. وفي نوادر بشر عن أبي يوسف: وذكر فيها القياس والاستحسان. وصورة ما ذكر عنه إذا أوصى بغلة نخلة ثلاث سنين وصالح عنها وقبض الدراهم منهم فالصلح باطل قياسا لان هذا صالح عن مجهول لا يدري أيكون أو لا يكون لكن استحسن وأجيز هذا الصلح. وإذا أوصى رجل بغلة داره أو بغلة عبده للمساكين جاز ذلك من ثلث ماله، وإذا ثبت أن الوصية بالغلة لله تعالى جائزة كالمنفعة. وإذا أوصى بظهر دابته في سبيل الله لانسان بعينه جازت هذه الوصية عندهم جميعا، فأما إذا أوصى بظهر دابته في سبيل الله ولم يعين أحدا فإن المسألة على الخلاف، فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف لا يجوز وهو القياس في سبيل الله. وعلى قول محمد يجوز. سأل أبو بكر عمن أوصى بغلة كرمه لانسان قال: يدخل فيه القوائم والاورقا والحطب والثمر ألا ترى أنه لو دفع الكرم معاملة فكل هذه الاشياء تكون بينهما كذا هذا.

[ 298 ]

وفي فتاوي أبي الليث: إذا أوصى بثمر كرمه ثلاث سنين للمساكين فمات ولم يحمل كرمه ثلاث سنين شيئا قال نصير: بطلت الوصية. وفي النوازل: وليس على الورثة شئ بعد ذلك. وقال محمد ابن مسلمة: يوقف ذلك الكرم وإن خرج من الثلث بتصدق بغلته ثلاث سنين قال الفقيه: قول محمد بن مسلمة موافق لقول أصحابنا فإنهم قالوا فيمن أوصى بخدمة عبده سنة لفلان وفلان غائب فمن رجع فإن العبد يخدمه سنة، فلو قال يخدمه هذه السنة فقدم فلان قبل مضي السنة بطلت الوصية كذلك الغلة. وفي العيون: إذا أوصى لرجل أن يزرع له في كل سنة في أرضه فالبذر والخراج والسقي على الموصى له، فإن أوصى له أن يزرع كل سنة عشرة أجربة فالبذر والسقي والخراج من مال الميت، ولو أوصى لرجل بثمر نخل قد بلغ أو زرع استحصد أو لم يحصد فالخرج على الموصى له، فالاصل فيه أن كل شئ لو أصابته آفة لم يلزم صاحب الارض الخراج، فإذا أوصى به لغيره فعلى الموصى له الخراج، وكذلك لو أوصى بثمرة نخله أو زرع قد أدرك فخراجه على الموصى له. ولو قطع الثمرة وحصد الزرع ثم أوصى به لرجل فالخراج على الموصي ومما يتصل بهذا الفصل ما قال محمد في الجامع: رجل مات وترك عبدا لا مال له غيره وأوصى بخدمة عبده سنة لرجل وأوصى بخدمته سنتين لرجل آخر ثم مات ولا مال له غيره فللورثة أن يجيزوا ذلك لهم خدمة للعبد تقسم على تسعة أيام للورثة ستة أيام ولهما ثلاثة أيام، فإذا مضى ثلاث سنين سلم للورثة الميت رقبته ومنفعته لانه مال الميت وقد خلا عن الدين والوصية فيكون للورثة. ولو كان العبد يخرج من ثلث المال أو لم يخرج بل أجازت الورثة ذلك قسمت خدمة العبد أثلاثا يوما للموصى له بالسنة ويومين للموصى له بالسنين فيحصل استيفاء الوصيتين وفي ثلاث سنين ولا حق لورثة في خدمة العبد. ولو كان أوصى لرجل بخدمة العبد سنة سبعين ومائة لآخر سنة إحدى وسبعين ومائة والخدمة والعبد لا تخرج من الثلث ولم تجز الورثة قسمت الخدمة في سنة إحدى وسبعين ومائة على ستة أيام للورثة أربعة أيامولكل واحد من الموصى لهما يوم، وءذامضت هذ الوصية تبطل وصية الموصى له بسنة سبعين، وفي سنة إحدى وسبعين تقسم خدمة العبد أثلاثا على ثلاثة يوم للموصى له بسنة إحدى وسبعين ويومان للورثة، فإذا مضت هذه السنة بطلت الوصية. ولو كان العبد يخرج من الثلث أو لا يخرج لكن أجازت الورثة كانت خدمة العبد كلها في سنة سبعين له. وفي الجامع أيضا: رجل أوصى لرجل بسكين داره سنة وأوصى لآخر بسكناها سنتين ثم مات ولا مال له غير الدار وأبى الورثة أن يجيزوا ذكر أن الدار تقسم بينهم ثلثا الدار تسكنها الورثة، وثلث الدار يقسم بين الموصى لهما نصفين يسكن لكل واحد منهما سدس الدار حتى تمضي سنة، فإذا مضى سنة فالموصى له بسكني الدار سنة يدفع السدس إلى الموصى لهما بسكني الدار سنتين فيسكن ثلث الدار سنة أخرى ثم

[ 299 ]

تعود الدار إلى الورثة. وفي الظهيرية: ولو كانت ت الدار لا تتحمل القسمة كان الحكم فيها كالحكم في العبد، وهذا إذا لم تخرج الدار والعبد والثمرة من الثلث، فأما إذا خرج من الثلث أو أجازت الورثة قسمت ت الدار والغلة والسكني كلها في السنة الاولى بين الموصى لهما نصفين، وفي الثانية كلها لصاحب السنتين. قال رحمه الله: (فإن خرج العبد من ثلثه سلم إليه ليخدمه) لان حق الموصى له في الثلث لا يزاحمه الورثة فيه وقد قدمنا ما فيه. قال رحمه الله: (وإلا) أي وإن لم يخرج من الثلث. (خدم الورثة يومين والموصى له يوما) لان حقه في الثلث وحقهم في الثلثين كما في الوصية بالعين، ولا يمكن قسمة العبد لانه لا يتجزئ فصرنا إلى المهايأة فيخدمهم أثلاثا وقد قدمنا تفاصيل المسألة. قال رحمه الله: (وبموته يعود إلى ورثة الموصي) أي بموت الموصى له يعود العبد أو الدار إلى ورثة الموصى لانه أوجب الحق للموصى له ليستوفي المنافع على حكم ملكه، فلو انتقل إلى وارث الموصى له استحقها أبدا من ملك الموصى بغير رضاه وذلك غير جائز. قال رحمه الله: (ولو مات في حياة الموصى بطلت) أي لو مات الموصى له قبل موت الموصى بطلت الوصية لانها تمليك مضاف إلى ما بعد الموت وفي الحال ملك الموصي ثابت فيه ولا يتصور تملك الموص له بعد موته فبطلت وقد قدمناه. قال رحمه الله: (وبثمرة بستانه فمات وفيه ثمرة له هذه الثمر وإن زادا له هذه الثمرة وما يستقيل كغلة بستانه) أي إذا أوصى بثمرة بستانه ثم مات وفيه ثمرة كان له هذه الثمرة وحدها، وإن قال له ثمرة بستاني أبدا كان له هذه الثمرة وثمرته فيما يستقبل ما عاش. وإن أوصى له بغلة بستانه فله الغلة القائمة عليه وما يستقبل، فحاصله أنه إذا أوصى بالغلة استحق القائم والحادث، وإن أوصى بالثمرة لا يستحق إلا القائم إلا إذا زاد فحينئذ تصير كالغلة فيستحقه وهو المراد بقوله وإن زاد أبدا له هذه الثمرة وما يستقبل فيحتاج إلى الفرق بينهما. والفرق أن الثمر اسم للموجود عرفا فلا يتناول المعدوم إلا بدلالة زائدة مثل التنصيص على الابد فتتناول المعدوم والموجود بذكره عرفا. وأما الغلة فتنتظم الموجود وما يكون بعرض الوجود ولا يراد المعدوم إلا بدليل زائد عليه. وإنما قيده بقوله وفيه ثمرة لانه إذا لم يكن في البستان ثمرة والمسألة بحالها فهي كمسألة الغلة في تناولها للثمرة المعدومة ما عاش الموصى له. وإنما كان كذلك لان الثمرة اسم للموجود حقيقة ولا يتناول المعدوم إلا مجازا، فإذا كان في البستان عند موت لموصى صار مستعملا في الحقيقة فلا يتناول المجاز، وإذا لم يكن فيه يتناول المجاز ولا يجوز الجمع بينهما إلا أنه إذا ذكر لفظ فيتناولهما عملا بعموم المجاز لا جمعا بين الحقيقة والمجاز وقد قدمنا تفاصيله. قال رحمه الله: (وبصوف غنمه وولدها ولبنها الموجود عند موته

[ 300 ]

قال أبدا أولا) أي إذا أوصى بهذه الاشياء كان له الموجود عند موته ولا يستحق ما سيحدث بعد موته. سواء قال أبدا أو لم يقل.، لانه أيجا ب عند الموت فيعتبر وجود هذه الاشياء عنده فهذا هو الحرف لكن جازت الوصية في الغلة المعدومة والثمرة والمعدومة على ما بينا لانها تستحق بغير الوصية من العقود كالمزارعة والمعاملة فلان تستحق بالوصية أولى لانها أوسع بابا من غيرها. وكذالصوف على الظهر، واللبن في الضرع، والولد الموجود في البطن يستحق بجميع العقود تبعا ويجعل مقصودا فكذا بالوصية. ثم مسائل هذا الباب على وجوه ثلاثة: منها ما يقع على الموجود والمعدوم وذكر الابد أو لم يذكر كالوصية بالخدمة والسكني والغلة والثمرة إذا لم يكن في البستان شئ من الثمرة عند موته. ومنها على الموجود دون المعدوم ذكر الابد أو لم يذكر كالوصية باللبن في الضرع والصوف على الظهر. ومنها ما يقع على الموجود والمعدوم إن ذكر الابد وإلا فعلى الموجود فقط كالوصية بثمرة بستانه وفيه ثمرة. ولم يتعرض المؤلف للوصية بالكفن والدفن وبقراءة القرآن على القبور ونحون فنذكر ذلك تتميما للفائدة. قال في واقعات الناطفي: إذا أوصى بأن يكفن بألف دينار أو بعشرة آلاف درهم فله أن يكفن بالسوط الذي ليس فيه إسراف ولا تقتير ولا تضييق. وقال في موضع آخر: يكفن بكفن المثل وهو أن ينظر إلى ثيابه حال حياته للخروج للجمعة والعيدين والوليمة. وقيل للفقيه أبي بكر البلخي: لم اعتبرت ثياب الجمعة والوليمة ولم تعتبر ثياب البذلة كما قال الصديق الحي أحوج إلى الجديد من الميت؟ قال: ذلك في زمان لم يكن معه غيره. وفي النوازل سأل أبو القاسم عن امرأة صاحبه فراش أوصت ابنتها أن تكفنها بسنتين درهما بما يساوي ثلثمائة درهم قال: إن لم تفعل ذلك بإذن جميع الورثة وهم كبار ضمنتها جملة الثياب إن كانت الكل وضيعة ولا يحسب منها شئ، وإن كان البعض رفيعة دون البعض مما كان فيه يكفن مثلها لم تضمن وما زاد على ذلك ضمنته. وفي فتاوي الخلاصة: والمختار أنها متبرعة في الكل إن فعلت من مالها أو من التركة تضمن. وسأل أيضا عمن أوصى بأن يكفن له بثمن كذا وفعل الموصى له ذلك فلاضمان عليه ولو وجد ميراثا وذلك الشئ للورثة. وسأل أبو بكر عن امرأة أوصت إلى زوجها أن يكفنها من مهرها الذي لها عليه قال: أمرها ونهيها في باب الكفن باط. وفي فتاوي الخلاصة قال: وصيتها في تكفينها باطلة ولو لم تترك مالا يكون كفنها في بيت المال دون الزوج بلا خلاف بين علمائنا. قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: هذا الجواب ظاهر الرواية عن أصحابنا. وروى خلف عن أبي يوسف أن الكفن على الزوج كالكسوة. وعن محمد أنه لا يجب قال: وبقول أبي يوسف نأخذ. قال الفقيه أبو بكر فيمن أوصى بأن يكفن في ثوب أن هذه الوصية باطلة. وفي الظهيرية: ولو أوصى أن يكفن في ثوب كذا ويدفن في موضع كذا فالوصية في تعيين الكفن وموضع القبر باطلة. وفي روضة

[ 301 ]

الزند وستي: إذا أوصى بأن يكفن في خمسة أثواب أو في ستة أثواب جازت وصيته ويراعي شرائطه. وفي الخلاصة: ولو أوصى بأن يدفن في مقبرة كذا تعرف لفلان الزاهد تراعي شرائطه، وإن أوصى بأن يدفن مع فلان لا يصح. وقا إبراهيم بن يوسف فمن مات ولم يترك شيئا قال: إن مات وترك ثوبا واحدا يكففيه وإلا يسأل قدر ثوب ويكفن فيه ولا يسأل الزيادة رجلا كان أو امرأة. قال الفقيه: هذا قول ابراهيم. وقال ابن مسلمة وغيره: يكفن في ثلاثة أثواب وكلا القولين حسن. أوصى بأن يدفن في داره فوصيته باطلة لانه ليس في وصيته منفعة له ولا لاحد من المسلمين، فلو دفن فيها فهو كدفنهم بغير وصية يرفع الامر إلى القاضي، فإن رأى الامر يرفعه فعل، وإن أوصى أن يدفن في داره فهو باطل إلا أن يوصي أن تجعل داره مقبرة للمسلمين. وفي الخلاصة: ولو أوصى بأن يدفن في بيته لا يصح ويدفن في مقابر المسلمين، ولو أوصى بأن يصلي عليه فلان فقد ذكر في العيون أن الوصية باطلة، وفي الفتاوي العتابية وهو الاصح، وفي نوادر ابن سماعة أنها جائزة ويؤجر إن صلى عليه والفتوى على ما ذكر في العيون. وعن أبي يوسف إذا أوصى بثلث ماله في أكفان موتى المسلمين أو في حفر مقابر المسلمين أو في سقاية المسلمين قال: هذا باطل. ولو أوصى بثلثه في أكفان فقراء المسلمين أو في حفر مقابرهم فهذا جائز. وفي فتاوي الخلاصة: ولو أوصى بأن تتخد داره مقبرة فمات فوارثه مخير في دفنه فيها. ولو أوصى بأن يتخد داره خانا ينزل فيه الناس يصح وعليه الاعتماد بخلاف ما لو أوصى بأن تتخد سقاية. رجل مات ولم يوص إلى أحد فباعت امرأته دارا من تركته لكن بغير إذن سائر الورثة فالبيع في نصيبها جائز، وإن لم يكن على الميت دين محيط بعد ذلك ينظر إن كفنته بكفن مثله ترجع في مال الميت، وإن كفنته بأكثر من كفن المثل لا ترجع إلا بقدر كفن المثل. رجل أوصى بأن يكفن له من ثمن كذا فلم يفعل الوصي من ثمن كذا وكان وجد المشتري أو لم يجد لا يضمن الوصي ذلك الشئ، ولو اشترى الوصي كفنا فدفن فيه الميت فظهر فيه عيب فهو والوصي يرجعان على البائع بالنقصان الاجنبي لا يرجع. وإذا أوصى أن يدفن في مسح كان اشترى وتغل يده وتقيد رجله فهذه وصية بما ليس لمشروع فبطلت ويكفن كفن مثله ويدفه كما يدفن سائر الناس إذ دفن الميت في قبر فيه ميت آخر قال: إذا بلي الاول حتى لم يبق منه شئ‌من العظام وغيره يجوز، وإن بقي فيه العظام فإنه يهال عليه التراب ولا تحرك العظام ويدفن الثاني بقرب الاول إن شاؤوا ويجعل بينهما حاجز من الصعيد. ولو أوصى بأن يحمل بعد موته إلى موضع كذا ويدفن هناك ويبني هناك رباط من ثلث ماله فمات ولم يحمل إلى هناك قال أبو بكر: وصيته بالرباط جائزة ووصيته بالحمل باطلة. ولو حمله الوصي يضمن ما انفق في حمله قال الفقيه: هذا إذا حمل بغير إذن الورثة، ولو حمل بإذنهم وهم كبار فلا ضمان. إذا أوصى بأن يطين قبره ويوضع على قبره قبه فالوصية باطلة إلا أن يكون في موضع يحتاج إلى التطيين

[ 302 ]

فيجوز. سأل أبو القاسم عمن دفع إلى ابنته خمسين درهما في مرضه وقال إن مت أنا فأعمري قبرا بخمسة دراهم واشتري بالباقي حنطة وتصدقي بها قال الخمسة: الوصية بها لا تجوز وينظر إلى القبر الذي أمر بعمارته، فإن كان يحتاج إلى العمارة للتخصيص لا للزينة عمر بقدر ذلك والباقي يصدق على الفقراء، وإن كان أمر بعمارته على الحاجة التي لا بد منها فوصيته جائزة. وإذا أوصى أن يدفع إلى إنسان كذا من ماله ليقرأ القرآن على قبره فهذه الوصية باطلة قال: إن كان القارئ معينا ينبغي أن يجوز الوصية له على وجه الصلة دون الاجر قال أبو نصر: وكان يقول لا معنى لهذه الوصية لان هذا بمنزلة الاجرة والاجارة في ذلك وهو بدعة ولم يفعلها أحد من الخلفاء، وقد ذكر مسألة قراءة القرآن على القبور في الاستحسان. سأل أبو النصر عن شئ يلقي في القبر بجنب الميت مثل المضربة ونحوها قال: لا بأس به وهو بمنزلة الزياد في الكفن. وفي الخانية: وبعضهم أنكر ذلك وقال: إذا كان محشوا لا تبقي تحته والمحشو ليس من جنس الكفن فقد ذكر محمد في حق الشهيد ينزع عنه السلاح والفرو والحشو، ولو كان من جنس الكفن لما أمر بنزعه. وسأل أبو القاسم عمن أوصى أن نحفر عشرة أقبر قال: إن عين مقبرة ليدفن فيها الموتى فالوصية جائزة لان ذلك عمارة المقبرة وأنها قربة، وإن كان الحفر لدفن أبناء السبيل وللفقراء من غير أن يبين موضعا فالوصية باطلة. وفي الواقعات عن محمد: إذا أوصى بأن يحفر مائة قبرا استحسن ذلك في محلته ويكن على الكبير والصغير، وبعض مشايخنا اختاروا أنه لو لم يعين المقبرة لا يجوز. وإذا أوصى أن تدفن كتبه لم يجز إلا أن يكون فيها شلا يفهمه أحد ويكون فيه فساد فينبغي أن يدفن والكتب التي فيها الرسل وفيها اسم الله ويستغني عنها صاحبها بحيث أن لا يقرأها واجب محموما فيها من اسم الله ولم يحفر لها ويلقيها في الماء الجاري الكثير فلا بأس به وإن لم يفعل ودفنها في أرض طاهرة ولا ينالها قذر كان حسنا، ولا يجوز أن يحرقها بالنار حتى يمحو ما كان من أسماء الله تعالى وأسماء رسله وملائكته. وفي الخانية وعن بعض أهل الفضل: رجل أوصى بأن تباع كتبه ما كان خارجا من العلم وتوقف كتب العلم ففتش كتبه فكان فيها كتب الكلام فكتبوا إلى أبي القاسم الصفار أن كتب الكلام تباع لانها خارجة عن العلم. وفي الظهيرية: فعلى هذا لو أوصى رجل لاهل العلم بشئ من ماله لا يدخل فيه أهل الاصول وقد ذكرنا شيئا من هذه المسائل مع مسألة دفع المصحف في كتاب الاستحسان. باب وصية الذمي لما فرغ من وصية المسلمين شرع في وصية أهل الكتاب وترجم بالذمي لانه ملحق

[ 303 ]

بالمسلمين في المعاملات قال رحمه الله: (ذمي جعل داره بيعة أو كنيسة في صحته فمات فهي ميراث) لانه بمنزلة الوقف عند أبي حنيفة والوقف عنده لا يلزم فيورث فكذا هذا، وأما عندهما فلان هذا معصية فلا يصح وإن كانت قربة في معتقدهم بقي إشكال على قول أبي حنيفة وهو أن هذا عندهم كالمسجد عندنا والمسلم ليس له أن يبيع المسجد فوجب أن يكون الذمي كذلك لانهم عنده يتركون وما يعتقدون. وجوابه أن المسجد محرز عن حقوق العباد فصار خالصا لله ولا كذلك البيع في حقهم فلانها لمنافع الناس لانهم يسكنون فيها ويدفنون فيها أموالهم فلم تصر محرزة عن حقوقهم فكان ملكه فيها تاما وفي هذه الصورة يورث المسجد أيضا على ما يجئ بيانه. قال رحمه الله: (وإن أوصى بذلك لقوم مسلمين فهو من الثلث) أي إذا أوصى أن يبني داره بيعة أو كنيسة لمعينين فهو جائز من الثلث لان الوصية فيها معنى الاستخلاف ومعنى التمليك فأمكن تصحيحها على اعتبار المعنيين. قال رحمه الله: (وبداره كنيسة لقوم غير مسمين صحت كوصية حربي مستأمن بكل ماله لمسلم أو ذمي) يعني إذا أوصى بداره بأن تبني كنيسة لقوم غير مسمين صحت كما تصح لحربي الخ. أما الاول وهو ما إذا أوصى إلى قوم مسمين فهو قول أبي حنيفة، وعندهما الوصية باطلة لانها معصية حقيقة، وإن كان في معتقدهم قربة والوصية بالمعصية باطلة لان تنفيذها تقرير للمعصية. ولابي حنيفة أن هذه قربة في معتقدهم ونحن أمرنا أن نتركهم وما يدينون فيجوز بناء على معتقدهم ألا ترى أنه لو أوصى بما هو قربة حقيقة وهو معصية في معتقدهم لا تجوز الوصية اعتبارا لاعتقادهم فكذا عكسه. ثم الفرق لابي حنيفة بين بنائها وبين الوصية بها أن البناء ليس بسبب لزوال الملك وإنما يزول ملك الباني بأن يصير محرزا خالصا لله تعالى كما في مساجد المسلمين، والكنيسة لا تحرز لله تعالى على ما بيناه فيورث عنه بخلاف الوصية لانها وضعت لازالة الملك غير أن ثبوت مقتضى الوصية وهو الملك امتنع فيما ليس بقربة عندهم فيبقى فيما هو قربة عندهم على مقتضاه فيزول ملكه فلا يورث. قال مشايخنا: هذا فيما أوصى ببنائها في القرى، وأما في المصر فلا يجوز بالاتفاق لانهم لا يمكنون من إحداث البيعة في الامصار. وعلى هذا الخلاف إذا أوصى بأن يذبح خنازيره ويطعم المشركين من غير تعيين لما ذكرنا، وإن كان لقوم معينين جاز بالاتفاق. فحاصله أن وصايا الذمي على ثلاثة أقسام وهو ما إذا أوصى بما هو قربة عندنا، وعندهم كما إذا أوصى بأن يسرج في بيت المقدس أو بأن يغزي الترك وهو من الروم سواء كان لقوم معينين أو غير معينين لانه وصية بما هو قربة عندنا وفي معتقدهم أيضا قربة. ومنها ما هو باطل بالاتفاق وهو ما إذا أوصى بما هو ليس بقربة عندنا ولا عندهم كما إذا أوصى للمغنيات والنائحات أو أوصى بما هو قربة عندنا

[ 304 ]

وليس في معتقدهم كما إذا أوصى بالحج وببناء المساجد للمسلمين أو بأن تسرج مساجدنا لانه معصية عندهم إلا أن يكون لقوم بأعيانهم فيصح باعتبار التمليك. ومنها ما هو مختلف فيه وهو ما إذا أوصى بما هو قربة عندهم وليس بقربة عندنا كبناء الكنيسة لقوم غير معينين ونحوه. فعند أبي حنيفة يجوز، وعندهما لا يجوز. فإن كان لقوم معينين يجوز في الكل على أنه تمليك لهم، وما ذكره من الجهة من تسريح المساجد ونحوه خرج منه على طريق المشورة لا على طريق الالزام حتى لا يلزم أن يصرفوه في الجهة التي عينها هو بل يفعلون به ما شاؤوا ولانه ملكهم والوصية إنما صحت باعتبار التمليك لهم. وصاحب البدعة إذا كان لا يكفر فهو في حق الوصية بمنزلة المسلم لانا أمرنا ببناء الاحكام على ظاهر الاسلام وإن كان يكفر فهو بمنزلة المرتد فيكون على الخلاف المعروف في تصرفاته. قال صاحب الهداية في المرتدة: الاصح أنه تصح وصاياها لانها تبقى على الردة بخلاف المرتد لانه يقتل أو يسلم فجعلها كالذمية. وقال السغناقي في النهاية: ذكر صاحب الكتابة في الزيادات الخلاف على هذا. وقال بعضهم: لا تكون بمنزلة الذمية وهو الصحيح حتى لا تصح منها وصية. والفرق بينهما وبين الذمية أن الذمية تقر على اعتقادها، وأما المرتدة فلا تقر على اعتقادها ا ه‍. وقال صاحب العناية بعد أن نقل هذا من النهاية: والظاهر أن لا منافاة بين كلاميه لانه قال هناك الصحيح وههنا الاصح وهما يصدقان ا ه‍. أقول: هذا ليس بشئ إذ لا شك أن مراد من قال في الخلافيات هو الصحيح ترجيح هذا القول على القول الآخر لا بيان مجرد صحته مع الآخر كما أن مراد من قال هو الاصح ترجيحه على الآخر بل قوله هو الصحيح أدل على الترجيح من قوله هو الاصح، ولا ريب أن ترجيح أحدهما على الآخر ينافي ترجيح الآخر عليه ولا يمكن أن يصدقا معا. قال الراجي عفو ربه: الاشبه أن تكون كالذمية تجوز وصيتها لانها لا تقتل ولهذا يجوز جميع تصرفاتها، وكذا الوصية كأنه أراد بقوله صاحب الكتاب صاحب الهداية. وذكر السغناقي أن من ارتد عن الاسلام إلى النصرانية أو اليهودية أو المجوسية فحكم وصاياه حكم من انتقل إليهم فما صح منهم صح منه وهذا عندهما، وأما عند أبي حنيفة فوصيته موقوفة ووصايا المرتدة نافذة بالاجماع لانها لا تقبل عندنا. وقال قاضيخان: المرتدة الصحيح أنها كالذمية فيجوز منها ما جاز من الذمية وما لا فلا. وأما الثاني وهو ما إذا أوصى الحربي لمسلم فلانه أهل للتمليك منجزا كالهبة ونحوها فكذا مضافا، ولو أوصى بأكثر من الثلث أو بماله كله جاز لانه امتناع الوصية بما زاد على الثلث لحق الورثة وليس لورثته حق شرعي لانهم أموات في حقنا، ولان حرمه ماله باعتبار الامان والامان كان لحقه لا لحق ورثته وليس لورثته حق شرعي وقد أسقط حقه فيجوز. وقيل: إذا كان ورثته معه لا يجوز بأكثر من الثلث إلا بإجازة منهم لانه بالامان التزم أحكامنا فصار كالذمي. ولو أوصى ببعض ماله نفذت الوصية في الثلث ورد الباقي لورثته، وكذا لو

[ 305 ]

أوصى لمستأمن مثله. ولو أعتق عبده عند الموت أو دبره جاز ذلك كله من غير تقييد بالثلث لما بينا، وكذا إذا أوصى لمسلم أو ذمي بوصية جاز لانه ما دام في دار الاسلام كالذمي في المعاملات ولهذا تصح عقود التمليكات منه وتبرعاته في حال حياته فكذا عند مماته. وعن أبي حنيفة وأبي يوسف: وصية الذمي للحربي المستأمن لا تجوز لانه في دراهم حكما حتى يمكن من الرجوع إليها، والاول أظهر لان الوصية تمليك مبتدأ ولهذا يجوز للذمي لانهم التزموا أحكام الاسلام فيما يرجع إلى المعاملات. ولو أوصى لخلاف ملته جاز اعتبارا بالارث لان الكفر كاملة واحدة. ولو أوصى لحربي لا يجوز لان الارث ممتنع كتباين الدارين فكذا الوصية لانها أخته، وعلى رواية الجامع الصغير ينبغي أن تجوز كالمسلم. ولو أوصى لمستأمن في دار الاسلام ينبغي أن يكون على الروايتين المذكورتين في المسلم والله أعلم. باب الوصي وما يملكه لما فرغ من بيان أحكام الموصى له شرع في بيان أحكام الموصى إليه وهو الوصي، وقدم أحكام الموصى له لكثرتها وكثرة وقوعها فكانت الحاجة إلى معرفتها أمس. قال رحمه الله: (ولو أوصى إلى رجل فقبل عنده ورد عنده يريد) يعني قبل عند الموصى لان الموصي ليس له ولاية إلزامه التصرف ولا عذر من جهته لانه يمكنه أن يوصي إلى غيره. قال في الذخيرة: المراد به عنده يعني بعلمه ورده بغير علمه سواء كان عنده أو في مجلس غيره. قال في المبسوط: مسألة مشتلمة على فصول: فصل في حق الايصاء وكيفيته، وفصل في قبوله ورده، وفصل فيمن يجوز إليه الايصاء ومن لا يجوز، وفصل في عزله. الرجل إذا حضر الموت ينبغي أن يوصي ويكتب وصيته لقوله عليه الصلاة والسلام لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر يبيت إلا ووصيته تحت رأسه ويكتب كتاب الوصية هذا ما أوصى فلان بن فلان فإنه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الجنة حق والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيه وأن الله يبعث من في القبور، وأن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين. أي في هذه الوصية لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من كان آخر كلمته شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وجبت له

[ 306 ]

الجنة (2) ثم يكتب وأنا العبد المذنب الضعيف المفرط في طاعته المقصر في خدمته المفتر إلى رحمته الراجي لفضله والهارب من عدلة، وترك من المال الصامت كذا، وما الرقيق كذا، ومن الدور كذا، وعليه من الدين كذا إن كان عليه دين ويسمي الغرواسم أبيه كيلا تجحد الورثة دينه فيبقى الميت تحت عهدته، ويكتب إن مت من مرضي هذا فأوصيت بأن يصرف مالي إلى وجوه الخيرات وأبواب البر تداركا لما فرفي حياته وتزودا وذخرا لآخرته، وأنه أوصى إلى فلان بن فلان ليقوم بقضاء ديونه وتنفيذ وصيته وتمهيد أسباب ورثته فعليه أن يتقي الله حق تقاته ولا يتقاعد في أموره في وصيته ولا يتقاصر عن إيفاء حقوقه واستيفائه، فإن تقاعد فإن الله تعالى حسيب عليه ويشهد على ذلك. وإنما يصح الاشهاد إذا علم الشهود بما في الصك والشهادة على الوصية بدون العلم لا تجوز لقوله عليه الصلاة والسلام للشاهد إذا علمت مثل الشمس فاشهدوا وإلا فدع. ولو قال الشهود بعد ما قرأوا الصك نشهد عليك فحرك رأسه بنعم ولم ينطق لم تجز شهادتهم، فإن اعتقل واحتبس لسانه روي عن أبي يوسف أنه تجوز وتعتبر إشارته وهو قول الشافعي له أن الاشارة تقوم مقام العبارة حاله عجزه عن النطق والعبادة قياسا على الاخرس لان العجز عن النطق متى تحقق يستوي فيه العارض والاصلي فيما تتعلق صحته بالنطق كالعجز عن القراءة فإنه تجوز صلاة الاخرس بغير قراءة وتجوز صلاة من اعتقل لسانه بغير قراءة فكذا هذا. ولنا أن الاشارة تدل على النطق والعبادة إنما تتصل إلى البدل حالة اليأس عن النطق وهنا لم يقع اليأس عن النطق لان اعتقال لسانه واحتباسه لا يدوم بل بعرض الزوال والانتقال في كل ساعة فلا تقوم الاشارة مقام العبارة، وأن الاشارة محتملة غير معلمة إلا أن في الاخرس تقدم منه إشارات مفهومة وآلة واضحة على مراداته الباطنة فزال الاحتمال عن إشارته فقامت مقام نطقه وعبارته، وهنا لم يتقدم منه إشارات معلومة حتى يعلم بإشارته مراداته فبقت إشارته محتلمة غير مفهمة فلا تقوم مقام عبارته، فإما إذا طالت الغفلة أو الحبسة في لسانه ودام هل تعتبر أشارته؟ اختلف المشايخ فيه، قيل لا تعتبر اعتبارا للمعنى الاول وهو أنه لم يقع اليأس عن النطق فلا تقوم إشارته مقام عبارته، وقيل تعتبر وقد روي هذا أبو عمر والصغاني عن أبي حنيفة اعتبارا للمعنى الثاني لانه لما طالت الغفلة صار له إشارة معهودة فتقوم مقام النطق كما في الاخرس وإضافة الوكالة إلى ما بعد الموت وصية لان الايصاء توكيل بعد الموت والوصاية قبل الموت وكالة. ولو أوصى إلى رجل في ماله كان وصيا فيه وفي ولده، وإذا أوصى إليه في أنواع وسكت عن نوع فالوصي في نوع يكون وصيا في الانواع كلها عندنا خلافا للشافعي لانه لو لم تعم وصايته تقع الحاجة إلى نصب وصي آخر فجعل من اختاره الميت وصيا ببعض أموره وصيا في كلها

[ 307 ]

إلى من جعل غيره وصيا لان الموصي لم يرض بتصرف غيره في شئ من الامور ورضي بتصرف هذا في بعض الامور لانها استصلحه واستصوبه في الوصاية فكون هذا وصيا على العموم أولى. ولو قال لفلان وصي إلى أن يقدم فلان فهو كما قال، وذكر القدوري الاول وصى مع الثاني ولا يصح تخصيصه بزمان دون زمان، وجه ظاهر الرواية أن الايصاء قابل للتوقيت لانه توكيل أو إثبات ولاية وكلا الامرين قابل للتوقيت فيتوقت وصاية الاول بقدوم فلان، فإذا قدم فلان انعزل الاول كما لو وكل وكيلا إل أن يقدم فلان وصار الثاني وصيا لانه علق وصية الاول بالشرط وتعليق الايصاء بالشرط جائز لانها وكالة، وتعليق الوكالة والنيابة بالشرط جائز كما لو قال إن سافرت فأنت وكيلي في أمري صح كما لو قال أوصيت إلى عمرو ما لم يقدم زيد وسكت فقدم زيد كان عمرو وصيا بعد قدوم زيد وكان أقام عمرا وصيا لانه مختار الميت ووصيه أولى من إقامة غيره بخلاف ما لو قال أوصيت إلى عمرو ما لم يقدم زيد فإذا قدم زيد فقد أوصيت إلى زيد كان كما قال لانه لم يبق عمرو وصيا معه بعد قدوم زيد فإنه لا يحتاج إلى إقامة من ليس بمختار الميت مقام عمرو، ولا بد من قبول الموصى له لانه متبرع بالعمل له ويلحقه ضرر العهدة فلا بد من قبوله والتزامه. وإذا أوصى إليه فقبل قبل موته أو بعده ثم رد لم يخرج لان الموصي ما أوصى إلا إلى من يعتمد عليه الاصدقاء والامناء، فلو اعتبر القبول بعد الموت فربما لا يقبل فلا يحصل غرضه وهو الوصي الذي اختاره. وقيل: لو صح رده بعد الموت تضرر به وصار مغرورا من جهته لانه اعتمد على قبوله بأن يقوم بجميع التصرفات بعد وفاته والوصي بقبول الوصاية التزم ذلك بمحضر منه، فلو صح رده وقع الموصي في ضرر ويصير مغرورا من جهة الوصي فصارت الوصاية لازمة عليه شرعا بالتزامه نظرا للموصي دفعا للضرر عنه بخلاف الوصية بالمال لان ثمة لو لم يصح رده بعد موته لا يتضرر الميت لانه يعود الثلث إلى الورثة بل الضرر على الموصى له. ولو قبل في حياة الموصي ثم رده في حياته مواجهة يصح ولا يصح بدون محضر الموصي أو علمه لما فيه من الغرور كما في الوكيل لان الموصي طلب منه الالتزام بعد الوفاة لا حالة الحياة ولا يمكنه في الاخيرة أن يوصي إلى غيره فتضرر به، ولو لم يقبل في حياته فهو بالخيار بعد موته إن شاء قبل، وإن شاء رد لان هناك الميت مغرور وهنا ليس كذلك لانه يمكنه أن يسأل أن يقبله أو لا يقبله، فإذا لم يفعل واعتمد على أنه يقبله بعد موته ولم يوص إلى غيره فقد قصر في أمره فصار مغترا من جهة نفسه لا مغرورا من جهة الوصي، والقبول تارة يكون بالقبول وتارة الفعل، فالقبول بالفعل كتنفيذ في وصيته أو شراء شئ للورثة أو قضاء دين كقبوله بالقول إذا الوصاية قد تمت وتقررت بموت الموصي شرعا فإنها لا تقبل البطلان من جهة الموصي إلا أن للموصى له ولاية الرد حتى لا يلزمه ضرر الوصاية بغير رضاه، وليس من صيرورته وصيا

[ 308 ]

بغير علمه ضرر على الوصي إذا كانت له ولاية الرد والابطال كمن أقر لغيره بمال يثبت حكمه حتى لو مات المقر قبل القبول توقف على قبول المقر له، فإذا تصرف الوصي في التركة تصرفا يدل على قبوله تلزمه الوصاية لانه لا يقدر على الرد إلا برد التصرف ولا يمكنه رد التصرف فلا يبقى له الرد لزمته الوصاية ضرورة. وعن أبي يوسف في المنتقى: الدخول في الوصية أول مرة غلط، والثاني خيانة. والثالث سرقة فإذا ظهرت من الوصي خيانة عزله القاضي ونصب آخر لان الامانة في الايصاء أصل لان منفعة الايصاء وفائدتها تحصل بها. ثم الاوصياء ثلاثة: عدل كاف، وغير عدل كاف، وفاسق مخوف على ماله. فالعدل الكافي لا يعزله القاضي وإن عزله ينعزل وصار حائرا لان للقاضي سطوة يد وولاية شاملة على الكافة خصوصا على مال الميت والصغار فيكون عزل القاضي كعزل الميت لو كان حيا. قال صاحب الفصولين: الخيار عندي أنه لا ينعزل، ولو لم يعلم القاضي أن للميت وصيا والوصي غائب فأوصى إلى رجل فالوصي هو وصي الميت دون وصي القاضي لانه اتصل به اختيار الميت دون وصي القاضي كما إذا كان القاضي عالما والعدل الذي ليس بكاف أو ضعيف لا يقدر على التصرف وحفظ التركة بنفسه يضم إليه غيره ولا يعزله لاعتماد الموصى عليه لامانته وصيانته حتى لا ينقطع عن الميت منفعة عدالته ويضم إليه آخر حتى يزول ضرر عدم كفايته هدايته. والفاسق المخوف على ماله يعزله القاضي ونصب آخر مكانه لان في إبقائه على الوصية إضرارا بالميت والميت لا يقدر على عزله فقام القاضي مقامه في العزل. وفي الفتاوي: ولو قال الوصي لي على الميت دين ولا بينة له قيل بأن للقاضي أن يخرجه من الوصاية لانه يستحل الاخذ من مال الميت، وقيل لا يخرجه إلا إذا ادعى شيئا بعينه أخرجه من يده، والمختار أن القاضي يقول للموصى له إما أن تقية البينة عليه حتى تستوفي، وإما أن تبرئه من الدين، وأما إن أخرجك من الوصاية فإن أبرأه وإلا أخرجه. وذكر الخصاف في آداب القاضي أن للقاضي أن يجعل للميت وصيا أخر في مقدار ذلك الدين خاصة حتى يقيم الاول البينة على الوصي لان البينة لا تقبل إلا على الخصم ولا يخرجه من الوصاية. مريض قال لآخر اقض ديوني صار وصيا في قول أبي حنيفة. وقال محمد: ما لم يقل أقض ديوني ونفذ وصاياي لا يصير وصيا. سأل نصير بن يحيى عن قوم ادعوا على الميت دينا ولا بينة لهم والوصى يعلم ذلك قال: يبيع الوصي بعض التركة من الغريم ثم يجحد الغريم الثمن فيصير قصاصا عن ماله، وإن كانت التركة متاعا أو دعهم ثم يجحدون. وقال نصير بن أبي سليمان: وصي شهد عنده عدل أن لهذا على الميت ألف درهم قال يسعه أن يعطيه بقوله، وإن خاف الضمان وسعه أن لا يعطيه فإن كان هذا شيئا بعينه كجارية ونحوها فعلم الوصي أنها لهذه أو كان الميت غصبها قال: هذا يدفعها إلى المغصوب منه. قال رحمه الله: (وإلا لا) أي إن لم يرد عنه بل ردها في غير وجهه لا ترتد لان الوصي

[ 309 ]

مات معتمدا عليه ولم يصح رده في غير وجهه لانه صار مغرورا من جهته فيرد رده عليه فيبقى وصيا على ما كان كالوكيل إذا عزل نفسه في غيبة الموكل ولم يقبل ولم يرد حتى مات الموصي فهو بالخيار إن شاء رد لان الموصي ليس له ولاية الزامه فيكون مخيرا. قال في الهداية: بخلاف الوكيل بشراء عبد بغير عينه احترازا عن الوكيل بشراء عبد بعينه لانه لا يملك عزل نفسه فاعتبر علم الموكل كما في الوصي لانه يؤدي إلى غرور الموكل بخلاف ما إذا كان وكيلا بشراء شئ بعينه له أن يعزل نفسه بغير محضر الموكل على قول بعض المشايخ، وإليه أشار صاحب الهداية في كتاب الوكالة في فصل الشراء بقوله ولا يملكه على ما قيل إلا بمحضر من الموكل على هذا عرفت أن ما قال بعضهم في شرحه قول صاحب الهداية مخالفا لعامة روايات الكتب كالتتمة والذخيرة وغيرهما ليس بشئ لان مراد ما ذكر في التتمة وغيرها من قولهم الوكيل لا يملك إخراج نفسه عن الوكالة بغير علم الموكل ما إذا كان وكيلا بشراء شئ بعينه، ومراد صاحب الهداية هنا ما إذا كان وكيلا بشراء شئ بغير عينه فتوافقت الروايا ت جمعا ولم تختلف، إلى هنا كلام صاحب الغاية، وإلى هذا مال صاحب العناية أيضا كما يظهر من تقريره في شرحه. قال رحمه الله: (وبيع التركة كقبوله) شرع المؤلف يبين أن القبول تارة يكون باللفظ، وتارة يكون بالفعل، فالقبول بالفعل بأن يبيع الوصي التركة قبل القبول باللفظ فهو قبول دلالة الالتزام وهو معتبر بالموت، وينفذ البيع لصدوره من الموصى، سواء علم بالايصاء أو لم يعلم، بخلاف الوكيل حيث لا يكون وكيلا من غير علم لان التوكيل إنابة في حال قيام ولاية الموكل ولا يصح من غير علم كإثبات الملك في البيع والشراء فلا بد من العلم وطريق العلم به أن يخبره واحد من أهل التمييز وقد تقدم بيانه، أما الايصاء فخلافه لانه مختص بحال انقطاع ولاية الميت فلا يتوقف على العلم كالوراثة. قال رحمه الله: (وإن مات الموصي فقال لا أقبل ثم قيل صح إن لم يخرجه قاض منذ قال لا أقبل) أي الموصى إليه إن لم يقبل حتى مات الموصي فقال لا أقبل ثم قال أقبل فله ذلك إن لم يكن القاضي أخرجه من الوصية حين قال لا أقبل لان مجرد قوله لا أقبل لا يبطل الايصاء لان فيه ضررا بالميت وضرر الموصى له في الابقاء مجبور بالثواب، ودفع الضرر الاول أولى إلا أن القاضي إذا أخرجه عن الوصيه يصح ذلك لانه مجتهد فيه فكان له إخراجه بعد قوله لا أقبل كما أن له اخراجه بعد قبوله أولا لانه نصب ناظرا فإذا رأى غيره أصلح منه كان له عزله ونصب غيره، وربما يعجز هو عن ذلك فيتضرر بالوصية فيدفع القاضي الضرر وينصب حافظا لمال الميت متصرفا فيه فيدفع الضرر من الجانبين. ولو قال أقبل بعدما أخرجه القاضي لا يلتفت إليه لانه قبل بعدما بطلت الوصية بإخراج القاضي إياه. قال في العناية: وطولب بالفرق بين الموصى له والموصى إليه فإن قبول الاول في الحال غير معتبر حتى لو قبل حال

[ 310 ]

حياة الموصي ثم رده بعد وفاته كان صحيحا بخلاف الثاني فإن إذا قبله في حال الحياة ثم رده بعد الموت لا يصح، وفي أن قبوله حال حياته معتبر وقبول الاول في حال الحياة غير معتبر. وأجيب بأن الايصاء يقع للميت فكان ردها بغير علمه إضرارا به فلا يجوز بخلاف الاول. وقوله بخلاف الوكيل بشراء عبده بغير عينه أو ببيع ماله حيث يصح رده في غيبته وبغير علمه لانه لا ضرر. قال صاحب النهاية: هذا الذي ذكره مخالف لعامة روايات الكتب من الذخيرة وأدب القاضي للصدر الشهيد والجامع الصغير للمحبوبي، وفي كل واحد منهما ما يدل على أن الوكيل إذا عزل نفسه من غير علم الموكل لم يخرج عن الوكالة حال غيبة الموكل وقول المؤلف إن لم يخرجه قاض إلى آخره اختلف المشايخ في هذا الاخراج قال في العناية: فمنهم من قال حكم في فصل مجتهد فيه فينفذ وإليه ذهب الامام السرخسي واختاره المصنف، ومنهم من قال إنما صح لانها لو صحت بقبوله كان للقاضي أن يخرج ويصح الاخراج فهذا أولى وإليه ذهب الحلواني. قال رحمه الله: (وإلى عبد وكافر وفاسق بدل بغيرهم) أي إذا أوصى إلى هؤلاء المذكورين أخرجهم القاضي ويستبدل غيرهم مكانهم. وأشار المصنف إلى شروط الولاية: فالاول الحرية، والثاني الاسلام، والثالث العدالة. فلو ولي من ذكر صح ويستبدل غيره، وذكر القدوري أن للقاضي أن يخرجهم عن الوصية وهذا يدل على أن الولاية صحيحة لان الاخراج يكون بعد الدخول. وذكر محمد في الاصل أن الوصية باطلة قيل معناه ستبطل، وقيل في العبد باطلة لعدم الولاية على نفسه وفي غيره معناه ستبطل، وقيل في الكافر باطلة أيضا لعدم ولايته على المسلم. ووجه الصحة ثم الاخراج أن أصل النظر ثابت لقدرة العبد حقيقة وولاية الفاسق على نفسه وعلى غيره على ما عرف من أصلنا، وولاية الكافر تتم في الجملة إلا أنه لم يتم النظر لتوقف ولاية العبد على إجازة مولاه وتمكنه من الحجر بعدها والمعادة الدينية دالة على ترك النظر في حق المسلم واتهام الفاسق بالخيانة فيخرجهم القاضي عن الوصية ويقيم غيرهم مقامهم إتماما للنظر. وشرط في الاصل أن يكون الفاسق مخوفا منه على المال لانه يكون عذرا في إخراجه وتبديله بغيره بخلاف ما إذا أوصى إلى مكاتبه أو مكاتب غيره حيث يجوز لان المكاتب في منافعه كالحر وإن رد بعد ذلك فالجواب فيه كالجواب في القن، والصبي كالقن لو بلغ الصبي وعتق العبد وأسلم الكافر لم يخرجهم القاضي عن الوصية. وإذا تصرف الصبي أو العبد أو الذمي قبل أن يخرجهم القاضي من الوصاية هل ينفذ تصرفهم؟ اختلف فيه المشايخ، فمنهم من قال ينفذ، ومنهم من قال لا ينفذ وهو الصحيح. ولو أوصى إلى عاقل فجن جنونا مطبقا قال أبو حنيفة: ينبغي للقاضي أن يجعل مكانه وصيا للميت، فإن لم يفعل القاضي حتى أفاق الوصي كان وصيا على حاله. وفي نوادر إبراهيم عن محمد: إذا أوصى إلى رجل فقال إن مت أنت فالوصي بعدك

[ 311 ]

فلان فجن الاول جنونا مطبقا فالقاضي يجعل مكانه وصيا حتى يموت الذي جن فيكون الذي سماه الموصى وصيا فقد ذكر ابن سماعة عن محمد رحمه الله في نوادره فيمن أوصى إلى ابن صغير له قال، يجعل القاضي له وصيا يجوز أمره، وإذا بلغ ابنه جعله وصيا وأخرج الاول إن شاء ولا يخرج إلا بالاخراج. قال رحمه الله: (وإلى عبده وورثته صغار صح) أي إذا أوصى إلى عبد نفسه وورثته صغار جاز الايصاء إليه، وهذا عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: لا يجوز وهو القياس لان الولاية منعدمة لما أن الرق ينافيها ولان فيه الولاية للمولك على المالك وفي هذا قلب المشروع، ولان الولاية الصادرة من الاب لا تتجزئ في اعتبار هذه الولاية تجزؤها لا يملك بيع رقبته وهذا خلاف الموضوع. ولابي حنيفة أنه مخاطب مستند بالتصرف فيكون أهلا للوصاية وليس لاحد عليه الولاية فإن الصغار وإن كانوا ملاكا فليس لهم ولاية التصرف فلا منافاة. فإن قيل: إن لم يكن لهم ذلك فللقاضي أن يبيعه فيتحقق المنع والمنافاة أجيب بأنه إذا ثبت الايصاء لم يبق للقاضي ولاية بخلاف ما إذا كان في الورثة كبار أو أوصى إلى عبد الغير لانه لا يستبد إذا كان للمولى منعه بخلاف الاول لانه ليس له بيعه وإيصاء المولى إليه يؤذي بكونه ناظرا لهم فصار كالمكاتب والوصايا قد تجزأ على ما رواه الحسن عن أبي حنيفة كما إذا أوصى لرجلين أحدهما يكون في الدين والآخر في العين فيكون كل واحد منهما وصيا فيما أوصى إليه خاصة أو نقول يصار إليه كيلا يؤدي إلى إبطال أصله، وتعيين الوصف بإبطال عموم الولاية أولى من إبطال أصل الايصاء، وقول محمد فيه مضطرب ويروي مع أبي حنيفة ويروي مع أبي يوسف. قال رحمه الله: (وإلا لا) يعني إن لم تكن الورثة صغارا بأن كانوا كلهم أو بعضهم كبارا لا يجوز الايصاء لان الكبير له أن يمنعه أو يبيع نصيبه فيمنعه المشتري فيعجز عن الوفاء بما التزم فلا يفسد. قال رحمه الله: (ومن عجز عن القيام ضم إليه غيره) لان في الضم رعاية الحقين حق الوصي وحق الورثة لان تكميل النظر يحصل به لان النظر يتم بإعانة غيره، ولو شكى الوصي إليه ذلك فلا يجيبه حتى يعرف ذلك حقيقة لان الشاكي قد يكون كاذبا على نفسه، ولو ظهر للقاضي عجزه أصلا استبدل به غيره رعاية للنظر من الجانبين، ولو كان قادرا على التصرف وهو أمين فيه ليس للقاضي أن يخرجه لان مختار الميت، ولو اختار غيره كان دونه فكان إبقاؤه أولى ألا ترى أنه قدم على أب الميت مع وفور شفقته فأولى أن يقدم على غيره، وكذا إذا شك الورثة أو بعضهم الوصي إليه لا ينبغي له أن يعزله حتى تبدو له منه خيانة لانه استفاد الولاية من الميت غير أنه إذا ظهرت الخيانة فاتت الامانة، والميت إنما اختاره لاجلها وليس من النظر ابقاؤه بعد فواتها، ولو كان حيا لاخرجه منها فينوب القاضي منابه عند عجزه ويقيم غيره مقامه كأنه مات ولا وصي له.

[ 312 ]

قال رحمه الله: (ويبطل فعل أحد الوصيين) أي إذا أوصى إلى اثنين لم يكن لاحدهما أن يتصرف في مال الميت، فإن تصرف فيه فهو باطل وهذا عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: ينفرد كل واحد منهما بالتصرف. ثم قيل: الخلاف فيما إذا أوصى إلى كل واحد منهما بعقد، وأما إذا أوصى إليهما معا أو أوصى إليهما بعقد على حدة ومحمد الخلاف إذا كان ذلك في عقدين، وأما إذا كان في عقد واحد فلا ينفرد أحدهما بالاجماع فكذا ذكره الكيساني. وقيل: الخلاف في الفصلين جميعا ذكره أبو بكر الاسكاف. وقال في المبسوط: وهو الاصح. ولا يخفى أن المراد من البطلان التوقف على إجازة الآخر أو رده بخلاف الوكيلين إذا وكلهما متفرقا حيث ينفرد كل واحد منهما بالتصرف بالاجماع. والفرق أن ضم الثاني في الايصاء دليل على عجز الاول عن المباشرة وحده وهذا لان ضم الايصاء إلى الثاني يقصد به الاشتراك مع الاول وهو يملك الرجوع عن الوصية للاول فيملك اشتراك الثاني معه، وقد يوصي الانسان إلى غير على أنه يتمكن من اتمام مقصوده وحده ثم يتبين له عجزه عن ذلك فيضم إليه غيره فصار بمنزلة إيصاء إليهما معا ولا كذلك الوكالة، فإن رأي الموكل قائم. ولو كان الوكيل عاجزا لباشر بنفسه لتمكنه من ذلك، ولما وكل علم أن مراده أن ينفرد كل واحد منهما بالتصرف، ولان وجوب الوصية عند الموت فيثبت لهما معا بخلاف الوكالة المتعاقبة، فإذا ثبت أن الخلاف فيهما معا فأبو يوسف يقول: إن الوصايا سبيلها الولاية وهي وصف شرعي لا يتجزئ فيثبت كل واحد كاملا كولاية الانكاح للاخوين وهذه لان الوصايا خلافة وإنما تتحقق الخلافة إذا انتقلت إليه كذلك فلا اختيار الموصي أيهما يؤذن باختصاص كل واحد منهما بالشفقة إليه. ولهما أن الولاية تنبت عند الموت فيراعي وصف ذلك وهو وصف الاجتماع لانه شرط مفيد لان رأي الواحد لا يكون كرأي الاثنين ولم يرض الموصي إلا بالاثنين فصار كل واحد في هذا السبب بمنزلة شطر العلة وهو لا يثبت به لحكم فكان باطلا بخلاف الاخوين في النكاح لان السبب هناك القرابة وقد قامت بكل واحد منهما كملا، ولان الانكاح حق مستحق لها على الولي حتى لو طالبته بإنكاحها من كف ء يخطبها يجب عليه وههنا حق التصرف للوصي ولهذا بقي مخيرا في التصرف، ففي الوليين أولى حتما على صاحبه وفي الوصيين استوفى حقا لصاحبه فلا يصح نظير الاول إيفاء دين عليهما. ونظير الثاني استيفاء دين لهما حيث يجوز في الاول دون الثاني بخلاف مواضع الاستثناء لانها من باب الضرورة لا من باب الولاية على ما نبينه ومواضع الضرورة مستثناة دائما أبدا وهو ما استثناه في الكتاب وأخواتها. وفي التتارخانية: رجل أوصى إلى رجلين فمات أحدهما وأوصى إلى صاحبه جاز ويكون لصاحبه أن يتصرف، وروي أنه لا يجوز والصحيح الاول. وفي فتاوي أبي الليث: إذا أوصى إلى رجلين فقبل أحدهما وسكت الآخر فقال الذي قبل

[ 313 ]

للساكت بعد موت الموصي اشتر هذا للميت فقال نعم كان قبولا للوصية، وإذا أوصى إلى رجلين وقال لهما ضعا ثلث مالي حيث شئتما فمات أحدهما قبل أن يفعلا ذلك بطلت الوصية ويرجع الثلث لورثة الميت، ولو قال جعلت ثلث مالي للمساكين والمسألة بحالها قال: يجعل القاضي وصيا آخر، وإن شاء يقول للثاني منهما اقسم أنت وحدك. وعلى قول أبي يوسف الآخر له أن يتصدوحده. وفيه أيضا سئل أبو القاسم عمن أوصى إلى رجلين بأن يشتريا من ماله عبدا بكذا درهما ولاحد الوصيين عبد قيمته أكثر مما سماه الموصي هل للوصي الآخر أن يشتري العبد بما نص الموصي؟ قال: إن فوض الموصي إلى كل واحد أن ينفرد في ذلك فشراؤه من صاحبه جائز، ولو باع ذلك صاحب العبد من أجنبي وسلمه إليه لم يشتريا جميعا للميت. وفي الخانية: فهذا أصوب. وفيه أيضا سأل أبو بكر عمن أوصى إلى رجل وقال اعمل فيه برأي فلان قال: هو وصى تام وله أن يعمل بغير رأي فلان، وفي قول آخر الثاني هو الوصي التام والاول هو وصي ناقص. قال الفقيه أبو الليث: وبعضهم قالوا كلاهما وصيان في الوجهين جميعا. وقال بعضهم: الاول هو الوصي وبه قال نصير. وقال أبو نصر: إن قال اعمل فيه برأي فلان فهو الوصي خاصة، وإن قال لا تعمل إلا برأي فلان فهما وصيان وهو أشبه بقول أصحابنا فإنهم قالوا فيمن وكل آخر ببيع عبده وقال بالشهود فباعه الوكيل بغير شهود جاز، وكذلك لو قال بعه بمحضر فلان فباعه بغير محضر فلان يجوز، ولو قال لا تبع إلا بالشهود أو قال لا تبع إلا بمحضر من فلان فباع بغير شهود أو بغير محضر فلان لا يجوز، وعلى هذا إذا قال الموصي بعلم فلان أو قال إلا بعلم فلان. وإذا أوصى الرجل إلى رجلين وقال لهما ضعا ثلث مالي حيث شئتما أو قال أعطياه ممن شئتما ثم اختلفا في ذلك فقال أحدهما أعطيه فلانا وقال الآخر أعطيه فلانا آخر لم يكن لواحد منهما ذلك عند أبي حنيفة ومحمد خلافا لابي يوسف. وفي الخانية: رجل أوصى بنصيب بعض ولده إلى رجل وبنصيب البعض إلى رجل آخر فهما يشتركان في الكل، ولو أوصى إلى رجل بدين وإلى آخريان يعتق عبده أو ينفذ وصيته فهما وصيان في كل شئ في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: كل واحد منهما وصي على ما سمي له لا يدخل الآخر معه، وكذا لو أوصى وبميراثه في بلد كذا إلى رجل وبميراثه في بلد أخرى إلى آخر. وقال الشيخ الامام أبو بكر محمد بن الفضل: إذا جعل الرجل رجلا وصيا على ابنه وجعل رجلا آخر وصيا على ابنه أو جعل أحدهما وصيا في ماله الحاضر وجعل الآخر وصيا في ماله الحاضر وجعل الآخر وصيا في ماله الغائب، فإن كان شرط أن لا يكون كل واحد منهما وصيا فيما أوصى إلى الآخر يكون الامر على ما شرط عند الكل، وإن لم يكن شرط ذلك فحينئذ تكون المسألة على الاختلاف، والفتوى على قول أبي حنيفة وفي الوصيتين من جهة الابوين ومعهم وصي الام قال محمد في

[ 314 ]

الزيادات: جارية بين رجلين جاءت بولد فادعياه جميعا حتى ثبت النسب منهما وصارت الجارية أم ولد لهما على ما عرف، ثم إنهما أعتقا الجارية واكتسب اكتسابا ثم ماتت وأوصت إلى رجل ولم تدع وارثا غير ابنها هذا وهو صغير لم يبلغ كان ولاية التصرف في مال الولد وحفظه للولدين لا لوصي الام، فإن غاب الوالدان تظهر ولا ية وصي الام فتثبت له ولاية الحفظ ولكن إنما تثبت الولاية فيما ورث الصغير من الامام وفيما كان للصغير قبل موت الام لا فيما ورث الصغير بعد ذلك، وكما ثبت له ولاية الحفظ ثبت له ولاية كل تصرف هو من باب الحفظ كبيع المنقول وبيع ما يتسارع إليه الفساد. وإن غاب أحد الوالدين والآخر حاضر فكذلك الجواب عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف أحد الابوين ينفرد بالتصرف في مال الصغير فولاية التصرف في مال الغصير وحفظه للوالد دون وصي الام. ولو مات أحد الابوين بعد موت الام ولم يدع وارثا غير هذا الصغير وأوصى إلى رجل والوالد الآخر حاضر فالميراث كله للصغير، وولاية التصرف في التركتين للاب الثاني لا لوصي. وإن كان الوالد الثاني غائبا فلوصي الام حفظ ما تركت اوم فيما كان من باب الحفظ. وإن مات الوارث الثاني بعد ذلك وأوصى إلى رجل فوصيه يكون أولى من وصي الاب الذي مات قبله وأولى من وصي الام، فإن كان للاب الذي مات أولا أب وهو جد هذا الغلام وباقي المسألة بحالها فوصي الاب الذي مات آخرا أولى بالتصرف في مال الصغير، وكذلك لو كان الاب الذي مات آخرا أبا وهو جد الغلام كانت وصيته أولى من أبيه. وإن مات ووصي الاب الذي مات آخرا ولم يوص إلى أحد ومات الاب الذي مات آخرا ولم يوص إلى أحد وقد ترك الاب الذي مات أولا أبا جد هذا الغلام ووصيا فإن وصي الاب الذي مات أولا أولى من وصيه، فإن كان مات الوالدان أحدهما قبل الآخر ولكل واحد منهما أب وأوصى كل واحد إلى رجل إن عرف الذي مات أولا من الذمات آخرا فولاية التصرف في المال لوصي الذي مات آخرا، وإن مات هذا الموصي ولم يوص إلى أحد ومات الاب الذي عرف موته آخرا ولم يوص إلى أحد وباقي المسألة بحالها فولاية التصرف في المال للجدين لا ينفرد أحدهما به. قال رحمه الله: (إلا في التجهيز وشراء الكفن) لان في التأخير فساد الميت ولهذا يملكه الجيران أيضا في الحضر والرفقة في السفر. قال رحمه الله: (وحاجة الصغار والاتهاب لهم) لانه يخاف هلاكهم من الجوع والعري وانفراد أحدهما بذلك خير ولهذا يمكله كل من هو في يده. قال رحمه الله: (ورد وديعة عين وقضاء دين) لانه ليس هو من باب الولاية وإنما هو من باب الاعانة ألا ترى أن صاحب الحق يملكه إذا ظفر به بخلاف اقتضاء دين الميت لانه رضي بأمانتهما جميعا في القبض، ولان فيه معنى المبادلة وعند اختلاف الجنس حقيقة المبادلة ورد المغصوب ورد المبيع في البيع الفاسد من هذا القبيل، وكذا حفظ المال فلذلك ينفرد به أحدهما دون صاحبه، وما استثناه القدوري في

[ 315 ]

مختصره بقوله إلا في شراء الكفن للميت وتجهيزه وطعام الصغار وكسوتهم ورد وديعة بعينها وقضاء دين وتنفيذ وصية بعينها وعتق عبد بعينه والخصومة في حقوق الميت اه‍. وهذه تسعة أشياء كما ترى قصر القدوري الاستثناء عليها في مختصره، وأقتفى أثره صاحب الهداية وزاد فيها على ذلك أشياء بقوله: ورد المغصوب والمشتري شراء فاسدا وحفظ الاموال وقبول الهبة وبيع ما يخشى عليه التوى والتلف وجمع الاموال الضائعة. وهذه التي زادها في الهداية على ما في الكتاب ستة أشياء فيصير مجموع الاشياء المعدودة خمسة عشر اه‍. قال رحمه الله: (وتنفيذ وصية معينة وعتق عبد معين) لانه لا يحتاج فيه إلى رأي. قال رحمه الله: (والخصومة في حق الميت) لان الاجتماع فيه متعذر ولهذا ينفرد بها أحد الوكيلين أيضا. ولو مات أحدهما جعل القاضي مكانه وصيا آخر، أما عندهما فظاهر لان الباقي منهما عاجز عن الانفراد بالتصرف فيضم القاضي إليه وصيا ينظر إلى الميت عند عجز الميت، وأما عند أبي يوسف فلان الحي منهما وإن كان يقدر على التصرف فالموصي قدر أن يجعل وصيين يتصرفان وذلك ممكن لتحقيق نصب وصي آخر مكان الاول. قال في الهداية: وقضاء دين قال في الغاية: والمراد بالتقاضي الاقتضاء وكذا كان المراد في عرفهم اه‍. وهذا يوهم أن لا يكون الاقتضاء الذي هو القبض على أصل الرواية لانه في معناه وضعا إلا أن العرف بخلافه وهو قاض على الوضع ا ه‍. ويدلك على كون معناه ذلك معنى التقاضي في الوضع واللغة بل كان معناه في العرف مع أن الامر ليس كذلك كما صرح به المنصف في باب الوكالة بالخصومة من كتاب الوكالة حيث قال: الوكيل بالتقاضي يملك القبض على اصل الرواية ما ذكر في كتب اللغة. قال في القاموس: تقاضاه الدين قبضه منه. وقال في الاساس: تقاضيته ديني وبديني واقتضيته ديني واقتضيت منه حقي أي أخذته اه‍. ولم يتعرض المصنف لتصرفات الا ب ووكيل الاب والجد والقاضي وأمين القاضي في مال الصغير ونحن نذكر ذلك. قال في الاصل: الاب إذا باع مال نفسه من ابنه الصغير أو اشترى مال ابنه الصغير لنفسه جاز استحسانا، والقياس أن لا يجوز. ثم اختلف المشايخ في أنه هل يشترط لاتمام هذا العقد الايجاب والقبول؟ والصحيح أنه لا يشترط حتى أن الاب إذا قال بعت هذا من ولدي بكذا أو قال اشتريت منه هذا بكذا فإنه يتم العقد ولا يحتاج إلى أن يقول بعت واشتريت، وإليه أشار في الكتاب فإنه قال: إذا باع من ولده وأشهد على ذلك جاز ولم يشترط القبول، هكذا ذكر الناطفي في واقعاته. ثم إن محمدا ما ذكر الاشهاد في الكتاب على وجه الشرط لجواز هذا البيع وتمامه. وإنما ذكره على وجه الاستيثاق لحق الصغير حتى يتم معاملة الصغير، ويجوز هذا البيع من الابن بمثل القيمة أو بما يتغابن الناس في مثله. وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يجوز هذا العقد إلا بمثل القيمة وفي

[ 316 ]

هذا الغبن اليسير على هذه الوراية يمنع، ولكن ما ذكره في ظاهر الرواية أصح. ولو وكل الاب رجلا ببيع عبد له من ابن له والابن صغير لا يعبر عن نفسه ففعل الوكيل ذلك لا يجوز، ولو وكل الصغير بعد البلوغ وكيلا ووكل الاب أيضا ذلك الوكيل فباع هذا من ذلك لا يجوز كذا هنا. ولو كان الاب حاضرا وقبل من الوكيل جاز وتكون العهدة من جانب الابن على الاب ومن جانب الاب على الوكيل، وقيل على العكس. ذكر هشام في نوادره وعن محمد: إذا اشترى الاب عبد ابنه الصغير شراء فسادا فمات العبد قبل أن يستعمل العبد أو يقبضه أو يأمره بعمل مات من مال الصغير. وفي المنتقي: اشترى من ابنه عبدا والعبد في يد الاب فما ت العبد فهو من مال الابن حتى يأمره الوالد بعمل أو يقبضه، وإذا كان لرجل ابنان فباع مال أحدهما من الآخر وهما صغيران فإن قال بعت عبد ابني فلان من فلان جاز ذلك، هكذا ذكر المسألة في الديات. ولم يذكر ثمة أنهما إذا بلغا فالعهدة على من تكون، وقد اختلفوا فيه والصحيح أن العهدة عليهما. ولو وكل الاب رجلا حتى باع مال أحدهما من الآخر يجوز، وإذا وكل رجلا بذلك يجب أن يجوز ويجاب بأن الا ب لكمال شفقته ملك هؤلاء وكيله لفقدها. ولو وكل الاب وكيلا بالبيع ووكيلا بالشراء فباع الوكيل يجوز. وفي الزيادات: الاب إذا باع مال الصغير من أجنبي بمثل القيمة فهو على ثلاثة أوجه: فإن كان الاب عدلا عند الناس أو كان مستورا بحال يجوز البيع حتى لو كبر الابن لم يكن له أن ينقض البيع عند المشايخ وبه أخذ الصدر الشهيد إذا كان خيرا للصغير بأن باع بضعف قيمته، وإن باع ما سوى العقار من المنقولات ففيه روايتان: في رواية يجوز ويؤخذ الثمن ويوضع على يد عدل، وفي رواية لا يجوز إلا إذا كان خيرا للصغير على نحو ما قلنا. وفي نوادر هشام عن أبي يوسف: الاب إذا باع لابنه الصغير ما ثمنه عشرة دراهم بدرهم يجوز، وإن اشترى له ما ثمنه درهم بعشرة دراهم لم يجز. وفي الاصل: سوى بين البيع والشراء في هذه الصورة وأشباهها. وذكر شمس الائمة الحلواني في أدب القاضي في أبواب الوصايا أن الصغير إذا ورث مالا والاب مبذر مستحق الحجر على قول من يرى ذلك لا تثبت الولاية للاب. وفي المنتقى عن محمد: رجل باع عبد ابنه الصغير من رجل بألف ثم قال في مرضه قد قبضت من فلان من الثمن مائتين فمات في مرضه لم يجز إقرار الاب وكان للوصي أن يأخذ الثمن من المشتري كما لو لم يوجد هذا الاقرار من المريض، ولو قال في مرضه قبضتها من فلان فضاعت كان مصدقا، ولو قال قبضتها واستهلكتها لم يكن مصدقا ولا يبرأ المشتري منها ولا يكون للمشتري إذا أخذ منه الثمن أن يرجع على الاب أو في ماله. الزيادات عن محمد: إذا اشترى الاب لابنه الصغير شيئا ونقد الثمن من ماله ينوي أن يرجع ولم يشهد على ذلك ولم يقض له القاضي بالرجوع وسعه فيما بينه وبين ربه أن يرجع.

[ 317 ]

وفي المنتقى عن أبي يوسف: رجل اشترى دارا لابنه الصغير فعلى الاب أن ينقد الثمن، فإن مات قبل أن ينقد فهو في ماله خاصة يعنى مال الاب ولا يرجع به في مال الابن، ولو اشترى لابنه دارا وأشهد عند عقد البيع أنه يرجع عليه بالثمن كان له أن يرجع عليه به، وكذلك كل شئ يشتريه مما لا يجبر الا ب عليه، وكذلك كل دين كان على الاب وضمن للاب عنه. وذكر في نوادر بشر عن أبي يوسف تفصيلا فيما اشترى الاب لابنه قال: إن كان اشترى شيئا يجبر الاب عليه، فإن كان طعاما أو كسوة ولا مال للصغير لا يرجع الاب عليه وإن أشهد أنه يرجع عليه، وإن كانت المشتري شيئا يجبر الاب عليه بأن كان المشتري طعاما أو كسوة وللصغير مال أو كان المشتري دارا أو ضياعا إن كان الاب شهد وقت الشراء أنه يرجع وإن لم يشهد لا يرجع. وعن أبي حنيفة فيما إذا اشترى دارا أو ضيعة أو مملوكا لابنه الصغير، فإن كان للابن مال فالرجوع بالثمن على التفصيل إن أشهد وقت الشراء أنه يرجع يرجع، وإن لم يشهد لا يرجع، وإن لم يكن للابن مال لا يرجع، أشهد على الرجوع أو لم يشهد. ثم في بعض المواضع يشترط الاشهاد وقت الشراء وفي بعضها يشترط الاشهاد وقت نقد الثمن نقول: إذا أشهد وقت نقد الثمن إنما نقد الثمن ليرجع إليه، وروي الحسن بن مالك عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: رجل اشترى لابنه الصغير ثوبا ودفعه إليه في صحته ثم أدى الثمن في مرضه لا يرجع على الابن بشئ. وروي بشر عن أبي يوسف: رجل تزوج امرأة على أمة لابنه الصغير فهو جائز، وإذا أسلم الامة يصير متعديا ويضمن قيمة الامة في قول أبي حنيفة، وفي قول أبي يوسف لا يصح إمهار الامة ويكون على الاب قيمتها للزوجة. وفي الذخيرة: اشترى الاب قريب الصبي أو المعتوه لا يجوز على الصبي والمعتوه ويجوز على الاب، ولو اشترى للمعتوه أمة كان استولدها بحكم النكاح يلزم الاب قياسا، وفي الاستحسان يجوز، وهذا القياس والاستحسان على قول أبي حنيفة ومحمد، وعلى قول أبي يوسف لا يجوز أصلا، فهذه المسألة على أن الاب إذا باع مال الصغير بدين نفسه من رب الدين بمثل ما عليه من الدين على قول أبي حنيفة ومحمد يجوز ويصير الثمن قصاصا بدينه ويصير هو ضامنا للصغير خلافا لابي يوسف. وأجمعوا على أن الاب إذا أراد أن يوفي دينه من مال الصغير ليس له ذلك، هكذا ذكر شمس الائمة السرخسي في شرحه أن الاب لا يملك قضاء دين نفسه من مال الصبي. وذكر القاضي الامام صدر الاسلام في شرح كتاب الرهن أنه يجوز، ويحتمل أن يكون في المسألة روايتان. وإذا صح رهن الاب متاع الصغير بدين نفسه عندهما فهلك الرهن في يد المرتهن هلك بما فيه ويضمن الاب للصغير قيمة الرهن إن كانت القيمة مثل الدين أو أقل، أما إذا كانت القيمة أكثر من الثلث يضمن مقدار الدين ولا يضمن الزيادة. وذكر شمس الائمة في شرح كتاب الرهن أن للاب أن يستقرض مال ولده لنفسه. وذكر شيخ الاسلام في شرحه أنه ليس له ذلك. وذكر شمس الائمة الحلواني: روي الحسن عن أبي

[ 318 ]

حنيفة أنه ليس للاب أن يستقر ض مال الصغير من الاجنبي. وذكر شمس الائمة السرخسي في الروايات الظاهرة ليس له ذلك. وفي الذخيرة: واختلف المشايخ في الاب في اختلاف الروايتين عن أبي حنيفة، والصحيح أن الاب بمنزلة الوصي لا بمنزلة القاضي، والاب إذا أقرض مال نفسه لولده الصغير وأخذ رهنا من مال ولده جاز له ذلك، هكذا ذكر شمس الائمة الحلواني وخواهر زاده، وفي نوادر ابن سماعة عن محمد: لا يجوز وسيأتي له مزيد مسائل. المعتوه والتصرف عليه لا يصح حتى تمضي عليه سنة من يوم صار معتوها قال: ولا أحفظ فيه عن أبي حنيفة وأبي يوسف شيئا. قال ابن سماعة قال محمد: وقت في ذلك شهرا ثم بعد رجوعه من الذي قدره بسنة وكل جواب عرفته في الجنون فهو الجواب في المعتوه لانهما يستويان في الاحكام. وإذا أرسل الاب غلامه في حاجة ثم باعه من ابن صغير له جاز ولا يصير الاب قابضا من ابنه بمجرد البيع حتى لو هلك الغلام قبل أن يرجع إلى الولد هلك من مال الوالد بخلاف ما إذا وهبه منه حيث يصير قابضا له عن الابن بنفس الهبة، وإن لم يرجع العبد حتى بلغ الولد ثم رجع إلى الولد لا يصير الوالد قابضا حتى لو هلك قبل أن يقبضه الوالد هلك من مال الولد وإن انتقض البيع. وفي حيل الاصل ذكر طريق براءة الاب عن الثمن الذي وجب عليه لابنه الصغير فقال: يخرج الاب مقدار الثمن من مال نفسه ثم يقول الاب إني اشتريت وقد قبضتها لابني بكونه. في يدي ويشهد على ذلك. وعن محمد في نوادره أنه قال: لا يبرأ عن الثمن ما لم يشتر لابنه بذلك الثمن من مال نفسه شيئا، وعلى هذا إذا أنفق من مال ابنه الصغير في حاجة نفسه حتى وجب عليه الضمان ثم أراد أن يبرأ عنه فهو على ما قلنا. وفي الهاروني: الثمن الذي لزم الاب بشراء مال ولده فلا يبرأ الاب منه حتى يكون في يده عن ابنه وديعة، وإذا باع داره من ابنه في عياله والاب ساكن فيها لا يصير الابن قابضا حتى يفرغها الاب حتى لو انهدمت الدار والاب فيها يكون الهلاك على الاب، وكذلك لو كان فيها متاع الاب أو عياله وهو غير ساكن فيها فإن فرغها الاب صار الابن قابضا، فإن عاد الاب بعدما تحول منها فسكنها أو جعل فيها متاعا أو سكنها عياله وكان غنيا صار بمنزلة الغاصب. وفي الهاروني: ولو باع الاب من ابنه الصغير جبة وهي على الاب أو طيلسانا هو لابسه أو خاتما في أصبعه لا يصير الابن قابضا حتى ينزع ذلك الاب، وكذلك في الدابة والاب راكبها، وكذلك إن كان عليها حمل حتى ينزعه عنها. ولو قال الاب اشهدوا أني قد اشتريت جارية ابني هذا بألف درهم وابنه صغير في عياله جاز الشراء ويصير الاب قابضا بنفس الشراء إن كانت في يده والثمن دين عليه لا يبدأ إلا بالطريق الذي قلنا. وفي الذخيرة: وإذا استأجر الاب للصغير أجيرا بأكثر من أجر مثله فالاجرة على الاب إذا كان بحيث لا يتغابن الناس فيه. وذكر شيخ الاسلام في شرح السير أن الاجارة تنفذ على

[ 319 ]

الصغير. قال القاضي ركن الاسلام علي السغدي: لو غصب إنسان دار صبي قال بعض الناس يجب عليه أجره المثل فما ظنك في هذا؟ ومن المشايخ في روي وجوب أجر المثل إلا إذا كان النقصان خيرا للصغير فحينئذ يجب النقصان. وإذا هلك الرجل وترك أبا وأوصى كان للاب أن ينفذ وصاياه، ولو مات وعليه ديون كثيرة وورثة صغار وترك متاعا وعقارا لم يكن للاب أن يبيع شيئا من التركة، هكذا ذكر الخصاف في أدب القاضي. وفي الذخيرة قال محمد رحمه الله: لم يذكر هذا الفصل في المبسوط على هذا البيان فإنه أقام الجد مقام الاب فإنه قال: إذا ترك وصيا وأبا فالوصي أولى، فإن لم يكن له وصي فالاب أولى، وإن مات الاب وأوصى لوصيه فهو أولى ثم وصي القاضي. وعن محمد: القاضي إذا باع مال الصغير من رجل وسلمه للمشتري ثم وجد المشتري عيبا فليس له أن يخاصم القاضي في الرد بالعيب، وكذلك إذا باع بعض أمناه القاضمال اليتيم فليس للمشتري خصومة معه في الرد لانه نائب عن القاضي، وحكمه حكم المنوب عنه. القاضي إذا باع على صغير دارا فإذا هي لصغير آخر هو في ولايته لا يجوز، هكذا روي عن محمد. وفي المنتقى: القاضي إذا باع مال اليتيم من نفسه أو باع مال نفسه من اليتيم ذكر في السير الكبير أنه لا يجوز، وأشار إلى المعنى وقال: لان بيع القاضي مال الصغير يكون على وجه الحكم وحكم القاضي لنفسه باطل. وذكر في نوادر ابن رستم في أول مسائل النكاح عن محمد أن القاضي إذا زوج الصغيرة اليتيمة من ابنه الصغير وكذلك لو زوجها ممن لا تقبل شهادته له لا يجوز لان نكاح القاضي يكون على وجه الحكم ولا يجوز حكمه لابنه الصغير ولا لمن لا تقبل شهادته له. قال الناطفي في أجناسه من مسائل البيوع: ذكر محمد في السير الكبير أن بيع القاضي مال الصغير من نفسه لا يجوز على قول محمد، وأما على قول أبي حنيفة ينبغي أن يجوز. وفي واقعات الناطفي: إذا اشترى مال اليتيم لنفسه من وصي اليتيم يجوز وإن كان القاضي جعله وصيا لان الوصي نائب عن الميت لا عن القاضي. إذا باع أمين القاضي مال الصغير بأمر القاضي وقبض المشتري المبيع ولم يسلم الثمن حتى أمر القاضي الامين أن يضمن الثمن عن المشتري فضمن صح ضمانه، وكذلك الجواب في أمين القاضي. والاب إذا باع مال الصغير وضمن الثمن عن المشتري لا يصح ضمانه، وإذا أراد القاضي نصب الوصي ففي أي موضع ينصب فقد ذكرنا هذا الفصل بتمامه في أدب القاضي، وذكرنا ثمة أن القاضي إذا أردا نصب الوصي لصغير هل يشترط حضرة الصغير أو لا يشترط؟ وإذا نصب القاضي وصيا للصغير وخص له نوعا من الانواع تقتصر وصايته على ذلك النوع فالوصاية من قبل القاضي قابلة للتخصيص بخلاف الوصاية من جهة الاب. وفي الفتاوى: رجل عن غير وصي فقال القاضي لرجل جعلتك وكيلا في تركة فلان فهو وكيل في حفظ الاموال خاصة حتى يقول له بع واشتري، ولو قال جعلتك وصيا فهو وصي بأمر القاضي وبه نأخذ. وفي نوادر بشر عن أبي يوسف: إذا اشترى القاضي من متاع اليتيم لنفسه

[ 320 ]

شيئا فهو بمنزلة الوصي، فإذا رفع إلى قاض آخر نظر فيه، فإن كان خيرا لليتيم أجازه وإلا لم يجزه. وكره القاضي شراءه. وفي الذخيرة: القاضي إذا استأجر لليتيم أجيرا بأكثر من أجر المثل بحيث لا يتغابن الناس ولم يعلم القاضي بذلك فللاجير أجر مثل عمله في مال اليتيم، ولو قال القاضي تعمدت الجواز تنفذ الاجارة على القاضي ويجب جميع الاجر في مال القاضي، وإذا أقرض مال اليتيم صح. قال رحمه الله: (ووصى الوصي وصي التركتين) أي إذا مات الوصي فأوصى إلى غيره فهو وصي في تركته وتركة الميت الاول. وقال الشافعي: لا يكون وصيا في تركة الميت الاول لان الميت فوض إليه التصرف ولم يفوض إليه الايصاء إلى غيره فلا يملكه، ولانه رضي برأيه ولم يرض برأي غيره فصار كوصي الوكيل فإنه يكون وصيا في مال الوكيل خاصة دون مال الموكل، ولان العقد لا يقتضي مثله ألا ترى أن الوكيل ليس له أن يوكل ولا للمضارب أن يضارب، وكذا الوصي ليس له أن يوصي في مال الموصى له. ولنا أن الوصي ترصف بوصية مستقلة إليه فيملك الايصاء إلى غيره كالجد ألا ترى أن الولاية التي كانت ثابتة للموصي تنتقل إلى الوصي ولهذا يقدم على الجد، ولو لم ينتقل إليه لم يقدم عليه كالوكيل لما لم ينتقل إليه الولاية لم يتقدم على الجد، فإذا انتقلت إليه الولاية يملك الايصاء، والذي يوضح ذلك أن الولاية التي كانت للوصي تنتقل إلى الجد في النفس وإلى الوصي في المال ثم الجد قام مقام الاب فيما ينتقل إليه حتى ملك الايصاء فيه فكذلك الوصي ثم الجد. وهذا لان الايصاء إقامة غيره مقامه فيما له ولايته وعند الموت كانت له ولاية في التركتين فينزل الثاني منزلته في التركتين، ولا نسلم أنه لم يرض برأي من أوصى إليه الوصي بل وجد ما يدل عليه لانه لما استعان به في ذلك مع علمه أنه تعتريه المنية صاراضيا بإضافته إلى غيره لا سيما على تقدير حصول الموت قبل تتميم مقصوده وهو ما فوض إليه بخلاف الوكيل لان الموكل فيه يمكنه أن يحصل مقصوده بنفسه فلم يوجد دلالة الرضا بالتفويض إلى غيره بالتوكيل. قال رحمه الله: (وتصح قسمته عن الورثة مع الموصى له ولو عكس لا) يعني قسمة الوصي مع الموصى له عن الورثة جائزة وعكسه لا يجوز وهو ما إذا قاسم الوصي الورثة عن الموصى له لان الوارث خليفة الميت حتى يرد بالعيب ويرد عليه ويصير مغرورا بشراء الميت شيئا غر فيه الميت، والوصي أيضا خليفة الميت حتى يرد بالعيب حتى يكون خصما عن الورثة إذا كان غائبا فتنفذ قسمته عليه حتى لو حضر الغائب وقد هلك ما في يد الوصي ليس له أن يشارك الموصى له، أما الموصى له فليس بخليفة عنه من كل وجه لانه ملك بسبب جديد ولهذا لا يرد بالعيب ولا يرد عليه ولا يصير مغرورا بشراء الميت فلا يكون خصما عند غيبته حتى لو هلك ما قرر عليه عند الموصي كان له ثلث ما بقي لان القسمة لم تنفذ عليه غير أن الوصي لا

[ 321 ]

يضمن لانه أمين فيه وله ولاية الحفظ في التركة كما إذا هلكبعض التركة قبل القسمة فيكون له ثلث الباقي لان الموصى له شريك الورثة فيتوى ما توى ما المال المشترك على الشركة ويبقى ما بقي من عل الشركة وله البيع فمال الصغار والقسمة في معنى البيع وله ولاية الحفظ في مال الكبار فجاز له بيعه للحفظ إلا العقار فإنه محفوظ بنفسه فلا يجوز له بيعه، وقسمته على الورثة الكبار حال غيبتهم في معنى البيع فلا يضمن إذا هلك في يده. وفي المبسوط: وقسمة الوصي إما أن تكون مع الموصى له أو فيما بين الورثة، أما قسمته مع الموصى له جائزة مع الصغار وفي المنقول وقبض نصيبهم، وأما في العقار لا تجوز على الكبير لان القسمة بيع معنى وله ولاية بيع المنقول على الكبار دون بيع العقار، هكذا ذكره في المبسوط. وذكر في اختلاف زفر ويعقوب أن القسمة في العقار لا تجوز عند أبي حنيفة وزفر، وعند أبي يوسف ومحمد تجوز قسمة الوصي على الموصى له الغائب مع الورثة. وذكر في اختلاف زفر ويعقوب أن عند أبي يوسف تجوز لان الميت أقام الوصي مقام نفسه وأثبت الولاية له فيما يحتاج إليه عند عجزه بنفسه وهو يحتاج في تنفيذ وصايا إلى إيصال التركة إلى الورثة لانه يثاب بوصول التركة إلى الورثة كما يثاب بوصول الوصية إلى الموصى له فيجب أن يملك ذلك نظرا للموصى. وعلى قياس قوله يجب أن يملك القسمة على الكبار الحضور وقضاء الدين من الحاجة الفاضلة فيمكن تأخيرها إذا امتنعوا عن القسمة حتى يحضر الغائب بخلاف الحاجة الضرورية لا يمكن تأخيرها لان في التأخير توهم الضياع وفي الضياع ضرر على الميت فلا يجوز تأخيرها، وفي تأخير الحاجة الفاضلة وإن كانت توهم الضياع وفي الضياع ضرر على الميت إلا أنه لاضرر فيه على الميت فيجوز تأخيرها، وفي كل موضع لا تحل القسمة إذا ضاع أحد النصيبين يضيع على الشركة، وما يبقى يبقى على الشكة وقسمة الوصي الميراث بين الصغار لا يجوز لان القسمة بمعنى البيع. ولا يجوز شراء الوصي مال أحد الصغيرين للصغير الآخر لان بيعه مقيد بشرط أن يكون فيه منفعة ظاهرة للصغير، فإن كان لاحدهما فيه منفعة ظاهرة يكون للآخر فيه مضرة ظاهرة فلم يجز البيع فلم تجز القسمة. وعند محمد لا يلي العقد من الجانبين بكل حال، والحيلة في جواز هذه القسمة أن يبيع حصة أحد الصغيرين مشاعا، وإن كانوا ثلاثة باع حصة أحد الصغار من آخر ثم يقاسم مع المشتري ثم حصة أحد الصغيرين كي يمتاز حق أحدهما عن الآخر. وإن كانوا الورثة صغارا وكبارا والكبار غيب لا تجوز قسمته في العقار لانه لا يلي بيعه على الكبار فكذلك قسمته، وفي العروض له ولاية القسمة كما يلي بيعها لان الكبار الغيب التحقوا بالصغار في هذه الحالة فصار كأن الكل صغار. ولو كان الك صغارا تجوز قسمته فكذا هذا، وإن كان الكابر حضورا جاز قسمته عن الصغار مع الكبار لان هذه قسمة جرت بين اثنين والقسمة بين الصغار جرت من الواحد لانه لا يلي القسمة من الجانبين فلم تجز القسمة في حق الصغار جملة فالقسمة في حق الكبار

[ 322 ]

صحيحة لانها جرت بين الكبير والوصي في نصيب الصغار. وإذا قسم الوصيان التركة بين الورثة واخذ كل واحد منهما نصيب بعضهم فالقسمة فاسدة لان القسمة لا تكون الابين اثنين وكلاهما كشخص واحد لا يملك أحدهما التفرد بالقسمة عندهما. وعند ابى يوسف وان كان ينفرد أحدهما بالقسمة إلا أن كل واحد وكل صاحبه في القسمة فتصير قسمته مع صاحبه كقسمته مع نفسه. قال رحمه الله: (فلو قاسم الورثة وأخذ نصيب الموصى له فضاع رجع بثلث ما بقي) أي لو قاسم الوصي الورثة وأخذ نصيب الموصى له فضاع ذلك في يده رجع الموصى له بثلث ما بقي لما بينا أن الموصي له شريك الورثة فيرجع الموصى له على ما في يد الورثة إن كان باقيا فيأخذ بثلثه لعدم صحة القسمة في حقه، وإذا هلك في أيديهم فله أن يضمنهم قدر الثلث ما قبضوا، وإن شاء ضمن الوصي ذلك القدر لانه متعد فيه بالدفع إليهم والورثة بالقبض فيضمن أيهما شاء. قال رحمه الله (وإن أوصى الميت بحجة فقاسم الورثة فهلك ما في يده أو دفع إلى من يحج عنه في يده يحج عنه بثلث ما بقى) أي إذا أوصى بأن يحج عنه فقاسم الوصي الورثة فهلك ما في يد الوصي فإنه يحج عن الميت من ثلث ما بقي وكذلك إذا دفعه إلى رجل ليحج عنه فضاع ما دفعه إليه يحج عنه بثلث الباقي، وهذا عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: إن كان المقرر مستغرقا للثلث بطلت الوصية ولم يحج عنه، وإن لم يكن مستغرقا للثلث يحج عنه بما بقي من الثلث إلى تمام الثلث. وقال محمد: لا يحج عنه بشئ وقد قررناه في المناسك. قال رحمه الله (وصح قسمة القاضي وأخذ حظ الموصى له إن غاب) أي إن غاب الموصى له لان الوصية صحيحة وإن كان قبل القبول، ولهذا لو مات الموصى له قبل القبول تصير الوصية ميراثا لورثته والقاضي ناظر في حق العاجز وإقرار نصيب الغائب وقبضه من النظر فينفذ ذلك عليه حتى لو حضر الغائب وقد هلك المقبوض في يد القاضي أو أمينه لم يكن له على الورثة سبيل ولا على القاضي. وهذا في المكيل والموزون لانه إقرار ومعنى المبادلة فيه تابع حتى جاز أخذه لاحد الشريكين من غير قضاء ولا رضا ولهذا يجوز بيع نصيبه مرابحة. وأماما لا يكال ولا يوزن فلا يجوز لان القسمة فيه مبادلة كالبيع وبيع مال الغير لا يجوز فكذا القسمة. قال رحمه الله: (وبيع الوصي عبدا من التركة بغيبة الغرماء) أي يصح بيع الوصي عبدا لاجل الغرماء لان الوصي قائم مقام الموصي ولو تولاه بنفسه حال حياته يجوز بيعه، وإن كان مريضا مرض الموت بغير محضر عن الغرماء فكذا الوصي لقيامه مقامه، وهذا لان حق الغرماء يتعلق بالمال لا بالصورة والبيع لا يبطل المالية لانه أخلف شيئا وهو الثمن

[ 323 ]

بخلاف العبد المأذون له في التجارة حيث لا يجوز للمولى بيعه لان الغرماء لهم حق الاستيفاء بخلاف ما نحن فيه. قال رحمه الله: (وضمن الوصي إن باع عبدا أوصى بيعه والتصدق بثمنه إن استحق العبد بعد هلاك ثمنه عنده) معناه إذا أوصى ببيع عبده والتصدق بثمنه على المساكين فباع الوصي العبد وقبض الثمن فضاع الثمن في يده وهو المراد بالهلاك المذكور في المختصر، ثم استحق العبد بعد ذلك ضمن الوصي الثمن للمشتري لانه هو العاقد فتكون العهدة عليه لان المشتري منه لم يرض ببدل الثمن إلا ليسلم له المبيع ولم يسلم فقد أخذ البائع وهو الوصي مال الغير بغير رضاه فيجب عليه رده. ولم يتعرض لضمان الوصي في الاستقراض ولا في الطعام والوديعة والبيع بطلب الغرماء أو بغير طلب ونحن نذكر ذلك تتميما للفائدة. قال في المبسوط: فالوصي تارة يضمن وتارة لا يضمن، فإذا أمر الوصي المستودع أن يقرض مال اليتيم فأقرض ضمن المستودع لان الوصي لا يملك الاقراض من مال الصبي فلا يملك التوكيل والامر به فلم يصح الامر بالاقراض. ولو قضى الوصيان دينا للرجل ثم شهدا أن له على الميت دينا لم يجر ويضمنان إن ظهر دين آخر لانهما بشهادتهما يدفعان عن أنفسهما مغرما لانهما صارا ضامنين ما دفعا إلى الاول لانهما دفعا بغير أمر القاضي، ولو شهدا به قبل أن يقضيا جاز لانهما بشهادتهما لم يجز إلى أنفسهما نفعا ولا يدفعان مغرما وهو لزوم قضاء الدين. ومسائل الاطعام على فصول: الاول لو أوصى بأن يطعم عشرة مساكين لكفارة يمينه وغدى الوصي عشرة ثم ماتوا قال محمد رحمه الله: يغدي ويعشي عشرة أخرى ولا يضمن الوصي لانه غداهم بأمر الموصي لان التغدية اطعام ولكنه لم يكمل وفات الاكمال لا بمعنى من جهته فلا يصير متعديا. وإن قال اطعموا عني عشرة مساكين غداء وعشاء ولم يسم كفارة فغدى عشرة ثم ماتوا فإنه يعشي عشرة سواهم لان الواجب في كفارة اليمين سد عشرة خلات ورد عشرة جوعات، وذلك يحصل بالتغدية والتعشية. وبالموت فات ذلك فيغدي ويعشي غيرهم. فأما إذا نص على الاطعام غداء وعشاء فالجمع والتفريق سواء. وروى هشام عن أبي يوسف أنه إن قال أطعم عني عشرة مساكين فغدى عشرة ثم ماتوا يضمن الوصي قياسا ولا يضمن استحسانا ويعشي غيهم لانه أمرهم بالاطعام مطلقا فالتحق بالاطعام الواجب شرعا في الكفارة لانه نص على الغداء والعشاء. فسواء فرق أو حمل جاز. رجل أودع رجلا مالا وقال إن مت فادفعه إلى ابني فدفعه إليه وله وارث غير ضمن حصته ولا يكون هذا وصيا لانه لم يفوض إليه التصرف في التركة فبقي أمينا للورثة، والامين إذا دفع مال الورثة إلى أحدهم ضمن. وإن قال ادفعه إلى فلان غير وارث ضمن المال الذي دفعه إليه. قال أبو يوسف: إذا خلط الوصي مال اليتيم بماله فضاع فلا ضمان عليه لان له ولاية حفظه كيفما كان. مريض اجتمع عنده قرابته يأكلون من ماله. قال أبو القاسم الصفار: إن

[ 324 ]

أكلوا بأمر المريض فمن كان منهم وارثا ضمن، ومن كان غير وارث حسب ذلك من ثلثه. قال الفقيه أبو الليث: احتاج المريض إلى تعاهدهم في مرضه فأكلوا معه ومع عياله بغير إسراف فلا ضمان عليهم. رجل مات وعليه دين فباع وصيه رقيقه للغرماء وقبض الثمن فضاع عنده أو مات بعض الرقيق في يد الوصي قبل أن يسلم إلى المشتري فالمشتري يرجع بالثمن على الوصي ويرجع به الوصي على الغرماء لانه في البيع عامل للغرماء، ومن عمل لغيره ولحقه فيه ضمان رجع به على المعمول له. ولو استحق العبد ورجع المشتري بالثمن على الوصي لم يرجع الوصي بالثمن على الغرماء إلا أن يكون الغرماء أمروه ببيعه، وكذلك لو قال الغرماء له بع رقيق الميت واقضنا لم يرجع عليهم لو كانوا قالوا بع عبد فلان هذا رجع بالثمن عليهم لانهم عينوه إلا أن يكون الثمن من دينهم فلا يرجع عليهم بأكثر من دينهم. ولو قال له بع هذا العبد فإنه لفلان فقال الوصي لا أبيعه ثم باعه ثم استحق وقد ضاع الثمن رجع به الوصي على الغريم. ولو لم يكن على الميت دين ولكن الوصي باع الرقيق للورثة الكبار فهم في جميع هذا الوجوه كلها بمنزلة الغرماء، وإن كانوا صغارا لم يرجع عليهم في الاستحقاق. ولو باع القاضي رقيق الميت للغرماء فضاع الثمن عنده ثم استحق الرقيق رجع المشتري بالثمن على الغرماء لا على القاضي لانهم بمنزلة بيع الغرماء كأنهم نالوا البيع بأنفسهم. رجل أوصى بعتق عبد ثم جنى العبد جناية بعد موت الموصى فأعتقه الوصي وهو يعلم بالجناية فهو ضامن أرش الجناية، وإن لم يعلم ضمن قيمته ولا يرجع بذلك على أحد لان الميت إنما أوصى بعتقه قبل أن يجني فلما جنى لم يكن للوصي أن يعتقه إلا أن يضمن الجناية عنه، فإذا أعتقه فهو متطوع في عتقه والجناية لازمة له، فإن قال الوصي عند القاضي قد اخترت إمساك العبد وأشهد على نفسه بذلك شهودا فليس له أن يرجع ويدفع العبد، فإن لم يكن لهم مال غير العبد فعليه أن يبيع ويؤدي أرش الجناية من ثمنه، فإن مات العبد قبل أن يبيعه بعد ما اختاره فالجناية دين على الايتام حتى يؤدونها. قال رحمه الله: (ويرجع في تركة الميت) لانه عامل له فيرجع به في تركته كالوكيل وكان أبو حنيفة يقول أولا: لا يرجع الوصي على أحد لانه تبين بطلان الوصية باستحقاق العبد فلم يكن عاملا للورثة فلا يرجع عليهم بشئ، ثم رجع إلى ما ذكره هنا ويرجع في جميع التركة. وعن محمد أنه يرجع في الثلث لان الرجوع بحكم الوصية فيأخذ حكمها ومحل الوصية الثلث ونحن لا نسلم أنه يرجع عليه بحكم الوصية بل بحكم الغرور وذلك دين عليه والدين عليه يقضي من جميع التركة، وإن كانت التركة قد هلكت أو لم يكن بها وفاء فلا يرجع بشئ كما في سائر ديون الميت. وفي المنتقى: لا يرجع الوصي في مال الميت بشئ وإنما يرجع على المساكين الذين تصدق عليهم بالثمن لانه عامل لهم فكان غرمه عليهم. قال رحمه الله: (وفي مال الطفل إن باع ماله واستحق المبيع رجع في مال الصغير) لانه عامل له.

[ 325 ]

قال رحمه الله: (وهو على الورثة في حصتهم) أي الصبي يرجع على الورثة بحصته لانتقاض القسمة باستحقاق ما أصابه. قال رحمه الله: (وصح احتياله بماله لو خيرا له) أي يجوز احتيال الوصي بمال اليتيم إذ كان فيه خيرا بأن يكون الثاني أملا إذ الولاية نظرية، وإن كان الاول أملا لا يجوز لان فيه تضييع مال اليتيم على بعض الوجوه وهو على تقدير أن يحكم بسقوطه حاكم يرى سقوط الدين إذا مات الثاني مفلسا أو جحد الحوالة أو لم يكن له عليه بينة ولا يرى رجوع الدين على الاول. وقوله لو خيرا بين أنه يصح احتياله إذا كان الثاني خيرا من الاول ولم يبين حكم ما إذا كانوا سواء ففي الذخيرة: واختلف الناس فيه، ذكر المحبوبي أن كان الثاني مثل الاول لا يجوز بخلاف بيعه مال اليتيم بمثل قيمته حيث يجوز والحوالة لا تجوز. قال الامام الاسبيجابي في شرح الطحاوي: اعلم أن للوصي أن يأخذ الكفيل بدين الميت لان الكفالة لا توجب براءة الاصيل، ولو احتال بماله وأخذ الكفيل بشرط براءة الاصيل فإنه ينظر إن كان خيرا لليتيم فإنه يجوز إذا كان المحال عليه أملا حتى لو أدرك وقال أخذ الدين فليس له أن يفسخ الحوالة، وإن لم يكن أملا من المحيل فإنه لا يجوز. هذا إذا ثبت الدين بمداينة الميت، وأما إذا ثبت بمداينة الوصي فإنه يجوز سواء كان خيرا لليتيم أو شرا له إلا أنه إذا كان خيرا له فإنه يجوز بالاتفاق حتى إنه إذا أدرك وأراد أن ينقض ذلك ليس له ذلك، وإن كان شرا له جاز ذلك ويضمن الوصي لليتيم عندهما، وعند أبي يوسف لا يجوز إذا كان شرا. قال رحمه الله: (أو بيعه وشراؤه بما يتغابن) أي يجوز بيع الوصي وشراؤه بما يتغابن الناس في مثله، ولا يجوز بما لا يتغابن الناس لان الولاية نظرية ولا نظر في الغبن الفاحش بخلاف اليسير لانه لا يمكنه التحرز عنه ففي اعتباره انسداد باب الوصاية بخلاف العبد والصبي المأذون لهما في التجارة والمكاتب حيث يجوز بيعهم وشراؤهم بالغبن الفاحش عند أبي حنيفة لانهم يتصرفون بحكم المالكية والاذن فك الحجر والصبي يتصرف بحكم النيابة الشرعية نظرا فيتقيد بموضع النظر. وعندهما لا يملكونه لانه التصرف بالغبن الفاحش تبرع وهم ليسوا من أهلهما ولا ضرورة إليه. وهذا إذا تبايع الوصي للصغير مع الاجنبي. وأما إذا اشترى شيئا من مال اليتيم لنفسه أو باع شيئا منه من نفسه جاز عند أبي حنيفة إذا كان فيه منفعة ظاهرا وهو أن يبيع ما يساوي خمسة عشرة بعشرة ويشتري ما يساوي عشرة بخمسة عشرة، وإن لم يكن فيه نفع فلا يجوز. وعلى قول محمد وأظهر الروايات عن أبي يوسف أنه لا يجوز بيعه من نفسه بكحال. هذا في وصي الاب، وأما وصي القاضي فلا يجوز بيعه من نفسه بكل حال لانه وكيل، وللاب أن يشتري شيئا من مال الصغير لنفسه إذا لم يكن فيه ضرر على الصغير بأن كان بمثل القيمة والغبن يسير. وقال المتأخرون من أصحابنا: لا يجوز

[ 326 ]

للوصي بيع عقار الصغير إلا أن يكون على الميت دين أو يرغب المشتري فيه بضعف الثمن أو يكون للصغير حاجة إلى الثمن. قال الصدر الشهيد: وبه يفتي. وأطلق المصنف في البيع والشراء فشمل العروض والعقار وما يخاف عليه الفساد وغير ذلك وتقدم حكم العقار، وإذا كانت الورثة كلهم صغارا وسيأتي حكم تصرفه، وإذا كانوا كبارا أو مختلطين وإذا ادعى رد الوديعة. ثم مسائله ثلاثة أقسام: قسم يصدق فيه بالاتفاق، وقسم لا يصدق فيه بالاتفاق، وقسم اختلفوا فيه. أما الاول إذا قال الوصي إن أباك ترك رقيقا وأنفقت عليهم أو قال اشتريت رقيقا وأديت الثمن ثم ماتوا فإنه يصدق لانه أقر بما هو مسلط عليه من جهة الشرع لانه مسلط على ما فيه إصلاح الصغير والانفاق عليه وعلى رقيقه مقدار حاجتهم إصلاح لهم فيصدق فيه. ولو قال اشتريت من فلا العبيد الذي في يده ودفعت الثمن وأنكر ذو اليد يصدق على الصبي دون ذو اليد لانه مسلط على الشراء والبيع وتنمية مال الصبي فإنه إصلاح لها لكيلا يستأصلها النفقة ولو قال استأجرت رجلا لرد الآبق صدق اتفاقا لان الاستئجار فعل هو مسلط عليه شرعا لما فيه من أصلاح الصغير وإحيائه، وأما القسم الثاني لو قال أنفقت من مالي لارجع عليك لم يصدق، ولذلك لو قال استهلكت مالا فأديت ضمانه وأنفقت على أخ لك كان زمنا لم يصدق لانه أقر بما لم يكن مسلطا عليه لانه غير مسلط على الانفاق من مال نفسه ولا على الانفاق من مال اليتيم على محارمه قبل فرض القاضي. وأما القسم الثالث لو قال أبق غلامك وأديت جعلا الآبق وأديت خراج أرضك عشر سنين وقال الوارث لم تؤد إلا حظ سنة صدق الوصي عند أبي يوسف خلافا لمحمد. وكذلك لو اختصما والارض لا تصلح للزراعة بأن غلب عليها الماء وقال الصبي كانت كذلك وقال الوصي كانت صالحة فعلى الخلاف، وعلى الاول لو كانت تصلح للحال يصدق الوصي إجماعا بعدما أنفقا على مدة المالك لان الوصي أقر بما ليس بمسلط عليه شرعا لان ذلك ليس من الغلة والتسليط يتحقق على فعل الغير فلا يصدق فيه كما لو قال إن عبدك جنى ففديته بكذا أو استهلك مال إنسان فأديت ضمانه من مالك لا يصدق فكذا هذا. لابي يوسف أنه أقر بما هو مسلط عليه شرعا في ماله لانه بدل مال الصبي وأخذ بإزائه عوضا يعد له أو منفعة فإنه لا يتمكن من المزارعة إلا بالخراج فكان الخراج بدل ماله ليقع مقابله، وكذلك إصلاح أمر أرضه والوصي مسلط على التصرف في مال الصبي إذا كان فيه إصلاح وإرفاق. ولو أحضر الوصي رجلا إلى القاضي فقال إن هذا رد عبد الصبي من الاباق فوجب له الجعل وفي يدي مال هذا الصبي فأعطيه هل يصدقه القاضي؟ قيل هذا على الخلاف أيضا، وقيل لا يصدقه بالانفاق فيحتاج أبو يوسف إلى الفرق بينهما، والفرق أنه ثمة ادعى وجوب الجعل في ماله لغيره وهو غير مسلط على الدعوى لغيره في مال الصبي وهنا ادعى أنه كان الجعل من مال الصغير ولم يدع الجعل في ماله للحال فكان مسلطا على التصرف في مال الصغير لاحياء ماله وإصلاحه.

[ 327 ]

قال رحمه الله: (وبيعه على الكبير غير العقار) أي بيع الوصي على الكبير الغائب جائز في كل شئ إلا في العقار لان الاب لا يلي العقار لان الاب لا يلي العقار ويلي ما سواه فكذا وصيه لانه قائم مقامه، وكان القياس أن لا يملك الوصي غير العقار أيضا ولا الاب كما لا يملك على الكبير الحاضر إلا أنه لما كان فيه حفظ ماله جاز استحسانا فيما يخاف عليه الفساد لان حفظ ثمنها أيسر وهو يملك الحفظ، وأما العقار فمحفوظ بنفسه فلا حاجة فيه للبيع. ولو كان عليه دين باع العقار، ثم إن كان الدين مستغرقا باع كله بالاجماع، وإن لم يكن مستغرقا بقدر الدين عندهما لعدم الحاجة إلى الاكثر من ذلك، وعند أبي حنيفة جاز له أن يبيع كله لانه يبيعه بحكم الولاية فإذا ثبت في البعض ثبت في الكل لانها لا تتجزئ، ولو كان يخاف هلاك العقار ويملك بيعه لانه تعين حفظا للمنقول والاصح أنه لا يملك لانه نادر. وقال في الغاية: فإن قلت علم حكم ما إذا كان الكل كبارا غيبا أو الكل صغارا بقي حكم ما إذا كان بعضهم كبارا وبعضهم صغارا قال في المحيط: وإن كانت الورثة صغارا وكبارا وعلى الميت دين أو أوصى لوصيه بيع العروض والعقار عند أبي حنيفة، وعندهما يبيع المنقول وحصة الصغير في العقار، وأما حصة الكبار الحضر فلا يملك بيعها وإن كانوا غائبين فيملك وقد تقدم بيانه. قال رحمه الله: (ولا يتجر في ماله) أي الوصي لا يتجر في مال اليتيم لان المفوض إليه الحفظ دون التجارة. فإن قلت: هذه العبارة على إطلاقها غير صحيحة لان المنقول في جامع الفصولين وفي غيره أن للوصي أن يتجر في مال اليتيم وينبغي أن يكون المراد ولا يتجر النفسه في مال اليتيم كما صرح به قاضيخان، ووصي الاخ والعم والام في مال تركتهم ميراثا للصغير بمنزلة وصي الاب في الكبير الغائب بخلاف مال آخر للصغير غير ما تركه الموصي حيث لا يملك الوصي بيعه لان الوصي قائم مقام الموصي وهو الاخ ومن بعده وليس لواحد منهم التصرف في مال الصغير فكذا وصيهم بخلاف الاب والجد حيث يكون لهم ولاية التصرف في مال الصغير مطلقا من غير تقييد فيما تركه ميراثا فكذا وصيه يملك ذلك، ويشهد للقيد الذي ذكرناه ما في المبسوط: وللوصي أن يأخذ مال الصغير مضاربة لانها تجارة وليس له أن يؤاجر نفسه من اليتيم لان القيام بمصالح اليتيم واجب على الوصي فلا حاجة إلى استئجاره. وصي كان في يده ألف درهم لاخوين فقال دفعت إلى أحدهما نصيبه وكذبه المدفوع إليه فالباقي بينهما نصفان ولا يضمن الوصي لانه أمين فيه وهو مسلط على الدفع والرد فيصدق فيه. وصي عنده ألفان ليتيمين فأدركا فدفع إلى أحدهما ألفا وصاحبه الآخر حاضر وجحد القابض القبض منه يغرم الوصي خمسمائة بينهما لان قسمته لا تجوز، ولو كان القابض مقرا كان للآخر أن يأخذ منه خمسمائة، وإن شاء ضمن الوصي ورجع بها عليه لانها لما لم تجر القسمة بقي الآخر شريكا فيما قبضه صاحبه فله أن يأخذ نصيبه

[ 328 ]

منه والوصي بالدفع صار ضامنا، ومتى أدى الضمان ملك المضمون وهو نصيب الجاحد رجع بنصيبه على صاحبه. ولو قال لهما بعدما كبرا قد دفعت إليكما ألفا فصدقه أحدهما وكذبه الآخر رجع المنكر على اخيه بمائتين وخمسين درهما، وإن أنكر لم يكن لهما على الولي شئ لانه أمين ادعى رد الامانة إلى صاحبها. ولو قال الوصي دفعت إلى كل واحد منكما خمسمائة على حدة وصدقه أحدهما وكذبه الآخر رجع المكذب على الوصي بمائة وخمسين درهما لان قسمته لا تجوز عليهما وهما حاضران، ولو كانا غائبين جازت القسمة عليهما. رجل مات وترك ابنين صغيرين فلما أدركا طلبا ميراثهما فقال الوصي جميع تركة أبيكما ألف وقد أنفقت على كل واحد منكما خمسمائة فصدقه أحدهما وكذبه الآخر رجع المكذب على المصدق بمائتين وخمسين ولا يرجع على الوصي في ذلك عند زفر وهو رواية عن أبي حنيفة، وفي رواية عن ابن أبي مالك عن أبي يوسف أنه يرجع لان الوصي أمين ادعى صرف الامانة إلى نفقتها وحاجتهما وهو مسلط عليه من جهة الشرع فيصدق فيه في حق براءة نفسه عن الضمان، ولا يصدق في إبطال حق المكذب فيما وصل إلى المقر بالنفقة فصار المقر مقرا بالشركة فيما وصل إليه وذلك خمسمائة. وقال أبو يوسف: لا يرجع المقر على المنكر بشئ والقول قول الوصي لانه تصدق في الانفاق على المنكر لانه مسلط عليه وهو مأمور من جهة الشرع فيصدق فيه فثبت الانفاق عليه فصار كأنه وصل إليه خمسمائة معاينة. وفي الفتاوي: رجل باع ضيعة اليتيم من مفلس يعلم أنه يعجر عن استيفاء ثمنه منه قال: يؤجل القاضي المشتري ثلاثة أيام فإن نقده الثمن وإلا نقض البيع. وقال نصير ابن يحيى: للموصي أن يأكل من مال اليتيم ويركب دابته إذا ذهب في حاجته. قال الفقيه أبو الليث: هذا إذا كان محتاجا لقوله تعالى * (ومن كان فقيرا فاليأكل بالمعروف) * فإن لم يكن محتاجا لا يجوز لقوله تعالى * (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما) * الآية من غير تفصيل ولكن هذه الآية صارت منسوخة بالاولى. وذكر في المنتقي: لا يركب الوصي من مال اليتيم في حاجته إلا بإذن القاضي والنفقة من مال الموصي. وفي فتاوى الفضلي: وصي أخذ أرض الصبي مزارعة قال: لا يجوز إن شرط البذر على اليتيم لانه صار مؤجرا نفسه ببعض الخارج وليس له أن يؤاجر نفسه من الصبي، وإن كان البذر منه يجوز عندهما إذا كان خيرا لليتيم لانه صار مستأجرا أرضه ببعض من بذره وله أن يستأجر أرض الصبي بالدراهم فكذا ببعض الخارج. وفي واقعات الناطفي قال: ولو أخذ الوصي مال اليتيم وأنفقه في حاجة نفسه ثم رضع مثل ما أنفق لا يبرأ عن الضمان إلا أن يبلغ اليتيم فيدفعه إليه أو يشتري لليتيم شيئا ثم يقول للشهود كان علي لليتيم كذا وكذا وأنا أشتري ذلك له فيصير قصاصا ويبرأ عن الضمان. رجل بنى جدارا بين دار بين الصغيرين لهما عليه حموله ويخاف السقوط ولكل واحد منها وصي فطلب أحدهما مرمته وأبى الآخر فالقاضي يبعث أمينا لينظر فيه، فإن رأى في تركته

[ 329 ]

ضررا عليهما أجبر الآبي حتى يبني مع صاحبه بخلاف ما لو أبى أحد الشريكين لانه قد رضي بإدخال الضرر عليه فلا يجبر، وههنا أراد الوصي إدخال الضرر على اليتيم فيجبر. وصي على يتيمين فباع دار أحدهما فإذا هي لليتيم الآخر فهو جائز وقد تقدم ما يخالف ذلك في قوله وتنفيذ وصية معينة. وإذا باع القاضي على أنهما لفلان فإذا هي لآخر لا يجوز لان هذا قضاء والقضاء إذا كان المقضي عليه مجهولا لا يجوز. قال رحمه الله: (ووصى الاب أحق بمال الطفل من الجد) وقال الشافعي رحمه الله: الجد أحق لان الشرع أقامه مقام الاب عند عدمه حتى أحرز ميراثه فيتقدم على وصيه. ولنا أن ولاية الاب تنتقل إليه بالايصاء فكانت ولايته قائمة معنى فيقدم عليه في المال والجد في الولاية لانه أقرب إليه وأشفق عليه حتى ملك الانكاح دون الوصي. فصل في الشهادة قال صاحب النهاية: لما لم تكن الشهادة في الوصية أمرا يختص بالوصية أخر ذكرها لعدم عراقتها فيها. قال رحمه الله: (شهد الوصيان إن الميت أوصى لزيد معهما لغت شهادتهما) أي بطلت لانهما يجران نفعا لانفسهما بإثبات العين لهما فترد للتهمة فإذا ردت ضم القاضي إليهما ثالثا لان في ضمن شهادتهما إقرارا منهما بوصي آخر معهما للميت وإقرارهما حجة على أنفسهما فلا يتمكنان من التصرف بعد الوصي لامتناع تصرفهم بدونه فصار حقهما بمنزلة ما لو مات أحد الاوصياء الثلاثة وجاز ذلك للقاضي مع وجود الوصي لامتناع تصرفهم بدونه فصار كأنه مات ولم يوص لاحد فيضم إليهم ثالثا ليمكنهم التصرف، وهذا وجه الاستحسان فيجب الضم. قال صاحب النهاية فإن قيل إذا كان للميت وصيان فالقاضي لا يحتاج إلى أن ينصب عن الميت وصيا آخر فإذا لم يكن له ذلك من غير شهادة فكذلك عند أداء الشهادة إذا تمكنت التهمة فيه قلنا: القاضي وإن كان لا يحتاج إلى نصب الوصي لكن الموصي إليهما متى شهدا بذلك كان من زعمهما أنهما لا تدبير لهما في هذا المال إلا بالثلث فأسند من هذا الوجه ما لم يكن ثمة وصي وهناك تقبل الشهادة فكذا هنا، كذا ذكره الامام المحبوبي في باب القضاء بالشهادة من قضاء الجامع الصغير. وإلى هنا لفظ النهاية واقتفى أثره كثير من الشراح منهم صاحب العناية. وقال تاج الشريعة: ولو سألا من القاضي أن يجعل هذا الرجل وصيا معهما برضاه فعلى القاضي أن يجيبهما إلى ذلك ا ه‍. ثم إن هذا حال الضم إلى الوصيين مطلقا، وأما فيما نحن فيه فيجب على

[ 330 ]

القاضي أن يضم الثالث إليهما ألبتة وإن بطلت شهادتهما كما مضى عليه في عامة الكتب المعتبرة ا ه‍. ولم يتعرض لما إذا أنكر المشهود عليه أو صدقه ولم يقبل ورد أو لم يرد ونحن نذكره تتميما للفائدة قال في الاصل: وإذا كذبهما المشهود عليه أدخل معهما رجلا آخر سوى المشهود عليه، ومن مشايخنا من قال: ما ذكروا من أنه يدخل معهما ثالثا هذا قوأبي حنيفة ومحمد، وأما عند أبي يوسف لا يدخل معهما ثالثا، ومنهم من يقول لا بل المذكور في الكتاب قولهم جميعا وهو الظاهر فإنه لم يوجد فيه خلاف وإن صدقهما وقال لا أقبل الوصية قال أدخلت معهما ثالثا بخلاف ما لو قبل ثم أبى لا يقبل رده وإباؤه، إلى هنا لفظ المحيط. ثم إن بعض المتأخرين استشكل هذا المقام بوجه آخر فقال فيه: إن وجوب كون المضوم هذا المدعي إثر شهادة المتهم مع أنه لا تقبل شهادة المتهم فكيف يترتب عليها أثر ا ه‍. أقول: ليس هذا بشئ لان شهادة المتهم إنما لا تقبل في إثبات حق شرعي وإيجابه في اسقاط شئ كمؤونة التعيين فيما نحن فيه فإن شهادتهما تسقط عن القاضي مؤونة التعيين وإن لم تثبت الوصاية كما أشار إليه المصنف بقوله فيسقط بشهادتهما مؤنة التعيين عنه. أما الوصاية فتثبت بنصب القاضي، وكم من شئ يكون حجة في الدفع ولا يكون حجة في الاثبات كالاستصحاب ونحوه فيجوز أن تكون شهادة المتهم أيضا كذلك فيترتب عليها أثر الدفع، وقد أفصح عنه صاحب العناية حيث قال: وجه الاستحسان أن القاضي ملك نصب الوصي إذا كان طالبا والموت معروفا فلا يثبت للقاضي بهذه الشهادة ولاية لم تكن، وإنما أسقطنا عنمؤنة التعيين ومثاله أن القرعة ليست بحجة ويجوز استعمالها في تعيين الانصباء لدفع التهمة عن القاضي فصلحت دافعة لا موجبة فكذلك هذه الشهادة تدفع عنه مؤونة التعيين ا ه‍. قال رحمه الله: (إلا إن يدعي زيد) أي يدعي زيد أنه وصي معهما فحينئذ تقبل شهادتهما وهذا استحسان. والقياس أن لا تقبل كالاول. وجه الاستحسان أنه يجب على القاضي أن يضم إليهما ثالثا على ما بينا آنفا وتسقط بشهادتهما مؤونة التعيين عنه فيكون وصيا معهما بنصف القاضي إياه كما إذا مات ولم يترك وصيا فإنه ينصب وصيا ابتداء فهذا أولى. قال رحمه الله: (وكذا الابنان) يعني لو شهد الابنان أن أباهما أوصى إلى رجل وهو منكر لا تقبل شهادتهما لقول شريح لا أقبل شهادة خصم ولا مرتاب أي متهم، وإن ادعى الشهود له الوصاية تقبل استحسانا على أنه نصب وصيا ابتداء على ما ذكرنا في شهادة الوصيين بذلك بخلاف ما إذا شهدا أن أباهما وكل هذا الرجل بقبض ديونه بالكوفة حيث لا تقبل، سواء ادعى الرجل الوكالة أو لم يدع، لان القاضي لا يملك نصب الوكيل عن الحي بطلبهما ذلك بخلاف الوصي. قال رحمه الله: (وكذا لو شهد الولد صغير بمال على الميت) أي لو شهد الوصيان لوارث صغير بمال على الميت لا تقبل فشهادتهما باطلة لانهما يثبتان ولاية التصرف لانفسهما في ذلك فصارا متهمين أو خصمين فلا تقبل. قال رحمه الله: (أو لكبير بما للميت)

[ 331 ]

يعني إذا شهدا الوصيان لولد كبير بمال الميت لا تقبل شهادتهما أيضا لانهما يثبتان ولاية الحفظ وولاية بيع المنقول لانفسهما عند غيبة الوارث بخلاف شهادتهما لكبير بخلاف التركة لانقطاع ولايتهما لان الميت أقامها مقام نفسه في تركته لا في غيرها بخلاف ما إذا كان الوراث صغيرا أو الموصي أبا حيث لا تقبل شهادتهما في الكل لان لوصي الاب التصرف في مال الصغير في جميعه فيكونان متهمين فلهذا لم يقيده بالمال الموروث منه في حق الصغير وقيده به في الكبير، وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: إذا شهد الوارث كبير يجوز في الوجهين أي في التركة وغيرها لان ولاية التصرف لا تثبت لهما في مال الميت إذا كان الورثة كبارا فعرت عن التهمة بخلاف ما إذا كانوا صغارا على ما بيناه والحجة عليهما ما بيناه. وفي المحيط: إذا شهد غرماء الميت أنه أوصى لفلان بكذا لا تقبل شهادتهم قياسا. ولو شهد أحدهما أنه أوصى لفلان بثلث ماله وشهد الآخر أنه أوصى له بثلث ماله وقال أعطوا منه فلانا ألف درهم قال محمد: يعطي الموصى له ثلث المال ولا ينقص منه ألفا فكأنه أوصى له بثلث الالف لانهما اتفقا على الشهادة بالثلث وانفرد أحدهما بشهادة الالف لفلان فما اتفقا عليه يقبل، وما انفرد أحدهما به يرد لان القائم به شهادة فرد وصار بمنزلة مالو استثنى أحدهما شيئا من الالف. وإذا شهد شاهدان أن الميت أوصى لهذين بدراهمه وشهد شاهدان أنه أوصى لهما بدنانير أو اثنان بعبد والآخران بدارهم جازت الشهادة لان كل فريق يشهد على عقد الوصية لا على الملك، ويمكن إثبات العقدين، ومتى كان الموصى به واحدا بطلت الشهاداتان كما لو شهد أحد الفريقين بالبيع من هذا والآخر ببيعه من هذا لم تقبل، ومتى كان الموصى به مختلفا فقد أمكن إثبات الوصيتين فتقبل. وإذا شهدا الوصيان لرجل كبير أنه ابن الميت جاز وإن كان صغيرا لم يجز قياسا لانهما يقبضان ميراثه فيكونان متهمين، وتقبل استحسانا على النسب وعلى التزويج لان المشهود به النسب واستحقاق الميراث إنما يثبت حكما لبيان النسب لا مقصودا بالشهادة. قال رحمه الله: (ولو شهد رجلان لرجلين على ميت بدين ألف درهم وشهد الآخران للاولين بمثله تقبل وإن كانت شهادة كل فريق بوصية ألف لا) وهذا عند محمد. وقال أبو يوسف: لا تقبل في الدين أيضا، ويروي أبو حنيفة مع محمد ويروي مع أبي يوسف، وعن أبي يوسف مثل قول محمد. وروي الحسن عن أبي حنيفة أنهم إذا جاؤا معا وشهدوا فالشهادة باطلة وإن شهد اثنان لاثنين فقبلت ثم ادعى الشاهدان بعد ذلك عل الميت بألف درهم فشهد لهما الاولان تقبل. قال في العناية: جنس هذه المسائل أربعة أوجه: الاول ما اختلفوا فيه وهو الشهادة بالدين، والثاني ما اتفقوا على عدم جوازه وهو الشهادة بالوصية بجزء شائع من التركة كالشهادة بألف مرسلة أو بثلث المال، والثالث ما اتفقوا على جوازه وهو أن يشهد

[ 332 ]

الرجلان بجارية وشهد المشهود لهما للشاهدين بوصية عبد، والرابع وهو المذكور في الكتاب آخرا هو أن يشهد الرجلان بجارية ويشهد المشهود لهما للشاهدين بوصية عبد يعني ويشهد المشهود لهما للشاهدين بألف مرسلة أو بثلث المال، ومبنى ذلك كله على تهمة الشركة فما ثبت فيه التهمة لا تقبل الشهادة فيه وهو الثاني والرابع، ما لم تثبت فهي التهمة قبلت كالثالث على ما ذكر في الكتاب، وأما الوجه الاول فقد وقع الاختلاف فيه بناء على ذلك أيضا ا ه‍. أقول: تقسيم صاحب العناية وتقريره هنا مختل لانه إن أراد بالاوجه الاقسام الكلية فهي ثلاثة لا غير: أحدها ما اتفقوا عل جوازه وثانيهما ما اتفقوا على عدم جوازه، وثالثهما ما اختلفوا فيه. وما عداه وجه رابع داخل في القسم الثاني لا محالة. وإن أراد بها الامثلة فهي خمسة لا أربعة كما تدل عليها عبارة الكتاب فلا وجه لجعل الاثنين منها وجها واحدا على أن قوله الاول ما اختلفوا فيه، والثاني ما اتفقوا على عدم جوازه، والثالث ما اتفقوا على جوازه لا يساعده كون مراده بالاوجه هو الامثلة بل يقتضي كون مراده بها هو الاقسام الكلية المذكورة كما لا يخفي. ثم إن صاحبي النهاية والكفاية وإن ذهبا أيضا إلى كون الاوجه في جنس هذه المسائل أربعة إلا أن تقريرهما لا ينافي كون المراد بالاوجه هو الامثلة والمسائل دون الاقسام الكلية والاصول كما ينافيه تقرير صاحب العناية فإنهما قال: وجنس هذه المسائل على أربعة أوجه: في الوجه الاول تقبل الشهادة بالاجماع وهو أن يشهد الرجلان بوصية عين أخرى كالجارية لانه لا شركة للمشهود فيه فلا تتمكن التهمة، وفي الوجه الثاني لا تقبل بالاجماع وهو أن يشهد الرجلان بالوصية بجزء شائع كالوصية بثلث ماله وشهد المشهود لهما للشاهدين بألف مرسلة أيضا، وفي الوجه الثالث لا تقبل أيضا وهو أن يشهد الرجلان أن الميت أوصى للشاهدين الاولين بثلث ماله لان الشهادة مثبتة للشركة، وفي الوجه الرابع اختلفوا فيه وهو الشهادة بالدين، ثم إن الحق أن تثبت القسمة ههنا كما فعله الفقيه أبو الليث في كتاب نكت الوصايا حيث قال: وإذا شهد أربعة نفر شهد هذان لهذين وهذان على الميت فإن هذا على ثلاثة أوجه: في وجه تقبل شهادتهما بالاتفاق. وفي وجه لا تقبل بالانفاق. وفي وجه اختلفوا فيه ثم فعل كل وجه بالثلاثة. ودليله كما فعل شمس الائمة السرخسي في شرح الكافي للحاكم الشهيد حيث قال: وههنا ثلاثة فصول: أحدها ما لا تقبل فيه الشهادة بالاتفاق. والثاني ما تقبل فيه الشهادة بالاتفاق. والثالث ما اختلفوا فيه وبين كل واحد منهما. لمحمد أن الدين يجب في الذمة وهي قابلة لحقوق شتى فلا شركة فيه إذا لم يجب بسبب واحد ولهذا يختص أحدهما بما قبض ولا يكون للآخر حق المشاركة، ولا ينتقل بالموت من الذمة إلى التركة ألا ترى أن التركة لو هلكت لا يسقط الدين وأن للوارث أن يستخلص التركة بقضاء الدين من محل آخر فلا يمكن الشركة بينهم فصار كما لو شهدا الفريقان في حال حياته بخلاف الوصية فإن حق الموصى له يتعلق بالعين المتروكة حتى لا

[ 333 ]

يبقى بعد هلاك التركة، وليس للوارث أن يستخلص التركة ويعطيه من محل آخر. ولو قبض أحد الفريقين شيئا كان للفريق الآخر حق المشاركة فكان كل فريق مثبتا لنفسه حق المشاركة في التركة فلا تصح شهادتهما. ولابي يوسف أن الدين بالموت يتعلق بالتركة لخراب الذمة ولهذا لا يثبت الملك فيها للوارث ولا ينفذ تصرفه فيها إذا كان مستغرقا بالدين فشهادة كل فريق للآخر تلاقي محلا اشتركا فيه فصار نظيره مسألة الوصية فلا تقبل بخلاف الشهادة في حال الحياة لان الدين في ذمته لبقائها في المال فلا تتحقق الشركة. وجه رواية الحسن أنهما إذا جاءا معا كان ذلك بعنى المعاوضة فتتفاحش التهمة ترد بخلاف ما إذا كان على التعاقب لان الاول قد مضى وثبت بمعنى المعاوضة فلا تهمة، والثاني لا يزاحمه الاول عند صدوره فصار كالاول والوصية بجزء شائع كالوصية بالدراهم المرسلة فميا ذكرنا من الاحكام حتى لا تقبل فيها شهادة الفريقين لانها تثبت التركة. ولو شهد رجلان أنه أوصى لرجلين بعين كالعبد وشهد المشهود لهما أنه أوصى للشاهدين بثلث ماله أو بالدراهم المرسلة فهي باطلة لان الشهادة في هذه الصورة مثبتة للشركة بخلاف ما إذا شهد رجلان لرجلين أنه أوصى لهما بعين أخرى حيث تقبل الشهادتان لانه لا شركة فلا تهمة والتعالى أعلم.

[ 334 ]

كتاب الخنثى وهو على وزن فعلى بالضم من التخنث وهو اللين والمتكسر ومنه المخنث وتخنث في كلامه. وسمى خنثى لانه يتكسر وينقص حاله عن حال الرجل وجمعه خناثى. وفي الشرع ما ذكره المؤلف. قال في النهاية: لما فرع من بيان أحكام من له آلة واحدة من النساء والرجال شرع في بيان من له آلتان فقدم ذكر الاول لما أن الواحد قبل الاثنين، ولان الاول هو الاعم والاغلب وهذا كالنادر فيه ا. أقول: فيه بحث، أما أولا فلان ما ذكر في الكتب السابقة من الاحكام ليس بمخصوص بمن له آلة واحدة بل يعم من له آلة واحدة ومن له آلتان ألا ترى أن الاحكام المارة في كتاب الوصاية مثلا جارية بأسرها في حق الخنثى أيضا، وكذلك الحال في أحكام سائر الكتب المتقدمة كلها أوجلها، فما معنى قوله لما فرغ من أحكام من له آلة واحدة شرع في بيان أحكام من له آلتان وجعل المصنف في الهداية لكتاب الخنثى فصلين ووضع الفصل الاول لبيانه والفصل الثاني لاحكامه حيث قال: فصل في بيانه ثم قال: فصل في أحكامه. فهو في هذا الكتاب إنما شرع حقيقة في بيان من له آلتان لافي بيان أحكامه وإنما ذكر أحكامه في الفصل الثاني بعد أن ذكر بيان نفسه في الفصل الاول وإن صح أن يقال شرع في أحكامه أيضا بتأويل ما فما معنى تخصيص الشروع بالثاني في قوله شرع في بيان أحكام من له آلتان؟ وقال في العناية: لما فرغ من أحكام من غلب وجوده ذكر أحكام من هو نادر الوجود ا ه‍. وإنما قال المشكل ولم يقل المشكلة لان ما لم يعلم تذكيره ولا تأنيثه الاصل فيه التذكير. قال رحمه الله: (هو من له فرج وذكر) يعني الخنثى من له فرج المرأة وذكر الرجل، وظاهر عبارة المؤلف أنه لا بد من الآلتين. قال البقالي: أو لا يكون فرج ولا ذكر ويخرج بوله من ثقب في المخرج أو غيره، ولا يخفي أن الله يخلق ما يشاء فيخلق ذكرا فقط أو أنثى فقط أو خنثى. قال رحمه الله: (فإن بال من الذكر فغلام وإن بال من الفرج

[ 335 ]

فانثى) لانه عليه الصلاة والسلام سأل كيف يورث فقال: من حيث يبول. وعن علي رضي الله عنه مثله. وروي أن قاضيا من العرب في الجالية رفع عليه هذه الواقعة فعجل يقول هو ذكر وامرأة فاستبعد قوله ذلك فتحير ودخل فجعل يتقلب على فراشه ولا يأخذه النوم لتحيره وكانت له بنت تغمز رجله فسألته عن ذكره فأخبرها بذلك فقالت: دع المحال واتبع الحكم المبال فخرج إلى قومه فحكى لهم ذلك فاستحسنوا فعرف بذلك أن هذا الحكم كان في الجاهلية فأقره الشرع، ولان البول من أي عضو كان فهو دليل على أنه هو العضو والاصلي الصحيح والآخر بمنزلة العيب. وذلك إنما يقع به الولادة لان منفعة تلك الآلة خروج البول وذلك عند انفصاله من أمه وما سوى ذلك من المنافع يحدث بعده فعلم بذلك أنه هو الاصل. قال رحمه الله: (فإن بال منهما) فالحكم للاسبق لانه دليل على أنه هو العضو الاصلي، ولانه كما خرج البول حكم بموجبه. لانه علامة تامة فلا يتغير بعد ذلك بخروج البول من الآلة الاخرى. قال رحمه الله: (فإن استويا) أي في السبق فمشكل لعدم المرجح. قال رحمه الله: ولا عبرة بالكثرة) وهذا عند أبي حنيفة وقالا: ينسب إلى أكثرهما بولا لانه يدل على انه العضو الاصلي ولان للاكثر حكم الكل في أصول الشرع فيترجح بالكثرة. وله أن كثر ما يخرج ليس بدليل على الآلة لان ذلك لاتساع المخرج وضيقه لا لانه هو العضو الاصلي، ولان نفس الخروج دليل بنفسه فالكثيرة لا يقع بها الترجيح عند المعارضة كالشاهدين والاربعة، وقد استقبح أبو حنيفة اعتبار ذلك فقال: هل رأيت قاضيا يكيل البول بالاواقي؟ قال رحمه الله: (إن بلغ وخرجت له لحية أو وصل إلى النساء فرجل وكذا إذا احتلم من الذكر) لان هذه من علامة الذكر. قال رحمه الله: (وإن ظهر ثدي أو لبن أو أمكن وطؤه فامرأة) لان هذه من علامات النساء. قال رحمه الله: (وإن لم تظهر له علامة أو تعارضت فمشكل) لعدم ما يوجب الترجيح. وعن الحسن أنه يعد أضلاعه فإن أضلاع الرجل تزيد عن أضلاع المرأة بواحد. قال رحمه الله: (فيقف بين صف الرجال والنساء) لانه يحتمل أن يكون ذكرا ويحتمل أن يكون أنثى لانه لو وقف في صف النساء، فإن كان ذكرا تفسد صلاته في صف النساء، ولو وقف في صف الرجال تبطل صلاته من يحاذيه، إن كان أنثى فلا يتخلل الرجال ولا النساء، وإن وقف في صف النساء فإن كان بالغا تفسد صلاته، وإن كان مراهقا يستحب له أن يعيد. والاصل في أحكامه أن يؤخذ بالاحوط فالاحوط ويعيد الذي عن يمينه ويساره والذي خلفه الصلاة احتياطا لاحتمال أنه امرأة. ويستحب أن يصلي بقناع لاحتمال أنه امرأة، ولو كان

[ 336 ]

بالغا حرا يجب عليه ذلك. ويجلس في صلاته جلوس المرأة لانه إن كان رجلا فقد ترك سنة وهو جائز في الجملة، وإن كان امرأة فقد ارتكب مكروها بجلوسه جلوس الرجال. والاصل فيه فيما يرجع إلى العبادات قال محمد: أحب إلي أن يصلي بقناع لاحتمال أنه امرأة يريد قبل البلوغ، وإن صلي بغيره فإن كان غير بالغ لا يؤمر بالاعادة إلا استحسانا تخلقا واعتبارا، وفي الهداية: صلى بغير قناع امرأة أن يعيد وهو الاستحسان. هذا إذا كان الخنثى مراهقا غير بالغ، فإن كان بالغا فإن بلغ بالسن ولم يظهر فيه شئ من علامات الرجال والنساء لا تجزيه الصلاة بغير قناع إذا كان الخنثى حرا. وفي السنغاقي وفي بعض النسخ: وإن كان بالغا فصلى بغير قناع امرأة فإنه يعيد وهذا بطريق الاحتياط، هكذا لفظ المبسوط. ولم يتعرض فيه أن طريق الاحتياط فيه على وجه الاستحباب أو لى وجه الوجوب. والظاهر هو الوجوب قال: ويجلس في صلاته كجلوس المرأة. ولو أحرم هذا الخنثى وقد راهق ولم يبلغ ولم يستبن أنه امرأة قال أبو يوسف: لا علم لي بلباسه. وقال محمد: إن لبس المخيط كان أحوط لجواز أنها أنثى فلا يحل لها كشف العورة. قال: ويكره أن يلبس الحلي. وأراد به ما بعد البلوغ بالسن إذا لم يظهر به علامات يستدل بها على كونه رجلا أو امرأة. ويكره لبس الحرير أيضا قال: وأكره له أن ينكشف قدام الرجال أو قدام النساء. ومعناه إذا كان قد راهق. فإن قلت: وهل يكره أن يخلو به رجل أجنبي ليس بمحرم منه أو يخلو هو بامرأة أجنبية ليس بمحرم منها؟ قلت: نعم إذا خلا بالخنثى رجل محرم منه فلا بأس، وكذلك الخنثى إذا خلا بامرأة هو محرم منها. ولا يسافر الخنثى بامرأة هي غير محرم منه، ولا بأس أن يسافر الخنثى مع محرم من الرجال ثلاثة أيام ولياليها، ولا يختنه رجل وامرأة لان الخنثى صبي أو صبية، فإن كان صبيا يجوز للرجال أن تختنه، وإن كان مراهقا يشتهي أو لا، وإن كان صبية فلا بأس للنساء أن تختنها إذا كانت غير مراهقة لانها لا تشتهي، وإذا كانت غير مراهقة وهي تشتهي أو لا، فإن قيل ما الفرق بين الحياة والموت حيث قلتم إذا مات الخنثى يميم بالصعيد، ولا يغسله رجل ولا امرأة ولم تقولوا أنه يشتري له جارية من ماله أو من مال أبيه أو من مال بيت المال إذا لم يكن لها مال ثم يبيعها الامام بعد ما غسلته ويرد ثمنها إلى بيت المال؟ قلنا: شراء الجارية بعد موت الخنثى لتغلسه لا تفيد إباحة الغسل لانه لا يملكها الخنثى ولا يبقى على ملكه لحاجة الغسل، فأما ما دام حيا فهو من أهل الملك لانه رجل أو امرأة فيملك الجارية التي اشتريت له، وإذا ملك الجارية التي اشتريت له كان شراء الجارية يفيد إباحة الختان. قال رحمه الله: (وتبتاع له أمة تختنه) يعني بماله لانه يجوز لمملوكه النظر إليه مطلقا إن كان ذكرا، وللضرورة إن كان أنثى، ويكره أن يختنه رجل لاحتمال أنه ذكر أو امرأة لاحتمال أنه أنثى فكان الاحتياط فميا ذكرنا لانه لا يحرم على تقدير أن يكون ذكرا وعلى تقدير أن يكون أنثى لان نظر الجنس إلى الجنس أخف. والاصل في مسائل النكاح لو زوج الاب هذا الخنثى امرأة قبل

[ 337 ]

بلوغه أو زوجة فالنكاح موقوف لا يفسد ولا يبطل ولا يتوارثان حتى يستبين أمر الخنثى لان التوارث حكم النكاح النافذ لا حكم النكاح الموقوف، فإن زوجه الاب امرأة وبلغ وظهر علامات الرجال ونحوه حكم بجواز النكاح إلا أنه أذا لم يصل إليها فإنه يؤول سنة كما يؤجل غيره إذا لم يصل إلى امرأته. ولو أن هذا الخنثى المشكل تزوج خنثى مثله فالنكاح يكون موقوفا إلى أن يستبين حالهما، فإن تبين حالهما فالنكاح جائز، وإن مات أحدهما أو ماتا قبل أن يزوج الاشكال لم يتوارثا، وإن ماتا وتركا أحد الابوين فأقام كل واحد من ورثتهما البينة أنه هو الزوج وأن الاخر هو الزوجة لا يقضي بشئ من ذلك، ولو أن رجلا قبل هذا الخنثى بشهوة ليس لهذا الرجل أن يتزوج بمحارمه حتى بتبين أمره. قال رحمه الله: (فإن لم يكن له مال فمن بيت المال ثم تباع) لان بيت المال أعد لنوائب المسلمين فيدخل في ملكه تعذرا للحاجة وهي حاجة الختان، فإذا ختنته تباع ويرد ثمنها إلى بيت المال، فإذا زوج امرأة فختنته ثم طلقها جاز لانه إن كان ذكرا صح النكاح، وإن كان أنثى فنظر الجنس أخف ثم يفرق بينهما لاحتمال أنه ذكر فيصح النكاح بينهما فتحصل الفرقة ثم تعتد إن خبها احتياطا. ولو حلف بعتق أو طلاق بأن قال إن كان أول ولد تلدينه غلاما فأنت طالق أو فعبدي حر فولدت خنثى لم يقع شئ حتى يستبين لان الخنثى لم يثبت بالشك، ولو قال كل عبد لي حر أو قال كل أمة لي حرة وله مملوك خنثى لا يعتق حتى يستبين أمرء لما قلنا. وإن قال القولين جميعا عتق للتيقن بأحد الوصفين لانه لا يخلو عن أحدهما، وإن قال الخنثى أنا رجل وامرأة لم يقبل قوله إذا كان مشكلا لانه دعوى بلا دليل. وذكر في النهاية معزيا إلى الذخيرة: إن قال الخنثى المشكل أنا ذكر أو أنثى كان القول قوله لان الانسان أمين في حق نفسه والقول قول الامين ما لم يعرف خلاف ما قال ما إذا قالت المعتدة انقضت عدتي وأنكر الزوج كان القول قولهما ما لم يعرف خلاف قولها بأن قلت في مدة لا تنقضي في مثلها العدة، والاولى ما ذكره في النهاية. ولا يحضر الخنثى غسل رجل ولا امرأة لاحتمال أنه ذكر أو أنثى، ويستحب أن يسجي قبره لانه أن كان أنثى أقيم واجب، وإن كان ذكر لا يضره التسجية. وإذا أراد أن يصلي عليه وعلى رجل وامرأة وضع الرجل مما يلي الامام والخنثى خلفه والمرأة خلف الخنثى، ويؤخر عن الرجل لاحتمال أنه امرأة، ويقدم على المرأة لاحتمال أنه رجل. ولو دفن مع رجل في قبر واحد للعذر جعل خلف الرجل لاحتمال أنه امرأة ويجعل بينهما حاجزا من صعيد ليكون في حكم القبرين. وكذا الرجلان إذا دفنا في قبر واحد. وإن دفن مع امرأة قدم الخنثى لاحتمال أنه أنثى، ويدخل قبره ذو رحم محرم منه لاحتمال أنه أنثى. ولم يتعرض المؤلف لما يتعلق بالخنثى من الحدود والقصاص، ولا لما يتعلق به من الايمان، ولا لما يتعلق به من الدعوى والبينة، ولا لبيان الاختلاف الواقع فيه، ولا لبيان

[ 338 ]

شهادته. قال في الاصل: ولو أن رجلا قذف الخنثى المشكل قبل البلوغ أو قذف الخنثى رجلا فلا حد على القاذف، أما إذا كالقاذف هو الخنثى فلانه صبي أو صبية، فإما إذا كان القاذف رجلا فلانه غير محصن لان البلوغ من أحد شرائط إحصان القذف كالاسلام، وإن قذف الخنثى بعد بلوغه بالسن، فإن ظهر له علامة يستدل بها على كونه ذكرا أو أنثى حد الرجال أو النساء، ولو قذف الخنثى رجلا بعد ظهور علامة الرجال أو قذفه رجل فهما سواء فيجب الحد، وإن لم يظهر له علامة فلا حد على قاذفه. وهذا لان الخنثى وإن صار محصنا بالبلوغ إلا أنه لم يظهر عليه علامة الانوثة أو الذكورة يجوز أن يكون هذا رجلا وأن يكون امرأة، فإن كان امرأة فهو بمنزلة الرتقاء لانها لا تجامع كالرتقاء. ومن قذف رجلا محبوبا أو امرأة رتقاء لا حد عليه، وإن كان الخنثى هو القاذف يحد لانه مجبوب بالغ أو رتقاء بالغة، والمجبوب البالغ والرتقاء البالغة إذا قذف إنسانا يجب عليه الحد. وإن سرق بعد ما أدرك يجب عليه الحد. وإن سرق منه ما يساوي عشرة يقطع السارق. رجل أو امرأة. ولو قطع يد هذا الخنثى قبل أن يبلغ أو يستبين أمره فلا قصاص على قاطعه. سواء كان القاطع رجلا أو امرأة. وعلى هذا الخلاف إذا قتل الخنثى رجلا أو امرأة عمدا كان عليه القصاص، وإن قطع هذا الخنثى يد رجل أو امرأة فعلى عاقلته أرش ذلك وبعد البلوغ إذا قطع يد إنسان قبل أن يستبين أمره عمدا فإنه يجب عليه الارش. في ماله وإن شهد مغنما يرضخ له ولا يسهم، وإن ارتد عن الاسلام قبل أن يدرك أو بعدما أدرك لا يقتل عندهم جميعا، أما قبل فإنه صبي أو صبية وردة الصبي والصبية لا تصح عند أبي يوسف. وعند أبي حنيفة ومحمد أنه وإن كان يصح ردة الصبي العاقل والصبية العاقلة إلا أنه لا يقتل على الردة عندهما، وبعد البلوغ تصح ردته بالاجماع إلا أنه لا يخلو إما أن يكون رجلا أو امرأة، فإن كان رجلا حل قتله ولا يحل إن كان امرأة فلا يحل بالشك. وإن كان من أهل الذمة لا يوضع عليه خراج رأسه حتى يدرك ويستبين أمره ولا يدخل في القسامة، ولو كان الخنثى أبوه حيا فقال هو غلام ولا يعرف ذلك إلا بقوله لكان القول قوله، وكذلك لو قال هي جارية فالقول قوله إذا لم يكن مشكل الحال لان الوصي قائم مقام الاب، وإن كان مشكل الحال لم يصدق. وإن قتل الخنثى خطأ قبل أن يستبين أمره قال القول في ذلك قول القاتل أنه ذكر أو أنثى إن كانت الدية تجب على القاتل إن لم يكن له عاقلة، وإن كان له عاقلة فالقول قول العاقلة، وإن قالوا لا ندري فالقول قولهم ووجب عليهم دية، وإن قالوا إنه أنثى وورثة الخنثى ادعوا أنه ذكر فالقول قول العاقلة لانهم يدعون على القاتل والعاقلة زيادة خمسة آلاف درهم والقاتل والعاقلة ينكرون ذلك فيقضي عليهم بدية المرأة ويوقف العقل إلى أن يستبين أمره أنه ذكر أو أنثى. رجل مات وترك ذكرا وخنثى وزوجة فمات الخنثى بعد موت أبيه فادعت أم الخنثى أنه ذكر وأنه كان ورث من أبيه نصف المال بعد الثمن لانه مات وترك ابنين وامرأة ثم مات الخنثى فورثت ثلث

[ 339 ]

ذلك النصف لان الخنثى مات وترك أما وأخاترث الام ثلث ذلك النصف وقال ابن الميت وهو أخ الخنثى لا بل كانت الخنثى جارية وورثت الثلث من الميت بعد الثمن ثم ماتت فورثت أنت ثلث ذلك فالقول قول أخي الخنثى إلا أن الاخ يستحلف على العلم بالله ما تعلم أنه كان ذكرا. وإذا قامت الام البينة أنه كان يبول من مبال الرجال ولا يبول من مبال النساء فإنه يرث من أبيه ميراث النصف بعد الثمن، ثم ترث الام ثلث ذلك النصف من الخنثى. وإن أقام أخ الخنثى البينة أنه يبول من مبال النساء ولا يبول من مبال الرجال وأنها ورثت الثلث من الاب بعد الثمن فلام الخنثى ذلك الثلث، وإن أقام رجل البينة أن أبا الخنثى كان زوجها منه على ألف درهم وطلب ميراثها وصدقه الابن أو كذبه ولم تقم الام البينة أن أب الخنثى على ما ادعت فإنه يقبل قول الزوج ويجعل عليه المهر وورث من الخنثى ميراث الزوج وورث أم الخنثى من الصداق الذي يبقى على الزوج وما ترك الخنثى. وإن أقام الاخ بينة على ما ادعت أنه كان يبول من مبال الرجال ولا يبول من مبال النساء إن أقام الزوج البينة أنها كانت أنثى وتبول من مبال النساء ولا تبول من مبال الرجال كانت بينة الاخ أولى بالرد، ولو أن هذا الخنثى المشكل الذي مات صغيرا وترك مالا أقامت امرأة بينة أن أباه زوجها إياه في حياته ومهرها ألف درهم وأنه كان غلاما يبول من حيث يبول الغلام ولم يكن يبول من حيث يبول النساء وكذبها الاخ ابن الميت قال: أصدق المرأة واجعله غلاما واجعل صداقها في ميراثه من ميراث الغلام، فإن أقام الاخ ابن الميت البينة بأنه كاجارية يبول من حيث تبول الجارية قال: لا أقبل بينتهما على ذلك فأقضي ببينة المرأة. وهذا إذا جاءا معا، فأما إذا أقام الزوج البينة أولا وقضى القاضي بذلك ثم أقامت المرأة البينة فإنه لا يقبل منها لترجح الاولى بالقضاء، فإن وقت أحد من البيتين وقتا قبل الاخرى فإنه يقضي بأسبقهما تاريخا، وإن لم يوقت ذكر أنهما يبطلان. وهذا إذا كانت المرأة تدعي الصداق، ومتى لم تدع فإنها تتهاتر البينتان. وإن كان هذا الصبي حيا لم يمت والمسألة بحالها قال: هذا كله باطل ولا أقضي بشئ منه بلا توقف في ذلك حتى يستبين حاله متى أدرك، وليس حالة الحياة عندي بمنزلة ما بعد الموت. ولو أن هذا الخنثى حين مات بعد أبيه وهو مراهق أقام رجل البينة أن أباه زوجه إياها على هذا الوقف بألف وأمره بدفعه إليه وأنه كان يبول من حيث تبول النساء وكذبه الورثة فهذا على وجهين: أما إن جاءت البينات معا أو جاءت إحداهما قبل صاحبتها، فإن جاءتا معا فلا يخلو إما إن لم يوقتا أو وقتا وقتا ووقتهما على السواء أو كان وقت إحدهما أسبق، فإن لم يوقتا أو وقتا ووقتهما على السواء تهاترت البينات جميعا، هذا بخلاف ما لو لم يدع الزوج نصف الطلاق بالطلاق قبل الدخول. وإنما ادعى النكاح على الخنثى لا غير وباقي المسألة بحالها ذكر أن البينة المثبتة أنها امرأة وأولى. وإن وقتا وقتا ووقت أحدهما أسبق فالسابق أولى، فإن جاءت إحداهما قبل الاخرى إن جاءت

[ 340 ]

الاخرى قبل القضاء بالاولى فالجواب فيه كالجواب فيما لو جاءتا معا، فأما إذا قضى القاضي بالاولى ثم جاءت الاخرى لا تقبل الاخرى بخلاف ما لو جاءتا معا ولم يؤرخا أو أرخا فتاريخهما على السواء فإنه لا يقضي بواحدة منهما. ولو أن هذا الخنثى المشكل مات قبل أن يظهر أمره فأقام رجل البينة أن أباه زوجها إياه بألف درهم برضاها وأنها ولدت منه هذا الود قال: أجزت بينته واجعلها امرأته واجعل الولد ابنها. وإن لم يقم هذا الرجل البينة أن أباها زوجها إياه برضا منه وأنه دخل بها وأنها ولدت منه هذا الولد فإنه يقضي بكون الخنثى رجلا وألزمه الولد، فإن اجتمعت الدعوتان جميعا وجاءت البينات معا ولم يوقتا أو وقتا على السواء فإنها تهاترت البينات جميعا وجاءت البينات معا، فإن قامت إحدى هاتين البينتين وقضى القاضي بشهادتهما ثم جاءت البينة الاخرى بعد ذلك قال: لا أقبل البينة الثانية. وإن كان هذا الخنثى المشكل من أهل الكتاب فادعى رجل مسلم أن أباه زوجه إياها على مهر مسمى برضاها وأقام بينة من أهل الكتاب قال: اقضي بينة المسلم وأجعلها امرأته وأبطل بينة المرأة. وكذلك لو كان الرجل من أهل الكتاب وبينته من أهل الاسلام فيقضي للرجل دون المرأة، وهذا بخلاف ما لو قوع الدعوى في المال فادعى المسلم مالا في يد ذمي وأقام على ذلك شاهدين كتابيين فإنه يقضي بالمال بنيهما ولا ترجح إحدى الشهادتين بالاسلام. ولو مات أبو الخنثى ثم مات هذا الخنثى فادعت أمه ميراث غلام وأقر الوصي بذلك وحجد بقية الورثة وقالوا هي جارية قال: إذا جاءت الدعوى في الاموال لم يصدق وعلى الام على ما ادعى. وإن كان هذا الخنثى حيا لم يمت فقال أنا غلام وطلب ميراث غلام من أبيه وصدقه الوصي في ذلك وأنكر بقية الورثة ذلك وقالوا هي جارية قال: لا أعطيه ميراث غلام ولا أصدقه على ذلك إلا ببينة. وإن كان وصيه أخو زوجه امرأة ثم مات الخنثى وطلبت المرأة ميراثها وقال الوصي هو غلام وقد جاز النكاح ورثت المرأة منه وقال بقية الورثة هي جارية لا يلزم الورثة الذي أنكروا ميراث الغلام في حقهم ويلزم الوصي المقر ميراث غلام في نصيبه وترث المرأة من الخنثى ميراث الخنثى من المقر، وإن كان له أخ لابيه وأمه فأقر أنه جارية وزوجها رجلا ثم مات الخنثى وقد راهق قبل أن يعلم أنها امرأة وزوجها ثم مات الخنثى قبل أن يعرف حاله فإن النكاح جائز على الاخ الاول وهو الوصي، ولا يجوز على من أنكر من بقية الورثة والنكاح الثاني الذي أقر به الاخر الثاني الذي ليس بوصي باطل في حقولا يجوز في حق بقية الورثة. قال: وإن لم يعرف أي النكاحين أول قال أبطل هذا كله ولا أورث شيئا منهما. وإن عرفت الذي أقر أنها امرأة وزوجها رجلا أنها أولى قال: ألزمه ميراث الاخر في نصيبه ولا ألزم غيره وأبطل النكاح. خنثى مشكل مراهق وخنثى مثله مشكل تزوج أحدهما صاحبه على أن أحدهما رجل والآخر امرأة إذا مات وأقام كل واحد من ورثتهما بينة أنه هو الزوج وأن الآخر هو الزوجة قال: لا أقضي بشئ من ذلك. وإن جاءت إحدى البينتين قبل

[ 341 ]

الاخرى وقضى بها ثم جاءت البينة الثانية قال: أبطل البينة الاخرى وقضاء الاول ماض على حاله بشهادة للخنثى حتى يدرك وبعدما أدرك إذا لم يستبن أمره يوقف أمره في حق الشهادة حتى يتبين أنه رجل أو امرأة أو صبي هذا الخنثى المشكل يعطى له خمسمائة درهم وتوقف الخمسمائة الاخرى إلى أن يتبين حاله أو يموت قبل التبين، فإن تبين أنه ذكر دفعت الزيادة إليه، وإن تبين أنه جارية دفعت إلى ورثة الموصي وهذا قول علمائنا قال الشيخ رحمه الله: يعطى له نصف وصية الغلام خمسمائة ونصف. وصية الجارية مائتان وخمسون فيعطى له سبعمائة وخمسون ويوقف مائتان وخمسون إلى أن يتبين حاله، فإن تبين أنه ذكر يعطى مائتين وخمسين، وإن تبين أنه أنثى يؤخذ منه مائتان وخمسون. قال رحمه الله: (وله أقل النصيبين) يعني لو مات أبوه كان له الاقل من نصيب الذكر ومن نصيب الانثى فإنه ينظر نصيبه على أنه ذكر وعلى أنه أنثى فيعطى الاقل منهما، وإن كان محروما على أحد التقديرين فلا شئ له، مثاله أخوان لاب وأم أحدهما خنثى مشكل كان المال بينهما أثلاثا للاخ الثلثان وللخنثى الثلث فيقدر أنثى لانه أقل، ولو قدر ذكرا كان له النصف. ولو تركت امرأة زوجا وأما وأختا لاب وأم هي خنثى كان للزوج النصف وللام الثلث من النصف الباقي وللخنثى ما بقي وهو السدس على أنه غصبه، ولو قدر أنثى كان له النصف وكانت المسألة تعول إلى ثمانية. ولو تركت زوجا وأما وأخوين من أم وأخا لاب وأم هو خنثى كان للزوج النصف وللام السدس وللاخوين لام الثلث ولا شئ للخنثى لانه عصبة ولم يفضل له شئ، ولو قدر أنثى كان له النصف فعالت المسألة إلى تسعة. ولو ترك الرجل ولد أخ هو الخنثى وعما لاب وأم أو لاب كان المال للعم وقدر الخنثى أنثى لان بنت الاخ لا ترث، ولو قدر ذكرا كان المال له دون العمم لان ابن الاخ مقدم على العم. وقال الشعبي: للخنثى نصف ميراث ذكر ونصف ميراث أنثى. وعن ابن عباس مثله لانه مجهول والتوزيع على أحوال عند الجهل طريق معهودة في الشرع كما في العتق المبهم، والطلاق المبهم إذا تعذر البيان فيه بموت الموقع قبل البيان. ولنا أن الحاجة إلى إثبات الملك ابتداء فلا يثبت مع الشك فصار كما إذا كان الشك في وجوب المال بسبب آخر غير الميراث بخلاف المستشهد به لان سبب الاستحقاق متيقن به وهو الانشاء السابق ومحلية كل واحد من العبدين والمعتقين بحكم ذلك السبب ثابت لكل واحد منهما على السواء من غير ترجيح أحدهما على الآخر بالشك. قال رحمه الله: (فلو مات أبوه وترك ابنا له سهمان وللخنثى سهم) لانه الاقل وهو متيقن فيستحقه، وعلى قول الشعبي نصف ميراث ذكر ونصف ميراث أنثى. واختلف أبو يوسف ومحمد في تخريج قول الشعبي فقال أبو يوسف: المال بينهما على سبعة أسهم أربعة للذكر وثلاثة للخنثى، اعتبر نصيب كل واحد منهما حالة انفراده فإن الذكر لو كان وحده

[ 342 ]

كان كل المال له والخنثى إن كان ذكرا كان له كل المال، وإذا كان أنثى كان له نصف المال فيأخذ نصف النصيبين نصف الكل ونصف النصف وذلك ثلاثة أرباع المال وللابن كل المال فيجعل كل ربح سهما فبلغ سبعة أسهم للابن أربعة وللخنثى ثلاثة أرباع، وليس للمال ثلاثة أرباع وأربعة أرباع فيضرب كل واحد منهم بجميع حقه اعتبارا بطرق العول والمضاربة. وقال محمد رحمه الله: المال بينهما على اثني عشر سهما سبعة للابن أيضا وخمسة للخنثى ويعتبر هو نصيب كل واحد منهما في حالة الاجتماع فيقول: لو كان الخنثى ذكرا كان المال بينهما نصفين، ولو كان أنثى كان أثلاثا فالقسمة على تقدير ذكورته من اثنين، وعلى تقدير أنوثته من ثلاثة وليس بينهما موافقة فيضرب إحداهما في الاخرى تبلغ ستة للخنثى على تقدير أنه أنثى سهمان، وعلى تقدير أنه ذكر ثلاثة فله نصف النصيبين وليس للثلاثة نصف صحيح فيضرب الستة في اثنين تبلغ اثني عشر فيكون للخنثى ستة على تقدير أنه ذكر، وله أربعة على تقدير أنه أنثى فيأخذ نصف النصيبين خمسة لان نصف الستة ثلاثة ونصف الاربعة اثنان ألا ترى أن الابن يأخذ في هذه المسألة سبعة لان نصيب الابن على تقدير أن الخنثى ذكر ستة، وعلى تقدير أنه أنثى ثمانية فنف النصيبين سبعة، ولو كان معها بنت فعند أبي يوسف تكون المسألة من تسعة لان نصيب البنت النصف حالة انفرادها وللابن الكل وللخنثى ثلاثة أرباع حال انفراد كل منهما فيجعل كل ربع سهما تبلغ تسعة، وعند محمد له خمس وثمن لان على تقدير أنه ذكر كان له خمسان فله نصف وهو الخمس، وعلى تقدير أنه أنثى كل له ربع فله نصفه وهو الثمن فمخرج الخمس من خمسة ومخرج الثمن من ثمانية وليس بينهما موافقة فتضرب إحداهما في الاخرى تبلغ أربعين ومنها تصح المسألة للخنثى خمسها ثمانية وثمنها خمسة فاجتمع له ثلاثة عشر سهما والبنت على تقدير أنه ذكر خمسان وهو ستة عشر، وعلى تقدير أنه أنثى ربع وهو عشرة فيكون له نصف النصيبين ثلاثة عشر والابن خمسان على تقدير ذكورته، ونصف على تقدير أنوثته فله نصف النصيبين ثمانية عشر وعلى هذا تخرج المسائل ولو كانوا أكثر من ذلك على المذهبين والله أعلم. مسائل شتى قد كانت عادة المصنفين أنهم يذكرون آخر الكتاب ما لم يذكر في الابواب السابقة من المسائل استدراكا للفائت ويترجمون لتلك المسائل بمسائل شتى أو بمسائل منثورة فعمل المصنف هنا أيضا كذلك جريا على عادتهم. وفي بعض النسخ مسائل شتى أي متفرقة وهو جمع شتيت وهو التفرق، فإن قلت: جاءني القوم شتى يكون نصبا على الحال أي متفرقين. قال رحمه الله: (إيماء الاخرس وكتابته كالبيان بخلاف معتقل اللسان في وصيته ونكاح

[ 343 ]

وطلاق وبيع وشراء وقود) وقال الشافعي: لا فرق بين معتقل اللسان والاخرس. ولنا أن الاشارة إنما تقوم مقام العبارة إذا صارت معهودة وذلك في الاخرس دون معتقل اللسان حتى لو امتد ذلك وصارت إشارته معهودة صار بمنزلة الاخرس. وقدر مدة الامتداد في المحيط بشهر، وفي جامع الفصولين بستة أشهر، وقدر التمرتاشي الامتداد بستة، وذكر الحاكم أبو محمد رواية عن أبي حنيفة فقال: إذا دامت العقلة إلى وقت الموت يجوز إقراره بالاشارة ويجوز الاشهاد عليه لانه عجز عن النطق بمعنى لا يرجى زواله فكان كالاخرس. قل: وعليه الفتوى. وأطلق في الاخرس فشمل الاصلي والعارض، والمراد الاصلي. أما الوصية لان التقصير جاء من قبله حيث أخر الوصية إلى هذا الوقت بخلاف الاخرس لانه لا تفريط من جهته. ولان العارض على شرف الزوال دون الاصل فلا يقاس أحدهما على الآخر. وإذا كان إيماء الاخرس وكتابته كالبيان وهو النطق باللسان تلزمه الاحكام بالاشارة والكتابة حتى يجوز نكاحه وطلاقه وعتقه وبيعه وشراؤه إلى غير ذلك من الاحكام لان الاشارة تكون بيانا من القادر على النطق فالعاجز أولى، ولانه صلى الله عليه وسلم بين الشهر بالاشارة حيث قال: الشهر هكذا وأشار بأصابعه. قالوا: والكتاب ممن يأتي بمنزلة الخطاب ممن ذكر. أقول: فيه شئ وهو أن هذا يدل على بعض المدعي ولا يدل على بعضه الآخر بل يدل على خلافه فإن كتابة الاخرس حجة فيما سوى الحدود وليس بحجة في الحدود، وهذا الدليل المذكور لا يدل على عدم كونها حجة في الحدود إذ لا فرق فيه بين الحدود وما سواها بل يدل على كونها حجة في الحدود أيضا إذا كانت مستبينة مرسومة وهو بمنزلة النطق في الغائب والحاضر على ما قالوا فإنه إذا كان بمنزلة النطق في حق الحاضر أيضا لم يكن حجة ضرورة فينبغي أن يكون حجة في الحدود أيضا كما كان النطق حجة فيها فليتأمل في المخلص. والدليل على أن الدلالة كالبيان هو أنه صلى الله عليه وسلم بلغ الرسالة بالكتاب كالخطاب فإذا كان خطابا في حق القادر ففي حق الاخرس أولى لان عجزه ظاهر وألزم عادة لان الغائب يقدر على الحضور بل يقدر ظاهرا والاخرس لا يقدر على نطق والظاهر بقاؤه على الدوام. ثم الكتاب على ثلاثة مراتب: مستبين ومرسوم وهو أن يكون معنونا أي مصدرا بالعنوان وهو أن يكتب في صدره من فلان بن فلان على ما جرت به العادة في سير الكتب فيكون هذا كالنطق فيلزم حجة، ومستبين غير مرسوم كالكتابة على الجدران وأوراق الاشجار أو على الكاغض لا على وجه الرسم فإن هذا يكون لغوا لانه لا عرف في إظهار الامر بهذا الطريق فلا يكون حجة إلا بانضمام شئ آخر إليه كالبينة والاشهاد عليه والاملاء على الغير حتى يكتبه لان الكتابة قد تكون تجربة وقد تكون للتحقيق، وبهذه الاشارة تتبين الجهة، وقيل الاملاء من غير إشهاد لا يكون حجة والاول أظهر. وغير مستبين كالكتابة على الهواء أو الماء وهو بمنزلة كلام غير مسموع ولا يثبت به شئ من الاحكام وإن نوى. وقول المؤلف وقود وعلل في الهداية بأن القصاص

[ 344 ]

فيه معنى العوضية لان شرع جابرا فجاز أن يثبت مع الشبهة كسائر المعواضات التي هي حق العبد بخلاف الحدود الخالصة لله تعالى فشرعت زواجر وليس فيها معنى العوضية فلا تثبت مع الشبهة لعدم الحاجة. أقول: فيه بحث. أما الاول فلان ما ذكر ههنا من جواز ثبوت القصاص مع الشبهة مخالف لما صرح به فيما مر في عدة مواضع منها كتاب الكافلة فإنه قال فيه: ولا تجوز الكافلة بالنفس في الحدود والقصاص عند أبي حنيفة لان مبنى الكل على الدرء فلا يجب فيها الاستيثاق، ومنها كتاب الشهادات فإنه قال فيه: ولا تقبل في الحدود والقصاص شهادة النساء لان شبهة البدلية لقيامها مقام شهادة الرجال فلا تقبل فيما يندرئ بالشبهات. ثم قال في باب الشهادة: الشهادة على الشهادة جائزة في كل حق لا يسقط بالشبهة ولا تقبل فيما يندرئ بالشبهات كالحدود والقصاص. ومنها كتاب الوكالة حيث قال فيه: وتجوز الوكالة بالخصومة في سائر الحقوق. وكذا بإيفائها واستيفائها إلا في الحدود والقصاص فإن الوكالة لا تصح باستيفائها مع غيبة الموكل عن المجلس لانها تدرأ بالشبهات، وكذا في كتاب الدعوى. ومنها كتاب الجنايات فإنه صرح فيه في مواضع كثيرة منه بعدم ثبوت القصاص بالشبهة بل جعلها أصلا مؤثر في سقوط القصاص وفرغ عليه كثيرا من مسائل سقوط القصاص بتحقق نوع من الشبهة في كل واحد منها كما لا يخفي على الناظر في تمام ذلك الكتاب. وأما ثانيا فلان قيد الخالصة في قوله أما الحدود الخالصة لله تعالى فشرعت زواجر مستدرك فإن حد القذف غير خالص لله تعالى بل فيه حق الله تعالى وحق العبد مقدم كما صرحوا به على أنه زاجر لا يثبت بالشبهة، ولا تكون إشارة الاخرس حجة فيه أيضا كما صرحوا به لا يثبت بالشبهة فيما مر آنفا فلا يتم التفريق بالنظر إليه. وقول المؤلف الاشارة والكتابة كالبيان دلت هذه المسألة على أن الاشارة معتبرة وإن كان قادرا على الكتابة لانه جمع بينهما فقال أشار وكتب. قال صاحب العناية: ولنا في دعوى الجمع بينهما نظر لانه قال في الجامع الصغير: وإذا كان الاخرس يكتب أو يومئ وكلمة أو لاحد الشيئين لا للجمع على أنا نقول قال في الاصل: وإن كان الاخرس لا يكتب وكانت له إشارة تعرف في نكاحه وطلاقه وشرائه وبيعه فهو جائز. ويعلم من إشارة رواية الاصل أن الاشارة من الاخرس لا تعتبر مع القدرة على الكتابة لانه تبين حكم إشارة الاخرس بشرط أن لا يكتب فافهم إلى هنا. قال رحمه الله: (لا في حد) يعني إشارته لا تكون كالبيان في الحدود لانها تندرئ بالشبهة لكونها حق الله تعالى فلا حاجة إلى إثباتها، ولعله كان مصدقا للقاذف إن قذف هو فلا يتيقن بطلبه الحد، وإن كان هو القاذف فقذفه ليس بصريح والحد لا يجب إلا بالقذف بصريح الزنا، وفي القصاص اعتبر طلبه لان حق العبد، وهذا لان الحد لا يثبت ببيان فيه شبهة ألا ترى أن

[ 345 ]

الشهود لو شهدوا بالوطئ الحرام أو أقر هو بالوطئ الحرام لا يجب عليه الحد، ولو شهدوا بالقتل المطلق أو أقر بمطلق القتل يجب عليه القصاص وإن لم يقربالتعمد، وهذا لان القصاص فيه معنى المعاوضة لانه شرع جابرا فجاز أن يثبت مع الشبهة كسائر المعاوضات التي هي حق العبد، أما الحدود الخالصة حق الله تعالى جعلت زاجرة ليس فيها معنى البدلية أصلا فلا يثبت مع الشبهة لعدم الحاجة. وذكر في كتاب الاقرار أن الكتاب من الغائب ليس بحجة في قصاص يجب عليه، ويحتمل أن يكون الجواب في الاخرس كذلك فيكون في الغائب والاخرس روايتان، ويحتمل أن يكون مفارقا لذلك لان الغائب يمكنه الوصول في الجملة فيعتبر بالنطق ولا كذلك الاخرس لتعذر وجود النطق في حقه للآفة التي به، فدلت المسألة على أن الاشارة معتبرة وإن كان قادرا على الكتابة بخلاف ما ذكر بعض أصحابنا من أن الاشارة لا تعتبر مع القدرة على الكتابة قالوا: لان الاشارة حجة ضرورية ولا ضرر مع القدرة على الكتابة. قلنا: كل واحد منهما حجة ضرورية ففي الكتابة زيادة بيان لم توجد في الاشارة لان قصد البيان في الكتابة معلوم حسا وعيانا، وفي الاشارة زيادة أثر لم توجد في الكتابة لان الاصل في البيان هو الكلام لان وضع له والاشارة أقرب إليه لان العلم الحاصل بها حاصل بما هو مفصل بالتكلم وهو إشارته بيده أو برأسه صارت أقرب إلى النطق من آثار الاقلام فاستويا، ولا يقدم على الآخر بل يخير ولهذا ذكره بكلمة أو التي للتخيير، وقالوا فيمن صمت يوما أو يومين الحكم كالمعتقل اللسان. قال رحمه الله: (غنم مذبوحة وميتة فإن كانت المذبوحة أكثر تحرى وأكل وإلا لا) وقال الشافعي: لا يجوز الاكل في حالة الاختيار. ولنا أن الغلبة تنزل منزلة الضرر فلا إفادة الاباحة ألا ترى أن أسواق المسلمين لا تخلو عن المحرم من مسروق ومغصوب ومع ذلك يباح التناول اعتمادا على الظاهر، وهذا لان القليل منه لا يمكن التحرز عنه ولا يستطاع الامتناع عنه فسقط اعتباره دفعا للحرج كقليل النجاسة في البدن أو الثوب بخلاف ما إذا كانت الميتة أكثر أو استويا لانه لا ضرورة إليه فيمكن الاحتراز فلا تؤكل قال في العناية أخذا من النهاية: طولب بالفرق بين هذا وبين الثياب فإن المسافر إذا كان معه ثوبان أحدهما نجس والآخر طاهر ولا يميز بينهما وليس معه ثوب غيرهما فإنه يتحرى ويصلي في الذي يقع تحريه أنه طاهر فقد جوز هناك التحري فيما إذا كان الثوب النجس والطاهر نصفين. وفي المذكية والميتة لم يجوز. وأجيب بأن وجه الفرق هو أن حكم الثياب أخف من غيرها لان الثياب لو كانت كلها نجسة كان له أن يصلي في بعضهما ثم لا يعيد صلاته لانه مضطر على الصلاة بخلاف ما نحن فيه من الغنم، ويؤيده أن الرجل إذا لم يكن معه إلا ثوب نجس فإن كان ثلاثة أرباعه نجسا وربعه طاهرا يصلي فيه ولا يصلي عريانا بالاجماع، فلما جازت صلاته وهو نجس بيقين فلان يجوز بالتحري حالة الاشتباه أولى اه‍. أقول: الجواب عندي والسؤال فيهما نظر، أما الاول فلان

[ 346 ]

تجويز التحري فيما إذا كان الثوب النجس والطاهر نصفين إنما هو في حالة الاختيار كما صرحوا به في شرح الجامع الصغير وصرح به صاحب الهداية بقوله: وهذا إذا كانت الحالة حالة الاختيار، وأما في حالة الضرورة فيباح له التناول في جميع ذلك فلا تتوجه المطالبة بالفرق بين المسألتين رأسا لظهور اختلاف حكم الحالين الاختيار والاضطرار قطعا. وأما الثاني فلان ما ذكر فيه لا يقتضي كون حكم الثياب أخف من حكم غيرها ون جواز الصلاة في بعض الثياب عند كون كلها نجسة فعدم لزوم إعادة الصلاة إذ ذاك إذ هو في حالة الاضطرار كما أفصح عنه المجيب بقوله لانه مضطر إلى الصلاة فيها، وكون ما نحن فيه من الغنم بخلاف ذلك إنما هو في حالة الاختيار كما تحققته فمن أين يثبت حكم كون الثياب أخف من حكم غيرها مطلقا حتى يصلح أن يجعل مدارا للفرق بين تلك المسألتين. قال رحمه الله: (لف ثوب نجس رطب في ثوب طاهر يابس فظهر رطوبته على الثوب ولكن لا يسيل إذا عصر لا يتنجس) وذكر المرغيناني أنه إن كان اليابس هو الطاهر يتنجس لانه يأخذ قليلا من النجس الرطب، وإن كان اليابس هو النجس والطاهر هو الرطب لا يتنجس لان اليابس هو النجس يأخذ من الطاهر ولا يأخذ الرطب من اليابس شيئا، ويحمل على أن مراده فيما إذا كان الرطب ينفصل منه شئ، وفي لفظه إشارة إليه حيث نصف على أخذ البلة وعلى هذا إذا نشر الثوب المبلول على محل نجس هو يابس لا يتنجس الثوب لما ذكرنا من المعنى. وقال قاضيخان في فتاواه: إذا نام الرجل على فراش فأصابه مني ويبس وعرق الرجل وابتل الفراش من عرقه إن لم يظهر أثر البلل في بدنه لا يتنجس بدنه، وإن كان العرق كثيرا حق ابتل الفراش ثم أصاب تلك الفراش جسده فظهر أثره في جسده يتنجس بدنه، وكذا الرجل إذا غسل رجله ومشى على أرض نجسة بغير مكعب فابتل الارض من بلل رجله واسود وجه الارض لكن لم يظهر أثر تلك الارض في رجله وصلى جازت صلاته، وإن كان بلل الماء في الرجل كثيرا حتى ابتل وجه الارض وصار طينا ثم أطاب الطين رجله لا تجوز صلاته، ولو مشى على أرض نجسة رطبة ورجله يابسة تنجس. قال رحمه الله: (رأس شارة متلطخ بدم أحرق وزال عنه الدم فاتخذ منمرقة جاز والحرق كالغسل) لان النار تأكل ما فيه من النجاسة حتى لا يبقى فيه شئ أيحيله فيصير الدم رمادا فيظهر بالاستحالة، ولهذا لو حرقت العذرة وصارت رماد طهرت بالاستحالة كالخمر إذا تخللت، وكالخنزير إذا وقع في المملحة وصار ملحا وعلى هذا قالوا: إذا انجس التنور يطهر النار حتى لا ينجس الخبز، وكذلك آلة الخباز تطهر بالنار. قال رحمه الله: (سلطان جعل الخراج لرب الارض جاز وإن جعل العشر لا)

[ 347 ]

وهذا عند أبي يوسف. وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يجوز فيهما لانهما في جماعة المسلمين. ولابي يوسف أن صاحب الخراج له حق في الخراج فصح تركه عليه وهو صلة من الامام والعشر حق الفقراء على الخلوص كالزكاة فلا يجوز تركه عليه، وعلى قول أبي يوسف الفتوى. قال رحمه الله: (ولو دفع الاراضي المملوكة إلى قوم ليعطوا الخراج جاز) معناه أن أصحاب الاراضي إذا عجزوا عن زراعة الارض وأداء الخراج دفع الامام الاراضي إلى غيرهم بالاجرة أي يؤاجر الاراضي للقادرين على الزراعة ويأخذ الخراج من أجرتها، فإن فضل شئ من أجرتها يدفع إلى أربابها وهم الملاك لانه لا وجه لازالة ملكهم بغير رضاهم من غير ضرورة ولا وجه إلى تعطيل حق المقاتلة فتعين ما ذكرنا، فإن لم يجد من يستأجرها باعها الامام لمن يقدر على الزراعة لانه إذا لم يبعها يفوت حق المقاتلة في الخراج أصلا. ولو باع يفوت حق المالك في العين والفوات إلى خلف كلا فوات فيبيع تخفيفا للنظر من الجانبين وليس له أن يملكها غيرهم بغير عوض، وإذا باعها يأخذ الخراج الماضي من الثمن إذا كان عليهم خراج ورد الفضل إلى أصحابها. ثم قيل: هذا قول أبي يوسف ومحمد لان عندهما القاضي يملك بيع مال المديون بالدين والنفقة، وعند أبي حنيفة لا ملك ذلك فلا يبيعها لكن يأمر صاحبها ببيعها. وقيل: هذا قول الكل والفرق لابي حنيفة بين هذا وبين غيره من الديون أن في هذا ضررا خاصا ونفعا عاما والنفع العام مقدم على الضرر الخاص، ولان الخراج متعلق برقبة الارض فصار كدين العبد المأذون له في التجارة ودين الميت في التركة فإن القاضي يملك البيع فيهما لتعلق الحق بالرقبة فكذا هذا. وذكر في النوادر عن أبي حنيفة أن أهل الخراج إذا هربوا إن شاء الامام عمرها من بيت المال والغلة للمسلمين، وإن شاء دفع إلى قوم وأطعمهم على شئ إذا كأنه ما يأخذ للمسلمين لان فيه حفظ الخراج على المسلمين والملك على أربابها، فإذا عمرها من بيت المال يكون بقدر ما ينفق في عمارتها قرضا لان الامام مأمور بتهيئة بين المال بأي وجه يتهيأ له. قال رحمه الله: (ولو نوى قضاء رمضان ولم يعين اليوم صح ولو عن رمضانين كقضاء الصلاة صح وإن لم ينو أول الصلاة عليه أو آخر صلاة عليه) معناه لو كان عليه قضاء صوم يوم أو أكثر من رمضان واحد فقضاه ناويا عنه ولم يعين أنه عن يوم كذا جاز فكذا لو صام ونوى عن يومين أو أكثر جاز عن يوم واحد، ولو نوى عن رمضانين أيضا يجوز وكذا قضاء الصلاة يجوز وإن لم يعين الصلاة يومه ولم ينو أول صلاة عليه وهذا قول بعض المشايخ والاصح أنه يجوز في رمضان واحد ولايجوز في رمضانين ما لم يعين أنه صائم عن رمضان سنة كذا على ما بينا، وكذا في قضاء الصلاة لا يجوز ما لم يعين الصلاة ويومها بأن عين ظهر يوم كذا مثلا. ولو نوى أول ظهر عليه آخر ظهر عليه جاز لان الصلاة عليه

[ 348 ]

تعينت بتعينه، وكذا الوقت يعين لكونه أولا وآخرا، فإن نوى أول صلاة عليه وصلى مما يليه يصير أولا أيضا فيدخل فنيته أول ظهر عليه ثانيا وكذلك ثالثا إلى ما لا يتناهى، وكذا الآخر وهذا مخلص من لم يعرف الاوقات التي فاتته أو اشتبهت عليه أو أراد التسهيل على نفسه. والاصل فيه أن الفروض متزاحمة فلا بد من تعيين ما يريد أداءه حتى تبرأ ذمته منه لان فرضا من الفروض لا يتأدى بنية فرق آخر فكذا هذا ووجب التعيين والشرط تعيين الجنس بالنية لانها شرعت لتمييز الاجناس المختلفة ولهذا يكون التعيين في الجنس الواحد لغو لعدم الفائدة والتصرف إذا لم يصادف محله بكون نيته لغوا. ويعرف اختلاف الجنس باختلاف السبب والصلوات كلها من قبيل المختلف حتى الظهرين من يومين والعصرين من يومين لان وقت الظهر من يوم غير وقت الظهر من يوم آخر حقيقة وحكما لان الخطاب لم يتعلق بوقت يجمعهما بل بدلوك الشمس ونحوه والدلوك في يوم غير الدلوك في يوم آخر بخلاف صوم رمضان لانه متعلق بشهود الشهر لقوله تعالى * (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) * وهو واحد لانه عبارة عن ثلاثين يوما بلياليها فلذلك لا يحتاج فيه إلى تعيين صوم كذا حتى لو كان عليه قضاء يوم بعينه فصامه بنية يوم آخر وكان عليه قضاء صوم يومين أو أكثر فصام ناويا عن قضاء يومين أو أكثر جاز بخلاف ما إذا نوى عن رمضانين أو عن رمضان آخر حيث لا يجوز عن واحد منهما لاختلاف السبب، وصار كما إذا نوى ظهرين أو ظهرا عن عصر أو نوى ظهر يوم السبت وعليه ظهر يوم الخميس. وعلى هذا أداء الكافرة لا يحتاج إلى التعيين في جنس واحد ولو عين لغا. وفي الاجناس: لا بد منه وقد ذكرنا تفاصيلها في كفارة الظهار. وذكر في المحيط في كتاب الكفارات: نية التعيين في الصلاة لم تشترط باعتبار أن الواجب مختلف متعدد بل باعتبار أن مراعاة الترتيب واجب عليه ولا يمكنه مراعاة الترتيب إلا بنية التعين حتى لو سقط الترتيب بكثرة الفوائت يكفيه نية الظهر لا غير وهذا مشكل، وما ذكره أصحابنا مثل قاضيخان وغيره خلاف ذلك وهو المعتمد لما ذكرنا من المعنى، ولان الامر كما كان قاله لجوازه مع وجود الترتيب أيضا لامكان صرفه إلى الاول إذ لا يجب التعيين عنده ولا يفيد. قال رحمه الله: (ولو ابتلع ريق غيره كفر لو صديقه وإلا لا) أي لو ابتلع الصائم ريق غيره فإن كان بزاق صديقه يجب عليه الكفارة، وإن لم يكن صديقه يجب عليه القضاء دون الكافرة لان الريق تعافه النفس وتستقذره إذا كان من غير صديقه فصار كالعجين ونحوه مما تعافه النفس، وإن كان من صديقه لا تعافه فصار كالخبز ونحو ذلك مما تشتهيه الانفس. قال رحمه الله: (قتل بعض الحاج عذر في ترك الحج) لان أمن الطريق شرط الوجوب أو شرط للاداء على ما بينا في المناسك ولا يحصل ذلك مع قتل بعض الحجاج في الطريق للحاج فكان

[ 349 ]

معذورا في ترك الحج يأثم بذلك وقد ذكرناها مستوفاة في المناسك، وذكرنا الخلاف فلا نعيدها. ولك أن تقول: القول المختار فيما إذا كان بينكم وبين مكة بحرا كان الغالب فيه السلامة يجب الحج وإلا لا فينبغي أن يعرف هنا ويقال إن كان الغالب في الطريق الامن يجب وإلا لا. قال رحمه الله: (توزن من شدى) يعني أنت صرت زوجة لي (فقالت المرأة شدم) يعني صرت لم ينعقد النكاح لان هذا لا يدل على الايجاب والقبول فقوله تو بضم التاء المثناة فوق وسكون الواو معناه أنت وقوله زن بفتح الزاي المعجمة والنون هو اسم للمرأة وقوله من بفتح الميم والنون ومعناه أنا وقوله شدم بضم الشين المعجمة وفتح الدال المهملة في آخره ميم آخر الحروف ساكنة معناه صرت، وهذه اللفظة تتصرف كاللفظ العربي فمصدره شدن والماضي شد والمضارع شود إذا أريد الاخبار عن الجمع يقال شديم بكسر الدال وزيادة الياء آخر الحروف بعد الدال قبل ميم المتكلم. قال رحمه الله: (ولو قال رجل لامرأة خويشتن رازن من كردا يندى) معناه هل جعلت نفسك لي زوجة فقالت المرأة في جوابه كردا يندم يعني جعلت وقال الرجل بزير فتم يعني قبلت ينعقد النكاح متمم لاشتماله على الايجاب والقبول. وقله خويشتن يؤدي معنى نفسك وهو بكسر الخاء المعجمة يكتب بالواو بعدها من غير أن يتلفظ بها، وكذلك الياء بعد الواو وشين معجمة ساكنة بعدها تاء مثناة من فوق مفتوحة وفي آخره نون. وقوله را بفتح الراء بعدها ألف ساكنة تؤدي معنى التخصيص الاشارة بها وهي مفعول. وقوله من يعني أنا وقوله كردانيدي بالكاف الصماء المفتوحة والراء الساكنة والدال المفتوحة والنون المكسورة بعدها ألف وبعدها ياء ساكنة ودال مهملة مكسورة وفي آخره ياء أخرى ساكنة وهذه للخطاب تؤدي معنى الجعل والتصيير. وقوله كرادندم كذلك إلا أنه للمتكلم وحده، وكذلك للمخاطبة إذا زيد ياء بعد الدال مثل كردانيدي وإذا أريد جميع المخاطب يزاد بعد الدال ياء المخاطب مثل كردانيديد وإذا أريد المتكلم مع الغير يزاد فيه ياء بعد الدال وقبل الميم ويقال كردانيديم. وقوله بزيرفتم بفتح الباء الصماء يكون مخرجه قريب من مخرج الفاء وبكسر الزاي المعجمة بعدها باء ساكنة وبعدها راء مفتوحة وبعدها فاء ساكنة وبعدها تاء مثناة من فوق مفتوحة وفي آخر ميم ساكنة. قال رحمه الله: (ولو قال رجل لآخر دو خترخو يشتن رابيسر من ارزاني داشتي) معناه هل جعلت ابنتك لائقة لابني فقال أبو البنت في جوابه داشتم يعني جعلت لا ينعقد النكاح لانه ليس بمشتمل على الايجاب والقبول. ولا يلزم من جعل ابنته لائقة لابنه حصول العقد بينهما. قوله دختر بضمن الدال المهملة وسكون الخاء المعجمة وفتح التاء المثناة فوق وفي آخره راء معناه البنت. وقوله بيسر لفظان مركبان الاول لفظ باء الموحدة يؤدي معنى لام

[ 350 ]

الاختصاص، والثاني لفظ بيسر بضم الباء الفارسية وفتح السين المهملة وفي آخره راء معناه الابن. قوله أرزاني بفتح الهمزة وسكون الراء وبفتح الزاي وكسر النون بعد الالف الساكنة وفي آخره ياء آخر الحروف ساكنة ومعناه ههنا معنى اللائق. وقولهن داشتي بفتح الدال المهملة وسكون الالف وسكون الشين المعجمة والتقاء الساكنين في لغتهم شائع وكسر التاء المثناة من فوق وفي آخره ياء آخر الحروف ساكنة. وقله داشتم بزيادة التاء آخر الحروف قبل الميم وهذه قاعدة مطردة عندهم. قال رحمه الله: (منعها) كلام أضافي مبتدأ أي منع المرأة زوجها (عن الدخول عليها و) الحال أنه (هو) أي الزوج (يسكن معها في بيتها نشوز) لانها حبست نفسها منه بغير حق فلاتجب النفقة لها ما دامت على منعه فيتحقق النشوز منها فصار كحبسها نفسها في منزل غيرها. هذا إذا منعته ومرادها السكنى في منزلها، وإن كان المنع لينقلها إلى منزله لا تكون ناشزة لان السكنى واجبة لها عليه فكان حبسها نفسها منه بحق فلا تسقط نفقتها لان التقصير جاء من جهته فصار كما إذا حبست نفسها الاستيفاء مهرها بخلاف ما إذا حبست بسبب دين عليها أو غصبها غاصب وذهب بها لان الفوات ليس من قبله، وبخلاف ما إذا كانت ساكنة معه في منزله ولم تمكنه من الوطئ لانه يمكنه الوطئ كرها غالبا فلار يعد منعا. قال رحمه الله: (ولو سكن في بيت الغصب ب فامتنع لا تكون ناشزة) لانها محقة لان السكنى فيه حرام قال رحمه الله: (قالت لاأسكن مع أمتك وأريد بيتا على حدة وليس لها ذلك) لانه لا بد له ممن يخدمه فلا يمكن منعه من ذلك. قال رحمه الله: (قالت الزوجة لزوجها مر اطلاق ده) يعني أعطني طلاقا (فقال الزوج داره كيرا وكرده كيرا وداره بادوكر ده باد ينوي يقع) معناه الاعتبار للنية وعدمها فإن نوى بهذه الالفاظ الطلاق وقع، فإن لم ينو لا يقع لانه من الكنايات عندهم فلا بد من النية. وقله داده بفتح الدال بعدها ألف ساكنة ومعناه الاعطاء، وقوله كير بكسر الكاف الصماء وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره راء معناه الاصل أمسك ولكن معناه هنا أفرضي وقدري يعني قدري الطلاق قد أعطى. وقوله كرده بفتح الكاف وسكون الراء وفتح الدال وسكون الهاء وهو اسم مفعول من كرداني الذي هو المصدر ومعناه الفعل والعمل. قوله باز بفتح الباء وسكون الالف والزاي المعجمة معناه فليمكن. قال رحمه الله: (ولو قال الزوج داده است وكرده است يقع) الطلاق (نوى) الوقوع (أو لا) أي وإن لم ينو.، قال رحمه الله: (ولو قال الزوج داده أنكار وكرده أنكار) لا يقع الطلاق (وإن نوى الوقوع) والفرق بينهما أن في الاولى إخبارا عن وقوع فيقع الطلاق

[ 351 ]

وفي الثاني ليس بأخبار لان معنى قوله داده أنكار فرضي أنه وقع أو أحسي فلا يقع به شئ وإنكار بفتح الهجزة وسكون النون وفتح الكاف الصماء وفي آخره راء مهملة ومعناه افرضي وقدري قوله (وى مرانشايد تاقيامت أوهمه عمر) لا يقع طلاق (إلا بنية) لانه من الكنايات. قوله وى بفتح الواو وسكون الياء آخر الحروف بمعنى هي التي هو ضمير العائب. وقوله مرا بفتح الميم والراء مقصورة ومعناه لاخلى. وقوله نشايد بفتح النون والشين المعجمة وياء ساكنة بعد ياء مفتوحة آخر الحروف ودال مهملة ومعناه لا يليق. قوله أوهمه بفتح الهاء والميم وسكون الهاء ومعناه الجميع والمعنى يعني لا يليق في جميع عمري أو مدة عمري أو إلى يوم القيامة. قوله تا بفتح التاء المثناة من فوق مقصورة ومعناه إلى يوم القيامة. والحاصل في معنى هذا التركيب لا يليق بي إلى يوم القيامة. قال رحمه الله: (ولو قال الزوج حيله زنان كن إقرار بالثلاث) أي لوقوع الطلاق الثلاث لان معنى كلامه افعلي حيلة النساء مقصودهم بهذا احفظي عدتك أعدي أيام عدتك فإن هذا عندهم كناية عن وقوع الطلاق الثلاث لان المرأة لا تشتغل بأمور العدة إلا بعد وقوع الثلاث. قال رحمه الله: (ولو قال حيله خويش كن لا) يعني ليس بإقرار بالثلاث لان هذا ليس بكناية عن الطلاق عندهم بخلاف الصورة الاولى. قوله خويش بكسر الخاء المعجمة والوا لا يتلفظ بها عندهم وبعدها ياء آخر الحروف ساكنة وشين معجمة ومعناه أنت هنا لانه يجئ بمعنى آخر في غير هذا الموضع. قال رحمه الله: (ولو قالت المرأة كابين من ترابخشيدم) معناه وهبت لك المهر (مراجنك بادزار) معناه خلصني من نزاعك فاحكم علي بالمهر (إن طلقها سقط المهر وإلا لا) أي وإن لم يطلقها لا يسقط لانه أجابها إلى سؤالها هو الطلاق حتى يسقط المهر. وقوله ترى بضم التاء المثناة من فوق بالراء المقصورة معناه لك. وقوله بخشيدم بفتح الباء الموحدة وسكون الخاء المعجمة وكسر الشين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وبفتح الدال المهملة وفي آخره ميم ساكنة ومعناه وهبت ومصدره وهبت بخشيدن. قال رحمه الله: (ولو قال المولى لعبده يا مالكي أو قال لامته أنا عبدك لا يعتق) لانه ليس بصريح للعتق ولا كناية له بخلاف قوله يا مولاي لان حقيقته تنبئ عن ثبوت الولاء على العبد وذلك بالعتق فيعتق (ولو قال شخص بر من سوكند است كه) يعني على اليمين. قال رحمه الله: (ولو قال اين كار) يعني هذا الفعل (نكنم) يعني لا أفعل (فهذا إقرار باليمين بالله

[ 352 ]

تعالى) لانه أخر عن يمينه على ترك هذا الفعل فيكون إقرارا باليمين متى فعل يحنث في يمينه وتلزمه الكفارة. وقله بر بفح الباء الموحدة وسكون الراء تؤدي معناه على. وقوله من بفتح الميم وسكون النون ومعناه أنا. وقوله سوكند بفتح السين المهملة وسكون الواو وفتح الكاف الصماء وسكون النون وآخره دال ساكنة معناه اليمين. وقوله اين بكسر الهمزة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره نون ساكنة أيضا تؤدي معنى هذا. وقوله كار بفتح بالكاف وسكون الالف والراء وهو الفعل. وقوله نكنم مضارع منفي لان النون المفتوحة في الاول هي حرف النفي وكنم معناه افعل للمتكلم وحده واشتقاقه من كردن الذي هو المصدر فالماضي كرد والمتكلم وحده كنم ومع الغير كنيم بزيادة الياء قبل الميم. قال رحمه الله: (وإن قال شخص بر من سوكند است بطلاق لزمه ذلك فإن قال قلت ذلك) أي هذا القول (كذبا لا يصدق) لانه أخبر عن يمين منعقدة. وقوله بعد ذلك قلت ذلك كذبا رجوع منه فلا يصدق، ولو قال (مراسو كند خانه است كه اين كارنكنم) معناه أنا حالف بيمين البيت إن لا أفعل هذا الفعل (فهو إقرار باليمين بالطلاق) لان اليمين مبناه على العرف وفي العرف يكنون عن لمرأة يقال بيتي قال كذا يكنون به المرأة فقوله خانه يقال للبيت وكنى به عن امرأته وبقيت ألفاظه فسرناها (قال المشتري للبائع بها بازده) معناه رد الثمن (فقال البائع بدهم) عين أرد (يكون فسخا للبيع الذي كان بينهما) لان استرداده الثمن رد وفسخ للعقد. قوه بهاء فتح الباء الموحدة والهاء المقصورة معناه الثمن. وقوله ب بفتح الباء يؤدي معنى تخصيص الاشارة كما ذكرنا. وقله بازده بفتح الباء الموحدة وسكون الالف وسكون الزاي وكسر الدال المهملة وسكون الهاء معناه أعط قال رحمه الله: (العقار المتنازع فيه لا يخرج من يد ذي اليد ما لم يبرهن المدعى) أي إذا ادعى عقارا لا يكتفي بذكر المدعي أنه في يد المدعي عليه حتى يصح دعواه بل لا بد أن يبرهن أنه في يده أو يعلم القاضي بذلك في الصحيح لان يد المدعي عليه لا بد منه لتصح الدعوى عليه وهو شرط فيها، ويحتمل أن يكون في يد غيره فبإقامة البينة فتبقى تهمة المواضعة فيقضي القاضي عليه بإخراجه من يده لتحقق يده بخلاف المنقول لان اليد فيه مشاهدة فلا يحتاج إلى إثباتها بالبينة. فإن قيل: هذه مكررة مع قوله في كتاب الدعوى ولا تثبت اليد في العقار بتصادقهما بل ببينة أو إعلام قاض بخلاف المنقول قلنا. لا تكرار لان تلك بالنظر إلى ثبوت اليد وهذه بالنظر إلى أن القاضي هل يملك إخراجها من ذي اليد. قال رحمه الله: (عقار لا في ولاية القاضي) لا يصح قضاؤه فيه لان لا ولاية له في ذلك المكان. وقد اختلف المشايخ هل يعتبر المكان أو لا؟ فقيل يعتبر المكان،

[ 353 ]

وقيل يعتبر الاهل حتى لا ينفذ قضاؤه في غير ذلك على قول من اعتبر المكان ولا في غير ذلك الاهل على قول من اعتبر الاهل. وإن خرج القاضي مع الخليفة من المصر قضى، وإن خرج وحده لم يجز قضاؤه، وهذا ينبغي أن يكون على قول من اعتبر المكان لان القضاء من أعلام الدين فيكون المصر شرطا فيه كالجمعة والعيدين. وعن أبي يوسف أن المصر ليس بشرط فيه وإليه أشار محمد في كتاب أدب القاضي فقال: إن المصر ليس بشرط لنفوذ القضاء. وفي الخلاصة: والصحيح أن المعتبر الاهل لا المكان حتى لو قضى على الاهل والعقار في غير ولايته نفذ وعليه عمل القضاة الآن. قال رحمه الله: (إذا قضى القاضي في حادثة ببينة ثم قال رجعت عن قضائي أو بدا لي غير ذلك أو وقعت في تلبيس الشهود أو أبطلت حكمي ونحو ذلك لا يعتبر والقضاء ماض إن كان بعد دعوى صحيحه وشهادة مستقيمة) لان رواية الاول قد ترجح بالقضاء فلا ينقض باجتهاد مثله ولا يملك الرجوع عنه ولا إبطاله لانه تعلق به حق الغير وهو المدعي ألا ترى أن الشهادة لما اتصلت بالقضاء لا يصح رجوعه ولا يملك إبطالها لما ذكرنا فكذا القضاء. وقال الشعبي: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي بالقضاء ثم ينزل القرآن بعد ذلك بخلافه فلا يرد قضاءه. وقال صاحب المحيط: وهذا يدل على أن القاضي إذا قضى باجتهاد في حادثة لانص فيها ثم تحول عن رأيه فإنه يقضي في المستقبل بما هو أحسن عنده ولا ينقض القضاء الذي قضاه بالرأي لانه لم ينقض بالقرآن بعده فهذا أولى بخلاف ما إذا قضى باجتهاده في حادثة ثم تبين نص بخلافه فإنه ينقض ذلك القضاء، والفرق أن القاضي حال ما قضى باحتهاده فالنص الذي هو مخالف لاجتهاده كان موجودا منزلا إلا أنه خفي عليه وكان الاجتهاد في محل النص فلا يصح النبأ حال ما قضى باجتهاده كان الاجتهاد في محل لا نص فيه فصح وصار ذلك شريعة له فإذا نزل القرآن بخلافه صار ناسخا لتلك الشريعة. قال رحمه الله: (خبأ قوما ثم سأل رجلا عن شئ فأقر به وهم يرونه ويسمون كلامه وهو لا يراهم جازت شهادتهم عليه بذلك الاقرار) لان الاقرار موجب بنفسه وقد علموه وهو يكفي في أداء الشهادة. قال الله تعالى * (إلا من شهد بالحق وهم يعلمون) * وقال عليه الصلاة والسلام إذا علمت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع قال رحمه الله: (وإن سمعوا كلامه ولم يروه لا) أي لا تجوز شهادتهم لان النغمة تشبه النغمة فيحتمل أن يكون المقر

[ 354 ]

غيره فلا يجوز لهم أن يشهدوا عليه مع الاحتمال إلا إذا كانوا دخلوا البيت وعلموا أن ليس فيه أحد سواهم ثم جلسوا على الباب وليس للبيت مسلك غيره ثم دخل رجل فسمعوا إقرار الداخل ولم يروه وقت الاقرار لان العلم حصل لهم في هذه الصورة فجاز لهم أن يشهدوا عليه. قال رحمه الله: (باع عقارا وبعض أقاربه حاضر يعلم البيع ثم ادعى لا تسمع دعواه) أطلق القريب هنا وفي الفتاوي لابي الليث عنه فقال: لو باع عقارا وابنه أو امرأته حاضرة تعلم به وتصرف المشتري فيه زمانا ثم ادعى الابن أنه ملكه ولم يكن ملك أبيه وقت البيع اتفق مشايخنا على أنه لاع مثل هذه الدعوة لان حضوره عند البيع وتركه فيما يصنع إقرار منه بأنه ملك البائع وأنه لا حق له في المبيع وجعل سكوته في هذه الحالة كالافصاح بالاقرار قطعا للاطماع الفاسدة لاهل العصر في الاضرار بالناس، وتقييد القريب يقتضي جواز ذلك مع القريب. وقال في الخلاصة: والاصح أنها تسمع من القريب وغيره. وذكر في الهداية في كتاب الكفالة قبل الفصل في الضمان قال: ومن باع دارا وكفل عنه رجل بالدرك فهو تسليم لان الكفالة لو كانت مشروطة فيه فتمامه بقبوله، ثم بالدعوى يسعى في نقض ما تم من جهته. وإن لم تكن مشروطة فيه فالمراد بها أحكام البيع وترغب المشتري فيه إذ لا يرغب فيه بدون الكفالة فنزل منزلة الاقرار بملك البائع. ولو شهد وختم ولم يكفل لم يكن تسليما وهو على دعواه لان الشهادة لا تكون مشروطة في البيع وليست بشرط فيه ولا هي بإقرار الملك لان البيع مرة يوجد من المالك وتارة من غيره، ولعله كتب شهد بذلك فهو تسليم إلا إذا كتب الشهادة على إقرار المتعاقدين. ولو باع ضيعة ثم ادعى أنها وقف عليه وعلى أولاده لا تسمع دعواه للتناقض لان إقدامه على البيع إقرار منه، وإذا أراد تحليف المدعى عليه ليس له ذلك، وإن أقام البينة على ذلك قيل تقبل لان الشهادة على الوقف تقبل من غير دعوى لانها من باب الحسبة فإذا قبلت انتقض البيع، وقيل لا تقبل وهو أصوب وأحوط لانه بإقامة البينة أن الضيعة وقف عليه يدعي فساد البيع وحقا لنفسه فلا تقبل للتناقض. وقال في الجامع الصغير: إذا بيع متاع إنسان بين يديه وهو ينظر لا يصح لانه سكوت يحتمل الرضا والسخط. وقال ابن أبي ليلى: سكوته يكون إجازة منه للبيع. وفي جامع الفصولين: والصحيح أن سكوتلا يكون تسلميا لاحتمال أنه إنما سكت لغيبة شهوده أو لان القاضي لو خاصم عنده لا يقضي له لما علم من حال القاضي. قال رحمه الله: (وهبت مهرها لزوجها فماتت فطالب ورثتها بمهرها وقالوا كانت الهبة في مرض موتها وقال بل في الصحة فالقول له) أي للزوج، والقياس أن يكون القول للورثة لان الهبة حادثة والحوادث تضاف إلى أقرب الاوقات. ووجه الاستحسان اتفقوا على سقوط المهر عن الزوج لان الهبة في مرض الموت تفيد الملك وإن كانت للوارث ألا ترى أن المريض إذا

[ 355 ]

وهب عبده لوارثه فأعتقه الوارث أو باعه نفذ تصرفه ولكن يجب عليه الضمان إن مات المورث في ذلك المرض للوصية للوارث بقدر الامكان، فإذا سقط عنه المهر بالاتفاق فالوارث يدعي العود عليه والزوج ينكر والقول قول المنكر. قال رحمه الله: (أقر بدين أو غيره ثم قال كنت كاذبا فيما أقررت حلف المقر له أن المقر ما كان كاذبا فيما أقر به ولست بمبطل فيما أدعيه عليه والاقرار ليس بسبب للملك) وهذا قول أبي يوسف. وقالا: لا يحلف لان الاقرار حجة ملزمة شرعا فلا يصار معه إلى اليمين كالبينة بل أولى لان احتمال الكذب فيه أبعد لتضرره بذلك، ووجه الاستحسان أن العادة جرت بين الناس أنهم يكتبون الصك إذا أرادوا الاستدانة قبل الاخذ ثم يأخذون المال فلا يكون الاقرار دليلا، وكذا الوادعي وارث المقر يحلف المقر له على الصحيح لان الوارث أدعى الجزء الذي في يد المقر له فاليمين على نفي العلم أننا لا نعلم أنه كاذب فيحلف وعليه الفتوى لتغير أحوال الناس وكثرة الخداع والخيانات وهو يتضرر بذلك والمدعي لا يضره اليمين إن كان صادقا فيصار إليه. قال رحمه الله: (لو قال لآخر وكلتك ببيع هذا فسكت صار وكيلا) لان سكوته وعدم رده من ساعته دليل القبول عادة ونظيره هبة الدين ممن عليه الدين فإنه إذا سكت صحت الهبة وسقط الدين لما بينا، وإن قال من ساعته لا أقبل بطل وبقي الدين على حاله، وكذا لو قال جعلت أرضي عليك وقفا فسكت صحت، ولو قال لا أقبل بطل. وقال الانصاري: الوقف لا يبطل بقوله لا أقبل لانه وقف لله تعالى والاشبه أن يكون هذا قول أبي يوسف لما عرف من أصله أنه يصير وقفا بمجرد قوله وقفت داري. قال رحمه الله: (وكلها بطلاقها لا يملك عزلها) لانه يمين من جهته لما فيه من معنى اليمين وهو تعليق الطلاق بفعلها ولا يصح الرجوع عن اليمين وهو تمليك من جهتها لان الوكيل هو الذي يعمل لغيره وهي عاملة لنفسها فلا تكون وكيلة بخلاف الاجنبي. قال رحمه الله: (وكلتك بكذا على إني متى عزلتك فأنت وكيلي) يقول في عزله عزلتك ثم عزلتك أي ثم يقول عزلتك لان الوكالة يجوز تعليقها بالشرط فيجوز تعليقها بالعزل عن الوكالة، فإن عزله انعزل عن الوكالة المنجزة ثم تنجزت المعلقة فصار توكيلا جديدا، تم بالعزل الثاني قد رجع عن الوكالة الثانية. قال رحمه الله: (ولو قال كلما عزلتك فأنت وكيلي يقول رجعت عن الوكالة المعلقة وعزلت عن الوكالة المنجزة) وقيل يقول في عزله كلما وكلتك فأنت معزول لانه كلما صار وكيلا انعزل فيحصل مقصوده بذلك والاول أوجه. قال رحمه الله: (قبض بدل الصلح شرطا إن كان دينا بدين) بأن

[ 356 ]

وقع على دراهم عن دنانير أو على شئ آخر في الذمة لانه متى وقع الصلح على غير ما يستحقه الدائن بعقد المداينة يحمل على المعاوضة صار صرفا أو بيعا، وفيه لا يجوز الافتراق عن الدين بالدين لنهيه عليه الصلاة والسلام عن الكالئ بالكالئ وقد بيناه من قبل في كتاب الصلح وغيره. قال رحمه الله: (وإلا لا) أي إن لم يكن دينا بدين لا يشترط قبضه لان الصلح إذا وقع على عين متعينة لا يبقى دينا في الذمة فجاز الافتراق عنه وإن كان مال الربا كما وقع الصلح على شعير بعينه عن حنطة في الذمة وقد بيناه من قبل. قال رحمه الله: (أدعى رجل على صبي دار فصالحه أبوه على مال الصبي فإن كان للمدعي بينة جاز إن كان بمثل القيمة أو أكثر مما يتغابن الناس فيه) لان للصبي فيه منفعة وهي سلامة العين له لانه لو لم يصالح يستحقه المدعي فتنقد بالمثل وبقدر ما يتغابن فيه عادة لانه لا يمكن التحرز عنه. قال رحمه الله: (وإن لم يكن للمدعي بينة أو كانت غير عادلة لا) يعني لا يصح لانه يكون متبرعا بمال الصبي بالصلح لا مشتريا له لانه لم يستحق المدعي شيئا من ماله لو لا الصلح فلا منفعة للصبي في هذا الصلح بل فيه ضرر فلا يجوز لان الولاية نظرية قال الله تعالى * (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) * وإن كان الاب هو المدعى للصغير ولا بينة يجوز كيفما كان لانه لم يثبت للصبي فيما إدعاه الاب له ملك ولا معنى الملك وهو التمكن من الاخذ فكان محصلا له مالا من غير أن يخرج من ملك الصبي شيئا بمقابلته فكان نفعا محضا، فإن كان له بينة عادلة لا تجوز إلا بالمثل وبأقل لقدر ما يتغابن فيه لانه صار في معنى الملك لتمكنه من الاخذ بالبينة العادلة، ووصي الاب في هذا كالاب لانه قائم مقامة. قال رحمه الله: (قال لا بينة فبرهن أو لا شهادة لي فشهد تقبل) ومعنى الاول أن يقول المدعي ليس له بينة على دعواي هذا الحق ثم جاء بالبينة تقبل لان التوفيق بينهما ممكن بأن كانت له بينة فنسي ثم ذكرها بعد ذلك أو كان لا يعلمها ثم علمها. وعن أبي حنيفة أنها لا تقبل لانه أكذب بيتة. ومعنى الثاني أن يقول الشاهد لا شهادة لفلان عندي في حق له ثم يشهد له به تقبل شهادته، روي ذلك عن أبي حنيفة لانه يحتمل أن تكون له شهادة قد نسيها أو لم يعلمها ثم علمها ولهذا لو قال لا أعلم لي حقا على فلان ثم أقام البينة أن له عليه حقا تقبل لامكان التوفيق بخلاف ما إذا قال ليس لي عليه حق ثم أدعى حقا حتى لا تسمع دعواه لان المناقضة بين الاقرار والدعوى ثابتة فلا يمكن التوفيق بينهما، ونفي الحجة في هذا كنفي الشهادة لا كنفي الحق حتى إذا قال لا حجة لي على فلان ثم أتى بحجة تقبل لانه يقول نسيت، ولو قال هذه الدا ليست لي أو قال ذلك العبد ثم أقام بينة أن الدار والعبد له تقبل ببينته لانه لم يثبت

[ 357 ]

باقراره حقا لاحد، وكل إقرار لم يثبت به لغيره حقا كان لغوا ولهذا يصح دعوى الملاعن نسب ولد نفي بلعانه نسبه لانه حين نفاه لم يثبت فيه حقا لاحد. قارحمه الله: (للامام الذي ولاه الخليفة أن يقطع انسانا من الطريق الجادة إن لم يضر بالمارة) لان للامام ولاية التصرف في حق الكافة فيما فيه نظر للمسلمين فإذا رأى في ذلك مصلحة لهم كان له أن يفعله من غير أن يلحق ضررا بأحد ألا ترى أنه إذا رأى أن يدخل بعض الطريق في المسجد أو بالعكس وكان في ذلك مصلحة للمسلمين كاله أن يفعل ذلك، والامام الذي ولاه الخليفة بمنزلة الخليفة لانه نائبه فكان فيه مثله. قال رحمه الله: (ومن صادره السلطان ولم يعين بيع ماله فباع ماله صح) أي جاز البيع لانه لم يكره على البيع وإنما باع باختياره. غاية الامر أنه صار ملجأ إلى بيعه لا يقال لما طلب منه ذلك فقد أكرهه لانا نقول: ذلك لا يوجب إلاكراه كالدائن إذا حبسه المدين فباع ماله ليقضى بثمنه دينه فإنه يجوز لانه باعه باختياره وإنما وقع الكره في الايفاء لا في البيع وقد تقدم مثله في التسعير. وفي الفتاوى: لو أدخل نفسه في مال السلطنة ثم أكرهه السلطان على بيع ماله لا يكون ذلك إكراها لانه لما دخل باختياره مع علمه أن السلطان إذا تأخر له مال يبيع داره وأمتعته صار راضيا بما يترتب على الدخول فلا يكون إكراها. قال رحمه الله: (خوفها بالضرب حتى وهبته مهرها لم يصح أن قدر على الضرب) لانها مكرهة عليه إذ الاكراه على المال يثبت بمثله لان التراضي شرط في تمليك الاموال والرضا ينتفي بمثله فلا يصح. قال رحمه الله: (وإن أكرهها على الخلع وقع الطلاق ولا يسقط المال) لان طلاق المكره واقع ولا يلزمها المال به إذا الرضا شرط فيه على ما بينا من قبل في كتاب الاكراه. قال رحمه الله: (ولو أحالت انسانا على الزوج بالمهر ثم وهبت المهر للزوج لا يصح) لانه تعلق به حق المحتال على مثال الرهن وإن كان أسوة الغرماء عند موتها فيرد تصرفها فيه فصار كما لو باع المرهون أو وهبه. قال رحمه الله: (اتخذ بئرا في ملكه أو بالوعة فنز منها حائط جاره فطلب تحويله لا يجبر عليه وإن سقط الحائط منه لم يضمن) لانه تصرف في خالص ملكه ولان هذا تسبب وبه لا يجب الضمان إلا إذا كان متعديا كوضع الحجر على الطريق واتخاذ ذلك في ملكه ليس بتعد فلا يضمن. قال رحمه الله: (ولو عمر دار زوجته بماله بإذنها فالعمارة لها والنفقة دين عليها لان الملك لها) وقد صح

[ 358 ]

أمرها بذلك فينتقل الفعل إليها فتكون كأنها هي التي عمرته فيبقى على ملكها وهو غير متطوع بالانفاق فيرجع لصحة أمرها فصار كالمأمور بقضاء الدين. قال رحمه الله: (ولنفسه بلا إذنها فله) أي إذا عمر لنفسه من غير إذن المرأة كانت العمارة له لان الآلة التي بنى بها ملكه فلا يخرج عن ملكه بالبناء من غير رضاه فيبقى على ملكه ويكون غاصبا للعرصة وشاغلا ملك غيره بملكه فيؤمر بالتفريغ إن طلبت زوجته ذلك. قال رحمه الله: (ولو عمرها لها بلا إذنها فالعمارة لها وهو متطوع) أي عمرها لها بغير إذنها كان لها البناء وهو متطوع بالبناء فلا يكون له الرجوع عليها به لانه لا ولاية له في ايجاب ذلك عليها. قال رحمه الله: (ولو أخذ غريمه فنزعه انسان من يده لم يضمن) أي لا يضمن النازع فلا يضاف إليه التلف كما إذا حل قيد العبد فأبق فإن الحال لا يضمن لان التلف لم يحصل بفعله وإنما حصل بفعل العبد وهو مختار، وكذا إذا دل السارق فإن الفعل حصل بفعل السرقة لا بد لالته وكمن أمسك هاربا من عدو حتى قتله العدو فإن الممسك لا يجب عليه الضمان فكذا هذا. قال رحمه الله: (في يده مال انسان فقال له سلطان ادفع إلي هذا المال وإلا اقطع يدك أو أضربك خمسين فدفع لم يضمن) أي لا يضمن الدافع لانه مكره عليه فكان الضمان على المكره أو على الآخذ أيهما شاء المالك إذا كان الآخذ مختارا وإلا فعلى المكره فقط. قال رحمه الله: (وضع منجلافي الصحراء ليصيد به حمار وحش وسمى عليه فجاء في اليوم الثاني ووجد الحمار مجروحا ميتا لم يؤكل) لان الشرط أن يذبحه انسان أو يجرحه وبدون ذلك لا يحل وهو كالنطيحة والمتردية حتى لو وجده ميتا من ساعته لا يحل لعدم شرطه. قال رحمه الله: (كره من الشاة الحياء والخصية والغدة والمثانة والمرارة والدم المسفوح والذكر) لما روى الاوزاعي عن واصل بن مجاهد قال: كره رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشاة الذكر والانثيين والقبل والغدة والمرارة والمثانة. قال أبو حنيفة: الدم حرام وكره الستة وذلك لقوله تعالى * (حرمت عليكم الميتة) * وكره ما سواه لانه مما تستخبثه النفس وتكرهه وهذا المعنى سبب الكراهة لقوله تعالى ويحرم عليكم الخبائث وروى ابن عمر رضي الله عنهما سأل عن القنفذ فتلا قوله تعالى * (قل لا أجد في ما أوحى إلي محرما على طاعم يطعمه) *. فقال شيخ عنده: وسمعت أبا هريرة يقول ذكر القنفذ عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: خبيث من الخبائث. قال رحمه الله: (للقاضي أن يقرض مال الغائب والطفل واللقطة) لانه قادر على

[ 359 ]

الاستخلاص فلا يفوت الحفظ به، وبهذه المسألة مكررة مع قوله في كتاب القاضي إلى القاضي ويقرض القاضي مال اليتيم ويكتب الصك بخلاف الاب والوصي والملتقط لانهم عاجزون عن استخلاصه فيكون تضييعا إلا أن الملتقط إذا أنشد اللقطة ومضت مدة النشد ينبغي أن يجوز له الاقراض من الفقراء لانه لو تصدق به عليهم في هذه الحالة جاز فالقرض أولى. قال رحمه الله: (صبي حشفته ظاهره بحيث لو رآه انسان ظنه مختونا ولا تقطع جلده ذكرة إلا بتشديد ترك كشيخ أسلم وقال أهل النظر لا يطيق الختان) لان قطع جلده لتنكشف الحشفة فإن كانت الحشفة ظاهره فلا حاجة إلى القطع، وإن كان يواري الحشفة يقطع الفضل، ولو ختن ولم تقطع الجلدة كلها ينظر، إن قطع أكثر من النصف يكون ختانا لان للاكثر حكم الكل، وإن قطع النصف فما دونه لا يعتد به لعدم الختان حقيقة وحكما، والاصل أن الختان سنة كما جاء في الخبر وهو من شعائر الاسلام وخصائصه حتى لو اجتمع أهل بلد على تركه يحاربهم الامام فلا يترك إلا للضرورة وعذر الشيخ الذي لا يطيق ذلك ظاهر فيترك. قال رحمه الله: (ووقته سبسنين) أي وقت الختان سبع سنين، وقيل لا يختن حتى يبلغ لان الختان للطهارة ولا طهارة عليه قبله فكان ايلاما قبله من غير حاجة، وقيل أقصاه اثنا عشر سنة، وقيل تسع سنين، وقيل وقته عشر سنين لانه يؤمر بالصلاة إذا بلغ عشرا اعتيادا أو تخلفا فيحتاج إلى الختان لانه شرع للطهارة، وقيل إن كان قويا يطيق ألم الختان يختن وإلا فلا وهو أشبه بالفقه. وقال أبو حنيفة: لا علم لي بوقته ولم يرو عن أبي يوسف ومحمد فيه شئ وأن المشايخ اختلفوا فيه. وختان المرأة ليس بسنة وإنما هو مكرمة للرجال في لذة الجماع وقيل سنة، والاصل أن ايصال الالم إلى الحيوان لا يجوز شرعا إلا لمصالح تعود إليه، وفي الختان إقامة السنة وتعود إليه أيضا مصلحته لانه جاء في الحديث الختان سنة يحارب على تركها. وكذا يجوز كي الصغير وربط قرحته وغيره من المداواة، وكذا يجوز ثقب اذن البنات الاطفال لان فيه منفعة للزينة، وكايفعل ذلك من وقته صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا من غير نكير. والحامل لا تفعل ما يضر بالولد ولا ينبغي لها أن تحتجم ما لم يتحرك الولد فإذا تحرك فلا بأس ما لم تقرب الولادة، فإذا قربت فلا تحتجم لانه يضره. وأما الفصد فلا تفعله مطلقا ما دامت حبلى لانه يخاف على الولد منه، وكذا يجوز فصد البهائم وكيها وكل علاج فيه منفعة لها، وجاز قتل ما يضر من البهائم كالكلب العقور والهرة إذا كانت تأكل الحمام والدجاج لازالة الضرر ويذبحها ولا يضر بها لانه لا يفيد فيكون معذبا لها بلا فائدة. قال رحمه الله: (والمسابقة بالفرس والابل والارجل والرمي

[ 360 ]

جائزة) لقوله صلى الله عليه وسلم لا سبق إلا في خف أو نعل أو حافر وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لسلمة بن الاكوع أن يسابق رجلا كان لا يسابق أبدا فسبقه سلمة بن الاكوع. وقال الزهري: كانت المسابقة بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخيل والركاب والارجل. ولان الغزاة يحتاجون إلى رياضة خيلهم وأنفسهم والتعلم للكلب والقدد مباح. قال رحمه الله: (وحرم شرط الجعل من الجانبين لا من أحد الجانبين) لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سبق بالخيل وراهن. ومعنى شرط الجعل من الجانبين أن يقول إن سبق فرسك فلك علي كذا، وإن سبق فرسي فلي عليك كذا وهو قمار فلا يجوز لان القمار من القمر الذي يزاد تارة وينقص أخرى وسمي القمار قمارا لان كل واحد من القمارين ممن يجوز أن يذهب ماله إلى صاحبه ويجوز أن يستفيد مال صاحبه فيجوز الازدياد والنقصان في كل واحد منهما فصار ذلك قمارا، وهو حرام بالنص ولا كذلك إذا شرط من جانب واحد بأن يقول إن سبقتني فلك علي كذا وإن سبقتك فلا شئ لي عليك لان النقصان والزيادة لا يمكن فيهما وإنما في أحدهما يمكن الزيادة وفي الاخرى النقصان فلا يكون مقامرة لان المقام مفاعله منه فيقتضي أن يكون من الجانبين، وإذا لم يكن في معناه جاز استحسانا لما روينا. والقياس أنه لا يجوز لما فيه من تعليق الملك على الخطر ولهذا لا تجوز فيما عدا الاربعة المذكورة في الكتاب كالبغل وإن كان الجعل مشروطا من أحد الجانبين. وفي الحديث إشارة إليه لانه خصص هؤلاء والمراد به الاستباق بلا جعل يجوز في كل شئ ولا يمكن إلحاق ما شرط فيه الجعل لانه ليس في معناه لان المانع فيه من وجهين: القمار والتعليق بالخطر. وفي الآخر من وجه واحد هو التعليق بالخطر لا غير فليس بمثل له حتى يقاس عليه. وشرطه أن تكون الغاية مما تتحملها الفرس، وكذا شرطه أن يكون في كل واحد من الفرسين احتمال السبق، وأما إذا علم أن أحدهما يسبق لا محالة فلا يجوز لانه إنما جاز لحاجة الرياضة على خلاف القياس. وليس في هذا ايجاب المال للغير على نفسه بشرط لا منفعة فيه فلا يجوز، ولو شرط الجعل من الجانبين وأدخلا ثالثا محللا جاز إذا كان فرس المحلل كفؤا لفرسيهما يجوز أن يسبق أو سبق فلا محالة وإلا فلا يجوز لقوله صلى الله عليه وسلم من أدخل فرسا بين الفرسين وهو لا يأمن يسبق فلا بأس رواه أحمد وأبو داود وغيرهما. وصورة إدخال المحلل أن يقول للثالث إن سبقتنا فالما لان لك، وإن سبقناك فلا شئ لنا عليك ولكن الشرط الذي شرطناه بينهما وهو أن أيهما سبق كان له الجعل على صاحبه باق

[ 361 ]

على حاله ويأخذ أيهما غلب المال المشروط له من صاحبه. وإنما جاز هذا لان الثالث لا يغرم على التقادير كلها قطعا ويقينا وإنما يحتمل أن يأخذ أو لا يأخذ فحرج بذلك من أن يكون قمارا فصار كما إذا شرط من جانب واحد لان القمار هو الذي يستوفي فيه من الجانبين في احتمال الغرامة على ما بيناه. ولو قال واحد من الناس لجماعة من الفرسان أو للاثنين فمن سبق فله كذا من مال نفسه أو قال للرماة من أصاب الهدف فله كذا جاز لانه من باب التنفيل، فإذا كان للتنفيل من بيت المال كالسلب ونحوه يجوز فما ظنك بخالص ماله؟ فصار أنواع السبق أربعة: ثلاثة منها جائزة وواحدة منها لا تجوز، وقد ذكرنا الجميع ويعرف ذلك بالتأمل. وعلى هذا الفقهاء إذا تنازعوا في المسائل وشرط للمصيب منهم جعلا جاز ذلك إذا لم يكن من الجانبين على ما ذكرنا في الخيل لان المعنى يجمع الكل إذ التعليم في البابين يرجع إلى قوة الدين أو أعلاء كلمات الله تعالى. والمراد بالجواز المذكور في باب المسابقة الحل لا الاستحقاق حتى لو امتنع المغلوب من الدفع لا يجبره القاضي فلا يقضى عليه به وقد قدمنا ذلك فيما تقدم. قال رحمه الله: (ولا يصلي على غير الانبياء والملائكة إلا بطريق التبع) لان في الصلاة من التعظيم ما ليس في غيرها من الدعوات وهزيادة الرحمة والتقرب من الله تعالى، ولا يليق ذلك مما يتصور منه الخطأ والذنوب وإنما يدعى له بالعفو والمغفرة والتجاوز وقوله إلا تبعا بأن يقول اللهم صل على محمد وآله وصحبه وسلم لان فيه تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم واختلفوا في الترحم على النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول اللهم ارحم محمدا، قال بعضهم لا يجوز لانه ليس فيه ما يدل على التعظيم مثل الصلاة والسلام ولهذا يجوز أن يدعى بهذا اللفظ لغير الانبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام وهو مرحوم قطعا فيكون تحصيل الحاصل وقد استغنينا عن هذه بالصلاة فلا حاجة إليها. وقال بعضهم: يجوز لان النبي صلى الله عليه وسلم كان من أشوق العباد إلى مزيد رحمة الله ومعناها معنى الصلاة فلم يوجد ما يمنع من ذلك، ثم الاولى أن يدعو للصحابة بالرضا فيقول رضي الله عنهم لانهم كانوا يبالغون في طلب الرضا من الله تعالى ويجتهدون في فعل ما يرضيه ويرضون بما لحقهم من الابتلاء من جهته أشد الرضا فهؤلاء أحق بالرضا وغيرهم لا يلحق أدناهم ولو أنفق مل ء الارض ذهبا. والتابعين بالرحمة فيقول رحمهم الله ولمن بعدهم بالمغفرة والتجاوز فيقول غفر الله لهم وتجاوز عنهم لكثرة ذنوبهم ولقلة اهتمامهم بالامور الدينية. قال رحمه الله: (والاعطاء باسم النيروز والمهرجان لا يجوز) أي الهدايا باسم هذين اليومين حرام بل كفر. وقال أبو حفص الكبير رحمه الله: لو أن رجلا عبد الله تعالى خمسين سنة ثم جاء النيروز وأهدى إلى بعض المشركين بيضة يريد تعظيم ذلك اليوم فقد كفر وحبط عمله. وقال صاحب الجامع الاصغر: إذا أهدي يوم النيروز إلى مسلم آخر ولم يرد به تعظيم اليوم ولكن على ما اعتاده بعض الناس لا يكفر، ولكن ينبغي له أن لا يفعل ذلك في ذلك اليوم خاصة ويفعله قبله أو بعده لكيلا يكون تشبيها باؤلئك القوم وقد

[ 362 ]

قال صلى الله عليه وسلم من تشبه بقوم فهو منهم وقال في الجامع الاصغر: رجل اشترى يوم النيروز شيئا يشتريه الكفرة منه وهو لم يكن يشتريه قبل ذلك إن أراد به تعظيم ذلك اليوم كما تعظمه المشركون كفر، وإن أراد الاكل والشرب والتنعم لا يكفر. قال رحمه الله: (ولا بأس بلبس القلانس) لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له قلانس يلبسها وقد صح ذلك ذكره في الذخيرة. قال رحمه الله: (ويسن لبس السواد وارسال ذنب العمامة بين الكتفين إلى وسط الظهر) لان محمدا رحمه الله ذكر في السير الكبير في باب الغنائم حديثا يدل على أن لبس السواد مستحب، ومن أراد أن يجدد اللف للعمامة ينبغي له أن ينقضها كورا فكورا فإن ذلك أحسن من رفعها على الرأس والقائها في الارض دفعة واحدة، وأن المستحب إرسال ذنب العمامة بين الكتفين. واختلفوا في مقدار الذنب قيل شبر، وقيل إلى وسط الظهر، وقيل إلى موضع الجلوس. وكان محمد رحمه الله يتعمم بالعمامة السوداء فدخلت عليه يوما مستورة فبقيت تنظر إلى وجهه وهي متحيرة فقال لها: ما شأنك؟ فقالت: أتعجب من بياض وجهك تحت سواد عمامتك فوضعها عن رأسه ولم يتعمم بالعمامة السودا بعد ذلك، ويستحب للرجل أن يلبس أحسن ثيابه، وكان أبو حنيفة يأمر أصحابه بذلك ويلبس بأربعمائة دينار وأباح الله تعالى الزينة بقوله * (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده) * وقال صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى إذا أنعم على عبد أحب أن يرى أثر نعمته عليه وقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه رداء قيمته أربعة آلاف درهم وربما قام إلى الصلاة وعليه رداء قيمته أربعة آلاف درهم. قال رحمه الله: (للشاب العالم أن يتقدم على الشيخ الجاهل) لانه أفضل منه قال الله تعالى * (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) * ولهذا يقدم في الصلاة وهي أحد أركان الاسلام وهي ثالثة الايمان وقال الله تعالى * (أطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولى الامر منكم) * والمراد بأولى الامر العلماء في أصح القولين والمطاع شرعا مقدم وكيف لا يتقدمون والعلماء ورثة الانبياء عليهم الصلاة والسلام على ما جاءت به السنة. قال رحمه الله: (ولحافظ القرآن أن يختم في كل أربعين يوما) لان المقصود من قراءة القرآن فهم معانيه والاعتبار بما فيه لا مجرد التلاوة قال الله تعالى: * (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب إقفالها) * وذلك يحصل بالتأني لا بالتواني في المعاني فقدر الختم أقله أربعون يوما كل يوم حزب ونصف أو ثلثا حزب أو أقل والله تعالى أعلم بالصواب.

[ 363 ]

كتاب الفرائض اعلم أن علم الفرائض هو علم المواريث يحتاج إليه لكثرة ما تعم به البلوى ويكون فيه من النوازل والفتوى، ولهذا حث الشارع على تعلمه ورغب فيه مخافة اندراسه فقال تعلموا الفرائض وعلموها للناس فإني أمرؤ مقيوض وسيقبض هذا العلم بقبض العلماء وتظهر الفتن حتى يتنازع الاثنان في الفريضة فلا يحدان أحدا يفصل بينهما وقال عليه الصلاة والسلام تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإنه أول ما ينزع من أمتي ثم يحتاج إلى معرفة تفسير الفرائض وسبب استحقاق الميراث وسبب حرمانه والحقوق المتعلقة بالتركة وأصناف الوارثين. أما تفسيرها فالفرض في اللغة عبارة عن التقديرة قال الله تعالى * (فنصف ما فرضتم) * أي قدرتم ويقال فرض القاضي النفقة إذا قدرها، وكذا يستعمل للقطع يقال قرضت الفأرة الثوب أي قطعته فسمي كتاب الفرائض لان سهام المواريث كلها مقدرة مقطوعة، ولان سبب استحقاق الارث القرابة وما هو ملحق بها كالولاء. أما القرابة فنوعان: رحم وزوجية، ونص الكتاب ناطق بهما وهو قوله تعالى * (يوصيكم الله في أولادكم) *. ولان الميت لما استغنى عن ماله وليستحق أحد يبقى عاطلا سائبا والقريب أولى الناس به فيستحقه بالقرابة صلة كما يستحق النفقة حال حياة مورثه صلة. والزجية أصل القرابة وأساسها لان القرابات تفرعت وتشعبت منها فالتحق قرابة السبب بقرابة النسب في حق استحقاق الارث. وأما الولاء فلقوله عليه الصلاة والسلام الولاء لحمة كلحمة النسب يعني في حق استحقاق الميراث فقد التحق الولاء بالنسب، ولانه بالاعتاق تسبب إلى احيائه حكما حين أزال عنه المالكية والولاية التي هي من خاصة

[ 364 ]

الانسانية وكان السبب إلى الاحياء يعني بالاعتاق، وكذا ولاء الموالاة لقوله عليه الصلاة والسلام لمن سأله عمن أسلم على يد رجل هو أحق الناس به محياه أو مماته. وأما ما يحرم به الميراث فأنواع ثلاثة: الرق والكفر والقتل مباشرة بغير حق. أما الرق فلانه سلب أهلية الملك، وأما الكفر فلقوله عليه الصلاة والسلام لا يتوارث أهل ملتين يعني لا يرث كافر مسلما ولا مسلم كافرا. وأما القتل فلما يأتي في بابه. وأما الحقوق المتعلقة بالتركة فأربعة: الكفن والدفن والوصية والدين والميراث. فأول ما يبدأ منها بكفن الميت ودفنه لان ستر عورته ومواراة سوأته من أهم حوائجه، واستغرق الدين بماله لم يمنعه من ذلك حال حياته فكذلك بعد وفاته ثم تقضي ديونه لانها أهم من قضاء ديون الله لاستغناء الله تعالى، وافتقار العبد لشدة خصومة الله تعالى في حقوق العباد، ولكثرة تجاوز الله تعالى وعفوه وتفضله وكرمه، ثم تنفذ وصيته من الثلث لانها من حوائج الميت. والوارث إنما يستحق الميراث إذا استغنى المورث. وهذا إذا كانت الوصية بشئ بعينه، فإن كانت الوصية بثلث ماله أو ربعه فالموصى له شريك الورثة لانها بمعنى الميراث لانه ثبت حقه في جميع التركة شائعا كحق سائر الورثة. ثم يقسم الباقي بين ورثته على فرائض الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما أصناف الوارثين فثلاثة: أصحاب الفرائض الذين لهم سهام مقدرة وعصبة وهم الذين يأخذون ما فضل من أصحاب الفروض، وذوو الارحام وهم الذين ليس لهم فروض مقدرة ولا لهم حقيقة تعصيب وإنما لهم مجرد قرابة. ولم يتعرض المؤلف لبيان ما يجري فيه الارث وما لا يجري فيه الارث فنقول: لا شك أن أعيان الاموال يجري فيها الارث، وأما الحقوق فمنها ما يجري فيه الارث حق الشفعة وخيار الشرط وحد القذف عندنا والنكاح لا يورث بلا خلاف وحبس المبيع وحبس الرهن يورث والوكالات والعواري والودائع لا تورث. واختلف المشايخ في خيار العيب فمنهم من قال يورث، ومنهم من قال لا يورث ولكن لا يثبت للورثة ابتداء، والدية تورث بخلاف، وأما القصاص في الاصل أنه يورث ويثبت للورثة ابتداء ويجوز أن يقا القصاص لا يورث عند أبي حنيفة، ويورث عندهما والولاء لا يورث بلا خلاف. وأما بيان الوقت الذي يجري فيه الارث فنقول: هذا فصل اختلف المشايخ فيه، قال مشايخ العراق: الارث يثبت في آخر جزء من أجزاء حياة المورث. وقال مشايخ بلخ: الارث يثبت بعد موت المورث. وفائدة هذا الاختلاف إنما تظهر في رجل تزوج بأمة الغير ثم قال لها إذا مات مولاك فإنت حرة فمات المولى والزوج وارثه هل تعتق؟ فعلى قول من يقول بأن الارث يجري في آخر جزء

[ 365 ]

من أجزاء حياة المورث تعتق بعد الموت، وذكر هذه المسألة في القدوري وذكر أنها على قول أبي يوسف لا تعتق، وعلى قول زفر تعتق. وأما ما يستحق به الارث وما يحرم به فنقول: ما يستحق به الارث شيئان: النسب والسبب. فالنسب على ثلاثة أنواع: المنتسبون إليه وهو الاول، والمنتسب هو إليهم وهم الآباء والامهات، والنسب هم الاخوات والاعمام والعمات وغير ذلك. والسبب ضربان: زوجية وولاء. والولاءة نوعان: ولاء عتاقة وولاء الموالات، وفي النوعين من الولاء يرث الاعلى من الاسفل ولا يرث الاسفل من الاعلى. هذا بيان جملة ما يستحق به الارث حئنا إلى بيان ما يحرم به الارث فنقول: ما يحرم به من الميراث الرق حتى إن العبد لا يرث من الحر والحر لا يرث من العبد وسيأتي شئ من ذلك بعدها. واختلاف الدينين حتى لا يرث الكافر من المسلم ولا المسلم من الكافر وسيأتي أيضا. والقتل مباشرة بغير حق في القتل يشترط لحرمان الميراث ثلاثة أشياء: أحدها المباشرة سواء كانت عمدا أو خطأ حتى إن من تسبب إلى قتل مورثة بأن صب الماء على الطريق فزلق به مورثه فمات أو حفر بئرا على حافة الطريق فوقع فيها مورثه ومات لا يحرم من الميراث. الثاني أن يكون القتل بغير حق والقتل بحق لا يوجب حرمان الارث ألا ترى أن من صال عليه مورثه فقتله الوارث دفعا لصيالته لا يوجب حرمان الميراث. الشرط الثالث أن يكون المباشرة مخاطبا حتى أن الصبي والمجنون إذا قتل لم يتعلق به حق وجوب القصاص ولا حرمان الميراث، وكذلك اختلاف الدارين سبب لحرمان الميراث لان الميراث إنما يستحق بالنصرة ولا تناصر عند اختلاف الدارين ولكن هذا الحكم في أهل الكفر لا في حق المسلمين حتى إن المسلم إذا مات في دار الاسلام وله ابن مسلم في دار الهند أو الترك يرث. وفي الكافي: ثم اختلاف الدارين على نوعين: حقيقي كالحربي مات في دار الحرب وله ابن ذمي في دار الاسلام فإنه لا يرث الذمي من ذلك الحربي، وكذا لو مات ذمي في دار الاسلام وله أب أو ابن في دار الحرب فإنه لا يرث ذلك الحربي من ذلك الذمي. وحكمي كالمستأمن والذمي حتى لو مات مستأمن في دارنا لا يورث منه وارثه الذمي، وكذلك الدين سبب لحرمان الميراث. وهذا إذا كان الدين مستغرقا للتركة، أما إذا لم يكن مستغرقا فالقياس أن لا يوجب حرمان الارث، وفي الاستحسان لا يوجب. وقد قيل البعد سبب لحرمان الميراث أيضا حتى لا يرث البعيد من القريب إذ لو ورث لورث جميع العالم من واحد وأنه محال. قال رحمه الله: (يبدأ من تركة الميت بتجهيزه) المراد من التركة ما تركه الميت خاليا عن تعلق حق الغير بعينه، وإن كان حق الغير متعلقا به الرهن والعبد الجاني والمشتري قبل القبض فإن صاحبه يقدم على التجهيز كما في حال

[ 366 ]

حياته، فحاصله أن معتبر بحال حياته فإن المرء يقدم نفسه في حال حياته فيما يحتاج إليه من النفقة والكسوة والسكنى على أصحاب الدين ما لم يتعلق حق الغير بعين ماله فكذا بعد وفاته يقدم تجهيزه من غير تقتير ولا تبذير وهو قدر كفن الكفاية أو كفن السنة أو قدر ما كان يلبسه في حال حياته من الوسط أو من الذي كان يتزين به في الاعياد والجمع. والزيارات على ما اختلفوا فيه لقوله تعالى * (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) * وهو محترم حيا وميتا فلا يجوز كشف عورته. وفي الاثر لعظام الميت من الحرمة ما لعظام الحي فيجب أن يعلم أن التركة تتعلق بها حقوق أربعة: جهاز الميت ودفنه والدين والوصية والميراث. فيبد بجهازه وكفنه وما يحتاج في دفنه بالمعروف. وفي الكافي: من غير تبذير ولا تقتير. وفي التهذيب: إذا مات الرجل يبدأ من تركته بتكفينه وتجهيزه بالمثل والمثل ما يلبس عند الخروج، وقيل في الاعياد، وقيل في الجمع والجماعات وهو الاصح ثم الدين، وأنه يخلو إما أن يكون الكل دين المرض وإن كان البعض دين الصحة والبعض دين المرض، فإن كان الكل سواء لا يقدم البعض على البعض، وإن كان الدين دين الصحة والبعض دين المرض ثبت بالبينة أو المعاينة فهو دين الصحة سواء. وفي المضمرات: وسأل عمن مات وله مال في يد أجنبي وطلب منه الورثة تسليم ذلك وعلى الميت ديون والمدعي عليه يعلم بذلك وأنهم ورثته فصالحه الورثة عما عليه وفي يده مال ثم دفعه من مال نفسه إليهم هل يغرم لغرماء الميت؟ فقال: نعم ولا يبرأ بهذا الصلح. وسأل عمن مات وله في يد أجنبي مال وله ورثة ولا شئ في أيديهم وعلى الميت ديون على من يدعي صاحب الدين وعلى من يقيم البينة؟ فقال: على ذي اليد بحضرة الورثة وتنفذ وصاياه من ثلث ماله. وفي الفرائض للحسامي: ثم تنفذ وصاياه من ثلث ما يبقي بعد الكفن والدين إلا أن يجيز الورثة أكثر من الثلث ويقسم الباقي بين الورثة على سهام الميراث. وهذا إذا كانت الوصية بشئ بعينه، فأما إذا كانت الوصية شائعا نحو الوصية بالثلث أو بالربع لا تقدم الوصية على الميراث بكل يكون الموصى له شريك الورثة في هذه الصورة يزاد حقه بزيادة تركة الميت وينقص حقه بنقصان تركة الميت. قال رحمه الله: (ثم بدينه) لقوله تعالى * (من بعد وصية توصون بها أو دين) * قال علي كرم الله وجهه إنكم تقرؤن الوصية مقدمة على الدين وقد شهدت النبي صلى الله عليه وسلم قدم الدين على الوصية، ولان الدين واجب ابتداء والوصية تبرع والبداءة بالواجب أولى والتقديم ذكرا لا يدل على التقديم فعلا. والمراد دين له مطالب من جهة العباد دين الزكاة والكفارات ونحوها لان هذه الديون تسقط بالموت فلا يلزم الورثة أداؤها إلا إذا أوصى بها أو تبرعت الورثة بها من عندهم لان الركن في العبادات نية المكلف بفعله وقد فات بموته فلا يتصور بقاء

[ 367 ]

الواجب لان الآخرة ليست بدار الابتلاء حتى يلزمه الفصل فيها، ولا العبادة حتى يجيز بفعل غيره من غير اختيار بخلاف دين العباد لان فعله ليس بمقصود فيه ألا ترى أن صاحب الدين إذا ظفر بجنس حقه وأخذه يجتزئ بذلك ولا كذلك حق الله تعالى لان المقصود فيها فعله ونيته ابتلاء والله غني عن ماله وعن العالمين جميعا غير أن الله تعالى تصدق على العبد بثلث ماله في آخر عمره ليتدارك ما فرط فيه تفضلا من غير حاجة إليه، فإن أوصى به قام فعل الورثة مقام فعله لوجود اختياره بالايصاء وإلا فلا. قال رحمه الله: (ثم وصيته) أي تنفذ وصيته من ثلث ما بقي بعد التجهيز والدين لما تلونا. وفي أكثر من الثلث لا يجوز إلا بإجارة الورثة وقد بيناه في كتاب الوصية. ثم هذا ليس بتقديم على الورثة في المعنى بل هو شريك لهم حتى إذا سلم له شئ سلم للورثة ضعفه أو أكثر ولا بد من ذلك بخلاف التجهيز والدين فإن الورثة والموصى لهم لا يأخذون إلاما فضل منهما. قال رحمه الله: (ثم يقسم بين ورثته وهم ذو فرض أي ذو سهم مقدر) لما تلونا ولقوله عليه الصلاة والسلام ألحقوا الفرائض بأهلها فما فضل فلذي عصبة ذكر وفي رواية فلا ولى رجل ذكر وذلك على سبيل التأكيد كقوله تعالى * (تلك عشرة كاملة) * * (ولا طائر يطير بجناحيه) * قال رحمه الله: (فللاب السدس مع الولد وولد الابن) لقوله تعالى * (ولابويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد) * جعل له السدس مع الولد وولد الابن ولد شرعا بالاجماع قال الله تعالى * (يا بني آدم) * وكذا عرفا قال الشاعر: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الاباعد وليس دخول ولد الابن في الولد من باب الجمع بين الحقيقة والمجاز بل من باب عموم المجاز أو عرف كون ولد ابن كحكم الولد بدليل آخر وهو الاجماع. وجميع أحوال الاب في الفرائض ثلاثة: أحدها الفرض المطلق وهو السدس وذلك مع الابن أو ابن الابن وإن سفل لما تلونا. والحالة الثانية الفرض والتعصيب وذلك مع البنت أو بنت الابن الفرض بما تلونا والتعصيب لما روينا. والحالة الثالثة التعصيب المطلق وذلك إذا لم يكن للميت ولد ولا ولد ابن لقوله تعالى * (فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلامه السدس) * ذكر فرض الام وجعل الباقي دليل على أنه عصبة. قال رحمه الله: (والجد كالاب إذا لم يتخلل في نسبته أم إلا في ردها في الثلث ما بقي وحجب أم الاب فيحجب الاخوة) أي الجد كالاب إذا لم يتخلل

[ 368 ]

في نسبه إلى الميت أنثى وهو الجد الصحيح إلا في مسألتين: أحدهما في رد أم الميت من ثلث الجميع إلى ثلث ما بقي وحجب أم الاب في زوج وأبوين أو زوجة وأبوين فإن الاب يردها إليه كالجد وفي حجب أم الاب فإن الاب يحجبها دون الجد، وإن تخلل في نسبه إلى الميت أم كان فاسدا فلا يرث إلا على أنه من ذوي الارحام لان تخلل الام في النسبة يقطع النسب والنسب إلى الآباء لان النسب للتعريف والشهرة وذلك تكون بالمشهورة وهو الذكور دون الاناث. وقوله كالاب يعني عند عدم الاب لان الجد يسمى أبا قال الله تعالى حاكيا عن يوسف عليه الصلاة والسلام * (واتبعت ملة آبائي ابراهيم واسحاق ويعقوب) * وكان اسحاق جده وإبراهيم جد أبيه. وقال الله تعالى * (با بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة) * وهما آدم وحواء عليهما السلام فإذا كان أبا دخل في النص إما بطريق عموم المجاز أو بالاجماع على ما نحو ما ذكرنا في ابن الابن فكان له الاحوال الثلاثة التي ذكرناها في الاب. وله حالة رابعة وهو السقوط بالاب لانه أقرب منه ويدلي به فلا يرث معه وإنما يقوم مقامه عند عدمه. وقوله ويحجب الاخوة يعني الجد يحجب الاخوة كالاب لانه قائم مقامه، وهذا على إطلاقه قول أبي حنيفة على ما يجئ بيانه إن شاء الله تعالى. والاصح أن الجد نوعان: صحيح وفاسد. فالفاسد من جملة ذوي الارحام والصحيح له أحوال ثلاثة على ما نحو ما ذكرنا في الاب وحكمه حال عدم الاب في استحقاقه السهم والتعصيب حكم الاب وحكم الواحد السدس، وإذا كثر فالسدس بينهم بالسوية. الفاصل بين الجد الصحيح والفاسد أن الصحيح هو الذي لم يتخلل في نسبته إلى الميت أم، وإن تخلل في نسبه إلى الميت أم فهو فاسد، والجد الصحيح كالاب. واختلف مشايخنا في الفتوى في مسائل الجد فامتنع بعضهم من الفتوى أصلا لكثرة الاختلاف الواقع فيما بين الصحابة، وأفتى بها الآخرون لكن اختلفوا فيما بينهم كان الشيخ الامام السرخسي يفتي في مسائل الجد بقول أبي يوسف ومحمد، وبعض المتأخرين من مشايخنا اختار والفتوى بالصلح في مواضع الخلاف قالوا: كنا نفتي بالصلح في الاجير في مواضع الخلاف المشترك لاختلاف الصحابة واختلافة الصحابة هنا أظهر فكان الفتوى بالصلح هنا أحق. وقال الشيخ الامام شمس الدين الحلواني: قال مشايخنا بأن الصواب في مسائل الجد أن يعطي الجد ما اتفقوا عليه ثم يقمم بين الجد وبين الاخوة والاخوات نصفين أمروا بالصلح. قال القاضي الامام عماد الدين النسفي: لا ينبغي للمفتي أن يقول المال كله للجد عند الصديق وإنما قال أبو حنيفة بذلك تعظيما لامر الصديق. وأما أصول زيد رضي الله عنه فالاصل الاول أن يجعل الجد مع الاخوة والاخوات كأحدهم يقاسمهم ويقاسمونه ويزاحمهم ويزاحمونه مادامت المقاسمة خيرا له من ثلث جميع المال كجد وأخ إذ لا ينقص من الثلث، فإن كان الثلث خيرا له من المقاسمة كجد وثلاثة إخوة يعطي الثلث ويقسم الباقي بينهم على فرائض الله تعالى.

[ 369 ]

الاصل الثاني أن يعتبر الاخوة والاخوات لاب مع الاخوة والاخوات لاب وأم في مقاسمه الجد حتى يظهر نصيب الجد إذا ظهر نصيبه وأعطى نصيبه رد أولاد الاب ما أخذوا على أولاد الاب والام، وإن كانوا ذكورا ومختلطين وخرجوا بغير شئ فقد اعتبرهم في الابتداء وأخرجهم في الانتهاء بيانه: جد وأخ لاب وأم وأخ لاب وإن كان مع الجد أخت لاب وأم وإخوة وأخوات لاب يقسم كما قلنا، ثم يرد الاخوة والاخوات لاب على الاخوات لاب وام إلى تمام النصف، وعلى الاختين لاب وأم إلى تمام الثلثين، ثم إن فضل شئ يكون له وإلا فلا. وفي الذخيرة: فصل في مسائل يقوم الجد مقام الاب في حجب الاخوات لاب وأم أو لاب عند أبي حنيفة وهو قول أبي بكر الصديق وعبد الله بن عباس وأبي موسى الاشعري وطلحة وعليه الفتوى. وقال زيد: يقاسم الجد الاخوة والاخوات ما دامت المقاسمة خيرا له بأن كان لا ينقص نصيبه من الثلث وكان يجعل الجد كأخ آخر وكأن يجعل نصيبه كنصيب الاخ، إن انتقص نصيبه من الثلث يعطيه ثلث المال وهو قول أبي يوسف ومحمد. وفي المضمرات: نفس المقاسمة أن يجعل الجد في المقاسمة كأحد الاخوة وبيانه في المسائل إذا ترك الرجل أختا لاب وأم أو لاب وجدا فعلى قول أبي حنيفة المال كله للجد، وعلى قولهما المال بينهما على ثلاثة أسهم، سهمان للجد وسهم للاخت ويجعل الجد في هذه الصورة كأخ آخر لان المقاسمة خير له فإذا جعلناه كأخ آخر نصيبه سهمان من ثلاثة فيجعل كذلك، وإن ترك ثلاث إخوة لاب وأم أو لاب وجدا يقسم المال بينهم أخماسا عندهم له سهمان من ثلاثة. وإن ترك ثلاث إخوة لاب وأم أو لاب وجدا فللجد الثلث ويجعل الجد كأخ فيقسم المال بينهم أخماسا سهمان للاخ وسهم للاخت ويجعل الجد كأخ آخر لان المقاسمة خير له لانا لو اعطيناه الثلث في هذه الحالة أعطيناه سهمين من ستة وسهمان من خمسة خير له من سهمين من ستة. ولو ترك جدا وأخوين لاب وأم وأختا لاب وأم فهنا يعطي الجد ثلث المال لان الثلث خير له لان بالمقاسمة يحصل له سهمان من سبعة، فإذا جعلنا الجد كأخ آخر كان خيرا له. وإن ترك جدا وأخا لاب وأم أو لاب وأختين لاب في هذه الصورة لا فرق بين المقاسمة وبين الثلث عندهما لان بالمقاسمة يصير كأنه مات عن ثلاثة إخوة لاب وأم لانا جعلنا الاختين أخا وإذا كان كذلك يقسم المال بينهم أثلاثا فيكون للجد الثلث سهم من ثلاثة، ولو أعطيناه الثلث ابتداء كان على الحساب من ثلاثة للجد سهم من ثلاثة فهو معنى قولنا أنه لا فرق بين المقاسمة وبين الثلث هنا، والفتوى في هذ المسائل وما يتصل بها على قول أبي حنيفة. وفي الكافي: ولو ترك جدا وأخوين فالثلث ههنا والمقاسمة سواء، ولو ترك جدا وثلاثة أخوة فالثلث هنا خير من المقاسمة، ودليله في شرح الطحاوي. ولو مات وترك جدا وأخا لاب وأم وأخا لاب فإن الاخ من الاب لا يرث مع الاخ لاب وأم وجد فإن الاخ لاب يدخل مع الجد لانه وارث

[ 370 ]

في حق الجد وإن لم يكن وارثا في حق الاخ لاب وأم فتكون المقاسمة والثلث سواء، فيعطي للجد الثلث والثلثان للاخوين لكل أخ ثلثه وهذا كما يقول في الاخوين مع الاب يرد الام من الثلث إلى السدس ومع ذلك لا يرثان مع الاب. وذكر في المضمرات أن المسائل المتعلقة بالاخوة خمسة أحدهما الشركة وهي أن تترك المرأة زوجها وأما وجدا أو إخوة من أم وأخا من أب وأم فللزوج النصف وللام السدس ولولد الام الثلث ولا شئ للاخ من الاب والام وهذا قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ويشترك أولاد الاب والام مع أولاد الام في الثلث كأنهم أولاد أم واحد سواء فيه الذكر والانثى، وهذا قول عمر رضي الله عنه وبه أخذ مالك والشافعي، وكان عمر رضي الله عنه يقول أولا كما يقول أبو بكر رضي الله عنه ثم رجع إلى قول غيره، وسبب رجوعه أنه سأل عن هذه المسألة فأجاب كما هو مذهبه فقام واحد من أولاد الاب فقال: يا أمير المؤمنين هب أن أبانا كان حمارا ألسنا من أم واحدة والاب لا يزيد إلا قربا فأطرق عمر رأسه متأملا ثم رفع رأسه فقال: صدقواهم سواء أم واحدة فنشركهم في الثلث فسميت المسألة مشتركة لتشريك عمر، وحمارية لقول القائل. وأما المسألة المنبرية والثالثة الاكدرية والرابعة العثمانية وقد مرت. وأما الخامسة الحمزية وهي ثلاث أخوات متفرقات وثلاث جدات متحاذيات وجد هو أب الاب تحجب أم الاب بأب الاب وتحجب الاخت من الام أيضا والاخت من الاب تدخل في المقاسمة وتخرم بغير شئ على الخلاف، وتخرج المسألة من اثني عشر بعد القطع وإنما سميت حمزية لان حمزة بن حبيب فعلها. وفي الذخيرة فصل في الحجب: يجب أن يعلم بأن الحجب على نوعين: حجب حرمان وحجب نقصان. فحجب الحرمان يرد على الكل إلا على ستة: الزوج والزوجة والاب والام والبنت والابن. وحجب النقصان لا يرد إلا على ثلاثة: الزوج والزوجة والام والحجب على نوعين: حجب نقصان وهو حجب عن سهم إلى سهم وذلك لخمس نفر: الزوجين والام والجدة وبنت الابن والاخت لاب. وحجب حرمان والورثة فيه فريقان: فريق لا يحجبون بحال وهم ستة وهذا ينبني على أصلين: أحدهما أن كل من يدلي إلى الميت بشخص لا يرث مع وجود ذلك الشخص سوى أولاد الام فإنهم يرثون معها لانعدام استحقاقها التركة، والثاني الاقرب فالاقرب كما في المعصبات. قال رحمه الله: (وللام الثلث) وذلك عند عدم الولد ولد الابن لما تلونا وعند عدم الاثنين من الاخوة والاخوات على ما نبين. قال رحمه الله: (ومع الولد وولد الابن أو الاثنين من الاخوة والاخوات لا أولادهم السدس) يعني مع واحد من هؤلاء المذكورين لا ترث الثلث وإنما ترث السدس لما تلونا ولقوله تعالى * (فإن كان له إخوة فلامه السدس) *

[ 371 ]

فاسم الولد في المتلو يتناول الولد وولد الابن على قول جمهور الصحابة، وروي عن ابن عباس أنه لا تحجب الام من الثلث إلى السدس إلا بثلاثة منهم عملا بظاهر الآية فإن الاخوة جمع وأقله ثلاثة. والجمهور على أن الجمع يطلق على المثنى قال الله تعالى * (وهل أتاك نبأ الخصم إذا تسوروا المحراب إذا دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغي بعضنا على بعض) * فأعاد ضمير الجمع في تسوروا وخدلوا وفي منهم عى المثنى الملكان اللذان دخلا عليه كما في محله عرف ومثل هذا كثير شائع في كلام العرب. قال رحمه الله: (ومع الاب واحد الزوجين ثلث الباقي بعد فرض أحدهما) فيكون لهما السدس مع الزوج والاب والربع مع الزوجة والاب لانه هو الثلث الباقي بعد فرض أحدهما فصار للام ثلاثة أحوال: ثلث الكل، وثلث الباقي بعد فرض أحد الزوجين، والسدس. وقد ذكرنا الكل بتوفيق الله تعالى ولذا جعل الله للام ثلث ما ترثه هي والاب عند عدم الولد والاخوة لا ثلث للكل لقوله تعالى * (وورثه أبواه فلامه الثلث) * أي ثلث ما يرثانه والذي يرثانه مع أحد الزوجين هو الباقي من فرضه ولانها لو أخذت ثلث الكل يكون نصيبها ضعف نصيب الاب مع الزوج أو قريبا من نصيبه مع الزوجة والنص يقتضي تفضيله عليها بالضعف إذا لم يوجد الولد والاخوة ولهذا قال ابن مسعود في الرد عليه: ما أراد الله تفضيل الانثى على الذكر. وقال زيد: لا أفضل الانثى على الذكر. ومرادهما عند الاستواء في القرابة والقرب، وأما عند الاختلاف فلا يمتنع تفضيل الانثى على الذكر ولهذا لو كان مكان الاب جد كان للام ثلث الجميع فلا يبالي بتفضيلها عليه لكونها أقرب منه. وأما عند أبي يوسف لها ثلث الباقي أيضا مع الجد وهو مروي عن عمر وابن مسعود رضي الله عنهما فإنهما ما كانا يفضلان الام على الجد. قال رحمه الله: (وللجدات وإن كثرن السدس إن لم يتخلل جد فاسد في نسبتها إلى الميت) قال في الاصل: والكلام في الجدات في مواضع في ترتيبهن ومعرفة الصحيحة من الفاسدة منهن وفي قدر ميراثهن وفيما يسقطن به، فالاول كل شخص له جدتان أم أم وأم أب ولابيه وأمه كذلك وهكذا إلى كل واحد من الاصول إلى أن ينتهي إلى آدم وحواء عليهما السلام، فالصحيحة منهن من لا يتخلل في نسبتها إلى الميت ذكر بين انثيين، والفاسدة من تخلل في نسبتها ذكر وذلك جد فاسد، فمن يدلى به يكون فاسدا ذكرا كان أو أنثى، وعند سعد ابن أبي وقاص الفاسدة من تدلي بذكر مطلقا. وإذا أردت تنزيل كل عد من الجدات الوارثات المتحاذيات فاذكر أولا لفظة أم أم بمقدار العدد الذي تريده ثنقول ثانيا أم أم وتجعل مكان الام الاخيرة أبا ثم في كل مرة تبدل مكان الام أبا على الاول إلى أن تبقى لفظة

[ 372 ]

أم مرة مثاله: إذا سألت عن أربع جدات وارثات متحاذيات فقيل أم أم أم أم بقدر عددهن لفظة أم مرة لاثبات الدرجة التي تتصور أ يجتمعن فيها فإنه لا يتصور أن يجتمعن فيها إلا إذا أرتفعن قدر عددهن من الدرجات فأربع جدات وارثات لا يتصور اجتماعهن إلا في الدرجة الرابعة فتقول أم أم أم أم أربع مرات فهذه واحدة منهن وهي من جهة الام ولا يتصور من جهتها وارث أكثر من واحدة، ثم يأتي بواحدة أخرى من جهة الاب في درجتها فتقول أم أم أم أب ثم تأتي بأخرى من جهة الجد فتقول أم أم أب الاب ثم تأتي أخرى من جهة جد الاب فتقول أم أب الاب ولا يتصور أن يجتمع الوارثات في هذه الدرجة أكثر من ذلك لان لكل جد صحيح له أم وارثة وكذا أم أمه وإن علت ولا يتصور أن يكون جدة وارثة من كل أب إلا واحدة فيحتاج إلى أن يأتي من الآباء قدرهن عددا إلا واحدة وهي التي من جهة الام فإنها تدلي بذكر والثانية تدلي بالاب فلهذا حذفت في النسبة الثانية أما واحدة وأبدلت مكانها أبا والجدة الثالثة تدلي بالجد فلهذا أسقطت اثنين وأبدلت مكانهما أبوين، والرابعة تدلي بجد الاب فلهذا سقطت أمهات وأبدلت مكانهن ثلاثة أباء فهذه طريقة في أكثر منهن إلى ما لا يتناهى هذه معرفة الصحيحة. وإذا أردت أن تعرف ما يقابل الصحيحات من الفاسدات فخذ عدد الصحيحات واجعله في يمينكواطرح منه اثنين واجعلها بيسارك بعدد ما بقي في يمينك فالمبلغ عدد الجدات الصحيحات والفاسدات جميعا فإذا سقطت منه عدد الصحيحات فالباقيات هي الفاسدات مثاله: إذا سألت عن أربع جدات صحيحات كم بإزائهن من الفاسدات فخذ أربعة يمينك واطرح منها اثنين فخذها يسارك، فإذا ضعفت هذا المطروح بعدد ما بقي في يمينك صار ثمانية وهو عدد مبلغ الجدات أجمع في هذه الجدة، فإذا أسقطت عدد الصحيحات وهن أربعة بقيت أربع وهن الفاسدات وميراثهن السدس وإن كثرن يشتركن فيه لما روي عبادة ابن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بين الجدتين إذا اجتمعتا بالسدس بالسوية، وأبو بكر الصديق رضي الله عنه أشرك بين الجدتين في السدس وسيذكر ما يسقطن به. وفي الظهيرية: فاعلم أنه لا بد لكل واحد من بني آدم سوى عيسى عليه السلام أن يكون له جدتان إحداهما من قبل الام وهي أم الام والاخرى من قبل الاب وهي أم الاب يجب أن يعلم بأن الجدات طبقتان: طبقة هي من جملة أصحاب الفرائض يعرفن بالثابتات، وطبقة وهي من جملة ذوي الارحام يعرفن بالساقطات. فالحاصل إذا كان لميت أم الاب وأم أم الام والاب حي فعند بعض المشايخ لا شئ لواحدة منهن لان أم أم الام تصير محجوبة بأم الاب وأم الاب تصير محجوبة بالاب، وعند بعض المشايخ ترث الجدة من قبل الام وفريضة الواحدة منهن السدس بينهن بالسوية وهذا قول عامة الصحابة. وفي المضمرات: الجدة الواحدة والجدات فصاعدا السدس لا يزاد عليه إلا عند الرد ولا ينقص إلا عند العول. والجدات ست ثنتان لك، وثنتان لامك، وثنتان لابيك، والكل وارثات إلا واحدة وهي أم أب.

[ 373 ]

قال رحمه الله: (وذات جهة كذات جهتين) يعني الجدة إذا كانت من جهة واحدة والاخرى لها جهتان فهما سواء في الميراث. قال في الاصل: وإن كانت للميت جدة من جهة واحدة وجدة من جهتين أو ثلاثة جهات قال أبو يوسف: لا عبرة لكثرة الجهات والسدس بينهن بالسوية. وقال محمد: لكثرة الجهات عبرة والسدس بينهن على عدد الجهات وصورتها من جهتين: امرأة زوجت ابنة ابنها من ابن ابنها فولد بينهما غلام فهذه المرأة لهذا الغلام جدة من جهتين فإنها أم أم أم هذا الغلام وأم أب أب هذا الغلام، فلو مات هذا الغلام وترك هذه الجدة وجدة أخرى من جهة الاب فهي أم أم أبيه. قال أبو يوسف: السدس بينهما بالسوية. وقال محمد: السدس بينهما أثلاثا ثلثاه لذات الجهتين وثلثه لذات الجهة الواحدة وصورتها من الجهات الثلاثة هذه المرأة المزوجة زوجت بنت بنت بنت لاخرى من هذا الغلام المولود فولد بينهما غلام فإن هذه الزوجة لهذا الغلام المولود الثاني من ثلاث جهات من جهة هي أم أم أم أمه وهي من جهة هي أم أم أم أبيه ومن جهة أم أب أب أبيه، فلو مات هذا الغلام وترك هذه الجدة وجدة أخرى من قبل الاب وهي أم أم الاب فعلى قول أبي يوسف أن السدس بينهن بالسوية. وعلى قول محمد على أربعة أسهم ثلاثة أسهم للجدة هذه وسهم واحدة للجدة الاخرى. قال رحمه الله: (والبعدى تحجب بالقربى) سواء كانا من جهة واحدة أو من جهتين، وسواء كانت القربى وارثة أو محجوبة بالاب أو بالجد. وفي رواية عن ابن مسعود لا تحجب الجدات إلا الام وفي رواية عنه وعن زيد بن ثابت أن القربى إذا كانت من جهة الاب لا تحجب البعدى من جهة الام وبالعكس تحجب لان الجدات يرثن بولادة الابوين فوجب أن تعطى كل واحدة منهن حكم من تدلي به والاب لا يحجب الجدات من قبل الام فكذا أمه والام تحجب كل واحدة هي أبعد منها فكذا أمها. ولنا أن الجدات يرثن باعتبار الولاد فوجب أن يقدم الادنى على العبدى كالاب الادنى مع الاب الابعد وليس كل حكم ثبت بواسطة يثبت لمن تدلى به ألا ترى أن أم الام لا يزيد إرثها على السدس وتحجب بالام والاب بخلاف ذلك. قال رحمه الله: (والكل بالام) أي حجب الجدات كلهن بالام والمراد إذا كانت الام وارثة وعليه الاجماع، والمعنى فيه أن الجدات إنما يرثن بطريق الولادة والام أبلغ حالا منهن في ذلك فلا يرثن معها، ولانها أصل في قرابة الجدة التي من قبلها إلى الميت وتدلي بها فلا ترث مع وجودها لما عرف في باب الحجب، فإذا حجبت التي من قبلها كانت أولى أن تحجب التي من قبل الاب لانها أضعف حالا منها ولهذا تؤخر في الحضانة فتحجب بها. وكذا لابويات منهن يحجبهن بالاب إذا كان وارثا. روي عن عثمان وعلي والزبير وسعد وزيد بن ثابت رضي الله عنهم وبه أخذ جمهور العلماء، وروي عن عمر وابن مسعود وعمران بن الحصين وأبي موسى الاشعري وأبي الطفيل عامر بن واثلة أنهم

[ 374 ]

جعلوا لها السدس مع الاب وبه أخذ طائفة من أهل العلم من التابعين لما روي أنه عليه الصلاة والسلام ورث جدة وابنها حي ولانها ترث ميراث الام فلا يحجبها الاب كما لا يحجب الام وكما لا يحجب الجد، ولانها ترث بطريق الفرض فلا تكون العصوبة حاجبة لها كما لا يحجبها عم الميت الذي هو ابنها. قلنا إن أم الاب تدلي بالاب فلا ترث مع وجوده كبنت الابن مع الابن ولا حجة لهم في الحديث لانه حكاية حال فيحمل أن ذلك الاب كان عما للميت لا أبا ولا نسلم أنها ترث ميراث الام بل ميراث الاب لان له السدس فرضا فترث ذلك عند عدمه، ولئن كان ميراث الام لا يلزم منه عدم الحجب بغيره ألا ترى أن بنات الابن يرثن ومع هذا يحجبن بالابوين، وكذا الجد يحجب أبويه لما ذكرنا إلا أم الاب فإنها لا يحجبها وإن علت لان إرثها ليس من قبله وكذا كل جدة لا تحجب الجدة التي ليست من قبلها فصارت الجدة لها حالتان: السدس والسقوط. قال رحمه الله: (وللزوج النصف ومع الولد وولد الابن وإن سفل الربع) لقوله تعالى * (ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن) * فيستحق كل زوج إما النصف وإما الربع مما تركت المرأة لانها مقابلة الجمع بالجمع يقتضي مقابلة الفرد بالفرد كقولهم ركب القوم دوابهم ولبسوا ثيابهم، ولفظ الولد يتناول ولد الابن فيكون مثله بالنصف أو بالاجماع على ما بينا من قبل، سواء كان من الزوج الوارث الولد أو ولد الولد أو من زوج غيره أو لا يعرف له أب كولد اللعان وغيره فيكون له الربع معه فصار للزوج حالتان: النصف الربع. وفي شرح الطحاوي: فرض الزوج ما ذكرنا ولا يزاد على النصف ولا ينقص من الربع إلا في حالة العول. قال محمد: والواحد من الازواج والجماعة في استحقاقهم سهم الازواج على السواء حتى إن جماعة لو ادعوا نكاح امرأة ولم تكن المرأة في بيت واحد منهم ولادخل بها وحاد منهم لا يعرف أنهم أول فأقام كل واحد منهم البينة على نكاحها فماتت المرأة قبل أن يقضي القاضي بميراث غير زوج واحد ويكون بينهم بالسوية ذكر محمد المرأة في كتاب النكاح ووضعها في الرجلين. قال رحمه الله: (وللزوجة الربع) أي للزوجة نصف ما للزوج فيكون لها الربع حيث لا ولد ومع الولد أو ولد الابن وإن سفل الثمن لقوله تعالى * (ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم) * وإذا كثرن وقعت المزاحمة بينهن فيصرف عليهم جميعا على السواء لعدم الاولوية فصار للزوجات حالتان: الربع بلا ولد والثمن مع الولد. وفي شرح الطحاوي: لا يزدن على الربع ولا ينقص عن الثمن إلا في حالة العول هكذا حكم بيان أصحاب الفرائض من النساء الزوجات. قال رحمه الله: (وللبنت النصف) لقوله تعالى * (وإن كانت واحدة فلها النصف) * قال رحمه

[ 375 ]

الله: (وللاكثر الثلثان) وهو قول عامة الصحابة رضي الله عنهم وبه أخذ علماء الامصار. وعن ابن عباس أنه جعل حكم الثنتين منهن حكم الواحدة فجعل لهما النصف لقوله تعالى * (فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلث ما ترك) * علق استحقاق الثلثين بكونهن نساء وهو جمع، وصرح بقوله فوق انثتين فلهن ثلثا ما ترك والمعلق بشرط لا يثبت بدونه ولان الله تعالى جعل للبنتين النصف مع الابن وهو يستحق النصف وحظ الذكر مثل حظ الانثيين فعلم بذلك أن حظ البنتين النصف عند الانفراد. وللجمهور ما روي عن جابر أنه قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بابنتيها من سعد فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك في أحد شهيدا وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا ولا ينكحان إلا بمال فقال: يقضي الله في ذلك فنزلت آية الميراث، فأرسل رسول الله إلى عمهما فقال: أعط بنتي سعد الثلثين وأمهما الثمن وما بقي فهو لك. وما تلي لا ينافي استحقاق البنتين الثلثين لان تخصيص الشئ بالذكر لا ينفي الحكم عما عداه على ما عرف في موضعه فعرفنا حكم الجمع بالكتاب وحكم المثنى بالسنة، ولان الجمع قد يراد به التثنية لا سيما في الميراث على ما بينا من قبل فيكون المثنى مرادا بالآية وهو الظاهر ألا ترى أن الله تعالى لما بين حكم الجمع والمثنى جعل حكمهما كحكم الجمع في الاخوات لاب وأم أو لاب أو لام في اسحقاق الثلثين أو الثلث. وقوله أن البنتين يستحقان النصف مع الابن قلنا اسحقاقهما ذلك عند الاجتماع لا يدل على استحقاقها إياه عند الانفراد والواحدة تأخذ الثلث مع الابن عند الانفراد. قال رحمه الله: (وعصبهما الابن وله مثل حظهما) معناه إذا اختلط البنون والبنات عصب البنات فيكون للابن مثل حظهما فصار للبنات ثلاثة أحوال: النصف للواحدة، والثلثان للاثنين فصاعدا، والتعصيب عند الاختلاط بالذكور. قال رحمه الله: (وولد الابن كولده عند عدمه) أي عند عدم الابن حتى يكون بنوا الابن عصبة كالبنتين وبنات الابن كالبنات حتى يكون للواحدة النصف والبنتين فصاعدا الثلثان فيعصبهن الذكر عند اختلاطهن بالذكور فيكون للذكر مثل حظ الانثيين. قال رحمه الله: (ويحجب بالابن) أي ولد الابن يحجب بالابن ذكورهم وأناثهم فيه سواء لان الابن أقرب وهم عصبة فلا يرثون معه بالعصوبة، وكذا بالفرض لان بنات الابن يدلين به فلا يرثن مع الابن، وإن كن لا يدلين به فإن كان عمهن فهو مساو لاصلهن فيحجبهن كما يحجب أولاده لان ما ثبت لاحد المثلين ثبت لمساوية ضرورة. قال رحمه الله: (ومع البنت لا قرب الذكور الباقي) أي إذا كان مع بنت الميت الاصلية أولاد الابن أو أولاد ابن الابن وإن سفل أو المجموع كان الباقي بعد فرض البنت الصلبية لاقرب الذكور منهم لانه عصبة فيحجب الابعد. وأطلق في الذكور والمراد أولاد الابن وهذا

[ 376 ]

المجموع إنما يستقيم إذا لم تكن في درجته بنت ابن، وأما إذا كانت في درجته بنت ابن فلا يكون الباقي من فرض البنت له واحدة اه‍. قال رحمه الله: (وللاناث السدس تكلمة للثلثين) ومراده إذا لم يكن في درجتهن ابن ابن، وأما إذا كان معهن ابن ابن يكن عصبة معه فلا يرثن السدس وإنما كان لهن السدس عند انفرادهن لقول ابن مسعود في بنت وبنت ابن وأخت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: للبنت النصف ولبنت الابن السدس تكلمة للثلثين والباقي للاخت. فبنات الابن لهن حالان: سهم وتعصيب إذا لم يكن للميت ابن ولا ابنتان فصاعدا ولا ابن ابن فهي صاحبة سهم وسهم الواحدة النصف والثنتين فصاعدا فهن صاحبات الثلثان حيث لا ذكر في درجتهن ولا يزدن على الثلثين وإن كثرن، هذا قول الصحابة رضي الله عنهم وعامة الفقهاء. وإن كان للميت ابنتان فلا شئ لبنت الابن إلا أن يكون في درجتها أو أسفل منها ابن ابن فتصير عصبة له ويقسم ما بقي من المال بعد نصيب الابنتين بينهما للذكر مثل حظ الانثيين. فقوله تكلمه الثلثين دليل على أنهن يدخلن في لفظ الاولاد لان الله تعالى جعل للاولاد الاناث الثلثين، فإذا أخذت الصلبية النصف بقي منه السدس فيعطى لها تكلمة لذلك فلو لا أنهن دخلن في الاولاد وفرضهن واحد لما صار تكلمة له إلا أن الصلبية أقرب إلى الميت فيتقدم عليهن بالنصف ودخولهن على أنه عموم المجاز أو بالاجماع. قال رحمه الله: (وحجبن ببنتين) أي يحجب بنات الابن ببنتين صلبيتين لان إرثهن كان تكلمة للثلثين وقد كمل بثلثين فسقطن إذ لا طريق لتوريثهن فرضا وتعصيبا. قال رحمه الله: (إلا أن يكون معهن أو أسفل منهن ذكر فيعصب من كانت بحذائه ومن كانت فوقه ممن لم تكن ذات سهم ويسقط من دونه) أراد بقوله معهن أن يكون الغلام في درجتهن سواء كان أخالهن أو لم يكن وهذا مذهب علي وزيد بن ثابت رضي الله عنهما وبه أخذ عامة العلماء، وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ليسقطن بنات الابن ببنتي الصلب وإن كان معهن غلام ولا يقاسمهن، وإن كانت البنت الصلبية واحدة وكان معهن غلام كان لبنات الابن أسوأ الحالين بين السدس والمقاسمة فأيهما أقل أعطين وتسمى هذه المسائل الاضرار على قول ابن مسعود، وحجته في ذلك أن بنات الابن بنات وفي ميراثهن أحد أمرين إما الفرض أو المقاسمة وفرضهن الثلثان والمقاسمة ظاهرة، وليس لهن أن يجمعن فإذا استكلمت البنات الثلثين فلو قاسمن لزم الجمع بينهما فلا يجوز. وإذا كانت الصلبية واحدة أخذت النصف وبقي من فرض البنات السدس فيأخذونه إن كن منفردات، وإن كن مختلطات مع الذكور كان لهن أقل الامرين من السدس والمقاسمة للتيقن به ولئلا تأخذ البنات

[ 377 ]

أكثر من الثلثين ولا ميراث لهن مع الصلبيتين عند الانفراد فكذا عند الاجتماع كالعمة مع العلم وابن الاخ مع أخته. وللجمهور قوله تعالى * (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين) * وأولاد الابن أولاد على ما بينا من قبل فتشملهن الآية. وقضية هذا أن يكون المال مقسوما بين الكل إلا أنا علمنا في حق أولاد الابن بأول الآية وفي حق الصلبيتين أو الصلبية والواحدة بما بعدها وليس فيه جمع بين الحقيقة والمجاز ولا شبهة وإنما هو عمل بمقتضى كل لفظ على حدة ومن حيث المعنى أن البنات الصلبيات ذوات فرض وبنات الابن في هذه الحالة عصبات مع أخيهن وصاحب الفرض إذا أخذ فرضه خرج من البين فكأنه لم يكن فصار الباقي في الفرض لجميع المال في حق العصبة فتشاركه ولا يخرجن من العصوبة كما لو انفرد ألا ترى أن صاحب الفرض لو كان غير البنات كالابوين وأحد الزوجين كان كذلك فكذا مع البنات بخلاف العمة مع العم وبنات الاخ مع أخيها لانهن يصرن عصبة معهما مطلقا سواء كان معهن صاحب فرض أو لم يكن فلا يلزم من انتفاء العصوبة في محل لا يقبلها انتفاؤها في محل يقبلها، وأخذهن زيادة على الثلثين ليس بمحظور ألا ترى أنهن يأخذن بالمقاسمة عند كثرتهن بأن ترك أربعين بنتا، ثم الاصل في بنات الابن عند عدم بنات الصلب أن أقربهن إلى الميت ينزل منزلة البنت الصلبية والتي تليها في القرب منزلة بنات الابن وهكذا يفعل وإن سفلن مثاله: ترك ثلاث بنات ابن بعضهن أسفل من بعض بهذه الصورة: ابن ابن ابن ابن ابن ابن بنت ابن بنت ابن ابن ابن بنت ابن بنت ابن بنت ابن بنت ابن بنت بنت ابن فالعليا من الفريق الاول لا يوازيها أحد فيكون لها النصف، والوسطى من الفريق الاول يوازيها من العليا من الفريق الثاني فيكون لها السدس تكلمة للثلثين، ولا شئ للسفليات إلا أن يكون مع واحدة منهن غلام فيعصبها ومن بحذاها ومن فوقها ممن لم تكن صاحبة فرض حتى لو كان الغلام مع السفلي في الفريق الاول عصبها وعصب الوسطى من الفريق الثاني والعليا من الفريق الثالث وسقطت السفليات. ولو كان الغلام من السفليات من الفريق الثاني عصبها وعصب الوسطى منه والوسطى والعليا من الفريق الثالث عصب الجميع غير أصحاب الفرائض والمعنى ما ذكرنا أن العليا تنزل منزلة البنت والباقي منازل بنات الابن. ولو كان الابن مع العليا من الفريق الاول عصب أخته وسقطت البواقي كما ذكرنا في الاولاد. وهذا النوع منه من مسائل تسمى في عرف الفرضيين تشبيب بنات الابن إذ ذكرن مع اختلاف الدرجات وهو إما

[ 378 ]

مشتق من قولهم تشبب فلان بفلانة إذا أكثر من ذكرها في شعره، وتشبب القصيدة بحسنها ويرتبها بذكر البناء أو من شبب النار إذا أوقدها فالفرس تشب شبا إذا رفع يديه جميعا وأشببه أنا إذا نصحته بذلك لانه خروج وإيقاع يقال أشب النار من درجة إلى آخر كحال الفرس في تراويه أي وشبابته فصار لبنات الابن أحوال ست: الثلاثة المذكورة في البنات والسدس مع الصلبية والسقوط بالابن وبالصلبيتين إلا أن يكون معهم غلام. قال رحمه الله: (والاخوات لاب وأم كبنات الصلب عند عدمهن) أي عند عدم البنات وبنات الابن حتى يكون للواحدة النصف وللثنتين الثلثان ومع الاخوة لاب وأم للذكر مثل حظ الانثيين لقوله تعالى * (قل الله يفتيكم في الكلالة إن أمرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا اخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الانثيين) * وقد ذكرنا أن الاخت لاب وأم حالين سهم وتعصيب إذا لم يكن للميت ولد ولا ولد ابن ابن وإن سفل ولا جد أب الا ب وإن علاو الاخوات لاب وأم سهم الواحدة النصف وسهم الاثنين فصاعدا الثلثان ولا يزاعلى الثلثين وإن كثرن، فإن كان له جد أب الاب فالجد عند أبي حنيفة [ / حنخ يحجب الاخوات كلها كالاب، وعندهما لا تحجب. وإن كان الميت ابن أو ابنة ابن فالاخت في هذه الحالة عصبة تأخذ النصف بنت الابن فرضها النصف فتصير عصبة مع البنت ومع بنت الابن، وكذلك إذا كان معها في درجتها أخ ذكر للاب وأم يصير عصبة. وفي الكافي: ومع الاخ لاب وأم للذكر مثل حظ الانثيين والاخت لاب كأولاد الابن مع الصلبية بالاجماع للواحدة النصف وللاكثر الثلثان عند عدم الاخوة لاب وأم ولهن السدس مع الاخت لاب وأم تكلمة الثلثين ولهن الباقي مع البنات أو مع بنات الابن. وفي الظهيرية: والتشبب في ميراث الاخوة والاخوات رجل مات وترك ثلاثة إخوة متفرقين بأن مات وخلف أخوين لاب وأم وأربعة أخوة لاب وأربعة أخوة لام فللاخوة لام الثلث والباقي للاخوة لاب وأم ولا شئ للاخوة للاب. ولو ترك أختين لاب وأم وأربع أخوات لاب وأربع أخوة وأربع أخوات لام على التخريج الذي بينا فيكون الثلثان بين الاخوة والاخوات لاب وأم للذكر مثل حظ الانثيين. وإذا مات الرجل وترك ابنة وأختا لاب وأم فللابنة النصف والباقي للاخت من قبل الاب والام بالعصوبة، وإذا ماتت المرأة وتركت زوجها وأختا لاب وأم فللزوج النصف وللاخت النصف بالفريضة، ولو كانتا أختين فلهما الثلثان ويعول الحساب ولا يكون لهما الباقي لان الاخت لا تصير عصبة إلا في ثلاث مواضع: أحدها الاخوات مع البنات عصبات، والثاني إذا خالط الاناث ذكر صرن عصبة، والثالث الاخ مع الام والاب والجد حال عدم الاب. قال رحمه الله: (وللاب كبنات الابن مع الصلبيات) حتى يكون للواحدة من الاخوات لاب النصف عند عدم الاخوات لاب وأم وللبنتين الثلثان فصاعدا ومع الاخوة للاب للذكر

[ 379 ]

مثل حظ الانثيين، ومع الاخت الوحدة لاب وأم السدس تكملة للثلثين لها ويسقطن بالاختين لاب وأم إلا أن يكون معهن آخر لاب فيعصبهن لما تلونا وبينا، ويأتي فيهن خلاف ابن مسعود رضي الله عنه في مقاسمة الاخوة بعد فرض الاختين لاب وأم. والكلام في الاخوات كالكلام في البنات والنص الوارد فيهن كالنص الوارد في البنات فاستغنينا عن البحث فيهن بالبحث في البنات لان طريق البحث فيهما واحد. قال رحمه الله: (وعصبهن اخوتهن) يعني يعصب الاخوات لاب وأم أو لاب إخوتهن يعني الموازي لهن والاخواة ليس بقيد، وكذا يعصبهن الجد عند عدم الاخ الموازي لهن فيقاسمها الجد. وفي كشف الغوامض: ولا يعصبهن الشقيقة الاخ لاب إجماعا لانها أقوى منه في النسب بل تأخذ فرضها ولا يعصب الاخت لاب أخ شقيق بل يحجبها لانه أقوى منها إجماعا اه‍. دليله قوله تعالى * (وإن كانوا إخوة رجالا ونساء) * الآية. قال رحمه الله: (والبنت وبنت الابن) يعني يعصب الاخوات البنت وبنت الابن لقوله عليه الصلاة والسلام اجعلوا الاخوات مع البنات عصبة وورث معاذ رضي الله عنه البنت النصف والاخت النصف ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي يومئذ.، وروي أنه صلى الله عليه وسلم قضى في ابنة وابنة ابن وأخت للبنت النصف ولابنة الابن السدس والباقي للاخت، وجعل المصنف البنت ممن يعصب الاخوات وهو مجاز، وفي الحقيقة لا تعصبهن وإنما يصرن عصبة معها لان البنت بنفسها ليست بعصبة في هذه الحالة فكيف تعصب غيرها بخلاف الاخوة على ما يجئ عن قريب، وهذا قول جمهور الصحابة رضي الله عنهم. وروي عن ابن عباس أنه أسقط الاخوات بالنت واختلفت الرواية عنه في الاخوة والاخوات في رواية عنه الباقي كله للاخوة، وفي رواية الباقي بينهم للذكر مثل حظ الانثيين، قيل هو الصحيح من مذهبه. وكذلك لو كان مع البنت أخت لاب وأم وأخ وأخت لاب في رواية الباقي للاخ وحده، وفي رواية عنه بينهم للذكر مثل حظ الانثيين. هو احتج بقوله تعالى * (إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك) * فإرثها مشروط بعدم الولد واسم الولد يشمل الذكر والانثى، ألا ترى أن الله تعالى حجب الزوج من النصف إلى الربع، والزوجة من الربع إلى الثمن بالولد، والام من الثلث إلى السدس واستوى فيه الذكر والانثى. وللجمهور ما روينا واشترط عدم لولد فيما تلا إنما كان لارثها النصف أو الثلثين بطريق الفرض ونحن نقول: إنها لا ترث مع البنت فرضا وإنما ترث على أنها عصبة، ويحتمل أن يراد بالولد هنا الذكر وقد قامت الدلالة على ذلك وهو قوله وهو يرثها إن لم يكن لها ولد يعني أخاها يرثها إن لم يكن لها ولد ذكر لان الامة اجتمعت على أن الاخ يرث تعصيبا مع الانثى من الاولاد أو نقول: اشتراط عدم الولد إنما كان لارث الاخ جميع ما لها وذلك يمتنع بالولد وإن كان أنثى. قال رحمه الله: (وللواحد من ولد الام السدس وللاكثر الثلث ذكورهم وأناثهم سواء)

[ 380 ]

كقوله تعالى * (وإن كان رجل يورث كلالة أم امرأة قوله وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثل) * والمراد به أولاد الام لان أولاد الام والاب مذكورون في آية النصف على ما ذكرنا من قبل ولهذا قرأها بعضهم وله أخ أو أخت لام وإطلاق الشركة يقتضي المساواة كما إذا قال شريكي فلان في هذا لمال أو قال له شركة لان الله تعالى سوى بينهما حالة الانفراد فدل ذلك على استوائهما على حالة الاجتماع. وفي المضمرات: ولو ترك ابني عم أحدهما أخ لام فله السدس والباقي بينهما وصورته أن يكون إخوة لام وأب أو لاب فقط ولكل منهما امرأة وابن منها ثم إن الاكبر طلق امرأته أو مات عنها فتزوج بها الاصغر فولدت له ابنين ثم مات الاصغر والاكبر ثم مات ابن الاكبر فقد مات عن ابني عم أحدهما أخ لا فأصل المسألة من ستة وتصح من اثني عشرة، وللاخ من الام سبعة سهمان فرض وخمسة بالتعصيب. قال رحمه الله: (وحجبن بالابن وابنه وإن سفل وبالاب وبالجد) أي الاخوات كلهن يحجبن بهؤلاء المذكورين وهم الابن وابن الابن وإن سفل، والاب والجد وإن علا، وكذا الاخوة يحجبون بهم لان ميراثهم مشروط بالكلالة. واختلفوا في الكلالة هل هي صفة للميت أو للورثة أو للتركة وقرئ يورث بكسر الراء وفتحها وأيا ما كان يشترط لتسميته به عدم الوالد والولد للميت فيسقطون بهم. والكلالة مشتقة من الاحاطة ومنه إلا كليل لاحاطته بالرأس وكذا الكلالة من أحاط بالشخص من الاخوة الاخوات فقيل أصلها من البعد يقال كلت الرحم بين فلان وفلان إذا تباعدت، ويقال حمل فلان على فلان ثم كل عنه أي تركه وبعد عنه وغيره قرابة الولاء بعيدة بالنسبة إلى الولاد. قال الفرزدق في شعر: ورثتم قناة المجد لا عن كلالة عن أبي مناف عبد شمس وهاشم قال رحمه الله: (والبنت تحجب ولد الام فقط) يعني البنت تحجب الاخوة والاخوات من الام ولا تحجب الاخوة والاخوات من الابوين أو من الاب لان شرط إرث ولد الام الكلالة ولآكلالة مع الولد والبنت ولد فتحجبهم، وكذا بنت الابن لان ولد الابن يقوم مقامه. فإن قيل: وجب أن لا ترث الاخوة والاخوات لاب وأم أو لاب فقط مع البنت وبنت الابن لان شرط إرثهم الكلالة. قلنا: الكلالة شئ شرطت في حق ارثهن النصف أو الثلثين ولا ترث الكل بالعصوبة، فإذا انتفت الكلالة انتفى هذا الارث المشروط بها فيستحقون الارث المشروط بالعصوبة مع البنت بنص آخر كما بينا بخلاف أولاد الام فإن جميع إرثهم مشروط بالكلالة فينتفي بعدمها فصار للاخوة لاب وأم خمس حالات: النصف للواحدة والثلثان للاكثر والتعصيب بأخيهن والتعصيب مع البنات والسقوط مع الابن. وللاخوات للاب سبعة أحوال: الخمسة المذكورة، والسدس مع الاخت الواحدة من الاب والام والسقوط باثنتين من الاخوات من الابوين كما تقدم. وللاخوات للام ثلاثة أحوال: السدس للواحدة والثلث للاكثر

[ 381 ]

والسقوط كما ذكرنا. قال رحمه الله: (وعصبه) وهي معطوف على قوله في أول الكتاب ذو فرض فيكون معطوفا على الخبر فيكون خبرا. قال رحمه الله: (أي من يأخذ الكل) أي إذا انفرد وما أبقته أصحاب الفروض وهذا رسم وليس بحد لانه لا بد أن يعرف الورثة كلهم ولا يعرف العصبة إلا بعد أن يعرفهم كلهم فنقول: العصبة نوعان: عصبة بالنسب وعصبة بالسبب. فالعصبة بالنسب ثلاثة أنواع: عصبة بنفسه وهو كل ذكر لا يدخل في نسبته إلى الميت أنثى، وعصبة بغيره وهي كل أنثى فرضها النصف أو الثلثان يصرن عصبة بأخواتهن كما تقدم، وعصبة مع غيره وهي كل أنثى تصير عصبة مع أنثى أخرى كالبنات مع الاخوات. والسبب نوعان: مولى العتاقة ومولى الموالاة وسيأتي بيانه. وفي المضمرات: والعصبة أربعة أصناف: عصبة بنفسه وهو جزء الميت وأصله وجزء أبيه وجزء جده الاقرب، وعصبة بغيره وهي كل أنثى تصير عصبة بذكر يوازيها كالبنت مع الابن. وفي الذخيرة: وبنت الابن مع ابن الابن وكالاخت لاب وأم مع الاخ لاب وأم. وعصبة مع غيره وهي كل أنثى تصير عصبة مع أنثى أخرى كالاخوات لاب وأم أو لاب مع البنات وبنات الابن، وإذا صار الشخص عصبة بغيره فذلك الغير لا يكون عصبة. فأم الكلام في العصبة بنفسها فنقول: أولى العصبات بالميراث الابن ثم ابن الابن وإن سفل ثم الاب. وفي المضمرات: وإنما كان الابن أقرب من الاب وإن استويا في الجزئية وفي انعدام الواسطة لان الجزئية للابن آخرهما أو كان قاضيا على الاول ثم الجد أب الاب وإن علا ثم الاخ لاب وأم ثم لاب وابن الاخ لاب وأم ثم ابن الاخ لاب ثم بنوهما وإن علوا على هذا الترتيب ثم مولى العتاقة. وفي شرح الطحاوي: ثم عم الجد لاب وأم ثم عم اجد لاب كذلك أولادهم على هذا الترتيب، ثم مولى العتاقة ثم آخر العصوبة مقدم على ذوي الارحام. وفي الكافي: الاحق فرع الميت أي البنون ثم بنوهم وإن سفلوا. وفي المضمرات: ولو أردت معرفة القرب فاعتبر كل نوع أصل واتصال الاخ بأخيه بواسطة واحدة واتصال العمومة بواستطين عرفنا أن الاخ أقرب من العم، وأما الكلام في العصبة بغيرها فصورتها ما ذكرنا وهو كل أنثى تصير عصبة بذكر كبنت الابن مع ابن الابن وكالاخت لاب وأم أو لاب مع أخيها. وهذا الحكم في الاخوة مع الاخوات مقصور على أخوات من جملة أصحاب الفروض وتصير عصبة بذكر يوازيها. وفي الكافي: وأما العصبة بغيره فأربع من النسوة وهن اللاتي فرضهن النصف والثلثان يصرن عصبة بأخوتهن ومن لا فرض لها من الاناث وأخوها عصبة لا تصير عصبة بأخيها كالعم والعمة فالمال كله للعم دون العمة وابن العمل المال لابن العم دون الابنة وكبنت الاخت وابن الاخ المال كله لابن الاخ بيانه: إذا هلك الرجل وترك ابن أخ لاب وأم وبنت الاخ لاب وأم فالمال كله لابن الاخ ولا شئ لبنت الاخ لانها من جملة ذوي الارحام وليست من جملة أصحاب الفرائض

[ 382 ]

فلم تصر عصبة، وأما بنت الابن فإنها تصير عصبة بذكر يوازيها. وفي الذخيرة: على كل حال يوازيها وتصير عصبة بذكر أسفل منها إذا لم يصل إليها فرضها، وأما الكلام في العصبة مع غيره فصورتها كما ذكرنا وبيان ذلك من المسائل إذا هلك الرجل وترك بنتا وأختا لاب وأم أو لاب وأخا كذلك فللبنت النصف والباقي بين الاخ والاخت أثلاثا وقد قدمناه. إذا اجتمعت العصبات وبعضها عصبة بنفسها وبعضها عصبة بنفسها وبعضها عصبة بغيرها وبعضها عصبة مع غيرها فالترجيح منها بالقرب إلى الميت بيانه: إذا مات وترك بنتا وأختا لاب وأم وابن الاخ لاب فنصف المال للبنت والنصف للاخت ولا شئ لابن الاخ لان الاخت عصبة مع البنت وهي إلى الميت أقرب من ابن الاخ، وكذلك إذا كان مكان ابن الاخ عم طريقه ما قلنا في الناسخ. وإذا استوى ابنان في درجة من العصبات وفي أحدهما قرابة زائدة فهي أولى إلا أن يكون الاخ أقرب إلى الميت مثال القرابة الزائدة أخ لاب وأم وأخ لاب فالاخ من الاب وأم أولى. ومثال السبق أخ لاب وابن أخ لاب وأم فالاخ أولى لانه أسبق إلى الميت، وإذا اجتمع عدد من العصبات فالمال بينهم على عدد رؤوسهم لا على الجهات مثاله: عشر ابن أخ وابن آخر فالمال بينهم على أحد عشر سهما لا على سهمين هذا الذي ذكرناه كله في العصبة من جهة النسب. قال رحمه الله: (والاحق الابن ثم ابنه وإن سفل) وغيرهم محجوبون بهم لقوله تعالى * (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين) * إلى أن قال سبحانه وتعالى * (ولابويه لكل واحد منهم السدس مما ترك إن كان له ولد) * فجعل الاب صاحب فرض مع الولد ولم يجعل للولد الذكر سهما مقررا فتعين الباقي له فدل أن الولد الذكر مقدم عليه بالعصوبة. وابن الابن ابن وإن سفل كالابن على ما بينا لانه يقوم مقامه فيقدم عليه أيضا، ومن حيث المعقول إن الانسان يؤثر ولده على والده ويختار صرف ماله له ولاجله يدخر ماله عادة إلا أنا صرفنا مقدار الفرض إلى أصحاب الفروض بالنص فيبقى الباقي على قضية الدليل وكان ينبغي أن يقدم البنت أيضا عليه وعلى كل عصبة إلا أن الشارع أبطل اختياره بتعيين الفرض لها وجعل الباقي لاولى رجل. قال رحمه الله: (ثم الاب ثم أب الاب وإن علا) أي ثم أولادهم بالعصوبة أصول الميت وإن علوا وأولاهم به الاب لان الله تعالى شرط الارث للاخوة بالكلالة وهو الذي لا ولد له ولا والد على ما بينا فعلم بذلك أنهم لا يرثون مع الاب ضرورة وعليه إجماع الامة، فإذا كان ذلك مع الاخوة وهم أقرب الناس إليه بعد فروعه وأصوله فما ظنك بمن هو أبعد منه كأعمامهم وأعمام إبيه والجدات ألا ترى أنه يقوم مقامه في الولاية عند عدم الاب ويقدم على الاخوة فيه فكذا في الميراث وهو قول أبي بكر الصديق وابن عباس وعائشة وأبي موسى الاشعري وأبي الدرداء وأبي الطفيل وابن الزبير ومعاذ بن جبل وجابر بن عبد الله وجماعة آخرين منهم رضي الله عنهم وبه أخذ أبو حنيفة. قال رحمه

[ 383 ]

الله: (ثم الاخ لاب وأم ثم الاخ لاب ثم ابن الاخ لاب وأم ثم ابن الاخ لاب) وإنما قدموا على الاعمام لان الله تعالى جعل الارث في الكلالة للاخوة عند عدم الولد والوالد بقوله تعالى * (وهو يرثها إن لم يكن لها ولد) * فعلم بذلك أنهم يقدمون على الاعمام لانهم جزء الجد، وإنما قدم الاخ لاب وأم لانه أقوى نسبا من الجانبين فكان ذا قرابتين بنى العلات وكذا الاخت لام وأب تقدم إذا صارت عصبة على الاخت لاب لما ذكرنا ولهذا يقدم في الفرض فكذا في العصوبة. قال رحمه الله: (ثم الاعمام ثم أعمام الاب ثم أعمام الجد على الترتيب) أي أولاهم بالميراث بعد الاخوة أعمام الميت لانهم بعد ذلك جزء الجد فكانوا أقرب وقد قال صلى الله عليه وسلم الحقوا الفرائض بأهلهفما أبقت فلا أولى رجل ثم أعمام الاب لانهم أقرب بعد ذلك لانهم جزء الجد ثم أعمام الجد لانهم أقرب بعدهم. وقوله على الترتيت أي على الترتيب الذي ذكرنا في الاخوة وهو أن يقدم العم لاب وأم على العم ثم العم لاب على ولد العم لاب وأم، وكذا يعمل في أعمام الاب يقدم منهم ذو قرابتين عند الاستواء في الدرجة وعند التفاوت في الدرجة يقدم الاعلى. قال رحمه الله: (ثم المعتق) لقوله عليه الصلاة والسلام الولاء لحمة كلحمة النسب وهو آخر العصبات لقوله عليه الصلاة والسلام لمن أعتق عبدا مات ولم يدع وارثا كنت عصبة له. قال في التعصيب من جهة النسب فهو نوعان: مولى العتاقه ومولى الموالاة. أما الكلام في مولى العتاقة فنقول: تكلم المشايخ في سبب استحقاقه الارث قال بعضهم شبيه الاعتاق والنص يشهد له قال عليه الصلاة والسلام الولاء لمن أعتق وقال بعضهم: شبيه الملك على المعتق وهو الصحيح ألا ترى أن من ورث قريبه حتى عتق عليه وكان ولاؤه له ولا إعتاق ههنا. وفي المضمرات: لا يباع الولاء ولا يوهب لانه ليس بمال. وفي الزيادات: ومن الناس من أجاز هبته والصحيح ما قلنا ويكون لاقرب الناس عصبة من المعتق حتى لو مات مولى العتاقة وترك ابنه وبنته ثم المعتق فميراثه لابن المعتق ولا شئ لبنت المعتق، وكذلك إذا مات مولى العتاقة وترك أبا وابنا ثم مات المعتق كان ميراثه لابن المعتق ولا شئ لابيه لان الابن أقرب العصبات إليه. فالحاصل أن الولاء نفسه لا يورث بل هو للمعتق على حاله ألا ترى أن المعتق ينسب بالولاء إلى المعتق دون أولاده فيكون استحقاق الارث بالولاء لمن هو منسوب إليه حقيقة ثم يخلفه فيه أقرب عصبة كما يخلف في ماله فينظر إلى موت المعتق إذ مولى العتاقة لو كان حيا في هذه الحالة ومات من يرثه من عصباته وهو أقرب الناس إليه فيرث ذلك الشخص من المعتق. وفي الذخيرة: وهذا الذي ذكرنا أن الولاء لا يورث ظاهر الرواية عن أصحابنا، وعن أبي يوسف أنه يورث ويقسم بين الابن والبنت للذكر مثل حظ الانثيين، وهكذا روي عن عبد الله بن مسعود في رواية وبه

[ 384 ]

أخذ ابراهيم النخعي وشريح والقاضي. وإذا مات المعتق ولم يترك إلا بنت المعتق فلا شئ لها في ظاهر الرواية عن اصحابنا ويكون الميراث لبيت المال وحكي عن بعض مشايخنا أنهم كانوا يفتون في هذه المسألة أن يدفع المال إليها لا بطريق الارث ولكن لانها أقرب إلى الميت من بيت المال كيف وأنه ليس في زماننا بيت المال، وإنما كان كذلك في زمن الصحابة. إذا دفع ذلك إلى سلطان الوقت أو القاضي لا يصرفون إلى مصرفه هكذا كان يفتي القاضي أبو بكر وصدر الشريعة. وذكر الامام عبد الواحد الشهيد في فرائضه أن الفاضل عن سهام الزوج والزوجة لا يوضع في بيت المال بل يدفع إليهما لانهما أقرب إلى الميت من جهة النسب وكان الدفع إليهما أولى من غيرهما، وكذلك الابن والابنة من الرضاع إذا لم يكن للميت غيرهما يدفع المال إليهما وعصبة المعتق ترث أما عصبة الورثة لا يرث مثاله: امرأة أعتقت عبدا وماتت وتركت ابنا وزوجا ثم مات المعتق فالميراث لابن المعتق لانه عصبتها، ولو كان الابن مات وترك أباه وهو زوج المعتقة لا يرث لان أب الابن ليس عصبة المعتق. وإذا أعتق الرجل عبدا ثم أعتق المعتق الثاني عبدا ثم مات المعتق الثالث وترك عصبة المعتق الاول لا غير يرث منه. ولو أن امرأة اشترت أباها حتى أعتق عليها ثم مات الاب وترك هذه المشترية وبنتا أخرى فميراث المعتق أثلاثا وكان الثلثان بينهما على السوية بحكم الفرض والثلث الآخر للمشتري بحكم الولاء وكثير من هذا الفصل قدم في كتاب الولاء. وأما الكلام في ولاء فنقول: تفسير ولاء الموالاة أن يسلم الرجل على يد رجل فيقول للذي أسلم على يديه أو لغيره واليتك على أبي إن مت فميراثي لك. وفي شرح الطحاوي: إن مت ولم يكن لي وارث لا من جهة الفريضة ولا من جهة العصبة ولا من جهة ذوي الارحام فميراثي لك، وإن جنيت فعقلي عليك وعلى عاقلتك وقبل الآخر فهذا هو تفسير ولاء الموالاة، فإذا جنى الاسفل جناية فعقله على عاقلة المولى الاعلى، وإذا مات الاسفل يرث منه المولى الاعلى، وإن مات لا يرث منه المولى الاسفل. ولا تثبت هذه الاحكام بمجرد الاسلام بدون عبد الموالاة، وإذا مات الاسفل فميراث الاسفل لاقرب الناس عصبة إلى الاعلى كما في ولاء العتاقة، ولكل واحد منهما أن ينقض عقد الموالاة وليس له أن يجعل الولاء إلى غيره فإنه لو قال جعلت ولائي لفلان لا يصير له والاسفل له أن يتحول بالولاء إلى غيره فإن له أن يوالي مع آخر وينقض العقد مع الاول، وإن والى مع غيره ينتقض الاول، وإن كان الموالاة مع غيره بغيبة الاعلى. وفي الذخيرة: وولي الموالاة يخالف ولاء العتاقة من وجوه: أحدها أن في العتاقة يرث الاعلى من الاسفل ولا يرث الاسفل من الاعلى، وإن شرطوا ذلك في ولاء الموالاءة يعتبر شرطهما حتى لو شرطا يرث كل واحد منهما كما شرطا. والثاني أن ولاء الموالاة يحتمل النقض وولاء العتاقة لا يحتمل. والثالث أن ولاء العتاقة مقدم على ذو الارحام ومولى الموالاة مؤخر عن ذوي الارحام المولى الاسفل إذا أقر بأخ أو ابن عم ثم مات فميراثه لمولى

[ 385 ]

الموالاة فقد صح منه عقد الموالاة ولم يصح منه الاقرار بالاخ وابن العم. قال رحمه الله: (ثم عصبته على الترتيب) أي عصبة الولى ومعناه إذا لم يكن للمعتق من النسب على الترتيب الذي ذكرنا فعصبته مولاه الذي أعتقه فإن لم يكن مولاه فعصبته عصبة المعتق وهو المولى على الترتيب الذي ذكرناه بأن يكون جزء من المولى أولى وإن سفل، ثم أصوله ثم جزء أبيه ثم جزء جده يقدمون لقوة القرابة عند الاستواء أو بعلو الدرجة عند التفاوت. قال رحمه الله: (وللاتي فرضهن النصف والثلثان يصرن عصبة بإخوتهن لا غير) وهن أربع من النساء: البنات وبنات الابن والاخوات لاب وأم والاخوات لاب وغيرهن لا يصرن عصبة بأخوتهن وقد بيناه في بيان ميراثهن. وقوله بأخوتهن هذا في البنات والاخوات ظاهر لان عصبتهن تقتصر عليهم، وأما بنات الابن فإنهن يصرن عصبة بأبناء أعمامهن أيضا وإن سفل كما ذكرنا في مسائل النسب فيكون معناه في حقهن بأخوتهن أو من له حكم إخوتهن، والمصنف ذكر حكم العصبات عنا واستوفاه إلا العصبة مع غيره وهن الاخوات مع البنات، وإنما ترك ذكرهن لانه ذكرهن فيما يقدم وقد شرحناه هناك فلا نعيده. وإنما جعلهن مع البنات عصبة بغيرهن ومع إخوتهن عصبة لأن ذلك الغير وهو البنات شرط ليصير ورثهن عصبة ولم يجعلهن عصبة بهن لان نفسهن ليس بعصبة فكيف يجعلن غيرهن عصبة بهن بخلاف ما إذا كن مع إخوتهن لان الاخوة بأنفسهن عصبة فيصرن به عصبة تبعا. قال رحمه الله: (ومن يدلي بغيره حجب به) أي بذلك الغير سوى ولد الام فإنه يدلي بالاولا تحجبه بل هي تحجب بالاثنين منهم من الثلث إلى السدس على ما بينا. وإنما تحجبه الام لانها لا تستحق جميع التركة ولا يرث هو إرثها لانها ترث بالولادة وهب الاخوة فلا يتصور الحجب فيه بخلاف الجد حيث يحجب الاخوة والاخوات كلهم لانه يستحق جميع التركة، وبخلاف الجدة حيث تحجب بالام لانها ترث ميراث الام والام به أولى منها لانها أقرب، وبخلاف الاب حيث يحجب الجد والجدة والاخوة والاخوات كلهن لانه يستحق جميع التركة، وكذلك الابن يحجب ابنه لما ذكرنا ويكون الحاجب أقرب كالاعمام يحجبون بالاخوة وبأولادهم وكأولاد الاعمام والاخوة يحجبون بأعلى درجة منهم. قال رحمه الله: (والمحجوب يحجب كالاخوين أو الاختين يحجبان الام من الثلث إلى السدس مع الاب) وهما لا يرثان معه لان إرث الاخوة مشروط بالكلالة وإرث الام الثلث مشروط بعدم الاثنين من الاخوة، وروي عن ابن عباس في أب وأم وثلاث أخوات للام السدس وللاخوات السدس وما بقي للاب فجعل للاخوة ما نقص من نصيب الام، وبيانه آية الكلالة تمنع من ذلك وآية حجب الام بهم أيضا لا توجب لهم ما نقص من نصيبهما فيحجبونها من غير أن يحصل لهم شئ.

[ 386 ]

قال رحمه الله: (لا المحروم بالرق والقتل مباشرة واختلاف الدين أو الدار) أي لا يحجب المحروم بهذه لاشياء أحدا وعند ابن مسعود يحجب حجب النقصان كنقص نصيب الزوجين والام بالولد المحروم بما ذكرنا لان الله تعالى ذكر الولد مطلقا ونقص به نصيبهم من غير فصل بين أن يكون وارثا أو محروما، وكذا نقص نصيب الام بالاخوة مطلقا من غير فصل فيترك على إطلاقه ولا يحجب حجب الحرمان لانه لو حجب هذا الحجب وهو لا يرث لادى إلى دفعه إلى بيت المال مع وجود الوارث أو إلى تضييقه لان بيت المال أيضا لا يرث مع الابن أو الاخوة. وجه قول الجمهور أن المحروم في حق الارث كالميت لانه حرم لمعنى في نفسه كالميت، ثم إن الميت لا يحجب فكذا المحروم فصار كحجب الحرمان والنصوص التي توجب نقصان إرثهم لا نسلم أنها مطلقة لان الله تعالى ذكر الاولاد أولا وأثبت لهم ميراثا ثم ذكر بعد ذلك حجب النقصان بهم فينصرف إلى المذكورين أولا وهم المتأهلون للارث، وهذا لان المحروم اتصلت به صفة تسلب أهلية الارث فألحقه بالمعدوم ولا كذلك المحجوب فإنه أهل في نفسه إلا أن حاجبه عليه على إرثه لزيادة قربه فلا يبطل عمله في حق غيره. وإنما ذكر سبب الحرمان بقوله لا لمحروم بالرق الخ ليبين الاسباب المانعة من الارث فإن الرق يمنع الارث لان الرقيق لا يملك شيئا قال الله تعالى * (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ) * وقال صلى الله عليه وسلم لا يملك العبد إلا الطلاق ولا فرق في ذلك بين أن يكون قنا وهو الذي لم ينعقد له سبب الحرية أصلا. وبين أن ينعقد له سبب الحرية كالمدبر والمكاتب وأم الولد ومعتق البعض عند أبي حنيفة لان المعنى يشمل الكل وهو عدم تصور الملك لهم والمكاتب لا يملك الرقبة وهو عبد ما بقي عليه درهم على ما جاء في الخبر لا يكون أهلا للارث. والقتل الذي يمنع الارث هو الذي يتعلق به وجوب القصاص أو الكفارة وما لا يتق به واحد منهما كالقتل بسبب أو قصاص لا يوجب الحرمان لان وجه الارث عقوبة فتعلق بما تتعلق به العقوبة وهو القصاص والكفارة. والشافعي يعلقه بمطلق القتل حيث لا يرث عنده إذا قتله بقصاص أو رجم أو كان القريب قاضيا فحكم بذلك أو شاهدا فشهد به أو باغيا فقتله أو شهر عليه سيفا دفعا كل ذلك يمنع الارث عنده، وهذا لا معنى له لان القاتل أوجب عليه قتله أو جاز له قتله في هذه الصورة فكيف وجب عليه العقوبة بعد ذلك، ولهذا لا يتعلق بسائر القتل سائر العقوبات فكذا الحرمان. والمراد بقوله عليه الصلاة والسلام ليس للقاتل شئ من الميراث هو القتل بالتعدي دل عليه قوله عليه الصلاة والسلام ليس للقاتل ميراث بعد كصاحب البقرة أي قاتل هو كصاحب البقرة وهو كان متعديا. واحترز بقوله مباشرة عن القتل بالتسبب. واختلاف الدين أيضا يمنع الارث والمراد به الاختلاف بين الاسلام والكفر بقوله صلى الله عليه وسلم لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم وأما اختلاف ملل الكفار كالنصرانية واليهودية والمجوسية وعباد الوثن فلا يمنع الارث حتى يجري الميراث بين اليهودي

[ 387 ]

والنصراني والمجوسي لان الكفر كله ملة واحدة. وقال عليه الصلاة والسلام الناس كلهم خير ونحن خير واختلاف الدارين يمنع الارث والمؤثر هو الاختلاف حكما حتى لا تعتبر الحقيقة بدونه حتى لا يجري الارث بين المستأمن والذمي في دارنا ولا في دار الحرب، ويجري بين المستأمن وبين من هو في داره لان المستأمن إذا دخل إلينا أو إليهم من أهل داره حكما وإن كان في غيرها حقيقة والدار إنما تختلف باختلاف المنفعة والملك كدار الاسلام ودار الحرب أو دارين مختلفين من دار الحرب باختلاف ملكهم لانقطاع الولاية والتناصر فيما بينهما والارث يكون بالولاية. قال رحمه الله: (والكافر يرث بالنسب والسبب كالمسلم) لانه مختار مكلف فيملك بالاسباب الموضوعة للملك كالمسلم ولانه بعقد الذمة التحق بالمسلم في المعاملة فيملك بالاسباب الموضوعة كالمسلم فيكون حكمه في ذلك كحكم المسلم. قال رحمه الله: (ولو حجب أحدهما فبالحاجب) يعني لو اجتمع في الكافر قرابتان لو تفرقا في شخصين يحجب أحدهما الآخر ير ث بالحاجب، وإن لم يحجب يرث بالقرابتين كما إذا تزوج المجوسي أمه فولدت له ابنا فهذا الولد ابنها وابن ابنها فيرث منها إذا ماتت على أنه ابن ولا يرث على أنه ابن ابن لان ابن الابن يحجب بالابن، ولو ولدت بنتا مكان الولد ترث الثلثين النصف على أنها بنت والسدس على أنها بنت ابن. ولو تزوج بنته فولدت له بنتا ترث من أمها النصف على أنها بنت وترث الباقي على أنها عصبة لانها أختها من أبيها وهي عصبة مع البنت، وإن مات أبوها ترث النصف على أنها بنت ولا ترث على أنها بنت البنت لانها من ذوي الارحام فلا ترث مع وجود ذي سهم وعصبة وهو قول عامة الصحابة رضي الله عنهم وبه أخذ أصحابنا، وفي رواية عن ابن مسعود وزيد بن ثابت أنه يرث بأثبت القرابتين أو آكدهما أي أقواهما وبه أخذ مالك والشافعي رحمهما الله، والصحيح الاول لان فيه إعمال السبب ولا يجوز إبطاله بغير مانع والمانع الحاجب ولم يوجد فيأخذ بالجهتين ألا ترى أن المسلم يرث بالجهتين اتفق له ذلك بأن ماتت المرأة وتركت ابن عمها وهو زوجها أو أخوها من أمها فإنه يأخذ بالفرض والعصوبة فكذا الكافر إذ هو لا يخالف المسلم في سبب الملك كالشراء وغيره بخلاف الاخ من الاب والام حيث لا يرث إلا بالعصوبة ولا يرث بالفرض على أنه أخ من أم لانه ليس فيه اختلاف الجهة لانه يرث بالاخوة وهي جهة واحدة فلا يصلح الاستحقاق بهما إلا للترجيح فقط عند مزاحمة من هو دونه في القوة كالاخ للاب. قال رحمه الله: (لا بنكاح محرم) أي لا يرث الكافر بنكاح محرم كما إذا تزوج مجوسي بأمه أو غيرها من المحارم لا يرث منها بالنكاح، أما عندهما فظاهر لان النكاح لا يصح، وأما عند أبي حنيفة فإنه ولو كان له حكم الصحة لكن لا يقر عليه إذا أسلما فكان كالفاسد. وفي المضمرات: اعلم بأن الكفار يتوارثون فيما بينهم بالاسباب التي يتوارث بها المسلمون من نسب أو سب أو نكاح ولا خلاف انهم لا يرثون بالانكحة التى لا تصح

[ 388 ]

لمطلقة قبل التزوج بزوج آخر. واختلفوا في التوريث بحكم النكاح في العدة والنكاح بغير شهود قال زفر: لا يتوارثون. وقال أبو حنيفة: يتوارثون. وقال أبو يوسف: يتوارثون في النكاح بغير شهود ولا يتوارثون بالنكاح في العدة، وهذا بناء على اختلافهم في تقريرهم على هذه الانكحة إذا أسلموا وقد بينا ذلك في النكاح، ولا خلاف بين أصحابنا أن الكافر الحربي لا يرث الذمي سواء كان الحربي مستأمنا في دارنا أو في دار الحرب. وأهل الذمة يرث بعضهم بعضا وإن اختلف صورة مللهم عند عامة الصحابة لان الكفر كله ملة واحدة فجعلوا اليهود والنصارى ملة، وكان أبو حنيفة وأصحابه يورثون أهل الحر ب بعضهم من بعض إذا كانوا من أهل دار واحدة، وإن اختلفت الدار أن لم يورثوا. تفسيرا اختلاف الدارين أن يكونا ملكين في موضوعين ويرى كل واحد قتل الآخر وإن اتفقت الملل، وهذا بخلافنا فإن أهل العدل مع أهل البغي يتوارثون فيما بينهم لان دار الاسلام دار الاحكام فباختلاف الملك والمنفعة لا تتغير الدار فيما بين المسلمين لان أحكام الاسلام تجمعهم، وأما دار الحرب فليست بدار الاحكام بل هي دار قهر وباختلاف الملل تختلف الدار بينهم، واختلاف الدارين يقطع التوارث وكذلك إذا خرجوا الينا بأمان يعني أهل الدارين المختلفين بينهم من أهل الحرب وإن كانوا مستأمنين فيجعل كل واحد منهم في الحكم كأنه في البقعة التي خرج منها بأمان بخلا ف ما إذا صاروا ذمة لاهل الاسلام يتوارثون فيما بينهم بعد ذلك كما لو أسلموا فإنه يجري التوارث بعد ما مات بينهم. وإن اختلفت منعتهم في حالة الكفر جئنا إلى المسائل: ذمي مات وخلف ورثة في دار الحرب فماله فئ سواء كانت الورثة في دار الحرب أو في دار الاسلام معاهدين. ولو مات اليهودي وترك ابنا يهوديا في دار الاسلام يؤدي الجزية وابنا له في دار الحرب فالمال كله للابن اليهودي الذي يؤدي الجزية في دار الاسلام. ولو مات يهودي من أهل الحرب وهو مستأمن في دار الاسلام وترك ابنا مستأمنا في دار الاسلام وابنا ذميا وابنا حربيا وابنا مسلما فالمال على قول أهل العراق بين الابن المعاهد والحربي لان المعاهد بمنزلة الحربي عندهم فيرث منه الحربي ومن هو مثله وهو المعاهد. ولو مات يهودي من أهل الذمة وخلف ابن يهوديا وابنا نصرانيا فعلى قول من يورث أهل الذمة بعضهم من بعض، وإن اختلفت صور مللهم المال بينهما نصفان، وعلى قول من يقول بأن اليهود ملة والنصارى ملة المال لللابن اليهودي. وأما ميراث المجوسي فيما بينهم يبنى على أصول ثلاثة: أحدها أنهم لا يتوارثون بالانكحة الفاسدة فيما بينهم وإنما يتوارثون بالانكحة الصحيحة، والفاصل أن كل نكاح لو أسلما تركا على ذلك فهو نكاح صحيح، ولو أسلما لم يتركا فهو نكاح فاسد. والثاني أن النسب فيما بينهم يثبت بالانكحة الفاسدة ويتوارثون فيما بينهم بذلك النسب وإن كانوا لا يتوارثون بذلك النكاح. الثالث أن كل من يدلي إلى الميت سببين أو ثلاثة فإنه يرث بجميع ذلك إلا إذا كان أحد السببين يحجب الآخر فحينئذ يرث بالحاجب وقد قدمناه. ولو تزوج بأمه أو بابنته أو بأخته فمات أحدهما لا يرث الآخر، وهذا الجواب على

[ 389 ]

أصل أبي يوسف ومحمد طاهر لان نكاح المحارم فيما بينهم فاسد عندنا وإن كانوا يدينون جوازه ولهذا قالا: إذا طلبت النفقة من القاضي لا يرفض النفقة، وإذا دخل بها سقط إحصائه حتى لا يحد قاذفة لو قذفه انسان بعدما أسلم، ولو طلب أحدهما التفريق فالقاضي يفرق وذلك لا يشكل على قول أبي حنيفة على ما هو مختار مشايخ العراق وإن كان نكاح المحارم فاسدا عند أبي حنيفة فاستدلوا لذلك بفصل عدم حرمان الارث بينهما وإنما يشكل على قول مشايخ ما وراء النهر فإنهم يقولون بأن نكاح المحارم فيما بينهم جائز على قول أبي حنيفة، ويقولون لو لم يكن النكاح جائزا عنده لما فرض لها النفقة، ويستدلون أيضا بما لو دخل بها بعد النكاح أنه لا يسقط إحصانه عنده. والعذر لمشايخ العراق في فصل النفقة كما أن النفقة كما تحجب بسبب النكاح فتجب بسبب الاحتباس فإن ثمة لم يكن نكاح، وإن كان نكاحا فاسدا يؤخذ النفقة بسبب الاحتباس لا بسبب النكاح وبقاء الاحتباس بعد الدخول لا يدل على صحة النكاح عند أبي حنيفة محالة ألا ترى أن من تزوج امرأة ودخل بها وكان نظر إلى فرج أمها أو ابنتها بشهوة أن إحصانه لا يسقط وإن كان نكاحا فاسدا عند أبي حنيفة. والعذر لمشايخنا رحمهم الله عن فصل الارث فإنه لا يجري الارث فيما بينهم وإن كانوا يدينون جواز النكاح واعتبر ديانتهم في حق جواز النكاح في حق الارث فيما بين المحارم أن يقول ان ديانتهم إنما يعتبر بجواز النكاح لان جواز نكاح المحارم قد كان في شريعه آدم عليه السلام. وفي الذخيرة: ثم فرقوا بين نكاح المحارم فيما بينهم وبين النسب الثابت في هذا النكاح فقالوا: إذا تزوج المجوسي بمحارمة ثم مات أحدهما لا يرثه الباقي، فأما إذا حدث بينهما ولد فإنه يثبت النسب ويتوارثون بذلك النسب فيما بينهم. تزوج مجوسي بابنة له فولدت منه ابنا وبنتا ثم مات المجوسي فقد مات عن ابن وبنت وزوجة فيقسم المال بينهم للذكر مثل حظ الاثنين يورثون بالنسب ويسقط اعتبار النكاح لانه فاسد يثبت به النسب فيما بينهم ولا يتوارثون به فلهذا قال يسقط اعتبار النكاح ويرثون بالنسب. ولو مات الابن بعد ذلك فقد مات عن أخت لاب وأم وعن أخت لاب هي أمه فللاخت لاب السدس بحكم الامومة والسدس بحكم الاختية والنصف للاخت لاب وأم والباقي للعصبة إن كانت وإلا فيرد عليهما وعلى سهامهما. ولو لم يمت الابن بعد موت المجوسي ولكن ماتت البنت التي هي زوجته فقد ماتت عن ابن هو أخوها لابيها وعن بنت هي أختها لابيها ويرثون بالبنوة والبنتية ويقسم المال بينهم للذكر مثل حظ الاثنين. ولو لم تمت الابنة التي هي زوج المجوسي ولكن ماتت الابنة الاخرى فقد ماتت عن أخ لاب وأم عن أخت لاب وأم وعن أخت لاب هي أمها فيكون للام السدس والباقي لاخ للاب وأم فيسقط اعتبار الاختية لان قرابة والاخت لاب ساقطة الاعتبار لقرابة الاخ لاب وأم. وإنما كان للام السدس في هذه الصورة لان للميت أخا وأختا والاخت من أهل الاستحقاق إلا أنها صارت محجوبة بهذا السبب العارض ولهذا اسقط فرض الام عن

[ 390 ]

الثلث إلى السدس. وفي الذخيرة: مجوسي تزوج بأمه فولدت بنتا وابنا ثم فارقها وتزوج ابنته فولدت له ابنة ثم مات المجوسي فقط مات عن أم وابن وابنه بنت ابن فيكون للام السدس باعتبار الامومة والباقي بين الابن والبنت للذكر مثل حظ الأنثيين ولا شئ لبنت الابن، فإن مات الابن بعد فإنما مات عن زوجة هي جدته أم أبيه وهي أمة وعن أخت وأبيه فلاشئ للام بالزوجبة ولاكونها جدة لان الجدة لا ترث مع الام ولكن لها السدس بالامومة والابنة النصف بالبينة ولا شئ لها بالاختية لام، فإن لم يمت الابن ولكن ماتت الابنة الكبرى فقد ماتت عن أم هي جدتها أم أبيها وعن أخ لاب وأم وعن ابنة هي أختها لامها فللام السدس بالامومة لان معها أخا لام وأختا وهما يردان الام من ثلث إلى السدس وللابنة السدس بالاختية لام والباقي للاخ لاب وأم بالعصوبة، فإن كانت الابنة التي ماتت هي الصغرى فقد ماتت عن أم وعن جدتها لابيها وعن أبيها وعن عمة هي أختها لابيها وعن ابن هو أخوها لامها فللام السدس والباقي للاب لان الاخوة والاخوات لا يرثون مع الاب شيئا. ولو لم تمت الابنة ولكن ماتت الام فإنما ماتت عمن هو زوجها وهو ابن ابنها وعن ابنة ابن أختها فلا شئ للابن بالزوجية ولكن المال بين الابن والانثى للذكر مثل حظ الاثنين فلا شئ للذكر باعتبار أنه ابن ابن ولا الانثى باعتبار أنها ابنة الابن. مجوسي تزوج أمه فولدت له ابنتين فتزوج ابنته فولدت له ابنة ثم مات المجوسي فقد مات عن أم هي زوجة وثلاث بنات إحداهن زوجة وبنتان أختان لام وإحداهن ابنة ابن فلا شئ للزوجة منهن بالزوجية ولا للاختين لام بالاختية ولا للثالثة بكونها ابنة ابن ولكن الباقي للعصبة إن كانت، وإن لم تكن فهو رد على أم والبنات على مقدار حقهن، فإن ماتت بعدها الابنة التي هي زوجته فقد ماتت عن ابنة هي أخت لاب وأم فللابنة النصف والباقي للعصبة، وإن لم تمت هذه ولكن ماتت الابنة السفلى فإن ماتت عن أمها وهي أختها لابيها وعن أخت أيضا فيكون للام السدس بالامية وللاختين الثلثان بالاختية والباقي للعصبة. رجل مجوسي تزوج بابنته فولدت ابنتين فمات المجوسي ثم ماتت إحدى البنتين فإنما ماتت عن أم هي أخت لاب وعن أخت لاب وأم أيضا فقد ذكر بعض المشايخ أن للام السدس بالآية وللاخت لاب وأم النصف وللام السدس بالاختية والاول أصبح. وفي السراجية: حكم الاسير كحكم سائر المسلمين في الميراث ما لم يفارق دينه، فإن فارق دينه فحكمه حكم المفقود. مسلم ونصراني استأجر ظئراواحدا لولديهما فكبروا ولا يعرف والد النصراني من والد المسلم فالولد مسلمان ترجيحا للام ولكن لا يرثان من أبويهما لان المال لا يستحق بالشك، وكذا لو كان للرجل ابن ولملوكه ابن أيضا فدفعاهما إلى ظئر واحدة فكبرا ولم يعرف ابن المولى من الرقيق فالولدان حران ويسعى كل واحد منهما في نصف قيمته ولا يرثان شيئا. قال الفقيه أبو الليث: هذا إذا لم يصطلحا، أما إذا اصطلحا فيما بينهما فلهما أن يأخذ الميراث فكذا الجواب في ولد المسلم مع ولد النصراني وبه يفتى. وفي المضمرات: مات وترك

[ 391 ]

أبوين وامرأتين أحدهما مسلمة والاخرى يهودية فللمرأة التي هي مسلمة الربع وللام ثلثا الباقي والباقي للاب، وإدا تحاكما إلينا أهل الكفر في قسمه المال قسمنا ذلك فيما بينهم على حكمنا دون حكمهم، وإن قدم الحربي إلينا بأمان فمات بعث ماله إلى وارثه في دار الحرب. قال رحمه الله: (ويرث ولد الزنا واللعان من جهة الام فقط) لان نسبه من جهة الاب منقطع فلا يرث به، ومن جهة الام ثابت فيرث به أمه وأخته من الام بالفرض لا غير، وكذا ترثه أمه وأخته من أمه فرضا لا غير ولا يتصوران يرث هو أو يورث بالعصوبة إلا بالولاء أو الولاد فيرثه من أعتقه أو أعتق أمه أو ولده بالعصوبة، وكذا هو يرث معتقه أو معتق معتقة أو ولده بذلك وقد تقدم. قال رحمه الله: (ووقف للابن حظ ابن) أي إذا ترك الميت امرأته حاملا أو غيرها ممن يرثه ولدها وقف للحمل نصيب ابن واحد وهذا قول أبي يوسف. وعنه يوقف نصيب ابنين وهو قول محمد لان ولادة الاثنين معتادة، وعن أبي حنيفة أنه يوقف نصيب أربع بنين أو أربع بنات أيهما أكثر لانه يتصور ولادة أربعة في بطن واحدة فيترك نصيبهم احتياطا، والفتوى على الاول لان ولادة الواحد هي الغالب والاكثر منه موهوم والحكم للغالب ويؤخذ من الورثة على قوله كفيل لاحتمال أن يكون أكثر. وهذا إذا كان في الورثة ولد، وأما إذا لم يكن فيهم ولد فلا يختلف الميراث بينهم بكثرة الاولاد وقلتهم. وجملة الامر لا يخلوا إما أن يكون الورثة كلهم أولاد، فإن فيهم أولاد أولاد، فأن كانوا كلهم أولاد افيترك ما ذكرنا من القدر على الاختلاف وإن لم يكونوا كلهم أولادا فلا يخلوا إما أن يكون فيهم أولاد أولاد فإن كان فيهم أولاد أولاد يعطى كل وارث هو غير الولد منهم نصيبه ثم يقسم الباقي على الاولاد ويترك نصيب الحمل منه على الاختلاف الذي ذكرنا، وإن لم يكن في الورثة ذكر والحمل من الميت يعطى كل وارث نصيبه على تقدير أن الحمل ذكر أو أنثى أيهما أقل، وإن كان على أحد التقديرين يرث دون الآخر فلا يعطى شيئا. وكذا إذا كان فيهم من لا يرث على تقدير ولادته حيا وعلى تقدير ولادته ميتا يرث فلا يعطى شيئا للاحتمال، وإن كان نصيبه على أحد التقديرين أكثر يعطى الاقل للتيقن وبه ويوقف الباقي. قال رحمه الله: (وير ث إن خرج أكثره فمات لا أقله) أي الحمل يرث إن خرج أكثره وهو حي ثم مات، وإن خرج أقله وهو حي فمات لا يرث لان انفصاله حيا من البطن شرط لارثه والاكثر يقوم مقام الكل، ثم إن خرج مستقيما فالمعتبر لصدره، وإن خرج منكوسا فالمعتبر لسرته وقد بينا من قبل. وفي الاصل في ميراث الجنين ذكر الصدر الشهيد في فرائضه أن الجنين يرث إذا كان موجودا في البطن عند موت الموروث بأن جاء لاقل من ستة أشهر مذ مات الموروث هكذا ذكر محمد المسألة مطلقة. وهذا التقدير في استحقاق الجنين من غير الاب أما من الاب فإن جاء به لاقل من سنتين من وقت الموت فإنه يرث ما لم تقر بانقضاء لعادة نص عليه محمد في كتاب الفرائض، فالاصل أن المعتدة إذا جاءت بالولد لاقل من سنتين من

[ 392 ]

وقت الطلاق فإنه يثبت نسب الولد من الزوج إذا لم تقر بانقضاء العدة فإذا ثبت النسب من الميت يرث منه ضرورة وإن جاء لاكثر من سنتين لا يثبت النسب من الميت ولا يرث منه. قال محمد في كتاب الفرائض أيضا: لو أن عبدا تحته حرة ولد منها ابن وله ابن آخر حر من غيرها فمات ابن العبد ولا يدري أنها حبلى أم لا فجاءت بالولد لاقل من ستة أشهر منذ مات ابن العبد فإنه يرث ميراث أخيه لان الوطئ حال بالعلوق إلى ستة أشهر فقد مات أخوه وهو في البطن فيرثه، وإن جاءت به لاكثر من ستة أشهر لم يرثه لان الحمل من ستة أشهر فقد مات أخوه وهو لم يخلق بعد فلا يرثه، فتبين بما ذكر محمد في الاصل إنما ذكره الصدر الشهيد من التقرير في استحقاق الجنين الارث من غير الاب لا عن الاب وطريق معرفة انفصاله حيا أن يستهل أو يسمع منه عطاس أو تنفس أو يتحرك بعض أعضائه أو ما شاكل ذلك، وإن انفصل ميتا لم يرثه لانا شككنا في حياته وقت موت الاب بجواز أنه كان ميتا لم تنفخ فيه الروح ويجوز أنه كان حيا فلا يرثه بالشك. وفي الذخيرة: ثم الجنين إذا خرج ميتا فإنه لا يرث إذا خرج بنفسه، وأما إذا خرج حيا فهو من جملة الورثة بيانه: إذا ضرب انسان بطنها فألقت جنينا ميتا فهذا الجنين من جملة الورثة وفيه روايات ابن المبارك. قال الشيخ محمد أبو الفضل: إذا مات الرجل عن امرأة وابنين وادعت المرأة أنها حامل تعرض المرأة على امرأة ثقة أو امرأتين حتى يتبين حملها، فإن لم يقف على شئ من علامات الحمل يقسم الميراث، وإن وقف على شئ من علاماته تربصوا حتى تلد ولا يقسم الميراث. وإن كان رجل خلف امرأة حاملا وابنا فولدت المرأة ابنا وبنتا فاسهل أحدهما وماتا لا يدري أيهما استهل، فلو جعل المستهل ابنا فقد خلف الموروث ابنين للمرأة الثمن والباقي بينهما وتصح المسألة من ستة عشر، ومسألة من ثلاثة لا تستقيم فتضرب ثلاثة في ستة عشر فتبلغ ثمانية وأربعين للمرأة الثمن ستة ولكل ابن إحد وعشرون، فمات المستهل عن أحد وعشرين سهما وخلف أما وأخا للام الثلث سبعة أسهم والباقي وهو أربعة عشر للاخ فقد حصل للام ثلاثة عشر وللاخ خمسة وثلاثون. وإن كان المستهل الانثى للمرأة الثمن والباقي بين الابن والبنت للذكر مثل حظ الانثيين، وتصح المسألة من أربعة وعشرين للمرأة ثلاثة وللبنت سبعة وللابن أربعة عشر وماتت البنت عن سبعة أسهم وخلفت أما وأخا ومسألتهما من ثلاثة وسبعة على ثلاثة لا تنقسم فتضرب ثلاثة في أربعة وعشرين فتصير اثنين وسبعين للمرأة الثمن تسعة وللابن اثنان وأربعون وللبنت إحدى وعشرون، فماتت البنت عن إحدى وعشرين سهما وخلفت أما وأخا للام الثلث سبعة وللاخ أربعة عشر فقد حصل للام ستة عشر وللاخ ستة وخمسون وستة عشر توافق الستة والخمسين بالثمن فيرد ذلك إلى ذلك الثمن فيكون ثمن الستة عشر سهمان وثمن الستة والخمسين سبعة أسهم والتسعة توافق الثمانية والاربعين بالثلث فيضرب ثلث أحدهما في جميع الآخر فيصير مائة وأربعة وأربعين، ثم ضاعف لان هنا حالين حال

[ 393 ]

استهلاك الابن وحال استهلاك البنت فصار مائتين وثمانية وثمانين فهذا جميع المال. وفي القنية سأل عن صبي استهل في البطن وانفصل ميتا فقال: لا يعتبر هذا الاستهلال. وفي الظهيرية: ولو أن رجلين ليس بينهما قرابة تزوج كل واحد منهما أم الآخر فولدت كل واحد منهما غلاما فقرابة ما بينهما أن ابن المتزوج بالام أخا لابن الذي تزوج الابنة وعمه وابن الذي تزوج الابنة ابن الاخت للذي تزوج الام وابن أخيه فلا يرث واحد منهما من صاحبه مع سائر العصبات لان العم لام وابن الاخ لام من جملة ذوي الارحام فلا يرثون مع أحد من العصبات، فلو أن رجلا تزوج امرأة وزوج ابنتها من ابنه فولد لكل واحد منهما غلام فقرابة بين الغلامين أن ابن الاب الذي تزوج الام عم الابن الذي تزوج الابنة وخاله وابن الابن ابن أخ ابن الاب وابن اخته فأيهما مات ورث صاحبه ههنا من قبل أن العم عصبة، وكذلك ابن الاخ لاب عصبة. وإذا كان كل واحد منهما عصبة صاحبه من أحد الوجهين كان وارثا له، فإن تزوج الاب الابنة وتزوج الابن الام فولد لكل واحد منهما غلام فقرابة ما بين الولدين أن ابن الاب عم ابن الابن وابن أخته وابن الابن خال ابن الاب وابن أخيه فأيهما مات ورثه الآخر بالعصوبة. نوع آخر في هذا الفصل: رجل مات وترك ثلاث بنات فورثت إحداهن ثلثي المال والاخرى ثلث المال والثالثة لم ترث شيئا كيف كانت هذه قال: إنه كان في الاصل الاب رقيقا أعتقه إحداهن فقتلته واحدة منهن فللمعتقة الثلث فرضا ولغير القاتلة الثلث فرضا وللمعتقة الثلث تعصيبا. رجل مات وترك أخا لاب وأم وأخا لامرأته فورث المال أخو امرأته دون أخيه لابيه وأمه كيف كانت هذه قال بأنه كان في الاصل رجل تزوج وأم امرأة أبيه فولدت له ولدا ثم مات المتزوج ثم ما ت أخوه بعد ذلك وترك خالا وعما وهذا المولود في درجة ابن أخيه لابيه وفي درجة خاللامه فالمال لابن الاخ فقد ورث المال الخال دون العم. رجل دخل على مريض فقال لا أوصي فقال لماذا أوصي فإن مالي يرثه عمتاك وخالتاك وجدتاك كيف كانت هذه قال: كان هذا المريض تزوج جدتي الرجل أم أبيه وأم أمه فولدت كل واحدة للمريض ابنتين، فلما مات المريض ترك أربع بنات بنتان منهن خالتا الرجل وبنتان منهن عمتا الرجل والمرأتان هما جدتا الرجل فللبنتان الثلثان وللمرأتين الثمن وما بقي يرد على البنات إن لم يكن له عصبة. وسأل عن رجل ورثه سبع عشرا امرأة ماله بالسوية فأجاب بأن هذا الرجل مات عن جدتين وثلاث نسوة وأربع أخوات لام وثمان أخوات لاب وأم فللجدتين السدس سهمان والنسوة الربع ثلاثة وللاخوات لام الثلث أربعة وللاخوات لام وأب الثلثان ثمانية فأصاب كل واحدة سهم. سأل عن امرأة ورثت أربعة أزواج واحدا بعد واحد فصار لها نصف جميع أموالهم وللعصبة النصف فأجاب بأن هذه المرأة تزوجها أربع اخوة وبعضهم وارث بعض وكان جميع أموالهم ثمانية عشر دينارا للواحد منهم ثمانية وللآخر

[ 394 ]

ستة وللثالث ثلاثة وللرابع دينار تزوجها صاحب الثمانية، ثم مات عنها ثم صار لصاحب الستة ثمانية ولصاحب الثلاثة خمسة ولصاحب الواحد ثلاثة ثم تزوجها الثاني ومات عنها وترك ثمانية دنانير فصار لها ديناران بقي ستة بين أخوين لكل واحد منهما ثلاثة ثم تزوجها الثالث ومات عنها وترك ثمانية دنانير فصار لها الربع ديناران ولاخيه ما بقي ستة فصار له اثنا عشر دينارا فصار لها الربع من ذلك ثلاثة دنانير فصار جميع ما ورثت تسعة من الاول ديناران ومن الثاني ديناران ومن الثالث ديناران ومن الرابع ثلاثة وللعصبة تسعة دنانير. سأل عن رجلين ورث أحدهما ثلاثة أرباع المال وللآخر الربع فأجاب بأن الميتة بنت عمهما وأحدهما زوجها فللزوج النصف والباقي بينهما نصفين فنصيب الزوج ثلاثة أرباع والآخر ربع. سأل عن رجلين ورث أحدهما الثلثين والآخر الثلث قال: الميت امرأة لها ابنا عم أحدهما اخوها لام والآخر زوجها فيكون للزوج النصف وللآخ من الام السدس والباقي بينهما نصفان فنصيب الزوج الثلثان ونصيب الآخر الثلث. سأل عن ثلاثة إخوة ورث أحدهم الثلثين والآخران كل واحد سدس قال: هذه المرأة لها ثلاثة بني عم أحدهم زوجها فيكون للزوج النصف والباقي بينهم أثلاثا فيكون لكل واحد سدس. رجل ورثته ثلاث نسوة أثلاثا إحداهن أم الاخرى قال: هذا الرجل زوج ابن ابنته ابن ابن له فولدت له بنتا ثم مات ابن الابن وبقي بنتا ابن ابن إحدهما أم الاخرى ثم مات الرجل وله أخت فصار للابنتين الثلثان وللاخت الثلث لانها عصبة مع البنات. وفي الظهيرية في بيان ما يسأل عن المتشابهات: وإن سأل عن رجل مات وترك ابن عم لاب وأم فورثت المال ابن العم دون ابن أخيه كيف يكون؟ قيل: صورة هذا أخوان ولاحدهما ابن اشتريا جارية فجاءت بولد فادعياه جميعا كان ابنا لهما ثم مات الاخوان ثم مات ابن احدهما بعد موتهما ولم يترك وارثا غير الابن الذي كان بين أبيه وعمه وكان له ابن أخ لاب وأم فميراثه لاخيه لابيه وهو ابن عمه ويسقط ابن أخيه لابيه وأمه. وإن سأل عن رجل مات وترك ابن عم لاب وأم وأخا لاب فورثت المال ابن عمه دون أخيه لابيه كيف يكون هذا؟ قيل: هذا في الاصل أخوان ولاحدهما ابن فاشتريا جارية فجاءت بابن فادعياه جميعا كان ابنا لهما ثم أعتقا هذه الجارية فتزوج بها أبو الابن فولدت ابنا آخر فمات الاخوان ومات الابن الذي ولدته بعد النكاح وترك أخا لاب وأم وهو ابن عمه وأخا لاب فميراثه لابن عمه لانه أخوه لابيه وأمه. وسأل عن رجل وأمه وخالته ورثوا المال بينهم أثلاثا كيف يكون هذا؟ فهذا رجل له بنتان زوج احدهما ابن أخيه فولدت له ابنا ومات ابن الاخ ومات الرجل بعد ذلك وترك بنتين وابن ابن أخ فللبنتين الثلثان وما بقي فلابن ابن الاخ فصار لابن ابن الاخ الثلث ولامه ثلث المال ولخالته ثلث المال. وإن سأل عن رجل مات وترك سبعة إخوة لامراته فورثت امرأته المال وأخواتها بالسوية كيف يكون هذا؟ قيل: رجل تزوج بأم امرأة أبيه فولدت له سبع بنين ثم مات الابن ومات أبوه بعد ذلك وترك

[ 395 ]

امرأته وسبعة بني ابن فللمرأة الثمن سهم وبقي سبعة أسهم لكل واحد منهم سهم. حكي أن امرأة جاءت إلى أبي حنيفة وقالت إن أخي مات وترك ستمائة دينارا فقسموا تركته وأعطوني منها دينارا واحدا. قال أبو حنيفة: ومن قسمها؟ قالت: تلميذك داود الطائي. فقال أبو حنيفة ذلك حقك. قال: أليس ترك أخوك ابنتين وأما وزوجة واثني عشر أخا وأختا؟ فقالت: بلى، قال: للبنتين الثلثان أربعمائة دينار، وللام السدس مائة دينار، للمرأة الثمن خمسة وسبعون دينارا، بقي خمسة وعشرون دينارا أسهم للذكر مثل حظ الانثيين لكل أخ ديناران وللآخت دينار واحد. مسألة: ولو سألت عن رجل مات وترك دنانير وورثه فإن كان الوارث ابنا كان له ألفا دينار، ولو كان مكان الابن ابن عم كان له عشرة آلاف. الجواب عن هذا إذا كان المال ثلاثين ألف دينار فإكان له ابن وثمانية وعشرون بنتا كان للابن ألفا دينار، ولو كان مكان الابن ابن عم كان للبنات الثلثان والباقي لابن العم وهو عشرة آلاف. مسألة: ولو سألت عن رجمات وترك أخوين لاب أحدهما للام وأختين لام أحدهما لاب كيف يقسم المال بينهم؟ الجواب عن هذا رجل مات وترك أخا وأختا لاب وأم وأخا لاب فيقسم المال بينهم للاخت من الاب السدس والباقي بين الاخ والاخت لاب وأم ولا شئ للاخ من الاب. مسألة: ولو سئل عن رجل وابنته وورثا مالا بالسوية كيف ذلك؟ الجواب هذه امرأة تزوجها ابن عم فولدت له ابنة ثم ماتت المرأة وصار لابنتها من ميراثها النصف والنصف الباقي لزوجها وهو ابن عمها. مسألة: ولو سأل عن امرأة وجدتها أم الام وورثا مالا بالسوية؟ الجواب عن هذا رجل زوج بنت أخته لابن ابنه فولدت لهما بنتا مات الزوج ثم مات الجد وترك بنت ابن ابنه وأخته وهي جدتها أم أمه فصار لابنة ابن ابنه النصف وما بقي فللاخت. قال رحمه الله: (ولا توارث بين الغرقى والحرقي إلا إذا علم ترتيب الموت) أي إذا مات جماعة في الغرق أو الحرق ولا يدري أيهم مات أولا جعلوا كأنهم ماتوا جميعا فيكون مال كل واحد منهم لورثته ولا يرث بعضهم بعضا إلا إذا عرف ترتيب موتهم فيرث المتأخر من المتقدم وهو قول أبي بكر وعمر وزيد وأحد الروايتين عن علي رضي الله عنه. وإنما كان كذلك لان الارث ينبني على اليقين بسبب الاستحقاق وشرطه وهو حياة الوارث بعد موت المورث ولم يثبت ذلك فلا يرث بلشك، وكذلك الحكم إذا ماتوا بهدم الجدار عليهم أو في المعركة ولا يدري أيهم مات أولا. وفي الاصل: أخوان غرقا وخلف أحدهما بنتا وعشرين دينارا مثلا وخلف الآخر بنتا وعشرة دنانير، فعلى قول عامة الصحابة وعامة الفقهاء للبنت النصف من المال والنصف الباقي لابن العم وما تركه الآخر لابنه. أخوان معتقان غرقا وخلف أحدهما ابنا وبنتا وخلف الآخر بنت ابن ومولى فالذي خلف ابنة ابن ماله على قول العامة بين ابنة ابنه وبين ابن أخيه الذي غرق معه نصفان النصف لابنة الابن

[ 396 ]

والنصف لابن الاخ وحده. امرأة وابنها غرقا وخلفت المرأة زوجا هو أب الابن وخلف الابن أباه وابنا، فعلى قول العامة مال المرأة يقسم بين زوجها وبين ابن ابنها وللزوج الربع والباقي لابن الابن ومال الابن يقسم بين ابنه وبين الاب للاب السدس والباقي للابن، وعلى هذا القياس يخرج جنس هذه المسائل. قال رحمه الله: (وذو رحم) وهو معطوف على قوله وذو فرض في أول الكتاب (وهو قريب ليس بذي سهم ولا عصبة) أي ذو الرحم وهو قريب ليس بوراث بفرض ولا بعصبة، وهذا على اصطلاح أهل هذا العلم. وفي الحقيقة الوارث لا يخرج من أن يكون ذا رحم وتحته ثلاثة أنواع: قريب وهو ذو سهم، وقريب هو عصبة، وقريب ليس بذي سهم ولاعصبة فقدمنا الكلام في الاولين وبقي في الثالث فنقول: عندنا هم يرثون عند عدم النوعين الاولين وهو قول عامة الصحابة رضي الله عنهم غير زيد بن ثابت فإنه قال: لا ميراث لذوي الارحام بل يوضع في بيت المال وبه أخذ مالك والشافعي لما روي عن عطاء ابن يسار أن رجلا من الانصار جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله رجل هلك وترك عمته وخالته فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ثلاث مرات ثم قال: لا شئ لهما. وفي بعض رواياته لا أرى ينزل على شئ لا شئ لهما. وروي أنه قال: لا أجد لهما شيئا. وإذا لم ينزل عليه شئ لا يمكن إثباته بالرأي لان المقادير لا يمكن إثباتها بالرأي. ولنا ما روي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين أصحابه فكانوا يتوارثون بذلك حتى نزلت * (وألوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) * فتوارثوا بذلك. وعن المقداد بن معدى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من ترك مالا فلورثته وأنا وارث من لا وارث له أعقل عنه وأرثه، والخال وارث من لا وارث له يعقل عنه ويرثه رواه أحمد وأبو داود وغيرهما. وحين مات ثابت بن الدحداح وكان غريبا لا يعرف من أين هو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا لبابة بن المنذر بن أخته فأعطاه ميراثه. وعن أمامة ابن سهل أن رجلا رمى رجلا بسهم فقتله وليس له وارث إلا خالا فكتب في ذلك أبو عبيدة إلى عمر فكتب عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخال وارث من لا وارث له. وقال الترمذي: حديث حسن. وقا الطحاوي: هذا آثار متصلة قد توارثت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى هذا كانت الصحابة رضي الله عنهم حتى روي عن عمر رضي الله عنه في عم لام وخالة أعطى العم الثلثين والخالة الثلث. ويحتمل أن يكون هناك من هو أولى منهما أو كان ذلك قبل نزول الآية ويحتمل أن قوله عليه الصلاة والسلام لا شئ لهما أراد به الفر ض أي لا فرض لهما مقدر

[ 397 ]

ونحن نقول به. فإن قيل: لا حجة لكم في الآية لانها تزلت برد التوارث بالاخاء ويحتمل أن يكون المراد بها العصبة وأصحاب السهام وليس فيها دلالة على أن المراد بها غيرهم قلنا: العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب وهي عامة فيعمل بعمومها على أن كثيرا من أصحاب الشافعي منهم شريح خالفوه وذهبوا إلى توريث ذوي الارحام وهو اختيار فقهائهم للفتوى في زماننا لفساد بيت المال فصرفه في غير المصارف. قال رحمه الله: (ولا يرث مع ذي سهم وعصبة سوى أحد الزوجين لعدم الرد عليهما) أي لا يرث ذوو الارحام مع وجود ذوي فرض أو عصبة إلا إذا كان صاحب الفرض أحد الزوجين فيرثون معه لعدم الرد عليه لان العصبة أولى. وكذا الرد على ذي السهام أولى من ذوي الارحام لانهم أقرب إلا الزوجين وأنهما لا قرابة لهما مع الميت فلهذا عليهما ما فضل من فرضهما وعليه عامة الصحابة، وكان عثمان بن عفان يرد على الزوجين أيضا وقد عرف في موضعه. قال رحمه الله: (وترتيبهم كترتيب العصبات) يعني ترتيب ذوى الارحام في الارث كترتيب العصبات يقدم فروع الميت كأولاد البنات وإن سفلوا، ثم أصوله كالاجداد الفاسدين والجدا ت الفاسدات وإن علوا، ثم فروع أبويه كأولاد الاخوات وبنات الاخوة وبني الاخوة لام وإن نزلوا، ثم فرع جده وجدته كالعمات والاعمام لام والاخوال والخالات وإن بعدوا فصاروا أربعة أصناف. وروي أبو سليمان عن محمد بن الحسن عن أبي حنيفة أن أولادهم بالميراث الاصول والاول أصح لان الفرع أقرب كما في العصبات. وفي المضمرات وهم عشرة: أولاد البنات وأولاد الاخوات وبنات الاخ وبنت العم والخال والخالة وأب الام وعم الام والعمة وولد الاخ ومن أدلى بهم. وفي العثماني وهم خمسة أصناف: أولهم أولاد البنات، والثاني الجد الفاسد والجدات، والثالث أولاد الاخوات لا ب وأم أو لاب وأولاد بنات الابن وأولاد الاخوة والاخوات لام وبنات الاعمام وأولاد هؤلاء الاخوة كلهم، والرابع الاعمام لام والاخوال والخالات والعمات وبنات الاعمام وأولاد هؤلاء، والخامس عمات الآباء والامهات كلهم وأخوالهم وخالاتهم وأعمام الآباء بالام وأعمام اومهات كلهم وأولاد هؤلاء فأولاهم بالميراث أولهم ثم ثانيهم ثم ثالثهم ثم رابعهم ثم خامسهم وفي رواية عن أبي حنيفة وعليه الفتوى، وروي عن أبي حنيفة أن الجد الفاسد أولى بالميراث من أولاد البنات وأولاد بنات الابن. وقال أبو يوسف ومحمد: وأولاد الاخوات وبنات. الاخوة أولى من الجد الفاسد أبو الام وكل واحد أولى من ولده أولى من أبويه عندهما. وفي الظهيرية: وقد صح رجوع أبي حنيفة إلى قولهما في تقديم أولاد البنات وعليه الفتوى، والحكم فيهم إنه إذا انفرد واحد منهم يستحق جميع المال وهذا لان ذوي الارحام يرثون على التعصيب من وجه لانهم يرثون

[ 398 ]

بالقرابة من الميت وليس لهم سهم مقدر والعصبة من كل وجه ذكر يدلي بعصبة ذكر ولا يكون له سهم مقدر ففي حق ذوي الارحام إذا لم توجد الذكورة والادلاء إلى الميت بعصبة ذكر وجد المعنى الآخر وهو أنه قريب ليس له سهم مقدر وكانوا عصبة من وجه فيعتبر بمن يرث بالتعصيب من كل وجة أن يتسحق جميع المال إذا انفرد وكذا هنا. وهم في الحاصل أصناف صنف ينتهي إلى الميت وهو الساقط من ولد الولد وإنما اعتبرنا بالساقط لان ولد الولد على ضربين: ثابت وهو من جملة أصحاب الفرائض وهو بنت الابن أو هو من جملة العصبات وهو ابن الابن، وساقط هو داخل في جملة ذوي الارحام وهو ولد البنت ذكرا كان أو أنثى، وصنف ينتمي إليه الميت كالجد الفاسد والجدة الفاسدة، وصنف ينتمي إلى أبوي الميت كبنات الاخوة لاب وأم أو لاب وأولاد الاخوات كلها، وصنف ينتمي إلى جدي الميت كالاعمام لاب وأم أولاب، وصنف ينتمي إلى أبوي جدي الميت وهو أعمام الاب وعماته وأخواله وخالاته وأعمام الام كلهم وعماتها وأخوالها وخالاتها وأولادهم. وفي الكافي: وأجمعوا على أن ذوي الارحام لا يحجبون بالزوج والزوجة أي يرثون معها فيعطى الزوج أو الزوجة نصيبه ثم يقسم الباقي بين ذوي الارحام كما ستعرفه مثاله: زوج وبنت بنت وخالة وبنت عم فللزوج النصف والباقي لبنت البنت. وأما الكلام في الصنف اللاول فأولاهم بالميراث أقربهم إلى الميت حتى كانت بنت البنت أولى من بنت بنت البنت، فإن استووا في القرب فمن كان ولد الوارث فهو أولى مثاله: إذا ترك بنت بنت بنت وبنت بنت ابن فالمال لبنت بنت الابن لان أمها وارثة، وكذلك إذا ترك ابن ابن بنت وبنت بنت ابن فالمال لبنت بنت الابن كما ذكرنا، وإن كان أحدهما أقرب والآخر ولد الوارث لا يكون أولى. وفي الذخيرة في أصح القولين حتى إنه إذا ترك بنت بنت البنت وبنت بنت ابن ابن كان بنت بنت البنت أولى لكونها أقرب، وإن استووا في القرب وليس فيهم ولد الوارث فالمال يقسم بينهم بالسوية، وإن كانوا ذكورا كلهم أو إناثا كلهم وإن كانوا مختلطين فللذكر مثل حظ الانثيين وهنا بلا خلاف إذا اتفق صفة الاصول في الذكورة والانوثة أعني بالاصول الآباء والامهات واتفق صفة ابدان الفروع في الذكورة والانوثة. وإن اختلفت صفة الاصول فعلى قول أبي يوسف يعتبر أبدان الفروع ويقسم المال بينهم بالسوية إن كانوا ذكورا كلهم أو إناثا كلهن، وإن كانوا مختلطين فللذكر مثل حظ الاثنيين، ثم ما أصاب كل بطن فهو لولده، وكان أبو يوسف أولا يقول كما قال محمد ثم رجع عنه وقال كما ذكرنا. قال شيخ الاسلام خواهر زاده: وعامة مشايخنا يجعلون قول أبي حنيفة مع قول محمد، وغيرهم من المشايخ قالوا عن أبي حنيفة في هذا روايتان. بيان هذه المسائل إذا ترك بنت بنت وابن بنت فالمال بينما للذكر مثل حظ الانثيين، وكذلك إذا ترك ابن ابن بنت وبنت بنت بنت فالمال بينهم للذكر مثل حظ الانثيين. ولو ترك بنت بنت بنت وبنت

[ 399 ]

ابن بنت فعند أبي يوسف المال بينهما نصفان اعتبارا لا بد أنهما. وعن محمد رحمه الله يقسم بينهما أثلاثا ثلثاه لبنت ابن البنت وثلثه لبنت بنت البنت اعتبارا بأصولهما كأنه مات عن ابن نبت وبنت بنت وولدي ابن بنت فعلى قول أبي يوسف المال بينهم باعتبار الابدان على ستة لكل ذكر سهمان ولكل أنثى سهم، وعلى قول محمد يقسم باعتبار الآباء فيجعل كأنه ترك بنت بنت وابن بنت فيكون ثلثا المال لابن البنت والثلث لبنت البنت، ثم ما أصاب ابن البنت يقسم بين ولديه أثلاثا ثلثاه لابنه وثلثه لبنته وما أصاب بنت البنت يقسم بين ولديها أثلاثا أيضا ثلثه لبنتها وثلثاه لابنها فتكون القسمة من تسعة. وفي الكافي: ولو ترك بنتي ابن البنت وابن بنت بنت عند أبي يوسف ظاهر، وعند محمد يقسم أخماسا خمس المال لابن بنت النبت وأربعة أخماسه لبنتي ابن البنت كأنه مات عن ابني بنت وبنت بنت فما أصاب بنت البنت فلولدها، وما أصاب الابن فلولده. ولو ترك ابني بنت بنت بنت وبنت ابن بنت بنت وبنتي بنت ابن بنت فعند أبي يوسف المال بين الفروع أسباعا باعتبار أبدانهم، وعند محمد يقسم المال في البطن الثاني أسباعا باعتبار عدم الفروع الاصول إذ أربعة أساعه لبنتي بنت ابن البنت نصيب أحدهما وثلاثة أسباعه وهو نصيب البنتين يقسم على ولديهما في البطن الثالث أيضا فنصفها لبنت ابن البنت نصيب أبيها والنصف الآخر لابني بنت بنت البنت نصيب أمها وتصح من ثمانية وعشرين، وقول محمد أشهر الروايتين عن أبي حنيفة في جميع ذوي الارحام وعلي الفتوى. وقال الامام الاسبيجابي في المبسوط: قول أبي يوسف أصح لانه أسهل. ولترك ولدي بنت بنت وبنت ابن بنت فعلى قول أبي يوسف المال بينهم باعتبار أبدانهم على أربعة أسهم سهم بنت ابن البنت وثلاثة أسهم لولدي بنت البنت سهمان للابن وسهم للبنت. وعلى قول محمد القسم باعتبار الآباء يجعل كأنه مات عن ابن بنت وعن بنت بنت فيقسم المال بينهم أثلاثا ثلثاه لابن البنت وثلثه لبنت البنت، ثم ما أصاب ابن البنت يسلم لولده وما أصاب بنت البنت يقسم بين ولديها أثلاثا الثلثان للابن والثلث للبنت فيحتاج إلى حساب يقسم ثلثه أثلاثا وأقل ذلك تسعة، وعلى هذا القياس يخرج جنس هذه المسائل. ومشايخ بخارى أخذوا بقول أبي يوسف في جنس هذه المسائل وبعد الصنف الاول على قول أبي حنيفة الآخر وهو قول أبي يوسف ومحمد أي الاصناف أولى. قال أبو حنيفة: الاجداد والجدات أولى. وقال أبو يوسف ومحمد: أولاد الاخوات وبنات الاخوة أولى لان أولاد الاخوات أولاد صاحبات فرض وبنات الاخوة أولاد عصبة والجدات ليسوا ولد صاحب فرض ولا ولد عصبة ولا ولد ذي سهم. وأبو حنيفة يقول: ذو الارحام يورثون على سبيل التعصيب من وجه وفي العصبات من كل وجه والجدات يرثون لان الاب مقدم على أولاد ابنه عندي حتى أن أولاد الاخوة لاب وأم لا يرثون مع الاب عندنا فكذا في ذوي الارحام الجدات لام هم في درجة أب الاب لانه يتصل

[ 400 ]

بالميت بتوجه كأب الاب يصير مقدما على أولاد الاخوة فتصير هذا المسألة على قوله فشرع تلك المسألة. وأما الكلام في الاجداد الفاسدة والجدات الفاسدة فأولاهم بالميراث أقربهم إلى الميت، فإن استووا في القرب فعلى قول أبي سهل الفرائضي وجماعة من المشايخ من يدلي إلى الميت بوارث فهو أولى وفي المغرب: أدلية الدلو سلبها في البئر يدلي إلى الميت أي يتصل. وقال أبو سليمان الجرجاني: من يدلي إلى الميت بالوراث ليس بأولى بيانه: إذا مات الرجل وترك أبو أم الاب وأب أب الام لا يدلي إلى الميت بالوراث وبه كان يفتي القاضي الامام الشهيد عبد الواحد. وعلى قول أبي سليمان ثلثا المال لاب أم الاب والثلث لاب أب الام، وكذا إذا ترك أب الام فعلى قول أبي سهل لا شئ لاب أب الام والمال لاب أم الام، وعلى قول أبي سليمان المال بينهما نصفان لان كل واحد منهما يدلي إلى الميت بالوراثات. وذكر محمد في فرائض الاصل هذه الصورة وهو ما إذ ترك أب أم الاب وأم أم الام، وذكر أن المال يقسم بينهما أثلاثا ثلثاه لاب أم الاب وثلثه لاب أم الام. قال القاضي الامام عبد الواحد الشهيد: هذا قياس قول محمد، وعلى قول أبي يوسف ينبغي أن يكون بينهما نصفان لام أم الام مع أب الاب إذا اجتمعتا إستويا ألا ترى أن ابن الاخ لام مع بنت الاخت لام لا يفضل أحدهما على الآخر ولما كان لا يفضل الاخ الام على الاخ لام كذا هنا. ولو ترك أم أب لام وأم أ ب الاب فالمال بينهما للذكر مثل حظ الانثيين لانهما يدليان إلى الميت بقرابة الام فيقسم عليهما باعتبار أبدانها بلا خلاف كعمة لام وعمها وخالة الام وخالها على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى. فإن كان للاب الميت جد من قبل الاب أب أم أب أم كذلك يقسم المال بينهما أثلاثا ثلثاه للجدة من قبل الاب وثلثه للجدة من قبل الام ثم ما أصاب جدتي الاب يقسم بينهما أثلاثا ثلثاه للجدة من قبل الاب وثلثه للجدة من قبل الام، وهذه المسألة تدل على أن من يدلي إلى الميت بالوارث ليس بأولى فإن أب أم الاب يدلي إلى الميت بالوارث ومع هذا لا يكون أولى، وأما الكلام في أولاد الاخوات وبنات الاخوة أولاهم بالميراث أقربهم إلى الميت. وفي السراجية: أولاد أولاد الاخوات لاب وأم المال بينهم للذكر مثل حظ الانثيين فإن استووا في القرب، فمن كان منهم ولد وارث فهو أولى عند بعض المشايخ ومثاله بنت بنت أخ وبنت ابن أخ فعند بعض المشايخ بنت ابن الاخ أولى، وإن استووا في القرب وكان أحدهما ولد عصبة والآخر ولد صاحب فرض فعلى قول أبي يوسف الآخر يقسم المال بينهما باعتبار الابدان، وعلى قول محمد يقسم المال بينهما باعتبار الاباء مثاله: بنت أخ وابن أخ فعلى قول أبي يوسف الثلثان لابن الاخ والثلث لابن الاخت لانه لو ترك أخا وأختا توجيه قول محمد أن ميراث ذوي الارحام يعتبر بالاصول عند اختلاف الفروع وتعتبر بالابدان عند اتفاق الاصول ألا ترى أنهم اتفقوا في بنت الخال وبنت العم أن للعم الثلثان وللخال الثلث وكانت هذه القسمة باعتبار أصولهما وهو الاب والام وقالوا في العمة

[ 401 ]

والعم لام أن المال بينهما باعتبار الابدان أثلاثا لان الاصول متفق، وقالوا في أولاد ذوي الارحام عند اختلاف الاصول باعتبار الاصول وباعتبار الابدان وأبو يوسف يقول بأن المستحق بولاء الاولاد دون الاصول فإذا اتحد جهة الاستحقاق يجب اعتبار الابدان لا اعتبار الاصول ألا ترى أنهم قالوا في أم الام وأم الاب إن السدس بينهما نصفان ولم يقل بأن أحدهما يدلي بقرابة الاب والآخر بقرابة الام فيكون الثلث لقرابة الام والثلثان لقرابة الاب لان جهة الاستحقاق قد اختلفت لان العمومة والخؤولة اختلف فيها جهة الاستحقاق، فإن استووا في القرب وليس فيهم ولد عصبة ولا ولد صاحب فرض فالمال يقسم بينهم على السوية إذا كانوا ذكورا كلهم وإناثا كلهن وإن كانوا مختلطين وقد اتفق الاصول فللذكر مثل حظ الانثيين، وإن اختلف الاصول فكذلك عند أبي يوسف اعتبارا لاتيان الفروع، وعند محمد أن يعتبر أول بطن مختلف على ما ذكرنا في الصنف الاول وإن اجتمع أولاد الاخوات المتفرقات وبنات الاخوة فعند أبي يوسف من كان لاب وأم فهو أولى ممن كان لام، وعند محمد يعتبر الاصول مثاله: إذا هلك الرجل وترك بنت أخ لاب وأم وبنت أخ لاب وبنت أخ لام فعند أبي يوسف المال كله لبنت الاخ لاب وأم، وعند محمد سدس المال لبنت الاخ لام والباقي لبنت الاخ لاب وأم. وإن اجتمع أولاد الاخوة والاخوات لام فعند أبي حنيفة لا يفضل الذكر على الانثى كالاصول، وعن أبي يوسف يفضل بخلاف الاصول حتى إنه لو ترك ولدي أخت لام كانا ذكرين أو كانا أنثيين أو كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى فالمال بينهما نصفان، وكذلك إذا ترك ولدي الاخ لام وولدي الاخت لام فالمال بينهم بالسوية أرباعا. وفي السراجية: بنات الاخوة وعند أبي يوسف من كانت لاب وأم فهي أولى ممن كانت لاب وهي أولى ممن كانت لام. وقال محمد: يعتبر الاصول. وأما الكلام في الاعمام والعمات كلها والاخوال والخالات كلها يجب أن يعلم أن العمات أصناف ثلاثة: عمة لاب وأم، وعمة لاب، وعمة لام والحكم فيهن أنه إذا كانت عمة لاب وأم وعمة لام كان المال للعمة للاب وأم. وفي شرح الطحاوي: ولو ترك عما وعمة فإن كانا لاب وأم أو عمة وعما لاب فالمال للعم لانه عصبة ولا ميراث لاحد من ذوي الارحام مع العصبة، وكذلك لو كان العم لاب وعمة لاب وأم أو لاب أو لام فالمال كله للعم، وإن كانوا جميعا لام فالمال بينهم للذكر مثل حظ الانثيين، وإن ترك عمة لاب وعمة لام كان المال كله للعمة لاب، وإن ترك عما لاب وعمة لاب فالمال بينهما للذكر مثل حظ الانثيين. وكذلك إذا ترك بنت عم لاب وابن عمة لاب فالمال بينهما للذكر مثل حظ الانثيين، وكذلك إذا ترك بنت علام وابنة عم لاب قال أبو يوسف: المال بينهما يقسم باعتبار الابدان للذكر مثل حظ الانثيين. وفي الذخيرة: وإن اجتمعت قرابة الاب والام يقسم بينهما أثلاثا. وفي شرح الطحاوي: متى اجتمع في الميراث ذو الارحام إلا أن بعضهم أولاد العصبة وبعضهم أولاد أصحاب الفروض

[ 402 ]

وبعضهم أولاد ذوي الارحام فإنه ينظر، إن كانت درجتهم مختلفة فالاقرب منهم أولى بالميراث، وإن كانت درجتهم مستوية فأولاد ذوي الارحام لا يرثون مع أولاد العصبة كأولاد أصحاب الفروض فأولاد العصبة يرثون مع أولاد أصحاب الفرائض بيانه: رجل مات وترك ابن عمه وابنة عم فالمال كله لابنة العم لانها من أولاد العصبة والاخرى من أولاد ذوي الارحام. ولو ترك بنت ابنة وابنة ابنة ابن فالمال كله لابنة ابنة الابن لانها ولد صاحب فرض وأما الاخوال والخالات فهم أيضا أصناف ثلاثة: خال وخالة لاب وأم. وخال وخالة لاب، وخال وخالة لام. فالحكم فيهم أن الصنف الاول مقدم على الصنف الثاني والصنف الثاني مقدم على الصنف الثالث حتى إنه إذا ترك خالا وخالة لاب وأم وخالا وخالة لاب وخالة وخالا وخالة لام فالمال بين الخال والخالة لاب وأم للذكر مثل حظ الانثيين ولا شئ للخال والخالة لابولا للخال والخالة لام، ولو ترك خالا وخالة لام فالمال بينهما أثلاثا، وإن اجتمعت العمة مع الخالة أو مع الخال فالثلثان للعمة والثلث للخالة، وإن اجتمع عمة لاب وخالته وعمة لام فالثلثان لقرابة الاب والثلث لقرابة الام، ثم ما أصاب فريق الاب يقسم على قرابته من قبل أبيه وبين قرابته من قبل أمه أثلاثا ثلثاه للقرابة من قبل أبيه وثلثه لقرابته من قبل أمه، وما أصاب قرابة أمه يقسم بين قرابته من قبل أبيه وثلثه لقرابته من قبل أمه أيضا أثلاثا ثلثاه لقرابته من قبل أبيه وثلثه وثلثه لقرابته من قبل أمه، وذو القرابتين من إحدى الطائفين لا يحجب ذا القرابة الواحدة من الطائفة الاخرى إلا رواية عن أبي يوسف رواية ابن سماعة بيانه فيما إذا ترك عمة لاب وأم وخالة لاب وأم فالثلثان للعمة والثلث للخالة في ظاهر رواية أصحابنا. وعن أبي يوسف أن المال كله للعمة ولا شئ للخالة في ظاهر رواية أصحابنا. وأما أولاد هؤلاء فأقربهم إلى الميت أولى، وإن استووا في القرب فمن كان لاب وأم أولى ممن كان لاب، ومن كان لاب. ممن كان لام، ومن كان يدلي إلى الميت بقرابة الاب فهو أولى ممن يدلي بقرابة الام. وإن اختلف بطن فعند أبي يوسف يعتبر الابدان، وعند محمد يعتبر أول بطن اختلف ويقسم المال عليه نحو ما ذكرنا حتى إذا ترك بنت بنت عمة لاب وأم وابن بنت عمة لاب وأم فعلى قول أبي يوسف المال بينهما للذكر مثل حظ الانثيين هذا بلا خلاف لان الاصول قد اتفقت. وإن ترك بنت عمة لاب وأم وبنت خالة لاب وأم وبنت خالة لاب وبنت خالة لام فلبنت العمل الثلثان ولبنت الخالة الثلث والكلام في أعمام الاب لام وعماته وأخواله وخالات وأعمام الام كلها وعماتها وأخوالها وخالاتها فالحكم فيهم ما ذكرنا أنه عند الانفراد أنه يستحق جميع المال، وإذا اجتمعوا من جانب الاب أو من جانب الام أو من الجانبين جميعا فلا رواية عن أصحابنا المتقدمين. واختلف المشايخ فيه والصحيح ماروي عن الحسن بن زياد وأبي سليمان الجرجاني أن الحكم فيهم كالحكم في أعمام الميت وأخواله وخالاته حتى إنه إذا اجتمع الصنفان يجعل الثلثان لقرابة الاب والثلث لقرابة الام، ثم ما

[ 403 ]

أصاب قرابة الاب يقسم بينهم على حسب ما يقسم بينهم لو انفردوا. وفي الذخيرة: وهو مما يتصل بهذا الفصل. فصل في بيان ميراث من له قرابتان من أولاد البنات: اعلم أنه إذا اجتمع في الواحد من أولاد البنات قرابتان وصورة هذا أن يكون لرجل ابنتان لاحدى إبنتيه إبنة وللاخرى ابن فتزوج الابن الابنة بنت الابنة فحدث بينهما ابنة ثم مات الرجل الذي له ابنتان وترك هذه فهذه ابنة ابنة الرجل وهي أيضا ابنة ابن الرجل وكان لها قرابتان وله ابنة ابنة بنت أخرى لها قرابة واحدة، وذكر شيخ الاسلام في شرحه أن على قول أبي يوسف القسمة على الابدان لا على الآباء وبدنهما متفق فيكون المال بينهما نصفين، وعند محمد يقسم على الآباء ويورث من جهتين باعتبار الآباء فيقال بأن التي لها قرابة واحدة لها سهم لان أباها أنثى والتي لها قرابتان سهم من رجل لان أباها أنثى وسهمان لان أباها ذكر فصار المال بينهما على أربعة: سهمان يسلم لها بلا منازعة وهو مات وصل إليها من جهة أبيها الذكر تنفرد به، والسهم الذي وصل إليها من جهة أبيها الانثى يضم إلى ما في يد التي لها قرابة واحدة لاتفاق أبيهما في الانوثة فيصير سهمان باعتبار بدنهما، فإن ترك ابنه ابنة بنت وهي ابنة ابن ابنه وترك أيضا ابن ابنة ابنة، أما عند أبي يوسف فالقسمة على الابدان وأحدهما ذكر والاخرى أنثى وقد استويا في الدرجة فيكون المال بينهما للذكر مثل حظ الانثيين على ثلاثة، وأما عند محمد يقسم المال على الاباء ثم على الابدان فيقال للذي له قرابة واحدة وهي بنت ابنته سهم لان أباه أنثى وللذي له قرابتان فهي ثلاثة أسهم يسلم لها سهمان بلا منازعة وهو ما وصل إليها من جهة أبيها الذكر وما وصل إليها من جهة أبيها الانثى وذلك سهم لا يسلم لها بل يضم إلى ما في يد الذي لها قرابة واحدة وهو سهم فيقسم بينهما للذكر مثل حظ الانثيين على ثلاثة لاتفاق قرابتهما في هذين السهمين واختلاف أبدانهما، وقسمة سهمين على ثلاثة لا يستقيم ولا موافقة بينهما في شئ فاضرب أصل الفريضة وذلك أربعة في ثلاثة فصار اثني عشرة سهما هذا جميع المال، ومنه تخرج المسألة فإن التي لها قرابتان كان لها سهمان بلا منازعة ضربناهما في ثلاثة فصار له ستة، والذي لم يكن يستقيم بينهما مع المنازعة سهمان ضربناهما في ثلاثة فصار ستة بينها للذكر مثل حظ الانثيين باعتبار الابدان التي لها قرابتان ثلثها وذلك سهمان لانها أنثى وأربعة للذي لها قرابة واحدة لانه ذكر فحصل للذي لها قرابتان ثمانية ستة بلا منازعة. هذا الذي ذكرنا إذا كانت التي لها قرابتان أنثى والتي لها قرابة واحدة أنثى، أما عند أبي يوسف فالمال بينهم أثلاثا باعتبار الابدان بينهما فللتي لها قرابتان سهمان لانه ذكر وللتي لها قرابة واحدة سهم لانها أنثى. وأما عند محمد القسمة باعتبار الآباء ثم باعتبار الابدان بينهما فيقال للذي له قرابتان ثلاثة أسهم سهمان لان أباه ذكر، وسهم لان أباه أنثى، وللتي لها قرابة واحدة سهم واحد لان أباها أنثى فحصل للذي له قرابتان ثلاثة أسهم، فما وصل إلى ذي القرابتين من

[ 404 ]

جهة أبيه الانثى وذلك سهم يضم إلى ما في يد الآخر وفي يدها سهم فيكون بينهما باعتبار الابدان على ثلاثة للذكر مثل حظ الانثيين لاتفاق آبائهما واختلاف أبنائهما، وقسمة سهمين على ثلاثة لا يستقيم ولا توافق بينهما فتضرب أصل الفريضة وذلك أربعة في ثلاثة فيصير اثني عشر هذا جميع المال، ومنه تخرج المسألة. فإن ترك ابنة ابنة وهي ابنة ابن ابنة وترك أيضا ابنة ابنة وترك أيضا ابنة ابن ابنة أخرى فعلى قول أبي يوسف يقسم بينهم باعتبار الابدان على ثلاثة أسهم لان أبدانهم متفقفإن كلهن أناث، وأما عند محمد القسمة على الآباء ثم على الابدان فيقال لابنة ابنة البنت التي لها قرباة واحدة سهم لان أباها أنثى ولابنة ابن البنت التي لها قرابة واحدة سهمان لان أباها ذكر ولمن لها قرابتان لها ثلاثة أسهم من جهتين سهم من جهة إن أباها أنثى وسهمان من جهة إن أباها ذكر فيكون المال بينهم على ستة باعتبار الآباء ثم الابدان متفق تجئ قسمة أخرى باعتبار الابدان، هذه الجملة على هذا الترتيب أوردها شيخ الاسلام في شرحه. وذكر القاضي الامام قول محمد رحمه الله على نحو ما ذكر شيخ الاسلام. وقال الفرضيون من أهل ما وراء النهر: إنها ترث بالجهتين عند أبي يوسف. قال القاضي الامام: وهذا هو الصحيح وهو اختيار القاضي الامام من أنه على قول أبي يوسف يقسم المال في المسألة الاولى من هذا الفصل بينهما أثلاثا ثلث المال للتي لها قرابتان لانها في معنى شخصين، وعند محمد القسمة على الآباء، فإن كان مع التي لها قرابتان ابن بنت فعلى قول أبي يوسف رحمه الله تعالى على ما اختاره القاضي الامام يقسم المال بينهما نصفان لانه يعتبر بالابدان، والتي لها قرابتان بمنزلة ابنتين فيكون المال على أربعة للذكر مثل حظ الانثيين لكل ذكر سهمان ولكل أنثى سهم، وإن كان مع التي لها قرابتان ابنة ابنة ابنة وابن بنت بنت فعند أبي يوسف القسمة على الابدان فيكون المال بينهم أخماسا للتي لها قرابتان سهمان وللابنة سهمان وللابنة الاخرى سهم على الآباء، وأما الكلام في أولادهم وأولاد العمات وأولاد أولاد الاخوال والخالات فنقول: أقربهم إلى الميت أولى فإن استووا في القرب فعند اتحاد الجهة من كان ذو قرابتين يكون أولى، وإن اختلط يقسم المال عليهم على نحو ما ذكرنا بيانه من المسائل. إذا ترك ابنة خالة وابنة ابن خالة فالميراث لابنة الخالة لانها أقرب بدرجة، وكذلك إذا ترك ابنة عمة وابنة ابنة خالة فإن ابنة العمة أولى وإن كانتا من جهتين مختلفتين لانها أقرب بدرجة، وإن ترك بنات العم مع ابنة خالة فلبنات العم الثلثان ولابنة الخالة الثلث، وإن كان البعض ذا قرابتين والكلام فيه على نحو ما ذكرنا من اتحاد الجهة واختلافها بيانه فيما إذا ترك ثلاثة بنات عمات متفرقات فالمال كله لابنة العمة لاب وأم، وكذلك إذا ترك ثلاث بنات خالات متفرقات. وإن ترك ابنة خالة لاب وأم وابنة عمة لاب وأم فلابنة العم الثلثان ولابنة الخالة الثلث، هذا لان المساواة بينهما يعني به

[ 405 ]

الاتصال بالميت موجود حقيقة ولكن القرابتان أقوى سببا فعند اتحاد الجهة يجعل الاقوى في معنى الاقرب، وكذلك ينعدم عند اختلاف السبب والجهة ولان توريث ذوي الارحام باعتبار معنى العصوبة وقرابة الاب في ذلك مقدمة على قرابة الام فجعل قوة السبب كزيادة القرب عند اتحاد الجهة وعند اختلاف الجهة يسقط اعتبار هذا المعنى، فإن كان أحدهما ولد عصبة وولد صاحب فرض فعند اتحاد الجهة يقدم العصبة وولد صاحب الفرض، وعند اختلاف الجهة لا يقدم وتعتبر المساواة في الاتصال بالميت وهي رواية أبي عمران عن أبي يوسف. أما في ظاهر الرواية يقدم ولد العصبة على ولد صاحب الفرض حتى أنه إذا ترك ابنة عم لاب وأم أو لاب وابنة عمة فالمال كله لبنت العم، وهذا بلا خلاف لان الجهة هنا اتحدث. ولو ترك ابنة عم وابنة خال وخالة فلابنة العم الثلثان ولابنة الخال والخالة الثلث على رواية أبي يوسف، ولا تقدم بنت العم لكونها ولد عصبة لان الجهة مختلفة هنا. وفي ظاهر الرواية المال كله لابنة العم فيقدم ولد العصبة مع اختلاف الجهة، وهذا لان ولد العصبة أقرب اتصالا بوارث الميت فكان أقرب اتصالا بالميت. فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن تكون العمة أحق بجميع المال من الخالة لان العمة ولد العصبة وهو أب الاب والخالة ليست بولد عصبة ولا ولد صاحب فرض فإنهما ولد أب الام قلنا: الخالة ولد أم الام وهي صاحبة فرض فمن هذا الوجه تتحقق المساواة بينهما في اتصال الوارث للميت إلا أن اتصال الخالة بوارث وهي أم فتستحق فريضة الام واتصال العمة بوارث وهو أب فتستحق نصيب الاب، وإن كان قوم هؤلاء من قوم الام من بنات الاخوال والخالات وقوم من قبل الام من بنات العمات والاعمام فالمال مقسوم بين الفريقين أثلاثا، سواء كان من جانب ذو قرابتين أو كان من أحد الجانبين ذو قرابتين ومن الجانب الآخر ذو قرابة واحدة. ثم ما أصاب كل فريق يترجح فيه من كان ذو قرابتين لاب على من قرابته لام لان نصيب كل فريق الاستحقاق له بجهة واحدة، وكل واحد منهم إذا انفرد استحق جميع ذلك فعند الاجماع تراعى قوة السبب بينهم في ذلك للقرابة، فإن استووا في القرابة فالقسمة بينهم على الابدان في قول أبي يوسف الآخر، وفي قوله الاول وهو قول محمد القسمة على أول من يقع الخلاف به من الآباء بيانه فيما إذا ترك ابن خالة وابنة خالة فالمال بينهم للذكر مثل حظ الانثيين. وهذا بلا خلاف لان الآباء قد اتفقت، وإن ترك ابن عمة وابنة عم فإن كانت ابنة عم لاب وأم أو لاب فهي أولى لانها ولد عصبة وابن العمة ليس بولد عصبة ولا ولد صاحب فرض، وإن كانت بنت العم لام فعلى قول أبي يوسف المال بينهما أثلاثا باعتبار الابدان الثلثان لابن العمة والثلث لبنت العم، وعلى قول محمد الثلثان لبنت العم والثلث لابن العمة لام، فإذا كان ابن عمة لاب وأم فهو أولى بجميع المال لانه ذو قرابتين وكذلك إذا كان ابن عمة لاب لانه أدلاه بقرابة الاب، وفي استحقاق معنى العصوبة يقدم

[ 406 ]

قرابة الاب على قرابة الام، فإن ترك ثلاث بنات أخوال متفرقات وثلاث بنات خالات متفرقات وثلاث بنات عمات متفرقات فالثلثان لبنات العمات ثم نشرح في ذلك ابن الخالة لاب وأم وابنة الخالة لاب وأم فيكون المال بينهم أثلاثا في قول أبي يوسف الآخر على اعتبار الابدان لابن الخالة الثلثان ولابنة الخالة الثلث، وعلى قول محمد رحمه الله على عكس ذلك. فإن كان مع هؤلاء ثلاث بنات أعمام متفرقين فالمال كله لابنة العم لاب وأم خاصة لان ابنة العم لاب وابنة العم لام سواء في ذلك أن كل واحدة منهما ليس بولد عصبة ولا ولد صاحب فرض، وكلما ترجح ابنة العم لاب وأم على ابنة العمة لاب أو لام فكذلك يترجح على ابنة العمة لاب فلا يتغير هذا الاستحقاق بكثرة العدد من أحد الجانبين وقلة العدد من الجانب الآخر لان الاستحقاق المدلي به وهو الاب والام وذلك لا يختلف بقلة العدد وكثرته وهو سؤال أبي يوسف على محمد في أولاد البنات فإن هناك لو كان المدلي به وهو المعتبر لما اختلفت القسمة بكثرة العدد وقلته كما في هذا الموضع لان الفرق بينهما لمحمد رحمه الله أن هناك تتعدد الفروع بتعدد المدلي به حكما وهنا لا يتعدد المدلي به حكما لانه إنما يتعدد الشئ حكما إذا تصور حقيقة ولا يثبت التعدد حكما بتعدد القرابات. وأما الكلام في أولاد العمات وأولاد الخالات إذا ترك بنت بنت عمة لاب وأم وابن بنت عمة لاب وأم فالمال بينهما للذكر مثل حظ الانثيين بلا خلاف لان الاصول قد اتفقت. ترك ابنة عمة لاب وأم وابنة خالة لاب وأم فلابنة العمة الثلثان ولبنت الخالة الثلث. وهذا بلا خلاف، وكذا إذا ترك بنت ابن عمة لاب وأم وابنة ابنة خالة لاب وأم فلبنت ابن العمة الثلثان ولابنة ابن الخالة الثلث. أما الكلام في أعمام الام وعماتها وأعمام الاب وعماته وأخوال الام وخالاتها إذا ترك الميت خالة لام وارثة لها فخالها وخالتها بمنزلة خاله وخالته فإن ترك خالة الام وعمة الام فقد ذكر أبو سليمان الجرجاني عن أصحابنا أن المال بينهما أثلاث ثلثاه للعمة وثلثه للخالة وجعلهما على هذه الرواية بمنزلة خالة الميت وعمته. وذكر عيسى بن أبان أن المال كله للعمة، وذكر يحيى بن آدم أن المال كله لخالة الام. وجه رواية أبي سليمان أن في توريث هذا النوع المدلي به قائم مقام الميت فعمة الام بمنزلة عمة الميت وكذلك خالة الام بمنزلة خالة الميت، وفي عمة الميت وخالته القسمة بينهما أثلاثا فكذا هذا. وإن ترك عم الاب وعمة الاب فالمال كله لعم الاب، ولو ترك عم الاب وعمته وخال الاب وخالته فالمال كله له إذا انفرد أن لاب وأم أو لاب لانه عصبة وإن كان لام فالمال بينهما أثلاثا على الابدان في قول أبي يوسف الآخر، وعلى المدلي به في قوله الاول وهو قول محمد رحمه الله. وإن كان هناك عمة الاب وخالته فعلى رواية أبي يوسف المال بينهما للذكر مثل حظ الانثيين كما بينا، وعلى رواية عيسى بن أبان ويحيى بن آدم المال كله لعمة الاب لانها ولد العصبة وهو ولد أب الاب، ولانها تدلي بقرابة الاب وقرابة الاب في معنى العصوبة

[ 407 ]

مقدم على قرابة الام، وإن اجتمع الفريقان يعني عمة الاب وخالة الاب وعمة الام وخالة الام لقوم الاب الثلث ولقوم الام الثلث ثم قسمة كل جزء بين كل فريق في هذا الفصل كما تقدم. ولا يختلف الجواب بكون أحدهما ذي قرابتين والآخر ذي قرابة واحدة في القسمة عند اختلاف الجهة لكن في نصيب كل فريق يترجح ذو القرابتين والآخر ذو قرابة واحدة على نحو ما بينا في الفصل المتقدم. وإن اجتمع عم الاب وعمته وخالة الام وخالها فالمشهور من قول أهل العراق أن نصيب الام وهو الثلث فيقسم بين خالتها وخالها على ثلاثة بفضل الذكر على الانثى، فإن كانتا من أمه لان التسوية بين أولاد الام إذا كانوا يتصلون بالميت وهم أخوة الميت وأخواته، إذا كانوا الاب وأم إذا كانوا يتصلون بوارث الميت فلا تسوية بل يفضل الذكر على الانثى في رواية الحسن بن زياد وأبي سليمان الجرجاني، ونصيب الاب يقسم بين قرابته أثلاثا وهذا ظاهر. ولو اجتمع ثلاثة أخوال متفرقين أم وعم وعمة أب من أم فعلى الرواية المشهورة من أهل العراق وهم الموروثون من جهتين يقدم من هو لاب. ولو ترك خالتي أم وعمتي أم لاب فعلى الرواية المشهورة من أهل العراق الثلث لخالتي الام والثلثان بين العمتين ويجعل كأن الام ماتت وتركت أبوين فللام الثلث سهم من ثلاثة وللام الثلثان سهمان من ثلاثة، ثم ما أصاب الام فهي لمن يدلي بها وأنه لا يستقيم. ولما أصاب الاب ينتقل إلى من يدلي به وتصح المسألة من ستة: خال أم الاب وأم عمة أم الاب فعلى الرواية المشهورة عن أهل العراق فيجعل كأن الام ماتت عن أبوين ففريضتها من ثلاثة أسهم للام ينتقل إلى أختها، وسهمان للاب تنتقل إلى أخته فتصير في الحاصل كخالة الام سهم وللاب عم أم الاب سهمان. وإن ترك ثلاثة أخوال لاب منفردين وثلاث عمات أب متفرقات وثلاث خالات أم متفرقات فعلى القول المشهور من أهل العراق يجعل كأن الام ماتت وتركت أما كان المال لها، ثم إنها ماتت عن أبوين فقدر نصيبهما من ثلاثة سهم للام ينتقل ذلك إى أختها لاب وأم وسهمان للام تقسم بين عمة الاب لاب وأم وبين خال الاب لاب وأم على ثلاثة للعمة الثلثان وللخال الثلث وكأن هذا الاب أيضا مات وترك أبوين وأن هذا للاب وارثا من جهة أبيه ومن جهة أمه فنصيب أمه ينتقل إلى العم فانكسر بالاثلاث فيضرب ثلاثة في ثلاثة تصير تسعة فمنه تصح المسألة، وعلى هذا القياس تخرج هذه المسائل. والكلام في هؤلاء بمنزلة الكلام في آبائهم وأمهاتهم ولكن عند انعدام الاصول، فأما عند وجود أحد من الاصول فلا شئ للاولاد كما لا شئ لاحد من أولاد العمات والخالات عند بقاء عمة أو خالة الميت، ويتصور في هذا الجنس شخص له قرابتان بيانه في امرأة لها أخ لام وأخت لاب فتزوج أخوها لامها أختها لابنها وهي أيضا عمتها لاب وأم وولد لهذا الولد ولد ثم مات الثاني فهذه المرأة خالة ابنة لابيه وعمة ابنة لام، ثم الجواب في هذا الفصل على الاختلاف الذي بينا في ذي القرابتين في بنات الاخوة وأولاد الاخوات.

[ 408 ]

قال رحمه الله: (والترجيح بقرب الدرجة) يعني إرثهم بطريق العصوبة فيقدم الاقرب على الابعد في كل صنف منهم كما في العصبات. قال رحمه الله: (ثم يكون الاصل وارثا) أي إذا استويا في الدرجة فمن يدلي بوارث أولى من كل صنف لان الوارث أقوى قرابة من غير الوارث بدليل تقديمه عليه في استحقاق الارث فكان من يدلي به أقوى وللقوة تأثير في التقديم ألا ترى أن بني الاعيان يقدمون على بني العلات في العصوبة لهذا المعنى. قال رحمه الله: (وعند اختلاف جهة القرابة للاب ضعف قرابة الام) أي إذا كان بعض ذوي الارحام من جهة الاب وبعضهم من جهة الام كان لمن هو من جهة الاب الثلثان ومن هو من جهة الام الثلث لما روينا من قضية عمر وابن مسعود رضي الله عنهما، ولان قرابة الآباء أقوى فيكون لهما الثلثان والثلث لقرابة الام، وهذا لا يتصور في الفروع وإنما يتصور في الاصول والعمات والخالات. قال رحمه الله: (وإن اتفق الاصول فالقسمة على الابدان) أي اتفقت صفة من يدلون به في الذكورة والانوثة ولم يختلفوا فيها كانت القسمة على أبدانهم حتى تجعل بينهم للذكر مثل حظ الانثيين، والمراد بالاصول المدلي بهم سواء كانوا أصولا لهم أو لم يكونوا. قال رحمه الله: (وإلا فالعدد منهم والوصف من بطن اختلف) أي إن لم تتفق صفة الاصول يعتبر العدد من الفروع المدلون بهم والصفة من البطن المختلفة فيقسم المال على ذلك البطن فيعتبر عدد كل واحد من ذلك البطن بعد فروعه حتى يجعل الذكر الذي في ذلك البطن ذكورا بعد فروعه. والانثى الواحد إناثا تعدد فروعها وتعطي الفروع ميراث الاصول. وإذا كان فيهم بطون مختلفة يقسم المال على أول بطن اختلف على الصفة التي ذكرنا، ثم تجعل الذكور طائفة والاناث طائفة بعد القسمة، فما أصاب الذكور يجمع ويقسم على أول بطن اختلف به ذلك، وكذا ما أصاب الاناث وهكذا يعمل إلى أن ينتهي إلى الذين هم أحياء، وهذا قول محمد. وعند أبي يوسف والحسن بن زياد تعتبر أبدان الفروع سواء اتفقت صفة الاصول في الذكورة والانوثة أو اختلفت. ولو كان لبعضهم جهتان أو أكثر تعتبر الجهتان والجهات فيرث بكل جهة غير أن أبا يوسف يعتبرها في الفروع، ومحمد رحمه الله في الاصول بخلاف الجدة حيث لا ترث إلا بجهة واحدة عند أبي يوسف. وذو الرحم يرث بالجهتين عنده في الصحيح. والفرق له على هذه الرواية أن الجدة تستحق الارث باسم الجدة والاسم لا يختلف بينهن وارث ذوي الارحام ثم بالقرابة فيتعدد بتعددها. وقول محمد أصح في ذوي الارحام جميعا وهو أشهر الروايتين عن أبي حنيفة. قال رحمه الله: (والفروض نصف وربع وثمن وثلثان وثلث وسدس) أي الفروض المقدرة في كتاب الله هذه الستة وهي نوعان على التصنيف إن بدأت بالاكثر

[ 409 ]

والتضعيف إن بدأت بالاقل فنقول: النصف ونصفه ونصف نصفه، والثلثان ونصفه ونصف نصفه. أو نقول: الثمن وضعفه وضعف ضعفه، والسدس وضعفه وضعف ضعفه. قال رحمه الله: (ومخارجها اثنان النصف وأربعة وثمانية وثلاثة وستة لسميها واثنى عشرة وأربعة وعشرون بالاختلاط) أي مخارج هذه الفروض لا تخلو إما أن يجئ كل فريق منها منفردا أو مختلطا بغيره، فإن جاء منفردا فمخرج كل فرض سميه وهو المخرج الذي يشاركه في الحروف إلا النصف فإنه من اثنين وليس له سمى وذلك مثل الثمن من ثمانية والسدس من ستة والثلث من ثلاثة والربع من أربعة، وإن جاء مختلطا بغيره فلا يخلو إما أن يختلط كل نوع بنوعه أو أحد النوعين بالآخر، فإن اختلط كل نوع بنوعه فمخرج الاقل منه يكون مخرجا للكل لان ما كان مخرجا لجزء يكون مخرجا لضعفه ولضعف ضعفه كالثمانية مخرج الثمن أو الستة مخرج السدس، وإن اختلف أحد النوعين بالنوع الآخر فمخرجهما من أقل عدد يجمعهما، وإذا أردت معرفة ذلك انظر مخرج كل واحد من الفريقين على حدة ثم انظر هل بينهما موافقة أولا، فإن كان بينهما موافقة فاضرب وفق أحدهما في جميع الآخر، وإن لم يكن بينهما موافقة فجميع أحدهما في جميع الآخر فالمبلغ مخرج الفرضين، ثم إذا اختلط النصف الاول بكل من الثاني أو ببعضه فهو من ستة لان بين مخرج النصف والسدس موافقة بالنصف، فإذا ضربت وفق أحدهما في جميع الآخر يبلغ ستة. وإذا اختلط الربع من الاول بكل الثاني أو ببعضه فهو من اثني عشر لان مخرج الربع وهو الاربعة موافق مخرج السدس وهو الستة بالنصف، فإذا ضربت وفق أحدهما في جميع الآخر يبلغ إثنتين عشر ومنه يخرج الجواب. وإن كان المختلط به الثلث والثلثان فلا موافقة بينهما فاضرب ثلاثة في ثمانية تبلغ أربعة وعشرين فمنه مخرج الجواب فصارت جملة المخارج سبعة، ولا يجتمع أكثر من أربعة فروض في مسألة واحدة، ولا يجتمع من أصحابها أكثر من خمس طوائف، ولا ينكسر على أكثر من أربع طوائف. قال رحمه الله: (وتعول بزيادة) أي تعول هذه المخارج بزيادة من أجزاء المخرج إذا اجتمع في مخرج فروض كثيرة بحيث لا تكفي أجزاء المخرج لذلك فيحتاج إلى العول في زيادة من أجزاء المخرج فترتفع عنه المسألة. والعول الميل والجوار يقال عال الحاكم في حكمه إذا مال وجار ومنه قوله تعالى * (ذلك أدنى أن لا تعولوا) * والمراد بالعول عول بعضها لان كلها لا تعول وإنما تعول ثلاثة منها الستة واثنا عشر وأربعة وعشرون والاربعة الاخرى لا تعول. قال رحمه الله: (فستة تعول إلى عشرة وترا وشفعا) ويريد بالوتر السبعة والتسعة، وبالشفع الثمانية والعشرة مثال عولها إلى السبعة: زوجة وأختان لابوين أو لاب أو زوج وأم وأخت لاب. ومثال عولها إلى

[ 410 ]

ثمانية: زوج وأخت من أب وأختان من أم أو زوج وثلاث أخوات متفرقات أو زوج وأم وأختان من أب. ومثال عولها إلى تسعة: زوج وثلاث أخوات متفرقات وأم أو زوج وأختان من أب. ومثال عولها إلى عشرة: زوج وأختان من أب وأختان من أم وأم وأم. قال رحمه الله: (واثنى عشر إلى سبعة عشر أو ترا) أي اثنى عشر تعول إلى سبعة عشر وترا لا شفعا. والمراد بالوتر ثلاثة عشر، وخمسة عشر، وسبعة عشر. فمثال عولها إلى ثلاثة عشر: زوج وبنتان وأم أو زوجة وأختان لابوين وأخت لام. ومثال عولها إلى خمسة عشر: زوج وبنتان وأبوان. ومثال عولها إلى سبعة عشر: أربع أخوات لام وثمان أخوات لابوين وجدتان وثلاث زوجات. قال رحمه الله: (وأربعة وعشرون إلى سبعة وعشرين) أي أربعة وعشرون تعول إلى سبعة وعشرين وما فيها إلا عولة واحدة وهي المنبرية وتسمى السبعية وهي زوجة وبنتان وأبواه سميت بذلك لان عليا رضي الله عنه سئل عنها وهو على المنبر فقال: عاد ثمنها تسعا مرتجلا ومضى في خطبته ولا تعول إلى أكثر من ذلك إلا عند ابن مسعود رضي الله عنه فإنها تعول عنده إلى أحد وثلاثين فيما إذا ترك امرأة وأختين لام وأختين لاب وابنا كافرا ورقيقا أو قاتلا له لان من أصله أن المحروم بحجب حجب نقصان دون الحرمان فيكون للمرأة الثمن عنده وللام السدس وللاختين لاب الثلثان وللاختين لام الثلث ومجموع ذلك أحد وثلاثون، فإذا فرغنا من ذلك احتجنا إلى التصحيح ولا بد للتصحيح من معرفة أربعة أشياء: التماثل والتداخل والتوافق والتباين بين العددين ليتمكن من العمل في التصحيح فنقول: إن كان أحد العددين مماثلا للآخر فهي المماثلة فيكتفي بضرب أحدهما عن الآخر، وإن لم يكن مماثلا له فإن كان الاقل جزء الاكثر فهي المتادخلة، وإن لم يكن له جزء فإن توافقا في جزء فهي الموافقة، وإن لم يتوافقا في جزء فهي الماينة. ولا يخلو عددان اجتمعا من أحد هذه الاحوال الاربعة لانهما إما أن يتساويا أولا، فإن تساويا فهي المماثلة. وإما أن يتساويا فلا يخلو إما أن يكون الاقل جزء الاكثر، فإن كان جزأ له فهي المتادخلة وإلا فهي المباينة، وبيان كل واحدة مذكور في المطولات. وهذه الاربعة كلها جارية بين الرؤوس والرؤوس، وكذا بين الرؤوس والسهام إلا الداخلة فإن العلم فيها كالموافقة، فإذا كانت الرؤوس أكثر، وكالمماثلة إذا كانت السهام أكثر لانها تنقسم عليهم كما تنقسم المماثلة، وفائدة التصحيح بيان كيفية العلم في القسمة بين المستحقين من أقل عدد يمكن على وجه يسلم الحاصل لكل من الكسر ولهذا سمي تصحيحا. قال رحمه الله: (فإن انكسر حظ فريق ضرب وفق العدد في الفريضة إن وافق) أي إذا انكسر نصيب طائفة من الورثة ينظر بين رؤوسهم وسهامهم، فإن كان بينهما موافقة ضرب وفق عددهم في الفريضة وهي أصل المسألة وعولها إن كانت عائلة

[ 411 ]

فالمبلغ تصحيح كجدة وأخت لام وعشرين أخا لاب وأصلها من ستة فللجدة سهم وكذا الاخت لام وللاخوات لاب أربعة لا تنقسم عليهن وتوافق رؤوسهم بالربع فاضرب ربع رؤوسهم وهو خمسة في أصل المسألة وهو ستة تبلغ ثلاثين فمنها تصح. قال رحمه الله: (وإلا فالعدد في الفريضة فالمبلغ مخرجه) أي إن لم توافق الرؤوس السهام فاضرب عدد الرؤوس في سهام الفريضة وهي أصل المسألة وعولها إن كانت عائلة فما بلغ من الضرب فهو التصحيح في المسألتين أي في المباينة والموافقة وقد ذكرنا مثال الموافقة. ومثال المباينة: زوج وسبع أخوات لاب أصلها من ستة وتعول إلى سبعة للزوج النصف ثلاثة وللاخوات الثلثان أربعة فلا ينقسم عليهن ولا يوافق فاضرب رؤوسهن في الفريضة تبلغ تسعة وأربعين فمنها تصح. قال رحمه الله: (وإن تعدد الكسر وتماثل ضرب واحد) أي إذا انكسر على أكثر من طائفة واحدة وتماثل أعداد رؤوس المنكسر عليهم يضرب فريق واحد في أصل المسألة وعولها إن كانت فما بلغ من الضرب فهو تصحيح المسألة مثاله: ست أخوات لاب وأم وثلاث أخوات لام وثلاث جدات أصلها من ستة وتعول إلى سبعة للاخوات لاب وأم الثلثان أربعة لا تنقسم عليهن ولا توافق النصف فرد رؤسهن إلى النصف ثلاثة وللاخوات لام الثلث سهمان لا تنقسم عليهن ولا توافق وللجدات سهم لا ينقسم عليهن ولا يوافق فاجتمع معك ثلاثة أعداد مماثلة، فاضرب واحدا منهم في الفريضة تبلغ إحدى وعشرين فمنها تصح. ولو كان بعض الاعداد مماثلة دون البعض ضرب رؤوس فريق واحد من المتماثلين في عدد رؤوس الفريق المابين لهم أو في وفقة إن وافق فما بلغ ضربته في الفريضة، فما بلغ صحت من المسألة لا مثاله: ولو كان عدد الاخوات خمسا مثلا في المثال المذكور والمسألة بحالها ضربت ثلاثة في خمسة تبلغ خمسة عشر، ثم اضرب خمسة عشر في الفريضة وهي سبعة تبلغ مائة وسبعة ومنها تصح. ولو كان المباين أكثر من طائفة واحدة يضرب ما بلغ من الضرب الاول فيه وفي وفقه، ثم ما بلغ في الفريضة فما بلغ تصح منه المسألة مثاله: أربع زوجات وخمس أخوات لام وثلاث جدات وثلاث أخوات لاب أصلها من اثني عشر وتعول إلى سبعة عشر فلا ينقسم على الكل ولا يوافق، فعدد الاخوات لاب مماثل الجدات فتكتفي بأحدهما فتضرب ثلاثة في أربعة تبلغ اثني عشر ثم في خمسة فتبلغ ستين ثم تضرب الستين في الفريضة وهي سبعة عشر تبلغ ألفا وعشرين فمنها تصح المسألة. قال رحمه الله: (فإن توافق فالوفق وإلا فالعدد في العدد ثم وثم وثم جميع المبلغ في الفريضة وعلوها) أي إذا توافق بين أعداد الرؤوس فاضرب وفق أحدهما في جميع الآخر ثم أضرب ما بلغ في وفق الثالثة إن وافق المبلغ الثالث، وإن لم يوافق فاضرب كله فيه فما بلغ فاضربه في الفريضة فما بلغ تصح منه المسألة. ولو كان فريق رابع ضرب فيه ما بلغ من

[ 412 ]

ضرب الرؤوس في الرؤوس إن لم يوافقه وإن وافقه ففي الوفق ثم ما بلغ في أصل المسألة فما بلغ منه تصح المسألة فمثال الموافقة: أربعة زوجات وثمانية عشر أختا لام وإثنا عشر جدة وخسمة عشر أختا لاب، أصلها من اثني عشر وتعول إلى سبعة عشر فللزوجات الربع ثلاثة لا ينقسم عليهن ولا يوافق وللاخوات لام الثلث أربعة لا ينقسم عليهن ويوافق بالنصف فرد رؤوسهن إلى النصف تسع وللجدات السدس سهمان لا ينقسم عليهن وتوافق بالنصف فرد رؤوسهن إلى النصف ستة وللاخوات لاب الثلثان ثمانية لا ينقسم عليهن ولا يوافق فبين خمسة عشر والستة موافقة بالثلث فاضرب ثلث أحدهما في جميع الآخر تبلغ تسعين، ثم ما بين التسعين والاربعة موافقة بالنصف فاضرب نصف أحدهما في جميع إلا لآخر تبلغ مائة وثمانين، ثم اضرب المائة والثمانين في الفريضة وهي سبعة عشر تبلغ ثلاثة آلاف وستين فمنها تصح المسألة. ومثال المباينة: خمس أخوات لاب وثلاث أخوات لام وسبع جدات وأربع زوجات أصلها من اثني عشر وتعول إلى سبعة عشر، فللاخوات للاب الثلثان ثمانية لا تنقسم عليهن ولا توافق، وللجدات السدس سهمان لا تنقسم عليهن ولا توافق فالخمسة لا توافق فاضرب أحدهما في الاخرى تبلغ خمسة عشر، وخمسة عشر لا توافق الاربعة فاضرب أحدهما في الاخرى تبلغ ستين، والستين لا توافق السبعة فاضرب أحدهما في الاخرى تبلغ أربعمائة وعشرين، ثم اضرب أربعمائة وعشرين في الفريضة وهي سبعة عشر تبلغ سبعة آلاف ومائة وأربعين فمنها تصح، وله طرق أخرى مذكورة في المطولات. قال رحمه الله: (وما فرض يرد على ذوي القروض بقدر فروضهم إلا على الزوجين) أي يرد ما فضل من فرض ذوي الفروض إذا لم يكن في الورثة عصبة، فلو كان فيهم فالفاضل بعد الفروض للعصبة إلا على الزوجين فإنه لا يرد عليهما وهو قول عامة الصحابة رضي الله عنهم وبه أخذ أصحابنا. وقال زيد بن ثابت رضي الله عنه: الفاضل لبيت المال وبه أخذ مالك والشافعي رحمهما الله. وقال عثمان بن عفان: يرد على الزوجين أيضا. ولنا قوله تعالى * (وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) * وهو الميراث فيكون أولى من بيت المال ومن الزوجين إلا فيما ثبت لهم بالنص، وكان ينبغي أن يكون ذلك لجميع ذوي الارحام لاستوائهم في هذا الاسم إلا أن أصحاب الفرائض قدموا على غيرهم من ذوي الارحام لقوة قرابتهم ألا ترى أنهم يقدمون في الارث فكانوا أحق به. ومن حيث السنة ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على سعد يعوده فقال: يا رسول الله إن لي مالا ولا يرثني إلا ابنتي الحديث، ولم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حصر الميراث على ابنته ولو له أن الحكم كذلك لانكر عليه ولم يقره على الخطأ لا سيما في مواضع الحاجة إلى البيان. وكذا روي أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إني تصدقت على أمي بجارية فماتت أمي وبقيت الجارية

[ 413 ]

فقال: وجب أجرك ورجعت إليك في الميراث. فجعل الجارية راجعة إليها بحكم الميراث وهذا هو الرد، ولا أصحاب الفرائض ساووا الناس كلهم وترجحوا بالقرابة فيرجحون بذلك على المسلمين. ومسائل الباب أربعة أقسام: إن يكون جنسا واحدا أو أكثر عند عدم من لا يرد عليه أو عند وجوده فلا تخرج مسائله عن هذه الاربعة على ما يجئ في اثناء البحث. قال رحمه الله: (فإن كان من يرد عليه جنسا واحدا فالمسألة من رؤوسهم كبنتين أو أختين) لانهما لما استويا في الاستحقاق صارا كابنتين وأخوين فيجعل لمال بينهما نصفين، وكذا الجدتان لما ذكرنا، والمراد بالاختبين أن يكونا من جنس واحد بأن يكون كلاهما لام أو لاب أو لابوين. قال رحمه الله: (وإلا فمن سهامهم فمن اثنين لوسدسان وثلاثة لو ثلث وسدس وأربعة لو نصف وسدس وخمسة لو ثلثان وسدس أو نصف وسدسان أو نصف وثلث) أي إن لم يكن من يرد عليه جنسا واحدا بأن كانا جنسين تجعل المسألة من سهامهم فتجعل من اثنين لو اجتمعا سدسان كجدة وأخت لام أو من ثلاثة إذا اجتمع نصف وسدس كأم أو جدة مع من يستحق الثلثين من الاناث أو أختين لاب أو ثلاث أخوات متفرقات أو أم وأخت لام وأخت لاب أو نصف وثلث لام وأخت لاب أو أخوين لام أو أخت لابوين أو لاب، ولا يتصور أن يجتمع في باب الرد أكثر من ثلاث طوائف، فإذا جعلت المسألة من سهامهم تحقق رد الفاضل عليهم بقدر سهامهم وهذان النوعان اللذان ذكرناهما أحدهما أن يكونوا جنسا واحدا والآخر أكثر من ذلك فيما إذا لم يختلط بهم من لا يرد عليهم، وبقي النوعان الآخران وهما إذا اختلطا بكل واحد من النوعين من لا يرد عليه. قال رحمه الله: (ولو مع الاول من لا يرد عليه اعط فرضه من أقل مخارجه ثم اقسم الباقي على من يرد عليه كزوج وثلاث بنات) أي لو كان مع الاول وهو ما إذا كانوا جنسا واحدا من لا يرد عليه وهو أحد الزوجين اعط فرض من لا يرد عليه من أقل مخارج فرضه، ثم اقسم الباقي على رؤوس من يرد عليه إن استقام الباقي عليهم كزوج وثلاث بنات للزوج الربع فأعطه من أقل مخارجه الربع وهو أربعة، فإذا أخذ ربعه وهو سهم بقي ثلاثة أسهم فاستقام على رؤوس البنات. قال رحمه الله: (وإن لم يستقم فإن وافق رؤوسهم) كزوج وثلاث بنات أي لو كان مع الاول وهو ما إذا كان جنسا واحد من يرد عليه إن استقام الباقي عليهن كزوج وثلاث بنات فاضرب وفق رؤسهم (في مخرج فرض من لا يرد عليه وإلا فاضرب كل عدد رؤوسهم في مخرج فرض من لا يرد عليه) على عدد رؤوس من يرد عليه (كزوج وخمس بنات) أي إن لم يستقم الباقي بعد فرض من لا يرد عليه على عدد رؤوس من يرد عليه ينظر، فإن كان بين

[ 414 ]

الباقي من فرض من لا يدر عليه وبين رؤوسهم موافقة (فاضرب وفق رؤوسهم في مخرج فرض من لا يرد عليه) كزوج وست بنات فإن بينهما موافقة في الثلث فرد رؤوسهم إلى اثنين، ثم اضرب به في أربعة وإن لم يوافق الباقي رؤوسهم كزوج وخمس بنات فإنه لا موافقة بين الخمسة والثلاثة فاضرب جميع رؤوسهن وهو الخمسة في أربعة فالمبلغ في الوجهين تصحيح المسألة فتصح في الاول من ثمانية، وفي الوجه الثاني من عشرين لانك في الاول ضربت اثنين في أربعة وفي الثاني خمسة في أربعة فيأخذ الزوج في الاول سهمين يبقى ستة فكل واحدة من البنات سهم ويأخذ في الثمانية خمسة فيقسم الباقي على خمسة يصيب كل واحدة منهن ثلاثة أسهم. قال رحمه الله: (ولو مع الثاني من لا يرد عليه) المراد بالثاني أن يكون طائفتان أو أكثر أي لو كان مع الطائفتين أو أكثر من لا يرد عليه. قال رحمه الله: (فاقسم ما بقى من مخرج فرض من لا يرد عليه على مسألة من يرد عليه) وهو سهامهم على ما بينا (كزوجة وأربع جدات وست أخوات لام) للزوجة الربع فأعطها من أقل مخارجه وهو واحد من أربعة يبقى ثلاثة تنقسم على ثلاثة لان سهامهن ثلاثة. قال رحمه الله: (وإن لم يستقم فاضرب بسهام من يرد عليه في مخرج فرض من لا يرد عليه كأربع زوجات وتسع بنات وست جدات) أي إن لم يستقم الباقي من فرض من لا يرد عليه على سهام من يرد عليه أي على مسألتهم فاضرب سهام من يرد عليه في مخرج فر ض من لا يرد عليه عليه، فما بلغ يخرج منه حق كل واحد من غير كسر وهذا الضرب لبيا مخرج فرض الفريقين من أقل عدد يمكن لا للتصحيح، فسهام من يرد عليه فيما مثل به خمسة أربعة للبنات وواحدة للجدات وما بقي من فرض من لا يرد عليه سبعة وهو لا ينقسم على خمسة فاضرب الخمسة في الثمانية تبلغ أربعين فمنه يخرج سهام كل واحد صحيحا فللزوجات الثمن خمسة والباقي لمن يرد عليه. قال رحمه الله: (ثم اضرب سهام من لا يرد عليه في مسألة من يرد عليه وسهام من يرد عليه فيما بقى من مخرج فرض من لا يرد عليه) وهذا البيان طريقه معرفة سهام كل فريق من هذا المبلغ، فإذا أردت معرفة سهام الزوجات في المثال الذي ضربته فاضرب سهمين في خمسة فهو نصيبهن، وإذا أردت معرفة نصيب البنات فاضرب سهامهن في خمسة وهو أربعة فيما بقي من فرض من لا يرد عليه وهو سبعة تبلغ ثمانية وعشرين فهو لهن وللجدات سهم مضروب في سبعة بسبعة. وأما إن كان الضرب على ما ذكر لان الخمسة لما ضربت في الثمانية وجب أن يضرب سهام كل فريق من الثمانية في الخمسة للزوجات واحد من الثمانية والباقي لمن يرد عليه وهو سبعة فتضرب في الخمسة

[ 415 ]

فتبلغ خمسة وثلاثين فصارت السبعة مضروبة في الخمسة بالنسبة إلى أصل مسألة من يرد عليه لان كل من له شئ من الثمانية مضروب في خمسة، وكذا الخمسة مضروبة في نصيب كل واحد من الثمانية لان عدد كل ضرب في عدد يكون كل واحد منهما مضروبا ومضروبا فيه ولهذا غير العبارة بقوله وسهام من يرد عليه فيما بقي من مخرج فرض من لا يرد عليه لا لتغير العمل فإذا عرف فروض الفريقين بما ذكر يحتاج إلى معرفة التصحيح ولهذا بينه. قال رحمه الله: (وإذا انكسر فصحح كما مر) أي إذا انكسر على البعض أو على الكل فصحح المسألة بالطريق المذكورة في التصحيح لان السهام إذا لم تنقسم على أربابها احتيج إلى التصحيح، وما ذكر في هذا الباب من الضرب لم يكن إلا ليخرج سهام كل فريق ممن يرد عليه وممن لا يرد عليه من عدد واحد كما ذكرنا من مخارج السهام لا لتصحيح المسألة عليهم، وقد ذكرنا طريق التصحيح وطريق معرفة سهام كل واحد من آحاد الفريق فلا نعيده. والمثال الاول الذي ذكره المصنف وهو زوجة وأربعة جدات وست أخوات لام وتصح من ثمانية وأربعين والمثال الثاني وهو أربع زوجات وتسع بنات وست جدات تصح من ألف وأربعمائة وأربعين. قال رحمه الله: (وإن مات العبض قبل القسمة) أي إذا مات بعض الورثة قبل القسمة ويسمى هذا النوع من المسائل مناسخة مفاعلة من النسخ وهو الازالة يقال نسخت الشمس الظل أي إزالته ونسخت الكتاب، واستعماله فيما إذا صار بعض الانصباء ميراثا قبل القسمة لما فيه من نقل العلم والتصحيح إلى الفريضة الثانية. قال رحمه الله: (فصحح مسألة الميت الاول واعط سهام كل وارث ثم صحح مسألة الميت الثاني وانظر بين ما في يده من التصحيح الاول وهو نصيب الميت الاول وبين التصحيح الثاني ثلاثة أحوال) أي التوافق والتباين والاستقامة (فإن استقام ما في يده من التصحيح الاول فلا ضرب وصحتا من تصحيح مسألة الميت الاول) أي صحت الفريضتان فريضة الميت الاول

[ 416 ]

والثاني ما صحت منه الاولى (وإن لم تستقم فإن كان بينهما موافقة) أي بين ما في يده وهو نصيبه من الاول وبين فريضته وهو التصحيح الثاني (فاضرب وفق التصحيح الثاني في كل التصحيح الاول وإن كان بينهما مباينة) أي بين ما في يده وفريضته وبين التصحيح الثاني (فاضرب كل التصحيح الثاني في التصحيح الاول فالمبالغ مخرج المسألتين) أي ما يبلغ من الضرب لتصحيح الفريضتين فريضة الميت الاول وفريضة الميت الثاني فلا ينظر بين السهام والرؤوس في الاحوال الثلاثة في تصحيح الفريضة فكذا بينهما حتى إذا اقتسم ما في يده على فريضته لا حاجة إلى الضرب كما إذا اقتسم نصيب الفريق من أصل المسألة على رؤوسهم، وإن لم ينقسم فإن وافق تضرب وفق فريضته، وإن لم يوافق تضرب كل الفريضة الثانية في الفريضة الاولى كما في الرؤوس، فإذا عرف ذلك يحتاج إلى بيان طريق معرفة نصيب كل واحد من ورثة الاول واثاني بالطريق المذكور في التصحيح وقد بينته في المختصر. قال رحمه الله: (واضرب سهام ورثة الميت الاول في التصحيح الثاني أو في وفقه) أي نصيبه وسهام ورثة الميت الثاني في نصيب الميت الثاني أو في وفقة) في الفريضة الاولى، فإن كان فيهم من يرث من الميتين ضربته من الاولى في الفريضة الثاني أو في وفقها مضروب في الاولى فنصيب كل واحد لا يكون مضروبا ضرورة فلذلك وجب ضربه فيه، وكان ينبغي أن يضرب نصيب الميت الثاني وهو الذي في يده الثانية أو في وفقها لانه من جملة ورثة الميت الاول إلا أن نصيبه لما صار ميراثا كان مستحقا لورثته وكان مقسوما بينهم فاستغنى عن ذلك بضرب نصيب كل واحد من ورثته فيما في يده أوفي وقف ما في يده وهو نظير ما ذكر في الرد أن سهام من لا يرد عليه تضرب في سهامن يرد عليه وسهام من يرد عليه تضرب فيما بقي من فروض من لا يرد عليه، ولو مات ثالث قبل القسمة فاجعل المبلغ الثاني مقام الاول والثاني في العمل، فلو مات رابع فاجعل الثالث مقام الاول والرابع مقام الثالث وهكذا كل ما مات واحد قبل القسمة تقيمه مقام الثاني، والمبلغ الذي قبل مقام الاول إلى ما لا يتناهى. هذا إذا مات الثاني وخلف ورثة غير من كان معه ميراث الميت الاول أو كانوا هم بعينهم ولكن جهة إرثهم من الميتين مختلفة، وإن كانوهم بعينهم ولم يختلف غيرهم من الورثة وجهة إرثهم من الميتين متحدة ألغيت جميع ما مات قبل القسمة وصحت فريضة الميت الآخر فكأنه لم يمت إلا هو ولم يكن وارث غير ورثته وهذا النوع يسمى المناسخ الناقص. قال رحمه الله: (ويعرف حظ كل فريق من التصحيح بضرب ما لكل من أصل المسألة فيما ضربته في أصل المسألة) أي

[ 417 ]

يعرف نصيب كل فريق من التصحيح بضرب نصيب كل فريق من أصل المسألة في مبلغ الرؤوس وهو المضروب في الفريضة، فما بلغ فهو نصيب ذلك الفريق وقد بيناه من قبل في موضعه، معناه لو ترك زوجة وعشرين بنتا وأما فللزوجة ثلاثة ولكل من الاب والام أربعة وللبنات ستة عشر وهن عشرون لا تنقسم عليهن لكن بين سهامهم ورؤوسهن موافقة بالربع فتضرب وفق رؤوسهن وهو خمسة في سبعة وعشرين تبلغ مائة وخمسة وثلاثين فهذه هي جزء السهم وهي وفق الرؤوس فللزوجة ثلاثة مضروبة في خمسة وعشرين تبلغ ثمانين فهنا قد ضربت ما لكل فريق من التصحيح فيما ضربته في أصل المسألة وهو وفق الرأس. قال رحمه الله: (وحظ كل فرد بنسبة سهام كل فريق م أصل المسألة إلى عدد رؤوسهم مفردا ثم يعطى بمثل تلك النسبة من المضروب لكل فرد) أي يعرف نصيب كل واحد من أفراد الفريق بأن تناسب سهام جميع الفرق من أصل المسألة إلى عدد رؤوس ذلك الفريق، فما وجد بنسبته أعطى لكل واحد من آحاد ذلك الفريق بمثل تلك النسبة من المضروب فيخرج نصيب كل واحد منهم. ومعنى قوله مفردا أي ينسب إلى فريق واحد من غيرهم فريق اخر عند النسبة، وهذه المسألة والتي قبلها موضعهما باب التصحيح وقد ذكرناهما هناك وطريقا آخر فلا نعيدها. قال رحمه الله: (وإن أردت قسمة التركة بين الورثة والغرماء فاضرب سهام كل فريق وارث من التصحيح في كل التركة ثم اقسم المبلغ على التصحيح) وكذا الدين بأن تضرب دين كل غريم في التركة وتقسم الخارج على مجموع الدين، وهذا إذا لم يكن بين التركة والتصحيح ولا بين التركة ومجموع الدين موافقه، وإن كان بينهما موافقة فاضرب نصيب كل واحد من الورثة ودين كل غريم في وفق التركة فما بلغ فاقسمه على وفق التصحيح أو على وفق مجموع الدين، فما خرج من القسمة فهو نصيب ذلك الوارث أو الدين لانه يجعل دين كل غريم بمنزلة سهام كل وارث ومجموع الدين بمنزلة التصحيح. وهذا مبني على قاعدة ممهدة في الحساب وهي أنه متى اجتمع أربعة أعداد متناسبة وكان نسبة الاول إلى الثاني كنسبة الثالث إلى الرابع وعلم من تلك الاعداد ثلاثة وجهل واحد أمكن استخراج المجهول، وفيما نحن فيه اجتمع أربعة أعداد متناسبة أولها سهام كل وارث من التصحيح، وثانيها التصحيح، وثالثها الحاصل لكل وارث من التركة، ورابعها جميع التركة لان نسبة السهام إلى التصحيح كنسبة الحاصل من التركة إلى جميع التركة، والثالث مجهول والباقي معلوم، فإذا ضربت الطرف في

[ 418 ]

الطرف كان كضرب الثاني في الثالث فكذلك إذا قسمت المبلغ على الثاني خرج الثالث ضرورة أن كل مقدار تركب من ضرب عدد إذا قسم على أحد العددين خرج الآخر كخمسة عشر مثلا لما تركبت من ضرب ثلاثة في خمسة إذا قسمتها على ثلاثة خرج خمسة، وإذا قسمتها على خمسة خرج ثلاثة، وهذه القاعدة هي الاصل في معرفة نصيب كل واحد من آحاد ذلك الفريق، فإذا اجتمع هناك أيضا أربعة أعداد متناسبة نصيب الفريق من أصل المسألة وعدد الفريق الحاصل من اصل مسالة وعدد الفريق الحاصل لكل واحد من آحاد الفريق من التصحيح ومبلغ الرؤس نسبة نصيب الفريق من اصل المبلغ الى عددهم كنسبة الحاصل الى وهو المضروب في أصل المسألة والثالث مجهول والباقي معلوم ويستخرج المجهول في مثل هذا بالطرق المذكورة في التصحيح، وكذا العمل في قضاء الدين إذا كانت التركة لا تفي به فدين كل غريم بمنزلة سهام كل وارث ومجموع الدين بمنزلة التصحيح فتطلب الموافقة بين مجموع الدين وبين التركة ثم العمل فيه على ما بيناه. قال رحمه الله: (ومن صالح من الورثة على شئ فاجعله كأن لم يكن واقسم ما بقي على سهام من بقي) لان المصالح لما أعطوه جعل مستوفيا نصيبه من العين وبقي الباقي مقسوما على سهامهم. وقوله فاجعله كأن لم يكن فيه نظر لانه قبض بدل نصيبه فكيف يمكن جعله كأن لم يكن بل يجعل كأنه مستوف نصيبه ولم يستوف الباقون أنصباءهم ألا ترى أن المرأة إذا ماتت وخلفت زوجا وأما وعما فصالح الزوج على ما في ذمته من المهر يقسم الباقي من التركة بين الام والعم أثلاثا للام سهمان وسهم للعم، ولو جعل الزوج كأن لم يكن لكان للام سهم لانه الثلث بعد خروج الزوج من البين وللعم سهمان لانه الباقي بعد الفروض ولكن تأخد هي ثلث الكل وهو سهمان من ستة فللزوج النصف ثلاثة وقد استوفاه بأخذ بدله بقي السدس وهو سهم للعم. وكذا لو ماتت المرأة وخلفت ثلاثة أخوات متفرقات وزوجا فصالحت الاخت لاب وأم وخرجت من البين كان الباقي بينهم أخماسا ثلاثة للزوج وسهم للاخت للام وسهم للاخت لاب على ما كان لهم من ثمانية لان أصلها ستة وتعول إلى ثمانية، فإذا استوفت الاخت نصيبها وهو ثلاثة بقي خمسة، ولو جعلت كأنها لم تكن لكانت من ستة وبقي سهم للعصبة. وهذا آخر ما تيسر تأليفه بحمد الله وعونه وحسن توفيقه في هذا الكتاب، وأسأل الله العظيم أن ينفع به جميع الطلاب، ومن نظر فيه من المحبين والاصحاب، وأن يمن علينا بعفوه ويدخلنا دار السلام بكرمه وحلمه وجوده ولطفه من غير مشقة ولا حساب ولا عقاب، ولا معاتبة ولا مناقشة ولا عتاب، وأن يختم لنا بخير ويجعل لنا الجنة دار مآب، وأن يجعل مقرنا بأعلى الدرجات ويبلغنا أقصى المرادات بحرمه محمد صلى الله عليه وسلم سيد السادات، وأن

[ 419 ]

يشفع فينا نبيه المصطفى، ويحشرنا في زمرة من لم يعامله بمشقة ولاجفا آمين. والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. يقول راجي غفران المساوي مصححة محمد الزهري الغمراوي: نحمدك يا من كملت لنا معالم الدين، وهيأت القلوب للاستكمال بدرر اليقين، ونشكرك على سوابغ نعم لا نحصيها وتراد ف آلاء جلت شؤون ظاهرها وخافيها، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد الذي كملت به سبل الهداية، وخلصت باتباعه من غوائل الغواية، وعلى آله معدن الكمال، وأصحابه ذوي الفضل والافضال (أما بعد) فقد تم بحمده تعالى طبع تكلمه الامام المحقق والعلامة المدقق محمد بن حسين بن علي الشهير بالطوري للبحر الرائق شرح كنز الدقائق، وهي الجزء الثامن لهذا الكتاب، فكملت به محاسنه وزها ثمر روضه وطاب، وأصبح شذا مسكه يتارج، وكل نفس تألف الاستبصار عليه تعرج، ولا غر وإن جاء بعجيب البحر من عقاب، ولا معاتبة ولا مناقشة ولا عتاب، وأن يختم لنا بخير ويجعل لنا الجنة دار مآب، وأن يجعل مقرنا بأعلى الدرجات ويبلغنا أقصى المرادات بحرمه محمد صلى الله عليه وسلم سيد السادات، وأن

[ 419 ]

يشفع فينا نبيه المصطفى، ويحشرنا في زمرة من لم يعامله بمشقة ولاجفا آمين. والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. يقول راجي غفران المساوي مصححة محمد الزهري الغمراوي: نحمدك يا من كملت لنا معالم الدين، وهيأت القلوب للاستكمال بدرر اليقين، ونشكرك على سوابغ نعم لا نحصيها وتراد ف آلاء جلت شؤون ظاهرها وخافيها، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد الذي كملت به سبل الهداية، وخلصت باتباعه من غوائل الغواية، وعلى آله معدن الكمال، وأصحابه ذوي الفضل والافضال (أما بعد) فقد تم بحمده تعالى طبع تكلمه الامام المحقق والعلامة المدقق محمد بن حسين بن علي الشهير بالطوري للبحر الرائق شرح كنز الدقائق، وهي الجزء الثامن لهذا الكتاب، فكملت به محاسنه وزها ثمر روضه وطاب، وأصبح شذا مسكه يتارج، وكل نفس تألف الاستبصار عليه تعرج، ولا غر وإن جاء بعجيب البحر من نفائس الدرر، وصاغ عسجد اكسيره سبائك الجوهر، فيا لها من هبات أسدتها يد الطباعة للطالبين فقد أحيت منه رميما كانت تعافه عين الناظرين وأعادت منه بنينا كانت قوضته يد النسيان، وأقامت عودا طالما عوجته جهاله العدوان، فأصبح بعد طول الخمول يزهو في حلل أهدتها إليه دقة التصحيح، وارتفعت عن حر محياه ربقة التحريف الصريح، وتبدت شمس نهاره تجلو نفائس التحقيقات، واستكملت محاسنة بمقابلته على جملة نسخ عديدات، وذلك بالمطبعة العلمية بجواز الازهر بمحروسة القاهرة المعزية إدارة الشيخ حسن الرشيدي وشريكيه على ذمة حضره ملتزميه السيد عمر هاشم الكتبي وأخيه السيد محمد هاشم نجح الله مسعى الجميع ووفقهم لكل نفع يكون فيه سعادة الامة إنه قريب سميع، وذلك في غرة ذي القعدة الحرام من سنة 1311 هجرية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية آمين.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية