الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




البحر الرائق - ابن نجيم المصري ج 8

البحر الرائق

ابن نجيم المصري ج 8


[ 1 ]

تكملة البحر الرائق شرح كنز الدقائق للامام العلامة الشيخ محمد بن على الطوري القادري الحنفي المتوفي بعد سنة 1138 ه‍ ضبطه وخرج آياته واحاديثه الشيخ زكريا عميرات الجزء الثامن منشورات محمد على بيضون دار الكتب العلمية بيروت - لبنان

[ 2 ]

جميع الحقوق محفوطة جميع حقوق الملكية الادبية والغنية محفوظة ادار الكتب العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملا أو مجزا أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو ادخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات ضوئيه إلا بموافقة الناشر خطيا. الطعبة الاولى 1418 ه‍ - 1997 م‍ دار الكتب العلمية بيروت لبنان العنوان: رمل الظريف. شارع البحتري. بناية ملكارت تلفون وفاكس: 364398 - 366135 - 602133 (9611 صندوق البريد 9424 - 11 بيروت لبنان

[ 3 ]

[ بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الاجارة ] كتاب الاجارة لما فرغ من بيان تمليك الاعيان بغير عوض وهو الهبة شرع في بيان تمليك المنافع بعوض وهو الاجارة، وقدم الاول على الثاني لان الاعيان مقدمة على المنافع، ولان الاولى فيها عدم العوض والثانية فيها العوض، والعدم مقدم على الوجود. ثم لعقد الاجارة مناسبة خاصة بفعل الصدقة من حيث أنهما يقعان لازمين فلذلك أورد كتاب الاجارة متصلا بفعل الصدقة. وقال صاحب العناية: وإنما جمعها إشارة إلى أنها حقيقة وذات أفراد فإن لها نوعين: نوع يرد على الاعيان كاستئجار الدور والاراضي، ونوع يرد على العمل كاستئجار المحترفين للاعمال نحو الخياطة والقصارة اه‍. وسيبين المؤلف أن المنفعة تارة تصير معلومة ببيان المدة، وتارة تصير معلومة بالتسمية، وتارة تصير معلومة بالتعيين والاشارة. ولو قال المؤلف كتاب الايجار لكان أولى لان الذي يعرف هو الايجار الذي هو بيع المنافع لا الاجارة التي هي الاجرة. قال رحمه الله تعالى: (هي بيع منفعة معلومة بإجرة معلومة) فقوله (بيع) جنس يشمل بيع العين والمنفعة وهو وإن كان جنسا كما يكون مدخلا يكون مخرجا كما تقرر في المعقولات، فخرج به العارية لانها تمليك المنافع، والنكاح لانه تمليك البضع ليس بمنفعة. وخرج بقوله (منفعة) بيع العين وقوله بإجرة معلومة تمام التعريف. ولا يخفي أن بيع مصدر باع والمصدر هو المعنى القائم بالذات، وجاز أن يراد به اسم المفعول وهو المبيع، وسواء أريد المصدر أو اسم المفعول لا يصلح ما ذكر تعريفا للايجاب لان الايجاب والقبول والارتباط غير المعنى المصدري واسم المفعول فهذا تعريف ببعض الخواص، ولو أراد التعريف بالحقيقة لقال: هو عقد يرد على بيع إلى آخره. وا حترز بذكر المعلوم عما إذا اشتمل العقد على بيع معلوم وأجرة معلومة وشئ مجهول بأن استأجر عبدا مائة معلومة بأجرة معلومة وطعامه وكسوته، وهذا لا يجوز للجهالة، كذا في الخلاصة. وإنما لا يصح البيع من غير أن يملك الرقبة ولو ملك المنفعة. قال في الذخيرة: وقف على قوم معينين فأجرهم القيم الوقف جاز لانهم لا حق لهم في الرقبة وإنما حقهم في الغلة فصاروا في حق الرقبة كالاجانب إلا أنه يسقط

[ 4 ]

حصة المستأجر لانه لو أخذ منه يسترد له. وفي القينة: لو أجر القيم نفسه للعمل في الوقف فعمل يستحق الاجرة وبه يفتى، ولو عمل من غير عقد يستحق الاجرة وعليه العمل. والكلام في الاجارة في مواضع: الاول في معناها لغة. قيل هي بيع المنافع قال العيني وفيه نظر قال قاضي زاده: قولهم الاجارة في اللغة بيع المنافع قال الشارح العيني فيه نظر لان الاجارة اسم للاجرة وهي ما أعطيت من كراء الاجير كما صرحوا به. قال قاضي زاده: والنظر المذكور وارد لان المذكور في كتب اللغة إنما هو الاجارة التي هي اسم الاجرة، والذي هو بيع المنافع الايجار لا الاجرة. قال العيني: وتجوز أن تكون الاجارة مصدرا. قال قاضي زاده: ولم يسمع في اللغة أن الاجارة مصدر. وفي المضمرات: يقال أجره إذا أعطاه أجرته والاجرة ما يستحق على عمل الخير ولهذا يدعي به يقال آجرك الله وعظم الله أجرك. وفي كتاب العيني: أجره مملوكي وآجره إيجارا فهو مؤجر. وفي الاساس: أجرني داره فاستأجرتها وهو مؤجر ولا يقال مؤاجر فإنه خطأ وقبيح. قال: وليس آجر هذا فاعل بل هو أفعل اه‍. وأما دليلها من الكتاب فهو قوله تعالى حكاية عن شعيب * (على أن تأجرني ثماني حجج) [ القصص: 27 ] وشريعة من قبلنا شريعة لنا إذا قصها الله علينا من غير إنكار. ومن السنة قوله عليه الصلاة والسلام أعطوا الاجير أجرته قبل أن يجف عرقه. ومن الاجماع فإن الامة الامة أجمعت على جوازها. وسبب المشروعية الحاجة لان كل إنسان لا يجد ما يشتري به العين فجوزت للضرورة. وأما ركنها فهو الايجاب والقبول والارتباط بينهما. وأما شرط جوازها فثلاثة أشياء: أجر معلوم وعين معلوم وبدل معلوم. ومحاسنها دفع الحاجة بقليل المنفعة. وأما حكمها فوقوع الملك في البدلين ساعة فساعة. وأما ألفاظها فتنعقد بلفظين ماضيين أو يعبر بأحدهما عن الماضي والآخر عن المستقبل كقوله أجرتك وأعرتك منفعة داري سنة بكذا. وتنعقد بالتعاطي كما في البيع. وفي التتارخانية: وتنعقد الاجارة بغير لفظ كما لو استأجر دارا سنة فلما انقضت المدة قال ربها للمستأجر فرغها لي اليوم وإلا فعليك كل شهر بألف درهم فتجعل في قدر ما ينقل متاعه بأجرة المثل، فإن سكن شهرا فهي بما قال المالك إلى آخر ما ذكر. وصفتها أنها عقد لازم. وفي العناية: ويثبت في الاجارة خيار الشرط والرؤية والعيب كما في البيع اه‍. وأفاد المؤلف أن عقد الاجارة ينعقد بإقامة العين مقام المنفعة ولهذا لو أضاف العقد إلى المنافع فلا تجوز بأن قال أجرتك منافع داري بكذا شهرا وإنما يصبح إضافته إلى العين. والمراد من المنفعة أن تكون مقصودة من العين فلو استأجر ثيابا ليبسطها ولا يجلس عليها ولا ينام أو دابة ليربطها في داره ويظن الناس أنها له أو ليجعلها أجنبية بين يديه أو آنية يضعها في بيته يتجمل بها ولا يستعملها فالاجارة في جميع ذلك فاسدة، ولا أجرة له لان هذه المنفعة غير مقصودة، كذا في الخلاصة في الجنس الثالث من الدواب كما في البيع اه‍.

[ 5 ]

[ هي بيع منفعة معلومة بإجرة معلومة وما صح ثمنا صح أجرة والمنفعة تعلم ببيان قال رحمه الله: (وما صح ثمنا صح أجرة) لان الاجرة ثمن المنفعة فتعتبر بثمن المبيع، ثم إن كانت الاجرة عينا جاز أن يكون كل عين بدلا عن المبيع ولا ينعكس حتى صح أجرة ما لا يصح ثمنا كالمنفعة فإنها لا تصح ثمنا، وتصح أجرة إذا كانا مختلفي الجنس كما سيأتي. وفي الجوهرة: لو كان عبد بين اثنين فأجر أحدهما نصيبه من شريكه على أن يخيط معه شهرا على أن يخدم الآخر في الشهر الثاني لم يجز من جهة أن النصيبين في العبد الواحد متفقان في الصفقة، ولو كان في العبدين جاز اه‍. وإن كانت الاجرة دراهم أو دنانير لا بد من بيان القدر والصفة وأنه جيد أو ردئ، وإن كانت النقود مختلفة انصرفت إلى غالب نقد البلد، وإن كانت الاجرة مكيلا أو موزونا يحتاج إلى بيان القدر والصفة ومكان الايفاء. هذا إذا كان له حمل ومؤنة عند الامام وإلا فلا يحتاج إلى بيان مكان الايفاء. وإن كانت ثيابا أو عروضا فالشرط بيان القدر والاجل الصفة لانه لا يثبت في الذمة إلا بهذا. هذا إذا لم يكن مشارا إليه. وفي الهداية: وما لا يصلح ثمنا يصلح أجرة أيضا كالاعيان التي ليست من ذوات الامثال كالحيوان والثياب مثلا فإنها إذا كانت معينة تصلح أجرة ولا تصلح ثمنا كما إذا استأجر دارا بثوب معين فإنه لا يصلح ثمنا لما تقرر في كتاب البيوع إذ الاموال ثلاثة: ثمن محض كالدراهم والدنانير، ومبيع محض كالاعيان التي ليست من ذوات الامثال، وما كان بينهما كالمكيل والموزون. قال في العناية: وفيه نظر لان المقايضة بيع وليس فيها إلا العين من الجانبين فإذا لم تصلح العين ثمنا كان بيعا بلا ثمن وهو باطل. وأجيب بأن المراد بالثمن ما ثبت في الذمة وإذا كانت الاجرة فلسا فغلا أو رخص قبل القبض فالاجرة الفلس لا غير، وإن كسدت فعليه قيمة المنفعة، كذا عن أبي يوسف. وكذا إذا كان الثمن مكيلا أو موزونا فانقطع عن أيدي الناس اه‍. وأما إذا كانت حيوانا لا يجوز إلا إذا كان معينا. قال رحمه الله: (والمنفعة تعلم ببيان المدة كالسكنى والزراعة فتصح على مدة معلومة) أي مدة كانت لان المدة إذا كانت معلومة كانت المنفعة معلومة فيجوز، طالت المدة أو قصرت أو تأخرت بإن كانت مضافة أو تقدمت بأن كانت متصلة بوقت العقد، ولان المنافع لا تصير معلومة إلا بضرب المدة. وقال بعضهم: لا يجوز أن يضرب إلى مدة لا يعيش إليها عادة لان الغالب كالمتحقق في حق الاحكام فصار كالثابت بعد فلا تجوز وبه كان يفتي القاضي أبو عصمة. وبعض العلماء، فيجوز ضرب المدة التي لا يعيش إلى مثلها، ومنهم الخصاف. قال في الخانية: رجل قال لآخر أجرتك دابتي غدا بدرهم ثم أجرها اليوم وغدا وبعد غد من غيره ثلاثة أيام فجاء الغد وأراد المستأجر الاول أن يفسخ الاجارة الثانية اختلف أصحابنا في رواية يفسخ الاجارة الثانية وبه أخذ نصير، وفي رواية ليس له أن يفسخ وبه أخذ الفقيه أو جعفر والفقيه أو الليث وشمس الائمة الحلواني وعليه الفتوى، فيستوفي الاول مدته والثاني ما بقي له. وفي

[ 6 ]

[ المدة كالسكنى والزراعة فتصح على مدد معلومة ولم تزد في الاوقات على ثلاث سنين ] الولوالجية: أجر داره إجارة مضافة بأن قال أجرتك داري مدة شوال وهما في رمضان ثم باعها من آخر فالبيع موقوف على إجارة المستأجر. وفي الخلاصة: أجرتك داري غدا فللمؤجر بيعها اليوم وتنتقض الاجارة. قال رحمه الله: (ولم تزد في الاوقاف على ثلاث سنين) يعني لا يزاد على هذه المدة خوفا من دعوى المستأجر أنها ملكه إذا تطاولت المدة. وذكر بعضهم الحيلة في جواز الزيادة على ثلاث سنين أن يعقد عقودا كل عقد على سنة ويكتب في الكتاب أن فلان بن فلان استأجر وقف كذا كذا سنة في كذا كذا عقدا. وذكر صدر الاسلام أن الحيلة فيه أن يرفع الامر إلى الحاكم حتى يجيزه. هذا إذا لم ينص الواقف على مدة، فلو نص الواقف على مدة فهو على ما شرط، قصرت المدة أو طالت، لان شرط الواقف يراعي، كذا نقله الشارح. وفي الخانية: وإن كان الواقف شرط أن لا يؤجر أكثر من سنة يجب مراعاة شرطه، لا يفتي بجواز هذه الاجارة أكثر من سنة. زاد في الذخيرة إلا إذا كانت إجارتها أكثر من سنة أنفع للفقراء فحينئذ تؤجر أكثر من سنة إن لم يشترط الواقف شيئا. قال الفقيه أبو جعفر: أجوزها في الثلاثة ولا أجوزها في أكثر من ذلك، والصدر الشهيد حسام الدين كان يقول: يفتي في الضياع بالجواز في ثلاث سنين إلا إذا كانت المصلحة في عدم الجواز، وفي غير الضياع يفتى بعدم الجواز فيما زاد على سنة إلا إذا كانت المصلحة في الجواز وهذا أمر يختلف باختلاف الزمان والمواضع. والمراد بعدم الجواز عدم الصحة، وقيل تصح وتفسخ، ذكره النسفي. وإجارة الوقف ومال اليتيم لا يجوز إلا بأجر المثل، فلو أجر بدون أجرة المثل يلزم المستأجر تمام الاجرة وعليه الفتوى، كذا في قاضيخان. وإذا استأجر الوقف فرخصت الاجرة لا تفسخ الاجارة، وإن زادت أجرة مثلها بعد مضي بعض المدة ذكر في فتاوي أهل سمرقند أنه لا يفسخ العقد، وذكر في شرح الطحاوي أنه يفسخ العقد ويحدد على ما زاد. ولو كانت الارض بحال لا يمكن فسخها بأن كانت مزروعة لم تحصد فمن وقت الزيادة تجب إلى انتهاء المدة. هذا إذا زادت عند الكل. قال في شرح الطحاوي: أما في الاملاك لا يفسخ العقد برخص أجرة المثل ولا بزيادته باتفاق الروايات. وفي التتارخانية في باب من يجب الاجر الجاري سئل عمن آجر منزلا لرجل والمنزل وقف على الآخر وعلى أولاده فأنفق المستأجر في عمارة المنزل بأمر المؤجر قال: إن كان للمؤجر ولاية على الوقف كان على المستأجر أجرة مثله ولا يرجع بما أنفق، وإن لم يكن له ولاية على الوقف كان متطوعا ولا يرجع بشئ اه‍. وقد وقعت حادثة الفتوى في واقف شرط في كتاب وقفه أن لا يؤاجر وقفه من متجوه ولا من ظالم ولا من حاكم فأجر الناظر الوقف منهم. وعجلوا الاجرة قدر أجرة المثل هل يجوز هذا العقد لان الواقف إنما منع خوفا على الاجرة من الضياع وعدم حصول النفع للفقراء أو لا

[ 7 ]

[ أو بالتسمية كالاستئجار على صبغ الثوب وخياطته أو بالاشارة كالاستئجار على نقل هذا الطعام إلى كذا والاجرة لا تملك بالعقد بل بالتعجيل أو بشرطه أو بالاستيفاء أو ] يجوز؟ فأجيب بالجواز أخذا من قول صاحب الوجيز إذا شرط الواقف مدة وإن كان نفع الفقراء في غيره يخالف شرط الواقف ويؤجره بخلافه. قال رحمه الله: (أو بالتسمية كالاستئجار على صبغ الثوب وخياطته) يعني المنفعة تعلم بالتسمية فيما ذكر من الصبغ والخياطة كما ذكر المؤلف، وكذلك استئجار الدابة للحمل والركوب، ولانه إذا بين المصبوغ والصبغ وقدر ما يصبغ به وجنسه وجنس الخياطة والمخيط ومن يركب على الدابة والقدر المحمول عليها والمسافة صارت المنفعة معلومة بلا شبهة فصح العقد، ومن هذا النوع الاستئجار على العلم كالقصارة ونحوه، وبه يعلم فساد إجارة دواب العلافين في ديارنا لعدم بيان الوقت والموضع. قال رحمه الله: (أو بالاشارة كالاستئجار على نقل هذا الطعام إلى كذا) يعني تكون المنفعة معلومة بالاشارة كما ذكر لانه إذا علم المنقول والمكان المنقول إليه صارت المنفعة معلومة، وهذا النوع قريب من النوع الاول. قال رحمه الله: (والاجرة لا تملك بالعقد بل بالتعجيل أو بشرطه أو بالاستيفاء أو بالتمكن منه) يعني الاجرة لا تملك بنفس العقد، سواء كانت عينا أو دينا، وإنما تملك بالتعجيل أو بشرطه أو باستيفاء المعقود عليه وهي المنفعة، أو بالتمكن من الاستيفاء بتسليم العين المستأجرة في المدة، اه‍ كلام الشارح. والظاهر من إطلاق الماتن والشارح أن الاجرة تملك بالتمكن من الاستيفاء في المدة، سواء استعلمها في المدة أو لا، ويخالفه ما في الخلاصة حيث قال: استأجر دابة ليركبها إلى مكان كذا مثلا فحبسها في بيته لم تجب الاجرة اه‍. والظاهر من إطلاق المؤلف رحمه الله تعالى أن الاجرة تجب باستيفاء المنفعة، سواء كان ذلك في مدة الاجارة أو بعد مدة الاجارة، وسواء استأجرها ليركبها في المصر أو خارجه. ويخالفه ما ذكره بعض العلماء حيث قال: ولو ذكر مدة ومسافة فركبها إلى ذلك المكان بعد مضي المدة لم تجب الاجرة اه‍. وفي العتابية: هذا إذا استأجرها ليركبها خارج المصر، ولو كان ليركبها في المصر وحبسها في بيته تجب الاجرة. قال في المحيط: والتمكن من الاستيفاء في غير المدة المضاف إليها لا يكفي لوجوب الاجرة، وكذا التمكن في غير المكان لا يكفي لوجوب الاجرة، فلو قال رحمه الله تعالى (أو بالتمكن منه في المدة واستوفى) لكان أولى. وقال الامام الشافعي: تملك بنفس العقد ويجب تسليمها عند تسليم العين المستأجرة لانها عقد معاوضة. ولنا أنه عقد معاوضة فيقتضي المساواة بينهما وذلك بتقابل البدلين في الملك والتسليم وأحد البدلين وهو المنفعة لم يصر مملوكا بنفس العقد لاستحالة ثبوت الملك في المعدوم. ولو ملك الاجرة لملكها من غير بدل وهو ليس من قضية المعاوضة فتأخر الملك فيه ضرورة جواز العقد لان المنفعة عوض لا يبقى زمانين، والمنفعة إنما جعلت موجودة في حق الايجاب والقبول، وما ثبت للضرورة يتقدر بقدرها. لا يقال لو

[ 8 ]

لم يجعل المعدوم موجودا في حق العقد والاجرة لما جاز الايجار بالدين لانا نقول: إنما جاز الايجار بالدين لان العقد لم ينعقد في حق المنفعة فلم يصر دينا في المدة وإنما ينعقد في حق الارتباط، وعند انعقاد العقد وهو زمان حدوثها تصير هي مقبوضة فلا يكون دينا بدين أصلا. ولو كان العقد ينعقد في حق المنفعة لما جازت الاجارة بالدين المؤجل أصلا كما لا يجوز السلم به، ولو جاز أن يجعل المعدوم كالمستوفي لجاز ذلك في السلم أيضا. وإذا عجلها أو اشترط تعجيلها فقد التزمه بنفسه وأبطل المساواة التي اقتضاها العقد. قال في العناية: واعترض بأن شرط التعجيل فاسد لانه يخالف مقتضى العقد وفيه منفعة لاحد المتعاقدين وله مطالب فيفسد العقد. والجواب أن كونه مخالفا إما أن يكون من حيث كونه إجارة أو من حيث كونه معاوضة، والاول مسلم وليس شرط التعجيل باعتباره. والثاني ممنوع فإن تعجيل البدل واشتراطه لا يخالف من حيث المعاوضة. وفي المحيط: وحينئذ فللمؤجر حبس المنافع حتى يستوفي الاجرة ويطالبه بها ويحبسه وحقه الفسخ أن الحاكم يعجل اه‍. ولو أجر إجارة مضافة واشترط تعجيل الاجرة حيث يكون الشرط باطلا ولا يلزم للحال شئ لان امتناع وجوب الاجرة ليس بمقتضى العقد بل بالتصريح بالاضافة إلى وقت في المستقبل، والمضاف إلى وقت لا يكون موجودا قبل ذلك الوقت فلا يتغير هذا المعنى بالشرط، وفيما نحن فيه إنما لا يجب لاقتضاء العقد المساواة وقد بطل بالتصريح، لا يقال يصح الابراء عن الاجرة بعد العقد ولو لم يملكها لما صح. وكذا يصح الارتهان والكفالة بها، وهذا لو تزوج امرأة بسكنى داره سنة وسلم ليس لها أن تمنع نفسها ولو لم تملك المنفعة لمنعت نفسها لانا نقول: لا يصح الابراء عن الثاني لعدم وجوبه كالمضاف بخلاف الدين المؤجل لانه ثابت في الذمة فجاز الابراء عنه. والجواب على قول محمد أنه وجد سبيه فجاز الابراء عنه كالابراء عن القصاص بعد الجرح والرهن والكفالة للوثيقة فلا يشترط فيه حقيقة الوجوب، ألا ترى أنهما جائزان في البيع المشروط فيه الخيار وبالدين الموعود وجازت الكفالة بالدرك. وإنما لم يكن للمرأة أن تحبس نفسها بعد تسليم الدار إليها لانه أوفى ما سمى لها برضاها. وفي المحيط: ولو وهب المؤجر أجرة رمضان هل يجوز؟ قال محمد: إن استأجره سنة لا يجوز، وإن استأجره مشاهرة يجوز إذا دخل رمضان ولا يجوز قبله. وعن أبي يوسف لا يجوز إلا بعد مضي المدة، ولو مضى من السنة نصفها ثم أبرأه عن الجميع أو وهبها منه فإنه يبرأ عن الكل في قول محمد، وعند أبي يوسف برئ عن النصف ولا يبرى عن النصف اه‍. وعبر المؤلف بقوله (لا تملك) لان لفظ محمد في الجامع الاجرة لا تملك بنفس العقد. قال صاحب النهاية: الاجرة لا تجب بالعقد معناه لا يجب تسليمها وأداؤها بمجرد العقد وليس بواضح لان نفي وجوب التسليم لا يستلزم نفي الملك كالمبيع فإنه يملكه المشتري بمجرد العقد ولا يجب تسليمه ما لم يقبض الثمن والصواب أن يقال معناه لا تمليك لان محمدا ذكر في الجامع الصغير أن الاجرة لا تملك وما لا يملك لا يجب إيفاؤه. فإن قلت فإذا لم يستلزم

[ 9 ]

نفي الوجوب نفي الملك كان أعم منه وذكر العام وإرادة الخاص ليس بمجاز شائع لعدم دلالة الاعم على الاخص أصلا. وقال صاحب الهداية: الاجرة لا تجب بالعقد. قال تاج الشريعة: أي وجوب الاداء، أما نفس الوجوب فيثبت بنفس العقد. وقال صاحب الكفالة، المراد نفس الوجوب لا وجوب الاداء وبيان ذلك إجمالا وتفصيلا. أما إجمالا فلان الاجرة لو كانت عبدا فأعتقه المؤجر قبل وجود أحد المعاني الثلاثة لا يعتق، فلو كان نفس الوجوب ثابتا لصح الاعتاق كما في البيع اه‍. وإذا لم يتملك بنفس العقد ليس له أن يطالبه بالاجرة. وفي المحيط: لو طالبه بالاجرة عينا وقبض جاز لتضمينه تعجيل الاجرة. وقال أيضا: وإذا لم يوجد أحد هذه الامور يأخذ الاجرة يوما فيوما في العقار، وفي المسافات كل مرحلة. وفي المنتقى: رجل استأجر دابة بالكوفة إلى الري بدراهم أي النقدين يجب على المستأجر - قال - نقد الكوفة لانه مكان العقد فينصرف مطلق الدراهم إلى المتعارف فيها. وفي العتابية: وإذا عجل الاجرة إلى ربها لا يملك الاسترداد، ولو كانت الاجرة عينا فأعارها ثم أودعها إلى رب الدار فهو كالتعجيل اه‍. وفي شرح الطحاوي: الاجرة لا تخلو إما أن تكون معجلة أو مؤجلة أو منجمة أو مسكوتا عنها، فإن كانت معجلة فإن له أن يتملكها وله أن يطالب بها، وإن كانت مؤجلة فليس له أن يطالب إلا بعد الاجل، وإن كانت منجمة فله أن يطالب عند كل نجم، وإن كانت مسكوتا عنها تقدم بيان ذلك في العقار وفي المسافة إذا امتنع من الحمل فيما بقي يجبر عليه اه‍. بالمعنى. وفي النفية: استأجر حانوتا مدة معلومة بأجرة معلومة وسكن فخرب الحانوت في بعض المدة وتعطل وكان يمكنه الانتقال فلم يفعل وسكن المدة تلزمه جميع الاجرة، ولو استأجره ليحمل هذا إلى موضع كذا فحمل نصف الطريق وأعاده إلى مكانه الاول فلا أجر له استأجر دابة إلى مكة فلم يركبها ومضى راجلا، إن كان بغير عذر في الدابة فعليه الاجرة، وإن كان لعذر في الدابة لا أجر عليه. طالبه بالاجرة بعد المدة فقال قصرت في العمل فلك بعض الاجرة وقال لم أقصر فله الاجرة كاملة. استأجره ليحمل له العصير فحمله فإذا هو خمر قال أبو يوسف: لا أجر له. وقال محمد: إن علم أنه خمر فلا أجر له، وإن لم يعلم فله الاجر. وفي الذخيرة من الفصل السابع والعشرين في الاختلاف: لو اختلف المستأجر والآجر بعد شهر والمتفاح مع المستأجر وقال لم أقدر على فتحه وقال المؤجر بل قدرت على فتحه وسكنت ولا بينة لهما يحكم الحال، وإن أقاما بينة فالبينة بينة رب المنزل اه‍. وفي القنية: تسليم المفتاح في المصر مع التخلية قبض، وفي السواد ليس بقبض. وفي فتاوي الولوالجي: ولو استأجر دارا على عبد بعينه ثم وهب العبد من المستأجر قبل القبض وقال المستأجر قبلت كان ذلك إقالة. ومراد المصنف الاجارة المنجزة لان المضافة لا تملك الاجرة فيها بشرط التعجيل. وقوله (أو بالاستيفاء أو بالتمكن منه) يعني يجب الاستيفاء للمنفعة أو بالتمكن وإن لم يستوف. وفي الهداية: وإذا قبض المستأجر الدار فعليه الاجرة وإن لم يسكن.

[ 10 ]

[ بالتمكن منه فإن غضبها غاصب منه سقطت الاجرة ولرب الدار والارض طلب ] قال في النهاية: وهذه مقيدة بقيود: أحدها التمكن فإذا لم يتمكن بأن منعه المالك أو الاجنبي أو سلم الدار مشغولة بمتاعه لا تجب الاجرة. الثاني أن تكون الاجارة صحيحة فإن كانت فاسدة فلابد من حقيقة الانتفاع. والثالث أن التمكن إنما يجب أن يكون في مكان العقد حتى لو استأجرها للكوفة فسلمها في بغداد حين مضت المدة فلا أجر عليه. والرابع أن يكون متمكنا من الاستيفاء في المدة لو استأجر دابة إلى الكوفة في هذا اليوم وذهب بعد مضي اليوم بالدابة ولم يركب لم يجب الاجر لانه إنما تمكن بعد مضي المدة. وفي المحيط: أمر رجلا أن يستأجر له دارا سنة كاملة فاستأجرها وتسلمها الوكيل وسكنها هو سنة قال أبو يوسف: لا أجر على المؤجر والاجرة على المأمور. وقال محمد: الاجر على الموكل لان قبض وكيله كقبض نفسه والمأمور غاصب للسكنى فلا يجب عليه أجر. قال رحمه الله: (فإن غصبها غاصب منه سقطت الاجرة) يعني إذا غصب العين المستأجرة في جميع المدة غاصب سقطت الاجرة ولو في بعضها فبقدره لزوال التمكن من الانتفاع وهو شرط لوجوب الاجرة كما بين. وهل تنفسخ بالغصب؟ قال صاحب الهداية: تنفسخ. وقال فخر الاسلام في فتاواه والفضلي: لا ينفسخ. فإذا أراد المستأجر أن يسكن بقية المدة ليس للمؤجر منعه اه‍. وفي قاضيخان أيضا: جاء المغصوب منه إلى الغاصب وقال الدار داري إن لم تخرج منها فهي عليك كل شهر بمائة درهم وقال محمد إن كان الغاصب منكر أو يقول الدار لي ويسكن مدة فأقام المغصوب منه البينة أنها داره فقضى له بها لا أجر عليه، وإن كان مقرا يلزمه المسمى اه‍. وفي الولوالجية: رجل دفع ثوبا إلى قصار ليقصره بأجرة معلومة فجحد القصار الثوب ثم جاء به مقصورا وأقر قال هذا على وجهين: إن قصره قبل الجحود له الاجر، وإن قصره بعد الجحود لا أجر له. ولو كان صباغا والمسألة بحالها إن صبغه قبل الجحود فله الاجر، وإن صبغه بعده فرب الثوب بالخيار إن شاء أخذ الثوب وأعطاه قيمة ما زاد فيه، وإن شاء ترك الثوب وضمنه قيمة ثوب أبيض اه‍. وفي التتارخانية: رجل استأجر دابة إلى مكان معلوم فلما بلغ نصف المدة أنكر الاجارة لزمه من الاجرة ما قبل الانكار ولا يلزم ما بعده وهو قول الثاني. وقال محمد: لا تسقط عنه الاجرة بنفس الانكار. ولو كان عبدا والمسألة بحالها وقيمة العبد يوم العقد ألفان ويوم الجحود ألف فهلك العبد في يده بعد ما مضت السنة فالاجرة لازمة وتجب كل الاجرة ويجب عليه قيمة العبد، وينبغي أن يكون هذا على قول محمد، وعلى قول الثاني لما جحد فقد أسقط الاجر. وفي المحيط: لو غرقت الارض أو انقطع عنها الشرب أو مرض العبد سقط من الاجر بقدره لفوات التمكن من الانتفاع في المدة، ولو استأجر دارا سنة فلم يسلمها الآجر حتى مضى شهر لم يكن لاحدهما الامتناع عن التسليم في الثاني لان الاجارة وإن كانت عقدا واحدا حقيقة لكنها عقود متفرقة

[ 11 ]

[ الاجرة كل يوم وللجمال كل مرحلة وللخياط والقصار بعد الفراغ من عمله وللخباز ] مضافة إلى ما يوجد من المنفعة. ومن المشايخ من قال: هذا إذا لم يكن في مدة الاجارة وقت يرغب في الاجارة لاجله، فإن كان وقت يرغب في الاجارة لاجله زيادة رغبة كحانوت في سوق رواجه في بعض السنة أو دار بمكة تستأجر سنة لاجل الموسم فلم تسلم في الوقت الذي يرغب لاجله فإنه يخير في بعض الباقي دفعا للضرر عنه اه‍. قال رحمه الله: (ولرب الدار والارض طلب الاجرة كل يوم وللجمال كل مرحلة) يعني إذا وقعت الاجارة مطلقة ولم يتعرض فيها لوقت وجوب الاجرة فللمؤجر ما ذكره. والاصل فيه أن الاجارة معاوضة والملك في المنافع يمتنع ثبوته زمان العقد فكذا الملك في الاجرة على ما بينا، وكان الامام أولا يقول في جميع أنواع الاجارة لا تجب الاجرة حتى يستوفي المنفعة ثم رجع لما ذكر هنا، وكان القياس أن تجب الاجرة ساعة فساعة إلا أنه يفضي إلى الحرج فتركناه لهذا. وفي الخلاصة: امرأة أجرت دارها من زوجها ثم أسكنها فيها لا تجب الاجرة، ولو استأجر دارا شهرا وسكن فيها مع صاحب الدار إلى آخر الشهر فقال المستأجر لا أدفع الاجرة لعدم التخلية فعليه من الاجرة بقدر ما في يده لوجود التخلية فيها اه‍. ولو عبر بالفاء التفريعية لكان أولى ليفيد أنه متفرع على الاستيفاء والتمكن. قال رحمه الله: (وللخياط والقصار بعد الفراغ من عمله) يعني إذا وقعت الاجارة مطلقة عن وقت وجوب الاجرة فللعامل أن يطالب بعد ما ذكر المؤلف. وأطلق في قوله بعد الفراغ فأفاد أنه لا فرق بينهما إذا عمل في بيت نفسه أو في بيت المستأجر كما ذكره صاحب الهداية وصاحب التجريد، وذكر في المبسوط والفوائد الظهيرية والذخيرة ومبسوط شيخ الاسلام وشرح الجامع الصغير لفخر الاسلام وقاضيخان والتمرتاشي: إذا خاط في بيت المستأجر تجب الاجرة له بحسابه حتى إذا سرق الثوب بعد ما خاط بعضه يستحق الاجرة بحسابه، واستشهد في الاصل لهذا بما إذا استأجر إنسانا ليبني له حائطا فبنى بعضه ثم انهدم فله أجر ما بنى، فهذا يدل على أنه يستحق الاجرة ببعض العمل إلا أن يشترط فيه التسليم إلى المستأجر. ونقل هذا عن الكرخي وجزم به في غاية البيان فكان هو المذهب، ففي سكنى الدار وقطع المسافة صار مسلما له بمجرد تسليم الدار، وقطع المسافة وفي الخياطة ونحوها لا يكون مسلما إليه إلا إذا سلمه إلى صاحبه حقيقة، وفي الخياطة في منزل المستأجر يحصل التسليم بمجرد العمل إذ هو في منزله والمنزل في يده فلا يحتاج إلى تسليم ليده. ويعرف توزيع الاجرة بقول أهل الخبرة بها والخيط والابرة على الخياط حيث كان العرف ذلك. قال رحمه الله: (وللخباز بعد إخراج الخبز من التنور) يعني إذا أطلق الاجرة ولم يبين وقتها فللخباز أن يطالب بها بعد إخراج الخبز من التنور لانه بأخراجه قد فرغ من عمله فيملك المطالبة كالخياط إذا فرغ من العمل حتى إذا أخبزه في بيت المستأجر لانه صار مسلما إليه بمجرد الاخراج فيستحق الاجرة، وإن كان في منزل الخباز لم يكن مسلما بمجرد

[ 12 ]

[ بعد إخراج الخبز من التنور فإن أخرجه فاحترق فله الاجر ولا ضمان عليه وللطباخ بعد الغرف وللبان بعد الاقامة ومن لعمله أثر في العين كالصباغ والقصار يحبسها ] الاخراج من التنور فلابد من التسليم إلى يده. وفي المحيط: استأجر دابة ليطحن عليها كل يوم عشرة أقفزة فوجدها لا تطيق إلا خمسة فله الخيار وعليه الاجر بحساب ما عمل من الايام ولا يحط من الاجر شيئا لان الاجارة وقعت على الوقت لا على العمل فلا توزع الاجرة على العمل، وفي المسألة إشكال على قول الامام لانه إذا استأجر خبازا ليخبز له اليوم بدرههم يكون فاسدا. والفرق أن مقدار العمل في باب الطحن في العرف والعادة لا يذكر لتعليق العقد بالعمل وإنما يذكر لبيان قوة الدابة فبقيت الاجارة على الوقت، وفي الخبز يذكر مقدار العمل لتعليق العقد بالعمل لا لبيان قوة الخباز فيصير العقد مجهولا فيفسد. قال رحمه الله: (فإن أخرجه فاحترق فله الاجر ولا ضمان عليه) يعني إذا أخرج الخبز من التنور ثم احترق هذا إذا خبز في منزل المستأجر لانه بمجرد الاخراج صار مسلما ولا يجب عليه الضمان إذا هلك بعد ذلك بالاجماع لانه هلك بعد التسليم ولو احترق في التنور قبل الاخراج قال في النهاية: يضمن لانه جناية يده، وإن كان الخباز يخبز في منزل نفسه لا يستحق الاجر بالاخراج ولا يجب عليه الضمان عند الامام، وعندهما يجب الضمان. وإذا صار ضامنا فالمالك بالخيار إن شاء ضمنه دقيقا مثل دقيقه ولا أجر له، وإن شاء ضمنه قيمة الخبز وأعطاه الاجر ولا يجب عليه ضمان الحطب والملح لان ذلك صار مستهلكا قبل وجوب الضمان عليه وحين ما وجب عليه الضمان كان رمادا. قال رحمه الله: (وللطباخ بعد الغرف) يعني للطباخ أن يطالب بالاجرة بعد الغرف لان الغرف عليه وهذا إذا طبخ للوليمة أو للعرس، فإن كان يطبخ قدرا خاصا فليس عليه الغرف لان العادة لم تجربه والمعتبر هو العرف. وفي التتارخانية: وإن استأجر دابة للحمل ففي الاكاف والجوالق يعتبر العرف، ولو للركوب ففي اللجام والسرج يعتبر العرف، وفي إدخال الطعام المنزل وإخراج الحمل يعتبر العرف، وإحثاء التراب على القبر على الحفار وحمل الثوب على القصار. قال رحمه الله: (وللبان بعد الاقامة) يعني إذا استأجره ليضرب له لبنا في أرضه يستحق الاجرة إذا أقامه عند الامام. وقالا: لا يستحق حتى يشرحه لان التشريج من تمام عمله لانه لا يؤمن عليه الفساد إلا به، ولانه هو الذي يتولاه عادة والمعتاد كالمشروط وقولهما استحسان. وللامام أن العمل قد تم بالاقامة والانتفاع به ممكن. وثمرة الخلاف تظهر فيما إذا أفسده المطر ونحوه بعد الاقامة فعنده تجب الاجرة، وعندهما لا تجب. هذا إذا لبن في أرض المستأجر لانه يصير مسلما إليه بالاقامة أو بالتشريح على اختلاف الاصلين، ولو لبن في أرض نفسه لا تستحق الاجرة حتى يسلمه إليه. وفي الجوهرة: وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا أتلف اللبن قبل التشريج فعند الامام هلك من مال المستأجر، وعندهما من مال الاجير. والتشريج أن يركب بعضه على بعض بعد

[ 13 ]

[ للاجر وإن حبس فضاع فلا ضمان عليه ولا أجر ومن لا أثر لعمله كالحمال والملاح لا ] الجفاف. قال رحمه الله: (ومن لعمله أثر في العين كالصباغ والقصار يحبسها للاجر) يعني لمن ذكر أن يحبس العين إذا عمل حتى يستوفي الاجر لان المعقود عليه وصف في المحل فكان له حق الحبس لاستيفاء البدل كما في البيع. قال في النهاية: القصار إذا ظهر عمله باستعمال النشأ كان له حق الحبس، وإن لم يكن لعمله إلا إزالة الدرن اختلفوا فيه، والاصح أن له الحبس على كل حال لان البياض كان مستترا وقد ظهر بفعله بعد أن كان هالكا. وقال زفر: ليس له الحبس لانه صار متصلا بملك الآخر كما لو أمر شخصا بأن يزرع له أرضه ببذر من عنده قرضا فزرعها المأمور صار قابضا باتصاله بملكه فصار كما إذا صبغ في بيت المستأجر. قلنا: اتصال العمل بالمحل ضرورة إقامة العمل فلم يكن راضيا بهذا الاتصال من حيث أنه تسليم بل رضاه في تحقيق عمل الصبغ ونحوه من الاثر في المحل إذ لا وجود للعمل إلا به فكان مضطرا إليه، وليس هذا كصبغه في بيت المستأجر لان العين في يد المستأجر فيكون راضيا بالتسليم لانه كان يمكنه التحرز عنه بأن يعمل في غير بيته. وفي الخلاصة: إلا إذا كانت الاجرة مؤجلة وقبل العمل فليس له الحبس اه‍. والمراد بالاثر أن يكون الاثر متصلا بمحل العمل كالنشاء والصبغ وقبل أن يرى ويعاين في محل العمل، وثمرة الخلاف تظهر في كسر الحطب وحلق رأس العبد فليس له الحبس على الاول وله الحبس على الثاني. قال رحمه الله: (وإن حبس فضاع فلا ضمان عليه ولا أجر) أما عدم الضمان فلان العين أمانة في يده وله حبس العين شرعا فلم يكن به متعديا فلا يجب عليه الضمان ولا يجب الاجر لان المعقود عليه هلك قبل التسليم وهو يوجب سقوط البدل كما في البيع وهو قول الامام أحمد. وعندهما يضمن العين لانها كانت مضمومة عليه قبل الحبس فلا يسقط ذلك بالحبس، وصاحب العين بالخيار إن شاء ضمنه قيمته غير معمول ولا أجر له لان العمل لم يسلم إليه، وإن شاء ضمنه قيمته معمولا وله الاجر لان العمل صار مسلما إليه بتسليم بدله. ولو أتلف الاجير الثوب ويتخير صاحب الثوب في التضمين كما تقدم. وفي المضمرات: فإن حبس العين من ليس له حق الحبس فهلكت ضمنها ضمان الغاصب والمؤاجر يخير إن شاء ضمنه قيمتها معمولا وأعطاه الاجير أجرته، وإن شاء ضمنه قيمته غير معمول ولا يغطى الاجير اه‍. وفي فتاوي أبي الليث: نساج نسج ثوبا جاء به ليأخذ الاجرة فقال له صاحب الثوب إذهب به إلى منزلك فإذا فرغنا من الجمعة دفعت لك الاجرة فاختلس الثوب من يد النساج في المزاحمة قال: إن كان الحائك دفع الثوب لربه فدفعه للحائك على وجه الرهن وهلك الثوب هلك بالاجرة، وإن دفعه إليه على وجه الوديعة فهلك هلك على الامانة والاجر على حاله لانه سلم العمل إلى صاحبه فيقرر عليه الاجر. وفي المنتقى: حائك عمل ثوبا لآخر فتعلق الامر فيه ليأخذه فأبى الحائك أن يدفعه حتى يأخذ الاجرة فتخرق من يد صاحبه لا

[ 14 ]

[ يحبس للاجر ولا يستعمل غيره إن شرط عمله بنفسه وأن أطلق له يستأجر غيره وإن استأجره ليجئ بعياله فمات بعضهم فجاء بمن بقي فله الاجر بحسابه ولا أجر لحامل ] ضمان على الحائك، وإن تخرق من يدهما فعلى الحائك نصف ضمان الخرق اه‍. وفي الخانية: لو جاء الحائك بالثوب إلى صاحبه فقال له رب الثوب أمسك حتى أفرغ من العمل وأعطيك الاجر فسرق منه لا يضمن اه‍. وفي الخانية: السمسار إذا باع شيئا من الثياب بأمر ربها وأمسك الثمن حتى ينقد الاجرة فسرق منه الثمن لا يضمن اه‍. وفي الحاوي: رجل أقرض آخر دراهم فاستأجر منه داره مدة معلومة بأجرة معلومة وجعل الاجر ببعض الدين قصاصا ومضت مدة الاجارة هل للمقرض أن يحبس العين بعد انقضاء المدة؟ قال: ليس له المنع وفي السغناقي: لو تزوج امرأة على سكني دار سنة فسلم الدار إليها ليس لها أن تحبس نفسها عنه اه‍. وفي الولوالجية: إذا أجر داره سنة وعجل الاجرة ولم يسلم إلى المستأجر حتى مات الآجر وانفسخ العقد لا يكون للمستأجر ولاية الحبس في الاجرة المعجلة، ولو كانت الاجارة فاسدة وفسخا العقد بسبب الفساد ليس للمستأجر أن يحبس العين بالدين السابق. وفي الخلاصة: وفي الاجارة الفاسدة للمستأجر حق الحبس لاستيفاء الاجرة المعجلة. قال رحمه الله: (ومن لا أثر لعمله كالحمال والملاح لا يحبس للاجر) يعني ليس له أن يحبس للاجر لان المعقود عليه نفس العمل وهو عرض يفنى ولا يتصور بقاؤه، واختلفوا في غسل الثوب حسب اختلافهم في القصار بلا نشاء كما تقدم، وفي شرح القدوري قال أبو يوسف في الحمال إذا طلب الاجرة ما بلغ المنزل قبل أن يضعه ليس له ذلك اه‍. وفي الفتاوي: استأجر جمالا ليحمل له إلى بلدة كذا بكذا فحمله فقال له صاحب الحمل امسكه عندك فهلك فلا ضمان عليه بلا خلاف. قال رحمه الله: (ولا يستعمل غيره إن شرط عمله بنفسه) يعني ليس للاجير أن يستعمل غيره إذا شرط عليه أن يعمل بنفسه لان المعقود عليه العمل من محل معين فلا يقوم غيره مقامه كما إذا كان المعقود عليه المنفعة كما إذا استأجر رجلا للخدمة شهرا لا يقوم غيره مقامه في الخدمة ولا يستحق به الاجر. قال رحمه الله: (وإن أطلق له أن يستأجر غيره) لان الواجب عليه عمل مطلق في ذمته ويمكن الايفاء بنفسه وبغيره كالمأمور بقضاء الدين. قال رحمه الله: (وإن استأجره ليجئ بعياله فمات بعضهم فجاء بمن بقي فله الاجر بحسابه) لانه أوفى ببعض المعقود عليه فيستحق الاجر بحسابه. قال الفقيه أبو جعفر الهندواني: هذا إذا كانوا معلومين حتى يكون الاجر مقابلا لجملتهم، وإن كانوا غير معلومين يجب الاجر اه‍. وفي الخلاصة: وإذا كانوا غير معلومين فالاجارة فاسدة. وفي النهاية نقلا عن الفضلى: إذا استأجره في المصر ليحمل له الحنطة من القرية فذهب فلم يجد الحنطة فعاد، إن كان قال استأجرت منك من المصر حتى أحمل الحنطة من القرية يجب نصف الاجر بالذهاب، وإن قال استأجرت منك حتى أحمل الحنطة من القرية لا يجب شئ لان الاجارة على الحمل لا غير وفي

[ 15 ]

[ الكتاب للجواب ولا لحامل الطعام إن رده للموت ] الاول على الذهاب والحمل، وعزاه إلى الذخيرة. وروى هشام عن محمد لا أجر ومثله في السفينة اه‍. كلام الشارح. وفي التتارخانية من باب ما يستحق الفارس: استأجره ليحمل له كذا كذا من المطمورة فذهب فلم يجد المطمورة استحق نصف الاجرة اه‍. فظهر أنه لا فرق كما ذكره الشارح. قال رحمه الله: (ولا أجر لحامل الكتاب للجواب ولا لحامل الطعام إن رده للموت) يعني إذا استأجره ليذهب بطعامه إلى فلان بمكة أو ليذهب بكتابه إليه ويجئ بجوابه فذهب ووجد فلانا ميتا ورده فلا أجر له لانه نقض المعقود عليه بالرد فصار كأنه لم يفعل فلا يستحق الاجر. وقال زفر: له الاجر في الطعام لان الاجرة بمقابلة حمل الطعام إلى مكة وقد وفى بالمشروط عليه فاستحقت الاجرة وقال محمد: له الاجر للذهاب في نقل الكتاب لانه أوفى ببعض المعقود عليه. قلنا الاجرة مقابلة بالجواب والنقل ولم يوجد ولم يأت بالمعقود عليه فلا أجر له كما لو نقض الخياط الخياطة بعد الفراغ من العمل فلو وجده غائبا فهو كما لو وجده ميتا لتعذر الوصول إليه، ولو ترك الكتاب هناك ليوصله إليه أو إلى ورثته فله الاجر في الذهاب لانه أتى بأقصى ما في وسعه. قال في المحيط: لو استأجر رسولا ليبلغ رسالته إلى فلان ببغداد فلم يجد فلانا وعاد فله الاجر لان الاجر بقطع المسافة لانه أتى بما في وسعه، وأما الاجتماع فليس في وسعه فلا يقابله الاجر. وفي الخلاصة: ولو استأجره ليبلغ الرسالة إلى فلان بالبصرة فذهب الرجل فلم يجد المرسل إليه أو وجده لكن لم يبلغ الرسالة ورجع فله الاجر اه‍. أقول: لعله لم يبلغ الرسالة لعدم تمكنه من التبليغ فعذره. قال في الخلاصة: والفرق بين الرسالة والكتاب أن الرسالة قد تكون سرا لا يرضى المرسل أن يطلع عليها غيره، أما الكتاب فمختوم. قال الشيخ الامام شمس الائمة الحلواني: لا نسلم الفرق بل هما سواء في الحكم اه‍. وفي المحيط: استأجر خياطا ليخيط قميصا فخاطه ففتقه رجل قبل أن يقبضه رب الثوب فلا أجر له لانه تلف قبل التسليم، ولا يجبر الخياط على أن يعيده، فإن كان الخياط فتقه يجبر على عوده، استأجر ملاحا لحمل طعام إلى موضع كذا فرد السفينة إنسان فلا أجر للملاح وليس له أن يعيد السفينة، وإن ردها الملاح بنفسه لزمه الرد، ولو استأجر سفينة مدة معلومة فانقضت المدة في أثناء البحر تترك السفينة في يدة إلى بلوغ ذلك المكان ولو استأجر سفينة لحمل طعام إلى موضع كذا فلما بلغت السفينة الموضع أو بعضه ردها الريح إلى الموضع الذي اكتراها منه. قال محمد: إن كان صاحب الطعام معه فعليه الاجر كله أو بعضه بقدر ما بلغ. وإن لم يكن صاحب الطعام معه فلا أجر عليه لانه انتقض الحمل بالرد فلم يستوف المعقود عليه، وكذا لو اكترى بغلا إلى موضع كذا فلما سار بعض الطريق جمع فرده إلى الموضع الذي خرج منه فعليه من الكراء بقدر ما سار لانه صار مستوفيا للمنفعة بنفسه فلا يسقط عنه البدل بعد التسليم. قيد بقوله (للجواب) لانه لو لم يشترط الرد للجواب. قال الحدادي: ولو تركه حتى يوصله إليه حيث كان غائبا أو إلى قريبه حيث كان

[ 16 ]

[ باب ما يجوز من الاجارة وما يكون خلافا فيها صح إجارة الدور والحوانيت بلا بيان ما يعمل فيها وله أن يعمل فيها كل شئ إلا أنه ] ميتا استحق الاجر كاملا قال: فلو شرط عليه الجواب فدفعه إليه فلم يقرأه حتى عاد من غير جواب له الاجر كاملا لانه أتى بما في وسعه، ولو لم يجده أو وجده ولم يدفع له بل رد الكتاب فلا أجر له، ولو نسي الكتاب هناك لا يستحق أجرة الذهاب اه‍. والله تعالى أعلم. باب ما يجوز من الاجارة وما يكون خلافا فيها قال في النهاية: لما ذكر مقدمات الاجارة ذكر في هذا الباب ما هو المقصود منها وهو بيان ما يجوز من عقود الاجارة وما لا يجوز. وفي غاية البيان: لما فرغ من ذكر الاجارة وشرطها ووقت استحقاق الاجرة ذكر ما يجوز من الاجارة بإطلاق اللفظ وتقيده، وذكر أيضا من الافعال ما يعد خلافا من الاجير للمؤجر وما لا يعد خلافا. قال رحمه الله: (صح إجارة الدور والحوانيت بلا بيان ما يعمل فيها) والقياس أن لا تجوز هذه الاجارة حتى يبين ما يعمل فيها لان الدار تصلح للسكنى ولغيرها، وكذا الحوانيت تصلح لاشياء مختلفة فينبغي أن لا تجوز حتى يبين ما يعمل فيها كاستئجار الارض للزراعة والثياب للبس. وجه الاستحسان أن العمل المتعارف فيها السكنى والمتعارف كالمشروط ولان إجارتها لا تختلف باختلاف العامل والعمل فجاز إجارتها مطلقا بخلاف الاراضي والثياب لانهما يختلفان، وعبارة المؤلف أحسن من عبارة صاحب الهداية حيث زاد للسكنى لسلامته عما أورد على هذا اللفظ. قال تاج الشريعة: قوله للسكنى صلة الدور والحوانيت لا صلة الاستئجار يعني ويجوز استئجار الدور والحوانيت المعدة للسكنى لا أن يقول زمان العقد استأجرت هذه الدار للسكنى لانه لو نص على هذا وقت العقد لا يكون له أن يعمل فيها غير السكنى اه‍. كلامه. قال صاحب غاية البيان: ويجوز أن يتعلق قوله (للسكنى) بالاستئجار أي يجوز استئجار الدور والجوانيت للسكنى وله أن يعمل فيها كل شئ لا يوهن البناء ولا يفسده وهو الظاهر من كلام القدوري اه‍. وقول تاج الشريعة لو نص على السكنى ليس له أن يعمل غيرها كما سيأتي ليس بظاهر لانه لو عمل غيرها بما هو أنفع من المسكنى بأن خزن فيها برا أو غيره يجوز لان التقييد فيما لا يتفاوت لا يعتبر، ولو استحق المستأجر من يد المستأجر وقد هلك عنده وضمنه يرجع على الذي أجره ولا أجر عليه فيما استعلمه لان الاجرة والضمان لا يجتمعان. قال رحمه الله: (وله أن يعمل فيها كل شئ) لما ذكرنا من أنها لا تختلف باختلاف العامل والعمل فجاز له أن يعمل فيها ما شاء عند الاطلاق، وله أن يسكن غيره معه أو ينفرد ولان كثرة السكان لا يضر بها بل يزيد في عمارتها لان خراب المسكن بترك السكان، وله أن يضع فيها ما بدا له حتى الحيوان، وله أن يعمل فيها ما بدا له من العمل كالوضوء والاغتسال وغسل الثياب وكسر

[ 17 ]

[ لا يسكن حدادا أو قصارا أو طحانا والاراضي للزارعة أن بين ما يزرع فيها أو قال ] الحطب لان ذلك كله من توابع السكنى. وذكر في النهاية أنه لا يدخل الحيوان في عرفنا لان المنازل ضيقة اه‍. ويربطها على الباب فإن أجره صحن الدار ربطها في الصحن. وليس للمؤجر أن يدخل دابته الدار بعدما أجرها، ولو كان فيها بئر أو بالوعة فسدت لا يجبر على إصلاحها، ولو ينى المستأجر التنور في الدار المستأجرة فاحترق شئ من الدار لم يضمن، كذا في الخلاصة. وفي المحيط: وله أن يربط الدابة إن كان في الدار سعة أما إن كانت ضيقة فلا، ولو استأجر دارا على أن يسكنها وحده فله أن يترك امرأته معه لانه شرط لا فائدة فيه اه‍. وفي الخلاصة: وإذا ربط الدابة فضربت إنسانا أو هدمت الحائط لم يضمن اه‍. قال رحمه الله: (إلا أنه لا يسكن حدادا أو قصارا أو طحانا) لان في نصب الرحى واستعمالها في هذه الاشياء ضرارا ظاهرا لانه يوهن البناء فيتقيد العقد وراءها دلالة. والمراد بالرحى رحى الماء والثور، وأما رحى اليد فلا يمنع منها لانها لا تضر بالبناء. وفي الحدادي: رحى اليد إذا بنيت في الحائط يمنع منها، وله أن يكسر فيها الحطب الكسر المعتاد، وله أن يطبخ فيها الطبخ المعتاد وإن زاد على العادة بحيث يوهن البناء فليس له ذلك إلا برضا صاحب الدار، وينبغي أن يكون الدق على هذا التفصيل، فظهر أن الحاصل كل ما يوهن البناء أو فيه ضرر ليس له أن يعمل فيها إلا بإذن، وكل ما لا ضرر فيه جاز بمطلق العقد واستحقه به. ولم يتعرض المؤلف لبيان ما يجب عليه إذا فعل ذلك ونحن نبينه، فلو أقعد حدادا فهدم البناء بعمله وجب الضمان لانه متعدي ولا أجر لان الضمان والاجر لا يجتمعان، ولو لم ينهدم وجب عليه الاجر استحسانا، والقياس أن لا يجب لان هذا العلم غير داخل تحت العقد. ووجه الاستحسان أن المعقود عليه هو السكنى وفي الحدادة وأخواتها السكنى وزيادة فيصير مستوفيا للمعقود عليه فيجب عليه الاجر بشرط السلامة فصار نظير ما لو استأجر دابة ليحمل عليها قدرا معلوما فزاد عليها وسلمت الدابة فإنه يجب عليه الاجر. ولو اختلف المؤجر والمستأجر في اشتراط ذلك كان القول للمؤجر لانه أنكر الاجارة، ولو أقاما البينة كانت بينة المستأجر أولى. وفي الخلاصة: ولو استأجر ليقعد قصارا فله أن يقعد حدادا إن كان ضررهما واحدا. وفي المحيط: أو كان ضرر الحداد أقل وإن كان أكثر فليس له ذلك وكذلك الرحى اه‍. قيد بالدور لان استئجار البناء وحده لا يجوز في ظاهر الرواية لانه لا ينتفع به وحده. وفي القنية: ويفتى بجواز استئجار البناء وحده إذا كان ينتفع به كالجدار للسقف ولو أجره المستأجر من المؤجر لم يجز، والاصح أن العقد ينفسخ بالاجارة. قال رحمه الله: (والاراضي للزراعة أن بين ما يزرع فيها أو قال على أن يزرع ما شاء) يعني يجوز استئجار الارض للزراعة إن بين ما يزرع فيها أو قال على أن يزرع فيها ما يشاء

[ 18 ]

لان منفعة الارض مختلفة باختلاف ما يزرع فيها لانه منه ما ينفع كالبرسيم في ديارنا وما يضر كالقمح مثلا فلابد من بيانه أو يقول له ازر فيها ما شئت كي لا يفضي إلى المنازعة. ولو لم يبين ولم يقل له ازرع فيها ما شئت فسدت الاجارة للجهالة، ولو زرعها لا تعود صحيحة في القياس، وفي الاستحسان يجب المسمى وتنقلب صحيحة لان المعقود صار صحيحا معلوما بالاستعمال، وصار كما لو استأجر ثوبا ولم يبين اللابس ثم ألبس إنسانا عادت صحيحة لما ذكرنا. وفي القنية: استأجر أرضا سنة على أن يزرع فيها ما شاء فله أن يزرع فيها زرعين ربيعيا وخريفيا. وفي الجوهرة: ولا بأس باستئجار الارض للزراعة قبل ريها إن كانت معتادة للري في مثل هذه المدة لتي عقد الاجارة عليها، وإن جاء من الماء ما يزرع به البعض فالمستأجر بالخيار إن شاء نقض الاجارة كلها، وإن شاء لم ينقض وكان عليه من الاجر بحساب ما روي منها اه‍. وفي القنية: ولو استأجرها ولا يمكنه الزراعة في الحال لاحتياجها إلى السقي وكري الانهار أو مجئ الماء، فإن كان بحال تمكنه الزراعة في مدة العقد جاز وإلا فلا كما لو استأجرها في الشتاء تسعة أشهر ويمكنه زراعتها في الشتاء جاز لما أمكن من المدة، أما إذا لم يمكن الانتفاع بها أصلا بأن كانت سبخة فالاجارة فاسدة، وفي مسألة الاستئجار في الشتاء يكون الاجر مقابلا بكل المدة لا بما ينتفع به فحسب، وقيل بما ينتفع به اه‍. واعلم أن الارض لا ينحصر استثجارها للزراعة والبناء والغرس كما توهمه المتون فقد صرح في الهداية بأن الارض تستأجر للزراعة وغيرها. وقال في غاية البيان: أراد بغير الزراعة البناء والغرس وطبخ والآجر والخزف ونحو ذلك من سائر الانتفاعات بالارض اه‍. فإذا عرفت ذلك ظهر لك صحة الاجارات الواقعة في زماننا من أنه يستأجر الارض مقيلا ومراحا قاصدا بذلك إلزام الاجرة بالتمكن منها مطلقا، سواء شملها الماء وأمكن زراعتها أولا، ولا شك في صحته لانه لم يستأجرها للزراعة بخصوصها حتى يكون عدم ريها عيبا تنفسخ به. وفي الولوالجية: استأجر أرضا ليلبن فيها فالاجارة فاسدة ثم هي على وجهين: إن كان للتراب قيمة ضمن قيمته ويكون اللبن له، وإن لم يكن له قيمة فلا شئ عليه واللبن له وضمن نقصان الارض إن نقصت. وفي فتاوي قارئ الهداية: إن إجارة الارض المشغولة بزرع الغير إن كان الزرع بحق بأن كان بأجرة لا يجوز أن يأجر ما لم يستحصد الزرع إلا أن يؤجرها مضافة إلى المستقبل، وإن كان الزرع بغير مستند شرعي صحت الاجارة لان الزرع في هذه الصورة واجب القلع فإن المؤجر في هذه الصورة قادر على تسليم ما أجره ويجب صاحب الزرع على قلعه سواء أدرك أم لا لانه لا حق لصاحبه في إبقائه اه‍. والدار المشغولة بمتاع الساكن الذي ليس بمستأجر تصح إجارتها وابتداء المدة من حين تسليمها فارغة، كذا في القنية. وفي الخلاصة: ولو أجر الارض المزروعة ثم سلمه بعد ما فرغ وحصد ينقلب جائزا، ولو قال المستأجر أجرت منك الارض وهي فارغة وقال المؤجر لا بل هي مشغولة

[ 19 ]

[ على أن يزرع ما شاء وللبناء والغرس إن بين مدة فإن مضت المدة قلعهما وسلمها فارغة ] بزرعي يحكم الحال، كذا في المنتقي. وفي فتاوي الفضلي: القول قول الآجر اه. وللمستأجر الشرب والطريق لانه لا ينتفع بعقد الاجارة إلا بهما بخلاف المبيع لان المقصود ملك الرقبة لا الانتفاع ولهذا صح بيع الجحش الصغير والارض السبخة. وفي شرح الطحاوي: وإن أجر المستأجر بأكثر مما استأجر فإن كانت الاجرة من جنس ما استأجر به ولم يزد في الدار شيئا لا تطيب له الزيادة ويتصدق بها، فإن زاد شيئا آخر طابت له الزيادة أو أجر بخلاف جنس ما استأجر به والكنس ليس بزيادة. قال رحمه الله: (وللبناء والغرس إن بين مدة) يعني جاز استئجار الارض للبناء والغرس إن بين مدة لان المنفعة معلومة والمدة معلومة فتصح كما لو استأجرها للزراعة. وفي المحيط: دفع أرضه لرجل ليغرس أشجارا على أن تكون الارض والشجر بينهما نصفين لم يجز والشجر لرب الارض وعليه قيمة الشجر وله أجر ما عمل ولا يؤمر بقلعه، وهذه إجارة فاسدة لانه جعل أجرة ما يخرج من العمل وعلى رب الارض قيمة الاشجار لانه صار مستقرضا للاشجار منه وتقايضا لها حكما واستقراض الاشجار لا يجوز فيكون قرضا فاسدا فيوجب الملك إذا اتصل به القبض. وفي القنية من الوقف: ولا يجوز استئجار السبيل ليبني به غرفة لنفسه إلا أن يزيد في الاجرة ولا يضر بالبناء، وإن كان لا يرغب المستأجر إلا على هذا الوقف جاز من غير زيادة في الاجرة إذا قال القيم أو المالك أذنت له في عمارتها فعمر بإذنه يرجع عليه وعلى الوقف. هذا إذا كان يرجع نفعه إلى الوقف والمالك، وإن كان يرجع إلى المستأجر وفيه ضرر كالبالوعة والتنور فإنه لا يرجع إلا إذا شرط الرجوع. قال رحمه الله: (فإن مضت المدة قلعهما وسلمها فارغة) يعني إذا مضت مدة الاجارة قلع البناء والغرس وسلم الارض إلى المؤجر فارغة لان يجب عليه تفريغها وتسليمها إلى صاحبها فارغة وذلك بقلعها في الحال لانه ليس له غاية تعلم بخلاف ما إذا كانت للزراعة وانقضت المدة والزرع لم يدرك حيث يترك على حاله إلى الحصاد بأجر المثل لان له غاية معلومة فأمكن مراعاة الجانبين، وبخلاف ما إذا مات أحد المتعاقدين في المدة والزرع لم يدرك بحيث يترك بالاجرة على حاله إلى الحصاد وإن بطلت الاجارة فكان تركه بالمسمى وإبقاء العقد على ما كان أولى من النقض وإعادته، وبخلاف ما إذا غصب أرضا وزرعها حيث يأمر بالقلع وإن كان له نهاية لان ابتداء فعله وقع ظلما والظلم يجب إعدامه لا تقريره. والقياس أن يقلع في الامور كلها لان الارض ملكه فلا تؤجر بغير إذنه. ووجه الاستحسان وهو الفرق بين البناء والغرس والزرع ما تقدم. وفي القنية والخصاف: استأجر أرضا وقفا ليبني فيها أو يغرس ثم مضت مدة الاجارة فللمستأجر أن يستبقيها بأجرة المثل إذا لم يكن في ذلك ضرر، ولو أبى الموقوف عليه إلا القلع فليس له ذلك اه‍. ومن هنا علم حكم الاستحكار وهذا وارد على إطلاق المؤلف. وفي المحيط: وإذا

[ 20 ]

[ إلا أن يغرم المؤجر قيمته مقلوعا ويتملكه أو يرضى بتركه فيكون البناء والغرس لهذا والارض لهذا والرطبة كالشجر والزرع يترك بأجرة المثل إلى أن يدرك والدابة للركوب والحمل والثوب للبس فإن أطلق أركب وألبس من شاء وأن قيد براكب ولابس مخالف ] انقضت المدة وفي الارض غراس أو رطبة يؤمر بالقلع لانه ليس لها نهاية. قال رحمه الله: (إلا أن يغرم المؤجر قيمته مقلوعا ويتملكه) يعني إذا مضت المدة يجب عليه قلع البناء والغرس إلا أن يغرم المؤجر قيمة ذلك إلى آخره. هذا إذا كانت الارض تنتقص بالقلع لان الواجب دفع الضرر عنهما فيدفع الضرر عن صاحب الغرس والبناء بدفع القيمة له وعن صاحب الارض بالتملك بالقيمة، وإن كانت لا تنتقص فليس له ذلك إلا برضا صاحبه لاستوائهما في ثبوت الملك وعدم المرجح. وليس لرب الارض أن يتملك الغراس جبرا على صاحبه إذا لم يكن في قلعهما ضرر فاحش. قال رحمه الله: (أو يرضى بتركه فيكون البناء والغرس لهذا والارض لهذا) لان الحق لرب الارض فيترك ذلك بأجرة أو بغير أجرة، فإن تركها عارية فله أن يؤاجرها لاجنبي. وفي القنية من الوقف: بنى في الدار بغير إذن القيم ونزع البناء يضر بالوقف يجبر القيم على دفع القيمة للباني ويجوز لمستأجر الوقف غرس الاشجار والكرم بغير إذن إذا لم يكن يضر بأرض الوقف، ويجوز للمتولي الاذن في أرض الوقف فيما يزيد فيها خيرا قال رحمه الله: (والرطبة كالشجر) وقد تقدم بيانه. قال رحمه الله: (والزرع يترك بأجرة المثل إلى أن يدرك) وقد تقدم بيانة بخلاف موت أحدهما قبل إدراك الزرع فإنه يترك بالمسمى على حاله إلى الحصاد والمستعير كالمستأجر. وفي القنية: والمراد بقول الفقهاء يترك بأجرة المثل إلى الحصاد بعقد أو بقضاء فلا يجب الاجر إلا بأحدهما وهذا يجب حفظه اه‍. قال رحمه الله: (والدابة للركوب والحمل والثوب للبس) يعني يجوز استئجار هذه الاشياء لما ذكر إذا عين الراكب والحمل أو أطلق لان لها منافع معلومة. قيد بالركوب ليحترز عما إذا استأجرها كما تقدم، وباللبس ليحترز عما إذا استأجر الثوب ليزين به دكانه كما تقدم. وفي الذخيرة: استأجر دابة ليحمل عليها حنطة من موضع كذا إلى منزله وكان كلما رجع يركبها فعطبت الدابة قال أبو بكر الرازي: يضمن لانه استأجرها للحمل دون الركوب فكان غاصبا بالركوب. وقال الفقيه أبو الليث: في الاستحسان لا يضمن لان العادة جرت بين الناس بذلك فصار مأذونا فيه. ثم شرع يبين أنها تارة تكون مطلقة وتارة تكون مقيدة. قال رحمه الله: (فإن أطلق أركب وألبس من شاء) يعني إذا أطلق له الركوب واللبس جاز له أن يركب الدابة ويلبس الثوب من شاء، والمراد بالاطلاق أن يقول على أن تركب من تشاء وتلبس من تشاء اه‍. كلام الشارح. وفسر الاطلاق بهذا تاج الشريعة وصاحب العناية والغاية، وفسر صاحب النهاية والكفاية ومعراج الدراية الاطلاق بأن يقول استأجرتها للركوب ولم يزد عليه أو اللبس ولم يزد عليه. اعلم أن

[ 21 ]

[ ضمن ومثله ما يختلف بالمستعمل وفيما لا يختلف بطل تقييده كما لو شرط سكنى ] استئجار الدابة والثوب على ثلاثة أضرب: الاول أن يقول عند العقد استأجرتها للركوب أو للبس ولم يزد عليه. والثاني أن يزيد في قوله على أن أركب من أشاء وألبس من أشاء. والثالث أن يقول على أن أركب أنا أو فلان أو ألبس أنا أو فلان. ففي الوجه الاول يفسد العقد لان الركوب واللبس مختلفان اختلافا فاحشا، فإن أركب شخصا ومضت المدة تنقلب صحيحة ويجب المسمى استحسانا لانه ارتفع الموجب للفساد وهو الجهالة ولا ضمان عليه إن هلكت لانه غير متعد. وفي الوجه الثاني يصح العقد ويجب المسمى ويتعين أول من يركب، سواء كان المستأجر أو غيره لانه تعين من الاصل فصار كأنه نص عليه ابتداء. وفي الثالث ليس له أن يتعداه لان التعيين مفيد فإذا تعدى صار ضامنا وحكم الحمل حكم الركوب في جميع ما ذكرنا. وفي قاضيخان: استأجرت المرأة درعا لتلبسه ثلاثة أيام إن كان الثوب بدله كان لها أن تلبسه في الايام والليالي، وإن كانت صيانة تلبسه في النهار وفي أول الليل وآخره وليس لها أن تلبسه كل الليل، فإن لبسته كل الليل وباتت فيه حتى جاء النهار برئت من الضمان إن لم يتخرق اه‍. وفي البقالي: استأجر دابة ليحمل عليها فحمل عليها رجلا لا يضمن، ولو استأجر دابة ليطحن عليها وما بين مقدار ما يعمل به فإنه يجوز وله أن يعمل عليها مقدار ما تحمل. وفي المحيط: ينعقد فاسدا فإذا عمل عليها مقدار ما يحمل يعود جائزا ويجب المسمى استحسانا، فظهر أن المشيئة في قوله ما شاء مقيدة بقدر حملها. وفي المحيط: استأجر ثوبا ليلبسه ليذهب إلى مكان كذا فلم يذهب إلى ذلك الموضع ولبسه في غير ذلك الموضع يكون مخالفا ولا أجر عليه. وقال الفقيه أبو الليث: عندي أنه غير مخالف ويجب الاجر الان هذا خلاف إلى خير وليس هذا كمن استأجر دابة ليذهب إلى موضع كذا فركبها في المصر في حوائجه فهو مخالف لان الدابة لا يجوز إيجارها إلا إذا بين المكان وفي الثوب لا يحتاج إلى بيان المكان اه‍. وفي الخلاصة: وإذا تكارى قوم مشاة ابلا على أن المكاري يحمل عليها من مرض منهم أو من أغمى عليه منهم فهذا فاسد. قال رحمه الله: (وإن قيد براكب ولابس فخالف ضمن) يعني إذا عطبت لان التقييد مقيد فتعين فإذا خالف صار ضامنا بالتعدي لان الناس يتفاوتون في الركوب واللبس ولا أجر عليه لان الاجر والضمان لا يجتمعان، وكذا الاجرة عليه إن سلم بخلاف ما إذا استأجر حانوتا وأقعد فيه قصارا أو حدادا حيث يجب الاجر لانه لما سلم تبين أنه لم يخالف، كذا في غاية البيان. واستفيد من كلامه أنه إذا قيد ليس له الاجارة والاعارة كما إذا عمم وليس له الايداع في الاول ولا ضرورة دون الثاني، كذا في فصول العمادي. كما إذا عمي الحمار في الطريق. قال رحمه الله: (ومثله ما يختلف بالمستعمل) يعني يضمن مثله في كل شئ يختلف باختلاف المستعمل إذا كان مقيدا وخالف لما ذكرنا من المعنى. قال رحمه الله: (وفيما لا يختلف

[ 22 ]

[ واحد له إن يسكن غيره وإن سمى نوعا وفدرا ككر بر له حمل مثله وأخف لا أضر ] بطل تقييده كما لو شرط سكنى واحد له أن يسكن غيره) يعني فيما لا يختلف باختلاف ا لمستعمل كالدور للسكنى لا يعتبر تقييده حتى إذا شرط سكنى واحد له أن يسكن غيره لان التقييد لا يفيد لعدم التفاوت وما يضر بالبناء كالحداد والقصار والطحان خارج كما مر. والفسطاط كالدار عند محمد، وعند أبي يوسف مثل اللبس لاختلاف الناس في نصبه وضرب أوتاده واختيار مكانه. قال رحمه الله: (وإن سمى نوعا وقدرا ككرير له حمل مثله وأخف لا أضر كالملح) يعنى لو سمى النوع والقدر فله أن يحمل على الدابة ما هو مثله وأخف كما لو استأجر ليحمل هذه الحنطة وهي قدر معلوم فحمل مثل قدرها وما هو أخف منه كالشعير والسمسم، وليس له أن يحمل عليها ما هو أضر منه كالملح لان الرضا بالشئ يكون رضا بما هو مثله أو دونه عادة لا بما هو أضر منه لانه لا فائدة في إجازة كر حنطة ومنع كر شعير بل الشعير أخف منه فكان أولى بالجواز حتى لو سمى قدرا من الحنطة فحمل عليها من الشعير مثله وزنا ضمن لان الشعير يأخذ من ظهر الدابة أكثر ما تأخذ الحنطة فصار كما لو حمل عليها قربة ماء أو حطب، كذا في النهاية. وقال شيخ الاسلام في شرحه: لا يضمن استحسانا. وقال: وهو الاصح لان ضرر الشعير عند استوائهما في الوزن أخف من ضرر الحنطة لانه يأخذ من ظهر الدابة أكثر مما تأخذ الحنطة فكان أخف عليها بالانبساط، وبه كان يفتي الصدر الشهيد، ولو حمل عليها مثل وزنة حديدا أو ملحا يضمن لانه يجتمع في مكان واحد من ظهر الدابة فيضر بها أكثر، وكذا لا يضمن إذا حمل عليها مثل وزنها قطنا لانه يأخذ من ظهر الدابة أكثر وفيه حرارة، وما ذكرناه وجه الاستحسان. والقياس أنه يضمن في الشعير ونحوه. والحاصل أن الشيئين متى كان في كل واحد منهما ضرر فوق ضرر الآخر من وجه لا يستفاد من الاذن في أحدهما الاذن في الآخر وإن كان هو أخف ضررا من وجه آخر. وفي الاصل: إذا تكارى من رجلا إبلا مسماة بغير عينها إلى مكة فالاجارة جائزة. قال شيخ الاسلام: ليس تفسير المسألة ما ذكرنا بل تفسيرها استأجر المكاري على الحمل فالمقصود عليه الحمل في ذمة المكاري وأنه معلوم والابل آلة وجهالة الآلة لا توجب فساد الاجارة كما في الخياط والقصار وما أشبهة. واستدل على تفسير المسألة بما ذكر أنه لو استأجر عبدا للخدمة لا بعينه لا يجوز. قال الصدر الشهيد: ونحن نفتي بالجواز كما ذكر في لكتاب من غير تأويل. وفي الذخيرة: استأجر دابة إلى كذا ودفع له الدابة لا يجبر رب الدابة أن يرسل غلامه معها. قال محمد: يؤمر بأن يرسل غلامه معها. قال شيخ الاسلام: إن شاء لانه لا يجبر عليه. وفي الصيرفية: استأجر دابة بعينها للحمل فحمل المكاري على غيرها لا يستحق الاجرة ويكون متبرعا. وفي الفتاوي: تكارى دابة إلى موضع معلوم بأربعة دراهم على أن يرجع في يومه فلم يرجع إلى خمسة أيام قال: يجب درهمان أجرة الذهاب لانه مخالف في الرجوع. ولو استأجر دابة إلى مكة

[ 23 ]

[ كالملح وإن عطبت بالارداف ضمن النصف وبالزيادة على الحمل المسمى ما زاد ] فهو على الذهاب، وفي الغاية على الذهاب والرجوع. وفي فتاوي: هو استأجر دابة ليحمل عليها مائة من الحنطة فمرضت فلم تطق إلا خمسين فحمل عليها هل يرجع على المكاري بحصة ذلك؟ قال القاضي بديع الدين: لا يرجع لانه رضي بذلك. وفي جامع الفتاوي: استأجر دابة يوما وانتفع بها فأمسكها وقد ورم بطنها أو اعتلت فتركت في الدار الذي هو فيما فماتت غرم. وفي العتابية: تكارى قوم مشاة إبلا على أن المكاري يحمل من مرض منهم أو من أعيا منهم فالاجارة فاسدة. وفي الاصل: ولو شرطوا عليه أن يركب واحد منهم فيه ثم يركب الآخر وهكذا فذلك جائز. وفي الخلاصة: تكاري على دخول عشرين يوما إلى موضع كذا فما دخل إلا في خمسة وعشرين يوما قال: يحط عنه من الاجرة بحساب ذلك ويستقيم على قول أبي يوسف ومحمد اه‍. وفي الخلاصة: رجل اكترى إبلا للحج ثم اختلفوا في وقت الخروج فالقول في ذلك قول من يريد الخروج في الوقت المعروف للخروج اه‍. وفي المحيط: تكارى دابة بغير عينها إلى موضع كذا لم يجز لان هذا عقد واحد والمعقود عليه في كل مجهول جهالة تؤدي إلى النزاع. استأجر دابة إلى موضع كذا وضعفت قبل الوصول فعليه أن يأتي بغيرها لان العقد لا ينفسخ في هذه الحالة، وإن كانت بعينها فليس عليه أن يأتي بغيرها فيفسخ العقد، ولو استأجر رجل دابتين بعشرة صفقة واحدة ليحمل عليها عشرين قفيزا فحمل على كل دابة عشرة يقسم الاجر على أجر مثل كل دابة اه‍. قال رحمه الله: (وإن عطبت بالارداف ضمن النصف) يعني إذا استأجر دابة فأردف عليها غيره ضمن نصف القيمة ولا يعتبر بالثقل لان الدابة يعقرها الراكب الخفيف ويخف عليها ركوب الثقيل لعلمه بالفروسية، ولان الآدمي غير موزون فلا يمكن معرفته بالوزن فيتعلق الحكم بالعدد كالجناية في باب الجناية. هذا إذا كانت الدابة تطيق حمل الاثنين، وإن كانت لا تطيق ضمن جميع قيمتها، ذكره في الكافي. قالوا: هذا إذا كان الرديف يستمسك بنفسه، وإن كان صغيرا لا يستمسك بنفسه يضمن بقدر ثقله. قال في النهاية: قيد بالرديف احترازا عما إذا حمله على عاتقه فإنه يضمن جميع القيمة لان ثقله مع الذي حمله يجتمعان في مكان واحد فيكون أشق على الدابة. وقال الحدادي: الرديف مثال وليس بقيد حتى لو جعل المستأجر نفسه رديفا وغيره أصيلا فالحكم واحد. وفي غاية البيان: قيد بكونه رديفا لانه لو أقعد الاجنبي في السرج صار غاصبا ولم يجب عليه شئ من الاجرة. قال قاضيخان: استأجر دابة ليركبها إلى موضع كذا فحمل عليها صبيا صغيرا فعطبت ضمن قيمتها كما لو حمل عليها حملا. وأطلق في ضمان النصف فشمل ما إذا هلكت قبل الوصول أو بعده قال وعليه جميع الاجرة إذا هلكت بعدما بلغ مقصده ونصف القيمة إذا هلكت قبله. وفي المحيط: إذا عطبت بعد البلوغ من الركوب فعليه الاجر كاملا ونصف القيمة كان الرديف أخف أو أثقل، أما الاجرة فلانه استوفى المعقود

[ 24 ]

عليه، وأما الضمان فلان التلف حصل بركوبهما ولم يبين من عليه الضمان فالمالك بالخيار إن شاء ضمن الرديف وإن شاء ضمن المستأجر، فإن ضمن المستأجر لا يرجع بما ضمن، وإن ضمن الرديف يرجع إن كان مستأجرا وإلا فلا. وفي الخانية: فإذا أراد صاحب الدابة أن يضمن الرديف نصف القيمة كان له ذلك. وفي التتارخانية: استأجر دابة ليحمل عليها عشرة أقفزة فأجرها من غيره فحمل عليها عشرين فتلفت يخير المالك في التضمين إن شاء ضمن الثاني ويرجع على الاول لانه غره، وإن ضمن الاول لا يرجع على الثاني اه‍. وأقول: ينبغي أن يفصل بأنه إن علم أنه مستأجر لما ذكر ينبغي أن لا يرجع على الاول، وإن علم أنه مالك أو لم يعلم ينبغي أن يرجع. وأطلق المؤلف في الارداف فشمل ما إذا أردف في كل المدة أو بعضها. وفي المحيط: استأجر دابة ذاهبا وراجعا بعلفها فركبها ذاهبا وحمل عليها متاعا وأردف آخر راجعا فعليه أجرة مثلها في الذهاب لان الاجارة وقعت فاسدة لجهالة العلف، وفي الرجوع ركبها اثنان فهلكت فعليه نصف القيمة ولما زاد من الحمل ويعرف ذلك بالرجوع إلى أهل الخبرة. وهذا إذا لم يركب على الحمل، إما إذا ركب عليه يضمن جميع قيمتها لانه يحتمل ثقله وثقل الحمل عليها. ولو استأجر محمل الولد معها فتلفت ضمن بقدر الولد، وكذا لو ولدت الناقة فحمل ولدها عليها. وقيد بالعطب لانها لو سلمت يجب عليه الاجر تماما. قال رحمه الله: (وبالزيادة على الحمل المسمى ما زاد) يعني إذا استأجر دابة ليحمل عليها قدرا فحمل عليها أكثر منه فعطبت يضمن ما زاد بالثقل لانها هلكت بمأذون وغيره فانقسم عليهما. هذا إذا كانت الدابة تطيق ذلك، فلو كانت لا تطيق مثله يضمن جميع القيمة لعدم الاذن فيه. هذا إذا حمل المسمى وزاد عليه، وإن حمل عليها غيره فهلكت وجب عليه جميع القيمة لعدم الاذن. قال الاكمل: ونوقض بما إذا استأجر ثورا ليطحن عليه مقدارا فزاد فهلك يضمن جميع القيمة وإن كانت الزيادة من جنسه، وفرق بينهما بأن الطحن يكون شيئا فشيئا فإذا طحن القدر المسمى فقد انتهى الاذن وبطحن غيره معه فقد تعدى فيضمن جميع القيمة. قيد بكونه زاد على المعتاد لانه إن زاد على المسافة فهلكت يضمن جميع القيمة لعدم الاذن في الزيادة. وقيد بكونه حمل عليها لان رب الدابة لو كان هو الذي حمل عليها فلا ضمان على المستأجر. قال في الذخيرة: استأجر دابة ليحمل عليها عشرة مخاتيم من الحنطة فجعل في الجوالق عشرين من الحنطة وأمر المكاري أن يحمل هو عليها فحمل هو ولم يشاركه المستكري فهلكت لا ضمان عليه أصلا، ولو حمل ذلك عليها رب الدابة والمستكرى جميعا ووضعاه على ظهر الدابة فهلكت الدابة ضمن المستكري ربع القيمة. هذا إذا كان في جولق واحد، ولو جعلها في جولقين وحمل كل واحد منهما جولقا ووضعا على الدابة جميعا لا يضمن المستأجر شيئا ويجعل حمل المستأجر ما كان مستحقا له بالعقد اه‍. وفي الخلاصة: هذا إذا حمل المستأجر أولا، وإن حمل رب الدابة أولا ثم المستأجر فهلكت ضمن نصف القيمة. وفي الاصل: إذا استأجر دابة ليركبها فلبس من الثياب

[ 25 ]

[ وبالضرب والكبح ونزع السرج والاكاف أو الاسراج بما لا يسرج بمثله وسلوك طريق ] أكثر مما كان يلبس وركب الدابة فهلكت، إن لبس ما يلبس الناس فلا ضمان عليه، وإن لبس ما لا يلبسه الناس ضمن ما زاد بحسابه. وفي الخانية: استأجر دابة ليركبها إنسانا فأركبها امرأة بآلة أو رجلا بسرج فهلكت لا ضمان عليه ولا على الراكب إلا أن يعلم أن مثل الدابة لا تطيق ذلك فيضمن جميع القيمة. وفي الاصل: استأجر حمارا بسرج فأسرجه بسرج لا يسرج به مثله فهو ضامن مقدار ما زاد باتفاق الروايات، وإن كان أخف من الاول أو مثله فلا ضمان عليه. هذا إذا كانت الدابة توكف بمثله، وإن كانت لا توكف بمثله يضمن جميع القيمة. وفي قاضيخان: وإن تلفت فله الاجرة تماما، ولو علم أنها تطيق فبلغ فله تمام الاجرة، وإذا هلكت يضمن ولا تجب الاجرة. هذا إذا جعل الاقل والزيادة في جولق واحد، ولو جعل الزيادة في جولق منفردة وحملها ضمن القيمة. وفي المحيط: استأجر دابة ليحمل عليها امرأة فولدت فحمل ولدها معها عليها يضمن بقدر الولد. قال رحمه الله: (وبالضرب والكبح) أي يضمن إذا هلكت منهما. وفي المغرب: الكبح ضرب الدابة باللجام وهو أن يجذبها إلى نفسه. وهذا عند الامام. وقالا: لا يضمن إذا فعل فعلا معتادا لان المطلق يدخل تحت المتعارف فكان هالكا بالمأذون به. وللامام أن المتعارف مقيد بشرط السلامة لان السوق يتحقق بدونه وإنما تضرب للمبالغة، وهذا بخلاف ما إذا ضرب العبد المستأجر للخدمة حيث يضمن بالاجماع. والفرق لهما أنه يؤمر وينهى لفهمه فلا ضرورة إلى ضربه. وظاهر ما في الهداية أن للمستأجر الضرب ولا إثم عليه. وفي غاية البيان: إن ضرب الدابة يكون متعديا للضمان وفيها موجبا أن الامام رجع إلى قولهما. وأما ضرب دابة نفسه فقال في القنية: لا يضربها أصلا وإن كانت ملكه ثم قال: لا يخاصم ضارب الحيوان فيما يحتاج إليه للتأديب ويخاصم فيما زاد عليه، وعلى هذا الخلاف المذكور ضرب الاب أو الوصي للصغير إذا لم يجاوز ضرب مثله للتأديب حيث تجب الدية والكفارة عنده، وعندهما لا تجب الدية لان الضرب لاصلاح الصغير متعارف وفيه منفعة له فكان كضرب المعلم بل أولى بخلاف ضرب الزوج لانه لمنفعة نفسه فيشترط فيه السلامة. وللامام أن منفعة الصغير كالواقع له لقيام البعضية بينهما ألا ترى أن الشهادة له جعلت كشهادته لنفسه، وبخلاف ضرب المعلم بإذن الاب لان الاذن من الاب صحيح لما له من الولاية، وإذا صح كان الاب معينا ولا ضمان على المعين. وليس له أن يضرب أخيه الصغير على ترك الصلاة. وأطلق في الضرب والكبح وهو محمول على ما إذا كان بغير إذن صاحبها ففي التتارخانية: استأجرها ليركبها فضربها فماتت. فإن كان بإذن صاحبها وأصاب الموضع لا يضمن بالاجماع. وفي العتابية: فإن عنف في السير ضمن إجماعا، والمعلم والمؤدب واستاذ الحرفة يضمن بالضرب فإن كان بإذن لم يضمن اه‍. وفي جامع الفصولين: استأجر حمارا لحمل متاع ولم يكن صاحب المتاع معه فمرض الحمار في

[ 26 ]

[ غير ما عينه وتفاوتا وحمله في البحر الكل وإن بلغ فله الاجر وبزرع رطبة وإذن بالبر ما ] الطريق فترك الحمار صاحبه وترك المتاع لم يضمن للضرورة والعذر. قال رحمه الله: (ونزع السرج والاكاف أو الاسراج بما لا يسرج بمثله) يعني لو استأجر حمارا مسرجا فنزعه وأسرجه بسرج لا يسرج يمثله الحمير أو أوكفه بذلك فتلف يضمن جميع القيمة لان الاذن يتناول ما يسرج يمثله دون ما لا يسرج بمثله فيكون متعديا فيضمن، وإن أسرج بسرج يسرج مثله به لا يضمن. وقوله بما لا يسرج بمثله قيد بالسرج لا للاكاف لانه يضمن مطلقا، سواء كان يوكف بمثله أو لا، وهذا قول الامام. وقالا: الاكاف كالسرج مطلقا لا يضمن إذا كان يوكف بمثله إلا إذا كان زائدا على السرج الذي عليه فيضمن بقدر الزيادة كما في السرج لانه هو والسرج سواء. والجواب أن الجنس يختلف لان الاكاف للحمل والسرج للركوب، وكذا ينبسط أحدهما على ظهر الدابة ما لا ينبسط الآخر فصار كاختلاف الحنطة والشعير. قال في النهاية: ذكر في الاجارة أنه يضمن بقدر ما زاد وهو قولهما، فمن المشايخ من قال ليس في المسألة روايتان عن الامام، ومنهم من قال عن الامام روايتان: في رواية يضمن بقدر ما زاد، وفي رواية يضمن جميع القيمة وهو الاصح. وتكلموا في معنى قولهما يضمن بحسابه قال بعضهم إذا كان السرج يأخذ من ظهر الدابة قدر شبرين والاكاف قدر أربعة أشبار فيضمن بحسابه، وقيل يعتبر بالوزن. قال قاضيخان: وهذا إذا استأجر الحمار مسرجا، فلو استأجره عريانا فالمسألة على وجوه: إن استأجره من البلد إلى البلد لا يضمن لان الحمار لا يركب بينهما إلا بسرج أو إكاف، فإن استأجره ليركب في المصر، فإن كان من ذوات المقامات فكذلك فإنه من عادته أن لا يركب عريانا، وإن كان من العوام الذين يركبون في المصر عريانا ففعل يضمن اه‍. أقول: ينبغي أن يقال فيما إذا استأجر من القرية إلى القرية إن كان المستأجر ممن جرت العادة أن يركب من القرية إلى القرية عريانا كما يشاهد في ديارنا، فإذا أسرجه يضمن وإلا فلا. وفي المحيط: استأجر حمارا بغير لجام فألجمه بلجام مثله لا يضمن لان اللجام وضع للحفظ فلابد للراكب منه فيصير مأذونا للجام دلالة إلا إذا كان الحمار لا يلجم بمثله اه‍. وفي التتارخانية: ولو هلكت المستأجرة عند المستأجر فاستحقها رجل يضمن المستأجر قيمة ذلك ويرجع على المؤجر كما ضمن اه‍. قال رحمه الله: (وسلوك طريق غير ما عينه وتفاوتا) يعني يجب الضمان إذا عين للمكاري طريقا وسلك هو غيرها وكان بينهما تفاوت بأن كان المسلوك أوعر أو أبعد أو أخوف بحيث لا يسلك لان التقييد حينئذ مقيد، فإذ ا خالف حينئذ فقد تعدى فيضمن قيمته إن هلك، وإن لم يهلك وبلغ فله الاجر استحسانا لارتفاع الخلاف، ولا يلزم اجتماع الضمان والاجرة لانها في حالتين. ونظيره العبد المحجور عليه إذا أجر نفسه، فإن تلف في العمل يجب على المستأجر الضمان، وإن سلم يجب عليه الاجر، وإن كان الطريق يسلكه الناس وهلك المتاع

[ 27 ]

[ نقص ولا أجر له وبخياطة قباء وأمر بقميص فله قيمة ثوبه وله أخذ القباء ودفع أجرة مثله. ] فلا ضمان عليه لان الظاهر فيما يسلكه الناس عدم التفاوت. قال في الهداية والكافي: هذا إذا لم يكن بين الطريقين تفاوت لان عند عدم التفاوت لا يصح التعيين لعدم الفائدة، أما إذا كان بينهما تفاوت يضمن لصحة التقييد فجعلاه كالطريق الذي لا يسلكه الناس. فإن قلت: ما الفرق بين هذا حيث إذا سلم يجب الاجر وبين ما إذا استأجر دابة لركوب معين. فإن ركب غيره وسلمت حيث لا أجر عليه كما في الخلاصة والحدادي والفتاوي العتابية قلت: الفرق أنه هنا وافق من وجه لان المقصود وصول المتاع إلى ذلك المكان، وهناك لم يحصل المقصود لان المقصود ركوب المعين ولم يحصل، ولا يخفي أن قوله وتفاوتا ليس بقيد احترازي لانه لو ذهب إلى مكان غير ما عينه يضمن ولو كان أقرب. قال في الينابيع: استأجر دابة إلى موضع كذا فركبها إلى مكان أقرب منه فعطبت ضمن قيمتها اه‍. زاد في المحيط في باب الراعي: ولو سلم فلا أجر له لان رب طريق يفسد الدابة السير فيها يوما لصعوبتها وطريق لا يفسد الدابة السير فيها شهرا لسهولتها فاختلف جنس المنفعة فاستوفى جنس آخر فلا يجب الاجر. فهذه رواية تخالف ما تقدم. وفي الخلاصة: ولو نزل وتهيأ له الارتحال فلم يرتحل حتى أفسد المطر المتاع يضمن إلا إذا كان المطر عاما. وفي الخلاصة: إذا أفسد المطر المتاع على ظهر الدابة أو سرق لا يضمن. قال رحمه الله: (وحمله في البحر الكل وإن بلغ فله الاجر) يعني لو عين عليه أن يحمله في البر فحمله في البحر إن هلك القماش ضمن، وإن سلم فله الاجر. وفي الخلاصة: ولو كان البحر يسلكه الناس ولهذا أطلقه المؤلف قال الاتقاني: السماع بلغ بالتشديد وقوله الكل عائد إلى المسائل التي تقدمت كلها من قوله وبالضرب اه‍. قال رحمه الله: (وبزرع رطبة وإذن بالبر ما نقص) يعني إذا قيد عليه بأن يزرع حنطة فزرع رطبة يجب عليه ضمان نقصان الارض لان الرطبة أكثر ضررا من الحنطة لانتشاب عروقها فيها وكثرة الحاجة إلى سقيها فكان خلافا إلى شر لاختلاف الجنس فيجب عليه النقصان بخلاف ما إذا استأجر دابة للركوب أو الحمل فأردف غيره أو زاد حيث يجب عليه من الضمان بحسابه لانه تلف بما هو مأذون فيه وبما هو غير مأذون فيه. قال رحمه الله: (ولا أجر) يعني ولا يجب الاجر لانه لما خالف صار غاصبا واستوفى المنفعة بالغصب فلا تجب الاجرة لان الضمان والاجرة لا يجتمعان، وإن زرع فيها ما هو أقل ضررا من الحنطة لا يجب الضمان وتجب الاجرة لانه خلاف إلى خير فلا يصير به غاصبا. وأقول: ينبغي أن يرجع قوله ولا أجر لجميع المسائل التي قيد فيها، والتقييد مقيد إذا خالف. قال رحمه الله: (وبخياطة قباء وأمر بقميص فله قيمة ثوبه وله أخذ القباء ودفع أجرة مثله) يعني إذا أمره أن يخيط ثوبه قميصا فخاطه قباء فرب الثوب بالخيار إن شاء ضمنه قيمة ثوبه، وإن شاء أخذه ودفع له أجرة مثله أي مثل القباء. القباء القرطف الذي يلبسه

[ 28 ]

[ باب الاجارة الفاسدة ] الاتراك مكان القميص وهو ذو طاق واحد. قال ظهير الدين: القميص إذا قد من قبل كان قباء طاق إذا خيط جانباه كان قميصا. قيد بالقباء لانه لو خاطه غير قباء لا يثبت له خيار بل يضمنه القيمة حتما، وقيل: له الخيار في الكل. ووجه ما ذكر أنه قميص من وجه لانه يمكنه سده والانتفاع به انتفاع القميص فصار موافقا من هذا الوجه وهو مخالف من حيث القطع فيخير كما ذكرنا. وإذا أخذ القباء يدفع أجرة مثله لا يتجاوز به المسمى ولو خاطه قميصا مخالفا لما وصفه له يخير فإذا أخذه فله أجر مثله لا يتجاوز به المسمى، ولو خاطه سراويل وقد أمره بالقباء يضمن من غير خيار للتفاوت في المنفعة والهيئة وقيل يخير وهو الاصح لوجود الاتحاد في أصل المنفعة وهو الستر فصار كما لو دفع لرجل نحاسا وأمره أن يضرب له شيئا من الاواني فضربه له بخلافه فإنه يخير. وفي التتارخانية: إذا أمر إنسانا أن ينقش اسمه في فص خاتمه فغلط فنقش اسم غيره ضمن الخاتم. وفي الغياثية: وإن شاء صاحب الخاتم أخذه وأعطاه مثل أجر عمله لا يزاد على المسمى، ولو دفع إلى نجار بابا وأمره أن ينقشه كذا ففعل غير ما أمره به فله الخيار كما تقدم، وإن وافق أمره إلا قليلا فلا. وإن أجره أن يحمر له بيتا فخضر فالمالك بالخيار إن شاء أعطاه ما زادت الخضرة فيه ولا أجر له، وإن شاء ضمنه قيمته. ولو دفع ثوبه إلى صباغ ليصبغه بزعفران فصبغه بغير ما سمى فصاحب الثوب بالخيار إن شاء ضمنه قيمة ثوب أبيض وسلمه إليه، وإن شاء أخذ الثوب وأعطاه أجرة مثل عمله لا يتجاوز به المسمى. وفي الغياثية: لو اختلف في كيفية الصبغ قبل العمل مخالفا ويفسخ العقد، وإن بعد العمل فالقول لرب الثوب. ولو دفع إلى حائك عزلا لينسجه كذا فخالف فإما أن يكون الخلاف من حيث القدر أو من حيث الصفة، ولا يخلو إما أن يكون إلى زيادة أو نقصان، وفي الفصول كلها صاحب الثوب بالخيار إن شاء ترك الثوب وضمنه عزلا، وإن شاء ضمنه الثوب وأعطاه أجرة المثل إلا يتجاوز به المسمى. وفي الخلاصة: رجل دفع إلى خياط ثوبا فقال اقطعه حتى يصل القدم وكمه خمسة أشبار وعرضه كذا فجاء به ناقصا، فإن كان قدر أصبع ونحوه فليس بنقصان، وإن كان أكثر يضمنه. ولو قال للخياط انظر إلى هذا الثوب إن كفاني قميصا أقطعه وخطه بدرهم فقطعه ثم قال لا يكفيك يضمن الثوب، ولو قال انظر يكفيني قيمصا قال نعم قال اقطعه فقطعه ثم قال لا يكفيك لا يضمن والله أعلم. باب الاجارة الفاسدة لما فرغ من بيان الاجارة الصحيحة شرع في بيان الفاسدة وفي بيان ما يكون مفسدا، ولا يخفى أن ذكر الاجارة الفاسدة بعد صحيحها لا يحتاج إلى معذرة فهي في محلها كما لا يخفى. وعبر بالفاسد دون الباطل لكثرة فروعه، وذكر خلاف ما ترجم له فكان عليه أن

[ 29 ]

[ يفسد الاجارة الشرط وله أجر مثله لا يتجاوز به المسمى فإن أجر دارا كل شهر بدرهم ] يقول الفاسدة العقد المشتمل على منفعة لاحد المتعاقدين أو جهالة لان الفقيه نظير للاحكام والفاسد ما كان مشروعا بأصله دون وصفه. وبين الفاسد والباطل فرق ههنا، فالباطل ما ليس مشروعا أصلا وحكمه أن لا يجب فيه بالاستعمال أجر بخلاف الفاسد فإنه يجب فيه بالاستعمال الاجر، كذا في الحقائق. وفي جامع الفصولين: بين البيع الفاسد والاجارة الفاسدة فرق، فإن الفاسد من البيع يملك بالقبض والفاسد من الاجارة لا يملك بالقبض حتى إذا قبضها المستأجر لا يملكها، ولو أجرها يجب أجر المثل ولا يكون غاصبا، وليس للاول أن ينقض هذا العقد، كذا في الخلاصة. قال رحمه الله: (يفسد الاجارة الشرط) قال في المحيط: كل جهالة تفسد البيع تفسد الاجارة لان الجهالة المتمكنة في البدل أو المبدل تفضي إلى المنازعة، وكل شرط لا يقتضيه العقد وفيه منفعة لاحد المتعاقدين يفضي إلى المنازعة فيفسد الاجارة. وفي الغياثية: الفساد قد يكون لجهالة قدر العمل بأن لا يعين محل العمل، وقد يكون لجهالة قدر المنفعة بأن لا يبين المدة، وقد يكون لجهالة البدل أو المبدل، وقد يكون لشرط فاسد مخالف لمقتضى العقد، فالفاسد يجب فيه أجرة المثل لا يزاد على المسمى إن سمى وإلا فأجر المثل بالغا ما بلغ، وفي الباطل لا تجب الاجرة والعين غير مضمونة في يد المستأجر، سواء كانت صحيحة أو فاسدة أو باطلة اه‍. قال الشارح: لانها بمنزلة البيع ألا ترى أنها تقال وتفسخ فتفسد بالشروط. وفي الخلاصة: رجل استأجر دارا شهرا بعشرة على أنه إن سكن فيها يوما فبعشرة فسدت الاجارة، وكذ لو استأجر دابة إلى بغداد على أنه إن حمل كذا فبأجرة كذا، وإن حمل كذا فبأجرة كذا، وكذا لو استأجر أرضا على أنه إن زرع كذا فبإجرة كذا اه‍. وفي المحيط: لو استأجر دارا بكذا على أن يعمرها فالاجارة فاسدة. ولا يخفى أن المراد بالشرط الفاسد هو الذي لا يلايم العقد كما مر في البيع. أما الشرط الملايم فإنه لا يفسد العقد. وبهذا ظهر أن الاجارة الواقعة في مصر في الوقف في زماننا على أن المغارم وكلفة الكاشف على المستأجر فاسدة كما لا يخفي. قال رحمه الله: (وله أجر مثله لا يتجاوز به المسمى) لا يخفي أن العقد الفاسد في الاجارة له حكمان: وجوب الدفع والضمان إذا انتفع، ووجوب الدفع مقدم على وجوب أجرة المثل فكان عليه أن يقدم الحكم المتقدم على المتأخر ولكن اهتم بالضمان فقدمه وترك قيدا وهو أن يقول فإن انتفع فله الاجر. وأشار بقوله لا يتجاوز به المسمى إلى أن الفساد ليس لجهالة المسمى أو لعدم التسمية، فلو كان الفساد لواحد منهما يجب أجر المثل بالغا ما بلغ، وكذا إذا كان بعضه معلوما وبعضه مجهولا مثل أن يسمى دابة أو ثوبا أو عشرة دراهم. والظاهر من كلام الماتن والشارح أن الفساد إذا كان لغير جهالة المبدل لا يجب أجر المثل بالغا ما بلغ بل لا يزاد على المسمى وليس كذلك، لانه إذا كان البدل معلوما وفيه منفعة لاحد

[ 30 ]

[ صح في شهر واحد إلا أن يسمي الكل وكل شهر سكن ساعة منه صح فيه وإن ] المتعاقدين يجب أجر المثل بالغا ما بلغ كذا في قاضيخان وغيره. قالوا: لو استأجر حماما أو غيره بمال معلوم بشرط أن يرمه، وكذا إذا استأجر دارا بشرط أن لا يسكنها فالاجارة فاسدة، ويجب عليه إن سكنها أجرة المثل بالغا ما بلغ. وقال زفر والشافعي: يجب أجر المثل بالغا ما بلغ في الكل إذا كان الفساد لجهالة البدل أو لعدم التسمية، ولنا أن المنافع غير متقومة بنفسها لان التقوم يستدعي سابقة الاحراز وما لا بقاء له لا يمكن إحرازه فلا يتقوم وإنما يتقوم بالعقد الشرعي للضرورة، فإذا فسدت الاجارة وجب أن لا تجب الاجرة لعدم العقد الشرعي إلا أن الفاسد من كل عقد ملحق بصحيحه لكونه تبعا له ضرورة فيكون له قيمة في قدر ما وجد فيه شبهة العقد وهو قدر المسمى فيجب فيه المسمى بالغا ما بلغ، وفيما زاد على المسمى لم يوجد فيه عقد ولا شبهة عقد فلا يتقوم ويبقى على الاصل. قوله وله أجر الظاهر من قول المؤلف وله أجر مثله أنه هو الواجب وليس كذلك. قال جمهور الشارحين: الواجب الاجارة في الفاسدة الاقل من أجرة المثل ومن المسمى، وهو في الذخيرة وفتاوي قاضيخان. قال رحمه الله: (فإن أجر دارا كل شهر بدرهم صح في شهر واحد إلا أن يسمى الكل) لان كلمة كل إذا دخلت على مجهول وأفراده غير معلومة انصرف إلى الواحد لكونه معلوما وفسد في الباقي للجهالة كما إذا باع صبرة من طعام كل قفيز بدرهم فإنه يجوز في قفيز واحد وهذا قول الامام ومهما وافقاه في الشهور وأجازاه العقد في الكل في الصبرة. والفرق لهما أن الشهور لا نهاية لها والصبرة متناهية فترتفع الجهالة بالكيل، وإذا تم الشهر الاول لكل واحد منهما نقض الاجارة بشرط حضور الآخر، وإن كان غائبا لا يجوز بالاجماع، وقيل يجوز عند أبي يوسف. قال تاج الشريعة: لو كان فاسدا فيما بقي من الشهور لجاز الفسخ في الحال قال: قلت الاجارة من العقود المضافة وانعقاد الاجارة في أول الشهر فقيل الانعقاد كيف تفسخ اه‍. ولقائل أن يقول أنتم قررتم في الاجارة الصحيحة أنها تنعقد ساعة فساعة وجاز الفسخ فيها بقدر ما بقي من المستقبل ينبغي أن يكون هنا كذلك. واختلف المشايخ في كيفية الفسخ لكل واحد منهما في رأس الشهر لان رأس الشهر في الحقيقة عبارة عن الساعة التي يهل فيها الهلال، ولا يمكن الفسخ بعد ذلك لمضي وقت الخيار، والصحيح في هذا أحد الطرق الثلاث: أن يقول الذي يريد الفسخ قبل مضي الوقت فسخت الاجارة فيتوقف هذا الفسخ إلى انقضاء الشهر، فإذا انقضى الشهر وأهل الهلال عمل الفسخ حينئذ عمله ونفذ لانه لا يجد نفاذا في وقته لان الفسخ إذا لم يجد نفاذا يتوقف إلى وقته، وبه كان يقول أبو النصر محمد بن سلام. أو يقول الذي يريد الفسخ في هلال الشهر فسخت العقد رأس الشهر فينفسخ العقد إذا هل الشهر أو يفسخ الذي يريد الفسخ في الليلة التي يهل الهلال في يومها،

[ 31 ]

[ استأجرها سنة صح وإن لم يسم أجرة كل شهر وابتداء المدة وقت العقد فإن كان حين ] كذا في النهاية مختصرا. وظاهر الرواية أن لكل واحد منهما الخيار في الليلة الاولى ويومها وبه يفتى، لان في اعتبار الساعات حرجا بينا، والمقصود هو الفسخ في رأس الشهر وهو عبارة عن اليلة الاولى ويومها لان محمدا قال: لو حلف ليقضي فلانا دينه في رأس الشهر فقضاه في الليلة التي يهل فيها الهلال ويومها لم يحنث استحسانا. وظاهر قوله صح في شهر واحد الفساد في الباقي كما تقدم. قال في المحيط: وهذا قول بعضهم والصحيح أن الاجارة كل شهر جائزة، وإطلاق محمد يدل على هذا فيجوز العقد في الشهر الاول والثاني والثالث. وإنما يثبت خيار الفسخ لكل واحد منهما في أول الشهر الثاني لان الاجارة في الشهر الثاني مضافة إلى وقت في المستقبل، ولكن واحد فسخ الاجارة المضافة إلى وقت في المستقبل. وقوله دارا مثال لانه لو استأجر ثورا ليطحن عليه كل يوم بدرهم فالحكم كذلك. قال رحمه الله: (وكل شهر سكن ساعة منه صح فيه) لانه صار معلوما فتم العقد فيه بتراضيهما وهو قول بعض المشايخ وهو القياس. وعلى ما في الاصل إذا سكن يوما أو يومين صح وليس لواحد منهما الفسخ وهو ظاهر الرواية على ما قدمنا. ولو قدم أجرة شهر أو أكثر وقبض المعجل يوما لا يكون لكل واحد منهما الفسخ فيما عجل لان بالتقديم زالت الجهالة في ذلك القدر فصار كالمسمى في العقد. قال في المحيط: الاجارة الطويلة التي تفعل ببخارى صورتها أنهم يؤجرون الدار والارض سنين مدة معلومة متوالية غير ثلاثة أيام في آخر كل سنة على أن كلا منهما بالخيار في ثلاثة أيام من آخر كل سنة ويجعلون لكل سنة أجرة قليلة ويجعلون بقية الاجرة للسنة الاخيرة، الصحيح أن هذا العقد جائز لان هذا ليس بشرط الخيار في الاجارة بل استثناء ثلاثة أيام. قال رحمه الله: (وإن استأجرها سنة صح وإن لم يسم أجرة كل شهر) يعني إذا بين الاجرة جملة جاز العقد لان المنفعة صارت معلومة ببيان المدة والاجرة معلومة وإن لم يبين القسط كل شهر فإذا صح وجب أن يقسم الاجرة على الشهور على السواء، ولا يعتبر تفاوت الاسعار باختلاف الزمان، ولما كانت السنة منكرة أفاد أن هذا المنكر يتعين بقرينة الحال. قال رحمه الله: (وابتداء المدة وقت العقد) يعني ابتداء أول مدة الاجارة الوقت الذي يلي العقد لان في مثله يتعين الزمان الذي يلي العقد كالاجل واليمين لا يكلم فلانا شهرا. ولانه لو لم يتعين عقيب العقد لصارت مجهولة وبه تبطل الاجارة. والظاهر من حالهما أنهما يعقدان العقد الصحيح فتعين عقيب العقد بخلاف الصوم حيث لا يتعين ابتداؤه عقيب اليمين ولا عقيب النذر لان الاوقات في حقه ليست سواء فإنه لا يجوز في الليل ولا يصير شارعا فيه إلا بالعزيمة فلا يتعين عقيب التسبب. هذا إذا كان العقد مطلقا من غير تعيين المدة، وإن بين مدة تعين ذلك وهو ظاهر. قال رحمه الله: (فإن كان حين يهل يعتبر بالاهلة وإلا فالايام) قال

[ 32 ]

[ يهل يعتبر بالاهلة وإلا فالايام وصح أخذ أجرة الحمام والحجام لا أجره عسب التيس ] صاحب النهاية: بضم الياء وفتح الهاء على صيغة البناء للمفعول أي يبصر الهلال وقال: أراد به اليوم الاول اه‍. قال ابن قاضي زاده: وليس المراد بقوله اليوم الاول تفسير معنى حين يهل إذ قد علم معناه من التفسير السابق قطعا بل مراده بذلك بيان أثر قوله حين يهل. وليس المراد معناه الحقيقي بل المراد معناه العرفي وهو اليوم الاول من الشهر اه‍. يعني إذا وقع عقد الاجارة في ليلة الهلال أو في يومها تعتبر المدة بالاهلة، وإن كان بعدما مضي شئ من الشهر يعتبر بالايام وهو أن يعتبر كل شهر ثلاثون يوما، وهذا قول الامام وهو رواية عن الثاني. وقال محمد: يعتبر الاول بالايام ويكمل من الاخير ويبقى غيره على الاصل، وللامام أنه لما تعذر اعتبار الشهر الاول بالاهلة فكذا البقية اه‍. قال رحمه الله: (وصح أخذ أجرة الحمام) لقوله صلى الله عليه وسلم (ما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن) (1) قال الاكمل: وإنما ذكر هذه في الفاسدة مع أنها جائزة لان بعض العلماء خالف في ذلك قال الشارح وبعض العلماء كره الحمام لما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه سماه شر بيت. وقال عثمان: إنه ببيت الشيطان. ومن العلماء من كرهه للنساء لا للرجال والصحيح أنه لا بأس بالحمامات للرجال والنساء وفي الخلاصة: استأجر حماما في قرية فوقع الجلاء في القرية ونفر الناس سقطت الاجرة، أو نفر بعض الناس لا تسقط. وفي المحيط: إذا كان حمام للرجال وحمام للنساء فأجرهما جميعا وسمي حماما جاز استحسانا إذا كان باب الحمامين واحدا، وإن كان لكل واحد باب على حدة لا يجوز العقد اه‍. وفي الخلاصة: استأجر حماما ببدل على أن عليه الاجرة حال جريان الماء وانقطاعه فالاجارة فاسدة. وفي الخانية: شيل الرماد والسرقين وتفريغ موضع البالوعة وغيرها على المستأجر فإن شرط على المؤجر فسدت اه‍. وقال في المحيط: ولو امتلا مسيل ماء الحمام فعلى المستأجر تفريغه. ولو امتلات البالوعة فعلى الآجر تفريغها، والفرق أن تفريغ مسيل الماء يمكن من غير نقض البناء، وأما البالوعة فلا يمكن تفريغها بنفسه إلا بنقض شئ من البناء ولا يملك المستأجر نقض شئ من البناء وإنما يملكه رب الارض فجعل تفريفه عليه. وفيه أيضا: استأجر حمامين سنة فانهدم أحدهما قبل القبض فله ترك الباقي لان الصفقة تفرقت عليه قبل التمام بخلاف ما لو استأجر حماما سنة فلم يسلمه إلى المستأجر حتى مضى شهران ولم ينتفع وامتنع المستأجر من القبض فإنه يجبر على القبض ولا يخير لان الصفقة هنا تفرقت في حق المنافع فلا يوجب ثبوت الخيار وهناك في القبض، وإذا انهدم الحمام قبل القبض فله الخيار، ولو انهدم أحد الحمامين بعد القبض فالباقي لازم بحصته لان الصفقة تفرقت بعد التمام. استأجر حماما وعبدا ليقوم عليه فانهدم الحمام بعد قبضهما فله


(1) رواه أحمد في مسنده (1 / 379)

[ 33 ]

[ والاذان والحج والامامة وتعليم القرآن والفقه والفتوى اليوم على جواز الاستئجار ] ترك العبد لانه عجز عن استعمال العبد فيما استأجره له. وإن هلك العبد فليس له ترك الحمام لان هلاك العبد لا يوجب خللا في منفعة الحمام. استأجر الحمام ودخل بنورة أو أخذه من رب الحمام يجوز استحسانا. استأجر حماما بغير قدر واستأجر القدر من آخر فانكسر القدر بعد شهر فأجرة الحمام لازمة دون أجرة القدر لانه يمكنه أن يستأجر قدرا غيره ويستعمله في الحمام استأجر حماما شهرا فعمل فيه من الشهر الثاني فلا أجر عليه في الشهر الثاني، وروي عن أصحابنا أن عليه أجرة الشهر الثاني للعرف. قال رحمه الله: (والحجام) أي جاز أخذ أجرة الحجام لما روي أنه عليه الصلاة والسلام احتجم وأعطى أجرته وبه جرى التعارف بين الناس من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا فانعقد إجماعا. وقالت الظاهرية: لا يجوز لما روي أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن عسب التيس وكسب الحجام وقفيز الطحان. قلنا: هذا الحديث منسوخ لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال له رجل: إن لي عيالا وغلاما حجاما أفأطعم عيالي من كسبه؟ قال: نعم. وإنما فسرنا الصحة بالجواز لان العادة جارية هنا وفيما بعده لعدم جريان عقد فيه. قال رحمه الله: (لا أجرة عسب التيس) يعني لا يجوز أخذ أجرة عسب التيس لقوله عليه الصلاة والسلام إن من السحت عسب التيس ومهر البغي. ولانه عمل لا يقدر عليه وهو الاحبال فلا يجوز أخذ الاجرة عليه ولا أخذ المال بمقابلة الماء وهو نجس لا قيمة له فلا يجوز. والمراد هنا استئجار التيس لينزو على الغنم ويحبلها بأجر، أما لو فعل ذلك من غير أجر لا بأس به لان به يبقى النسل. وفي المحيط: ومهر البغي في الحديث وهو أن يؤاجر أمته على الزنا وما أخذه من المهر فهو حرام عندهما، وعند الامام إن أخذه بغير عقد بأن زنى بأمته ثم أعطاها شيئا فهو حرام لانه أخذه بغير حق، وإن استأجرها ليزني بها ثم أعطاها مهرها أو ما شرط لها لا بأس بأخذه لانه في إجارة فاسدة فيطيب له وإن كان السبب حراما. قال رحمه الله: (والاذان والحج والامامة وتعليم القرآن والفقه) يعني لا يجوز استئجار هذه الاشياء. وقال الامام الشافعي: يجوز لانه استئجار على عمل غير متعين عليه وكونه عبارة لا ينافي ذلك ألا ترى أنه يجوز الاستئجار على بناء المسجد وأداء الزكاة وكتابة المصحف والفقه. ولنا قوله عليه الصلاة والسلام اقرؤا القرآن ولا تأكلوا به وقال عليه الصلاة والسلام لعثمان بن أبي وقاص: لا تأخذ على الاذان أجرا. ولان القربة تقع للعامل فلا يجوز أخذ الاجر على عمل وقع له كما في الصوم والصلاة، ولان التعليم مما لا يقدر عليه المعلم إلا بمعنى من جهة المتعلم فيكون ملتزما ما لا يقدر على تسليمه فلا يجوز بخلاف بناء المسجد وأداء الزكاة وكتابة المصحف والفقه فإنه يقدر عليها الاجير وكذا الاجير يكون للآمر لوقوع الفعل عنه نيابة، ولهذا لا تشترط أهلية المأمور فيهما بل أهلية الآمر حتى جاز أن يستأجر الكافر فيهما ولا يجوز

[ 34 ]

[ لتعليم القرآن ولا يجوز على الغناء والنوح والملاهي وفسد إجازة المشاع إلا من الشريك ] فيما نحن فيه، كذا قالوا. وينتقض هذا بما ذكروا في باب الحج عن الغير أن الحج يقع عن الآمر وأن للانسان أن يجعل ثواب عمله لغيره. قيد بأفعال الطاعة لانه لو استأجره ليعلم ولده الكتابة أو النحو أو الطب أو التعبير يجوز بالاتفاق، كذا في التتارخانية. وفي الكبرى: تعليم الفرائض والحساب والوصايا بأجر يجوز. وفي الذخيرة: لو استأجره ليعلم ولده الشعر والادب إذا بين له مدة جاز ويستحق المسمى إذا سلم نفسه تعلم أو لم يتعلم، وإذا لم يذكر له مدة فالعقد فاسد ويستحق أجرة المثل إذا تعلم اه‍. وفيها أيضا: ويجوز الاستئجار على تعليم الصنعة والتجارة والهدم والبناء والحفر وأشباه ذلك، فإذا أجره عبده لعلمه كذا على إعطاء المولى شيئا معينا فهو جائز، وإن شرط المعلم على المولى أن يعطيه في كل شهر كذا ويقوم على غلامه في تعليم كذا فهو جائز، وإذا لم يشترط كل واحد منهما شيئا فلما فرغ وتعلم قال المعلم لي الاجرة على رب العبد كذا وقال سيد العبد لي الاجرة على المعلم ينظر في ذلك إلى عرف تلك البلدة، فإن كان سيد العبد هو الذي يعطي فالاجرة عليه، وإن كان المعلم هو الذي يعطي فالاجرة على المعلم اه‍. قال رحمه الله: (والفتوى اليوم على جواز الاستئجار لتعليم القرآن) وهذا مذهب المتأخرين من مشايخ بلخ، استحسنوا ذلك وقالوا بنى أصحابنا المتقدمون الجواب على ما شاهدوا من قلة الحفاظ ورغبة الناس فيهم، ولان الحفاظ والمعلمين كان لهم عطايا في بيت المال وافتقادات من المتعلمين في مجازات التعليم من غير شرط، وهذا الزمان قل ذلك واشتغل الحفاظ بمعائشهم فلو لم يفتح لهم باب التعليم بالاجر لذهب القرآن فأفتوا بالجواز، والاحكام تختلف باختلاف الزمان، وكان محمد ابن الفضل يفتي بأن الاجرة تجب ويحبس عليها. وفي الخلاصة: إذا أخذ المعلم من الصبي شيئا من المأكول أو دفع الصبي ذلك إلى ولد المعلم لا يحل له بخلاف ثمن الحصر لان ذلك تمليك من أب الصغير اه‍. وفي الحاوي للكرابيسي: إذا استأجره ليختم عنده القرآن ولم يسم له أجرا ليس له أن يأخذ أقل من خمسة وأربعين درهما شرعا، أما إذا سمى أجرا لزم ما سمى لكن يأثم المستأجر إذا عقد على أقل من خمسة وأربعين درهما إلا أن يهب المتسأجر ما بقي من تمام القدر أو يشترط أن يكون ثواب ما فوقه لنفسه فلا يأثم. وكذا إذا قال اقرأ بقدر ما قدرت عليه فله من الاجر بقدر ما قرأ وهذا يجب حفظه كما في المبسوط. أقول: وهذا في عرفهم، أما في عرفنا فيجوز ذلك. وفي الخلاصة: رجل استأجر قوما يحملون جنازة ويغسلون ميتا إن كان في موضع لا يجد من يغسله غيرهم ولا من يحمله فلا أجر لهم، وإن كان هناك غيرهم فلهم الاجر اه‍. وفي المحيط: استأجر الامام رجلا ليقتل مرتدا أو أسيرا أو لاستيفاء القصاص في النفس لم يجز عندهما، ولو استأجره لاستيفاء القصاص فيما دون النفس يجوز، ولو استأجر

[ 35 ]

مصحفا ليقرأ فيه لم يجز، وإن قرأ فيه فلا أجر عليه، والقاضي كالامام. لو استأجر القاضي رجلا ليقوم عليه في مجلس القضاء شهرا جاز، ولو استأجر من له القصاص رجلا ليقتص له فلا أجر له لا يجوز هذا العقد عند الاول والثاني ويجوز عند الثالث. وفي قاضيخان: أهل الذمة إذا استأجروا ذميا ليصلي بهم أو ليضرب الناقوس لهم لا يجوز، ولو استأجر المجوسي مسلما ليقيم له النار لا بأس به لان الانتفاع بالنار مباح اه‍. وفي النهاية: يعني يجوز الاستئجار على تعلم الفقه. وفي الروضة: وفي زماننا يجوز للامام والمؤذن والمعلم أخذ الاجرة. ومثله في الذخيرة. ولا يجوز استئجار كتب الفقه والتفسير والحديث لعدم التعارف. قال ابن قاضي زاده: أقول وفيما ذكروا من وجه الاستحسان نظر قوي بيان ذلك هو أن مقتضى الدليل الاول أنه لا يمكن تحقيق ماهية الاجارة وهي تمليك المنافع بعوض في الاستئجار على تعليم القرآن ونظائره بناء على عدم القدرة على تسليم ما التزمه المؤجر من المنفعة فكيف يصح استحسانا والاستحسان فرع تحقق ماهية الاجارة كما لا يخفي، وهذا محل تسكب فيه العبرات. أقول: والجواب أن الاجارة في تعلم القرآن والفقه على أمرين، على التلقين والتعليم. ففي القياس نظروا إلى التعليم وجعلوا التلقين تابعا له فقالوا: لا يمكن. وفي الاستحسان نظروا إلى التلقين وجعلوا التعليم تابعا له فقالوا بالجواز فاختلفت الجهة. والاذان والامامة دخلا تبعا فتدبره فإنه جيد. وفي الظهيرية: ومشايخ بلخ أفتوا بجواز ذلك إذا ضرب له مدة وعند عدم الاستئجار أصيجب أجر المثل اه‍. وفي الملتقط: ولو امتنع أبو الصبي من دفع الوظيفة جبر عليه وحبس عليه اه‍. قال رحمه الله: (ولا يجوز على الغناء والنوح والملاهي) لان المعصية لا يتصور استحقاقها بالعقد فلا يجب عليه الاجر من غير أن يستحق عليه لان المبادلة لا تكون إلا عند الاستحقاق، وإن أعطاه الاجر وقبضه لا يحل له ويجب عليه رده على صاحبه. وفي المحيط من كتاب الاستحسان: إذا أخذ المال من غير شرط يباح له. وفي المحيط: ذمي استأجر من مسلم أو ذمي بيعة يصلي فيها لم يجز لان صلاة الذمي معصية وإن كانت طاعة في زعمه، ولو استأجر المسلم من المسلم مسجدا ليصلي فيه لم يجز لان المسجد لا يملك، ولو استأجر ذمي دارا من مسلم فاتخذ فيها مصلى لنفسه لم يمنع فإن جمع الجماعة وضرب الناقوس فلصاحبها منعه، ولو أراد بيع الخمر فيها فإن كان في السواد لا يمنع، وأما في سواد خراسان، فإنهم يمنعون من ذلك لان الغالب فيها المسلمون. مسلم يشرب الخمر في داره ويجمع القوم يمنع من ذلك ولا يخرج من داره، وكذا الذمي لو استأجر مسلما ليرعى له الخنازير ويجوز عند الامام خلافا لهما. استأجر ذمي مسلما ليحمل له ميتا أو دما يجوز لان نقل الميت والدم لاماطة الاذى عن الناس مباح. مات ميت من المشركين فاستأجروا مسلما ليحمله إلى بلدة أخرى قال أبو يوسف: لا أجر له. وقال محمد: إن علم الاجير أنها جيفة لا أجر له لانه نقل

[ 36 ]

ما لا يجوز له، وإن لم يعلم فله الاجر. وفي الخانية: الفتوى على قول محمد اه‍. ولو استأجره لينقل الميت المشرك إلى المقبرة يجوز، كذا في المحيط. وفي المضمرات: الغناء حرام في جميع الاديان، وكذا إذا أوصى بما هو معصية عندنا، وعند أهل الكتاب لا يجوز وذكر منها الوصية للمغنيين والمغنيات. وقال ظهير الدين: من قال لمقرئي زماننا أحسنت عند قراءته يكفر. وفي الكبرى: رجل جمع المال وهو كان مطربا مغنيا هل يباح له ذلك؟ إن كان من غير شرط يباح له ذلك؟ وإن كان بالشرط يرده على أصحابه. وإن لم يعرف يتصدق به. وفي العتابية: وأما المعصية نحو أن يستأجر نائحة أو مغنية أو لتعليم الغناء وفي فتاوي أهل سمرقند: استأجر رجلا لينحت له مزمارا أو طنبورا أو بربطا ففعل يطيب له الاجر إلا أنه يأثم. في الاعانة على المعصية، ولو استأجر المسلم ليبني له بيعة أو كنيسة جاز ويطيب له الاجر. ولو استأجرة امرأة ليكتب لها قرآنا أو غيره جاز ويطيب له الاجر إذا بين الشرط وهو إعداد الخط وقدره، ولو استأجر مسلما ليحمل له خمرا ولم يقل لاشربه جازت الاجارة على قول الامام خلافا لهما. وفي المحيط: السارق أو الغاصب لو استأجر رجلا يحمل المغصوب أو المسروق لم يجز لان نقل مال الغير معصية اه‍. وفي شرح الكافي: ولا يجوز الاجارة على شئ من الغناء واللهو والنوح والمزامير والطبل ولا على الحداء وقراءة الشعر ولا غيره ولا أجر في ذلك. هذا في الطبل إذا كان للهو، أما إذا كان لغيره فلا بأس به كطبل القراءة وطبل العرس. وفي الاجناس: ولا بأس أن يكون ليلة العرس دف يضرب به لشهرة العرس. وفي الولوالجية: رجل استأجر رجلا ليضرب الطبل إن كان للهو لا يجوز. وإن كان للغزو والقافلة يجوز. قال رحمه الله: (وفسد إجارة المشاع إلا من الشريك) أطلق في قوله وفسد إلى آخره فشمل مشاعا يحتمل القسمة أو لا يحتملها وهو قول الامام. وقالا: يجوز بشرط بيان نصيبه وإن لم يبين لا يجوز في الصحيح. لهما أن المشاع منفعة وتسليمه ممكن بالتخلية أو بالتهايؤ فصار كما إذا استأجر من شريكه أو من رجلين، وكالشيوع الطارئ بأن مات أحد المستأجرين وكالعارية، وإذا جاز إعارة المشاع فأولى أن تجوز إجارته فإن تأثير المشاع في منع التبرع أقوى من تأثيره في منع المعاوضة ألا ترى أن هبة المشاع لا تجوز وبيع المشاع جائز. وللامام أن المقصود من الاجارة الانتفاع والانتفاع بالمشاع لا يمكن ولا يتصور تسليمه بخلاف المبيع فإن المقصود فيه الملك ألا ترى أنه يجوز بيع الجحش ونحوه ولا يجوز إجارته والتخلية اعتبرت تسليما في محل يتمكن من الانتفاع وفي المشاع لا يتمكن من الانتفاع ولا من القبض فيكف يجعل تسليما ولا يعبتر بالتهايؤ لانه يستحق حكما بملك المنفعة يصار إليه عند الحاجة إلى القسمة بعد الملك، وبخلاف ما إذا أجره من شريكه لانه لا شيوع في حقه إذ الكل في يده، ولا عبرة لاختلاف السبب عند اتحاد الحاجة على أنه روي عن الامام أنه لا يجوز أن استيفاء

[ 37 ]

[ وصح استئجار الظئر بأجرة معلومة وبطعامها وكسوتها ولا يمنع الزوج من وطئها فإن ] المنفعة التي تناولها العقد لا يتأتى إلا بعيرها وهو منفعة نصيب شريكه وذلك مفسد للعقد كمن استأجر أحد زوجي المقراض لقرض الثياب، وبخلاف ما لو أجر من رجلين لان العقد أضيف إلى الكل ولا شيوع فيه وإنما الشيوع يظهر لتفرق الملك فيما بينهما وفيما إذا مات أحدهما انفسخ العقد في نصيبه وبقي في نصيب الآخر فطرأ الشيوع بعد القبض فلا يضر. والعارية ليست بلازمة فلا يجب التسليم وعند التسليم جاز الانتفاع بجميعه لوجود إذنه في ذلك فصار كله عارية ولا شيوع. وفي المغنى: الفتوى في إجارة المشاع على وقولهما. وقال ابن فرشة: الفتوى في إجارة المشاع على قول الامام وفي الخانية: إجارة المشاع فيما يقسم وفيما لا يقسم فاسدة في قول الامام وعليه الفتوى اه‍. وفي التهذيب: وإذا سكن يجب أجر المثل على قول الامام. وفي التهذيب: والشيوع الطارئ لا يفسدها إجماعا كما إذا أجر كلها ثم تفاسخا في النصف أو مات أحدهما أو استحق بعضها يبقى في الباقي. وفي الصغرى: وطريق جوازها في المشاع أن يلحقها حكم لتصير متفقا عليها بعد المرافعة أو بعد العقد، فإذا مات أحد المؤجرين بطلت الاجارة في نصيبه وتبقى في نصيب الحي صحيحة. وفي الخانية: فإن رضي وارث الميت وهو كبير أن يكون حصته على الاجارة ورضي المستأجر جاز وإن كانت إجارة المشاع لكنها من الشريك. وفي الغياثية. رجلان أجرا دارهما من رجل جاز، وإن فسخ أحدهما برضا المستأجر أو مات لا تبطل في النصف الآخر. وفي الاصل: ولو استأجر علو منزل ليمر فيه إلى حجرته لم يجز في قول الامام، وعندهما يجوز. قال الطواويسي: ينبغي أن لا يجوز بالاجماع. وفي النوازل: إنه يجوز. قال القاضي أبو علي النسفي: وبه كان يفتي شيخنا. وفي العتابية: ولو كان البناء لرجل والعرصة لرجل آخر أجر صاحب البناء بناء من صاحب العرصة اختلف المشايخ فيه والفتوى على أنه يجوز. وفي الخلاصة: لو استأجر العرصة دون البناء يجوز. وفي المحيط: لو استأجر نخلا أو شجرا ليبسط عليه ثيابا أو يشهد بها الدابة ذكر القدوري أنه يجوز، وذكر الكرخي في مختصره أنه لا يجوز لان هذه ليست منفعة مقصودة من الشجر. ولو استأجر شاة ليحلب لبنها أو صوفها لا ينعقد. وفي المحيط: لو استأجر حائطا ليضع عليها جذعا أو يبني عليها سترة أو يضع فيه وتدا لا يجوز والحائط اسم للبناء فقد استأجر ما لا ينتفع به فلا يجوز إجارة البناء وحده، ولو استأجر طريقا ليمر فيه لم يجز عند الامام، ويجوز عندهما. قال رحمه الله: (وصح استئجار الظئر بأجرة معلومة) والقياس أن لا تصح لانها ترد على استهلاك عين وهو اللبن فصار كاستئجار البقرة والشاة لشرب لبنها والبستان ليأكل ثمرته. والاستحسان أنه يجوز ودليله قوله تعالى (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) [ الطلاق: 6 ] والاجماع في ذلك وجرى التعامل به في الاعصار. وتحقيقها عقد يرد على التربية واللبن تابع

[ 38 ]

لها. وقال بعضهم: العقد يرد على اللبن والتربية والخدمة تابعة لها وإليه مال شمس الائمة. وقال: هو الاصح والاول أشبه بالفقه وأقرب إليه. وقال في الكافي: وهو الصحيح. والظئر المرأة ذات اللبن سواء كانت مسلمة أو كافرة، حرة أو أمة أو مدبرة أو أم ولد أو مكاتبة، كذا في قاضيخان. وفي ابن فرشه: فلو عجزت المكاتبة وردت في الرق يحكم أبو يوسف ببقاء العقد، وأبطله محمد. وفي المحيط: وأجرت الامة الفاجرة أو الكافرة نفسها ظئرا جاز لان الاجارة من التجارة، ولو رضع الصبي جارية الظئر أو خادمها فلها الاجر كاملا لان الظئر بمنزلة الاجير المشترك، ولو استأجرت الظئر ظئرا فارضعته فلها الاجر استحسانا، ولو شرط عليها أن ترضع الصبي بنفسها فأرضعته بمن ذكر فلها الاجر لان اشتراط الرضاع عليها بنفسها لا يفيد. ولو اختلفا فقال أهل الصغير أرضعتيه بلبن شاة فلا أجر لك وقالت أرضعته بلبن آدمية فلي الاجر فالقول قولها مع يمينها لان الظاهر يشهد لها، وإن أقاما البينة فالبينة بينتها لانها مثبتة. وإن شرطوا عليها ارضاع الصبي في منزل الاب فليس للظئران تخرج به منه لان الارضاع في منزل الاب أجود للصبي، وليس لهم أن يحبسوا الظئر في منزلهم إن لم يشترطوا ذلك اه‍. ولا يخفى أنه لا بد من أن تكون المدة معلومة ولهذا قال في التجريد: ولا بد أن تكون المدة معلومة، وما جاز في استئجار العبد للخدمة جاز في الظئر، وما بطل هناك بطل هنا. وفي الاصل: وإذا جازت هذه الاجارة ينظر بعد ذلك إن شرط في عقد الاجارة أنها ترضع الصبي في منزل الاب اعتبر، ولو لم يكن هناك شرط ينظر للعرف، إن كانت ترضع في منزل الاب اعتبر، ولو لم يكن هناك شرط ينظر للعرف، إن كانت ترضع في منزل الاب أو في منزلها يعمل به وإلا فلها الخيار إن شاءت أرضعت الصبي في منزل الاب أو في منزلها اه‍. قال الاكمل: فإن قلت الظئر أجير خاص أو مشترك؟ قلت: هو أجير خاص يدل عليه لفظ المبسوط قال: لو ضاع الصبي من يدها أو وقع فمات أو سرق من حلي الصبي أو ثيابه شئ لم تضمن الظئر لانها بمنزلة الاجير الخاص. وذكر في الذخيرة ما يدل على أنه كما يكون مشتركا يجوز أن يكون خاصا قال: لو أجرت نفسها لقوم غير الاول ولو لم يعلم الاول فأرضعت كلا منهما صح وتصير المرضعة أمينة وهذه خيانة منها ولها الاجر كاملا في الفريقين، وهذا يدل على أنها تحتملهما معا فقلنا تجب الاجرة كاملا نظرا إلى أنها مشترك ويأثم نظرا إلى أنها خاص. قال رحمه الله: (وبطعامها وكسوتها) وهذا عند الامام. وقالا: لا يجوز وهو القياس. وجه قولهما أن الاجرة مجهولة فصار كما إذا استأجرها للطبخ والخبز والجهالة لا تفضي إلى المنازعة لان العادة جرت بالتوسعة عليها شفقة على الاولاد بل يعطيها ما طلبت ويوافقها على مرادها، والجهالة إنما تمنع إذا أفضت إلى المنازعة. أطلق في طعامها أو كسوتها فشمل ما إذا بين جنسها أو لم يبين. قال الحدادي: إذا لم يوصف ذلك فلها المتوسط. وفي الخلاصة: وإذا

[ 39 ]

[ مرضت أو حبلت فسخت وعليها إصلاح طعام الصبي فإن أرضعته بلبن شاة فلا أجر ] بين جنس الثياب أو صفتها وعرضها وبين كيل الطعام وصفته جاز بالاتفاق اه‍. وفي المحيط: لو اشترطت طعامها وكسوتها عند ستة أشهر وسمت دراهم مسماة عند الفطام ولم تضف شيئا من ذلك جاز استحسانا عند الامام. وقالوا: معنى تسميته الدراهم أن يجعل الاجرة دراهم ثم يدفع الطعام مكان الدراهم فيكون معناه على التقدير سما بدل الدراهم طعاما، وإذا بين كيل الطعام وصفته جاز بالاتفاق، سواء كان حالا أو مؤجلا. ولا يشترط أن يذكر أجلا، وفي الكسوة يشترط بيان الاجل لانها لا تثبت موصوفة في الذمة إلا مؤجلا، كذا في الشارح وغيره. ولم يذكر المؤلف لمن تجب عليه أجرة الظئر ونحن نبين ذلك قال في قاضيخان: استأجر ظئرا لترضع ولده شهورا فمات الاب فقال عم الصغير أرضعيه وأنا أعطيك الاجر فأرضعته شهرا بعد ذلك قالوا: إن لم يكن للصغير مال حين استأجرها كانت الاجرة عليه من ماله، وإذا مات بطلت، فإذا قال العم ذلك بعد موته ولم يكن وصيا كان ذلك على العم. ولو كان للصغير مال حين استأجرها الاب لا تبطل الاجارة بموت الاب، وإذا امتنع الظئر من الرضاع والصغير لا يأخذ ثدي غيرها تخير على أن ترضعه بأجرة مثلها. قالوا: هذا إذا عقدت بإذن الزوج، وإذا عقدت بغير إذنه فللزوج منعها. وإذا استأجر القاضي ظئرا لليتيم كان حسنا، وإذا كان للرضيع أم وليس له مال فأجرة أرضاعه على أقاربه بقدر ميراثهم منه، ويجوز للاب أن يستأجر أمه لترضع ولده وبنته وأخته اه‍. قال رحمه الله: (ولا يمنع الزوج من وطئها) لانه حقه فلا يمكن المستأجر من إبطاله ولهذا كان للزوج أن يفسخ هذا العقد إذا لم يعلم به، سواء كان يشينه إجارتها بأن كان وجيها بين الناس أو لم يشنه وهو الاصح، كما له أن يمنعها من الخروج وأن يمنع الصبي من الدخول عليها لان الارضاع والسهر يذهب جمالها فكان له أن يمنعها من ذلك كما يمنعها من الصيام تطوعا لكن إذا ثبتت الزوجية بإقرارهما ليس لها أن تفسخ لانهما لا يصدقان في حق المستأجر كما إذا أقرت المنكوحة بالرق لا تصدق في حق بطلان النكاح، وللمستأجر أن يمنع زوجها من دخول بيته. وفي الاصل: إذا عقدت بغير إذن الزوج والزوج لا يشينه ذلك فليس له حق الفسخ في الصحيح، والمرأة إذا كانت من الاشراف وأجرت نفسها ظئرا فللاولياء حق الفسخ لدفع العار عنهم. وفي الظهيرية: ولولي الصبي أن يمنع أقارب الظئر من المكث في منزله، وأما الزيارة إذا كان يؤدي ذلك إلى الاخلال بالقيام بمصالح الصغير له حق المنع وإلا فلا. قال رحمه الله: (فإن مرضت أو حبلت فسخت) يعني إذا حبلت المرضعة أو مرضت فتفسخ الاجارة لان لبن الحبلى والمريضة يضر الصغير وهي أيضا يضرها الارضاع فكان لها ولهم الخيار. ولو تقايأ الصبي لبنها لاهله الفسخ، وكذا إذا كانت سارقة، وكذا إذا كانت فاجرة ظاهر فجورها بخلاف ما إذا كانت كافرة. قال في النهاية: ولا يبعد أن يقال عيب الفجور

[ 40 ]

في هذا فوق عيب الكفر لان كفرها في اعتقادها ألا ترى أنه كان في نساء بعض الرسل كامرأتي نوح ولوط عليهما الصلاة والسلام وما بغت امرأة نبي قط، هكذا قال عليه الصلاة والسلام. ولم يتزوج نبي فاجرة. وكذا إذا كان الصبي لا يأخذ لبنها كان لهم أن يفسخوا ولها ذلك أيضا، وكذا إذا عيرت به. ولو مات الصبي أو الظئر انقضت الاجارة. وفي الخانية: إذا ظهر الظئر كافرة أو زانية أو مجنونة أو حمقاء كان لهم الفسخ. وفي الاصل: أرادوا سفرا وأبت الخروج فلهم الفسخ، وكذا إذا كانت سيئة بذيئة اللسان، وكذا إذا أذاها أهله باللسان كان لها الفسخ، وكذا إذا كان ألفها الصبي ولم يأخذ لبن غيرها وهي تعير بذلك كان لها الفسخ في ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف ليس لها الفسخ. قال شمس الائمة الحلواني: الاعتماد على رواية أبي يوسف. وفي المحيط: انتهت مدة إرضاع الظئر والصغير لا يأخذ إلا ثديها تبقى الاجارة بأجرة المثل جبرا عليها لان الاجارة كما لا تفسخ بالاعذار تبقى بالاعذار. ولو مات أبو الصغير لم تنقض الاجارة سواء كان للصغير مال أو لم يكن له مال، ولو استأجرها لترضع صبيين كل شهر بكذا فمات أحدهما سقط نصف الاجرة لانها لا يمكنها الوفاء بهذا فانفسخت الاجارة. ولو استأجر ظئرين فمات أحدهما بقي العقد في أحدهما وانفسخ في الاخرى بحصتها. والفرق بين هذا وبين ما إذا مات أحد الصبيين أن في الظئر يقسم الاجر عليهما باعتبار قيمته لانهما متفاوتان في الارضاع، وفي الصبي الايجار وقع لهما واستحق كل واحد منهما نصف البدل وهو لبن الظئر فيجب المبدل عليهما نصفان اه‍. وفي المنتقى: استأجر إمرأته لترضع ابنه من مال الصغير فهو جائز، ولو استأجر شاة لترضع ولده لا يجوز لان لبن البهائم له قيمة فوقعت الاجارة عليه وهو مجهول فلا يجوز بخلاف لبن المرأة لانه لا قيمة له والاجارة على الخدمة. ولو التقط صبيا فاستأجر له ظئرا حالا فالاجرة عليه وهو متطوع لانه لا ولاية له على الصبي اه‍. قال رحمه الله: (وعليها إصلاح طعام الصبي) لان خدمة الصبي واجبة عليها وهذا منه عرفا وهو معتبر فيما لا نص فيه، وغسل ثيابه منه والطعام والثياب على الوالد والدهن والريحان على الظئر كما هو عادة أهل الكوفة، وفي عرف ديارنا ما يعالج به الصبي على أهل. وفي المضمرات: والفتوى على أنه ليس على الظئر الدهن والريحان وطعام الصبي على أهله إذا كان الصبي يأكل الطعام وعلى الظئر أن تهيئه له. وفي الينابيع: وعليها طبخه وعليها أن تمضغ الطعام للصبي ولا تأكل شيئا يفسد لبنها وتضمن به. قال رحمه الله: (فإن أرضعته بلبن شاة فلا أجر) لانها لم تأت بالواجب عليها من العمل وهو الارضاع وهذا إيجار وليس بإرضاع. قال في الصحاح: الوجور الدواء يؤجر في وسط الفم أي يصب يقال له منه وجرت الصبي وأوجر بمعنى واحد اه‍. أقول: لقائل أن يقول إن كان هذا إيجار لا إرضاع فلا معنى لقول فإن أرضعته بل عليه أن يقول فإذا وجرته بدله، وإن كان إرضاع

[ 41 ]

[ ولو دفع غزلا لينسجه بنصفه أو استأجره ليحمل طعامه بقفيز منه أو ليخبز له كذا اليوم بدرهم لم يجز وإن استأجر أرضا على أن يكر بها ويزرعها أو يسقيها ويزرعها صح وإن ] فكيف يقول الشارح هذا إيجار لا إرضاع؟ والجواب أن هذا من باب المشاكلة وهو ذكر الشئ بلفظ الشئ غيره لوقوعه في صحبته كقوله قلت اطبخوا لي جبة وقميصا فذكر المؤلف الايجار بلفظ الارضاع لوقوعه في صحبته. قيد بلبن الشاة لانها لو أرضعته بلبن خادمها أو جاريتها أو بلبن ظئر استأجرتها بلا عقد فلها الاجرة كما تقدم. قال رحمه الله: (ولو دفع غزلا لينسجه بنصفه أو استأجره ليحمل طعامه بقفيز منه أو ليخبز له كذا اليوم بدرهم لم يجز) لانه في المسألة الاولى والثانية جعل الاجرة بعض ما يخرج من عمله فيصير في معنى قفيز الطحان، ولان المستأجر عاجز عن تسليم الاجرة لانه بعض ما يخرج والقدرة على التسليم شرط لصحة العقد وهو لا يقدر على ذلك بنفسه وإنما يقدر بغيره فلا يعد قادرا، فإذا نسج أو عمل فله أجر مثله لا يجاوز به المسمى بخلاف ما لو استأجره ليحمل له نصف هذا الطعام بنصفه الآخر حيث لا يجب له شئ من الاجر لان الاجير ملك فيه النصف في الحال بالتعجيل فصار الطعام مشتركا بينهما في الحال. ومن حمل طعاما مشتركا بينه وبين غيره لا يستحق الاجر. هذا لانه لا يعمل شيئا لشريكه عما لا يقع بعضه لنفسه فلا يستحق الاجر، هكذا قالوا. قال الشارح: وفيه إشكالان: أحدهما أن الاجارة فاسدة والاجرة لا تملك إلا في الصحيحة منها بالعقد، سواء كانت عينا أو دينا على ما بينا، فكيف تملك هنا من غير تسليم ومن غير شرط التعجيل. الثاني أنه قال ملكه في الحال وقوله لا يستحق الاجر ينافي الملك لانه لا يملك إذا ملك بطريق الاجارة فإذا لم يستحق فكيف يملك وبأي سبب يملك؟ والجواب عن الاول أنه ملك هنا بالتعجيل والتسليم كما صرح هو به في تقريره وصرح به صاحب النهاية ومعراج الدراية حيث قالا: ودفع إليه. والجواب عن الثاني أنه لا منافاة بين قوله ملكه في الحال وبين قوله لا يستحق الاجرة ولا يجب لان معنى ملكه في الحال يعني ابتداء بموجب العقد وتسليم الاجر إلى الاجير بالتعجيل، ومعنى لا يستحق الاجر لبطلان العقد قبل العلم بعد أن ملك الاجر بالتسليم بسبب أنه صار شريكا في الطعام. قال في النهاية: لو قال احمل لي هذا الكر إلى بغداد بنصفه فإنه لا يكون شريكا وتفسد الاجارة لانه في معنى قفيز الطحان وللاجير أجر مثله إن وصل إلى بغداد لا يتجاوز المسمى، ومشايخ بلخ والنسفي جوزوا حمل الطعام ببعض المحمول ونسج الثوب ببعض المنسوج لتعامل أهل بلادهم بذلك، والقياس يترك بالتعامل كما في الاستصناع، ومشايخنا رحمهم الله لم يجوزوا ذلك وقالوا: هذا التخصيص تعامل أهل بلدة واحدة وبه لا يخص الاثر. والحيلة في جوازه أن يشترطا قفيزا مطلقا فإذا عمل استحق الاجرة. وفي الغياثية: دفع إلى

[ 42 ]

حائك ثوبا لينسجه بنصفه أو بثلثه أو ربعه فالاجارة فاسدة عند علما ئنا وبه أفتى الامام السرخسي والسيد الامام الشهيد. ومشايخ بلخ يفتون بالجواز لعرف بلادهم. وفي الظهيرية: وبه أخذ الفقيه أبو الليث وشمس الائمة الحلواني والقاضي أبو علي النسفي اه‍. وفي التتارخانية: لو استأجر ثورا ليطحن له أردبا ببعض منه أو حمارا ليحمل له أردبا ببعض منه فالاجارة فاسدة، ولو استأجر حانوتا بنصف ما ربح فيه فالاجارة فاسدة. وفي المحيط: لو استأجر حائكا لينسج هذا الثوب بنصفه على أن يزيد رطلا من عنده فنسج وزاد فله أجر مثل عمله ويضمن صاحب الثوب للحياك رطلا من الغزل. وأما الثالث وهو ما إذا استأجره ليخبز له طول النهار بدرهم فلان ذكر الوقت يوجب كون المعقود هو المنفعة، وذكر العمل يوجب كون العمل هو المعقود عليه ولا ترجيح لاحدهما على الآخر، فإن وقع على المنفعة استحق الاجر بمضي الوقت عمل أو لم يعمل، وإن وقع على العمل لا يتسحق إلا بالعمل فيفسد العقد وهو قول الامام. وقالا: العقد جائز ويكون العقد على العلم دون اليوم حتى إذا فرغ منه نصف النهار فله الاجر، وإن لم يعمل في اليوم فعليه أن يعلم في الغد وذكر اليوم للتعجيل فصار كما إذا استأجره للعمل على أن يفرغ منه في هذا اليوم يجوز بالاجماع. والفرق للامام هنا أن اليوم لم يذكر هنا إلا لاثبات صفة في العمل والصفة تابعة للموصوف غير مقصودة بالذات، وفي مسألة الكتاب ذكر اليوم قصدا. وفي الغياثية: لو استأجره ليخيط له هذا الثوب قميصا اليوم بدرهم لم يجز عند الامام. ولو قال ليخيط ولم يذكر الوقت يجوز، ولو قال ليخيطه قميصا ويفرغ في اليوم جاز، ولو قال بشرط أن يفرغ أو على أن يفرغ في اليوم لم يجز. فإن قلت: ورد في باب الراعي إذا جمع بين المدة والعمل يعتبر الاول. قال في المحيط: لو استأجره شهرا ليرعى غنمه بدرهم أوقع العقد على العمل لما قدم ذكر العمل على الوقت والعلة التي اقتضت فساد العقد في مسألة الجمع بين المدة والعمل فمقتضى النظر أن يفسد في الراعي كما في مسألة الكتاب، ويجوز في مسألة الكتاب كما جاز في مسألة الراعي ترجيحا للمقدم في الذكر. وما الفارق بينهما؟ أقول: الفارق بينهما قال في الاصل: والاصل عند الامام أنه إذا جمع بين الوقت والعمل إنما يفسد العقد إذا ذكر كل واحد منهما على وجه لا يصلح أن يكون معقودا عليه لان ذكر الوقت والعمل على وجه لا يجوز إفراد العقد عليه لا يفسد العقد بيانه: إذا استأجر رجلا يوما ليبني له بالجص والآجر جاز بلا خلاف، وإن جمع بين الوقت والعمل فكان ذكر البناء لبيان نوع العمل وهذا العمل في هذه المسألة لا يجوز إفراد العقد عليه حتى لو ذكر العمل على وجه يجوز إفراد العقد عليه، فإن بين قدر البناء لا يجوز ذلك عند الامام اه‍. فعلى مسألة الخبز بين قدر المحل تفسد، وفي مسألة الراعي لم يبين قدر الغنم المرعى فلا يفسد والحمد لله الذي هدانا لهذا. وعن محمد إذا استأجره ليحمل له هذا اليوم ومعلوم

[ 43 ]

[ شرط أن يثنيها أو يكري أنهارها أو يسرقنها أو يزرعها بزراعة أرض أخرى لا كإجارة ] أنه لا يمكن حمله اليوم فهو على المحل دون الوقت اه‍. قال رحمه الله: (وإن استأجر أرضا على أن يكر بها ويزرعها أو يسقيها ويزرعها صح) لانه شرط يقتضيه العقد وهو ملائم له فلا يفسد العقد. قال رحمه الله: (وإن شرط أن يثنيها أو يكرى أنهارها أو يسرقنها أو يزرعها بزراعة أرض أخرى) لا يعين لا يجوز لان أثر التثنية وكري الانهار والسرقنة يبقى بعد مضي عقد الاجارة فيكون عقد فيه نفع لصاحب الارض وهو شرط لا يقتضيه العقد فيفسد، لان مؤجر الارض يصير مستأجرا منافع الاجر بعد مضي المدة فتصير صفقة في صفقة فلا يجوز حتى لو كانت بحيث لا تبقى بأن كانت المدة طويلة لو كان البيع لا يحصل إلا به لا يفسد اشتراطه لانه مما يقتضيه العقد. واختلفوا في التثنية قال بعضهم هو أن يردها مكروبة، وقال بعضهم هو أن يكربها مرتين. وذكر شيخ الاسلام: إذا اشترط على المستأجر أن يردها مكروبة بعد الاجارة فالمسألة على وجهين: إن قال صاحب الارض أجرتك بكذا بأن تردها مكروبة بعد مضي العقد فالعقد جائز، وأما إذا قال أجرتك على أن تكربها بعد العقد ففي هذا الوجه العقد فاسد. وإن أطلق الكراب ينصرف إلى ما بعد العقد ويصح العقد، وأما إذا شرط أن يكري أنهارها يفسد العقد، ومن المشايخ من فرق بين الجداول والانهار فقال: اشتراط كرى الجداول صحيح. قال في الكافي: الصحيح لا يفسد بهذا العقد بخلاف اشتراط كري الانهار. وأما إذا شرط عليه أن يسرقنها فلا يخلو إما أن يكون السرقين من عند المستأجر فقد شرط عليه عينا هو مال فإن كان تبقى منفعته إلى العام الثاني لا يفسد، كذا في الاصل. ومقتضى النظر أن يفصل فيها بأن يقال: إن كان الارض لا يظهر ريعها إلا بالسرقين فهو شرط ملائم للعقد فلا يفسد، وإن كان يظهر ريعها من غير سرقنة فهو شرط فيه منفعة لاحد المتعاقدين فيفسد، وأما استئجار الارض بأرض أخرى ليزرعها الآخر يكون بيع الشئ بجنسه نسيئة وهو حرام كما عرف في موضعه. قال رحمه الله: (لا كإجارة السكنى بالسكنى) يعني لا يجوز إجارة السكنى بالسكنى لان الجنس بانفراده يحرم النسأ وإليه أشار محمد حين كتب له محمد بن سماعة لم لا يجوز إجارة سكنى دار بسكنى دار أخرى بقوله في جوابه: أطلت الفكرة وأصابتك الحيرة وجالست الحيارى أي فكان منك ذلة وما علمت أن إجارة السكنى بالسكنى بالدين كبيع الدين بالدين بنسيئة. قال صاحب العناية: في هذا الاستدلال بحث من وجهين: الاول أن النسأ ما يكون عن اشتراط أجل في العقد وتأخير المنفعة فيما نحن فيه ليس كذلك. والثاني أن النسا إنما يتصور في مبادلة موجود في الحال بما ليس كذلك. وما نحن فيه ليس كذلك فإن كل واحد منهما ليس بموجود وإنما يحدثان شيئا فشيئا. وأجيب عن الاول بأنه لما أقدما على عقد يتأخر المعقود عليه فيه ويحدث شيئا فشيئا كان ذلك أبلغ في

[ 44 ]

[ السكنى بالسكنى وإن استأجره لحمل طعام بينهما فلا أجر له كراهن استأجر الرهن من ] وجوب التأخير من المشروط فلحق به دلالة احتياطا عن شبهة الحرمة. وعن الثاني بأن الذي لم تصحبه الباء تقام فيه العين مقام المنفعة ضرورة تحقق المعقود عليه دون ما تصحبه لفقدانها فيه ولزم وجود أحدهما حكما وعدم الآخر فيتحقق النسا. وفي الشارح: والاولى أن يقال: إن الاجارة أجيزت على خلاف القياس للحاجة ولا حاجة إلى استئجار المنفعة بمنفعة من جنسها، ولو استوفى أحدهما المنفعة في المسألة فعليه أجر المثل في ظاهر الرواية. وذكر الكرخي عن أبي يوسف: لا شئ عليه. وجه ظاهر الرواية أنه استوفى المنفعة بعقد فاسد فيجب أجر المثل، وعند الشافعي يجوز هذا العقد اه‍. قال رحمه الله: (وإن استأجره لحمل طعام بينهما فلا أجر له) يعني لو استأجر أحد الشريكين صاحبه لحمل طعام بينهما لا يستحق المسمى ولا أجر المثل لان العقد ورد على ما لا يمكن تسليمه لان المعقود عليه حمل النصف شائعا وذلك غير متصور لان الحمل فعل حسي لا يمكن وجوده في الشائع، ولهذا يحرم وطئ الجارية المشتركة وضربها، وإذا لم ينعقد لم يجب الاجر أصلا، ولانه ما من جزء يحمله إلا وهو شريكه فيه بخلاف ما لو استأجر دارا مشتركة بينه وبين غيره ليضع فيها الطعام حيث يجوز لان المعقود عليه المنفعة ويستحق بتحقق تسليمها بدون وضع الطعام، وبخلاف العبد المشترك حيث يجوز استئجاره ليخيط له قميصا لكن المعقود عليه إنما هو نصيب الاجر وهو أمر حكمي يمكن إيقاعه في الشائع، وبخلاف إجارة المشاع عند الامام حيث يجب فيها أجر المثل لان فساد العقد للعجز عن التسليم وإذا سكن تبين عدمه. وقال الامام الشافعي: يجوز وفي العيون والكبرى: كل شئ استأجره أحدهما من صاحبه مما يكون العمل فيه لهما فإنه لا يجوز، فإن عمل فلا أجر له، وذلك مثل الدابة يعني لو استأجر دابة مشتركة لحمل طعام بينهما فلا أجر له. وكل شئ استأجره أحدهما من صاحبه مما لا يكون العمل فيه لهما فهو جائز نحو الجوالق والسفينة والدار. قال فخر الدين: والفتوى على ما ذكر في العيون. وفي النوادر: استأجر رجلين ليحملا له هذه الحنطة إلى منزله بدرهم فحملها أحدهما فله نصف الدرهم وهو متطوع إذا لم يكونا شريكين قبل العمل، وكذا إذا استأجرهما لبناء حائط أو حفر بئر، فلو كانا شريكين في العمل يجب الاجر كله ويكون بينهما. وفي الاصل: استأجر قوما ليحفروا له سردابا إجارة صحيحة فعملوا وتعاونوا في العمل، إن كان يسيرا قسم الاجر بينهما على عدد الرؤوس، وإن كان فاحشا يقسم على قدر العمل وإن لم يعمل أحدهما لمرض أو عذر سقطت حصته. وفي الغياثية: لرجل بيت على نهر فجاء آخر بحجر ومتاعها فوضعهما في البيت واشتركا على أن يطحنا حبوب الناس، فما حصل قسماه نصفين جاز وهو شركة التقبل وليس للبيت والمتاع أجر. قال رحمه الله: (كراهن استأجر الرهن من المرتهن) يعني لا يجوز استئجار الشريك هنا

[ 45 ]

[ المرتهن ومن استأجر أرضا ولم يذكر أنه يزرعها أو أي شئ يزرعها فزرعها فمضى الاجل فله المسمى وإن استأجر حمارا إلى مكة ولم يسم ما يحمل فحمل ما يحمل الناس فنفق لم يضمن وإن بلغ مكة فله المسمى ] كما لا يجوز في مسألة الراهن لانه ملكه والمرتهن ليس لمالك حتى يؤجره فلا يتأتى منه تمليك المنافع بعوض لان التمليك من غير المالك محال، والراهن إنما يمكن من الانتفاع من حيث أنه ملكه، ومن انتفع بملك نفسه لا أجرة عليه. قال رحمه الله: (ومن استأجر أرضا ولم يذكر أنه يزرعها أو أي شئ يزرعها فزرعها فمضى الاجل فله المسمى) لان الارض تؤجر للزراعة ولغيرها من البناء والمراح ونصب الخيم، وكذا ما يزرع فيها يختلف كما تقدم فلا يجوز العقد حتى يبين ما يزرع ويبين جنسه. وإذا زرع ومضى الاجل جاز استحسانا لان الجهالة ارتفعت قبل تمام العقد فينقلب جائزا. قال صاحب العناية في حل قوله قبل تمام العقد ينقض الحكم أقول لا يخفى على ذي تأمل أن جعل العقد تاما ينقض الحكم مما لا تقبله الفطرة السليمة فإن العقد ينفسخ من الاصل بنقض الحاكم إياه فيكيف يتصور أن تتم به وتمام الشئ من أثر بقائه به؟ والحق أن المراد بقوله قبل تمام العقد قبل تمام مدة العقد. قال في النهاية: فإن قيل إذا ارتفعت الجهالة بمجرد الزراعة لم يرتفع ما هو الموجب للفساد وهو احتمال أن يزرع فيها ما يضر بالارض، فكيف ينقلب إلى الجواز بتحقق شئ احتماله مفسد للعقد؟ ولان المعقود عليه إذا كان مجهولا لا يتعين إلا بتعيينهما صونا عن الاضرار بالآخر ولا ينفرد به أحدهما؟ قلت: الاصل إجازة العقد عند انتفاء المانع لان العقود تصح بقدر الامكان والمانع الذي فسد العقد باعتباره توقع المنازعة بينهما وعند استيفاء المنافع يزول هذا اه‍. وفي غاية البيان: ويجب المسمى إذا لم يكن ذلك بعد نقض القاضي العقد اه‍. وفي بعض النسخ قيل: وهذا تحريف من الكاتب يعني إذا كان بعده فله أجر المثل، لا يقال هذه المسألة متكررة مع قوله والارض للزراعة أن بين ما يزرع لانا نقول: الاول باعتبار ما يصح من العقود وذكرها هنا باعتبار ما يفسد من العقود. قال الاكمل: لا يقال هذه المسألة متكررة مع ما ذكره أول الباب لان ذلك وضع القدوري وهذا وضع الجامع الصغير يشتمل على زيادة قوله فله يشير إلى أنه انعقد فاسدا وزال الفساد بالزرع على ما فيه. قال رحمه الله: (وإن استأجر حمارا إلى مكة ولم يسم ما يحمل فحمل ما يحمل الناس فنفق لم يضمن) لان العين أمانة في يده وإن كانت الاجارة فاسدة لان الفاسد يعتبر بالصحيح لكونه مشروعا من وجه فلا يضمن ما لم يتعدى، فإذا تعدى ضمن ولا أجر عليه. قال رحمه الله: (وإن بلغ مكة فله المسمى) لان الفساد كان لجهالة ما يحمل فإذا حمل عليه شيئا تعين ذلك فانقلب صحيحا لزوال الموجب للفساد. ولو استأجر دابة وجحد الاجارة في أثناء الطريق وجب عليه أجر ما ركب قبل الانكار، ولا يجب الاجر لما بعده عند أبي يوسف لانه بالجحود صار غاصبا والاجر والضمان لا يجتمعان. وقال محمد:

[ 46 ]

[ وإن تشاحا قبل الزرع والحمل نقضت الاجارة دفعا للفساد. باب ضمان الاجير إلا ضمير المشترك من يعمل لغير واحد ولا يستحق الاجرة حتى يعمل كالقصار ] يجب الاجر كله اه‍. قال رحمه الله: (وإن تشاحا قبل الزرع والحمل نقضت الاجارة دفعا للفساد) إذ الفساد باق قبل أن ترتفع الجهالة بالتعيين بالزرع والحمل. فإن قلت: حكم الاجارة الفاسدة نقضها قبل تمام المدة ووجوب الاجرة بعد الاستعمال فكان ينبغي أن يقدم على وجوب الاجرة بعد الاستعمال قلنا: قدم الاجرة لكثرة وقوعها فتأمل. ولا يخفى أن رفع الفاسد واجب سواء تشاحا أو لم يتشاحا فكان عليه أن لا يقيده بذلك، ولو قال عليهما أن يرفعا العقد لكان أولى لان رفعه واجب عليهما تشاحا أو لا. والله تعالى أعلم. باب ضمان الاجير لما فرغ من ذكر أنواع الاجارة صحيحها وفاسدها شرع في بيان الضمان لانه من جملة العوارض التي تترتب على عقد الاجارة فيحتاج إلى بيانها، كذا في غاية البيان. ولا يخفى أن الاجير على ضربين: خاص ومشترك، فشرع المؤلف يبين ذلك، ولا يخفى أن معنى ضمان الاجير إثباتا ونفيا ولو لو لم يكن معناه ذلك بل معناه إثبات الضمان فقط لزم أن لا يصح عنوان الباب على قول الامام أصلا لانه لا ضمان عنده على أحد من الاجير المشترك والخاص. قال رحمه الله: (إلا ضمير المشترك من يعمل لغير واحد) قال الاكمل: والسؤال عن وجه تقديم المشترك على الخاص دوري اه‍. يعني أن السؤال عن توجيه تقديم المشترك يتوجه على تقدير العكس فلا مرجح سوى الاختيار. قال صاحب النهاية: فإن قلت: تعريف المشترك بقوله (من يعمل لغير واحد تعريف) يدل على عاقبته إلى الدور لان هذا حكم لا يعرفه إلا من يعرف الاجير المشترك، ولو كان عارفا بالاجير المشترك لا يحتاج إلى هذا التعريف، ولو لم يكن عارفا به قبل ذلك لا يحصل له تعريف الاجير المشترك لانه يحتاج إلى السؤال عمن لا يستحق الاجر حتى يعلم من هو فلا بد للمعرف أن يقول هو الا جبر المشترك وهو عين الدور. قلت: نعم هو كذلك إلا أن هذا تعريف للخفي بما هو أشهر منه في مفهوم المتعلمين أو هو تعريف لما لم يذكر بما قد سبق ذكره لانه ذكر قبل هذا استحقاق الاجير بالعمل بقوله (أو باستيفاء المعقود عليه) في باب الاجرة متى تستحق فصار كأنه قال وما عرفته بأن الاجير هو الذ يستحق الاجر باستيفاء المعقود عليه فهو الاجير المشترك إلى هنا كلامه. واعترض بأن الجواب فيه خلل من أوجه: أما أولا فلان قوله في أول الجواب نعم كذلك اعتراف بلزوم الدور، وما يستلزم الدور يتعين فساده ولا يمكن إصلاحه. وأما ثانيا فلان كون الاجير

[ 47 ]

[ الصباغ والخياط والنساج والمتاع في يده غير مضمون بالهلاك وما تلف من عمله ] المشترك خفيا وما ذكره في التعريف أشهر منه فممنوع، ولو كان كذلك فأصح الجواب إذا سئل عمن يستحق الاجرة حتى يعلم. وأما ثالثا فلان المذكور في باب الاجير حتى يستحق غير مختص بالاجير المشترك. قال الاكمل: تعريف الاجير المشترك يستلزم الدور لانا لا نعلم من يعلم لغير واحد حتى يعرف الاجير المشترك فتكون معرفة المعرف موقوفة على معرفة المعرف به وهو الدور. وأجيب بأنه قد علم مما سبق متى يستحق الاجير بالعمل فلم تتوقف معرفته على معرفة المعرف. وقال بعضهم: الاجير المشترك من يعمل لغير واحد كالخياط والصباغ اه‍. وبيان ذلك أن معنى الاجير المشترك من لا يجب عليه أن لا يختص بواحد عمل لغيره أو لم يعمل، ولا يشترط أن يكون عاملا لغير واحد بل إذا عمل لواحد فهو مشترك إذا كان بحيث لا يمتنع، ولا يبعد عليه أن يعمل لغير واحد. قال الشارح: والاولى أن يقال: الاجير المشترك من يكون عقده واردا على عمل معلوم ببيان محله ليسلم من النقض، والخاص من يكون العقد واردا على منفعته ولا تصير منافعه معلومة إلا بذكر المدة والمسافة ومنافعه معلومة في حكم العين، ففي المشترك المعقود عليه الوصف الذي يحدث في العين بفعله فلا يحتاج إلى ذكر المدة ولا يمتنع عليه التقبل، وحكم الاجير المشترك أن يتقبل العمل لغير واحد، والخاص لا يمكنه أن يعمل لغير واحد. وفي الاصل ما معناه: المشترك من يقع العقد على العمل المعلوم فيصح بدون بيان المدة والاجارة على المدة لا تصح إلا ببيان نوع من العمل، وإذا جمع بين العمل والمدة يعتبر الاول. فلو استأجر راعيا ليرعى له غنمه المعلومة بدرهم شهرا فهو أجير مشترك إلا إذا صرح في آخر كلامه بما يدل على أنه خاص بأن قال لا يرعى غنم غيري. وإذا ذكر المدة أولا نحو أن يستأجر راعيا شهرا يرعى غنمه المعلومة بدرهم فهو أجير خاص إلا إذا صرح في آخر كلامه بما يدل على أنه مشترك بأن يقول أرع غنمي وغنم غيري. قال رحمه الله: (ولا يستحق الاجرة حتى يعمل كالقصار والصباغ والخياط والنساج) لان الاجارة عقد معاوضة فيقتضي المساواة بينهما كما تقدم. أقول: لا يخفى أن هذا اختاره القدوري في تعريف المشترك ولم يزد عليه. قال صاحب العناية: وقيل قوله من لا يستحق الاجرة حتى يعمل مفرد والتعريف بالمفرد لا يصح عند عامة المحققين. والحق أن يقال: إنه من التعريفات اللفظية، وفي العتابية: المشترك الحمال والملاح والحائك والخائط والنداف والصباغ والقصار والراعي والحجام والبزاغ والبناء والحفار اه‍. قال رحمه الله: (والمتاع في يده غير مضمون بالهلاك) يعني لا يضمن ما ذكر سواء هلك بسبب يمكن الاحتراز عنه كالسرقة أو بما لا يمكن كالحريق الغالب والفارة المكابرة وهذا عند الامام. وقالا: لا يضمن إذا هلك بما يمكن التحرز عنه لان عليا وعمر ضمناه ولان المعقود عليه الحفظ وبما ذكر لم يوجد

[ 48 ]

[ كتحريق الثوب من دقه وزلق الجمال وانقطاع الحبل الذي يشد به الحمل وغرق السفينة من مدها مضمون ولا يضمن به بني آدم وإن انكسر دن في الطريق ضمن الحمال قيمته ] الحفظ التام كما في الوديعة إذا كانت بأجر وكما إذا هلك بفعله. ولابي حنيفة أن القبض حصل بإذنه فلا يكون مضمونا عليه كالوديعة والعارية ولهذا لا يضمن فيما لا يمكن التحرز عنه كالموت والغصب ولو كان مضمونا عليه لما اختلف الحال، ولا نسلم أن المعقود عليه هو الحفظ بل العمل والحفظ تبعا بخلاف الوديعة بأجرة لان الحفظ وجب مقصودا، وبخلاف ما إذا تلف بعمله لان العقد يقتضي سلامة المعقود عليه وهو العمل فإذا لم يكن سليما ضمن، وقد روي عن عمر وعلي أنهما كانا لا يضمنان الاجير المشترك وهو قول إبراهيم النخعي فيتعارض عنهما الرواية فلا تلزم حجة. وقيل: هذا اختلاف عصر وزمان ورد بأن الاختلاف موجود بين الصحابة وبين أئمتنا رضي الله عنهم، ومبنى الاختلاف أن عندهما الحفظ معقود عليه وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به يكون واجبا لوجوبه فيكون العقد واردا عليه، وعنده لا يكون واردا عليه، وقد تقدم أن بقولهما يفتى في هذا الزمان لتغير أحوال الناس، وإن شرط الضمان على الاجير، فإن كان فيما لا يمكن التحرز عنه لا يجوز بالاجماع لانه شرط لا يقتضيه العقد، وإن كان قيما يمكن التحرز عنه يجوز عندهما خلافا للامام. وفي الدراية: أخذ الفقيه أبو الليث في الاجير المشترك بقول الامام وبه أفتى. وفي المزارعة والمعاملة الفتوى على قولهما لمكان الضرورة. وفي السراجية: وأفتى بعضهم بالصلح على نصف القيمة فيما هلك في يد الاجير المشترك فيما يمكن الاحتراز عنه في عمله، وقيد بالهلاك ليحترز عن الخطأ قال في المحيط: دفع إلى قصار ثوبا ليقصره فجاء ليطلب ثوبه فدفع إليه القصار ثوبا ظانا أنه له فهو ضامن له وكل من أخذ شيئا على أنه له ولم يكن له فهو ضامن، ولو كان صاحب الثوب أرسل رجلا ليأخذ ثوبه فلا ضمان على الرسول وإن أخذ الرسول الثوب بغيبة القصار فرب الثوب بالخيار إن شاء ضمن القصار أو الرسول وأيهما ضمن لم يرجع على الآخر اه‍. وفي المضمرات: وإذا ضمن عندهما إن كان الهلاك قبل العمل ضمن قيمته غير معمول ولا أجر عليه، وإن كان بعد العمل فرب الثوب إن شاء ضمنه قيمته غير معمول ولا أجر عليه، وإن شاء أعطاه قيمته معمولا ويعطيه أجرته. قال في شرح الطحاوي: معناه يحط عنه قدر الاجرة، ولو ادعى الرد على صاحبه وصاحبه ينكر القول قول الاجير عند الامام ولكن لا يصدق في دعوى الاجر، وعندهما القول قول صاحب الثوب. قال رحمه الله: (وما تلف من عمله كتخريق الثوب من دقه وزلق الجمال انقطاع الحبل الذي يشد به الحمل وغرق السفينة من مدها مضمون) هذا جوا ب المسائل كلها. وقال الامام الشافعي وزفر: لا يضمن لانه مأذون فيه فصار كالمعين للدقاق والامر المطلق ينتظم العمل بنوعيه المعيب والسليم ولا يمكن التحرز عن الدق المعيب. ولنا أن التلف حصل بفعل غير

[ 49 ]

مأذون فيه هو السليم دون غيره عرفا وعادة فيضمن. وفي المحيط: ولو تخرق لتقصيره في العمل ولعدم معرفته بالعمل يضمن عندنا وعند زفر. وقيد بقوله بعمله فشمل عمله بنفسه وعمل أجيره لانه عمله حكما قال في المحيط: ثم الاجير لمشترك إنما يضمن ما تلف في يده بشرائط ثلاثة: الاول أن يكون في قدرته دفع ذلك الفساد فلو لم يكن له قدرة على ذلك كما لو غرقت السفينة من موج أو ريح أو جبل صدمها لا ضمان على الملاح. الثاني أن يكون محل العمل مسلما إليه بالتخلية فلو لم يكن محل العمل مسلما إليه بأن كان رب المتاع في السفينة أو وكيله فانكسرت السفينة بجذب الملاح لم يضمن. وأما الثالث وهو أن يكون المضمون مما يجوز أن يضمن بالعقد فلو استأجر دابة لحمل عبد صغير أو كبير فلا ضمان على المكاري فيما عطب من سوقه أو قوده. قال في المحيط: لو تلف من فعل أجير القصار لا متعمدا فالضمان على القصار لا على الاجير لان التلف حصل من عمل القصارة، ولو وطئ ثوبا فتخرق ينظر، إن كان يوطأ مثله لا ضمان عليه لانه مأذون دلالة، وإن كان لا يوطأ بأن كان رقيقا ضمن. ولو وقع من يده سراج فاحرق ثوبا من القصارة أو حمل شيئا فوقع على ثوب القصارة فتخرق فالضمان على الاستاذ. ولو استأجر رجلا ليخدمه فوقع شئ من يده من متاع البيت ففسد لا يضمن، ولو وقع الاجير على ثوب وديعة عند الاستاذ فتخرق ضمن الاجير لانه ليس بمأذون فيه. وذكر في الاصيل: انفلتت المدقة من يد الاجير فأصابت شيئا فضمانه على القصار، ولم يفصل بين ثوب القصارة وغيره، ومشايخنا فصلوا فقالوا: إن وقع على ثوب الوديعة ابتداء وخرقة ضمن الاجير، وإن وقع على ثوب القصارة ابتداء يضمن الاستاذ دون الاجير لانها انفلتت ابتداء على ثوب الوديعة فهذا عمل غير مأذون فيه فيضمن، فأما إذا انفلتت على ثوب القصارة ابتداء فهو عمل مأذون فيه الاجير فيضمن الاستاذ، وعلى هذا التفصيل إذا أصاب آدميا وقالوا: لو مشى الضيف على بساط المضيف فتخرق من مشيه لم يضمن لانه مأذون فيه وكذا لو نقلبت الاواني فانكسرت بخلاف ما إذا وطئ آنية من الاواني فأفسدها يضمنها لانه ليس بمأذون فيه. لو جفف القصار ثوبا على حبل فمرت حمولة فخرقته فالضمان على الحمال. والراعي إذا ساق الغنم فماتت أو وطئ بعضها بعضا فمات إن كان أجيرا مشتركا ضمن، وإن كان أجيرا خاصا فلا ضمان عليه ا ه‍ مختصرا. وقوله من دقه أي دقه حقيقة أو حكما كدق أجيره. وقوله كزلق الحمال قال في الجامع الصغير: استأجر حمالا ليحمل له كذا إلى موضع كذا فزلق الجمال في أثناء الطريق، إن حصل بجناية يده ضمن وإن حصل بما لم يمكن الاحتراز عنه لا يضمن عند الامام، وعندهما يضمن. وفي الذخيرة: هذا إذا تلف في وسط الطريق، ولو زلقت رجله بعد ما انتهى إلى المكان المشروط فله الاجر ولا ضمان عليه وهو قول محمد أخيرا، وعلى قوله أولا يضمن هنا أيضا. وفي الولوالجية: ولو مطرت السماء فأفسدت الحمل أو أصابته الشمس ففسد فلا

[ 50 ]

ضمان على قول الامام، وعند أبي يوسف يضمن. وفي الاصل: استأجر دابة ليحمل عليها شيئا فعثرت الدابة فوقع الحمل أو المملوك لا يضمن المملوك ويضمن الحمل قالوا: إنما يضمن المتاع إذا كان الصبي لا يصلح لحفظ المتاع لانه لو كان يصلح له لا يضمن المتاع، ولو مر بالدابة على قنطرة وفيها حجر أو ثقب فوقع فيه حمله فتلف يضمن. وقيد بزلق الحمال المستأجر لانه لو لم يستأجره. قال في المحيط: استأجر قدرا فلما فرغ حمله على حمار فزلق رجل الحمار فوقع فانكسر القدر، فإن كان الحمار يطيق حمل ذلك فلا ضمان عليه، وإن كان لا يطيق فإنه يضمن ا ه‍. قوله وانقطاع الحبل الذي يشد به الحمل قال محمد في الاصل: إذا انقطع حبل الحمال وسقط الحمل وتلف ضمن. قيد بقوله يشد به الحمل لانه لو كان الحبل لصاحب المتاع لا يضمن. قال في العناية: ولو حمل بحبل صاحب المتاع فتلف لم يضمن. وقال في الهداية: وقطع الحبل من قلة اهتمامه فكان من صنعه. ولقائل أن يقول: تقدم أن الاجير المشترك لا يضمن ما تلف في يده إن كان الهلاك بسبب يمكن الاحتراز وفرق بأن التقصير هنا في نفس العمل فيضمن وهناك في نفس الحفظ فلا يضمن. ولو قال رب المتاع للحمال احمله فحمله فسقط لم يضمن لان التسليم إليه لم يتم، ولو حمله ثم استعان في موضعه برب المتاع فوضعه فتلف ضمن عند أبي يوسف ولم يضمن عند محمد، ولو قال احمل أيهما شئت هذا بدرهم وهذا بنصف درهم فحملهما فله نصف أجرهما ونصفهما إن هلكا، ولو حمل أحدهما أولا فهو متطوع في الثاني ويضمنه إن هلك لانه حمله بغير إذن. ولو استأجره ليحمل له جلود ميتة فوقعها وأتلفها فلا أجر ولا ضمان لانه ليس بمال، ولو استأجره ليحمل هذه الدراهم إلى فلان فأنفقها في نصف الطريق ثم دفع مثلها إلى فلان فلا أجر له لانه ملكها بأداء الضمان. وفي الواقعات: استأجره ليحمل كذا في طريق كذا فأخذ في طريق آخر تسلكه الناس فتلف لم يضمن قوله وغرق السفينة من مدها. أطلق في قوله من مدها فظاهره أنه يضمن سواء كان رب المتاع معه أو لم يكن وليس كذلك. قال في الاصل: الملاح إذا أخذ الاجرة وغرقت السفينة في موج أو ريح أو مطر أو فزع. وفي الخانية: أو من شئ وقع عليها أو من شئ ليس في وسعه دفعه فلا ضمان عليه، وإن حصل الغرق من أمر يمكن التحرز عنه فكذلك عند الامام، وعندهما يضمن وإن حصل الغرق من مده وصاحب المتاع معه لم يضمن. وفي الاصل: وإن كان صاحب المتاع في السفينة أو وكيله وغرقت السفينة من مده ومعالجته فلا ضمان إلا أن يخالف بأن يضع فيها شيئا أو يفعل فيها فعلا متعمدا الفساد، وهذا بخلاف ما إذا أجرت الدابة فسقط المتاع فهلك وصاحب المتاع معه فإن الاجير يضمن ا ه‍. والمراد بالمد حبل السفينة التي تمد به. وفي التتمة: استأجر سفينة ليحمل عليها الامتعة هذه فأدخل الملاح عليها أمتعة أخرى بغير رضاه وغرقت وهي كانت تطيق ذلك لم يضمن الملاح ا ه‍. قال

[ 51 ]

[ في محله ولا أجر أوفى موضع الانكسار وأجره بحسابه ولا يضمن حجام أو فصاد أو بزاغ لم يتعد الموضع المعتاد والخاص يستحق الاجر بتسليم نفسه في المدة وإن لم بعمل ] رحمه الله: (ولا يضمن به بني آدم) ممن غرق في السفينة أو سقط من الدابة ولو كان بسوقه وقوده لان الآدمي لا يضمن بالعقد وإنما يضمن بالجناية، وقيل هذا إذا كان كبيرا ممن يستمسك بنفسه ويركب وحده وإلا فهو كالمتاع والصحيح أنه لا فرق. قال رحمه الله: (وإن انكسر دن في الطريق ضمن الحمال قيمته في محل حمله ولا أجر أوفي موضع الانكسار وأجره بحسابه) أما الضمان فلانه تلف بفعله لان الداخل تحت العقد عمل غير مفسد والمفسد غير داخل فيضمن على ما بينا، وأما الخيار فلانه إذا انكسر في الطريق شئ واحد تبين أنه وقع تعديا من الابتداء من هذا الوجه، وله وجه آخر وهو أن ابتداء الحمل حصل بأمره فلم يكن متعديا وإنما صار تعديا عند الكسر فيميل إلى أي الجهتين شاء، فإن مال إلى كونه متعديا من الابتداء ضمنه قيمته ولا أجر له، وإن مال إلى كونه مأذونا فيه في الابتداء وإنما حصل التعدي عند الكسر ضمنه قيمته في موضع الكسر وأعطاه الاجر بحسابه. قال في شرح الطحاوي: معناه أسقط قدر الاجرة هذا إذا انكسر بصنعه بأن زلق وعثر، فإن عثر بغير صنعه بأن زحمه الناس لا يضمن عند الامام ولا أجر له، وعندهما يضمن قيمته في موضع ما انكسر ولا يخير لان العين مضمونة عندهما على ما بينا. قال في التتارخانية: هذا إذا انكسر الدن بجناية يده، أما إذا حصل لا بجناية يده، فإن كان بأمر لا يمكن التحرز عنه لا ضمان عليه بالاجماع، وإن هلك بأمر يمكن التحرز عنه فكذلك عند الامام، وعندهما يجب الضمان وللمالك الخيار. وقوله في الطريق قال في الذخيرة. قيد احترازي فإذا انكسر الدن بعد ما انتهى به إلى بيته فله الاجر ولا ضمان عليه وهذا قول محمد أخرا، أما على قول أبي يوسف وهو قول محمد أولا يجب أن يكون ضامنا ا ه‍. وقد تقدم. قال رحمه الله: (ولا يضمن حجام أو فصاد أو بزاغ لم يتعد الموضع المعتاد) لانه التزمه بالعقد فصار واجبا عليه والفعل الواجب لا يجامعه الضمان كما إذا حد القاضي أو عزر ومات المضروب بذلك إلا إذا كان يمكنه التحرز عن ذلك كدق الثوب فأمكن تقييده بالسليم بخلاف الفصد ونحوه فإنه ينبني على قوة الطبع وضعفه ولا يعرف ذلك بنفسه ولا ما يحتمله الجرح فلا يمكن تقييده بالسليم وهو غير الساري فسقط اعتباره إلا إذا جاوز المعتاد فيضمن الزائد. وهذا كله إذا لم يهلك، وإن هلك يضمن نصف دية النفس لانه هلك بمأذون وغير مأذون فيضمن بحسابه حتى لو أن الختان قطع الحشفة وعهو عضو كامل يجب عليه الدية كاملة، وإن مات وجب نصف الدية وهي من أندر المسائل وأغربها حيث يجب الاكثر بالبرء وبالهلاك الاقل. وفي شرح الطحاوي: لو قطع الحشفة فعليه القصاص، ولو قطع بعض الحشفة فلا قصاص عليه، ولم يذكر ما يجب عليه. وفي الصغرى: تجب حكومة عدل. وفي

[ 52 ]

[ كمن استؤجر شهرا للخدمة أو لرعي الغنم ولا يضمن ما تلف في يده أو يعمله وصح ] الخلاصة: الكحال إذا صب الدواء في عين رجل فذهب ضوءه لم يضمن كالختان إلا إذا غلط، فإن قال رجلان إنه ليس بأهل وقال رجلان هو أهل لم يضمن، فإن كان في جانب الكمال واحد في جانب الآخر اثنان ضمن، ولو قال رجل للكحال داو بشرط أن لا يذهب بصره فذهب لم يضمن أمر رجلا أن يقلع سنة فقلعه ثم اختلفا قال أمرتك أن تقلع غيره وقال الحجام أمرتني بقلع هذا القول قول الآمر ا ه‍. وفي الظهيرية: ولو بزغ واختلفا فالقول للآمر ويضمن القالع أرش السن. وفي الخلاصة: ولو قلع ما أمره ولكن سن آخر متصل بهذا السن سقط ضمنه. وظاهر عبارة المؤلف أن الضمان ينتفي بعدم المجاورة، وذكر في الجامع الصغير: وحجامة العيد بأمر المولى حتى إذا لم يكن بأمر المولى يجب الضمان. قال في الكافي: عبارة المختصر ناطقة بعدم التجاوز وساكتة عن الاذن وعبارة الجامع الصغير ناطقة بالاذن ساكتة عن التجاوز فصار ما نطق به هذا بيانا لما سكت عنه الآخر، ويستفاد بمجموع الروايتين اشتراط عدم التجاوز والاذن لعدم وجوب الضمان حتى إذا عدم أحدهما أو كلامهما يجب الضمان ا ه‍. قال رحمه الله: (والخاص يستحق الاجر بتسليم نفسه في المدة وإن لم يعمل كمن استؤجر شهرا للخدمة أو لرعي الغنم) يعني الاجير الخاص يستحق الاجر بتسليم نفسه في المدة عمل أو لم يعمل. قال الاكمل: وما يرد على تعريف الاجير المشترك يرد مثله على تعريف الخاص ا ه‍. وسمى الاجير خاصا وحده لانه يختص بالواحد وليس له أن يعمل لغيره ولان منافعه صارت مستحقة للغير والاحر مقابل بها فيستحقه ما لم يمنع مانع من العمل كالمرض والمطر ونحو ذلك مما يمنع التمكن، ولم يتعرض المؤلف لما إذا عمل لمتعدد ونحن نبين ذلك. قال في المحيط: ولو أجر نفسه من غيره وعمل للاول والثاني استحق الاجر كاملا على كل واحد منهما ولا يتصدق بشئ ويأثم اه‍. قال صاحب الهداية: والاجر مقابل بالمنافع ولهذا يستحق الاجر عليه وإن نقض العمل. قال صاحب النهاية: نقض على البناء للمفعول بخلاف الاجير المشترك فإنه روي عن محمد في خياط خاط ثوب رجل فنقضه رجل قبل أن يقبضه رب الثوب فلا أجر للخياط لانه لم يسلم العمل إلى رب الثوب، ولا يجبر الخياط أن يعيد العمل لانه لو أجير لكان بحكم العقد الذي وقع في ذلك قد انتهى بتمام العمل، وإن كان الخياط هو الذي نقض فعليه أن يعيد العمل لانه لما نقضه صار كأنه لم يحصل منه عمل، ومثله الاسكافي والملاح حتى إذا أراد الملاح رد السفينة منع من ذلك. وإنما يكون أجيرا خاصا إذا شرط عليه أن لا يرعى لغيره أو ذكر المدة أولا فإنه جعله خاصا بأول كلامه حيث ذكر المدة أولا. وقوله لرعي غنمه يحتمل أن يكون لا يقاع العقد على العمل فيصير مشتركا، ويحتمل أن يكون لبيان نوع العمل فإن الاجارة على المدة لا تصح ما لم يبين نوع العمل فلم

[ 53 ]

يعتبر حكم الكلام الاول بالاحتمال. ولو قدم ذكر العمل وأخر المدة بأن قال ارع غنمي بدرهم شهرا كان أجيرا مشتركا لانه جعله مشتركا بأول كلامه بإيقاع العقد على العمل. وقوله شهرا يحتمل أن يكون لايقاع العقد على المدة فيكون خاصا، ويحتمل أن يكون لتقدير العمل في المدة فلا يتغير أول كلامه بالاحتمال ما لم يصرح بخلافه. وفي المحيط: فإذا كان خاصا فماتت شاة أو أكلها سبع أو غرقت في نهر فلا ضمان على الراعي لانه أمين ولا ينقص من الاجر بحسابها لان المعقود عليه تسليم نفسه وقد وجد. ولهذا لو سلم نفسه ولم يأمره بالرعي تجب الاجرة وهو يصدق فيما يدعيه من الهلاك مع اليمين، ولو سلم إلى الراعي عددا فأراد أن يزيد عليه والراعي يطيقه فله ذلك استحسانا لان المستحق عليه الرعي بقدر ما يطيق لا رعي أغنام بعينها حتى قلنا في الظئر: لو استأجرها لارضاع صبي فأراد أن يرضع صبيا آخر ليس له لان العقد وقع على العمل وفيه زيادة عمل. ولو كان الراعي أجيرا مشتركا لكان حكمه حكم الظئر لتعلق العقد بالمسمى فلا يزيد عليه ويلزمه رعي الاولاد وما بيع منها سقط من الاجر بحسابه، ولو شرط عليه رعي الاولاد صح استحسانا لان هذه الجهالة غير مفضية إلى المنازعة. راع مشترك خلط الاغنام فالقول في التمييز للراعي مع يمينه إن جهل صاحبه، وإن جهل الراعي يضمن قيمة الكل لان الخلط استهلاك شرط على المشترك أن يأتي بعلامة الميت إن لم يأن فهو ضامن، وليس للراعي أن ينزي على الغنم إلا بإذن مالكها، فإن فعل فعطب ضمن لان هذا ليس من الرعي فإن نزى الفحل بدون فعله لم يضمن عند الامام، وعندهما يضمن لانه مما يمكن الاحتراز عنه. ندت واحدة فخاف على الباقي إن تبعها فلا ضمان عليه عند الامام لانه ترك حفظها بعذر، وعندهما يضمن. ولو سرق غنم وهو نائم لم يضمن عند الامام، وعندهما يضمن. ولو ذبح الراعي شاة خوفا عليها ضمن قيمتها يوم الذبح. قال مشايخنا: هذا إذا كان يرجى حياتها، وإن كان لا يرجى لا يضمن لانه مأذون فيه في هذه الحالة. عطب بعض الغنم فقال المالك شرطت عليك أن ترعى في مكان كذا غير هذا المكان وقال الراعي شرطت هذا المكان فالقول قول المالك والبينة للراعي، وهذا عند الامام. وعندهما يضمن ولا يأخذ المصدق من الراعي، فإن أخذ منه فلا ضمان لانه ليس في وسعه دفع السلطان والهلاك إذا كان بأمر لا يمكن التحرز عنه لا يضمن بالاجماع جعل الاجر لبنها وصوفها فالاجارة فاسدة للجهالة في اللبن والصوف والراعي ضامن لما أصاب من لبنها وصوفها. ا ه‍ مختصرا. قال رحمه الله: (ولا يضمن ما تلف في يده أو بعمله) أما الاول فلان العين أمانة في يده لانه قبضها بإذن مالكها فلا يضمن بالاجماع وهذا ظاهر على قول الامام، وكذا عندهما لان تضمين الاجير المشترك كان نوع استحسان وقد تقدم وجهه، والاجير الخاص يعمل في بيت المستأجر ولا يقبل الاعمال من غيره أخذا فيه بالقياس. وأما الثاني فلان المنافع صارت مملوكة

[ 54 ]

[ ترديد الاجير بترديد العمل في الثوب نوعا وزمانا في الاول وفي الدكان والبيت ] للمستأجر وأمره بالصرف إلى ملكه فصح وصار نائبا عنه وصار فعله منقولا إليه لانه فعله بنفسه، ولان البدل ليس بمقابلة العمل بدليل أنه يستحق الاجر وإن لم يعمل، وهذا لان المبيع منفعته وهي سليمة وإنما الخرق في العمل الذي هو تسليم المنفعة وذلك غير معقود عليه فلم يكن يضمن شيئا ما هو عليه فلا يشترط فيه السلامة فلا يضمن ما تلف إلا إذا تعمد الفساد فيضمن بالتعدي كالمودع. وفي المحيط: وعلى هذا التفصيل أما في الضمان تلميذ القصار وأجيره سائر الصنائع. قال رحمه الله: (وصح ترديد الاجير بترديد العمل في الثوب نوعا وزمانا في الاول) يعني يجوز أن يجعل الاجر مترددا بين تسميتين ويجعل العمل مترددا في الثوب بين نوعي العمل بأن يقول إن خطت فارسيا فبدرهم أو روميا فبدرهمين أو صبغته بعصفر فبدرهم ويزعفران فبدرهمين. أو يجعل العمل مترددا بين زمانين بأن يقول إن خطته اليوم فبدرهمين وإن خطته غدا فبنصف درهم يجوز في الاول دون الثاني وهو معنى قوله وزمانا في الاول. ويجوز التردد بين ثلاثة أشياء ولا يجوز بين أكثر كما تقدم. ولو قال المؤلف رحمه الله تعالى وصح ترديد الاجر بترديد العمل نوعا وزمانا في الاول فيما دون الاربعة لكان أولى لانه يفهم من الاطلاق أنه يصح في أكثر من الاربعة وهذا خيار التعين إلا أنه لا بد في البيع من اشتراط الخيار. وفي الاجارة لا يشترط ذلك، والفرق أن تحقيق الجهالة في البيع لا يرتفع إلا بإثبات الخيار بخلاف الاجارة. واستشكل صاحب التسهيل هذا الفرق حيث قال أقول: الجهالة التي في طرف الاجرة ترتفع كما ذكر، أما التي في طرف العين المستأجرة فهي ثابتة وتفضي إلى المنازعة فينبغي أن لا يصح بدون شرط اليقين ا ه‍. وهذا التفصيل في الزمان قول الامام. وقالا: الشرطان جائزان. وقال زفر: الشرطان فاسدان لان الخياطة شئ واحد وقد ذكر لمقابلته بدلان فيكون مجهولا. ولهما أن ذكر اليوم للتوقيت وغدا للتعليق فلا يجتمع في كل يوم تسميتان وللامام في الاول قال فارسيا وروميا فسمى نوعين معلومين من العمل وسمى لكل منهما بدلا معلوما فيجوز للامام أيضا إذا كان الترديد في الزمان إن ذكر اليوم للتعجيل والعد للاضافة والكلام لحقيقته حتى يقوم دليل المجاز وقد قام الدليل على إرادة المجاز في ذكر اليوم وهو التعجيل لان مرادهما الصحة وهو متعين في المجاز لان تعين العمل مع التوقيت مفسد، فإن تعين العمل يوجب كونه أجيرا مشتركا وتعين الوقت يوجب كونه خاصا وبينهما تفاوت فلا تجتمعان فتعين المجاز كي لا يفسد فحملاه على التعجيل، وفي الغد لم يقم الدليل على إرادة المجاز بل قام الدليل على إرادة الحقيقة وهو الاضافة يعني في التعليق فتركاه على حقيقته، فإذا كان ذكر اليوم للتعجيل وذكر غد للاضافة لم يجتمع في اليوم إلا نسبة واحد فلم يفسد، فإذا خاطه اليوم فله الدراهم، واجتمع في غد تسميتان فوجب حمله على الاضافة، وهذا يناقض ما قدمه من أنه إن كان العمل أولا فالزمان لغو أو الزمان أولا فالعمل لغو فهو في الاول أجير مشترك

[ 55 ]

وفي الثاني أجير خاص، فإذا خاطه في غد فله أجر مثله لا يزاد على نصف درهم بخلاف الفارسية والرومية لانهما عقدان مختلفان لم يجتمعا فافترقا. ويشكل على ما علل به في اليوم والغد مسألة الراعي فإنها جمع فيها بين ذكر الوقت والعمل وتصح الاجارة بالاتفاق، ولا يحمل الوقت على غير معناه الحقيقي في قول أحد بل يعتبر أجيرا مشتركا إن وقع ذكر العمل أولا وأجيرا وحده إن وقع ذكر الوقت أو لا كما ذكر في الذخيرة والمحيط. قال صاحب الكافي: وفي المسألة إشكال على قول الامام حيث جعل ذكر اليوم للتعجيل ههنا حتى أجاز العقد، وفي مسألة الخياط جعله للتوقيت وأفسد العقد. والجواب أن ذكر اليوم حقيقة للتوقيت فيحمل عليه حتى يقوم الدليل على المجاز وهو نقصان الاجر بسبب التأخير فعدلنا عن الحقيقة ولم نعمم هناك وكان التوقيت مرادا ففسد العقد. وقوله ترديد الاجرة قيد اتفاقي لانه لا فرق بين ترديد الاجرة ونفيها لما قال في المحيط البرهاني: لو قال إن خطته اليوم فلك درهم وإن خطته غدا فلا أجر لك قال محمد في الاملاء: إن خاطه في اليوم الاول فله درهم، وإن خاطه في اليوم الثاني فله أجر مثله لا يزاد على درهم في قولهم جميعا لان إسقاط الاجر في اليوم الثاني لا ينفي وجوبه في اليوم الاول، ونفي التسمية في اليوم الاول لا ينفي أصل العقد فكان في اليوم الثاني عقد لا تسمية فيه فيجب أجر المثل ا ه‍ بلفظه. وفي التتارخانية بعد أن ذكر هذا الفرع، هذا إذا جمع بين الامرين فلو أفرد العقد على اليوم بأن قال إن خطته اليوم فلك درهم ولم يزد على هذا فخاطه في الغد لم يذكر محمد هذا في شئ من الكتب، وكان الفقيه أبو بكر البلخي يقول على قولهما يستحق أجر المثل إذا خاطه في غد. وعلى قول الامام لقائل أن يقول يجب، ولقائل أن يقول لا يجب ذلك وإن يقول هذا العقد هنا فاسد على قول الامام لانه جمع بين الوقت والعمل ولم تقم قرينة على أنه أراد بالوقت التعجيل فما وجه القول بالصحة؟ وفي العتابية: إن خطته اليوم فلك درهم وإن خطته في غد فلا شئ لك فسد العقد لانه شرط القمار وقيل يصح في اليوم ويفسد في الغد، ولو قال ما خاطه اليوم فبحساب درهم وما خاطه غدا فبحساب نصف درهم يفسد لانه مجهول. ولو قال ما خاطه من هذه الثياب روميا فبكذا وفارسيا فبكذا يفسد للجهالة وهذا التفصيل في صورة المتن هو المذكور في الجامع الصغير وحكى الفقيه عن أبي القاسم الصفار: ينبغي أن يفسد العقد في اليوم الغد بلا خلاف فإن خاطه في الغد فله أجر مثله لا يزاد على درهم ولا ينقص من نصف درهم، وهذا يشير إلى أنه يجوز أن يزيد على نصف درهم وهو رواية الاصل. وفي المسألة روايتان، وصحح القدوري رواية ابن سماعة وهو الصحيح وهو المذكور في المتن ولم يتعرض لما إذا خاط بعضه في اليوم وبعضه في غد ونحن نبين ذلك قال في العناية: ولو خاطه نصفه في اليوم ونصفه في الغد يجب في اليوم نصف درهم وفي الغد أجرة مثله لا يزاد على نصف درهم ولا ينقص عن ربع درهم. وقوله زمانا في الاول قيد اتفاقي لانه لو ردد في الاجرة كذلك. وأطلق في قوله زمانا في

[ 56 ]

[ والدابة مسافة وحملا ولا يسافر بعبد استأجره للخدمة بلا شرط ولا ياخذ المستأجر من ] الاول فشمل ما إذا قدم الاول وآخر الغد وقدم الغد وأخر اليوم يصح العقد في الغد ويفسد في اليوم. قال في الغياثية: ولو بدى بالغد ثم اليوم فعند الامام الصحيح هو الاول. وفي إجارة الاصل: لو قال إن خطته اليوم فلك درهم وإن لم تفرع منه اليوم فلك نصف درهم ذكر الخلاف على نحو ما ذكر في المتن. قال رحمه الله: (وفي الدكان والبيت والدابة مسافة وحملا) يعني يجوز أن يجعل الاجر مترددا في الدكان بأن يقول إن سكنت حدادا فبدرهمين وإن سكنت عطار فبدرهم، أو يتردد بين مسافتين في الدابة أو بين حملين بأن يقول إن ذهب إلى بغداد بكذا وإلى الكوفة بكذا، أو إن حملت قطنا فبكذا وإن حملت حديدا فبكذا وهذا قول الامام. وعندهما لا تجوز هذه الاجارة. لهما أن الاجرة والمنفعة مجهولتان لان الاجر في الاجير الخاص يجب بالتسليم من غير عمل ولا يدري أي العملين يقدر ولا أي التسميتين تجب وقت التسليم بخلاف خياطة الرومية والفارسية لان الاجارة لا تجب فيه إلا بالعمل وبه ترفع الجهالة، وبخلاف الترديد في اليوم والغد لانه عندهما كمسألة الرومية أو الفارسية فلا يجب الاجر إلا بعد العمل، فعند ذلك هو معلوم هذا هو القاعدة. فإن قلت: فما الفرق على قولهما بين الترديد في العمل والزمان حيث جوزاها ومعناه في البيت والدكان والامام جوز هنا ومنع في الزمان؟ قلت: قالا: التفاوت في السكني فاحشة فمنعاه والامام قال: هو رضي بإدخال الضرر على نفسه فأجازه وللامام أنه خيره بين شيئين متغايرين وجعل لكل واحد منهما أجرا معلوما فوجب أن يجوز كما في الرومية والفارسية والاجارة تعقد للانتفاع، فالظاهر أن يستوفي المنافع وعند الاستيفاء ترفع الجهالة بخلاف الترديد في اليوم والغد على ما تقدم وهنا يجوز الترديد بين شيئين بأن يقول أجرتك هذه الدار كل شهر بمائة أو هذه الدار بمائتين أو هذه الدار بثلاثمائة، ولا يجوز بين أكثر من ذلك لما تقدم. وفي الكبرى: واختلف المشايخ على قول الامام في مسألة الدابة والدار إذا سلم ولم يسكن ولم يحمل عليها ولم يركبها، قال بعضهم يجب أقل الاجرين وهو المقابل بأدنى العملين والزائد مشكوك فيه فلا يجب بالشك، وقال بعضهم إذا وجد التسليم ولم توجد المنفعة جعل التسليم لهما إذ ليس أحدهما بأولى من الآخر فيجب نصف آجر كل من الحداد والقصار ونصف أجر الحمل ونصف أجر الركوب. وفي التتارخانية: وذكر الكرخي من استأجر دابة من بغداد إلى البصرة بخمسة وإلى الكوفة بعشرة، فإن كانت المسافة إلى البصرة نصف المسافة إلى الكوفة فالعقد جائز، وإن كان أقل أو أكثر لا يجوز على قول محمد. وقال الامام: يجوز. وفي نوادر هشام عن محمد: إذا قال لغيره إن حملت هذه الخشبة إلى موضع كذا فبدرهم، وإن حملت هذه الاخرى إلى موضع كذا فبدرهمين فحملهما إلى ذلك الموضع فله درهمان وهو يخالف رواية ابن سماعة اه‍. قال رحمه الله: (ولا

[ 57 ]

يسافر بعبد استأجره للخدمة بلا شرط) لان مطلق العقد تناول الخدمة في الاقامة وهو الاعم الاغلب وعليه عرف الناس فانصرف إليه فلا يكون له أن ينقله إلى خدمة السفر لانه أشق، ولان مؤنة الرد على المولى فيلحقه ضرر بذلك فلا يملكه إلا بإذنه بخلاف العبد الموصى بخدمته حيث لا يتقيد بالحضر لان مؤنة الرد عليه ولم يوجد العرف في حقه. لا يقال لما ملك المنفعة ملك أن يسافر به كالمولى لانا نقول: المولى إنما ملك ذلك لانه ملك الرقبة. قيد بقوله (ولا يسافر) فأفاد أن له أن يستعمل فيما دون السفر ففي المحيط: استأجر عبدا ليخدمه ولم يبين مكان الخدمة له أن يستخدمه بالكوفة دون خارج الكوفة. قال شمس الائمة: يعني لا يسافر بالعبد وله أن يخرجه إلى القرى وأفنية المصر ويستخدمه إلى العشاء الاخيرة، وليس له أن يضربه، وله أن يكلفه أنواع الخدمة ويخدم ضيفانه وامرأته. وأطلق في قوله ولا يسافر وهو مقيد بما إذا لم يكن متهيئا للسفر وقد عرف بذلك لان المعروف كالمشروط. ولو سافر به صار غاصبا ولا أجر عليه إن سلم لان الضمان والاجر لا يجتمعان. وفي المحيط: لا يكلفه الخبز والطبخ والخياطة وعلف الدواب قال: تفسيره أن يعقده خياطا ليخيط للناس أو خبازا ليخبز للناس لانه ليس من الخدمة بل من التجارة، وأما إذا خاط له وخبز له فله ذلك لانه من أنواع الخدمة. ولو دفع عبده إلى حائك ليعلمه النسخ واشترط عليه أن يحدقه في ثلاثة أشهر ولم يجز لان التحديق ليس بعلم معلوم، ولو أجر عبده سنة فأعتق العبد في خلال السنة جاز عتقه والعبد بالخيار إن شار أجاز العقد فيما بقي وله أجر ما بقي من السنة، وإن شاء فسخ: وليس للعبد أن يقبض الاجرة إلا بوكالة من المولى فإن كان المولى قبض الاجرة معجلا فأعتق العبد في خلال السنة، فإن أجاز العبد العقد فيما بقي سلم ذلك للسيد، ولو كان العبد هو الذي أجر نفسه بإذن المولى ثم أعتق العبد فله الخيار كما تقدم إلا أن العبد هو الذي يقبض الاجرة. وفي الغيائية: وإن قبض المولى جميع الاجرة قبل عتقه فذلك له إن لم يكن على العبد دين وإن كان صرف إلى غرمائه والفضل له لانه كسب عبده. وأفاد قوله استأجر عبدا أن كلا منهما ذكر لانه لو استأجر أمة لا بد فيه من تفصيل، أو استأجر المرأة ذكر التخدمه لا بد فيه من تفصيل، أو استأجرت حرا لابد فيه من تفصيل، ولو أجر عبده سنة فأقام العبد بينة أن مولاه أعتقه قبل الاجارة فالاجرة للعبد، ولو قال العبد أنا حر وقد فسخت الاجارة فلم يقم بينة ودفعه القاضي إلى مولاه فأجبر على العمل فأقام بينة أنه حر وإن المولى أعتقه قبل الاجارة فلا أجر للعبد لانه لو لم يقل فسخت كان الاجر للعبد، ولو كان غير بالغ وادعى العتق وقد أخره وقال فسخت ثم عمل فالاجر للغلام اه‍ مختصرا. وفي التتارخانية: ويكره للرجال أن يستأجر امرأة للخدمة حرة كانت أو أمة، وإن كان له عيال فلا بأس بذلك إذا كان ثقة وبه يفتي. ولو استأجر الرجل امرأته للخدمة لا يجوز ولا أجر لها ولو لغسيل الثياب والخياطة يجوز. ولو استأجرت المرأة زوجها للخدمة لا يجوز ولا أجر عليها لو خدم ولو

[ 58 ]

[ عبد محجور عليه أجرا دفعه لعمله ولا يضمن غاضب العبد ما أكل من أجره ولو ] استأجر أباه للخدمة لا يجوز ولا أجر له لا فرق بين الكافر والمسلم. ولو استأجر أباه لرعي غنمه يجوز، ولو استأجر أمه أو جدته للخدمة لا يجوز، ولو خدم فله المسمى. ولو استأجر عمه وهو أكبر منه أو أخاه وهو أكبر منه لا يجوز. وفي فتاوي الفضلي: لا يجوز إجارة المسلم نفسه من كافر في الخدمة وفيما غير الخدمة يجوز. وذكره في صلح الاصل: ادعى على آخر دارا فصالحه على خدمة عبده سنة كان له أن يخرج بالعبد إلى أهله. قال شمس الامة الحلواني: لم يرد بإخراجه إلى أهله السفر وإنما أراد القرية وأفنية المصر. وقال شمس الائمة السرخسي: له في مسألة الصلح أن يسافر بخلاف مسألة الاجارة اه‍. ويطلب الفرق. قال رحمه الله: (ولا يأخذ المستأجر من عبد محجور عليه أجرا دفعه لعمله) يعني لو استأجر رجل عبدا محجورا عليه من نفسه فعمل وأعطاه الاجر ليس للمستأجر أن يأخذ منه، والقياس له أن يأخذه منه لان عقد المحجور عليه لا يجوز فيبقى عل ملك المستأجر لانه بالاستعمال صار غاصبا له ولهذا يجب عليه ضمان قيمته إذا هلك ومنافع المغصوب لا تضمن عندنا فيبقى المدفوع على ملكه فله أن يسترده قياسا. وفي الاستحسان لا يسترد لان التصرف من العبد في هذه الحالة نافع على تقدير السلامة صار على تقدير الهلاك والنافع مأذون فيه فيملكه العبد فيخرج الاجر عن ملكه فبعد ما سلم تمحض نفعا في حق المولى لانه إذا جاز تحصل للمولى الاجر ولو لم يجز ضاعت منافع العبد فتعين القول بالجواز وصح قبض العبد الاجرة فلا يسترد بخلاف ما إذا هلك العبد في حالة الاستعمال فإنه يجب على المستأجر قيمته، وإذا ضمن صار غاصبا من وقت الاستعمال فيصير مستوفيا منفعة عبد نفسه فلا يجب عليه الاجرة للصبي المحجور عليه إذا استأجر نفسه وسلم فإن الاجرة له لانه غير ممنوع عما ينفعه. وفي النهاية: الاجر الذي يجب في هاتين الصورتين هو أجر المثل فإن أعتقه المولى في نصف المدة نفذت الاجارة ولا خيار للعبد وأجر ما مضى للمولى والاجرة في المستقبل للعبد. وفي قاضيخان: الاب والجد ووصيهما إذا أجر عبدا لصبي سنين ثم بلغ الغلام لم يكن له أن يفسخ، والصبي إذا أجر نفسه وسلم ثم بلغ له أن يفسخ الاجارة ا ه‍. وفي المحيط: المكاتب إذا أجر عبده ثم عجز المكاتب رد في الرق فالاجارة باقية في قول أبي يوسف، وقال محمد: تنتقض ا ه‍. وفي التتارخانية: ولو أجر الرجل عبدا ثم استحق وأجاز المستحق الاجارة فإن كانت الاجارة قبل استيفاء المنفعة جاز وكانت الاجرة للمالك، وإن أجاز بعد استيفاء المنفعة لم تعتبر الاجارة ولا أجر للعاقد، وإن أجاز في بعض المدة فالماضي له والباقي للمالك عند أبي يوسف. وقال محمد: أجرة ما مضى للغاصب وما بقي فهو للمالك ا ه‍. قال رحمه الله: (ولا يضمن غاصب العبد ما أكل من أجره) معناه إذا غصب رجل عبدا فأجر العبد نفسه فأخذ الغاصب من يد العبد الاجرة

[ 59 ]

[ وجده ربه أخذه وصح قبض العبد أجره ولو أجر عبده هذين الشهرين شهرا بأربعة وشهرا بخمسة صح والاول باربعة ولو اختلفا في اباق ومرضه حكم الحال ] فأكلها فلا ضمان عليه عند الامام. وقالا: عليه ضمانه لانه أتلف مال الغير بغير إذنه ولا تأويل له. وللامام أن الضمان إنما يجب بإتلاف مال محرز متقوم وهذا ليس بمحرز لان الاحراز يكون بيده أو بيد نائبه وهذا ليس في يده ولا يد نائبه لان الغاصب ليس بنائب عنه ولا العبد بل العبد وما في يده في يد الغاصب فلم يكن محرزا فلا ضمان فصار نظير المال المسروق في يد السارق بعد القطع ولان الاجرة بدل المنفعة والبدل حكمه حكم المبدل، ولو أتلف الغاصب المنفعة لا يضمن فكذا بدلها، وما تردد بين أصلين توفر فيه حظهما فرجحنا جانب المالك عند بقاء الاجر في يده فقلنا المالك أحق به، ورجحنا جانب الغاصب في حق الضمان وقلنا لا ضمان عليه إذا أكل الاجرة بخلاف ولد المغصوب حيث يجب على الغاصب ضمانه بالاتلاف تعديا لانه ليس ببدل المنفعة بل هو جزء الام فيضمنه بالتعدي كالام، ولهذا لو استولدها الغاصب لا يكون الولد، له ولو أجر العبد كان الاجر له. قال رحمه الله: (ولو وجده ربه أخذه) يعني لو وجد رب العبد ما في يد العبد من الاجرة أخذه لانه أخذ عين ماله، ولا يلزم من بطلان التقوم بطلان الملك كما في المسروق بعد القطع فإنه لم يبق متقوما حتى لا يضمن بالاتلاف ويبقى الملك فيه حتى يأخذه المالك. قال رحمه الله: (وصح قبض العبد أجره) يعني لو قبض العبد الاجرة من المستأجر جاز قبضه بالاجماع لانه المباشر للعقد وحقوق العقد إليه فيصح لكونه مأذونا في التصرف النافع وهذه مكررة مع قوله ولا يأخذ مستأجر من عبد محجور إلى آخره لانه أفاد صحة القبض ومنع الاخذ فهي تكرار بلا فائدة فتأمل. قال رحمه الله: (ولو أجر عبده هذين الشهرين شهرا بأربعة وشهرا بخمسة صح والاول بأربعة) لانه لما قال أولا شهرا بأربعة انصرف إلى ما يلي العقد تحريا للصحة كما لو سكت عليه لان الاوقات في حق الاجارة بمنزلة الاوقات في حق اليمين أن لا يكلم فلانا لان تنكرها مفسد فتعين عقبها، فإذا انصرف الاول إلى ما يليه انصرف الثاني تحريا للاخير لانه أقرب الاوقات إليه فصار كما لو صرح به. قال تاج الشريعة: فإن قلت: هذا التعليل إنما يستقم إذا أنكر الشهر وهنا عرف بقوله هذين قلت: رأيت في المبسوط وغيره: استأجر عبدا شهرين شهرا بأربعة وشهرا بخمسة فقال المستأجر استأجرت منك هذا العبد هذين الشهرين فينصرف قوله هذين الشهرين إلى الشهرين المنكرين اه‍. وقال صاحب العناية: قيل مبنى هذا الكلام على أنه ذكر منكرا مجهولا والمذكور في الكتاب ليس كذلك. وأجيب بأن المذكور في الكتاب قول المستأجر واللام فيه للعهد لما في كلام المؤجر من التنكير فكان الاولى أن يقول ولو قبل إجارة عبد إلى آخره فلو قال ذلك لكان أولى وكان يسلم من الاعتراض فتأمل.

[ 60 ]

قال رحمه الله: (ولو اختلفا في اباق العبد ومرضه حكم الحال) يعني لو استأجر عبدا شهرا مثلا ثم قال المستأجر في آخر الشهر أبق أو مرض في المدة وأنكر المولى ذلك أو أنكر استناده إلى أول المدة فقال أصابه قبل ن تأتيني بساعة يحكم الحال فيكون القول قول من شهد له الحال مع يمينه لان القول في الدعاوي قول من يشهد له الظاهر ووجوده في الحال يدل على وجوده في الماضي فيصلح الظاهر مرجحا، وإن لم يصلح حجة كما إذا اختلفا في جريان ماء الطاحون. وهذا إذا كان الظاهر يشهد للمستأجر فظاهر لانه لا إشكال فيه لانه ليس فيه إلا دفع الاستحقاق والظاهر يصلح له، فإن كان يشهد للمؤجر ففيه إشكال من حيث إنه يستحق الاجرة بالظاهر وهو لا يصلح للاستحقاق، وجوابه أنه يستحق بالسبب السابق وهو العقد وإنما الظاهر يشهد على بقائه واستمراره إلى ذلك الوقت فلم يكن مستحقا بمجرد الظاهر، وهذا لانهما لما اتفقا على وجود سبب الوجوب فقد أقر بالوجوب عليه، وإذا أنكره يكون متعرضا لنفيه فلا يقبل إلا بحجة. وعلى هذا لو أعتق جارية ولها ولد فقالت أعتقتني قبل ولادتي فهو حر وقال المولى أعتقتها بعده فهو رقيق فالقول قول من الولد في يده لان الظاهر يشهد له، وكذا لو باع نخلا فيه ثمرة واختلفا في الثمرة معها كان القول قول من في يده الثمرة. وهذا كله إذا اتفقا على قدر الاجرة واختلفا في الوجوب، فلو اختلفا في قدر الاجرة واتفقا في الوجوب قال في فتاوي قاضيخان: ولو اختلفا في الاجر فقال الصباغ عملته بدرهم وقال صاحب الثوب بدانقين فأيهما أقام البينة قبلت بينته، وإن أقاماها فبينة الصباغ، وإن لم يكن لهما بينة ينظر ما زاد الصبغ في قيمة الثوب، فإن كان درهما أو أكثر يؤخذ بقول الصباغ فيعطى درهما بعد يمينه بالله ما صبغه بدانقين، وإن كان ما زاد الصبغ فيه أقل من دانقين كان القول قول رب الثوب مع يمينه على ما ادعى الصباغ، فإن كان يزيد في قيمة الثوب نصف درهم يعطى لصباغ نصف درهم مع يمينه كما تقدم، وإن كان ينقص الصبغ الثوب كان القول قول صاحب الثواب ا ه‍. قال في المحيط وغيره: وإذا اختلف شاهد الاجرة في مقدارها إن كانت الحاجة إلى القضاء بالعقد قبل استيفاء المعقود عليه فالشهادة باطلة، سواء كان يدعي أقل المالين أو أكثرهما، فإن كانت الحاجة إلى القضاء بالدين بأن وقع الاختلاف بعد الاستيفاء وقد تقدم. ولو اختلفا في نفس المنفعة فشهد أحدهما بالركوب والآخر بالحمل أو قال أحدهما بزعفران وقال الآخر بعصفر لم تقبل الشهادة. هذا إن اتفقا على العين المؤجرة، فلو اختلفا فيها قال في المحيط: لو اختلفا في العين المؤجرة بأن قال المؤجر أجرتك هذه الدابة وقال المستأجر بل هذه يتحالفان، ولو اختلفا في جنس الاجرة وأقاما البينة وكل بينة تثبت الزيادة تقبل بينة كل فيما يدعيه، ولو اختلفا في المسافة فقال أحدهما مثلا في ديارنا إلى الخانكا وقال الآخر إلى بلبيس يتحالفان، وأيهما أقام البينة تقبل بينته، وإن أقاماها جميعا أخذ بينة رب البداية في إثبات الاجرة وبينة المستأجر في إثبات زيادة المسافة.

[ 61 ]

[ والقول لرب الثوب في القميص والقباء والحمرة والصفرة والاجر وعدمه. باب فسخ الاجارة وتفسخ بالعيب وخراب الدار وانقطاع ماء الضعيغة والرحى وتفسخ بموت أحد ] قال رحمه الله: (والقول لرب الثوب في القميص والقباء والحمرة والصفرة والاجر وعدمه) يعني إذا اختلف رب الثوب والخياط في المخيط بأن قال ر ب الثوب أمرتك أن تعمل قباء وقال الخياط قميصا، أو في لون الصبغ بأن قال رب الثوب أحمر وقال الصباغ أصفر، أو في الاجرة بأن قال صاحب الثوب عملته بغير أجرة وقال الصباغ بأجرة كان القول قول رب الثوب، وظاهر العبارة أنه لا فرق بين كون رب الثوب معروفا بلبس ما نفاه أو لا، والذي يقتضيه النظر إن كان معروفا بلبس ما نفاه أن يكون القول قول الخياط وإن لم يكن معروفا أو جهل الحال يكون القول قول رب الثوب، أما إذا اختلفا في الخياطة والصبغ فلان الاذن يستفاء منه فهو أعلم بكيفيته لانه إذا أنكر الاذن أصلا كان القول قوله فكذا إذا أنكر وصفه لان الوصف تابع للاصل لكنه يحلف لانه ادعى عليه شيئا لو أقر به لزمه فإذا أنكره يحلف، فإذا حلف فالخياط ضامن وصاحب الثوب ضمير إن شاء ضمنه ثوبا غير معمول ولا أجر له أو قيمته معمولا وله أجر مثله لا يجاوز به المسمى على ما بينا. وعن محمد: إنه يضمن ما زاد الصبغ فيه، لا يقال هذه مكررة مع قوله ولو اختلفا في الاجارة قبل الاستيفاء إلى آخره لانا نقول: هناك اتفقا على نوع العمل واختلفا في الاجرة وهنا اتفقا على الاجرة واختلفا في نوع العمل فلا تكرار، وأما إذا اختلفا في الاجرة فلان المستأجر ينكر تقوم عمله ووجوب الاجر والصباغ يدعيه فكان القول للمنكر وهذا قول الامام. وقال الثاني: إن كان الصابغ حريفا له أي معاملا له بأن وكان يدفع إليه شيئا للعمل ويقاطعه عليه فله الاجر وإلا فلا. وقال محمد: إن كان الصابغ معروفا بهذه الصنعة بالاجرة كان القول قوله وإلا فلا، لانه لما فتح الدكان لذلك جرى ذلك مجرى التنصيص عليه اعتبارا بظاهر المقاصد. وقولهما استحسان والقياس قول الامام والفتوى على قول محمد، فإن قلت: هذه متكررة مع قوله وبخياطة قباء وأمر بقميص فالجواب أن تلك باعتبار الضمان وهذا باعتبار أن القول لرب الثوب عند الاختلاف فلا تكرار. وفي التتارخانية: ولو اختلف هو والقصار في أجر الثوب فقال القصار بربع درهم وقال رب الثوب عملته بقيراط، فإن اختلفا قبل الشروع في العمل تحالفا وترادا، وإن كان بعد الفراغ من العمل فالقول قول رب الثوب ولم يحكم مقدار ما زادت القصارة فيه اه‍. والله أعلم. باب فسخ الاجازة ذكر الفسخ آخرا لان فسخ العقد بعد وجوده لا محالة فناسب ذكره آخرا. قال رحمه

[ 62 ]

الله: (وتفسخ بالعيب) أي تفسخ الاجارة بالعيب، وظاهر قوله. وظاهر قوله تفسخ أفاد أنها لا تتوقف على رضا الآخر ولا على القضاء، وفي التتارخانية: وإذا تحقق العذر هل ينفسخ بنفسه أو يحتاج إلى الفسخ؟ إشارات الكتب متعارضة ففي بعضها ينفسخ بنفس العذر وبه أخذ بعض المشايخ، وفي عامتها يحتاج إلى الفسخ وعليه عامة المشايخ وهو الصحيح، وقيل العقد ينفسخ بدون الرضا قيل هو الصحيح وبعض المشايخ قال: إن كان العذر يمنع المضي ينفسخ بنفسه ولا يحتاج إلى القضاء، وإن كان لا يمنع المضي يحتاج إلى القضاء اه‍. وفي الزيادات: يرفع الامر إلى القاضي ليفسخ الاجارة. قال شمس الائمة: رواية الزيادات أصح، كذا في الخلاصة. وفي الجامع الصغير: يشترط لصحة الفسخ الرضا أو القضاء اه‍. وأطلق المؤلف في العيب وقال في البدائع: هذا إذا كان العيب مما يضر بالانتفاع بالمستأجر، فإن زمان لا يضر بالانتفاع به بقي العقد لازما ولا خيار للمستأجر كالعبد المستأجر ذهبت إحدى عينيه وذلك لا يضر بالخدمة أو سقط شعره أو سقط في الدار المستأجرة حائط لا ينتفع به في سكناها إلى آخره بخلاف ما إذا كان العيب الحادث مما يضر بالانتفاع لانه إذا كان يضر بالانتفاع فالنقصان يرجع إلى المعقود عليه فأوجب له الخيار فله أن يفسخ، ثم إنما يلي الفسخ إذا كان المؤجر حاضرا، فإن كان غائبا فحدت بالمستأجر ما يوجب حق الفسخ فليس للمستأجر أن يفسخ لان فسخ العقد لا يجوز إلا بحضور العاقدين أو من يقوم مقامهما، فلو كان لا يضر بها فليس له الفسخ كالعبد المستأجر إذا ذهب إحدى عينيه وهي لا تضر بالخدمة أو الدار إذا سقط منها حائط لا ينتفع به في سكناها، وإن كان يؤثر في السكني أو الخدمة كالعبد إذا مرض أو الدابة إذا دبرت أو الدار فإذا سقط منها حائط ينتفع به في السكني. ولو استأجر دارين فسقط من أحدهما حائط أو منع مانع من أحدهما أو وجد في أحدهما عيب ينقص السكني فله أن يتركهما جميعا إذا كان عقد عليهما عقد واحد. اه‍. قال الشارح: لان العقد يقتضي سلامة البدل فإذا لم يسلم فات رضاه فله أن فسخ كما في البيع. والمعقود عليه هنا المنافع وهي تحدث ساعة فساعة فما وجد من العيب يكون حادثا قبل القبض في حق ما بقي من المنافع فيوجب خيار الفسخ، فإذا فعل المؤجر ما زال به العيب فلا خيار للمستأجر لان الموجب للرد قد زال قبل الفسخ والعقد يتجدد ساعة فساعة فلم يوجد فيما يأتي بعد فسقط اختيار الفسخ، وإذا استوفى المستأجر المنفعة مع العيب يلزمه جميع البدل. وفي الظهيرية: وذلك إما أن يكون من قبل أحد العاقدين أو من قبل المعقود عليه. وفي التجريد: إما أن يمنع الانتفاع أو ينقص الانتفاع بالمنفعة. ولما تنوع العيب إلى هذه الانواع شرع يبين الانواع. قال رحمه الله: (وخراب الدار وانقطاع ماء الضيغة والرحى) يعني تنفسخ الاجارة بهذه الاشياء ولو بين المؤجر الدار وأراد المستأجر أن يسكنه في بقية المدة فليس له أن يمنعه من

[ 63 ]

[ المتعاقدين إن عقدها لنفسه وإن عقدها لغيره لا كالوكيل والوصي والمتولي في الوقف ] ذلك، وكذا ليس للمستأجر أن يمنع منه. وفي النوادر: بني المؤجر الدار كلها قبل الفسخ فللمستأجر أن يفسخ العقد إن شاء مخالف لما تقدم، ولو انقطع ماء الرحى والبيت وبقي ما ينتفع به لغير الطحن فعليه من الاجر بحصته لانه بقي شئ من المعقود عليه إذا استوفاه لزمه حصته. وقوله وخراب الدار إلى آخره يفيد أن الاجارة تنفسخ بهذه الاشياء. وفي الذخيرة: الاجارة في الرحى لا تنفسخ بانقطاع الماء. وفي الخانية: فإن بني الدار بعد الفسخ فليس للمستأجر أن يسكنها. وفي التتارخانية: والسفينة المستأجرة إذا نقضت وصارت ألواحا ثم أعيدت سفينة أخرى لم يجز تسليمها للمستأجر اه‍. ومثل انقطاع ماء الرحى انكسار الحجر. وفي التتارخانية: ولو استأجره ليزرع أرضه ببذره ثم بدا له أن لا يزرع كان عذرا، ولو استأجر أرضا ليزرعها فغرقت أو تربت أو سبخت كان ذلك عذرا في فسخها. وفي الاصل: استأجر أرضا ليزرعها شيئا سماه فزرعها ذلك وأصاب الزرع آفة وذهب وفت الزراعة لذلك الزرع فأراد أن يزرع ما هو أقل منه ضررا أو مثله فله ذلك وإلا فسخت ولزمه ما مضى من الاجرة. قيد بانقطاع الرحى ليحترز عن النقصان في الرحا، فإن كان النقصان فاحشا فله حق الفسخ، وإن كان غير فاحش فليس له حق الفسخ. قال القدوري: إذا صار الطحن أقل من نصف الحنطة أو لا فهو فاحش. قال رحمه الله: (وتفسخ بموت أحد المتعاقدين إن عقدها لنفسه) قال الشارح: وفيه إشارة إلى أنه لا يحتاج إلى حكم الحاكم ا ه‍. والظاهر أن فيه إشارة إليه. قال في المفيد والمزيد: وقال بعضهم لا لكن يرفع الامر إلى القاضي ويقضي بالفسخ ولا يحتاج في ذلك إلى دعوى. وللعلماء في ذلك طريقان: أحدهما أن يرفع الامر إلى القاضي بالفسخ. الثانية أن يبيع العين المؤجرة ويحكم القاضي فيها بالصحة وانفساخ الاولى وهي طريقة ما وراء النهر. وقال الشافعي: لا تبطل بموت أحدهما. ولنا أن العقد ينعقد ساعة فساعة حسب حدوث المنفعة فإذا مات المؤجر انتقل الملك إلى الوارث ومنفعته إليه والمنافع المستحقة بالعقد هي المملوكة للمؤجر وقد فات بموته فتنفسخ. قال في العتابية: ونوقض بما إذا استأجر دابة إلى مكان معين فمات صاحب الدابة وسط الطريق كان للمستأجر أن يركبها إلى المكان المسمى وقد مات أحدهما أو عقدها لنفسه. وأجبت بأن ذلك للضرورة وأنه يخاف على نفسه وماله حيث لا يجدد دابة أخرى في وسط المفازة ولا يكون ثمة قاض يرفع الامر إليه حتى قال بعض مشايخنا: إن وجد ثمة دابة أخرى يحمل عليها متاعه ينتقض أو وجد قاض ينتقض ا ه‍. وفي المحيط: إذا مات رب الدابة نظر القاضي ما هو الاصلح للورثة، إن رأى بيع الجمل وحفظ الثمن أنفع للورثة فعل، وإن رأى إبقاء الاجارة فإن كان بقية فالافضل الابقاء، وإن كان غير بقية والافضل فسخها، فإن فسخها وأقام البينة أنه أوفاه الكراء رد عليه بحساب ما بقي، ولو أنفق المستأجر على الدابة شيئا لم يحسب له إلا

[ 64 ]

[ وتفسخ بخيار الشرط وبخيار الرؤية وتفسخ بالعذر وهو عجز أحد العاقدين عن المضي ] إذا كان بإذن القاضي اه‍. وفيه أيضا: وإذا مات أحدهما وفي الارض زرع يترك إلى الحصاد ويكون على المستأجر أو على ورثته ما بقي من الاجر لانها كما تفسخ بالاعذار تبقى بالاعذار ا ه‍. وأطلق في الموت فشمل الموت الحكمي كالارتداد وكذا في المحيط. وفي الذخيرة: وإذا سكن بعد الانفساخ بغير عقد فالاصح إن كانت معدة للاشتغال تلزمه أجرة المثل وإلا فلا لانه غاصب. قال رحمه الله: (وإن عقدها لغيره لا كالوكيل والوصي والمتولي في الوقف) يعني لا تفسخ بموت أحدهما إذا كان عقدها لغيره كما ذكرنا لبقاء المستحق عليه، والمستحق لو مات المعقود له بطلت لما ذكرنا. وإذا مات أحد المستأجرين أو المؤجرين بطلت الاجارة في نصيبه وبقيت في نصيب الحي. وقال زفر: بطلت في نصيب الحي أيضا لان الشيوع مانع من صحة الاجارة. قلنا ذلك في الابتداء لا في البقاء لانه يتسامح في البقاء ما لا يتسامح في الابتداء. وأطلق في الوكيل فشمل الوكيل بالايجار والوكيل بالاستئجار. قال في الذخيرة: وأما الوكيل بالاستئجار إذا مات تبطل الاجارة لان التوكيل بالاستئجار توكيل شراء المنافع فيصير مشتريا لنفسه ثم يصير مؤجرا من الموكل اه‍. أقول: لعل هذا إذا لم يسلم إلى الموكل، أما لو سلم لا تبطل فتدبره. وفي الظهيرية: أمر رجلا أن يستأجر دارا بعينها سنة للموكل فاستأجرها المأمور وتسلمها وأبى أن يدفعها للآمر حتى مضت السنة قال أبو يوسف: لا أجر عليه ولا على الآمر. وقال محمد: يجب الاجر على الآمر. ولم يتعرض لما إذا قبض الناظر الاجرة معجلة أو غيره ثم مات فنقول: إذا كان الوقف أهليا والغلة للقابض فآجر وقبض الاجرة معجلة ثم مات قبل انتهاء المدة ففي الفتاوي وغيرها: للذي انتقل له الحق أن يأخذ من المستأجر أجرة ما آل إليه بالموت، فإن كان الميت ترك مالا رجع بذلك على ما له، وإن لم يترك مالا لا يرجع المستأجر بشئ وضاع عليه، وإن كان الناظر في وقف غير أهلي فمات بعد القبض قبل انتهاء المدة لا يضع ذلك عليه ويرجع على جهة الوقف وفي مال الميت المتروك. قال رحمه الله: (وتفسخ بخيار الشرط) يعني إذا شرط المؤجر أو المستأجر خيار الشرط أو شرط كل منهما خيار الشرط ثلاثة أيام فله أن يفسخ الاجارة به عندنا. وقال الامام الشافعي: لا يصح شرط الخيار في الاجارة لان المستأجر لا يمكنه رد المعقود عليه بكماله إن كان الخيار له، وإن كان المشروط له الخيار المؤجر لا يمكنه التسليم أيضا على الكمال لان المنافع تحدث ساعة فساعة. ولنا أنه عقد معاوضة ولا يجب قبضه في المجلس، ويحتمل الفسخ بالاقالة فيجوز شرط الخيار فيه كالبيع. ولان الخيار شرط في البيع للتروي فكذا في الاجارة لانها تقع بغتة من غير سابقة تأمل. فيمكن أن يقع غير موافق فيحتاج إلى الاقالة فيجوز اشتراط الخيار فيها بخلاف النكاح لانه ليس بمعاوضة فلا يصح شرط الخيار فيه، وبخلاف الصرف والسلم فلا يصح شرط

[ 65 ]

[ في موجبه إلا بتحمل ضرر زائد لم يستحق به كمن اسأجر رجلا ليقلع ضرسه فسكن ] الخيار فيهما لانه يمنع تمام القبض المستحق بالعقد والعقد فيهما موجب للقبض في المجلس وفوات بعض المعقود عليه لا يمنع الرد بالعيب فكذا بخيار الشرط للضرورة بخلاف البيع لانه يمكن فسخ البيع في جميع المبيع فلا ضرورة ألا ترى أن المستأجر يجبر على القبض بعد مضي بعض المدة من غير شرط الخيار للضرورة، وفي المبيع لا يجبر عليه بعد هلاك بعضه لعدم الضرورة وقد تقدم في البيع أنه يشترط حضور الآخر في الفسخ وقد تقدم الصحيح هناك. قال رحمه الله: (وبخيار الرؤية) أي وتفسخ بخيار الرؤية. وقال الامام الشافعي: لا يجوز استئجار ما لم يره للجهالة قلت: الجهالة إنما تمنع الجواز إذا كانت مفضية للنزاع وهذه لا تفضي إليه لانه إن لم يوافق يرده فلا يمنع الجواز، فإذا رآه ثبت له خيار الفسخ لان العقد لا يتم إلا بالرضا ولا رضا بدون العلم، وقال عليه الصلاة والسلام من اشترى ما لم يره فله الخيار إذا رآه ولان الاجارة شراء المنافع فتناولها الحديث. قال رحمه الله: (وتفسخ بالعذر وهو عجز أحد العاقدين عن المضي في موجبه إلا بتحمل ضرر زائد لم يستحق به كمن استأجر رجلا ليقلع ضرسه فسكن الوجع) يعني تفسخ الاجارة بالعذر الذي هو العجز عن المضي في موجب العقد إلا بتحمل ضرر زائد لم يستحق بالعقد أي بنفس العقد كمن استؤجر الخ. وقال الامام الشافعي: لا تفسخ بالاعذار إلا بالعيب لان المنافع عنده بمنزلة الاعيان كما تقدم، وقد فسر العذر في التجريد حيث قال: والعذر أن يحدث في العين ما يمنع الانتفاع به أو ينقض المنفعة. وفسره في الهداية كما فسره المؤلف. وفي المحيط: وكل عذر يمنع المضي في موجبه شرعا كمن استأجر رجلا ليقع ضرسه فسكن الوجع تنقض الاجارة من غير نقض لانه لا فائدة في بقائه فتنتقض ضرورة، وكل عذر لا يمنع المضي في موجب العقد شرعا ولكن لا يمكنه المضي إلا بضرر زائد يلزمه فإنه لا ينتقض إلا بالنقض. وهل يكون قضاء القاضي والوصي شرطا في النقض؟ ذكره في الزيادات وجعل قضاء القاضي شرطا. قال شمس الائمة السرخسي: هو الاصح. وذكر في المبسوط والجامع الصغير أنه ليس بشرط وينفرد العاقد بالنقض وهو الصحيح وقد تقدم الكلام عليه. وفي الخلاصة: وإن انهدم منزل المؤجر وليس له منزل آخر وأراد أن يسكن البيت المؤجر ويفسخ الاجارة ليس له ذلك، ولو استأجر دكانا ليبيع فيه ويشتري فأراد أن يترك هذا العمل ويعمل غيره فهذا عذر اه‍. وفي المحيط ذكر في فتاوي الاصل: إن تهيأ له العمل الثاني على ذلك الدكان ليس له النقض. وفيها: لو استأجر ليبيع الطعام ثم بدا له أن يأخذ في عمل آخر فهذا ليس بعذر في الاصل. وقال في الاصل: إذا استأجر حانوتا ليبيع فيه الطعام ثم بدا له أن يعقد في سوق الصيارف فهو عذر. وفي التجريد: لو أجر نفسه في عمل أو صناعة ثم بدا له أن يترك ذلك العمل، فإن كان ذلك العمل ليس من عمله وهو مما

[ 66 ]

[ الوجع أو ليطبخ طعاما للوليمة فاختلعت منه أو حانوتا ليتجر فيه فأفلس أو أجره ولزمه دين بعيان أو بيان أو بإقرار ولا مال له غيره أو استأجر دابة للسفر فبدا له منه رأي لا للمكاري ولو أحرق حصائد أرض مستأجرة أو مستعارة فاحترق شئ في ] يعاب به كان له أن يفسخ اه‍. ومن الاعذار الموجبة للفسخ شرعا لو استأجره ليقطع يده لاكلة فيها فبرئ منها. وفي التتارخانية: ولو استأجره للحجامة أو الفصد ثم بدا له أن لا يفعل كان عذرا، ولو امتنع الاجير عن العمل في هذه الحالة يجبر عليه. قال رحمه الله: (أو ليطبخ له طعاما للوليمة فاختلعت منه) يعني يجوز له أن يفسخ العقد في هذه المسألة لانه لا يمكنه المضي إلا بتحمل ضرر زائد لم يستحق بالعقد، ويلحق به ما لو استأجر ليطبخ له طعاما لقدوم الامير أو الحاج فلم يقدم الامير والحاج. وفي التتارخانية: استأجر رجلا ليخيط له أو ليقطع قميصا أو يبني بيتا ثم بدا له أن لا يفعل كان عذرا. قال رحمه الله: (أو حانوتا ليتجر فيه فأفلس أو أجره ولزمه دين بعيان أو بيان أو بإقرار ولا مال له غيره) يعني لو استأجر حانوتا ليتجر فيه فأفلس كان عذرا في الفسخ. ولم يذكر الشارح الذي يتحقق به الافلاس وسنذكر ذلك. وقوله حانوتا مثال. قال في الجامع الصغير: استأجر الخياط غلاما ليخيط معه فأفلس الخياط أو مرض وقام من السوق فهو عذر يفسخ به. وتأويل المسألة إذا كان يخيط لنفسه، أما إذا كان يخيط بأجر فرأس مال الخياط الخيط والمخيط والمقراض فلا يتحقق الافلاس فيه. وقال محمد في الخياط الذي يخيط لغيره بأجرة لا يتحقق إفلاسه إلا بأن تظهر خيانته للناس فيمتنعون عن تسليم الثياب إليه اه‍. فظاهره أن الافلاس في التاجر بأن يظهر ذلك فيه فيمتنع الناس من معاملته. قوله أو أجره ولزمه دين بعيان الخ يعني له أن يفسخ في هذه الحالة. وإنما جمع بين هذه الامور ليبين أنه لا فرق في ثبوت الدين بين العيان والبيان والاقرار فإنه يلزم الدين في الكل فيحبس عليه ويلازم عليه كما تقرر في كتاب الدعوى. قال الشارح: ويحصل الفسخ بالرفع إلى القاضي والقضاء به، وقيل بيع أو لا فيحصل الفسخ في ضمن البيع. قال رحمه الله: (أو استأجر دابة للسفر فبدا له منه رأى لا للمكاري) يعني لو استأجر دابة ليسافر عليها ثم بدا له أن لا يسافر فهو عذر يفسخ به، ولو بدا للمكاري لا يعذر لان المستأجر يلزمه ضرورة ومشقة وربما يفوته ما قصد كالحج وطلب الغريم والمكاري لا يلزمه ذلك الضرر، ولانه يمكنه أن يقعد ويرسل غيره، وكذا لو مرض لما ذكرنا. وروى الكرخي أنه عذر في حق المكاري لانه لا يعرو عن ضرر ولان غيره لا يشفق على دوابه مثله. وقوله دابة وبدا له منه مثال. قال في الاصل: استأجر عبدا ليخدمه في المصر ودارا يسكنها ثم بدا له السفر فهو عذر له أن يفسخ به، ولو بدا لرب العبد أو الدار فليس بعذر فلا يفسخ، فإن قال المؤجر للقاضي أنه لا يريد السفر وقال المستأجر أنا أريد السفر فالقاضي يقول

[ 67 ]

للمستأجر مع من تسافر، فإن قال مع فلان وفلان فالقاضي يسألهما هل يخرج معكم المستأجر وهل استعد للسفر، فإن قالا نعم ثبت العذر، وإن قالا لا فإن القاضي يحلف المستأجر بالله إنك عزمت على السفر، وإليه مال الكرخي والقدوري، فلو خرج من المصر ثم عاد يحلف بالله قد خرجت قاصدا للسفر الذي ذكرت، كذا في الخلاصة وغيرها. وفي الخلاصة: فإن لم يترك السفر ولكن وجد أرخص منها فهذا ليس بعذر، ولو اشترى منزلا وأراد التحول فيها فهذا ليس بعذر، ولو اشترى إبلا فهو عذر. قال رحمه الله: (ولو أحرق حصائد أرض مستأجرة أو مستعارة فاحترق شئ في أرض غيره لم يضمنه) حصد الزرع جزه والحصائد جمع حصيدة وحصيدوهما الزرع المحصود. والمراد هنا ما يبقى من أصل الزرع في الارض، ولا يخفي أن هذه المسألة حقها أن تذكر في الجنايات ولهذا ذكر في الهداية مسائل منثورة. وإنما لم يضمن لان هذه الاشياء تسبب وشرط الضمان التعدي ولم يوجد فصار كما لو حفر بئرا في ملك نفسه فتلف به إنسان بخلاف ما إذا رمى سهما في ملكه فأصاب إنسانا حيث يضمن لانه مباشر فلا يشترط فيه التعدي لان المباشرة علة فلا يبطل حكمها بعذر والسبب ليس بعلة فلابد من التعدي ليلتحق بالعلة وإحراق الحصائد في مثله مباح فلا يضاف التلف إليه. قال شمس الائمة السرخسي: هذا إذا كانت الرياح غير مضطربة، فلو كانت مضطربة يضمن لانه يعلم أنها لا تستقر فلا يعذر فيضمن. وفي الخانية: لو كانت الريح غير ساكنة يضمن استحسانا. وذكر في النهاية معزيا إلى التمرتاشي: لو وضع جمرة في الطريق فأحرقت شيئا ضمن لانه متعد بالوضع، ولو رفعته الريح إلى شئ فأحرقته لا يضمن لان الريح نسخت فعله، ولو أخرج الحداد الحديد من النار في مكانه فوضعه على ما يطرق عليه وضربه بالمطرقة وخرج شرار النار إلى طريق العامة وأحرق شيئا ضمن، ولو لم يضربه ولكن أخرج الريح شيئا فأحرق شيئا لم يضمن. ولو سقى أرضه سقيا لا تحتمله الارض فتعدى إلى أرض غيره ضمن لانه لم يكن منتفعا بما فعله بل متعديا فقال خواهر زاده وشمس الائمة السرخسي: إذا أوقد نارا عظيما في أرضه بحيث لا تحتمله وتعدى إلى زرع غيره وأفسده يضمن لا محالة اه‍. وفي السفينة فرق أصحابنا بين الماء والنار فقال: إذا أوقد نارا عظيمة في أرض نفسه فتعدى فأحرق شيئا لا يضمن لان النار من شأنها الخمود بخلاف ما إذا ملا أرضه ماء بحيث لا تحتمله فإنه يضمن لان الماء من شأنه السيلان. وفي فتاوي أهل سمرقند: أوقد في التنور نارا لا يحتمله فأحرق بيته وتعدى إلى بيت جاره فأحرقه ضمن. وفي فتاوي الفضلي: رجل يمر في ملكه أو في ملك غيره بنار فوقعت شرارة من ناره على ثوب إنسان فأحرقته ضمن. وفي النوادر عن أبي يوسف: إن من مر بالنار في موضع له المرور فهبت الريح فأوقعت شرارة في مال إنسان لا يضمن، وإن مر بها في موضع ليس له حق المرور ينظر، إن هبت بها الريح لا يضمن، وإن وقعت منه شرارة ضمن. وفي التتمة سألت والدي عن القصار يدق الثياب في

[ 68 ]

[ أرض غيره لم يضمنه ولو أقعد خياط أو صباغ في حانوته من يطرح عليه العلم بالنصف صح ولو استأجر حملا ليحمل عليه محملا وراكبين إلى مكة صح وله المحمل ] حانوته وانهدم حائط جاره هل يضمن؟ فقال: يضمن لان مباشر. قال رحمه الله: (ولو أقعد خياط أو صباغ في حانوته من يطرح عليه العلم بالنصف صح) وهذا استحسان، والقياس أن لا يصح، وحق هذه المسألة أن تذكر في كتاب الشركة، ووجه الاستحسان أن هذه شركة الصنائع وليست بإجارة لان تفسير شركة الصنائع أن يكون العمل عليهما وإن كان أحدهما متولي العمل بحذاقته والآخر متولي القبول لوجاهته وإذا وجد ما له سبيل إلى الجواز وهو متعارف يوجب القول بصحته فيكون العمل واجبا عليهما والاجر بينهما على ما عرف في موضعه. قال الشارح: وقول صاحب الهداية هذه شركة الوجوه فيه نوع إشكال فإن شركة الوجوه أن يشتركا على أن يشتريا بوجوههما ويبيعا وليس في هذه الشركة بيع وشراء وإنما هي شركة صنائع. قال في الغياثية: شركة التقبيل هي أن يشتركا على أن يتقبل الاعمال وهنا ليس كذلك بل هما اشتركا في الحاصل من الاجر وليست شركة صنائع. وأجبت بأن الشركة في الخارج تقتضي الشركة في التقبيل فثبت فيه اقتقضاء إذ ليس في كلامهما إلا تخصيص أحدهما بالتقبل والآخر بالعمل، وتخصيص الشئ بالذكر لا ينفي الحكم عما عداه فأثبتنا الشركة في التقبل اقتضاء اه‍. وفي التتارخانية: دفع الآخر بقرة بالعلف ليكون الخارج بينهما نصفين فالحادث كله لصاحب البقرة وعليه أجرة مثل المدفوع إليه وثمن العلف، ومثله لو دفع الدجاجة إلى آخر بالنصف، ولو دفع بذر العليق إلى امرأ بالنصف فقامت عليه حتى أدركت فالعليق لصاحب الذرو على صاحب البذر قيمة العلف وأجرة مثلها. وفي فتاوي أبي الليث: دفع إلى امرأة دود التقوم عليها بنفقتها على أن العليق بينهما نصفان فهو بمنزلة المضارب وكل العليق لصاحب الدود وعليه أجر المثل وثمن الاوراق، ولو غصب من آخر دود القز وبيض الدجاج فأمسكه حتى خرج العليق والفرخ. قال شمس الائمة الحلواني: إن خرج بنفسه فهو لصاحبه. رجل له غريم في مصر آخر فقال لرجل اذهب إليه وطالبه بالدين وإذا قبضت فلك عشرة ففعل فله أجر مثله اه‍. ولقائل أن يقول: هذه مكررة مع قوله فيما سبق وتقبل إن اشترك خياطان أو خياط وصباغ قلنا: ذكر هناك شركة لا الصنائع قصدا وهنا بين ما إذا وقع العقد على شركة الصنائع ضمنا فبهذا الاعتبار لا تكرار. قال رحمه الله: (ولو استأجر جملا ليحمل عليه محملا وراكبين إلى مكة صح وله المحمل المعتاد) والقياس أن لا يجوز للجهالة وهو قول الامام الشافعي ووجه الاستحسان أن هذه الجهالة تزول بالصرف إلى المتعارف، وله المتعارف من الحمل والزاد والغطاء وغير ذلك مما هو معلوم عند أهل العرف، لا يقال هذه متكررة مع قوله وإن استأجر حمارا ولم يسم ما يحمل

[ 69 ]

[ المعتاد ورؤيته أحب ولمقدار زاد فأكل منه رد عوضه وتصح الاجارة وفسخها والزارعة والمعاملة والمضاربة والوكالة والكفالة والايصاء والوصية والقضاء والامارة والطلاق والعتق والوقف مضافا لا البيع وإجازته وفسخه والقسمة والشركة والهبة والنكاح ] قلنا: هناك لم يبين ما يحمل فكانت الجهالة فاحشة، وهنا بين ما يحمل فكانت يسيرة لانه بين الحمل ولم يبين قدره. قال رحمه الله: (ورؤيته أحب) يعني رؤية المكاري المحمل والراكب وما يتبعهما أحب لانه أبعد من الجهالة أقرب للعلم لتحقق الرضا. قال رحمه الله: (ولمقدار زاد فأكل منه رد عوضه) يعني إذا استأجر رجلا ليحمل عليه مقدارا من الزاد فأكل منه في الطريق رد عوضه. وقال بعض الشافعية: لا يرد لان عرف المسافرين أنهم يأكلون الزاد ولا يردون والمطلق يحمل على المتعارف بخلاف الماء حيث يكون له الرد لان العرف جرى برده. ولنا أنه استحق عليه حمل مقدار معلوم في جميع الطريق فله أن يستوفيه فصار كالماء والعرف مشترك فإن بعض المسافرين يردون فلا يلزمنا عرف البعض، أو يحمل فعل من لا يرد على أنهم استغنوا فلا يلزم حجه ويرد بعضهم وهم المحتاجون إليه. قال رحمه الله: (وتصح الاجارة وفسخها) لان الاجارة تنعقد ساعة فساعة وهذا معنى الاضافة وفسخها يعتبر بها كما إذا أضاف الاجارة إلى رمضان وهو في شعبان، وكذا إذا أضاف الفسخ إلى شوال وهو في رمضان. وفي القنية: إذا قال أجرتك هذه الدار غدا يجوز، ولو قال إذا جاء غد قد أجرتك هذه الدار باطل لانه تعليق. وقال أبو بكر: تجوز في اللفظين ولا خطر في هذا في الاجارة وبه يفتي. وعن ابن سماعة عن أبي يوسف: أجرتك داري بكذا إذا هل كذا يجوز في الاجارة ولا يجوز في البيع. قال رحمه الله: (والمزارعة والمعاملة) يعني وتصح المزارعة أيضا بالاضافة إلى المستقبل كما إذا قال وهو في شعبان زارعتك أرضي من أول رمضان بكذا، وتصح أيضا المعاملة وهي المساقاة بأن قال ساقيتك بستاني من أول رمضان وهو في شعبان بكذا لان المزارعة والمعاملة إجارة فتعتبر بالاجارة. قال رحمه الله: (والمضاربة والوكالة) لانهما من باب الاطلاق وكل ذلك تجوز إضافته. قال رحمه الله: (والكفالة) لانها التزام للمال ابتداء فتجوز إضافتها وتعليقها بالشرط كالبذر لكن فيها تمليك المطالبة فلا يجوز تعليقها بالشرط المطلق بل بالشرط المتعارف. قال رحمه الله: (والايصاء والوصية) والايصاء إقامة الشخص مقام نفسه، والوصية هي التمليك وكلامهما مضاف إلى ما بعد الموت لانهما لا يكونان إلا مضافين إذ الايصاء في الحال لا يتصور إلا إذا جعل مجازا عن الوكالة. قال رحمه الله: (والقضاء والامارة) يجوز تعليقهما بالشرط وإضافتهما إلى الزمان لانهما تولية وتفويض محض فجاز تعليقهما بالشرط، والاصل في ذلك أنه عليه الصلاة والسلام أمر زيد بن حارثة ثم قال: إن قتل زيد فجعفر وإن قتل جعفر فعبد الله ابن رواحة. قال رحمه الله: (والطلاق والعتق والوقف مضافا) لا يخفي أن قوله (مضافا) نصب على الحال وهو قيد للمذكورات كلها، وتقدير الكلام ويصح كل

[ 70 ]

[ والرجعة والصلح عن مال وإبراء الدين. ] واحد منها حال كونه مضافا إلى الزمان المستقبل. قال رحمه الله: (لا البيع وإجازته وفسخه والقسمة والشركة والهبة والنكاح والرجعة والصلح عن مال وإبراء الدين) يعني هذه الاشياء لا يجوز إضافتها إلى الزمان المستقبل لانها تمليك وقد أمكن تنجيزها للحال فلا حاجة إلى الاضافة وقد تقدم والله تعالى أعلم.

[ 71 ]

[ كتاب المكاتب ] كتاب المكاتب قال في النهاية: أورد الكتابة بعد عقد الاجارة لمناسبة إن كل واحد منها عقد يستفاد منه المال بمقابلة ما ليس بمال على وجه يحتاج فيه إلى ذكر العوض بالايجاب والقبول بطريق الاصالة، وبهذا وقع الاحتراز عن البيع والطلاق والعتاق وهذا مستدرك لانه يرد عليه أن يقال: إنه وقع الاحتراز بهذا الذي ذكره من غير تلك الاشياء الثلاثة أيضا فما معنى تخصيص تلك الثلاثة بالذكر؟ وقدم الاجارة لان المنافع ثبت لها حكم المال لضرورة بخلاف الكتابة. والكلام في المكاتب من أوجه: الاول في معناها لغة. الثاني في معناها شرعا. والثالث في ركنها. والرابع في شرط جوازها. والخامس في دليلها. والسادس في حكم حكمها. والسابع في صفتها. والثامن في حقيقتها. والتاسع في سببها. والعاشر في حكمها. فهي لغة مشتقة من الكتب وهو الضم والجمع وسمي الخط كتابة لما فيه من ضم الحروف بعضها إلى بعض، وهو اسم مفعول من كاتب أو كتب كتابة ومكاتبة والمولى مكاتب بكسر التاء. وشرعا فهي جمع مخصوص وهو جمع حرية الرقيق في المال إلى حرية اليد في الحال. وركنها الايجاب والقبول وارتباط أحدهما بالآخر. وشرط جوازها قيام الرق وكون المسمى معلوما ودليلها من القرآن قوله تعالى * (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا) * [ النور: 33 ] واختلف في الخير قيل هو أن لا يضر بالمسلمين، وقيل الوفاء والامانة، وقيل المال. ومن الحديث قوله صلى الله عليه وسلم من كاتب عبدا على مائة أوقية فأداها إلا عشر أوقية فهو عبد وصفتها أنه عقد مندوب إلهي مع الصالح والطالح. وحكمها انفكاك الحجر وثبوت حرية اليد، وحكمها في جانب المولى ثبوت حق المطالبة بالبدل على ما وقع عليه. وسببها رغبة المولى في بدل الكتابة عاجلا وفي ثواب


(1) رواه أبو داود في كتاب العتاق باب 1. الترمذي في كتاب البيوع باب 35. ابن ماجه في كتاب العتق باب 3. أحمد في مسنده (1 / 178، 184، 206).

[ 72 ]

[ هي تحرير المملوك يدا في الحال ورقبة في المال كاتب مملوكة ولو صغيرا يعقل بمال حال أو مؤجل أو منجم وقبل صح وكذا لو قال جعلت ألفا تؤدية نجوما ] العتق آجلا ورغبة العبد في الحرية وأحكامها آجلا وعاجلا. قال رحمه الله: (هي تحرير المملوك يدا في الحال ورقبة في المآل) فقوله تحرير جنس دخل فيه تحرير الرقبة وتحرير اليد فقوله يدا أخرج تحرير الرقبة وأفاد أن له يدا معتبرة، فلو كاتب صغيرا لا يعقل لم يجز كما سيأتي. وقوله في الخال يتعلق بيد وأخرج بقوله ورقبة في المآل العتق المنجز والمعلق وهذا تعريف بالحكم، ولو أردا التعريف بالحقيقة لقال هي عقد يرد على تحرير اليد. وأما ألفاظها ففي الجامع الصغير: قال لعبده قد جعلت عليك ألف درهم تؤديه إلي نجوما أول النجم كذا وآخره كذا فإن أديت فأمنت حر وإن عجزت كنت رقيقا فقبل فهو مكاتب. وفي الينابيع: قال لعبده أدالي ألف درهم كل مائة درهم إلى سنة وأنت حر فقبل فهو مكاتب، وإن عجز عن سنة وأدى في الشهر الاخير جاز في رواية أبي سليمان، وفي رواية أبي حفص ليس بمكاتب، قال فخر الاسلام: وهو الاصح فإن عجز بطلت اه‍. قال رحمه الله: (كاتب مملوكه ولو صغيرا يعقل بمال حال أو مؤجل أو منجم وقبل صح) أما جوازها مع الصغير فلانه تصرف نافع والصغير الذي يعقل من أهل التصرف النافع، وأما جوازها بمال حال أو مؤجل أو منجم فلاطلاق الدليل الصادق بالثلاث حالات، ولان البدل في الكتابة معقود به كالثمن في البيع والقدرة على تسليم الثمن ليس بشرط لصحة العقد، ألا ترى أن من ليس عنده شئ جاز أن يشتري ما شاء بما شاء، ولان الكتابة عقد إرفاق فالظاهر أنه يسامحه ولا يضيق عليه. قال في المبسوط: كاتب عبدا صغيرا لا يعقل لم يجز فإن أدى عنه أجنبي لم يعتق لان الكتابة إيجاب وقبول وقبول من لا يعقل لا يصح. ولو كاتب عن عبد لرجل رضيع وقبل عنه أجنبي آخر ورضي به المولى لم يجز، وإن أدى الولد الكتابة عتق استحسانا لا قياسا. وجه الاستحسان أن الكتابة انعقدت بقبول من عقد الايجاب إلا أنه لم يظهر وجوب المال على العبد بهذه الكتابة في حق المطالبة نفيا للضرورة ولكن اعتبر المال واجبا عليه في حق صحة الاداء من المتبرع لانه لا ضرر عليه بل له منفعة مختصة لانه يعتق بغير مال يلزمه وذلك أن نقول: أنتم قلتم لو وكل مجنونا صح لانه لما وكل في هذه الحالة صار راضيا بقبوله فينبغي أن يعتق فيما إذا قبل الصغير الذي لا يعقل وأدى عنه الاجنبي. وأطلق في قوله بمال ولم يقيده بالمعلوم قدرا وصفة ونوعا لان الاصل أن مبادلة ما ليس بمال بالمال كالنكاح والكتابة جهالة الجنس والقدر لا يمنع صحته وجهالة وصفه لا يمنع صحة تسميته، بيان ذلك: لو كاتب عبده على مكيل أو موزون جاز وله الوسط، وعلى دابة وثوب لا يجوز حتى يبين الجنس لان جهالة الجنس متفاحشة فتمنع صحة التسمية، وفي الاول جهالة وصف وهي لا تمنع صحة التسمية، ولو كاتبه على لؤلؤة أو دار

[ 73 ]

[ أول النجم كذا وآخره كذا فإذا أديت فأنت حر وإلا فقن فيخرج من يده دون ملكه ] ولم يعين لم يجز لان جهالة الوصف هنا متفاحشة بمنزلة جهالة الجنس، ولو كاتبه على أن يخدمه شهرا جاز استحسانا، ولو كاتبه على أن يخدمه غيره يجوز لان البدل يجوز للمولى وقد أقام غيه مقام نفسه. ولو كاتبه على ألف على أن يؤديها إلى غريم من غرمائه جاز، ولو كاتبه على ألف وخدمته سنة أو وصف جاز، ولو كاتبه على ألف وخدمته أبدا فهي فاسدة ويعتق بأداء قيمته دون خدمته. وقوله عبده ليس بقيد قال في المحيط: ولو كاتب نصف عبده جاز فنصفه مكاتب ونصفه مأذون في التجارة وعتق بأداء نصفه، وما وصل في يده من الكسب نصفه له ونصفه للمولى ويسعى في نصف قيمته لان الكتابة تقبل التجزي لان أحكامها قابلة للتجزي اه‍. وفي المبسوط: كاتب عبده على ألف درهم منجمة على أن يؤدي مع كل نجم ثوبا قد سمى جنسه أو على أن يؤدي مع كل نجم عشرة دراهم ذلك جائز بمنزلة ما لو كاتبه على كذا وكذا وقال على أن تؤدي مع كتابتك ألف درهم، وإذا ظهر أن جميع ذلك بدل الكتابة، فإذا عجز عن شئ من بعد أحله رد إلى الرق اه‍. ولو كاتبه على ما في يده من الكسب في رواية كتاب الشراء يجوز، وفي رواية المكاتب لا يجوز. ولو كانت على ألف درهم معينة جاز ويعتق بأداء غيرها بخلاف ما لو قال له إن أديت إلي هذه الالف فأدى غيرها لا يعتق، وإذا شرط في الكتابة شرطا لا يقتضيه العقد لا يفسدها اه‍. وفي المبسوط: وإذا أدى إليه المال واستحق من يده فهو على الحرية ويرجع عليه السيد ببدله اه‍. ولو كاتب على ألف درهم عن نفسه وما له فهو جائز، فإن كان في يده مال السيد لم يدخل ويدخل كسبه من رقيق ومال وغير ذلك اه‍. وفي الظهيرية: لو كاتب عبده المأذون المديون ودينه يحيط برقبته فللغرماء أن يردوا الكتابة كما لو باعه المولى، ولو مات المكاتب عن وفاء وعليه دين وله وصايا من تدبير وغيره بدئ من تركته بدين الاجانب ثم بدين الموالي إن كان دين الكتابة وما بقي فهو ميراث وتبطل وصاياه. قال رحمه الله: (وكذا لو قال جعلت عليك ألفا تؤديه نجوما أول النجم كذا وآخره كذا فإذا أديت فأنت حر وإلا فقن) يعني يصير مكاتبا بهذه المقالة استحسانا، والقياس أن لا يصير مكاتبا لان النجوم فصول الاداء وله أن يكاتب عبده على ما شاء من المال في أي مدة شاء. وقوله بعد ذلك إن أديت فأنت حر تعليق العتق بأداء المال وهو لا يوجب الكتابة. وجه الاستحسان أن العبرة للمعاني دون الالفاظ كما تقرر. وقد أتى بمعنى الكتابة هنا مفسرا فتنعقد به كما إذا أطلق الكتابة بل أولى لان المفسر أقوى. وقوله فإن أديت فأنت حر لا بد منه لان ما قبله يحتمل الكتابة ويحتمل الضربة وبه يترجح جانب الكتابة. وقوله وإلا فأنت قن فضلة غير محتاج إليها كما لا يحتاج إليه في الكتابة. وفي المحيط: ولو كاتب على ألف وعبد مثله في الخياطة وهو خياط جاز استحسانا ويجبر المولى على قبول الالف وعبد مثله في أصل

[ 74 ]

[ وغرم إن وطئ مكاتبته أو جنى عليها أو على ولدها أو أتلف مالها وأن كاتبه على خمر ] الخياطة لا مثله في الخياطة اه‍. ولو قال إذا أديت إلي ألفا كل شهر مائة فهو مكاتبة في رواية أبي سليمان، وفي رواية أبي حفص ليست بمكاتبة بل يكون إذنا اعتبارا بالتعليق بالاداء بدفعة واحدة وهو الاصح. وفي المبسوط: ولو كاتب عبده على ألف يضمنها لرجل عن سيده فالكتابة والضمان جائزان، ولو ضمن عن سيده لغريم عليه مال على أن يؤدي من الكتابة أو قبل الحوالة فهو جائز، ولو كاتب على ألف إلى نجم ثم صالحه على أن يحط بعضها وبقبض بعضها أو صالحه على شئ فهو جائز. وفيه أيضا: ولو خص عليه التصرف في نوع دون نوع فالشرط باطل به لانها لا تبطل بالشروط الفاسدة. وفيه أيضا: ولو كاتبه على ألف مؤجلة فصالحه على بعضه ويحط البعض جاز، ولو استأجر المولى مكاتبه سنة بما عليه للخدمة صحت الاجارة وعتق المكاتب للحال، ولو استحق بدل الكتابة من المولى رجع بمثله عليه اه‍. قال رحمه الله: (فيخرج من يده) يعني إذا صحت الكتابة يخرج المكاتب من يده لان موجب الكتابة مالكية في حق المكاتب ولهذا لا يكون للمولى منعه من الخروج والسفر، ولو شرط في الكتابة أن لا يخرج لا يصح لان المقصود من الكتابة التمكن من أداء المال وقد لا يتمكن من ذلك إلا بالخروج فيطلق له الخروج. قال في العناية: أما الخروج من اليد فيحلق معنى الكتابة لغة وهي الضم فيضم مالكية اليد الحاصلة له في الحال إلى مالكية الرقبة الحاصلة له في المآل. فإن قيل ضم الشئ إلى الشئ يقتصي وجودها ومالكية النفس في الحال ليست بموجودة، فكيف يتحقق بالضم؟ أجيب بأن مالكية النفس قبل الاداء ثابتة من وجه ولهذا إذا جنى المولى عليه وجب عليه الارش، ولو وطئ المكاتبة لزمه العقر اه‍. قال رحمه الله: (دون ملكه) يعني لا يخرج عن ملك المولى لقوله عليه الصلاة والسلام هو قن ما بقي عليه درهم ولانه عقد معاوضة فيقتضي المساواة، فإذا تم للمولى الملك بالقبض تتم المالكية للعبد أيضا وتمام الملك لا يكون إلا بالقبض ولو أعتقه المولى عتق بعتقه لبقاء ملكه وسقط عنه البدل لانه التزمه بمقابلة العتق وقد حصل له بدونه وفي المحيط. ولو أبرأه المولى عن البدل عتق. وفي المنتقي وقال الباني:: ولو وهب المولى الكتابة للمكاتب عتق قبل أو لم يقبل لان هبة الدين ممن عليه الدين صحيحة قبل أو لم يقبل، فإن قال المكاتب لا أقبل كانت المكاتبة دينا عليه وهو حر لان هبة الدين ترتد بالرد والعتق لا يرتد بالرد. قال رحمه الله: (وغرم إن وطئ مكاتبته أو جنى عليها أو على ولدها أو أتلف ما لها) لانها بعقد الكتابة خرجت من يد المولى وصار المولى كالاجنبي وصارت أحق بنفسها وكسبها لتتوصل به إلى المقصود بالكتابة وهي حصول الحرية لها والبدل للمولى ولولا ذلك لاتلف المولى ما في يدها فلم يحصل لها الغرض من الكتابة. ومنافع البضع ملحقه بالاجزاء فيجب عليه عوضه وهو العقر عند إتلافه بالوطء وانتفى الحد للشبهة. ولو قال فغرم إلى أخره بدل

[ 75 ]

[ أو خنزير أو على قيمته أو عين لغيره أو بمائة ليرد عليه سيده وصيفا فسد فإن أدى ] الواو لكان أولى لافادة الفاء التفريع. وفي المحيط: ولو كاتبها على ألف على أن يطأها مدة الكتابة لم يجز لانه محظور عليه كما لو كاتبها على ألف ورطل من الخمر فإن أدت ألفا عتقت لانه يتعلق بأداء ما يصلح بدلا والوطئ لا يصلح عوضا لا في حق الانعقاد ولا في حق الاستحقاق، وعليها فضل قيمتها في قول الآخر وهو قول محمد لان المستحق في العقد الفاسد قيمة المعقود عليه لا المسمى. هذا إذا كان المؤدى أقل من قيمتها، فإن كان أكثر من قيمتها فإنها لا ترجع بالزيادة على المولى خلافا لزفر، فإن وطئت ثم أدت ألفا فعليه عقرها لان العقد الفاسد ملحق بالصحيح. فإن قيل: الكتابة الفاسدة غير لازمة في جانب المولى بل له الفسخ فلم لا يجعل إقدامه على الوطئ دليلا على الفسخ تنزيها له عن الوطئ الحرام؟ قلنا: اشتراط الوطئ لنفسه في الكتابة تنصيص على أنه يطؤها مستوفيا لما شرطه عليها فيكون نصا على تقرير العقد لا على فسخه وحاله دليل على الفسخ ولا قوام للدلالة مع الصريح والنص حتى لو فسدت الكتابة بسبب آخر لا باشتراط الوطئ فيها ثم وطئها يجعل ذلك فسخا اه‍. ولو جنى المكاتب على إنسان خطأ فإنه يسعى في الاقل من قيمته ومن أرش الجناية لتعذر الدفع، فإن أعتقه المولى من غير علم بالجناية فعليه الاقل من قيمته ومن أرش الجناية، فلو عجز ورد في الرق فحكمه كالرقيق كما علم في مكانه. وإن جنى جناية خطأ قبل أن يحكم عليه بالجناية الاولى لا يجب عليه إلا قيمة واحدة، وإن حكم عليه بالجناية الاولى ثم جنى ثانيا فإنه يلزمه قيمة أخرى أنه لما حكم عليه بالجناية الاولى فقد انتقلت الجناية: من رقبته إلى ذمته فصارت الثانية بمنزلة الجناية المبتدأة، فرق بين هذا وبين ما إذا حفر المكاتب بئرا على قارعة الطريق فوقع فيها إنسان فوجب عليه أن يسعى في قيمته يوم حفره، فإذا وقع فيه آخر لا يلزمه أكثر من قيمة واحدة، سواء حكم الحاكم بالاولى أو لم يحكم. ووجه الفرق أن هنا الجناية واحدة وهي حفر البئر بخلاف ما تقدم، ولو سقط حائطه المائل على إنسان بعد الاشهاد عليه بنقضه فقتل فعليه أن يسعى في قميته، وإذا وجد في دار المكاتب قتيل فعليه أن يسعى في قميته إذا كانت قيمته أكثر من الدية فينقص منها عشرة دراهم فإن جنى جناية عمدا بأن قتل إنسانا قتل به، فإن جنى غير المكاتب عليه فإن كان خطأ فالارش له والارش أرش العبيد، أما كون أرشه له فلان أجزأه فهو أحق بمنافعه، وأما كون أرشه أرش العبيد فلانه عبد ما بقي عليه درهم، كذا في البدائع مختصرا. قال رحمه الله: (وإن كاتبه على خمر أو خنزير) شروع في الكتابة الفاسدة بعد الصحيحة لان الفاسدة تتلو الصحيحة يعني لو كاتب المسلم عبده المسلم أو الكافر في دار الاسلام على خمر أو خنزير فالكتابة فاسدة لان الخمر والخنزير ليس بمال في حق المسلم فلا يصلح عوضا فيفسد العقد لان تسمية ما ليس بمتقوم في حق ما يحتاج فيه إلى تسمية البدل توجب فساد

[ 76 ]

العقد كالبيع، ولو أدى الخمر لا يعتق، ولو أدى القيمة عتق اه‍. والظاهر أن المسلم باشر فلو وكل ذميا في كتابة عبده المسلم على خمر أو خنزير فالكتابة فاسد ة لانه لو كان كافرا وأسلم تفسد فإذا فسدت بالاسلام في البقاء ففي الابتداء أولى. ولو كاتب عبده الكافر على خمر أو خنزير فالظاهر أنها صحيحة ويعتق بأداء ذلك ولا سعاية عليه أخذا من قولهم يملك أن يوكل فيما لا يملكه. وقيدنا بقولنا على خمر أو خنزير لانه لو كاتبه على ميتة أو دم فالكتابة باطلة، فإن أدى لا يعتق إلا إذا قال إن أديت إلي فأنت حر فيعتق لاجل اليمين لا لاجل الكتابة، كذا في شرح الطحاوي أيضا. وفي المحيط: لو كاتب على خمر أو خنزير عتق بأداء القيمة قبل إبطال القاضي لان الكتابة إذا فسدت لفساد التسمية لكونه ليس بمال انعقدت الكتابة على القيمة فيتعلق العتق بأدائها اه‍. وفي المنتقي: لو كاتب على ألف ورطل من الخمر فهي فاسدة. وفي المبسوط: لو كاتبها على ألف على أن كل ولد تلده لك يد فهي فاسدة، وإن ولدت في الفاسدة ثم أدت عتق ولدها معها. وفي شرح الطحاوي: والفرق بين الجائزة والفاسدة أن في الفاسدة للمولى أن يرده إلى الرق ويفسخ الكتابة بغير رضاه، وفي الجائزة لا يفسخ إلا برضا العبد وللعبد أن يفسخ في الجائزة والفاسد جميعا بغير رضا المولى. وفي المبسوط: ولو كاتبه كتابة فاسدة ثم مات المولى فأدى المكاتب إلى ورثته عتق استحسانا اه‍. قيدنا بدار الاسلام لان المسلم الذي كان في دار الاسلام لو دخل دار الحرب فكاتب عبده المسلم والكافر على خمر أو خنزير فالحكم كما لو كان في دار الاسلام وكاتب من يعلم بالاحكام ولو تقديرا، فلو أسلم في دار الحرب ولم تبلغه الاحكام فكاتب على خمر أو خنزير فالظاهر أنها صحيحة ويعتق بأداء ذلك ولا سعاية لانه يعذر بالجهل في هذه الحالة. قال رحمه الله: (أو على قيمته أو عين لغيره) يعني الكتابة فاسدة إذا كاتبه على قيمة نفسه أو على عين لغيره، أما على قيمة نفسه فإنها مجهولة القدر لانها تختلف باختلاف المقومين وجنسها كذلك مجهول فصار كما لو كاتب على ثوب أو دابة لان الثوب والدابة أجناس مختلفة، وما هو مجهول الجنس لا يثبت في الذمة حتى في النكاح، ولان موجب الكتابة الفاسدة القيمة بالتنصيص عليها، ولا يقال لو كاتبه على عبده يجوز ويجب عليه عبد وسط أو قيمة ولو أبى أخذ القيمة يجبر عليها ولو كانت الكتابة على القيمة فاسدة لما صح ذلك لانا نقول: القيمة في مسألة الكتاب ثبت قصدا وفيما ذكرت ثبت ضمنا ويتسامح في الضمني ما لم يتسامح في القصدي. وفي المحيط: وإن أدى القيمة عتق لانها وإن فسدت يبقى تعليق العتق بالاداء فمتى تصادقا في أن المؤدي قيمته ثبت ذلك بالتصادق وإن اختلفا، فإن اتفق اثنان من المقومين على شئ يجعل ذلك قيمة له، وإن اختلفا فقوم أحدهما بألف والآخر بالاكثر لا يعتق ما لم يؤد أقصى قيمته. ولو كاتب أمة على حكمه أو حكمها لم يجز ولا يعتق بأداء قيمتها خلافا لزفر. قوله أو على عين لغيره كالثوب والعبد وغيرهما من المكيل والموزون غير

[ 77 ]

النقدين، والمراد به شئ يتعين بالتعيين حتى لو كاتب على دراهم أو دنانير وهي لغيره تجوز الكتابة لانها لا تتعين بالتعيين. وعن الحسن تجوز الكتابة على مال الغير. وجه ظاهر الرواية أن العين في المعاوضات معقود عليها والقدرة على تسليم المعقود عليه شرط للصحة في العقود التي تحتمل الفسخ، وتسليم تلك العين ليست في قدرته فلا تصح تسميته بخلاف ما إذا كان البدل غير معين لانه معقود عليه فلا يشترط القدرة عليه، ولو أجاز صاحب العين ذلك روي عن محمد أنه لا يجوز وهو ظاهر الرواية، كذا في العتابية. وعن الامام أنه يجوز أجاز أو لم يجز غير أنه عند الاجارة يجب تسليم العين، وعند عدم الاجارة يجب تسليم القيمة. وروي الثاني عن الامام أنه لو ملك القيمة فأدى لم يعتق إلا أن يكون قال له المولى إن أديت فأنت حر. وذكر صاحب الاملاء أنه يعتق بالدفع قال المولى إن أديت إلي فأنت حر أو لم يقل كما لو كاتب على خمر. وجه ما ذكر عن الامام أن العين لم يصر بدلا في هذا العقد بتسميته لانه لا يقدر على تسليمه فلا ينعقد بالعقد أصلا. قال رحمه الله: (أو بمائة ليرد عليه سيده وصيفا فسد) قوله فسد هذا خبر لقوله وإن كاتب يعني لو كاتبه على مائة ليرد عليه سيده وصيفا فالكتابة فاسدة على قول الامام ومحمد. وقال أبو يوسف: الكتابة صحيحة وتقسم المائة على قيمة المكاتب والوصيف الوسط فما أصاب الوصيفة الوسط يسقط عنه ويكون مكاتبا وتقسم المائة بما بقي لان كل ما جاز إيراد العقد عليه جاز استثناؤه من العقد والكتابة. ولهما أن بدل الكتابة مجهول القدر فلا يصح كما إذا كاتبه على قيمة الوصيف هذا لان الاصل المذكور صحيح فيما إذا صح الاستثناء من غير أن يؤدي إلى فساد العقد، وهنا استثناء العبد من الدراهم غير صحيح لان الوصيف لا يمكن استثناؤه من الدنانير إلا باعتبار القيمة وتسمية القيمة تفسد العقد، ولان هذا عقد يشتمل على الكتابة والبيع لان ما كان من الدنانير بأداء الوصيف الذي يرده المولى بيع وما كان بمقابلة رقبة المكاتب هو مكاتبة فيبطل لجهالة الثمن والثمن فهو صفقة في صفقة فلا يجوز للنهي عنها، وإذا كاتبه على حيوان وبين جنسه كالعبد والفرس ولم يبين أنه تركي أو هندي ولا الوصف أنه جيد أو ردئ جازت الكتابة ويصرف إلى الوسط. وقدر الامام الوسط بما قيمته أربعون. وقالا: هو على قدر غلاء السعر ورخصه ولا ينظر في قيمة الوسط إلى قيمة المكاتب ويجبر على قبول قيمته، وإنما يصح العقد مع الجهالة لانها يسيرة فصار كما لو كاتب وجعل الاجل الحصاد، ولقائل أن يقول: مقتضى هذا التعليل أن لا تصح الكتابة فيما إذا كاتبه على مائة على أن يرد عليه عبدا معينا لان قيمة المعين مجهولة جهالة فاحشة ولهذا لو كاتبه عليها لم يصح وقد صرحوا فيما إذا شرط على أن يرد عليه عبدا معينا أن يصح بالاتفاق، نقله في الكافي والدرر والغرر، وفي المبسوط: ولو كاتبه على خمر أو خنزير فسد فإن أداه قبل أن

[ 78 ]

[ الخمر عتق وسعى في قيمته ولم ينقص عن المسمى وزيد عليه وصح على حيوان غير ] يترافعا إلى القاضي وقد قال له إن أديت فأنت حر ولم يقل فإنه يعتق وتلزمه قيمة نفسه، وإذا جاء المكاتب بالمال قبل حلول الاجل فأبى المولى أن يقبله يجبر على القبول اه‍. قال رحمه الله: (فإن أدى الخمر عتق) لان العقد ينعقد وإن كان فاسدا فيعتق بالاداء يعني إذا كان قبل إبطال القاضي. وفي العتابية: فإن أدى الخمر والخنزير عتق. وقال زفر: لا يعتق إلا بأداء قيمة الخمر. وأطلق في قوله يعتق فشمل ما إذا قال إن أديت فأنت حر أو لم يقل. وعن أبي حنيفة يعتق إن قال إن أديت وإن لم يقل لا يعتق. ونظيره ما إذا كاتبه على ميتة أو دم فإنه لا يعتق إلا في صورة التعليق نصا، وفي ظاهر الرواية يعتق بأداء الخمر، وكذا الخنزير. والفرق بين الخمر والخنزير والميتة والدم أن الخمر والخنزير مال في الجملة والميتة والدم ليسا بمال أصلا عند أحد فلم ينعقد العقد أصلا فاعتبر فيهما معنى الشرط لا غير ذلك بالتعليق. قال ابن فرشته: هذا إذا كان السيد مسلما لان الكافر إذا كاتب عبده الكافر ثم أسلم لا يعتق بأداء الخمر اتفاقا اه‍. وفي شرح الطحاوي: فإذا أسلم أو أسلم أحدهما يعتق بأداء القيمة ولا يعتق بأداء الخمر. والفرق بين المسلم والكافر حيث قلنا في المسلم العقد فاسد ويعتق بأداء الخمر وفي الكافر صحيح فأقول المسلم لا يعتق بأداء الخمر إذ المسلم لما كان الخمر في حقه ليس بمال، فالظاهر من حاله إرادته التعليق على الاداء فيعتق الاداء والكافر لما كان في حقه مالا فالظاهر انتفاء التعليق في حقه بل إرادة العرض وبالاسلام انتفى كونه عرضا والتعليق منتف فلا يعتق بأداء قيمة الخمر. قال رحمه الله: (وسعى في قيمته) يعني إذا عتق بأداء الخمر وجب عليه أن يسعى في قميته لانه وجب عليه رد رقبته لفساد العقد وقد تعذر الرد للعتق فيجب عليه كما في البيع الفاسد إذا أعتق المشتري العبد أو أتلفه قال رحمه الله: (ولم ينقص عن المسمى وزيد عليه) هذه المسألة لا تعلق لها بمسألة الخمر بل مسألة مبتدأة ومعناها: كاتب عبده على ألف وخدمته أبدا أو على ألف وهدية فالخدمة أبدا والهدية لا تصلح بدلا فالعقد فاسد، فإذا أدى الالف عتق، فإن كان الالف قدر قيمته لم يبق للمولى عليه سبيل، وإن كان قيمته أكثر رجع عليه السيد بالزيادة، وإن كانت الالف أكثر من قيمته فلا يعتق إلا بدفعها، ولو كاتبه على ألف ورطل من الخمر لا يعتق حتى يدفع الالف والرطل من الخمر، كذا في المحيط مختصرا. قال الشارح: لانه عقد فاسد فيجب عليه قيمته بالغة ما بلغت غير أن المولى لم يرض أن يعتقه بأقل مما سمى فلا ينقص منه إن نقصت قميته عن المسمى، والعبد يرضى بالزيادة حتى ينال شرف الحرية فيزاد عليه إذا زادت قيمته لينال الشرف، وفيما إذا كاتبه على قيمته يعتق بأدائها لانه هو البدل في الفاسد ذكرها أو لم يذكرها فأمكن اعتبار معنى العتق فيه وأثر الجهالة في الفاسد لا في إبطال العقد بخلاف ما إذا كاتبه على ثوب حيث لا يعتق بأداء ثوب لانه يختلف اختلافا فاحشا، ولو أدى قيمة الثوب لا يعتق إلا إذا علقه بأن قال إذا أديت

[ 79 ]

[ موصوف أو كاتب كافر عبده الكافر على خمر وأي أسلم فله قيمة الخمر وعتق بقبضها. ] إلي ألفا فأنت حر فيعتق بأداء الثوب لصريح التعليق. وفي التتارخانية: ولو كاتبه على ثوب ولم يقل هروي أو غيره فهي فاسدة. وفي الولوالجية: لو كاتبه على قيمة ثوب فهي فاسدة. قال رحمه الله: (وصح على حيوان غير موصوف) يعني يصح عقد الكتابة على حيوان إذا بين جنسه لا نوعه وصفته. لو قال وصح على حيوان بين نوعه كان أولى كما لا يخفى، ولو قال وصح على عبد كان أولى ولكن كان أخصر وينصرف إلى الوسط ويجبر المولى على قبول القيمة كما يجبر على قبول العين لان كل واحد منهما أصلا، ولا يخفي أن اللفظ والوصف يجمع أجناسا فالجهالة فاحشة كالحيوان والدابة والثوب فلا تصح الكتابة إن كان يجمع أنواعا كالعبد فإنه يشمل الحبشي والهندي والتركي والاسود فتصح الكتابة إذا ذكره فلذا فسرتا الحيوان بالعبد بقرينة قوله صح فظهر أن الجنس عندنا هو المقول على كثيرين اختلف المقصود منهم والنوع المقول على كثيرين اتحد المقصود منهم. وفي التتارخانية: الاصل أن جهالة الجنس تمنع صحة التسمية في العقود كلها كان معاوضة مال بمال أو لم يكن وذلك كالثوب والدابة والحيوان، وفي هذا لا يعتق إذا دفع ثوبا أو دابة أو حيوانا، وجهالة الوصف تمنع صحة التسمية في عقد المعاوضة ولا تمنع صحة التسمية في عقد غير المعاوضة كالنكاح والكتابة، وذلك كعبد أو ثوب هروي. انتهى بالمعنى. وقال الامام الشافعي: لا يجوز في هذه الوجوه. فإن قلت: إذا كاتبه على قيمة نفسه أو قيمة العبد تفسد الكتابة وإذا كاتبه على عبد تصح الكتابة، فما الفرق؟ قلنا: الفرق بينهما أن الجهالة في القيمة جهالة في القدر والجنس والوصف في الحال، والجهالة في العبد جهالة في الوصف دون القدر والجنس فخفت الجهالة، ولو كاتبه على وصف أو عبد مؤجلا جاز استحسانا لان العبد يجب في الذمة بدلا عما ليس بمال كالنكاح، ولو كاتبه على ثوب وبين صفته فأتى بقيمته يجبر على القبول، وقد تقدم أن الامام قدر الوسط بأربعين دينارا، وقال أبو يوسف ومحمد: على قدر غلاء السعر ورخصه ولا ينظر في قيمة الوسط إلى قيمة المكاتب. ولو قال وصح على فرس لكان أولى ولم يحتج للتأويل. قال رحمه الله: (أو كاتب كافر عبده الكافر على خمر) يعني يصح هذا العقد للآخر إذا سمى قدرا من الخمر معينا لان الخمر عندهم مال متقوم كالعصير في حق المسلم فيصح تسميته إذا كان معلوما. واحترز بقوله عبده الكافر عن عبده المسلم فإنه يقع فاسدا وتجب القيمة على ما بينا فيما إذا كان المولى مسلما. أطلق في الكلام فشمل الذمي والمستأمن والحربي، ولا فرق في الذمي بين أن يكون في دارنا أو في دار الحرب حيث دخل غير مهاجر لانه من أهل دارنا فتجري عليه أحكامنا والمستأمن ما دام في دارنا تجري عليه أحكامنا. وإنما محل النظر لو كاتب الحربي عبده المسلم في دار الحرب على خمر أو خنزير فأدى ذلك فالظاهر أنه يعتق أخذا من قولهم لنا أن نحتال على مال الحربي بأي وجه كان

[ 80 ]

يرضاه، ولا يخفى أن الخنزير هنا كالخمر في الحكم فيه. قال رحمه الله: (وأي أسلم فله قيمة الخمر) لان المسلم ممنوع عن تمليك الخمر وتملكه وفي تسليم عين الخمر تمليكها وتملكها إذا كان المولى يمكلها قبل التسليم لكونها موصوفة في الذمة والقبض يرد على معين فيكون غير ما ورد عليه العقد فيكون تمليكا من العبد وتملكا من المولى في الحال عوضا عما في الذمة فلا يجوز في حق المسلم فعجز عن تسليم الخمر فوجب المصير إلى القيمة لقيامها مقام المسمى والكتابة باقية على حالها بخلاف ما إذا باع ذمي من ذمي بخمر ثم أسلم أحدهما قبل القبض حيث يفسد البيع عند البعض لان العقد يقع على ما يصلح بدلا ففي الكتابة تصلح القيمة بدلا فيما إذا كاتبه على وصف أو نحوه، ولهذا يجبر المولى على قبول القيمة والبيع لا ينعقد على القيمة صحيحا أصلا فكذا لا يبقى عليها. قيدنا أصل المسألة بأن الخمر غير معين لانه لو كان الخمر معينا فقد ملكه بمجرد العقد والتسليم نقل من يد إلى يد والمسلم غير ممنوع من وضع يده على الخمر، ألا ترى أن المسلم إذا غصب خمرا من ذمي فأسلم الذمي فله أن يسترد الخمر من الغاصب ولا يمنع منه في هذه الحالة، فإذا أسلم لا ينتقل إلى القيمة وله الخمر لا غير. قيد المسألة بالخمر ولم يتعرض للخنزير فنقول: لو كاتبه على خنزير معين ملكه بمجرد العقد فإذا أسلم أحدهما قبل القبض لا ينتقل إلى القيمة بل له الخنزير المعين والمسلم لا يمنع من وضع يده عليه كما لو غصب الذمي خنزيرا فأسلم فله أن يرده من يد الغاصب، فلو كان الخنزير غير معين فأسلم أحدهما ينتقل إلى قيمة نفس المكاتب أخذا من قولهم قيمة القيمي تقوم مقام عينه، وهذا من خواص هذا الكتاب والحمد لله الذي هدانا لهذا قال رحمه الله. (وعتق بقبضها) يعني يعتق بقبض قيمة الخمر لان الكتابة عقد معاوضة وسلامة أحد العوضين لاحدهما توجب سلامة العوض للآخر، وإذا أدى الخمر عتق أيضا لتضمن الكتابة تعلق بأداء الخمر كما إذا كاتب المسلم عبده على خمر كما تقدم. قال في الكافي: هذا ذكره بعض المشايخ كالقاضي ظهير الدين الشيرازي ونجم الدين الافطسي والسرخسي والنيسابوري وفي شرح الجامع الصغير. وفي شرح الطحاوي والتمرتاشي: ولو أدى الخمر لا يعتق، ولو أدى القيمة يعتق لان الكتابة انتقلت إلى القيمة ولم يبق الخمر بدلا في هذا العقد لان العقد صحيحا وقع صحيحا على الخمر ابتداء وبقي بعد الاسلام على قيمته صحيحا على حاله فخرج الخمر عن كونه بدلا فيه ضرورة، وبأداء غير البدل لا يعتق بخلاف مسألة المسلم حيث يعتق بأداء الخمر لان العقد فيه انعقد فاسدا فيعتق بأداء البدل المشروط لما فيه من معنى التعليق ويضمن لمولاه قيمة نفسه وقد تقدم فرق آخر. وفرق في النهاية بفرق ثالث حيث قال: فإن قلت: ما الفرق بين هذا وبين ما إذا كاتب المسلم عبده إلى الخمر ابتداء حيث يعتق العبد بأداء الخمر وإن وقع العقد فاسدا وفيما نحن فيه هو ما إذا كاتب النصراني عبده الكافر على خمر ثم أسلم أحدهما ثم أدى الخمر لا يعتق مع أن القياس ينبغي أن يعتق بأداء الخمر بالطريق الاولى

[ 81 ]

[ باب ما يجوز للمكاتب أن يفعله وما لا يجوز للمكاتب البيع والشراء والسفر وإن شرط أن لا يخرج من المصر وتزويج أمته ] لان العقد في الابتداه تأكد انعقاده على الخمر؟ قلت: الفرق بينهما هو أن الكتابة في عقد المسلم على الخمر انعقدت مع الفساد فيعتق بأداء البدل المشروط لما فيه من معنى التعليق لما ذكرنا ويكون عليه قيمة نفسه، وأما ههنا فالكتابة انعقدت صحيحة على تقدير إذا بدل يصح أداؤه وقامت القيم مقام الحجة ولم يوجد ههنا معنى التعليق بأداء الخمر حتى تعتق بأداء الخمر، إلى هذا أشار الامام التمرتاشي في الجامع الصغير اه‍. والله تعالى أعلم. باب ما يجوز للمكاتب أن يفعله وما لا يجوز الظاهر أن اكتفاء المصنف في عنوان هذ الباب بما يجوز للمكاتب أن يفعله لكونه المقصود بالذات وإلا فقد ذكر في هذا الباب كثيرا ما لا يجوز للمكاتب أن يفعله. قال صاحب العناية: لما ذكر أحكام الكتاب الصحيحة والفاسدة شرع في بيان ما يجوز للمكاتب وما لا يجوز فإن جواز التصرف ينبني على العقد الصحيح اه‍. قال رحمه الله: (للمكاتب البيع والشراء والسفر) لان مقصود السيد من العقد الوصول إلى بدل الكتابة ومقصود العبد به الوصول إلى الحرية وذلك إنما يحصل بالبيع والشراء وقد لا يتفقان في الحضر فاحتاج إلى السفر ويملك البيع بالمحاباة لان عادة التجار يفعلونه إظهارا للمسامحة واستجلابا لقلوب الناس وقد يخابي في صفقة ليربح في أخرى. وأفاد إطلاقه أنه يملك أن يبيع بالنقد والنسيئة الغبن الفاحش واليسير عند الامام، وعندهما لا يملك بالغبن الفاحش كالعبد المأذون له، ولو زاد في الثمن أو حط بسبب عيب جاز، ولو حط من غير عيب لا يجوز، وشراء المكاتب وبيعه من مولاه جائز. وإذا اشترى شيئا من مال المضاربة ولا ربح فيه جاز ولا يبيع المولى ما اشترى من مكاتبه مرابحة ما لم يبين لقيام شبهة الملك له فيه. ولو أوصى بعين من ماله ثم عتق فأجاز الوصية جازت، كذا في المحيط. وفي المبسوط: ولو باع من مكاتبه درهما بدرهمين لا تجوز لان هذا صريح الربا والمكاتب في كسبه بمنزلة الحر، والمكاتب في حق الشفعة فيما يستحقه أو استحق عليه كالحر ا ه‍. ولا يقال هذه الاحكام علمت من قوله خرج من يده دون ملكه فيكون تكرارا لانا نقول: علمت هناك وإن رهن أو ارتهن أو أجرأ أو استأجر فهو جائز ليس له أن يقرض ضمنا لا تصريحا ما علم ضمنا لا يكون مكررا فتأمله. وفي المبسوط. ولو زنى المكاتب أو سرق منه يجب القطع لانه يخاطب ا ه‍. قال رحمه الله: (وإن شرط أن لا يخرج من المصر) أن هذه وصلية وهذا الكلام متصل بما قبله يعني له أن يسافر وإن شرط المولى عليه أن لا يخرج من البلد كما لو خص له نوعا من التصرف دون غيره كان ذلك باطلا لان هذه الشروط مخالفة لما إقضتى عقد الكتابة لان مقتضاها فك حجر

[ 82 ]

اليد عفى وجه الاستمداد والاختصاص بنفسه ومنافع نفسه واكتسابه وأن لا يتحكم عليه أحد ويحصل المال بأي وجه شاء فكانت هذه الشروط باطلة والسفر مظنة تحصيل المال. قال الله تعالى * (وآخرون يضربون في الارض يبتغون من فضل الله) * [ المزمل: 20 ] والكتابة لا تبطل بالشروط الفاسدة كما تقدم إلا إذا كان داخلا في صلب العقد وهو أن يكون في البدل مثل أن يشترط خدمته أو مكاتبته على خمر أو خنزير فيفسد العقد لان الكتابة تشبه البيع من حيث إنها تحتمل الفسخ قبل أداء البدل فيفسد العقد إذا وجد الشرط في صلب العقد، وتشبه النكاح من حيث إنها لا تحتمل الفسخ بعد الاداء لانها مبادلة مال بمال في حق المولى ومبادلة مال بغير مال في حق العبد لانه لا يملك نفسه فلا يفسد العقد بالشروط إذ لم يكن في صلب العقد كما هنا. قال في العتابية: والتمكن في صلب العقد هو أن يدخل في أحد البدلين والذي ليس في صلب العقد هو الذي ليس في بدل الكتابة ولا فيما يقابله، وقد رد عليه بعض العلماء بأن قوله ولا فيما يقابله ممنوع فإن مقابلة فك الحجر وحرمة المنع من الخروج تخصيص للفك والحرية فتأمل. أقول: ليس ذلك بشئ لان كون المنع من الخروج تخصيصا للفك والحرية لا يقتضي كونه داخلا فيها فإن تخصيص الشئ قد يكون بأمر خارج عنه أخص منه كما إذا عرفنا الانسان بالحيوان الضاحك فتأمل ا ه‍. قال رحمه الله: (وتزويج أمته) يعني للمكاتب أن يزوج الامة لانه من الاكتساب فيملكه ضرورة بخلاف تزويج المكاتبة نفسها حيث لا يجوز لها وأن كان فيه اكتساب لان ملك المولى باق فيها فمنعها من الاستبداد بنفسها وفيه تعيبها، وربما يعجز فيبقى هذا العيب فيكون على المولى ضرر. وليس مقصودها بتزويج نفسها المال وإنما هو التحصين والاعفاف بخلاف تزويج أمتها فإن المقصود منه كسب المال فيجوز لها كما يجوز للاب والوصي بخلاف العبد المأذون له في التجارة والمضارب والشريك لانهم لا يملكون إلا ما يكون من باب التجارة والتزويج ليس منها فلا يملكونه. وبهذا التقرير ظهر الفرق بين تزويج المكاتبة نفسها حيث لا يجوز وإن كان فيه اكتساب المهر ودفع النفقة كما في تزويج المكاتب أمة نفسه لان العلة في تزويج المكاتبة نفسها مركبة بما ذكرناه فتأمل. قيد بالامة لان المكاتب لا يملك أن يزوج نفسه وولده لانه ليس من التجارة ولا فيه اكتساب مال بل فيه شغل رقبته بالمهر والنفقة. وفي المحيط: زوج عبده امرأة فأعتق فأجاز لم يجز لان هذا العقد لا مجيز له حال وقوعه لان الكتابة توجب فك الحجر في الاكتساب وهذا ليس منها بخلاف ما لو كفل مالا ثم أعتق نفذت كفالته، وكذا لو وكل فعتق جاز وكذا لو أوصى لعبد فأعتق فأجاز لان هذه العقود لها مجيز حال وقوعها وإنما يمنع ظهورها في حق غيره فسقط حق الغير بالعتق فظهر النفاذ مطلقا. ولا تجوز هبة المكاتب وصدقته ووصيته وكفالته في الحال، ولو أعتق ترد له الهبة والصدقة لانها وقعت فاسدة. ولو دفع مضاربة أو أخذ مالا مضاربة جاز، ويجوز له شركة العنان لا

[ 83 ]

[ وكتابة عبده والولاء له إن أدى بعد عتقه وإلا لسيده لا التزوج بلا إذن والهبة ] المفاوضة، ويجوز إقرار المكاتب بالدين والعين والاستيفاء لانه لا بد للتجار منه. ولو أقر المكاتب على ولده المولود في الكتابة بجناية لم يجز إقراره لانه إقرار على غيره، إن مات الولد وترك مالا كان ذلك لابيه وأخر إقراره وصار هو الخصم في الجناية لانه ظهر المقر له في حقه بإقراره، وكذا لو أقر على ولده بدين لم يجز فإن اكتسب الولد مالا وأخذه الاب نفذ إقراره عليه في المال مكاتب أو مأذون في يده أمة ادعى رجل أنها أم ولده أو مكاتبته فصدقه المكاتب أو المأذون فيه جاز ويدفعها إليه، وكذلك إن كان معها ولد دفعه إليه لان إقراره بالوديعة لغيره يصح ا ه‍. قال رحمه الله: (قال رحمه الله: (وكتابة عبده) يعني يملك المكاتب أن يكاتب عبده لان الكتابة عقد اكتساب للمال فيملكها كما يملك البيع، وقد يكون الكتابة أنفع من البيع إذ البيع يزيل الملك بنفسه والكتابة لا تزيل إلا بعد وصول البدل، فإذا جاز البيع فأولى أن تجوز الكتابة. وقال الشافعي: لا يملك لان العقد لا يتضمن مثله ولانه يؤول إلى العتق وليس له أن يعتق على مال. قلنا: إنما ملكه على أن الكتابة بيع من نفس العبد وإنما لا يملك الاعتاق على مال وتعليق العتق على أداء المال لان فيه إثبات الحرية مقصودة. وفي الزيادات: رجل مجهول النسب اشترى عبدا فكاتبه فاشترى المكاتب أمة فكاتبها ثم أقر المولى الاعلى المجهول النسب أنه عبد للمكاتب فهي مكاتبة على حالها للمكاتب الاعلى والمكاتب الاعلى للمكاتب الاسفل لانه يصح إقراره على نفسه بالرق لان حريته لم تثبت بدليل إلا أنه غير مصدق في حق المكاتب لما فيه من إبطال حق المكاتب فبقي حرا في حق المكاتب مكاتبا للحر لا لعبد مكاتبه وهذا كمجهولة النسب إذا أقرت بالرق لانسان لم يبطل نكاحها ويؤدي المكاتب الاعلى بدل الكتابة إلى المكاتب الاسفل لان مجهول النسب لما أقر بالرق لها صار هو وجميع أكسابه مملوكا لها وبدل الكتابة من جملة أكسابه ومتى صار مجهول النسب عبدا في حق هذا الحكم لا يبرأ المكاتب إلا بالاداء إلى المكاتبة والمكاتبة تؤدي مكاتبتها إلى المكاتب الاعلى. ثم المسألة لا تخلو إما أن يؤديا متعاقبا أو معا، فإن أديا متعاقبا فأيهما أدى أولا إلى صاحبه عتق ولا يكون ولاؤه لاحد لان ما عداه إما عبد أو مكاتب وهما ليسا من أهل الولاية، وأيما أدى آخرا عتق وولاؤه للاول لانه لما صار حرا صار أهلا للولاء وإن أديا معا عتقا ولا ولاء لاحدهما على الآخر لان عتق كل واحد منهما قرن بعتق صاحبه فلا يكون أحدهما أهلا للولاء حال عتق صاحبه، وإن عجز أحدهما صار مملوكا للآخر لانه إن عجز المكاتب صار مملوكا للمكاتبة لانه من كسب مجهول النسب، وإن عجزت المكاتبة فقد صارت أمة للمتكاتب والمقر عبدهما فصارا جميعا للمكاتب، وإن عجزا معا عتقت المكاتبة وصار المجهول مع المكاتب عبدين لها لان المكاتب أقر برقبته لمجهول النسب ومجهول النسب أقر برقبته وجميع أكسابه للمكاتبة فقد صار المكاتب مقرا برقبته للمكاتب، والمكاتبة لما قبلت المكاتبة من المكاتب فقد أقرت برقبتها

[ 84 ]

للمكاتب فقد اجتمع إقرارها وإقرار المكاتب سابق على إقرار مجهول النسب وآخر إلا قرارين ناسخ لاولهما لان للآخر رد الاول ولم يوجد الرد للثاني فصح فصار الاعتبار لاقرار مجهول النسب لانه آخرهما، وهذا كرجل مجهول النسب أقر بأنه مملوك لعبد رجل وأقر مولى العبد وهو مجهول النسب أنه مملوك لهذا المقر فهما جميعا مملوكان لعبد مجهول النسب أقر بالرق للمكاتبة والمولى للمكاتبة وهو المكاتب أقر للمكاتب بالرق لمجهول النسب صارا مملوكين للمكاتبة ا ه‍ مختصرا. قال رحمه الله: (والولاء له إن أدى بعد عتقه لان الولاء لمن أعتق وعتيقة المكاتب الاول وهو أهل للولاء عند عتق الثاني وكان ملكه تاما فيه عند ذلك فثبت له ضرورة. وفي شرح الطحاوي: وإن أديا معا عتقا وثبت ولاؤهما من المولى. وفي الاصل: وإن عجز الاول ورد في الرق ولم يؤد الثاني مكاتبته بعد بقي الثاني مكاتبا على حاله، ونظيره العبد المأذون له إذا أذن لعبده في التجارة ثم حجر على الاول بقي الثاني يصير مملوكا للمولى على الحقيقة، فلو أعتقه نفذ عتقه، ولو كان الاول لم يعجز ولكن مات قبل الاداء ولم يؤد الثاني مكاتبته أيضا فهو على وجهين: إن ترك الاول مالا كثيرا سوى ما على المكاتب الثاني وبه وفاء ببدل الكتابة وفي هذا الوجه لا تنفسخ كتابته فيؤدي كتابته ويحكم بحريته في آخر جزء من أجزاء حياته وما بقي يكون لورثته الاحرار، وإن لم يكن له وارث فلمولاه ويؤدي الثاني مكاتبته إلى وارث المكاتب الاول، وإذا أدى وعتق كان ولاؤه لابن المكاتب حيث يرث ورثته المذكور. الثاني إذا مات ولم يترك وفاء سوء ما ترك على المكاتب الثاني وهو لا يخلو من وجهين: إن كان مكاتبة الثاني أقل من مكاتبة الاول ففي هذا الوجه تنفسخ مكاتبة الاول ويكون عبدا ويبقى الثاني مكاتبا للمولى، وإن كان مكاتبة الثاني مثل مكاتبة الاول أو أكثر منه وهذا الوجه لا يخلو إما أن حل مكاتبه الثاني وقت موت الاول فتنفسخ كتابة الاول فيؤدي الثاني إلى المولى ويحكم بحرية الثاني للحال وبحرية الاول في آخر جزء من أجزاء حياته وما بقي من مكاتبة الثان تكون لورثة المكاتب الاول إن كان له وارث حر ويكون ولاء الثاني للمكاتب الاول لا لمولى المكاتب الاول، وإن حل المكاتب للثاني بعد موت المكاتب الاول إن كان له وارث وإن لم يطلب المولى الفسخ من القاضي حتى حلت فالجواب فيه كالجواب فيما إذا مات الاول وقد حل ما على الثاني، وإن طلب من القاضي الفسخ تفسخ كتابة الاول فظهر قول المؤلف لو قال أو عتقا معا بأداء مكاتبتهما لكان أولى ليفيد أن الولاء له في الحالتين. وفي نوادر ابن سماعة عن محمد: إذا مات الاول وقد حل ما على الثاني وقد ترك وفاء إلا أنه دين على الناس ولم يخرج الدين حتى أدى الاسفل إلى الاعلى ينظر في الولاء والميراث إلى يوم أدى الكتابة ا ه‍. وفي المحيط: فإن مات الاول عن ابن ولم يترك إلا ما على الثاني ومات الثاني وترك ولدا مولودا في الكتابة يسعى فيما بقي على أبيه ويؤدي إلى المولى من كتابة الاول، فإن فضل

[ 85 ]

[ والتصدق إلا بالسير والتكفل والاقراض واعتاق عبده ولو بمال وبيع نفسه منه ] شئ يكون لابن الاول ويحكم بحريته في آخر جزء من أجزاء حياته وعتق الولد الاول مع عتق أبيه وولاء الثاني لابن الاول. ولو اشترى المكاتب امرأته فكاتبها جاز لانها مملوكة، فإن ولدت فهو معها في الكتابة ومع الاب أيضا بخلاف ما لو كاتب أمه وعبدا هو زوجها كتابة واحدة فولدت فالولد يتبع الام كالحر. قال رحمه الله: (وإلا لسيده) يعني إذا أدى الثاني قبل أن يعتق الاول كان الولاء لسيد الاول لا للمكاتب لانه يقدر جعل المكاتب معتقا لكونه رقيقا فيلحقه فيه أقرب الناس إليه وهو مولاه كما لو اشترى العبد المأذون له شيئا فإنه لا يملك لعدم الاهلية ويلحقه فيه مولاه لانه أقرب الناس إليه، ولو أدى الاول بعد لا يتحول عتق المعتق إلى غيره بخلاف جر الولاء في ولد الجارية فإن مولى الجارية هناك ليس بمعتق مباشرة بل تسببا باعتبار إعتاق الاصل وهي الام، والاصل أن الحكم لا يضاف إلى السبب إلا عند تعذر الاضافة إلى العلة والتعذر عند عدم عتق الاب، وإذا أعتق زالت الضرورة فيحول الولاء إلى قوم الاب، وقال في المحيط: وولاء العتاقة متى ثبت على أحد لا يحتمل النقل إلى غيره كالنسب. قال رحمه الله: (لا التزوج بلا إذن) يعني لا يملك التزوج بلا إذن لانه يعيب نفسه لما فيه من شغل ذمته بالمهر والنفقة ولم يطلق له إلا عقود توصله إلى تحصيل مقصوده وهو عقد فيه اكتساب مال على ما بينا. ويملك التزوج بإذن المولى لان الحجر لاجله لان ملكه باق فيه فجاز باتفاقهما لثبوت ملكه في رقبته. وفي الخانية: المكاتب لا يملك وطئ أمته فإن وطئها ثم استحقت يؤاخذ المكاتب بعقرها في الحال. قال رحمه الله: (والهبة والتصدق إلا باليسير) لانه نوع تبرع وهو ليس من أهله إلا أن اليسير منه من ضرورات التجارة لانه لا يجد بدا من ضيافة وإعارة ليجتمع عليه المهاجرون فيملكه لان من ملك شيئا ملك ما هو من ضروراته وتوابعه ولا يهب بعرض لانه تبرع ابتداء، وكذا لا تجوز وصيته. ولم يبين المؤلف رحمه الله تعالى مقدار اليسير وقال في الذخيرة: إنه يتصدق ويهب بقدر الفلس ورغيف وفضة أقل من درهم ويأخذ الضيافة اليسيرة ويهدي الطعام المهيأ للاكل بقدر دانق، ولو وهب أو أهدي درهما فصاعدا لا يجوز. قال رحمه الله: (والتكفل والاقراض) لانهما تبرع وليسا من ضرورة التجارة ولا من باب الاكتساب فلا يملكه، ولا فرق في الكفالة بين المال والنفس بإذن أو بغيره لان الكل تبرع، ولا يجوز كفالة المكاتب بمال أذن المولى فيها أو لا، وكذا الحوالة، وكذا الكفالة بالنفس لانها متى صحت تتعدى ضرورة إلى المال بأن يعجز عن إحضاره فكان بمنزلة الكفالة بالمال وهو تبرع والمكاتب لا يملك التبرع ويؤخذ منه بعد العتق كالعبد القن إذا كفل، فإن كان صغيرا لم يؤخذ منه بعد العتق لان الكفالة وقعت باطلة، فإن كفل بمال بإذن المولى لم يلتزم المولى الكفالة، ولو أدى المكاتب فعتق لزمته الكفالة كما تقدم، وإن كفل عبده لآخر رجع السيد على المكفول عنه إن

[ 86 ]

[ وتزويج عبده والاب والوصي في رقيق الصغير كالمكاتب ولا يملك مضارب وشريك شيئا منه ولو اشترى أباه أو ابنه تكاتب عليه ولو أخاه ونحوه لا ولو اشترى أم ولده ] كفل بأمره، وبغير أمره بطل المال عنها لان المولى ملك ما في ذمة المكفول عنه لعجز المكاتب والكفيل أدى ما كفل به رجع على الاصل إن كفل بأمره، وبغير أمره لا يرجع ولو أدى المولى رجع أيضا. قال رحمه الله تعالى: (واعتاق عبده ولو بمال وبيع نفسه منه) لانه ليس بأهل للاعتاق لانه لا يتصور إلا ممن يملك الرقبة فلا ينفذ عتقه ولو على مال لانه فيه إسقاط عن العبد بمقابلة دين في ذمة المفلس فلا يكون من باب الاكتساب فلا يملكه وبيع العبد من نفسه إعتاق كما بينا فلا يملكه. (قال رحمه الله: (وتزويج عبده) يعني لا يملك تزويج عبده، وكذا لا يملك أن يوكل به لانه تعيب له ونقص في المال لكونه شاغلا للرقبة بالمهر والنفقة وليس هو من باب الاكتساب في شئ بخلاف تزويج الامة على ما بينا. قال رحمه الله: (والاب والوصي في رقيق الصغير كالمكاتب) لان الاب والوصي كالمكاتب فيملكان ما يملكه المكاتب، والاصل فيه أن من كان تصرفه عاما في التجارة وغيرها يملك تزويج الامة كالمكاتب والاب والجد والوصي والقاضي وأمينه فكل من كان تصرفه خاصا بالتجارة كالمضارب والشريك والمأذون فلا يملك تزويج الامة لا الكتابة عند الامام ومحمد. وقال الثاني: يملك تزويج الامة لان فيه منفعة على ما بينا. وجوابه أنه ليس من باب التجارة فلا يملكه، وجعل في النهاية شريك المفاوضة كالمكاتب، وجعله في الكافي كالمأذون له في التجارة ولكل وجه. قال الشارح: جعله كالمأذون أشبه بالفقه. قال رحمه الله: (ولا يملك مضارب وشريك شيئا منه) يعني لا يملك تزويج الامة والكتابة لانهما ليسا من التجارة وقد بيناه. قال رحمه الله: (ولو اشترى أباه أو ابنه تكاتب عليه) لما ذكر ما هو داخل في الكتابة بطريق الاصالة وأنهاه شرع يذكر ما هو داخل بطريق التبع والتبع يتلو الاصل، وإنما يكاتب عليه لان المكاتب يملك الكتابة وإن لم يملك العتق فيجعل مكاتبا معه تخفيفا للصلة بقدر ا لامكان لانه لما تعذر الاعتاق صار مكاتبا مثله للتعذر بخلاف الحر فإنه يملك الرقبة ولا تعذر في حقه فيعتق عليه كما تقدم في بابه بيانه. وذكر الابن والاب وقع اتفاقا لان هذا الحكم لا يختص بهما بل جميع من له قرابة الولادة يدخلون في كتابه تبعا له. وأقواهم دخولا المولود في الكتابة يكون حكمه حكم أبيه حتى إذا مات أبوه ولم يترك شيئا يسعى على نجوم أبيه، والولد المشتري يؤدي البدل حالا والايرد في الرق، وإنما كان كذلك لان المولود في الكتابة تبعيته ثابتة بالملك والبعضية الثابتة حقيقة وقت العقد بخلاف المشتري فإن تبعيته ثابتة بالملك والبعضية فيهما حكما في حق العقد لا حقيقة في حقه لانه لا بعضية بينهما حقيقة بعد الانفصال. قال الاكمل: وتقديم الاب في الذكر للتعظيم. وأما في الترتيب فيقدم الابن على

[ 87 ]

[ معه لم يجز بيعها وإن ولد له ولد من أمته تكاتب عليه وكسبه له وإن زوج عبده من ] الاب سواء كان مولودا أو مشتري في الكتابة، والمولود مقدم على المشتري فالمولود يظهر حاله في الحياة وبعد الممات كما تقدم، والمشتري في حال الحياة فقط كما تقدم، والاب يحرم بيعه حال حياة ولده ولم يقبل منه البدل بعد موته حالا ولا مؤجلا ا ه‍. وإنما قال تكاتب عليه ولم يقل صار مكاتبا لانه لو صار مكاتبا لصار أصلا ولقيت الكتابة بعد موت المكاتب الاصلي وليس كذلك، بل إذا مات المكاتب يباع الاب. فإن قيل: ما الفرق بين المشتري في الكتابة من الاولاد وبين ما إذا كاتبه على نفسه وولده الصغير فإنه إذا عتق المشتري لم يسقط من البدل شئ، وأما إذا عتق الصغير الذي تكاتب عليه يسقط من البدل ما يخصه؟ أجيب بأن المشتري تبع من كل وجه فلا يعتبر به في أصل البدل لتقرره قبل دخوله في الكتابة بخلاف الصغير فإنه مقصود بالعقد والبدل في مقابلته فسقط ما يخصه منه. وفي الينابيع: لو ملك الاجداد والجدات أو أولاد الاولاد تكاتب عليهم. وفي الخلاصة: ولو اشترى واحدا من أولاده، وإن سفلوا أو واحدا من أجداده وإن علوا تكاتب عليه. قال رحمه الله: (ولو أخاه ونحوه لا) يعني لو اشترى أخاه أو غيره من محارمه لا يكاتب عليه عند الامام. وقالا: يكاتب عليه لان وجوب الصلة تشمل القرابة المحرمة للنكاح ولهذا يعتق على الحر كل ذي رحم محرم منه وتجب نفقتهم عليه ولا يرجع فيما وهب لهم ولا يقطع يده إذا سرق منهم إلى غير ذلك من الاحكام فكذا هذا الحكم. وللامام أن للمكاتب كسبا وليس له ملك حقيقة لوجود ما ينافيه وهو الرق، ولهذا لو اشترى أمة ولده لا يفسد نكاحه ويجوز دفع الزكاة إليه ولو وجد كنزا والكسب يكفي للصلة في الاولاد، ألا ترى أن القادر على الكسب يخاطب بنفقة الولد والوالد ولا يكفي في غيرها حتى لا يخاطب الاخ بنفقة أخيه إلا إذا كان موسرا والدخول في الكتابة بطريق الصلة فتختص بقرابة الولاد، ولان هذه قرابة تشبه بني الاعمام في حق بعض الاحكام كحل الحلية وجريان القصاص من الجانبين وقبول الشهادة ودفع الزكاة إليه، وتشبه الولاد في حق حرمة المناكحة ووجوب النفقة وحرمة الجمع بين اثنين ممنهم فألحقناها بالولاد في العتق وبني الاعمام في الكتابة توفيرا على الشبهين حظهما، والعمل على هذا الوجه أولى من العمل على العكس. وفي الذخيرة: لو اشترى العم والعمة فالقياس أن يصيرا مثله في الكتابة وفي الاستحسان لا يكاتب عليها ا ه‍. قال رحمه الله: (ولو اشترى أم ولده معه لم يجز بيعها) يعني لو اشترى زوجته مع ولده منها لم يجز له بيعها لان الولد لما دخل في الكتابة امتنع بيعه لما ذكرنا فتتبعه أمه فامتنع بيعها لانها تبع له ولا تدخل في كتابته حتى لا يعتق بعتقه ولا ينفسخ النكاح لانه لم يملكها، وكذا المكاتبة إذا اشترت زوجها غير أن لها أن يتبعه كيفما كان لان الحرية لم تثبت من جهتها على ما بينا. قيد بقوله معه لانه لو ملكها بدون الولد جاز له بيعها عند الامام. وقالا: ليس له

[ 88 ]

أن يبيعها لانها أم ولده كالحر إذا اشترى أم ولده وحدها بدونه، وللامام أن القياس أن يجوز البيع وإن كان معها الولد لان كسب المكاتب موقوف بين أن يؤدي فيكون للمكاتب وبين أن يعجز فيكون للمولى فلا يتعلق به ما لا يحتمل الفسخ وهو أمومية الولد إلا أن بيعها امتنع تبعا للولد وما ثبت تبعا يثبت بشرائط المتبوع. ولو ثبت بدون الولد لثبت ابتداء والقياس ينفيه، ولا يخفي أن هذا في حال الحياة. وأما في حالة الموت قال في الينابيع: فإذا مات المكاتب وقد اشتراها مع ولدها فلا سعاية عليهما لكن إن أدى ما على المكاتب عند الموت عتقا، وإذا لم يكن معها ولد فقالت أنا أؤدي جميع المال حالا لم يقبل منها وللمولى بيعها عند الامام. وفي نوادر بشر عن أبي يوسف: مكاتب اشترى امرأته فدخل بها وولدت ولدا بعد الشراء فمات المكاتب عن غير وفاء فالولد يسعى فيما على أبيه. وفي المضمرات: وإذا مات الولد في حياة المكاتب ثم مات المكاتب فإن أدت بدل الكتابة حين موته عتقت وإلا ردت في الرق ولا سعاية عليها. وفي الهداية: وإذا ولد له ولد من أمته دخل في كتابته فكان حكمه كحكمه وكسبه له. وفي الينابيع: اشترى جارية فوطئها فجائت بولد فاعترف به ثم مات عنه فإن ترك معه أبوه ولدا آخر اشتركا في الكتابة. قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: إذا مات المكاتب ليس للمولى بيعهم ولا سعايتهم فإن أدى الولد المولود في الكتابة البدل عتق وعتقوا جميعا، وإن عجز رد في الرق وردوا في الرق إلا أن يقولوا نحن نؤدي المال الساعة فيقبل ذلك منهم قبل قضاء القاضي لعجز المولود في الكتابة، وإن أدى مال الكتابة وللمكاتب مال كثير كان المتروك في قياس قول الامام للمولود في الكتابة، وفي قياس قول زفر يرثون الجميع منه. وفي الولوالجية: ولدت مكاتبة ولدا فاشتريت ولدا آخر ثم ماتت يسعى المولود في الكتابة على النجوم وما كسبه الولد المشتري أخذه أخوه، فما أدى من كتابته وما بقي فهو بينهما نصفان وللمولود له أن يؤاجر المشتري بأمر القاضي، وإن لم يكن لها إلا المشتري أدى الكتابة حال موتها حالا وإلا ردت في الرق في قول الامام. وقالا: كسب كل واحد منهما له خاصة ويسعيان على النجوم وإن ترك الولد المشتري دون المولود في الكتابة يسعى على نجومه على قولهما، وعلى قول الامام إما أن يؤدي حالا أو يرد في الرق ا ه‍. قال رحمه الله: (وإن ولد له ولد من أمته تكاتب عليه وكسبه له) لانه بالدعوى ثبت النسب له فيتبعه في الكتابة وكان كسب الولد له لانه في حكم مملوكه فكان كسبه له، وكذا لو ولدت المكاتبة ولدا دخل في كتابتها كما سنذكره. قال في العناية: واعترض عليه بأن المكاتب لا يملك التسري فمن أين له ولد من الامة حتى يدخل في الكتابة؟ وأجيب بأن معنى قولنا لا يملك لا يحل له وطئ أمة لكن إن وطئ وادعى النسب ثبت. قال في المبسوط: جارية بين حر ومكاتب ولدت ولدا فادعاه المكاتب قال: الولد ولده والجارية أم ولده ويضمن نصف عقرها ونصف قيمتها، ولا يضمن من قيمة الولد شيئا لان المكاتب كالحر ولا يضمن، ولو ولدت

[ 89 ]

[ أمته وكاتبهما فولدت دخل في كتابتها وكسبه لها مكاتب أو مأذون نكح بإذن حرة ] المكاتبة من زوجها دخل الولد في كتابتها لان الاوصاف الغارة الشرعية في الامهات كالتدبير والاستيلاد والحرية والرق تسري إلى الاولاد. قيد بقوله تكاتب عليه ليفيد أن الام لم تصر مكاتبة. قال تاج الشريعة: فإن قلت: إذا ثبت للولد حقيقة الحرية يثبت للام حقها وهنا ثبت للولد حق الحرية فيسعى إن ثبت للام حقها لانحطاط رتبتها عن الولد. قلت: للكتابة أحكام منها عدم جواز البيع فثبت للام هذا الحكم دون الكتابة لانحطاط رتبتها. فإن قلت: لم لا تصير مكاتبة تبعا للولد؟ قلت: لان العقد ما ورد عليها واعترض عليه بأن عدم ورود العقد عليها لا يقتضي أن لا تصير مكاتبة تبعا للولد وإنما يقتضي أن لا تصير مكاتبة أصالة ألا ترى أنه لو اشترى أباه وابنه تكاتب عليه وإن لم يرد العقد عليه، فالصواب في الجواب الثاني عن السؤال أن يقال إنها لا تصير مكاتبة تبعا للولد لانحطاط رتبتها عن الولد. وفي الخانية: المكاتب لا يملك وطئ أمته فإن وطئها ثم استحقت الامة يؤاخذ المكاتب بعقرها في الحال. وفي الزيادات: مكاتبان بينهما جارية جاءت بولد فادعياه ثبت النسب منهما ويصير الولد مكاتبا معهما، فإذا أدى أحدهما ما عليه عتق لوجود شرط العتق في حقه وعتق الجزء من الولد تبعا له وبقي نصيب الآخر مكاتبا للآخر عند الامام، وعندهما إذا أدى أحدهما عتق فحين عتق نصيبه من الولد عتق نصيب الثاني من الولد ولا ضمان على الولد ولا سعاية عليه وصارت الجارية كلها أم ولده وعليه قيمة نصيب الآخر، سواء كان موسرا أو معسرا، لو قال المؤلف دخل في كتابته كما سيأتي كان أولى من قوله تكاتب عليه لان هذا أقوى دخولا من المشتري في الكتابة لانه يقوم مقامه ويسعى على نجومه والدخول يفيد قوة على مكاتب قيده كما سيأتي. قال رحمه الله: (وإن زوج عبده من أمته وكاتبهما فولدت دخل في كتابتها وكسبه لها) لان الولد يتبع الام في الاوصاف الحكمية فكان مكاتبا تبعا لها فكانت أحق بكسبه من الاب لانه جزءها فصار كنفسها وهي نظير المسألة الاولى. ولو قتل هذا الولد تكون قيمته للام دون الاب لما ذكرنا بخلاف ما إذا قبلا الكتابة على أنفسهما وعلى ولدهما الصغير فقتل الولد حيث تكون قيمته بينهما ولا تكون الام أحق به لان دخوله في الكتابة هنا بالقبول عنه والقبول وجد منهما فلا يكون أحدهما أولى من الآخر. وفي بعض نسخ الهداية دخل في كتابتهما وكسبه لهما والاوجه دخل في كتابتهما لان فائدة الدخول هو الكسب، كذا في العناية. قال بعض الفضلاء: فيه تأمل إذ يجوز أن يقال فائدته أن يعتق بعتقهما سواء اكتسب أو لا. قيل: هذا ليس بشئ لان المراد أن فائدة دخول الولد في كتابة الاب هو كون الكسب له لا غير لانه لا يتبع الاب في الرق والحرية فتأمل. وعدل عن قوله تكاتب عليها إلى قوله دخل في كتابتها ليفيد أن هذا أقوى حالا من المشتري في الكتابة لانه لو مات المكاتب مفلسا سعى هذا في الكتابة على نجومها.

[ 90 ]

[ بزعمها فولدت فاستحقت فولدها عبد وإن وطئ أمة بشراء فاستحقت أو بشراء فاسد فردت فالعقر في المكاتبة ولو بنكاح أخذ به مذ عتق. ] قال رحمه الله: (مكاتب أو مأذون نكح بإذن حرة يزعمها فولدت فاستحقت فولدها عبد) يعني لو تزوج مكاتب أو عبد مأذون له في التجارة حرة بزعمها بإذن المولى فولدت فاستحقت فالولد رقيق وليس له أن يأخذه بالقيمة عند الامام والثاني. وقال الثالث: ولدها حر بالقيمة يعطيها للمستحق في الحال إذا كان تزوج بإذن المولى، وإذا كان بغير إذنه يعطيها بعد العتق ثم يرجع هو بما ضمن من قيمة الولد على الامة المستحقة بعد العتق إذا كانت هي الغارة له، وكذا إذا غره عبد مأذون أو غير مأذون له في التجارة أو مكاتب رجع عليه بعد العتق فلا ينفذ في حق المولى وإن غره حر رجع عليه في الحال، وكذا لو كان مكاتبا، وكذا حكم المهر فإن المستحق يرجع به في الحال إن كان التزوج بإذن المولى وإلا فبعد الحرية، وليس له أن يرجع على أحد بالمهر كما علم في موضعه، وحكم الغرور يثبت بالتزوج دون الاخبار بأنها حرة. لمحمد أنه تزوجها رغبة لحرية الاولاد معتمدا على قولها وصار مغرورا كالحر، ولهما أنه مولود بين رقيقين فيكون رقيقا لان الولد يتبع الام في الرق والحرية كما تقدم وترك هذا في الحر بإجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم والعبد ليس في معنى الحر لان حق المولى وهو المستحق في الحر مجبور بقيمة واجبة في الحال، وفي العبد بقيمة متأخرة إلى ما بعد العتق فتعذر الالحاق لعدم المساواة، هكذا ذكروا هنا وهذا مشكل جدا لان دين العبد إذا لزمه بسبب أذن فيه المولى يظهر في حق المولى ويطالب به في الحال، والمذكور ههنا أنه تزوجها بإذن المولى وإنما يستقيم هذا إذا كان التزوج بغير إذن المولى فلانه لا يظهر الدين في حق المولى فلا يلزمه المهر ولا قيمة الولد في الحال ويشهد لهذا المعنى ما سنذكره. والجواب أن المكاتب ثبت له حرية اليد والمأذون فك السيد حجره فثبت له ما يثبت للحر وأعطيناهما حكم الاحرار ولم يتضمن ما أذن فيه المولى النكاح فتوقف صحة ذلك على إذنه لانه التوقف للحل لا لان يضمن ذلك السيد لانهما صار فيه كالحر بخلاف مسألة البيع لان إذن السيد فيه تناول البيع ولو كان فاسدا فافترقا. قيد بقوله بزعمها لان المكاتب لو كان عالما بحال المرأة لا يصير معزورا بالاجماع. قال رحمه الله: (وإن وطئ أمة بشراء فاستحقت أو بشراء فاسد فردت فالعقر في المكاتبة) كما لو اشترى المكاتب أمة شراء فاسدا فوطئها ثم ردها بحكم الفساد على البائع وجب عليه العقر في الحال، وكذا العبد المأذون له في التجارة لان هذا من باب التجارة والتصرف تارة يقع صحيحا وتارة فاسدا، والكتابة والاذن ينتظمان البيع والشراء بنوعيهما فكانا مأذونين فيهما كالوكيل بهما فيظهر في حق المولى فيؤاخذ به في الحال. قال رحمه الله: (ولو بنكاح أخذ به مذ عتق) يعني لو تزوج المكاتب امرأة بغير إذن المولى فوطئها يؤاخذ بالعقر بعد العتق،

[ 91 ]

[ فصل ولدت مكاتبة من سيدها مضت على كتابتها أو عجزت وهي أم ولد وإن كاتب أم ] وكذا المأذون له في التجارة لان التزوج له ليس من الاكتساب ولا من التجارة لان الكتابة كالكفالة فلا يظهر في حق المولى فلا يؤاخذ به في الحال بخلاف الفصل الاول، وبخلاف ما إذا اشترى أمة فوطئها فاستحقت حيث يؤاخذ بالعقر في الحال وفيما نحن فيه وجب العقر باعتبار شبهة النكاح وذلك ليس من التجارة في شئ ولا من الكسب ولا يتناول الاذن ولا عقد الكتابة فيؤخر ما وجب فيه إلى ما بعد العتق لعدم ولاية التزامه بهذه الطريق. وفي الاصل: إذا وقع المكاتب على امرأة كان عليه الحد وهذا ظاهر، فإن ادعى شبهة فسقط عنه الحد فإذا سقط الحد وجب العقر كما في الحر ثم أخذ بهذا المهر في الحال ولا يتأخر إلى ما بعد العتق، وإن كانت مطاوعة لا يؤاخذ بالمهر للحال. ونظير هذا ما قالوا في المجنون إذا وقع على امرأة فوطئها فإن كانت مكرهة فإنه يجب عليه المهر، وإن كانت مطاوعة لا يجب عليه المهر. هذا إذا ادعى نكاحا وأنكرت فإن صدقته لا يؤاخذ بالمهر في الحال سواء كانت مكرهة أو مطاوعة. فصل ذكر هذه المسائل في فصل على حدة لاختصاصها بأحكام تخالف ما سبق. قال رحمه الله: (ولدت مكاتبة من سيدها مضت على كتابتها أو عجزت وهي أم ولد) لان المولى لما ادعاه صارت أم ولد منه فتلقاها جهتا حرية عاجلة ببدل وهي الكتابة وآجلة بغير بدل وهي أمومية الولد فتختار أيهما شاءت، ولا يحتاج إلى تصديقها لانها مملوكة له رقبة بخلاف ما إذا ادعى ولد جارية المكاتبة حيث لا يثبت نسبه من المولى إلا بتصديق المكاتبة لانه لا ملك له حقيقة في ملك المكاتبة وإنما له حق الملك فيحتاج فيه إلى تصديقها، فإذا مضت على الكتابة أخذت عقرها من سيدها، وإذا مات المولى عتقت بالاستيلاد وسقط عنها مال الكتابة لان العتق حصل لها بغير بدل بالاستيلاد. وقال تاج الشريعة: فإن قلت: ينبغي أن لا يسقط عنها لان الاكتساب تسلم لها وكذا أولادها التي اشتراها بعد الكتابة وهذا آية بقاء الكتابة قلنا: الكتابة تشبه المعاوضة وبالنظر إلى ذلك لا يسقط البدل وتشبه الشرط وبالنظر إليه يسقط. قلنا بسلامة الاكتساب عملا بجهة المعاوضة، وقلنا بسقوط البدل عملا بجهة الشرط، ورد بأنه قد تقرر مرارا أن العمل بالشبهين إنما يتصور فيما يمكن الجمع بين الجهتين وهنا ليس كذلك لان جهة كون الكتابة معاوضة تستلزم عدم سقوط البدل، وجهة كونه شرطا يستلزم السقوط والسقوط وعدمه متنافيان قطعا لا يمكن اجتماعهما في محل واحد وتنافي اللازمين يوجب تنافي الملزومين فلا يمكن اجتماعهما. والصواب في الجواب أنه إنما سلم لها البدل لان الكتابة

[ 92 ]

انفسخت في حق البدل وبقيت في حق الاكتساب والاولاد لان الفسخ للنظر لهما والنظر پفيما ذكرناه وإن ماتت وتركت مالا يؤدي كتابتها منه وما بقي لولدها ميراثا لانه ثبت عتقها في آخر جزء من أجزاء حياتها، وإن لم تترك مالا فلا سعاية على الولد لانه حر. وإن ولدت ولدا آخر لم يثبت نسبه من غير دعوى لحرمة وطئها عليه، وولد أم الولد إنما يثبت نسبه من غير دعوى إذا كان وطؤها حلالا، وإذا عجزت نفسها وولدت بعد ذلك ولدا في مدة يمكن العلوق بعد التعجيز يثبت نسبه من غير دعوى إلا إذا نفاه صريحا. ولو لم يدع الولد الثاني وماتت من غير وفاء سعى هذا الولد في بدل الكتابة لانه مكاتب تبعا لها، ولو مات المولى بعد ذلك عتق وبطل عنه السعاية لانه بمنزلة أم الولد. وأطلق في قوله مكاتبة فشمل ما إذا كانت مفردة بالعقد أو مكاتبة مع أخرى وما ذكره خاص بالاولى. قال في المحيط: رجل كاتب جاريتين مكاتبة واحدة ثم استولد أحدهما فالولد حر والام مكاتبة كما كانت ولا خيار لها لان الاستيلاد حصل في ملكه فعلق حرا. وإنما قلنا لا خيار لها لانه لا يمكن ردها إلى الرق بدون الاخرى، ولو ولدت إحداهما بنتا فاستولد المولى البنت صارت أم ولد له والولد حر بغير القيمة، وليس لها أن تعجز نفسها وتبطل الكتابة لانها تابعة لامها وإذا تعذر فسخ الكتابة تصير أم ولد له اه‍. فلو قال بعقد مفرد لسلم. وفي المبسوط: إذا ادعى المولى حبل المكاتبة فضرب إنسان بطنها بعد ذلك بيوم فألقت جنينا ميتا فإن في الولد غرة لابيه لانه عتق بدعوته فكان ميراثا له ولا ترث شييا ولكنها تأخذ العقر إن اختارت المضي على المكاتبة اه‍. فلو قال ولو ادعى حبلها فضرب آخر بطنها فألقت جنينا ميتا مضت إلى آخره. لكان أولى لانه يعلم حكم ما إذا ولدته فادعاه بالاولى. وفي المبسوط أيضا: ولدت مكاتبة من مولاها ثم أقر المولى أنها أمة لفلان لم يصدق وإن صدقته في ذلك لان حق أمومية الولد قد ثبت لها فلا يصدقان في إبطالها. فإن قال المدعي بعتها منك بألف ولم ينقد الثمن وقال المولى زوجتني والامة معروفة للمدعي فعلى المولى المهر لمستوفيه قصاصا من الثمن، وليس عليه قيمة في الام ولا في الولد وإن لم تكن معروفة أنها للمدعي ضمن القيمة، ألا ترى أنه لو أنكر البيع لم يتمكن من استردادها فيضمن قيمتها بعد أن يحلف بالله ما اشتراها منه بما يدعيه من الثمن اه‍. وقيد بقوله مكاتبة من سيدها ليحترز عن أمة المكاتب فإن صدقه ثبت النسب ويضمن قيمة الولد وتعتبر قيمته يوم الولادة. هذا إذا جاءت به لستة أشهر من حين اشتراها، فلو جاءت به لاقل فادعاه المولى لا تصح دعوته، وكذا إذا اشترى المكاتب غلاما من السوق لا تصح دعوته إلا بتصديق المكاتب عبد كاتبه وكاتب العبد أمة ثم ولدت المكاتبة ولدا فادعاه مولى المكاتب فالمسألة على وجوه: إما إن صدقاه في ذلك أو كذباه أو صدقه أحدهما وكذبه الآخر، فإن جاءت بالولد لستة أشهر فأكثر فصدقاه في ذلك أو صدقه المكاتب ثبت النسب منه، وإن كذباه في ذلك أو كذبته المكاتبة لا يثبت النسب، والعبرة هنا بتصديق المكاتبة دون

[ 93 ]

[ ولده أو مدبره صح وعتت مجانا بموته وسعى المدبر في ثلثي قيمته أو كل البدل بموته ] المكاتب، والعبرة فيما تقدم لتصديق المكاتب دون المكاتبة ويجب العقر لها. قال رحمه الله: (وإن كاتب أم ولده أو مدبره صح) لان ملكه ثابت في كل واحد منهما وإن كانت أم الولد غير متقومة عند الامام. وعقد إثبات هذه المكاتبة لها بالبدل ولان ملكه فيها محترم وإن لم يكن متقوما عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، فكان أخذ العوض عنه كالقصاص وعقد الكتابة ليرد على المملوك لحاجته إلى التوصل إلى ملك السيد في الحال والحرية في المآل وأم الولد في هذا لغيرها لانها مملوكة يدا ورقبة فإنها تملك ما يملكه المكاتب في الحال والمال وكسبها للولي. قال في الهداية: وتنافي بينهما لانها تلقاها جهتا حرية. قال صاحب الغياثية: لا يقال أحدهما يقتضي العتق ببدل والآخر بلا بدل والعتق لا يثبت لهما فكانا متنافيين لانا نقول: لا تنافي بينهما لكونهما جهتي عتق تلقاها على سبيل البدل، وعورض بأنه إن أراد الوحدة الشخصية فغير مسلم كيف وفي العتق بالكتابة تسلم لها الاكساب؟ وإن أراد النوعية فلا تنافي. وفي المحيط: ومن كاتب أم ولده على خدمتها أو رقبتها جاز فأراد بقوله على خدمتها ورقبتها أن تصير أحق بخدمتها أو رقبتها بأن كاتبها بألف على أن تصير أحق بخدمتها أو برقبتها فهو الصحيح لان ذكر الخدمة بدون المدة لا يصح. وكذا الرقبة لا يتصور أن تكون بدلا لان الشئ الواحد لا يصلح أن يكون بدلا ومبدلا، ولو وطئها بعدما كاتبها يجب العقر لان العقر والارش بمنزلة الكسب. قال رحمه الله: (وعتقت مجانا بموته) أي عتقت بموت المولى بغير شئ يلزمها وسقط عنها بدل الكتابة لانها عتقت بالاستيلاد وتسلم لها الاولاد والاكساب لانها عتقت وهي مكاتبة، وملكه يمنع من ثبوت ملك الغير فصار فيه كما إذا أعتقها المولى في حال حياته، ولئن انفسخت الكتابة في حقها بقيت الحرية في حق الاولاد والاكساب لان الفسخ للنظر والنظر فيما ذكرنا. ولو أدت البدل قبل موت المولى عتقت بالكتابة كبقائها إلى وقت الاداء، وبالاداء تقرر ولا يبطل. قال صاحب غاية البيان: ولقائل أن يقول: النظر في إيفاء حقها وحقها حصل لا في إبطال حق الغير لان الكسب حصل لها قبل موت المولى وكلامنا فيه ولم يعتق قبل موت المولى بل حينئذ فينبغي أن يكون الكسب للمولى لا لها. قال رحمه الله: (وسعي المدبر في ثلثي قيمته أو كل البدل بموته فقيرا) يعني لو مات من كاتبه ولا مال له غيره فهو بالخيار أن يسعى في ثلثي قيمته أو جميع بدل الكتابة وهذا عند الامام. وقال الثاني: يسعى في الاقل منهما. وقال الثالث: يسعى في الاقل من ثلثي قيمته وثلثي بدل الكتابة فالخلاف في الموضعين في الخيار وفي المقدار، وأبو يوسف مع أبي حنيفة مع المقدار ومع محمد في نفي الخيار، والكلام في الخيار مبني على تجزئ الاعتاق وعدمه، فعنده لما كان متجزئا بقي ما وراء الثلث عبدا وبقيت الكتابة فيه كما كانت قبل عتق الثلث فتوجه لعتقه جهتان: كتابة مؤجلة وسعاية معجلة فيتخير للتفاوت بين

[ 94 ]

[ فقيرا وإن دبرا مكاتبه صح وإن عجز بقي مدبر الوجود السبب الموجب له وإلا سعى في ثلثي قيمته أو ثلثي البدل بموته معسرا وإن أعتق مكاتبه عتق وسقط بدل الكتابة ] الامرين. وعندهما العتق لا يتجزي لانه عتق كله بعتق ثلثه فبطلت الكتابة فلم يثبت الخيار، والدليل ما مر في كتاب العتق. واعترض عليه بأن الاعتاق لما لم يتجزأ عندهما لما عتق ثلثه عتق كله فانفسخت الكتابة فوجبت السعاية في ثلثي قيمته لا غير. وأجيب بأنا قد حكمنا بصحة الكتابة نظرا لها فيقبضاها كذلك فلربما يكون لها أقل فيحصل النظر بوجوبه لها. وأما المقدار فعندهما لا يسقط عنه من بدل الكتابة شئ، وعند محمد يسقط عنه ثلثه لان الكتابة صادفت ثلثه وعتق ثلثه بالتدبير فيبطل ما بإزائه من البدل. ولهما أن المال قوبل بما تصح مقابلته به وبما لا تصح فانصرف كله إلى ما لا تصح والتدبير يوجب استحقاق ثلث رقبته لا محالة فلا يتصور استحقاقه بالكتابة، وهذا بخلاف ما لو دبر مكاتبته لان البدل هناك مقابل بكل الرقبة إن لم يستحق شئ من الرقبة عند الكتابة، فإذا أعتق بعض الرقبة نفذ ذلك بالتدبير وسقط حصته من بدل الكتابة بقدره، أما هنا فالكتابة وقعت بعد التدبير ومالية الثلث قد سقطت فكان البدل بأداء الثلثين ضرورة، وليس هذا كما إذا أدى في حياته لان استحقاق الثلث قد سقط بالتدبير. وفي المبسوط: لو كاتب عبده المأذون المديون فللغرماء بعضها لانها تضمنت إبطال حقهم، فإذا أخذ المولى الكتابة ثم علموا فلهم أخذها من المولى لانه كسب عبد مأذون مديون والغرماء أحق بإكسابه قبل الكتابة فكذا بعدها بخلاف ما لو ضرب على عبده المأذون المديون ضريبة مال صح، وما يأخذ المولى من الضربية مسلم له لان الضربية بدل المنفعة وللمولى أن يستوفي المنفعة بالاستخدام فكذا له الضريبة بدلا عنه. وإن بقي من دينهم شئ ضمن له المولى قيمته ويسعى في بقية دينهم ولا يرجع المولى على العبد بما أدى، وكذا لو قضى المولى دينهم جازت الكتابة ولم يرجع على العبد بما أدى من دينهم. أمة مأذونة في التجارة وعليها دين فولدت فكاتب السيد الولد وعتقه فللغرماء رد الكتابة وفي العتق يضمن المولى قيمة الولد. قال رحمه الله: (وإن دبر مكاتبه صح) لانه يملك تنجيز العتق فيملك التعليق بشرط وهذا التصرف نافع له لاحتمال أن يموت المولى قبل أداء بدل الكتابة فيعتق مجانا أو يعجز عن أداء بدل الكتابة فيبقى مدبرا. قال رحمه الله: (وإن عجز بقي مدبر الوجود السبب الموجب له) قال رحمه الله: (وإلا سعى في ثلثي قيمته أو ثلثي البدل بموته معسرا) يعني إن لم يعجز ومات المولى معسرا فهو بالخيار بين أن يسعي في ثلثي قيمته أو ثلثي بدل الكتابة عند الامام. وقالا: يسعى في الاقل منهما فالخلاف في الخيار مبني على تجزي الاعتاق وعدمه وقد مر بيانه. وأما المقدار هنا فمتفق عليه لان بدل الكتابة مقابل بكل الرقبة إن لم يستحق شئ من الحرية قبل ذلك فإذا عتق بعض الرقبة مجانا بعد ذلك سقطت حصته من بدل الكتابة بخلاف ما إذا تقدم

[ 95 ]

[ وإن كاتبه على ألف مؤجلة فصالحه على نصف حال صح مات مريض كاتب عبده على ] بالتدبير لانه سلم له تدبير الثلثين فيكون بدل الكتابة مقابلا لما لم يسلم وهو الثلث على ما بينا. قوله: (وإن أعتق مكاتبه عتق) لان ملكه قائم فيه وهو الشرط لنفوذ العتق. قال رحمه الله: (وسقط بدل الكتابة) لان التزمه ليحصل العتق وقد حصل بدونه وكذا المولى كان يستحقه مقابلا بالتحرير وقد فات ذلك بالاعتاق مجانا، والكتابة وإن كانت لازمة من جانب المولى لكنها تفسخ بالتراضي الاجماع وقد وجد من المولى بالاقدام على العتق ومن العبد بحصول غرضه بلا عوض. قال رحمه الله: (وإن كاتبه على ألف مؤجلة فصالحه على نصف حال صح) والقياس أن لا يجوز لانه اعتياض عن أجل وهو ليس بمال والدين مال ولهذا لا يجوز مثله بين الحرين ولا في مكاتب الغير وإن لم يجز كان ربا وذلك في عقد المعاوضة غير جائز، وعقد المكاتبة عقد معاوضة لا ينتقض بالمهر والطلاق المقابل وبالمال. وأجيب بأن ذلك على خلاف القياس بالنص، وكذا أن تقول قوله والدين مال منقوض بقوله لو حلف بأنه ليس له مال وله دين على ملي أو معسر لم يحنث إلا أن يقال ذلك في الايمان فتأمل. ووجه الاستحسان أن الاجل في حق المكاتب مال من وجه لانه لا يقدر على الاداء إلا به فأعطي له حكم المال وبدل الكتابة من وجه غير مال حتى لا تصح الكفالة به فاعتدلا بخلاف العقد بين الحرين لانه عقد من وجه فكان ربا، ولان الصلح أمكن جعله فسخا للكتابة السابقة وتجديد العقد على خمس مائة حالة. قال بعض الافاضل في قوله الاجل في حق المكاتب مال: فيه مناقشة ظاهرة إذ قد سبق أن الاستقراض جائز، وبهذا الاعتبار صحت الكتابة حالا. وأقول: هذه المناقشة إنما تظهر أن لو أرادوا نفي القدرة على الاداء إلا به نفي القدرة الممكنة وهي أداء ما يتمكن به من الاداء، وأما إذا أرادوا بذلك نفي القدرة الميسرة وهو ما يوجب اليسر على الاداء كما هو الظاهر فلا يكون للمناقشة مجال لظهور أن اليسر على الاداء لا يكون إلا بالاجل فتأمل. قال في المحيط: ولو صالحه من الكتابة على عين جاز لان بدل الكتابة منزلة الثمن والاستبدال بالثمن قبل القبض جائز ولا يشترط قبضها في المجلس - كذا في المنتقى عن محمد - لانهما افترقا عن عين بدين. ولو كاتبه على وصف أبيض فصالحه على وصفين أبيضين يدا بيد جاز لانه صالحه على دين بعين فيجوز، ولو استأجر المولى مكاتبه بما عليه سنة بخدمه صحت الاجارة وعتق العبد للحال لان مولاه ملك بدل الكتابة بالتعجيل فبرئت ذمته عنه، فإن خدمه المكاتب شهرا ثم مات انقضت الاجارة وبرئ المكاتب من صحة ما خدم والباقي دين عليه اه‍. فروع: إذا اختلف المولى والعبد فقال العبد كاتبتني على ألف وقال على ألفين، أو اختلفا في جنس المال القول قول العبد مع يمينه وعلى المولى البينة، وإذا جعل القاضي القول قول العبد مع يمينه وألزمه المال وأقام المولى البينة بعد ذلك على ألفين لزمه ألفان ويسعى فيهما،

[ 96 ]

[ ألفين إلى سنة وقيمته ألف ولم تجز الورثة أدى ثلثي البدل حالا والباقي إلى أجله أورد ] وإن لم يقم البينة فأدى الالف وعتق ثم أقامها بعد ذلك ففي الاستحسان عتق وعليه ألف أخرى. وفي الظهيرية: ولو أقاما البينة فالبينة بينة المولى لانها تثبت الزيادة لان المكاتب إذا أدى مقدار ما أقام به البينة يعتق. وفي الولوالجية: ولو ادعى كتابة فاسدة والآخر جائزة فالقول قول من يدعي الجائزة والبينة بينة من يدعي الفاسدة، وفي الذخيرة: إذا ادعى المكاتب أنها وقعت فاسدة بأن قال كاتبتني على ألف ورطل خمر وأنكر المولى ذلك القول قول المولى ويلزم المكاتب الكتابة، وكان ينبغي أن لا يقضي بجواز الكتابة بقول الآمر لان للمكاتب أن يعجز نفسه ويفسخ الكتابة ألا ترى إلى ما ذكر في الشهادة إذا قام المولى البينة على العبد أنه كاتبه بألف وأنكر العبد ذلك فالقاضي لا يقضي بينة المولى، وجواب ما ذكر هنا محمول على الرواية التي تقول إنه ليس للمكاتب أن يعجز نفسه من غير قضاء القاضي. قال رحمه الله: (مات مريض كاتب عبده على ألفين إلى سنة وقيمته ألف ولم تجز الورثة أدى ثلثي البدل حالا والباقي إلى أجله أورد رقيقا) يعني المريض إذا كاتب عبده على ألفين إلى سنة وقيمته ألف درهم فمات المولى ولا مال له غيره فإنه يؤدي ثلثي الالفين حالا والباقي إلى أجله أو يرد رقيقا، وهذا عند الامام وأبي يوسف. وقال محمد: يؤدي ثلثي الالف حالا والباقي إلى أجله أو يرد رقيقا لان للمولى أن يترك الزيادة بأن يكاتبه على قيمته فكان له أن يؤخر الزيادة وهي ألف درهم بطريق الاولى فصار كما لو خالع المريض امرأته على ألف إلى سنة جاز، وإن لم يكن له مال آخر فصار كله مؤجلا كما مر في باب الخلع. ولهما أن جميع المسمى بدل الرقبة حتى جرى عليها أحكام الابدال من الاخذ بالشفعة وغيرها، وحق الورثة متعلق بالمبدل كله فكذا بالبدل بخلاف الخلع لان البدل فيه لا يقابل المال وإن لم تتعلق الورثة بالمبدل فكذا لا تتعلق بالبدل. وحاصله أن المحاباة بالاجل فيعتبر في جميع الثمن وصية من الثلث عندهما، وعنه الاجل فيما زاد على القيمة يصح من رأس المال ويعتبر في قدر القيمة من الثلث. قيدنا وقيمته ألف لانه لو كان بالعكس ففي العتابية: وإن كاتبه على ألف إلى سنة وقيمته ألفان ولم تجز الورثة أدى ثلث القيمة حالا أورد رقيقا في قولهم جميعا لان المحاباة في القدر وهو إسقاط ألف درهم والتأخير وهو تأجيله الالف فلم يصح تصرفه في ثلثي القيمة لا في الاسقاط ولا في حق التأخير اه‍. وفي المحيط: مريض كاتب عبده على قدر قيمته فمات ولا مال غيره يقال عجل لي ثلثي البدل والثلث مؤجلا كما هو، فإن لم يفعل يرد في الرق. وفيه أيضا: لو كاتب عبده في الصحة ثم أقر في مرضه باستيفاء بدلها فصدق لان حق الورثة لم يكن متعلقا بالعقد فصح إقراره بالاستيفاء كما لو باع أجنبيا في الصحة في ثم أقر باستيفاء الثمن في المرض، ولو كان عليه دين محيط لم يقبل في شئ ويعتق العبد يزعمه ويؤخذ بالكتابة، ولو قال إن مت فكاتبوا هذا العبد تصح الوصية لانه يملك عتقه فيملك

[ 97 ]

الايصاء، ومن كاتب عبده في مرضه ولا مال له غيره فأجازه الورثة في حياتهم فلهم الابقاء بعد موته. ولو كاتب عبده في صحته على ألف وقيمته خمسمائة فأعتقه عند الموت ولم يقبض شيئا حتى مات سعى في ثلثي قيمته عندهما وتبطل الكتابة. وقال الامام: يسعى في ثلثي قيمته وإن شاء سعى في ثلثي ما عليه من الكتابة، فإن قبض المولى خمسمائة ثم أعتقه في مرضه، فإن كان المقبوض هالكا لم يحسب له شئ مما أدى وصار مال الكتابة ما بقي فيسعى في ثلثي كتابته لان ثلثي كتابته وثلثي ما بقي من كتابته سواء. وعندهما يسعى في ثلث قيمته، ولو أدى المكاتب المائة ثم أعتقه في مرضه سعى في ثلثي المائة بالاجماع اه‍. وفي شرح الطحاوي: من أعتق مكاتبه وهو مريض ينظر، إن كان يخرج من الثلث عتق مجانا، وإن كان لا يخرج من الثلث ولم تجز الورثة ينظر إلى ثلثي قيمته وإلى ثلثي بدل الكتابة وله الخيار يسعى في أيهما شاء عند الامام. وظاهر قوله عبده أن ملكه كامل له وإنما باشر العقد بنفسه ليحترز عما إذا كان بين صحيح ومريض. قال في المحيط: وإن كان العبد بين رجلين مرض أحدهما وكاتبه الصحيح بإذنه جاز وليس للوارث إبطاله، وكذا إذا أذن له في القبض وقبض بدل الكتابة ثم مات المريض لم يكن للوارث أن يأخذ منه شيئا. وفي الجامع: مكاتب أقر لمولاه في صحته بألف درهم وقد كان المولى كاتبه على ألف وأقر المكاتب في صحته لاجنبي بألف درهم فمرض المكاتب وفي يده ألف فقضاها المولى من المكاتب فمات من ذلك المرض وليس له مال غيرها فالالف تقسم بين المولى والاجنبي على ثلاثة أسهم: سهمان للمولى وسهم للاجنبي. ولو أن المكاتب أدى الالف إلى المولى من الدين الذي أقر به ثم مات فالاجنبي أحق بهذه الالف وبطل دين المولى ومكاتبته، وإن مات عن غير وفاء فرد في الرق ومات على ملك المولى ويبطل دين المولى وكتابته، ولو لم يقبض المولى الالف ومات وتركها فهي للاجنبي. ولو ترك المكاتب ابنا ولد له في الكتابة فالاجنبي أحق بهذه الالف أيضا ويبيع المولى ابن المكاتب بالدين والمكتابة، وإذا أدى الابن الكتابة والدين لا ينقض القضاء للاجنبي. ولو أن رجلا كاتب عبده على ألف درهم في صحته وأقرضه أجنبي ألف درهم ثم مرض المكاتب وأقرضه المولى ألف درهم بمعاينة الشهود فسرقت من المكاتب وفي يد المكاتب ألف درهم أخرى فقضاها المولى فالمولى أحق بها من الاجنبي بخلاف ما لو اشترى المكاتب في مرضه عبدا من المولى بألف درهم ولرجل أجنبي على المكاتب ألف فهلك العبد وفي يد المكاتب ألف درهم لا غير فقضاها المولى من ثمن العبد فمات المكاتب من مرضه ذلك ولم يترك وفاء، فما قبض المولى من ثمن العبد لا يسلم للمولى، وإن كان البيع وقبض الثمن بمعاينة الشهود فيسترد الالف ويدفع إلى الاجنبي. والفرق أن صورة القرض المماثلة ظاهرة فيقدم المولى ولم تظهر في صورة البيع فقدم الاجنبي فتأمل. وفيه أيضا: كاتب عبده على ألفين وله ابنان حران وهما وارثاه فمرض المكاتب وأقر لاحد الابنين بألف درهم وأقر للمولى بدين ألف درهم فمات

[ 98 ]

[ رقيقا وإن كاتبه على ألف إلى سنة وقيمته ألفان ولم تجز الورثة أدى ثلثي القيمة حالا وإلا رد رقيقا حر كاتب عن عبد على ألف وأدى عتق وإن قبل العبد فهو مكاتب وإن ] وترك ألفي درهم فامولى أحق بالالفين يستوفي أحدهما من الكتابة والاخرى من الدين، فإن ترك أقل من الالفين يبدأ بدين الابن اه‍. والفرق هو أنه إذا ترك ألفين أمكن تصوره بعد موته حرا نظرا إلى صورة المؤدي، وإن اختلف بوجه الدفع فقدم المولى لانه عقد الكتابة على صورة ألفين بخلاف ما إذا ترك الاقل لم يمكن ذلك فقدم الابن فتأمل. قال رحمه الله: (وإن كاتبه على ألف إلى سنة وقيمته ألفان ولم تجز الورثة أدى ثلثي القيمة حالا وإلا رد رقيقا) وهذا بالاجماع وقد تقدم بيانه. قال رحمه الله: (حر كاتب عن عبد على ألف وأدى عتق وإن قبل العبد فهو مكاتب) اختلف الشارحون في صورتها قال بعضهم: قال حر لمولى العبد كاتب عبدك على ألف درهم على أني إن أديت لك ألفا فهو حر فكاتبه المولى على هذا يعتق بأدائه بحكم الشرط، فإذا قبل العبد صار مكاتبا يعني هذا العقد له جهتان نافذ في حق ما ينتفع العبد وهو أن يعتق عند أداء الشرط وموقوف على إجازة من له الاجازة فإذا قبله صار مكاتبا لان الاجازة في الانتهاء كالاذن في الابتداء. وقال بعضهم صورتها: أن يقول كاتب عبدك على ألف درهم ولم يقل على أني إن أديت لك ألف درهم فهو حر، فإذا أدى لا يعتق قياسا لان العقد موقوف والموقوف لا حكم له ولم يوجد التعليق، وفي الاستحسان يعتق. وجه الاستحسان أنه لا ضرر على العبد في عتقه بأداء الاجنبي ولا يرجع الدافع على العبد لانه حصل له مقصوده وهو عتق العبد، وقيل يرجع على المولى ويسترد ما أداه إن أداه بضمان لان ضمانه كان باطلا كما لو ضمن في الصحيحة فإنه يرجع بما أدى فهذا أولى، وإن أداه بغير ضمان لا يرجع لانه تبرع به. هذا إذا أدى عنه بدل الكتابة كلها، وإن أدى عنه البعض فله أن يرجع سواء أداه بضمان أو بغير ضمان لانه لم يحصل له غرضه وهو العتق فكان حكم الاداء موقوفا فيرجع، ولو أدى قبل إجازة العبد ثم أجاز ليس له أن يرجع سواء أدى البعض أو الكل إلا إذا أداه عن ضمان لان الضمان فاسد فيرجع بحكم فساده. فإن قيل: ما الفرق بين هذا وبين البيع فإن بيع الفضولي لا يتوقف على إجازة المجيز فيما له وفيما عليه وهنا لم يتوقف فيما له. والجواب أن ما له هذا إسقاط محض وهو لا يتوقف على القبول. وفي الشارح: ولو قال العبد لا أقبل فأدى عنه الاجنبي الذي كاتب عنه لا يجوز لانه ارتد برده، ولو ضمن الرجل لم يلزمه شئ لان الكفالة ببدل الكتابة لا تجوز. وفي المحيط: ولو كان هذا العبد ابنا لهذا القائل وكذا لو كان ابن صغير عبدا لرجل واحد فكاتبه عن أبيه لم يجز لانه لا ولاية له على ابنه الصغير إذا كاتب عبدا للغير وإن أدى عتق العبد في الفصول كلها لانا اعتبرنا الكتابة نافذة في حق ما له. وفي التتارخانية: رجل كاتب عبد الغير بأمر صاحب العبد على ألف درهم ثم حط عنه خمسمائة فبلغ المولى فأجاز فالكتابة بخمسمائة، ولو

[ 99 ]

[ كاتب الحاضر والغائب وقبل الحاضر صح وأيهما أدى عتقا ولا يرجع على صاحبه ] كان وهب له الالف ثم بلغ المولى فأجاز فالهبة باطلة. ولو أن رجلا كاتب عبدالغير بغير إذنه على ألف درهم فأدى العبد الالف إليه ثم بلغ المولى فأجاز الكتابة جازت الكتابة ولا يجوز الدفع ولا يعتق بذلك الدفع، فإن أجاز المولى الكتابة والدفع فذلك جائز في قول أبي يوسف ويعتق المكاتب بدفعه، ولا تجوز إجازة القبض في قول الامام، وما اكتسبه بعد الكتابة قبل الاجازة فذلك للمكاتب على كل حال اه‍. وفي شرح الطحاوي: ولو كان لرجل عبد غائب فخاطب رجل مولاه فقال كاتب عبدك الغائب على ألف فهذا على وجهين: إما أن يشترط الضمان أو لم يشترط، أما إذا لم يضمن فالكتابة جائزة ويتوقف على إجازة العبد، فإن أجازه جاز ولزمه الالف، وإن رده بطل، فلو أن هذا الرجل أدى قبل أن يجيز العبد وقبل أن يفسخ جاز وعتق العبد، وليس له أن يسترد ذلك في الاستحسان اه‍. قال رحمه الله: (وإن كاتب الحاضر والغائب وقبل الحاضر صح) يعني إذا كاتب عبدين أحدهما حاضر والآخر غائب بأن قال العبد لمولاه كاتبني بألف عن نفسي وعن فلان الغائب فكاتبهما فقبل الحاضر جاز. وفي المحيط: ولو كاتب عبدا حاضرا وآخر غائبا وقبل الحاضر جاز استحسانا اه‍. فظهر أنه لا فرق في البداية بين أن تكون من السيد أو من العبد. والقياس أن يصير الحاضر مكاتبا وحده لانه عقد الكتابة على نفسه وعلى الغائب فينفذ عليه ويتوقف في حق الغائب على أجازته كما إذا باع ماله ومال غيره أو كاتب عبده وعبد غيره، وجه الاستحسان أن المولى خاطب الحاضر قصدا وجعل الغائب تبعا له والكتابة على هذا الوجه مشروعة كالامة إذا كوتبت دخل في كتابتها ولدها المولود في الكتابة أو المشتري فيها أو المضموم إليها في العقد تبعا لها حتى يعتقوا بأدائها وليس عليهم شئ من البدل، ولان هذا تعليق العتق بأداء الحاضر والمولى ينفرد به في حق الغائب فينفذ من غير توقف ولا قبول من الغائب كما لو كاتب الحاضر بألف ثم قال إن أديته إلي ففلان حر فإنه يصح من غير قبول الحاضر فكذا هذا، فإذا أمكن جعل الغائب تبعا استغنى عن شرط رضاه وينفرد به الحاضر ويطالب الحاضر بكل البدل، ولا عبرة بإجازة الغائب ولا رده ولا يؤاخذ الغائب بالبدل ولا بشئ منه. ولو اكتسب شيئا ليس للمولى أن يأخذه من يده، ولو أبرأه المولى أو وهب له مال الكتابة لا يصح لعدم وجوبه عليه، ولو أبرأ الحاضر أو وهبه مال الكتابة عتقا، ولو أعتق الغائب سقط عن الحاضر حصته بخلاف الولد المولود في الكتابة حيث لا يسقط عن الام شئ من البدل بعتقه، وكذا ولدها المشتري. ولو أعتق الحاضر لم يعتق الغائب وسقط عن الحاضر حصته من البدل ويؤدي الغائب حصته حالا أو يرد رقيقا لان الاجل لم يثبت في حق الغائب. وفي المحيط: وإن مات الغائب لم يدفع عن الحاضر شئ. وذكر عصام لا يبيع الغائب ما لم يعجز الحاضر اه‍. قال رحمه الله تعالى: (وأيهما أدى عتقا) أي أيهما أدى بدل

[ 100 ]

[ بشئ ولا يؤاخذ الغائب بشئ وقبوله لغو وإن كاتب الامة عن نفسها وعن ابنين صغيرين لها صح وأي أدى لم يرجع. ] الكتابة عتقا لوجود شرط عتقهما ويجبر المولى على القبول، أما إذا دفع الحاضر فلان البدل عليه، وأما إذا دفع الغائب فلانه ينال به شرف الحرية فيجبر المولى على القبول لكونه مضطرا كما إذا أدى ولد المكاتبة فإنه يجبر على القبول وإن لم يكن البدل عليه، وكمعير الرهن إذا دفع الدين إلى المرتهن يجبر على القبول لحاجته إلى استخلاص حقه وإن لم يكن عليه دين. وفي الميحط: ولو كاتب عبدين كتابة واحدة فارتد أحدهما قيل لا يعتق الحي ما لم يؤد جميع الكتابة كما لو مات أحدهما حتف أنفه أو قتل وإن ترك المقتول كسبا في ردته أخذ المولى منه جميع البدل وعتقا لان كسبه تعلق به حق الورثة فلم يصر فيئا، وإذا التحق بدار الحرب أخذ الحاضر بجميع البدل ويرجع على المرتد بحصته إذا عاد. قال رحمه الله: (ولا يرجع على صاحبه بشئ) يعني لا يرجع واحد منهما بما أدى من البدل على الآخر، أما الحاضر فلانه قضى دين نفسه، وأما الغائب فلكونه أدى بغير أمره وليس بمضطر فيه لانه يطلب نفعا مبتدأ بخلاف معير الرهن فلانه مضطر من جهته قال في المحيط: كاتب عبدين على ألف منجمة كتابة واحدة فزاد أحدهما مائة درهم ولم يقبل الآخر الزيادة فإنه يلزم الزائد نصف الزيادة ويكون عليه حالا ويعتقان بأداء الالف لان الزيادة لم تلتحق بأصل العقد لان الكتابة المنجمة تعليق والتعليق لا يحتمل التغير فإذا أدى أحدهما لا يرجع بها على الآخر لانه تبرع. ولو زاد أحدهما مائة وضمها فالزيادة كلها عليه نصفها بالاصالة ونصفها بالكفالة. قال رحمه الله: (ولا يؤاخذ الغائب بشئ) يعني لا يطالب المولى الغائب ببدل الكتابة لانه لا دين عليه لانه لم يلتزم له بشئ وإنما دخل في الكتابة تبعا فصار نظير ولد المكاتبة. قال رحمه الله: (وقبوله لغو) يعني قبول الغائب ورده لغو لان الكتابة قد نفذت وتمت من غير قبوله فلا يعتبر بعد ذلك قبوله لا رده كمن كفل دينا عن غيره بغير أمره فبلغه فإجازته باطلة ولا يتغير حكمه حتى لو أدى لا يرجع. قال رحمه الله: (وإن كاتب الامة عن نفسها وعن ابنين صغيرين لها صح) وهذا استحسان، والقياس أن لا يجوز وقد ذكرنا وجهه في مسألة الغائب لان هذه مثلها في جميع ما ذكرنا من الاحكام لما أن الام والاب الرقيق لا ولاية له على ولده فيكون دخول الوالد في كتابتهما بالشرط لا بالولاية كدخول الغائب في كتابة الحاضر وقبول الاولاد وردهم لا يعتبر. وفي المحيط: كاتب عبده وامرأته على أنفسهما وأولادهما الصغار، ثم إن إنسانا قتل الولد فقيمته للابوين ولو غاب الاب فأراد المولى استسعاء الولد في شئ من الكتابة لم يكن له ذلك ولا سبيل للابوين على كسب الولد لانه مكاتب أصلا بخلاف المولود في الكتابة لانه دخل تبعا فكان كسبه تبعا. ويدفع حصته عن الابوين إن أعتقه السيد، وإن مات الابوين أدى حالا

[ 101 ]

[ باب كتابة العبد المشترك عبد لهما إذن أحدهما لصاحبه أن يكاتب حصته بألف ويقبض بدل الكتابة فكاتب وقبض بعضه فعجز فالمقبوض للقابض أمة بينهما كاتباها فوطئها أحدهما فولدت فادعاه ] وإلا رد في الرق إن وقعت الكتابة وهو كبير، وإن وقعت وهو صغير يسعى على نجومهما فيثبت الاجل في حقه تبعا لهما ولا كذلك الكبير اه‍. وذكر الام مثال وليس بقيد. قال في المحيط: كاتب عبده على نفسه وولده الصغير جاز استحسانا، وإن رد في الرق رد الولد في الرق، وإن مات الاب سعى الاولاد، وإن كانوا صغارا عاجزين ردوا في الرق لتحقق العجز عن الاداء، فإن قالوا نسعى لا يلتفت إلى قولهم، ولو لم يعجزوا وسعى بعضهم وأدى لم يرجع على إخوته بشئ لانه أدى عن أبيه لا عن إخوته، فإن ظهر للمكاتب مال لم يكن له أن يأخذ ما أدى لانه أدى ما لم يكن مطالبا بأدائه وللمولى أخذ كل واحد منهما بأداء جميع بدل الكتابة لانه قائم مقام أبيه، وإن أعتق المولى بعضهم رفعت حصته عن الباقين ولو كانوا كبارا فكاتبه على نفسه وعليهم بغير إذنهم وادي عتقوا ولا يرجع عليهم كما ذكرنا في الصغار اه‍. قارحمه الله: (وأي أدى لم يرجع) لما ذكرنا في مسألة الغاثب، ولو أعتق الام بقي عليهم من بدل الكتابة بحصتهم يؤدونها في الحال بخلاف المولود في الكتابة والمشتري حيث يعتق بعتقها ويطالب المولى الام بالبدل دونهم، ولو أعتقهم سقط عنها حصتهم وعليها الباقي على نجومها وليس له أن يبيعهم، ولو أبرأهم عن الدين أو وهبهم لا يصح ولها يصح ويعتقون معها لما ذكرنا في كتابة الحاضر مع الغائب والله تعالى أعلم. باب كتابة العبد المشترك لما فرغ من كتابة عبد غير مشتر ك شرع في كتابة العبد المشترك لان الاصل عدم الاشتراك، قاله في غاية البيان. وقال أكثر الشراح: ذكر كتابة الاثنين بعد كتابة الواحد لان الاثنين بعد الواحد. قال رحمه الله: (عبد لهما إذن أحدهما لصاحبه أن يكاتب حصته بألف ويقبض بدل الكتابة فكاتب وقبض بعضه فعجز فالمقبوض للقابض) يعني إذا كان العبد بين اثنين إذن أحدهما لصاحبه إن يكاتب حظه. وتعبير المؤلف بقوله لهما أولى من تعبير صاحب الهداية حيث قال بين رجلين لان المثنى يستوي فيه المذكر المؤنث فيشمل ما إذا كان بين رجلين أو امرأتين أو رجل وامرأة. وقال في العناية: وفائدة الاذن أن لا يكون له حق الفسخ كما يكون له إذا لم يأذن. وفي الاصل: وعامة المشايخ لم يشترطوا لصحة الفسخ القضاء أو الرضا، والامام العلامة نجم الدين النسفي شرط له القضاء أو الرضا اه‍. وهذا هو قول الامام. وقالا: هو مكاتب لهما والمقبوض بينهما، وأصله أن الكتابة تتجزى عند الامام، وعندهما لا تتجزى كما ذكر في الاعتاق. وفي الشارح: وفائدة إذنه بالقبض أن ينقطع حقه

[ 102 ]

فيما قبضه ويختص به القابض لان إذنه بالقبض إذن لعبده بالاداء إليه إلا إذا نهاه قبل الاداء فيصح نهيه لانه تبرع لم يتم بعد اه‍. وجه قول الامام أن المكاتب نصف كسبه له فإذا أذن للمكاتب أن يصرفه بدينه صح إذنه وتم بقضاء دينه به فكان المقبوض للقابض، فإن عجز المكاتب لا يرجع الآذن بذلك وإن لم يحصل مقصوده وهو الحرية لان المتبرع عليه هو العبد، ولو رجع يرجع على العبد والمولى لا يستوجب على عبده دينا بخلاف ما إذا تبرع شخص بقضاء الثمن ثم استحق أو هلك قبل القبض أو انفسخ البيع أو تبرع بقضاء مهره وحصلت الفرقة من جهة المرأة حيث يرجع بالمهر والثمن لان ذمة البائع والمرأة صلحت لوجوب الدين المتبرع عليها فأمكن الرجوع. ولو كان الشريك بالاذن مريضا وأدى من كسبه قبله صح من الثلث لانه تبرع بعين ما له وفي الاول بالمنافع فالمتبرع بالمنافع يعتبر من جميع المال وبالعين من الثلث. وجه قولهما أن الاذن بكتابة نصيبه إذن بكتابة كله فإذا كاتبه صار كله مكاتبا نصيبه بالاصالة ونصيب شريكه بالوكالة فهو مكاتب لهما والمقبوض بينهما. قيد بقوله إذن لانه لو كاتبه بغير إذن شريكه صار نصيبه مكاتبا وللساكت أن يفسخ بالاجماع قبل أن يؤدي بدل الكتابة دفعا للضرر عن نفسه بخلاف ما إذا باع نصيبه حيث لا تفسخ لانه لا ضرر فيه لانه لم يخرج نصيبه من يده وبخلاف العتق وتعليق العتق بالشرط حيث لا يفسخ لانه لا يقبل الفسخ. وفي العتابية: اعترض بأن الكتابة إما أن يعتبر فيها معنى المعاوضة أو معنى الاعتاق أو معنى تعليق العتق بأداء المال، ولو وجد شئ من ذلك من أحد الشريكين بغير إذن شريكه ليس للآخر ولاية الفسخ فمن أين ذلك في الكتابة؟ وأجيب بأن الكتابة ليست عينا لكل واحد منهما وإنما يشتمل عليها فيجوز أن يكون فيها ولاية الفسخ لمعنى يوجبه وهو إلحاق الضرر، ولو أدى بدل الكتابة عتق نصيبه خاصة عند الامام لما مر، وللساكت أن يأخذ من الذي كاتبه نصف ما قبض لانه كسب عبد مشترك بينهما ثم ينظر، إن كاتب كله بألف لم يرجع على المكاتب بشئ مما أخذه منه شريكه لانه مسلم له بدل نصيبه، وإن كاتب نصيبه فقط بألف رجع على المكاتب بما أخذه منه شريكه لان الكل كان بدل نصيبه ولم يسلم له بعضه فيرجع عليه به. وعندهما بالاداء عتق كله ورجع الساكت على شريكه إن كان موسرا وإلا فعلى العبد كما لو أعتقه وله أن يأخذ نصف ما بقي من الاكساب لانه كسب عبد مشترك، ولو كاتبه الساكت بمائة دينار بعد الاول صار مكاتبا لهما. أما عند الامام فظاهر لانها تتجزى، وأما عندهما فلان الساكت كان له أن يفسخ فإذا كاتبه كان فسخا منه في نصيبه وأيهما قبض شيئا من بدل نصيبه لا يشاركه الآخر فيه وتعلق نصيب كل واحد منهما بجميع بدل الكتابة المسمى في كتابته، فإن أدى لهما معا فالولاء لهما عندهم، وإن قدم أحدهما صار كمكاتبهما أعتقه أحدهما عتق نصيبه عند الامام ويبقى نصيب صاحبه مكاتبا ولا ضمان ولا سعاية إلا أن يعجز المكاتب فيخير الساكت بين تضمين المعتق

[ 103 ]

[ ثم وطئ الاخر فولدت فادعاه فعجزت فهي أم ولد للاول ويغرم لشريكه نصف قيمتها ونصف عقرها وضمن شريكه عقرها وقيمة الولد وهو ابنه وأي دفع العقر إلى المكاتبة ] الاعتاق واستسعاء العبد إن كان المعتق موسرا وإن كان معسرا بين الاعتاق والاستسعاء. وعند الثاني يضمن المعتق إن كان موسرا ويستسعي العبد في نصف قيمته إن كان معسرا، وعند الثالث يضمن الاقل من قيمة نصيبه ومن بدل الكتابة في اليسار ويسعى في الاعسار. وإن كاتباه كتابة واحدة لا يعتق بإداء نصيب أحدهما إليه ويعتق بإعتاقه وإبرائه وهبة نصيبه لانه لم يبق له قبله حق فيكون حكمه حكم المسألة الاولى في التضمين والسعاية والعتق والاختلاف فيها. وباستيفاء نصيبه لم يبرأ لان المقبوض حقهما ولهذا يرجع عليه شريكه به فلا يعتق حتى يؤدي الكل وحكمه ظاهر، وفي المحيط: وإن كاتب نصيبه بغير إذن شريكه فلم يعلم شريكه حتى كاتب نصيبه بإذن الاول ثم علم فليس له الفسخ لان حق الفسخ إنما يثبت للساكت لدفع الضرر عنه والضرر هنا يندفع بالفسخ لانه يبقى نصيبه مكاتبا وما يأخذه أحدهما بعد هذا يسلم له لا يشاركه صاحبه فيه ونصيب كل واحد منهما مكاتب كتابة على حدة، وإذا كاتب كله بإذن شريكه إلى أن قال فوهب له نصف بدل الكتابة لم يعتق نصيبه، ولو وهب جميع نصيبه عتق نصيبه. والفرق أن بدل الكتابة دين واحد فمتى وهب النصف مطلقا ينصرف إلى النصف شائعا من النصيبين فلا تقع البراءة للعبد عن جميع حصته وإنما تقع البراءة عن نصف حصته، ومتى وهب حصته وحصته لا تحتمل إلا نصيبه خاصة فيبرأ العبد عن جميع حصته فيعتق بخلاف سائر الديون إذا وهب أحد الشريكين نصف الدين مطلقا ينصرف إلى نصيبه لان الدين ثمة وجب بإيجابه، وبخلاف ما لو باع أحد الشريكين جميع العبد ثم وهب النصف حيث ينصرف إلى نصيبه خاصة لان إيجاب نصيب شريكه لم يصح في حقه فصار وجود الايجاب في نصيب شريكه وعدمه بمنزلة واحدة اه‍. قيد بقوله ويضمن لانه لو لم يأذن بالقبض قال في التتارخانية: كاتب نصيبه بإذن شريكه ولم يأذن له بالقبض، فعلى قول الامام الجواب فيه كما إذا لم يأذن له أن يكاتب نصيبه في جميع ما ذكرنا من الاحكام إلا في فصلين: أحدهما لا يكون للآذن تضمين المكاتب أن يفسخ الكتابة في نصيب المكاتب، والثاني أنه متى أدى عتق نصيب المكاتب. وأما على قولهما فقد صار العبد مكاتبا بينهما اه‍. قال رحمه الله: (أمة بينهما كاتباها فوطئها أحدهما فولدت فادعاه ثم وطئ الآخر فولدت فادعاه فعجزت فهي أم ولد للاول ويغرم لشريكه نصف قيمتها ونصف عقرها وضمن شريكه عقرها وقيمة الولد وهو ابنه) وهذا قول الامام. وعندهما هي أم ولد للاول وهي مكاتبته كلها وعليه نصف قيمتها لشريكه عند الثاني، وعند الثالث الاقل من نصف القيمة ومن نصف ما بقي من بدل الكتابة، ولا يثبت نسب الولد الآخر من الآخر ولا يكون له الولد بالقيمة ويغرم العقر لها، وهذا الاختلاف مبني على تجزئ الاستيلاد في المكاتبة فعنده يتجزئ،

[ 104 ]

وعندهما لا يتحزئ، واستيلاد القنة لا يتجزئ بالاجماع واستيلاد المدبرة يتجزئ بالاجماع، فإذا عرف هذا فنقول عنده: إذا ادعى أحدهما الولد صحت دعوته في نصيبه وهي تكفي لصحة الاستيلاد وصار نصيب أم ولده له ولم يتملك نصيب صاحبه فيبقى نصيب الآخر مكاتبا على حاله. وقالا: يتملك نصيب صاحبه وصارت كلها أم ولد له لان الاستيلاد يجب تكميله ما أمكن لكونه قابلا للنقل وقد أمكن هنا كما في الامة المشتركة لان الكتابة تحتمل الفسخ والاستيلاد لا يحتمل فرجحنا الاستيلاد فكملناه وفسخنا الكتابة في حق التمليك والكتابة تنفسخ فيما لا يتضرر به المكاتب وتبقى فيما وراءه لهذا جاز عتقه في الكفارة بخلاف ما إذا استولد مدبرة مشتركة فإنه لا يكمل ويقتصر على نصيبه لانه لا يملك تمليكها إذ التدبير يمنع النقل. وللامام أن الاستيلاد يقبل التجزئ إذا وقع في محل لا يقبل النقل كالمدبرة بين اثنين إذا استولدها أحدهما فإنه يتجزئ ويقتضي الاستيلاد على نصيبه والكتابة عقد لازم كالتدبير، فإذا جاءت بولد بعد ذلك وادعاه الآخر ادعى نسب وولديه له نصفها فتصح دعوته ويثبت نسبه منه، فإذا عجزت بعد ذلك جعل كأن الكتابة لم تكن وتبين به أن الامة كلها أو ولد للاول لان المقتضي للتكميل قائم والمانع من التكميل الكتابة وقد زالت فيعمل المقتضي عمله من وقت وجوده فيضمن للآخر نصف قيمتها لانه يتملك نصيبه لتكميل الاستيلاد ونصف عقرها وضمن الآخر قيمة الولد والولد حر بالقيمة لكونه وطئ أمة الغير فلزمه كمال العقر. قال في العناية: ينبغي أن لا يضمن شريكه قيمة الولد عند الامام لان حكم الولد حكم أمه ولا قيمة لام الولد عنده فكذا لابنها. وأجيب بأن هذا على قولهما، أما على قول الامام فليس عليه ضمان قيمة الولد وليس هذا الجواب بشئ ا ه‍. ولا يخفي أن قوله فكاتباها ليس بقيد احترازي لانه لو كاتبها أحدهما فولدت فادعاه فالحكم كذلك عندهما. قال في المحيط: ولو كاتب نصيبه بغير إذن شريكه ثم علقت منه فهي أم ولد له وهي مكاتبة على حالها عندهما لان كلها صارت أم ولد له ويتملك نصيب شريكه بالضمان لان الكتابة لا تتجزئ عندهما فيضمن نصف قيمتها أو نصف عقرها لشريكه ونصف عقرها لها. واختلف على قول الامام قيل لا يصير الكل أم ولد لان الاستيلاد لم يفد حق العتق في نصيب المستولد للحال فلا يضمن شييا لشريكه ويضمن جميع العقر للمكاتبة، وقيل يصير الكل أم ولد له لان الاستيلاد في نصيبه عامل للحال لقيام ملكه فيه فيمتلكه المستولد فيضمن نصف قيمتها ونصف العقر لشريكه ونصفه للمكاتبة، ولو وطئها الذي لم يكاتب فعلقت به فهي أم ولده والمكاتبة جائزة ولا يتملك نصيب المكاتب بالاستيلاد عنده. وقيل: ينبغي أن تنفسخ الكتابة بنفس الاستيلاد. وعندهما يتملك نصيب صاحبه مكاتبة لان كلها صار مكاتبا بكتابة الاول وصارت كلها أم ولد، ولو كاتبها بغير إذن شريكه واكتسبت مالا وأدت فعتقت ثم اكتسبت مالا ثم حضر غير المكاتب فله نصف كسبها قبل أداء البدل وكسبها بعد الاداء لها. وعندهما

[ 105 ]

[ صح وأن دبر الثاني ولم يطأها فعجزت بطل التدبير وهي أم ولد للاول وضمن لشريكه نصف قيمتها ونصف عقرها والولد للاول وأن كاتباها فحررها أحدهما موسرا فعجزت ] هي حرة فيكون لها وتأخذ نصف المؤدي من المكاتب. ولو ولدت المكاتبة بنتا فولدت البنت ولدا فادعاه أحدهما صح الاستيلاد منه، فإن عجزت المكاتبة صارت البنت أم الولد للواطئ ويضمن لشريكه نصف قيمتها يوم علقت لان بعجز الام صارت قنة فيمتلكها المستولد من وقت العلوق، فإن لم تعجز وأعتق الشريك الآخر البنت بعد العلوق صح ولا سعاية عليها وولدها حر عند الامام، وعندهما إن أدت البنت عتقت ولا ضمان ولا سعاية، وإن عجزت البنت فالام فالبنت كأم الولد بين شريكين أعتقها أحدهما مكاتبة بينهما ولدت فأعتق أحدهما الولد عتق نصيبه، وإن أعتق الام عتق نصفه الآخر تبعا للام، وإن عجزت فلشريكه في الولد الخيارات الثلاث. مكاتبة بينهما ولدت بنتا فعلقت منهما ثم ماتا عتقت البنت وحدها والام مكاتبة على حالة، ولو كانت الام هي التي ولدت منهما فماتا عتقت ولدها، وإن عجزت ثم ولدت منهما فالولد الاول رقيق لان الكتابة انفسخت بالعجز في حقهما وصارا قنين ثم صارت أم ولد والاول من فصل فلا يسري حق الحرية ا ه‍. قال رحمه الله: (وأي دفع العقر إلى المكاتبة صح) يعني وأي دفع العقر إلى المكاتبة جاز لانه حقها حال قيام الكتابة فإذا عجزت ترده إلى المولى. قال في العناية. يعني إذا دفع قبل العجز وهذا قول الامام، وعندهما صارت أم ولد للاول ولزمه كل المهر لان الوطئ في دار الاسلام لا يخلو عن الضمان الجائز أو الحد الزاجر وانتفى الحد للشبهة فيجب العقر، ولو عجزت فردت في الرق ترد إلى المولى لظهور اختصاصه بها اه‍. وفي المبسوط: كاتب جاريته ثم مات عن ابنين فاستولدها أحدهما فهي بالخيار إن شاءت عجزت نفسها وهي أم ولد له ويضمن نصف قيمتها ونصف عقرها لشريكه، وإن شاءت مضت على كتابتها وأخذت عقرها وسقط الحد لشبهة حق الملك. قال رحمه الله: (وإن دبر الثاني ولم يطأها فعجزت بطل التدبير وهي أم ولد للاول) وهذا بالاجماع. أما عندهما فلان المستولد يملكها قبل العجز، وأما عنده فلانه بالعجز ظهر أن كلها أم ولد للاول وأنه لم يكن له فيها ملك كما مر والملك شرط لصحة التدبير بخلاف ثبوت النسب لان الملك من حيث الظاهرب كاف، ولهذا لو اشترى أمة فدبرها ثم استحقت بطل التدبير، ولو استولدها فاستحقت لم يبطل وكان الولد حرا بقيمته فكذا هنا وهي أم ولد للاول لانه يملك نصيب شريكه ويكمل الاستيلاد للامكان. قال رحمه الله: (وضمن لشريكه نصف قيمتها) لانه يملك نصفها بالاستيلاد على ما بينا قبل ذلك. قال رحمه الله: (ونصف عقرها) لانه وطئ جارية مشتركة بينهما فيجب عليه العقر بحسابه وقد بيناه من قبل. قال رحمه الله: (والولد للاول) لان دعواه قد صحت على ما مر وهذا بالاجماع وهذا متكرر مع قوله وهي أم ولد. وأجيب بأن ذلك في ذات الامة وهذا في الاولاد فلا

[ 106 ]

[ ضمن لشريكه نصف قيمتها ورجع به عليها عبد لهما دبره أحدهما ثم حرره الاخر موسرا للمدبر أن يضمن المعتق نصف قيمته. ] تكرار. واعترض باختلاف الموضوع بأن هذا يوهم أن الثاني وطئ وادعى والموضوع خلافه فلو قال وتم الاستيلاد للاول لسلم. قال رحمه الله: (وإن كاتباها فحررها أحدهما موسرا فعجزت ضمن لشريكه نصف قيمتها ورجع به عليها) وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: لا يرجع المعتق عليها ويستسعيها الساكت إن كان المعتق معسرا، والاصل في هذا أن الاعتاق لا يتجزئ عندهما والكتابة لا تمنع العتق فعتقت كلها للحال وانفسخت الكتابة، فالحكم عندهما ما تقدم. ومن أصل الامام أن العتق عنده يتجزئ فجاز إعتاق النصف فلا يؤثر الفساد في نصيب الساكت فلا يضمن العتق قبل العجز لعدم ظهور أثر الاعتاق فيها، فإذا عجزت ظهر أثر العتق وكان للساكت الخيارات المذكورة في العتق وهي إن كان موسرا فله أن يعتق أو يستسعي أو الضمان، فإذا ضمن كان للمعتق أن يرجع على العبد، وإن كان المعتق معسرا كان له خيار العتق أو الاستسعاء على ما بينا في العتق، وعلى هذا الخلاف لو دبرها واستولدها فإذا عجزت ظهر أثرهما فيضمن قيمتها موسرا كان أو معسرا لان هذا ضمان تملك. وعندهما لا يتجزئان فصارت كلها أم الولد أو مدبرة ويضمن لشريكه نصف قيمتها في الحال موسرا كان أو معسرا لانه ضمان تملك فلا يختلف بين اليسار والاعسار ويضمن العقر في الاستيلاد. قال رحمه الله: (عبد لهما دبره أحدهما ثم حرره الآخر موسرا للمدبران يضمن المعتق نصف قيمته) وهذا عند الامام. ووجهه أن التدبير يتجزئ عنده فيقتصر التدبير على نصيب المدبر لكن يفسد به نصيب الآخر فيثبت خيار التضمين أو الاعتاق أو الاستسعاء على ما عرف من مذهبه، فإذا أعتق لم يبق له خيار التضمين والاستسعاء فيقتصر على نصيبه لانه يتجزئ عنده لكن يفسد نصيب الآخر فله أن يضمنه نصيبه وله خيار العتق والاستسعاء، فإذا ضمنه يضمنه قيمة نصيبه مدبرا وقد عرف قيمة المدبر في بابه وإذا ضمنه لا يتملكه بالضمان لانه لا يقبل النقل من ملك إلى ملك كما إذا غصب مدبرا وأبق وضمن الغاصب قيمته فإنه لا يتملكه كذا هذا. قيد بقوله ثم حرره الآخر فعلم أنه قن لانه لو لم يكن قنا قال في المحيط: مكاتب بين رجلين دبر أحدهما صار الكل مدبرا له وهو مكاتب له عندهما ويمتلكه بالقيمة للشريك موسرا كان أو معسرا، لان التدبير لا يتجزئ عندهما فتدبيره لا في نصيب شريكه، فإذا تملكه يتملك بضمان القيمة وضمان القيمة لا يختلف باختلاف اليسار وإلاعسار. واختلفوا أنه يضمن قيمته مكاتبا أو قنا، قيل يغرم نصف قيمته قنا لانه تنفسخ الكتابة في نصيب شريكه لان فسخ الكتابة لا يتجزئ، وقيل يضمن قيمته مكاتبا لان الفسخ إنما لا يحتمل التجزئ لضرورة تضاد الاحكام في محل واحد وذلك لا يوجد هنا فإن الكل قد صار مدبرا من جهة المدبر. وعند أبي حنيفة التدبير يتجزئ فيصير نصفه مدبرا فقد اجتمع في النصف سببا الحرية

[ 107 ]

[ وإن حرره أحدهما ثم دبره الاخر لا يضمن المعتق. باب موت المكاتب وعجزه وموت المولى مكاتب عجز عن نجم وله مال سيصل لم يعجزه الحاكم إلى ثلاث أيام وإلا عجزه ] الكتابة والتدبير، وفي النصف سبب واحد وهو الكتابة فإذا أدى عتق، فإن مات المدبر عتق. وعندهما في الكل اجتمعا سببا الحرية الكتابة والتدبير، لان من قال تنفسخ يقول بالفسخ في حق التملك لضرورة صحة التدبير فلا يظهر الفسخ في حق حكم آخر وهو العتق بأداء بدل الكتابة، ولا يخفي أن هذه المسألة تتكرر مع قوله عبد لموسرين دبر أحدهما وحرر الآخر ومثل هذا لا يليق بهذا المختصر. وأيضا محل هذه المسائل باب العتق فتدبره. وفي المحيط: أنت تكاتب بألف يا فلان ويا فلان فالكتابة والقبول للاول، ولو قال أنت تكايب يا فلان وفلان بألف فالكتابة والقبول للثاني. قال رحمه الله: (وإن حرره أحدهما ثم دبره الآخر لا يضمن المعتق) لان المدبر كان له الخيارات السابقة فإذا دبره لم يبق له خيار التضمين وبقي خيار العتق والاستسعاء وهذا عند الامام. وعندهما تدبير الثاني باطل لان الاعتاق لا يتجزئ عندهما فيعتق كله فلم يصادف التدبير الملك ويضمن قيمته إن كان موسرا لان هذا ضمان إعتاق فيختلف بين اليسار والاعسار والله تعالى أعلم. باب موت المكاتب وعجزه وموت المولى تأخير باب أحكام هذه الاشياء ظاهر التناسب لان هذه الاشياء متأخرة عن عقد الكتابة فكذا بيان أحكامها. قال رحمه الله: (مكاتب عجز عن نجم وله مال سيصل لم يعجزه الحاكم إلى ثلاث أيام) نظرا للجانبين والثلاثة هي المدة التي ضربت لامهال الاعذار كإمهال الخصم للدفع والمدين للقضاء فلا يزاد عليه. قال صاحب العناية: والمدين بالجر عطفا على كإمهال. أقول: هذا بحسب الظاهر غير صحيح قطعا لانا لا نشك أن المديون معطوف على الخصم والمعنى وكإمهال المديون لاجل القضاء ويقبل قوله في الامهال بمجرد قوله. قال في البدائع: فإن عجز عن نجم فإن كان له مال حاضر أو غائب بأن قال لي مال على إنسان أو قال يجئ في القافلة يمهله القاضي إلى الثلاثة أيام إذ انتظار المدة مندوب. قال في البدائع: ينتظر يومين أو ثلاثة استحسانا والواجب لا يجبر فيه، ولا يخفي أن النجم هو الطالع وسمي به الوقت المضروب ثم سمي به ما يؤدى من الوظيفة. قال رحمه الله: (وإلا عجزه وفسخها أو سيده برضاه) يعني إذا لم يكن له مال سيصل في ثلاثة أيام فسخ القاضي الكتابة أو فسخ المولى برضا المكاتب وهذا عند الامام ومحمد. وقال أبو يوسف: لا يعجزه حتى يتوالا عليه نجمان لقول علي رضي الله تعالى عنه: إذا تولى على المكاتب نجمان يرد في الرق. والامر فيما لا

[ 108 ]

[ وفسخها أو سيده برضاه وعاد أحكام الرق وما في يده لسيده وإن مات وله مال لم ] يدرك بالقياس كالخبر ولانه عقد إرفاق حتى كان التأجيل فيه سنة. ولهما ما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه فسخها بعجز المكاتب عن نجم ورده إلى الرق. والاثر فيه كالمرفوع. وما رواه عن علي: لا ينفي الفسخ إذا عجز عن نجم بل هو سكوت عنه. وأفاد بقوله أو سيده برضاه أن الكتابة لازمة من جانب المولى غير لازمة من جانب العبد، فلو أراد العبد أن يعجز نفسه ويفسخ الكتابة وأبى المولى ذلك فللعبد ذلك في الرواية الصحيحة، والرواية الثانية أنها لازمة من جانب العبد أيضا فليس له أن يفسخها بغير رضا المولى. والمراد بقوله فسخها يعني الحاكم يحكم بعجزه لانه واجب عند طلب المولى وله ولاية ذلك وإن لم يرض العبد فلا بد من القضاء كالرد بالعيب. وظاهر قوله مكاتب عجز عن نجم صادق بما إذا كاتبه وحده أو مع غيره وليس كذلك بل هو خاص بما إذا كاتبه وحده. قال في المحيط: ولو كاتب عبدين كتابة واحدة فعجز أحدهما فرده القاضي في الرق والقاضي لا يعلم بمكاتبة الآخر معه ثم أدى الآخر الكتابة عتقا جميعا لانه لم يصح رد الاول في الرق ما دام الآخر قادرا على أداء بدل الكتابة، ولهذا لو علم القاضي بكتابة الآخر لا يرد حتى يجتمعا، ولو كاتب الموليان عبدا لهما كتابة واحدة فعجز لم يرد في الرق حتى يجتمع الموليان لانه إذا غاب أحدهما كان الفسخ في نصيب الآخر متعذرا، ولو مات المولى عن ورثة فلبعضهم الرد في الرق بقضاء وليس له ذلك بغير قضاء لان بعض الورثة ينتصب خصما عن الميت فيما له وفيما عليه. وفي المحيط: كاتب عبديه كتابة واحدة فارتد أحدهما ولحق بدار الحرب فعجز الحاضر لم يرده القاضي في الرق وإن رده لم يكن ردا للآخر حتى لو رجع مسلما لم يرد إلى مولاه، فلو قال في كتابة واحدة لكان أولى ا ه‍. قال رحمه الله: (وعاد أحكام الرق) يعني إذا عجز عاد إلى أحكام الرق لان الكتابة قد انفسخت وفك الحجر كان لاجل عقد الكتابة فلا يبقى بدون العقد، ولا يخفي أن المؤلف قال وعاد أحكام الرق ولم يقل عاد إلى الرق لانه فيه باق. قال رحمه الله: (وما في يده لسيده) لانه ظهر أنه كسب عبده إذا كان موقوفا عليه أو على المولى على تقدير الاداء كان له وعلى تقدير العجز كان للمولى وقد تحقق العجز فكان لمولاه. قال رحمه الله: (وإن مات وله مال لم تفسخ) وهذا قول ابن مسعود وبه أخذ علماؤنا. وقال زيد بن ثابت: تنفسخ الكتابة بموته وبه أخذ الامام الشافعي. له أن العقد لو بقي لبقي لتحصيل العتق بالاداء وقد تعذر إثباته فبطل، وهذا لان العتق لا يخلوا إما أن يثبت العتق قبل الموت أو بعده مقتصرا أو مستندا لا وجه إلى الاول لعدم شرطه وهو الاداء والشئ لا يسبق شرطه، ولا إلى الثاني لان الميت ليس بمحل لنزول العتق عليه لان العتق إثبات قوة الميت وهو لا يتصور في المالكية بخلاف ما إذا مات المولى لانه ليس بمعقود عليه بل عاقد والعقد يبطل بموت المعقود عليه لا بموت العاقد، ولان المولى يصلح أن يكون معتقا بعد الموت كما

[ 109 ]

[ تفسخ وتؤدي كتابته من ماله وحكم بعتقه في آخر حياته وإن ترك ولدا في كتابته ] إذا قال أنت حر بعد موتي. ولنا أن الكتابة عقد معاوضة لا تنفسخ بموت أحد المتعاقدين وهو المولى فلا ينفسخ بموت الآخر وهو العبد كالبيع، ولان قضية المعاوضة المساواة فإذا بقي العقد بعد موت المولى لحاجته إلى الولاء وغيره جاز أن يبقى بعد موت العبد لحاجته إلى الحرية ليتوصل إلى حرية أولاده، ولو مات عاجزا تفسخ الكتابة، ولو قذفه إنسان بعد الاداء يلزمه الحد، وقيل الاداء لا يلزمه الحد لان العتق ثبت مستندا إلى آخر جزء من أجزاء حياته فلا يظهر الاستناد في حق هذا الحكم. قال رحمه الله: (وتؤدى كتابته من ماله) يعني يؤدي من خلفه فيكون أداء الخليفة كأدائه بنفسه. فإن قيل: الاداء فعل والاستناد يكون في أحكام الشريعة قلنا: نعم لكن فعل الثابت مضافا إلى حسي الثبوت وهذه الاضافة شرعية ألا ترى أن من رمى صيدا فمات قبل أن يصيبه ثم أصابه صار مالكا له حتى يورث عنه والمالك ليس بأهل لكن لما صح السيب والملك يثبت بعد تمام السبب وتمامه بالاضافة إليه وهو ليس أهلا له ثبت الملك من حين الامكان وهو آخر جزء من أجزاء حياته فكذا هنا. وفي الاصل: إذا مات المكاتب عن وفاء وعليه ديون لاجنبي سوى بدل الكتابة وله مال يوفي وله وصايا يبدأ من تركته بدين الاجنبي ثم بدل الكتابة وتبطل وصاياه، وما بقي يقسم بين ورثته، وإن لم يبق بعد قضاء الدين شئ يبدأ ببدل الكتابة ولا يبدأ بالدين، وإن لم يترك مالا إلا دينا على الناس فاستسعى المولود في الكتابة فعجز يرد في الرق فإذا خرج الدين بعد ذلك فذلك للمولى ا ه‍. قال رحمه الله: (وحكم بعتقه في آخر حياته) بأن يقام الترك الموجود منه في آخر حياته مقام التخلية بين المال والمولى وهو الاداء المستحق عليه وما بقي فهو لورثته. قال في نوادر بشر عن الثاني: مات مكاتب عن وفاء وله أولاد أمته فمات بعض قبل الاداء فأدى ما عليه وبقي مال فهو ميراث ولا يرث الابن الميت وما تركه الابن الميت فهو لامه وإخوته، ولو كان الولد معه في عقد الكتابة ثم مات بعد أبيه ثم أديت الكتابة لم يرث أباه. وفي نوارد ابن سماعة عن محمد: مكاتب مات وترك ابنا ولد له في الكتابة وترك ألفي درهم دينا على الناس فاكتسب الابن ألف درهم وأداها في كتابة أبيه ثم خرج دين الاب وله أخ فإن الالفين ميراث بينهما ولا يرجع الابن بما أدى في الالفين، وإن لم يؤد الابن ذلك من ماله فله أن يؤدي ذلك من مال الاب. وفي المنتقى: مكاتب مات وله دين على الناس وله مولود في الكتابة يسعى في الكتابة على نجومها. وله ابنان حران أيضا ثم مات أحد الابنين الحرين ثم خرج ما للمكاتب على الناس فأديت من ذلك بدل الكتابة فالفاضل بين الولد الحر والمولود في الكتابة ويرث الابن الحر أخاه الذي مات بعد موت الاب، والابن المولود في الكتابة لا يرث من أخيه الذي مات بعد موت الاب. وفي التتارخانية: مات الرجل عن مكاتبه وله ورثه ذكور وأناث ثم مات المكاتب عن وفاء يؤدي من ذلك بدل الكتابة ويكون بين الورثة الذكور والاناث،

[ 110 ]

[ ولا وفاء سعى كأبيه على نجومه فإن أدى حكم بعتقه وعتق أبيه قبل موته ولو ترك ] وما فضل بعد ذلك وليس للمكاتب وارث فهو للذكور من ورثة المولى دون الاناث. وفي المحيط: مات المكاتب عن وفاء يبدئ بالذين ثم ببدل الجناية ثم ببدل الكتابة ثم بمهر امرأة تزوجها بغير إذن مولاه ثم الباقي ميراث بين أولاده الدين عتقوا بعتقه والذين كانوا أحرارا قبله لان الديون متى اجتمعت يبدئ بالاقوى، ودين المداينة أقوى من دين الجناية لانه عوض من كل وجه، ودين الجناية عوض من وجه لان مبدله ليس بمال ولهذا لا يملك قبل القبض، ودين الجناية أقوى من بدل الكتابة لانه لا يسقط بالعجز، ودين الكتابة أقوى من دين المهر لانه وجب بإذن السيد والمهر وجب بعقد محجور عليه. وإن مات عن وفاء دين المولى يبدئ بدين المولى ثم بالكتابة والباقي ميراث، فإن لم يوف بالدين والكتابة بدأ بالكتابة لانه إذا بدأ بها يموت حرا والولد المولود في الكتابة والولد المكاتب معه كتابة واحدة سيأتي في الارث لانهما يعتقان معه في آخر جزء من أجزاء حياته، فإن كان الولد منفردا بالكتابة فأدى بعد موت الاب بعد قضاء مكاتبه الاب أو قبله لم يرث لانه كان عبدا يوم مات الاب فلم يعتق بعتقه، وإنما عتق بعد موت أبيه. كاتب عبدا مشتركا بغير إذن شريكه فمات العبد وترك كسبا فقد مات عاجزا عند الامام لان نصفه يصير مكاتبا فلا سبيل لواحد منهما على كسبه. وعندهما كله مكاتب ويكون كل الكسب ملكا له فيؤدي من كسبه ويضمن المكاتب نصف قيمته لشريكه ا ه‍. قال رحمه الله: (وإن ترك ولدا ولد في كتابته ولا وفاء سعى كأبيه على نجومه فإن أدى حكم بعتقه وعتق أبيه قبل موته) وظاهر إطلاق المتن أنه لا فرق بين ما إذا ولد في كتابته من أمته أو أمة الغير، وظاهر العلة تقييده بالاول لان الولد دخل في كتابته وكسبه له فيخلفه في الاداء وصار أداؤه كأداء أبيه فجعل كأنه ترك وفاء مع الولد. والظاهر من قوله يسعى أن الولد المولود فيها لا بد أن يكون قادرا على السعي وليس كذلك. قال في الكافي: لو كاتب أمته على أنه بالخيار ثلاثة أيام فولدت في مدة الخيار وماتت وبقي الولد يبقي خياره وعقد الكتابة عند الامام والثاني، وله أن يجيزها، وإذا أجاز يسعى الولد على نجوم الام وإذا أدى عتقت الام في آخر جزء من أجزاء حياته وعتق ولدها وهذا استحسان، وعند الثالث تبطل الكتابة ولا يصح إجازة المولى وهو القياس. وفي المحيط: ولو ترك أم ولده معها ولد لا تباع واستسعت في الكتابة على نجوم المكاتب وإن لم يكن معها ولد باعها عند الامام لان حرية أو الولد لاجل الولد فإذا لم يكن ولد تباع. وعندهما لا تباع وتبؤدي بدل الكتابة بعد موت المكاتب كما لو كان معها ولد. ولو حل على أولاده المولودين في الكتابة نجم ولم يؤدوا وبعضهم غائب لم يرد الحاضر في الرق حتى يرجع الغائب لان الفسخ على الحاضر فسخ على الغائب وقد تعذر في حق الغائب فتعذر في حق

[ 111 ]

[ ولدا مشتري عجل البدل حالا أو رد رقيقا وأن اشترى ابنه فمات وترك وفاء ورثه ابنه وكذا لو كان هو وابنه مكاتبين كتابة واحدة وأن ترك ولدا من حرة ودينا فيه وفاء ] الحاضر أيضا. وفي الولوالجية: وإذا مات المكاتب عن ولد مولود في الكتابة وولد مشتري معها فعندهما يسعيان في نجوم الام فما اتصل في يد كل واحد منهما بعد موت الام فهو له خاصة، وعند الامام المولود يسعى على نجوم الام ويؤدي بدل الكتابة وهو المطالب ويسعى الولد المشتري ويأخذ من كسبه ويؤجره بأمر القاضي، وما فضل يكون ميراثا عن الام فيكون بينهما. وفي الاصل: الولد المولود في الكتابة يسعى في ديون الاب. قال رحمه الله: (ولو ترك ولدا مشتري عجل البدل حالا أو رد رقيقا) وظاهر إطلاق المتن أنه لا فرق في المشتري بين أن يكون ولد بعد الكتابة أو قبلها وسيأتي البيان، وهذا عند الامام. وعندهما يسعى على نجومه كالمولود في الكتابة لانه صار بمنزلته حتى جاز للمولى إعتاقه كما يجوز إعتاق المكاتب بنفسه بخلاف سائر أكساب المكاتب فإنه لا يملك إعتاقه. وللامام أن الاجل يثبت بالشرط في العقد فيثبت في حق من دخل تحت الكتابة والمشتري لم يدخل تحت العقد لانه لم يضف إليه العقد ولم يسر حكمه إليه لكونه منفصلا وقت الكتابة، وأورد عليه أنه قد مر في أول فصل المكاتب أن المكاتب إذا اشترى أباه أو ابنه دخل في كتابته، وأيضا لو لم يسر حكمه إليه لما عتق عنده بأداء بدل الكتابة حالا. وأجيب أن المراد بدخول الولد المشتري في كتابه أبيه ليس لسراية حكم عقد الكتابة الذي جرى بين المكاتب ومولاه إليه بل يجعل المكاتب مكاتبا لولده باشترائه اياه تحقيقا للصلة وبأن عتق الولد المشتري عنده بأداء بدل الكتابة حالا ليس لاجل السراية أيضا بل لضرورة المكاتب إذا ذاك بمنزلة من مات عند وفاء، وقد أفصح عنه في الكافي حيث قال: وكان ينبغي أن يباع بعد موته لفوات المتبوع ولكن إذا عجل وأعطى من ساعته صار كأنه مات عن وفاء بخلاف المولود في الكتابة لانه من مائه بعد الكتابة. قال رحمه الله: (وإن اشترى ابنه فمات وترك وفاء ورثه ابنه) لانه لما أدى بدل الكتابة حكم بعتقه في آخر جزء من أجزاء حياته فيتبعه ولده في ذلك فيكونان حرين فظهر أنه مات حر عن ولد حر وقد بيناه. قال رحمه الله: (وكذا لو كان هو وابنه مكاتبين كتابة واحدة) لانهما صارا كشخص واحد فإذا حكم بعتق أحدهما في وقت يعتق الآخر في ذلك الوقت ضرورة اتحاد العقد على ما بيناه فيصير حرا، مات عن ابن حر، ولو مات المكاتب وترك ثلاثة أولاد حر ومولود في الكتابة ومكاتب معه بعقد واحد ووصيا ترثه أولاد لما ذكرناه وبينا ويملك الوصي بيع العروض دون العقار والدراهم والدنانير لان بيع العروض من باب الحفظ دون العقار والدراهم والدنانير. ولو مات الابن قبل أداء الكتابة لا يرثانه لان أرثه ليس من حقوق كتابة أبيه فلا يظهر الاستيلاد في حقه.

[ 112 ]

[ بكاتبته فجنى الولد فقضى به على عاقلة الام لم يكن ذلك قضاء بعجز المكاتب وإن اختصم موالي الام وموالي الاب في ولائه فقضى به لموالي الام فهو قضاء بالعجز وما أدى المكاتب من الصدقات وعجز طاب لسيده وأن جنى عبد فكاتبه سيده جاهلا بها ] قال رحمه الله: (وإن ترك ولدا من حرة ودينا فيه وفاء بكاتبته فجنى الولد فقضى به على عاقلة الام لم يكن ذلك قضاء بعجز المكاتب) لان القضاء بموجب الجناية على موالي الام لان المكاتب وإن ترك مالا وهو الدين لا يحكم بعتقه إلا عند أداء بدل الكتابة فكانت الجناية عليهم، فإذا قضى به القاضي عليهم كان القضاء تقريرا للكتابة فتبقى الكتابة على حالها، فإذا أدى بعد ذلك بدل الكتابة عتق الكاتب وظهر للابن ولاء في جانب الاب فينجر إليه ولاؤه. ولانه فرع ظهور العتق وكانوا مضطرين فيما علقوا فلهم الرجوع بذلك على موالي الاب ولا يرجعون بذلك على ولي الجناية. قال رحمه الله: (وإن اختصم موالي الام وموالي الاب في ولائه فقضى به لموالي الام فهو قضاء بالعجز) لانه إذا كانت الخصومة في نفس الولاء بأن مات الولد بعد موت الاب قبل خروج الدين وقضى بميراثه لمولى الام بطلت الكتابة لان القاضي يقضي بكون الولاء لمولى الام لان الخصومة وقعت في الولاء ومن ضرورة القضاء فسخ الكتابة لان الولاء من جانب الام لا يثبت إلا إذا تعذر إثباته من جانب الاب، وإنما يتعذر بفسخ الكتابة لانها لو كانت باقية يمكن أن يثبت من جانبه بالاداء، ولو خرج الدين بعد ذلك يكون لمولى المكاتب ميراثا عن عبده لان صيانة القضاء عن الانتقاض واجب بالاجماع، وفسخ الكتابة بعد موت المكاتب مختلف فيه فكان فسخ الكتابة أولى من نقض القضاء لان القضاء بالفعل لا ينفسخ وبالقضاء ظهر العجز مطلقا حتى لو ظهر مال مقدار البدل وأخذه المولى لا يكون بدلا عن الكناية بخلاف ما قبل القضاء. قال في المحيط: وإذا مات المكاتب عاجزا وترك ولدا حرا فظهر للمكاتب وديعة أديت منها كتابته ولا يتحول ولاء الولد إلى مولي الاب لان المودع أقر بشيئين، أقر بأنه ملك المكاتب، وأقر أن ولاءه تحول، فإقراره على نفسه صحيح فيصدق فيه، وإقراره بتحول الولاء إلى غيره لا يصدق فيه، ألا ترى أن المولى لو أقر أنه استوفى منه بدل الكتابة قبل موته لا يصدق في حق تحول الولاء إلى موالي الاب فكذا هنا. وأما إذا مات لا عن وفاء ولا ولد فاختلفوا في بقاء الكتابة، قال الاسكافي: تنفسخ حتى لو تطوع له إنسان بأداء بدل الكتابة عنه لا تقبل منه. وقال أبو الليث: لا تنفسخ ما لم يقض القاضي بعجزه حتى لو تطوع إنسان عنه قبل القضاء بالفسخ جاز ويحكم بعتقه في آخر جزء من أجزاء حياته. قال رحمه الله: (وما أدى المكاتب من الصدقات وعجز طاب لسيده) لان الملك يتبدل وتبدل الملك كتبدل العين فصار كعين أخرى وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في حق بريره: هي لها صدقة ولنا هدية، حين أهدي إليها وكانت مكاتبة. فإن قيل: إن ملك الرقبة كان للمولى فكيف يتحقق تبدل الملك؟ قلنا: ملك الرقبة مغلوبا في مقابلة ملك اليد حتى لو

[ 113 ]

[ فعجز دفع أو فدى وكذا إن جني مكاتب ولم يقض به فعجز فإن قضى عليه في ] كان للمكاتب أن يمنع المولى من التصرف في ملكه ولم يكن للمولى أن يمنع المكاتب من التصرف وبالعجز ينعكس الحال وليس هذا إلا تبدل الملك للمولى ولئن كان فلا يسلم مثله بمنزلة تبدل العين فصار كالفقير يموت عن صدقة أخذها يطيب ذلك لوارثه الغني لما ذكرنا، وكذا إذا استغنى الفقير يطيب له ما أخذ من الزكاة، وكذا ابن السبيل إذا وصل إلى بلده وفي يده مال من الصدقة لان المحرم عليه ابتداء الاخذ لما فيه من الذل فلا يرخص من غير ضرورة. ولو أباح الفقير للغني أو الهاشمي عين ما أخذ من الزكاة لم يحل له لان الملك لم يتبدل، ولك أن تقول المحرم ابتداء الاخذ إلى آخره. فعلى هذا لو أباح الفقير للغني أو الهاشمي ينبغي أن يطيب له لانه لم يوجد منهما ابتداء الفعل المحرم المقترن بالاذلال. قلنا: إن لم يوجد منهما الاخذ من يد المتصدق وجد منهما الاخذ من يد الفقير فقد تحقق في حقهما سبب الخبث، ولك أن تقول ليس المحرم نفس الاخذ فقط بل نفس الاخذ المقرون بالاذلال فينبغي أن لا يكون خبيثا، ونظيره المشتري شراء فاسدا لا يطيب بالاباحة ولو ملكه يطيب، ولو عجز المكاتب قبل الاداء إلى المولى يطيب للمولى عند محمد لان المولي يملك ما في يده ملكا مبتدأ حتى تنتقض إجارته، وعند أبي يوسف لا يطيب له لانه إذا عجز لا يملك المولى إكسابه ملكا مبتدأ أو إنما له فيه نوع ملك فيتأكد بالعجز ولم يتجدد له ملك، ولهذا لا ينتقض إجارته بالعجز كما في العقد المأذون إذا حجر عليه، والصحيح أنه يطيب له بالاجماع لما ذكرنا أن المحرم ابتداء الاخذ ولم يوجد من المولى الاخذ ا ه‍. قال رحمه الله: (وإن جنى عبد فكاتبه سيده جاهلا بها فعجز دفع أو فدى) يعني المولى بالخيار إن شاء دفع العبد وإن شاء فداه بالارش لانه لو كاتبه وهو لا يعلم بالجناية لزمه قيمته لانه لم يصر مختارا للفداء بالمكاتبة من غير علم وقد امتنع الدفع بفعله من غير أن يصير مختارا للفداء فيجب عليه الاقل من قيمته ومن الارش كما إذا أعتقه أو دبره أو استولد الامة أو باعه بعد ما جنى من غير علم بها إلا أن المانع من الدفع على شرف الزوال فلم ينتقل حق ولي الجناية من العبد إلى القيمة، فإذا عجز زال المانع فيتخير بين الدفع والفداء على القاعدة ا ه‍. قال رحمه الله: (وكذا إن جنى مكاتب ولم يقض به فعجز) حكمه كالاول لانه لما عجز صار قنا وجناية القن يخير فيها المولى بين الدفع والفداء على ما عرف وقبل أن يعجز يجب الاقل من قيمته ومن الارش لان دفعه متعذر وهو أحق بكسبه من المولى وموجب الجناية عند تعذر الدفع يجب على من يكون له الكسب، ألا ترى أن جناية المدبر وأم الولد توجب على المولى الاقل من قيمته ومن الارش لما أنه أحق بكسبهما، ولو جنى جناية بعد الحكم عليه بالاولى فهي كالاولى. وإذا اجتمعت الجنايات في وقت قبل القضاء لم يلزمه إلا قيمة واحدة كذا في المبسوط. وفيه: وإذا جنى العبد المكاتب ثم عتق فهو على خياره، وإن عجز فالخيار للمولى،

[ 114 ]

[ كتابته فعجز فهو دين يباع فيه وإن مات السيد لم تنفسخ الكتابة ويؤدي المال إلى الورثة ] وإن كان العبد وامرأته مكاتبين كتابة واحدة فولدت فقتله المولي وقيمته أكثر من الكتابة فهو على المولي في ثلاث سنين أو قتل المكاتب فالمال يجب في ثلاث سنين وإن كانت الكتابة قد حلت. قال رحمه الله: (فإن قضى به عليه في كتابته فعجز فهو دين يباع فيه) يعني إذا قضى بموجب الجناية على المكاتب في حال كتابته وهو الاقل من قيمته ومن الارش فهو دين عليه يباع فيه لان الحق انتقل من الرقبة إلى القيمة بالقضاء، وهذا عند علمائنا الثلاثة. وقال زفر: تجب عليه قيمته ولا يباع وهو قول أبي يوسف أولا لان المانع من الدفع وقت الجناية موجود وهو الكتابة فلا تتغير كجناية المدبر وأم الولد. ولنا أن الاصل في جناية العبد الدفع وإنما يصار إلى القيمة عند تعذر الدفع والمانع هنا متردد لاحتمال انفساخ الكتابة فلا يثبت الانتقال عن الموجب الاصلي إلا بالقضاء والصلح عن الرضا وبالموت عن الوفاء، وهو نظير المغصوب إذا أبق لا يجب عليه القيمة إلا بالقضاء حتى لو رجع قبل القضاء يكون لمولاه، وإن رجع بعد القضاء يكون للغاصب، وكذا المبيع إذا أبق قبل القبض لا يبطل البيع إلا بالقضاء، وكذا إذا قتل لان القيمة تقوم مقامه بخلاف المدبر وأم الولد لانهما لا يقبلان الفسخ. قال رحمه الله: (وإن مات السيد لم تنفسخ الكتابة) لانها حق العبد فلا تبطل بموت السيد كالتدبير وأم الولد والدين وكالاجل فيه إذا مات الطالب، ولان الكتابة لا تقبل الانتقال إلى ملك الوارث فتبقى على حكم ملك المولى. قال رحمه الله: (ويؤدي المال إلى الورثة على نجومه) لان النجوم حقه لانه أجل وهو حق المطلوب فلا يبطل بموت الطالب. هذا إذا كاتبه وهو صحيح، ولو كاتبه وهو مريض لا يصح تأجيله إلا من الثلث وقد ذكرناه. والوارث ينوب مناب المورث ويقوم مقامه فيكون قبضه بمنزلة قبض المورث ويقع على ملكه ثم يصير الوارث قابضا عن نفسه فيملكه بالارث كما في الدين. وفي المحيط: ولو أدى المكاتب بدل الكتابة إلى الورثة دون الوصي وعلى الميت دين يحيط به أو لا يحيط به لا يعتق لان حق القبض للموصى لا للوارث لان الوارث وإن ملك ما قبض إذا لم يكن الدين مستغرقا وللوصي والغرماء أن يقبض ملكهم بقدر الدين فلم يدفع الحق له لمن له حق القبض فلا يبرأ عن بدل الكتابة كما لو دفع إلى أجنبي وإن أدى إلى الوصي عتق وإن لم يكن في التركة دين لانه قائم مقام الميت، وإن لم يكن على الميت دين ودفع إلى الورثة وتقاسموا جاز لان لهم حق القبض، وإن أدى إلى بعضهم لم يعتق ما لم يصل إلى الكل بخلاف الدفع إلى الوصي يوجب العتق وصل إلى الورثة حقهم أم لا، لانه ثابت عن الميت بالتفويض، ولو أدى المكاتب إلى الغرماء وعليه دين محيط جاز وعتق لانه دفع الحق إلى من له حق القبض، ولو أوصى المولى لانسان بما على المكاتب فدفع المكاتب إليه يعتق لانه دفع الحق إلى مستحقه. قال رحمه الله: (وإن حرروه عتق مجانا) يعني لو أعتقه جميع الورثة عتق والقياس أن لا يعتق لانهم لم يملكوه. وجه الاستحسان أن

[ 115 ]

[ على نجومه وأن حرروه عتق مجانا وإن حرره بعض لم ينفذ عتقه. ] يجعل إبراء عن بدل الكتابة لانه حقهم وقد جرى فيه الارث فيكون الاعتاق منهم إبراء وإقرارا بالاستيفاء فلم يبق عليه دين فيعتق لبراءة ذمته كما إذا أبرأه المولى عن بدل الكتابة، ويشترط أن يعتقوه في مجلس واحد حتى إذا أعتقه بعضهم في مجلس لم يعتق، وقيل يعتق إذا أعتقه الباقون ما لم يرجع الاول وهو رواية هشام عن محمد. قال رحمه الله: (وإن حرره بعض لم ينفذ عتقه) يعني لو أعتقه بعض الورثة لا يعتق منه شئ لانه لم يملكه ولا عتق فيما لم يملك ولا يملك أن يجعل إبراء واستيفاء لان إبراء البعض واستيفاءه لا يوجب عتقه لتعذر ثبوت العتق من جهته ولا يبرأ من الدين أيضا لان البراءة لم تثبت الاقتضاء، فإذا بطل المقتضي بظل المقتضى، ولو قبض واحد نصيب الكل بغير أمرهم لا يعتق إلا إذا أجازوا قبضه أو قبض ما أمرهم. وفي المحيط: لو وهب أحدهم للمكاتب نصيبه في رقبته جاز ولا يعتق لانه لو أدى نصيبه لا يعتق فكذا إذا أبرأه عنه بالهبة، فإن عجز رد رقيقا فنصيب الواهب في رقبته ثابت لانه عاد قنا فانفساخ الكتابة فصار كله ميراثا لهم من المولى ألا ترى أنه إذا وهبه المولي بعض الكتابة ثم عجز صار كله رقيقا للمولي فكذا هنا والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.

[ 116 ]

[ كتاب الولاء ] كتاب الولاء أورد كتاب الولاء عقب المكاتب لان الولاء من آثار المكاتب لزوال ملك الرقبة عند أداء بدل الكتابة، وهو وإن كان من آثار العتق إلا أن موجبات ترتيب الكتب السابقة ساقت المكاتب إلى هذا الموضع فوجب تأخير كتاب الولاء عن كتاب المكاتب لئلا يتقدم الاثر على المؤثر. والكلام فيه من وجوه: الاول في اشتقاقه، والثاني في بيان دليله، والثالث في سببه، والرابع في معناه لغة، والخامس في معناه عند الفقهاء، والسادس في ركنه، والسابع في شرطه، والثامن في حكمه. أما الاول فهو مشتق من الولاء وهو القرب وهو حصول الثاني عقيب الاول من غير فصل، أو من الموالاة يقال ولي الشئ إذا حصل بعده من غير فصل، وهو مفاعلة من الولاية بالفتح وهو النصرة والمحبة ودليله قوله صلى الله عليه وسلم (الولاء لمن أعتق) (1) وقوله عليه الصلاة والسلام (الولاء لحمة كلحمة النسب) (2). وسببه الاعتاق لان المولى أنعم على عبده بالاعتاق. قال الشارح: والاصح أن سببه العتق على ملكه لانه يضاف إليه والاضافة دليل الاختصاص، ولان من ورث قريبه عتق عليه وولاؤه له ولا إعتاق من جهته. وأما معناه لغة وهو عبارة عن المعاونة والنصرة أو عبارة عن المواصلة والمصادقة وسمي الولي وليا لتناصره وتعاونه لحبيبه وصديقه. وعند الفقهاء عبارة عن التناصر سواء كان بالاعتاق أو بعقد الموالاة ولهذا قال في المبسوط: والمطلوب بكل منهما التناصر، كذا في النهاية. وأورد عليه بأن المذكور في المبسوط يدل على كون التناصر غيرهما إلا أنفسهما إذ لا يخفي على الفطن


(1) رواه البخاري في كتاب الصلاة، باب 70، كتاب الفرائض باب 19، 20، 22، مسلم في كتاب العتق باب 5، 6، 8. أبو داود في كتاب الفرائض باب 12. النسائي في كتاب الزكاة باب 99. الموطأ في كتاب الطلاق حديث 25. كتاب العتق حديث 17 - 19. أحمد في مسنده (1 / 281، 321) (6 / 33). (2) رواه الدارمي في كتاب الفرائض باب 53.

[ 117 ]

[ الولاء لمن أعتق بتدبير وكتابة وايتيلاد وملك قريب وشرط السائبة ولو أعتق ] أن المطلوب بالشئ لا يكون نفسه بل يكون أمرا مغايرا له. قال في العناية: وهو في عرف الفقهاء عبارة عن تناصر يوجب الارث والعقل ا ه‍. وأما ركنه فقوله أعتقته أو ملك القريب أو عقدت الموالاة، ويشترط كون المعتق أهلا للولاء وهو أن يكون أهلا للارث وهو كونه حرا مسلما وأولاده يكونوا أهلا بالعصوبة لا بالقرابة. وحكمه أن يعقل الجناية حال حياة معتقه والارث منه بعد مماته. قال رحمه الله: (الولاء لمن أعتق ولو بتدبير وكتابة واستيلاد وملك قريب) لما روينا وهو بعمومه يتناول الكل لان الرقيق هالك حكما ألا ترى أنه لا يثبت في حقه كثير من الاحكام التي تختص بالاحياء نحو القضاء والشهادة والملك في الاموال وكثير من العبادات فكان الاعتاق احياء له لثبوت أحكام الاحياء به كالاحياء بالايلاد فيرث به كما يرث الاب ولده ولهذا سمى ولاء نعمة لقوله تعالى * (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه بالهدي وأنعمت عليه) * (الاحزاب: 37) بالاعتاق، والمرأة في هذا كالرجل. وقوله الولاء لمن أعتق صادق بما إذا أعتق في دار الاسلام أو في دار الحرب وخلى سبيله في دار الحرب أو لم يخل وليس كذلك لانه إذا أعتق في دار الحرب وخلاه لم يكن له عليه ولاء حتى إذا خرجا إلينا مسلمين لا يرثه ولم يكن له عليه ولاء. وعند أبي يوسف يرثه ويكون عليه له الولاء، فلو قال مسلما ولو رقيقا كافرا في دارنا لكان أحسن. ولو أدى المكاتب بعد موت المولى فعتق فولاؤه للمولى فيكون لعصبته الذكور. وقوله لمن أعتق يعني ولو حكما فدخل العبد الموصى بعتقه وبشرائه وأعتقه الوصي بعد موته فولاؤه لعصبة المولى، وكذا مدبروه وأمهات أولاده بعد موته ويكون ولاؤهم له. وفي شرح الطحاوي: إذا أمر غيره بإعتاق عبد فأعتق في حال حياته أو بعد وفاته يكون عن الآمر والولاء له، ولو قال لغيره أعتق عبدك عني على ألف درهم فأعتق فالعتق يكون عن الآمر استحسانا والولاء له. ولو قال أعتق عبدك عني ولم يذكر البدل فأعتق عتق عن المأمور والولاء له في قولهما، وفي قول أبي يوسف عن الآمر والولاء له. ولو قال أعتق عبدك على ألف درهم ولم يقل عني فأعتق فإنه يتوقف على قبول العبد، فإن قبل في المجلس الذي علم به لزمه المال وإلا فلا والولاء يورث ا ه‍. وشمل قوله لمن أعتق الذمي لان الذمي أهلا للولاء كالمسلم. وفي المحيط: حربي أعتق عبده فلا يخلو إما أن أعتقه في دار الحرب أو في دار الاسلام، فإن أعتقه في دار الحرب وكان العبد مسلما فولاؤه له لانه لا يسترق وإن كان كافرا فلا ولاء له عليه لان الولاء نتيجة العتق وإعتاق الحربي عبده المسلم يصح بالاجماع وعبده الكافر لا يصح عند الامام ومحمد إذا لم يخل سبيله، وإن خلى سبيله صح العتق لكنه لم يتم العتق في حق زوال الرق وإن صح في حق إزالة الملك لان كون الحربي في داره سبب لرقه فإذا أعتق الحربي عبده الكافر في دار الاسلام صح عتقه، وكل معتق جرى عليه الرق بعد العتق انتقض به ولاؤه.

[ 118 ]

[ حاملا من زوجها القن لا ينتقل ولاء الحمل عن موالي الام أبدا فإن ولدت بعد عتقها لاكثر من سنة أشهر فولاؤه لمولى الام فإن أعتق العبد جر ولاء ابنه لمواليه عجمي تزوج ] حربي أعتق عبدا في دار الحرب ثم خرجا مسلمين للعبد أن يوالي من شاء لان العتق لم يصح. مسلم مستأمن في دار الحرب أو أسلم هناك أعتق عبد اشتراه هناك ثم أسلم عبده لم يكن مولاه قياسا وله أن يوالي من شاء عندهما. وقال أبو يوسف: أجعله مولاه استحسانا. حربي اشترى عبدا في دار الاسلام فاعتقه ثم رجع فاسترق فاشتراه العبد فأعتقه فولاء الاول للآخر وولاء الآخر للاول. قال رحمه الله: (وشرط السائبة لغو) يعني لو أعتق المولى عبده وشرط أن لا يرثه كان الشرط لغوا لكونه مخالفا لحكم الشرع فيرثه كما في النسب إذا شرط أن لا يرثه. قال رحمه الله: (ولو أعتق حاملا من زوجها القن لا ينتقل ولاء الحمل عن موالي الام أبدا) لان الجنين عتق بعتق أمه وعتق أمه مقصود فكذا هو يعتق مقصود ا لانه هو جزء الام والمولى أوقع الاعتاق على جميع أجزائها، وأورد أن هذا مخالف لما ذكر في كتاب الاعتاق فإنهم هناك قالوا: وإن أعتق حاملا عتق حملها تبعا لها إذ هو متصل بها، فأوردوا أنه يعتق تبعا لا قصدا وهذا مناف لما ذكروه هنا، والاصل في هذا قوله عليه الصلاة والسلام الولاء لمن أعتق وإنما يعرف كون الحمل موجودا عند العتق بأن تلده لاقل من ستة أشهر من وقت العتق، وكذا إذا ولدت ولدين أحدهما لاقل من ستة أشهر والآخر لاكثر منه وبينهما أقل من ستة أشهر لانا تيقنا أن الاول كان موجودا عند العتق فإذا تناول الاعتاق الاول تناول الآخر ضرورة وصار معتقا لهما، والولاء لا ينتقل من المعتق. وقوله من زوجها القن مثال، وكذا لو كان زوجها مكاتبا أو مدبرا. وقوله من زوجها صادق بحال قيام النكاح أو بعده وما بعد النكاح لا يتأتى فيه هذا التفصيل فكان عليه أن يقول ولو أعتق حاملا من زوجها القن حال قيامه وجاءت به لاقل من ستة أشهر. قال رحمه الله: (فإن ولدت بعد عتقها لاكثر من ستة أشهر فولاؤه لمولى الام) لان الولد جزؤها فيتبعها في الصفات الشرعية ألا ترى أنه يتبعها في الحرية وغيرها فكذا الولاء عند تعذر جعله تبعا للاب لرقه. وفي التتارخانية: ولدت فقالت المرأة ولدت بعد عتقي بخمسة أشهر وولاؤه لموالي الام وقال الزوج بعد عتقك بستة أشهر فولاؤه لموالي فالقول قول الزوج ا ه‍. قال رحمه الله: (فإن أعتق العبد) وهو الاب (جر ولاء ابنه لمواليه) لان موالي الام لم يعتق الولد ههنا لحدوثه بعد إعتاقها، وإنما نسب إليه تبعا للامام لتعذر نسبته إلى الاب فإذا أعتق الاب أمكن نسبته إليه فجعله تبعا له أولى من جعله تبعا للام لان الولاء كالنسب قال عليه الصلاة والسلام الولاء لحمة كلحمة النسب والنسب إلى الآباء فكذا الولاء ينتقل إلى موالي الاب إذا زال المانع كولد الملاعنة يثبت نسبه من قوم الام، فإذا أكذب نفسه ينتقل إلى الاب لزوال المانع. وفي الكافي: قلتم الولاء كالنسب

[ 119 ]

[ معتقه فولدت فولاء ولدها لمواليها وإن كان له ولاء الموالاة والمعتق مقدم على ذوي ] والنسب لا يقبل الفسخ بعد ثبوته فكذا الولاء لا يقبل الفسخ بعد ثبوته قلنا: لا ينفسخ ولكن حدث ولاء أولى منه فقدم عليه كما تقول في الاخ إنه عصبة فإذا حدث من هو أولى منه كالابن لا تبطل عصوبته ولكن يقدم عليه أورد هل إذا قلتم لم ينفسخ ولكن قدم عليه لزم أن يرث مولي الام عند انقطاع مولى الاب بعد انتقال الولاء عن مواليها إلى مواليه، ولم يرو عن أحد أنهم يرثون بعد انتقال الولاء عنهم. هذا إذا لم تكن معتدة، فإن كانت معتدة فجاءت بولد لاكثر من ستة أشهر من وقت العتق ولاقل من سنتين من وقت الفراق لا ينتقل ولاؤه إلى موالي الاب لانه كان موجودا عند إعتاق الام فصادفه الاعتاق ضرورة فلا ينتقل إلى موالي الاب. وفي التتارخانية: بخلاف ما إذا أعتق الام حال قيام النكاح ثم جاءت بالولد لستة أشهر فصاعدا وباقي المسألة بحالها كان ولاء الولد لموالي الام، وكذا إذا كانت عن طلاق رجعي وقد جاءت بالولد لستة أشهر كان ولاء هذا الولد لموالي الام، وهذا الذي ذكرناه إذا لم تقر بانقضاء العدة ثم جاءت بالولد لاقل من ستة أشهر بعد الاقرار ولتمام السنتين منذ طلقها فإن ولاء الولد لموالي الام، وإن جاءت به لاكثر من سنتين منذ طلقها فإن ولاء الولد لمولى الاب. وفي الجامع الصغير: إذا تزوجت معتقة بعبد فولدت أولادا فجنى الاولاد فعقلهم على موالي الام لانهم عاقلة لامهم ولهم، فإن عتق الاب بعد ذلك جر ولاء الاولاد على نفسه ولا يرجعون على عاقلة الاب بخلاف ولد الملاعنة إذا عقل عنه قوم الام ثم أكذب الملاعن نفسه حيث يرجعون على عاقلة الاب. والفرق أن النسب من وقت العلوق لا من وقت الاكذاب وبالاكذاب تبين أن عقله كان على قوم الاب وقد أجبر قوم الام على الدفع فيرجعون عليهم. وفي المولي حين عقل قوم الام كان ثابتا لهم وإنما ثبت لقوم الاب مقصورا على زمان الاعتاق فلا يرجعون به. قال أسلمت كافرة على يد رجل فأعتقت عبدا فارتدت ولحقت بدار الحرب فسبي أبوها فاشتراه رجل فأعتقه لم يجر ولاؤه ولاءها لانها بمنزلة الميت، ولو لم ترتد والمسألة بحالة فولاء المرأة لمعتق العبد. رجل مسلم أعتق مسلما فرجعا عن الاسلام فامتنعوا فأسلم العبد دون المولى فولاء العبد لمولاه على حاله وإن كان له عشرة من المسلمين فعقله عليهم وميراثه لهم وإن لم يكن فميراثه لبيت المال وعقله عليه، وقيل عقله على نفسه. قال رحمه الله: (عجمي تزوج معتقة فولدت فولاء ولدها لمواليها وإن كان له ولاء الموالاة) يعني وإن كان للاب ولاء الموالاة وهذا عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: حكم الاب حكم أبيه في الوجهين. وقوله عجمي مثال بالنسبة إلى المولى. وفي المحيط: معتقة تزوجت برجل فلا يخلو من خمسة أوجه: إما أن يكون عبدا أو مكاتبا أو معتقا أو موليا لموالاة أو عربيا أو عجميا. فإن كان عبدا أو مكاتبا فولاء ولدها لمولي الام لانه تعذر إثبات الولاء من الاب لفقد الاهلية وألحق ولاؤه بالام كنسب ولد الملاعنة، وإن أعتق الاب جر

[ 120 ]

[ الارحام ومؤخر عن العصبة النسبية فإن مات المولى ثم المعتق فميراثه لاقرب عصبة ] ولاء ولده إلى مواليه لانه صار أهلا للولاء وزال المانع، وإن كان معتقا فولاء الولد لمولي الاب لانه استوى الجانبان وترجح جانب الابوة. وإن كان مولي الموالاة فولدت منه فهو مولي لموالي الام عندهما. وقال أبو يوسف: الولد مولي لموالي الاب. لهما أن ولاء العتق أقوى من موالي الموالاة لان ولاء العتق لا يحتمل الفسخ وولاء الموالاة يحتمل الفسخ فرجح الآكد الاقوى على الاضعف، وإن كان أعجميا وهي مسألة المتن قال إن كان العجمي له أب في الاسلام فعند أبي يوسف ولاء الولد لموالي الاب. واختلف المشايخ على قولهما قيل ولاؤه لموالي الاب عندهم جميعا. وقيل لمولى الام وهو الاصح ولا يجر الجد الولاء ا ه‍. قيد بكونها معتقة لان العجمي لو تزوج بعربية فولدت له ولدا فإنه ينسب إلى قوم أبيه دون أمه. وقيدنا بكون الزوج عجمي فإن العربي إذا تزوج معتقة فإن ولده منها ينسب إلى قومه دونها. وقيد القدوري بمعتقة العرب وأطلق المصنف وهو الصواب لان ولاء العتق قوي معتبر شرعا فلا يختلف بين أن يكون من العرب أو من العجم. ولو كانا معتقين أو عجميين أو عربيين فالولد تابعا للاب بالاجماع. وثمرة الخلاف على ما ذكر المصنف تظهر فيما إذا ما ت الولد وترك عمته أو غيرها من ذوي الارحام ومعتق أمه أو عصبة معتقها كان المال لمعتق أمه أو عصبتها عندهما، وعند أبي يوسف يكون لذوي الارحام لان حكمه حكم أبيه. وفي شرح الطحاوي: امرأة بني همدان تزوجت برجل من بني أسد فولد منها فأعتقت عبدا فالولاء يثبت منها وولدها يكون تبعا للاب من بني أسد، فإذا ماتت ثم مات المعتق فميراثه لابن المعتقة وهو من بني أسد، وإن جنى جناية تكون على عاقلتها من بني همدان فالميراث لبني أسد والعقل على بني همدان، ويجوز مثل هذا أن يكون الضمان على الغير والميراث للغير ألا ترى أن رجلين مثل الخال وابن العم فنفقته على الخال وميراثه لابن العم ا ه‍. وإذا علم أن العجمي الذي له أب في الاسلام ولاؤه لموالي الام علم بطريق الاولى إذا لم يكن له أب بالاولى. قال رحمه الله: (والمعتق مقدم على ذوي الارحام ومؤخر عن العصبة النسبية) وكذا هو مقدم على الرد على ذوي السهام وهو آخر العصبات وهو قول علي رضي الله عنه وبه أخذ علماء الامصار، وكان ابن مسعود يقول بأنه مؤخر عن ذوي الارحام بقوله تعالى * (وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) * (الانفال: 75) وقال عليلاة والسلام للمعتق في معتقه وإن مات ولم يدع وارثا كنت أنت عصبته ولنا ما روينا من حديث حمزة أنه جعل لها النصف الباقي بعد فرض بنت معتقها حين مات عنها فعلم بقوله عليه الصلاة والسلام ولم يدع وارثا بيعني وارثا وعصبته. وفي المحيط: أقام مسلم بينة عادلة أنه أعتقه وأنه مات مسلما لا وارث له غيره فأقام الذمي شاهدين مسلمين أنه أعتقه وأنه مات كافرا لا وارث له غيره فللمسلم نصف الميراث ونصف الميراث لاقرب الناس من المسلمين إلى الذمي لاستوائهما في الحجة، ولو شهدا أن الميت مولى

[ 121 ]

[ المولى وليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن أو كاتبن أو كاتب من ] فلان عتاقة لم يجز القضاء حتى يقولوا إن هذا الحي أعتق هذا الميت وهو يملكه وهو وارثه لا يعلم له وارثا غيره. مات رجل وأخذ آخر ماله وادعى أنه وارثه لم يؤخذ منه المال لانه يده ثابتة على المال، فإن خاصمه انسان طلب منه البينة لانه يدعي استحقاق ما في يده. ادعى أن أباه أعتقه فشهد ابنا أخيه لم تقبل لانها شهادة للجد. ادعى رجلان ولاءه بالعتق فأقاما البينة جعل الميراث بينهما لاستوائهما في الحجة، ولو قضى القاضي لاحدهما بالولاء والارث ثم شهد آخران لآخر بمثله لا تقبل إلا أن يشهدا أنه اشتراه من الاول قبل أن يعتقه فيبطل القضاء للاول. أقام أحدهما البينة على ولاء العتاقة والآخر على أنه حر الاصل أسلم على يده ووالاه والغلام يدعيه فهو أولى. ادعى رجل أن أباه أعتق فلانا الميت وآخر أن أباه أعتقه وأقرت بينة الميت به فالاقرار باطل والشهادة جائزة، ولو شهد للآخر ابن وبنتان فالولاء بينهما. ادعى آخر أنه أعتق الميت وأقام البينة من في يده المال البينة على مثل ذلك فالمال والولاء بينهما. قال رحمه الله: (فإن مات المولى ثم المعتق فميراثه لاقرب عصبة المولى) لان الولاء يجر الارث وإنما يثبت للعصبة بطريق الخلافة فيقدم الاقرب فالاقرب حتى لو ترك أبا مولاه وابن مولاه كان الولاء للابن، ولو ترك جد مولاه وأخا مولاه كان الولاء للجد لانه أقرب في العصبة. وفي الاول خلاف أبي يوسف فإنه يعطي الاب السدس والباقي للابن، والثاني خلاف من يرى توريث الاخوة مع الجد، وكذا الولاء لابن المعتقة دون أخيها وعقل جنايتها على أخيها لانه من قوم أبيها لما روي أن علي بن أبي طالب والزبير بن العوام اختصما إلى عثمان في معتق صفية بنت عبد المطلب حين مات فقال علي: مولى عمتي فأنا أحق بإرثه لاني أعقل عنها. وقال الزبير: هو مولى أمي فأنا أرثها فكذا أرث معتقها. فقضى عثمان بالارث للزبير وبالعقل على علي. ولو ترك المعتق ابن مولاه وابن ابن مولاه كان الولاء للابن دون ابن الابن لما روي عن عمر وعلي وابن مسعود أنهم قالوا: الولاء للكبير أي لاكبر الاولاد. والمراد أقربهم نسبا لا أكبرهم سنا. ولو مات المعتق ولم يترك إلا ابنة المعتق فلا شئ لبنت المعتق في ظاهر الرواية عن أصحابنا ويوضع ماله في بيت المال، وبعض المشايخ كانوا يفتون بالدفع إليها بطريق الارث بل لانها أقرب الناس إلى الميت، وليس في زماننا بيت مال منتظم. ولو دفع إلى السلطان أو القاضي لا يصرفه إلى المستحق ظاهرا، وكذا ما فضل عن فرض الزوجين يرد عليهما، وكذا ولد الابن والبنت من الرضاع يصرف إليهما إذا لم يكن هناك أقرب منهما، ذكر هذه المسائل في النهاية. والذميون يتوارثون كالمسلمين لانه أحد أسباب الارث. وفي المحيط: مات المعتق عن ابنين فمات أحدهما عن ابن والآخر عن ابنين ثم مات المعتق فالميراث على عدد رؤوسهم لانهم سواء في كونهم عصبة الميت، ولو أعتقت المرأة ثم ماتت عن زوج عبد وابن وبنت ثم مات المعتق فميراثه لابن المعتقة لانه عصبتها لا غير،

[ 122 ]

[ كاتبن أو دبرن أو دبر من دبرن أو جر ولاء معتقهن أو معتق معتقهن. فصل ] أعتق أمه ومات عن ابن والابن عن أخ لامه ثم ماتت المعتقة فالميرا ث للعصبة ولا شئ للاخ لانه ليس بعصبة أخرى. وفيه أيضا: ارتد ولحق بدار الحرب وله معتق فمات المعتق ورثه الرجال من ورثته اه‍. قال رحمه الله: (وليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن أو كاتبن أو كاتب من كاتبن أو دبرن أو دبر من دبرن أو جر ولاء معتقهن أو معتق معتقهن) لقوله صلى الله عليه وسلم (ليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن) (1) الحديث يعني المرأة تساوي الرجل في ولاء العتاقة النسبية بسبب إثبات القوة الحكمية للمعتق وهي تساوي الرجل فيه كما أنها تساويه في ملك المال فينسب إليها كما ينسب إلى الرجل، ولهذا جعلت عصبة فيه كالرجل. وفي الذخيرة: ولو أن امرأة اشترت أباها حتى عتق عليها ثم مات الاب عن هذه الابنة وبنت أخرى فالثلثان لهما يحكم الفرض والباقي للمشترية بحكم الولاء، ولو كان الاب بعدما عتق على بنتيه أعتق عبدا ثم مات الاب ثم مات معتق الاب ويقيت الابنة المشتراة كان الميراث للمشتراة ويرث ابن المعتق من ولد المعتق اه‍. والله تعالى أعلم. فصل قال في الهداية في ولاء الموالاة: أخر ولاء الموالاة عن ولاء العتاقة لان ولاء العتاقة أقوى لانه غير قابل للتحول والانتقال في جميع الاحوال بخلاف ولاء الموالاة فإن للمولى أن ينتقل قبل العقد ولانه يوجد في ولاء العتاقة الاحياء الحكمي ولا يوجد في ولاء الموالاة الاحياء أصلا، ولان ولاء العتاقة متفق عليه في أنه سبب للارث ولانه مقدم على ذوي الارحام. والكلام فيه من وجوه: الاول في دليله، والثاني في ركنه، والثالث في تفسيره لغة وشرعا، والرابع في شرطه، والخامس في حكمه. أما دليله فلقوله عليه الصلاة والسلام لمن سأله عمن أسلم على يد رجل فقال: هو أحق الناس بمحياه ومماته أي بميراثه. وحديث تميم الداري أن رجلا أسلم على يد رجل ووالاه فقال عليه الصلاة والسلام: هو أخوك ومولاك تعقل عنه وترث منه. وأما ركنه فقوله أنت مولاي على كذا. وأما الولاء لغة فهو مشتق من الولي وهو القرب وحصول الثاني بعد الاول من غير فصل ويسمى ولاء العتاقة وولاء الموالاة، وأما تفسيره شرعا على ما ذكر في الذخيرة وغيرها هو أن يسلم رجل على يد رجل فيقول للذي أسلم على يده واليتك على أني إن مت فميراثي لك وإن جنيت فعقلي عليك وعلى


(1) رواه الدارمي في كتاب الفرائض باب 52.

[ 123 ]

[ أسلم رجل على يد رجل ووالاه على أن يرثه ويعقل عنه أو على يد غيره ووالاه صح وعقله على مولاه وارثه له وإن لم يكن له وارث وهو آخر ذوي الارحام وله أن يتحول ] عاقلتك وقبل الآخر هذا. قال في العناية والنهاية: وأما شرطه فله ثلاث شرائط: أحدها أن يكون مجهول النسب بأن لا ينسب إلى شخص بل ينسب إلى غيره، وأما نسبة غيره إليه فغير مانعة. والثاني أن لا يكون له ولاء عتاقة ولا ولاء الموالاة مع أحد وقد عقل عنه. والثالث أن لا يكون عربيا اه‍. وفي الكافي: إنما تصح ولاية الموالاة بشرائط منها: أن يشترط الارث العقل. قال في العناية: فإن قيل من شرط العقل عقل الاعلى أو حريته فإن موالاة الصبي والعبد باطلة فكيف جعل الشرائط ثلاثة؟ وأجيب بأن المذكور إنما هي الشرائط العامة المحتاج إليها في كل واحد من الصور، وأما ما ذكرت فإنه نادر فلم يذكره. وفي الشارح: ولو ذكر الارث من الجانبين كان كذلك لانه يمكن أن يتوارثا بخلاف ولاء العتاقة بحيث لا يرث إلا الاعلى ويدخل فيه الاولاد الصغار ومن ويلد بعد عتق الموالاة. وفي البدائع: ومن شرائط عقد الموالاة فمنها عقل العاقدين وحرية الاسفل أيضا اه‍. وفي المبسوط: وإذا عقد العقد العبد عقد الموالاة بإذن مولاه كان عقده كعقد مولاه فيكون الولاء للمولى اه‍. وأما حكمه شرعا فالارث والعقل عنه. واعترض بأن الارث والعقل شرط لصحة العقد فكيف يكون حكما والشرط متقدم والحكم متأخر؟ وأجيب بأنه يجوز أن يعتبر له حالتان، فباعتبار التقديم شرطا وباعتبار التأخير حكما. قال رحمه الله: (أسلم رجل على يد رجل ووالاه على أن يرثه ويعقل عنه أو على يد غيره ووالاه صح وعقله على مولاه وارثه له وإن لم يكن له وارث) وقوله أسلم إلى آخره ظاهره أن حدوث الاسلام لا بد منه وأن الاسلام أيضا لا بد منه لانه موالاة مجهول الحال ولو لم يعلم حدوث إسلامه صحيحة، ويصح موالاة الذمي للمسلم فلو قال غير عربي إلى آخره لكان أولى ليشمل المسلم والذمي ومن أحدث الاسلام وغيره. فإن قلت: قال في المحيط ذمي من نصارى العرب ليس له أن يوالي غير قبيلته اه‍. فهذا يدل على أن غير المجهول يصح معه عقد الموالاة قلنا: لا يقبل ذلك لانه إنما قال ذلك لان عقد الموالاة ثابت له مع قبيلته فأغناه عنها مع الغير ولو عقد مع قبيلته كان فيه تحصيل الحاصل وهو محال. وقال مالك والشافعي: لا اعتبار بهذا أصلا وقد بين الدليل من الجانبين في المطولات. واعترض صاحب غاية البيان على وجوب اشتراط الارث والعقل في صحة عقد الموالاة حيث قال قال لحاكم الشهيد: إذا أسلم رجل على يد رجل ووالاه فإنه يرثه ويعقل عنه، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وهذا يدل على أن اشتراط الارث والعقل ليس بشرط بل مجرد العقل كاف. وأجيب بأن عدم وقوع التصريح بذكرهما بناء على ظهورهما فضمن عقد الموالاة ذلك ولو لم يذكر. وفي المحيط: أسلمت ذمية فوالت رجلا ولها ولد صغير من ذمي لم يكن ولاء ولدها لمولاها

[ 124 ]

في قولهما، وفي قياس قول الامام يكون له. أسلم رجل على أن يكون ولاؤه لاول ولد له لا يجوز لان عقد الموالاة لا يجوز تعليقه بالاخطار، فلو قال إن واليتك إن فعلت كذا لم يصح، وإن كان لمن عقد عقد الموالاة ولد كبير فإذا أسلم ابنه الكبير على يد رجل ووالاه فولاؤه له لانه أولى بنفسه لانقطاع ولاية الاب، وإن أسلم ولم يوال حدا فولاؤه موقوف بخلاف ولاء العتاقة فإن الولد الكبير يتبع الاب في ولاء العتاقة لان الكبير يستنصر من يوالي أبيه. رجل والى رجلا ثم ولد له من امرأته ولد فوالت رجلا فولاء الولد لمولى الاب، وإذا والى رجلا وابنه الكبير رجلا كان كل واحد لمولاه ولا يجر بعضهم بعضا، فإن سبي ابنه وأعتق لم يجر ولاء أبيه، فإن سبي أبوه وأعتق جر ولاء الابن لان الابن ينسب إلى الاب فكذا في الموالاة. فإن كان له ابن ابن والابن لم يسب لكن أسلم فوالاه رجل فسبي الجد فأعتق لم يجر الجد ولاءه إلا أن يجر ولاء ابنه فينجر حتى لو كان الاسفل مواليا حربيا والجد معتق لا يجر إلا أن يسلم الاوسط فيجره الجد فينجر بجره. أسلم الحربي ولم يوال أحدا ثم أعتق أبوه جر ولاءه، ولو أسلم أبوه ووالى رجلا لم يجر. والى ذمي مسلما أو ذميا جاز وهو مولاه لانه يجوز أن يكون للذمي على المسلم ولاءه العتاقة فكذا ولاء الموالاة. فإن قلت: قال في المحيط ذمي والى مسلما فمات لم يرثه لان الارث باعتبار التناصر والتناصر في غير القرب إنما هو بالدين، فهذا يفد أن الموالاة لا تكون بين المسلم والذمي. قلنا: هي تكون بينهما لكن الارث إنما يكون حيث لا مانع وحينئذ المانع هنا وهو اختلاف الدين. وإن أسلم على يد حربي ووالاه لم يذكره في الكتاب، واختلفوا فيما إذا أعتق الحربي عبده المسلم، قيل يصح لانه يجوز أن يكون للحربي على المسلم ولاء العتاقة فكذا ولاء الموالاة، وقيل لا يصح لانه عقد المولاة مع الحربي للتناصر وقد نهينا عن ذلك بخلاف الذمي اه‍. وفي المبسوط: رجل اشترى من رجل عبدا ثم شهد أن البائع كان أعتقه فهو حر وولاؤه موقوف إذا جحد البائع ذلك فإن صدقه البائع بعد ذلك ظهر أنه المولى، وكذا إن صدقه الورثة بعد موته. وفي التتارخانية: رجل من أهل الذمة أعتق عبدا فنقض الذمي العهد ولحق بدار الحرب فأخذ واسترق فصار عبدا لرجل وأراد معتقه أن يوالي رجلا لم يكن له ذلك لان مولى العتاقة لا يملك أن يوالي أحدا، فإن أعتق مولاه يوما من الدهر فإنه يرثه، وإن جنى جناية عقل عن نفسه ولا يعقل عنه مولاه، هكذا ذكر في عامة الروايات. وفي بعضها قال: يرثه ويعقل عنه. وإذا أقر الرجل بالولاء لآخر وصدقه يصير مولى له يعقل عنه ويرثه، فإن كان له أولاد كبار فكذبوا الاب فيما أقر وقالوا أبونا مولى لفلان اخر وصدقهم فلان في ذلك فهم مصدقون في حق أنفسهم، وإن قال أعتقني فلان أو فلان وكل منهما يدعي أنه المعتق لا يلزم العبد شئ، وإن أقر بعد ذلك لاحدهما بعينه أو لغيرهما يجوز إقراره على قولهما، وعلى قول الامام لا يجوز. إذا أقر الرجل أنه مولى امرأة أعتقته فقالت المرأة لم أعتقك لكن أسلمت على

[ 125 ]

[ منه إلى غيره بمحضر من الاخر ما لم يعقل عنه وليس للمعتق أن يوالي أحدا ولو والت أمراة فولدت تبعها فيه ] يدي وواليتني فهو مولاها، فإذا أراد التحول عنها إلى غيرها ففي قياس قول الامام ليس له ذلك، وفي قولهما له ذلك. أقر أن فلانا أعتقه وأنكر فلان وقال ما أعتقتك ولا أعرفك فأقر المقر لانسان آخر لا يصح إقراره عند الامام، وعندهما يصح. وفي المحيط: ولا يجوز بيع ولاء الموالاة ولا ولاء العتق لانه ليس بمال. قال رحمه الله: (وهو آخر ذوي الارحام) إذا لم يكن له وارث غير ذوي الارحام فإرثه له وفي المحيط: ولو ادعى رجل ولاء الموالاة وأقام البينة وادعى آخر مثل ذلك وأقام البينة فالمتأخر أولى لانه يحتمل الفسخ بخلاف ولاء العتاقة اه‍. قال رحمه الله: (وله أن يتحول منه إلى غيره بمحضر من الآخر ما لم يعقل عنه) لان العقد غير لازم كالوصية والوكالة ولكل واحد منهما أن يفسخه بعلم الآخر، فإن كان الآخر غائبا لا يملك فسخه وإن كان غير لازم لان العقد تم لهما كما في الشركة والمضاربة والوكالة ولا يعرى عن ضرر لانه ربما يموت الاسفل فيأخذ الاعلى ميراثه فيكون مضمونا عليه، أو يعقل الاسفل عبيدا على حسبان أن عقل عبيده على المولى الاعلى فيجب عليه وحده فيتضرر بذلك فلا يصح الفسخ إلا بمحضر من الآخر بخلاف ما إذا عقد الاسفل الموالاة مع غير بغير محضر من الاول حتى يصح وينفسخ العقد الاول لانه فسخ حكمي فلا يشترط فيه العلم كما في الوكالة والمضاربة والشركة لان الموالاة كالنسب إذا ثبت من شخص ينافي كونه مع غيره فينفسخ ضرورة، والمرأة في هذا كالرجل. وقوله ما لم يعقل عنه لانه إذا عقل عنه ليس له أن يتحول إلى غيره لتأكده بتعلق حق الغير به لحصول المعقود به ولاتصال العصوبة ولان ولاية التحول قبل أن يعقل عنه باعتبار أنه عقد تبرع، فإذا عقل عنه صار كالعوض في الهبة، وكذا لا يتحول ولده بعد ما تحمل الجناية عن أبيه، وكذا إن عقل عن ولده لم يكن لكل واحد منهما أن يتحول إلى غيره لانهما كشخص واحد في حكم الولاء. قال رحمه الله: (وليس للمعتق أن يوالي أحدا) لان ولاء العتاقة لازم لا يحتمل النقض بعد ثبوته فلا ينفسخ ولا ينعقد معه لانه لا ينقل لان الارث بولاء العتاقة مقدم على الارث بولاء الموالاة، ألا ترى أن شخصا لو مات وترك مولى عتقه ومولى موالاته كان المال للمعتق. قال في المبسوط: ولو مات الاعلى ثم مات الاسفل فإنما يرثه المذكور من أولاد الاعلى دون الاناث على نحو ما بينا في ولاء العتاقة. قال رحمه الله: (ولو والت امرأة فولدت تبعها فيه) يعني ولدت ولدا لا يعرف له أب وكذا لو أقرت أنها مولاة فلان ومعها ولد صغير لا يعرف له أب صح إقرارها على نفسها ويتبعها ولدها فيه، وهذا عند الامام. وقالا: لا يتبعها ولدها فيه في الصورتين وقد تقدم بيان ذلك. (فروع) عبد لحربي خرج مستأمنا في تجارة لمولاه

[ 126 ]

فأسلم يبيعه الامام ويمسك ثمنه على مولاه، وكذا لو أسلم العبد في دار الحرب وخرج تاجرا لمولاه لانه لم يعتق عليه لما خرج بإذن المولى، وإن خرج مراغما فهو حر ويوالي من شاء إلا إذا عقل عنه بيت المال اه‍. والله أعلم بالصواب.

[ 127 ]

[ كتاب الاكراه ] كتاب الاكراه أورد الاكراه عقيب ولاء الموالاة لان في كل منهما تغير حال المخاطب من الحزمة إلى الحل، فإن ولاء الموالاة يغير حال المخاطب الذي هو المولى الاعلى من حرمة تناول مال المولى الاسفل بعد موته إلى حله بالارث، فكذلك الاكراه يغير حال المخاطب الذي هو المكره من حرمة المباشرة إلى حلها، كذا في عامة المواضع. والكلام فيه في مواضع: الاول في معناه لغة، والثاني عند الفقهاء، والثالث في ركنه، والرابع في دليله، والخامس في شرطه، والسادس في حكمه. فهو في اللغة عبارة عن حمل إنسان على شئ يكره يقال أكرهت فلانا إكراها أي حملته على أمر يكره. وهو عند الفقهاء ما سيأتي. وركنه اللفظ الذي يفيده ودليله من الكتاب قوله تعالى * (إلا من أكره) * (النحل: 106) الآية. ومن السنة ما ورد أن صفوان الطائي كان نائما مع امرأته وأخذت المرأة سكينا وجلست على صدره وقالت لاذبحنك أو تطلقني فناشدها بالله فأبت فطلقها ثلاثا فبلغ ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا إقالة في الطلاق. وشرطه سيأتي في الكتاب. وحكمه إذا حصل به إتلاف أن ينتقل إلى المكره فيما يصلح أن يكون آلة للمكره ويجعل كأنه فعله بنفسه كما سيجئ. والاكراه نوعان: ملجئ وغير ملجئ. فالملجئ هو الكامل بما يخاف على نفسه أو عضوه فإنه يعدم الرضا ويوجب الالجاء ويفسد الاختيار. وغير الملجئ هو القاصر وهو أن يكره بما لا يخاف على نفسه ولا على تلف عضو من أعضائه كالاكراه بالضرب الشديد أو القيد أو الحبس فإنه يعدم الرضا ولا يوجب الالجاء ولا يفسد الاختيار، وهذا النوع من الاكراه لا يؤثر إلا في تصرف يحتاج فيه إلى الرضا كالبيع والاجارة والاقرار، والاول يؤثر في الكل فيضاف فعله إلى المكره فيصير كأنه فعله، والمكره آلة له فيكون فعله بنفسه من غير إكراه أحد، وذلك مثل الاقوال والاكل لان الانسان لا يأكل بفم غيره ولا يتكلم بلسان غيره فلا يضاف إلى غير المتكلم، والاكل إذا كان فيه إتلاف فيضاف إليه من حيث إنه إتلاف بصلاحيته

[ 128 ]

[ هو بفعل يفعله الانسان بغيره فيزول به الرضا وشرطه قدرة المكره على تحقيق ما هدد به سلطانا كان أو لصا أو خوف المكره وقوع ما هدد به فلو أكره على بيع أو شراء أو ] آلة له فيه حتى إذا أكره على العتق يقع كأه أوقعه باختياره ويكون الولاء له ويضاف إلى المكره من حيث الاتلاف فيرجع إليه بقيمته. ثم اعلم أن الاكراه لا ينافي أهلية المكره ولا يوجب وضع الخطاب عنه يحال لان المكره مبتلى والاتبلاء يحقق الخطاب، والدليل عليه أن أفعاله مترددة بين فرض وحظرو إباحة ورخصة، ويأثم تارة ويؤجر أخرى، فيحرم عليه قتل النفس وقطع الطرق والزنا، ويفترض عليه أن يمنع من ذلك ويثاب عليه إن امتنع، ويباح له بالاكراه أكل الميتة وشرب الخمر ويرخص له بإجراء كلمة الكفر وإتلاف مال الغير وإفساد الصوم والجناية على الاحرام، وهذا دليل على أنه مخاطب. قال رحمه الله: (هو فعل يفعله الانسان بغيره فيزول به الرضا) زاد في المبسوط: أو يفسد به اختياره من غير أن تنعدم به الاهلية في حق المكره أو يسقط عنه الخطاب. وذكر في الايضاح أن الاكراه فعل يوجد من المكره يحدث في المحل معنى يصير به مدفوعا إلى الفعل الذي طلب منه. وذكر في الوافي أنه عبارة عن تهديد غيره على ما هدد بمكروه على أمر بحيث ينتفي به الرضا. وقوله فيزول به الرضا أعم مع كونه مع فساد اختياره أو مع عدمه وهو إشارة إلى نوعي الاكراه. ثم إن الشائع في عامة الكتب من الاصول والفروع هو أن الاكراه نوعان. وذكر فخر الاسلام البزدوي فقال: الاكراه ثلاثة أنواع: نوع يعدم الرضال ويفسد الاختيار وهو الملجئ، ونوع يعدم الرضا ولا يفسد الاختيار وهو الذي لا يلجئ. وهو نوع آخر لا يعدم الرضا وهو أن يهدد يحبس أبيه أو ابنه وولده، وهذا النوع الثالث أخرجه المؤلف. وذكر شيخ الاسلام في المبسوط أن القسم الثالث غير داخل في هذا المعنى شرعا لعدم ترتب أحكام الاكراه عليه شرعا. وذكر غيره أن القسم الثالث داخل في معنى الاكراه لغة. وأطلق في الانسان فشمل الصبي والمجنون والمعتوه، كذا في قاضيخان. وقال فيه أيضا: ولو أكره الصبي أو المجنون أو المعتوه رجلا على قتل آخر فقتله فالدية على عاقلة الصبي والمجنون والمعتوه في ثلاث سنين. قال رحمه الله: (وشرطه قدرة المكره على تحقيق ما هدد به سلطانا كان أو لصا أو خوف المكره وقوع ما هدد به) يعني شرط الاكراه الذي هو فعل كما تقدم لان الاكراه اسم لفعل يفعله الانسان بغيره فينتفي به رضاه أو يفسد به اختياره مع بقاء الاهلية، ولا يتحقق ذلك إلا من القادر عنده خوف المكره لانه يصير به ملجأ، وبدون ذلك لا يصير ملجأ، وما روي عن الامام أن الاكراه لا يتحقق إلا من السلطان فذلك محمول على ما شهد في زمانه من أن القدرة والمنعة منحصرة في السلطان وفي زمانهما كان لكل مفسد له قوة ومنعة لفساد الزمان فأفتيا على ما شهدا وبه يفتى لانه ليس فيه اختلاف يظهر في حق الحجة. وفي المحيط: وصفة المكره وهو أن يغلب على ظنه أنه يوقع ذلك به لو لم يفعل

[ 129 ]

[ إقرار أو إجارة بقتل أو ضرب شديد أو حبس مديد خير بين أن يمضي البيع أو يقسخ ويثبت به الملك عند القبض للفساد وقبض الثمن طوعا إجازة كالتسليم طائعا وإن هلك ] ولو شك أنه لا يفعل ما توعد به لم يكن مكرها لان غلبة الظن معتبرة عند فقد الادلة اه‍. لا يقال الشرطية تنافي كون ذلك وصفا لانا نقول: لا منافاة لان الشرطية باعتبار الحاصل من الفاعل والوصف باعتبار الفاعل. وفي الخانية إذا غاب المكره عن بصر المكره يزول الاكراه ونفس الامر من السلطان من غير تهديد إكراه:. وعندهما إن كان المأمور يعلم أنه لو لم يفعل ما أمر به يفعل فيه كذا كان إكراها. وفي العتابية: وإذا أخذه واحد في الطريق لا يقدر فيه على غوث يكون إكراها اه‍. قال رحمه الله: (فلو أكره على بيع أو شراء أو إقرار أو إجارة بقتل أو ضرب شديد أو حبس مديد خير بين أن يمضي البيع أو يفسخ) ولما كان الاكراه تارة يقع في حقوق العباد وأخرى في حقوق الله تعالى وحق العبد مقدم لحاجة العبد إليه قدمه. ولما كان الاكراه على نوعين ملجئ وغير ملجئ وكل منهما يفسد الرضا الذي هو شرط الصحة لهذه العقود فكذا ذكر القتل والضرب، ولما كان لا فرق بين أن يكره على بيع هذا أو بيع ولم يعين جاء بالعبارة منكرة. قيد بضرب شديد وحبس مديد لانه لو قال أضربك سوطا أو سوطين أو أحبسك يوما ويومين فإنه لا يكون إكراها. قال في الميحط: إلا إذا قال له لاضربنك على رأسك أو عينك أو مذاكرك فإنه يكون إكراها لان مثل هذا إذا حصل في هذه الاعضاء قد يفضي إلى التلف. وفي المحيط قال مشايخنا: إلا إذا كان الرجل صاحب منصب يعلم أنه يتضرر بضرب سوط أو حبس يوم فإنه يكون إكراها وقد يكون فيه ما يكون في الحبس من الاكراه لما يجئ به من الاغتمام البين ومن الضرب ما يجد به الالم الشديد وليس في ذلك حد لا يزاد عليه ولا ينقص منه لانه يختلف باختلاف أحوال الناس، فمنهم لا يتضرر إلا بضرب شديد وحبس مديد، ومنهم من يتضرر بأدنى شئ كالشرفاء والرؤساء يتضررون بضرب سوط أو بفرك أذنه لا سيما في ملا من الناس أو بحضرة السلطان. وفي الخانية: ولو أكره على بيع جارية ولم يعين فباع من إنسان كان فاسدا، والاكراه بحبس الوالدين والاولاد لا يعد إكراها لانه ليس بإكراه ولا يعدم الرضا بخلاف حبس نفسه. وفي المحيط ولو أكره بحبس ابنه أو عبده على أن يبيع عبده أو يهبه ففعل فهو إكراه استحسانا، وكذا في الاقرار. ووجهه أن الانسان يتضرر بحبس ابنه أو عبده ألا ترى أنه لا يؤثر حبس نفسه على حبس ولده. فإن قلت بهذا نفى الاول قلنا: لا فرق بين الوالدين والولد في وجه الاستحسان وهو المعتمد كما لا فرق بينهما في وجه القياس. وقوله خير بين أن يمضي أو يفسخ تقديره وإذا زال الاكراه إلى آخره دفعا للضرر عن نفسه. قال رحمه الله: (ويثبت به الملك عند القبض للفساد) يعني يثبت بالشراء الملك للمشتري لكونه كسائر البياعات الفاسدة. وظاهر عبارة المصنف فساد البيع مطلقا والذي يظهر أن البيع

[ 130 ]

[ المبيع في يد المشترى وهو غيره مكره والبائع مكره ضمن قيمته للبائع وللمكره أن ] إنما يكون فاسدا إذا قال المكره تلفظت بالبيع طبق ما أردت فإذا قال أردت الاخبار به كاذبا أو قال أردت إنشاء البيع فهو بيع صحيح لا خيار فيه ولا فساد أخذا من التفصيل في حالة العتق. وقال زفر: لا يثبت به الملك لانه موقوف. ولنا أن ركن البيع وهو الايجاب والقبول صدر من أهله مضافا إلى محله فيكون مشروعا بأصله غير مشروع بوصفه فيفيد الملك بالقبض حتى لو قبضه وتصرف فيه تصرفا لا يحتمل النقض كالاعتاق والتدبير جاز تصرفه، وإنما لا تفسد بالاجارة لان المفسد يرتفع بها وهو عدم الرضا فصار كسائر البياعات لفساده. وفي المحيط: لو أكره على البيع بألف فباع بخمسمائة لم يجز، وإن باع بأكثر من الالف جاز لان في الاول خالف مقصود المكره لان مقصود المكره لحاق الضرر بالمكره والبيع بخمسمائة أضربه من البيع بألف فكان الاكراه على البيع بألف إكراها له على الاقل وفي الثاني خالف إلى غير رأي المكره لانه اكتسب نفعا لنفسه. ولو باع بدنانير قيمتها ألف لم يجز لان الدراهم والدنانير جعلا كجنس واحد في التجارات عرضا ومقصودا، ولو باعه بعرض أو بمكيل أو موزون بأقل من قيمته جاز لانه غير جنس ما أكره عليه أو أكره على بيع جائز فباع فاسدا لم يجز، فإذا هلك إن شاء ضمن المشتري أو المكره وعلى عكسه يكون رضا بالبيع. والفرق أن المكره على البيع الفاسد متى باع جائزا فقد أتى بغير ما أكره عليه لان الجائز ضد الفاسد ويفيد من الاحكام ما لا يفيده الفاسد، والمكره على البيع الجائز متى باع فاسدا فقد أتى بما هو أنقص لان الفاسد أنقص من الجائز، ولو أكره على البيع فوهب جاز لانه غير جنس ما أكره عليه اه‍. قال رحمه الله: (وقبض الثمن طوعا إجازة كالتسليم طائعا) لانهما دليل الرضا وهو الشرط بخلاف ما إذا أكره على الهبة دون التسليم وسلم حيث لا يكون إجازة ولو سلم طائعا لان مقصود المكره ما يتعلق به الاستحقاق لا صورة العقد، والاستحقاق في البيع يتعلق بنفس العقد فلا يكون الاكراه به إكراها على التسليم فيكون التسليم أو القبض عن اختيار دليل الاجازة وفي الهبة يقع الاستحقاق، فالقبض لا بمجرد الهبة فيكون الاكراه بها إكراها بالتسلم نظرا إلى مقصود المكره ويعتبر ذلك في أصل الوضع لان البيع وضع لافادة الملك في الاصل وإن كان في الاكراه لا يفيدل كونه فاسدا والهبة لا تفيد الملك قبل القبض بأصل الوضع وتفيده بعدها، سواء كانت صحيحة أو فاسدة، فينصرف الاكراه في كل واحد منهما إلى ما يستحقه منه في أصل وضعه، وإن قبض مكرها فليس ذلك بإجازة وعليه رد الثمن إذا كان قائما في يده لفساد العقد، وإن كان هالكا لا يأخذ منه شيئا لان الثمن كان أمانة في يد المكره لانه أخذه بإذن المشتري لا على سبيل التمليك فلا يجب الضمان. وفي المحيط: ومن هو مكره من المتعاقدين أو مشروط له شرط فاسد فله أن ينقض العقد من غير رضا صاحبه، ومن ليس بمكره ولا مشروط له شرط فاسد فليس له نقضه إلا بالقضاء أو الرضا حتى لو

[ 131 ]

[ يضمن المكره وعلى أكل لحم خنزير وميتة ودم وشرب خمر يحبس أو ضرب أو قيد لم ] أجاز الآخر العقد فنقض القاضي نفذ وألزم، ع وإن كان كلاهما مكرها أو مشروطا له شرطا فاسدا فلكل واحد منهما نقضه من غير قضاء ولا رضا لانه قبل القبض لا يفيد شيئا. ولو باع المشتري المكره من آخر باعه الثاني من آخر حتى تداولته الايدي فله أن يفسخ العقود كلها وأي عقد جاز جازت العقود كلها إلا أنه لما أجاز بعض العقود فقد زال الاكراه وصار طائعا راضيا فجاز العقد الاول فجازت العقود ويأخذ هو الثمن من المشتري الاول ولو لم يجز لكن ضمن، فإن ضمن الاول نفذ الكل بتضمينه، وإن ضمن غيره جازت البياعات التي بعده وبطل ما قبله. والفرق بين الاجازة والتضمين أن البيع كان موجودا والمانع من النفوذ حقه وقد زال بالاجازة، وأما إذا ضمن لم يكن مسقطا حقه بخلاف ما إذا أجاز أحد بيوع الفضولي حيث لا يجوز إلا الذي أجازه المالك ولا يجوز ما قبله وما بعده لان كل واحد منهم باع ملك غيره فلا يفيد الملك فعند الاجازة يملكه من أجيز شراؤه وتبطل البقية، فإن أعتق المشتري الثاني فللمكره أن يضمن أي الثلاث شاء لان كل واحد منهم أحدث سبب الضمان بإزالة يده عن ملكه والمشتريان قبض كل واحد منهما ماله بغير إذنه. وفي الخانية: لو أعتق المشتري الآخر قبل إجازة البيع جاز العتق على الذي أعتقه، فإن أجاز البائع البيع الاول بعد ذلك لا يصح إجازته. وفي الخانية: لو أعتق المشتري الاخير أو كان له الخيار إن شاء ضمن المشتري الاول وإن شاء ضمن غيره، فإن ضمن المشتري الاول جازت البياعات كلها، وإن ضمن غيرها يجوز كل بيع بعده ويبطل كل بيع كان قبله اه‍. وفي قاضيخان: ولو كان البائع مكرها والمشتري غير مكره فقال المشتري بعد القبض نقضت البيع لا يصح، ولو قال قبل القبض صح نقضه، ولو كان المشتري مكرها والبائع غير مكره فلكل واحد منهما النقض قبل القبض وبعد القبض يكون للمشتري دون البائع. قال رحمه الله: (وإن هلك المبيع في يد المشتري وهو غيره مكره والبائع مكره ضمن قيمته للبائع) لانه قبضه بحكم عقد فاسد فكان مضمونا عليه بالقيمة. قيد بقوله والمشتري غير مكره قال قاضيخان: ولو كان المشتري مكرها دون البائع فهلك المشتري عنده من غير تعد منه يهلك أمانة اه‍. ولو قال ضمن بدله كان أولى لانه يشمل المثلي والقيمي. قال رحمه الله: (وللمكره أن يضمن المكره) لانه آلة له فيما يرجع إلى الاتلاف وإن لم يكن له آلة في حق المتكلم لعدم الصلاحية لان التكلم بلسان الغير لا يمكن فصار كأنه دفع مال البائع إلى المشتري فيضمن أيهما شاء كالغاصب وغاصب الغاصب، فإن ضمن المكره رجع المكره على المشتري بالقيمة لانه بأداء الضمان ملكه فقام مقام المالك المكره فيكون مالكا له من وقت وجود السبب بالاستناد، ولو ضمن المشتري ثبت ملك المشتري فيه ولا يرجع على المكره لانه ملكه بالشراء والقبض غير أنه توقف نفوذه على سقوط حق المكره من الفسخ فإذا ضمنه قيمته

[ 132 ]

[ يحل وحل بقتل وقطع وأثم بصيره وعلي الكفر وإتلاف مال المسلم بقتل وقطع لا ] نفذ ملكه فيه كسائر البياعات الفاسدة. قال رحمه الله: (وعلى أكل لحم خنزير وميتة ودم وشرب خمر حبس أو ضرب أو قيد لم يحل وحل بقتل وقطع) يعني لو أكره على هذه الاشياء بما لا يخاف على نفسه أو عضوه كالضرب لا يسعه أن يقدم عليه وبما يخاف يسعه ذلك لان حرمة هذه الاشياء مقيدة بحالة الاختيار وفي حالة الضرورة مبقات على أصل الحل لقوله تعالى * (إلا ما اضطررتم إليه) * (الانغام: 119) فاستثنى حالة الاضطرار لانه فيها مباح والاضطرار يحصل بالاكراه الملجئ وهو أن يخاف على نفسه أو عضوه ولا يحصل ذلك بالضرب بالصوت ولا بالحبس حتى لو خاف ذلك منه وغلب على ظنه يباح له ذلك. أقول: في قوله يباح له ذلك إشكال قوي فإن المباح ما استوى طرفاه فعله وتركه كما تقرر في علم الاصول، وفيما نحن فيه إذا خيف على النفس أو على عضو كان طرف العقل راجحا بل فرضا كما صرح به في لب الاصول من كون ذلك فرضا فتأمل. فلو قال بغير ما يخاف منه على تلف عضو أو نفسه لم يفترض وإلا افترض إلى آخره لكان أولى. وقدره بعضهم بأدنى الحد وهو أربعون سوطا فإن هدد به وسعه أن يقدم، وإن هدد بدونه لا يسعه لانه ما دون ذلك مشروع بطريق التعزير. قلنا: لا وجه للتعزير بالرأي وأحوال الناس مختلفة فمنهم من يحمل الضرب الشديد، ومنهم من يموت بأدنى منه فلا طريق سوى الرجوع إلى رأي المبتلى، فإن غلب على ظنه أن تلف النفس أو العضو يحصل به وسعه وإلا فلا، وإذا قلنا لا يسعه شرب الخمر هل يحد أم لا؟ قال في المحيط: وإذا شرب الخمر لا يحد لان بأغلظ الاكراهين تثبت حقيقة إباحة الشرب حالة الضرورة وبأخفهما ثبت شبهة الاباحة والشبهة كافية لدرء الحدود اه‍. وفي المبسوط: الاكراه على المعاصي أنواع: نوع يرخص له فعله ويثاب على تركه، وقسم حرام فعله مأثوم على إتيانه، وقسم يباح فعله ويأثم على تركه. الاول الاكراه على إجراء كلمة الكفر وشتم محمد صلى الله عليه وسلم أو على ترك الصلاة أو كل ما ثبت بالكتاب. الثاني كما لو أكره بالقتل على أن يقتل مسلما أو يقطع عضوه أو يضربه ضربا يخاف منه التلف أو يشتم مسلما أو يؤذيه أو على الزنا. والثالث لو أكره على الخمر وما ذكر معه. قال رحمه الله: (وأثم بصبره) يعني إذا أكره على ما تقدم بقتل وقطع فلم يفعل حتى قتله أو قطع عضوا منه أثم لان التناول في هذه الحالة مباح وإتلاف النفس أو العضو بالامتناع عن المباح حرام فيأثم إلا أنه إذا لم يعلم الاباحة في هذه الحالة لا يأثم لانه موضع الخفاء وقد دخله اختلاف العلماء فلا يأثم كالجهل بالخطاب في دار الحرب أو في أول الاسلام في حق من أسلم فيها. وعن أبي يوسف لا يأثم مطلقا لانه رخصة إذ الحرمة قائمة فيكون أخذا بالعزيمة. قلنا: حالة الاضطرار مستثناة فلا يكون الامتناع عزيمة بل معصية. قال في العناية: فإن قيل: إضافة الاثم إلى ترك المباح من باب فساد الوضع وهو فاسد، فالجواب أن المباح إنما يجوز تركه

[ 133 ]

[ بغيرهما يرخص ويثاب بالصبر وللمالك أن يضمن لمكره وعلى قتل غيره بقتل لا ] والاتيان به إذا لم يترتب عليه محرم وههنا ترتب عليه محرم وههنا ترتب عليه قتل النفس المحرم فصار الترك حراما لان ما أفضى إلى الحرام حرام اه‍. أقول: والذي يظهر أن الاثم ليس على ترك المباح بل على ترك الفرض كما تقدم تقريره اه‍. قال في المحيط: والاصل أن من ابتلى ببليتين يختار أهونهما أو إيسرهما. والمسائل على أربعة أوجه: الاول لو أكره بقتل على أن يقطع يد نفسه فهو في سعة من قطعها لان القطع أهون من القتل لان الظاهر أن القطع يقتصر ولا يسري، ولهذا يباح القطع عند الاكراه إذا خاف الهلاك على نفسه. الثاني لو أكره على قتل نفسه لا يباح له. الثالث لو أكره. على إلقاء نفسه في النار أو في الماء أو من سطح إن كان لا يرجو الخلاص والنجاة من ذلك يباح له وإلا فلا، وذكر أن الاحراق بالنار أشد من السيف. والرابع على إكراهه بالقتل بالسياط على قتل نفسه بالسيف يباح له القتل بالسيف لان القتل بالسياط أشد من القتل بالسيف. قال رحمه الله: (وعلى الكفر وإتلاف مال المسلم بقتل وقطع لا بغيرهما يرخص) يعني لو أكره على كلمة الكفر وإتلاف مال إنسان بشئ يخاف على نفسه أو على أعضائه كالقتل وقطع الاطراف يرخص له إجراء كلمة الكفر على لسانه وقلبه مطمئن بالايمان، ولحديث عمار بن ياسر حين ابتلي به أنه عليه الصلاة والسلام قال له: كيف وجدت قلبك؟ قال: مطمئنا بالايمان. قال: فإن عادوا فعد. أي عد إلى الاطمانينة، ولان بهذا الاظهار أنه لا يفوت حقيقة الايمان لان التلفظ في هذه الحالة لا تدل على تبدل الاعتقاد لقيام التصديق به فرخص له إحياء لنفسه. وفي المحيط وغيره: وهذه المسألة على ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون قلبه مطمئنا ولم يخطر على باله شئ سوى ما أكره عليه. والثاني أن يخطر بباله الخبر بالكفر عما مضى بالكذب بأن لم يكن كفر قط فيما مضى وقال أردت الخبر عما مضى كاذبا ولم أرد كفرا مستقبلا فهذا يكفر قضاء ولا يكفر ديانة. الثالث أن يقول لم يخطر ببالي كفر في الماضي وأردت الكفر مستقبلا فهذا يكفر قضاء وديانة اه‍. وفي المحيط: على هذا التفصيل أنه إذا أكره على أن يصلي للصليب أو يسجد. وفي الظهيرية: لو أكره على أن يسجد للصليب فالمسألة على ثلاثة أوجه: الاول إذا خطر بباله أن يصلي لله تعالى لا للصليب، وفي هذا الوجه لا يكفر في القضاء ولا فيما بينه وبين الله تعالى، سواء كان مستقبل القبلة أو لم يكن مستقبلا.، الثاني أن يقول لم أصل لله تعالى وصليت للصليب، وفي هذا يكفر في القضاء وفيما بينه وبين الله تعالى. الثالث أن يقول لم يخطر ببالي وصليت للصليب مكرها في هذا لا يكفر في القضاء ولا فيما بينه وبين الله تعالى. وفي الاصل: لو أكره على شتم محمد صلى الله عليه وسلم فهي على ثلاثة أوجه: الاول أن يقول لم يخطر ببالي شئ وشتم محمدا مكرها وفي هذا لا يكفر قضاء ولا ديانة. الثاني أن يقول خطر ببالي رجل من النصارى يقال له محمد فشتمته ولم أشتم

[ 134 ]

الرسول فهذا كالاول. قال الكرخي: أطلق محمد في العبارة وحيث لم يقل من المسلمين لان شتم النصراني دون المسلم في الحرمة. الثالث أن يقول خطر ببالي رجل من النصارى فيه فتركته وسميت الرسول وفي هذا يكفر قضاء وديانة اه‍. قال رحمه الله: (ويثاب بالصبر) أي يكون مأجورا إن صبر ولم يظهر الكفر حتى قتل لان خبيبا صبر حتى صلب وسماه النبي صلى الله عليه وسلم سيد الشهداء وقال: هو رفيقي في الجنة. ولان الحرمة قائمة والامتناع عزيمة فإذا بذل نفسه لاعزاز الدين كان شهيدا. ولا يقال الكفر مستثنى في حالة الاكراه فكيف يكون حراما في تلك الحالة لانا نقول: الاستثناء راجع إلى العذاب لان المذكور قبله دون الحرمة بخلاف الخمر وأخواته فإن المذكور فيه الحرمة فينتفي في تلك الحالة وهنا لا تنتفي فتبقى على حالها، ولكن لو ترخص جاز. واعترض عليه بأن إجراء كلمة الكفر أيضا مستثنى بقوله * (إلا من أكره وقبله مطمئن بالايمان) * (النحل: 106) من قوله * (من كفر بالله بعد إيمانه) * (النحل: 106) فينبغي أن يكون مباحا كأكل الميتة وشرب الخمر. وأجيب بأن في الآية تقديما وتأخيرا أو تقديره من كفر بالله من بعد إيمانه وشرح وبالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم إلا من أكره وقبله مطمئن بالايمان فالله تعالى ما أباح أجراء كلمة الكفر على لسانهم حالة الاكراه وإنما دفع عنهم العذاب والغضب وليس من ضرورة نفي الغضب وهو حكم الحرمة لانه ليس من ضرورة عدم الحكم عدم العلة فجاز أن يكون الغضب منتفيا مع قيام العلة الموجبة للغضب وهو الحرمة فلم تثبت إباحة إجراء كلمة الكفر، كذا في النهاية وعزاه إلى مبسوط شيخ الاسلام اه‍. قال رحمه الله: (وللمالك أن يضمن لمكره) لانه هو المتلف لماله والمكره آلة له فيما يصلح آلة. قال رحمه الله: (وعلى قتل غيره بقتل لا يرخص) يعني لو أكره على قتل غيره بالقتل لا يرخص له القتل لاحياء نفسه لان دليل الرخصة خوف التلف والمكره والمكره عليه سواء في ذلك فسقط المكره، ولان قتل المسلم بغير حق مما لا يستباح لضرورة ما فكذا بالاكراه وهذا لا نزاع فيه. وأطلق في قوله غيره فشمل الحر والعبد وعبده وعبد غيره. وفي المحيط: لو أكره بقتله أن يقتل عبده أو يقطع يده لم يسعه ذلك فإن قتل يأثم ويقتل المكره في القتل ويضمن نصف قيمته لان دمه حرام بأصل الفطرة، ولو أكره بقتل على أن يقتل أباه أو ابنه فقتله لم يحرمه عن الميراث، ولو كان المكره أبا المقتول أو ابنه يحرم عن الميراث لان المباشر للقتل هو المكره، ولو أكره بقتل على أن يضرب رجلا بحديدة فضربه وثنى بغير إكراه فمات قتلا جميعا لان إحدى الضربتين بغير إكراه فصارت منقولة إليه والاخرى منقولة إلى المكره، ولو كانت إحدى الضربتين بعصاة غرم عاقلة كل واحد منهما نصف الدية في ثلاث سنين، وإن كان الاكراه بحبس أو قيد فالضمان على الضارب قودا كان أو دية لان الاكراه بالحبس لا يعتبر إكراها في حق هذه الاحكام. وفيه أيضا: ولو أكره بقتل على أن يأمر رجلا بقتل عبده

[ 135 ]

[ يرخص وإن قتله إثم ويقتص من المكره فقط وعلى إعتاق وطلاق ففعل وقع ورجع ] فقتله عمدا يقتل القاتل لان الاذن بالقتل لم يصح مع الاكراه ولانه قول لا يؤثر فيه عدم الرضا فيكون التلف مضافا إلى القتل دون الاذن بخلاف المأمور بالعتق حيث لا يضمن لان المأمور لا يملك الاعتاق إلا بالاذن فصار المعتق متلفا بسبب الاذن فيصير التلف محالا إلى الاذن. ولو أكره المولى بحبس أو قتل فقتله يضمن قيمته استحسانا ويقتص القاتل قياسا. وجه الاستحسان أن الاذن إذا فسد بالاكراه لفوات الرضا معتبر من وجه وفعل المأذون كفعل الآذن فأورث شبهة فلم يجب القصاص فأوجبنا الدية صونا لدمه عن الهدر، ولو أكره المولى بقتل على بيع عبده وتسليمه والمشترى بالقتل على الشراء والقبض ثم أكره المشتري من على قتله بقتل فللمولى أن يقتل المكره قياسا لان المشتري مكره على القتل فصار فعله منقولا إلى المكره، ويضمن قيمته استحسانا لان العبد مملوك للمشتري وللبائع فيه حق الاسترداد فكان القصاص للبائع من وجه وللمشتري من وجه فكان المستحق للقصاص مجهولا فلا يكون لاحدهما حق استيفاء القصاص فأوجبنا القيمة على المكره في ماله للبائع لان للبائع حق الاسترداد وقد أبطل المشتري هذا الحق عليه بالقتل بغير رضاه، فلو أكره بحبس أو قيد على البيع والقبض والمشتري على الشراء بقتل ثم أكره المشتري على قتله بقتل فقتله يضمن قيمته لمولاه ثم يقتل المكره بالعبد قصاصا لان المشتري طائع في القبض مكره في الشراء فملك المشتري العبد بعقد فاسد فكان مضمونا عليه بالقيمة وقتله صار منقولا إلى المكره فصار المكره قاتلا عبدا عمدا فيجب القصاص. ولو أكره المشتري على الشراء بحبس وللبائع بقتل ثم أكره المشتري على القتل بقتل فقتله فالولي بالخيار إن شاء ضمن المكره قيمة عبده، وإن شاء ضمن المشتري لانه طائع في القبض وقد قتله المكره بقتل المشتري فيجب القصاص اه‍. قوله بالقتل يشمل ما إذا صرح بذلك بأن قال إن لم تقتل قتلتك أو دل الحال عليه بأن غلب على ظنه قتله ولم يصرح له بذلك لما في جامع الفتاوي: لو قال له اقتل فلانا أو غلب على ظنه القتل فقتله هو إكراه فإذا قتله يقتص من المكره. قال رحمه الله: (وإن قتله إثم) لان الحرمة باقية لما ذكرنا وأثم بمباشرته لان الاثم يكون بذمته والمكره لا يصلح أن يكون آلة له في حقه، وكذا لو أكره على الزنا لا يرخص له لان فيه قتل النفس بالضياع لانه يجئ منه ولد ليس له أب ولان فيه إفساد الفراش بخلاف جانب المرأة حيث يرخص لها بالاكراه الملجئ لان نسب الولد لا ينقطع فلم يكن في معنى القتل في جانبها بخلاف الرجل ولهذا وجب الاكراه القاصر درء الحد في حقها دون الرجل. قال رحمه الله: (ويقتص من المكره فقط) وهذا قول الامام ومحمد. وقال زفر: يجب القصاص على المكره دون المكره لان القصاص يجب على القاتل والقاتل هو المكره حقيقة لانه المباشر ولهذا يتعلق الاثم به، ولان القتل فعل حسي وهذا لا يجزئ فيه الاستناد لغير الفاعل.

[ 136 ]

وقال الشافعي: يجب القصاص عليهما. وقال أبو يوسف: لا يجب القصاص على واحد منهما. ولهما أنه محمول على القتل بطبعه إيثارا لحياة نفسه فيصير آلة لنفسه للمكره فيما يصلح أن يكون آلة له وهو الاتلاف فيقتص منه بخلاف الاثم لانه باعتبار الجناية على ديته وهو لا يصلح أن يكون آلة له فيه فيأثم المكره. قال في النهاية: سواء كان الآمر بالغا عاقلا أو معتوها أو مجنونا أو صبيا فالقود عليه وعزاه إلى المبسوط، ونسبه شيخ الاسلام علاء الدين عبد العزيز إلى السهو، ونقل عن أبي اليسر في مبسوطه لو كان الآمر صبيا أو مجنونا لم يجب القصاص لان الفاعل في الحقيقة هو الصبي والمجنون وهو ليس بأهل للعقوبة، كذا في الاكمل. وفي المحيط: لو أكره على أن يقتل رجلا أو يكفر بالله تعالى وسعه الكفر دون القتل لان الكفر يرخص في حالة الاضطرار دون القتل فإنه لا يرخص بحال، ولو قتل ولم يكفر المكره دون القتل قياسا لانه قتل نفسا مختارا طائعا ويضمن الدية استحسانا في ماله في ثلاث سنين إن لم يكن عالما بأن الكفر يسعه يقتل به، وقيل لا يقتل به لان الدليل المورث للشبهة قائم وهو حرمة الكفر، ولو أكره على أن يقتل أو يأكل الميتة أو يشرب الخمر فقيل يقتل القاتل دون المكره لان أكل الميتة وشرب الخمر يرخص حالة الاضطرار. قال رحمه الله: (وعلى إعتاق وطلاق ففعل وقع) يعين لو أكره على إعتاق وطلاق فأعتق وطلق وقع العتق والطلاق لان الاكراه لا ينافي الاهلية على ما بينا وعدم صحة بعض الاحكام كالبيع والاجارة والاقارير لمعنى راجع إلى التصرف وهو كونه يشترط فيه الرضا ومع الاكراه لا يوجد الرضا، فأما العتق والطلاق فلا يشترط فيهما الرضا فيقع ألا ترى أن العتق والطلاق يقعان مع الهزل لعدم اشتراط الرضا فيهما بخلاف البيع وأخواته. وفي المبسوط: وكل تصرف يصح مع الهزل كالطلاق والعتاق والنكاح يصح مع الاكراه، ولو أكره الرجل على الاكراه يصح، فإن كان المسمى مثل مهر المثل أو أقل جاز ولا يرجع على المكره بشئ لانه عوضه مثل ما أخرج عنه، وإن كان المسمى أكثر من مهر المثل فالزيادة باطلة ويجب مقدار مهر المثل لانه فات الرضا في الزيادة بالاكراه. وإن أكره المرأة على النكاح فلا شئ على المكره لانه أتلف عليه منفعة البضع ولا ضمان على متلف المنفعة ولانه عوض المهر فلا يعد إزالة وإتلافا، فإن كان الزوج كفؤا والمهر مهر المثل جاز، وإن كان أقل فالزوج بالخيار إن شاء أتم لها مهر مثلها، وإن شاء فارقها إن لم يدخل بها ولا شئ عليه، وإن دخل بها وهي مكرهة فلها مهر مثلها، وإن دخل بها وهي طائعة فهو رضا منها بالمسمى إلا أن يكون للمولى حق تكميل مهر مثلها عند الامام خلافا لهما، وإن فارقها قبل الدخول لا مهر لها لان الفرقة جاءت من قبلها. وقيد بقوله على إعتاق لانه لو أكره على العتق من إعتاق كما لو أكره على شراء ذي رحم محرم منه فاشترى يعتق عليه كما سيأتي فإنه لا يرجع بشئ، كذا لو أكره على شراء من حلف بعتقه، وكذا لو أكره على

[ 137 ]

شراء أمة ولدت منه بالنكاح فاشترى فعتقت عليه بشئ لانه عتق من غير اعتاق. قال رحمه الله: (ورجع بقيمته) يعني يرجع المكره على المكره بقيمة العبد لان الاتلاف منسوب إليه والمكره آلة له فيه فيرجع بقيمة العبد عليه موسرا كان أو معسرا لان ضمان الاتلاف لا يختلف باليسار والاعسار بخلاف ضمان الاعتاق على ما تقدم، ولا سعاية على العبد لان السعاية إنما تجب عليه للخروج للحرية كما في معتق البعض أو لتعلق حق الغير به كعتق الراهن المرهون وهو معسر أو عتق المريض عبده وعليه دين ولم يخرج من الثلث، ولا يرجع المكره على العبد بما ضمن لانه ضمان وجب عليه بفعله فلا يرجع به على غيره. وأطلق المؤلف في الرجوع وهو مقيد بما إذا قال أردت بقولي عتقا مستقبلا كما طلب مني أو قال لم يخطر ببالي سوى الاتيان بمطلوبه، أما لو قال خطر ببالي الاخبار فأخبرته فيما مضى كاذبا وأردت ذلك لانشاء الحرية عتق العبد قضاء لا ديانة ولا يضمن المكره المكره شيئا لانه عدل عما أكره عليه فكان طائعا في الاقرار فلا يصدق في دعواه الاخبار كاذبا. فإن قيل: ينبغي أن لا يضمن المكره لانه أتلف بعوض وهو الولاء والاتلاف بعوض كلا إتلاف. وأجيب بأن الولاء سببه العتق على ملك المولى فيكف المكره معوضا ولكن لا يكون عوضا إلا إذا كان العوض مالا كما إذا أكره على أكل طعام الغير فأكله فلا ضمان على المكره إذ عوضه ما هو في حق حكم المال كما في منافع البضع والولاء ليس بمال لانه بمنزلة النسب، ألا ترى أن شاهدي الولاء إذا رجعا لا يضمنان. ورد هذا بما إذا أكره المولى على شراء ذي محرم رحم منه فعتق عليه فإن المكره لا يرجع هناك بقيمة العبد على المكره لانه حصل له عوض وهو صلة الرحم، كذا في البدائع. ولا يخفي أن الرحم صلة ليست بمال كالولاء، أما حقيقة فظاهر، وأما حكما فلانه لم يقل به أحد كما قالوا في منافع البضع عند الدخول. وفي المحيط: ولو أكره على أن يعتق على أقل من قيمته على مائة وقيمته ألف والعبد غير مكره يقع بتمام قيمته، ثم إن شاء ضمن المكره قيمته ثم يرجع هو على العبد بمائة السعاية لانه بأداء الضمان قام مقام المولى، وإن شاء المولى ضمن المكره تسعمائة ثم يرجع بتسعمائة وأخذ من العبد مائة لان السيد طائع في التزام المال والمكره يتلف عليه تسعمائة بغير عوض فيأخذ منه. ولو أكره على أن يعتق عبده على ألفين إلى سنة وقيمته ألف ففعل، فإن شاء ضمن المكره قيمته للحال وهي ألف ويرجع المكره على العبد بألفين إلى سنة ويتصدق بالفضل، وإن شاء اختار العتق وكان له ألفان إلى سنة. ولو أكره العبد على قبول العتق على مال لم يلزمه شئ ويضمن للمكره لما بينا. عبد بين رجلين أكره أحدهما على عقته فأعتقه جاز والولاء كله للمعتق عندهما، فإن كان المكره موسرا ضمن قيمته بينهما، وإن كان معسرا ضمن نصف قيمته للمكره ويسعى العبد للآخر في نصف قيمته لان المكره في حق المكره متلف وفي حق الساكت بمنزلة العتق. وعند الامام يعتق نصيب المكره لا غير ولا ضمان على المكره للساكت

[ 138 ]

وإن كان موسرا، فإن اختار الساكت تضمين شريكه فالولاء كله له، وإن اختار الاعتاق أو السعاية فالولاء بين الشريكين. ولو قتل عبد رجلا وأكره على عتقه وهو يعلم بالجناية ضمن المكره قيمته ويأخذها المولى فيدفعها إلى ولي الجناية لانه مضطر في هذا الاعتاق ولو كان الاكراه بحبس أو قيد بضمن المولى الجناية دون الدية ولا يضمن المكره شيئا لان هذا الاكراه لا يعد إكراها في حق إتلاف المال ويعتبر إكراها في حق التزام المال. ولو أكره على أن يعتق عبده عن رجل بألف درهم وقيمته ألف فأعتق وقبل المعتق عنه طائعا، فإن شاء ضمن المكره، وإن شاء ضمن المعتق عنه، فلو ضمن الاول يرجع على المعتق عنه والولاء للمعتق. وقال الكرخي: ينبغي أن يقع العتق عن المعتق عنه لانه بمعنى البيع وبيع المكره قبل التسليم لا يفيد الملك. وأجيب بأن الاكراه ورد على العتق لا على البيع الذي في ضمن طلب الاعتاق ولو ورد على البيع إنما يرد ضمنا وتبعا والاكراه لا يؤثر، فما ثبت ضمنا وتبعا ويعتقد في الضمني بما لا يعتقد في القصدي. ولو أكره بحبس تجب القيمة على المعتق عنه دون المكره، ولو أكره المعتق بالقتل والمعتق عنه بالحبس فالمعتق عنه غير مكره، ولو كان الاكراه على عكس هذا ضمن المكره قيمته للمولى ولم يضمن المعتق عنه شيئا والولي للمعتق عنه لان الاكراه بوعيد تلف صير الفاعل هو المكره، والاعتاق وإن وجد في ملك المعتق فقد أتلف المكره بالاعتاق عليه حق الاسترداد بغير رضا، ولو أكره على أن يدبر عبده عنه بألف فدبر فالمولى بالخيار إن شاء ضمن المكره قيمته قنا ورجع المكره على قابل التدبير بقميته مدبرا، وإن شاء ضمن القابل قيمته مدبرا ورجع على المكره بنقصان التدبير، ولا يرجع المكره به على القابل. ولو أكره على الاعتاق بحبس أو قيد لم يضمن المكره شيئا ويضمن القابل قيمته قنا لان هذا الاكراه غير معتبر في حق إتلاف المال، ولو أكره المولى بالقتل والقابل بالحبس ضمن القابل قيمته قنا ولا يرجع على المكره بشئ، فإن ضمن المكره رجع به على القابل. ولو وهب المولى من الكره قيمته أو أبرأه منها كان للمكره أن يرجع على القابل بقيمته، ولو أكره المولى بحبس والقابل بوعيد تلف فللمولى أن يضمن المكره ما نقص بالتدبير ويضمن القابل قيمته مدبرا لما عرف. ولو أكره بقتل على أن يقبل من رجل عتق عبده على ألف وقيمته خمسمائة ورب العبد طائع ففعل كان الولاء للقابل ولا ضمان عليه ولا على المكره لان قبول العتق عنه بألف يتضمن شراء وقبضا وإعتاقا والمشتري مكره في جميع ذلك والمكره لا يضمن شيئا للمولى، ولو أكره على أن يعتق نصف عبده فأعتق كله لم يضمن عند الامام، وعندهما يضمن لان عنده العتق يتجزئ وعندهما لا يتجزئ فالاكراه على إعتاق النصف إكراه على إعتاق الكل. ولو أكره على أن يعتق كله فأعتق نصفه يضمن عندهما، وعند الامام يسعى في نصف قيمته ويضمن المكره نصف قيمته اه‍. مختصرا بتأمل. هذا ما تقدم في البيع إذا أكره على بيع الكل فباع النصف كان مكرها حيث عللوا بأن بيع النصف أشد ضررا من بيع الكل وإعتاق الكل

[ 139 ]

[ بقيمته ونصف المهر إن لم يطأوعلى الردة لم تبن امرأته وحرمة طرف الانسان كحرمة نفسه. ] أشد ضررا من عتق النصف ويطلب الفرق. قال رحمه الله: (ونصف المهران لم يطأ) يعني لو أكره على أن يطلق امرأته فطلقها قبل الوطئ ضمن المكره نصف المهر لان ما عليه كان على شرف السقوط بوقوع الفرقة من جهتها بمعصية كالارتداد وتقبيل ابن الزوج وقد تأكد ذلك بالطلاق فكان تقريرا بالمال فيضاف تقريره إلى المكره وكان متلفا له فيرجع به عليه. أطلق في الرجوع وهو مقيد بما إذا قال أردت به الانشاء في الحال كاطلب مني أو قال أردت الاتيان بمطلوبه، أما إذا قال أردت الاخبار كاذبا فيقع قضاء لا ديانة ولا يضمن المكره شيئا لانه عدل عما أكره عليه فكان طائعا في ذلك فلا يصدق قضاء ولا يضمن المكره لانه خالفه. هذا إذا كان المهر مسمى، وإن لم يكن مسمى فيه فيرجع عليه بما لزمه من المتعة. ولو أكره على أنه يعتق عبده أو يطلق امرأته ففعل رجع بالاقل من قيمة العبد ومن نصف المهر لان الضرر كان يندفع بالاقل، ولو كان ذلك بعد الدخول لا يجب على المكره شئ لانه لم يتلف عليه شيئا. ولو أكره على التوكيل بالطلاق أو العتاق فأوقع الوكيل وقع استحسانا، والقياس أن لا يصح التوكيل لان الوكالة تبطل بالهزل فكذا مع الاكراه كالبيع وأمثاله. وجه الاستحسان أن الاكراه لا يمنع انعقاد البيع ولكن يوجب فساده فكذا التوكيل ينعقد مع الاكراه والشروط الفاسدة لا تؤثر في الوكالة لانها من الاسقاطات، ويرجع الموكل على المكره بما أتلف عليه ولا ضمان على الوكيل لانه لم يوجد منه إكراه. ولو أكره على النذر صح ولزم لانه لا يحتمل الفسخ فلا يعمل فيه الاكراه ولا يرجع على المكره بما لزمه لانه لا مطالب له في الدنيا، وكذا اليمين والظهار لا يعمل فيهما الاكراه لانهما لا يحتملان الفسخ، وسواء كان اليمين على الطاعة أو على المعصية. وكذا الرجعة والايلاء والفئ فيه با للسان لان الرجعة استدامة النكاح فألحقت بالنكاح، والايلاء يمين فألحق باليمين. ولو بانت بمضي أربعة أشهر ولم يكن دخل بها لزمه نصف المهر وليس له أن يرجع به على المكره لانه كان متمكنا من الفئ في المدة، وكذا الخلع لانه طلاق. ولو أكره على أن يجعل كل مملوك يملكه حرا في المستقبل ففعل ثم ملك مملوكا عتق عليه ولا ضمان على المكره لان العتق حصل باعتبار صنع من جهته. وإن أكره على أن يعلق عتق عبده بفعل لا بد له منه نحو أن يقول إن صليت فعبدي حر أو أكلت أو شربت ثم فعل المكره هذه الاشياء عتق العبد وغرم المكره قيمته لانه لا بد له من هذه الافعال وكان ملجأ. ولو أكره على أن يكفر ففعل لم يرجع بذلك على الذي أكره لانه أمره بالخروج عن حق لزمه. ولو أكره على عتق عبد عن كفارة ففعل عتق وعلى المكره قيمته لانه لمن لم يجب عليه أن يعتق عبدا معينا عن كفارة معينة فهو بالاكراه معتديا عليه ولا يجزيه عن الكفارة لانه في معنى العتق بعوض. ولو قال أنا أبرئه عن القيمة حتى يجزئ عن الكفارة لم يجز ذلك لان العتق نفذ غير مجزئ عن

[ 140 ]

الكفارة والموجود بعد ذلك إبراء عن الدين وهو لا يتأدى به الكفارة. ولو قال اعتقه حين أكرهني وأنا أريد به عن الكفارة ولو أعتقه بإكراه أجزأه عن الكفارة وليس له أن يرجع بقيمة العبد على المكره. ولو أكره على الزنا فزنى يجب عليه الحد في قول الامام أولا وهو قول زفر ثم رجع وقال لا يجب عليه الحد إذا أكرهه السلطان، وإن أكرهه غيره يجب. وقالا: لا يجب عليه الحد في الوجهين، وهذا اختلاف عصر وزمان على ما بيناه من قبل وفي موضع سقط الحد ووجب المهر سواء كانت مكرهة على الفعل أو أذنت له بذلك. أما الاول فظاهر لانها لم ترض بسقوط حقها، وأما الثاني فلان إذنها لغو لكونها محجورة عن ذلك شرعا. قال رحمه الله: (وعلى الردة لم تبن امرأته) يعني لو أكره على الردة وأجرى كلمة الكفر على لسانه وقلبه مطمئن بالايمان لم تبن امرأته لانه لم يكفر به. ولو قال عند قوله على الردة لم يرخص ولو فعل لم تبن به امرأته لكان أولى وأخرى، ولان الكفر يتعلق بتبدل الاعتقاد ولم يتبدل اعتقاده حيث كان قلبه مطمئنا بالايمان حتى لو ادعت المرأة ذلك وأنكر كان القول قوله استحسانا. والقياس أن يكون القول قولها حتى يفرق بينهما لان كلمة الكفر سبب لحصول البينونة بها فيستوي الطائع والمكره كلفظة الطلاق. ووجه الاستحسان هذا اللفظ غير موضوع للفرقة وإنما تقع الفرقة باعتبار تغير الاعتقاد والاكراه دليل على عدم التغير فلا تقع الفرقة، ولهذا لا يحكم عليه بالكفر بخلاف ما إذا أسلم مكرها حيث يحكم عليه بالاسلام لانه وجد منه أحد الركنين وفي الركن الآخر احتمال فرجحنا جانب الوجود احتياطا لان الاسلام يعلو ولا يعلى عليه، ونظيره السكران فإن إسلامه يصح ولا تصح ردته لعدم القصد. هذا البيان الحكم أما فيما بينه وبين الله تعالى فإذا لم يعتقد فليس بمؤمن. وعدم إبانة الزوجية إذا قال لم يخطر ببالي شئ ونويت ما طلب مني وقلبي مطمئن بالايمان، ولو قال نويت الاخبار باطلا ولم أنو ما أمرت به بانت امرأته في الحكم لانه مخالف لما طلب منه باعتبار الظاهر فلا يصدق أنه نوى ذلك في حق المرأة. ولو قال أردت ما طلب مني وقد خطر ببالي الخير على الباطل بانت امرأته ديانة وقضاء لانه كفر حقيقة. والاكراه على الصلاة أو سب النبي صلى الله عليه وسلم في أمانة المرأة وعدمه على هذا التفصيل، ولو قال خطر ببالي أنه لو أكره العدو على كلمة الكفر لا جرى على لسانه وقلبه مطمئن بالايمان كفر. قال رحمه الله: (وحرمة طرف الانسان كحرمة نفسه) حتى لو أكره على قطع يد إنسان يقطع يده لا يرخص له ذلك فإن فعل ذلك يأثم ويجب القصاص على المكره لو كان حرا، ويضمن نصف القيمة لو كان رقيقا، وهذا لا ينافيه ما نقله قاضيخان إذا قال لرجل اقطع يد هذا وإلا قتلتك وسعه أن يقطع، وإذا قطع كان على الآمر القصاص على قول الامام. وفي التاتارخانية: إذا قال إن لم تقطع يدك وإلا قطعتها لا يسعه أن يقطع يد نفسه ا ه‍. فظهر بما نقلنا إذا كان أحدهما أغلظ من القطع وسعه وإن كان قطع بقطع لا يسعه. ولو أكره على قطع طرف نفسه حل له قطعه بخلاف ما إذا أكره على قتل

[ 141 ]

[ باب الحجر ] نفسه حيث لا يحل له قتلها لان الاطراف يسلك بها مسلك الاموال في حق صاحب الظرف حتى يحل له قطعها إذا أصابتها أكلة. ولو أكره على أن يلقي نفسه في النار أو على الالقاء من الجبل بالقتل وكان الالقاء بحيث لا ينجو ولكن فيه نوع تخفيف فله الخيار إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل عند الامام، فلو ألقى نفسه في النار فاحترق فعلى المكره القصاص، وعندهما لا يصبر ولا يفعل. ولو قال له لتلقين نفسك من رأس الجبل أو لاقتلنك بالسيف فألقى نفسه فمات فعند أبي حنيفة تجب الدية على عاقلة المكره لانه لو باشر لا يجب عليه القصاص لانه قتل بالمثقل بل فيه الدية على العاقلة فكذا إذا أكره عليه. وعند الثاني تجب الدية على المكره في ماله. وعند محمد يجب القصاص. ولو قال لآخر اقتلني تجب الدية في ماله في الصحيح. ولو أكرهت المرأة على التزويج بمهر فيه غبن فاحش ثم زال الاكراه فرضيت المرأة ولم يرض الولي فللولي الفراق عند أبي حنيفة أو يتم مهر المثل. وقالا: ليس له ذلك لان المهر خالص حقها حتى تملك إسقاطه والله تعالى أعلم بالصواب. باب الحجر أورد الحجر عقيب الاكراه لان في كل واحد منهما سلب ولاية المختار عن الجري على موجب الاختيار إلا أن الاكراه لما كان أقوى تأثيرا لان فيه سلبها عمن له اختيار صحيح وولاية كاملة بخلاف الحجر. والحجر في اللغة المنع من قولك حجر عليه القاضي يحجر حجرا إذا منعه من التصرف في ماله ولهذا سمي الحطيم حجرا لانه منع من البيت، ومنه قوله تعالى * (هل في ذلك قسم لذي حجر) * (الفجر: 5) أي لذي عقل. وفي الشرع عبارة عن مبيع مخصوص في حق شخص مخصوص وهو الصغير والرقيق والمجنون وهذه الثلاثة سبب الحجر، وألحق بهذه الثلاثة ثلاثة أخر المفتي الماجن والطبيب الجاهلي والمكاري المفلس. ومن محاسن الحجر أن فيه شفقة على خلق الله وهي أحد طرفي الديانة والآخر التعظيم لامر الله، وتحقيق ذلك أن الله تعالى خلق الورى وفرق بينهم في النهى فجعل بعضهم أولي النهي والرأي ومنهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى، وبعضهم مبتلى بأساليب الردى فيما يرجع إلى المعاملات كالمجنون والمعتوه والرقيق والصغير، وركب الله في البشر العقل والهوى، وركب في الملائكة العقل دون الهوى، وركب في البهائم الهوى دون العقل، فمن غلب عقله على هوائه كان من أفضل الخلق، ومن غلب هواه على عقله كان أردى من البهائم. ودليله ما روي أنه عليه الصلاة والسلام حجر على معاذ وقسم ماله لغرمائه ولان تصرفه لا يشمل توفير النظر والمصلحة فلذا يحجر عليه. قال رحمه الله: (هو منع عن التصرف

[ 142 ]

[ هو منع عن التصرف قولا لا فعلا بصغر ورق وجنون فلا يصح تصرف صبي وعبد بلا إذن ولي وسيد ولا يصح تصرف المجنون المغلوب بحال ومن عقده منهم وهو يعقله ] قولا لا فعلا بصغر ورق وجنون) يعني يحجر عليه بهذه الاسباب المذكورة. واعترض عليه بأن هذه العبارة تفيد حصر المنع في هذه الثلاثة لان ذكر الافراد يفيده وليس كذلك بل يحجر على المفتي الماجن والطبيب الجاهل والمكاري المفلس بالاتفاق، والسفيه والمغفل والمديون على قولهما وعليه الفتوى كما في البزازية فقوله في دليل التعريف بصغر إلى آخره تفسير زائد وتقييد فاسد فالتعريف فيه قصور من حيث تقييد المطلق وأصل التعريف لمطلق الحقيقة وهو لا يخلو إما إن أراد أن يعرف المنع المتفق عليه فعله أن يسقط الزيادة أو يزيد ومجانة وجهل وإفلاس ليكون سببا للمتفق عليه، أو يقول بسبب يوجبه، ولا يخفى أن الرق ليس سببا للحجر في الحقيقة لانه مكلف محتاج كامل الرأي والعقل وإنما حجر عليه لحق المولى. قوله لا فعلا أراد فعلا لم يتعلق به حكم يندرئ بالشبهات، أما إذا كان الفعل يتعلق به حكم يندرئ بالشبهات فهو محجور عليه في حكم ذلك الذي يندرئ بالشبهات كالصبي والمجنون إذا زنى أو قتل فهو محجور عليه بالنسبة لحكم الزنا وهو الحد وبالنسبة بحكم القتل وهو القصاص، كذا في الجوهرة. وقوله قولا نكره في سياق الاثبات وهي تختص عندنا قالوا: المراد بالاقوال هنا ما تردد بين النفع والضرر كالبيع والشراء ويوجب الحجر من الاصل بالاعدام في حكم قول تمحض ضررا كالطلاق والعتاق في حق الصبي والمجنون دون العبد فإن طلاقه يقع ولم يجب الحرج فيما تمحض نفعا كقبول الهبة والهدية والصدقة. قوله لا فعلا نكرة في سياق النفي فيعم ما تقدم ذكره. فإن قيل: الطلاق والعتاق والعفو عن القصاص واليمين والنذر كلها من الاقوال المعتبرة في الشرع والقصد ليس بشرط لاعتبارها شرعا كما صرحوا به في مواضع لا سيما في مباحث الهزل في الاصول فكيف حكمت بأنها عدم من الصبي والمجنون مع أن القصد ليس بشرط في اعتبارها إذا صدرت مع تمام الاهلية؟ وأجيب بأن من ذكر له قصد وما يقصد وما ذكر ليس له قصد معتبر فافترق الحال ا ه‍. قال رحمه الله: (فلا يصح تصرف صبي وعبد بلا إذن ولي وسيد) لان الصبي عديم العقل إذا كان غير مميز وإن كان مميزا فعقله ناقص لعدم الاعتدال وهو البلوغ فيحتمل فيه الضرر فلا يجوز إلا إذا أذن له المولى فيصح حينئذ لترجح جانب المصلحة للمولى، فإذا أذن له بعد ذلك فيتصرف بأهليته إذا كان بالغا عاقلا وإن كان صغير فبأهلية الولي. وفي السراجية: للصغير الذي لا يعقل البيع إذا باع أو اشترى فأجاز الولي لم يصح ولو أذن القاضي للصبي بالتصرف صح تصرفه. قال رحمه الله: (ولا يصح تصرف المجنون المغلوب بحال) يعني لا يجوز تصرفه بحال ولو أجازه الولي لان صحة العبارة بالتمييز وهو لا تمييز له فصار كبيع الطوطي، وإن كان يجن تارة ويفيق أخرى فهو في حال إفاقته كالعاقل والمعتوه كالصبي العاقل في تصرفاته

[ 143 ]

[ يجيزه الولي أو يفسخه وأن أتلفوا شيئا ضمنوا ولا ينفذ إقرار الصبى والمجنون وينفذ ] وفي رفع التكليف عنه وهو الناقص العقل، وقيل هو المدهوش من غير جنون. واختلفوا في تفسيره اختلافا كثيرا وأحسن ما قيل فيه هو من كان قليل الفهم فاسد التدبير إلا أنه لا يضرب ولا يشتم كما يفعل المجنون. قال رحمه الله: (ومن عقد منهم وهو يعقله يجيزه الولي أو يفسخه) يعني من عقد البيع والشراء من هؤلاء المحجورين وهو يعقله أي وهو يعقل أن البيع سالب والشراء جالب ويعلم الغبن الفاحش من اليسير ويقصد به تحصيل الربح والزيادة فالولي بالخيار إن شاء أجازه وإن شاء رده. فإن قيل: هذا في البيع يستقيم وأما في الشراء فلا يستقيم لانه لا يتوقف بل ينفذ على المشتري. قلنا: إنما ينفذ على المشتري إذا وجد نفاذا كشراء الفضولي وهنا لم يجد نفاذا لعدم الاهلية أو لتضرر المولى فيتوقف الكل. قال في العناية: الاقوال موجودة حسا ومشاهدة فإما لها شروط في اعتبارها شرعا لقصد دون العقل أجيب بوجهين: أحدهما الاقوال الموجودة حسا ليست عين مدلولها بل دلالات عليها ويمكن تخلف المدلول عن دليله فيمكن أن يجعل الموجود بمنزلة المعدوم بخلاف الافعال فإن الموجود منها هو عينها، فبعد ما وجدت لا يمكن أن تجعل غير موجودة. الثاني القول قد يقع صدقا وكذبا ويقع جدا وهزلا فلا بد من القصد بخلاف الفعل قال: فإن قيل قوله تصرف صبي وعبد الخ يفيد أن عقدهما لا ينعقد وقوله ومن عقد منهم وهو يعقله يجيزه الولي أو يفسخ يفيد أن ينعقد موقوفا وبينهما منافاة، فالجواب أن المراد بقوله لا يصح لا ينفذ وهو شائع في عبارة الفقهاء. فإن قيل: كان يمكنه أن يقول ومن عقد منهما بلفظ التثنية دون الجمع يعني الصبي والعبد. قلنا: فهم من قوله المغلوب غير المغلوب الذي بمنزلة الصبي والعبد فلذا عبر بلفظ الجمع. قال في العناية: أراد الصبي والمجنون الذي هو يجن ويفيق فإنه بمنزلة الصبي. قال ابن فرشته: الولي هو القاضي والولي الذي يلي التجارة في مال الصبي كالاب والجد والوصي ولا يجوز بإذن العم والام والاخ ا ه‍. وإذا رفع الامر إلى القاضي لا يخلو إما أن يكون الثمن قائما أو هالكا، ولا يخلو إما أن يكون بيع رغبة أو غبينة وإذا رد المبيع والثمن قائم في يده رده، وإن كان المحجور استهلك الثمن ينظر إن استهلكه في النفقة وما يجوز له فإن القاضي يعطى الدافع مثله، وإن استهلكه فيما لا يحتاج إليه فإن صرفه في وجوه الفساد يضمن المحجور مثله عند الثاني، وعند محمد لا يضمن، كذا في التتارخانية. والظاهر أن الولي إذا علم بالبيع كالقاضي. قال رحمه الله: (وإن أتلفوا شيئا ضمنوا) لانهم غير محجور عليهم في الافعال إذ لا يمكن أن يجعل القتل غير القتل والقطع غير القطع فاعتبر في حقه فثبت عليه موجبه لتحقق السبب ووجود أهلية الوجوب وهي الذمة لان الانسان يولد وله ذمة صالحة لوجوب الحق إلا أنه لا يطالب بالاداء إلا عند القدرة كالمعسر لا يطالب بالدين إلا إذا أيسر وكالنائم لا يطالب

[ 144 ]

[ العبد في حقه لا في حق مولاه فلو أقر بمال لزمه بعد الحرية ولو أقر بحد أو قود لزمه ] بالاداء إلا إذا استيقظ، هكذا قاله الشارح، فظاهره أن الوجوب يتأخر إلى البلوغ والعتق وفي الحدادي يضمن كما يضمن الحر البالغ العاقل، فظاهره أنه يضمن في الحال ويؤيده ما قال في العناية: جنين ابن يوم لو انقلب على قارورة إنسان فكسرها يجب عليه الضمان في الحال ا ه‍. فلو أن الصبي أو المجنون أو العبد استهلكوا مالا ضمنوا المال في الحال. وفي التتارخانية: إذا أودع صبيا أو عبدا مالا فاستهلكه لا يضمن الصبي ولا العبد في الحال على قول محمد. وقال أبو يوسف: يضمن إلا أن العبد يؤاخذ بعد العتق والصبي يؤاخذ بعد زوال الحجر لانه لما أودعهم سلطهم عليه، وفي الاول لم يسلطهم فيضمن في الحال الصبي في ماله والعبد يدفعه المولى أو يفديه. قال رحمه الله: (ولا ينفذ إقرار الصبي والمجنون) لان اعتبار الاقوال في الشرع منوطة بالاهلية وهي معدومة فيهما حتى لو تعلق بإقرارهما حكم شرعي كالحد لا يعتبر أيضا إلا من حيث إنه إتلاف فيجب الضمان، لا يقال هذا علم من قوله قولا لانا نقول بطريق التضمين والتصريح أبلغ منه فلذا ذكره. قال رحمه الله: (وينفذ إقرار العبد في حقه لا في حق مولاه فلو أقر بمال لزمه بعد الحرية) لانه إقرار على غيره وهو المولى لما أنه وما في يده ملكه وإقرار الرجل على غيره لا يقبل فإذا عتق زال المانع فتبيع به لوجوب سبب الاهلية. وظاهر لعبارة نفوذ الاقرار مطلقا سواء سكت بعد ذلك أو قال باطلا أو حقا ولذلك قال في المحيط: ولو أقر باستهلاك وديعة ثم صلح فصار أهلا للاقرار فأقر أنه استهلكها في حال فساده لم يضمن عند محمد بخلاف ما لو أقر بقتل على هذا الوجه حيث يلزمه في ماله كما لو شوهد ذلك منه. والفرق أن استهلاك الوديعة لم يثبت بمعاينة وبالبينة لم يصدق عند محمد فكذا إذا ثبت بالاقرار، والقتل لو صدر منه بالمعاينة وجبت الدية على العاقلة، وكذا إذا ثبت بالاقرار يجب في ماله. ولو أقر لرجل بمال ثم صلح بأن صار أهلا وقال أقررت بها باطلا لم يلزمه وإن قال كان حقا يلزمه، وإن قال كان باطلا لم يوجد منه إقرار بعد الصلاح فلا يلزمه، وكذا الصبي المحجور عليه لو أقر أنه استهلك مال إنسان بغير إذنه ثم قال بعد البلوغ كان حقا أو باطلا. ولو قال لرجل بعد الصلاح أقرضني في حال فسادي وقال الآخر لا بل في صلاحك واستهلكتها فالقول قول رب المال إلا أن يقيم المحجور البينة على ذلك. والفرق أن في الاول أقر أن الاستهلاك وجد منه وادعى الاذن والتسليط وأنكر رب المال ذلك لما قال أقرضتك فيكون القول قول المحجور عليه وعلى رب المال البينة بخلاف الثانية. قال رحمه الله: (ولو أقر بحد أو قود لزمه في الحال) لانه يبقى على أصل الحرية في حقهما لانهما من خواص الانسانية وهو ليس بمملوك من جهة أنه آدمي بل من جهة أنه مال ولهذا لا يصح إقرار المولى بهما عليه لانه يبقى على أصل الحرية في حقهما. فإن قيل قال صلى الله عليه وسلم لا يملك العبد والمكاتب شيئا إلا الطلاق و

[ 145 ]

[ في الحال لا بسفه فإن بلغ غير رشيد لم يدفع له ماله حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة ] شيئا نكرة في سياق النهي فتعم فيقتضي أن لا يملك الاقرار بالحدود والقصاص قلنا: لما بقي على أصل الحرية في حقهما يكون إقراره بهما إقرارا بالحرية لا بالعبدية، ولان قوله تعالى * (بل الانسان على نفسه بصيرة) * (القيامة: 14) يقتضي أن يصح إقراره فينفذ أو يقال إن النص يحمل أنه روي على غير هذه الصورة دفعا للتعارض. قال رحمه الله: (لا بسفه) يعني لا يحجر عليه بسبب السفة عند الامام. وقال أبو يوسف ومحمد: يحجر عليه. للامام ما روى ابن عمر أنه عليه الصلاة والسلام ذكر له رجل يخدع في البيع فقال: من بايعت فقل لا خلابة. رواه البخاري ومسلم. وفي رواية غيرهما قيل له احجر عليه ولانه عاقل كامل العقل ألا ترى أنه مطلق فلا يحجر عليه كالرشيد. ولهما قوله تعالى * (فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل) * (البقرة: 282) وهذا نص في إثبات الولاية على السفيه، وما روي أنه عليه الصلاة والسلام حجر على معاذ في الغياثية والمراد بالفساد هنا السفه وهو خفة تعتري الانسان فتحمله على العمل بخلاف موجب الشرع والعقل مع قيام العقل وقد غلب في عرف الفقهاء على تبذير وإتلاف على خلاف مقتضى الشرع والعقل ا ه‍. وفي الاصل: والحجر بسبب الفساد والسفه فهو نوعان: أحدهما لخفة في العقل وكان سببه القلب لا يهتدي إلى التصرفات فيحجر عليه القاضي على قولهما. والثاني أن يكون سفيها مضيعا لماله إما في الشر بأن يجمع أهل الشر والفساد في داره ويطعمهم ويسقيهم ويصرف في النفقة ويفتح باب الجائزة والعطاء عليهم، أو في الخيرات بأن جميع ماله في بناء مسجد وأشباهه فيحجر القاضي عند صاحبيه صيانة لما له. واتفقا على أن الحجر عليه بالدين لا يثبت إلا بقضاء القاضي، واختلفوا في الحجر بسبب الفساد والسفه، قال أبو يوسف: لا يثبت إلا بقضاء القاضي. وعندهما يثبت بنفسه السفه ولا يتوقف على قضاء القاضي. قال في المحيط: القضاء بالحجر ليس بقضاء بل فتوى لعدم شرائط القضاء وهي الدعوى والانكار حتى لو وجد الدعوى والانكار بأن وهب السفيه ماله من إنسان وسلم إليه وصار فقيرا تجب نفقته على محارمه فيرفعوا أمرهم إلى القاضي وأخبروه بأنه يفني ماله سفها وطلبوا منه الحجر عليه فالقاضي يحضر السفيه والموهوب له فادعى عليه من وجبت عليه النفقة أن ماله في يد هذا الرجل فأمره برده عليه فقضى القاضي بالرد عليه يفسد قضاء ا ه‍. وفي التهذيب: وإذا وجد شرط الدعوى وقضاء القاضي صار متفقا عليه فلا تنفذ تصرفاته بعد القضاء عندهما والامام أيضا ا ه‍. وفي المنتفي: لو حجر عليه قاض فرفع ذلك إلى قاض آخر وأطلقه جاز إطلاقه لان الحجر من الاول فتوى لتقدم شرطه كما تقدم. قال صاحب الهداية: ولو قضى القاضي فنفس القضاء مختلف فيه فلا بد من إمضاء قاض حتى آخر يلزم لان الاختلاف إذا وقع في نفس

[ 146 ]

[ ونفذ تصرفه قبله ويدفع إليه ماله إن بلغ المدة معسرا وفسق وغفلة ودين وإن طلب ] القضاء لا يلزم ولا يصير مجمعا عليه حتى يمضيه قاض آخر بخلاف ما إذا كان الاختلاف موجودا قبل القضاء فإنه بالقضاء الاول وجد شرطه فيكون مجمعا عليه ا ه‍. قال الشارح: وفيه نظر فإن محمدا يقول بأنه يصير محجورا بنفس السفه قبل قضاء القاضي. وفي الاصل: الحجر بسبب السفه يقارن الحجر بالدين من ثلاثة وجوه: الاول أن الحجر على السفيه لمعنى في ذاته أما الحجر بسبب الدين فلحق الغرماء. الثاني المحجور عليه بسبب السفه إذا أعتق عبدا ووجب عليه السعاية فإذا أدى لا يرجع به على المولى بعد زوال الحجر والمقضي عليه بالافلاس إذا أعتق عبدا بما في يده وجبت عليه السعاية، فإذا أدى يرجع بما أدى على المولي بعد زوال الحجر. الثالث المحجور عليه بالدين يزول إقراره بعد زوال الحجر، وكذا حال قيام الحجر فيما يحدث في المال والمحجور عليه بالسفه لا يجوز إقراره لا في حال الحجر ولا بعد زوال الحجر لا في المال القائم ولا الحادث. وإذا صار السفيه مصلحا لماله هل يزول الحجر من غير قضاء القاضي؟ فعند أبي يوسف لا يزول إلا بالقضاء، وعند محمد يزول من غير قضاء. وفي نوادر هشام عن محمد: السفيه المحجور إذا زوج ابنته الصغيرة أو أخاه الصغير لم يجز. وفي البزازية: والفتوى على قولهما. قال رحمه الله: (فإن بلغ غير رشيد لم يدفع له ماله حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة ونفذ تصرفه قبله ويدفع إليه ماله إن بلغ المدة معسرا) وهذا عند الامام، وعندهما لا يرفع إليه حتى يؤنس منه الرشد ولا يجوز تصرفه فيه أبدا لقوله تعالى * (فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) * (النساء: 6) علق الدفع بوجود الرشد فلا يجوز قبله. وللامام قوله تعالى * (وآتوا اليتامى أموالهم) * (النساء: 2) والمراد منه بعد البلوغ ولان حال البلوغ قد لا يفارقه السفه باعتبار أثر الصباء فقدرناه بخمس وعشرين سنة. وما روي عن ابن عمر أنه قال: ينتهي لب الرجل إذا بلغ خمسا وعشرين سنة. وقد قال أهل الطبائع: إذا بلغ خمسا وعشرين سنة فقد بلغ رشده لانه بلغ سنا يتصور أن يصير فيه جدا لان أدنى ما يبلغ فيه الغلام اثنا عشر سنة فيولد له ولد لستة أشهر ثم الولد يبلغ اثني عشر سنة فيولد له ولد لستة أشهر فقد صار بذلك جدا. والآية الثانية فيها تعليق الشرط والتعليق بالشرط لا يوجب العدم عند عدم الشرط على أصلنا على ما عرف في موضعه. والتفريع لا يتأتى على قول الامام ويتأتى على قولهما. وإذا باع لا ينفذ بيعه وإن كان فيه مصلحة أجازه الحاكم لانه مكلف عاقل، وينفذ فيما يضره كالاعتاق والطلاق. ولو باع قبل حجر القاضي عليه جاز عند أبي حنيفة لان السفيه ليس بمحبوس وإنما يستدل عليه بالعيون في تصرفاته، وذلك يحتمل لانه يجوز أن يكون للسفيه ويجوز أن يكون حيلة عنه لاستجلاب قلوب المجاهدين فإذا تردد لا يثبت حكمه إلا بقضاء القاضي بخلاف الجنون والصغر والعتة. وعند محمد لا يجوز لان علة الحجر

[ 147 ]

السفه وقد تحقق في الحال فيترتب عليه موجبه بغير قضاء كالصبا والجنون والعتة بخلاف الحجر بالدين لانه لحق الغير لانه من طلبهم. ولو قضى قاض في بيع سفيه بإبطال أو إجازة ثم رفع ذلك إلى قاض آخر لا يرى ما يراه الاول فينبغي أن يجيز القضاء الاول، فإذا أبطله ورفع إلى ثالث أبطل قضاء الثاني لان قضاء الاول قضاء فيما هو مختلف فيه فنفذ قضاؤه بالاجماع ويصير متفقا عليه والثاني قضاء بخلاف الاجماع فلا ينفذ، ولو كان الاول قضى بالحجر عليه ثم رجع وقضى بإطلاقه جاز قضاء الثاني لان قضاء الاول بالحجر كان أقوى وإذا أجاز القاضي بيع المفسد ولم ينه المشتري عن دفع الثمن عليه يبرأ المشتري بالدفع إليه، وإن نهاه فدفع لم يبرأ ويدفع الثمن ثانيا. وإذا قال المشتري أجزت بيعه ونهاه المشتري عن الدفع إليه فدفع قبل العلم برئ وبعد العلم لا يبرأ كالوكيل إذا عزله الموكل بخلاف ما إذا أجاز بشرط أن لا يدفع له الثمن لانه لم يصر مأذونا بالدفع، فإذا دفع لا يبرأ علم أو لم يعلم. وإذا أذن له القاضي أن يبيع ويشتري جاز بيعه وقبضه بخلاف الاب إذا أذن له لا يصح إذنه لانه بعد البلوغ انقطعت ولايته. وإذا باع بما لا يتغابن فيه لا يجوز لان المحاباة تبرع وبما يتغابن فيه يجوز فلو قال القاضي لاهل السوق أجيز ما يثبت منه بالبينة ولا أجيز ما يثبت منه بالاقرار يعمل بهذا التخصيص في حقه. ولو أذن للصبي على هذا الوجه يصير مأذونا في الانواع كلها، ولو أذن له في البر تعدى إلى سائر التجارات لان التخصيص إنما يصلح إذا كان مفيدا أو إنما يكون مفيدا إذا كان يحصل به صيانة المال وبهذا التخصيص لا يحصل. ولو قال لاهل السوق أذنت له ولا أجيز من بيعه وشرائه إلا ما قامت عليه البينة ولا أجيز إقراره فهو كما قال في الصبي والعبد المأذون له أجيز ما أقيمت عليه البينة ولا أجيز إقراراهما يلزمهما بالاقرار كالبينة. والفرق أن المفسد في التخصيص يفيد صيانة المال فكان التخصيص مفيدا، وفي الصبي المصلح والعبد المصلح التخصيص غير مفيد لانهما حافظان لمالهما فلم يقدر، محيط. قال في التتارخانية: ويثبت حكمه في النهي في حقه بخبر واحد، سواء كان عدلا أو غير عدل عندهما. وعند الامام لا يثبت حتى يخبره رجلان أو رجل وامرأتان ا ه‍. وإذا بلغ رشيدا ثم صار سفيها فهو على هذا الخلاف، وإذا أعتق عبدا عندهما. وقال الشافعي: لا يعتق. لنا أن كل كلام لا يؤثر فيه الهزل لا يؤثر فيه السفه. وكل تصرف يؤثر فيه الهزل يؤثر السفه فيه كل تصرف يؤثر فيه الهزل يؤثر السفه فيه. قال في العناية: وفيه بحث من أوجه: الاول أن السفيه إذا حنث في يمينه وأعتق رقبة لا ينفذه القاضي، وكذا لو نذر بهدي أو غيره لم ينفذ. فهذا مما لا يؤثر فيه الهزل وقد أثر فيه الحجر بالسفه. والثاني أن الهازل إذا أعتق عبده عتق ولم يجب عليه سعاية والمحجور عليه بخلافه. والجواب عن الاول أن القضاء بالحجر عن التصرفات المالية فيما يرجع إلى الاتلاف يستلزم عدم تنفيذ الكفارات والنذر لان

[ 148 ]

في تنفيذهما إضاعة المقصود من الحجر ا ه‍. وإذا نفذ عندهما فعلى العبد أن يسعى في قيمته عند محمد وهو الصحيح، ولو جوز في الظهار نفذ ويسعى العبد في قيمته وهو قول أبي يوسف أولا، وفي قول أبي يوسف الاخير وهو رواية عن محمد ليس عليه سعاية لانه لو سعى يسعى لمعتقه والمعتق لا يلزمه السعاية لحق معتقه بحال ما، وإنما تلزمه السعاية لاجل الغير. ولو دبر جاز تدبيره عنده إلا أن المدبر لا تجب عليه السعاية ما دام المولي حيا، فإذا مات المولي ولم يؤنس منه الرشد سعى في قيمته مدبرا، وإن جاءت جاريته بولد فادعاه ثبت نسبه منه وكانت الامة أم ولد له والولد حر لانه في إلحاقه بالمصلح في الاستيلاد توفير النظر لاحتياجه إليه ويلحق هذا الحكم بالمريض المديون وتعتق من جميع ماله بموته ولا تسعى ولا ولدها في شئ بخلاف ما إذا أعتقها من غير أن يدعي الولد. ولو لم يكن معها ولد فقال المحجور هذه أم ولدي كانت بمنزلة أو الولد لا يقدر على بيعها، فإذا مات المولى سعت في كل قيمتها بمنزلة المريض إذا قال لامته هذه أم ولدي وليس معها ولد لانها إذا كانت معها ولد فثبوت نسب الولد بمنزلة الشاهد بخلاف ما إذا لم يكن مها ولد لانه شاهد معها. وإن تزوج امرأة جاز النكاح لانه لا يؤثر فيه الهزل فلا يؤثر فيه السفه، فإذا سمى لها مهرا جاز منه مقدار مهر مثلها وبطل الفضل، وإذا طلقها قبل الدخول وجب نصف مقدار مهر المثل من المسمى. وكذا لو تزوج أربع نسوة أو تزوج كل يوم واحدة وطلقها. وفي الاصل: وللاب ووصيه أن يتصرف في مال السفيه بإذن القاضي، وفي قاضيخان سئل أبو بكر البلخي عن محجور وقف عليه ضيعة فقال: وقفه باطل إلا أن يأذن له القاضي. وقال أبو القاسم: لا يجوز وقفه وإذا أذن له القاضي ا ه‍. قال في المحيط: امرأة مسرفة سفيهة طلقها زوجها على مال وقبلت وقع الطلاق رجعيا ولا يلزمها المال أصلا لان السفيه محجور عن المال، وإذا وقع بلفظ الخلع وقع بائنا. وفي المنتقي: وإذا دفع الوصي إلى الوارث حين أدرك وهو فاسد فهو جائز وهو برئ عن الضمان ويخرج الزكاة عن مال السفيه وينفق عليه وعلى ولده وعلى زوجته ومن تجب النفقة من ذوي أرحامه من ماله لان إحياء ولده وزوجته من حوائجه الاصلية والانفاق على ذوي الارحام واجب عليه حقا لقريبه، والسفه لا يبطل حقوق الناس ولا حقوق الله تعالى إلا أن القاضي يدفع إليه قدر الزكاة ليفرقها بنفسه على الفقراء لان الواجب عليه الايتاء وهو عبارة عن فعل يفعله وهو عبادة ولا يحصل ذلك إلا بنيته، ويدفع القاضي معه أمينا كيلا يصرفها إلى غير المصرف ويسلم القاضي النفقة إلى أمينه ليصرفها إلى مستحقيها لانه لا يحتاج فيها إلي النية فاكتفي فيها بفعل الامين. وفي المحيط: ولا يصدق أنه قريبه إلا ببينة إلا الوالد والولد والزوج والمولى، وكذا المرأة في سوى الولد لان نفقة الوالدين والمولودين تجب بالنسب وهو مصدق فيه، ونفقة غيرهم تجب باعتبار القرابة والعسر والحاجة فلا يثبت بالاقرار. ولو حلف وحنث أو نذر نذرا من هدي أو صدقة أو ظاهر من امرأته يكفر عن يمينه وغيرها

[ 149 ]

بالصوم، وإذا أراد حجة الاسلام لا يمنع منها لانها واجبة بإيجاب الله تعالى ابتداء وليس له فيها صنع، وفي الفرائض هو ملحق بالصلح إذ لا تهمة فيها، وكذا العمرة واجبة بإيجاب الله تعالى. وإن اصطاد في إحرامه أو حلق أو فعل ما يجب به الصوم صام ولم يدفع فيه مالا، ولو رأى القاضي أن يأمر إذا ابتلي بأذى فحلق أو لبس أن يذبح أو يتصدق عنه فلا بأس بذلك ولا يفعله الامير بغير إذن القاضي وإن تطيب في إحرامه أو فعل ما لا يجوز فيه الصوم فهذا لازم ولا يؤديه حتى يصلح لانه بمنزلة العبد عليه والعبد إذا أحرم بإذن مولاه فارتكب شيئا من محظورات الاحرام، فإن كان جزاؤه بالصوم فإنه يصوم، وإن كان بالمال يتأخر والكفارة في ذمته لا تدفع إلا أن يصلح. ولو جامع بعد الوقوف قبل الطواف يلزمه بدنة ويتأخر إلى أن يصلح، ولو قضى حجه إلا طواف الزيارة فرجع إلى أهله ولم يطف طواف الصدر لا يمنع نفقة الرجوع للطواف، وإن طاف جنبا ثم رجع لم تدفع إليه نفقة العود وعليه بدنة بطوافه جنبا وشاة لطواف الصدر، فإذا حصر في حجة الاسلام بسبب هدي ليتحلل به كالعبد المأذون لانه لا صنع له فيه. ولو أحرم بحجة تطوع دفع إليه من النفقة مقدار ما لو كان في منزله ويقال له إن شئت فأخرج ماشيا إلا أن يكون القاضي وسع في النفقة فقال أنا أكري بذلك الفضل وأنفق على نفسي فلا يمنع من ذلك لانه ليس فيه إسراف، وإذا مرض يزاد في نفقته لزيادة الحاجة. ولو حصر في حجة التطوع لا يبعث بهدي إلا أن يبلغ موضع الضرورة، ولا يمنع من القران ولا من المتعة، أراد سوق هدي أو لا، لانه أخف في النفقة ولا يسلم القاضي النفقة إليه بل يسلمها إلى ثقة لينفقها عليه في الطريق كيلا يبذر ويسرف في النفقة. وإن أوصى بوصايا في القرب وأبواب الخير جاز ذلك من ثلث ماله يعني إذا كان له وارث استحسانا، والقياس أن لا تجوز وصيته كما لا تجوز تبرعاته. وجه الاستحسان أن الحجر عليه لمعنى النظر له لكيلا يتلف ماله ويبقى كلا على غيره وذلك في حياته لا فيما ينفذ من الثلث بعد وفاته حال استغنائه عنه. هذا إذا كان الموصى به موافقا لوصايا أهل الخيرية والصلاح نحو الوصية بالحج أو للمساكين أو بناء المساجد والاوقاف والقناظر والجسور، وأما إذا أوصى بغير القرب عندنا لا ينفذ. قال محمد رحمه الله تعالى: المحجور عليه بمنزل الصبي إلا في أربعة: أحدها أن تصرف الوصي في مال الصبي جائز وفي مال المحجور عليه باطل. الثاني إعتاق المحجور عليه وتدبيره وطلاقه ونكاحه جائز ومن مال الصبي لا تجوز. قال في المحيط: وإذا دبره عبده صح ولا يسعى في نقصان التدبير ما دام حيا، وإذا مات يسعى في قيمته مدبرا. قال مشايخنا: هذا إذا كان أهل الصلاح يعدون هذه الوصية إسرافا، فإن كانوا لا يعدونها إسرافا بل معهودا حسا لا يسعى في قيمته إذا كان يخرج من الثلث ا ه‍. قال رحمه الله تعالى: (وفسق) يعني لا حجر عليه بسبب فسق وهو معطوف على قوله لا بسفه. وقال

[ 150 ]

[ غرماؤه وحبس ليبيع ماله في دينه ولو ماله دراهم ودينه دراهم قضى بلا أمره ولو ] الامام الشافعي: يحجر عليه بالفسق كالسفه زجرا له وعقوبة له. وعندهما الحجر على السفيه صيانة لماله والفاسق مصلح لماله فيدخل تحت قوله تعالى * (فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) * (النساء: 6) لان رشدا نكرة فتعم فتتناوله الآية إذ الرشد المذكور في الآية المراد به الاصلاح في المال لا الدين لان الكافر لا يحجر عليه والفسق الاصلي والطارئ سواء. قال رحمه الله: (وغفلة) يعني لا يحجر على الغافل وهو ليس بمفسد ولا يقصده لكن لا يهتدي إلى التصرفات الرابحة وهذا قول الامام. وقال أبو يوسف ومحمد والامام الشافعي: يحجر عليه كالسفيه صيانة لماله ونظرا له لان أهل منقذ طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم الحجر عليه فأقرهم على ذلك ولم ينكر عليهم فدل على أنه مشروع. قلنا: الحديث دليل للامام لانه عليه الصلاة والسلام لم يجبهم لذلك وإنما قال: قل لا خلابة الحديث. ولو كان مشروعا لاجابهم إليه. قال رحمه الله: (ودين وإن طلب غرماؤه) يعني لا يحجر عليه بسبب الدين ولو طلب غرماؤه الحجر عليه وهذا عند الامام لان في الحجر عليه إهدار أهليته وإلحاقه بالبهائم وذلك ضرر عظيم فلا يجوز، وعندهما يجوز عليه بسبب الدين وعلى قولهما الفتوى، كذا في قاضيخان من باب الحيطان. وفي الكافي: والكلام في الحجر بالدين في موضعين: أحدهما أن يركبه دين مستغرق لماله أو يزيد على أمواله وطلب الغرماء من القاضي أن يحجر فيحجر عليه ويمنع من البيع والتصرف والاقرار حتى لا يضر بالغرماء، وفي النوادر: مسألة الحجر بسبب الدين بناء على مسألة القضاء بالافلاس والافلاس عندهما يتحقق في حال حياته فيمكن القاضي القضاء بالافلاس. وفي العناية: وإذا قضى بالحجر بسبب الدين يختص بالمال الموجود في الحال دون ما يحدث من الكسب أو غيره حتى لو تصرف في الحادث نفذ، وإذا صح الحجر بسبب الدين صار حال هذا المحجور عليه كحال مريض عليه ديون الصحة، وكل تصرف يؤدي إلى إبطال حق الغرماء فالحجر يؤثر فيه. وفي التتارخانية: يشترط علم المحجور عليه حتى يصير محجورا عليه. وفي النوادر: وإذا حبس الرجل في الدين ينبغي للقاضي أن يشهد أنه قد حجر عليه في ماله حتى يقضي ديونه التي حبس فيها. قال رحمه الله: (وحبس ليبيع ماله في دينه) لان قضاء الدين واجب عليه والمماطلة ظلم فيحبسه الحاكم دفعا لظلمه وإيصالا للحق إلى مستحقه، ولا يكون ذلك إكراها على البيع لان المقصود من الحبس الحمل على قضاء الدين بأي طريق كان عند أبي حنيفة. وقالا: إذا طلب غرماء المفلس الحجر عليه حجر عليه القاضي وباع ماله إن امتنع من بيعه وقسم ماله بين الغرماء ومنعه من تصرف يضر بالغرماء كالاقرار وبيعه بأقل من قيمته لما روي أن معاذا ركبه دين فباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ماله وقسم ثمنه بين غرمائه بالحصص، ولان في الحجر عليه نظرا للغرماء لئلا يلحقهم الضرر بالاقرار والتلجئة وهو أن يبيعه من إنسان عظيم القدر لا يمكن الانتزاع منه أو بالاقرار له ثم

[ 151 ]

[ ماله دراهم وله دنانير أو بالعكس بيع من دينه ولم يبع عرضه وعقاره وإفلاس وإن ] ينتفع به من جهته على ما كان ولان البيع واجب عليه لايفاء دينه، فإذا امتنع ناب القاضي منابه، وإن كان معسرا لا يؤجره ليقضي من أجرته دينه أو كانت امرأة لا يزوجها ليقضي دينها من مهرها وتحبس ليقضي الدين من مهرها أو بأي طريق كان والفتوى على قولهما ا ه‍. قال رحمه الله: (ولو ماله دراهم ودينه دراهم قضى بلا أمره) وكذا إذا كان كلاهما دنانير لان للدائن أن يأخذه بيده إذا ظفر بجنس حقه فكان القاضي معينا له. قال رحمه الله: (ولو ماله دراهم وله دنانير أو بالعكس بيع من دينه) وهذا بالاجماع. أما عندهما فظاهر، وأما عند الامام فاستحسان به. والقياس أن لا يجوز للقاضي بيعه لما ذكرنا أن هذا الطريق غير متعين لقضاء الدين فصار كالعروض. وجه الاستحسان أنهما يتحدان جنسا في الثمنية والمالية ولذا يضم أحدهما إلى الآخر في الزكاة يختلفان في الصور حقيقة وحكما. أما حقيقة فظاهر، وأم حكما فلانه لا يجري بينهما ربا الفضل لاختلافهما فبالنظر إلى الاتحاد يثبت للقاضي ولاية التصرف، وبالنظر إلى الاختلاف يسكت عن الدائن فله الاخذ عملا بالشبهين. قال رحمه الله: (ولم يبع عرضه وعقاره) وهذا عند الامام وهو بإطلاقه صادق بحال الحياة والموت. قال في الجوهرة: وبيع القاضي عرضه وعقاره بعد الموت بالاجماع. وعندهما بيع القاضي ذلك وعليه الفتوى، كذا في البزازية: فعندهما يبدأ القاضي ببيع النقود لانها مفيدة للتقليب ولا ينتفع بعينها، فإن فضل شئ من الدين بيع العروض فيها لانها مفيدة للتقليب والاسترباح فإن لم يف ثمنها بالدين بيع العقار لان العقار مفيد للنفي عادة فلا يبيعه إلا عند الضرورة، هذه الطريقة إحدى الروايتين عندهما، وفي الرواية الاخرى عندهما يبدأ القاضي ببيع ما يخشى عليه التوي من عروضه، ثم مالا يخشى عليه التلف منه، ثم بيع العقار ويترك عليه دست ثياب من ثياب بدنه ويبيع الباقي لانه به كفاية. وقيل: يترك دستان لانه إذا غسل ثيابه لا بد من ثياب يلبسها. قالوا: إذا كان للمديون ثياب يلبسها ويكتفي بدونها يبيع ثيابه ويقضي الدين ببعض ثمنها ويشتري بما بقي ثوبا يلبسه لان قضاء الدين فرض عليه فكان أولى من التجمل. وعلى هذا إذا كان له مسكن ويمكنه أن يجتزي بدون ذلك يبيع ذلك المسكن ويوفي ببعض ثمنه الدين ويشتري بالباقي مسكنا يسكن فيه، وعن هذا قال مشايخنا: يبيع مالا يحتاج إليه في الحال حتى يبيع اللبد في الصيف والنطع في الشتاء. وإن أقر في حال حجره بمال لزمه ذلك بعد قضاء الدين بخلاف ما إذا استهلك مالا لغيره وحيث يزاحم صاحب المال المستهلك أرباب الديون لانه فعل حسي وهو مشاهد ولذا لو قلنا لو كان سبب وجوب الدين الذي أقر به ثانيا عند القاضي بعلمه أو بشهادة الشهود شارك الغرماء ولو استفاد مالا آخر بعد الحجر نفذ إقراره فيه لان حق الغرماء تعلق بالمال الموجود وقت الحجر دون الحادث، وينفق على المحجور

[ 152 ]

[ أفلس مبتاع عين فبائعه أسوة الغرماء ] وعلى زوجته وأولاده الصغار وذوي أرحامه من ماله لان حاجته الاصلية مقدمة على حق الغرماء. وفي التتارخانية: إذا غاب الزوج وطلبت زوجته من القاضي أن يبيع ببيع القاضي عندهما. وفي الخانية: ولو حجر القاضي على رجل وعليه ديون مختلفة فقضى المحجور دين البعض يشاركه الباقون في ذلك ويقسم عليهم، فإن كان المحجور أسرف في الطعام والكسوة أمر القاضي أن ينفق بالمعروف. وفي الينابيع: المحجور عليه إذا تزوج امرأة وزاد في مهر مثلها جاز في مهر مثلها لانه من الحوائج الاصلية. وفي الذخيرة: إذا باع القاضي مال المديون أو أمينه بالدين الذي ثبت عليه ببينة أو إقرار وضاع الثمن أو استحق العين المعينة فالعهدة على من باع لاجله لاا على القاضي وأمينه ا ه‍. قال رحمه الله: (وإفلاس) يعني لا يحجر عليه بسبب الافلاس بل يحبس حتى يظهر له مال، فإن لم يظهر له أخرجه من الحبس، وقد ذكرنا الحبس وما يحبس فيه من الديون وكيفية الحبس وقدره وبدين من يحبس والملازمة وصفتها في كتاب القضاء. وإذا أخرجه من الحبس لا يحول بينه وبين غرمائه بعد الاخراج بل يلازمونه عند أبي حنيفة لقوله عليه الصلاة والسلام لصاحب الحق اليد واللسان أراد باليد الملازمة وباللسان التقاضي. ويأخذون فضل كسبه ويقسم بينهم بالحصص لاستواء حقوقهم في القوة. ولو قدم البعض على البعض في القضاء جاز لانه تصرف في خالص ملكه ولم يتعلق لاحد حق في ماله وإنما حقه في ذمته فله أن يؤثر من يشاء من غرمائه، ذكره في النهاية. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا فلسه الحاكم حال بينه وبين غرمائه إلا أن يقيموا البينة أن له مالا لقوله تعالى * (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) * (البقرة: 280) وقد ثبت عسرته فوجب انتظاره. وفي الهداية قال محمد: للمدعي أن يحبسه في بيته أو يتخذ حبسه، وفي رواية أخرى لرب الدين أن يلزم مديونه المعسر حيث أحب وإن كان الملزوم لا معيشة له إلا من يده لم يكن له أن يمنعه من الذهاب والمجئ. قال رحمه الله: (وإن أفلس مبتاع عين فبائعه أسوة الغرماء) يعني لو اشترى متاعا فأفلس والمتاع في يده فالذي باعه المتاع أسوة الغرماء فيه مراده بعد قبض المشتري المتاع بإذن البائع، وإن كان قبل القبض فللبائع أن يحبس المتاع حتى يقبض الثمن، وكذا إذا قبضه بغير إذن البائع كان له أن يسترده أو بحسبه بالثمن. وقال الامام الشافعي: للبائع فسخ العقد وأخذ متاعه قبل القبض وبعده لما أخرجه الامام مسلم عن أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام (من أدرك ماله بعينه عند رجل أفلس أو عند إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره) (1). ولان المشتري قد عجز عن تسليم إحدى بدلي العقد وهو الثمن فيثبت للبائع حق الفسخ كما إذا عجز عن تسليم المبيع. والجامع بينهما أنه


(1) رواه الدارمي في كتاب البيوع باب 51.

[ 153 ]

[ فصل في حد البلوغ بلوغ الغلام بالاحتلام والاحبال والانزال وإلا فحتى يتم له ثمانية عضرة سنة والجارية بالحيض والاحتلام والحبل وإلا فحتى يتم لها سبع عشرة ويفتي باليلوغ فيهما ] عقد معاوضة فيقتضي المساواة وإنما قوله تعالى * (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) * (البقرة: 280) فاستحق النظر إلى الميسرة بالآية. فليس له المطالبة قبلها ولا فسخ بدون المطالبة بالثمن، وهذا لان الدين صار مؤجلا إلى الميسرة بتأجيل الشارع وبالعجر عن الدين المؤجل من المتعاقدين لا يجب له خيار الفسخ قبل مضي الاجل فكيف يثبت ذلك في تأجيل الشارع وهو أقوى من تأجيلهما. والجواب عن الحديث أنه قال من وجد ماله وهذا مال المشتري لا مال البائع. وإنما يصلح أن يكون حجة أن لو قال فأصاب رجل عين مال قد كان باعه من الذي وجده في يده ولم يقبض ثمنه فهو أحق به من كل الغرماء، وهو نظير ما روي عن سمرة أن عليه الصلاة والسلام قال من سرق ماله أو ضاع له متاع فوجده في يد رجل بعينه فهو أحق به ويرجع المشتري على بائعه بالثمن رواه الطحاوي. وقوله عقد معاوضة فيقتضي المساواة قلنا: يقتضي التسوية بينهما في الملك وهو لكل واحد منهما ولئن سلمنا أنه يفيد التسوية في القبض فقد بطل ذلك بالتأجيل إلى الميسرة ولو قال ولو تسلم متاعا بإذن بائعه إلى آخره كان أولى ولا فائدة شرط التسليم والاذن فتأمل والله تعالى أعلم. فصل في حد البلوغ البلوغ في الغة الوصول. وفي الاصطلاح انتهاء حد الصغر. ولما كان الصغر أحد أسباب الحجر وجب بيان النهاية بهذا الفصل. قال رحمه الله: (بلوغ الغلام بالاحتلام والاحبال والانزال وإلا فحتى يتم له ثمانية عشر سنة) الحلم بالضم ما يراه النائم، أما الاحتلام فلما روي عن علي ابن أبي طالب قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتم بعد احتلام ولا قوم إلى الليل رواه أبو داود. والحبل والاحبال لا يكون إلا مع الانزال. وأما السن فلما روي عن ابن عمر قال: عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني. وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني. فالظاهر أن عدم الاجازة لعدم البلوغ والاجازة للبلوغ وهذا قول أبي يوسف ومحمد، وهو قول الامام الشافعي ورواية عن أبي حنيفة. وعن الامام في الغلام تسع عشرة سنة قيل المراد أن يطعن في التاسع عشرة فلا اختلاف بين الروايتين لانه لا يتم ثمانية عشر سنة وإلا ويطعن في التاسع عشرة، وقيل فيه اختلاف الروايتين حقيقة لانه ذكر في بعض النسخ حتى يستكمل تسع عشرة سنة. ولما كان الذكر أشرف قدم ما يتعلق به قال رحمه الله: (والجارية بالحيض والاحتلام والحبل وإلا فحتى يتم لها سبع عشرة سنة) أما الحيض فلانه يكون في أوان الحبل عادة فجعل ذلك علامة

[ 154 ]

[ بخمسة عشر سنة وأدنى المدة حقه اثنتا عشرة سنة وفي حقها تسع سنين فإن راهقا وقالا قد بلغنا صدقا وأحكامها أحكام البالغين. ] البلوغ، وأما الحبل فلانه دليل على الانزال لان الولد يخلق من ماء الرجل والمرأة غير أن النساء نشوهن وإدراكهن أسرع فزدنا سنة في حق الغلام لاشتمالها على الفصول الاربع التي منها ما يوافق المزاج لا محالة فيقوي فيه. قال رحمه الله: (ويفتى بالبلوغ فيهما بخمسة عشر سنة) عند أبي يوسف ومحمد وهذا ظاهر لا يحتاج إلى الشرح. قال رحمه الله: (وأدنى المدة في حقه اثنتا عشرة سنة وفي حقها تسع سنين) يعني لو ادعيا البلوغ في هذه المدة تقبل منهما ولا تقبل فيما دون ذلك لان الظاهر تكذيبه. قال في العناية: ثم قيل إنما يعتبر قوله بالبلوغ إذا بلغ اثنتي عشرة سنة فأكثر وقد أشار إليه بقوله أدنى المدة وهذه المدة مذكورة في النهاية وغيرها ولا يعرف إلا سماعا أو بالتتبع. قال رحمه الله: (فإن راهقا وقالا قد بلغنا صدقا وأحكامهما أحكام البالغين) يقال رهق من كذا أي دنا منه، وصبي مراهق دنا من البلوغ لانه أمر لا يوقف عليه إلا من جهتهما فيقبل فيه قولهما كما يقبل قول المرأة في الحيض والله تعالى أعلم.

[ 155 ]

[ كتاب المأذون ] كتاب المأذون تأخير كتاب المأذون عقيب كتاب الحجر ظاهر لان الاذن يقتضي سبق الحجر، ولما ترتب وجودا ترتب أيضا ذكرا للتناسب. والكلام هنا من وجوه: الاول في معناه لغة. الثاني في دليل المشروعية. الثالث في سببه. الرابع في ركنه. الخامس في شرطه. السادس في تفسيره. السابع في حكمه. أما معناه لغة قال شيخ الاسلام خواهر زاده في مبسوطة: الاذن هو الاطلاق لغة لانه ضد الحجر وهو المنع فكان إطلاقا عن شئ إلى شئ كان اه‍. وفي النهاية: أما اللغة فالاذن في الشئ رفع المانع لمن هو محجور عنه وإعلام بإطلاقه فيما حجر عليه من أذن له في الشئ اذنا. وأبعد الامام الزيلعى حيث قال: والاذن في اللغة الاعلام ومنه الاذان وهو الاعلام لان الاذن من أذن في كذا إذا أباحه وأذان من أذن بكذا إذا أعلم وبينهما فرق. وأما دليل المشروعية فهو قوله تعالى * (وابتغوا من فضل الله) * (الجمعة: 10) وإذن الصبي والعبد في التجارة ابتغاء من فضل الله. وأما سبب المشروعية فهو الحاجة لان الانسان قد لا يتفرغ لذلك بنفسه لكثرة اشتغاله فيحتاج أن يستعين بالعبد والصغير. وأما ركنه فقول المولى لعبده أذنت لك في هذا. وأما شرائطه ففي المحيط: شرائط جوازه فولاية الاذن على المأذون حجرا وإطلاقا منعا وإسقاطا، كون المأذون عاقلا مميزا عالما عارفا بما يؤذن له وأن يعلم العبد بالاذن. وفي السغنافي: دخل في قولنا من له ولاية الاذن في التجارة المكاتب والمأذون والمضارب والشريك مفاوضة والاب والجد والقاضي والولي ا ه‍. وأما حكمه قال في غاية البيان: فملك المأذون كل ما كان من قبيل التجارة وتوابعها وعدم ملكه ما لم يكن كذلك وعزاه إلى التحفة. وأبعد صاحب النهاية والامام الزيلعي حيث قالا: وأما حكمه فهو تفسيره الشرعي لان حكم الشئ ما يثبت به. ولا يذهب على ذي مسكة أن ما يثبت بالشئ ويصير أثرا مرتبا عليه لا يصلح أن يكون تفسيرا لذلك الشئ محمولا عليه بالمواطأة. وأما

[ 156 ]

[ هو فك الحجر وإسقاط الحق فلا يتوقف ولا يتخصص ويثبت باسكوت بأن رأى ] تفسيره شرعا فهو ما أشار إليه قال رحمه الله: (هو فك الحجر وإسقاط الحق) لان العبد أهل للتصرف بعد الرق لان ركن التصرف كلام معتبر شرعا من مميز ومحل التصرف ذمة صالحة لالتزام الحقوق وهما لا يقومان بالرق لانهما من كرامات البشر إلا أنه حجر عليه عن التصرف لحق المولى لئلا يبطل حقه بتعلق الدين برقبته لضعف ذمة الرقيق، فإذا أذن له المولى فقد أسقط حقه فكان متصرفا بأهليته الاصلية ولهذا لا يرجع على المولى بما لحقه من العهدة. أطلق في فك الحجر فشمل الكل والبعض. وقال في المبسوط: وإذا أذن أحد الشريكين لعبده في التجارة جاز في نصيبه خاصة، وليس للشريك الآخر أن يبطل الاذن وما لحقه من دين التجارة فهو على نصيبه خاصة، ولو لحقه دين التجارة وفي يده مال التجارة قضى من ذلك دينه والباقي بينهما نصفين لان حصل من كسب العبد. ولو وهب له أو اكتسب قبل الاذن أو تصدق عليه أو بعد الاذن فهو بينهما نصفين، ولو اختلفا في الكسب الذي في يده فقال الآذن والعبد إنه استفاده بالتجارة وقال الساكت إنه استفاده بالهبة، فالقول قول الآذن والعبد ويصرفه في دينه استحسانا لان العبد هو الكاسب وهو أعلم بحال كسبه. ولو استهلك مالا كان عليهما إذا ثبت بالبينة أو بالمعاينة ويتعلق بجميع رقبته ولو أقر باستهلاك ما كان على الآذن خاصة. ولو أذن رجل بنصف عبده كان مأذونا في كله لان الاذن لا يتجزئ، ولو أذن أحد الشريكين ثم اشترى نصيب الآخر فتصرف وهو لا يعلم فالدين كله في النصف الاول، ولو علم بتصرفه ففي جميع الرقبة. ولو أذن لعبد لا يملكه ثم ملكه فإنه لا يصير مأذونا، ولو أخبر شريكه أهل السوق أنه لا يرضى بإذن شريكه ثم رأي العبد يتصرف لم يصر مأذونا استحسانا. قال أحدهما لشريكه ائذن لنصيبك فأذن له فهو مأذون كله لان الاذن مما لا يتجزئ فصار كأنه قال لصاحبه ائذن لجميع العبد. قال في الكفاية: إسقاط الحق وهو حق المولى في مالية الكسب والرقبة فإنه ممتنع تعلق حق الغير بهما صونا لحق المولى وبالاذن أسقط حقه. قال صاحب الاصلاح والايضاح: المراد بالحق ههنا حق المنع فلا ينافي كونه حق المولى بل يقتضيه لان حق المنع التعلق بالعبد وهو حق المولى لا حق غيره فإن معنى حق المنع هو منع التصرف على أن تكون الاضافة بيانية، ومعنى حق المولى هو حق للمولى على أن تكون الاضافة بمعنى اللام، وبيان الحق الذي هو منع العبد عن التصرف إنما يكون للمولى لا لغيره فكان حقا له قطعا. وأما ثانيا فلانه إن أراد بقوله لان حق المولى لا يسقط بالاذن أنه لا يسقط به أصلا ممنوع، وإن أراد بذلك أنه لا يسقط به في الجملة كما إذا لم يحط الدين بما في يده ورقبته فمسلم ذلك إلا أنه لا يجدي نفعا لانه ليس المراد بالاسقاط إسقاط بالكلية بل المراد إسقاطه في الجملة. وأما اختصاص حق المولى بإذن العبد فلا يضر لان المقصود بالذات في

[ 157 ]

كتاب المأذون بيان أذن العبد، وأما بيان إذن الصبي فعلى سبيل التبعية، ويجوز أن يكون مدار ما ذكر في تفسير المأذون في الشرع على ما هو المقصود بالذات في كتاب المأذون وهو إذن العبد. ولقائل أن يقول: إن أريد إسقاط الحق بجملته وفك الحجر برقبته فهو ممنوع ولو كان كذلك تصح هبته وإقراضه ونحوهما من التبرعات وليس كذلك قطعا، وإن أراد أنه إسقاط وفك في الجملة فهو مسلم لكن لا يثبت به المدعي إذ لا يلزم منه إسقاط وفك في جميع التصرفات حتى يكون مأذونا في جميعها. قيل: المراد إسقاط وفك في بعض معين من التصرفات فلا يرد النقض بالتبرعات فلو قال فك الحجر ومنع إسقاط في نوع لكان أولى فتأمل. قال رحمه الله: (فلا يتوقت ولا يتخصص) يعني لا يتوقت بزمان ولا مكان ولا يتخصص بنوع من أنواع التجارة عندنا لما ذكرنا من تفسيره. وقال الامام الشافعي وزفر: هو عبارة عن توكيل وإنابة فينفذ عندهما ويتخصص، وعندهما يتصرف بأهلية نفسه وحق المولى قد أسقطه والساقط لا يعود كما إذا رضي المستأجران يؤجر عبده من شخص بعينه دون غيره والاسقاط لا يقبل التقييد دون غيره كالطلاق والعتاق. ولو أسلم البائع المبيع إلى المشتري قبل نقد الثمن على أن يتصرف فيه نوعا من التصرف دون غيره فإنه لا يعتبر تقييده لانه إسقاط لحقه فلا يقبل التقييد بخلاف إذن القاضي فإنه بمنزلة الوكيل، ذكره قاضيخان في فتاواه كذا ذكره الشارح. وفي المحيط: يجوز الاذن للصبي العاقل في التجارة من الاب والقاضي ولا يجوز تخصيصه بنوع دون نوع كالعبد، لا يقال لو كان إسقاطا لما ملكه بهبة لانا نقول ليس بإسقاط في حق ما لم يوجد فيكون النهي امتناعا فيما لم يوجد. لا يقال هو وليس بأهل لحكم التصرف وهو الملك فكيف يكون أهلا لنفس التصرف والسبب غير مشروع لذاته بل لحكمه فإذا لم يترتب عليه حكمه لا يكون مشروعا كطلاق الصبي لانا نقول: حكمه ملك اليد وهو أهل لذلك كالمكاتب. قال في العناية: وصحح المصنف كونه إسقاطا عندنا بقوله ولهذا لا يقبل التأقيت ثم قال: فإن قيل قوله فك الحجر وإسقاط الحق مذكور في حيز التعريف قكيف جاز الاستدلال عليه؟ وأجيب بوجهين: أحدهما أن حكمه الشرعي هو تعريفه فكان الاستدلال عليه ليس بالاستدلال وإنما هو الصحيح للنقل بما يدل على أنه عندنا تعرف بذلك كما أشرنا إليه. الثاني أن من حيث كونه حكما لا من حيث كونه تعريفا. قال في المحيط: فيبيع من المولي ويشتري منه ويطالبه بإيفاء الثمن على وجه لو امتنع يحبس. ولو قال أذنت لك في الخياطة أو الصباغة أو في عمل آخر فهو مأذون في جميع الاوقات ما لم يحجر عليه، ولو قال اتجر في البر ولا تتجر في البحر لا يصح نهيه. ولقائل أن يقول: إن أريد بقوله فلا تخصيص بنوع دون نوع أنه لا يتخصص بذلك. أطلقه ولم يقيده بنوع فهو يسلم لكن لا يجدي طائلا لان ما نحن صورة التقيد وإن أريد أنه لا يتخصص بنوع دون نوع وإن قيده بذلك فهو ممنوع، كيف وهذا يتوقف تمامه على أول المسألة هو أن يكون الاذن في نوع من

[ 158 ]

[ عبده يبيع ويشترى قال رحمة الله: فإن أذن له عاما لا بشراء شئ بعينه يبيع ويشتري ] التجارة اذنا في جميعها فيؤدي إلى المصادرة على المطلوب. قال صاحب العناية: ونوقض بالاذن في النكاح رعاية الحجر وإسقاط الحق، وإذا أذن له أن يتزوج فلانة ليس له أن يتزوج غيرها. وأجيب أن النكاح تصرف مملوك للمولى لانه لا يجوز إلا بولي والرق أخرج العبد من أهل الولاية فلان يجيزه المولى على النكاح مخصص بخلاف البيع. والاذن على نوعين: عام وخاص. فالعام أن يقول لعبده أذنت لك في التجارة أو قال اتجر، ولو قال أد الي ألفا وأنت حر يصير مأذونا في التجارة، وكذا لو قال اكتسب وأد ذلك. وقوله أد ألفا وأنت حر بمنزلة ما إذا قال إن أديت ألفا فأنت حر لان جواب الامر بالواو كالفاء بخلاف ما إذا قال أد ألفا أنت حر. ولو أذن لعبده ولم يعلم العبد بالاذن ولا أحد من الناس فتصرف ثم علم لم يجز لعدم علمه. ولو قال لقوم بايعوه فبايعوه ولم يعلم العبد بذلك فهو مأذون. وذكر في الزيادات: لو قال لرجل بع عبدك هذا من ابني الصغير فباعه منه وقبل الابن إن علم بأمر الاب جاز، وإن لم يعلم لم يجز قبل الاذن على الروايتين. والفرق بين الروايتين إن إذن الصبي توكيل وليس بإذن في التجارة لانه فوض إليه عقد واحد وبتفويض عقد واحد لا يثبت الاذن، وفي مسألة المأذون إذن لا توكيل لانه فوض إليه عقودا متكررة فيجوز أن يثبت الاذن ضمنا للامر بالمبايعة في عقود متكررة بدون علمه وإن لم يثبت مقصودا بخلاف العقد الواحد، ولو لم يبايعه أحد منهم وبايعه من لم يأمره المولى لم يصر مأذونا لان الاذن إنما يثبت في ضمن أمره بالمبايعة. ولو دفع له حمارا ليكريه ويبيع عليه صار مأذونا والاذن يصح تعليقه بلا شرط وإضافته إلى الزمان كالطلاق والحجر والعزل لا يصح تعليقهما ولا إضافتهما كالنكاح، وأما الاذن الخاص فلا يكون به مأذونا كما لو أمره بشراء ثوب للكسوة أو لحم للاكل لان هذا استخدام فلا بد من فاصل بين الاستخدام والتجارة وهو أن الامر بعقد مرة بعد مرة استخدام والامر بعقود متعدده يعد تجارة لانه يدل على أنه للربح. ولما بين المؤلف الاذن الصريح شرع في الاذن دلالة ا ه‍. قال رحمه الله: (ويثبت بالسكوت بأن رأى عبده يبيع ويشتري) يثبت الاذن للعبد بسكوت المولى عندما يراه يبيع ويشتري ولم يتقدم قرينة بنفيه. ولا فرق بين ذلك أن يبيع عينا مملوكا للمولى أو لغيره بإذنه أو بغير إذنه بيعا صحيحا أو فاسدا، كذا في الهداية وغيرها. وقال قاضيحان في فتاواه: إن رآه يبيع عينا من أعيان المالك فسكت لم يكن إذنا، وكذا المرتهن إذا رأى الراهن يبيع فسكت لا يبطل الرهن. وروى الطحاوي عن أصحابنا أنه رضا ويبطل الرهن، كذا نقله الامام الزيلعي. وظاهر كلامه أنه فهم المخالفة بين كلام الهداية وقاضيخان وليس كذلك، فقول قاضيخان لا يصير إذنا أي في حق ذلك التصرف الذي صادفه السكوت ويصير إذنا فيما بعده ويدل عليه ذكر المرتهن. قال في البدائع: والاذن بطريق الدلالة كما إذا رأى عبده يبيع

[ 159 ]

ويشتري يصير مأذونا في التجارة عندنا إلا في البيع الذي صادفه السكوت. وقال محمد رحمه الله: وهذا بمنزلة ما لو رأى المولى عبده المسلم يشتري الخمر أو الخنزير فسكت يصير مأذونا في التجارة وإن كان لا يجوز هذا الشراء فكذا هنا، فكيف يجوز حمل كلام قاضيخان على خلاف ما ذكره محمد في الاصل؟ وفي المحيط البرهاني قال محمد في الاصل: إذا نظر الرجل إلى عبده وهو يبيع ويشتري ولم ينهه عن ذلك يصير العبد مأذونا في التجارة عند علمائنا الثلاثة، وإذا رأى عبده يبيع عينا من أعيان ماله يصير مأذونا في التجارة ولكن لا يجوز بيعه مال المولى. وفي قاضيخان: إذن الصغير في التجارة وأبوه يأبى صح إذن القاضي إذا رأى عبده يبيع ويشتري فسكت لم يكن إذنا اه‍. فهم بعض أهل العصر أن سكوت القاضي إذا رأى عبده يبيع ويشتري لا يكون اذنا بخلاف سكوت المولى كما فهم الامام الزيلعي كما تقدم وليس كذلك، بل المراد يكون إذنا في الذي سكت عنده ويكون إذنا في الذي بعده كما تقدم، ولو أمره المولى أن يبيع متاع غيره يصير مأذونا، ولو رأى عبده يشتري شيئا ويبيع في حانوته فسكت حتى باع متاعا كثيرا من ذلك كان إذنا ولا ينفذ على المولى بيع العبد ذلك المتاع. ولو رأى المولى عبده يشتري شيئا بدراهم المولى أو ذنانيره فلم ينهه يصير إذنا، فإن كان هذا الثمن من مال المولى كان للمولى أن يرده ولا يبطل البيع بالاسترداد، ولو أن رجلا أجنبيا دفع إلى عبده مالا ليبيعه فباعه والمولى يراه ولم ينهه كان إذنا ويجوز ذلك البيع على صاحب المتاع. واختلفوا في عهدة البيع، قيل يرجع إلى الآمر، وقيل إلى العبد. وفي المحيط: وإن لم يره المولي جاز البيع والعهدة عل صاحب المتاع لان عهدة العبد المحجور متى توكل عن غيره يكون على الموكل. ولو اشترى عبدا على أنه بالخيار فرآه يتصرف فلم ينهه فإن لحقه دين فهو نقض للبيع وإلا فلا، وإن تم البيع فهو محجور عليه. والفرق أن الاذن لا ينافي في خيار البائع لان الاذن مع خيار البائع يجتمعان ويفترقان، فمن باع عبدا مأذونا على أنه بالخيار بقي العبد مأذونا له في مدة الخيار فلم يكن إذن البائع منافيا خياره فبقي خياره، وأما الاذن مع خيار المشتري لا يجتمعان فإن من اشترى مأذونا على أنه بالخيار بطل الاذن، وإن أذن المشتري بالخيارة سقط خياره، وإن كان العبد اكتسب شيئا فهو للمشتري، فإن اكتسب بعد القبض طاب، وقبل القبض يتصدق به، قيل هذا قولهما، وعند الامام الكسب للبائع ا ه‍. وقال الامام الشافعي وزفر: لا يثبت الاذن بسكوت المولى فيما ذكرنا لان السكوت يحتمل الرضا والرد فلا يثبت بالشك كما لو رأى أجنبيا يبيع ماله فسكت ولم ينهه أو رأى القاضي الصبي والمعتوه ولم يكن لهما ولي أو عبدهما، وكذا إذا رأى العبد يتزوج أو الامة تتزوج، وكذا لو تلف مال غيره وهو ينظر لم يكن ذلك إذنا. قلنا: هذه التصرفات مبنية على عادات الناس وقد جرت العادة أن من لا يرضى بتصرف عبده ينهاه ويؤدبه فإذا سكت دل على رضاه به وصار إذنا ل لاجل دفع الضرر فصار كسكوت النبي عليه الصلاة والسلام

[ 160 ]

عند أمر يعاينه، وكسكوت البكر والشفيع والمولى العديم عند ما يرى ما له يقسم بين الغانمين بخلاف ما إذا أكره لانا لو جعلناه إجازة حصل ضرر عظيم، وبخلاف القاضي فإنه لا حق له في مالهما فلا يكون سكوته إذنا فلا بد من التصريح. قال في العناية: فإن قيل: عين هذا التصرف الذي يراه يبيع فيه غير صحيح فكيف يصح غيره؟ أجيب بأن الضرر في التصرف الذي يراه يبعه محقق بإزالة ملكه عن بائعه في الحال فلا يثبت، وفي غيره ليس محققا لان الدين قد يلحقه وقد لا يلحقه فصح فيه النهي. قيدنا بقولنا ولم يتقدم قرينة تنفيه قال في المحيط: لو قال لاهل السوق إذا رأيتم عبدي هذا يتجر فإني لا آذن له ثم رآه يتجر فسكت لا يصير مأذونا له لانه متى أعلمهم بالنهي لم يصر مأذونا له بالسكوت ا ه‍. ولو عبر بأن قال بعد السكوت لكان أولى. قال رحمه الله: (فإن أذن له عاما لا بشراء شئ بعينه يبيع ويشتري) وعبر بالفاء دون الواو لانها تقيد التفسير، ولو قال فإن أذن بعقود لا يعقد لكان أولى لانه يفيد الاذن العام والخاص والفارق بينهما ولانه علم من الاول ضمنا لانه إذا قال لعبده أذنت لك في التجارة يكون عاما لان التجارة اسم جنس محلى بالالف واللام فكان عاما فيتناول جميع الاعيان كما لو أعطى العبد ثوبا وأمره مولاه ببيعه كان إذنا لانه لا يمكن حمله على الاستخدام، فإذا صار مأذونا له في جميع التجارات كان له أن يبيع ويشتري وإن كان فيه غبن فاحش عند الامام. وقالا: لا يجوز بما لا يتغابن فيه لانه تبرع ولهذا لا يجوز من الاب والوصي والقاضي، ولان المقصود من التجارة الاسترباح وهذه خاسرة. وللامام أن هذه تجارة لا تبرع لانه وقع في ضمن عقد التجارة والواقع في ضمن شئ له حكم ذلك الشئ بخلاف الاب والوصي والقاضي لان تصرفهم مقيد بالنظر، ولان البيع بالغبن الفاحش من صنع التجارة لاستجلاب قلوب الناس ليربحوا في صفقة أخرى، وعلى هذا الخلاف بيع الصبي والمعتوه المأذون لهما. ولو مرض العبد المأذون له وحابا فيه يعتبر من جميع المال إذا لم يكن عليه دين، وإن كان عليه دين فمن جميع ما بقي بعد الدين لان الاقتصار في الحر على الثلث لاجل الورثة ولا وارث للعبد ولا يقال المولى بمنزلة الوارث لانا نقول: رضي بسقوط الاذن فصار كالوارث إذا سقط حقه بخلاف غرمائه لانهم لم يرضوا بسقوط حقهم فلا ينفذ محاباته في حقهم، وإن كان الدين محيطا بما في يده يقال للمشتري أد جميع المحاباة وإلا فرد البيع كما في الحر. هذا إذا كان المولى صحيحا، وإن كان مريضا لا تصح محاباة العبد إلا من ثلث مال المولى كتصرفات المولى بنفسه لان المولى باستدامة الاذن بعد ما رضي أقامه مقام نفسه فصار تصرفه كتصرف المولى، والفاحش من المحاباة وغير الفاحش فيه سواء، فلا ينفذ الكل إلا من الثلث. قال في المحيط: لو اشترى المأذون عبدا شراء فاسدا فأغل عبده كانت الغلة له ولا يتصدق بها، ولو رده على بائعها رده مع الغلة ويتصدق البائع بها. وقيل: عند الامام لا يرد

[ 161 ]

الغلة لان الاصل يكون عنده الكسب لمن كان له الملك في الاصل، وعندهما الكسب متى حدث قبل تقرر الملك يدور النماء بدوران الاصل بخلاف تلك المسألة لانه حين حدث الكسب في يد البائع لم يكن له حق الملك وهو حق الاسترداد حتى يسدي الحق إلى الكسب. والفرق بين البائع والمأذون وإن استفاد كل واحد منهما الكسب بملك خبيث أن العبد ليس من أهل الصدقة فلا يتصدق، والبائع من أهلها فيتصدق. اشترى من العبد بيعا فاسدا ثم باعه من مضارب العبد جاز ولم يكن فسخا للبيع الاول كما لو باع من أجنبي فلا يثبت النقص بالشك. ولو باع جارية بعبد ودفع الجارية ولم يقبض العبد حتى حدث بها عيب فلا يخلو إما أن تعيب قبل هلاك العبد أو بعده، وكل وجه لا يخلوا من ثلاثة أوجه: إما إن تعيب بآفة سماوية أو بفعل المشتري أو بفعل أجنبي، أما إذا حدث بها عيب بآفة سماوية بأن ذهبت عينها ثم هلك العبد فالمأذون بالخيار إن شاء قبض جاريته ولا يتبع بنقصانها، وإن شاء ضمنه قيمة جاريته يوم قبضها لان الجارية حين قبضت كانت مضمونة بالعبد لا بالقيمة لان النقصان حدث في ملك صحيح للمشتري، والملك متى كان صحيحا كان مضمونا على القابض ضمان عقد وهو الثمن والاوصاف لا تفرد بالعقد فلا تفرد بضمان العقد لانه وجب على مشتري الجارية رد الجارية كما قبض سليمة عن العيب، وكان عليه رد قيمتها يوم قبضها لانها دخلت في ضمانه يوم القبض. ولو هلك العبد ثم ذهبت عينها فإن أخذها ضمنه نصف قيمتها لان العبد لما هلك صارت الجارية مضمونة على مشتريها بالقيمة، ولان النقصان إنما حدث بعد فساد الملك فيها لان الملك قد فسد في الجارية بهلاك العبد، والملك الفاسد مضمون على القابض بالقبض لا بالعقد، والاوصاف تفرد بالقبض فيفرد بضمان القبص كما في الرهن والغصب. وأما إذا تعيب بفعل المشتري بأن قطع يدها أو فقأ عينها فهو كما لو تعيب بآفة سماوية في التضمين لان المشتري جنى على ملكه وجناية المالك على مملوكه هدر فلم يخلف بدلا فصار كأنه مات بآفة سماوية، وإن تعينت بفعل أجنبي بأن قطع يدها أو وطئها بشبهة فأخذ أرشها وعقرها أو ولدت من غير سيدها، فإن كان قبل هلاك العبد لم يكن للعبد إلا قيمتها يوم العقد لانه لما هلك العبد فسد البيع في الجارية فوجب على مشتري الجارية ردها للفساد وقد عجز عن ردها حكما لانه حدث بعد القبض زيادة منفصلة من الجارية في ملك صحيح، ومثل هذه الزيادة تمنع انفساخ الملك في الاصل، فإذا تعذر فسخ البيع في الجارية صار المشتري عاجزا عن رده قيمتها. وإن كان بعد هلاك العبد أخذ الجارية وعقرها وولدها وأرشها إن شاء من المشتري، وإن شاء من الجاني لان الزيادة المنفصلة لا تمنع انفساخ البيع في ملك فاسد كما لو وقع البيع في الجارية فاسدا في الابتداء ثم حدث منها زيادة منفصلة كان للبائع حق الاسترداد في الاصل فسرى ذلك الحق إلى الزوائد، ثم إن شاء ضمن المشتري لان النقصان لو حدث بآفة سماوية كان له تضمينه فإذا حدث بفعله أولى، فإن شاء ضمن الجاني

[ 162 ]

لان الجاني صار جانيا على ملكه لاعادة الجارية إلى قديم ملكه بالفسخ. ولو حدث بها عيبان أحدهما قبل هلاك العبد والثاني بعد هلاكه فعلى هذا القياس لان العيبين لو حدثا قبل هلاك العبد يتخير المأذون حتى لو اختار أخذ الجارية لا يكون له ضمان النقصان، ولو حدثا بعد هلاك العبد متى أخذ الجارية فله تضمين نقصان العيبين جميعا، فإذا حدث أحدهما قبل هلاكه والآخر بعد هلاكه كان لكل واحد منهما حكم نفسه. هذا كله إذا تعيبت الجارية في يد مشتريها، وأما إذا حدث فيها زيادة فلا يخلو إما أن كانت الزيادة منفصلة كالولد والارش، أو كانت متصلة كالسمن والجمال. فإن كانت منفصلة، فإن ولدت قبل هلاك العبد ثم مات العبد ينظر، إن كان الولد قائما ليس للمأذون أخذ الجارية لان الزيادة المنفصلة الحادثة بعد القبض في ملك صحيح تمنع انفساخ العقد في الاصل، وإن هلك الولد والارش كان للعبد أن يأخذ الجارية ولا يتبعه بنقصان الولادة والجناية إن شاء وإن شاء ضمنه قيمتها لان المانع من انفساخ العقد قد ارتفع وهو الزيادة فصارت كأنها لم تكن والنقصان قائم لان الولادة في بنات آدم سبب النقصان وأنه عيب على كل حال فله أن يضمنه قيمة الجارية. ولو كان مكان الجارية شاة فنتجت في يده قبل هلاك العبد لم يكن للعبد خيار ويأخذ الشاة لانه لا نقصان لان الولادة في البهائم ليست بعيب. وإن هلكت الزيادة بفعل أجنبي فهو كما كان الولد قائما لان الولد مات وأخلف بدلا، والفائت إلى خلف كالقائم حكما. وإن هلكت بفعل المشتري بأن أعتق المشتري أو ولد الجارية ثم هلك العبد لم يكن للمأذون على الجارية سبيل لان الولد يسلم للمشتري من وجه فإنه مولى له يرث منه إذا مات ولم يكن له عصبة أقرب منه فيؤدي إلى الربا فلا يجوز فسخ العيب في الجارية، فإن مات الولد المعتق وترك ولدا كان للعبد أن يأخذ الجارية إن شاء ولا يتبعه بنقصانها، وكذلك إن ترك ولدا لا يخير ولاؤه المشتري بأن كان المعتق تزوج بأمة لرجل وحدث منها ولد ثم أعتق مولى الامة الولد لان المانع من فسخ العقد في الجارية هو الولد وقد زال هذا المانع بخلف وهذه الزيادة من خصائص مسائل هذا فيجب حفظها. وكذلك إذا قتل الولد المتشري فله الخيار بين الفسخ والتضمين، وهذا لا يشكل على الرواية التي قال بأن الولادة عيب لازم في بنات آدم وذلك لان القتل بمنزلة الموت لان المقتول ميت بأجله، ولو مات الولد في يد مشتري الجارية يتخير المأذون فكذا هذا. وإنما يشكل على الرواية التي قال بأن الولادة ليست بعيب إذا لم توجب نقصانا لان الولد مات ولم يخلف بدلا لان المشتري جنى على ملكه الصحيح وجناية المالك على ملكه هدر فصار كما لو مات الولد حتف أنفه. والجواب عنه أن الولد مات وأخلف بدلا من دمه لان جناية المشتري على الولد إنما تكون ملاقيا ملكه ما دام ملكه في الجارية متقررا، فأما إذا انفسخ ملكه في الجارية بأن أخذ الجارية ولم يضمنه النقصان كانت الجناية على الولد ملاقيا ملك المأذون من وجه لان الولد تبع

[ 163 ]

للجارية لانه متولد ومتفرع عنها، ولهذا ملك بسبب ملك الجارية وانفساخ الملك في الاصل يوجب انفساخ الملك في التبع فصار جانيا على ملك المأذون على هذا الاعتبار فيضمن قيمة الولد من وجه فصح أن الولد مات وأخلف بدلا من وجه فيتخير، وإن شاء أبرأه عن قيمة الولد ويأخذ الجارية، وإن شاء لم يبره وضمنه قيمة الجارية. وأما إذا كانت الزيادة متصلة بأن ازدادت الجارية حسنا وجمالا أو ذهب البياض الذي في عينها قبل هلاك العبد أو بعده أخذها بزيادتها، وقيل عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى لا يجوز استردادها قبل هلاك الغلام لما عرف من اختلافهم في الصداق زاد في يده بعد القبض ثم طلقها قبل الدخول لا يكون للزوج رد نصف الصداق إلا برضا المرأة عندهما، وقيل هذا قولهم جميعا، فهما فرقا بين هذه المسألة ومسألة الصداق. والفرق أن في الصداق حق المرأة في الزيادة ولو بطل فإنما يبطل قصدا بإيقاع الزوج بالطلاق وهو لا يملك إبطال حقها قصدا، فأما حق مشتري الجارية في الزيادة لو بطل فإنما يبطل حكما لا بقصد المأذون لان بطلان حقه في الزيادة مضاف إلى موت الغلام، وموت الغلام ما كان بصنع المأذون وقد ثبت حكما للشئ وضرورة ثبوته وإن كان لا يثبت قصدا. والاصح أن هذا على الخلاف لانه ذكر بعد هذا أن العبد لو لم يمت لكن حدث به عيب فرد العيب كان للمأذون أن يسترد الجارية وإن كانت الزيادة المنفصلة حدثت قبل الرد فحق الرد وحق مشتري الجارية في الزيادة، هذا لو بطل إنما يبطل قصدا لانه يبطل برد العبد ورد العبد كان بقصده، وبين أن الرد بخيار الرؤية والرد بالعيب قبل القبض بمنزلة الموت من حيث منع فسخ العقد لان العقد ينفسخ بهذا الرد كما ينفسخ بموت العبد قبل القبض. ولو كان العبد المأذون باع بالخيار ثلاثة أيام في الذي اشتراه وولدت الجارية في يد المشتري منه أو من غيره أو قطع يدها، فإن رد العبد بخياره أخذ الجارية وأرشها وعقرها وولدها لان اشتراط الخيار في العبد اشتراط الخيار في الجارية لان الخيار إنما يشترط للفسخ ولا يمكنه فسخ العقد في أحد البدلين دون الآخر فيكون اشتراط الخيار في أحد البدلين اشتراطا للخيار في الآخر، ولهذا لو أعتق مشتري الجارية بعد القبض لا ينفذ عتقها لان للبائع خيار شرط في الجارية والمشتري متى قبض المتشري وللبائع فيه خيار شرط يكون المشتري مضمونا عليه بالقيمة، ولو لم يقبض الجارية حتى أعتقها قبل هلاك العبد جاز عتقه، فإن أعتقها بعد هلاك العبد لم يجز عتقه لان قبل هلاك العبد عتق ملك نفسه لان البيع صحيح في الجارية وبعد هلاك العبد فسد البيع في الجارية، والبيع الفاسد قبل القبض لا يفيد الملك. ولو قبض الجارية ووجد المأذون بالعبد المبيع عيبا قبل القبض أو بعده فرده بقضاه أو رضا أو خيار رؤية أو شرط ثم أعتق الجارية لم يجز عتقه، وكذا لو تقايلا انفسخ العيب من كل وجه فزالت الجارية عن ملكه فصار معتقا ما لم يملك فإذا بهلاك العبد لا ينفسخ وإنما يفسد، فمتى

[ 164 ]

[ ويوكل بهما ويرهن ويسترهن ويستأجر ويضارب ويؤجر نفسه ويقر بدين وغصب ] كانت الجارية في يده صار معتقا ما يملكه فنفذ، وقيل القبض لا يمكله فلا ينفذ والله تعالى أعلم. قال محمد في الاصل: وإذا اشترى المأذون جارية بألف درهم وقبضها ووهب البائع ثمنها من العبد وقبل العبد ذلك فهي جائزة. وأراد بقوله قبل أي لم يرد. وكذا لو وهب من المولى فإن باع العبد المأذون عبدا بجارية وقبض بائع العبد الجارية ثم وهب العبد من المأذون ثم وجد المأذون بالجارية عيبا ليس له أن يردها بالعيب عند علمائنا استحسانا، فلو وهب المأذون العبد قبل أن يقبض المأذون الجارية وقبل البائع فهو جائز وكان إقالة للبيع، هكذا ذكر في الكتاب. قال الفقيه أبو بكر البلخي: هذا قول الامام ومحمد. وعلى قول أبي يوسف لا يكون إقالة فإن لم يقبل المشتري الهبة فهبة العبد باطلة، ولو كان مشتري الجارية هو الذي وهب الجارية من المأذون قبل أن يقبضها وقبلها المأذون فالهبة جائزة، وكذا إذا وهب الجارية من مولى المؤذون قبل القبض، أما إذا وهب الجارية من مولى المأذون قبل القبض فأمره بالقبض فقبض هل تصح الهبة؟ هذا على وجهين: إما أن يكون على العبد دين أو لا، فإن لم يكن على العبد دين فالهبة جائزة ويكون إقالة للبيع، أما إذا كان على العبد دين فإنه لا تجوز الهبة ولا يكون إقالة حتى كان للعبد أن يأخذ الغلام من المشتري. قال رحمه الله: (ويوكل بهما) أي يجوز أن يوكل بالبيع والشراء لانهما من توابع الاجارة فلعله لا يتمكن من مباشرة الكل فيحتاج إلى المعين. وأطلق في قوله يوكل فشمل ما إذا كان عليه دين أو لا، كان الدين مستغرقا أو لا، وكل المولى أو غريم العبد مع أن الظاهر إذا لم يكن عليه دين لا يصح توكيل المولى لان المولى أصيل في التصرف ولا ينفذ توكيل غريم العبد لانه ربما يقبض لنفسه فيتضرر البقية، فلو قال ويوكل غير غريم ومولى حيث لا دين لكان أولى. قال في المبسوط: مسائل توكيل المأذون على وجوه: أحدها في توكيل المأذون. الثاني في توكيل غريم مولاه بالخصومة، والثالث في توكيل الغريم عبدا لمولى المأذون في قبض ما على المولى من الدين. الاول وللعبد أن يوكل غيره بالبيع والشراء بنقد أو نسيئة لانه من صنيع التجار، وإن وكل عبدا مأذونا حرا ببيع متاعه فباعه من رجل له على المأمور دين صار قصاصا عندهما خلافا لابي يوسف، لان عندهما الوكيل يملك إبراء المشتري عن الثمن وعنده لا. والوكيل مع الموكل إذا باعاه معا فبيع الموكل أولى. الثاني إذا كان على العبد دين فوكل الغريم مولاه بقبضه لم يجز ولم يبرأ العبد من الدين لان المولى في قبض الدين من عبده عامل لنفسه. والاصل أن العامل لنفسه لا يصلح أن يكون نائبا عن غيره. وذكر في كتاب الوكالة أنه يصح قبضه، فإن عاين الشهود قبضه رده إن كان قائما، وإن هلك لم يضمن لان قبضه بإذن المديون والغريم. الرابع في توكيل الشريك العبد والاجنبي المولى في دينهما فالاول للعبد التاجر

[ 165 ]

ولرجل آخر على رجل ألف درهم فوكل الشريك العبد بقبضه لم تجز الوكالة وما قبضه يكون بينهما نصفين، ولو هلك المقبوض في يده هلك من مالهما. الثاني من الثالث إذا كان للمأذون ولشريكه على رجل ألف درهم مجحدها فوكلا المولى بالخصومة مع غريمها جاز كما لو وكل المأذون مولاه بالخصومة، وإن أقر المولى في مجلس القاضي بإيفاء الخصم لهما جاز إقراره كان على العبد دين أو لا لان إقرار الوكيل على الموكل بالخصومة على مولكه جائز. ثم هل يرجع أحد الشريكين على صاحبه؟ لا يخلو إما إن كذبا الوكيل في إقراره أو صدقاه أو كذبه أحدهما وصدقه الآخر، فإن صدقاه في إقراره فلا يرجع أحدهما على صاحبه بشئ، وكذا إن كذباه. وإن صدقه أحدهما وادعى على العبد دينا رجع الشريك في رقبته بنصف حصته، وإن كان على دين لم يرجع على العبد ولا على مولاه حتى يقضي دينه، فإن فضل فيصح فيما يفضل عن دين الغريم. وإن صدقه الشريك وكذبه العبد لم يرجع أحدهما على صاحبه بشئ، سواء كان على العبد دين أو لا. ولو وكل الشريك العبد بالخصومة فأقر أن الشريك قد استوفى حقه برئ الغريم من نصف الدين ولا ضمان على العبد ويقبض العبد نصف الدين ويكون بينه وبين شريكه. ولو ادعى شريك العبد أن العبد قبض حقه فوكل العبد مولاه بخصومته أو بعض غرمائه فأقر الوكيل باستيفاء العبد فللشريك أن يأخذ العبد بربع الدين ويرجع على المديون بربعه، وكذا لو أقر العبد بذلك. وإذا وكل مأذونا يشتري له بالنسيئة لم تجز الوكالة ولو لم يذكر النسيئة جاز استحسانا، فإذا حل الاجل يكون للبائع أن يأخذ الثمن من العبد ثم يرجع العبد بما أدى على الموكل ولو كان الوكيل صبيا أو محجورا أو معتوها ثم أردك أو أفاق لم تعد العهدة إليه لانهما وقت العقد ليس من أهل العهدة بخلاف الوكيل إذا جن فأفاق أو أسلم المرتد تعود العهدة عليهما لانهما وقت العهدة من أهلها. الخامس لو كان على المولى دين لرجل فوكل عبده بقبض ذلك جاز، فإن أقر بقبض ذلك والهلاك في يده صدق لان العبد فيما يقبض عامل لغيره لا لنفسه، لرجل على عبدين مأذونين في التجارة دين فوكل أحدهما بقبضه جازت الوكالة لان العبد يصلح وكيلا للاجنبي بقبض الدين من مولاه، ولو أقر بقبضه صدق فيه مع يمينه، وإن نكل عن اليمين لزمه ذلك. على العبد دين فوكل الغريم ابن العبد أو أباه أو عبد أبيه أو مكاتبه فأقر الوكيل بقبض ذلك صدق لانه لو وكل عبده بذلك جاز، فلو وكل ابنه بذلك لكان أولى. قال رحمه الله: (ويرهن ويسترهن) لانهما من توابع التجارة لانهما إيفاء واستيفاء ويتقرر ذلك بالهلاك. قال في الاصل: إذا كان على العبد دين فرهن به رهنا ووضعاه على مولاه وهلك في يده لم يبطل دين الغريم وهلك الرهن من مال العبد لان المولى لا يصلح وكيلا بقبض الدين من عبده فكذا لا يصلح عبده، ولو لحق المأذون دين فأراد أن يرهن عبدا من بعض الغرماء فللباقين المنع لان الرهن إيفاء حكما اه‍. وأطلق قوله يرهن فشمل ما إذا كان

[ 166 ]

عليه دين أو لا، كان مستغرقا أو لا. رهن عند المولى أو عند بعض الغرماء. أما إذا لم يكن عليه دين لا يصح أن يرهن من المولى، وكذا لو لم يكن عليه دين لانه إذا لم يصلح أن يكون عدلا لا يصلح أن يكون مرتهنا، فلو رهن من بعض الغرماء يتوقف كما ذكر في الاصل. قال رحمه الله: (ويستأجر ويضارب) لانه من صنيع التجار فيجوز له المضاربة أخذا ودفعا، وكذا الاجارة بأن يؤجر غلمانه ويستأجر أحرارا وله أن يدفع الارض مزارعة ويأخذها ومساقاة لان كل ذلك من عمل التجار قال عليه الصلاة السلام الزارع تاجر ربه وله أن يشتري طعاما ويزرعه فيها ويستأجر البيوت والحوانيت ويؤجرها لما فيه من تحصيل المال ويشارك شركة عنان ولا يشارك شركة مفاوضة لانها تنعقد على الوكالة والكفالة، والكفالة لا تدلخ تحت الاذن فلو فعلا ذلك كانت عنانا لان المفاوضة عنان وزيادة فصحت بقدر ما يتملكه المأذون وهو الوكالة. قال رحمه الله: (ويؤجر نفسه) يعني المأذون يؤجر نفسه وقد قدمناه. وقال الامام الشافعي: لا يملك ذلك لان الاذن لم يتناول التصرف في نفسه ولهذا لا يملك أن يبيع نفسه ولا أن يرهنها. قلنا الاذن يتضمن اكتساب المنافع والاجارة منه بخلاف البيع أو الرهن لانه يبطل الاذن. قال رحمه الله: (ويقر بدين وغصب ووديعة) لان الاقرار من توابع التجارة لانه لو لم يصح إقراره لم يعامله أحد فلا بد من قبول إقراره فيما هو من باب التجارة والاقرار بالدين منه، وكذا بالغصب لان ضمان الغصب ضمان معاوضة عندنا لانه يملك المغصوب بالضمان فكان من باب التجارة ومن باب المعاوضة، وكذا لو أقر به أحد المتعاوضين كان شريكه مطالبا به. ولو اشترى جارية شراء فاسدا فأقر أنه وطئها يجب عليه العقر للحال لان لزومه باعتبار الشراء إذ لولاه لوجب الحد دون العقر بخلاف ما إذا أقر أنه وطئها بالنكاح حيث لا يظهر وجوب العقر في الحال في حق المولى ويؤخذ به بعد الحرية لانه ليس من باب التجارة لانه لا يجد بدا منه فكان من توابعها ولوازمها. وأطلق في قوله أقرو وما بعده فشمل ما إذا أقر للمولى أو لغيره. وما إذا كان عليه دين أو لا، وما إذا كان في صحته أو مرضه أو الاول وهو ما إذا أقر للمولى. قال في المبسوط: إذا أقر المأذون بعين في يده لمولاه إن لم يكن عليه دين جاز، وكذا لعبد مولاه وإلا فلا لان الاقرار لم يلاق حق أحد وقد يفيد المولى فائدة إذا لحق للعبد دين لا يتعلق به حق الغرماء. ولو أقر بدين لمولاه لا يجوز كان عليه دين أو لا، لان المولى لا يستحق عليه دين، ومثله لو أقر لعبد مولاه المحجور. ولو أقر لعبد مولاه المأذون بدين، إن كان على المقر له دين لا يصح إقراره لانه إقرار للمولى، ولو أقر بألفين لمكاتب مولاه ولا دين عليه يصح كما لو أقر للمولى، ولو كان عليه دين لا يصح. ولو أقر بالدين لمكاتب مولاه صح كان على المقر له دين لان المكاتب يصح أن يثبت له دين على مولاه فعلى عبد مولاه أولى. ولو أقر لابن مولاه أو لابيه بوديعة أو دين وعليه دين صدق، ولو أقر لابن نفسه أو لابيه أو لمكاتب أبيه لم يصح، عليه دين أو لا عند الامام.

[ 167 ]

وقالا: يصح وبيان الدليل من الجانبين مذكور فيه، وأما إذا أقر لغير المولى فهو صحيح كان عليه دين أو لا. قال في المحيط: ولو صدقه مولاه في الاقتصاص بنكاح فاسد بدأ بدين الغرماء، فإن فضل شئ أخذه سيد الامة من عقرها لان ضمان العقر بمنزلة ضمان الجناية، وفي ضمان الجناية لا يصدق العبد في حق الغرماء كما لو أقر بقطع يد أو رجل. ولو أقر بحرية الجارية التي في يده لا يصح لانه لا يملك إنشاء حرية طارئة للحال فلا يملك الاقرار بها، ومتى أقر بحرية أصلية يصح لان الحرية الاصلية غير ثابتة بإقراره بل مضافة إلى الذات. ولو اشترى عبدا من رجل وقبضه ثم أقر أن البائع أعتقه أو دبره أو استولدها ولو أمة لم يصدق ويبعها لانه أقر بحرية طارئة، فإن صدقه البائع انتقض البيع ويرد عليه الثمن لان التصديق من البائع إقرار منه بإنشاء هذه الاشياء وهو يملك إنشاء هذه التصرفات فيملك الاقرار بها، ويصدق العبد في نقض البيع لانه يملك نقض البيع. ولو قال باعها من فلان قبل أن يبيعها مني صدق ولا يرجع بالثمن على البائع إلا أن يأبى اليمين أو يقيم عليه البينة أو يصدقه. وذكر في الزيادات أنه لا يصح دعواه ولا تقبل بينته ولا يتسحلف البائع إذا أنكر لانه ينتاقض. ولو أقر بألفين لاجنبي جاز إذا أقر مطلقا، ويحمل على المعاوضة. ولو باع المأذون عبده فقال المشتري إنه حر وصدقه المأذون لا يصدق ونفذ عتقه على المشتري إذا أقر المأذون المديون أو غير المديون بدين كان عليه وهو محجور من غصب أو وديعة استهلكها أو مضاربة أو عارية خالف فيها، فإن كذبه رب المال وقال هذا كله في حال إذنك لم يصدق العبد في شئ منه ولزمه كله، وإن صدقه رب المال لزمه الغصب خاصة لان الغصب يوجب الضمان للحال بخلاف غيره لانه أضاف الاقرار إلى حالة تمنعه. ولو أذن له ثم حجر ثم أذن، فإن كان عبدا أو صبيا حرا فقال استهلكه كله في حال أذني الاول لزمه كله، صدقه المقر له أو كذبه، لان الاقرار بهذه الاشياء في الاذن معتبرة بالاذن الاول. ولو حجر على عبده ولا مال في يده ثم أقر بعد ذلك كله أنه فعله في حال إذنه لم يلزمه إلا بعد العتق لانه محجور أقر على نفسه، وإن أذن له مرة أخرى سئل عما أقر به، فإن قال كان حقا لزمه، وإن قال كان باطلا تأخر حتى يعتق، ومثله الصبي والمعتوه. وأما إذا كان عليه دين أو في صحته أو مرضه فقد بيناه في ضمن التقرير. وأما إذا أقر المأذون في مرض مولاه قال في المبسوط: وهو على وجهين: أحدهما أن يقر العبد، والثاني في إقرارهما. فالاول إذا أقر العبد في مرض المولى وعلى المولى دين إن كان عليه دين الصحة محيط بجميع ماله ورقبة العبد لا يصح إقرار العبد وإن كان على المولى دين المرض صح إقراره. ثم المسائل على أقسام: أما الاول إذا كان على المولى دين الصحة ولا دين على

[ 168 ]

[ ووديعة ولا يتزوج ولا يزوج مملوكه ولا يكاتب ولا يعتق ولا يقرض ولا يهب ويهدي ] العبد، أو على العبد ولا دين على المولى، أو على كل واحد منهما دين. الاول لو أقر المأذون في مرض مولاه بدين ولا دين عليه وعلى المولى دين الصحة جعل كأن المولى أقر في مرضه ويبدأ بدين الصحة كإقرار المولى على نفسه في هذه الحالة، وإن لم يكن على المولى دين في صحته فتداين في مرضه تخلصا لان إقرار العبد بالدين صحيح في حق غرمائه وإن تضمن إبطال حقه. الثاني لو كان على العبد دين ولا دين على المولى في صحته فإقرار العبد بذلك صحيح لان المأذون إنما يصير محجورا عليه في مرض سيده إذا كان على السيد دين في الصحة يحيط بماله ورقبة العبد وما في يده فيصير العبد محجورا حينئذ. الثالث إذا كان على كل واحد منهما دين للصحة فأقر العبد بدين في مرض مولاه فلا يخلو إما أن يكون رقبة العبد وما في يده لا يفضل عن دينه أو يفضل عن دينه ولا يفضل عن دين المولى أو يفضل عنهما، فإن لم يفضل عن دينه لا يصح إقراره لان شغل ما في يده ورقبته يمنع صحة إقراره، فإن فضل عن دينه وعلى المولى دين الصحة يكون الفاضل لغرماء صحة المولى، وأما إذا فضل عن دينهما فإنه يصح إقراره في ذلك الفاضل، ولو لم يكن على أحدهما دين فأقر المولى في مرضه بألف على نفسه ثم أقر العبد بألف تحاصا في ثمن العبد، ولو أقر العبد أولا ثم المولى بدئ بدين العبد. وفي المحيط قال أبو يوسف: إذا أبق العبد المأذون أو حجر عليه أو باعه سيده حل الدين الذي عليه مؤجلا، وإن أعتقه لم يحل عليه الدين وكان إلى أجله لان بالعتق لم تنقطع ولاية التجارة بل استفادها. قال رحمه الله: (ولا يتزوج) لانه ليس من باب التجارة ولانه فيه ضرر على المولى لوجوب المهر والنفقة في رقبته. وفي المحيط: حجر المأذون ولو اشترى المأذون أمة فتسري بها وولدت له ثبت نسبه منه ولا يخرج الامة وولدها من التجارة، وكذا لو تزوج أمة بغير بينة بإذن المولى لم تخرج الامة وولدها من التجارة، فإن كان النكاح ببينة خرجت من التجارة. قال الحاكم أبو الفضل: يحتمل أن يكون هذا الجواب في أمة بأجرة اه‍. قال رحمه الله: (ولا يزوج مملوكه) أطلقه فشمل ما إذا كان عليه دين أو لا زوجها من المولى ولا دين عليه أو من غيره. وقال الثاني: يزوج الامة دون العبد لان فيه تحصيل النفقة والمهر فأشبه إجارتها ولهذا جاز للمكاتب ووصي الاب والاب. ولهما أن الاذن يتناول التجارة والتزويج ليس منها ولهذا لا يملك تزويج العبد بالاتفاق والاب والوصي تصرفهما بالنظر إلى الصغير وفي تزويج الامة النظر المذكور، وعلى هذا الخلاف الصبي والمعتوه المأذون لهما والمضارب والشريك عنانا ومفاوضة، وما في الهداية من أن الاب والوصي على هذا الخلاف سبق قلم من الكاتب فإنه ذكر المسألة بنفسها في كتاب المكاتب مثل ما ذكرنا ولم يذكر فيهما خلافا بل جعلهما كالمكاتب، وكذا في عامة كتب أصحابنا كالمبسوط ومختصر الكافي والتتمة. قيدنا بقولنا

[ 169 ]

[ طعاما يسيرا ويضيف من يطعمه ويحط من الثمن بعيب ودينه متعلق برقبته يباع فيه أن ] زوجها من المولى ولا دين عليه لما قال في المنتقي: اشترى المأذون جارية ولا دين عليه فزوجها من المولى جاز وقد خرجت الجارية من التجارة، وليس له أن يبيعها ولا تباع للغرماء لو لحقه دين لان المولى يملك إكساب عبده وإن كان عليه دين لم يجز النكاح، وله أن يبيعها ويبيع ولدها لانهما ملك للعبد، وإن قضى دينه بعد التزويج فهو يمنزلة تزويجة ولا دين عليه اه‍. قال رحمه الله: (ولا يكاتب) لانه ليس من باب التجارة إذ هي مبادلة المال بالمال والبدل في الحال مقابل بفك الحجر فلم يكن من باب التجارة، ولان الكتابة أقوى من الحجر لان الكتابة توجب حرمة اليد في الحال وحرية الرقيق في المآل والاذن لا يوجب شيئا من ذلك والشئ لا يتضمن ما هو فوقه إلا إذا أجازه المولى ولم يكن على العبد دين لان الامتناع لحقه، فإن أجازه المولى جاز. وذكر في النهاية أنه إذا كان على العبد دين قليل أو كثير فكتابته باطلة وإن أجازهما لان قيام الدين يمنعه من ذلك قل أو كثر وهذا مشكل، لان الدين إذا لم يكن مستغرقا لما في يده ورقبته لا يمنع الدخول في ملك المولى، وإنما الخلاف فيما إذا كان الدين مستغرقا فعند الامام يمنع من دخوله في ملك المولى، وعندهما لا يمنع. وإذا أدى المكاتب الدل إلى المولى قبل الاجازة ثم أجاز المولى لا يعتق ويسلم المقبوض للمولى لانه كسب عبده. قال رحمه الله: (ولا يعتق) أطلقه فشمل ما إذا كان على مال أو لا لانه فوق الكتابة فكان أولى بالامتناع، وإن أجازه المولى ولم يكن عليه مال دينا جاز وكأنه قبل العوض إليه إن كان العتق على مال فإن كان عليه دين مستغرق لم ينفذ عند الامام، وينفذ عندهما بناء على أنه يملك ما في يده أم لا، وقدمنا لو أقر بحرية طارئة أو أصلية فراجعه. قال رحمه الله: (ولا يقرض) لان تبرع ابتداء وهو لا يملك وينبغي أن يقال إذا كان درهما فصاعدا فأما ما دونه فيجوز أن يقرض كما في الهبة. قال رحمه الله: (ولا يهب) أطلقه فشمل ما إذا كان بعوض أو لا لانه تبرع ابتداء وانتهاء. أطلق في منع الهبة فشمل ما قيمته درهم وما دونه. وفي المحيط: ولا يهب هذا إذا بلغت قيمته درهم فصاعدا ويجوز هبة ما دون الدرهم لانه من صنيع التجارة لانه لا بد للتجارة منه لعيرف ويميل قلب الناس إليه اه‍. قال رحمه الله: (ويهدي طعاما يسيرا ويضيف من يطعمه) لان التجار يحتاجون إليه لاستجلاب قلوب المهاجرين، وعن الثاني المحجور عليه إذا دفع إليه المولى قوت يومه فدعى بعض رفقائه عليه فلا بأس به بخلاف ما إذا دفع قوت شهر لانهم إذا أكلوه يضر بحال المولى ولا يمكن أن يقدر الضيافة بتقدير لانه يختلف باختلاف الناس واختلاف المال، ولا بأس للمرأة أن تتصدق من بيت زوجها بالرغيف بدون إذن الزوج لانه مأذون فيه عادة. قال محمد: ويتصدق المأذون بالرغيف ونحوه واستحسنوا ذلك في الطعام وفيما إذا أعار رجلا دابة ليركبها أو ثوبا يلبسه لا بأس به. ولم يذكر في الكتاب الضيافة اليسيرة وقدرها محمد بن

[ 170 ]

سلمة البلخي فقال: إن كان مال التجارة عشرة آلاف فالضيافة عشرة دراهم، وإن كان مال التجارة عشرة فالضيافة بدانق، كذا في المحيط. قال رحمه الله: (ويحط من الثمن بعيب) أطلقه فشمل ما إذا كان قدر العيب أو أكثر أو أقل وهو مقيد بما إذا كان قدره فلو قال بقدره لكان أولى لانه من صنيع التجار. وقيدنا بكون الحط أنظر له من قبول العيب بخلاف الحط من غير عيب أو الحط أكثر من العادة لانه تبرع محض بعد تمام العقد وهو ليس من صنيع التجار فلا ضرورة إليه بخلاف المحاباة ابتداء لانه قد يحتاج إليه التاجر، وله أن يؤجل في دين وجب له لانه من عادة التجار، وفي المحيط: فأما إذا كان المحطوط أكثر مما يخص العيب من الثمن بحيث لا يتغابن في مثله هل يجوز؟ لم يذكره في الكتاب واختلفوا فيه، فقيل يجوز عند الامام، وعندهما لا يجوز لان الحط بمنزلة البيع والشراء وهو لا يملكه بالغبن الفاحش عندهما، وعنده يملكه. وقيل لا يجوز بالاجماع لان الحط ليس بتجارة اه‍. أطلق في قوله فشمل قبل الحجر وبعده، وأطلق العيب فشمل ما إذا أقر به أو ثبت. قال في المنتقى: باع العبد المأذون عبدا في تجارته ثم حجر عليه مولاه ثم وجد المشتري بالعبد عيبا فالخصم في الرد بالعيب هو العبد، وإن أقر العبد بالعيب لم يلزمه، وإن نكل عن اليمين فقضى عليه جاز اه‍. فإذا كان خصما ملك الحط. وفي المحيط قال محمد في الاصل: إذا باع العبد المأذون عينا واطلع المشتري على عيب يحدث مثله وخاصم المأذون في ذلك فقبله من غير قضاء بلا يمين ولا بينة فقبوله جائز، ولو أن عبدا مأذونا باع من رجل جارية فقبضها المشتري فوجد بها عيبا فرد القاضي الجارية على العبد وأخذ منه الثمن ثم إن العبد بعد وجد بالجارية عيبا حدث عند المشتري ولم يعلم به العبد وقت الرد ولا علم القاضي بذلك فالمأذون بالخيار إن شاء نقض البيع ورد الجارية على المشتري وأخذ منه الثمن إلا مقدار العيب الذي كان عنده، وإن شاء أجاز البيع وأمسك الجارية ولم يرجع على المشتري بنقصان العيب اه‍. ولو قال ويحط من العوض لكان أولى لانه يشمل ما إذا باع سلعة بسلعة كان يحط منه إذا كان مكيلا أو موزونا، ومن القيمة إذا كان قيميا. قال رحمه الله: (ودينه متعلق بقربته) وهذا عندنا. وقال الامام الشافعي وزفر: يتعلق بالكسب لا بالرقبة فلا تباع رقبته ويباع كسبه بالاجماع. ولنا أن هذا دين ظهر وجوبه في حق المولى فيتعلق برقبته كدين الاستهلاك والمهر ونفقة الزوجات. وفي تعليقه برقبته دفع الضرر عن الناس وحامل لهم على المعاملة وبه يحصل مقصود المولى، وتعلقه بكسبه لا ينافي تعليقه برقبته فيتعلق بهما جميعا، ويبدأ ببيع كسبه لانه أهون على المولى مع بقاء حق الغرماء. قال في العناية: فإن لم يكن له كسب تعلق الدين برقبته اه‍. فلو قال المؤلف وديونه متعلقة بكسبه ورقبته لكان أولى وأكثر فائدة لانه يفيد تأخر تعلقه بالرقبة عن الكسب إن كان ويفيد تعليقين. قال في المحيط: وإذا أخذ المولى شيئا من كسب عبده المأذون ثم لحقه دين سلم لمولاه ما أخذه وإن كان عليه دين يوم أخذ قليلا أو كثيرا يسلم للمولى ما أخذه،

[ 171 ]

[ لم يفده السيد وقسم ثمنه بالحصص وما بقي طولب به بعد عتقه ويحجر بحجر وإن ] ويظهر ذلك فيما إذا لحقه دين آخر يرد المولى جميع ما كان أخذه لانا لو جعلنا بعضه مشغولا بقدر الديون وجب على المولى رد قدر المشغول على الغريم الاول، فإذا أخذه كان للغريم الثاني أن يشاركه فيه إن كان دينهما سواء، وكان للغريم الاول أن يرجع بما أخذه منه على السيد، وإذا أخذ منه ثانيا كان للغريم الآخر أن يشاركه ثم وثم إلى أن يأخذ منه جميع ما أخذ من كسبه. ولو أخذ المولى من المأذون ضريبة مثله وعليه دين سلمت للمولى استحسانا لان للمولى أن يستخدم المأذون لان المنافع باقية على ملكه، فإذا شرط عليه غلة المثل فقد ترك عليه الخدمة عوضا عنها فكان ما أخذه عوضا بخلاف ما إذا على غلة المثل لانه أخذه بغير عوض، عليه دين خمسمائة وفي يده عبد قيمته ألف فأخذ مولاه ثم لحقه دين ألف ثم أراد إبراء الاول العبد عن دينه لم يسلم للمولى ما أخذه أو لو أبرأه قبل لحوق الدين سلم للمولى ما أخذه كله وكان كسبه فارغا عن الدين فملك المولى كسبه وخرج المأخوذ عن كونه كسب العبد بخلاف ما إذا أبرأه قبل لحوق الدين فقد أبرأه بعدما تعلق به حق الغرماء فصار مشغولا، ولو لم يبرئه الاول ولكن قال لم يكن لي على العبد دين قليل ولا كثير بعدما لحقه الدين الثاني يسلم للمولى ما أخذه كله لانه لما قال لم يكن لي عليه دين وأقر بذلك كاذبا فقد كذب العبد في إقراره فبطل إقراره من الاصل فظهر أنه لم يكن عليه دين فصح أخذ المولى وبالابراء لم يظهر أنه لم يكن عليه دين لان الابراء إسقاط بعد الوجوب فلم يصح أخذه، ولو كان المولى صدق عبده حيث أقر للاول بالدين ثم لحقه دين الثاني ثم قال الاول لم يكن لي له عليه شئ لم يسلم للمولى ما قبض لان المولى لما صدق عبده في الدين فقد أقر أن ما أخذه كان مشتركا بين الاول والثاني فقد أقر لرجلين بخلاف ما إذا صدق المولى الغريم في قوله لا دين وكذبه العبد لا يصح إقرار العبد في حق ما في يد المولى لانه إقرار بما ليس في يده. وقوله وديونه متعلقة صادق بدين للمولى أو لابنه أو لابيه أو لابن العبد الحر أو لابيه أو لاجنبي وقد قدمنا بيانه. قال رحمه الله: (يباع فيه إن لم يفده السيد) يعني إذا تعلق الدين برقبته حيث لا كسب له يباع فيه رقبته دفعا للضرر عن الغرماء، ولا يعجل القاضي بيعه بل يتلوم لاحتمال أن يكون له مال يقدم أو دين بقبضه فإذا مضت مدة التلوم ولم يظهر له وجه باعه لان القاضي نصب ناظرا للمسلمين. ولم يقدر مدة التلوم، قيل هو مفوض إلى رأي القاضي، وقيل يقدر بثلاثة أيام ولا يبيعه القاضي إلا بحضرة مولاه أو نائبه فإذا خرج العبد إلى مصر وتصرف ولحقه ديون وفي يده أموال وقال أنا محجور علي وكذب الغرماء باع القاضي كسبه استحسانا ولا يبيع رقبته حتى يحضر المولى، كذا في المحيط. قال في العناية: فإن قيل: فما وجه البيع على قول الامام وهو لا يرى الحجر على الحر العاقل بسبب الدين وبيع القاضي العبد بغير رضا مولاه حجر عليه؟ أجيب بأن ذلك ليس بحجر عليه لانه كان قبل ذلك محجورا وأعيد

[ 172 ]

بيعه إذ لا يجوز للمولى أن يبيع العبد المأذون بغير رضا الغرماء وحجر المحجور عليه متصور، وقوله إن لم يفده سيده إشارة إلى أن البيع إنما يجوز إذا كان المولى حاضرا فأما إذا كان غائبا فإنه لا يبيع العبد حتى يحضر المولى فإن الخصم في رقبة العبد هو المولى فلا يجوز بيعه إلا بحضرة المولى أو نائبه بخلاف الكسب فإنه يباع بالدين، وإن كان المولى غائبا فإن الخصم فيه هو العبد فالشرط حضور العبد اه‍. قال الشارح: والمراد بالدين ما يظهر في حق المولى، وأما ما لا يظهر في حقه فلا يباع فيه ويطالبه المولى به بعد الحرية. وفي المحيط: ولا يجوز بيع العبد المأذون بأمر بعض الغرماء إلا برضا الباقين أو يكون القاضي هو الذي باعه ويعزل نصيب الغائب عنهم لان للمولى في العبد حق ملك واللغرماء حق الاستسعاء فيباع ليصل إليهم كمال حقهم وهذا الحق مفوت عليهم ببيع المولى فشرط إذنهم فيه اه‍. وفيه أيضا: وإذا ولدت المأذونة المديونة بعد لحوقها دين لزم الدين الولد والام ويباعان فيه لان دين الام حق ثبت في رقبتها فيسري إلى الولد، وإن لحقها بعد الولادة لا يباع الولد وهو للمولى لان الدين إنما تعلق برقبتها حال انفصاله فلا يتعلق بالولد، وأما الهبة والكسب فيباعان في الدين وإن استفادهما قبل الدين. والفرق أن الكسب يتبع المكاتب حقيقة وحكما بكل حال لانه حدث بكسبه وفعله والولد يتبع الاتصال ويصير أصلا حال الانفصال، ولو كان عليها ألف قبل الولادة وألف بعد الولادة فالولد للاول خاصة ولا يدفع الولد بجناية الام وإن ولدت بعد الجناية لان موجب الجناية لا تجب في رقبة الجاني بل يخير المولى بين الدفع والفداء والولد ليس بجان فلم يجب دفعه. قال رحمه الله: (وقسم ثمنه بالحصص) أي بين الغرماء لان ديونهم متعلقة لان ديونهم متعلقة برقبته فيتحاصصون من الاستيفاء وفاء من البدل كما في التركة، وإن لم يكن بالثمن وفاء يضرب كل غريم في الثمن بقدر حقه كالتركة إذا ضافت فإن فضل شئ من ديونه طولب به بعد الحرية ولا يباع ثانيا كيلا يمتنع الناس عن شراء المأذون ودفعها للضرورة عن المشتري لانه لما لم يؤذن في التجارة فلم يكن راضيا ببيعه. ولا يلزم ما لو اشتراه الاذن فإنه لا يباع ثانيا وإن كان راضيا للبيع لان الملك قد تبدل وتبدل الملك لا يبدل العين، كذا في العناية. قال في المبسوط: الاصل أن دين العبد أقوى من دين المولى ولهذا يقدم دين العبد على دين المولى في الايفاء من رقبة العبد. وهنا مسائل: أحدها في دين الوارث على عبد الميت مع دين الميت. والثاني في دين الميت ودين العبد الموصى له. والثالث في هبة المريض عبده لرجل وللموهوب له على العبد دين. الاول إذا هلك الرجل وعليه دين ألف درهم وترك ابنين وعبدا قيمته ألف لا مال له غيره ولاحد الابنين على العبد خمسمائة يباع العبد ويستوفي الابن دينه ثم يستوفي الاجنبي خمسمائة ثانية لان دين الوارث دين العبد ودين الاجنبي دين عى المولى ودين العبد متقدم على دين المولى، وإن كان دين الميت خمسمائة والمسألة بحالها يسقط نصف دين الابن ويستوفي نصفه أولا ثم يستوفي الاجنبي دينه

[ 173 ]

خمسمائة، بقي مائتان وخمسون ثلثاها للابن المدين وثلثها للابن الآخر لان الدين غير محيط وصار العبد ميراثا بين الابنين وسقط نصف دين الابن الذي في نصيبه لان المولى لا يستوجب على عبده دينا. الثاني هلك عن دين خمسمائة وابنين وعبد قيمته ألف وأوصى لرجل له على العبد دين خمسمائة بثلث ماله بطل ثلث الدين الموصى له ويستوفي ثلثيه والاجنبي خمسمائة دينه لان الدين غير محيط بالتركة ويملك الموصى له ثلث دينه وبقي ثلث دينه في نصيب الورثة فيوفوا ذلك من قيمة العبد وهي ألف ثم يأخذ الغريم كمال حقه خمسمائة والباقي بين الاجنبي والموصى له نصفان، ولو كان دين الميت ألف يستوفي الموصى له تمام دينه أولا ثم غريم امليت خمسمائة. الثالث لو كان له عبد وهبه في مرضه ممن له على العبد دين ألف درهم ولا دين له غيره، فإن أجازت الورثة سلم العبد كله له وسقط دينه، وإن أبت ردت ثلثي العبد بغير دينه وسلم له ثلثه. وفي المبسوط: شريكان أذنا لعبدهما في التجارة فلا يخلو إما أن يكونا شريكين شركة ملك أو مفاوضة أو عنان، فإن كانا شريكي ملك أذنا لعبدهما في التجارة فأدانه كل واحد منهما مائة درهم وأدانه الاجنبي مائة فاشترى عبدا فبيع العبد بمائة أو مات العبد عن مائة كان نصفها للاجنبي والنصف بينهما، فالامام قال تعتبر القسمة في هذه المسائل على طريق العول، وفيها القسمة عندهما على طريق المنازعة وسيأتي بيان ذلك في كتاب الوصايا. ولو كانا شريكين مفاوضة أو عنانا وبينهما عبد ليس من شركتهما فأدانه أحدهما مائة من شركتهما وأجنبي مائة فبيع العبد بمائة فثلثاها للاجنبي وثلثها بينهما عند الامام لان دين الاجنبي وجب كله ودين المولى ثبت نصفه. وعندهما قيل يقسم كما قال الامام، وقيل يجب أن يقسم على ثمانية أسهم ثلاثة أرباعها للاجنبي وربعها بين الموليين، ويطلب بيان التعليل في المبسوط. فإن كان العبد من شركتهما والمسألة بحالها فالمائة كلها للاجنبي لان الدين للشركة والعبد للشركة. بينهما عبد مأذون فأدانه أحدهما مائة وأجنبي مائة وغاب الذي لم يدن وحضر الاجنبي فإن نصيب الذي أدان في دينه ويؤاخذ كله للاجنبي ولا يباع نصيب الغائب. قال في المحيط: وإذا شهد لمسلم مسلمان على عبد كافر تاجر بألف ومولاه مسلم ولمسلم كافران بألف بيع العبد وبدئ بدين الذي شهد له المسلمان فإن بقي شئ كان للآخر. وإنما بدئ بدين المسلم لانه حجة في حق المولى والعبد وحجة الثاني قاصرة لانها حجة في حق العبد دون المولى، ولو كان الاول كافرا فإنهما يتحاصان، ولو صدق أن العبد الذي شهد له الكافر اشتركا جميعا، ولو شهد لمسلم كافران ولكافر مسلمان تحاصا لان بينة كل واحد منهما استوت في كونها حجة في حق العبد، ولو كان أرباب الدين ثلاثة مسلمان وكافر فشهد للكافر مسلمان ولاحد المسلمين كافران وللآخر مسلمان بدئ بدين المسلم الذي شهد له المسلمان وما بقي يستويان فيه لاستواء حجتهما. عبد كافر مأذون له مولاه مسلم فأقام

[ 174 ]

[ علم به أكثر سوقه بموت سيده وجنونه ولخوقه بدار الحرب مرتدا وإلاباق ] عليه مسلم أو كافر كافرين بدين ألف كانت له فيسترد من المقضى له ويدفع إلى المسلم لانهما لو اقترنا أو أقاما معا قدمت حجة المسلم الذي شهد له مسلمان عليهما فكذا إذا تأخرت، وإن كان الثاني كافرا شارك المقضى له الاول. ولو شهد لمسلم حربيان بدين ألف على عبد تاجر حربي دخل دارنا بأمان وشهد لمسلم ذميان بدين ألف وشهد مسلمان بدين ألف فبيع العبد بألف يكون الحربي والذمي نصفين ويأخذ المسلم نصف ما أخذ الحربي لان البينة الحربية ليست بحجة في حق المسلم والذمي أصلا فصار كأن المسلم لم يقم بينة في حقهما وبينة الذمي حجة في حق المسلم من وجه دون وجه لان الذمي منا دارا فلا بد من تقديم الذمي على المسلم في الاستحقاق لزيادة حجته، ثم المسلم مع الذمي استويا في الحجة لان بينة الحربي حجة في حق الحربي والبينة المسلمة حجة في حق المسلم. ولو شهد لذمي حربيان وشهد لمسلم ذميان وشهد لحربي مسلمان كان الثمن للحربي والمسلم ثم يشارك الذمي الحربي فيما خصه لان شهادة المسلم للذمي حجة في حق الحربي وشهادة الحربي للمسلم حجة في حق المسلم فقد استويا في الحجة فيقضى بينهما نصفان ولا يدخل في نصيب المسلم. ولو شهد المسلمان للذمي والذميان للحربي والحربيان للمسلم كان بين الذمي والحربي نصفان ثم يأخذ المسلم نصف ما أخذه الحربي. قال رحمه الله: (وما بقي طولب به بعد عتقه) يعني ما بقي من الدين بعد قسمة الثمن يطالب به بعد الحرية لان الغرماء بالخيار إن شاؤا استسعوا العبد، وإن شاؤا باعوه لم يبق لهم تعلق به لان من هو مخير بين شيئين أو أشياء فاختار أحدهما بطل خياره في غيره، ولما كان الاذن تارة يكون شائعا فلا يحجر إلا بالحجر الشائع وتارة يكون غير شائع فينجبر بالحجر غير الشائع. قال رحمه الله: (ويحجر بحجر وإن علم به أكثر أهل سوقه) وقال الشافعي: الحجر صحيح وإن لم يعلم به أحد من أهل سوقه. ولنا أن حجره لو صح بدون علمهم لتضرروا به لانه إذا اكتسب شيئا فالمولى يأخذه فيتأخر حقهم إلى ما بعد العتق وهو موهوم لانه قد يعتق وقد لا يعيق. وقيد بالاكثر وهو الاستحسان لان إعلام الكل متعذر أو متعسر. ولو حجر عليه بحضرة الاقل لم يصر محجورا عليه حتى لو باعه من علم منه ومن لم يعلم جاز البيع لانه لما صار مأذونا له في حق من لم يعلم صار مأذونا له في حق من علم أيضا لان الاذن لا يتجزئ ويشترط علم العبد أيضا وبقي مأذونا له حتى يعلم بالحجر. وفي المحيط: أصله أن الحجر الخاص لا يرد على الاذن العام ويرد على الاذن الخاص بأن أذن له بمحضر رجل أو رجلين وثلاثة فحجر بمحضر هؤلاء يصح. ولو رآه المولى يبيع ويشتري بعدما حجر عليه قبل أن يعلم العبد فلم ينهه ثم علم العبد بالحجر يبقى مأذونا استحسانا. ووجهه أن سكوت المولى إجازة حال رؤية عبده يبيع ويشتري يرفع الحجر الثابت فلان يرفع الموقوف أولى. ولو أرسل إليه صبيا يخبره بحجره أو كتب إليه صار

[ 175 ]

محجورا لان الرسالة والكتابة من الغائب بمنزلة المشافهة من الحاضر، سواء كان الرسول عدلا أو فاسقا، حرا أو عبدا. وإن أخبره بالحجر رجل أو صبي من غير رسالة لم يكن حجر حتى يخبره رجلان أو رجل عدل يعرفه العبد عند الامام، وعندهما يصير محجورا عليه كان المخبر حرا أو عبدا عدلا أو فاسقا أو صبيا. وفي الخانية: فرق الامام بين الاذن والحجر، فعنده لا يثبت الحجر بخبر الواحد إلا إذا كان عدلا أو اثنان ويثبت الاذن بقول الفضولي الواحد على كل حال. وذكر الشيخ خواهر زاده عن الفقيه أبي بكر البلخي أنه لا فرق بنيهما وإنما يصير مأذونا إذا كان الخبر صادقا عند العبد وكذا الحجر والفتوى على هذا القول اه‍. هذا إذا حضر المولى وصدقه، فلو حضر المولى وكذبه لا يصير محجورا عليه، وإذا أذن العبد المأذون لعبده في التجارة ثم حجر المولى على الاول إن كان عليه دين يحجر على الثاني، ومثله لو مات الاول وعليه دين، وإن لم يكن على الاول دين لم يحجر على الثاني في الوجهين لانه متى كان على الاول دين لا يملك المولى إذن العبد الثاني، وإن لم يكن عليه دين فالمولى يملك أن يأذن للثاني فصار المولى آذنا للثاني حكما، والمولى لو أذن للثاني حقيقة ثم حجر على الاول لم يحجر على الثاني فكذا حكما ولم يجز حجر المولى على مأذون مكاتبه وينحجر بموت المكاتب وعجزه. ولو مات المكاتب عن ولد فأذن الولد للعبد في التجارة فإذنه باطل لان التركة ما دامت مشغولة لا يملكها الوارث، فلو أدى بدل الكتابة من كسب المأذون صح الاذن وإن كان الاذن قبل مضي الدين لانه تبين أنه ملك من وقت الموت متى قضى الدين وأطلق في قوله ينحجر بحجره فشمل المنجز والمعلق وهو صحيح في المنجز غير صحيح في المعلق. قال في المحيط: لو قال القاضي لرجل قد حجرت عليك إذا سفهت لم يكن حجرا. وإذا قال لسفيه قد أطلقتك إذا صلحت جائز لان الاذن والاطلاق إسقاط للحجر وتعليق الاسقاط بالشرط جائز كالطلاق والعتاق، وأما الحجر عزل وتعليق العزل بالشرط لا يصح وروى ابن سماعة عن أبي يوسف ومحمد جاز الحجر كما جاز الاذن لان الحجر منع وتعليق المنع بالخطر جائز اه‍. وفي المحيط في باب إقرار المأذون بعد الحجر: وإذا حجر على المأذون وله ديون على الناس كان الخصم فيها العبد حتى لو قبضها العبد برئ الغريم لان الحجر لا يعمل فيما ثبت للعبد قبل الحجر ولان قبض الثمن من حقوق العقد، ولو مات العبد أو باعه فالخصم فيها هو المولى وإن كان على العبد دين لان المولى أقرب الناس إليه فإذا عجز العبد عن قبض حقه والخصومة فيه يقوم المولى مقامه كالوارث يقوم مقام المورث إلا أنه لا يقبض الدين إذا كان له دين عليه. وإذا أقر العبد بعد الحجر عند القاضي بعيب لا يحدث مثله في متاع باعه حال إذنه يرد عليه لا بإقرار لكن القاضي بوجود عقد البيع أو أقام المشتري البينة، وإن كان عيبا يحدث مثله لم يصدق العبد على الغرماء والخصم فيه هو المولى يحال فيه على علمه. والضمير في قوله بحجره يشمل السيد والاب والوصي والقاضي لان الكل سواء في العزل

[ 176 ]

القصدي، ولو زاد ضمير فيه ليرجع للاذن ولحوقه بدار الحرب العام وليفيد الفرق بين العام في الحجر والخاص. قال رحمه الله تعالى: (وبموت سيده وجنونه ولحوقه بدار الحرب مرتدا) يعني يصير محجورا عليه بهذه الاشياء علم العبد أو لم يعلم لان الاذن غير لازم، وبما ذكر بطلت أهلية الآذن فينعزل وينحجر عليه لانه حجر حكمي ولهذا يعتق بما ذكر مدبروه وأمهات أولاده ويقسم ماله بين ورثته فصار محجورا في ضمن بطلان الاهلية فلا يشترط علمه ولا علم أهل السوق أيضا. قيد بلحوقه بدار الحرب والظاهر أنه قول الامام، وعندهما ينحجر بنفس الارتداد لحق أو لا. قال في المحيط: وإن ارتد فتصرف ثم أسلم جاز تصرفه فإن قتل على ردته بطل عند الامام. وقالا لا يبطل ولو كاتب أمة جاز بالاجماع. وأفاد بتوسط الجنون بين الموت الحقيقي والحكمي أنه الجنون المطبق قال في المحيط: فإن كان يجن ويفيق فهو على إذنه لان ولايته لا تزول بغير المطبق الذي يستوعب السنة، وموت الاب والوصي حجر على الصبي المأذون وعلى عبده وموت القاضي وعزله لا يوجب عزل المأذون من جهته. والفرق أن إذن القاضي قضاء من وجه لان باعتبار ولايته القضاء لا باعتبار ولاية الملك والنيابة فمن حيث إنه قاض لا يبطل بموته وعزله. وأما إذن الاب فمن حيث النيابة فيبطل بهما وأذن القاضي الصبي جائز وإن أبى أبوه أو وصيه وحجرهما عليه لا يصح لا في حياة القاضي ولا في موته، وإن حجر عليه بعد عزله لا يصح حجره وإنما الحجر للقاضي الثاني فلو أذن الاب لعبد ابنه الصغير ثم ملكه الاب فهو حجر عليه لان الاذن صح باعتبار ملك الابن فيزول بزواله. وإذا أدرك الصغير فمأذون أبيه على إذنه، ولو مات الاب بعدما أدرك الابن فالعبد على إذنه ولو باع المولى العبد صار محجورا عليه وإن لم يعلم أهل سوقه. هذا إذا لم يكن عليه دين، فإن كان عليه دين فباعه بغير إذن الغرماء لا يصير محجورا عليه وهذا الحجر ثبت ضمنا للبيع، وكذا لو زال عن ملكه بالهبة أو غيرها فإن عاد إلى قديم ملكه بالرد بالعيب أو بالرجوع في الهبة لا يعود الاذن بخلاف الوكيل إذا باع الموكل فيه ثم عاد إلى ملكه تعود الوكالة. والفرق أو المعقصود من الاذن فك الحجر والحجر يسقط والساقط لا يعود. المقصود من الوكالة بيع العين فجاز أن تعود الوكالة كما عاد إليه. ولو باعه مولاه بخمر أو خنزير فما لم يقبضه المشتري لا يصير محجورا عليه، وإن باعه بميتة أو دم فهو على إذنه وإن قبضه لان البيع بهما لم ينعقد بخلاف الخمر والخنزير، ولو قبضه المشتري في البيع بخمر أو خنزير بمحضر البائع بغير إذنه صار محجورا عليه، ولو صرفا ثم قبضه بغير إذن لم يصير محجورا عليه. ثم إيجاب البيع إذن بالقبض في المجلس دلالة وبعده لا يكون إذنا، ولو أمره بقبضه فقبضه بعدما تفرقا صار محجورا عليه، وإن باعه بيعا صحيحا على أن البائع بالخيار لا يصير محجورا عليه ما لم يتم البيع. وهل يصير محجورا عليه من وقت البيع أو من وقت الاجازة؟

[ 177 ]

قال مشايخ بلخ: يصير محجورا عليه من وقت الاجازة وهو الاصح وإن كان الخيار للمشتري صار محجورا عليه من وقت البيع لان خيار المشتري لا يمنع خروج الملك عن البائع. ولو أسقط لفظ سيده وذكر مكانه وموت غير القاضي أو أراد فيه كتاب الشبهة لكان أولى وأسلم لانه يشمل السيد والاب والوصي وأخرج موت القاضي. ولو قال المؤلف وجنون أحدهما ولحوقه بدار الحرب لكان أولى لانه يفيد جنون العبد ولحوقه بدار الحرب لانه أكثر فائدة. قال رحمه الله: (وإلاباق) يعني بالاباق أيضا يصير محجورا عليه حكما علم أهل السوق أو لا. وقال زفر والشافعي: لا يصير محجورا عليه بالاباق لان الاباق لا ينافي ابتداء الاذن ألا ترى أنه إذا أذن لعبده المحجور عليه الآبق صح وجاز له أن يتجر إذا بلغه فلان لا يمنع الاباق أولى وصار كما إذا غصب. ولنا أن المولى لم يرض بتصرف عبده المتمرد عن طاعته عادة فصار محجورا عليه دلالة والحجر يثبت دلالة كالاذن والاباق يمنع ابتداء الاذن عندنا، ذكره شيخ الاسلام المعروف بخواهر زاده، ولنا أن نمنع ولئن سلمنا فالدلالة ساقطة لغيره مع التصريح بخلافها. ولقائل أن يقول: إذا لم يكن للدلالة اعتبار عند وجود التصريح بخلافه ينبغي أن لا يصير الآبق محجورا عليه في الباقي أيضا لوجود التصريح من المولى بالاذن في الابتداء فكان دلالة الحجر في البقاء مخالفة لدلالة التصريح فينبغي أن لا تعتبر. والجواب بأن وجود التصريح بالاذن في الابتداء لا يقتضي وجوده إلى حال الاباق وإنما يعرف في البقاء باعتبار استصحاب الحال وهي حجة ضعيفة ولهذا تكون دافعة لا مثبتة فيجوز أن تترجح الدلالة عليها، وأما الغصب فإن كان المولى يتمكن من أخذه بأن كان الغاصب مقرا بالغصب أو كان للمالك بينة يمكنه أن ينزعه بها فيجوز أن يأذن ابتداء فكذا بقاء، ولو عاد من الاباق فالصحيح أن الاذن لا يعود. قال في المحيط: فإن قال المشتري لم يأبق ولكن بعثه المولى في حاجة وحجد المولى فالقول للمشتري والبينة له أيضا لان المشتري متمسك بما هو ثابت في الاصل باتفاقهما والمولى ادعى أمرا عارضا فكان القول قول المتمسك بالاصل. وأما البينة فلانها أكثر إثباتا لانها تثبت جواز البيع وبينة المولى تنفي جوازه والينة على المنفي لا تقبل. ولو غصب رجل عبدا محجورا ولا إذن للمولى وحلف الغاصب فتصرف العبد ومولاه ساكت ثم قامت له بينة فاسترده لم يجز تصرف العبد ولا يصير مأذونا له لان سكوت المولى إذن حكمي، ولو أذن له صريحا والغاصب جاحد ولا بينة له لا يصح الاذن فالحكمي أولى. وإن أسر العبد وأحرز بدار الحرب صار محجورا عليه وإن كان في دار الاسلام فهو على إذنه. وفي الخانية: العبد المأذون إذا غصبه غاصب لم يذكره في الكتاب والصحيح أنه لا يصير محجورا اه‍. قال رحمه الله: (والاستيلاد) يعني الامة المأذون لها تصير محجورة باستيلاد المولى لها. وقال زفر: لا تصير محجورا عليها به وهو القياس لان المولى لو أذن لام ولده ابتداء يجوز فالنفي أولى وقد تقدم ما فيه. وجه الاستحسان أن العادة جرت بتحصين أمهات الاولاد أنه

[ 178 ]

[ والاستيلاد لا بالتدبير ويضمن بهما قيمتها للغرماء وإن أقر بما في يده بعد حجره ] لا يرضى بخروجها واختلاطها بالرجال في المعاملة والتجارة ودليل الحجر كصريحه بخلاف ما لو أذن لام ولده صريحا كما تقدم، ونظيره إذا قدم لآخر طعاما ليأكله حل له التناول فإذا نهاه صريحا حرم عليه التناول لقوة الصريح. قال في المنتقى: رجل وطئ جارية عبده المأذون فجاءت بولد فإنه يأخذها وعليه قيمتها لان للمولى فيها حق الملك وذلك يكفي لصحة الاستيلاد كالاب إذا وطئ جارية ابنه وادعاه فإن استحقها مستحق أخذها وعقرها وقيمة الولد ولا يرجع المولى بالضرر لانه ليس بشراء ولكن يرجع بقيمتها على عبده، ولو وطئ جارية عبده المأذون ولا دين عليه فإن استحقت رجع العبد على البائع بالثمن وبقيمة الولد. قال رحمه الله: (لا بالتدبير) يعني المأذون لها لا تصير محجورا عليها بالتدبير لان العادة لم تجر بتحصين المدبرة ولم يوجد دليل الحجر فبقيت على ما كانت إذ لا تنافي بين حكمي التدبير والاذن لان حكم التدبير انعقاد حق الحرية في الحال وحقيقة الحرية في المآل وحكم الاذن فك الحجر وحق الحرية لا يمنع فك الحجر. وفي الجامع الصغير للحسامي: جارية أذن لها مولاها في التجارة فاستدانت أكثر من قيمتها فدبرها المولى فهي مأذونة والمولى ضامن لقيمتها للغرماء، ولو وطئها فجاءت بولد فادعاه حجر عليها ويضمن قيمتها للغرماء ا ه‍. قال رحمه الله: (ويضمن بهما قيمتهما للغرماء) يعني ضمن المولى بالتدبير والاستيلاد قيمتها لانه أتلف بالتدبير والاستيلاد تعلق حق الغرماء لانه بفعله امتنع بيعها وبالبيع يقضي حقهم. قال في المحيط: فإذا ضمن المولى القيمة لا سبيل لهم على العبد حتى يعتق، وإن شاؤا لم يضمنوا المولى القيمة واستسعوا العبد في جميع دينهم عليه دين لثلاثة لكل ألف اختار اثنان ضمان المولى فضمناه ثلثي قيمته. واختار الثالث استسعاء العبد في جميع دينه جاز ولا يشارك أحدهما الآخر فيما قبض بخلاف ما إذا كان الغريم واحدا، فإذا اختار أحدهما بطل حقه في الآخر كما تقدم. وظاهر قوله وضمن أن يضمن القيمة مطلقا مع أن الضمان يتوقف على اختيار الغرماء فلو زاد إن شاؤوا لكان أولى. قال رحمه الله: (وإن أقر بما في يده بعد حجره صح) وهذا عند الامام سواء أقر أنه أمانة عنده أم غصب، أو أقر بدين قيقضيه منه وقالا: لا يصح إقراره وهو القياس لان المصحح لاقراره الاذن وقد زال بالحجر ويده عن إكسابه قد بطلت بالحجر لان يد المحجور غير معتبرة فصار كما لو أخذه المولى من يده بعد الحجر قبل إقراره أو ثبت حجره بالبيع وكان عليه دين مستغرق لما في يده بعد الحجر قأقر بعده أو كان الذي في يده من المال حصل بعد الحجر بالاحتطاب ونحوه ولهذا لا يصح إقراره في رقبته بعد الحجر حتى لا تباع رقبته بالدين بالاجماع، ولا يلزم على هذا عدم أخذ المولى ما أودعه عبده الغائب المحجور عليه لانه منع المولى من أخذه هنا ك فيما إذا لم يعلم أنه كسب العبد، فلو علم أنه كسب عبده كان له أن

[ 179 ]

يأخذه. ووجه الاستحسان أن المصحح للاقرار بعد الحجر هو اليد ولهذا لا يصح إقراره قبل الحجر فيما أخذه المولى واليد باقية حقيقة وشرط بطلانها بالحجر فراغ ما في يده من الاكساب عن حاجته وإقراره دليل على حاجته بخلاف ما انتزعه المولى من يده قبل الاقرار وبخلاف إقراره بعد ما باعه المولى من غيره لانه بالدخول في ملكه صار كعين أخرى ولما عرف أن تبدل الملك كتبدل العين، وبخلاف ما إذا كان عليه دين مستغرق لان حق أصحاب الدين تعلق بما في يده فلا يقبل إقراره في إبطال حقهم فيقدمون كالمريض إذا أقر وبخلاف رقبته فإنها ليست في يده. وفي المحيط: لو أقر بعد ما حجر عليه وكانت في يده ألف أخذها مولاه فأقر أنها وديعة لفلان ثم عتق لم يلزمه شئ لانه محجور أقر بعين وليس في يده من كسب الاذن شئ فلا يصح إقراره، ولو أقر أنها كانت غصبا في يده لزمه إذا أعتق ولو لم يأخذ منه الوديعة ولكن كان عليه دين فقضاه لزمه إذا عتق. ولو حجر عليه وفي يده ألف فأقر بها لرجلين لاحدهما دين ألف وللآخر ألف وديعة فلا يخلو إما أن يقربهما منفصلا أو متصلا، وكل وجه إما أن يقر بالدين أو لا، ثم بالوديعة أو بالوديعة ثم بالدين فإن أقر بهما منفصلا بأن قال علي ألف درهم وسكت ثم قال هذه الالف وديعة لفلان فعند الامام الالف كلها للمقر له بالدين لانه لما أقر بالدين أولا تعلق بها حق صاحب الدين وصارت الالف مشغولة بها فإقراره بالوديعة بعد ذلك يتضمن إبطال إقراره بالدين فلا يقبل. وعندهما يكون بينهما. وإن أقر بالوديعة أولا ثم بالدين فالالف كلها للمقر له بالوديعة، وأما إذا أقر بها متصلا بأن قال بادئا بالدين لفلان علي ألف دين وهذه الالف وديعة لفلان تكون الالف بينهما نصفين، ولو بدأ بالوديعة ثم بالدين فالالف كلها لصاحب الوديعة عند الامام. بيان ذلك إذا أقر بالدين أولا ثم بالوديعة فالبيان وجد والمحل في ملكه صح البيان منه فيتنصف الالف بينهما وهذا بيان بعين لا تقدير فيصرح موصولا لا مفصولا. وإذا أقر بالوديعة أولا ثم بالدين فالبيان وجد والالف ليست في ملكه ولا يتعلق حق المقر له بالدين بتلك الالف. ولو ادعيا عليه فقال صدقتما كانت الالف بينهما نصفين عند الامام، وعندهما الاقرار باطل ويؤخذ العبد بالدين بعد العتق. ولو وهب رجل لعبد محجور ألفا فلم يأخذها المولى حتى استهلك لرجل آخر ألفا ثم استهلك لرجل آخر ألفا كانت الالف للمولى والدينان في رقبته، ولو استهلك ألفا ثم وهب له الالف ثم لحقه دين آخر تصرف الهبة إلى الدين الاول وهو الذي استهلكه دون الثاني لان الدين الثاني لزمه وليس له كسب ولم يعين المؤلف المقر له فشمل المولى. وفي الاصل: وإذا أقر العبد المأذون لمولاه، إن أقر بالدين لم يصح إقراره سواء كان يمكنه دين أو لا، وإن أقر له بعين في يده إن كان عليه دين لا يصح إقراره، وإن لم يكن عليه دين صح إقراره. وفي الذخيرة: العبد المأذون إذا التقط لقيطا ولا يعرف ذلك إلا بقوله فقال المولى كذبت بل هو عندي فالقول للمأذون لانه إقرار على نفسه ألا ترى أنه لو أقر بعين في

[ 180 ]

[ صح ولا يملك سيده ما في يده لو أحاط دينه في يده ورقبته وبطل تحريره عبدا ] يده لغير المولى صح إقراره وإن كذبه المولى في قوله. قوله وإن أقر الخ صادق بما إذا لم يكن عليه دين مستغرق أو لا، وصادق بما في يده كسبه قبل الحجر أو بعده، وصادق بما إذا ثبت الحجر بالبيع أو بغيره وليس كذلك، فلو قال وإن أقر غير مستغرق بعد حجره بما في يده قبله مع بقائه للآذن حق فيخرج المستغرق فإن إقراره لا يصح وبقولنا قبله يخرج ما حصل بعده وبقولنا مع بقائه يخرج ما إذا حجر عليه بالبيع، وأفاد أن الاقرار المذكور لا يتعلق به فيه لقوله بما في يده. قال رحمه الله: (ولا يملك سيده ما في يده لو أحاط دينه بما في يده ورقبته) وهذا عند الامام. وقالا: يملك ذلك لان ملك الرقبة سبب لملك كسب اليد واستغراقها بالدين لا يوجب خروج المأذون عن ملكه ولهذا ملك وطئ المأذونة فكذا كسبه الذي في يده لانه يتبع أصله فيكون مثله. ولابي حنيفة أن ملك المولى إنما يثبت في ملك العبد التاجر عند فراغه عن حاجته والمحيط خلافه عند مشغول بحاجته فلا يملك. قال في العناية: الدين لا يخلو إما أن يحيط بماله ورقبته أو لا يحيط أو أحاط بماله دون رقبته أو برقبته دون ماله. وأطلق في دين العبد فشمل ما إذا كان حالا أو مؤجلا. وفي العتابية: ولو باع المولى المأذون أو كسبه والدين مؤجل جاز ويضمن إذا حل الاجل. وفي المحيط: عبد عليه دين إلى أجل فباعه مولاه جاز ونفذ لان العبد ما به حق الغريم ولا منفعة فإذا حل الاجل ضمن المولى قيمته. وفيه أيضا: ولا يجوز هبة مال عبده المأذون المديون وإن أجازه الغرماء لانه تعلق الدين بماليته، ولو وهب عبده المأذون المديون ذكر في بعض الروايات أنه لا يجوز، وفي بعضها يجوز، قيل ما ذكر أنه يجوز محمول على ما إذا لم يقض المولى دينه أو لم تبره الغرماء. وفيه أيضا: وهب عبده المأذون المديون من رجل وعليه ألف حالة وألف مؤجلة فلصاحب الحال أن ينقض البيع في الكل ولو عيب الموهوب له العبد ضمن المولى لرب الدين نصف قيمته. وظاهر قوله ولصاحب الحال النقض وما قبله أن الدين إذا كان مؤجلا ملك المولى ولو كان الدين مستغرقا ولو قيد به لكان أولى. قال رحمه الله: (وبطل تحريره عبدا من كسبه) وهذا عند الامام ولما كان العتق أقوى نفاذا من غيره صرح به ليفيد أن تصرف المولى في غيره باطل بالطريق الاولى. وعندهما ينفذ عتقه وهو نظير المكاتب فإن المولى يملك رقبته حتى يعتق بإعتاقه ولا يملك ما في يده من إكسابه حتى لا ينفذ إعتاقه فيه فإذا نفذ عتقه في رقبه المأذون له عنده وعندهما فيه وفي كسبه يضمن للغرماء قيمته لانه أتلف بالاعتاق ما تعلق به حقهم، وكذا لو أتلف المولى ما في يده من العبيد بالقتل يضمن لما ذكرنا لكن يضمن قيمته للحال عندهما لانه ملكه لتعلق كسب العبد كذلك وعندهما ينفذ ويضمن حق الغير به، وعنده في ثلاث سنين لانه ضمان حياته لعدم ملكه. ولو اشترى ذا رحم محرم من المولى لم يعتق عنده لعدم الملك، وعندهما يعتق،

[ 181 ]

[ من كسبه وإن لم يحط صح ولم يصح بيعه من السيد إلا بمثل القيمه وإن باع سيده منه ] ولو استولد جارية عبده المأذون له وعليه دين مستغرق وصارت أم ولد له ويضمن قيمتها ولا يضمن عقرها ولا قيمة ولدها، وهذا بإتفاق لان عندهما ملكه ثابت حقيقة وعنده صادف حق الملك ولهذا يجوز للمولى أن يتزوجها. ولو أعتقها المولى وعلى العبد دين مستغرق ثم وطئها فولدت عتقت بالاستيلاد وعليه العقر لها ويثبت نسب الولد منه عند أبي حنيفة لان العتق توقف عنده على أن ينفذ عند تملك الجارية ألا ترى أنه لو قضى دين الغرماء أو أبرأ الغرماء العبد من ديونهم حتى ملك الجارية نفذ عتقه فكذا إذا ملك الجارية بالاستيلاد. ولو تزوج جارية عبده المأذون المديون لا يجوز، ذكره في المحيط. وذكر المولى مثال فإن العبد المأذون المديون إذا باعه المولى من غير إذن الغرماء وأعتقه المشتري قبل قبضه ينفذ عتقه إن أجاز الغرماء البيع أو قضى المولى دين الغرماء، وإن أبرأ الغرماء العبد عن الدين ينفذ عتق المشتري، فإن أبى الغرماء أن يجيزوا البيع والمولى لم يقض دينه فإنه يبطل عتقه ويباع العبد للغرماء بدينهم، هكذا ذكر في الاصل مطلقا. وهذا الجواب الذي قالوا لا يشكل على قول أبي حنيفة وأبي يوسف، أما على قول محمد رحمه الله تعالى فمنهم من قال لا يقف عتق المشتري على قول محمد، ومنهم من قال ما ذكر قولهم جميعا وعلى قول محمد يحتاج إلى الفرق بين هذا وبين المشتري من الغاصب. هذا إذا أعتق المشتري قبل القبل، وأما إذا قبض العبد ثم أعتقه فإنه ينفذ عتقه، وإذا تقدم عتق المشتري بعد القبض فالغرماء بعد هذا بالخيار إن شاؤا أجاز البيع وأخذوا الثمن، وإن شاؤا ضمنوه القيمة. هذا إذا أجازوا بيع المولى، وإن ضمنوا قيمته للمولى فبيع المولى ينفذ ويسلم الثمن للمولى، ولو كان المشتري باع العبد بعد ما قبضه أو وهبه وقبضه الموهوب له ثم حضر الغرماء وأجازوا بيع المولى ينفذ بيع المشتري وهبته من غيره. ولو قال المؤلف فيتوقف تحريره لكان أولى لان غايته تصرف فضولي. وقد أفاد في المحيط في مسألة الامة المستولدة أنه موقوف فالعتق كذلك قال رحمه الله: (وإن لم يحط صح) يعني وإن لم يحط الدين برقبته وبما في يده جاز عتقه وهذا بالاجماع، أما عندهما فظاهر وكذا عنده في قوله الآخر، وفي قوله الاول لا يملك فلا يصح إعتاقه لان الدين يتعلق بكسبه وفي حق التعلق لا فرق بين القليل والكثير كما في الرهن. ووجه قول الآخر أن الشرط هو الفراغ وبعضه فارغ وبعضه مشغول فلا يجوز أن يمنع الملك في الحال لان شرط عدم الملك لم يوجد ولا يجوز أن يمنع بقدره لان البعض ليس بأولى من البعض الآخر، كذا نقله الشارح. وفي الهداية: وإن لم يكن محيطا بماله جاز عتقه ولم يذكر رقبته وهذا هو القسم الثالث من الاقسام التي ذكرناها. قال في العناية: وإذا لم يكن محيطا بماله ورقبته جاز عتق المولى عبدا من كسبه. قال في بيوع الجامع الصغير عن يعقوب في رجل أذن لعبده في التجارة فاشترى عبدا يساوي ألفا وعلى الاول ألف دين فأعتق المولى العبد المشتري فعتقه

[ 182 ]

جائز، وإن كان الدين ألفي درهم مثل قيمته لم يجز عتقه اه‍. ولا يخفي أن إنفاذ العتق على قول الامام فيما لو أحاط بكسبه إشكال لان حاصل مذهبه أنه ملك المولى بطريق الخلافة عند الفراغ وهذا ليس بفارغ فظهر أن ذكر الرقبة لا فائدة فيه والمراد بالصحة النفاذ. قال رحمه الله: (ولم يصح بيعه من السيد إلا بمثل القيمة) لانه لا تهمة في البيع بمثل القيمة فيجوز وبأقل منه فيه تهمة فلا يجوز سواء كان النقصان كثيرا أو قليلا. والمراد بعدم الصحة عدم النفاذ لاجل الغرماء لان حق الغرماء تعلق بالمالية فليس له أن يبطل حقهم. وقيد بالسيد لانه لوحا بالاجنبي عند الامام جاز لانه لا تهمة فيه، وبخلاف ما لو باع المريض عينا من وارثه بمثل القيمة حيث لا يجوز عند الامام لان المريض ممنوع من إيثار بعض الورثة بها وفي حق غيرهم ممنوع عن إبطال المالية حتى كان له أن يبيع جميع ماله بمثل من القيمة وبأقل منه إلى ثلثي القيمة إذا لم يكن عليه دين وهذا عند الامام. وعندهما إن باع من المولى جاز فاحشا كان الغبن أو يسيرا، ولكن يخير بين أن يزيل الغبن أو ينقض البيع لان في المحاباة إبطال حق الغرماء في المالية فيتضررون به بخلاف البيع من الاجنبي بالغبن اليسير حيث يجوز وبخلاف ما إذا باع من الاجنبي بالكثير من المحاباة حيث لا يجوز أصلا عندهما، ومن المولى يجوز ويؤمر بإزالة المحاباة ولا يجوز من العبد المأذون على أصلهما إلا بإذن المولى ولا إذن. وفي الكافي: وإن باعه من المولى بنقصان لم يجز فاحشا كان أو يسيرا ولكن يخير المولى بين أن يزيل الغبن أو ينقض البيع وهذا قول بعض مشايخنا. وقيل إن الصحيح أن قول الامام في هذه كقولهما. وفي المحيط: قول الكل وقيل قولهما ولو استهلك المولى المبيع في هذه الحالة لزمه تمام القيمة. وفي التتارخانية: برقم ومما يتصل بهذا الفصل: إذا باع العبد المأذون بعض ما في يده من تجارة أو اشترى شيئا ببعض المال من تجارة وحابا في ذلك وكان ذلك في مرض المولى ثم مات المولى من مرضه ذلك فعلى قول أبي حنيفة البيع جائز سواء حابا في البيع بما يتغابن الناس في مثله أو لا ما لم تجاوز المحاباة ثلث مال المولى، فإذا جاوز ثلث مال المولى فإنه يخير المشتري وإن شاء نقض البيع ولم يرد ما زاد على الثلث بخلاف ما لو كان المولى صحيحا وحابا العبد بما يتغابن في مثله أو يتغابن الناس في مثله فإنه يجوز عند أبي حنيفة كيفما كان، جاوزت المحاباة ثلث المال أم لم يتجاوز، وهذا بخلاف المكاتب إذا باع أو اشترى وحابا في مرض موت المولى فإنه يجوز إذا لم يجاوز ثلث ماله فكذا العبد، وهذا الذي ذكرنا كله قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وأما على قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى إن باع واشترى بما يتغابن الناس في مثله فإنه يجوز ويسلم المشتري، ولو باع واشترى وحابا بما لا يتغابن الناس فيه لا يجوز البيع عندهما حتى إذا قال المشتري أنا أؤدي قدر المحاباة ولا ينقض البيع لا يكون له ذلك على قولهما. هذا الذي ذكرنا إذا لم يكن على العبد دين، فأما إذا كان عليه دين يحيط برقبة

[ 183 ]

أو بما في يده أو لا يحيط فباع واشترى وحابا محاباة يسيرة أو فاحشة، فالجواب فيه عندهم جميعا كالجواب فيما إذا لم يكن على العبد دين. قال الفقيه أبو بكر البلخي: لا يوجد عن أصحابنا رواية في كتبهم أن المحاباة اليسيرة في المريض إذا لم يكن عليه دين تعتبر من ثلث ماله إلا في هذا الكتاب خاصة فهذه المسألة من خصائص هذا الكتاب، ولو كان الدين على المولى ولا دين على العبد فهذا على وجهين: إما أن يكون محيطا بجميع مال المولى أو لا يكون محيطا بجميع ماله. فإن كان محيطا بجميع ماله فباع العبد واشترى وحابا محاباة فاحشة والمسألة على الخلاف يخير عند أبي حنيفة وعندهما لا يخير المشتري. وإن كان على المولى دين لا يحيط بجميع ماله فالبيع من المأذون جائز بالمحاباة اليسيرة والفاحشة ويسلم ذلك المشتري إن لم تجاوز المحاباة ثلث ماله بعد الدين، وإن جاوز ثلث ماله بعد الدين يخير المشتري ويجعل بيع العبد كبيع المولى وهذا عند أبي حنيفة، وعندهما إن كانت المحاباة يسيرة يجوز البيع والشراء ويسلم المشتري المحاباة إن لم يجاوز ثلث ماله بعد الدين، وإن لم تجاوز لم يسلم ويخير، وإن كانت المحاباة فاحشة لا يخير المشتري عندهما. ولو كان على المولى دين يحيط برقبة العبد وبما في يده وعلى العبد دين كثير يحيط برقبة العبد وبما في يده فالمحاباة لا تسلم المشتري يسيرة كانت أو فاحشة. هذا الذي ذكرنا إذا حابا المأذون، فأما إذا حابا بعض ورثة المولى فإن باع من بعض ورثة المولى وحابا وقد مات من مرضه ذلك كان البيع باطلا عند أبي حنيفة ولا يخير الوارث، وعندهما البيع جائز ويخير الوارث فيقال: إن شئت نقضت البيع، وإن شئت بلغت الثمن تمام قيمته ولا يسلم له شئ من المحاباة. وفي السغناقي: وإن كان على المولى دين يحيط برقبة العبد وبما في يده ولا مال له غيره فحابا في مرض المولى لم تجز محاباة العبد بشئ وقيل للمشتري إن شئت أنقض البيع وإن شئت أدفع المحاباة كلها، وإن لم يكن على المولى دين جاز. وفي المحيط: الصبي المأذون باع من أبيه بما يتغابن فيه جاز ولو باع الاب ماله من ابنه بما يتغابن فيه جاز فأما بما لا يتغابن فيه الصحيح أنه لا يجوز. وفيه أيضا: وإذا وكل العبد ببيع عبده فباعه من مولاه بأكثر من قيمته ثم حجر على عبده فأقر الوكيل بالقبض لم يصدق، ولو باعه للغرماء وأقر صدق. والفرق أن إقرار العبد بقبض الثمن من مولاه لا يصح للتهمة ومن الغرماء يصح لانه لا تهمة فيه ا ه‍. وقوله من سيده يصدق بما إذا باع لوكيل سيده أو لابن سيده الذي يشتري للسيد فالظاهر أن الحكم كذلك بخلاف ما إذا كان يشتري الصغير لنفسه، ولم أر من نبه على ذلك وهذا التنبيه من خصائص ذلك الكتاب. وأطلق في قوله من سيده فشمل ما إذا كان أصيلا أو وكيلا، والظاهر فيما إذا كان وكيلا الجواز بغير قيد. قال في المنتقى: ولو اشترى المولى من عبده شيئا لغيره بوكالة جاز الشراء ولم يجز قبضه وإن صدقه الآمر في القبض فقبضه المولى فمات في يده ضمن الثمن للعبد وبطل البيع على الآمر،

[ 184 ]

[ بمثل قيمتة أو أقل صح ويبطل الثمن لو سلم قبل قبضه وله حبس بالثمن وصح ] وكذا شراء رب المال من المضارب عبدا لغيره بوكالة وقيمة العبد ألف ورأس المال ألف يجوز البيع ولم يجز قبضه. قال رحمه الله: (وإن باع سيده منه بمثل قيمته أو أقل صح) لان المولى أجنبي عن كسب عبده إذا كان عليه دين كما هنا وهذا ظاهر الرواية وهو الصحيح، وقيل هذا بيع لا يجوز لانه تعذر تجويزه لانه لا بد للمبيع من ثمن والمولى لا يستوجب دينا على عبده فصار بيعا بلا ثمن فلا يجوز. وجه ظاهر الرواية أنه أمكن تجويزه بيعا من غير ثمن يجب على العبد للحال بل يتأخر إلى وقت تسليم المبيع كما قلنا لو اشترى شيئا على أنه بالخيار انعقد البيع ويتأخر وجوب الثمن إلى سقوط الخيار، وكذا إذا قبض الثمن ثم سلم المبيع يجب الثمن في ذمة العبد بعد المبيع ثم سقط عنه. قيد بقوله بمثل القيمة أو أقل قال في المحيط: ولو باع من عبده بأكثر من قيمته فالمولى بالخيار إما أن يأخذ مقدار قيمته أو ينقض البيع لانه رضي بزوال ملكه عن البيع بالمسمى، وإذا لم يسلم له المسمى كان له نقض البيع. قال الشارح: وقوله يؤمر بإزالة المحاباة يدل على أن البيع يقع جائزا يجوز أن يكون على الروايتين عند أبي حنيفة على ما بينا. وفي المحيط: ولو أقرض المولى عبده المأذون المديون ألفا فالمولى أحق بها، وكذلك إن أودعه وديعة فاشترى العبد بها متاعا فالمولى أحق بالمتاع لانه بدل ماله، والظاهر أن قوله من سيده مثال فلو باع وكيل سيده منه كان الحكم كذلك. قال رحمه الله: (ويبطل الثمن لو سلم قبل قبضه) أي لو سلم المولى المبيع قبل قبض الثمن بطل الثمن فلا يطالب بشئ لانه بتسليم المبيع سقط حقه في الحبس ولا يجب له على عبده دين فخرج محاباة. وفي الابانة: ولهذه المسألة زيادة ذكرها في المنتفي فقال: عبد مأذون عليه دين باع المولى منه ثوبا في يد المولى كان الثمن دينا للمولى على العبد في الثوب يباع الثوب فيستوفي المولى دينه من ثمنه والفضل للغرماء، وإن كان فيه نقصان بطل ذلك القدر ا ه‍. بخلاف ما إذا كان الثمن عرضا حيث يكون المولى أحق به من الغرماء لانه تعين بالعقد فملكه به عنده، وعندهما تعلق بعينه فكان أحق به من الغرماء إذ هو ليس بدين يجب في ذمة العبد، ويجوز أن يكون عين ملكه في يد عبده وهو أحق من الغرماء كما لو غصب العبد شيئا من ماله أو ودع ماله عند عبده أو قبض المبيع بغير إذن المولى، وبخلاف ما إذا باع العبد من سيده فسلم إليه المبيع قبل قبض الثمن حيث لا يسقط الثمن لانه يجوز أن يثبت للعبد المأذون المديون دين على مولاه ألا ترى أنه لو استهلك المولى شيئا من اكتساب عبده المأذون ضمن للعبد، هذا جواب ظاهر الرواية. وعن أبي يوسف أن للمولى أن يسترد المبيع إن كان قائما في يد العبد ويحبسه حتى يستوفي الثمن إلا أن المولى لم يسقط حقه من العين إلا بشرط أن يسلم له الثمن ولم يسلم فبقي حقه في العين على حاله فيتمكن من استرداده ما بقي العين قائما في يده لانه يجوز أن تكون العين

[ 185 ]

[ إعتاقه وضمن قيمتة لغرمائه وطولب لغرمائه بعد عتقه وإن باعه سيده وغيبه المشترى ] المملوكة للمولى في يد عبده فكذا يجوز أن يكون له ملك اليد فيه، وأما بعد الاستهلاك فقد صار دينا فلا يمكن ايجابه من عبده ا ه‍. قال رحمه الله: (وله حبس المبيع بالثمن) أي للمولى حبس المبيع حتى يستوفي الثمن من العبد لان البيع لا يزيل ملك اليد ما لم يصل إليه الثمن فيبقى ملك اليد على ما كان عليه حتى يستوفي الثمن، ولهذا كان أخص به من سائر الغرماء، ولان للدين تعلقا بالعين لانه يقابله ويسلم بسلامتها فكان له شبهة بالعين المقابل له فيكون للمولى حق فيه لتعلق حقه بالعين ولهذا يستوجب بدل الكتابة على المكاتب لما أنه مقابل برقبته مع أنه لا يجب له على عبده دين بخلاف ما إذا سلم المولى المبيع أولا حيث يسقط دينه لذهاب تعلق حقه بالعين فيصير الثمن دينا مطلقا فيسقط ا ه‍. قال رحمه الله: (وصح إعتاقه) أي جاز إعتاق المولى عبده المأذون المديون المستغرق بالدين وهذا بالاجماع لقيام ملكه فيه، وإنما الخلاف في أكسابه بعد الاستغرق بالدين وقد تقدم بيانه. وفي المحيط: ولو دبر المأذون المديون صح فإن شاء الغرماء ضمنوا المولى قيمته ولا سبيل لهم على العبد حتى يعتق فإذا أعتق فلهم أن يبيعوه بما بقي من دينهم رهن عبده المأذون المديون أو أجره وعليه دين إلى أجل جاز، وإذا حل الاجل ضمنوا المولى قيمته في الرهن دون الاجارة، فإن بقيت منها مدة فلهم أن يفسخوا الاجارة لانها تفسخ بالاعذار بخلاف الرهن. ولو باعه المولى ثم اشتراه أو استقاله ثم حل الاجل لم يكن لهم على العبد سبيل وضمنوا المولى قيمته إلا أن يرده عليه بعيب بقضاء القاضي أو بخيار لان حقهم قد بطل عن رقبته بالبيع وبرئ العبد عن الدين والبيع بالتراضي بيع جديد في حق ثالث. قال رحمه الله: (وضمن قيمته لغرمائه) يعني المولى يضمن قيمة المعتق لغرمائه لانه أتلف ما تعلق به حقهم بيعا واستيفاء من ثمنه ولا وجه لرد العتق لانه لا يقبل الفسخ فأوجب الضمان دفعا لضرر الغرماء بخلاف ما إذا كان المأذون له مدبرا أو أم ولد حيث لا يجب الضمان بإعتاقهما لان حق الغرماء لم يتعلق برقبتهما استيفاء بالبيع فلم يكن المولى متلفا حقهم فلم يضمن شيئا، فلو قال ولو قنا لكان أولى. وإن كان الدين أقل من القيمة ضمن قدر الدين لا غير، وإن كان الدين أكثر من القيمة ضمن قيمته بالغة ما بلغت لتعلق حقهم بماليته كما إذا أعتق الراهن المرهون بخلاف ضمان الجناية على العبد بحيث لا يبلغ به دية الحر لان القيمة هناك بدل الآدمي من وجه فلا يبلغ به دية الحر، وكذا لا يختلف بين ما إذا علم المولى بالدين أو لم يعلم بمنزلة إتلاف مال الغير لما تعلق به حقهم، وبخلاف إعتاق العبد الجاني حيث يجب على المولى جميع الارش إن كان إعتاقه بعد علمه بالجناية لانه الواجب فيها على المولى وهو يخير بين الدفع والفداء فيكون مختارا للفداء بالاعتاق عالما أو لا كذلك هنا لان المولى ليس له شئ وإنما يضمن باعتبار تفويت حقهم كإتلاف مال الغير وذلك لا يختلف بين العلم وعدمه، وكذلك

[ 186 ]

[ ضمن الغرماء البائع قيمته وإن رد عليه رجع بقيمته وحق الغرماء في العبد أو ] إذا كان الجاتي مدبرا أو أم ولد يجب على المولي قيمته لعجزه عن دفعه بفعله من غير أن يصير مختارا وهنا لا يجب لما بينا ا ه‍. وقوله وضمن شمل ما إذا أعتق بإذن الغرماء فللغرماء أن يضمنوا مولاه القيمة وليس هذا كعتق الراهن بإذن المرتهن وهو معتبر لانه قد خرج من الراهن بإذن المرتهن والمأذون المديون لا يبرأ من الدين بإذن الغرماء ا ه‍. ولو قال لغرمائه تضمينه قيمته لكان أولى ليفيد أن الضمان باختيار الغرماء اتباع المولى. قال رحمه الله: (وطولب لغرمائه بعد عتقه) يعني لغرمائه أن يطالبوه بعد الحرية إن بقي من دينهم شئ ولم توف به القيمة لان الدين مستقر في ذمته لوجود سببه وعدم ما يسقطه والمولى لا يلزمه إلا قدر ما أتلف وهو القيمة والباقي عليه فيرجعون به عليه، وإذا اختار واتباع أحدهما لا يبرئ الآخر كالكفيل والاصيل بخلاف الغاصب مع غاصب الغاصب لان هناك الضمان واجب على أحدهما، وإذا اختار تضمين أحدهما برئ الآخر ضرورة وهنا واجب على كل واحد منهما دين على حدة. وفي المحيط: هذا إذا اختاروا الاتباع ولم يبرؤه من الضمان فإذا اختاروا اتباع المولى وأبرؤه من الضمان لم يكن لهم عليه سبيل. قال في المحيط: وما قبضه أحدهم من العبد بعد العتق لا يشاركه فيه الباقون، وما قبضه أحدهم من القيمة التي على المولى يشاركه فيه الباقون لان القيمة وجبت لهم على المولى بسبب واحد وهو العتق والدين متى وجب بسبب واحد لجماعة كان مشتركا بينهم. قال رحمه الله: (وإن باعه سيده وغيبه المشتري ضمن الغرماء البائع قيمته) قيد بالتغييب. قال في العناية: وإنما لم يكتف بمجرد البيع والشراء لانه لا يضمن بهما بل لا بد من التغييب. وفيها أيضا: معناه باعه بثمن لا يوفي ديونهم بدون إذن الغرماء والدين حال ا ه‍. فلو كان الثمن يوفي بديونهم فلا ضمان، وكذا لو كان بإذنهم، وكذا لو كان الدين مؤجلا فباعه المولى بأكثر من قيمته أو بأقل منهما جاز بيعه وليس لهم حق المطالبة حتى يحل دينهم، فإذا حل ضمنوا المولى قيمته. وأفاد المؤلف أن البيع موقوف فيه كالبيع بخيار. قال في المحيط: ولو وهب عبده المأذون المديون ذكر في بعض الروايات أنه يجوز وفي بعضها أنه لا يجوز، قيل ما ذكر أنه يجوز محمول على قضاء دينه أو إبراء الغرماء، وما قيل إنه لا يجوز محمول على ما قبل قضاء دينه. وفي المحيط: عبد عليه دين إلى أجل فباعه أو وهبه مولاه جاز وتعذر لانه لا حق للغريم في النقض لان العبد ملك المولى ولم يتعلق حق الغريم به لا يدا ولا منفعة ولا له حق استيفاء الدين من رقبته لان الدين المؤجل غير مطالب بإيفائه، وإذا حل الدين ضمن المولى قيمته لان بيع المولى وجد بعد وجود سبب ثبوت حقه في المطالبة بالبيع أو الاستسعاء وفي الدين، وإذا كان الدين واجبا قبل البيع لكن تأخرت المطالبة بالاجل ولولا بيع المولى لثبت حقهم في رقبة العبد وبسبب بيعه السابق عجزوا عن استيفاء حقهم من

[ 187 ]

رقبة العبد فصار البيع السابق مانع العبد عنهم للحال فيضمن قيمته لهم كالعبد إذا لحقته ديون ثم دبره المولى فالمولى يضمن قيمته للغرماء. هذا وإن رجع المولى في هبته لم يكن لهم على العبد سبيل لان هبة المولى لما نفذت ولم يكن للغرماء حق النقض كان بمنزلة ما نفذ بإذنهم وانتقل حقهم من العبد إلى القيمة، وإن أذن له مرة بعد ما رجع في الهبة فلزمه دين يباع ويقسم ثمنه بين الآخرين دون الاولين لان الثمن بدل الرقبة والرقبة بالاذن الثاني صارت مشغولة بدين آخر خاصة لانها فرغت عن شغل الاولين لان المولى ضمن القيمة للاولين فقد برئ العبد عن حقهم ما دام رقيقا لانه وصل إليهم بدل الرقبة فكانت الرقبة مشغولة بدين الآخر خاصة وكان ثمنها لهم خاصة والقيمة للاولين خاصة، فإن مات المولى ولا مال له غير العبد بيع وبدئ بدين الآخرين، فإن فضل شئ كان للاولين لان الثمن قام مقام الرقبة وقد اجتمع فيه دين العبد وهو دين الآخرين ودين المولى وهو القيمة للاولين فيقدم فيه دين العبد في القضاء، وإن كان على المولى دين سوى ذلك ضرب فيه غرماء المولى بدينهم وللاولين بقيمة العبد لان الكل دين المولى وقد اجتمع فيما بقي من الثمن وضاق عن إيفاء الكل فيضرب كل واحد بحقه. ولو وهب العبد وعليه ألف حالة وألف مؤجلة فلصاحب الدين الحال أن ينقضه في الكل لان حقه وإن كن في نصف الرقبة ولكن له حق النقض في الكل نفيا للضرر عنه لانه متى نقض في النصف شائعا يباع بدينه نصف العبد، وثمن نصف العبد متى بيع بانفراده أنقص من ثمن نصفه متى بيع جملة لان الاشقاص لا تشتري بمثل ما تشتري الاشخاص. ولو غيبه الموهوب له ضمن المولى لصاحب الحالة نصف قيمته لان حقه في نصف العبد وبالتغييب عجز عن الوصول إلى حقه، فإن لم يحل دين الآخر حتى رجع في هبته باع له نصفه لان برجوع المولى في الهبة عاد إلى قديم ملكه. ولو اعور قبل أن يضمن المولى ربع حصته لصاحب الاجل يباع نصفه في دينه لان نصفه تلف عند الموهوب له فإن العين من الآدمي نصفه، ولو تلف كل العبد يضمن له نصف القيمة، فإذا تلف عنده نصفه بالاعوار يضمن له ربع القيمة ويباع نصفه في دينه لانه له النصف، وإن اعور بعد ما رجع في هبته لم يضمن المولى شيئا لصاحب الاجل ويباع نصفه معورا لان بالرجوع عاد العبد إلى قديم ملكه فقد ارتفع السبب الموجب للضمان لانه عاد حق الغريم في البيع والاستسعاء كما كان، ولهذا لو هلك الكل في يد الواهب بعد الرجوع لم يضمن فكذا إذا هلك بعضه. قال رحمه الله تعالى: (وإن رد عليه بعيب رجع بقيمته وحق الغرماء في العبد) لان سبب الضمان قد زال وهو البيع والتسليم فصار كالغاصب إذا باع وسلم وضمن القيمة ثم رد عليه بالعيب كان له أن يرد المغصوب على المالك ويرجع عليه بالقيمة التي دفعها إليه. هذا إذا رده عليه قبل القبض مطلقا أو بعده بقضاء لانه فسخ من كل وجه، وكذا إذا رده عليه بخيار الرؤية أو الشرط، وإن رده بعيب بعض القبض بغير قضاء فلا سبيل للغرماء على العبد ولا

[ 188 ]

[ مشتريه أو أجازوا البيع وأخذوا الثمن وإن باعه سيده وأعلم بالدين فللغرماء رد البيع ] للمولى على القيمة لان الرد بالتراضي إقالة وهو بيع في حق غيرهما، وإن فضل من دينهم شئ رجعوا به على العبد بعد الحرية. وفي المحيط: إذا باع القاضي وهلك الثمن في يده ثم وجد المشتري به عيبا فرده فباعه مرة أخرى وقضى المشتري ثمنه، وكذا لو باعه مولاه بأمره إلا أن الامين لا يضمن النقصان والمولى يضمن النقصان ثم يرجع به على الغرماء لان المولي عليه عهدة. ولو باعه مولاه وضمن قيمته للغرماء ثم وجد به عيبا فلم يرده عليهم ثم حدث به عيب آخر رجع على البائع بنقصان العيب الاول من الثمن ولم يكن على البائع شئ من تلك القيمة ولا يرجع بالنقصان على الغرماء وهذا قول الامام. وعندهما يرجع على الغرماء بحصة العيب وهذه فروع المسألة المذكورة في الصلح وهي أن من اشترى عبدا فباعه من غيره ثم إن المشتري الثاني وجد فيه عيبا فمات في يد رجع على بائعه بنقصان العيب ولا يرجع بائعه على بائعه بذلك عند الامام خلافا لهما. وقيل: هذا قولهما جميعا وهو الظاهر. والفرق بين هذه ومسألة الصلح أنهم هنا الغرماء يقولون للمشتري إنك التزمت هذه الغرامة بطيب من نفسك فإنك كنت ممكنا من رد العبد علينا فلا يلزمك هذا النقصان، فلما لم تفعل فقد التزمت هذه الغرامة. ولو ادعى المشتري عيبا يحدث مثله فصالحه من دعواه مع المشتري على شئ ليس له أن يرجع على بائعه لانه رضي بالتزامه هذه الغرامة ا ه‍. قال رحمه الله: (أو مشتريه) وهو معطوف على البائع لان كل واحد منهما متعد في حق الغرماء البائع لما ذكرنا والمشتري بالشراء والقبض والتعييب. قال رحمه الله: (أو أجازوا البيع وأخذوا الثمن) أي الغرماء إن شاؤوا أجازوا البيع وأخذوا ثمن العبد ولا يضمنوا آخذ القيمة لان الحق لهم والاجازة اللاحقة كالاذن السابق كما إذا باع الراهن الرهن ثم أجاز المرتهن البيع بخلاف ما إذا كفل عن غيره بغير أمره ثم أجاز لانهم وقعت غير موجبة للرجوع فلا تنقلب موجبة له، ولا كذلك ما نحن فيه، فحاصله أن الغرماء يخيرون بين ثلاثة أشياء: إجازة البيع وتضمين أيهما شاؤوا، ثم إن ضمنوا المشتري رجع المشتري بالثمن على البائع لان أخذ القيمة منه كأخذ العين، وإن ضمنوا البائع سلموا المبيع للمشتري ولزم البيع لزوال المانع وأيهما اختار تضمينه برئ الآخر حتى لا يرجعوا عليه، وإن تويت القيمة عند الذي اختاره لان المخير بين شيئين: إذا اختار أحدهما تعين حقه فيه وليس له أن يختار الآخر، ولو ظهر العبد بعد ما اختاروا تضمين أحدهما ليس لهم عليه سبيل إن كان القاضي قضى لهم بالقيمة ببينة أو باليمين لان حقهم تحول إلى القيمة بالقضاء وإن قضى لهم بالقيمة. وإن شاؤا ردوهما وأخذوا العبد فيبيع لهم لانه لم يصل إليهم كمال حقهم بزعمهم وهو نظير المغصوب في ذلك، كذا ذكره في النهاية وعزاه إلى المبسوط. قال الشارح: الحكم المذكور في المغصوب مشروط بأن تظهر العين وقيمتها أكثر مما ضمن ولم يشترط هنا ذلك، وإنما شرط أن تدعي الغرماء أكثر مما ضمن وإن

[ 189 ]

كمال حقهم لم يصل إليهم بزعمهم وبينهما تفاوت كثير لان الدعوى قد تكون غير مطابقة فيجوز أن تكون قيمته مثل ما ضمن أو أقل فلا يثبت لهم الخيار إذا ظهر وقيمته أكثر مما ضمن فلا يكون المذكور هنا ملخصا ا ه‍. ويجاب عنه أنه لما كانت السعاية بها يحصل لهم كمال ماله لم يظهر ما ذكره الشارح وشرطوا دعواهم ولم يتعرضوا لحكم الثمن إذا ضاع. وفي العناية: ولو هلك الثمن في يد المولى وقد أجازوا الغرماء البيع لا ضمان عليه، ولو أجاز بعض الغرماء البيع وضمن البعض جاز. قال رحمه الله: (وإن باعه سيده وأعلم بالدين فللغرماء البيع) لان حقهم تعلق به وهو حق الاستسعاء والاستيفاء من رقبته وفي كل منهما فائدة فالاول تام مؤخر والثاني ناقص معجل وبالبيع تفوت هذه الخيرة وكان لهم رده، وفائدة الاعلام بالدين سقوط خيار المشتري في الرد بعيب الدين حتى يلزم البيع في حق المتعاقدين وإن لم يكن لازما في حق الغرماء. هذا إذا كان الدين حالا وكان البيع من غير طلب الغرماء والثمن لا يوفي بديونهم، وإن كان دينهم مؤجلا فالبيع جائز لانه باع ملكه وهو قادر على تسليمه ولم يتعلق به حق لغيره لان حق الغرماء يتأخر بخلاف الحال. وفي النهاية: زاد أو رضي الغرماء بالبيع فلا يكون لهم الرد، وهذا بخلاف الرهن بالدين المؤجل حيث لا يجوز له أن يبيعه لان المرتهن ملك الرقبة فلا يقدر على تسليمه ولا يد للغرماء في العبد المأذون ولا في كسبه، وإذا لم يوجد شئ مما ذكرنا من تأجيل الثمن وطلب الغرماء وفاء الثمن بالدين فالبيع موقوف حتى يجوز بإجازة الغرماء وهي مسألة الكتاب على ما بينا. لا وذكر محمد في الاصل أنه باطل واختلفوا في معناه، فقال بعضهم معناه إنه سيبطل لان للغير حق ابطاله، وقال بعضهم معناه إنه فاسد بدليل ما قال في الاصل: إنه إذا أعتقه المشتري بعد القبض أو دبره صح ذلك ويلزمه قيمته. وفي العناية: فإن قيل: إذا باع المولى عبده الجاني بعد العلم بالجناية كان مختارا الفداء فما باله ههنا لا يكون مختارا لقضاء الدين من ماله؟ الجواب بأن موجب الجناية الدفع على المولي فإذا تعذر عليه بالبيع طولب به لبقاء الواجب عليه، وأما الدين فهو واجب في ذمة العبد بحيث لا يسقط عنه بالبيع والاعتاق حتى يؤخذ به بعد العتق فلما كان كذلك كان البيع من المولى بمنزلة أن يقال أنا أقضي دينه وذلك عدة بالتبرع فلا يلزمه وفيه نظر لان قوله أنا أقضي دينه ويحتمل الكفالة فلا يتعين عدة. والجواب أن العدة أدنى الاحتمالين فيثبت به لانه لا دليل على غيره، وإذا جنى العبد المأذون طولب المولى بالدفع أو الفداء لان الخصم في رقبة العبد المأذون هو المولي لانها كسب المولى لا كسب المأذون، ولهذا لو ادعى إنسان في رقبته حقا ينتصب المولى خصما للمدعي لا للمأذون، وكذا لاتباع رقبة المأذون المديون إلا بحضرة المولي لعله يختار الفداء لان الاذن للعبد لا يعجز الملك عن الدفع لانه باق على ملكه، وكل تصرف أصابه المالك في العبد فلا يعجزه عن الدفع لا يصير به مختارا لما بين في كتاب الجنايات. وإن

[ 190 ]

دفعه بالجناية فلحقه دين بيع في الدين ويرجع أصحاب الجناية بقيمته على مولاه لان حقهم ثبت في عبد فارغ عن الدين، وإنما صار مشغولا من جهة المولى بعد ثبوت حقهم فصار ضامنا بخلاف ما لو جنى العبد بعد لحوق الدين ودفعه المولى إلى أصحاب الجناية ثم تبع العبد بعد الدفع بدين الغرماء لا يرجع أصحاب الجناية على المولى بشئ لانه وصل إليهم قدر حقهم فإن حقهم في عبد مشغول بالدين يباع فيه وقد وصل إليهم كذلك، وكذلك لو أذن له ولم يلحقه دين حتى قتل رجلا خطأ ثم لحقه دين ألف درهم فدفع بالجناية وبيع في الدينين رجع صاحب الجناية الاخيرة على مولاه بنصف قيمته حصته من الدين الباقي لانه لو وجب الدينان قبل الجناية لا يرجع أصحاب الجناية على المولى بشئ، ولو وجب الدينان بين الجناية يرجع أصحاب الجناية على المولى بجميع قيمة العبد، وإذا وجب أحدهما قبل الجناية والآخر بعدها كان لكل دين حكم نفسه أقر على عبده بجناية ثم بجناية دفع إليهما نصفين ثم يرجع صاحب الجناية الاولى على المولى بنصف قيمته إذا تكاذبا الاولياء لان الاقرار بالجناية الثانية إقرار بتملك العبد من أولياء الجناية، وصحة تمليك العبد من أولياء الجناية لا يمنع صحة الاقرار بالجناية الثانية، وبالاقرار بالجناية لا يصير مختارا للفداء ولا ضامنا قيمة العبد لانه لا يعجز عن الدفع ويمكنه دفع جميع العبد إلى أصحاب الجناية الاولى. على عبده المأذون دين معروف أو أقر به المولى ثم أقر عليه بجناية لم يصدق إلا أن يقضي دينه، ولو كان عليه جناية معروفة وأقر المولى على عبده بالجناية الثانية صح إقراره. والفرق أن دين العبد يمنع المولى من تمليك العبد من غيره إلا برضا الغرماء ألا ترى لو باعه أو وهبه كان لهم أن ينقضوا فكذا يمنع صحة الاقرار بما يوجب تمليكه من غيره، فأما جناية العبد لا تمنع المولى من تمليك العبد من غيره ألا ترى لو باعه أو وهبه من غيره صح ولم يكن لولي الجناية نقضه وفقهه أن دين العبد واجب في ذمة العبد لا في ذمة المولى وتعلق بماليته والمالية في العبد والحق الثابت في العين عجز المالك من تمليكه من غيره لا يتضمن إبطال حق الغير كحق المرتهن في الرهن، فأما موجب جناية العبد تجب في ذمة المولى وهو الدفع أو الفداء إلا أنه يتعلق بالعبد وهو دفعه ولا يتعلق بماليته، وإذا كان موجب الجناية يتعلق بذمة المولى فلا يحجزه عن التصرف فيه لانه تصرف في محل خالص له لا حق للغير فيه إلا أنه إذا استهلكه ضمن قيمته لان العبد محل إقامة حقهم وهو الدفع فصار كنصاب الزكاة وجبت فيه الزكاة ولا يحجر المالك عن التصرف فيه، وإذا استهلكه ضمن فكذا هذا. ولو قتل رجلا عمدا وعليه دين فصالح المولى على أن جعل العبد لاصحاب الجناية بحقهم لم يجز وليس لهم أن يقتلوه وقد سقط القصاص ويباع في الدين، فإن فضل شئ كان لصاحب الجناية وإلا فلا شئ له على أحد أبدا لان تملك المولى العبد من ولي القصاص بالصلح لو صح يؤدي إلى إبطال حق الغرماء وفي المحيط: محجور اشترى ثوبا ولم يعلم مولاه بذلك حتى باع العبد

[ 191 ]

[ وإن غاب البائع فالمشتري ليس بخصهم لهم ومن قدم مصرا وقال عبد زيد فاشترى ] ثم أجاز شراءه لم يجز الشراء أبدا، ولو باع ثوبا من رجل ثم إن المولى باع العبد وأجاز البيع جاز لان بيع العبد لم يفسخ البيع الموقوف فالاجازة صادفت عبدا موقوفا فصحت. عبد محجور أدان رجلا فنهى مولاه من عليه الدين أن يدفع إلى العبد فقضى الغريم عين ما أخذه برئ عند الامام في الوجهين لان الادانة من المحجور عليه موقوفة وحقوق العقد ترجع إلى العاقد في الثابت والموقوف جميعا كما في الفضولين إذا أدان ماله غيره فقضاه المديون برئ فكذا هذا. وفي المحيط: عبد محجور عليه دين اكتسب دراهم بغير إذن السيد واشترى بها ثوبا والسيد ينظر إليه فسكت صار العبد مأذونا في التجارة وللمولى أن يرجع بالدراهم على البائع ويرجع البائع بالدراهم دينا على العبد. محجور اشترى دارا وباعها ثم بلغ المولى فأجاز البيع والشراء قال يجوز الشراء ولا يجوز البيع لانه لما أجاز الشراء فقد ظهر ملك المولى باتا على موقوف فأبطله. وفي المحيط: أسروا العبد المأذون وأحرزوه ثم ظهر المسلمون عليهم أخذه مولاه بغير شئ قبل القسمة وبعدها بقيمته، فإن كان جنى جناية وكان عليه دين لزماه. قال رحمه الله: (وإن غاب البائع فالمشتري ليس بخصم لهم) يعني لو باع المولى عبده المأذون المديون وقبض الثمن وتسلمه المشتري ثم غاب البائع لا يكون المشتري خصما للغرماء إذا أنكر المشتري الدين وهذا عند الامام ومحمد. وقال أبو يوسف: يكون المشتري خصما ويقضي لهم بدينهم، وعلى هذا الخلاف إذا اشترى دارا وهبها وسلمها إليه ثم غاب المشتري والواهب ثم حضر الشفيع فالموهوب له لا يكون خصما عندهما خلافا له هو يقول: إن ذا اليد يدعي الملك لنفسه في العين فيكون خصما فيها كما لو ادعى ملك العبد. ولهما أن الدعوى تقتضي فسخ العقد وهو قائم بالبائع والمشتري فيكون الفسخ قضاء على الغائب والحاضر ليس بخصم عنه بخلاف ما إذا ادعى الملك لان صاحب اليد يظهر في الانتهاء أنه كان غاصبا منهم والغاصب يكون خصما، وبخلاف دعوى الرهن لان فيه فائدة لان الرهن لا يباع. ولو صدق المشتري في الدين كان للغرماء أن يردوا المبيع بالاجماع لان إقراره حجة عليه فيفسخ بيعه إذا لم يوف الثمن بديونهم، ولو كان البائع حاضرا والمشتري غائبا فلا خصومة بينهم وبين البائع بالاجماع حتى يحضر المشتري لان الملك واليد للمشتري ولا يمكن وهو غائب إبطالهما لكن لهم أن يضمنوا البائع قيمته لانه صار ملزما بحقهم بالبيع والتسليم، فإذا ضمنوه القيمة جاز البيع وكان الثمن للبائع، وإن اختاروا إجازة البيع أخذوا الثمن، ولو قال إذا غاب أحدهما فالحاضر ليس بخصم إذا أنكر لكان أولى. قال رحمه الله: (ومن قدم مصرا وقال أنا عبد زيد فاشترى وباع لزمه كل شئ من التجارة) يعني يقبل قوله في الاذن في حق كسبه حتى تقضى بها ديونه والمسألة على وجهين: أحدهما أن يخبر أن المولى أذن له فيصدق استحسانا عدلا كان أو غير عدل، والقياس أن لا يصدق.

[ 192 ]

[ وباع لزمه كل شئ من التجارة فإن حضر وأقر بالاذن بيع وإلا فلا وإن أذن للصبي أو المعتوه الذي يعقل البيع والشراء وليه فهو في الشراء والبيع كالعبد المأذون له. ] وجه الاستحسان أن الناس يعاملونه منغير اشتراط شئ من ذلك وإجماع المسلمين حجة يخص بها الاثر ويترك بها القياس، ولان في ذلك ضرورة وبلوى فإن الاذن لا بد منه لصحة تصرفه وإقامة الحجة عند كل عقد غير ممكن، وما ضاق على الناس أمره اتسع بحكمه، وما عمت بليته اتسعت قضيته. والثاني أن يبيع ويشتري ولا يخبر بشئ ففي الاستحسان يثبت إذنه لان الظاهر أنه مأذون لان عقله ودينه يمنعه عن ارتكاب المحرم لان الظاهر هو الاصل فيعمل به فصح تصرفاته، وإن لم يوف الكسب بالدين لا تباع رقبته لانها ملك المولى فلا يصدق فيه ولا يلزم من وجوب الدين عليه أن تباع فيه كما لو كان المديون مدبرا أو أم ولد بخلاف الكسب. فإن المولى لا يملكه. وفي المحيط: لو جاء بأمة فقال هذه أمتي فبايعوها فولدت ثم استحقت ضمن لهم قيمتها وقيمة أولادها ولا يضمن ما وهب لها وما اكتسب ويضمن القيمة في كل يوم الاستحقاق لا يوم الغرور. ولو قال لاهل السوق بايعوه ثم نهى واحدا أو اثنين عن مبايعته ثم استحق لم يضمن لمن نهاه لان التخصيص في الحجر عن المبايعة صحيح، ولو دخل رجل بعبده من السوق وقال هذا عبدي وقد أذنت له في التجارة وقد لحقه دين ثم وجد حرا لم يكن غارا، ولو قال بايعوه ضمن لهم الاقل من القيمة ومن الدين. والفرق أن الامر بالمبايعة لا ينفك عن وجوب الدين والاذن ينفك. ولو قال هذا عبدي فبايعوه وقد أذنت له في التجار ولو لم يقل أذنت فهو غار. ولو قال هذا مدبري قد أذنت له في التجارة فلحقه دين فاستحقه رجل لم يضمن الذي غرهم شيئا. ولو قال بايعوه في البر ضمن إذا بايعوه في كل نوع. ولو قال أذنت له في التجارة لاقوام بأعيانهم فبايعوه وغيرهم فوجد حرا أو مستحقا للغير ضمن لمن أمره خاصة. فإن قلت: قد تقدم أن العبد يباع في الدين إذا أذن له ولو لم يقل بايعوه وهنا لا يضمن إلا إذا قال أذنت وبايعوه. قلنا: هذا ضمان غرور فلهذا ضمن لم أمره خاصة قدر حصتهم لان الناس يتفاوتون في المعاملات. ولو قال بايعوه ولم يقل إنه عبدي لم يكن غارا ولم يضمن لاحد شيئا، ولو كان الذي قال هذا عبدي صبيا أو مكاتبا أو مدبرا لا تجوز كفالته لم يضمن شيئا ا ه‍. وفيه: لو قال هذا ابني وقد أذنت له في التجارة فبايعوه وقد كان ابن غيره فهو غار لانه أطمعهم أن ديونهم تجب في ذمة الصبي وتستوفي من ماله بسبب إذنه وقد ظهر الامر بخلافه اه‍. قال رحمه الله: (فإن حضر وأقر بالاذن بيع وإلا فلا) يعني إذا حضر المولي وأقر بإذنه بيع في الدين لظهور الدين في حقه بإقراره، وإن قال هو محجور عليه كان القول قوله لتمسكه بالظاهر إلا إذا أثبت الغرماء الاذن منه بالبينة كالثابت عيانا إذ هي مثبتة كاسمها. قال رحمه الله: (وإن أذن للصبي أو المعتوه الذي يعقل البيع والشراء وليه فهو في الشراء

[ 193 ]

والبيع كالعبد المأذون له) في جميع ما ذكرناه من الاحكام فلا يتقيد بنوع من التجارات دون نوع ويكون مأذونا بالسكوت حين يراه يبيع ويشتري وصح إقراره بما في يده من كسبه ويجوز بيعه بالغبن الفاحش عند الامام خلافا لهما إلى غير ذلك من الاحكام التي ذكرها في العبد المأذون. والمراد بكونه يعقل البيع أن يعلم أن البيع سالب للملك والشراء جالب وأن يقصد به الربح ويعرف الغبن اليسير من الفاحش وقال: لا تنفذ تصرفاته، وبيان الدليل من الجانب بين مذكور في المطولات. فإن قلت: كيف يستقيم تعميم قوله أن ما ثبت في العبد من الاحكام يثبت في الصبي المأذون مع التخلف في بعضها وهو أن المولى محجور عن التصرف في مال الصبي وإن كان عليه دين محيط بماله والرواية في المبسوط؟ قلت: الجواب من وجهين: إن ما ذكره في الكتاب من التعميم في تصرفات العبد في ماله وتصرفات الصبي في ماله لا في تصرف المولى وعدمه فلا يرد نقضا. والثاني وهو الفرق المذكور في المبسوط إنما ملك الاب والوصي التصرف في مال الصبي سواء كان عليه دين أو لا، لان دين الحرية في ذمته لا تعلق له بماله بخلاف العبد فإن دينه يتعلق بماله. والمراد بالولي ولي له التصرف في المال وهو أبوه أو وصي الاب ثم جده ثم القاضي أو وصي القاضي، وأما ما عدا الاصول من العصبة كالعم والاخ أو غيرهما ووصيهم وصاحب الشرطة لا يصح إذنهم له لانهم ليس لهم أن يتصرفوا في ماله تجارة فكذا لا يملكون الاذن له فيها والاولون يملكون التصرف في ماله فكذا يملكون الاذن له في التجارة وكذا للصبي، والمعتوه أن يأذن لعبده أيضا لان الاذن في التجارة تجارة معنى وليس لابن المعتوه أن يأذن لابيه المعتوه ولا أن يتصرف في ماله، وكذا إذا كان الابن مجنونا لان ولاية التصرف في المال للقريب لا تثبت إلا إذا كان المتصرف كامل الرأي ووصيهما قائم مقامهما فيكون معتبرا بهما فيملك الاذن للصغير والمعتوه الذي بلغ معتوها، وإذا بلغ رشيدا ثم عته كان الفقيه أبو بكر البلخي رحمه الله يقول: لا يصح الاذن له قياسا وهو قول أبي يوسف رحمه الله، ويصح استحسانا وهو قول محمد رحمه الله تعالى. وليس للصبي والمعتوه المأذون: ولهما أن يتزوجا ولا يزوجا مماليكهما لانه ليس من باب التجارة إلا أن يأذن لهما المولى بالتزوج أو بتزويج الامة لان الولي يملك ذلك فيملك تفويضه إليها بخلاف المولى فإنه يملك تزويج عبده المأذون له فيملك العبد أيضا إذا فوض إليه وإن كان لا يملك عند إطلاق الاذن. فحاصله أن الصبي والمعتوه المأذون لهما كالعبد المأذون له في جميع ما ذكرنا من الاحكام إلا أن الولي لا يمنع من التصرف في مالهما وإن كان عليهما دين، ولا يقبل إقراره عليهما وإن لم يكن عليهما دين بخلاف المولى. والفرق أن إقرار المولى عليهما شهادة لانه إقرار على غيره فلا يقبل ودينهما غير متعلق بما لهما وإنما هو في الذمة لانهما حران فكان للمولى عليهما أن يتصرف فيهما بعد الدين كما كان قبله. فإن قيل: إذا لم يملك المولى الاقرار عليهما فكيف يملكانه وولايتهما مستفادة منه؟ قلنا: لما انفك عنهما صار

[ 194 ]

[ فصل ] كما إذا انفك بالبلوغ فيقبل إقرارهما على أنفسهما بخلاف المولى لانه إقرار على غيره فلا يقبل على ما بينا، ولانهما لو لم يقبل إقرارهما تمتنع الناس عن معاملتهما فلا يحصل المقصود بالاذن فالجأت الضرورة إلى قبوله فيما هو من التجارة لان التجارة فيها حتى لو أقر بعين موروثة في ملكهما لا يقبل إقرارهما فيما روي عن أبي حنيفة لعدم الحاجة إلى القبول لانه ليس من باب التجارات، وفي ظاهر الرواية يقبل لما ذكرنا أن انفكاك حجره بالاذن كانفاكه بالبلوغ والله تعالى أعلم. فصل وغير الاب والجد لا يتولى طرفي عقد المعاوضة المالية لان حقوق العقد ترجع إلى العاقد فيصير الواحد طالبا مطالبا ومستلما ومتسلما وهكذا الحال. وكذا الاب والجد قياسا وهو قول زفر رحمه الله ويجوز استحسانا وهو أن لكمال شفقته قام مقام شخصين وعبارته مقام عبارتين ورأيه مقام رأيين فجعل كأنه باعه منه وهو بالغ وهو يتحمل لحق الابوة لحقوق العقد نيابة عنه حتى إذا بلغ الصغير كانت العهدة على الصغير، وفيما إذا باع ما له لاجنبي فبلغ الصغير كانت العهدة على الاب بطريق التحمل لا بحكم العقد لا يؤدي إلى الاستحالة. ولو اشترى مال ولده الصغير أو باع ما له منه بغبن يسير صح ويكفيه أن يقول بعته منه أو اشتريته له لان كلامه قائم مقام كلامين، ولان نفس القبول لا يعتبر وإنما يعتبر الرضا ولهذا ينعقد بالتعاطي من غير إيجاب وقبول وقد وجدت دلالة الرضا. ولو وكل رجلا بأن يبيع عبده من ابنه الصغير أو يشتري عبده الصغير له ففعل لا يصح العقد كمال هذه الشفقة فلا يمكن إلحاقه بالاب فبقي على أصل القياس إلا إذا كان حاضرا. وقيل: إنه يجوز وتكون العهدة من جانب الابن على أبيه أو من جانب الاب على الوكيل لان تصرف الاب لنفسه فإنه مباح وللصغير فرض لانه من باب النظر فيجعل الاب متصرفا للصغير تحقيقا للنظر. ولو وكل رجلا ببيع مال ولده فباع من موكله أو باع الوالد مال أحد ولديه بمال الآخر أو أذن لهما فيه أو لعبديهما أو جعل لكل واحد منهما وكيلا ووصيا صح، ولو أذن لهما أو لعبديهما أو وصيهما فتبايعا لم يجز لانهما استفادا ولاية التصرف عنه وهو لا يملك بنفسه فكذا الصبيان بخلاف ما لو أذن الاب لانه لو فعل بنفسه صح فإذا فعل بإذنه وصح بيع الوصي ما له من الصبي وشراؤه منه بشرط نفع ظاهر وهو أن يبيع ما يساوي درهمين بدرهم، وقيل ما يساوي ألفا بثمانمائة، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وعندهما لا يجوز لما مر من الاستحالة. وله أن الوصي مختار الاب ولكنه قاصر الشفقة فعند أبي حنيفة النظر يلحق بالاب ويروى رجوع أبي يوسف رحمه الله إلى قول أبي حنيفة رحمه الله. وفي الجامع الكبير: وإن باع

[ 195 ]

بمثل القمية أو بأقل من قيمته بحيث يتغابن في مثله جاز. وفي الخانية: العبد والوصي إذا باع بغبن فاحش يجوز بيعه في قول الامام. وفي جامع الفتاوى: الاب إذا أذن لابنيه في التجارة ثم أمر رجلا أن يشتري من أحدهما شيئا للآخر لا يصح إذا كان هو المعبر عنهما، وإن عبر عن أحدهما والآخر عن نفسه جاز. وفي الخانية: وليس للصبي أن يزوج أمته في قول الامام، والثالث لا يزوج أمته من عبده عند الكل. وفي الذخيرة: وإذا حجر عليه القاضي أو الاب أو الوصي صار محجورا وكذا إذا مات الاب أو الوصي صار محجورا عليه، وإذا أذن لعبده ابنه ثم مات الابن ورثه الاب صار محجورا عليه. وفي المحيط: وإذا باع صبي محجور عبده بألف درهم وضمن رجل للمشتري الدرك ثم دفع الثمن فاستحق العبد رجع المشتري بالثمن على الكفيل، ولو دفع الثمن ثم ضمن لم يرجع لان الكفالة قبل قبض الثمن صحيحة وبعده فاسدة لان الثمن بعد قبض الصبي أمانة عنده لانه قبضه بإذن المالك قال ادفع الثمن للصبي ليكون أمانة عنده على أني ضامن لك فيصير مستقرضا للمال من المشتري ثم أمر بدفعه إلى الصبي فينوب قبض الصبي عن قبض الضامن أولا ثم يصير قابضا لنفسه اه‍. والله سبحانه وتعالى أعلم.

[ 196 ]

[ كتاب الغصب هو إزالة اليد المحقة بإثبات اليد المبطلة في مال متقوم محترم قابل للنقل والاستخدام ] كتاب الغصب أورد الغصب بعد الاذن في التجارة لوجهين: أحدهما أن الغصب من أنواع التجارة مآلا حتى صح إقرار المأذون به ولم يصح بدين المهر من أنواع التجارة دون الثاني إذ المغصوب ما دام قائما بعينه لا يكون الغاصب مالكا لرقبته فصار كالعبد المأذون فإنه غير مالك لرقبته وما في يده من مال التجارة إلا أنه قدم الاذن في التجارة لانه مشروع من كل وجه والغصب ليس بمشروع، كذا في النهاية. ونظر في هذه المناسبة بأن الغصب عبارة عن إزالة اليد والازالة ليست من أنواع التجارة والذي أرى أن وجه المناسبة ما ذكره صاحب غاية البيان حيث قال: المأذون يتصرف في الشئ بالاذن الشرعي والغاصب يتصرف لا بالاذن الشرعي فبينهما مناسبة المقابلة. والكلام في الغصب من وجوه: الاول في معناه لغة، والثاني في ركنه، والثالث في شرطه، والرابع في صفته، والخامس في حكمه، والسادس في أنواعه، والسابع في دليله، والثامن في معناه عند الفقهاء هو في اللغة عبارة عن أخذ الشئ على وجه الغلبة والقهر، سواء كان متقوما أو غيره. يقال غصبت زوجة فلان وولده ويطلق على حمل الانسان على فعل ما لا يرضاه يق‍ غصبني فلان على فعال كذا. وركنه إزالة اليد المحقة وإثبات اليد المبطلة، وشرطه كون الغاصب قابلا للنقل وللتحويل، وصفته أنه حرام محرم على الغاصب ذلك، وحكمه وجوب رد المغصوب إن كان قائما ومثله إن كان هالكا أو قيمته. وأنواعه وهو على نوعين: نوع يتعلق به المأثم وهو ما وقع عن علم أنه مال الغير، ونوع لا يتعلق به المأثم وهو ما وقع عن جهل كمن أتلف مال غيره وهو يظن أنه له ودليله قوله تعالى * (وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا) * (الكهف: 79) ومعناه عند الفقهاء ما سيذكره المؤلف قال رحمه الله: (هو إزالة اليد المحقة بإثبات اليد المبطلة في مال متقوم محترم قابل للنقل) فقوله هو إزالة اليد المحقة إخرج زوائد المغصوب فإنها غير مضمونة لانه ليس فيها

[ 197 ]

إزالة، وكذا لو غصب دابة فتبعتها أخرى أو ولدها لا يضمن لعدم الازالة. وقوله في مال شمل المال المتقوم وغير المتقوم، وبقوله محترم أخرج الخمر والخنزير إذا كان لمسلم فإنه لا يكون غاصبا، وبقوله محترم أخرج مال الحربي فإنه غير محترم وقوله قابل للنقل أخرج العقار، ولا يخفي أن هذا التعريف غير جامع ولا مانع، أما كونه غير جامع فإنه لا يشمل ما إذا قتل إنسان إنسانا في معاركة وترك ماله ولم يأخذه فإنه يكون غاصبا إذ لم تزل يد المالك ولم تثبت يده، ولانه لا يشمل ما إذا غصبها من يد المستأجر أو المستعير أو المرتهن أو المودع أو غصب مال الوقف مع أنه لم تزل اليد المحقة. وأفتى الامام ظهير الدين أنه لا يضمن فإن الغاصب في هذه الحالة لم تزل يده يد المالك هنا بناء على عدم كونه في يده وقت الغصب وإزالة اليد فرع تحققها فيزاد في التعريف وبعضه ولذا قال في المحيط البرهاني الغصب شرعا أخذ مال متقوم محترم بغير إذن المالك على وجه يزيل يد المالك إن كان في يده أو تقصير يده إن لم يكن في يده، وأما كونه غير مانع فإنه يصدق على السرقة فيزاد في التعريف على سبيل المجاهرة ولهذا قال في البدائع: على سبيل المجاهرة أخرج السرقة. قال في الهداية: بغير إذن المالك. قال صاحب الاصلاح والايضاح: بغير إذن. قال في شرحه: وإنما لم يقل بإذن مالكه لان كون المأخوذ ملكه ليس بشرط لوجوب الضمان فإن الموقوف مضمون بالاتلاف وليس بمملوك أصلا، كصرح به في البدائع. قال رحمه الله: (والاستخدام والحمل على الدابة غصب) لانه باستخدام عبد الغير أو الحمل على دابة الغير بغير إذن المالك أثبت فيه اليد المتصرفة، ومن ضرورة إثبات اليد إزالة يد المالك عنه فيتحقق الغصب فيضمن. أطلق في الاستخدام فشمل ما إذا استخدمه في حاجة نفسه أو غيره وإنما يكون غاصبا في الاول. قال في فتاوي أهل سمرقند: هذا إذا استعمله في أمر من أمور نفسه أما إذا استعمله لا في أمر نفسه لا يصير غاصبا اه‍. واستعمال عبد الغير غصب علم أنه للغير أو لم يعلم فلو جاءه وقال أنا حر فاستعمله كان غاصبا له. وفي فتاوي أهل سمرقند: إذا قال لعبد الغير ارق هذه الشجرة فات بالمشمش لتأكل أنت فوقع من الشجرة فمات لم يضمن الآمر. وفي السراجية: وقيل يضمن. ولو قال لآكل أنا وباقي المسألة بحالها يضمن. وفي الخانية: رجل أرسل غلاما صغيرا في حاجة بغير إذن أهله فرأى الغلام غلمانا يلعبون فانتهى إليهم وارتقى شجرة فوقع ومات ضمن الذي أرسله لانه غاصب له بالاستعمال. وفي الينابيع: لو استخدم عبد غيره أو قاد دابته أو ساقها أو ركبها أو حمل عليها شيئا بغير إذن المالك ضمن سواء عطبت في تلك الخدمة أو غيرها، ولو أبق العبد في حال الاستخدام ضمنه. وفي أجناس الناطفي: إذا استعمل العبد المشترك بغير إذن شريكه روي عن محمد لا يصير غاصبا، وروى هشام أنه يصير غاصبا نصيب صاحبه، وفي الدابة يصير غاصبا نصيب صاحبه بالحمل والركوب، وفي الروايتين فظاهر عبارة المتن أنه يصير غاصبا

[ 198 ]

[ والحمل على الدابة غصب لا الجلوس على البساط ويجب رد عينه في مكان غصبه أو ] بنفس الحمل حولها عن مكانها أو لا. قال في فتاوي أبي الليث: ركب دابة بغير إذن مالكها ثم نزل عنها وتركها في مكانها ذكر في آخر كتاب اللقطة أنه يضمن، والصحيح أنه لا يضمن حتى يحولها، وفي الغياثية هو المختار، وفي المنتقى لا ضمان عليه. رجل تعدى على ظهر دابة ولم يحولها عن موضعها وجاء رجل آخر وعقرها فالضمان على الذي عقرها. وفي أجناس الناطفي: رجل يكسر الحطب فجاء غلام وقال اعطني القدوم حتى أكسر أنا مكانك فأبى صاحب الحطب فأخذ الغلام القدوم فكسر فضرب فوقع بعض المكسور على عين الغلام لا يكون على صاحب الحطب شئ، ولو وجه جارية إلى النخاس ليبيعها فبعثتها امرأة النخاس في حاجتها فهربت فالضمان على المرأة. وفي فتاوي أبي الليث: جارية جاءت إلى النخاس وطلبت البيع ثم ذهبت ولا يدري أين ذهبت وقال النخاس رددتها على مولاها فالقول له، والمعنى أن النخاس لم يأخذ الجارية ومعنى الرد أمرها بالذهاب إلى منزل السيد فلو أخذها النخاس أو ذهب بها إلى منزل مولاها فلا يصدق في قوله رددتها، فلو قال رحمه الله وبالاستخدام له والحمل والتحويل لكان أولى لما علمت. قال رحمه الله: (لا الجلوس على البساط) لان الجلوس على بساط الغير ليس بتصرف فيه ولهذا لا يرجح به لمتعلق به عند التنازع ما لم يصر في يده والبسط فعل المالك فبقي أثر يد المالك فيه ما بقي فعله لعدم ما يزيله من النقل والتحويل. قال رحمه الله: (ويجب رد عينه في مكان غصبه) لقوله عليه الصلاة والسلام على اليد ما أخذت حتى ترد أي على صاحب اليد وقوله عليه الصلاة والسلام لا يحل لاحد أن يأخذ مال أخيه لاعبا ولا جادا وإن أخذه فليرده عليه والمعنى أنه لا يزيد أن يأخذه سرقة ولكن يريد إدخال الغيظ عليه، ولانه بالاخذ فوت عليه اليد وهي مقصودة لان المالك يتوصل بها إلى تحصيل ثمرات الملك من الانتفاع والتصرف ولهذا شرعت الكتابة والاذن مع أنها لا تفيد سوى اليد فيجب عليه نسخ فعله دفعا للضرر عنه، أتم وجوهه رد عينه في مكان غصبه لان المال يختلف باختلاف الاماكن ورد العين هو الموجب الاصلي لانه أعدل ورد القيمة أو المثل مخلص فيصار إليه عند تعذر رد العين، ولهذا لو أتى بالمثل أو القيمة عند القدرة على العين لا يعتد به، ولو رد العين من غير علم المالك برئ منها ولو لم يكن هو الموجب الاصلي لما برئ إلا إذا علم وقبضه كما في قبض المثل أو القيمة وقبل الموجب الاصلي هو المثل أو القيمة ورد العين مخلص، ولهذا لو أبرأه عن الضمان حين قيام العين يصح حتى لا يجب عليه الضمان بالهلاك والابراء عن العين لا يصح. ولو كان للغاصب نصاب ينتقص به كما ينتقص بالدين فدل على أن الواجب المثل أو القيمة ووجوب رده في مكان غصبه مقيد بما إذا لم يتعين بزيادة أو نقصان كما سيأتي، وكذلك

[ 199 ]

[ مثله أن هلك وهو مثلي وإن انصرم المثلي فقيمته يوم الخصومة وما لا مثل له فقيمته يوم ] يجب أداء القيمة في مكان غصبه ففي الخانية: رجل غصب عبدا حسن الصوت فتغير صوته عند الغاصب كان له النقصان، ولو كان العبد مغنيا فنسي ذلك عند الغاصب لا يضمن الغاصب، وفي المنتقي: غصب من آخر دواب بالكوفة فالمغصوب منه بالخيار إن شاء أخذها وإن شاء قيمتها بالكوفة قال: وكذا الخادم وكذا ما له حمل ومؤنة إلا الدراهم والدنانير فإنه يأخذها حيث وجدها وإن اختلف السعر لانها أثمان، وليس له أن يأخذ القيمة. وإن كان المغصوب مثليا وقد هلك في يد الغاصب، فإن كان السعر في المكان الذي التقيا فيه مثل السعر في مكان الغصب أو أكثر برئ برد المثل، وإن كان في المكان الذي التقيا فيه أو أقل فهو بالخيار إن شاء أخذ قيمة العين حيث غصبه، وإن شاء انتظر. وفي الخانية: فإن كانت القمية في المكانين سواء كان للمغصوب منه أن يطالبه بالثمن. وفيها عن أبي يوسف: رجل غصب حنطة بمكة وحملها إلى بغداد قال عليه قيمتها بمكة، ولو غصب غلاما بمكة فجاء به إلى بغداد فإن كان صاحبه من أهل مكة عليه قيمته، وإن كان من غير أهل مكة أخذ غلامه. وفي الينابيع قال ابن سماعة: سمعت أبا يوسف في رجل غصب عبدا فذهب به إلى قرية فلقيه المغصوب منه فخاصمه فهي بالخيار إن شاء أخذ عبده بعينه، وإن شاء أخذ قيمته يوم غصبه اه‍. فلو زاد المؤلف ومكان غصبه حيث لا يتغير ولا يقل لكان أولى. قال رحمه الله: (أو مثله أن هلك وهو مثلي) يعني يجب عليه مثل المغصوب إن هلك عنده لقوله تعالى * (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) * (البقرة: 194) ولان حق المالك ثابت في الصورة والمعنى وقد أمكن اعتبارهما بإيجاب المثل فكان أعدل وأتم فكان إيجابه أولى من القيمة. وأطلق في المثل فشمل الناطف المبذر والدهن المربى. وفي التتارخانية برقوم: ومشايخنا استثنوا من الموزونات الناطف المبذر والدهن المربى فقالوا: الواجب القيمة فيهما. وفي السير الكبير: ومن أتلف على آخر جبنه فعليه قيمة الجبن مع أنه مثلي موزون، والمراد بالمثلي المكيل والموزون الذي ليس في تبعيضه ضرر والعدد المتقارب والبيض والفلوس الرائجة وما أشبه ذلك من العددي الذي لا يتفاوت. قال رحمه الله: (وإن انصرم المثلى فقيمته يوم الخصومة) يعني إذا انقطع المثلي عن أيدي الناس يجب على الغاصب قيمته يوم الخصومة وهذا قول الامام. وقال الثاني: يوم الغصب. وقال محمد: يوم الانقطاع لان المثل هو الواجب والقيمة إنما يصار إليها للعجز عنه والعجز في يوم الانقطاع فيعتبر فيه، وللثاني أن المثل لما انقطع التحق بالقيمي وفيه يعتبر القيمة يوم الغصب. وللامام أن المثل هو الواجب بالغصب وهو باق في ذمته ما لم يقض القاضي بالقيمة ولهذا لو صبر إلى أن يعود المثل كان له ذلك وحد الانقطاع أن لا يوجد في السوق الذي يباع فيه وإن كان يوجد في البيوت، ذكره في النهاية. وقال في النهاية فإن قلت:

[ 200 ]

ولم قدم قول أبي يوسف في التعليل ولم يوسطه كما هو حقه؟ قلت: لعله أن يكون هو المختار لانه أعدل الاقوال. قال رحمه الله: (وما لا مثل له فقيمته يوم غصبه) وهذا بالاجماع وهو المذروع والحيوان والمعدودات المتفاوتة، والوزني الذي يضره التبعيض لانه تعذر اعتبار المثل صورة ومعنى وهو الكامل فوجب اعتبار المثل معنى وهو القيمة لانها تقوم مقامه ويحصل بها مثله واسمها ينبئ عنه. وقال الامام مالك: يضمن مثله صورة لما روي عن أنس رضي الله عنه قال: كنت في حجرة عائشة رضي الله عنها قبل أن يضرب الحجاب فأتى بقصعة من ثريد بعض أزواجه عليه الصلاة والسلام فضربت عائشة القصعة بيدها فكسرتها وجاءت بقصعة مثل تلك القصعة في يدها فاستحسن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك منها الحديث. ولنا قوله عليه الصلاة والسلام في عبد بين رجلين يعتق أحدهما نصيبه فإن كان موسرا ضمن نصيب الآخر، وإن كان معسرا سعى العبد في قيمة نصيب شريكه. وهذا نص صريح في اعتبار القيمة فيما لا مثل له والآية شاهده لنا لانه هو المثل المتعارف بين الناس، وفعل عائشة رضي الله تعالى عنها كان على طريق المروءة ومكارم الاخلاف لا على طريق الواجب إذ كانت القصعتان للنبي صلى الله عليه وسلم. قال صاحب النهاية: وتحقيقه أن معناه الشئ الذي لا يضمن بمثله من جنسه لان الذي لا مثل له في الحقيقة هو الله تعالى اه‍. فعلى هذا كان على المؤلف رحمه الله تعالى أن يغير العبارة فيقول وما لا مثل له من جنسه. وأطلق في قوله يوم غصبه فشمل ما إذا زادت قيمته بعده أو نقصت أو استمرت على حالة واحدة. وفي شرح الطحاوي: ولو غصب من رجل عبدا أو جارية ثمنها ألف درهم فازدادت قيمته أو نقصت ثم هلك عنده ضمن قيمته يوم غصبه بالاجماع ولو لم يهلك ورده على صاحبه، فإن كان النقصان في القدر ضمن قيمة النقصان، وإن كان النقصان في السعر لا يضمن. وشمل ما إذا هلك أو استهلكه بعد زيادة القيمة أو نقصانها أو استمرارها على حالة واحدة، وأما إذا هلك أو استهلكه في يد الغاصب أو المشتري من الغاصب. وفي شرح الطحاوي: ولو هلك بعد الزيادة نحو أن يبيعه ويسلمه إلى المشتري فهلك في يد المشتري فالمغصوب منه بالخيار إن شاء ضمن الغاصب قيمته يوم الغصب وجاز البيع والثمن للغاصب، وإن شاء ضمن المشتري قيمته وقت القبض وبطل البيع ويرجع المشتري على الغاصب بالثمن، ولو زادت قيمة العبد فقتله الغاصب ضمن عاقلته قيمة العبد يوم الغصب زائدة في ثلاث سنين وليس له أن يضمن الغاصب قيمته وقت التسليم على قول الامام، وفي قولهما له أن يضمن الغاصب قيمته يوم الغصب حالا وإن شاء ضمن العاقلة قيمته يوم القتل زائدة في ثلاث سنين. ولو كان المغصوب حيوانا سوى بني آدم فقتله الغاصب بعد الزيادة عند الامام لا يضمن إلا قيمة يوم الغصب، وعندهما المغصوب منه بالخيار. وفي الفتاوي العتابية: ولو زاد العبد ثم قتل

[ 201 ]

[ غصبه وإن ادعى هلاكه حبسه الحاكم حتى يعلم أنه لو بقي لا ظهره ثم قضى عليه ببدله والغصب فيما ينقل ويحول فإن غصب عقارا وهلك في يده لم يضمنه وما نقص ] نفسه لم يضمن الغاصب الزيادة اه‍. قال رحمه الله: (وإن ادعى هلاكه حبسه الحاكم حتى يعلم أنه لو بقي لاظهره ثم قضى عليه ببدله) لان حق المالك ثابت في العين فلا يقبل قوله فيه حتى يغلب على ظنه أنه صادق فيما يقول كما إذا ادعى المديون الافلاس وليس لحبسه حد مقدر بل موكول إلى رأي القاضي كحبس الغريم بالدين، ولو ادعى الغاصب الهلاك عند صاحبه بعد الرد وعكس المالك وأقاما البينة فبينة الغاصب أولى عند محمد لانه تثبت الرد وهو عارض والبينة لمن يدعي العوارض، وعند أبي يوسف بينة المالك أولى لانها تثبت وجوب الضمان والآخر منكر والينة للاثبات. وأطل في قوله حبسه ومحله ما إذا لم يرض المالك بالقضاء بالقيمة. فإن قلت: قال في الذخيرة إن الغاصب إذا عيب المغصوب فالقاضي يقضي بالقيمة من غير تلوم فما وجه قوله؟ قيل في المسألة روايتان، وقيل المذكور في الذخيرة جواب الجواب والمذكور في الكتاب جواب الاصل، كذا في العناية. قال رحمه الله: (والغصب فيما ينقل ويحول) لانه إزالة يد المالك بإثبات يد وذلك يتصور في المنقول، قيل النقل والتحويل واحد، وقيل التحويل النقل من مكان والاثبات في مكان آخر والنقل يشتمل عليه بدون الاثبات في مكان آخر. المقصود بيان تحقق الغصب فيما ينقل ويحول دون غيره لا بيان مجرد تحققه في المنقول فالقصر معتبر في التركيب المذكور وأداة القصر في هذا التركيب وتعريف المسند إليه بلام الجنس يفيد قصر المسند إليه على السمند كما صرحوا به في علم الادب ويتلوه نحو التوكل على الله، والكرم في العرب، والامام من قريش. قال رحمه الله: (فإن غصب عقارا وهلك في يده لم يضمنه) وهذا عند الامام وأبي يوسف. وقال محمد وزفر والشافعي: يضمنه وهو قول أبي يوسف أولا. وفي العيني: ويفتى بقول محمد في عقار الوقف. ولان الغصب يتحقق بوصفين بإثبات اليد العادية وإزالة اليد المحقة وذلك يمكنه في العقار لان إثبات اليدين المتدافعتين على شئ واحد لا يمكن لتعذر اجتماعهما فيه فإذا ثبت اليد العادية للغاصب انتفت اليد المحقة للمالك ضرورة ولهذا يضمن العقار المودع بالجحود والاقرار به لغير المالك وبالرجوع عن الشهادة بعد القضاء ولقوله عليه الصلاة والسلام (من غصب شبرا من أرض ط وقه الله يوم القيامة من سبع أرضين) (1). ولنا أن الغاصب تصرف في المغصوب بإثبات يده وإزالة يد المالك ولا يكون ذلك إلا بالنقل والعقار لا يمكن نقله وأقصى ما يكون فيه إخراج المالك منه وذلك تصرف في المالك لا في العقار فلا يوجب الضمان، ومسائل الوديعة على الخلاف على الاصح فلا يزلمه ولئن سلم


(1) رواه مسلم في كتاب المساقاة حديث 137.

[ 202 ]

[ بسكناه وزراعته ضمن النقصان كما في النقلي وإن استغله تصدق بالغلة كما لو تصرف ] فالضمان فيما ذكر بترك الحفظ الملتزم. وإطلاق لفظ الغصب عليه لا يدل على تحقق غصب موجب للضمان كإطلاق لفظ البيع على بيع الحر لقوله عليه الصلاة والسلام من باع حرا الحديث. لا يدل على تحقق بيع الحر وهذا لما عرف أن في لسان الشرع حقيقة ومجازا. وفي هذا سؤال تقديره كيف جمع بين لفظ غصب وعدم الضمان مع أن الغصب موجب للضمان؟ وعلى هذا الخلاف لو باع العقار بعد الغصب وأقر بذلك وكذبه المشتري لا يقبل إقراره في حق المشتري لان ملكه ظاهر ولا يضمن البائع عندهما لانه لم يتلفه وإنما إتلافه مضاف إلى عجز المالك عن إقامة البينة. وفي الكافي: ولو غصب عقارا وهلك في يده بأن غلب السيل عليه فهلك تحت الماء أو غصب دارا فهدمت بآفة سماوية أو سيل فذهب بالبناء لم يضمن عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد والشافعي وزفر وهو قول أبي يوسف أولا: يضمن. وفي البزازية: والصحيح قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وفي الينابيع: فإن حدثت هذه الاشياء بفعل أحد من الناس فضمانه على المتلف عندهما، وعند محمد هو مخير بين ضمان الغاصب والمتلف، فإن ضمن الغاصب يرجع على المتلف، وإن حدثت هذه الاشياء بفعل الغاصب وسكناه فالمضان عليه بالاجماع. وفي الكافي: وعلى هذا أي على غصب العقار لا ينعقد موجبا للضمان إذا باع دار الرجل وأدخلها المشتري في بنائه لم يضمن البائع عند أبي حنيفة وهو قول أبي يوسف آخرا، وعند محمد يضمن قيمتها، ومعنى المسألة إذا باعها واعترف بالغصب وكذبه المشتري، كذا ذكره فخر الاسلام. قال رحمه الله: (وما نقص بسكناه وزراعته ضمن النقصان كما في النقلي) وهذا بالاجماع. قال القدوري: كما إذا انهدمت أو ضعف البناء كما لو عمل فيها حداد فانهدمت أو ضعف البناء. والفرق لهما أنه أتلفه بفعله كما لو نقل ترابه والعقار يضمن بالاتلاف ولا يشترط لضمان الاتلاف أن يكون في يده ألا ترى أن الحر يضمن به بخلاف ضمان الغصب حيث لا يضمن إلا بالحصول في اليد فعلى هذا لو ركب دابة الغير بغير إذنه ولم يسيرها حتى نزل ثم هلكت لم يضمن لعدم النقل، وإن تلفت بركوبه يضمن لوجود الاتلاف بفعله وهو نظير ما لو قعد على بساط الغير بغير إذنه. وفي فتاوى أبي الليث: غصب أرضا وزرعها ونبت فلصاحبها أن يأخذ الارض ويأمر الغاصب بقلع الزرع تفريغا لملكه، فإن أبى أن يفعل فللمغصوب منه أن يفعل. وفي الذخيرة: وإن لم يحضر المالك حتى أدرك الزرع فالزرع للغاصب وللمالك أن يرجع على الغاصب بنقصان الارض بسبب الزراعة، وإن حضر المالك والزرع لم ينبت، فإن شاء صاحب الارض يتركها حتى ينبت الزرع ثم يأمر بقلع الزرع، وإن شاء أعطاه قيمة بذره لكن مبذورا في أرض غيره وهو أن تقوم الارض مبذورة وغير مبذورة فيضمن فضل ما بينهما والبذر له. وفي العيون: غصب من آخر أرضا وزرعها حنطة ثم اختصما وهي بذر لم تنبت بعد فصاحب الارض

[ 203 ]

بالخيار إن شاء تركها حتى تنبت ثم يقول له اقلع زرعك، وإن شاء إعطاه ما زاد البذر فيه، وطريق معرفة ذلك أن تقوم مبذورة وغير مبذورة فيه فيضمن فضل ما بينهما. وفي الحاوي: وروي عن أبي يوسف أنه يقوم الارض غير مبذور فيها وتقوم وهي مبذور فيها بذر مستحق القلع فيضمن فضل ما بينهما وهو قيمة بذر مبذور في أرض الغير فيضمن الفضل. وفي الفتاوى: غصب حنطة فزرعها تصدق بالفضل إلا على قول أبي يوسف. وفي المنتقى للمعلى وفي نوادره عن أبي يوسف: أرض بين رجلين زرعها أحدهما بغير إذن شريكه فتراضيا على أن يعطي غير الزارع نصف البذر ويكون الزرع بينهما نصفين قال: إن كان ذلك منهما بعدما نبت الزرع فهو جائز، وإن كان قبل أن ينبت لا يجوز، وإن كان الزرع قد نبت وأراد الذي لم يزرع أن يقلع الزرع فإن الارض تقسم بينهما نصفين، فما أصلب الذي لم يزرع من الزرع فله ويضمن له الزراع ما دخل أرضه من نقصان الزراعة. وقوله بسكناه أو زراعته ليس بقيد فلو غصب عقارا وحبس عن صاحبه حتى نزت أرضه أو أرضا حتى غلب عليها ما يمنع من الزراعة يضمن النقصان لظهور العيب عنده كما لو غصب عبدا وسرق ما في يده وهي حادثة الفتوى. وأجاب الفقير عنها بما ذكر أخذا من مسألة العبد. وفي الاسبيجابي: رجل غصب أرضا فأجادها وأخذ غلتها أو زرع الارض كرا فخرج منه ثلاثة أكرار قال: يأخذ رأس ماله الكر ويتصدق بالفضل ويضمن الغلة يضمن النقصان وهذا في قولهم جميعا. وفي الكافي: ويأخذ الغاصب رأس ماله أي البذر وما أنفق وما غرم من النقصان ويتصدق بالفضل وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، وعند الثاني لا يتصدق. غصب تالة من أرض إنسان وزرعها في ناحية أخرى من تلك الارض فكبرت التالة وصارت شجرة فالشجرة للغارس وعليه قيمة التالة لصاحبها يوم غصبها ويأمر الغارس بقلع الشجرة، وكذلك لو غرس رجل تالة نفسه في أرض غيره فلصاحب الارض أن يأخذه بقلعها، وإن كان القلع يضر الارض أعطاه صاحب الارض قيمة شجرته مقلوعة، كذا قيل، وفي التتمة يوم يختصمان. وعلى قياس مسألة الزرع الذي تقدم ذكرها يمكن أن يقال: أعطاه صاحب الارض قيمة شجرة مستحقة القلع وفي التتمة سئل عمن غرس في أرض الغير غرسا فكبر هل لصاحب الارض أن يقول ادفع لك قيمته ولا تقلعه؟ فقال: لا إنما للغارس أن يقلعه ويضمن النقصان إن ظهر في الارض نقصان، وإنما لصاحب الارض الامر بالقلع فحسب، وسئل عنها علي بن أحمد فقال: للغارس قيمة الاغصان حين غرسها إذا كان في قلعها ضرر بالارض ولم يتعرض هل يضمن القيمة وقت الغرس أو وقت القلع. وسئل الخجندي عمن غرس في أرض غيره فنبت هل للغارس أن يقلعها؟ فقال: له أن يقلعها إن لم تنقص الارض. وفي الفتاوى: رجل زرع أرض نفسه فجاء رجل وألقى بذره في تلك الارض وقلب الارض قبل أن تنبت بذر صاحب الارض أو لم يقلب وسقى الارض حتى نبت البذر فالنابت

[ 204 ]

يكون للثاني عند أبي حنيفة ويكون على الثاني قيمة بذره ولكن مبذورا في أرض نفسه فتقوم الارض ولا بذر فيها وتقوم وبها بذره فيرجع بفضل ما بينهما، فإن جاء الزارع الاول وهو صاحب الارض وألقى فيها بذر نفسه مرة أخرى وقلب الارض قبل أن ينبت البذران أو لم يقلب وسقى الارض فنبتت البذور كلها فجميع ما نبت لصاحب الارض وعليه للغاصب مثل بذره ولكن مبذورا في أرض غيره، وهكذا ذكر ولم يسمع الجواب. والجواب المشبع أن الغاصب يضمن لصاحب الارض قيمة بذره مبذورا في أرض نفسه ويضمن صاحب الارض للغاصب قيمة البذرين لكن مبذورا في أرض الغير. وهذا كله إذا لم يكن الزرع نابتا بها، فأما إذا نبت زرع المالك فجاء رجل وألقى بذره وسقى فإن لم يقلب حتى نبت الثاني فإن كان الزرع النابت إذا قلب ينبت مرة أخرى فالجواب كما قلنا، وإن كان لا ينبت مرة أخرى فما نبت فهو للغاصب ويضمن الغاصب للمالك قيمة زرعه نابتا. وفي الظهيرية سئل نصير رحمه الله عمن زرع أرض نفسه برا فجاء رجل وزرعها شعيرا قال: على صاحب الشعير قيمة بذره مبذورا، روى ذلك محمد بن سماعة عن محمد بن الحسين رحمه الله تعالى. قال الفقيه أبو الليث رحمه الله تعالى: هذا إذا رضي صاحب البذر، وأما إذا لم يرض فهو بالخيار إن شاء ترك حتى ينبت فإذا نبت يأخذه بالقلع وإن شاء أبرأه عن الضمان، فإذا استحصد الزرع وحصداه فهو بينهما على مقدار نصيبهما. وسئل أبو جعفر عمن دفع كرما معاملة فأثمر الكرم أو كان الدافع وأهل داره يدخلون الكرم ويأكلون منه ويحملون والعامل لا يدخل إلا قليلا هل على الدافع ضمان؟ قال: إن أكلوا وحملوا بغير إذن الدافع فلا ضمان عليه والضمان على الذين أكلوا وحملوا، وإن كانوا أكلوا بإذنه فإن كانوا ممن تجب نفقتهم عليه فهو ضامن نصيب العامل فصار كأنه هو الذي أكله، وإن كانوا أخذوا بإذنه وهو ممن لا تلزمه نفقتهم فلا ضمان عليه فصار كأنه دل على استهلاك مال الغير. وسئل الشيخ عطاء بن حمزة رحمه الله تعالى عمن زرع أرض إنسان ببذر نفسه بغير إذن صاحب الارض هل لصاحب الارض أن يطالب بحصة الارض؟ قال: نعم إن جرى العرف في ذلك أنهم يزرعون الارض بثلث الخارج أو ربعه أو نصفه أو شئ مقدر شائع يجب ذلك القدر الذي جرى به العرف. قيل له: هل فيه رواية؟ قال: نعم رجل غصب أرضا وبنى فيها حائطا فجاء صاحب الارض وأخذ الارض وأراد الغاصب أن يأخذ الحائط، فإن كان الغاصب يبني الحائط من تراب هذه الارض ليس له النقض ويكون الحائط لصاحب الارض، فإن بنى الحائط لا من تراب هذه الارض فله النقض، ولم يتعرض المؤلف لما إذا نقص في يده بغير صنعه قال القدوري رحمه الله تعالى في كتابه: غصب من آخر عبدا أو جارية فأبق في يد الغاصب ولم يكن أبق قبل ذلك أو زنت أو سرقت ولم تكن فعلت ذلك قبل فعلي الغاصب ما انتصت بسبب السرقة والاباق وعيب الزنا، وكذلك ما حدث في يد الغاصب مما تنقص به القيمة من عور أو شلل

[ 205 ]

[ في المغصوب والوديعة وربح وملك بلا حل انتفاع قبل أداء الضمان بطحن وطبخ ] أو ما أشبه ذلك يكون مصمونا فيقوم العبد صحيحا ويقوم وبه العيب فيأخذه ويرجع بفضل ما بينهما. وإن أصابه حمى في يد الغاصب أو أصابه بياض في عينه ثم رد على المولى ورد معه الارش ثم ذهبت الحمى وزال البياض فللغاصب أن يرجع على المولى بالارش. وفي شرح الطحاوي: وإذا ولدت الجارية المغصوبة ولدا فالولد عندنا غير مضمون، وعند الشافعي مضمون. ولو استهلكه الغاصب ضمن قيمته بالاجماع ويتخير بنقصان الولادة عندنا، وعند زفر لا يتخير. وإذا حبلت عند الغاصب من الزنا فأراد ردها على المولى كذلك فإنه يردها مع النقصان فينظر إلى أرش عيب الزنا وإلى ما نقصها الحبل فيضمن الاكثر من ذلك، ويدخل الاقل في الاكثر وهذا استحسان أخذ به أبو يوسف، والقياس أن يضمن الامرين جميعا وهو قول محمد، فإن ولدت في يد المالك وسلمت من الولادة فالمروي عن أبي يوسف أنه ينظر إلى أرش الحبل وإلى أرش عيب الزنا، فإن كان عيب الزنا أكثر لا يرد شيئا، وإن كان عيب الحبل أكثر رد الفضل من أرش عيب الزنا. وفي الينابيع: فإن حبلت من الزنا فولدت زال عيب الحبل بالولادة وبقي عيب الزنا، فإن كان عيب الزنا أكثر من عيب الحبل وقد غرم الغاصب عيب الحبل يجب عليه أن يتم أرش عيب الزنا، وإن كان عيب الحبل أكثر فقدار عيب الزنا يستحق وما زاد عليه زال. وإن ماتت من الولادة وبقي ولدها ففي قول أبي حنيفة يضمن الغاصب جميع قيمتها، وعلى قولهما بضمن نقصان الحبل خاصة، هكذا ذكره القدوري. وفي الخانية: الجارية تقوم غير حامل ولا زانية وتقوم وهي حامل زانية فيرجع بفضل ما بينهما. وفي الخانية: ولو ماتت في نفاسها ومات الولد أيضا كان على الغاصب قيمتها في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: ليس عليه إلا نقصان الحبل. وفي الينابيع: وكذا قطعت يدها في سرقة عند الغاصب أو ضربت فيما زنت عنده فعند أبي حنيفة يضمن ما نقصها الزنا والضرب فيدخل الاقل في الاكثل وفي السرقة يضمن نصف قيمتها، وعندهما يضمن السرقة والزنا ولا يضمن ما نقصها القطع والضرب. ولو ماتت في الولادة وبقي ولدها ضمن جميع قيمتها عند أبي حنيفة يوم الغصب ولا جبر للنقصان بالولد عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: لا يضمن إلا ما نقصها الحبل وهو قول محمد. ولو مات الولد ردها ورد معها ما نقصتها الولادة ولا شئ عليه بموت الولد ولكن نقصت قيمة الجارية وقيمة الولد تصلح أن تكون جابرة لذلك النقصان لم يضمن الغاصب شيئا. قال رحمه الله: (وإن استغله تصدق بالغلة كما لو تصرف في المغصوب والوديعة وربح) أي استغل المغصوب بأن كان عبدا مثلا فأجره فنقصه الاستعمال وضمن النقصان تصدق الغاصب بالغلة كما يتصدق بالربح فيما إذا تصرف في المغصوب أو الوديعة بأن باعه وربح فيه لان المنافع لا تقوم إلا بالعقد والعاقد هو الغاصب فتكون الاجرة له بخلاف ما إذا

[ 206 ]

غصب جارية وغصبها ووطئها الزوج فالعقر للمالك دون الغاصب لان العقر يجب باستيفاء منفعة البضع عند قيام الشبهة لا بالعقد. أما الاول وهو الاستعمال فالمذكور هنا قولهما وهو التصدق، وعند أبي يوسف لا يتصدق به وقد ذكرنا الوجه في الجانبين في المسألة التي قبلها. وكان ينبغي أن يتصدق بما زاد على ما ضمن عندهما لا بالغلة كلها كما في المسألة الاولى، ثم إنما يضمن الغاصب النقصان إذا كان النقصان في العين وكان غير زيوف لانه دخل جميع أجزائه في ضمانه فيجب عليه قيمة ما تعذر رده ما أجزائه كلا أو بعضا بخلاف المبيع حيث لا يوجب النقصان الحادث فيه قبل القبض إلا بالخيار ولا يوجب حط شئ من الثمن لان الاوصاف لا تضمن بالعقد وتضمن بالفعل، وإن كان لتراجع السعر لا يضمن بعد أن رده في مكان الغصب لان ذلك لقلة الرغبات فيه لا لنقصان في العين بفوات جزء. وإن كان ربويا لا يمكنه أن يضمنه النقصان مع استرداد العين لانه يؤدي إلى الربا إذ الجودة لا قيمة لها في الاموال الربوية ولكنه يخير بين أن يأخذه ولا شئ له، وبين أن يتركه على الغاصب ويضمنه مثله من الربويات أو قيمته. ولك أن تقول: عدم إمكان ذلك مسلم فيما إذا كان نقصان الربويات في الاوصاف كما إذا غصب حنطة فعفنت في يده لانه لا اعتبار للوصف عندنا، وأما إذا كان نقصانها في الاجزاء كما إذا غصب كيليا أو وزنيا فتلف بعض أجزائه فنقص فرده كيلا أو وزنا فيكون لصاحب المال تضمين النقصان مع استراد الباقي ولا يؤدي إلى الربا كما لا يخفي. وفي العناية: فسر الربويات بما إذا غصب حنطة فعفنت عنده أو إناء فضة فانهشم في يده أقول: في كون إناء الفضة من الربويات عندنا فيه نظر ظاهر فإنهم صرحوا في شرح الهداية ومنهم صاحب العناية بأن الوزني الذي في تبعيضه ضرر كالمصوغ من القمقم والعلث ليس هو بمثلي بل هو من ذوات القيم، ولا شك أن إناء الفضة منه فكيف مثل به؟ ولاستغلال العبد المستعار بالايجار كاستغلال المغصوب حتى يجب عليه ضمان النقصان ويتصدق بالغلة عندهما خلافا لابي يوسف، والوجه قد بيناه. ولو هلك في يده بعدما استعلمه فضمنه المالك كان له أن يستعين بالغلة في أداء الضمان لان الخبث لاجل المالك، فإذا أخذه المالك لا يظهر الخبث في حقه ولهذا لو أسلم الغلة إليه مع العبد يباح له التناول فيزول الخبث بالتسليم وتبرأ ذمته عن القيمة بقدره بخلاف ما إذا باعه الغاصب بعدما استغله وهلك في يد المشتري وضمنه المالك قيمته ثم رجع المشتري على الغاصب بالثمن حيث لا يكون للغاصب أن يستعين بالغلة في أداء الثمن إلى المشتري لان الخبث كان لحق المالك والمشتري ليس بمالك فلا يزول الخبث بالاداء إليه فلا يؤديه إليه إلا إذا كان لا يجد غيره فيرجح هو على غيره من الفقراء باعتبار أنه ملكه وهو محتاج إليه كما أن للملتقط أن يصرف الغلة على نفسه إذا كان محتاجا، ثم إذا أصاب ملا يتصدق بمثله إن كان غنيا وتعذر الاستغلال، وإن كان فقيرا فلا شئ عليه لما ذكرنا من ترجيحه على غيره من الفقهاء. وأما

[ 207 ]

الثاني وهو ما إذا تصرف في المغصوب أو الوديعة وربح فهو على وجوه: إما إن يكون مما يتعين بالتعيين كالعرض أو لا يتعين كالنقدين، فإن كان مما يتعين لا يحل له التناول منه قبل ضمان القيمة وبعده يحل إلا فيما زاد على قدر القيمة وهو الربح المذكور هنا فإنه لا يطيب له ويتصدق به لان العقد يتعلق فيما لا يتعين بالتعيين حتى تنفسخ بالهلاك قبل القبض فتمكن الخبث فيه. وإن كان مما لا يتعين فقد قال الكرخي: إنه على أربعة أوجه: إما إن أشار ونقد منه أو أشار إليه ونقد من غيره أو أشار إلى غيره ونقد منه أو أطلق إطلاقا ونقد منه، وفي كل ذلك يطيب له إلا في الوجه الاول وهو ما إذا أشار إليه ونقد منه لان الاشارة إليه لا تفيد التعيين فيستوي وجودها وعدمها إلا إذا تأكدت بالنقد منهما. وقال مشايخنا رحمهم الله تعالى: لا يطيب له بكل حال وهو المختار، وإطلاق الجواب في الجامعين يدل على ذلك. ووجهه أنه بالنقد منه استفاد سلامة المشتري وبالاشارة استفاد جواز العقد لتعلق العقد في حق الوصف والقدر فيثبت فيه شبهة الحرمة لمالكه بسبب خبيث، واختار بعضهم الفتوى على قول الكرخي في زماننا لكثرة الحرام. وهذا كله على قولهما، وعند أبي يوسف لا يتصدق بشئ منه والوجه ما بينا. وهذا الاختلاف منهم فيما إذا صار بالتقلب من جنس ما ضمن بأن غصب دراهم مثلا وصار في يده من ثمن المغصوب دراهم كان في يده من بدله بخلاف جنس ما ضمن بأن غصب دراهم وفي يده من بدله طعام أو عروض لا يجب عليه التصدق بالاجماع لان الربح إنما يتعين عند اتحاد الجنس وما لم يصر بالتقلب من جنس ما ضمن لا يظهر الربح ولو اشترى بثمن المبيع بيعا فاسدا شيئا وأشار إليه ونقد منه يطيب الربح لان الثمن صار ملكا بالقبض بتراضيهما، ولانه متى نقض البيع واسترد الثمن يرد مثل الثمن لا عينه ولكن هذا لا يوجب بينهم الخبث في التصرف للحال، ولو اشترى بالدراهم المغصوبة طعاما حل التناول، ولو اشترى بالدراهم المغصوبة دنانير لم يجز له أن يتصرف في الدنانير لان الدراهم لو استحقت بعد ما افترقا انتقض البيع في الدنانير فوجب عليها ردها، فأما البيع في الطعام لا ينقض باستحقاق الدراهم لانه يجب عليه رد مثلها لا عينها. ولو اشترى بالثوب المغصوب جارية يحرم عليه أن يطأها حتى يدفع قيمة الثوب إلى صاحبه لان بالاستحقاق تبين أن البيع فاسد لان البيع يتعلق بعين الثوب. ولو اشترى بالدراهم المغصوبة جارية حل له وطؤها لان البيع لا يتعين بتلك الدراهم، ولو تزوج بالثوب المغصوب جارية امرأة حل له وطؤها لان النكاح لا ينتقض باستحقاق المهر، ولو أخذ المالك القيمة بقول الغاصب في الجارية المغصوبة لم يحل له وطؤها واستخدامها ولا بيعها إلا إذا أعطاه قيمتها بتمامها لانها من غير رضا المالك، ولهذا لا يملك الفسخ إن ظهرت مستحقة. ولو اعتق الغاصب العبد بعد القضاء عليه بالقيمة الناقصة جاز عنده وعليه تمام القيمة، كذا في المحيط مختصرا.

[ 208 ]

[ وشي وزرع واتخاذ سيف أو أناء لغير الحجرين وبناء على ساجة ولو ذبح شاة أو خرق ] قال رحمه الله: (وملك بلا حل انتفاع قبل أداء الضمان بطحن وطبخ وشي وزرع واتخاذ سيف أو أناء لغير الحجرين) لانه لو لم يملكه بذلك لحقه ضرر وكان ظلما والظالم لا يظلم بل ينصف. ثم الضابط فيه أنه متى تغيرت العين المغصوبة بفعل حتى زال اسمها وعظم منافعها واختلطت بملك الغاصب حتى لا يمكن تميزها أصلا زال ملك المغصوب منه وملكها الغاصب وضمنها ولا يحل له الانتفاع بها حتى يؤدي بدلها. قال في العناية وغيرها: وقوله بطحن إلى آخره يعني بفعل الغاصب احترازا عما إذا تغير بغير فعله مثل إن صار العنب زبيبا بنفسه أو خلا أو الرطب تمرا فإن الغاصب لا يملكه والمالك فيه بالخيار إن شاء أخذه وإن شاء تركه وضمنه مثله. وقوله زال اسمها يحترز عما إذا لم يزل اسمها كما لو ذبح الشاة فإنه يقال شاة حية وشاة مذبوحة. وقوله عظم منافعها تأكيد يتناول الحنطة إذا طحنها فإنه يزول بالطحن عظم منافعها كجعلها هريسة وكشكا ونشاء وغير ذلك. قال صاحب العناية: وقوله وعظم منافعها تأكيد لقوله زال اسمها والظاهر أنه تأسيس لا تأكيد لانه احتراز عما إذا غصب شاة وذبحها فإنه لا يزول بالذبح ملك مالكها كما سيأتي مصرحا به، وما ذكره من الطحن وما بعده يحصل به ما ذكرنا في الضابط فيملكها الغاصب إلا الذهب والفضة فإنه لا يمكله باتخاذهما أواني أو دراهم أو دنانير عند الامام لانها بهذا الفعل لا يزول التمييز. وقال الامام الشافعي: لا ينقطع حق المالك بما ذكر وهي رواية عن أبي يوسف غير أنه إذا أختار أخذ العين لا يضمن النقصان في الربويات لان الملك نعمة فلا يحصل بالحرام وهو الغصب وصار كما وقعت الحنطة في الطاحونة وانطحنت بفعل الماء أو الهواء من غير صنع أحد. ولنا أنه لما ستهلك العين من وجه بالاستحالة حتى صار له اسم آخر وقد أحدث فيه الصنعة وهي حق الغاصب وهي قائمة من كل وجه فترجحت لذلك والمحظور لغيره لا يمتنع أن يكون سببا لحكم شرعي ألا ترى أن الصلاة في الارض المغصوبة لا تجوز وتكون سببا لحصول الثواب الجزيل فما ظنك بالملك غير أنه لا يجوز له الانتفاع بها قبل الاداء لا ينفتح باب الغصب، ولقوله عليه الصلاة والسلام في الشاة المذبوحة بغير إذن مالكها أطعموها الاسارى ولو لم يملكه لما قال ذلك. والقياس أنه يجوز الانتفاع به وهو قول الحسن وزفر ورواية عن أبي حنيفة، ولهذا ينفذ تصرفه فيها كالتمليك للغير. ووجه الاستحسان ما ذكرناه ونفاذ تصرفه لوجود الملك ألا ترى أن المشتري شراء فاسدا ينفذ تصرفه فيه مع أنه لا يحل له الانتفاع به. فإذا دفع المثل أو القيمة إليه وأخذه بحكم الحاكم أو تراضيا على مقدار حل الانتفاع به لوجود الرضا من المغصوب منه لان الحاكم لا يحكم إلا بطلبه فحصلت المبادلة بالتراضي. وقال أبو يوسف في الحنطة المزروعة والنواة المزروعة يجوز الانتفاع بها قبل أداء الضمان لوجود الاستهلاك من كل وجه. وقيد بقوله واتخاذ سيف ليفيد أنه بعده صار يباع

[ 209 ]

عددا لا وزنا وهو إنما يملكه بما ذكر من الاتخاذ إذا كان يباع عددا. وفي المحيط: ولو غصب حديدا وصفرا فجعله إتاء فإن كان يباع وزنا لا ينقطع حق المالك كما في الفضة، وإن كان يباع عددا انقطع حق المالك لانه لما أخرجه عن كونه موزونا يكون مستهلكا له من وجه. قال في شرح الطحاوي: وقال شمس الائمة الكرخي: الصحيح أنه لا فرق بين الصفقة أن يباع عددا أو وزنا. ولو غصب فلوسا وضاع منها إناء ضمن الفلوس لانه أخرجها عن كونها ثمنا فيصير مستهلكا من وجه وقوله لغير الحجرين يعني أن الحجرين لو اتخذ مصاغا أو حليا أو إناء أو ضربة دراهم أو دنانير فللمالك أن يأخذه ولا يعطيه شيئا عند الامام، وعندهما هو للغاصب ويضمن مثله للمالك لانه أحدث فيه صنعة متقومة فصار كما لو غصب حديدا أو صفرا فضربه. وللامام أن العين باقية من كل وجه ولم تهلك من وجه ما ألا ترى أن الاسم لم يتغير ومعناه الثمنية وهو باق أيضا. وكذا كونه موزونا باق أيضا حتى يجري فيه الربا. وأطلق في الحجرين فشمل ما إذا صار بعد الاتخاذ أصلا أو تبعا. قال في الميحط: ولو غصب فضة أو دراهم فجعلها عروة أو قلادة لا أواني انقطع حق المالك لانه صار تبعا للاواني والتبعبة استهلاك من وجه اه‍. وفي فتاوى سمرقند: غصب من آخر طعاما فمضغه حتى صار بالمضغ مستهلكا فلما ابتلعه كان حلالا في قول الامام. وقالا: لا يكون حلالا إلا إذا أدى البدل. وأنكر الشيخ الامام نجم الدين النسفي هذه الرواية عن الامام وقال: الصحيح أن قول الامام كقولهما. وفي الخانية: وقولهما احتياط اه‍. وفي المتقى عن أبي يوسف: لو غصب أرضا وبنى فيها حوانيت ومسجدا وحماما فلا بأس بالصلاة في ذلك المسجد، وأما الحمام فلا يدخل ولا تستأجر الحوانيت. وقال هشام: أنا أكره الصلاة فيه حتى يطيب اربابه وأكره شراء المتاع من أرض غصب أو حوانيت غصب اه‍. وأشار المؤلف إلى أن التغيير بعدما وضع اليد في المثلي فلو كان قبله تجب القيمة. قال القدوري: صب ماء في طعام فأفسده وزاد في كيله فلصاحب الطعام أن يضمنه قيمته قبل أن يصب فيه الماء وليس له أن يضمنه مثله، وكذا لو صب ماء في دهن أو زيت لا يجوز أن يغرم مثل كيله قبصب الماء لانه لم يكن منه غصب متقدم حتى لو غصب ثم صب الماء فعليه مثله اه‍. وفي الذخيرة: وإن باع رجل شيئا ثم إن البائع فعل بعض ما وصفنا فكل شئ كان الغاصب فيه مستهلكا للعين ولم يكن للمغصوب منه أن يأخذه فكذا ليس للمشتري أن يأخذه وكل شئ لم يكن الغاصب فيه مستهلكا وكان للمغصوب منه أن يأخذه فللمشتري أن يأخذه اه‍. وفي الفتاوى: لو غصب حنطة فاتخذها كشكا فلصاحبها أخذها ورد ما زاد فيها من اللبن واستشكله بعض أهل العصر وهو الصحيح لانه زال اسمها وعظم منافعها، وأجيب بأن المراد إذا سقى الحنطة اللبن من غير طحن أما إذا طحنها فقد ملكها ويرد مثلها. قال رحمه الله: (وبناء على ساجة) يعني إذا بنى على السامجة

[ 210 ]

زال ملك مالكها عنها، وأطلق في العبارة فشمل ما إذا كانت قيمة الساجة أكثر أو قيمة البناء. وقال في الذخيرة: هذا فيما إذا كان قيمة البناء أكثر من قيمة الساجة. وأما إذا كان قيمة الساجة أكثر من قيمة البناء فلا يملكها وله أخذها، والظاهر من التقييد بالبناء على الساجة أنه لو بنى على الارض التي لا يتصور غصبها لا يملكها. وفي المضمرات: ولو غصب أرضا وبنى فيها وقيمة البناء أكثر من قيمة الارض لا سبيل للمغصوب منه على الارض ويضمن الغاصب قيمة أرضه، وهكذا روي عن أبي القاسم الدباسي، وفي الحاوي: غصب من آخر دارا أو أرضا وبنى فيها بناء أو زرع فقلع صاحبها الزرع وهدم البناء لا يضمن بشرط أن لا يكسر خشب الغاصب ولا آجره. وفي الاصل: غصب أرضا وبنى فيها فجاء صاحب الارض وأخذ الارض فأراد الغاصب أن يأخذ الحائط، فإن كان الغاصب بنى الحائط من تراب هذه الارض ليس له النقض والحائط لصاحب الارض، وإن بنى الحائط لا من تراب هذه الارض فله النقض، وفي فتاوى سمرقند: رجل بنى حائطا في كرم رجل من تراب كرمه بغير أمره فإن لم يكن للتراب قيمة فهي لصاحب الارض، وإن كان للتراب قيمة فالحائط للباني وعليه قيمة البناء اه‍. ولم يذكر في الاصل ما إذا أراد الغاصب أن ينقض البناء ويرد الساجة هل يحل له ذلك وهذا على وجهين: إن كان القاضي قضى عليه بالقيمة لا يحل له ذلك وإن نقض لم يستطع رد البناء وإن كان القاضي لم يقض عليه بالقيمة اختلف المشايخ، قال بعضهم لا يملك النقض، وقال بعضهم لا يحل له لما فيه من تضييع المال من غير فائدة. وفي فتاوى النسفي سئل عمن غصب ساجة فأدخلها في بنائه أو تالة فغرسها في أرضه أو غصنا فوصله بشجرة فوهبها الغاصب من المغصوب يبرئ عن الضمان بهذه الهبة؟ قال: نعم. قيل: ولو قال المغصوب منه للغاصب وهبت لك الساجة أو التالة أو الغصن؟ قال: نعم. قيل: كيف وقد وهب المغصوب منه للغاصب ما لا يملكه الواهب لان حقه قد انقطع ووجب لضمان على الغاصب؟ قال: بلى وهذا في المعنى إبراء له عن الضمان الواجب عليه بسبب هذه العين وفي الخانية: كسر غصنا لرجل ضمن النقصان ولو كان الكسر فاحشا بأن صار حطبا أو وتدا. وفي الاصل: غصب من آخر دارا ونقشها بعشرة آلاف ثم جاء رب الدار قيل له إن شئت فخذ الدار وأعط الغاصب ما زاد فيها. وفي الذخيرة: مشتري الدار من الغاصب إذا هدمها وأدخلها في بنائه ثم حضر المالك فإن كان البناء قليلا يتيسر رفعه برفعه وبرده على المالك، وإن كان كثيرا يتعذر رفعه، وإن شاء لا يرفعه بل يتركه ويضمن المشتري قيمة البناء الاول. وفي القدوري: ولو غصب من آخر دار وجصصها ثم ردها قيل لصاحبها أعط ما زاد التجصيص فيها إلا أن يرضى صاحب الدار أن يأخذ الغاصب ما جصصه. قال هشام قلت لمحمد في رجل وثب على باب مقلوع ونقشه بالاصابع قال: سبيله سبيل الدار. قلت: وإن كان نقشه بالنقر وليس بالاصابع؟ قال: فهذا مال مستهلك بالباب

[ 211 ]

[ ثوبا فاحشا ضمن القيمة وسلم المغصوب أو ضمن النقصان وفي الخرق اليسير ضمن ] وعليه قيمته والباب له، وكذا لو نقش إناء فضة بالنقر، وذكر الكرخي أنه موضوع مسألة الساجة إذا بنى الغاصب حول الساجة. أما لو بنى على نفس الساجة لا يبطل ملك المالك بل ينقض وهو اختيار الفقيه أبي جعفر الهندواني لانه إذا بنى حولها لم يكن متعديا، وإذا بنى عليها كان متعديا، والصحيح أن الجواب في الموضعين على حد واحد، كذا في البدائع. قوله: (ولو ذبح شاة أو خرق ثوبا فاحشا ضمن القيمة وسلم المغصوب أو ضمن النقصان) وكذا لو ذبح وقطع اليد أو الرجل لان هذه الاشياء إتلاف من وجه باعتبار فوات بعض الاغراض من الحمل والدار والنسل وفوات بعض المنفعة في الثوب فيخير بين تضمين جميع قيمته وتركه له وبين تضمين نقصانه وأخذه. وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله أنه ليس له أن يضمنه النقصان إذا أخذ اللحم لان الذبح والسلخ زيادة فيها لانقطاع احتمال الموت حتف أنفها وأمكن الانتفع بلحمها يتعين والاول هو الظاهر لانه نقصان باعتبار فوات بعض الاغراض على ما بينا. ولو كانت الدابة غير مأكولة اللحم يضمن قاطع الطرف جميع قيمتها لانه استهلاك من كل وجه بخلاف قطع الطرف لانه بعد القطع صالح لجميع ما كان صالحا قبله من الانتفاع ولا كذلك الدابة فإنها لا تصلح للحمل ولا للركوب بعد القطع. قيد التخيير بذبح الشاة وما يوكل لحمه احترازا عما لا يؤكل لحمه قال في الخانية: ولو ذبح حمار غيره فليس له أن يضمن النقصان في قول الامام ولكن يضمنه جميع القيمة، وعلى قول محمد له أن يمسك الحمار ويضمنه النقصان، وإن شاء ضمنه كل القيمة ولا يمسك الحمار، وإن قتله قتلا فهو على الخلاف السابق والاعتماد على قول الامام. ولو قطع يد حمار أو بغل أو قطع رجله أو فقأ عينه قال الامام: إن شاء سلم الجسد وضمنه جميع القيمة وليس له أن يمسك الجسد ويضمنه النقصان. وفي المنتقى هشام عن محمد: رجل قطع يد حمار أو بغل أو رجله وكان لما بقي منه قيمة فله أن يمسكه ويأخذ النقصان. وفي النوازل: إذا قطع أذن الدابة أو بعضه يضمن النقصان، ولو قطع أذنيها يضمن النقصان. وعن شيخه رضي الله عنه: إذا قطع ذنب حمار القاضي يضمن جميع قيمته، وإن كان لغيره يضمن النقصان اه‍. أقول: ويلحق بحمار القاضي حمار المفتي والعالم والامير. وفي التجريد: والصحيح في الحد الفاصل بين الخرق الفاحش واليسير أن الخرق الفاحش ما يفوت به بعض العين وبعض المنفعة واليسير مما لا يفوت به شئ من المنفعة وإنما تفوت الجودة. قال شمس الائمة الحلواني: القطع أنواع ثلاثة: فاحش غير مستأصل وهو ما بينا، وقطع يسير وهو أن يقطع طرفا من أطراف الثوب ولا يثبت فيه الخيار للمالك ولكن يضمنه النقصان، وقطع فاحش مستأصل للثوب وهو أن يقطع الثوب قطعا لا يصلح لما يراد منه ولا يرغب في شرائه، فعن الامام المالك بالخيار إن شاء ترك المقطوع وضمنه القيمة، وإن شاء أخذ المقطوع ولا شئ له.

[ 212 ]

[ نقصانه ولو غرس أو بنتى في أرض الغير قلعا وردت فإن نقصت الارض بالقلع ضمن ] وعندهما له أن يأخذ القيمة ويضمنه النقصان اه‍. فظهر أن ما أطلقه المؤلف في الخرق الفاحش إنما يتأتى على قولهما لا على قول الامام وفي المنتقى بشر عن أبي يوسف: غصب شاة فحلبها ضمن قيمة اللبن اه‍. قال رحمه الله: (وفي الخرق اليسير ضمن نقصانه) يعني مع أخذ عينه وليس له غير ذلك لان العين قائمة من كل وجه وإنما دخله عيب فنقص بذلك وكان له أن يضمنه النقصان وقد بينا الفرق بين الفاحش واليسير. وقال الشارح: وختلفوا في الخرق اليسير والفاحش، قيل ما يوجب نقصان ربع القيمة فاحش وما دونه يسير، وقيل ما ينقص به نصف القيمة. والصحيح أن الفاحش ما يفوت به بعض العين وجنس المنفعة ويبقى بعض العين وبعض المنفعة، واليسير مالا يفوت به شئ من المنفعة وإنما يدخل فيه نقصان في المنفعة لان الاستهلاك المطلق من كل وجه عبارة عن إتلاف جميع المنفعة والاستهلاك من وجه عبارة عن تفويت بعض المنفعة، والنقصان عبارة عن تفويت المنافع مع بقائها وهو تفويت الجودة لا غير، ولا عبرة بقيام أكثر المنافع لان الرجحان إنما يطلب إذا تعذر العمل بأحدهما ومتى أمكن العمل بهما لا يضر الترجيح ولا يشتغل به. قال شمس الائمة السرخسي: الحكم الذي ذكرناه في الخرق في الثوب إذا كان فاحشا هو الحكم في كل عين من الاعيان إلا في الاموال الربوية فإن التعيب فيها سوءا كان فاحشا أو يسيرا فالمالك فيهما يخير بين أن يمسك العين ولا يرجع على الغاصب بشئ وبين أن يسلم العين ويضمنه مثله أو قيمته لان تضمين النقصان متعذر لانه يؤدي إلى الربا. هذا إذا قطع الثوب ولم يجدد فيه صنعة، وأما إذا جدد فيه صنعة فيأتي في المتن. وفي الاصل: غصب ثوبا فعفن عنده أو أصفر أخذه المالك وما نقص منه إذا كان النقصان يسيرا ولو فاحشا خير بين الاخذ والترك اه‍. قال رحمه الله تعالى: (ولو غرس أو بنى في أرض الغير قلعا وردت) أي قلع البناء والغرس وردت الارض إلى صاحبها لقوله عليه الصلاة والسلام ليس لعرق ظالم حق أي ليس الذي عرق ظالم وصف العرق بصفة صاحبه وهو الظلم وهو من المجاز كما يقال صائم نهاره وقائم ليله قال الله تعالى * (فيها يفرق كل أمر حكيم) * (الدخان: 4) ولان الارض باقية على ملكه إذا لم تكن مستهلكة ولا مغصوبة حقيقة ولم يوجد فيها شئ يوجب الملك للغاصب فيؤمر بتفريغها وردها إلى مالكها كما إذا أشغل ظرف غيره بالطعام. هذا إذا كانت قيمة الساجة أكثر من قيمة البناء، وإن كانت قيمة البناء أكثر فللغاصب أن يضمن له قيمة الساجة ويأخذها ذكره في النهاية. وعلى هذا لو بلعت دجاجة لؤلؤة ينظر أيهما أكثر قيمة فلصاحبه أن يأخذ ويضمنه قيمة الاخرى. وعلى هذا التفصيل لو أدخل فصيل غيره في داره وكبر فيها ولم يمكن إخراجه إلا بهدم الحائط، وعلى هذا التفصيل لو أدخل البقر رأسه في قدر من النحاس فتعذر إخراجه وقد استوعبنا هذه المسألة بفروعها في مسألة نقصان الارض فلا نعيده. وفي

[ 213 ]

[ له البناء والغرس مقلوعا ويكونان له وإن صبغ أو لت السويق بسمن ضمنه قيمة ثوب أبيض ومثل السويق أو أخذهما وغرم ما زاد الصبغ والسمن ] التتارخانية: لو غصب حنطة فزرعها تصدق بالفضل اه‍. قال رحمه الله: (فإن نقصت الارض بالقلع ضمن له البناء والغرس مقلوعا ويكونان له) أي إذا كانت الارض تنقص بالقلع كان لصاحب الارض أن يضمن للغاصب قيمة البناء والغرس مقلوعا ويكونان له لان فيه دفع الضرر عنهما فتعين فيه النظر لهما، وإنما يضمن قيمتها مقلوعا لانه مستحق للقلع وليس له أن يستديم فيها فتعتبر قيمته في ذلك الوقت مقلوعا. وكيفية معرفتها أنه يقوم الارض وبها بناء أو شجر ويستحق قلعه أي أمر بقلعه وتقوم وحدها ليس فيها بناء ولا غرس فيضمن فضل ماب ينهما، كذا قالوا. وهذا ليس بضمان لقيمته مقلوعا بل هو ضمان لقيمته قائما مستحق القلع، وإنما يكون ضمانا لقيمته مقلوعا أن لو قدر البناء أو الغرس مقلوعا موضوعا في الارض بأن يقدر الغرس حطبا والبناء آجرا أو البناء حجارة مكومة على الارض فيقوم وحده من غير أن يضم إلى الارض فيضمن له قيمة الحطب والحجارة المكومة دون المبنية. قال رحمه الله: (وإن صبغ أو لت السويق بسمن ضمنه قيمة ثوب أبيض ومثل السويق أو أخذهما وغرم ما زاد الصبغ والسمن) يعني إذا غصب ثوبا وصبغه أو سويقا فلته بسمن فالمالك بالخيار إن شاء ضمنه قيمة ثوب أبيض ومثل السويق، وإن شاء أخذ المصبوغ والملتوت وغرم ما زاد الصبغ والسمن. وقال الامام الشافعي: يؤمر الغاصب بقلع الصبغ بالغسل بقدر الامكان ويسلمه لصاحبه، وإن انتقص قيمة الثوب بذلك فعليه ضمان النقصان بخلاف السمن لتعذر التمييز. ولنا أن الصبغ مال متقوم كالثوب وبجنايته لا يسقط تقوم ماله فيجب ضمانه حقهما ما أمكن فكان صاحب الثوب أولى بالتخيير لانه صاحب الاصل والآخر صاحب وصف وهو قائم بالاصل، وكذا السويق أصل والسمن تبع بخلاف البناء لان التمييز ممكن بالنقض وله وجود بعد النقض فأمكن إيصال حق كل واحد منهما إليه والصبغ يتلاشى بالغسل فلا يمكن إيصاله إلى صاحبه وبخلاف ما إذا انصبغ من غير فعل أحد كإلقاء الريح حيث لا يثبت فيه لرب الثوب الخيار بل يؤمر صاحب الثوب بتملك الصبغ بقيمته، وظاهر العبارة انحصار الحكم فيما ذكر. وقال أبو عصمة في مسألة الغصب: إن شاء رب الثوب باعه فيضرب كل واحد منهما بقيمة ماله، وهذا وجه حسن في وصول حق كل واحد منهما إلى صاحبه وتتأتى بغرامة يضمن فيها مثل هذا فيما إذا كان انصبغ بنفسه أيضا. والجواب في اللت كالجواب في الصبغ أنه يضمن مثل السويق وفي الصبغ قيمته لان السويق والسمن من ذوات الامثال بخلاف الصبغ والثوب. وقال في الكافي قال في المبسوط: يضمن قيمة سويقه لانه يتفاوت القلي فلم يكن مثليا كالخبز، وما روي عن الامام أنه إذا صبغ الثوب اسود فهو نقصان، وعندهما زيادة كالخمرة والصفرة راجع إلى اختلاف عصر وزمان فإن بني أمية في زمانه كانوا

[ 214 ]

يمنعون عن لبس السواد، وفي زمانهما بنو العباس كانوا يلبسون السواد ولا خلاف في الحقيقة ولهذا لم يتعرض في المختصر للون الصبغ لان من الثياب ما يزاد بالسواد ومنها ما ينقص والمعتبر هو الزيادة والنقصان حقيقة، فلو صبغه فنقصه الصبغ بأن كانت قيمته ثلاثين درهما فرجعت بالصبغ إلى عشرين، فعند محمد ينظر إلى ثوب يزيد فيه ذلك الصبغ، فإن كانت الزيادة خمسة يأخذ رب الثوب ثوبه وخمسة لان صاحب الثوب وجب له على الغاصب ضمان نقصان قيمة ثوبه عشرة ووجب عليه للغاصب قيمة صبغة خمسة فالخمسة بالخمسة قصاصا ويرجع عليه بما بقي من النقصان وهو خمسة، رواه هشام عن محمد: قال الشارح: وهو مشكل من حيث إن المغصوب منه لم يصل إليه المغصوب كله وإنما وصل إليه بعضه وكان من حقه أن يطالب إلى تمام حقه فكيف يتوجه عليه الطلب وهو لم ينتفع بالصبغ شيئا ولم يحصل به إلا تلف ماله؟ وكيف يسقط عن الغاصب بعض قيمة المغصوب بالاتلاف والاتلاف مقرر لوجوب جميع القيمة فكيف صار مسقطا له هنا؟ ولك أن تقول: لا إشكال لان الشارع ناظر إلى حق كل منهما فلو ألزمناه أن يدفع العشرة ضاع مال الغاصب وهو الصبغ مجانا وذلك ظلم والظالم لا يظلم فأوجبناها على رب الثوب فوصل إلى المغصوب منه كما ذكر كل حقه ما عليه وما يقي له، وكون الاتلاف مقررا لا ينافي كونه مسقطا لان الاتلاف بالنظر إلى النقصان والاسقاط بالنظر إلى عين الصبغ فتأمل. قال في المحيط: ولو غصب صاحب الثوب عصفرا وصبغ به ثوبه فعليه مثله لانه مثلي، ولو غصب من رجل ثوبا ومن آخر عصفرا ضمن مثل عصفره وخير رب الثوب كما ذكرنا، ولو غصب ثوبا وعصفرا من رجل واحد وصبغه به كان لربهما أن يأخذه مصبوغا وبرئ الغاصب من الضمان، وإن شاء ضمنه قيمة ثوبه ومثل عصفره. ولو كان العصفر لرجل والثوب لآخر فرضيا أن يأخذ الثوب مصبوغا كما لو كان لواحد ليس لهما ذلك لانه لما اختلف المالك كان خلط المالين استهلاكا من كل وجه، وإذا اتخذ المالك يكون الخلط استهلاكا من وجه دون وجه. ولو صبغ الراهن الثوب بعصفر خرج عن الرهن وضمن قيمته، ولو كان الثوب والعصفر رهنا كان للمرتهن أن يضمنه قيمة الثوب ومثل عصفره، وإن شاء رضي بأن يكون الثوب المصبوغ رهنا في يده، في المنتقي قال هشام: سألت محمدا عن رجل غصب من رجل ألف درهم وخلط بها دراهم من ماله قال: مذهب أبي يوسف في هذا الباب أن دراهم المخالط إذا كانت أكثر فهو مستهلك وضمن الدراهم المغصوب. وإن كانت دراهم الخالط أقل فالمغصوب منه بالخيار إن شاء ضمنه دراهمه، وإن شاء شاركه بالمخلوط بقدر دراهمه. قلت: فإن كانا سواء فما مذهب أبي يوسف؟ قال: لا أدري، وأما في قولهما فالمغصوب منه بالخيار على كل حال إن شاء ضمن الغاصب دراهمه، وإن شاء كان شريكا فيهما. وأفاد بقوله وإن صبغ أن ذلك حصل بصنعه فلو حصل بغير صنعه لا يكون

[ 215 ]

[ فصل غيب المغصوب وضمن قيمته ملكه والقول في قيمته للغاصب مع يمينه والبينة ] الحكم كذلك، ولهذا روى هشام عن محمد فقال: إذا كان مع رجل سويق ومع رجل آخر سمن أو زيت فاصطدما فانصب زيت هذا أو سمنه في سويق هذا، فإن صب السويق يضمن لصاحب السمن أو الزيت مثل سمنه أو زيته لان صاحب السويق استهلك سمن هذا ولم يستهلك صاحب السمن سويق هذا أو سمنه في سويق هذا فإن صاحب السويق يضمن لصاحب السمن، ولان هذا زيادة في السويق. وإن كان مع أحدهما سويق ومع الآخر نورة فاصطدما فانصب سويق هذا في نورة هذا، فإن شاء صاحب السويق أخذ سويقه ناقصا وأعطى الآخر مثل النورة، وإن شاء ضمن صاحب النورة مثل كيل سويقه وسلم سويقه إليه أو ضمن صاحب السويق لصاحب النورة مثل كيل نورته. وفي الذخيرة: وإذا فعل ذلك غيرهما وذهب فليس لصاحب النورة على صاحب السويق شئ والسويق لصاحب السويق. وفي الخانية: ولو اختلط نورة رجل بدقيق آخر بغير صنع أحد يباع المختلط ويضرب لكل واحد منهما بقيمة نصيبه مختلطا لان هذا نقصان حصل لا بفعل أحد فليس أحدهما بإيجاب النقصان عليه بأولى من الآخر. وفي جامع الجوامع: صب رديئا على جيد ضمن مثل الجيد وإن كان قليلا وكان شريكا بقدر ما صب من الجنس فيه. وفي التجريد عن أبي يوسف فيمن صب طعاما على طعام إن كان طعامه أكثر كان ضامنا، وإن كان طعامه أقل لم يكن ضامنا ولم يصر مستهلكا. وفي الخانية: رجل جاء إلى خل إنسان وصب فيها خمرا وهما نصفان قال: لصاحب الخمر أن يأخذ نصف الخل وعن أبي القاسم رحمه الله تعالى: رجل غصب خمرا وجعلها في حبه وصب فيها خلا من عنده فصار الخمر خلا قال: يكون الخمر للغاصب قياسا. وقال الفقيه أبو الليث رحمه الله تعالى: قيل الخل يكون بينهما على قدر حقهما لانه صار كأنهما خلطا خلهما قال: وبه نأخذ، كذا في الاصل. وفي المنتفى عند محمد: رجل معه دراهم ينظر إليها فوقع بعضها في دراهم رجل فاختلط كان ضامنا لها والله تعالى أعلم. فصل لما فرغ من بيان كيفية ما يوجب الملك للغاصب بالضمان شرع في ذكر مسائل تتصل بمسائل الغصب. قال رحمه الله: (غيب المغصوب وضمن قيمته ملكه) وقال الامام الشافعي رحمه الله: لا يملكه لان الغصب محظور فلا يكون سببا للملك كما في المدبر، وهذا لان الملك مرغوب فيه فلا ينال بالمحرم لانه منهي عنه لقوله تعالى * (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) * (النساء: 29) والغصب ليس فيه تراض. ولنا أن المالك ملك بدل المغصوب رقبة ويدا فوجب أن يزول ملكه عن المبدل إن كان يقبله دفعا

[ 216 ]

للضرر عن الغاصب وتحقيقا للعدل حتى لا يجتمع البدل والمبدل في ملك رجل واحد، ولان الفائت بفعل الغاصب هو اليد دون الملك إذ ملكه قائم في العين فلا يكون بدلا عن العين ولهذا قلنا: لو كسر قلب غيره وقضى القاضي عليه بالقيمة وأخذ القلب ثم افترقا قبل القبض لا يبطل القضاء، ولو كان بدلا عن العين لبطل كونه صرفا ولا تقول لو كان بدلا عما فات من اليد مع بقاء العين في ملكه لكان إجحافا بالغاصب بإزالة ملكه وإثبات الملك فيه للمغصوب منه بمقابلة عين في ملكه مع إمكان تحقيق العدل بينهما وهذا خلف لان هذا من ضرورة القضاء بقيمة العين زوال ملكه عنها. والجواب عن الآية أن الرضا قد وجد منه لما طلب القيمة، ولا يقال لو غصب مدبرا وغيبته لا يملكه لانا نقول: المدبر لا يقبل النقل من ملك إلى آخر. ولم يتعرض المؤلف لما إذا غاب المغصوب بغير صنع من الغاصب بأن كان عبدا فأبق عنده فإنه إذا ضمن قيمته ملكه كما ذكر، فلو قال غاب مكان غيب لكان أولى لانه إذا ملكه فيما إذا غاب بغير صنعه علم الحكم فيما إذا كان بصنعه بطريق الاولى. ولم يتعرض لما إذا غاب المغصوب منه وترك العين روى ابن سماعة عن محمد: للقاضي أن يأخذ المال من الغاصب والسارق إذا كان المالك غائبا ويحفظ عليه فإن ضاع ثم خاصم صاحب المال فله أن يضمن الغاصب ولا يبرئ بأخذ القاضي اه‍. وفي الخانية: غاب المغصوب منه فطلب الغاصب من القاضي أن يأذن له بالانفاق ليرجع بذلك على المالك لا يجيبه القاضي إلى ذلك والنفقة تكون على الغاصب، ولو قضى بالانفاق على المغصوب منه لا يجب عليه منه شئ، وإن رأى القاضي أن يبيع العبد أو الدابة ويمسك الثمن فلو فعل ذلك صح ا ه‍. غصب جارية قيمتها ألف فغصبها منه آخر فأبقت الجارية يضمن الغاصب الثاني للغاصب الاول لان للاول أخذها لو كانت قائمة ليتمكن من ردها إلى المالك فيبرأ عن الضمان، فإن أخذ القيمة فلا سبيل للمالك عن الغاصب الثاني لانه خرج عن عهدة الضمان يرد القيمة لان رد القيمة حال عجزه عن رد العين كرد العين، فإن كانت القيمة قائمة عنده فللمالك أخذها لانها نزلت منزلة العين، فإن كانت هالكة يلزمه الضمان لولي الجارية لانه بمنزلة ما لو استرد الجارية وهلكت عنده لانه لا يخرج عن عهدة الضمان ما لم يردها إلى المالك، وإن كانت قيمتها ألفا عند الاول فقبضها الثاني وقيمتها ألفان فأبقت من يد الثاني وأخذ الاول من الثاني الفي درهم وهلكت من يد الاول لم يكن للمالك أن يضمن الاول ألفي درهم وإنما يضمنه قيمتها يوم الغصب ألف درهم لان الالف الثانية أمانة في يده لانها حدثت بعد الغصب الاول والزيادة الحادثة في يد الغاصب أمانة كالزيادة في عين المغصوب، فإن ظهرت الجارية والقيمة في الاول فالمولى بالخيار إن شاء أخذ الجارية وإن شاء أخذ القيمة وإن شاء ضمن الاول قيمتها يوم غصبها منه. أراد بالتضمين أن يأخذ القيمة من الاول برضاه فيكون بمنزلة المبيع منه لان الجارية لما عادت من الاباق فقد قدر الاول على رد المغصوب والغاصب ما دام قادرا على رد

[ 217 ]

[ للمالك وإن ظهر وقيمته أكثر وقد ضمنه بقول المالك أو ببينة أو بنكول الغاصب فهو ] المغصوب ليس للمالك أن يضمنه قيمته إلا برضاه، والغاصب الاول لما ضمن الثاني القيمة فقد ملك الجارية منه حكما فصار كما لو غصب الجارية من الثاني بغير أمر المولي فيتوقف البيع على إجازته إن شاء رده وأخذ الجارية، وإن شاء أجازه وأخذ بدلها، فإذا أخذ المولى الجارية رجع الثاني على الاول بالقيمة لانه بدل لم يسلم له، كذا في المحيط. قال رحمه الله: (والقول في القيمة للغاصب مع يمينه والبينة للمالك) لان الغاصب منكر والمالك مدع، ولو أقام الغاصب البينة لا تقبل لانها تنفي الزيادة والبينة على النفي لا تقبل، ذكره في النهاية ثم قال: وقال بعض مشايخنا: ينبغي أن تقبل بينة الغاصب ألا ترى أن المودع إذا ادعى رد الوديعة يقبل وكان أبو علي النسفي يقول: هذه المسألة عدت مشكلة. ومن المشايخ من فرق بين هذه المسألة وبين مسألة الوديعة وهو الصحيح لان المودع ليس عليه إلا اليمين وبإقامة البينة أسقطها فارتفعت الخصومة، وأما الغاصب فعليه اليمين والقيمة وبإقامة البينة لم يسقط إلا اليمين فلا يكون في معنى المودع، كذا في العناية. قال رحمه الله: (وإن ظهر وقيمته أكثر وقد ضمنه بقول المالك أو ببينة أو بنكول الغاصب فهو للغاصب ولا خيار للمالك) لانه رضي به وتم ملكه برضاه حيث سلم له ما ادعاه ولم يتعرض كثير لقدر الزيادة. وفي المجتبي: لو ظهر وقد زادت قيمته دانقا فللمالك ما ذكر من الاحكام. وقوله وقيمته أكثر قيد في هذه المسألة لا في التي بعدها كما سيأتي. قال رحمه الله: (وإن ضمنه بيمين الغاصب) فالمالك يمضي الضمان أو يأخذ المغصوب ويرد العوض لعدم تمام رضاه بهذا القدر من الضمان. وإنما أخذ دون القيمة لعدم الحجة لا للرضا به ولو ظهر المغصوب وقيمته مثل ما ضمنه به أو أقل من هذه الصورة وهي ما إذا ضمنه بقول الغاصب مع يمنيه. قال الكرخي رحمه الله: لا خيار له لانه توفر عليه مالية ملكه بكمالة، وفي ظاهر الرواية يثبت له الخيار وهو الاصح لان ثبوت الخيار لفوات الرضا وقد فات هنا حيث لم يحصل له ما يدعيه، وله أن لا يبيع ماله إلا بثمن يختاره ويرضى به وكان له الخيار، ثم إذا اختار المالك أخذ العين فللغاصب أن يحبس العين حتى يأخذ القيمة التي دفعها إليه لانها مقابلة بالعين بخلاف المدبر لانه غير مقابل به بل بما فات من البدل على ما بينا. قال في المحيط: ولو اختلفا في عين المغصوب أو في صفته أو في قيمته وقت الغصب فالقول للغاصب لان المالك يدعي عليه زيادة مقدار أو زيادة ضمان وهو منكر فيكون القول للمنكر. ولو غصب من رجل ثوبا فضمن عنه رجل قيمته واختلفوا في القيمة فقال الكفيل عشرة وقال الغاصب عشرون وقال المالك ثلاثون فالقول للكفيل ولا يصدق واحد منهما عليه لان المكفول له يدعي على الكفيل زيادة وهو ينكر والغاصب يدعي زيادة عشرة وإقرار المقر يصح في حقه ولا يصح في حق غيره فيلزمه عشرة أخرى دون الكفيل، ولو قال الغاصب رددت المغصوب عليه وقال المالك

[ 218 ]

[ للغاصب ولا خيار للمالك وأن ضمنه بيمين الغاصب وأن باع المغصوب فضمنه المالك نفذ بيعه وإن بيعه وإن حرره ثم ضمنه لا وزوائد النغصوب أمانة فتضمن بالتعدي وما نقصت ] لا بل هلك عندك فالقول للمالك لانه أقر بسبب الوجوب ثم ادعى ما يبرئه فلا يصدق إلا بحجة كما لو قال أخذت مالك بإذنك أو أكلت مالك بإذنك وأنكر صاحب المال الاذن. ولو أقام الغاصب البينة أنه رد الدابة المغصوبة وأقام المالك البينة بأن الدابة تعيبت من ركوبه أو أتلفها الغاصب ضمن الغاصب لانه لا تناقض ولا تنافي بين البينتين لجواز ردها إليه ثم ركبها بعد الرد وتعيبت من ركوبه ويكون هذا غصبا مستأنفا فيعمل بالبينتين على هذا الوجه توفيقا وتلفيقا بينهما. ولو أقام الغاصب البينة أنه ردها ونفقت عنده وأقام المالك البينة أنها أنفقت عند الغاصب ولم يشهدوا أنها نفقت من ركوبه لا ضمان عليه لانا متى جعلنا أن الغاصب ردها ثم نفقت بعد الرد فلا يثبت منه غصبا مستأنفا ولو أقام المالك البينة أنه مات المغصوب عند الغاصب وأقام الغاصب البينة أنه مات عند المالك فبينة الغاصب أولى لان بينة المالك قامت على الموت لا على الغصب لانه ثابت بإقرار الغاصب والضمان يجب بالغصب لا بالموت فلا يفيد إقامة البينة على الموت وبينة الغاصب مثبتة للرد لانها مثبتة للموت في يد المالك ويتعلق به الرد وكانت أولى. ولو أشهد الغاصب بأنه مات في يد مولاه قبل الغصب لم تقبل هذه الشهادة لان موته في يد مولاه قبل الغصب لم يتعلق به حكم لانه لا يفيد الرد وإنما يفيد نفي الغصب وبينة المولى تثبت الغصب والضمان فكانت أولى. وفي النوادر: ولو أقام المالك البينة أنه كان يوم النحر بمكة فالضمان واجب على الغاصب لانه كونه بمكة لا يتعلق به حكم فسقطت بينته وبينة المالك تثبت الغصب والضمان. رجل في يده جبة ادعى آخر أنه غصبها منه فأقر له بالظهارة وبالبطانة فالقول قوله مع يمينه لانه أقر بغصب أحدهما وأنكر غصب أحدهما ويضمن قيمة الظهارة لانه أحدث في الظهارة صفة متقومة وهو التضريب على البطانة وقد استهلكها من وجه لان الظهارة صارت تابعة لملك الغاصب وهو الحشو والبطانة لانهما أكثر من الظهارة فيصير الاقل تابعا للاكثر صيانة لحق الغاصب كما في الساحة يدخلها في بنائه. قال رحمه الله: (وإن باع المغصوب فضمنه المالك نفذ بيعه وإن حرره ثم ضمنه لا) أي لو باع الغاصب المغصوب أو أعتقه ثم ضمنه المالك قيمته نفذ بيعه ولا ينفذ عتقه. وفرق بينهما أن ملك الغاصب ناقص لانه يثبت مستندا أو ضرورة وكل ذلك ثابت من وجه دون وجه ولهذا لا يظهر الملك في حق الاولاد، ويظهر في حق الاكساب لان للولد أصلا من وجه قبل الانفصال وبعده أصل من كل وجه والكسب تبع من كل وجه لكونه بدل المنفعة وهو نفع محض والملك الناقص يكفي لنفوذ البيع دون العتق ألا ترى أن البيع ينفذ من المكاتب بل من المأذون دون عتقهما، ولا يشبه هذا عتق المشتري من الغاصب حيث ينفذ بإجازة المالك

[ 219 ]

[ الجارية بالولادة مضمون ويجبر بولدها ولو زني بمغصوبة فردت فماتت بالولادة ضمن ] البيع عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وكذا بضمان الغاصب القيمة في الاصح لان العتق ترتب على سبب ملك قام بنفسه موضوع له فينفذ العتق بنفوذ السبب، والدليل على أنه أقام أن الاشهاد يشترط في النكاح الموقوف عند العقد لا عند الاجازة ولو لم يكن قام لاشترط عند الاجازة، ولهذا لو تصارف الغاصبان وتقابضا وافترقا وأجاز لمالكان بعد الافتراق جاز الصرف، وكذا البيع يملك عند الاجازة بزوائده المتصلة والمنفصلة ولو لم يكن تاما بنفسه لما كان كذلك، ولا يشترط قيام الثمن وقت الاجازة أو لو لم يكن عالما بقيام المبيع بأن كان قد أبق العبد من يد المشتري، ذكره في ظاهر الرواية. قيد بإعتاق الغاصب ثم يضمنه احترازا عن إعتاق المشتري من الغاصب ثم تضمين الغاصب فإنه في رواية يصح وهو الاصح، وفي رواية لا يصح، كذا في العناية. قال رحمه الله: (وزوائد المغصوب أمانة فتضمن بالتعدي) أي بالمنع بعد طلب المالك. وقال الشافعي: هي مضمونة على الغاصب، ولا فرق بين أن تكون الزيادة متصلة أو منفصلة أو كانت بالعسر. ولنا أن الغصب إزالة يد المالك عنه وإثبات يد الغاصب ولا يتحقق ذلك في الزيادة لانها لم تكن في يد المالك فلا تضمن إلا بالتعدي أو بالمنع عند طلبه لانه يصير متعديا به. وإنما ضمن ولد الظبية التي أخرجها من الحرم فولدت لوجود المنع من الرد لان الرد واجب عليه إلى الحرم لحق الشرع حتى لو ردها وهلكت قبل تمكنه من الرد لا يضمن لعدم المنع، على هذا أكثر مشايخنا. ولو قلنا بوجوب الضمان مطلقا تمكن من الرد أو لم يتمكن فهو ضمان إتلاف لان الصيد كان في الحرم أمينا ببعده عن أيدي الناس وقد فوت الامن بإثبات اليد عليه فتحققت الجناية عليه لذلك، ولهذا لو أخرج جماعة محرمون صيدا واحدا من الحرم يجب على كل واحد منهم جزاء كامل ولو كان ضمان الغصب لوجب عليهم قيمة واحدة. وفي العناية: واعترض على الدليل بأنه يقتضي أن يضمن الولد إذا غصب الجارية كاملا لان اليد كانت ثابتة عليه وليس كذلك فإنه لا فرق بينه وبين ما إذا غصبها غير حامل فحبلت في يده فولدت والرواية في الاسرار. وأجيب بأن الحبل قبل الانفصال ليس بمال بل يعد عيبا في الامة فلم يصدق عليه إثبات اليد على مال الغير سلمنا ذلك لكن لازالة ظاهرا. وفي الكافي: ولو باع الغاصب الاصل والزوائد وسلم والزيادة متصلة، فإن كان قائما أخذه صاحبه وإن كان هالكا فهو بالخيار إن شاء ضمن الغاصب قيمته يوم الغصب، وإن شاء ضمن المشتري قيمته يوم القبض وليس له أن يضمن البائع. وفي العناية: لو كفل إنسان عن الغاصب بغير أمره وأدى الضمان فالعبد له. وفي الينابيع: ولو أبق العبد من الغاصب فالجعل على المولى عند أبي يوسف ولا يرجع به الغاصب. وقال محمد: يرجع على الغاصب ا ه‍. قال رحمه الله: (وما نقصت الجارية بالولادة مضمون ويجبر بولدها) يعني إذا ولدت

[ 220 ]

الجارية المغصوبة فنقصت بالولادة فهو مضمون على الغاصب ويجبر بولدها إذا كان في قيمته وفاء بالنقصان وإن لم يكن يسقط بقدره. وقال زفر والشافعي: لا يجبر النقصان بالولد لان الولد ملكه فكيف يجبر ملكه فصار كولد الظبية المخرجة من الحرو وكما لو هلك الولد قبل الرد أو هلكت الام بالولادة أو غيرها من الاسباب. ولنا أن سبب النقصان والزيادة واحد وهو الولادة لانها أوجبت فوات جزء من مالية الام وجددت مالية الولد لان الولد إنما صار مالا بالانفصال وقبله لا يعتد به ألا ترى أنه لا يجوز التصرف فيه بيعا وهبة ونحوه، فإذا صار مالا به انعدم ظهور النقصان به فانتفى الضمان فصار كما إذا شهد الشهود بالبيع بمثل القيمة أو أكثر ثم رجعوا عن الشهادة لا يضمنون لانهم اختلفوا بالشهادة قدر ما أتلفوا بها فلا يعد إتلافا لاتحاد السبب كذا هذا، وكما إذا قطعت يده عند الغاصب فرده مع أرش اليد فإنه يجبر نقصانه بالارش لما ذكرنا من اتحاد السبب لان السبب الواحد لما أثر في الزيادة والنقصان كانت الزيادة خلفا عن النقصان، ولان الواجب على الغاصب أن يرد ما غصب أو ماليته كما لو غصب من غير نقصان، فإن فعل ذلك برئ من الضمان ألا ترى أنه لو غصب جارية سمينة فرضت عنده وهزلت ثم تعافت وسمنت ثم عادت مثل ما كانت فردها لا ضمان عليه، ولو كان مطلق الفوات يوجب الضمان لضمن. وكذا إذا سقط سن منها أو قلعه الغاصب فنبتت مكانه أخرى فردها سقط، ضمانها. وقولها كيف يجبر ملكه بملكه؟ قلنا: ليس هذا جبرا في الحقيقة وإنما هو اعتبار الملك منفصلا بعضه عن بعض بعد أن كان متحدا كما إذا غصب نقرة فضة فقطعها فإنه يردها ولا شئ عليه غيرها إذا لم ينقص بالقطع ولد الظبية ممنوع فإن نقصانها يجبر بولدها عندنا فلا يرد علينا. وكذا إذا ماتت الام ممنوعة في رواية عند أبي حنيفة فإنه روي عنه أن الام إذا ماتت وفي الولد وفاء بقيمتها برئ الغاصب برده عليه. وفي رواية عنه أنه يجبر بالولد قدر نقصان الولادة ويضمن ما زاد على ذلك من قيمة الام، وفي ظاهر الرواية عليه قيمتها يوم الغصب. وتخريجه أن الولادة ليست سببا لموت الام إذ لا يفضي إليه غالبا فيكون موتها بغير الولادة من العوارض وهي ترادف الام وضيق المخرج فلم يتحد سبب النقصان والزيادة، وكلامنا فيما إذا اتحد، وأما إذا مات الولد قبل الرد فلانه لم يحصل للمالك مالية المغصوب ولا بد منه لبراءة الغاصب والخصاء ليس بزيادة لانه غرض لبعض الفسقة، ولذا لو غصب الخصي وهلك عنده لا تجب عليه قيمته خصيا وإنما يجب عليه قيمته غير خصي. وكذا لو رده الغاصب بعد ما خصاه لا يرجع على المالك بما زاده بالخصاء ولو كانت الزيادة معتبرة لرجع عليه بالزيادة كما يرجع بما زاد الصبغ المصبوغ كذا ذكروه، وهذا يفيد أنه يجب عليه ضمان ما نقص بالخصاء مع رده وإن زادت قيمته به وهو مشكل فإن الغاصب إذا خصاه وازدادت به لا يجب عيه ضمان ما فات بالخصاء مع رد المخصي بل يجبر المالك إن شاء ضمنه قيمته يوم غصبه وترك المخصي للغاصب، وإن شاء

[ 221 ]

[ قيمتها ولا يضمن الحرة ومنافع الغصب وخمر المسلم وخنزيره بالاتلاف ويضمن لو كانا ] أخذه ولا شئ له غيره، ذكره في النهاية معزيا إلى التتمة وقاضيخان. وكان الاقرب هنا أن يمنع فلا يلزمنا ولا اتحاد في السبب فيما عدا ذلك من المسائل لان سبب النقصان القطع والجزء، وسبب الزيادة النمو، وسبب النقصان التعليم، وسبب الزيادة الفطنة من العبد وفهمه. أطلق في قوله وما نقصت الجارية بالولادة فشمل ما إذا حبلت في يد الغاصب من وجه حلال أو حرام، وموضوع المسألة في الثاني فكان عليه أن يقيد به. أما الثاني فقال في المحيط: ولو جعلت في يد الغاصب من زوج كان لها عند المالك أو أحبلها المولي لا يضمن الغاصب لان النقصان بسبب من جهة المولي وهو إحباله أو تسليط الزوج عليها فصار كما لو قتلها في يد الغاصب. ولو غصب جارية حاملا أو محمومة أو مجروحة فماتت في يده من ذلك يضمن قيمتها وبها ذلك العيب، ولو همت في يد الغاصب أو ابيضت عيناها فردها فضمان النقصان على الغاصب، فإن زال في يد المالك ما كان بها من حمى أو بياض العين برد المالك على الغاصب النقصان فصار كما لو حلق شعر إنسان وأخذ بدله ثم نبت. ولو غصب جارية فولدت عند الغاصب ثم غصبها وولدها من الغاصب رجل آخر فضمن المالك الغاصب الاول قيمة الام فللغاصب أن يضمن الثاني قيمة الام والولد ويتصدق بقيمة الولد، ولو ولدت في يد الغاصب فجحدها وولدها يضمن قيمتها يوم غصبها وولدها يوم الجحود وفي المنتفى: ولو حمت في يد الغاصب ثم ردها على المولى فماتت من ذلك ضمنه المولى قيمة النقصان. قال رحمه الله: (ولو زنى بمغصوبة فردت فماتت بالولادة ضمن قيمتها ولا يضمن الحرة) وهذا قول الامام أبي حنيفة. وقالا: لا يضمن الامة ويضمن نقصان الحبل لان الرد قد صح مع الحبل والحبل عيب فيجب عليه نقصان العيب، وهلاكها بعد ذلك بسبب حادث عند المالك فلا يبطل به الرد كما إذا حمت في يد الغاصب فردها وماتت في تلك الحمى أو زنت عند الغاصب فردها وجلدت بعد الرد عند المالك وماتت من ذلك فإنه لا يضمن إلا نقصان البيع. وكذا إذا سلم البائع الجارية للمشتري حبلى ولم يعلم المشتري بالحبل وماتت من الولادة لم يرجع المشتري على البائع بشئ من الثمن اتفاقا. وللامام أن يردها كما أخذها لانه أخذها وليس فيها عيب التلف وردها وفيها ذلك فلم يصح الرد فصار كما جنت جناية في يد الغاصب فعلت بها بعد الرد ودفعت بها بعد الرد فإنه يرجع بقيمتها على الغاصب بخلاف الحرة فإنها لا تضمن بالغصب، وفي فصل الشراء الواجب التسليم وبموتها بالولادة لا ينعدم التسليم، وفي الغصب السلامة شرط لصحة الرد فما لم يرد مثل ما أخذ لا يعتد به فافترقا على أنه ممنوع. وفي فصل الحمى الموت يحصل بزوال القوي وأنه يزول بترادف الآلام فلم يكن الموت حاصلا بسبب وجد في يد الغاصب فيجب عليه ضمان قدر ما كان عنده دون

[ 222 ]

الزيادة. أقول: يرد عليهم في الظاهر أنهم جعلوا الولادة ها هنا سببا للهلاك وقد صرح فيما مر بأنها ليست سببا للموت فكان بين الكلامين تدافع. وفي المحيط: ولو سرق عند الغاصب أو سرقت العبد فرد فقطع عند المالك فعند الامام يضمن الغاصب نصف القيمة، وعندهما يضمن نقصان السرقة. قال رحمه الله: (ومنافع الغصب) هذا معطوف على الحرة في قوله ولا يضمن الغاصب منافع الغصب. وقال الشافعي: يضمن منافع الغصب لانها مال متقوم مضمون بالعقد كالاعيان. ولنا أنها حصلت على ملك الغاصب فحدوثها في يده إذ هي لم تكن ح ادثة في يد المالك لانها أعراض لا تبقى فيملكها دفعا للحاجة والانسان لا يضمن ملك نفسه. قال ابن قاضي زاده: وهنا سؤال لم أر كثيرا من الشارحين تعرض له وهو أن يقال لقائل أن يقول: مقتضي هذا الدليل أن لا تجب الاجرة على المستأجر فيما إذا حدت المنافع في يده كما في استئجار الدور والاراضي والدواب ونحوها لان الانسان كما لا يضمن ملكه لا يجب عليه الاجرة بمقابلة ملكه مع أنه تجب عليه الاجرة بالاجماع. وأجاب عنه في غاية البيان أن الاجرة عندنا لا تجب بمقابلة المنافع بل بالتمكن منها من جهة المالك وهذا السؤال ساقط من أصله لان الغاصب يزعم حدوث المنافع على ملك نفسه، والمستأجر يعتقد حدوثها على ملك المؤجر فافترقا. وقوله بالاتلاف متعلق أيضا بالمنافع يعني وكذا منافع الغصب لا تضمن بالاتلاف لانه لا يخلو إما أن يرد عليها الاتلاف قبل وجودها أو حال وجودها أو بعد وجودها وكل ذلك محال، أما قبل وجودها فلان إتلاف المعدوم لا يمكن، وأما حال وجودها فلان الاتلاف إذا طرأ على الموجود رفعه فإذا قاربه منعه، وأما بعد وجودها فلانها تنعدم كما وجدت فلا يتصور إتلاف المعدوم، ولانا لو ضمناه المنافع لا يخلو إما أن يكون مضمونة بمثلها من المنافع لانه لا قائل بذلك ولا بالدراهم لعدم المماثلة والمماثلة شرط في ضمان العدوان للآية. قال صاحب العناية: واعترض بما إذا أتلف ما يتسارع إليه الفساد فإنه يضمنه بالدراهم وهي لا تماثله فدل على أن المماثلة ليست بمعتبرة لا يقال منافع الغصب مضمونة عندكم في الوقف ومال اليتيم وما كان معدا للاستغلال وهذا التعليل جار فيه. قلنا: العلل على وفق القياس والقول بضمان المنافع فيما ذكر وجه الاستحسان. قال رحمه الله: (وخمر المسلم وخنزيره بالاتلاف) أي لا يضمنهما لانهما ليسا بمتقومين في حق المسلم وإنما يصير متقوما باعتبار دين المغصوب منه بأنه متقوم أو بتعين بنفسه إلى التقوم. وفي شرح الطحاوي: لا يضمن سواء أتلفه مسلم أو ذمي. قال رحمه الله: (ويضمن لو كانا لذمي) يعني يضمن إذا أتلف خمرا لذمي أو خنزيره. وقال الامام الشافعي: لا يضمن لقوله عليه الصلاة والسلام فإذا قبلوا عبد الجزية فأعلمهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم ولان حقهم لا يزيد على حق المسلم. ولنا أن أمرنا أن نتركهم وما يدينون ولقول عمر لما سأل عما له ماذا يصنع بما يمر به أهل الذمة من الخمور

[ 223 ]

فقالوا: نعشرها. قال: لا تفعلوا وولوهم بيعها وخذوا العشر من أثمانها. فلولا أنها متقومة وبيعها جائز لهم لما أمرهم بذلك من غير إنكار فكان إجماعا. وأورد على هذا الدليل في العناية فقال: لم لا تتركهم وما يدينون في بعض الامور كإحداث بيعة وكنيسة وكركوب الخيل وحمل السلاح فإنهم يمنعون منها، ولان الامر باجتناب الرجس يتناول المسلم فبقي في حق الكافر على ما كان بخلاف الميتة والدم لان أحدا لا يعتقد تقومهما وبخلاف الربا فإنه مستثنى من عقودهم لقوله عليه الصلاة والسلام ألا من أربى فليس بيننا وبينه عهد وبخلاف العبد المرتد يكون للذمي فإنا نقتله لانا ما ضمنا لهم ترك التعرض لما فيه من الاستحقاق بالدين وبخلاف متروك التسمية عمدا فإذا كان الذابح من المسلمين لان ولاية السيف والمحاجة ثابتة فيمكن إلزامه فلا يجب على متلفه الضمان، وأما إذا أتلف المسلم خمر الذمي تجب عليه قيمته وإن كان مثليا لان المسلم ممنوع من تملكه وتمليكه بخلاف الذمي إذا استهلك خمر الذمي حيث يجب عليه مثله لقدرته عليه، ولو أسلم الطالب بعد ما قضى عليه بمثلها فلا شئ له على المطلوب لان الخمر في حقه ليس بمتقوم فكان بإسلامه مبرأ عما كان في ذمته من الخمر، وكذا لو أسلما لان في إسلامهما إسلام الطالب. ولو أسلم المطلوب ثم أسلم الطالب بعده قال أبو يوسف: لا يجب عليه شئ. وقال محمد: يجب عليه قيمة الخمر وهي رواية عن الامام لان الاسلام الطارئ بعد تقرر السبب كالاسلام المقارن للسبب وهو لا يمنع وجوب قيمة الخمر على المسلم، ولابي يوسف أن قبض الخمر المستحق في الذمة فقد تعذر استيفاؤه بسبب الاسلام ولا يمكن إيجاب قيمتها أيضا لانه ممنوع منها وصار كما لو كسر قلبا لغيره ثم تلف المكسور في يد صاحبه ليس لصاحبه أن يضمن الكاسر شيئا لان شرط تضمين قيمته تمليك المكسور وذلك قد فات. ودليله مذكور في المطولات. وفي التتارخانية: ولو أتلف موقودة المجوسي مسلم الصحيح أنه يضمنها. ولم يتعرض الشارح لما يلزمه في إتلاف خنزير الذمي، والظاهر أنه يضمن قيمته كما لو كان شاة كما في موقوذة المجوسي أخذا من قولهم الخنزير في حقهم كالشاة في حقنا، والتفصيل المتقدم في الاسلام في خمر الذمي يجري كذلك في خنزيره وقد قال الفقير: هذا من غير أن يجد نقلا ثم ظفرت بالنقل. وفي التتارخانية: وإن كان الخمر والخنزير لذمي يجب على متلفهما، سواء كان المتلف مسلما أو ذميا، غير أن المتلف إن كان ذميا فإنه يجب عليه مثل الخمر، وإن كان المتلف مسلما يجب عليه قيمة الخمر، وفي الخنزير يجب عليهما القيمة لان الخنزير لا مثل له من جنسه. وفي التتاخانية: أو كسر بيضة أو جوزة فوجد داخلها فاسدا فلا ضمان عليه، وكذا لو كسر دراهم إنسان ثم ظهر أنها ستوقة فلا ضمان عليه، وإذا أفسد تأليف حصر إنسان فإن أمكن إعادته كما كان أمرناه بها فصار كما لو غصب سلم إنسان وفرق سياهها، وإن لم يمكن الاعادة كما كان سلم المنقوض سياها وضمن قيمة الحصر صحيحا. وفي أن العيون غصب من آخر عبدا قيمته خمسمائة

[ 224 ]

[ لذمي وإن غصب خمرا من مسلم فخلله أو جلد ميته ودبغ فللمالك أخدهما ورد ما زاد ] فخصاه فصار يساوي ألفا نص محمد أن صاحب الغلام بالخيار إن شاء ضمنه قيمته يوم خصائه وإن شاء أخذ الغلام ولا شئ له. وقال بعض مشايخنا: يقوم الغلام بكم يشترى للعمل قبل الخصاء ويقوم بعد الخصاء فيرجع بفضل ما بينهما. قال الصدر الشهيد هشام الدين: وهذا خلاف ما حفظناه من مشايخنا والمحفوظ المتقدم. قال رحمه الله: (وإن غصب خمرا من مسلم فخلله أو جلد ميته ودبغ فللمالك أخذهما ورد ما زاد الدباغ فيه) يعني يأخذ الخل بغير شئ والجلد المدبوغ يأخذه ويرد عليه ما زاد الدباغ فيه. والمراد بالاول إذا خللها بالنقل من الشمس إلى الظل ومن الظل إلى الشمس، وبالثاني إذا دبغه بماله قيمة كالعفص والقرظ ونحو ذلك. والفرق أن التخليل مطهر لها بمنزلة غسل الثوب النجس فيبقى على ملك المغصوب منه لان المالية لا تثبت بفعله، وبالدباغ اتصل بالجلد مال متقوم كالصبغ في الثوب فلهذا يأخذ الخل بغير شئ ويأخذ الجلد ويعطي ما زاد الدباغ فيه. وطريق معرفته أن ينظر إلى قيمة الجلد غير مدبوغ وإلى قيمته مدبوغا فيضمن ما فضل بينهما، وللغاصب أن يحبسه حتى يستوفي حقه كحبس المبيع بالثمن والرهن بالدين والعبد الآبق بالجعل. وأطلق في التخليل فشمل ما إذا خللها بماله قيمة أو لا لكن قال في القدوري: أما لو ألقى فيها ملحا أو خلل بماله قيمة فعند الامام يصير الخل ملكا للغاصب ولا شئ عليه، وعلى قولهما إن ألقى فيه الملح فللمالك أخذه ودفع ما زاد فيه. قالوا: أن يعطيه مثل وزن الملح من الخل هكذا ذكروا وكأنهم اعتبروا الملح مائعا. وإن ألقى فيه الخل فهو بينهما، وإن استهلكه ضمن الخل. وإن غصب عصيرا فصار عنده خلا فله أن يضمنه مثله إن كان في حينه، وقيمته إن كان في غير حينه، ولو أراد رب العصير أن يأخذ القيمة الصحيح أنه ليس له ذلك. وعن الثاني: لو غصب عصيرا فصار عنده خمرا أو لبنا حليبا فصار عنده مخيضا أو عنبا فصار زبيبا فالمغصوب منه بالخيار إن شاء أخذ ذلك ولا شئ له غيره، وإن شاء ضمنه مثله وسلم إليه. وأطلق في الدباغ فشمل ما إذا دبغه بماله قيمة أو لا لكن قال في الاصل: وإن غصب جلد ميتة ودبغه، فإن دبغه بما لا قيمة له فإنه يأخذه مجانا. وفي الكافي: فإن دبغه بماله قيمة له أخذه وأعطاء ما زاد الدباغ، وأطلق في الجلد فشمل ما إذا أخذه من منزل صاحبه أو أخذه من الطريق بعد ما ألقاه صاحبه فيه لكن قال القدوري: هذا إذا أخذه من منزلة، أما إذا ألقى صاحبه الميتة في الطريق وأخذها رجل ودبغها فليس له أن يأخذ الجلد. وفي الذخيرة عن الثاني: له أن يأخذ الجلد وإن ألقاه صاحبه في الطريق، ولو كان المدبوغ جلدا مذكى كان له ذلك. قال مشايخنا: لا يفرق بين جلد الميتة وجلد المذكى ذهب إليه الحاكم الشهيد فالجواب في الميتة والمذكاة واحد. قال رحمه الله: (وإن أتلفهما ضمن الخل فقط) يعني لو أتلف الغاصب الخل والجلد

[ 225 ]

[ الدباغ فيه وإن أتلفها ضمن الخل فقط ومن كسر معزفا أو أراق سكرا أو منصفا ] المدبوغ في يده قبل أن يردهما إلى صاحبهما ضمن الخل ولا يضمن الجلد المدبوغ، وهذا قول الامام. وقالا: يضمن قيمة الجلد مدبوغا أيضا ويعطي ما زاد الدباغ فيه لان ملكه باق فيه ولهذا يأخذه وهو مال متقوم فيضمنه له مدبوغا بالاستهلاك. وللامام أن ماليته وتقويمه حصل بفعل الغاصب وفلعه متقوم لاستعماله مالا متقوما فيه، ولذا كان له حبسه والجلد تبع للملك وملكه باق فيه. ثم قيل: يضمن قيمة جلد مدبوغ ويعطي ما زاد الدباغ. قال فخر الاسلام وغيره في شرح الجامع الصغير: قولهما يعطي ما زاد الدباغ فيه محمول على ما إذا قوم الجلد بالدراهم والدباغ بالدنانير، أما إذا قومهما بالدراهم أو بالدنانير فيطرح عنه ذلك القدر ويؤخذ منه الباقي وهو قيمة جلد مذكى غير مدبوغ. وفي الكافي: وإن استهلكه يضمن قيمته طاهرا غير مدبوغ، والجمهور على أنه يضمن قيمته مدبوغا. ولو جعل الجلد فروا أو جرابا أو زقا لم يكن للمغصوب منه عليه سبيل، وإن خللها بصب الخل فيها قيل يكون للغاصب بغير شئ عند أبي حنيفة، سواء صارت خلا من ساعتها أو بمرور الزمان عليها لان خلط الخل استهلاك واستهلاك الخمر لا يوجب الضمان. وعندهما إن صارت خلا من ساعتها فكما قال أبو حنيفة أنه استهلاك، وإن صارت بمرور الزمان كان الخل بينهما على قدر حقوقهما كيلا. وفي التتارخانية: وإذا غصب ترابا فأو لبنة أو جعله آنية، فإن كان له قيمة فهو مثل الحنطة إذا طحن، فإن لم يكن له قيمة فلا شئ عليه من الضمان. وفي القدوري: المغصوب منه يكون أسوة للغرماء في الثمن ولا يكون أخص بشئ من ذلك. وفي الذخيرة: اتخذ كوزا من طين غيره كان الكوز له، فإن قال رب الطين أنا أمرته به فهو أحق به. وفي نوادر ابن سماعة: رجل هشم طشتا لغيره وهو مما يباع وزنا فربه بالخيار إن شاء أمسك الطشت ولا شئ له، وإن شاء دفعه وأخذ قيمته، وكذا كل مصنوع. قيد بقوله أتلفهما لانهما لو هلكا لا يضمن بالاجماع والمجمع عليه لا يحتاج إلى دليل لان دليله الاجماع ولم يظهر لهذا الاختلاف في التقويم فائدة عندي فإن قيمة جلد مدبوغ بعد أن يطرح عنه قدر ما زاد الدباغ فيه هي قيمة جلد ذكي غير مدبوغ بعينها، وقولهم لم ينظر إلى قيمته ذكيا غير مذبوح بعينها وإلى قيمته مذبوحا فيضمن فضل ما بينهما صريح في ذلك، فما فائدة الاختلاف والمال واحد؟ ولهذا لو دبغه بما لا قيمة له يضمنه بالاستهلاك. وفي السغناقي: ومن أتلف الشاة المذبوحة المتروكة التسمية عمدا لا يضمن اه‍. قال رحمه الله: (ومن كسر معزفا أو أراق سكرا أو منصفا ضمن) وهذا قول الامام. وقالا: لا يضمنها لانها معدة للمعصية فيسقط تقومها كالخمر ولانه فعله بإذن الشارع لقوله عليه الصلاة والسلام بعثت لكسر المزامير وقتل الخنازير ولقوله عليه الصلاة والسلام إذا

[ 226 ]

[ ضمن وصح بيع هذه الاشياء ومن غصب أم ولد أو مدبرة فمات ضمن قيمة المدبرة لا ] رأى أحدكم منكرا فلينكره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الايمان والكسر هو الانكار باليد ولهذا لو فعله بإذن ولي الامر وهو الامام لا يضمن فبإذن الشارع أولى. وللامام أنه كسر ما لا ينتفع به من وجه آخر سوى اللهو فلا تبطل قيمته لاجل اللهو كاستهلاك الامة المغنية لان الفساد مضاف إلى فعل الفاعل مختار والامر باليد فيما ذكر هو في حق الامام وأعوانه لقدرتهم عليه وليس لغيرهم إلا باللسان على أنه يحصل بدون الاتلاف كالاخذ، ثم يضمن قيمتها صاحلة لغير اللهو كما في الامة المغنية والكبش النطوح والحمام الطيارة والديك المقاتل والعبد الخصي، ويضمن قيمة السكر والمنصف لا المثل لان المسلم ممنوع من تملك عينه وإن جاز فعله بخلاف الصليب حيث يضمن قيمته صليبا لانه مال متقوم وقد أمرنا بتركهم وما يدينون. قيل الخلاف في الدف والطبل الذان يضربان للهو، أما الدف والطبل اللذان يضربان في العرس والغزو فيضمن اتفاقا. ولو شق زقا فيه خمر يضمن عندهما لامكان الاراقة بدونه، وعند أبي يوسف لا يضمن لانه قد لا تتيسر الاراقة إلا به. وفي العيون: يضمن قيمة الزق. وذكر في النهاية أنه لا يضمن الدنان إلا إذا كسر بإذن الامام، والفتوى في زماننا على قولهما لكثرة الفساد. وذكر في النهاية عن الصدر الشهيد يهدم البيت على من اعتاد الفسوق وأنواع الفساد وقالوا: لا بأس بالهجوم على بيت المفسدين، وقيل يراق العصير أيضا قبل أن يتنبذ ويقذف بالزبد على من اعتاد الفسق، وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه مر على نائحة في منزلها فضربها بالدرة حتى سقط خمارها قالوا: يا أمير المؤمنين قد سقط خمارها فقال: لا حرمة لها. وتكلموا في معنى قوله لا حرمة لها قيل معناه لما اشتغلت بالمحرم فقد أسقطت حرمة نفسها. وروي أن الفقيه أبا الليث البلخي خرج على بعض نهر فكان النساء على شاطئه كاشفات الرؤس والاذرع فقيل له كيف تفعل؟ فقال: لا حرمة لهن إنما الشك في إيمانهن. ثم الامر بالمعروف فرض إن كان يغلب على ظنه أنه يقبل منه ولا يسعه تركه، ولو علم أنه يهان ويضرب ولا يصبر على ذلك أو تقع الفتن فتركه أفضل. ولو علم أنه يصبر على ذلك ولا يصل إلى غيره ضرر فلا بأس به، ولو علم أنهم لا يقبلون ذلك منه ولا يخاف منهم ضرر فهو بالخيار والامر أفضل. وفي التتارخانية: يضمن قيمته خشبا منحوتا. وفي المنتقى: يضمن قيمته ألواحا. أحرق بابا منحوتا عليه تماثيل منقوشة يضمن قيمته غير منقوش بتماثيل، فإن كان صاحبه قطع رؤس التماثيل ضمن قيمته منقوشا بمنزلة منقوش شجر. أحرق بساطا فيه تماثيل رجال ضمن قيمته مصورا. هدم بيتا مصورا بأسباع وتماثيل الرجال والطير ضمن قيمة البيت والاسباع غير مصور. فإن قلت: لماذا ضمن في الباب غير منقوش وفي البساط مصورا؟ قلت: لان التصوير في البساط بالصوف وهو مال في ذاته بخلاف الخشب. قال رحمه الله: (وصح بيع هذه الاشياء) وهذا قول

[ 227 ]

[ أم الولد. ] الامام. وقالا: لا يجوز بيع هذه الاشياء لانها ليست بمال متقوم وجواز البيع ووجوب الضمان مبنيان على المالية. قال رحمه الله: (ومن غصب أم ولد أو مدبرة فمات ضمن قيمة المدبرة لا أم الولد) وهذا عند الامام. وقالا: يضمن أم الولد أيضا لانها متقومة عندهما كالمدبرة وقد ذكرناه والدليل من الجانبين في كتاب العتق لا يقال قد علم مما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب العتق أن أم الولد لا قيمة لها عند الامام حيث قال: وما لام ولد تقوم فذكر أم الولد هنا لا فائدة له لانا نقول: بل فيه فائدة لانه ثمة بين الحكم فيما إذا أعتقها الشريك فربما يتوهم شخص أن الحكم في الغصب يخالف ما تقدم فبين المؤلف رحمه الله أنه لا يخالف والله سبحانه وتعالى أعلم.

[ 228 ]

[ كتاب الشفعة هي تملك البقعة جبرا على المشتري بما قام عليه وتجب للخيط في نفس المبيع وتجب ] كتاب الشفعة وجه مناسبة الشفعة بالغصب تملك الانسان مال غيره بلا رضاه في كل منهما، والحق تقديمها عليه لكونها مشروعة دونه ولكن توفر الحاجة إلى معرفته لكثرة الاحكام المتعلقة به أوجبت تقديمه. والكلام فيها من وجوه: الاول في معناها لغة، والثاني شرعا، والثالث في بيان دليلها، والرابع في بيان سببها، والخامس في ركنها، والسادس في شرطها، والسابع في حكمها وصفتها، فهي لغة مأخوذة من الشفع الذي هو ضد الوتر، وشرعا ما يذكره المؤلف، ودليلها ما روي أن عليه الصلاة والسلام قضى بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربعه أو حائطه وقال عليه الصلاة والسلام الجار أحق بشفعة جاره وسببها دفع الضرر الذي ينشأ من سوء المجاورة على الدوام من حيث إيقاد النار وإعلاء الجدار وإثارة الغبار. وركنها هو الاخذ من المشتري أو من البائع. وشرطها كون المحل عقارا علوا كان أو سفلا مملوكا ببدل هو مال. وأما حكمها فهو جواز طلب الشفعة عند تحقق سببها. وصفتها أن الاخذ بها بمنزلة شراء مبتدأ حتى يثبت ما يثبت بالشراء نحو الرد بخيار الرؤية والشرط. قال رحمه الله: (هي تملك البقعة جبرا على المشتري بما قام عليه) هذا في الشرع وزاد بعضهم شركة أو جوار. فقوله تمليك جنس شمل تمليك العين والمنافع، وقوله البقعة فصل أخرج به تمليك المنافع. وقوله جبرا أخرج به البيع فإنه يكون بالرضا، وقوله بما قام عليه يعني حقيقة أو حكما كما سيأتي في الخمر وغيره والمراد تمليك البقعة أو بعضها ليشمل ما إذا اشتراها أحد شفعائها لها ففي التتارخانية: اشترى الجار دارا ولها جار آخر من جانب آخر وطلب الشفعة تقسم الدار بين المشتري والجار نصفين. وفي التتارخانية: وإنما تجب في الاراضي التي يملك رقابها حتى لا تجب في الاراضي التي حازها الامام لبيت المال وتدفع للناس مزارعة فصار لهم فيها بناء وأشجار فإن بيع هذه الاراضي باطل، وإنما تجب بحق الملك في الاراضي حتى لو بيعت دار

[ 229 ]

[ للخيط في نفس المبيع ثم في حق المبيع كالشرب والطريق إن كان خاصا ثم للجار ] بجنبها دار الوقف فلا شفعة للوقف ولا يأخذها المتولي. قال ابن قاضي زاده: إذا كان حقيقة الشفعة التمليك لزم أن لا يكون لقوله الشفعة تثبت بعقد البيع وتستقر بالاشهاد صحة إذ الثبوت لا يتصور بدون التحقق وحين عقد البيع والاشهاد لم يوجد الاخذ بالتراضي ولا بقضاء القاضي ولم يوجد التمليك أيضا فعل تقدير أن تكون الشفعة نفس ذلك التمليك كيف يتصور ثبوتها بعقد البيع واستقرارها بالاشهاد. وأيضا قد صرحوا بأن حكم الشفعة جواز الطلب وثبوت الملك بالقضاء أو بالتراضي فلو كان نفس التمليك لما صلح شئ من جواز طلب الشفعة وثبوت الملك بالقضاء أو بالتراضي لان يكون حكما للشفعة. أما الاول فلانه لا شك أن المقصود من طلب الشفعة إنما هو الوصول إلى ملك المنفعة المشفوعة، وعند حصول تملكها الذي هو الشفعة على الفرض المذكور لا يبقى جواز طلب الشفعة ضرورة بطلان طلب الحاصل وحكم الشئ يقارنه أو يعقبه، فالاظهر عندي في تعريف الشفعة ما ذكره صاحب غاية البيان حيث قال: ثم الشفعة عبارة عن حق التملك في العقار لدفع ضرر الجوار اه‍. والجواب أن المراد بالوجوب والاستقرار استقرار حق الاخذ لا نفسه، وقولهم حكم الشفعة جواز الطلب يعني حكم حق الاخذ فلا إيراد. قال رحمه الله: (وتجب للخليط في نفس المبيع) يعني تثبت للشريك في نفس المبيع لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قضى بالشفعة في كل الشركة لم تقسم ربعه، واعترض بأن الحديث وإن دل على بعض المدعي وهو ثبوت حق الشفعة للشريك الآخر إلا أنه يبقى بعضه الآخر وهو ثبوتها لغير الشريك أيضا كالجار الملاصق لان اللام في الشفعة المذكورة للجنس لعدم العهد، وتعريف المسند إليه بلام الجنس يفيد قصر المسند إليه على المسند فاقتضى انتفاء حق الشفعة من غير الشريك كالجار. والجواب أن ثبوت حق الشفعة للجار أفاده حديث آخر فظهر أن القصر غير حقيقي. قال رحمه الله: (وتجب للخليط في نفس المبيع ثم في حق المبيع كالشرب والطريق إن كان خاصا ثم للجار الملاصق) يعني يثبت بعد الاول للشريك في حق المبيع كالشرب والطريق أما الطريق فقد تقدم دليله، وأما الجار فلقوله عليه الصلاة والسلام الجار أحق بشفعة جاره وإنما وجبت مرتبة على الترتيب الذي ذكره هنا لانها وجبت لدفع الضرر الدائم الذي يلحقه، وكل ما كان أكثر اتصالا كأن أخص ضررا وأشد فكان أحق بها لقوة الموجب لها فليس للاضعف أن يأخذه مع وجود الاقوى إلا إذا ترك فله أن يأخذ إن شهد. وقال الشافعي: لا تجب للجار. وقوله إن كان خاصا يعني الشرب والطريق وإن لم يكن خاصا لا يستحق به الشفعة. والطريق الخاص أن يكون غير نافذ وإن كان نافذا فليس بخاص، وإن كانت سكة غير نافذة يتشعب منها سكة غير نافذة فبيعت دار في السفلي فلاهلها الشفعة لا

[ 230 ]

[ الملاصق والشريك في خشبة وواضح الجذوع على الحائط جار على عدد الرؤوس بالبيع ] غير، وإن بيعت في العليا كان لهم وللعليا جميعا لان في العليا حقا لاهل السكتبين حتى كان لهم كلهم أن يمروا فيها وليس في السفلى حق لاهل العليا حتى لا يكون لهم أن يمروا فيها ولا لهم فتح باب. والشرب الخاص عند الامام ومحمد أن يكون نهرا صغيرا لاتمر فيه السفن، فإن كانت تمر فيه السفن فليس بخاص، فإذا بيعت أرض من الاراضي التي تسقى منه لا يستحق أهل النهر الشفعة والجار أحق منهم بخلاف النهر الصغير، وقيل إن كان أهله يحصون فهو صغير، وإن كانوا لا يحصون فهو كبير وعليه عامة المشايخ لكن اختلفوا في حد ما يحصى وما لا يحصى فقدر ما يحصى بخمسمائه، وقيل هو مفوض إلى رأي المجتهدين في كل عصر، فإن رأوه كثيرا كان كثيرا، وإن رأوه قليلا كان قليلا وهو أشبه الاقاويل بالفقة. والجار الملاصق وهو الذي ظهر بيته إلى ظهر بيت هذا وبابه في سكة أخرى. وفي شرح الطحاوي: صورته: دار فيها منازل وباب الدار إلى سكة وغير نافذة وأبواب هذه المنازل إلى هذه الدار وكل منزل لرجل على حدة إلا منزلا منها لرجلين، ولهذا المنزل المشترك جار ملاصق على ظهره فباع أحد الشريكين نصيبه، فالشفعة أولا للذي لم يبع فإن أسلم أو لم يطلب فالشفعة لارباب المنازل ولو لم يطلبوا وسلمها فالشفعة لاهل السكة ويستوي في ذلك الملاصق وغيره، والجار الذي له الشفعة عندنا الملازق الذي داره لزيق الدار الذي وقع فيها الشراء والجار الذي هو مؤخر عن الشريك هو أن لا يكون شريكه في الارض لا في الطريق والمسيل. وفي المحيط: سكة غير نافذة فيها عطف فإن كان مربعا فأهل العطف أولى بما بيع فيه لان المربع كالمنفصل ولهذا لهم أن ينصبوا الدرب في أعلاه، وإن كان العطف مدورا فالكل سواء لان المدور كالمتصل. وفي نوادر ابن هشام قال أبو يوسف: المدور والمربع والمستطيل سواء. درب غير نافذ في أسفله مسجد ظهره إلى الطريق الاعظم خطه الامام فباع رجل من أهل الدرب داره فلا شفعة لاهل الدرب إلا من جاورها، وإن كان حول المسجد بيوت تحول بينه وبين الطريق فالشفعة لكل أهل الدر ب إلا من جاورها لان الامام لما خط المسجد للطريق كان له أن يفتح إلى الطريق ويدخل الناس منه إلى الصلاة وإمكان الفتح الآن كالفتح السابق. وفي التتارخانية: ولو كان المبيع بعضه يلازقه وبعضه لا يلازقه فالشفعة له فيما يلازقه أرضا كان أو بستانا أو غيره. ولم يتعرض المؤلف لما إذا كان شريكا في الطريق والآخر في المسيل من يقدم. وفي التتارخانية: وصاحب الطريق أولى بالشفعة من صاحب المسيل إذا لم يكن المال مسيل الماء لكاله اه‍. قال رحمه الله: (والشريك في خشبة وواضع الجذوع على الحائط جار) لا يكون شريكا لان الشركة المعتبرة هي الشركة في العقار لا في المنقول والخشبة منقولة وواضع الجذوع على الحائط لا يصير شريكا بل جار ملاصق لوجود اتصال بقعة أحدهما ببقعة الآخر فيستحق

[ 231 ]

الشفعة على أنه جار ملاصق، ولا يرجح بذلك على غيره من الجيران، وكذا إذا كان بعض الجيران شريكا في الجدار لا يقدم على غيره من الجيران لان الشركة في البناء المجرد بدون الارض لا يستحق به الشفعة. ولو كان البناء والارض الذي عليها البناء مشتركا بنيهما كان هذا أولى لانه شريك في بعض المبيع ويتأتى ذلك فيما بينا أولا على وجه الشركة ثم تقسما الارض غير موضع البناء فيبقى البناء وموضعه مشتركا فهو شريك فيقدم على الجار، هذا رواية، وفي رواية هو والجار سواء في غير موضع الجدار لان الشفعة في غير موضع الجدار بالجوار وهو فيه سواء. وفي الجامع الصغير الحسامي: ولو كان خليطا من وجه كان مقدما على الجار. وفي أدب القاضي للخصاف: الجار الذي هو مؤخر عن الشريك في الطريق هو من لا يكون شريكا في الارض فلو كان شريكا في منزل في الدار أو بيت منها فبيعت الدار كان هو أحق في المنزل لما ذكرنا، واستويا في البقعة في رواية لانهم كلهم جيران في حق البقعة. ولو كان دار بين رجلين ولاحدهما فيها منزل مشترك بينه وبين آخر غير شريكه في الدار فباعها كان الشريك في الدار أولى بشفعة الدار لانه شريك فيها. والشريك في البئر أولى بالبئر لانه شريك فيها والآخر جار، وعلى هذا لو كان سفل بين رجلين وعليه علو لاحدهما مشترك بينه وبين الآخر فباع هو السفل والعلو كان العلو لشريكه في العلو والسفل لشريكه في السفل لان كل واحد منهما شريكه في نفس المبيع وجار في حق الآخر، كذا في الشارح وغيره. قال ابن قاضي زاده: في هذا التمثيل قصور لان المنزل عند الفقهاء دون الدار وفوق البيت وأقله بيتان أو ثلاثة، نص عليه في المغرب وقد تقدم ذلك في بيان الحقوق فتمثيل الشريك في المنزل بشركة في بيت يخالف ما تقدم ولا ضرورة تدعو إليه اه‍. والجواب أنه تقدم أن الفرق بين المنزل والبيت اصطلاح طائفة وعند طائفة أخرى لا فرق فهذا على عدم الفرق فلا قصور. وفي المحيط: دار بيعت ولها بابان في زقاقين ينظر، إن كانت في الاصل دارين باب كل منهما في زقاق اشتراهما رجل واحد في رفع الحائط من بنيهما وصارت دارا واحدة ولها باب فالشفعة لاهل الزقاقين في الدار جميعا على السواء فكان العبرة للاصل دون العارض، ونظير هذين الزقاقين إذا كان أسفله زقاق إلى جانب آخر فرفع الحائط من بينهما فصار الكل سكة واحدة كان لاهل كل زقاق الشفعة في الذي يليهم خاصة ولا شفعة في الجانب الآخر. قوم اقتسموا دارا ورفعوا طريقا بينهم فجعلوها نافذة ثم بنوا دورا وجعلوا أبواب الدور مشارعة إلى سكة فباع بعضهم داره فالشفعة بينهم بالسواء لان هذه السكة وإن كانت نافذة فكأنها غير نافذة، وإذا بيع السفل فلصاحب العلو الشفعة، فإن لم يأخذ حتى انهدم البناء أو كان مهدوما حين البيع فلا شفعة له عند الثاني. قال الثالث: له الشفعة لان الشفعة تستحق بسبب إقرار البناء وهو حق التعلي وهو قائم. ولابي يوسف أن الشفعة إنما تجب بما هو مملوك له وهو البناء والهواء وحق التعلي ليسا بمملوكين. قال رحمه الله: (على

[ 232 ]

[ وتستقر بالاشهاد. ] عدد الرؤس بالبيع) يعني تجب الشفعة بالبيع وتقسم على عدد الرؤس إذا كانوا كثيرين. والباء في قوله بالبيع تتعلق بتجب في قوله تجب للخليط معناه تجب الشفعة لا بعقد البيع أي بعده لانه سبب له لان السبب هو الاتصال على ما بيناه، وأورد عليه أن مجئ الباء معنى بعد لم يذكر في مشاهير كتب العربية فالاظهر أن تكون الباء للمصاحبة والمقارنة فإنه كثير مذكور في كتب العربية. قال في العناية: لو كان السبب هو الاتصال لجاز تسليمها قبل البيع لوجوده بعد السبب كالابراء بعد وجود الدين. وأجيب بأن البيع شرط ولا وجود للمشروط بعده، ورد بأنه لا اعتبار لوجود الشرط بعد تحقق السبب. وقال الشافعي: على مقدار الانصباء لان الشفعة من مرافق الملك ألا ترى أنها لتكميل المنفعة فأشبهت العلة والربح والولد والثمرة. ولنا أنهم استووا في سبب الاستحقاق وهو علة استحقاق الكل في حق كل واحد منهم ولهذا لو انفرد واحد أخذ الكل، والاستواء في العلة يوجب الاستواء في الحكم ولا ترجيح بكثرة العلل بل بقوتها، وما استشهد به من الولد وغيره متولد من الملك فيستحق بقدر الملك بخلافه هنا. ولو أسقط أحدهم حقه قبل القضاء فإن لمن بقي أن يأخذ الكل لان التشقيص للمزاحمة وقد زال بخلاف ما إذا أسقط حقه بعد القضاء حيث لا يكون له أن يأخذ نصيب الآخر لانه بالقضاء قطع كل واحد منهما عن نصيب الآخر. ولو كان بعضهم غائبا يقضي بالشعفة بين الحاضرين لان الغائب يحتمل أن لا يطلب فلا يؤخر بالشك، وكذا لو كان الشريك غائبا فطلب الحاضر يقضي بالشفعة لما ذكرنا، ثم إذا حضر الغائب فطلب قضي له لتحقق طلبه غير أن الغائب إذا كان يقاسم الحاضر لا يقضي له بالكل إذا أسقط الحاضر حقه لتحقق انقطاع حقه عن الباقي بالقضاء، وهو نظير ما إذا قضى للشريك ثم ترك ليس للجار أن يأخذه لانه بالقضاء للشريك انقطع حقه. ولو أراد أخذ البعض وترك البعض فليس له ذلك إلا برضا المشتري، ولو جعل بعض الشفعاء نصيبه لبعض لا يصح ويسقط حقه لاعراضه ويقسم على عدد الرؤس، ولو كان أحد الشفعاء حاضرا والآخر غائبا وطلب الحاضر الشفعة في النصف على حساب أنه يستحق في النصف بطلت شفعته لانه يستحق الكل والقسمة للمزاحمة. ولو كانا حاضرين وطلب كل واحد منهما النصف بطلت شفعتهما، ولو طلب أحدهما النصف والآخر الكل بطل حقه من طلب النصف وللآخر أن يأخذ الكل. قال في المحيط: ولو كانت دار بين ثلاثة لاحدهم النصف وللآخر الثلث وللآخر السدس فباع صاحب النصف نصيبه فإنه يقسم ما باع بين الشريكين نصفين لانهما استويا في علة الاستحقاق وهو الاتصال والضرر، ولهذا لو كانت الدار بين اثنين لاحدهما الاكثر وللآخر الاقل فإذا باع صاحب الكثير أخذ صاحب القليل كله، ولو كان باعتبار الملك لاخذ بقدر ملكه. قال رحمه الله: (وتستقر بالاشهاد) لانها حق ضعيف يبطل بالاعراض فلا بد من

[ 233 ]

[ وتملك بالاخذ بالتراضي أو قضاء القاضي. باب طلب الشفعة فإن علم الشفيع بالبيع أشهد في مجلسه على الطلب ثم على البائع لو في يده أو على ] الاشهاد بعد طلب المواثبة للاستقرار ولانه يحتاج إلى إثبات طلبه عند القاضي ولا يمكنه ذلك إلا بالاشهاد نظرا إلى إثباته وهو أن الاحتياج إلى إثباته إذا أنكر المشتري طلبه، وأما إذا لم ينكر فلا يحتاج، فعلى هذا ينبغي أن لا تبطل بترك الاشهاد إذا لم ينكر مع أن الظاهر من كلامهم بطلانها بترك ذلك مطلقا. قلت: وقت الاشهاد متقدم على وقت الخصومة ففي إنكار وقت الاشهاد إنكار الخصم طلبه، وعدم إنكاره غير معلوم فإذا ترك الاشهاد في ذلك الوقت لم تعلم رغبته فيه بل يحتمل إعراضه فلذا تبطل الشفعة بترك الاشهاد مطلقا. قال رحمه الله: (وتملك بالاخذ بالتراضي أو قضاء القاضي) قوله أو قضاء القاضي معطوف على الاخذ لا على التراضي لانه بالقضاء ثبت الملك فيها قبل الاخذ يعني يملك الدار بأحذ هذين الامرين إما بالاخذ إذا سلمها المشتري برضاه أو بحكم الحاكم من غير أخذ لان ملك المشتري قد تم بالشراء فلا يخرج عنه الشفيع إلا برضاه أو بحكم الحاكم لان للحاكم ولاية عامة إلا إن أخذ الشفعة بقضاء القاضي أحوط حتى كان للشفيع أن يمنع عن الاخذ إذا سلم المشترى له بغير قضاء لان في القضاء زيادة فائدة وهي صيرورة الحادثة معلومة للقاضي وتبين ملكه له، فإذا كانت تملك بأحد الامرين لا يثبت له فيها شئ من أحكام الملك قبله حتى لا تورث عنه إذا مات في هذه الحالة لا يستحقها بالشفعة لعدم ملكه فيها والله تعالى أعلم. باب طلب الشفعة لما لم تثبت الشفعة بدون الطلب شرع في بيانه وكيفيته وتقسيمه زاد في الهداية والخصومة فيها، ووجهه لما كان للخصومة في الشفعة شأن مخصوص وتفاصيل زائدة على سائر الخصومات شرع في بيانها أيضا. قال رحمه الله: (فإن علم الشفيع بالبيع أشهد في مجلسه على الطلب) وهو طلب المواثبة وسمي به لقوله عليه الصلاة والسلام الشفعة لمن واثبها ولا بد منه لما بينا، والشرط أن يطلب إذا علم على الفور من غير تأخير ولا سكوت لان سكوته بعد علمه يدل على رضاه بالمشتري فتبطل شفعته إذا كان بعد العلم بالمشتري والثمن لان السكوت إنما يكون دليل الرضا بالعلم بها، فإذا أخبر بحضرة شهود يشهدهم عليه وإن لم يكن بحضرته أحد يطلب من غيره إشهاد والاشهاد لمخالفة الجحود، والطلب لا بد منه كيلا يسقط حقه فيما بينه وبين الله تعالى ولتمكنه من الحلف إذا حلف، ولئلا يكون معرضا عنها وراضيا، وكون الطلب متصلا يعني على الفور، هذا عند عامة المشايخ. وروى هشام عن

[ 234 ]

[ المشتري أو عند العقار ثم لا تسقط بالتأخير فإن طلب عند القاضي سأل المدعى عليه ] محمد أن له التأمل إلى آخر المجلس كالمخير لانه تملك ولابد من التأمل وهو اختيار الكرخي. وبعض المشايخ. وفي التجريد: وهو أصح الروايتين. وفي الفتاوي العتابية: ولو سكت مكرها لا يبطل. وكيفية الطلب على الصحيح أن يكون بلفظ الماضي أو المستقبل إذا كان لفظه يفهم منه طلب الشفعة. وفي الظهيرية: شفعته لي كان ذلك طلبا. ومن الناس من لو قال طلبت وأخذت بطلت شفعته لان كلامه وقع كذا في الابتداء. والصحيح أنه لا يبطل لانه أنشأ عرفا. ولو قال بعد ما بلغه الخبر الحمدلله أو لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم أو سبحان الله تبطل شفعته على ما اختاره الكرخي لان الاول حمد على الخلاص، والثاني تعجب، والثالث لافتتاح الكلام، ولا يدل شئ منها على الاعراض. وكذا إذا قال من ابتاعها أو بكم بيعت لانه يرغب فيها بثمن دون ثمن، وكذا لو قال خلص الله ولا يجب الطلب حتى يخبره رجلان غير عدلين أو واحد عدل أو رجل وامرأتان لانه فيه التزام من وجه فيشترط له أحد شطري الشهادة، هذا قول الامام. وعندهما يجب عليه الطلب إذا أخبره واحد حرا كان أو عبدا، صغيرا كان أو كبيرا، إذا كان الخبر حقا، ولو أخبر المشتري بنفسه يجب عليه الطلب بالاجماع كيفما كان لانه خصم والعدد والعدالة لا تعتبر في الخصم. قال رحمه الله: (ثم على البائع لو في يده أو على المشتري أو عند العقار) وهذا طلب التقرير وفيه طلب ثالث وهو طلب الاخذ ولابد من هذه الثلاثة، ولا بد من الاشهاد في هذا لانه يحتاج إليه لاثباته عند القاضي كما تقرر. ولا يمكنه الاشهاد على طلب المواثبة ظاهرا حتى لو أمكنه ذلك وأشهد عند طلب المواثبة بأن بلغه بحضرة الشهود والمشتري والبائع حاضر وكان ذلك عند العقار يكفيه ويقوم ذلك مقام الطلبين، ذكره شيخ الاسلام. وفي العناية: ولو باع إلى أجل فاسد فعجل المشتري الثمن جاز البيع وثبتت الشفعة، وكذا إذا باع الارض وفيها زرع وفي الخيار المؤبد والاجل إلى القطاف جاز أخذه بالشفعة فإن لم يطلب بطلت. وإذا اشترى رجل من أهل البغي دارا من رجل في عسكر أهل العدل فإن كان لا يقدر أن يبعث وكيلا ولا يدخل بنفسه وهو على شفعته ولا يضره ترك طلب الاشهاد، وإن كان يقدر على ذلك فلم يطلب طلب المواثبة بطلت شفعته. وكيفية هذا الطلب أن ينهض من المكان الذي سمع فيه ويشهد على البائع إن كان المبيع في يده أو على المشتري أو عند العقار، فإذا فعل ذلك استقرت شفعته. وإنما صح الاشهاد عند هؤلاء الثلاثة لان المشتري والبائع خصم فيه بالملك باليد، وأما عند العقار فلتعلق الحق به ولا يكون البائع خصما بعد تسليم المبيع إلى المشتري لعدم الملك واليد فلا يصح الاشهاد عليه بعده، هكذا ذكره القدوري والناطفي. وذكر شيخ الاسلام أنه يصح استحسانا. ومدة هذا الطلب مقدرة بالتمكين من الاشهاد مع القدرة على أحد هؤلاء الثلاثة حتى لو تمكن ولم يطلب بطلت شفعته، وإن قصد الابعد من هذه الثلاثة وترك الاقرب فإن

[ 235 ]

كانوا جميعا في مصره جاز استحسانا لان نواحي المصر جعلت كناحية واحدة حكما كأنهم في مكان واحد، ولو كان بعضهم فيه والبعض في مصر آخر. أو في الرستاق: وقصد الابعد وترك الذي في مصره بطلت شفعته قياسا واستحسانا لتباين المكانين حقيقة وحكما، وإن كان الشفيع غائبا يطلب طلب المواثبة حين يعلم ثم يعذر في طلب التقدير بقدر المسافة إلى أحد هذه الثلاثة. وصورة هذا الطلب أن يقول إن فلانا اشترى هذه الدار وأنا شفيعها وقد كنت طلبت الشفعة وأطلبها الآن فاشهدوا على ذلك. وعن أبي يوسف أنه يشترط تسمية المبيع وتحديده لان طلبه غير معلوم لا يصح فإذا لم يبين المطلوب لم تكن المطالبة لها اختصاص بالبيع فلم يكن لها حكم حتى يتبين المطلوب. وأما الثالث وهو طلب الاخذ والتملك فلا بد منه أيضا لانه لا يحكم له به بدون طلبه ونبين كيفية هذا الطلب من قريب إن شاء الله تعالى. وفي الهداية: ويشترط الطلب عند سقوط الخيار في الصحيح فلو ترك الطلب قبله لم تبطل شفعته. وفي الخانية: لو عجز عن طلب الاشهاد بأن كان البائع أو المشتري في البغاة أو دار الحرب فإن أمكنه أن يوكل بالطلب أو يكتب كتابا به ولم يفعل بطلت شفعته، فإن لم يمكنه التوكيل والكتاب لا تبطل. وفي فتاوى أبي الليث: إن كانت شفعته عند القاضي فطلب إلى السلطان الذي يولى القضاة بطلت شفعته، وإن كانت شفعته عند الباشاة والسلطان وامتنع القاضي من إحضاره فهو على شفعته. وفي النوادر: إذا أراد أن يفتتح الصلاة بجماعة فلم يذهب للطلب بطلت شفعته. وفي الاصل: الشفيع إذا علم بالبيع نصف الليل ولم يقدر على الخروج للاشهاد فإن أشهد حين أصبح صح، وإن ترك الاشهاد حين أصبح بطلت. اليهودي إذا علم يوم السبت وترك الطلب بطلت شفعته. وفي فتاوي أهل سمرقند: الشفيع بالجواز إذا خاف أن يطلب الشفعة والقاضي لا يراها فترك الطلب لا تبطل شفعته إذا اتفق البائع والمشتري أن الشفيع علم بالشراء منه أياما ثم اختلفا بعد ذلك في الطلب فقال الشفيع طلبت منذ علمت وقال المشتري ما طلبت القول قول المشتري. وفي الظهيرية: لو قال المشتري علمت قبل ذلك ولم تطلب فالقول قول الشفيع. وفي نوادر أبي يوسف رحمه الله: إذا قال الشفيع طلبت الشفعة حين علمت فالقول قوله، ولو قال علمت أمس وطلبت أو كان البيع أمس وطلبتها في ذلك الوقت لم يصدق إلا ببينة، وهكذا ذكر الخصاف في أدب القاضي حكى عن الشيخ عبد الواحد الشيباني رضي الله تعالى عنه أنه قال: إذا قال الشفيع علمت بالشراء وطلبت طلب المواثبة لا يقبل بلا بينة منه لكن إذا قال بعد ذلك علمت منذ كذا وطلبت لا يصدق على الطلب. ولو قال ما علمت إلا الساعة يكون كاذبا. فالحيلة في ذلك أن يقول الانسان أخبرني بالشراء ثم يقول الآن أخبر ت فيكون صادقا، وإن أخبر قبل ذلك كما في الصغيرة إذا بلغت في نصف الليل واختارت نفسها وأرادت أن تشهد على ذلك تقول حضت الآن ولا

[ 236 ]

[ فإن أقر بملك ما يشفع به أو نكل أو برهن الشفيع سأله عن الشراء فإن أقر أو نكل أو ] تقول حضت نصف الليل واخترت نفسي فإنها لا تصدق في اختيارها نفسها ولكن تقول على نحو ما سبق وتكون صادقة في قولها الآن حضت. وذكر محمد بن مقاتل في نوادره: إن كان الشفيع قد طلب الشفعة من المشتري في الوقت المتقدم ويخشى أنه إذا أقر بذلك يحتاج إلى البينة فقال أخبرت وأنا أطلب الشفعة يسعه أن يقول ذلك ويحلف على ذلك ويستثني في يمينه، وإن قال الشفيع كنت طلبت الشفعة حين علمت بالبيع وأنكر المشتري ذلك وطلب الشفيع يمين المشتري ذكر في الهاروني وأدب القاضي للخصاف أنه يحلف المشتري على نفي العلم أنه ما طلب شفعته وأنه ما طلب ولم يذكر فيه خلافا. وذكر الفقيه أنه قول أبي يوسف. وقال محمد رحمه الله تعالى: أحلفه على البنت بالله تعالى ما طلبت شفعته حين بلغك الشراء فإن قال المشتري للقاضي حلفه بالله لقد طلب هذه الشفعة طلبا صحيحا ساعة علم بالشراء من غير تأخير حلفه القاضي على ذلك، وإن أقام المشتري بينة أن الشفيع علم بالبيع منذ زمان ولم يطلب الشفعة وأقام الشفيع بينة أنه طلب الشفعة حين علم بالمبيع فالبينة بينة الشفيع في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: البينة بينة المشتري. وفي فتاوى أبي الليث رحمه الله تعالى: المشتري إذا أنكر طلب الشفعة فالقول قوله مع يمنيه فبعد ذلك ينظر عند سماع البيع يحلف على العلم بالله ما تعلم أن الشفيع حين سمع البيع طلب الشفعة، وإن أنكر طلبه عند اللقاء يحلف على البتات في سماعه. قال رحمه الله: (ثم لا تسقط بالتأخير) يعني لا تسقط الشفعة بتأخير هذا الطلب وهو طلب الاخذ بعد ما استقرت شفعته بالاشهاد وهذا قول الامام وأبي يوسف في ظاهر الرواية. وفي العيني: الفتوى على قول الامام. وعن الثاني: إذا ترك المخاصمة في مجلس من مجالس القاضي من غير عذر بطلت شفعته. وقال محمد: إن أخر إلى شهر من غير عذر بطلت شفعته لتغير أحوال الناس في قصد الاضرار بالغير، ومحل الخلاف إذا أخبر بغير عذر، ولو كان بعذر من مرض أو حبس ولم يمكنه التوكيل أو قاض لا يرى الشفعة بالجوار في بلدته لا تسقط بالاجماع وإن طالت المدة لكونه لا يتمكن من الخصومة في مصره. وجه قول الامام أن حقه قد تقرر فلا يسقط بالتأخير بعد ذلك، وما ذكره من الضرر يمكن دفعه بأن يرفع المشتري الامر إلى الحاكم فيؤمر الشفيع بالاخذ أو الترك على أنه مشكل فيما إذا كان الشفيع غائبا حيث لا يسقط بالتأخير، ولو كان ضرورة تراعى لسقطت إذ لا فرق في الضرر بين أن يكون حاضرا أو غائبا، وفي الكافي: لو لم يكن في البلدة قاض لا تبطل بالتأخير بالاجماع. قال رحمه الله: (فإن طلب عند القاضي سأل المدعي عليه فإن أقر بملك ما يشفع به أو نكل أو برهن الشفيع سأله عن الشراء فإن أقر أو نكل أو برهن الشفيع قضى بها) يغني إذا تقدم الشفيع وادعى الشراء وطلب الشفعة عند القاضي سأل القاضي المشتري عن الدار التي

[ 237 ]

[ برهن الشفيع قضى بها ولا يلزم الشفيع احضار الثمن وقت الدعوى وخاصم البائع لو ] يشفع بها الشفيع هل هي ملك الشفيع أم لا، وإن أقر بأنها ملكه أو أنكر أو نكل عن اليمين أو أقام الشفيع بينة أنها ملكه سأل القاضي المدعي عن الشراء فيقول له هل اشتريت أو لا، فإن أقر بأنه اشترى أو نكل عن اليمين أو أقام الشفيع بينة فقضى بالشفعة لثبوته عنده وهذا هو طلب الاخذ الموعود به فذكر هنا سؤال القاضي المدعي عليه عن ملك الشفيع أولا عقيب طلب الشفعة وليس كذلك، بل القاضي يسأل أولا المدعي قبل أن يقبل على المدعي عليه عن موضع الدار من مصر ومحلتها وحدودها لانه ادعى فيها حقا فلا بد أن يكون معلوما لان دعوى المجهول لا تصح، فإن بين ذلك سأله هل قبض المشتري الدار أو لا لانه إذا لم يقبضها لم تصح دعواه على المشتري حتى يحضر البائع، فإذا بين ذلك سأله عن سبب شفعته وعن حدود ما يشفع به لان الناس يختلفون فيه فلعله ادعاه بسبب غير صحيح أو يكون محجوبا بغيره، فإن بين سببا صالحا ولم يكن محجوبا بغيره سأله متى علم وكيف صنع حين علم لانها تبطل بطول الزمان وبالاعراض وبما يدل عليه فلا بد من كشف ذلك، وسأله عن طلب التقرير كيف كان وعمن أشهد وهل كان الذي استشهد عنده أقرب من غيره أو لا، فإذا بين ذلك كله ولم يخل بشئ من شروطه تمت دعواه وأقبل على المدعي عليه وسأل كما ذكر المؤلف، فإذا عجز الشفيع عن البينة وطلب يمين المشتري استحلفه القاضي بالله ما تعلم أنه مالك للذي ذكره مما يشفع به، وهذا قول أبي يوسف لان الدار في يد غيره وعند محمد يحلف على البتات لانه يدعي عليه استحقاق الشفعة بهذا السبب وبعد ذلك سأل القاضي المدعي عليه فيقول هل اشتريت أم لا، فإن أنكر الشراء قال للشفيع أقم البينة أنه اشتراه لان الشفعة لا تجب إلا بالشراء فلا بد من إثباته بالحجة، فإن عجز عن أقامة البينة وطلب يمين المشتري استحلفه بالله ما اشترى أو بالله ما يستحق في هذه الدار شفعة من الوجه الذي ذكره فهذا تحليف على الحاصل وهو قول الامام ومحمد، والاول على السبب وهو قول أبي يوسف. وإنما يحلف على البتات لانه تحليف على فعل نفسه، فإن نكل أو أقر أو أقام الشفيع بينة قضى به لظهور الحق بالحجة، وفي الجوهرة: قال المدعي عليه هذه الدار في يده ولكنها ليست ملكه قال الاول والثالث: لا يقضى لهم حتى يقيم البينة أنها ملكه. وعن الثاني: إذا أقر باليد كان القول قول الشفيع أنها ملكه. قال رحمه الله: (ولا يلزم الشفيع احضار الثمن وقت الدعوى) بل يجوز له المنازعة وإن لم يحضر الثمن إلى مجلس القاضي، فإن قضى له بالشفعة يأمره بإحضار الثمن وهو ظاهر الرواية. وعن محمد أنه لا يقضى له بالشفعة حتى يحضر الثمن احترازا طلب الشفيع الشفعة ورافعه إلى القاضي والقاضي يؤجله ثلاثة أيام لنقد الثمن، فإن جاء به إلى هذه المدة إلا أبطل شفعته. وفي فتاوى أبي الليث: الشفيع إذا طلب الشفعة فقال المشتري هات الدارهم وخذ شفعتك فإن أمكنه احضار الدراهم في ثلاثة أيام وإلا بطلت

[ 238 ]

[ في يده ولا تسمع البينة حتى يحضر المشتري فيفسخ البيع بمشهده والعهده على البائع ] شفعته. قال الصدر الشهيد: والمختار أنها لا تبطل. وفي الحاوي: أنها تبطل. وفي جامع الفتاوي: الفتوى اليوم على قول الحاوي ا ه‍. ثم إذا قضى القاضي بالشفعة قبل إحضار الثمن فللمشتري أن يحبس العقار عنه حتى يدفع الثمن إليه وينفذ القضاء عند القاضي محمد، ولو أخر دفع الثمن بعد ما قال له ادفع لا تبطل بالاجماع لتأكده بالقضاء بخلاف ماذا أخر قبل القضاء بعد الاشهاد عند محمد حيث يبطل لعدم تأكده وفي الجوهرة: فإن طلب تأجيلا في الثمن يؤجله يوما أو يومين أو ثلاثا، فإن سلم وإلا حبسه القاضي حتى يدفع الثمن ولا ينقض القضاء بالشفعة. وفي شرح الطحاوي: اختصما إلى القاضي يؤجل الشفيع قدر ما يرى لاحضار الثمن فإن أحضر في المدة قضى له وإلا بطلت شفعته، كذا في الخلاصة. وفي ابن فرشه: باع المشتري الدار أو وهبها من غيره ثم غاب الاول فادعى الشفيع على الحاضر الذي هو المشتري الثاني أو الموهوب له فأنكر الحاضر فأراد الشفيع إقامة البينة قال أبو يوسف: هو خصمه فتقام البينة عليه. وقالا: لا يكون خصما ولا تقام البينة عليه. لهما أن القضاء على الغائب قصدا لا يجوز وفي جعله خصما إبطال حق الغائب قصدا فلا يجوز بخلاف ما إذا صدقه لان الاقرار حجة قاصرة فلا تعدو عن نفسه. قال رحمه الله: (وخاصم البائع لو في يده) يعني للشفيع أن يخاصم البائع إذا كان المبيع في يده لان له يدا محقة أصالة فكان خصما كالمالك بخلاف المودع والمستعير ونحوهما لان يدهم ليست أصالة فلا يكون خصما. قال رحمه الله: (ولا تسمع البينة حتى يحضر المشتري فيفسخ البيع بمشهده والعهدة على البائع) لان الشفيع مقصوده أن يستحق الملك واليد فيقضي القاضي بهما له فيشترط حضور البائع والمشتري للقضاء عليهما بهما لان لاحدهما يدا وللآخر ملكا فلا بد من اجتماعهما لان القضاء على الغائب لا يجوز، ولان أخذه من يد البائع يوجب فوات المبيع قبل القبض وفواته قبل القبض يوجب الفسخ لكونه قبل تمامه كما إذا هلك قبل القبض ولا يجوز الفسخ عليهما إلا بحضرتهما بخلاف ما بعد القبض حيث لا يشترط حضور البائع لان العقد قد انتهى بالتسليم وصار البائع أجنبيا عنهما. ثم وجه هذا الفسخ المذكور هنا أن يجعل فسخا في حق الاضافة إلى المشتري لان البيع قد فات بالاخذ قبل القبض وهو يوجب الفسخ فقلنا بأنه انفسخ بالاضافة إلى المشتري وبقي أصل العقد مضافا إلى الشفيع قائما مقام المشتري كأن البائع باعه له وخاطبه بالايجاب فجعل العقد متحولا إلى الشفيع فلم ينفسخ أصله وإنما انفسخ إضافته إلى المشتري. ونظيره في المحسوسات من رمى سهما إلى شخص فتقدم غيره فأصابه فالرمي بنفسه لم ينقض وإنما انتقض التوجه إلى الاول بتخلل الثاني. وهذا اختيار بعض المشايخ وهو المختار. وقال بعض المشايخ: تنتقل الدار من المشتري إلى الشفيع بعقد جديد.

[ 239 ]

[ والوكيل بالشراء خصم ما لم يسلم إلى الموكل وللشفيع خيار الرؤية والعيب وإن شرط ] ولو كان بطريق التحويل لم يكن للشفيع خيار الرؤية إذا كان المشتري رآها، ولما كان له الرد بالعيب إذا كان المشتري أبرأ البائع من ذلك العيب. والجواب أن العقد يقتضي سلامة المعقود عليه للشفيع ولم يوجد من الشفيع ما يبطل خيار الرؤية والعيب فله ذلك، والمراد بالعهدة ضمان الثمن عند الاستحقاق. وفي التتارخانية عن الثاني: إذا كان المشتري نقد الثمن ولم يقبض الدار حتى قضى القاضي للشفيع بالشفعة فينقد الشفيع الثمن للمشتري فالعهدة على المشتري، وإن كان لم ينقد الثمن ودفع الشفيع الثمن إلى البائع فالعهدة على البائع. وإذا رد الشفيع الدار في هذه الصورة بعيب فرده على البائع أو على المشتري بقضاء فأراد المشتري أن يأخذ بشرائه صح له، وإذا أراد البائع أن يردها على المشتري بحكم ذلك الشراء فالمشتري بالخيار إن شاء أخذها، وإن شار تركها. وحكى في كتاب الشفيع شراء المشتري أولا ثم رتب عليه الاخذ بالشفعة. قال رحمه الله: (والوكيل بالشراء خصم ما لم يسلم إلى الموكل) لان الخصومة فيه من حقوق العقد وهي إلى العاقد أصيلا كان أو وكيلا ولهذا لو كان البائع وكيلا كان للشفيع أن يخاصمه ويأخذها منه بحضور المشتري كما إذا كان البائع هو المالك إلا أنه إذا سلمها إلى الموكل لا يد للوكيل ولا ملك له ولا يكون خصما بعده فصار كالبائع فإنه يكون خصما ما لم يسلمه إلى المشتري، فإذا سلمها إليه لم يبق له يد ولا ملك فيخرج من أن يكون خصما غير أنه لا يشترط للقضاء حضور الموكل لان الوكيل نائب عنه والاب والوصي كالوكيل. وظاهر العبارة أنه خصم ما لم يسلم أقام البينة على الوكالة أو لا، أشهد أنه اشتراها لفلان أو لا. وفي جامع الفتاوى عن الثاني فيمن اشترى دارا فقال عند عقد البيع اشتريتها لفلان وأشهد على ذلك ثم جاء الشفيع يطلبها فهو خصم إلا أن يقيم البينة أن فلانا وكله فحينئذ لا يكون خصما. وفي الاصل: إذا قال المشتري قبل أن يخاصم في الشفعة اشتريت هذه لفلان وسلمها إليه ثم حضر الشفيع فلا خصومة بينهما، ولو أقر بذلك بعد ما خاصمه لم يقبل منه، ولو أقام البينة لم تقبل. وفي المنتقى مثل ما في جامع الفتاوي. وفي السراجية: وكيل باع دارا وقبضها المشتري فوكل الشفيع البائع في أخذها في الشفعة لم يصح. وفي الكافي: إذا كان البائع وكيل الغائب فللشفيع أخذها منه إذا كانت في يده، ولو سلمها إلى الموكل لا يطلب ولا يأخذها منه. وفي فتاوى سمرقند: إذا وكل رجلا ببيع داره فباعها بألف درهم ثم حط المشتري مائة درهم وضمن ذلك الامر فليس للشفيع أن يأخذها بالشفعة إلا بألف ا ه‍. وفي التتارخانية: لو اشترى لغيره بغير أمره فهو خصم ما لم يسلم العين لمن اشتراها له فلو قال المؤلف والمشتري لغيره خصم ما لم يسلم لكان أولى لانه يشمل الفضولي والاب والوصي ويفيد أن الوكالة ليست بقيد. قال رحمه الله: (وللشفيع خيار الرؤية والعيب وإن شرط المشتري البراءة منه) لان الاخذ بالشفعة شراء من المشتري إن كان الاخذ

[ 240 ]

[ المشتري البراءة منه وإن اختلف الشفيع والمشتري في الثمن فالقول للمشتري وإن برهنا ] بعد القبض، وإن كان قبله فهو من البائع ليحول الصفقة إليه فيثبت له الخيار إن كما إذا اشترى منهما، ولا يسقط خياره برؤية المشترى ولا تشترط البراءة منه لان المشتري ليس بنائب عن الشفيع فلا يعمل شرطه ورؤيته في حقه ا ه‍. قال رحمه الله: (وإن اختلف الشفيع والمشتري في الثمن فالقول للمشتري) لان الشفيع يدعي عليه استحقاق الاخذ عند نقد الاقل والمشتري ينكر ذلك والقول للمنكر مع يمينه ولا يتحالفان لان التحالف عرف بالنص فيما إذا وجد الانكار من الجانبين والدعوى من الجانبين والمشتري لا يدعي على الشفيع شيئا فلا يكون الشفيع منكرا فلا يكون في معنى ما ورد به النص فامتنع القياس ا ه‍. وفيه نظر من وجوه: الاول قوله لان التحالف عرف بالنص فيما إذا وجد الانكار فيه ولا دعوى إلا من جانب واحد كما إذا اختلف المتبايعان بعد القبض كما صرحوا به في كتاب الدعوى. الثاني قوله فامتنع القياس لا يخفى أن امتناع القياس ههنا لا يتم المطلوب فحق العبارة أن يقول فلا يلحق به ليعم القياس والدلالة. وأطلق المؤلف رحمه الله فشمل ما إذا وقع الاختلاف قبل قبض الدارهم ونقد الثمن أو بعدهما قبل التسليم إلى الشفيع أو بعده لكن في التتارخانية: اشترى دارا وقبضها ونقد الثمن ثم اختلف الشفيع والمشتري في الثمن فالقول للمشتري ا ه‍. ولو قال في بدل الدار لكان أولى لانه يشمل الثمن والعروض لانه لا فرق بينها إذا كان ثمن الدار دراهم أو عروضا كما أشار إلى ذلك في شرح الطحاوي حيث قال: اختلف الشفيع والمشتري في قيمة العروض الذي هو بدل الدار فالقول قول المشتري، وإن أقاما جميعا البينة فالبينة بينة المشتري أيضا. وفي المنتقى : رجل اشترى دارا وقبضها فجاء الشفيع يطالب الشفعة فقال المشتري اشتريت بألفين وقال الشفيع بألف ولا بينة فحلف المشتري وأخذها الشفيع بألفين ثم قدم شفيع آخر وأقام البينة على أنه اشتراها بألف فيأخذ نصف الدار بخمسمائة ويرجع الشفيع الاول على المشتري بخمسمائة نصيب حصة لنصف الذي أخذه الثاني ويقال للشفيع الاول أن شئت فأعد البينة على المشتري من قبل النصف الذي في يدك وإلا فلا شئ لك، ولو كان لهما شفيعان فقال المشتري اشتريتها بألف وصدقة الشفيع في ذلك بألف ثم جاء الشفيع الثاني وأقام البينئة أنه اشتراها بخمسمائة فالشفيع الثاني يأخذ من الشفيع الاول نصفها مائتين وخمسين ويرجع الشفيع الاول على المشتري بخمسمائة. وفي العتابية: اشترى دارا فجاء الشفيع وأخذها من المشتري بقوله إنها بألف درهم ثوجد بينة أنه اشتراها بخمسمائة قبلت بينته، ولو صدق المشتري أولا فبينته على خلاف ذلك لا تقبل إذا وقع بعد تسليم المبيع إلى الشفيع. قال في الحاوي: سئل علي بن أحمد تنازع في الثمن المشتري والشفيع بعد ما سلم المشتري إلى الشفيع قال: لا يأخذها إلا برضا المشتري وأن يثبت ما قاله الشفيع ثم يأخذ بذلك. وفي قاضيخان:

[ 241 ]

اشترى دارا بالكوفة بكر حنطة تغير عينه فخاصم الشفيع إلى القاضي بمرو وقضى له بالشفعة ذكر في النوادر أنه إن كان قيمة الكوفي في الموضعين سواء أعطاه الشفيع الكر حيث قضى له القاضي، وإن كان القيمة متفاضلة، فإن كان الكر في الموضع الذي يريد الشفيع أن يعطيه أعلى القيمة فذلك إلى الشفيع يعطيه حيث شاء، وإن كان أرخص ورضي المشتري بذلك أعطاه الشفيع في الموضع الذي يكون قيمته مثل قيمته في موضع الشراء ا ه‍. قال رحمه الله: (وإن برهنا فللشفيع) يعني ولو قاما فالبينة بينة الشفيع وهذا قول الامام ومحمد. وقال أبو يوسف والشافعي: البينة بينة المشتري لانها تثبت الزيادة والبينة المثبتة للزيادة أولى كما إذا اختلف المشتري والبائع والوكيل بالشراء مع الموكل في مقدار الثمن أو المشتري من العد ومن المالك القديم في ثمن العبد المأسور وأقاما البينة فالبينة بينة مثبت الزيادة. فإن قلت: البينة إنما تسمع من المدعي والمشتري لا يدعي على الشفيع شيئا ولهذا لا يتحالفان بالاتفاق فلزم أن لا تصح بينته فضلا أن ترجح على بينة الشفيع كما قال أبو يوسف قلت: الجواب أن المشتري وإن كان مدعى عليه في الحقيقة إلا أنه مدع صورة حيث يدعي زيادة الثمن، ومن كان مدعيا صورة تسمع بينته إذا أقامها كما في المودع إذا ادعى رد الوديعة وأقام عليه بينة على ما عرف في محله، وأما الحلف فلا يجب إلا على مدعي عليه حقيقة ولا يجب على من كان مدعي عليه صورة ألا ترى المودع إذا ادعى رد الوديعة على المودع وعجز عن إقامة البينة عليه وإنما يجب الحلف على المودع لكونه منكرا للضمان حقيقة ولا يجب على المودع مع كونه في صورة المدعي عليه برد الوديعة. ولهما أن بينة الشفيع أكثر إثباتا لانها ملزمة للمشتري وبينة المشتري ليست بملزمة للشفيع لتخيره بين الاخذ والترك، ولانه لا تنافي بين البينتين في حق الشفيع لانه أمكن أن يعمل بهما بأن ثبت العقدان فيأخذ المشتري بأيهما شاء فلا يصار إلى الترجيح إلا عند تعذر العمل بهما، وهو نظير ما إذا اختلف المولى والعبد فقال المولى قلت لك إذا أديت إلى ألفين فأنت حر وقال العبد قلت لي إذا أديت ألفا فأنت حر فأقاما البينة فالبينة بينة العبد إما لانها تلزمه أو لانه لا تنافي ويثبت التعليقان ويعتق العبد بإعطاء أي المالين شاء بخلاف المسائل المستشهد بها فإن كل واحدة من البينة تلزمه حتى يخير كل منهما ولا يمكن الجمع بينهما حتى يأخذ بأيهما شاء لان العقد الثاني يكون فسخا للاول في حقهما، فلما تعذر الجمع صرفا إلى الترجيح بالزيادة، وفيما نحن فيه لا يتعذر الجمع لانه لا ينفسخ الاول بالعقد الثاني في حق الشفيع فيأخذ بأي العقدين شاء، ولهذا لو باعه المشتري من غيره كان له أن يأخذه بالبيع الثاني، وإن شاء بالاول، وأما الوكيل مع الموكل فقد روى ابن سماعة عن محمد أن البينة بينة الموكل فلا يرد. والفرق على الظاهر أن الوكيل مع الموكل كالبائع مع المشتري ولهذا يجري التحالف بينهما، وأما المالك القديم مع المشتري فقد ذكر في السير أن البينة بينة المالك القديم ولا يرد، ولئن سلمنا ففيها العمل بالبينتين غير ممكن لان البيع الاول

[ 242 ]

[ فللشفيع ولو ادعى المشتري ثمنا وادعى البائع أقل منه ولم يقبض الثمن أخذها الشفيع ] نفسخ بالثاني فوجد التعارض فصرنا إلى الترجيح بالزيادة. فإن قلت: ما وجه ظهور الفسخ في الملك القديم وعدم ظهوره في حق الفسخ؟ وما الفرق بينهما؟ قلت: حق الشفيع تعلق بالدار من وقت وجود البيع الاول، وأما حق المالك القديم فلم يتعلق بالعبد المأسور إلا بعد الاخراج إلى دار الاسلام والاخراج إليها لم يكن إلا بالبيع الثاني فافترقا، وهذا يجب حفظه هنا. ولم يذكر المؤلف والشارح الاختلاف بينهما في نفس المبيع أو البيع ففي المحيط: قال المشتري اشتريت البناء ثم العرصة فلا شفعة لك في البناء وقال الشفيع اشتريتهما جميعا فالقول للشفيع مع يمينه على العلم لان المشتري يدعي عليه سقوط الشفعة بعد ما أقر بثبوت حقه بالشراء، وإن أقاما البينة فالبينة بينة المشتري عند الثاني، وعند الثالث البينة بينة الشفيع كما مر. ولو قال المشتري باع لي الارض ثم وهب لي البناء وقال الشفيع بل اشتريتهما جميعا فالقول للمشتري ويأخذ المبيع بلا بناء إن بناه لانه لم يقر بشراء البناء أصلا. ولو قال وهب هذا البيت بطريقه ثم باع مني بقية الدار وصدقه البائع وقال الشفيع بل اشتريت الدار كلها فالبينة بطريقه للمشتري ويأخذ الشفيع بقية الدار لانه لم يقر بالشراء في ذلك البيت أصلا. اشترى دارا وقبضها فقال المشتري أحدثت فيها هذا البناء وكذبه الشفيع فالقول للمشتري لان المشتري لم يعترف بشراء البناء والبقعة للشفيع، وكذا الحرث والزرع فإن قال المشتري أحدثت فيها النخل أمس لم يصدق، وكذا فيما لا يحدث مثله من البناء لانه ظهر كذبه بيقين. ولو اشترى دارين ولهما شفيع ملازق فقال المشتري اشتريت دارا بعد دار فأنا شريك في الثانية وقال الشفيع بل اشتريتهما دفعة واحدة فلي فيهما الشفعة فالقول قول الشفيع لان المشتري أقر بالشراء ثم ادعى ما يسقط الشفعة فلا يقبل قوله. ولو قال المشتري اشتريت الجميع وقال الشفيع بل اشتريت نصفا فنصفا فالقول للمشتري ويأخذ الشفيع الكل أو يدع. وفي النوادر عن أبي يوسف: تصادق البائع والمشتري إن البيع كان فاسدا وقال الشفيع كان جائزا فالقول للشفيع كما لو اختلف المتعاقد ان في الصحة والفساد القول قول مدعي الصحة. وهذا إذا ادعيا الفساد بأجل مجهول أو شرط فاسد، أما إن ادعيا الفساد بأن الثمن خمر أو خنزير فالقول قول مدعي الفساد، وعلى قول الامام ومحمد لا تجب الشفعة اه‍. وفي المتنقى: لو اشتراها بألف درهم ورطل من الخمر فهو على هذا الاختلاف. وفي فتاوى الفضلي: رجلان تبايعا دارا فطلب الشفيع الشفعة بحضرتهما فقال البائع كان البيع بيننا مواضعه وصدقه المشتري على ذلك لا يصدقان على الشفيع إلا إذا كان الحال يدل عليه بأن كان المنزل كبيرا وبيع بثمن لا يباع به مثله فحينئذ يكون القول قولهما ولا شفعة للشفيع اه‍. قال رحمه الله: (ولو ادعى المشتري ثمنا وادعى البائع أقل منه ولم يقبض الثمن أخذها الشفيع بما قال البائع) لان الامر كان كما قال

[ 243 ]

[ بما قال البائع وإن كان قبض الثمن أخذها بما قال المشتري وحط البعض يظهر في حق الشفيع لا حط الكل والزيادة وإن اشتري دارا بعرض أو عقار أخذها الشفيع ] البائع فالشفيع يأخذها به، وإن كان كما قال المشتري يكون حطا عن المشتري بدعواه الاقل وحط البعض يظهر في حق الشفيع كما بينا، ولان تملك المشتري بإيجاب البائع فكان القول قوله في مقدار الثمن ما دامت مطالبته باقية فيأخذها الشفيع. ولو كان ما ادعاه البائع أكثر مما ادعاه المشتري تحالفا، وأيهما نكل ظهر أن الثمن ما يقوله الآخر فيأخذها الشفيع بذلك، وإن فسخ القاضي العقد بينهما يأخذ الشفيع بما يقوله البائع لان الفسخ لا يوجب بطلان حق الشفيع ألا ترى أن الدار إذا ردت على البائع بعيب لا يبطل حقه وإن كان الرد بقضاء. قال رحمه الله: (وإن كان قبض الثمن أخذها بما قال المشتري) يعني لو كان البائع قبض الثمن أخذها الشفيع بما قال المشتري إذا ثبت ذلك بالبينة أو بيمينه على ما بينا لان البائع بالاستيفاء خرج من البين والتحق بالاجانب لانتهاء حكم العقد به فبقي الاختلاف بين الشفيع والمشتري والقول فيه للمشتري، ولو كان قبض الثمن غير ظاهر فقال البائع بعت الدار بألف وقبضت الثمن يأخذها الشفيع بألف لانه لما بدأ بالاقرار بالبيع تعلقت الشفعة به لانه إقرار بمقدار الثمن صحيح قبل قبض الثمن وبعده لا يصح والثمن غير مقبوض ظاهرا لان الاصل عدم القبض فيبقى حتى يوجد ما يبطله. وبقوله بعد ذلك قبضت الثمن ويريد إبطال حق الشفيع لانه إذا قبض الثمن يخرج من البين فيكون أجنبيا فلا يقبل إقراره بمقدار الثمن على ما بينا فلا يقبل قوله قبضت في حق الشفيع لانه يريد بذلك أن يجعل نفسه أجنبيا حتى لا يقبل قوله بمقداره فيرد عليه فيأخذها الشفيع بألف، ولو بدأ بقبض الثمن قبل بيان القدر بأن قال بعت الدار وقبضت الثمن وهو ألف درهم لم يلتفت إلى قوله في مقدار الثمن لانه لما بدأ بقبضه أولا خرج من البين فصار أجنبيا. قال في النهاية: نظيره ما إذا قال الموصي اشتريت مال الميت على غريمه فلان وهو ألف درهم وقال الغريم بل كان علي ألفا درهم وقد أوفيتك جميع ذلك فالوصي يضمن الالف ولا شئ له على الغريم، ولو قال استوفيت منه ألف درهم وهو جميع مال الميت عليه فقال الميت بل كان علي ألفا درهم وقد أوفيتك الكل فللوصي أن يرجع عليه بألف درهم أخرى لانه لما بين قوله في قبض الجميع صار أجنبيا فلا يقبل قوله بين قبض القدر بعد ذلك، وما لم يبين أنه قبض الجميع لا يكون أجنبيا فيقبل قوله في بيان القدر. وفي المحيط: ولو هدم رجل بناء الدار فاختلفا الشفيع والمشتري في قيمة البناء فالقول للمشتري مع يمينه، ولو أقاما بينة فالبينة للمشتري على قياس قوله، وعلى قول محمد بينة الشفيع أولى. ولو استحق بعض الدار أو عرف فقال المشتري بنى نصفها وقال الشفيع لثلثها فالقول للمشتري. قال رحمه الله: (وحط البعض يظهر في حق الشفيع لا حط الكل والزيادة)

[ 244 ]

حتى يأخذه بما بقي فلا يظهر حط الكل في حقه ولا الزيادة على الثمن بعد عقد البيع حتى لا تلزمه الزيادة ولا يسقط عنه شئ من الثمن فيأخذه بجميع المسمى عند العقد لان الحط لما التحق بأصل العقد صار الباقي هو الثمن. ولا فرق في ذلك بين أن يكون الحط قبل أخذه بالشفعة أو بعده لوجود الالتحاق في الصورتين فيرجع الشفيع على المشتري بالزيادة إن كان أوفاه الثمن، ولو حط بعض الثمن بعد تسليمه الشفعة كان له أن يأخذها بالباقي لانه تبين أن الثمن أقل فلا يصح تسليمه بخلاف حط الكل حيث لا يلتحق بأصل العقد لانه لو التحق به كان هبة أو بيعا بلا ثمن وهو فاسد فلا شفعة فيهما، وكذلك الزيادة تلتحق بأصل العقد وإنما لا تظهر في حق الشفيع لانه استحق أخذها بالمسمى قبل الزيادة فلا يملك إبطاله بالزيادة فلا يتغير العقد كما لا يتغير بتجديد العقد لما يلحقه بذلك من الضرر. قال في العناية: حط بعض الثمن والزيادة يستوفيان في باب المرابحة دون الشفعة لان المرابحة ليس في التزام الزيادة إبطال حق مستحق بخلاف الشفعة فإن في الزيادة إبطال حق ثبت للشفع بأقلهما، فظاهر عبارة المؤلف أن الحط يصح لمن باشر العقد ولو وكيلا في حالة الصحة أو المرض كان الشفيع وارثا أو لا. وفي المحيط خلافه قال: ولو وكل رجلا ببيع داره فباعها بألف ثم حط عن المشتري مائة درهم وضمن ذلك للآمر ليس للشفيع أن يأخذها إلا بالالف لان حط الوكيل لا يلتحق بأصل العقد. وفيه أيضا: لو طلب الشفيع الشفعة فسلمها المشتري إليه ثم نقد المشتري للبائع الثمن فوهب له البائع خمسة دراهم من الثمن وقد قبض المشتري من الشفيع جميع الثمن فعلم الشفيع بالهبة فليس له أن يسترد شيئا لان الهبة ليست بحط لان الثمن صار عينا بالتسليم. ولو وهب البائع خمس دراهم قبل قبض الثمن كان للشفيع أن يستردها منه لانها هبة الدين والثمن دين في ذمته، ولو باع دارا بثلاثة آلاف وتقابضا فأخذها ورثة البائع بالشفعة فحط البائع عن المشتري في مرضه ألفا فالحط باطل لان المشتري نزل منزل الشفيع لان الحط يظهر في حقه فكان وارثه. ولو حط قبل الاخذ توقف على أخذ المشتري فإن أخذ بطل، وإن ترك صح. ولو لم يكن الوارث شفيعا ولكن أخذها من المشتري تولية أو مرابحة ثم حط عن المشتري في مرض موته صح الحط ويحط المشتري عن الوارث ما حط عنه وحصته من الربح في المرابحة لان الحط وقع في بيع الاجنبي لا حق للوارث فيه. باع دارا بمائة درهم وكر حنطة فأخذها الشفيع بهما ثم حط البائع النقد فوجد البائع بالكر عيبا رده وأخذ مثله، وللمشتري أن يعطيه الكر الذي قبضه الشفيع. وإن كان المشتري ولاها رجلا بمائة درهم وبمثل ذلك الكر فحط البائع وحط هو عن الثاني ثم وجد البائع الاول بالكر عيبا فرده رجع بقيمة الدار على المشتري الاول. والفرق أن البيع وإن انفسخ يرد الكر في الموضعين إلا أنه تعذر في الاول إيجاب قيمة الدار بأخذ الشفيع فأوجبنا الكر، وفي التولية لم يتعذر فأوجبنا قيمة الدار.

[ 245 ]

[ بقيمته ويمثله لو مثليا وبحال لو مؤجلا أو يصبر حتى يمضي الاجل فيأخذها وبمثل الخمر وقيمة الخنزير إن كان الشفيع ذميا وبقيمتها لو مسلما وقيمة البناء والغرس لو ] قال رحمه الله: (وإن اشترى دارا بعرض أو عقار أخذها الشفيع بقيمته ويمثله لو مثليا) لان الشفعة يتملكها بمثل ما يملكها المشتري به، ثم المثل لا يخلو إما أن يكون مثلا له صورة ومعنى كالمكيل والموزون والعددي المتقارب، أو معنى لا صورة وهو ما عدا ذلك فيعتبر ذلك المثل كما في ضمان العدوان فيأخذ به لانه بدل لها، ولهذا لو اشترى عقارا بعقار يأخذ كل واحد منهما بقيمة الآخر وقدمنا لو اختلفا في قيمة العروض. قال رحمه الله: (وبحال لو مؤجلا أو يصبر حتى يمضي الاجل فيأخذها) يعني يأخذها الشفيع من المشتري بثمن حال إذا كان الثمن مؤجلا أو يصبر حتى يمضي الاجل فيأخذها عند ذلك، وليس له أن يأخذها في الحال بثمن مؤجل. وقال زفر والشافعي ومالك: له ذلك لانه يأخذ بمثل ما أخذ المشتري بصفته والاجل صفة الدين. ولنا أن الاجل يثبت بالشرط وليس من لوازم العقد فاشتراطه في حق المشتري لا يكون اشتراطا في حق الشفيع لتفاوت الناس فيه، ولان الاجل حق المطلوب والدين حق الطالب ولهذا لو باع ما اشتراه بثمن مؤجل مرابحة أو تولية لا يثبت الاجل من غير شرط، ولو كان صفة له لثبت. ثم إن أخذها من البائع بثمن حال سقط الثمن عن المشتري لتحول الصفقة إلى الشفيع على ما بينا ورجع البائع على الشفيع، وإن أخذها من المشتري رجع البائع على المشتري بثمن مؤجل، وإن اختار الانتظار كان له ذلك. وقوله أو يصبر عن الاخذ أما الطلب فلا بد منه في الحال حتى لو سكت ولم يطلب بطلت شفعته عند أبي حنيفة ومحمد وبه كان يقول أبو يوسف أولا، ثم رجع عنه وقال: لا تبطل شفعته بالتأخير إلى حلول الاجل. قال رحمه الله: (وبمثل الخمر وقيمة الخنزيران كان الشفيع ذميا وبقيمتها لو مسلما) يعني إذا اشترى ذمي من ذمي عقارا بخمر أو خنزير فإن كان شفيعها ذميا أخذها بمثل الخمر وقيمة الخنزير لان هذا البيع بهذا الثمن صحيح فيما بينهم، فإذا صح رتب عليه أحكام البيع ومن جملة الاحكام وجوب الشفعة فيستحقه ذميا كان أو مسلما، غير أن الذمي لا يتعذر عليه تسلم الخمر فيأخذها به لانه من ذوات الامثال والمسلم لا يقدر على ذلك لكونه ممنوعا من تمليكه وتملكه فيجب عليه قيمته كما ذكرنا في ضمان العدوان الخنزير من ذوات القيم فيجب عليهما قيمته، ولا يقال قيمة الخنزير تقوم مقام عينه لانه قيمي فوجب أن يحرم على المسلم تمليكه بخلاف قيمة الخمر على ما عرف في موضعه لانا نقول: إنما يحرم عليه إذا كانت القيمة بدلا عن الخنزير، وأما إذا كانت بدلا عن غيره فلا يحرم وههنا بدل عن الدار لا عن الخنزير، وإنما الخنزير مقدر بقيمة بدل الدار فلا يحرم عليه تمليكها، فإن أسلم المشتري قبل الاخذ بالشفعة فإن الشفيع يأخذها بقيمة الخنزير، ولو كان شفيعها مسلما وذميا أخذ كل واحد منهما النصف بما ذكرنا من قيمة الخنزير اعتبارا للبعض بالكل. ولو أسلم الذمي صار

[ 246 ]

حكمه حكم المسلم من الابتداء فيأخذها بقيمة الخنزير والخنزير كما إذا كان الثمن مثليا فانقطع قبل الاخذ بالشفعة فإنه يأخذها بقيمته للتعذر كذا هذا. والمستأمن كالذمي في جميع ما ذكرنا من الاحكام لالتزامه أحكامنا مدة مقامه في دارنا، ولا فرق بين أن يكون المشتري دارا أو بيعة أو كنيسة فإن الشفيع يأخذها بالشفعة لان ملك الذمي فيها ثابت إذا كان يعتقد أن ملكه لا يزول بجعله بيعة أو كنيسة، وإن كان يعتقد أنه يزول فكذلك أيضا لانه بالاقدام على البيع صار معتقدا الجواز. والذمي إذا أدان بديننا ينفذ تصرفه على مقتضى ديننا وإن كان في دينهم لا يجوز ولهذا لو ترافعا إلينا نحكم بديننا، والمرتد لا شفعة له. وطريق معرفة قيمة الخمر والخنزير تقدم مرارا. ولو أسلم أحد المتعاقدين والخمر غير مقبوض انتقض البيع لان الاسلام يمنع قبضها ولكن لا تبطل الشفعة لانها وجبت بالبيع فلا تبطل بانتقاضه كما إذا اشترى دارا بعبد فهلك العبد قبل القبض فإن البيع ينتقض بهلاكه ولكن لا تبطل الشفعة فيأخذها الشفيع بقيمة العبد. قيد بكون الثمن خمرا أو خنزيرا لانه لو كان ميتة أو دما فلا شفعة له لما في الاصل: اشترى نصراني من نصراني دارا بميتة أو دم فلا شفعة للشفيع اه‍. ولم يتعرض المؤلف لما إذا صار خلا ثم أسلم البائع أو المشتري ثم استحق نصف الدار وحضر الشفيع فيأخذ النصف بنصف الخمر ولا يأخذ بنصف الخل ثم يرجع المشتري على البائع بنصف الخل إن كان قائما، وإن كان هالكا رجع عليه بنصف قيمة الخل. وفي المبسوط: باع المرتد دارا فمات أو قتل على الردة أو لحق بدار الحرب بطل البيع ولا شفعة للشفيع. وفي السغناقي: ولو أسلم البائع قبل اللحوق بدار الحرب جاز البيع وللشفيع الشفعة، ولو كان الشفيع مرتدا فمات أو قتل على الردة أو لحق بدار الحرب فلا شفعة لوارثه، ولو كان المرتد لم يلحق بدار الحرب ثم بيعت الدار كان لوارثه الشفعة. وإن اشترى المستأمن دارا ولحق بدار الحرب فالشفيع على شفعته حتى يلقاه، وإن كان الشفيع هو الحربي ودخل دار الحرب بطلت شفعته، وإن كان الشفيع مسلما أو ذميا فدخل دار الحرب إن لم يعلم بالبيع فهو على شفعته، وإن علم ودخل ولم يطلب بطلت شفعته. وإن اشترى المسلم دارا في دار الحرب وشفيعها مسلم ثم أسلم أهل الدار فلا شفعة للشفيع، وههنا أصل تنبني عليه هذه المسائل يجب العلم به وهو أن كل حكم لا يفتقر إلى قضاء القاضي فدار الاسلام ودار الحرب في ذلك الحكم على حد سواء، وكل حكم مفتقر إلقضاء القاضي لا يثبت ذلك في حق من كان من المسلمين في دار الحرب بمباشرة ذلك الحكم في دار الحرب، نظير الاول البيع والشراء وصحة الاستيلاء ونقوذ العتق ووجوب الصوم والصلاة فإن هذه الاحكام كلها من أحكام المسلمين وتجري على من كان في دار الحرب من المسلمين. ونظير الثاني الزنا فإن المسلم إذا زنى في دار الحرب ثم دخل دار الاسلام لا يقام عليه الحد. قال رحمه الله: (وقيمة البناء والغرس لو بنى المشتري أو غرس أو

[ 247 ]

[ بنى المشتري أو غرس أو كلف قلعهما وإن قلعهما الشفيع فاستحقت رجع بالثمن فقط ] كلف قلعهما) يعني إذا بنى المشتري أو غرس في الارض المشفوعة ثم قضى للشفيع بالشفعة فالشفيع بالخيار إن شاء أخذها بالثمن وقيمة البناء والغرس مقلوعا، وإن شاء كلف المشتري قلعه فيأخذ الارض فارغة. وعن أبي يوسف أنه لا يكلف بالقلع ولكنه بالخيار إن شاء أخذها بالثمن وقيمة البناء والغرس، وإن شاء ترك وبه قال الامام الشافعي ومالك لانه ليس متعديا في البناء والغرس لثبوت ملكه فيه بالشراء فلا يعامل بأحكام العدوان فصار كالموهوب له المشتري شراء فاسدا عند الامام، وكما إذا زرعها المشتري فإن كل واحد منهم لا يكلف بالقلع لتصرفه في ملكه، وهذا لان ضرر الشفيع بالزام قيمة البناء والغرس أهون من ضرر المشتري بالقلع لان الشفيع يحصل له بمقابلة الثمن عوضان وهو البناء والغرس فلا يعد ضررا، ولم يحصل للمشتري بمقابلة القلع شئ فكان الاول أهون فكان أولى بالتحمل. ووجه ظاهر الرواية أنه بنى في محل تعلق به حق متأكد لغيره من غير تسليط منه فينتقض كالراهن إذا بنى في المرهون ولهذا تنتقض جميع تصرفات المشتري حتى الوقف والمسجد والمقبرة بخلاف الموهوب على قول أبي حنيفة والمشتري شراء فاسدا لانه فعل بتسليط من المالك ولهذا لا ينتقض تصرفهما. وفي الزرع القياس أن يقلع إلا أننا استحسنا ولذا قلنا لا يقلع لان له نهاية، وليس على الشفيع كبير ضرر بالتأخير لانه يترك بأجرته. فإن قلت: الاسترداد عندهما بعد البناء فإن جواز الاسترداد ينافي أنه لا يكلف القلع بل يقتضي القلع كما في الشفيع قلت: يجوز أن يكون مراده بقوله والمشتري شراء فسادا احتجاج من أبي يوسف عن أبي حنيفة بمذهب أبي حنيفة كما أفصح به صاحب غاية البيان وهذا بعيد، والاوجه أن يقال: إن لابي يوسف في البناء بعد الشراء الفاسد القول المذكور والثاني كما قال الامام ذكره في الايضاح. قيد بما ذكر احترازا عن الزخرفة. وفي قاضيخان: ولو اشترى الرجل دارا وزخرفها بالنقوش شئ كثير كان للشفيع الخيار إن شاء أخذها وأعطاه ما زاد فيها وإن شاء ترك اه‍. قال في المحيط: لان نقص صفته لا يمكن وفيه نظر لان المشتري إذا بنى على الدار المشفوعة كان للشفيع أن ينقض البناء ويأخذ الدار ويعطيه ما زاد فيها. وأجيب بأن البناء إذا قلع له قيمة في الجملة بخلاف الزخرفة. قوله أو بنى أو غرس مثال وليس بقيد لما في الميحط: ولو أن المشتري زرعها رطبة أو كرما يؤمر بقلعه كالبناء. قول رحمه الله: (وإن قلعهما الشفيع فاستحقت رجع بالثمن فقط) يعني أن الشفيع إذا أخذ الارض بالشفعة فبنى أو غرس ثم استحقت فكلف المستحق الشفيع بالقلع فقلع البناء والغرس رجع الشفيع على المشتري إن أخذها منه أو على البائع إن أخذها منه بالثمن ولا يرجع بقيمة البناء والغرس. وعن أبي يوسف أنه يرجع بذلك كالمشتري. والفرق بينه وبين المشتري أن المشتري مغرور ومن جهة البائع ومسلط عليه من جهته ولا غرور ولا تسليط

[ 248 ]

[ وبكل الثمن أن خربت الدار وجف الشجر وبحصة العرصة أن نقض المشتري البناء والنقض له وبثمرها إن ابتاع أرضا ونخلا وثمرا أو أثمر في يده ] للشفيع من جهة المشتري ولا البائع لان الشفيع أخذها منه جبرا، ونظيره الجارية المأسورة إذا استردها المالك القديم من مالكها الجديد بقيمتها أو بالثمن فاستولدها ثم استحقت من يده وضمن قيمة الولد رجع عليه بما دفع له من القيمة أو الثمن ولا يرجع بقيمة الولد لانه لم يغره بخلاف ما لو كان مشتريا حيث يرجع بهما على البائع لانه مغرور من جهته. قال رحمه الله: (وبكل الثمن ان خربت الدار وجف الشجر) يعني لو اشترى أرضا فيها بناء أو غرس فانهدم البناء من غير صنع أحد يأخذها الشفيع بكل الثمن ولا يسقط من الثمن شئ لانهما تابعان للارض يدخلان في بيعها من غير ذكر فلا يقابلها شئ من الثمن ولهذا يبيعها في هذه الحالة مرابحة من غير بيان بخلاف ما إذا تلف بعض الارض بغرق حيث يسقط من الثمن بحصته لان الغالب بعض الاصل. هذا إذا انهدم البناء ولم يبق له نقض ولا من الشجر شئ من حطب أو خشب، وأما إذا بقي شئ من ذلك وأخذه المشتري فلا بد من سقوط بعض الثمن بحصته ذلك لانه عين مال قائم بقي يحبس عند المشتري فيكون له حصة من الثمن فيقسم الثمن على قيمة الدرا يوم العقد وعلى قيمة النقض يوم الاخذ. قيد بقوله حق الشجر ليخرج الثمر إذا هلك من غير صنع. قال في التتارخانية: ولو هلك الثمر من غير صنع أحد ولم يبق منه شئ سقط حصته من الثمن بخلاف البناء وسيأتي ما يخالفه. قال رحمه الله: (وبحصة العرصة إن نقض المشتري البناء) يعني يأخذ الشفيع العرصة بحصتها من الثمن إن نقض المشتري البناء لانه صار مقصودا بالاتلاف ويقابله شئ من الثمن فيقسم الثمن على قيمة الارض والبناء يوم العقد، ونقض الاجنبي البناء كنقض المشتري. وفي التتارخانية: لو لم يهدم المشتري البناء ولكن باعه من غيره من غير إرضاء ثم حضر الشفيع فله أن ينقض البيع ويأخذ لكل وكذا النبات والنخل. قال رحمه الله: (والنقض له) يعني النقض للمشتري لان الشفيع إنما كان يأخذه بطريق التبعية للعرصة وقد زالت بالانفصال. قال رحمه الله: (وبثمرها إن ابتاع أرضا ونخلا وثمرا أو أثمر في يده) يعني يأخذها الشفيع مع ثمرها إن كان المشتري اشترى الارض مع الثمر بأن شرطه في البيع أو أثمر عند المشتري بعد الشراء لان الثمر لا يدخل في البيع إلا بالشرط بخلاف النخل. والقياس أن لا يكون له أخذ الثمر لعدم التبعية كالمتاع الموضوع فيها. وجه الاستحسان أن الاتصال خلقة صار تبعا من وجه ولا يتولد من البيع فيسري إليه الحق الثابت في الاصل كالمبيعة إذا ولدت قبل القبض فإن المشتري يملك الولد تبعا للام، كذا هنا. وفي الخانية: لو اشترى قرية فيها أشجار ونخل فقطع المشتري بعض الاشجار وهدم بعض البناء فحضر الشفيع يأخذ الارض وما لم يقطع من الاشجار وما لم يهدم من البناء، وليس له أن يأخذها بالشفعة ويقسم الثمن على قيمة البناء

[ 249 ]

[ وإن جذه المشتري سقط حصته من الثمن باب ما يجب فيه الشفعة وما لا يجب إنما تجب الشفعة في عقار ملك بعوض هو مال لا في عرض وفلك وبناء ونخل بيعا ] والارض، فما أصاب البناء سقط، وما أصاب العرصة يأخذها به وينقض بناء المشتري الذي أحدثه وهذا القول ظاهر الرواية. قال رحمه الله: (وإن جذه المشتري سقط حصته من الثمن) يعني في الفصل الاول وهو ما اشتراها بثمرها بالشرط فكان له فيسقط من الثمن بحصته، وإن هلك بآفة سماوية فكذلك لانه لما دخل في البيع صار أصلا فسقط حصته من الثمن بفواته. وأما في الاصل الثاني فيأخذ الارض والنخل بجميع الثمن لان الثمن لم يكن موجودا عند العقد فلا يقابله شئ من الثمن، وكان أبو يوسف يقول أولا إنه يحط من الثمن في الفصل الثاني لان حال المشتري مع الشفيع كحال البائع مع المشتري قبل القبض. ولو أكل البائع الثمر الحادث بعد القبض سقط حصته من الثمن فكذا هنا، ثم رجع إلى ما ذكر في الكتاب من أنه لا يسقط شئ من الثمن لان الشفيع يأخذ بما قام على المشتري وهو قائم عليه المبيع بدون الثمن بجميع الثمن بخلاف ما إذا كانت موجودة عند العقد لانه دخل في البيع قصدا، وبخلاف الحادث عند البائع قبل القبض لانه حدث على ملك المشتري فيكون له حصة من الثمن بالاستهلاك، وليس للشفيع أن يأخذ الثمن بعد الجذاذ في الفصلين لزوال التبعية بالانفصال قبل الاخذ والله تعالى أعلم. باب ما يجب فيه الشفعة وما لا يجب ذكر تفصيل ما تجب فيه الشفعة وما لا تجب بعد ذكر نفس الوجوب مجملا لان التفصيل بعد الاجمال أوقع في النفس، كذا في العناية. قال رحمه الله: (إنما تجب الشفعة في عقار ملك بعوض هو مال) قوله في عقار يتناول ما يقسم وما لا يقسم. وقال الشافعي: لا تجب فيما لا يقسم كالبئر والرحا والحمام والنهر والطريق، وهذا مبني على أصل عنده وهو أن الشفعة تجب لدفع ضرر أجرة القسام عنده، وعندنا لدفع ضرر سوء العشرة. واحترز بقوله بعوض عما إذا ملك بالهبة فإن الشفعة لا تجب فيها، وقوله هو مال عما إذا ملك بعوض غير مال كالمهر والخلع والصلح عن دم عمد والعتق فإن الشفعة لا تجب في هذه الاشياء على ما بينه قريبا، والعقار لغة الضيعة، وقيل ما له أصل من دار وضيعة نقله الامام الطرزي. ونقل الشراح هنا العقار كل ما له أصل من دار وضيعة اه‍. فهو مطابق للتفسير الثاني. ونقل الجوهري في فصل العين من باب الراء: العقار بالفتح الارض والضياع والنخل ومنه قولهم ما له دار ولا عقار والجمع ضياع. وفي فصل الضاد من باب العين: الضيعة

[ 250 ]

[ بلا عرصة ودار جعلت مهرا أو أجرة أو بدل خلق أو بدل صلح عن دم عمد أو عوض عتق أو وهبت بلا عوض مشروط وإن بيعت بخيار البائع أو بيعت فاسدا ما لم ] العقار اه‍. وفي كلامه اختلال لانه فسر العقار أولا بما يشمل الاقسام الثلاثة الارض والضياع والنخل، ثم فسر الضيعة بالعقار فلزم تفسير الاخص بالاعم كما ترى. وفي المحيط: ويدخل في الحمام ما كان مركبا في بنيانه دون المنفصل كالقصعة، ويدخل في الرحا الحجر الاسفل دون الاعلى لانه مبني في الارض، ولو اشترى أجمة فيها قصب وسمك يوجد بلا صيد استحق الاجمة والقصب بالشفعة دون السمك لانه منقول والقصب يشعب في الارض. وفي التتارخانية: وإنما تجب في الاراضي التي تملك رقابها حتى لا تجب في الاراضي التي جازها الامام للمسلمين يدفعها بزراعة، وإنما تجب لحق الملك في الاراضي حتى لو بيعت دار بجنبها دار الوقف فلا شفعة للواقف ولا للمتولي لعدم الملك، كذا في الميحط وغيره. وفي السراجية: رجل له دار في أرض الوقف فلا شفعة له، ولو باع هو عمارته فلا شفعة لجاره. وفي التجريد: ولو جعل داره مسجدا وأفرزه وجعل بابه إلى الطريق فبيعت دار إلى جنب المسجد لم يكن للواقف ولا للمتولي شفعة لعدم الملك. وفي المحيط وغيره: ما لا يجوز بيعه في العقارات كالاوقاف والحانوت المسبل فلا شفعة في ذلك عند من يرى جواز الوقف. وفي المبسوط: لو اشترى أرضا فيها شجر صغار فأثمرت أو فيها زرع فأدرك فللشفيع أن يأخذ ذلك بجميع الثمر لاتصاله بالارض اه‍. قال رحمه الله: (لا في عرض وفلك) يعني لا تجب الشفعة في عرض وفلك. وقال مالك: تجب في السفينة لانها تسكن كالعقار. ولنا ما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لا شفعة إلا في ربع أو حائط ولان الاخذ بالشفعة ثبت على خلاف القياس فلا يجوز إلحاق المنقول به لانه ليس في معنى العقار، وهذا الاستدلال فيه شئ فإن ظاهره حصر ثبوت الشفعة في الربع والحائط فدل ذلك على انتفاء حق الشفعة في غيرهما ومن غيرهما العروض والسفن، فيرد عليه أن مقتضى الحصر أن لا تثبت الشفعة في عقار غير ربع وحائط كضيعة خالية مثلا وليس كذلك قطعا فكيف يتمسك به؟ قلت: يمكن حمل القصر على القصر الاضافي دون الحقيقي فالقصر بالنسبة إليهما لا بالنسبة إلى جميع ما عداهما فتأمل. قال في العناية: الربع الدار والحائط البستان وأصله ما أحاط به اه‍. قال رحمه الله: (وبناء ونخل بيعا بلا عرصة) لانهما منقولان فلا تجب فيهما إذا بيعا بلا أرض، وإن بيعا معها تجب فيها الشفعة تبعا لها بخلاف العلو حيث يستحق بالشفعة وتستحق به الشفعة على أنه مجاوره وذلك إذا لم يكن طريقه غير طريق السفل، وإن كان طريقهما واحدا يستحق بالطريق الشفعة على أنه خليط في الحقوق. قال رحمه الله: (ودار جعلت مهرا أو أجرة أو بدل خلع أو بدل صلح عن دم عمد أو عوض عتق أو وهبت بلا عوض مشروط) لان الشارع لم يشرع التملك بالشفعة إلا بما يملك

[ 251 ]

به المشتري صورة ومعنى أو معنى بلا صورة ولا يمكن ذلك إذا تملك العقار بهذه الاشياء لانها ليست بأموال ولا مثل لها حتى يأخذها الشفيع بمثلها فلم يمكن مراعاة شرط الشرع فيه وهو التملك بما يملك به المشتري فلم يكن مشروعا. وقال الامام الشافعي: تجب فيهما الشفعة فيأخذها بقيمتها عند تعذر الاخذ بمثلها بخلاف الهبة بلا عوض لتعذر الاخذ بلا عوض إذ هو غير مشروع. ولنا ما تقدم ولان الشفيع يتملك بما يملك به المشتري من السبب لا بسبب آخر، وههنا لو أخذه كان يأخذه بسبب آخر. ولو تزوجها بغير مهر ثم فرض لها عقارا مهرا لم يكن فيها الشفعة لانه تعين بمهر المثل وهو مقابل بالبضع بخلاف ما لو باعها العقار بمهر المثل أو بالمسمى عند العقد أو بعده حيث تجب فيه الشفعة لانه مبادلة مال بمال لان ما أعطاه من العقار بدل عما في ذمته من المهر. ولو تزوجها على دار على أن يرد عليه ألف درهم فلا شفعة في جميع الدار عند الامام. وقالا: تجب الشفعة في حصة الالف لانه مبادلة مال بمال في حقه ولهذا ينعقد بلفظ النكاح ولا يفسد بشرط النكاح وهو يقول معنى البيع فيه تابع فلا شفعة في الاصل فكذا في البيع ألا ترى أن المضارب إذا كان رأس ماله ألفا فاتجر وربح ألفا ثم اشترى بالالفين دارا في جوار رب المال ثم باعها بألفين فإن رب المال لا يستحق الشفعة في حصة المضارب تبعا لرأس المال لان المضارب وكيل في حقه وليس في بيع الوكيل شفعة، وكذا في حق المضارب وهو البيع، كذا في العتابية. قوله جعلت الدار مهرا مثال. قال في العتابية: ولو قال صالحتك على أن تجعل هذه الدار مهرا لك وأعطيتك هذه الدار مهرا فلا شفعة للشفيع فيها. وقوله جعلت مهرا محترز عن البيع ولو باعها دارا بمهر مثلها أو صالحها على دار أو صالحها من دعوى حق على دار ففيهما الشفعة والقول قول المصالح في قيمة ذلك أو في قدره. وفي السراجية: صالح في دار ادعاه على مائة درهم وهو جاحد لا شفعة فيها، فإن أقام الشفيع البينة أنها التي ادعاها فله الشفعة. وفي شرح الطحاوي: رجل تزوج امرأة ولم يسم مهرا ثم دفع لها دارا مهرا فهو على وجهين: إن قال الزوج جعلتها مهرك فلا شفعة فيها، وإن قال جعلتها بمهرك ألفا ففيها الشفعة. وفي المحيط: لو خلع امرأته على ذلك على أن ترد عليه ألفا فهو كما لو تزوج على دار لى أن ترد عليه ألفا كما تقدم. وفيه أيضا: أسلم دارا لرجل في مائة قفيز حنطة واستلم الدار فللشفيع أخذها بالشفعة، ولو افترقا قبل أن يقبض الدار بطل السلم ولا شفعة للشفيع اه‍. وفي العتابية: لا شفعة في دار هي بدل عن سكنى دار وخدمة عبد. وقيد بقوله عن دم عمد احترازا عن الخطأ. قال في المبسوط: ولو كان عن جناية خطأ تجب الشفعة، لو صالح بها عن جنايتين أحدهما عمدا والاخرى خطأ فلا شفعة فيها على قول الامام، وعندهما تجب فيها الشفعة فيما يخص جناية الخطأ، ولو صالح عن كفالة رجل بنفسه على دار فلا شفعة فيها لان هذا صلح باطل اه‍. قيد يقوله بلا عوض مشروط لانه لو شرط في العقد تجب الشفعة

[ 252 ]

ففي الخانية: وهب دارا من إنسان بشرط أن يعوضه كذا فلا شفعة للشفيع ما لم يتقابضا، وبعد التقابض تجب الشفعة بمثل العوض إن كان مثليا وإلا فبقيمته إن كان قيميا. وفي السغناقي: وهب له عقارا من غير عوض مشروط في العقد ثم عوضه عن الدار دارا فلا شفعة في الهبة ولا في العوض. وفي الاصل: لو وهب سقصا مسمى في دار غير محجور ولا مقسوم على أن يعوضه كذا فهو باطل ولا شفعة للشفيع والجواب في الصدقة بألفاظها والعطية نظير الجواب في الهبة، وأما الوصية على هذا الشرط إذا قبل الوصي له ثم مات فإنه تجب فيه الشفعة. قال في الكتاب: إذا قال أوصيت بداري لفلان بألف درهم فقال الموصى له قبلت ثبت للشفيع الشفعة، وإن قال أوصيت أن يوهب له على عوض ألف درهم فهو مثل الهبة بالشرط. وإن ادعى حقا على إنسان وصالحه المدعى عليه على الدار فللشفيع أن يأخذ الدار بالشفعة كان الصلح عن إقرار أو انكار. وفي الفتاوي العتابية: والقول للمدعي في مقدار الدين في حق الشفيع، وكذا لو صالحه عن عيب على دار بعد القبض فالقول للمصالح في نقصان العيب. ولو ادعى دارا في يد رجل وصالحه المدعى عليه على أن يعطيه المدعي دراهم وترك الدار ينظر إن كان الصلح عن إنكار فلا شفعة للشفيع اه‍. قال رحمه الله: (وإن بيعث بخيار البائع) لان خيار البائع يمنع خروج المبيع عن ملكه وبقاء ملكه يمنع وجوب الشفعة لان شرط وجوبها الخروج عن ملكه فإذا أسقط الخيار أو سقط الخيار عند سقوط الخيار، ولان البيع إنما صار سببا لافادة الحكم في ذلك الوقت ووجوب الشفعة تنبني على انقطاع حق الملك بالبيع وهو ينقطع حينئذ. وإن اشترى بشرط الخيار وجبت الشفعة، أما عندهما فظاهر لان المشتري تملكها، وأما عنده فلخروجه عن ملك البائع ألا ترى أن البائع إذا أقر بالبيع وأنكر المشتري تجب الشفعة فإذا أخذها الشفيع في الثالث لزم البيع لعجز المشتري عن الرد ولا خيار للشفيع لان خيار الشرط لا يثبت إلا بالشرط وهو كان للمشتري دون الشفيع. وإذا بيعت دار بجنبها والخيار لاحدهما كان له الاخذ بالشفعة لان البائع لم يخرج المبيع عن ملكه إذا كان الخيار له ويلزم البيع لان الاخذ بالشفعة نقض منه للبيع، وكذلك المشتري عندهما إن كان الخيار له لان المبيع دخل في ملكه عندهما لانه يصير بالاخذ مختارا للبيع فيصير إجازة وتملك به المبيع، ولانه صار أحق به من غيره وذلك يكفي لاستحقاق الشفعة كالمأذون له والمكاتب إذا بيعت دار بجنب دراهما وكذا إذا اشترى دارا ولم يرها فبيعت دار بجنبها كان له أن يأخذها بالشفعة لان ملكه فيها ثابت، وإذا أخذ المشفوعة لم يسقط خياره لان خيار الرؤية لا يبطل بصريح الابطال فبدلالته أولى، فإذا حضر شفيع الاولى وهي التي اشتراها المشتري كان له أن يأخذها بالشفعة لانه أولى بها من المشتري، وليس له أن يأخذ الثانية وهي التي أخذها المشتري بالشفعة إذا لم تكن متصلة بملكه لانعدام سبب الشفعة في حقه، واتصاله لا يفيد لعدم ملكه فيها وقت بيع الاخرى،

[ 253 ]

[ يسقي حق الفسخ بشئ يسقطه كالبناء أو قسمت بين الشركاء أو سلمت شفعته ثم ] وإن كانت متصلة بملكه كان له أن يشاركه فيها بالشفعة، فإذا جاء الشفيع الاول بعدما أخذ المشتري الثاني بالشفعة كان لهذا الذي جاء أن يأخذها بالشفعة وليس له أن يأخذ الثانية بالشفعة. وفي التجريد: ولو كان المشتري شرط الخيار لغيره فأجاز وهو شفيعها فله الشفعة، ولو باع عقار أو شرط الخيار لغيره فأمضى ذلك الغير البيع وهو شفيعها فلا شفعة له. وفي الفتاوى: ولو باعه بخيار ثلاثة أيام ثم زاده ثلاثة أخرى يأخذها الشفيع إذا انقضت المدة الاولى. قال رحمه الله: (أو بيعت فاسدا ما لم يسقط حق الفسخ بشئ يسقطه كالبناء) لان البيع الفاسد بعد القبض لا يفيد الملك للمشتري فلا يثبت للشفيع فيه حق مع بقاء ملكه، وبعد القبض وإن كان يفيده لكنه حق البائع باق فيها ألا ترى أنه واجب الدفع لدفع الفساد ولهذا يحرم على المشتري التصرف فيه، وفي إثبات الحق له تقريره فلا يجوز، وإذا سقط حق الفسخ زال المانع من وجوب الشفعة فتجب. وقوله بالبناء مثال لانه ينقطع حق البائع بإخراج المشتري المبيع عن ملكه بالبيع أو غيره على ما تقرر في البيع الفاسد، فإذا أخرجه عن ملكه بالبيع كان للشفيع أن يأخذها بأي البيعين. فإن أخذها بالبيع الاول أخذها بالقيمة، وإن أخذها بالبيع الثاني أخذها بالثمن لان البيع الثاني صحيح، وإذا أخرجها عن ملكه بالهبة أو جعلها مهرا وغير ذلك نقض تصرفه وأخذ بقيمته لما ذكرنا. وإذا بيعت دار بجنبها قبل القبض فللبائع الشفعة في المبيع لبقاء ملكه فيها، وإن سلمها بعد الحكم له لا تبطل، فإذا بيعت بعد القبض فاستردها بالبائع منه قبل أن يقضي له بالشفعة بطلت شفعته لخروجها عن ملكه قبل الاخذ فصار كما إذا باعها قبله، وإذا استرها بعد الحكم له بقيت على ملكه لما ذكرنا. وقيد بقوله بيعت فاسدا ليفيد أن الفساد قارن العقد واستمر بعده. قيدنا به لان الفساد إذا كان بعد انعقاده صحيحا فحق الشفعة على حاله، كذا في العناية. واعترض على هذا بأنه لم لا يجوز أن لا يثبت المفسد في حق الشفيع كي لا يلزم تقرير الفساد وإذا ثبت في حق المشتري كما قلنا في خيار الشرط لا يثبت في حق الشفيع وإن ثبت في حق المشتري؟ وأجيب أن فساد البيع إنما يثبت لمعنى راجع إلى العوض فلو أسقطنا العوض بقي بيع بلا عوض وهو فاسد أيضا، والخيار ثبت لمعنى خارج عن العوضين فلو أسقطنا الخيار بقي بيع بلا خيار وهو مشروع. قال رحمه الله: (أو قسمت بين الشركاء) يعني لو قسمت الدار بين الشركاء لا تجب الشفعة لجارهم بالقسمة بينهم لان القسمة فيها معنى الافراز ولهذا يجري فيها الخيار، والشفعة لم تشرع إلا في المبادلة المطلقة وهي المبادلة من كل وجه. قال في العناية: ولانها لو وجبت لوجبت للقاسم لكونه جارا بعد استحقاق الشفعة وهو غير صحيح لان سببه الافراز وهو متأخر وهو لا بد أن يكون متقدما على زوال الملك القائم كما تقدم وكونه جارا متأخر. وقول صاحب غاية البيان ولانها لو وجبت لوجبت للقاسم لانه شريك والشريك أولى من الجار فيه

[ 254 ]

[ ردت بخيار رؤية أو شرط أو عيب بقضاء وتجب لو ردت بلا قضاء أو تقايلا. باب ما تبطل به الشفعة ] نظر لانه شريك قبل القسمة لا بعدها والكلام فيما بعدها. قال رحمه الله: (أو سلمت شفعته ثم ردت بخيار رؤية أو شرط أو عيب بقضاء) يعني إذا أسلم الشفيع الشفعة ثم ردت إلى البائع بخيار رؤية أو شرط كيفما كان أو بيعت بقضاء القاضي لا تجب الشفعة فيها لانه فسخ من كل وجه فلا يمكن أن يجعل عقدا جديدا فعاد إليه قديم ملكه والشفعة تجب في الانشاء لا في الاستمرار والبقاء على ما كان، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الفسخ قبل القبض أو بعده، وفي الجامع الصغير: ولا شفعة في قسمة ولا خيار رؤية بالجر معناه لا شفعة في الرد بخيار رؤية وليس معناه أن خيار الرؤية لا يثبت في القسمة لان المذكور في كتاب القسمة أن خيار الرؤية يثبت في القسمة وخيار الشرط أيضا لان ثبوتها لخلل في الرضا بالعقد الذي لا ينعقد لازما إلا بالرضا والقسمة منه لما فيها من معنى المبادلة، والمبادلة أغلب في غير الكيلي والوزني فيجوز فيه خيار الرؤية والشرط ولا يجوز في المكيل والموزون لان الاقرار فيهما هو الغالب. وقال في الكافي: وصحح شمس الائمة السرخسي أن خيار الرؤية لا يثبت في القسمة سواء كانت بقضاء أو رضاء، قاله المشايخ. وقلنا: لا فرق بين أن يكون الفسخ قبل القبض أو بعده، كذا في العناية. ولا عبرة بقول من قال المراد بعد القبض لانه لو كان هذا مرادا كان مناقضا لقولهم في غير هذا المحل ولا فرق بين أن يكون قبل القبض أو بعده، كذا في العناية اه‍. قال رحمه الله: (وتجب لو ردت بلا قضاء أو تقايلا) يعني تجب الشفعة إن ردها المشتري بعيب بغير قضاء أو تقايلا البيع. وقال زفر: لا تجب لان شفعته بطلت بالتسليم والرد بالعيب بغير قضاء إقالة والاقالة فسخ لقصدهما ذلك والعبرة بقصد العاقدين. قلنا: الاقالة سبب للملك بتراضيهما كالبيع غير أنهما قصدا الفسخ فيصح فيما لا يتضمن إبطال حق الغير لان لهما ولاية على أنفسهما فيكون فسخا في حقهما ولا ولاية لهما على غيرهما فيكون بيعا جديدا في حق الشفيع فيتجدد له به حق الشفعة. قال الشارح قال صاحب الهداية: ومراده بالرد بالعيب الرد بعد القبض. قال رحمه الله: وهذا إنما يستقيم على قوله محمد لان بيع العقار عنده قبل القبض لا يجوز كما في المنقول، وأما على قولهما يجوز بيعه قبل القبض فلا يفيد القيد المذكور والله أعلم. باب ما تبطل به الشفعة لما كان بطلان الشئ يقتضي سابقه وجوده ذكر ما تبطل به الشفعة بعد ذكر ما تثبت به

[ 255 ]

[ وتبطل بترك المواثبة أو التقرير وبالصلح عن شفعته على عوض وعليه رده وبموت ] الشفعة. قال رحمه الله: (وتبطل بترك المواثبة أو التقرير) حين علم مع القدرة عليه بأن لم يمنعه أحد ولم يكن في الصلاة لانها تبطل بالاعراض وترك الطلبين أو أحدهما مع القدرة إعراض على ما تقدم. والاصل في هذا الباب أن تسليم الشفعة قبل البيع لا يصح وإن من ثبت له الحق إذا أسقطه بعد ثبوته له سقط علم بثبوته له أو لم يعلم. وتعبير المؤلف بترك الطلب أولى من تعبير صاحب الهداية بترك الاشهاد لانه يرد على صاحب الهداية أن الاشهاد ليس بشرط وترك ما ليس شرطا في الشئ لا يبطله. وفي المحيط: لو سلم الشفعة للوكيل صح وسقطت ويصح تعليق الاسقاطه بشرط، ولو قال سلمت لك إن اشتريت لنفسك لم تبطل إذا كان اشتراها لغيره، ولو قال لاجنبي سلمت شفعة هذا سقطت شفعته لانه سلم مطلقا فصرفناه إلى المشتري حملا لكلام العاقل على الصحة. ولو قال سلمت لك لا يصح لان الاجنبي بمعزل عن هذا العقد، ولو قال له أجنبي سلم للمشتري فقال سلمت لك صح استحسانا كأنه قال سلمت الشفعة للمشتري لشفاعتك. قال رحمه الله: (وبالصلح عن شفعته على عوض وعليه رده) يعني تبطل الشفعة إذا صالح المشتري الشفيع على عوض وعلى الشفيع رد العوض لان حق الشفيع ليس بمقرر في المحل وإنما هو مجرد حق التملك فلا يجوز أخذ العوض عنه، ولا يتعلق إسقاط بالجائز من الشرط فيما إذا قال الشفيع أسقطت شفعتي فيما اشتريت على أن تسقط حصتك فيما اشتريت أو على أن لا تطلب الثمن مني لكونه ملائما حتى لو تراضيا سقط حق كل واحد منهما، ومع هذا لا يتعلق إسقاط الشفعة بهذا الشرط بل يسقط بمجرد قوله أسقطت، تحقق الشرط أو لم يتحقق، فأولى أن لا يتعلق بالشرط الفاسد وهو شرط الاعتياض عن حق ليس بمال بل هو رشوة محضة فيصح الاسقاط ويبطل الشرط، وكذا إذا باع شفعته بمال لما بينا. ونظير ما نحن فيه إذا قال للمخيرة اختاري بألف أو قال ألفين لامرأته اختاري ترك الفسخ بألف فاختارت سقط الخيار ولا يثبت المال والكفالة بالنفس في هذا بمنزلة الشفعة في رواية، وفي أخرى لا تبطل الكفالة ولا يجب المال. قال في شرح الجامع الكبير: إذا لم يجب العوض يجب أن لا تبطل شفعته كما في الكافلة. والفرق أن حق الشفيع قد سقط بعوض معنى فإن الثمن سلم له والمكفول له لم يرض بسقوط حقه عن الكفيل بغير عوض ولم يحصل له بعوض معنى فإن الثمن سلم له عوضا أصلا فلا يسقط حقه في الكفالة اه‍. قال الشارح: والاصح أن الكفالة والشفعة يسقطان ولا يجب المال. قيد بقوله صالح عن شفعته لانه لو صالح على أخذ نصيب الدار بنصف الثمن يجوز، ولو صالح عن أخذ بيت بحصته من الثمن لا يجوز الصلح ولا تسقط شفعته لانه لم يوجد منه الاعراض غير أن الثمن مجهول ومثله من الجهالة يمنع صحة البيع ابتداء والاخذ بالشفعة بيع. وفي المبسوط: ساوم الشفيع المشتري أو سأله أن يوليه إياها بذلك الثمن فقال نعم فهو تسليم منه

[ 256 ]

[ الشفيع لا المشتري وبيع ما يشفع به قبل القضاء بالشفعة ولا شفعة لمن باع أو بيع له ] اه‍. وفي المحيط: وهذه على ثلاثة أوجه: أحدها ما ذكره المؤلف. الثاني أن يصالح على أن يأخذ نصف الدار بنصف الثمن أو ثلث الدار بثلث الثمن فالصلح جائز لانه أخذ بعوض معلوم بثمن معلوم. المسألة الثالثة أن يأخذ بعضها غير معلوم أو شيئا معلوما يبطل الصلح ولا تبطل شفعته لان هذا لا يدل على الاعراض. وفي الجامع: صالح أجنبي أن يسلم الشفعة على مال بطلت الشفعة بلا مال، فإن قال المصالح على أن تكون الشفعة لي لم تبطل الشفعة لانه لم يسقط حقه بل أقام الاجنبي مقام نفسه في طلب الشفعة. وفي ابن فرشه: ولو استأجر الشفيع الدار أو أخذها منه مزارعة أو معاملة مع علمه بالشراء بطلت شفعته اه‍. والله تعالى أعلم. قال رحمه الله: (وبموت الشفيع لا المشتري) يعني بموت الشفيع قبل الاخذ بعد الطلب أو قبله تبطل الشفعة ولا تورث عنه ولا تبطل بموت المشتري. وقال الامام الشافعي: لا تبطل بموت الشفيع أيضا لانه حق معتبر كالقصاص وحق الرد بالعيب. ولنا أنه مجرد حق وهو حق التمليك وأنه مجرد رأي وهو الصفقة فلا يورث عنه بخلاف القصاص لان من عليه القصاص صار كالمملوك لمن له القصاص، ولهذا جاز له أخذ العوض عنه وملك العين يبقى بعد الموت فأمكن إرثه بخلاف الشفعة لانه مجرد رأي ولهذا لا يجوز الاعتراض عنها، ولان ملك الشفيع فيما يأخذ به الشفعة يشترط أن يكون باقيا من وقت البيع إلى وقت الاخذ بالشفعة ولم يوجد في حق الميت وقت الاخذ ولا في حق الوارث وقت البيع فبطلت لانها لا تستحق بالملك الحادث بعد البيع ولا بالزائل بعد الاخذ، وإنما لا تبطل بموت المشتري لان المستحق باق ولم يتغير بسبب حقه وإنما حصل الانتقال إلى الوراث فصار كما إذا انتقل إلى غيره فيأخذها. قيدنا قولنا قبل الاخذ قال في العناية: إذا مات بعد قضاء القاضي له بالشفعة أو سلم المشتري الدار له فهي لورثته يأخذونها ولا تباع الدار في دين المشتري لان حق الشفيع مقدم على حق المشتري، فإن باعها القاضي أو وصيه في دين الميت فللشفيع أنه ينقضه كما لو باعها المشتري في حياته، لا يقال بيع القاضي حكم منه فكيف ينقض لانه قضاء منه مخالف للاجماع اه‍. قال رحمه الله: (وبيع ما يسفع به قبل القضاء بالشفعة) يعني تبطل الشفعة ببيع الدار التي يشفع بها قبل الاخذ بالشفعة لان سبب استحقاقه قد زال قبل القضاء بالشفعة، ولا فرق بين أن يكون عالما وقت بيع الدار بشراء المشفوعة أو لم يكن عالما. وكذا إبراء الغريم لان كل ذلك إسقاط فلا يتوقف على العلم كالطلاق والعتاق ألا ترى أنه لا يرتد برد المشتري، ولو باع التي يشفع بها بشرط الخيار لا تبطل شفعته، ولو اشتراها الشفيع من المشتري بطلت شفعته لانه بالاقدام على الشراء أعرض عن الشفعة، ولمن هو بعده من الشفعاء أو مثله أن يأخذها منه بالشفعة بالعقد الاول وإن شاء بالثاني بخلاف ما إذا اشتراها ابتداء من

[ 257 ]

[ ولو شرط البائع الخيار لثالث فأجاز فهو كالبائع أو ضمن الدرك عن البائع ومن ابتاع أو ابتيع له فله الشفعة فإن قيل للشفيع أنها بيعت بألف فسلم ثم علم أنها بيعت بأقل ] غير أن يثبت له فيها حق الاخذ لان شراءها هناك لم يتضمن إعراضا اه‍. قال رحمه الله: (ولا شفعة لمن باع أو بيع له) يعني بيع له بالوكالة والاصل فيه أن من باع أو بيع له فلا شفعة له، ومن اشترى أو اشتري له كان له الشفعة لان الاخذ بالشفعة في الاول يلزم منه نقض ما تم من جهته وهو بالبيع لان البيع تمليك والاخذ تملك وبينهما منافاة، وفي الثاني لا يلزم ذلك بل فيه تقريره لان الاخذ بالشفعة مثل الشراء، ولا فرق بين أن يكون ذلك صدر من الاصيل أو الوكيل حتى لا تكون له الشفعة في الاول ولا لموكله، وفي الثاني لهما ذلك، فلو باع المضارب أو العبد المأذون العقار ليس للمولى ولا لرب المال الاخذ بالشفعة، ولو اشترياها كان لرب المال الشفعة لما ذكرنا. وكذا للمولى إن كان على العبد دين، وإن لم يكن عليه دين فلا فائدة بالاخذ لانه ملكه. والمخير للعقد الذي باشره الفضولي كالموكل لما عرف. وفائدة قوله أن المشتري لا تبطل شفعته إن شارك غيره من الشفعاء إن لم يتقدموا عليه، وإن تقدم هو على من هو بعده من الشفعاء فهي تسلم له عند ترك غيره من الشفعاء، والبائع ليس له أن يطلب المبيع بالشفعة في دار أخرى غيرها بلزقها لانه لما باعها رغب عنها والاخذ رغبة فيها فتنافيا بخلاف المشتري. وفي التجريد: ومن باع دراهم وهو شفيعها فله الشفعة اه‍. والظاهر أنه ومن اشترى دارا ولا يخفي أن قوله ولا شفعة لمن باع متكرر مع قوله وبيع ما يشفع كما تقدم. قال رحمه الله: (ولو شرط البائع الخيار لثالث فأجاز فهو كالبائع) فإن كان المشتري هو الذي فعل ذلك فأجاز فهو كالمشتري وقد بيناه. قال رحمه الله: (أو ضمن الدرك عن البائع) يعني إذا ضمن الشفيع الدرك عن البائع فلا شفعة له لان تمام المبيع إنما كان من جهته فليس له أن ينقض ما تم من جهته وقد بينا. قال رحمه الله: (ومن ابتاع أو ابتيع له فله الشفعة) وقد بينا وجهه فيما تقدم. وفي فتاوى الفضلي: الوكيل بشراء الدار إذا قبض الدار وهي في يده يطلب الشفيع منه ويأخذها منه، فإن كان سلم الدار إلى الموكل يطلب من الموكل ويأخذ منه ولا يطلب من الشفيع. وفي جامع الفتاوي: اشترى الوكيل فحضر الشفيع يأخذها من الوكيل ولا يلتفت إلى حضرة الموكل ولو كان وكيلا بالبيع فباع فحضر الشفيع يأخذها من الشفيع. وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى: الوكيل بالشراء لا يملك الاخذ ا ه‍. وفي الجامع: دار لها شفيعان قال المشتري لاحدهما اشتريت الدار لك فصدقه لا يبطل حقه وإن أقر بعد ذلك أنه لم يأمره لانا تيقنا ثبوت الشفعة له بالشراء سواء اشترى المشتري الدار لنفسه أو اشتراها للمقر له بأمره لان من اشترى أو اشترى له كان له الشفعة ولم يوجد منه ما يبطلها لان تملكه الدار بالشراء طلب منه للشفعة وزيادة، ولان من يطلب الشفعة يتملك الدار بالشفعة في الطلب الثاني فإذا ملكها

[ 258 ]

للحال قام ذلك منه مقام الطلب والزيادة. ولو قال المشتري هذه الدار كلها كانت لك ولم تكن لي ولا للبائع أو قال كنت اشتريتها قبل أو قال البائع وهبها لك فصدقه بطلت شفعته، ولو لم يصدقه على ذلك للشفيع الاخذ فله أن يأخذ كلها بالشفعة لان الشراء قد صح من حيث الظاهر وجبت الشفعة للشفيعين بعد ما ثبت لهما من حيث الظاهر فبطل حق المصدق لتصديقه ولم يبطل حق المكذب لانهما يصدقان عليه. وفي النوادر: ولو أقر الشفيع قبل القضاء له بالشفعة أن هذه الدار لفلان الغائب وأنه لم يأمره بالبيع وقال المشتري بل هو للبائع لم تبطل شفعته، وكذلك لو قال البائع وكلني صاحبها بالبيع وقال الشفيع لم يأمره صاحبها بالبيع فله الشفعة لان قول الشفيع لا يصدق في حق المتبايعين فكان المبيع محكوما بصحته في حقهما فجاز للشفيع أن يطالب بحقوقه، وكذلك لو ادعى هذه الدار رجل فشهد له هذا الشفيع فلم يعدل ثم باعها ذو اليد فللشفيع أن يأخذها بالشفعة، ذكره ابن سماعة. ولو قال الشفيع هذه الدار لي فإن أقمت البينة وإلا أخذتها بالشفعة فلا شفعة لانه ادعى ملكها والشفعة للتملك ويمتنع أن يملك ما هو على ملكه والشفعة حقه فلا يجوز أن يتملك بالعوض ما هو على ملكه، ذكره ابن سماعة عن أبي يوسف. وفي المسائل المقتدمة اعترف بكون الشئ على ملك غيره فجاز أن يتملكه بعوض، هذا إذا علم أنه وكيل بالشراء فقد قدمنا حكمه، وأما إذا لم يعلم ذلك إلا بقوله وأنكر الشفيع الوكالة فهو خصم. ولا فائدة في هذه الخصومة لانا لو علمنا بالوكالة كان خصما لان حقوق العقد تتعلق به فكذا إذا لم تكن معلومة. ولو قال المشتري قبل أن يخاصمه الشفيع اشتريت لفلان وسلم ثم حضر الشفيع فلا خصومه بينه وبين المشتري لان إقراره قبل الخصومة لفلان صحيح كما لو كانت الوكالة معلومة، ولو أقر بذلك بعد ما خاصمه الشفيع لم تسقط الخصومة عنه لانه صار خصما للشفيع وهو بهذا الاقرار يريد إسقاط حقه فلا يملكه. ولو أقام بينة أنه قال قبل شرائه أنه وكيل فلان لم تقبل بينته لانه يدفع بهذه البينة الخصومة عن نفسه، وروى عن محمد أنه تقبل بينته لدفع الخصومة حتى يحضر المقر له والوكيل بطلب الشفعة خصم لان الاخذ بالشفعة يتضمن للشراء والخصومة والوكيل بهما جائز إلا عند أبي حنيفة لانه لا يصح إلا برضا الخصم، وعندهما جائز بغير رضا الخصم. ولو طلب وكيل الشفيع فقال المشتري قد سلم الشفيع لا يقبل قوله، وكذلك لو أراد يمينه أنه لم يفرط في طلب الشفعة ولكن يؤمر بتسليم الدار إلى الوكيل ثم يتبع الموكل ويستحلفه وصار كالوكيل بقبض الدين إذا ادعى المديون الابراء من الموكل فإنه يؤمر بدفع الدين للوكيل ثم يتبع الموكل ويستحلفه على ذلك، ولو سلم الوكيل الشفعة أو أقر بالتسليم عند القاضي جاز تسليمه لان من ملك الاخذ بالشفعة ملك التسليم كما في الاب والوصي ولا يجوز عند غير القاضي عندهما. وقال أبو يوسف: يجوز بناء على أن الوكيل إذا أقر على موكله بالتسليم في غير مجلس الحاكم يقبل لما يأتي في الوكالة للدار شفيعان فوكلا رجلا فقال سلمت شفعة

[ 259 ]

[ أو ببرأ وشعير قيمته ألف أو أكثر فله الشفعة ولو بان أنها بيعت بدنانير قيمتها ألف فلا ] أحدهما ولم يبين أيهما هو وقال أطلب الآخر ليس له ذلك حتى يبين لان القاضي يحتاج إلى أن يقضي بالشفعة لاحدهما وبالتسليم على الآخر ولا يمكنه ذلك إلا بعد البيان. وكل الشفيع المشتري فأخذها لم يصح لان الاخذ بالشفعة شراء والواحد لا يصلح وكيلا بالشراء من الجانبين، وكذلك لو وكل البائع استحسانا لانه يصير أخذا من نفسه فيؤدي إلى التضاد في الحقوق إن كان المبيع في يده، وبعد التسليم يصير ساعيا في نقض ما قدتم من جهته لانه بأخذه ينفسخ العقد بينه وبين المشتري ولا يجوز لاحد المتعاقدين السعي في نقض ما تم به. وكله بأن يأخذ الشفعة بكذا وكان المشتري اشترى بأكثر لا يأخذ لان الوكيل بالشفعة وكيل بالشراء والوكيل بالشراء لا يملك الشراء بأكثر مما بين له الموكل من الثمن، وكذلك لو قال اشترها من فلان فاشتراها من غيره لا ينفذ لانه خالف فخاصمه في أخرى ليس له ذلك إلا إذا عمم في التوكيل لان الوكيل بشراء دار بعينها لا يملك شراء دار أخرى. لو طلب المشتري من الوكيل بطلب الشفعة أن يكف عنه مدة على أنه على خصومته وشفعته جاز لان الشفيع لو أخر وأمهل المشتري بعد الاشهاد بدون طلبه جاز فكذا بطلب وكيله، ولا تبطل الشفعة بموت الوكيل وتبطل بموت الموكل ولحاقه بدار الحرب مرتدا لان الحق ثابت للموكل لا للوكيل. وفي المنتقى: ولو وكل رجلا بطلب له حق له وبالخصومة والقبض ليس له أن يطلب شفعته لان الشفعة شراء والوكيل بالخصومة لا يملك الشراء وكل أن يقبض شفعة قد قضى بها. قال رحمه الله: (فإن قيل للشفيع أنها بيعت بألف فسلم ثم علم أنها بيعت بأقل أو ببرأ وشعير قيمته ألف أو أكثر فله الشفعة) لان تسليمه كان لاستكثار الثمن أو لتعذر الجنس ظاهرا فإذا تبين له خلاف ذلك كان له الاخذ للتيسير وعدم الرضا على تقدير أن الثمن غيره لان الرغبة في الاخذ تختلف باختلاف الثمن قدرا وجنسا، فإذا سلم على بعض الوجوه لا يلزم منه التسليم في الوجوه كلها، وكذا كل موزون أو مكيل أو عددي متفاوت بخلاف ما إذا علم أنها بيعت بعروض قيمتها ألف أو أكثر لان الواجب فيه القيمة وهي دراهم أو دنانير يظهر فيه التيسير فلا يكون له الاخذ، وكذا لو أخبر أن الثمن عروض كالثياب والعبيد فظهر أنه مكيل أو موزون أو أخبر أن الثمن مكيل أو موزون فظهر من خلاف جنسه من المكيل والموزون فهو على شفعته لما ذكرنا، وإن ظهر أنه جنس آخر من العروض قيمته مثل قيمة الذي بلغه أو ظهر أنه ذهب أو فضة قدره مثل قيمة ذلك فلا شفعة له لعدم الفائدة لان في غير المكيل والموزون الواجب القيمة فلا يظهر التفاوت. قال صاحب النهاية: تقييده بقوله قيمته ألف أو أكثر غير مفيد فإنه لو كان قيمته أقل من ألف فتسلمه باطل لاطلاق المبسوط والايضاح حيث قالا: ثم ظهر له مكيل أو موزون فهو على شفعته. وأجيب بأنه مفيد لانه

[ 260 ]

[ شفعة له وإن قيل له أن المشتري فلان فسلم ثم ظهر أنه غيره فله الشفعة وإن باعها إلا ] إذا علم أن الشفعة لا تبطل إذا ظهر أنه أكثر علم بطريق الاولى أنها لا تبطل إذا ظهر أنه أقل. وفي المحيط: ولو بلغه أن الثمن عبد فظهر أنه جارية ينظر إن كان قيمة الجارية كقيمة العبد أو أكثر بطلت، وإن كان أقل من قيمة العبد لا تبطل فهو كما لو أخبر بالثمن ألف وظهر أقل. ولو أخبر أن الثمن ألف درهم فسلم فإذا هو مائة دينار لم يذكره في الاصل أيضا. وذكر الكرخي ينظر، إن كان قيمة الدنانير ألف درهم أو أكثر صح التسليم وهو قول شيخ الاسلام، كذا في التجريد. وروي عن زفر له في الوجهين الشفعة وهو قول الامام. ولو أخبر أنه باع نصفها فسلم ثم علم أنه باع كلها فله الشفعة لان من رغب عن البعض لعيب الشركة لا يكون راغبا عن الكل وليس فيه عيب، ولو أخبر أنه باع الكل فسلم ثم علم أنه باع نصفها بطلت شفعته لان من رغب عنها وليس بها عيب الشركة كان راغبا عنها وبها عيب الشركة بالطريق الاولى. قالوا: وتأويلها أن يكون ثمن النصف ثمن الكل فلو أخبر أنه باع الكل بألف ثم علم أنه باع النصف بخمسمائة فإنه يجب أن يكون على شفعته لانه إذا رغب في الاول لعجزه عن الالف فلا يكون راغبا عن الخمسمائة، ولو أخبر أنها بيعت بألف فسلم الشفيع الشفعة ثم حط البائع عن المشتري شيئا من الثمن وقبل الحط فله الشفعة لانه يلتحق بأصل العقد فصار كما لو أخبر أنها بيعت بألف فظهر أنها بيعت بأقل منه، ولو زاد البائع مشتري الدار عليها عبدا أو أمة بعد ما سلم الشفيع الشفعة كان للشفيع أن يأخذ الدار بحصتها من الثمن لانه تبين أن حصة الدار من الثمن أقل، ولو قضى القاضي له بالشفعة ولم يعلم بالثمن ثم علم فله الخيار لان رضاه بالاخذ إنما يتم إذا علم بالثمن ا ه‍. وفي التجريد وغيره: أخبر أن الثمن عبد أو جارية فظهر أنه مكيل أو موزون فهو على شفعته اه. قال رحمه الله: (ولو بان أنها بيعت بدنانير قيمتها ألف فلا شفعة له) وهو قول أبي يوسف. وقد بينا المسألة بفروعها فيما تقدم. وفي المحيط: سلم الشفيع الشفعة فقال المشتري للبائع كان تلجئة لا يتجدد شفعته لانه بعد ما سلم لم يبق له حق فصح إقرارهما بأن البيع تلجئة فكان فاسدا، ولو ثبت معاينة أن البيع تلجئة لا يتجدد للشفيع حق الشفعة بخلاف ما لو كان قبل التسلم لان حق الشفيع ثبت من حيث الظاهر فإقرارهما يتضمن إبطال حقه فلا يقبل تسلم الشفيع في هبة بعوض فظهر أنه بيع لم تعد الشفعة، ولو سلم في هبة بغير شرط العوض ثم تصادقا أنه كان بشرط العوض فله الشفعة. وفي النوادر: ولو سلم الشفعة ثم جعل المشتري للبائع خيار يوم جاز فإن نقض البائع البيع في ذلك اليوم لا يتجدد للشفيع حق الشفعة، رواه ابن سماعة عن محمد، وروي ابن سماعة عن أبي يوسف أن له الشفعة ا ه‍. قال رحمه الله: (وإن قيل له أن المشتري فلان فسلم ثم ظهر أنه غيره فله الشفعة) لتفاوت الناس في الاخلاق فمنهم من يرغب في معاشرته، ومنهم من يجتنب مخافة شره

[ 261 ]

[ ذراعا في جانب الشفيع فلا شفعة له وإن ابتاع منهما سهما بثمن ابتاع بقيمتها فالشفعة للجار في السهم الاول فقط وإن ابتاعها بثمن ثم دفع ثوبا عنه فالشفعة بالثمن ] فالتسليم في حق البعض لا يكون تسليما في حق غيره، ولو علم أن المشتري هو مع غيره كان له أن يأخذ نصيب غيره لان التسليم لم يوجد في حقه. قال محمد في الجامع الصغير: ولو قال الشفيع سلمت الشفعة في هذه الدار إن كنت اشتريتها لنفسك وقد اشتراها لغيره فهذا ليس بتسليم وذلك لان الشفيع علق التسليم بشرط، وصح هذا التعليق لان تسليم الشفعة إسقاط الحق كالطلاق فصح تعليقه بالشرط ولا يترك إلا بعد وجوده. قال صاحب العناية بعد ما نقل كلام محمد هذا. وهذا كما ترى يناقض قوله ولا يتعلق إسقاطه بالشرط الجائز فبالفاسد أولى ا ه‍. وقد يجاب بأنه فرق بين شرط وشرط، فما سبق كان من الشروط التي تدل على الاعراض عن الشفعة والرضا بالجوار مطلقا، وما ذكر هنا من الشروط التي لا تدل على الاعراض ولا على الرضا فتأمل. قال رحمه الله: (وإن باعها إلا ذراعا في جانب الشفيع فلا شفعة له) يعني إذا باع الدار إلا مقدار ذراع في طول الحد الذي يلي الشفيع فلا شفعة له لان الاستحقاق بالجوار ولم يوجد الاتصال بالمبيع، وكذا لو وهب هذا القدر للمشتري لعدم الاتصال وهو حيلة. وفي التتارخانية: الحيلة في هذا الباب نوعان: نوع لاسقاطه بعد الوجوب وذلك بأن يقول للشفيع أنا أبيعها منك فقال الشفيع نعم فتبطل شفعته وهو مكروه بالاجماع، كذا ذكره شيخ الاسلام. وذكره شمس الائمة أنه لا يكره إذا لم يقصد المشتري الاضرار بالشفيع وفي الينابيع: قيل الاختلاف قبل المبيع، أما بعده فمكروه بالاجماع وهو الاصح. وفي العتابية: ونوع منه يمنع وجوبه وقد اختلف المشايخ قالوا على قول أبي يوسف وعلى قول محمد مكروه. وفي الذخيرة: ومنهم من قال في الشفعة لا تكره الحيلة لمنع وجوبها بلا خلاف. وفي الخلاصة: الحيلة لابطال الشفعة إن كان قبل الوجوب لا بأس به، سواء كان الشفيع عدلا أو فاسقا فهو المختار. وفي فتاوى الفضلي عن أبي بكر بن سعيد فقال: الحيلة بعد المبيع مكروهة في الاحوال كلها، وقبل البيع إن كان الجار فاسقا يتأذى به فلا يكره، وقيل يكره في جميع الاحوال ا ه‍. قال رحمه الله: (وإن ابتاع منهما سهما بثمن ثم ابتاع بقيمتها فالشفعة للجار في السهم الاول فقط) لان الشفيع جار في السهم الاول والمشتري شريك في السهم الثاني وهو مقدم على الجار، ولو أراد الحيلة يشتري السهم الاول بجميع الثمن إلا درهما والسهم الثاني بدرهم فلا يرغب الجار في أخذه لكثرة الثمن، وكذا في المسألة الاولى ما يأتي مثل هذه الحيلة بأن يبيع ما يلي الجار بجميع الثمن إلا درهما ثم يشتري الباقي بدرهم، فإن أخذه بالشفعة أخذ قدر الذراع بجميع الثمن وليس له أن يأخذ الباقي بدرهم، فإن أخذه بالشفعة أخذ قدر الذراع بجميع الثمن وليس له أن يأخذ الباقي لانه ليس بجار فأيهما خاف أن لا يوفي صاحبه شرط الخيار لنفسه، وإن خافا شرط كل منهما

[ 262 ]

[ لا بالثوب ولا تكره الحيلة لاسقاط الشفعة والزكاة وأخذ حظ البعض بتعدد المشتري ] الخيار لنفسه ثم يخيران معا، وإن خاف كل منهما إذا أجاز لا يجيز صاحبه وكل منهما وكيلا ويشترط عليه أن يجيز بشرط أن يجيز صاحبه. وفي الفتاوى: ومن جملة ذلك أن يتصدق بطبقة معينة على المشتري من الدار بطريقها ويسلمها إليه ثم يبيع الباقي منه فلا يكون للجار شفعه. وفي الخانية: أو المشتري يتصدق بمثل الثمن على البائع وهي والهبة سواء إلا أن في الهبة من الاجنبي يملك الرجوع، وفي الصدقة لا يملك الرجوع. ومنها أن يهب جزأ شائعا ثم يترافعا إلى حاكم يرى هبة المشاع فيما يحتمل القسمة فيحكم بجواز الهبة ثم يبيع بقيمة الدار منه فيكون الموهوب له مقدما على الجار، ومن جملة ذلك أن يهب قدر ذراع من الجانب الذي هو متصل بملك الجار ا ه‍. قال رحمه الله: (وإن ابتاعها بثمن ثم دفع ثوبا عنه فالشفعة بالثمن لا بالثوب) لان الثوب عوض عما في ذمة المشتري فيكون البائع مشتريا للثوب بعقد آخر غير العقد الاول، وهذه الحيلة تمنع الجار والشريك لانه يبتاع العقار بأضعاف قيمته ويعطيه بها ثوبا قدر قيمة العقار غير أنه يخاف أن يتضرر البائع بذلك لانه لو استحقت الدار تبقى الدراهم كلها في ذمة البائع لوجوبه عليه بالبيع وبراءته حصلت بطريق المقاصة بثمن العقار، فإذا استحق تبين أنه ليس عليه ثمن العقار فبطلت المقاصة فيجب على البائع الثمن كله. والحيلة فيه أن يدفع إليه بدل الدراهم الثمن الدنانير بقدر قيمه العقار فيكون صرفا بما في ذمته من الدارهم، ثم إذا استحق العقار تبين أن لا دين على المشتري فيبطل الصرف للافتراق قبل القبض فيجب رد الدنانير لا غير، والحيلة الاولى تختص بالجوار وهذه لا وحيلة أخرى تعم الجار والشريك أن يشتريه بأضعاف قيمته من الدراهم ثم يوفيه من الدراهم قدر قيمة العقار لا قدر قيمة الدنانير مثلا ثم يعطيه الدنانير بالباقي فيصير صرفا فيه، فإذا استحق المشفوع يرد ما قبض كله فغير الدنانير على أنه بدل عن العقار المستحق والدينار لبطلان الصرف، وإن كان الشفيع خليطا في نفس المبيع فأراد أن يبيعها من أحدهم وتسقط الشفعة من الباقين فالحيلة فيه أن يجعل الثمن مجهولا. والصبي والمجنون بمنزلة البالغ في هذه المسألة بعد أن يكون مثل القيمة أو بنقصان يتغابن فيه وهذه حيلة عامة. وذكر الخصاف حيلة لم يذكرها محمد وهو أن يدعي أن الدار لابن صغير له في يد هذا الرجل ثم إن المدعي يدعي له مائة دينار ولا يقول إنها من مال ابنه الصغير على أنه يسلم الذي في الدار فيجوز ولا شفعة فيها لان الاب لم يأخذ الدار بطريق المعاوضة، ومن جملة الحيل أن يقر البائع بجزء معلوم من الدار للمشتري ثم يبيع الباقي منه. ومن الحيل أن يوكل المشتري وكيلا بالشراء فيشتري الوكيل ويغيب ولا يكون الموكل خصما للشفيع فهذا على قول محمد، وعلى قول أبي يوسف يكون خصما له ا ه‍. قال رحمه الله: (ولا تكره الحيلة لاسقاط الشفعة والزكاة) هذا عند أبي يوسف، وعند محمد يكره لان الشفعة وجبت لدفع

[ 263 ]

[ لا بتعدد البائع وإن اشترى نصف دار غير مقسوم أخذ الشفيع حظ المشتري بقيمته ] الضرر وهو واجب وإلحاق الضرر به حرام فكانت مكروهة ضرورة، ولابي يوسف أنه يحتاج لدفع الضرر عن نفسه والحيلة لدفع الضرر عن نفسه مشروع وإن كان غيره يتضرر بذلك، وقد قدمنا هذه المسألة بفروعها. قال في النهاية: قيل هذا الاختلاف بينهم قبل الوجوب. وأما بعده فمكروه بالاجماع. ولقائل أن يقول: إما أن يراد بالاجماع والاختلاف إجماع المجتهدين واختلافهم في نفس المسألة أو يراد إجماع المشايخ واختلافهم في الرواية أيما كان لا يخلو عن اضطراب لان الاختلاف بين المجتهدين مقرر وبين المشايخ أيضا مقرر. قال رحمه الله: (وأخذ حظ البعض بتعدد المشتري لا بتعدد البائع) يعني أن المشتري إذا تعدد بأن اشترى جماعة عقارا والبائع واحد يتعدد الاخذ بالشفعة بتعددهم حتى كان للشفيع أن يأخذ نصيب بعضهم ويترك الباقي، وإن تعدد البائع بأن باع جماعة عقارا مشتركا بينهم والمشتري واحد لا يتعدد الاخذ بالشفعة بتعددهم حتى لا يكون للشفيع أن يأخذ نصيب بعضهم دون بعض. والفرق أن الشفيع في الوجه الثاني لو أخذ نصيب بعضهم تتفرق الصفقة على المشتري فيتضرر بعيب الشركة وهي شرعت على خلاف القياس لدفع لضرر عن الشفيع فلا تشرع على وجه يتضرر المشتري ضررا زائدا على الاخذ بالشفعة، وفي الاول لا تتفرق الصفقة على أحد، ولا فرق في هذا بين أن يكون قبل القبض أو بعده في الصحيح إلا أن الشفيع إذا اختار الجميع لا يمكنه أن يأخذ نصيب أحدهم إذا نقد حصته من الثمن حتى ينقد الجميع لئلا يؤدي إلى تفريق اليد على البائع بمنزلة المشترين أنفسهم لانه كواحد منهم، وكما إذا كان المشتري واحدا فنقد البعض من الثمن، وسواء سمى لكل ثمنا أو سمى الكل جملة لان العبرة في هذا لاتحاد الصفقة لا لاتحاد الثمن واختلافه، والعبرة في التعدد والاتحاد للعاقد دون المالك حتى لو وكل واحد جماعة بالشراء فاشتروا له عقارا واحدا بصفقة واحدة يتعدد وأخذه يتعدد وكان للشفيع أن يأخذ نصيب أحدهم، ولو وكل جماعة واحد ليس للشفيع أن يأخذ نصيب بعضهم لان حقوق العقد تتعلق بالعاقد وهو أصل فيه فيتحد باتحاده ويتعدد بتعدده. قيدنا بقولنا لا فرق بين أن يكون الاخذ قبل القبض أو بعده في الصحيح وروى الحسن عن الامام أنه فصل فقال: إن أخذ قبل القبض نصيب أحدهم ليس له ذلك وبعده كان له ذلك لانه قبل القبض يتضرر البائع بأخذ البعض منه بتفريق اليد عليه وبعده لا يتضرر لانه لم يبق له يد. وجوابه أن له أن يحبس الجميع إلى أن يستوفي جميع الثمن فلا يؤدي إلى تفريق اليد عليه، وإذا اشترى الرجل دارين صفقة واحدة وشفيعها واحد فأراد أن يأخذ أحدهما دون الآخر فليس له ذلك. وفي فتاوى العتابية: ولو كانا متلاصقين وشفيع أحدهما خاصة ولو كانا أرضين أو قرية أو أرضها أو قريتين وأرضهما وهو شفيع ذلك كله فإنما له أن يأخذ جميع ذلك كله فإنما له أن يأخذ جميع ذلك أو يدعه سواء كانا متلاصقين أو في مصرين أو قريتين

[ 264 ]

وللعبد المأذون الاخذ بالشفعة من سيده كعكسه وصح تسليمهم الشفعة من الاب ] بعد أن يكون ذلك صفقة. وذكر شيخ الاسلام في شرحه أن له أن يأخذ الدار الذي هو شفيعها في ظاهر الرواية. ولو اشترى الدار بمتاع فيها صفقة واحدة فالشفيع يأخذ الدار مع المتاع أو يدع الكل. وذكر شمس الائمة السرخسي في شرحه كان أبو حنيفة يقول أولا هذا ثم رجع وقال يأخذ واحد منهما ثم رجع وقال يأخذ الذي هو شفيعها خاصة. وفي الفتاوى العتابية: ولو اشترى دارين ورفع الحائط من الدار الاخرى وجعلها دارا واحدة أخذ الشفيع كلها وإن كان ذلك الباب بحاله لانه دار لها بابان، ولو فتح باب البيت التي اشتراها إلى داره وسد الباب الاول وصار معروفا بهذا البيت معها أخذها بالشفعة. قال رحمه الله: (وإن اشترى نصف دار غير مقسوم أخذ الشفيع حظ المشتري بقيمته) يعني لو اشترى نصف دار غير مقسوم فقاسم المشتري البائع يأخذ الشفيع نصيب المشتري الذي حصل له بقيمته وليس له أن ينقض القسمة، سواء كانت بقضاء أو تراض، لان القسمة من تمام القبض لما فيه من تكميل الانتفاع والشفيع لا ينقض القبض ليجعل العهدة على البائع، ولهذا لو باع أو أجر يطيب له الثمن والاجرة وليس للشفيع فيه ملك وإنما له حق الاخذ بالشفعة وذلك لا يمنع نفوذ تصرفاته غير أنه ينقض تصرفا يبطل حقه لدفع الضرر عن نفسه ولا ضرر في القسمة فيبقى على الاصل في حق البيع الاول وفي حق ماله حكمه وهو القبض بجهته، فظاهر عبارة الشارح أنه يأخذه سواء وقع في جانب الدار المشفوع بها أو لا. وفي التجريد عن الامام أن الشفيع إنما يأخذ النصيب الذي أصاب المشتري إذا وقع في جانب الدار المشفوع بها. وفي واقعات الناطفي أن القسمة إذا كانت بحكم ففي نقض القسمة روايتان. قال الصدر الشهيد في واقعاته والمختار لا نقض بخلاف ما إذا أخذ أحد الشريكين نصيبه من الدار المشتركة وقاسم المشتري الشريك الذي لا يبيع حيث يكون للشفيع نقضه لان العقد لم يقع من الذي قاسم فلم تكن القسمة من تمام القبض الذي هو حكم البيع الاول بل هو تصرف بحكم الملك فينقضه الشفيع كما ينقض بيعه وهبته وفي التجريد: رجلان اشتريا دارا وهما شفيعان ولهما شفيع ثالث اقتسماها ثم جاء الثالث فله أن ينقض القسمة، سواء اقتسماها بقضاء أو بغير قضاء ا ه‍. وأما إذا لم يكن للشفيع نقض القسمة في مسألة الكتاب فيأخذ نصيب المشتري في أي جانب كان لانه استحقه بالشراء والمشتري لا يقدر على إبطاله فيأخذه وهو قول أبي يوسف، وإطلاق الكتاب يدل عليه. وقدمنا قول الامام وإطلاق الماتن صادق على ما إذا قاسم البائع أو غيره وليس كذلك، فلو زاد أو قاسم البائع لسلم من الاعتراض ا ه‍. قال رحمه الله: (وللعبد المأذون الاخذ بالشفعة من سيده كعكسه) يعني إذا باع رجل دارا وللبائع عبد مأذون له في التجارة وعليه دين يحيط برقبته وماله فللعبد أن يأخذ الدار بالشفعة، وكذا عكسه وهو ما إذا كان العبد المأذون هو البائع فلمولاه الاخذ بالشفعة

[ 265 ]

[ والوصي والوكيل والوكيل. ] لان الاخذ بالشفعة بمنزلة الشراء، وشراء أحدهما من صاحبه جائز إذا كان على العبد دين لانه يفيد ملك اليد للعبد لكون المولى لا يملك ما في يد عبده المديون أو لكون العبد أحق به بخلاف ما إذا لم يكن عليه دين والعبد بائع لانه بيعه لمولاه ولا شفعة لمن يبيع له بخلاف ما إذا اشترى لانه ابتيع له، وقد بينا أن من ابتاع أو ابتيع له لا تبطل شفعته، ولو قيد بالمديون لكان أولى. قال رحمه الله: (وصح تسليمهم الشفعة من الاب والوصي والوكيل) يعني أن الحمل والصغير في استحقاق الشفعة كالكبير لاستوائهما في سببه فيقوم بالطلب والاخذ والتسلم من يقوم مقامهما وهو الاب ثم وصيه ثم أب الاب ثم وصيه ثم الوصي الذي نصبه القاضي، فإن لم يكن أحد فهو على شفعته حتى يدرك، وهذا قول الامام وأبي يوسف. وقال محمد وزفر: هو على شفعته إذا بلع. وعلى هذا الخلاف بطلان الشفعة بسكوت الاب والوصي عند العلم بالشراء للامام محمد وزفر أن هذا إبطال لحق الصبي فلا يصح كالعفو عن القود وإعتاق عبده وإبراء عن يمينه، ولان تصرفهما نظري والنظر في الاخذ يتعين ألا ترى أنه شرع لدفع الضرر فكان في إبطاله إلحاق الضرر به فلا يملك. ولهما أن الاخذ بالشفعة في معنى التجارة بل هو عينها ألا ترى أنه مبادلة المال بالمال وترك الاخذ بها ترك التجارة فيملكه كما يملك ترك التجارة يوضحه أنه لو أخذه بالشفعة ثم باعه من ذلك الرجل بعينه جاز فكذا إذا سلمه إليه بل أولى لانه إذا أخذه ثم باعه من ذلك الرجل بعينه جاز كانت العهدة على الصبي، وفي الاول على البائع أو المشتري ولان هذا تصرف دائر بين النفع والضرر فيتحمل أن يكون الترك أنفع بايفاء الثمن على ملك الصبي بخلاف العفو عن القود وما ذكر معه لانه ضرر محض غير متردد، ولانه إبطال بغير عوض. هذا إذا بيعت بمثل قيمتها، وإن بيعت بأكثر من قيمتها بما لا يتغابن الناس في مثله، قيل جاز التسليم بالاجماع لان النظر متعين فيه، وقيل لا يجوز التسليم بالاجماع وهو الاصح لانه لا يملك الاخذ فلا يملك التسليم كالاجنبي، وإن بيعت بأقل من قيمتها بمحاباة كثيرة فعند الامام لا يصح تسليم الاب والوصي ولا رواية عن أبي يوسف. قال في النهاية: ولما لم يصح التسليم على قول الامام لا يصح على قول محمد وزفر بالاولى، ولو كان المشتري هو الاب لنفسه كان له أن يأخذه بالشفعة ما لم يكن فيه ضرر ظاهر على الصغير، وكذا لو اشترى لابنه الصغير كان له أن يأخذ بالشفعة ما لم يكن فيه ضرر ظاهر وهو أن لا يكون فيه غبن فاحش فكذا في الاخذ، والوصي كالاب في هذا إلا أنه يشترط في حقه أن يكون فيه نفع بالصغير ظاهر حتى إذا كان بمثل القيمة لا يجوز. وكذا إذا باع من نفسه بمثل القيمة لا يجوز حتى يكون أكثر، وفي الاب يجوز إذا كان بمثل القيمة فيهما. ثم كيفية طلبه أن يقول اشتريت وأخذت بالشفعة

[ 266 ]

متصلا، ولو باع كل وحد منهما مال الصغير أو مال نفسه ليس له أن يأخذه بالشفعة لا لنفسه ولا للصغير لما ذكرنا أن من باع أو بيع له الخ. وإن كان في الشراء غبن فاحش كان للصغير أن يطلب الشفعة. إذا بلغ. وفي الاصل: الحمل فإن وضعت لاقل من ستة أشهر منذ وقع الشراء فإنه لا شفعة لها إلا أن يكون أبوه مات قبل البيع ورث الحمل عنه حينئذ يستحق الشفعة وإن جاءت بالولد لستة أشهر فصاعدا وفي السغناقي: وإذا كانت الشفعة لكبير وصغير وحمل وقد ثبت نسبه من الميت شركهم في الشفعة وإن جاءت لاكثر من ستة أشهر ا ه‍. وفي التتمة: وإذا بيعت بأقل من قيمتها فتسليم الاب والوصي لا يصح والصغير على شفعته إذا بلغ. وفي الاصل: إذا اشترى الاب لنفسه دارا وابنه الصغير شفيعها فلم يطلب الشفيع للصغير حتى بلغ، قياس قول أبي حنيفة لا شفعة للصغير، أما الوصي فهو على شفعته ويجب أن يكون الجواب في شراء الاب دارا وابنه الصغير شفيعها على التفصيل إن لم يكن فيه ضرر فلو وقع بأكثر من القيمة بما يتغابن الناس فيه لا يكون للصغير شفعة إذا بلغ، وإن وقع شراء الاب بأكثر من القيمة بما لا يتغابن الناس فيه كان للصغير الشفعة إذا بلغ ا ه‍. قال رحمه الله: (والوكيل) بالجر عطفا على الاب يعني الوكيل بالشراء تسليم الشفعة منه صحيح والمراد بالوكيل ههنا الوكيل بطلب الشفعة. وأما الوكيل بالشراء فتسليمه الشفعة صحيح بالاجماع، وكذا سكوته إعراض بالاجماع. والوكيل بطلب الشفعة إنما يصح تسليمه في مجلس القاضي عند الامام وعند أبي يوسف يصح في مجلس القاضي وغيره، وعند محمد وزفر لا يصح تسليمه أصلا لانه أتى بضد ما أمر به فصار كما لو وكله باستيفاء الدين فأبرأه منه. ولهما أنه توكيل بالشراء له لان الاخذ بها شراء والوكيل بالشراء له أن يشتري فله أن يترك الشفعة غير أن أبا يوسف يقول هو وكيل مطلق فينفذ تصرفه مطقا، والامام يقول الوكيل بطلب الشفعة وكيل بالخصومة ولا تعتبر الخصومة في غير مجلس القاضي فلا يكون وكيلا في غير مجلس الحاكم. ولو أقر الوكيل بطلب الشفعة على موكله بأن سلم الشفعة جاز إقراره عليه عند الامام ومحمد إذا كان في مجلس القاضي، وإن كان في غيره فلا يجوز إلا أنه يخرج من الخصومة ا ه‍. وقال أبو يوسف: يجوز مطلقا. وقال زفر: لا يجوز مطلقا وقد قدمنا بعض هذه والله سبحانه وتعالى أعلم.

[ 267 ]

[ كتاب القسمة هي جمع نصيب شائع في معين وتشتمل على الافراز والمبادلة وهو في المثلى فيأخذ حظه حال غيبه صاحبه وهي في غيره فلا يأخذ ويجبر في متحد الحنس عند ] كتاب القسمة مناسبة القسمة بالشفعة من حيث إن كلا منهما من نتائج النصيب الشائع لما أن أقوى أسباب الشفعة الشركة فأحد الشركين إذا أراد الافتراق مع بقاء ملكه طلب القسمة، ومع عدم البقاء باع فوجب عنده الشفعة. وقدم الشفعة لان بقاء ما كان على ما كان أصل. وهنا يحتاج إلى معرفة شرعية القسمة وتفسيرها وركنها وشرطها وحكمها وسببها ودليلها. أما دليل المشروعية فهو قوله تعالى * (ونبئهم أن الماء قسمة بينهم) * (القمر: 28) وقوله تعالى * (هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم) * (الشعراء: 155) ومن السنة ما روي أنه عليه الصلاة والسلام فتح خيبر وقسمها بين الغانمين وعليه إجماع الامة. وأما تفسيرها لغة فهو عبارة عن الاقتسام كالقدرة للاقتدار والاسوة للاتساء. وأما شرعا فسيذكرها المؤلف. وأما ركنها فالفعل الذي يقع به الاقرار. وأما شرطها فمتاع لا تتبدل منفعته بالقسمة ولا يفوت. وأما حكمها فتعين نصيب كل واحد منهما من نصيب الآخر ملكا وانتفاعا وسببها طلب كل واحد من الشريكين الانتفاع بنصيبة على الخصوص. وأما محاسنها أن أحد الشريكين يحصل له من صاحبه سوء الخلق وضيق الفطن وقوة الرأس وليس له مخرج من هذه الامور إلا الركون إلى الاقتسام. وأما صفتها فهي واجبة على الحاكم عند طلب بعض الشركاء. قال رحمه الله: (هي جمع نصيب شائع في معين) هذا معناه شرعا لان ما من جزء معين إلا وهو مشتمل على النصيبين فكان ما يقبضه كل وحد منهما نصفه ملكه ونصفه ملك صاحبه، فإذا وقعت القسمة صار حصة صاحبه فيما وقع في نصيبه عوضا عما فاته في نصيب صاحبه. قال رحمه الله: (وتشتمل على الافراز والمبادلة وهو الظاهر في المثلى فيأخذ حظه حال غيبة صاحبه وهي في غيره فلا يأخذ) يعني القسمة تشتمل على تمييز الحقوق والمبادلة، والتمييز هو الظاهر من

[ 268 ]

[ طلب أحد الشركاء لا في غيره وندب نصب قاسم رزقه في بيت المال ليقسم بلا أجر ] ذوات الامثال حتى كان لاحد الشريكين أن يأخذ نصيبه حال غيبة صاحبه، والمبادلة هي الظاهر في غير المثلي كالثياب والعقار والحيوان حتى لا يأخذ نصيبه حال غيبة صاحبه وإن كان معنى الافراز ظاهرا في المثلي لان ما يأخذ كل واحد منهما مثل حقه صورة ومعنى فأمكن أن يجعل عين حقه في القرض والصرف والسلم لانه لو كان مبادلة لما صح في القرض قبض للافتراق قبل أحد العوضين ولا في الصرف والسلم لحرمة الاستبدال فيهما. قال في النهاية: فإن قلت ليس أن محمدا ذكر كتاب القسمة إذا كان وصي الذمي مسلما في التركة خمور أنه يكره قسمتهما، ولو كان الرجحان في هذه القسمة للافراز ينبغي أن يجوز من غير كراهية فإن الذمي إذا وكل مسلما أن يقبض خمرا له جاز قبضها من غير كراهة. قلت: ذكر شمس الائمة الحلواني إذا كان في التركة خمور لا يكر للوصي المسلم قسمتها لان هذا إفراز محض ليس فيه شبهة المبادلة وإنما تكره القسمة إذا كان مع الخمر الخنازير لان القسمة حينئذ تكون مبادلة، وغيره من المشايخ قالوا: لا بل يكره قسمة الخمور وحدها لان العمل بالشبهين في قسمة الخمور وحدها يمكن بإثبات الكراهة، ومعنى الكراهة هنا هو ما بين الحلال المطلق والحرام المحض، وإنما كان معنى المبادلة في غير المثلي أظهر للتفاوت فلا يمكن أن يجعل كأنه أخذ عين حقه لعدم المعادلة بينهما بيقين. ولو اشترى دارا فاقتسماها لا يبيع أحدهما نصيبه مرابحة بعد القسمة، ولك أن تقول إن القسمة لا تعرى عن معنى الافراز والمبادلة في جميع الصور سواء كانت في ذوات الامثال أو في غيره لانها بالنظر إلى البعض إفراز بالنظر إلى البعض الآخر مبادلة وإذا كان كذلك فغاية الامران البعض الذي يأخذه كل منهما عوض مما في يد صاحبه وليس بمثل له بيقين فلم يتحقق معنى الافراز فبه بالنظر إلى ذلك البعض فلا يلزم منه أن لا يتحقق الافراز فيه بالنظر إلى البعض الآخر وهو كونه بعض حقه في الجملة فثبتت المساواة بين المبادلة والافراز غير أن الظهور للمبادلة. قال رحمه الله: (ويجبر في متحد الجنس عند طلب أحد الشركاء لا في غيره) يعني إذا طلب بعض الشركاء القسمة يجبر الآبي على القسمة في متحد الجنس، سواء كان من ذوات الامثال أو لا، ولا يجبر في غير متحد الجنس كالغنم مع الابل لما بينا من المعنى. وفي غاية البيان قال في الفتاوى الصغرى: القسمة ثلاثة أنواع: قسمة لا يجبر الآبي عليها كقسمة الاجناس المختلفة، وقسمة يجبر عليها الآبي كقسمة ذوات الامثال كالمكيل والموزون، وقسمة يجبر الآبي في غير المثليات كالثياب من نوع واحد والبقر والغنم. والخيارات ثلاثة: خيار شرط، وخيار رؤية، وخيار عيب. ففي قسمة الاجناس المختلفة تثبت الخيارات الثلاث، وفي قسمة ذوات الامثال كالمكيل يثبت خيار العيب دون خيار الشرط والرؤية، فخيار الرؤية والعيب يثبتان من غير شرط بخلاف خيار الشرط. وفي قسمة الثياب من نوع واحد والبقر

[ 269 ]

[ وإلا نصب قاسما يقسم بأجرة بعد الرؤوس ويجب أن يكون عدلا أمينا عالما بالقسمة ] والغنم يثبت خيار العيب. وهل يثبت خيار الرؤية؟ على رواية أبي سليمان يثبت وهو الصحيح وعليه الفتوى، ويثبت فيه خيار العيب من غير خلاف ا ه‍. وفي الذخيرة: القاضي لا يقسم الاجناس المختلفة قسمة جمع إذا أبى بعض الشركاء بأن كان بينهم إبل وغنم وطلب أحدهم من القاضي أن يجمع نصيبه في الابل والبقر والغنم فالقاضي لا يقسم على هذا الوجه، وفي الجنس المتحد يقسم قسمة جمع عند طلب البعض بأن كان بينهم غنم كثيرة أو إبل كثيرة وطلب أحدهم من القاضي أن يجمع نصيبه في طائفة منها فعل القاضي ذلك ا ه‍. وفي النهاية: اعترض على قوله يجبر بأن المبادلة معتبرة فيها فكيف يجبر؟ وأجيب بأنه يجبر لدفع الضرر عن غيره كالغريم يحبس حتى يباع ماله لبعض الدين ولهدا لا يثبت حكم الغرور فيها حتى لو أخذ أحدهما الدار وبنى في نصيبه فاستحق الدار التي بنى فيها لا يرجع على صاحبه بقيمة بنائه إذا نقض ا ه‍. وظاهر العبارة صادق بطلب صاحب القليل والكثير وسيأتي تقييده. قال رحمه الله: (وندب نصب قاسم رزقه في بيت المال ليقسم بلا أجر) يعني يستحب نصب قاسم ورزقه في بيت المال لان القسمة من جنس القضاء من حيث إنه يتم به قطع المنازعة فأشبه رزق القاضي، ولان منفعته تعود إلى العامة كمنفعة القضاء والمقاتل والمفتي فتكون كفايته في بيت المال لانه أعد لمصالحهم كمنفعة هؤلاء. وفي العتابية وغيرها: وينصب القاضي قاسما ويجوز للقاضي أن يقسم بنفسه ويأخذ على ذلك من المتقاسمين أجرة، وهذا لان القسمة ليست بقضاء على الحقيقة حتى لا يفترض على القاضي مباشرتها وإنما الذي يفترض عليه جبر الآبي على القسمة إلا أن لها شبها بالقضاء لانها تستفاد منه اه‍. قال رحمه الله: (وإلا نصب قاسما يقسم بأجرة بعد الرؤوس) يعني إن لم ينصب قاسما رزقه في بيت المال نصبه وجعل رزقه على المتقاسمين لان النفع لهم على الخصوص وليس بقضاء حقيقة حتى جاز للقاضي أن يأخذ الاجرة على القسمة وإن كان لا يجوز له على القضاء ألا ترى أنه لا يفترض عليه أن يقسم عليهم بالمباشرة ومباشرة القضاء فرض عليه ويقدر له القاضي أجرة مثله كي لا يطمع في أموالهم ويتحكم بالزيادة، والافضل أن رزقه من بيت المال لانه أرفق وأبعد من التهمة. وقوله بعدد الرؤوس يعني يجب عليهم الاجرة على عدد الرؤوس ولا يتفاوت بتفاوت الانصباء، وهذا عند الامام كما سيجئ بيانه عن قريب. قال رحمه الله: (ويجب أن يكون عدلا أمينا عالما بالقسمة) لانه من جنس عمل القضاء لانه لا بد من الاعتماد على قوله والقدرة على القسمة وذلك بما ذكرنا. قال تاج الشريعة: ذكر الامانة بعد العدالة وإن كانت من لوازمه لجواز أن يكون غير ظاهر الامانة، ورد بهذا ما به يلزم من ظهور العدالة ظهور الامانة، ورد عليه بأن المذكور العدالة لا ظهورها فاستلزم ظهورها ظهور الامانة لا يقتضي استدراك ذكر الامانة. فإن قلت: لا يجوز أن يراد بالعدالة ظهورها كما أريد الامانة

[ 270 ]

[ ولا يتعين قاسم واحد ولا يشترك القسام ولا يقسم العقار بين الورثة بإقرارهم حتى يبرهنوا على الموت وعدد الورثة ويقسم في المنقول والعقار المشتري ودعوى الملك ولو ] حتى يستغنى بذكر العدالة عن ذكر الامانة بالكلية قلت: ظهور العدالة من لفظ العدالة غير ظاهر لا يفهم من لفظها وحده بدون القرينة، وإرادة ظهور الامانة من لفظ الامانة الواقعة في الكتاب ابتداء ظاهر العدالة لا غنى عن ذكر الامانة. قال رحمه الله: (ولا يتعين قاسم واحد) لانه لو تعين لتحكم بالزيادة على أجرة مثله ولهذا المعنى لا يجبرهم الحاكم على أن يستأجروه، ولان القسمة فيها معنى المبادلة وهي تشبه القضاء على ما بينا ولا جبر فيهما، ولو اصطلحوا فاقتسموا جاز لما ذكرنا أنه فيها معنى المبادلة إلا إذا كان فيهم صغير لان تصرفهم عليه لا ينفذ ولا ولاية لهم عليه. قال رحمه الله: (ولا يشترك القسام) يعني يمنعهم القاضي من الاشتراك كي لا يتضرر الناس لان الاجرة تصير بذلك غالية لانهم إذا اشتركوا يتواكلون وعند عدم الاشتراك يتبادرون إليها خشية الفوات فيرخص الاجر بسبب ذلك. والاجرة على عدد الرؤوس على قول الامام. وقالا: على قدر الانصباء لانها مؤنة الملك فتتقدر بقدره كأجرة الكيال والوزان وحافر البئر وحمل الطعام وغسل الثوب المشترك، وكبناء الدار والجدار لان المقصود بالقسمة أن يتوصل كل واحد منهما إلى الانتفاع بنصيبه ومنفعة صاحب الكثير أكثر فكانت مؤنة القسمة عليه أكثر. وللامام أن الاجرة بمقابلة التمييز وأنه لا يتفاوت وربما يصعب الحساب بالنظر إلى القليل، وقد ينعكس الامر باعتبار المكسور فيتعذر اعتباره ألا ترى أنه لا يتصور تمييز القليل من الكثير إلا بما يفعله فيهما فيتعلق الحكم بأصل التمييز لان عمل الافراز واقع لهم جملة بخلاف ما ذكراه لان الاجرة مقابلة بالعمل وهو يتفاوت فتتفاوت الاجرة بتفاوته. وروى الحسن عن أبي حنيفة أن الاجرة على الطالب للقسمة لانه هو المنتفع بالقسمة دون الآخر ا ه‍. قال رحمه الله: (ولا يقسم العقاربين الورثة بإقرارهم حتى يبرهنوا على الموت وعدد الورثة) وهذا عند الامام. وقالا: يقسم باعترافهم لان اليد دليل الملك والاقرار دليل الصدق فصار كالمنقول والعقار المشترى، وهذا لانه لا منكر لهم ولا بينة إلا على المنكر فلا تفيد البينة بلا إنكار لكنه يذكر في كتاب القسمة أنه قسمه باعترافهم ليقتصر عليه ولا يتعداه حتى لا تعتق أمهات أولاده ومدبره لعدم ثبوت موته بخلاف ما إذا كانت القسمة بالبينة. وللامام أنها قضاء على الميت لان التركة مبقاة على ملكه قبل القسمة ينفذ فيها وصاياه بخلاف ما بعد القسمة، وإذا كان قضاء على الميت فلا بد من البينة وقد يمكن بأن يجعل أحدهم خصما عن الميت وغيره عن أنفسهم، وأورد بأنه لا أولوية لاحدهم أن يكون مدعيا والآخر أن يكون مدعى عليه فكلاهما مجهول ولا قضاء مع الجهالة. وأجيب بأن للقاضي ولاية التعين تحصيلا لمقصوده فترتفع الجهالة بتعينه ولان الوارث نائب عنه وإقرار الخصم لا يمنع من قبول البينة

[ 271 ]

[ برهنا أن العقار في أيديهما لم يقسم حتى يبرهنا أنه لهما ولو برهنا على الموت وعدد الورثة والدار في أيديهم ومعهم وارث غائب أوصى قسم ونصب وكيل أو وصي ] ألا ترى أنه لو ادعى إنسان على الميت دينا فأقر به الوارث فأقام المدعي البينة تقبل لانها تثبت الدين على الورثة كلهم ويزاحم الغرماء ولا كذلك إذا كان ثبوته بإقرار الوارث فإنه لا يثبت إلا في حصته خاصة وكذلك الجواب. ولو قال مكان الوارث وصي بخلاف المنقول لان في قسمته نظرا لانه يخشى عليه التلف وبخلاف العقار المشترى لان البيع زال عن ملك البائع قبل القسمة فلم تكن القسمة قضاء عن الغير. قال رحمه الله: (ويقسم في المنقول والعقار المشترى ودعوى الملك) يعني يقسم في الموروث المنقول والعقار المشترى وفيما إذا ادعو الملك ولم يذكروا كيفية انتقاله إليهم قسم بقولهم من غير إقامة بينة، أما في المنقول والعقار المشترى فلما بينا من المعنى والعرف، وأما إذا ادعوا الملك ولم يذكروا كيفية الانتقال إليهم فلانه ليس في القسمة قضاء على الغير فإنهم لم يقروا بالملك لغيرهم ويكون مقتصرا عليهم فيجوز. ثم قيل هذا قول الامام، وقيل قول الكل وهو الاصح، ولفظ الجامع الصغير يفيد أن لا يقسم حتى يقيموا البينة على الملك لاحتمال أن يكون الملك في يد غيرهم ا ه‍. قال رحمه الله: (ولو برهنا أن العقار في أيديهما لم يقسم حتى يبرهنا أنه لهما) يعني لو أقام رجلان بينة أن العقار في أيديهما لم يقسم حتى يبرهنا وطلبا من القاضي أن يقسمه بينهما لا يقسمه بينهما حتى يقيما البينة بأن العقار ملكهما لاحتمال أن يكون هو لغيرهما، وهذه عبارة الجامع الصغير، وما تقدم رواية القدوري، وكلاهما في دعوى الملك المطلق ومثل هذا لا يليق بهذا المختصر. قال رحمه الله: (ولو برهنا على الموت وعدد الورثة والدار في أيديهم ومعهم وارث غائب أوصى قسم ونصب وكيل أو وصي يقبض نصيبه) يعني يقبض الوكيل نصيب الغائب والوصي نصيب الصغير لان في نصبه نظرا للصغير والغائب إن حضر ولا بد من إقامة البينة عند الامام لما بينا لان في هذه القسمة قضاء على الغائب والصغير. وعندهما يقسم بقوله لما ذكرنا، ويشهد أنه قسمها باعتراف الحاضرين فإن الصغير والغائب على حجته. قال في العناية: قولهم في أيديهم وقع سهو من الكاتب والصحيح وأيديهما لانه لو كان في أيديهم لكان في الغائب والصغير وسيأتي أنه لا يقسم. وأجيب بأنه أطلق الجمع وأراد به المثنى. وفي الخانية: هذا إذا كان العقار كله في يد الحاضرين، فإن كانت الدار كلها أو شيئا منهما في يد الغائب أو الصغير وطلب هؤلاء من القاضي القسمة فإنه لا يقسم حتى يحضرا أو يقيما البينة على الموت. وفي الجامع: انه لا يقسمه ولو أقاما البينة ما لم يحضرا ا ه‍. وأفاد بقوله قسم أن القاضي فعل ذلك. قال في المحيط: فلو قسما بغير قضاء لم تجز القسمة إلا أن يحضر فيجيز أو يبلغ فيجيز، فإن مات الغائب أو الصغير فأجاز ورثته جاز عند الامام. وقال محمد: لا يجوز لانه مات من له الاجازة فبطلت. وللامام أنا لو أبطلنا القسمة بالموت احتجنا

[ 272 ]

[ يقبض نصيبه ولو كانوا مشترين وغاب أحدهم أو كان العقار في يد الوارث الغائب أو حضر وارث واحد لم يقسم وقسم القاضي بطلب أحدهم لو انتفع كل بنصيبه وإن ] إلى إعادة مثلها فإجازتها أولى ا ه‍. وفيه أيضا: ولو قسموا بأمر صاحب الشرطة لم يجز لان القسمة لم تفوض إليه لانه فوض إليه أمر الجنايات ا ه‍. قال رحمه الله: (ولو كانوا مشترين وغاب أحدهم أو كان العقار في يد الوارث الغائب أو حضر وارث واحد لم يقسم) يعني لا يقسم المال المشترك مع غيبة بعضهم، أما في الشراء فلان الملك الثابت ملك جديد بسبب مباشرة ولهذا لا يرد بالعيب على بائعه فلا يصلح الحاضر أن يكون خصما على الغائب بخلاف الارث لان الملك الثابت فيه ملك خلافه حتى يرد بالعيب فيما اشتراه المورث ويصير مغرورا بشراء المورث فانتصب أحدهما خصما عن الميت فيما في يده والآخر عن نفسه فصارت القسمة قضاء بحضرة المتخاصمين فيصح القضاء بقيام البينة على خصمه. وفي الشراء قامت على خصم غائب فلا يقبل. وأما إذا كان العقار في يد الوارث الغائب فلان القسمة قضاء على الغائب بإخراج الشئ من يده من غير خصم عنه فلا يجوز، وكذا إذا كان بعضه في يده والباقي في يد الحاضر، وكذا إذا كان في يد مودعه أو مستعيره أو في يد الصغير لان المودع والصغير ليسا بخصم، ولا فرق في هذا بين إقامة البينة وعدمها في الصحيح ا ه‍. فإن قلت: التعليل في قولهم إذا كان شئ منه في يد الصغير أو الغائب يكون قضاء بإخراجه من يده لك أن تقول هذا يستقيم إذا كان كله أو كان البعض الذي في يد الصغير أو الغائب زائدا على قدر حصته ما إذا كان قدر حصته من الدار أو أقل فلا يظهر أن فيه قضاء على الصغير والغائب بإخراج شئ مما كان في يده بل يلزم إبقاء ما كان في يده في صورة التساوي وزيادة شئ عليه فيما كان في يد الحاضرين في صورة النقصان ا ه‍. وأما إذا حضر وارث واحد فلانه لا يصلح أن يكون مخاصما ومخاصما فلا يصلح أن يكون مقاسما ومقاسما فلا بد من حضور شخصين على ما بينا، هذا هو ظاهر الرواية. وعن أبي يوسف أن القاضي ينصب عن الغائب خصما وتقام البينة، ولو حضر صغير وكبير نصب وصيا عن الصغير وقسم إذا أقيمت البينة، وكذا إذا حضر وارث وموصى له بالثلث في الدار وطلب القسمة وأقاما البينة على الارث والوصية يقسم لان الموصى له شريك في الدار فصار كواحد من الورثة فانتصب عن نفسه والوارث عن الميت وبقية الورثة فصار كما إذا حضر وارثان، ولو حضر الموصى له وحده لا يقسم، ذكره في الذخيرة. وفي النهاية: إنما ينصب القاضي وصيا عن الصغير إذا كان حاضرا بخلاف الغائب. وفي المحيط: ولو كانت مشتركة بالشراء فجرى فيها الميراث بأن مات واحد منهم لا يقسم إذا حضر البعض لان الوارث لم يقم مقام المورث في الشركة الاولى بالشراء فينظر في هذا إلى الشركة الاولى، فإن كانت بالميراث يقوم الثاني مقام الاول، وإن كانت بالشراء لا يقوم.

[ 273 ]

ضيعه بين خمسة واحد صغير واثنان غائبان واثنان حاضران فاشترى رجل نصيب أحد الحاضرين وطالب شريكه الحاضر بالقسمة عند القاضي وأخبراه عن القضية فالقاضي يأمر شريكه بالقسمة وجعل وكيلا عن الغائبين والصغير لان المشتري قائم مقام البائع وكان للبائع أن يطالب شريكه فكذا من قام مقامه. أرض بين رجلين فطلب أحدهما القسمة وقدمه إلى القاضي فأتى شريكه وقال بعت نصيبي وأقام البينة على البائع لا تقبل البينة لدفع القسمة عنه لانه يريد إبطال حق القسمة بإثبات فعل نفسه بالبيع فلا يقدر على الاثبات، ولو كان على الميت دين لغائب غير مستغرق حبس القاضي قدر الدين وقسم الباقي لان التركة ملك للورثة إذا لم يكن الدين مستغرقا إلا أنه لا يقسم قدر الدين حتى لا يحتاج إلى نقص قضائه، وإن كان الدين مستغرقا لا يقسم لانهم لا ملك لهم وفي التركة في هذه الحالة ا ه‍. وفي التجريد: ولو بنى رجلان في أرض لرجل بإذنه ثم أرادا قسمة البناء ومؤاجر الارض غائب فلهما ذلك، فإن أبى أحدهما لم يجبر على القسمة. وفي النوازل سئل أبو بكر عن قرية مشاع بين أهلها ربعها وقف وربعها مقبرة ونصفها ملك يريدون أن يتخذوه مقبرة قال: إن قسمت القرية كلها على مقدار كل نصيب جازت، وإن أرادوا أن يقتسموا موضعا منها لا يجوز. وعن الحسن: رجل اشترى من آخر نصف دار ثم قاسمه قبل أن يقبضها جازت القسمة، فإن استحق النصف الذي في يد المشتري بطل البيع فيه والمشتري بالخيار إن شاء أخذ نصف ما في يد البائع بحصته من الثمن، وإن شاء ترك. وإن استحق نصف البائع بطل البيع فيه والمشتري بالخيار إن شاء أخذ النصف من النصف الذي صار له بالحصة من الثمن، وإن شاء ترك. ولو لم يستحق شيئا حتى باع المشتري النصف الذي صار له ثم استحق النصف الذي صار للمشتري يبطل البيع فيه وكان للمشتري أن يأخذ نصف ما باع البائع ويبطل البيع في نصفه، وكذا إن باع كل واحد منهما نصيبه ثم استحق أحد النصيبين فالجواب فيه كالجواب فيما باع أحدهما، وهذا كله على قياس قول أبي يوسف وزفر رحمهما الله تعالى وبه أخذ الحسن قال: وفي قول أبي حنيفة أي النصفين استحق جاز البيع في الآخر وله أن يبيع من والذي اشتراها منه قبل القبض ومن الاجنبي. في المنتقي عن أبي يوسف: إذا اشترى رجل من أحد الورثة بعض نصيبه ثم حضرا يعني الوارث والمشتري وطلب القسمة فالقاضي لا يقسم بينهما حتى يحضر وارث آخر غير البائع. ولو اشترى منه نصيبه ثم ورث البائع شيئا بعد ذلك أو اشترى لم يكن خصما للمشتري في نصيبه الاول في الدار حتى يحضر وارث آخر غيره، ولو حضر المشتري من الوارث ووارث آخر وغاب الوارث والبائع وأقام المشتري البينة على شرائه وقبضه وعلى الدار وعدد الورثة فإن هذا على وجهين: أحدهما إن كانت الدار في أيدي الورثة ولم يقبض المشتري لم تقبل بينة المشتري على الشراء من الغائب، وإن كان المشتري قبض وسكن الدار معهم ثم طلب القسمة هو ووارث آخر غير البائع فأقام البينة على ما ذكرنا

[ 274 ]

[ تضرر الكل لم يقسم إلا برضاهم وإن انتفع البعض وتضرر البعض لقلة حظه قسم بطلب ذي الكثير فقط ويقسم العروض من جنس واحد ولا يقسم الجنسين والجواهر ] فالقاضي يقسم الدار، وكذلك إن طلبت الورثة القسمة دون المشتري فالقاضي يقسم الدار بينهم بطلبهم ويجعل نصيب الغائب في يد المشتري ولا يقضي بالشراء، وإن لم يكن المشتري قبض الدار عزل نصيب الوارث الغائب ولا يدفع إلى المشتري، وإن كان المشتري هو الذي طلب القسمة وأبى الورثة لم أقسم لاني لا أعلم ما لكل ولا أقبل بينة على الشراء والبائع غائب. وفيه أيضا عن أبي يوسف: دار بين رجلين باع أحدهما نصيبه وهو مشاع من رجل، ثم إن المشتري أمر البائع أن يقاسم صاحب الدار ويقبض نصيبه فقاسمه لم تجز القسمة، وإذا كان بين رجلين دار ونصف دار اقتسما على أن يأخذ أحدهما الدار ويأخذ الآخر نصف الدار جاز، وإن كان الدار أقل قيمة من نصف الدار. قال رحمه الله: (وقسم القاضي بطلب أحدهم لو انتفع كل بنصيبه) لان فيه تكميل المنفعة إذا كان كل واحد منهم ينتفع بنصيبه بعد القسمة وكانت القسمة حقا لهم فوجب على القاضي إجابتهم. قال في العناية: يعني يقسم جبرا ومراده إذا كان من جنس واحد لان فيه معنى الاقرار لتفاوت المقاصد. قال رحمه الله: (وإن تضرر الكل لم يقسم إلا برضاهم) وذلك كما لو طلبوا قسمة البئر والرحى والحائط والحمام لان القسمة لتكميل المنفعة، وفي قمسة هذا تفويت فيعود على موضعه بالنقص، ولان الطالب للقسمة متعنت ويريد إدخال الضرر على غيره فلا يجبه الحاكم إلى ذلك لانه اشتغال بما لا يفيد بل بما يضر ويجوز بالتراضي لان الحق لهم وهم أعرف بحاجتهم لكن القاضي لا يباشر ذلك وإن طلبوه منه لان القاضي لا يشتغل بما لا فائدة فيه لا سيما إذا كان فيه إضرار وإضاعة مال لان ذلك حرام ولا يمنعهم منه. اه‍. كلام الشارح. لكن ظاهر المتن أن القاضي يقسم عند رضاهم. وفي الينابيع والذخيرة: ذكر شيخ الاسلام أن القاضي لا يقسم وبعض المشايخ قال يقسم فظهر أن في المسألة روايتين. قال رحمه الله: (وإن انتفع البعض وتضرر البعض لقلة حظه قسم بطلب ذي الكثير فقط) يعني يقسم بطلب صاحب الكثير، كذا ذكره صاحب الخصاف، ووجهه أن صاحب الكثير يطلب من القاضي أن يخصه بالانتفاع بملكه ويمنع غيره عن الانتفاع بملكه وهذا منه طلب الحق والانصاف فإن له أن يمنع غيره من الانتفاع بملكه فوجب على القاضي أن يجيبه إلى ذلك، ولا يعتبر ضرر الآخر لانه يريد أن ينتفع بملك غيره فلا يمكن من ذلك ولو طلب صاحب القليل مع أنه لا ينتفع بحقه مع أنه متعنت في طلب القسمة فلا يشتغل القاضي بما لا يفيد. وذكر الجصاص أنه إن طلب صاحب القليل قسم، وإن طلب صاحب الكثير لا يقسم وذكر الحاكم أيهم طلب القسمة يقسم القاضي. والاصح ما ذكر الخصاف لان القاضي يجب عليه إيصال الحق إلى مستحقه ولا يلزمه أن يجيبهم إلى إضرار أنفسهم. ولم

[ 275 ]

[ والرقيق والحمام والبئر والرحى إلا برضاهم ويصور القاسم ما يقسمه ويعد له ويذرعه ] يتعرض المؤلف لما إذا كان كل واحد منهم لا ينتفع قال في المبسوط: بيت بين رجلين أراد أحدهما القسمة وامتنع الآخر وهو صغير لا ينتفع به واحد منهما لا يجيبهما القاضي إلى ذلك، والاصح أنه لا يقسم إلا إذا طلب صاحب الكثير خاصة، ومنهم من صحح ما ذكره الحاكم والاول أصح اه‍. قال رحمه الله: (ويقسم العروض من جنس واحد) لان اعتبار المبادلة في المنفعة المالية ممكن عند اتحاد الجنس لاتحاد المقصود فيه فيقع تمييزا فيملك القاضي الاجبار عليهما. قال رحمه الله: (ولا يقسم الجنسين والجواهر) أما الجنسان فلعدم الاختلاط بينهما فلا تقع القسمة تمييزا بل تقع معاوضة فيعمل التراضي دون جبر القاضي ولهذا قيد بالتراضي. وأما الجواهر فلان جهالتها متفاحشة ألا ترى أنه لا يصلح غير المعين منها عوضا عما ليس بمال كالنكاح والخلع. وقيل: لا يقسم الكبار منها لفحش التفاوت ويقسم الصغار لقلة التفاوت، وقيل إن اختلف جنسهما لا يقسم، وإن اتحد يقسم كسائر الاجناس. وفي العتابية: والقمقم والطشت المتخذة من صفر ملحقة مختلفة الجنس فلا يقسمها جبرا، وكذلك الاثواب المتخذة من القطن والكتان إذا اختلف بالصنعة كالقباء والجبة والقميص كذلك، وفي مختصر خواهر زاده: ولا يقسم السرج ولا الفرس ولا المصحف وفي التجريد: لو أوصى لهما بصوف على ظهر غنم أو لبن في ضرع أو بما في بطون الغنم لا يقسم قبل الجز والحلب والولادة. وفي الخانية: إذا كان بين رجلين ثوب مخيط لا يقسم القاضي بينهم ولو غير مخيط فاقتسماها طولا أو عرضا جازت القسمة. قال رحمه الله: (والرقيق والحمام والبئر والرحى إلا برضاهم) أما الرقيق فالمذكور هنا قول الامام. وعندهما يجوز لاتحاد الجنس والتفاوت في الجنس الواحد لا يمنع القسمة كما في الابل والغنم ولهذا يقسم الرقيق في الغنيمة بين الغانمين. وللامام أن التفاوت بينهما فاحش لتفاوت المعاني الباطلة كالدهن والكياسة بخلاف سائر الحيوانات لان الانتفاع بهما لا يختلف إلا شيئا يسيرا وذلك مغتفر في القسمة ألا ترى أن الذكر والانثى من بني آدم جنسان مختلفان، ومن الحيوانات جنس واحد فلا يجوز القياس، وقسمة الغنائم تجري في الاجناس فلا تلزم، وهذا الخلاف فيما إذا كان الرقيق وحدهم وليس معهم شئ آخر من العروض وهم ذكور فقط أو أناث فقط، وأما إذا كانوا مختلطين بين الذكور والاناث لا يقسم بالاجماع لان الذكور والاناث من بني آدم جنسان لاختلاف المقاصد. وإن كان مع الرقيق شئ آخر مما يقسم جازت القسمة في الرقيق تبعا لغيرهم بالاجماع ويجبرهم القاضي بطلب البعض، وكم من شئ يدخل تبعا وإن لم يجز دخوله قصدا. وأما الحمام والبئر والرحى فلما ذكر من إلحاق الضرر بالكل. ولو اقتسما الحمام أو البئر بأنفسهم جاز ولكل واحد نوع منفعة بأن يتخذ نصيبه من الحمام بيتا، وإن طلبا جميعا القسمة من القاضي هل يقسم؟ فيه روايتان: في رواية

[ 276 ]

[ ويقوم البناء ويفرز كل نصيب بطريقه وشربه ويلقب الانصباء بالاول والثاني والثالث ويكتب أسماءهم ويقرع فمن خرج اسمه أو لا فله السهم الاول ومن خرج ثانيا فله ] لا يقسم لانها تضمنت تفويت منفعة وليس للقاضي ذلك لانه يكون سفها يمكنه، وفي رواية يقسم لانهم رضوا بذلك وإليه أشار في الكتاب لانه فيه نوع منفعة، كذا في المحيط. وفي التتارخانية: وإذا كانت قناة أو بئر أو نهر وليس معه أرض فأراد بعض الشركاء القسمة فإنها لا تقسم، وإذا كانت أرض لها شرب قسم الارض وترك الشرب والقناة والبئر كالشركة. وفي الخلاصة: ولكل منهما شربة فإن كان يقدر كل واحد منهما أن يجعل أرضه شربا من موضع آخر قسم ذلك كله فيما بينهم. وفي الاصل: لو كانت أنهارا وآبار الارض مختلفة قسم الآبار والعيون والاراضي اه‍. وفي النوادر: ولو قسم البئر بالجبال جاز لان التفاوت فيها قليل اه‍. قال رحمه الله: (دور مشتركة أو دار وضيعة أو دار وحانوت قسم كل على حدة) أما الدور المشتركة فالمذكور ههنا قول الامام. وقالا: تقسم الدور بعضها في بعض إذا كانت في مصر واحد وكانت القسمة أصلح لهم لانهم جنس واحد نظرا إلى اتحاد الاسم والصورة وأصل السكنى جنسان نظرا إلى اختلاف الاغراض وتفاوت السكنى. وإذا قسم كل دار على حدة ربما يتضرر لقلة نصيبه. وللامام أن الدور أجناس مختلفة لاختلاف المقصود باعتبار المحال والجيران والقرب من المسجد فكان اختلافا فاحشا فلا يمكن التعديل في القسمة فلا يجوز جمع نصيب كل واحد في دار إلا بالتراضي، والابل والبقر والغنم يقسم كل جنس منه بانفراده ولا يجمع بين الاجناس كما ذكرنا بخلاف الدور والمنازل المتلازقة كالبيوت والساحة كالدور لانه بين البيت والدار فأخذ حظه من كل واحد منهما. والدور في مصرين لا تقسم بالاجماع، وأما الدور والضيعة والدار والحانوت فلاختلاف الجنس، ذكره الخصاف. وفي رواية الاصل ما يشير إلى أنه يجوز اه‍. قال رحمه الله: (ويصور القاسم ما يقسمه) أي يكتب على قرطاس ليمكنه حفظه. قال في العناية: يكتب أن نصيب فلان كذا وفلان كذ إن أرادوا رفع تلك الكاغضة إلى القاضي ليتولى الاقراع بينهم بنفسه. قال رحمه الله: (ويعد له) أي يسويه على سهام القسمة ويروي ويعزله حتى يقطعه بالقسمة عن غيره. قال رحمه الله: (ويذرعه ويقوم البناء) لان قدر الساحة يعرف بالذرع والمالية بالتقويم ولا بد من معرفتها ليمكنه التسوية في المالية ولا بد من ذرع الارض وتقويم البناء. قال رحمه الله: (ويفرز كل نصيب بطريقه وشربه) لان القسمة تكميل المنفعة وبه يكمل لانه إذا لم يفرز يبقى نصيب بعضهم متعلقا بنصيب الآخر فلم يحصل الانفصال من كل وجه، وهذا بيان الافضل فإذا لم يفرزه أو لم يمكن جاز. قال رحمه الله: (ويلقب الانصباء بالاول والثاني والثالث ويكتب أسماءهم ويقرع فمن خرج اسمه أولا فله السهم الاول ومن خرج ثانيا فله السهم الثاني) والقرعة لتطييب قلوبهم، فلو أقسم الامام بلا قرعة جاز لانه في معنى القضاء فيملك الالزام

[ 277 ]

[ السهم الثاني ولا تدخل في القسمة الدراهم إلا برضاهم وإن قسم ولاحدهم مسيل أو ] فيه. وكيفيته أن ينظر إلى أقل الانصباء فقدر به آخر السهام حتى إذا كان العقار بين ثلاث لاحدهم النصف وللآخر الثل وللآخر السدس جعلها أسداسا لانه أقل الانصباء فيكتب أسماء الشركاء في بطاقات ويجعلها شبه البندقة ثم يخرجها حتى إذا نشفت وهي مثل البندقة يدلكها ثم يجعلها في كمه أو وعاء فيخرجها واحدا بعد واحد، فمن خرج اسمه أولا فله السهم الاول، ومن خرج ثانيا فله السهم الثاني، ومن خرج ثالثا فله السهم الثالث إلى أن ينتهي إلى الاخير، فإن خرج أولا في المثال الذي ذكرناه اسم صاحب النصف فإن له ثلاثة أسداس من الجانب الملقب بالاول، وإن خرج ثانيا كان له كذلك من الجانب الذي يلي الاول، وإن خرج ثالثا كان له كذلك من الجانب الذي يلي الثاني، وعلى هذا كل واحد منهم. لا يقال تعليق الاستحقاق بالقرعة قمار وهو حرام ولهذا لم يجز علماؤنا استعمالها في دعوى النسب ودعوى الملك وتعين العتق والمطلقة لانا نقول: لا يحصل الاستحقاق لان الاستحقاق كان ثابتا قبله وكان للقاضي ولاية الزام كل واحد منهم، وإنما القمار على زعمهم اسم لما يستحقون به ما لم يكن لهم قبل لا مثل هذه بل هذه مشروعة كما أخبر الله سبحانه وتعالى عن يونس وزكريا عليهما الصلاة والسلام كما قال الله تعالى * (إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل) * (آل عمران: 44) الآية وقوله تعالى * (فساهم فكان من المدحضين) * (الصافات: 141) الآية. ولقائل أن يقول: بين أول كلامهم وآخره تدافع لانهم صرحوا أولا بأن مشروعية استعمال القرعة هنا جواب استحسان والقياس يأبى ذلك، وقالوا آخرا أن هذا ليس بقمار وبينوا الفرق بينه وبين القمار وذكروا له نظائر في الكتاب والسنة فقد دل على أنه لا يأباه القياس أصلا بل هو يقتضيه القياس أيضا فتدافعا اه‍. قال رحمه الله: (ولا تدخل في القسمة الدراهم إلا برضاهم) يعني جماعة في أيديهم عقار فطلبوا القسمة وفي أحد الجانبين فضل عن الآخر فأراد أحدهم أن يدفع عوضه من الدراهم والآخر لم يرض بذلك لم تدخل الدراهم في القسمة لانه لا شريك له فيها ويفوت به التعديل في القسمة لان بعضهم يصل إلى عين المال المتشرك في الحال ودراهم الآخر في الذمة فيخشى عليها التوى، وإذا كان أرض وبناء فعن الثاني أنه يقسم باعتبار القيمة لانه يمكن اعتبار التعديل فيه إلا بالتقويم لان تعديل البناء لا يمكن إلا بالمساحة والمساحة هي الاصل في الممسوحات، ثم يرد من وقع البناء في نصيبه قيمة البناء أو من كان أجود دراهم على الآخر فتدخل الدراهم في القسمة ضرورة كالاخ لا ولاية له في المال ثم يملك تسمية الصداق ضرورة صحة التزويج. وعن محمد أنه يرد على شريكه بمقابلة البناء ما يساويه من العرصة، وإذا بقي فضل ولم يمكن تحقيق التسوية فيه بأن لم تف العرصة بقيمة البناء فحينئذ ترد الدارهم لان الضرورة في هذا القدر فلا يترك الاصل وهو القسمة بالمساحة إلا

[ 278 ]

[ طريق في ملك الاخر لم يشترط في القسمة صرف عنه إن أمكن وإلا فسخت القسمة ] بالضرورة، وهذا يوافق رواية الاصل. وفي المحيط: ولو رفع القسمة على أن يزيد أحدهما شيئا معلوما فلا يخلو إما أن يكون المشروط دراهم أو دنانير أو مكيلا أو موزونا أو عروضا أو حيوانا، فإن كان المشروط دراهم معلومة جاز بأن كانت مشروطة لتعديل الانصباء فيجوز بالتراضي، وإن كانت الزيادة مشروطة لتقع القسمة على المفاضلة فيكون بيعا من كل وجه وهو جائز بتراضيهما، وإن كانت الزيادة مكيلا أو موزونا ولم يسم مكان الايفاء لم تجز عند الامام، وعندهما تجوز ويسلمها عند الدار كما في السلم، وإن كانت الزيادة عرضا يجوز السلم فيها كالثوب جاز مؤجلا ولا يجوز حالا، وإن كان عروضا لا يجوز السلم فيه، وإن كان حيوانا بعينه جاز، وبغير عينه لا يجوز. ثلاثة بينهم دور صغرى وكبرى فأخذ أحدهم الكبرى على أن يرد على الآخرين دراهم مسماة جاز، وكذلك لو أخذ الكبرى بنصيبين والصغرى بنصيب جاز. ولو اقتسموا الباب على أن من أصابه هذا رد ردهما، ومن أصابه هذا رد درهمين جاز. ولو اقتسموا الاراضي على أن من أصابه شجر ونبت في أرضه فعليه بقيمته دراهم جاز، ولو اقتسما على أن لاحدهما الصامت وللآخر العروض والنحاس والدين على أنه إن بقي عليه شئ من الدين يرد عليه نصفه فالقسمة فاسدة اه‍. قال رحمه الله: (وإن قسم ولاحدهم مسيل أو طريق في ملك الآخر لم يشترط في القسمة صرف عنه إن أمكن وإلا فسخت القسمة) لان المقصود من القسمة تكميل المنفعة باختصاص كل بنصيبه وقطع أسباب تعلق حق الغير فإذا أمكن حصل المقصود وإلا لم يحصل فتعين الفسخ والاستئناف لنفي ضرر الاختلاط بخلاف البيع حيث لا يفسخ ولا يفسد فيما إذا لم يتمكن المشتري من الاستطراق ومن مسيل الطريق الماء لان المقصود ملك الرقبة ولا يشترط فيه الانتفاع في الحال ولا كذلك القسمة. ولو ذكر الحقوق في الوجه الاول وهو ما إذا أمكن صرفه عن الآخر بأن قال هذا لك بحقوقه كان الجواب فيه مثل ما إذا لم يقل بحقوقه فيصرف عنه إن أمكن كما تقدم إلا إذا قال خذ هذا بطريقه وشربه ومسيله فحينئذ لا يصرف عنه لانه أثبت له بأبلغ وجوه الاثبات بخلاف البيع إذا ذكر فيه الحقوق حيث يدخل فيه ما كان من الطريق والمسيل فيدخل عند التنصيص. واختفلوا في إدخال الطريق في القسمة بأن قال بعضهم لا يقسم الطريق بل يبقى مشتركا مثل ما كان قبل القسمة ينظر فيه الحاكم، فإن كان يستقيم أن يفتح كل في نصيبه قسم الحاكم من غير طريق يرفع لجماعتهم تكميلا للمنفعة وتحقيقا للاقرار من كل وجه، وإن كان لا يستقيم ذلك رفع طريقا بين جماعتهم لتحقق تكيمل المنفعة فيما وراء الطريق. ولو اختلفوا في مقدار عرضه يجعل على قدر عرض الباب بطوله أي ارتفاعه حتى يخرج كل واحد منهم جناحا في نصيبه إن كان فوق الباب لا فيما دونه لان باب الدار طريق متفق عليه والمختلف فيه يرد إلى المتفق عليه، وفي هذا القدير كفاية في الدخول. ولو شرطوا أن يكون

[ 279 ]

[ سفل له علو وسفل مجرد وعلو مجرد قوم كل على حدة وقسم بالقيمة ويقبل شهادة ] الطريق في الدار على التفاوت جاز وإن سهامهم في الدار متساوية لان القسمة على التفاوت بالتراضي في غير الاموال الربوية جائزة، وإن كان ذلك أرضا يرفع قدر ما يمر به نور لوقوع الكفاية به في المرور. ولم يذكر حكمه فيما إذا لم يكن له طريق وفي المحيط: ولو اقتسموا دارا فإذا لا طريق لاحدهم وقدر على أن يفتح في نصيبه طريقا يمر فيه الرجل دون الحمولة جازت القسمة لانها لم تتضمن تفويت منفعة، وإن لم يقدر، ينظر إن لم يعلم أنه لا طريق له فالقسمة فاسدة، وإن علم أنه لا طريق له جازت القسمة لانه رضي بهذه القسمة. دار في سكة غير نافذة اقتسموها على أن يفتح كل واحد بابا إلى السكة جاز ولا يمنعون منه لانهم تصرفوا في خالص حقهم وهو الجدار ولا ضرر على غيرهم في ذلك. مقصورة بين قوم طريقها في دار الآخر فاقتسموها فليس لكل واحد أن يفتح بابا من المقصورة إلى الدار، وإنما لهم طريق على مقدار الباب ولا يكون لهم حق المرور فيما سوى الطريق، وإن كان بجنب المقصورة دار لهم وقعت في قسمة رجل فأراد أحدهم أن يجعل الطريق إلى داره في هذه المقصورة لم يكن له ذلك. طريق مشترك بين جماعة ليس لواحد منهم أن يفتح بابا لدار أخرى لا حق لها في هذه الطريق. ولو اقتسموا قرية فأصاب أحدهم قراح والآخر كرم والآخر بيوت جاز بتراضيهم، وإذا اقتسما كرم وفيه عنب وثمر ينظر، إن قالا على أن النصف لفلان بكل قليل وكثير وما فيه من الاعشاب والثمار فهي مقسومة وإلا فهي على الشركة بينهما. دار وفيها طريق لآخر لا يمنعها عن قسمتها ويترك طريقه على عرض الباب العظمى، فإن باعوا الدار والطريق برضاهم ضرب صاحب الدار على مثلي ثمن الطريق وصاحب الممر بثلث الثمن لان الطريق بينهم أثلاثا إذا لم يعلم قدر الانصباء فيكون الثمن بينهم أثلاثا، وكذا إذا كان رقبة الطريق لاثنين وللآخر حق المرور. ومن مات منهم وتعددت ورثته اعتبر حقه كحق واحد، وإن لم يعرف أن الدار ميراث بينهم فالطريق على عدد الرؤوس وقسمة الطريق على عدد الرؤوس. ولو كان فيها طريق من ناحية وطريق لآخر من ناحية أخرى يعزل لهما طريق واحدة والطريق الواحد يكفي للمرور. ولو اقتسموا دارا وفيها كنيف شارع إلى الطريق أو ظلة لم يحسب في ذرع الدار لان الظلة والكنيف ليس لهما حق القرار على طريق العامة بل مستحق النقض، ومستحق النقض كالمنقوض ولكنهما يقومان على من وقعا في حيزه، ولا يحسبان في ذرعان الدار بعد قسمه الوالي وترك طريقا للعامة فرأى الوالي بعد ذلك أن يعطي الطريق لواحد فينتفع بها ولا يضر بأهل الطريق جاز إن كانت المدينة له، وإن كانت للمسلمين لم يجز اه‍. قال رحمه الله: (سفل له علو وسفل مجرد وعلو مجرد قوم كل على حدة وقسم بالقيمة) وهذا قول محمد وعليه الفتوى. وقال الامام والثاني: يقسم بالذرع لان القسمة بالذرع هي

[ 280 ]

الاصل في المذروع والكلام فيه والعبرة للتسوية في أصل السكنى كما في المرافق. قال في العناية: وصورتها علو مشترك بين رجلين وسفله لآخر وسفل مشترك بينهما وعلو لآخر وبيت كامل مشترك بينهما والكل في دار واحد أو في دارين. قيدنا بهذا لئلا يقال قسمة العلو مع السفل قسمة واحدة إذا كانت البيوت متفرقة لا يصح عند الامام، لمحمد أن السفل يصلح لما لا يصلح له العلو كالبئر والاصطبل والسرداب وغيره فصار كالجنسين فلا يمكنه التعديل إلا بالقسمة. وكيفية القسمة على قول الامام ذراع سفل بذراعين من العلو. وقال أبو يوسف: ذراع بذراع قيل أجاب كل منهما على عادة أهل عصره، وقيل هو اختلاف حجة بينهم. قال الامام: لصاحب السفل منافع كثيرة ولصاحب العلو منفعة واحدة وهي منفعة السكنى. وأبو يوسف قال: هما سواء في الانتفاع. وتفسير المسألة على قول الامام أن يجعل بمقابلة مائة ذراع من العلو المجرد ثلاثة وثلاثون وثلث ذراع من البيت الكامل فثلاثة وثلاثون وثلث لمن العلو الكامل في مقابلة مثله من العلو المجرد وثلاثة وثلاثون وثلث من السفل الكامل في مقابلة ست وستين وثلاثين من العلو المجرد فذلك تمام مائة، ويجعل بمقابلة مائة ذراع من السفل المجرد ستة وستين وثلثا ذراع من البيت الكامل لان علوه مثل نصف سفله فستة وستون وثلثان من سفل الكامل في مقابلة مثله من السفل المجرد وستة وستون وثلثان من العلو الكامل في مقابلة ثلاثة وثلاثين وثلث ذراع من السفل المجرد فذلك تمام مائة. وتفسير قول الامام أبي يوسف أن يجعل بمقابلة شئ من السفل المجرد أو من العلو المجرد قدر نصفه من البيت الكامل. ويقابل نصف العلو بنصف السفل لاستواء العلو والسفل عنده ويجعل بمقابلة شئ من السفل المجرد قدره من العلو الجرد. وقال محمد: يقسم على قيمة السفل والعلو، فإن كان قيمتها على السواء يحسب ذراع بذراع، وإن كان قسمة أحدهما أعلى من الآخر يحسب الذي قيمته أعلى على النصف ذراع بذراعين من الآخر حتى يستويا في القيمة. وفي الذخيرة فإن قيل: كيف يقسم العلو من السفل قسمة واحدة عند الامام ومن مذهبه أن البيوت المتفرقة لا تقسم قسمة واحدة إن لم تكن في دار واحدة قلنا: موضوع المسألة أنهما كانا في دار واحدة والبنيان في دار واحدة، وإنما يقسم عند الامام رضي الله تعالى عنه وإن كان في دارين بطريق التراضي فلهذا قيد في النهاية بما سبق. وعلم من قوله قوم كل على حدة أن البناء لا يقسم بالذراع قال: وإن قسما دارا فإنه يقسم العرصة بالذراع ويقسم البناء بالقيمة. ثم هذا على ثلاثة أوجه: فتارة يقسما الارض نصفين ويشترطا أن من وقع البناء في نصيبه يعطي لصاحبه نصف قيمة البناء وقيمة البناء معلومة أو اقتسموا ذلك وقيمة البناء غير معلومة بأن اقتسموا الارض ولم يقتسموا البناء، فإن اقتسموا الارض وشرطا في البناء كما تقدم فيكون بيعا مشروطا في القسمة، وهذا البيع من ضرورات القسمة فيكون له حكم القسمة فيجوز وإن لم تعرف قسمة البناء واقتسموا كذلك جاز استحسانا ويفسد قياسا لجهالة

[ 281 ]

[ القاسمين أن اختلفوا ولو ادعى أحدهم أن من نصيبه شيئا في يد صاحبه وقد أقر ] ثمن البناء. وجه الاستحسان أن القسمة لاقت العرصة ولا جهالة فيها، ومن وقع في نصيبه يتملك على صاحب نصف البناء القيمة فيها ضرورة. وإن اقتسما الارض ولم يقتسما البناء جازت القسمة ثم يتملك من وقع البناء في نصيبه نصف البناء فالقيمة لانه لا وجه لابقاء البناء مشتركا لان صاحب الارض يتضرر به، ولا وجه لدفع الضرر إلا بتملك الارض وتملك بالبناء بالقيمة لانه أقل ضررا من تملك الارض بالقيمة من غير رضا صاحبها كالغاصب إذا صبغ الثوب يتملك صاحب الثوب الصبغ دون صاحب الصبغ، كذا في المحيط. هذا إذا اقتسما الارض، فلو وقع القسم في الارض لواحد والبناء لآخر قال: دار بين رجلين فاقتسما على أن يأخذ أحدهما الارض والآخر البناء ولا شئ له من الارض فهذا على ستة أوجه: إذا شرطا في القسمة على أن من له البناء يكون مشتريا نصيب صاحبه من البناء بما تركه على صاحبه من الارض فإن سكتا عن القلع أو شرطا ذلك جازت القسمة، وإن شرطا الترك فالقسمة فاسدة، كذا في الكافي، وفي الذخيرة: يجب بأن يعلم أن الملك لا يقع لواحد من الشركاء بنفس القسمة بل يتوقف ذلك على أحد معان إما القبض أو قضاء القاضي أو الفرقة اه‍. وفي المحيط: أرض ودار بين اثنين فأحدهما أخذ الدار والآخر الارض على أن يرد صاحب الارض عليه عبدا قيمته ألف وقيمة الدار ألف وقيمة الارض ألفان فباع صاحب الدار داره فاستحق علو بيت والبيت والعلو عشر الدار يرجع المشتري على البائع بنصف عشر الدار ومسك الباقي، فإن صاحب الدار يرجع بستة عشر درهما وثلثي درهم من قيمة الارض على صاحب الارض عند الامام. وقال أبو يوسف: يرجع بذلك في رقبتها. قال رحمه الله: (ويقبل شهادة القاسمين أن اختلفوا) يعني إذا أنكر بعض الشركاء بعد القسمة استيفاء نصيبه فشهد القاسمان أنه استوفى نصيبه تقبل شهادتهما، سواء كانا من جهة القاضي أو غيره، وهذا عند الامام والثاني. وقال محمد: لا تقبل وهو قول الثاني أولا به قال الشافعي. وذكر الخصاف قول محمد مع قولهما لمحمد أنهما شهدا على فعل أنفسهما فلا تقبل كمن علق عتق عبده على فعل فلان فشهد ذلك الغير على فعله. ولهما أنهما شهدا على الاستيفاء والقبض وهو فعل غيرهما لان فعلهما التميز لا غير ولا حاجة إلى الشهادة على التمييز. وقال الطحاوي: إن اقتسما الاجرة لا تقبل شهادتهما بالاجماع وإليه مال بعض المشايخ لانهما يدعيان إيفاء عمل استؤجر عليه فكانت شهادة صورة ودعوى معنى فلا تقبل. قلنا هنا لم يجرا بهذه الشهادة إلى أنفسهما نفعا لان الاخصام يوافقاهما على إيفاء العمل وهو التمييز، وإنما الخلاف في الاستيفاء فانتهت التهمة، ولو شهد قاسم واحد لا تقبل شهادته لان شهادة الفرد غير مقبولة، ولو أمر القاضي أمينه بدفع المال فيقبل قول الامين في دفع الضمان عن نفسه ولا يقبل في الزام الآخر إذا كان منكرا. قال رحمه الله: (ولو ادعى أحدهم

[ 282 ]

[ بالاستيفاء لا يصدق إلا ببينة وإن قال استوفيت وأخذت بعضه كان القول قول الخصم ] أن من نصيبه شيئا في يد صاحبه وقد أقر بالاستيفاء لا يصدق إلا ببينة) لان القسمة من العقود اللازمة والمدعي للغلط يدعي حق الفسخ لنفسه بعد تمامها فلا يقبل إلا بحجة، وإن لم يقم ببينة استحلف الشركاء لانهم لو أقروا بذلك فإذا أنكروا حلفوا عليه. ولقائل أن يقول: لو صح هذا الدليل لوجب تحليف المقر له إذا ادعى المقر أنه كذب في إقراره مع أنه لا يحلف عند الامام ومحمد. الجواب أن يقال: أن هذا إذا أقر المقر له أن المقر كذب في إقراره فلو لم يقر المقر له أنه كذب في إقراره لزمه ذلك ولا يظهر فيه أنه لو أنكر استحلف كما لو قالوا فيما نحن فيه لا أنه إذا أنكر كان مصدقا في إقراره فافترقا، ومن حلف منهم لم يكن عليه سبيل، ومن نكل عن اليمين جمع نصيبه مع نصيب الآخر المدعي فيقسم على قدر حقوقهما فيه. قالوا: وينبغي أن لا يقبل دعواه أصلا لانه متناقض وإليه أشار من بعد حيث شرط التحالف إن لم يشهد على نفسه بالاستيفاء، ويشير بذلك إلى أنه لو شهد على نفسه بذلك لا يتحالفان لان دعواه لم تصح للتناقض، فإذا منع التحالف لعدم صحة الدعوى للتناقض فكذا هنا. قال صدر الشريعة في شرح الوقاية بعد أن نقل ما نقل صاحب الهداية: وينبغي إلى آخره. وفي المبسوط وقاضيخان ما يؤيد هذا ا ه‍. وقال: وأما ما لا يوجب التحالف ويكون القول قول المدعى عليه مع يمينه وهو ما إذا أقر كل واحد منهما بالاستيفاء ثم ادعى أحدهما على الآخر أنه غصب شيئا من نصيبه إلى آخر ما ذكرناه أولا قال: وهكذا المكيل والموزون والمذروعات إلا أن يكون في المكيل والموزون متى ثبت الغلط بالبينة لا تعاد القسمة بل يقسم الباقي على قدر حقهم لانه لا ضرر في قسمة الباقي، فأما في الاشياء المتفاوتة تعاد للقسمة ولا يقسم الباقي. وفي التجريد والاصل: وأما دعوى الغلط في مقدار الواجب بالقسمة وهو نوعان: نوع يوجب التحالف، ونوع لا يوجب التحالف، فالذي يوجب التحالف أن يدعي أحدهما غلطا في القسمة على وجه لا يكون مدعيا للغصب بدعوى الغلط كمائة شاة بين رجلين اقتسماها ثم قال أحدهما لصاحبه صابك خمس وخمسون غلط وأنا خمس وأربعون ولم تقم لواحد منها بينة، وهذا كله إذا لم يسبق منهما إقرار بالاستيفاء، أما إذا سبق منهما إقرار بالاستيفاء لم تسمع إلا من حيث دعوى الغصب وهي التي لا توجب التحالف ا ه‍. قال رحمه الله: (وإن قال استوفيت وأخذت بعضه كان القول قول الخصم مع اليمين) لان يدعي عليه الغصب وهو ينكر والقول قول المنكر قال: ولو اقتسما مائة شاة وقبضا ثم ادعى أحدهما على صاحبه أنك أخذت خمسة من نصيبي غلطا وأنكر الآخر وقال اقتسمنا على أن يكون لي خمسة وخمسون ولك خمسة وأربعون فالقول قوله مع يمينه لان القسمة قد تمت ثم ادعى أحدهما على الآخر أنه أخذ خمسة غلطا وأنكر الآخر، فإن قامت بينة عمل بها وإلا استحلف المدعي عليه، كذا

[ 283 ]

[ مع اليمين وإن لم يقر بالاستيفاء وادعى أن ذا حظه ولم يسلم إليه وكذبه شريكه تحالفا وفسخت القسمة ولو ظهر غبن فاحش في القسمة تفسخ ولو استحق بعض شائع من ] في المحيط: ففي المسألة الاولى خو مدعي الاخذ بطريق الغصب وفي هذه الاخذ بطريق الغلط فافترقا. قال رحمه الله: (وإن لم يقر بالاستيفاء وادعى أن ذا حظه ولم يسلم إليه وكذبه شريكه تحالفا وفسخت القسمة) لان الاختلاف فيما يحصل له بالقسمة فصار نظير الاختلاف في البيع والثمن ا ه‍. ولا يخفى أنه يبدأ بيمين أيهما شاء. ولقائل أن يقول: التحالف في البيع فيما إذا كان قبل القبض على وفاق القياس كما علم في محله، وأما بعد القبض فمخالف للقياس لان أحدهما لا يدعي على الآخر شيئا حتى ينكره الآخر فيحلف عليه والآخر يدعي ولكنا عرفناه في البيع بالنص، وفيما نحن فيه بالتحالف مخالف للقياس لان كلا منهما ليس مدعيا وهو وارد في البيع بعد القبض على خلاف القياس، وقد تقرر أن ما ورد على خلاف القياس فغيره عليه لا يقاس ولا يمكن إلحاقه بطريق دلالة النص لان القسمة ليست في معنى البيع من وجه إذ فيها معنى الاقرار والمبادلة معا فليتأمل في الجواب قال: فإن أراد أحدهما القسمة بعد التحالف فليس له ذلك لانه لا يمكن لانها لا تكون إلا بالقرعة وقد يقع نصيب أحدهما في جانب الآخر فيتضرر. وقال في موضع آخر: ولو أقام أحدهما بينة عمل بها، ولو أقام بينة عمل بالبينة التي هي أكثر إثباتا، كذا في المحيط. وقيد أيضا قسم القسام الدار فأعطى أحدهما أكثر من حقه غلطا وبنى فيها فإنهم يستقبلون القسمة، فإن وقع البناء في قسم غيره دفع نقصه ولا يرجع على القاسم بقيمة البناء ويرجعون عليه بالآجر الذي أخذه، وإذا قسما دورا وأخذ أحدهما دارا والآخر أخرى ثم ادعى أحدهما غلطا وجاء بالبينة فإنه ينقص القسمة ا ه‍. قال رحمه الله: (ولو ظهر غبن فاحش في القسمة تفسخ) وهذا إذا كانت بقضاء القاضي فظاهر لان تصرفه مقيد بالعدل والنظر، وأما إذا كان بالتراضي فقد قيل لا يلتفت إلى قول مدعيه لان دعوى الغبن لا تعتبر في البيع فكذا في القسمة لوجود التراضي وفيه يفسخ هو الصحيح، ذكره في الكافي. وفي العناية: وهو الصحيح وعليه الفتوى. وإذا اقتسما دارا وأصاب كل واحد منهما جانبا وادعى أحدهما بيتا في يد الآخر أنه مما أصابه بالقسمة وأنكر الآخر فعليه إقامة البينة، وإن أقاما البينة فبينة المدعي مقدمة لانه الخارج، وإن كان قبل الاشهاد تحالفا وتفسخ، ولو اختلفا في الحدود وأقاما البينة يقضي لكل واحد منهما بالجزء الذي في يد صاحبه لانه خارج فيه وبينة الخارج مقدمة، وإن أقام أحدهما بينة يقضي بها وإن لم يقم لواحد منهما بينة تحالفا وترادا كما في البيع. قال: دعوى الغلط في القسمة نوعان: ما يصح وما لا يصح. ما يصح نوعان: ما يوجب التحالف وما لا يوجب التحالف. أما ما لا يصح وهو أن يدعي أحدهم الغلط في التقويم بغبن يسير وهو ما لا يدخل تحت تقويم

[ 284 ]

[ حظه رجع بقسطه في حظ شريكه ولا تفسخ القسمة ولو تهايا في سكنى دار أو دارين ] المقومين ولا تعاد القسمة به لانه لا يمكن الاحتراز عنه، والذي يصح فيه الدعوى هو أن يدعي الغلط بغبن فاحش وهو مالا يدخل تحت تقويم المقومين، كذا في المحيط اه‍. قال رحمه الله: (ولو استحق بعض شائع من حظه رجع بقسطه في حظ شريكه ولا تفسخ القسمة) وهذا عند الامام، وظاهر عبارة المؤلف أن هذا محتم لكن قال في العناية: إن شاء رجع بذلك إلى نصيب صاحبه، وإن شاء رد ما بقي واقتسما ثانيا عند الامام. وقوله بقسطه يعني لو كان قيمة نصيبه ستمائة وقيمة الآخر مثله فاستحق نصف ما في يده رجع بنصف النصف وهو الربع وهو مائة وخمسون. وقال الثاني: تفسخ كذا ذكر الاختلاف في الجزء الشائع في الاسرار وغيره، قيد بالشائع يحترز عن المعين. وذكر القدوري إذا استحق بعض نصيب بعض أحدهما بعينه فالصحيح أن الاختلاف في الشائع، وفي استحقاق البعض المعين لا تفسخ بالاجماع، ولو استحق بعض شائع في الكل تفسخ بالاحماع فهذه ثلاثة أوجه، ومحمد مع الامام فيما حكاه أبو حفص، ومع الثاني فيما حكاه أبو سليمان والاول أصح. للثاني أن يأخذ بالاستحقاق ظهر شريك آخر والقسمة بدونه لا تصح فصار كما لو استحق بعض الشائع في الكل بخلاف المعين لان ما وراء المستحق بقي مقررا على حاله ليس للغير فيه حق. ولهما أن المقصود بالقسمة التميز والافراز ولا ينعدم باستحقاق جزء شائع من نصيب الواحد ولهذا جازت القسمة في الابتداء على هذا الوجه بأن كان البعض المتقدم مشتركا بين ثلاثة نفر والبعض المؤخر بين اثنين فاقتسم الاثنان على أن لاحدهما ما لهما من المقدم وللآخر المؤخر أو اقتسما على أن لاحدهما مالهما من المقدم وبعض المؤخر مفرزا يجوز فكذا هذا بخلاف استحقاق الشائع في الكل لان معنى الافراز والتميز لم يتحقق مع بقاء نصيب البعض. ولو استحق نصيب أحدهم كله يرجع به على الشركاء، لو باع بعضهم بفضل نصيبه شائعا ثم استحق بعض ما بقي شائعا كان له أن يرجع على الشركاء بحسابه وسقط خيار الفسخ ببيع البعض. وعند أبي يوسف يرجع على ما في أيديهم بحسابه ويضمن حصتهم مما باع لان القسمة تنقلب فاسدة عنده والمقبوض بالفاسد مملوك وينفذ بيعه وهو مضمون بالقيمة فيضمن لهم، ولو قسم الورثة التركة ثم ظهر فيها دين محيط قيل للورثة اقضوا دين الميت، فإن قضوه صحت القسمة وإلا فسخت لان الدين مقدم على الارث فيمتنع وقوع الملك لهم إلا إذا قضوا الدين أو أبرأهم الغرماء فيصح لزوال المانع، ولو كان الدين مستغرقا فكذا الجواب إلا إذا بقي من التركة ما يفي بالدين فحينئذ لا تفسخ لعدم الحاجة. ولو ادعى أحد المتقاسمين للتركة دينا في التركة صح دعواه ولا تناقض لان الدين يتعلق بالذمة والقسمة تصادف الصورة، ولو ادعى عيبا بأي سبب كان لم تسمع دعواه لان الاقدام على الشركة اعتراف بأن المقسوم مشترك. قال: ولو كان بينهما مائة شاة أخذ أحدهما أربعين

[ 285 ]

[ أو خدمة أو عبدين أو غلة دار أو دارين صح وفي غلة عبد وعبدين أو بغل ] قيمتها خمسمائة والآخر ستين قيمتها خمسمائة فاستحقت شاة من الاربعين قيمتها عشرة فإنه يرجع بخمسة دراهم في الستين ولا خيار له في نقض الامام عند القسمة بخلاف الارض، وإن كان بينهما أربعون قفيزا ثلاثون رديئة أخذها وعشرة جيدة أخذها الآخر لم يجز، فإن أخذ العشرة الجيدة وثوبا جاز لان الزائد في مقابلة الثوب فإن استحق من الثلاثين عشرة رجع عليه بنصف الثوب. وفي الزيادات: يرجع عليه بثلث الثوب وقفيز وثلثي قفيز قيل هذا قياس والاول استحسان، كذا في المحيط. وفي المنتقى: ويستوي في هذا الحكم ما إذا وقعت القسمة بالقضاء أو بالرضا ا ه‍. وفي السراجية: دار بين اثنين اقتسماها نصفين وبنى كل واحد في نصيبه ثم استحقت لم يرجع واحد منهما على صاحبه بقيمة البناء. وفي المحيط: دار وأرض فيها القسمة فإذا بنى أحدهما أو غرس ثم استحق أحد النصيبين لم يرجع بقيمة البناء والغرس على الآخر لانه لم يصر مغرورا من جهته. هذا إذا كانت القسمة لو امتنع أحدهما يجبر، فلو كانت القسمة لو امتنع أحدهما لم يجبر كقسمة الاجناس المختلفة يرجع بقيمة البناء عند الاستحقاق لان كل واحد منهما مغرور من جهة صاحبه لانه ضمن له سلامة نصيبه. وفي التجريد: وكل قسمة وقعت باختيار القاضي أو باختيارهما على الوجه المذكور ويخيرهما القاضي عليه إذا بنى أحدهما بناء أو غرس ثم استحق أحد النصيبين لم يرجع بقيمة البناء والغرس على الآخر ا ه‍. قال رحمه الله: (ولو تهايأ في سكنى دار أو دارين أو خدمة عبد أو عبدين أو غلة دار أو دارين صح) يحتاج إلى تفسيرها لغة وشرعا وشرطها وصفتها ودليلها وحكمها. أما دليلها فقوله تعالى * (هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم) * (الشعراء: 155) ومن السنة فما روي أنه عليه الصلاة والسلام قسم في غزوة بدر كل بعير بين ثلاثة نفر وكانوا يتناوبون في الركوب. واجتمعت الامة على جوازها ولان التهايؤ قسمة المنافع فيصار إليها لتكميل المنفعة لتعذر الاجتماع على عين واحدة فكان التهايؤ هنا جمعا للمنافع في زمان واحد. وتفسيرها لغة فهي مأخوذة من التهيؤ وهو أن يهئ كل واحد منهما لصاحبه ما شرط له. وفي الشارح: هي مشتقة من الهيئة وهي الحالة الظاهرة للتهيؤ للشئ وإبدال الهمزة ألفا فيها، والتهايؤ تفاعل منها وهو أن يتوافقوا على أمر فيتراضوا به. وحقيقته أن كلا منهم يرضى بهيئة واحدة ويختارها. وأما تفسيرها شرعا فهي مبادلة معنى وليست بإقرار من كل وجه لانها لا تجري في المثليات كالمكيل والموزون، وأم شرطها أن تكون العين يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها. وصفتها أنها واجبة إذا طلبها بعض الشركاء ولم يطلب الشريك الآخر قسمة الاصل، وقد يكون بالزمان. وقد يكون بالمكان، وتكلم العلماء فقالوا: إن جرت في الجنس الواحد والمنفعة متساوية أو تفاوتا تفاوتا يسيرا فهي إقرار، وإن جرت في الجنس المختلف كالدار

[ 286 ]

والعبيد يعتبر مبادلة من كل وجه حتى لا يجوز من غير رضاهم. وفي الكافي: ولا يبطل التهايؤ بموت أحدهما ولا بموتهما ا ه‍. ولو طلب أحد الشريكين القسمة والآخر المهايأة يقسم القاضي لانه أبلغ، ولو وقع التهايؤ فيما يحتمل القسمة ثم طلب أحدهما القسمة يقسم ويبطل التهايؤ لانه أبلغ، أما إذا تهايأ في سكنى دار واحدة على أن يسكن أحدهما بعضها والآخر البعض أو أحدهما العلو والآخر السفل جازت لان القسمة على هذا الوجه جائزة فكذا التهايؤ وهو إقرار لا مبادلة لانها لا تجوز في الجنس الواحد الربا. وقيل: هو إقرار من وجه عارية من وجه. ولا يخفى أن كلا القولين مشكل لان كل واحد منهما يترك ماله من المنفعة فيما أخذه صاحبه بعوض وهو الانتفاع بنصيب صاحبه فكيف يتصور أن يكون إقرارا في الكل أو عارية في البعض والعارية غير لازمة والمهايأة لازمة؟ فإن قيل جمع المنافع الشائعة في السن في بيت واحد محال لعدم جواز انتقال العرض من محل إلى محل آخر فكيف يمكن القاضي جمعها؟ فالجواب أن المراد ليس للقاضي أن يجمعها حقيقة حتى يتوجه ما ذكر، بل المراد أن القاضي يعتبرهما جميعا ضرورة اه‍. والاوجه أنه إقرار من كل وجه في التهايؤ في المكان ولهذا لا يشترط التأقيت، وفي المهايأة في الزمان إقرار من كل وجه. ولو أشغل أحدهما نصيبه جاز شرط في المهايأة أو لم يشترط لانه يجوز المهايأة في الاشتغال حال الانفراد فيجوز تبعا للمهايأة في السكني، كذا في المحيط. ولو تهايأ في دارين جاز ويجبر لآبي عنها ويعتبر إفرازا كالاعيان المتفاوتة، فلو وضع أحدهما في داره شيئا أو ربط فيها دابة فعثر به إنسان ومات لا يضمن، ولو بنى أو حفر فيها بئرا ضمن لان الاول من مرافق السكني حتى يملكه المستعير فلا يكون متعديا في نصيب شريكه فلا يضمن، وفي البناء والحفر يكون متعديا في مقدار نصيب شريكه فيضمن ولا يضمن مقدار نصيبه. ولو تهايأ في دارين على أن يسكن كل واحد منهما دارا أو يؤجرها وإن زادت غلة أحدهما لا يشارك الآخر في الفضل. والفرق أن في الدارين أمكن تصحيح قسمة المنفعة حقيقة، ولو تهايأ في الزمان في الخدمة عبدا جاز لانها متعينة فيه لتعذر التهايؤ في المكان والبيت الصغير كالعبد. ولو اختلفا في التهايؤ من حيث الزمان والمكان في محل يحتملهما يأمرهم القاضي بالاتفاق، فإن اختاروا من حيث الزمان يقرع في البداية تطييبا لقلوبهما ونفيا للتهمة عن نفسه، ولو تهايأ في عبدين على الخدمة جاز، أما عندهم فظاهر لان قسمة الرقيق جائزة عندهما فكذا المنفعة. وأما عند الامام فروي عنه أنها لا تجوز إلا بالتراضي لان قسمة الرقيق لا يجري فيها الجبر عنده فكذا المهاياة. والاصح أن القاضي يهايؤ بينهما جبرا بطلب أحدهما لان المنافع من حيث الخدمة قلما تتفاوت بخلاف أعيان الرقيق لانها تتفاوت تفاوتا فاحشا على ما بينا، ولو تهايأ على أن نفقة كل عبد على من يخدمه جاز استحسانا لان العادة جرت بالتسامح فيها بخلاف كسوة المماليك لانها لا تسامح فيها عادة، وقيد بقوله خدمة عبد لانه لا يجوز التهايؤ في غلة عبد واحد، كذا في

[ 287 ]

[ وبغلين أو ركوب بغل أو بغلين أو ثمر شجرة أو لبن شاة لا. ] المحيط. وقيد بقوله خدمة عبدين لانهما لو تهايأ في غلتهما لم يجز عند الامام، وعندهما يجوز إذا استوت الغلتان. لهما أن تفاوت العبدين في الغلة يسير فيجوز عند الاستواء بخلاف العبد الواحد فإنها فاحشة فإن العبد المستأجرة في الشهر الاول لا يستأجر في الشهر الثاني بمثل ما استؤجر في الاول بل بزيادة. وفي السراجية: تحل بين شريكين اقتسما على أن يأخذ كل واحد منهما طائفة ويثمرها جاز ا ه‍. وفي المنتقى: جاريتان بين رجلين تهايأ على أن ترضع هذه ابن هذه سنتين وترضع هذه ابن هذه سنتين جاز قالوا: ولا يشبه هذا لبن البقر والابل وعلل فقال: ألبان الانسان لا قيمة لها ولا تقسم وألبان البهائم تقسم ولها قيمة. وفي الخانية: رجلان تواضعا في بقرة على أن تكون عند كل واحد منهما خمسة عشر يوما يحلب لبنها كان باطلا ولا يحل فضل اللبن لاحدهما، وإن جعله صاحبه في حل لان هذا هبة المشاع فيما يقسم إلا أن يكون صاحب الفضل استهلك الفضل، فإذا جعله صاحبه في حل كان إبراء عن الضمان فيجوز، أما حال قيام الفضل يكون هبة أو إبراء عن العين وهو باطل. وفي الكافي: غنم بين اثنين واتفقا على أن يأخذ كل واحد منهما طائفة يرعاها وينتفع بألبانها لم يجز، والحيلة أن يبيع حصته من الآخر ثم يشتري كلها بعد مضي نوبته أو ينتفع باللبن بالوزن المعلوم ا ه‍. وفي الكافي: ولو تهايأ في مملوكين استخداما فمات أحدهما أو أبق انتقضت المهايأة بخلاف ما إذا استخدمه شهرا إلا ثلاثة أيام لو أبق فيه ثلاثة أيام فإنه ينتقض، ولو أبق أحد الخادمين في خدمة من شرط له الخادم أو انهدم الحائط فلا ضمان عليه ا ه‍. ولو ولدت منه صارت أم ولد وانقضت المهايأة، كذا في المحيط. ولو كان بينهما عبد وأمة فتهايأ فيهما صح ذلك، كذا في الاصل. والتهايؤ في الركوب في دابة واحدة لا يجوز عند الامام، وعندهما يجوز وظاهر عبارة المؤلف أنه يشترط لصحة التهايؤ اتحاد المنفعة، وفي المحيط ما يخالفه قال في المحيط: ولو تهايأ في دار ومملوك على أن يسكن هذا الدار سنة والآخر يخدمه العبد سنة جاز استحسانا ا ه‍. قال رحمه الله: (وفي غلة عبد وعبدين أو بغل وبغلين أو ركوب بغل أو بغلين أو ثمر شجرة أو لبن شاة لا) يعني لا يجوز في هذه الاشياء التهايؤ. أما في عبد واحد أو بغل واحد فيجوز فلان النصيبين يتعاقبان في الاستيفاء فالظاهر التغير في الحيوان فتفوت المعادلة بخلاف التهايؤ في استغلال دار واحدة حيث يجوز في ظاهر الرواية، وقد مر بيانه. ولو زادت غلة الدار في نوبة أحدهما يشتركان في الزيادة تحقيقا للمساواة بخلاف التهايؤ في المنافع فتعتبر المعادلة فيها إلا في الغلة، وبخلاف ما لو تهايأ في الاستغلال في الدارين وفضلت غلة أحدهما حيث لا يشتركان لان معنى الاقرار راجح في الدارين فلا تعتبر الغلة، وأما لو تهايأ في استغلال عبدين أو بغلين فالمذكور هنا قول الامام، وعندهما يجوز لامكان المعادلة فيها.

[ 288 ]

وللامام أن التهايؤ في الخدمة جوز للضرورة لعدم إمكان قسمتها ولا ضرورة في الغلة لانه يمكن قسمتها لانه عين مال ولانه يتغير بالاستغلال بخلاف الدارين لان الظاهر عدم التغير في العقار. وجملة مسائل التهايؤ اثنى عشر مسألة: ففي استخدام عبد جائز بالاتفاق، وكذا في استخدام العبدين على الاصح، وفي استغلال عبد واحد لا يجوز بالاتفاق، وكذا في غلتها، وكذا في سكنى دارين وفي غلتهما خلاف والاظهر أنه يجوز بالاتفاق، وفي ركوب بغل أو بغلين على الخلاف، ولا يجوز في استغلال عبد واحد بالاتفاق وفي بغلين على الخلاف، أما التهايؤ في ثمر شجرة أو لبن غنم فإنها أعيان باقية ترد عليهما القسمة عند حصولها فلا حاجة إلى التهايؤ لان التهايؤ في المنافع ضرورة بخلاف لبن بني آدم حيث يجوز التهايؤ فيه كما تقدم، وتقدم بيان الحيلة في ذلك قال: ولم يذكر في الكتاب المهايأة على لبس الثوبين قال بعض مشايخنا: لا يجوز عند الامام خلافا لهما لان الناس يتفاوتون في اللبس تفاوتا فاحشا، كذا في المحيط. لو كان عبدان بين رجلين غاب أحدهما فجاء أجنبي وقاسم الشريك وأخذا عبدا للغائب فقدم الغائب وأجاز فمات العبد في يد الاجنبي ضمان عليه، وإن مات قبل الاجارة بطلت القسمة وللغائب نصف العبد الباقي، وإن شاء ضمن حصته في الميت لشريكه أو للاجنبي القبض، كذا في الاصل. (فروع) قال في نوادر بن رستم: إذا كان لاحدهما شجرة أغصانها مطلة على قسمة الآخر فله أن يطالبه بقطع أغصانه، رواه عن محمد. وروي ابن سماعة عن محمد ليس له ذلك. وفي الذخيرة: وبه يفتى. وإذا أراد أحدهما أن يرفع بناءه ويسد الريح والشمس على الآخر قال نصر بن يحيى وأبو القاسم الصفار: لصاحبه أن يمنع من ذلك. وقال في الفتاوي: ليس له منعه وعليه الفتوى. وإذا أراد أن يجعل داره طاحونا أو مدقا للقصارين لم يجز له ولو تنور صغيرا جاز والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.

[ 289 ]

[ كتاب المزارعة هي عقد الزرع ببعض الخارج وتصح بشرط صلاحية الارض للزراعة وأهلية العاقدين وبيان المدة ورب البذر وجنسه وحظ الاخر والتخلية بين الارض والعامل والشركة في الخارج وإن تكون الارض والبذر لواحد والعمل والبقر لاخر أو تكون ] كتاب المزارعة لما كان الخارج من الارض في عقد المزارعة من أنواع ما يقع فيه القسمة ذكر المزارعة عقب القسمة، فهي لغة مفاعلة من الزراعة، وشريعة ما ذكر المؤلف، وسببها سبب المعاملات، وركنها الايجاب والقبول، وشرائط جوازها كون الارض صالحة للزراعة وكون رب الارض والمزارع من أهل العقد وبيان المدة، فلو ذكر مدة لا يخرج الزرع فيها لم تجز المزارعة. وصفتها أنها فاسدة عند الامام جائزة عندهما، ودليلها ما روي أنه عليه الصلاة والسلام دفع الارض لاهل خيبر مزارعة. قال رحمه الله: (هي عقد على الزرع ببعض الخارج) فقوله عقد جنس وقوله على الزرع يشمل المزروع حقيقة وهو الملقى في الارض قبل الادراك، قاله خواهر زاده أو باعتبار ما يؤول إليه بأن كانت فارغة. وقوله ببعض الخارج فصل أخرج سائر العقود والمساقاة لانها عقد على بعض الثمرة. وأطلق في العقد فشمل مع الاجنبي أو الشريك قال في فتاوي الفضلي: أرض بين رجلين دفعها أحدهما للآخر مزارعة على أن الخارج ثلثه للدافع وثلثان للعامل جاز في أصح الروايتين ا ه‍. قال رحمه الله (وتصح بشرط صلاحية الارض للزراعة وأهلية العاقدين وبيان المدة ورب البذر وجنسه وحظ الآخر والتخلية بين الارض والعامل والشركة في الخارج) وهذا قول الثاني والثالث. وقال الامام: لا تجوز المزارعة. لهما ما روى أنه عليه الصلاة والسلام دفع الارض مزارعة لاهل خيبر على نصف ما خرج منها من ثمر أو زرع ولانها عقد شركة بمال من أحد الشريكين وعمل من الآخر فتجوز اعتبارا بالمضاربة والجامع دفع الحاجة فإن صاحب المال قد لا يهتدي إلى العمل والمهتدي إليه قد لا يجد المال فمست الحاجة إلى انعقاد هذا العقد. وللامام ما روي أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن الخابرة وهي المزارعة بالثلث والربع، والذي ورد في خيبر هو خراج مقاسمة لا يقال هذا مخالف لما تقدم في باب العشر

[ 290 ]

والخراج من أن أرض العرب كلها عشرية لانا نقول: أرض خيبر ليست من أرض العرب لانها لا يقر فيها على الكفر. فإن قلت: هم يهود قلنا: خيبر ليست داخلا في حدود أرض العرب، وإذا فسدت المزارعة عنده يجب على صاحب البذر أجرة مثل الارض أو العمل والغلة له لانها نماء ملكه. قال في العناية: وهذا منقوض بمن غصب بذر آخر وزرعه في أرض فإن الزرع له وإن كان نماء ملك صاحب البذر. وأجيب بأن الغاصب عامل لنفسه باختياره وتحصيله فكان إضافة الحادث إلى عمله أولى، والمزارع عامل بأمر غيره فجعل الامر مضافا إلى الآمر اه‍. ولقائل أن يقول: السؤال غير وارد والجواب غير صحيح أما أولا فقد تقرر أن الغاصب ملك البذر بالمزارعة فالبذر نماء ملك الغاضب فلا إبرد والجواب لم يصادف محلا وقالوا: الفتوى اليوم على قولهما لحاجة الناس إليها وللتعامل والقياس يترك بمثل هذا والنص ورد نص بخلافه فيعمل به لانه هو الظاهر عندهما. ثم شرط في المختصر لجوازها عندهما أن تكون الارض صالحة للزراعة لان المقصود لا يحصل بدونه، وأن يكون رب الارض والمزارع من أهل العقد لان العقد لا يصح إلا من الاهل، وأن يبين المدة لانه عقد على منافع الارض أو العامل وهي تعرف. ويشترط أن تكون المدة قدر ما يتمكن فيها من المزارعة أو أكثر، وأن لا يكون قدر من لا يعيش إليه مثلها أو أحدهما غالبا. وعند محمد بن سلمة: لا يشترط بيان المدة ويقع على سنة واحدة وفي الخانية قال المشايخ: يشترط بيان الوقت وتكون الزراعة على أول سنة والفتوى على بيان المدة وإن بقي بعد تمام السنة ما يمكن فيه الزراعة لا تبقى الزراعة وفي العتابية: ولو ذكر مدة أن يخرج فإن خرج ظهر أنه صحيح وإلا فلا، وأن يبين من عليه البذر لان المعقود وهو منافع العامل أو منافع الارض ولا يعرف إلا ببيان من عليه البذر، وأن يبين جنس البذر لان الاجرة منه فلا بد من بيان جنس الاجرة. وفي الذخيرة. وفي الاستحسان بيان ما يزرع في الارض ليس بشرط، فوض الرأي إلى المزارع أو لم يفوض، بعد أن ينص على المزارعة لان ذلك يصير معلوما بأعلام الارض ومثله في الخانية. وإن بين نصيب من لا بذر من جهته وهو المراد بالاجر لانه أجرة عمله وأرضه فلا بد أن يكون معلوما، وأن يخلي بين الارض والعامل لانه بذلك يتمكن من العمل، وعمل رب الارض مع العامل لا يصح. وأن يكون الخارج مشتركا بينهما لانه هو المقصود بها فتنعقد إجارة في الابتداء وتقع شركة في الانتهاء، ولهذا لو شرط لاحدهما قفيزا مسماة فسدت لانه يؤدي إلى قطع الشركة في البعض المسمى أو في الكل أو لم تخرج الارض أكثر من ذلك، وكذا إذا شرط أن يدفع قدر بذره لما ذكرنا بخلاف ما إذا شرط أن يرفع عشر الخارج أو ثلثه والباقي بينهما لانه يؤدي إلى قطع الشركة وهو يحصل أن يكون حيلة للوصول إلى رفع البذر. وقيدنا بقولنا ببعض الخارج لانه إذا كان الخارج كله لواحد منهما فليست بمزارعة قال رب الارض

[ 291 ]

[ الارض لواحد والباقي لاخر أو يكون العمل لواحد والباقي لاخر فإن كانت الارض والبقر لواحد والعمل والبذر لاخر إن كان لاحدهما والباقي لاخر أو كان البذر والبقر ] للمزارع ازرع أرضي ببذرك على أن الخارج كله لي فهذا الشرط جائز ويصير العامل مقترضا للبذر من رب الارض ويكون العامل معينا له. وفي العتابية: ازرع لي في أرضك ببذرك جاز ولو لم يقل لي والمسألة بحالها لم يجز. وقال عيسى بن أبان: يجب أن يكون كالاول، ولو قال في المسألة على أن الخارج نصفين جاز. قال رحمه الله: (وأن تكون الارض والبذر لواحد والعمل والبقر لآخر أو تكون الارض لواحد والباقي لآخر أو يكون العمل لواحد والباقي لآخر) وهذه الجمل من جملة الشروط وإنما كان كذلك لان من جوزها إنما جوزها على أنها إجازة ففي الصورة الاولى يكون صاحب البذر والارض مستأجرا للعامل والبقر تبع له لاتحاد المنفعة لان البقر آلة له فصار كمن استأجر خياطا ليخيط له قميصا بإبرة من عنده أو صباغا ليصبغ له بصبغ من عنده ولآخر يقابل عمله دون الآلة له فيجوز. والاصل فيها أن صاحب البذر هو المستأجر فتخرج المسائل على هذا كما رأيت وفي الصورة الثانية يكون صاحب البذر مستأجرا للعامل وحده بلا بقر بأجرة معلومة من الخارج فيجوز كما إذا استأجر خياطا لخيطه له قميصا بأجرة بإبرة من عند صاحب الثوب أو طنا أو بالنظير تمر له من المستأجر. قال في العتابية: الاصل أن المزارعة تنعقد إجارة وتتم شركة على منفعة الارض والعامل، إما في الارض فأثر عبد الله بن عمر وتعامل الناس، وأما في العامل ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهل خيبر وتعامل الناس اه‍. وفي الفتاوى: دفع الزرع المدرك مزارعة بالنصف للحفظ لا يجوز وفي غير المدرك يجوز، كذا ذكره شيخ الاسلام خواهر زاده اه‍. قال رحمه الله: (فإن كانت الارض والبقر لواحد والعمل والبذر لآخر ان كان لاحدهما والباقي لآخر أو كان البذر والبقر لواحد والباقي لآخر) سيأتي الخبر. لما بين شروط الجواز في المزارعة شرع يبين الشروط المفسدة لها. أما الاول وهو ما إذا كانت الارض والبقر لواحد والعمل والبذر لآخر فلان صاحب البذر استأجر الارض واشترط البقر على صاحب الارض ففسدت لان البقر لا يمكن أن يجعل تبعا للارض لان منفعة البقر الشق ومنفعه الارض الانبات وبينهما اختلاف وشرط التبعية الاتحاد. وروي في الامالى عنأبي يوسف أنها جائزة. وفي الخانية: والفتوى على الاول. وأما الثاني وهو ما إذا كان البذر لواحد والباقي لآخر وهو العمل والبقر والارض فلان العامل أجير ولا يمكن أن تكون الارض تبعا له لاختلاف منفعتهما ووجه ما تقدم، وعن أبي يوسف أنه جائز وفي الخانية: لو كانوا أربعة البقر من واحد والبذر من واحد والارض من واحد والعمل من واحد فهي فاسدة. وفي الشرح الطحاوي: لو دفع البذر لمزارعه ليزرعه المزارع في أرضه على أن الخارج بينهما لا

[ 292 ]

يجوز. والحيلة أن يأخذ أرضه ثم يستعين صاحب البذر بصاحب الارض في العمل فيجوز. وفي النوازل: رجل له أرض أراد أن يأخذ بذرا من الارض حتى يزرعه في أرضه ويكون الزرع بنهما، فالحيلة في ذلك أن يشتري نصف البذر بثمن معلوم ثم يقول له ازرعها بالبذر وهذه الحيلة تجري في كل صورة وقعت فاسدة اه‍. وأما الثالث وهو ما إذا كان البذر والبقر لواحد والباقي لآخر وهو العمل والارض فلما ذكرنا أن الارض لا يمكن جعلها تبعا لعمله لاختلاف المنافع ففسدت المزارعة. قال الشارح وهنا وجه آخر لم يذكره في الكتاب وهو أن يكون البقر من واحد والباقي من اخر قالوا: هذا فاسد وينبغي أن يجوز بالقياس على العامل وحده أو على الارض وحدها. والجواب عنه أن القياس أن لا تجوز المزارعة وإنما تركناه بالاثر وفي هذا لم يرد أثر اه‍. قال: ولو دفع أرضا على أن يزرع ببذر الزارع وبقره ويعمل معه ثالث والخارج أثلاث فالعقد فاسد بينهما وبين أجنبي جائز بينهما ولرب الارض من العامل ببعض الخارج، فلو كان المزارع الاول مالكا لمنفعة الارض بالاستئجار فصار كما لو كانت الارض مملوكة ودفعها إلى العامل على أن يعمل معه لا يجوز لفوات التخلية بين الارض والمزارع وفسادها في حق الثاني لا يوجب فساد المزارعة في حق الاول لان المزارعة الثانية غير مشروطة في الاول والعطف لا يقتضي الاشتراط، فإن كانت الثانية مشروطة في الاول بأن قال على أن يعمل الثاني معه بالثلث هل تجوز المزارعة في حق الاول؟ قال بعض المشايخ: تفسد لان الثانية صارت مشروطة لرب الارض فإنه لا منفعة له في عمل الثاني مع الاول، ولو كان البذر من رب الارض والمسألة بحالها صحت في حق الكل لانه استأجر العاملين ببعض الخارج وذلك جائز، كذا في المحيط. ولو دفع أرضه إلى رجل ليزرعها على أن الخارج بينهما نصفان فالمسألة على وجهين: الاول أن يكون البذر من قبل العامل. الثاني أن يكون من قبل صاحب الارض. وعلى كل وجه يكون على ثلاثة أوجه: إما أن يسكتا على شرط البقر أو شرط البقر على العامل أو على رب الارض فإن سكتا فالبقر على العامل كان البذر منه أو من صاحب الارض لان البقر آلة للعمل، وإن شرطا البقر على صاحب الارض فإن كان البذر من قبله يجوز، وإن كان من قبل الآخر فسدت، كذا في الظهيرية. وفي العتابية: ولو قال رب الارض ازرع لي أرضي ببذرك على أن يكون الخارج كله لك فهذا فاسد، والخارج لرب الارض، وللزارع على رب الارض مثل بذره وأجر مثل عمله. ولو قال رب الارض ازرع أرضي ببذرك على أن يكون الخارج كله لك فهذا جائز ويكون الخارج لصاحب البذر، ويكون صاحب الارض معيرا له أرضه، وفيها أيضا: لو دفع البذر إلى رجل وقال ازرع على أن الخارج لك أو لي أو نصفين فهو فاسد اه. قال رحمه الله: (أو اشترطا لاحدهما قفزانا مسماة أو ما على الماذيات والسواقي أو أن

[ 293 ]

[ لواحد والباقي لاخر أو اشتراطا لاحدهما قفزانا مسماة أو ما على الماذيات والسواقي أو أن يرفع رب البذر بذره أو يرفع من الخارج الخراج والباقي بينهما فسدت فإن صحت ] يرفع رب البذر بذرة أو يرفع من الخارج الخراج والباقي بينهما بينهما فسدت) يعني لو شرطا لاحدهما قفزانا معلومة تفسد لانه يؤدي إلى قطع الشركة في المسمى كما تقدم أو مطلقا لاحتمال ما يخرج إلا هو. والمراد بأحدهما هو أو من يعود نفعه إليه بالشرط. هذا إذا شرط لاحدهما، فلو شرطا لغيرهما قالوا: ولو شرطا بعض الخارج لعبد أحدهما فلا يخلو إما أن يكون مشروطا لمن يملك رب الارض وللعامل كسبه كالغائب والقريب وكل قسم على وجهين: إما أن يكون البذر من قبل رب الارض أو من قبل المزارع، أما القسم الاول ولو دفع أرضا أو بذرا على أن ثلث الخارج لرب الارض وثلثه لعبده وثلثه للعامل جاز وشرط عمل العبد أو لم يشترطا لان ما شرطا للعبد شرط لسيده، وإن شرط عمل العبد فالمشروط للعبد حتى يقضي منه ديونه والمولى ممنوع من أخذه فكان العبد كالاجنبي، فإن البذر من المزارع، فإن شرطا ثلث الخارج لعبد رب الارض فالمزارعة جائزة إذا لم يكن على العبد دين ولم يشترط عمل العبد والمشروط للعبد مشروط لمولاه، وإن شرطا عمل العبد لمولاه، وإن شرطا عمل العبد ولادين عليه فالمزارعة فاسدة في ظاهر الرواية، وإن كان على العبد دين ولم يشترط عمل العبد فالمزارعة جائزة، وإن شرطا عمل العبد مع ذلك فالمزارعة فاسدة في ظاهر الرواية، وأما إذا شرطا الثلث لمكاتب أحدهما أو قريبة أو لاجنبي، فإن كان البذر من قبل رب الارض إن شرط عمله جاز وقد تقدم بيانه. هذا إذا شرطا قفزانا، فإذا شرطا كله قال: فلو شرط الخارج كله لاحدهما فإن كان البذر من قبل رب الارض جاز والخارج كله للمشروط له فيكون العامل متبرعا بعمله، وإن شرطاه للعامل جاز ويكون رب الارض أعاره أرضه واستقرض بذره، فإن كان البذر من المزارع وشرطا جميع الخارج لاحدهما فهو على أربعة أوجه: الاول أن يقول ازرع أرضي ببذرك فيكون الخارج كله لي فهو فاسد والخارج كله لرب البذر وعليه أجر مثل الارض. الثاني أن يقول كله لك والمسألة بحالها جاز وصار معيرا أرضه منه. الثالث أن يقول ازرع أرضي ببذرك على الخارج بيننا نصفان والبذر قرض على رب الارض. والرابع أن يقول ازرع أرضي ببذرك على أن يكون كله لك فهي فاسدة والخارج كله لرب الارض وصار مستقرضا للبذر وكذا في المحيط. وأما إذا شرطا لاحدهما ما على الماذيات وهي مجرى الماء والسواقي أو يدفع رب البذر بذره أو يدفع الخراج فلانه يؤدي إلى قطع الشركة في البعض أو الكل وشرط صحتها أن يكون الخارج مشتركا بينهما. والمراد بالخراج الخراج الموظف نصفا أو ثلثا أو نحو ذلك، أما الجزء الشائع فلا يفسد اشتراطه لانه لا يؤدي إلى قطع الشركة وهي حيلة لدفع قدر بذره. ولو شرطا لاحدهما التبن وللآخر الحب فسدت لاحتمال أن يصيب الزرع آفة فلا يخرج إلا التبن، فلو شرطا الحب نصفين ولم يتعرض

[ 294 ]

[ فالخارج على الشرط فإن لم يخرج شئ فلا شئ للعامل ومن أبى عن المضي أجبر إلا ] للتبن صحت لانه هو المقصود والتبن نصفان. ولو شرطا الحب نصفين والتبن لرب الارض صحت لانه شرط لا يخالفه العقد لانه نماء ملكه، ولو شرطا التبن للعامل فسد فلانه شرط مخالف لمقتضى العقد فربما يؤدي إلى قطع الشركة بأن يصيب الزرع آفة فلا ينعقد الحب ولا يخرج إلا التبن قال: والعشر عليهما عندهما، وعند الامام على صاحب الارض، فإن لم يأخذ الامام العشر فهو لصاحب الارض عند الامام، وعندهما لهما. ولو قال صاحب الارض للعامل لا أدري ما يأخذ الامام العشر أو النصف لان النصف لي بعدما يأخذ جازت عندهما، كذا في المحيط قال رحمه الله: (فإن صحت فالخارج على الشرط) لصحة الالتزام. قال في المحيط: وأما الزيادة والحط في المزارعة والمعاملة فالافضل إن كان المعقود عليه بحال يجوز ابتداء المزارعة والمعاملة جازت الزيادة فيهما، وإذا أدى أحدهما الآخر في الخارج فإن كان حال الزيادة قبل الاستحصاد وعظم التناهي تجوز الزيادة لانه يجوز ابتداء العقد ما دام قابلا للزيادة وإلا فلا، والحط جائز في الحالين حال قبول الزيادة وبعدها لانه إسقاط. ولو باع الارض المدفوعة مزارعة أو معاملة فالبيع موقوف على إجازة المزارع والعامل، فإن يجز تبقى إلى انتهاء المزارعة والمعاملة ويخير المشتري إن شاء انتظر أو فسخ. ولم يتعرض المؤلف لما إذا وقع في العقد أو علق ونحن نبين ذلك قال وفيه أيضا: لو دفع الارض والبذر سنة على أن يزرعها بغير كراب فللعامل ربع الخارج وإن كربها فثلثه، وإن كرب وبنى فنصفه جاز ما شرطاه، وكذا لو كان البذر من جهة المزارع القسم الثاني دفع الارض على أن يزرعها حنطة فالخارج كذا، وإن زرعها شعيرا فكذا وإن زرعها سمسما فكذا فهذا على أربعة أوجه: أما إن قال ازرعها أو زرعت فيها أو زرعت منها أو زرعت بعضا منها فالمزارعة في الاولين جائزة لانه خيره بين العقود الثلاثة، فإن زرع شيئا من الاصناف الثلاثة فالخارج على ما شرطاه، ولو قال ما زرعت منها أو بعضا منها فالمزارعة فاسدة لانه إن زرع البعض حنطة والبعض شعيرا وسمسما فذلك البعض مجهول، ولو كان البذر من قبل العامل وشرطا إن زرعها حنطة فبينهما نصفان وإن زرعها شعيرا فذلك للعامل جاز استحسانا وهو في الاول مزارعة وفي الثاني إعارة الارض. ثم ذكر محمد التخيير بين ثلاثة ولم يذكر هل يجوز التخيير في أكثر من ذلك؟ روى هشام أنه لا يجوز. القسم الثالث دفع الارض على أن زرعها ببذره في أول جمادى الاولى فالخارج نصفان وإن أخر فالثلث للمزارع فالشرطان جائزان عندهما وبيان الدليل يطلب فيه اه‍. قال رحمه الله: (فإن لم يخرج شئ فلا شئ للعامل) لانها إما اجارة أو شركة، فإن كانت اجازة فالواجب في العقد الصحيح منها المسمى وهو معدوم فلا يستحق غيره، وإن كانت شركة فالشركة في الخارج دون غيره فلا يستحق غيره بخلاف ما إذا فسدت المزارعة ولم

[ 295 ]

[ رب البذر وتبطل بموت أحدهما فإن مضت المدة والزرع لم يدرك فعلى الزراع أجر مثل ] تخرج الارض حيث يستحق أجر المثل في المدة وعدم الخروج لا يمنع وجوبه. قال في العناية: واستشكل بمن استأجر أرضا بعين ففعل الاجير وهلكت العين قبل التسليم فإنه على المستأجر أجرة المثل فليكن هذا مثله لان المزارعة قد صحت والاجر مسمى وهلك الاجر. وأجيب بأن الاجر ههنا هلك بعد التسليم لان المزارع قبض البذر الذي يتفرع منه الخارج وقبض الاصل قبض لفروعه والآخر المعين إلى الاجر لا يجب للآخر شئ فكذا هنا. ولقائل أن يقول: هذا الجواب غير مستقيم في صورة استئجار الارض فإن رب الارض لا يقبض البذر الذي يتفرع منه الخارج حتى يكون قبضه قبضا لفرعه. قال رحمه الله: (ومن أبى عن المضى أجبر الا رب البذر) لانها انعقدت اجارة والاجارة عقد لازم غير أنها تنفسخ بالعذر، فإن امتنع صاحب البذر عن المضي فيها كان معذورا لانه لا يمكنه المضي إلا باتلاف ماله وهو إلقاء البذر على الارض ولا يدري هل يخرج أم لا فصار نظير ما لو استأجره لهدم داره ثم امتنع، وإن امتنع العامل أجبر على العمل، وإن امتنع رب البذر والارض من قبله بعدما كرب الارض فلا شئ له في عمل الكراب في القضاء لان عمله إنما يتقوم بالعقد وقد فوته بجزء من الخارج فلا خارج، ويلزمه فيما بينه وبين الله تعالى أجر مثله له كيلا يكون مغرورا من جهته لانه يتضرر به وهو مدفوع فيكتفي بإرضائه بأن يوفيه أجر مثله. قال رحمه الله: (وتبطل بموت أحدهما) لانها إجارة وهي تبطل بموت أحد المتعاقدين إذا عقدها لنفسه وقد بيناه في الاجارة، وهذا الاطلاق جواب القياس. وفي الاستحسان إذا مات وقد نبت الزرع يبقى عقد الاجارة حتى يحصد الزرع ثم يبطل في الباقي لان في ابقائه هذه المدة مراعاة الحقين فيعمل العامل أو وارثه على حالة، فإذا حصد يقسم على ما شرطاه ولا ضرورة في الباقي. ولو مات رب الارض قبل الزرع بعدما كرب الارض وحفر الانهار انتقضت المزارعة لانه ليس في ذلك إتلاف مال على الزارع ولا شئ للعامل بمقابلة العمل لانه يقوم بالخارج ولا خارج، ولا يجب شئ بخلاف المسألة الاولى حيث يقضى بإرضائه لانه مغرور من جهته باختياره، وإذا كان على رب الارض دين ولم يقدر على قضائه إلا ببيع الارض فسخت المزارعة قبل الزرع وبيعت بالدين ولا شئ للعامل عليه في الكرب وحفر الانهار. ولو نبت الزرع ولم يحصد لم بيع الارض بالدين حتى يستحصد الزرع لان في البيع إبطال حق المزارع والتأخير أهون من الابطال ويخرجه القاضي من الحبس إن كان حبسه به لانه لم يمنع بيع الارض لم يكن مماطلا والحبس جزاء المماطلة. وفي الذخيرة: ولو مات رب الارض بعد الزرع قبل النبات هل تبقى المزارعة؟ قال بعضهم تبقى. وقال بعضهم لا تبقى فتفسخ. وفيها أيضا: وهل يحتاج في فسخ المزارعة إلى قضاء القاضي؟ قيل: وفي رواية الزيادات يحتاج إلى القضاء والرضا، وفي رواية كتاب المزارعة لا يحتاج إلى القضاء أو الرضا اه‍. ولو مات

[ 296 ]

[ أرضه حتى يدرك ونفقة الزرع عليهما بقدر حقوقهما كاجرة الحصاد والرفاع والدياس ] المزارع والزرع بقل فلورثته القيام عليه حتى يدرك صيانه لحقهم، فإن أبوا على ذلك لم يجيروا لانهم لم يلتزموا بالعقد ذلك ورب الارض بالخيار إن شاء أعطى قيمة نصيبهم، وإن شاء قلع. وإن شاء أنفق عليه حتى يستحصد ويرجع بحصة الزارع في النفقة فيه، كذا في المحيط. قال رحمه الله: (فإن مضت المدة والزرع لم يدرك فعلى الزارع أجر مثل أرضه حتى يدرك) يعني يجب على العامل أجر مثل أرض الآخر حتى يستحصد، وظاهر العبارة أنه يجب عليه جميع الاجرة وليس كذلك فلو قال في نصيبه لكان أولى وأسلم لان العقد قد انتهى بمضي المدة وفي القلع ضرر فبقيتاه بأجر المثل إلى أن يستحصد فيجب على غير صاحب الارض بحصته من الاجرة لانه استوفى منفعة الارض بقدره بخلاف ما لو مات قبل ادراك الزرع حيث يترك إلى الحصاد ولا يجب على المزارع شئ لانا أبقينا عقد الاجارة هنا استحسانا فأمكن استمرار العامل على ما كان من العمل، أما هنا لا يمكن إلا بانقضاء المدة فتعين ايجاب أجر المثل بالايفاء وكان العمل ونفقة الزرع وموته بالحفظ وكري الانهار عليهما بخلاف ما إذا مات قبل الادراك حيث يكون الكل على العامل. ولو أنفق أحدهما على الزرع بغير أمر القاضي وبغير أمر صاحبه فهو متطوع لانه لا ولاية له عليه وهو غير مضطر إلى ذلك لانه يمكنه أن ينفق بأمر القاضي فصار نظير ترميم الدار المشترك. ولو أراد رب الارض أن يأخذ الزرع بقلا ليس له لما فيه من الاضطرار بالآخر، ولو أراد الزارع أن يأخذه بقلا قيل لصاحب الارض اقلع الزرع إن شئت فيكون بينكما أو اعطه قيمة نصيبه أو أنفق أنت على الزرع وارجع عليه بما أنفقت عليه دفعا للضرر عنه قال: ولا يضمن المزارع أجر مثل الارض لانه لما رضي بإبطال حقه لم تبق الاجارة بينهما. ولو غاب المزارع بعد ما زرع فأنفق رب الارض إلى الادراك بأمر القاضي رجع ولا سبيل للزارع على الزرع حتى يعطيه النفقة كلها لان الزارع لو كان حاضرا كان الكل عليه فكذا لو غاب. ولو اختلفا في النفقة فالقول قول الزارع مع يمينه لانه ينكر وإذا انقضت المدة قبل الادراك فمن أنفق منهما بغير رإذن القاضي فهو متطوع، وإن أنفق بأمر القاضي رجع بنصف ما أنفق. زرع المزارع ونبت فاستحقت الارض للمستحق القلع لانه ظهر أنهما غاصبان ثم الزارع إن شاء ضمن الدافع نصف قيمة الزرع نابتا، وإن شاء قلع معه، وإن استحقت مكروبة قبل الزرع لا شئ للعامل. هذا إذا كان البذر من جهة العامل، فإن كان البذر من جهة رب الارض لم يذكره محمد. وقالوا: ينظر إن كان الاستحقاق قبل الزراعة فلا شئ للعامل، وإن استحقت بعد الزراعة إن شاء قلع معه، وإن شاء رجع على الدافع، قيل بأجرة مثل عمله كما لو دفع نحلا معاملة ثم استحق يرجع عليه بأجر مثل عمله. وقال الفقيه أبو جعفر الهندواني: يرجع عليه بقيمة نصيبه من الزرع فلو أجار المستحق المزارعة هل يصح؟ قالوا: إن كان البذر من جهة رب الارض لا تصح لان

[ 297 ]

[ والتذرية فإن شرطاه على العامل فسدت. ] العقد لم يرد على المستحق، وإن كان البذر من جهة العامل تصح إجارته قبل الزراعة وبعدها فلا تصح، كذا في المحيط. قال رحمه الله: (ونفقة الزرع عليهما بقدر حقوقها كاجرة الحصاد والرفاع والدياس والتذرية) تجب عليهما نفقة الزرع على قدر ملكهما بعد انقضاء مدة المزارعة كما يجب عليهما أجرة الحصاد والرفاع والدياسة والتذرية مطلقا من غير قيد بانقضاء مدة المزارعة، أما نفقة الزرع بعد انقضاء المدة فلما بينا، وأما وجوب الحصاد دوما ذكر فلان عقد المزارعة يوجب على العامل عملا يحتاج إليه إلى انتهاء الزرع ليزداد الزرع بذلك فيبقى ذلك باشتراك بينهما يجب عليهما قال رحمه الله: (فإن شرطاه على العامل فسدت) يعني شرطا العمل الذي يكون بعد انتهاء الزرع كالحصاد وما ذكرناه على العامل أو النفقة فسدت لانه شرط لا يقتضيه العقد. وإنما قلنا ذلك لان العقد يقتضي عمل المزارع وهذه الاشياء ليست من أفعال المزارعة فكانت أجنبية فيكون شرطها مفسدا كشرط الحمل والطحن على العامل. قال في الذخيرة: وهو ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف أنها تصح مع اشتراط ذلك على العامل، ومشايخ بلخ كانوا يفتون بهذه الرواية ويزيدون على هذا ويقولون: ويجوز شرط التنقية والحمل إلى منزله على العامل لان المزارعة على هذه الشروط متعاملة بين الناس وبجوز ترك القياس بالتعامل واختار شمس الائمة رواية أبي يوسف وقال: وهو الاصح في ديارنا. ولو شرط الجذاذ على العامل والحصاد على غير العامل لا يجوز الاجماع لعدم التعامل، ولو أراد فصل الفصيل أوجد التمر بسرا أو التقاطه الرطب كان ذلك كله عليهما. وفي الاصل: وإذا أدرك الباذنجان أو البطيخ فالتقاط ذلك عليهما والحمل والبيع عليهما وكذا الحصاد عليهما اه‍. وفي التتارخانية: وكل عمل يزيد في الزرع ولا بد للمزارع منه يجب على المزارع شرط عليه ذلك أو لم يشرط عليه ذلك كالسفر وغيره اه‍. والله أعلم.

[ 298 ]

[ كتاب المساقاة هي معاقدة دفع الاشجار إلى من يعمل فيها على أن الثمرة بينهما وهي كالمزارعة ] كتاب المساقاة قال في غاية البيان: كان من حق الوضع أن يقدم كتاب المساقاة على كتاب المزارعة لان المساقاة جائزة بلا خلاف ولهذا قدم الطحاوي في مختصره كتاب المساقاة على كتاب المزارعة إلا أن المزارعة لما كانت كثيرة الوقوع في عامة البلاد كانت الحاجة إليها أكثر من المساقاة فقدمت على المساقاة اه‍. ولك أن تقول: وجه المناسبة أن في كل منهما دفعا إلا أن في المزارعة دفع الارض وهي الاصل، وفي المساقاة المقصود دفع الاشجار وهي فرع فقدم الاصل وهو دفع الارض. وهي في اللغة مفاعلة من السقي وسبب جوازها حاجة الناس إليها. وركنها الايجاب والقبول والارتباط، ودليلها ما تقدم في المزارعة، وشرطها كون العاقد والساقي من أهل العقد، وشرط صحتها كون الثمرة تزيد بالعمل، وصفتها أنها جائزة، وحكمها وجوب الشركة في الخارج وعند الفقهاء ما سنذكره. قال رحمه الله: (هي معاقدة دفع الاشجار إلى من يعمل فيها على أن الثمرة بنيهما) فقوله معاقدة جنس وقوله دفع الاشجار أخرج البيع لانه عقد تمليك العين لا دفعها، وقوله إلى من يعمل فيها أخرج الاجارة لانها وإن كانت فيها دفع للانتفاع لا ليعمل فيها. وقوله على أن الثمرة بينهما أخرج المزارعة. وأطلق من يعمل فشمل الشريك وغيره ولو زاد الاجنبي ليعمل فيها الخ لكان أولى لانه لو دفع أحدهما للآخر وهما مالكان لا يصح. قال في فتاوي الفضلي: إذا كان النخل بين اثنين فدفع أحدهما لصاحبه معاملة على أن يقوم عليه ويسقيه ومهما خرج فهو بينهما أثلاثا ثلثه للدافع وثلثاه للعامل فهذه المعاملة فاسدة، ولو كان مكانها مزارعة بأن كانت أرض بين اثنين ودفعها أحدهما لصاحبه مزارعة على أن الخارج ثلثه للدافع وثلثاه للعامل جاز على أصح الروايتين اه‍. قال رحمه الله: (وهي كالمزارعة) يعني لا يجوز عند الامام ويجوز عندهما، وشرطها عندهما شروط المزارعة في جميع ما ذكرنا إلا في أربعة أشياء: أحدها إذا امتنع

[ 299 ]

[ وتصح في الكرم والشجر والرطب وأصول الباذنجان فإن دفع نخلا فيه ثمرة مساقاة ] أحدهما يجبر لانه لا ضرر عيه في المضي بخلاف المزارعة على ما تقدم. الثاني إذا انقضت المدة تترك بلا أجرة على ما تبين بخلاف المزارعة. الثالث إذا استحق النخل يرجع العامل بأجرة مثله والزارع بقيمة الزرع. والرابع في بيان المدة فإذا لم يبين المدة فيها يجوز استحسانا لان التيقن وقت إدراك الثمرة معلوم وقل ما يتفاوت فيه فيدخل ما هو المتيقن به، وإدراك البذر في أصول الرطبة في هذا بمنزلة إدراك الثمار لان لها نهاية معلومة فلا يشترط فيها بيان المدة بخلاف الزرع لان ابتداءه يختلف والانتهاء ينبني عليه فتدخله الجهالة الفاحشة، وبخلاف ما إذا دفع إليه غرسا قد نبت ولم يثمر بعد معاملة حيث لا يجوز إلا ببيان المدة لانه يتفاوت بقوة الارض وضعفها تفاوتا فاحشا فلا يمكن صرفه إلى أول ثمر يخرج منه، وبخلاف ما إذا دفع نخلا أو أصولا رطبة على أن يقيم عليها حتى يذهب أصولها ونبتها لانه لا يعلم متى ينقطع النخل أو الرطب لان الرطب ثمر ما دامت أصولها فتكون مجهولة فتفسد المساقاة. وكذا إذا أطلق في الرطبة ولم يرد في قوله حتى يذهب بخلاف ما إذا أطلق في النخل حيث يجوز وينصرف إلى أول ثمرة تخرج منه. والفرق أن ثمر النخل لادراكه وقت معلوم فينصرف إليه ولا يعرف في الرطبة أول جزء منه حتى لو عرف جاز لعدم الجهالة. ولو أطلق في النخل ولم يثمر في تلك السنة انقطعت المعاملة فيها لانتهاء مدتها، فإن سمى فيها مدة يعلم أن الثمرة لا تخرج في المدة فسدت المساقاة لفوات المقصود وهو الشركة في الثمار، وإن ذكرا مدة يحتمل الطلوع فيها جازت لعدم التيقن بفوات المقصود. ثم إن خرج في الوقت المسمى فهو على الشركة لصحة العقد، وإن تأخر فللعامل أجر مثله لفساد العقد لانه تبين الخطأ في المدة فصار كما لو علم ذلك ابتداء بخلاف ما إذا لم يخرج أصلا لان الذهاب بآفة سماوية فلا يتبين أن العقد كان فاسدا فبقي العقد صحيحا، ولا شئ لكل واحد منهما على صاحبه. وفي الخلاصة: وإن ذكرا مدة قد يخرج وقد لا يخرج فهي موقوفة إن أخرجت في المدة صحت، وإن لم تخرج فسدت. وهذا إذا خرجت في المدة المضروبة ما يرغب في مثله، فإن أخرجت في شئ لا يرغب في مثله فهي فاسدة اه‍. وفي المحيط: ولو دفع إليه رطبه ثابتة في الارض وقد انتهى جوازها لكن بذرها لم يخرج ليقوم ليخرج البذر على أن البذر بينهما نصفان ولم يسميا وقتا جاز لانه جعل الاجرة بعض ما يخرج من عمله، ولو شرطا أن الرطبة بينهما نصفان لم تجز لانه استأجره ببعض ما أوجد قبل عمله مقصودا. وفي جامع الفتاوي: ولو دفع أرضا معاملة خمسمائة سنة لم يجز، وإن شرط مائة سنة وهو ابن عشرين سنة جاز، وإن كان أكثر من عشرين سنة لم يجز اه‍. قال رحمه الله: (وتصح في الكرم والشجر والرطب وأصول الباذنجان) وقال الشافعي رحمه الله تعالى في الجديد: لا تجوز إلا في الكرم والنخل. ولنا ما روي عن ابن عمر أن

[ 300 ]

[ والثمر يزيد بالعمل صحت وإن انتهت لا كالمزارعة فإذا فسدت فللعامل أجر مثله ] النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر على ما يخرج من ثمر. وهذا مطلق فلا يجوز قصره على بعض الاشجار دون بعض لانه تقييد فلا يجوز بالرأي. وفي فتاوي أبي الليث: دفع كرما معاملة وفيه أشجار لا تحتاج إلى عمل سوى الحفظ، فإن كان بحال لو لم تحفظ يذهب ثمرها قبل الادراك لا تجوز المعاملة في تلك الاشجار ولا نصيب للعامل فيها. وفي التجريد: رجل دفع نخلا إلى رجلين معاملة على أن لاحدهم السدس وللآخر النصف ولرب الارض الثلث فهي جائزة، ولو شرط الصاحب النخل الثلث وللآخر الثلثين وللثالث أجر مائة على العامل فهذا فاسد، والخارج كله لرب النخل ويرجع العامل الذي شرط له الثلثين على رب النخل ولرب النخل الثلثان وللثالث الثلث فهي جائزة. وفي جامع الفتاوي: لو دفع إلى رجلين جاز عند أبي يوسف ولا يجوز عند الامام. وفي شرح الطحاوي: ولو أن رجلا دفع أرضه معاملة على أن يغرس العامل فيها أغراسا والغراس يكون بينهما فهذا يجوز، فإذا انقضت المدة فلرب الارض أن يطالبه بقلع الاشجار وليس له أن يتملكها بغير رضا المستأجر إذا لم يضر القلع بالارض، فإن كان يضرها ضررا فاحشا فله أن يتملكها بغير رضاه. وفي الفتاوي العتابية: إذا دفع أرضه للغرس على أن الغراس بينهما، فإن كان الغراس من جانب صاحب الارض فغرس فالغراس كله لصاحب الارض، وإن كان للعامل وقال له اغرسها فالغراس لصاحب الارض وللعامل عليه قيمتها اه‍. وفي فتاوي أبي الليث: لو غرس حافتي نهر فقال رجل غرست لي لانك كنت خادمي وفي عيالي وقال الغارس لنفسي، فإن عرف أن الغارس كان وقت الغراس في عياله يعمل له مثل هذا العمل فالشجر له، وإن لم يعرف ذلك فللغارس ذلك اه‍. قال رحمه الله: (فإن دفع نخلا فيه ثمرة مساقاة والثمر يزيد بالعمل صحت وإن انتهت لا كالمزارعة) لان العامل لا يستحق إلا بالعمل ولا أثر للعمل بعد التناهي فلو جاز بعد الادراك لا يستحق إلا بلا عمل ولم يرد به الشرع، ولا يجوز الحاقه بما قبل التناهي لان جوازه قبل التناهي للحاجة على خلاف القياس ولا حاجة إلى مثله فبقي على الاصل. قال رحمه الله: (فإذا فسدت فللعامل أجر مثله) لانها في معنى الاجارة كالمزارعة إذا فسدت وقد تقدم بيانه. قال رحمه الله: (وتبطل بالموت) لانها في معنى الاجارة كالمزارعة فإن مات رب الارض والخارج بسرا فللعامل أن يقوم عليه كما كان يقوم عليه قبل ذلك إلا أن تدرك الثمرة، وليس لورثته أن يمنعوه من ذلك استحسانا كما في المزارعة لان في منعه إلحقا الضرر به فيبقي العقد دفعا للضرر عنه ولا ضرر على الورثة. ولو التزم العامل الضرر يخير ورثة الآخر بين أن يقسموا البسر على الشرط وبين أن يعطوه قيمة نصيبه من البسر وبين أن ينفقوا على البسر حتى يدرك فيرجعون على المعامل بحصته من الثمر لانه ليس له إلحاق الضرر به كما في المزارعة، هكذا ذكر صاحب الهداية وغيره. وفي رجوعه في حصته إشكال،

[ 301 ]

[ وتبطل بالموت وتفسخ بالعذر كالمزارعة. ] وكان ينبغي أن يرجعو عليه بجميعه لان العامل إنما يستحق بالعمل وكان العمل كله عليه ولهذا إذ اختار المضي أو لم يمت صاحبه كان العمل كله عليه فلو رجعوا عليه بحصته فقط يؤدي إلى أن العمل يجب عليهما حتى يستحق المؤنة بحصته فقط وهذا خلف لانه يؤدي إلى استحقاق العامل بلا عمل في عمل بعض المدة، وهذا الاشكال وارد في المزارعة أيضا، كذا في الشارح. وأجاب بعض الافاضل بأن المعنى يرجعون في حصة العامل بجميع ما أنفقوا لا بحصته كما فهمه فيرد على هذا المجيب أن المنقول في الكافي للعلامة النسفي. وفي الحاكم الشهيد ما نص عبارته: ويرجعون بنصف نفقتهم في حصة العامل كما في المزارعة اه‍. فحمله غير صحيح. ونقل في التتارخانية في فصل الموت في المزارعة إذا أنفق ورثة رب الارض بأمر القاضي يرجعون على المزارع بجميع النفقة مقدرا بالحصة، وإذا أنفق رب الارض بإذن القاضي يرجع بنصف النفقة اه‍. ولا يخفى أن المعاملة والمزارعة من باب واحد فما قاله الشارح ظهر منقولا. ولو مات العامل فلورثته أن يقيموا عليه وليس لرب الارض أن يمنعهم من ذلك لان فيه النظر من الجانبين فإذا أرادوا أن يضربوه يسيرا كان صاحب الارض بين الخيارات الثلاث التي ذكرناها، وإن ماتا جميعا فالخيار لورثة العامل لقيامهم مقامه، وهذا خيار في حق مالي وهو ترك الثمار على الاشجار إلى وقت الادراك فيورث بخلاف خيار الشرط فإن أبي ورثة العامل أن يقيموا عليه كان الخيار في ذلك لورثة رب الارض على ما ذكرنا، وإذا انقضت مدة العامل وكان الخارج بسرا أخضر فهو كالمزارعة إذا انقضت مدتها فللعامل أن يقيم عليها إلى أن تنتهي الثمار كما أن ذلك للمزارع لكن هنا لا يجب على العامل أجرة حصته إلا أن يدرك لان الشجر لا يجوز استئجاره بخلاف المزارعة حيث يجب على المزارع أجر مثل الارض إلى أن يدرك الزرع لان الارض يجوز استئجارها. وكذا العمل كله على العامل هنا وفي المزارعة عليهما لانه لما وجب أجر مثل الارض بعد انتهاء المدة في المزارعة لا يستحق العمل عليه كما كان يستحق قبل انتهائها. قال رحمه الله: (وتفسخ بالعذر كالمزارعة) بأن يكون العامل سارقا أو مريضا لا يقدر على العمل لانها في معنى الاجارة وقد بينا أنها تفسخ بالاعذار وكونه سارقا عذر ظاهر لانه يسرق الثمر والسعف ويحلق الآخر الضرر ولو أراد العامل ترك العمل في الصحيح، وقيل يمكن، وقيل لا يمكن بالاتفاق. قال: أصله أن المزارعة لازمة من جهة من لا بذر منه غير لازمة من جهة رب البذر، ثم مسائله على ثلاثة أقسام: قسم في الموت، وقسم في فسخ العقد من قبله بالدين، وقسم في انقضاء المدة. وإذا أراد رب الارض أن يفسخ العقد وليس من قبله البذر قبل العمل ليس له ذلك إلا أن يكون عليه دين لا وفاء إلا منه، فإن باعها بالدين لم يكن عليه من نفقة العامل شئ في حفر الانهار وإصلاحها لان المنافع لا تتقوم إلا

[ 302 ]

بالعقد أو شبهه ولم يوجد ذلك ومتى كان البذر من قبله بأن يكون مستأجرا للارض فإن نبت الزرع لا يباع حتى يستحصد لكن القاضي يخرجه من الحبس ولا يحول بينه وبين الغرماء لان في البيع إبطال حق العامل وفي ترك البيع تأخير حق رب الدين والتأخير أهون من الابطال، فلو زرع ولم ينبت فقد اختلفوا فيه، قيل لصاحب الارض بيعها بالدين لانه ليس للزرع في الارض حق قائم لان إلقاء البذر استهلاك، وقيل ليس له البيع لان القاء البذر من الاستتماء وليس باستهلاك. وأما القسم الثاني وهو ما لو دفعها إليه ثلاث سنين ثم مات رب الارض في الاولى قبل الحصاد يبقى الزرع حتى يستحصد استحسانا فإذا حصد ينفسخ في السنتين الباقيتين، ولو مات قبل الزرع بطلت المزارعة فإن مات بعد الزراعة قبل النبات اختلفوا فيه على نحو ما ذكرنا في الدين، ولو مات المزارع والزرع بقل فقد قدمنا بيانه، وهذه فروع ذكرناها تتميما للفائدة. ولو دفع أرضا بيضاء على أن يغرس فيها نخلا وشجرا على أن ما خرج من شجر أو نخل فهو بينهما نصفان وعلى أن الارض بينهما نصفين فهذا فاسد، فإن فعل فما خرج من الارض فجميعه لرب الارض وللغارس أجر مثل عمله. دفع أرضا على أن يغرسها المدفوع إليه لنفسه ما بدا له ويزرعها من عنده ما بدا له على أن الخارج نصفان بينهما وللعامل على رب الارض مائة درهم فهو فاسد. والخارج للغارس ولرب الارض أجر أرضه، ولو كان البذر والغراس من رب الارض على أن يغرس ويبذرهما بهما والخارج نصفان بينهما ولرب الارض على العامل مائة درهم فهو فاسد والخارج لرب الارض وللعامل أجر مثله وتوجيهه يطلب من المحيط. واشتراط العمل في المعاملة والمزارعة على أقسام: أحدها أن يشترط البعض على العامل وسكتا عن الباقي أو شرطا بعضه على الدافع وسكتا عن الباقي أو شرطا بعضه على الدافع وبعضه على العامل، وكل قسم على قسمين: الاول لو شرطا البعض على العامل وسكتا عن الباقي فإن كان المسكوت عنه لا يخرج من ذلك شئ إلا به أو يخرج شئ لا يرغب في مثله فالمعاملة فاسدة، والثاني لو شرطا على نفسه السقي والحفظ لا غير فالمزارعة فاسدة إلا إذا علم أن السقي لا يزيد فيه. الثالث لو شرط السقي على رب النخل والحفظ والتلقيح على العامل لم يجز، والزارعة كالمعاملة في هذه الاحكام إذا كان البذر من رب الارض وتوجيهه يطلب من المحيط. وأما المزارعة إذا شرط فيها المعاملة فالمعاملة متى شرطت في المزارعة بأن دفع أرضا فيها نخل على أن يزرعها من بذره بالنصف وعلى أن يعمل في النخل ويسقيه ويلحقه بالنصف فإنه ينظر، إن كان البذر من قبل العامل فسدت لانهما عقدان اشترط أحدهما في الآخر، وإن كان البذر من قبل رب الارض جاز لانه عقد واحد لانه استأجره ليعمل في أرضه ونخله وتوجيهه يطلب من المحيط. وأما لو دفع المزارع أو العامل الارض أو النخل لغيره مزارعة أو معاملة فهي على وجهين: إما أن يكون البذر من قبل رب الارض وفي هذا لا يملك أن يدفع الارض مزارعة أو معاملة إلا أن

[ 303 ]

يأذن له رب البذر في ذلك أو يقول له اعمل برأيك ولكن له أن يستأجر أجيرا من ماله لاقامة عمل المزارعة، وإن قال رب البذر اعمل لله تعالى برأيك جاز له أن يدفعها لغيره مزارعة، وإذا لم يأذن له ولم يقل اعمل برأيك فدفعها لغيره مزارعة فصار مخالفا غاصبا وبطلت المزارعة بينه وبين رب الارض ولرب الارض أن يضمن أيهما شاء أجرة الارض، فإذا ضمن الاول لم يرجع على صاحبه، وإن ضمن الثاني رجع على الاول لانه مغرور من جهته، كذا في الفتاوي الكبرى. وأما لو أذن له رب الارض أو قال له اعمل برأيك فدفعها جاز، وإن كان رب الارض شرط للمزارع النصف فدفعها للثاني بالنصف فمهما خرج منها فنصفه لرب الارض ونصفه للمزارع الثاني، وإن شرط المزارع الاول للثاني الربع وللاول الربع وحكمهما حكم المضاربة. وفي فتاوي الخلاصة: وإن كان البذر من قبل العامل له أن يدفع إلى آخر مزارعة وإن لم يأذن له رب الارض أصلا، ولو دفع صار الزارع الاول مؤجرا ما إذا استأجره إجارة فاسدة صار الاول مستأجرا للمزارع الثاني ببعض الخارج ويعمل في الارض اه‍. وفي المحيط: إذا عمل صاحب الارض مع العامل بأمره أو بغير أمره فهو على قسمين: أما أن يكون البذر من قبل رب الارض أو من قبل العامل، فلو كان من قبل رب الارض بأن دفع أرضه وبذره مزارعة بالنصف فزرع العامل وسقى فلما نبت قام عليه رب الارض حتى استحصد بغير أمر العامل فالخارج على الشرط ورب الارض متطوع بعمله كما لو قام عليه أجنبي، ولو بذر المزارع ولم ينبت ولم يسقه فسقاه رب الارض وقام عليه حتى استحصد فالخارج لرب الارض قياسا، وفي الاستحسان على الشروط ورب الارض متطوع كما لو قام عليه أجنبي، ولو لم يزرع العامل حتى زرعه رب الارض وسقاه ثم قام عليه المزارع حتى استحصد فالخارج لرب الارض والمزارع متطوع، وإن بذره رب الارض بغير إذن الزارع ولم يسقه ولم ينبت فسقاه المزارع وقام عليه حتى استحصد فالخارج على الشرط. القسم الثاني لو كان البذر من قبل المزارع فبذر ولم يسقه ولم ينبت فقام عليه رب الارض حتى استحصد فالخارج بينهما، وكذا لو بذره رب الارض ولم ينبت ولم يسقه حتى قام عليه المزارع فالخارج على الشرط، ولو كان رب الارض سقاه حتى نبت ثم قام عليه المزارع وسقاه فهو لرب الارض ويضمن البذر لربه والمزارع متطوع في سقيه، وما عملته من الجواب في المزارعة فهو الجواب في المعاملة، كذا في المحيط. وأما لو اختلفا في المزارعة أو المعاملة فلا يخلو إما أن يختلفا في العقد أو الشروط أو في جواز العقد وفساده، فلو اتفقا على جواز واختلفا في المشروط والبذر من قبل رب الارض إن كان قبل المزارعة وأقاما بينة فبينة الزارع أولى لانها أكثر إثباتا، وإن لم تقم لاحدهما بينة تحالفا وترادا، وإن اختلفا بعد الزراعة والنبات فالقول لرب الارض مع يمينه والبينة للآخر، وإن كان البذر من قبل العامل فالقول له والبينة للآخر بعد عقد المزارعة وقبلها

[ 304 ]

يتحالفان وبدئ بيمين رب الارض، وأما لو اختلفا في الجواز والفساد فهو على ثلاثة أوجه: إما إن اختلفا قبل الزراعة فالقول لمدعي الفساد، وإن اخلتفا بعد الزراعة القول لصاحب البذر. هذا إذا كان البذر من قبل العامل، فإن كان من قبل رب الارض فاختلفا فالقول للعامل والبينة لرب الارض، سواء اختلفا قبل الزرع أو بعده، وأما لو اختلفت ورثتهما بعد موتهما فإما أن يختلفا في مقدار الانصباء والبذر من قبل العامل فالقول لورثة صاحب الارض والبينة للآخر، وإن كان البذر من رب الارض فالقول لورثة صاحب البذر والبينة للآخر، وإن أقاما معا بينة فبينة صاحب البذر أولى، وإن اختلفا في صاحب البذر كان القول قول ورثة المزارع والبينة للآخر، وإن اختلفا في البذر وفي شرط وأقاما بينة فالبينة بينة رب الارض. ولو مات المزارع بعد الاستحصاد ولم يدر ما فعل بحصة المزارع فضمان حصة المزارع في ماله لانه مات مجهلا للوديعة، ولو مات العامل بعدما انتهت الثمرة فلم يوجد في النخل شئ إن علم خروج الثمرة ضمن حصة الآخر وإلا فلا، كذا في المحيط. وتفاصيله تطلب منه اه‍. والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.

[ 305 ]

[ كتاب الذبايح هي جمع ذبيحه وهي اسم لما يذبح والذبح قطع الاوداج وحل ذبيحه مسلم وكتابي ] كتاب الذبائح قال جمهور الشراح: المناسبة بين المزارعة والذبائح كونها إتلافا في الحال للانتفاع في المآل، فإن المزارعة إتلاف الحب في الارض للانتفاع بما ينبت منها، والذبح إتلاف الحيوان بإزهاق روحه للانتفاع به بعد ذلك. قيل هذا إنما يقتضي تعقيب المزارعة بالذبائح دون تعقيب المساقاة، وأجيب بأن المساقاة كالمزارعة في غالب الاحكام فكانت المناسبة المذكورة بين المزارعة والذبائح لدخول المساقاة في المزارعة ضمنا فاكتفي بذلك. ويحتاج إلى معرفة تفسير الذكاة لغة وشرعا وركنها وشرط جوازها وحكمها. أما تفسيرها لغة فهي إما مشتقة من الحدة يقال سراج ذكي إذا كان يراه في غاية الحدة، ويقال فلان ذكي إذا كان سريع الفهم والادراك لحدة خاطره وفهمه، ويقال مسك ذكي إذا كان طيب الرائحة يقوم منه الريح. وإما مشتقة من الطهارة قال عليه الصلاة والسلام دباغ الاديم ذكاة أي طهارته وقال ذكاة الارض يبسها أي طهارتها وكلا المعنيين موجود في الذكاة فإن فيها حدة من حيث إنها مسرعة إلى الموت وتطهر الحيوان عن الدماء المسفوحات والرطوبات السائلة النجسة. وأما ركنها فهو القطع والجرح. وأما شرطها فأربعة: آلة قاطعة جارحة، والثاني كون الذبح ممن له ملة حقيقة كالمسلم أو ادعاء كالكافر، والثالث كون المحل من المحللات إما من كل وجه كمأكول اللحم أو من وجه كغيره وهو ما يباح الانتفاع بجلده وشعره، والرابع التسمية عندنا لما سيأتي. وأما حكمها فطهارة المذبوح وحل أكله إن كان من المأكولات، وطهارة عينه للانتفاع إذا كان لا يؤكل، كذا في المحيط. وأما شرعا فهو قوله والذبح إلى آخره. وترجم بالذبائح والظاهر أنه أراد بالذبائح الذبح الذي هو الذكاة والمؤلف أبقاه على ظاهره فلذا قال: (هي جمع ذبيحة وهي اسم لما يذبح) يعني الذبائح جمع ذبيحة والذبيحة اسم للشئ المذبوح ولا يخفى أن المناسب أن يترجم بالذبح لانه فعل والمكلف إنما يبحث عن الافعال أولا بالذات لا عن

[ 306 ]

[ وصبي وامراة وأخرس وأقلف لا مجوسي ووثني ومرتد ومحرم وتارك التسمية عمدا ] الاعيان إلا بطريق التبع. وقوله جمع ذبيحة الاولى تركه لان الفقية لا يبحث عن الافراد والجمع وإنما يبحث عن الاحكام. قال رحمه الله: (والذبح قطع الاوداج) لقوله عليه الصلاة والسلام أفر الاوداج بما شئت والمراد الحلقوم والمرئ والودجان، وإنما عبر عنه بالاوداج تغليبا وبه يحل المذبوح لقوله تعالى * (إلا ما ذكيتم) * (المائدة: 3) ولان المحرم هو الدم المسفوح وبالذبح يقع التمييز بينه وبين اللحم فيطهر به إن كان غير مأكول. ويقال ذكاء السن بالمد لنهاية الشباب، وذكاة النار بالقصر لتمام اشتعالها وهي اختيارية واضطرارية فالاول الجرح ما بين اللبة واللحيين، والثاني الجرح في أي موضع كان من البدن وهذا كالبدل عن الاول لانه لا يصار إليه إلا عند العجز عن الاول، وإنما كان كذلك لان الاول أبلغ في إخراج الدم من الثاني فلا يترك إلا بالعجز عنه، ويكتفى بالثاني للضرورة لان التكليف بحسب الوسع. وذهب العراقيون من مشايخنا إلى أن الذبح محظور عقلا لما فيه من إيلام الحيوان ولكن الشرع أحلة. قال شمس الائمة السرخسي في المبسوط: وهذا عندي باطل لانه عليه الصلاة والسلام كان يتناول اللحم قبل البعثة ولا يظن به أنه كان يأكل ذبائح المشركين لذبحهم بأسماء آلهتهم فعرفنا أنه كان يصطاد ويذبح بنفسه وما كان يفعل ما هو المحظور عقلا كالكذب والظلم والسفه. قال رحمه الله: (وحل ذبيحة مسلم وكتابي) لقوله تعالى * (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) * (المائدة: 5) والمراد به ذبائحهم لان مطلق الطعام غير المذكى يحل من أي كافر ولا يشترط أن يكون من أهل الكتاب، ولا فرق في الكتابي بين أن يكون ذميا أو حربيا، ويشترط أن لا يذكر فيه غير الله تعالى حتى لو ذكر الكتابي المسيح أو عزيرا لا يحل لقوله تعالى * (وما أهل به لغير الله) * (البقرة: 173) وهو كالمسلم في ذلك فإنه لو أهل به لغير الله لا يحل. قال في العناية: الكتابي إذا أتى بالذبيحة مذبوحة أكلنا فلو ذبح بالحضور فلا بد من الشرط وهو أن لا يذكر عليها غير اسم الله. ولا فرق في الذابح بين أن يكون صبيا أو مجنونا. قال في النهاية: المراد بالمجنون المعتوه لان المجنون لا قصد له ولا بد من التسمية وهي القصد وهو أن يعقلها. قال رحمه الله: (وصبي وامرأة وأخرس وأقلف) يعني تحل ذبيحة هؤلاء. والمراد بالصبي الذي يعقل التسمية ويضبط وإن لم يكن كذلك لا يحل لان التسمية على الذبيحة شرط بالنص وذلك بالعقد وصحة العقد بالمعرفة. والضبط هو أن يعلم شرائط الذبح من فري الاوداج والتسمية. والمعتوه كالصبي إذا كان صابطا والقلفة ولا الفراسة لا تحل بذلك فيحل والاخرس عاجز عن الذكر فيكون معذورا وتقوم الملة مقامه كالناسي بل أولى لانه ألزم. قال رحمه الله: (لا مجوسي ووثني ومرتد ومحرم وتارك التسمية عمدا) يعني لا تحل ذبيحة هؤلاء، أما المجوسي فلقوله عليه الصلاة والسلام سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا

[ 307 ]

آكلي ذبائحهم لانه ليس له دين سماوي فانعدم التوحيد اعتقادا ودعوى. والوثني كالمجوسي فيما ذكرنا لانه مشرك مثله، وأما المرتد فلانه لا يقر على ما انتقل إليه ولهذا لا يجوز نكاح بخلاف اليهودي إذا تنصر وبالعكس أو تنصر المجوسي أو تهود لانه يقر على ما انتقل إليه عندنا فتؤكل ذبيحته. ولو تمجس اليهودي لا تؤكل ذبيحته، ولا فرق في المرتد بين أن يرتد إلى دين اليهودية أو النصرانية أو إلى غير ذلك، كذا في شرح الطحاوي والمتولد بين الكتابي والمجوسي يعتبر كتابيا. وأما المحرم فالمراد به في حق الصيد لان ذبيحته في حق الصيد لا تؤكل لان فعله فيه غير مشروع، وكذا الحلال في حق صيد الحرم، وكذا الكتابي لو ذبح صيدا في الحرم لا يحل أكله. وأما تارك التسمية عمدا فلقوله تعالى * (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) * (الانعام: 121) ولقوله عليه الصلاة والسلام إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل الحديث. وقال الشافعي: تؤكل. قيدنا بقولنا عمدا لانه لو ترك التسمية ناسيا يحل أكلها وهو مذهب علي وابن عباس. وقال أبو يوسف والمشايخ: إن متروك التسمية عمدا لا يسوغ فيه الاجتهاد حتى لو قضى القاضي بجواز بيعه لا ينفذ قضاؤه لكونه مخالفا للاجماع. ولو ذبح شاتين فسمى على الاولى دون الثانية تحل الاولى دون الثانية، ولو رمى سهما إلى صيود فأثخن الكل يكفيه تسمية واحدة وإن حصل بها ذكاة صيود كثيرة، فأما ذبح الشاة الثانية فلا بد له من تسمية ثانية حتى لو أضجع شاتين إحداهما على الاخرى وذبحهما بحديدة يحلان بتسمية واحدة، ولو أضجع شاة ليذبحها ثم ألقى تلك السكين وأخذ سكينا أخرى لا بأس به بخلاف ما لو أخذ سهما وسمى فوضع ذلك ورفع آخر ولم يسم لم يحل أكله لان التسمية في الذكاة الاختيارية مشروعة على الذبح لا على آلته والذبيحة لم تتغير، وفي الذكاة الاضطرارية التسمية على الآلة لا على الذبيحة والآلة قد تغيرت. وعن أبي يوسف: ولو أضجع شاة وسمى فأرسلها وأخذ غيرها وذبحها بتلك التسمية لم تجز، ولو رمى إلى صيد فأصاب آخر يحل لما بينا. سمى واشتغل بآخر إن كان قليلا كما لو كلم إنسانا أو شرب ماء يحل وإن كان طويلا فلا لان إيقاع الذبح متصل بالتسمية بحيث لا يتخلل بينهما شئ ولا يمكن إلا بجرح فأقيم المجلس مقام الاتصال والعمل القليل لا يقطع المجلس فيكون مذبوحا على التسمية والكثير يقطع فيفصل بينهما فيكون مذبوحا بغير تسمية. ولو قال بسم الله جاز نوى أو لم ينو لانه صريح في التسمية، وظاهر حاله يدل على أنه أراد به التسمية على الذبيحة فيقع عنها ما لم يوجد منه الصرف عنها حتى لو أراد به التسمية على غيره كمن قال الله أكبر وأراد به إجابة الاذان لا افتتاح الصلاة ولم يصر شارعا فيها. ولو سبح أو حمد الله أو كبر يريد به التسمية على الذبيحة تحل وإلا فلا لان هذه الالفاظ كناية عن التسمية والكناية إنما تقوم مقام الصريح بالنية. ولو قال بسم الله بغير هاء الله إن أراد به التسمية يحل وإلا فلا لان العرب قد تحذف حرفا ترخيما، كذا في المحيط. وفي التتمة: رجل ذبح

[ 308 ]

[ وحل لو ناسيا وكره أن يذكر مع اسم الله تعالى غيره وإن يقول عند الذبح اللهم تقبل من فلان وإن قال قبل التسمية والاضجاع جاز والذبح بين الحلقة واللبة والمذبح المرئ ] للضيف شاة فذكر اسم الله عليها فقال يحل أكله، ولو ذبح لاجل قدوم الامير أو قدوم واحد من العظماء وذكر اسم الله يحرم أكله لانه ذبحها لاجله تعظيما له. وفي جامع الفتاوي: ذبح شاة مجوسي لاجل بيت نارهم أو ذبح كافر لآلهتهم لا تؤكل ذبيحتهم، ولا فرق في الذابح بين أن يكون ذكرا أو أنثى حرا أو عبدا صبيا أو بالغا ناطقا أو أخرس أو أقلف اه‍. قال رحمه الله: (وحل لو ناسيا) يعني حل المذكى لو ترك التسمية ناسيا. وقال مالك رحمه الله تعالى: لا تحل لما ذكرنا من الدليل لانه لا فصل فيه. قلنا إن النسيان مرفوع الحكم بقوله عليه الصلاة والسلام رفع عن أمتي الخطأ والنسيان (1) وفي اعتباره حرج والحرج مرفوع بالنص والنص غير مجرى على إطلاقه لانه لو أريد به مطلقا لما جرت المحاججة بين السلف وارتفع الخلاف بينهم وإقامة الملة مقام التسمية في حق الناسي لانه معذور لا يدل على إقامتها في حق العامد لعدم عذره، ولا يقال الآية مجملة لانه لا يدري هل أريد به حالة الذبح أو حالة الطبخ أو حالة الاكل لانا نقول: أجمع السلف على أن المراد بها حالة الذبح فتكون مفسرة فتم الاحتجاج بها. ثم التسمية في ذكاة الاختيار يشترط أن تكون عند الذبح قاصدا التسمية على الذبيحة. وفي الينابيع: ولو سمى بالفارسية جاز. وفي الاصل: ولو ذبح الشاة وسمى فهو على ثلاثة أوجه: إن لم يكن له نية أو أراد التسمية على الذبيحة وفي هذين الوجهين يجوز، وإن أراد غير التسمية على الذبيحة لا يجوز. وفي الحاوي سئل أبو القاسم عمن قال بسم الله ولم يذكر الهاء قال: لا يجوز. وقال الفقيه: إن لم يقصد ترك الهاء يجوز اه‍. قال رحمه الله: (وكره أن يذكر مع اسم الله تعالى غيره وأن يقول عند الذبح اللهم تقبل من فلان وإن قال قبل التسمية والاضجاع جاز) وهذا النوع على ثلاثة أوجه: أحدها أن يذكره موصولا من غير عطف فيكره ولا تحرم الذبيحة مثل أن يقول بسم الله محمد رسول الله بالرفع لان اسم الرسول غير مذكور على سبيل العطف فيكون مبتدأ لكن يكره لوجود الوصل صورة، وإن قال بالخفض لا يحل، ذكره في النوادر. وقال بعضهم: هذا إذا كان يعرف النحو والاوجه أن لا يعتبر الاعراب بل يجزم مطلقا، ومن هذا النوع أن يقول اللهم تقبل من فلان لان الشركة لم توجد ولم يكن الذبح واقعا عليه ولكن يكره لما ذكرنا. والثاني أن يكون موصولا على سبيل العطف والشركة نحو أن يقول باسم الله واسم فلان أو باسم الله ومحمد بالجر تحرم الذبيحة لانه أهل به لغير الله لقوله تعالى * (وما أهل به لغير الله) * (البقرة: 173) ولقوله عليه الصلاة والسلام موطنان لا أذكر فيهما عند العطاس والذبح ولو رفع المعطوف


(1) رواه ابن ماجه في كتاب الطلاق باب 16 بلفظ (إن تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان...)

[ 309 ]

على اسم الله يحل لانه مبتدأ. واختلفوا في النصب قيل يكره فيهما بالاتفاق لوجود الوصل صورة. الثالث أن يقول مفصولا عنه صورة ومعنى بأن يقول قبل أن يضجع الشاة أو قبل التسمية أو بعد الذبح اللهم تقبل هذا مني أو من فلان وهذا لا يكره لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال بعد الذبح: اللهم تقبل هذا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ممن شهد لك بالوحدانية ولي بالبلاغ، وكان عليه الصلاة والسلام يقول إذا أراد الذبح: اللهم هذا منك ولك إن صلاتي ونسكي الخ. والشرط هو الذكر الخالص حتى لو قال اللهم اغفر لي واكتفى لا يحل لانه دعاء وسؤال. ولو قال الحمد صلى الله عليه وسلم أو سبحان الله وأراد به التسمية حل، ولو عطس عند الذبح وقال الحمد صلى الله عليه وسلم لا يحل في الاصح لانه أراد بذلك الحمد على النعمة دون التسمية. وذكر الحلواني أن المستحب أن يقول باسم الله الله أكبر ثلاثا. وفي النوازل: إذا قال بسم الله ومحمد بالخفض قال بعضهم على قياس ما روي عن محمد في باب الصلاة تحرم الذبيحة، وكذا لو قال بسم الله وصلى الله على سيدنا ومحمد بالواو، ولو قال بغير واو حلت الذبيحة ولكن يكره. وفي خزانة الفقه: رجلان ذبحا صيدا وسمى أحدهما وترك الآخر التسمية لم يحرم أكله. وفي الذخيرة والينابيع: ولو ذبح شاة فسمى ثم ذبح أخرى فظن أن التسمية الاولى تجزيه عنها لم تؤكل. وفي الحاوي: جمع العصافير فذبح واحدة وسمى وذبح أخرى على أثره بتلك التسمية لا تؤكل، ولو أمر السكين عليهم بتسمية واحدة جاز. وفي شرح الطحاوي: وذبيحة أهل الكتاب إنما تؤكل إذا أتى بها مذبوحة، وإن ذبح بين يديك فإن سمى الله تعالى لا بأس يأكلها، وكذا إذا لم يسمع منه شئ، وإن سمى باسم المسيح وسمعه منه فلا يؤكل. وفي جامع الجوامع: من اشترى لحما وعلم أنه ذبيحة مجوسي وأراد الرد فقال البائع الذابح مسلم لا يرد ويحل أكله مع الكراهية. وفيه عن أبي يوسف: ذئب أخذ حلقوم شاة وأوداجها فذبحها فأكلها إذا كانت تضطرب إذا سمى تحل ولو انفلتت الشاة أو البقرة من يده وقامت من مضجعها ثم أعادها إلى مضجعها اكتفى بتلك التسمية، وإن ذبح الذابح وسمى صاحب الاضحية أو غيره لم يجز اه‍. قال رحمه الله: (والذبح بين الحلقة واللبة) بفتح اللام وتشديد الباء الموحدة وفي الجامع الصغير: لا بأس بالذبح في الحلق كله وأعلاه وأسفله والاصل فيه ما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال الذكاة في الحلق ولانه مجمع مجرى النفس ومجرى الطعام ومجرى العروق فيحصل بقطعه المقصود على أبلغ الوجوه وهو أنهار الدم. والتقييد بالحلق واللبة يفيد أنه لو ذبح أعلى من الحلقوم أو أسفل منه يحرم لانه أهل في غير محل الذكاة، ذكره في الواقعات. وفي فتاوي السمرقندي: ونقل في النهاية عن الامام الرستغفني رحمه الله تعالى سئل عمن ذبح شاة فبقيت عقدة الحلقوم مما يلي الصدر وكان يحب أن يبقى غير ما يلي الرأس أيؤكل أم لا؟ قال: هذا قول العوام من الناس وليس هذا بمعتبر ويجوز أكلها، سواء كانت العقدة مما يلي الصدر أو مما يلي الرأس قال: لان المعتبر عندنا قطع الاوداج وقد

[ 310 ]

[ والحلقوم والودجان وقطع الثلاث كاف ولو بظفر وقرن وعظم وسن منزوع وليطة ومروة وما أنهر الدم إلا سنا وظفرا قائمين وندب حد شفرته وكره النخع وقطع الرأس ] وجد، وذكر أن شيخه كان يفتي به وهذا مشكل فإنه لم يوجد فيه قطع الحلقوم ولا المرئ وأصحابنا رضي الله عنهم وإن شرطوا قطع الاكثر فلا بد من قطع أحدهما عند الكل. وإذا بقي شئ من عقدة الحلقوم مما يلي الرأس لم يحصل قطع واحد منهما فلا يؤكل بالاجماع. وفي الواقعات: لو قطع الاعلى أو الاسفل ثم علم بها فقطع مرة أخرى الحلقوم من قبل أن يموت ينظر، فإن قطع بتمامه لا يحل لان موته بالاول أسرع منه بالقطع الثاني وإلا حل. وذكر في فتاوي أهل سمرقند قصاب ذبح شاة في ليلة مظلمة فقطع أعلى من الحلقوم أو أسفل منه يحرم أكلها اه‍. قال رحمه الله: (والمذبح المرئ والحلقوم والودجان) لما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال أفر الاوداج بما شئت وهي عروق الحلق في المذبح والمرئ مجرى الطعام والشراب والحلقوم مجرى النفس، والمراد بالاوداج كلها وأطلق عليه تغليبا. وإنما قلنا ذلك لان المقصود يحصل بقطعهن وهو إزهاق الروح وإخراج الدم لانه بقطع المرئ والحلقوم يحصل الازهاق، وبقطع الودجين يحصل إنهار الدم. ولو قطع الاوداج وهي العروق من غير قطع المرئ والحلقوم لا يموت فضلا عن التوجه فلا بد من قطعهما ليحصل التوجه، ولا بد من قطع الودجين أو أحدهما ليحصل إنهار الدم. وفي المحيط: والمرئ وهو مجرى النفس، والودجان مجرى الدم، والحلقوم مجرى الطعام والشراب. ولو خر عنق شاة بسيف من قبل الاوداج وسمى يحل لانه أتى بالذكاة وزيادة وقد أساء لانه جاوز النخاع اه‍. قال رحمه الله: (وقطع الثلاث كاف) والاكتفاء بالثلاث مطلقا هو قول الامام وقول أبي يوسف أولا، وعن أبي يوسف أنه يشترط قطع الحلقوم والمرئ واحد الودجين، وعن محمد لا بد من قطع الاكثر من كل واحد من هذه الاربعة، وأجمعوا أنه يكتفي بقطع الاكثر من هذه العروق الاربعة، فأما الحلقوم والمرئ فمخالفان للاوداج ولك واحد منهما مخالف للآخر فلا بد من قطعهم، وأبو حنيفة يقول الاكثر يقوم مقام الكل. وفي التتمة سئل أبو علي عن انتزاع السبع رأس الشاة وفيها حياة هل تحل بالذكاة وإن كانت تتحرك قال رحمه الله: (ولو بظفر وقرن وعظم وسن منزوع وليطة ومروة وما أنهر الدم إلا سنا وظفرا قائمين) يعني يكفي في الحل بما ذكر لقوله عليه الصلاة السلام كل ما أنهر الدم وأفرى الاوداج ولقوله عليه الصلاة والسلام أفر الاوداج بما شئت وما روي من المنع في الظفر والسن محمول على غير المشروع فإن الحبشة كانوا يفعلون ذلك إظهارا للجلد والمشروع آلة جارحة فيحصل به المقصود وهو إنهار الدم. والليطة القصب الفارسي، والمروة الحجر الذي له حد، والدليل على جواز الذبح بهما ما روي عن عدي بن حاتم قال قلت: يا رسول الله نجد الصيد وليس معنا سكين إلا المروة

[ 311 ]

[ والذبح من القفاء وذبح صيد استأنس وجرح نعم توحش أو تردى في بئر وسن نحر ] وسقبة العصا فقال عليه الصلاة والسلام: أفر الاوداج بما شئت واذكر اسم الله. رواه البخاري. والظفر والسن المنزوع آلة جارحة بخلاف غير المنزوع لان الذبح به يكون بالثقل لا بالآلة اه‍. قال رحمه الله: (وندب حد شفرته) لقوله عليه الصلاة إن الله كتب الاحسان على كل شئ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته رواه مسلم وغيره. ويكره أن يضجعها ثم يحد الشفرة لقوله عليه الصلاة والسلام لمن أضجع الشاة وهو يحد شفرته لقد أردت أن تميتها موتتين هلا حددتها قبل أن تضجعها الحديث. والآلة على ضربين: قاطعة وغير قاطعة، والقاطعة على ضربين: حادة وكليلة، فالحادة اختيارية وضرورية، فالحادة يجوز الذبح بها من غير كراهة، والكليلة يجوز الذبح بها ويكره لما مر من الابطاء في الاراقة، كذا في المحيط. قال رحمه الله: (وكره النخع وقطع الرأس والذبح من القفاء) النخع هو أن يصل إلى النخاع وهو خيط أبيض في جوف عظم الرقبة وهو بالفتح والضم لغة فيه. قال في النهاية: ومن قال هو عرق أبيض فقدسها. واعترضه صاحب العناية أن من سمى بما ذكر لم يغلط لان أهل اللغة ذكروه بلفظ الخيط وإنما كره لنهيه عليه الصلاة والسلام عن أن ننح الشاة إذا ذبحت وتفسيره ما ذكرنا. وقيل: أن يمد رأسها حتى يظهر مذبحها، وقيل أن يكسر رقبتها قبل أن تسكن من الاضطراب وكل ذلك مكروه. وفي قطع الرأس زيادة تعذيب فيكره، ويكره أن يجر ما يريد ذبحه وأن يسلخ قبل أن يبرد ويؤكل في جميع ذلك لان الكراهة لمعنى زائد وهو زيادة الالم فلا يوجب الحرمة. ويكره أن يذبحها موجهة لغير القبلة لمخالفة السنة في توجيهها لغير القبلة وتؤكل وفي الذبح من القفا زيادة ألم فيكره، ويحل لما ذكرنا إذا بقيت حية حتى يقطع العروق لتحقق الموت بالذكاة، وإن ماتت قبل قطع العروق لا تؤكل لوجود الموت بما ليس بذكاة. قال رحمه الله: (وذبح صيد استأنس وجرح نعم توحش أو تردى في بئر) الواو عاطفة على قوله وحل ذبيحة مسلم وذبح صيد يعني وحل أكل صيد استأنس بالذبح وهو الذكاة الاختيارية لقدرته عليها، وحل أكل نعم توحش أو تردى بالجرح لعجزه عن الذكاة الاختيارية. هذا إذ علم أنه مات من الجرح، وإن علم أنه لم يمت من الجرح لم يؤكل فإن أشكل ذلك أكل لان الظاهر الموت به، وكذا الدجاجة إذا تعلقت على شجرة وخاف موتها صارت ذكاتها بالجرح. وفي الكتاب: أطلق فيما توحش من النعم وكذا فيما تردى فشمل ما إذا كان في المصر والصحراء، وعن محمد أن الشاة إذا ندت في المصر لا تحل بالعقر وإن ندت في الصحراء تحل بالعقر لتحقق العجز عن الذكاة الاختيارية، وفي البقر والابل يتحقق العجز سواء ندت في المصر أو في الصحراء فتحل بالعقر. والصائل كالناد إذا كان لا يقدر على أخذه حتى لو قتله المصول عليه وهو يريد ذكاته وسمى حل أكله خلافا لمالك. ولنا ما روي

[ 312 ]

[ الابل وذبح البقر والغنم وكره عكسه وحل ولم يذك جنين بذكاة أمة ] أنه عليه الصلاة والسلام كان في سفر فند بعير من الابل ولم يكن معهم حبل فرماه رجل منهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش فما فعل منها فافعلوا به هكذا. رواه البخاري ومسلم. ولانه قد تحقق العجز عن الذكاة الاختيارية فصار إلى البدل. وفي النوازل: لو أن بقرة تعسر عليها الولادة فأدخل صاحبها يده وذبح الولد حل أكله، وإن جرحها في غير موضع الذبح إذا كان لا يقدر على ذبحه يحل، وإن كان يقدر لا يحل اه‍. وفي المحيط: فإن أصاب قرنه أو ظفره أو حافره فإن أدماه ووصل للحم حل أكله وإلا فلا لان الذكاة تصرف في محل الحياة، وإن أبان عنه غير الرأس فمات يؤكل كله إلا ما أبان من الحي فهو ميت ولا يظهر فيه حكم الذكاة ولا كذلك إذا بان الرأس لانه لا يتصور حياة الجسد مع إبانة الرأس. وإن تعلق منه جلدة فإن كان يلتئم ويتدبل لو تركه حل أكله وإلا فهو مبان، ولو قطع الصيد نصفين طولا وعرضا حل، ولو أبان طائفة من الناس البدن إن كان أقل من النصف لا يحل المبان، وإن كان النصف يصح كلاهما اه‍. قال رحمه الله: (وسن نحر الابل وذبح البقر والغنم وكره عكسه وحل) وإنما كان هذا الفعل مسنونا لانه هو المنقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الله تعالى * (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) * (البقرة: 67) وقال تعالى * (فصل لربك وانحر) * (الكوثر: 2) قالوا: المراد نحر الجزور، وفي البقر والغنم الذبح أيسر، وفي الابل النحر أيسر وإنما كره العكس لترك السنة. والنحر قطع العروق في أسفل العنق عند الصدر، والذبح قطع العروق من أعلى العنق تحت اللحيين. وفي الجامع الصغير: والسنة في النحر أن ينحر قائما. وفي الشاة والبقر أن تذبح مضطجعة اه‍. وفيه أيضا: ولا بأس بالذبح في الحلق كله أسفله وأوسطه وأعلاه لان ما بين اللبة واللحيين وهو الحلق ولان كله مجتمع العروق فصار حكم الكل واحدا. فإن قلت: هذا ينافي في ما تقدم من التقييد قلنا: لا لان النحر في أسفله. قال رحمه الله: (ولم يذك جنين يذكاة أمه) يعني لا يصير الجنين مذكى بذكاة أمه حتى لا يحل أكله بذكاتها وهذا عند الامام زفر والحسن رحمهما الله تعالى. وقال أبو يوسف ومحمد وجماعة أخر: إذا تم خلقه حل أكله بذكاتها لقوله عليه الصلاة والسلام ذكاة الجنين ذكاة أمه (1) ولقوله عليه الصلاة والسلام لما قيل له إنا ننحر الناقة ونذبح الشاة وفي بطنها الجنين أنلقيه أم نأكله؟ قال: كله إن شئت فإن ذكاته ذكاة أمه. ولانه جزء من أمه حقيقة لكونه متصلا بها وحكما حتى يدخل في الاحكام الواردة على الام من البيع والهبة والعتق. وللامام قوله تعالى * (إن الله حرم الميتة) * (البقرة: 173) وهو اسم لحيوان مات من غير ذكاة والجنين مات حتف أنفه فيحرم بالكتاب. ويكره ذبح الشاة إذا


(1) رواه الترمذي في كتاب الصيد باب 10. أبو داود في كتاب الاضاجي باب 17. ابن ماجة في كتاب الذبائح باب 15. الدارمي في كتاب الاضاجي باب 17. أحمد في مسنده (3 / 31، 39).

[ 313 ]

[ فصل فيما يحل ولا يحل ولا يؤكل ذو ناب ولا مخلب من سبع وطير وحل غراب الزرع لا الابقع الذي يأكل الجيف والضبع والضب والزنبور والسلحفاة والحشرات والحمر والاهلية والبغل وحل ] تقارب ولادتها لانه يضيع ما في بطنها. الدجاجة إذا تعلقت فرماها وأصابها ينظر، إن كان لا يهتدي إلى منزله حل أكله لانه عجز عن الذكاة الاختيارية، وإن كان يهتدي ذكر الفقيه أبو الليث إن أصاب المذبح حل وإن أصاب غيره فعند محمد لا يحل وعن غيره يحل اه‍. والله تعالى أعلم. فصل فيما يحل ولا يحل لما ذكر أحكام الذبائح شرع في تفصيل المأكول منها وغير المأكول إذ المقصود الاصل من شرع الذبائح التوصل إلى الاكل، وقدم الذبح لانه وسيلة الشئ تقدم عليه في الذكر. قال رحمه الله: (ولا يؤكل ذو ناب ولا مخلب من سبع وطير) يعني لا يحل أكل ذي ناب من سباع البهائم وذي مخلب من سباع الطير لما روى ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل ذي ناب ومخلب من سبع وطير. رواه مسلم والجماعة. والسباع جمع سبع وهو كل مختطف منتهب جارح قاتل عادة، والمراد بذي المخلب ما له مخلب هو سلاح وهو مفعل من الخلب وهو مزق الجلد، ويعلم بذلك أن المراد بذي مخلب هو سباع الطير لان كل ماله مخلب وهو الظفر كما أريد به في ذي ناب من سباع الهبائم لا كل ما له ناب، ولان طبيعة هذه الاشياء مذمومة شرعا فيخشى أن يتولد من لحمها شئ من طباعها فيحرم إكراما لنبي آدم، وهو نظير ما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لا ترضع لكم الحمقاء فإن اللبن يغذي ويدخل في الحديث الضبع والثعلب لان لهما نابا، وما روي أنه عليه الصلاة والسلام أباح أكلها محمول على الابتداء. ويدخل فيه الفيل أيضا لانه ذو ناب ولليربوع وابن عرس من سباع الهوام والرخمة والبغاث لانهما يأكلان الجيف. والرخم جمع رخمة وهو طائر أبقع يشبه النسر في الخلقة يقال له الانوف. والبغاث طائر إلى الغبرة دون الرخم بطئ الطيران، كذا في الصحاح. قال: والسباع الاسد والذئب والنمر والفهد والثعلب والضبع والكلب والفيل والقرد واليربوع وابن عرس والنسور الاهلي والبري ومن الطير الصقر والباز والعقاب والنسر والشاهين اه‍. قال رحمه الله: (وحل غراب الزرع) لانه يأكل الحب وليس من سباع الطير ولا من الخبائث. قال رحمه الله: (لا الابقع الذي يأكل الجيف والضبع والضب والزنبور والسلحفاة والحشرات والحمر الاهلية والبغل) يعني هذه الاشياء لا تؤكل، أما الغراب الابقع فلانه يأكل الجيف فصار كسباع الطير. والغراب ثلاثة أنواع: نوع يأكل الجيف فحسب فإنه لا يؤكل، ونوع يأكل الحب فحسب فإنه يؤكل، ونوع يخلط بينهما وهو أيضا يؤكل عند

[ 314 ]

[ الارنب وذبح ما لا يؤكل لحمه يطهر لحمه وجلده إلا الادمي والخنزير ولا يؤكل مائي ] الامام وهو العقعق لانه يأكل الدجاج. وعن أبي يوسف أنه يكره أكله لانه غالب أكله الجيف والاول أصح. قال في النهاية: ذكر في بعض المواضع أن الخفاش يؤكل، وذكر في بعضها أنه لا يؤكل لان له نابا. وأما الضبع فلما روينا وبينا ولانه يأكل الجيف فيكون لحمه خبيثا. وأما الضب والزنبور والسلحفاة والحشرات فلانها من الخبائث وقد قال تعالى * (ويحرم عليكم الخبائث) * (الاعراف: 157) وما روي من الاباحة محمول على ما قبل التحريم ثم حرم الخبائث لانه لم يكن محرما في الابتداء إلا ثلاثة أشياء على ما قال الله تعالى * (قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما) * (الانعام: 145) إلى آخر الآية. ثم حرم بعد ذلك أشياء. وأما الحمر الاهلية فلما روى البخاري رحمه الله تعالى حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الحمر الاهلية. وأما البغل فلانه من نسل الحمار فكان كأصله حتى لو كانت أمه فرسا فعلى الخلاف المعروف في الخيل لان المعتبر هو الام. قال رحمه الله: (وحل الارنب) لانه عليه الصلاة والسلام أمر أصحابه أن يأكلوه حين أهدى إليه مشويا. رواه أحمد والنسائي. ولانه ليس من السباع ولا يأكل الجيف فأشبه الظبي. قال رحمه الله: (وذبح ما لا يؤكل لحمه يطهر لحمه وجلده إلا الآدمي والخنزير) وقال الشافعي رحمه الله تعالى: الذكاة لا تؤثر في جميع ذلك لان أثر الذكاة في إباحة اللحم أصل وفي طهارته وطهارة الجلد تبع ولا تبع بدون الاصل فصار نظير ذبح المجوس. ولنا أن الذكاة مؤثرة في إزالة الرطوبات النجسة فإذا زالت طهرت كما في الدباغ، وهذا الحكم مقصود في الجلد كالتناول في اللحم وفعل المجوسي غير معتد به فلا بد من الدباغ، وكما يطهر لحمه شحمه أيضا حتى لو وقع في الماء القليل لا يفسده. وهل يجوز الانتفاع به لغير الاكل؟ قيل لا يجوز اعتبارا بالاكل، وقيل يجوز كالزيت إذا خالطه شحم الميتة والزيت غالب فإنه ينتفع به في غير الاكل. والخنزير لا يؤثر فيه الدباغ لنجاستة والآدمي لكرامته، وفي روايتة لا يطهر بالذكاة لحم ما لا يؤكل لحمه والجلد يطهر هو الصحيح وقد مر في كتاب الطهارة اه‍. قال رحمه الله: (ولا يؤكل مائي السمك غير طاف) وقال مالك رحمه الله تعالى: يؤكل جميع حيوان الماء واستثنى بعضهم الخنزير والسباع والكلب والآدمي، وعن الشافعي رحمه الله تعالى أباح ذلك كله. وقال صاحب الهداية: والخلاف في الاكل والبيع واحد وينبغي أن يجوز بيعه بالاجماع لطهارته. لهم قوله تعالى * (أحل لكم صيد البحر) * (المائدة: 96) من غير فصل ولانه لا دم في هذه الاشياء لان الدموي لا يسكن الماء والمحرم هو الدم فأشبه السمك. وروى جابر أنهم أصابهم جوع شديد في الغزو فألقى البحر حوتا ميتا يقال له العنير فأكلنا منه نصف شهر قال: فلما قدمنا المدينة وذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كلوا رزقا أخرجه الله لكم أطعمونا إن كان معكم الحديث. ولنا قوله تعالى * (ويحرم عليكم الخبائث) * (الاعراف: 157) وهذا منها. قال في النهاية: إن كراهة الخبائث تحريمية وما سوى السمك

[ 315 ]

[ السمك غير طاف وحل بلا ذكاة كالجراد ولو ذبح شاة فتحركت أو خرج الدم حلت ] حبيث. ونهى عليه الصلاة والسلام عن دواء اتخذ فيه الضفدع، ونهى عن بيع السرطان. والميتة المذكورة فيما تلي محمولة على حالة الاضطرار وهو مباح فيما لا يحل أكله والميتة والمذكاة فيهما سواء، وقوله عليه الصلاة والسلام أحل لنا ميتتان السمك والجراد ودمان الكبد والطحال لا دليل لهم في هذا الحديث لان بالميتة ما ألقاه البحر حتى يكون موته مضافا إلى البحر ولا يتناول ما مات فيه بمرض أو نحوه. وأما الطافي فيكره أكله لقول جابر أنه عليه الصلاة والسلام قال ما نضب عنه الماء فكلوا وما طفا فلا تأكلوه وهو حجة على مالك في إباحة الطافي فالاصل في هذا ما عرف سبب موته كلفظ البحر أو يحبسه في مكان كالحظيرة الصغيرة بحيث يمكن أخذه من غير حيلة أو ابتلاع سمكة أو بقتل طير الماء إياها أو إجماد الماء عليها حل أكلها لان سبب موتها معلوم. ولو ماتت من شدة حر الماء أو برده أو انحسر الماء عن بعضه ومات روى هشام عن محمد إن كان رأسه على الماء لا يؤكل، وإن كان ذنبه في الماء ورأسه انحسر عنه الماء أكل لان خروج رأسه من الماء سبب لموته فكان معلوما بخلاف خروج ذنبه، فحاصله أن الشرط فيه أن يعلم سبب موته حتى لو أبان عضوا يضره فإنه يؤكل ويؤكل العضو أيضا. قال رحمه الله: (وحل بلا ذكاة كالجراد) يعني يحل السمك بلا ذكاة كالجراد لما روينا. قال رحمه الله: (ولو ذبح شاة فتحركت أو خرج الدم حلت والالم يدر حياته) لان الحياة أو خروج الدم لا يكونان إلا من الحي لان الميت لا يتحرك ولا يخرج منه الدم فيكون وجودهما أو وجود أحدهما دليل الحياة فيحل، وعدمهما علامة الموت فلا يحل. وذكر محمد بن مقاتل: إن خرج الدم ولم تتحرك لا تحل لان الدم لا يجمد عند الموت فيجوز بخروج الدم وهذا سيأتي في المنخنقة والمتردية والنطيحة والتي بقر الذئب بطنها لان ذكاة هذه الاشياء تحلل وإن كانت حياته خفية في ظاهر الرواية لقوله تعالى * (إلا ما ذكيتم) * (المائدة: 3) وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنها تحل إذا كانت بحال تعيش يوما لولا الذكاة. وعن الثاني: إن كان لا يعيش مثلها لا تحل. وعن محمد: إن كانت بحال يعيش فوق ما يعيش المذبوح حل وإلا فلا. ولو ذبح شاة مريضة ولم يتحرك منها إلا فرهها قال محمد بن سلمة: إن فتحت فاها لا تؤكل وإن ضمته تؤكل، وإن فتحت عينها لا تؤكل، وإن ضمت عينها أكلت، وإن مدت رجلها لا تؤكل وإن ضمتها تؤكل، وإن قام شعرها تؤكل وإن نام لا تؤكل، وهذا صحيح لان الحيوان يسترخي بالموت ففتح الفم والعين ومد الرجل ونوم الشعر علامة الموت لانها استرخاء، وضم الفم وتغميض العين وقبض الرجل وقيام الشعر ليس باسترخاء بل حركات تختص بالحي فتدل على الحياة. وفي السراجية: إذا شق الذئب بطن الشاة ولم يبق فيها من الحياة إلا بقدر ما يبقى في المذبوح بعد الذبح فذبحت حلت وعليه الفتوى ا ه‍. ولو ذبحت شاة على سطح فوقعت فماتت تحل لانها صارت مذكاة بقطع محل

[ 316 ]

[ والالم يدر حياته وإن لم تتحرك ولم يخرج الدم. ] الذكاة، كذا في المحيط. وفيه أيضا: إذا شق الذئب بطن الشاة إن كان فيها حياة مستقرة حلت بالاجماع وإلا لا، سواء عاش أو لم يعش عند الامام وهو الصحيح وعليه الفتوى ا ه‍. قال رحمه الله: (وإن علم حياته وإن لم تتحرك ولم يخرج الدم) يعني إذا علم حياة الشاة وقت الذبح حلت بالذكاة تحركت أو لا، خرج منها دم أو لا، كذا في المحيط والله تعالى أعلم بالصواب.

[ 317 ]

[ كتاب الاضحية ] كتاب الاضحية أورده عقب الذبائح لانها ذبيحة خاصة والذبائح عام والخاص بعد العام، وتعقب بأنهم إن أرادوا أن الخاص بعد العام في الوجود فهو ممنوع لانه تقرر أن لا وجود للعام إلا في ضمن الخاص، وإن أرادوا في التعقل فهو إنما يكون إذا كان العام ذاتيا للخاص وكان الخاص معقولا كما عرف وكون الامر كذلك فيما نحن فيه ممنوع. ويمكن أن يقال: تميز الذاتي من العرضي إنما يتعسر في الحقائق النفسانية، وأما في الامور الوضيعة والاعتبارية كما نحن فيه فكل من اعتبر داخلا في مفهوم شئ يكون ذاتيا له ويكون تصور ذلك الشئ تصورا له بالكلية، ولا شك أن معنى الذبح داخل في معنى الاضحية فتوقف تعقلها على تعقل معنى الذبح فيتم التعريف على اختيار الشق الثاني. وهو في اللغة كما في النهاية شاة نحرها تذبح في يوم الاضحية. ولا يخالفه ما في القاموس والصحاح من أنها شاة من غير لفظ نحرها لان لفظ النحر مراد بدليل الاضحية. وتجمع على أضاحي بالتشديد ويقال أضحية وضحايا كهدية وهدايا. ويقال أضحاة وتجمع على أضحى. وعند الفقهاء كما في النهاية اسم لحيوان مخصوص وهي الشاة فصاعدا من هذه الانواع الاربعة. والجذع من الضأن تذبح بنية القربة في يوم مخصوص ا ه‍. ولها شرائط وجوب وشرائط أداء وصفة، فالاول كونه مقيما موسرا من أهل الامصار والقرى والبوادي والاسلام شرط، وأما البلوغ والعقل فليسا بشرط حتى لو كان للصغير والمجنون مال فإنه يضحي عنه أبوه. وأما شرائط آدابها فمنها الوقت في حق المصري بعد صلاة الامام، والمعتبر مكان الاضحية لا مكان المضحي. وسببها طلوع فجر يوم النحر، وركنها ذبح ما يجوز ذبحه وسيأتي الكلام في صفتها. واعلم أن القربة المالية نوعان: نوع بطريق التمليك كالصدقات، ونوع بطريق الاتلاف كالاعتاق والاضحية، وفي الاضحية اجتمع المعنيان فإنه يتقرب بإراقة الدم وهو إتلاف ثم بالتصدق باللحم فيكون تمليكا ا ه‍.

[ 318 ]

[ تجب على حر مسلم موسر مقيم على نفسه لا عن طفلة شاة أو سبع بدنة فجر يوم ] قال رحمه الله: (تجب على حر مسلم موسر مقيم على نفسه لا عن طفله شاة أو سبع بدنة فجر يوم النحر إلى آخر أيامه) يعني صفتها أنها واجبة، وعن أبي يوسف أنها سنة. وذكر الطحاوي أنها سنة على قول أبي يوسف ومحمد وهو قول الشافعي، لهم قوله صلى الله عليه وسلم إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره (1) رواه مسلم وجماعة أخر. والتعليق بالارادة ينافي الوجوب ولانها لو كانت واجبة على المقيم لوجبت على المسافر كالزكاة وصدقة الفطر لانهما لا يختلفان بالعبادة المالية. ودليل الوجوب قوله صلى الله عليه وسلم من وجد سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا (2) رواه أحمد وابن ماجه. ومثل هذا الوعيد لا يلحق بترك غير الواجب، ولانه عليه الصلاة والسلام أمر بإعادتها من قوله من ضحى قبل الصلاة فليعد الاضحية (3) وإنما لا تجب على المسافر لان أداءها مختص بأسباب تشق على المسافر وتفوت بمضي الوقت فلا يجب عليه شئ لدفع الحرج عنه كالجمعة بخلاف الزكاة وصدقة الفطر لانهما لا يفوتان بمضي الزمان فلا يخرج. وأما العتيرة فذبيحة تذبح في رجب يتقرب بها أهل الجاهلية والاسلام في الصدر الاول ثم نسخ في الاسلام، كذا في الاصل. وفي المحيط: لو اشترى الفقير شاة فضحى بها ثم أيسر في آخر أيام النحر قيل عليه أن يعيدها، وقيل لا. ولو افتقر في أيام النحر سقطت عنه، كذا لو مات ولو بعدها لم تسقط، كذا في المحيط. قيد بالحر لانه عبادة مالية فلا تجب على العبد لانه لا يملك ولو ملك، وبالاسلام لانها عبادة والكافر ليس بأهل لها، وباليسار لانها لا تجب إلا على القادر وهو الغني دون الفقير. ومقداره مقدار ما تجب فيه صدقة الفطر وقد مر بيانه. قال في العناية أخذا من النهاية: وهي واجبة بالقدرة الممكنة بدليل أن الموسر إذا اشترى شاة للاضحية في أول يوم النحر ولم يضح حتى مضت أيام النحر ثم افتقر كان عليه أن يتصدق بعينها أو بقيمتها ولا تسقط عنه الاضحية، فلو كانت بالقدرة الميسرة لكان دوامها شرطا كما في الزكاة والعشر والخراج حيث يسقط بهلاك النصاب والخارج واصطلام الزرع آفة لا يقال أدنى ما يتمكن به المرء من إقامتها تملك قيمة ما يصلح للاضحية ولم يجب إلا بملك النصاب فدل أن وجوبها بالقدرة الميسرة لان اشتراط النصاب لا ينافي وجوبها بالممكنة كما في صدقة الفطر، وهذا لانها وظيفة مالية نظرا إلى شرطها وهو والحرية فيشترط فيها الغنى كما في صدقة الفطر، لا يقال لو كان كذلك لوجب التمليك وليس كذلك لان


(1) رواه مسلم في كتاب الاضاجي حديث 39، 41. ابن ماجه في كتاب الاضاجي باب 11. الدارمي في كتاب الاضاجي باب 2. أحمد في مسنده (6 / 289). (2) رواه ابن ماجه في كتاب الاضاجي باب 2. أحمد في مسنده (2 / 321). (3) رواه ابن ماجه في كتاب الاضاجي باب 12. أحمد في مسنده (4 / 313).

[ 319 ]

القرب المالية قد تحصل بالاتلاف كالاعتاق والمضحي إذا تصدق باللحم فقد حصل النوعان أعني التمليك والاتلاف بإراقة الدم، وإن لم يتصدق حصل الاخير إلى هنا لفظ العناية. وفي المحيط: لو زكى نصابه ثم مر عليه أيام النحر ونصابه ناقص عليه الاضحية ولا يعد فقيرا بأداء الزكاة في هذ السنة لان قدر المؤدى يعد قائما شرعا، ولو انتقص في أيام النحر بغير الزكاة سقطت عنه الاضحية لان المؤدى لا يعد قائما حكما فيعد فقيرا. وقوله عن نفسه لانه أصل في الوجوب عليه وقوله لا عن طفله يعني لا يجب عليه عن أولاده الصغار لانها عبادة محضة بخلاف صدقة الفطر، والاول ظاهر الرواية. وإن كان للصغير مال يضحي عنه أبوه من ماله أو وصيه من ماله عند أبي حنيفة. وقال محمد وزفر والشافعي رحمه الله تعالى: من مال الاب لان الاراقة إتلاف والاب لا يملكه في مال الصغير كالاعتاق، والاصح أنه يضحي من ماله ويأكل منه ما أمكن ويبتاع بما بقي ما ينتفع بعينه، كذا ذكره صاحب الهداية. وفي الكافي: الاصح أنه لا يجب ذلك وليس للاب أن يفعله من مال الصغير. وقوله شاة أو سبع بدنة بيان للقدر الواجب والقياس أن لا يجوز إلا البدنة كلها إلا عن واحد لان الاراقة قربة لا تتجزئ إلا أنا تركناه بالاثر وهو ما روي عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم البقرة عن سبعة والبدنة عن سبعة ولا نص في الشاة فبقي على أصل القياس، وتجوز عن ستة أو خمسة أو أربعة أو ثلاثة، ذكره في الاصل لانه لما جاز عن سبعة فما دونها أولى. ولا يجوز عن ثمانية لعدم النقل فيه، وكذا إذا كان نصيب أحدهم أقل من سبع بدنة لا يجوز عن الكل لان بعضه إذا خرج عن كونه قربة خرج كله، ويجوز عن اثنين نصفا في الاصح، وإذا جاز عن الشركة يقسم اللحم بالوزن لانه موزون. وإذا قسموا جزافا لا يجوز إلا إذا كان معه شئ آخر من الاركاع والجلد كالبيع لان القسمة فيها معنى المبادلة. ولو اشترى بقرة يريد أن يضحي ثم اشترك فيها معه ستة أجزأه استحسانا، والقياس لا يجزئ وهو قول زفر لانه أعدها قربة فيمتنع بيعها. وجه الاستحسان أنه قد يجد بقرة سمينة وقد لا يظفر بالشركاء وقت الشراء فيشتريها ثم يطلب الشركاء، ولو لم يجز ذلك لحرجوا وهو مدفوع شرعا، والاحسن أن يفعل ذلك قبل الشراء، وعن الامام مثل قوله زفر. قال القدوري: الواجب على مراتب بعضها آكد من بعض، ووجوب سجدة التلاوة آكد من وجوب صدقة الفطر، وصدقة الفطر وجوبها آكد من وجوب الاضحية. وفي الخانية: الموسر في ظاهر الرواية من له مائتا درهم أو عشرون دينارا أو ما بلغ ذلك سوى سكنه ومتاعه ومركبه وخادمه الذي في حاجته. وفي الاصل: ولو جاء يوم الاضحية ولا مال ثم استفاد مائتي درهم ولا دين عليه فعليه الاضحية. ولو كان له عقار ملك قيمة العقار مائة درهم، والزعفراني والفقيه علي الرازي اعتبر القيمة وأوجبا الاضحية. ولو كان له أرض يدخل عليه منها قوت السنة فعليه الاضحية حيث كان القوت يكفيه ويكفي عياله، وإن كان

[ 320 ]

لا يكفيه فهو معسر. وإن كان العقار وقفا ينظر، إن وجب له في أيام النحر قدر مائتي درهم فعليه الاضحية وإلا فلا. رواه ابن سماعة عن محمد عن الامام. وعنه أنه لا يجب إذا زاد على مائتين. والمرأة تعتبر موسرة بالمهر إذ الزوج مليا عندهما، وعند الامام لا تعتبر ملية بذلك. وإن كان خباز عنده حنطة قيمتها مائتا درهم فعليه الاضحية، وإن كان عنده مصحف قيمته مائتا درهم وهو ممن يحسن القراءة فيه فلا أضحية عليه، سواء كان يقرأ فيه أو لا يقرأ فيه، وإن كان لا يحسن أن لا يقرأ فيه فعليه الاضحية. وفي الكافي عن الحسن عن الامام يجب عليه أن يضحي عن ولده وولد ولده الذي لا أب له، والفتوى على أنه لا يجب عليه. وذكر الصدر الشهيد في شرح الاضاحي عن الزعفراني فيما إذا ضحى الاب عن الصغير من ماله فعلى قول محمد وزفر يجب الضمان عليه، وعلى قول الامام أبي يوسف لا يضمن ومثله الوصي. وفي الينابيع: والمعتوه والمجنون بمنزلة الصبي، والذي يجن ويفيق كالصحيح، ولو كان المجنون موسرا يضحي عنه وليه من ماله في الروايات المشهورة، وروي أن الاضحية قبل أن يضحي بها لا تجب في مال المجنون. وفي المنتقى: اشترى شاة ليضحي بها فمات في أيام الاضحية قبل أن يضحي بها فله أن يبيعها، ومن كان غائبا عن ماله في أيام الاضحية فهو فقير، ولا يخفى أن الاضحية تصير واجبة بالنذر، فلو قال كلاما نفسيا لله علي أن أضحي بهذه الشاة ولم يذكر بلسانه شيئا فاشترى شاة بنية الاضحية إن كان المشتري غنيا لا تصير واجبة باتفاق الروايات فله أن يبيعها ويشتري غيرها، وإن كان فقيرا ذكر شيخ الاسلام خواهر زاده في ظاهر الرواية تصير واجبة بنفس الشراء، وروى الزعفراني عن أصحابنا لا تصير واجبة. وأشار إليه شمس الائمة السرخسي في شرحه وإليه مال شمس الائمة الحلواني في شرحه وقال: إنه ظاهر الرواية. ولو صرح بلسانه والمسألة بحالها تصير واجبة بشراء نية الاضحية إن كان المشتري فقيرا. وفي الخانية: اشترى شاة للاضحية ثم باعها واشترى أخرى في أيام النحر فهذا على وجوه ثلاثة: الاول اشترى شاة ينوي بها الاضحية لا تصير أضحية ما لم يوجبها بلسانه وبه أخذ أبو يوسف وبعض المتأخرين. وفي الكبرى: قال إن فعلت كذا فلله علي أن أضحي لا يكون يميتا. رجل اشترى أضحيته وأوجبها فضلت ثم اشترى أخرى فأوجبها ثم وجد الاولى، إن كان أوجب الثانية بلسانه فعليه أن يضحي بهما، وإن أوجبها بدلا عن الاولى فعليه أن يذبح أيهما شاء ولم يفصل بين الفقير والغني، وفي فتاوي أهل سمرقند: الفقير إذا أوجب شاة على نفسه هل يحل له أن يأكل منها؟ قال بديع الدين: نعم. وقال القاضي برهان الدين: لا يحل. وفي فتاوي أهل سمرقند: الفقير إذا اشترى شاة للاضحية فسرقت فاشترى مكانها ثم وجد الاولى فعليه أن يضحي بهما، ولو ضلت فليس عليه أن يشتري أخرى مكانها، وإن كان غنيا فعليه أن يشتري أخرى مكانها. وفي الواقعات: له مائتا درهم فاشترى بعشرين درهما أضحية يوم الثلاث وهلكت يوم الاربعاء وجاء يوم

[ 321 ]

[ النحر إلى آخر أيامه ولا يذبح مصري قبل الصلاة وذبح غيره ويضحي بالجماء والخصي ] الخميس الاضحى ليس عليه أن يضحي لفقره يوم الاضحى. وفي الفتاوي العتابية: إذا انتقص نصابه يوم الاضحى سقط عنه الزكاة. وعن ابن سلام: وكل رجلين أن يشتري كل منهما أضحية فاشتريا يجب عليه أن يضحي بهما. وفي المحيط: ولو اشترى شاتين للاضحية فضاعت إحداهما فضحى بالثانية ثم وجدها في أيام النحر فلا شئ عليه لانه لم يتعين أحدهما وأيهما ضحى بها فهي المعينة، ولو ضحى الفقير ثم أيسر أعاد. وفي رواية وإذا اشترى شاة للاضحية ثم باعها جاز البيع. وفي الاصل: رجل أوجب على نفسه عشر أضاح قالوا لا يلزمه إلا شاتان. قال الصدر الشهيد في واقعاته: والظاهر أنه يجب الكل. وفي الظهيرية: والصحيح أنه يجب الكل. وفي الحاوي: ولو اشترى شاة ولم يرد أن يضحي بها بل للتجارة ثم نوى أن يضحي بها ومضى أيام النحر لا يجب عليه أن يتصدق بها. وعن محمد بن سلمة: لو ضحى بشاتين لا تكون الاضحية إلا واحدة. وفي المحيط: الاصح أن تكون الاضحية بهما. وعن الحسن عن أبي حنيفة: لا بأس بالاضحية بالشاة أو بالشاتين. قال الفقيه: وبه نأخذ.. وفي الاصل: الناذر لا يأكل مما نذره ولو أكل فعليه قيمة ما أكل. وفي أضاحي الزعفراني: إن قال لله علي أن أضحي بشاة في أيام النحر، فإن كان موسرا فعليه أن يضحي بشاتين إلا أن يعين بالايجاب ما يجب عليه، فإن كان فقيرا فعليه شاة. وفي السراجية: إذا قال لله علي أن أضحي بشاة فضحى ببدنة أو ببقرة جاز ا ه‍. وفي الشارح: إذا نذر وأراد بها الواجب عليه لا يلزمه غيرها، وإن أراد الواجب بسبب الغنى يلزمه غيرها ا ه‍. قال رحمه الله: (ولا يذبح مصري قبل الصلاة وذبح غيره) يعني لا يجوز لاهل المصر أن يذبحوا الاضحية قبل أن يصلوا صلاة العيد ويجوز لاهل القرى والبادية أن يذبحوا بعد صلاة الفجر قبل أن يصلي الامام صلاة العيد، والاصل في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم من ذبح قبل صلاة الامام فليعد ذبيحته، ومن ذبح بعد صلاة الامام فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين قال صاحب النهاية: هذا يشير إلى ما ذكر في المبسوط حيث قال: لا يجزيه لعدم الشرط لا لعدم الوقت. وقال عليه الصلاة والسلام أول نسكنا في هذا اليوم الصلاة ثم الاضحية وهذا ظاهر في حق من عليه الصلاة فبقي غيره على الاصل فيذبح بعد طلوع الفجر وهو حجة على الشافعي ومالك في نفيهما الجواز بعد صلاة العيد قبل نحر الامام. والمعتبر في ذلك مكان الاضحية حتى لو كانت في السواد والمضحي في المصر يحوز كما انشق الفجر، وفي العكس لا يجوز إلا بعد الصلاة. وحيلة المصري إذا أراد التعجيل أن يبعث بها إلى خارج المصر في موضع يجوز للمسافر أن يقصر فيضحي فيه كما طلع الفجر لان وقتها من طلوع الفجر وإنما أخرت في حق المصر لما ذكرنا، ولانها تشبه الزكاة فيعتبر في الاداء مكان المحل وهو المال لامكان الفاعل بخلاف صدقة الفطر حيث يعتبر فيها مكان الفاعل لانها تتعلق بالذمة والمال

[ 322 ]

ليس بمحل لها. ولو ضحى بعدما صلى أهل المسجد قبل أن يصلي أهل الجبانة أجزأه استحسانا لانها صلاة معتبرة، ولو ذبح بعدما قعد الامام قدر التشهد قبل أن يسلم لم يجز خلافا للحسن. وفي المراد: لو ضحى بعد أن تشهد قبل أن يسلم الامام جازت الاضحية. وفي العتابية: وهو الاصح من غير إساءة. وفي غيره: وهو المختار. ولو ضحى بعد أن يتشهد الامام لم يجز عندنا. وفي رواية جاز وقد أساء والاول أصح. وفي الاجناس: لو صلى الامام صلاة العيد على غير طهارة لم يعلموا حتى عاد وذبح الناس جاز عن أضحيتهم، ولو علموا قبل أن يتفرقوا تعاد الاضحية، وقيل لا تعاد والاول هو المختار والمأخوذ به، ومتى علم الامام ذلك ونادى بالصلاة ليعيدها فمن ذبح قبل أن يعلم ذلك الامام أجزأه، ومن ذبح بعد العلم قبل الزوال لا يجوز، وإن ذبح بعد الزوال جاز، ولو لم يصل الامام صلاة العيد في اليوم الاول أخروا الاضحية إلى الزوال ثم ذبحوا، ولا تجزيهم التضحية إذا لم يصل الامام إلا بعد الزوال وكذا في اليوم الثاني الحكم كالاول كذا في المحيط. وذكر فيه أيضا أن التضحية في الغد تجوز قبل الصلاة لانه فات وقت الصلاة بزوال الشمس في اليوم الاول والصلاة في الغد تقع قضاء لا أداء فلا يظهر هذا في حق الاضحية. وقال: هكذا ذكر القدوري في شرحه. ولو صلى ثم تبين أنه صلى بغير طهارة تعاد الصلاة دون الاضحية، ولو وقع أنه في بلد فتنة ولم يبق فيها وال ليصلي بهم العيد فضحوا بعد طلوع الفجر أجزأهم، ولو شهدوا عند الامام أنه يوم العيد فضحى بعد الصلاة ثم انكشف أنه يوم عرفة أجزأهم الصلاة والتضحية لانه لا يمكن الاحتراز عن مثل هذا. ووقتها ثلاثة أيام أولها أفضلها ويجوز الذبح في لياليها إلا أنه يكره لاحتمال الغلط في الظلمة. وأيام النحر ثلاثة. وأيام التشريق ثلاثة والكل تمضي بمضي أربعة أيام أولها نحر لا غير، وآخرها تشريق لا غير، والمتوسطان نحر وتشريق. والتضحية فيها أفضل من التصدق بثمنها لانها تقع واجبة إن كان غنيا، وسنة إن كان فقيرا. والتصدق بالثمن تطوع محض فكانت هي أفضل لانها تفوت بفوات أيامها، ولو لم يضح حتى مضت أيامها وكان غنيا وحب عليه أن يتصدق بالقيمة، سواء اشتراها أو لم يشترها. وإن كان فقيرا فإن كان اشتراها وجب عليه التصدق بها، ولو ذبح بعد الزوال يوم عرفة وهو يرى أنه يوم عرفة ثم ظهر أنه يوم النحر يجزيه، وفي سائر الاوقات جعل الليل سابق على النهار إلا في يوم عرفة فهي متأخرة عنها وليلة النحر الاول هي ليلة النحر الثاني، وليلة النحر الثاني هي ليلة النحر الثالث، وليلة النحر الثالث هي ليلة الفجر الثالث عشر حتى يجوز الذبح فيها قبل طلوع الفجر، كذا في المحيط. وفي النوازل: الامام إذا صلى العيد يوم عرفة وضحى الناس فهذا على وجهين: أما إن شهد عند الشهود أولا بأنه يوم النحر ففي الاول تجوز الصلاة والاضحية. وفي الثاني لا تجوز. ولو شكوا في يوم النحر فصلى بهم الامام وضحوا ثم علموا في الغد أنه يوم عرفة فإنه عليه إعادة الصلاة والاضحية جميعا. وفي

[ 323 ]

[ والتولاء لا بالعمياء والعوراء والعجفاء والعرجاء ومقطوعة أكثر الاذان أو الذئب أو ] العتابية، شهدوا بعد الزوال أنه يوم النحر ضحوا وإن شهدوا قبل الزوال لم يجز إلا إذا زالت. وفي التجريد: لو صلى ولم يخطب جاز الذبح. وفي الكبرى: مصري وكل وكيلا بأنه يذبح شاة له وخرج إلى السواد فأخرج الوكيل الاضحية إلى موضع لا يعد من المصر وذبحها هناك، فإن كان الموكل في السواد جازت الاضحية، وإن كان عاد إلى المصر وعلم الوكيل بقدومه لم تجز الاضحية عن الموكل بلا خلاف، وإن لم يعلم بعود الموكل إلى المصر فكذا عن محمد، وعند أبي يوسف يجوز وهو المختار ا ه‍. وفي المحيط: ولو ذبح بعد ما صلى أهل الجبانة قبل أن يصلي أهل المسجد يجوز قياسا واستحسانا ا ه‍. قال رحمه الله: (ويضحي بالجماء) التي لا قرن لها يعني خلقة لان القرن لا يتعلق به مقصود، وكذا مكسورة القرن بل أولى. قال رحمه الله: (والخصي) وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى هو أولى لان لحمه أطيب وقد صح أنه عليه الصلاة والسلام ضحى بكبشين أملحين موجوأين. الاملح الذي فيه ملحة وهو البياض الذي فيه شعيرات سود وهو من لون الملح، والموجوء المخصي من الوج ء وهو أن يضرب عروق الخصية بشئ. وفي المحيط: وتجوز الجرباء وفي وتجوز الحاوي: الجرباء إذا كانت سمينة ا ه‍. قال رحمه الله: (والتولاء) وهي المجنونة لانه يخل بالمقصود إذا كانت تعتلف، فإن كانت سمينة ولم يتلف جلدها جاز لانه لا يخل بالمقصود قال: ولا يجوز بالهتماء التي لا أسنان لها إن كانت لا تعتلف، وإن كانت تعتلف جاز وهو الصحيح، ولا الجلالة التي تأكل العذراء ولا تأكل غيرها، ولا مقطوعة الضرع ولا التي لا تستطيع أن ترضع ولدها، ولا التي يبس ضرعها، ولا مقطوعة الانف والذنب والطرف، كذا في المحيط. قال رحمه الله: (لا بالعمياء والعوراء والعجفاء والعرجاء) أي التي لا تمشي إلى المنسك أي إلى المذبح لما روي عن البراء بن عازب أنه عليه الصلاة والسلام قال أربع لا تجوز في الاضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء البين ضلعها، والكسيرة التي لا تنقى (1) رواه أبو داود والنسائي وجماعة أخر وصححه الترمذي. وفي الحاوي قال مشايخنا: العرجاء التي تمشي بثلاثة قوائم وتجافي الرابع عن الارض لا تجوز الاضحية بها، وإن كانت تضع الرابع على الارض وتستعين به إلا أنها تتمايل مع ذلك وتضعه وضعا خفيفا يجوز، وإن كانت ترفعه رفعا أو تحمل المنكسر لا تجوز. وفي الخانية: وكذا الحولاء التي في عينها حول، ولا تجوز المنفسخة العين وهي التي غارت عينها ا ه‍. قال رحمه الله: (ومقطوعة أكثر الاذان أو الذنب أو العين أو الالية) لقول علي


(1) رواه أبو داود في كتاب الاضاجي باب 6. النسائي في كتاب الضحايا باب 6. ابن ماجه في كتاب الاضاجي باب 8.

[ 324 ]

[ العين أو الالية والاضحية من الابل والبقر والغنم وجاز للثني من الكل والجذع من ] رضي الله تعالى عنه: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والاذن وأن لا نضحي بمقابلة ولا مدابرة ولا شرقاء ولا خرقاء. رواه أبو داود والنسائي وغيرهما وصححه والترمذي. المقابلة قطع من مقدم ذنبها، والمدابرة قطع من مؤخر أذنها، والشرقاء أن يكون الخرق في أذنها طويلا، والخرقاء أن يكون عرضا إن بقي أكثر الاذن جاز، وكذا أكثر الذنب لان للاكثر حكم الكل بقاء وذهابا، وهذا لان العيب اليسير لا يمكن التحرز عنه فجعل عفوا. وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن الثلث إذا ذهب وبقي الثلثان يجوز، وإن ذهب أكثر من الثلث لا يجوز لان الثلث تنفذ فيه الوصية من غير إجازة الورثة فاعتبر قليلا وفيما زاد لا ينفذ إلا برضاهم فاعتبر كثيرا، ويروى عنه الربع لانه يحكي حكاية الكل. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا بقي أكثر من النصف أجزأه اعتبارا للحقيقية وهو اختيار أبي الليث. وقال أبو يوسف: أخبرت بقولي أبا حنيفة فقال: قولي هو قولك. قيل هو رجوع إلى قول أبي يوسف، وقيل معناه قولي قريب من قولك. وفي كون النصف مانعا روايتان عنهما، وتأويل ما روينا إذا كان بعض الآذان مقطوعا على اختلاف الروايتين لان مجرد الرد الشق من غير ذهاب شئ من الاذن لا يمنع، ثم في معرفة مقدار الذاهب والباقي يتيسر في غير العين وفي العين قال: تسد عينها المعيبة بعد أن جاعت ثم يقرب إليها العلف قليلا قليلا فإذا رأته في موضع علم ذلك الموضع ثم تسد عينها الصحيحة ويقرب العلف إليها شيئا فشيئا حتى إذا رأته من مكان علم عليه، ثم ينظر ما بينهما من التفاوت فإن كان نصفا أو ثلثا أو غير ذلك فالذاهب هو ذلك القدر. وفي الشرح: ولو أوجب الفقير على نفسه أضحية بغير عينها فاشترى أضحية صحيحة ثم تعيبت عنده فضحى بها لا يسقط عنه الواجب لانه وجب عليه أضحية كاملة بالنية من غير تعيين كالموسر، ولو كانت معينة وقت الشراء جاز ذبحها لما ذكرنا، ولو أضجعها ليذبحها في يوم النحر فاضطربت فانكسرت رجلها فذبحها أجزأته استحسانا، ولو بقيت في هذه الحالة فانقلبت ثم أخذها من فورها، وكذا بعد فورها عند محمد خلافا لابي يوسف. وفي الخانية: عشرة من الرجال اشتروا من رجل عشرة شياه جملة واحدة فضارب العشرة شركة بينهم فأخذ كل واحد منهم شاة وضحى بها عن نفسه جاز، فإذا ظهر منها شاة عوراء وأنكر كل واحد من الشركاء أن تكون العوراء له لا تجوز أضحيتهم ا ه‍. قال رحمه الله: (والاضحية من الابل والبقر والغنم) لان جواز التضحية بهذه الاشياء عرفت شرعا بالنص عل خلاف القياس فيقتصر على ما ورد، وتجوز بالجاموس لانه نوع من البقر بخلاف بقر الوحش حيث لا تجوز الاضحية به لان جوازها عرف بالشرع، وفي البقر الاهلي دون الوحشي، والقياس ممتنع وفي المتولد منها تعتبر الام وكذا في حق المحل تعتبر الام ا ه‍. قال رحمه الله: (وجاز للثني من الكل والجذع من الضان) لقوله عليه الصلاة

[ 325 ]

[ الضأن وإن مات أحد السبعة وقال الورثة اذبحوا عنه وعنكم صح وإن كان شريك ] والسلام لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن (1) راوه البخاري ومسلم وأحمد وجماعة أخر. وقال عليه الصلاة والسلام نعمت الاضحية الجذع من الضأن رواه أحمد. وقال عليه الصلاة والسلام يجوز الجذع من الضأن أضحية رواه أحمد وابن ماجه. وقالوا: هذا إذا كان الجذع عظيما بحيث لو خلط بالثنيات ليشتبه على الناظرين، والجذع من الضأن ما تمت له ستة أشهر عند الفقهاء، وذكر الزعفراني أنه ابن سبعة أشهر. والثنى من الضأن والمعز ابن سنة، ومن البقر ابن سنتين، ومن الابل ابن خمس سنين، وفي المغرب: الجذع من البهائم قيل الثني إلا أنه من الابل قبل السنة الخامسة ومن البقر والشاة في السنة الثانية، ومن الخيل في الرابعة. وعن الزهري: الجذع من المعز لسنة. ومن الضأن لثمانية أشهر وفي الظهيرية: ولو أن رجلين ضحيا بعشر من الغنم بينهما لم تجز، ولو اشترك سبعة نفر في خمس بقرات جاز، وإن اشترك ثمانية نفر في سبع بقرات لم يجز وكذا عشرة وأكثر ا ه‍. قال رحمه الله: (وإن مات أحد السبعة وقال الورثة اذبحوا عنه وعنكم صح وإن كان شريك الستة نصرانيا) ومريد اللحم لم تجز عن واحد منهم أو ووجه الفرق أن البقرة تجوز عن سبعة بشرط قصد الكل القربة واختلاف الجهات فيما لا يضر كالقران والمتعة والاضحية لايجاد المقصود وهو القربة وقد وجد هذا الشرط في الوجه الاول لان الاضحية من الغير عرفت قربة لانه صلى الله عليه وسلم ضحى عن أمته، ولم توجد القربة في الوجه الثاني لان النصراني ليس من أهلها، ولو اشترك اثنان في بقرة أو بعير لا يجوز في الاضحية لانه يكون لواحد منهم ثلاثة أسهم ونصف والنصف لا يجوز في الاضحية، والاصح أنه يجوز لان النصف يصير قربة بطريق التبع لغيره. شاتان بين رجلين ذبحاهما عن نسكهما أجزأهما بخلاف العبدين بين اثنين أعتقاهما عن كفارتيهما لا يجوز لان في الشاتين أمكن جمع كل واحد منهما في شاة ولا كذلك الرقيق. اشترك ثلاثة في بقرة لواحد ثلاثة أسباعها ومات وترك ابنا وبنتا صغارا وترك ستمائة درهم مع حصة البقرة فضحى الوصي عنهم بحصة الميت من البقرة لا يجوز عنه لان نصيب البنت لحم لانها فقيرة أصابها من ميراث الاب أقل من مائتي درهم، ولو اشترك خمسة في بقرة فأشرك أربعة منهم رجلا في البقرة تجوز الاضحية عنهم لان الشركاء أربعة لكل واحد منهم خمسة فتصير الاربعة عشرين وقد جعلوا من أنصبائهم أربعة والاربعة من عشرين أكثر من السبع، ولو كانوا ستة فأشرك خمسة واحدا وأبى الواحد لم تجز أضحيتهم لان نصيبه أقل من السبع لان أصل حسابه ستة وثلاثون كل واحد ستة فيكون للخمسة ثلاثون وقد جعلوها ستة لكل واحد خمسة وخمسة من ستة وثلاثين أقل من السبع، كذا في المحيط. وكذا


(1) رواه مسلم في كتاب الاضاجي حديث 13. أبو داود في كتاب الاضاجي باب 4. النسائي في كتاب الضحايا باب 13. ابن ماجه في كتاب الاضاجي باب 7. أحمد في مسنده (3 / 312، 327).

[ 326 ]

[ الستة نصرانيا ويؤكل من لحم الاضحية ويؤكل ويدخر وندب أن لا ينقص الصدقة من ] قصد اللحم من المسلم ينافيها وإذا لم يقع البعض قربة خرج الكل من أن يكون قربة لان الاراقة لا تتجزأ وهذا استحسان. والقياس أن لا تجوز وهو رواية عن أبي يوسف لانه تبرع بالاتلاف فلا يتجوز عن غيره كالاعتاق عن الميت. قلنا القربة تقع عن الميت كالتصدق لما روينا بخلاف الاعتاق لان فيه إلزام الولاء للميت، ولو كان بعض الشركاء صغيرا أو أم ولد بأن ضحى عن الصغير أبوه أو عن أم الولد مولاها ولم يجب عليهما جاز لان كلها وقعت قربة، ولو ذبحوها بغير إذن الورثة فيما إذا مات أحدهم لا تجزيهم لان بعضها لم يقع قربة بخلاف ما تقدم لوجود الاذن من الورثة. وفي فتاوي أبي الليث: إذا ضحى بشاة عن غيره بأمره أو بغير أمره لا يجوز، ولو ضحى ببدنة عن نفسه وعن أولاده فإن كانوا صغارا أجزأه وأجزأهم، وإن كانوا كبارا فإن فعل ذلك بأمرهم فكذلك، وإن كان بغير أمرهم لم يجز على قولهم، وعن أبي يوسف أنه يجوز استحسانا، وفي الكبرى: لو ضحى عن الميت بغير أمره لا يجوز وهو المختار، وفي رواية تجوز. واختلفوا هل الاضحية عن الميت أفضل أو التصدق أفضل؟ ذهب بعضهم إلى أن التصدق أفضل، وذهب بعضهم إلى أن الاضحية أفضل. وفي الظهيرية: رجل اشترى أضحية شراء فاسدا فذبحها عن أضحيته جاز والبائع بالخيار إن شاء ضمنه قيمتها حية، وإن شاء استردها ولا شئ على المضحي ويتصدق بقيمتها مذبوحة. وفي الخانية: اشترى سبع بقرة فنوى بعضهم الاضحية عن نفسه في هذه السنة ونوى بقيتهم عن السنة الماضية قالوا: تجوز الاضحية عن هذا الواحد ونية أصحابه عن السنة الماضية باطلة وصاروا متطوعين. قيدنا بالسبعة لانهم لو كانوا ثمانية لم تجز عن الواحد منهم كما تقدم. وفي أضاحي الزعفراني: اشترى ثلاثة بقرة على أن يدفع أحدهم ثلاثة دنانير والآخر أربعة والآخر دينارا على أن تكون البقرة بينهم على قدر رأسه مالهم فضحوا بها لم تجز، ولو كانت البقرة أو البدنة بين اثنين فضحيا بها اختلف المشايخ قال بعضهم يجوز وبه أخذ الفقيه أبو الليث والصدر الشهيد ا ه‍. قال رحمه الله: (ويأكل من لحم الاضحية ويؤكل ويدخر) لما روي أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن أكل لحم الضحايا بعد ثلاثة ثم قال: كلوا وتزودوا وادخروا. رواه مسلم وأحمد. والنصوص فيه كثيرة وعليه إجماع الامة، ولانه لما جاز أن يأكل منه وهو غني فأولى أن يجوز له إطعام غيره وإن كان غنيا. قال رحمه الله: (وندب أن لا ينقص الصدقة من الثلث) لان الجهات ثلاثة الاطعام والاكل والادخار لما روينا ولقوله تعالى * (واطعموا القانع والمعتر) * (الحج: 36) أي السائل والمعترض للسؤال فانقسم عليه أثلاثا وهذا في الاضحية الواجبة والسنة سواء. ولك أن تقول الامر لمطلق الوجوب عند أكثر العلماء كما تقرر في علم الاصول. والظاهر من قوله واطعموا وجوب الاطعام والمدعى استحبابه فليتأمل في

[ 327 ]

[ الثلث ويتصدق بجلدها أو يعمل منه نحو غربال أو جراب ولا يعطي أجرة الجزار منها ] الجواب. وإذا لم تكن واجبة وإنما وجبت بالنذر فليس لصاحبها أن يأكل منها شيئا ولا أن يطعم غيره من الاغنياء، سواء كان الناذر غنيا أو فقيرا لان سبيلها التصدق وليس للمتصدق أن يأكل من صدقته ولا أن يطعم الاغنياء. وفي الظهيرية: اشترى شاة للاضحية وهو فقير فضحى بها ثم أيسر في أيام النحر قال بعضهم عليه غيرها، وقال بعضهم ليس عليه غيرها وبه تأخذ. في العتابية: وهو المختار. ولو أوصى بأن يضحى عنه ولم يسم ينصرف إلى الشاة. أوصى بأن يشترى بماله أضحية ولم تجز الورثة فالوصية جائزة في الثلث ويشتري به شاة يضحي بها، ولو أوصى بأن يشتري بقرة بعشرين درهما ويضحي ولم يبلغ ثلث ماله ذلك فإنه يشتري بقدر ما بلغ، وكذا لو لم يعين قدرا يشتري بقدر الثلث ا ه‍. قال رحمه الله: (ويتصدق بجلدها أو يعمل منه نحو غربال أو جراب) لانه جزء منها وكان له التصدق والانتفاع به ألا ترى أن له أن يأكل لحمها ولا بأس بأن يشتري به ما ينتفع بعينه مع بقائه استحسانا وذلك مثل ما ذكرنا لان للبدل حكم المبدل ولا يشتري به ما لا ينتفع به إلا بعد الاستهلاك نحو اللحم والطعام، ولا يبيعه بالدراهم لينفق الدراهم على نفسه وعياله والمعنى فيه أنه لا يتصدق على قصد التمول، واللحم بمنزلة الجلد في الصحيح فلا يبيعه بما لا ينتفع به إلا بعد الاستهلاك، ولو باعها بالدراهم ليتصدق بها جاز لانه قربة كالتصدق بالجلد واللحم، وقوله عليه الصلاة والسلام من باع جلد أضحيته فلا أضحية له يفيد كراهية البيع، وأما البيع فجائز لوجود الملك والقدرة على التسليم. قال رحمه الله: (ولا يعطي أجرة الجزار منها شيئا) والنهي عنه نهي عن البيع لانه في معنى البيع لانه يأخذه بمقابلة عمله فصار معاوضة كالبيع. ويكره أن يجز صوفها قبل الذبح فينتفع به لانه التزم إقامة القربة بجميع أجزائها بخلاف ما بعد الذبح لان القربة قد أقيمت بها والانتفاع بعدها مطلق له. ويكره بيع لبنها كما في الصوف، ومن أصحابنا من أجاز الانتفاع به يعني بلبنها وصوفها لان الواجب في حقه في الذمة فلا يتعين. ويكره ركوب الدابة واستعمالها، ولو اكتسب مالا من لبنها يتصدق بمثل ذلك، وذكر محمد في النوادر: ولا يشتري بالجلد الخل والزيت فلو ماتت أضحيته فحلب لبنها وجز صوفها وسلخ جلدها فله ذلك ولا يتصدق بشئ، كذا في المحيط. وفي التتمة سئل علي بن أحمد عن رجل دفع لحم الاضحية عن زكاة ماله هل تسقط عنه الاضحية؟ قال: نعم. وسئل الوبري عن هذا فقال: يقع الموقع ولكنه يأثم. وسئل علي أيضا لو كان لرجل دين على مقر هل تحل له الزكاة؟ فقيل له هل عليه أضحية؟ قال: لا لان ماله مستقرض لم يصل إليه. وسئل أيضا عن رجل له ديون مؤجلة أو غير مؤجلة على رجل وهو مقر حتى جاء يوم النحر وليس في يده شئ وعليه شراء الاضحية هل عليه أن يستقرض ويشتري أضحية؟ فقال: لا. قيل له: هل يجب على رب الدين أن يسأل المديون إذا

[ 328 ]

[ شيئا وندب أن يذبح بيده إن علم ذلك وكره ذبح الكتابي ولو غلطا وذبح كل أضحية صاحبه صح وبل يضمنان. ] غلب على ظنه أنه لو سأله أعطاه ثمن الاضحية وإن كان مؤجلا؟ قال: نعم. وفي مجموع النوازل: أربعة نفر اشترى كل واحد منهم شاة ولبنها وسمنها واحد فحبسوها في بيت فلما أصبحوا وجدوا واحدة منها ميتة ولا يدري لمن هي فإنها تباع هذه الاغنام جملة ويشتري بقيمتها أربع شياه لكل واحد منهم شاة، ثم يوكل كل واحد منهم صاحبه بذبح كل واحدة منها ويحلل كل واحد منهم صاحبه لتجوز عن الاضحية ا ه‍. قال رحمه الله: (وندب أن يذبح بيده إن علم ذلك) لان الاولى في القرب أن يتولاها الانسان بنفسه وإن أمر به غيره فلا يضر لانه عليه الصلاة والسلام ساق مائة بدنة فنحر بيده نيفا وستين ثم أعطى الحرية عليا فنحر الباقي، وإن كان لا يحسن ذلك فالاحسن أن يستعين بغيره كيلا يجعلها ميتة ولكن ينبغي أن يشهدها بنفسه لقوله عليه الصلاة والسلام لفاطمة رضي الله عنها: قومي فاشهدي أضحيتك فإنه يغفر لك بأول قطرة من دمها كل ذنبه. وفي فتاوي الفضلي: شاة ندت وتوحشت فرماها صاحبها ونوى الاضحية فأصابها أجزأه عن الاضحية. وفي الذخيرة: وكله أن يشتري له كبشا أقرن أعين للاضحية فاشترى كبشا ليس بأقرن ولا أعين لم يلزم الآمر ا ه‍. قال رحمه الله: (وكره ذبح الكتابي) لانه قربة وهو ليس من أهلها، ولو أمره فذبح جاز لانه من أهل الذكاة والقربة أقيمت بإنابته بخلاف ما إذا أمر المجوسي لانه ليس من أهل الذكاة فكان فسادا لا تقربا. قال رحمه الله: (ولو غلطا وذبح كل أضحية صاحبه صح ولا يضمنان) وهذا استحسان، والقياس أنه لا تجوز الاضحية ويضمن كل واحد منهما لصاحبه وهو قول زفر رحمه الله تعالى لانه متعد بالذبح بغير أمره فيضمن كما إذا ذبح شاة اشتراها القصاب والتضحية قربة فلا تتأدى بنية غيره. وجه الاستحسان أنها تعينت للذبح لتعينها بالاضحية حتى وجب عليه أن يضحي بها بعينها في أيام النحر، ويكره أن يبدل بها غيرها فصار المالك مستعينا بمن يكون أهلا للذبح فصار مأذونا له دلالة لانها تفوت بمضي هذه الايام ويخاف أن يعجز عن إقامتها لعارض يعتريه فصار كما إذا ذبح شاة وشد القصاب رجليها وكيف لا يأذن له وفيه مسارعة إلى الخير وتحقيق ما عينه ولا يبالي بفوات مباشرته وشهوده لحصول ما هو أعظم من ذلك وهو ما بيناه فيصير اذنا دلالة وهو كالصوم، ومن هذا الجنس مسائل استحسانية لاصحابنا ذكرناها في الاحرام عن الغير. ثم إذا جاز ذلك عنهما يأخذ كل واحد منهما أضحيته، إن كانت باقية ولا يضمنه لانه وكيله، فإن كان كل واحد منهما أكل ما ذبحه تحلل كل واحد منهما صاحبه فيجزئه لانه لو أطعمه الكل في الابتداء يجوز، وإن كان غنيا فكذا له أن يحلل في الانتهاء، وإن تشاحا كان لكل واحد منهما أن يضمن صاحبه قيمة لحمه ثم يتصدق بتلك القيمة لانه بدل عن اللحم

[ 329 ]

فصار كما لو باع أضحية غيره كان الحكم ما ذكرناه. وذكر في المحيط مطلقا من غير قيد فقال: ذبح أضحية غيره بلا أمره جاز استحسانا ولا يضمن لانه في العرف لا يتولى صاحب الاضحية ذبحها بنفسه بل يفوض إلى غيره فصار مأذونا دلالة كالقصاب إذا شد رجل شاة للذبح فذبحها إنسان بغير أمره لا يضمن ولو باع أضحية واشترى بثمنها غيرها فإن كان الثاني أنقص من الاول تصدق بالفضل، ولو غصب شاة وضحى بها جاز عن أضحيته لانه ملكها بالغصب السابق بخلاف ما لو كانت وديعة لانه يضمنها بالذبح فلم يثبت له الملك إلا بعده. ولو ذبح أضحية غيره بغير أمره عن نفسه، فإن ضمنه المالك فيمتها تجوز عن الذابح دون المالك لانه ظهر أن الاراقة حصلت على ملكه على ما بينا في المغصوبة، وإن أخذها مذبوحة أجزأت المالك عن التضحية لانه قد نواها فلا يضره ذبحها غيره على ما بينا. وفي فتاوي أهوار: رجلان ربطا أضحيتهما في مربط ثم غلطا فتنازعا في واحدة كل منهما مدعيها ولا يدعي الاخرى يقضي بالتي تنازعا فيها بينهما نصفين ولا تجوز الاضحية عنهما بهما. وقال بعضهم: تجوز عنهما جميعا. والصحيح الاول، والذي لم يتنازعا فيها لبيت المال لانها مال ضائع، ولو كانت إبلا وبقرا جازت الاضحية عنهما جميعا، وإذا ربطوا ثلاثة أضحية في رباط واحد ثم وجدا بواحد عيبا يمنع جواز الاضحية وأنكر كل واحد منهم أن تكون له المعيبة وتنازعوا في الاخريين فالمعيبة لبيت المال لانها مال ضائع ويقضى بينهم بالاخريين أثلاثا ا ه‍. الله سبحانه وتعالى أعلم.

[ 330 ]

[ كتاب الكراهية المكروه إلى الحرام أقرب ] كتاب الكراهية أورد كتاب الكراهية بعد الاضحية لان عامة مسائل كل واحد منهما لم يخل من أصل أو فرع يرد فيه الكراهة ألا ترى أن الاضحية في ليالي أيام النحر مكروهة، وكذا في التصرف في الاضحية يجز صوفها وحلب لبنها، وكذا ذبح الكتابي وغيره ذلك كما أن الامر في كتاب الكراهية لذلك. وترجم المؤلف بالكراهية لان بيان المكروه أهم من غيره لوجوب الاحتراز عنه وترجم محمد في الاصل بالاستحسان لما فيه مما استحسنه الشارع وقبحه. وترجم القدوري في مختصره بالحظر والاباحة لما فيه مما منع عنه الشارع وأباحه. والكراهية مصدر كره لشئ كرها وكراهة وكراهية. قال في الميزان: هي ضد المحبة والرضا قال الله تعالى * (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم) * (البقرة) الخ. فالمكروه خلاف المندوب والمحبوب لغة وليس بضد الارادة كما توهمه الشارح وجعل الكراهة ضد الارادة بل هو كما تقدم لك عن الميزان لان الله تعالى يريد الكفر المعاصي ولا يحبهما كما قرر في علم الكلام. وهي في الشريعة ما سيذكره المؤلف. قال رحمه الله: (المكروه إلى الحرام أقرب) ونص محمد أن كل مكروه حرام وإنما لم يطلق عليه لفط الحرام لانه لم يجد فيه نصا قطعيا فكان نسبة المكروه إلى الحرام عند محمد كنسبة الواجب إلى الفرض. وعن الامام وأبي يوسف أنه إلى الحرام أقرب، وهذا الحد للمكروه كراهة تحريم، وأما المكروه كراهة تنزيه فإلى الحلال أقرب، هذا خلاصة ما ذكروه في الكتب المعتبرة. ولبعض المتأخرين كلمات هنا طويلة الذيل لا حاصل لها تركناها عمدا. وذكر في الفتاوي السراجية في هذا الكتاب بابا في مسائل الاعتقاديات وقدمه وهو أولى بالذكر والتقديم قال: الايمان هو الاقرار باللسان والاعتقاد بالجنان وذلك أن يقروا بوحدانية الله تعالى وصفاته الازلية وبجميع ما جاء من عنده من كتب، ويعتقد بقلبه ذلك. والاقرار باللسان شرط في حق القادر على النطق على ظاهر الجواب. وقيل: الايمان هو

[ 331 ]

الاعتقاد بالقلب والايمان بالتفاصيل ليس بواجب بل إذا آمن بالجملة كفى. والايمان لا يزيد ولا ينقص لان الايمان عندنا ليس من الاعمال إيمان اليائس غير مقبول وتوبة اليائس مقبولة، الايمان غير مخلوق عند أئمة بخارى وعند أئمة سمرقند مخلوق، وقيل لا خلاف بينهم في الحقيقة لان أئمة بخارى قالوا الايمان هداية الرب لعبده إلى معرفته وذلك غير مخلوق، وأئمة سمرقند قالوا الايمان فعل العبد وأنه مخلوق، وعن هذا تعرف جواب من سأل أن الايمان عطائي أو كسبي. أيمان المقلد صحيح وهو الذي اعتقد جميع أركان الاسلام بلا دليل. وفي جامع الجوامع قال أبو القاسم: من تعلم في الصغر آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله تعالى وتعلم أنه إيمان لكن لا يحسن تعبره لا يحكم بإسلامه. وقال أبو الليث: إن سأل فارسيا فقال هذا عرفت يحكم بإسلامه قال: وإن كان لا يحسن أن يعبر وإلا يعرض عليه الاسلام. وفي النوازل قال الفقيه: إذا كان الرجل لا يحسن العبارة وهو بحال لو سئل بالفارسية يعرف أن الله واحد وأن الانبياء رسل الله عزوجل وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ويقول كنت عرفت أن الامر هكذا كان هذا مؤمنا، وإن كان لا يحسن أن يعبر عنه وإذا سئل عن هذا قال لا أعلم بذلك فلا دين له ويعرض عليه الاسلام، فإن أسلم وكانت له امرأة يجدد نكاحها، وفي السراجية: المؤمن لا يخرج عن الايمان بارتكاب الكبيرة، وإذا مات بغير توبة فهو في مشيئة الله تعالى إن شاء غفر له وإن شاء عذبه بقدر جنايته أو أقل ثم يدخله الجنة. والقرآن كلام الله تعالى غير مخلوق ولا محدث، والمكتوب في المصاحف دال على كلام الله تعالى وأنه مخلوق. رؤية الله تعالى في الآخرة حق يراه أهل الجنة في الآخر بلا كيفية ولا تشبيه ولا محازاة، أما رؤية الله تعالى في المنام أكثرهم قالوا لا تجوز والسكوت في هذا الباب أحوط. القدر خيره وشره من الله تعالى بمشيئته وإرادته القديمة إلا أن المعاصي ليست برضا الله تعالى. وفي الحاوي وعن أبي سلمة الفقيه أنه قال: هذه عشرة مسائل التي وجدت عليها مشايخ السلف من أهل الهداية والجماعة من آمن بها كان منهم، ومن لم يؤمن بها فهو صاحب هوى وبدعة، ثم عد هذه العشرة وقال قال الشيخ الامام أبو بكر محمد بن أحمد القاضي: إن الله تعالى خلق أفعال العباد وأفعالهم بقضاء الله تعالى ومشيئته، وأن الله تعالى خالق لم يزل، وأن الله تعالى له علم موصوف في الازل، وأن الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد إذا كان أصلح للعباد أو لم يكن لا يسأل عما يفعل وهو يسألون، وأن شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم حق لاهل الكبائر من أمته، وأن عذاب القبر حق، وأنه يرجى من الله تعالى أن يعطي العباد ما يسألونه من دعائهم. وفي السراجية: صفات الله تعالى قديمة كلها من غير تفصيل بين صفات الذات وصفات الفعل وأنها قائمة بذات الله تعالى لا هو ولا غيره كالواحد من العشرة، والله تعالى ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ولا حال بمكان، ثم إن الله تعالى

[ 332 ]

موصوف بصفات الكمال ويوصف بأن له يدا وعينا ولكن لا كالايدي ولا كالاعين ولا يشتغل بالكيفية. وهل يجوز وصف الله تعالى بهذين الصفتين بالفارسية؟ قال اليسد الامام أبو شجاع: باليد يجوز وبالعين لا. وفي الحاوي قال بعض السلف: الجملة الصحيحة أن يقول العبد عند الامكان مع التسمية آمنت بجميع ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم على معنى ما أراد به رسول الله صلى الله عليه وسلم، والجنة والنار لا يفنيان عند أهل السنة والجماعة، وفي الحاوي سئل أبو حنيفة عمن قيل له أمؤمن أنت عند الله فقال عندي أني عند الله مؤمن. وذكر بعض المناظرين من المتكلمين أن الذي يجب على الانسان أحد الامرين، إما أن يقبل على تحصيل هذا الفن حتى يبلغ منه في غاية فيصير إلى حدة من يصلح للمناظرة والمحاجة أو يلزم الذي قد اجتمع عليه أهل الملة ويجتنب المعصية والحمية لغير الدين ويؤدي فرائض الله تعالى. والجمل التي ذكرناها أن الله تعالى واحد لا شريك له ولا مثيل له ولا شبيه له، وأنه لم يزل قبل المكان والزمان وقبل العرش والهواء وقبل ما خلق من ذلك موجودا، وأنه القديم وما سواه محدث، وأنه العادل في قضائه الصادق في أخباره، ولا يجب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر، وأنه لا يكلفهم ما لا يطيقون وأنه حكيم وحسن في جميع أفعاله في كل ما خلق وقضى وقدر، وأنه يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر، أنه إنما بعث إليهم المرسلين وأنزل عليهم الكتب ليذكر ما وقع في سابق علمه أنه يذكر ويخشى ويلزم الحجة على من علم منه أنه لا يؤمن ويأبى، وأن الخيرة فيما قضاه الله وقدره، وأنه يقضي بالحق، وأن الرضا بقضائه واجب والتسليم لامره لازم، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن ما قضى فهو ماض في خلقه، وما قدر فهو لازم لهم، وأن تأويل ذلك هو تأويل المسلمين، وأنه لا مرد له، وأن أمره نافذ في خلقه دأبهم الحاجة إليه في أداء ما كلفهم به وهو غني عنه لا يضره بذله ولا ينفعه منعه، وأنه ما خلق الخلق من الجن والانس إلا ليعبدوه، وأنه يضل من يشاء ويهدي من شاء، وأن إضلاله لي كإضلال الذي علم به الشيطان وحزبه، وأنه يضل الظالمين ولا يضل الفاسقين. وفي السراجية: نبينا صلى الله عليه وسلم أكرم الخلق وأفضلهم، ومعراجه إلى العرش إلى ما أكرمه الله تعالى، ورؤية الجنة والنار حق، ورسالة الرسل لا تبطل بموتهم، ورسل بني آدم أفضل من جملة الملائكة، وعوام بني آدم من الاتقياء أفضل من عوام الملائكة، وخواص الملائكة أفضل من عوام بني آدم. كرامة الاولياء حق، والولي لا يكون أفضل من النبي، وشفاعة الانبياء والصالحين لبعض العصاة من المسلمين حق، وأفضل الخليقة من هذه الامة أبو بكر بن أبي قحافة التيمي، ثم عمر بن الخطاب العدوي، ثم عثمان بن عفان الاموي، ثم علي بن أبي طالب الهاشمي رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. الشرط أن يكون الخليفة قرشيا ولا يشترط أن يكون هاشميا. العدالة ليست شرطا لحصة الامامة والامارة والقضاة إنما هي شرط الاولوية. والعلم أفضل من العقل عندنا خلافا للمعتزلة. أهل الجنة آمنون عن العزل غير آمنين من خوف الجدال. أطفال المشركين قيل هم في

[ 333 ]

الجنة وقيل هم في النار وأبو حنيفة توقف فيهم. وقال الشيخ الامام الرضي: إن ولد الكافر كافر. الكلام في الروح قال بعضهم يجوز، وقال بعضهم لا يجوز، ثم قيل هي الحياة، وقيل هي عرض، وقيل إنها جسم لطيف وهي ريح مخصوص. سؤال منكر ونكير حق وسؤالهما الانبياء قيل بهذه العبارة على ماذا تركتم أمتكم. وفي بستان الفقيه باب ما جاء في ذكر الحفظة قال الفقيه: اختلف الفقهاء في أمر الحفظة الكرام الكتابين، قال بعضهم يكتبون جميع أقوال بني آدم وأفعالهم، وقال بعضهم لا يكتبون إلا ما فيه أجر أو إثم. ثم قال بعضهم: يكتبون الجميع فإذا صعدوا السماء حذفوا ما لا أجر فيه ولا إثم وقال هو معنى قوله تعالى * (يمحو الله ما يشاء ويثبت) * (الرعد) قال ابن جريج: هما ملكان أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، فالذي عن يمينه يكتب بغير شهادة صاحبه، والذي عن يساره لا يكتب إلا بشهادة منه إن قعد قعد الحفظة واحد عن يمينه والآخر عن يساره، وإن مشى فأحدهما أمامه والآخر خلفه، وإن نام فأحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه. وقال بعضهم أربعة، اثنان بالنهار واثنان بالليل والخامس لا يفارقه ليلا ولا نهارا. واختلف الناس في الكفرة قال بعضهم عليهم حفظة، وقال بعضهم لا يكون عليهم حفظة لان أمرهم فرط وعليهم واحد. قال الفقيه: لا يؤخذ بهذا القول والآية نزلت بذكر الحفظة في شأن الكفار. تتمة: سئل بعضهم هل على الصبي حفظة يكتبون له؟ فقال: رفع القلم عن ثلاث. قيل له: هل يكون معذورا بترك النظر؟ قيل: استكمال المدة التي يتعلق بها أحكام الشرع فقال: إن كمل شرائط تكليفه قبل البلوغ وخطر بباله الخوف من ترك النظر لا يعذر. وفي السراجية: عذاب القبر للكافرين أو لبعض العصاة حق يؤمن به ولا يشتغل بكيفيته. ومما يتصل به فصل يشتمل على السنة والجماعة المضمرات وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال: المؤمن إذا أوجب السنة والجماعة استجاب الله دعاءه وقضى حوائجه وغفر له الذنوب جميعا وكتب له براءة من النار وبراءة من النفاق. وفي خبر عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من كان على السنة والجماعة استجاب الله دعاءه وكتب له بكل خطوة يخطوها عشر حسنات ورفع له عشر درجات فقيل له: يا رسول الله متى يعلم الرجل أنه من أهل السنة والجماعة؟ فقال: إذا وجد في نفسه عشرة أشياء فهو على السنة الجماعة: أن يصلي الصلوات الخمس بالجماعة، ولا يذكر أحدا من الصحابة بسوء وينقصه، ولا يخرج على السلطان بالسيف، ولا يشك في إيمانه، ويؤمن بالقدر خيره وشره من الله تعالى، ولا يجادل في دين الله تعالى، ولا يكفر أحدا من أهل التوحيد بذنب، ولا يدع الصلاة على من مات من أهل القبلة، ويرى المسح على الخفين جائزا في السفر والحضر، ويصلي خلف كل إمام بر أو فاجر. وفي الحاوي: من أهل النسة والجماعة من فيه عشرة أشياء،: الاول أن لا يقول

[ 334 ]

شيئا في الله تعالى لا يليق بصفاته. والثاني يقر بأن القرآن كلام الله تعالى وليس بمخلوق. والثالث يرى الجمعة والعيدين خلف كل بر وفاجر. والرابع يرى القدر خيره وشره من الله تعالى. والخامس يرى المسح على الخفين جائزا. والسادس لا يخرج على الامير بالسيف. والسابع يفضل أبا بكر وعمر وعثمان وعليا على سائر الصحابة. والثامن لا يكفر أحدا من أهل القبلة بذنب. والتاسع يصلي على من مات من أهل القبلة. العاشر يرى الجماعة رحمة والفرقة عذابا. قال صاحب الكشاف: في هذا الفصل شروط وزيادات لاصحابنا يجب أن تراعى. وسئل أبو النصر الدبوسي عن معنى قوله عليه الصلاة والسلام كل مولود يولد على الفطرة (1) قال: أي يولد على دلالة الخلقة على معنى أن الله تعالى خلقه على خلقة لو نظر إليها وتفكر فيها على حسب ما يجب لدلته على ربوبيته ووحدانيته. ومعنى قوله يهودانه أي ينقلانه إلى حكم اليهودية وأحوالها بالتلقين لكونه في أيديهم لذلك ظهر العلم في المسألتين خلفا عن سلف أن الولد يكون تابعا للوالدين من غير من أن يكون منه كفر أو إسلام على الحقيقة. وسئل أبو النصر الدبوسي فقيل: ما معنى الاخبار التي رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم وروي في بعضها صلوا خلف كل بر وفاجر وفي بعضها القدرية مجوس هذه الامة إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تتشيعوا جنائزهم (2) وفي بعضها إن أمتي ستفترق على كذا وكذا كلهم في النار إلا واحدة (3) فقال المشايخ: إن من شرائط السنة والجماعة أن لا يكفر أحدا من أهل القبلة. وسئل بعضهم عن الفاجر والبر فقال: الفاجر هو الفاسق من أهل الاسلام. والبر هو العدل من أهل الاسلام وقد جاء مفسرا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يخرج أحد من أهل الاسلام بذنب وذكر افتراق الاديان بالاهواء فمن كان من أهل الاسلام فالصلاة خلفه جائزة وإن كان يعمل الكبائر. وأهل الاهواء على ضربين: منهم من يخرج عن الاسلام، ومنهم من لا يخرج. فمن خرج عن الاسلام لا تجوز الصلاة خلفه وقد سبق الكلام فيه مستوفا في تتمة كلمات الكفر في آخر كلمات الكفر في آخر كتاب السير وفي باب الجماعة: ومن لا يخرج منه فالصلاة خلفه جائزة، ومن خرج من الاسلام فهو في النار خالد، ومن لم يخرج منه فهو في جملة أهل المشيئة قال الله تعالى * (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) * (النساء: 48) وأما ما جاء في حق أهل الاهواء أنهم لا يعادون ولا تشيع


(1) رواه البخاري في كتاب الجنائز باب 80. كتاب القدر باب 3. مسلم في كتاب القدر حديث 22 - 24. أحمد في مسنده (2 / 315 / 346). (2) رواه أبو داود في كتاب السنة باب 16. أحمد في مسنده (2 / 86) (5 / 407) بلفظ (مجوس هذه الامة أمتي الذين يقولون لا قدر). (3) رواه أبو داود في كتاب السنة باب 1. الترمذي في كتاب الايمان باب 18. ابن ماجه في كتاب الفتن باب 17. أحمد في مسنده (2 / 322) (3 / 120، 145).

[ 335 ]

[ فصل في الاكل والشرب كره لبن الاتان والاكل والشرب والادهان والتطيب في إناء ] جنائزهم فهذا تغليظ وتشديد كان في الزمان الاول حيث كان المسلمون أمة واحدة في عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ولما قتل عثمان وقعت الفرقة وظهرت الاهواء وغلبت الاحزاب أهل الاهواء ولم يمكن إمضاء الامر على السبيل الاول وقد كانوا يجالسون علي بن أبي طالب رضي الله عنه ويزاحمون، وكذا العلماء والفقهاء من بعده إلى يومنا هذا، والدليل على ذلك ما جاء أن شهادة أهل الاهواء جائزة، وسئل أبو بكر القاضي عن الرجل هل يعلم أنه على مذهب أهل السنة والجماعة فقال: إذا رجع علمه إلى كتاب الله وإلى ما قاله السلف الصالح فهو على مذهب السنة والجماعة. فصل في الاكل والشرب قدم فصل الاكل والشرب على غيره لان الاحتياج إلى بيان مسائله أهم من غيره. قال رحمه الله: (كره لبن الاتان) لان اللبن يتولد من اللحم فصار مثله، وكذا لبن الخيل يكره عند الامام كلحمه عنده، واختلف في كراهة لحم الخيل عندهما، كذا في فتاوي قاضيخان. ولا تؤكل الجلالة ولا يشرب لبنها لانه عليه الصلاة والسلام نهى عن أكلها وشرب لبنها. والجلالة هي التي تعتاد أكل الجيف ولا تخلط فيكون لحمها منتنا، ولو حبست حتى يزول النتن حلت. ولم يقدر لذلك مدة في الاصل، وقدر في النوادر بشهر، وقيل بأربعين يوما في الابل، وبعشرين يوما في البقر، وبعشرة أيام في الشاة، وثلاثة أيام في الدجاجة. والتي تخلط بأن تتناول النجاسة والجيف وتتناول غيرها على وجه لا يظهر أثر ذلك في لحمها فلا بأس بحلها ولهذا يحل أكل جذع تغذي بلبن الخنزير لان لحمه لا يتغير وما تغدى به يصير مستهلكا لا يبقى له أثر ولهذا قالوا: لا بأس بأكل الدجاج لانها تخلط ولا يتغير لحمه، وما روي أن الدجاج يحبس ثلاثة أيام ثم يذبح ذلك على وجه القربة لا على أنه شرط. وفي المحيط: ولا بأس بأكل شعير يوجد في بعر الابل والشاة فيغسل ويؤكل، وإن في أحشاء البقر وروث الفرس لا يؤكل لان البعر صلب فلا تتداخل النجاسة في أجزاء الشعير والحنطة. ولا بأس بأكل دود الزيتون قبل أن تتفخ فيه الروح لان إسم الميت إنما يطلق على من له روح. ويكره دفع الجهد من السقاية وحمله إلى المنزل لانه وضع للشرب لا للحمل، والحطب الذي يوجد في الماء إن كان لا قيمة له فهو حلال لانه مأذون في أخذه، وإن كان له قيمة فلا. ولا بأس بمضع العلك للنساء لان سنهن أضعف من سن الرجال فأقيم العلك لهن مقام السواك، ولا بأس للنساء بخضاب اليد والرجل ما لم يكن خضاب فيه تماثيل، ويكره للرجال والصبيان لان ذلك تزين وهو مباح للنساء دون الرجال. ولا بأس بخضاب

[ 336 ]

الرأس واللحية بالحناء والوشمة للرجال والنساء لان ذلك سبب لزيادة الرغبة والمحبة بين الزوجين. ويجوز رفع الثمار من نهر جار وأكلها وإن كثر لانه مما يفسد الماء إذا ترك فيكون مأذونا بالرفع دلالة. رجل نثر السكر فوقع في حجر رجل فأخذه رجل آخر منه إن كان فتح حجره ليقع فيه السكر لا يجوز لانه أحرزه وإلا فيجوز لانه ما أحرزه، ونظيره رجل وضع طشتا على سطح فاجتمع فيه ماء المطر فجاء رجل ورفعه إن كان وضعه صاحبه لذلك فهو له، وإن لم يضعه لذلك فهو للرافع لانه لم يحرزه. وفي الظهيرية: وإن أكل أكثر من حاجته ليتقايأ قال الحسن البصري: رأيت أنس بن مالك يأكل ألوانا من الطعام ويكثر ثم يتقايأ وينفع ذلك وهو المذهب عند أصحابنا. روي عن بعض الاطباء أنه قيل له هل يجد الطبيب في كتاب الله دليل تطب؟ قال: نعم قد جمع الله الطب في هذه الآية وهو قوله * (كلوا واشربوا ولا تسرفوا) * (الاعراف: 31) يعني الاسراف في الاكل والشرب هو الذي منه الامراض. وقيل: كان الرجل قليل الاكل كان أصح جسما وأجود حفظا وأذكى فهما وأقل نوما وأخف نفسا. ذكر محمد كل واحد منهما من إفساد الطعام قال: ومن الافساد الاسراف في الطعام وهو أنواع، فمن ذلك أن يأكل فوق الشبع فهو حرام. وفي الينابيع: وإذا أكل الرجل فوق الشبع فهو حرام في كل مأكول. ومن المتأخرين من استثنى حالة ما إذا كان له غرض صحيح في الاكل فوق الشبع فيحنئذ لا بأس به، فإن أتاه ضيف بعدما أكل قدر حاجته فليأكل لاجله حتى لا يخجل أو يريد صوم الغد فليتناول فوق الشبع. ومن الاسراف في الطعام الاسراف في المباحات والالوان فذلك منهي عنه إلا عند الحاجة بأن يمل من ناحية واحدة فليستكثر من المباحات ليستوفي من أي لون شاء فيحصل له مقدار ما يتقوى به على الطاعة، وكذلك إذا كان من قصده أن يدعو الاضياف قوما بعد قوم إلى أن يأتوا إلى آخر الطعام فلا بأس بالاستكثار في هذه الصورة. ومن الاسراف أن يأكل وسط الخبر ويدع حواشيه ويأكل ما انتفخ من الخبز كما يفعله بعض الجهال ويزعمون أن ذلك ألذ، ولكن هذا إذا كان لا يأكل غيره ما ترك من حواشيه فأما إذا كان غيره يتناول ذلك فلا بأس بذلك كما لا بأس أن يتناول رغيفا دون رغيف. ومن الاسراف التمسح بالخبز. وفي الذخيرة: ومن الاسراف مسح السكين والاصبع بالخبز عند الفراغ من الاكل من غير أن يأكل ما يتمسح فيه، فأما إذا أكل فلا بأس به. وفي التتمة سئل عمن مسح اليد على ثيابه فقال: لا يجوز. وسئل عن مسح اليد بدستار ورق فقال: لا يجوز. وفي الكافي: ولا بأس بخرقة الوضوء والمخاط. وفي الجامع الصغير: وتكره الخرقة التي تحمل ويمسح بها العرق إلا إذا كان شيئا لا قيمة له، وكذا الخرقة التي يمخط بها، وكذا التي يمسح بها الوضوء. وإنما يكره إذا فعل ذلك للتكبر، أما من فعل ذلك للحاجة فلا يكره، ومن الاسراف إذا سقط من يده لقمة أن يتركها بل ينبغي أن يبدأ بتلك اللقمة، وينبغي أن لا

[ 337 ]

ينتظر الادام إذا حضر الخبز ويأخذ في الاكل قبل أن يأتي الادام. ويتسحب غسل اليدين قبل الطعام فإن فيه بركة. وفي البرهانية: والسنة أن يغسل الايدي قبل الطعام وبعده. وفي واقعات الناطفي: الادب في غسل الايدي قبل الطعام أن يبدأ بالشبان ثم بالشيوخ، وإذا غسل لا يمسح بالمنديل لكن يترك ليجف ليكون أثر الغسل باقيا وقت الاكل. والادب في الغسل بعد الطعام أن يبدأ بالشيوخ ويمسح بالمنديل ليكون أثر الطعام زائلا بالكلية. وفي التتمة سئل والدي عن غسل الفم للاكل هل هو سنة كغسل اليد؟ فقال: لا وإذا غسل يده للاكل بنخالة أو غسل رأسه بذلك وأحرقها إن لم يكن فيها شئ من الدقيق وهي نخالة تعلف بها الدواب فلا بأس. وفي الذخيرة وفي نوادر هشام سألت محمدا عن غسل اليدين بالدقيق بعد الطعام هل هو مثل الغسل بالاشنان؟ فأخبرني أن أبا حنيفة وأبا يوسف لم يريا بأسا لتوارث الناس ذلك من غير نكير. وفي الخانية: ويكره للجنب رجلا كان أو امرأة أن يأكل طعاما وشرابا قبل غسل اليدين والفم، ولا يكره ذلك للحائض، ويستحب تطهير الفم من جميع المواضع، وينبغي أن يصب من الآنية على يده بنفسه ولا يستعين بغيره في وضوء، حكي ذلك عن مشايخنا رحمهم الله تعالى في أنه قال: هذا كالوضوء ولا يستعين بغيره في وضوء ولا يأكل طعاما حارا به ورد الاثر. ولا يشم الطعام فإن ذلك عمل البهائم، ولا ينفخ في الطعام والشراب، ومن السنة أن لا يأكل الطعام من وسطه ويأكل من ابتداء الاكل، ومن السنة لحس القصعة وأن يلعق أصابعه قبل أن يمسحها بالمنديل وتركه من أثر العجم والجبابرة. وفي الخلاصة: ومن السنة لعق القصعة. وفي البرهانية: رجل أكل الخبز مع أهله واجتمع كسيرات الخبز ولا يشتهي أكلها فله أن يطعمه الدجاجة والشاة والهرة وهو الافضل، ولا ينبغي أن يلقيه في النهر والطريق إلا إذا وضع لاجل النمل ليأكل النمل فحينئذ يجوز، هكذا فعل بعض السلف. ومن السنة أن يأكل ما سقط من المائدة، ومن السنة أن يبدأ بالملح ويختم بالملح. وفي السراجية: الاكل على الطريق مكروه، وأكل الميتة حالة المخمصة قدر ما يدفع به الهلاك عن نفسه لا بأس به، ولا بأس بطعام المجوسي إلا الذبيحة. رجل قال من تناول من مالي فهو مباح فتناول رجل من غير أن يعلم إباحته جاز، ولا ينبغي للناس أن يأكلوا من طعام الظلمة وليقبح والامر عليهم زجرهم عما يرتكبونه وإن كان يحل طعامهم. أكل دود القز قبل أن ينفخ فيه الروح لا بأس به. وفي الخانية: الجدى إذا ربي بلبن الاتان قال ابن المبارك: يكره أكله. وأخبرني رجل عن الحسن أنه قال: إذا ربي الجدي بلبن الخنزير لا بأ س به فقال: معناه إذا اعتلف أياما فهو بعد ذلك كالجلالة. وبول ما لا يؤكل لحمه عند أبي حنيفة وأبي يوسف لا يجوز التداوي به، وعند محمد يجوز التداوي وغيره. وذكر في عيون المسائل إذا مر الرجل بالثمار في أيام الصيف وأراد أن يتناول منها الثمار الساقطة تحت الاشجار، فإن كان ذلك في المصر لا يسعه التناول إلا إذا علم أن صاحبها قد أباح إما نصا أو دلالة أو عادة، وإذا كان

[ 338 ]

في القيظ فإن كان من الثمار التي تبقى مثل الجوز وغيره لا يسعه الاخذ إلا إذا علم الاذن. وفي الغياثية: هو المختار. وإن كان من الثمار التي لا تبقى اختلفوا فيه، قال الصدر الشهيد: والمختار أنه لا بأس بالتناول ما لم يتبين النهي إما صريحا أو عادة. وفي العتابية: والمختار أنه لا يأكل منهما ما لم يعلم أن صاحبها رضي بذلك وإن كان ذلك في الوسواس التي يقال لها بالفارسية هراسية، فإن كان من الثمار التي لا تبقى فالمختار أنه لا بأس بالاكل ما لم يتبين النهي. وفي جامع الجوامع: ولا يحل حمل شئ منه، وأما إذا كان الثمار على الاشجار فالافضل أن لا يؤخذ في موضع ما إلا أن يأذن أو يكون موضع كثير الثمار يعلم أنه لا يشق عليه أكل ذلك فيسعه الاكل ولا يسعه الحمل. وأما أوراق الاشجار إذا سقط على الطريق في أيام العيلق وأخذ إنسان شيئا من ذلك بغير إذن صاحب الشجر، فإن كان هذا ورق شجر ينتفع بورقه نحو التوت وما أشبه ذلك ليس له أن يأخذ وإن أخذ بضمن، وإن كان لا ينتفع به له أن يأخذ وإن أخذ لا يضمن. وفي الفتاوي الخلاصية: ولو مر بسوق العامدين فوجد فيه سكرا لا يسعه أن يتناول منه، ولو أن قوما اشتروا فلاة من أرز فقالوا من أطهر الفلاة فعليه أن يشتري منه فيأكله فأطهر واحد واشترى ما أوجبوه عليه يكره للكل لان فيه تعليقا بالشرط، وفي الخانية: شجرة في مقبرة قالوا: إن كانت نابتة في الارض قبل أن يجعلها مقبرة فمالك الارض أحق بها يصنع بها ما شاء، وإن كانت الارض مواتا ولا مالك لها فجعلها أهل تلك المحلة أو القرية مقبرة فإن الشجرة موضعها من الارض على ما كان حكمها في القديم، وإن نبتت الشجرة بعدما جعلت مقبرة، فإن كان الغارس معلوما كانت له وينبغي أن يتصدق بثمن ثمرها. وإن كانت الشجرة نبتت بنفسها فحكمها يكون للقاضي، إن رأى قلعها أو إبقاءها على المقبرة فعل. رفع الكمثري من نهر جار ورفع التفاح وأكلها جائز وإن كثر، وفي الجوز الذي يلعب به الصبيان يوم العيد لا بأس بأكله إذا لم يكن الاكل على وجه القمار، وفي الظهيرية وهو المختار. وفي الخلاصة: والاكل مكشوف الرأس والاكل يوم الاضحى قبل الصلاة فيه روايتان والمختار أنه لا يكره، وأكل الطين مكروه. وفي فتاوي أبي الليث ذكر شمس الائمة إذا كان يخاف على نفسه من أكل الطين بأن كان يورث علة لا يباح له أكل الطين، وكذا كل شئ أكله يورث ذلك، إن كان يتناول منه قليلا ويفعل أحيانا لا بأس به. وأكل الطين البحاري لا بأس به ما لم يسرف وكراهة أكله لا لحرمته بل لانه يهيج الدم، والمرأة إذا اعتادت أكل الطين تمنع من ذلك إذا كان يوجب النقصان في جمالها. ولا بأس بأكل الفالوذج والاطعمة النفيسة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أكل الرطب مع البطيخ، وأكل عمر رضي الله عنه البطيخ مع السكر. وفي التتمة: وضع الملح على القرطاس ووضعه على الخبز يجوز، وتعليق الخبز بالخوان مكروه، ويكره وضع الخبز تحت القصة، وكان الشيخ ظهر الدين المرغيناني لا يفتي بالكراهة في وضع المملحة على الخبز ولا مسح السكين بالخبز

[ 339 ]

والاصبع، ومن المشايخ من أفتى بالكراهة. وفي التتمة سئل أبو يوسف بن محمد والحسن بن علي عن مريض قال له طبيب لا بد لك أكل لحم الخنزير حتى يدفع عنك العلة قالا: لا يحل له أكله. وقيل هو يفرق الامر بينهما إذا أمره بأكله أو جعله في داره فقالا: لا. قيل: ولو كان الحلال أكثر قالا: وقياس الافتاء في شرب الخمر للتداوي أنه يجوز في لحم الخنزير. وسئلالحسن بن علي عن أكل الحية والقنفذ أو أكل الدواء الذي فيه الحية إذا أشار الطبيب الحاذق بأنه يدفع العلة هل يحل أكله؟ قال: لا. وسئل علي ابن أحمد عن خبز الخبز على نوعين نوع للجواري ونوع لنفسه ويأكل ما يجعل لنفسه هل يأثم؟ قال: يكره له ذلك. وسئل عن سؤر الهرة إذا عجن فيه الدقيق وخبز هل يكره أكله؟ قال: لا. وسئل عن الخبز إذا عجن بالحليب قال: لا يكره ولا بأس به. وعن قطع اللحم بالسكين قال: لا بأس به. وسئل عن عرق الآدمي ونخامته ودمعه إذا وقع في المرقة أو في الماء هل يأكل المرقة ويشرب الماء؟ قال نعم ما لم يغلب ويصير مستقذرا طبعا. وسئل عن سن الآدمي إذا طحن في الحنطة فالمنصوص عليه أن لا يؤكل، وهل تدفن الحنطة أو تأكلها البهائم؟ قال: لا تأكلها البهائم. وسئل عن الفأرة تأكل الحنطة هل يجوز أكلها؟ قال: نعم لاجل الضرورة. وسئلابو الفضل عن إشعال التنور بأخثاء البقر هل يجوز إذا خبز بها الخبز؟ قال: يجوز أكل ذلك الخبز. وسئل أبو حامد عن شعل التنور بأرواث الحمر هل يخبز بها؟ قال: يكره ولو رش عليه ماء بطلت الكراهة، وعليه عرف أهل العراق ورماده طاهر. وفي العتابية: يكره الاكل والشرب متكئا أو واضعا شماله على يمينه أو مستندا. ولا يسقي أباه الكافر خمرا ولا يناوله القدح ويأخذه منه، ولا يذهب به إلى البيعة ويرده منها، ويوقد تحت قدره إذا لم يكن فيه ميتة. وفي النوازل قال محمد بن مقاتل: البطنة بطنتان: أحدهما أن يتعمد الرجل السمن وعظم البطن فإن هذا مكروه، فأما من رزقه الله بطنا عظيما وكان ذلك خلقا من غير أن يتعمد السمن فلا شئ عليه. قال الفقيه: التأويل في الخبز الذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يبغض الحبر السمين معناه إذا تعمد السمن، أما إذا خلقه الله سمينا فهو غير داخل في الخبر اه‍. وفي السراجية: ويكره أن يلبس الرجل ثوبا فيه كتابة بذهب وفضة روي أنه قولابي يوسف، وعلى قياس قول الامام لا يكره فلا بأس بلبسه اه‍. قال رحمه الله: (والاكل والشرب والادهان والتطيب في إناء ذهب وفضة للرجال والنساء) لما روي حذيفة أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تلبسوا الحرير ولا الديباج ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها وإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة (1) رواه البخاري ومسلم وأحمد. وروي عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم


(1) رواه البخاري في كتاب الاطعمة باب 29.

[ 340 ]

قال إن الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم (1) فإذا ثبت في الشرب فالاكل كذلك والتطيب لاستوائهم في الاستعمال فيكون الوارد فيها يكون واردا فيما هو في معناها دلالة، ولانها تنعم بتنعم المترفهين والمسرفين وتشبه بهم وقد قال الله تعالى فيهم * (اذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا) * (الاحقاف: 20) وقال عليه الصلاة والسلام من تشبه بقوم فهو منهم (3) والمراد بقوله كره كراهة التحريم ويستوي فيه الرجال والنساء لاطلاق ما روينا، وكذا الاكل بملعقة الذهب والفضة والاكتحال بميلها وما أشبه ذلك من الاستعمالات. ومعنى يجرجر يردد من جرجر الفحل إذا ردد صوته في حنجرته. قال في النهاية: قيل صورة الادهان المحرم هو أن يأخذ آنية الذهب أو الفضة ويصب الدهن على الرأس، أما إذا أدخل يده وأخذ الدهن ثم يصب على الرأس لا يكره، وعزاه إلى الذخيرة. وظاهر عبارة النهاية حيث عبر بقيل أنه ضعيف قال في الجامع الصغير قالوا: وهذا إذا كان يصب من الآنية على رأسه أم بدنه أما إذا أدخل يده في الاناء وأخرج منها الدهن ثم استعمل فلا يكره اه‍. وهو يفيد صحته، قال في العتابية: وأرى أنه مخالف لما ذكره المصنف في المكحلة والميل ولا بد أن ينفصل عنها حين الاكتحال ومع ذلك فقد ذكر في المحرمات. واعترض صاحب التسهيل على ما قيل في صورة الادهان وهو يقتضي أنه لا يكره إذا أخذ الطعام من آنية الذهب والفضة بملعقة ثم أكل منها، وكذا إذا أخذ بيده ثم أكل منها. وأجاب عنه صاحب الدرر والغرر بما يصلح جوابا عما أورده صاحب العناية قال حيث قال بعد ذكر الاعتراض أقول: منشؤه الغفلة عن معنى عبارة المشايخ وعدم الوقوف على مرادهم، أما الاول فلان من في قولهم من إناء ذهب ابتدائية، وأما الثالث فلان مرادهم أن الادوات المصنوعة من المحرمات إنما يحرم استعمالها فيما صنعت له بحسب متعارف الناس فإن الاواني الكبيرة المصوغة من الذهب والفضة لاجل أكل الطعام إنما يحرم استعمالها إذا أكل منها باليد أو الملعقة، وأما إذا أخذ منها ووضع على موضع مباح فأكل منه لم يحرم لانتفاء ابتداء الاستعمال منها، وكذا الاواني الصغيرة المصنوعة لاجل الادهان ونحو إنما يحرم استعمالها إذا أخذت وصب منها الدهن على الرأس لانها صنعت لاجل الادهان منها بذلك الوجه. وأما إذا أدخل يده وأخذ الدهن وصبه على الرأس من اليد فلا يكره لانتفاء ابتداء الاستعمال منها، فظهر أن مرادهم أن يكون ابتداء الاستعمال المتعارف من ذلك على العرف المحرم ا ه‍. وأورد عليه بأن الموجود في عبارة المتقدمين كالجامع الصغير والمحيط والذخيرة


(1) رواه البخاري في كتاب الاشربة باب 28. مسلم في كتاب اللباس حديث 1. ابن ماجه في كتاب الاشربة باب 17. المؤطا في كتاب النبي حديث 11. أحمد في مسنده (6 / 98، 301). (2) رواه أبو داود في كتاب اللباس باب 4. أحمد في مسنده (2 / 50).

[ 341 ]

[ ذهب وفضة للرجال والنساء لا من رصاص وزجاج وبلور وعقيق وحل الشرب في إناء مفضض والركوب على سرج مفضض والجلوس على كرسي مفضض ويتقي ] وإنما وقف كله في عبارة بعض المتأخرين. والثاني أن العرف المتعارف فيه التناول باليد والمعرفة فيما ذكره لا تصلح فارقا. وفي الفتاوي الغياثية: ويكره أن يدهن رأسه بدهن من إناء فضة وكذا إذا صب الدهن على رأسه ثم مسح رأسه أو لحيته. وفي الغالية: لا بأس به ولا يصب الغالية على الرأس من الدهن. وفي المنتقى: يكره أن يستجمر بمجمر ذهب أو فضة وهو مروي عن الامام وأبي يوسف. وفي السراجية: ويكره أن يكتب بقلم ذهب أو فضة أو دواه كذلك. قال رحمه الله: (لا من رصاص وزجاج وبلور وعقيق) يعني لا تكره الاواني من هذه الاشياء. وقال الامام الشافعي: تكره لانها في معنى الذهب والفضة. قلنا: لا نسلم ذلك ولان عادتهم لم تجز بالتفاخر بغير الذهب والفضة فلم تكن هذه الاشياء في معناها فامتنع الالحاق بهما. ويجوز استعمال الاواني من الصفر لما روي عند عبد الله بن يزيد قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخرجنا له ماء في تور من صفر فتوضأ. رواه البخاري وأبو داود وغيرهما. ويستدل به على إباحة غير الذهب والفضة لانه في معناه بل عينه. قال رحمه الله: (وحل الشرب في إناء مفضض والركوب على سرج مفضض والجلوس على كرسي مفضض ويتقي موضع الفضة) يعني يتقي موضعها بالفم، وقيل بالفهم واليد في الاخذ والشرب وفي السرج والكرسي موضع الجلوس، وكذا الاناء المضبب بالذهب والفضة، وكذا الكرسي المضبب بهما، وكذلك إذا جعل ذلك في نصل السيف والسكين أو في قبضتهما ولم يضع يده في موضع الذهب والفضة، وكذا إذا جعل ذلك في المسجد أو حلقة للمرأة أو جعل المصحف مذهبا أو مفضضا، وكذا اللجام والركاب المفضض، وهذا كله عند الامام. وقال أبو يوسف: يكره ذلك كله. وقول محمد يروى مع الامام ويروي مع الثاني، وهذا الخلاف فيما إذا كان يخلص، وأما المموه الذي لا يخلص فلا بأس به بالاجماع لانه مستهلك فلا عبرة به. قال الشارح: للثاني ما روي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من شرب من إناء ذهب أو فضة أو إناء فيه شئ من ذلك فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم رواه الدارقطني. ورد عليه بعض حيث قال: لو ثبت هذه الزيادة كان حجة قاطعة على الامام لكن لم نجده في رواية البخاري وغيره إلا خاليا عن هذه الزيادة ا ه‍. أقول: عدم وجدان تلك الزيادة فيما ذكر لا يدل على عدم وجودها في رواية أخرى لم ير محلها مع أن هذا القائل من فرسان ميدان علم الحديث فليتأمل. وللامام ما روي من الاخبار مطلقا من غير قيد بشئ ولما روي عن أنس أن قدح رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيه ضبة فضة ولان الاستعمال هو القصد للجزء الذي يلاقي العضو وما سواه تبع له في الاستعمال فلا يكره فصار كالجبة المكفوفة بالحرير والعلم في الثوب ومسمار الذهب في فص الخاتم كالعمامة المعلمة بالذهب. وروي أن هذه المسألة

[ 342 ]

[ موضع الفضة ويقبل قول الكافر في الحل والحرمة والمملوك والصبي في الهدية والاذن ] وقعت في مجلس أبي جعفر الدوانقي والامام حاضر وأئمة عصر حاضرون فقالت الائمة يكره والامام ساكت فقيل له: ما تقول؟ قال: إن وضع فمه في موضع الفضة يكره وإلا فلا. قيل له: من أين لك؟ قال: أرأيت لو كان في أصبغه خاتم فضة فشرب من كفه يكره ذلك فوقفت الكل وتعجب ابن جعفر من جوابه. وفي نوادر هشام في قارورة ذهب أو فضة يصب منها الدهن على رأسه والاشنان أكرهه ولا أكره الغالية، وفرق بينهما بأن في الغالية يدخل الانسان يده فإذا أخرجه إلى الكف لم يكن استعمالا فأما الدهن فإنه يستعمل ولا يشد الاسنان بالذهب. ولو جدع أنفه لا يتخذ أنفا من ذهب ويتخذه من الفضة عند الامام، وعند الثالث يتخذ من الذهب لما روي عن عرفجة أنه أصيب أنفه فاتخذ أنفا من الفضة فأنتن فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بأن يتخذ أنفا من الذهب، ولان الفضة والذهب مستويان في الحرمة. وإذا سقطت ثنيته فإنه يكره أن يعيدها ويشدها بذهب أو فضة ولكن يأخذ سن شاة مذكاة فيجعلها مكانها عند الامام. وقال أبو يوسف: يشدها بالذهب والفضة في مكانها، كذا في المحيط مع بيان الدليل ا ه‍. وفي العتابية: وسلاسل الخيل من الفضة فيها الخلاف المتقدم ا ه‍. قال رحمه الله: (ويقبل قول الكافر في الحل والحرمة) قال الشارح: وهذا سهو لان الحل والحرمة من الديانات ولا يقبل قول الكافر في الديانات وإنما يقبل قوله في المعاملات خاصة للضرورة لان خبره صحيح لصدوره عن عقل ودين يعتقد فيه حرمة الكذب والحاجة ماسة إلى قبول قوله لكثرة وقوع المعاملات ا ه‍. أقول: إن أصل عبارة المؤلف في الحل والحرمة لضمني فأسقط بعض الكتبة لفظ الضمني فشاع ذلك واشتهر حتى إذا كان خادم كافر أو أجير مجوسي فأرسله ليشتري له لحما فقال اشتريت من يهودي أو نصراني أو مسلم وسعه أكله، وإن قال اشتريت من مجوسي لا يسعه فعله لانه لما قبل قوله في حق الشراء منه لزم قبوله في حق الحل والحرمة ضرورة لما ذكرنا، وإن كان لا يقبل قوله فيه قصدا بأن قال حلال أو هذا حرام ألا ترى أن بيع الشرب وحده لا يجوز وتبعا للارض يجوز وكم من شئ يصح ضمنا وإن لم يصح قصدا، كذا صرحوا به قاطبة، ولو قال اشتريته من غير المسلم والكتابي فإنه يقبل قوله في ذلك ويتضمن حرمة ما اشتراه كما صرحوا به أيضا. قال رحمه الله: (والمملوك والصبي في الهدية والاذن) والاصل أن المعاملات يقبل فيها خبر كل مميز حرا كان أو عبدا مسلما كان أو كافرا، صغيرا كان أو كبيرا لعموم الضرورة الداعية إلى ذلك وإلى سقوط اشتراط العدالة فإن الانسان قلما يجد المستجمع لشرائط العدالة ولا دليل مع السامع يعمل به سوى الخبر فلو لم يقبل خبره لامتنع باب المعاملات ووقعوا في حرج عظيم وبابه مفتوح، ولان المعاملات ليس فيها إلزام واشتراط العدالة للالزام فلا معنى لاشتراطها فيها فاشترط فيها التمييز لا غير فإذا قبل فيها قول المميز وكان في ضمن قبوله فيها قبوله في الديانات يقبل قوله في الديانات ضمنا لما

[ 343 ]

[ والفاسق في المعاملات لا في الديانات ولو أخبر مسلم ثقة حرا أو عبدا ذكرا أو أنثى ] ذكرنا حتى إذا قال المميز أهدى إليك فلان هذه الجارية أو بعثني مولاي بها إليك وسعه الاخذ والاستعمال حتى جاز له الوطئ بذلك لان الديانات دخلت تبعا للمعاملات كما تقدم بخلاف الديانات المقصودة لانه لا يكثر وقوعها كالمعاملات، ولا حرج في اشتراط العدالة ولا حاجة إلى قبول قول الفاسق لانه متهم فيها، وكذا الكافر والصغير لانهما متهمان فيها. وأطلق في الهدية والاذن فشمل ما إذا أخبر بإهداء المولى نفسه أو غيره بأن يقول أهداني إليك سيدي، وشمل أيضا ما إذا أخبر المملوك بإهداء الجواري والمتاع وغيره، كذا في الهداية وغيرها. وفي المحيط: والمعتوه كالصبي ا ه‍. قال في الهداية: وفي الاذن بأن جعل المولى عبده مأذونا له في التجارة قال: لو أن رجلا قد علم أن جارية لرجل يدعيها رجل فرآها في يد رجل آخر يبيعها فقال الذي في يده الجارية قد كانت كما قلت إلا أنها لي وصدقه في ذلك وكان مسلما ثقة فلا بأس بأن يشتريها منه. وفي الخانية: ولا تقبل هدية ولا صدقة حتى يتحرى، فإن وقع في قلبه أنه صادق يقبل منه، وإن لم يقع تحريه على شئ من ذلك بقي ما كان على ما كان، وإن كان وقع تحريه على أنه كاذب لا يقبل منه. قال في التلويح: قيل ذكر فخر الاسلام أن خبر المميز غير العدل يقبل في الوكالة والهدايا من غير تحر، وفي موضع آخر أنه يشترط التحري وهو المذكور من كلام السرخسي ومحمد فقيل يجوز أن يكون المذكور في كتاب الاستحسان تفسير الهدية فيشترط، ويجوز أن يشترط استحسانا، ويجوز أن يكون في المسألة روايتان. قال رحمه الله: (والفاسق في المعاملات لا في الديانات) يعني يقبل قول الفاسق فيما ذكر لقوله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) * (الحجرات: 6) التبيين التثبت وهو طلب البيان وذلك بالتحري وطلب الصدق في خبره لان الفاسق قد يكون ذا مروءة فيستنكف عن الكذب وقد يكون ذا خسة لا يبالي عن الكذب فوجب طلب التحري، فإن وقع تحريه على أنه صادق يقبل قوله وإلا فلا، والاحوط والاوثق أن يريقه ويتيمم. وفي المحيط: ولو أخبر بذلك فاسق أو من لا تعرف عدالته فإن غلب على ظنه صدقه قد يسمع قوله وإلا فلا ا ه‍. ولا يقبل قول الذمي. وفي الخانية: أي لان الكافر يعتقد أن المسلم على دين باطل فيقصد الاضرار به للعداوة فترجح الكذب في خبره فلا يجب التحري بل يستحب لان احتمال الصدق قائم بخلاف ما لو أخبره فاسق فإن التحري يجب لاستواء الصدق والكذب فيه، كذا في المحيط. قال الشارح: ولا يقبل في الديانات قول المستور في ظاهر الرواية، وعن أبي حنيفة أنه يقبل. ويقبل في الديانات قول العبد والاماء إذا كانوا عدولا لترجح جانب الصدق في خبرهم والوكالة من المعاملات والاذن في التجارة من المعاملات وكل شئ ليس فيه الزام ولا ما يدل على النزاع فهو من المعاملات، فإن كان فيه شئ من ذلك لا يقبل فيه خبر الواحد. ومن الديانات الحل والحرمة إذا لم يكن فيه زوال ملك قال

[ 344 ]

[ أنه ذبيحة مجوسي وقال الباقون بل حلال وهو عدول أخذ بقولهم ومن دعي إلى وليمة ] السغناقي: لا يقبل خبر العدل في الديانات إذا كان فيه زوال ملك حتى لو أخبر رجل عدل أو امرأة الزوجين بأنهما ارتضعا على فلانة لا يقبل بل لا بد من الشهادة ا ه‍. فإن قلت: لماذا اشترط في قبول خبر العدل عدم زوال الملك ولم يشترط ذلك في قبول خبر الصبي والمملوك حتى لو قال الصبي أو العبد سيدي أهدى اليك هذه الجارية قبل قوله وفيه زوال الملك مع أن العبد أدنى حالا من الحر العدل؟ قلنا: لان ملكة للرقبة أدنى حالا من ملك النكاح بدليل اشتراط الشهادة في ملك النكاح دون ملك الرقبة فلهذا اشترط في خبر الحر ما ذكر دون خبر الصبي فتأمل ا ه‍. وحاصله أن الخبر أنواع: أحدها خبر الرسول فيما ليس فيه عقوبة فيشترط فيه العدالة لا غير. والثاني خبره فيما فيه عقوبة فهو كالاول عند الثاني وهو اختيار الجصاص خلافا لابي الحسن الكرخي حيث يشترط فيه الثواب عنده وشهر رمضان من القسم الاول. والثالث حقوق العباد فيما فيه إلزام من وجه دون وجه فيشرط فيه إحدى شرطي الشهادة إما العدد أو العدالة خلافا لهما حيث يقبل فيها خبر كل مميز. والرابع العلامات وقد بينا حكمها ا ه‍. وفي التتارخانية: وشرط أن يكون الخبر عدلا مسلما، والحاكم الشهيد ذكر في المختصر العدالة ولم يذكر الاسلام وتبين بما ذكر الحال وأن ذكر الاسلام اتفاقي وليس بشرط ا ه‍. قال رحمه الله: (ولو أخبر مسلم ثقة حرا أو عبدا ذكرا أو أنثى أنه ذبيحة مجوسي وقال الباقون بل حلال وهم عدول أخذ بقولهم) وكذا لو أخبره عدلان الصدق يترجح بزيادة العدد في المخبر بخلاف الشهادة فإن كانوا متهمين أخذ بقول الواحد لانه لا يجوز إبطال خبر العدل يخبرهم، وإن كان فيهم واحد عدل يتحرى كما لو أخبره عدلان أحدهما بالحل والآخر بالحرمة يجب ترجيح أحدهما بالتحري، وإن لم يكن له رأي واستويا عنده فلا بأس بأن يأكل بخلاف ما إذا روى أحدهما خبرا بحرمة وروى أحدهما بحل ترجح الحرمة على الحل بجعل الحرمة ناسخا. ولو أخبره اثنان بالحل وواحد بالحرمة فلا بأس بأكله، ولو أخبره حران بحرمة وعبدان بحل يترجح خبر الحرين بالحرمة، ولو أخبره حران عدلان يحل وأربعة عبيد بحرمة أو رجل بحل وامرأتان بحرمة ترجح بالذكورية والحرية. ومن اشترى جارية فأخبره مسلم ثقة أنها حرة الاصل أو أخته من الرضاع فله أن يطأها وإن تنزه فهو حسن لان شهادة الواحد لا تبطل الملك ولا توجب حرمة الرضاع. ولو ملك طعاما أو جارية بسبب فشهد مسلم ثقة أن المملك غصبه من فلان تنزه عن أكلها ووطئها، ولو أخبره عدل أنه ذبيحة مجوسي وأخبره القصاب بأنه ذبيحة مسلم والقصاب عدل تنزه عن ذلك، ولو فعل لا شئ عليه. ولو عرف جارية لزيد ورآها في يد غيره لم يسعه أن يشتريها ما لم يعرف أنها ملك الذي في يده أو مأذون في بيعها. رجل تزوج امرأة ولم يدخل بها فغاب عنها وأخبره ثقة حرا أو عبدا أو محدودا في قذف أنها ارتدت عن الاسلام وسعه أن يتزوج أربعة سواها إذا كان أكبر

[ 345 ]

[ وثمة لعب وغناء يقعد ويأكل. ] رأيه أنه صادق، وإن كان أكبر رأيه أنه كاذب لا يتزوج إلا ثلاثا. امرأة غاب عنها زوجها فأخبرها مسلم ثقة بأنه مات أو طلقها ثلاثا وكان غيره ثقة أو أتاها كتاب بالطلاق ولا تدري أهو كتابه أو لا إلا أن أكبر رأيها أنه حق فلا بأس أن تعتد وتتزوج، ولو أخبرها رجل أن أصل النكاح كان فاسدا أن تتزوج بقوله وإن كان ثقة. ولو شهدا للمرأة أن زوجها طلقها ثلاثا أو مات وهي تجحد ثم ماتا أو غابا قبل الشهادة عند القاضي لم يسع المرأة أن تقيم معه ولا أن تمكنه من نفسها ولا أن تتزوج بغيره، وكذا إذا سمعت الطلاق منه وهو يجحد فحلفه القاضي وردها إليه لم يسعها المقام عنده ولا أن تعتد وتتزوج بغيره، ولو شهد عند الامة عدلان أن مولاها أعتقها وهو يجحد تمنعه من القربان وغيره، كذا في المحيط مختصرا. قال رحمه الله: (ومن دعي إلى وليمة وثمة لعب وغناء يقعد ويأكل) يعني إذا أحدث اللعب والغناء بعد حضوره يقعد ويأكل ولا يترك ولا يخرج، ولا يخفي أن قوله وثم إلى آخره جملة حالية عن نائب فاعل دعي فيفيد وجود ذلك حال الدعوة، فلو قال فحضر لعب لكان أولى فتأمل. وعللوا ذلك بأن إجابة الدعوة سنة لقوله عليه الصلاة والسلام من لم يجب الدعوة فقد عصى أبا القاسم (1) فلا يتركها لما اقترن بها من البدعة كصلاة الجنازة لاجل النائحة فإن قدر على المنع منع من غيره. قال في العناية أخذا من النهاية: قيل عليه أنه قياس السنة على الفرض وهو غير مستقيم فإنه لا يلزم من تحمل المحذور لاجل الفرض تحمله لاجل السنة. أجيب بأنها سنة في قوة الواجب لورود الوعيد على تركها لقوله فقد عصى أبا القاسم الحديث. فأورد على أن هذا بأنهم أرادوا بقولهم في قوة الواجب مثل الواجب في الاحكام فهو مشكل لوجوب الفرق بينهما في الاحكام بأن تارك الواجب يستحق العقوبة بالنار وتارك السنة لا يستحقها بل حرمان الشفاعة، وإن أرادوا بأنها في قوة الواجب مجرد بيان تأكيد السنة فلا يجدي نفعا. وأجيب بأن إجابة الدعوة وإن كانت سنة عندنا ابتداء إلا أنها تنقلب إلى الواجب بقاء بعد الحضور حيث يلزمه حق الدعوة بالتزامه فصار نظير الصلاة النافلة تنتقل إلى الواجب بل إلى الفرض بالتزامه بالمشروع، أشار إليه صاحب الهداية فيكون قوله كصلاة الجنازة قياس واجب على واجب. وبيان تقريب الدليل ببيان الدعوة على ثلاثة أوجه: الاول إذا دعي إلى وليمة أو طعام ولم يكن ثمة شئ من البدع أصلا، والثاني إذا دعى إلى ذلك ولم يذكر حين الدعوة أن ثمة شئ من البدع أصلا ولم يعلمه المدعو قبل الحضور ولكن هجم عليه، الثالث إذا دعى إلى ذلك وذكر إن ثمة شئ من البدع فعلمه المدعو قبل الحضور ففي الوجهين الاولين كانت الدعوى على وجه السنة فلا تكون الاجابة لازمة للمدعو ا ه‍. وهذا


(1) رواه البخاري في كتاب النكاح باب 72. مسلم في كتاب النكاح حديث 107، 110. أبو داود في كتاب الاطعمة باب 1. الموطأ في كتاب النكاح حديث 50. أحمد في مسنده (2 / 61).

[ 346 ]

كله بعد الحضور، ولو علم قبل الحضور لا يقبله. ولقائل أن يقول الحديث المذكور يشمل ما بعد الحضور وما قبله لانه قد تقرر في الاصول أن المعرف بالالف واللام إذا لم تكن للعهد الخارجي فهو للاستغراق فيعم كل دعوة، وقد يجاب عنه بأنه وإن كان عاما من حيث اللفظ فهو مخصوص بالنصوص الدالة على وجوب الاجتناب عن اقتراب تلك البدع ا ه‍. فإن كان ممن يقتدى به فلم يقدر على منعهم خرج ولم يقعد لان في ذلك شين الدين وفتح باب المعصية على المسلمين، وما حكي أن الامام وقع له ذلك كان قبل أن يصير قدوة. وإن كان ذلك على المائدة فلا يقعد، وإن كان هناك لعب وغناء قبل أن يحضر فلا يحضر لانه لا يلزمه الاجابة إلا إذا كان هناك منكر لما روي عن علي قال: صنعت للنبي صلى الله عليه وسلم طعاما فدعوته له فحضر فرأى في البيت تصاوير فرجع. وعنابن عمر قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن مطعمين عن الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر وأن يأكل وهو منسطح. رواه أبو داود. ودلت المسألة على أن الملاهي كلها حرام حتى التغني بضرب القصب قال عليه الصلاة والسلام ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف (2) أخرجه البخاري. وفي لفظ آخر ليشربن اناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات يخسف الله بهم الارض ويجعل منهم القرد والخنازير (3) واختلفوا في التغني المجرد قال بعضهم إنه حرام مطلقا والاستماع إليه معصية لاطلاق الحديث وهو اختيار شيخ الاسلام، ومنهم من قال لا بأس به ليستفيد به فهم المعاني والفصاحة، وفهم من جوز التغني لدفع الوحشة إذا كان وحده ولا يكون على سبيل اللهو وإليه ذهب شمس الائمة السرخسي لانه روى ذلك عن بعض الصحابة. ولو كان في الشعر حكم أو قصة لا يكره. وكذا لو كان فيه ذكر امرأة غير معينة، وكذا لو كانت معينة وهي ميتة ولو كانت حية يكره، كذا في الشارح. وفي المحيط: ويكره اللعب بالشطرنج والنرد والاربعة لقوله عليه الصلاة والسلام كل لعب حرام إلا ملاعبة الرجل زوجته وقوسه وفرسه لانه يصد عن الجمع والجماعات وسبب للوقوع في فواحش الكلام وغيره. واستماع صوت الملاهي حرام كالضرب بالقصب وغير قال عليه الصلاة والسلام استماع الملاهي معصية، والجلوس عليها فسق، والتلذذ بها كفر وهذا خرج على وجه التشديد لا أنه يكفر. وعن الحسن بن زياد: لا بأس بأن يكون في العرس دف يضرب به ليشتهر ويعلن النكاح. وسئل أبو يوسف أيكره للمرأة أن تضرب في غير فسق للصبي؟ قال: لا أكره. ولا تركب امرأة مسلمة على السرج لقوله عليه الصلاة والسلام لعن الله الفروج على السروج هذا إذا ركبت متلهية أم متزيتة لتعرض نفسها على الرجال،


(1) رواه البخاري في كتاب الاشربة باب 6. أبو داود في كتاب اللباس باب 6. (2) رواه البخاري في كتاب الاشربة باب 6. أبو داود في كتاب الاشربة باب 6. ابن ماجه في كتاب الاشربة باب 8. أحمد في مسنده (4 / 237) (5 / 318).

[ 347 ]

فصل في اللبس حرم للرجل لا للمرأة الحرير إلا قدر أربع أصابع وحل توسده وافتراشه ولبس ما ] فإن ركبت لحاجة كالجهاد والحج فلا بأس به. رجل أظهر الفسق في داره فللامام أن يتقدم عليه فإن لم يمتنع فالامام بالخيار إنشاء ضربه أسواطا وإن شاء أخرجه من داره لان الكل يصلح للتعزير. قال أبو يوسف في داره يسمع مزامير ومعازف أدخل عليهم بغير إذنهم لا أمنع الناس عن إقامة هذا الفرض، ولو رأى منكرا وهو ممن يرتكب هذا المنكر له أن ينهي عنه لان الواجب عليه ترك المنكر والنهي عن المنكر فإذا ترك أحدهما لا يترك الآخر ا ه‍. وفي الذخيرة وغيرها: لا بأس بضرب الدف في العرس والوليمة والاعياد. وكذا لا بأس بالغناء في العرس والوليمة والاعياد حيث لا فسق. وفي الخلاصة: وعن عمر أنه أحرق بيت الخمار. وعن الامام الزاهد الصفار أنه أمر بتخريب دار الفسق بسبب الفسق. وفي الظهيرية: لا بأس بالمزاح بعد أن لا يتكلم بكلام فيه مأثم ويقصد به إضحاك جلسائه. وفي الجامع الصغير للعتابي: وكل لعب غير الشطرنج فهو حرام. وفي الحاوي سئل عمن رأى رجلا سرق مال إنسان قال: إن كان لا يخاف الظلم منه يخبر به، وإن كان يخاف رك. وفي الظهيرية: الامر بالمعروف باليد على الآمر أو باللسان على العلماء وبالقلب على عوام الناس وهو اختيار الزندويسي. وفي الخانية: رجل دعاه الامير فسأله عن أشياء إن تكلم بما يوافق الحق لا يرضيه فإنه لا ينبغي له أن يتكلم بما يخالف الحق، وهذا إذا كان لا يخاف القتل على نفسه ولا إتلاف عضوه ولا يخاف على ماله وإذا خاف ذلك منه فإنه لا بأس به ا ه‍. والله أعلم. فصل في اللبس لما ذكر مقدمات مسائل الكراهية ذكر ما يتوارد على الانسان مما يحتاج إليه فقدم فصل الاكل والشرب لان احتياج الانسان إلى الاكل والشرب أشد من احتياجه إلى النظر لتحقق الاول. وفي جميع الاوقات دون الثاني ا ه‍. قال رحمه الله: (حرم للرجل لا للمرأة لبس الحرير الا قدر أربع أصابع) يعني يحرم على الرجل لا على المرأة لبس الحرير واللام تأتي بمعنى على قال الله تعالى * (وإن أساتم فلها) * أي فعليها. وإنما حرم لبس الحرير على الرجال دون النساء لما روى أبو موسى الاشعري إن النبي صلى الله عليه وسلم قال أحل الذهب والحرير للاناث من أمتي وحرم على ذكورها رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه. ولما روي عنه عليه الصلاة والسلام قال من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة إلا أن اليسير معفو عنه وهو مقدار أربع أصابع لما روى أحمد ومسلم البخاري نهى عن لبس الحرير إلا موضع أصبعين أو ثلاثة أو أربع الحديث. قال رحمه الله: (وحل توسده وافتراشه) يعني للرجال والنساء وهذا عند الامام. وقال مالك: يكره له ذلك، كذا في الجامع الصغير: وذكر

[ 348 ]

[ سداه حرير ولحمته قطن أو خز وعكسه حل في الحرب فقط ولا يتحلى الرجل بالذهب ] القدوري قول أبي يوسف مع محمد، وذكره أبو الليث مع أبي حنيفة. لمحمد ما روي عن أبي حنيفة أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن لبس الحرير والديباج وأن يجلس عيله. رواه البخاري. وقال سعد بن أبي وقاص لئن أتكئ على جمر الغضا أحب إلى من أن اتكئ على مرافق الحرير. وللامام ما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام جلس على مرقعة من حرير، ولان القليل من الملبوس يباح فكذا القليل هنا، ولان النوم والافتراش والتوسد إهانة ولان المحرم اللبس والافتراش والنوم علة الجلوس وجعله ستارة وتعليقه وجعله بيتا ليس عرفا فلا يحرم ولا يكره تكة الحرير وتكة الديباج. ولو جعل الحرير بيتا أو علقه قال الامام: لا يكره. وقال محمد: يكره، كذا في المحيط. قال الشراح: يعني الرجل والمرأة جميعا في هذا الحكم يعني في عدم كراهة توسده إلى آخر أو كراهته عند محمد ا ه‍. ولك أن تقول تعميم قول أبي يوسف رحمه الله في الكراهة للنساء مشكل فإن قوله عليه الصلاة والسلام حلال لاناثهم يعم التوسد والافتراش والجلوس والستارة وجعله بيتا كيف يتركان العمل بعموم هذا الحديث فليتأمل. وقد يجاب بأن الحل للنساء لاجل التزين للرجال وترغيب الرجل فيها وفي وطئها وتحسينها في منظره فالعلة النقلية منظور فيها إلى هذه العقلية والدليل على ذلك تحريمه على الرجل والحل للنساء والعلة العقلية لم توجد في التوسد وغيره فلهذا قالا يكره ذلك للنساء فتأمل. وفي النصاب: ويكره اتخاذ الخلخال في رجل الصغير ا ه‍. قال رحمه الله: (ولبس ما سداه حرير ولحمته قطن أو خز) يعني حل للرجال لبس هذا لان الصحابة رضي الله عنهم كانوا يلبسون الخز وهو اسم للمسدي بالحرير، ولان الثوب لا يصير ثوبا إلا بالنسج والنسج باللحمة فكانت هي المعتبرة أو تقول لا يكون ثوبا إلا بهما فتكون العلة ذات وجهين فيعتبر التي تظهر في المنظر وهي اللحمة فتكون العبرة لما يظهر دون ما يخفي. والديباج لغة وعرفا ما كان كله حريرا قال في المغرب: الديباج الذي سداه ولحمته ابريسم: قال في النهاية وغيرها: وجوه هذه المسألة ثلاثة: الاول ما يكون كله حريرا وهو الديباج لا يجوز لبسه في غير الحرب بالاتفاق، وأما في الحرب فعند الامام لا يجوز، وعندهما يجوز. والثاني ما يكون سداه حريرا ولحمته غيره ولا بأس به بالحرب وغيره. والثالث عكس الثاني وهو مباح في الحرب دون غيره كما سيأتي والخز وبردابة تخرج من البحر يؤخذ وينسج. قال رحمه الله: (وعكسه حل في الحرب فقط) يعني ولو عكس المذكور وهو أن تكون لحمته حريرا وسداه غيره وهو لا يجوز إلا في الحرب لما ذكرنا أن العبرة باللحمة، ولا يجوز لبس الحرير الخالص في الحرب عند الامام، وعندهما يجوز لما روي أنه عليه الصلاة والسلام رخص في لبس الحرير الخالص في الحرب ورخص في لبس الخز والديباج في الحرب فلان فيه ضرورة لان الخالص منه أرفع لعدة السلاح وأهيب في عين العدو وليريعه. وللامام إطلاق

[ 349 ]

[ والفضة إلا باخاتم والمنطقة وحلية السيف من الفضة والافضل لغير السلطان والقاضي ] النصوص الواردة في النهي عن لبس الحرير من غير تفصيل والضرورة اندفعت بالمخلوط فلا حاجة إلى الخالص. وقال أبو يوسف: أكره ثوب القز يكون بين الظهارة والبطانة ولا رأى محشو القز لان الحشو غير ملبوس فلا يكون ثوبا قال: هذا الجواز في الحرب إذا كان الثوب صفيقا يجئ منه بأس إلى ارتهاب العدو في الحرب، وأما إذا كان رقيقا لا يجئ منه الارتهاب للعدو فإنه يكره بالاجماع، ولو جعل ظهارة أو بطانة فهو مكروه لان كليهما مقصود وتقدم لو جعل محشوا، كذا في المحيط. وفي التتارخانية: وإنما يكره اللبس إذا لم تقع الحاجة في لبس فلو كان به جرب أو حكة كثيرا ولا يجد غيره لا يكره لبسه. وفي السراجية: ويكره أن يلبس الذكور قلنسوة الحرير ويكره لبس الثوب المعصفر. وفي المنتقى عن الامام: يكره للرجال أن يلبسوا الثوب المصبوغ بالعصفر أو الورس أو الزعفران. وفي الذخيرة عن محمد: النهي عن لبس المعصفر قيل المراد به أن يلبس المعصفر ليحبب نفسه للنساء وورد وإياكم والاحمر فإنه زي الشيطان ولا يكره اللبد الاحمر للسرج. وفي الذخيرة وسئل عن الزينة والتجمل في الزينة فقال: ورد عنه عليه الصلاة والسلام أنه خرج وعليه رداء قيمتها أربعة آلاف درهم فقال إذا أنعم الله على العبد بنعمة يجب أن يظهر أثرها عليه (1) قال الامام بالجواز. وفي الخلاصة: لا بأس بلبس الثياب الجميلة إذا كان لا ينكر عليه فيه، ولا بأس بجمع المال من الحلال إذا كان لا يضيع الفرائض ولا يمنع حقوق الله تعالى. وفي التتمة: إرخاء الستر في البيوت مكروه. وفي الظهيرية: يجوز للانسان أن يبسط في بيته ما شاء من الثياب المتخذة من الصوف والقطن والكتان المصبوغة وغير المصبوغة والمنقشة وغير المنقشة، وله أن يستر الجدار باللبد وغيره، ويجوز أن يبسط ما فيه صورة. وفي الفتاوى العتابية: ويكره أن يتخذ للجواري ثيابا كالرجل ويتخذ لهن ثيابا كثياب النساء، ويكره للرجال السراويل التي تقع على ظهر القدم. وفي الملتقط: ولا بأس بجلود النمر وسائر السباع. وفي الابانة: يجوز لبس النعل المسمر بالمسامير الحديد. وفي الذخيرة: الثوب المتنجس بنجاسة تمنع جواز الصلاة هل يجوز للبسه في غير الصلاة؟ عن أبي يوسف لا يجوز لبسه في غير الصلاة بلا ضرورة. قال رحمه الله: (ولا يتحلى الرجل بالذهب والفضة إلا بالخاتم والمنطقة وحلية السيف من الفضة) لما روينا غير أن الخاتم وما ذكر مستثنى تحقيقا لمعنى النموذج والفضة لانهما من جنس واحد وكان للنبي صلى الله عليه وسلم خاتم من فضة وكان في يده إلى أن توفى ثم في يد أبي بكر إلى أن توفى ثم في يد عمر إلى أن توفي ثم في يد عثمان إلى أن وقع في البئر فأنفق مالا عظيما في طلبه فلم يجده، ووقع الخلاف بين الصحابة والتشويش من ذلك الوقت إلى أن استشهد. والسنة في


(1) رواه الترمذي في كتاب الادب باب 54. أحمد في مسنده (2 / 311) (4 / 438)

[ 350 ]

[ ترك التختم وحرم التختم بالحجر والحديد والصفر والذهب وحل مسمار الذهب يجعل في حجر الفص وشد السن بالفضة وكره إلباس ذهب وحرير صبيا كالخرقة لوضوء أو مخاط والرتم. ] حق الرجل أن يجعل فص الخاتم في باطن كفه، وفي حق المرأة أن تجعله في ظاهر كفها لانها تزين به دون الرجل. ولا بأس بالتختم بالفضة إذا كان له حاجة إليه كالقاضي والسلطان ولغير ذلك مكروه لما روي أنه عليه الصلاة والسلام رأى في يد رجل خاتما أصفر فقال: مالي أجد منك رائحة الاصنام. ورأى في يد آخر خاتم حديد فقال: مالي أرى عليك حلية أهل النار. وروي عن ابن عمر أن رجلا جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعليه خاتم ذهب فأعرض عنه. والتختم بالذهب حرام، ومن الناس من أطلق التختم بحجر يقال له يشب لانه ليس بحجر إذ ليس له ثقل الحجر والحلقة هي معتبرة لان قوام الخاتم بها. ولا يعتبر بالفص لانه يجوز من الحجر والاولى أن لا يتختم إذا كان لا يحتاج إليه. ولا بأس بمسمار الذهب يجعل في حجر الفص يعني في ثقبه لانه تابع كالعلم فلا يعد لابسا ولا يزيد وزنه على مثقال لقوله عليه الصلاة والسلام اتخذه من ورق ولا تزده على مثقال ورد النص بجواز التختم بالعقيق وقال عليه الصلاة والسلام تختموا بالعقيق فإنه مبارك الحديث. وفي الحاوي: ولا بأس أن يتخذ الرجل خاتم فضة، فإن جعل فصه من عقيق أو ياقوت أو فيروزج أو زمرد فلا بأس به، وإن نقش عليه اسمه أو اسم أبيه أم اسما من أسماء الله فلا بأس به، ولا ينبغي أن ينقش عليه تماثيل من طير أو هوام الارض، ولا بأس بأن يشرب من كفه وفي خنصره خاتم ذهب، ولا بأس بمسمار الذهب يجعل في الفضة، وفي الينابيع: كان صلى الله عليه وسلم يتختم باليمين وأبو بكر وعمر بالشمال وفي الفتاوى: وينبغي أن يلبس الخاتم في خنصره اليسرى دون سائر أصابعه ولا ينبغي أن يخضب يد الصغير أو رجله. قال رحمه الله: (والافضل لغير السلطان والقاضي ترك التختم وحرم التختم بالحجر والحديد والصفر والذهب وحل مسمار الذهب يجعل في حجر الفص) وقد تقدم بيانه. قال رحمه الله: (وشد السن بالفضة) يعني يحل شد السن المتحرك بالفضة ولا يحل بالذهب، وقال محمد: يحل بالذهب أيضا وقدمنا بيان ذلك. قال رحمه الله: (وكره إلباس ذهب وحرير صبيا) لان التحريم لما ثبت في حق الذكور وحرم اللبس حرم الالباس كالخمر لما حرم شربها حرم سقيها للصبي. قال رحمه الله: (كالخرقة لوضوء أو مخاط والرتم) يعني لا تكره الخرقة لوضوء ولا لرتم. وفي الجامع الصغير: يكره حمل الخرقة التي يمسح بها العرق لانها بدعة ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك ولا أحد من الصحابة ولا من التابعين وإنما كانوا يتمسحون بأرديتهم وفيها نوع تجبر، والصحيح أنه لا يكره والرتم لان عامة المسلمين قد استعملوا في عامة البلدان مناديل للوضوء والخرق لمسح العرق والمخاط ولحمل شئ يحتاج إليه، وما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن، حتى لو حملها لغير

[ 351 ]

[ فصل في النطر واللمس لا ينظر إلى غير وجه الحرة وكفيها ولا ينظر من اشتهى إلى وجهها إلا الحاكم والشاهد ] حاجة يكره. والرتم هو الرتيمة وهي الخيط للتذكر ليعقد في الاصابع وكذا الرتمة فقيل الرتم ضرب من الشجر. وقال: معناه كان الرجل إذا خرج إلى سفر عمد إلى هذه الشجرة فعقد بعض أغصانها ببعض فإذا رجع وأصابه بتلك الحالة قال لم تخن امرأتي، وإن أصابه قد انحل قال خانتني. ثم الرتيمة قد تشبه بالتميمة على بعض الناس وهو خيط كان يربط في العنق أو في اليد في الجاهلية لدفع المضرة عن أنفسهم. وذكر في حدود الايمان أنه كفر. والرتيمة مباح لانها تربط للتذكير عند اليد في الجاهلية لدفع المضرة عن أنفسهم. وذكر في حدود الايمان أنه كفر. والرتيمة مباح لانها تربط للتذكير عند للنسيان وقد ورد أنه عليه الصلاة والسلام أمر بعض أصحابه بها وتعلق غرض صحيح فلا يكره بخلاف التميمة فإنه عليه الصلاة والسلام قال فيها أن الرقي والتمائم والنودة شركة على ما يجئ إن شاء الله تعالى. فصل في النظر واللمس ولما أنهى الكلام على مسائل اللبس وقدمه لشدة الاحتياج إليه ذكر بعده مسائل النظر لانها أكثر وقوعا من مسائر الاستبراء فلذا قدمها. ومسائل النظر أقسام أربعة: نظر الرجل إلى المرأة، ونظر المرأة إلى الرجل، ونظر الرجل إلى الرجل، ونظر المرأة إلى المرأة. والقسم الاول منها على أربعة أقسام: نظر الرجل إلى الاجنبية، ونظره إلى زوجته وأمته، ونظره إلى ذوات محارمه، ونظره إلى أمة الغير. والدليل على جواز النظر ما روي أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه. قال رحمه الله: (لا ينظر إلى غير وجه الحرة وكفيها) قال الشارح: وهذا الكلام فيه خلل لانه يؤدي إلى أنه لا ينظر إلى شئ من الاشياء إلا إلى وجه الحرة وكفيها فيكون تحريضا إلى النظر إلى هذين العضوين وإلى ترك النظر إلى كل شئ سواهما اه‍. ولا يخفى على متأمل عدم هذا الخلل لان حرف إلى بدل عن من الابتدائية التي إلى غايتها فهو في قوة المنطوق، فالتقدير لا يجوز له النظر من المرأة إلى غير الوجه وكفيها فقد أفاد منع النظر منها غير الوجه وكفيها إلا التحريض فتدبره. واستدل الشارح على جواز النظر إلى ما ذكر بقوله تعالى * (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) * (النور: 31) قال علي وابن عباس: ما ظهر منها الكحل والخاتم لا الوجه كله والكف فلا يفيد المدعي فتأمل. والاصل في هذا أن المرأة عورة مستورة لقوله عليه الصلاة والسلام المرأة عورة مستورة إلا ما استثناه الشرع وهما عضوان، ولان المرأة لا بد لها من الخروج للمعاملة مع الاجانب فلا بد لها من إبداء الوجه لتعرف فتطالب بالثمن ويرد عليها

[ 352 ]

[ وينظر الطبيب إلى موضع مرضها وينظر الرجل إلى الرجل إلا العورة والمرأة للمرأة ] بالعيب، ولا بد من إبداء الكف للاخذ والعطاء، وهذا يفيد أن القدم لا يجوز النظر إليه، وعن الامام أنه يجوز ولا ضرورة في إبداء القدم فهو عورة في حق النظر وليس بعورة في حق الصلاة، كذا في المحيط. وعن الثاني يجوز النظر إلى ذراعيها أيضا لانه يبدو منها عادة، وما عدا هذه الاعضاء لا يجوز النظر إليها لقوله عليه الصلاة والسلام من نظر إلى محاسن امرأة أجنبية عن شهوة صب في عينيه الآنك يوم القيامة. الحديث. وهو الرصاص المذاب. وقالوا: ولا بأس بالتأمل في جسدها وعليه ثياب ما لم يكن ثوب بيان حجمها فلا ينظر إليه حينئذ لقوله عليه الصلاة والسلام من تأمل خلف امرأة من ورائها ثيابها حتى تبين له حجم عظامها لم يرح رائحة الجنة وإذا كان الثوب لا يصف عظامها فالنظر إلى الثوب دون عظامها فصار كما لو نظر إلى خيمة فيها فلا بأس به. قيدنا بالنظر لانه يكره له أن يمس الوجه والكف من الاجنبية، كذا في قاضيخان. وشمل كلامه الحر المسلم البالغ والرقيق البالغ والصبي المراهق والكافر، كذا في الغياثية. وفيها: ولا بأس بالنظر إلى شعر الكافرة. اه‍. قال رحمه الله: (ولا ينظر من اشتهى إلى وجهها إلا الحاكم والشاهد وينظر الطبيب إلى موضع مرضها) والاصل أنه لا يجوز أن ينظر إلى وجه الاجنبية بشهوة لما روينا إلا للضرورة إذا تيقن بالشهوة أوشك فيها، وفي نظر من ذكرنا مع الشهوة ضرورة فيجوز، وكذا نظر الحاقن والحاقنة فيجوز، وكذا نظر الخاتن إذا أراد أن يداوي مع الختان، وكذا يجوز النظر للهزال الفاحش لانه امارة البرص. ويجب على القاضي والشاهد أن يقصد أداء الشهادة والحكم لا قضاء الشهوة تحرزا عن القبح بقدر الامكان. هذا وقت الاداء، وأما وقت التحمل فلا يجوز أن ينظر إليها مع الشهوة لانه يوجد غيره مما لا يشتهي فلا حاجة إليه. قال في الغياثية: واختلف المشايخ فيما إذا دعي إلى التحمل وهو يعلم أنه إذا نظر إليها يشتهي، فمنهم من جوز ذلك بشرط أن يقصد تحمل الشهادة لاقضاء الشهوة، والاصح أنه لا يجوز زله ذلك. قال بعض شراح الهداية: وقد تنور هذا إباحة النظر إلى العورة الغليظة عند الزنا لاقامة الشهادة عليه ولا يقال الشاهد مخير هنا بين حسنتين إقامة الحد والتحرز عن التملك وهو أفضل، فإذا كان أفضل فكيف جاز النظر لاقامة الشهادة لانا نقول: الضرورة والحاجة محققة في النظر إلى العورة الغليظة عند التحمل بالنسبة لارادة إقامة الحد وإن لم تكن الضرورة والحاجة محققة بالنظر إلى الستر فالاباحة بالنظر إلى الاول فإن قلت: لماذا جاز لشاهد الزنا النظر عند التحمل ولو اشتهى ولم يجز لغيره وقت التحمل؟ قلنا: إنما جاز لة لان مقصوده إقامة الشهادة فلهذه الضرورة جاز قالوا: لانه يوجد غيره ممن لا يشتهي. فإن قيل: يمكن هنا أيضا أن يوجد غيره ممن لا يشتهي قلنا: لو طلب غيره ممن لا يشتهي لفرغ من فعل الزنا فلهذا اجاز هنا ولو اشتهى فتدبره. والطبيب إنما يجوز له ذلك إذا لم يوجد امرأة طبيبة فلو

[ 353 ]

وجدت فلا يجوز له أن ينظر لان نظر الجنس إلى الجنس أخف. وينبغي للطبيب أن يعلم امرأة إن أمكن وإن لم يكن ستر كل عضو منها سوى موضع الوجع ثم ينظر ويغض بصره عن غير ذلك الموضع إن استطاع لان ما ثبت للضرورة يتقدر بقدرهما، وإذا أراد أن يتزوج امرأة فلا بأس أن ينظر إليها وإن خاف أن يشتهي لقوله عليه الصلاة والسلام انظر إليها لانه أحرى أن يدوم بينكما ولا يجوز له أن يمس وجهها ولا كفها وإن أمن الشهوة لوجود المحرم ولانعدام الضرورة وقال عليه الصلاة والسلام من مس كف امرأة ليس له فيها سبيل وضع على كفه جمر يوم القيامة قال في التتارخانية: أصاب امرأة قرحة في موضع لا يحل للرجل النظر إليه، فإن لم يوجد امرأة تداويها ولم يقدر أن يعلم امرأة تداويها يستر منها كل شئ إلا موضع القرحة ويغض بصره ما أمكن ويداويها. وفي المحيط أيضا: ويجوز للمرأة إذا كانت تولد أخرى أن تنظر إلى فرجها وأن تمس فرجها اه‍. وقيد واجواز النظر دون المس عند إرادة الزوج إذا كانت شابة تشتهي، وأما إذا كانت عجوزا لا تشتهي فلا بأس بمصافحتها ومس بدنها لانعدام خوف الفتنة. وعن أبي بكر رضي الله عنه أنه كان يصافح العجائز فإذا كان شيخا يأمن على نفسه وعليها يحل له المصافحة، وإن كان لا يأمن عليها ولا على نفسه لا تحل له مصافحتها لما فيه من التعريض للفتنة. فحاصله أنه يشترط لجواز المس أن كانا كبيرين مأمونين في رواية، وفي أخرى يكفي أن يكون أحدهما مأمونا كبيرا لان أحدهما إذا كان لا يشتهي لا يكون اللمس سببا للوقوع في الفتنة كالصغير. ووجه الاولى أن الشاب إذا كان لا يشتهي بمس العجوز فالعجوز تشتهي الشاب لانها علمت بملاذ الجماع فيؤدي إلى الانتهاء من أحد الجانين وهو حرام بخلاف ما إذا كان أحدهما صغيرا لانه لا يؤدي إلى الانتهاء من الجانبين لان الكبير لايشتهي بمس الصغير، ولهذا إذا مات صغير أو صغيرة تغسله المرأة والرجل ما لم تبلغ حد الشهوة، وكذا يجوز النظر إلى الصغير والصغيرة والمس إذا كان لا يشتهي. قال رحمه الله: (وينظر الرجل إلى الرجل إلا العورة) وهي ما بين السرة والركبة، والسرة ليست من العورة والركبة منها، وإنما لم ينبه المؤلف هنا لما قدم في كتاب الوضوء وقد بينا الدليل هناك. وحكم العورة في الركبة أخف منه في الفخذ، وفي الفخذ أخف منه في السرة حتى ينكر عليه في كشف الركبة برفق وفي الفخذ بعنف وفي السرة بضرب. وفي التتمة وإلابانة: كان أبو حنيفة لا يرى بأسا بنظر الحمامي إلى عورة الرجل، وفي الكافي: وعظم الساق ليس بعورة. وفي الذخيرة: وما جاز النظر إليه جاز مسه. قال محمد بن مقاتل: لا بأس أن يتولى صاحب الحمام عورة إنسان بيده عند التنور إذا كان يغض بصره. قال الفقيه: وهذه في حال الضرورة لا في غيرها، وينبغي لكل إنسان أن يتولى عورته بنفسه عند التنور. وفي التتمة: البيت الصغير في الحمام يدخله الرجل يحلق عانته هل يحل له أن يكون فيه عريانا حتى يعصر إزارة؟ فقال في المدة اليسيرة يجوز. وقال أبو الفضل: لا يأس به. وقال غيره: يأثم به

[ 354 ]

[ والرجل للرجل وينظر الرجل إلى فرج امته وزوجته ووجه محرمه ورأسها فصدرها ] وقالوا: كشف العورة في بيت بغير حاجة فقالوا يكره اه‍. قال رحمه الله: (والمرأة للمرأة والرجل للرجل) وهذا هو القسم الرابع من التقسيمات، ومعناه المرأة للمرأة والرجل للرجل يعني نظر المرأة إلى المرأة كنظر الرجل ألى الرجل حتى يجوز للمرأة أن تنظر منها إلى ما يجوز للرجل أن ينظر إليه من الرجل إذا أمنت الشهوة والفتن لان ما ليس بعورة لا يختلف فيه الرجال والنساء فكان لها أن تنظر منه ما ليس بعورة، وإن كان في قلبها شهوة أو أكبر رأيها أنها تشتهي أو شكت في ذلك يستحب لها أن تغض بصرها، ولو كان الرجل هو الناظر إلى ما يجوز له منها كالوجه والكف لا ينظر إليه حتما مع الخوف لانه محرم عليه. والفرق أن الشهوة عليهن أغلب وهي كالمتحقق حكما فإذا اشتهى الرجل كانت الشهوة موجودة من الجانبين، وإذا اشتهت لم توجد إلا منها فكانت من جانب واحد، والموجود من الجانبين أقوى في الافضاء إلى الوقوع وإنما جاز ما ذكرنا للمجانسبة وانعدام الشهوة غالبا كما في نظر الرجل إلى الرجل، وكذا الضرورة قد تحققت فيما بينهن. وعن الامام أن تنظر المرأة إلى المرأة كنظر الرجل إلى محارمه فلا يجوز لها أن تنظر إلى الظهر والبطن في هذه الرواية بخلاف نظرها إلى الرجل لان الرجل يحتاج إلى زيادة الانكشاف، وفي الرواية الاولى يجوز وهو الاصح ما جاز للرجل أن ينظر إليه من الرجل جاز مسه لانه ليس بعورة ولا يخاف منه الفتنة. قال في النهاية: وهذا دليل على أنهن لا يمنعن دخول الحمام لان العرف ظاهر به في جميع البلدان وبناء الحمامات للنساء وحاجة النساء إلى الحمام فوق حاجة الرجال لان المقصود من دخوله الزينة والمرأة إلى هذا أحوط من الرجال ويمكن للرجل دخول الانهار والحياض والمرأة لا تتمكن من ذلك غالبا اه‍. وحكي أن الامام دخل الحمام فرأى رجلا مكشوف العورة يقال له بطرطا وكان رجلا متكلما فغض أبو حنيفة بصره فقال له العاصي: مذكم أعمى الله بصرك؟ قال: مذ هتك الله سترك اه‍. وفي الكافي: وعظم الساق ليس بعورة اه‍. قال رحمه الله: (وينظر الرجل إلى فرج امته وزوجته) يعني عن شهوة وغير شهوة قال عليه الصلاة والسلام غض بصرك إلا عن زوجتك وأمتك وما روي عن عائشة قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم في إناء واحد. ولانه يجوز له المس والغشيان فالنظر أولى إلا أن الاولى أن لا ينظر كل منهما إلى عورة صاحبه لقوله عليه الصلاة والسلام إذا أتى أحدكم زوجته فليستتر ما استطاع ولا يتجرد ان تجرد البعير لان النظر إلى العورة يورث النسيان وكان ابن عمر يقول: الاولى النظر إلى عورة زوجته عند الجماع ليكون أبلغ في تحصيل معنى اللذة. وعن أبي يوسف سألت الامام عن الرجل يمس فرج أمته أو هي تمس فرجه ليحرك آلته أليس بذلك بأس؟ قال: أرجو أن يعظم الاجر. والمراد بالامة التي يحل وطؤها وأما إذا كانت لا تحل كأمته المجوسية أو المشركة أو أخته رضاعا أو أم امرأته

[ 355 ]

[ وساقها وعضدها لا إلى ظهرها ويطنها وفخذها ويمس ما يحل له النظر إليه وأمة غيره ] أو بنتها فلا يحل له النظر إلى فرجها. وفي الينابيع: ولا يحل له أن يأتي زوجته في الدبر إلا عند أصحاب الظاهر وهو خلاف الاجماع قال رحمه الله: (ووجه محرمه ورأسها فصدرها وساقاها وعضدها لا إلى ظهرها وبطنها وفخذها) يعني يجوز النظر إلى وجه محرمه إلى آخره، ولا يجوز إلى ظهرها إلى آخر ما ذكر. والاصل فيه قوله تعالى * (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن) * (النور: 31) الآية. ولم يرد به نفس الزينة لان النظر إلى عين الزينة مباح مطلقا ولكن المراد موضع الزينة، فالرأس موضع التاج والشعور، والوجه موضع الكحل، والعنق والصدر موضع القلادة، والاذن موضع القرط، والعضد موضع الدملج، والساعد موضع السوار، والكف موضع الخاتم والخضاب والساق موضع الخلخال، والقدم موضع الخضاب بخلاف الظهر والبطن والفخذ لانها ليست بمواضع الزينة، ولان البعض يدخل على البعض من غير استئذان ولا احتشام والمرأة تكون في بيتها في ثياب بذله ولا تكون مستورة عادة، فلو أمرت بالستر من محارمها لحرجت حرجا عظيما والشهوة فيهن منعدمة من المحارم بخلاف الاجنبي والمحرم نكاحها على التأييد بنسب ولا سبب كالرضاع والمصاهرة وإن كان بالزنا، وقيل إن كانت حرمة المصاهرة ثابتة بالزنا لا يجوز له النظر إلى ما ذكر كالاجنبي لان الحرمة في حقه بطريق العقوبة لا بطريق النعمة فلا يظهر فيما ذكرنا، الاول أصح اعتبارا للحقيقة. ولك أن تقول: الانسب أن لا يذكر الفخذ هنا لانه علم عدم جواز نظر المحرم إلى هذا من عدم جواز نظر الرجل إلى الرجل فيه بطريق الاولى لان نظر الجنس إلى خلاف الجنس فيه أغلظ. فإن قلت: المقصود من ذكر الفخذ بيان الواقع والتصريح بما علم مما تقدم التزاما قلت: إن كان هذا هو المراد فالانسب أن يذكر الركبة بدل الفخذ لان حكم العورة في الركبة أخف منه في الفخذ وفي الفخذ أخف منه في السوأة فبذكر الفخذ لا يعلم حكم الركبة بكونها أخف، وإما بذكر الركبة فيعلم حكم الفخذ والسوأة بالاولى لانهما أقوى منها في حرمة النظر. واستدل الشارح وصاحب النهاية والمجتبى على الحل والحرمة لملابسة الآية التقدير، واعترض بأن الآية إنما تدل على الحل لا الحرمة والاولى كما في البدائع الاستدلال بقوله تعالى * (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) * (النور: 30) إلا أنه رخص للمحارم النظر إلى موضع الزينة الظاهرة والباطنة بقوله تعالى * (ولا يبدين زينتهن) * الآية. واعترض بعض المتأخرين على الدليل العقلي وهو قولنا يدخل من غير استئذان لما ذكرنا في البدائع أن المحارم لا تدخل عليهن من غير استئذان ربما كانت مكشوفة العورة فيقع بصره عليها فيكره له ذلك وهذا غفلة منه لان المراد أن لا يجب عليه الاشتئذان لا الندب. قال في البدائع: لا يحل للرجل أن يدخل بيت غيره من غير استئذان وإن كان من محارمه فلا يدخل من غير استئذان إلا أن الامر في الاستئذان على المحارم أيسر وأسهل، فتخلص من عبارته أن الدخول في

[ 356 ]

بيت الاجنبي من غير استئذان حرام وفي بيت محارمه من غير استئذان مكروه والله الموفق. ثم قال تاج الشريعة: فإن قلت: إذا جاز الدخول من غير استئذان فعلى هذا ينبغي أن لا يقطع إذا سرق من بيت أمه من الرضاع لجواز ما ذكرنا لنقصان الحرز في حقه قلت: لا يقطع عند البعض، وأما جواز الدخول عليها من غير استئذان ممنوع، ذكره خواهر زاده أن المحارم من حيث الرضاع لا يكون لهم الدخول عليها من غير استئذان ولهذا يقطعون بسرقة بعضهم من بعض اه‍ كلامه. ولك أن تقول: ليس هذا الجواب بتمام أما كونه لا يقطع عند البعض فهو قول أبي يوسف، وعلى قولهما يقطع وهو المختار بظاهر الرواية، وقد تقدم السارق في باب السرقة لان الحرز في حقهم كامل اه‍. قال رحمه الله: (ويمس ما يحل له النظر إليه) يعني يجوز أن يمس ما حل له النظر إليه من محارمه الرجل لا من الاجنبية لتحقق الحاجة إلى ذلك من المسافرة والمخالطة، وكان عليه الصلاة والسلام يقبل رأس فاطمة ويقول أجد منها ريح الجنة وقال من قبل رأس أمه فكانما قبل عتبه الجنة ولا بأس بالخلوة معها لقوله عليه الصلاة والسلام لا يخلون رجل بأمرأة ليس منها سبيل فإن ثالثهما الشيطان والمراد إذا لم تكن محرما لان المحرم بسبيل منها إلا إذا خاف على نفسه أو عليها الشهوة فحينئذ لا يمسها ولا ينظر إليها ولا يخلو بها لقوله عليه الصلاة والسلام العينان يزنيان وزناها النظر، واليدان يزنيان وزناهما البطش، والرجلان يزنيان وزناهما المشي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه فكان في كل واحد منها زنا والزنا محرم بجميع أنواعه وحرمه الزنا بالمحارم أشد وأغلظ فيجتنب الكل. ولا بأس بالمسافرة بهن لقوله عليه الصلاة والسلام لا تسافر المرأة فوق ثلاثة أيام إلا بزوج أو محرم وإن احتاجت إلى الا ركاب والانزال فلا بأس أن يمسها من وراء ثيابها ويأخذ ظهرها وبطنها من وراء إذا أمنا الشهوة، وإن خاف عليها أو على نفسه أو ظنا أو شكا فليجتنب ذلك بجهده، فإن أمكنها الركوب بنفسها بتمتنع من ذلك أصلا، وإن لم يمكنها تتلفف بالثياب كي لا تصل حرارة عضوها إلى عضوه، وإن لم تجد الثياب فليدفع عن نفسه بقدر الامكان. ولا بأس بأن يدخل على الزوجين محارمهما وهما في الفراش من غير وطئ باسئذان، وكذا الخادم حين يخلو الرجل بأهله، وكذا الامة ويكره أن يأخذها بيده ويدخلها ويعلم الناس أنه يريدها اه‍. فروع قال في الجامع الصغير: ويكره تقبيل غيره ومعانقته ولا بأس بالمصافحة لما روي أنه عليه الصلاة والسلام سئل أيقبل بعضنا بعضا؟ قال: لا. قالوا: ويعانق بعضنا بعضا؟ قال: لا. قالوا: أيصافح بعضنا بعضا؟ قال: نعم. قال مشايخنا: إن كان يأمن على نفسه من الشهوة وقصد البر والاكرام وتعظيم المسلم فلا بأس به والحديث محمول على هذا التفصيل المصافحة سنة قديمة متوارثة. وفي النوادر: وتقبيل يد العالم والسلطان العادل لا

[ 357 ]

[ كمحرمة وله مس ذلك إذا أراد الشراء وإن اشتهى ولا تعرض الامة إذا لبغت في إزار ] بأس به لما روي عن سفيان أنه قال: تقبيل يد العالم والسلطان العادل سنة. وفي جامع الجوامع: ولا بأس أن تمس الامة الرجل وتغمزه وتدهنه ما لم يشته إلا ما بين السرة والركبة. وفي التتارخانية: ولم يذكر محمد في شئ من الكتب الخلوة والمسافرة بإماء الغير وقد اختلفوا فيه، فمنهم من قال لا يحل وإليه مال الحاكم الشهيد، ومنهم من قال يحل وبه قال الامام شمس الائمة السرخسي، والذين قالوا بالحل اختلفوا فميا بينهم بعضهم قال ليس له أن يعالجها في النزول والركوب، وبعضهم قال له ذلك إن أمن على نفسه الشهوة عليها. وفي الغياثية: والغلام الذي بلغ الشهوة كالبالغ، والكافر كالمسلم، هذا الذي ذكرناه إذا كانت شابة، فإن كانت عجوزا قال في التتارخانية: فإن كانت عجوزا لا تشتهي فلا بأس بمصافحتها ومس يدها وأن تغمز رجله، وكذا إذا كان شيخا يأمن على نفسه وعليها. وفي الغياثية: ولا بأس أن يعانقها من وراء الثياب إلا أنت تكون ثيابها رقيقة تصل حرارة بدنها إليه وفيما إذا كان الماس هو المرأة قال: إن كانت ممن لا يجامع مثلها ولا يجامع مثله فلا بأس بالمصافحة فليتأمل عند الفتوى، فإن كانت صغيرة لا تشتهي أو لا يشتهي مثلها فلا بأس بالنظر إليها ومسها. قال رحمه الله: (وأمة غيره كمحرمه) لانها تحتاج ألى الخروج لحوائج مولاها في ثياب بذلة وحالها مع جميع الرجال كحال المرأة مع محارمها، كان عمر رضي الله عنه إذا رأى أمة متقنعة علاها بالدرة وقال: ألقي عنك الخمار أتتشبهين بالحرائر يا دفار. واعترض كيف عزرها على الستر الذي هو جائز والتعزير إنما يكون على ارتكاب المحظورات والمحرمات؟ وأجيب بأنه إنما فعل ذلك لان الفساق إذا تعرضوا للحرائر كان ذلك أشد فسادا و التعرض للاماء دون ذلك في الفساد ففعل ذلك لئلا يجب الاول فيكون فيه تقليل الفساد. قال في المحيط: ويحل للامة النظر إلى الرجل الاجنبي إلى كل شئ منه ومسه وغمزه ما خلا تحت السرة إلى الركبة اه‍. ولا يجوز أن ينظر إلى بطنها وظهرها كالمحارم خلافا لمحمد بن مقاتل فإنه يقول بالجواز. قال رحمه الله: (وله مس ذلك إذا أراد الشراء وإن اشتهى) يعني جاز له أن يمس كل موضع يجوز له أن ينظر إليه كالصدر والساق والذراع والرأس ويقلب شعرها إذا أراد الشراء وإن خاف على الشراء فيباح له النظر والمس للضرورة وهو إرادة الشراء. وفي الشارح: أمة الرجل تكبس رجل زوجها ويخلو بها ولا يمنع من ذلك أحد، وأم الولد والمدبرة والمكاتبة كالامة لقيام الرق فيهن ووجود الحاجة والمستسعاة كالمكاتبة عند الامام. قال رحمه الله: (ولا تعرض الامة إذا بلغت في إزار واحد) يعني إذا أراد أن يعرض أمته للبيع فلا يعرضها في إزار واحد إذا كانت بالغة. والمراد بالازار ما يستر ما بين السرة إلى الركبة لان ظهرها وبطنها عورة ولا يجوز كشفها، والتي بلغت حد الشهوة فهي كالبالغة لا تعرض في إزار واحد، روي ذلك عن محمد لوجود الاشتهاء. قال رحمه الله: (والخصي

[ 358 ]

[ واحد والخصي والمحبوب والمخنث كالفحل وعبدها كالاجنبي من الرجال ويعزل عن أمته بلا إذنها وعن زوجته بإذنها. ] والمجبوب والمخنث كالفحل) لقوله تعالى * (قال للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) * (النور: 30) وهم ذكور فيدخلون تحت الخطاب العام. وقالت عائشة: الخصي مثله ولا يبيح ما كان حراما قبله ولان الخصي ذكر يشتهي ويجامع وهو أشد جماعا لان آلته لا تفتر فصار كالفحل، والمجبوب ذكر يشتهي ويسحق وينزل. قال بعض المتأخرين: يسحق بفتح الياء ويسحق بضمها قالالعيني: أي ينزل الماء وحكمه كأحكام الرجال في كل شئ، وقطع تلك الآلة كقطع عضو منه فلا يبيح شيئا كان حراما. وإن كان المجبوب قد جف ماؤه فقد رخص له بعض أصحابنا الاختلاط مع النساء لوقوع الامن من الفتنة قال الله تعالى * (والتابعين غير أولى الاربة من الرجال) * (النور: 31) فقيل هو المجبوب الذي قد جف ماؤه والاصل أنه لا يحل له لعموم النصوص، وكذا المخنث وهو الذي يأتي الردئ من الافعال لا يحل له بالاتفاق لانه كغيره من الفساق فيبعد عن النساء. وإن كان مخنثا بأقواله وأفعاله متكسرا في أعضائه ولينا في لسانه وهو لا يشتهي النساء فقد رخص له بعض مشايخنا الاختلاط بالنساء. وفي الابانة: الاصح أنه لا يحل له. وقالوا: الابله الذي لا يدري ما يصنع بالنساء وإنما همه بطنه يرخص له الخلوة بالنساء والاصح له المنع. ولا بأس بدخول الخصي على النساء ما لم يبلغ حد الحلم وهو خمسة عشر سنة. قال رحمه الله: (وعبدها كالاجنبي من الرجال) حتى لا يجوز لها أن تبدي زينتها له إلا ما يجوز أن تبديه للاجنبي، ولا يحل له أن ينظر من سيدته إلا ما يجوز له أن ينظر إليه من الاجنبية. قال الامام مالك والشافعي: نظره إليها كنظر الرجل إلى محارمه لقوله تعالى * (أو ما مكلت أيمانكم) * (النساء: 3) ولنا أنه محل غير محرم ولا زوج والشهوة متحققة والحاجة قاصرة لانه يعمل خارج البيت والآية واردة في الاماء. قال سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب والحسن: لا يغرنكم سورة النور فإنها واردة في الاناث لا في الذكور ولهذا لا يجوز لها أن تسافر معه لانه أجنبي عنها. وفي المحيط: والعبد في النظر إلى سيدته التي لا قرابة بينة وبينها بمنزلة الرجل الاجنبي سواء كان العبد خصيا أو مجبوبا أو فحلا. وفي قاضيخان: وللعبد أن يدخل على سيدته بغير إذنها بالاجماع. قال رحمه الله: (ويعزل عن أمته بلا إذنها وعن زوجته بإذنها) يعني لو وطئ أمته فله إذا أراد الانزال أن ينزل خارج فرجها بغير إذنها، أما الزوجة فليس له ذلك إلا بإذنها لانه عليه الصلاة والسلام نهى عن العزل عن الحرة إلا بإذنها، ولان الحرة لها حق في الوطئ حتى كان لها المطالبة به قضاء لشهوتها وتحصيلا للولد ولهذا تخير في الجب والعنة ولاحق للامة في الوطئ والعزل لما ذكرنا. ولو كانت تحته أمة غيره فقد ذكرنا حكمه في النكاح. لا يقال هذه مكررة مع قوله في النكاح وإلاذن في العزل لسيد الامة لانا نقول: ذاك في الامة المتزوجة وهذا في الامة الموطوءة بملك

[ 359 ]

[ فصل في الاستبراء وغيره ] اليمين. لا يقال حق المرأة في أصل قضاء الشهوة لا في وصف الكمال وهو الانزال ألا ترى أن من الرجال من يجامع ولا ماء له ينزله في فرجها ولا يكون لها حق الخصومة معه فيما ذكر لعدم الصنع من الرجل أما ههنا إذا كان له ماء فله الصنع في العزل فلها أن تطالبه بذلك والله تعالى أعلم. فصل في الاستبراء وغيره قال الشارح: أخر الاستبراء لانه احتراز عن ملك مقيد والمقيد بعد المطلق. وقال بعض الفضلاء: قلت: أين الاحتراز عن الوطئ المطلق فيما سبق؟ قلت: فهم ذلك بطريق الدلالة أو الاشارة فإنه يضمن اللمس فالنهي عن المسمى نهى عنه فلذا عنوا به الوطئ فتأمل اه‍. أقول: لا السؤال شئ ولا الجواب. أما الاول فلانهم ما قالوا لان الاحتراز من الوطئ المطلق فيما سبق بل مرادهم أن الوطئ المقيد نفسه بعد الوطئ المطلق نفسه فأخر ما يتعلق بالوطئ المقيد وهو الاستبراء عما يتعلق بالوطئ المطلق، وانتفاء المقيد لا يستلزم انتفاء المطلق كما لا يخفى فإنه يتصور أن يكون الاحتراز عن الوطئ المقيد بعد الاحتراز عن الوطئ المطلق، وأما تحقق المقيد فيستلزم تحقق المطلق في ضمنه فيصح أن يقال الوطئ المقيد بعد الوطئ المطلق بناء على أن المركب بعد المفرد كما صرح به في النهاية ومعراج الدراية. وأما الثاني فلان بناءه على أن يكون المراد أن الاحتراز عن المقيد بعد الاحتراز عن المطلق وقد عرفت ما فيه. وأيضا لا معنى لقوله فلهذا عنوا به الوطئ لان النهي عن المس إذا كان نهيا عن الوطئ وكان العنوان بالمس عنوانا بالوطئ أيضا فكان ينبغي أن لا يعنون الفصل السابق بالوطئ استقلالا كما لم يذكر فيه النهي عن الوطئ استقلالا. ثم أقول: الظاهر أن مرادهم بالوطئ المطلق المذكور فيما تقدم في مسألة العزل المذكورة قبيل فصل الاستبراء فإن العزل أن يطأ الرجل فإذا قرب الانزال فينزل خارج الفرج وإن مرادهم بالوطئ المقيد ههنا ما قيد بزمان الوطئ فإن الاستبراء مقيد بالزمان كما ستعرفه، وفي العزل مطلق عنه فإن المراد بالوطئ المذكور في عنوان الفصل السابق أيضا ما في ضمن تلك المسألة كما نبهت عليه في صدر ذلك الفصل. فروع تتعلق بالنساء: رجل له امرأة لا تصلي يطلقها حتى لا يصحب امرأة لا تصلي، فإن لم يكن له ما يعطي مهرها فالاولى أن لا يطلقها. قال الامام أبو جعفر الكبير صاحب محمد بن الحسن: لان ألقي الله ومهرها في عنقي أحب إلي من أن أطأ امرأة لا تصلي. غمز الاعضاء في الحمام من غير ضرورة مكروه. وفي الذخيرة وفي مجموع النوازل أنه يباح ذلك فيما فوق السرة ودون الركبة ويباح فيما بينهما، وبعض مشايخنا قالوا: لا بأس بذلك بشرطين:

[ 360 ]

أحدهما أن لا يغسل الخادم لحيته لان فيه إهانة صاحب اللحية، ولا يعمز رجله لان فيه إهانة بالخادم. قال الفقيه أبو جعفر: سمعت الشيخ الامام أبا بكر يقول: لا بأس بأن يغمز الرجل إلى الساق ويكره أن يغمز الفخذ ويمسه من وراء الثوب، وكان الامام أبو بكر يقول: لا بأس بأن يغمز الرجل رحل والديه ولا يغمز فخذ والديه. وفي السراجية: ولا بأس أن يغمز الاجنبية الرجل فوق الثياب إذا لم يكن فيه خوف الفتنة. وفي التتمة: وسئل الخجندي عمن له أم هل يجوز له أن يغمز بطنها وظهرها من رواء الثياب؟ قال: إن أمسكه يعتقد حرمته كالخمر يمسكه المسلم للمسلم لا يكره، وإن أمسك يعتقد الاباحة كما لو أمسك للكافر يكره. سئل أنس بن أنس عن قوم أرادوا الخروج على سلطانهم لجوره هل يحل لهم ذلك؟ فأجاب وقال: إن كانوا اثني عشر ألفا وكلمتهم واحدة يسعهم ذلك، وإن كانوا أقل من ذلك لا يسعهم ذلك. وسئل الفقيه أبو بكر عن قراءة القرآن أهو أفضل للفقيه أم دراسة الفقه؟ قال: حكي عن الفقيه أبي مطيع أنه قال: النظر في كتب أصحابنا من غير سماع أفضل من قيام ليلة. وفي النوازل عن أبي عاصم أنه قال: طلب الاحاديث حرفة المفاليس يعني به إذا طلب الحديث ولم يطلب فقها. وفي النسفية: اجتمع قوم يوما من الاتراك والامراء وغيرهم في مواضع الفساد فنهاهم شيخ الاسلام عن المنكر فلم ينزجروا فاستدعى المحتسب وقوما من باب السيد الامام الاجل ليعرفوهم وليريقوا خمورهم فذهبوا مع جماعة من الفقهاء فظفروا ببعض الخمور فأراقوها وجعلوا الملح في بعض الدنان للتخلل فأخبر الشيخ بذلك فقال: لا تدعوا واكسروا الدنان كلها وأريقوا ما بقي. وإن جعلوا الملح فيها قال: وقد ذكر في عيون المسائل من أراق خمور المسلمين وكسر دنانهم وشق زقاقهم إذا ظهر فيما بين المسلمين بطريق الامر بالمعروف فلا ضمان عليه. وسئل عن قوم من اليهود اشتروا دارا وبستانا من دور المسلمين في مصر واتخذوها مقبرة هل يمنعون من ذلك؟ فقال: لا لانهم ملكوها فيفعلون ما شاؤوا كالمسلمين. وقد صحت الرواية في المبسوط أن صاحب الدار لو رفع بناء فمنع جاءه الشمس أو الريح أو نقب جداره أو فتح أبوابا لم يمنع من ذلك وإن لحق جاره نوع ضرر لانه لم يتصرف إلا في ملك نفسه. وسئل عن دارين لرجلين سطح أحدهما أعلى من الآخر ومسيل ماء العليا على الاخرى فأراد صاحب سطح السفلي أن يرفع سطحه ألا يبني على سطحه علوا هل يحل له ذلك قال نعم وفي التتمة سألت أبا حامد عن رجل له ضيعة أرضها مرتفعة هل يجوز له أن يسد النهر يوما أو بعض يوم بغير رضا الاسافل حتى يسقيها؟ قال: نعم. وسئل عن الرجل يبني على حائط نفسه بناء أزيد مما كان هل لجاره أن يمنعه؟ قال: لا وإن بلغ عنان السماء. وسئل أبو الفضل عمن يأخذ خراج القرية عن حفر النهر العظيم فيحفرونه بأمسحتهم من غير أن يصرف شيئا من الخراج إلى الحفر وهناك من الاقوياء من لا يحفر ولا يبعث أحدا هل له أن يسقي منها أم لا؟ قال: يمنع من الماء. الاستبراء لغة طلب البراءة مطلقا، سواء كان في الفروج أو في غيرها. وفي الشرع: طلب براءة رحم

[ 361 ]

[ من ملك أمة حرم عليه وطؤها. لمسها والنظر إلى فرجها بشهوة حتى يستبرئها. له أمتان ] المرأة المملوكة. وصفته أنه واجب، وسبب وجوبه ملك الامة، ودليله قوله عليه الصلاة والسلام في سبايا أوطاس إلا لا توطأ الحبالى حتى يضعن حملهن، ولا الحيالى حتى يستبرئن بحيضة، وهو يفيد وجوب الاستبراء. وأما حكمه فهو التعرف عن براءة الرحم صيانة للمياه المحترمة اه‍. قال رحمه الله: (من ملك أمة حرم عليه وطؤها ولمسها والنظر إلى فرجها بشهوة حتى يستبرئها) لقوله عليه الصلاة والسلام في سبايا أوطاس ألا لا توطأ الحبالى حتى يضعن ولا الحيالى حتى يستبرئن بحيضة (1) وهذا يفيد وجوب الاستبراء بسبب إحداث الملك واليد لانه هو الموجود في هذه الصورة، وهذا لان الحكمة فيه التعرف عن براءة الرحم صيانة للمياه المحترمة عن اختلاط الانساب والاشتباه والولد عن الهلاك لان من لا نسب له هالك لعدم من يربيه ومن ينفق عليه. قال صاحب الايضاح والاصلاح: يرد عليه أنهم ينكرون انعلاق الولد الواحد من ماءين لعدم إمكان الاختلاط بنهما فكيف يقول حكمه الاستبراء؟ وأجيب بأن المنفي الاختلاط حقيقة والذي بنوا عليه هنا الاختلاط حكما وهو أن يبين الولد من أي ماء هو. قال تاج الشريعة: وإنما قيدنا بالماء المحترم وإن كان الحكم في غير الماء المحترم كذلك كالحامل من الزنا حملا لحال المسلم على الصلاح. وتعبير المؤلف بملك أولى من تعبير صاحب الهداية بالشراء لعموم الملك والشراء من أسباب الملك كما سيأتي. وأقول في إطلاق قوله ملك نظر لان من ملك جارية وهو زوجها لا يجب عليه الاستبراء أو كانت تحت غيره بنكاح ولكن طلقها زوجها بعد أن استبرأها وقبضها لم يلزمه الاستبراء في شئ من هذه الصور فكان المناسب أن يخرج هذه الصورة، ولما كان السبب إحداث ملك الرقبة المؤكد باليد نفذ الحكم إلى سائر أسباب الملك من الشراء والهبة والصدقة والميراث والخلع والكتابة وغير ذلك حتى يجب على المشتري من مال الصبي ومن المرأة والمملوكة ومن لا يحل له وطؤها، وكذا إن كانت المشتراة بكرا لم توطأ لتحقق السبب المذكور وإدارة الحكم على الاسباب دون الحكم لعدم الاطلاع عليها لحقائقها. ولا يعتد بالحيضة التي اشتراها في أثنائها ولا بالحيضة التي حاضتها بعد الشراء قبل القبض ولا بالولادة التي ولدتها بعد الاسباب قبل القبض خلافا لابي يوسف، وكذا لا يعتد بالحيضة التي حاضتها قبل الاجازة في بيع الفضولي وإن كانت في يد المشتري، ولا يعتد بالحيضة التي بعد القبض في الشراء الفاسد قبل أن يشتريها صحيحا، وتجب إذا اشترى نصيب شريكه من جارية مشتركة بينهما لان السبب قد تم في ذلك الوقت والحكم يضاف إلى تمام العلة. ويعتد بالحيضة التي حاضتها وهي مجوسية أو مكاتبة بأن كاتبها


(1) رواه الترمذي في كتاب الصيد باب 9. أبو داود في كتاب النكاح باب 44. النسائي في كتاب البيوع باب 79. أحمد في مسنده (1 / 256).

[ 362 ]

بعد الشراء ثم أسلمت المجوسية أو عجزت المكاتبة لوجودها بعد السبب وهذا استحداث الملك واليد، ولا يجب الاستبراء إذا رجعت الآبقة أو ردت المغصوبة أو المستأجرة أو فكت المرهونة لانعدام السبب وهو استحداث الملك واليد. وفي الاكمل هنا: إذا أبقت في دار الاسلام ثم رجعت، فإن أبقت في دار الحرب ثم عادت إلى مولاها بوجه من الوجوه فكذا عند الامام، وعندهما يجب الاستبراء لانهم يملكونها. ولو أقال البائع المشتري قبل القبض لا يجب على البائع الاستبراء، وكان أبو حنيفة يقول أولا بالوجوب ثم رجع وقال لا يجب وهو قولهما لان الاقالة فسخ في الاصل فصار كأنه لم يكن. ولو اشترى من عبده المأذون له بعدما حاضت عند العبد، فإن لم يكن على العبد دين اعتد بتلك الحيضة لانها دخلت في ملك المولى من وقت الشراء، وإن كان عليه دين مستغرق فكذلك عندهما، وعند الامام لا يعتد بتلك الحيضة بناء على أن المولى لا يملكه وقد تقدم. ولو باع جارية على أنه بالخيار وقبضها ثم أبطل البيع في مدة الخيار لا يلزمه الاستبراء إن كان المشتري لم يطأ، وإن كان قد وطئ فعليه الاستبراء. ولو زوجها بعد الشراء فطلقها الزوج قبل الدخول لا يلزمه الاستبراء في ظاهر الرواية، ولو زوجها قبل الاستبراء بعد القبض فالمختار أنه يجب. وإذا حرم الوطئ قبل الاستبراء حرم الدواعي أيضا لانها تفضي إلى الوطئ أو يحتمل وقوعه في غير الملك. قال في العناية: واستشكل حيث تعدى الحكم من الاصل وهي المسة إلى الفرع وهو غيرها حتى حرمت الدواعي في المسة دونها، وأجيب بأن ذلك باعتبار اقتضاء الدليل المفيد لذلك وهو الرغبة في المشتراة دون غيرها والاستبراء في الحامل بوضع الحمل كما تقدم في الحديث، وفي الاستبراء في ذوات الاشهر بالشهر لانه قائم في حقهن مقام الحيض، فإن حاضت في أثناء الشهر بطل الاستبراء بالشهر وتستبرئ بالحيضة لانها صارت قادرة على الاصل، فإذا ارتفع حيضها يتركها حتى إذا تبين أنها ليست بحامل واقعها وليس فيه تقدير في ظاهر الرواية، وقيل يتبين بشهرين أو بثلاث، وعن محمد بأربعة أشهر وعشرة أيام. قال في الخلاصة: وعليه عمل الناس الآن. وفي الاكمل: والاصح أنه يتركها شهرين أو ثلاثة. وعن محمد يتركها شهرين وخمسة أيام، ولا بأس بالاحتيال في إسقاط الاستبراء عند أبي يوسف خلافا لمحمد وقد بينا ذلك في كتاب الشفعة. والمأخوذ به قول أبي يوسف فيما إذا علم أن البائع لم يقربها في طهرها ذلك، ويؤخذ بقول محمد فيما إذا قربها. والحيلة إذا لم تكن تحت المشتري حرة أن يتزوجها قبل الشراء ثم يشتريها ويقبضها، هكذا ذكره في الهداية. قال الشارح: وهذا لا يفيد إذا كان القبض بعد الشراء لانه بالشراء ينفسخ النكاح فيجب الاستبراء بالقبض بحكم الشراء، وإنما يفيد لو كان القبض قبل الشراء لكيلا يوجد القبض بحكم الشراء بعد فساد النكاح. وقال ظهير الدين: وعندي يشترط أن يدخل بها قبل الشراء لان ملك النكاح يفسد عند الشراء سابقا على الشراء ضرورة أن ملك النكاح لا يجامع ملك اليمين

[ 363 ]

[ أختان قبلهما بشهوة حرم وطء واحدة منهما ودواعيه حتى يحرم فرج الاخرى بملك أو ] فلم تكن عند الشراء منكوحة ولا معتدة بخلاف ما إذا دخل بها بعد الشراء لانها تبقى معتدة منه بعد فساد النكاح فلا يلزمه الاستبراء، ذكره قاضيخان في فتاواه. ولو كان تحته حرة فالحيلة أن يتزوجها البائع قبل الشراء أو المشتري قبل القبض ممن يثق به أو يزوجها بشرط أن يكون أمرها بيده ثم يشتريها ويقبضها ثم يطلقها الزوج لانه عند وجود السبب وهو استحداث الملك المؤكد بالقبض لم يكن فرجها حلالا له فلا يجب عليه الاستبراء وإن دخل بعد ذلك لان العبرة لاوان السبب. قال في الاكمل في هذه الصورة: هذا إذا طلقها الزوج بعد القبض لانه لو طلقها قبل القبض كان على المشتري الاستبراء إذا قبضها في أظهر الروايتين اه‍. قال رحمه الله: (له أمتان أختان قبلهما بشهوة حرم وطئ واحد منهما ودواعيه حتى يحرم فرج الاخرى بملك أو نكاح أو عتق) قال الشارح: ولو قال حرمتا حتى يحرم فرج إحداهما كان أحسن لانهما يحرمان عليه لا أحدهما فحسب اه‍. ولا يخفى أن أحد الدائر بين الشيئين أو أشياء يفيد حرمتهما لا حرمة أحدهما فحسب كما توهم الشارح. قال في العناية: وهذه على ثلاثة أوجه: إما أن يقبلهما أو لا يقبلهما أو يقبل أحدهما، فإن لم يقبلهما أصلا كان له أن يقبل أو يطأ أيهما شاء، سواء اشتراهما معا أو متعاقبا، وإن قبل أحدهما كان له أن يقبل المقبلة وأن يطأها دون الاخرى، وإن قبلهما بشهوة فهي مسألة المتن. قيد بقوله بشهوة لانها إذا لم تكن بشهوة لا تكون معتبرة أصلا وإنما حرمتا لان الجمع بينهما نكاحا وطئ لا يجوز لاطلاق قوله تعالى * (وأن تجمعوا بين الاختين) * (النساء: 23) والمراد به الجمع بينهما على ما ذكرنا ولا يعارضه قوله تعالى * (أو ما ملكت إيمانكم) * (النساء: 3) لان الترجيح للمحرم روي ذلك عن علي قال: احلتهما آية وحرمتهما آية والمحرم مقدم. وكذا يحرم الجمع بينهما في الدواعي لان الدواعي للوطئ بمنزلة الوطئ لان النص مطلق فيتناولهما. ومسهما بشهوة أو النظر إلى فرجها كتقبيلها حتى يحرما عليه إلا إذا حرم فرج أحدهما لما ذكرنا لزوال الجمع لتحريم فرج أحدهما عليه. وتمليك البعض كتمليك الكل، وإعتاق البعض كإعتاق الكل. أما عندهما فظاهر لانه لا يتجزئ، وكذا عند الامام وإن كان يتجزئ لكنه يحرم الوطئ، وكتابة أحدهما كإعتاقهما لان فرجها يحرم بالكتابة ورهن أحدهما وإجارتها وتدبيرها لا تحل الاخرى لان فرجها لا تحرم بهذه الاشياء. قال تاج الشريعة فإن قلت: الاصل في الدلائل الجمع فأمكن هنا بأن يحمل قوله وإن تجمعوا على النكاح أو ما ملكت أيمانكم على ملك اليمين قلت: المعنى الذي يحرم الجميع بين الاختين نكاحا وجد ههنا وهو قطيعة الرحم فيثبت الحكم وقوله يملك أراد به التمليك بأن يملك رقبتها من إنسان بأي سبب من أسباب الملك كالبيع والهبة والصدقة والصلح والخلع والمهر. وأراد بقوله أو نكاح النكاح الصحيح فإذا زوج أحدهما نكاحا فاسدا لا

[ 364 ]

[ نكاح أو عتق وكره تقبيل الرجل ومعانقته في إزار واحد. ] تحل له الاخرى لان فرجها لم يصر حراما عليه بهذا العقد إلا إذا دخل بها الزوج فلم يصر جامعا بوطئ الاخرى ولا بوطئ الموطوءة، وكل امرأتين لا يجوز الجمع بينهما نكاحا بمنزلة الاجنبي. قال رحمه الله: (وكره تقبيل الرجل ومعانقته في إزار واحد) ولو كان على قميص جاز كالمصافحة. وفي الجامع الصغير: يكره تقبيل الرجل فم الرجل أو يده أو يعانقه. وذكر الطحاوي أن هذا عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: لا بأس بالتقبيل والمعانقة لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قبل جعفر حين قدم من الحبشة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أول من عانق إبراهيم خليل الرحمن كان بمكة فقدم ذو القرنين إليها فقيل له بهذه البلدة خليل الرحمن فنزل ذو القرنين ومشى إلى إبراهيم الخليل فسلم عليه إبراهيم واعتنقه فكان أول من عانق. ولهما ما روي عن أنس قال قلنا يا رسول الله: أينحني بعضنا لبعض؟ قال: لا. قلنا: أيعانق بعضنا بعضا؟ قال: لا. قلنا: أيصافح بعضنا بعضا؟ قال: نعم. وروي أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن المكامعة وهي التقبيل. وما روي بخلافه منسوخ به وقال: الخلاف فيما إذا لم يكن عليهما غير الازار، وإن كان عليهما قميص أوجبة فلا بأس به بالاجماع وهو الذي اختاره الشيخ في المختصر. والشيخ الامام أبو منصور الماتريدي وفق بين الاحاديث فقال: المكروه من المعانقة ما كان على وجه الشهوة، وما كان على وجه المبرة والكرامة فجائز. ورخص السرخسي وبعض المتأخرين في تقبيل يد العالم المتورع والزاهد على وجه التبرك وقد تقدم، وما يفعله الجهال من تقبيل يد نفسه إذا لقي غيره فمكروه، وما يفعله من السجود بين يدي السلطان فحرام والفاعل والراضي به آثمان لانه أشبه بعبدة الاوثان وذكر الصدر الشهيد أنه لا يكفر بهذا السجود لانه يريد به التحية. وقال شمس الائمة السرخسي: السجود لغير الله على وجه التعظيم كفر. وذكر الفقيه أبو الليث التقبيل على خمسة أوجه: قبلة الرحمة كقبلة الوالد لولده، وقبلة التحية كتقبيل المؤمنين بعضهم لبعض، وقبلة الشفقة كقبلة الولد لوالديه، وقبلة المودة كقبلة الرجل أخاه على الجبهة، وقبلة الشهوة كقبلة الرجل امرأته وأمته. وزاد بعضهم قبلة الديانة كقبلة الحجر الاسود. وأما القيام للغير فقد جاء في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام خرج متكأ على عصا فقمنا له فقال عليه الصلاة والسلام: لا تقوموا كما تقوم الاعاجم يعظم بعضهم بعضا. وعن الشيخ أبي قاسم كان إذا دخل عليه أحد من الاغنياء يقوم له ولا يقوم للفقراء وطلبة العلم ققيل له في ذلك فقال: إن الاغنياء يتوقعون مني التعظيم فلو تركت تعظيمهم يتضررون، والفقراء وطلبة العلم لا يطمعون مني في ذلك وإنما يطمعون في رد السلام والكلام في العلم. ولا بأس بالمصافحة لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال من صافح أخاه المسلم وحرك يده في يده تناثرت ذنوبه وفي حديث آخر ما من مسلمين

[ 365 ]

[ فصل في البيع كره بيع العذرة لا السرقين وله شراء أمة زيد قال بكر وكلني زيد ببيعها وكره لرب ] التقيا فتصافحا إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا (1) ولا بأس بمصافحة العجوز التي لا تشتهى ولا يمس الرجل المرأة وهما شابان سواء كانت الصغيرة ماسة أو البالغ ماسا اه‍. والله تعالى أعلم. فصل في البيع قدم فصل البيع عن فصل الاكل والشرب واللمس والوطئ لان أثر تلك الافعال متصل ببدن الانسان وما كان أكثر اتصالا كان أحق بالتقديم. قال رحمه الله: (كره بيع العذرة لا السرقين) لان المسلمين يتمولون السرقين وانتفعوا به في سائر البلاد والامصار من غير نكير فإنهم يلقونه في الاراضي لاستكثار الريع بخلاف العذرة لان العادة لم تجر بالانتفاع بها إلا مخلوطة برماد أو تراب غالب عليها فحينئذ يجوز بيعها. والصحيح عن الامام أن الانتفاع بالعذرة الخالصة جائز بغلبة يجوز بيع الخالصة. وفي المحيط: رجل يبيع ويشتري على الطريق فأراد إنسان أن يشتري منه شيئا، فإن لم يكن في قعوده ضرر بالناس وسعه أن يقعد في الطريق ويشتري منه، وإن كان فيه ضرر يكره له أن يشتري منه وهو المختار لانه يكون معينا له على الاثم والعدوان. صبي جاء إلى سوق بخبز أو بلبس أو بعدس فلا بأس بأن يبيع منه البصل والثوم وغير ذلك لانه مأذون فيه عادة، ويكره أن يبيع منه الجوز والفستق حتى نسأله هل أذن له بذلك أبوه أم لا لانه غير مأذون في ذلك عادة. وفيه: وأما المغني والنائحة والقوال. إذا أخذ المال هل يباح له. إن كان من غير شرط يباح لانه أعطاه المال عن طوع من غير عقد. وإن كان من عقد لا يباح له لانه أجر على المعصية ا ه‍. وفي السراجية: يكره بيع الغلام الامرد ممن عرف باللواطة. رجل اشترى عبدا مجوسيا فأبى أن يسلم وقال إن بعتني من مسلم قتلت نفسي جاز له أن يبيعه من المجوسي، ولا بأس بأن يبيع الزنار من النصارى والقلنسوة من اليهود. وفي جامع الجوامع عن الثاني: باع ثورا من المجوسي لينحره في عيدهم يقتلوه بالعصا لا بأس به. وفي التتمة سئل علي بن أحمد أهل بلده زادوا في موازينهم فيما يوزن بزيادة فوق الزيادة في سائر البلدان وبعضهم يوافق وبعضهم لا يوافق أتحل لهم تلك الزيادة؟ فقال: لا. قالوا: ولو أنفق الكل على ذلك؟ قال: لا. وفي السراجية: رجل اشترى لحما أو سمكا أو شيئا من الثمار فذهب المشتري ليأتي بالثمن وأبطأ فخشي البائع أن


(1) رواه أبو داود في كتاب الادب باب 142. الترمذي في كتاب الاشتئذان باب 31. ابن ماجه في كتاب الادب باب 15. أحمد في مسنده (4 / 289، 303)

[ 366 ]

يفسد فإنه يبيعه من غيره ويحل شراء ذلك منه، وإذا مرض الرجل فاشترى له ابنه أو ولده جاز ا ه‍. قال رحمه الله: (وله شراء أمة زيد قال بكر وكلني زيد ببيعها) يعني أن جارية لانسان فرآها في يد آخر يبيعها فقال له وكلني مولاها بالبيع حل له أن يشتريها منه ويطأ لانه أخبره بخير صحيح لا منازع له فيه، وقول الواحد في المعاملات مقبول كما تقدم، وكذا إذا قال اشتريتها منه أو وهبني أو تصدق علي فله الشراء. ولا فرق بين أن يعلم أنها له أو لم يعلم لان خبره هو المعتمد عليه إذا كان ثقة، فإن كان المخبر غير ثقة فيما إذا ادعى الملك أو غيره، فإن كان أكبر رأيه أنه صادق وسعه الشراء على ما تقدم، وإن كان أكبر رأيه أنه كاذب لا يتعرض لشئ من ذلك لان أكبر رأيه يقوم مقام اليقين، وإن لم يخبره صاحب اليد من الوكالة وانتقال الملك إليه، فإن كان يعرف أنها لغيره لا يشتري حتى يعرف أن الملك انتقل إليه لان يد الاول دليل الملك، فإن كان لا يعرف أنها لغيره وسعه أن يشتريها. وإن كان ذو اليد فاسقا إلا أن مثله لا يملك مثلها كدرة في يد كناس فحينئذ يستحب له أن يتنزه عنها، لو اشتراها مع ذلك صح لاعتماده على الشرعي وهو اليد. وإن كان الذي أتاه بها عبدا فإنه لا يقبلها ولا يشتريها حتى يسأل لان المملوك لا ملك له فيعلم أن الملك فيها لغيرة، فلو قال له أذنني مولاي في بيعها وهو ثقة قبل قوله. قال صاحب العناية: فإن قبل: قوله وهو ثقة يناقض قوله يقبل على أي صفة. وأجيب بأن معنى قوله ثقة أن يكون ممن يعتمد على كلامه وإن كان فاسقا لجواز أن لا يكذب لمروءته ولوجاهته. بقي أن يقال مما ذكر هنا أن عدالة المخبر في المعاملات غير لازمة ولا بد في قبول قوله إذا كان غير عدل أن يكون أكبر رأي السامع أنه صادق، وقد مر في أول هذا الكتاب أن يقبل في المعاملات خبر الفاسق مطلقا ولا يقبل في الديانات قول الفاسق ولا المستور إلا إذا كان أكبر رأي السامع أنه صادق، فما ذكر هنا مخالف لما تقدم لان الذي اعتبر في الديانات دون المعاملات اعتبر هنا في المعاملات أيضا. والجواب أن خبر الفاسق إنما يقبل في الديانات إذا حصل بعد التحري، وفي المعاملات ذكر فخر الاسلام خبر العدل يقبل فيها من غير تحرر وهو المذكور في الجامع الصغير، وفي موضع آخر يشترط فيها التحري وهو المذكور في كتاب الاستحسان، فيشترط التحري في المعاملات استحسانا ولا يشترط التحري فيها رخصة، فما ذكر في أوله لبيان الرخصة وهو عدم التحري، وما ذكر هنا بيان الاستحسان كما في التلويح. قال في الخانية: فلو لم يقل صاحب اليد وكلني ولكن قال قد كان ظلمني وغصبني الجارية فأخذتها منه لا ينبغي له أن يشتريها منه وإن كان عدلا. وفي الخزانة: وإن قال كان غصبها مني فلان فارتجعتها منه بلا رضا ولا قضاء لا يصدق وكذا إذا قال قضى القاضي لي بالجارية فأخذها منه ودفعها لي فلا بأس أن يشتريها منه

[ 367 ]

إن كان عدلا، وإن قال قضى بها القاضي فجحدني قضاءه فأخذتها فلا ينبغي له أن يشتريها منه ولو كان عدلا. وفي الخانية: قال اشتريت هذه الجارية من فلان ونقدته الثمن ثم جحد البائع البيع فأخذتها منه لا ينبغي له أن يقبل قوله. وفي فتاوي العتابية: ولو لم يذكر الجحود على الشراء منه ينبغي له أن يقبل قوله إذا كان عدلا، وإن كان المخبر على الجحود فاسقا يعتبر فيه أكبر رأيه كما تقدم. وفي الفتاوي الغياثية: ولو ورثه أو أبيح له فأخبره عدل بأنه غصبه وكذبه ذو اليد فهو متهم فيجوز له أن يشتريها. قال محمد: هذا إذا لم يجئ التشاجر والتجاحد من الذي كان يملك، فإن جاءت المشاجرة والانكار من المالك لا يقبل خبر المخبر، سواء كان فاسقا أو عدلا. ولو شهد شاهدان عدلان عند البيع أن مولاها قد أمر البائع ببيعها فاشتراها بقولهما ونقد الثمن وقبضها وحضر مولاها فأنكر الوكالة كان المشتري في سعة من إمساكها. وفي الخانية: وكان له أن يتصدق بها حتى يخاصمه المولى إلى القاضي بخلاف ما لو كان المخبر واحدا قال: إلا أن يكون خاصم عند القاضي وقضى القاضي بالملك فإن استحلف المالك على الوكالة فإنه لا يسعه إمساكها ما لم يجدد الشاهدان الشهادة على الوكالة بين يدي القاضي حتى يقضي القاضي بالوكالة. وفي الخزانة: خمسة أشياء لا يقبل قول الواحد فيها: إذا اشترى شيئا فأخبره رجل أنه لغير البائع وباعه بغير أمره لا يصدقه وجاز تصرفه فيه، وإذا تزوج فأخبره رجل أنها أخته من الرضاع ويتنزه عنها، وإذا اشترى طعاما شراء فأخبره ثقة أنه حرام أو غصبه البائع لا يصدق في الغصب ويصدق في الحرام. رأى رجلا قتل ولدا له بالسيف وجحد قتله لا يصدق ووسع من عاين ذلك أن يعينه على قتله. قال محمد: ولو أن رجلا تزوج امرأة فلم يدخل بها حتى غاب عنها فأخبره مخبر أنها قد ارتدت عن الاسلام والعياذ بالله تعالى، فإن كان المخبر بذلك عدلا. وفي الفتاوي الغياثية وهو حر أو مملوك أو محدود في قذف. وسعه أن يصدقه وأن يتزوج بأختها أو أربع سواها، وإن كان فاسقا تحرى في ذلك. وفي الخانية: وإن لم يكن المخبر ثقة وفي البزازية: فإن كان أكبر رأيه أنه صادق فكذلك، وإن كان أكبر رأيه أنه كاذب لم يتزوج أكثر من ثلاث، هكذا ذكر المسألة في كتاب الاستحسان وتلك المسألة في السير الكبير أنه لا يسعه أن يتزوج بأختها وأربع سواها ما لم يشهد عنده رجلان أو رجل وامرأتان. وذكر شيخ الاسلام في شرح كتاب الاستحسان اختلاف الروايتين في رواية ولم يذكر ردة المرأة، وذكر شمس الائمة السرخسي اختلاف الروايتين، ردة الرجل لا يثبت عند المرأة إلا بشهادة رجلين أو شهادة رجل وامرأتين على رواية السير الكبير. ردة المرأة تثبت عند الزوج بخبر الواحد باتفاق الروايات. قال شمس الائمة الحلواني: والصحيح أن في المسألة روايتين على رواية السير لا يثبت ردة المرأة عند الزوج ولا ردة الزوج عند المرأة إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين. وفي الذخيرة: ثم فرق على رواية كتاب الاستحسان بينهما إذا أخبر عن ردتهما

[ 368 ]

قبل النكاح فقال: إذا قال للزوج تزوجتها وهي مرتدة لا يسعه أن يأخذ بقوله وإن كان عدلا، وإذا أخبر عن ردتها بعد النكاح وسعه أن يصدقه فيما قال ويتزوج بأختها وأربع سواها، وكذلك لو أن رجلا تزوج جارية رضيعة ثم غاب عنها فأتاه رجل وأخبره أنها أمه أو بنته أو أخته أو رضيعة امرأته الصغيرة، فإن كان المخبر عدلا وسعه أن يصدقه ويتزوج بأختها وأربع سواها، وإن كان فاسقا يتحرى في ذلك. قال في الهداية: لان القاطع طارئ والاقدام الاول لا يدل على إقدامه فلم يثبت المنازع. اعترض عليه بأنه إن قبل خبر الواحد في إفساد النكاح بعد الصحة من هذا الوجه فوجه آخر فيه يوجب عدم القبول. وأجيب بأن ذلك إذا كان ثابتا بدليل موجب ودليل ملك الزوج فيها في الحال ليس بدليل موجب بل باستصحاب الحال، وخبر الواحد أقوى من استصحاب الحال. وأجيب بأنه إذا تضمن إبطال الملك الثابت قال شيخ الاسلام: رواية السير تحتاج إلى الفرق بين الرضاع وبين الردة وإن لم يقل هكذا ولكنه قال كنت تزوجتها يوم تزوجتها وهي أختك من الرضاعة فإنه لا يسعه أن يتزوج أختها ولا أربعا سواها، إن كان المخبر عدلا، وإذا غاب الرجل عن امرأته فأتاها مسلم عدل وأخبرها أن زوجها طلقها ثلاثا أو مات عنها فلها أن تعتد وتتزوج بزوج آخر، وإن كان المخبر فاسقا يتحرى. وفي الفتاوي الغياثية: وكذلك إذا جاءها كتاب بطلاق أو موت وغلب في ظنها ذلك. وفي فتاوي أبي الليث: إذا شهد شاهدان عند المرأة بالطلاق فإن كان الزوج غائبا وسعها أتعتد وتتزوج بزوج آخر، وإن كان حاضرا ليس لها أن تمكن نفسها من زوجها، وكذلك إن سمعته طلقها وجحد الزوج ذلك وحلف فردها القاضي عليه لم يسعها المقام معه، وينبغي لها أن تفتدي بمالها وتهرب منه، وإن لم تقدر على ذلك قتلته، وإذا هربت منه لم يسعها أن تعتد وتتزوج بزوج آخر. قال شمس الائمة السرخسي: ليس لها أن تعتد وتتزوج بزوج آخر جواب القاضي أما فيما بينها وبين الله تعالى فلها أن تتزوج بعد ما اعتدت ا ه‍. ثم إذا أخبرها عدل مسلم أنه مات زوجها كذا إنما تعتمد خبره إذا قال عاينته ميتا وقال شهدت جنازته، أما إذا قال أخبرني مخبر لا يعتمد على خبره. وإن أخبر واحد بموته ورجلان آخران أخبر بحياته، فإن كان الذي أخبرها بموته قال عاينته ميتا وشاهدت جنازته يحل لها أن تتزوج، وإن كان اللذان أخبرا بحياته ذكرا أنهما رأياه حيا فقولهما أولى. وفي السراجية: إن كان عدلا. وفيه: لو شهد اثنان بموته وقتله وشهد آخران أنه حي فشهادة الموت أولى، ولو أن امرأة قالت لرجل إن زوجي طلقني ثلاثا وانقضت عدتي، فإن كانت عدلة وسعه أن يتزوجها، وإن كانت فاسقة تحرى وعمل بما وقعت تحريته عليه. ولو أخبرها أن أصل نكاحها فاسد وأن زوجها أخوها من الرضاعة أو كان مرتدا فإنه لا يسعها أن تقبل وتتزوج بزوج آخر، وإن كان المخبر عدلا قال محمد: إنما هو بمنزلة رجل في يده جارية يدعي أنها

[ 369 ]

[ الدين أخذ خمر باعها مسلم لا كافر واحتكار قوت الادميين والبهائم في بلد لم ] رقيقته وهي تقر بالملك فوجدها في يد رجل وقد علم بحالها فأراد شراءها فسأله عنها فقال الجارية جاريتي وقد كان الذي يدعي الجارية كانت في يده كاذبا فيما ادعى من ملكها لا ينبغي لهذا الرجل أن يشتريها منه وإن كان عدلا. ولو قال كنت اشتريتها منه وسعه أن يشتريها منه، وكذلك جارية في يد رجل يدعي أنها جاريته وهي صغير لا تعبر عن نفسها بجحود ولا إقرار فكبرت فلقيها رجل وقد علم بذلك في بلد آخر فأراد أن يتزوجها فقالت له أنا حرة الاصل ولم أكن أمة للذي كنت في يده فلهذا لا يسعه أن يتزوجها، ولو قالت كنت أمة للذي كنت في يده فأعتقني وسعه أن يتزوجها إن كانت خالية. وفي الخانية: إن كانت ثقة أو وقع في قلبه أنها صادقة لا بأس أن يتزوجها، ولو أن حرة تزوجت رجلا ثم أتت غيره وقالت إن نكاحي الاول كان فاسدا أو الزوج على غير الاسلام لا ينبغي لهذا الرجل أن يصدقها ولا أن يتزوجها، ولو قالت إن زوجي طلقني بعد ذلك أو قالت ارتد عن الاسلام فبنت منه وسعه أن يصدقها وأن يتزوجها إذا كانت عدلة ا ه‍. قال رحمه الله: (وكره لرب الدين أخذ ثمن خمر باعها مسلم لا كافر) يعني إذا كان لشخص مسلم دين على مسلم فباع الذي عليه الدين خمرا وأخذ ثمنها وقضى الدين لا يحل للمدين أن يأخذ ذلك بدينه، وإن كان البائع كافرا جاز له أن يأخذ. والفرق أن البيع في الوجه الاول باطل فلم يملك البائع الثمن وهو باق على ملك المشتري فلا يحل له أن يأخذ مال الغير بغير رضاه، والبيع في الوجه الثاني صحيح فملك البائع الثمن لان الخمر مال متقوم في حق الكافر فجاز له الاخذ بخلاف المسلم. وفي النهاية عن محمد: هذا إذا كان القضاء والاقتضاء بالرضا، فإن كان بقضاء القاضي فقضى عليه بهذا الثمن ولم يعلم القاضي بكونه ثمن خمر يطيب له ذلك بقضائه. واستشكل بالامام الزيلعي حيث قال: إنه مال الغير فكيف يطيب له بقضاء القاضي ومحمد لا يرى نفوذ قضاء القاضي باطنا وإنما ينفذ عنده ظاهرا. ولو مات مسلم وترك ثمن خمر باعها لا يحل لورثته أن يأخذوا ذلك لانه كالمغصوب. قال في النهاية قال بعض مشايخنا: كسب المغنية كالمغصوب لم يحل لاحد أخذه. قالوا: وعلى هذا لو مات رجل وكسبه من ثمن الباذق والظلم أو أخذ الرشوة تعود الورثة ولا يأخذون منه شيئا وهو الاولى لهم ويردونه على أربابه إن عرفوهم وإلا يتصدقوا به لان سبيل الكسب الخبيث التصدق إذا تعذر الرد. وظاهر هذا أن المعتبر اعتقاد البائع سواء باعه من مسلم أو كافر، فإن كان البائع مسلما لا يملك ذلك الثمن. اشتراه منه مسلم أو كافر. وإن كان كافرا ملك الثمن سواء اشتراه منه مسلم أو كافر ا ه‍. فإن قيل: هذا ظاهر إذا باع الخمر المسلم للمسلم أو الكافر للكافر، وأما إذا باع المسلم للكافر أو الكافر للمسلم فلم لم يقبل اعتقاد الكافر فنقول بالجواز أو باعتقاد المسلم فنقول بعدم الجواز؟ قلنا: الاصح ترجيح المحرم.

[ 370 ]

[ يضر بأهلها لا غلة ضيعته وما جلبه من بلد آخر ولا يسعر السلطان إلا أن يتعدى أرباب الطعام عن القيمتة تعديا فاحشا وجاز بيع العصير من خمار وإجارة بيت ليتخذ ] قال رحمه الله: (واحتكار قوت الآدميين والبهائم في بلد لم يضر بأهلها) يعني يكره الاحتكار في بلد يضر بأهلها لقوله عليه الصلاة والسلام الجالب مرزوق والمحتكر ملعون (1) ولانه تعلق به حق العامة، وفي الامتناع عن البيع ابطال حقهم وتضييق الامر عليهم فيكره. هذا إذا كانت البلدة صغيرة يضر ذلك بأهلها، أما إذا كانت كبيرة فلا يكره لانه حابس ملكه. وتخصيص الاحتكار بالاقوات قول الامام والثالث. وقال أبو يوسف: كل ما يضر العامة فهو احتكار بالاقوات كان أو ثيابا أو دراهم أو دنانير اعتبارا لحقيقة الضرر لانه هو المؤثر في الكراهة، وهما اعتبر الحبس المتعارف وهو الحاصل في الاقوات في المدة فإذا قصرت لا يكون احتكارا لعدم الضرر إذا طالت يكون مكروها. ثم قيل: هو مقدر بأربعين ليلة لقوله عليه الصلاة والسلام من احتكر طعاما أربعين ليلة فهو برئ من الله والله برئ منه (2) وقيل بالشهر لان ما دونه قليل عاجل وهو ما فوقه كثير آجل، ويقع التفاوت في المأثم بين أن يتربص العسرة وبين أن يتربص القحط والعياذ بالله. وقيل المدة المذكورة للمراقبة في الدنيا وأما الاثم فيحصل وإن قلت المدة. فحاصله أن التجارة في الطعام غير محمودة. وفي المحيط: الاحتكار على وجوه: أحدها حرام وهو أن يشتري في المصر طعاما ويمتنع عن بيعه عند الحاجة إليه، ولو اشترى طعاما في غير المصر ونقله إلى المصر وحبسه قال الامام: لا بأس به لان حق العامة إنما يتعلق بما جمع من المصر أو جلب من فنائه. وقال الثاني: بكره وقال محمد: كل بقعة يمتد منها إلى المصر في العادة فهي بمنزلة فناء المصر يحرم الاحتكار منه وهذا في غاية الاحتياط ا ه‍. قال رحمه الله: (لا غلة ضيعته وما جلبه من بلد آخر) يعني لا يكره احتكار غلة أرضه وما جلبه من بلد آخر لانه خالص حقه فلم يتعلق به حق العامة فلا يكون احتكارا ألا ترى أن له أن لا يزرع ولا يجلب فكذا له أن لا يبيع. وهذا في المجلوب قول الامام خاصة فإن حق العامة لا يتعلق بما جلب فصار كغلة ضيعته والجامع تعلق حق العامة به، وقدمنا قول محمد وقول أبي يوسف عن المحيط ا ه‍. قال رحمه الله: (ولا يسعر السلطان إلا أن يتعدى أرباب الطعام عن القيمة تعديا فاحشا) لقوله عليه الصلاة والسلام لا تسعروا فإن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق (3) ولان الثمن حق البائع وكان إليه تقديره فلا ينبغي للامام أن يتعرض لحقه إلا إذا كان أرباب الطعام يحتكرون على المسلمين ويتعدون


(1) رواه ابن ماجه في كتاب التجارات باب 6. الدارمي في كتاب البيوع باب 12. (2) رواه ابن ماجه في كتاب التجارات باب 6. أحمد في مسنده (1 / 21) (2 / 23). (3) رواه الترمذي في كتاب البيوع باب 49. ابن ماجه في كتاب التجارات باب 27. أحمد في مسنده (2 / 237، 372) (3 / 85)

[ 371 ]

[ بيت نار أو بيعة أو كنيسة أو يباع فيه خمرا بالسواد وحمل خمر الذمي يأجر وبيع بناء ] في القيمة تعديا فاحشا وعجز السلطان عن منعه إلا بالتعسير بمشاورة أهل الرأي والنظر، فإذا فعل ذلك على رجل فتعدى وباع بثمن فوقه أجازه القاضي، وهذا لا يشكل على قول الامام لانه لا يرى الحجر على الحر، وكذا عندهما إلا أن يكون الحجر على قوم بأعيانهم. وينبغي للقاضي وللسلطان أن لا يعجل بعقوبة من باع فوق ما سعر بل يعظه ويزجره وإن رفع إليه ثانيا فعل به كذلك وهدده، وإن رفع إليه ثالثا حبسه وعزره حتى يمتنع عنه ويمتنع الضرر عن الناس. وفي العتابي: ولو باع شيئا بثمن زائد على ما قدره الامام فليس على الامام أن ينقضه. والغبن الفاحش هو أن يبيعه بضعف قيمته، وإذا امتنع أرباب الطعام عن بيعه لا يبيعه القاضي أو السلطان عند الامام، وعندهما يبيع بناء على أنه لا يرى الحجر على الحر البالغ العاقل وهما يريانه. امتنع المحتكر من بيع الطعام للامام أن يبيعه عليه عندهم جميعا على مسألة الحجر، وقيل يبيع بالاجماع لانه اجتمع ضرر عام وضرر خاص فيقدم دفع الضرر العام كما بينا في كتاب الحجر، قال في المحيط قال بعض مشايخنا: إذا امتنع المحتكر عن بيع الطعام يبيعه الامام عليه عندهم جميعا ا ه‍. ومن باع منهم بما قدره الامام صح لانه غير مكره على البيع، كذا في الهداية وفي المحيط: إن كان البائع يخاف إذا زاد في الثمن على ما قدره أو نقص في البيع يضربه الامام أو من يقوم مقامه لا يحل للمشتري ذلك لانه في معنى المكره، والحيلة في ذلك أن يقول تبيعني بما تحب. ولو اصطلح أهل بلدة على سعر الخبز واللحم وشاع ذلك عندهم فاشترى منهم رجل خبزا بدرهم أو لحما بدرهم وأعطاه البائع ناقصا والمشتري لا يعرف ذلك كان له أن يرجع بالنقصان إذا عرفه لان المعروف كالمشروط، وإن كان من غير أهل تلك البلد كان له أن يرجع بالنقصان في الخبز دون اللحم لان سعر الخبز يظهر عادة في البلدان وسعر اللحم لا يظهر إلا نادرا فيكون شارطا في الخبز مقدارا معينا دون اللحم. ولو خاف الامام على أهل مصر الهلاك أخذ الطعام من المحتكرين وفرقه، فإذا وجدوه ردوا مثله وليس هذا من باب الحجر وإنما ومن باب دفع الضرر عنهم كما في حال المخمصة، ذكره في شرح المختار. قال رحمه الله: (وجاز بيع العصير من خمار) لان المعصية لا تقوم بعينه بل بعد تغيره بخلاف بيع السلاح من أهل الفتنة لان المعصية تقوم بعينه فيكون إعانة لهم وتسببا وقد نهينا عن التعاون على العدوان والمعصية، ولان العصير يصلح للاشياء كلها جائزة شرعا فيكون الفساد إلى اختياره. وبيع المكعب المفضض للرجال إذا علم أنه يشتريه ليلبسه يكره لانه إعانة له على لبس الحرام، ولو أن اسكافيا أمره إنسان أن يتخذ له خفا على زي المجوس أو الفسقة أو خياطا أمره إنسان أن يخيط له قميصا على زي الفساق يكره له أن يفعل ذلك، كذا في المحيط. قال رحمه الله: (وإجارة بيت ليتخذ بيت نار أو بيعة أو كنيسة أو يباع فيه خمر بالسواد)

[ 372 ]

[ بيوت مكة أو أراضيها وتعشير المصحف ونقطة وتحليه ودخول ذمي مسجدا وعيادته ] يعني جاز إجارة البيت لكافر ليتخذ معبدا أو بيت نار للمجوس أو يباع فيه خمر في السواد وهذا قول الامام. وقالا: يكره كل ذلك لقوله تعالى * (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) * (المائدة: 2) وله أن الاجارة على منفعة البيت ولهذا تجب الاجرة بمجرد التسليم ولا معصية فيه، وإنما المعصية بفعل المستأجر وهو مختار فيه فقطع نسبة ذلك إلى المؤجر وصار كبيع الجارية لمن لا يستبرئها أو يأتيها في دبرها أو بيع الغلام ممن يلوط به، والدليل عليه أنه لو أجره للسكنى جاز ولا بد فيه من عبادته. وإنما قيده بالسواد لانهم لا يمكنون من ذلك في الامصار ولا يمكنون من إظهار بيع الخمر والخنزير في الامصار لظهور شعائر الاسلام فلا يعارض بظهور شعائر الكفر، قالوا في هذا سواد الكوفة لان غالب أهلها أهل ذمة، وأما في غيرها فيها شعائر الاسلام ظاهرة فلا يمكنون فيها في الاصح. وفي التتارخانية: مسلم له امرأة من أهل الذمة ليس له أن يمنعها من شرب الخمر وله أن يمنعها من إدخال الخمر بيته ولا يجبرها على الغسل من الجناية. وفي كتاب الخراج لابي يوسف: المسلم يأمر جاريته الكتابية بالغسل من الجنابة ويجبرها على ذلك قالوا: يجب أن تكون المرأة الكتابية على هذا القياس أيضا. قال القدوري في النصرانية تحت المسلم: لا تنصب في بيته صليبا وتصلي في بيته حيث شاءت، ومن سأل من أهل الذمة المسلم طريق البيعة لا ينبغي له أن يدله عليها ا ه‍. قال رحمه الله تعالى: (وحمل خمر الذمي بأجر) يعني جاز ذلك وهذا عند الامام. وقالا: يكره لانه عليه الصلاة والسلام لعن في الخمر عشرة وعد منها حاملها. وله أن الاجارة على الحمل وهو ليس بمعصية وإنما المعصية بفعل فاعل مختار فصار كمن استأجره لعصره خمر العنب وقطفه. والحديث يحمل على الحمل المقرون بقصد المعصية وعلى هذا الخلاف إذا أجر دابة ليحمل عليها الخمر أو نفسه ليرعى له الخنازير فإنه يطيب له الاجرة عنده، وعندهما يكره. وفي التتارخانية: ولو أجر المسلم نفسه لذمي ليعمل في الكنيسة فلا بأس به. وفي الذخيرة: إذا دخل يهودي الحمام هل يباح للخادم المسلم أن يخدمه قال: إن خدمه طمعا في فلوسه فلا بأس به، وإن خدمه تعظيما له ينظر، إن فعل ذلك ليميل قلبه إلى الاسلام فلا بأس به، وإن فعله تعظيما له كره ذلك، وعلى هذا إذا دخل ذمي على مسلم فقام له طمعا في إسلامه فلا بأس به، وإن قام له تعظيما له كره له ذلك. قال رحمه الله: (وبيع بناء بيوت مكة أو أراضيها) يعني يجوز ذلك، أما البناء فظاهر لانه ملك لبنائه ألا ترى أنه لو بنى في المستأجر أو الوقف جاز البناء وكان له ملكا له، وأما بيع أراضيها فالمذكور هنا قول أبي يوسف ومحمد وهو إحدى الروايتين عن الامام لان أراضيها مملوكة لاهلها لظهور التصرف والاختصاص ولقوله عليه الصلاة والسلام هل ترك لنا عقيل من رباع الحديث. فيه دليل على أن أراضيها تملك وتقبل الانتقال من ملك إلى ملك وقد تعارف الناس ذلك من أول

[ 373 ]

الاسلام إلى الآن من غير نكير وهو من أقوى الحجج. وقال الامام: لا يجوز بيع أراضيها لقوله عليه الصلاة والسلام إن الله حرم مكة وحرم بيع أراضيها وإجارتها ولانه وقف الخليل عليه الصلاة والسلام ولان الاراضي بمكة كانت تدعى في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والخليفتين من بعده بالسوائب من احتاج إليها سكنها ومن استغنى عنها تركها. قال الشارح: ومن وضع عند بقال درهما يأخذ منه ما شاء كره له ذلك لانه إذا ملكه الدرهم فقد أقرضه إياه وقد شرط أن يأخذ منه من القبول وغيرها ما شاء وله في ذلك بقاء الدرهم وكفايته للحاجات، ولو كان في يده لخرج من ساعته ولم يبق فصار في معنى قرض جر نفعا وهو منهي عنه، وينبغي أن يودعه عنده ثم يأخذ منه شيئا فشيئا، وإن ضاع فلا شئ عليه لان الوديعة أمانة ا ه‍. قال رحمه الله: (وتعشير المصحف ونقطه) يعني يجوز لان القراءة والآية توقيفية ليس للرأي فيها مدخل، فالتعشير حفظ الآيات، والنقط الاعراب فكانا حسنين، ولان العجمي الذي لا يحفظ القرآن لا يقدر على القراءة إلا بالنقط فكان حسنا، وما روي عن ابن مسعود من قوله جرد والقرآن فذلك في زمانهم لانهم كانوا ينقلونه عن النبي صلى الله عليه وسلم كما أنزل. وعلى هذا لا بأس بكتابة أسامي السور وعد الآي وإن كان محزبا فهو حسن، وكم من شئ يختلف باختلاف الزمان والمكان. وفي العتابية: ويكره التعاشير وهو كتابة لعلامة عشر منتهى عشر آيات ا ه‍. قال رحمه الله: (وتحليته) يعني ويجوز تحلية المصحف لما فيه من تعظيمه كما في نقش المسجد وزينته وقد تقدم في بابه. قال رحمه الله: (ودخول ذمي مسجدا) يعني جاز إدخال الذمي جميع المساجد عندنا. وقال مالك: يكره في كل المساجد. وقال الشافعي: يكره في المسجد الحرام لقوله تعالى * (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام) * (التوبة: 28) ولان الكافر لا يخلو عن النجاسة والجنابة فوجب تنزيه المسجد عنه. ولنا أنه عليه الصلاة والسلام أنزل وفد ثقيف في المسجد وضرب لهم خيمة في المسجد فقال الصحابة: المشركون نجس. فقال عليه الصلاة والسلام: ليس على الارض من نجاستهم شئ وإنما نجاستهم على أنفسهم. والنجاسة المذكورة في الآية الخبث فاعتقادهم لان كل خبيث رجس وهو النجس والمراد بالمنع في الآية منعهم عن الطواف، ولما أعلا الله كلمة الاسلام منعهم صلى الله عليه وسلم من الدخول للطواف. والتعميم المذكور ههنا هو المذكور في الجامع الصغير وذكره الكرخي في مختصره وذكر محمد في السير الكبير أنهم يمنعون من دخول المسجد الحرام. فإن قلت: الدليل ليس بنص في المسألة لان المذكور دخول الذمي والدليل يفيد جواز دخول الذمي بالاولى فأفاد المطلوب وزيادة بالنص، وظهر أن يقول المؤلف ذمي مثال وليس بقيد ولهذا عبر محمد في كتبه بلفظ الكافر ليفيد العموم. وفي الذخيرة: إذا قال الكافر من أهل الحرب أو من أهل الذمة علمني القرآن فلا بأس بأن يعلمه ويفقهه في الدين. قال القاضي علي السفدي: إلا أنه لا يمس

[ 374 ]

المصحف فإن اغتسل ثم مسه فلا بأس به. وعلم من هذه المسألة أن المسلم الطاهر من الجنابة إذا اعتاد المرور في المسجد لينظر ما فيه من العبادة أو قرآن أو ذكر أو ليذكره بالصلاة لا يأثم ولا يفسق. وقولهم معتاد المرور يأثم ويفسق محمول على ما إذا اعتاد ذلك من غير استحلال الدخول أو جعله طريقا من غير ضرورة والدليل على هذا التفصيل وصفه بالاثم والفسق اه‍. قال محمد رحمه الله تعالى: يكره الاكل والشرب في أواني المشركين قبل الغسل ومع هذا لو أكل أو شرب فيها جاز إذا لم يعلم بنجاسة الاواني، وإذا علم حرم ذلك عليه قبل الغسل، والصلاة في ثيابهم على هذا التفصيل. ولا بأس بطعام اليهود والنصارى من أهل الحرب، ولا فرق بين أن يكونوا بني إسرائيل أو من نصارى العرب، ولا بأس بطعام المجوس كلها إلا الذبيحة. وفي التتمة: يكره للمسلم دخول البيعة والكنيسة لانها مجمع الشياطين اه‍. قال رحمه الله: (وعيادته) يعني تجوز عيادة الذمي المريض لما روي أن يهوديا مرض بجوار النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قواموا بنا نعود جارنا اليودي فقاموا ودخل النبي صلى الله عليه وسلم وقعد عند رأسه وقال له: قل أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فنظر المريض إلى أبيه فقال: أجبه. فنطق بالشهادة فقال صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذي أنقذ بي نسمة من النار الحديث. ولان العيادة نوع من البر وهي من محاسن الاسلام فلا بأس بها. ويرد السلام على الذمي ولا يزده على قوله وعليك لانه عليه الصلاة والسلام لم يزده على ذلك. ولا يبدؤه بالسلام لان فيه تعظيما له فإن كان له إليه حاجة فلا بأس ببداءته. ولا يدعو له بالمغفرة ويدعو له بالهدى، ولو دعاله بطول العمر قيل يجوز لان فيه نفعا للمسلمين بالجزية، وقيل لا يجوز، وعلى هذا الدعاء بالعافية. وهذا إذا كان من أهل الكتاب، ولو كان مجوسيا لا يعوده لانه أبعد عن الاسلام، وقيل يعوده لان فيه إظهار محاسن الاسلام وترغيبه فيه. واختلفوا في عيادة الفاسق والاصح أنه لا بأس به لانه مسلم والعيادة في حق المسلمين. وإذا مات الكافر قيل لوالده أو لقريبه في تعزيته أخلف الله عليك خيرا منه وأصلحك ورزقك ولدا مسلما لان الجزية تطهر. ويقول في تعزية المسلم أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك ورحم ميتك وأكثر عددك. وفي النوازل: ولا بأس بأن يصل الرجل المسلم المشرك قريبا كان أو بعيدا، محاربا كان أو ذميا. وأراد بالمحارب المستأمن فأما إذا كان غير مستأمن فلا ينبغي له أن يصله بشئ. وفي الذخيرة: إذا كان حربيا في دار الحرب وكان الحال حال صلح فلا بأس بأن يصله. واختلفوا هل يكره لنا أن نقبل هدية المشرك أو لا نقبل؟ ذكر فيه قولان. وفي فتاوي أهل سمرقند: مسلم دعاه نصراني إلى داره ضيفا حل له أن يذهب معه. وفي النوازل: المجوسي أو النصراني إذا دعا رجلا إلى طعام تكره الاجابة وإن قال اشتريت اللحم من السوق فإن كان الداعي يهوديا فلا بأس. قال رحمه الله: (وخصى البهائم) يعني يجوز لانه عليه الصلاة والسلام ضحى بكبشين

[ 375 ]

أملحين موجو أين والموجوء هو الخصي ولان لحمه يطيب به ويترك النكاح فكان حسنا. ولك أن تقول الدليل لا يفيد جواز الفعل وإنما يفيد جواز التضحية به ولا يلزم من جواز التضحية جواز الفعل، والجواب أن البهائم كانت تكثر في زمنه صلى الله عليه وسلم فتكوى بالنار لاجل المنفعة للمالك فكذا يجوز هذا الفعل لتعود المنفعة للمالك. وفي الصحاح: جمع خصي هو خصا بكسر الخاء والرجل خصي وخصية اه‍. قال العيني: والخصيان بضم الخاء جمع خصي. وفي المحيط: أن الاصل إيصال الالم إلى الحيوان لمصلحة تعود إلى الحيوان يجوز، ولا بأس بكي البهائم للعلامة، ويكره كسب الخصي من بني آدم. وقتل النملة قيل لا بأس به مطلقا. وقيل إن بدأت بالاذى فلا بأس به، وإن لم تبتدئ يكره وهو المختار، ويكره إلقاؤها في الماء. وقتل القملة يجوز بكل حال. قرية فيها كلاب كثيرة ولاهل القرية منها ضرر يؤمر أرباب الكلاب بأن يقتلوا كلابهم لان دفع الضرر واجب وإن أبوا ألزمهم القاضي. ولا ينبغي أن يتخذ في بيته كلبا إلا كلب الحراسة. الهرة إذا كانت مؤذية يذبحها بالسكين ويكره ضربها وفرك أذنها اه‍. وأطلق المؤلف في البهائم فشمل الخيل. وفي الخانية: ويكره خصي الفرس. وذكر شمس الائمة في شرحه أن خصي الفرس حرام اه‍. وفي الخانية: لا بأس بثقب أذن الطفل اه‍. وفي النوازل: يقلم الظفر يوم الجمعة لقوله عليه الصلاة والسلام من قلم أظافيره يوم الجمعة أعاذه الله من البلاء إلى الجمعة الاخرى وزيادة ثلاثة أيام ولو قلم أظافيره أو جز شعره يجب أن يدفن وإن رماه فلا بأس به، وإن رماه في الكنيف أو المغتسل فهو مكروه، وفي الفتاوي لعتابية: يدفن أربعة: الظفر والشعر وخرقة الحيض والدم. وينبغي للرجل أن يأخذ من شاربه حتى يوازي الطرف العليا من الشفة ويصير مثل الحاجب. وهذا كله إذا لم يكن في دار الحرب، فإن كان في دار الحرب يندب تطويل الاظفار ويندب تطويل الشعر ليكون أهيب في عين العدو. وفي التتمة: حلق شعر صدره وظهره فيه ترك الادب. وفي الملتقط: يقبض على لحيته فإن زاد على قبضه جزه، ولا بأس إذا طالت لحيته أن يأخذ من أطرافها. وفي المضمرات: ولا بأس بأن يأخذ الحاجبين وشعر وجهه ما لم يشبه المخنث. وفي الذخيرة: ولا بأس للرجل أن يحلق وسط رأسه ويرسل شعره من غير أن يفتله، فإن فتله فهو مكروه لانه يشبه بعض الكفرة. وإذا حلقت المرأة شعر رأسها فإن كان لوجع أصابها فلا بأس به، وإن حلقت تشبها الرجال فهو مكروه. وإذا وصلت شعرها بشعر غيرها فهو مكروه، واختلفوا في جواز الصلاة منها في هذه والمختار أنه يجوز. وإن لم يكن للعبد شعر في لحيته فلا بأس للتجار أن يشعروا على جبهته لانه يوجب زيادة في القيمة. وفي جامع الجوامع: حلق العانة بيده وإن حلق الحجام جاز إذا غض بصره، ويجوز للمرأة أن تلقي الاذى عن وجهها اه‍. وفي النوادر: امرأة حامل اعترض الولد في بطنها ولا يمكن إلا بقطعه أرباعا ولو لم يفعل ذلك يخاف على أمه من الموت، فإن كان الولد ميتا في البطن فلا بأس به، وإن

[ 376 ]

كان حيا لا يجوز لان إحياء نفس بقتل نفس أخرى لم يرد في الشرع. امرأة حامل ماتت فاضطرب الولد في بطنها، فإن كان أكبر رأيه أنه حي يشق بطنها لان ذلك تسبب في إحياء نفس محترمة بترك تعظيم الميت فالاحياء أولى ويشق بطنها من الجانب الايسر، ولو لم يشق بطنها حتى دفنت ورؤيت في المنام أنها قالت ولدت لا ينبش القبر لان الظاهر أنها ولدت ولدا ميتا. امرأة عالجت في إسقاط ولدها لا تأثم ما لم يستبن شئ من خلقه. وعن محمد: رجل ابتلع درة أو دنانير لآخر فمات المبتلع ولم يترك مالا فعليه القيمة ولا يشق بطنه لانه لا يجوز إبطال حرمة الميت لاجل الاموال، ولا كذلك المسألة المتقدمة. ونقل الجرجاني شق بطنه للحال لان حق الآدمي مقدم على حق الله تعالى إن كان حرمة الميت حقا لله تعالى، وإن كان حق الميت فحق الآدمي الحي مقدم على حق الميت لاحتياج الحي إلى حقه. نعامة ابتلعت لؤلؤة للغير أو دخل قرن شاة في قدر الباقلاني وتعذر إخراجه ينظر إلى أيهما أكثر قيمة فيقدم على غيره، ولذا لو دخلت دابة في دار ولا يمكن إخراجها إلا بهدم الدار ينظر إلى أيهما أكثر قيمة فيقدم على غيره فيهدم الآخر أو تذبح. ولا بأس بإلقاء النيلق في الشمس لتموت الديدان التي فيه لان فيه منفعة الناس. قال محمد في السير الكبير: لا بأس بالتداوي بالعظم إذا كان عظم شاة أو بقر أو بعير أو فرس أو غيره من الدواب إلا عظم الخنزير والآدمي فإنه لا يمكن التداوي بهما. ولا فرق فيما يجوز بين أن تكون ذكيا أو ميتا رطبا أو يابسا. وفي الذخيرة: رجل سقط سنة فأخذ سن الكلب فوضعه في موضع سنة فثبتت لا يجوز ولا يقطع، ولو أعاد سنه ثانيا وثبت قال ينظر، إن كان يمكن قلع سن الكب بغير ضرر يقلع، وإن كان لا يمكن إلا بضرر لا يقلع. في التتمة: يتخذ الدواء من الضفدع، ولو أكلت المرأة شيئا لسمن نفسها لزوجها لا بأس به. وفي النوازل: مرض الرجل فقال له الطبيب أخرج الدم فلم يخرجه حتى مات لا يكون مأجورا، ولو ترك الدواء حتى مات لا يأثم. وفي الخلاصة: صام وهو غير قادر على الصيام حتى مات أثم. وفي الخانية: جامع ولم يأكل وهو قادر على الاكل كان آثما. فرض عليه أن يأكل مقدار قوته. التداوي بالخمر إذا أخبره طبيب حاذق أن الشفاء فيه جاز فصار حلالا وخرج عن قوله صلى الله عليه وسلم لم يجعل الله شفاء أمتي فيما حرم عليهم لانه صار كالمضطر. وفي النوازل: رجل أدخل المرارة في أصابعه للتداوي قال أبو حنيفة: يكره. وقال أبو يوسف: يجوز. والفقيه أبو الليث اختار قول أبي يوسف. وفي الخانية: وعلى هذا الخلاف شرب بول ما يؤكل لحمه للتداوي. وفي النوازل: العجين إذا وضع على الجرح للتداوي وعرف أن التداوي به لا بأس به. وفي السراجية: وتعليق الحجاب لا بأس به وينزعه عند الخلاء والقربان، وأفتى بعضهم بأن هذا فعل العوام والجهال. الاكتحال في يوم عاشوراء لا بأس به. ضرب الدفاف على الابواب أيام النيروز لا يحل بل هو مكروه. وفي الغياثية: الحجامة بعد نصف الشهر حسن نافع جدا ويكره قبل

[ 377 ]

[ وخصي البهائم وانزاء الحمير على الخيل وقبول هدية العبد التاجر وأجابة دعوته واستعارة دابته وكره كسوته الثوب وهديته النقدين واستخدام الخصي والدعاء بمعقد ] نصف الشهر. وفي فتاوي أهل سمرقند: إذا عزل الرجل عن امرأته بغير رضاها في هذا الزمن لخوف سوء الولد لا بأس به. قال رحمه الله: (وانزاء الحمير على الخيل) لانه عليه الصلاة والسلام ركب البغل واقتناه ولو حرم لما فعل، ولان فيه فتح بابه وما ورد فيه من النهي كان لاجل تكثير الخيل، ولا يخفى أن الدليل لا يفيد المدعي لان غايته أن يفيد جواز الركوب ولا يلزم منه جواز الانزاء، والجواب لما كان هذا الفعل في زمنه ظاهرا والظاهر أنه بلغه ولم ينه عنه دل على الجواز. قال رحمه الله: (وقبول هدية العبد التاجر وأجابة دعوته واستعارة دابته وكره كسوته الثوب وهديته النقدين) يعني يجوز قبول هديته إلى آخر ما ذكر، ويكره كسوته الثوب وهديته النقدين وهذا هو الاستحسان. والقياس أن لا يجوز الكل لانه تبرع والعبد ليس من أهله لكن جوز ما ذكر لتعامل الناس به وقبوله صلى الله عليه وسلم هدية سلمان الفارسي قبل عتقه وقبل هدية بربرة وقال: هو لها صدقة ولنا هدية. لا يقال هذا الحكم قد علم مما ذكر في كتاب المأذون لانا نقول هو كذلك لكن ذكر هنا بطريق الاستطراد لان هذا محل بيان ما يجوز وما يكره. ويكره للمقرض أن يقبل هدية من أقرضه إذا كانت مشروطة في القرض أو يعلم أنما أهداها لاجل القرض، ولو لم يكن مشروطا ولم يعلم أنه لاجل الدين لم يكره. وأما هدايا الامراء في زماننا. قال الشيخ محمد بن الفضل: ترد على أربابها. وقال الامام أبو بكر محمد بن حامد: توضع في بيت المال. وذكر محمد بن الفضل أن المذهب وضعها في بيت المال لكن تركت ذلك خوفا أن يصرفها الامراء إلى شهوات ولهوات، وكان الشيخ أبو القاسم الحكيم يقبل هدية السلطان ويأخذها فقيل له: أيحل أن نقبل هديته؟ قال: إن خلطتها بدراهم أخر فلا بأس به، وإن كان غير المغصوب من غير خلط لم يجز. وفي النوازل: إذا ناول لقمة من الطعام لغيره يعتبر في ذلك تعامل الناس، فإن علم أن رب الطعام يرضى بذلك حل، وإن علم أنه لا يرضى بذلك حرم. وفي الخلاصة: لو ناول الخادم الذي على رأس المائدة جاز، وأما رفع الطعام من بيته لمكان آخر فلا يحل إلا أن يأذن له صاحب الطعام في ذلك. ويستحب للضيف أن يجلس حيث يجلس ويرضى بما قدم له وأن لا يقوم إلا بإذن صاحب البيت، وأن يدعو له إذا خرج من بيته ولا يكثر صاحب المنزل السكوت عن الاضياف، ويستحب أن يخدم الضيف بنفسه لما روي عن قصة إبراهيم عليه السلام. وفي الخانية: لاب الصغير أن يهدي لمعلمه شيئا في الاعياد، ويستحب أن يأكل ما سقط من المائدة. قال رحمه الله: (واستخدام الخصي) أي يكره استخدامه لان فيه تحريض الناس على الخصي وهو مثلة وحرام وقد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وقدمنا شيئا من أحكامه في الكلام على خصي البهائم. قال رحمه الله: (والدعاء بمعقد العز من عرشك) وفيها عبارتان بمعقد وبمقعد، فالاولى

[ 378 ]

من العقد، والثانية من القعود تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا فإنه يوهم أن عزه متعلق بالعرش والعرش حادث وما تعلق به يكون حادثا ضرورة والله سبحانه وتعالى عال عن صفات الحدوث بل عزه قديم. وأورد عليه بعض المتأخرين أن حدوث تعلق صفته تعالى بشئ حادث لا يوجب حدوث تلك الصفة لعدم توقفها على ذلك التعلق فإن صفة العز ثابتة لها أزلا وأبدا وعدم تعلقه بالعرش الحادث قبل خلفه لا يستلزم انتفاء عزه ولا نقصان فيه كما أن تعلق كمال قدرته في هذا العالم العجيب الصنع قبل خلقه لا يوجب عدم قدرته أو نقصا فيه. وبالجملة التعلقات الحادثة بظاهر الصفات لا مبادى لها، ولك أن تجيب عن ذلك بأن مشايخنا إنما هربوا عنه ليس إلا لايهام مطلق تعلق عزه بالمحدث إذ قد تقرر في أصول الدين أن طهور المحدثات كلها وبروزها من العدم إلى دائرة الوجود بحسب تعلق إرادة الله وقدرته بذلك، والحدوث إنما هو في التعلقات دون أصل الصفات، وإنما مرادهم بما هربوا عنه إيهام تعلق عز الله تعالى بالمحدث تعلقا خاصا وهو أن يكون ذلك المحدث مبتدأ أو منشأ لعزة الله تعالى كما يوهم كلمة من في عرشه، ولا شك أن التعلق بالمحدث على الوجه الخاص المذكور غير متصور في عزة الله تعالى ولا في صفة من صفات الله تعالى أصلا. قال أبو يوسف: لا بأس أن يقول ذلك في دعائه وبه أخذ الفقيه أبو الليث لانه ورد أنه عليه الصلاة والسلام كان يقول: أسألك بمقعد العز من عرشك. والاحتياط الامتناع عن ذلك لكونه خبرا واحدا واحدا مخالفا للقطعي. رجل ذكر الله في مجلس الفسق وأراد بذلك أن يشتغل بالتسبيح عما هم فيه فهو أحسن وأفضل. وفي الخلاصة: ويثاب كمن سبح الله تعالى في السوق وأراد بذلك أن الناس يشتغلون بأمر الدنيا وهو يشتغل بالتسبيح. ولو فتح التاجر السلعة فصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وأراد بذلك إعلام المشتري جودة ثوبه فذلك مكروه بخلاف العالم إذا قال في علمه صلوا على النبي صلى الله عليه وسلم أو قال قارئ القوم كبروا حيث يثاب وفي الخلاصة: الفقيه هل يصلي صلاة التسبيح؟ قال: ذلك طاعة العامة. قيل له: فلان الفقيه يصليها قال: هو عندي من العامة. وفي الغياثية: وردت الاخبار بتفضيل بعض السور والآيات على بعض كآية الكرسي ونحوها واختلفوا في معنى الافضل، قال بعض: إن ثواب قراءتها أفضل. وقيل بأنها للقلب أيقظ وهذا أقرب إلى الصواب. والافضل أن لا يفضل بعض القرآن على بعض. كره بعض المشايخ التصدق على الذي يقرأ القرآن في الاسواق زجرا له، والتسبيح والتهليل من الذي يسأل في الاسواق نظير القرآن. ويكره التصدق على الذي يسأل الناس في المساجد زجرا له، ويكره أن يقرأ القرآن في المخرج والمغتسل والحمام موضع النجاسات وفي المسلخ والمذبح إلا حرفا. وفي النوازل: قراءة القرآن عند المقابر إذا أخفاها لا يكره. وإن جهر بها يكره، والشيخ محمد بن إبراهيم قال: لا بأس أن يقرأ سورة الملك على المقابر سواء أخفاها أو جهر بها، أما غيرها فلا يقرؤها لورود الآثار بسورة الملك. وعن أبي بكر وابن أبي سعيد: يستحب

[ 379 ]

[ العز من عرشك وبحق فلان واللعب بالشطرنج والنرد وكل لهو وجعل الراية في عنق ] زيادة القبر وقراءة سورة الاخلاص سبع مرات، فإن كان الميت غير مغفور له غفر له، وإن كان مغفورا له غفر لهذا القارئ ووهبت ذنوبه للميت. وفي التتارخانية: رجل مات فأجلس وارثه رجلا على قبره يقرأ القرآن قال بعضهم يكره، والمختار أنه لا يكره والاشبه أنه ينتفع الميت. وفي الخانية: إن قراءة القرآن عند القبور إن نوى أن يؤانسهم بصوته يقرأ، وإن لم يقصد ذلك فالله سبحانه وتعالى يسمع القرآن حيث كان قوم يقرؤون القرآن في المصاحف أو رجل دخل عليه واحد فقام له فإن كان عالما أو أباه أو استاذه الذي علمه القرآن جاز أن يقوم له وغير ذلك لا يجوز. وفي فتاوي أهواز: لا بأس بأن يقرأ القرآن إذا وضع جنبه على الارض، وينبغي أن يضم رجليه عند القراءة وأن يخرج رأسه، إذا غطى رأسه باللحاف، وإذا قرأ آية أو سورة فعليه أن يستعيذ بالله وأن يتبع ذلك بالبسملة قبل القراءة. وفي فتاوي أهل سمرقند: إذا كان يقرأ القرآن فسمع المؤذن أنه يرد عليه بقلبه، وعن محمد أنه يمضي إلى قراءته ولا يلتفت إليه. وفي التتمة سئل الخجندي عن إمام يقرأ مع جماعة كل غداة بعد فراغ صلاته جاهرا آية الكرسي وشهد الله وآخر سورة البقرة هل يجوز ذلك؟ قال: يجوز وافضل الاخفاء. قال السغناقي ابن الحنفية قال: الدعاء أربعة: دعاء رغبة، ودعاء رهبة، ودعاء تضرع، ودعاء خفية. ففي دعاء الرغبة يجعل بطون كفيه إلى السماء، وفي دعاء الرهبة يجعل ظهورها إلى وجهه كالمستغيث من الشئ، وفي دعاء التضرع يعقد الخنصر والبنصر ويحلق الابهام والوسطى ويشير بالسبابة، وفي دعاء الخفية يفعل ما يفعل المرء في نفسه. وفي التتمة: لا يقول الرجل استفغر الله وأتوب إليه ولكن يقول استغفر الله وأسأله التوبة. قال أبو جعفر الطحاوي: لا بأس به. وفي الفتاوي الغياثية: وما جاء في الحديث اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرا والمراد والله أعلم كافر النعمة لا كافر الديانة. قال الصدر الشهيد: وهو الصحيح. وفيها قال أبو نصر الدبوسي: وعليه الفتوى. ولو أراد أن يصلي ويقرأ القرآن وخاف أن يدخل عليه الرياء لا يترك الصلاة والقراءة لاجل ذلك. وكذا في جميع الفرائض، وفي التتارخانية: وإذا سال الدم من الانف فكتب الفاتحة بالدم على الفم والوجه جاز للاستشفاء والمعالجة، ولو أراد أن يكتب ذلك بالبول لم ينقل ذلك عن المتقدمين، وقيل لا بأس به إذا علم به الشفاء. قال رحمه الله: (وبحق فلان) يعني لا يجوز أن يقول بحق فلان عليك وكذا بحق أنبيائك وأوليائك ورسلك والبيت والمشعر الحرام لانه لا حق للمخلوق على الخالق وإنما يخص برحمته من يشاء من غير وجوب عليه، ولو قال رجل لغيره بحق الله أو بالله افعل كذا لا يجب عليه أن يأتي بذلك شرعا ويستحب أن يأتي بذلك. وفي التتارخانية: وجاء في الآثار ما يدل على جواز ذلك. قال رحمه الله: (واللعب بالشطرنج والنرد وكل لهو) يعني لا يجوز ذلك

[ 380 ]

لقوله عليه الصلاة والسلام كل لعب ابن آدم حرام إلا ثلاثا: ملاعبة الرجل أهله وتأديبه لفرسه ومناضلته لقوسه (1) وأباح الشافعي الشطرنج من غير قمار ولا إخلال بالواجبات لانه يذكي الافهام والحجة عليه ما روينا والاحاديث الواردة في ذلك هي كثيرة شهيرة فتركنا ذكرها لشهرتها. وفي المحيط: ويكره اللعب بالشطرنج والنرد والاربعة عشر لانها لعب اليهود، ويكره استماع صوت اللهو والضرب به، والواجب على الانسان أن يجتهد ما أمكن حتى لا يسمع، ولا بأس بضرب الدف في العرس. وسئل أبو يوسف عن الدف في غير العرس بأن تضرب المرأة في غير فسق للصبي قال: لا بأس بذلك. وفي الذخيرة: لا بأس بالغناء في الاعياد. وفي السراجية: وقراءة الاشعار إذا لم يكن فيه ذكر الفسق والغلام لا يكره. وفي الكافي: مستأجر الدار إذا ظهر منه الفسق بأن يجمع الناس على شرب الخمر يمنع فإذا لم يمتنع يخرج. ولم ير الامام رحمه الله بالسلام عليه بأسا ليشغله عما هو فيه وكره أبو يوسف السلام تحقيرا له اه‍. رجل يدعوه الامير فيسأله عن أشياء فيتكلم بما يوافق الحق يناله منه المكروه لا ينبغي له أن يتكلم إلا بالحق إلا أن يخاف القتل أو إتلاف عضو وأن يأخذ ماله. ولو مر على قوم وفيهم أهل الذمة أو كافر قال بعضهم يقول السلام على من اتبع الهدى، والصحيح أنه يقول السلام عليكم وينوي المسلمين في قلبه. وفي التتارخانية: إذا استقبل المسلم أخاه فسلم عليه يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وفي النوازل: إذا أتى بيت غيره لا يدخل حتى يؤذن له، فإن أذن له يدخل ويسلم عليه. ورد السلام واجب واختلفوا في أيهما أفضل البادئ أو الراد الراد أكثر أجرا والافضل أن يأتي بالواو بأن يقول وعليكم السلام ورحمه الله وبركاته. وفي فتاوي أهواز: السلام سنة على الراكب للراجل في طريق عام أو مفازة فإذا التقيا فأفضلهما الاسبق بالسلام، فإذا التقى الرجل بالمرأة يبدأ الرجل بالسلام، وإن بدأت فيرد عليها السلام إن كانت عجوزا فبلسانه، وإن كانت شابة فبالاشارة. قالالفقيه أبو الليث: إذا دخل الفقيه على غيره ولم يسلم أثموا. وفي الغياثية: يكره السلام بالسبابة والسنة أن يسلم عليهم بلفظ الجمع، ولو كان المسلم عليه واحدا واختلفوا في السلام على الصبيان قال بعضهم لا يسلم وهو قول الحسن، وقال بعضهم يسلم هو الافضل وبه أخذ الفقيه أبو الليث، وإذا رد واحد من القوم السلام سقط عن الباقين. وفي الصيرفية: دخل على زوجته لا يسلم عليها بل هي تسلم عليه فإن لم يكن في البيت أحد فيقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ولو مر على المقابر يقول السلام عليكم أنتم لنا سلف ونحن لكم تبع اه‍. وفي الخانية: ويكره أن يسلم على من هو في الخلاء ولا يرد عليه السلام. وكذا الآكل والقارئ والمشتغل بالعلم. وكذا في الحمام إن كان مكشوف العورة.


(1) رواه أبو داود في كتاب الجهاد باب 23. الترمذي في كتاب فضائل الجهاد باب 11. النسائي في كتاب الخيل باب 8. ابن ماجه في كتاب الجهاد باب 19. أحمد في مسنده (4 / 144، 146).

[ 381 ]

[ العبد وحل قيده والحقنة ورزق القاضي وسفر الامة. أم الولد بلا محرم وشراء ما لا بد ] وقال البقالي: إذا قال لآخر أقرئ فلانا عني السلام يجب عليه أن يفعل. تشميت العاطس إذا كان خارج الصلاة السنة في حق العاطس أن يقول الحمد لله رب العالمين أو على كل حال، ولمن حضر أن يقول يرحمك الله فيرد عليه العاطس فيقول يغفر الله لك أو يهديك. وإذا عطست المرأة فلا بأس بتشميتها إلا أن تكون شابة، وإذا عطس الرجل فشمتته المرأة، فإن كانت عجوزا يرد عليها، وإن كانت شابة يرد في قلبه، والجواب في هذا كالجواب في السلام. قال رحمه الله: (وجعل الراية في عنق العبد) أي لا يجوز ذلك. قال الشارح: وصورته أن يجعل في عنقه طوقا مسمرا بمسمار عظيم يمنعه أن يحول رأسه وهو معتاد بين الظلمة وهو حرام لان عقوبة الكافر تحرم كالاحراق بالنار وقال عليه الصلاة والسلام كل محدث بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار (1). قال في العيون: رجل اغتاب أهل قرية لم تكن غيبة حتى يسمي قوما بأعيانهم. وفي فتاوي أهل سمرقند: ذكر مساوي أخيه المسلم على وجه الاهتمام به ليس بغيبة، وعلى وجه النقص يكون غيبة، وإذا كان الرجل يصلي ويؤذي الناس بيده ولسانه لا غيبة في ذكر ما فيه، وإذا أعلم السلطان ليزجره فلا إثم عليه. واختلف أصحابنا في معنى قوله صلى الله عليه وسلم لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله تعالى مالا فهو ينفقه في طاعة الله، ورجل آتاه الله علما فهو يعلم الناس ويقضي به (2). قال شيخ الاسلام: ظاهر الحديث. إباحة الحسد في هذين الامرين لانه استثناء من المحرم فيكون مباحا. وقال غيره: الحسد حرام في هذين كما هو حرام في غيرهما، وإنما معنى الحديث لو كان الحسد جائزا لجاز في هذين الامرين، ومعنى الحسد المذموم أن يرى على غيره نعمة فيتمنى زوال تلك النعمة عن ذلك الغير وتمني ذلك لنفسه، أما لو تمنى لنفسه مثلها لا يكون حسدا بل يسمى غبطه ا ه‍. وفي النهاية: الراية علامة أنه آبق ولا بأس به في زماننا لغلبة الاباق خصوصا في الهنود وكان في زمانهم مكروها لقلة الاباق ا ه‍. وفي السراجية: ويكره أن يغل يديه ولو كان الرجل يقوم ويوزع المظالم من الامام بالعدل والانصاف كان مأجورا، وإن خاف الرجل على نفسه لا بأس به. قال رحمه الله: (وحل قيده) يعني جاز قيد العبد احترازا من الاباق والتمرد وهو سنة المسلمين في الفساق. قال رحمه الله: (والحقنة) يعني تجوز للتداوي وجاز أن يظهر إلى ذلك الموضع للضرورة لقوله صلى الله عليه وسلم لكل داء دواء وإذا أصبت دواء لداء برئ بإذن الله تعالى (3) رواه مسلم وأحمد. وقال


(1) رواه ابن ماجه في كتاب المقدمة باب 7. النسائي في كتاب العيدبن باب 22. (2) رواه البخاري في كتاب العلم باب 15. كتاب الزكاة باب 5. أحمد في مسنده (3 / 9، 36). (3) رواه مسلم في كتاب السلام حديث 69. البخاري في كتاب الطب باب 1. أبو داود في كتاب الطب باب 1، 11. ابن ماجه في كتاب الطب باب 1. الترمذي في كتاب الطب باب 2. أحمد في مسنده (1 / 377، 413) (4 / 278).

[ 382 ]

عليه الصلاة والسلام لكل داء دواء إلا الهرم فإنه لا دواء له (1) وراه الترمذي وصححه. ومن الناس من كره التداوي لما روي ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يدخل من أمتي سبعون ألفا الجنة بغير حساب وهم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون (2) رواه البخاري. ولنا ما قدمنا من الاحاديث. ولا جناح على من يتداوى إذا كان يعتقد أن الشافعي هو الله تعالى، وما ورد من النهي عن الدواء إذا كان يعتقد أن الشفاء من الدواء وهو محل الكراهة. قال الشارح ونحن نقول: لا يجوز لمثل هذا التداوي، ولا فرق بين الرجل المرأة. وإنما يجوز التداوي بالاشياء الطاهرة ولا يجوز بالنجس كالخمر وغيره كما قدمنا، والتداوي لا يمنع التوكل. ولا بأس بالرقيا لانه عليه الصلاة والسلام كان يفعله، وما روي من النهي كان محمولا على رقي الجاهلية لانهم كانوا يرقون بألفاظ كفر، وما رواه ابن مسعود أنه عليه الصلاة والسلام قال الرقي والتمائم والتؤدة شرك (3) محمول على ما ذكرنا. قال الاصمعي: التؤدة ضرب من السحر يحبب المرأة إلى زوجها. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا مرض أحد من أهله تفث عليه بالمعوذتين، فلما مرض صلى الله عليه وسلم المرض الذي مات فيه جعلت أنفث عليه وأمس جسده بيده لانه أبرك من يدي. قال رحمه الله: (ورزق القاضي) يعني وحل رزق القاضي من بيت المال لانه بيت المال أعد لمصالح المسلمين ورزق القاضي منهم لانه حبس نفسه لنفع المسلمين. وفرض النبي صلى الله عليه وسلم لعلي لما بعثه إلى اليمن، وكذا الخلفاء من بعده. هذا إذا كان بيت المال جمع من حل، فإن جمع من حرام وباطل لم يحل لانه مال الغير يجب رده على أربابه. ثم إذا كان القاضي محتاجا فله أن يأخذ ليتوصل إلى إقامة حقوق المسلمين لانه لو اشتغل بالكسب لما تفرغ لذلك، وإن كان غنيا فله أن يأخذ أيضا وهو الاصح لما ذكرنا من العلة ونظرا لمن يأتي بعده من المحتاجين، ولان رزق القاضي إذا قطع في زمان يقطع الولاة بعد ذلك لمن يتولى بعده. هذا إذا أعطوه من غير شرط، فلو أعطاه بالشرط كان معاقدة وإجارة لا يحل أخذه لان القضاء طاعة فلا يجوز أخذ الاجر عليه كسائر الطاعات ا ه‍. ولك أن تقول: يجوز أخذ الاجرة عليه كما قالوا الفتوى على جواز أخذ أجرة على تعليم القرآن وغيره كما تقدم في كتاب الاجارة، ولا يقال هذا مكرر مع قول المؤلف وكفاية القضاة في باب الجزية لانا نقول: ذلك باعتبار ما يجوز للامام دفعه وهذا باعتبار ما يجوز للقاضي تناوله فلا تكرار. قال الشارح: وتسميته رزقا يدل على أنه


(1) رواه الترمذي في كتاب الطب باب 2. (2) رواه البخاري في كتاب الطب باب 17، 42. مسلم في كتاب الايمان حديث 371، 372. الترمذي في كتاب القيامة باب 16. أحمد في مسنده (1 / 401، 403، 454). (3) رواه أبو داود في كتاب الطب باب 17. ابم ماجه في كتاب الطب باب 39. أحمد في مسنده (1 / 381).

[ 383 ]

[ للصغير منه وبيعه للعم والام والملتقط لو في حجرهم. ] يأخذ منه مقدار كفايته وعيلته وليس له أن يأخذ أزيد من ذلك. وقد جرى الرسم بالاعطاء في أول السنة لان الخراج كان يؤخذ في أول السنة وهو يعطي منه، وفي زماننا يؤخذ الخراج في آخر السنة والمأخوذ عن السنة الماضية في الصحيح وعليه الفتوى. ولو أخذ الرزق في أول السنة ثم عزل قبل مضي السنة رد ما بقي من السنة، وقيل هو على الخلاف في الزوجة على ما بينا ا ه‍. قال رحمه الله: (وسفر الامة وأم الولد بلا محرم) يعني يجوز لهما السفر بغير محرم لان الامة بمنزلة المحرم لسائر الرجال فيما يرجع إلى النظر والمس على ما بينا، وأم الولد والمكاتبة والمدبرة كالامة لقيام الرق فيهم، وكذا معتقة البعض عند الامام لانها كالمكاتبة عنده. وفي الكافي قالوا: هذا في زمانهم لغلبة أهل الصلاح، أما في زماننا فلا يجوز لغلبة أهل الفساد، ومثله في النهاية معزيا إلى شيخ الاسلام. قال رحمه الله: (وشراء ما لا بد للصغير منه وبيعه للعم والام والملتقط لو في حجرهم) يعني يجوز لهؤلاء الثلاثة أن يشتروا للصغير ويبيعوا ما لا بد منه وذلك مثل النفقة والكسوة ولانه لو لم يكن لهم ذلك لتضرر الصغير وهو ممنوع، وأصله أن التصرفات على الصغير على ثلاثة أقسام: نفع محض فيملكه كل واحد هو في عياله وليا كان أو أجنبيا كالهبة والصدقة ويملكه الصبي بنفسه إذا كان مميزا، ونوع هو ضرر محض كالعتاق والطلاق فلا يملكه عليه أحد، ونوع متردد بين النفع والضرر مثل البيع والاجارة للاسترباح فلا يملكه إلا الاب والجد ووصيهما، سواء كان الصغير في أيديهم أو لم يكن لانهم يتصرفون عليه بحكم الولاية، هكذا في الكافي. واستئجار الظئر من النوع الاول، وفيه نوع رابع وهو الانكاح فيجوز لكل عصبة ولذوي الارحام عند عدم العصبات، وقد تقدم بيان ذلك في كتاب النكاح. قال في الهداية: وإنما يجوز للملتقط أن يقبض الهبة للصغير إذا كان لا أب له. قال في النهاية: قوله لا أب له ليس بشرط لازم في حق هذا الحكم لانه ذكر في كتاب الهبة في صغيرة لها زوج هي عنده يعولها ولها أب فوهب لها جاز ولزوجها أن يقبض الهبة لقيام ولايته عليها بالعول فثبت أن الاب ليس بلازم، كذا ذكره فخر الاسلام. وإنما هو قيد اتفاقي ولك أن تقول: إن قول الكل ليس بصحيح إذا الثابت في كتاب الهبة إنما هو ليس بلازم في جواز قبض زوج الصغير الهبة لها إذا كانت عنده يعولها لتفويض الاب ذلك له لا أن عدم الاب ليس بلازم مطلقا فيما نحن فيه وهو جواز قبض الملتقط الهبة والصدقة لتحقق الفرق بين زوج الصغيرة الذي فوض له الاب أمرها وبين غيره فلا يملكون ذلك إلا بعد موت الاب. وقال بعض المتأخرين: المراد بقول صاحب الهداية لا أب له يعني أبا معروفا وإن كان له أب في قيد الحياة فالحق عندي أن قوله لا أب له قيد احترازي عن اللقيط إذا كان له أب حاضر لا يجوز للملتقط أن يقبض الهبة للصغير ا ه‍.

[ 384 ]

[ وتؤ جره أمه فقط. ] قال رحمه الله: (وتؤجره أمه فقط) معناه أن الصغير لا يؤجره أحد من هؤلاء الثلاثة إلا الام فإنها تؤجره إذا كان في حجرها ولا يملكه هؤلاء وهي رواية الجامع لا صغير. وفي رواية القدوري: يجوز أن يؤجره الملتقط ويسلمه في صناعة فجعله من النوع الاول وهذا أقرب، فلو أجر الصبي نفسه لا يجوز لانه مشوب بالضرر إلا إذا فرغ من العمل لانه نفع محض بعد الفراغ فيجب المسمى وهو نظير العبد المحجور إذا أجر نفسه وقد ذكرناه من قبل، فإن كان الصغير في يد العم فأجرته أمه يجوز لانه من الحفظ وهو قول أبي يوسف. وقال محمد: لا يجوز ا ه‍. والله تعالى أعلم.

[ 385 ]

[ كتاب إحياء الموات هي أرض تعذر زراعتها لانقطاع الماء عنها أو لغلبته عليها غير مملوكة بعيدة من العامر ] كتاب إحياء الموات مناسبة هذا الكتاب بكتاب الكراهية يجوز أن يكون من حيث إن هذا الكتاب مشتمل على ما يكره وما لا يكره ويكفي فيها أدنى المناسبة. والكلام هنا في وجوه: الاول في معناه لغة. والثاني في معناه شرعا. والثالث في شرطه. والرابع في سببه. والخامس في دليله. والسادس في حكمه. أما دليله فقوله عليه الصلاة والسلام من أحياء أرضا ميتة فهي له (1) وأما معناه لغة قال في الصحاح: والموت بالفتح ما لا روح فيه، والموات أيضا الارض التي لا مالك لها من الآدميين. وفي القاموس: الموات كغراب وسحاب ما لا روح فيه والارض لا ملك لها من الآدميين ا ه‍. وشرعا ما سيأتي في عبارة المؤلف. وسبب المشروعية تعلق البناء المقرر على الوجه الاكمل وشرطه سيأتي في حكم تملك المحيي ما أحياه. قال رحمه الله: (هي أرض تعذر زراعتها لانقطاع الماء عنها أو لغلبته عليها غير مملوكة بعيدة من العامر) فقوله هي أرض بمنزلة الجنس يشمل ما تعذر وغيره، وقوله تعذر أخرج غيره فلا يكون مواتا، وقوله لانقطاع الماء عنها أو غلبته عليها بيان السبب التعذر، وقوله غير مملوكة أخرج ما كان كذلك وهو مملوك فلا يكون مواتا، وقوله بعيدة عن العامر أخرج القريبة فلا تكون مواتا. قال الشارح: وهذا تفسير لموات الارض. وإنما سميت مواتا إذا كانت بهذه الصفة لبطلان الانتفاع بها تشبيها بالميت. قال الشارح: وأما تفسير الحياة فظاهر. قال في العناية: والاحياء شرعا أن يكرب الارض ويسقيها فإن كربها ولم يسقها أو سقاها ولم يكربها فليس بإحياء، وفي الكافي: لو فعل أحدهما يكون إحياء. وعن أبي يوسف: الاحياء البناء


(1) رواه البخاري في كتاب الحرث باب 15. أبو داود في كتاب الامارة باب 37. الترمذي في كتاب الاحكام باب 38. الموطأ في كتاب الاقضية 26، 27. أحمد في مسنده (3 / 303).

[ 386 ]

[ ومن أحياها بإذن الامام ملكها وإن حجر لا ولا يجوز إحياء ما قرب من العامر ومن ] والغراس أو لكرب أو السقي. وعن محمد: الكرب الاحياء. وفي الغيائية عن محمد: الكرب ليس بإحياء إلا أن يبذرها. وعن شمس الائمة: الاحياء أن يجعلها صالحة للزارعة. وفي الخانية: لو بنى في بعض أرض الموات أو زرع فيها كان ذلك إحياء لذلك البعض دون غيره إلا أن يكون ما عمر أكثر من النصف في قول أبي يوسف. وقال محمد: إذا كان الموات في وسط الاحياء يكون إحياء للكل ا ه‍. والاحياء لغة الانبات سواء كان بفعل فاعل من شراء وغير ذلك، ولا يقال لماذا عرف المؤلف الموات دون الاحياء والمناسب أن يعرفهما معا لانا نقول: أراد بيان الاكمل وإنما ترك تعريف الاحياء. قال الشارح: لانه ظاهر. وقوله غيره مملوكه يعني في دار الاسلام لان الميت الاطلاق ينصرف إلى الكامل وكماله بأن لا يكون مملوكا لاحد لانها إذا كانت مملوكة لمسلم أو ذمي كان ملكه باقيا لعدم ما يزيله فلا يكون مواتا، فإذا عرف المالك فهي له، وإن لم يعرف كانت لقطة يتصرف فيها الامام كما يتصرف في اللقطة، ولو ظهر لها مالك بعد ذلك أخذها وضمن من زرعها إن نقصت بالزراعة وإلا فلا شئ عليه، وقولالقدوري فما كان منها عاديا مراده بالعادي قدم خرابه كأنه منسوب إلى عاد لخراب عهدهم. وجعل المملوك في دار الاسلام إذا لم يعرف له مالك من الموات لان حكمه كالموات لانه لا يعرف له مالك بعينه، وليس هو مواتا حقيقة على ما بينا. وقوله بعيدة عن العامر هو قولابي يوسف والبعيدة أن تكون بحيث لو وقف إنسان في أقصى العامر وصاح بأعلى صوته لم يسمع منه فهو موات، وإن كان يسمع فليس بموات لانه أهل العامر يحتاجون إليه لرعي مواشيهم وطرح حصائدهم فلم يكن انتفاعهم به منقطعا. وعند محمد يعتبر حقيقة الانتفاع حتى لا يجوز إحياء ما ينتفع به أهل القرية وإن كان بعيدا، ويجوز إحياء ما لا ينتفعون به وإن كان قريبا، وشمس الائمة اعتمد قول أبي يوسف: وفي التتارخانية: إذا عرف أنها كانت مملوكة في الاول ولم يعرف مالكها الآن قال القاصي أبو علي السغدي عن استاذه الحكم: إنه يجوز للامام أن يدفعها إلى رجل ويأذن له في الاحياء فتصير لمن أحياها. وفي نوادر هشام: إذا كان بها آثار عمارة من بناء وبئر ولا يعرف مالكها الآن لا يسع لاحد أن يحييها أو يمتلكها أو يأخذ منها ترابا. وفي رسالة أبي يوسف لهارون الرشيد: هي لمن أحياها وليس للامام أن يخرجها من يده وعليه فيها الخراج وروى هشام عن محمد في الكفور الخربة والاماكن الخربة إذا رفع الرجل منها التراب وألقاه في أرضه قال: إذا كان القصور والخراب تعرف أنه من بناء قبل الاسلام فهي بمنزلة الموات لا بأس بذلك، وإن خربت بعد الاسلام وكان لها أرباب لكن لا يعرفون لا يسع لاحد أن يأخذ منها شيئا لانها بمنزلة دورهم ا ه‍. قال رحمه الله: (ومن أحياها بإذن الامام ملكها) وهذا قول الامام. وقالا: يملك من أحيا ولا يشترط فيه إذن الامام لقوله صلى الله عليه وسلم من أحيا أرضا ليست لاحد فهو أحق بها رواه

[ 387 ]

البخاري ومسلم. ولانه مباح سبقت إليه يده كالاحتطاب والاصطياد. وللامام قوله صلى الله عليه وسلم ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه فإن قلت: اعتبر عموم هذا الحديث يلزم أن لا يملك أحد شيئا من الاملاك بغير إذن الامام مع أن الظاهر خلافه كالبيع وغيره. قلت: عمومه غير معتبر بل هو مختص بما يحتاج فيه إلى رأي الامام وما نحن فيه من ذلك. فإن قلت: كون ما نحن فيه يحتاج إلى إذن الامام هو أول المسألة فيلزم المصادرة ولان هذه الاراضي كانت في أيدي الكفار فصارت في أيدي المسلمين فكانت فيئا ولا يختص أحد بالفئ بدون إذن الامام كالغنائم بخلاف المستشهد به فلم يكن فيئا وإذا أحياها فهي له خراجيه أو عشرية على ما بينا في السير وبينا الخلاف فيه. قال في الهداية: ملكها خراجية أو عشرية قال: والواجب فيها العشر لان ابتداء وظيفة المسلم بالخراج، إلا إذا استقاها بماء الخراجي لانه حينئذ يكون فيها الخراج على اختلاف الماء، ولو تركها بعد الاحياء وزرعها غيره قيل الثاني أحق بها لان الاول ملك استغلالها دون رقبتها، والاصح أن الاول أحق بها لانه ملك رقبتها بالاحياء فلا تخرج عن ملكه بالترك. ولو أحيا أرضا مواتا ثم أحاط الاحياء بجوانبها الاربعة أربعة نفذ على التعاقب تعين طريق الاول في الارض الرابعة في المروي عن محمد لانه لما أحيا الجوانب الثلاثة تعين الجانب الرابع للاستطراق. وفي الظهيرية: فإن جاء أربعة معا ولم يتقدم أحدهما وأحيا كل واحد منهم جانبا منها وأحاطوا بالاربعة جوانب معا فله أن يستطرق من أي أرض شاء إذا كانوا أحيوا جوانبها الاربعة معا، هكذا قال والدي ا ه‍. ويملك الذمي بالاحياء كالمسلم لانهما لا يختلفان في سبب الملك. قال تاج الشريعة: فإن قلت: ما رواه عام خص منه الحطب والحشيش وما روياه لم يخص فيكون العمل به أولى قلت: ما ذكر لبيان أنه لا يجوز الافتيات على رأي الامام والحشيش والحطب لا يحتاج فيهما إلى رأي الامام فلم يتناولهما عموم الحديث فلم يصر مخصوصا، والارض مما يحتاج فيها إلى رأي الامام لانها صارت من الغنائم بإيجاف الخيل وإرضاع الكلاب كسائر الاموال فكان ما قلنا أولى. وفي الخانية في كتاب الزكاة ذكر الناطقي القاضي في ولايته بمنزلة الامام في ذلك ا ه‍. قال رحمه الله: (وإن حجر لا) يعني وإن حجر الارض لا يملكها به. واختلف في كون التحجير يفيد التمليك فمنهم من قال يفيد ملكا مؤقتا إلى ثلاث سنين، ومنهم من قال لا يفيد ملكا وهو مختار المصنف وهو الصحح. وثمرة الخلاف تظهر فيما إذا جاء إنسان آخر قبل مضي ثلاث سنين وأحياها فإنه يملكها على الثاني ولا يملكه على الاول. وجه الاول قول عمر رضي الله تعالى عنه ليس للمحجر حق بعد ثلاث سنين نفي الحق بعد ثلاث سنين فيكون له الحق في ثلاث سنين. وجه الثاني أن الاحياء جعلها صالحة للزراعة. والتحجر للاعلام مشتق من الحجر وهو المنع بوضع حجر أو بحصاد ما فيها من الحشيش والشوك أو بإحراق ما فيها من الشوك، وكل ذلك لا يفيد الملك فبقيت مباحة على حالها لكنه هو أولى

[ 388 ]

[ حفر بئرا في موات فله حريمها أربعون ذرعا من كل جانب وحريم العين خمسمائة ] بها ولا تؤخذ إلا بعد مضي ثلاث سنين، فإذا لم يعمرها أخذها منه ودفعها إلى غيرها لانه إنما كان دفعها إليه ليعمرها فتحصل المنفعة للمسلمين بالعشر أو الخراج، فإذا لم يحصل المقصود فلا فائدة في تركها في يده نظير الاستباح وهو بناء السبيل وحفر المعدن في هذا الحكم. فإن قلت: إذا كان الدفع لاجل العشر أو الخراج فيقتضي هذا الدليل أن للامام أن يأخذها ويدفعها إلى غيره بعد الاحياء أيضا إذا كان لم يزرعها تحصيلا لمنفعة المسلمين بالعشر أو الخراج قلنا: قد ملكها بالاحياء دون التحجر والامام لا يملك أن يدفع مملوك أحد إلى غيره لانتفاع المسلمين ويقدر أن يدفع غير المملوك إليه لذلك فافترقا. وفي المحيط: إذا حفر فيها بئرا أو ساق إلها ماء فقد أحياها زرع أو لم يزرع، ولو حفر فيها أنهارا لم يكن إحياء إلا أن يجري فيها، ولو حفر فيها ولم يبلغ الماء لم يكن إحياء ويكون تحجيرا ا ه‍. وقناة بين رجلين أحيا أحدهما أرضا ميتة ليس له أن يسقيها من القناة أو يجعل شربه منها لان هذه الارض ليس فيها حق في هذا الشرب فليس له ذلك بغير إذن شريكه، فإذا حفر رجلان بنفقتهما بئرا في الارض موات على أن يكون البئر لاحدهما والحريم للآخر لم يجز للاصطلاح على غير موجب الشرع فإن الشرع جعل الحريم تبعا للبئر ليتمكن صاحب البئر من الانتفاع وكان الحريم لمالك البئر، فإن كان البئر لواحد فالحريم له، وإن كان البئر بينهما فالحريم بينهما ولو شرطا على أن يكون البئر لواحد والحريم له. وإن كان البئر بينهما على أن ينفق أحدهما أكثر ولا يرجع به فالشرط باطل ويرجع بالزائد لان الشركة تقتضي المساواة في الاصل والنفقة. وفي الغياثية: لو أقطع الامام رجلا أرضا فتركها ثلاث سنين لا يعمر فيها بطل الانتفاع ا ه‍. قال رحمه الله: (ولا يجوز إحياء ما قرب من العامر) لتحقق حاجتهم إليه تحقيقا عند محمد، وتقديرا عند أبي يوسف على ما تقدم فصار كالنهر والطريق ولهذا قالوا: لا يملك الامام أن يقطع ما لا غني للمسلمين عنه كالملح والآبار يستسقي منها الناس ا ه‍. قال رحمه الله: (ومن حفر بئرا في موات فله حريمها أربعون ذرعا من كل جانب) لقوله صلى الله عليه وسلم من حفر بئرا فله ما حولها أربعون ذراعا عطنا لماشيته (1). ولان حافر البئر لا يتمكن من الانتفاع بالبئر إلا بما حولها. ولو غرس شجرا في أرض الموات هل يستحق لها حريم؟ لم يذكر محمد في الاصل. وقال مشايخنا: لها حريم بقدر خمسة أذرع حتى لم يكن لغيره أن يغرس فيها شجرة وللاول منعه. وقدر الشارع حريم البئر بأربعين ذراعا ثم قيل الاربعون من الجوانب الاربعة من كل جانب عشرة أذرع لان ظاهر اللفظ بجميع الجوانب الاربعة، والصحيح أن المراد أربعون ذراعا من كل أذرع من كل جانب فيتقدر بأربعين كيلا يتعطل


(1) رواه ابن ماجه في كتاب الرهون باب 22. البخاري في كتاب المساقاة باب 3.

[ 389 ]

[ ذراع ومن حفر حريمها يمنع منه وللقناة حريم بقدر ما يصلحه وما عدل عنه ] عليه المصالح، ولا فرق في ذلك بين أن تكون البئر للعطن أو للناضح عند أبي حنيفة. وعندهما إن كان للعطن فأربعون ذراعا، وإن كان للناضح فحريمها ستون ذراعا لقوله صلى الله عليه وسلم حريم العين خمسمائة ذراع، وحريم بئر العطن أربعون ذراعا، وحريم بئر الناضح ستون ذراعا (1) ولان استحقاق الحريم باعتبار الحاجة وحاجة بئر الناضح أكثر لانه يحتاج إلى موضع يسير فيه الناضح وهو البعير وقد يطول الرشا، وفي بئر العطن يستسقي بيده ولا بد من التفاوت بينهما. وله ما روينا من غير فصل ومن أصله العام المتفق على قبوله والعمل به يرجح على الخالص المختلف في قبوله والعمل به. وبهذا قوله عليه الصلاة والسلام ما أخرجته الارض ففيه العشر على قوله وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة لا يقال: المراد بذكر العطن ساقية عطنا للمناسبة لانا نقول: ذكر العطن فيه للتغليب لا للتقييد ولانه يستسقي من بئر العطن بالناضح باليد فاستوت الحاجة فيهما ولانه يمكن أن يدبر البعير حول البعير فلا يحتاج إلى الزيادة. والتقدير بالاربعين قول الامام، وعندهما بقدر ستين ذراعا وبه يفتى. وفي الينابيع: ومن احتاج إلى أكثر من ذلك يزاد عليه ا ه‍. قال رحمه الله: (وحريم العين خمسمائة ذراع) لما روينا ولان العين تستخرج للزارعة فلا بد من وطن يستقر فيه الماء ومن موضع يجري فيه إلى الزراعة وقدر الشارع بخمسمائة ولا مدخل للرأي في المقادير، ثم قيل الخمسمائة من الجوانب الاربعة من كل حانب مائة وخمسون ذراعا، والاصح أن الخمسمائة ذراع من كل جانب والذراع هو المكسر وهو ست قبضات وكان ذراع الملك سبع قبضات فكسر منه قبضة. وفي الكافي: قيل إن التقدير في البئر والعين بما ذكرنا لصلابتهما وفي أرضينا يزاد على ذلك لرخاوة الارض كيلا يتحول الماء إلى الثانية فتعطل الاولى. قال رحمه الله: (ومن حفر في حريمها يمنع منه) لانه صار ملكا لصاحب البئر ضرورة لتمكنه من الانتفاع فكان الحافر متعديا بالحفر في ملك غيره فإذا حفر كان للاول أن يمنعه لما ذكرنا والحفر ليس بقيد. قال في الخانية: ولو بنى الثاني في حريم الاول كان له يمنعه، ولو أراد الاول أن يأخذ الثاني بحفره كان له ذلك لانه أتلف ملكه بالحفر. ثم اختلفوا فيما يؤاخذ به قيل بكسبه لانه أزاله بتعديه كما لو وضع شيئا في ملك غيره، وقيل يضمنه النقصان ويكنس الاول محفره بنفسه كما إذا هدم جدار غيره كان لصاحبه أن يؤاخذه بقيمته لا ببناء الجدار وهو الصحيح. وفي العناية: طريق معرفة النقصان أن يقوم الاول قبل حفر الثاني وبعده فيضمن نقصان ما بينهما وما عطب في البئر الاول فلا ضمان عليه لانه غير متعد في حفره، أما إذا كان بإذن الامام فظاهر، وكذا إذا


(1) رواه ابن ماجه في كتاب الرهون باب 22. الدرامي في كتاب البيوع باب 82. أحمد في مسنده (2 / 494).

[ 390 ]

[ الفرات ولم يحتمل عوده إليه فهو موات وإن احتمل عوده إليه لا ولا حريم للنهر ] كان بغير إذنه عندهما، وأما عنده فيجعل الحفر تحجيرا وله ذلك بغير إذن الامام وإن لم يثبت له الملك إلا بإذنه، وما عطب في الثانية فهو مضمون على الثاني لانه متعد في حفره في ملك غيره، ولو حفر الثاني بئرا في منتهى حريم الاول بإذن الامام فذهب ماء البئر الاولى وتحول إلى الثانية فلا شئ عليه لانه غير متعد في ذلك والماء الذي تحت الارض غير مملوك لاحد فلا يكون له المحاصصة بسببه كمن بنى حانوتا في جنب حانوت غيره فكسد الاول بسببه، وللثاني في الحريم من الجوانب الثلاثة دون الاول بسبق ملك الاول فيه. قال رحمه الله: (وللقناة حريم بقدر ما يصلحه) والقناة مجرى الماء تحت الارض ولم يقدر حريمه بشئ يمكن ضبطه، وعن محمد هو بمنزلة البئر في استحقاق الحريم، وقيل هذا قولهما، وعند الامام لا حريم له ما لم يظهر على وجه الارض لانه نهر في الحقيقة فتعتبر بالنهر قالوا عند ظهور الماء بمنزلة عين فوارة فيقدر حريمها بخمسمائة ذراع ا ه‍. قال رحمه الله: (وما عدل عنه الفرات ولم يحتمل عوده إليه فهو موات) لانه ليس في ملك أحد وجاز إحياؤه إذا لم يكن حريما لعامر. قال رحمه الله: (وإن احتمل عوده إليه لا) يعني لا يكون مواتا لتعلق حق العامة فيه على تقدير رجوع الماء إليه لان الماء حقهم لحاجتهم إليه اه‍. قال رحمه الله: (ولا حريم للنهر) وهذا قول الامام. وقالا: له حريم من الجانبين لان استحقاق الحريم للحاجة وصاحب النهر يحتاج إليه كصاحب البئر والعين لانه يحتاج إلى الشئ على حافتي النهر ليجري الماء إذا حبس بشئ وقع فيه إذ لا يمكنه المشي في وسط الماء، وكذا يحتاج إلى موضع يلقي عليه الطين عند الكرب. وفي الكبرى: والفتوى على قول أبي يوسف. وهذا إذا حفر النهر في أرض الموات. وفي الكافي: ومن كان له نهر في أرض غيره فليس له حريم عند الامام إلا أن يقيم البينة على ذلك. وقالا: له مشاة النهر ويمشي عليها ويلقي عليها طينه. وفي السراجية قال حسام الدين: والصحيح أنه يستحق الحريم. وفي الفتاوي: نهران بين قريتين وقع الاختلاف في حريمهما فما كان مشغولا بتراب أحد النهرين فهو في أيدي أهل ذلك النهر والقول في ذلك القدر لهم فلا يصدق الآخرون إلا ببينة، وما كان بين النهرين ولم يكن مشغولا بتراب أحدهما فهو بين أهل القريتين إلا أن يقيم أحدهما البينة أنه له خاصة. قال الشارح: دليل الامام أن استحقاق الحريم في البئر والعين ثبت نصا بخلاف القياس فلا يلحق بهما ما ليس في معناهما ألا ترى أن من بنى قصرا في الصحراء لا يستحق حريما وإن كان يحتاج إليه لالقاء الكناسة لانه يمكن الانتفاع بالقصر دون الحريم. وفي الجامع الصغير: نهر لرجل إلى جنبه مسناة وأرض لآخر والمسناة في يد أحدهما فإن لم يكن لاحدهما غرس ولا طين ملقى فادعى صاحب الارض المسناة وادعاه صاحب النهر

[ 391 ]

[ مسائل الشرب وهو نصيب الماء الانهار العظام كدجلة الفرات غير مملوكة ولكل أن يستقي أرضه ويتوضا به ويشرب وينصب الرحا عليه ويكري نهرا منها إلي أرضه إن لم يضر بالعامة وفي الانهار المملوكة والابار والحياض لكل شربه وسقي دوابة لا أرضه ] أيضا فهي لصاحب الارض عند الامام. وقالا: هي لصاحب النهر جرى الملقى عليه طينه وغير ذلك فينكشف بهذا اللفظ موضع الخلاف وهو أن يكون الحريم موازيا للارض لا فصل بينهما وأن لا يكون الحريم مشغولا بحق أخدهما معينا معلوما، وإن كان فيه أشجار ولا يدري من غرسها فهو على الخلاف أيضا، وكذا قبل إلقاء الطين على الخلاف، والصحيح أنه لصاحب النهر ما لم يفحش. ثم إذا كان الحريم لاحدهما أيهما كان لا يمنع الآخر من الانتفاع على وجه لا يبطل حق مالكه كالمرور فيه وإلقاء الطين ونحو ذلك مما جرت به العادة ولا يغرس فيه إلا المالك لانه لا يبطل حقه. قال الفقيه أبو جعفر: أخذ بقوله في الغرس وبقولهما في إلقاء الطين. ثم عند أبي يوسف حريمه قدر نصف بطن النهر من كل جانب وهو اختيار الحاوي، وعند محمد مقدار بطن النهر من كل جانب وهو اختيار الكرخي. وذكر في كشف الغوامض أن الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه في نهر كبير لا يحتاج فيه إلى الكري في كل حين أما الانهار الصغار يحتاج فيه إلى كربها في كل وقت فلها حريم بالاتفاق ا ه‍. (مسائل الشرب) لما فرغ من ذكر إحياء الموات ذكر ما يتعلق به من مسائل الشرب لان إحياء الموات يحتاج إليه. وقدم فصل المياه على غيره لان المقصود هو الماء، لا يقال إذا كان الشرب مما يحتاج إليه إحياء الموات كان اللائق تقديم مسائل الشرب على مسائل احياء الموات قلنا لاصالته وكثرة فروعه يستحق التقديم على الشرب. قال في المحيط: يحتاج إلى معرفة مشروعية حق الشرب وتفسيره لغة وشرعا وركنه وشرطه وحكمه. أما مشروعيته فلقوله صلى الله عليه وسلم إذا بلغ الوادي الكعبين لم يكن لاهل الاعلى أن يحبسوه عن أهل الاسفل وأما تفسيره لغة فهو عبارة عن النصيب من الماء لقوله تعالى * (كل شرب محتضر) * (القمر: 28) أراد بالشرب النصيب من الماء ولقوله تعالى * (لها شرب) * (الشعراء: 155) أي ينصيب. وفي الشرع النصيب من الماء للاراضي لا لغيرها. وأما ركنه فهو الماء لان الشرب يقوم به. وأما شرط حله أن يكون ذا حظ من الشرب. وأما حكمه فالارواء لان حكم الشئ ما يفعل لاجله وإنما شرب الارض لتروي ا ه‍. قال رحمه الله: (وهو نصيب الماء) قال الشارح: أي الشرب بالكسر هو النصيب والماء والصواب هو النصيب من الماء، ولك أن تقول ما ذكره المؤلف المعنى اللغوي وهو لا يليق، ذكره في المتون. قال رحمه الله: (الانهار العظام كدجلة الفرات غير مملوكة ولكل أن يستقي أرضه ويتوضأ به ويشرب وينصب الرحا عليه ويكرى نهرا منها إلى أرضه إن لم يضر بالعامة) لقوله عليه الصلاة والسلام الناس

[ 392 ]

[ وإن خيف تخريب النهر لكثرة البقور يمنع والمحرز في الكوز والحب لا ينتفع فيه إلا ] شركاء في ثلاث. في الماء والنار والكلا (1) ولان هذه الانهار ليس لاحذ فيها يد على الخصوص لان قهر الماء يمنع قهر غيره فلا يكون محرزا في الملك بالاحراز، فإذا لم يكن مملوكا كان مشتركا. والمراد بالماء في الحديث ما ليس بمحرز فإن المحرز قد ملكه فخرج عن كونه مباحا كالصيد إذا أحرزه لا يجوز لاحد أن ينتفع به إلا بإذنه. وشرط لجواز الانتفاع أن لا يضر بالعامة فإن كان ضر بالعامة فإن كان يضر بالعامة ليس له الكري ونصب الرحا لان الانتفاع بالمباح لا يجوز إلا إذا كان لا يضر بالعامة كالشمس والقمر والهواء. والمراد بالكلا الحشيش الذي ينبت بنفسه من غير أن ينبته أحد ومن غير أن يزرعه ويسقيه فيملكه من قطعه وأحرزه، وإن كان في أرض غيره. والمراد بالنار الاستضاءة بنورها والاصطلاء بها وإلايقاد من لهبها فليس لاحد أن يمنع من ذلك. إذا كان في الصحراء بخلاف ما لو أراد أن يأخذ جمرة لانه ملكه ويتضرر بذلك فكان له منعه كسائر أملاكه ا ه‍. قال رحمه الله: (وفي الانهار المملوكة والآبار والحياض لكل شربه وسقي دوابه لا أرضه وإن خيف تخريب النهر لكثرة البقور يمنع) وإنما كان له حق الشرب وسقي الدواب لما روينا ولان الانهار والآبار والحياض لم توضع للاحراز والمباح لا يملك إلا بالاحراز ولكن المسافر لا يمكنه أن يأخذ ما يوصله إلى مقصده فيحتاج أن يأخذ مما يمر عليه مما ذكر ما يحتاج إليه لنفسه ودوابه وصاحبه، فلو منع من ذلك لحقه ضرر عظيم وهو مدفوع شرعا بخلاف سقي الاراضي حيث يمنع وإن لم يكن فيه ضرر لان في إباحة ذلك إبطال حق صاحب الانهار إذ لا نهاية لذلك فتذهب منفعة صاحب الانهار فيلحقه بذلك ضرر بخلاف سقي الدواب لانه مثله لا يلحقه به ضرر حتى لو تحقق فيه الضرر يمنع وهو المراد بقوله وإن خيف تخريب النهر لكثرة البقور لان الحق لصاحبه على الخصوص، وإنما أثبتنا ما ذكرنا لغيره للضرورة فلا معنى لابقائه على وجه يضر بصاحبه. قال في الهداية: ولهم الشرب وإن شربوا الماء كله ا ه‍. وفي المحيط: ولو أراد صاحب الارض أن يغرف بالجرة فلصاحب الملك أن يمنعه من الدخول وإن لم يقال لصاحب الملك إما أن يعطيه الماء وإما أن تمكنه من الدخول بشرط أن لا يكسرها في النهر. قالوا: هذا إذا كان في أرض مملوكه، فأما إذا حفر في أرض موات لم يكن لصاحب النهر منعه من الدخول إذا كان لا يكسر مسناة النهر لان الارض كانت مشتركة بين الناس كافة، فأما إذا أحياها إنسان لم تنقطع الشركة في الدخول لاهل الشفعة، ويجوز أن تكون رقبة الشي لانسان وللآخر فيه حق الدخول ا ه‍. وفيه


(1) رواه أبو داود في كتاب البيوع باب 60. ابن ماجه في كتاب الرهون باب 16. أحمد في مسنده (5 / 364) بلفظ (المسلمون) بدل (الناس).

[ 393 ]

[ بإذن صاحبه وكري نهر غير مملوك من بيت المال فإن لم يكن فيه شئ يجبر الناس على ] أيضا: رجل له ماء يجري إلى ري مزرعته فيجئ رجل ويسقي دوابه حتى ينفذ الماء كله هل لصاحب النهر أن يمنعه؟ ليس له ذلك ا ه‍. قال رحمه الله: (والمحرز في الكوز والحب لا ينتفع فيه إلا بإذن صاحبه) لانه ملكه بالاحراز فكان أحق به كالصيد إذا أخذه لكن فيه شبهة الشركة لظاهر ما روينا فيعمل فيما يسقط بالشبهة، ولو سرق الماء في موضع يعز فيه الماء وهو يساوي نصابا لا يقطع. واعترض عليه بأنه على هذا ينبغي أن لا يقطع في شئ من الاشياء كلها لان قوله تعالى * (هو الذين خلق لكم ما في الارض جميعا) * (البقرة: 29) يورث الشبهة بهذا الطريق. وأجيب بأن العمل بالحديث يوافق قوله تعالى هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا ولا يلزم من العمل به إبطال الكتاب خلاف قوله تعالى هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا فإن العمل به على الاطلاق يبطل العمل بقوله تعالى * (والزانية والزاني) * (النور: 2) * (والسارق والسارقة) * (المائدة: 38) وغير ذلك، فدل على أن المراد به غير ما دل عليه الخصوصيات، كذا في العناية. واعترض بأنه وإن لم يلزم من العمل بالحديث إبطال الكتاب لكن يلزم به إبطال دليل شرعي آخر فإنكم حكمتم بأن الماء المحرز في الاواني يصير مملوكا بالاحراز وينقطع حق الغير عنه وهو حكم شرعي لا بد له من دليل شرعي لا محالة، فلو عملنا بالحديث المذكور على الاطلاق لزم إبطال ذلك الدليل الشرعي فدل على أن المراد بالحديث المذكور غير ما دل عليه بخصوص الدليل الشرعي الدال على أن الماء المحرز في الاواني ملك مخصوص لمحرزه، ولو كانت البئر أو الحوض أو النهر في ملك رجل فله أن يمنع من يريد الشفعة من الدخول، وقد قدمنا عن المحيط بتفاصيله، وحكم الكلا حكم الماء على التفاصيل المتقدمة. ولو منع رب النهر من يريد الماء وهو يخاف على نفسه أو على دابته العطش فإنه له أن يقاتله بالسلاح لاثر عمر، ولانه قصد إتلافه. وإن كان الماء محرزا في الاواني فليس للذي يخاف العطش أن يقاتل بالسلاح. وله أن يقاتله بغير السلاح إذا كان فيه فضل عن صاحبه فصار نظير الطعام حالة المخمصة. وفي الكافي: قيل في البئر ونحوه والاولى أن يقاتله بغير السلاح لانه ارتكب معصية فصار بمنزلة التعزير، هذا يشير إلى أن له أن يقاتله بالسلاح حيث جعل الاولى أن لا يقاتله به وأهل الشفعة بأن كانوا يشربون الماء كله بأن كان نهرا صغيرا وفيما يرد عليه من المواشي كثرة ينقطع الماء اختلفوا فيه، قال بعضهم ليس لربه أن يمنع وأكثرهم على أن له أن يمنع لانه يلحقه الضرر بذلك فصار كسقي الارض. وله أن يأخذ منه الماء للوضوء وغسل الثياب في الاصح، وقيل ينقلهما في النهر. ولو أراد أن يسقي شجرا أو خضرا في داره فحمل الماء إليه بالجرة كان له ذلك. وقال بعض أئمة بخارى: ليس له ذلك إلا بإذن صاحب النهر، والاول أصح لان الناس يتوسعون في ذلك. وليس له أن يسقي نخله وشجره وأرضه

[ 394 ]

[ كربه وكري ما هو مملوك على أهله ويجبر الابي علي كربه ومؤنة كري النهر المشترك عليهم من أعلاه فإذا جاوز أرض برئ ولا كراء على أهل الشفعة ونصح دعوى ] من نهر غيره إلا بإذن صاحبه، وله أن يمنع من ذلك. فالحاصل المياه ثلاثة: الانهار العظام التي لا تدخل في ملك أحد، ولانهار التي هي مملوكة، وما صار في الاواني وقد ذكرنا حكم كل واحد بتوفيق الله تعالى. قال رحمه الله: (وكري نهر غير مملوك من بيت المال) لان ذلك لمصلحة العامة وبيت المال معد لها. قال في الهداية: ويصرف ذلك من الجزية والخراج دون العشر والصدقات لان الثاني للفقراء ولاول للنوائب. قال رحمه الله: (فإن لم يكن فيه شئ يجبر الناس على كربه) يعني إذا لم يكن في بيت المال شئ أجبر الامام الناس على كربه لان الامام نصب ناظرا وفي تركه ضرر عظيم على الناس وقلما يتفق العوام علي المصالح باختيارهم فيجبرهم عليه لما روي أن عمر أجبر في مثل هذا فكلموه فقال: لو تركتم لبعتم أولادكم إلا أنه يخرج للكري من كان يطيق الكري منهم ويجعل مؤنه على الاغنياء الذي لا يطيقون الكري بأنفسهم. قال في الهداية: فإن أراد أن يحصص النهر خوف الانتشاف وفيه ضرر عظيم يجبرهم على ذلك ا ه‍. قال رحمه الله: (وكرى ما هو مملوك على أهله ويجبر الآبي على كربه) لانه منفعة لهم على الخصوص فتكون مؤنته عليهم ولان الغرم بالغنم ومن أبى منهم يجبر، وقيل إن كان خاصا لا يجبر. والفاصل بين الخاص والعام أن ما يستحق به الشفعة خاص وما لا يستحق به الشفعة عام. وبيان الفرق أنه إذا كان عاما فيه دفع ضرر عام فيجبر الآبي بخلاف الخاص، وفي الضرر الخاص يمكن الدفع بأن يرفع الامر إلى القاضي فينفق ويرجع على المتمتع بحصته، وبه أخذ الفقيه أبو جعفر، وصار كزرع بين شريكين امتنع أحدهما من الانفاق فلصاحبه أن ينفق عيه بأمر القاضي ويرجع عليه بما أنفق فكذا هذا، كذا في المحيط بخلاف ما إذا كان عاما لا يمكن الرجوع لكبرهم فيجبر الممتنع، ولا يقال في كراء النهر الخاص إحياء له حقوق أهل الشفعة فيكون في تركه ضرر عام لانا نقول: لا جبر لاجل أهل الشفعة ألا ترى أن أهل النهر لو امتنعوا عن كربه لا يجبرهم في ظاهر الرواية لانهم امتنعوا عن عمارة أراضيهم. ولو كان حق أهل الشفعة معتبرا لا جبر. وفي التتارخانية: معناه أن ينقلوا نصيب الآبي من الشرب مقدار ما بيلغ قيمة ما أنفق. قال رحمه الله: (ومؤنة كرى النهر المشترك عليهم من أعلاه فإذا جاوز أرض رجل برئ) وهذا عند الامام. وقالا: المؤنة عليهم جميعا من أول النهر إلى آخره بالحصص لان كل واحد منهم ينتفع بالاسفل كما ينتفع بالاعلى لانه يحتاج إلى مسيل الفاضل من الماء فإنه إذا سد عليه فاض الماء إلى أرضه فيفسد زرعه، ولان كل واحد منهم ينتفع بالنهر من أوله إلى أسفله. وفي الخانية: الفتوى على قول الامام. واختلف أئمتنا في الطريق الخاص إذا احتاج الاصلاح، قيل هو على هذا الاختلاف عند الامام عليه المؤنة إلى أن يجاوز أرضه، وعندهما من أوله إلى

[ 395 ]

[ الشرب بغير أرض نهر بين قوم اختصموا في الشرب بينهم على قدر أراضيهم ] آخره، قال الهندواني: ورأيت في بعض الكتب إذا انتهى إلى دار رجل يدفع له مؤنة الاصلاح بالاجماع فيحتاج إلى الفرق بين الطريق والنهر. والفرق أن صاحب الدار لا يحتاج إلى النظر فيما جاوز داره بوجه من الوجوه بخلاف صاحب الارض. وللامام أن مؤنة الكرب على من ينتفع به ويسقي منه أرضه فإذا جاوز أرضه برئ فلا يلزم شئ في مؤنة ما بقي ألا ترى أن من له الحق يسيل الماء على سطح جاره لا يلزمه شئ من عمارته باعتبار مسيل الماء فيه، ولانه يتمكن من دفع الضرر عنه بسد فوة النهر من أعلاه إذا استغنى عنه. وزعم بعضهم أن الكرب إذا انتهى إلى فوه أرضه من النهر فليس عليه شئ من المؤنة، والاصح أنه يمكنه مؤنة الكرب إلى أن يجاوز أرضه لان له أن يأخذ الفوه من أي موضع شاء من أرضه من أعلاها أو أسفلها. قال رحمه الله: (ولا كراء على أهل الشفعة) لانهم لا يحصون. قوله لا يحصون لان أهل الدنيا كلهم لهم حق الشفعة ومؤنة الكرى لا تجب على قوم لا يحصون. ولان المراد من حفر الانهار ونحوها سقي الاراضي وأهل الشفعة اتباع والمؤنة تجب على الاصول دون الاتباع ولهذا لا يستحقون به الشفعة. قال رحمه الله: (وتصح دعوى الشرب بغير أرض) وهذا استحسان. والقياس أن لا يصح لان شرط صحة الدعوى إعلام المدعي به في الدعوى والشهادة والشرب مجهول جهالة لا تقبل الاعلام، ولانه يطلب من القاضي أن يقضي له بالمدعي به إذا ثبت دعواه بالبينة والشرب لا يحتمل التملك بدون الارض فلا يستمع القاضي فيه الدعوى والخصومة كالخمر في حق المسلمين. وجه الاستحسان أن الشرب مرغوب فيه ويمكن أن يملكه بغير الارض بالارث والوصية وقد تباع الارض ويبقى الشرب وحده فإذا استولى عليه رجل ظلما كان له أن يرفع يده عنه بإثبات حقه بالبينة. رجل له أرض وللآخر نهر يجري فيها فأراد رب الارض أن يمنع النهر أن يجري في أرضه لم يكن له ذلك ويترك على حاله لان موضع النهر في يد رب النهر، وعند الاختلاف القول قوله في أنه ملكه، فإذا لم يكن في يده ولم يكن جاريا فيها فعليه البينة أن هذا النهر له وأن مجراه في هذه الارض بسوقه إلى أرض له ليسقيها فيقضي له لاثباته بالحجة ملك الرقبة إذا كانت الدعوى فيه أو حق الآخر في إثبات المجرى من غير دعوى الملك وهذا نصيب الماء في كل نهر أو مجرى على سطح أو الميزاب أو المشي في دار غيره فالحكم فيه كالشرب كما قدمنا ا ه‍. قال رحمه الله: (نهر بين قوم اختصموا في الشرب فهو بينهم على قدر أراضيهم) لان المقصود بالشرب سقي الارض والحاجة إلى ذلك تختلف بقلة الاراضي وكثرتها، والظاهر أن حق كل واحد مقدار أراضيه بخلاف الطريق إذا اختلف فيه الشركاء حيث يستوون في ملك رقبة الطريق. ولا يعتبر في ذلك سعة الدار وضيقها لان المقصود الاستطراق وذاك لا يختلف باختلاف الدار، لا يقال استويا في إثبات اليد على النهر فوجب

[ 396 ]

[ وليس لاحدهم أن يشتق نهرا أو ينصب عليه رحى أو دالية أو جسرا أو يوسع فم النهر أو يقسم بالايام وقد وقعت القسمة بالكوى أو يسوق نصيبه إلى أرض له أخرى ليس ] أن يستويا في الاستحقاق لانا نقول: الماء لا يمكن إثبات اليد عليه حقيقة ولا يمكن إحرازه وإنما ذلك بالانتفاع به. والظاهر أن الانتفاع متفاوت بتفاوت الارض فتتفاوت الاجزاء في ضمن الانتفاع فيكون كل واحد منهما بحسب ذلك وليس لاحدهما أن يسكر النهر على الاسفل ولكن يشرب حصته لان في السكر إحداث شئ لم يكن في وسط النهر ورقبة النهر مشترك بينهم فلا يجوز لاحدهم أن يفعل ذلك بغير إذن الشركاء، فإن تراضوا على أن الاعلى يسكر النهر حتى يشرب بحصته واصطلحوا أن يسكر كل واحد في نوبته جاز لان المنع حقهم وقد زال ذلك بتراضيهم، ولكن إن أمكنهم أن يسكر بلوح أو باب فليس له أن يسكر ذلك بالطين والتراب لان به ضررا بالشركاء، ولو كان الماء في النهو بحيث لا يجري إلى أرض كل واحد منهم إلا بالسكر فإنه يبدأ بالاعلى حتى يروي ثم بالذي بعده كذلك وليس لاهل الاعلى أن يمنعوه من أهل الاسفل ا ه‍. قال رحمه الله: (وليس لاحدهم أن يشتق نهرا أو ينصب عليه رحى أو دالية أو جسرا أو يوسع فم النهر أو يقسم بالايام وقد وقعت القسمة بالكوى أو يسوق نصيبه إلى أرض له أخرى ليس لها فيه شرب بلا رضاهم) لان في شق النهر ونصب الرحا كسر صفة النهر المشترك وشغل المشترك بالبناء بغير إذن الشركاء لا يجوز إلا أن يكون الرحا لا تضر بالنهر ولا بالماء ويكون موضعها في أرض صاحبها فيجوز لان ما يحدثه من البناء في خالص ملكه وبسبب الرحا لا ينقص الماء، والمانع من فعل ذلك الاضرار بالشركاء ولم يوجد. وبالقنطرة والجسر اشغال الموضع المشترك بغير إذن الشركاء فلا يجوز. والدالية جذع طويل يركب تركيب مداق الارز في رأسه مغرفة كبيرة ليسقي بها. وقيل: هو الدولاب والسانية للبعير يسقي عليها من البئر. والجسر اسم لما يوضع ويرفع مما يكون بين الالواح وغيره. والقنطرة ما يتخذ من الآجر؟ والحجر. والكوى نقب البيت والجمع كوى. وإذا كان نهر خاص لرجل يأخذ من نهر بين القوم فإذا أراد أن يقنطر عليه أو يسده من جانبيه كان له ذلك لانه يتصرف في خالص ملكه برفع بنائه، وإن كان يزيد في أخذ الماء كان للشركاء منعه. وإنما لا يكون له أن يوسع فم النهر لان فيه كسر صفته ويزيد على مقدار حقه في أخذ الماء وهذا ظاهر فيما إذا لم تكن القسمة بالكري، وكذا إن كانت بالكري لانه إذا وسع فم النهر يحبس الماء في ذلك الموضع فيدخل في ملكه أكثر مما كان له أو لا، وكذا إذا أراد أن يؤخر فم النهر فيجعلها في أربعة أذراع من فم النهر لانه يحبس الماء فيه فيزداد دخول الماء فيه وليس له ذلك إلا بإذن الشركاء بخلاف ما إذا أراد أن يسفل كواه أو يرفعه من حيث العمق في مكانه حيث يكون له ذلك في الصحيح لان قسمة الماء في الاصل وقع باعتبار سعة الكوى وضيقها من غير اعتبار

[ 397 ]

[ لها فيه شرب بلا رضاهم ويورث الشرب ويوصي بالانتفاع بعينه ولا باع ولا يوهب ] السفل والرفع في العمق هو العادة فلا يؤدي إلى غير موضع القسمة فلا يمنع. وإنما لم يكن له أن يقسم بالايام بعدما وقعت القسمة بالكوى لان القديم يترك على حاله لظهور أن الحق فيه، ولو كان لكل واحد منهم كوى مسماة في نهر خاص لم يكن لواحد منهم أن يزيد كوة، وإن كان لا يضر بأهله لان الشركة خاصة بخلاف ما إذا كان الكوى في النهر الاعظم لان لكل واحد منهم أن يشق نهرا منه ابتدا فالكوي بطريق الاولى. وإنما لم يكن له أن يسوق شربه إلى أرض أخرى ليس لها فيه شرب لانه إذا فعل ذلك يخشى أن يدعي حق الشرب لها من هذا النهر مع الاولى إذا تقادم العهد، ويستدل على ذلك بالحفر وإجراء الماء فيه إليها. وكذا لو أراد أن يسوق شربه إلى أرض الاولى حتى ينتهي إلى الاخرى لانه يسوق زيادة على حقه إذ الارض الاولى تشرب الماء قبل أن يسقي الاخرى وهو نظير طريق مشترك أراد أحدهم أن يفتح فيه بابا إلى دار أخرى ساكنها غير ساكن هذه الدار مفتحها في هذا الطريق بخلاف ما إذا كان ساكن الدارين واحدا حيث لا يمنع لان المارة لا تزداد وله حق المرور ويتصر في خالص ملكه وهو الجدار بالرفع. ولو أراد الاعلى من الشريكين في النهر الخاص وفيه كوة بينهما أن يسد بعضهما دفعا لفيض الماء عن أرضه لكيلا ينز ليس له ذلك لما فيه من الاضرار بالاخرى، وكذا إذا أراد أن يقسم النهر مناصفة لان القسمة في الكوة تقدمت إلا أن يتراضيا لان الحق وبعد لهما الرضا لصاحب السفل أن ينقض ذلك، وكذا لورثته من بعده لانه إعارة للشرب لا مبادلة لان مبادلة الشرب بالشرب باطلة. وكذا إجارة الشرب لا تجوز فتعينت الاعارة فيرجع فيها، وكذا ورثته في أي وقت شاؤوا لان الاعارة غير لازمة ا ه‍. قال رحمه الله: (ويورث الشرب ويوصي بالانتفاع بعينه ولا يباع ولا يوهب) لان الورثة خلف الميت يقومون مقامه وجاز أن يقوموا مقامه فيما لا يجوز تمليكه كالمعاوضات والتبرعات كالدين والقصاص والخمر، وكذا الشرب والوصية أخت الميراث فكانت مثله بخلاف البيع والهبة والصدقة والوصية بذلك حيث لا تجوز للغرور والجهالة ولعدم الملك فيه للحال لانه ليس بمال متقوم حتى لو أتلف شرب إنسان بأن سقى أرضه من شرب غيره لا يضمن على رواية الاصل، وكذا لا يصلح مسمى في النكاح ولا في الخلع ولا في الصلح عن دم العمد وهذه العقود صحيحة ولا تبطل بهذا الشرط فيها، ويجب على الزوج مهر المثل على المرأة رد ما أخذت من المهر، وعلى القاتل الدية. وكذا لا يصلح بدلا في دعوى حق وللمدعي أن يرجع في دعواه. وذكر صاحب الهداية في البيع الفاسد أن الشرب يجوز بيعه تبعا للارض باتفاق الروايات ومفردا في رواية وهو اختيار مشايخ بلخ لانه حظ في الماء ولهذا يضمن بالاتلاف وله قسط من الثمن. قال صاحب الخلاصة: رجل له نوبة ماء في يوم معين في الاسبوع فجاء رجل فسقى أرضه في نوبته ذكر الامام علي البزدوي أن غاصب الماء يكون

[ 398 ]

[ ولو ملا أرضه ماء فنزت أرض جاره أو غرقت لم يضمن. ] ضامنا، وذكر في الاصل أنه لا يكون ضامنا. وفي الفتاوي الصغرى: رجل أتلف شرب رجل بأن سقى أرضه بشرب غيره قال الامامعلي البزدوي: يضمن. وقال الامام خواهر زاده: لا يضمن وعليه الفتوى. فتوهم بعضهم أن صاحب الهداية تناقض حيث قال هنا لا يضمن إن سقى من شرب غيره وقال هناك ولهذا يضمن بالاتلاف وليس كذلك، بل ما ذكر في كتاب البيوع على رواية مشايخ بلخ وما ذكر ههنا على رواية الاصل. قال الشارح: لو مات وعليه ديون لا يباع الشرب بدون الارض على رواية الاصل فإن لم يكن للشرب أرض قيل يجمع الماء في نوبة في حوض فيباع إلى أن يقضى الدين من ذلك، وقيل ينظر الامام إلى أرض لا شرب لها فيضم هذا الشرب إليها فيبيعها برضا صاحبها، ثم ينظر إلى قيمة الارض بدون الشرب وإلى قيمتها معه فيصرف تفاوت ما بينهما من الثمن إلى قضاء دين الميت. والسبيل في معرفة قيمة الشرب إذا أراد قسمة الثمن على قيمتهما أن يقوم الشرب على تقدير ان لو كان يجوز بيعه وهو نظير ما قال بعضهم في العقر الواجب بشبهة ينظر إلى هذه المرأة بكم كانت تستأجر للزنا فذلك القدر هو عقدها في الوطئ بالشبهة، وإن لم يجد اشترى على تركة الميت أرضا بغير شرب ثم يضم إلى هذا الشرب فيبيعها فيؤدي من الثمن قيمة الارض المشتراة والفاضل للغرماء. قال رحمه الله: (ولو ملا أرضه ماء فنزت أرض جاره أو غرقت لم يضمن) لانه متسبب وليس بمتعد. فلا يضمن لان شرط وجوب الضمان في السبب أن يكون متعديا ألا ترى أن من حفر بئرا في أرض لا يضمن ما عطب فيه وإن حفر في الطريق يضمن. وإنما قلنا إنه ليس بمتعد لان له أن يملا أرضه ويسقيه قالوا: هذا إذا سقى أرضه سقيا معتادا بأن سقاها قدر ما تحتمله عادة، أما إذا سقاها سقيا لا تحتمله أرضه فيضمن وهو نظير ما لو أوقد نارا في داره فاحترق دار جاره فإن كان أوقدها مثل العادة لم يضمن، وإن كان بخلاف العادة يضمن، وكان الشيخ اسمعيل الزاهد يقول: إنما لم يضمن بالسقي المعتاد إذا كان محقا فيه بأن سقى أرضه في نوبته مقدار حقه، وأما إذا سقاها في غير توبته أو في توبته زيادة على حقه فيضمن لوجود التعدي في السبب اه‍. والله أعلم.

[ 399 ]

[ كتاب الاشربة الشراب ما يسكر والمحرم منها أربعة الخمر وهي النئ من ماء العنب إذا غلا واشتد ] كتاب الاشربة ذكر الاشربة بعد الشرب لانهما شعبتا عرف واحد لفظا ومعنى، فاللفظي هو الشرب مصدر شرب، والعرف المعنوي هو معنى لفظ الشرب الذي هو مصدر شرب فإن كلا منهما مشتق من ذلك المصدر. ولا بد في الاشتقاق من التناسب بين المشتق والمشتق منه في اللفظ والمعنى. قال في العناية: ومن محاسن ذكر الاشربة بيان حرمتها إذ الشبهة في حسن تحريم ما يزيل العقل الذي يحصل به معرفة شكر المنعم. فإن قيل: لماذا حل للامم السابقة مع احتياجهم إلى العقل؟ أجيب بأن السكر حرام في جميع الاديان وحرم شرب القليل من الخمر علينا كرامة من الله علينا لئلا يؤدي إلى المحظور بأن يدعو القليل إلى الكثير ونحن مشهود لنا بالخيرية. فإن قيل: هلا حرمت علينا النبيذ والداعي المذكور موجود؟ أجيب بأن الشهادة بالخيرية لم تكن إذا ذاك وإنما يتدرج الضارى لئلا يتعداه من الاسلام - كذا في العناية - بأن ينفر من الاسلام اه‍. وأضيف هذا الكتاب إلى الاشربة والحال أن الاشربة جمع شراب وهو اسم في اللغة لكل ما يشرب من المائعات حراما كان أو حلالا. وفي استعمال أهل الشرع اسم لما هو حرام منه وكان مسكرا لما في هذا الكتاب من بيان حكم الاشربة كما سمى كتاب الحدود لما فيه من بيان حكم الحدود. وفي التلويح: وفي أوائل القسم الثاني أن إضافة الحل والحرمة إلى الاعيان حقيقة لا مجاز، ولا يخفي أنه يحتاج إلى تفسير الاشربة لغة وشرعا وقد تقدم، وإلى بيان الاعيان التي تتخذ منها الاشربة وأسمائها وسيأتي بيان ذلك اه‍. قال رحمه الله: (الشراب ما يسكر) هذا في إصلاح الفقهاء لقوله عليه الصلاة والسلام كل مسكر حرام (1) وهذا معناه قال


(1) رواه البخاري في كتاب الادب باب 80. مسلم في كتاب الاشربه حديث 73 - 75. أبو داود في كتاب الاشربه باب 5، 7. الترمذي في كتاب الاشربة باب 1، 2. النسائي في كتاب الاشربه باب 53. الموطأ في كتاب الضحايا حديث 8. أحمد في مسنده (1 / 274، 289) (2 / 16، 29).

[ 400 ]

[ وقذف بالزبد وحرم قليلها وكثيرها والطلاء وهو العصير إن طبخ ذهب أقل من ] رحمه الله: (والمحرم منها أربعة الخمر وهي النئ من ماء العنب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد وحرم قليلها وكثيرها) وقال بعضهم كل مسكر خمر لقوله عليه الصلاة والسلام كل مسكر خمر (1) رواه مسلم. ولقوله عليه الصلاة والسلام الخمر من هاتين النخلة والعنبة (2) رواه مسلم وأبو داود. ولانها سميت خمرا لمخامرة العقل وكل مسكر يخامر العقل. ولنا إجماع أهل اللغة على حقيقته في النئ من ماء العنب وتسمية غيرها بالخمر مجازا وعليه يحمل الحديث المتقدم، كذا في الشارح وفيه نظر، لانه نقل في القاموس الخمر ما يسكر من عصير العنب أو عام قال: والعموم أصح. وأيضا الحديث محمول على بيان الحكم لانه عليه الصلاة والسلام بعث لبيان الاحكام لا لبيان الحقيقة اللغوية. والتعريف المذكور للخمر هو قول الامام، وعندهما إذا اشتد صار خمرا ولا يشترط فيه القذف بالزبد لان اللذة تحصل به وهو المؤثر في إيقاع العداوة والصد عن الصلاة، وله أن الغليان بداية الشدة وكماله بقذف بالزبد. والكلام فيه في مواضع: أحدهما في بيان ماهيته، والثاني وقت ثبوت هذا الاسم وقد تقدما، والثالث أن عينه حرام غير معلول بالسكر بخلاف غيره من الاشربة فإنه معلول بالسكر، ومن الناس من يقول غير المسكر منها ليس بحرام كغيره من الاشربة فإنه معلول بالسكر لان الفساد لا يحصل إلا به وهذا كفر لانه مخالف الكتاب والسنة الاجماع. والرابع أنها نجسة العين نجاسة غليظة كالبول والغائط. والخامس أن مستحلها يكفر لانكاره الدليل القطعي. والسادس سقوط تقويمها في حق المسلم حتى لا يضمن متلفها السابع لا يجوز بيعها لقوله صلى الله عليه وسلم إن الذي حرم شربها حرم بيعها (3) رواه مسلم. والثامن أنه يحد شاربها وإن لم يسكر. والتاسع أن الطبخ لا يؤثر فيها لانه لا يمنع من ثبوت الحرمة لا لرفعها بعد ثبوتها. والعاشر جواز تخليلها على ما يجئ من قريب إن شاء الله تعالى. وفي الكافي: ولا يحل أن يستقيه ذميا أو صبيا أو دابة. وفي الخانية: ويكره الاكتحال بالخمر وأن يجعله في السعوط. وفي الاصل: لو عجن الدقيق بالخمر كره أكله، والحنطة إذا وقعت في الخمر يكره أكلها قبل الغسل، ولو انتفخت الحنطة في الخمر قال محمد: لا تطهر قبل الغسل. وقال أبو يوسف: تغسل ثلاثة مرات وتجفف في كل مرة فتطهر، وعلى هذا الخلاف إذا طبخ اللحم في الخمر فهو على هذا الخلاف. وفي الخلاصة: لو طبخ الخمر بالماء والماء أقل أو سواء يحد شاربه وإن


(1) نفس المصدر في الصفحه السابقة (2) رواه ابن مسلم في كتاب الاشربه حديث 13 - 15. أبو داود في كتاب الاشربه باب 4. الترمذي في كتاب الاشربة باب 8. النسائي في كتاب الاشربه باب 19، 37. ابن ماجه في كتاب الاشربه باب 5. أحمد في مسنده (2 / 279، 408). (3) رواه مسلم في كتاب المساقاة حديث 68. النسائي في كتاب البيوع باب 90. الموطأ في كتال الاشربه باب 12. أحمد في مسنده (1 / 230، 244).

[ 401 ]

[ ثلثيه والسكر وهو النئ من ماء الرطب ونقيع الزبيب وهو النئ من ماء الزبيب ] كان الماء أكثر لا يحد إلا إذا سكر. وفي الكافي: واختلفوا في سقوط ماليتها والصحيح أنها مال اه‍. قال رحمه الله: (والطلاء وهو العصير أن طبخ حتى ذهب أقل من ثلثيه) وهذا النوع الثاني. قال في المحيط: الطلاء اسم للمثلث وهو ما طبخ من ماء العنب حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه وصار مسكرا وهو الصواب، وإنما سمي طلاء لقول عمر ما أشبه هذا بطلاء البعير وهو النفط الذي يطلى به البعير إذا كان أجرب. ونجاسته قيل مغلظة، وقيل مخففة وهو ظاهر الرواية. وإن طبخ حتى ذهب أكثر من نصف فحكمه حكم الباذق والمنصف في ظاهر الرواية. وفي الظهيرية: ويجوز بيع الباذق والمنصف والمسكر ونقيع الزبيب ويضمن متلفهم في قول الامام خلافا لهما والفتوى على قولهما اه‍. وفي الينابيع: الطلاء ما يطبخ من عصير العنب في نار أو شمس حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه وهو عصير محض، فإن كان فيه شئ من الماء حتى ذهب ثلثاه بقي المجموع من الماء والعصير اه‍. وفي الهداية: ويسمى الطلاء بالباذق أيضا سواء كان الذاهب قليلا أو كثيرا، والمنصف ما ذهب نصفه وبقي نصفه وكل ذلك حرام اه‍. وعندنا إذا غلا واشتد بالزبد وإذا اشتد ولم يقذف بالزبد فهو على الخلاف بين الامام وصاحبيه كما تقدم. قال رحمه الله: (والسكر وهو النئ من ماء الرطب) وهذا هو النوع الثالث من الاشربة المحرمة مشتق من سكرت الريح إذا سكنت، وإنما يحرم إذا قذفت بالزبد وقبله حلال. وقال شريك بن عبد الله. وهو حلال وإذا قذف بالزبد لقوله تعالى * (تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا) * (النحل: 67) امتن علينا به والامتنان لا يكون بالمحرم ولنا ما روينا، والآية محمولة على الابتداء حين كانت الاشربة مباحة، وقيل أريد بها التوبيخ ومعناها والله أعلم تتخذون منه سكرا وتدعونه رزقا حسنا. والثاني الفضيخ وهو النئ من البسر المذنب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد فإنه اسم مشتق من الفضخ وهو الكسر، يقال انفضخ سنام البعير أي انكسر من الحمل فلما كان البسر ينكسر لاستخراج الماء منه سمي الماء المستخرج بعد الفضخ، كذا في المحيط. قال رحمه الله: (ونقيع الزبيب وهو النئ من ماء الزبيب) وهو الرابع من الاشرية المحرمة إذا اشتد لما قدمنا. ثم حرمة هذه الاشياء دون حرمة الخمر حتى لا يكفر مستحلها ولا يجب الحد بشربها، ونجاستها خفيفة ويضمن متلفها عند الامام على ما بينا في الغصب، وعن أبي يوسف يجوز بيعها إذا كان الذاهب بالطبخ أكثر من النصف. ولقائل أن يقول: من هذه الاشربة نقيع التمر وهو السكر وقد استدللنا على حرمته بإجماع الصحابة وقد تقررت أن الاجماع دليل قطعي فيكفر مستحلها فكيف قلتم لا يكفر مستحلها؟ ويجاب بأنه قد يكون نقل الاجماع بطريق الآحاد فلا يفيد القطع والمنقول في حرمة السكر من هذا القبيل. وفي المحيط: ونقيع الزبيب نوعان وهو أن ينقع الزبيب في الماء حتى

[ 402 ]

[ والكل حرام إذا غلا واشتد وحرمتها دون حرمة الخمر فلا يكفر مستحلها بخلاف الخمر والحلال منها أربعة نبيذ التمر والزبيب إذا طبخ أدنى طبخه وإن اشتد إذا شرب ما لا يسكر بلا لهو وطرب والخلبطان وينبذ العسل والتين والبر والشعير والمثلث وحل ] خرجت حلاوته إلى الماء ثم اشتد وغلا وقذف بالزبد، والثاني وهو النئ من ماء العنب إذا طبخ أدنى طبخة وغلا واشتد. وفي الخانية: نقيع الزبيب ما دام حلوا يحل شربه، وإن غلا واشتد وقذف بالزبد يحرم قليله وكثيره وهو قول محمد وبه أخذ الفقيه أبو الليث. وفي السراجية: وإذا أراد الرجل إن يشرب النبيذ أو يشرب السكر فأول قدح منه حرام والنفوذ حرام والمشي إليه حرام. قال رحمه الله: (والكل حرام إذا غلا واشتد وحرمتها دون حرمة الخمر فلا يكفر مستحلها بخلاف الخمر) وقد بينا أحكامها فيما تقدم. قال رحمه الله: (والحلال منها أربعة نبيذ التمر والزبيب إذا طبخ أدنى طبخة وإن اشتد إذا شرب ما لا يسكر بلا لهو وطرب) يعني هذيان وهذا المعنى ما رواه مسلم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التمر والزبيب أن يخلط بينهما ما في الانتباذ الحديث إلى أن قال: من شربه منكم فليشربه زبيبا أو تمرا فردا أو بسرا فردا وهذا محمول على المطبوخ منه لان غير المطبوخ منه حرام بالاجماع. قال رحمه الله: (والخليطان) وهو أن يجمع بين التمر والزبيب في الماء ويشرب ذلك وهو حلو يعني حلالا لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كنا ننتبذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم القبضة من التمر والقبضة من الزبيب ثم نصب عليه الماء فننبذه غدوة فيشربه عشية وعشية فيشربه غدوة. قال رحمه الله: (وينبذ العسل والتين والبر والشعير) يعني هو حلال لقوله صلى الله عليه وسلم الخمر من هاتين الشجرتين يعني العنب والنخل. ولا يشترط فيه الطبخ لان قليله لا يفضي إلى كثيره كيفما كان. قال رحمه الله: (والمثلث) وهذا هو الرابع وهو ما طبخ من ماء العنب حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه، والقول بالحل في هذه الاربعة قول الامام والثاني. وقال محمد: كل ما يسكر كثيره قليله حرام لقوله صلى الله عليه وسلم كل مسكر خمر وكل خمر حرام رواه مسلم. فعلى قولهم لا يحد شاربه وإذا سكر منه وطلق لا يقع طلاقه بمنزلة النائم وذاهب العقل بالبنج ولبن الرماك، وعلى قول محمد لكثرة الفساد فيحد الشارب إذا سكر من هذه الانبذة المذكورة والمتخذ من لبن الرماك لا يحل شربه. وفي الهداية: الاصح أنه يحد على قولهما إذا سكر في هذه الانبذة المذكورة اعتبارا للخمر. وفي المجتبى: على قول محمد إذا شرب من هذه الاشربة ولم يسكر يعزر تعزيرا شديدا اه‍. المثلث إذا صب عليه الماء وطبخ فحكمه حكم المثلث لان صب الماء فيه لا يزيده إلا ضعفا بخلاف ما إذا صب الماء على العصير ثم طبخ حتى يذهب ثلثا الكل لان الماء يذهب أولا للطافته أو يذهب منهما ولا يدري أيهما ذهب أكثر فيحتمل الذاهب من العصير أقل من ثلثه. ولو طبخ العنب قبل العصير اكتفى بأدنى طبخة في رواية عن الامام، وفي رواية لا يحل ما لم يذهب ثلثاه بالطبخ لان العصير موجود فيه من غير تعمير فصار كما

[ 403 ]

[ الانتباذ في الدباء والحنتم والمزقت والنقير وخل الخمر سواء خللت أو تخللت وكره ] لو طبخ فيه بعد العصير. لو جمع بين العنب والثمر أو بين العنب والزبيب فطبخ لا يحل حتى يذهب ثلثاه لان التمر والزبيب وإن كان يكتفى فيه بأدنى طبخه فعصير العنب لا بد أن يذهب ثلثاه فيعتبر جانب العنب احتياطا للحرمة. وكذا إذا جمع بين عصير العنب ونقيع التمر لما قلنا، ولو طبخ نقيع التمر أو نقيع الزبيب أدنى طبخة ثم نقع فيه تمرا أو زبيبا إن كان ما نقع فيه شيئا ما يسيرا لا يتخذ النبيذ من مثله فلا بأس به، وإن كان يتخذ النبيذ من مثله لا يحل كما إذا صب في المطبوخ قدح من نقيع والمعنى تغليب جهة الحرمة ولا حد في شربه لان التحريم للاحتياط والاحتياط في الحد في دريئه. ولو طبخ الخمر أو غيره بعد الاشتداد حتى ذهب ثلثاه لم يحل لان الحرمة قد تقرر فلا ترتفع بالطبخ. وفي الظهيرية: الفضيخ الشراب المتخذ من التمر فإذا أفضح التمر وقذف ثم ينقع في الماء حتى تخرج حلاوته ثم يترك حتى يشتد فإذا اشتد حرم. وفي التهذيب عن الثاني والثالث: البسر المذنب إذا طبخ أدنى طبخة فإذا حلي يحل شربه بلا خلاف. فإذا اشتد فحكمه كالمثلث. وفي الجامع: السكران الذي يحد هو الذي لا يعقل مطلقا قليلا كان أو كثيرا ولا يعرف الرجل من المرأة ولا الارض من السماء عند الامام، وفي شربه الاصل إذا ذهب عقله وكان كلامه مخبطا يعتبر الغالب، وإن كان النصف مستقيما والنصف غير مستقيم لا يقام عليه الحد. وفي القدوري: إذا غلب عليه الماء حتى زال طعمها وريحها فلا حد في شربها. وفيه أيضا عن الثاني: إذا بل في الخمر خبزا فأكل الخبز إذا كان الطعم يوجد حد، وإن كان لا يرى أثرها في الخبز لا، وإذا شرب الخمر لضرورة مخافة العطش فشرب مقدار ما يرويه فسكر فلا حد، وإن ادعى الاكراه لم يصدق لان الاكراه لا يتحقق إلا بالبينة اه‍. تصرفات السكران كلها نافذة إلا الردة والاقرار بالحدود الخالصة اه‍. قال رحمه الله: (وحل الانتباذ في الدباء والحنتم والمزفت والنقير) قوله عليه الصلاة والسلام كنت نهيتكم عن الاشربة في ظروف ألا فاشربوا في كل وعاء غير أنكم لا تشربوا مسكرا (1) رواه مسلم وأحمد وغيرهما. ولان الظرف لا يحل حراما ولا يحرم حلالا. والدباء هو القرع والنقير هو أصل النخلة ينقر نقرا وينسج نسجا، والمزفت وهو النقير، والحنتم الجرار الخضر. قيل الحنتم الجرار الحمر. ثم إن انتبذ في هذه الاوعية قبل استعمالها في الخمر فلا إشكال في حله وطهارته، وإن استعمل فيها الخمر ثم انتبذ فيها ينظر، إن كان الوعاء عتيقا يطهر بغسله ثلاث مرات، وإن كان جديدا لا يطهر عند محمد، وعند أبي يوسف يغسل ثلاثا ويجفف في كل مرة بعد مرة أخرى حتى إذا خرج الماء صافيا غير متغير لنا أو


(1) رواه مسلم في كتاب الاضاجي حديث 37. النسائي في كتاب الايمان باب 100. أحمد في مسنده (3 / 237) (4 / 402).

[ 404 ]

[ شرب دردي الخمر والامتشاط به ولا يحد شاربه إلا إذا سكر. ] طعما أو ريحا حكم بطهارته اه‍. قال رحمه الله: (وخل الخمر سواء خللت أو تخللت) يعني خل الخمر فلا فرق في ذلك بين أن يتخلل بنفسه أو تخلل بإلقاء شئ فيه كالملح أو الخل أو النقل من الظل إلى الشمس أو بإيقاد النار بالقرب منها خلافا للشافعي إذا تخلل بالقاء شئ فيها كالملح. ولنا قوله عليه الصلاة والسلام نعم الادم الخل (2) مطلقا فيتناول جميع صورها ولان بالتخليل إزالة الوصف المفسد وثبات صفة الصلاح كالذبائح فالتخليل أولى لما فيه من إحراز مال يصير حلالا ثم فعل ذلك غير حكمه من الحرمة إلى الحل ومن النجاسة إلى الطهارة ألا ترى أن ظرفها كان طاهرا تنجس بها فإذا طهر بالتخليل طهر جميع أجزائه وأجزاء إنائه هو الصحيح. وقيل: لا يطهر لانه تنجس بإهانة الخمر ولم يوجد ما يوجب طهارته فيبقى على ما كان. ولو غسل بالخل فتخلل من ساعته طهر للاسحتالة، وكذا إذا صب منه الخمر ثم ملئ خلا يطهر في الحال. وفي المحيط: ولو كان الخل فيه حموضة غالبة وطعم المرارة فإنه لا يحل ما لم تزل من كل وجه، وعندهما يحل واعتبر الغالب منها. ولو صب في المرقة خمر فطبخ لم يحل لانه تنجس قبل الطبخ فلا يحل بالطبخ ولا يحد شاربه لانه شرب المرق النجس، ولو عجن الدقيق بالخمر صار نجسا. قال رحمه الله: (وكره شرب دردي الخمر والامتشاط به) لان فيه أجزاء الخمر فكان حراما نجسا والانتفاع بمثله حرام ولهذا لا يجوز أن يداوي به جرحا ولا أن يسقي ذميا ولا صبيا والوبال على من سقاه، وكذا لا يسقيه الدواب، وقيل لا يحمل الخمر إلى من يفسدها ويصيرها خلا ويحمل ما يفسدها إلى الخمر كما لا يحمل الميتة إلى الكلب، وكذا الدردي في الخل فلا بأس به لانه يصير خلا لكنه يباح حمل الخمر إليه لا عكسه. قال رحمه الله: (ولا يحد شاربه إلا إذا سكر) يعني لا يحد شارب دردي الخمر إلا إذا سكر. وقال الشافعي: يحد شاربه سكر أو لم يسكر لان الحد يجب في الخمر بشرب قطرة وفي الدردي قطرات. قلنا: وجوب الحد للزجر فيما ترغب النفس فيه وتميل إليه والنفس لا ترغب في شرب الدردي ولا تميل إليه فكان ناقصا فأشبه غير الخمر من الاشربة فلا حد ما لم يسكر، ودردي الخمر هو التفل. ويكره الاحتقان بالخمر واقطاره في الاحليل لانه انتفاع بالنجس المحرم، وتقدم الكلام فيما إذا أخبر به طبيب حاذق. وفي المحيط: ولو سقى شاة خمرا لا يكره لحمها ولبنها لان الخمر وإن كانت باقية في معدتها فلم يختلط بلحمها، وإن استحالت الخمر لحما فيجوز كما لو استحالت خلا إلا إذا سقاها كثيرا بحيث يؤثر في رائحتها الخمر فإنه يكره لحمها.


(1) رواه أبو داود في كتاب الاطعمة باب 39. النسائي في كتاب الايمان باب 21. ابن ماجه في كتاب الاطعمة باب 33.

[ 405 ]

[ فصل ] فصل في طبخ العصير: الاصل فيه أن ما ذهب بغليانه بالنار وقذفه بالزبد لا يعتقد به حتى يذهب ثلثاه فيجل الثلث الباقي بعده، ولو صب فيه الماء قبل الطبخ ثم طبخ بماء ينظر، إن كان الماء أسرع ذهابا للطافته ولرقته يعتبر ذهاب ثلثيه بعد الماء الذي صب فيه كله وبعد ذهاب الزبد فيحل الثلث الباقي من العصير وإن كانا يذهبان معا فيطبخ حتى يذهب الجميع بعد ذهاب الزبد فيحل ثلث الباقي لذهاب الثلثين وبقاء الثلث ماء وعصيرا. ولو طبخ العصير فذهب أقل من الثلث ثم أهرق لثلثين وبقي الثلث ماء وعصيرا ولو طبخ العصير فذهب أقل من الثلث ثم أهرق بعضه لا يحل الباقي حتى يذهب ثلثاه بالطبخ. وطريق معرفته أن يؤخذ ثلث الجميع فيضرب به في الباقي ثم يقسم الخارج على ما بقي بعد ذهاب ما نقص منه بالطبخ قبل أن ينصب منه شئ، فما أصاب الواحد بالقسمة فذاك القدر هو الحلال ويطبخ الباقي إلى أن يبقى قدره فيحل مثاله: إثنا عشر رطلا من العصير طبخ حتى ذهب أربعة أرطال ثم أهرق رطلين يؤخذ ثلث العصير كله وهو أربعة فيضرب فيما بقي بعد الانصاب وهو ستة فيصير أربعة وعشرين فيقسمه على ما بقي بعد ذهاب ما ذهب منه بالطبخ قبل أن يهراق منه وذلك ثمانية فيصيب كل واحد منهم ثلاثة فيكون ذلك القدر هو الحلال فيطبخ الباقي إلى أن يبقى قدره فيحل. وإن شئت قسمت ما ذهب بالبطبخ على المنصب وعلى ما بقي بعد الانصباب فما أصاب المنصب يجعل مع المنصب كأنه لم يكن وكان جميع العصير هو الباقي، وما أصابه من الذاهب بالطبخ فقد ذهب منه ذلك القدر فيطبخ حتى يذهب إلى تمام الثلثين. وإن شئت قلتإن الباقي بعد الطبخ قبل الانصباب بعضه حلال وهو قدر ثلث المجموع، فإذا أهريق بعضه أهريق من الحلال بحسابه فيطبخ الباقي حتى يبقى قدر ما فيه من الحلال. وفي المحيط عن أبي يوسف: طبخ ثم ألقى فيه تمرا فغلى قال: ما ألقى فيه لو نبذه على حدة كان منه نبيذا فلا خير فيه لان هذا مطبوخ ويعتبر، وإن كان يسيرا لا ينتبذ منه لا يعتد به لانه لا يحد فيه الشارب لانفراده، ولو صب قدح في خابية مطبوخ أفسده. وعن الامام: إذا وضع في الشمس حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه فلا بأس به فهو بمنزلة طبخه بالنار، وكذا إذا ملا الخابية بالخردل وخلط فيها العصير ومضى على ذلك مدة ولم يشتد ولم يسكر فلا بأس به في قول أصحابنا. ولو طبخ عصيرا حتى ذهب ثلثه وتكره حتى يرد ثم أعاد الطبخ حتى ذهب نصف ما بقي، فإذا أعاد الطبخ قبل أن يغلي وتغير عن حالة العصير فلا بأس به لان الطبخ وجد قبل ثبوت الحرمة بالغليان والشدة، وإن عاد بعد أن غلى وتغير فلا خير فيه لان طبخة وجد بعد ثبوت الحرمة فلا ينتفع به اه‍.

[ 406 ]

[ كتاب الصيد هو الاصطياد ويحل بالكلب المعلم والفهد والبازي وسائر الجوارح المعلمة ولابد ] كتاب الصيد قال في العناية: مناسبة كتاب الصيد بكتاب الاشربة من حيث إن كل واحد من الاشربة والصيد يورث السرور إلا أنه قدم الاشربة لحرمتها اعتبارا بالاحتراز عنها اه‍. قال في المحيط: يحتاج إلى معرفة إباحة الصيد وتفسيره لغة وشرعا وركنه وشرط إباحته ودليلها وحكم مشروعيته. أما دليل الاباحة من الكتاب قوله تعالى * (أحل لكم صيد البحر) * (المائدة: 96) * (وإذا حللتم فاصطادوا) * (المائدة: 2) وأما تفسيره لغة فالصيد هو الاصطياد ويطلق على ما يصاد مجازا إطلاقا لاسم المصدر على المفعول وهو المتوحش الممتنع بأصل الخلقة عن الآدمي مأكولا كان أو غير مأكول. والذي يظهر أنه عند الفقهاء الارسال بشروطه لاخذ ما هو مباح من الحيوان المتوحش الممتنع عن الآدمي بأصل خلقته. وأما ركنه فهو على الاخذ بشروطه. وأما شرطه المتعلق بالصيد فكون الصيد غير آمن بالاحرام والحرم وغير مملوك. وأما حكمه فصيرورة المأخوذ ملكا للآخذ. قال رحمه الله: (هو الاصطياد) قال الشارح: أي الصيد هو الاصطياد في اللغة اه‍. ولا يخفى أن هذا لا يناسب أن يذكر في المتن فلا ينبغي أن يذكرها. قال رحمه الله: (ويحل بالكلب المعلم والفهد والبازي وسائر الجوارح المعلمة) يعني يحل الاصطياد بهذه الاشياء وبغيرها من الجوارح كالشاهين والباشق والعقاب والصقر. وفي الجامع الصغير: وكل شئ علمته من ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير فلا بأس بصيده ولا خير فيما سوى ذلك إلا أن تدرك ذكاته فتذكيه. قال في العناية: وإنما أورد هذه الرواية لان رواية القدوري تدل على الاثبات والنفي جميعا اه‍. واعترض بأنهم قد صرحوا في النهاية وغيرها بأن تخصيص الشئ بالذكر في الرواية يدل على نفي الحكم عما عداه بالاتفاق، فرواية القدوري تدل على إثبات الصيد بما ذكرنا ونفي جوازه بما سواه فلم يتم ما ذكره، والاصل فيه قوله تعالى * (أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح) * (المائدة: 4) والجوارح

[ 407 ]

[ التعليم وإذا ترك الاكل ثلاثا في الكلب وبالرجوع إذا دعوته في البازي ولا بد من ] الكواسب والجرح الكسب. وقيل هي أن تكون جارحة بنابها ومخلبها حقيقة. ومعنى مكلبين معلمين الاصطياد ولانه اجتمع في الحيوان الصائد ما يوجب أن يكون آلة للذبح وهو كونه جارحا قاطعا بطبعه غير عاقل كالسكين وما يمنع أن يكون آلة للذبح وهو كونه مختارا في فعله كالآدمي. والشرع جعل التعليم فيه بترك الاكل فيجري على موجب اختيار صاحبه فيعمل له لا لنفسه فيصير آلة محضة لصاحبه كالسكين. واسم الكلب يقع على كل سبع حتى الاسد، واستثنى الثاني من الجواز اصطياد السبع والدب لانهما لا يعملان لغيرهما، الاسد لعلو همته والدب لخساسته، كذا في الهداية. وذكر في النهاية الذئب بدل الدب ولان التعلم يعرف بترك الاكل وهما لا يأكلان الصيد في الحال فلا يمكن الاستدلال بترك الاكل على التعليم حتى لو تصور التعليم منهما وعرف ذلك جاز، ذكره في النهاية. وألحق بعضهم الحدأة بهما لخساستها. والخنزير مستثنى من ذلك لانه نجس العين. وفي المحيط قالوا: لا يجوز الاصطياد بالاسد والذئب لان الاسد لا يعمل لغيره وإنما يعمل لنفسه، والذئب مثله أيضا. قال في الخلاصة: وإنما يحل الصيد بخمسة عشر شرطا، خمسة في الصائد وهو أن يكون من أهل الذكاة، وأن يوجد منه الارسال ولا يشاركه في الارسال من لا يحل صيده. وأن لا يترك التسمية عمدا، ولا يشتغل بين الارسال والاخذ بعمل. وخمسة في الكلب منها أن يكون معلما، وأن يذهب على سنن الارسال، وأن لا يشاركه في الاخذ من لا يحل صيده، وأن يقتله جرحا، وأن لا يأكل منه. وخمسة في الصيد منها أن لا يكون متقويا بأنيابه أو بمخلبه، وأن لا يكون من الحشرات، وأن لا يكون من بنات الماء سوى السمك، وأن يمنع نفسه بجناحة أو مخلبه، وأن يموت بهذا قبل أن يصل إلى ذبحه اه‍. وذكر صاحب النهاية والعناية وغاية البيان نقلا عن الخلاصة واعترض بأن قوله وإن يموت قبل أن يصل إلى ذبحه مستدرك بعد قوله وإن يقتله جرحا. وأجيب بأن لا استدراك لان الشرط الذي أريد بقوله وأن يقتله جرحا ليس مجرد قتله بل قتله جرحا والمقصود منه الاحتراز عن قتله خنقا. والشرط الذي أريد بقوله وأن يموت بهذا قبل أن يصل إلى ذبحه لجواز أن يقتله الكلب جرحا بعد أن يصل المرسل إلى ذبحه فحينئذ لا يحل أكله فلا بد من بيان الشرط الآخر أيضا على الاستقلال. قال صاحب العناية: فيما نقله صاحب الخلاصة تسامح لان هذا شرط الاصطياد للاكل بالكلب لا غيره على أنه لو انتقى بعضه لم يحرم كما لو اشتغل بعمل غيره لكن أدركه حيا فذبحه، وكذا لو لم يمت بهذا لكن ذبحه فإنه صيد وهو حلال اه‍. وأجيب بأن هذه الشروط في الصيد المحض وهو الذي لم يدركه حيا، أما الذي أدركه فذكاه بالذكاة الاختيارية فليس صيدا محضا بل يلحق به اه‍. والمراد بقول صاحب العناية شرط الاصطياد أي حال الاصطياد وفي التعبير بما يدل على ظهور المراد لا يبالي بمثله. قال رحمه الله: (ولا

[ 408 ]

[ التسمية عند الارسال ومن الجرح في أي موضع كان من أعضائه فإن أكل منه البازي ] بد من التعليم) لقوله تعالى * (وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن) * (المائدة: 4) ولقوله عليه الصلاة والسلام لابي ثعلبة: ما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فكل وما صدت بكلبك غير الملعم فأدركت ذكاته فكل. رواه البخاري ومسلم وأحمد. ولذا لا بد أن يكون المرسل أهلا للذكاة بأن يكون مسلما أو كتابيا ويعقل التسمية ويضبط على نحو ما ذكرنا في الذبائح. قال رحمه الله: (وإذا ترك الاكل ثلاثا في الكلب وبالرجوع إذا دعوته في البازي) أي التعليم في الكلب يكون بترك الاكل ثلاث مرات، وفي البازي في الرجوع إذا دعي. روي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. ولان بدن الكلب يحتمل الضرب فيمكن ضربه حتى يترك الاكل وبدن البازي لا يحتمل الضرب فلا يمكن تحقيق هذا الشرط فيه فاكتفى بغيره مما يدل على التعليم، ولان آية التعليم ترك ما هو مألوفه عادة وعادة البازي التوحش والاستنفاد وعادة الكلب الانتهاب والاستلاب لائتلافه بالناس، فإذا ترك كل واحد منهما مألوفة دل على تعليمه وانتهاء علمه. وهذا الفرق لا يتأتى إلا في الكلب خاصة لانه هو الالوف دون غيره من ذوات الانياب فإنها ليست بألوفة. والفرق الاول يتأتى في الكل لان بدن كل ذي ناب يحتمل الضرب فأمكن تعليمه بالضرب إلى أن يترك الاكل. قال صاحب النهاية: وهذا الفرق لا يتأتى في الفهد والنمر فإنه متوحش كالباز. ثم الحكم فيه للكلب سواء فالمعتمد هو الاول، كذا في المبسوط. وأجيب بأن الكلب في اللغة يقع على كل سبع، وليس المراد مما ذكره المؤلف الكلب المعهود بل الكلب بالمعنى اللغوي فلهذا استووا فيما يقع به التعليم وإنما شرط ترك الاكل ثلاث مرات وهو قولهما ورواية عن أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه لان عمله يعرف بتكرار التجارب والامتحان هو مدة ضربت لذلك كما في قصة السيد موسى وكما في شرط الخيار، وكذا قال صلى الله عليه وسلم: إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع. وعن الامام أنه لم يثبت التعليم ما لم يغلب على ظنه أنه قد تعلم ولا يقدر بشئ لان المقادير تعرف بالنص لا بالاجتهاد لا نص هنا فيفوض إلى رأي المبتلى كما هو عادته. ثم إذا ترك الاكل ثلاثا لا يحل الاول ولا الثاني على قول من قال بالثلاث، وكذا الثالث عندهما لانه لا يصير معلما إلا بعد تمام الثلاث وقبله غير معلم. قال رحمه الله: (ولا بد من التسمية عند الارسال ومن الجرح في أي موضع كان من أعضائه) أما التسمية لقوله تعالى: * (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) * ولقوله صلى الله عليه وسلم: فإذا ذكرت الله تعالى عليه وجرح فكل وأطلق في قوله ولا بد من التسمية فشمل ما إذا كان المرمي إليه يحتاج إلى التسمية أو لا كالسمك، وقد شرط في الاول دون الثاني حتى لو رمى إلى السمك وترك التسمية عمدا فأصاب يحل أكله، فلو قال في صيد البر لكان أولى وسيأتي عن قاضيخان. ولا

[ 409 ]

[ أكل وإن أكل منه الكلب أو الفهد لا وإن أدركه حيا ذكاه وإن لم يذكه حتى مات أو ] بد أن يكون المسمي يعقل التسمية فلا يأكل صيد صبي ومجنون إذا كانا لا يعقلان التسمية، أما إذا كانا يعقلانها أكل. ويأكل صيد الاخرس والكتابي لان الملة تكفي عن التلفظ عند العجز. ولو سمى النصراني باسم المسيح لم يؤكل، والصابئة إن أقروا بكتابي وإن يؤكل صيدهم وإلا فلا. وظاهر عبارة المؤلف الاكتفاء بالجرح سالما أولا لكن قال في المحيط: إن جرحه لم يدمه اختلفوا فيه، قيل لا يحل، وقيل يحل، وقيل إن كانت الجراحة صغيرة لا يحل إذا لم يرم وإن كانت كبيرة يحل. وأما الجرح فالمذكور هنا ظاهر الرواية، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه لا يشترط، رواه الحسن عنهما وهو قول الشعبي لقوله تعالى: * (فكلوا مما أمسكن عليكم) * (المائدة: 4) مطلقا من غير قيد بالجرح فمن شرطه فقد زاد على النص وهو نسخ ما عرف في موضعه، وكذا ما روينا من حديث عدي وثعلبة يدل على ذلك لانه مطلق فيجري على إطلاقه وإلا لزم نسخة بالرأي وهو لا يجوز. الظاهر قوله تعالى: وما علمتم من الجوارح وهو يشير إلى ما قلنا ولان المقصود إخراج الدم المسفوح وهو يخرج بالجرح عادة ولا يختلف عنه إلا نادرا فأقيم الجرح مقامه كما في الذكاة الاختيارية والرمي بالسهم، لانه إذا لم يجرحه صار موقوذه وهي محرمة بالنص وما تلي مطلق، وكذا ما روي فحملناه على المفيد لاتحاد الواقعة. وإنما لم يحمل المطلق على المقيد فيما إذا اختلفت الحوادث أو كان التقييد والاطلاق من جهة السبب، وأما إذا كان من جهة الحكم والحادثة واحدة فيحمل عليه. ولو سمى حالة الارسال فقتل الكل حلت، ولو قتل الكل واحدا بعد واحد حل بخلاف ما إذا ذبح شاتين بتسمية فإنه لا يحل. والفرق أن الحل في باب الصيد يحصل بالارسال فتشترط التسمية وقت الارسال والارسال وجد وقت تسمية واحدة كما لو رمى سهما إلى صيد فنفذ وأصاب صيدا آخر بخلاف ما لو ذبح شاة أخرى لان الثانية صارت مذبوحة بفعل غير الاول فلا بد من تسمية أخرى، ولو اضجع شاتين وذبحها بتسمية واحدة حلا. قال رحمه الله: (فإن أكل منه البازي أكل وإن أكل منه الكلب أو الفهد لا) وقال مالك والشافعي في القديم: يؤكل وإن أكل منه الكلب كالبازي لما روي عن عبد الله بن عمر أن ثعلبة قال: يا رسول الله إن لي كلابا مكلبة فأفتني في صيدها فقال: إن كانت لك كلاب مكلبة فكل ما أمسكت عليك الحديث. إلى أن قال للنبي صلى الله عليه وسلم: وإن أكل منه؟ قال عليه الصلاة والسلام: وإن أكل منه. وفعل الكلب إنما صار ذكاة لعلمه وبالاكل لا يعود جاهلا فصار كالبازي. ولنا ما روينا من حديث عمر بن عدي وقوله تعالى: * (وما أكل السبع إلا ما ذكيتم) * (المائدة: 3) وقوله عليه الصلاة والسلام إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله تعالى فكل ما أمسكن عليك إلا أن يأكل الكلب فلاتا كل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عباس أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أرسلت كلبك

[ 410 ]

المعلم فأكل من الصيد فلا تأكل فإنما أمسكه على نفسه، وإذا أرسلته فقتل ولم يأكل فكل أمسك على صاحبه رواه أحمد. ومرويها غريب فلا يعارض الصحيح المشهور، ولئن صح فالمحرم أولى على ما عرف في موضوعه. والفرق بين البازي والكلب قد بيناه. ولو صاد الكلب صيودا ولم يأكل منها شيئا ثم أكل من صيد بعد ذلك لا يؤكل من الذي أكل منه لان أكله علامة جهله، ولا مما يصيده بعده حتى يصير معلما على الاختلاف الذي بيناه في الابتداء. وأما الصيود التي أخذها من قبل فيما أكل منه لا تظهر الحرمة عند أبي حنيفة رحمه الله. وعندهما لا يحرم لان الاكل لا يدل على جهله لان الحرفة قد تنسى وقد يشتد عليه الجوع فيأكل مع عمله، ولان ما أحرزه قد أمضى الحكم فيه الاجتهاد فلا يتنقض باجتهاد مثله لان المقصود قد حصل بالاول بخلاف غير المحرز لان المقصود لم يحصل فيه من كل وجه لبقاء الصيدية فيه من وجه لعدم الاحتراز فيحرم احتياطا. ولابي حنيفة رضي الله تعالى عنه أن أكله آية جهله من الابتداء لان الحرفة لا ينسى أصلها فبالاكل تبين أن تركه الاكل كان بسبب الشبع لا للتعلم وقد تبدل الاجتهاد قبل حصول المقصود لان المقصود يحصل بالاكل فصار كتبدل اجتهاد القاضي قبل القضاء، ولان عمله لا يثبت إلا ظاهرا فبقي جهله موهوما والموهوم في باب الصيد يلحق بالمتحقق احتياطا ما أمكن والامكان في حق القائم جميعا دون الفائت. قال بعض المشايخ: إنما تحرم تلك الصيود عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى إذا كان العهد قريبا، أما إذا تطاول العهد بأن أتى عليه شهرا وأكثر وصاحبه قد قدر تلك الصيود لا تحرم تلك الصيود في قولهم جميعا لان في المدة الطويلة يتحقق النسيان فلا يعلم أنه لم يكن معلما في الماضي من الزمان، وفي المدة القصيرة لا يتحقق النسيان فيظهر أنه لم يكن معلما حين اصطياد تلك الصيود فتحرم تلك الصيود. وقال شمس الائمة السرخسي: الصحيح أن الخلاف في الفصلين، ولو أن صقرا فر من صاحبه فمكث حينا ثم رجع إلى صاحبه فأرسله فصاد لا يؤكل صيده لانه ترك ما صار به معلما فيحكم بجهله كالكلب إذا أكل من الصيد فيبقى حكمه كحكم الكلب فيما ذكرنا. ولو شرب الكلب من دم الصيد ولم يأكل من لحمه شيئا أكل لانه ممسك عليه، وهذا من غاية عمله حيث شرب ما لا يصلح لصاحبه وأمسك عليه ما يصلح له. ولو أخذ الصائد الصيد من الكلب وقطع له منه قطعة وألقاها إليه فأكلها يؤكل ما بقي لانه أمسك على صاحبه وسلمه إليه وأكله بعد ذلك مما ألقى إليه صاحبه لا يضره لانه لم يؤكل من الصيد وهو عادة الصيادين فصار كما إذا ألقى إليه طعاما آخر. وكذا إذا خطف الكلب منه وأكله لانه لم يؤكل من الصيد إذ لم يبق صيدا في هذه الحالة والشرط ترك الاكل من الصيد وقد وجد فصار كما إذا افترس شاة بخلاف ما إذا فعل ذلك قبل أن يحرزه المالك لبقاء جهة الصيدية وسيأتي الفرق فيه. ولو نهش الصيد فقطع منه

[ 411 ]

بعضه فأكلها ثم أدرك الصيد فقتلته ولم يأكل منه لم يؤكل لانه صيد كلب جاهل حيث أكل من الصيد، ولو ألقى ما نهشه واتبع الصيد فقتله ولم يأكل منه حتى أخذه صاحبه ثم ذهب إلى تلك البضعة فأكلها يؤكل الصيد، لو أكل من نفس الصيد في هذه الحالة لا يضره، فإذا أكل ما بان منه وهو لا يحل لصاحبه أولى بخلاف الوجه الاول لانه أكل في حالة الاصطياد فتبين بهذا أنه جاهل ممسك على نفسه، ولان نهش البضعة قد يكون ليأكلها وقد يكون حالة الاصطياد ليضعفه بالقطع منه ليتمكن منه، فإن أكلها قبل الاخذ يدل على الوجه الاول، وبعده على الوجه الثاني. وفي الهداية: ولو أخذ المرسل الصيد ووثب الكلب على الصيد فأخذ من الصيد وأكل يؤكل الصيد لانه ما أكل من الصيد والشرط ترك الاكل من الصيد قال في النهاية: وطولب بالفرق بين هذه المسألة وبين ما إذا أكل منه بعد ما قتله فإن يحرم لان الصيد كما خرج من الصيدية بإذن صاحبه جاز أن يخرج عن الصيدية بقتله. وأجيب بأنه إذا لم يتعرض بالاكل حتى أخذه صاحبه دل على أنه ممسك على صاحبه وانتهاشه منه يدل على جهله، وأما إذا أكل بعد قتله قبل أن يأخذه صاحبه دل على أنه ممسك على نفسه فدل على جهله فلهذا حرم. واعترض أيضا بأن عبارة المؤلف شاملة للصورتين فيما إذا وجد افتراقه في الحكم واجيب بما تقدم. وفي المحيط: وإن قتله فأخذه صاحبه ثم وثب عليه فأنهش منه قطعة أو رمى صاحبه بها إليه يؤكل الصيد، ولو أكل قبل أن يأخذه صاحبه يكره أكله اه‍. ثم الارسال على أقسام: الاول يجب أن يكون الارسال على صيد ولو أرسل على ما ليس بصيد من الابل والبقر والغنم والاهل فأصاب صيدا لا يحل أكله لان الارسال على ما ليس بصيد لا يكون ذكاة شرعا، ولو سمع حسا وظنه فارسل ملبه فأصاب صيدا ثم تبين أن المسموع حس آدمي أو ما ليس بصيد لم يؤكل وكذا لو سمع حسا ولم يعلم أنه حس صيد أو غيره. ولو ظنه حس صيد غير مأكول أو مأكولا فأصاب صيدا آخر يحل أكله، فلو أرسل كلبه على صيد بعينه وهو غير مأكول فأصاب غيره يحل أكله لان تعيين الصيد غير معتبر في الارسال. ولو سمع حسا فظن أنه حس آدمي فأرسل كلبه فإذا هو صيد يحل أكله لان تعيين الصيد غير معتبر. وفي المنتقى: ولو رمى ظبيا أو طيرا فأصاب غيره وذهب المرمي إليه ولم يعلم أنه متوحش أو مستأنس أكل الصيد لان الاصل في الصيد التوحش فتمسكوا بالاصل. وقال محمد: لو ظن حين رآه أنه صيد ثم تحول رأيه أنه ليس بصيد يحل الصيد لان الاول عندنا صيد بحكم الاصل حتى يعلم أنه غير صيد، ولو رمى إلى بعير ناد أو غير ناد لم يؤكل حتى يعلم أنه ناد لان الاصل في البعير الالفة والاستئناس. ولو رمى إلى ظبي مربوط وظن أنه صيد فأصاب ظبيا آخر لم يؤكل، وكذا لو أرسل كلبه على صيد موثق في يده فصادف غيره لم يؤكل، ولو أرسل فهذا على فيل وأصاب ظبيا لم يؤكل، ولو رمى سمكا أوجرا فأصاب صيدا فعن أبي يوسف في رواية لا يؤكل لان السمك والجراد لا تقع عليه الذكاة، وفي رواية يؤكل لان

[ 412 ]

[ خنقه الكلب ولم يجرحه أو شاركه كلب غير معلم أو كلب مجوسي أو كلب لم يذكر اسم الله عليه عمدا حرم وإن أرسل مسلم كلبه فزجره مجوسي قوله: فانزجر حل ولو ] لمرمى إليه صيد. والقسم الثاني أن يكون فور الارسال باقيا كما سيأتي. ومن شرائط الارسال أن لا يوجد بعد الارسال بول ولا أكل فإن وجد وطال قطع الارسال حتى لو قتله لا يحل أكله. وفي الروضة: ولو حبس الكلب على صدر الصيد طويلا ثم أمر به آخر فأخذه وقتله لم يؤكل لانه انقطع فور الارسال. وفي الغياثية: ولو أرسل كلبين فأخذه أحدهما وقتله الآخر يحل أكله. والقسم الثالث أن يلحقه المرسل أو من يقوم مقامة قبل انقطاع الكلب كما سيأتي. قال رحمه الله: (وإن أدركه حيا ذكاه) لقوله عليه الصلاة والسلام لعدي إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله تعالى عليه فإن أمسك عليك وأدركته حيا فاذبحه (1) رواه البخاري ومسلم. ولانه قدر على هذا الاصل قبل حصول المقصود بالبدل إذا المقصود هو الحل والباز والسهم في هذا كالكلب. وفي المحيط: فإذا أدركه حيا لم يحل إلا بالذبح قدر على الذكاة أو لم يقدر لفقد الآلة وضيق الوقت بأن كان في آخر الرمق. وعن أبي حنيفة وأبي يوسف إذا لم يقدر على التمكن كما ذكرنا يحل وهو اختيار لبعض المشايخ لانه إذا لم يتمكن لم يقدر على الاصل. وذكر الكرخي في مختصره لو أدركه ولم يأخذه فإن كان في وقت أمكنه ذبحه لم يأكل، وإن كان لا يمكنه ذبحه بعد أخذه أكل لان اليد لم تثبت على الذبح والتمكن من الذبح لم يوجد والله أعلم وسيأتي بيانه. قال رحمه الله: (وإن لم يذكه حتى مات أو خنقه الكلب ولم يجرحه أو شاركه كلب غير معلم أو كلب مجوسي أو كلب لم يذكر اسم الله عليه عمدا حرم) وأما إذا لم يذكه فلانه لما أدركه حينا صار ذكاته ذكاة الاختيار لما روينا وبينا من المعنى فبتركه يصير ميتة، وهذا إذا تمكن من ذبحه، أما إذا وقع في يده ولم يتمكن من ذبحه وفيه من الحياة قدر ما يكون في المذبوح بأن يقد بطنه ونحو ذلك ولم يبق إلا مضطربا اضطراب المذبوح فحلال لان هذا القدر من الحياة لا يعتبر فكان ميتا حكما ألا ترى أنه لو وقع في الماء وهو بهذه الحالة لا يحرم كما إذا وقع بعد موته لان موته لا يضاف إليه والميت ليس محلا للذكاة. وذكر الصدر الشهيد أن هذا بالاجماع، وقيل هذا قولهما. وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا يحل إلا إذا ذكاه بناء على أن الحياة الخفية معتبرة عنده، وعندهما غير معتبرة حتى حلت المتردية والنطيحة والموقوذة ونحوها بالذكاة إذا كان فيها حياة وإن كانت خفية عنده، وعندهما لا تحل إلا إذا كانت حياتها بينه وذلك بأن تبقى فوق ما يبقى المذبوح عند محمد، وعند أبي


(1) رواه البخاري في كتاب الذبائح باب 2، 3، 7، 10. مسلم في كتاب الصيد حديث 1 - 3. أبو داود في كتاب الاضاجي باب 22. الترمذي في كتاب الصيد باب 1، 6.

[ 413 ]

يوسف رحمه الله تعالى أن تكون بحال يعيش مثلها فيكون موتها مضافا إلى الذكاة والسهم مثله. وإن كان فيه من الحياة فوق ما يكون في المذبوح فكذلك في رواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى وهو قول الشافعي رحمه الله تعالى لانه لم يقدر يقدر الاصل فصار كالمتيمم إذا رأى الماء ولم يقدر على استعماله، ولا يؤكل في ظاهر الرواية لانه قادر حكما لثبوت يده عليه وهو قائم مقام التمكن من الذبح إذ لا يمكن اعتبار الذبح بعينه حقيقة لان الناس يختلفون فيه على حسب تفاوتهم في الكياسة والهداية في أول الذبح ولا يمكن ضبطه فأدير الحكم على ثبوت اليد لانه هو المشاهد المعاين فلا يحل الاكل إلا بالذكاة، سواء كانت حياته خفية أو بينة لجرح المعلم أو غيره من السباع وعليه الفتوى لقوله تعالى: * (وما أكل السبع إلا ما ذكيتم) * (المائدة: 3) استثناه مطلقا من غير تفصيل فيتناول كل حي مطلقا. وكذا قوله عليه الصلاة والسلام لعدي فإذا أمسك عليك فأدركته حيا فاذبحه مطلق فيتناول كل حي مطلقا، والحديث صحيح رواه البخاري ومسلم وأحمد. وفصل الشافعي رحمه الله تعالى تفصيلا آخر غير ما ذكرنا فقال: إن لم يتمكن من الذبح لفقد الآلة لم يؤكل لان التقصير من جهته، وإن كان لضيق الوقت أكل لعدم التقصير، والحجة عليه ما تلونا وما روينا. وأما إذا خنقه الكلب ولم يجرحه فلما بيننا عند قوله لا بد من التعليم والتسمية والجرح، وذكرنا اختلاف الرواية. والكسر كالخنق حتى لا يعتد به لانه لا يفضي إلى خروج الدم. وأما إذا شاركه كلب غير معلم أو كلب مجوسي أو كلب لم يذكر اسم الله تعالى عليه عمدا فلما روينا عن عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه أنه قال قلت: يا رسول الله إني أرسل كلبي فأسمي قال: إذا أرسلت كلبك وسميت فأخذ فقتل فكل، فإن أكل منه فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه قلت: إني أرسل كلبي فأجد معه كلبا آخر غيره لا أدري أيهما أخذ فقال: لا تأكل فإنما سميت على كلبك. فإن وجدت مع كلبك كلبا غيره وقد قتل فلانا كل لانك لا تدري أيهما قتله. رواهما البخاري ومسلم وأحمد رحمهم الله تعالى. وهذا صحيح فيكون حجة على مالك والشافعي في قوله القديم لانه لا يحرم بأكل الكلب الصيد وعلى الشافعي في متروك التسمية عمدا أيضا ولانه اجتمع فيه المبيح والمحرم فيغلب فيه جهة الحرمة لقوله عليه الصلاة والسلام ما اجتمع الحلال والحرام إلا وقد غلب الحرام الحلال وإن الحرام واجب الترك والحلال جائز الترك فكان الاحتياط في الترك. ولو رده عليه الكلب ولم يجرحه معه ومات بجرحه الاول يكره أكله لوجود المعاونة في الاخذ وفقدها في الجرح. ثم قيل: الكراهة كراهة تنزيه لان الاول لما انفرد بالجرح والاخذ غلب جانب الحل فصار حلالا وأوجب إعانة غير المعلم الكراهة دون الحرمة. وقيل: كراهة تحريم وهو اختيار الحلواني لوجود المشاركة من وجه بخلاف ما إذا رده عليه المجوسي نفسه حيث لا يحرم ولا يكره لان فعل المجوسي ليس من جنس فعل الكلب فلم

[ 414 ]

[ أرسله مجوسي فزجره مسلم فانزجر حرم وإن لم يرسله أحد فزجره مسلم فانزجر حل ] تتحقق المشاركة من وجه ولو لم يرد الكلب الثاني عليه لكن اشتد على الاول فاشتد الاول على الصيد بسببه فأخذه فقتله فلا بأس بأكله لان فعل الثاني أثر في الكلب الاول حتى ازداد طلبا ولم يؤثر في الصيد فكان تبعا لفعله لانه بناه عليه فلا يضاف الحكم إلى التبع بخلاف ما إذا رده عليه لانه لم يصر تبعا فيضاف إليهما. ولو رده سبع أو ذو مخلب من الطير مما يجوز أن يعلم فيصاد به فهو كما لو رده عليه الكلب فيما ذكرنا لوجود المجانسة في الفعل بخلاف ما إذا رده عليه ما لا يجوز الاصطياد به كالجمل والبقر. والبازي في ذلك كالكلب في جميع ما ذكرنا من الاحكام. وفي الفتاوى العتابية: حلال رمى صيدا فأصابه في الحل ومات في الحرم أو رماه في الحرم وأصابه في الحل ومات في الحل لا يحل وعليه الجزاء في الوجه الثاني دون الاول، وكذا إذا أرسل كلبه في الحرم وقتله خارج الحرم لا يحل وعليه الجزاء. وفي الذخيرة: يجب أن يعلم من رمى سهما إلى صيد أن العبرة في حق الملك لوقت إلاصابة وفي حق الاكل لوقت الرمي، هذا هو المذكورة في عامة الكتب ولهذا قلنا: المسلم إذا رمى سهما إلى صيد ثم ارتد والعياذ بالله تعالى ثم أصابه السهم حل تناوله والمرتد إذا رمى إلى صيد أسلم ثم أصابه لا يحل تناوله. قال رحمه الله: (وإن أرسل مسلم كلبه فزجره مجوسي قوله: فانزجر حل ولو أرسله مجوسي فزجره مسلم فانزجر حرم) والمراد بالزجر الاغراء يالصياح عليه وبالانزجار يحصل زيادة الطلب للصيد، كذا في الهداية. وأطلق في قوله فزجره مجوسي إلى آخر فشمل ما إذا زجره في حال طلبه أو بعد وقوفه فانزجر والمراد الاول. وذكر شمس الائمة في شرح كتاب الصيد فيما إذا أرسل مسلم كلبه فزجره مجوسي إنما يحل إذا زجره المجوسي في ذهابه، أما إذا وقف الكلب عن سنن الارسال ثم زجره مجوسي بعد ذلك فانزجر لا يؤكل. والفرق أن إرسال المسلم قد صح وصيحه المجوسي لا تفسده لانه تقوية للارسال وتحريض للكلب وليس بابتداء إرسال منه فلا ينقطع الارسال بالزجر فبقي صحيحا، فأما الارسال من المجوسي فإنه وقع فاسدا فلا ينقلب صحيحا بالزجر، وكذا إذا أرسل وترك التسمية عمدا فزجره مسلم وسمى لم يحل. ولو وجدت التسمية من المرسل فزجره من لم يسم حل، وكذا المسلم إذا ذبح فأمر المجوسي السكين بعد الذبح لم يحرم، ولو ذبح المجوسي وأمر المسلم بعده لم يحل لما ذكرنا أن أصل الفعل متى وقع صحيحا لا ينقلب فاسدا ومتى وقع فاسدا لا ينقلب صحيحا، وكذا محرم دل حلالا على الصيد فقتله يحل له، نص عليه في الزيادات لان ذبحه حصل بفعل الحلال لا بدلالة المحرم. ونص في المنتقى عن أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى أنه لا يحل لحديث قتادة حين قال رسول الله صلى صلى الله عليه وسلم: هل أعنتم؟ هل أشرتم؟ فقالوا: لا. فقال: إذن فكلوا. علق الاباحة بعدم إلاعانة وفي الدلالة نوع إعانة. ولو أرسل مسلم كلبه

[ 415 ]

فرد عليه الصيد كلب غير معلم أو معلم لم يرسله أحد ولم يزجره بعد انبعاثه وأخذه الاول وقتله لم يؤكل، وقدمنا ما فيه من الخلاف. ولو لم يرد عليه ولكن اشتد عليه بأن كان يتبع أثر المرسل حتى قتله الاول حل أكله لان فعل الثاني أثر في الكلب المرسل لا في الصيد فصار فعله تبعا لفعل المرسل فانضاف الاخذ إلى المرسل لا إلى المحرض والمشد بخلاف ما لو رده عليه لان فعله أثر في الصيد لا في الكلب فصار الاخذ مضافا إليهما. مجوسي أرسل ثم أسلم فاصطاد كلبه لم يؤكل، وكذلك لو زجره بعد الاسلام فانزجر لزجره، ولو كان مسلما حالة الارسال فصار مرتدا حالة الاخذ يحل لان المعتبر وقت الارسال والرمي لا حالة الاخذ لان الارسال والرمي فعل الذكاة بمنزله الذبح فيعتبر إسلامه وتمجسه وردته عند الذبح لا عند زهوق الروح فكذا هنا يعتبر إسلامه وكفره وقت الارسال والرمي لا بعده. وفي النوادر: ولو ضرب الكلب الصيد فرقده ثم ضربه ثانية فقتله أكل. وكذا لو أرسل كلبين فضر به أحدهما فرقده ثم ضربه الآخر فقتله أكل، وكذا لو أرسل رجلان كل واحد كلبه فرقده أحدهما وقتله الآخر فإنه يؤكل والصيد لصاحب الاول لان جرح الكلب بعد الجرح فصار كأن القتل حصل بفعل واحد إلا أن الاول لما أخرجه من أن يكون صيدا صار ملكا لصاحبه فلا يزيل ملكه الثاني. وفي الاصل: ومن شرائط الارسال أن يكون المرسل محرما وأن لا يموت في الحرم حتى لا يجوز أكل صيد الحرم ولا ما اصطاده الحلال في الحرم وذكر زجر المجوسي ليفيد زجر المحرم لانه أولى. قال في الذخيرة: الحلال إذا أرسل كلبه على الصيد فزجره المحرم فانزجر حل أكله. وفي السراجية: إن على المحرم الجزاء والله أعلم. قال رحمه الله: (وإن لم يرسله أحد فزجره مسلم فانزجرحل) وهذا استحسان. والقياس أن لا يحل لان الارسال جعل ذكاة عند الاضطرار للضرورة فإذا لم يوجد الارسال انعدم الذكاة حقيقة وحكما ولا يحل والزجر بناء عليه ولا يعتبر على ما بينا. ووجه الاستحسان أن الزجر عند عدم الارسال يجعل إرسالا لان انزجاره عقيب زجره دليل طاعته فيجب اعتباره فيحل إذ ليس في اعتباره إبطال السبب بخلاف الفصل الاول، ولا يقال الزجر دون الانفلات لانه بناء عليه فلا يرتفع الانفلات فصار مثل الفصل الاول. والجامع أن الزاجر فيهما بناء على الاول لانا نقول: الزجر إن كان دون الانفلات من هذا الوجه فهو فوقه من وجه آخر من حيث إنه فعل المكلف واستويا فنسخ الانفلات لان آخر المثلين يصح ناسخا للاول كما في نسخ الاحكام بخلاف الفصل الاول لان الزجر لا ينافي الارسال بوجه من الوجوه لان كل واحد منهما فعل المكلف، والزجر بناء على الارسال فكان دونه من كل وجه فلا يرتفع به، والبازي كالكلب فيما ذكرنا. ولو أرسل كلبه المعلم على صيد معين فأخذ غيره وهو على سننه حل. وقال مالك رحمه الله تعالى: لا يحل أخذه بغير إرسال إذا الارسال يختص بالمشاور والتسمية وقعت عليه فلا تتحول إلى غيره فصار كما

[ 416 ]

[ وإن رمى وسمى وجرح أكل وإن أدركه حيا ذكاه وإن لم يذكه حرم وإن وقع سهم ] لو أضجع شاة وسمى عليها وخلاها فذبح غيرها بتلك التسمية. وقال ابن أبي ليلى: يتعين الصيد بالعيين مثل قول مالك حتى لا يحل غيره بذلك الارسال. ولو أرسل من غير تعيين يحل ما أصابه خلافا لمالك، وهذ ابناء على أن التعيين شرط عند مالك، وعنده ليس بشرط ولكن إذا عين يتعين، وعندنا التعيين ليس بشرط ولا يتعين بالتعيين لان شرط ما يقدر عليه المكلف أن لا يكلف ما لا يقدر عليه والذي في وسعه إيجاد الارسال دون التعيين لانه لا يمكنه أن يعلم البازي والكلب على وجه لا يأخذ إلا ما عينه له، ولان التعيين غير مقيد في حقه ولا في الكلب فإن الصيود كلها فيما يرجع إلى مقصوده سواء، وكذا في حق الكلب لان قصده أخذ كل صيد تمكن من صيده بخلاف ما استشهد به مالك لان التعيين في الشاة ممكن، وكذا غرضه متعلق بمعين فتعلق التسمية هنا بالضجع بالذبح وفيما نحن فيه بالآلة. ومن أرسل فهدا فكمن حتى يتمكن من الصيد ثم أخذ الصيد فقتله لان ذلك عادة له يحتال لاخذه لاستراحته فلا ينقطع به فور الارسال وكيف ينقطع وقصد صاحبه يتحقق بذلك وعد ذلك منه في الخصال الحميدة. قال الحلواني: للفهد خصال حميدة فينبغي لكل عاقل أن يأخذ ذلك منه منها: أن يكمن للصيد حتى يتمكن منه وهكذا ينبغي للعاقل أن لا يجاهر عدوه بالخلاف ولكن يطلب الفرصة حتى يتمكن منه فيحصل مقصودة من غير إتعاب نفسه. ومنها أنه لا يعدو خلف صاحبه حتى يريه خلفه وهو يقول هو المحتاج إلي فلا أذل وهكذا ينبغي للعاقل أن لا يذل نفسه فيما يفعل لغيره. ومنها أنه لا يتعلم بالضرب ولكن يضرب الكلب بين يديه إذا أكل من الصيد فيتعلم بذلك وهكذا ينبغي للعاقل أن يتعظ بغيره كما قيل السعيد من اتعظ بغيره. ومنها أن لا يتناول الخبيث من اللحم وإنما يطلب من صاحبه اللحم الطيب وهكذا ينبغي للعاقل أن لا يتناول إلا الطيب. ومنها أن يثب أثلاثا أو خمسا فإن لم يتمكن من أخذه تركه ويقول لا أقتل نفسي فيما أعمل لغيري وهكذا ينبغي للعاقل. وكذا الكلب إذا اعتاد الاختفاء لا ينقطع فور الارسال لما بينا في الفهد وينقطع الارسال بمكثه طويلا إذا لم يكن ذلك حيلة منه للاخذ وإنما هو استراحة بخلاف ما تقدم. ولو أرسل بازه المعلم على صيد فوقع على شئ ثم اتبع الصيد فأخذه وقتله يؤكل إذا لم يمكث زمانا طويلا للاستراحة وإنما مكث ساعة طويلة للتمكن، ولو أن بازيا معلما أخذ صيدا فقتله ولا يدري أرسله إنسان أو لا يؤكل لوقوع الشك في الارسال ولا تثبت الاباحة بدونه، ولكن إن كان مرسلا فهو مال الغير فلا يجوز تناوله إلا بإذن صاحبه. قال رحمه الله: (وإن رمى وسمى وجرح أكل) لما فرغ من بيان حكم الآلة الحيوانية شرع في بيان حكم الآلة الجمادية فتقديم الاول ظاهر يعني إذا رمى آلة جارحة وسمى إلى صيد فأصابه وجرحه يؤكل إذا جرح لقوله صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم إذا رميت سهمك فاذكر اسم الله تعالى

[ 417 ]

عليه فإن وجدته قد قتل فكل إلا أن تجده قد وقع في ماء فإنه لا تدري الماء قتله أو سهمك (1) رواه البخاري ومسلم وأحمد رحمهم الله تعالى. وشرط لما روي عن ابراهيم عن عدي بن حاتم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رميت فسميت فجرحت فكل وإن لم تخرق فلا تأكل من المعراض إلا ما ذكيت، ولا تأكل من البندقة إلا ما ذكيت (2) رواه أحمد. ولا فرق في ذلك بين أن يصيب المرمى بنفسه أو غيره من الصيد كما في إرسال الكلب على ما بينا. وفي إطلاق قوله في المختصر فإن رمى وسمى وجرح أكل إشارة إليه حيث لم يعني المرمى ولا المصاب حتى يدخل تحته ما إذا سمع حسا وظنه صيدا فرماه فأصاب صيدا غير ما سمع حسه ثم تبين أنه حس صيد يحل أكله، سواء كان الصيد المسموع حسه مأكولا أو غيره بعد أن كان المصاب مأكولا لانه وقع اصطيادا مع قصده ذلك. وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه خص من ذلك الخنزير لغلظ حرمته ألا ترى أنه لا تثبت الاباحة فيه في شئ منه بخلاف السباع لانه يورث في جلده. وزفر رحمه الله تعالى خص منها ما لا يؤكل لحمه لان الاصطياد لا يفيد الاباحة فيه. ووجه الظاهر أن اسم الاصطياد لا يختص بالمأكول فيكون داخلا تحت قوله تعالى * (وإذا حللتم فاصطادوا) * (المائدة: 2) فكان اصطياده مباحا وإباحة التناول ترجع إلى المحل فتثبت بقدر ما يقبلها لحما أو جلدا، وقد لا تثبت بالكلية إذا لم يقبلها المحل، وإذا وقع اصطيادا صار كأنه رمى إلى صيد فأصاب غيره وأن تبين أنه حس جراد أو سمك ذكر في النهاية معزيا إلى المعنى أن المصاب لا يؤكل لان الذكاة لا تقع عليهما فلا يكون الفعل ذكاة، وأورد على صاحب الهداية أنه حس صيد يحتاج في حل أكله إلى الذبح أو الجرح. وقال صاحب الهداية في آخر هذه المسألة: ولو رمى إلى سمك أو جراد وأصاب صيدا يحل في رواية عن أبي يوسف لانه صيد، وفي رواية أخرى عنه أنه لا يحل لانه لا ذكاة فيهما فكان يمكنه أن يخرج ما ذكره صاحب الهداية على رواية الحل فلا يرد عليه ما أورده، ولا يحتاج إلى زيادة ذلك القيد الذي ذكره. وفي فتاوي قاضيخان: لو رمى إلى جراد أو سمك وترك التسمية فأصاب طائرا أو صيدا آخر فقتله حل أكله، وعن أبي يوسف روايتان، والصحيح أنه يؤكل وهذا أوضح من الكل فلا يرد عليه أصلا. وإن تبين أن المسموع حسه آدمي أو حيوان أهلي أو ظبي مستأنس أو موثق لا يحل المصاب لان الفعل لم يقع اصطيادا ولا يقوم مقام الذكاة. ولو رمى إلى الطائر فأصاب غيره من الصيود أو فر الطائر ولا يدري أهو وحشي أم لا حل المصاب لان الظاهر فيه التوحش بخلاف ما لو رمى إلى بعير فأصاب صيدا ولا يدري أهو ناد أم لا حيث لا يحل المصاب لان الاصل فيه الاستئناس فيحكم على كل واحد


(1) رواه مسلم في كتاب الضيد حديث 7. النسائي في كتاب الصيد باب 18. (2) رواه أحمد في مسنده (4 / 257).

[ 418 ]

[ بصيد فتحامل وغاب وهو في طلبه حل وإن قعد عن طلبه ثم أصابة ميتا لا ولو رمى ] منهما بظاهر حاله. ولو أصاب المسموع حسه وقد ظنه آدميا فتبين أنه صيد حل لانه لا عبرة بظنه مع تعينه صيدا، ذكره في الهداية. وقال في المنتقى: إذا سمع حسابا بالليل فظن أنه إنسان أو دابة أو حية فرماه فإذا ذاك الذي سمع حسه صيد فأصاب سهمه ذلك الصيد الذي سمع حسه أو أصاب صيدا آخر فقتله لا يؤكل لانه رماه وهو لا يدري الصيد ثم قال: ولا يحل الصيد إلا بوجهين: أن يرميه وهو يريد الصيد وأن يكون الذي أراد وسمع حسه ورمى إليه صيدا، سواء كان مما يؤكل أو لا، وهذا يناقض بما ذكره في الهداية وهذا أوجه لان الرمي إلى الآدمي ونحوه ليس باصطياد فلا يمكن اعتباره. ولو أصاب صيدا، وما ذكره صاحب الهداية يناقض ما ذكره هو بنفسه أيضا من قوله وإن تبين أنه حس آدمي لا يحل المصاب وعلى اقتضاء ما ذكره هناك أنه يحل لان المصاب صيد كما في هذه المسألة بل أولى لان مقصوده فيها صيد. وفرق بينهما في النهاية بفرق غير مخلص فلا حاجة إلى ذكره. وقال فيه: ولو رمى إلى آدمي أو بقر ونحوه وسمى فأصاب صيدا مأكولا لا رواية لهذا في الاصل، ولابي يوسف رحمه الله تعالى فيه قولان: في قول يحل، وفي قول لا يحل. فيحمل ما ذكره صاحب الهداية على رواية أبي يوسف فيه فيستقيم ولا حاجة إلى الفرق، ولو لم يتبين صاحب الحس ما هو لا يحل تناول ما أصابه لاحتمال أن يكون المسموع حسه غير صيد فلا يحل المصاب بالشك. والبازي والفهد في جميع ما ذكرنا كالكلب. قال رحمه الله: (وإن أدركه حيا ذكاه وإن لم يذكه حرم) لما روينا وبينا في الكلب من المعنى لان كل واحد منهما ذكاة اضطرارا فيكون الوارد في أحدهما واردا في الآخر دلالة لاستوائهما من كل وجه. قال رحمه الله: (وإن وقع سهم بصيد فتحامل وغاب وهو في طلبه حل وإن قعد عن طلبه ثم أصابه ميتا لا) يعني يحرم أكله لقوله عليه الصلاة والسلام لابي ثعلبة إذا رميت سهمك فغاب ثلاثة أيام وأدركته فكله ما لم ينتن (1) رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنسائي. وورد أنه عليه الصلاة والسلام كره أكل الصيد إذا غاب عن الرامي وقال: لعل هوام الارض قتلته. فيحمل هذا على ما إذا قعد عن طلبه. والاول على ما إذا لم يقعد، ولانه يحتمل أن يموت بسبب آخر فيعبر فيما يمكن التحرز عنه لان الموهوم في المحرمات كالمتحقق وسقط اعتباره فيما لا يمكن التحرز عنه للضرورة لان الاعتبار فيه يؤدي إلى سد باب الاصطياد، وهذا لان الاصطياد يكون في الصحراء بين الاشجار عادة ولا يمكنه أن يقتله في موضعه من غير انتقال وتوار عن عينه غالبا فيعذر ما لم يقعد عن طلبه للضرورة لعدم إمكان التحرز عنه، ولا يعذر فيما إذا قعد عن طلبه لان الاحتراز عن مثله ممكن فلا


(1) رواه مسلم في كتاب الصيد حديث 9.

[ 419 ]

ضرورة إليه فيحرم وهو القياس في الكل إلا أنا تركناه للضرورة فما لا يمكن التحرز عنه وبقي على الاصل فيما يمكن. وجعل قاضيخان في فتاواه من شروط حل الصيد أن لا يتوارى عن بصره وقالا: لان الغالب إذا غاب الصيد عن بصره ربما يكون موت الصيد بسبب آخر فلا يحل لقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كل ما أصميت ودع ما أنميت، والاصماء ما رأيته والانماء ما توارى عنك. وهذا نص على أن الصيد يحرم بالتواري وإن لم يقعد عن طلبه وإليه أشار صاحب الهداية أيضا بقوله: والذي روايناه حجة على مالك رحمه الله تعالى في قوله إن ما توارى عنه إذا لم يبت ليلة لا يحل عندنا وإن لم يقعد عن طلبه فيكون مناقضا لقوله في أول المسألة وإذا وقع السهم بالصيد فتحامل حتى غاب عنه ولم يزل في طلبه حتى أصابه ميتا أكل، وإن قعد عن طلبه ثم أصابه ميتا لم يؤكل فبنى الامر على الطلب وعدمه لا على التواري وعدمه، وعلى هذا التركيب فقهاء أصحابنا رحمهم الله تعالى. ولو حمل ما ذكره على ما إذا قعد عن طلبه كان يستقيم ولم يتناقض ولكنه خلاف الظاهر، وما رويناه من الحديث يبيح ما غاب عنه وبات ليالي فيكون حجة على من منع ذلك. قال الزيلعي في شرح الكنزر: وجعل قاضيخان في فتاواه من شروط حل الصيد أن لا يتوارى عن بصره فقال: لانه إذا غاب عن بصره بما يكون موت الصيد بسبب آخر فلا يحل لقول ابن عباس رضي الله عنهما: كل ما أصميت ودع ما أنميت والاصماء ما رأيته والانماء ما توارى عنك. وهذا نص على أن الصيد يحرم بالتواري وإن لم يقعد عن طلبه ا ه‍. أقول: ليس الامر كما زعمه الزيلعي فإن الامام قاضيخان لم يجعل في فتاواه من شرط حل الصيد عدم التواري عن بصره وعدم القعود عن طلبه حيث قال: والسابع يعني الشرط السابع أن لا يتوارى عن بصره ولا يقعد عن طلبه فيكون في طلبه ولا يشتغل بعمل آخر حتى يجده لانه إذا غاب عن بصره ربما يكون موت الصيد بسبب آخر فلا يحل لقول ابن عباس رضي الله عنهما: كل ما أصميت ودع ما أنميت والاصماء ما رأيت والانماء ما توارى عنك ا ه‍. ولا شك أن قوله والسابع أن لا يتوارى عن بصره ولا يقعد عن طلبه نص على أن الصيد لا يحرم بمجرد التواري عن بصره والقعود عن طلبه معا. وأما قوله لانه إذا غاب عن بصره وقعد عن طلبه بقرينة سياق كلامه، وأما إذا لم يقعد عن طلبه فيعذر فيه للضرورة لعدم إمكان التحرز عن تواري الصيد عن بصر الرامي فكان في اعتبار عدم التواري مطلقا حرج عظيم وهو مدفوع بالنص، وقد أشار إليه المصنف بقوله: إلا أنا اسقطنا اعتباره ما دام في طلبه ضرورة أن لا يعرى الاصطياد عنه ولا ضرورة فيما إذا قعد عن طلبه لامكان التحرز عن قرار يكون بسبب عمله. وذكر في الشروح والكافي أنه صلى الله عليه وسلم مر بالروحاء على حمار وحشي عقير فتبادر أصحابه إليه فقال صلى الله عليه وسلم: دعوه فسيأتي صاحبه، فجاء رجل فقال: هذه رميتي وأنا في طلبها وقد جعلتها لك فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله تعالى عنه فقسمها بين الرفاق. وإن

[ 420 ]

[ صيدا فوقع في ماء أو على سطح أو جبل ثم تردى منه إلى الارض حرم وإن وقع على ] وجد به جراحة سوى جراحة سهمه لا يحل لقوله عليه الصلاة والسلام لعدي: إذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله عليه فإن غاب عنك يوما لم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت، وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكل. رواه مسلم والنسائي. وفي رواية أنه عليه الصلاة والسلام قال: إذا وجدت سهمك ولم تجد فيه أثر غيره وعلمت أن سهمك قتله فكله. رواه أحمد والنسائي. وفي رواية أن عليا رضي الله تعالى عنه قال قلت: يا رسول الله أرمي في الصيد فأجد فيه سهمي من الغد قال: إذ علمت أن سهمك قتله ولم تر فيه أثر سبع فكل. رواه الترمذي وصححه. ولانه محتمل تحققت فيه الامارة فيجوز بخلاف ما إذا كان بلا أمارة على ما بينا. وحكم إرسال الكلب والبازي في جميع ما ذكرنا من الاحكام كالرمي. قال رحمه الله: (ولو رمى صيدا فوقع في ماء أو على سطح أو جبل ثم تردى منه إلى الارض حرم) لقوله تعالى * (والمتردية) * (المائدة: 3) ولما روينا ولقوله عليه الصلاة والسلام لعدي إذا رميت سهمك فاذكر اسم الله تعالى عليه، فإن وجدته قتل فكل إلا أن تجده قد وقع في ماء فإنك لا تدري الماء قتلته أو سهمك. رواه البخاري ومسلم وأحمد. ولقوله عليه الصلاة والسلام لعدي إذا رميت سهمك فكل وإذا وقع في الماء فلا تأكل رواه البخاري وأحمد. ولانه احتمل موته بغيره لان هذه الاشياء مهلكة ويمكن الاحتراز عنها فتحرم بخلاف ما إذا كان لا يمكن التحرز عنه فهذا هو الحكم في المحتمل في هذا الباب، وهذا فيما إذا كان فيه حياة مستقرة يحرم بالاتفاق لان موته يضاف إلى غير الرمي، وإن كانت حياته دون ذلك فهو على هذا الاختلاف الذي مر ذكره في إرسال الكلب. ولو رمى إلى الصيد فأمال الريح السهم يمينا أو يسارا أو عدل عن سننه وأصاب صيدا لم يؤكل لان حكم الرمي قد انقطع بالعدول. وعن أبي يوسف أن حكم الرمي لا يقطع بالتغيير عن سننه، ولو أصاب السهم حائطا أو صخرة فرجع للصيد وقتله لم يؤكل، ولو حدد عودا وطوله كالسهم ورمى به فأصاب بحده وخرق يؤكل وإلا فلا. ولو رمى إلى صيد سهما فأصاب سهما موضوعا فرفعه فأصاب صيدا فقتله بخرق وجرح يؤكل لان المرفوع إنما ارتفع بقوة السهم الاول فيكون نفوذه بواسطة الاول ألا ترى أنه لو أصاب آدميا وقتله يجب القصاص على الرامي. ولو رمى بمعراض أو حجر أو بندقة وأصاب سهما ورفعه وأصاب السهم الصيد فقتله حل، لو رمى سهما فعدل به الريح عن سننه يمينا أو يسارا أو أصاب حائطا فعدل عن سننه ثم استقام ومر على سننه فأصاب الصيد وجرحه فلا بأس به، ولا عبرة بهذه الزيادة بعد الاستقامة على سننه، كذا في المحيط. وفي الذخيرة: ولو أن الريح أمالته يمينا أو يسارا أو أماما فردته عن سننه لا إلى ورائه لم يكن بأكله بأس، وإذا رمى مسلم صيدا بسهم وسمى ثم رمى مجوسي فأصاب سهمه سهم المسلم فانحرف يمنة ويسرة إلا أنه في سننه ذلك وأصاب الصيد وقتله فالصيد للمسلم، ولكن لا ينبغي أن يأكله. ولو رمى

[ 421 ]

[ الارض ابتداء حل وما قتله المعراض بعرضه أو البندقة حرم وإن رمى صيدا فقطع ] حلال سهما إلى صيد ثم رمى محرم فأصاب سهم المحرم سهم الحلال وزاد في قوته حتى أصاب الصيد فإنه لا يحل أكله. وإرسال البازي كإرسال الكلب. ولو رمى رجل صيدا بسهم وسمى ثم إن رجلا آخر رمى ذلك الصيد بسهم فسمى فأصاب سهم الثاني الاول وأمضاه حتى أصاب الصيد وجرحه وقتله فالمسألة على وجهين: إن كان السهم الاول بحال يعلم أنه يبلغ الصيد بدون السهم الثاني إلا أن الثاني زاد في قوته فالصيد للاول، ولم يذكر في الكتاب ما إذا كان لا يدري بأن الاول هل يبلغ الصيد لو لا الثاني. قال مشايخنا: وينبغي أن يكون الصيد للاول ويحل تناول هذا الصيد على كل حال. ولو كان الرامي الثاني مجوسيا فأصاب سهمه سهم المسلم فإن علم أن سهم المسلم لا يصيب الصيد لولا سهم المجوسي فالصيد للمجوسي ولا يحل تناوله، ولو علم أن سهم المسلم يصيب الصيد إلا أن سهم المجوسي زاد في قوته فالصيد للمسلم ويحل تناوله قياسا ولا يحل استحسانا. ولو أن قوما من المجوى رموا سهامهم فأقبل الصيد نحو مسلم فارا من سهامهم فرماه المسلم وسمى فأصابه سهم المسلم وقتله فالمسألة على وجهين: إن كان سهم المجوسي وقع على الارض حتى رماه المسلم لم يحل أكله إلا أن يدركه المسلم ويذكيه فحينئذ يحل لانهم أعانوه على الرمي دون حقيقة الذكاة ولم يعتبر بالرمي مع وجود حقيقة الذكاة، وإن وقعت سهام المجوسي على الارض ثم رماه المسلم بعد ذلك وباقي المسألة بحالها حل أكله. وكذلك المجوس إن أرسلوا كلابهم إلى صيد فأقبل الصيد هاربا فرماه المسلم فقتله أو أرسل كلبه إليه فأصابه الكلب فقتله إن كان رمي المسلم أو إرساله الكلب بعد رجوع كلاب المجوسي يحل، وإن كان حال اتباع كلابهم لا يحل. وكذا لو أرسل المجوسي صقرا له أو بازيا له فهوى الصيد إلى الارض هاربا فرماه المسلم فقتله، فإن كان رمي المسلم وإرساله حال اتباع صقر المجوسي وبازيه لا يحل، وإن كان بعد الرجوع حل. وكذا لو اتبع الصيد كلب غير معلم فأقبل الصيد فارا منه فرماه المسلم بسهم فهو على التفصيل الذي قلنا. قال رحمه الله: (وإن وقع على الارض ابتداء حل) لانه لا يمكنه التحرز عنه فسقط اعتباره لئلا ينسد بابه على ما بيناه بخلاف ما إذا أمكن التحرز عنه لان اعتباره لا يؤدي إلى سد بابه وإلى اعتباره لا يؤدي إلى الجرح فأمكن ترجيح المحرم عند التعارض على ما هو الاصل في الشرع. ولو وقع على حبل أو سطح أو آجرة موضوعة فاستقر ولم يترد حل لان وقوعه على هذه الاشياء كوقوعه على الارض ابتداء، ولانه لا يمكن الاحتراز عنه فسقط اعتباره بخلاف ما إذا وقع على شجر أو حائط أو آجرة ثم وقع على الارض أو رماه وهو على جبل فتردي منه إلى الارض أو رماه فوقع على رمح منصوب أو قصبة قائمة أو على حرف آجرة حيث يحرم لاحتمال أن أحد هذه الاشياء قتله بحده أو بترديته وهو ممكن الاحتراز عنه. وقال في المنتقي: لو رمى صيدا فوقع عى صخرة فانفلق رأسه أو انشق بطنه لم يؤكل

[ 422 ]

[ عضوا منه أكل الصيد لا العضو وإن قطعة ثلا ثا والاكثر مما يلي العجز أكل كله وحرم ] لاحتمال موته بسبب آخر. قال الحاكم أبو الفضل رحمه الله تعالى وهذا خلاف إطلاق الجواب المذكور في الاصل فيما عدا هذا المفسر لان حصول الموت بانفلاق الرأس وانشقاق البطن ظاهر وبالرمي موهوم فيتردد فالظاهر أولى بالاعتبار من الموهوم فيحرم بخلاف ما إذا لم ينشق ولم ينفلق لان موته بالرمي هو الظاهر فلا يحرم، ولا يحمل إطلاق الجواب في الاصل عليه، وحمل السرخسي ما ذكر في المنتقى على ما إذا أصابه حد الصخرة فانشق كذلك، وحمل المذكور في الاصل على أنه إذا لم يصبه من الصخرة إلا ما يصيبه من الارض أو وقع عليه فحمل كذلك فكلا التأويلين صحيح ومعناهما واحد لان كلا منهما يحمل ما ذكره في الاصل على ما إذا مات بالرمي، وما ذكره في المنتقى على ما إذا مات بغيره، وفي لفظ المنتقي إشارة إليه ألا ترى أنه قال لاحتمال الموت بسبب آخر أي غير الرمي وهذا يرجع إلى اختلاف اللفظ دون المعنى ولا يبالى به. وإن كان الطير المرمي مائيا فإن لم تنغمس الجراحة في الماء أكل، وإن انغمست لا تؤكل لاحتمال الموت به دون الرمي لانه يشرب الجرح الماء فيسبب زيادة الالم فصار كما إذا أصابه السهم. قال رحمه الله: (وما قتله المعراض بعرضه أو البندقة حرم) لما رويناه من حديث ابراهيم، ولما روي أن عدي بن حاتم قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إني أرمي الصيد بالمعراض فأصيب فقال: إذا رميت بالمعراض فخزقت فكله وإن أصابه بعرضه فلا تأكله. رواه البخاري ومسلم وأحمد. ولما روي أنه عليه الصلاة والسلام نهي عن الحذف وقال: إنها لا تصيد ولكنها تكسر العظم وتفقأ العين. رواه البخاري ومسلم وأحمد. ولان الجرح لا بد منه لما بينا من قبل والبندقة لا تجرح، وكذا عرض المعراض والمعراض سهم لا ريش ولا نصل له وإنما هو حديد الرأس سمي الحديد معراضا لانه يذهب معترضا وتارة يصيب بعرضه وتارة يصيب بحده. وإن رماه بالسكين أو السيف فإن أصابه بحده أكل وإلا فلا، وإن رماه بحجر فإن كان ثقيلا لا يؤكل. إن جرح لاحتمال أنه قتله بثقله، وإن كان الحجر خفيفا وله حد وجرح لتيقن الموت بالحجر حينئذ. ولو جعل الحجر طويلا كالسهم وهو خفيف وبه حده ورمى به صيدا فإن جرح حل لقتله بجرحه، ولو رماه بمروة حديدة فلم يبضع بضعا لا يحل لانه قتله دقا، وكذا إذا رماه بها فقطع أوداجه وأبان رأسه لان العروق قد تنقطع بالثقل فيقع الشك، ويحتمل أنه مات قبل قطع الاوداج. ولو رماه بعود مثل العصا ونحوه لا يحل لانه قتله ثقلا لا جرحا إلا إذا كان له حد بضع بضعا فيكون كالسيف والرمح. والاصل في جنس هذه المسائل أن الموت إذا حصل بالجرح يتعين حل، وإن حصل بالثقل أو شك فيه فلا يحل حتما أو احتياطا. وإن جرحه فمات كان الجرح مدميا حل بالاتفاق، وإن كان غير مدم اختلفوا فيه، قيل لا يحل لانعدام معنى الذكاة وهو إخراج الدم النجس وشرط النبي صلى الله عليه وسلم إخراج

[ 423 ]

[ صيد المجوسي والوثني والمرتد وإن رمي صيدا فلم يثخنه فرماه الثاني فقتله فهو للثاني ] الدم بقوله انهرم الدم بما شئت (1) رواه أحمد وأبو داود وغيرهما. وقيل يحل لاتيانه ما في وسعه وهو الجرح وإخراج الدم ليس من وسعه فلا يكون مكلفا به لان الدم قد ينحبس بقتله أو لضيق المنفذ بين العروق وقد قدمنا. وإن ذبح الشاة ولم يخرج منها الدم قيل يحل أكلها، وقيل لا يحل، فالاول قولابي بكر الاسكاف، والثاني قول اسمعيل الصفار، ووجه القولين دخل فيما ذكرنا. وإن أصاب السهم ظلف الصيد أو قرنه فإن أدماه حل وإلا فلا، وهذا يؤيد قول من يشترط خروج الدم. قال رحمه الله: (وإن رمى صيدا فقطع عضوا منه أكل الصيد لا العضو) وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه: أكل إن مات الصيد منه لانه مبان بذكاة الاضطرار فيحل كالمبان بذكاة الاختيار بخلاف ما إذا لم يمت ما أبين بالذكاة. ولنا قوله عليه الصلا والسلام ما قطع من بهيمة وهي حية فما قطع منها فهو ميتة رواه ابن ماجه. ذكر الحي مطلقا فينصرف إلى الحي حقيقة وحكما العضو المبان بهذه الصفة لان المبان منه حي حقيقة لقيام الحياة فيه، وكذا حكما لانه يتوهم سلامته بعد هذه الجراحة ولهذا اعتبر هذا القدر من الحياة حتى لو وقع في الماء وفيه هذا القدر من الحياة يحرم بخلاف ما إذا أبين بذكاة الاختيار لان المبان منه ميت حكما ألا ترى أنه لو وقع في هذه الحالة في الماء أو تردى من الجبل لا يحرم لان موته قد حصل بالابانة حكما فلا يضاف إلى غيره، وإن كان حصل بذلك حقيقة أقول: المقدمة القائلة إن المطلق ينصرف إلى الكامل شائعة في ألسنة الفقهاء وكتب أصحابنا لكنها مخالفة في الظاهر لما تقرر في أصول أئمتنا من أن المطلق يجري على اطلاقه كما أن المقيد يجري على تقييده فتأمل في التوفيق. وفي الاصل: رجل أرسل كلبه على صيد فأخطأ ثم عرض له صيد آخر فقتله يؤكل، وإن فاته الصيد فرجع وعرض له صيد آخر في رجوعه فقتله لا يؤكل. وقوله أبين بالذكاة قلنا حال وقوعه لم تقع ذاكة لقيام الحياة في الثاني حقيقة وحكما على ما بينا، وإنما تقع ذكاة عند موته وفي ذلك الوقت لا يظهر في المبان لعدم الحياة فيه لزواله بالانفصال فصار الاصل فيه أن المبان من الحي حقيقة وحكما لا يجوز والمبان من الحي صورة لا حكما بدليل ما ذكرنا من الاحكام من أنه لا يؤثر فيه وقوعه في النهر في هذه الحالة يحل أكله في هذه الحالة وإن كان يكره لما فيها من زيادة الايلام بقطع لحمه ولا كذلك المبان منه بالاصطياد لانه حي حقيقة وحكما حتى لا يثبت له شئ من هذه الاحكام. قال رحمه الله: (وإن قطعه أثلاثا والاكثر مما يلي العجز أكل كله) لان المبان منه حي صورة لا حكما، إذ لا يتوهم سلامته وبقاؤه حيا بعد هذه الجراحة فوقع ذكاة في الحال فحل


(1) رواه أحمد في مسنده (4 / 258).

[ 424 ]

[ وحل وإن أثخنه فللاول وحرم وضمن الثاني للاول قيمته غير ما نقصته جراحته ] أكله كما إذا أبين رأسه في الذكاة الاختيارية، وكذا إذا قد نصفين ما ذكرنا بخلاف ما إذا قطع يدا أو رجلا أو فخذا أو ثلثه مما يلي القوائم أو أقل من نصف الرأس حيث يحرم المبان ويحل المبان منه لانه يتوهم بقاء الحياة في الباقي، وإن ضرب عنق شاة فأبان رأسها تحل لقطع الاوداج ويكره لما فيه من زيادة الالم بإبلاغه النخاع، وإن ضربها من قبل القفا إن ماتت قبل قطع الاوداج لا تحل، وإن لم تمت حتى قطع الاوداج حلت. ولو ضرب صيدا فقطع يده أو رجله ولم ينفصل حتى مات إن كان يتوهم التئامه واندماله حل أكله لانه بمنزلة سائر أجزائه، وإن كان لا يتوهم بأن يبقى معلقا بجلده حل ما سواه دونه لوجود الابانة معنى والعبرة للمعاني. قال رحمه الله: (وحرم صيد المجوسي والوثني والمرتد) لانهم ليسوا من أهل الذكاة حالة الاختيار فكذا حالة الاضطرار وكذا المحرم لانه ليس من أهل ذكاة الاختيار في حق الصيد فلا يكون من أهل ذكاة الاضطرار فيه ويؤكل صيد الكتابي لانه من أهل الذكاة اختيارا فكذا اضطرارا. قال رحمه الله: (وإن رمى صيدا فلم يثخنه فرماه الثاني فقتله فهو للثاني وحل) لانه هو الآخد له وقال عليه الصلاة والسلام الصيد لمن أخذه وإنما حل لانه لما لم يخرج بالاول من حيز الامتناع كان ذكاته ذكاة الاضطرار وهو الجرح في أي موضع كان وقد وجد. قال رحمه الله: (وإن أثخنه فللاول وحرم) لانه لما أثخنه الاول قد خرج من حيز الامتناع صار قادرا على ذكاته الاختيارية فوجب عليه ذكاته لما روينا ولم يذكه وصار الثاني قاتلا له فيحرم وهو لو ترك ذكاته مع القدرة عليه يحرم فبالقتل أولى أن يحرم بخلاف الوجه الاول. وهذا إذا كان بحال يسلم من الاول لان موته يضاف إلى الثاني، أما إذا كان الرمي الاول بحال لا يسلم منه الصيد بأن لا يبقى فيه من الحياة إلا بقدر ما يبقى من المذبوح كما إذا أبان رأسه يحل لان موته لا يضاف إلى الرمي الثاني فلا اعتبار لوجوده لكونه ميتا حكما، ولهذا لو وقع في الماء في هذه الحالة لا يحرم كوقوعه بعد موته، ولو كان الرمي الاول بحال لا يعيش به الصيد لكن حياته فوق حياة المذبوح بأن كان يبقى يوما أو دونه فعند أبي يوسف لا يحرم بالرمية الثانية لان هذا القدر من الحياة لا يعتبر عنده، وعند محمد يحرم لان هذا القدر من الحياة يعتبر عنده فصار حكمه كحكم ما إذا كان الاول يسلم منه فلا يحل. قال رحمه الله: (وضمن الثاني للاول قيمته غير ما نقصته جراحته) أي ضمن جميع قيمة الصيد غير ما نقصته جراحته الاولى لانه أتلف صيدا مملوكا للغير لانه ملكه بالاثخان فيلزم قيمة ما أتلفه وقيمته وقت إتلافه كان ناقصا بجراحة الاول فيلزم ذلك لان قيمة الملتف تعتبر وقت الاتلاف فصار كما لو أتلف عبدا مريضا أو شاة مجروحة فإنه يلزمه قيمته متقوما بالمرض أو الجرح. وقال صاحب الهداية وغيره: تأويله إذا علم أن القتل حصل بالثاني، فإن كان الاول بحال يسلم منه والثاني بحال لا يسلم منه ليكون القتل كله مضافا إلى الثاني وقد قتل حيوانا

[ 425 ]

كالاول منقوصا بالجراحة فلا يضمنه كاملا، وإن علم أن الموت حصل من الجراحتين أو لا يدري قال صاحب الهداية قال في الزيادات: يضمن الثاني ما نقصته جراحته ثم يضمن نصف قيمته مجروحا بجراحتين ثم يضمن نصف قيمته لحما. أما الاول وهو ما نقصته جراحته فلانه جرح حيوانا مملوكا للغير وقد نقصته فيضمنه أولا، وأما الثاني وهو ضمان نصف قيمته حيا فلان الموت حصل بالجراحتين فيكون هو متلفا نصفه وهو مملوك لغيره فيضمن نصف قيمته مجروحا لجراحتين لان الاولى ما كانت بصنعه يعني الجراحة الاولى ما كانت بصنع الثاني فلا يضمنها، والثانية ضمنها مرة فلا يضمنها ثانية أي الجراحة الثانية ومراده ما نقص بجراحته ضمنها مرة وهو ما ضمنه من النقصان بجراحته أولا. وأما الثالث وهو ضمان نصف اللحم فلان بالرمية الاولى صار بحال يحل بذكاة الاختيار لولا رمي الثاني فهذا بالرمي الثاني أفسد عليه نصف اللحم فيضمنه ولا يضمن نصف القيمة لآخر لانه ضمنه من حيث ضمن نصف قيمته حيا فدخل ضمان اللحم. وهذا يوهم أن بين المسألتين فرقا أعني بين ما إذا حصل القتل بالثاني وحده أو بهما وليس كذلك، بل لا فرق بينهما لانه في الموضعين يضمن الثاني جميع قيمته غير ما نقصته جراحة الاول إلا أنه بين المسألة الاولى جميع الحاصل، وفي الثانية بين طريق الضمان، نقل ذلك عن قاضيخان أي عدم الفرق بين المسألتين، بيانه أن الرامي الاول إذا رمى صيدا يساوي عشرة فنقصه درهمين ثم رماه الثاني فنقصه درهمين ثم مات فعلى الطريق الاولى يضمن الثاني ثمانية ويسقط عنه من قيمته درهمان لان ذلك تلف بجرح الاول وهو المراد بقوله غير ما نقصته جراحته. وعلى الطريقة الثانية يضمن درهمين أولا لان ذلك القدر من النقصان حصل بفعله وهو المراد بقوله في الزيادات يضمن الثاني ما نقصته جراحته بقي من قيمته ستة فيضمن نصفها وهو ثلاثة دراهم وهو المراد بقوله ثم يضمن نصف قيمته مجروحا بجراحتين يعني به نصف قيمته حيا. ثم إذا مات يضمن النصف الآخر بعد الموت وإن كان تفويت اللحم فيه موجودا بقتله لانه ضمن ذلك النصف حيا، فلو ضمنه بعد الموت كان يتكرر الضمان بأن يضمن قيمته حيا ثم يضمن قيمته لحما بعد الموت وهذا لا يجوز. وهذا إذا كانت حياته خفية بقدر المذبوح فلا يضمن الثاني ويوكل لان موته لا يضاف إلى الثاني ولهذا لو وقع في الماء في هذه الحالة لا يحرم وقد كرناه من قبل وعنه وقع الاحتراز بقوله فإن علم أن الموت حصل من الجراحتين أو لا يدري. ولو رمياه معا فأصابه أحدهما قبل الآخر فأثخنه ثم أصابه الآخر أو رماه أحدهما أولا ثم رماه الثاني قبل أن يصيبه الاول أو بعد ما أصابه قبل أن يثخنه فأصابه الاول فأثخنه أو أثخنه ثم أصابه الثاني فقتله فهو للاول ويؤكل. وقال زفر: لا يحل أكله لانه حال إصابة الثاني غير ممتنع فلا يحل بذكاة الاضطرار فصار كما إذا رماه الثاني بعد ما أثخنه الاول. قلنا: عند رمي الثاني هو صيد ممتنع فوقع رميه ذكاة ولهذا تشترط التسمية عند الرمي فكذا الامتناع يعتبر

[ 426 ]

[ وحل اصطياد ما يؤ كل لحمه وما لا يؤكل ] عنده إلا أن الملك يثبت للاول لان سهمه أخرجه عن حيز الامتناع فملكه به قبل أن يقتل بسهم الثاني، فحاصله أن المعتبر في حق الحل والضمان وقت الرمي لان الرمي إلى صيد مباح فلا ينعقد سببا لوجوب الضمان فلا ينقلب موجبا بعد ذلك وهو ذكاة فيحل المصاب لان الحل يحصل بفعله وفعله هو الرمي والارسال فيعتبر وقته، وفي حق الملك يعتبر وقت الاثخان لانه به يثبت الملك، وزفر يعتبر وقت الاثخان فيهما. ولو رمياه معا وأصاباه معا فمات منهما فهو بينهما لاستوائهما في السبب، والبازي والكلب في هذا كالسهم حتى يملكه بإثخانه، ولا يعتبر إمساكه بدون الاثخان حتى لو أرسل بازيه فأمسك الصيد بمخلبه ولم يثخنه وأرسل الآخر بازيه فقتل ذلك الصيد فإن الصيد الثاني وحل لان يد البازي الاول ليست يدا حافظة لتقام مقام يد المالك، أما القتل فهو إتلاف والبازي من أهل الاتلاف فينقل إلى صاحبه. ولو رمى سهما فأصاب الصيد فأثخنه ثم رماه ثانيا فقتله حرم لما بينا. قال رحمه الله: (وحل اصطياد ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل) لقوله تعالى * (وإذا حللتم فاصطادوا) * (المائدة، 2) مطلقا من غير قيد بالمأكول إذا الصيد لا يختص بالمأكول. قال الشاعر: صيد الملوك أرانب وثعالب وإذا ركبت فصيدك الابطال ولان الاصطياد سبب الانتفاع بجلده أو ريشه أو شعره أو لاستدفاع شره وكل ذلك مشروع والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.

[ 427 ]

[ كتاب الرهن ] كتاب الراهن وجه مناسبة كتاب الرهن لكتاب الصيد من حيث إن كل واحد من الرهن والصيد سبب لتحصيل المال. والكلام في الرهن يقع في مواضع: الاول في معناه لغة. والثاني في دليله. والثالث في ركنه. والرابع في شرط لزومه. والخامس في شرط جوازه والسادس في حكمه. والسابع في سببه. والثامن في صفته. والتاسع في معناه عند الفقهاء. والعاشر في محاسنه. أما معناه لغة فهو عبارة عن الحبس بأي شئ كان. قال الله تعالى * (كل نفس بما سبت رهينة) * (المدثر: 38) أي محبوسة بما كسبت من المعاصي. يقال رهنت الشئ وارتهنته والجمع رهن ورهون ورهان والرهن المرهون تسمية بالصدر. وأما دليله فقوله تعالى * (فرهان مقبوضة) * (البقرة: 283) أمر بأخذ الرهن وقبضه حال المداينة. وأما ركنه فهو الايجاب وهو قول الراهن رهنت عندك هذا الشئ بمالك علي من الدين أو خذه والقبول شرط له لان الرهن عقد تبرع لانه لم يستوجب الرهن بذاته شيئا والتبرع يتم بالايجاب من غير قبول حتى لو حلف لا يرهن فرهن ولم يقبل الآخر يحنث. وأما الرابع وهو شرط اللزوم وهو القبض. وأما الخامس وهو شرط الجواز فكونه مقسوما مفرزا فارغا عن الشغل بحق الغير، وأن يكون الرهن بحيث يمكن الاستيفاء منه كالدين حتى لا يصح الرهن بما ليس بمال كالحدود والقصاص والعتق. وأما حكمه فملك المرتهن المرهون في حق الحبس حتى يكون أحق بإمساكه إلى وقت ايفاء الدين في حال الحياة، وأما إذا مات الراهن فهو أحق به من سائر الغرماء فيستوفي منه دينه وما فضل فهو للغرماء. وأما سببه فهو الحاجة إليه لان الانسان قد لا يجد من لا يقرضه مجانا من غير رهن أو يصبر عليه بغير رهن. وأما صفته قال عامة العلماء بأن الرهن مضمون على المرتهن كما سيأتي بيانه. وأما التاسع وهو تفسيره شرعا فسيتكلم عليه المؤلف. وأما العاشر وهو محاسنه فهو فك عسرة الطلب عن الراهن ووثوق

[ 428 ]

[ هو حبس شئ بحث يمكن استيفاؤه منه كالدين ولزم بإيجاب وقبول ويتم بقبضه ] قلب المرتهن بما يحصل ماله، ولو ارتهن على أنه إن ضاع بغير شئ وأجاز الرهن وبطل الشرط لانه تغيير لعقد موضوع بحكم مشروع وتبديل المشروع لا يجوز والمقبوض بحكم الرهن الفاسد مضمون. وذكر ابن سماعة عنأبي يوسف رحمهما الله تعالى لو رهن نصف دار وسلم الدار إلى المرتهن وهلكت لم يذهب من الدين شئ، وهكذا ذكر في نوادر هشام عن محمد رحمهما الله تعالى أنه في الرهن الفاسد لا يذهب بهلاكه الدين. وفي الجامع الكبير: لو اشترى مسلم خمرا ورهن بثمنه رهنا فضاع الرهن عنده لا يضمن لانه رهن باطل في الاول ينعقد فاسدا والله أعلم. وسيأتي له مزيد بيان عند قوله مضمون بأقل من قيمته. وفي الكبرى: لو شرط عليه أن يضمن الفضل عن الدين فالشرط باطل. قال رحمه الله: (هو حبس شئ بحق يمكن استيفاؤه منه كالدين) وهذا حده في الشرع كذا قال الشارح وقال: قوله كالدين إشارة إلى أن الرهن لا يجوز إلا بالدين لانه هو حق أمكن استيفاؤه ومن الدين لعدم تعيينه، وأما العين فلا يمكن استيفاؤها من الرهن ولا يجوز الرهن بها إذا كانت مضمونة بنفسها كالمغصوب والمهر ويدل الخلع وبدل الصلح عن دم العمد لان الموجب الاصلي فيها المثل أو القيمة ورد العين لا مخلص على ما عليه الجمهور ولهذا تصح الكفالة به والابراء عن قيمته. ويمتنع وجوب الذكاة عمن هو في يده وماله بقدر القيمة. ولو كان الواجب هو العين لما ثبتت هذه الاحكام. وعند البعض وإن كان الموجب الاصلي رد العين ورد القيمة مخلص فلا يجب الضمان إلا بعد الهلاك بالقبض السابق ولهذا تعتبر قيمته بالقبض فيكون رهنا لوجود سبب وجوبه فيصح كما هو في الكفالة بخلاف الاعيان الامانة ا ه‍. فإن قيل: هذا التعريف للرهن التام أو اللازم وإلا ففي انعقاد الرهن لا يلزم الحبس بل ذلك بالقبض. أجيب بأن المراد أنه يتحقق بانعقاد معنى الرهن معنى جعل الشئ محبوسا بحق إلا أن الشارع جعل للعاقد الرجوع عنه ما لم يقبض المرتهن الرهن فقبل القبض يوجد معنى الحبس ولكن لا يلزم ذلك إلا بالقبض، والمأخوذ في التعريف المذكور في الكتاب للمرتهن إنما هو نفس الحبس لا لزومه فيصدق هذا التعريف على الرهن قبل تمامه ولزومه أيضا. لو قال هو عقد يرد على معنى حبس العين بحق يمكن استيفاؤه منه لكان أولى. وقولنا على معنى حبس إلى آخره لان العقد لا يوجب حقيقة الحبس لانها بالقبض بل يوجب نفس الحبس، وقول الامام الزيلعي أن قوله كالدين إشارة إلى أن الرهن لا يجوز إلا بالدين لانه هو الحق الممكن استيفاؤه من الرهن لعدم تعيينه. قلنا: المتبادر إليه من الكافي أنه يجوز الرهن بغير الدين أيضا كما ذكرت أمثاله. وقوله شئ صادق على ما لو عين ذلك أو لا. وعلى ما إذا كان على كل الدين أو بعضه، وعلى ما إذا قبض الدين أو لا. قال قاضيخان: رجل دفع إلى رجل ثوبين وقال خذ

[ 429 ]

[ محوزا مفرغا مميزا والتخلية فيه وفي البيع وله أن يرجع عن الرهن ما لم يقبضه ] أيهما شئت بالمائة التي علي فأخذهما فضاعا في يده قال الثالث: لا يذهب من الدين شئ وجعله بمنزلة رجل عليه عشرون درهما يدفع المديون إلى الطالب مائة وقال خذ منها عشرين بدينك فضاعت المائة قبل أن يأخذ منها عشرين ضاعت من مال المديون والدين على حاله، ولو قال خذ أحدهما رهنا بدينك فأخذهما فضاعا في يده وقيمتهما سواء قال الثالث: يذهب نصف قيمة كل واحد منهما بالدين إن كان مثل الدين: رجل عليه مائة فأعطى الدائن ثوبا وقال خذ هذا ببعض حقك فقبضه وهلك يهلك بقيمته قال أبو يوسف: لما شاء المرتهن أخذ الرهن ولم يدفع شيئا فضاع في يده. قال أبو يوسف: عليه قيمة الرهن أقرض آخر خمسين درهما فقال المقرض لا يكفيك هذا القدر ولكن أبعث لك ما يكفيك فبعث فدفع إليه فضاع في يده فعلى المرتهن الاقل من قيمة الرهن ومن الخمسين. واشتراط خيار الشرط ثلاث أيام في الرهن غير جائز في المرتهن لانه يملك فسخه من غير خيار الشرط فلا فائدة في اشتراطه، وللراهن جائز لانه يحتاج إلى الخيار فيه وهو في معنى البيع فيصح إثبات الخيار له فيه، كذا في الاصل. قال رحمه الله: (ولزم بإيجاب وقبول ويتم بقبضه محوزا مفرغا مميزا) وهذا سهو فإن الرهن لا يلزم بالايجاب والقبول لانه تبرع ولكنه ينعقد بهما ويتم بالقبض فيلزم به. قال في العناية: ركن الرهن الايجاب وهو قول الراهن رهنت، والقبول وهو قول المرتهن قبلت، ثم علل بأنه عقد والعقد ينعقد بهما، لو أورد عليه بأن صاحب المحيط صرح بأنه عقد تبرع يتم بالايجاب فقط هو قول غالب المشايخ. وقال الامام مالك رضي الله تعالى عنه: يلزم بالايجاب والقبول كالبيع والاجارة. وقوله محوزا مفرغا مميزا احترز بالاول عن المشاع، وبالثاني عن المشغول، وبالثالث عن المتصل إذا قبضه كذلك، ثم هذا بيان الرهن بالقول وسنبين ما يصير رهنا بالفعل. قال رحمه الله: (والتخلية فيه وفي البيع قبض) قال الشارح: والصواب أن التخلية تسليم لانه عبارة عن رفع الموانع عن القبض وهو المسلم دون المتسلم والقبض فعل المتسلم لانه اكتفى بالتخلية لانه غاية ما يقدر عليه والقبض فعل لغيره فلا يكلف به وهو ظاهر الرواية، وعن الثاني أن في المنقول لا بد من النقل والاول أصح والقياس على الغصب باطل لان قبض الرهن مشروع فيشبه البيع فاكتفى بالتخلية والغصب ليس بمشروع فلا حاجة إلى ثبوت بدون قبض حقيقة وهو النقل ووضع اليد ولا يرد النقص بالصرف لانه لا بد فيه من القبض حقيقة لانه ورد على خلاف القياس. قال رحمه الله: (وله أن يرجع عن الرهن ما لم يقبضه المرتهن) لما ذكرنا أنه متبرع ولا لزوم على المتبرع ما لم يسلم بالكلية وفيه خلاف مالك. واختلفوا في القبض قال الشيخ الامام المعروف بخواهر زاده: الرهن قبل القبض جائز غير لازم وإنما يصير لازما في حق الرهن بالقبض ا ه‍. وإنما يصير لازما في حق المرتهن بالدفع وقبض الراهن الدارهم فلو قال ولهما أن يرجعا ما لم يتقابضا

[ 430 ]

[ المرتهن وهو مضمون بأقل من قيمته ومن الدين فلو هلك وقيمته مثل الدين صار مستوفيا دينه وإن كان أكثر من دينه فالفضل أمانة وبقدر الدين صار مستوفيا دينه وإن ] لكان أولى لانه في حكم الراهن والمرتهن ولا يقال قوله وله أن يرجع المفيد أن عقد الرهن تبرع في حق الراهن ينافيه ما نقل في المحيط وغيره: رهن عنده دابتين على مائة فدفع له دابة وقبض منه خمسين وطلب المرتهن الدابة الاخرى وامتنع من قرض الخمسين الباقية يجبر الراهن على قرض الخمسين لان الرهن لازم من جانب الراهن فما شرط عليه يجبر على دفعه غير لازم فلا يجبر على دفعه ا ه‍. لانا نقول: هو تبرع في حق الراهن قبل دفع شئ من الرهن فلا منافاة. ولم يتعرض المؤلف رحمه الله تعالى للراهن بالفعل وسنذكر ذلك تتميما للفائدة. قال في الذخيرة: من كان له دين على رجل فتقاضاه فلم يقضه فرفع العمامة على رأس المديون رهنا بدينه وأعطاه منديلا صغيرا يكفيه على رأسه وقال حضر ديني لاردها عليك فذهب الرجل وجاء بدينه بعد أيام وقد هلكت العمامة قال هلكت بالدين. وفي السراجية: إذا أخذ عمامة المديون بغير رضاه لتكون رهنا لم تكن رهنا بل غصبا. روى ابن سماعة عن أبي يوسف: رجل اشترى من رجل جارية بألف درهم وأبى البائع أن يدفعها إليه حتى يقبض الثمن وقال المشتري لا أدفع لك الثمن حتى أقبضها فاتفقا على وضع الثمن على يد عدل حتى يقبض الثمن يدفعها إليه فوضع رهنا بالثمن فهلك هلك من مال البائع. وفي الفتاوي الكبرى: رهن عبدا بكر حنطة فمات العبد فظهر أن الكر ليس على الراهن فعلى المرتهن قبض كر دون العبد. وفي التتمة: رجل عليه ثمن عين اشتراها دنانير فدفع للبائع صرة فيها دنانير فقال خذ هذه الصرة حتى أنقد لك الثمن ثم هلكت تهلك من مال البائع قال قلت: تهلك هلاك الرهن أم هلاك الثمن؟ قال: هلاك الثمن، فإن ظهر أن دينه أجود لا يرجع بالجودة في قول الامام ومحمد حيث كانا في الوزن سواء. قال رحمه الله: (وهو مضمون بأقل من قيمته ومن الدين فلو هلك وقيمته مثل الدين صار مستوفيا دينه وإن كان أكثر من دينه فالفضل أمانة وبقدر الدين صار مستوفيا دينه وإن كان أقل صار مستوفيا بقدر دينه ويرجع المرتهن وبالفضل) وقال الامام الشافعي رضي الله تعالى عنه: الرهن كله أمانة فلا يسقط شئ من الدين بهلاكه. ولنا قوله عليه الصلاة والسلام للمرتهن الذي هلك عنده الفرس ذهب حقه وقوله عليه الصلاة والسلام إذا هلك الرهن هلك الدين وأما معناه. وأجمع الصحابة والتابعون على ذلك وبيان الدليلين من الجانبين في المطولات. وفي الكافي: بيانه إذا رهن ثوبا قيمته عشرة بعشرة فهلك عند المرتهن يسقط دينه، وإن كان قيمة الثوب خمسة يرجع المرتهن على الراهن بخمسة أخرى، وإن كانت قيمته خمسة عشر فالفضل أمانة عندنا. وفي الينابيع: الرهن مضمون بالاقل من قيمته ومن الدين، وفائدة هذا تظهر في مسائل منها: إذا رهن عبدا بألف درهم وقيمته ألفان فأبق فرده رجل من

[ 431 ]

مسيرة ثلاثة أيام فإن الجعل على الراهن وعلى المرتهن نصفان لان العبد نصفه مضمون بالدين ونصفه أمانة فيكون الجعل بينهما بالحصص. ومنها مداواة الامراض والجروح لانه ينقسم ذلك على المضمون وعلى الامانة بالحصص وما أصاب المضمون فعلى المرتهن، وأما أصاب الامانة فعلى الراهن. ولو قال وهو مضمون بالاقل من قيمة المضمون ومن الدين لكان أولى ليشمل ما إذا كان قيمة المرهون أكثر من الدين في الاصل والباطل من الرهن ما لا يكون منعقدا أصلا كالباطل من البيع والفاسد ما يكون منعقدا لكن بوصف الفساد والمقابل به يكون مالا مضمونا، وفي كل موضع لم يكن الرهن مالا ولم يكن المقابل به مضمونا لا ينعقد الرهن أصلا وهو الباطل، وتعتبر قيمة الرهن يوم القبض. ولم يذكر المؤلف أحكام غلبة الماء على الارض المرهونة قال في المحيط: أرض مرهونة غلب عليها الماء بمنزلة العبد إذا أبق لانهار بما ينزل عنها الماء فتكون الارض منتفعا بها فلا يسقط الدين لاحتمال العود كالآبق. ولو رهن عبدا حلال الدم أو سرق عند الراهن فقطع عند المرتهن فذاك من ضمان الراهن ولم يذهب من الدين شئ وبقي مرتهنا بجميع الدين عند الامام، وعندهما السرقة عيب ويقوم سارقا وحلال الدم وغير سارق وغير حلال الدم فيسقط من الدين مقدار قيمته حلال الدم والقطع ويكون رهنا بحصة قيمته كذلك، ولو وجب عليه حد القذف أو الزنا عند المرتهن أو دخله عيب فيسقط من الدين بقدره. رهن ثوبا يساوي خمسة دراهم ومثال ذهب يساوي عشرة بخمسة دراهم فهلك الذهب ولبس الثوب حتى انخرق ضمن قيمة الثوب بحسب ماله من ذلك درهم وثلثان لانه ذهب بإذهاب الذهب ثلثا الدين وذلك ثلاثة دراهم وثلث درهم لان بإزاء الذهب ثلث الدين وبإزاء الثوب ثلثه، فإذا ذهب الذهب واستهلك الثوب يذهب بإذهاب الثوب ثلث الدين ويضمن مثقال الذهب فيكون رهنا عنده بثلاثة دراهم وثلث. وذكر المؤلف رحمه الله تعالى حكم هلاك العين المرهونة في يد المرتهن ولم يذكر حكم نقصانها قال في الخلاصة: إذا نقصت العين المرهونة في يد المرتهن إن كان النقصان في عينها سقط من الدين بقدره ا ه‍. ولم يتعرض لما إذا كان بالدين رهنان من جهتين مختلفتين قال قاضيخان: رجل عليه دين لآخر وبه كفيل فأخذ الطالب من الكفيل رهنا ومن الاصيل رهنا وأحدهما بعد الآخر وبكل واحد وفاء بالدين فهلك أحد الرهنين عند المرتهن قال زفر رحمه الله تعالى: أيهما هلك يهلك بكل الدين. وقال الامام أبو يوسف رحمه الله تعالى: إذا هلك الرهن الثاني، فإن كان الراهن علم بالرهن الاول فإن الثاني يهلك بنصف الدين، وإن لم يعلم بذلك يهلك بجميع الدين. وذكر في كتاب الرهن أن الثاني يهلك بنصف الدين ولم يذكر العلم والجهل وهو الصحيح لان كل واحد منهما يطالب بجميع الدين فيجعل الرهن الثاني زيادة في الرهن الاول، فإن كانت قيمتهما سواء قسم الدين عليهما فالثاني إذا هلك يهلك بنصف الدين وقد قالوا: لو شرط إذا ضاع يكون مجانا فالشرط باطل ويهلك بالدين. ولم يتعرض لما إذا هلك

[ 432 ]

[ كان أفل صار مستوفيا بقدر دينه ويرجع المرتهن وبالفضل وهب المرتهن الدين من الراهن أو أبرأه عنه فهلك الرهن عنده من غير منع يضمن المرتهن وله أن يطالب ] في يد المرتهن بعد أن أبرأه الراهن أو وهبه الدين أو أحاله قال في الخلاصة: لو أبرأه عن الدين أو أخاله به أو وهبه له والعبد في يد المرتهن فهلك في يده من غير أن يمنعه لا يضمن استحسانا وهو قول أصحابنا الثلاثة بخلاف ما لو أبرأ الراهن فيما بقي من الدين ثم هلك الرهن في يد المرتهن وجب عليه رد ما قبض ولو تصادقا على أن لا دين يبقى مضمونا ولو أحال المرتهن الراهن بالرهن على إنسان عنده الرهن ثم مات العبد المرهون قبل أن يرده فيه. وتبطل الحوالة. وفي المبسوط: مسائله على فصول: أحدها في هلاك الرهن قبل الابراء، والثاني في هلاكه بعد الاستيفاء، والثالث في هلاكه بعد فسخ الرهن وإقالته، والرابع في هلاكه بعد استعماله. قال رحمه الله: (وهب المرتهن الدين من الراهن أو أبرأه عنه فهلك الرهن عنده من غير منع يضمن المرتهن) قياسا وهو قول زفر ولا يضمن استحسانا، ولو منعه حتى هلك ضمن قيمته اتفاقا ووجه القياس أن الرهن صار مضمونا على المرتهن بالقبض واليد لان به يصير مستوفيا للدين ويده على الرهن يد استيفاء للدين ويتقرر ذلك بالهلاك وصار كأنه استوفى ثم أبرأه فيبقى مضمونا عليه لبقاء اليد والقبض فكذا هذا. وجه الاستحسان أن الضمان قد ارتفع قبل تقرر حكم ووجوبه لان ضمان الرهن إنما يجب إما بحقيقة الرهن أو بجهته وقد ارتفع العقد والجهة بسقوط الدين فانتفى الضمان وذلك لان قيام الدين ودوامه بشرط بقاء الرهن لان الرهن شرح توثيقا وتوكيدا للدين وبعد سقوطه لا يتصور توثيقه وتوكيده فلا فائدة في بقاء الرهن فلا يبقى فانحل الضمان لارتفاع مناطه فبقيت العين أمانة في يده بخلاف الاستيفاء لان الاستيفاء يتقرر بالدين ولا يسقط أصلا، ولهذا صحت الهبة والابراء بعد الاستيفاء حتى يلزمه در ما استوفاه، ولا تصح الهبة والابراء بعد هبة الدين وإبرائه. ولو أخذت المرأة رهنا بصداقها ثم طلقها الزوج قبل الدخول بها ثم هلك الرهن هلك بنصف الصداق لان الصداق قد سقط فصار كالبراءة عن الدين، ولو قبض المرتهن حقه ثم هلك الرهن عنده ولم يمنعه من قبضه وقيمته مثل الدين رد مقبض لان الدين لم يسقط لاستيفاء من وجه في حق بعض الاحكام وإن سقط في حق المطالبة لما بينا فصار مستوفيا ما قبض بعدما استوفاه مرة حكما بالهلاك فيلزمه رد ما قبض آخرا. ولو كان الدين طعاما قرضا فاشتراه من هو عليه بدراهم ودفعها إلى المرتهن ثم هلك الرهن فعلى المرتهن رد مثل ذلك الطعام وتبين بهذه المسألة أن المرتهن يصير مستوفيا وقت الهلاك دون القبض لانه لو صار مستوفيا من وقت القبض لما جاز البيع لانه ليس في ذمة الراهن شئ. قضى أجنبي دين المرتهن تطوعا ثم هلك الرهن في يد المرتهن رد برد المال على المتطوع لانه استوفى الدين من

[ 433 ]

الراهن بالهلاك بعدما استوفاه من المتطوع فيجب عليه ذلك كما إذا استوفاه من الغريم ثم هلك الرهن. تصادق الراهن والمرتهن أن لا دين بعد أن اتفقا أنه ألف وهلك الرهن فعلى المرتهن أن يرد الالف لان الرهن حين هلك كان مضمونا بالدين لانهما لم يتصادقا أن لا دين قبل الهلاك فصار المرتهن مستوفيا للدين حكما بالهلاك فصار كما لو استوفاه حقيقة، ولو تصادقا أن لا دين قبل الهلاك اختلف المشايخ فيه قيل يملك أمانة لان الرهن حصل بدين مضمون يتوهم وجوبه فصار الرهن مضمونا بدين مظنون، فإذا زال التوهم بالتصادق على أن لا دين يزول الضمان كما لو زال بالابراء والهبة. وقيل يضمن لانه توهم وجوب الدين لم يزل تصادقهما على أن لا دين لان تصادقهما على عدم الدين لا يمنعهما عن التصادق على الوجوب بعد ذلك لجواز أن يتذكرا بعد ما تصادقا أنه كان عليه دين وإن بقي توهم الوجوب بقي مضمونا عليه لان ما به يثبت الضمان وهو توهم الاقتراض منه في الثاني بامتناعه الاقتراض لم يزل الجواز أن يكون أقرضه بعد ذلك فيكون مضمونا عليه. وكذلك لو أخذ عبدا على أن يقرضه ألفا ثم هلك العبد، فإن كانت قيمته أقل من ألف ضمن قيمته لانه بجهة الرهن مقبوض فصار كالمقبوض بحقيقة الرهن لان المقبوض على جهة الشئ كالمقبوض على سوم الشراء. ولو أسلم في طعام وأخذ به رهنا ثم تفاسخا العقد كان له أن يحبس الرهن حتى يقبض يرأس المال لان رأس المال يدل على المسلم فيه فظهر أن الرهن في حق البدل، فإن هلك الرهن في يده هلك بالطعام لانه كان مضمونا بالطعام وبالفسخ لم يسقط الطعام أصلا ما لم يصل إليه رأس المال فبقي مضمونا به كما كان بخلاف ما لو أبرأه عن الدين لان هناك سقط الضمان أصلا لسقوط الدين أصلا. ولو اشترى عبدا ثم تقابضا ثم تفاسخا كان للمشتري أن يحبس المبيع حتى يستوفي الثمن لانه عند الفسخ نزل منزلة البائع، وكذلك لو أسلم المبيع وأخذ بالثمن رهنا ثم تقايلا كان له أن يحبس الرهن حتى يقبض المبيع فإن هلك الرهن في يده هلك بالثمن على ما بينا أسلم خمسمائة في طعام فرهن به عبدا يساوي الطعام وقبضه ثم صالح على رأس المال فالقياس أن لا يقبض الراهن العبد ورأس المال دين عليه. وفي الاستحسان يجعل رهنا بدينه ويكون مضمونا. وجه القياس أن رأس المال غير المسلم فيه حقيقة وحكما لانه ليس ببدل عن الطعام لان الطعام وجب بالعقد ورأس المال وجب بالاقالة وهما ضدان، فما وجب بأحدهما لا يعتبر بدلا عن الآخر فالرهن بالطعام لا يكون رهنا. وجه الاستحسان رأس المال بدل عن المسلم فيه قائم مقامه لانه كان بدلا له في العقد وبالاقالة والصلح لما سقط حقه في المسلم فيه عاد حقه إلى بدله لانه وإن كان دينا حادثا لكن لما قام مقام المسلم إثباتا وإسقاطا فالرهن بالمسلم فيه يكون رهنا بما قام مقامه كالرهن بالمغصوب رهن بقيمته لانها قائمة مقامه، فإذا استوفى رأس المال ثم هلك عنده العبد من غير صنع يعطيه المرتهن مثل الطعام الذي كان له على المسلم إليه ويأخذ منه رأس

[ 434 ]

المال. أقرض رجلا كر حنطة وارتهن منه ثوبا قيمته أو صالحه من عليه الحنطة على كر شعير بعينه ويصير الثوب رهنا بالشعير، فإذا هلك يهلك مضمونا بالحنطة لانه برئ عن الحنطة فصار كما لو برئ بالايفاء ويجوز أن يكون الشئ رهنا ولا يكون مضمونا كزوائد الرهن يكون محبوسا ولا يكون مضمونا، وذلك لان الرهن استيفاء حكمي والاستيفاء الحكمي لا يربو على الاستيفاء الحقيقي. ولو استوفى المسلم فيه حقيقة ثم تقايلا السلم صحت الاقالة ويرد عليه طعاما مثله ويأخذ رأس ماله فكذا إذا اصطلحا يعد الاستيفاء الحكمي. وفي مسألة القرض لو صالحه على الشعير بعدما استوفى الحنطة حقيقة لم يجز الصالح لانه لو صالحه على دين وليس عليه ذلك الدين لا يصح أصلا فكذا إذا اصطلحا بعد الاستيفاء الحكمي. ولو وهب له رأس المال بعد الصلح ثم هلك العبد عليه طعام مثله لان الاقالة لم تبطل بهبة رأس المال لان الاقالة في السلم لا تقبل البطلان ففي الرهن مضمونا في المسلم فيه، وذكر مسألته في الصرف. الثانية اشترى ألف درهم بمائة دينار وقبض الالف فقبض بالمائة الدينار رهنا يساويها ثم تفرقا فسد البيع لان الافتراق قبل قبض الدنانير فصارت الدراهم مقبوضة في يد مشتريها بحكم صرف فاسد وليس له أخذ الرهن حتى يرد الالف، فإن هلك الرهن عنده رجع صاحبه عليه بمائة دينار والمرتهن بالالف لان الدراهم بدل عن الدنانير والرهن بالشئ يكون رهنا به وببدله فيكون محبوسا بالدنانير مضمونا بالدراهم، فإذا هلك الرهن صار مستوفيا للدنانير بحكم صرف فاسد فكان على المرتهن رد الدنانير وعلى الراهن رد الدراهم، فإن لم يفترقا حتى ضاع الرهن فهو بالمائة الدينار لانه صار مستوفيا للدناينر في المجلس حكما بهلاك الرهن فيصير كما لو استوفى حقيقة فكان الصرف جائزا. ولو ادعى على آخر فأنكره فصالحه على خمسمائة فأعطاه به رهنا وهلك الرهن ثم اتفقا على أن لا دين يجبره على قضاء خمسمائة درهم للمرتهن لو أخذ الرهم بدين ثابت من حيث الظاهر بدليل أن القاضي بعد الصلح قبل التصادق أن لا دين يجبره على قضاء خمسمائة درهم والرهن بدين ثابت مضمون على المرتهن لان الرهن المقبوض بجهة القرض مضمون مع أن الدين غير ثابت فالرهن بدين ثابت ظاهر أولا يكون مضمونا لان الرهن يملك في حق ملك اليد والحبس بإزاء ما عليه من الدين والراهن لم يرض بقليله مجانا بل رهن بشرط العوض وهو سقوط الدين بإزائه. ولو كانت الدعوى في وديعة فقال المودع رددتها ثم اصطلحا على خمسمائة وأخذ بها رهنا فهلك ثم تصادقا أنه ردها فالرهن غير مضمون عند أبي يوسف وهي كالمسألة التي قبلها. ولو ادعى صاحب الوديعة استهلاكا ولم يدع المودع شيئا حتى صالحه ثم رهنه فهلك الرهن ثم اتفقا على الهلاك هلك الرهن مضمونا بلا خلاف. وذكر محمد رحمه الله رجوع أبي يوسف رحمه الله عن هذا القول إلى قول محمد رحمهما الله تعالى وهو الصحيح، وهذا بناء على أن هذا الصلح لا يجوز في قوله أولا وفي قوله الآخر يجوز وهو قول محمد. وجه قوله الاول أن البراءة أن الضمان تثبت بقول المودع كان الصلح باطلا، ووجه قوله الآخر

[ 435 ]

مذكور فيه وقوله مضمون. قال في العناية: قيل ذكر مضمون للتأكيد، وقيل احترازا عن دين يجب كالرهن بالدرك وهو ضمان الدرك عند استحقاق المبيع. ولم يتعرض المؤلف لمسألة القلب قال في المبسوط: رهن قلب فضة على أن يقرضه درهما فهلك قبل أن يقرضه يعطيه درهما لانه مقبوض على جهة الرهن والمقبوض بجهة الرهن كالمقبوض على حقيقة الرهن كالمقبوض على سوم الشراء. قال على أن أقرضه شيئا ولم يسم شيئا فهلك يعطيه ما شاء لانه بالهلاك صار مستوفيا شيئا فصار كأنه عند الهلاك. قال وجب لفلان علي شئ ولو قال امسكه رهنا بنفقة تعطيها إياه لانه يصير مستوفيا مالا مجهولا بالهلاك، ولو قال أمسكه رهنا بدراهم بلزمه ثلاثة لان أقل الجمع ثلاثة كما لو قال لفلان علي دراهم. وفي المنتقي: ولو رهنه رهنا على أن يقرضه ولم يسم القرض قال يعطيه المرتهن ما شاء، فإن قال أعطيك فلسا قال محمد رحمه الله تعالى: لا أستحسن أقل من درهم لانه مقبوض على سوم الرهن ولا تسمية في القرض فلا يمكن اعتبار قيمته إذ لا تقدير في القرض فيعطيه ما شاء لان الابهام جاء من قبله ولا يصدق في أقل من درهم لان العادة لم تجر في اقتراض أقل من درهم، وهذه المسألة المذكورة في عيون مسائل لابي الليث أيضا. وذكر المعلى عن أبي يوسف رحمهما الله تعالى: لو قال رجل اقرضني وخذ هذا الرهن ولم يسم القرض فأخذ الرهن فضاع ولم يقرضه قال: عليه قيمة الرهن. ولو رهن ثوبا فقال أمسكه بعشرين درهما فهلك الثوب عند المرتهن قبل أن يعطيه شيئا فعليه قيمة الثوب إلا أن تجاوز قيمته عشرين لان الرهن مضمون بأقل من قيمته ومن الدين. رهن دابتين على أن يقرضه مائة وقيمة أحدهما خمسون والاخرى ثلاثون فقبض وقبض التي قيمتها خمسون فهلكت برد خمسين لانه مضمون بالقيمة لا بالمسمى كالمقبوض بجهة البيع فإن بدا له أن يأخذ الاخرى ويقرضه له ذلك ولا يجبر على القرض لان الرهن لازم من في جانب الراهن، فما شرط على الراهن في الرهن يكون لازما وفي حق المرتهن غير لازم، فاشرطه على المرتهن لا يكون لازما والقرض مشروط على المرتهن فيكون لازما في حقه. ولو هلكت إحداهما عند الراهن واختلفا في قيمة التي هلكت عند المرتهن فالقول للمرتهن لان الراهن يدعي على المرتهن زيادة ضمان وهو ينكر، فإن بقيت إحداهما ينظر إلى قيمة الباقي فتظهر قيمة الهالك فلا يلتفت إلى اختلافهما لانه أمكن معرفة ما وقع التنازع فيه لا من جهتهما. ابن رستم عن محمد رحمهما الله تعالى: رجل رهن رجلا ثوبا فقال له إن لم أعطك كذا وكذا فهو بيع لك بما لك علي قال: لا يجوز وقوله عليه الصلاة والسلام لا يعلق الرهن هو هذا. ولو رهن الغاصب بالمغصوب رهنا والمغصوب قائم في يده وهو مقر به ثم رده على المغصوب منه ثم هلك الرهن عند المرتهن فالمغصوب منه ضامن الاقل من قيمة المغصوب وقيمة الرهن لان أخذه على جهة الضمان وليس يكون المغصوب دينا يدفع به رهنا ولكنه لما رهنه صار رهنا وإن لم يكن

[ 436 ]

صحيحا. ولو أختلف الراهن والمرتهن في قمية الرهن بعد هلاكه فالقول للمرتهن والبينة للراهن لان الراهن يدعي عليه زيادة وهو ينكر فكانت بينته أكثر إثباتا. ادعى عبدا في يد غيره أنه عبده رهنه من فلان وقبضه فلان وذو اليد يقول هو عبد لي يقضى للمدعي لان ذا اليد انتصب خصما للمدعي لانه ادعى الملك لنفسه ويوضع على يدي عدل حتى يحضر الغائب بخلاف ما لو أقر بالملك للغائب فقد أقر أنه ليس له حق الامساك لانه يتصور أن يكون ممسكا لملك الغير بحكم النيابة. ولو ادعى المرتهن هذا والرهن غائب يدفع إليه إذا قال غصبه ذو اليد وأخذتها مني بعارية أو إجارة لانه ادعى فعلا على ذي اليد وأنكر ذو اليد فينصب خصما له، فلو لم يدع على ذي اليد الاخذ من يده لا يدفع إليه لانه لم ينبت الاخذ من يده كما لو ادعى عينا في يد إنسان أنها ملكه اغتصبها منه وأقام ذو اليد البينة على أنها وديعة عند لفلان تقبل بينة المدعي لانه ادعى فعلا عليه فانتصب خصما له، فإن لم يدع الاخذ من يده لا تقبل بينته ولا ينتصب خصما فكذا هذا. أقر المرتهن أن في يده رهنا قيمته ألف ثم جاء بما يساوي مائة فقال لم أرهنك هذا فالقول له إذا تراجع سعر ما يساوي ألفا إلى مائة فالقول للمرتهن لانه إذا عرف تغيير السعر فالظاهر شاهد للمرتهن. ولو قال رهنتك وهو مسلم وقال المرتهن وهو كافر فالقول للمرتهن والبينة الراهن، وكذلك القصاص والسرقة لان الراهن يدعي عليه الايفاء أو زيادة الايفاء وهو ينكر فيكون القول له. قال المرتهن أخذت المال ورددت الرهن وأنكر الراهن الرد فالبينة للراهن لان بينة الرهن تثبت الضمان على المرتهن لان ضمان الرهن والاستيفاء لم يكن ثابتا بالقبض السابق لان قبض الرهن قلب الهلاك كان استيفاء في حق الحبس لا في حق ملك الغير وبالهلاك يصير قبض الاستيفاء في حق ملك الغير فلم يكن ضمان الاستيفاء ثابتا قبل الهلاك فكانت بينته مثبتة الضمان وبينة الراهن نافية فكانت المثبتة أولى بخلاف ما لو أقام الغاصب البينة على رد المغصوب وأقام المالك البينة على الهلاك فبينة الغاصب أولى لان ضمان الرد كان واجبا بالغصب السابق لانه أوجب رد العين حال قيامها ورد القيمة حال هلاكها، فبينة الغاصب مثبتة البراءة عن الضمان وبينة المالك نافية للبراءة فكانت المثبتة أولى. دفع إلى آخر قلبا ليرهنه له عند رجل بعشرة ووزن القلب عشرون فأمسكه فأعطاه عشرة من عنده وقال رهنته ولم يقل رهنته عند آخر فهلك القلب، فإن تصادقا يرجع بالعشرة وكان أمينا في القلب، وإن تجاحدا فقال أقررت بأنك رهبته فلا شئ له يقبل قوله بعد أن يحلف ما يعلم أنه أمسكه لان الوكيل أقر أولا أنه رهنه، فإذا قال لم أرهن فكأنه قال كذبت فيما أقررت به فأنكر المقر له فيكون القول للمقر له كما في سائر الاقارير فلا يرجع بالعشرة لانه يثبت الرهن وقد هلك فصار الآمر موفيا العشرة بهلاك الرهن. وإنما يستحلف لان المقر ادعى ما بحتمله إقراره لانه يحتمل أنه لم يرهن غيره ورهنه من نفسه فلم يصر مناقضا إلا أنه خلاف الظاهر، فإذا طلب يمين المقر له يستحلف كما لو أقر بالبيع ثم

[ 437 ]

[ الراهن بدينه ويحبسه به ويؤمر المرتهن بإحضار رهنه والراهن بإداء دينه أو لا فإن كان ] قال كان تلجئة أو كان فيه خيار شرط، فإن قال الآمر للوكيل أقررت أنك رهنته ثم أقررت أنك لم ترهنه فناقضت فأنت ضامن فله أن يضمنه قيمة القلب من الذهب ويضمن له العشرة، طعن عيسى وقال: الاوجه ضمان القيمة لانهما لو تصادقا أنه لم يرهنه لا يضمن فكذلك إذا تصادقا أنه رهنه فإنه لا يضمن بالارهان ولا يتركه. والجواب أنه يضمن بجحود الامانة لانه ثبت جحوده بالاقرارين لانه لما قال رهنته فقد أقر أنه لم يكن في يده لان الرهن لا يتم إلا بالتسليم، فلما قال لم أرهنه صار قائلا أنه كان عندي وفي يدي وهذا هو معنى الجحود ومن جحد أمانة في يده ضمنها وصار كالمودع إذا قال ليس عندي ثم قال كان عندي ضمن فكذا هذا. قال رحمه الله: (وله أن يطالب الراهن بدينه ويحبسه به) أي للمرتهن أن يطالب الراهن بدينه وبحبسه به وإن كان بعد الرهن في يده لان حقه باق والرهن لزيادة الصيانة فلا تمتنع المطالبة، وكذا لا يمتنع الحبس به لانه جزاء الظلم وهو المماطلة على ما بيناه في القضاء مفصلا. وقال الكرخي في مختصره: وللمرتهن مطالبة الراهن بدينه إذا كان مالا ولا يمنعه الارتهان به من ذلك ولا كون الرهن في يده، وكذلك إذا كان مؤجلا وحل فإنه لا يمنع حبسه، كذا في العيني على الهداية قال رحمه الله: (ويؤمر المرتهن بإحضار رهنه والراهن بإداء دينه أو لا) أي إذا طلب المرتهن دينه يؤمر بإحضار الرهن أولا ليعلم أنه باق ولانه قبض الرهن قبل الاستيفاء، ولا يجوز أنه يقبض ماله مع قيام يد الاستيفاء لانه يؤدي إلى تكرار الاستيفاء على اعتبار الهلاك في يد المرتهن وهو يحتمل، ولو قال بإحضار رهنه لو في يده لكان أولى ليخرج ما إذا كان في يد عدل فإنه لا يؤمر بإحضاره كما سنبين، وإذا أحضر المرتهن الرهن أمر الراهن بتسليم الدين أولا وهو المراد بقوله والراهن بإداء دينه أولا ليتعين حق المرتهن في الدين كما تعين حق الراهن في حق الرهن تحقيقا للتسوية بينهما كما في تسليم المبيع والثمن يحضر البائع المبيع ثم يسلم المشتري الثمن الاول لما ذكرنا. وإن طالبه بالدين في غير البلد الذي وقع العقد فيه، فإن كان الرهن لا حمل له ولا مؤنة فكذلك الجواب لان الاماكن كلها في حقه كبقعة واحدة في حق التسليم ولهذا لا يشترط فيه بيان مكان الايفاء فيه في باب السلم بالاجماع، وإن كان له حمل ومؤنة فيستوفي دينه ولا يكلف إحضار الرهن لان الواجب عليه التسليم بالتخلية دون النقل لانه يتضرر به زيادة ضرر لم تلزمه في العقد. ولو باع الرهن لا يكلف المشتري إحضار الرهن لانه لا قدرة له عليه لان بيعه بأمر الراهن صحيح وصار الرهن دينا فصار كأنه رهنه الراهن وهو دين. ولو قبض الثمن يكلف إحضاره لقيام البدل مقام المبدل والذي يقبض الثمن هو البائع، مرتهنا كان أو عدلا، لانه هو العاقد وحقوق العقد ترجع إليه ويكلف إحضار الرهن باستيفاء كل الدين

[ 438 ]

[ الرهن في يد المرتهن لا يمكنه من البيع حتى يقبض الدين فإذا قضى سلم الرهن ولا ينتفع المرتهن بالرهن استخداما وسكنى ولبسا وإجارة وإعارة ويحفظ بنفسه وزوجته ] يكلف باستيفاء نجم قد حل إذا ادعى الراهن هلاكه لاحتمال الهلاك بخلاف ما إذا لم يدع الراهن هلاكه لانه لا فائدة في إحضاره مع إقراره. وهذا بخلاف ما إذا قتل رجل خطأ العبد الرهن حتى قضى بالقيمة على عاقلته في ثلاث سنين حيث لا يجبر الراهن وفيما تقدم صار دينا بفعله ولا بد من إحضار جميع القيمة لانه يقوم مقام العين لكونها بدلا عنها. ولو وضع الرهن على يد عدل وأذن بالايداع ففعل ثم جاء المرتهن فطلب دينه لا يكلف إحضاره لانه لم يؤتمن عليه حيث وضع على يد غيره فلم يكن تسليمه في قدرته، وكذا لو وضعه العدل في يد من في عياله وغاب وطلب المرتهن دينه والذي في يده الرهن يقر بالوديعة من العدل ويقول لا أدري لمن هو يجبر الراهن على قضاء الدين لان إحضار الرهن ليس على المرتهن لانه لم يقبض، وكذا إذا غاب العدل ولا يدري أين هو لما قلنا بخلاف ما إذا جحد الذي أودعه العدل الرهن بأن قال هو مالي حيث لا يرجع المرتهن على الراهن بشئ حتى يثبت أنه رهن لانه لما جحد فقد توى المال والتوي على المرتهن فتحقق الاستيفاء فلا يملك المطالببه. وفي الفتاوي الغياثية: ولو رهن الذمي خمرا عند مسلم كان مضمونا عليه بالدين اه‍. وفي الينابيع: لو تزوج امرأة على دراهم أو دنانير بعينها وأخذ بها رهنا لم يصح عندنا خلافا لزفر. قال رحمه الله: (فإن كان الرهن في يد المرتهن لا يمكنه من البيع حتى يقبض الدين) أي لو أراد الراهن أن يبيع الرهن لكي يقضي بثمنه الدين لا يجبر المرتهن أن يمكنه من البيع حتى يقبض الدين لان حكم الرهن الحبس الدائم إلى أن يقضي الدين لا القضاء من ثمنه على ما بينا من قبل، فلو قضاه البعض فله أن يحبس كل الرهن حتى يستوفي البقية كما في حبس المبيع. قال رحمه الله: (فإذا قضى سلم الرهن) أي إذا قضى الراهن جميع الدين سلم المرتهن الرهن إليه لزوال المانع من التسليم لوصول حق المرتهن إليه، فلو هلك الرهن بعد قضاء الدين قبل تسليمه إلى الراهن استرد الراهن ما قضاه من الدين لانه تبين بالهلاك أنه صار مستوفيا من وقت القبض السابق فكان الثاني استيفاء بعد استيفاء فيجب رده. وهذا لانه بإيفاء الدين لا ينفسخ الرهن حتى يرده إلى صاحبه فيكون مضمونا على حاله بعد قضاء الدين ما لم يسلمه إلى الراهن أو يبرئه المرتهن عن الدين، وكذا لو فسخا الرهن لا ينفسخ ما دام في يده حتى كان للمرتهن أن يمنعه بعد الفسخ حتى يستوفي دينه. ولو هلك بعد الفسخ يكون كما لو هلك قبله فيكون هالكا بدينه بخلاف ما إذا هلك بعد الابراء حيث لا يضمن استحسانا لانه لم يبق رهنا لان بقاءه رهنا بأمرين بالقبض والدين، فإذا مات أحدهما لم يبق رهنا وقد قدمناه مفصلا. قال رحمه الله: (ولا ينتفع المرتهن بالرهن استخداما وسكنى ولبسا وإجارة وإعارة) لان الرهن يقتضي الحبس إلى أن يستوفي دينه دون الانتفاع فلا يجوز الانتفاع إلا بتسليط منه، وإن

[ 439 ]

فعل كان متعديا ولا يبطل الرهن بالتعدي. قال في المبسوط: وليس للمرتهن أن ينتفع بالمرهون إلا بإذن الراهن فإذا أذن له جاز أن يفعل ما أذن له فيه، ولو فعل من غير إذن صار ضامنا بحكم الرهن بحكم وقابضا الغصب. وإن ترك الاستعمال عاد لكونه رهنا، ولو استعمل الرهن بإذن المرتهن فإن هلك حالة الانتفاع لم يسقط من الدين شئ لانه بالاذن صار مقبوضا بحكم العارية، وإن خالف وهلك في حال الاستعمال يضمن ضمان الغصب. وفي المنتقي: لو أودع المرتهن المرهون بإذنه وهلك في يد المودع لم يسقط الدين كما لو أعاره من غيره بإذن الراهن فقد خرج من ضمان المرتهن وله أن يسترده لان الرهن عقد قائم ولكن حكمه وهو الضمان مرتفع في زمان الايداع لما بينا. ولو أجره من أجنبي سنة بغير إذن الراهن وانقضت السنة ثم أجاز الراهن الاجارة لم تصح لان الاجارة لاقت عقدا منتفيا مفسوخا وللمرتهن أن يأخذها حتى يصر رهنا كما كان، وإن أجاز بعد مضي ستة أشهر جاز ونصف الاجر للمرتهن يتصدق به ونصفها للراهن، وليس للمرتهن أن يعيدها في الرهن كما بينا. وذكر أبو الليث في العيون: ولو أعار المرتهن من الراهن ثم مات الراهن فإنه يرجع إلى المرتهن ولا يكون أسوة الغرماء لان الرهن لم ينفسخ بالاعارة فيكون الرهن في يد المستعير لكونه في يد المعير فكان مقبوضا له، وبالموت انفسخت الاعارة فعادت يد المرتهن كما كانت. ولو ارتهن جارية ثم أعارها الراهن فولدت عند الراهن ثم ماتت فللمرتهن أن يعيد الولد بحصته لان الرهن لم ينتقض بإعارة الرهن من الراهن فيسري إلى الولد والله تعالى أعلم. وفي المنتقي: وإذا كان الرهن ثوبا فأذن له الراهن في لبسه يوما ثم جاء به متخرقا فقال المرتهن تخرق من لبسه من ذلك اليوم فقال الراهن لم يتخرق من لبسك ولم تلبسه فالقول قول الراهن لان المرتهن ادعى البراءة عن الضمان لاستعمال الثوب بإذن الراهن وهو ينكر فيكون القول له، فإذا أقر الراهن أنه لبسه في ذلك اليوم وتخرق قبل لبسه أو بعده فالقول قول المرتهن أنه تخرق من لبسه والبينة بينة الراهن لان الظاهر شاهد للمرتهن لان فعله وهو اللبس سبب التخرق ظاهرا وغير موهوم فيه في حال التخرق في السبب الظاهر دون الموهوم والله تعالى أعلم. ولم يتعرض المؤلف للسعر بالعين المرهونة ولا لما إذا أعير الرهن للمرتهن قال في الغياثية: وللمرتهن أن يسافر بالرهن إذا كان له حمل ومؤنة أو لم يكن. وعن محمد أنه كالوديعة رهن المرتهن وارتهانه موقوف ولو رهن عبدا مريضا فقتل فالدين على حاله خلافا لهما، وكذا إذا قتل قصاصا بعمد أو بسرقة ويصدق المرتهن أنه كان هكذا، ولو احترق النخل ذهب بحصته. وفي الخانية: رهن عبدا وغاب ثم إن المرتهن وجد العبد حرا، فإن كان العبد أقر بالرق عند الرهن لم يرجع المرتهن بدينه عليه. أخذت المرأة بصداقها المسمى رهنا يساوي صداقها ثم وهبت صداقها من الزوج أو أبرأته كان عليها رد الرهن إلى الزوج، فإن هلك الرهن عندها يهلك بغير شئ، ولو اختلعت المرأة من زوجها بعدما وهبت مهرها كان عليها

[ 440 ]

[ وولده وخادمه الذى في عياله وضمن بحفظه بغيره وبإيداعه وتعديه قيمته وأجرة بيت ] رد الرهن ولا يبطل الرهن بموت الراهن ولا بموت المرتهن ولا بموتهما وبقي الرهن رهنا عند الورثة وسيأتي له مزيد بيان. قال رحمه الله: (ويحفظ بنفسه وزوجته وولده وخادمه الذي في عياله) معناه أن يكون الولد أيضا في عياله لان عينه أمانة على ما بينا فصار كالوديعة وأجيره الخاص كولده الذي في عياله وهو الذي استأجره مشاهرة أو مساهنة والمعتبر فيه المساكنة ولا عبرة بالنفقة حتى إن المرأة لو دفعته إلى زوجها لا تضمن. قال في المنتقي: الاصل أن المرتهن أو المستأجر متى أمسك العين للحفظ لا يضمن، ومتى أمسكها للاستعمال يضمن، فالحد الفاصل بينهما هو أنه متى أمسك الشئ في موضع لا يمسك فيه إلا للاستعمال والانتفاع في ذلك الموضع فهو استعمال، وإذا أمسكه في موضع لا يمسكه فيه للاستعمال فهو حفظ، فلى هذا قالوا: إذا تسورت بالخلخال أو تخلخلت بالسوار أو تعمم بالقميص أو وضع العمامة على العاتق فهذا كله حفظ وليس باستعمال لان الاستعمال للامساك في موضع لا يمسك للاستعمال فكان الامساك للحفظ. وإذا تسور بالسوار وما أشبهه ضمن لان الامساك وجد في موضع للاستعمال فكان اسعمالا وحفظا. وروي عن محمد رحمه الله تعالى: الرهن إذا كان خاتما فتختم به في الخنصر اليمنى يضمن لان من الناس من يتختم في يمينه للزينة، وإن تختم فوق خاتم في ذلك الاصبح لا يضمن. قيل لمحمد: إن الناس يستعملون خاتمين في خنصر واحد قال: إنما يستعملونه للختم لا للزينة. قال مشايخنا: وهذا في بلادهم، وأما في