الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




البحر الرائق - ابن نجيم المصري ج 6

البحر الرائق

ابن نجيم المصري ج 6


[ 1 ]

البحر الرائق شرح كنز الرائق (في فروع الحنيفه) للشيخ الامام ابي البركات عبد الله بن احمد بن محمود المعروف بحافظ الدين النسفي المتوفى سنة 710 ه‍ والشرح " البحر الرائق " للامام العلامة الشيخ زين الدين بن ابراهيم بن محمد المعروف بابن نجيم المصري الحنفي المتوفى سنة 970 ه‍ ومعه الحواشي المسماة منحه الخالق على البحر الرائق للعلامة الشيخ محمد امين عابدين بن عمر عابدين بن عبد العزيز المعروف بابن عابدين الدمشقي الحنفي المتوفى سنة 1252 ه‍ ضبطه وخرج اياته واحاديثه الشيخ زكريا عميرات تنبيه وصفنا متن كنز الدقائق في اعلى الصفحات، ووضفنا اسفل منه مباشره نص " البحر الرائق " ووصفنا في اسفل الصفحات حواشي الشيخ ابن عابدين الجزء السادس منشورات محمد علي بيضون دار الكتب العلمية بيروت - لبنان

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم باب خيار الشرط باب خيار الشرط من إضافة الشئ إلى سببه لان الشرط سبب للخيار. وفي المصباح: الخيار الاختيار. وفسره في فتح الباري بالتخيير بين الامضاء والفسخ وهو ثابت بالنص على غير القياس وحين ورد النص به جعلناه داخلا على الحكم مانعا له تقليلا لعمله بقدر الامكان، ولم نجعله داخلا على أصل البيع للنهي عن بيع بشرط والبيع الذي شرط فيه الخيار يقال فيه علة اسما ومعنى لا حكما، للخالي عنه علة اسما ومعنى وحكما. قال أهل الاصول: الموانع خمسة: مانع يمنع انعقاد العلة وهو حرية المبيع فلم ينعقد في الحر لعدم المحل، ومانع يمنع تمامها كبيع مال الغير، ومانع يمنع ابتداء الحكم وهو خيا الشرط، ومانع يمنع تمامه كخيار الرؤية للمشتري، ومانع يمنع لزومه كخيار العيب. وقد حققنا في شرحنا على المنار أن تقسيمهم الموانع مبني على قول ضعيف للاصوليين وهو جواز تخصيص العلل، وأما على الصحيح من أنه لا يجوز تخصيصها فلا مانع لها أصلا ففي كل موضع عدم الحكم فإنما هو لعدم الغلة فتخلف الملك مع شرط الخيار إنما هو لعدم العلة لانها البيع بلا خيار، وقولهم فيما فيه خيار علة اسما ومعنى لا حكما مجاز على الصحيح لان الموجود فيه شرط العلة لا كلها لاهلها لا تتم إلا بأوصاف ثلاثة: أن تكون موضوعة، وأن تكون مؤثرة، وأن يوجد الحكم عقبها بلا تراخ. فما دام الخيار باقيا لم تتم العلة فإذا سقط تمت وتمامه في تقرير الاكمل في بحث تقسيم العلل إلى سبعة. والخيارات في البيع لا تنحصر في الثلاثة كما قدمناه بل هي ثلاثة عشر خيارا. والرابع خيار الغبن وسنتكلم عليه في المرابحة حيث ذكروه هناك. والخامس خيار الكمية وقدمناه أول البيوع. والسادس خيار الاستحقا وسيأتي في باب خيار العيب. والسابع خيار كشف الحال كما قدمناه. الثامن خيار تفرق الصفقة بهلاك البعض قبل القبض

[ 4 ]

وسيأتي أيضا. والتاسع خيار إجازة عقد الفضولي. والعاشر خيار فوات الوصف المشروط المستحق بالعقد كاشتراطه الكتابة. والحادي عشر خيار التعيين. الثاني عشر في المرابحة خيار الخيانة. الثالث عشر من الخيارات خيار نقد الثمن وعدمه كما يأتي في هذا الباب. قوله: (صح للمتبايعين أو لاحدهما ثلاثة أيام) أي جاز للبائع وللمشتري معا أو لاحدهما في المدة المذكورة. والظاهر أن الضمير يعود إلى الخيار. وفي الوقاية والنقاية صح خيار الشرط فابرزه والاولى ما في الاصلاح صح شرط الخيار لان الموصوف بالصحة شرط الخيار لا نفس الخيار، والاصل في ثبوته ما وراه ابن ماجه في سننه أن حبان بن منقذ بن عمر كان رجلا قد أصابته آمة في رأسه فكسرت أسنانه وكان لا يدع على ذلك التجارة فكان لا يزال يغبن فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فقال له: إذا أنت بايعت فقل لاخلابة، ثم أنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليال فإذا رضيت فأمسك، وإن سخطت فأرددها على صاحبها. وحبان بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة، والخلابة الخداع. وفائدة قوله لا خلابة أي لا خديعة في الدين لان الدين النصيحة وللاعلام بأنه ليس من ذوي البصائر بالسلع فالواجب نصيحته فلا تخدعوه بشئ اعتمادا على معرفته بل انصحوه لانه ليس عالما بها، كذا في فتح الباري. والآمة شجة تصيب أم الرأس وكان حبان ألثغ باللام فكان يقول لا خذابه فقوله إذا بايعت شامل للبائع والمشتري وبه اندفع قول سفيان الثوري أنه لا يجوز إلا

[ 5 ]

للمشتري عملا بحديث الحاكم فجعل له الخيار فيما اشتراه ولانه إنما جاز للحاجة إلى دفع الغبن بالتروي وهما فيها سواء. وفي الخانية: إذا شرط الخيار لهما لا يثبت حكم العقد أصلا اه‍. وقيد بقوله للمتبايعين الدال على أن الشرط كان بعد العقد أو مقارنا له للاحتراز عما إذا كان قبله، فلو قال جعلتك بالخيار في البيع الذي نعقده ثم اشترى مطلقا لم يثبت كما في التتارخانية. وأطلقه فشمل البيع الفاسد فهو كالصحيح يثبت فيه خيار الشرط ولما كان خلاف الاصل فإذا اختلفا في اشتراطه فالقول لمن أنكره عند الامام في ظاهر الرواية. وعند محمد: القول لمدعيه والبينة للآخر، كذا في الخانية. وشمل ما إذا شرطاه وقت العقد أو ألحقاه به فلو قال أحدهما بعد البيع ولو بأيام جعلتك بالخيار ثلاثة أيام صح إجماعا، فلو شرطاه بعده أزيد من الثلاثة فسد العقد عنده خلافا لهما كما لو ألحقا بالبيع شرطا فاسدا فإنه يلتحق ويفسد العقد عنده، وعندهما لا يفسد ويبطل الشرط. وفي جامع الفصولين: هو يصح في ثمانية أشياء: في بيع وإجارة وقسمة وصلح عن مال بعينه وبغير عينه وكتابه وخلع وعتق على مال لو شرط للمرأة والقن. ولو شرط الخيار للراهن جاز للمرتهن إذ له نقض الرهن متى شاء بخيار ولو كفل بنفس أو مال وشرط الخيار للمكفول له أو للكفيل جاز اه‍. ويصح شرط الخيار في الابراء بأن قال أبرأتك على أني بالخيار، ذكره فخر الاسلام من بحث الهزل. ويصح أيضا اشتراطه في تسليم الشفعة بعد طلب المواثبة ذكره فيه أيضويصح اشتراطه في الحوالة أيضا وفي الوقف على قول أبي يوسف، وينبغي صحته في المزارعة والمعاملة لانها إجارة فهي خمسة عشر موضعا. ولا يصح في النكاح والطلاق واليمين والنذر والاقرار بعقد والصرف والسلم والوكالة. علله قاضيخان بأنه إنما يدخل في لازم يحتمل الفسخ.

[ 6 ]

وفي الولوالجية: اشترى عبدا واشترط أن للمشتري خيار يومين بعد شهر رمضان والشراء في آخر رمضان فهو جائز ويكون له الخيار ثلاثة أيام واليوم الآخر من رمضان ويومين بعده لانه سكت عن الخيار يوم العقد وأمكن تصحيح هذا العقد، ولعل تصحيح هذا العقد باشتراط الخيار يوم العقد ويومين بعد رمضان. ولو قال البائع للمشتري لا خيار لك في رمضان فالبيع فاسد لانه تعذر تصحيح العقد اه‍. وفي فتح القدير: لو قال له أنت بالخيار فله خيار المجلس فقط، ولو قال إلى الظهر فعند أبي حنيفة يستمر إلى أن يخرج وقت الظهر، وعندهما لا تدخل الغاية اه‍. وكذا إلى الليل أو إلى ثلاثة أيام يدخل ما بعد إلى. وشمل ما إذا شرطاه في كل المبيع أو بعضه لما في السراجية: اشترى مكيلا أو موزونا أو عبدا وشرط الخيار له في نصفه أو ثلثه أو ربعه جاز مذكورة في الزيادات اه‍. وسيأتي حكم ما إذا كان المبيع متعددا فجعل الخيار في البعض وهو خيار التعيين. وفي التتارخانية: وإذا اشترطه المشتري له في الثمن أو في المبيع كان له الخيار فيهما اه‍. ولو اشترى عبدا بألف درهم على أن المشتري بالخيار فأعطاه بها مائة دينار ثم فسخ البيع، فعن أبي يوسف الصرف جائز ويرد الدراهم والصرف باطل على قول أبي حنيفة، كذا في التتارخانية. فإن قلت: قد صرح فيه أنه لو أطلق الخيار فسد البيع ولا شك أن قوله أنت بالخيار أو لك الخيار إطلاق فما التوفيق قلت: قد صور في الولوالجية والخلاصة مسألة أنت بالخيار أنه باع بلا خيار ثم لقيه بعد مدة فقال له أنت بالخيار فه الخيار ما دام في المجلس بمنزلة قوله لك الاقالة بخلاف ما إذا أطلقاه وقت العقد. وفي الخانية: ابتداء التأجيل في البيع بثمن مؤجل بخيار من وقت سقوطه لا من وقت العقد، سواء كان الخيار للبائع أو للمشتري، وللشفيع الطلب وقت العقد حيث علم لا وقت السقوط ويطلب في بيع الفضولي وقت الاجازة، في البيع الفاسد حين انقطاع الاسترداد، وفي الهبة بشرط العوض روايتان في رواية يطلب عنه القبض، وفي رواية عند العقد وهو الصحيح. ولو كان الخيار للبائع فصالحه المشتري على معين لامضاء البيع صح ويكون زيادة في الثمن، وكذا لو كان الخيار للمشتري فصالحه البائع على إسقاطه فحط عنه من الثمن كذا أو زاده عرضا جازاه، فلو صالحه البائع على إبطال البيع ويعطيه مائة ففعل انفسخ البيع ولا شئ له كذا في التتارخانية. وأطلق في المتبايعين فشمل الاصيل والنائب فصح للوكيل والوصي كما في الخانية. ولو أمره ببيع مطلق فعقد بخيار له أو للآمر أو لاجنبي صححاه، ولو أمره ببيع بخيار للآمر فشرط لنفسه لا يجوز وإن كان اشتراط الخيار لنفسه اشتراطا للآمر لان الآمر إذا أمره ببيع لا يكون للمأمور فيه رأي وتدبير ويكون للآمر كله وفيما فعله يكون له رأي ويكون للآمر بطريق التبعية فيكون مخالفا. ولو أمره بشراء بخيار

[ 7 ]

للآمر فاشتراه بدون الخيار نفذ الشراء عليه دون الآمر للمخالفة بخلاف ما إذا أمره ببيع خيار فباع باتا حيث يبطل البيع أصلا، كذا في الولوالجية. فإن قلت: هل يصح تعليق إبطاله وإضافته؟ قلت قال في الخانية: لو قال من له الخيار إن لم أفعل كذا اليوم فقد أبطلت خياري كان باطلا ولا يبطل خياره، وكذا لو قال في خيار العيب إن لم أرده اليوم فقد أبطلن خياري ولم يرده اليوم لا يبطل خياره، ولو لم يكن كذلك ولكن قال أبطلت غدا أو قال أبطلت خياري إذا جاء غد فجاء غد ذكر في المنتقى أنه يبطل خياره. قال: وليس هذا كالاول لان هذا وقت يجئ لا محالة بخلاف الاول اه‍. فقد سووا بين التعليق والاضافة في المحقق مع أنهم لم يسووا بينهما في الطلاق والعتاق. وفي التتارخانية: لو كان الخيار للمشتري فقال إن لم أفسخ اليوم فقد رضيت وإن لم أفعل كذا فقد رضيت لا يصح اه‍. قوله: (ولو أكثر لا) أي لا يصح اشتراط أكثر من ثلاثة أيام عند أبي حنيفة. وقالا: يجوز إذا سمى مدة معلومة لحديث ابن عمر أنه عليه السلام أجاز الخيار إلى شهرين. وله أنه مخالف لمقتضى العقد وهو اللزوم ثبت نصا على خلاف القياس في المدة المذكورة للتروي وهو يحصل فيها فلا حاجة إلى ما زاد عليها، ويدل عليه حديث عبد الرزاق أن رجلا اشترى من رجل بعيرا وشرط عليه الخيار أربعة أيام فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيع. وأما حديث ابن عمر فلم يعرف ولانه جزء الدعوى لانها جوازه أكثر من ثلاثة أيام، طالت المدة عنده أو قصرت وهو يقيد بمدة خاصة ولانه يحتمل خيار الشرط وخيار الرؤية والعيب فلا يكون حجة واطلاق المدة عنده كاشتراط الاكثر في عدم الجواز وإفساد البيع. ولو قال المؤلف ولو أكثر أو مؤبدا أو مطلقا أو موقتا بوقت مجهول لكان أولى لان البيع فاسد في هذه كلها كما في التتارخانية. وهكذا إذا كان المبيع مما لا يتسارع إليه الفساد، فإن كان مما يتسارع فحكمه في الخانية قال: اشترى شيأ يتسارع إليه الفساد على أنه بالخيار ثلاثة أيام فالقياس لا يجبر المشتري على شئ. وفي الاستحسان يقال للمشتري إما أن تفسخ البيع وإما أن تأخذ المبيع ولا شئ عليك من الثمن حتى تجيز البيع أو يفسد المبيع عندك دفعا للضرر من الجانبين وهو نظير ما لو ادعى في يد رجل شراء شئ يتسارع إليه الفساد كالسمكة الطرية وجحد المدعى عليه وأقام المدعي

[ 8 ]

البينة ويخا ف فسادها في مدة التزكية فإن القاضي يأمر مدعي الشراء أن ينقد الثمن ويأخذ السمكة، ثم القاضي يبيعها من آخر ويأخذ ثمنها ويضع الثمن الاول والثاني على يد عدل، فإن عدلت يقضي لمدعي الشراء بالثمن الثاني ويدفع الثمن الاول للبائع، ولو ضاع الثمنان عند العدل يضيع الثمن الثاني من مال مدعي الشراء لان بيع القاضي كبيعه، وإن لم تعدل البينة فإنه يضمن قيمة السمكة للمدعى عليه لان البيع لم يثبت وبقي أخذ مال الغير بجهة البيع فيكون مضمونا عليه بالقيمة اه‍. وفي الظهيرية: ولو اشترى بيضا أو كفريا على أن البائع بالخيار فخرج الفرخ أوصار الكفري ثمرا بطل البيع لانه لو بقي لبقى مع الخيار، ولو بقي معه لم يقدر البائع على إجازته، وإن أبى المشتري لكون المبيع صار شيأ آخر. ولو باع قصيلا فلم يقبضه حتى صار حبا يبطل البيع في قول أبي حنيفة، وفي قول أبي يوسف لا يبطل اه‍. وفي الخانية: اشترى شيأ في رمضان على أنه بالخيار ثلاثة أيام بعد شهر رمضان فسد العقد في قول أبي حنيفة لان عنده ما قبل الشهر يكون داخلا في الخيار فيصير بمنزلة شرط الخيار أربعة أيام فيفسد العقد عنده. وقال محمد: له الخيار في رمضان وثلاثة أيام بعد رمضا ويجوز البيع، وكذا لو كان الخيار للبائع على هذا الوجه. ولو شرط المشتري على البائع فقال لا خيار لك في رمضان ولك الخيار ثلاثة أيام بعد مضي رمضان فسد البيع چ‍ عند الكل لانه لا وجه إلى تصحيح هذا العقد اه‍. والاجارة كالبيع. قال في البزازية: استأجر على أنه بالخيار ثلاثة أيام يجوز وعلى أكثر على الخلاف اه‍. وفي آخر إجارات الذخيرة قبيل الشفعة: اشتراط الخيار في غير العقد لا يفسده وإن زاد على الثلاثة اجماعا اه‍. فهذا مما خالف فيه الاجارة البيع فإنهما إذا شرطاه بعد العقد أكثر من ثلاثة فسد البيع كما قدمناه. وأما اشتراطه في الخلع فقدمنا في بابه أنه يصح اشتراطه لها أكثر من ثلاثة أيام عنده، ويصح اشتراطه في الكفالة أكثر من ثلاثة ويصح اشتراطه للمحتال وهما في البزازية. وأما اشتراطه في الوقف فجائز عند أبي يوسف بناء على أصله من اشتراط الغلة لنفسه ولما أفتوا بقوله هناك فينبغي أن يفتى به أيضا في جواز اشتراطه وقدمناه في الوقف. وفي المعراج: خذه وانظر إليه اليوم فإن رضيته أخذته بعشرة فهو خيار. ولو باع على أن له أن يغله ويستخدمه جاز وهو على خياره، وعلى أن يأكل من ثمره لا يجوز لان الثمر له حصة من الثمن اه‍. وفي الذخيرة: وكذلك لو قال هو بيع لك إن شئت اليوم كان بيعا بخيار. قوله: (فإذا أجاز في الثلاث صح) لزوال المفسد قبل تقرره فانقلب صحيحا، والضمير يعوإلى من له الخيار. وقد اختلفوا في صفة العقد فقيل انعقد فاسدا ثم يعود صحيحا بزوال المفسد وهو قول العراقيين، وعند الخراسانيين موقوف على إسقاط الشرط فبمضي جزء من

[ 9 ]

الرابع يفسد فلا ينقلب صحيحا، وهذا الطريق هي الاوجه واختارها الامام السرخسي وفخر الاسلام وغيرهما من مشايخ ما وراء النهر كما في الفوائد الظهيرية والذخيرة ولكن الاول ظاهر الرواية. وفي الخانية: فإن أسقط الخيار في الايام الثلاثة أو أعتق العبد أو مات العبد أو المشتري أو أحدث به ما يوجب لزوم البيع ينقلب البيع جائزا في قول أبي حينفة ويلزمه الثمن. وإن حدث عند المشتري في الايام الثلاثة عيب إن كان عيبا يحتمل زواله في مدة الخيار كالمرض لا يبطل خياره إلا أنه لا يملك الرد قبل زوال العيب، وإن حدث به ما لا يحتمل الزوال لزمه البيع اه‍. وفي المعراج: لو شرط الخيار أبدا أو مطلقا أو موقتا بوقت مجهول فسد بالاجماع، وأما في أربعة أيام ونحوها فكذلك عند أبي حنيفة. ولو كان الخيار إلى قدوم فلان أو إلى هبوب الريح فأسقطاه لم يجز البيع عند أبي يوسف. ولو شرط الخيار لنفسه بعد شهر جاز عند أبي يوسف في الشهر وله الخيار بعده يوما، كذا في المجتبي. ولم أرهم ذكروا للاختلاف السابق ثمرة وينبغي أنه لو كان عبدا فأعتقه قبل قبضه لم يصح على القول بانعقاده فاسدا، ويصح على القول بالوقف، وظاهر الخانية أنه ينقلب جائزا بالاعتاق فلم تظهر الثمرة. ويمكن أن يقال: تظهر في حل مباشرته وحرمتها كما لا يخفي. وفي الاسبيجابي: الاصل عند أصحابنا الثلاثة أن الفساد على ضربين: فساد قوي دخل في صلب العقد وهو البدل أو المبدل، وفساد ضعيف لم يدخل في صلب العقد وإنما دخل في شرط مستعار زائد على العقد. فالاول لا ينقلب إلى الجواز. برفع المفسد كما إذا باع بألف درهم ورطل من خبر ثم حط عن المشتري الخمر لا ينقلب إلى الجواز وأما الفساد الضعيف فكمسألة الكتاب. وأما إذا باع إلى الحصاد أو الدياس ثم أبطل صاحب الاجل الاجل أو نقد الثمن انقلب إلى الجواز ولو مضت المدة المجهولة تأكد. ومن الثاني اشتراطه في عقد السلم فإن أبطله من له الخيار قبل التفرق صح إن كان رأس المال قائما اه‍. (فرع) لا يصح تعليق خيار الشرط بالشرط فلو باعه حمارا على أنه إن لم يجاوز هذا النهر فرده يقبله وإلا لم يصح، وكذا إذا قال ما لم يجاوز به إلى الغد، كذا في القنية. قوله: (ولو باع على أنه إن لم ينقد الثمن إلى ثلاثة أيام فلا يبع صح وإلى أربعة لا) أي لا يصح يعني عندهما. وقال محمد: يجوز إلى ما سمياه. والاصل فيه أن هذا في معنى اشتراط الخيار إذ الحاجة مست إلى الانفساخ عند عدم النقد تحرزا عن المماطلة في الفسخ فيكون ملحقا به فالامام رحمه الله تعالى مر على أصله في الملحق به ونفى الزيادة على الثلاثة، وكذا محمد في تجويز الزيادة، وأبو يوسف أخذ في الاصل بالاثر وفي هذا بالقياس، وفي

[ 10 ]

هذه المسألة قياس آخر وإليه مال زفروهو أنه بيع بشرط شرط فيه إقالة فاسدة لتعلقها بالشرط واشتراط الصحيح منها في‍ مفسفاشتراط الفاسد أولى، وجه الاستحسان ما بينا، كذا في الهداية. وما ذكره من أأبا يوسف مع الامام قوله الاول وقد رجع عنه والذي رجع إليه أنه مع محمد، كذا في غاية البيان. وفي شرح المجمع: الاصح أنه مع أبي حنيفة وكثير من المشايخ حكموا على قوله بالاضطراب، وظاهر هذا الشرط أن المشتري إن لم ينقد الثمن في المدة فإن البيع ينفسخ لقوله فلا بيع بينهما ولذا قال في المحيط: وينفسخ البيع إن لم ينقل فإن كان المبيع عبدا قد أعتقه أو باعه ثم لم ينقد الثمن حتى مضت الثلاثة نفذ عتقه وبيعه لان هذا بمعنى شرط الخيار لان الاحازة والفسخ تعلقا بفعل المشتري وهو النقد في الثلاثة وترك النقد فيها، ولو أعتقه أو باعه في خيار الشرط يلزم البيع فكذا هذا. ولو أعتقه بعد مضي الثلاثة ولم ينقد الثمن لم يذكره في ظاهر الرواية. وذكر في النوادر وقال: إن كان قبل القبض لا ينفذ عتقه وبعد القبض ينفذ ويجعل البيع فاسدا بمضي ثلاثة أيام متى ترك النقد، ولم يجعله مفسوخا لان قوله إن لم أنقد إلى ثلاثة أيام فلا بيع بيننا توقيت للبيع وليس بفسخ له نصا فمتى ترك النقد في الثلاثة صار كأنه قال بعتك هذا العبد إلى ثلاثة أيام فيكون توقيتا للبيع وهو لا يقبل التوقيت فصار بمنزلة شرط فاسد فيفسد البيع اه‍. وهذا ما قاله في الفوائد الظهيرية هنا مسألة لا بد من حفظها هي أنه إذا لم ينقد الثمن إلى ثلاثة أيام يفسد البيع ولا ينفسخ حتى لو أعتقه المشتري وهو في يده نفذ لا إن كان في يد البائع اه‍. وقد علمت أنها رواية النوادر. وفي الخانية: ولو مضت الثلاثة ولم ينقده أشار في المأذون إلى أنه ينفسخ البيع، والصحيح أنه يفسد ولا ينفسخ حتى لو أعتقه بعد الايام الثلاثة نفذ إن كان في يده وعليه قيمته لا إن كان في يد البائع اه‍. والخلاف السابق فيما لو شرط الخيار أكثر من ثلاثة ثابت هنا فيفسد عنده، ويرتفع بالنقد قبل مضي اليوم الثالث على ما ذهب إليه العراقيون، وموقوف على ما ذهب إليه الخراسانيون، كذا في الذخيرة. وأشار المصنف إلى جواز هذا الشرط للبائع. وفي الذخيرة: وإذا باع عبدا ونقد الثمن على أن البائع إن رد الثمن إلى ثلاثة فلا بيع بينهما كان جائزا وهو بمعنى شرط الخيار للبائع اه‍. فإن أعتقه البائع صح إعتاقه وإن أعتقه المشتري لا يصح، كذا في الخانية. والعجب أن في مسألة الكتاب المنتفع بهذا الشرط هو البائع مع أنهم جعلوا الخيار للمشتري باعتبار أنه المتمكن من إمضاء البيع بالنقد ومن فسخه بعدمه، وفي عكسه المنتفع بهذا الشرط هو المشتري مع أنهم جعلوا الخيار للبائع باعتبار أن البائع متمكن من الفسخ إن رد الثمن في المدة ومن الامضاء إن لم يرده. وفي الذخيرة

[ 11 ]

والخانية: ولو اشترى عبدا وقبضه ثم وكل المشتري رجلا على أنه إن لم ينقد الثمن إلى خمسة عشر يوما فإن الوكيل يفسخ العقد بينهما جاز البيع لان الشرط لم يكن في البيع فيجوز البيع ويصح الشرط حتى لو لم ينقد الثمن إلى خمسة عشر يوما كان للوكيل أن يفسخ. وفي الخانية: اشترى جارية على أنه إن لم ينقد الثمن إلى ثلاثة أيام فلا بيع بينهما وقبض المشتري فباع ولم ينقد الثمن حتى مضت الايام الثلاث جاز بيع المشتري وللبائع الاول على المشتري الاول الثمن كما لو باع بشرط الخيار للمشتري ثلاثة أيام، وكذا لو قتلها المشتري في الايام الثلاثة أو ماتت أو قتلها أجنبي خطأ وغرم القيمة لزم البيع، ولو كان المشتري وطئها وهي بكر أو ثيب أو جنى عليها أو حدث بها عيب لا بفعل أحد ثم مضت الايام الثلاثة قبل أن ينقد الثمن خير البائع إشاء أخذها مع النقصان ولا شئ له من الثمن، وإن شاء ترك وأخذ ثمنها اه‍. وفي الميحط: لو قطع المشتري يدها وقبضها بعد الثلاثة ولم ينقد الثمن خير البائع إن شاء سلمها له وإن شاء أخذها ونصف الثمن. وفي التتارخانية: لو قطعها أجنبي في الثلاثة فقد لزم البيع اه‍. ثم قال في المحيط: فإن كان افتضها ضمنه من الثمن ما نقصها، ولو ولدت بعد الثلاثة وماتت كان البائع بالخيار إن شاء أخذ الولد وضمنه حصتها من الثمن وإن شاء سلم الولد بالثمن مع أمه لان البيع لا ينفسخ لعدم النقد في الثلاثة ما دام الولد قائما في يد المشتري لان الزيادة المنفصلة مانعة من الانفساخ إلا أنه مات الاصل وبقي التبع فله أن يختار التبع بحصته من الثمن، ولو كان الثمن عرضا أو عبدا وحدث ذلك كله في الثلاث ثم مضت الثلاث فما يمنع الفسخ إذا كان الثمن دراهم يمنعه هنا وما لا فلا، وما أثبت الخيار هناك أثبته هنا. ولو مضت الثلاثة ثم حدث ذلك كله فهو مثل الاقالة لانه لما مضت الثلاثة انتقض البيع وعاد كل عرض إلى ملك صاحبه اه‍. ثم اعلم أن بالقاهرة بيعا يسمى بيع الامانة كما ذكره الزيلعي ويسمى أيضا الرهن المعاد كما في الملتقط، وسماه الفقهاء بيع الوفاء ويذكرونه في موضع من ثلاثة، فمنهم كالبزازي من ذكره في البيع الفاسد، ومنهم من ذكره هنا عند الكلام على خيار النقد كقاضيخان، ومنهم من ذكره في البيع الاكراه كالزيلعي، وذكره هنا أنسب لانه من أفراد مسألة خيار النقد وصورته: أن يقول البائع للمشتري بعت منك هذا العين بدين لك علي على أني متى قضيت الدين فهو لي أو يقول البائع بعتك هذا بكذا على أني متى دفعت لك الثمن تدفع العين إلي فقد اختلفوا فيه على ثمانية أقوال مذكورة في البزازية: الاول ما اختاره صاحب المنظومة أنه رهن حقيقة فلا يملكه المشتري ولا ينتفع به إلا بإذن البائع، ويضمن ما أكل من نزله وما أتلف من الشجرة ويسقط الدين بهلاكه، ولا

[ 12 ]

يضمن ما زاد كالامانة ويسترد عند قضاء الدين. الثاني أنه بيع صحيح باتفاق مشايخ الزمان للعرف وما يفعله البائع من التعمير وأداء الخراج فهو بطريق الرضا لا الجبر كما لا يجبر على ترك الوفاء وجعله باتا، وللمشتري المطالبة بالثمن فإن انهدمت الدار لا يجبر البائع على رد الثمن، وكذا إذا كان المبيع عينا هلك فإنه يتم الامر ولا سبيل لاحدهما على الآخر. وذكر الزيلعي أن الفتوى على أنه بيع جائز مفيد لبعض أحكامه من حل الانتفاع به إلا أنه لا يملك بيعه للغير. الثالث ما اختاره قاضيخان وقال: الصحيح أنه إن وقع بلفظ البيع لا يكون رهنا، ثم إن شرطا فسخه في العقد أو تلفظا بلفظ البيع بشرط الوفاء أو تلفظا بالبيع وعندهما هذا البيع غير لازم فالبيع فاسد، وإن ذكر البيع بلا شرط ثم شرطاه على وجه المواعدة جاز البيع ولزم الوفاء، وقد يلزم الوعد لحاجة الناس فرارا من الربا فبلخ اعتادوا الدين والاجارة وهي لا تصح في الكروم، وبخاري الاجارة الطويلة ولا يكون ذلك في الاشجار فاضطروا إلى بيعها وفاء، وما ضاق على الناس أمر إلا إتسع حكمه. وقد نص في غريب الرواية عن الامام أن البيع لا يكون تلجئة حتى ينص عليها في العقد وهي والوفاء واحد. الرابع ما قاله في العدة واختاره ظهير الدين أنه بيع فاسد ولو ألحقاه بالبيع التحق وأفسده ولو بعد المجلس على الصحيح. ولو شرطاه ثم عقدا مطلقا إن لم يقرا بالبناء على الاول فالعقد جائز ولا عبرة بالسابق كما في التلجئة عند الامام. الخامس ما اختاره أئمة خوارزم أنه إذا أطلق البيع لكن وكل المشتري وكيلا يفسخ البيع إذا أحضر البائع الثمن أو عهد أنه إذا أوفاه يفسخ البيع والثمن لا يعادل المبيع وفيه غبن فاحش أو وضع المشتري على أصل المال ربحا بأن وضع على مائة عشرين دينارا فرهن وإلا فبيع بات. القول السادس ما اختاره الامام الزاهد أن الشرط إذا لم يذكر في البيع كان بيعا صحيحا في حق المشتري حتى ملك الانزال ورهنا في حق البائع فلم يملك المشتري تحويل يده وملكه إلى غيره وأجبر على الرد إذ أحضر الدين لانه كالزرافة مركب من البيع والرهن ككثير من الاحكام له حكمان كالهبة حال المرض وبشرط العوض فجعلناه كذلك لحاجة الناس إليه فرارا عن الربا. فبلخ اعتادوا الدين والاجارة وهي لا تصح في الكروم، وأهل بخارى اعتادوا الاجارة الطويلة ولا تمكن في الاشجار فاضطروا إلى بيعها وفاء، وما ضاق على الناس أمر إلا اتسع حكمه وقد نص في غريب الرواية عن الامام أن البيع لا يكون تلجئة حتى ينص عليها في لعقد وهي والوفاء واحد. واختار الصدر الشهيد تاج الاسلام والامام المرغيناني والامام علاء الدين المعروف ببدر أن البيع بشرط الرد عند نقد الثمن أن المشتري يملكه. وقال الامام علاء الدين: يملكه انتفاعا فإن باعه المشتري من غيره أجابوا - سوى علاء الدين - بصحة البيع

[ 13 ]

الثاني لانه سلمه البائع الاول إلى المشتري برضاه. القول السابع أنه غير صحيح واختاره صاحب الهداية وأولاده ومشايخ زماننا وعليه الفتوى أعني لا يملك المشتري بيعه من الغير كما في بيع المكره لا كالبيع الفاسد بعد القبض. وسئل الصدر عنه بأنه يجعل فاسدا ويمنع من الاسترداد بعد البيع من غيره كالفاسد وإن قضى الدين قال: هذا كبيع المشتري من المكره. قيل له: فإن أكل المشتري غلة الكرم والارض والدار؟ قال: حكمه حكم الزوائد في البيع الفاسد يعني أنه يضمنه إذا استهلكه ولا يغرم إن هلك كزوائد المغصوب. القول الثامن الجامع لبعض المحققين أنه فاسد في حق بعض الاحكام حتى ملك كل منهما الفسخ، وصحيح في حق بعض الاحكام كحل الانزال ومنافع المبيع، ورهن في حق البعض حتى لم يملك المشتري بيعه من آخر ولا رهنه ولم يملك قطع الشجر ولا هدم البناء وسقط الدين بهلاكه وانقسم الثمن إن دخله نقصان كما في الرهن. قلت: هذا العقد مركب من العقود الثلاثة كالزرافة فيها صفة البعير والبقر والنمر جوز لحاجة الناس إليه بشرط سلامة البدلين لصاحبهما اه‍. وفي المستظرف: الزرافة حيوان عجيب الخلقة ولما كان مألوفها الشجر خلق الله يديها أطول من رجليها وهي ألوان عجيبة، يقال إنها متولدة من ثلاثة حيوانات الناقة الوحشية والضبع والبقرة والوحشية، فينزو الضبع على الناقة فتأتي بذكر، فينزو ذلك الذكر على البقرة فتتولد منه الزرافة. والاصح أنه خلقة بذاته ذكر وأنثى كبقية الحيوانات. وقد فرع في البزازية فروعا كثيرة يحتاج إليها في بيع الوفاء تركناها خوفا من الاطالة، وينبغي أن لا يعدل في الافتاء عن القول الجامع قوله: (فإن نقد في الثلاث صح) يعني في قولهم جميعا وقدمنا صفة انعقاده في الابتداء أما فاسد أو موقوف كما في خيار الشرط، ولم أر ثمرة للاختلاف فإنه إذا أسقطه قبل دخول الرابع جاز اتفاقا، وإن دخل تقرر فساده اتفاقا. ولعل الثمرة تظهر في حل الاقدام عليه وعدمه، ويمكن أن يقال في ثبوت الملك بالقبض فمن قال بفساده أثبته و من قال بالوقف نفاه. قوله: (وخيار البائع يمنع خروج المبيع عن ملكه) لان تمام هذا السبب بالمراضاة فلا يتم مع الخيار فينفذ عتق البائع ولا يملك المشتري التصرف فيه وإن قبضه بإذن البائع. ودل كلامه على أن خيار المشتري يمنع خروج الثمن عن ملكه للعلة المذكورة، وأن الخيار إذا كان لهما لم يخرج المبيع عن ملك البائع ولا الثمن عن ملك المشتري. وفي البدائع: إن حكم البيع بخيار موقوف على معنى أنه لا يعرف له حكم للحال والخيار مانع من انعقاد الحكم. وفي المعراج: إلا أن السبب المنعقد في الاصل يسري إلى الزوائد المتصلة والمنفصلة لكونه محلا له عند وجود

[ 14 ]

الشرط، فكما يثبت الحكم في الاصل يثبت في الزوائد اه‍. يعني فالاصل وإن بقي على ملك من له الخيار لا يملك الزوائد إذا أجيز البيع. وفي الخانية: إن الاولاد والاكساب فيما إذا كان الخيار للبائع تدور مع الاصل، فإن أجيز كانت للمشتري، وإن فسخ كانت للبائع وإن كان الخيار للمشتري فحدثت عند البائع فكذا الجواب، وإن حدثت عند المشتري كانت له تم البيع أو انتقض. قيل: هذا قولهما، أما على قوله فهي دائرة مع الاصل. وفي جامع الفصولين: لو كان الخيار إلى البائع فسلم المبيع إلى المشتري، فلو سلمه على وجه التمليك بطل خياره لا لو سلمه على وجه الاختيار، ولو حط عنه من الثمن فعلى قياس مسألة الابراء ينبغي أن يبطل خياره اه‍. وقال قبله: باع بخيار فوهب ثمنه للمشتري في المدة أو أبرأه عن ثمنه أن شرى به شيأ من المشتري صح تصرفه وبطل خياره، ولو اشترى من غير المشتري شيأ بذلك الثمن بطل خياره ولم يجشراؤه اه‍. وكتبنا في الفوائد من الفائدة الرابعة أن خيار الشرط في البيع يمنع الحكم ولا يبطل البيع الا في مسألة ما إذا شرط الخيار في بيع الفضولي فإنه مبطل البيع ولا يتوقف، لان الخيار له بدون الشرط فيكون الشرط مبطلا، كذا في فروق الكرابيسي. وفيها أيضا من الحادية والخمسين بعد المائتين: لا يصح الابراء عن الدين قبل لزوم أدائه إلا في مسائل فلينظر ثمة. وإذا كان الخيار للبائع فإنه يملك مطالبة المشتري بالثمن بخلاف ما إذا كان للمشتري كما في جامع الفصولين. وإن هلك في يد البائع انفسخ البيع ولا شئ عليهما كما في المطلق عنه، وإن تعيب في يد البائع فهو على خياره لان ما انتقص بغير فعله لا يكون مضمونا عليه ولكن المشتري يتخير إن شاء أخذه بجميع الثمن وإن شاء فسخ كما في البيع المطلق. وإن كان العيب بفعل البائع ينتقص البيع فيه بقدره لان ما يحدث بفعله يكون مضمونا عليه وتسقط به حصته من الثمن، كذا ذكر الشارح. ثم اعلم أن الخيار إذا كان للبائع ثم أجازه فالملك للمشتري يقتصر على وقت الاجازة ولا يستند إلى وقت العقد لما في الخانية: رجل اشترى ابنه من رجل على أن البائع بالخيار ثم مات المشتري فأجاز البائع عتق الابن ولا يرث أباه اه‍. فعدم إرثه دليل على الاقتصار ولكن عتقه يدل على الاستناد وإلا لم يعتق كما لا يخفي. قوله: (وبقبض المشتري يهلك بالقيمة) لان البيع ينفسخ بالهلاك لانه كان موقوفا ولا نفاذ بدون المحل فبقى مقبوضا بيده على سوم الشراء وفيه القيمة، كذا في الهداية. والمراد بالقيمة في المشبه والمشبه به البدل يشمل المثلي فإنه مضمون بالمثل والقيمي هو المضمون

[ 15 ]

بالقيمة، والكلام هنا في موضعين في حكم المشبه وهي مسألة الكتاب ولا فرق بين هلاكه في مدة الخيار مع بقائه أو بعدما فسخ البائع البيع كما في جامع الفصولين وأما إذا هلك في يده بعد المدة من غير فسخ فيها فإنه يهلك بالثمن لسقوط الخيار. وفي مسألة الكتاب إذا ادعى البائع هلاكه في يده ووجوب القيمة له وادعى المشتري أنه أبق من يده فالقول للمشتري مع يمينه لان الظاهر حياته، ويجوز البيع على البائع ويتم لان بمضي الثلاثة يسقط خياره. وكذا لو كان البائع هو الذي يدعي الاباق والمدعي يدعي الموت فالقول للبائع مع يمينه، كذا في السراج الوهاج. ولم يذكر المصنف حكم ما إذا دخله عيب في يد المشتري وفي السراج الوهاج: إن كان من ذوات القيم يجب عليه ضمان ما نقص يوم القبض، وإن كان مثليا فليس له أن يضمنه نقصانه لشبهة الربا اه‍. وفي جامع الفصولين: باع أرضا بخيار وتقابضا فنقض البائع في المدة فتبقى الارض مضمونة بالقيمة على المشتري وله حبسها لثمن دفعه إلى البائع، فلو أذن البائع بعده للمشتري في زراعتها فزرعها تصير الارض أمانة عند المشتري وللبائع أخذها منه متى شاء قبل أداء الثمن، وليس للمشتري حبسها بالثمن لانه لما زرعها صار كأنه سلمها إلى البائع اه‍. وأما الثاني أعني المشبه به وهو المقبوض على سوم الشراء فأطلقه في الهداية وقيده في أكثر الكتب بأن يسمى ثمنه. وعبارة الصدر الشهيد في الفتاوي الصغرى: المقبوض على سوم الشراء إنما يكون مضمونا إذا كان الثمن مسمى، نص عليه الفقيه أبو الليث في بيوع العيون فإنه ذكر إذا قال اذهب بهذا الثوب فإن رضيته اشتريته فذهب به فهلك لا يضمن، وإن قال إن رضيته اشتريته بعشرة فذهب به فهلك فإنه يضمن القيمة وعليه الفتوى اه‍. وفي الظهيرية أن هذا الشرط في ظاهر الرواية. وذكر الطرسوسي في أنفع الوسائل بعد ذكر منقولات فتحرر أنه مضمون أن ذكر الثمن حالة المساومة، والمراد بذكر الثمن فيه من جانب المشتري لا من جانب البائع وحده فإنه قال في القنية عن أبي حنيفة: قال له هذا الثوب بعشرة فقال هاته حتى أنظر إليه فإن رضيته أخذته بعشرة فضاع فهو على ذلك الثمن، فجعل ذكر البائع وحده ليس بموجب للضمان. وكذا في المسألة التي ذكر بعد هذه: لو قال إن رضيته أخذته بعشرة فعليه قيمته، ولو قال صاحب الثوب هو بعشرة فقال المساوم حتى أنظر إليه وقبضه وضاع لا يلزمه شئ. فعلمنا أن المراد ذكر الثمن من جهة المساوم لا من جهة البائع وحده إلى أخر ما أطال فيه. وقال: فليعتن بهذا التحرير فإنه فائدة جليلة. قلت: هو خطأ وبيان الثمن من جهة البائع وحده إذا أخذه الشتري بعده على وجه السوم كاف لضمانه. قال في الخانية: رجل طلب من رجل ثوبا ليشتري فأعطاه البائع ثلاثة أثواب فقال هذا

[ 16 ]

بعشرة وهذا بعشرين وهذا بثلاثين فاحمل الثياب إلى منزلك فأي ثوب ترضى بعته منك، فحمل هلكت عند المشتري قال الشيخ الامام أبو بكر محمد بن الفضل: إن فهلك جملة أو على التعاقب ولا يدري الذي هلك أولا ولا الذي بعده ضمن المشتر ثلث كل ثوب، وإن عرف الاول لزمه ذلك الثوب والثوبان أمانة عنده، وإن هلكت الثوبان وبقي الثالث فإنه يرد الثالث لانه أمانة، وأما الثوبان يلزمه نصف ثمن كل واحد منهما إذا كان لا يعلم أيها هلك أولا، وإن هلك واحد وبقي ثوبان يلزمه ثمن الهالك ويرد الثوبين، وإن احترق الثوبان ونقص الثالث ثلثه أو ربعه ويعلم أيهما احترق أولا يرد ما بقي من الثالث ولا يضمن نقصان الحرق بقدره ويلزمه نصف ثمن كل واحد من الثوبين اه‍. فهذا صريح في أن بيان الثمن من جهة البائع يكفي للضمان. في الخلاصة البزازية: اذهب به إن رضيته اشتريت فذهب به فضاع لا يضمن، ولو قال إن رضيته اشتريته بعشرة فذهب به وضاع ضمن اه‍. وهذا صريح فيما قلناه، وقد اشتبه عليه المقبوض على سوم الشراء بالمقبوض على وجه النظر فإن فيما نقله عن القنية إنما قال المساوم حتى أنظر إليه والمقبوض على وجه النظر أمانة، وما ذكرناه عن أصحاب الفتاوى إنما قال إن رضيته اشتريته والدليل على الفرق بينهما

[ 17 ]

ما في الخانية قال: ولو أخذ ثوبا على المساومة فدفعه إليه البائع وهو يساومه والبائع يقول هو بعشرة فهو على الثمن الذي قال البائع حتى يرد عليه المشتري، وإن ساومه فقال المشتري حتى أنظر إليه فدفعه فضاع منه فليس على المشتري شئ لانه إنما أخذه للنظر، وإن أخذه على غير النظر ثم قال حتى انظر إليه فقوله حتى أنظر إليه لا يخرجه عن الضمان اه‍. فهذا صريح في الفرق بينهما. وفي الذخيرة معزيا لابي يوسف: رجل ساوم رجلا بثوب فقال صاحب الثوب هو بعشرة فقال المساوم هاته حتى أنظر إليه فدفعه إليه على ذلك فضاع لا يلزمه شئ. علل فقال: لانه أخذه على النظر إشارة إلى أن هذا ليس بمقبوض على سوم الشراء اه‍. فهذا صريح في الفرق بينهما أيضا. وفي الفتاوي الظهيرية: رجل قال هذا الثوب لك بعشرة فقال هاته حتى أنظر إليه أو قال حتى أريه غيري فأخذه على ذلك فضاع في يده لم يضمن في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ولو قال هاته فإن رضيته أخذته فضاع كان عليه الثمن اه‍. وهذا صريح أيضا فثبت بهذه النقول من الكتب المعتمدة أنه لا فرق في المقبوض على سوم الشراء بين بيان الثمن من البائع أو من المشتري وحده، ولقد صدق ختام المحققين ابن الهمام في فتح القدير حيث قال في كتاب الوقف: إن الطرسوسي بعيد عن الفقه، ث رأيت الفرق بينهما أيضا صريحا في فروق الكرابيسي ومنها نقلت قال: لو قال هذا الثوب لك بعشرة فقال هاته حتى أنظر إليه أو حتى أريه غيري فأخذه فضاع قال أبو حنيفة: لا شئ عليه يعني يهلك أمانة. وإن قال هاته حتى أنظر إليه فإن رضيته أخذته فهلك فعليه الثمن. والفرق أن في الفصل الاول أمره لينظرءليه أو ليريه غيره وذلك ليس ببيع، فأما في الفصل الآخر أمره بالاتيان به ليرضاه ويأخذه وذلك بيع بدون الامر فمع الامر أولى اه‍. والظاهر من كلامهم أنه لا فرق بين الهلاك أو الاستهلاك، وما في الذخيرة عن أبي يوسف أن المقبوض على سوم الشراء مضمون بالثمن محمول على القيمة، وما ذكره

[ 18 ]

الطرسوسي من أنه إن هلك فمضمون بالقيمة وإن استهلكه فمضمون بالثمن ليس بصحيح لما في الخانية: إذا أخذ ثوبا على وجه المساومة بعد بيان الثمن فهلك في يده كان عليه قيمته، وكذا واستهلكه وارث المشتري بعد موت المشتري اه‍. والوارث كالمورث، وأما مقبوض الوكيل بالسوم فقال في الخانية: الوكيل بالشراء إذا أخذ الثوب على سوم الشراء فأراه الموكل ولم يرض به ورده عليه فهلك عند الوكيل. قال الشيخ الامام أبو بكر محمد بن الفضل: ضمن الوكيل قيمته ولا يرجع بها على الموكل إلا أن يأمره الوكيل بالاخذ على سوم الشراء فحينئذ إذا ضمن الوكيل رجع على الموكل اه‍. وفي البزازية: غلط وسلم غير المبيع وهلك ضمن القيمة لانه قبضه على جهة البيع. بعث رسولا إلى البزاز وقال ابعث إلي ثوب كذا فبعث إليه البزاز معه أو من غيره فضاع الثوب قبل الوصول إلى الآمر وتصادقوا عليه لا ضمان على الرسول، ثم إن كان رسول الآمر فالضمان على الآمر، وإن كان رسول البزاز فلا ضمان على أحد لكن إذا وصل إلى الآمر ضمن الآمر، وكذا لو أرسل إلى آخر وقال أرسل إلي عشرة دراهم قرضا فأرسل معه فالآمر ضامن إذا أقر أنه رسوله، فإن بعثه مع غير رسوله لا ضمان على الآمر قبل أن يصل، وكذا الدائن إذا بعث رسولا لقبض دينه

[ 19 ]

فبعث معه وضاع يكون من مال الدائن، وإن مع الآخر لا حتى يصل إليه اه‍. ثم اعلم أن المقبوض على سوم الشراء إذا بين ثمنه مضمون وإن اشترط أن لا ضمان فيه لما في البزازية: استباع قوسا وتقرر الثمن فمده بإذن البائع أو قال له إن انكسر فلا ضمان عليك فمده وانكسر يضمن قيمته، وإن لم يتقرر الثمن فلا ضمان ولو بالاذن لان اشتراط عدم الضمان في المقبوض على السوم باطل. وعن الامام أراه الدرهم لينظر إليه فغمزه أو قوسا فمده فانكسر أو ثوبا فتخرق ضمن إن لم يأمره بالغمز والمد واللبس، وقيل إكان لا يرى إلا بالغمز لا يضمن إن لم يجاوز ويصدق في أنه لم يجاوز اه‍. وفي جامع الفصولين: المقبوض على سوم الرهن مضمون بالاقل من قيمته ومن الدين، وما قبض على سوم القرض مضمون بما ساوم كمقبوض على حقيقته بمنزلة مقبوض على سوم البيع إلا أن في البيع يضمن القيمة وهنا يهلك الرهن بما ساومه من القرض، وما قبض على سوم النكاح مضمون يعني لو قبض أمة غيره ليتزوجها بإذن مولاها فهلكت في يده ضمن قيمتها والمهر قبل تسليمه مضمون، وكذا بدل الخلع في يد المرأة يعني لو تزوجها على عين أو خالعها فهلكت قبل قبضه يلزمه مثله في المثلي وقيمته في القيمي اه‍. ذكره في الثلاثين منه. قوله: (وخيار المشتري لا يمنع ولا يملك) أي لا يمنع خروج المبيع عن ملك البائع فيخرج عن ملكه للزومه من جهة من لا خيار له، فلو أعتقه البائع لم يصح إعتاقه، ولو

[ 20 ]

كان البائع حلف وقال إن بعته فهو حرفباعه بخيار للمشتري لم يعتق لخروجه عن ملكه، ولو باعه بخيار له عتق ولا يملكه المشتري عند الامام رحمه الله تعالى لكن يصح إعتاقه ويكون إمضاء كما في الخانية. وفيها: باع عبدا بجارية على أن بائع العبد بالخيار ثلاثة أيام فأعتق البائع العبد في الثلاثة أيام نفذ عتقه في قولهم ويبطل البيع لانه أعتق ملك نفسه، وإن أعتق الجارية جاز ويكون إسقاطا للخيار ويتم. ولو أعتقهما في كلام واحد نفذ عتقه لعدم الاولوية فيهما ويغرم قيمة الجارية ولا ينفذ إعتاق المشتري في العبد ولا في الجارية، ولو كان الخيار للمشتري انعكست الاحكام اه‍. وقالا: يملكه لانه لما خرج عن ملك البائع فلو لم يدخل في ملك المشتري يكون زائلا لا إلى مالك ولا عهد لنابه في الشرع. ولابي حنيفة أنه لما لم يخرج الثمن عن ملكه، فلو قلنا بأنه يدخل المبيع في ملكه لاجتمع البدلان في ملك رجل واحد حكما للمعاوضة ولا أصل له في الشرع لان المعاوضة تقتضي المساواة ولان الخيار شرع نظرا للمشتري ليتروى فيقف على المصلحة، فلو ثبت الملك ربما يعتق عليه من غير اختياره بأن كان قريبه فيفوت النظر وأورد على قوله لزوم السائبة ورد بأنها هي التي لا ملك فيها لاحد ولا علقة ملك والعلقة موجودة هنا، وأورد أيضا استحقاق الشفعة بما بيع بخيار للمشتري وهو دليل على مكله. وأجيب بأن استحقاقها لم ينحصر في الملك بل هو أو ما في معنامن كونه أحق بها تصرفا بدليل صحة إعتاقه كاستحقاق العبد المأذون لها مع أنه لاملك له حقيقة وهو تكلف لا يحتاج إليه لما سيأتي أن البيع ينبرم في ضمن طلب الشفعة فيثبت مقتضى تصحيحا. ثم اعلم أن قولهما في دليلهما ولا عهد لنا به في الشرع معناه في باب التجارة والمعاوضات فاندفع عنهما ما

[ 21 ]

أورد من شراء متولي أمر الكعبة إذا اشترى عبدا لخدمتها وعبد الوقف إذا ضعف وبيع واشترى ببدله آخر لم يملكه المشتري لانه من باب الاوقاف، وكذا لا ترد التركة المستغرقة بالدين فإنها تخرج عن ملك الميت، ولا تدخل في ملك الورثة والغرماء للقيد المذكور. وأما حكم جناية العبد في مدة الخيار، فإن كان الخيار للبائع فأجاز البيع لم يكن مختارا للفداء وخير المشتري بين الدفع والفداء، وإن فسخ البيع خير البائع كذلك، وفي اللاول إنما يخير المشتري بين الدفع والفداء إذا اختار إمضاء البيع، فإن اختار المشتري فسخه فالخيار للبائع للعيب الحادث في يد البائع، فإن كانت في يد المشتري فالبائع على خياره، فإن أجاز ثبت الملك للمشتري من وقت العقد وخير بين الدفع والفداء فإن كان الخيار للمشتري فجنى في يده في مدته لم يكن له أن يرده على بائعه. ولو بيعت دار بخيار لاحدهما فوجد فيها قتيل فالدية على عاقلة ذي اليد عنده، وعندهما على من يصير الملك له ولا يكون وجود القتيل عيبا فلا خيار للمشتري بخلاف جناية العبد المبيع فإنها عيب، كذا في التتارخانية. وقول الامام ولا أصل له في الشرع معناه في المعاوضة فلا يرد عليه المدبر إذا غصب وضمن الغاصب قيمته فإنه يملكه فقد اجتمع العوضان في ملك السيد لانه ضمان جناية لا ضمان معاوضة، كذا في المعراج وفتح القدير. ولكن يرد عليه باب السلم فإن المسلم إليه ملك رأس مال السلم والمسلم فيه فقد اجتمعا في المعاوضة. وأجيب بأن المسلم فيه دين لرب السلم في ذمة المسلم إليه فهو كالثمن يملكه البائع في ذمة المشتري وأورد المنافع والاجرة المعجلة ملكهما المؤجر. وأجيب بأنها معدومة فلا ملك لها وإذا حدثت ملكها المستأجر، كذا في البناية. قيد بالمبيع لان الثمن لا يخرج عن ملك المشتري اجماعا كما بيناه. وفي السراج الوهاج: والنفقة تجب على المشتري بالاجماع إذا كان الخيار له بخروج المبيع عن ملك البائع، ولو تصرف المشتري في المبيع في مدة الخيار والخيار له جاز تصرفه اجماعا ويكون إجازة منه اه‍. وفي الخلاصة أن زوائد المبيع موقوفة إن تم البيع كانت للمشتري وإن فسخ كانت للبائع اه‍. وفي جامع الفصولين: المشتري بالخيار لو رهن بالثمن رهنا جاز الرهن به اه‍. فإن قلت: ذكر في جامع الفصولين أيضا أن الخيار إذا كان للمشتري فأبرأه البائع عن الثمن لم يجز إبراؤه اه‍. وفي التتارخانية: وروي عن محمد جوازه فينبغي أن لا يصح الرهن أيضا. قلت: الابراء يعتمد الدين ولا دين له عليه لان الثمن باق على ملكه والرهن لا يشترط له وجود الدين حقيقة بدليل صحته على الدين الموعود به وقد بيناه فيما كتبناه من حواشي جامع الفصولين، ولكن نقل بعده أعدم صحة الابراء قول أبي يوسف. وفي المعراج أن عدم

[ 22 ]

صحته قياس والاستحسان صحته لان إبراء بعد وجود السبب وهو البيع، والدليل على أن الابراء يعتمد تعلق الحق لا حقيقة الدين لو أبرأ البائع الموكل عن ثمن ما اشتراه الوكيل فإنه يصح الابراء مع أن الثمن على الوكيل والدليل على التعلق بالموكل أن المشتري لو أتى بالثمن للموكل فإن يجبر على القبول. ولو كان للمشتري دين على الموكل صار قصاصا بالثمن ولولاه لم يجبير ولم يصر قصاصا كما في الصيرفيه. وفي السراجية: اشترى على أنه بالخيار لم يجبر البائع على تسليم المبيع وإن نقد المشتري الثمن. وفي التتارخانية: قوله: (وبقبضه يهلك بالثمن) أي إذا كان الخيار للمشتري وقبض المبيع وهلك في يده فإنه يهلك بثمنه بخلاف ما إذا كان الخيار للبائع. والفرق أنه إذا دخله عيب يمتنع الرد والهلاك لا يعرى عن مقدمة عيب فيهلك والعقد قد انبرم فيلزمه الثمن بخلاف ما إذا كان للبائع لان بدخول العيب لا يمتنع الرد حكما يخبار البائع فيهلك والعقد موقوف. وفي السراج الوهاج: والفرق بين الثمن والقيمة أن الثمن ما تراضى عليه المتعاقدان، سواء زاد على القيمة أو نقص. والقيمة ما قوم به الشئ بمنزلة المعيار من غير زيادة ولا نقصان والاستهلاك كالهلاك كما سيأتي. وأطلقه فشمل ما إذا كان الخيار للمشتري وحده أو لهما وأسقط البائع خياره بأن أجاز البيع ثم هلك في مدته فإن البيع يلزم بالثمن كما في التتارخانية قوله: (كتعيبه) يعني إذا تعيب في يد المشتري والخيار له فإنه يلزمه الثمن لانه صار بذلك ممسكا ببعضه، فلو رده لتفرقت الصفقة على البائع قبل الاتمام وهو لا يجوز فلزم البيع وسقط الخيار. أطلقه فشمل ما إذا عيبه المشتري أو أجنبي أو تعيب بآفة سماوية أو بفعل المبيع كما في النهاية ولكن ليس باقيا على إطلاقه، وإنما المراد به عيب يلزم ولا يرتفع كما إذا قطعت يده. وأما ما يجوز ارتفاعه كالمرض فهو على خياره إن زال المرض في الايام الثلاثة، وأما إذا مضت والعيب قائم لزم البيع لتعذر الرد كما في النهاية أيضا. وفي الصحاح: عاب المتاع أي صار ذا عيب، وعيبه نسبه إلى العيب، وعيبه أيضا إذا جعله ذا عيب وتعيب مثله اه‍. وقد ذكر المصنف حكم هلاكه في يد المشتري ونقصانه ولم يذكر حكم زيادته عنده. وحاصله أن الزيادة منفصلة كانت أو متصلة، سواء كانت متولدة من الاصل كالولد والسمن والجمال والبرء من المرض وذهاب البياض من العين أو لا كالصبغ والعقر والكسب والبناء ورش الارض، يمنع الفسخ إلا في المنفصلة الغير المتولدة فإنها لا تمنع كما في التتارخانية. وفي البناية أن التعيب إذا كان بفعل البائع في يد المشتري لم يسقط خيار المشتري، فإن أجاز البيع ضمن به البائع النقصان اه‍. فيستثنى من إطلاق المصنف مسألتان: ما إذا كان العيب يرتفع،

[ 23 ]

وما إذا كان بفعل البائع. ولكن ذكر في فتح القدير أن هذا قول محمد، وأما عندهما إذا تعيب بفعل البائع يلزم ابيع، وقد وعدنا بذكر مسائل المبيع إذا هلك في البيع الذي لا خيار فيه أو بخيار فإذا كان في يد البائع بآفة سماوية أو باستهلاك البائع أو كان حيوانا فقتل نفسه يبطل البيع لانه مضمون بالثمن فيسقط الثمن فلا يكون مضمونا بالقيمة لانه لا يتولى على شئ واحد ضمانان، فإن أتلفه المشتري والبيع بات أو بخيار له لزم الثمن، وإن كان للبائع والبيع فاسد لزم المثل في المثلي والقمية في القيمي، إن بفعل أجنبي خير المشتري فإن فسخ وعاد إلى ملك البائع ضمن الجاني المثل أو القيمة والمضمون إن من جنس الثمن وفيه فضل لا يطيب وإن من خلافه طاب. وإن اختار المشتري أيضا البيع اتبع الجاني بالمثل أو بالقيمة وحكم الفضل ما ذكرناه في جانب البائع واختياره اتباع الجاني قبض عند الثاني خلافا لمحمد وأثره فيما إذا توى على الجاني وفيما إذا أخذ من الجاني مكانه شيأ آخر جاز عند الثاني. وإن هلك بعد القبض فعلى المشتري إلا إذا أتلفه البائع والقبض بلا إذنه والثمن حال غير منقود فالبائع يصير مستردا ويبطل البيع وسقط الثمن عن المشتري. وإهلك البعض قبل قبضه سقط من الثمن قدر النقص، سواء كان نقصان قدر أو وصف، وخير المشتري بين الفسخ والامضاء، وإن بفعل أجنبي فالجواب فيه كما إذا هلك كله وإن بآفة سماوية، إن نقصان قدر طرح عن المشتري حصة الفائت من الثمن وله الخيار في الباقي، وإن نقص وصف لا يسقط شئ من الثمن لكنه يخير بين الاخذ بكل الثمن أو الترك. والوصف ما يدخل تحت البيع بلا ذكر كالاشجار والبناء في الارض وأطراف الحيوان والجودة في الكيلي والوزني. وإن بفعل المعقود عليه فالجواب كذلك، وإن بفعل المشتري صار قابضا ما أتلف بالاتلاف والباقي بالتعيب، فإن هلك الباقي قبل حبسه فعلى المشتري، وإن بعد الحبس فعلى البائع وعلى المشتري حصة ما أتلفه لا غير، فإن حبس بعد سقوط حقه من الحبس فعلى المشتري كل الثمن إلا إذا كان بفعل البائع، فإن لم يكن له حق الاسترداد فهو كالاستهلاك من الاجنبي، وإن كان له حق الاسترداد انفسخ البيع في قدر ما أتلف وسقط حصته من الثمن. فلو هلك الباقي في يد المشتري لزمه قسطه من الثمن إلا إذا هلك الباقي من سراية جناية البائع فيكون مستردا له أيضا فيسقط الثمن، فإن زعم البائع أنه هلك بعد قبضه والمشتري بأنه قبل قبضه فالقول للمشتري وأيهما برهن قبل، وإن برهنا فللبائع. وكذا لو ادعى البائع أن المشتري، استهلكه وعكس المشتري وإن أرخا فبينة الاسبق أولى في الهلاك والاستهلاك، وتمامه في الفتاوي البزازية.

[ 24 ]

قوله: (فلو اشترى زوجته بالخيار بقي النكاح) أي بالخيار له وهذا مفرع على أنه لا يدخل في ملك المشتري فلذا لم يبطل النكاح قبل نفاذ البيع، وإذا سقط الخيار بطل للتنافي. وعندهما أنفسخ لدخولها في ملك الزوج فإذا فسخ المشتري البيع رجعت إلى مولاها بلا نكاح عليها عندهما، وعنده تستمر زوجته، كذا في فتح القدير. وعلى هذا لو اشتر زوجته فاسدا وقبضها يفسد النكاح ثم فسخ البيع للفساد لا يرفع فساد النكاح قوله: (فإن وطأها له أن يردها) لان الوطئ بحكم ملك النكاح لبقائه لا يحكم ملك اليمين لعدمه، وعندهما ليس له أن يردها مطلقا لما قدمناه. أطلقه وهو مقيد بما إذا لم تكن بكرا لو كانت بكرا أو نقصها الوطئ امتنع الرد كما ذكره الاسبيجابي. وظاهره أنه لو نقصها وهي ثيب فالحكم كذلك، وقد صرح به في فتح القدير. وكذا يتفرع أنه لو ردها فعنده تعود إلى سيدها منكوحة، وعندهما بلا نكاح، وقيد بزوجته لانه لو اشترى غير زوجته بخيار له فوطئها امتنع الرد مطلقا أي وإن لم ينقصها وسقط الخيار، كذا في المعراج. ولم أر حكم حل وطئ الامة المبيعة بخيار، أما إذا كان الخيار للبائع فينبغي حله له لا للمشتري وإن كان للمشتري ينبغي أن لا يحل لهما. ونقله في المعراج عن الشافعي فقال: وللشافعي في حل وطئها وجهان، والثاني لا يجوز وهو نصه، وفي انفساخ نكاحها وجهان والثاني لا ينفسخ وهو ظاهر نصه. أما لو كان المبيع غير امرأته لم يحل للمشتري وطؤها على الاقوال كلها ويحل للبائع على الاقوال كلها، وقال أحمد: لا يحل للبائع اه‍. ثم اعلم أن دواعي الوطئ كالوطئ فإذا اشترى غير زوجته بالخيار فقبلها بشهوة أو

[ 25 ]

لمسها بشهوة أن نظر إلى فرجها بشهوة سقط خياره. وحدها انتشار آلته أو زيادتها، وقيل بالقلب وإن لم تنتشر، فإن كان بغير شهوة لم يسقط في الكل. وإن ادعى أنه بغير شهوة فإن كان في الفم لم يقبل قوله وإلا قبل. وإن فعلت الامة به ذلك وأقر أنه كان بشهوة كان رضا كما في السراج الوهاج، ولم يذكر المؤلف مما يظهر فيه ثمرة الاختلاف إلا هذه المسألة. وذكر في الهداية أن لهذه المسألة أخوات كلها تبتنى على وقوع الملك للمشتري بشرط الخيار وعدمه منها: عتق المشترى على المشتري إذا كان قريبا له في مدة الخيار، ولو كان للبائع فمات المشتري فأجاز البائع عتق الابن ولا يرث أباه كما قدمناه عن الخانية. ومنها عتقه إذا كان المشتري حلف إن ملك عبدا فهو حر بخلاف ما إذا قال إن اشتريت لانه يصير كالمنشئ للعتق بعد الشراء فسقط الخيار. ومنها أن حيض المشتراة في المدة لا يجتزأ به من الاستبراء عنده، وعندهما يجتزأ، ولو ردت بحكم الخيار إلى البائع لا يجب الاستبراء عنده، وعندهما يجب إذا ردت بعد القبض. ومنها إذا ولدت المشتراة في المدة بالنكاح لا تصير أم ولد له عنده خلافا لهما، ومحله ما إذا كان قبل القبض، أما بعده فسقط الخيار اتفاقا وتصير أم ولد للمشتري لانها تعيبت عنده بالولادة، كذا في النهاية. وفي الخانية: إذا ولدت بطل خياره وإن كان الولد ميتا ولم ينتقصها الولادة لا يبطل خياره اه‍. ثم اعلم أنهم لم يقيدوا بدعوى الولد وقيده بها في إيضاح الاصلاح قال: لانه ولد والفراش ضعيف اه‍. وهو تقييد لقولهما. ومنها إذا قبض المشتري المبيع بإذن البائع ثم أودعه عند البائع فهلك في يده في تلك المدة هلك من مال البائع لارتفاع القبض بالرد لعدم الملك، وعندهما من مال المشتري لصحة الايداع باعتبار قيام الملك، ولو كان الخيار للبائع فسلم المبيع إلى المشتري فأودعه البائع فهلك عنده بطل البيع عند الكل، ولو كان البيع باتا فقبض المشتري المبيع بإذن البائع أو بغير إذنه ثم أودعه البائع فهلك كان على المشتري اتفاقا لصحة الايداع، كذا في التتارخانية. ومنها لو كان المشتري عبدا مأذونا فأبرأه البائع عن الثمن في المدة بقي خياره عنده لان الرد امتناع عن التملك والمأذون له يليه. وعندهما بطل خياره لانه لما ملكه كان الرد منه تمليكا بغير عوض وهو ليس من أهله وهذا يقتضصحة الابراء، وقدمنا أنه لا يصح عند أبي يوسف قياسا، ويصح عند محمد استحسانا ونبه عليه هنا في النهاية. ومنها إذا اشترى ذمي من ذمي خمرا على أنه بالخيار ثم أسلم بطل الخيار عندهما لانه ملكها فلا يملك ردها وهو مسلم،

[ 26 ]

وعنده يبطل لبيع لانلم يملكها فلا يتملكها بإسقاط الخيار بعده وهو مسلم اه‍. ولو كان الخيار للبائع فأسلم بطل البيع، ولو أسلم المشتري لا وخيار البائع على حاله، فإن أجاز صارت الخمر للمشتري حكما والمسلم أهل لان يتملكها حكما، كذا في النهاية. فقد ذكر فيها ثمان مسائل، وقد زاد الشارحون مسائل أيضا ففي فتح القدير: الاولى ما إذا تخمر العصير في بيع مسلمين في مدته فسد البيع عنده لعجزه عن تملكه، وعندهما يتم لعجزه عن رده. الثاني اشترى دارا على أنه بالخيار ثلاثة أيام وهو ساكنها بإجارأو إعارة فاستدام سكنها قال السرخسي: لا يكون اختيارا وهو في ابتداء السكني وقال خواهر زاده: استدامتها اختيار عندهما لملك العين، وعنده ليس باختيار. الثالثة حلال اشترى ظبيا بالخيار فقبضه ثم أحرم والظبي في يده فينقض البيع عنده ويرد إلى البائع، وعندهما يلزم المشتري، ولو كان الخيار للبائع ينتقض بالاجماع، ولو كان للمشتري فأحرم المشتري له أن يرده. الرابعة إذا كان الخيار للمشتري وفسخ العقد فالزوائد ترد على البائع عنده لانها لم تحدث على ملك المشتري، وعندهما للمشتري لانها حدثت على ملكه اه‍. وفي جامع الفصولين: لو اشترى بخيار فدام على السكنى لا يبطل خياره، ولو إبتدأها بطل يماثله خيار العيب وخيارالرط في القسمة لا يبطل بدوام السكنى اه‍. وفي التتارخانية أن محمدا ذكر في البيوع أن خيار الشرط يبطل بالسكنى وفي القسمة ذكر أنه لا يبطل فاختلف المشايخ، فمنهم من حمل ما في البيوع على الابتداء وما في القسمة على الدوام ومنهم من أبقى ما في البيوع على اطلاقه فيبطل بالابتداء والدوام وأبقى ما في القسمة على إطلاقه فلا يبطل خيار الشرط فيها بالابتداء والدوام. وفيها أيضا: لو كان الخيار للمشتري فصالحه البائع على مائة يدفعها له على أن يبطل البيع ففسخه انفسخ ولا شئ له اه‍.

[ 27 ]

قوله: (فلو أجاز من له الخيار بغيبة صاحبه صح ولو فسخ لا) أي لا يصح في غيبة صاحب وهذا عندهما. وقال أبو يوسف: يجوز الفسخ أيضا لانه مسلط على الفسخ من جهة صاحبه فلا يتوقف على علمه كالاجازة ولهذا لا يشترط رضاه فصار كالوكيل. ولهما أنه تصرف في حق الغير وهو العقد بالرفع ولا يعرى عن المضرة لانه عساه يعتمد تمام البيع السابق فيتصرف فيه فيلزمه غرامة القيمة بالهلاك فيما إذا كان الخيار للبائع أو لا يطلب لسلعته مشتريا فيما إذا كان الخيار للمشتري، وهذا نوع ضرر فيتوقف على علمه وصار كعزل الوكيل بخلاف الاجازة لانه لا إلزام فيه. ولا يقال إنه مسلط وكيف يقال ذلك وصاحبه لا يملك الفسخ ولا تسليط في غير ما يملكه المسلط، كذا في الهداية. وفي المعراج: كذا الخلاف في خيار الرؤية ولا خلاف في خيار العيب أنه لا يملكه والخلاف إنما هو في الفسخ بالقول، أما إذا فسخ بالفعل فإنه ينفسخ حكما اتفاقا في الحضرة والغيبة لانه لا يشترط العلم في الحكمي كعزل الوكيل والمضارب والشريك وحجر المأذون له في التجارة بارتداد ولحوق وجنون. وبحث في فتح القدير بأنه ينبغي أن يكون الفعل الاختياري كالقول. والمراد بالغيبة عدم علمه، وبالحضرة علمه، فلو فسخ في غيبته فبلغه في المدة تم الفسخ لحصول العلم به، ولو بلغه بعد مضي المدة تم العقد بمضي المدة قبل الفسخ، كذا في الهداية. وكذا إذ أجاز البائع بعد فسخه قبل أن يعلم المشتري جاز وبطل فسخه، كذا ذكر الاسبيجابي. وفي الذخيرة: ولو اشترى على أن البائع لو غاب عنه ففسخه عليه جائز فالبيع فاسد في قول أبي حنيفة ومحمد لان هذا شرط فاسد عندهما. ورجح في فتح القدير قول أبي يوسف قال: فعلى هذا فالمسائل الموردة نقضا مسلمة لانها على وقف ما ترجح من قول أبي يوسف لكنا نوردها بناء على تسليم الدليل، فمنها أن المخيرة يتم اختيارها لنفسها بلا علم زوجها ويلزمه حكم ذلك، وأجيب بأن اللزوم بإيجابه على نفسه. ومنها الرجعة ينفرد بها الزوج بلا علمها حتى لو تزوجت بعدها بعد ثلاث حيض فسخ العقد إذا أثبتها، وأجيب بأن الطلاق الرجعي لا يرفع النكاح فعليها استكشاف الحال. ومنها الطلاق والعتاق والعفو عن القصاص يثبت حكمها بلا علم الآخر، وأجيب بأنها اسقاطات. ومنها خيار المعتقة يصح بلا علم زوجها، وأجيب بأنه لا رواية فيه وعلى التقدير فقد أثبته الشرع مطلقا. ومنها خيار المالك في بيع الفضولي بدون علم المتعاقدين، وأجيب بكون عقدهما لا وجود له في حق المالك. ومنها العدة لازمة عليها وإن لم تعلم بالطلاق وأجيب بأنها واجبة في ضمن الطلاق لا بسببه اه‍. وفي جامع

[ 28 ]

الفصولين: ولو كان الخيار للمشتريين ففسخ أحدهما بغيبة الآخر لم يجز. باعه بخيار ففسخه في المدة انفسخ، فإن قال بعده أجزت وقبل المشتري جاز استحسانا، ولو كان الخيار للمشتري فأجاز ثم فسخ وقبل البائع جاز وينفسخ ومن له الخيار لو اختار الرد أو القبول بقلبه فهو باطل لتعلق الاحكام بالظاهر والباطن اه‍. قال فيه: شرى بخيار فأراد رده فاختفى بائعه قيل: للقاضي أن ينصب عن البائع خصما ليرده عليه وقيل لا اه‍. وهكذا ذكر الخلاف في المعراج وفتح القدير والله أعلم. قوله: (وتم العقد بموته ومضى المدة والاعتاق وتوابعه والاخذ بالسفعة) أي تحصل الاجازة بواحد مما ذكر وهو كلام موهم موقع في الغلط فإن في بعضها يكون إجازة، سواء كان الخيار للبائع أو للمشتري، وفي بعضها إنما يكون إجازة إذا كان من المشتري، وأما من البائع ففسخ. أما الموت فإنه مبطل لخيا الميت سواء كان بائعا أو مشتريا، ولا يورث عندنا كخيار الرؤية لانه ليس إلا مشيئة وإرادة ولا يتصور انتقاله والارث فيما يقبل الانتقال لا فيما لا يقبله كملك المنكوحة والعقود التي عقدها المورث لا تنتقل. وإنما ملك الوارث الاقالة لانتقال الملك إليه ولذا ملكها الموكل وإن لم يكن عاقدا، كذا في المعراج. ولا يرد علينا خيار العيب فإنه موروث لكون المورث استحق المبيع سليما فكذا الوارث ففي التحقيق الموروث العين بصفة السلامة من العيوب فأما نفس الخيار فلا يورث. وفي المعراج أن خيار العيب يثبت للوارث ابتداء بدليل انه لو تعب بعموت المشتري في يد البائع كان للوارث رده وأما خيار التعيين فيثبت للوارث ابتداء لاختلاط ملكه بملك الغير لا أن يورث الخيار، هكذا ذكروا وزاد في العناية بأن الوارث لا يملك الفسخ ولا يتأقت خياره بخلاف المورث اه‍. ووجهه ظاهر لان هذين حكما خيار الشرط ولم يتكلموا فيما رأيت على غير الاربعة من الخيارات هل تورث أو لا إلا خيار فوات الوصف المرغوب فيه فسيأتي أنه يورث. والضمير في قوله بموته عائد إلى من له الخيار احتارازا عن موت من لا خيار له لانه إذا مات فالخيار باق لمن شرط له فإن أمضى مضى وإن فسخ انفسخ، كذا في فتح القدير. وفي الظهيرية: الوكيل إذا باع بشرط الخيار فمات الوكيل أو الموكل في المدة بطل الخيار وتم البيع اه‍. وفي

[ 29 ]

جامع الفصولين: وكيل البيع أو الوصي باع بخيار أو المالك بنفسه باع بخيار لغيره فمات الوكيل أو الوصي أو الموكل أو الصبي أو من باع بنفسه أو من شرط له الخيار قال محمد: يتم البيع في كل ذلك لان لكل منهم حقا في الخيار والجنون كالموت اه‍. وفي المعراج: ولو كان الخيار لهما فمات أحدهما لزم البيع من جهته والآخر على خياره اه‍. وقد أفاد كلامه أن الخيار لا ينتقل عمن هو له إلى غيره فلذا قال أبو يوسف: إذا اشترى الاب أو الوصي شيأ لليتيم وشرط الخيار لنفسه فبلغ الصبي في المدة تم البيع. وقال محمد: توقف على إجازة الابن فكأنه باشره بعد بلوغه حتى قيل لا تتأقت بالثلاث. وعن محمد أن للوصي أن يفسخ بعد بلوغ الصغير وليس له أن يجيز إلا برضاه. وروي أن الاب أو الوصي إذا اشترى عبدا للصغير بدراهم أو دنانير بشرط الخيار ثم بلغ الصغير في المدة ثم أجاز أنفذ الشراء عليهما إلا أن تكون الاجازة برضا الصغير بعد البلوغ فينفذ عليه. ولو حجر السيد على عبده المأذون تم البيع، وقيل ينتقل الخيار إلى المولى. ولو اشترى المكاتب أو باع بشرط الخيار ثم عجز في الثلاث تم البيع عندهم، كذا في الظهيرية. فقد علم أن الخيار لا ينتقل على المعتمد لان قول أبي يوسف في الاولى هو المعتمد ولكن خرج عنه العبد المأذون إذا باع بشرط الخيار فإن للمولى الاجازة إن لم يكن مديونا ولا يجوز فسخه عليه إلا أن يجعله لنفسه ثم يفسخ بحضرة المشتري أو بما يكون فسخا من الافعال في غيبة المشتري، كذا في الظهيرية. وأما الوكيل إذا عزل وله الخيار فإنه لا يبطل اتفاقا، كذا في السراج الوهاج. وأما مضي المدة فمبطل للخيار، سواء كان للبائع أو للمشتري إذا لم يثبت الخيار إلا فيها فلا بقاء له بعدها كالمخيرة في وقت مقدر. وأما الاعتاق وتوابعه وهي التدبير والكتابة فإنما يتم به إذا كان الخيار للمشتري وفعلها، أما إذا كان للبائع وفعلها كان فسخا. وذكر المصنف السقوط بطريق الضرورة وهو الموت ومضي المدة والسقوط بطريق الدلالة وهو الاعتاق، ولم يذكر ما يكون إجازة بالقول صريحا ولا ما يكون إجازة بالفعل. أما الاول ففي جامع الفصولين: المشتري بالخيار إذا قال أجزت شراءه أو شئت أخذه أو رضيت أخذه بطل خياره، ولو قال هويت أخذه أو أحببت أو أردت أو أعجبني أو وافقني لا يبطل اه‍. وفيه: لو طلب المشتري الاجر من الساكن بطل خياره، ولو دعا الجارية إلى فراشه لا يبطل سواء كان الخيار للبائع أو للمشتري. وأما الثاني ففيه لو حجم العبد أو سقاه دواء أو حلق رأسه كان رضا لا لو أمر

[ 30 ]

امرأة بمشط أو دهن ألبس. ولو اشترى أرضا مع حرثه فسقى الحرث أو فعل منه شيأ أو حصده أو عرض المبيع للبيع بطل خياره لا لو عرضه ليقوم، ومشتري الدار لو أسكنه بأجر أو بلا أجرأو ورم منه شيأ أو بنى أو جصص أو طين أو هدم منه شيأ فهو رضا. ولو طحن في الرحا ليعرف قدر طحنه إن طحن أكثر من يوم وليلة بطل خياره لا فيما دونه. ولو قص حوافر الدابة أو أخذ من عرفها لم يكن رضا، ولو ودجها أو بزغها فهو رضا. والتوديج شق الاوداج جملة. ولو استخدم الخادم مرة أو لبس الثوب مرة أو ركب الدابة مرة لم يبطل خياره، ولو فعله مرتين بطل. ولو شرى قنا بخيار فرآه يحجم الناس بأجر فسكت كان رضا لا لو بلا أجر لانه كالاستخدام ألا ترى أنه لو قال له احجمني فحجمه لم يكن رضا. شرى أمة فأمرها بإرضاع ولده لم يكن رضا لانه استخدام. ولو ركب دابة ليسقيها أو ليردها على البائع بطل خياره قياسا لا استحسانا اه‍. ثم قال: شرى بقرة بخيار فحلبها قال أبو حنيفة: بطل خياره. وقال أبو يوسف: لا حتى يشرب اللبن أو يتلفه اه‍. وذكر الشارح أن كل تصرف لا يحل إلا في الملك فإنه أجازة كالوطئ والتقبيل لا ما يحل في غيره كالاستخدام. وزاد في المعراج على ما ذكرناه إغماء من له الخيار، ولو أفاق في المدة فله الخيار. وذكر الاسبيجابي الاصح أنه على خياره. والتحقيق أن الاغماء والجنون لا يسقطان إنما المسقط له مضي المدة من غير اختيار، ولذا لو أفاق فيها وفسخ جاز، ولو سكر من الخمر لا يبطل بخلاف السكر من البنج، ولو ارتد فعلى خياره اجماعا فلو تصرف بحكم خياره توقف عنده خلافا لهما اه‍. وأطلق في الاعتاق فشمل ما إذا علقه بشرط فوجد في المدة كما في المعراج. وأشار بالاعتاق إلى كل تصرف لا يفعل إلا في الملك كما إذا باعه أو وهبه وسلمه أو رهن أو آجر وإن لم يسلم على الاصح كما في المعراج. وليس منه ما إذا قبض الثمن من البائع وكذا هبته وانفاقه إلا إذا استدانة لغيره كالدراهم والدنانير. ولو باع جارية بعبد على أنه بالخيار في الجارية فهبة العبد أو عرضه على البيع إجازة وعرضها على

[ 31 ]

البائع ليس بفسخ على الاصح، ولو أبرأه من الثمن أو اشترى منه به شيأ أو ساومه به فهو إجازة، كذا في المعراج. وقيد الاستخدام ثانية من المشتري بأن لا يكون في نوع آخر والركوب امتحانا ليس إجازة لا ثانيا كركوبها لحاجة أو شغل أو حمل عليها إلا علفها عند محمد، والركوب للرد والسقي والاعلاف إجازة، ولو نسخ من الكتاب لنفسه أو لغيره لا يبطل، وإن قلب الاوراق وبالدرس منه يبطل، وقيل على عكسه وبه أخذ الفقيه أبو الليث اه‍. وفي الظهيرية: لو سقى من نهرها أرضا له أخرى سقط وكرى النهر وكبس البئر يسقط خياره، ولو انهدمت البئر ثم بناها لم يعد خياره، ولووقعت فيها فأرة أو نجاسة سقط وروي أنه إذا نزح عشرين دلوا لم يسقط اه‍. وفي السراج الوهاج: إذا زوج العبد أو الامة سقط خياره. وفي المحيط: باع عبدا بخيار له فأذن له في التجارة لم يكن نقضا إلا أن يلحقه دين، لو أمضاه بعدما لحقه دين لم يجز لان الغريم أحق به من المشتري. ولم يذكر المصنف هنا حكم ما إذا زاد المبيع أو نقص في المدة وذكر فيما قبله حكم ما إذا تعيب. أما الثاني ففي المعراج: ولو حدث به عيب في خيار المشتري بطل خياره، سواء حدث بفعل البائع أو بغير فعله، لكونه في ضمان المشتري حيث كان في يده عندهما. وقال محمد: لا يلزمه العقد بجناية البائع. وعلى قولهما يرجع المشتري بالارش على البائع، ولو كان الخيار للبائع فحدث به عيب فهو على خياره لكنه يتخير المشتري، ولو حدث بفعل البائع انتقض البيع لان ما انتقض مضمون عليه، كذا في المعراج وقدمناه. وأما الاول أعني الزيادة ففي جامع الفصولين شرى بخيار فزاد المبيع في يد المشتري زيادة متصلة متولدة كسمن وجمال وبرء وانجلاء بياض عن العين يمنع الرد ويلزم البيع إلا عند محمد، وإن كانت متصلة لم تتولد كصبغ وخياطة ولت سويق بسمن وثنى أرض وغرس شجر يمنع الفسخ وفاقا. ولو كانت منفصلة متولدة كعقر وولد وأرش ولبن وثمر وصوف تمنع وفاقا، وإن كانت منفصلة لم تتولد كغلة وكسب وهبة وصدقة لا يمنع وفاقا، فإن أجاز المشتري فهو له وإلا فكذلك عندهما، وعند أبي حنيفة ترد على البائع اه‍. وفي السراج: إذا باضت الدجاجة في المدة سقط الخيار

[ 32 ]

إلا أن تكون مذرة، وإذا ولدت الحيوان ولدا سقط إلا أن يكون الولد ميتا اه‍. والحاصل أنها مانعة مطلقا إلا منفصلة لم تتولد. وفي الظهيرية عن الثاني: اشترى عبدا بخيار ثلاثا وقبضه فوهب للعبد مال أو اكتسبه ثم استهلكه العبد بعلم المشتري بغير إذنه أو بغير علمه لم يبطل خيار المشتري في العبد. ولوهب للعبد أم ولد المشتري وقبضها العبد بطل خيار المشتري في العبد قال: ولا يشبه الولد أم الولد من قبل أن أم الولد تبقى على ملكه بعد الرد بحكم الخيار والولد لا يبقى اه‍. والاخير يحتاج إلى تحرير، وأما الاخذ بشفعة فصورته أن يشتري دارا بشرط الخيار ثم تباع دار أخرى بجنبها فيأخذها المشتري بشرط الخيار بالشفعة لانه لا يكون إلا بالملك فكان دليل الاجازة فتضمن سقوط الخيار، وقدمنا الاعتذار لابي حنيفة عنه عند قوله ولا يملك المشتري ولو قال المؤلف وطلب الشفعة بها بدل الاخذ لكان أولى لان طلبها مسقط وإن لم يأخذها كما في المعراج. وقيد بخيار الشرط لان طلبها لا يسقط خيار الرؤية والعيب كما في المعراج واقتصار الشارح على خيار الرؤية قصور. قوله: (ولو شرط المشترى الخيار لغيره صح وأيهما أجاز أو نقض صح) لان شرط الخيار لغيره جائز استحسانا لا قياسا وهو قول زفر، لانه من مواجب العقد فلا يجوز اشتراطه لغيره كاشتراط الثمن على غير المشتري. ولنا أن الخيار لغير العاقد لا يثبت. إلا نيابة عن العاقد فيقدم الخيار له اقتضاء ثم يجعل هو نائبا عنه تصحيحا لتصرفه، وحينئذ يكون لكل منهما الخيار فأيهما أجاز جاز وأيهما نقض انتقض. ولو قال المصنف ولو شرط أحد المتعاقدين الخيار لاجنبي صح لكان أولى ليشمل ما إذا كان الشارط البائع أو المشتري، وليخرج اشتراط أحدهما للآخر فإن قوله لغيره صادق بالبائع وليس بمراد ولذا قال في المعراج: والمراد من الغير هنا غير العاقدين ليتأتى فيه خلاف زفر. قيد بخيار الشرط لان خيار العيب والرؤية لا يثبت لغير العاقدين كما في المعراج، وأفاد كلامه أن أحدهما لو أجاز فقال الآخر لا أرضى فالبيع لازم. ولو أمر وكيله بالبيع بشرط الخيار فباعه بشرط لم يجز، ولو باع واشترط كما أمره فليس له أن يجيز على الآمر وللآمر الاجازة، ولو وكله بشراء بشرط للآمر فاشترى ولم يشترطه نفذ عليه، كذا في السراج الوهاج قوله: (فإن أجاز أحدهما ونقض الآخر فالاسبق أحق) لوجوده في زمان لا يزاحمه فيه غيره.

[ 33 ]

قوله: (وإن كانا معا فالفسخ) أي لو فسخ أحدهما وأجاز الآخر وخرجا منهما معا ترجح الفسخ على الاجازة لان الفسخ أقوى لان المجاز يلحقه الفسخ والمفسوخ لا تلحقه الاجازة، ولما ملك كل منهما التصرف رجحنا بحال التصرف، كذا في الهداية. وأورد عليه لا نسلم أن المفسوخ لا تلحقه الاجازة فإنه ذكر في المبسوط أن الفسخ بحكم الخيار محتمل للفسخ في نفسه حتى لو تفاسخا ثم تراضيا على فسخ الفسخ وعلى إعادة العقد بينهما جاز، وفسخ الفسخ ليس هو إلا إجازة البيع في المفسوخ. وأجاب عنه في المعراج بأنه غير لازم لانا نقول: الاجازة لا ترد على المنتقض ولا إجازة فيما ذكرتم بل هو بيع ابتداء، كذا في الفوائد الظهيرية. وما ذكره المصنف من ترجيح الفسخ دون تصرف العاقد صححه قاضيخان معزيا إلى المبسوط. وفي رواية الراجح تصرف العاقد لقوته لان النائب يستفيد الولاية منه. وقيل: هو قول محمد، وما في الكتاب قول أبي يوسف. واستخرج ذلك بما إذا باع الوكيل من رجل والموكل من غيره معا، فمحمد يعتبر فيه تصرف الموكل، وأبو يوسف يعتبرهما، كذا في الهداية. وقيد بالوكيل بالبيع لان الوكيل بطلاقها للسنة إذا طلقها الوكيل والموكل معا فالواقع طلاق أحدهما لا على التعيين. وأجاب عنه في فتح القدير بأن الوكيل فيه سفير كالوكيل بالنكاح فكان الصادر من كل واحد منهما صادرا عن أصالة بخلاف الوكيل بالبيع اه‍. وفي الظهيرية: وعن أبي يوسف في المنتقى: وصيان يشتريان بشرط الخيار فأجاز أحدهما ونقض الآخر فإن الاجازة أولى اه‍. وفي المحيط: وكيل اشترى بشرط الخيار لموكله بأمره أو بغير أمره إذا ادعى البائع رضا الآمر وأنكر الرجل فالقول للوكيل بلا يمين لان البائع يدعي سقوط الخيار ووجوب الثمن وهو ينكر ولا يمين لانه دعوى على الآمر دون العاقد، والآمر لو أنكر لا يستحلف وكيله لانه نائب عن العاقد في الحقوق وليس بأصيل، وإن ادعى الرضا على الوكيل يحلف لان الدعوى توجهت عليه، وإن أقام بينة على رضا الآمر قبلت لان الوكيل ينتصب خصما عن الآمر لانه ادعى حقا على الحاضر وهو سقوط الخيار بسبب ادعائه على الغائب اه‍. وأشار المؤلف بكون الاشتراط للغير اشتراطا لنفسه إلى أنه لو أمره ببيع ما له بشرط الخيار له فباع وشرطه للآمر لم يكن مخالفا، وعلى عكسه يكون مخالفا لانه أمره ببيع لا يزيل الملك بدون رضاه وأن لا يكون للمأمور فيه رأي وتدبير ويكون الرأي والتدبير فيه للآمر أصلا وله تبعا، وما فعله بعكسه فإن شرط الخيار للآمر ثم أجاز هو البيع جاز عليه دون الآمر وخيار الآمر باق حتى لو أجاز كان له، أنه فسخ يلزم الوكيل لان الخيار ثبت للآمر بالشرط فصار كخيار العيب إذا ثبت بالعقد والوكيل بالشراء إذا وجد عيبا بالمبيع ورضى به نفذ فيما بينه وبين البائع وخيار البائع على حاله، فإن رضى به لزمه، وإن رد لزم الوكيل

[ 34 ]

فكذا هذا، كذا في المحيط. ثم اعلم أن التصرفين إذا صدرا معا فقد علم الحكم في باب الخيار، وأما تصرف الموكل مع تصرف الوكيل فظاهر ما قدمناه أنه إن كان الوكيل أصيلا في الحقوق نفذ كل منهما في النصف، وإن كان نائبا فيها نفذ واحد لا على التعيين. وأما إذا صدرا من فضوليين فلا كلام في التوقف على إجازة من له الاجازة وإنما الكلام فيما لو أجيزا قالوا: يثبت الاقوى فلو باع فضولي وزوج آخر ترجح البيع فتصير مملوكة لا زوجة، ولو استويا فإن كانا نكاحين بطلا، وإن كانا بيعين تنصف والبيع أقوى من الهبة والاجازة والرهن والنكاح إلا هبة لا تبطل بالشيوع فإنهما سواء، والهبة والرهن أقوى من الاجازة وسيأتي في بيع الفضولي يقية مسائله إن شاء الله تعالى. قوله: (ومن باع عبدين على أنه بالخيار في أحدهما أن فصل وعين صح وإلا فلا) شروع في بيان ما إذا كان المبيع متعددا. وحاصلها أنها رباعية فالصحة في واحدة وهو ما إذا فصل له ثمن كل منهما وعين من فيه الخيار منهما لان المبيع معلوم والثمن معلوم وقبول العقد في الذي فيه الخيار وإن كان شرطا لانعقاده في الآخر ولكن هذا غير مفسد للعقد لكونه محلا للبيع كما إذا جمع بين قن ومدبر. والفساد في ثلاثة: الاولى إذا لم يفصل الثمن ولم يعين محل الخيار لجهالتهما. الثانية فصل ولم يعين محله لجهالة المبيع. والثالثة عين محله ولم يفصل الثمن لجهالة الثمن. والاصل فيه أن الذي فيه الخيار كالخارج عن العقد إذ العقد مع الخيار لا ينعقد في حق الحكم فبقي الداخل فيه أحدهما وهو غير معلوم. وإنما جاز البيع في القن إذا ضم إلى مدبر أو مكاتب أو أم ولد وبيعا صفقة وإن لم يفصل الثمن على الاصح لان المانع من حكم العقد فيما نحن فيه مقارن للعقد لفظا ومعنى فأثر الفساد، وفيما ذكر المانع مقارن معنى لا لفظا لدخولهم في البيع حتى لو قضى به قاض يجوز لكن لم يثبت الحكم لحق محترم واجب الصيانة فأثر الفساد، كذا في المعراج. وفي ضم أم الولد والمكاتب إلى المدبر في جواز القضاء ببيعه نظر فإن الصحيح أنه ينفذ في المدبر فقط. وفي فتح القدير: وعلى ما ذكر هنا يتفرع ما في فتاوي قاضيخان: باع عبدين على أنه بالخيار فيهما وقبضهما المشتري ثم مات أحدهما لا يجوز البيع في الباقي. وإن تراضيا على إجازته لان الاجازة حينئذ بمنزلة ابتداء العقد في الباقي بالحصة. ولو قال البائع في هذه المسألة نقضت البيع في هذا أو في أحدهما كان لغوا كأنه لم يتكلم وخياره فيهما باق كما كان كما لو باع عبدا واحدا وشرط الخيار لنفسه فنقض البيع في نصفه اه‍. وهكذا في الظهيرية. وتقييده بالبائع اتفاقي إذ لو شرط للمشتري كان كذلك صحة وفسادا. وأراد بالعبدين القيميين احترازا عن قيمي ومثليين إذ في القيمي الواحد

[ 35 ]

إذا شرط الخيار في نصفه يصح مطلقا، وفي المثليين كذلك لعدم التفاوت كما ذكره الشارح اه‍ قوله: (وصح خيار التعيين فيما دون الاربعة) وهو أن يبيع أحد العبدين أو الثلاثة أو أحد الثوبين أو الثلاثة على أن يأخذ المشتري واحدا والقياس الفساد كالاربعة لجهالة المبيع وهو قول زفر. وجه الاستحسان أن شرع الخيار للحاجة إلى دفع الغبن ليختار ما هو الارفق والاوفق والحاجة إلى هذا النوع من البيع متحققة لانه يحتاج إلى اختيار من يثق به أو إختيار من يشتريه لاجله ولا يمكنه البائع من الحمل إليه إلا بالبيع فكان في معنى ما ورد به الشرع غير أن هذه تندفع بالثلاث لوجود الجيد والوسط والردئ فيها، والجهالة لا تفضي إلى المنازعة في الثلاثة لتعيين من له الخيار، وكذا في الاربعة إلا أن الحاجة إليها غير متحققة والرخصة ثبوتها بالحاجة، وكون الجهالة موجودة غير مفضية إلى المنازعة فلا يثبت بإحدهما. أطلقه فشمل ما إذا كان للبائع أو للمشتري وهو المذكور في المأذون وهو الاصح، ذكره في شرح التلخيص. وفي جامع الفصولين: يجوز خيار التعيين في جانب البائع كما يجوز في جانب المشتري اه‍. وفي الظهيرية: وللبائع أن يلزم أيهما شاء على المشتري، فإن هلك أحدهما في يد البائع فله أن يلزمه الباقي لا الهالك، ولو حدث في أحدهما عيب في يد البائع فله أن يلزمه السليم، وليس له أن يلزمه المعيب إلا برضة المشتري، فإن ألزمه المعيب ولم يرض به ليس له أن يلزمه الآخر بعد ذلك، ولو قبضهما المشتري وخيار التعيين للبائع فهلك فالبيان بحاله اه‍. وأما إذا كان الخيار للمشتري فالبيع لازم في أحدهما إلا أن يكون معه خيار شرط وما هو مبيع مضمون بالثمن وغير المبيع أمانة، فلو اشترى ثلاثة أثواب وعين لكل ثمنا على أن له خيار التعيين فاحترق ثوبان ونصف الثالث رد النصف الباقي ولا شئ عليه من ضمان النصف المحترق وضمن نصف ثمن المحترقين ولو كان ثوبان فاحترق نصف كل معا رد أيهما شابغير ضمان وضمن ثمن الآخر، ولو احترق أحدهما ونصف الآخر لزمه ثمن المحترق لتعينه مبيعا ورد الآخر بغير ضمان ويسقط خيار التعيين بما يسقط به خيار الشرط. وإذا بيع أحدهما أو هلك تعين هو مبيعا والآخر أمانة، ولو هلكا معا ضمن نصف ثمن كل واحد منهما، ولو اختلفا 0 في الهالك أولا تحالفا على العلم على قول ام الاول ثم رجع إلى قوله

[ 36 ]

الثاني من أن القول للمشتري مع يمينه وبينة البائع أولى. ولو تعيبا معا فالخيار ربحا له وإن على التعاقب تعين الاول مبيعا، وإن اختلفا في الاول فعلى ما ذكرنا. ولو باعهما المشتري ثم اختار أحدهما صح بيعه فيه، ولو صبغ المشتري أحدهما تعين هو مبيعا ورد الآخر، ولو أعتقهما البائع عتق الدي يرد عليه وإن كان أعتق ما اختاره المشتري للبيع لم يصح إعتاقه. ولو استولدهما المشتري تعينت الاولى للبيع وضمن عقر الاخرى للبائع ولا يثبت نسب ولدها منه لعدم الملك ويؤمر المشتري بالبيان أيتهما استولدها أولا، فإن مات قبل البيان فخيار التعيين للورثة، فإن لم تعرف الورثة الاول منهما ضمن المشتري نصف ثمن كل واحدة منهما ونصف عقرهما للبائع ويسعيان في نصف قيمتهما للبائع، وروي أن الولدين يسعيان أيضا في نصف قيمتهما للبائع. ولو وطئهما البائع والمشتري فولدتا وادعى كل واحد منهما الولدين صدق المشتري في التي وطئها أولا وضمن عقر الاخرى ويثبت نسب الاخرى من البائع لانه استولد جارية نفسه ويضمن البائع عقر الاخرى للمشتري. وإن ماتا قبل البيان ولم تعلم ورثة المشتري الاول منهما لم يثبت نسب الولد من أحد لوقوع الشك وعتقوا وضمن المشتري نصف ثمن كل واحدة منهما ونصف عقرها للبائع، والبائع يضمن نصف عقر كل واحدة للمشتري ويتقاصان وولاؤهم بينهما. وقيل: لا ولاء على الولدين، كذا في الظهيرية. ثم قال بعده: ويجوز خيار التعيين في الفاسد أيضا إلا أن ههنا ما يتعين للبيع كان مضمونا بالقيمة والباقي كما قلنا في الجائز. وإن ماتا معا ضمن نصف قيمة كل واحد منهما، ولو أعتقهما المشتري عتق أحدهما والتعيين إليه، ولو أعتق أحدهما المشتري بعينه أو باعه جاز وعليه قيمت، ولا يجوز إعتاق المبهم لا من البائع ولا من المشتري لان العتق المبهم بين المملوكين للمعتق ولم يوجد. ولو أعتق البائع أحدهما بعينه ثم أعتق المشترى ذلك أو عينه للبيع أو مات فعتق البائع باطل ولو رد ذلك على البائع صح عتقه، ولو كان أعتقهما وردا عليه عتق أحدهما والتعيين إليه اه‍. وقيدوا صورة خيار التعييبأن يقول على أن تأخذ أيهما شئت لانه لو لم يذكر هذه الزيادة وقال بعتك أحد هذين العبدين فقبل يكون فاسدا لجهالة المبيع، فإن قبضهما وماتا عنده ضمن نصف قيمة كل واحد منها، وإن مات أحدهما قبل صاحبه لزمه قيمة الآخر، كذا في المحيوتقدم تفاريعه. ولم يذكر المؤلف خيار الشرط مع خيار التعيين للاختلاف، فقييشترط أن يكون فيه خيار الشرط مع خيار التعيين وهو المذكور في الجامع الصغير. قال شمس الائمة: وهو الصحيح فإذا ذكرا فله ردهما في المدة وإذا مضت لزم في أحدهما وله التعيين. وقيل: لا وهو المذكور في الجامع الكبير وصححه فخر

[ 37 ]

الاسلام، فيكون ذكره في الجامع الصغير وفاقا لا شرطا. ورجحه في فتح القدير ولكن ذكر قاضيخان أن الاشتراط قول أكثر المشايخ، وإذا لم يذكر خيار الشرط على هذا القول فلا بد من تأقيت خيار التعيين بالثلاث عنده، وبأي مدة معلومة كانت عندهما، كذا في الهداية. وذكر في المحيط أنه لا يتأقت عنده بالثلاث فيجوز إلى أربعة عنده. وفيها: ثم ذكر في بعض النسخ: اشترى ثوبين وفي بعضها اشترى أحد الثوبين وهو الصحيح لان المبيع في الحقيقة أحدهما والآخر أمانة والاول تجوز واستعارة اه‍. وفي فتح القدير: وإذا أقت خيار التعيين وكان فيه خيار الشرط فمضت المدة حتى انبرم في أحدهما ولزم التعيين أن يتقيد التعيين بثلاثة أيام من ذلك الوقت، وحينئذ فإطلاق الطحاوي قوله خيار الشرط مؤقت بالثلاث في قوله غير مؤقت بها عندهما وخيار التعيين مؤقت فيه نظر اه‍. وذكر الشارح أنه إذا لم يذكر خيار الشرط فلا معنى لتأقيت خيار التعيين بخلاف خيار الشرط فإن التأقيت فيه يفيد لزوم العقد عند مضي المدة، وفي خيار التعيين لا يمكن ذلك لانه لازم في أحدهما قبل مضي الوقت يمكن تعينه بمضي الوقت بدون تعيينه فلا فائدة لشرط ذلك، والذي يغلب على الظن أن التوقيت لا يشترط فيه اه‍. ويمكن أن يراد قسم آخر وهو ارتفاع العقد فيهما بمضي المدة من غير تعيين بخلاف مضيها في خيار الشرط فإنه إجازة ليكون لكل خيار ما يناسبه. وأطلق في محل الخيار وقيده في البدائع بالاشياء المتفاوتة. كالعبيد والثياب فعلى هذا لا يدخل خيار التعيين في المثليا من جنس واحد لانه لا فائدة له لعدم التفاوت وفيها: وأما ما يبطل هذا الخيار وهو نوعان: اختياري وضروري. والاختياري نوعان: صريح وما يجري مجراه، فالاختياري اخترت هذا أو شئته أو رضيت به أو أجزته وما يجري مجراه، وأما الاختياري دلالة فهو أن يوجد منه فعل في أحدهما يدل على تعيين الملك فيه كما قدمناه في خيار الشرط. وأما الضروري فهلاك أحدهما بعد القبض وتعيبه، وأما إذا تعيبا لم يتعين أحدهما للبيع وللمشتري أن يأخذ أيهما شاء بثمنه لكن ليس له ردهما للزوم البيع في أحدهما بتعيبهما في يده وبطخيار الشرط، وهذا يؤيد قول من يقول بأن فيه خيارين. قوله: (ولو اشتريا على أنهما بالخيار فرضي أحدهما لا يرده الآخر) عند أبي حنيفة. وقالا: له أن يرده وعلى هذا الخلاف خيار العيب والرؤية، كذا في الهداية. وخصه في البناية بما إذا كان بعد القبض، أما قبله فليس له الرد يعني اتفاقا. لهما أن إثبات الخيار لهما إثباته لكل واحد منهما فلا يسقط باسقاط صاحبه لما فيه من إبطال حقه. وله أن المبيع خرج عن

[ 38 ]

ملكه غير معيب بعيب الشركة فلو رده أحدهما لرده معيبا به وفيه الزام ضرر زائد، وليس من ضرورة إثبات الخيار لهما الرضا برد أحدهما لتصور اجتماعهما على الرد. وقوله رضا أحدهما لا يرده الآخر اتفاقي إذ لو رد أحدهما لا يجيزه الآخر ولم أره صريحا ولكن قولهم لو رده أحدهما لرده معيبا يدل عليه. وكذا قوله اشتريا إذ لو باعا ليس لاحدهما الانفراد إجازة أو ردا لما في الخانية: رجل اشترى عبدا من رجلين صفقة واحدة على أن البائعين بالخيار فرضي أحدهما بالبيع ولم يرض الآخر لزمهما البيع في قول أبي حنيفة اه‍. وأشار إلى أن المبيع لو كان متعددا والخيار لاحدهما ليس له أن يجيز في البعض ويرد في البعض، وكذا لو كان واحدا فأجاز من له الخيار في النصف ورده في النصف كما قدمناه، وصرح به في الخانية لكن ذكروه فيما إذا كان الخيار للبائع ولا فرق بينهما قوله: (ولو اشترى عبدا على أنه خباز أو كاتب فكان بخلافه أخذه بكل الثمن أو تركه) لان هذا وصف مرغوب فيه فيستحق بالعقد بالشرط ثم فواته يوجب التخيير لانه ما رضي بدونه، وهذا يرجع إلى اختلاف النوع لقلة التفاوت في الاغراض ولا يفسد بعدمه العقد بمنزلة وصف الذكورة والانوثة في الحيوانات فصار كفوات وصف السلامة، وإذا أخذه أخذه بجميع الثمن لان الاوصاف لا يقابلها شئ من الثمن لكونها تابعة في العقد على ما عرف. وفي المعراج: قوله على أنه خباز أي عبد حرفته هكذا لانه لو فعل هذا الفعل أحيانا لا يسمى خبازا. وفي الذخيرة قال محمد في الزيادات: فإن قبضه المشتري فوجده كاتبا أو خبازا على أدنى ما ينطلق عليه الاسم لا يكون له حق الرد لا النهاية في الجودة. ومعنى أدنى ما ينطلق عليه الاسم أن يفعل من ذلك ما يسمى به الفاعل خبازا أو كاتبا لان كل واحد لا يعجز في العادة من أن يكتب على وجه تتبين حروفه، وأن يخبز مقدار ما يدفع الهلاك عن نفسه وبذلك لا يسمى خبازا ولا كاتبا اه‍. وفي فتح القدير: لو مات هذا المشتري انتقل الخيار إلى وارثه اجماعا لانه في ضمن ملك العين

[ 39 ]

اه‍. وفي الذخيرة: فلو امتنع الرد بسبب من الاسباب رجع المشتري على البائع بحصته من الثمن فيقوم العبد كاتبا أو غير كاتب وينظر إلى تفاوت ما بينهما، فإن كان بقدر العشر رجع بعشر الثمن، وفي رواية لا رجوع بشئ ولكن ما ذكر في ظاهر الرواية أصح. ولو وقع الاختلاف بين البائع والمشتري في هذا لصورة بعدما مضى حين من وقت البيع فقال المشتري لم أجده كاتبا وقال البائع إنسلمته إليك كذلك ولكنه نسي عندك وقد ينسى ذلك في تلك المدة فالقول للمشتري لان الاختلاف وقع في وصف عارض إذا الاصل عدم الكتابة والخبز. والاصل أن القول قول من يدعي الاصل وأن العدم أصل في الصفات العارضة والوجود أصل في الصفات الاصلية فالقول للمشتري في عدم الخبز والكتابة لانهما من الصفات العارضة. والقول للبائع في أنها بكر لانها صفة أصلية وتمامه في فتح القدير. وكتبناه في القواعد في قاعدة أن اليقين لا يزول بالشك. وفي تلخيص الجامع من باب الاقرار بالعيب: لو باعه ثوبا على أنه هروي ثم اختلفا في كونه هرويا فالقول للبائع لان البائع لما قال بعتكه على أنه هروي فقبل المشتري صار كأنه أعاد ما في الايجاب فصار كأنه قال اشتريته على أنه هروي فكان مقرا بكونه هرويا، فدعواه بعد خلافه تناقض بخلاف ما إذا قال بعتكه على أنه كاتب فقبل فالقول للمشتري لان الاختلاف فيه في المقبوض وتمامه في شرحه للفارسي. وفي النوازل: اشترى جارية على أنها عذراء فعلم المشتري أنها ليست كذلك فإن علم بالوطئ، فإن زايلها عند علمه بلا لبث لم تلزمه وإلا لزمته. ولو اشترى بقرة على أنها حبلى فولدت عنده فشرب اللبن وأنفق عليها فإنه يردها والولد وما شرب من اللبن ولا شئ له مما أنفق لان البيع وقع فاسدا فكانت في ضمانه والنفقة عليه. ولو اشترى شاة على أنها نعجة فإذا هي معز يجوز البيع وله الخيار لان حكمهما واحد في الصدقات، وكذا لو اشترى بقرة فإذا هي جاموس. وفي المجتبى عن جمع البخاري: الاصل فيه أن الاشارة مع التسمية إذا اجتمعتا، فإن كان المشار إليه من خلاف جنس المسمى فالعقد فاسد، وإن كان من جنسه فالعقد جائز. ثم إن كان المشار إليه دون المسمى كان الخيار للمشتري وإلا فلا. والثياب أجناس والذكر مع الاثنى في بني آدم جنسان حكما وفي سائر الحيوانا ت جنس واحد. وإذا كان المشار إليه من خلاف جنس المسمى فإنما يتعلق العقد بالمسمى إذا لم يعلم المشتري به، أما إذا علم به فالعقد يتعلق بالمشار إليه كمن قال بعتك هذا الحمار وأشار إلى العبد فإنه يصح. ولو اشترى ثوبا على أنه هروي فإذا هو بلخي

[ 40 ]

فالبيع فاسد عندنا، وكذا على أنه أبيض فإذا هو مصبوغ أو على أنه مصبوغ بعصفر فإذا هو بزعفران أو دارا على أن بناءها آجر فإذا هو لبن أو على أن لابناء أو لا نخل فيها فإذا فيها بناء أو نخل أو أرضا على أن أشجارها كلها مثمرة فإذا فيها غير مثمر فسد البيع. ولو اشترى جارية على أنها مولودة الكوفة فإذا هي مولودة بغداد أو غلاما على أنه تاجر أو كاتب أو غيره فإذا هو لا يسحنه أو على أنفحل فإذا هو خصي أو على عكسه أو على أنها بغلة فإذا هو بغل أو على أنها ناقة فإذا هو جمل أو على أنها لحم معز فإذا هو لحم ضأن أو على أن هذا الحيوان حامل فوجدها غير حامل، جاز البيع وله الخيار وكذا في أمثالها. ولو اشترى على أنه بغل فإذا هي بغلة أو حمار ذكر فإذا هو أتان أو جارية على أنها رتقاء أو ثيب فوجدها خلاف ذلك إلى خير جاز البيع ولا خيار له فيه ولا في أمثاله إذا وجده على صفة خير من المشروطة. ولو باع دارا بما فيها من الجذوع والابواب والخشب والنخيل فإذا ليس فيها شئ من ذلك لا خيار للمشتري. وفي المحيط: اشترى شاة أو ناقة أو بقرة على أنها حامل فسد البيع إلا في رواية الحسن، والاصح في الامة جوازه أو على أنها حلوب أو لبون أو على أنها تحلب كذا أو تضع بعد شهر يفسد. إلى هنا كلام المعراج. وذكر بعضه في فتح لقدير ثم قال: وينبغي في مسألة البعير والناقة أن يكون في العرب والبوادي الذين يطلبون الدر والنسل، أما أهل المدن والمكارية فالبعير أفضل اه‍. وصحح قاضيخان أنه لو باع جارية على أنها حامل أن البيع جائز لانه بمنزلة شرط البراءة من العيب إلا أن يكون في بلد يرغبون في شراء الجواري لاجل الاولاد، واختلفوا فيما إذا باع جارية على أنها ذات لبن فقيل لا يجوز والاكثر على الجواز. ولو اشترى فرسا على أنها هملاج جاز لان الهملاج لا يصير غيرهملاج. وفي البدائع: اشترى جارية على أنها مغنية إن شرطه على وجه الرغبة فيه فسد البيع لكونه شرط ما هو محظور محرم، وإن شرط في البيع على وجه

[ 41 ]

التبري من العيب لا يفسد، فإذا لم يجدها مغنية لا خيار له لانه وجدها سالمة من العيب. باع جارية على أنها ما ولدت فظهر أنها ولدت فله ردها، ولو اشترى ثوبا على انه مصبوغ العصفر فإذا هو أبيض جاز البيع ويخير بخلاف عكسه فإنه يفسد ولو اشترى كرباسا على أن سداه ألف فإذا هو ألف ومائة سلم الثوب إلى المشتري لانه زيادة وصف ولو اشترى ثوبا على أنه سداسي فإذا هو خماسي خير المشتري إن شاء أخذه بجميع الثمن وإن شاء ترك لانه اختلاف نوع لا جنس فلا يفسده. ولو باع ثوبا على أنه خز فإذا لحمته خز وسداه قطن جاز البيع لان السدي تبع للحمة. ولو اشترى سويقا على أن البائع لته بمن من سمن وتقابضا والمشتري ينظر إليه فظهر أنه لته بنصف من جاز البيع ولا خيار للمشتري لانه هذا مما يعرف بالعيان فإذا عاينه انتفى الغرور، وهو كما لو اشترى صابونا على أنه متخذ من كذا جرة من الدهن ثم ظهر أنه متخذ من أقل من ذلك والمشتري كان ينظر إلى الصابون وقت الشراء، وكذا لو اشترى قميصا على أنه اتخذ من عشرة أذرع وهو ينظر إليه فإذا هو من تسعة جاز البيع ولا خيار للمشتري. ولو باع أرضا على أنها غير خراجية فإذا هي خراجية فسد البيع، وينبغي أن يكون الجواب على التفصيل إن علم المشتري أنها أرض خراج فسد البيع، وإن لم يكن عالما بذلك جاز البيع ويخير المشتري. اشترى قلنسوة على أن حشوها قطن فلما فتقها المشتري وجدها صوفا اختلفوا والصحيح جواز البيع والرجوع بالنقصان لان الحشوتبع وتغير التبع لا يفسد اه‍. ما في الخانية. والهملاج قال في المصباح: هملج البرذون هملجة مشى مشية سهلة في سرعة. وقال في مختصر العين: الهملجة حسن سير الدابة وكلهم قالوا في اسم الفاعل هملاج بكسر الهاء للذكر والانثى بمقتضى أن اسم الفاعل لم يجئ على قياسه وهو مهملج اه‍. اعلم أن اشتراط

[ 42 ]

الوصف المرغوب فيه إما أن يكون صريحا أو دلالة لما في البدائع في خيار العيب: والجهل بالطبخ والخبز في الجارية ليس بعيب لكونه حرفة كالخياطة إلا أن يكون ذلك شرطا في العقد، وإن ليكن مشروطا في العقد وكانت تحسن الطبخ والخبز في يد البائع ثم نسيت في يده فاشتراها فوجدها لا تحسن ذلك ردها لان الظاهر أنه إنما اشتراها رغبة في تلك الصفة فصارت مشروطة دلالة وهو كالمشروط نصا اه‍. والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. باب خيار الرؤية قدمه على خيار العيب لانه يمنع تمام الحكم وذلك يمنع لزوم الحكم واللزوم بعد التمام. والاضافة من قبيل إضافة الشئ إلى شرطه لان الرؤية شرط ثبوت الخيار وعدم الرؤية هو السبب لثبوت الخيار عند الرؤية. ثم اعلم أن هذا الخيار يثبت للمشتري في شراء الاعيان ولا يثبت في الديون كالمسلم فبه والاثمان، وأما في رأس مال السلم إن كان عينا فإنه يثبت للبائع أي المسلم إليه الخيار فيه، ولا يثبت في كل عقد لا ينفسخ بالرد كالمهر وبدل الخلع وبدل الصلح عن القصاص والرد بخيار الرؤية فسخ قبل القبض وبعده، ولايحتاج إلى قضاء ولا رضا البائع. وينفسخ بقوله رددت إلا أنه لا يصلح الرد إلا بعلم البائع عندهما خلافا للثاني وهو يثبت حكما لا بالشرط. ولا يتوقت ولا يمنع وقوع الملك للمشتري حتى إنه لو تصرف فيه جاز تصرفه وبطل خياره ولزمه الثمن، وكذ لو هلك في يده أو صار إلى حال لا يملك فسخه بطل خياره، كذا في السراج الوهاج. وذكر في المعراج أن خيار الرؤية لا يثبت إلا في أربعة أشياء: في الشراء والاجارة والقسمة والصلح عن دعوى المال على شئ بعينه. وفي المعراج: لا يطالب البائع المشتري بالثمن قبل الرؤية قوله: (شراء ما لم يره جائز) أي

[ 43 ]

صحيح لما رواه ابن أبي شيبة والبيهقي مرسلا عن مكحول مرفوعا من اشترى شيأ لم يره فله الخيار إذا رآه إن شاء أخذه وإن شاء تركه وجهالته بعدم الرؤية لا تفضي إلى المنازعة لانه لو لم يوافقة يرده فصار كجهالة الوصف في المعاين المشار إليه. وإطلاق الكتاب يقتضي جواز البيع سواء سمى جنس المبيع أو لا، وسواء أشار إلى مكانه أو إليه وهو حاضر مستور أو لا مثل أن يقول بعت منك ما في كمي، وعامة المشايخ قالوا: إطلاق الجواب يدل على الجواز عنده. وطائفة قالوا: لا يجوز لجهالة المبيع من كل وجه. والظاهر أن المراد بالاطلاق ما ذكره شمس الائمة وصاحب الاسرار والذخيرة من أن الاشارة إليه أو إلى مكانه شرط الجواز حتى لو لم يشر إليه ولا إلى مكانه لم يجز بالاجماع مثل أن يشتري ثوبا في جراب أو زيتا في زق أو حنطة في غرارة من غير أن يرى شيئا، ومنه أن يقول بعتك درة في كمي صفتها كذا أو لم يقل صفتها كذا أو هذه الجارية وهي حاضرة متنقبة لبعد القول بجواز ما لم يعلم جنسه أصلا كأن يقول بعتك شيأ بعشرة، كذا في فتح القدير. وأراد بما لم يره ما لم يره وقت العقد ولا قبله، والمراد بالرؤية العلم بالمقصود من باب عموم المجاز فصارت الرؤية من أفرا المعنى المجاز ليشمل ما إذا كان المبيع مما يعرف بالشم كالمسك وما اشتراه بعد رؤيته فوجده متغيرا وما اشتراه الاعمى. وفي القنية: اشتى ما يذاق فذاقه ليلا ولم يره سقط خياره. قوله: (وله أن يرده إذا رآه وإن رضي قبله) أي للمشتري رده وإن قال رضيت قبل العلم به. وأعاد الضمير مذكرا للمعنى لان الخيار معلق بالرؤية لما روينا فلا يثبت قبلها. وأورد طلب الفرق بين الفسخ والاجازة قبلها فإنها غير لازمة وهو لازم مع استوائهما في التعلق بالشرط. والجواب أن للفسخ سببا آخر وهو عدم لزوم هذا العقد، وما كان ليس بلازم فللمشتري فسخه ولم يثبت لها سبب آخر فبقيت على العدم. ومنعه في فتح القدير بأنا لا نسلم أنه قبلها غير لازم بل نقوإنه بات، وإنما يحصل له عدم للزوم عندها فقبلها يثبت حكم السبب وهو اللزوم اه‍. وهو مردود لان اللازم ما لا يقبل الفسخ من أحدهما بدون رضا الآخر وهذا يقبله إذا رآه. وفي المحيط: قيل لا يملك فسخه قبلها وقيل يملكه وهو الاصح لان الفسخ كما يملك بالخيار يملك بسبب عدم لزوم البيع كالعارية والوديعة والوكالة والشركة وعدم اللزوم ثابت بسبب جهالة المبيع. واختلفوا هل هو مطلق أو موقت؟ فقيل موقت بوقت إمكان الفسخ بعدها حتى لو تمكن منه ولم يفسخ سقط خياره وإن لم توجد الاجازة صريحا ولا دلالة. وقيل: يثبت الخيار له مطلقا نص عليه في نوادر ابن رستم. وذكر

[ 44 ]

محمد في الاصل وهو الصحيح لاطلاق النصف والعبرة لعين النص لا لمعناه اه‍. وحاصله أنه غير لازم قبل الرؤية بسبب جهالة المبيع وإذا رآه حدث له سبب آخر بعد لزومه وهو الرؤية ولا مانع من اجتماع الاسباب على مسبب واحد. ثم اعلم أنه لا يملك فسخة إلا بعلم البائع، وقيد بخيار الرؤية لانه لو قال وله خيار العيب رضيت به قبل أن يراه ثم رآه فلا خيار له لان سبب الخيار فيه العيب وهموجود قبل العلم بخلافه هنا فافترقا، كذا في المعراج. وفي إيضاح الاصلاح: ولمشتريه الخيار عنده إلى أن يوجد مبطله، وإن قال رضيت قبلها لم يقل وإن رضي قبلها لما فيه من إبهام تحقق الرضا قبلها وفساده ظاهره اه‍. ويرد عليه البيع بشرط البراءة من العيوب فإنه صحيح وقالوا: إنه رضي بجميع عيوبه الظاهرة والباطنة مع أنه لم يطلع عليها حتى لو اطلع على عيب باطني لا يعلمه إلا الاطباء لا يملك رده فجاز تحقق الرضا قبل العلم والرؤية. وفي جامع الفصولين: خيار الرؤية وخيار العيب لا يثبتان في البيع الفاسد. وفي المحيط: اشترى راوية ماء فله الخيار إذا رآه لان بعض الماء أطيب من بعض اه‍. فعلى هذا له رد الماء بعد صبفي الحب حيث لم يره قبله أي الزير ولكن سيأتي أن البائع إذا حمله إلى منزل المشتري امتنع رده إلا إذا حمله إليه. وفي حيل الولوالجية: رجل باع ضيعة لم يرها المشتري فأراد أن يبيعها على وجه لا يكون له خيار الرؤية فالحيلة أن يقر بثوب لانسان ثم يبيع الثوب مع الضيعة، ثم المقر له يستحق الثوب المقربه فيبطل خيار المشتري لانه اشترى شيئين صفقة واحدة وقد استحق أحدهما فليس له أن يرد الباقي بخيار الرؤية لان فيه تفريق الصفقة على البائع اه‍. قوله: (ولا خيار لمباع ما لم يره) وهو قول الامام المرجوع

[ 45 ]

إليه لانه معلق بالشراء فلا يثبت دونه، وروي أن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه باع أرضا بالبصرة من طلحة بن عبيد الله فقيل لطلحة إنك قد غبنت فقال لي الخيار لاني اشتريت ما لم أره، وقيل لعثمان إنك قد غبنت فقال لي الخيار لاني بعت ما لم أره فحكما بينهما جبير بن مطعم فقضى بالخيار لطلحة وكان ذلك بمحضر من الصحابة، كذا في الهداية. وهذا الاثر رواه الطحاوي ثم البيهقي. فائدة: ذكر شيخ الاسلام ابن حجر في تقريب التهذيب جبير بن طعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي صحابي عارف بالانساب، مات سنة ثمان أو سبع وخمسين. ومراده البيع بثمن، أما إذا باع سلعة بسلعة ولم ير كل منهما ما يحصل له من العوض كان لكل واحد منهما الخيار لان كل واحد منها مشتر للعوض الذي يحصل له، كذا في السراج الوهاج. وفي جامع الفصولى: يثبت الخيار للبائع في الثمن لو عينا والكيلي والوزني إذا كانا عينا فهما كسائر الاعيان وكذا التبر من الذه بو الفضة والاواني ولا يثبت خيار الرؤية فيما ملك دينا في الذمة كالسلم والدراهم والدنانير عينا كان أو دينا، والكيلي والوزني لو لم يكونا عينا فهما كنقدين لا يثبت فيهما خيار الرؤية إذا قبضا اه‍. وفي الظهيرية: لو اشترى جارية بعبد وألف فتقابضا ثم رد بائع الجارية العبد بخيار الرؤية لم ينتقض البيع في الجارية بحصة الالف. وفي المحيط: باع عينا بعين لم يرها وبدين ثم رآها فردها ينتقض البيع في حصة العين ولا ينتقض في حصة الدين لانه لا خيار في حصته اه‍. قوله: (ويبطل بما يبطل به خيار الشرط) أي للمشتري يعني من صريح ودلالة وضرورة فما يفعل للامتحان لا يبطلهما إن لم يتكرر، فإن تكرر أبطلهما كالاستخدام مرة ثانية وما لا يفعل للامتحان ولا يحل في غير الملك، فإن كان ذلك التصرف لا يمكن رفعه كالاعتاق والتدبير أو تصرفا يوجب حقا للغير كالبيع المطلق أو بشرط خيار للمشتري والرهن والاجارة يبطله قبل الرؤية وبعدها لانه لما لزم تعذر الفسخ فبطل الخيار، وإن كان تصرفا لا يوجب حقا للغير كالبيع بشر الخيار للبائع والمساومة والهبة من غير تسليم لا يبطل قبل الرؤية لانه لا يربو علصريح الرضا ويبطله بعد الرؤية لوجود دلالة الرضا ويرد عليه طلب الشفعة فإنه مسقلخيار الشرط دون خيار الرؤية هو المختار كما في الولوالجية لانه دليل

[ 46 ]

الرضا وصريحه لا يبطله فدلالته أولى كالعرض على البيع وأخواته، وهذا هو العذر للمؤلف لانه قدم أن صريح الرضا لا يبطله قبلها، ولا يرد أن على صاحب الهداية لانه قال من تعيب وتصرف كما في العناية لكن يرد عليه الاسكان بغير أجر فإنه مبطل لخيار الشرط فقط مع أنه تصرف ويرد عليه الزيادة فإنها تبطلهما. والحاصل أن كلا من العبارتين لم يسلم من الايراد فيرد على صاحب الكنز الاخذ بالشفعة والعرض على البيع والبيع بخيار والاجارة والاسكان بلا أجر فإنها تبطل خيار الشرط دون الرؤية، وهذه لا ترد على صاحب الهداية إلا الاسكان فإنه تصرف ولكن يرد عليه ما في جامع الفصولين: لو أسكن المشتري في الدار رجلا بلا أجر سقط خيار الشرط كما لو أسكن بأجر، وفي خيار الرؤية لا يسقط إلا إن أسكنه بأجر اه‍. ولم يقيد بكونه قبل الرؤية ويرد على الكلية أيضا الرضا به قبل الرؤية لا يبطله ويبطل خيار الشرط، وأما العرض على البيع فقدمنا أنه لا يبطله قبله ويبطله بعدها والقبض أو نقد الثمن بعد الرؤية مسقط له. شراه وحمله البائع إلى بيت المشتري فرآه ليس له الرد لانه لو رده يحتاج إلى الحمل فيصير هذا كعيب حدث عند المشتري ومؤنة رد المبيع بعيب أو بخيار شرط أو رؤية على المشتري. ولو شرى متاعا وحمله إلى موضع فله رده بعيب أو رؤية لو رده إلى موضع العقد وإلا فلا. ولو شرى أرضا لم يرها فزرعها أكاره بطل خياره، وكذا لو قال الاكار رضيت وتصرف اشترى في المبيع يسقط خياره إلا في الاعارة فإنه لو أعار الارض قبل أن يراها ليزرعها المستعير لا يسقط خياره قبل الزراعة، كذا في جامع الفصولين. وذكر قبله: شرى شاة لم يرها فقال للبائع أحلب لبنها فتصدق به أو صبه على الارض ففعل بطل خياره في الشاة لقبض اللبن، ولو تصرف المشتري وسقط خياره ثم عاد إلى ملكه بسبب كالرد بقضاء أو فك الرهن أو فسخت الاجارة لم يرد بخيار الرؤية لانه بطل فلا يعود، كذا في المعراج: وفي القنية: اشترى قوصرة سكر لم يره ثم أخرجه من القوصرة وغربله فلم يعجبه سقط خياره. ثم رقم أن خياره باق وقدمنا مسألة ما إذا حمله المشتري إلى بلد آخر وأنه لا يرده إلا إذا أعاده إلى مكان العقد. - زاد في القنية - سواء ازدادت قيمته بالحمل أو انتقص.

[ 47 ]

وفي القنية أيضا: المشتري مضمون على المشتري بعد الرد بالثمن كما لو كان له خيار الشرط، وكذا الرد بالعيب بقضاء، وفي إيضاح الاصلاح: ومعنى بطلانه قبل الرؤية خروجه عن صلاحية أن يثبت له الخيار عندهما اه‍. وبه اندفع ما يقال كيف قالوا ببطلان الخيار قبلها مع أنه معلق بها كما قدمناه. وفي الظهيرية: لو اشترى عبدين فقتل أحد العبدين إنسان خطأ قبل القبض فأخذ المشتري قيمته من قاتله لا يبطل خياره في الآخر، والوطئ والولادة تبطل الخيار وإن مات الولد. عن عيسى بن أبان: إذا زوج المشتري الجارية قبل القبض ثم رآها قبل دخول الزوج فله الرد، والمهر يصلح بدلا عن عيب التزويج، وإن كان أرش العيب أكثر من المهر قيل يغرم الباقي وهو الصحيح. ولو عرض بعض المبيع على البيع أو قال رضيت ببعضه بعد ما رآه فالخيار بحاله في رواية المعلى عن أبي يوسف. وقال محمد: بطل خياره وهو قول أبي حنيفة. ولو اشترى شيئين ورأهما ثم قبض أحدهما فهو رضا. رواه ابن رستم عن أبي حنيفة. ورؤية أحدهما لا تكون كرؤيتهما إلا إذا قبض الذ رآه وأتلفه فحينئذ يلزمه وفيه خلاف أبي يوسف اه‍. وفي المحيط: اشترى عدل ثياب فلبس واحدا منهم بطل خياره في الكل. ثم اعلم أن من له الخيار يملك الفس إلا ثلاثة لا يملكونه: الوكيل والوصي والعبد المأذون إذا اشتروا شيأ ناقل من قيمته فإنهم لا يملكونه إذا كان خيار عيب ويملكونه إذا كان خيار رؤية أو شرط كما سيأتي في خيار العيب. ثم علم أن قوله يبطل بما يبطل به خيار الشرط غير منعكس فلا يقال ما لا يبطل خيار الشرط لا يبطل خيار الرؤية لانتفاضه بالقبض بعد الرؤية فإنه مبطل خيار الرؤية والعيب لا خيار الشرط، وهلاك بعض المبيع لا يبطل خيار الشر والعيب ويبطل خيار الرؤية، ذكرهما في التلقيح للمحبوبي. قوله: (وكفت رؤية وجه الصبرة والرقيق والدابة وكفلها وظاهر الثوب المطوى وداخل الدار) لان الاصل فيه أن رؤية جميع المبيع غيره شروط لتعذره فيكتفي برؤية ما يدل على العلم بالمقصود، فرؤية وجه الصبرة معرفة للبقية لكونه مكيلا يعرض بالنموذج وهو المكيلات والموزونات فيكتفي برؤية بعضه إلا إذا كان الباقي أردأ مما رأى فحينئذ يكون له الخيار أي خيار العيب لا خيار الرؤية كما في الينابيع وظاهر ما في الكافي أنه خيار رؤية، والتحقيق أنه في بعض الصور خيار عيب وهو ما إذا كان اختلاف الباقي يوصله إلى حد العيب، وخيار

[ 48 ]

رؤية إذا كان الاختلاف لا يوصله إلى اسم العيب بل الدون، وقد يجتمعان فيما إذا اشترى ما لم يره فلم يقبضه حتى ذكر البائع به عيبا ثم أراه المبيع في الحال - كذا في فتح القدير - بخلاف ما إذا كانت آحاده متفاوتة كالثياب والدواب فلا بد من رؤية كل واحد. والجوز والبيض مما يتفاوت آحاده فيما ذكر الكرخي، قال في الهداية: وينبغي أن يكون مثل الحنطة والشعير لكونها متقاربة. وصرح به في المحيط وفي المجرد وهو الاصح، ثم السقوط برؤية البعض في المكيل إذا كان في وعاء واحد، أما إذا كان في وعاءين أو أكثر اختلفوا فمشايخ العراق على أن رؤية أحدهما كرؤية الكل ومشايخ بلخ لا يكفي بلا بد من رؤية كل وعاء والصحيح أنه يبطل برؤية البعض لانه يعرف الباقي. هذا إذا ظهر له أن ما في الوعاء الآخر مثله أو أجود، أما إذا كان أردأ فهو على خياره وأما إذا كان متفاوت الآحاد كالبطاطيخ والرمان فلا تكفي رؤية البعض في سقوخياره ولو قال رضيت وأسقطت خياري. وفي شراء الرحا لا بد من رؤية الكل، وكذا السراج بأداته ولبده لا بد من رؤية الكل، كذا في فتح القدير. وإنما ذكر الرقيق ولم يذكر الجارية ليشمل العبد كما في المعراج من أن المعتبر فيهما النظر إلى الوجه ولا اعتبار برؤية ما عداه من الآعضاء، ولا يشترط رؤية الكفين واللسان والآسنان والشعر عندنا، وعن الشافعي اشتراطه، وفي المصباح: إلا نموذج بضم الهمزة ما يدل على صفة الشئ وهو معرب، وفي لغة نموذج بفتح النون والذال معجمه مفتوحة مطلقا. وقال الصغاني: النموذج مثال الشئ الذي يعمل عليه وهو تعريب نموذجه. وقال: الصواب النموذج لانه لا تغيير فيه بزيادة اه‍. وقوله والدابة بالجر عطف على الصرة أي وكفت رؤية وجه الدابة وكفلها لآنه هو المقصود، وظاهره انه لا يشترط رؤية القوائم وهو المروي عن أبي يوسف وهو الصحيح، كذا في المعراج. وقيل: يشترط وخص من إطلاق الدابة الشاه فلا بد من الجنس في شاة اللحم لكونه هو المقصود وفي شاة القنية لا بد من رؤية الضرع، وشاة القنية هي التي تحبس في البيوت لاجل النتائج. أقتنيتة اتخذته لنفسي قنية أي أخذ المال للنسل لا للتجارة. وفي المجتبى معزيا إلى المحيط عن أبي حنيفة في البرذون والحمار والبغل يكفي أن يرى شيأ منه إلا الحافر والذنب والناصية، كذا في المعراج وفي الظهيرية، وفي شاة القنية لا بد من النظر إلى ضرعها وسائر جسدها اه‍. فليحفظ فإن في بعض العبارات ما يوهم الاقتصاد

[ 49 ]

على رؤية ضرعها. والكفل بفتحتين العجز، كذا في المصباح. وأما الثوب فاكتفى المصنف برؤية ظاهرة مطويا لان البادئ يعرف ما في الطي فلو شرط فتحه لتضرر البائع بتسكره ونقصان قيمته وبذلك ينقص ثمنه عليه إلا أن يكون له وجهان فلا بد من رؤية كليهما أو يكون في طيه ما يقصد بالرؤية كالعلم. ثم قيل هذا في عرفهم أما في عرفنا فما لم ير الباطن لا يسقط خياره لانها استقر اختلاف الباطن - والظاهر في الثياب وهو قول زفر: وفي المبسوط الجواب على ما قال زفر وفي الظهيرية رؤية الظهارة تكفي إلا أن تكون البطانة مقصودة بأن كانت بسمور أو نحوه فتعتبر رؤية اه‍. وأما الدار فظاهر الرواية أنه إذا رأى حارجها أو رأى أشجار البستان من خارج فإنه يكتفي به. وعند زفر لا بد من دخول داخل البيوت. والاصح أن جواب الكتاب على وفاق عادتهم في الابنية فإن دورهم لم تكن متفاوتة يومئذ، فأما اليوم فلا بد من الدخول داخل الدار للتفاوت، فالنظر إلى ظاهر لا يوقع العلم بالداخل، وفي جامع الفصولين وبه يفتى. فالحاصل أن المؤلف رحمه الله تعالى اختار قول زفر في الدار وكان ينبغي له اختياره في الثوب فإن المختار قوله فيهما. وشرط بعضهم رؤية العلو والمطبخ والمزبلة وهو الاظهر والاشبه كما قال الشافعي وهو المعتبر في ديار مصر والشام. ولم يذكر المصنف بقية أنواع المبيعات ولا بد من ذكرها قالوا: لا بد في البستان من رؤية ظاهره وباطنه، وفي الكرم لا بد من رؤية عنب الكرم من كل نوع شيئا، وفي الرمان لا بد من رؤية الحلو والحامض، ولو اشترى دهنا في زجاجة فرؤيتة من خارج الزجاجة لا تكفي حتى يصبه في كفه عند أبي حنيفة لانه لم ير الدهن حقيقة لوجود الحائل. وفي التحفة: لو نظر المرآة فرأى المبيع قالو: الا يسقط خياره لانه ما رأى عينه بل رأى مثاله. ولو اشترى سمكا في ماء أخذه من غير اصطياد فرآه في الماء قال بعضهم: يسقط خياره لانه رأى عين المبيع. وقال بعضهم: لا يسقط. وهو الصحيح لان المبيع لا يرى في الماء على حاله بل يرى أكبر مما كان فهذه الرؤية لا تعرف المبيع وان كان المبيع مميطعم فلا بد من الذوق لانه المعرف المقصود، وإن كان مما يشم فلا بد من شمه كالمسك. وفي الولوالجية: اشترى نافجه مسك فأخرج المسك منها ليس له الرد بخيار الرؤية ولا بخيار العيب لان الاخراج يدخل عليه عيبا ظاهرا حتى لو لم يدخل كان أن يرد بخيار العيب والرؤية جميعا اه‍. وفي جامع الفصولين: اشترى دارا واستثنى منه بيتا معنيا لا بد من رؤية المستثنى فكما يشترط رؤية المبيع لسقوط الخيار يشترط رؤية المستثنى لان وصف المستثنى توجب جهاله في المستثنى منه اه‍. وقدمنا عن الخانية حكم ما إذا اشترى مغيبا في الارض. وفي الظهيرية وفي الثمار على رؤوس الاشجار يعتبر رؤية جميعها بخلاف الموضوعة على الارض، وفي تراب المعدن وتراب الصواغين يعتبر رؤية ما يخرج منه، ورؤية

[ 50 ]

أحد المصارعين أو أحد الخفين أو أحد النعلين لا يكفي ولا يكفي أن يرى ظاهرا لنفسه ما لم يروجهها وموضوالشئ منها وما كان له وجهان مختلفان تعتبر رؤيتهما اه‍. وفي المعراج: وفي البساط لا بد من رؤية جميعه، ولو نظر إلى ظهور المكاعب لا يبطل خياره، ولو نظر إلى وجهها دون الصرم يبطل. قلت: وينبغي أن يشترط رؤية الصرم في زماننا لتفاوته وكونه مقصودا. وفي الوسادة المحشوة لو رأى ظاهرها فإن كانت محشوة مما يحشى مثلها يبطل خياره، وإن كان مما لا يحشى مثلها فله الخيار اه‍. وفي المحيط: الاصل أن غير المرئي إن كان تبعا للمرئي فلا خيار له في غير المرئي، وإن كان غير المرئي أصلا فإن كان رؤية ما رأى لم تعرفه حال رؤيته بقي خياره وإن كانت تعرفه بطل اه‍. قوله: (ونظر وكيله بالقبض كنظره لا نظر رسوله) أي بأن قبض الوكيل وهو ينظر إليه، كذا في البدائع. وهذا عند أبي حنيفة. وقالا هما سواء وله الرد لانه توكل بالقبض دون إسقاط الخيار فلا يملك ما لم يتوكل به وصار كخيار العيب والشرط والاسقاط قصدا. أو له أن القبض نوعان: نام وهو أن يقبضه وهو يراه وناقص وهو أن يقبضه مستورا، وهذا لان تمامه بتمام الصفقة، ولا يتم مع بقاء خيار الرؤية والموكل ملكه بنوعيه فكذا الوكيل لا طلاق توكيله. وإذا قبضه مستورا انتهى التوكيل بالناقص منه فلا يملك إسقاطه قصدا بعد ذلك بخلاف خيار العيب لانه لا يمنع تمام الصفقة فيتم القبض مع بقائه وخيار الشرط على الخلاف. ولو سلم فالموكل لا يملك التام منه فإنه لا يسقط بقبضه فإن الاختيار وهو المقصود بالخيار يكون بعده فكذا يملكه وكيله، وبخلاف الرسول لانه لا يملك شيئا وإنما إليه تبليغ الرسالة ولهذا الا يملك القبض إذا كان رسولا في البيع. قيد الوكيل بالقبض لانه لو كان وكيلا بالشراء فرؤيته مسقطه للخيار بالاجماع، كذا في الهداية ثم اعلم أنهم جعلوا الوكيل بالقبض كالرسول في مسائل منها لا يصح إبراؤه بخلاف الوكيل بالبيع، ومنها لا رجوع عليه بالثمن إذا رد المبيع بعيب بعد ما دفع إلى الموكل بخلاف الوكيل بالبيع، ومنها لو حلف لا يقبض فوكل به حنث بخلاف لا يبيع فوكل لا يحنث، ومنها تصح كفالة الوكيل بقبض الثمن المشتري بخلاف الوكيل بالبيع، ومنها قبول شهادة الوكيل بقبض الدين به، وستأتي المسائل في كتاب الوكالة تماما إن شاء الله تعالى. وبهذا يترجح قولهما هنا أنه بمنزله الرسول ورؤية الرسول بالشراء تسقط الخيار، كذا في المحيط. وفي المعراج: قيل الفرق بين الرسول والوكيل أن الوكيل لا يضيف العقد إلى الموكل والرسول لا يستغنى عن إضافته إلى المرسل وإليه الاشارة في قوله تعالى: * (يا أيها الرسول بلغ) * [ المائدة: 76 ] وقوله تعالى * (وما أنت عليهم بوكيل) * [ الانعام: 701 ] * (قل لست عليكم بوكيل) * [ الانعام: 66 ] نفي

[ 51 ]

الوكالة وأثبت الرسالة. وفي الفوائد: صورة التوكيل أن يقول المشتري لغيره كن وكيلا في قبض المبيع أو وكلتك بقبضة، وصورة الرسول أن يقول كن رسولا عني في قبضة أو أمرتك بقبضة أو أرسلتك لتقبضه، أو قال قل لفلان أن يدفع المبيع اليك. وقيل لا فرق بين الرسول والوكيل في فصل الامر بأن قال اقبض المبيع فلا يسقط الخيار اه‍. ونقص قول الامام أن الوكيل كالموكل بمسألتين لم يقم الوكيل مقام الموكل فيهما: أحدهما أن الوكيل لو رأى قبل القبض لم يسقط برؤيته الخيار والموكل لو رأى ولم يقبض سقط خياره. والثانية لو قبضه الموكل مستورا ثم رآه ثم بعد القبض فأبطل الخيار بطل، والوكيل لو فعل ذلك لم يبطل. وأجيب بأن سقوط الخيار بقبض الوكيل إنما يثبت ضمنا لتمام قبضه بسبب ولايته بالولة وليس هذا ثابتا في مجرد رؤيتة قبل القبض ونقول: بل الحكم المذكور للموكل وهو سقوط خياره إذا رآه إنما يتأتي على القول بأن مجرد مضي ما يتمكن به من الفسخ بعد الرؤية يسقط الخيار وليس هو بالصحيح، وبعين الجواب الاول يقع الفرق في المسألة الثانية، كذا في فتح القدير. وفي الظهيرية: ولا يجوز التوكيل بإسقاط خيار الرؤية اه‍. وفي جامع الفصولين: والتوكيل بالرؤية مقصودا لا يصح ولا تصير رؤيته كرؤية موكله حتى لو شرى شيئا لم يره فوكل رجلا برؤيته وقال إن رضيته فخده لم يجز، والوكيل بالشراء لو شرى ما رآه موكله ولم يعلم به الوكيل فله خيار الرؤية ولو لم بره، وهذا فيما إذا وكله بشراء شئ لا بعينه، ففي المعين ليس للوكيل خيار الرؤية. وكله بشراء قن بلا عينه فشرى قنا رآه الوكيل فليس له ولا لموكله خيار

[ 52 ]

الرؤية وكذا خيار العيب اه‍. وإنما لم يصح التوكيل بالرؤية لانها من المباحات يملكها كل واحد فلا تتوقف على توكيله. وفي المحيط، ولو وكل رجبالنظر إلى ما اشتراه ولم يره إن رضي يلزم العقد، وإن لم يرض يفسخه يصح التوكيل فيقوم نظره مقام نظر الموكل لانه جعل الرأي والنظر إليه فيصح كما لو فوض الفسخ والاجازة إليه في البيع بشرط الخيار اه‍. وهو مخصص لا طلاق قولهم لا يصح التوكيل بالرؤية مقصودا فيقال إلا إذا فوض إليه الفسخ والاجازة. قوله: (وصح عقد الاعمى) أي بيعه وشراؤه وسائر عقوده لانه مكلف محتاج إليها فصار كالبصير، ولتعامل الناس له من غير نكير فصار بمنزله الاجماع وبه قال الائمة الثلاثة وقد كتبت في الفوائد أن الاعمى كالبصير إلا في مسائل: لا جهاد عليه ولا جمعه ولا جماعه ولا حج وإن وجد قائدا في الكل، ولا يصلح كونه شاهدا ولو فيما تقبل فيه الشهادة بالتسامح على المذاهب. ولادية في عينيه وإنما الواجب حكومة عدل، وكره أذانه وحده وإمامته إلا أن يكون أعلم القوم، ولا يجوز إعتاقه عن الكفارات ولا كونه إماما أعظم ولا قاضيا، ويكره ذبحه ولم أر حكم صيده ورميه وإجتهاده في القبلة قوله: (وسقط خياره إذا اشترى بحبس المبيع وشمه وذوقه وفي العقار بوصفه) لان هذه الاشياء تفيد العلم لمن استعملها على ما بينا في البصير. والمراد بسقوطه سقوطه إذا وجدت هذه الاشياء قبل الشراء ثم اشترى، وأما إذا اشترى قبل هذه فهذه مثبته للخيار له لا لانها مسقطة ويمتد ألى أن يوجد منه ما يدل على الرضا من قول أو فعل في الصحيح. وعبارة الولوالجية أن هذه الاشياء منه بمنزله النظر من البصير. وقوله بحبس المبيع معناه أن كان مما يحبس وشمه إن كان مما يشم كالمسك والذوق فيما يذاق باللسان، وأما إذا اشترى عقارا فرؤيته بوصفه له في جامع الفتاوى هو أن يوقف في مكان لو كان بصير الرآه ثم يذكر صفته، ولا يخفى أن إيقافه في ذلك المكان ليس شرطا في صحة الوصف وسقوط الخيار به ولذا لم يذكره في المبسوط، واكتفى بذكر الوصف لانه أقيم مقام الرؤية في السلم. وممن أنكره الكرخي وقال: وقوفه في ذلك الموضع وغيره سواء في أنه لا يستفيد بذلك علما، كذا في فتح القدير. وظاهر ما في الكتاب أن الوصف إنما يكتفي به العقار وأن غيره لا يوصف له. وعن أبي يوسف اعتبار الوصف في غير العقار أيضا أنه لا شرط مع الوصف في العقار. وقال مشايخ بلخ: يمس الحيطان والاشجار. وظاهر أيضا أن الجس فيما عداما يشم ويذاق والعقار. واستثنى منه في فتح

[ 53 ]

القدير الثمر على رؤوس الاشجار أنه يعتبر فيه الوصف لانه لا يمكن جسه. ولا بد في الوصف للاعمى من كون الموصوف على ما وصف له ليكون في حقه بمنزله الرؤية في حق البصير، كذا في البدائع. والحاصل كما في المعراج أن الخيار ثابت للاعمى لجهله بصفات المبيع فإذا زال ذلك بأي وجه كان سقط خياره ولذا قال في الكامل عن محمد: يعتبر اللمس في الثياب والحنطة، وحكي أن أعمى اشترى أيضا فقال قودوني إليها فقادوه فجعل عن محمد: يمس الارض حتى انتهى إلى موضع منها فقال أموضع كدس هذا. قالوا لا فقال: هذه الارض لا تصلح لانها لا تكسو نفسها فكيف تكسوني وكان كما قال فإذا كان هذا الاعمى بهذه الصفة فرضى بها بعدما مسها سقط خياره اه‍. وقال الحسن: يوكل الاعمى وكيلا بقبضه وهو يسقط خياره. وقال في الهداية، وهذا أشبه بقول أبي حنيفة حيث جعل رؤية الوكيل رؤية الموكل، ولو وصف للاعمى ثم أبصر فلا خيار له لانه قد سقط فلا يعود إلا بسبب جديد، ولو اشترى البصير ثم عمي انتقل الخيار إلى الوصف وفي المصباح: جسه بيده جسا من باب قتل واجتسه ليتعرفه اه‍. وظاهر كلام المصنف أن الجس يكتفي به في الرقيق والثياب والدواب وشاة القنية وكل شئ يمكن جسه. وفي الاصل وجس الاعمى في المتاع والمنقولات مثل نظر البصير لان التقليب والجس مما يعرف بعض أوصاف المبيع من اللين والخشونة وإن كان مما لا يعرف الجميع فيقام مقام النظر حالة العجز كما تقام الاشارة من الاخرس مقام النطق للعجز، كذا في المحيط. وهل يحبس الموضع الذي يراه البصير فيجس من الرقيق وجهه ومن الحيوان الوجه والكفل حتى لو مس غيرهما لا يكتفي به؟ لم أره والظاهر اشتراطه.

[ 54 ]

قوله: (ومن رأى أحد الثوبين فاشتراهما ثم رأى الآخر فله ردهما) لان رؤية أحدهما لا تكورؤية الآخر للتفاوت في الثياب فبقي الخيار فيما لم يره ثم لا يرده، وحده كي لا يكون تفريقا للصفقة قبل التمام وهذا لان الصفقة لا تتم مع خيار الرؤية قبل القبض وبعده ولهذا يتمكن من الرد من الرد بغير قضاء ولا رضا فيكون فسخا من الاصل. وفي النهاية: الصفقة العقد الذي تناهى في موجه ولذا قال عمر رضي الله تعالى عنه: البيع إما صفقه أو خيار أي إما يتناهى في اللزوم أو غير لازم بأن كان فيه خيار، وورد النهي عن تفريق الصفقة. وإنما قدم على حديث خيار الرؤية لان حديث النهي محكم وحديث خيار الرؤية خص منه ما إذا تعيب أو أعتقه أو باعه أو لانه محرم وذلك مبيح أو لكونه متأخر لئلا يلزم تكرار النسخ اه‍. وتعقب الاولى بأنه أيضا مخصوص بما قبل التمام وما أجاب به العناية من أنه إنما قيد به بالقياس على ابتداء الصفقة غير دافع كما لا يخفى. وفي المصباح: الصفقة العقد وكان العرب إذا وجب البيع ضرب بيده على يد صاحبه اه‍. والاولى ما في فتح القدير من أنا عملنا بالحديثين. غاية الامر أنا شرطنا أن يردهما جميعا عملا بحديث الصفقة جمعا بينهما. والحاصل أنه ليس له رد البعض وإمساك البعض في خيار الرؤية والشرط قبل القبض وبعده لكونه تفريقا قبل التمام لكونه مانعا من التمام في الرؤية ومن الابتداء في الشرط، وله ذلك في خيار العيب بعد القبض لتمامها، والخيار مانع من اللزوم فقط لا قبله لكون القبض من تمامها. وأما إذا استحق البعض، فإن كان المبيع واحدا فله الخيار مطلقا قبل القبض وبعده وإن كان متعددا فإن كان قيميا وقبض البعض ولم يقبض البعض فاستحق البعض له لتفرقها قبل التمام، ولو كان مثليا فاستحق بعضه فإن كان قبل القبض خير وإلا فلا. واستفيد من كلام المؤلف أنه لو رآهما فرضي بأحدهما أنه لا يرد الآخر لما ذكرنا. والحاصل أنه إذا استحق بعض المبيع، فإن كان قبل قبض الكل أو البعض تخير مطلقا متعددا أو واحدا مثليا أو قيميا، وإن كان بعد قبض جميعه فلا خيار في الكل، إلا في قيمي واحد استحق بعضه فإنه يتخير. وفي خيار العيب إذا اطلع على عيب بالبعض، فإن كان بعد القبض رد المعيب وحده إلا في قيمتي واحد فيرد الكل وإن كان قلبه يرد الكل وفي خيار الشرط والرؤية لا يرد إلا لكل قبل القبض وبعده (تنبيه) وقع في الهداية أن الصفقة لا تتم مع خيار الرؤية قبل

[ 55 ]

القبض وبعده فحمله بعض الشارحين على ما إذا قبضه مستورا، أما إذا قبضه مكشوفا فابطل خياره. ورده في المعراج بأن الخيار يبقى إلى أن يوجد ما يطلبه وأقره في البناية عليه. قوله: (ولا يورث كخياالشرط) لانه ثابت بالنص للعاقد وهو ليس بعاقد ولانه وصف فلا يجري فيه إلا رثكما قدمناه بخلاف خيار العيب والتعيين وقد أسلفناه قوله: (ومن اشترى ما رآى خيران تغير وإلا لا) أي إن لم يتغير لا يخير لان العلم بالاوصاف حاصل له بالرؤية السابقة وبفواته يثبت الخيار وان وجده متغيرا فله الخيار لان تلك الرؤية لم تقع معملة بأوصافه فكأنه لم يره. وأطلق قوله وإلا لا وهو مقيد بشيئتين: الاولى أن يعلم أنه مرئية وقت الشراء فلو يعلم به له الخيار ولعدم الرضابة كما في الهداية. الثاني أن تكون الرؤية السابقة لقصد الشراء فلورآه لا لقصد الشراء ثم اشتراه فله الخيار كما في الظهيرية معبرا عنه بقيل ووجهه ظاهر لانه إذا رأى لا لقصد الشراء لا يتأمل كل التأمل فلم تقع معرفة. وفيها لو رأى ثوبين ثم اشتراهما بثمن متفاوت ملفوفين فله الخيار لانه ربما يكون إلاردأ بأكثر الثمنين وهو لا يعلم، ولو رأى ثيابا فرفع البائع بعضها ثم اشترى الباقي ولا يعرف الباقي فله الخيار اه‍. وفي المحيط: ولو سمي لكل واحد عشرة فلا خيار له لان الثمن لما لم يختلف استويا في الاوصاف. ولو قال المصنف ومن اشترى ما رأى فلا خيار له إلا إذا تغير لكان أولى لان الاصل فيما رآه عدم الخيار ولذا لو اختلفا فالقول للبائع. وفي الظهيرية: لو اشترى جارية لم يرها فجاء بها البائع متنقبة لا يعرفها المشتري فقبضها فهو قبض، وكذا لو اشترى خفافا فالبسه البائع إياه وهو نائم فقام ومشي وهو لا يعلم فهو قبض وله الخيار في المسألتين إذا لم ينقصه المشي اه‍. قوله: (وإن اختلفا في التغير فالقول قول البائع مع يمينه) لان التغير حادث وسبب اللزوم ظاهر. أطلقة وهو مقيد بما إذا اقتربت المدة لان الظاهر شاهد له، أما إذا بعدت المدة فالقول للمشتري لان الظاهر شاهد له. وفي المبسوط: فإن بعدت المدة بأن رآى جارية شابه ثم اشتراها بعد عشرين سنة وزعم البائع أنها لم تتغير فالقول للمشتري وبه يفني الصدر الشهيد والامام ظهير الدين المرغيناني، كذا في الذخيرة. ولم يرد التحديد في تغير كل مبيع ففي الظهيرية: ولو رآى شيئا ثم اشتراه فلا خيار له إلا أن تطول والشهر طويل وما دونه قليل، ولو تغير فله الخيار بكل حال ولا يصدق في دعوى التغير إلا بحجة إلا إذا طالت المدة اه‍. وفي فتح القدير: جعل الشهر قليلا قوله: (وللمشتري لو في الرؤية) أي القول للمشتري مع يمينه لو قال البائع له رأيت قبل الشراء

[ 56 ]

وقال المشتري ما رأيت أو قال له رأيت بعد الشراء ثم رضيت فقال رضيت قبل الرؤية، ولذا أطلق في الكتاب لان البائع يدعى أمرا عارضا هو العلم بالصفة والمشتري ينكره فالقول له. وما في فتح القدير من أنه ينبغي أن يكون القول للبائع لان الغالب في البايعات في الاسواق كون المشترين رأوا المبيع، فدعوى البائع رؤية المشتري تمسك بالظاهر لان الغالب هو الظاهر. والمذهب أن القول لمن تمسك بالظاهر لا بالاصل إلا أن يعارضه ظاهر آخر اه‍. مدفوع بما ذكرناه في قاعدة أن الاصل العدم فراجعها إن شئت. وفي المحيط: لو أراد المشتري أن يرده فأنكر البائع كون المردود مبيعا والقول للمشتري، وكذلك في خيار الشرط لانه انفسخ العقد برده وبقي ملك البائع في يده فيكون القول القابض في تعيين ملكه أمينا كان أو ضمينا كالمودع والغاصب. فلوا اختلفا في الرد بالعيب فالقول للبائع لان العقد لا ينفسخ بفسخ المشتري حتى يلزمه القاضي فبقي المشتري مدعيا حق الفسخ والبائع ينكر فيكون القول له اه‍. وهذا ما كتبناه في الفوائد أن القول للقابض، إلا في هذه المسألة. وفي الظهيرية في مسألة الاختلاف في التعيين في خيار الشرط للمشتري وكانت السلعة غير مقبوضة فأراد المشتري إجازة العقد في عين يد البائع فقال البائع ما بعتك هذا وقال المشتري بل بعتني هذا لم يذكر محمد هذه الصورة في شئ من الكتب وقالو: ينبغي أن يكون القول قول البائع كما لو ادعي بيع هذه العين وأنكر البائع البيع أصلا، وأما إذا كان الخيار للبائع والعين غير مقبوضة فإراد البائع الزام البيع في عين وقال المشتري ما اشتريت هذا ذكر أن القول للمشتري اه‍. والحاصل أن الخلاف إن كان في التعيين مع خيار الشرط والسلعة مقبوضة فالقول للمشتري سواء كان الخيار له أو للبائع، وإن لم تكن مقبوضة فإن كان الخيار للمشتري فالقول للبائع وعكسه فالقول للمشتري، وإذا اختلفا في اشتراط الخيار فالقول لمنكره عندهما، وعنده لمدعيه كما في المجمع لان منكره يدعى لزوم العقد ومدعيه ينكر اللزوم فالقول له وتمامه في شرح المجمع. وفي القنية: اختلفا في شرط الخيار وأقاما البينة فبينة مدعي الخيار أولى وفي البزازية: أقر بقبض المشتري ثم قال لم أر كله لا يصدق اه‍. قوله: (ولو اشترى عدلا وباع منه ثوبا أو وهب رد بعيب لا بخيار رؤية أو شرط) لانه تعذر الرد فيما خرج عن ملكه وفي رد ما بقي تفريق الصفقة قبل التمام لان خيار الرؤية والشرط يمنعان تمامها بخلاف خيار العيب ولتمامها معه بعد القبض. وترك المصنف قيد

[ 57 ]

التسليم في الهبة ولا بد منه لانه لا يخرج عن ملكه بها إلا معه ولذا قيدها به في الهداية. والمفعول في كلاممقدر رأى رد ما بقي والمسألة موضوعه فيما إذا كان بعد القبض كما قيده به في الجامع الصغير وإلا لم يصح بيع الثوب قبل قبضة، كذا في العناية. أما قبله فالكل سواء لا تتم الصفقة معه. نعم يقع الفرق بين القبض وعدمه فيما إذا اشترى شيئتين ولم يقبضهما ثم اطلع على عيب بأحدهما فإنه لا يرد المعيب وحده بخلاف ما إذا كان بعد قبضهما، فلو عاد إليه بسبب هو فسخ فهو على خيار الرؤية، كذا ذكره شمس الائمة السرخسي. وعن أبي يوسف: لا يعود بعد سقوطه لخيار الشرط وعليه اعتمد القدوري، كذا في الهداية بخلاف ما إذا وهب عبده المدين ممن له الدين أو عبده الجاني من ولي الجناية ثم رجع في الهبة حيث يعودان عند أبي يوسف خلافا لمحمد. والعذر لابي يوسف أن حق خيار الرؤية أضعف منها، كذا في الشرح. والعدل المثل والمراد هنا الغرارة التي هي عدل غرارة أخرى على الجمل أو نحوه أو نحوه أي يعادلها وفيها أثواب. وفتح: ما اعتمده القدوري صححه قاضيخان وحقيقة الملحظ تختلف فشمس الائمة لحظ البيع والهبة مانعا زال فيعمل المقتضي وهو خيار الرؤية عمله ولحظ على هذه الرواية مسقطا، وإذا سقط لا يعود بلا سبب وهذا أوجه لان نفس هذا التصرف يدل على الرضا ويبطل الخيار قبل الرؤية وبعدها اه‍. والاوجه عندي ما ذكره شمس الائمة السرخسي. وقوله لان نفس هذا التصرف إلى أخره ممنوع وإنما يدل لو تصرف في جميع المبيع. وإما الكلام هنا فيما إذا تصرف في البعض فحينئذ لو رد الباقي فقط لزم تفرق الصفقة فكان لزوم تفوقها مانعا من رد الباقي فإذا زال عمل المقتضى علمه وكأنه اختلط عليه بما إذا باع المبيع كله وسقط خياره ثم رد عليه بما هو فسخ فإنه لا يعود خياره كما قدمناه لكن لم يذكروا فيها خلافا والله تعالى أعلم

[ 58 ]

. باب خيار العيب تقدم وجه ترتيب الخيارات. والاضافة في خيار العيب إضافة الشئ إلى سببه، وأما العيب فهو في اللغة يقال عاب المتاع عيبا من باب سار فهو عائب وعابه صاحبه فهو معيب يتعدى ولا يتعدى. والفاعل من هذا عائب وعياب مبالغة، والاسم العاب والمعاب. وعيبه بالتشديد نسبه إلى العيب واستعمل العيب اسما وجمع على عيوب، كذا في المصباح. وفسره في فتح القدير بما تخلو عنه أصل الفطرة السليمة. وأما في الشريعة فما سيذكره المصنف من أنه ما أوجب نقصان الثمن عند التجار (تنبيه): كتمان عيب السلعة حرام. وفي البزازية وفي لفتاوى: إذا باع سل عة معيبة عليه البيان وإن لم يبين قال بعض مشايخنا: يفسق وترد شهادته. قال الصدر) ولا نأخذ به اه‍. وقيده في الخلاصة بأن يعلم به. وفي الظهيرية وفي الحديث:

[ 59 ]

اشترى عداء بن خالد بن هوذة - بالذال المعجمة وفتح الهاء وسكون الواو - من رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدا لا داء فيه ولا غائلة ولا خبثة وهذه الرواية هي الصحيحة، كذا ذكره الطحاوي في شرح مشكل الآثار بإسناده إلى عبد المجيد. قال العداء بن خالد: ألا أقرئك كتابا كتبه لي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: بلى فأخرج إلي كتابا فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما اشترى العداء من محمد رسول الله الخ. بهذا تبين أن المشتري كان العداء لا محمد رسول الله. وفي عامة كتب الفقه هذا ما اشترى محمد رسول الله من العداء لكن الصحيح ما قلنا اه‍. قوله: (من وجد بالمبيع عيبا أخذه بكل الثمن أو رده) لان مطلق العقد يقتضي وصف السلامة فعند فواته يتخير كيلا يتضرر بلزوم ما لا يرضى به. دل كلامه أنه ليس له إمساكه وأخذ النقصان لان الاوصاف لا يقابلها شئ من الثمن في مجرد العقد ولانه لم يرض بزواله عن ملكه بأقل من المسمى فيتضرر به، ودفع الضرر عن المشتري ممكن بالرد بدون تضرره. أطلقه فشمل ما إذا كان به عند البيع أو حدث بعده في يد البائع وما إذا كان فاحشا أو يسيرا، كذا في السراج الوهاج. وفي جامع الفصولين: والمهر وبدل الخلع وبدل الصلح عن دم العمد يرد بفاحش العيب لا بيسيره وفي غيرها يرد بهما والفاحش في المهر ما يخرجه من الجيد إلى الوسط ومن الوسط إلى الردئ، وإنما لا يرد في المهر بيسيره إذا لم يكن كيليا أو وزنيا وأما هما فيرد بيسيره أيضا اه‍. ولم يتكلم الشارحون على ما إذا رد البعض هل له أن يعطي مثله سليما؟ قال في القنية وفي الذخيرة: اشترى منا من الفانيد فوجد واحدة أو اثنين منها أسود فأبد له البائع أبيض بغير وزن جاز، وفي الثلاث لا يجوز لانها تدخل تحت الوزن ولذا لو اشترى الخبز ووجد خبزا واحدا محترقا فأبدله الخباز لم يجز إلا بالوزن لانه مما يدخل تحت الوزن، فإن خمسة أساتير وعشرة وزن حجر فلا تجوز فيه المجازفة. قال رضي الله تعالى عنه: وعرف به كثير من المسائل وهو أن استبدال شئ بمثله في الرد بالعيب إنما يجوز مجازفة إذا لم يكن لذلك المقدار من ذلك الجنس حجر يوزن به، وإن كان له من جنس آخر حجر فلا ألا ترى أنه جعل الثلاثة من الفانيد موزونة وإن لم يكن ذلك القدر من الخبز موزونا اه‍. ولا بد للمسألة من قيود: الاول أن يكون العيب عند البائع. الثاني أن لا يعلم به المشتري عند

[ 60 ]

البيع. الثالث أن لا يعلم به عند القبض وهي في الهداية. الرابع أن لا يتمكن من إزالته بلا مشقة فإن تمكن فلا كإحرام الجارية فإنه بسبيل من تحليلها ونجاسة الثوب، وينبغي حمله على ثوب لا يفسد بالغسل ولا ينقص، كذا في فتح القدير. ولا حاجة إلى قوله ينبغي مع التصحيح. قال في الولوالجية: اشترى ثوبا فوجد فيه دما إن كان إذا غسله من الدم ينقض الثوب كان عيبا لوجود حده وإلا لا يكون عيبا اه‍. ولو اشترى جبة فوجد فيها فأرة ميتة فهو عيب لوجود حده فإن لبسها حتى نقصها رجع بنقصان العيب لتعذر الرد اه‍. وقيدها في البزازية بأن يضرها الفتق فإن ضرها يردها وإن لم يضرها لم يردها اه‍. الخامس أن لا يشترط البراءة منه خصوصا أو من العيوب عموما وسيأتي آخر الباب. السادس أن لا يزول قبل الفسخ فإن زال ليس له الرد مثل بياض العين إذا انجلى والحمى إذا زالت، كذا في السراج الوهاج. ويستثنى من إطلاقهم مسائل ذكرناها في الفوائد: الاولى بيع صيد بين حلالين ثم أحرما أو أحدهما فوجد به عيبا امتنع رده، وإنما يرجع بالنقصان كما صرحوا به في جنايات الاحرام. الثانية قال في البغية والقنية: لو كان في الدار باب في الطريق الاعظم وبابه في سكة غير نافذة أقام أهلها بينة أنهم أعاروا البائع هذا الطريق فأمر القاضي بسده يخير المشتري إن شاء رده وإن شاء رجع بنقصان ذلك الطريق والتخيير هنا بخلاف سائر العيوب اه‍. الثالثة اشترى الذمي خمرا وقبضها وبه عيب ثم أسلم سقط خيار الرد، كذا في مهر فتح القدير. الرابعة اشترى كفنا للميت ووجد به عيبا لا يرد ولا يرجع بالنقصان إن تبرع به أجنبي ولو وارثا رجع بالنقص إن كان من التركة اه‍. الخامسة اشترى من عبده المأذون المديون المستغرق فوجد به عيبا لا يرده عليه ولا على بائعه إن كان الثمن منقودا وإن لم ينقده المولى وقبض المبيع أولا ووجد به عيبا يرده إن كان الثمن من النقود أو كيليا أو وزنيا بغير عينه لانه يدفع بالرد مطالبة المأذون من نفسه وإن كان عرضا لا يمكن الرد. وفي المحيط: لو اشترى المولى من مكاتبه فوجد به عيبا يرده ولا يرجع ولا يخاصم بائعه لكونه عبده اه‍. السادسة باع نفس العبد من العبد بجارية ثم وجد بها عيبا رد الجارية وأخذ من العبد قيمة نفسه عندهما، وعند محمد يرجع بقيمة الجارية. السابعة باع الوارث من مورثه فمات المشتري وورثه البائع ووجد به عيبا رد إلى الوارث الآخر إن كان وإن لم يكن له سواه لا يرد ولا يرجع بالنقصان، وكذا إذا اشترى لنفسه من ابنه الصغير شيئا وقبضه وأشهد ثم وجد به عيبا يرفع الامر إلى القاضي

[ 61 ]

حتى ينصب عن ابنه خصما يرده عليه ثم يرد الاب لابنه على بائعه، وكذا لو باع الاب من ابنه، وكذا لو باع من وارثه فورثه المشتري ووجد به عيبا يرفع الامر إلى القاضي فينصب خصما فيرده المشتري إليه ويرده القيم إلى الوارث نقده الثمن أو لا في الصحيح. الثامنة اشترى العبد المأذون شيئا وأبرأه البائع عن الثمن لا يرده بالعيب وأن المشتري حرا لو بعد القبض فكذلك، وإن قبله فله الرد لانه امتناع عن القبول، وكذا خيار الشرط. التاسعة لو اصطلحا على أن يدفع البائع شيأ والمبيع للمشتري جاز بخلاف ما لو اصطلحا على أن يدفع المشتري شيأ والجارية للبائع لا لانه ربا. والمسائل المذكورة من الرابعة إلى الثامنة في البزازية. العاشرة اشترى إناء فضة مشارا إليها فوجده رديئا ليس له الرد إلا إذا كان به كسر أو غش، وكذا إذا اشترى جارية فوجدها سوداء تام الخلقة ليس له الرد لان القبح في الجواري ليس بعيب. الحادي عشر قال في المحيط: وصي أو وكيل أو عبد مأذون اشترى شيئا بألف وقيمته ثلاثة آلاف درهم فليس له أن يرده بالعيب لما فيه من الاضرار باليتيم والموكل والمولى، ولو كان في خيار الشرط والرؤية فله الرد لعدم تمام الصفقة اه‍.. قوله: (تنبيهات مهمة) الاولى وجد بالمبيع الذي له حمل ومؤنة عيبا ورده فمؤنة الرد على المشتري. الثاني اشترى عبدا وتقابضا وضمن رجل له عيوبه فاطلع على عيب ورده لا ضمان عليه على قياس قول الامام لانه باطل كضمان العهدة، ولو ضمن له ضمان السرقة أو الحرية فوجده مسروقا أو حرا أو الجنون أو والعمى فوجده كذلك رجع على الضامن بالثمن، ولو مات عنده وقضى بالنقص رجع به على ضامن الثمن، ولو ضمن له حصة ما يجده فيه من العيب جاز عند الامامين إن رد رجع بالثمن كله، وإن تعيب عنده رجع بحصة العيب على الضامكما يرجع على البائع، وإن ضمن ما لحقه من الثمن من عهده هذا البيع كان كذلك عند الامام إن استحق رجع بالثمن. الثالث ادعى عليه عيبا في المبيع فاصطلحا على أن يبذل البائع للمشتري مالا ثم بان أنه لا عيب أو كان لكنه برئ استرد بدل الصلح اه‍.

[ 62 ]

الرابع اطلع على عيب بالغلام أو الدابة فلم يجد المالك فأطعمه وأمسكه ولم يتصرف فيه بما يدل على الرضا يرده لو حضر ويرجع بالنقصان إن هلك. وفي الحاوي القدسي: أنه إذا أمسكه بعد الاطلاع على العيب مع قدرته على الرد كان رضا وهو غريب، والمعتمد أنه على التراخي. الخامس اطلع على عيب فأعلم القاضي وبرهن على الشراء والعيب فوضعها القاضي عند عدل وماتت عنده ثم حضر البائع، إن كان لم يقض بالرد على الغائب لم يرجع عليه بالثمن، وإن قضى رجع لان للقضاء نفاذا في الاظهر عن أصحابنا. وفي السير: اشترى دابة في دار الاسلام وخرج عليها غازيا واطلع على عيب بغيبة البائع لا يركبها وإن في دار الحرب لانه رضا وإن أمره الامام لكن إذا قضى بأن الركوب ليس برضا نفذ وأمضاه القاضي الثاني. السادس خاصم البائع في العيب ثم ترك الخصومة زمانا وزعم أن الترك كان لينظر هل هو عيب أم لا؟ له الرد. السابع أقر المشتري بعدما اطلع على عيب أو قبله أن المبيع كان لفلان غير البائع وكذبه فلان له الرد على البائع، وتمام مسائل الاقرار للغير بالمبيع مذكورة في الولوالجية. الثامن عثر على عيب فقال للبائع إن لم أرد إليك اليوم رضيت به قال محمد: القول باطل وله الرد. التاسع قال البائع ركبتها بعد العثور على العيب في حاجتك وقال المشتري بل ركبتها لا ردها عليك فالقول قول المشتري. العاشر اطلع على عيب قبل القبض فقال المشتري للبائع رددته عليك بطل البيع قبل البائع أولا، والكل من البزازية. وفي السراج الوهاج: وإن قال ذلك بعد القبض لم يكن ذلك ردا ما لم يقل البائع قبلت أو رضيت ثم إذا رده برضا البائع كان فسخا في حقهما بيعا في حق غيرهما اه‍. وإن رده بحكم فهو فسخ عام. وكذا كل عقد ينفسخ، بالرد ويكون المردود مضمونا بما يقابله، كذا فجامع الفصولين. وفي القنية: اشترى حمارا ووجد به عيبا قديما فأراد الرد فصولح بينهما بدينار وأخذه ثم وجد به عيبا قديما آخر فله رده مع الدينار. ثم رقم لآخر أنه يرجع بنقصان العيب وعنه أنه يرده اه‍. الحادي عشر باع بعيرا فوجده المشتري معيبا فرده فقال له البائع اذهب فتعهده إلى عشرة أيام فإن برئ فلك البعير، وإن هلك فمن مالي لا يكون ردا، كذا في القنية. الثاني عشر المشتري إذا رد المبيع بالعيب فإنه يرجع بالثمن على بائعه إلا في مسألة في القنية: باع عبدا وسلمه ثم وكل وكيلا بقبض الثمن

[ 63 ]

فأقر الوكيل بقبضه وهلاكه وجحد البائع الموكل برئ المشتري ولا ضمان على الوكيل، فإن وجد المشتري به عيبا رده ولا يرجع بالثمن على البائع لاقرار الوكيل ولا على الوكيل لكونه أمينا وليس بعاقد. والثانية في الفوائد. الثالث عشر قال البائع بعته لك معيبا بهذا العيب وقال المشتري اشتريته سليما فالقول للمشتري ثم رقم أنه ينبغي أن يحكم الثمن يعني إن كان الثمن يسيرا فالقول للبائع وإلا فللمشتري اه‍. الرابع عشر اشترى حمارا بثلاثة دنانير ذهب ثم أعطاها عوضها دراهم ثم رده بعد شهر بعيب وقد انتقص سعر الدراهم فله أن يطلب من البائع عين الذهب، وبمثله أجاب في الاقالة إلا إذا دفع مكان الذهب حنطة، وهي وما قبلها في القنية. الخامس عشر الموصى له لا يملك الرد بالعيب إلا إذا لم يكن وارث، كذا في الصغرى قوله: (وما أوجب نقصان الثمن عند التجار فهو عيب) لان المقصود نقصان المالية وذلك بانتقاص القيمة والمرجع في معرفته عرف أهله وهم التجار أو أرباب الصنائع إن كان المبيع من المصنوعات، كذا في فتح القدير. فلا يقتصر الحكم على التجار. أطلقه فشمل ما إذا كان ينقص العين أولا ينقصها ولا ينقص منافعها بل مجرد النظر إليها كالظفر الاسود الصحيح القوي على العمل، وكما في جارية تركية لا تعرف لسان الترك كما في فتح القدير. وقيد في المعراج الظفر الاسود لكونه عيبا بالاتراك أما في الحبش فلا. وقيد في البزازية عدم معرفة اللسان بأن يعده أهل الخبرة عيبا وقال القاضي في المولد لا يكون عيبا. والتجار بضم التاء مع التشديد جمع تاجر وبكسرها مع التخفيف ولا يكاد يوجد تاء بعدها جيم، كذا في

[ 64 ]

المصباح. والضابط عند الشافعية أنه يرد بكل ما في المعقود عليه من منقص القيمة أو نقصان يفوت به غرض صحيح بشرط أن يكون الغالب في أمثال المبيع عدمه. قالوا: وإنما شرطنا فوات غرض صحيح بشرط أن يكون الغالب في أمثال المبيع عدمه. قالوا: وإنما شرطنا فوات غرض صحيح لانه لو بان فوات قطعة يسيرة من فخذه أو ساقه لا رد، ولو قطع من أذن الشاة ما يمنع التضحية ردها وإلا فلا. وشرطنا الغالب لانه لا ترد الامة إذا كانت ثيبا مع أن الثيابة معنى ينقص القيمة لكن ليس الغالب عدم الثيابة، كذا في شرح وجيزهم كما في المعراج وقواعدنا لا تأباه للمتأمل. وفي خزانة الفقه: العيب ما نقص العين أو المنفعة وإلا فإن أعده التجار عيبا كان عيبا وإلا فلا، وهو أحسن مما في الكتاب، وذكرها في التلخيص من باب الاقرار بالعيب من البيوع، وحاصلها أنه أربع لا يرده في مسألتين وتمامه في شرحه للفارسي قوله: (كالاباق) من أبق العبد أبقا من باب تعب وقتل في لغة، والاكثر من باب ضرب إذا هرب من سيده من غير خوف ولا كد. والاباق - بالكسر - اسم منه فهو آبق والجمع إباق مثل كافر وكفار، كذا في المصباح. وفي الجوهرة من بابه قال الثعالي: الآبق الهارب من غير ظلم السيد فإن هرب من الظلم لا يسمى آبقا بل يسمى هاربا فعلى هذا الاباق عيب والهروب ليس يعيب اه‍. وفي خزانة الفقة: الاباق الاستخفاء عن مولاه تمردا. وفي القاموس إنه من باب ضرب ومنع وسمع اه‍. فعلى هذا له أبواب أربعة: الثلاثة وقتل كما في المصبا فسره في القاموس بالذهاب من غير خوف ولا كد عمله أو استخفى ثم ذهب. أطلقه فشمل ما إذا أبق من المولى أو من غيره مستأجرا أو مستعيرا أو مودعا إلا من غاصب إلى المولى أو غيره إن لم يعرف منزله أو لم يقو على الرجوع إليه، ويرد على إطلاقهم ما إذا أبق من المشتري إلى البائع ولم يختف عنده فإنه ليس بعيب كما في القنية. وشمل ما إذا كان مسيرة سفر أو أقل وما إذا خرج من البلد أو لم يخرج لكن الاشبه أن البلدة إذا كانت

[ 65 ]

كبيرة كالقاهرة فهو عيب، وإن كانت صغيرة بحيث لا يخفى عليه أهلها وبيوتها لا يكون عيبا كما ذكره الشارح. وشمل الصغير والكبير لكن إذا كان غير مميز لا يكون عيبا والعذر له أنه يسمى ضالا لا آبقا كما في السراج الوهاج، فلذا لم يقيده وسيأتي أنه لا بد من المعاودة عند المشتري واتحاد السبب. وفي البزازية: قال لآخر اشتره لا عيب فيه فاشتراه ثم وجد به عيبا له أن يرده على بائعه، ولو قال اشتر هذا العبد فإنه غير آبق والمسألة بحالها لا يرد بعيب الاباق. وفي الصغرى: قول المشتري ليس به عيب لا يكون إقرارا بانتفاء العيوب، ولو عين فقال ليس بآبق لا يكون إقرارا بانتفائه. شهدا أنه باعه بشرط البراءة من كل عيب أو من الاباق ثم اشتراه الشاهد ووجد به عيبا أو قال إنه آبق له الرد. عبدي هذا آبق فاشتراه وباع من آخر فوجده الثاني آبقا وأراد الرد بإقرار بائعه لا يقبل، وإن قال عند البيع بعته على أنه آبق أو على أنه برئ من إباقه يرده ولو قال إنه برئ من الاباق لا لعدم الاضافة اه‍. وفي جامع الفصولين: ولو شراه وأبق من عنده وكان أبق عند البائع لا يرجع بنقصان ما دام القن حيا آبقا عند أبي حنيفة، وكذا لو سرق المبيع فعلم بعيبه لا يرجع بنقصه ليس للمشتري أن يطلب البائع بثمنه قبل عود الآبق اه‍. وفي الصغرى قبل عوده أو موته. وشمل إطلاقه أيضا إباق الثور ولكن فيه ثلاثة أقوال في القنية قيل: إذا أبق الثور من قرية المشتري إلى قرية البائع لا يكون عيبا، وقيل في الغلام عيب، وقيل في الثور عيب كخلع الرسن عيب فهذا أولى، وقيل إن دام فعيب أما المرتان والثلاثة فلا. قال رحمه الله تعالى: والثاني أحسن. وفيها أيضا: اشترى عبدا فأبق ثم وجده ولم يأبق عند بائعه بل أبق عند بائع بائعه ثم فله الرد اه‍. قوله: (والبول في الفراش من العيوب) أطلقه فشمل الكبير والصغير ويستثنى منه غير المميز فإنه لا يكون عيبا ولا بد من معاودته عند المشتري في حالة واحدة، فإن بال في الصغر عند البائع ثم بعد البلوغ عند المشتري لا يرده لانه في الصغر لضعف المثانة، وبعد البلوغ لداء في باطنه فهو عيب حادث بخلاف ما إذا بال عندهما في الصغر أو في الكبر لاتحاد السبب. وفي الفوائد الظهرية هنا مسألة عجيبة هي أن من اشترى عبدا صغيرا فوجده يبول في الفراش كان له الرد، ولو تعيب بعيب آخر عند المشتري كان له أن يرجع بنقصان العيب، فإذا رجع به ثم كبر العبد هل للبائع أن يسترد النقصان لزوال ذلك العيب بالبلوغ؟ لا رواية فيها قال: وكان والدي يقول: ينبغي أن يسترد استدلال بمسئلتين: إحداهما إذا اشترى جارية فوجدها ذات

[ 66 ]

زوج كان له أن يردها ولو تعيبت بعيب آخر يرجع بالنقصان فإذا رجع ثم أبانها الزوج كان للبائع أن يسترد النقصان. الثانية اشترى عبدا فوجده مريضا له الرد فإذا تعيب بعيب آخر رجع بنقص االعيب، فإذا رجع ثم برئ بالمداواة لا يسترد وإلا استرد، والبلوغ هنا لا بالمداواة فينبغي أن يسترد، كذا في المعراج والنهاية. وفي فتاوي قاضيخان: اشترى جارية وادعى أنها لا تحيض واسترد بعض الثمن ثم حاضت قالوا: إن كان البائع أعطاه على وجه الصلح عن العيب كان للبائع أن يسترد ذلك. وفيها أيضا: اشترى عبدا فقبضه وحم عنده وكان يحم عند البائع. قال الامام أبو بكر محمد بن الفضل: المسألة محفوظة عن أصحابنا أنه إن حم في الوقت الذي كام يحم عند البائع كان له أن يرده أو في غيره فلا قبل له، فلو اشترى أرضا فنزت عند المشتري وقد كانت تنز عند البائع كان له أن يرد لان سبب النز واحد وهو تسفل الارض وقرب الماء إلا أن يجئ ماء غالب أو كان المشتري رفع من ترابها فيكون النز غير ذلك أو يشتبه فلا يدرى أنه عينه أو غيره قال القاضي الامام يشكل ما في الزيادات اشترى جارية بيضاء احدى العينين ولا يعلم ذلك فانجلى البياض عنده ثم عاد ليس له أن يرد وجعل الثاني غير الاول. ولو اشترى جارية بيضاء إحدى العينين وهو يعلم بذلك فلم يقبضها حتى انجلى ثم عاد عند البائع ليس للمشتري الرد وجعل الثاني عين الاول الذي رضي به إذا كان الثاني عند البائع، ولم يجعله عينه إذا عاد البياض عند المشتري وقال لا يرده. ثم قال القاضي الامام: كنت أشاور شمس الائمة الحلواني وهو يشاورني فيما كان مشكلا إذا اجتمعنا فشاورته في هذا المسألة فما استفدت منه فرقا، كذا في فتح القدير. فالحاصل ليس له الرد في المسألتين لكن في الاولى لجعله غير الاول إذ لو كان عينه لملك الرد لعدم العلم به، وفي الثانية لجعله عين الاول إذ لو كان غيره لملك الرد لكونه لم يرض به. وفي جامع الفصولين: شراه فوجده يبول في الفراش يضعه القاضي عند عدل ينظر فيه. وفي الواقعات الحسامية: اشترى جارية فوجد في إحدى عينيها بياضا فانجلى البياض ثم عاد فقبض المشتري وهو لا يعلم بذلك ثم علم فله أن يرد، فرق بين هذا وبين ما إذا قبض وفي إحدى عينيها بياض وهو لا يعلم ثم انجلى البياض ثم عاد ليس له أن يرد، والفرأن البياض الثاني غير الاول حقيقة إلا أن في الصورة الاولى الثاني حدث في يد البائع فيوجب الرد، وفي الثانية البياض الثاني حدث في يد المشتري

[ 67 ]

فلا يوجب الرد اه‍. وبهذا ظهر أن لا إشكال ولا يحتاج إلى المشاورة نعم على ما نقله في فتح القدير من امتناع الرد في المسألتين مشكل قوله: (والسرقة من العيوب في العبد والجارية) أطلقه فشمل الصغير والكبير إلا الذي لا يميز كما قدمناه في الاباق والبول في الفراش فالثلاثة من غير المميز ليست عيبا. وفسر في المعراج المميز هنا بأن يأكل وحده ويشرب وحده ويستنجي وحده، وقدره بعضهم بخمس سنين كما في المعراج أيضا. ولا بد من المعاودة عند المشتري في حالة واحدة فلا بد من السرقة عندهما في الصغر أو بعد البلوغ، فإن سرق عند البائع في صغره ثم عند المشتري بعد بلوغه لا برده لحدوث العيب لان في الصغر لقلة المبالاة وفي الكبر لخبث في الباطن ولا بد من أن لا تقطع يده عند المشتري ولذا قال في المحيط: اشترى عبدا فسرق عنده وقد كان سرق عند البائع فقطعت يده بالسرقتين يرجع بربع الثمن لان اليد قطعت بالسرقتين جميعا اه‍. وفي الظهيرية من المحاضر أن الطراز والنباش وقاطع الطريق كالسارق عيب في العبد. وفي البدائع أن العبد إذا زنى فحد فإنه يكون عيبا. أطلقه فشمل ما إذا سرق من المولى أو من غيره قليلا كان أو كثيرا ويرد عليه مسألتان: الاولى ما إذا سرق من المولى طعاما ليأكله فإنه لا يكون عيبا بخلاف ما إذا سرقه ليبيعه أو سرقه من غير المولى ليأكله فإذا عيب فيهما. وفي البزازية: إذا سرق طعاما لا للاكل بل ليبيعه ونحوه فعيب مطلقا، وظاهره أن الاهداء كالبيع. الثانية ما إذا سرق فلسا أو فلسين فإنه لا يكون عيبا وقد جزم به الشارح، وظاهر ما في المعراج أنها قويلة وأن المذهب الاطلاق وعلى هذا القول ما دون الدرهم كذلك كما ذكره فيه. وفي الظهيرية. وإذا نقب البيت ولم يختلس فهو عيب. وفجام الفصولين: لو سرق بصلا أو بطيخا من الغالين أو فلسا كما تسرق التلامذة لم يكن عيبا، ولو سرق بطيخا من فاليز الاجنبي فهو عيب هو المختار، وإن سرق للادخار فهو عيب مطلقا اه‍. قوله: (والجنون) لما ذكرنا ولا بد فيه من وجوده عند البائع ثم عند المشتري كذلك كما لا يخفي، سواء اتحدت الحالة أو لا. فلو جن عند البائع فصغره ثم عند المشتري في صغره أو بعد بلوغه فهو عيب لكونه عين الاول لانه عن فساد في الباطن ولا يختلف سببه بالصغر الكبر كما في العيوب الثلاثة، وهذا معنى قوالامام محمد أنه عيب أبدا وليس معناه عدم اشتراط العود في يد المشتري لان الله تعالى قادر على إزالته وإن كان قل ما يزول، كذا في الهداية وهو الصحيح وهو قول الجمهور وهو المذكور في الاصل والجامع

[ 68 ]

الكبير وبه أخذ الطحاوي، ولكن ميل الحلواني وخواهر زاده إلى ظاهر كلام محمد من عدم اشتراط العود عند المشتري للحديث من جن ساعة لم يفق أبدا. وقال الاسبيجابي: ظاهر الجواب عدم اشتراط المعاودة في يد المشتري، وقيل تشترط وهو الصحيح، وقيل تشترط بلا خلاف بين المشايخ، كذا في عامة الروايات. فالحاصل أن المشايخ اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال، فمنهم من جعله كالاباق والبول في الفراش فلا بد من المعاودة واتحاد السبب وهو قول أبي بكر الاسكاف البلخي كما في غاية البيان معزيا إلى أبي المعين في شرح الجامع الكبير، ومنهم من لم يشترطه نظرا إلى قول محمد في الجامع الصغير أن الجنون عيب لازم أبدا فإذا جن في يد البائع كفى للرد، واختاره الفقيه أبو الليث كما في غاية البيان والحلواني وخواهر زاده كما قدمناه، وعامة المشايخ على اشتراط العود في يد المشتري وإن لم يتحد السبب. واختاره الصدر الشهيد وقاضيخان وصاحب الهداية وصححوه وحكموا بغلط ما عداه. وفي التلويح: الجنون اختلال القوة المميزة بين الاشياء الحسنة والقبيحة المدركة للعواقب اه‍. والاخضر اختلال القوة التي بها إدراك الكليات. وبه يعلم تعريف العقل من أنه القوة التي بها ذلك. ثم اعلم أن الاختلاف لا يخص الجنون فقد نقل في البدائع عن بعض المشايخ أن البول في الفراش والاباق والسرقة والجنون لا يشترط معاودة ذلك في يد المشتري، ووجودها عند البائع يكفي للرد والعامة على خلافه. وفي المحيط: تكلموا في مقدار الجنون قيل ساعة عيب، وقيل أكثر من يوم وليلة، وقيل المطبق دون غيره، كذا في المعراج. والمطبق - بفتح الباء - والاصل إن المعاودة عند المشتري بعد الوجود عند البائع شرط للرد إلا في مسائل: الاولى زنا الجارية. والثانية التولد من الزنا. الثالثة ولادة الجارية عند البائع أو غيره فإنه عيب ترد به على رواية كتاب المضاربة وهو الصحيح وإن لم تلد ثانيا عند المشتري لان الولادة عيب لازم لان الضعف الذي حصل بها لا يزول أبدا وعليه الفتوى. وفي رواية كتاب البيوع لا ترد، كذا في فتح القدير. وفي الصحاح: جن الرجل جنونا وأجنه الله تعالى فهو مجنون ولايقال مجن، وقولهم في المجنون ما أجنه شاذ لا يقاس عليه لانه لا يقال في مضروب ما أضربه ولا في المسلول ما أسله اه‍. وفي فتح القدير: والحمق

[ 69 ]

عيب وفسره في المغرب بنقصان العقل قوله: (والبخر والدفر والزنا وولده في الجارية) أي عيبفيها لا في الغلام لان المقصود قد يكون الاستفراش وهذه تخل به. والمقصود من الغلام الاستخدام ولا يخل به إلا إذا كان البخر والدفر فاحشا بأن كان عن داء بحيث يمنعه عن قرب سيده لان الدعاء عيب وأن يكون الزنا عادة له لان اتباعهن يخل بالخدمة وهوأن يتكرر منه الزنا أكثر من مرتين. وأشار بكون الزنا ليس عيبا فيه الدال على القوة إلى أنه لو وجده عنينا فله الرد كما في البناية. والبخر - بالباء المفتوحة والخاء المعجمة المفتوحة الفوقية - من بخر الفم بخرا من باب تعب أنتنت ريحه فالذكر أبخر والانثى بخراء والجمع بخر مثل أحمر وحمراء وحمر، كذا في المصباح. والبخر الذي هو عيب هو الناشئ من تغير المعدة دون ما يكون بفلج بالاسنان فإنه ذلك يزول بتنظيفها، كذا في فتح القدير. وفي المستظرف: يقال إن البخر يحصل من طول انطباق الفم وكل رطب الفم سائل اللعاب سالم منه وفيه كان يقال لا ابتلاك الله ببخر عبد الملك بن مروان ولا بصمم ابن سيرين ولا بعمى حسان. وحكي أن عبد الملك أكل من تفاحة ثم رماها إلى زوجته فتناولت السكين فسألها فقالت: لازيل الاذى عنها فغضب وطلقها. وإنما قيدنا بالخاء الفوقية احترازا عن البجر بالجيم فإنه عيب فيهما وهو انتفاخ ما تحت السرة وبه سمى بعض الناس أبجر، كذا في النهاية. ولا فرق بين الامرد وغيره في البخر من كونه ليس بعيب وهو الصحيح، وقيل الامرد كالجارية، وأما الدفر فهو نتن ريح الابط وهو بالدال المهلمة المفتوحة والفاء المفتوحة يقال دفر الشئ دفرا فهو دافر من باب تعب أنتنت ريحه، وأدفر بالالف لغة والدفر وزان فلس اسم منه يقال فيه دفر أي نتن، ويقال للجارية إذا شتمت يا دفار أي منتنة الريح كناية عن خبث الخبر والمخبر، كذا في المصباح. وأما الذفر بالذال المعجمة فهو من ذفر الشئ دفرا فهو ذفر من باب تعب، وامرأة ذفرة ظهرت رائحتها واشتدت طيبة كانت كالمسك أو كريهة كالصنان. قالوا: ولا يسكن المصدر إلا للمرة والواحدة إذا دخلها هاء التأنيث فيقال ذفرة وقالت أعرابية تهجو شيخا أدبر دفره وأقبل بخره، كذا في المصباح. وفي البزازية: نتن ريح الفم والانف والابط عيب اه‍. والمراد بقوله وولده التولد من الزنا ولو عبر به كما في الاصلاح لكان أولى لان نفس ولد الزنا ليس بعيب إنما العيب التولد منه، وأما الولد فمعيب ويمكن أن يقدر كون أي كونها ولد الزنا عيب. ولم يذكر المصنف اللواطة بالجارية والغلام قال في القنية. وجامع الفصولين: لو اشترى عبدا يعمل به عمل قوم لوط فإن كان مجانا فهو عيب لانه دليل الابنة، وإن كان

[ 70 ]

بأجر فلا بخلاف الجارية فإنه يكون عيبا كيفما كان لانه يفسد الفراش اه‍. وفي المصباح: الابنة العقدة في العود والعدواة اه‍. وكل ليس بمناسب وهي عيب حتى في البهائم لما في القنية: اشترى حمارا ذكرا يعلوه الحمر ويأتونه في دبره قال: وقعت هذه ببخارى فلم يستقر فيها جواب الائمة. وقال عبد الملك النسفي: ان طاوع فعيب والا فلا وقيل عيب اه‍. وفي اقرار تلخيص الجامع من باب الاقرار بالعيب ادعى العيب وأقام أن البائع كان قال لها يا زانية أو هذه الزانية فعلت كذا لم ترد لانه للاستحضار والسب دون تحقق المعنى ولهذا لو قال يا ابني أو يا كافرة لا يعتق ولا تبين لا يلزم بيا حريا مولاي لانا اعتبرنا الحقيقة فيما يكون ثبوته من جهته والعرف فيما يتعذر ولا الحد لان الحقيقة منافية فتعلق باللفظ ولا كذلك الرد، ولو قال هذه الزانية أو نون ترد لانه جملة خبرية فتفيد المخبر، وتمامه في شرحه فهي رباعية ترد في اثنين ولا ترد في اثنين اه‍ قوله: (والكفر أقبح العيوب) لان المسلم ينفر عن صحبته ولا يصلح للاعتاق في بعض الكفارات فتختل الرغبة. أطلقه فشمل كفر الغلام والجارية والنصراني واليهودي والمجوسي كما في النهاية. وما إذا شرط إسلامه فظهر كفره. أو أطلق وما إذا كان قريبا من بلادد الكفر أو من بلاد الاسلام. ولو شرط كفره فظهر اسلامه لا يرده لان الشرط للتبري من عيبه فصار كما إذا اشتراه على انه معيب فإذا هو سليم وحالفنا الشافعي وأحمد نظرا إلى أنه ربما اشترط كفره ليستخدمه في محقرات الامر ولم أرحكم ما إذا وجده خارجا عن مذهب أهل السنة كالمعتزلي والرافضي، وينبغي أن يكون كالكافر لان السني ينفر عن صحبته وربما قتله الرافضي لان الرافضة يستحلون قتلنا. وفي السراج الوهاج: الكفر عيب ولو اشتراها مسلم أو ذمي اه‍. وهو غريب الذمي قوله: (وعدم الحيض والاستحاضة) لان انقطاع الحيض أو استمرار الدم علامة الداء لان الحيض هو الاصل في بنات آدم وهو دم صحة فإذا لم تحض فالظاهر أنه عن داء بها ولهذا قالوا: لا تسمع دعواه بانقطاعه إلا إذا ذكر سببه من داء أو حبل. ويعتبر في الارتفاع أقصى غاية البلوغ سبع عشرة سنة عند الامام، وخسمة عشر عندهما، ويعرف ذلك بقول الامة لانه لا يعرفه غيرها ولكن لا ترد بقولها بل لا بد من استحلاف البائع فترد بنكوله إن كان بعد القبض، وإن كان قبله فكذلك في الصحيح. ولو ادعاه في مدة قصيرة لم تسمع وأقلها ثلاثة أشهر عند الثاني، وأربعة أشهر وعشر عند الثالث وابتداؤها من وقت الشراء. وحاصلها أنه إذا صحح دعواه سئل البائع فإن صدقه رد ت عليه وإلا لم يحلف عند الامام كما سيأتي، وإن أقر به وأنكر كونه

[ 71 ]

عنده حلف، فإنكل ردت عليه ولا تقبل البينة على أنه الانقطاع كان عند البائع للتيقن بكذبهم بخلاف الشهادة على الاستحاضة لانها درور الدم، والمرجع في الحبل إلى قول النساء، وفي الداء إلى الاطباء وهم عدلان، كذا ذكر الشارح تبعا للنهاية والدراية ولكن فيها أن الرجوع فيها إلى قول الامة إنما هو قول محمد، أما في ظاهر الرواية فلا قول للامة في ذلك اه‍. وبما قررناه ظهر أن انقطاع الحيض لا يكون عيبا إلا إذا كان في أوانه، أما انقطاعه في سن الصغر أو الاياس فلا اتفاقا كما في المعراج. واعتبر قاضيخان في فتاواه مدة الانقطاع بشهر ورجحه في فتح القدير ولذا لم يشترط قاضيخان لصحة دعوى الانقطاع تعيين أن يكون عن داء أو حبل. ورجحه في فتح القدير لانه وإن لم يكن عن داء فهو طريق إليه، وطريق توجه الخصومة على ما صححه في فتح القدير أن يدعى انقطاعه للحال ووجوده عند البائع فإن أنكرو وجوده عنده واعترف بالانقطاع في الحال استخبرت الجارية، فإن ذكرت أنها منقطعة اتجهت الخصومة فيحلف ما وجد عنده، فإن نكل ردت عليه. وفي القنية: ولو وجد الجارية تحيض في كل ستة أشهر مرة فله الرد. طم: إن كانت مغنية فله الرد اه‍. ثم اعلم أنه قد وقع من ابن الهمام خبط عجيب فإنه رد على الشارحين في موضعين: الاول في اشتراطهم أن يكون الانقطاع عن داء أو حبل وزعم أن فقيه النفس قاضيخان لم يتعرض له وليس كما زعم بل قاضيخان في الفتاوي صرح به أولا فقال: لو اشترى جارية وقبضها ثم قال إنها لا تحيض قال الشيخ الامام أبو بكر محمد بن الفضل: لا تسمع دعوى المشتري إلا أن يدعي ارتفاع الحيض بالحبل أو بسبب الداء، فإن ادعى بسبب الحبل يريها القاضي النساء إن قلن هي حبلى يحلف البائع أن ذلك لم يكن عنده، وإن قلن ليست بحبلى فلا يمين. وفي معرفة داء في باطنها يرجع إلى الاطباء إلى آخره. فهذا كما ترى صريح فيما نقلوه فكيف يصح قوله إنه لم يتعرض له لكن وقع له عبارة أخرى في الفتاوى بعد هذه بصفحة قال: رجل اشترى جارية وقبضها ولم تحض عند المشتري شهرا واربعين يوما قال القاضي الامابو بكر محمد بن الفضل ارتفاع الحيض عيب وادناه شهر احد وإذا ارتفع هذا القدر عند المشتري كان له أن يرد إذا أثبت أنه كان عند البائع اه‍. فالعبارتان لواحد وهو الشيخ الامام أبو بكر لكن الاولى لسماع الدعوى عند القاضي. والثانية لتحقيق العيب في نفسه لا لبيان سببه فلا مخالفة

[ 72 ]

بينهما. الثاني في نقلهم أنه لا بد من مدة مديدة سنتان أو أربعة أشهر وعشر أو ثلاثة أشهر محتجا بالعبارة الثانية لقاضيخان، ولا اعتبار بها مع صريح النقل عن الائمة الثلاثة ويمكن حملها على رواية أخرى، فنسبته لهم إلى الغلط غلط فاحش منه فالمعتمد ما نقله الشارحون في النهاية والعناية والدراية والبناية والتبيين والكافي وغيرهم. وفي البزازية: ارتفاعه بدون أحد هذين لا يعد عيبا. ونقل عن أبي مطيع أنه قدر المدة بتسعة أشهر، وسفيان بحولين. وفي التحفة: قدره بشهرين كما في غاية البيان فهي سبعة أقوال. ثم اعلم أنه لا منافاة بين قولهم يعتبر قول الامة وبين قولهم والمرجع في الحبل إلى قول النساء وفي الداء إلى قول الاطباء لان اعتبار قول الامة إنما هو لاجل انقطاع الدم لتوجه الخصومة إلى البائع فإذا توجهت إليه بقولها وعين المشتري أنه عن حبل رجعنا إلى قول النساء العالمات بالحبل لتوجه اليمين على البائع وإن

[ 73 ]

عين أنه عن داء رجعنا إلى قول الاطباء كذلك كما لا يخفي قوله: (والسعال القديم) وهو ما كان عن داء أما المعتاد فلا كما في فتح القدير. وظاهر الكتاب أن الحادث منه ليس بعيب ولو كان موجودا عندهما، والظاهر أن ما كان داء فهو قديم وأن هذا هو مراده من كونه قديما فالمنظور إليه كونه عن داء لا القدم ولذا قال في جامع الفصولين: السعال عيب إن فحش وإلا فلا اه‍ (حكاية) في المستظرف: خطب المأمون بمرور فسعل الناس فنادى بهم إلا من كان به سعال فليتداو بشرب خل الخمر ففعلوا فانقطع عنهم السعال. قوله: (والدين) لان ماليته تكون مشغولة به والغرماء مقدمون على المولى. أطلقه فشمل دين العبد والجارية وما إذا كان مطالبا به للحال أو متأخرا إلى ما بعد العتق. وفرق بينهما الشافعي وهو حسن إذ لا ضرر على المولى في الثاني وجوابه أنه يلحقه ضرر بنقصا ميراثه منه حيث كان وارثا له، كذا في فتح القدير. وهو بحث منه مخالف للنقل. قال مسكين: والدين أي الدين الذي يطالب به في الحال، أما الدين المؤجل فإنه ليس بعيب، كذا في الذخيرة. والمراد المؤجل إلى العتق. وفي القنية: الدين عيب إلا إذا كان يسيرا لا يعد مثله نقصانا. وفي السراج الوهاج: إذا كان على العبد دين أو في رقبته جناية فهو عيب لانه يجب بيعه فيه ودفعه فيها فتستحق رقبته بذلك، ويتصور هذا فيما إذا حدثت به الجناية بعد العقد قبل القبض، أما إذا كانت قبل العقد فبالبيع يصير البائع مختارا للجناية، فإن قضى المولى الدين قبل الرد سقط الرد لان المعنى الموجب للرد قد زال اه‍. وكذا إذا أبرأ الغريم كما في البزازية قوله: (والشعر والماء في العين) لانهما يضعفان البصر ويورثان العمى، ولا خصوصية لهما بل كل مرض بالعين فهو عيب ومنه السبل كما في المعراج وكثرة الدمع. وقد ذكر المصنف أولا ضابط العيب ثم ذكر عددا من العيوب ولم يستوفها لكثرتها فلا بأس بتعداد ما اطلعنا عليه في كلامهم تكثيرا للفوائد ولكثرة الاحتياج إليها في المعاملات. ففي المعراج: الثؤلول عيب، وكذا الخال إن كان قبيحا منقصا، والصهوبة حمرة الشعر إذا فحش بحيث تضرب إلى البياض، والشمط وهو اختلاط البياض بالسواد في الشعر في غير أوانه دليل الداء وفي أوانه دليل الكبر، والعشي عيب وهو ضعف البصر بحيث لا يبصر في الليل، والسن الساقط ضرسا كان أو غيره، وكذا السوداء والظفر الاسود المنقص للثمن، والعسر وهو العمل باليسار دون اليمين عجزا لا أن يكون عسر يسر وهو الاضبط الذي يعمل بهما، وقد كان عمر رضي الله تعالى عنه بهذه

[ 74 ]

الصفة فهو زيادة. والقشف وهو يبوسة الجلد وتشنج في الاعضاء والكي إن كان من داء والا لا كما في الحبشة. والحرن على وجه لا يستفز ولا ينقاد للراكب عند العطف والسير. والجمع عيب وهو أن لا يلين عند اللجام، وخلل الرأس من العذار، وبل المخلاة إن نقص وهو أن يسيل لعاب الفرس على وجه يبل المخلاة إذا جعل على رأسه وفيه علفه، وقيل أن يرميها وهو نوع من الجمع. والغرب في العين وهو ورم في المآقي وربما يسيل منه شئ حتى قال محمد: إنه إذا كان سائلا فصاحبه من أصحاب الاعذار. والشتر عيب وهو انقلاب في الاجفان وبه سمي الاشتر وهو لضعف البصر والحول كذلك. والحوص وهو نوع من الحول، والقبل في أنسان العين، وإذا كان في جانب فهو الحوص. والظفر وهو بياض يبدو في إنسان العين وكل ذلك لضعف البصر وربما منعه أصلا. والجرب في العين وغيرها لكونه عن داء، والعزل وهو أن يعزل ذنبه في أحد الجانبين، والمشش وهو ورم في الدابة له صلابة، والفحج وهو تباعد ما بين القدمين، والصكك وهو أن يصكك إحدى ركبتيه على الاخرى، والحبل في بنات آدم عيب لكونه منقصا بخلافه في البهائم لكونه زيادة، والقرن عظم في المأتي مانع من الوصول، والرتق وهو لحم في المأتي، والعفل وهو أن يكون المأتي منها شبه الكيس لا يلتذ الواطئ بوطئها والكل يخل بالمقصود. والبرص والجذام وهو قيح يوجد تحت الجلد يوجد نتنه من بعيد. والفتق وهو ريح في المثانة وربما يهيج بالمرء فيقتله ولا يكون إلا لداء في الباطن، والسلعة وهي القروح التي تكون على العين، وقيل داء في الرأس يتناثر منه شعر الرأس، وقيل غدة تحت الجلد تدور بين اللحم والجلد، والدحس وهو ورم يكون في أطراف حارف الفرس والحمار، والحنف وهو إقبال كل واحد من الابهامين إلى صاحبه وهو ينقص من قوة المشي، وقيل الاحنف الذي يمشي على ظهر قدميه. والصدف التواه في أصل العنق، وقيل إقبال إحدى الركبتين إلى الاخرى. والشدق وهو سعة مفرطة في الفم، والتخنث، والحمق، وكونها مغنية، وشرب الخمر، وترك الصلاة وغيرها من الذنوب. وكل عيب يتمكن المشتري من إزالته بلا مشقة لا يرده به كإحرام الجارية ونجاسة الثوب. وقلة الاكل في البقرة عيب. ولو اشترى زوجي الخف وأحدهما أضيف من الآخر فإنه خرج عن العادة فله الرد، وإن كان الخف لا يتسع في اللبس وقد اشتراه له فهو عيب. والتراب في الحنطة الخارج عن العادة عيب فله ردها، وليس له أن يميز التراب ويرجع بحصته، ولو خلطه بها بعد التمييز أو انتقص الكيل والوزن بالتنقية امتنع الرد وله النقصان، وإن وجد الجارية دميمة أو سوداء لا ترد، وإن كانت محترقة الوجه لا يعرف جمالها وقبحها فله الرد. ولو امتنع الرد رجع بفضل ما بينهما، ولو اشترى دارا ليس لهامسيل أو أرضا لا شرب لها

[ 75 ]

أو مرتفعة لا تسقى إلا بالسكر فله الرد. اه‍ ما في المعراج. ونقل منه في فتح القدير ولكن يحتاج إلى ضبط بعض ألفاظ ليزول الاشتباه عنها: الثؤلول بهمزة ساكنة وزان عصفور ويجوز التخفيف والجمع الثآليل وهو من ثئل ثألا من باب تعب فالذكر أثأل والانثى تألاء والجمع ثؤل مثل أحمر وحمراء وحمر وهو داء يشبه الحبوب. وقال ابن فارس: الثأل داء يصيب الشاة فتسترخي أعضاؤها، كذا في الصحاح. والعشي من عشى عشيا من باب تعب ضعف بصره فهو أعشى والمرأة عشاء منه أيضا. والقشف من قشف الرجل قشفا فهو قشف من باب تعب لم يعتد النظافة وأصله خشونة العيش منه أيضا. والجمح من جمح الفرس براكبه يجمع بفتحتين جماحا بالكسر وجموحا مصد استعصى حتى غلبه فهو جموح بالفتح وجامح يستوي فيه الذكر والانثى، كذا في المصباح. ولم يذكر أن مصدره الجمح ولكن في الصحاح: جمح الفرس جموحا وجماحا وجمحا إذا أعثر فارسه وغلبه اه‍. فعلى هذا الجمح في كلامهم بفتح الجيم وسكون الميم. والغرب بفتح الغين المعجمة والراء الساكنة وللعين غربان، كذا في الصحاح. والحوص بفتحتين ضيف في مؤخر العين والرجل أحوص منه أيضا. والقبل بفتحتين في العين إقبال السواد على الانف. والعزل بفتحتين والاعزل من الخيل الذي يقع ذنبه في جانب ولك عادة لا خلقة وهو عيب منه أيضا والمشش بفتحتين وهو شئ يشخص في وطيفها حتى يكون له حجم منه أيضا. والسكك بفتحتين. ولو ذكروا من العيوب أيضا الصأك بصاد ثم همزة مفتوحة وهو من صئك الرجل يصأك صأكا إذا عرق فهاجت منه ريح منتنة من ذفر أو غير ذلك - كما في الصحاح - لكان أفود، ويمكن تخصيصه بالجارية كالبخر والدفر. والسلعة بكسر السين اسم لزيادة تحدث في الجسد كالغدة تتحرك إذا حركت وتكون من حمصة إلى بطيخة، والسلعة بالفتح الشجة منه أيضا وما قدمناه من تفسيرها بعيد. والحنف بفتحتين إعوجاج في الرجل. والصدف بالصاد والدال المهملتين يقال فرى أصدف إذا كان متداني الفخذين متباعد الحافرين في التواء من الرسغين، وقيل الصدف ميل في الحافر إلى الشق الوحشي، وقيل أن يميل خف البعير من اليد أو الرجل إلى الجانب الوحشي، فإن مال إلى الانسي فهو لا يعد منه أيضا. والشدق بفتح الشين وكسر الدال سعة الشدق وهو جانب الفم منه أيضا. وفي فتح القدير: ومن العيوب العثار في الدواب إن كان كثيرا فاحشا، وأكل العذار، وعدم الختان في الغلام والجارية المولدين البالغين بخلافهما في الصغيرين، وفي الجليب من دار الحرب لا يكون عيبا مطلقا. وفي فتاوي قاضيخان: وهذا عندهم يعني عدم الختان في الجارية المولدة أما عندنا عدم الخفض في الجوار لا يكون عيبا اه‍. وفي السراج الوهاج: الزكام ليس بعيب والجنون عيب، وكذا العمى والعور والشلل والصمم والخرس

[ 76 ]

والاصبع الزائدة والناقصة والقروح والشجاج والامراض كلها. والادر عيب وهو انتفاخ الانثيين والعشي عيب وهو الذي لا يبصر بالليل، وكذا العمش والعنين والخصى. ولو اشتراه على أنه خصي فوجده فحلا لا خيار له. والكذب والنميمة عيب فيهما وقله الاكل في الدواب لا في بني آدم. والنكاح في الجارية والغلام فإن طلقها زوجها رجعيا فله الرد وإن كان بائنا سقط، وإذا وجدها محرمة عليه برضاع أو صهرية كأخته أو أم امرأته فليس بعيب لانه يقدر على الانتفاع بتزويجها وأخذ العوض وإذا وجدها لا تحسن الطبخ والخبز فليس بعيب، وإذا وجد في المصحف سقطا أو خطأ فهو عيب، وإن كانت معتدة من طلاق بائن فليس بعيب لانه لا سبيل للزوج عليها والحرمة عارضة كتحريم الحائض اه‍. وفي الخانية: لو اشترى جارية وقبضها ثم ادعى أن لها زوجا وأراد أن يردها فقال البائع كان لها زوج أبانها أو مات عنها قبل البيع كان القول قول البائع ولا ترد عليه، ولو أقام المشتري البينة على قيام النكاح لا تقبل بينته. ولو أقام البينة على إقرار البائع بذلك قبلت بينته، ولو قال البائع كان زوجها عبدي فلان أبانها قبل البيع والمشتري ينكر الطلاق كان القول قول البائع، فإن حضر المقر له بالنكاح وأنكر الطلاق كان للمشتري أن يردها، ولو قال البائع كان لها زوج عبدي يوم البيع فأبانها أو مات عنها قبل القبض أو بعده والمشتري ينكر الطلاق كان للمشتري أن يرد الجارية، ولو كان لها زوج عند المشتري فقال البائع كان لها زوج عندي غير هذا الرجل أبانها أو مات عنها قبل البيع كان القول قول البائع اه‍. وفي البزازية: التخنث نوعان: أحدهما بمعنى الردئ من الافعال وهو عيب. الثاني الرعونة واللين في الصوت والتكسر في المشي فإنه قل لا يرد وإن كثر رده. ولو اشترى غلاما أمرد فوجده محلوق اللحية يرده، وعدم استمساك البول عيب. ولو اشترى حبلى فولدت عند المشتري لا خصومة له مع البائع، فإن ماتت في نفسها رجل بنقصان الحبل إن لم يعلم به عند الشراء. اشتراها على أنها صغيرة فإذا هي بالغة لا يردها. والثقب في الاذنين إن واسعا فهوعيب في التركية إن عدوه عيبا لا في الهندية. وإن وجد الحنطة مسوسة يرد لا رديئا وجع الضرس مرة بعد مرة عيب، وإذا كانت إحدى العينين زرقاء والاخرى غير زرقاء أو إحداهما كحلاء والاخرى بيضاء فهو عيب. وإذا كانت البقرة لا تحلب إن كان مثلها يشتري للحلب ردها وإن للحم لا، وإن كانت تمص إحدى ثدييها له الرد. وإن كانت الدابة بطيئة السير لا ترد إلا إذا شرط أنها عجول، وكونها وكون العبد أكو فليس بعيب وفي الجارية عيب لانها تفسد الفراش. اشترى عبدا فأصابه حمى في يده وكان في يد البائع أيضا إن اتحد الوقتان يرد وإن اختلف لا. والنقب الكبير في الجدار عيب. وكذا في بيوت النمل في الكرم إن فاحشا عيب، وكذا لو كان فيه ممر الغير أو مسيل

[ 77 ]

الغير. ولو وجد في المسك رصاصا ميزه ورده بحصته قل أو كثر، ولو وجد في الشحم ملحا كثيرا أو وجد في الدهن ودكا كثيرا فكالحنطة. أقر البائع بعد بيع السمن الذائب بموت فأرة فيه رجع عليه المشتري بالنقصان عندهما وعليه الفتوى اه‍. وفي جامع الفصولين: وكونه مقامرا إن كان يعد عيبا كقمار نرد وشطرنج ونحوهما فهو عيب، وكذا السحر عيب فيهما لما فيه من الضرر. وشرب الخمر عيب على سبيل الاعلان والادمان لا على الكتمان أحيانا. اشترى فرسا فوجده كبير السن قيل ينبغي أن لا ترد إلا إذا شرط صغر السن كالجارية إذا وجدها كبيرة السن اه‍. وفي الظهيرية: والدفن عيب وهو أن يسيل الماء من المتخرين. والاجهر عيب وهو من لا يبصر في النهار. والدحس وهو ورم يكون في أطرة حافر الفرس والاطرة دور الحافر، والفدع عوج في الرسغ بينه وبين الساعد وفي القدم كذلك عوج بين عظم الساق، وفي الفرس التواء الرسغ من الجانب الايمن. والجرذ عيب وهو بالذال المعجمة كل ما حدث في عرقوب الدابة من ترند أو انتفاخ عصب. والهقعة وهي دائرة في عرض زوريعد عيبا ويتشاءم به ومنه يقال اتقوا الخيل المهقوع. والزور أعلى الصدر وفسره في المنتقى فقال: المهقوع الذي إذا سار سمع ما بين حاصرتيه وفرجه صوت. والانتشار وهو انتفاخ العصب عند الاعياء وتحرك الشظى كانتشار العصب غير أن الفرس لانتشار العصب أشد احتمالا منه لتحرك الشظى والشظى عظم ملتزق بالذراع. والشامة إن كانت على الخد كانت زينة فإن كانت على الارنبة كانت قبحا اه‍. وفي القنية: اشترى حانوتا فوجد بعد القبض على بابه مكتوبا وقف على مسجد كذا لا يرده لانها علامة لا تبنى الاحكام عليه. اشترى أرضا فظهر أنها ميشومة فينبغي أن يتمكن من الرد لان الناس لا يرغبون فيها، ولو شترى حمارا لا ينهق فهو عيب. وترك الصلاة في العيد لا يوجب الرد اه‍. وقدمنا خلافه. وفي آخر الباب من فتح القدير: قطع الاصبع عيب والاصبعان عيبان والاصابع مع الكف عيب واحد، وحذف الحروف أو نقصها والنقط أو الاعراب في المصحف عيب. فائدة: في ميم المصحف الحركات الثلاثة ذكره الكرماني من شرح كتاب الامامة. والمصراة شاة ونحوها اشد ضرعها ليجتمع لبنها ليظن المشتري أنها كثيرة للبن فإذا حلبها ليس له ردها عندنا، ولا يرجع بالنقصان في رواية الكرخي، ويرجع في رواية الطحاوي لفوات وصف مرغوب بعد زيادة منفصلة، ولو اختيرت للفتوى كان حسنا لغرور المشتري بالتصرية اه‍. وفي الظهيرية: التصرية ليست بعيب عندنا وكذا لو سود أنامل عبده وأجلسه على المعرض حتى ظنه المشتري كاتبا أو ألبسه ثياب الخبازين حتى ظنه خبازا فليس له أن يرده لانه

[ 78 ]

مغتر وليس بمغرور اه‍. وفي الحاوي القدسي في المصراة: وعن أبي يوسف أنه يردها وقيمة صاع من تمرو يحبس لبنها لنفسه اه‍. وهو أقرب إلى حديث المصراة الثابت في الصحيحين إلا أن الحديث أوجب رد الصاع وهو أوجب قيمته قوله: (فلو حدث آخر عند المشتري رجع بنقصانه أو رد برضا بائعه) أي حدث بعدما اطلع على العيب القديم امتنع رده جبرا على البائع لدفع الاضرار عنه لكونه خرج عن ملكه سالما ويعود معيبا فتعين الرجوع بالنقصان إلا أن يرضى البائع بما حدث لرضا بالضرر إلا في مسألة فإن البائع إذا رضي بالعيب الحادث فإنه المشتري لا يجبر على رده وإنما يرجع بالنقصان هي ما إذا اشترى عبدا فظهر أنه قتل إنسانا خطأ عند البائع ثم قتل آخر عند المشتري فإنه البائع إذا أراد قبوله بالجنايتين لا يجبر المشتري وإنما يرجع بنقصان الجناية الاولى دفعا للضرر عنه لانه لو رده على بائعه كان مختار للفداء فيهما وتمامه في الولوالجية. أطلق في الحدوث فشمل ما إذا كان بآفة سماوية أو بعيرها، كذا في المعراج. وشمل ما إذا اشتراه مريضا فازداد في يده فإنه ليس له الرد، وقيل ينبغي أن يرد كما في وجع السن إذا ازداد إلا إذا صاصاحب فراش، كذا في خزانة الفقه. وفي جامع الفصولين: إذا تعيب عند المشتري بفعله أو بفعل أجنبي أو بآفة سماوية وظاهره أنه إذا تعيب عنده بفعل البائع لا يمتنع الرد وظاهر اطلاق الكتاب امتناع الرد جبرا أيضا وفي القنية اشترى عبدا وبه أثر قرحة وبرأت منه ولم يعلم به ثم عادت قرحة فاخبر الجراحون أن عودها بالعيب القديم لم يرده ويرجع بنقصان العيب وهذا بخلاف مسألة كانت به قرحة فانفجرت أوحدرى فانفجر عند المشتري فله الرد لان انفجاره ليس بعيب حادث اه‍ ومن العيب الحادث ما لو اشترى ماله حمل ومؤنة في بلد فأراد أن يرده بعيب قديم في بلد آخر ليس له الرد جبر إلا في بلد العقد كالثمر ومن العيب الحادث نتف ريش الطير المذبوح فيمتنع الرد كما في القنية ثم اعلم أن حدوث العيب عند المشتري شامل لما إذا نقص عنده وحاصل ما إذا نقص المبيع إنه لا يخلوا ما أن يكون في يد البائع أو يد المشتري فإن كان لاول فعلى خمسة أوجه بفعل البائع أو بفعل المشتري أو أجنبي أو المعقود عليه أو بآفة سماوية فإن بفعل البائع خير المشتري وجد به عيبا أو لا إن شاء تركه وإن شاء أخذه وطرح من الثمن حصة النقصان وإن كان بفعل المشتري لزمه جميع الثمن وليس له أن يمسكه ويطلب النقصان ولو منعه البائع بعد جناية المشتري لاجل الثمن فللمشتري رده بالعيب ويسقط عنه الثمن إلا ما نقصه بفعله وإن كان النقصان بفعل الاجنبي فالمشتري بالخيار بعيب أو لا إن شاء رضي به بجميع الثمن واتبع الجاني بإرشه وإن شاء تركه وسقط عنه الثمن وإن كان النقصان بآفة سماوية أو بفعل المعقود

[ 79 ]

عليه يرده بجميع الثمن أو يأخذه وجد به عيبا أو لا ولو أخذه يطرح عنه حصة جناية المعقود عليه وأما النقصان بعد القبض فإن كان بفعله أو بفعل المقعود عليه أو بآفة سماوية لا يرده بالعيب لانه يرده بعيبين ويرجع بحصة العيب إلا إذا رضي به البائع ناقصا وإن كان بفعل البائع أو الاجنبي يجب الارش على الجاني وأنه يمنع الرد ويرجع بحصة العيب من الثمن اه‍ وفي الواقعات اطلع على عيب بالكفن لا يرده ولا يرجع بنقصان العيب إلا إذا أحدث به عيبا فله الرجوع بالنقصان وصورة الرجوع بالنقصان أن يقوم المبيع وليس به عيب قديم ويقوم وبه ذلك فينظر إلى ما نقص من قيمته لاجل النقصان وينسب إلى القيمة السليمة فإن كانت النسبة العشر رجع بعشر الثمن وإن كانت النصف فبنصف الثمن بيانه إذا اشترى ثوبا بعشرة دراهم وقيمته مائة درهم واطلع على عيب ينقصه عشرة دراهم وقد حدث به عيب عنده فإنه يرجع بعشرة الثمن وهو درهم ولو اشتراه بمائتين وقيمته مائة ونقصه العيب عشرة فإنه يرجع بعشر الثمن وذلك عشرون وإن نقصه عشرين رجع بخمس الثمن وهو أربعون وإن اشتراه بمائة وهو يساوي مائة ونقصه عشرة رجع بعشر الثمن وهو عشرة كذا في السراج الوهاج معزيا إلى الينابيع وفي البزازية وفي المقايضة إن النقصان عشر القيمة رجل بعشر ما جلع ثمنا والمقوم لا بد أن يكون اثنين يخبران بلفظ الشهادة بحضرة البائع والمشتري والمقوم الاهل في كل حرفة اه‍ ويحتاج إلى الفرق بين التقويم هنا وفي كل موضع فإنهم اكتفوا في تقويم المتلفات بتقويم واحد كما في شرح المنظومة وظاهر الكتاب ان البائع إذا رضي برده فالخيار للمشتري بين الرد والامساك والرجوع بالنقصان وليس كذلك بل إذا رضي البائع فإنه يخير إن شاء أمسكه ولا رجوع له بالنقصان وإن شاء رده كما في المعراج وغيره وإذرجع بالنقصان ثم زال العيب الجديد فله رد المعيب مع النقصان ونقل في القنية فيها أقوالا ثلاثة الاول ما ذكرناه وقواه بكتاب آخر ثم رقم للثاني بأنه ليس له الرد ثم رقم لثالث بأنه مال إلى أنه يرده ان كان بدل النقصان قائما والا فلا اه‍ والذي يظهر ترجيح الاول لان العيب الحادث كان مانعا من الرد بالقديم وقد زال فيعود الرد والقائل بعدمه يقول أن الرد سقط والساقط لا يعود ويشهد له قولهم في خيار الرؤية لو باه ثم رد عليه بقضاء فإنه لا خيار له لانه قد سقط فلا يعود ومن العيب الحادث المانع من الرد ما إذا اشترى حديدا ليتخذ منه آلات النجارين وجعله في الكور ليجربه بالنار فوجد به عيبا ولا يصلح لتلك الآلات فإنه يرجع بالنقصان ولا يرده كما في القنية ومنه أيضا بل الجلود عيب حادث يمنع الرد بقديم وكذا بل الابر يسم منه أيضا وفي جامع الفصولين بل إبر يسما فرأى عيبه يرجع بنقصه وكذا الاديم لو أنقع في الماء فرأى عيبه

[ 80 ]

لم يرده وإن رضى بائعه وهذا شكل ولو أدخل في النار قدوما فرأى عيبه لم يرده إذا الحديد ينقص بالنار بخلاف الذهب والفضة كحديد أقول الذهب ينتقص في النار إذا ذاب إيضا اللهم إلا أن يكون قبل الذوب لو حدد سكينا فرأى عيبه فإن حدده بحجر فله الرد لا لو حدده بمبرد لانه ينتقض منه اه‍. وذكر قبله شرى شجرة ليتخذ منها بابا أو نحوه فقطعها فوجدها لا تصلح لذلك فله الرجوع بنقص العيب لا الرد إلا برضا بائعه اه‍. وأشار المصنف باشتراط رضا البائع إلى فرع في القنية لو رد المبيع بعيب بقضاء أو بغير قضاء أو تقايلا ثم ظفر البائع بعيب حدث عند المشتري فله الرد اه‍. يعني لعدم رضاه به أولا وفي البزازية رده ليشتري بعيب وعلم البائع بحدوث عيب آخر عند المشتري رد على المشتري مع إرش العيب القديم أو رضى بالمردود ولا شئ به وإن حدث فيه عيب آخر عند البائع رجع البائع على المشتري بإرش العيب الثاني إلا أن يرضى أن يقبل بعيب الثالث أيضا اه‍. ثم اعلم أنا كتبنا في الفوائد الفقهية أنه يستثنى من قولهم لو حدث به عيب وبه عيب قديم رجع بنقصه أ ورد برضا بائعه مسألتان إحداهما بيع التولية لو باع شيأ تولية ثم حدث به عيب عند المشتري وبه عيب قديم لا رجوع ولا رد لانه لو رجع صار الثمن الثاني أنقص من الاول وقضية التولية أن يكون مثل الاول ذكره الشارح في بابها الثانية في السلم لو قبض المسلم فيه فوجد به عيبا كان عند المسلم إليه وحدث به عيب عند رب السلم قال أبو حنيفة خير المسلم إليه إن شاء قبله معيبا بالعيب الحادث وإن شاء لم يقبل ولا شئ عليه لا من رأس المال ولا من نقصان العيب كذا في الخانية من باب السلم وذكره الولوالجي هنا وعلله بأنه لو غرم نقصان العيب من رأس المال كما قال محمد كان اعتياضا عن الجودة وهو ربا اه‍. قوله: (ومن اشترى ثوبا فقطعه فوجد به عيبا رجع بالعيب) أي بنقصان العيب القديم لان القطع عيب حادث قوله: (وإن قبله البائع كذلك فله ذلك) لان الامتناع لحقه وقد رضى به وهو تكرار لان

[ 81 ]

رجوعه وجواز رده برضا بائعه في الثوب من أفراد ما قدمه ولم تظهر فائدة لافراد الثوب إلا ليترتب عليه مسألة ما إذا خاطه فإنه يمتنع الرد ولو برضاه وكان يمكنه أن يقول أولا أو رد برضا بائعه إلا عند حدوث زيادة ووطئ الجارية كقطع الثوب. وفي الظهيرية: ووطؤها يمنع الرد بالعيب بكرا كانت أو ثيبا وكان له أن يرجع بالنقصان إلا أن يقول البائع أنا أقبلها كذلك ووطئ غير المشتري كذلك يمنع الرد بالعيب سواء كان عن شبهة أو لا عن شبهة غير أن الوطئ إذا كان عن شبهة كان للمشتري أن يرجع بالنقصان، وإن قال البائع أنا أقبلها كذلك لمكان العقر الواجب بالوطئ عن شبهة، وإن كانت الجارية ذات زوج عند البائع فوطئها زوجها عند المشتري إن كان الجارية بكرا فليس للمشتري أن يردها، وإن كانت ثيبا إن نقصها الوطئ فكذلك الجواب، وإن لم ينقصها كان للمشتري أن يردها. هذا إذا وطئها الزوج مرة في يد البائع ثم وطئها عند المشتري فأما إذا لم يطأها عند البائع مرة إنما وطئها عند المشتري لم يذكر محمد هذا لفصل في الاصل، واختلف المشايخ فيه والصحيح أنها ترد بالعيب. ولو اشترى برذونا فحصاه ثم اطلع على عيب به بعد الخصاء كان له الرد إذا لم ينقصه الخصي، كذا في فتاوى أهل سمرقند، وكان الشيخ الامام ظهير الدين المرغيناني يفتي بخلافه اه‍ قوله: (وإن باعه المشتري لم يرجع بشئ) لكونه حابسا له بالبيع لامكان الرد برضا بائعه فكان مفوتا للرد، أطلقه فشمل ما إذا كان باعه بعد رؤية العيب أو قبله كما في فتح القدير، وما إذا كان لضرورة أو لا لما في القنية: اشترى سمكة فوجدها معيبة وغاب البائع ولو انتظر حضوره تفسد فشواها أو باعها ليس له أن يرجع بنقصان العيب ولا سبيل له في دفع هذا الضرر سئل عن مثلها في المشمش فقال: لا يرجع على قول أبي حنيفة اه‍. وفي المحيط معزيا إلى الجامع: اشترى عصيرا وقبضه ثم تخمر ثم وجد به عيبا لا يرده وإن رضي به البائع لان في الرد تمليك الخمر وتملكه قصدا لان الرد بالتراضي بيع جديد في حق المالك وحرمة تمليك الخمر حق الشرع فاعتبر بيعا جديدا في حقه، وإن صار خلا لا يرد إلا إذا رضي به البائع لانه تعيب عنده بعيب آخر لانه قبضه حلوا ويرده حامضا ويرجع بنقصان العيب في الحالين. وكذا النصرانيان تبايعا خمرا وتقابضا ثم أسلما ثم وجد المشتري بالخمر

[ 82 ]

عيبا لا يرده ويرجع بالنقصان، الاصل أن القضاء بثمنين معا مقابلا بالمبيع الواحد جائز لان اجتماع ثمنين في ذمة واحدة بمقابلة مبيع واحد على الترادف جائز بأن اشترى أحدهما وباعه من آخر ثم اشتراه منه. رجلان ادعى كل واحد عبدا في يد إنسان أنه باعه من ذي اليد وهو ينكر وإقاما البينة فعليه الثمنان، وكذلك لو قام كل واحد البينة أنه عبده باعه منه وقد نتج عنده الدعوى وقعت في الثمن لا في المبيع لان المبيع متى كان مسلما لا تقبل البينة على البيع لاثبات الملك فيه لاستغنائه عنه لانه إنما يفتقر إليه فيما يقدر على تسليمه فيستوجب الثمن على المشتري وقد استغنى عن تسليمه وتمامه فيه، وفي تلخيص الجامع من الشهادات في البيوع: القضاء بثمنين معا في عين جائز ومبيعين لا إلى أن فرع على الاول لو اطلع على عيب رده على أيهما شاء، ولو حدث به عيب عنده رجع بالنقصان على أيهما شاءلا عليهما. ثم اعلم أن البيع مانع من الرجوع بالنقصان مطلقا سواء كان بعد حدوث‍ نقص عند المشتري أو قبله إلا إذا كان بعد زيادة كما سيأتي ولذا قال في المحيط: ولو أحرج المبيع عن ملكه بحيث لا يبقى لملكه أثر، بأن باعه أو وهبه أو أقر به لغيره ثم علم بالعيب لا يرجع بالنقصان، وكذا لو باع بعضه، وإن تصرف تصرفا لا يخرجه عن ملكه بأن أجره أو رهنه أو كان طعاما فطبخه أو سويقا فلته بسمن أو بناء في العرصة ونحوه ثم علم بالعيب فإنه يرجع بالنقصان إلا في الكتابة اه‍. وذكر هنا مسألتين في فروق الكرابيسي من أول كتاب الوكالة قال: رجل اشترى جارية فقبضها فباعها من غيره وقبضها الثاني ثم اشتراها المشتري الاول من المشتري الثاني وقبضها ثم اطلع على عيب كان عند البائع الاول فإن المشتري الاول لا يرد لا على البائع الاول ولا على المشتري الثاني لانه لا يفيد لان قرار الرجوع عليه والوكيل بالشراء إذا سلمه إلى الموكل ثم اشتراه منه فوجد به عيبا يرده على البائع لان قرار الرجوع ليس عليه بل على

[ 83 ]

البائع الاول اه‍. وفي الولوالجية: وإذا طعن المشتري بعيب فصالحه على شئ أخذه أو حط من ثمنه شيأ فإن كان يقدر على رد المبيع والمطالبة بأرش العيب فالصلح جائز، وإن لم يقدر فالصلح باطل نحو أن يكون المشتري باع المعيب لكونه أبطل حقه في الرد متى باعه اه‍ قوله: (ولو قطعه وخاطه أو صبغه أولت السويق بسمن فاطلح على عيب رجع بنقصانه كما لو باعه بعد رؤية العيب) لامتناع الرد بسبب الزيادة لان لا وجه للفسخ في الاصل دونها لانها لا تنفك عنه ولا وجه إليه معها لان الزيادة ليست بمبيعة فامتنع أصلا، وليس للبائع أن يأخذه لان الامتناع لحق الشرع لا لحقه فإن باعه المشتري بعد ما رأى العيب رجع بالنقصان لان الرد ممتنع أصلا قبله فلا يكون بالمبيع حابسا للمبيع. وعلى هذا قلنا إن من اشترى ثوبا فقطعه لباسا لولده الصغير وخاطه ثم اطلع على عيب لا يرجع بالنقصان، ولو كان الولد كبيرا يرجع لان التمليك حصل في الاول قبل الخياطة، وفي الثاني بعدها بالتسليم إليه، وهذا معنى ما في الفوائد الظهيرية من أن الاصل أن كل موضع يكون المبيع قائما على ملك المشتري ويمكنه الرد برضا البائع فأخرجه عن ملكه لا يرجع بالنقصان، وكل موضع يكون المبيع قائما على ملكه ولا يمكنه الرد، وإن قبله البائع فأخرجه عن ملكه يرجع بالنقصان اه‍. لكن وقع التقييد بالخياطة في الثوب الموهوب للولد في الهداية وهو احترازي في الكبير اتفاقي في الصغير فإنه بمجرد القطع له صار ملكا له فلا رجوع. وفي الكبير القطع والخياطة على ملك نفسه فلما دفعه إليه بعدها أخرجه عن ملكه بعد امتناع رده شرعا فرجع، كذا في المعراج وسيأتي إن شاء الله تعالى في الهبة أنه لو اتخذ لولده الصغير ثيابا يملكه وفي الكبير بالتسليم وليس كالطعام يأكله على ملك أبيه لان الامر إذا توجه إلى وجوه فأولادها بالحكم أغلبها تعارفا والاغلب البر والصلة إلا إذا علم بالدليل كونه إعارة كالاشهاد عند الاتخاذ لعدم الاعتبار بالدلالة عند التعارض، كذا في هبة البزازية وقبلها: اتخذ لولده ثيابا ليس له أن يدفعها إلى غيره إلا إذا بين وقت الاتخاذ أنها عارية اه‍. فعلى هذا لو صرح بأنها عارية لا يسقط حقه في الرجوع بنقصان العيب إذا خاطه لولده الصغير. أطلق الصبغ فشمل كل لون ولكن في السراج الوهاج أو صبغه يعني أحمر فإن صبغه أسود فكذلك عندهما لان السواد عندهما زيادة، وعند أبي حنيفة السواد نقصان فيكون للبائع أخذه اه‍. وفي المصباح: لت الرجل السويق لتا من باب قتل بله بشئ من الماء وهو أخف من البس اه‍. وقد أشار المصنف إلى أن الزيادة المتصلة بالمبيع التي لم تتولد من الاصل مانعة من الرد كالغرس والبناء وطحن الحنطة وشئ

[ 84 ]

اللحم وخبز الدقيق. وفي فتح القدير: وفي كون الطحن والشئ من الزيادة المتصلة تأمل اه‍. وقيد بها لان الزيادة المتصلة المتولدة كالسمن والجمال وانجلاء بياض العين لا تمنع الرد بالعيب في ظاهر الرواية لانها تمحضت تبعا للاصل لتولدها منه مع عدم انفصالها فكان الفسخ لم يرد على زيادة أصلا، ولم يتكلم على الزيادة المنفصلة بقسميها متولدة وغير متولدة فالمتولدة كالولد واللبن والثمر في بيع الشجر والارش والعقر وهي تمنع الرد كالمتصلة غير المتولدة لتعذر الفسخ عليها، ففي فتح القدير: فيكون المشتري بالخيار قبل القبض إن شاء ردهما جميعا وإن شاء رضي بهما بجميع الثمن، وأما بعد القبض فيرد المبيع خاصة لكن بحصة من الثمن بأن يقسم الثمن على قيمته وقت العقد وعلى قيمة الزيادة وقت القبض، فإذا كانت قيمته ألفا وقيمة الزيادة مائة والثمن ألف سقط عشر الثمن إن رده وأخذ تسعمائة اه‍. وهو سهو لانه غير مناسب لقوله أولا وهي تمنع الرد فكيف يقول إذا كان قبل القبض له ردهما وإن كان بعده فله رد المبيع خاصة فعلى كحال لا يمتنع الرد، وإنما يناسب هذا التقرير لو قلنا إنها لا تمنع الرد. وفي البزازية: إذا حدثت الزيادة بعد القبض واطلع على عيب عند البائع، فإن كانت منفصلة متولدة من الاصل تمنع الرد ويرجع بحصة العيب إلا إذا تراضيا على الرف يكون كبيع جديد اه‍. وأما ما في فتح القدير من التقرير فإنما ذكره في البزازية فيما إذا حدثت الزيادة قبل القبض ثم اطلع على عيب، فإن كان الاطلاع عليه قبل القبض خير كما ذكره، ولو بعد القبض رد المبيع خاصة بحصته من الثمن. وفي الصغرى: والزيادة المنفصلة تمنع الرد بالاجماع. وهل تمنع الاسترداد؟ فعلى الاختلاف عند محمد يسترد، وعندهما لا. وفي الولوالجية: وتفسير العقر مهر مثلها عند بعضهم، وقال بعضهم عشر قيمتها إن كانت بكرا ونصف عشر قيمتها إن كانت ثيبا. وذكر قبله الزيادة المنفصلة تمنع الرد بالعيب بعد القبض وسائر أسباب الفسخ كالاقالة والرد بخيار رؤية وغيره اه‍. وفي القنية: الزيادة

[ 85 ]

في المبيع إما قبل القبض أو بعده، وكل منهما على أربعة أوجه: متصلة ومنفصلة وكل منهما إما متولدة أم لا؟ فأما قبل القبض فالمتصلة المتولدة لا تمنع، والمتصلة غير المتولدة تمنع، وأما المنفصلة المتولدة لا تمنع فإن شاء ردهما أو رضى بهما بجميع الثمن. ولو وجد بالزيادة عيبا لا يردها إلا إذا أوجب نقصانا في المبيع فله خيار الرد لنقصان المبيع، ولو قبض الزيادة والاصل ثم وجد بالمبيع عيبا برده بحصته من الثمن لانه صار حصة للزيادة بعد قبضها، ولو وجد بها عيبا خاصة يردها خاصة بحصتها من الثمن. وأما المنفصلة التي لم تتولد منه كالهبة والصدقة الكسب فلا تمنع الرد فإذا رده فالزيادة للمشتري بغير ثمن عند أبي حنيفة ولا تطيب له، وعندهما للبائع ولا تطيب له. ولو قبض المبيع مع هذه الزيادة ووجد بالمبيع عيبا فعند أبي حنيفة يرد المبيع خاصة بجميع الثمن، وعندهما يرد مع الزيادة لانها حدثت قبل القبض. ولو وجد بالزيادة عيبا يردها لان لا حصة لها من الثمن فلو ردها لردها بغير شئ، ولو هلكت الزيادة والمبيع بعيب يرده خاصة بجميع الثمن بالاجماع، وأما الزيادة بعد القبض فإن كانت متصلة متولدة تمنع الرد عندهما بالعيب ويرجع بنقصان العيب عندهما، وعند محمد لا ينفع (ط) لا تمنع الرد بالعيب في ظاهر الرواية وللمشتري طلب نقصان العيب، فإن طلب فليس للبائع أن يقول أنا أقبله كذلك عندهما. وقال محمد: له دلك. ولو كانت متصلة غير متولدة تمنع الرد إجماعا، ولو كانت منفصلة متولدة منه تمنع الرد ويرجع بحصة العيب، ولو كانت منفصلة غير متولدة كالكسب لا تمنع الرد بالعيب وتطيب له الزيادة. هذا إذا كانت الزياد قائمة، فإن هلكت ففيه ثلاثة أوجه: إما أن تهلك بآفة سماوية أو بفعل المشتري أو بفعل الاجنبي. ففي الاول له رد الاصل، وفي الثاني خير البائع إن شاء قبله ورد الثمن وإن شاء رد حصة العيب، في الثالث لا رد لان ضمانه كبقاء عينه ويرجع بحصة العيب اه‍. ولذا قال في المحيط: اشترى شاة حاملا فولدت عند البائع ولم تنقصها الولادة لا خيار للمشتري، فإن

[ 86 ]

قبضهما فوجد بأحدهما عيبا يرده بحصته من الثمن لانه قبضهما متفرقا، ولو ولدت بعد القبض لا يرد لان الزيادة الحادثة بعد القبض تمنع الرد واللبن كالولد اه‍. وفي جامع الفصولين: اعلم أن الزيادة نوعان: منفصلة ومتصلة، وكل منهما متولدة أولا، فالمتصلة التي لم تتولد تمنع الرد وفاقا وإن قبله البائع وله الرجوع بنقصه، والمتصلة المتولدة لا تمنع الرد في ظاهر الرواية، فإن أراد المشتري الرجوع بنقصه لا رده فله ذلك عند محمد لا عندهما، و المنفصلة المتولدة تمنع الرد وكذا تمنع الفسخ بسائر أسباب الفسخ، والمنفصلة التي لم تتولد لا تمنع الرد والفسخ بسائر أسباب الفسخ ثم قال: الصحيح أن المتصلة لا تمنع الرد بالعيب، ولا فرق في كون الولد مانعا من الرد بين ما إذا اشتراها حاملا أحائلا فولدت عنده، فإذا ولدت الامة امتنع ردها بعيب سواء هلك الولد أو لا بخلاف غيرها حيث لا يمنع رد الام بعيب إذا هلك الولد إذ الولادة لا تنقص في غير بنات آدم، ولو شرى أمة حاملا فولدت زال العيب ثم قال: خيار الرؤية والشرط يبطل بولادة الامة مات الولد أولا، والولد الميت والبيضة الفاسدة لا تبطل الخيار إلا إذا نقصت بالولادة اه‍. ثم اعلم أن خياطة الثوب كما تمنع رده بعيب تمنع الرجوع بثمنه عند استحقاقه، فلو اشترى قميصا فقطعه وخاطه ثم برهن مستحق أن القميص له وقضى له به لم يرجع المشتري بالثمن على بائعه لكونه استحق بسبب حادث كما لو برهن أن الكم له والآخر أن الدخريص له بخلاف ما إذا قطعه ولم يخطه فبرهن أن القميص له رجع بالثمن، وتمامه في تلخيص الجامع. قوله: (أو مات العبد أو أعتقه) يعني يرجع بالنقصان إذا اطلع على عيب به يعد موته أو إعتاقه، أما الموت فلان الملك انتهى به والامتناع حكمي لا بفعله، وأما الاعتاق فالقياس أن لا يرجع لان امتناع الرد بفعله فصار كالقتل، وفي الاستحسان يرجع لان العتق إنهاء الملك لان الآدمي ما خلق في الاصل محلا للملك وإنما يثبت فيه الملك موقتا إلى الاعتاق فكان إنهاء كالموت. وهذا لان الشئ يتقرر بانتهائه فيجعل كان الملك باق والرد متعذر، والدليل على ثبوت أصل الملك مع الاعتاق ثبوت الولاء للمعتق وهو أثر من آثار الملك. وفي الصغرى: المشتري إذا باع من غيره فمات في يد الثاني ثم إطلع على عيب رجع بنقصان العيب على المشتري الاول، وليس للمشتري الاول أن يرجع على بائعه الاول بنقصان العيب عند أبي حنيفة خلافا لهما حتى لو صالح

[ 87 ]

المشتري الاول مع بائعه عن ذلك على شئ لا يصح عند أبي حنيفة لانه لا حق له اه‍، كذا في الكافي. وقد يقال: ما المانع من جعله من آثار العتق؟ ولم يذكر المؤلف رحمه الله تعالى توابع الاعتاق وفيها تفصيل، فالتدبير والاستيلاد كالعتق لتعذر النقل مع بقاء المحل بالامر الحكمي، وأما الكتابة فمانعة من الرجوع لجواز النقل لجواز بيعه برضاه وتعجيزه نفسه فصار بها حابسا كالاعتاق على مال. وقيد في السراج والوهاج بأداء بدل الكتابة ليعتق ليصير عتقا على مال اه‍. وفي المحيط: مكاتب اشترى أباه أو ابنه لا يرده بالعيب لانه صار مكاتبا والكتابة تمنع زوال الملك بسائر الاسباب فكذلك الفسخ، ولا يرجع بنقصانه لان الجروع بالنقصان خلف عن الرد بدليل أنه لا يصار إليه مع القدرة على الرد وإنما يثبت الخلف إذا وقع اليأس عن الاصل ولم يقع لقبولها الفسخ بخلاف ما إذا دبره ثم وجد به عيبا، فإن عجز المكاتب بعدما علم بالعيب رده المولى ويتولاه المكاتب لزوال المانع، فإن باعه المولى أو مات المكاتب رده المولى بنفسه كالوكيل إذا مات فإن أبرأه المكاتب قبل العجز لا يرده المولى، وإن أبرأه المولى قبل عجز المكاتب جاز. ولو اشترى المكاتب أم ولده ومعها ولدها لا يردها بالعيب ويرجع بنقصانه، ولو أبرأه المكاتب جاز. ولو اشترى المولى من مكاتبه عبدا لا يرده بالعيب ولا يخاصم البائع اه‍. ولو قال المؤلف أو هلك المبيع ليتناول هلاك غير الآدمي لكان أولى. وفي القنية: اشترى جدارا مائلا فلم يعلم به حتى سقط فله الرجوع بالنقصان. وفي جامع الفصولين: ذهب به إلى بائعه ليردء بعيبه فهلك في الطريق هلك على المشتري ويرجع بنقصه، وقدمنا حكم ما إذا قضى برده على البائع بعيبه فهلك عند المشتري. والحاصل أن هلاك المبيع ليس كإعتاقه فإنه إذا هلك المبيع يرجع بنقصان العيب، سواء كان بعد العلم به أو قبله. وأما الاعتاق بعد العلم به فمانع من الرجوع بنقصانه بخلافه قبله، وليس الاعتاق كاستهلاكه فإنه استهلكه فلا رجوع مطلقا إلا في الاكل عندهما، وقيل غير مانع من الرجوع بنقصه أيضا لوجوب الضمان به فهو كبيعه، كذا في السراج الوهاج. وفي جامع الفصولين: ولو شرى بعيرا فلما أدخله في داره سقط فذبحه رجل بأمر المشتري فظهر عيبه يرجع بنقصه عندهما، وبه أخذ المشايخ كما لو أكل طعاما، ولو علم عيبه قبل الذبح فذبحه هو أو غيره بأمره لا يرجع اه‍. وفي الواقعات: الفتوى على قولهما في الاكل فكذا هنا وفيه: ولو اتشرى

[ 88 ]

برا على أنه ربيعي فزرعه فإذا هو خريفي اختار المشايخ أنه يرجع بنقص العيب وهو قولهما بناء على ما إذا اشترى طعاما فأكله فظهر عيبه والفتوى على قولهما. ولو اشترى بزرا على أنه بزر بطيخ كذا فزرعه فظهر على صفة أخرى جاز البيع لاتحاد الجنس من حيث إنه بطيخ، واختلاف الصفة لا يفسد العقد، ولا يرجع بنقص العيب عند أبي حنيفة. شرى على أنه بزر بطيخ شتوي فزرعه فإذا هو صيفي بطل البيع فيأخذ المشتري ثمنه وعليه مثل ذلك البزر. ولو شرى بزر الدوين فزرعه في أرضه ولم ينبت رجع على بائعه بكل ثمنه إن كان لنقصان فيه، وكذا لو شرى بزر البطيخ فزرعه فنبت القثاء أو شرى بزر القثاء فوجده بزر القثاء البلخي بطل البيع جملة. شرى حب القطن فزرعه ولم ينبت قيل يرجع بنقص عيبه، وقيل لا يرجع لانه أهلك المبيع اه‍. وفي القنية: بامنه دخنا للبذر وقال ازرعه فإن لم ينبت فأنا ضامن لهذا البذر فزرع فلم ينبت فعليضمان النقصان اه‍. وأشار بالاعتاق إلى الوقف فإذا وقف المشتري الارض ثم علم بالعيب رجع بالنقص، وفي جعلها مسجد اختلاف والمختار الرجوع بالنقص، كذا فجامع الفصولين وعليه الفتوى كما في البزازية. وإذا رجع بالنقصان سلم له لان النقصان لم يدخل تحت الوقف، كذا في البزازية أيضا قوله: (وإن أعتقه على ما أو قتله أو كان طعاما فاكله أو بعضه لم يرجع بشئ) أما الاول فلانه حبس ما هو بدله وحبس البدل كحبس المبدل منه، وقدمنا أن الكتابة بمعناه فلا رجوع. وأما قتله وأكل الطعام فالمراد إتلاف المبيع من المشتري مانع من الرجوع بنقصان العيب وهو ظاهر الرواية لان القتل لا يوجد إلا مضمونا وإنما يسقط هنا باعتبار الملك إن لم يكن مديونا، فإن كان مديونا ضمنه السيد، كذا في الكافي. فصار كالمستفيد به عوضا بخلاف الاعتاق فإنه لا يوجب ضمانا وقتل غيره مانع من الرجوع بنقصه أيضا لوجوب الضمان به فهو كبيعه، كذا في السراج الوهاج. وأما الاكل فالمذكور قوله، وأما عندهما فيرجع استحسانا، وعلى هذا الخلاف إذا لبس الثوب حتى تخرق، لهما أنه صنع بالمبيع ما يقصد بشرائه ويعتاد فعله له فأشبه الاعتاق، وله أنه تعذر الرد بفعل مضمون منه في المبيع فأشبه البيع والقتل ولا يعتبر بكونه مقصودا ألا ترى أن المبيع إنما يقصد بالشراء، ثم هو يمنع الرجوع وأكل البعض كأكل البكل لكونا كشئ واحد فصار كبيع البعض، وعنهما يرجع بالنقصان في الكل، وعنهما يرد مبقي لانه لا يضره التبعيض ويرجع بنقصان ما أكل وعليه الفتوى، كذا في الاختيار. والحاصل ان

[ 89 ]

الفتوى على قولهما في الرجوع بالنقصان كما في الخلاصة ورد ما بقي قالوا: والاصل في جنس هذه المسائل أن الرد متى امتنع بفعل مضمون من المشتري كالقتل والتمليك من غيره امتنع الرجوع بالنقصان، ومتى امتنع لا من جهته أو من جهته بفعل مضمون كالهلاك بآفة سماوية أو انتقص أو ازداد زيادة مانعة للرد أو الاعتاق أو توابعه كالتدبير والاستيلاد لا يمتنع الرجوع بالنقصان، وعلى هذا قال البزازي: لو وطئ المشتري الجارية ثم باعها بعد العلم بالعيب لا يرجع، وإن وطئها غير البائع ثم باعها يرجع بالنقصان اه‍. وفي المجتبى: لو أطعمه ابنه الكبير أو الصغير أو امرأته أو مكاتبه أو ضيفه لا يرجع بشئ، ولو أطعمه عبده أو مدبره أو أم ولده يرجع لان ملكه باق. ولو اشترى سمنا ذائبا وأكله ثم أقر البائع أنه كانت وقعت فيه فأرة رجع بالنقصان عندهما وبه يفتى. وفي الكفاية: كل تصرف يسقط خيار الشرط يسقط خيار العيب إذا وجد في ملكه بعد العلم بالعيب ولا رد ولا أرش اه‍. وفي القنية: ولو كان غزلا فنسجه أو فيلقا فجعله إبريسما ثم ظهر أنه كان رطبا وانتقص وزنه رجع بنقصان العيب بخلاف ما إذا باع اه‍. قيد بالطعام لانه لو اشترى كرما بثمره وذكر الثمر وأكل منها ثم وجد بالكرم عيبا فله رد الكرم، كذا في القنية. وقيد بكونه فعل بالمبيع لانه لو أتلف كسب المبيع بعد العلم بالعيب لا يكون رضا ولا يسقط شئ من الثمن، وكذا لو كان كسب المبيع جارية فوطئها أو حررها بخلاف إعتاق ولد المبيعة فإنه يكون رضا بعد العلم بالعيب، كذا في البزازية قوله: (ولو اشترى بيضا أو قثاء أو جوزا فوجده فاسدا ينتفع به رجع بنقصان العيب وإلا بكل الثمن) أي إن لم يكن منتفعا به فإن يرجع بجميع الثمن لانه ليس بمال فكان البيباطلا، ولا يعتبر في الجواز صلاح قشره على ما قيل لان ماليته باعتبار اللب، وإكان ينتفع به مع فساده لم يرده لان الكسر عيب حادث ولكنه يرجع بنقصان

[ 90 ]

العيب دفعا للضرر بقدر الامكان إلا أن يقبلها البائع مكسورا ويرد الثمن كما في البزازية. ولا بد من تقييد المسألة بكسره لانه لو اطلع على عيبه قبل كسره كان له رده، فلو قال فكسره فوجده فاسدا أيضا لكان أولى. ولا بد أيضا من أن لا يتناول منه شيئا بعد العلم بعيبه لانه لو كسره فذاقه ثم تناول منه شيئا لم يرجع بنقصانه لرضاه به، وينبغي جريان الخلاف فيها كما لو أكل الطعام. وأطلق في الانتفاع فشمل انتفاعه به وانتفاع غيره من الفقراء والدواب علفا لهم. وأطلق البيض واستثنوا منه بيض النعامة إذا وجده فاسدا بعد الكسر فإنه يرجع بنقصان العيب لان ماليته باعتيار القشر بخلاف غيره. وقيد بوجود المبيع أي جميعه لانه لو وجد البعض منه فاسدا فإن كان قليلا جاز البيع لعدم خلوه عنه عادة ولا خيار له، وإن كان كثيرا فالصحيح عنده البطلان. وعندهما يجوز في حصة الصحيح منه، والقليل الثلاثة وما دونها في المائة، والكثير ما زاد، والفاكهة من هذا القبيل، كذا في المعراج. وفي فتح القدير: ولو اشترى دقيقا فخبز بعضه وظهر أنه مر رد ما بقي ورجع بنقصان ما خبز اه‍. وفي الواقعات: هو المختار. ولو قال المصنف فوجه معيبا لكان أولى لان من عيب الجوز قلة لبه وسواده كما في البزازية. وصرح في الذخيرة بأنه عيب وليس من باب الفساد وفيها: اشترى عددا من البطيخ أو الرمان أو السفرجل فكسر واحدا واطلع على عيب رجع بحصته من الثمن لا غير ولا يرد الباقي إلا إن يبرهن أن الباقي فاسد اه‍. ولهذا قال فوجده أي المبيع احترازا عما إذا كسر البعض فوجده فاسدا فإنه يرده أو يرجع بنقصه فقط ولا يقيس الباقي عليه قوله: (ولو باع المبيع فرد عليه بعيب بقضاء يرد على بائعه ولو برضاه لا) أي لا يرده على بائعه الاول لانه بالقضاء فسخ من الاصل فجعل البيع كأن لم يكن. غاية الامر أنه أنكر قيام العيب لكنه صار مكذبا شرعا بالقضاء كما في الهداية، ومنهم من جعله قول أبي يوسف. وعند محمد ليس له أن يخاصم بائعه لتناقضه، وعامتهم على أنه إن سبق منه جحود نصا بأن قال بعته وما به هذا العيب وإنما حدث عندك ثم رد علي بقضاء ليس له أن يخاصم بائعه، منهم من حملها على ما إذا كان ساكنا والبينة تجوز على الساكت ويستحلف الساكت أيضا لتنزيله منكرا، كذا في المعراج. أطلقه فشمل القضاء بإقرار وبينة ونكول عن اليمين. ومعنى القضاء بالاقرار أنه أنكر الاقرار فأثبت بالبينة كما في الهداية، أو أقر وأبي القبول فقضى عليه

[ 91 ]

كما في الكافي. وصورة الاقرار أن يقول اشتريته وبه ذلك العيب ولم أعلم به وقضى به ثم ادعاه على بائعه وبرهن ببينة أو استحلف بائعه، كذا في الولوالجية. وليس المراد منه أنه بمجرد القضاء عليه بإقراره يرده فليتأمل. وإن قبله بغير قضاء ليس له رده على بائعه لانه بيع جديد في حق الثالث وإن كان فسخا في حقهما والاول ثالثهما. أطلقه فشمل ما يحدث مثله، وما لا يحدث مثله وهو قول العامة، وتقييده في الجامع الصغير بما يحدث ليعلم حكم ما لا يحدث بالاولى، وفي بعض روايات الاصل أن ما لا يحدث مثله فالرضا به كالقضاء. وترك المصنف قيدا آخر وهو أن يكون بعد قبض المبيع لانه لو كان قبل قبضه فهو فسخ في حق الكل، سواء كان بقضاء أو رضا، كذا في المعراج معزيا إلى المبسوط. وقيد آخر وهو أن يكون البيع قبل الاطلاع على العيب إذا لو كان بعده ليس له الرد على بائعه ولو رد عليه بما هو فسخ، كذا في الصغرى. وأورد على كونه فسخا مسائل: الاولى لو كان المبيع عقارا فرد بعيب لم يبطل حق الشفيع في الشفعة. الثانية لو باع أمته الحبلى وسلمها ثم ردت بعيب بقضاء ثم ولدت فادعاه أبو البائع لم تصح دعوته ولو كان فسخا لصحت كما لو لم يبعها. الثالثة لو أحالة البائع غريمه على المشتري بالثمن ثم رد المبيع بعيب بقضاء لم تبطل الحوالة ولو كانت فسخا لبطلت. وأجاب في المعراج بأنه فسخ فيما يستقبل لافي الاحكام الماضية ولهذا قال شيخ الاسلام: قول القائل الرد بالقضاء يجعل العقد كأن لم يكن تناقض لان العقد إذا جعل كأن لم يكن جعل الفسخ كأن لم يكن لان الفسخ بدون العقد لا يتصور، فإذا انعدم العقد من أصله انعدم الفسخ من الاصل، وإذا انعدم الفسخ من الاصل عاد العقد لانعدام ما ينافيه ولكن يقال يجعل العقد كأن لم يكن في المستقبل لا في الماضي اه‍. والدليل على أن الفسخ إنما هو في المستقبل أن زوائد المبيع للمشتري ولا يردها مع الاصل ولهذا لو وهب مالا قبل تمام الحول ثم رجع الواهب بعد الحول لا تجب الزكاة عليه فيما مضى، كذا في المعراج. ولو وهب دارا وسلمها فبيعت دار بجنبها فأخذها الموهوب له بالشفعة ثم رجع الواهب فيها لم يكن له الاخذ بشفعة، كذا في فتح القدير. وقد كتبنا في الفوائد أن الرد بالعيب بقضاء فسخ إلا في مسألة وإذا لم يرده في صورة الرضا لا رجوع له بالنقصان أيضا كما في المعراج. وإذا كان له الرد فله الرجوع بالنقصان كما في التهذيب يعني لو حدث عيب ورده بقضاء فله الارش ولو برضا لا. وقيد بالمبيع وهو العين احترازا عن الصرف فإنه يجعل فسخا إذا رد بعيب لا فرق بين القضاء والرضا لانه لا يمكن أن يجعل بيعا جديدا لان الدينار هنا لا يتعين في العقود، فإذا اشترى دينارا بدرهم ثم باع الدينار من آخر ثم وجد

[ 92 ]

المشتري الثاني بالدينار عيبا ورده على المشتري بغير قضاء فإنه يرده على بائعه لما ذكرنا كما في المحيط والخانية. وفي الكافي: المبيعان هنا واحد لان المعيب ليس بمبيع بل المبيع السليم فيكون المبيع ملك البائع فإذا رده على المشتري يرده على بائعه، أما هنا المبيعان موجودان فإذا قيل بغير قضاء فقد رضي بالعيب فلا يرده على بائعه اه‍. وذكر في الظهيرية ثم قال بعده: وعلى هذا إذا قبض رجل دراهم له على رجل وقضاها من غريمه فوجدها الغريم زيوفا فردها عليه بغير قضاء فله أن يردها على الاول اه‍. وخرج عن قوله بقضاء مسألة ذكرها في المبسوط: لو أقام المشتري الثاني أن العيب كان عند المشتري الاول ولم يشهد أنه كان عند البائع الاول فليس للمشتري الاول المخاصمة مع بائعة إجماعا لان المشتري الاول لم يصر مكذبا فيما أقر به ولم يوجد هنا قضاء على خلاف ما أقر به فبقي إقراره بكونها سليمة فلا يثبت له ولاية الرد، ولكن لم يذكره محمد، كذا في فتح القدير. والمعراج. اعلم أن القن إذا حكم برده بعيب الاباق على بائعه فاشتراه آخر فأبق عنده فله الرد على بائعه بالاباق السابق المحكوم به كما في الظهيرية. وإقرار المشتري الاول بإباقه لا ينفذ على من لم يشتر منه من الباعة بخلاف إقرار البائع الاول بدين على العبد فإن للمشتري الآخر

[ 93 ]

أن يرده على بائعه بإقرار الاول كما فيها أيضا. وفي التهذيب للقلانسي: لو وهب وسلم ثم رجفيه بقضاء أو رضا فله الرد اه‍. ثم معنى قوله يرد على بائعه أن له أن يخاصم الاو ويفعل ما يجب أن يفعل عند قصد الرد ولا يكون الرد عليه ردا على بائعه بخلاف الوكيل بالبيع فإنه إذا رد عليه ما باعه بعيب بقضاء ببينة أو نكول أو بإقرار من المأمور بالبيع حيث يكون ردا على موكله من غير حاجة إلى خصومة لان تعدادها عند تعدد البيع، وهنا البيع واحد فإذا ارتفع رجع إلى الموكل. وهذا الاطلاق قيده فخر الاسلام يعيب لا يحدث مثله، أما فيما حدث مثله لا يرده بإقرار المأمور وإنما تعدى النكول إلى الموكل مع أنه إما إقرار أو بذل وليس له البذل لكونه ليس إقرارا ولا بذلا حقيقة. وإنما جرى مجراه بدليل أنه لو عاد وحلف بعد نكوله صح، ولو كان إقرارا لم يصح وصح القضاء بنكول المأذون عنها، ولو كان بذلا حقيقة لم يصح فلا يلزم اجراؤه في كل الاحكام. وفي الايضاح: إن رد على الوكيل بعيب لا يحد ث مثله بإقراره لا يرد وهو أوجه. وفي البزازية: والوكيل بالعيب رد عليه بعيب قضاء اقتصر عله وأن لا يحدث مثله في المدة هو الصحيح، وإن بقضاء ولا يحدث مثل في المدة ينظر جوابه والرد على الوكيل رد على الموكل مطلقا، وإن يحدث مثله في المدة فإن بنكول أو ببينة فرد على الموكل، وإن بإقرار فعلى الوكيل وله أن يخاصم الموكل والوكيل بالشراء له أن يخاصم قبل الدفع إلى الموكل كالمضارب، فإن برهن البائع على رضا لآمر أو أقر به الوكيل سقط الرد ولا يحلف الآمر على الرضا ولا وكيله ويرده الموكل بعد موت الوكيل بعيب، وإذا رده المشتري على الوكيل استرد الثمن منه إن كان نقده إليه وإلا فمن الموكل اه‍. وفي الولوالجية: إذا رد على الوكيل بإقراره بالعيب بلا قضاء لزمه دون الموكل هو الصحيح مطلقا، وظاهر ما في البزازية من الوكالة وهنا أن له أن يخاصم الموكل فليراجع. وقيد بخيار العيب

[ 94 ]

لانه لو رد على المشتري بخيار رؤية أو شرط فإنه يرده على بائعه، سواء كان بقضاء أو رضا، لكونه فسخا في حق الكل كما في المعارج والبزازية معزيا إلى الجامع جدد البائع مع المشتري ثانيا بأقل من الثمن الاول أو أكثر ثم رد عليه بعيب لم يكن له أن يرد على بائعه الاول اه‍. وفي الصغرى: الغاصب إذا باع المغصوب وسلم فضمن القيمة للمالك ثم رد عليه بعيب فله أن يرد على المالك ويسترد القيمة لان سبب الضمان البيع والتسليم وقد صار ذلك كأن لم يكن اه‍. وقيد بقوله فرد لانه لو باعه فاطلع مشتريه على عيب قديم به لا يحدث مثله وحدث عنده عيب ورجع بنقصان العيب القديم، فعند أبي حنيفة لا يرجع البائع على بائعه بنقصان العيب القديم، وعندهما له أن يرجع، كذا ذكره الاسبيجابي ومثله في الصغرى قوله: (ولو قبض المشتري المبيع وادعى عيبا لم يجبر على دفع الثمن ولكن يبرهن أو يحلف بائعه) أي لم يجبر المشتري على دفع الثمن بعد دعوى العيب لانه أنكر وجوب دفع الثمن حيث أنكر تعين حقه بدعوى العيب ودفع الثمن أولا ليتعين حقه بإزاء تعين المبيع، ولانه لو قضى بالدفع فلعله يظهر العيب فينقض القضاء فلا يقضي به صونا لقضائه. وتعبير المصنف بلكن أولى من تعبير الهداية بقوله لم يجبر حتى يحلف بائعه أو يقيم بينة لما يلزم على ظاهرها فساد من وجهين: أحدهما أن يقتضي أن المشتري إذا أقام بينة على ما ادعاه يجبر على دفع الثمن وليس كذلك. ثانيهما أنه يقتضي أن البائع إذا طلب منه الحلف يجبر المشتري وإن لم يحلف وليس كذلك، وإنما يجبر بعد الحلف. ولا يلزم شئ مما ذكرناه على عبارة الكتاب والمعنى ولكن الامر لا يخلو من أحد شيئين: إما بينة المشتري فيتبين براءته بالرد على البائع، أو يمين البائع عند عجزه فيلزمه الدفع، ولكن بإقامة البينة لا يتعين الثمن بل إما هو أورد المبيع كما في العناية لان العيب إذا ثبت خير المشتري فلم يتعين الفسخ وأحسن الوجوه في تأويل الهداية أن معنى عدم الجبر عدم الحكم بشئ حتى يتبين الحال إما ببينة المشتري أو بيمين البائع. وفي إيضاح الاصطلاح: إقامة المشتري بينة على دعواه غاية لتعين عدم الجبر كالتحليف لا لعدم الجبر حتى يلزم الجبر على دفع الثمن عند إقامة البينة على العيب. وإنما قلنا إنه لتعيين عدم الجبر لاحتمال عدم قبول البينة فيجبر المشتري على دفع الثمن، ويحتمل أن تقبل فيبقى عدم الجبر كما كان ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم لا تقض لاحد الخصمين حتى تسمع كلام الآخر فإن

[ 95 ]

سماع كلام الآخر غاية لتعين عدم القضاء لا لعدم القضاء حتى يتعين القضاء لاحدهما عند سماع كلام الآخر اه‍. وقيد بقبض المبيع لان المشتري يستبد بالفسخ قبل القبض كما ذكرنا ولا جبر ههنا، كذا في المعراج. وقد يقال إنه اتفاقي لان للبائع المطالبة بالثمن قبل تسليم المبيع فإذا طالبة به قبل قبضه فادعى عيبا لم يجبر فصدق عدم الجبر قبل القبض أيضا. وفي الصغرى: إذا قال المشتري وجدت المبيع معيبا لا يجبر على أداء الثمن حتى يقيم البينة أو يحلفه، وكذا المديون إذا ادعى إيفاء الدين اه‍ قوله: (وإن قال شهودي بالشام دفع حلف بائعه) لان في الانتظار ضررا بالبائع وليس في الدفع كبير ضرر به لانه على حجته فإن نكل التزم العيب لانه حجة منه وتحليف البائع في المسألتين إنما هو فيما إذا أقر بقيام العيب به ولك أنكر قدمه لما سيأتي. والمراد بقوله شهودي بالشام أنه قال أن له بينة غائبة عن المصر سواء كانوا بالشام أو بغيرها، والشام بلاد من مسامة القبلة وسميت لذلك أو لان موما من بني كنعان تشاءموا إليها أي ساروا أو سمي باشم بن نوح فإنه بالشين بالسريانية أو لان أرضها شامات بيض وحمر وسود وعلى هذا لا يهمز وقد يذكر، وهو شامي وشآم وشآمي، وأشام أتاها، وتشأم انتسب إليها، وشامهم تشئيما سيرهم إليها، كذا في القاموس. وقيد بدعواه غيبتهم عن المصر لانه لو قال لي بينة حاضرة أمهله القاضي إلى المجلس الثاني إذ لا ضرر فيه على البائع، ولو طلب الامهال إلى ثلاثة أيام أمهله، وإذا حلف بائعه في مسألة الكتاب وقضى بالدفع عليه ثم وجد المشتري بينة فأقامها تقبل، وليس هذا مما ينفذ فيه القضاء ظاهرا وباطنا عند أبي حنيفة لان ذلك في العقود والفسوخ ولم ينتاكر العقد بل حقيقة الدعوى هنا دعوى مال على تقدير فالقضاء هنا بدفع الثمن إلى غاية حضور الشهود بالمسقط. ولا خلاف في مثله أعني ما إذا قال لي بينة غائبة أو قال ليس لي بينة حاضرة ثم أتى ببينة تقبل، وأماءذا قال لا بينة لي فحلف خصمه ثم أتى ببينة في أدب القاضي تقبل في قول أبو حنيفة، وعند محمد لا تقبل، كذا في فتح القدير. وستأتي بشعبها في كتاب الدعوى قوله: (فإن ادعى أباقا لم يحلف بائعه حتى يبرهن المشتري أنه أبق عنده فإن برهن حلف بالله ما أبق عندك قط) أي إذا ادعى عيبا يطلع عليه الرجال ويمكن حدوثة فلا بد من إقامة البينة أولا على قيامه بالمبيع مع

[ 96 ]

قطع النظر عن ق دمه وحدوثه لينتصب البائع خصما فإن لم يبرهن لا يمين له على البائع عند الامام على الصحيح، وعندهما يحلف على نفي العلم لان الدعوى معتبر حتى تترتب عليها البينة فكذا يترتب التحليف. وله أن الحلف يترتب على دعوى صحيحة ولا تصح إلا من خصم ولا يصير خصما فيه إلا بعد قيام العيب. وأورد عليه لزوم ذلك في دعوى الدين مع أنه في دعوى الدين يأمر القاضي المدعى عليه بالجواب قبل ثبوت أصل الدين مع أن فراغ الذمة عن الدين أصل والشغل عارض كالعيب عارض. وأجيب: لو شرط إثباته لم يتوصل المدعي إلى إثبات حقه لانه ريما تعذرت عليه بخلاف العيب لانه مما يعرف بآثار تعاين أو بقول الاطباء أو القابلة، كذا في المعراج. والحاصل أنه لا يلزم من ترتب البينة ترتب اليمين فقد ذكر في القنية المواضع التي يكون الانسان فيها خصما بالبينة دون اليمين وكتبناها في الفوائد، ولان التحليف إنما شرع لقطع الخصومة لا لانشائها. ولو استحلف البائع فحلف نشأ ت خصومة أخرى في قدمه وحدوثه، وأورد الشارح على هذا التعليل مسألة الشفعة فإن المشتري إذا أنكر ملك الشفيع يحلف، فإذا حلف نشأت خصومة أخرى في الشراء وإلايراد على هذا التعليل لا يضر في صحة الدليل السابق مع كونه مردودا من جهة أخرى هي أنه لا يضر أن تنشأ خصومة أخرى من اليمين وكثيرا اليمين ما يقع ذلك في الخصومات، ولم يظهر للمحقق ابن الهمام ما نقلناه عن المعراج من الفرق بين دعوى العيب ودعوى الدين فقال: إنه يلزمه الجواب للدعوى فيهما وعلى المدعي البرهان فيهما فالوجه التسوية بينهما في اليمين أيضا فيحلف البائع كما هو قولهما. وقوله على قول البعض ولذا قالوا: إن القاضي يسأل البائع فإن أقر بقيامه توجهت الخصومة في القدم والحدوث وهو يدل على أنه يلزمه الجواب فالفرق بينهما غلط. ثم اعلم أن الامام يصح بيعه للغنائم ولو في دار الحرب كما في التلخيص وشرحه. وقولهم لا يصح ببعها قبل القسمة وفي دار الحرب محمول على غير الامام وأمينه، فلو اطلع المشتري على عيب لا يرده على البائع لان تصرفه حكم ولكن ينصب الامام رجلا للخصومة معه ولا يقبل إقراره بالعيب ولا يمين عليه لو أنكر وإنما هو خصم لاثباته بالبينة كالاب ووصيه في مال الصغير بخلاف الوكيل فإن إقراره مقبول فيه. وإذا أقر منصوب الامام بالعيب انعزل كالوكيل بالخصومة إذا أقر على موكله في غير مجلس القضاء فإنه

[ 97 ]

وإن لم يصح لكنه ينعزل به، ثم إذا رد بالعيب فإنه يضم إلى الغنيمة إن كان قبل القسمة، وإن كان بعدها فإنه يباع بالثمن، فإن نقص الثمن أو زاد كان ذلك في بيت المال، كذا في التلخيص وشرحه. وبما ذكرناه من أن الامين خصم في البينة ولا يمين عليه بقوى قول الامام وليس مراده خصوص عيب الاباق بل كل عيب لا بد فيه من المعاودة عند المشتري لا بد من أسباب وجوده عند المشتري لتقع الخصومة في قدمه وحدوثه كالبول في الفراش والسرقة والجنون على المختار، وأما ما لا يشترط وجوده عند المشتري كولادة الجارية وزناها وتولد الرقيق من الزنا فإن البائع يحلف عليه ابتداء عند عدم البرهان. وتحليف البائع كما في الكتاب بالله ما أبق عندك قط عبارة بعضهم وعبارة الجامع الكبير بالله لقد باعه وقبضه وما أبق قط قالوا: وإن شاء حلفه بالله ما له عليك حق الرد من الوجه الذي يدعي به. وفي فتح القدير: وكل من هذه العبارات حسنة، بقيت عبارتان محتملتان بالله لقد باعه وما به هذا العيب، وبالله لقد بعته وسلمته وما به هذا العيب. ويرد على عبارة الكتاب أنه لا مخلص فيها للمشتري لان العيب لو وجد عند بائع البائع يرده المشتري به كما في القنية والبزازية وذكره الزيلعي أيضا. وظاهر ما في فتح القدير أنه لم يطلع هو وأصحابه على نقل فيها لانه قال إنها مما تطارحناه إلى آخره. ولو حلف البائع بهذه العبارة لكان صادقا لانه ما أبق عنده قط، وكذا لو كان أبق من المورث أو الواهب أو مودعه أن مستأجره أو من الغاصب لا إلى منزل مولاه ويعرفه ويقوى على الرجوع فإنه عيب ففيه ترك النظر للمشتري، فلو حذ ف الظرف وقال بالله ما أبق قط لكان أولى لكن يرد عليها أيضا ما لو كان أبق عند الغاصب إذا لم يعلم منزل مولاه أو لم يقدر على الرجوع إليه، وقدمنا أنه ليس بعيب ففيه ترك النظر للبائع، فإن أتى بالظرف كان فيه ترك النظر للمشتري، وإن حذفه كان فيه ترك النظر للبائع، فمن اختار حذف الظرف فر من محذور فوقع في آخر، ومن ذكره فكذلك. وأما العبارتان المحتملتان فيرد على الاولى منهما أنه لو كان باعه سليما ثم حدث به عند البائع قبل التسليم فإنه يرده عليه مع أنه صادق في قوله باعه وما به هذا العيب، فإذا قال بائعه بالله لقد سلمته وما به هذا العيب اندفع الاحتمال المذكور. ويرد على الثانية أنها توهم تعلقه بالشرطين جميعا فيتأوله الحالف في يمينه عند قيامه في إحدى الحالتين. وجوابه أن تأويله غير صحيح لان البائع نفى العيب عند البيع

[ 98 ]

وعند التسليم فلا يكون بارا في يمينه إذا كان موجودا في إحدهما كما أشار إليه في المبسوط. والاسلم والاخلص عبارة الجامع وما يليها كما لا يخفي، وتعقب في المحيط عبارة الجامع بجواز رضا المشتري وابترائه. وفي البزازية: والاعتماد على المروي عن الثاني بائا ما لهذا المشتري قبلك حق الرد بالوجه الذي يدعيه تحليفا على الحاصل اه‍. وصحح في المبسوط عبارة الجامع. وفي الهداية: إذا كان الدعوى في إباق الكبير يحلف بالله ما أبق منذ بلغ مبلغ الرجال لان الاباق في الصغر لا يوجب رده بعد البلوغ اه‍. ولا خصوصية للاباق بل كل عيب اختلف فيه الحال بين الصغر والكبر فالحكم كذلك كما في فتح القدير. والتحليف هنا بقوله ما أبق قط تحليف على البتات مع أنه على فعل غيره فمنهم من قال لكونه مدعيا العلم به، ومن ادعى علما بفعل غيره فإنه يحلف على البتات لاعلى نفي العلم كالمودع إذا ادعى قبض المودع لها حلف على قبضه وهو فعل غيره، والوكيل إذا ادعى قبض الموكل ثمن ما باعه حلف الوكيل على قبض الموكل. ومنهم من قال: ليس حاصله فعل الغير بل فعل نفسه وهو تسليمه سليما وهو قول السرخسي. والاول أوجه فإن معنى تسليمه سليما ليس المراد منه السلامة في حال التسليم بل بمعنى سلمته والحال أنه لم يسرق عندي فيرجع إلى الحلف على فعل الغير، كذا في فتح القدير. وأورد الامام ظهير الدين على الاول فقال: إلا أن هذا لا يقوى بمسئلتين: إحداهما باع رجلان عبدا من آخر صفقة واحدة ثم مات أحدهما وورثة البائع الآخر ثم ادعى المشتري عيبا فإنه يحلف في حصته بالجزم وفي نصيب مورثه بالعلم عند محمد، وإن كان يدعي العلم بانتفائه. والثانية باع المتفاوضان عبدا وغاب أحدهما فادعى المشتري عيبا يحلف الحاضر على الجزم في نصيب نفسه وعلى العلم في نصيب الغائب وإن ادعى أن له علما بذلك، كذا في المعراج. وفي فتح القدير: والوجه عند ي أن يستشكل ما نحن فيه على هاتين المسألتين لا عكسه لان تحليفه في نصفه على البتات وفي نصف الآخر على العلم وهو واحد هو المشكل، والمسألتان مشكلتان لاستواء علمه وجهله بالنسبة إلى النصفين إلا أن يكون معنى المسألة أن يكون العبد عند كل من الشريكين مدة فيحلف على البتات في مدته ما أبق عندي وعلى نفي العلم في مدة شريكه، فلو لم تكن إقامته إلا عند الشريك لا يحلف إلا على البتات ويكتفي به إلا أن هذا غير معلوم فيحلف كما ذكر واو لو لم تكن إقامته إلا عند غير الحالف لكون العقد اقتضى وصف السلامة اه‍. أقول: ما ذكره من الوجه أولا ليس بالوجه لان الكلام السابق في قوة قولهم كل من ادعى علما بفعل غيره ولزمته اليمين فإن يحلف على البتات فيرد على هذه القاعدة على طريق النقض مسألتان: ادعى علما بفعل

[ 99 ]

غيره والتحليف في العلم والدليل على أنها قاعدة اعتبارها في مسائل أخرى منها ما في الخلاصة: لو قال إن لم يدخل فلان الدار اليوم فكذا ثم ادعى دخوله حلف على البتات بالله أنه دخلها. ومنها أن الوكيل إذا باع وادعى المشتري عيبا فإن الوكيل يحلف على نفي العلم والوصي لو باع وادعى المشتري عيبا يحلف على البتات لانه في الاول لا يدعي علما لكونه ليس في يده وهو في يد الوصي فيعلم عيبكما في القنية. ثم اعلم أن مذهب أبي يوسف التحليف على البتات في المسألتين وهما من مسائل الجامع الكبير كما في المحيط من باب المخاصمة في الرد بالعيب. وفي فتح القح دير: وقد ظهر بما ذكرنا كيفية ترتيب الخصومة في عيب الاباق ونحوه وهو كل عيب لا يعرف إلا بالتجربة والاختبار كالسرقة والبول في الفراش والجنون والزنا، وبقي أصناف أخرى ذكرها قاضيخان وهي مع ما ذكرنا تتمة أربعة أنواع: الاول أن يكون ظاهرا لا يحدث مثله أصلا من وقت البيع إلى وقت الخصومة كالاصبع الزائدة والعمى والناقصة والسن الشاغية أي الزائدة، فالقاضي يقضي فيها بالرد إذا طلب المشتري من غير تحليف للتيقن به في يد البائع أو المشتري إلا أن يدعي البائع رضاه به أو العلم به عند الشراء والابراء منه، فإن ادعاه سأل المشتري فإن اعترف امتنع الرد، وإن أنكر أقام البينة عليه، فإن عجز يستحلف ما علم به وقت المبيع أو ما رضي به ونحوه، فإن حلف رده، وإن نكل امتنع الرد، الثاني أن يدعي عيبا باطنا لا يعرفه إلا الاطباء كوجع الكبد والطحال، فإن اعترف به عندهما رده، وكذا إذا أنكره فأقام المشتري البينة أو حلف البائع فنكل الا ان ادعى الرضا فيعمل ما ذكرنا وان أنكره عند المشترى يريه طبيبين مسلمين عدلين والواحد يكفي والاثنان أحوط، فإذا قال به ذلك يخاصمه في أنه كان عنده. الثالث أن يكون عيبا لا يطلع عليه إلا النساء كدعوى الرتق والقرن والعقل والثيابة وقد اشترى بشرط البكارة فعلى هذا إلا أنه إذا أنكر قيامه للحال أريت النساء والمرأة العادلة كافية، فإذا قالت ثيبا أو قرناء ردت عليه بقولها عندهما كما تقدم أو إذا انضم إليه نكوله عند تحليفه غير أن القرن ونحوه إن كان مما لا يحدث مثله ترد عند قول المرأتين هي قرناء بلا خصومة في أن ذلك عند

[ 100 ]

البائع للتيقن بذلك كما في الاصبع الزائدة إلا أن يدعي رضا فعلى ما ذكرنا. وفي شرح قاضيخان: العيب إذا كان مشاهدا وهو مما لا يحدث يؤمر بالرد، وإن كان مما يحدث واختلف في حدوثه فالبينة للمشتري لانه يثبت الخيار والقول للبائع لانه ينكر الخيار وهذا يعرف مما قدمناه. ولو اشترى جارية وادعى أنها خنثى يحلف البائع لانه لا ينظر إليه الرجال ولا النساء إلى هنا ما في فتح القدير تبعا لما في المعراج وفيه: ولو أراد المشتري الرد ولم يدع البائع عليه شيئا بسقطه لم يحلف المشتري لان التحليف لقطع الخصومة وفيه إنشاؤها. وعند أبي يوسف يحلف صيانة لقضائه عن النقض لو ظهر ذلك في ثاني الحال بالله ما علم بالعيب حين اشتراه ولا رضي به ولا عرضه على البيع، وأكثر القضاة يحلفون بالله ما سقط حقك في الرد بالعيب من الوجه الذي يدعيه نصا ولا دلالة وهو الصحيح، وأحب إلي أن يستحلفه وإن لم يدع، ولو ادعى سقوط حق الرد يحلف اتفاقا اه‍. وقدمنا أن خيار العيب على التراخي ولو خاصم ثم ترك ثم عاد وخاصم فله الرد كما في المعراج أيضا. وذكر في الخلاصة والبزازية أن القاضي لا يستحلف الخصم بدون طلب المدعي إلا في مسائل منها: خيار العيب وقد ذكرناه. الثانية النفقة في مال الغائب لا يقضي بها حتى يستحلف المرأة. الثالثة الشفعة لا يقضي بها حتى يستحلف الشفيع وكتبناها في الفوائد الفقهية مفصلة. ثم اعلم أن القاضي إنما يحتاج إلى قول الاطباء عند عدم علمه بالعيب، أما إذ كان من ذوي المعرفة نظر بنفسه كما في البزازية ونظر أمين القاضي كهو كما في البدائع. واشتراط العدلين منهم إنما هو للرد وإن أخبر واحد عدل توجهت الخصومة فيحلف البائع كما فيها أيضا ولكن في أدب القاضي

[ 101 ]

ما يخالفه وفيها: لو أخبرت امرأة بأنها حامل وامرأتان بالعدم صحت الخصومة ولا يقبل قول النافية، فإن قال البائع ليست لها بصارة اختار القاضي ذات بصارة اه‍. وقدمنا أن للبائع أن يمتنع من القبول مع علمه بالعيب حتى يقضي عليه ليتعدى إلى بائعه، وقد صرح به في البزازية أيضا. وفي تهذيب القلانسي: لو أقام البائع بينة أنه حدث عند المشتري وأقام المشتري البينة أنه كان معيبا في يد البائع تقبل بينة المشتري اه‍ قوله: (والقول في قدر المقبوض للقابض) لانه هو المنكر لما يدعيه المدعي. أطلقه فشمل ما إذا كان أمينا أو ضمينا كالغاصب وإن كان المقام مخصصا لما يتعلق بالعيب، فلو اشترى جارية وتسلمها ثم وجد بها عيبا فقال البائع بعتكها وأخرى معها وقال المشتري وحدها فالقول للمشتري. ولو حذف المنصف قوله في مقدار المقبوض لكان أولى لان القول للقابض فيما قبضه مطلقا مقدارا أو صفة أو تعيينا، فلو جاء ليرد المبيع بخيار شرط أو رؤية فقال البائع ليس هو المبيع فالقول للمشتري في تعيينه بخلاف ما إذا جاء ليرده بخيار عيب فإن القول للبائع كما في العمادية، وفرق بينهما في فتح القدير. وإذا اختلفا في تعيين الزق فالقول للمشتري كما في الظهيرية، وإذا اشترى عبدين أحدهما بألف حالة والآخر بألف إلى سنة صفقة أو صفقتين فوجد بأحدهما عيبا فرده ثم اختلفا فقال البائع رددت ما ثمنه آجل وقال المشتري ما كان ثمنه عاجلا فالقول للبائع، سواء هلك ما في يد المشتري أو لا ولا تحالف. ولو كان الثمنان مختلفين فرد أحدهما

[ 102 ]

بعيب فادعى البائع أن ثمن المردود كذا وعكس المشتري فالقول للمشتري، كذا في الظهيرية. ومن مسائل الجامع الكبير: لو اشترى عبدا بألف وقبضه ووهب البائع له عبدا آخر وسلمه فمات أحد العبدين ثم أراد المشتري رد الباقي بعيب فادعى البائع أن المبيع هو الهالك والباقي هو الهبة وعكس المشتري ولا بينة فالقول للبائع ولو لم يجد عيبا وإنما أراد الواهب الرجوع وقال الحي هو الموهوب وأنكر المشتري فالقول للبائع، فإذا رجع فيه رجع المشتري الثمن المدفوع، إذا رجع رجع البائع بقيمة العبد الميت بعد التحالف، وإذا اختلفا في طول المبيع وعرضه فالقول للبائع وتمامه في الظهيرية من فصل الاختلافات من البيوع. وفي تلخيص الجامع من باب الاختلاف في المرابحة: اشترى ثوبا قيمته عشرة بعشرة ودفع إليه آخر ثوبا اشتراه بعشرة وقيمته عشرون ليبيع له مع ثوبه فقال لرجل هما قاما بعشرين فأبيعك بربح عشرة فاشتراهما ثم وجد بثوب الآمر عيبا فقال شريتهما صفقة وانقسم الربح على القيمة أثلاثا فأرده بثلثي الثمن فقال البائع ثمن كل ثوب عشرة فانقسم الربح على الثمنين فرد بنصفه فالقول للمشتري مع اليمين بجحده مزيد حادث بخلاف ما لم يدع عيبا لفقد الجدوى إلى أن قال: ولا تحالف وإن برهنا فالبينة للمشتري لاثباته زيادة حقيقة مقصودة وتمامه فيه. قيد بكونه مقبوضا لان المشتري بالخيار إذا أراد الاجازة في سلعة في يد البائع فقال البائع ما بعتكها قالوا: القول للبائع كما لو ادعى بيع عين وأنكر وإن كان الخيار للبائع فأراد الزام البيع في معين وأنكره المشتري فالقول للمشتري، كذا في الظهيرية من خيار التعيين. وشمل ما إذا ادعى المشتري بعد قبض المبيع أنه وجده ناقصا فالقول له لان القابض. قال في الخلاصة من كتاب الصل: رجل باع من آخر إبريسما ووزنه عليه وقت البيع وحمله المشتري ثم رجع إليه بعد مدة وقال وجدته ناقصا، فإن كان النقص يكون بين الوزنين فلا شئ له، وإن كان أكثر

[ 103 ]

ينظر إن لم يسبق من المشتري إقرار بقبض كذا منا فله أن يمنعه من الثمن بإزاء النقصان ولو نقده رجع بذلك القدر، وإن أقر بقبضه ليس عليه شئ اه‍. فإن قلت: هل تقبل بينة القابض على ما ادعاه مع قبول قوله؟ قلت: نعم تقبل لاسقاط اليمين عنه كالمودع إذا ادعى الرد أو لهلاك وأقام بينة تقبل مع أن القول قولوالبينة لاسقاط اليمين مقبولة، كذا في الذخيرة من باب الصرف وذكر لقبولها فائدة أخرى هي أن الوكيل بالصرف لو رد عليه الدينار بعيب فأقر به وقبله كان عليه لا على الموكل، فلو أقام مشتريه بينة على أنه هو الذي قبضه من الوكيل قبلت لاسقاط اليمين عنه ولرجوعه إلى الموكل فليحفظ قوله: (ولو اشترى عبدين صفق فقبض أحدهما ووجد بإحدهما عيبا أخذهما أو ردهما) لان الصفقة تتم بقبضهما فيكون تفريقا فيكون تفريقا قبل التمام وهذا لان القبض له شبه بالعقد فالتفريق فيه كالتفريق في العقد. أطلقه فشمل ما إذا كان المعيب المقبوض أو غيره، ويروي عن أبي يوسف أنه إذا وجد بالمقبوض عيبا برده خاصة كأنه جعل غير المعيب تبعا له والاصح أنه يأخذهما أو يردهما لان تمام الصفقة تتعلق بقبض المبيع وهو اسم للكل فصار كحبس المبيع لما تعلق زواله باستيفاء الثمن لا يزول دون قبض جميعه، والعبدان مثال والمراد عبدان أو ثوبان أو نحوهما قوله: (ولو قبضهما ثم وجد بإحدهما عيبا رد المعيب وحده) لكونه تفريقا بعد التمام لان بالقبض تتم الصفقة في خيار العيب وسيأتي أن مسألة زوجي الخف ومصراعي الباب مستثناة من كلامه هنا. وعلى هذا إذا اشترى ثورين فوجد بأحدهما عيبا بعد القبض، فإن كان ألف أحدهما الآخر بحيث لا يعمل بدونه لا يملك رد المعيب وحده. وقيد بخيار العيب لانه ليس له رد أحدهما بخيار شرط أو رؤية قبل القبض أو بعده لان الصفقة فيها لا تتم إبالقبض، قيد بتراخي ظهور العيب عن القبض لانه لو وجد بأحدهما عيبا قبل القبض فإن قبض المعيب منهما لزماه، أما المعيب فلوجود الرضا به، وأما الآخفلانه لا عيب به. ولو قبض السليم منهما فلو كانا معيبين فقبض أحدهما له ردهما جميعا لانه لا يمكنه الزام البيع في المقبوض دون

[ 104 ]

الآخر لما فيه من تفريق الصفقة على البائع، ولا يمكن إسقاط حقه في غير المقبوض لانه لم يرض به. ولو أعتق السليم أو باعه بعد القبضه لزمه الآخر كيلا تتفرق الصفقة على البائع لان الصفقة لا تتم إلا بقبض المبيع، كذا في المحيط. وشمل إطلاقه ما إذا اشترى خاتم فضة فيه فص وقلع الفص لا يضرب واحد منهما فوجد بأحدهما عيبا بعد القبض فله أن يقلع الفص ويرد المعيب منها، ولووجد بأحدهما عيبا قبل القبض ردهما، وكذا السيف المحلى والمنطقة المحلاة. ولو اشترى نخلا فيه تمر فجز التمر ثم وجد بأحدهما عيبا لا يرد أحدهما بل يردهما لانهما بمنزلة شئ واحد لان التمر بعض النخل لانه خرج منه بخلاف القص لانه ليس من الفضة، كذا في المحيط قوله: (ولو وجد ببعض الكيلي أو الوزني عيبا رده كله أو أخذه) لكونه كالشئ الواحد. أطلقه فشمل ما إذا كان قبل القبض أو بعده، وما وقع في الهداية من أن المراد بعد القبض فإنما هو ليقع الفرق بين القيميات والمثليات. وشمل ما إذا كان في وعاء واحد أو وعاءين، وقيل إنه مخصوص بما إذا كان في وعاء واحد، أما إذا كان في وعاءين فهو بمنزلة العبدين حتى يرد الوعاء الذي وجد فيه العيب دون الآخر. ولم يذكر المصنف حكم ما إذا كان المبيع متعددا لا يمكن الانتفاع بأحدهما إلا بالآخر إذا وجد بأحدهما عيبا قالوا: إنه بمنزلة المكيل والموزون فيخير إن شاء أخذهما أو ردهما قبل القبض وبعده لانهما كشئ واحد كزوجي خف ومصراعي باب وزوجي ثور ألف أحدهما الآخر، فلو وجد أحدهما أضيق، فإن كان خارجا عما عليه خفاف الناس في العادة يرد وإلا لا، وإن كان لا يسع رجله فإن كان اشتراهما للبس رد وإلا فلا كما في المحيط. ثم اعلم أن ما لا ينتفع بأحدهما إلا بالآخر له أحكام منها حكم العيب، ومنها لو قبض أحدهما بغير إذن البائع وهلك الآخر عند البائع يخير المشتري فيما قبض بحصته وإذن البائع في قبض أحدهما أذن في قبضهما، ومنها لو أعار أحدهما وأمر المستعير بقبضه لا يكون إذنا بقبض الآخر، ومنها لو استحق أحدهما بعد القبض رد المشتري الآخر إن شاء، ومنها لو عيب المشتري المأخوذ ثم هلك الآخر في يد البائع ولم يمنعه إياه هلك على المشتري وءن منع البائع هلك على البائع، ومنها لو أحدث البائع بأحدهما عيبا بأمر المشتري صار قابضا لهما، ومنها لو رأى المشتري أحدهما فرضيه لم يكن رضا بالآخر، ومنها لو تعيب أحدهما لم يرد الآخر بعيب وخيار رؤية

[ 105 ]

ويرجع بالنقصان، ومنها لو استهلك رجل أحدهما يدفع إليه الآخر ويضمنه قيمتهما إن شاء، والمسائل كلها من المحيط. والحاصل أن حكم أحدهما حكم الآخر إلا في مسائل الاذن بقبض أحدهما في العارية لا يكون إذنا بقبض الآخر، ورؤية أحدهما لا تكون رؤية للآخر قوله: (ولو استحق بعضه لم يخير في رد ما بقي ولو ثوبا خير) لان المثلي لا يضره التبعيض والاستحقاق لا يمنع تمام الصفقة لان تمامها برضا العاقد لا برضا المالك. أطلقه وهو مقيد بما إذا كان بعد القبض، أما قبله فله أن يرد ما بقي لتفريق الصفقة قبل التمام. وأراد بالثوب القيمي لان التشقيص فيه عيب وقد كان وقت البيع حيث ظهر الاستحقاق بخلاف المكيل والموزون فشمل العبد والدار كما في النهاية. وينبغي أن تكون الارض كالدار. وحاصله أن المبيع أن استحق بعضه، فإن كان قبل القبض خير في الكل، وإن كان بعد خير في القيمي لا في المثلى، فإن قبض أحدهما دون الآخر فحكمه حكم ما إذا لم يقبضهما كما في المحيط. وفي جامع الفصولين: لو اشترى قنين فأراد رد أحدهما بعيب لا يشترط حضرة القن الآخر سواء رد بقضاء أو رضا، ويصح الرد ولو لم يكن المعيب حاضرا أيضا. وكذا لو استحق أحدهما لا يشترط حضرة الآخر سواء رد بقضاء أو رضا اه‍. وذكر في فصل الاستحقاق: شرى فبنى فاستحق نصفه ورد المشتري ما بقي على البائع فله أن يرجع على بائعه بثمنه وبنصف قيمة البناء لانه مغرور في النصف، ولو استحق نصفه المعين فلو كان البناء في ذلك النصف خاصة رجع بقيمة البناء أيضا، ولو كان البناء في النصف الذي لم يستحق فله أن يرد البناء ولا يرجع بشئ من قيمة البناء. شرى دارا فاستحقت عرصتها نقض البناء فقال المشتري أنا بنيتها فارجع على بائعي وقال بائعه بعتها مبنية فالقول للبائع. شرى نصفه مشاعا فاستحق نصفه قبل القسمة فالمبيع نصفه الباقي، ولو استحق بعد القسمة فالمبيع نصفه الباقي وهو الربع اه‍. ثم قال: شرى دارا مع بنائه فاستحق البناء قبل قبضه قالوا يخير المشتري ان شاء أخذ الارض بحصته من الثمن وان شاء ترك ولو استحق بعد قبضه يأخذ الارض

[ 106 ]

بحصته ولا خيرا له والشجر كالبناء، ولو احترقا أو قلعهما ظالم قبل القبض أخذهما بجميع الثمن أو ترك ولا يأخذ بالحصة بخلاف الاستحقاق اه‍ قوله: (واللبس والركوب والمداواة رضا بالعيب) لانه دليل الاستبقاء في ملكه. أطلق الركوب وهمقيد بما إذا ركبها في حاجته لما سيصرح به، وكذا المداواة إنما تكون رضا بعيب داواه، أما إذا داوى المبيع من عيب قد برئ منه البائع ويه عيب آخر فإنه لا يمتنع رده كما في الولوالجية. وفي خزانة الفقه: اختلفا قال البائع ركبتها لحاجتك وقال المشتري لا ردها عليك فالقول للمشتري. وقيد بخيار العيب لان هذه الاشياء لا تسقط خيار الشرط لان الخيار هناك للاختبار وأنه بالاستعمال فلا يكون مسقطا. وقيد بهذه الاشياء لان الاستخدام بعد العلم بالعيب لا يكون رضا استحسانا لان الناس يتوسعون فيه وهو للاختبار، هكذا أطلقه في المبسوط. ونقل عن السرخسي في البزازية أن الصحيح أن الاستخدام رضا بالعيب في المرة الثانية إلا إذا كان في نوع آخر. وفي الصغرى: الاستخدام مرة واحدة لا يكون رضا إلا إذا كان على كره من العبد اه‍ قوله: (لا الركوب للسقي أو للرد أو لشراء العلف) أي لا يكون الركوب لهذه الاشياء رضا بالعيب. أطلقه وهو كذلك في الرد، وأما في السقي وشراء العلف فلا بد أن يكون لا بد له منه لصعوبتها أولعجزه أو لكون العلف في عدل واحد، أما إذا كان له بد منه فهو رضا كما في الهداية. وفي جامع الفصولين: ادعى عيبا في حمار فركبه ليرده فعجز عن البينة فركبه جائيا فله الرد اه‍. وفي البزازية: لو ركب لينظر إلى سيرها أو لبس لينظر إلى قدها فهو رضا. وفي فتح القدير: وجد بها عيبا في السفر فحملها فهو عذر. وأشار المؤلف رحمه الله تعالى باللبس وأخويه لغير حاجة إلى أن كل تصرف يدل على الرضا بالعيب بعد العلم به يمنع الرد والارش فمن ذلك البيع والعرض عليه، وكتبناه في الفوائد إلا في الدراهم إذا وجدها البائع زيوفا فعرضها على البيع فإنه لا يمنع الرد على المشتري لان ردها لكونها خلاف حقه لان حقه ف يالجياد فلم تدخل الزيوف في ملكه بخلاف المبيع العين فإنه ملكه فالعرض رضا

[ 107 ]

بعيبه، ولا فرق بين أن يكون البائع في المسألتين قال له اعرضها على البيع فإن لم تشتر منك ردها علي أو لا. وقيدنا بالبيع لانه لو اشترى ثوبا فعرضه على الخياط لينظره أيكفيه أم لا لم يبطل حقه في رده بعيب، وكذا لو عرضها على المقومين لتقوم كما في جامع الفصولين. وفي البزازية: لو قال له البائع بعدلاطلاع أتبيعها قال نعم لزم ولا يتمكن من الرد. قال الشيخ الامام: وينبغي أن يقوبدل قوله نعم لا لانه نعم عرض على البيع ولا تقرير لمكنته. وفيها: الاستقالة بعد الاطلاع لا تمنع الرد بخلاف العرض ومن ذلك الاجازة والعرض عليها والمطالبة بالغلوب الرهن والكتابة، وهذا إذا كان بعد العلم بالعيب، فإن أجره ثم علم به فله نقضها للعذر ويرده بخلاف الرهن لانه لا يرده إلا بعد الفكاك، كذا في جامع الفصولين. ومنه إرسال ولد البقرة عليها ليرتضع منها أو حلبه لبن الشاة أو شرب اللبن. وهل يرجع بالنقصان؟ قولان. وليس منه أكل ثمر الشجر وغلة القن والدار وإرضاع الامة ولد المشتري وإتلاف كسب المبيع بعد علمه وضرب العبد إن لم يؤثر الضرب فيه، فإن أثر فلا رد ولا رجوع. وليس منه جز صوف الغنم إن نقصه، فإن لم ينقصه فله الرد، وكذا قطف الثمار إن لم ينقص. واستشكله في جامع الفصولين بأنه ينبغي أن لا يرد لانها زيادة منفصلة متولدة وهي تمنع الرد ولم أر فيها خلافا، ولكن يظهر من هذا أن فيها روايتين. ومنه كما في البزازية الوطئ بكرا كانت أو ثيبا، نقصها أو لا، فلا رد ولا رجوع. وكذا لو قبلها بشهوة أو لمسها لكن يرجع بالنقص إلا أن يقبلها البائع، وإن وطئها الزوج إن ثيبا ردها، وإن بكرا لا. وسكنى الدار أي ابتداؤها لا الدوام، ومنه سقي الارض وزراعتها وكسح الكرم والبيع كلا أو بعضا بعد الاطلاع مانع من الرد، والرجوع وكذا الهبة والاعتاق مطلقا، كذا في الزازية. وفيها: دفع باقي الثمن بعد العلم بالعيب رضا. وفي الواقعات: الهبة رضا وإن لم يسلم العين إلى الموهوب له لانه أقوى من العرض اه‍. وفيها: لو عرض نصف الطعام على البيع لزمه النصف ويرد النصف كالبيع وجمع غلات الصيغة رضا، وكذا تركها لانها تصييع. وفي فتح القدير: هنا أن خيار العيب على التراخي عندنا فلا

[ 108 ]

يبطل بعد العلم به بالتأخير قوله: (ولو قطع المقبوض بسبب عند البائع رده واسترد الثمن) يعني لو اشترى عبدا قد سرق عند البائع ولم يعلم به وقت الشراء ولا وقت القبض فقطعت يده عند المشتري له أن يرده ويأخذ ما دفعه عند الامام. وقالا: يرجع بما بين قيمته سارقا إلى غير سارق. وعلى هذا الخلاف إذا قتل بسبب كان عند البائع. والحاصل أنه بمنزلة الاستحقاق عنده وبمنزلة العيب عندهما، لهما أن الموجود في يد البائع سبب القطع والقتل وأنه لا ينافي المالية فنفذ العقد فيه لكنه متعيب فيرجع ينقصانه عند تعذر رده وصار كما إذا ا شترى حاملا فماتت في يده بالولادة فإنه يرجع بفضل ما بين قيمتها حاملا إلى غير حامل وله ان سبب الوجوب في يد البائع في والوجوب يفضي إلى الوجود فيكون الوجود مضافا إلى السبب السابق وصار كما إذا قتل المغصوب أو قطع بعد الرد بجناية وجدت في يد الغاصب ومسألة الحامل ممنوعة. قيد بكونه بسبب عند البائع فقط لانه لو سرق عندهما فقطع بهما فعندهما يرجع بالنقصان كما ذكرنا، وعنده لا يرده بدون رضا البائع للعيب الحادث ويرجع بربع الثمن، وإن قبله البائع فبثلاثة الارباع لان اليد من الآدمي نصفه وقد تلفت بالجنايتين وفي أحدهما الرجوع فيتنصف، فلو تداولته الايدي ثم قطع في يد الاخير رجع الباعة بعضهم على بعض عنده كما في الاستحقاق. وعندهما يرجع الاخير على بائعه ولا يرجع بائعه على بائعه لانه بمنزلة العيب. ولم يقيد المصنف بعدم علم المشتري لسرقته عند البائع، وقيده به في الجامع الصغير وهو مفيد على قولهما لان العلم بالعيب رضا به ولا يفيد على قوله في الصحيح لان العلم بالاستحقاق لا يمنع الرجوع، كذا في الهداية. ثم اعلم أنه لا أثر في الاستحقاق بعلم المشتري أنه ملك المستحق إلا فيما لو كانت جارية فأولدها عالما بأنها ملك الغير، فإن الولد رقيق لعدم الغرور كما في فصله من جامع الفصولين. وظاهر كلام المصنف أنه ليس بمخير بين إمساكه والرجوع بنصف الثمن وليس كذلك، بل هو مخير فله إمساكه وأخذ نصف الثمن لانه بمنزلة الاستحقاق لا العيب - كما ذكره الشارح - حتى لو مات بعد القطع حتف أنفه رجع بنصف الثمن عنده كالاستحقاق. ولو أعتقه المشتري ثم قتل أو قطعت يده به فإنه لا يرجع عنده بشئ لفوات المالية به، وعندهما يرجع بالنقصان. وإلى هنا ظهر أن الاختلاف بين الامام وصاحبيه في ستة مسائل: الاولى له رده عنده لا عندهما. الثانية في

[ 109 ]

كيفية الرجوع فعنده بالكل إن رده وبالنصف إن أمسكه، وعندهما بالنقصان. الثالثة إذا مات بعد القطع حتف أنفه فعنده يرجع بالنصف ولا رجوع عندهما. الرابعة لو أعتقه فلا رجوع عنده خلافا لهما. الخامسة في رجوع الباعة. السادسة العلم به لا يمنع الخيار عنده خلافا لهما. وقيد بكونه قطع عند المشتري لانه لو قطع عند البائع ثباعه فمات عند المشتري به فإنه يرجع بالنقصان عنده أيضا وبالقطع لانه لو اشترى مريضا فمات منه عند المشتري أو عبدا زنى عند البائع فجلد عند المشتري فمات به رجع بالنقصان عنده أيضا لان المريض والمقطوع عند البائع إنما ماتا بزيادة الآلام وترادفها عند المشتري وهي لم توجد عند البائع، وزنا العبد يوجب الجلد والموت غيره فلا يؤاخذ البائع لما لم يكن عنده. وكذا لو زوج أمته البكر ثم باعها وقبضها المشتري ولم يعلم بالنكاح ثم وطئها الزوج لا يرجع بنقصان البكارة وإن كان زوالها بسبب كان عند البائع لان البكارة لا تستحق بالبيع، كذا في فتح القدير. وكتبنا في شرح المنار من بحث الاداء والقضاء أنه لو بيع عند المشتري بدين كان عند البائع فإنه يرجع بالثمن فالمسائل الموردة عليه خمس قوله: (ولو برئ من كل عيب به صح وإن لم يسم الكل ولا يرد بعيب) لان الجهالة في الاسقاط لا تفضي إلى المنازعة وإن كان في ضمنه التمليك لعدم الحاجة إلى التسليم فلا تكون مفسدة، ويدخل تحت الابراء الموجود والحادث قبل القبض في قول الثاني وذكره مع الامام في المبسوط وشرح الطحاوي. وفي الخانية أنه ظاهر مذهبهما. وقال محمد: لا يدخل فيه الحادث. وهو قول زفر لان البراءة تتناول الثابت. ولابي يوسف أن الغرض إلزاالعقد بإسقاط حقه عن صفة السلامة وذلك بالبراءة من الموجود والحادث. وأجمعو أنه لو أبرأه من كل عيب به لا يدخل الحادث ولا يرد علينا عدم صحة أبرأت أحد كمالجهالة من له الحق كقوله لرجل علي كذا، ولو قال أبرأتك من كل عيب به وما يحدث لم يصح إجماعا فاستشكل قول أبي يوسف لانه مع التنصيص لا يصح فكيف يصححه ويدخله بلا تنصيص؟ ولكن هذا على رواية الاسبيجابي، وأما على رواية المبسوط فيصح الاشتراط باعتبار أنه يقيم السبب وهو العقد مكان العيب الموجب للرد. وفي

[ 110 ]

البدائع: لو باع على أنه برئ من كل عيب يحدث بعد البيع فالبيع بهذا الشرط فاسد عندنا لان الابراء لا يحتمل الاضافة، وإن كان اسقاطا ففيه معنى التمليك ولهذا لا يقبل الرد فلا يحتمل الاضافة نصا كالتعليق فكان شرطا فاسدا فأفسد البيع اه‍. ولو اختلفا في عيب أنه حادث بعد العقد أو كان عنده لا أثر لهذا عند أبي يوسف، وعند محمد القول للبائع مع مينه على العلم بأنه حادث، هذا إذا أطلق، أما إذا أبرأه مقيدا بعيب كان عند البائع ثم اختلفا على نحو ما ذكرنا فالقول للمشتري، كذا في البدائع. ولو شرطها من عيب واحد كشجة فحدث عند المشتري عيب أو موت فاطلع على آخر فأراد الرجوع بالنقصان جعل أبو يوسف الخيار للبائع في التعيين، وجعله محمد رحمه الله تعالى للمشتري، ومحله ما إذا لم يعينها عند البيع بل أبرأه من شجة به أو عيب، ولو أبرأه من كل غائلة فهي في السرقة والاباق والفجور، ولو أبرأه من كل داء فهو على ما في الباطن في العادة وما سواه يسمى مرضا. وقال أبو يوسف: يتناول الكل. ولو قبل الثوب بعيوبه يبرأ من الخروق وتدخل الرقع والرفو، ولو أبرأه من كل سن سوداء تدخل الحمراء والخضراء، ومن كل قرح تدخل القروح الدامية، كذا في المعراج. والاثر الذي برئ منه ولا يدخل الكي كما في الخانية. وفي المحيط: أبرأتك من كل عيب بعينه فإذا هو أعور لا يبرأ لانه عدمها لا عيب، وكذا لو قال بيده فإذا هي مقطوعة لا يبرأ بخلاف قطع الاصبع، وبخلاف ما إذا برئ من كل عيب به، كذا في الواقعات. ولو قال أنا برئ من كل عيب إلا إباقة برئ من إباقه، ولو قال إلا الاباق فله الرد بالاباق لانه لم يضف الاباق إلى العبد ولا وصفه به فلم يكن اعترافا بوجود الاباق للحال لان هذا الكلام كما يحتمل التبرئ عن إباق موجود من العبد يحتمل التبري عن إباق سيحدث في المستقبل فلا يكون مقرا بكونه آبقا للحال بالشك فلا يثبت حق الرد بالشك اه‍. ولو قال أنت برئ من كل حق لي قبلك دخل العيب هو المختار دون الدرك. وفي الصغرى: المشتري الاول إذا أبرأ بائعه عن العيب بعدما اطلع الثاني عليه صح ولا يرده على بائعه إذا رد عليه. وفي الخانية: إذا باع جارية وقال أنا برئ من كل عيب بها فهو برئ من كل عيب بها، ولو قال أنا برئ منها لا يبرأ عن شئ من العيوب، ولو قال أبرأتك عن كل عيب ولم يقل بها فهذه براءة عن كل عيب اه‍. وفيها: باع شيأ على أنه برئ من كل عيب لا يكون إقرارا بالعيب، ولو شرط البراءة عن عيب واحد أو عيبين كان ذلك إقرارا بذلك العيب، بيانه إذا باع عبدين على أنه برئ من كل عيب بهذا العبد بعينه وسلمهما إلى المشتري فاستحق أحدهما ووجد المشتري

[ 111 ]

بالآخر عيبا لزمه المعيب بحصته من الثمن فيقسم الثمن على العبدين وهما صحيحان لا عيب بهما، فإذا عرفت حصة المستحق رجع المشتري على البائع بحصة المستحق من الثمن. ولو باع عبدين بثمن واحد على أنه برئ من عيب واحد بهذا ثم استحق أحدهما فوجد بالذي برئ عن عيب واحد عيبا فإنه يقسم الثمن عليهما على قيمة المستحق صحيحا وعلى قيمة الآخر وبه عيب واحد فإذا عرفت حصة المستحق رجع المشتري على البائع بذلك. اه‍ ما في الخانية. ولم يذكر المصنف رحمه الله تعالى الصلح عن العيب كما لم يذكر الكفالة به وقدمنا طرفا منهما ولا بأس بذكرهما هنا تتميما للفائدة. أما الاول فقدمنا أنه إن كان الدافع البائع والمبيع للمشتري كان جائزا حطا من الثمن وإن كان المشتري ليأخذه البائع لا. وفي فتح القدير: لو اصطلحا على أن يحط كل عشرة ويأخذ الاجنبي بما وراء المحطوط ورضي الاجنبي جاز، وجاز حط المشتري دون البائع. ولو قصر المشتري الثوب فإذا هو متخرق وقال المشتري لا أدري تخرق عند القصار أو عند البائع فاصطلحوا على أن يقبله المشتري ويرد عليه القصار درهما والبائع درهما جاز، وكذا لو اصطلحا على أن يقبله البائع ويدفع له القصار درهما ويترك المشتري درهما، قيل هذا غلط وتأوليه أن يضمن القصار أولا للمشتري ثم يدفع المشتري ذلك للبائع اه‍. وفي الصغرى: ادعى عيبا في حازية فأنكر فاصطلحا على مال على أن يبرئ المشتري البائع عن ذلك العيب ثم ظهر أنه لم يكن به هذا العيب أو كان بها لكن برئت وصحت كان للبائع أن يرجع على المشتري ويأخذ ما أدى من البدل، وفي القنية: باع المشتري بعد الصلح عن العيب ثم زال العيب في يد المشتري الثاني ليسللبائع أن يرجع على مشتريه ببدل الصلح إن زال بمعالجة المشتري الاول وإلا فلا اه‍ وفيها: اشترى حمارا ووجد به عيبا قديما فأراد الرد فصولح بينهما بدينار وأخذه ثم وجد به عيبا آخر قديما فله أن يرد مع الدينار وقيل يرجع بنقصان العيب اه‍. وإلى هنا ظهر أن خيار العيب يسقط بالعلم به وقت البيع أو وقت القبض والرضا به بعدهما أو اشتراط البراءة من كل عيب أو الصلح على شئ. وفي جامع الفصولين: لو اشتراه على أن عيبه حادث فظهر أنه قديم لا يرده أو الاقرار بأن لا عيب به إذا عينه. قال في الصغرى: إذا قال المشتري ليس به عيب لا يكون إقرارا بانتفاء العيوب حتى لو وجد به عيبا كان له أن يرده. ولو عين فقال ليس بآبق كان إقرارا بانتفاء الاباق، وكذا لو شهدوا أنه باع بشرط البراءة من كل عيب لا يكون إقرارا من الشهود بالعيب حتى لو اشتراه الشاهد فوجد به عيبا كان له أن يرد، وكذا لو شهدوا على أنه باعه على أنه برئ من الاباق ثم اشتراه الشاهد فوجد به عيبا كان له أن يرد، كذا لو شهدوا على أنه باعه على أنه برئ من الاباق ثم اشتراه الشاهد فوجده آبقا فله الرد، ولو على أنه برئ من إباقه فليس للشاهد رده بإباقه

[ 112 ]

اه‍. وفي الولوالجية: البائعة إذا تزوجت المشتري على أرش العيب صح وكان إقرارا منها بالعيب، وكذا البائع إذا اشترى منه أرش العيب كان إقرارا به بخلاف الصلح عنه لا يكون إقرارا به. وأما ضمانه ففي البزازية: اشترى عبدا وضمن له رجل عيوبه فاطلع على عيب فرده لا ضمان عليه عند الامام لانه ضمان العهدة، وعلى قول الثاني يضمن لانه ضمان العيوب. وإن ضمن السرقة أو الحرية أو الجنون أو العمى فوجده كذلك ضمن الثمن للمشتري، وإن مات عنده قبل الرد قضى على البائع بالنقص ورجع به على الضامن. ولو ضمن له بحصة ما يجده من العيوب من الثمن فهو جائز عند الامام، فإن رده المشتري رجع بكل الثمن على الضامن، وإن لم يرده وقضى بالنقص على البائع رجع على الضامن كما يرجع على البائع. وعن الثاني قال رجل للمشتري ضمنت لك عماه فكان أعمى فرده لم يرجع على الضامن بشئ، ولو قال إن كان أعمى فعلى صحة العمى من الثمن فرده ضمن حصة العمى، ولو وجد به عيبا فقال رجل للمشتري ضمنت لك هذا العيب فالضمان باطل اه‍ والله أعلم. باب البيع الفاسد أخره لكونه عقدا مخالفا للدين كما في فتح القدير. وصرح الولوالجي رحمه الله تعالى من الفصل السابع بأنه معصية يجب رفعها، وسيأتي في باب الربا أن كل عقد فاسد فهو ربا. والفاسد له معنيان: لغوي واصطلاحي. فالاول فسد كنصر وعقد وكرم فسادا وفسودا ضد صلح فهو فاسد وفسيد من فسدي ولم يسمع انفسد، والفساد أخذ المال ظلما والجدب. والمفسدة ضد المصلحة، وفسده تفسيدا أفسده وتفاسدوا قطعوا أرحامهم، واستفسد ضد استصلح، كذا في القاموس. وفي المصباح: واعلم أن الفساد إلى الحيوان أسرع منه إلى النبات، وإلى النبات أسرع منه إلى الجماد لان الرطوبة في الحيوان أكثر من الرطوبة في النبات، وقد يعرض للطبيعة عارض فتعجز الحرارة بسببه عن جيرانها في المجاري الطبيعية الدافعة لعوارض العفونة فتكون العفونة بالحيوان أشد تثبتا منها بالنبات فيسرع إليه الفساد فهذه هي الحكمة في قول الفقهاء يقدم القاضي ما يتسارع إليه الفساد فيبدأ ببيع الحيوان.

[ 113 ]

ويتعدى بالهمزة والتضعيف والمفسدة خلاف المصلحة وجمعها المفاسد اه‍. وحاصله أنه ما تغير وصفه ويمكن الانتفاع به لما في البناية: يقال فسد اللحم إذا أنتن مع بقاء الانتفاع به. وأما الثاني قالوا: هو ما كان مشروعا بأصله لا بوصفه ولا يخفى مناسبته للمعنى اللغوي. ومرادهم من مشروعية أصله كونه مالا متقوما لا جوازه وصحته فإن كونه فاسدا يمنع صحته. ولقد تسمع في البناية حيث عرفه بأنه ما لا يصح وصفا فإنه يفيد أنه يصح أصلا ولا صحة للفاسد. وإنما أطلقوا المشروعية على الاصل نظرا إلى أنه لو خلى عن الوصف لكان مشروعا وإلا فمع اتصافه بالوصف المنهي عنه لا يبقى مشروعا أصلا. والمراد بالفاسد هنا ما يعم الباطل لانهم يذكرون في هذا الباب ما يعم الباطل أيضا فالمراد به ما لم يكن مشروعا بوصفه أعم من أن يكون مشروعا بأصله أو لا والبياعات المنهي عنها ثلاثة: فاسد وباطل ومكروه تحريما. فالفاسد بيناه، وأما الباطل فله معنيان: لغوي واصطلاحي. فالاول يقال بطل الشئ يبطل بطلا وبطولا وبطلانا بضم الاوائل فسد أو سقط حكمه فهو باطل والجمع بواطل أو أباطيل على غير قياس، كذا في المصباح. ويقال للحم إذا صار بحيث لا ينتفع به للدود أو للسوس بطل، وإذا أنتن فسد كما في فتح القدير. وأما الثاني فهو ما لا يكون مشروعا لا بأصله ولا بوصفه، وحكمه عدم إفادة الحكم وهو الملك قبضه أو لا، وفيه مناسبة للمعنى للغوي لانه بمعنى ما سقحكمه، وحكم الفاسد ما لا يفيده بمجرده بل بالقبض. وأما المكروه فهو لغة خلاف المحبوب واصطلاحا ما نهي عنه لمجاور كالبيع عند أذان الجمعة نهي عنه للصلاة وعرفه في البناية بما كان مشروعا بأصله ووصفه لكن نهى عنه لمجاور اه‍. ويمكن إدخاله تحت الفاسد أيضا على إرادة الاعم وهو ما نهي عنه فيشمل الثلاثة. والفساد بالمعنى الاعم يثبت بأسباب منها: الجهالة المفضية إلى المنازعة في المبيع أو الثمن، ومنه العجز عن التسليم إلا بضرر، ومنها الغرر، ومنها شرط خارج عن الشرع، ومنها عدم المالية أو التقوم، ومنها عدم الوجود، ومنها عدم القدرة على التسليم. وأما البيع الجائز الذي لا نهي فيه فثلاثة: نافذ لازم ونافذ ليس بلازم وموقوف. فالاول ما كان مشروعا بأصله ووصفه ولم يتعلق به حق الغير ولا خيار فيه. والثاني ما لم يتعلق به حق الغير وفيه خيار والموقوف ما تعلق به حق الغير، وهو إما ملك الغير أو حق بالبيع لغير المالك. وحصره في الخلاصة في خمسة عشر: بين العبد والصبي المحجورين موقوف على إجازة المولى والاب أو الوصي وبيع غير الرشيد موقوف على إجازة القاضي وبيع المرهون والمستأجر. وما في مزارعة الغير موقوف على إجازة المرتهن، والمستأجر والمزارع وبيع البائع المبيع بعد القبض من غير المشتري موقوف على إجازة المشتري وقبل القبض في المنقول لا ينعقد أصلا، وبيع المرتد عند الامام والبيع برقمه وبما باع فلان والمشتري لا يعلم موقوف على العلم في المجلس، وبيع فيه

[ 114 ]

خيار المجلس بمثل ما بيع الناس وبمثل ما أخذ به فلان، وبيع المال المغصوب موقوف على إقرار الغاصب أو البرهان بعد إنكاره وبيع مال الغير اه‍. ويمكن أن يزاد البيع المشروط فيه الخيار أكثر من ثلاثة أيام فإن الصحيح أنه موقوف، فإن أسقطه قبل دخول الرابع جاز وإلا فسد كما تقدم في بابه، لا يقال إنما لم يذكره للاختلاف لانا نقول: لم يقتصر على المتفق عليه فإن في بيع المرهون والمستأجر خلافا، ويستثنى مما في مزارعة الغير ما إذا باعها مالكها والبذر من قبله قبل القائه فإنه نافذ كما في البزازية. السابع عشر من الموقوف الوكيل بشراء عبد إذا اشترى نصفه فإنه موقوف، فإن اشترى الباقي قبل الخصومة نفذ على الموكل كما في المجمع وغيره. الثامن عشر على قولهما الوكيل بيع العبد إذا باع نصفه هو موقوف على بيع الباقي قبل الخصومة، وعند الامام نافذ كما في المجمع. التاسع عشر بيع نصيبه من مشترك بالخلط والاخلاط موقوف على إجازة شريكه كما ذكروه في الشركة. العشرون بيع ما في تسليمه ضرر موقوف على تسليمه في المجلس كما في البزازية. الحادي والعشرون بيع المريض عينا من أعيان ماله لبعض ورثته موقوف على إجازة الباقي ولو كان بمثل القيمة عنده. الثاني والعشرون بيع السيد عبده المأذون المديون موقوف على إجازة الغرماء. الثالث والعشرون بيع الوارث التركة المستغرقة بالدين موقوف على إجازة الغرماء، ذكره الزيلعي عند قوله وصح عتق مشتر من غاصبه بإجازة بيعه. الرابع والعشرون الوكيل إذا وكل بلا إذن وتعميم فعقد الثاني توقف على إجازة الاول كما في المجمع. الخامس والعشرون أحد الوكيلين إذا باع بحضرة صاحبه توقف على إجازته فإن أجازه جاز بخلاف ما إذا كان غائبا فإنه لا ينفذ بإجازته كما ذكره الزيلعي في الوكالة. السادس والعشرون بيع المولى إكساب عبده المديون بعد الحجر عليه موقوف على إجازة الغرماء كما في جامع الفصولين. السابع والعشرون أحد الوصيين إذا باع بحضرة الآخر. الثامن والعشرون أحد الناظرين إذا باع غلة الوقف بحضرة الآخر توقف فيها على إجازة الآخر أخذا من الوكيلين ولم أرهما الآن صريحا. التاسع والعشرون بيع المعتوه كبيع الصبي العاقل موقوف كما ذكره الزيلعي والصحيح يشمل الثلاثة لانه ما كان مشروعا بأصله ووصفه والموقوف كذلك والصحة في المعاملات ترتب الآثار وفي العبادات سقوط القضاء كما في الاصول. وللمشايخ طريقان، فمنهم من يدخل الموقوف تحت الصحيح فهو قسم منه وهو الحق لصدق التعريف وحكمه علي فإنه ما أفاد الملك من غير توقف على القبض ولا يضر توقفه على الاجازة كتوقف البيع الذي فيه الخيار على إسقاطه ولذا قال في المستصفى: البيع نوعان:

[ 115 ]

صحيح وفاسد. والصحيح نوعان: لازم وغير لازم اه‍. ولذا لم يذكر في الحاوي القدسي في التقسيم الصحيح وانما قال المبيع اربعة انواع نافذ وموقف وفاسد وباطل ولاغبار على هذه هذه العبارة. ومنهم من جعله قسيما للصحيح وعليه مشى الشارح الزيلعي فإنه قسمه إلى صحيح وباطل وفاسد وموقوف. وقسمه في فتح القدير إلى جائز وغير جائز وهو ثلاث باطل وفاسد وموقوف. فجعله من غير الجائز مريدا بالجائز النافذ. وفي السادس من جامع الفصولين أن بيع مال الغير بغير إذن بدون تسليمه ليس بمعصية ولم أر فيما عندي من الكتب من سماه فاسدا إلا في بيع المرهون والمستأجر فقال في البدائع: من شرائطه أن لا يكون في المبيع حق لغير البائع فإن كان لا ينفذ كالمرهون والمستأجر. واختلفت عبارات الكتب في هذه المسألة في بعضها أن البيع فاسد، وفي بعضها أن البيع موقوف وهو الصحيح إلى آخره. وقال قبله في جواب الشافعي في بيع الفضولي إنه غير صحيح لانه لا يفيد حكمه وصحة التصرف عبارة عن اعتباره في حق الحكم فقال: قلنا نعم وعندنا هذا التصرف يفيد في الجملة وهو ثبوت الملك موقوفا على الاجازة إما من كل وجه أو من وجه لكن لا يظهر شئ من ذلك عند العقد، وإنما يظهر عند الاجازة وهو تفسير التوقف عندنا أن يتوقف في الجواب في الحال أنه صحيح في حق الحكم أم لا يقطع القول به للحال ولكن يقطع القول بصحته عند الاجازة وهذا جائز كالبيع بشرط الخيار للبائع أو للمشتري اه‍. وإنما أكثرنا من تحرير هذا المبحث لاني قررت في المدرسة الصرغتمشية حين إقراء الهداية أن بيع الفضولي صحيح عندنا فأنكره بعض الطلبة الذي لا تحصيل لهم وادعى فساده وهو فاسد لما علمته وسيأتي له مزيد في محله إن شاء الله تعالى قوله: (لم يجز بيع الميتة والدم) لانعدام المالية التي هي ركن البيع فإنهما لا يعدان مالا عند أحد وهو من قسم الباطل، والمؤلف رحمه الله تعالى لما استعمل الفاسد في الباب للاعم عبر بعدم الجواز الشامل للباطل والفاسد، وفي القاموس: الميتة ما لم تلحقه ذكاة وبالكسر للنوع اه‍. فإن أريد بعدم الجواز عدمه في حق المسلمين بقيت الميتة على إطلاقها، وإن أريد الاعم للمسلم والكافر فيراد بها ما مات حتف أنفه، أما المنخنقة الموقوذة فغير داخلة لما في التجنيس: أهل الكفر إذا باعوا الميتة فيما بينهم لا يجوز لانها ليست بمال عندهم ولو باعوا ذبيحتهم وذبحهم أن يخنقوا الشاة ويضربوها حتى تموت جاز لانها عندهم بمنزلة الذبيحة عندنا. وفي جامع الكرخي: يجوز البيع عند أبي يوسف خلافا لمحمد لابي يوسف أنهم يتمولونها كالخمر. ولمحمد أن أحكامهم كأحكامنا إلا في الخمر. وفي الذخيرة:

[ 116 ]

أراد بالميتة ما ما ت حتف أنفه أما التي ماتت بالسبب كالخنق والجرح في غير موضع الذبح فالمبيع فاسد لا باطل، وكذلك ذبائج المجوس مال متقدم عندهم بمنزلة الخمر، كذا في المعراج. وحاصله أن فيما لم يمت حتف أنفه بل بسبب غير الذكاة روايتين بالنسبة إلى الكافر، وفي رواية الجواز، وفي رواية الفساد، وأما البطلان فلا، وأما في حقنا فالكل سواء. قال في البدائع: ولا ينعقد بيع الميتة والدم وذبيحة المجوسي والمرتد والمشرك ومتروك التسمية عمدا عندنا، وذبيحة المجنون والصبي الذي لا يعقل، وكذا ذبيحة صيد الحرم محرما كان الذابح أو حلالا، وذبيحة المحرم من الصيد في الحل أو الحرم لان الكل ميتة، ولا ينعقد بيع صيد المحرم سواء كان صيد الحرم أو الحل اه‍. وفي البزازية: بيع متروك التسمية عمدا من كافر لا يجوز اه‍. أطلقه فشمل ما إذا كانت الميتة مبيعا أو ثمنا. والدم قال في القاموس: أصله دمي تثنيته دميان ودمان وجمعه دماء ودمي وقطعته دمة وهي لغة في الدم وقد دمي كرضي دما، وأدميته ودميته وهو دامي اه‍. وأراد بالدم الدم المسفوح، أما بيع الكبد والطحال فإنه جائز. وأراد بالميتة ما سوى السمك والجراد، وأشار إلى منع ما ليس بمال كبيع العذرة الخالصة، ويجوز بيع السرقين والبعر والانتفاع به والوقود به، كذا في السراج الوهاج. قوله: (والخنزير والخمر) أي في حق المسلم للنهي عن بيعهما وقربانهما. وصرح في الهداية بالفساد فيهما لوجود حقيقة البيع وهو مبادلة المال بالمال فإنه مال عند البعض، ومراده ما إذا كانا مبيعين قوبلا بعرض بيع مقابضة، أما إذا قوبلا بالدراهم أو الدنانير فالبيع باطل حتى لو بيع أحدهما بعبد فقبضه البائع وأعتقه نفذ عتقه، ولو استحقه مستحق فالمشتري خصم له بخلاف بيعه بالميتة إذا أعتقه لم ينفذ، وإذا استحق فليس بخصم كما في البناية. والفرق أن الخمر مال في الجملة في شرع ثم أمر بإهانتها في شرع آخر بطريق لنسخ، وفي تمليكها بالعقد مقصودا اعزاز له بخلاف جعله ثمنا. واعتبر في بيع المقابضة الخمر ثمنا والعرض مبيعا والعكس وإن كان ممكنا لكن ترجح هذا الاعتبار لما فيه من الاحتياط للقرب من تصحيح تصرف العقلاء المكلفين بطريق الاعزاز للعرض فاعتبرنا ذكرها لاعزاز الثوب لا الثوب للخمر فوجبت فيمة العرض لا الخمر ولا فرق بين دخول البائع على الثوب أو الخمر في جعل الثوب هو المبيع، كذا في فتح القدير. والحاصل أن بيع نفس الخمر باطل مطلقا وإنما الكلام فيما قابله، فإن دينا كان باطلا أيضا، وإن عرضا كان فاسدا. وجلد الميتة كالخمر في رواية و

[ 117 ]

كالميتة في أخرى. وفي القاموس: الخمر ما أسكر من عصير العنب أو عام كالخمرة، وقد تذكر والعموم أصح لانها حرمت وما بالمدينة خمر عنب وما كان شرابهم إلا البسر والتم اه‍. قيد بالخمر لان بيع ما سواها من الاشربة المحرمة كالسكر ونقيع الزبيب والمنصف جائز عنده خلافا لهما، كذا في البدائع. وقيدنا بالمسلم لان أهل الذمة ما يمنعون من بيعها، ثم اختلفوا فقال بعضهم: يباح الانتفاع بهما لهم شرعا كالخل والشاة فكان مالا في حقهم. وقال بعضهم: هما حرامان عليهما لان الكفار مخاطبون بالحرمات وهو الصحيح من مذهب أصحابنا ولكن لا يمنعون من بيعهما لانهم يعتقدون الحل والتمول وقد أمرنا بتركهم وما يدينون، كذا في البدائع. وأشار المؤلف إلى أن الذميين إذا تبايعا خمرا أو خنزيرا ثم أسلما أو أسلم أحدهما قبل القبض فإن البيع يفسخ لان التسليم والقبض حرام كالبيع بخلاف ما إذا كان الاسلام بعد القبض لان الموجود الدوام وهو لا ينافي. ولو أقرض الذمي خمرا من ذمي ثم أسلم أحدهما، فأسلم المقرض سقطت الخمر لان إسلامه مانع من قبضها ولا شئ له من قيمتها على المستقرض لان العجز جاء من قبله، وإن أسلم المستقرض ففيه روايتان: في رواية كالاول وفي أخرى وهو قول محمد تجب قيمتها، كذا في البدائع. وقيد بالخمر والخنزير لان بيع آلات اللهو كالبربط والطبل والمزمار والدف صحيح مكروه عند الامام. وقالا: لا ينعقد بيعها والصحيح قوله للانتفاع بها شرعا من وجه آخر. وعلى هذا الاختلاف بيع النرد والشطرنج، وعلى هذا الاختلاف الضمان على من أتلفها فعنده يضمن وعندهما لا، كذا في البدائع. ولكن الفتوى في الضمان على وقولهما كما سيأتي في الغصب ومحله ما إذا كسرها غير القاضي والمحتسب أما هما فلا ضمان اتفاقا وقد ذكر في أول سير اليتيمة الفرق بين المتقوم والمعصوم اه‍. قوله: (والحر والمدبر وأم الولد والمكاتب) أي بيع هؤلاء غير جائز أي غير منعقد، أما في الحر فلعدم المالية، وأما المدبر وأم الولد فقد صرح في الهداية ببطلان بيعهما قال لان استحقاق العتق قد ثبت ومن الولد لقوله عليه السلام أعتقها ولدها وسبب الحرية انعقد في حق المدبر في الحال لبطلان الاهلية بعد الملوت والمكاتب استحق العتق يدا على نفسه لازمة في حق المولى، ولو ثبت الملك بالبيع لبطل ذلك كله فلا يجوز، ولو رضي المكاتب بالبيع ففيه روايتان والاظهر الجواز. والمراد بالمدبر المطلق دون المقيد أي فإنه يجوز بيعه اه‍. ولو بيع المكاتب بغير رضاه فأجاز بيعه لا ينفذ في الصحيح من الرواية وعليه عامة المشايخ، كذا في

[ 118 ]

الخانية. وأورد عليه أن البيع فيهم لو كان باطلا لسرى البطلان إلى المضموم إلى واحد وسيأتي أنه لو جمع بين قن ومدبر أو أم ولد وباعهما صفقة فإنه يجوز في القن، لو كانوا كالحر لم يجز فيما ضم. أجيب أنه مخصوص فجاز أن يكون بعض أفراد الباطل لضعفه لا يسري حكمه إلى ما ضم إليه. وفي بعض عبارات المشايخ أن بيعهم فاسد بدليل صحة المضموم، وأورد عليه بأنه لو كان فاسدا لملكوا بالقبض ولم يملكوا به اتفاقا وأجيب بأنه مخصوص فهو من قبيل الفاسد الذي لا يملك به. والحاصل أنهم اتفقوا على أنهم لا يملكون به وعلى عدم البطلان في المضموم إليهم فبقي أن بيعهم باطل أو فاسد ولا بد من التخصيص لكل منهما وتخصيص كلام الهداية أولى. وفائدة القولين فيما قابلهم فباطل على ما في الهداية فلا يملك بالقبض وفاسد على قول القدوري والايضاح فيملك به. هذا ما أفاده كلام الشارحين في هذا المحل وفي إيضاح الاصلاح أن بيع الثلاثة باطل موقوف ينقلب جائزا بالرضا في المكاتب وبالقضاء في الاخيرين لقيام المالية اه‍. وهو ضعيف لانه لا بد في المكاتب من الرضا قبل البيع على الصحيح ونفاذ القضاء ببيع أم الولد ضعيف ففي قضاء البزازية: الاظهر عدم النفاذ. وصحح في فتح القدير النفاذ بقضاء القاضي وبيع معتق البعض كالحر وولد المدبر كهو وكذا ولد أم الولد والمكاتب كهمالدخول الولد في الكتابة، كذا في السراج الوهاج قوله: (فلو هلكوا عند المشتري لم يضمن) لبطلان البيع فكان أمانة كونه مقبوضا بإذن صاحبه وهو رواية عن الامام واختارها أحمد الطوسي، واختار شمس الائمة السرخسي وغيره الضمان بالمثل أو بالقيمة، وقيل الاول قوله والثاني قولهما، كذا في فتح القدير. وفي القنية وفي السير: إنه يضمن لكونه قبضه لنفسه فشابه الغصب وهو الصحيح اه‍. وذكر في أول سير اليتيمة مسألة بيع الحربي بنيه أو أباه هل هو باطل أو فاسد، أطلقه فشمل جميع ما تقدم ولكن إذا مات المدبر وأم الولد عند المشتري فيه اختلاف فقال الامام: لا ضمان. وقالا: عليه قيمتهما وهو رواية عنه لانه مقبوض بجهة البيع فيكون مضمونا عليه كسائر الاموال، وهذا لان المدبر وأم الولد يدخلان في البيع حتى يملك ما يضم إليهما في البيع بخلاف المكاتب فانه في يد نفسه فلا يتحقق في حقه القبض وهو الضمان به وله ان جهة البيع إنما تلحق بحقيقته في محل يقبل الحقيقة، وهما لا يقبلان حقيقة البيع فصارا كالمكاتب وليس دخولهما في البيع في حق أنفسهما وإنما ذلك ليثبت حكم البيع فيما يضم إليهما فصار كمال المشتري لا يدخل في حكم عقده بانفراده وإنما يثبت حكم الدخول فيما ضمه إليه كذا هذا، كذا في الهداية.

[ 119 ]

وظاهره أنه لا ضمان إن هلك المكاتب في يد المشتري اتفاقا وإليه يشير كلام العناية. وفي المعراج: إن الرواية عنه كقولهما إنما هي في المدبر وأما أم الولد فغير مضمونة عنده باتفاق الروايات. وفي شرح الجامع الصغير لقاضيخان: ومشايخنا صححوا هذه الرواية. وقدمنا في العتاق أن قيمة المدبر نصف قيمته لو كان قنا وبه يفتى وأن قيمة أم الولد ثلث قسمتها قنة فإذا احتيج إلى تقويمهما باعتبار المضموم إليها فالامر على ما ذكرنا. وفي السراح الوهاج: هنا أن قيمة المدبر ثلثا قيمته قنا على الاصح وعليه الفتوى، وما ذكرناه من الافتاء بالنصف منقول في التفاوى الصغرى وصرح به في البناية وفتح القدير هنا. اعلم أن أم الولد تخالف المدبر في ثلاثة عشر حكما: لا تضمن بالغصب ولا بالاعتاق ولا بالبيع ولا تسعى لغريم وتعتق من جميع المال، وإذا استولد أم ولد مشتركة لم يتملك نصيب شريكه وقيمتها الثلث، ولا ينفذ القضاء بجواز بيعها وعليها العدة بموت السيد أو إعتاقه، ويثبت نسب ولدها بلا دعوة ولا يصح تدبيرها، ويصح استيلاد المدبرة ولا يملك الحربي بيع أم ولده ويملك بيع مدبره وصح استيلاد جارية ولده ولا يصح تدبيرها كذا في التلقيح. قوله: (والسمك قبل الصيد) أي لم يجز بيعه لكونه باع ما لا يملكه فيكون باطلا. أطلقه فشمل ما إذا كان في حظيرة إذا كان لا يؤخذ إلا بصيد لكونه غير مقدور التسليم فيكون فاسدا، ومعناه إذا أخذه ثم ألقاه فيها ولو كان يؤخذ بغير حيلة جاز إلا إذا اجتمعت فيها بأنفسها ولم يسد عليها المدخل لعدم الملك، وروى الامام أحمد مرفوعا لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرور 2 (212) والحاصل أن عدم جوازه قبل أخذه لعدم ملكه له فإن أخذه ثم ألقا في حظيرة كبيرة فعدم جوازه لكونه غير مقدور التسليم، فإن سلمه بعد ذلك فكالروايتين في بيع الآبق إذا سلمه، وإن كانت صغيرة جاز وله خيار الرؤية بعد التسليم، ولا اعتبار برؤيته في الماء، وإذا دخل السمك الحظيرة باحتياله ملكه وكان له بيعه على التفصيل، وقيل لا مطلقا لعدم الاحراز، والخلاف فيما إذا لم يهيئها له فإن هيأها له ملكه إجماعا، فإن اجتمع بغير صنعه لم يملكه، سواء أمكنه أخذه من غير حيلة أو لا. وفي القاموس: الحظيرة جرين التمر والمحيط بالشئ خشبا وقصبا اه‍. وفسرها في البناية بالحوض والبركة. أطلقه فشمل ما إذا باعه في نهر أو بحر أو أجمة، وقد صرح الامام أبو يوسف في كتاب الخراج يمنعه إذا كان في

[ 120 ]

الآجام وأنه إذا كان يؤخذ باليد من غير أن يصاد فلا بأس ببيعه اه‍. والاجمة الشجر الملتف والجمع أجم مثل قصبة وقصب والآجام جمع الجمع، كذا في المصباح. وففتح القدير فرع من مسائل التهيئة: حفر حفيرة فوقع فيها صيد فإن كان اتخذها للصيد ملكه وليس لاحد أخذه، وإن لم يتخذها له فهو لمن أخذه. نصب الشبكة فتعلق بها صيد ملكه، فإن كان نصبها ليجففها من بلل فتعلق بها لا يملكه وهو لمن يأخذه إلا أن يأخذه فيجوز، ومثله إذا هيأ حجره لو وقع النثار فيه ملك ما يقع فيه ولو وقع في حجره ولم يكن هيأه لذلك فلو احد أن يسبق ويأخذه ما لم يكف حجره عليه، وكذا من هيأ مكانا للسرقين إلى آخره، وسيأتي في باب متفرقات البيوع إن شاء الله تعالى. وقد سئلت حين تأليف كتاب البيوع من هذا الشرح في سنة ثمان وستين وتسعمائة عن البحرية بناحية كوم الشمس الجارية في وقف الحالي اليوسفي أيجو إجارتها من الناظر لمن يصطاد السمك منها؟ ففتشت ما عند من الكتب فلم أرها إلا في كتاب الخراج لابي يوسف قال: وحدثنا عبد الله بن علي عن اسحق بن عبد الله عن أبي الزناد قال كتبت إلى عمر بن بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في بحيرة يجتمع فيها السمك بارض العراق ان يؤجرها فكتب ان فعلوا قال: وحدثنا أو حنيفه عن حماد قال طلبت إلى عبپد الحميد بن عبد الرحمن فكتب إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن بيع صيد الآجام فكتب إليه عمر أنه لا بأس به وسماه الحبس اه‍. فعلى هذا لا يجوز بيع السمك في الآجام إإذا كان في أرض بيت المال، ويلحق به أرض الوقف لكن بعد مدة رأيت في الايضاح عدم جواز إجازته. قوله: (والطير في الهواء) أي لا يجوز لانه غير مملوك قبل الاخذ فيكون باطلا، وكذا لو باعه بعد ما أرسله من يده لانه غير مقدور التسليم فيكون فاسدا، ولو سلمه بعده لا يعود إلى الجواز عند مشايخ بلخ، وعلى قول الكرخي يعود، وكذا في الطحاوي. أطلقه فشمل ما إذا جعل الطير مبيعا أو ثمنا، وشمل ما إذا كان من عادته أنه يذهب ويجئ وهو الظاهر.

[ 121 ]

وفي فتاوى قاضيخان: وإن باع طيراله يطير إن كان داجنا يعود إلى بيته ويقدر على أخذه بلا تكلف جاز بيعه وإلا فلاوقول صاحب الهداية والحمام إذا علم عودها وأمكن تسليمها جاز بيعها لانها مقدورة التسليم يوافقه وصرح به في الذخيرة معزيا إلى المنتقى وفي المعراج باع فرسا في حظيرة فقال البائع سلمته اليك ففتح المشتري فذهب الفرس فإن أمكنه أخذه بيده من غير عون كان تسليما والا فلا لانه لو مد يده لا يمكنه الاخذ اه‍. وفي القاموس: الطير جمع طائر وقد يقع على الواحد، والجمع طيور وأطيار والطيران محركة حركة ذي الجناح في الهواء بجناحه اه‍. والاكثر فيها التأنيث وقد تذكر، كذا في المصباح والهواء ممدودا المسخر بين السماء والارض والجمع أهوية، والهواء أيضا الشئ الخالي، والهوا مقصورا ميل النفس وانحرافها الشئ ثم استعمل في ميل مذموم، يقال اتبع هواه وهو من أهل الاهواء، كذا في المصباح. قوله: (والحمل والنتاج) أي لا يجوز بيعهما والحمل - بسكون الميم - الجنين والنتاج حمل الحبلة والبيع فيهما باطل لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الحبل وحبل الحبلة ولما فيه من الغرر. وفي مصنف عبد الرازق نهى عن المضامين والملاقيح وحبل الحبلة. المضامين جمع مضمونة ما في أصلاب الابل، والملاقيح جمع ملقوح ما في بطونها وقيل بالعكس، وحبل الحبلة ولد ولد الناقة. وفي البناية: الحبل - بفتح الباء الموحدة - يطلق ويراد به المصد ويراد به الاسم كما يقال له الحمل أيضا، وأما دخول تاء التأنيث في الحبلة فإنما هي للاشعار بالانوثة، وقيل إنها للمبالغة كما في سخرة، ويحتمل أن يكون جمع حابلة ففي المحكم امرأة حابلة من نسوة حبلة، وروى بعض الفقهاء حملت بكسر الميم ولم يثبت اه‍. وفي تلخيص النهاية: بفتح الحاء والباء وقد تسكن نتاج النتاج وهو يعم الدواب الناس. وفي السراج الوهاج: لا يجوز بيع الحمل وحده دون الام ولا الام دونه فلو باع الحمل وولدت قبل

[ 122 ]

الافتراق وسلم لا يجوز، وكذا لا تجوز هبته وإن سلم إلى الموهوب له مع الام، ولا يجوز كتابته ولو قبلت الام عنه، ولا الكتابة عليه، ولو تزوج عليه فالتسمية باطلة ويجب مهر المثل، ولو صالح من قصاص عليه فالصلح صحيح ويسقط القصاص والتسمية فاسدة ويكون للمولى على القاتل الدية، وإن أعتق الحمل إن جاءت به بعد العتق لاقل من ستة أشهر عتق، وإن كانت لستة أشهر فصاعدا لا، وتجوز الوصية به إذا ولدته لاقل من ستة أشهر من وقت الوصية، ولو خالعها على ما في بطن جاريتها أو ما في بطن بهيمتها جاز وللزوج الولد إذا جاءت به لاقل من ستة أشهر، وإن جاءت به لستة أشهر لا سبيل له عليها ولكن ينظر، إن قالت اخلعني على ما في بطن جاريتي من ولد رجع عليها بالمهر، وإن لم تقل من ولد فلا شئ عليها. ولو باع شاة على أنها حاملة لم يجز لان الحمل مجهول، ولو اشترى جارية على أنها حاملة إن قصد به التبري من العيب جاز وإن قاله على وجه الشرط لم يجز، ومنهم من قال بعدم الجواز في الوجهين إذا شرأنها حامل بجارية أو بغلام أوز بجدي أو بعناق، وأما إذا لم يفسر الحمل جاز اه‍. وقد كتبنا في الفوائد الفقهية ما لا يجوز إفراده للحمل وما يجوز دون أمه فليراجع. قوله: (وللبن في الضرع) أي لا يجوز بيعه للغرر فعساه انتفاخ ولانه ينازع في كيفية الحلب وربما يزداد فيختلط المبيع بغيره. وفي المصباح: الضرع لذات الظلف كالثدي للمرأة والجمع ضروع مثل فلس وفلوس قوله: (واللؤلؤ في الصدف) للغرر وهو مجهول لا يعلم وجوده ولا قدره ولا يمكن تسليمه إلا بضرر وهو كسر الصدف. وعن أبي يوسف الجواز لان الصدف لا ينتفع به إلا بالكسر فلا يعد ضررا. قيد به لانه لو باع تراب الذهب والحبوب في غلافها جاز لكونها معلومة وتعلم بالقبض. وفي السراج الوهاج: لو اشترى دجاجة فوجد في بطنها لؤلؤة فهي للبائع، ولو باع كرششاة مذبوحة لم تسلخ جاز وإخراجه على البائع والمشتري بالخيار إذا رآه واللؤلؤ الدر واحدة بهاء كذا في القاموس والصدف محركة غشاء الدر الواحد بهاء والجمع أصداف، منه أيضا قوله: (والصوف على ظهر الغنم) لانه من أوصاف الحيوان ولانه ينبت من أسفل فيختلط المبيع بغيره بخلاف القوائم لانها تزداد من أعلى، وبخلاف القصيل لانه يمكن قلعه والقطع في الصوف متعين فيقع التنازع في موضع القطع وقد صح أنه عليه السلام نهى عن بيع الصوف على ظهر الغنم وعن اللبن في الضرع وسمن في لبوهو حجة على أبي يوسف في تجويز بيع الصوف في رواية عنه، كذا في الهداية. وصحح الامام الفضلي عدم جواز بيع قوائم الخلاف لانه وإن كان ينمو من أعلاه

[ 123 ]

فموضع القطع مجهول فهو كمن اشترى شجرة على أن يقطعها المشتري لا يجوز لجهالة موضع القطع، وما ذكره من منع بيع الشجر ليس متفقا عليه بل هو خلافية منهم من منعها إذ لا بد في القطع من حفر الارض، ومنهم من أجازه للتعامل بخلاف القصيل لانه يقلع فلا تنازع فجاز بيعه قائما في الارض. وأشار المصنف إلى أن كل ما بيع في غلافه فلا يجوز كاللبن في الضرع واللحم في الشاة الحية أو شحمها أو أليتها أو أكارعها وجلودها أو دقيق في هذه الحنطة أو سمن في هذا اللبن ونحوهما مما لا يمكن تسليمها إلا بإفساد الخلقة، والحبوب في قشرها مستثناة من ذلك لما أسلفناه، وكذا بيع الذهب والفضة في ترابهما بخلاف جنسهما، كذا في فتح القدير. وفي السراج الوهاج: لو سلم الصوف واللبن بعد العقد لم يجز أيضا ولا ينقلب صحيحا اه‍. وفي البناية معزيا إلى الصغرى: وبيع الكرات يجوز وإن كان ينمو من أسفله اه‍. والخلاف وزان كتاب شجر الصفصاف الواحدة خلافة ونصوا على تخفيف اللام، وزاد الصغاتي وتشديدها من لحن العوام. قال الدينوري: زعموا أنه سمي خلافا لان الماء أتى به سببا فنبت مخالفا لاصله. ويحكى أن بعض الملوك مر بحائط فرأى شجرة الخلاف فقال لوزيره: ما هذا الشجر؟ فكره الوزير أن يقول شجر الخلاف لنفور النفس عن لفظه فسماء باسم ضده فقال شجر الوفاق فأعظمه الملك لنباهته. ولا يكاد يوجد في البادية اه‍. قوله: (والجذع في السقف وذراع من ثوب) لانه لا يمكنه تسليمه إلا بضرر. أطلقه وهمحمول على ثوب يضره القطع كالعمامة والقميص أما ما لا يضره القطع كالكرباس فيجوز، وقول الطحاوي في آجر من حائط أو ذراع من كرباس أو ديباج لا يجوز ممنوع في الكرباس أو محمول على كرباس يتعيب به، أما ما لا يتعيب فيه فيجوز كما يجوز بيع قفيز من صبرة. وأشار المصنف إلى عدم جواز بيع حلية من سيف أو نصف زرع لم يدرك لانه لا يمكن تسليمه إلا بقطع جميعه، وكذا بيع فص خاتم مركب فيه، وكذا نصيبه من ثوب مشترك من غير شريكه وذراع من خشبة للضرر في تسليم ذلك، ولا اعتبار بما التزمه من الضرر لانه إنما التزم العقد ولا ضرر فيه، ويرد عليه بيع الحباب التي لا تخرج إلا بقلع الابواب على قول من أجاز والبعض قد منعه. وأجيب بأن المتعيب الجدران دون الحباب، وهذا يفيد ان االمنظور إليه في المنع تعيب المبيع والكلام السابق يفيد ان تعيب غير المبيع وهو الظاهر، كذا

[ 124 ]

في فتح القدير. فلو قطع البائع الذراع أو قلع الجذع قبل فسخ المشتري عاد صحيحا لزوال المفسد. وذكر في المجتبي فيه أقوالا فقيل لم يجبر على القبول إلا أن يقبل برضاه، وقيل لم يجز إلا بتجديد البيع، وقيل ينعقد تعاطيا عند أخذه، وقيل ينعقد من الاصل بخلاف ما إذا باع النوى في التمر أو البزر في البطيخ حيث لا يصح وإن شقهما وأخرج المبيع لان في وجودهما احتمالا، أما الجذع فعين موجودة وبخلاف الصوف فإنه لا ينقلب صحيحا بالتسليم. وقيد بذراع من ثوب لانه لو باع عشرة دراهم من نقرة فضة جاز لانه لا ضرر في تبعيضه، ولو لم يكن معينا لا يجوز لما ذكرنا وللجهالة أيضا كما في الهداية وخرج أيضا ما لا ضرر في تسليمه كبيع نخل أو شجر على أن يقطعه المشتري أو زرعا على أن يحصده، كذا في المعراج. وأطلقه أيضا فشمل ما إذا باع ذراعا وعين الجانب فلا يجوز أيضا كما المعراج. وفي المجتبي: وفي جواز بيع التبن قبل أن يداس والارز الابيض قبل الدق والحنطة قبل الدرس وحب القطن في قطن بعينه ونوى تمر في تمبعينه فيه روايتان اه‍. قوله: (وضربة القانص) أي لم يجز ما يخرج من ضربة القانص وهو بالقاف والنون الصائد يقول بعتك ما يخرج من القاء هذه الشبكة مرة بكذا، وقيل بالغين والباء الغائص. قال في تهذيب إلا رهرى: نهى عن ضربة الغائص وهو الغواص تقول أغوص غوصة فما أخرجته من اللآلئ فهو لك بكذا وهو بيع باطل لعدم ملك البائع المبيع قبل العقد فكان غررا ولجهالة ما يخرج، كذا في فتح القدير. وصحح في البناية رواية الغائص بالغين وذكر أن القانص من قنص يقنص قنصا إذا صاد من باب ضرب يضرب يعني أن الغائص كما في الصحاح له استعمالان: بمعنى النازل تحت الماء، وبمعنى الهاجم على الشئ. وفي الصحاح أن القنص بالتحريك الصيد، وبالتسكين مصدر قنصه صاده. ولم يذكر في القاموس سوى اقتنصه اصطاده كتقنصه ذكره في الصاد مع القاف وذكر مع الغين الغوص والغاص والغياصة والغياص الدخول تحت الماء، والمغاص موضعه وأعلى الساق، وغاص على الامر علمه، والغواص من يغوص في البحر على اللؤلؤ اه‍. وفي المصباح: غاص من باب قافهو غائص والجمع غاصة مثل قائف وقافة وغواص مبالغة قوله: (والمزابنة) هو بالجر في الكل عطفا على الميتة أي لم يجز بيع المزابنة لنهيه صلى الله عليه وسل عن بيع المزابنة والمحاقلة. أما المزابنة فقال في الفائق: بيع الثمر في رؤس النخل بالتمر لانها تؤدي إلى النزاع والمدافعة من الزين وهو الدفع. والمحاقلة من الحقل وهو القراح من الارض وهي الطيبة التربة الخالصة من شائبة السيخ الصالحة للزرع، ومنه حقل يحقل إذا زرع، والمحاقلة مفاعلة من ذلك وهي المزارعة

[ 125 ]

بالثلث أو الربع وغيرهما، وقيل هي اكتراء الارض بالبر، وقيل بيع الطعام في سنبله بالبر، وقيل بيع الزرع قبل إدراكه، وفي رواية ورخص في العرايا. قال: العرية النخلة التي يعريها الرجل محتاجا أي يجعل له ثمرتها فرخص للمعري أن يبتاع ثمرتها من المعري بتمر لموضع حاجته. سميت عرية لانه إذا وهب ثمرتها فكأنه جردها من الثمرة وعراها منها ثم اشتق منها الاعراء اه‍. واقتصر في الهداية في تفسير المحاقلة على القول الثالث، وجوز الشافعي بيع المزابنة فيما دون خمسة أسق لنهيه عن المزابنة ورخص في العرايا وهي أن يباع يخرصها تمرا فيما دون خمسة أو سق. وأجاب أصحابنا بأن العرية العطية لغة وتأويله أن يبيع المعرى له ما على النخيل من المعرى بتمر مجذوذ وهو بيع مجاز لانه لا يملكه فيكون برا مبتدأ، كذا في الهداية. وأصحابنا خرجوا عن الظاهر من ثلاثة أوجه: الاول إطلاق البيع على الهبة. الثاني قوله رخص بخالف ما قرروه وجوابه أنه رخصة في الوفاء بالوعد والعزيمة أن يفي بالموعود فأعطى غيره مع كونه ليس بإخلاف للوعد رخصة. الثالث التقييد بما دون خمسة أو سق فائدة، على مذهبنا لا فائدة له، وجوابه لان الواقعة في القليل ومن مشايخنا من ادعى أن الترخيص في بيع العرايا منسوخ بالنهي عن بيع العرايا. ومنهم من قال تعارض المحرم والمبيح فقدم المحرم وهو مردود بأن الرخصة متصلة بالنهي فلا يصح القول بنسخ لترخيص للاتصال، وقد ثبت في البخاري أنه نهى عن بيع المزابنة ثم رخص بعد ذلك في بيع العرايا، فبطل القول بالنسخ والله الموفق. والخرص الحزر. وكذا لا يجوز بيع العنب بالزبيب، ومعنى النهي أنه مال الربا فلا يجوز بيعه بجنسه مع الجهل كما لو كانا موضوعين على الارض. ثم اعلم أن تعريف المزاينة بأنها بيع الثمر بالتمر خلاف التحقيق، والاولى أن يقال بيع الرطب يتم إلى آخره لانه الثمر بالمثلثة حمل الشجر رطبا أو غيره، وإذا لم يكن رطبا جاز لاختلاف الجنس، ولو كان الرطب على الارض كالتمر لم يجز بيعه متساويا عند العلماء إلا أبا حنيفة لما سيأتي في باب الربا. قوله: (والملامسة والقاء الحجر) ومثلها المنابذة وهذه بيوع كانت في الجاهلية فنهى عنها وهو أن يتراوض الرجلان على سلعة أي يتساوما فإذا لمسها المشتري أو نبذها إليه البائع أو وضع المشتري عليها حصاة لزم البيع رضي البائع أو لم يرض، والاول بيع الملامسة، والثاني بيع المنابذة، والثالث القاء الحجر ولان فيه تعليقا بالحظر ولا بد في هذه البيوع أن يسبق الكلام منهما على الثمن قوله: (وثوب من ثوبين) لجهالة المبيع، وتقدم في خيار الشرط أنه

[ 126 ]

إذا جعل للمشتري خيار التعيين جاز فيما دون لثلاثة فلذا أطلقه هنا. وفي المعراج: وكذا عبد من عبدين لا يجوز، ولا خلاف فيه لاحد حتى لو قبضهما وماتا معا يضمن نصف قيمة كل واحد منهما لان أحدهما مضمون بالقيمة لانه مقبوض بحكم البيع الفاسد والآخر أمانة وليس أحدهما بأولى من الآخر فشاعت الامانة والضمان، ولهذا لو كان البيع صحيحا بأن كان فيه خيار المشتري يضمن نصف ثمن كل واحد والفاسد معتبر بالصحيح والقيمة هنا كالثمن ثمة، ولو ماتا مر تبين ضمن قيمة الاول لانه تعين مضمونا لتعقدر الرد فيه، ولو حررهما معا عتق أحدهما لانه ملك أحدهما بالقبض، وإن حرر أحدهما لم يصح أي لو قال البائع أ المشتري أحدهما حرولو قالا متعاقبا عتقا لان كل واحد أعتق ملكه وملك غيره فيصح في ملكه والبيان إلى المشتري لان من نقذ فيه عتقه مضمون بالقيمة والقول في المضمون قول الضامن، ولو قبض أحدهما بإذن البائع فهلك غرم قيمته اه‍. وقيد بالقيمي إذ بيع المبهم من المثلى جائز. قال في التلخيص من باب بيع المبهم: لو اشترى أحد عبدين أو ثوبين فسد لجهل يورث نزاعا ضد المثلي، فلو قبضهما ملك أحدهما والآخر أمانة وفاء بالعهد إلى آخره. قوله: (والمراعي وإجارتها) أي لا يجوز بيع الكلاب وإجارته، أما البيع فلانه ورد على ما لا يمكله لاشتراك الناس فيه بالحديث الناس شركاء في ثلاث في الماء والكلا والنار (1) وأما الاجارة فلانها عقدت على استهلاك عين مباح، ولو عقدت على استهلاك عين مملوكة بأن استأجر بقرة ليشرب لبنها لا يجوز فهذا أولى. وفي المصباح: والرعي بالكسر والمرعى بمعنى وهوما ترعاه الدواب والجمع المراعي اه‍. قيد بالمراعي بمعنى الكلا لان بيع رقبة الارض وإجارتها جائزان. ومعنى الشركة في النار الاصطلاء بها، وتجفيف الثياب يعني إذا أوقد رجل نارا فلكل أن يصطلي بها، أما إذا أراد أن يأخذ الجمر فليس له ذلك إلا بإذن صاحبه. ومعناه في الماء الشرب وسقي الدواب والاستقاء من الآبار والحياض والانهار المملوكة، وفي الكلا أن له احتشاشه وإن كان في أرض مملوكة غير أن لصاحب الارض أن يمنع من الدخول في

[ 127 ]

أرضه، وإذا منع فلغيره أن يقول أن لي في أرضك حقا فإما أن توصلني إليه أو تحشه أو تستقي وتدفعه لي وصار كثوب رجل وقع في دار رجل إما أن يأذن المالك في دخوله ليأخذه، وإما إن يخرجه إليه وإما إذا أحرز الماء بالاستقاء في آنية والكلا بقطعه جاز حينئذ بيعه لانه ملكه بذلك، وظاهر أن هذا إذا نبت بنفسه، فأما إذا كان سقى الارض وأعدها للانبات فنبت ففي الذخيرة والمحيط والنوازل يجوز بيعه لانه ملكه وهو مختار الصدر الشهيد، وكذا ذكر في اختلاف أبي حنيفة فيحمل كلام المصنف على ما إذا لم يعدها للانبات، ومنه لو حدق حول أرضه وهيأها للانبات حتى نبت القصب صار ملكا له. والقدوري منع بيعه. وإن ساق الماء إلى أرضه ولحقه مؤنة لبقاء الشركة وإنما تنقطع بالحيازة وسوق الماء إلى أرضه ليس بحيازة لكن الاكثر على الاول إلا أن على هذا القائل أن يقول ينبغي إن حاز البئر يملك بناءها ويكون بتكلفه الحفر والطي لتحصيل الماء يملك الماء كما يملك الكلا بتكلفه سوق الماء إلى الارض لينبت فله منع المستقى وإن لم يكن في أرض مملوكة له، كذا في فتح القدير، وسيأتي إن شاالله تعالى بقية الكلام عليه في كتاب الشرب والحيلة في جواز إجارته أن يستأجر أرضا لايقاف الدواب فيها أو لمنفعة أخرى بقدر ما يريد صاحبه من الثمن أو الاجرة فيحصل به غرضهما. ويدخل في الكلا جميع أنواع ما ترعاه المواشي رطبا كان أو يابسا بخلاف الاشجار لان الكلا ما لا ساق له والشجر له ساق فلا تدخل فيه حتى يجوز بيعها إذا نبتت في أرضه لكونها ملكه، والكمأة كالكلا. وفي القاموس: الكم نبات وللواحد والكمأة والكمؤ للجمع أو هي تكون واحدة وجمعا اه‍. قوله: (والتحل) أي لم يجز بيعه وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: يجوز

[ 128 ]

إذا كان محرزا وهو معنما في الذخيرة إذا كان مجموعا لانه حيوان منتفع به حقيقة وشرعا فيجوز بيعه وإن كان لا يؤكل كالبغل والحمار. ولهما أنه من الهوام فلا يجوز بيعه كالزنا بير والانتفاع بما يخرج منه لا بعينه فلا يكون منتفعا به قبل الخروج. أطلقه فشمل ما إذا كان بيع تبعا للكوارات وفيها عسل وهو قول الكرخي، وذكر القدوري أن بيعه تبعا للكوارة فيها عسل جائز وأنكره الكرخي وقال: إنما يدخل الشئ في البيع تبعا لغيره إذا كان من حقوقه كالشرب والطريق وهذا ليس من حقوقه، كذا في الفوائد الظهيرية. وأجيب عنه بأن التبعية لا تنحصر في الحقوق كالمفاتيح فالعسل تابع للنحل في الموجود، والنحل تابع له في المقصود بالبيع. والكوارة - بضم الكاف وتشدد الواو - معسل النحل إذا سوى من طين. وفي التهذيب: كوارة النحل مخففة. وفي المغرب بالكسر من غير تشديد. وقيد الزمخشري بفتح الكاف وفي الغريبين بالضم، كذا في فتح القدير. وفي المصباح: كوارة النحل بالضم والتخفيف والتثقيل لغة عسلها في الشمع، وقيل بيتها إذا كان فيه العسل، وقيل هو الخلية وكسر الكاف مع التخفيف لغة اه‍. وسيأتي أن الفتوى على قول محمد قوله: (ويباع دود القز وبيضه) أما الدود فلا يجوز بيعه عند أبي حنيفة لانه من الهوام، وعند أبي يوسف يجوز إذا ظهر فيه القز تبعا، وعند محمد يجوز كيفما كان لكونه منتفعا به. وأما بيضه فلا يجوز بيعه عند أبي حنيفة، وعندهما يجوز لمكان الضرورة، وقيل أبو يوسف مع أبي حنيفة كما في دوده وإنما اختار المؤلف قول محمد في الدود والبيض لكونه المفتى به ولكن يرد عليه أن الفتوى على قول محمد أيضا في بيع النحل كما في الذخيرة والخلاصة فلم اختار قوله في الدود دون النحل بلا مرجح، ولعله لم يطلع على أن الفتوى على قوله فيهما. وفي المصباح: االقز معرب. قال

[ 129 ]

الليث: هو ما يعمل منه الابريسم ولهذا قال بعضهم: القز والابريسم مثل الحنطة والدقيق اه‍. وأما الخز فاسم دابة ثم أطلق على الثوب المتخذ من وبرها، والجمع خزان مثل صرد وصردان منه أيضا. قيد بالنحل والدود لان ما سواهما من الهوام كالحيات والعقارب والوزغ والقنافذ والضب لا يجوز بيعه اتفاقا، ولا يجوز بيع شئ‌من البحر إلا السمك كالضفدع والسرطان والسلحفاة وفرس البحر وغير ذلك ولكن في الذخيرة: إذا اشترى العلق الذي يقال له بالفارسية مرعل يجوز وبه أخذ الصدر الشهيد لحاجة الناس إليه لتمول الناس له. وفي المصباح: العلق شئ أسود شبيه الدود يكون في الماء يعلق بأفواه الابل عند الشرب اه‍. وقيد بالبيع لانه لو كان الدود وورق التوت من واحد والعمل من آخر على أن يكون القز بينهما نصفين أو أقل أو أكثر لا يجوز عند محمد، وكذا لو كان العمل منهما وهو بينهما نصفان. وفي فتاوى الولوالجي: امرأة أعطت امرأة بزر القز وهو بزر الفيلق بالنصف فقامت عليه حتى أدرك فالفيلق لصاحبة البزر لانه حدث من بزرها ولها على صاحبة الزر قيمة الاوراق وأجر مثلها، ومثله إذا دفع بقرة إلى آخر يعلفها ليكون الحادث بينهما بالنصف فالحادث كله لصاحب البقرة وله على صاحب البقرة ثمن العلف وأجر مثله، وعلى هذا إذا دفع الدجاج ليكون البيض بالنصف، كذا في فتح القدير ومحلها كتاب الاجارات. ولم يذكر المؤلف بيع الحمام وذكره في الهداية فقال: والحمام إذا علم عددها وأمكن تسليمها جاز بيعها لانه مال مقدور التسليم. وفي الذخيرة: إذا باع برج حمام مع الحمام فإن باع ليلا جاز لان في الليل يكون الحمام بجملته داخل البرج ويمكن أخذه منه من غير الاحتيال فيكون بائعا ما يقدر على تسليمه، وفي النهار يكون بعضه خارج البيت فلا يمكن أخذه إلا بالاحتيال فلا يجوز اه‍. قوله: (والآبق) أي لم يجز بيع الآبق لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه

[ 130 ]

لانلا يقدر على تسليمه، ولو باعه ثم عاد من الاباق لا يتم ذلك العقد لانه وقع باطلا لانعدام المحلية كبيع الطير في الهواء. وعن أبي حنيفة أنه يتم العقد إذا لم يفسخ لان العقد انعقد لقيام المالية والمانع قد ارتفع وهو العجز عن التسليم كما إذا أبق بعد البيع، وهكذا يروى عن محمد، كذا في الهداية. والاول ظاهر الرواية وبكان يفتي أبو عبد الله البلخي كما في الذخيرة، وأولوا تلك الرواية بأن المراد بها انعقاد البيع بالتعاطي الآن. أطلقه فشمل ما إذا باعه لابنه الصغير فإنه لا يجوز، وكذا اليتيم في حجره بخلاف ما إذا وهبه له فإنه يجوز. والفرق أن شرط البيع القدرة على التسليم عقب البيع وهو منتف وما بقي له من اليد يصلح لقبض الهبة لا لقبض البيع لانه قبض بإزاء مال مقبوض من مال الابن وهذا قبض ليس بإزائه مال يخرج من مال الولد فكفت تلك اليد له نظرا للصغير لانه لو عاد عاد إلى ملك الصغير، هكذا في فتح القدير والتبيين. وفي فتاوي قاضيخان من الهبة خلافه قال: ولو وهب عبداه الآبق لولده الصغير لا يجوز وإن باعه جاز اه‍. فقد عكس الحكم على ما نقله الشارحون ولم أر أحدا منهم نبه على هذا، والحق ما ذكره القاضي لما في المعراج: ولو باع الآبق من ابنه الصغير لا يجوز ولو وهبه له أو ليتيم في حجره يجوز لان ما بقي له من اليد في الآبق يصلح لقبض الهبة دون البيع اه‍. وأما صاحب الذخيرة فذكر في البيوع أن الاب لو باع العبد المرسل في حاجته لابنه الصغير جازولم يذكره في الآبق. وذكر في كتاب الهبة: لو وهب عبدا فله آبقا من ابنه الصغير فما دام مترددا في دار الاسلام تجوز الهبة ويصير الاب قابضا لابنه بنفس الهبة، ذكر هذه المسألة في الجامع، وفي المنتقي عن أبي يوسف: لو تصدق بعبد أبق له على ابنه الصغير لا يجوز، وروى المعلى عنه أنه يجوز فحصل عن أبي يوسف في المسألة روايتان اه‍. وشمل كلامه أيضا ما إذا باعه بعد ما أبق من يد الغاصب مع أنه جائز منه لما في الذخيرة: وإذا أبق العبد المغصوب من يد الغاصب ثم إن المالك باع العبد من الغاصب وهو آبق بعد فالبيع جائز، والاصل أن الاباق إنما يمنع جواز البيع إذا كان التسليم محتاجا إليه بأن أبق من يد المالك ثم باعه المالك، فأما إذا لم يكن التسليم محتاجا إليه كما في مسألتنا يجوز البيع اه‍. وقيد بالآبق لان العبد المرسل في حاجة المولى يجوز بيعه، ولو باعه وليس بآبق ثم أبق قبل القبض فإن المشتري بالخيار في فسخ ذلك العقد ولا يكون للبائع أن يطالب المشتري بالثمن ما لم يحضر العبد اه‍. وجعل الراد على البائع كما في القنية وخرج أيضا بيع المغصوب فقد ذكر محمد في الاصل أنه موقوف إن أقربه الغاصب تم البيع ولزم،

[ 131 ]

وإن حجده وكان للمغصوب منه بينة عادلة فكذلك الجواب. وإن لم يكن له بينة ولم يسلمه حتى هلك انتقض البيع وبعض مشايخنا قالوا: قول محمد في الكتاب وإن لم يكن للمغصوب منه بينة ولم يسمله حتى هلك انتقض البيع بظاهره غير صحيح، وينبغي أن لا ينتقض البيع لان البيع وإن فات فقد أخلف بدلا والمبيع إذا فات وأخلف بدلا لا ينتقض البيع إلا أن يختار المشتري النقض فكان تأويل قول محمد انتقض البيع إذا اختار المشتري. وبعضهم قالوا: إنه بظاهره صحيح وينتقض البيع من غير اختيار المشتري إلى آخر ما في الذخيرة. وقيد ببيعه لان هبته جائزة كما قدمناه عن المعراج، وأما إعتاقه فجائز لكن إن أعتقه عن كفارة عليه فإنه لا يجوز حتى تعلم حياته كما في المعراج، وصح جعله بدل خلع كما قدمناه في بابه عند قوله ولو اختلعت على عبد أبق لها على أنها بريئة من ضمانه لم تبرأ وأما جعله بدل صلح 2 (212). قوله: (إلا أن يبيعه ممن يزعم أنه عنده) فيجوز البيع لان المنهي عنه بيع آبق مطلق وهو أن يكون آيتا في حقهما وهذا غير آبق في حق المشتري، ولانه إذا كان عند المشتري انتفى العجز عن التسليم وهو المانع. ولم يذكر المصنف أنه يكتفي بقبضه عن قبض المبيع للتفصيل قالوا: إن كان أشهد وقت أخذه أنه أخذه ليرده على مالكه كان أمانة في يده فلا ينوب عن قبض البيع، فلو هلك قبل أن يصل إلى سيده لم يضمنه فينفسخ البيع ويرجع على سيده بالثمن، ولو كان لم يشهد صار قابضا لانه قبض غصب، هكذا اقتصر الشارحون هنا. وذكر في الذخيرة: إذا اشترى ما هو أمانة في يده من وديعة أو عارية فإنه لا يكون قابضا إلا إذا ذهب المودع أو المستعير إلى العين وانتهى إلى مكان يتمكن من قبضه الآن يصير المشتري قابضا بالتخلية، فإذا هلك بعد ذلك يهلك من مال المشتري، فإن فعل المشتري في فصل الوديعة والعارية ما يكون قبضا ثم أراد البائع أن يحبسها بالثمن لم يكن له ذلك لانه لما باعه منه مع علمه أن المبيع في يد المشتري وهو يتمكن من القبض يصير راضيا بقبض المشتري دلالة اه‍. وقيد ببيعه ممن يزعم أنه عنده لانه لو باعه من رجل يزعم أنه عند آخر فإنه لا يصح ولكنه فاسد إذا قبضه المشتري ملكه بخلاف بيع الآبق فإنه باطل فلذا كتبنا في الفوائد الفقهية أن بيع الآبق بيكون باطلا وفاسدا وصحيحا قوله: (ولبن امرأة) بالجر أي لم يجز بيع لبن المرأة لانه

[ 132 ]

جزء الآدمي وهو بجميع أجزائه مكرم مصون عن الابتذال بالبيع، أطلقه فشمل لبن الحرة والامة وهو ظاهر الرواية، وعن أبي ويسف يجوز بيع لبن الامة لجواز إيراد البيع على نفسها فكذا على جزئها. قلنا: الرق حل نفسها فأما اللبن فلا رق فيه لانه يختص بمحل يتحقق فيه القوة التي هضده وهي الحي ولا حياة في اللبن فلا يكون محلا للعتق ولا للرق فكذا البيع، فشمل ما إذا كان في إناء أو لا، والاولى أن يقيد مراده بما إذا كان في وعاء كما قيده في الهداية لان حكم اللبن في الضرع قد تقدم، وأشار المصنف إلى أنه لا يضمن متلفه لكونه ليس بمال وإلى أنه لا يحل به التداوي في العين الرمداء وفيه قولان: فقيل بالمنع، وقيل بالجواز إذا علم فيه الشفاء. هكذا في فتح القدير هنا. وقال في موضع آخر: وأهل الطب يثبتون نفعا للبن البنت للعين وهذه من أفراد مسألة الانتفاع بالمحرم للتداوي كالخمر. واختار في الخانية والنهاية الجواز إذا علم أن فيه الشفاء ولم يجد دواء غيره وسيأتي إن شاء الله تعالى تمامه في الحظر والاباحة. وقيد بلبن المرأة لانه يجوز بيع لبن الانعام. قال الامام الرباني محمد بن الحسن الشيباني: جواز إجارة الظئر دليل على فساد بيع لبنها وجواز بيع لبن الانعام دليل على فساد إجارتها. قوله: (وشعر الخنزير) أي لم يجز بيعه إهانة له لكونه نجس العين كأصله فالبيع هنا لو جاز لكان إكراما وفي الخمر والخنزير كذلك لو جا لكان إعزازا وقد أمرنا بالاهانة، وفي لبن المرأة لو جاز لكان إهانة لها وقد أمرنا بإعزاز الآدمي فالفعل الواحد وهو البيع هنا يجوز أن يكون إعزازا بالنسبة إلى محل وإهانة بالنسبة إلى آخر مثلا إذا أمر السلطان بعض الغلمان بالوقوف عند الفرش بحضرته كان إعزازا له، ولو أمر القاضي بذلك لكان إهانة له. وحاصله أن جواز بيع المهان إعزاز له وجواز بيع المكرم إهانة له قوله: (وينتفع به) أي يجوز الانتفاع بشعر الخنزير دفعا لما يتوهم من منع بيعه ولكنه مقيد بالخرز للضرورة فإن ذلك العمل لا يتأتى بدونه ويوجد مباحا فلا حاجة إلى القول بجواز بيعه وشرائه حتى لو لم يوجد لم يكره

[ 133 ]

شراؤه للاساكفة للحاجة، وكره بيعه لعدمها كما أفتى به الفقيه أو الليث، وظاهر كلامهم منع انتفاع به عند عدم الضرورة بأن أمكن الخرز بغيره ولذا قيل: لا ضرورة إلى الخرز به لامكانه بغيره. وكان ابن سيرين يلبس خفا خرز بشعر الخنزير فعلى هذا لا يجوز بيعه ولا الانتفاع به ولذا روي عن أبي يوسف كراهة الانتفاع به إلا أن يقال إن إمكان الخرز بغيره وإن وقع لفرد بسبب تحمله مشقة في خاصة نفسه لا يجوز أن يلزم العموم حرجا مثله، وحيث كان جواز الانتفاع به للضرورة والاصل أن ما ثبت للضرورة يتقدر بقدرها أفتى الامام أبو يوسف بنجاسته فيتنجس الماء القليل إذا وقع فيه، وطهره محمد لان جواز الانتفاع به دليلها، والصحيح قول أبي يوسف لما قدمناه، وما ذكر في بعض المواضع من جواز صلاة الخرازين مع شعر الخنزير وإن كان أكثر من قدر الدرهم فهو مخرج على قول محمد بطهارته، وأما على قول أبي يوسف فلا وهو الوجه لان الضرورة لم تدعهم إلى أن يعلق بهم بحيث لا يقدرون على الامتناع عنه ويجتمع على ثيابهم هذا المقدار قوله: (وشعر الانسان والانتفاع به) أي لم يجز بيعه والانتفاع به لان الآدمي مكرم غير مبتذل فلا يجوز أن يكون شئ من أجزائه مهانا مبتذلا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعن الله الواصلة والمستوصلة وإنما يرخص فيما يتخذ من الوبر فيزيد في قرون النساء وذوائبهن، كذا في الهداية. وصرح في فتح القدير بأن الآدمي مكرم وإن كان كافرا. والواصلة هي التي تصل الشعر بشعرء النساء، والمستوصلة المعمول بها بأذنها ورضاها. ولعن في الحديث النامصة والمتنمصة والنامصة هي التي تنقص الحاجب لتزينه والمتنمصة هي التي يفعل بها قوله: (وجلد الميتة قبل الدبغ) أي لم يجز بيعه لانه غير منتفع به قال ذلك عليه السلام لا تنتفعوا من الميتة بإهاب وهو اسلغير المدبوغ فيكون نجس العين بخلاف الثوب والدهن المتنجس فإنها عارضة. قيد بما قبل الدبغ لانه لو باعه بعده جاز لحل الانتفاع للطهارة ولذا قال: (وبعده يباع وينتفع به) وقيد بالميتة لان جلدالمذكاة يجوز بيعه قبل الدباغة ولحوم السباع وشجومها وجلودها بعد الذكاة كجلود الميتة بعد الدبغ فيجوز بيعها والانتفاع بها ما عدا الاكل لطهارتها بالذكاة إلا جلد الخنزير قوله: (كعظم الميتة وصوفها وعصبها وقرنها ووبرها) أي

[ 134 ]

يجوز بيعها والانتفاع بها لانها طاهرة لا يحلها المو ت لعدم الحياة وقد قررناه من قبل، والفيل كالخنزير نجس العين عند محمد، وعندهما بمنزلة السباع حتى يباع عظمه وينتفع به وجوز بيع القرد على المختار قوله: وعلو سقط) أي لم يجز بيع علو بعد انهدامه لان الباقي بعد سقوطه حق التعلي وهو ليس بمال لانه المال ما يمكن إحرازه والمال هو المحل المبيع بخلاف الشرب حيث يجوز بيعه بتبعا للارض باتفاق الروايات، ومفردا في رواية وهو اختيار مشايخ بلخ لانه حظ من الماء ولهذا يضمن بالاتلاف وله قسط من الثمن وسيأتي تمامه في الشرب إن شاء الله تعالى. وقيد بسقوطه لان بيعه قبل سقوطه جائز كما في فتح القدير لان المبيع البناء فعلى هذا يجوز بيع سقف البيت قبل نقضه كما يجوز بيع البناء قبل هدمه لكن في عمدة الفتاوي: لا يجوز بيع بناء الوقف قبل هدمه ولا الاشجار الموقوفة المثمرة قبل قلعها بخلاف غير المثمرة اه‍. وأشار المصنف إلى أن العلو لو سقط قبل القبض فإن البيع يبطل كهلاك المبيع قبل القبض كما في فتح القدير، والعلو خلاف السفل بضم العين وكسرها، كذا في المصباح. ولم يذكر المصنف بيع الطريق والمسيل. وفي الهداية: وبيع الطريق وهبته جائز، وبيع مسيل الماء وهبته باطل، والمسألة تحتمل وجهين: بيع رقبة الطريق والمسيل وبي حق المرور والتسييل، فإن كان المراد الاول فهو الفرق بين المسألتين أن الطريق معلوم لان له طولا وعرضا معلوما، أم المسيل فمجهول لانه لا يدري قدر ما يشغله من الماء. وإن كان الثاني ففي بيع حق المرور روايتان، وجه الفرق على أحدهما بينه وبين حق التسييل أن حق المرور معلوم لتعلقه بمحل معلوم وهو الطريق، وأما المسيل على السطح فهو حق التعلي وعلى الارض مجهول لجهالة محله. ووجه الفرق بين حق المرور وحق التعلي على إحدى الروايتين أن حق التعلي يتعلق بعين لا تبقى وهو البناء فأشبه المنافع، أمحق المرور يتعلق بعين تبقى وهو لارض فأشبه الاعيان اه‍. قوله: (وأمة تبين أنه عبد وكذا عكسه) أي لم يجز بيع أمة ظهر أنه عبد وعكسه وهو بيع عبد تبين أنه جارية بخلاف ما إذا باع كبشا فإذا هو نعجة حيث ينعقد البيع ويتخير والفرق

[ 135 ]

يبتنى على الاصل الذي ذكرناه في النكاح لمحمد وهو أن الاشارة مع التسمية إذا اجتمعتا ففي مختلفي الجنس يتعلق العقد بالمسمى ويبطل لانعدامه، في متحدي الجنس يتعلق بالمشار إليه وينعقد لوجوده ويتخير لفوات الوصف كمن اشترى عبدا على أنه خباز فإذا هو كاتب وفي مسألتنا الذكر والانثى من بني آدم جنسان للتفاوت في الاغراض وفي الحيوانات جنس واحد للتقارب فيها وهو المعتبر دون الاصل كالخل والدبس جنسان والوذاري والزنديجي على ما قالوا جنسان مع اتحاد أصلهما، كذا في الهداية. والاصل المذكور لمحمد رحمه الله تعالى متفق عليه هنا ويجري في سائر العقود من النكاح والاجارة والصلح عن دم العمد والخلع والعتق على مال والبيع في مسألة الكتاب باطل لعدم المبيع، وبه ظهر أن الذكر والانثى من بني آدم جنسان فقها وإن اتحدا جنسا في المنطق لانه الذاتي المقول على كثيرين مختلفين بمميز داخل، والجنس في الفقة المقول على كثيرين لا يتفاوت الغرض منها فاحشا فالجنسان ما يتفاوت الغرض منهما فاحشا بلا نظر إلى الذاتي. والوذارى بفتح الواو وكسرها وإعجام الذال ثم راء مهملة نسبة إلى وذار قرية من قرى سمر قند. والزنديجي بزاي ثم نون ثم دال مهلمة ثم ياء ثم جيم نسبة إلى زندنه بفتح الزاي والنون الاخيرة والجيم زيدت على خلاف القياس مع اتحاد أصلهما، هكذا ذكر صاحب الهداية عن المشايخ. قال في فتح القدير: ومن المختلفي الجنس ما إذا باع فصا على أنه ياقوت فإذا هو زجاج فالبيع باطل، ولو باعه ليلا على أنه ياقوت أحر فظهر أصفر صح ويخير كما إذا باع عبدا على أنه خباز فإذا هو كاتب، هكذا ذكر المصنف وإن كانت صناعة الكتابة أشرف عند الناس من الخبز وكان المصنف ممن لا يفرق من المشايخ بين كون الصفة التي ظهرت خيرا من الصفة التي عينت أولا في ثبوت الخيار كما أطلق في المحيط ثبوت الخيار. وذهب آخرون منهم صدر الاسلام وظهير الدين إلى أنه إنما يثبت إذا كان الموجود أنقص وصحح الاول فوات غرض المشتري وكان مستند المفصلين ما تقدم فيمن اشترى عبدا على أنه كافر فإذا هو مسلم لا خيار له لانه خير مما عين. وقد يفرق بأن الغرض وهو استخدام العبد بما لا يليق به لا يتفاوت بين مسلم وكافر من الزراعة وأمورها أو التجارة وأمورها بخلاف تعيين الخبز أو الكتابة فإنه يفيد أن حاجته التي لاجلها اشترى هي هذا الوصف اه‍. وقد ظهر من كلامهم أن من اشترى فصوصا ثم اختلفا فال المشتري شرطت لي ياقوطا وأنكره البائع أنه إن كان مظهر من خلاف جنس الياقوت تحالفا وفسخ البيع لان الاختلاف في جنس المبيع، وإن كان ما ظهر من جنسه وإنما الفائت الوصف، فإن

[ 136 ]

كان المبيع بمرأى من عين المشتري وقت البيع فلا خيار له ولو أقر البائع بالشرط لما قدمناه عن قاضيخان في شراشتراط الخبز والكتابة قبيل باب خيار الرؤية، وإلا فالقول للبائع لان الاختلاف في اشتراط وصف كالاختلاف في اشتراط الخبز ولذا صورها في الفتح بما إذا اشترياه ليلا لاخراج ما إذا كان نهارا بمرأة من عينه وقد صارت حادثة الفتوى وأجبت بما ذكرناه والله الموفق للصواب. قوله: (وشراء ما باع بالاقل قبل النقد) أي لم يجز شراء البائع ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن فهو مرفوع عطفا على بيع لا أنه مجرو عطفا على المجرور انت لانه لو كان كذلك لصار المعنى لم يجز بيع شراء وهو فاسد. وإنما منعنا جوازه استدلالا بقول عائشة رضي الله تعالى عنها لتلك المرأة وقد باعت بستمائة بعدما اشترت بثمانمائة بئس ما شريت واشتريت ابلغني زيد بن أرقم أن الله تعالى أبطل حجه وجهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يتب. ولان الثمن لم يدخل في ضمانه فإذا وصل إليه المبيع وقعت المقاصصة فبقي له فضل بلا عوض بخلاف ما إذا باع بالعرض لان الفضل إنما يظهر عند المجانسة. أطلق في الشراء فشمل شراءه من كل وجه والشراء من وجه كشراء من لا تجوز شهادته له فإنه لا يجوز أيضا كشرائه بنفسه خلافا لهما في غير العبد والمكاتب. وأطلق فيما باعه فشمل ما باعه بنفسه أو بوكيله وما باعه أصالة أو وكالة كما شمل الشراء لنفسه ولغيره إذا كان هو البائع، وشمل أيضا شراء الكل أو البعض كما في القنية. وخرج شراء وارث البائع ووكيله عند الامام لان العقد وقع له لكونه أصيلا في الحقوق خلافا لهما لكونه قائما مقامه ولكن لا تطيب له الزيادة عند الامام وإن ملكها، وأما شراء البائع ممن اشترى من مشتريه فجائز وفاقا. وشرط في السراج الوهاج لجواز شراء وارث البائع أن يكون ممن تجوز شهادته للمورث في حياته وإلا لا يجوز وهو قيد حسن أغفله كثير وإن كان معلوما من بيان حكم شراء من لا تجوز شهادته له وأراد

[ 137 ]

المولف رحمه الله تعالى الشراء من مشتريه حقيقة أو حكما كالشراء من وارث مشتريه. والفرق بين الوارثين أن وارث البائع إنما لم يقم مقامه لان هذا مما لا يورث وهو إنما يقوم مقامه فيما يورث بخلاف وارث المشتري فإنه قام مقامه في ملك العين وهذا من أحكامها. وقيد بما باع لان المبيع لو انتقص خرج أن يكون شراء ما باع فيكون النقصان من الثمن في مقابلة ما نقص من العين، سواء كان النقصان من الثمن بقدر ما نقص منها أو بأكثر منه، وعلى هذا تفرع ما قالوا لو ولدت الجارية عند المشتري ثم اشتراها البائع بأقل إن كانت الولادة نقصتها جاز كما لو دخلها عيب عند المشتري ثم اشتراها منه بالاقل، وإن لم تنقصها لا يجوز لانه يحصل به ربح لم يدخل في ضمانه، كذا في فتح القدير. ولا بد أن يكون النقصان فيها من حيث الذات لان العين لو نقصت قيمتها بتغير الاسعار لم يجز الشراء بالاقل لا تغيير السعر غير معتبر في حق الاحكام لانه فتور في الرغبات لا فوات جزء كما في حق الغاصب وغيره فعاد إليه كما خرج عن ملكه فظهر الربح. وقيد بالاقل احترازا عن المثل أو الاكثر فإنه جائز، ولا بد من اتحاد جنس الثمنين لانه حينئذ يظهر النقصان، فإن اختلف الجنس جاز مطلقا والدراهم والدنانير هنا جنس واحد احتياطا وقدمنا أنهما جنسان إلا في ثمانية في أول البيوع فإذا كان النقد الثاني أقل من قيمة الاول لم يجز. وأطلق في الاقلية فشمل الاقل مقدرا والاقل وصفا، فلو باع بألف نسيئة إلى سنة ثم اشتراه بألف نسيئة إلى سنتين فسد عندنا. وقيد بقوله النقد إذ بعده لا فساد، وفي القنية: لو قبض نصف الثمن ثم اشترى النصف بأقل من نصف الثمن لم يجز وكذا لو أحال البائع على المشتري اه‍. وفي السراج الوهاج: لا يجوز أن يشتريه بأقل من الثمن وإن بقي من ثمنه درهم، ولا بد من نقد جميع الثمن، ولو خرج المبيع عن ملك المشتري ثم عاد إليه فإن عاد إليه بحكم ملك جديد كالاقالة قبل القبض أو بعده أو بالشراء أو الهية أو بالميراث فشراء البائع منه بالاقل جائز، وإن عاد إليه بما هو فسخ فخيار رؤية أو شرط قبل القبض أو بعده فالشراء منه بالاقل لا يجوز، كذا في السراج الوهاج. وذكر الشارح هنا فروعا فقال 2 (212). قوله: (وصح فيما ضم إليه) أي صح البيع في المضموم إلى شراء ما باعه بالاقل قبل النقد كأن اشترى جارية بخمسمائة ثم باعها وأخرى معها من البائع قبل أن ينقده الثمن بخمسمائة فالبيع جائز في التي لم يشترها من البائع ويفسد الاخرى لانه لا بد أن يجعل

[ 138 ]

بعض الثمن في مقابلة التي لم يشترها منه فيكون مشتريا للاخرى بأقل مما باع وهذا فاسد عندنا، ولم يوجد هذا المعنى في صاحبتها ولا يشيع الفساد لكونه ضعيفا للاجتهاد فيه أو لانه باعتبار شبهة الربا أو لانه طارئ لانه يظهر بانقسام الثمن والمقاصة فلا يسري إلى غيرها. وأورد على التعليل الاول ما لو أسلم قوهيا في قوهي ومروي فإنه باطل في الكل عنده، وعندهما يصح في المروي كما لو أسلم حنطة في شعير وزيت عنده يبطل في الكل، وعندهما يصح في حصة الزيت مع أن فساد القد بسبب الجنسية مجتهد فيه. فإن أسلم هرويا في هروي جاز عند الشافعي ولا مخلص منه إلا بتغيير تعليل تعدي الفساد بقوة الفساد بالاجماع عليه إلا تعليله بأنيجعل الشرط الفاسد في أحدهما وهو قبول العقد في الهروي شرطا لقبوله في المروي فيفسد في المروي بالشرط الفاسد، وفي الهروي باتحاد الجنس، كذا اعترف به شمس الائمة بعد أن علل به هو في شرح الجامع. وأشار المصنف إلى أن البائع لو اشتراه مع رجل اخر فإنه يجوز من الاجنبي في نصفه قوله: (وزيت على أن يزنه بظرفه ويطرح عنه مكان كل ظرف خمسين رطلا وصح لو شرط أن يطرح عنه بوزن الظرف) أي لم يجز بيع شئ بهذا الشرط وصح البيع بالشرط الثاني لان الشرط الاول لا يقتضيه العقد والثاني يقتضيه قوله: (وإن اختلفا في الزق فالقول للمشتري) يعني لو رد المشتري الزق وهو عشرة أرطال فقال البائع الزق غيره وهو خمسة أرطال فالقول قول المشتري مع يمينه لانه إن اعتبر اختلافا في تعيين الزق المقبوض فالقول قول القابض ضمينا كان أو أمينا، وإن اعتبر اختلافا في الثمن فهو في الحقيقة اختلاف في الثمن فيكون القول للمشتري لانه ينكر الزيادة، وإذا برهن البائع قبلت بينته. وأورد على ما في الكتاب مسألتان: إحداهما ما إذا باع عبدين وقبضهما المشتري ومات أحدهما عنده وجاء بالآخر يرده بعيب واختلفا في قيمة الميت فالقول للبائع. والثانية أن الاختلاف في الثمن يوجب التحالف وهنا جعل القول للمشتري على تقدير اختلافهما في الثمن. وأجيب عن الاول بأنها مع هذه طرد فإن كون القول للمشتري لانكاره للزيادة وهناك إنما كان للبائع لانكاره الزيادة، وعن الثاني بأن التحالف على خلاف القياس فيها عند وجود الاختلاف في الثمن قصدا وهنا الاختلاف فيه تبع لاختلافهما في الزق المقبوض أهو هذا أم لا فلا يوجب التحالف، كذا في فتح القدير. والزق بالكسر الظرف وبعضهم يقول ظرف زيت أو قبر والجمع أزقاق وزقاق وزقان مثل كتاب ورغفان، كذا في المصباح. قوله: (ولو أمر ذميا بشراء خمر أو بيعها صح) أي التوكيل وبيع الوكيل وشراؤه عند أبي

[ 139 ]

حنيفة. وقالا: لا يجوز على المسلم. وعلى هذا الخلاف الخنزير وعلى هذا توكيل المحرم غيره ببيع صيده. لهما أن الموكل لا يليه فلا يوليه غيره ولان ما يثبت للوكيل ينتقل إلى الموكل فصار كأنه باشر بنفسه فلا يجزئه، ولابي حنيفة أن العاقد هو الوكيل بأهليته وولايته وانتقال الملك إلى الآمر أمر حكمي فلا يمنع بسبب الاسلام كما إذا ورثهما ثم إن كان خمرا يخللها ويدفع ثمنها إلى الوكيل، وإن كان خنزيرا يسيبه ولم يذكر المصنف حكم ثمن ما باعه له. قال الشارح: يتصدق بثمن الخمر إن باعها الوكيل له لتمكن الخبث فيه وقولهما إنه لا يليه فلا يوليه منقوض بمسائل الوكيل بشراء معين له أن يوكل بشرائه له وإن لم يله لنفسه. ومنها إذا مات ذمي وله خمر فللقاضي أن يأمر ذميا ببيعها مع أنه لا يليه بنفسه. ومنها المسلم الوصي لذمي يوكل ذميا ببيع خمره مع أنه لا يليه، وقد كتبنا في الفوائد غير هذه. وفي فتح القدير: بقي أن يقال إذا كان حكم هذه الوكالة في البيع أن لا ينتفع بالثمن وفي الشراء أو يسيب الخنزير ويريق الخمر أو يخللها بقي تصرفا غير معقب لفائدته، وكل ما هو كذلك ليس بمشروع وقد روي عن أبي حنيفة أن هذه الوكالة تنكره أشد ما يكون من الكراهة وهي ليس إلا كراهة التحريم فأي فائدة في الصحة؟ اه‍. وفي القنية من الزكاة: مسلم له خمر وكل ذميا ببيعها فللمسلم أن يصرف ثمنها إلى الفقراء من زكاة ماله وتصح اه‍. قوله: (وأمة على أن يعتق لمشتري أو يدبر أو يكاتب أو يستولد أو إلا حملها أو يستخدم البائع شهرا أو دارا على أن يسكن أو يقرض المشتري درهما أو يهدي له أو يسلم إلى كذا أو ثوب على أن يقطعه البائع أو يخيطه قميصا) أي لم يجز بيع أمة بشرط منها وهو فاسد لان بيع وشرط وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع وشرط كما رواه عمر وبن شعيب رضي الله عنه. وخصصه الشافعي بما عدا العتق وجوز البيع بشرط العتق وهو رواية عن أبي حنيفة كما ذكره الاقطع عملا بحديث بريرة فإن عائشة رضي الله تعالى عنها اشترتها بشرط العتق وأجازه عليه السلام وأبطل الشرط فقال: خذيها واشترطي لهم الولاء إنما الولاء لمن أعتق. ولم يخصه به

[ 140 ]

أصحابنا بناء على أصلهم أن العام يعارض الخاص ويطلب منه أسباب الترجيح والمرجح هنا العام وهي النهي عن بيع وشرط لكونه مانعا، وحديث بريرة مبيح فيحمل على ما قبل النهي. وأما حديث جابر في مسلم من أنه باع جملا للنبي صلى الله عليه وسلم وشرط له ظهره إلى المدينة، فعلى مذهب الشافعي لم يقع الشرط في صلب العقد فلم يفسد، على أصلنا قدم العام الحاظر على الخاص المبيح كما قدمناه. وأشار المصنف بالعتق وما عطف عليه إلى كل شرط لا يقتضيه العقد ولا يلائمه وفيه منفعة لاحد المتعاقدين أو للمعقود عليه وهو من أهل الاستحقاق ولم يجر العرف به ولم يرد الشرع بجوازه، فلابد في كون الشرط مفسدا للبيع من هذه الشرائط الخمسة، فإن كان الشرط يقتضيه العقد فإنه لا يفسد كشرط أن يحبس المبيع إلى قبض الثمن ونحوه، فإن كان لا يقتضيه لكن ثبت تصحيحه شرعا فلا مرد له كشرط الاجل في الثمن وفي المبيع السلم وشرط الخيار لا يفسده، وإن كان متعارفا كشراء النعل على أن يحذوها البائع أو يشركها فهو جائز، وإن كان ملائما للبيع لا يفسده كالبيع بشرط كفيل بالثمن إذا كان حاضرا وقبلها أو غائبا فحضر وقبل قبل التفرق، وكشرط رهن معلوم بالاشارة والتسمية فإن حاصلهما التوثق للثمن. قيدنا بحضرة الكفيل لانه لو كان غائبا فحضر وقبل بعد التفرق أو كان حاضرا فلم يقبل لم يجز. وقيدنا بكون الرهن مسمى لانه لو لم يكن مسمى ولا مشارا إليه لم يجز إلا إذا تراضيا على تعيينه في المجلس ودفعه إليه قبل أن يتفرقا أو يعجل الثمن ويبطلان الرهن، وإذا كان مسمى فامتنع عن تسليمه لم يجير وإنما يؤمر بدفع الثمن، فإن لم يدفعهما خير البائع في الفسخ واشتراط الحوالة كالكفالة. ومعنى كون الشرط يقتضيه العقد أن يجب بالعقد من غير شرط، ومعنى كونه ملائما أن يؤكد موجب العقد، كذا في الذخيرة. وفي السراج الوهاج أن يكون راجعا إلى صفة المبيع أو الثمن كاشتراط الخبز والطبخ والكتابة وفيها يقال للمشتري في مسألة الرهن ادفعه أو عجل الثمن، وفي القدوري: يقال للمشتري إما أن تدفع الرهن أو قيمته أو تفسخ العقد لان يد الاستيفاء للبائع إنما تثبت على المعنى وهو القيمة، ولا شك أن الرهن لو هلك فإن المشتري يدفع قيمته أو يعجل الثمن، ولو اشترى عبدا على أن يعطي البائع المشتري كفيلا بما أدركه من درك، فإن كان الكفيل مجهولا فسد

[ 141 ]

البيع، وإن كان معينا حاضرا وقبل أو كان غائبا فحضر قبل التفرق وقبل جاز اه‍. ولم يذكر الرهن على الدرك لانه غير جائز وتفسير المنفعة لاحد المتعاقدين اشتراط أن يهبه المشتري شيأ أو يقرضه أو يسكن الدار شهرا أو يخدمه العبد شهرا، ولو شرط أن خراجها على البائع فسد، وإن شرط الزائد على خراجها عليه جاز لانه شرط أن لا يجب عليه تحمل الظلم، ولو شرط أن خراجها كذا فجاء أزيد أو انقص فسد البيع لانه باع بشرط أن يجب على المشتري خراج أرض أخرى. هذا إذا علم، فإن لم يعلم جاز ويخير المشتري. ولو اشترى خراجية الاصل بلا خراج أو غير الخراجية مع الخراج بأن كان للبائع خراجية وضع خراجها على هذه فسد، وإن لم تك في الاصل خراجية فوضع عليها جاز، وتمامه في البزازية. ومما فيه نفع للمشتري اشتراط خياطة الثوب على البائع أو طحن الحنطة أو الثمرة وتفسير منفعة المعقود عليه إذا كان من أهل الاستحقاق اشتراط أن لا يبيع العبد أو لا يهبه أو لا يخرجه عن ملكه بوجه من الوجوه فإن المملوك يسر أن لا تتداوله الايدي، وكذا بشرط أن لا يخرجه عن مكة. وفي الخلاصة: اشترى عبدا على أن يبيعه جاز، وعلى أن يبيعه من فلان لا يجوز لان له طالبا. وفي البزازية: اشترى عبدا على أن يطعمه لم يفسد وعلى أن يطعمه خبيصا فسد، وقيدنا بكونه من أهل الاستحقاق أي من أهل أن يستحق حقا على الغير وهو الآدمي لانه لو كان حيوانا غير آدمي أو ثوبا فالبيع بهذا الشرط جائز. وخرج أيضا ما إذا شرط منفعة لاجنبي كان يقرض البائع أجنبيا فالبيع صحيح كما في الذخيرة معزيا إلى الصدر الشهيد قال: وذكر القدوري أنه يفسد، وصورته أن يقول المشتري للبائع اشتريت منك هذا على أن تقرضني أو تقرض فلانا. وفي المنتقي قال محمد رحمه الله تعالى: كل شئ يشترط المشتري على البائع يفسد به البيع، فإذا شرطه على أجنبي فهو باطل كما إذا اشترى دابة على أن يهبه فلان الاجنبي كذا فهو باطل كما إذا شرط على البائع أن يهبه، وكل شئ يشترطه على البائع لا يفسد به البيع فإذا شرطه على أجنبي فهو جائز وهو بالخيار، ومن ذلك ما إذا اشترى شيأ على أن يحط فلان الاجنبي عنه كذا جاز البيع وهو بالخيار إن شاء أخذه بجميع الثمن وإن شاء ترك. وروى ابن سماعة

[ 142 ]

عن أبي حنيفة إذا اشترى من آخر شيأ على أن يهب البائع لابن المشتري أو لاجنبي من الثمن كذا فسد البيع. وخرج أيضا شرط فيه مضر لاحدهما كما لو باع ثوبا بشرط أن لا يبيعه ولا يهبه جاز البيع وهو قول أبي حنيفة ومحمد، وفي قول أبي يوسف فاسد وهو رواية. واختلف المشايخ فيما إذا باع على أن يعطي ثمنه من مال فلان ومن منفعة البائع المفسدة للبيع ما إذا شرط أن يدفع المشتري الثمن إلى غريم البائع لسقوط مؤنة القضاء عنه، ولان الناس يتفاوتون في الاستيفاء فمنهم من يسامح ومنهم من يماكس. ومنها أيضا ما لو باع بألف وشرط أن يضمن المشتري عنه ألفا لغريمه ومن منفعة المشتري ما إذا باع بستانا بشرط أن يبني البائع حوائطه، كذا في الذخيرة. وفي فتح القدير: ما لو باع ساحة على أن يبني بها مسجدا أو طعاما على أن يتصدق به فهو فاسد اه‍. وخرج أيضا ما لا مضرة فيه ولا منفعة كأن اشترى طعاما بشرط أكله أو ثوبا بشرط لبسه فإنه يجوز، وخرج عن الاقتضاء ما في المجتبي: اشتراه على أن يدفعه إليه قبل دفع الثمن أو قال على أن تدفع الثمن في بلد آخر فسد البيع. وفي شرح المجمع معزيا إلى النوازل: لو قال بعت منك هذا على أن أحط من ثمنه كذا جاز، ولو قال على أن أهب منك كذا لم يجز البيع لان الحط ملحق بما قبل العقد ويكون البيع بما وراء المحطوط اه‍. وقيد به على لان الشرط لو كان بان فإن البيع يفسد في جميع الوجوه إلا في مسألة ما إذا قال إن رضي أبي أو فلان في ثلاثة أيام كما سيأتي فيما يصح تعليقه وما لا يصح، والتفصيل السابق إنما هو إذا علق بكلمة على. وقيد بكون الشرط مقارنا للعقد لان الشرط الفاسد لو التحق بعد العقد قيل يلتحق عند أبي حنيفة، وقيل لا وهو الاصح كما في جامع الفصولين في الفصل التاسع والثلاثين، ولكن في الاصل إذا ألحقا بالبيع شرطا فسادا يلتحق عند أبي حنيفة وإن كان الالحاق بعد الافتراق عن المجلس وصورته: لو باع فضة بفضة وتقابضا وتفرقا ثم زاد أحدهما صاحبه شيمأ أو حط عنه وقبله الآخر فالبيع فاسد عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: البيع صحيح وتبطل الزيادة والحط. وقال محمد: الزيادة باطلة والحط جائز ولو كان الشرط في العقد فأبطلاه إن كان المفسد في صلب العقد صح الحط في المجلس، ولا يصح فيما وراء المجلس اه‍. وقيد به على دون الواو لانه لو زاد الواو بأن ال بعتك هذا بكذا وعلى أن تقرضني كذا فالبيع جائز ولا يكون شرطا وهو نظير ما لو كان دفع لرجل أرضا بيضاء فيها نخيل فقال دفعت إليك النخيل معاملة على أن تزرع كان شرطا للمزارعة في المعاملة. ولو قال وعلى أن تزرع لم تفسد المزارعة، ويعرف من هاتين المسألتين كثير من المسائل، كذا في الذخيرة وتبعه في البزازية. وقيد بإخراج ما ذكر مخرج

[ 143 ]

الشرط لانه لو أخرجه مخرج الوعد لم يفسد كما إذا باع بستانا على أن يعمر حوائطه وأخرجه مخرج الوعد ولكن لو لم يبن البائع لم يجبر ويخير المشتري في الرد، كذا في الذخيرة لكن لم يبين بماذا يكون إخراجه مخرج الوعد وهو أحد الاجوبة عن حديث بريره فإن البيع لم يكن بشرط العتق وإنما كان بوعد عتقها. وبين الامام اسحق الولوالجي صورة إخراجه مخرج الوعد قال: اشتر حتى ابني الحوائط وخرج عن الملائم للعقد ما لو اشترى أمة بشرط أن يطأها المشتري أو لا يطأها فالبيع فاسد لان الملائم للعقد الاطلاق. وعند أبي يوسف يجوز في الاول لانه ملائم، وعند محمد يجوز فيهما في الاول لما قاله أبو يوسف، وفي الثاني إن لم يقتضه العقد لا يرجع نفعه إلى أحد فهو شرط لا طالب له. ولم يفصل المؤلف بين شرط وشرط في الفساد وهو كذلك إلا البيع بشرط العتق فإن المشتري إذا أعتقه صح البيع ووجب الثمن عليه عد أبي حنيفة. وقالا: يبقى فاسدا فتجب القيمة لان البيع قد وقع فاسدا فلا ينقلب جائزا كما إذا تلف بوجه آخر. ولابي حنيفة أن شرط العتق من حيث ذاته لا يلائم العقد على ما ذكرناه ولكن من حيث حكمه يلائمه لانه منتهي للملك والشئ بانتهائه يتقرر، ولهذا لا يمنع العتق الرجوع بنقصان العيب فإذا أتلف بوجه آخر لا تتحقق الملائمة فتقرر الفساد، وإذا وجد العتق تحققت الملائمة فترجح جانب الجواز فكان الحال موقوفا بخلاف ما إذا دبرها أو استولدها فإنهما لا ينهيان الملك لجواز قضاء قاض ببيعهما، وأجمعوا أن المشتري لو أتلفه أو باعه أو وهبه تلزمه قيمته، كذا في السراج الوهاج. ومن الشروط المفسدة ما في القنية: اشترى بطيخة على أنها حلوة أو شاة على أنها تحلب كذا أو زيتونا أو سمسما على أن فيه كذا منا أو شاة أو ثورا على أن فيه كذا منا من اللحم فسد البيع في الكل لتعذر معرفته قبل العمل وعجز البائع عن الوفاء به اه‍. ولو اشتراه على أن يؤدي الثمن من بيعه فهو فاسد إن شرط، وإنما ذكر استثناء الحمل من الشروط لانه لما كان غير صحيح صار شرطا فاسدا، والاصل فيه أن ما لا يصح إفراده بالعقد لا يصح استثناؤه من العقد والحمل من هذا القبيل، وهذا لانه بمنزلة أطراف الحيوان لاتصاله به خلقة وبيع الاصل يتناوله فالاستثناء يكون على خلاف الموجب فلم يصح فيصير شرطا فاسدا والبيع يبطل به والكتابة والاجارة والرهن بمنزلة البيع لانها تبطل بالشروط الفاسدة غير أن المفسد في الكتابة ما يتمكن في صلب العقد منها والهبة والصدقة والنكاح والخلع والصلح عن دم العمد لا يبطل باستثناء الحمل بل يبطل الاستثناء لان هذه العقود لا تبطل بالشروط الفاسدة، وكذلك الوصية لا تبطل به لكن يصح الاستثناء حتى يكون الحمل

[ 144 ]

ميراثا والجارية وصية لان الوصية أخت الميراث والميراث يجري فيما في البطن بخلاف ما إذا استثنى خدمتها لان الميراث لا يجري فيها، كذا في الهداية. والغلة كالخدمة وأورد مسألة الخدمة على الاصل السابق. وأجيب بأنه إما مطرد غير منعكس والايراد على العكس، وإما بأن الكلام في العقد والوصية ليست بعقد فلا ترد، كذا في النهاية. ولا يخفى أنها عقد مشتمل على الايجاب والقبول فالاوجه الاول. وتفرع على القاعدة أنه يصح استثناء قفيز من الصبرة لجواز إفراده ولا يصح استثناء شاة من قطيع لعدم جواز إفرادها من قطيع إذا لم تكن معينة، وأما إذا عينها بالاشارة فالاستثناء صحيح، وكذا الحال في كل عددي متفاوت. وصح استثناء: أرطال معلومة من بيع الثمرة لجواز إبراده على الارطال ابتداء وهو المعتمد ومن مسائل الاستثناء باع صبرة بمائة عشرها فله تسعة أعشارها بجميع الثمن، ولو قال على أن عشرها لي فله تسعة أعشارها بتسعة أعشار الثمن خلافا للمروي عن محدم أنه بالجميع. وعن أبي يوسف أنه لو قال أبيعك هذه المائة شاة بمائة على أن هذه لي أو ولي هذه فسد، ولو قال إلا هذه كان ما بقي بمائة، ولو قال ولي نفسها كان النصف بخمسين، ولو قال بعتك هذا العبد بألف إلا نصفه بخمسمائة عن محمد جاز في كله بألف وخمسمائة لان المعنى باع نصفه بألف لان الباقي بعد الاستثناء فالنصف المستثنى عين بيعه بخمسمائة. ولو قال على أن لي نصفه بثلاثمائة أو مائة دينار فسد لادخال صفقة في صفقة. ولو قال بعتك الدار الخارج على أن تجعل لي طريقا إلى داري هذه الداخلة فسد البيع، ولو قال إلا طريقا إلى داري الداخلة جاز وطريقه عرض باب الدار الخارجة. ولو باع بيتا على أن لا طريق للمشتري في الدار وعلى أن بابه في الدهليز يجوز، ولو زعم أن له طريقا فظهر أن لا طريق له يرد، ولو باع بألف دينار إلا درهما أو إلا ثوبا أو إلا كر حنطة أو هذه الشياه إلا واحدة لا يجوز، ولو كانت بعينها جاز، ولو باع دارا على أن لا بناء فيها فإذا فيها بناء فالبيع فاسد لانه يحتاج إلى نقض البناء، ولو باعها على أن بناءها من آجر فإذا هو لين فسد بناء على أنهما جنسان كما لو باعه ثوبا على أنه هروي فظهر بلخيا. ولو باع الارض على أن فيها بناء فإذا لا بناء فيها أو اشتراها بشجرها فليس فيها شجر جاز وله الخيار، وكذا لو باع بعلوها وسفلها فظهر أن لا علولها ومثله لو اشترى بأجذاعها، كذا في فتح القدير. قوله: (وصح بيع نعل على أن يحذوه ويشركه والقياس فساده) لما فيه من النفع للمشتري مع كون العقد لا يقتضيه، وما ذكره جواب الاستحسان للتعامل وفي الخروج عن العادة خرج بين بخلاف اشتراط خياطة الثوب لعدم العادة فبقي على أصل القياس. وتسمير

[ 145 ]

القبقاب كتشريك النعل كما في فتح القدير. وفي البزازية: اشترى ثوبا أو خفا خلقا على أن يرقعه البائع ويخرزه ويسلمه صح للعرف ومعنى يحذوه يقطعه قوله: (لا البيع إلى النيروز والمهرجان وصوم النصارى وفطر اليهود إن لم يدر العاقدان ذلك) أي لا يجوز البيع وهو فاسد لجهالة الاجل وهي مفضية إلى المنازعة في البيع لابتنائها على المماكسة إلا إذا كانا يعرفانه لكونه معلوما عندهما أو كان التأجيل إلى فطر النصارى بعدما شرعوا في صومهم بالايام لان صومهم بالايام معلوم فلا جهالة فيه. والنيروز أول يوم من الصيف وهو أول يوم تحل فيه الشمس الحمل. والمهرجان أول يوم من الشتاء وهو أول يوم تحل فيه الشمس الميزان، كذا في السراج الوهاج. ثم قال: وإنما خص الصوم بالنصارى والفطر باليهود لان صوم النصارى غير معلوم وفطرهم معلوم واليهود بعكسه مع أنه إذا باع إلى صوم اليهود فالحكم كذلك لا

[ 146 ]

يتفاوت فيكون المعنى إلى صوم النصارى وفطرهم وإلى فطر اليهود وصومهم فاكتفى بذكر أحدهما اه‍: (وإلى قدوم الحاج والحصاد والدياس والقطاف) أي لا يجوز البيع إلى هذه الآجال لانها تتقدم وتتأخر. والحصاد بكسر الحاء وفتحها، ومثله القطاف وهو للعنب، والدياس وهو دروس الحب بالقدم ليتكسر وأصله الدواس بالواو لانه من الدوس قلبت الواو ياء للكسرة قبلها، ولم يذكر الحذاذ وذكره في الهداية واختلف في معناه فقيل جز الصوف من ظهور الغنم، وقيل جداد النحل، قاله الحلواني. في نسخ الهداية وفتح القدير بالزاي المكررة أخت الراء. وذكر الزيلعي أنه بالذال المعجمة عام في قطع الثمار وبالمهملة خاص في قطع النخل اه‍. فعلى هذا لم يكن بالزاي. وذكره في المصباح في فصل الذال المعجمة وفصل الزاي وأن كلا منهما بمعنى قطع وهما من باب قتل. قيد بالبيع إلى هذه الآجال لانه لو باع مطلقا عنها ثم أجل الثمن إليها لم يفسد لكونه تأجيلا للدين فالمفسد ما كان في صلب العقد، كذا في الهداية. وفي فتاوي قاضيخان: تبايعن بيعا جائزا ثم أخر الثمن إلى الحصاد قال محمد بن الفضل: يفسد البيع. وعن محمد لا يفسد ويصح التأخير لان التأخير بعد البيع تبرع فيقبل التأجيل إلى مجهول كالكفالة إليها، وقدمنا أنه لو باع بثمن مؤجل ولم يعينه ففيه خلاف، وفي القنية: باع بألف نصفه نقد ونصفه إلى رجوعه من دهشان فهو فاسد والفتوى على انصرافه إلى شهر. وبينا مسائل التأجيل عند قوله وصح بثمن حال ومؤجل والله أعلم قوله: (ولو كفل إلى هذه الاوقات جاز) لان الجهالة اليسيرة متحملة في الكفالة وهذه الجهالة

[ 147 ]

يسيرة مستدركة لاختلاف الصحابة فيها، ولانه معلوم الاصل ألا ترى أنها تحتمل الجهالة أصل الدين بأن تكفل بما ذاب على فلان ففي الوصف أولى بخلاف البيع فإنه لا يحتملها في أصل الثم فكذا في وصفه. قيد بهذه الاوقات لانه لو كفل إلى هبوب الريح فهي باطلة لانها متفاحشة وتأتي في بابها قوله: (ولو أسقط الاجل قبل حلوله صح) أي لو أسقط من له الاجل وهو المشتري الاجل المفسد للبيع قبل الحصاد والدياس والقطاف وقدوم الحاج انقلب البيع صحيحا لان الفساد كان للمنازعة وقد ارتفع قبل تقرره وهذه الجهالة في شرط زائد لا في صلب العقد فيمكن إسقاطه بخلاف بيع الدرهم بالدرهمين لا ينقلب صحيحا بإسقاط الدرهم الزائد لان الفساد في صلب العقد، وبخلاف إسقاط الاجل في النكاح الموقت لكونه متعة وهو غير عقد النكاح. وقال في مختصر القدوري: تراضيا على إسقاطه بالتثنية وخالفه المؤلف فوحد الضمير لقوله في الهداية: وقوله في الكتاب تراضيا خرج وفاقا لان من له الاجل يستبد بإسقاطه لانه خا حقه. وقيد بهذه الآجال لانهما لو تبايعا إلى هبوب الريح أو مطر السماء ثم تراضيا على إسقاطه لا ينقلب العقد جائزا لان هذا ليس بأجل بل الاجل

[ 148 ]

ما يكون منتظر الوجود وهبوب الريح قد يتصل بكلامه فعرفنا أنه ليس بأجل بل هو شرط فاسد، كذا في السراج الوهاج. وفي فتح القدير: والذي يحتاج بعد هذا الجواب ما إذا أسقط الرطل الخمر فيما إذا باع بألف ورطل من خمر نص محمد على جواز البيع وانقلابه صحيحا ذكره في آخر الصرف اللهم إلا أن يقال هو تبع للالف الثمن في بيع المسلم بخلاف ما إذا باع بالخمر فإنه حينئذ يتعين كون الخمر هو الثمن إلا مستتبع هناك اه‍. وفي جامع الفصولين خلافه، أجمعوا أنه لو باع قنا بألف درهم ورطل خمرثم أبطلا الخمر لم يعد جائزا اه‍. قوله: (ومن جمع بين حر وعبد أو بين شاة ذكى وميتة بطل البيع فيهما وإن جمع بين عبد ومدبر أو بين عبده وعبد غيره أو بين ملك ووقف صح في القن وعبده والملك) أما الاول فهو وقول أبي حنيفة. وقالا: يصن سمى لكل واحد ثمنا، وأفسد البيعزفر في الكل فالاصل عنده أنه إذا جمع بين حل وحرام فإنه يفسد في الكل فصل أو لا، وقاس الثاني على الاول إذ محلية البيع منتفية بالاضافة إلى الكل. ولهما أن الفساد بقدر المفسد فلا يتعدى إلى القن كمن جمع بين أجنبية وأخته في النكاح بخلاف ما إذا لم يسم ثمن كل واحد منهما للجهالة. ولابي حنيفة وهو الفرق بين الفصلين أن الحر لا يدخل تحت العقد أصلا لانه ليس بمال والبيع صفقة واحدة فكان القبول في الحر شرطا للبيع في العبد، وهذا شرط فاسد بخلاف النكاح لانه لا يبطل بالشروط الفاسدة، أما البيع في هؤلاء فموقوف وقد دخلوا تحت العقد لقيام المالية ولذا ينعقد في عبد الغير بإجازته، وفي المكاتب برضاه في الاصح، وفي المدبر بقضاء القافي، وكذا في أم الولد عند أبي حنيفة وأبي يوسف إلا أن المالك باستحقاقه المبيع وهؤلاء باستحقاقهم أنفسهم ردوا البيع فكان هذا إشارة إلى البقاء كما إذا اشترى عبدين وهلك أحدهما قبل القبض وهذا لا يكون شرط القبول في غير المبيع ولا بيعا بالحصة ابتداء ولهذا لا يشترط بيان ثمن كل واحد فيه، ومتروك التسمية عمدا كالميتة، وأم الولد والمكاتب

[ 149 ]

كالمدبر، وفيما إذا جمع بين ملك ووقف روايتان، وما ذكره المؤلف هو الصحيح لان الوقف مال ولهذا ينتفع به انتفاع الاموال غير أنه لا يباع لاجل حق تعلق به وذلك لا يوجب فساد العقد فيما ضم إليه كالمدبر لكن أراد بالوقف ما ليس بمسجد فإن المسجد لو ضم إلى الملك فإنه يبطل فيهما لان المسجد كالحر، كذا ذكره الشارح. وقيده في التجنيس بالعامر لان المسجد الخراب لو ضم إلى الملك لم يبطل في الملك لجواز بيع المسجد إذا خرب في أحد القولين فصار مجتهدا فيه كالمدبر، ولا يشكل ما في المحيط من أنه لو باع قرية ولم يستثن ما فيها من المساجد والمقابر فالاصح الصحة في الملك لان ما فيها من المساجد والمقابر مستثنى عادة. ثم اعلم أنه قد وقعت حادثة في القسطنطينية هي جمع بين وقف وملك وباعهما صفقة واحدة فأفتى مفتيها بعدم الصحة في الملك كالوقف فاعترض عليه بأنه مخالف للاصح، فأجاب بأنه محمول على وقف لم يحكم بصحته ولزومه ليكون كالمدبر مجتهدا فيه أما ما قضى القاضي به فهو كالحر للزومه إجماعا فيسرى الفساد إلى الملك، لكن يرد عليه ما صرح به قاضيخان في فتاواه أن الوقف بعد القضاء تسمع دعوى الملك فيه وليس هو كالحر بدليل أنه لو ضم إلى ملك لا يفسد البيع في الملك، وهكذا في الظهيرية. وهذا لا يمكن تأويله فوجب الرجوع إلى الحق وهو إطلاق الوقف لانه بعد القضاء وإن صار لازما بالاجماع لكنه يقبل البيع بعد لزوم الوقف، إما بشرط الاستبدال وهو صحيح على قولابي يوسف المفتى به أو بضعف غلته كما هو قولهما أو بورود غصب عليه ولا يمكن انتزاعه فللناظر بيعه كما في فتاوي قاضيخان أو بقضاء قاض حنبلي ببيعه فإن عنده بيع الوقف يجوز ويشتري ببدله ما هو خير منه كما في معراج الدراية فكيف يجعل الوقف كالحر مع وجود هذه الاسباب المجوزة لبيعه والله الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب.

[ 150 ]

فصل في البيع الفاسد أي في بيان أحكام البيع الفاسد قدمنا أن فعله معصية فعليه التوبة منها يفسخه كما سيأتي قوله: (قبض المشتري في البيع الفاسد بأمر البائع وكل من عوضيه مال ملك المبيع بقيمته) وقال الشافعي: لا يملكه وإن قبضه لانه محظور فلا تنال به نعمة الملك ولان النهي نسخ للمشروعية للتضاد ولهذا لا يفيده قبل القبض، وصار كما إذا باع بالميتة أو باع الخمر بالدراهم. ولنا أن ركن البيع صدر من أهله مضافا إلى محله فوجب القول بانعقاده، ولا خفاء في الاهلية والمحلية وركنه مبادلة المال بالمال وفيه الكلام والنهي يقرر المشروعية عندنا لاقتضائه التصور فنفس البيع مشروع وبه تنال نعمة الملك إنما المحظور ما يجاوره كما في البيع وقت النداء، وإنما لا يثبت الملك قبل القبض كيلا يؤدي إلى تقرير الفساد المجاور إذ هو واجب الرفع بالاسترداد فبالامتناع عن المطالبة أولى، ولان السبب قد ضعف لمكان اقترانه بالقبح فيشترط اعتضاده بالقبض في إفادة الحكم بمنزلة الهبة، والميتة ليست بمال فانعدم الركن، ولو كان الخمر مثمنا فقد ذكرناه أول الباب. وشئ آخران في الخمر الواجب هو القيمة وهي تصلح ثمنا لا مثمنا، أشار المصنف رحمه الله تعالى بذكر القبض إلى أنه ليس مقبوضا في يده فلو كان في يده وديعة ملكه بمجرد القبول كما في فتح القدير، وإلى أن التخلية فيه لا تكفي وصححه العمادي في الفصول. وصحح قاضيخان في فتاواه في باب قبض المبيع أنها قبض فيه واختاره في الخلاصة. وأطلقه فشمل قبض الوكيل قال في القنية: التوكيل بالشراء الفاسد صحيح كالتوكيل بالشراء إلى الحصاد والدياس وقبض الوكيل للموكل فيصير مضمونا بالقيمة اه‍. وخرج ما قبل القبض فلا ملك له. وأطلقه فشمل القبض الحكمي لما في الظهيرية: لو اشترى عبدا شراء فاسدا ولم يقبضه فأمر البائع بإعتاقه فأعتقه صح عتقه عن المشتري لانه بمنزلة قبض المشتري، ولو أعتقه المشتري بنفسه لا يصح لعدم الملك، وهذه عجيبة حيث ملك المأمور ما لم يملك الآمر. وقيد بقوله في البيع الفاسد

[ 151 ]

للاحتراز عن الباطل فإنه لا يفيده ولكن ليس كل فاسد يملك بالقبض فقد كتبنا في الفوائد الفقهية أن بيع الهازل لا يملك بالقبض كما ذكره البزدوي في الاصول، أن الاب إذا اشترى من ماله لابنه الصغير فاسدا أو باع كذلك فالقبض لا يكفي ولا يملكه إلا بقبضه واستعماله، كذا في المحيط ثم رأيت في القنية أن بيع التلجئة باطل فحينئذ لا يرد على المصنف لان كلامه في الفاسد، وفي آخر القنية من الوصايا: باع الوصي مال اليتيم بغبن فاحش فهو باطل لا يملك بالقبض ثم رقم آخر بل هو فاسد اه‍. أقول: ينبغي أن يجر القولان في بيع الوقف المشروط استبداله أو الخراب الذي جاز استبداله إذا بيبغبن فاحش، وينبغي ترجيح الثاني فيهما لانه إذا ملك بالقبض وجبت قيمته فضرر على اليتيم والوقف. وقيد بأمر البائع أي بإذنه لانه بلا إذنه لا يفيد الملك وإنما ذكروا الاذن دون الرضا لانه لا يشترط في بعض أفراده

[ 152 ]

كبيع المكره كما لا يخفى. وأطلقه فشمل الاذن صريحا أو دلالة فسكوته عند قبض المشتري في المجلس إذن دلالة لكون البيع تسليطا منه على القبض إذ مراده أن يملكه المشتري بخلاف البيع الصحيح فإن الايجاب ليس بتسليط لان الملك حصل بدونه، وأما إذا تفرقا عن المجلس فلا بد من إذن صريح إلا إذا قبض البائع الثمن وهو مما يملك به فإنه يكون إذنا بالقبض دلالة. وفي السراج الوهاج: ولو أمر المشتري البائع أن يعمل في المبيع عملا ينقصه أو لا ينقصه كالقصارة والغسل بأجرة أو بغير أجرة فما كان ينقصه فهو قبض ومالا فلا، وللبائع الاجرة في الوجهين هلك المبيع أولا اه‍. وفي جامع الفصولين: ولو برأ فخلطه البائع بطعام المشتري بأمره قبل قبضه صار قابضا وعليه مثله اه‍. وقيد بقوله وكل من عوضيه مال ليخرج الببيع بالميتة وكل بيع باطل كالبيع مع نفي الثمن فإنه باطل، ومع السكوت عنه فاسد يملك المبيع بالقبض ولا شك أن الباطل خرج أولا بقوله في البيع الفاسد فلا حاجة إلى إخراجه ثانيا اللهم إلا أن يقال إن بعض البيوع الباطلة أطلقوا عليها اسم الفاسد فربما يتوهم أن المبيع فيها يملك بالقبض فصرح بما يخرجها، فإذا باع عرضا بخمر أو بمدبر أو أم ولد ملك العرض بالقبض لا ما قابله مع أن بعضهم أطلق على بيع الخمر والمدبر وأم الولد الفساد ولكن كان ينبغي أن يقول مال متقوم. وذكر في إيضاح الاصلاح أنه لا حاجة إلى هذا القيد لان فساد البيع لا يوجد بدون هذا الشرط لا يقال إنه يوجد بدونه فيما إذا باع وسكت عن ذكر الثمن لان أحد العوضين حينئذ القيمة وهي مذكورة حكما كما صرح به في الذخيرة على أن الشرط وجود المالية في العوضين اه‍. كما قيده به في الجوهرة. وفي قوله ملك البيع رد على من قال إنه إنما يملك التصرف دون العين وهم العراقيون وما ذكره قول أهل بلخ وهو المنصوص عليه في كلام محمد وهو الصحيح المختار

[ 153 ]

فإنه قال: إن المشتري خصم لمن يدعيه لانه يملك رقبته، كذا في جامع الفصولين بدليل أن المشتري إذا أعتقه بعد قبضه صح وكان الولاء له، ولو باعه كان الثمن له، ولو بيعت دار إلى جنبها فالسفعة للمشتري، ولو أعتقه البائع لم يعتق ولو سرقه البائع من المشتري بعد قبضه قطع كما في الجوهرة فهذه كلها ثمرات الملك وبدليل وجوب الاستبراء على البائع إذا ردت الجارية عليه ولو لا خروجها عن ملكه لم تجب. وقولهم إنه يملك التصرف فقط بتسليط البائع منقوض بما إذا كان البائع وصي يتيم باع عبده فاسدا فأعتقه المشتري فإنه يصح. ولو كان على وجه التسليط لم يصح، كذا في جامع الفصولين. وأما ما استدل به العراقيون من عدم حل أكله لو كان طعاما وعدم حل لبسه لو كان قميصا وعدم حل وطئها لو كانت جارية وساتبرأها، ولو وطئها وجب العقر إذا فسخ وعدم وجوب الشفعة لشفيعها فلا دليل فيه لان عدم الحل لا يدل على عدم الملك بدليل إن ربح ما لم يضمن مملوك ولا يحل، والاخت رضاعا إذا ملكها لا يحل له وطؤها. وإنما لم تجب الشفعة لان حق البائع لم ينقطع عنها وهي إنما تجب بانقطاع حقه لا بملك المشتري بدليل أن من أقر ببيع داره وجحد المشتري وجبت الشفعة. هذا وقد ذكر العمادي في فصوله خلافا في حرمة وطئها فقيل يكره ولا يحرم، وقيل يحرم وفيه إشارة أيضا إلى أن البائع يملك الثمن بشرط قبضه لانه كالمبيع كما في القنية. وفي جامع الفصولين: حبلت منه صارت أم ولده وعليه قيمتها لا عقرها، وقيل عليه عقرها وقيمتها، وقيل بجوز للمشتري كل تصرف تجري فيه الاباحة وإلا فلا، ولم تحل المباشرة كعصير وقعت فيه فأرة يحل بيعه لا مباشرته نحو أكله اه‍. وفي القنية: إعتاق البائع المبيع بعد قبض المشتري بغير حضرته باطل وبحضرته صحيح ويكون فسخا اه‍. وهو تخصيص لقولهم إن إعتقاقه باطل. وفي الظهيرية من باب نكاح العبد والامة: باع جارية بيعا فاسدا وقبضها المشتري ثم تزوجها البائع لم يجز اه‍. ولو لم يقبضها المشتري فزوجها البائع للمشتري يصح، كذا في القنية اه‍. أقول: يشكل حينئذ ما نقلناه عن الجوهرة من قطع يده بسرقة المبيع فإن القطع يقتضي أن لا ملك له فيه ولا شبهة، وقولهم بعدم صحة نكاحها للبائع يقتضي بقاء ملكه أو شبهته فينبغي أن لا يقطع البائع للشبهة، وقد ذكره في السراج الوهاج أيضا ولم أره لغير الحدادي. والظاهر أنه قاله تفقها من عنده لا على أنه نقل المذهب فإنه قال: ومن فوائد قوله ملكه أنه لو سرقه البائع بعد قبض المشتري قطع به والله أعلم بالصواب.

[ 154 ]

وقيد الملك في فتح القدير بأن لا يكون فيه خيار شرط لانه يمنع الملك في الصحيح فكذا في الفاسد. وفي جامع الفصولين: يثبت فيه خيار الشرط والرؤية. والمراد بالقيمة في كلام المصنف بدل المبيع ليشمل ما إذا كان مثليا فإنه يملكه بمثله، والقيمة إنما هي في القيمي والقول فيهما للمشتري مع يمينه لكونه منكرا للضمان والبينة للبائع، كذا في الجوهرة. ولما رتب القيمة على القبض دل على أن مراده ملكه بقيمته يوم قبضه، ولو ازدادت قيمته بيده فأتلفه لم يتغير كالغصب. وقال محمد رحمه الله تعالى: قيمته يوم أتلفه لانه بالاتلاف يتقرر، كذا في الكافي ولكن قال في الجامع الفصولين: لو قال البائع أبرأتك عن القن ثم مات عند المشتري برئ إذ القيمة تجب بهلاك المبيع فقبله لا يصح الابراء، أما لو أبرأه عن القن فقد أخرجه عن كونه مضمونا، وعلى هذا لو أبرأ الغاصب عن القيمة حال قيام المغصوب لم يصح، ولو أبرأه عن المغصوب صح اه‍. فعلى هذا لا تجب القيمة إلا إذا تعذر رده على البائع بموت أو غيره. وفي السراج الوهاج: وهذا ظاهر نصوص الاصحاب، وفي بعض الحواشي إنما تجب القيمة إذا هلك اه‍. وأما إيداع المشتري من البائع فغير صحيح. قال في القنية: قبض الكرباس في البيع الفاسد بأمره وقطعه ثم أودعه البائع وهلك في يده هلك منه وعلى المشتري نقصان القطع. وكل مبيع ببيع فاسد رد المشتري على البائع بهبة أو صدقة أو بيع أو بوجه من الوجوه كالوديعة والاجاره والاعارة والغصب والشراء ووقع في يد البائع فهو متاركة للبيع وبرئ المشتري من ضمانه اه‍. وكذا له اشتراه وكيل البائع برئ المشتري إذا أسلمه إليه، وكذا لو رده إلى البائع برهن وكذا في بيع موقوف بأن غصب قنا فباعه من رجل ثم شراه غاصبه بأقل مما باع يكون فسخا للبيع الاول والزيادة للمشتري لا لغاصبه ولا لمالكه. وعن محمد شراه بدراهم فاسدا ثم باعه بدنانير من بائعه يكون فسخا إذا قبض لا قبله، كذا في جامع الفصولين. ثم قال: الاصل أن المستحق بجهة إذا وصل إلى المستحق بجهة أخرى إنما يعتبر واصلا بجهة مستحقة لو وصل إليه من المستحق عليه، أما إذا وصل من جهة غيره فلا حتى إن المشتري فاسدا إذا وهب المشتري من غير بائعه أو باعه فوهبه ذلك الرجل من البائع الاول وسلمه لا يبرأ المشتري عن قيمته، ولم تعتبر العين واصلا إلى البائع بالجهة المستحقة لما وصل من جهة أخرى، والمهر لو عينا فوهبته من غير زوجها وهو وهبه من زوجها ثم طلقها قبل الدخول فلزوجها نصف قيمة العين عليها، ولو وهبته من زوجها لا يرجع عليها بشئ اه‍.

[ 155 ]

قوله: (ولكل منهما فسخه) أي يجوز لكل من البائع والمشتري في البيع الفاسد فسخه رفعا للفساد. وذكر الزيلعي أن اللام بمعنى على لان رفع الفساد واجب عليهما ولا حاجة إليه لانه حكم آخر، إنما مراده بيان أن لكل منهما ولاية انفسخ دفعا لتوهم أنه إذا ملك بالقبض لزم، فإن كاقبل القبض فلكل ذلك بعلم صاحبه لا برضاه، وإن كان بعد القبض، فإن كان الفسافي صلب العقد بأن كان راجعا إلى البدلين المبيع والثمن كبيع درهم بدرهمين وكالبيع بالخمر أو الخنزير فكذلك. وإن كان بشرط زائد كالبيع إلى أجل مجهول أو بشرط فيه نفع لاحدهما فكذلك عندهما لعدم اللزوم وعند محمد لمن له منفعه الشرط. ولم يشترط أبو يوسف علم الآخر، واقتصر في الهداية على قول محمد ولم يذكر خلافا، واعلم أن قوله لمن له منفعه الشرط يقتضي أن للمعقود عليه الآدمي أن يفسخه إذا كان الشرط له كما قدمناه وهو بعيد لقولهم لكل منهما فسخه فليتأمل. وفي القنية: رده المشتري بفساد البيع فلم يقبله فأعاده المشتري إلى منزله فهلك عنده لا يلزمه الثمن ولا قيمة. وقيده ابن سلام بأن يكون فساد

[ 156 ]

البيع متفقا عليه فإن كان مختلفا فيه لا يبرأ إلا بقبوله أو قضاء القاضي. وقال أبو بكر الاسكاف: يبرأ في الوجهين. وما قاله ابن سلام أشبه كخيار البلوغ وفسخ الاجارة للعذر اه‍. وفيها: تبايعا فاسدا ثم مات أحدهما فلو رثته النقض اه‍. وفي البزازية: باع منه صحيحا ثم باعه فاسدا منه الفسخ الاول لان الثاني لو كان صحيحا ينفسخ الاول به فكذا لو كان فاسدا لانه ملحق بالصحيح في كثير من الاحكام، وكذا لو باع المؤخر المستأجر من المستأجر فاسدا تنفسخ الاجازة كما إذا باعه صحيحا اه‍. ثم قال ولو باع فاسدا وسلم ثم باع من غيره وادعى أن الثاني كان فسخ الاول وقبضه وزعم المشتري الثاني أنه كان بعد الفسخ والقبض في الاول فالقول له لا للبائع وينفسخ الاول بقبض الثاني ثم قا: لو مات البائع وعليه دين آخر فالمشتري أحق به من الغرماء كما في الصحيح بعد الفسخ، ولو مات المشتري فالبائع أحق من سائر الغرماء بماليته اه‍. ثم قال: ولا يشترط القضاء في فسخ البيع الفاسد اه‍. ولم يذكر المصنف أن للقاضي فسخ الفاسد جيرا عليهما. قال في البزازية: وإذا أصر البائع والمشتري على إمساك المشتري فاسدا وعلم به القاضي له فسخه حقا للشرع فبأي طريق رده المشتري إلى البائع صاركا للمبيع وبرئ عن ضمانه اه‍.. قوله: (إلا أن يبيع المشتري) أي فليس لكل منهما فسخه وإنما نفذ بيعه لانه ملكه بملك التصرف فيه وسقط حق الاسترداد لتعلق حق العبد بالثاني، ونقض الاول إنما كان لحق الشرع وحق العبد مقدم لحاجته، ولان الاول مشروع بأصله دون وصفه، والثاني مشروع بأصله ووصفه فلا يعارضه مجرد الوصف، ولانه حصل بتسليط من جهة البائع بخلاف تصرف المشتري في الدار المشفوعة لان كل واحد منهما حق العبد فيستويان في المشروعية ولم يحصل بتسليط من الشفيع. أراد بالبيع الصحيح لانه لو باعه فاسدا فإنه لا يمنع النقض، وأطلقه فشمل ما إذا قبضه المشتري الثاني أو لا ولكنه مقيد بما إذا لم يكن فيه خيار شرط لانه ليس بلازم وفي البزازية وجامع الفصولين: أقام المشتري بينه على بيعه من فلان الغائب لا يقبل فللبائع الاخذ لا لو صدقه فله قيمته اه‍. ولو فسخ البيع بعد قبضه بقضاء فللبائع حق الفسخ لو لم يقض بقيمته لزوال المانع، ولو رد بعيب بغير قضاء لا يعود حق الفسخ كما لو

[ 157 ]

اشتراه ثانيا وسيأتي في الضابط. وقيد ببيع المشتري لان البائع لو باعبعد قبض المشتري وادعى أن الثاني كان قبل فسخ الاول وقبضه وزعم المشتري الثاني أنه كان بعد الفسخ والقبض من الاول فالقول له لا للبائع، وينفسخ الاول يقبض الثاني، كذا في بالزازية. يستثنى من لزومه بالبيع مسألتان: الاولى لو باعه لبائعه فقدمنا أنه يكون ردا وفسخا للبيع. والثانية لو كان فاسدا بالاكراه فإن تصرفات المشتري كلها تنقض بخلاف سائر البياعات الفاسدة، كذا في البزازية. قيد بالبيع الفاسد إحترازا عن الاجارة الفاسدة لما في جامع الفصولين: قيل ليس للمستأجر فاسدا أن يؤجره من غيره إجازة صحيحة إستدلالا بماذا كر إلى آخره. وقيل يملكها بعد قبضه كمشتر فاسدا له البيع جائزا وهو الصحيح إلا أن للمؤجر الاول نقض الثانية لانها تنفسخ بالاعذار قوله: (إو يهب) يعني إذا وهبه المشتري ارتفع الفساد ولا يفسخ لما قدمناه في البيع. وشرط في الهداية التسليم فيها لانها لا تفيد الملك إلا به بخلاف البيع. وفي جامع الفصولين: ثم الاصل أن المانع إذا زال كفك رهن ورجوع هبة وعجز مكاتب ورد مبيع على المشتري بعيب بعد قبضه بقضاء فللبائع حق الفسخ لو لم يقض بقيمة لان هذه العقود لم توجب الفسخ من كل الوجه في حق الكل. ولا فرق في الرجوع في الهبة بين القضاء وغيره كما في فتح القدير. ثم أعلم أالمشتري فاسدا لا يطيب للمشتري ويطيب لمن انتقل الملك منه إليه لكون الثاني ملكه بعقد صحيح بخلاف المشتري الاول فإنه يحل له التصرف فيه ولا يطيب له لانه ملكه بعقد فاسد، ولو دخل دار الحرب بأمان وأخذ مال الحربي بغير طيبة من نفسه وأخرجه إلى دار الاسلام ملكه ولا يطيب له ويفتي بالرد ويقضى له، صح بيعه ولا يطيب للمشتري كما يطيب للاول بخلاف البيع الفاسد، كذا ذكره الاسبيحاني.

[ 158 ]

قوله: (أو يحرر) أي يعتق المشتري العبد لما قدمناه، وتوابع الاعتاق كهومن التدبير والاستيلاد والكتابة صرح في جامع الفصولين بالاستيلاد فقال: إذا حبلت منه صارت أم ولده، وصرح الشارح وغيره بالكتابة ولم أر من صرح بالتدبير. وإذا عجز المكاتب زال المانع من الاسترداد. وأشار بالتحرير إلى الوقف ولكن قال في جامع الفصولين: فلو وقفه أو جعله مسجدا لا يبطل حقه ما لم يبن اه‍. فعلم أن الوقف ليس كالتحرير وينبغي أن يحمل على ما قبل القضاء به، أما إذا قضى به فإنه يرتفع الفساد للزومه الظاهر أن ما في جامع الفصولين تبعا للعمادى ليس بصحيح فقد قال الامام الخصاف في أحكام الاوقاف: لو اشترى أرضا بيعا فاسدا وقبضها ووقفها وقفا صحيحا وجعل آخرها للمساكين فقال: الوقف فيها جائز وعليه قيمتها للبائع من قبل أنه استهلكها حين وقفها وأخرجها عن ملكه اه‍. وهكذا في الاسعاف، ولم يذكر المؤلف من التصرفات القولية غير ذلك ففاته الرهن لانه من العقود اللازمة فيمنع حق الرد فإذا فك أو فسخ قبل القضاء بالقيمة عاد حق الاسترداد. وفاته أيضا الوصية فإذا وصى به المشتري ثم مات سقط الفسخ لان المبيع انتقل عن ملكه إلى ملك الموصي له وهو ملك مبتدأ فصار كما لو باعه بخلاف ما إذا مات المشتري فإن لوارثه الفسخ وللبائع أيضا لان الوارث قائم مقام المورث، كذا في السراج الوهاج. قالو: كل تصرف قولي فإنه يمنع الفسخ إلا الاجارة والنكاح فلا يمنعانه لان الاجارة تنفسخ بالاعذار ورفع الفساد من الاعذار والنكاح ليس فيه الاخراج عن الملك، ولكن إذا ردت الجارية إلى البائع وانفسخ البيع هل ينفسخ النكاح؟ قال في السراج الوهاج: إنه لا ينفسخ لانه لا يفسخ بالاعذار وقد عقده

[ 159 ]

المشتري وهي على ملكه اه‍. ويشكل عليه ما ذكره الولوالجي من الفصل الاول من كتاب النكاح: لو زوج الجارية المبيعة قبل قبضها وانتقض البيع فإن النكاح يبطل في قول أبي يوسف وهو المختار لان البيع متى انتقض قبل القبض انتقض من الاصل معنى فصار كأنه لم يكن فكان النكاح باطلا اه‍. إلا أن يحمل أن ما في السراج قول محمد أو يظهر بينهما فرق. قوله: (أو يبني) أي إذا بنى المشتري فاسدا فعليه القيمة عند أبي حنيفة رواه عنه يعقوب في الجامع الصغير ثم شك بعد ذلك في الرواية. وقال أبو يوسف ومحمد: إنه ينقض البناء وترد الدار والغرس على هذا الاختلاف لهما. أن حق الشفيع أضعف من البائع حتى يحتاج فيه إلى القضاء ويبطل بالتأخير بخلاف حق البائع ثم أضعف الحقين لا يبطل بالبناء فأقواهما أولى. وله أن البناء والغرس مما يقصد به الدوام وقد حصل بتسليط حجة من البائع فينقطع حق الاسترداد كالبيع بخلاف حق الشفيع لانه لم يوجد منه التسليط، ولهذا لم تبطل بهبة المشتري وبيعه فكذا ببنائه. وشك يعقوب في حفظ الرواية عن أبي حنيفة، وقد نص محمد على الاختلاف. ولم يذكر المؤلف من الافعال الحسية إلا البناء قالوا: فعل المشتري بالمبيع فعلا ينقطع به حق المالك في الغضب ينقطع به حق البائع في الاسترداد كما إذا كان حنطه

[ 160 ]

فطحنها. ولم يذكر أيضا ما إذا زاد المبيع أو نقص إلا الزيادة بالبناء وهو جامع الفصولين: زوائد المبيع فاسدا إلا تمنع الفسخ الامتصلة لم تتولد كصبغ وخياطة ولتسويق ولو منفصله متولدة تضمن بالتعدي لا بدونه، ولو هلك المبيع لا المتولدة فللبائع أخذ الزوائد وقيمة المبيع ولو منفصلة غير متولدة فله أخذ المبيع مع هذه الزوائد ولا تطيب له، ولو هلكت في يد المشتري لم يضمن، ولو أهلكها ضمن عندهما لا عند أبي حنيفة. ويماثلها زوائد الغصب. ولو هلك المبيع لا الزوائد فهي للمشترى بخلاف المتولدة كما يفترقان في الغصب فيضمن قيمة المبيغ فقط وأما حكم نقصانه فلو نقص في يد المشتري بآفة سماوية فللبائع أخذه مع أرش نقصه، وكذا لو بفعل المشتري أالمبيع. ولو بفعل البائع صار مستردا حتى لو هلك عند المشتري ولم يوجد منه حبس عن البائع هلك على البائع ولو بفعل أجنبي يخير البائع إن شاء أخده من المشترى وهو يرجع على الجاني وإن شاء اتبع الجاني وهو لا يرجع على المشتري كالغصب اه‍. قوله: (وله أن يمنع المبيع عن البائع حتى يأخذ الثمن) أي للمشترى المنع بعد فسخ البيع لان المبيع مقابل به فيصير محبوسا به كالرهن. أشار المؤلف إلى أن البائع إذا مات كان المشتري أحق به حتى يستوفي الثمن لانه يقدم عليه في حياته فكذا على ورثته وغرمائه بعد وفاته كالراهن وإلى أنه لو استأجر إجازة فاسدة ونقد الاجرة أو ارتهن رهنا فاسدا أو أقرض قرضا فاسدا وأخذ به رهنا كان له أن يحبس ما استأجر وما ارتهن حتى يقبض ما نقد اعتبارا للعقد الجائز إذا تفاسحنا، وكذا لو مات المؤجر أو الراهن أو المستقرض فهو أحق بما في يده من العين من سائر الغرماء، وإلى أن الثمن لو لم يكن منقودا للبائع وإنما كان دينا له على المشتري فليس له الحبس قالوا: لو اشترى من مدينة عبدا بدين سابق له عليه شراء فاسدا وقبض العبد بإذن البائع فأراد البائع استرداد العبد بحكم الفساد ليس للمشتري أن يحبس

[ 161 ]

العبد لاستيفاء ماله عليه من الدين بخلاف الصحيح، وله أن يسترد العبد قبل إيفاء الاجرة وليس للمستأجر الحبس بالاجرة بخلاف الصحيح، وكذا الرهن الفاسد لو كان بدين سابق. والفرق أن البيع إذا أضيف للدراهم لا يتعلق الملك في الثمن يمجرد العقد فإذا وجب للمديون على المشتري مثل الدين صار الثمن قصاصا لاستوائهما قدرا ووصفا فيصير البائع مستوفيا ثمنه بطريق المقاصة فاعتبر بما لو استوفاه حقيقة، وثم للمشتري حتى حبس المبيع إلى أن يستوفي الثمن فكذا هذا، وفي الفاسد لم يملك الثمن بل تجب قيمة المبيع عند القبض والقيمة قبل القبض غير مقررة لاحتمالها السقوط كل ساعة بالفسخ، لان القيمة قد تكون من جنس الدين وقد لا تكون ودين المشتري على البائع مقرر والمقاصصة إنما تكون عند استواء الواجبين وصفا ولذا لا تجب المقاصصة بين الحال والمؤجل والجيد والردئ، وإذا لم تقع المقاصصة لم يصر البائع مستوفيا الثمن أصلا فلا يكون للمشتري حق حبس المبيع بعد فسخ البيع. ولو كان الرهن باطلا بأن استقرض ألفا ورهن أم ولد أو مدبرا له أن يسترد قبل قضاء الدين لعدم الانعقاد. والكل من الكافي شرح الوافي وإلى أن الثمن لو كان دراهم وهي قائمة فإنه يأخذها بعينها لانها تتعين في البيع الفاسد وهو الاصح لانه بمنزلة الغصب، وإن كانت مستهلكة أخذ مثلها لما بينا، كذا في الهداية. قوله: (وطاب للبائع ما ربح لا للمشتري) أي طاب للبائع ما ربحه في ثمن الفاسد ويطيب للمشتري ربح المبيع فلا يتصدق الاول ويتصدق المشتري. والفرق أن المبيع مما يتعين فتعلق العقد به فتمكن الخبث فيه والنقد لا يتعين في عقود المعاوضات فلم يتعلق العقد الثاني بعينه فلم يتمكن الخبث فلا يجب التصدق. قيد بالبيع الفاسد لان ما ربحه الغاصب

[ 162 ]

والمودع بعد أداء الضمان لا يطيب له مطلقا عندهما خلافا لابي يوسف لان الخبث في الاول لفساد الملك، وفي الثاني لعدمه لتعلق العقد فيما يتعين حقيقة وفيما لا يتعين شبهة من حيث إنه يتعلق به سلامة المبيع أو تقدير الثمن، وعند فساد الملك تنقلب الحقيقة شبهة والشبهة تنزل إلى شبهة الشبهة والشبهة هي المعتبرة دون النازل عنها. ثم اعلم أن قولهم تبعا لما في الجامع الصغير أن الربح يطيب للبائع في الثمن النقد دليل على أن النقد لا يتعين في البيع الفاسد على الاصح، وقولهم إنه يتعين على الاصح يخالفه فإن اعتبر تصحيح التعيين فحينئذ يجب التصدق على البائع والرواية بخلافه، ولم أر من أوضحه من الشارحين، وقد ظهر لي أنه لا منافاة بينهما فقالوا فيما مضى إنه يتعين على الاصح بالنسبة إلى وجوب رد غير ما أخذه وقالوا هنا لا يتعين أي بالنسبة إلى أنه يطيب له ما ربحه فهو متعين من جهة فساد الملك كالمغصوب، وغير متعين من جهة أن فاسد المعاوضات كصحيحها فاعتبروا الوجه الاول في لزوم رد عين المقبوض والثاني في حل ربحه، وإنما لم يعكس لدليل أبي يوسف الخراج بالضمان. ومعناه كما في الفائق والقاموس غلة العبد للمشتري إذا ر ده بعد الاطلاع على العيب بسبب أنه في

[ 163 ]

ضمانه ه‍ قوله: (ولو ادعى على آخر دراهم فقضاها إياه ثم تصادقا أنه لا شئ له عليه طاب له ربحه) أي ما ربحه في الدراهم لان الخبث لفساد الملك ها هنا لان الدين وجب بالتسمية ثم استحق بالتصادق وبدل المستحق مملوك فلا يعمل فيما لا يتعين ألا ترى أنه لو باع عبدا بجارية فأعتقه المشتري ثم استحقت الجارية لا يبطل العتق في العبد، ولو لا أنه مملوك لبطل لانه لا عتق فيما لا يمكله ابن آدم. وكذا لو حلف أن لا يفارق غريمه حتى يستوفي منه دينه فباعه عبد الغير بالدين فقبضه الحالف وفارقه ثم استحق العبد مولاه ولم يجز البيع لم يحنث الحالف لان المدين ملك ما في ذمته بالبيع وهو بدل المستحق ولا يحنث الحالف بالاستحقاق. وفي فتح القدير: واعلم أن ملكه باعتبار زعمه أنه قبض الدراهم بدلا عما يزعم أنه ملكه، أما لو كان في أصل دعواه الدين متعمدا الكذب فدفع إليه لا يملكه أصلا لانه متيقن لانه لا ملك له اه‍. وظاهر إطلاقهم خلافه لان المنظور إليه وجوبه بالتسمية لا زعم المدعي، ويدل عليه مسألة الحلف فإنه لو غصب دراهم وقضى بها دينه ثم تبين أنها مغصوبة فإنه لا حنث عليه، وكذا لو غصب عبدا وباعه بدينه قوله: (وكره النجش) شروع في مكروهات البيع. ولما كان المكروه دون الفاسد أخره، وليس المراد بكونه دونه في حكم المنع الشرعي بل في عدم فساد العقد وإلا فهذه كلها تحريمية لا نعلم خلافا في الاثم، كذا في فتح القدير. وقد بحث هنا بحثا لا طائل تحته تركته عمدا وقد تقرر في الاصول أن كل منهي عنه قبيح فإن كان لعينه أفاد بطلانه، وإن كان لغيره فإن كان لوصف كبيع الربا والبيع بشرط مفسد أفاد فساده، وإن كان لمجاوز كهذه البيوع المكروهة أفاد كراهة التحريم مع الصحة. والنجش بفتحتين ويروى بالسكون أن تسام السلعة بأزيد من ثمنها وأنت لا تريد شراءها ليراك الآخر فيقع فيه، وكذا في النكاح وغيره. ولا تناجشوا لا تفعلوا ذلك وأصله من نجش الصيد وهو إثارته، كذا في المغرب. وفي القاموس: النجش أن تواطئ رجلا إذا أراد بيعا أن تمدحه أو أن يريد الانسان أن يبيع بياعة فتساومه بها بثمن كثير لينظر إليك ناظر فيقع فيها، أو أن تنفر الناس عن الشئ إلى غيره. وإثارة الصيد والبحث عن الشئ وإثارته والجمع والاستخراج والانقاذ والاسراع كالنجاشة بالكسر اه‍. وحديث النهي لا تناجشوا في الصحيحين. وقيده أصحابنا كما في الجوهرة بما إذا كانت السلعة إذا بلغت قيمتها أما إذا لم تبلغ فلا منع منه لانه نفع للمسلم من غير اضرار بأحد.

[ 164 ]

قوله: (والسوم على سوم غيره) للحديث لا يسام الرجل على سوم أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه ولان في ذلك إيحاشا واضرارا. وهذا إذا تراضى المتعاقدان على مبلغ ثمن في المساومة، فإذا لم يركن أحدهما على الآخر فهو بيع من يزيد ولا بأس به على ما نذكره، وما ذكرناه محمل النهي في النكاح أيضا. وفي القاموس: السوم في المبايعة كالسوام بالضم سمت بالسلعة وساومت بالسلعة واستمت بها وعليها غاليت واستمته إياها وعليها سألته سومها اه‍ قوله: (وتلقى الجلب) لحديث الصحيحين عن ابن عباس نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتلقي الركبان وأن يبيع حاضر لباد. فقلت لابن عباس: ما قوله حاضر لباد قال: لا يكون له سمسار. وللمتلقي صورتان: إحداهما أن يتلقاهم المشترون للطعام منهم في سنة حاجة ليبيعوه من أهل البلد بزيادة. وثانيها أن يشتري منهم بأرخص من سعر البلد وهم لا يعلمون بالسعر. ومحمل النهي عندنا إذا كان يضر بأهل البلد أو لبس أما إذا انتفيا فلا بأس به. وفي المغرب: جلب الشئ جاء به من بلد إلى بلد للتجارة جلبا، والجلب المجلوب ومنه نهى عن تلقي الجلب اه‍. قوله: (وبيع الحاضر للبادي) لما تقدم من النهي وهو مقيد كما في الهداية بما إذا كان أهل البلد في قحط وعوز وهو يبيع من أهل البلد وطمعا في الثمن الغالي لما فيه من الاضرار بهم، أما إذا لم يكن كذلك فلا بأس به لانعدام الضرر. وفسره في الاختيار بأن يجلب البادي السلعة فيأخذها الحاضر ليبيعها له بعد وقت بأغلى من السعر الموجود وقت الجلب اه‍. فعلى الاول الحاضر مالك بائع والبادي مشتر، وعلى الثاني الحاضر سمسار والبادي صاحب السلعة، ويشهد للثاني آخر الحديث دعوا الناس برزق الله بعضهم بعضا. ولذا قال في المجتبي: هذا التفسير أصح ذكره في زاد الفقهاء لموافقة الحديث، وعلى هذا فتفسير ابن عباس بأن لا يكون له سمسار ليس هو تفسير بيع الحاضر للبادي وهو صورة النهي بل

[ 165 ]

تفسير لضدها وهي الجائزة فالمعنى أنه نهى عن بيع السمسار وتعرضه فكأنه لما سئل عن نكتة نهي بيع الحاضر للبادي قال المقصودذ أن لا يكون له سمسار فنهى عنه بالسمسار، كذا في فتح القدير قوله: (والبيع عند أذان الجمعة) لقوله تعالى * (وذروا البيع) * [ الجمعة: 9 ] ثم فيه إخلال بواجب السعي على بعض الوجوه وقد ذكرنا الاذان المعتبر فيه في كتاب الصلاة، وفي الهداية: كل ذلك يكره ولا يفسد به البيع لان النهي لمعنى خارج زائد لا في صلب العقد ولا في شرائط الصحة. أطلقه فشمل ماءذا تبايعا وهما يمشيان إليها. وما في النهاية من عدم الكراهة مشكل لاطلاق الآية فمن جوزه في بعض الوجوه يكون تخصيصا وهو نسخ وهو لا يجوز بالرأي، كذا ذكره الشارح قوله: (لا بيع ميزيد) أي لا يكره لما قدمناه من عدم الاضرار وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم باع قدحا وحلسا بيع من يزيد ولانه بيع الفقراء والحاجة ماسة إليه قوله (ولا يفرق بين صغير وذي رحم محرم منه) لقوله عليه الصلاة والسلام من فرق بين والدة وولده فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة ووهب النبي صلى الله عليه وسلم لعلي غلامين صغيرين أخوين ثم قال له: ما فعل الغلامان؟ فقال: بعت أحدهما. قال أدرك أدرك. ويروى أردد أردد ولان الصغير يستأنس بالصغير وبالكبير والكبير يتعاهده فكان في بيع أحدهما قطع الاستثناس والمنع من التعاهد، فيه ترك المرحمة على الصغار وقد أوعد النبي صلى الله عليه وسلم. ثم المنع معلول بالقرابة المحرمة للنكاح حتى لا يدخل فيه محرم غير قريب ولا قريب غير محرم ولذا قيد بذي الرحم المحرم أي المحرم من جهة الرحم وإلا يرد عليه ابن العم إذا كان أخا من الرضاع فإنه رحم محرم وليس له هذا الحكم. وأطلقه فشمل الصغير والكبير ولا بد من اجتماعهما في ملكه حتى لو كان أحدهما له والآخر لغيره فلا بأس ببيع أحدهما. ولو قال المصنف إلا إذا كان التفريق بحق مستحق لكان أولى لانه حينئذ يجوز التفريق كدفع أحدهما بالجناية وبيعه بالدين ورده بالعيب لان المنظور إليه دفع الضرر عن غيره لا الاضرار به، كذا في الهداية. ومن التفريق بحق ما في المبسوط ذمي له عبد له امرأة أمة ولدت منه فأسلم العبد وولده صغير فإنه يجبر الذمي على بيع العبد وابنه وإن كان تفريقا بينه وبين أمه اه‍. ولا يرد على المصنف التفريق بإعتاق أحدهما بمال أو بغيره أو تدبيره أو استيلاد الامة أو كتابة أحدهما فإنه جائز لان مراده منع التفريق بالبيع أو الهبة أو الوصية أو غير ذلك من أسباب

[ 166 ]

الملك كما في الجوهرة إذ لو منع عن الكل لصار المالك محجورا عليه بمنعه من التصرف في ماله رأسا، وكذا لا يرد عليه ما لو كان في ملكه ثلاثة أحدهم صغير فإن له بيع أحد الكبيرين لان العلة ما هو مظنة الضياع والاستيحاش وقد بقي له من يقوم مقام الثالث. وفي الكفاية: اجتمع له عدد من أقاربه لا يفرق بينه وبين واحد إن اختلفت جهة القرابة كالعم والخال أو اتحدت كخالين عند أبي يوسف لانه يتوحش بفراق الكل. والصحيح في المذهب أنه إذا كان مع الصغير أبواه لا يبيع واحدا منهم، ولو كان معه أم وأخ أو أم وعمة أو خالة أو أخ جاز بيع من سوى الام لان سفقة الا تغني عمن سواها ولذا كانت أحق بالحضانة من غيرها، فهذه الصورة مستثناة من اختلاف الجهة. والجدة كالام فلو كان معه جدة وعمة وخالة جاز بيع العمة والخالة، ولو كان معه عمة وخالة لا يباعوا إلا معا لاختلاف الجهة مع اتحاد الدرجة. ولو كان معه أخوان أو إخوة كبار فالصحيح أنه يجوز بيع ما سوى واحد منهم وهو الاستحسان لا الشفقة أمر باطن لا يوقف عليه فيعتبر السبب يجوز بيع ما سوى واحد منهم وهو الاستحسان لان الشفقة أمر باطن لا يوقف عليه فيعتبر السبب ولا يعتبر الابعد مع الاقرب وعند الاتحاد من الجهة والدرجة أحدهما يغني. وكذا لو ملك ستة إخوة ثلاثة كبارا وثلاثة صغارا فباع من كل صغير كبيرا جاز استحسانا، فلو كان معه أخت شقيقة وأخت لاب وأخت لام باع غير الشقيقة، ولو ادعاه رجلان فصار أبوين له ثم ملكوجملة القياس أن يباع أحدهما لاتحاد جهتهما. وفي الاستحسان لا يباع لان الاب في الحقيقة واحد فاحتمل كونه الذي بيع فيمتنع احتياطا فصار الاصل أنه إذا كان معه عدد أحدهم أبعد جاز بيعه. وإن كانوا في درجة فإن كانوا من جنسين مختلفين كالاب والام والخالة والعمة لا يفرق ولكن يباع الكل أو يمسك الكل، وإن كانوا من جنس واحد كالاخوين والعمين والخالين جاز أن يمسك مع الصغير أحدهما ويبيع ما سواه، ومثل الخالة والعمة أخ لاب وأخ لام، كذا في فتح القدير. وكذا لا يرد عليه ما إذا كان البائع حربيا مستأمنا لمسلم فإنه لا يمنع المسلم من الشراء دفعا للمفسدة عند، وكذا لا يرد ما إذا باعه ممن حلف بعتقه إن اشتراه أو ملكه لما ذكرنا في الاعتا. فهذه عشرة مسائل يجوز فيها التفريق ولا بأس بسردها: دفع أحدهما بجناية وبيعه بدين، ورده بعيب، وإذا كان المالك كافرا وإعتاقه وتدبيره واستيلادها وكتابته وبيعه ممن حلف بعتقه وبيع واحد من ثلاثة بالشرط السابق. والحادية عشر إذا كان الصغير مراهقا ورضيت أمه ببيعه فإنه يجوز كما في فتح القدير. ولو كان مع امرأة مسبية صبي ادعت

[ 167 ]

أنه ابنها لم يثبت النسب ولا يفرق بينهما احتياطا، ولو باالام على أنه بالخيار ثم اشترى الولد فإنه يكره التنفيذ لانهما اجتمعا في ملكه، ولو كان في يده صبي واشترى أمه بشرط الخيار له ردها اتفاقا لعدم الملك عنده ولدفع الضرر عنه عندهما. قوله: (بخلاف الكبيرين والزوجين) لانه ليس في معنى ما ورد به النص وقد صح أنه صلى الله عليه وسلم فرق بين ما رية وسيرين كانتا بيرتين لاختين، ولا يدخل الزوجان لان النص ورد على خلاف القياس فيقتصر على مورده، فإن فرق في موضع المنع كره وجاز العقد، وعن أبي يوسف أنه لا يجوز في قرابة الولاد ويجوز في غيرها. وعنه لا يجوز في الجميع لان الامر بالادراك والرد لا يكون إلا في البيع الفاسد. ولهما أن ركن البيع صدر من أهله في محله وإنما الكراهية لمعنى مجاوز فشابه كراهية الاستيام. وفي الجوهرة: وكل ما يكره من التفريق في البيع يكره في القسمة في الميراث والغنائم اه‍ والله تعالى أعلم. باب الاقالة المناسبة ظاهرة وهي شاملة لكل عقد بيع صحيحا كان أو مكروها فيفسخ إقالة بالتراضي وإن كان واجبا في المكروه تحريما دافعا للمعصية أو فاسدا فيفسخ بدون التراضي إما من أحدهما أو من القاضي جبرا كما قدمناه، فاشترك المكروه والفاسد في وجوب الدفع. والكلام فيها يقع في عشرة مواضع: الاول في معناها لغة. والثاني في معناها شرعا. والثالث في ركنها. والرابع في شروطها. والخامس في صفتها. والسادس في حكمها. والسابع فيمن يملكها ومن لا يمكلها. والثامن في بيان دليلها. والباسع في سببها. والعاشر في محاسنها. أما الاول فقال في القاموس: قلته البيع بالكسر وأقلته فسخته، واستقاله طلب إليه أن يقيله وتقايل البيعان وأقال الله عثرتك وأقالكها اه‍. ذكرها في القاف مع الياء. وفي المصباح: أقال الله عثرته إذا رفعه من سقوطه ومنه الاقالة في البيع لانها رفع العقد، وقاله قيلا من باب باع لغة واستقاله البيع فأقاله اه‍. وبهذا ظهر أنها لم تكن مشتقة من القول وأن الهمزة للسلب أي أزال القول الاول كما ذكره الشارح وإنما هي من القيل. وأما معناها شرعا فهي رفع العقد، كذا ذكره في الجوهرة وهو تعريف للاعم من إقالة البيع والاجارة ونحوهما. وإن أردت خصوصها فقل رفع عقد البيع، وأما الطلاق فهو رفع قيد النكاح لا

[ 168 ]

رفع النكاح. وأما ركنها فالايجاب والقبول الدالان عليها بلفظتين ماضيين أو أحدهما مستقبلا والآخر ماضيا كاقلني فقا أقلتك عند أبي حنيفة وأبي يوسف كالنكاح. وقال محمد: لا تنقعد إلا بماضيين كالبيع، كذا في البدائع. وقد يكون القبول بالفعل كما لو قطعه قميصا في فور قول المشتري أقلتك، وتنعقد بفاسختك وتركت وتاركتك ودفعت وتنعقد بالتعاطي كالبيع كما في الخانية والخلاصة. وفي البزازية: ينعقد به كالبيع من أحد الجانبين وهو الصحيح. وأما شرائط صحتها فمنها رضا المتعاقدين لان الكلام في رفع عقد لازم، وأما رفع ما ليس بلازم فلمن له الخيار بعلم صاحبه لا برضاه. ومنها بقاء المحل لما سيأتي أن المبيع إذا هلك لم تصح الاقالة، ومنها قبض بدلي الصرف في إقالة الصرف، أما على قول أبي يوسف فظاهر لانها بيع، وأما على أصلهما فلانها بيع في حق ثالث وهو حق الشرع. ومنها أن يكون المبيع قابلا للفسخ بخيار من الخيارات فلو ازداد زيادة تمنع الفسخ لم تصح الاقالة خلافا لهما. ولا يشترط لصحتها بقاء المتعاقدين فتصح إقالة الوارث والوصي، ولا تصح إقالة الموصى له كما في القنية. ومنها اتحاد المجلس وعليه يتفرع ما في القنية: جاء الدلال بالثمن إلى البائع بعدما باعه بالامر المطلق فقال البائع لا أدفعه بهذا الثمن فأخبر به المشتري فقال أنا لا أزيده أيضا لا ينفسخ لانه ليس من ألفاظ الفسخ لان اتحاد المجلس في الايجاب والقبول شرط في الاقالة ولم يوجد اه‍. ومنها أن لا يهب البائع الثمن للمشتري قبل قبضه في شراء المأذون، فلو وهبه له لم تصح الاقالة بعدها كما في خزانة المفتين.، ومنها أن لا يكون البيع بالكثير من القيمة في بيع الوصي فإن كان لم تصح إقالته كما فيها أيضا. وأما صفتها فهي مندوب إلها للحديث من أقال نادما بيعته أقال الله عثرته يوم القيام وقدمنا أنها تكون واجبة إذا كان عقدا ومكروها، وينبغي أن تكون واجبة إذا كان

[ 169 ]

البائع غارا للمشتري وكان الغبن يسيرا. وإنما قيدنا باليسير لان الغبن الفاحش يوجب الرد إن غره البائن على الصحيح كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وأما حكمها فاختلف فيه على أقوال، فقال الامام الاعظم: إنها فسخ في حق المتعاقدين بيع جديد في حق ثالث. وقال أبو يوسف: إنها بيع في حق الكل. وقال محمد، فسخ في حق الكل. وقال زفر: هي فسخ في حق الكل ذكر قوله في البدائع والسراج الوهاج. وأما من يملكها ومن لا يملكها فقالوا: من ملك البيع ملك إقالته فصحت إقالة الموكل ما باعه وكيله وإقالة الوكيل بالبيع ويضمن. وكتبنا في الفوائد الفقهية إلا في مسائل: الاولى الوصي لو اشترى من مديون اليتيم دارا بعشرين وقيمتها خمسون فلما استوفى الدين أقاله لم تصح إقالته. الثانية العبد المأذون اشترى غلاما بألف وقيمته ثلاث آلاف لا تصح إقالته ولا يملكان الرد بالعيب بخلاف الرد بخيار الشرط والرؤية، كذا في بيوع القنية. الثالثة المتولي على الوقف إذا اشترى سيأ بأقل من قيمته لا تصح إقالته، وكذا إذا أجر ثم أقال ولا صلاح فيها للوقف لم يجز كما فيها أيضا، وفي بعض المواضع منها إن كان قبل القبض جازت وإلا لا. الرابعة الوكيل بالشراء تصح إقالته بخلاف الوكيل بالبيع تصح ويضمن. الخامسة الوكيل بالسلم على تفصيل فيه وإنما يضمن

[ 170 ]

الوكيل بالبيع إذا أقال إذا كان بعد قبض الثمن أما قبله فيملكها في قول محمد، كذا في الظهيرية وفيها والوكيل بالاجارة إذا ناقض مع المستأجر قبل استيفاء المنفعة وقبل قبض الاجر صح سواء كان الاجر عينا أو دينا اه‍. وفي فتاوي الفضلي: إذا باع المتولي أو الوصي شيأ بأكثر من قيمته لا تجوز إقالته وإن كانت بمثل الثمن الاول اه‍. وفي القنية: باعت ضيعة مشتركة بينها وبين ابنها البالغ وأجاز الابن البيع ثم أقالت وأجاز الابن الاقالة ثم باعتها ثانيا بغير إجازته يجوز ولا يتوقف على إجازته لان بالاقالة يعود المبيع إلى ملك العاقد لا إلى ملك الموكل والمجيز، ودليلها السنة والاجماع وسببها الحاجة إليها، ومحاسنها إزالة الغم عن النادم وتفريج الكرب من المكروب فائدة: تصح إقالة الاقالة فلو تقايلا البيع ثم تقايلا الاقالة ارتفت الاقالة وعاد البيع. وكتبنا في الفوائد إلا في مسألة وهي إقالة السلم فإنها لا تقبل الاقالة كما ذكره الشارح من الدعوى من باب التحالف. وفي الجوهرة: لا تصح الاقالة في النكاح والطلاق والعتاق اه‍. قوله: (هي فسخ في حق المتعاقدين بيع في حق ثالث) وهذا عند أبي حنيفة إلا إن تعذر جعلها فسخا بأن ولدت المبيعة بعد القبض أو هلك المبيع فإنها تبطل ويبقى البيع على حاله. أطلقه فشمل ما إذا كان قبل القبض أو بعده، وروي عن أبي حنيفة أنها فسخ قبل القبض بيع بعده، كذا في البدائع. وظاهره ترجيح الاطلاق. وقال أبو يوسف: هي بيع إلا إن تعذر بأن كانت قبل القبض ففسخ إلا إن تعذرا فتبطل بأن كانت قبل القبض في المنقول بأكثر من الثمن الاول أو بأقل منه أو بجنس آخر أو بعد هلاك المبيع. وقال محمد: هي فسخ إلا إن تعذر بأن تقايلا بأكثر من الثمن الاول أو بخلاف جنسه أو ولدت المبيعة بعد القبض فبيع إلا أن تعذرا بأن كانت قبل القبض بأكثرمن الثمن الاول فتبطل. والخلاف المذكور إنما هو فيما إذا وقعت بلفظها، أما بلفظ الفسخ أو الرد أو الترك فإنها لا تكون بيعا. وفي بعض ا نسخ الزيلعي فإنهلا تكون فسخا وهو سبق قلم كما لا يخفى. وفي السراج الوهاج: أما إذا كانت بلفظ البيع كانت بيعا إجماعا كما إذا قال البائع له بعني ما اشتريت فقال بعت كابيعا. وفائدة كونها فسخا في حقهما عنده تظهر في خمس مسائل: الاولى وجوب رد الثمن الاول

[ 171 ]

وتسمية خلافه باطل. الثانية أنها لا تبطل بالشروط المفسدة ولكن لا يصح تعليقها بالشرط كأن باع ثورا من زيد فقال اشتريته رخيصا فقال زيد إن وجدت مشتريا بالزيادة فبعه منه فوجد فباع بأزيد لا ينعقد البيع الثاني لانه تعليق الاقالة لا الوكالة بالشرط، كذا في السراج والوهاج. الثالثة إذا تقايلا ولم يرد المبيع حتى باعه منه ثانيا جاز ولو كانت بيعا لفسد، وهذه حجة على أبي يوسف لان البيع جائز بلا خلارف بين أصحابنا إلا أن يثبت عنه الخلاف فيه، كذا في البدائع ولو باع من غير المشتري لم يجز لكونه بيعا جديدا في حق ثالث وإذا تبايعاه بعدها يحتاج المشتري إلى تجديد القبض لكونه بعدها في يده مضمونا بغيره وهو الثمن فلا ينوب عن قبض الشراء كقبض الرهن بخلاف قبض الغصب، كذا في الكافي هنا. وفيه من باب المتفرقات: تقايضا فتقايلا فاشترى أحدهما ما أقال صار قايضا بنفس العقد لقيامهما فكان كل واحد مصمونا بقيمة نفسه كالمغصوب، ولو هلك أحدهما فتقايلا ثم جدد العقد في القائم لا يصير قابضا بنفس العقد لانه يصير مضمونا بقيمة العرض الآخر فشابه المرهون اه‍. والرابعة إذا وهب المبيع من المشتري بعد الاقالة قبل القبض جازت الهبة، ولو كانت بيعا لانفسخ لان البيع ينفسخ بهبة المبيع للبائع قبل القبض. والخامسة لو كان تالمبيع مكيلا أو موزونا وقد باعه منه بالكيل أو الوزن ثم تقايلا واسترد المبيع من غير أن يعيد الكيل أو الوزن جاز قبضه، وهذا لا يطرد على أصل أبي يوسف لكونها بيعا عنده ولو كانت بيعا لما صح قبضه بلا كبل ووزن، كذا في البدائع. تظهر فائدة كونها بيعا في حق غيرهما في خمس

[ 172 ]

أيضا: الاولى لو كان المبيع عقارا فسلم الشفيع الشفعة ثم تقايلا يقضى له بالشفعة لكونه بيعا جديدا في حقه كأنه اشتراه منه. والثانية إذا باع المشتري المبيع من آخر ثم تقايلا ثم اطلع على عيب كأن كان في يد البائع فأراد أن يرده على البائع ليس له ذلك لانه بيع في حقه فكأنه اشتراه من المشتري. والثالثة إذا اشترى شيأ وقبضه ولم ينقد الثمن حتى باعه من آخر ثم تقايلا وعاد إلى المشتري فاشتراه من قبل نقد ثمنه بأقل من الثمن الاول جاز وكان في حتى البائع كالمملوك بشراء جديد من المشتري الثاني. والرابعة إذا كان المبيع موهوبا فباعه الموهوب له ثم تقايلا ليس للواهب أن يرجع في هبته لان الموهوب له في حق الواهب بمنزلة المشتري من المشتري منه والخامسة إذا اشترى بعروض التجارة عبدا للخدمة بعدما حال عليها الحول فوجد به عيبا فرده بغير قضاء واسترد العروض فهلكت في يده فإنه لا تسقط عنه الزكاة لكونه بيعا جديدا في حق الثالث وهو الفقير لان الرد بالعيب بغير قضاء إقالة. وقوله بيع جديد في حق الثالث مجرى على إطلاقه. وقوله فسخ في حق المتعاقدين غير مجرى على إطلاقه لانه إنما يكون فسخا فيما هو من موجبات العقد وهو ما يثبت بنفس العقد من غير شرط، وأما إذا لم يكن من موجبات العقد ويجب في شرط زائد فالاقالة فيه تعتبر بيعا جديدا في حق المتعاقدين أيضا كما إذا اشترى بالدين المؤجل عينا قبل حلول الاجل ثم تقايلا يعود الدين حالا كأنه باعه منه. وفي الصغرى: ولو رده بعيب بقضاء كان فسخا من كل وجه فيعود الاجل كما كان، ولو كان بالدين كفيل لا تعود الكفالة في الوجهين اه‍. وكما إذا تقايلا ثم ادعى رجل أن المبيع ملكه وشهد المشتري بذلك لم تقبل شهادته لانه هو الذي باعه ثم شهد أنه لغيره ولو كان فسخا لقبلت ألا ترى أن المشتري لو رد المبيع بعيب بقضاء وادعى المبيع رجل وشهد المشتري بذلك تقبل شهادته لانه بالفسخ عاد ملكه القديم فلم يكن متلقيا من جهة المشتري لكونه فسخا من كل وجه. وكذا لو باع عبدا بطعام بغير عينه وقبض ثم تقايلا لا يتعين الطعام المقبوض للرد كأنه باعه من البائع بطعام غير معين، وكذا لو قبض أردا من الثمن الاول أو أجود منه يجب رد مثل المشروط في البيع الاول كأنه باعه من البائع

[ 173 ]

بمثل الثمن الاول. وقال الفقيه أبو جعفر: يجب عليه رد مثل المقبوض لانه لو وجب عليه مثل المشروط للزم زيادة ضرر بسبب تبرعه، ولو كان فسخا بخيار رؤية أو شرط أو عيب بقضاء رد المقبوض إجماعا لانه فسخ من كل وجه، كذا ذكر الشارح هنا. قوله: (وتصح بمثل الثمن الاول وشرط الاكثر أو الاقل بلا تعيب وجنس آخر لغو ولزمه الثمن الاول) وهذا عند أبي حنيفة لان الفسخ يرد على عيب ما يرد عليه العقد فاشتراط خلافه باطل ولا تبطل الاقالة كما قدمنا. قيد بقوله بلا تعيب إذ لو تعيب بعده جاز اشتراط الاقل ويجعل الحظ بإزاء ما فات بالعيب ولا بد أن يكون النقصان بقدر حصة القائت، ولا يجوز أن ينقص من الثمن أكثر منه، كذا في فتح القدير. وفي البناية معزيا إلى تاج الشريعة: هذا إذا كانت حصة العيب مقدار المحطوط أو زائدا أو نقصا بقدر ما يتغابن الناس فيه اه‍. وقيد بقوله وجنس آخر لان الاقالة على جنس آخر غير الثمن الاول صحيح ويلغو المسمى ويلزمه رد الاول، فقوله وجنس بالجر عطف على الاكثر أي وشرط جنس لا على تعيب. وعند أبي يوسف ومحمد إذا شرط الاكثر كانت بيعا لكونه الاصل فيها عند أبي يوسف، ولتعذر الفسخ عند محمد. وكذا في شرط الاقل عند أبي يوسف تصح به بيعا، وعنهد محمد فسخ بالثمن الاول. ولو قال المصنف وتصح مع السكوت عن الثمن الاول لكان أولى فيعلم منه حكم التصريح به بالاولى ومع السكوت لا خلاف في وجوب الاول كما في البدائع. وأشار بقوله لزمه الثمن الاول إلى أن الاعتبار لما وقع العقد به لما تقدم ولذا قال في فتح القدير: لو كان الثمن عشرة دنانير ودفع إليه الدراهم عوضا عن الدنانير ثم تقايلا وقد رخصت الدراهم رجع بالدنانير التي وقع العقد عليها لا بما دفع، وكذا لو رد بالعيب، وكذا في الاجارة لو فسخت. ومن فروع الفسخ كالاقالة ما لو عقدا بدراهم ثم كسدت ثم تقايلا فإنه يرد تلك الدراهم الكاسدة، ولو عقدا بدراهم ثم جددا بدنانير وعلى القلب أنفسخ الاول، وكذا لو عقدا بثمن مؤجل ثم جددا بحال أو على القلب أما لو جدداه بدراهم أكثر أو أقل فلا وه حط من الثمن أو زيادة فيه وقالوا: لو باع باثني عشر وحط عنه درهمين ثم عقدا بعشرة لا ينفسخ الاول لانه مثله إذ الحط يلتحق بأصل العقد إلا في اليمين فيحنث لو كان حلف لا يشتريه باثنى عشر. ولو قال المشتري بعد العقد قبل القبض للبائع بعه لنفسك

[ 174 ]

فإن باعه جاز وانفسخ الاول، ولو قال بعه لي أو لم يزد على قوله بعه لي أو زاد قوله ممن شئت لا يصح في الوجوه لانه توكيل. ولو باع المبيع من البائع قبل القبض لا ينفسخ البيع ولو وهبه قبل القبض انفسخ إذا قبل، ولو قال البائع قبل القبض أعتقه فأعتقه جاز العتق عن البائع وانفسخ البيع عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف العتق باطل. وفي الفتاوي الصغرى: جحود ما عدا النكاح فسخ وعليه ما فرع في الخانية وغيرها: باع أمة فأنكر المشتري الشراء لا يحل للبائع وطؤها إلا إن عزم على ترك الخصومة فيحل حنيئذ له وطؤها، وكذا وأنكر البائع البيع والمشتري يدعي لا يحل للبائع وطؤها، فإن ترك المشتري الخصومة وسمع البائع بعد بذلك حل له وطؤها. ومثله لو اشترى جارية بشرط الخيار ثلاثة أيام وقبضها ثم رد على البائع جارية أخرى في أيام الخيار وقال هي التي اشتريتها وقبضتها كان القول له، فإن رضي البائع بها حل وطؤها. وكذا القصار والاسكاف، وكذا لو اشترى ما يتسارع إليه الفساد كاللحم والسمك والفاكهة وغاب والمشتري وخاف البائع فساده فله بيعه من غيره استحسانا، وللمشتري منه الانتفاع به وإن علم لرضا العاقدين بالفسخ ظاهرا ويتصدق البائع بما زاد على الثمن، وإن نقص فعلى البائع. ولو اختلفا فادعى البائع الاقالة والمشتري أنه باعه منه بأقل قبل النقد فالقول للمشتري في إنكارها ولو كان على العكس تحالفا، كذا في فتح القدير. وأشار أيضا بقوله لزمه الثمن الاول إلا أنه لو كان الثمن الاول حالا فأجله المشتري عند الاقالة فإن التأجيل يبطل وتصح الاقالة وإن تقايلا ثم أجله فينبغي أن لا يصح الاجل عند أبي حنيفة فإن الشرط اللاحق بعد العقد يلتحق بأصل العقد عنده، كذا في القنية. وإلى أنه لو أبرأ المشتري عن الثمن بعد فبض المبيع ثم تقايلا لم تصح منها أيضا وإلى أنه يلرم المشتري رد المبيع. وفي القنية: اشترى ماله حمل ومؤنة ونقله إلى موضع آخر ثم تقايلا فمؤنة الرد على البائع اه‍. قوله: (وهلاك المبيع يمنع) أي صحتها لما قدمنا أن من شرطها بقاء المبيع لانها رفع

[ 175 ]

العقد وهو محله. قيد بالمبيع لان هلا ك الثمن لا بمنعها لكونه ليس بمحل لكونه يثبت بالعقد فكان حكما وهو يعقبه فلا يكومحلا لان المحل شرط وهو سابق فتنافيا، ولذا بطل البيع بهلاك المبيع قبل القبض دون الثمن قوله: (وهلاك بعضه بقدره) أي هلاك بعض المبيع يمنعها بقدر الهالك لان الجزء معتبر بالكل. وفي بيع القايضة إذا هلك أحدهما صحت في الباقي منهما وعلى المشتري قيمة الهالك إن كان قيميا، ومثله إذا كان مثليا فيسلمه إلى صاحبه ويسترد العين إلا إذا هلكا بخلاف البدلين في الصرف إذا هلك لعدم التعيين ولذا لا يزلمهما إلا رد المثل بعدها. وفي السراج الوهاج: اشترى عبدا بنقرة فضة أو بمصوغ مما يتعين فتقابضا ثم هلك العبد في يد المشتري ثم تقايلا والفضة قائمة في يد البائع صحت وعلى البائع رد الفضة بعينها ويسترد من المشتري قيمة العبد، وفي البزازية: تقايلا فأبق العبد من يد المشتري وعجز عن تسليمه تبطل الاقالة اه‍. وأشار إلى أن البيع إذا هلك بعد الاقالة بطلت وعاد البيع. قيد بالهلاك لانه لو باع صابونار رطبا ثم تقايلا بعدما جف فنقص وزنه لا يجب على المشتري شئ لان كل المبيع باق، كذا في فتح القدير وأشار بعدم اشتراط بقاء جميع المبيع على حاله إلى أنه لو اشترى أرضا مع الزرع وحصده المشتري ثم تقايلا صحت في الارض بحصتها من الثمن بخلاف ما إذا أدرك الزرع في يده ثم تقايلا فإنها لا تجوز لان العقد إنما ورد على الفصيل دون الحنطة، كذا في القنية. وإلى أن الاعتبار لما دخل في البيع مقصودا فلو

[ 176 ]

اشترى أرضا فيها أشجار فقطعها ثم تقايلا صحت الاقالة بجميع الثمن ولا شئ للبائع من قيمة الاشجار وتسلم الاشجار للمشتري. هذا إذا علم البائع بقطعها، فإن لم يعلم به وقتها خير إن شاء أخذها بجميع الثمن وإن شاء ترك. وإن اشترى عبدا فقطعت يده وأخذ أرشها ثم تقايلا صحت الاقالة ولزمه بجميع الثمن ولا شئ للبائع من أرش اليد إذا علم وقت الاقالة أنه قطعت يده أخذ أرشها، وإن لم يعلم يخير بين الاخذ بجميع الثمن وبين الترك، كذا في القنية. ورقم برقم آخر أن الاشجار لا تسلم للمشتري وللبائع أخذ قيمتها منه لانها موجودة وقت البيع بخلاف الارش فإنه لم يدخل في البيع أصلا لا قصدا ولا ضمنا اه‍. ثم اعلم أنه لا يرد على اشتراط قيام المبيع لصحة الاقالة إقالة السلم قبل قبض المسلم فيه لانها صحيحة، سواء كان رأس المال عينا أو دينا، وسواء كان قائما في يد المسلم إليه أو هالكالان المسلم إليه وإن كان دينا حقيقة فله حكم العين حتى لا يجوز الاستبدال به قبقبضه، وإذا صحت فإن كان رأس المال عينا قائمة ردت، وإن كانت هالكة رد المثل إن كان مثليا، والقيمة إن كان قيميا، وإن كان دينا رد مثله قائما أو هالكا لعدم التعيين، وكذا إقالته بعد قبض المسلم إليه وإن كان قائما ويرد رب السلم عين المقبوض لكونه متعينا، كذا في البدائع والله سبحانه أعلم.

[ 177 ]

باب المرابحة والتولية شروع فيما يتعلق بالثمن من المرابحة والتولية والربا والصرف والبيع بالنسيئة بعد بيان أحكام المبيع وقدم المبيع لاصالته. وكذا في البناية. وقدمنا أن أنواعه بالنسبة إلى الثمن أربعة هما والمساومة لا إلتفات فيها إلى الثمن الاول، والرابع الوضيعة بأنقص من الاول، ولم يذكرهما لظهورهما، وهما جائزان لاستجماع شرائط الجواز والحاجة ماسة إلى هذا النوع من البيع لان الغبي الذي لا يهتدي إلى التجارة يحتاج إلى أن يعتمد فعل الذكي المهتدي ويطيب نفسه بمثل ما اشترى وبزيادة ريح فوجب القول بجوازهما، ولذا كان مبناهما على الامانة والاحتراز عن شبهة الخيانة، وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد الهجرة ابتاع من أبي بكر رضي الله عنه بعيرين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ولني أحدهما. فقال: هو لك بغير شئ. فقال: أما بغير ثمن فلا. قال السهيلي: سئل بعض العلماء لم لم يقبلها إلا بالثمن وقد أنفق عليه أبو بكر أضعاف ذلك وقد دفع إليه حين بنى بعائشة ثنتي عشرة أوقية حين قال له أبو بكر ألا تبني بأهلك فقال: لو لا الصداق فدفع إليه ثنتي عشرة أوقية وشيأ وهو عشرون درهما. فقال: لتكون هجرته بنفسه وماله رغبة منه في استكمال فضلها إلى الله، وأن تكون على أتم الاحوال. والمرابحة في اللغة كما في الصحاح يقال بعته المتاع واشتريته منه مرابحة إذا سميت لكل قدر من الثمن ربحا اه‍. وأما التولية في اللغة فقال الشارحون: إنها مصدر ولى غيره إذا جعله واليا. وفي القاموس: التولية في البيع نقل ما ملكه بالعقد الاول وبالثمن الاول من غير زيادة. وأما شرعا فقال. (هي) أي التولية (بيع بثمن سابق والمرابحة به وبزيادة) وأورد عليه الغصب وهو ما إذا ضاع المغصوب عند الغاصب وضمنه قيمته ثم وجده جاز له بيعه مرابحة وتولية على ما ضمن، وقد غفل الشارح الزيلعي فأورده على عبارة الهداية وهي نقل ما ملكه بالعقد الاول بالثمن الاول مع ربح أو لا، وادعى أن عبارة المؤلف أحسن وليس كما زعم لان مسألة الغصب كما ترد على الهداية باعتبار أنه لا عقد فيها كذلك ترد على الكنز باعتبار أنه لا ثمن

[ 178 ]

فيها. فإن أجيب بأن القيمة كالثمن فكذلك يقال إن الغصب ملحق بعقود المعاوضات، وقد أجاب الشارحون عن الهداية بهذا قالوا: ولذا صح إقرار المأذون به لما كان إقراره بالمعاوضات جائزا. وقد صرح في الفتاوي الكبرى بأنه يقال قام على بكذا ويرد على كلا التعريفين ما ملكه بهبة أو إر أو وصية إذا قومه فله المرابحة على القيمة إذا كان صادقا في التقويم مع أنه لا ثمن ولا عقد ولم أر كيف يقول، وينبغي أن يقول قيمته كذا ويرد عليهما أيضا من اشترى دراهم بدناينر لا يجوز بيع الدراهم مرابحة مع صدق التعريف عليها، ويرد أيضا عليهما ما فيه من الابهام لان الثمن السابق إما أن يراد عينه أو مثله لا سبيل إلى الاول لانه صار ملكا للبائع الاول فلا يراد في الثاني، ولا إلى الثاني لانه لا يخلوا إما أن يراد المثل جنسا أو مقدارا والاول ليس بشرط لما في الايضاح والمحيط أنه إذا باع مرابحة فإن كان ما اشتراه به له مثل جاز، سواء كان الربح من جنس رأس المال من الدراهم أو من الدنانير إذا كان معلوما يجوز الشراء به لان الكل ثمن، والثاني وهو المقدار يقتضي أن لا يضم أجرة القصار والصباغ ونحوهما لانها ليست بثمن في العقد الاول. وإذا أريد المثل قدرا وادعى أن الاجرة من الثمن الاول عادة كما فعله الشارحون ورد عليه أنها جائزة بعينه إذا كان قد وصل إلى المشتري الثاني، وما أورده في فتح القدير من الشراء بثمن نسيئة فإن المرابحة لا تجوز على ذلك الثمن ليس بوارد لانها جائزة إذا بين أنه اشتراه نسيئة كما سيأتي آخر الباب. وقد وضعت لكل منها تعريفا لا يرد عليه شئ إن شاء الله تعالى فقلت: التولية نقل ما ملكه بغير عقد الصلح والهبة بشرط عوض بما يتعين بعين ما قام عليه أو بمثله أو برقمه أو بما قومه به في غير شراء القيمي أو بمثل ما اشترى به من لا تقبل شهادته له من أصوله وفروعه وأحد الزوجين أو مكاتبه أو عبده المأذون أو أحد المتفاوضين من الآخر أو بمثل ما اشترى به مضار به أو رب المال مع ضم حصة من الربح بزيادة ربح في المرابحة وبلا ربح في التولية. فخرج ما ملكه في الصلح لابتنائه على الحط والمساهلة بخلاف ما إذا اشتراه من مديونه بالدين وهو يشتري بذلك الدين فإنه يجوز كما في الظهيرية، وما ملكه بالهبة بشرط العوض أيضا كما في الظهيرية.

[ 179 ]

وخرج بما يتعين ما لا يتعين كما قدمناه. وقلنا بعين ما قام عليه ولم نذكر العقد الاول ولا الثمن السابق ليدخل الغصب وما تكلفه على العين، وليخرج ما إذا اشترى دجاجة فباضت عنده عشر بياضات ولم ينفق عليها قدر البيض فإنه ليس له المرابحة على الثمن الاول كما في النهاية. وقلنا بالعين أو بالمثل من غير اقتصار على أحدهما لجوازها على العين في صورة قدمناها وعلى المثل فيما عداها، ويدخل في المثل مثل الثمن السابق إن كان البيع صحيحا وقيمته إن كان فاسدا، كذا في المحيط. وأو في التعريف ليست للابهام وإنما هي للتنويع. وقلنا أو برقمه ليدخل ما إذا اشترى متاعا ثم رقمه بأكثر من الثمن الاول ثم باعه مرابحة على رقمه جاز، ولا يقول قام علي بكذا ولا قيمته ولا اشتريته بكذا تحرزا عن الكذب، وإنما يقول رقمه كذفأنا أرابح على كذا كما في النهاية. قلنا أو بما قومه به ليدخل ما ملكه بإرث ونحوه كما قدمناه، وقيدنا بغير شراء القيمي لانه إذا اشترى قيميا وقومه لم تجز المرابحة، والفرق بين القيميين أن في شراء القيمي له أصل يرجع إليه وهو الثمن الاول واحتمل أن يكون ما قومه به أزيد في نفس الامر، والمرابحة مبنية على الاحتراز عن شبهة الخيانة بخلاف ما إذا ملكه بغير بدل لعذم الثمن الاول يكون ما قومه به مخالفا له واحتمال الزيادة في تقويمه لا يعد خيانة لانه من جهة المشتري. ولو كان بعض المبيع مشترى والبعض غير مشترى فقال في الظهيرية: رجل اشترى من آخر ثوبا وبطانة وجعلهما جبة وجعل حشوها قطنا ورثه أو وهب له ثم حسب الثمن وأجر الخياط ثم قال لغيره قام علي بكذا وباعه مرابحة على ذلك جاز، وكذا الرجل يرث الثوب فيبسطه بالقز الذي اشتراه

[ 180 ]

وحسب أجر الخياط ثمن القز ثم قال لغيره قام علي بكذا باعه مرابحة على ذلك جاز، كذا في الظهيرية. وقلنا أن بمثل ما شترى به من لا تقبل الشهادة له يعني لا بمثل ما اشتراه هو به فإذا اشترى شيأ ممن لاتقبل شهادته له فإنه إنما يرابح بما اشترى بائعه لا بما اشتراه كما ذكره الشارح، وكذا رب المال إذا اشترى من مضاربه لا يرابح بما اشتراه وإنما يرابح بمثل ما اشترى المضارب مع ضم حصة المضارب فقط لانها كما سيأتي مبنية على الامانة والاحتراز عن شبهة الخيانة ولذا قال في الظهيرية: إن من اشترى شيأ وعلم أن فيه غبنا لا يجوز له المرابحة والتولية حتى يبينه والله تعالى أعلم. وهذا التقرير إن شاء الله تعالى من خواص هذا الشرح بحول الله وقوته. قوله وشرطهما كون الثمن الاول مثليا) لانه إذا لم يكن له مثل لو ملكه ملكه بالقيمة وهي مجهولة، والمثلي الكيلي والوزني والمعدود المتقارب وعبارة المجمع أولى وهي: ولا يصح ذلك حتى يكون العوض مثليا أو مملوكا للمشتري والربح مثلي معلوم اه‍. ولكن لا بد من التقييد بالمعين للاحتراز عن الصرف فإنه لا يجوزان فيهما، وتقييد الربح بالمثلي اتفاقي لجواز أن يرابح على عيب قيمته مشار إليها ولذا قال في فتح القدير: أو بربح هذا الثوب. وقيد الربح بكونه معلوما للاحتراز عما إذا باعه بربح ده يازده لا يجوز له لانه باعه برأس المال وببعض قيمته لانه ليس من ذوات الامثال، كذا في الهداية. ومعنى قوله ده يازده أي بربح مقدار درهم على عشرة دراهم، فإن كان الثمن الاول عشرين كان الربح بزيادة درهمين، وإن كان ثلاثين كان الربح ثلاثة دراهم، فهذا يقتضي أن يكون الربح من جنس رأس المال لانه جعل الربح مثل عشر الثمن وعشر الشيى يكون من جنسه كذا في النهاية يعتى فإذا كان رأس المال قيميا مملوكا للمشتري لا يجوز لجهالة الربح، وأما إذا كان الربح شيأ مشارا إليه مجهول المقدار فإنه يجوز. فقوله والربح مثلى معلوم شرط في القيمي المملوك للمشتري كما لا يخفي. وفي البناية: ولفظة ده بفتح الدال وسكون الهاء اسم للعشرة بالفارسية ويازد باليا آخر الحروف وسكون الزاي اسم أحد عشر بالفارسية اه‍. ومن مسائل ده يازده ما في المحيط: اشترى ثوبا بعشرة وباعه بوضيعة ده يازده على ثمنه فالثمن تسعة دراهم وجزء من

[ 181 ]

أحد عشر جزأ من درهم، والوضيعة عشرة أجزاء من أحد عشر جزأ من درهم واحد ومعرفته اجعل كل درهم على أحد عشر جزأ فيصير العشرة مائة وعشرة أجزاء من أحد عشر جزأ ثم اطرح من كل سهم جزأ فيكون فيكون المطروح عشرة بقي مائة جز وعشرة أجزاء من أحد عشرة أجزاء من أحد عشر جزأ من درهم، وإن باعه بوضيعة ده يازده فالثمن ثمانية دراهم وثلث درهم والوضيعة درهم وثلثا درهم وتخريجه على نحو ما مر. وإن باعه بوضيعة عشرة فاجعل كل درهم على عشرة أجزاء ثم اطرح جزأ من كل درهم فيكون المطروح عشرة أجزاء يبقى تسعون جأى فيكون تسعة دراهم، وعلى هذا القياس إن باعه بوضيعة تسع أو ثمان اه‍. وفي فتح القدير: اشترى عبدا بعشرة على خلاف نقد البلد وباعه بربح درهم فالعشرة مثل ما نقد والربح من نقد البلد إذا أطلقه لان الثمن الاول يتعين في العقد الثاني والربح مطلق فينصرف إلى نقد فإن نسب الربح إلى رأس المال فقال بعتك بربح العشرة أحد عشر أو بربح دهيازه فالربح من جنس الثمن لانه عرفه بنسبته إليه. وفي المحيط: اشترى بنقد نيسابور وقال ببلخ قام علي بكذا وباعه بربح مائة أو بربح ده يازده فالربح ورأس المال على نقد بلخ إلا أن يصدقه المشتري أنه نقد نيسابور أو تقوم بينة، وإذا كان نقد نيسابور في الوزن والجودة دون نقد بلخ ولم يبين فرأس المال والربح على نقد نيسابور، وإن كان على عكسه واشتراه ببلخ بنقد نيسابور ولم يعلم أنه أوزن وأجود فهو بالخيار إن شاء أخذ وإن شاء ترك. واعلم أن المعتبر في المرابحة ما وقع العقد الاول عليه دون ما وقع عوضا عنه حتى لو اشترى بعشرة فدفع عنها دينارا أو ثوبا قيمته عشرة أو أقل أو أكثر فإن رأس المال هو العشرة لا الدينار والثوب لان وجوب هذا بعقد آخر وهو الاستبدال اه‍. ما في فتح القدير. ويرد عليه ما في الظهيرية: لو اشترى بالجيار ونقد الزيوف قال أبو حنيفة: يرابح بالزيوف. وقال أبو يوسف: يرابح بالجياد. فقوله والجياد إنما هو على قول أبي يوسف ولكن جزفي المحيط من غير خلاف بأنه يرابح بالجياد. وأشار بالثمن أي جميعه إلى بيع جمي‍ المبيع فلو اشترى ثوبين وقبضهما ثم ولى رجلا أحدهما بعينه لم يجز، وكذا لو اشركه في أحدهما بعينه لم يجز، ولو كان المشتري قبض أحد الثوبين من البائع ثم اشرك رجلا فيهما جازت الشركة في نصف

[ 182 ]

المقبوض، وكذا لو ولاهما رجلا جازت التولية في المقبوض. ولو اشترى جاريتين بألف درهم وقبضهما وباق أحدهما ثم ولاهما رجلا فالمولى بالخيار إن شاء أخذ التي لم تبع بحصتها وإن شاء ترك إذا لم يعلم ببيع أحدهما، وكذلك لو أشرك فيهما جازت الشركة في نصف التي لم تيع وإن لم يبع أحدهما ولكنه أعتق أحدهما أو ماتت ثم ولا هما رجلا أو أشركه فيهما جاز في الامة والحية ومنهما، كذا في الظهيرية. وفي السراج الوهاج: لو كان مثليا فرابح على بعضه جاز كقفيز من قفيزين لعدم التفاوت بخلاف القيمي وتمام تفريعه في شرح المجمع. وفي المحيط: وإن كان ثوبا ونحوه لا يبيع جزأ منه معينا لان الثمن ينقسم عليه باعتبار القيمة وإن باع جزى شائعا جاز وقيل يفسد البيع. قوله: (وله أن يضم إلى رأس المال أجر القصار والصبغ والطراز والفتل وحمل الطعام وسوق الغنم) لان العرف جاز بالحاق هذه الاشياء برأس المال في عادة التجار ولان كل ما يزيد في المبيع أو قيمته يلحق به. هذا هو الاصل وما عددناه بهذه الصفة لان الصبغ وأخواته يزيد في العين والحمل يزيد في القيمة إذ القيمة تختلف باختلاف المكان. والطراز بكسر الطاء وتخفيف الراء العلم في الثوب، كذا في المغرب. والفتل هو ما يصنع بأطراف الثياب بحرير أو كتان من فتلت الحبل أفتله. أطلق الصبغ فشمل الاسود وغيره كما أطلق حمل الطعام فشمل البر والبحر، وقيد بالاجرة لانه لو فعل شيأ مذلك بيده لا يضمه، وكذا لو تطوع متطوع بهذه أو بإعارة، ودل كلامه على أنه يضم أجرة الغسل والخياطة ونفقة تجصيص الدار وطي البئر وكراء الانهار والقناة والمسناة والكراب وكسج الكروم وسقيها والزرع وغرس الاشجار. وفي المحيط: وغيره يضم طعام المبيع إلا ما كان سرفا وزيادة فلا يضم وكسوته وكراءه وأجرة المخزن الذي يوضع فيه، وأما أجرة السمسار والدلال فقال الشارح: إن كانت مشروطة في العقد تضم وإلا فأكثرهم على عدم الضم في الاول ولا تضم أجرة الدلال بالاجماع اه‍. وهو تسامح فإن أجرة الاول تضم في ظاهر الرواية والتفصيل المذكور قويلة

[ 183 ]

وفي الدلال قيل لا تضم والمرجع العرف، كذا في فتح القدير. وإذا حدثت زيادة من المبيع كاللبن والسمن وقد أنفق عليه في العلف واستهلك الزيادة فإنه يحسب ما أنفقه بقدر ما استهلكه ويرابح وإلا فلا يرابح بلا بيان وإذا ولدت المبيعة رابح عليهما ويتبعها ولدها وكذا لو أثمر النخيل فإن استهلك الزائد لم يرابح بلا بيان كما في الظهيرية بخلاف ما إذا أجر الدابة أو العبد أو الدار فأخذ أجرته فإنه يرابح مع ضم ما أنفق عليه لان الغلة ليست متولدة من العين، كذا في فتح القدير قوله: (ويقول قام على بكذا) ولا يقول اشتريته لانه كذب وهو حرام ولذا قدمنا أنه إذا قوم الموروث ونحوه يقول ذلك وكذا إذا رقم على الثوب شيأ وباعه برقمه فإنه يقول رقمه كذا، وسواء كاما رقمه موافقا لما اشتراه به أو أزيد حيث كان صادقا في الرقم كما في فتح القدير قوله: (ولا يضم أجرة الراعي والتعليم وكراء بيت الحفظ) لعدم العرف بإلحاقه. أطلق في التعليم فشمل تعليم العبد صناعة أو قرآنا أو علما أو شعرا أو غناء أو عربية قالوا: لان ثبوت الزيادة لمعنى في العبد وهو حذاقته فلم يكن ما أنفقه على المعلم موجبا للزيادة في المالية، ولا يخفي ما فيه إ لا شك في حصول الزيادة بالتعلم ولا شك أنه مسبب عن التعليم عادة، وكونه بمساعدة القابلية في المتعلم هو كقابلية الثوب للصبغ فلا يمنع نسبته إلى التعليم فهو شرط علة عادية والقابلية شرط، وفي المبسوط: أضاف نفي ضم المنفق في التعليم إلى أنه ليس فيه عرف ظاهر حتى لو كان فيه عرف ظاهر يلحق برأس المال، كذا في فتح القدير. وأشار المؤلف إلى أنه لا يضم أجرة الطبيب والرائض والبيطار والفداء في الجناية وجعل الآبق لندرته فلا يلحق بالسابق لانه لا عرف في النادر والحجامة والختان لعدم العرف، وكذا لا يضم نفقة نفسه وكراءه ولا مهر العبد ولا يحط مهر الامة لزوجها، والذي يؤخذ في الطريق من الظلم لا يضم إلا في موضع جرت العادة فيه بينهم بالضم. قوله: (فإن خان في مرابحة أخذ بكل ثمنه أو رده وحط في التولية) وهذا عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: يحط فيهما. وقال محمد: يخير فيهما. لمحمد أن الاعتبار للتسمية لكونه معلوما والتولية والمرابحة تزويج وترغيب فتكون وصفا مرغوبا فيه كوصف السلامة فيتخير لفواته. ولابي يوسف أن الاصل فيه كونه تولية ومرابحة ولهذا ينعقد بقوله وليتك بالثمن الاول أو بعتك مرابحة على الثمن الاول إذا كان معلوما فلا بد من البناء على الاول وذلك بالحط غير أنه يحط في التولية قدر الخيانة من رأس المال، وفي المرابحة منه ومن الربح. ولابي حنيفة أنه لو لم يحط في التولية لا تبقى تولية لانه يزيد على الثمن الاول فتغير التصرف فتعين الحط، وفي المرابحة لو لم يحط تبقى مرابحة وإن كان يتفاوت الربح فلا يتغير

[ 184 ]

التصرف فأمكن القول بالتخيير. ولم يذكر لمصنف والشارح بما تظهر الخيانة قال في فتح القدير: هي إما بإقرار البائع أو بالبينة أو بنكوله عن اليمين وقد ادعاه المشتري هذا على المختار، وقيل لا تثبت إلا بإقراره لانه في دعوى الخيانة مناقض فلا يتصور ببينة ولا نكول والحق سماعها كدعوى العيب وكدعوى الحط فإنها تسمع اه‍. وقوله وحط أي أسقط قدر الخيانة من المسمى. وفي السراج الوهاج: وصورة الخيانة في التولية إذا اشترى ثوبا بتسعة وقبضه ثم قال لآخر اشتريته بعشرة ووليتك بما اشتريته فاطلع على ذلك. وبيان الحط في المرابحة على قول أبي يوسف إذا اشتراه بعشرة وباعبربح خمسة ثم ظهر أنه اشتراه بثمانية فإنه يحط قدر الخيانة من الاصل وهو الخمسوهو درهمان وما قابله من الربح وهو درهم فيأخذ الثوب بإثني عشر درهما اه‍. وقدمنا أنه إذا اشترى متاعا ورقمه بأكثر من ثمنه وباعه مرابحة على الرقم فإنه يجوز. وقيده في المحيط بما إذا كان عند البائع أن المشتري يعلم أن الرقم غير الثمن فأما إذا كان المشتري يعلم أن الرقم والثمن سواء فإنه يكون خيانة وله الخيار، كذا في المحيط. وأشار بعدم الحط في التولية إلى أن المشتري إذا وجد بالمبيع عيبا ثم حدث به عيب عنده لا يرجع بنقصان العيب لانه لو رجع يصير الثمن الثاني أنقص من الاول، وقضية التولية أن يكون مثل الاول وهذا مستثنى من قولهم في خيار العيب، وبقوله رده إلى اشتراط قيام المبيع بحاله فلو هلك قبل رده أو حدث به ما ينمع الرد لزمه بجميع المسمى وسقط خياره عند أبي حنيفة، وهو المشهور من قول محمد لانه مجرد خيار فلار يقابله شئ من الثمن كخيار الرؤية والشرط بخلاف خيار العيب لان المستحق فيه المشتري الجزء الفائت وظاهر كلامهم أن خيار ظهور الخيانة لا يورث فإذا مات المشترى فأطلع الوارث على خيانة بالطريق السابق فلا خيار له. وأطلق الحط في التولية فشمل حالة هلاك المبيع وامتناع رده لانه لا خيار له وإنما يلزمه الثمن الاول. وفي المحيط: وإن ضم إلى الثمن ما لا يجوز ضمه ثم علم به المشتري فله الخيار اه‍. قوله: (ومن اشترى ثوبا فباعه بربح ثم اشتراه فإن باعه بربح طرح عنه كل ربح قبله وإن أحاط بثمنه لم يرابح) وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: يبيعه مرابحة على الثمن الاخير وصورته إذا اشترى ثوبا بعشرة وباعه بخمسة عشر ثم اشتراه بعشرة فإنه يبيعه مرابحة بخمسة ويقول قام علي بخمسة، ولو اشتراه بعشرة وباعه بعشرين مرابحة ثم اشتراه بعشرة لا يبيعه مرابحة أصلا. وعندهما يرابح على عشرة في الفصلين. لهما أن العقد الثاني عقد متجدد منقطع الاحكام عن الاول فيجوز بناء المرابحة عليه كما إذا تخلل ثالث. ولابي حنيفة أن شبهة

[ 185 ]

حصول الربح بالعقد الثاني ثابتة لانه يتأكد به ما كان على شرف السقوط بالظهور على عيب والشبهة كالحقيقة في بيع المرابحة احتياطا ولهذا لم تجز المرابحة فيما أخذ بالصلح لسبهة الحطيطة فيصير كأنه اشترى خمسة وثوبا بعشرة فيطرح خمسة بخلاف ما إذا تخلل ثالث. وفي المحيط: ما قاله أبو حنيفة أوثق وما قالاه أرفق اه‍. ومحل الاختلاف عند عدم البيان، أما إذا بين فقال كنت بعته فربحت فيه كذا ثم اشتريته بكذا وأنا أبيعه الآن بكذا بربح كذا جاز اتفاقا، كذا في فتح القدير. وقيل بالشراء لانه لو وهب له ثوب فباعه بعشرة ثم اشتراه بعشرة فإنه يرابح على العشرة وإن كان يتأكد به انقطاع حق الواهب في الرجوع لكنه ليس بمال، ولا تثبت هذه الوكادة إلا في عقد يجري فيه الربا، كذا في فتح القدير. وقيدنا بيعه بجنس الثمن الاول لانه لو باعه بوصيف أو دابة أو عرض آخر ثم اشتراه بعشرة فإنه يبيعه مرابحة على عشرة لانه عاد إليه بما ليس من جنس الثمن الاول ولا بمكن طرحه إلا باعتبار القيمة وتعيينها لا تخلو عن شبهة الغلط، كذا في فتح القدير. وقيد بقوله لم يرابح لانه يصح مساومة لان منع المرابحة إنما هي للشبهة في حق العباد لا في حق الشرع وتمامه في البناية. وقيد بالربح في البيع لانه لو اجر المبيع وأخذ أجرته من غير نقص دخل فيه فله البيع مرابحة من غير بيان لان الاجرة ليست من نفس المبيع ولا من أحزائه فلم يكن حابسا لي منه، وكذا لو وطئ الجارية الثيب، كذا في السراج الوهاج. وقوله ثوبا مثال ولو قال شيأ لكان أولى لان المثلي والقيمي سواء هنا. ثم اعلم أن ظاهر دليل الامام يقتضي أنه لا يجيز أن يشتري بالثمن الاخير سواء باعه مرابحة أو تولية، والمتون كلها مقيدة بالمرابحة وظاهرها جواز التولية على الاخير، والظاهر الاول كما لا يخفي. وقيدذ بالربح لان بائعه لو حط عنه شيأ فإن كان بعض الثمن طرحه كالربح، وإن كان كل الثمن باعه مرابحة على ما اشترى لالتحاق حط البعض بالعقد دون حط الكل لئلا يكون بيعا بلا ثمن فصار تمليكا مبتدأ كالهبة، كذا في المحيط وسيأتي أن الزيادة تلتحق فيرابح على الاصل والزيادة. وفي المحيط: اشترى شيأ ثم خرج عن ملكه ثم عاد إن عاد قديم ملكه كالرجوع في الهبة أو بخيار رؤية أو شرط أو عيب أو إقالة أو في البيع الفاسد يبيع مرابحة بما اشترى لان بهذه الاسباب ينفسخ العقد من الاصل وصار كأنه لم يكن، وإن عاد بسبب آخر نحو الارث والهبة لا يبيع مرابحة لانه عاد إليه بسبب جديد، وهذا السبب لا يطلق له بى المرابحة بخلاف ما لو رد عليه بغير قضال فإنه

[ 186 ]

يعتبر بيعا جديدا في حق الثالث فكأنه اشترى ثانيا بعشرة بعد أن باعه بعشرة وهذا يطلق له المرابحة اه‍. قوله: (ولو اشترى مأذون مديون ثوبا بعشرة وباعه من سيده بخمسة عشر يبيعه مرابحة على عشرة وكذا العكس) وهو ما إذا كان المولى اشتراه فباعه من العبد لان في هذا ما العقد شبهة العدم لجوازه مع المنافي فاعتبر عدما في حكم المرابحة وبقي الاعتبار للاول فيصير كأن العبد اشتراه للمولى بعشرة في الفصل الاول وكأنه يبيعه للمولى في الفصل الثاني فيعتبر الثمن الاول، وتقييده بالمديون اتفاقي ليعلم حكم غيره بالاولى لوجود ملك المولى في أكسابه جميعا، والمكاتب كالمأذون لوجود التهمة بل كل من لا تقبل شهادته له كالاصول والفروع وأحد الزوجين وأحد المتفاوضين كذلك كما قدمناه، وخالفاه فيما عد العبد والمكاتب. وفي فتح القدير: لو اشترى من شريكه سلعة إن كانت ليست من شركتهما يرابح على ما اشترى ولا يبين، وإن كانت من شركتهما فإنما يبيع نصيب شريكه على ضمانه في الشراء الثاني، ونصيب نفسه على ضمانه في الشراء الاول لجواز أن تكون السلعة اشتريت بألف من شركتهما فاشتراها أحدهما من صاحبه بألف ومائتين فإنه يبيعها مرابحة على ألف ومائة لان نصيب شريكه من الثمن ستمائة ونصيب نفسه من الثمن الاول خمس مائة فيبيعها على ذلك اه‍. ولو قال المصنف إلا أن يبين لكان أولى لانه لو بين ورابح على الاول جاز كما في البناية قوله: (ولو كان مضاربا بالنصف يبيعه رب المال بإثنى عشر ونصف) لان هذا البيع وإن قضى بجوازه عندنا عند عدم الربح خلافا لزفر مع أنه يشتري ماله بماله لما فيه من استفادة ولاية التصرف وهو مقصود والانعقاد يتبع الفائدة ففيه شبهة العدم ألا ترى أنه وكيل عنه في البيع الاول من وجه فاعتبر البيع الثاني عدما في حق نصف الربح. ولم يذكر المصنف والشارح ما إذا كان البائع رب المال والمشتري المضارب وقد سوى بينهما في السراج والوهاج فقال: ولو اشترى من مضاربه أو مضاربه منه فإنه يبيعه مرابحة على أقل الضمانين وحصة المضارب من الربح لكن لو قال وحصة الآخر لكان أولى ليشمل رب المال ولكن قال بعده لو اشترى من رب المال سلعة بألف تساوي ألفا وخمسمائة فباعها من المضارب بألف وخمسمائة فإن المضارب يبيعها مرابحة على ألف ومائتين وخمسين إلا أن يبين اه‍. وذكر المصنف في كتاب المضاربة تبعا

[ 187 ]

لما في الهداية وإن اشترى من المالك بألف عبدا اشتراه بنصفه رابح بنصفه. وعلله في الهداية من المضاربة بأن هذا البيع يقضي بجواز لتغاير المقاصد دفعا للحاجة وإن كان بيع ملكه بملكه إلا أن فيه شبهة العدم ومبنى المرابحة على الامانة والاحتراز عن شبهة الخيانة فاعتبر أقل الثمنين اه‍. وهذا لا يخالف مسألة الكتاب هنا لانها فيما إذا كان البائع المضارب من رب المال، وفي المضاربة فيما إذا كان رب المال هو البائع من المضارب ولكن يحتاج إلى الفرق وكأنه إنما لم يضم المضارب نصيب رب المال لما في البناية أن العقدين وقعا لرب المال ولم يقع للمضارب منه إلا قدر مائة فوجب اعتبار هذه المائة، وفيما يقع لرب المال لم يعتبر الربح لاحتمال بطلان العقد الثاني اه‍. ومن العجب قول الشارح الزيلعي في المضاربة في شرح قوله وإن اشترى من المالك إلى آخره ولو كان بالعكس بأن اشترى المضارب عبدا بخمسمائة فباعه من رب المال بألف يبيعه مرابحة على خمسمائة لان البيع الجاري بينهما كالمعدوم فتبنى المرابح على ما اشتراه به المضارب كأنه اشتراه له وناوله إياه من غير بيع اه‍. وهو سهو لمخالفته الرواية في باب المرابحة وكتاب المضاربة. وقد صرح في الهداية في الموضعين بضم حصة المضارب إلى رأس المال وهو تناقض منه أيضا لموافقته على ذلك وتصريحه بالضم في بابها ولم أر له سلفا ولا من نبه على ذلك في الموضعين وقد كنت قديما في ابتداء اشتغالي حملت كلام الزيلعي في المضاربة على أنه اشترى ببعض رأس المال وكلامهم في باب المرابحة على أما إذا اشترى المضارب بالجميع لتصريحه في المبسوط بأن الربح لا يظهر إلا بعد تحصيل

[ 188 ]

رأس المال اه‍. فإذا كان رأس المال ألفا واشترى بنصفها عبدا وباعه بألف لم يظهر الربح لعدم الزيادة على رأس المال لاحتمال هلاك الخمسمائة الباقية فإذا لم يظهر الربح فلا شئ للمضار ب حتى يضم، وأما إذا اشترى بالالف وباعه بألف وخمسمائة فقط ظهر الربح فتضم حصة المضارب إلى المال، وهذا التقرير إن شاء الله تعالى من خواص هذا الشرح بحوله وقوته. قوله: (ويرابح بلا بيان بالتعيب ووطئ الثيب) لانه لم يحبس عنده شئ‌بمقابلة الثمن لان الاوصاف تابعة لا يقابلها الثمن ولهذا لو فاتت قبل التسليم لا يسقط شئ من الثمن،

[ 189 ]

وكذا منافع البضع لا يقابلها الثمن. وأطلق في قوله بلا بيان ومراده بلا بيان أنه اشتراه سليما فتعيب عنده، أما بيان نفس العيب القائم به فلا بد منه لئلا يكون غاشا له للحديث الصحيح من غش فليس منا وفي الخلاصة قبيل الصرف: رجل أراد أن يبيع سلعة معيبة وهو يعلم يجب أن يبينها ولو لم يبين قال بعض مشايخنا: يصير فاسقا مردود الشهادة. قال الصدر الشهيد: ولا نأخذ به اه‍. وأطلق في وطئ الثيب ومراده ما إذا لم ينقصها الوطئ، أما إذا نقصها فهو كوطئ البكر. والتعيب مصدر تعيب أي صار معيبا بلا صنع أحد بآفة سماوية ويحلق به ما إذا كان بصنع المبيع. وشمل ما إذا كان نقصان العيب يسيرا أو كثيرا. وعن محمد إنه إن نقصه قدرا لا يتغابن الناس فيه لا يبيعه مرابحة بلا بيان. ودل كلامه أنه لو نقص بتغير السعر بأمر الله تعالى لا يجب عليه أن يبين بالاولى أنه اشتراه في حال غلائه، وكذا لو اصفر الثوب أو احمر لطول مكثه أو توسخ. وأورد على قولهم الفائت وصف لا يقابله بشئ من الثمن ما إذا اشتراه بأجل فإن الاجل وصف ومع ذلك لا يجوز بيعه مرابحة بلا بيان. وأجيب بإعطاء الاجل جزاء من الثمن عادة فكان كالجزء. وأورد على قولهم منافع البضع لا يقابلها شئ من الثمن ما إذا اشترى جارية فوطئها ثم وجد بها عيبا امتنع ردها وإن كانت ثيبا وقت الشراء لاحتباسه جزأ من المبيع عنده. وأجيب إن عدم الرد إنما هو لمانع وهو أنه أذا رها فلا يخلژا ما مع العقر احترازا عن الوطأ مجابا أم من غير عقر لا وجه إلى الاول لعود الجارية مع زيادة والزيادة تمنع الفسخ، ولا إلى الثاني لسلامة الوطئ له بلا عوض وهو لا يجوز فأورد الواهب إذا رجع في هبته بعد وطئ الموهوب له حيث يصح ولا شئ على الواطئ لسلامتها كلها بلا عوض له فالوطئ أولى بخلاف البيع.

[ 190 ]

قوله: (وبيان بالتعيب ووطئ البكر) أي يرابح مع البيان إذا عيبه المشتري أو غيره لانها صارت مقصودة بالاتلاف فيقابلها شئ من الثمن، وكذا إذا وطئها وهي بكر لان لعذرة جزء من العين فيقابلها شئ من الثمن وقد حبسها. وشمل ما إذا تكسر الثوب بنشره وطيه، ودخل تحت الاول ما إذا أصاب الثوب قرض فأر أو حرق نار. والقرض بالقاف والفاء والتعيب مصدر عيبه إذا أحدث فيه عيبا. وأطلقنا في تعييب غير المشتري فشمل ما إذا أخذ المشتري الارض أو لا.، وما إذا كان بأمر المشتري أو بغير أمره، وما وقع في الهداية من التقييد بقوله وأخذ المشتري أرشه اتفاقي للوجوب كما في فتح القدير. ثم اعلم أن زفر قال: لا يرابح إلا بالبيان في المسألتين. واختار الفقيه أبو الليث فقال: وقولزفر أجود وبه نأخذ. ورجحه في فتح القدير. وأشار المؤلف رحمه الله تعالى بالمسألة الاولى إلى أنه إذا وجد بالمبيع عيبا فرضي به كان له أن يبيعه مرابحة على الثمن الذي اشتراه به لان الثابت له خيار، فإسقاطه لا يمنع من البيع مرابحة كما لو كان فيه خيار شرط أو رؤية، وكذا لو اشتراه مرابحة فاطلع على خيانة فرضي به كان له أن يبيعه مرابحة على ما أخذه به لما ذكرنا أن الثابت له مجرد خيار، كذا في فتح القدير قوله: (ولو اشترى بألف نسيئة وباع بربح مائة ولم يبين خير المشتري) لان للاجل شبها بالمبيع ألا ترى أنه يزاد في الثمن لاجل الاجل والشبهة في هذا ملحقة بالحقيقة فصار كأنه اشترى شيئين وباع أحدهما مرابحة بثمنهما والاقدام على المرابحة يوجب السلامة عن مثل هذه الخيانة، فإذا ظهرتيخير كما في العيب. والحاصل أن عدم بيان أصل الاجل خيانة، وكذا بيان بعضه وإخفاء البعض، ولو فرع على قول الثاني ينبغي أن يحط من الثمن ما يعرف أن مثله في هذا يزاد لاجل الاجل. قيد بكون الاجل مشروطا وقت العقد لانه لو لم يكن مشروط ولكنه معتاد التنجيم فقيل لا بد من بيانه لان المعروف كالمشروط، وقيل لا لان الثمن حال بالعقد كما لو باعه حالا ومطله إلى شهر فإنه

[ 191 ]

يرابح بالثمن، وينبغي ترجيح الاول لانها مبنية على الامانة والاحتراز عن شبهة الخيانة، وعلى كل من القولين لو لم يكن مشروطا ولا معروفا وإنما أجله بعد العقد لا يلزمه بيانه. وفي الخانية: رجل عليه ألف درهم من ثمن مبيع طالبه الطالب فقال ليس عندي شئ فقال له الطالب اذهب واعطني كل شهر عشرة لم يكن تأجيلا وكان له أن يأخذه بجميع المال حالا اه‍ قوله: (فإن أتلف فعلم لزم بألف درهم ومائة) أي إن أتلفه المشتري حالا ثم علم بالاجل لزمه بكل الثمن حالا لان الاجل لا يقابله شئ من الثمن، كذا في الهداية. وأورد عليه أنه تناقض لانه قال عند قيام المبيع أن الثمن يزداد بالاجل وعند هلاكه قال إنه لا يقابله شئ. وجوابه أن الاجل في نفسه ليس بمال فلا يقابله شئ حقيقة إذا لم يشترط زيادة الثمن بمقابلته قصدا ويزاد في الثمن لاجله إذا ذكر الاجل بمقابلة زيادة الثمن قصدا فاعنبر مالا في المرابحة احترازا عن شبهة الخيانة وليعتبر مالا في حق الرجوع عملا بالحقيقة. والمراد بالاتلاف هلاك المبيع إما بآفة سماوية أو باستهلاك المشتري، ولو عبر بالتلف لكان أولى ليفهم الاتلاف بالاولى قوله: (وكذا التولية) أي هن مثل المرابحة فيما ذكرناه من الخيار عند قيام المبيع، وعدم الرجوع حال هلاكه لابتنائهما على الثمن الاول وينبغي أن يعود قوله وكذا التولية إلى جميع ما ذكره للمرابحة فلا بد من البيان في التولية أيضا في التعييب ووطئ البكر وبدونه في التعيب ووطئ الثيب. وعن أبي يوسف أنه يرد القيمة ويسترد كل الثمن وهو نظير ما إذا استوفي الزيوف مكان الجياد وعلم بعد الانفاق. وقيل: يقوم بثمن حال ومؤجل فيرجع بفضل ما بينهما، كذا في الهداية. وقال الفقيه أبو جعفر: المختار للفتوى الرجوع بفضل ما بينهما قوله: (ولو ولى رجلا شيأ بما قام عليه ولم يعلم المشتري بكم قام عليه فسد) أي البيع لجهالة الثمن وكذا لو ولاه بما اشتراه والمرابحة فيهما كالتولية. قوله: (ولو علم في المجلس خير) أي بين أخذه وتركه لان الفساد لم يتقرر فإذا حصل العلم في المجلس جعل كابتداء العقد وصار كتأخير القبول إلى آخر المجلس. قيد بالمجلس لانه بعد الافتراق عنه يتقرر الفساد فلا يقبل الاصلاح، ونظيره بيع الشئ برقمه إذا علم في المجلس وإنما يتخير لان الرضا لم يتم قبله لعدم لعلم فيتخير كما في خيار الرؤية. وظاهر كلام المصنف وغيره أن هذا العقد ينعقد فاسدا بعرضية الصحة وهو الصحيح خلافا للمروي عن محمد أنه صحيح له عرضية الفساد، كذا في فتح القدير. وينبغي أن تظهر ثمرة الاختلاف في حرمة مباشرته فعل الصحيح يحرم وعلى الضعيف لا والله سبحانه وتعالى أعلم. وقد ذكر الشارح هنا خيار الغبن فنتتبعه فأقول: معنى الغبن في اللغة قال في الصحاح: غبنه

[ 192 ]

في البيع والشراء غبنا من باب ضرب مثل غبنه فانغبن وغبنه أي نقصه، وغبن بالبناء للمفعول فهو مغبون أي منقوص في الثمن أو غيرو الغبينة اسم منه اه‍. وفي القنية: من اشترى شيأ وغبن فيه غبنا فاحشا فله أن يرده على البائع بحكم الغبن وفيه روايتان، ويفتى بالرد رفقا بالناس. ثم رقم لآخر: وقع البيع بغبن فاحش ذكر الجصاص وهو أبو بكر الرازي في واقعاته أن للمشتري أن يرد وللبائع أن يسترد، وهو اختيار أبي بكر الزرنجري والقاضي الجلال، وأكثر روايات كتاب المضاربة الرد بالغبن الفاحش وبه يفتى. ثم رقم لآخر: ليس له الرد والاسترداد وهو جواب ظاهر الرواية وبه أفتى بعضهم. ثم رقم لآخر: إن عر المشتري البائع فله أن يسترد، وكذا إن غر البائع المشتري له أن يرد، ثم رقم لآخر: قال البائع للمشتري قيمته كذا فاشتراه ثم ظهر أنها أقل فله الرد وإن لم يقل فلا، وبه أفتى صدر الاسلام. ثم رقم لآخر: ولو لم يغره البائع ولكن غره الدلال فله الرد، ولو اشترى فيلق إلا بريسم خارج البلد ممن لم يكن عالما بسعر البلد بغبن فاحش فللبائع أن يرجع على المشتري بالفيلق مثله في حق المشتري. قال لغزال لا معرفة لي بالغزل فأتني بغزل اشتريه فأتى رجل بغزل لهذا الغزال ولم يعلبه المشتري فجعل نفسه دلالا بينهما واشترى ذلك الغزل له بأزيد من ثمن المثل وصرف المشتري بعضه إلى حاجته، ثم علم بالغبن وبما صنع فله أن يرد الباقي بحصته من الثمن. قال رضي الله تعالى عنه: والصواب أن يرد الباقي ومثل ما صرف إلى حاجته وليسترد جميع الثمن كمن اشترى بيتا مملوأ من بر فإذا فيه دكان عظيم فله الرد وأخذ جميع الثمن قبل إنفاق شئ من عينه وبعده يرد الباقي ومثل ما أنفق ويسترد الثمن، كذا ذكره أبو يوسف ومحمد اه‍. فقد تحرر أن المذهب عدم الرد بغبن فاحش ولكن بعض مشايخنا أفتى بالرد به. وفي خزانة الفتاوي: خدع بغبن فاحش فالمذهب ليس له الرد، وقال أبو بكر الزرنجري: يفتى بالرد اه‍. وبعضهم أفتى به ان غره الآخر، وبعضهم أفتى بظاهر الرواية من

[ 193 ]

عدم الرد مطلقا. وفي الصيرفية: اختار عماد الدين الرد بالغبن الفاحش إذا لم يعلم به المشتري. وكذا في واقعات الجصاص وعليه أكثر روايات المضاربة وبه يفتى، واختاره النسفي وأبو اليسر البزدوي. وقال الامام جمال الدين جدي: إن غره فله الرد وإلا فلا. والصحيح أن ما يدخل تحت تقويم المقومين فيسير وما لا ففاحش اه‍. وكما يكون المشتري مغبونا مغرورا يكون البائع كذلك كما في فتاوي قارئ الهداية. فصل في بيان التصرف في المبيع والثمن قبل قبضه والزيادة والحط فيهما وتأجيل الديون قوله: (صح بيع العقار قبل قبضه) أي عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: لا يجوز لاطلاق الحديث وهو النهي عن بيع ما لم يقبض، وقياسا على المنقول وعلى الاجارة. ولهما أن ركن البيع صدر من أهله في محله ولا غرر فيه لان الهلاك في العقار نادر بخلاف المنقول، والغرر المنهي غرر انفساخ العقد والحديث معلول به عملا بدلائل الجواز والاجارة، قيل على هذا الاختلاف. ولو سلم فالمعقود عليه في الاجارة المنافع وهلاكها غير نادر وهو الصحيح، كذا في الفوائد الظهيرية. وعليه الفتوى كذا في الكافي، وفي الخانية: لو اشترى أرضا فيها زرع بقل ودفعها إلى البائع معاملة بالنصف قبل القبض لا يجوز لانه آجر الارض، فإن دفع الارض معاملة يكون استئجار للعامل ولا يكون إجارة، وإنما لا يجوز لكونه باع نصف الزرع قبل القبض. أطلقه وهو مقيد بما إذا كان لا يخشى إهلاكه، أما في موضع لا يؤمن عليه ذلك فلا يجز بيعه كالمنقول، ذكره المحبوبي. وفي الاختيار: حتى لو كان على شط البحر أو كان المبيع علو ألا يجوز بيعه فبل القبض وفي البناية إذا كان في موضع لا يأمن أن يصير بحرا أو تغلب عليه الرمال لم يجز. وإنما عبر بالصحة دون النفاذ أو اللزوم

[ 194 ]

لان النفاذ واللزوم موقوفان على نقد الثمن أو رضا البائع وإلا فللبائع إبطاله، وكذا كل تصرف يقبل النقض إذا فعله المشتري قبل القبض أو بعده بغير إذن البائع فللبائع إبطاله بخلاف ما لا يقبل النقض كالعتق والتدبير والاستيلاد كما قدمناه. قيد بالبيع لانه لو اشترى عقارا فوهبه قبل القبض من غير البائع يجوز عند الكل، كذا في الخانية. قوله: (لا بيع المنقول) أي لا يصح لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع ما لم يقبض ولان فيه غرر انفساخ العقد على اعتبار الهلاك. قيد بالبيع لان هبته والتصدق به وإقراضه من غير البائع جائز عند محمد وهو الاصح خلافا لابي يوسف وإما كتابة العبد المبيع قبل القبض موقوفة وللبائع حبسه بالثمن وإن نقده نفذت، كذا ذكر الشارح ولا خصوصية لها بل كل عقد يقبل النقض فهو موقوف كما قدمناه. وأما تزويج الجارية المبيعة قبل قبضها فجائز لان الغرر لا يمنع جوازه بدليل صحة تزويج الآبقى. وأما الوصية به قبل القبض فصحيحة اتفاقا لانها أخت الميراث، ولو زوجها قبل القبض ثم فسخ البيع انفسخ النكاح على قولابي يوسف وهو المختار كما في الولوالجية. وأطلق البيع فشمل الاجارة لانها بيع المنافع والصلح لانه بيع قالوا: ما لا يجوز بيعه قبل القبض لا تجوز إجارته، ولا يجوز بيع الاجرة العين قبل القبض لانها بمنزلة المبيع. وأراد بالمنقول المبيع المنقول فجاز بيع غيره كالمهر وبدل الخلغ والعتق على مال وبدل الصلح على دم العمد، والاصل كما في الايضاح أن كل عوض ملك بعقد ينفسخ بهلاكه قبل قبضه فالتصرف فيه غير جائز وما لا فجائز. وأطلق في منع البيع فشمل ما إذا باعه من بائعه قبل القبض لم يصح ولا ينتقض البيع الاول بخلاف ما إذا وهبه منه وقبلها فإنه ينتقض لان الهبة مجاز عن الاقالة بخلاف البيع. وفي الخانية: اشترى عبدا وقبضه ثم تقايلا البيع ولم يتقابضا حتى اشتراه من البائع جاز شراؤه ولو باعه البائع بعد الاقالة من غير المشتري لا يجوز بيعه اه‍. وهذا كله في تصرف المشتري في المبيع قبل قبضه، فإن تصرف فيه البائع قبل قبضه فهو على وجهين: إما أن يكون بأمر المشتري أو بغير أمره. فإن كان الاول ذكر في الخانية: رجل اشترى عبدا ولم يقبضه فأمره أن يهبه من فلان ففعل البائع ذلك ودفعه إلى الموهوب له جازت الهبة وصار المشتري قابضا، وكذا لو أمر البائع أن يؤاجره فلانا معينا أو غير معين ففعل جاز وصار المستأجر قابضا للمشتري أولا ثم يصير قابضا لنفسه، والاجر الذي يأخذه البائع من المستأجر بحسبه من الثمن إن كانه من جنسه، وكذا لو أعار العبد البائع

[ 195 ]

من رجل قبل التسليم إلى المشتري أو وهب أو رهن فأجاز المشتري ذلك جاز ويصير قابضا اه‍. ثم قال: اشترى ثوبا ولم يقبضه ولم ينقد الثمن ثم قال للبائع لا أئتمنك عليه ادفعه إلى فلان يكون عنده حتى أدفع إليك الثمن فدفعه البائع إلى فلان فهلك من يده كان الهلاك على البائع لان المدفوع إليه يمسكه للثمن لاجل البائع فتكون يده كيد البائع، ولو أمر المشتري البائع بوطئ الجارية أو بأكل الطعا ففعل كان فسخا للبيع لان لار يصلح نائبا عن المشتري في ذلك فكان مجازا عن الفسخ ليكون واطئا وآكلا مال نفسه. وأما الآمر بالبيع فعلى ثلاثة أوجه: إن قال البائع بعه لنفسك فباعه كان فسخا، وإن قال بعه لي لا يجوز البيع ولا يكون فسخا، ولو قال بعه أو بعه ممن شئت فباعه كان فسخا وجاز البيع الثاني للمأمور في قول محمد. وقال أبوحنية: لا يكون فسخا وهو كقوله بعه لي. ولو اشترى ثوبا أو حنطة فقال لبائع بعه قال الشيخ الامام أو بكر محمد بن الفضل: إن كان ذلك قبل قبض المشتري وقبل الرؤية يكون فسخا، وإن لم يقل البائع نعم لان المشتري ينفرد بالفسخ في خيار الرؤية. وإن قال بعه لي أي كن وكيلا في الفسخ فما لم يقبل البائع ولم يقل نعم لا يكون فسخا، وإن كان ذلك بعد القبض والرؤية لا يكون فسخا ويكون وكيلا بالبيع سواء قال بعه أو بعه لي اه‍. وأما إذا كان بغير أمره ولم يلحقه إجازة فذكر في الخانية: رجل اشترى عبدا بألف ولم يقبضه حتى رهنه البائع أو آجره أو أودعه فمات انفسخ البيع ولا يضمن المشتري أحدا من هؤلاء لانه إن ضمنهم رجعوا على البائع، ولو أعاده أو وهبه فمات عند المستعير أو الموهوب له أو أودعه فاستعمله المودع فمات من ذلك كان للمشتري الخيار إن شاء أمضى البيع وضمن المستعير والمودع والموهوب له وإن شاء فسخ البيع لانه لو ضمن هؤلاء ليس للضامن أن يرجع على البائع. ولو باعه البائع فمات عند المشتري الثاني من عمله أو من غير عمله المشتري الاول بالخيار إن شاء فسخ البيع وإن شاء ضمن المشتري الثاني ثم يرجع المشتري الثاني على البائع بالثمن إن كان نقده الثمن وإلا لم يرجع. ولو أمر البائع رجلا فقتله كان للمشتري أن يضمن القاتل قيمته لانه ءذا ضمن لم يرجع على البائع، وإن أمر البائع رجلا بذبح الشاة فذبحها إن كان الذابح يعلم بالبيع فللمشتري تضمينه ولا رجوع له اه‍. قوله: (ولو اشترى مكيلا كيلا حرم بيعه وأكله حتى يكيله) أي حتى يعيد كيله لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يجري فيه صاعان صاع البائع وصاع المشتري، ولانه يحتمل أن

[ 196 ]

يزيد على المشروط وذلك للبائع والتصرف في مال الغير حرام فيجب التحرز عنه. قيد بقوله كيلا أي بشرط الكيل لانه لو اشتراه مجازفة لا يحرم البيع والاكل قبل الكيل لان الكل له. ولم يذكر المؤلف فساد البيع ونص في الجامع الصغير على فساده لان سبب النهي أمر راجع إلى المبيع ولكن النص إنما هو في البيع فألحقوا به منع الاكل قبل الكيل وكل تصرف يبنى على الملك كالهبة والوصية، وألحقوا بالمكيل الموزون. وفي فتح القدير: وينبغي إلحاق المعدود الذي لا يتفاوت كالجوز والبيض إذا اشترى بالعدد وبه قال أبو حنيفة في أظهر الروايتين عنه فأفسد البيع قبل العد اه‍. ولا يلزم من حرمة أكله قبل الاعادة كون الطعام حراما فقد نص في الجامع الصغير أنه لو أكله وقدذ قبضه بلاكيل لا يقال إنه أكل حراما لانه أكل ملك نفسه إلا أنه يأثم لتركه ما أمر به من الكيل فكان هذا الكلام أصلا في سائر المبيعات بيعا فاسدا إذا قبضها فملكها فأكلها، وتقدم أنه لا يحل أكل ما اشتراه فاسدا وهذا يبين أن ليس كل ما لا يحل أكله إذا أكله أن يقال فيه أكل حراما، كذا في فتح القدير. وقد ليس يقال هذا كأكل المبيع بيعا فاسدا فلتعلق حق البائع بجميع المبيع ووجوب فسخه، وأما هنا فلا يملك البائع الفسخ ولم يتعلق حق البائع إلا بالزيادة الموهومة فيمكن أن يقال في المبيع فاسدا أكل حراما، ولكن رأيت في الخلاصة في الايمان من الثاني عشر في الاكل قال وفي فوائد شمس الائمة الحلواني: لو أكل من الكرم الذي دفع معاملة وهو قدحلف لا يأكل حراما لا يحنث، أما عندهما لا يشكل، وعند أبي حنيفة كذلك لان ذلك عقد فاسد عنده فقد أكل ملك نفسه اه‍. فالحق ما في فتح القدير وإنما ذكر المؤلف كيل المشتري وحده دون كيل البائع مع أن الحديث اشتراط الصاعين لان صاع البائع ليس بلازم لكل بيع لان البائع إذا ملكه بالارث أو المزارعة أو كان شراؤه مجازفة أو استقرض حنطة على أنها كر ثم باعها فالحاجة إلى كيل المشتري وإن كان الاستقراض تمليكا بعوض كالشراء لكنه شراء صورة عارية حكما لان ما يرده عين المقبوض حكما ولهذا لم يجب قبض بذله في مال الصرف فكان تمليكا بلا عوض حكما. ولو

[ 197 ]

اشترى مكايلة ثم باع مجازفة قبل الكيل وبعد القبض في ظاهر الرواية لا يجوز لاحتمال اختلاط ملك البائع بملك بائعه. وفي نوادر ابن سماعة: يجوز وإنما يحتاج إلى كيل البائع إذا كان البائع اشتراه مكايلة. وظاهر كلام المصنف يدل على أن كيل البائع لا يكفي عن كيل المشتري وهو محمول على ماذا كاله البائع قبل البيع مطلقا أو بعده في غيبة المشتري، أما إذا كاله في حضرته فإنه يغني عن كيله وهو الصحيح لان المبيع صار معلوما بكيل واحد وتحقق معنى التسليم، ومجمل الحديث اجتماع الصفقتين على ما تبين في السلم إن شاء الله تعالى، كذا في الهداية. ومن هنا ينشأ فرع وهو ما لوكيل طعام بحضرة رجل ثم اشتراه في المجلس ثم باعه مكايلة قبل أن يكتاله بعد شرائه لا يجوز هذا البيع، سواء اكتاله للمشتري منه أو لا، لانه لما لم يكتل بعد شرائه هو لم يكن قابضا فبيعه بيع ما لم يقبض، كذا في فتح القدير قوله: (ومثله الموزون والمعدود) أي مثل المكيل شراء الموزون وزنا والمعدود عددا فلا يجوز البيع والاكل حتى يعيد الوزن والعد وهو مقيد بغير الدراهعم والدنانير أما هما فيجوز التصرف فيهما بعد القبض قبل الوزن، كذا في الايضاح. وقيد بالمبيع لما في المحيط: لو كان المكيل أو الموزون ثمنا يجوز التصرف فيه قبل الكيل والوزن لانه إذا جاز قبل القبض فقبل الكيل أولى. وهذا كله في غير بيع التعاطي، أما هو فقال في القنية: ولا يحتاج في بيع التعاطي في الموزونات إلى وزن المشتري ثانيا لانه صار بيعا بالقبض بعد الوزن اه‍. وفي الخلاصة: وعليه الفتوى. قوله: (لا المذروع) أي لا يحرم بيعه والتصرف فيه قبل إعادة الذرع بعد القبض وإن كان اشتراه بشرط الذرع لانه الزيادة له إذ الذرع وصف في الثوب واحتمال النقص إنما يوجب خياره وقد أسقطه ببيعه بخلاف القدر، وظاهر كلامهم أنه لو أفرد لكل ذراع ثمنا صار كالموزون وقد صرح به العيني في شرح الكنز قوله: (وصح التصرف في الثمن قبل قبضه) لقيام المطلق وهو الملك وليس فيه غرر الانفساخ بالهلاك لعدم تعينها بالتعيين بخلاف المبيع، كذا في الهداية. وظاهره أنه مخصوص بما لا يتعبن والحكم أعم منه ولذا قال في فتح القدير: سواء كان مما يتعين أو لا سوى بدل الصرف والسلم لان للمقبوض حكم عين المبيع

[ 198 ]

في السلم والاستبدال بالمبيع قبل القبض لا يجوز، وكذا في الصرف وأيده السمع إلى آخره. وأطلق التصرف قبل قبضه لقيام المطلق فشمل البيع والهبة والاجارة والوصية وتمليكه ممن عليه بعوض وغير عوض إلا تمليكه من غير من هو عليه فإنه لا يجوز. وأشار المؤلف بالثمن إلى كل دين فيجوز التصرف في الديون كلها قبل قبضها ما المهر والاجارة وضمان المتلفات سوى الصرف والسلم ما قدمناه، وأما التصرف في الموروث والموصى به قبل القبض فقدمنا جوازه قوله: (والزيادة فيه) أي صحت الزيداة في الثمن قوله: (والحط منه) أي من الثمن ويلتحقان بأصل العقد عندنا، وعند زفر يلتحقان وإنما يصحان على اعتبار ابتداء الصلة لانه لا يمكن تصحيح الزيادة ثمنا لانه يصير ملكه عوض ملكه فلا يلتحق بأصل العقد، وكذا الحط لان كل الثمن صار مقابلا بكل المبيع فلا يمكن اخراجه فصار برا مبتدأ. ولنا أنهما بالحط والزيادة يغيران العقد من وصف مشروع إلى وصف مشروع وهو كونه رابحا أو خاسرا أو عدلا. ولهما ولاية الرفع فأولى أن يكون لهما ولاية لتغيير فصار كما إذا اسقطا الخيار أو شرطاه بعد العقد، وإذا صح ليلتحق بالعقد لان وصف الشئ يقوم به لا بنفسه بخلاف حط الكل لانه تبديل لاصله لا تغيير لوصفه ولذا قيد بقوله منه لاخراج حط الكل، وفائدة الالتحاق تظهر في مسائل: الاولى التولية. الثانية المرابحة فيجوز على الكل في الزيادة وعلى الباقي بعد المحطوط. الثالثة الشفعة حتى يأخذ الشفيع بما بقي في الحط، وإنما كان له أن يأخذ بدون الزيادة لما فيها من إبطال حقه الثابت فلا يملكانه. الرابعة في الاستحقاق حتى يتعلق الاستحقاق بالجميع فيرجع المشتري على البائع بالكل ولو أجاز المستحق البيع أخذ الكل. الخامسة في حبس المبيع فله حبسه حتى يقبض الزيادة. السادسة

[ 199 ]

في فساد الصرف بالحط أو الزيادة للربا كأنهما عقداه متفاضلا ابتداء. ومنع أبو يوسف صحة الزيادة فيه والحط ولم يبطل البيع، ووافقه محمد في الزيادة وجوز الحط على أنه هبة مبتدأة، كذا في الخلاصة. ولم يذكر المصنف شرط صحة الزيادة في الثمن وشرط لها في الهداية بقاء المبيع فلا يصح بعد هلاك المبيع في ظاهر الرواية لان المبيع لم يبق على حالة يصح الاعتياض عنه والشئ يثبت ثم يستند بخلاف الحط لانه بحال يمكن إخراج البدل عما يقابله فيلتحق بأصل العقد استنادا اه‍. بخلاف الزيادة في المبيع فإنها جائزة بعد هلاكه لانها تثبت بمقابلة الثمن وهو قائم، كذا في الخلاصة. وفي الخلاصة أيضا: وشرطها في الثمن من الشترين بقاء المبيع وكونه محلا للمقابلة في حق المشتري حقيقة، ولو كانت جارية فأعتقها أو دبرها أو استولدها أو كاتبها أو باعها من غيره بعد القبض ثم زاد في الثمن لا يجوز، والمذكور في الكتاب قولهما وهما رويا عنأبي حنيفة أنه يجوز. ولو أجرها أو رهنها أو اشترى شاة فذبحها ثم زاد في الثمن جاز بخلاف ما إذا ماتت الشاة ثم زاد في الثمن فإنه لا يجوز لانها لم تبق محلاف للبيع بخلاف الاول حيث قام الاسم والصورة وبعض المنافع، وجملة هذا في كتاب نظم الزندوستي قال: أحد عشر شيأ إذا فعل المشتري ثم زاد في الثمن لا يصح: أولها إذا كانت حنطة فطحتها أو دقيقا فخبزه أو لحما فجعله قلية أو سكباجة أو جعله إربا إربا أو كان عبدا فأعتقه أو كاتبه أو دبره أو استولد الجارية أو قطنا فغزله أو غزلا فنسجه. الحادي عشر أو كانت جارية فماتت ولو فعل اثنتي عشر ثم زاد يجوز أولها المبيع لو كانت شاة فذبحها. وإن كان قطنا محلوجا فندفه أو غير محلوج فحلجه أو كرباسا فخاطه خريطة من غير أن يقطعه أو حديدا فجعله سيفا أو كانت جارية فرهنها أو أجرها أو كانت خرابة بناها أو آجرها أو أجر الارض ثم زاد في الثمن. ومنها إذا باعها ثم إن المشتري الثاني لقي البائع الاول فزاد في الثمن جاز. ومنها المزارع إذا زاد رب الارض السدس في نصيبه والبذر منه قبل أن يستحصده جاز وبعده لا، الكل في النظم اه‍. وفي تلخيص الجامع من باب ما يمنع الزيادة في الثمن: تلحق العقد مغيرا وصفه لا أصله حذار اللغو كالخيار بعد ما زاد الاصل ولدا 2 (212) وار وكذا قوله وتمامه فيه، ولو عبر

[ 200 ]

باللزوم بدل الصحة لكان أولى لانها لازمة حتى لو ندم المشتري بعد ما زاد يجبر إذا امتنع كما في الخلاصة. وأطلقها فشمل ما إذا كانت من جنس الثمن أو من غيره وما إذا كانت في مجلس العقد أو بعد مدة كما في الخلاصة. وترك قيدا لا بد منه وهو قبول البائع في المجلس حتى لو زاده فلم يقبل حتى تفرقا بطلت، كذا في الخلاصة. وأطلق فيمن زاد فشمل المشتري ووارثه فتصح الزيادة من الورثة كما تصح من العاقدين، كذا في الخلاصة. وهو شامل للزيادة في المبيع أيضا لكن يرد عليه الزيادة من الاجنبي وحاصلها كما في الخلاصة معزيا إلى الجامع الكبير: لوزاد الاجنبي فإن زاد بأمر المشتري يجب على المشتري لا على الاجنبي كالصلح، وإن زاد بغير أمره فإنه أجازه المشتري لزمته، وإن لم يجز بطلت الزيادة. ولو كان حين زاد ضمن عن المشتري أو أضافها إلى مال نفسه لزمته الزيادة، ثم إن كان بأمر امشتري رجع وإلا فلا، وأما الحط فأنه جائز في جميع المواضع في موضع تجوز الزيادة وفي موضع لا تجوز اه‍. وأما الزيادة في المهر فشرطها بقاء المرأة فلو زاد فيه بعد موتها لم تصح، وأما الزيادة بعد طلاقها أو عتقها لو كانت أمة فقدمنا أحكامها في المهر، وأما الزيادة في الاجرة بعد استيفاء بعض المعقود عليه فغير صحيحة وتجوز الزيادة في العين والمدة، كذا في القنية. وأما الزيادة في الرهن فسيأتي أنها صحيحة في الرهن لا في الدين. وفي الخيانة من كتاب المزارعة: لو زاد أحدهما في نصيب الآخر إن كان قبل إدراك الزرع جاز مطلقا، وإن كان بعده جاز من الذي لا بذر له لانه حط ولا يجوز من البذر منه لانه زيادة وشرطها قيام السلعة اه‍. قوله: (والزيادة في المبيع) أي وصحت ولزم البائع دفعها بشرط قبول المشتري وتلتحق أيضا فيصير لها حصة من الثمن حتى لو هلكت الزيادة قبل القبض تسقط حصتها من الثمن بخلاف الزيادة المتولدة من المبيع حيث لا يسقط شئ بهلاكها قبل القبض، وكذا إذا زاد في الثمن عرضا كما لو اشتراه بمائة وتقابضا ثم زاده المشتري عرضا قيمته خمسون وهلك العرض قبل التسليم ينفسخ العقد في ثلاثة، كذا في القنية. وقدمنا أنه لا يشترط فيها قيام المبيع فتصح بعد هلاكه بخلاف الزيادة في الثمن وقد ذكر الزيادة في المبيع ولم يذكر الحط وذكرهما في الثمن فظاهره عدم صحة الحط من المبيع. وصر في المحيط بأن المبيع إن كان دينا يصح الحط منه، وإن كان عينا لم يصح الحط منه لانه إسقاط وإسقاط العين لا يصح ا ه‍. قيد

[ 201 ]

بالمبيع لان الزيادة في الزوجة كما إذا زوجه أمة فزاده أخرى لم يصح بخلاف الزيادة في المهر وأطلق في الحط من الثمن فشمل ما إذا كان قبل قبضه أو بعده فإذا حط عنه بعد ما أوفاه الثمن أو أبرأه فقال في الذخيرة: لو ذهب بعض الثمن من المشتري قبل القبض أو أبرأه عن القبض فهو حط، وإن كان بعد القبض ثم حط البعض أو وهبه صح ووجب على البائع مثل ذلك للمشتري، ولو أبرأه عن البعض بعد القبض لا يصح وكايجب أن لا تصح الهبة والحط بعد القبض أيضا كالابراء لان المشتري قد برئ من الثمن بالايفاء والهبة والحط لم يصادف دينا قائما في ذمة المشتري. والجواب أن الدين باق في ذمة المشتري بعد القضاء لانه لم يقض عين الواجب حتى لا يبقى في الذمة إنما قضى مثله فبقي ما في ذمته على حاله إلا أن المشتري لا يطالب به لان له مثل ذلك على البائع بالقضاء، فلو طالب البائع المشتري بالثمن كان للمشتري أن يطالب البائع أيضا فلا تفيد مطالبة كل واحد منهما صاحبه، فعلم أن الثمن باق في ذمة المشتري بعد القضاء والهبة والحط صادف دينا قائما في ذمة المشتري بعد القضاء. وإنما لم يصح الابراء لان الابراء على نوعين: براءة قبض واستيفاء وبراءة إسقاط. فإذا أطلق حمل على الاول لانه أقل كأنه نص عليه وقال أبرأتك براءة قبض واستيفاء وفيه لا يرجع. ولو قال أبرأتك براءة إسقاط صح ووجب على البائع رد ما قبض من المشتري بخلاف الهبة والحط لا يتنوع إلى نوعين وإنما هي اسقاط، وإذا وهب كل الدين أو حط أو أبرأه منه فهو على ما كرنا. هذا جملة ما أورده شيخ الاسلام في شرح كتاب الشفعة وفي شرح كتاب الرهن. وذكر شمس الائمة السرخسي في الباب الثاني في شرح كتاب الرهن أن الابراء المضاف إلى الثمن بعد الاستيفاء صحيح حتى يجب على البائع رد ما قبض من المشتري وسوى بين الابراء والهبة والحط فيتأمل عند الفتوى. واختلفوا فيما إذا أبرأه لم يعين أنها إسقاط أو استيفاء. فإن قلت: هل لبقاء الدين بعد ايفائه فائدة أخرى؟ قلت: نعم لو كان بالدين رهن ثم قضاه الدين ثم هلك الرهن في يد المرتهن هلك بالدين ووجب عليه رد المقبوض بخلاف ما لو أبرأه ثم هلك. قال الزيلعي في بابه: والفرق أن الابراء يسقط به الدين أصلا وبالاستيفاء لا يسقط لقيام الموجب للدين وقد كتبنا في الفوائد الفقهية من كتاب

[ 202 ]

المدانيات له فائدتين أيضا قوله: (ويتعلق الاستحقاق بكله) أي بكل ما وقع العقد عليه وبالزيادة فلا يطالب المشتري بالمبيع حتى يدفع الزيادة وللبائع حبسه حتى يقبضها، وإذا استحق المبيع رجع المشتري على بائعه بالكل، وإذا أجار المستحق استحق الكل، وإذا رد المبيع بعيب أو خيار شرط أو رؤية رجع المشتري على بائعه بالكل. وفي فتاوي قاضيخان من الشفعة: الوكيل بالبيع إذا باع الدار بألف ثم إن الوكيل حط عن المشتري مائة من الثمن صح حطه ويضمن قدر المحطوط للآمر ويبرأ المشتري عن المائة ويأخذ الشفيع الدار بجميع الثمن لان حط الوكيل لا يلتحق بأصل العقد ا ه‍. قوله: (وتأجيل كل دين إلا القرض) أي صح لان الدين حقه فله أن يؤخره، سواء كان ثمن مبيع أو غيره تيسيرا على من عليه ألا ترى أنه يملك ابراءه مطلقا فكذا مؤقتا. ولا بد من قبوله ممن عليه الدين فلو لم يقبله بطلب التأخير فيكون حالا، كذا ذكره الاسبيجابي. ويصح تعليق التأجيل بالشرط فلو قال رب الدين لمن عليه ألف حالة إن دفعت إلي غدا خمسمائة فالخمسمائة الاخرى مؤخرة عنك إلى سنة فهو جائز، كذا في الذخيرة. وإنما لا يؤجل القرض لكونه إعارة وصله في الابتداء حتى يصح بلفظ الاعارة ولا يملكه من لا يملك التبرع كالصبي والوصي ومعاوضة في الانتهاء فعلى اعتبار الابتداء لا يلزم التأجيل فيه كما في الاعارة إذ لا جبر في التبرع، وعلى اعتبار الانتهاء لا يصح لانه يصير بيع الدراهم بالدراهم نسيئة وهو ربا، ومرادهم من الصحة اللزوم ومن عدم صحته في القرض عدم اللزوم. وأطلقه فشمل ما إذا أجله بعد الاستهلاك أو قبله هو الصحيح، وليس من تأجيل القرض تأجيل بدل الدراهم أو الدنانير المستهلكة إذ باستهلاكها لا تصير قرضا، والحيلة في لزوم تأجيل القرض أن يحيل المستقرض المقرض على آخر بدينه فيؤجل المقرض ذلك الرجل

[ 203 ]

المحال عليه فيلزم حينئذ، كذا في فتح القدير. وإذا لزم فإن كان للمحيل على المحال عليه دين فلا إشكال وإلا أقر المحيل بقدر المحال به للمحال عليه مؤجلا إليه. أشار في المحيط وفي الظهيرية القبض المجحود يجوز تأجيله. وفي القنية من كتاب المداينات: قضى القاضي بلزوم الاجل في القرض بعد ما ثبت عنده تأجيل القرض معتمدا على قول مالك وابن أبي ليلى يصح ويلزم الاجل. وفي تلخيص الجامع من كتاب الحوالة: لو كفل بالحال مؤجلا تأخر عن الاصيل وإن كان قرضا لان الدين واحد وهي حيلة تأجيل القرض إذ يثبت ضمنا م يمتنع قصدا كبيع الشرب والطريق، ولا يلزم ما أجل بعد الكفلة إذ موضوعها أن يضيف إلى اللازم بالكفالة إلا الدين حتى لو عكس تأخر عن الاصيل أيضا حذ والابراء ا ه‍. ولم يستثن المصنف رحمه الله تعالى من عدم صحة تأجيل القرض شيأ واستثنى منه في الهداية ما إذا أوصى أن يقرض مما له ألف درهم فلانا إلى سنة حيث يلزم من ثلثه أن يقرضوه ولا يطالبوه قبل المدة لانه وصية بالتبرع بمنزلة الوصية بالخدمة والسكنى فيلزم حقا للموصي اه‍. ولا ينحصر في هذه الصورة بل كذلك إذا كان له قرض على إنسان فأوصى أن يؤجل سنة صح ولزم كما في القنية. وقد كتبنا في الفوائد الفقهية أن المستثنى لا ينحصر في القرض بل كذلك لا يصح تأجيل الدين في صور: الاولى لو مات المديون وحل المال أجل الدائن وأرثه لم يصح لان الدين في الذمة وفائدة التأجيل أن يتجر فيؤدي الثمن من نماء المال، فإذا مات من له الاجل تعين المتروك لقضاء الدين فلا يفيد التأجيل، كذا في الخلاصة، وظاهره أنه في كل دين. وذكره في القنية في القرض. الثانية أجل المشتري الشفيع في الثمن لم يصح كما سيأتي فيها وهو مذكور في القنية. وفي الخلاصة: بموت البائع لا يبطل الاجل ويبطل بموت المشتري. الثالثة تأجيل ثمن المبيع عند الاقالة لا يصح كما قدمناه عن القنية. والحاصل أن تأجيل الدين على ثلاثة أوجه: باطل وهو تأجيل بدلي الصرف والسلم، وصحيح غير لازم وهو القرض والدين بعد الموت وتأجيل الشفيع وثمن المبيع بعد الاقالة، ولازم فيما عدا ذلك. قال قاضيخان في فتاواه: المديون قال برئت من الاجل أو لا حاجة لي في الاجل لهذا الدين لم يكن إبطالا للاجل، ولو قال أبطلت الاجل أو قال تركته صار حالا، والمديون إذا قضى الدين قبل حلول الاجل فاستحق المقبوض من القابض أؤو وجده زيوفا فرده كان الدين عليه إلى أجله، ولو اشترى من مديونه شيأ بالدين وقبضه ثم تقايلا البيع لا يعود الاجل، ولو

[ 204 ]

وجد بالمبيع عيبا فرده بقضاء عاد الاجل، ولو كان بهذا الدين المؤجل كفيل لا تعود الكفالة في الوجهين ا ه‍. وفي الخلاصة: ا ه‍. وإبطال الاجيبطل بالشرط الفاسد ولو قال كلما دخل نجم ولم يؤدي فالمال حال صح والمال يصير حالا تتمة في مسائل القرض. قال في المحيط: ويجوز القرض فيما هو من ذوات الامثال كالمكيل والموزون والعددي المتقارب كالبيض والجوز لان القرض مضمون بالمثل، ولا يجوز في غير المثلي لانه لاة يجب دينا في الذمة ويملكه المستقرض بالقبض كالصحيح، والمقبوض بقرض فاسد يتعين للرد، وفي القرض الجائز لا يتعين بل يرد المثل وإن كان قائما. وعن أبي يوسف ليس له إعطاء غيره إلا برضاه وعارية ما جاز قرضه قرض وما لا يجوز قرضه عارية، ولا يجوز قرض جر نفعا بأن أقرضه دراهم مكسرة بشرط رد صحيحة أو أقرضه طعاما في مكان بشرط رده في مكان آخر، فإن قضا أجود بلا شرط جاز ويجبر الدائن على قبول الاجود وقيل لا، كذا في المحيط. وفي الخلاصة: القرض بالشرط حرام والشرط ليس بلازم بأن يقرض على أن يكتب إلى بلد كذا حتى يوفي دينه ا ه‍. وفي المحيط: ولا بأس بهدية من عليه القرض والافضل أن يتورع إذا علم أنه إنما يعطيه لاجل القرض أو أشكل، فإن علم أنه يعطيه لا لاجل القرض بل لقرابة أو صداقة بينهما لا يتورع، وكذا لو كان المستقرض معروفا بالجود والسخاء جاز. ولا يجوز قرض مملوك أو مكاتب درهما فصاعدا لان فيه معنى التبرع. ولو اشترى بقرض له عليه فلوسا جاز ويشترط قبضها في المجلس، ولو أمر المقرض المستقرض أن يصارف بماله عليه لم يجز عند أبي حنيفة خلافا لهما وهي مسألة أسلم مالي عليك. ولو دفع المستقرض إلى المقرض دراهم ليصرفها بدنانير ويأخد حقه منه فهو وكيل وأمين، فلو تلفت قبل أن يستوفي دينه لا يبطل دينه. وبيع الدين بالدين جائز إذا افترقا عن قبضهما

[ 205 ]

في الصرف أو عن قبض أحدهما في غير الصرف. ولو اشترى المستقرض الكر القرض من المقرض جاز ويشترط قبض ثمنه في المجلس، فإن أدى الثمن فوجد بالكر عيبا رده أو

[ 206 ]

رجع بنقصان العيب، ولو اشترى ما عليه بكر مثله جاز إن كان عينا ولا يجوز إن كان دينا، فلو وجد بالمقروض عيبا لم يرجع بنقصان العيب. ولو اشترى المستقرض كر المقرض بعينه لم يجز لانه ملكه إلا في رواية عن أبي يوسف. ولو باعه من المقرض جاز ولا ينفسخ القرض ا ه‍. وفي القنية من باب القروض: شراء الشئ اليسير بثمن غال إذا كان له حاجة إلى القرض يجوز ويكره. استقرض عشرة دراهم فأرسل عبده ليأخذها من المقرض فقال المقرض دفعته إليه وأقر العبد به وقال دفعتها إلى مولاي وأنكر المولى قبض العبد العشرة فالقول له ولا شئ عليه، ولا يرجع المقرض على العبد لانه أقر أنه قبضها بحق. استقراض الدقيق وزنا يجوز والاحتياط أن يبرئ كل صاحبه والجواز رواية عن أبي يوسف، ورواية الاصل بخلافه. استقراض الحنطة وزنا يجوز، وعنهما خلافه. بخاري استقرض من سمرقندي حنطة بسمرقند ليدفعها ببخاري ليس له المطالبة إلا بسمرقند، وفي استقراض السرقين اختلاف المشايخ بناء على أنه مثلي أو قيمي. واستقراض العجين في بلادنا وزنا يجوز لا جزافا، ولم يتعرض لاستقراض الخميرة وينبغي الجواز عن غير وزن، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن خميرة يتعاطاها الجيران أيكون ربا؟ فقال: ما رآه المسلمون حسنا فهو حسن عند الله وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح. أنفق من قصاب لحوما ولم يذكر أنه قرض أو شراء فذلك قرض فاسد يملكه

[ 207 ]

بالقبض ولا يحل أكله القرض الفاسد يفيد عند القبض الملك يعطيه مديونه حنطة ينفقها ويحسبانها فله إنفاقها وتكون قرضا. والدبس من ذوات القيم فينبغي أن لا يجوز استقراضه. عشرون رجلا جاؤا واستقرضوا من رجل وامروه أن يدفعها الدراهم إلى واحد منهم فدفع ليس له أن يطلب منه إلا حصته، وحصل بهذا رواية مسألة أخرى أن التوكيل بقبض القرض يصح وإن لم يصح التوكيل بالاستقراض ا ه‍. والله أعلم. باب الربا وجه مناسبته للمرابحة أن في كل منهما زيادة إلا أن تلك حلال وهذه حرام والحل هو الاصل في الاشياء فقدم ما يتعلم بتلك الزيادة على ما يتعلق بهذه. والربا بكسر الراء وفتحها خطأ. وفي المصباح: الربا بالفضل والزيادة وهو مقصور على الاشهر، ويثني ربوان بالواو على الاصل وقد يقال ربيان على التخفيف، وينسب إليه على لفظه فيقال ربوي، قاله أبو عبيد وغيره. وزاد المطرزي فقال: الفتح في النسبة خطأ ا ه‍. وليس المراد مطلق الفضل بالاجماع فإن فتح الاسواق في سائر بلاد المسلمين للاستفضال والاسترباح وإنما المراد فضل مخصوص فلذلك عرفه شرعا بقوله قوله: (فضل مال بلا عوض في معاوضة ما بمال) أي فضل أحد المتجانسين على الآخر بالعيار الشرعي أي الكيل والوزن ففضل قفيزي شعير على قفيزي بر لا يكون ربا، وكذا فضل عشرة أذرع من ثوب هروي على خمسة منه. وقيد بقوله بلا عوض أي خال عنه ليخرج بيع كربروكر شعير بكري بروكري شعير فإن للثاني فضلا على الاول لكنه غير خال عن العوض لصرف الجنس إلى خلاف جنسه. وقيد المعاوضة لان الفضل الخالي عن العوض الذي في الهبة ليس بربا. وترك المصنف قيدا لا بد منه وهو أن يكون الفضل

[ 208 ]

الخالي مشروطا في العقد لاحد المتعاقدين. وقيد قيده به في الوقاية وقال شارحها: إنما قيد به لانه لو شرط لغيرهما لا يكون ربا. وفي البناية قال علماؤنا: هو بيع فيه فضل مستحق لاحد المتعاقدين خال عما يقابله من عوض شرط في هذا العقد، وعلى بهذا سائر أنواع البيوع الفاسدة من قبيل الربا. وفي الذخيرة من كتاب المداينات من الفصل الثاني عشر في المتفرقات قال محمد: إذا اشترى الرجل من آخر عشرة دراهم فضة بعشرة دراهم فزاد عليها دانقا فوهبه دانقا ولم يدخله في البيع إن لم يكن مشروطا في الشراء لا يفسد الشراء لانه إذا وهب الدانق منه انعدم الربا قالوا: إنما تصح هبة الدانق إذا كانت الدراهم بحيث ضرها الكسر لانها حينئذ هبة مشاع فيما لا يحتمل القسمة ا ه‍. وفي جمع العلوم: الربا شرعا عبارة عن عقد فاسد وإن لم يكن فيه زيادة لان بيع الدرهم بالدرهم نسيئة ربا وإن لم يتحقق فيه زيادة ا ه‍. ولا يرد على المصنف ما في جمع العلوم من ربا النسيئة لان فيه فضلا حكميا والفضل في عبارته أعم منه ومن الحقيقي، وظاهر ما في جمع العلوم وغيره أن المشتري يملك الدرهم

[ 209 ]

الزائد إذا قبضه فيما إذا اشترى درهمين بدرهم فإنهم جعلوه من قبيل الفاسد، وهكذا صرح به الاصوليون في بحث النهي فقالوا: إن الربا وسائر البيوع الفاسدة من قبيل ما كان مشروعا بأصله دون وصفه. وفي كتاب المداينات من القنية قال أستاذنا: وقعت واقعة في زماننا أن رجلا كان يشتري الذهب الردئ زمانا الدينار بخمسة دوانق ثم تنبه فاستحل منهم فأبرؤه عما بقي لهم عليه حال كون ذلك مستهلكا فكتبت أنا وغيري أنه يبرأ. أو كتب ركن الدين الرانحاوي الابراء لا يعمل في الربا لان رده لحق الشرع وقال: أجاب به نجم الائمة الحكيمي معللا بهذا التعليل وقال: هكذا سمعته عن ظهير الدين المرغيناني. قال رضي الله عنه: فقرب من ظني أن الجواب كذلك مع تردد فكنت أطلب الفتوى لامحو جوابي عنه فعرضت هذه المسألة على علاء الدين الحناطي فأجاب أنه يبرأ إذا كان الابراء بعد الهلاك وغضب من جواب غيره أنه لا يبرأ فازداد ظني بصحة جوابي ولم أمحه، ويدل على صحته ما ذكره البزدوي في غناء الفقهاء من جملة صور البيع الفاسد جملة العقود الربوية يملك العوض فيها بالقبض. قلت: فإذا كان فضل الربا مملوكا للقابض بالقبض فإذا استهلكه على ملكه ضمن مثله، فلو لم يصح الابراء ورد مثله يكون ذلك رد ضمان ما استهلكه لا رد عين ما استهلك، وبرد ضمان ما استهلك لا يرتفع العقد السابق بل يتقرر مفيدا للملك في فضل الربا فلم يكن في رده فائدة

[ 210 ]

نقض عقد الربا فيجب ذلك حقا لله تعالى، وإنما الذي يجب حقا للشر رد عين الربا إن كان قائما لا رد ضمانه، انتهى ما في القنية. وهو محرم بالكتاب والسنة والاجماع. أما الكتاب فآيات منها * (وحرم الربا) * [ البقرة: 572 ] والمراد به فيها الفضل وهو الزيادة ليتعلق التحريم به لان الاحكام لا تتعلق إلا بفعل المكلفين. ومنها * (لا تأكلوا الربا) * [ آل عمران: 031 ] والمراد منه فيه نفس الزائد في بيع الاموال الربوية عند بيع بعضها بجنسه. وفي المعراج: ذكر الله لآكل الربا خمس عقوبات: أحدها التخبط قال تعالى * (لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) * [ البقرة: 572 ] قيل في معناه تنتفخ بطنه يوم القيامة فيصير لا تحمله قدماه فيصير كلما قام سقط بمنزلة من أصابه المس، ويؤيده الحديث يملا بطنه نارا بقدر ما أكل من الربا والمراد به الافتضاح على رؤوس الاشهاد كما في حديث آخر ينصب لواء يوم القيامة لآكلي الربا فيجمتعون تحته ثم يساقون إلى النار والثاني المحق قال الله تعالى * (يمحق الله الربا) * [ البقرة: 672 ] والمراد الهلاك والاستئصال، وقيل ذهاب البركة والاسستمتاع حتى لا ينتفع هو به ولا ولده من بعده. والثالث الحرب قال الله تعالى * (فآذنوا بحرب من الله ورسوله) * [ البقرة: 972 ] المعنى في القراءة بالمد اعلموا الناس يا أكلة الربا أنكم حرب الله ورسوله بمنزلة قطاع الطريق، وفي قراءة بفير المدأي اعلموا أن أكلة الربا حرب لله. الرابع الكفر قال الله تعالى * (وذروا ما بقي من الربا أن كنتم مؤمنين) * [ البقرة: 872 ] وقال * (والله يحب كل كفار أثيم) * أي كفار باستحلال الربا والخامس الخلود في النار قال تعالى * (ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) * [ البقرة: 572 ] يؤيده قوله صلى الله عليه وسلم كل درهم واحد من الربا أشد من ثلاث وثلاثين زنية يزنيها الرجل ومن نبت لحمه من الحرام فالنار أولى به والمقصود من كتاب البيوع بيان الحلال الذي هو بيع شرعا والحرام الذي هو ربا ولهذا قيل لمحمد: لا تصنف في الزهد شيأ؟ قال: صنفت كتاب البيوع وليس الزهد إلا اجتناب الحرام والرغبة في الحلال، كذا في المبسوط. وأما السنة فأكثر من أن تحصى ال الامام الاسبيجابي: اتفقوا على أنه إذا أنكر ربا النساء يكفر وفي ربا الفضل في القدر اختلاف فإن ابن عباس رضي الله تعالى عنه لا يرى الربا إلا في النسيئة للحديث إنما الربا في النسيئة وكلمة إنما للحصر إلا أن عامة الصحابة احتجوا بأحاديث. والجواب عن تعلق ابن عباس أنه منصرف إلى ما ليس بمكيل ولا موزون لقوله آخره إلا ما كيل أو وزن على أن ابن عباس رجع عن هذا القول، فإن لم يثبت رجوعه فاجماع التابعين به يرفعه ا ه‍. ما في المعراج. وفي الخلاصة: لو قضى بجواز بيع الدرهم بالدرهمين يدا بيد بأعيانهما أخذا

[ 211 ]

بقول ابن عباس لا ينفذ وإن كان مختلفا بين الصحابة لانه لا يعلم أن أحذا من الصحابة وافقه فكان مهجورا ا ه‍. وفي القنية من الكراهية: بأس بالبيوع التي يفعلها الناس للتحرز عن الربا. ثم رقم آخر هي مكروهة ذكر البقالي الكراهة عن محمد وعندهما لا بأس به. قال الزرنجري: خلاف محمد في العقد بعد القبض أما إذا باع ثم دفع الدراهم لا بأس بالاتفاق ا ه‍. وفي القنية من الكراهية: يجوز للمحتاج الاستقراض بالربح ا ه‍. وفي الخلاصة معزيا إلى النوازل رجل له على آخر عشرة دراهم فأراد أن يؤجلها إلى سنة ويأخذ منه ثلاثة عشر فالحيلة أن يشتري منه بتلك العشرة متاعا ويقبض المتاع منه وقيمة المتاع عشرة ثم يبيع المتاع منه بثلاثة عشر إلى سنة ا ه‍. قوله: (وعلته القدر والجنس) أي علة الربا أي وجوب المساواة التي يلزم عند فوتها الربا، هكذا فسره السفناقي في شرح الاخسيكتي في الاصول وذكره في الكافي سؤالا وجوابا. وفي فتح القدير: أي علة تحريم الزيادة ا ه‍. وفي المعراج: أي علة حرمة الربا ووجوب المساواة. والعلة في اللغة المرض الشاغل والجمع علل وأغله الله فهو معلول واعتل إذا مرض واعتل إذا تمسك بحجة وأعله بكلمة جعله ذا علة ومنه إعلالات الفقهاء واعتلالهم ا ه‍. وأما في الاصول فقالوا: إنها في اللغة هي المغير ومنه سمي المرض علة لانه بحلوله يتغير حال المحل عن وصف القوة إلى وصف الضعف، ولذا سمي الجرح علة لانه بحلوله بالمجروح يتغير حكم الحال. وفي الاصطلاح ما يضاف إليه ثبوت الحكم بلا واسطة. فخرج الشرط لانه لا يضاف إليه ثبوته والسبب والعلاقة وعلة العلة لانها بالواسطة، وهذا التعريف شامل للعلل الموضوعة كالبيع والنكاح ا ه‍. وللمستنبطة كالعلل المؤثرة في القياسات. والمراد بالقدر الكيل في المكيل والوزن في الموزون فانحصر المعرف للحكم فيهما، والتعبير بالقدر أصر لكنه يشمل ما ليس بصحيح إذ يشمل الذرع والعد وليسا من أموال الربا، كذا في فتح القدير. ولكن بعد ما وضعوا القدر بإزاء الكيل والوزن كيف يشمل غيرهما. والجنس في اللغة الضرب من كل شئ والجمع أجناس وهو أعم من النوع فالحيوان جنس والانسان نوع، وحكي عن الخليل هذا يجانس هذا أي يشاكله ونص عليه في التهذيب أيضا. وعن بعضهم فلان لا يجانس الناس إذا لم يكن له تمييز ولا عقل. والاصمعي ينكر هذين الاستعمالين ويقول: هو كلام المولدين وليس بعربي، كذا في المصباح. وفي فتح القدير: واختلاف الجنس يعرف باختلاف الاسم الخاص واختلاف المقصود فالحنطة والشعير جنسان عندنا لان أفراد كل منهما في الحديث يدل على ذلك، والثوب الهروي والمروي

[ 212 ]

- بسكون الراء - جنسان لاختلاف الصنعة وقيام الثوب بها، وكذا المروي المنسوج ببغداد وخراسان واللبد اللامتي والطالقاني والتمر كله جنس واحد، والحديد والرصاص والشبه أجناس، وكذا غزل الصوف والشعر واللحم الضاني والمعزي والبقري والالية واللحم وشحم البطن أجناس، ودهن البنفسج والخيري جنسان والادهان المختلفة أصولها أجناس، ولا يجوز بيع رطل زيت غير مطبوخ برطل مطبوخ مطيب لان الطيب زيادة ا ه‍ وفي المعراج: القدر عبارة عن العيار والجنس عبارة عن مشاكلة المعاني ا ه‍. والاصل في هذا الباب الحديث المشهور وهو قوله صلى الله عليه وسلم الحنطة بالحنطة والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح والذهب بالذهب مثلا بمثل يدا بيد وفيه روايتان بالرفع الحنطة أي بيع الحنطة مثل وينصب على الحال. وكذلك روي الرفع والنصب في يدا بيد فالرفع عطف على الخبر أي مثل ومقبوضة، والنصب على الحال بتأويله بالمشتق إي متناجزين. وهذا الحديث لشهرته ظن بعض العلماء أنه متواتر وليس كذلك لانه لا يصدق عليه حده. وقال الجصاص: إنه يقرب من المتواتر لكثرة رواته وهو مروي عن ستة عشرة صحابيا. عمر وعبادة بن الصامت وأبو سعيد الخدربي وسارية ابن أبي سفيان وبلال وأبو هريرة ومعمر بن عبد الله وأبو بكر وعثمان وهشام بن عامر والبراء وزيد بن أرقم وخالد بن عبيد وأبو بكرة وابن عمر وأبو الدرداء رضي الله تعالى عنهم. وقد أطال الكلام في بيانه في البناية ثم قال آخرا: وليس في الاحاديث المذكورة البداءة بالحنطة وإنما هي مذكورة في أثنائه، ولكنه ذكره في المبسوط عن محمد عن أبي حنيفة عن عطية العفوي عن أبي سعيد الخدري بادئا بالحنطة ا ه‍. والحكم معلول بإجماع القايسين لكن العلة عندنا ما ذكرناه. وعند الشافعي الطعم في المطعومات، والثمنية في الاثمان، والجنسية شرط والمساواة مخلص والاصل هو الحرمة عنده لانه نص على شرطين التقابض والمماثلة، وكل ذلك يشعر بالعزة والخطر كاشتراط الشهادة في النكاح فيعلل بعلة تناسب إظهار الخطر والعزة وهو الطعم لبقاء الانسان والثمنية لبقاء الاموال التي هي مناط المصالح بها ولا أثر للجنسية في ذلك فجعلناه شرطا، والحكم قد يدور مع الشرط. ولنا أنه أوجب المماثلة شرطا في البيع وهو المقصود بسوقه تحقيقا لمعنى البيع إذ هو ينبئ عن التقابل وذلك بالتماثل أو صيانة لاموال الناس عن التوي أو تتميما للفائدة باتصال التسليم به، ثم يلزم عند فوته حرمة الربا والمماثلة بين الشيئين باعتبار الصورة والمعنى والمعيار يسوي الذات والجنسية تسوي المعنى فيظهر الفضل على ذلك فيتحقق الربا لان الربا هو الفضل المستحق كما قدمناه، ولا يعتبر الوصف لانه لا يعد تفاوتا عرفا أو لان في اعتباره سد باب

[ 213 ]

البياعات أو لقوله عليه الصلاة والسلام جيدها ورديئها سواء والطعم والثمنية من أعظم وجوه المنافع والسبيل في مثلها الاطلاق بأبلغ الوجوه لشدة الاحتياج إليها دون التضييق فلا يعتبر بما ذكره، كذا في الهداية قوله: (وحرم الفضل والنساء بهما) أي بالقدر والجنس لوجود العلة بتمامها والفضل الزيادة والنساء بالمد التأخير، ولم يذكره في المصباح وإنما ذكر النسئ فقال: والنسئ مهموز على فعيل ويجوز الادغام لانه زائد وهو التأخير. والنسيئة على فعيله مثله وهما اسمان من نسأ الله أجله من باب نفع وأنسأه الله بألف إذا أخره ا ه‍. وفي البناية: النساء بفتح النون والمد البيع إلى أجل وفي فتح القدير أنه بالمد لا غير. قوله: (والنساء فقط بأحدهما) أي وحرم التأخير لا الفضل بوجود القدر فقط والجنس فقد وله صورتان: إحداهما باع حنطة بشعير متفاضلا صح لا نسيئة. الثانية باع ثوبا مرويا بمرويين جاز حاضرا، ولو باع عبدا بعبد إلى أجل لا يجوز لوجود الجنس. وقالالشافعي: الجنس بانفراده لا يحرم النساء لانه لا يثبت بالتأخير إلا شبهة الفضل وحقيقة الفضل جائز فالشبهة أولى. ولنا أنه مال الربا من وجه نظرا إلى القدر أو إلى الجنس والنقدية أوجبت فضلا في المالية فيتحقق شبهة الربا وهي مانعة عن الجواز كالحقيقة، كذا في الهداية. قال مولانا الاكمل: فيه بحث من وجهين: أحدهما ما قيل إن كونه من مال الربا من وجه شبهة وكون الشبهة أوجبت فضلا شبهة فصارت شبهة الشبهة فالشبهة هي المعتبرة دون النازل عنها. والثاني أن كونها شبهة الربا كالحقيقة إما إن يكون مطلقا أو في محل الحقيقة، والاول ممنوع، والثاني مسلم لكنها كانت جائزة فيما نحن فيه فيجب أن تكون الشبهة كذلك. والجواب عن الاول أن الشبهة الاولى في المحل، والثانية في الحكم، وثمة شبهة أخرى وهي التي في العلة، ولشبهة العلة والمحل تثبت شبهة الحكم لا شبهة الشبهة. وعن الثاني أن القسمة غير حاصرة بل الشبهة مانعة في محل الشبهة إذا وجدت العلة بكمالها ا ه‍. واستدل بعضهم لمذهبنا بنهيه عليه السلام عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة رواه أبو داود. وقال الترمذي: إنه حديث حسن صحيح. قال: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم وتمامه في البناية. وأورد أنه بعض العلة فلا يثبت به الحكم. وأجيب بأنه علة تامة لحرمة النساء وإن كان بعض علة الحرمة الفضل فلا يؤدي إلى توزيع أجزاء الحكم على أجزاء العلة، كذا في المعراج. وأورد أيضا أن ظاهر قول المصنف والنساء فقط بأحدهما يمنع جواز إسلام النقود في الزعفران أو القطن لوجود القدر وهو الوزن مع أنه جائز. فأ جاب عنه في الهداية بأنهما لا يتفقان في صفة الوزن، أما إذا اختلفا في المعنى فيجوز لان النقود توزن بالصنجات والزعفران بالامناء

[ 214 ]

فنقول: الدراهم مع الزعفران وإمن انفقا في الوزن صورة فقد اختلفا فيما يوزن به صورة ومعنى وحكما فيجوز التأخير، أما الاختلاف الصوري فما بيناه. وأما الاختلاف في المعنى فلان النقود لا تتعين بالتعيين والزعفران ونحوه يتعين، وأما الاختلاف في الاحكام فيجوز التصرف في النقود قبل قبضها بخلاف المثمن فلم يجمعهما القدر من كل وجه فنزلت الشبهة فيه إلى الشبهة فإن الموزونين إذا اتفقا كان المنع للشبهة، وإذا لم يتفقا كان ذلك شبهة الوزن والوزن وحده شبهة فكأن ذلك شبهة الشبهة وهي غير معتبرة. والصنجات بتحريك النون جمع صنجة. وعن ابن السكيت لا يقال بالسين وإنما يقال بالصاد. وفي المغرب: الصنجات بالتحريك جمع صنجة بالتسكين. وعن الفراء بالسين أفصح، وأنكر القتي السين أصلا. وفي فتح القدير: الوجه أن يضاف تحريم الجنس بانفراده إلى السمع كما ذكرناه، ويلحق به تأثير الكيل أو الوزن بانفراده ثم يستثنى إسلام النقود في الموزونات بالاجماع كي لا ينسد أكثر أبواب السلم، وسائر الموزونات خلاف النقد لا يجوز إسلامه في الموزونات وإن اختلفت أجناسها كإسلام الحديد في قطن أو زيت في جبن وغير ذلك إلا إذا خرج من أن يكون وزنيا بالصنعة إلا في الذهب والفضة، فلو أسلم سيفا فيما يوزن جاز إلا بالحديد لان السيف خرج من أن يكون موزونا، ومنعه في الحديد لاتحاد الجنس. وكذا يجوز بيع أناء من غير النقدين بمثله من جنسه يدا بيد نحاسا كان أو حديدا وإن كان أحدهما أثقل من الآخر بخلافه من الذهب والفضة فإنه يجري فيها ربا الفضل وإن كان لاتباع وزنا لان صورة الوزن منصوص عليها فيهما فلا تتغير بالصنعة فلا تخرج عن الوزن بالعادة، وأورد أنه ينبغي أن يجوز حينئذ إسلام الحنطة والشعير في الدراهم والدنانير لاختلاف طريقة الوزن. أجيب بأن امتناعه لامتناع كون النقد مسلما فيه لان المسلم فيه مبيع وهما متعينان للثمينة. وهل يجوز بيعا؟ قيل: إن كان بلفظ البيع يجوز بيعا بثمن مؤجل، وإن كان بلفظ السلم فقد قيل لا يجوز. وقال الطحاوي: ينبغي أن ينعقد بيعا بثمن مؤجل ا ه‍. وأما إسلام الفلوس في الموزون ففي فتح القدير: مقتضى ما ذكروه أن لا يجوز في زماننا لانها وزنية ا ه‍. وذكر

[ 215 ]

الاسبيجابي جوازه قال: لانها عددية بخلاف ما إذا أسلم فلوسا في فلوس فإنه لا يجوز لان الجنس بانفراده يحرم النساء اه‍. والواقع في زماننا وزنها بدار الضرب فقط، وأما التعامل في الاسواق فبالعد قوله: (وحلا بعدمهما) أي حل الفضل والنساء عند انعدام القدر والجنس فيجوز بيع ثوب هروي بمروييين نسيئة، والجوز بالبيض نسيئة لعدم العلة المحرم وعدم العلة وإن كان لا يوجب عدم الحكم لكن إذا اتحدت العلة لزم من عدمها العدم لا بمعنى أنها تؤثر العدم بل لا تثبت الوجود لعدم علة الوجود فيبقى عدم الحكم وهو عدم الحرمة فيما نحن فيه على عدمه الاصلي، وإذا عدم سبب الحرمة والاصل في البيع مطلقا الاباحة كان الثابت الحل. قوله: (وصح بيع المكيل كالبر والشعير والتمر والملح والموزون كالنقدين وما ينسب إلى الرطل بجنسه متساويا لا متفاضلا) فالبر والشعير والتمر والملح مكيلة أبدا النص رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها فلا يتغير أبدا فيشترط التساوي بالكيل، ولا يلتفت إلى التساوي في الوزن دون الكيل حتى لو باع حنطة بحنطة وزنا لا كيلا لم يجز، والذهب والفضة موزونة أبدا للنص على وزنهما فلا بد من التساوي في الوزن حتى لو تساوى الذهب بالذهب كيلا لا وزنا لم يجز، وكذا الفضة بالفضة لان طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم واجبة علينا لان النص أقوى من العرف فلا يترك الاقوى بالادنى، وما لم ينص عليه فهو محمول على عادات الناس لانها دلالة على جواز الحكم، وعن أبي يوسف اعتبارها على خلاف النص لان النص عليه في ذلك الوقت إنما كان للعادة فكانت هي المنظور إليها في ذلك الوقت وقد تبدلت. وأما الاسلام في الحنطة وزنا ففيه روايتان، والفتوى على الجواز لان الشرط كونه معلوما. وفي الكافي: الفتوى على عادة الناس. والرطل بكسر الراء وفتحها قال الجوهري: إنه نصف من وهو ما

[ 216 ]

يوزن به. وفي النهاية أنه اثنا عشر أوقية. وقال أبو عبيدة: الرطل مائة درهم وثمانية وعشرون درهما ووزن سبعة. وفي المغرب: الرطل ما يوزن به أو يكال به. وفي فتح القدير: ثم الرطل والاوقية مختلف فيهما عرف الامصار ويختلف في المصر الواحد أمر المبيعات فالرطل الآن بالاسكندرية ثلثمائة درهم واثنا عشر درهما كل عشرة وزن سبعة، وفي مصر مائة وأربعة وأربعون درهما، وفي الشام أكثر من ذلك فهو أربعة أمثاله، وفي حلب أكثر من ذلك. وتفسير أبي عبيده له تفسير للرطل العراقي الذي قدر به الفقهاء كيل صدقة الفطر وغيرها من الكفارات ا ه‍. وفسر في الهداية ما ينسب إلى الرطل بما يباع بالاواقي، وفسره قاضيخان أيضا فقال: وتفسيره أن ما يباع بالاواقي فهو وزني لانها قدرت بطريق الوزن وصارت وزنية، أما سائر المكاييل ما قدرت بالوزن فلا يكون وزنيا ا ه‍. حتى يحسب ما يباع وزنا، وهذا لانه يشق وزن الدهن بالامناء والصنجات لعدم الاستمساك إلا في وعاء وفي وزنت كل وعاء نوع حرج فاتخذ الرطل لذلك. والاواقي جمع أوقية بالتشديد وهي أربعون درهما، والمراد بها هنا مواعين معلومات الوزن. قال في الهداية: فإذا كان موزونا فلو بيع بمكيال لا يعرف وزنه بمكيال مثله لا يجوزه ولو كان سواء بسواء لتوهم الفضل في الوزن بمنزلة المجازفة. وفي التبيين: وهذا مشكل لان الشيئين إذا تساويا في كيل وجب أن يستويا في كيل آخر ولا تأثير لكون الكيل معلوما أو مجهولا في ذلك إذ لا يختلف ثقله فيهما، وفي النهاية قال الاسبيجابي: فائدة هذا أنه لو باع ما ينسب إلى الرطل بجنسه متفاضلا في الكيل متساويا في الوزن يجوز وهذا أحسن وهو قياس الموزونات فإنه لا يعتبر فيه إلا الوزن غير أنه يؤدي إلى أنه لا يجوز بالاواقي أيضا إذ لا فرق بين كيل وكيل على ما بيناه، ولا يندفع هذا الاشكال إلا إذا منع الجواز في الكيل ا ه‍. قوله: (وجيده كرديئه) أي جيد ما جعل فيه الربا كرديئه حتى لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا لقوله عليه السلام جيدها ورديئها سواء. وفي النهاية أنه غريب ومعناه يؤخذ من إطلاق حديث أبي سعيد الخدرى أو لان الوصف لا يعد تفاوتا عرفا أو لان في اعتباره سد باب البياعات. قيد بمال الربا لان الجودة معتبرة في حقوق العباد فإذا أتلف جيدا لزمه مثله قدرا وجودة إن كان مثليا، وقيمته جيدا إن كان قيميا، ولكن لا تستحق بإطلاق

[ 217 ]

عقد البيع حتى لو اشترى حنطة أو شيأ فوجده رديئا بلا عيب لا يرده كما في المحيط من الصرف وقدمناه في خيار العيب. وتعتبر في الاموا الربوية في مال اليتيم فلا يجوز للوصي بيع قفيز حنطة جيدة بقفيز ردئ، وينبغي أن تعتبر في مال الوقف لانه كاليتيم وقد كتبنا في الفوائد أنها معتبرة في أربعة: هذان، وفي حق المريض حتى تنفذ من الثلث، وفي الرهن القلب إذا انكسر عند المرتهن ونقصت قيمته فإن المرتهن يضمن قيمته ذهبا ويكون رهنا عنده قوله: (ويعتبر التعيين دون التقابض في غير الصرف من الربويات) لانه مبيع متعين فلا يشترط فيه القبض كغير مال الربا لحصول المقصود وهو التمكن من التصرف بخلاف الصرف لعدم تعينه إلا بالقبض فاشترط فيه ليتعين. والمراد باليد في الحديث التعيين وهو في النقدين بالقبض، وفي غيرهما بالتعيين فلم يلزم الجمع بين معنيين مختلفين وإنما اشترط القبض في المصوغ من الذهب والفضة باعتبار أصل خلقته وبيانه كما ذكرها لاسبيجابي بقوله: وإذا تبايعا كيليا بكيلي أو وزنيا بوزني كلاهما من جنس واحد أو من جنسين مختلفين فإن البيع لا يجوز حتى يكون كلاهما عينا أضيف إليه العقد وهو حاضر أو غائب بعد أن يكون موجودا في ملكه، والتقابض قبل الافتراق بالابدان ليس بشرط لجوازه إلا في الذهب والفضة. ولو كان أحدهما عينا أضيف إليه العقد والآخر دينا موصوفا في الذمة فإنه ينظر، إن جعل الدين منهما ثمنا والعين مبيعا جاز البيع بشرط أن يتعين الدين منهما قبل التفرق بالابدان، وإن جعل الدين منهما مبيعا لا يجوز وإن أحضره في المجلس. والذي ذكر فيه الباء ثمن وما لم يذكر فيه الباء مبيع وبيانه: إذا قال بعت هذه الحنطة على أنها قفيز بقفيز حنطة جيدة أو قال بعت منك هذه الحنطة على أنها قفيز بقفيز من شغير جيفالبيع جائز لانه جعل العين منها مبيعا والدين الموصوف ثمنا ولكن قبض الدين منهما قبل التفرق بالابدان شرط لان من شروط جواز هذا البيع أن يحصل الافتراق عن عين بعين، وما كان دينا لا يتعين إلا بالقبض، ولو قبض الدين منهما ثم تفرقا جاز البيع قبض العين منهما أو لم يقبض، ولو قال اشتريت منك قفيز حنطة جيدة بهذا القفيز من الحنطة أو قال اشتريت منك قفيزي شعير حيد بهذا القفيز من الحنطة فإنه لا يجوز وإن أحضر الدين في المجلس لانه جعل الدين مبيعا فصار بائعا ما ليس عنده وهو لا يجوز اه‍.

[ 218 ]

قوله: (وصح بيع الحفنة بالحفنتين والتفاحة وبالتفاحتين والبيضة بالبيضتين والجوزة بالجوزتين والتمرة بالتمرتين) لانها لم تكن مكيلا ولا موزونا فانعدمت إحدى العلتين وهي القدر فجاز التفاضل، سواء كان بضعف الآخر أو بأضعافه حيث لم يدخل تحت كيل أو وزن. أما التفاحة والبيضة والجوزة فظاهر، وأما الحفنة من الحنطة والشعير فالمراد بها ما دون نصف صاع لانه لا تقدير في الشرع بما دونه فلم يكن من ذوات الامثال، ولا بد أن لا يوجد نصف الصاع، فلو باع ما دون نصف صاع بنصف صاع لم يجز لوجود العيار من أحد الجانبين فتحققت الشبهة، وعلى هذا لو باع ما لا يدخل تحت الوزن كالذرة من ذهب وفضة بما لا يدخل تحتجائز لعدم التقدير شرعا إذ لا يدخل تحت الوزن. قيد بالتفاضل لانه لا يجوز النسالوجود الجنس. وفي فتح القدير: قولهم لا تقدير في الشرع بما دون نصف الصاع يعرف منه أنه لو وضعت مكاييل أصغر من نصف الصاع لا يعتبر التفاضل بها، وفي جمع التفاريق لا رواية في الحنفة بالقفيز واللب بالجواز والصحيح ثبوت الربا ولا يسكن الخاطر إلى هذا بل يجب بعد التعليل بالقصد إلى صيانة أموال الناس تحريم التفاحة بالتفاحتين والحفنة بالحفنتين، أما إن كانت مكاييل أصغر منها كما في ديارنا من وضع ربع القدح وثمن القدح المصري فلا شك، وكون الشرع لم يقدر بعض المقدرات الشرعية في الواجبات المالية كالكفارات وصدقة الفطر بأقل منه لا يستلزم إهدار التفاوت المتيقن بل لا يحل بعد تيقن التفاضل مع تيقن تحريم إهداره، ولقد أعجب غاية العحب من كلامهم هذا وروى المعلى عن محمد أنه كره التمرة بالتمرتين وقال: كلا شئ حرم في الكثير فالقليل منه حرام اه‍. وأما ضمان الحفنة فبالقيمة عند الاتلاف لا بالمثل، وهذا في غير العددي المتقارب، أما فيه كالجواز فكلام فخر الاسلام أن الجوازة مثل الجوزة في ضمان العدوان، وكذا التمرة بالتمرة لا في حكم الربا. ومن فروع الضمان لو غصب حفنة فعفنت عنده ضمن قيمتها فإن أبى إلا أن يأخذ عينها أخذها ولا شئ له في مقابلة الفساد الذي حصل لها، كذا في فتح القدير. وفي الخانية: لا بأس بالسمك واحد باثنين لانه لا يوزن وإن كان جنس منه يوزن فلا خير فيما يوزن إلا مثلا بمثل اه‍. ثم قال فيها: باع إناء من حديد بحديد إن كان الاناء يباع وزنا تعتبر المساواة في الوزن وإلا فلا، وكذا لو كان الاناء من نحاس أو صفر باعه بصفر اه‍. قوله:

[ 219 ]

(والفلس بالفلسين بأعيانهما) أي وصح بيع الفلس المعين بفلسين معينين عندهما. وقال محمد: لا يجوز لان الفلوس الرائجة أثمان وهو لا يتعين ولذا لا تتعين الفلوس إذا قوبلت بخلاف حنسها كالنقدين، ولا يفسد البيع بهلاكها فإذا لم تتعين يؤدي إلى الربا أو يحتمله بأن يأخذ بائع الفلس الفلسين أو لا فيرد أحدهما قضاء لدينه ويأخذ الآخر بلا عوض فصار كما لو كان بغير أعيانهما. ولهما أنها ليست أثمانا خلقة وإنما كانت ثمنا بالاصطلاح وقد اصطلحا على إبطال الثمنية فتبطل وإن كانت ثمنا عند غيرهما لبقاء اصطلاحهم على ثمنيتها إذ لا ولاية للغير عليهما بخلاف النقدين لان الثمنية فيهما بأصل الخلقة فلا تبطل بالاصطلاح، فإذا بطلت الثمنية تعينت فلا يؤدي إلى الربا بخلاف ما إذا كانت غير معينة فإنه يؤدي إلى الربا على ما بيناه. وأورد أن الثمنية إذا بطلت وجب أن لا يجوز التفاضل لان النحاس موزون إنما صار معدودا بالاصطلاح على الثمنية، فإذا بطلت عاد إلى أصله. وأجيب بأن اصطلاحهما على العد لم يبطل ولا يلازمه فكم من معدود لا يكون ثمنا، وأورد أيضا أن كونها ثمنا بعد الكساد لا يكون إلا باصطلاح الكل فكذا بطلان الثمنية. وأجيب بأن اصطلاحهما على بطلان ثمنيتها موافق للاصل لكونها عروضا بخلاف اصطلاحهما على كونها ثمنا بعد الكساد مخالف للاصل ولرأي الجميع فلم يصح، وقيد بالتعيين لان الفلس لو كان بغير عينه والفلسان كذلك لم يجز وصورها أربع ما إذا كان الكل غير معين وأن تقابضا في المجلس كذا في المحيط وما إذا كان الفلس معينا: وما إذا كانا غير معينين فقط ففي هذه الثلاثة لا يجوز اتفاقا لكن في لصورتين الاخيرتين لو قبض ما كان دينا في المجلس جاز، كذا في المحيط. ومحل الخلاف مسألة الكتاب وأصل الخلاف مبني على أن الفلس لا يتعين بالتعيين عند محمد، ويتعين عندهما فيبطل العقد بهلاكه، كذا في فتح القدير. وفي المحيط أنها لا تتعين ولا ينفسخ العقد بهلاكها. قيد بحل التفاضل لان النساء حرام اتفاقا لان الجنس بانفراده يحرمه كما قدمناه. وفي الذخيرة: ذكر محمد هذه المسألة في صرف الاصل ولم يشترط التقابض فهذا دليل على أنه ليس بشرط، وذكر في الجامع الصغير ما يدل على أنه شرط ومن مشايخنا من لم يصحح ما في الجامع الصغير لان التقابض مع العينية إنما يشترط في الصرف وليس به، ومنهم من صححه لان لها حكم العروض من وجه وحكم الثمن من وجه فجاز التفاضل للاول واشتراط التقابض للثاني عملا بالدليلين بقدر الامكان اه‍. وليس مرادهم خصوص بيع الفلس بالفلسين بل بيان حل التفاضل حتى لو باع فلسا بمائة على التعيين جاز عندهما. تتمة في أحكام الفلوس: في المحيط: لو باب الفلوس بالفلوس أو بالدراهم أو بالدنانير

[ 220 ]

فنقد أحدهما دون الآخر جاز، وإن افترقا لا عن قبض أحدهما جاز، ولو اشترى مائة فلس بدرهم فقبض الدرهم ولم يقبض الفلوس حتى كسدت لم يبطل البيع قياسا ويتخير المشتري إن شاء قبضها كاسدة وإن شاء فسخ البيع، ويبطل البيع استحسانا لان كسادها يمنزلة الهلاك لان المقصود منها الرواج فهو لها كالحياة. ولو قبض منها خمسين ثم كسدت بطل البيع في النصف ورد نصف درهم اعتبارا للبعض بالكل، ولو رخصت لم يبطل ولا خيار للمشتري. ولو كسدت الفلوس الثمن قبل قبضها بطل البيع عند أبي حنيفة، وعندهما لا يفسد ويجب قيمتها. ولو كسدت أفلس القرض فعليه مثلها عنده، وعندهما قيمتها من الدراهم، وكذا لو غصب واستهلك. ثم عند أبي يوسف تعتبر القيمة يوم القبض، وعند محمد يوم الكساد، والاصح عند الامام أن عليه قيمتها يوم الانقطاع من الذهب والفضة. ولو اشترى فلوسا وتقابضا على أن كل واحد منهما بالخيار وتفرقا على ذلك فسد البيع لان الخيار يمنع صحة القبض، ولو كان أحدهما بالخيار فالبيع جائز عندهما لان الخاير لا يمنع ثبوت الملك له في المبيع فوجد القبض المستحق في أحدهما، وعلى قول أبي حنيفة لا يجوز لان الخيار يؤثر في الجانبين فيمنع صحة القبض. وإن باع فلسا بعينه بفلسين بأعيانهما بشرط الخيار يجوز اه‍. ما في المحيط من باب بيع الفلوس واستقراضها قوله: (وللحم بالحيوان) أي وصح بيع اللحم بالحيوان عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف. وقال محمد: لا يجوز إذا كان من جنسه إلا إذا كان اللحم المفرز أكثر من اللحم الذي في الحيوان ليكون اللحم بمقابلة ما فيه والباقي من اللحم بمقابله السقط - وهو بفتحتين - ما لا ينطلق عليه اسم اللحم كالجلد والكرش والامعاء والطحال وصار كالحل - وهو بالمهملة - دهن السمسم. ولهما أنه باع الموزون بما ليس بموزون فصار كبيع السيف بالحديد لان الحيوان لا يوزن عادة ولا يمكن معرفة ثقله بالوزن بخلاف تلك المسألة لان الوزن في الحل يعرف قدر الدهن إذا ميز. وذكر الشارح: وإنما لا يجوز بيع أحدهما بالآخر نسيئة لان المتأخر منهما لا يمكن ضبطه لا لانها جنس وحد أر ترى أنه لا يجوز ذلك إذا بيع بغيره من خلاف الجنس أيضا اه‍. ولو باع شاة مذبوحة بشاة حية يجوز عند الكوعلى هذا شاتان مذبوحتان غير مسلوختين بشاة مذبوحة لم تسلخ يجوز. وفي شرح الطحاوي: لو كانت الشاة مذبوحة غير مسلوخة فاشتراها بلحم الشاة فالجواب في قولهم جميعا كما قال محمد، وأراد بغير المسلوخة غير المفصولة عن السقط. وفي الحاوي: لو باع شاة في ضرعه لبن بجنس لبنها فهو على الاختلاف الذي في اللحم. قوله: (والكرباس بالقطن وكذا بالغزل كيفما كان) أي صح لاختلافهما جنسا لان الثوب لا ينقض ليعود غزلا

[ 221 ]

أو قطنا، والكرباس الثياب من الملحم والجمع كرابيس وإليها ينسب الامام المحبوبي باعتبار بيعها. وأشار المصنف إلى أنه لو باالقطن المحلوج بغزل فإنه يجوز كيفما كان لاختلاف الجنس وهو قول محمد. وقال أبو يوسف: لا يجوز إلا متساويا. وقول محمد أظهر. وفي الحاوي: وهو الاصح. ولو باع المحلوج بغير المحلوج جاز إذا علم أن الخالص أكثر مما في الآخر، وإن كان لا يدري لا يجوز. وكذا لو باع القطن غير المحلوج بحب الطن فلا بد أن يكون الحب الخالص أكثر من الحب الذي في القطن حتى يكون قدره مقابلا به والزائد بالقطن وكذا لو باع شاة على ظهرها صوف أو في ضرعها لبن بصوف أو لبن يشترط أن يكون الصوف أو اللبن أكثر مما على الشاة لما ذكرنا من المعنى وهو نظير بيع الزيت بالزيتون قوله: (والرطب بالرطب أو بالتمر متماثلا والعنب بالزبيب) أي متماثلا أيضا. أما الاول فهو قول أبي حنيفة. وقال الباقون من العلماء ومنهم أبو يوسف ومحمد: لا يجوز. وأجمعوا على أن بيع الرطب بالتمر متفاضلا لا يجوز. ودليل الجماعة قوله صلى الله عليه وسلم حين سئل عنه أينقص إذا جف؟ فقيل: لا إذن. رواه مالك في الموطأ والاربعة في السنن عن زيد بن عياش عن سعد بن أبي وقاص. وله أن الرطب تمر لوقله عليه الصلاة والسلام حين أهدي إليه رطب: أو كل تمر خيبرهكذا؟ سماه تمرا، وتعقبه في غاية البيان بأن الهدية كانت تمرا وتبعه في البناية بأن الثابت في البخاري أنها تمر، ولان الرطب لو كان تمرا جاز البيع بأول الحديث وهو التمر بالتمر وإن كان غير تمر فبآخره وهو إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم هكذا استدل الامام الاعظم حين اجتمع عليه علماء بغداد وكانوا أشداء عليه لمخالفته الخبر. وأجاب عن حديثهم بأن مداره على زيد بن عياش وهو ممن لا يقبل حديثه. وفي الهداية: وهو ضعيف عند النقلة. وتعقبه في البناية بأنه ثقة عند النقلة. قالالخطابي: وقد تكلم بعض الناس في إسناد هذا الحديث. وقال: زيد بن عياش مجهول وليس كذلك فإن ابن عياش هذا مولى لبني زهرة وقد ذكره مالك في الموطأ وأخرج حديثه مع شدة تحريه في الرجال ونقده وتتبعه لاحوالهم. وقد أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ورواه أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح لاجماع

[ 222 ]

أئمة النقل على أمانة مالك بن أنس وأنه محمد لما يرويه اه‍. قال الحاكم قال الاكمل: سلمنا قوته في الحديث ولكنه خبر واحد لا يعارض به المشهور. وفي غاية البيان: قوله ومدار ما روياه على زيد بن عياش والمذكور في كتب الحديث زيد أبو عياش. ورده في البناية بأنه وهم فيه لانه ابن عياش وكنيته أبو عياش وكذلك وهم فيه الشيخ علاء الدين التركماني هكذا. وقال صاحب التنقيح: زيد بن عياش أبو عياش الزلاني ويقال المخزومي ويقال مولى بني زهرة والمدني ليس به بأس اه‍. وفي العناية: واعترض بأن الترديد المذكور يقتضي جواز بيع المقلية بغير المقلية لان المقلية إما أن تكون حنطة فيجوز بأول الحديث، أو لا فيجوز بآخره. فمنهم من قال ذلك كلام حسن في المناظرة لدفع شغب الخصم والحجة لا تتم به بل ببما بيناه من إطلاق اسم التمر عليه فقد ثبت أن التمر اسم لثمرة خارجة من النخلة من حيث تنعقد صورتها إلى أن تدرك والرطب اسم لنوع منه كالبرني وغيره اه‍. وفي يفتح القدير: وقد رد ترديده بين كونه تمرا أو لا بأن هنا قسما ثالثا وهو كونه من الجنس ولا يجوز بيعه بالآخر كالحنطة المقلية بغير المقلية لعدم تسوية الكيل بينهما فكذا الرطب بالتمر لا يسويهما الكيل وإنما يسوي في حال اعتدال البدلين وهو أن يخف الآخر، وأبو حنيفة يمنعه ويعتبر التساوي في حال العقد وعروض النقص بعد ذلك لا يمنع مع المساواة في الحال إذا كان موجبه أمرا خلقيا وهو زيادة الرطوبة بخلاف المقلية بغيرها فإنا في الحال نحكم بعدم التساوي لاكتناز أحدهما في الكيل بخلاف الآخر لتخلل كثير. وأجيب عن حديث زيد بن عياش أيضا بأن المراد النهي عنه نسيئة فإنه ثبت في حديث أبي عياش هذا زيادة نسيئة كما رواه أبو داود: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الرطب التمر نسيئة. وبهذا اللفظ رواه الحاكم وسكت عنه. ورواه الطحاوي. وهذه الزايدة بعد صحتها يجب قبولها لان المذهب المختار عند المحدثين قبولها وإن كان الاكثر لم يروها إلا في زيادة تفرد بها بعض الحاضرين في مجلس واحد، ومثلهم لا يغفل عن مثلها فإنها مردودة، لكن يبقى قوله في تلك الرواية الصحيحة أينقص الرطن إذا جف عريا عن الفائدة إذا كان النهي عنه نسيئة، وما ذكروا أن فائدته أن الرطب ينقص إلى أن يحل الاجل فلا يكون في هذا التصرف منفعة لليتيم باعتبار النقصان عند الجفاف فمنعه شفقة مبني على أن السائل كان ولي يتيم ولا دليل عليه اه‍. وفي شرح الطحاوي: ولو باع الثمار بعضهما ببعض مجازفة لم يجز إلا إذا كان كيلا وعرف تساويهما في الكيل قبل التفرق بالابدان عن

[ 223 ]

مجلس العقد فإنه يجوز البيع، وكذلك إذا كان ثمر بين اثنين اقتسماه مجازفة لا يجوز لان القسمة بمنزلة البيع إلا إذا علم تساويهما في الكيل قبل الفرق، ولو بيع بعضهما ببعض وزنا متساويا لا يجوز لان من شرط جواز التسوية الكيل ولا يدري ذلك وعن أبي يوسف إذا غلب استعمال الناس بالوزن يصير وزنيا ويجوز ويعتبر التساوي وزنا وإن كان أصله كيليا، وأما بيع الرطب بالرطب فلما روينا أن اسم الثمر يتناوله فيجوز بيعه مثلا، بمثل ولو باع البسر بالتمر لا يجوز التفاضل فيه لانه تمر بخلاف الكفري حيث يجوز بيعه بما شاء من التمر لانه ليس بتمر، ولذا لا يجوز السلم فيه، والكفري - بضم الكاف وفتح الفاء وتشديد الراي مقصورا - اسم لوعاء الطلع وهو كم النخل أول ما ينشق، وأما الثانية وهي بيع العنب بالزبيب فعلى الاختلاف السابق، وقيل لا يجوز اتفاقا كالمقلية بغيرها والمطبوخة بغير المطبوخة. ولو باع حنطة رطبة أو مبلولة أو يابسة جاز، وكذا لو باع تمرا منقعا أو زبيبا منقعا بتمر مثله أو زبيب مثله أو باليابس منهما جاز عندهما خلافا لمحمد. قوله: (واللحوم المختلفة بعضها ببعض متفاضلا ولبن البقر والغنم وخل الدقل بخل العنب) لان أصولها أجناس مختلفة حتى لا يضم بعضها إلى بعض في الزكاة، وأسماؤها أيضا مختلفة باعتبار الاضافة كدقيق الشعير والبر والمقصود أيضا يختلف، والمعبر في الاتحاد المعنى الخاص دون العام، ولو اعتبر العام لما جاز بيع شئ بشئ أصلا. قيد بالمختلة لان غيرها لا يجوز متفاضلا كلحم البقر والجاموس أو لبنهما أو لحم المعز والضأن أو لبنها أو لحم العراب والبخاتي لاتحاد الجنيس بدليل الضم في الزكاة للتكميل فكذا أجزائهما ما لم يختلف المقصود كشعر المعز وصوف الضان أو ما يتبدل بالصنعة لاختلاف المقاصد، ولذا جاز بيع الخبز بالحنطة متفاضلا. وكذا بيع الزيت المطبوخ بغير المطبوخ أو الدهن المربى بالبنفسج بغير المربى

[ 224 ]

منه متفاضلا. وإنما جاز بيع لحم الطير بعضه ببعض متفاضلا وإن كان من جنس واحد لم يتبدل بالصنعة لكونه غير موزون عادة فلم يكن مقدرا فلم توجد العلة، فحاصله أن الاختلاف باختلاف الاصل أو المقصود أو تبدل الصنعة. وفي فتح القدير: وينبغي أن يستثنى من لحوم الطير الدجاج والاوز فإنه يوزن في عادة ديار أهل مصر بعظمه. والدقل ردئ التمر بخل العنب متفاضلا وكذا عصيرهما لاختلاف أصلهما جنسا، وتخصيص الدقل باعتبار العادة لان الدقل هو الذي كان يتخذ خلا في العادة اه‍. والحاصل أن ما يوجب اختلاف الامور ثلاثة: اختلاف الاصول واختلاف المقاصد وزيادة الصنعة ومنهم جواز بيع إناء صفر أو حديد أحدهما أثقل من الآخر، وكذا قمقمة بقمقمتين، وإبرة بإبرتين، وخوذة بخوذتين، وسيف بسيفين، وداوة بدواتين ما لم يكن شيى من ذلك من أحد النقدين فيمتنع التفاضل وإن اصطلحوا بعد الصباغة على ترك الوزن والاقتصار على العقد والصورة، كذا في فتح القدير قوله: (وشحم البطن بالالية أو باللحم) أي يصح بيعها متفاضلا وإن كانت كلها من الضان لانها أجناس مختلفة لاختلاف الاسماء والصور والمقاصد قوله: (والخبز بالبر أو بالدقيق متفاضلا) لان الخبز بالصنعة صار جنسا آخر حتى يخرج من أن يكون مكيلا والبر والدقيق ميكلان فلم يجمعهما القدر ولا الجنس حتى جاز بيع أحدهما بالآخر نسيئة إذا كانت الحنطة هي المتأخرة لامكان ضبطها. وإن كان الخبز هو المتأخر فالسلم فيه لا يجوز عند أبي حنيفة لانه يتفاوت بالطحن والعجن والنضج. واختلف على قولهما فمنهم من جوزه على قياس السلم باللحم وبه يفتى للتعامل. وفي الحاوي: يجوز بيع اللبن بالجبن اه‍ قوله: (لا بيع البر بالدقيق أو بالسويق) أي لا يجوز بيع الحنطة بأحدهما متفاضلا ولا متساويا لانه جنس من وجه، وإن خص باسم آخر فيحرم لسبهة الربا والمعيار فيهما الكيل وهو غير مسولهما بخلاف بيع دهن السمسم بالسمسم حيث يجوز لان المعيار فيه الوزن وهومسو، والسويق ما يجرش من الشغير والحنطة وغيرهما، ذكره الكرماني في باب من مضمض من السويق. وأشار المؤلف إلى جواز بيع الدقيق بالدقيق متساويا ولا يجوز متفاضلا لاتحاد الاسم والصورة والمعنى، ولا عبرة باحتما التفاضل كما في البر بالبر. وقيده ابن الفضل بما إذا كانا مكبوسين وإلا لا يجوز، وإن باعه بمثله موازنة ففيه روايتان. وبيع المتخول بغير المتخول لا

[ 225 ]

يجوز إلا متساويا كما في الخلاصة. وقيد بالبر لان بيع الدقيق بالسويق لا يجوز مطلقا عنده، وجاز عندهما مطلقا لاختلاف الجنس ولكن يدا بيد لان القدر يجمعهما. وله أنهما جنس واحد من وجه لانهما من أجزاء الحنطة، وبيع المقلية بالمقلية والسويق بالسويق متساويا جائز لاتحاد الاسم. قوله: (والزيتون بالزيت والسمسم بالشيرج حتى يكون الزيت والشيرج أكثر مما في الزيتون والسمسم) أي لا يجوز البيع في ثلاث صور: الاولى أن يعلم أن الزيت الذي في الزيتون أكثر لتحقق الفصل من الدهن والتفل. الثانية أن يعلم التساوي لخلو التفل عن العوض. الثالثة أن لا يعلم أنه مثل أو كثر أو أقل فلا يصح عندنا لان الفضل المتوهم كالمتحقق احتياطا، وعند زفر جاز لان الجواز هو الاصل والفساد لوجود الفضل الخالي فما لم يعلم لا يفسد، ويجوز البيع في صورة بالاجماع أن يعلم أن الزيت المنفصل أكثر ليكون الفضل بالتفل، وكذا بيع الجوز بدهنه واللبن بسمنه والتمر بنواه. وكل شئ لتفله قيمة إذا بيع بالخالص منه لا يجوز حتى يكون الخالص أكثر وإن لم يكن لتفله قيمة كتراب الذهب إذا بيع بالذهب أو تراب الفضة إذا بيع بالفضة لا يشترط أن يكون الذهب أو الفضة أكثر مما في التراب لان التراب لاقيمة له فلا يجعل بإزائه شئ حتى لو جعل فسد لربا الفضل. وفي الحاوي: وإن باع حنطة بحنطة في سنبلها لم يجز وإن باع قصيب حنطة بحنطة كيلا وجزافا جاز وإن لم يشترط الترك اه‍ قوله: (ويستقرض الخبز وزنا لا عددا) وهذا عند أبي يوسف، وعند محمد يستقرض بهما، وعند أبي حنيفة لا يستقرض بهما، وذكر الشارح أن الفتوى على قول أبي يوسف. وفي شرح المجمع: القتوى على قول محمد. وفي فتح القدير: وأنا أرى أن قول محمد أحسن. وفي الجوهرة قال محمد: ثلاث من الدتاءة: استقراض الخبز والجلوس على باب الحمام والنظر في مرآة الحجام اه‍. وفي المجتبي: باع رغيفا نقدا برغيفين نسيئة يجوز، ولو كان الرغيفان نقد والرغيف نسيئة لا يجوز، ولو باع كسيرات الخبز يجوز نقدا ونسيئة كيف كان قوله: (ولا ربا بين المولى وعبده) لانه وما في يده ملكه. أطلقه وهو مقيد بما إذا لم يكن عليه دين مستغرق لرقبته وكسبه، وأما إذا كان مستغرقا فيجري الربا بينهما اتفاقا لعدم الملك عنده للمولى في كسبه كالمكاتب، وعندهما لتعلق حق الغير، والتحقيق أنه

[ 226 ]

على إطلاقه ولا ربا بينهما وإن كان مديونا مستغرقا وإنما يرد الزائد لتعلق حق الغرماء به كما لو أخذ منه شيأ بغير عقد، كذا في المعراج. ولو كان عليه دين غير مستغرق فلا ربا. وفي مأذون المحيط إذا أخذ المولى من كسب المأذون شيأ ثم لحقه دين سلم للمولى ما إخذ، وإن كان عليه يوم الاخذ ولو قليلا لم يسلم، وفائدته لو لحقه آخر رد المولى جميع ما أخذه بخلاف ما إذا أخذ منه ضريبة وليس عليه دين فإنها تسلم له استحسانا، والمدبر وأم الولد كالعبد بخلاف المكاتب. وأشار المصنف إلى أنه لا ربا بين المتفاوضين وشريكي العنان إذا تبايعا من مال الشركة وإن كان من غيره جرى بينهما. قوله: (ولا بين الحربي والمسلم ثمة) أي لا ربا بينهما في دار الحرب عندهما خلافا لابي يوسف. وفي البناية: وكذا إذا باع خمرا أو خنزيرا أو ميتة أو قامرهم وأخذ المال كل ذلك يحل له. ولهما الحديث لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب ولان مالهم مباح وبعقد الامان منهم لم يصر معصوما إلا أنه التزم أن لا يتعرض لهم بغدر ولا لما في أيديهم بدون رضاهم فإذا أخذ برضاهم أخذ مالا مباحا بلا غدر فيملكه بحكم الاباحة السابقة إلا أنه لا يخفي أنه إنما اقتضى حل مباشرة العقد إذا كان الزيادة ينالها المسلم والربا أعم من ذلك إذ يشمل ما إذا كان الدرهمان من جهة المسلم أو من جهة الكافر وجواب المسألة بالحل عام في الوجهين، كذا في فتح القدير. وحكم من أسلم في دار الحرب ولم يهاجر كالحربي عند أبي حنيفة لان ماله غير معصوم عنده فيجوز للمسلم الربا معه، وأما إذا هاجر إلينا ثم عاد إليهم لم يجز الربا معه لكونه أحرز ماله بدارنا فكان من أهل دار الاسلام، كذا في الجوهرة. وفي المجتبي معزيا إلى الكفاية: مستأمن منا باشر مع رجل مسلما كان أو ذميا في دارهم أو من أسلم هناك شيأ من العقود التي لا تجوز فيما بيننا كالربويات وبيع الميتة جاز عندهما خلافا وأبي يوسف اه‍. والله تعالى أعلم.

[ 227 ]

باب الحقوق كان من حق مسائل هذا الباب أن تذكر في الفصل المتصل بأول البيوع إلا أن المصنف التزم ترتيب الجامع الصغير، ولان الحقوق توابع فيليق ذكرها بعدما مسائل البيوع، كذا في المعراج. والحقوق جمع حق. وفي المصباح الحق خلاف الباطل وهو مصدر حق الشئ من بابي ضرب وقتل إذا وجب وثبت ولهذا يقال لمرافق الدار حقوقها اه‍. وفي البناية: الحق ما يستحقه الرجل وله معان أخر منها الحق ضد الباطل اه‍. وفي شرح المنار للسيد نكركار: الحق هو الشئ الموجود من كل وجه ولا ريب في وجوده ومنه قوله عليه السلام السحر حق والعين حق اه‍. وفي شرح البخاري للكرماني: الحق حقيقة هو الله تعالى بجميع صفاته لانه الموجود حقيقة بمعنى لم يسبق بعدم ولم يلحقه عدم وإطلاق الحق على غيره مجاز ولذا ورد في الحديث اللهم أنت الحق ووعدك الحق وقولك الحق بالتعريف في الثلاثة ثم قال ولقاؤك حوالجنة حق والنار حق والساعة حق بالتنكير اه‍ وذكر الاصوليون أن الاحكام أربعة: حقوق الله تعالى خالصة، وما اجتمعا فيه وحق الله تعالى غالب كحد القذف، وما اجتمعا فيه وحق العباد غالب كالقصاص. قالوا: والمراد من حق الله تعالى ما تعلق نفعه بالعموم وإنما نسب إلى الله تعظيما لانه متعال عن أن ينتفع بشئ ولا يجوز أن يكون حقا له تعالى بجهة التخليق لان الكل سواء في ذلك قوله: (العلو لا يدخل بشراء بيت بكل حق) يعني إذا اشترى بيتا فوقه بيت لا يدخل فيه العلو ولو قال بكل حق هو له ما لم ينص عليه لان البيت اسم لمسقف واحد يصلح للبيتوتة والعول مثله والشئ لا يكون تبعا لمثله. وفي المصباح: علو الدار وغيرها خلاف السفل بضم العين وكسرها اه‍. وأورد المستعير له أن يعير ما لا يختلف والمكاتب له أن يكاتب عبده فأجيب بأن ذلك ليس بطريق الاستتباع بل لما ملك المستعير المنفعة بغير بدل كان له أن يملك ما ملك كذلك، والمكاتب بعقد الكتابة لما صار أحق بمكاسبه كان له ذلك لان كتابة عبده من أكسابه. قوله: (وبشراء منزل إلا بكل حق هو له أو بمرافقه أو بكل قليل وكثير هو فيه أو منه)

[ 228 ]

أي لا يدخل العلو بشراء منزل إلا أن يقول المشتري لفظا من الثلاثة لان المنزل له شبه بالدار وبالبيت لانه اسم لما يشتمل على بيوت وصحن مسقف ومطبخ يسكن فيه الرجل بأهله مع ضرب قصور فيه فإنه ليس فيه اصطبل، فلشبه الدار يدخل بذكر التوابع، ولشبه البيت لا يدخل من غير ذكر توفيرا عليهما حظهما. وفي الكافي: إن هذا التفصيل مبني على عرف الكوفة وفي عرفنا يدخل العلو في الكل، سواء باع باسم البيت أو المنزل أو الدار، والاحكام تبتني على العرف فيعتبر في كل إقليم وفي كل عصر عرف أهله. وفي الذخيرة: اعلم أن الحق في العادة يذكر فيما هو تبع للمبيع ولا بد للمبيع منه ولا يقصد إلا لاجل المبيع كالطريق والشرب للارض والمرافق عبارة عما يرتفق به ويختص بما هو من التوابع كالشرب ومسيل الماء. وقوله كل قليل وكثير يذكر على وجه المبالغة في إسقاط حق البائع عن المبيع مما يتصل بالمبيع اه‍. وفي المصباح: المرافق جمع مرفق بكسر الميم وفتح الفاء لا غير كالمطبخ والكنيف ونحوه على التشبيه باسم الآلة بخلاف المرفق في الوضوء فإن فيه لغتين فتح الميم وكسر الفاء كمسجد وبالعكس، وكذا المرفق بمعنى ما ارتفقت به اه‍. فالحاصل أن المرفق مطلقا فيه لغتان إلا مرفق الدار. وفي جامع الفصولين من الفصل السابع: وما يذكر في دعوى العاقر من قوله بحقوقه ومرافقه فحقوقه عبارة عن مسيل الماء وطريق وغيره وفاقا ومرافقه عند أبي يوسف عبارة عن منافع الدار، وفي ظاهر الرواية المرافق هي الحقوق اه‍ قوله: (ودخل بشراء دار) أي العلو بشراء دار وإن لم يذكر شيأ من ذلك لان الدار اسم لما أدير عليه الحدود من الحائط، ويشتمل على بيوت ومنازل وصحن غير مسقف والعلو من أجزائه فيدخل فيه من غير ذكر. وفي البناية: الدار لغة اسم لقطعة أرض ضربت لها الحدود وميزت عما يجاورها بإدارة خط عليها فبني في بعضها دون البعض ليجمع فيها مرافق الصحراء للاسترواح ومنافع الابنية للاسكان وغير ذلك، ولا فرق بين ما إذا كانت الابنية بالماء والتراب أو بالخيام والقباب اه‍ قوله: (كالكنيف) أي كما يدخل بشراء الدار وإن لم يصرح به لان الكنيف منها، وكذا يدخل بئر الماء والاشجار التي في صحنها والبستان الداخل فأما الخارج فإن كان أكبر منها أو مثلها لا يدخل إلا بشرط، وإن كان أصغر منها يدخل لانه

[ 229 ]

يعد من الدار عرفا. والكنيف المستراح وفي المصباح: الكنيف الساتر ويسمى الترس كنيفا لانه يستر صاحبه. وقيل للمرحاض كنيف لانه يستر قاضي الحاجة والجمع كنف مثل نذير ونذر اه‍. أطلقه فشمل ما إذا كان الكنيف خارجا مبنيا على الظلة لانه يعد منها عادة. قوله: (لا الظلة إلا بكل حق) أي لا تدخل الظلة في بيع الدار إلا إذا قال بكل حق وهي السباط الذي يكون أحد طرفيه على الدار والآخر على دار الاخرى أو على أسطوانات في السكة، كذا في فتح القدير. وفي الصحاح: والظلة بالضم كهيئة الصفة وقرئ * (في ظلل على الارائك متكئون) * [ يس: 65 ] والظلة أيضا أول سحابة تظل عن أبي زيد وعذاب يوم الظلة قالوا: غيم تحته سموم والمظلة بالكسر البيت الكبير من الشعر اه‍. وفي المغرب: قول الفقهاء ظلة الدار يريدون السدة التي تكون فوق الباب. وإنما لا تدخل عند أبي حنيفة لانها مبنية على الطريق فأخذت حكمه. وعندهما إن كان مفتحها في الدار تدخل مطلقا لانها من توابعها كالكنيف. وليس مراد المصنف بقوله إلا بكل حق القصر على هذا بل إنما المراد به أو بنحوه بأن يقال بمرافقها أو بكل قليل وكثير هو فيه، كذا في البناية. وفي الخانية: ويدخل الباب الاعظم فيما إذا باع بيتا أو دارا بمرافقة لان الباب الاعظم من مرافقها اه‍. قوله: (ولا يدخل الطريق والمسيل والشرب إلا بنحو كل حق بخلاف الاجازة) أي لا تدخل الثلاث في بيع الارض أو المسكن إلا بذكر كل حق ونحوه بخلاف الاجارة حيث تدخل مطلقا لان كلا منها خارج عن الحدود فكانت تابعة فتدخل بذكر التوتبع وأنا الاجارة وإنما المقصود منها الانتفاع ولا يتحقق إلا بها ولان البيع شرع لتمليك العين لا المنفعة بدليل صحة شراء جحش ومهر صغير وأرض سبخة ولا تصح إجارتها، وكذا لو استأجر علوا واستثنى الطريق فسدت بخلاف

[ 230 ]

البيع، وقد يتجر في العين فيبيعه من غيره فحصلت الفائدة المطلوبة. وفي المعراج: أراد الطريق الخاص في ملك إنسان أما الطريق إلى سكة غير نافذة أو إلى طريق عام يدخل اه‍. وفي المحيط: وكذا ما كان له من حق مسيل الماء أو القاء الثلح في ملك إنسان لحاجته. وفي الذخيرة بذكر الحقوق: إنما يدخل الطريق الذي يكون عند البيع لا الطريق الذي كان قبل البيع حتى إن من سد طريق منزله وجعل له طريقا آخر وباع المنزل بحقوقه يدخل تحت البيع الطريق الثاني لا الطريق الاول، كذا في البناية. فإن ذكر الحقوق وقال البائع ليس للدار المبيعة طريق في دار أخرى فإن المشتري لا يستحق الطريق من غير حجة لكن له أن يردها بالعيب، وكذا لو كانت جذوع دار أخرى على الدار المبيعة، فإن كانت المبيعة، فإن كانت الجذوع للبائع يؤمر البائن بالرفع، وإن كانت لغيره كان عيبا، كذا لو ظهر في الدار المبيعة طريق أو مسيل ماء لدار أخرى، فإن كانت تلك الدار للبائع لم يكن للبائع أن يمر في الدار المبيعة لانه باعها من غير استثناء، وإن كانت تلك الدار لغير البائع كان عيبا، كذا في شرح الجامع الصغير لقاضيخان. وفي الخلاصة: يدخل الطريق في الرهن والصدقة الموقوفة كالاجارة. وفي الخانية: لو أقر بدار أو صالح على دار أو وصي بدار ولم يذكر حقوقها ومرافقها لم يدخل الطريق اه‍. وأما إذا اقتسما ولم يذكرا طريقا فإن أمكنه فتح باب صحت وإلا فسدت ولا يدخل إلا بذكر الحقوق وفي البيع يدخل بذكر الحقوق وإن أمكنه فتح باب، وبيان الفرق بين القسمة والاجارة بوبينهما وبين البيع في المعراج اه‍.

[ 231 ]

باب الاستحقاق وهو طلب الحق. وفي المصباح: استحق فلا الامر استوجبه، قاله الفارابي وجماعة. فالامر مستحق بالفتح اسم مفعول ومنه خرج البيع مستحقا ا ه‍. وذكره عقيب الحقوق

[ 232 ]

للمناسبة بينهما لفظا ومعنى قوله: (البينة حجة متعدية لا الاقرار) لان البينة لا تصير حجة إلا بقضاء القاضي وله ولاية عامة فينفذ قضاؤه في حق الكافة، والاقرار حجة بنفسه لا يتوقف على القضاء وللمقر ولاية على نفسه دون غيره فيقتصر عليه، كذا ذكر الشارح. وظاهره أن معنى التعدي أنه يكون القضاء به قضاء على كافة الناس في كل شئ قضى به بالبينة وليس كذلك، وإنما يكون القضاء على الكافة في العتق. قال في الخلاصة: القضاء بحرية العبد قضاء في حق الناس كافة ا ه‍. وفي الصغرى من دعوى النكاح من كتاب الدعوى: إذا قضى القاضي لانسان بنكاح امرأة أو بنسب أو بولاء عتاقة ثم ادعاه الآخر لا تسمع، ذكره في آخر الباب الرابع والمائه من أدب القاضي ا ه‍. وأما القضاء بالوقف ففي الخلاصة من القضاء والقضاء بوقفية موضع هل يكون قضاء على الناس كافة؟ اختلف المشايخ فيه. وفي كتاب الدعوى: أرض في يد رجل ادعى أن هذه الدار وقف من جهة فلان على جهة معلومة وأنه متولي ذلك الوقف وذكر الشرائط وأثبت بالبينة وقضى القاضي بالوقفية ثم جاء رجل وادعى أن هذه الارض ملكه وحقه تسمع بخلاف العبد إذا ادعى العتق على إنسان وقضى القاضي بالعتق ثم ادعى رجل أن هذا العبد ملكه لا تسمع لان القضاء بالعتق قضاء على جميع الناس كافة بخلاف الوقف. قال الصدر الشهيد: لم نر لهذا رواية ولكن سمعت أنت فتوى السيد أبي شجاع على هذا. وفي فوائد شمس الائمة الحلواني وركن الاسلام علي السغدي أن الوقف كالعتق في عدم سماع الدعوى بعد قضاء القاضي بالوقفية لان الوقف بعد ما صح بشرائطه لا يبطل إلا في مواضع مخصوصة وكذا في النوازل ا ه‍. وصحح العمادي في الفصول أن القضاء به ليس قضاء على الكافة فتسمع فيه دعوى الملك فقد ظهر بهذا أن القضاء يكون على الكافة في الحرية والنكاح والنسب والولاء خاصة، وفي الوقف يقتصر على الاصح. وأما القضاء بالملك فقضاء على المدعي عليه وعلى من تلفى الملك منه،

[ 233 ]

كذا في الخلاصة. وفيها قبله: المشتري إذا صار مقضيا عليه هل يصير البائع مقتضيا عليه حتى لا تسمع إن قال المشتري في جواب دعوى المدعي ملكي لاني اشتريته من فلان يعني من البائع صار البائع مقضيا عليه حتى لا تسمع دعوى البائع هذا المحدود ويرجع المشتري عليه بالثمن، أما إذا قال في الجواب ملكي ولم يزد عليه لا يصير البائع مقضيا عليه حتى تسمع دعواه هذا المحدود. والارث كالشراء وهو منصوص في الجامع الكبير وصورتها: دار في يد رجل يدعي أنها له فجاء آخر وادعى أنها له ورثها من أبيه وأقام البينة وقضى القاضي له عليه بها ثم جاء أخو المقضي عليه وادعى أن هذه الدار كانت لابيه مات وتركها ميراثا له بين الاخ المقضي عليه وبينه يقضي للاخ المدعي بنصف الدار لان الاخ المقضي عليه لم يقل في الجواب ملكي لاني ورثتها من أبي فلم يصر الاخ الآخر حينئذ مقضيا عليه فتسمع دعواه، وكذا لو أقر ذو اليد وهو الاخ المقضي عليه أنه ورثها من أبيه بعد ما أنكر وبعد إقامة البينة، ولو أقر أنه ورثها من أبيه قبل إقامة البينة لا تسمع دعوى الاخ ا ه‍. وذكر قبله المورث إذا صار مقضيا عليه في محدود فمات فادعى وارثه ذلك المحدود، إن ادعى الارث من هذا المورث لا تسمع، وإن ادعى مطلقا تسمع، وإن كان على القلب بأن كان المورث مدعيا والمقضي عليه أجنبيا فلما مات المورث ادعى المقضي عليه هذا المحدود مطلقا على وارثه لا تسمع. وذكر فيها معزيا إلى الصغرى في دعوى الدين على إحدى الورثة وقد أقر المدعي أن الميت لم يترك شيأ القضاء عليه قضاء على الميت ا ه‍. وحاصله أن القضاء على المشتري قضاء على البائع بالشرط السابق. وفي فتح القدير: إن القضاء باستحقاق المبيع من يد المشتري قضاء على الكل ولا تسمع دعوى أحدهما أنه ملكه، وعلى الوارث قضاء على المورث بشرطه، وعلى المورث قضاء على الوارث بشرطه، وعلى أحد الورثة قضاء على الباقي بشرطه. وذكر ملاخسر ومن باب الاستحقاق والحكم بالحرية الاصلية حكم على الكافة حتى لا تسمع دعوى الملك من أحد، وكذا العتق وفروعه. وأما الحكم في الملك المؤرخ فعلى الكافة من التاريخ لا قبله يعني إذا قال زيد لبكر إنك عبدي ملكتك منذ خمسة أعوام فقال بكر إني كنت عببشر ملكني منذ ستة أعوام فأعتقني فبرهن عليه اندفع دعوى زيد، ثم إذا قال عمر ولبكر إنك عبدي ملكتك منذ سبعة أعوام وأنت ملكي الآن فبرهن عليه تقبل ويفسخ الحكم بحريته ويجعل ملكا

[ 234 ]

لعمرو، ويدل عليه أن قاضيخان قال في أول البيوع في شرح الزيادات فصارت مسائل الباب على قسمين: أحدهما عتق في ملك مطلق وهو بمنزلة حرية الاصل والقضاء به قضاء على كافة الناس، والثاني القضاء بالعتق في الملك المؤرخ وهو قضاء على كافة الناس من وقت التاريخ ولا يكون قضاء قبله فليكن هذا على ذكر منك الكتب المشهورة خالية عن هذه الفائدة ا ه‍. ومن فروع التعدي إذا قض ء بها دون الاقرار مسألة في الاستحقاق إذا استحق المبيع ببينة رجع المشتري على بائعه بالثمن وبالاقرار لا. وفي مسائل الاستحقاق ما في جامع الفصولين: لو استحق بالبينة فطلب ثمنه من بائعه فقال المبيع لي وشهدا بزور فقال المشتري أنا أشهد بذلك وأنهما شهدا بزور فللمشتري أن يرجع بثمنه على بائعه مع هذا الاقرار إذ المبيع لم يسلم له فلا يحل ثمنه للبائع، ثم قال المرجوع عليه عند الاستحقاق لو أقر بالاستحقاق ومع ذلك برهن الراجع على الاستحقاق كان له أن يرجع على بائعه إذ الحكم وقع ببينة لا بإقرار لانه محتاج إلى أن يثبت عليه الاستحقاق ليمكنه الرجوع على بائعه. وفيه: لو برهن المدعي ثم أقر المدعي عليه بالملك يقضي له بإقرار لا ببينة إذا البينة إنما تقبل على المنكر لا على المقر وفيه اختلاف المشايخ، فقيل يقضي بالاقرار، وقيل بالبينة والاول أظهر وأقرب إلى الصواب ا ه‍. وأورد على أن الاقرار قاصر على المقر مسألتان: الاولى إذا أراد الزوج أن يسافر بامرأته فأقرت بدين لانسان فإنه يمنعها من السفر. الثانية إذا أقر الآجر بدين يصح وتنفسخ الاجارة ولم يقتصر الاقرار على المقر، والجواب أن هذا الاقرار وإن كان على الغير لكنه من ضرورات الاقرار لانه صادف خالص حتى المقر وهو الذمة ثم لزمم منه إتلاف حق الغير بالضرورة ولان المرأة والآجر يقدران على الانشاء بالاستقراض وهذا قول أبي حنيفة. وعندهما لا يصدق المؤجر في حق المستأجر ولا تنتقض الاجار ولا تصدق المرأة في حق الزوج حتى لا يكون للمقر له حبسها وملازمتها، ولا يبطل حق الزوج في نقلها، كذا ذكره العتابي في شرح الزيادات، وذكر قبله أصلا لابي حنيفة فقال: أصل الباب أن إقرار الانسان على غيره لا يصح

[ 235 ]

وذلك بأن يتضمن إقراره بطلان حق الغير بحيث يضاف البطلان إلى إقراره، ففي مسألة الاجارة إنما يصح إقراره لانه تصرف في ذمة نفسه بالتزام الدين ثم تعدى إلى حق الغير وهو المستأجر وحقه إنما يبطل بعد الاقرار بالبيع والتنفيذ فلا يضاف البطلان إلى إقرار الآجر فلا يكون إقرارا على الغير وكذا في مسألة المرأة ا ه‍. ومن مسائل اقتصار الاقرار مسألة في الذخيرة من الفصل الثالث والعشرين من المتفرقات قبيل الصرف ذكر في الباب الاول من شهادات الجامع: شهدا على رجل بعتق عبد فردت لتهمة فوكل المولى أحدهما ببيعه فباعه من الشاهد الآخر صح البيع لان قولهما لم ينفذ في حق المالك والمتعاقدان وإن تصادقا على فساد البيع لكن قولهما ليس بحجة على غيرهما، وعتق العبد لاقرار المشتري بحريته وولاؤه موقوف، وبرئ المشتري عن الثمن في قياس قولهما ولا يبرأ في قياس قول أبي يوسف بناء على ابراء الوكيل بالبيع عن الثمن وضمنه الوكيل عندهما، وليس للوكيل حق استيفاء الثمن عند أبي يوسف إنما يستوفيه الموكل بخلاف الوكيل بالبيع إذا أبرأ عن الثمن حتى لا يصح الابراء عنده فللوكيل استيفاؤه، وإن باع الوكيل العبد من غير صاحبه جاز ولا عتق ولا براءة وتمامها فيها. قوله: (والتناقض يمنع دعوى الملك) لان القاضي لا يمكنه أن يحكم بالكلام المتناقض إذ أحدهما ليس بأولى من الآخر فسقطا، وهذا أصل لفروع كثيرة مذكورة في الدعوة، بأس بايراد نبذة منها، فمن ذلك ما في الظهيرية: رجل ادعى على رجل مقدارا معلوما بأنه دين له عليه وأنكره المدعى عليه ثم ادعى أن ذلك المقدار عنده من جهة الشركة فإنه لا تسمع دعواه لانه متناقض في كلامه ولو كان الامر بالعكس تسمع لامكان التوفيق لان مال الشركة يجوز أن يكون دينا بالجحود والدين لا يصير مال الشركة. ومنها ما ذكره فيها أيضا: رجل ادعى على آخر أنه أخوه وادعى عليه النفقة فقال المدعى عليه ليس هو بأخي ثم مات المدعي وخلف أموالا كثيرة فجاء المدعي عليه يطلب ميراثه وقال هو أخي لا تقبل ولا يقضي له بالميراث لانه متناقض، ولو كان مكان دعوى الاخوة دعوى البنوة أو الابوة والمسألة بحالها يقبل ذلك منه ويقضي له بالميراث، ومنها ما ذكره فيها: ادعى عينا في يد إنسان أنها لفلان وكلني بالخصومة فيها ثم ادعى أنها له وأقام البينة على ذلك يصير متناقضا فلا تقبل بينته، ولو ادعى أنها له ثم ادعى بعد ذلك أنه لفلان وكله بالخصومة فيه وأقام البينة على ذلك قبلت بينته ولا يصير متناقضا ا ه‍. ومنها ما في البزازية: ادعى شراء دار ررمن أبيه فقبل أن يزكي شهوده

[ 236 ]

برهن على أنه ورثها من أبيه تقبل لوضوح التوفيق لانه يقول جحدني الشراء فملكت بالارث وعلى العكس لا. ومنها ما فيها أيضا: ادعى الصدقة منه منذ سنة ثم ادعى الشراء منه منذ شهر وبرهن لا تقبل إلا إذا وفق كما مر. ومنها ما فيها: لو ادعى أولا الوقف ثم لنفسه لا تسمع كما لو ادعاها لغيره ثم لنفسه، ولو ادعى أنها له ثم ادعى أنها وقف عليه تسمع لصحة الاضافة بالاخصية انتفاعا كما لو ادعاها لنفسه ثم لغيره. ومنها ما فيها أيضا: ادعى أنه لفلان وكله بالخصومة ثم ادعى أنه لفلان آخر وكله بالخصومة لا تقبل إذ الوكيل بالخصومة في عين من جهة زيد مثلا لا يلي إضافته إلى غيره إلا إذا وفق وقال كان لفلان الاول وكان وكلني بالخصومة ثم باعه من الثاني ووكلني الثاني أيضا، والتدارك ممكن بأن غاب عن المجلس ثم جاء بعد مدة وبرهن على ذلك على ما نص عليه الحصيري في الجامع دلنا به أن الامكان لا يكفي. ومنها لو ادعى أنه وكيل عن فلان بالخصومة فيه ثم ادعاه لنفسه لا يقبل لان ما هو له لا يضيفه إلى غيره في الخصومة ولا يحكم له بالملك بعد ما أقر به لغيره، ولو برهن أولا لموكله لعدم الشهادة به له إلا إذا وفق وقال كان لفلان وكلني بالخصومة ثم اشتريته منه وبرهن على ذلك الامر الممكن بخلاف ما إذا ادعاه لنفسه ثم ادعى أنه وكيل لفلان بالخصومة لعدم المنافاة فإن الوكيل بالخصومة قد يضيف إلى نفسه يكون المطالبة له. ومنها ما في الاجناس الصغرى: ادعى محدودا بشراء أو إرث ثم ادعاه ملكا مطلقا لا تسمع إذا كانت الدعوى الاولى عند القاضي، فأما إذا لم تكن عند القاضي فهذا والاول سواء، هذا على الرواية التي ذكروا أن التناقض إنما يتحقق إذا كان كلا الدعوتين عند القاضي، فأما من اشترط أن يكون الثاني عند القاضي يكفي في تحقق التناقض كون الثاني عند الحاكم. وفيها أيضا: والتناقض كما يمنع الدعوى لنفسه يمنع الدعوى لغيره والتناقض يرتفع بتصديق الخصم وبتكذيب الحاكم أيضا وهو معنى قولهم المقر إذا صار مكذبا شرعا بطل إقراره. وفيها: الايداع والاستعارة والاستئجار والاستيهاب إقرار بأن العين لذي اليد فلا تسمع دعواه بأنها له، وطلب نكاح الامة مانع من دعوى تملكها وطلب نكاح الحرة مانع من دعوى نكاحها ا ه‍. وذكر الاختلاف في أن إمكان التوفيق يكفي لدفع التناقض أو التوفيق بالفعل، ذكرهما في الخلاصة. وفي البزازية معزيا إلى الخجندي أنه اختار أن التناقض إن كان من المدعي لا بد من التوفيق بالفعل ولا يكفي الامكان، وإن كان من المدعي عليه يكفي الامكان

[ 237 ]

لان الظاهر عند الامكان وجوده ووقوعه والظاهر حجة في الدفع لا في الاستحقاق والمدعي مستحق والمدعى عليه دافع والظاهر يكفي في الدفع لا في الاستحقاق. ويقال أيضا: إن تعدد الوجوه لا يكفي الامكان وإن اتحد يكفي الامكان ا ه‍. وسيأتي لهذا مزيد إن شاء الله تعالى في مسائل شتى من كتاب القضاء عند قول المصنف ما كان لك علي قط ثم ادعى الايفاء أو الابراء وفي كتاب الدعوى إن شاء الله تعالى. والتناقض في اللغة كما في المصباح: التدافع يقال تناقض الكلامان تدافعا كان كل وحد نقض الآخر، وفي كلامه تناقض إذا كان بعضه يقتضي إبطال بعض ا ه‍. وفي الصحاح: والمناقضة في القول أن يتكلم بما يتناقض معناه ا ه‍. وأما في المنطق فقال في الشمسية من الفصل الثالث في أحكام القضايا: وحد والتناقض بأنه اختلاف قضيتين بالسلب والايجاب بحيث يقتضي لذاته أن تكون إحداهما صادقة والاخرى كاذبة فلا يتحقق في المخصوصتين إلا عند اتحاد الموضوع، ويندرج فيه وحدة الشرط والجزاء لكل وعند اتحاد المحمول، ويندرج فيه وحدة الزمان والمكان والاضافة والقوة والفعل والمحصورتين، ولا بد مع ذلك من الاختلاف بالكمية لصدق الجزئيين وكذب الكليتين في كل مادة يكون الموضوع فيها أعم، ولا بد من الاختلاف بالجهة في الكل لصدق الممكنتين وكذب الضروريتين في مادة الامكان ا ه‍. وتوضيحه في شرحها للقطب. والظاهر أن مراد الفقهاء به المعنى اللغوي لا المنطقي كما لا يخفى. قوله: (لا الحرية والنسب والطلاق) لان مبناها على الخفاء فبعذر في التناقض لان النسب يبتني على العلوق والطلاق والحرية ينفرد بها الزوج والمولى فتفرع على المسألة الاولى ما في المبسوط من باب الاقرار بالرق أن الامة إذا أقرت بالرق فباعها المقر له جاز، فإن ادعت عتقا بعد البيع وأقامت البينة على عتق من البائع أو على أنها حرة من الاصل قبلت بينتها استحسانا. ولو باع عبدا ودفعه إلى المشتري وقبض ثمنه وقبضه المشتري وذهب به إلى منزله والعبد ساكت وهو ممن يعبر عن نفسه فهذا إقرار منه بالرق لانه انقاد للبيع والتسليم ولا يثبت ذلك شرعا إلا في الرقيق فيصدق في دعوى الحرية بعد ذلك لانه يسعى في نقض ما تم من جهته إلا أن تقوم له بينة على ذلك فحينئذ تقبل والتناقض لا يمنع من ذلك، وكذا لو رهنه أو دفعه بجناية كان إقرارار بالرق بخلاف ما لو أجره ثم قال أنا حر فالقول وله لان الاجارة تصرف في منافعه لا في عينه ومنافع الحر تملك بالاحارة كالعبد فلا يكون إقرارا له بالرق والاجارة ليست بإقرار من الخادم بالرق وهو إقرار من المستأجر بأن العبد ليس له حتى لو ادعاه بعد ما استأجره لنفسه لا يصدق ا ه‍. وأطلق الحرية فشمل الاصلية والعارضة لخفاء حال العلوق فإن الولد انجلب صغيرا من دار إلى دار وينفرد المولى بالاعتاق ولهذا قلنا:

[ 238 ]

المكاتب إذا أدى بدل الكتابة ثم ادعى تقدم إعتاقه على الكتابة تقبل ويؤدي بدل الكتابة، كذا في البزازية. وأما التناقض المعفو في النسب فصورته: لو باع عبدا ولو عنده وباعه المشتري من آخر ثم ادعاه البائع الاول أنه ابنه فتسمع دعواه ويبطل الشراء الاول والثاني لان النسب ينبني على العلوق فيخفي فيعذر في التناقض، هكذا فصوره العيني في شرح الكنز، وظاهره أن النسب في كلام المصنف خاص بالاصول والفروع، وأما تناقض ما عداهم فإنه يمنع لما قدمناه من أنه إذا أنكر أخوته عند طلب الانفاق عليه فمات فادعى بعده أنه أخوه طالبا ميراثه لم تسمع ورجوعه إلى التناقض في دعوى الملك لكونه لا يصح الدعوى بأنه أخوه إلا إذا ادعى حقا ولذا قال في البزازية من العاشر في النسب والارث من كتاب الدعوى: ادعى على آخر أنه أخوه لابويه إن ادعى إرثا أو نفقة وبرهن تقبل ويكون قضاء على الغائب أيضا حتى لو حضر الاب وأنكر لا تقبل ولا يحتاج إلى إعادة البينة لانه لا يتوصل إليه إلا بإثبات الحق على الغائب، وإن لم يدع مالا بل ادعى الاخوة المجردة لا تقبل لان هذا في الحقيقة إثبات البنوة على أبي المدعى عليه والخصم فيه هو الاب لا الاخ، وكذا لو ادعى أنه ابن ابنه أو أبو أبيه والابن والاب غائب أو ميت لا يصح ما لم يدع مالا فإن ادعى مالا فالحكم على الحاضر والغائب جميعا كما مر بخلاف ما إدا ادعى على رجل أنه أبوه أو ابنه، أو على امرأة أنها زوجته، أو ادعت عليه أنه زوجها، أو ادعى العبد على عربي أنه مولاه عتاقة، أو ادعى عربي على آخر أنه معتقه، أو ادعت على رجل أنها أمته، أو كان الدعوى في ولاء الموالاة وأنكره المدعي عليه فبرهن المدعي على ما قاله تقبل ادعى به حقا أو لا، بخلاف دعوى الاخوة لانه دعوى الغير ألا ترى أنه لو أقر أبوه أو ابنه أو زوجه أو زوجته صح، أو بأنه أخوه لا لكونه حمل النسب على الغير وتمامه فيها. ولو قال هذا الولد ليس مني ثم تلاعنا ثم قال مني يصدق لخفاء العلوق فاندفع ما لو قال هذه الدار ليست لي ثم ادعاها كما مر، كذا فيها أيضا. وفي جامع الفصولين قال لست وارثا ثم ادعى أنه وارثه وبين الجهة تسمع لان التناقض في النسب معفو عنه ا ه‍. وعلى هذا أفتيت فيمن أقر أنه ليس ابن فلان ثم ادعى أنه ابنه أنها تسمع، أما الطلاق صوره العيني بما إذا اختلعت من زوجها ثم أقامت بينة أنه كان طلقها ثلاثا قبل الخلع فإنه تقبل بينتها، ولها أن تسترد بدل الخلع وإن كانت متناقضة لاستقلال الزوج بإيقاع الثلاث عليها من غير أن يكون لها علم بذلك. وفي البزازية: ادعت الطلاق فأنكر ثم مات لا تملك مطالبة الميراث ا ه‍. وليس المراد حصر ما يعفى فيه التناقض بل المراد أن ما كان مبنيا على الخفاء فإنه يعفى فيه التناقض فمن ذلك ما في الظهيرية: اشترى

[ 239 ]

دارا لابنه الصغير من نفسه وأشهد على ذلك شهودا فكبر الابن ولم يعلم بما صنع الاب، ثم إن الاب باع من رجل وسلمها إليه ثم إن الابن استأجر الدار من المشتري ثم علم بما صنع الاب فادعى الدار على المشتري وقال إن أبي اشترى هذه الدار لي من نفسه في صغري وهي ملكي وأقام على ذلك بينة فقال المدعى عليه في دفع دعوى المدعي إنك متناقض في هذه الدعوى لان استئجارك هذه الدار مني اعتراف منك أن الدار ليست لك فدعواك الدار بعد ذلك يكون منك تناقضا قال: الصحيح أن هذا لا يصلح دفعا لدعوى المدعي وإن كان هذا تناقضا لان هذا التناقض لا يمنع صحة الدعوى لما فيه من الخفاء فإن الاب يستقل بالشراء للصغير ومن الصغير لنفسه والابن لا علم له بذلك ا ه‍. وفي البزازية معزيا إلى الصغرى: اشترى ثوبا في منديل ثم زعم أنه لم يعرفه قال تقبل. وفي الذخيرة: قيل لا يقبل في المسائل كلها. وفي العيون: قدم بلدة واشترى أو استأجر دارا ثم ادعاها قائلا بأنها دار أبيه مات وتركها ميراثا له وكان لم يعرفها وقت الاستيام لا تقبل قال: والقبول أصح. وفي المنية: اثنان اقتسما التركة ثم ادعى أحدهما أن أباه كان جعل له هذا الشئ المعين من الذي كان داخلا تحت القسمة إن قال إنه كان في صغري تقبل وإن مطلقا لا. ذكر الوتار: تولى ولاية وقف أو تولى وصاية تركة بعد تبين كونه تركة أو قسم تركة بين ورثة ثم ادعاه لنفسه لا تسمع. اشترى جارية في نقاب ثم ادعاها وزعم أنه لم يعلمها لا يقبل، ولو اشترى ثوبا في منديل ثم ادعى أنه له لا يقبل قال محمد: النظر إلى ذلك الشئ إن كان مما يمكن أن يعرف وقت المساومة كالجارية القائمة المتنقبة بين يديه لا تقبل الا إذا صدقه المدعى عليه في عدم معرفته إياها فتقبل، وإن كان مم لا يعرف كثوبفي منديل أو جارية قاعدة على رأسها غطاء لا يرى منها شيأ يقبل ولاجل هذا الاختلاف أقاويل العلماء في القبول وعدمه في المسائل ا ه‍. وفيها أيضا: استأجر دابة من آخر ثم ادعى أنها كانت له اشتراها له أبوه في صغره وبرهن تقبل لان التناقض يعف ء فيما يجري فيه الخفاء فإن الاب ينفرد بالشراء للابن ومن الابن ا ه‍. ومما يعفى فيه التناقض ما في البزازية: ادعى المالك على الغاصب قيمة العين لهلاكها ثم ادعى أنها باقية وبرهن تقبل لانه موضع الخفاء ا ه‍. ثم اعلم أن المتناقض الذي لا تسمع دعواه إذا قال تركت أحد الكلامين فإنه يقبل منه. قال في البزازية معزيا إلى الذخيرة: ادعاه مطلقا فدفعه المدعى عليه بأنك كنت ادعيته قبل هذا مقيدا وبرهن عليه فقال المدعي ادعيته الآن بذلك

[ 240 ]

السبب وتركت المطلق يقبل ويبطل الدفع ا ه‍. وفيها معزيا إلى المحيط، ادعى على آخر عند غير الحاكم بالشراء أو الارث ثم ادعاه عند الحاكم ملكا مطلقا إن ادعى الشراء من معروف لا تقبل، وإن كان ادعاه من رجل مجهول أو قال من رجل ثم المطلق عند الحاكم يقبل، دلت المسألة أنه لا يشترط في التناقض كون المتدافعين في مجلس الحكم بل يكتفي بكون الثاني في مجلس الحكم ا ه‍. قوله: (مبيعة ولدت فاستحقت ببينة يتبعها ولدها وإن أقربهما لرجل لا) أي لا يتبعها ولدها تفريع على القاعدة الاولى وهي التعدي وعدمه، والمرد أنها ولدت من غير مولاها. وفي الكافي: ولدت لا باستيلاده ثم قيل يدخل الولد في القضاء بالام لانه تبع لها فيكتفي بها، وقيل يشترط القضاء بالولد وهو الاصح. وفي النهاية: إنهالا يتبعها الولد في الاقرار إذا لم يدعه المقر له، أما إذا ادعاه كان له لان الظاهر أنه له ولا خصوصية للولد بل زوائد المبيع كلها على التفصيل. ولم يذكر المصنف متى ينفسخ البيع إذا ظهر الاستحقاق وفيه أقوال، قيل بقبض المستحق، وقيل بنفس القضاء، والصحيح أنه لا ينفسخ ما لم يرجع المشتري على بائعه بالثمن حتى لو أجاز المستحق بعد ما قضى له أو بعد ما قبضه له قبل أن يرجع المشتري على بائعه يصح. وقال شمس الائمة الحلواني: في الصحيح من مذهب أصحابنا أن القضاء للمستحق لا يكون فسخا للبياعات ما لم يرجع كل على بائعه بالقضاء، وفي ظاهر الروايات لا ينفسخ ما لم يفسخ وهو الاصح ا ه‍. وتمامه في فتح القدير. وفي البزازية من فصل الاستحقاق: واستحقاق الجارية بعد موت الولد لا يوجب على المشتري شيأ كزوائد المغصوب ا ه‍. وفيها من التناقض: برهن على جارية أنها له فقضي له بها وولدها في يد المدعى عليه لم يعلم به الحاكم فبرهن المدعي أنه ولدها يقضي به له أيضا، فإن رجع شهود الام بعد ذلك يضمنون قيمة الام والولد لان القضاء بالولد له بواسطة شهود الام فإنهم لو رجعوا بعد القضاء بالام قبل الحكم بالولد أو ارتدوا عن الاسلام أو فسقوا لا يحكم بالولد له إلا أن

[ 241 ]

يشهدوا بأنه ملك المدعي ولدته على ملكه جاريته. شهدا على رجل في يده جارية أنها لهذا المدعي ثم غابوا أو ما توا ولها ولد في يد المدعى عليه يدعيه المدعي عليه أيضا أنه له وبرهن المدعى عليه على ذلك لا يلتفت الحاكم إلى كلام المدعي عليه وبرهانه ويقضي بالولد للمدعي، فإن حضر الشهود وقالوا الولد كان للمدعي عليه يقضي بضمان قيمة الولد على الشهود كأنخم رجعوا، فإن كان الشهود حضورا سألهم عن الولد، فإن قالوا أنه للمدعي عليه أو لا ندري لمن الولد يقضي بالام للمدعي ولا يقضي بالولد فهذا يؤيد ما ذكرنا أولا ا ه‍. قوله: (وإن قال لمشتر اشترني فاني عبد فاشتراه فإذا هو حر فإن كان البائع حاضرا أو غائبا غيبة معروفة فلا شئ على العبد) تفريع على أن التناقض في دعوى الحرية معفو عنه فإن هذا الشخص أقر أولا بالعبودية ثم ظهر بعد ذلك أنه حر بدعواه فكان متناقضا لكنه معفو عنه في دعوى الحرية فتقبل الشهادة، وحينئذ فلا يدل وضعها على أنه لا يشترط الدعوى في الحرية العارضة بل العارضة والاصلية سواء في أنه لا بد من دعوى العبد عند أبي حنيفة وهو قول الجمهور وهو الصحيح لانها حق العبد ولا يمنعها التناقض كما ذكرنا، وإنما لم يلزم العبد في هاتين الصورتين شئ لامكان الرجوع على البائع القابض قوله: (والارجح المشتري على العبد والعبد على البائع) أي وإن كان البائع غائبا غيبة غير معروفة بأن لم يدر مكانه فإنه المشتري يرجع على من قال له اشترني فأنا عبد بما دفع إلى البائع من الثمن ثم يرجع على من باعه بما رجع المشتري به عليه إن قدر. وإنما يرجع به على من باعه مع أنه لم أمره بالضمان عنه لانه أدى دينه وهو مضطر في أدائه بخلاف من أدى عن آخر دينا أو حقا عليه بغير أمره وليس مضطرا فيه فإنه لا يرجع به. وإنما قيد بالقيدين لانه لو قال أنا عبد وقت المبيع ولم يأمره بشرائه أو قال اشترني وزلم يقل أنا عبد لا رجوع عليه بشئ، كذا في فتح القدير، وفي العتابية من فضل الاستحقاق ما يخالفه فلينظر ثمة قوله: (بخلاف الرهن) أي لو قال ارتهني فأنا عبد فظهر حرا لم يرجع عليه بشئ من الاحوال كلها وهو ظاهر الرواية عنهم. عن أبي يوسف أنه لا يرجع في البيع والرهن لان الرجوع بالمعاوضة وهي المبايعة أو بالكفالة ولم يوجدا والموجود هنا مجرد الاخبار كاذبا فصار كما لو قال ذلك أجنبي وكما لو قال ارتهني فأنا عبد. ولهما أن المشتري شرع في الشراء معتمدا على أمره وإقراره فكان مغرورا من جهته والتغرير في المعاوضات التي تقتضي سلامة العوض يجعل سببا للضمان دفعا للغرر بقدر الامكان فكان بتغريره ضامنا لدرك الثمن له عند تعذر رجوعه على البائع كالمولى إذا قال لاهل السوق بايعوا عبدي إني قد أذنت له ففعلوا ثم ظهر أنه مستحق فإنهم يرجعون على المولى

[ 242 ]

بقيمة العبد ويجعل المولى بذلك ضامنا لدرك ما ذاب عليه دفعا للضرر عن الناس بخلاف الرهن فإنه ليس عقد معاوضة بل عقد وثيق للاستيفاء فلا يجعل الآمر به ضامنا لانه ليس تغريرا في عقد معاوضة كما لو قال لسائل عن أمن الطريق أسلك هذا الطريق فإنه آمن فسلكه فنهب ماله لم يضمن، وكذا لو قال كل هذا الطعام فإنه ليس بمسموم فأكله فمات غير أنه يستحق العقوبة عند الله تعالى، وبخلاف الاجنبي لانه لا بعبأ بقوله لعدم اعتماده على قوله فلا يتحقق له الغرور. وفي النهاية معزيا إلى شرح الجامع الصغيرة لقاضيخان: وهذه المسألة دليل على أن العبد إذا كفل بثمن نفسه عن البائع صحت الكفالة وفي الخانية: المغرور يرجع بأحد أمرين إما بعقد المعاوضة أو بقبض يكون للدافع كالوديعة والاجارة إذا هلكت الوديعة أو العين المستأجرة ثم جاء رجل واستحق العين وضمن المودع والمستأجر فإن المودع والمستأجر يرجع على الدافع بما ضمن، وكذا كل من كان بمعناها وفي الاجارة والهبة لا يرجع على الدافع بما ضمن ا ه‍. تتمة في الاستحقاق: أقر المشتري بأن المبيع ملك فلان وصدقه أو ادعاه فلان وصدقه هو أو أنكر فحلف فنكل ليس له رجوع على البائع بخلاف الوكيل بالبيع إذا رد عليه بعيب فخلف فنكل يلزم الموكل لان النكول من المضطر كالبينة وهو مضطر في النكول إذا لم يعلم عيبه ولا سلامته، ولو برهن المشتري على أنه ملك فلان لا تقبل لتناقضة بخلاف ما لو برهن على إقرار البائع لعدمه، وبخلاف ما لو برهن على أنها حرة الاصل وهي تدعي ذلك أو أنها ملك فلان هو أعتقها أو دبرها أو استولدها قبل شرائها حيث يقبل ويرجع بالثمن على البائع لان التناقض في دعوى الحرية وفروعها لا يمنع صحة الدعوى، ولو باع عقارا ثم برهن أنه وقف لا تقبل لان مجرد الوقف لا يزيل الملك بخلاف الاعتاق، ولو برهن أنه وقف محكوم بلزومه قبل، ولو برهنت أمة في يد المشتري أنها معتقة لفلان أو مدبرته أو أم ولده يرجع الكل إلا من كان قبل فلان. ولو اشترى شيأ ولم يقبضه حتى ادعى آخر أنه له لا تسمع دعواه حتى يحضر البائع والمشتري لان الملك للمشتري واليد للبائع والمدعي يدعيهما فشرط القضاء عليهما حضورهما، ولو قضى له بحضرتهما ثم برهن البائع أو المشتري على أن المستحق باعها من البائع ثم هو باعها من المشتري قبل ولزم البيع لانه يقرر القضاء الاول ولا ينقضه، ولو فسخ القاضي البيع بطلب المشتري ثم برهن البائع أن المستحق باعها منه يأخذها وتبقى له ولا يعود البيع المنتقض. ولو قضى للمستحق بعد إثباته ثم برهن البائع على بيع المستحق منه بعد الفسخ تبقى الامة للبائع عند أبي حنيفة وليس له أن يلزمها المشتري لنفوذ القضاء بالفسخ ظاهرا وباطنا عنده. ولو استحقت من يد مشتر فبرهن الذي بله على بيع

[ 243 ]

المستحق من بائع بائعه قبل لانه خصم، ولو برهن البائع الاول أن المستحق أمره ببيعه وهلك الثمن ف يده تقبل، ولو استهلك أورده لا يقبل، ولو أقر عند الاستحقاق بالاستحقاق ومع ذلك أقام المستحق البينة وأثبت عليه الاستحقاق بالبينة كان له أن يرجع على بائعه لان القضاء وقع بالبينة لا بالاقرار لانه يحتاج إلى أن يثبت بها ليمكنه الرجوع على بائعه. وذكر رشيد الدين أن المدعي لو أقام بينة على دعواه ثم أقر المدعى عليه بالملك فالقاضي يقضي بالاقرار لا بالبينة لانها إنما تقبل على المنكر لا المقر. وذكر في موضع آخر اختلاف المشايخ قال: والاظهر والاقرب إلى الصواب أنه يقضي بالاقرار وهو يناقض مذكره في الاستحقاق إلا أن يخص تلك بعارض الحاجة إلى الرجوع وقصد القاضي إلى القضابإحدى الحجتين يعينها. ولو رد البائع الثمن بعد القضاء ثم ظهر فساد القضاء فليس للمشتري أن يسترد المستحق من البائع لثبوت التقايل، ولو لم يترادا ولكن القاضي قضى للمستحق وفسخ البيع ثم ظهر فساد القضاء يظهر فساد الفسخ، ولو أحب البائع أن يأمن غائلة الرد بالاستحقاق فابرأه المشتري من ضمان الاستحقاق بلا أرجع الثمن ان ظهر الاستحقاق فظهر كان له الرجوع ولا يعمل ما قاله لان الابراء لا يصح تعليقه بالشرط قالوا: والحيلة فيه أن يقر المشتري أن بائعي قبل أن يبيعه مني اشتراه مني فإذا أقر على هذا الوجه لا يرجع بعد الاستحقاق لانه لو رجع على بائعه فهو أيضا يرجع عليه بإقراره أنه بائعه منه، كذا في فتح القدير بتمامه. وفيى جامع الفصولين: المشتري إذا زكى شهود المستحق قال أبو يوسف: اسأل عن الشاهدين فإن عدلا رجع المشتري بالثمن على بائعه وإلا يقتصر على المشهود عليه ولا يرجع بثمنه كالاقرار، ثم لو ادعى المشتري استحقاق المبيع على بائعه ليرجع بثمنه فلابد أيفسر الاستحقاق ويبين سببه، فلو بينه فأنكر بائعه البيع فبرهن عليه يقبل ورجع بثمنه، وقيل يشترط حضرة المبيع لسماع البينة، وقيل لا وبه أفتى (ظ) بل لو ذكر شبه العبد وصفته وقدر ثمنه كفى شراه عالما بأنه ليس لبائعه ثم استحق رجع بثمن للمستحق عليه تحليف المستحق بالله ما باعه ولا وهبه ولا تصدق به ولا خرج عن ملكبوجه من الوجوه. ولو شرى أرضا فبنى أو زرع أو غرس فاستحق يرجع المشتري بثمنه على بائعه ويسلم بناءه وزرعه وشجره إليه فيرجع بقيمتها مبنيا قائما يوم سلمها إليه، فلو بنى المشتري بناء قيمته عشرة آلاف مثلا وسكن فيه زمانا حتى خلق البناء وتغير وانهدم بعضه ثم استحق يرجع على بائعه بقيمة البناء يوم تسليمه ولا ينظر

[ 244 ]

إلى ما كان أنفق، وإنما يرجع بقيمة ما يمكن نقضه وتسليمه إلى البائع حتى لا يرجع بقيمة جص وطين. ولو كان البائع غائبا والمستحق أخذ المشتري بهدم بنائه فقال المشتري غرني بائعي وهو غائب قال أبو حنيفة: لا يلتفت إلى قول المشتري فيؤمر بهدمه وتدفع الدار إلى المستحق، فلو حضر البائع بعد هدمه لا يرجع المشتري على البائع بقيمة بنائه وإنما يرجع عليه لو كان البناء قائما فسلمه إليه فهدمه وأخذ النقض، وأما لو هدمه فلا شئ على البائع. وهذا بخلاف ما مر في شجر وجص على البائع قيمة الشجر نابتا في الاستحقاق وللمشتري الرجوع على وكيل البائع بقيمة البناء قائما وبقيمة الولد للغرور. وإن عرف المشتري إن الدار لغير البائع ولم يدع البائع وكالة فبنى فاستحق لم يكن مغرورا، ولو ادعى المشتري أن البناء له وقال البائع لي فالقول للبائع، وإذا رجع المشتري على بائعه بالثمن وقيمة البناء قال أبو حنيفة: لا يرجع البائع على بائعه إلا بثمنه وعندهما يرجع بهما ا ه‍. وتمامه فيه. وفي البزازية من الاستحقاق: ظهرت المشتراة حرة ومات البائع لا عن وارث وتركه وبائع البائع قائم نصب الحاكم عن البائع الثاني وصيا فيرجع المشتري عليه وهو يخاصم البائع الاول ا ه‍. قوله: (ومن ادعى حقا في دار) أي مجهولا (فصولح على مائة فاستحق بعضها لا يرجع بشئ) لجواز أن يكون دعواه فيما بقي وإن قل فما دام في يده شئ لم يرجع. قيد باستحقاق بعضها لانها لو استحق كلها رجع بما دفع للتيقن بأنه أخذ عوضا عما لا يملكه فيرده. ودل وضع المسألة على شيئين: أحدهما أن الصلح عن المجهول جائز لانه لا يفضي إلى المنازعة. الثاني أن صحة الصلح لا تتوقف على صحة الدعوى لصحته هنا دونها حتى لو برهن لم يقبل إلا إذا ادعى إقرر المدعي عليه به. قيد بالمجهول لانه لو ادعى قدرا معلوما كربعها لم يرجع ما دام في يده ذلك المقدار، وإن بقي أقل منه رجع بحساب ما استحق وفي جامع الفصولين: شراه فبنى فاستحق نصفه ورد المشتري ما بقي على البائع له أن يرجع على بائعه بثمنه وبنصف قيمة البناء لانه مغرور في النصف، ولو استحق نصفه المعين فلو كان البناء في ذلك النصف حاصة رجع بقيمة البناء أيضا، ولو كان البناء في النصف الذي لم يستحق فله أن يرد البناء ولا يرجع بشئ من قيمة البناء. ولو اشترى نصفه مشاعا فاستحق نصفه قبل القسمة فالمبيع نصفه الباقي، ولو استحق بعد القسمة فالمبيع نصف الباقي وهو الربع. سئل بعضهم عمن اشترى أرضا فيها أشجار حتى دخلت بلا ذكر فاستحق الاشجار هل لها حصة من الثمن؟ قال: لا كما في ثوب قن وقنة وبرذعة حمار فإن ما يدخل تبعا لا حصة له من الثمن إلى آخره وثبت في بعض النسخ كما شرح عليه العيني.

[ 245 ]

فصل في بيع الفضولي ولم تكن ثابتة عند الزيلعي فتركه وهو نسبة إلى الفضولي جمع الفضل أي الزيادة. وفي المغرب: وقد علمت جمعه على مالا خير فيه حتى قيل: فضول بلا فضل وسن بلا سناوطول بلا طول وعرض بلا عرض ثم قيل لمن يشتغل بما لا يعنيه فضولي. وهو في اصطلاح الفقهاء من ليس بوكيل وبفتح الفاء خطأ اه‍. وقيل: الفضولي من يتصرف في حق الغير بلا إذن شرعي كالاجنبي يزوج أو يبيع ولم يردفي النسبة إلى الواحد وإن كان هو القياس لانه صار بالغلبة كالعلم لهذا المعنى فصار كالانصاري والاعرابي، كذا في النهاية. وفي فتح القدير: غلب في الاشتغال بما لا يعنيه وما لا ولاية له فيه، فقول بعض الجهلة لمن يأمر بالمعروف فضولي يخشى عليه الكفر اه‍ قوله: (ومن باع ملك غيره فللمالك أن يفسخه ويجيزه إن بقي العاقدان والمعقود عليه وله وبه لو عرضا) يعني أنه صحيح موقوف على الاجازة بالشرائط الاربعة. وعند الشافعي لا ينعقد لانه لم يصدر عن ولاية شرعية فيلغو لانها ثبتت بالملك أو بإذن المالك وقد فقد أولا انعقاد إلا بالقدرة الشرعية. ولنا أنه تصرف تمليك وقد صدر من أهله العاقل البالغ في محله وهو المال المتقوم فوجب القول بانعقاده إذ لا ضرر فيه مع تخيره بل فيه نفعه حيث يكفي مؤنة طلب المشتري وحقوق العقد فإنها لا ترجع إلى المالك، وفيه نفع العاقد بصون كلامه عن الالفاء، وفيه نفع المشتري لانه أقدم عليه طائعا ولو لا النفع لما أقدم فتثبت القدرة الشرعية تحصيلا لهذه الوجوه، كيف وأن الاذن ثابت دلالة لان العاقل يأذن في التصرف النافع. واستدل أصحابنا في كتبهم بحديث عروة البارقي أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه دينارا ليشتري به أضحية فاشترى شاتين فباع إحداهما بدينار وجاء بالشاة والدينار إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك فقال عليه السلام: بارك الله لك في صفقتك. ورواه الترمذي عن عروة وحكيم بن حزام كما بينه في النهاية. وإنما شرط قيام المبيع والمتعاقدين لان الاجازة تصرف في العقد فلا بد من قيامه وذلك بقيامها كما في الانشاء، وإن كان الثمن عرضا أي مما يتعين بالتعيين فلا بد من قيامه أيضا لكونه مبيعا، وإنما اشترط قيام المعقود له وهو المالك لان العقد توقف على

[ 246 ]

إجازته فلا ينفذ بإجازة غيره، فلو مات المالك لم ينفذ بإجازة الوارث بخلاف القسمة الموقوفة فإنها تنفذ بإجازة الوارث عند الثاني، كذا في البزازية. ولو لم يعلم حال المبيع وقت الاجازة من بقاء وعدمه جاز البيع في قول أبي يوسف، أو لا وهو قول محمد لان الاصل بقاؤه ثم رجع وقال: لا يصح ما لم يعلم قيامه عندها لان الشك وقع في شرط الاجازة فلا يثبت مع الشك. وقيد بالبيع لان النكاح الموقوف لا يبطل بموت العاقد، ولو تزوجت أمة بغير إذن مولاها ثم مات المولى فإنه ينفذ بإجازة الوارث إذا لم يحل له وطؤها، وإذا أجاز المالك البيع وكان الثمن نقدا صار مملوكا له أمانة في يد الفضولي بمنزلة الوكيل لان الاجازة اللاحقة كالوكالة السابقة. ولو لم يجز المالك وهلك الثمن في يد الفضولي اختلف المشايخ في رجوع المشتري عليه بمثله والاصح أن المشتري إن علم أنفضولي وقت الاداء لا رجوع له وإلا رجع عليه، كذا في القنية. وصرح الشارح بأنه أمانة في يده فلا ضمان عليه إذا هلك سواء هلك قبل الاجازة أو بعدها، وإن كان الثمن عرضا كان مملوكا للفضولي. وإجازة المالك إجازة نقد لا إجازة عقد لانه لما كان العوض متعينا كان شراء من وجه والشراء لا يتوقف بل ينفذ على المباشر إن وجدنفاذا فيكون ملكا له وبإجازة المالك لا ينتقل إليه بل تأثير إجازته في النقد لافي العقد. ثم يجب على الفضولي مثل المبيع إن كان مثليا وإلا فقيمته إن كاقيميا لانه لما صار البدل له صار مشتريا لنفسه بمال الغير مستقرضا له في ضمن الشراء فيجب عليه رده كما لو قضى دينه بمال الغير واستقراض غير المثلي جائز ضمانا وإن لم يجز قصدا ألا ترى أن الرجل إذا تزوج امرأة على عبد الغير صح ويجب قيمته عليه، ولا يشترط قيام المبيع في مسألة من مسائل الفضولي مذكورة في الخلاصة من اللقطة قال: الملتقط إذا باع اللقطة بغير أمر القاضي ثم جاء صاحبها بعدما هلكت العين إن شاء ضمن البائع وعند ذلك ينفذ البيع من جهة البائع في ظاهر الرواية وبه أخذ عامة المشايخ اه‍. وهكذا قالوا في وقيد بالمالك الملتقط إذا تصدق فهلكت العين فأجاز المالك بعد الهلاك صحت وقيد بالمالك في قوله فللمالك أن يفسخه أو يجيزه لان للفضولي فسخه فقط حتى لو أجازه المالك لا ينفذ لزوال العقد الموقوف وإنما كان له ذلك ليدفع الحقوق عن نفسه فإنه بعد

[ 247 ]

الاجازة يصير كالوكيل فترجع حقوق العقد إليه فيطالب بالتسليم ويخاصم بالعيب وفي ذلك ضرر به فله دفعه عن نفسه قبل ثبوته. وفي البزازية: وللمشتري فسخ البيع قبل الاجازة تحرزا عن لزوم العقد بخلاف الفضولي في النكاح ليس له أن يفسخ بالقول ولا بالفعل لانه معبر محض فبالاجازة تنتقل العبارة إلى المالك فتصير الحقوق منوطة به لا بالفضولي. وفي النهاية أن الفضولي في النكاح يملك فسخه بالفعل بأن زوج فضولي رجلا امرأة برضاها وقبل إجازته زوجه بأختها فإن ذلك يكون فسخا للنكاح الاول. وفي فتاوي قاضيخان: لا يكون فسخا ويتوقف الثاني أيضا. ثم الاجازة لبيع الفضولي يكون بالفعل وبالقول فمن الاول تسليم المبيع إجازة وكذا أخذه الثمن، ومن الثاني طلب الثمن وقوله أحسنت أو وفقت أو أصبت ليس بإجازة، وكذا كفيتني مؤنة البيع أو أحسنت فجزاك الله خيرا. وفي المنتقى: لو قال بئس ما صنعت كان إجازة كقبض الثمن، ولو وهب المالك الثمن أو تصدق به على المشتري كان إجازة إن كان المبيع قائما والسكوت بعد العلم لا يكون إجازة، ولو قال المالك أنا راض ما دمت حيا كان إجازة بالاول، ولو قال امسكها ما دمت حيا لا لان الامساك لا يدل على الرضا. وفي فروق الكرابيسي: أسأت إجازة. ولو قال لا أجيز يكون ردا للبيع بخلاف المستأجر إذا قال لاأجيز بيع الآجر ثم أجازه جاز وفي نوادر هشام ولو قال أجزت إن باع بمائة درهم يجوز إن باع بأكثر، وإن باع بأقل لا يجوز. ولو باع بألف دينار لا يجوز وإنما ينظر إلى النوع الذي وصفه، كذا في البزازية. وفيها: وإذا أجاز المالك بيع الفضولي صار الفضولي كالوكيل حتى صح حطه عن الثمن علم المالك بالثمن أو لم يعلم. وأجاب صاحب الهداية أنه إذا علم بالحط بعد الاجازة فله الخيار إن شاء رضي به وإن شاء فسخ اه‍. وأشار

[ 248 ]

المصنف باشتراط قيام البيع أي باسمه وحاله إلى أنه لو أجازه بعد صبغ الثوب المشتري فإنه لا يجوز ولو ولدت الامة ثم أجاز المالك البيع يكون الولد مع الامة للمشتري، ولو انهدم الدار ثم أجاز المالك البيع يصح لبقاء العرصة. ولم يذكر المؤلف حكم تسليم المبيع من الفضولي فلو سلمه فهلك فللمالك أن يضمن أيهما شاء فأيهما اختار ضمانه برئ الآخر لان في التضمين تمليكا منه فإذا مكله من أحدهما لا يمكن تمليكه من الآخر، فإن اختار تضمين المشتري بطل البيع لان أخذ القيمة كأخذ العين ويرجع المشتري على البائع بالثمن لا يما ضمن، وإن اختار تضمين البائع ينظر، إن كان قبض البائع مضمونا عليه نفذ بيعه بالضمان لان سبب ملكه قد تم عقده، وإن كان قبضه أمانة فإنما صار مضمونا عليه بالتسليم بعد البيع فلا ينفذ بيعه بالضمان لتأخر سبب ملكه عن العقد. وقد ذكر محمد في ظاهر الرواية أنه يجوز البيع يتضمين البائع، ووجهه أنه سلم أولا ثم صار مضمونا عليه ثم باعه فصار كالمغصوب، كذا في البزازية: وقيد بالبيع لانه إذا اشترى لغيره كان ما اشتراه لنفسه أجاز الذي اشتراه له أم لا. وإن لم يجد نقادا يتوقف على إجازة من المشتري له كالصبي المحجور يشتري شيأ لغيره فيتوقف هذا إذا أضاف العقد إلى نفسه، أما إذا أضافه إلى غيره بأن يقول بع هذا العبد لفلان فقال البائع بعته لفلان يتوقف على أجازته، وأما إذا قال اشتريت منك بكذا لاجل فلان فقال البائع بعت أو قال البائع بعت منك لفلان فإنه يقع الشراء للمخاطب لا لفلان، والصحيح أنه إذا أضيف العقد في أحد الكلامين إلى فلان يتوقف على إجازة فلان. ولو اشترى عبدا وأشهد أنه يشتريه لفلان وقال فلان رضيت فالعقد للمشتري لانه إذا لم يكن وكيلا بالشراء وقع الملك له فلا اعتبار بالاجازة بعد ذلك وهي تلحق العقد الموقوف لا النافذ، فإن دفع المشتري إليه العبد وأخذ الثمن كان بيعا بالتعاطي بينهما، ولو ظن المشتري والمشتري له أن الملك وقع للمشترى له فسلمه له بعد قبض ثمنه لا يسترد بلا رضا المشتري له ويجعل كأنه ولاه، إن علما أن الشراء وقع للمشتري بعده وإن زعم المشترى له أن الشراء كان بأمره ووقع الملك له والمشتري أنه كان بلا أمره ووقع الشراء للمشترى فالقول للمشتري له لان الشراء بإقراره وقع له، كذا في البزازية.

[ 249 ]

وفي فروق الكرابيسي: شراء الفضولي على أربعة أوجه: الاول أن يقول البائع بعت هذا لفلان بكذا والفضولي يقول اشتريت لفلان بكذا أو قبلت ولم يقل لفلان فهذا يتوقف. الثاني أن يقول البائع بعت من فلان بكذا والمشتري يقول اشتريته لاجله أو قبلت يتوقف. الثالث أن يقول البائع بعت هذا منك بكذا فقال اشتريت أو قبلت ونوى أن يكون لفلان فإنه ينفذ على المشتري. الرابع لو قال اشتريت لفلان بكذا والبائع يقول بعت منك بطل العقد في أصح الروايتين. والفرق أنه خاطب المشتري والمشتري يسترد لغيره فلا يكون جوابا فكان شرط العقد بخلاف الفصلين الاولين إذا العقد أضيف إلى فلان في الكلامين، وبخلاف الفصل الثالث لانه وجد نفاذا على العاقد وقد أضيف العقد إليه اه‍. وأشار المؤلف بثبوت الفسخ والاجازة للمالك إلى أن الفضولي لو شرط الخيار للمالك فإن العقد يبطل ولا يتوقف لان الخيار له بدون الشرط فيكون الشرط له مبطلا، كذا في فروق الكرابيسي. وقيد ببيع ملك الغير لانه لو باع ملك نفسه مشغولا بحق الغير كالرهن إذا باعه الراهن والعين المؤجرة إذا باعها المؤجر يتوقف العقد على إجازة المرتهن والمستأجر فيملكانها دون الفسخ على الصحيح كما سيأتي، وفرق بينهما الكرابيسي فجعل للمرتهن الاجازة والفسخ دون المستأجر فلا يملكه فارقا بأن المستأجر حقه في المنفعة، ولذا لو هلكت العين لا يسقط دينه وفي الرهن يسقط وهو استيفاء حكمي. وتفرع على الفرق ما لو تعدد بيع المؤجر فأجاز المستأجر الثاني نفذ الاول، ولو تعدد بيع الرهن فأجاز المرتهن الثاني نفذ لا الاول اه‍. ولو قال المصنف رحمه الله تعالى باع ملك غيره لمالكه لكان أولى لانه لو باعه لنفسه لم ينعقد أصلا كما في البدائع. ولا بد أن يقول بغير إذنه ليكون فضوليولو تعدد تصرف الفضولي كأمة

[ 250 ]

باعها فضولي من رجل وزوجها منه آخر فأجيزا معا يثبت الاقوى فتصير مملوكة لا زوجة. ولو زوجاها كل من رجل فأجيز بطلا، ولو باعها كل من رحل فأجيزا تتنصف بينهما ويخير كل منهما بين أخذ النصف أو الترك. ولو باعه فضولي وأجره آخر أو رهنه أو زوجه فأجيزا معا ثبت الاقوى فيجوز البيع ويبطل غيره لان البيع أقوى، وكذا تثبت الهبة إذا وهبه فضولي وآجره آخر. وكل من العتق والكتابة والتدبير أحق من غيرها لانها لازمة بخلاف غيرها، والاجارة أحق من الرهن لافادتها ملك المنفعة بخلاف الرهن، والبيع أحق من الهبة لان الهبة تبطل بالشيوع ففيما لا تبطل بالشيوع كهبة فضولي عبدا وبيع آخر إباه يستويان لان الهبة مع القبض تساوي البيع في إفادة الملك. وهبة المشاع فيما لا يقسم صحيحة فيأخذ كل النصف ولو تبايع غاصبا عرضي لرجل واحد فأجاز المالك لم يجز لان فائدة البيع بثبوت الملك في الرقبة والتصرف وهما حاصلان للمالك في البدلين بدون هذا العقد فلم ينعقد فلم يلحقه إجازة. ولو عصبا من رجلين وتبايعا وأجاز المالك جاز. ولو عصبا النقدين من واحد وعقد

[ 251 ]

الصرف وتقابضا ثم أجاز جاز لان النقود لا تتعين في المعاوضات، وعلى كل واحد من الغاصبين مثل ما غصب، كذا في فتح القدير من آخر الباب. وأما وصية الفضولي كما إذا أوصى بألف من مال غيره أو بعين من ماله فأجاز المالك فهو مخير إن شاء سلمها وإن شاء لم يسلم كالهبة، كذا في القنية من الوصايا. وبه علم حكم هبة الفضولي وسيأتي في الصلح بيان صلح الفضولي. والظاهر من فروعهم أن كل ما صح التوكيل به فإنه إذا باشره الفضولي يتوقف إلا الشراء بشرطه السابق. قوله: (وصح عتق مشتر من غاصب بإجازة بيعه لا بيعه) وهذا عندهما. وقال محمد: لا يجوز عتقه أيضا لانه لم يملكه. وفي الحديث لا عتق لابن آدم فيما لا يملك وهذا لان عقد الفضولي موقوف وهو لا يفيده لعدم النفاذ وثبوته عند الاجازة استنادا فهو ثابت من وجه زائل من وجه فلا يصلح شرطا للاعتاق وهو الملك الكامل لاطلاقه في الحديث وهو للكامل، ولذا لو أعتقه الغاصب ثم أدى الضمان لم يصح العتق مع أن الملك الثابت له بالضمان أقوى من الملك الثابت للمشتري حتى ينفذ بيع الغاصب بأداء الضمان ولا ينفذ بيع المشتري بإجازة المالك الاول، وكذلو أعتقه المشتري والخيار للبائع ثم أجاز البيع لا ينفذ عتقه، وكذا إذا قبض المشتري من الغاصب ثم باعه ثم أجاز المالك البيع الاول لم ينفذ البيع الثاني مع أن البيع أسرع نفاذا من العتق حتى صح بيع المكاتب والمأذون دون عتقهما، ولذا لو باع الغاصب المغصوب ثم أدى الضمان نفذ بيعه، ولو أعتقه ثم أدى الضمان لم ينفذ، وكذا

[ 252 ]

لو باعه الغاصب فأعتقه المشتري منه ثم أدى الغاصب الضمان صح بيع الغاصب وبطل عتقه. ولهما أن الملك موقوف فيه فيتوقف الاعتاق مرتبا عليه وينفذ بنفاذه كإعتاق المشتري من الراهن يتوقف وينفذ بإجازة المرتهن وإعتاق المشتري من الوارث حال استغراق التركة بالدين فأجاز الغرماء البيع، وإعتاق الوارث عبدا من التركة وهي مستغرقة به فقضى الدين أو أبرى الغرماء فإنه ينفذ. وهذا لان العتق من حقوق الملك والشئ إذا توقف توقف بحقوق، وإذا نفذ نفذ بحقوقه بخلاف إعتاق الغاصب نفسه لانه لم يوضع للملك وإنما يملكه ضرورة أداء الضمان فلم يكن مثبتا له للحال ولا سببا له، ولذا لا يتعدى إلى الزوائد بخلاف الملك في بيع الفضولي فإنه يتعدى إلى الزوائد المتصلة والمنفصلة، وبخلاف ما إذا كان فيه خيار البائع لانه ليس بمطلق والكلام فيه وهو مانع من انعقاده في الحكم أصلا فلم يوجد الملك فيه. قيد بعتق المشتري لان عتق الغاصب لا ينفذ بأداء الضمان لما بيناه، وقيد بإجازة بيعه لانه لا ينفذ بأداء الضمان من الغاصب ولكن يرد عليه أن المشتري إذا أدى الضمان ينفذ على الصحيح لان ملك المشتري ثبت مطلقا بسبب مطلق وهو الشراء بخلاف الغاصب لانه سبب ضروري فكان الملك فيه ناقصا هكذا ذكر الشارح، فقد فرق بين أداء الغاصب الضمان وبين أداء المشتري منه وصرح في الهدية بأن عتق المشتري ينفذ بأداء الضمان من الغاصب وهو الاصح، فلا فرق بين أداء الضمان من الغاصب أو من المشتري منه، وجرى على ذلك في البناية. فلو قال المؤلف بإجازة بيعه أو أداء الضمان لكان أولى. وكذا لو قال وصح عتق مشتر من فضولي لكان أولى، لانه لا يشترط أن يكون غاصبا لانه لو لم يسلم المبيع فالحكم كذلك، ولعله إنما ذكره لاجل البيع لان بيع العبد قبل قبضه فاسد، وفي فتح القدير: وهذه من المسائل التي جرت المحاورة بين أبي يوسف ومحمد حين عرض عليه هذا الكتاب فقال أبو يوسف: ما

[ 253 ]

رويت لك عن أبي حنيفة أن العتق جائز وإنما رويت أن العتق باطل. وقال محمد: بل رويت لي أن العتق جائز وإثبات مذهب أبي حنيففي صحة العتق بهذا لا يجوز لتكذيب الاصل الفرع صريحا، وأقل ما هنا أن يكون في المسألة روايتان عن أبي حنيفة. قال الحاكم الشهيد قال أبو سليمان: هذه رواية محمد عن أبي يوسف ونحن سمعنا من أبي يوسف أنه لا يجوز عتقه اه‍. وأما بيع المشتري مت الغاصب فإنما لا يصح لبطلان عقده بالاجازة فإن بها يثبت الملك للمشتري باتا والملك البات إذا ورد على الموقوف أبطله، وكذا لو وهبه مولاه للغاصب أو تصدق به عليه أو مات فورثه، فهذا كله يبطل الملك الموقوف لانه لا يتصور اجتماع البات والموقوف في محل واحد على وجه يطرأ فيه البات وإلا فقد كان فيه ملك بات وعرض معه الملك الموقوف، كذا في فتح القدير. وقيد بالعتق لافي التفويض من الفضولي للمرأة إذا جعل أمرها بيدها فطلقت نفسها ثم أجاز الزوج لم تطلق وإنما ثبت التفويض الآن، فإن طلقت نفسها الآن طلقت وإلا فلا. والاصل في تصرف الفضولي أن كل تصرف جعل شرعا سببا لحكم إذا وجد من غير ولاية شرعية لم يستعقب حكمه، ويتوقف إن كان مما يصح تعليقه جعل معلقا وإلا احتجنا أن نجعله سببا للحال متأخرا حكمه إن أمكن فالبيع ليس مما يتعلق فيجعل سببا في الحال فإذا زال المانع من ثبوت حكم الاجازة ظهر أثره من وقت وجوده ولذا ملك الزوائد. وأما التفويض فاحتمل التعليق فجعلنا الموجود من الفضولي متعلقا بالاجازة فعندها يثبت التفويض للحال لا مستندا فلا يثبت حكمه إلا من وقت الاجازة، وأما النكاح فلا يتعلق ولا يمكن أن يعتبر في حال التوقف سببا لمطلق الطلاق بل لملك المتعة المستعقب له. ثم اعلم أن ظاهر وقلهم إذا طرأ ملك موقوف أبطله أن بيع

[ 254 ]

المشتري من الغاصب ينعقد موقوفا وإنما يبطل بطرو الملك البات بإجازة بيع الغاصب. وقد قال في النهاية أنه لم ينعقد أصلا لتجرده عرضلا للانفساخ وقد يقال فائدته لو أجاز المالك بيع المشتري من الغاصب لا بيع الغاصب ينبغي أن يصح بخلاف ما إذا أجاز بيع الغاصب وجوابه أن بيع المشتري لم ينعقد أصلا لما قدمناه عن البدائع أن الفضولي إذا باع ملك غيره لنفسه لم ينعقد، وإنما ينعقد إذا باعه لمالكه وهنا باعه المشتري لنفسه فالظاهر ما في النهاية ولذا قال في المعراج: إن المشتري من الغاصب إذا باع لا يتوقف ملكه لان فائدة التوقف النفاذ ففي كل صورة لا يتحقق النفاذ لا يتوقف كبيع الحر. وأورد على الاصل ما إذا باع الغاصب ثم أدى الضمان فإنه ينفذ بيعه مع أنه طرأ ملك بات وهو ملك الغاصب بأداء الضمان على ملك المشتري الموقوف. وأجيب بأن ملك الغاصب ضروري ضرورة أداء الضمان فلم يظهر في إبطال ملك المشتري. قوله: (ولو قطعت يده عند المشتري فأجيز فأرشه لمشتريه) لان الملك ثبت له من وقت الشراء لما قدمناه فتبين أن القطع ورد على ملكه، ولعى هذا كل ما يحدث في المبيع من كسب أو ولد أو عقر قبل الاجازة فهو للمشتري وهذه حجة على محمد، والعذر له أن الملك من وجه يكفي لاستحقاق الزوائد كالمكاتب إذا قطعت يده فأخذ الارش ثم رد في الرق يكون الارشض للمولى، وكذا إذا قطعت يد المبيع والخيار للبائع فأجاز البيع يكون الارش للمشتري بخلاف الاعتاق لافتقاره إلى كمال الملك. قيد بالمشتري لان يده لو قطعت عند الغاصب ثم

[ 255 ]

ضمن قيمته لا يكون الارش له لان الغصب ليس بسبب موضوع للملك، ولو أعتقه المشتري من الغاصب فقطعت يده ثم أجيز البيع فالارش للعبد، كذا في فتح القدير. وقطع اليد مثال والمراد أرش جراحته للمشتري قوله: (وتصدق بما زاد على نصف الثمن) لان فيه شبهة عدم الملك لانه غير موجود حقيقة وقت القطع وأرش اليد الواحدة في الحر نصف الدية وفي العبد نصف القيمة والذي دخل في صمانه هو الذي كان في مقابلة الثمن ففيما زاد على نصف الثمن شبهة عدم الملك، وأراد وجوب التصدق بالزائد كما هو ظاهر ما في فتح القدير. وقيد بما زاد لانه لا يتصدق بالكل وإن كان فيه شبهة عدم الملك لكونه مضمونا عليه بخلاف ما زاد ووزع في الكافي فقال إن لم يكن مقبوضا ففيما زاد ربح ما لم يضمن وإن كان مقبوضا ففيه شبهة عدم الملك قوله: (ولو باع عبد غيره بغير أمره فبرهن المشتري على إقرار البائع أو رب العبد على أنه لم يأمره بالبيع وأراد رد المبيع لم تقبل) أي بينته لبطلان دعواه بالتناقض إذ إقدامهما على العقد وهما عاقلان اعتراف منهما بصحته ونفاذه والبينة لا تبتني إلا على دعوى صحيحة، فإذا بطلت الدعوى لا تقبل. وقوله بغير أمره زائد وإن وقع في الجامع الصغير لانه ليس من صورة المسألة. ولا يشكل هذا بما ذكره في الزيادات أن المبيع إذا ادعاه رجل فصدقه المشتري فدفع إليه ثم برهن على إقرار البائع بأن العبد للمستحق يريد بذلك لرجوع بالثمن تقبل بينته لانالعبد فيد المشتري هنا وهناك في يد المستحق، وشرط الرجوع بالثمن أن لا تكون العين سالمة للمشتري فلذلك لم يرجع هنا ورجع هناك. وقيل: اختلف الجواب لاختلاف الوضع، فموضوع ما ذكر هنا فيما إذا أقام البينة على أن البائع أقر قبل البيع بأن المبيع للمستحق وإقدامه على الشراء ينفي ذلك فيكون مناقضا، وموضوع ما ذكر في الزيادات فيما إذا برهن أن البائع أقر بعد البيع أنه للمستحق فلا تناقض وهذا هو الاوجه، فإن في مسألة الزيادات العين في يد المشتري أيضا كما في غاية البيان. وأشار المصنف رحمه الله تعالى بعدم قبول البينة إلى عدم قبول قوله لو لم يكن له بينة، فلو ادعى البائع بعد البيع أن صاحبه لم يأمره ببيعه وقال المشتري أمرك أو ادعى المشتري عدم الامر فادعى البائع الامر فالقول لمن يدعي الامر لان الآخر متناقض، وليس له أن يستحلفه لان الاستحلاف يترتب على الدعوى الصحيحة لا الباطلة. واعترض في البناية قولهم إنه متناقض فلا تسمع دعواه ولا بينته بأن التوفيق ممكن لجواز أن يكون المشتري أقدم على الشراء ولم يعلم بإقرار البائع بعدم الامر، ثم ظهر له ذلك بأن قال عدول سمعناه قبل البيع أقر بذلك ويشهدون به ومثل ذلك ليس بمانع، وهذا الموضع موضع تأمل اه‍. قلت: لا اعتراض ولا تأمل لانه وإن أمكن التوفيق لم تقبل

[ 256 ]

لكونه ساعيا في نقض ما تم من جهته، وكل من سعى في نقض ما تم من جهته فسعيه مردود عليه، فقولهم إن إمكان التوفيق يدفع التناقض على أحد القولين مقيد بما إذا لم يكن ساعيا في نقض ما تم من جهته والتقييد بدعوى المشتري مثال لان البائع لو ادعى إقرار المشتري بأن المالك لم يأمره لم يقبل أيضا. قال في الخلاصة والبزازية: عبد معروف لرجل في يد آخر باعه رجل قال البائع بعت بلا أمر المالك وبرهن على إقرار المشتري أنه باعه بغير أمر المالك لا يقبل لتناقض ولا يملك تحليف المالك، وكذا لو ادعى المشتري أيضا فساد العقد دون البائع. وأصله أن من سعى في نقض ما تم من جهته لا يقبل إلا في موضعين: اشترى عبدا وقبضه ثم ادعى أن البائع باعه قبله من فلان الغائب بكذا وبرهن يقبل. الثاني وهب جاريته واستولدها الموهوب له ثم ادعى الواهب أنه كان دبرها أن استولدها وبرهن تقبل ونستردها والعقر اه‍. وعللوه في الثانية بأنه تناقض فيما هو من حقوق الحرية كالتدبير والاستيلاد والتناقض فيه لا يمنع صحة الدعوى. قال في فتح القدير: وعندي أن هذا غير صحيح لانه إنما قبل في الحرية للخفاء ولا خفاء في التدبير والاستيلاء لانه لا يخفي على الفاعل فعل نفسه فيجب أن لا يقبل تناقضه ولا يحكم ببينته اه‍. والجواب أمنه إنما قبل وإن كان متناقضا حملا على أنه فعل ذلك ثم ندم وتاب إلى الله تعالى فأقر بتدبيره أو استيلادها أو عتقه فقبل حملا لخروجه عن المعصية بخلاف التناقض في دعوى الملك فإنه غير مسموع. وفي البزازية: وقول المشتري بعد القبض أعتقه بائعه أو دبره أو كان حرا لاصل مقتصر على نفسه لا يتعدى إلى بائعه بلا بينة وولاؤه موقوف، فإن برهن رجع بالثمن واستقرار الولاء على البائع، وإن برهن على تحريره إن أقر بالبيه قبله من فلان إن صدقه فلان أخذ العقد لا إن كذبه اه‍. ومن فصل الاستحقاق لو أقر بعبد أنه ملك البائع واشترى منه ثم استحق منه فإنه يرجع بالثمن على البائع اه‍. قوله: (وإن أقر البائع عند القاضي بان رب العبد لم بأمره بالبيع بطل البيع إن طلب المشتري ذلك) لان التناقض لا يمنع صحة الاقرار لعدم التهمة فللمشتري أن يساعده فيه فينتفيان فينتقض في حقهما وهو المراد ببطلان البيع في عبارته لا في حق رب العبد إن كذبهما وادعى أنه كان أمره، فإذا لم ينفسخ في حقه يطالب البائع بالثمن عندهما لانه وكيله وليس له مطالبة المشتري لبراءته بالتصادق. وعند أبي يوسف له أن يطالبه فإذا أدى رجع به على البائع بناء على إبراء الوكيل. ولو كان على العكس بأن أنكر المالك التوكيل وتصادقا أنه وكله، فإن برهن الوكيل لزمه وإلا استحلف المالك، فإن حلف لم يلزمه، وإن نكل لزمه. ولو غاب المالك بعد الانكار وطلب البائع الفسخ فسخ القاضي البيع بينهما لانه ثبت عند

[ 257 ]

القاضي أن البيع كان موقوفا، فإن طلب المشتري تأخير الفسخ ليحلف المالك على أنه لم يأمره لم يؤخر لان سبب الفسخ قد تحقق فلا يجوز تأخيره لاجل اليمين. فلو حضر المالك وحلف أخذ العبد وإن نكل عاد البيع، ولو كان المالك حاضرا وغاب والمشتري لم يأخذ العبد لان البيع صح ظاهرا فلا يصح القضاء على الغائب بفسخه وللبائع أن يحلف رب العبد أنه ما أمره ببيعه، فإن نكل ثبت أمره، وإن حلف ضمن البائع ونفذ بيعه كالغاصب إذا باع المغصوب ثم ملكه بأداء الضمان. ولو مات المالك قبل حضوره فورثه البائع وأقام البينة على إقرار المالك بأنه لم يأمره لم يقبل لما بيناه من التناقض، ولو أقامها على إقرار مشتريه بذلك بعد موته تقبل بخلاف ما إذا أقامها على هذا الوجه حال حياة المالك فإنها لا تقبل لانه في حياته أصيل فيه فيمتنع بالتناقض، وبعد موته نائب عن الميت والميت لو ادعى حال حياته لا يكون مناقضا بخلاف شريكه البائع حيث يكون مناقضا ولمشتريه أن يحلفه بالله تعالى ما يعلم أن المولى أمره ببيعه، فإن نكل ثبت الامر، وإن حلف أخذ نصف العبد ورجع المشتري على البائع بنصف الثمن، وخير في النصف الآخر لتفرق الصفقة عليه. هذا إذا أقر المشتري بأن العبد ملك الآمر وإن أنكر لغقول الآمر حتى يقيم البينة على ملكه، ولعا توكيل بائعه في خصومته كيلا يصير البائع ساعيا في نقض ما تم من جهته. وقوله عند القاضي ليس بقيد لما في البناية أن إقراره عند القاضي وغيره سواء إلا أن البينة تختص بمجلس القاضي فلذا ذكر قوله عند القاضي اه‍. وقوله إن طلب المشتري ذلك أي إبطال البيع قوله: (ومن باع دار غيره فادخلها المشتري في بنائه لم يضمن البائع) يعني إذا أقر البائع بالغصب وأنكر المشتري لان إقراره لا يصدق على المشتري ولا بد من إقامة البينة حتى يأخذها، فإذا لم يقم المستحق وهو صاحب الدار البينة كان التلف مضافا إلى عجزه عن إقامة البينة لا إلى عقد البائع لان الغاصب لا يجوز بيعه فعلى هذا يعلم أن قوله وأدخلها المشتري في بنائه اتفاقي، وإنما ذكره ليعلم حكم غيره بالاولى. وفي الهداية لم يضمن البائع عند أبي حنيفة كمن أقر بالغصب وهو قول أبي يوسف آخرا وكان يقول أولا يضمن وهو قول محمد وهي مسألة غصب العقار. وأراد بالدار العرصة بقرينة أدخلها في بنائه والله أعلم. باب السلم لما كان من أنواع البيوع ولكن شرط فيه القبض كالصرف أخرهما وقدمه على الصرف

[ 258 ]

لان الشرط في الصرف قبضهما وفي السلم قبض أحدهما فقدم انتقالا بتدريج. وخص باسم السلم لتحقق إيجاب التسليم شرعا فيما صدق عليه أعني تسلم رأس المال، وكان على هذا تسمية الصرف بالسلم أليق لكن لما كان وجود السلم في زمنه صلى الله عليه وسلم هو الظاهر العام في الناس سبق الاسم إليه. وهو في اللغة السلف قال في الصحاح: أسلم الرجل في الطعام أسلف فيه. وفي المصباح: السلم في البيع مثل السلف وزنا ومعنى وأسلمت إليه بمعنى أسلفت أيضا اه‍. وفي المعراج أن الهمزة فيه للسلب أي أزال سلامة الدراهم بتسليمها إلى مفلس في مؤجل. وفي الفقه على ما في السراج والعناية: أخذ عاجل بآجل. وتعقبه في فتح القدير بأنه ليس بصحيح لصدقه على البيع بثمن مؤجل. وعرفه أيضا بأنه بيع آجل بعاجل. والظاهر أن قولهم أخذ عاجل بآجل من باب القلب والاصل أخذ آجل بعاجل وهو أولى مما في البناية من أن قولهم أخذ عاجل بآجل تحريف من الناسخ الجاهل فاستمر النقل على هذا التحريف. وركنه ركن البيع من الايجاب والقبول، وينعقد بلفظ البيع على الاصح اعتبارا للمعنى ويسمى صاحب الدراهم رب السلم والمسلم أيضا ويسمى الآخر المسلم إليه، والحنطة مثلا المسلم فيه، وستأتي شرائطه مفصلة أيضا. وسبب شرعيته شدة الحاجة إليه، وحكمه ثبوت الملك للمسلم إليه في الثمن ولرب السلم في المسلم فيه الدين الكائن في الذمة، أما في العين فلا يثبت إلا بقبضه على أنعقاد مبادلة أخرى والمؤجل المطالبة بما في الذمة ودليله من الكتاب آية

[ 259 ]

المداينة لما صححه الحاكم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله تعالى في الكتاب وأذن فيه قال الله تعالى * (يا أيها آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) * [ البقرة: 282 ] ومن السنة ما رواه الستة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قدم النبي صلى الله عليه وسلم والناس يسلفون في التمر السنة والسنتين والثلاثة فقال: من أسلم في شئ فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم وهو على خلاف القياس إذ هو بيع المعدوم ووجب المصير إليه بالنص والاجماع للحاجة، ولا اعتبار بمن قال إنه على وفقه وقد أطال في الرد عليه في فتح القدير. قوله: (ما أمكن ضبط صفته ومعرفة قدره صح السلم فيه) لانه لا يفضي إلى المنازعة. وفي القنية: السلم في العنب القلابي في وقت كونه حصر ما لا يصح، والسلم في التفاح الشامي قبل الادراك يصح لانه يسمى تفاحا اه‍. وفي فروق الكرابيسي: بيع السلم يفارق بيع العين في ستة أشياء: خيار الرؤية، وخيار الشرط ولو تفرقا يبطل، وفي إضافة السلم إلى الدراهم، وجعل الحنطة رأس المال على المختار، وفي الاجل قوله: (وما لا فلا) أي وما لا يمكن ضبط صفته ومعرفة قدره لا يصح السلم فيه لانه يفضي إلى المنازعة. ثم شرع يبين الفصلين بالفاء التفصيلية بقوله: (فيصح في المكيل كالبر والشعير والموزون المثمن كالعسل والزيت) وفي الفروق: الاسلام في الخبز وزنا يجوز اه‍. وفي القنية برقم (مع عك) أسلم زبيبا في كر حنطة لا يجوز وبرقم (حم عك) يجوز فأبو الفضل يجعل الزبيب كيليا وهما جعلاه وزنيا. والثوم والبصل يجوز السلم فيه وزنا لا عددا، واللبن والعصير والخل يجوز كيلا أو وزنا، ولا خير في السلم في الاواني المتخذة من الزجاج، وفي المكسور يجوز وزنا، كذا في البزازية. وفي الظهيرية: ويجوز السلم في الدقيق كيلا ووزنا ولو أسلم فلوسا في صفر أو سيفا في حديد أو قصبا في بوار لا يجوز بخلاف ما لو أسلم قطنا في ثوب حيث يجوز اه‍. وفيها: لو أسلم في اللبن كيلا أو وزنا جاز لانه ليس بمكيل ولا موزون نصا فيجوز كيفما كان. وشرط في الذخيرة رواج الفلوس أما إذا كانت كاسدة فإنه لا يجوز لانه إسلام موزون

[ 260 ]

في موزون. وقيد المثمن احترازا عن الدراهم والدنانير فإنه وإن كانت موزونة لكنها ثمن فلا يجوز الاسلام فيها لان السلم تعجيل الثمن وتأجيل المبيع، ولو جاز فيها انعكس فإذا لم يقع سلما يكون باطلا عند عيسى بن أبان. وقال الاعمش: بكون بيعا بثمن مؤجل اعتبارا للمعنى والاول أصح لانه لا يمكن تصحيحه في غير ما أوجبا العقد فيه. ورجح قول الاعمش في فتح القدير بأنه أدخل في الفقه، وهذا الخلاف فيما إذا أسلم فيهما غير الاثمان كالحنطة، وأما إذا أسلم فيهما الاثمان لم يجز إجماعا ولو أسلم في المكيل وزنا كما إذا أسلم في البر والشعير بالميزان فيه روايتان والمعتمد الجواز لوجود الضبط وعلى هذا الخلاف لو أسلم في الموزون كيلا. قوله: (ويصح في العددي المتقارب كالبيض والجوز) لانه معلوم مضبوط مقدور التسليم وما فيه من التفاوت مهدر عرفا ولا خلاف في جوازه عددا إنما الخلاف فيه كيلا، فعندنا يجوز كيلا ومنعه زفر كيلا، وعنه منعه أيضا عدا للتفاوت وأجبنا عنه. وإنما جاز كيلا لوجود الضبط فيه. وقيد بالتقارب ومنه الكمثرى والمشمش والتين كما في فروق الكرابيسي لان العددي المتفاوت لا يجوز السلم فيه وما تفاوتت ماليته متفاوت كالبطيخ والقرع والرمان والرؤس والاكارع والسفرجل والدر والجواهر واللآلئ والادم والجلود والخشب فلا يجوز السلم في شئ منها عددا للتفاوت إلا إذا ذكر ضابطا غير مجرد العدد كطول أو غلظ أو غير ذلك. ومن المتفاوت الجوالق والفراء فلا يجوز إلا بذكر مميزات، وأجازوه في الباذنجان

[ 261 ]

والكاغد عددا لاهدار التفاوت. وفي فتح القدير: وفيه نظر ظاهر أو بحمل على كاغد بقالب خاص وإلا فلا يجوز. وكون الباذنجان مهدر التفاوت لعله في باذنجان ديارهم وفي ديارنا ليس كذلك بخلاف بيض النعام وجوز الهند لا يستحق شئ منه بالاسلام بخلاف بيض الدجاج والجوز الشامي والفرنجي لعدم إهدار التفاوت. ويشترط مع العدد بيان الصفة أيضا في شرح الشافي فلو أسلم في بيض النعام أو في جوز الهند جاز كما جاز في الاخيرين، وعن أبي حنيفة أنه منعه عددا في بيض النعام ادعاء للتفاوت في المالية وهو خلاف ظاهر الرواية. والوجه أن ينظر إلى الغرض في عرف الناس، فإن كان الغرض في ذلك العرف حصول القشور ليتخذ في سلاسل القنادى كمفي ديار مصر وغيرها من امصار يجب أن يعمل بهذه الرواية فلا يجوز السلم فيها بعد ذكر العدد إلا مع تعيين المقدار واللون من نقاء البياض أو إهداره اه‍. وفي المعراج: والفاصل بين المتفاوت والمتقارب أن ما ضمن مستهلكه بالمثل فهو متقارب وبالقيمة يكون متفاوتا. وفي البزازية: يجوز السلم في الاواني المتخذة من الخزف عددا إن نوعا يصير معلوما عند الناس، ويجوز في الكيزان الخزفية إذا بين نوع لا يتفاوت آحاده اه‍. ولم يشترط المؤلف للجواز إعلام الصفة أنه جيد أو وسط أو ردئ ومنهم من شرط إعلام الصفة، كذا في الذخيرة وفيها عن أبي يوسف: لو أسلم بيض الاوز في بيض الدجاج أو أسلم بيض النعام في بيض الدجاج جاز، وإن أسلم بيض الدجاج في بيض نعامة أو أسلم بيض الدجاج في بيض الاوز، وإن كان في حين يقدر عليه جاز، فإن كان في حين لا يقدر عليه لا يجوز اه‍. قوله: (والفلس) لانه عددي يمكن ضبطه فيصح السلم فيه، وقيل لا يصح عند محمد لانه ثمن ما دام يروج، وظاهر الرواية عن الكل الجواز. وإذا بطلت ثمنيتها لا يخرج عن العد إلى الوزن للعرف إلا أن يهدره أهل العرف كما هو في زماننا فإن الفلوس أثمان في زماننا ولاتقبل إلا وزنا فلا يجوز السلم فيها إلا وزنا في ديارنا في زماننا، وقد كانت قبل هذه الاعصار عددية في ديارتا أيضا، كذا في فتح القدير قوله: (واللبن) بكسر الباء وهو الطوب

[ 262 ]

النئ وشرط في الخلاصة ذكر المكان الذي يعمل فيه اللبن، وفي الذخيرة: لو باع آجرة من ملبن لم تجز من غير إشارة لان اللبن من المعدود المتقارب باعتبار قدره ومن المتفاوت باعتبار نضجه فاعتبر الاول في السلم للحاجة واعتبر الثاني في البيع قوله: (والآجر) بضم الجيم وتشديد الراء مع المد أشهر من التخفيف الواحدة آجرة وهو معرب وهو اللبن إذا طبخ، كذا في المصباح قوله: (إن سمى ملبن معلوم) لان آحادها لا تتفاوت إذا عينت الآلة وإذا لم تعين لا يجوز لافضائه إلى المنازعة. وفي المصباح: اللبن بكسر الباء ما يعلم من الطين يبنى به الواحدة لبنة ويجوز التخفيف فيصير مثل حمل اه‍. والملبن بكسر الباء قالب الطين والمحلب أيضا، كذا في الصحاح والمراد الاول قوله: (والذرعي) أي ويصح السلم في المذروعات لانه يمكن ضبطها بما ذكره، وجوازه فيها بالاجماع كالثياب والبسط والحصر والبواري. وإنما جاز فيها مع أنها لم تذكر في النص وهو مشروع على خلاف القياس في المكيل والموزون فلا يقاس عليهما للاجماع ودلالة النص لان سبب شرعيته الحاجة وهي لا تختلف قوله: (كالثوب إذا بين الذراع) أي من أي جنس كذا ذكر العيني. وفي فتح القدير: أي قدره كذا كذا ذراعا. وفي البزازية: إذا أطلق ذكر الذراع في الثوب فله ذراع وسط. وفي الذخيرة: واختلف المشايخ في تفسير قول محمد ذراع وسط، منهم من قال أراد به المصدر وهو فعل الذرع لا الاسم وهو الخشبة يعني لا يمد كل المد ولا يرخى كل الارخاء، وبعضهم قال أراد به الخشب، والصحيح أنه يحمل عليهما إذا شرط مطلقا فيكون له الوسط منهما نظرا للجانبين قوله: (والصفة) أي قطن أو كتان أو مركب منهما وهو الملحم أو حرير ونحو ذلك قوله: (والصنعة) أي عمل الشام أو الروم أو زيد أو عمر ولانه يصير معلوما بذكر هذه الاشياء فلا يؤدي إلى النزاع. ولم يذكر الوزن لانه ليس بشرط إلا في الحرير إذا بيع وزنا لانه لا يعلم إلا بالوزن. وفي الظهيرية: ولا يشترط ذكر الوزن في الكرباس واختلفوا في الحرير والصحيح اشتراطه، ولو أسلم في ثوب الخزان بين الطول والعرض والرقعة ولم يذكر الوزن جاز، وإن ذكر الوزن فقط لا يجوز. ولو باع ثوب خز بثوب خز يدا بيد لا يجوز إلا وزنا لانه لا يباع إلا وزنا اه‍. وفي البزازية: أسلم قطنا هرويا في ثوب هروي جاز وإن مسحا في شعر مسح إن كان المسح عاد شعرا لا يجوز وإلا يجوز ثم قال في نوع: لو أسلم في ثوب وسط وجاء بالجيد فقال خذ هذا وزدني درهما فستأتي مسائله عند قوله ولا يجوز التصرف في المسلم فيه قبل قبضه قوله: (لا في الحيوان) أي لا يصح السلم فيه لتفاوت آحاده لانه وإن أمكن ضبط ظاهره لا يمكن ضبط باطنه، وكذا استقراضه فاسد ولكنه مضمون بالقيمة مملوك بالقبض

[ 263 ]

حتى لو كان عبدا فأعتقه يجوز لكونه مملوكا له، ذكره الاسبيجابي، وقدمناه قبيل الربا. أطلقه فشمل الآدمي وغيره وقد صح أنه عليه السلام نهى عن السلف في الحيوان. رواه الحالكم وصححه. فشمل العصافير وإن لم يكن فيها تفاوت لان الاعتبار في المنصوص عليه لعين النص لا للمعنى وهو لم يفصل، كذا في الكافي. ولكنه يخرج عنه السمك الطري فإن السلم فيه جائز كما سيأتي ولكن في فتح القدير إن شرطت حياته فلنا إن نمنع صحته. قوله: (ولا أطرافه كالرأس والاكارع) لفحش التفاوت، وقيل عندهما يجوز. والاكارع جمع كراع للشاة والبقرة ويجمع على إكراع أيضا قوله: (والجلود عددا) أي لا يجوز السلم فيها للتفاوت الفاحش إلا أن يبين ضربا معلوما وطولا وعرضا وصفة معلومة من الجودة والرداء فيجوز حينئذ عددا ووزنا قوله: (والحطب حزما والرطبة جرزا) أي لا يجوز السلم فيها للتفاوت الفاحش لانه مجهول لا يعرف طوله وغلظه حتى لو عرف ذلك بأن بين الحبل الذي يشد به الحطب والرطبة وبيه طوله وضبط ذلك بحيث لا يؤدي إلى النزاع جاز، ولو قدر الوزن في الكل جاز، وفي ديارنا تعارفوا في نوع من الحطب الوزن فيجوز الاسلام فيه وزنا وهو أضبط وأطيب، كذا في فتح القدير. وفي الخلاصة: ولا يجوز السلم في الحطب أوقارا. والرطبة القضب خاصة مادام رطبا والجمع رطاب، كذا في الصحاح. وفي المصباح: الجرزة القصة من القت ونحوه والحزمة والجمع جرز مثل غرفة وغرف، وأرض جرز بضمتين قد انقطع الماء عنها فهي يابسة لانبات فيها اه‍. وفي الذخيرة: وأما الرياحين الرطبة والبقول والقصب والحشيش والخشب فهذه لم تكن مثلية فلا يجوز فيها، ولا بأس بالسلم في الجذوع إذا بين ضربا معلوما والطول والعرض والغلظ، وكذا الساج وصنوف العيدان. وفي البناية: الرطبة الاسفست وهي التي تسميه أهل مصر برسيما، وأهل البلاد الشمالية بنجا. وفي الشامل: لا خير في المسلم في الرطبة ويجوز في القت لانه يباع وزنا قوله: (والجوهر والخرز) لتفاوت آحاده الاصغار للؤلؤ التي تباع وزنا يجوز السلم فيها وزنا لانها تباع به فأمكن معرفة قدرها. والخرز بالتحريك الذينظم الواحدة خرزة وخرزان الملك جواهر تاجه، ويقال كان الملك إذا ملك عاما زيدت في تاجه خرزة ليعلم عدد سني ملكه، كذا في الصحاح قوله: (والمنقطع) أي لا يجوز السلم في الشئ المنقطع لفوت شرطه وهو أن يكون موجودا من حين العقد إلى حين المحل - بكسر الحاء - مصدر ميمي من الحلول

[ 264 ]

حتى لو كان منقطعا عند العقد موجودا عند المحل أو بالعكس أو منقطعا فيما بين ذلك لم يجز لانه غير مقدور التسليم لتوهم موت المسلم إليه فيحل الاجل وهو منقطع فيتضرر رب السلم. وحد الانقطاع أن لا يوجد في الاسواق التي تباع فيها وإن كان في البيوت، ولو انقطع عن ايدي الناس بعد المحل قبل أن يوفى المسلم فيه فرب السلم بالخيار إن شاء فسخ العقد وأخذ رأس ماله، وإن شاء انتظر وجوده. وفي البناية معزيا إلى مبسوط أبي اليسر: ولو انقطع في إقليم دون إقليم لا يصح السلم في الاقليم الذي لا يوجد فيه لانه لا يمكن إحضاره إلا بمشقة عظيمة فيعجز عن التسليم حتى لو أسلم في الرطب ببخارى لا يجوز وإن كان يوجد بسجستان اه‍. وفي البزازية: انقطع المسلم فيه في أوانه يتخير رب السلم. وعن الامام أنه ينفسخ اه‍. وفيها: استقرض فاكهة كيلا أو وزنا ثم انقطع يصير إلى أن تدخل الجديدة إلا أن يتراضيا على قيمته كمن استقرض طعاما في بلد فيه الطعام رخيص ثم التقيا في بلد فيه الطعام غال ليس له الطلب بل يوثق المطلوب ليعطيه في تلك البلد اه‍. قوله: (ولا في السمك الطري) أي لا يجوز فيه لانه ينقطع عن أيدي الناس في الشتاء لانجماد المياه حتى لو كان في وقت لا ينقطع فيه جاو وزنا لا عددا. والحاصل كما في شرح الطحاوي أنه إما أن يكون طرية أ ومالحا، ولا يخلو إما أن سلم عددا أو وزنا، فإن أسلم فيه عددا لم يحز مطلقا للتفاوت، وإن أسلم فيه وزنا، فإن كان مملوحا يجوز، وإن كان طريا فإن كان العقد في حينه والحلول في حينه ولا ينقطع فيما بينهما جاز وإلا فلا قوله: (وصح وزنا لو مالحا) أي صح السلم في السمك بالوزن لو كان ملحا لا عددا لان الملح منه وهو القديد لا ينقطع وهو معلوم يمكن ضبطه ببيان قدره بالوزن، وبيان نوعه بأن يقول بوري أوراي وفي أسماك الاسكندرية الشفس والدونيس وغيرها. وفي الايضاح: الصحيح أن في الصغار منه يجوز وزنا وكيلا وفي الكبار روايتان. وفي المغرب: سمك مليح ومملوح وهو القديد الذي فيه الملح ولا يقال مالح إلا في لغة رديئة، والمالح هو الذي شق بطنه وجعل فيه الملح قوله: (ولا يصح السلم في اللحم) أي عند أبي حنيفة. وقالا: يجوز إذا بين جنسه ونوعه وسنه وموضعه وصفته وقدره كشاة خصي ثني سمين من الجنب، أو الفخذ مائة رطل لانه موزون مضبوط الوصف فصار كالالية والشحم بخلاف لحم الطيور فإنه لا يقدر على وصف موضع منه وله أن يختلف باختلاف كير العظم وصغره فيؤدي إلى المنازعة. وفي منزوع العظم روايتان والاصح عدمه ولذا أطلقه في الكتاب. وفي الحقائق والعيون: الفتوى على قولهما

[ 265 ]

وهذا على الاصح من ثبوت الخلاف بينهم، وقد قيل لا خلاف فمنع أبي حنيفة فيما إذا أطلقا السلم في اللحم، وقولهما فيما إذا بينا وإذا حكم الحاكم بجوازه صح اتفاقا، كذا في البزازية. واللحم قيمي فيضن بالقيمة إذا غصب كما في الجامع الكبير من باب الاستحقاق وعزاه في الصغرى إلى وسط المنتقي. وفي فروق الكرابيسي: يضمن اللحم عند الاتلاف بالقيمة والخبز يضمن بالمثل، ولو اشترى باللحم يثبت دينا في الذمة والخبز كذلك، فالحاصل أن اللحم مع الخبز يستويان في ثبوتهما دينا في الذمة ويفترقان في الضمان فيضمن اللحم بالقيمة والخبز بالمثل. والفرق أن كل واحد منهما وإن كان غذاء لكن الخبز أبين غذاء وأحسن كفا فأظهرنا حكم التفرقة في الضمان والتسوية في الدينية عملا بالشبهين اه‍. وفي التتمة عن اختيار شيخ الاسلام على الاسبيجابي أن اللحم مضمون بالمثل. وفي الظهيرية: وإقراض اللحم عندهما يجوز كما يجوز السلم. وعن أبي حنيفة روايتان واللحم مضمون بالقيمة في ضمان العدوان إذا كان مطبوخا بالاجماع، وإن كان نيأ فكذلك وهو الصحيح. وإن اشترى شيأ بلحم في الذمة ذكر في الاجارات أنه إذا استأجر شيأ بلحم في الذمة جاز وما يصلح أجرة في الاجارة يصلح ثمنا في البيع اه‍. قوله: (وبمكيال أو ذراع لم يدر قدره) أي لا يصح لاحتمال الضياع فيقع النزاع بخلاف البيع به حالا. قيد بكونه لم يدر قدره لانهما لو كانا معلومي القدر جاز، ويشترط أن يكون المكيال مما لا ينقبض ولا ينبسط كالقصاع. وأما الجراب والزنبيل فلا يجوز الكيل بهما. وعن أبي يوسف الجواز بقرب الماء للتعامل وهو أن يشتري من سقاء كذا وكذا قربة من ماء النيل أوغير ذلك مثلا بهذه القربة وعينها جاز البيع وتقتضي القاعدة المذكورة أن لا يجوز إذا عين هذه القربة ولكن بمقدارها، كذا في فتح القدير. وفي القنية: السلم في الماء مختلف فيه، فإن كان موضعا جرت العادة فيه بالسلم وذكر الشرائط صح اه‍ قوله: (وبر قربة أو تمر نخلة معينة) أي لا يجوز لاحتمال أن يعتريهما أفة فلا يقدر على التسليم وإليه أشار صلى الله عليه وسلم بقوله أرأيت إذا منع الله ثمرة هذا البستان بم يستحل أحدكم مال أخيه؟ فإن معناه أنه لا يستحق بهذا البيع شيأ إن لم يخرج ذلك البستان شيأ فكان في بيع ثمرة هذا البستان غرر الانفساخ فلا يصح بخلاف ما إذا أسلم في حنطة صعيدية أو شامية فإن احتمال أن لا ينبت في الاقليم شئ برمته ضعيف فلا يبلغ الغرر المانع في الصحة، ولذا قيد بالقربة احترازا على الاقليم وتعيين البستان كتعيين النخلة. هذا لو كانت نسبة الثمرة إلى قرية معينة لبيان الصفة لا لتعيين

[ 266 ]

الخارج من أرضها بعينه كالحشراتي ببخارى والسباخي وهي قرية حنطتها جيدة بفرغانة لا بأس به لانه لا يراد خصوص النابت هناك بل الاقليم، ويتوهم انقطاع طعام إقليم بكماله فالسلم فيه وفي طعام العراق والشام سواء كذا في ديارنا قمح الصعيد. وفي الخلاصة وغيرها: لو أسلم في حنطة الهراة لا يجوز، وفي ثوب هراة وذكر شروط السلم يجوز لان حنطتها يتوهم انقطاعها إذا لاضافة لتخصيص البقعة فيحصل السلم في موهوم الانقطاع بخلاف إضافة الثوب لانها لبيان الجنس والنوع لا لتخصيص المكان، وكذا لو أتى المسلم إليه بثوب هروي نسج في غير ولاية هراة من جنس الهروي يعني من صفته ومؤنته يجبر رب السلم على قبوله، فظهر أن المانع والمقتضى العرف، فإن تعورف كون النسبة لبيان الصفة فقط جاز وإلا فلا، كذا في فتح القدير. ثم قال: وفي شرح الطحاوي: لو أسلم في حنطة حديث قبل حدوثها فالسلم باطل لانها منقطعة في الحال وكونها موجودة في وقت العقد إلى وقت المحل شرط اه‍. وفي الجوهرة: ولو أسلم في حنطة جيدة أو في ذرة جديدة لم يجز لانه لا يدري أيكون في تلك السنة شئ أم لا اه‍. وعلى هذا فما يكتب في وثيقة السلم جديد عامه مفسد له ولكنه ينبغي حمله على ما إذا كان قبل وجود الجديد، أما بعد وجوده فيصح كما يشير إليه ما في شرح الطحاوي. وفي الخلاصة: وكذا إذا أسلم على صوف غنم بغينها أو ألبانها وسمونها قبل حدوثها أو سمن حديث لانه لا يدري بقاؤه قوله: (وشرط بيان الجنس والنوع والصفة والقدر والاجل) كقوله حنطة سقية جيدة عشرة إكرار إلى شهر لان الجهالة تنتفي بذكر هذه الاشياء فهذه خمسة الاربعة الاول منها تشترط في كل من رأس المال والمسلم فيه فهي ثمانية بالتفصيل، فإن ما يجوز كونه مسلما فيه

[ 267 ]

يجوز كونه رأس مال السلم ولا ينعكس، فإن النقود تكون رأس مال ولا يسلم فيها. وفي المعراج: إنما يشترط بيان النوع في رأس المال إذا كان في البلد نقود مختلفة وإلا فلا يشترط اه‍. وأما الاجل فيشترط في المسلم فيه خاصة فلا يصح السلم الحال عندنا لانه جوز رخصة للمفاليس دفعا لحاجاتهم فلا يتحقق محل الرخصة إلا مع ذكر الاجل فلا يجوز في غيره. وقوله حنطة بيان للجنس وقول من قال إن قوله صعيدية أو بحرية بيان للجنس غير صحيح وإنما هو من بيان النوع. وقوله سقي‍ بيان للنوع أي مسقية وهي ما تسقى سيحا، وكذا بخسية وهي ما تسقى بالمطر نسبة إلى النجس لانها مبخوسة الحظ من الماء بالنسبة إلى السيح غالبا. وفي الجوهرة: فأسلما حالا ثم أدخل الاجل قبل الافتراق وقبل استهلاك رأس المال جاز اه‍. وفي الايضاح للكرماني من كتاب الصرف: لو عقد السلم بلا أجل فهو فاسد فإن جعلا له أجلا معلوما قبل أن يتفرقا جاز إن كانت الدراهم قائمة بعينها لان الدراهم فيه قائمة مقام المبيع فلا بد أن تكون بحيث يبتدأ فيها العقد، فهذه تسعة شرائط. والعاشر بيان قدر الاجل. والحادي عشر بيان مكان الايفاء فيما له حمل ومؤنة وهو خاص بالمسلم فيه وسيأتي. والثاني عشر قبض رأس المال قبل الافتراق وسنذكره. والثالث عشر أن لا يشمل البدلين إحدى علتي الربا لان انفراد أحدهما يحرم النساء. والرابع عشر أن لا يكون فيه خيار شرط. وفي البزازية: ويبطله شرط الخيار فإن أسقطه قبل الافتراق ورأس المال قائم في يد المسلم إليه صح وإن هالكا لا ينقلب صحيحا. الخامس عشر أن يتعين المسلم فيه بالتعيين فلا يصح السلم في النقدين وفي التبر روايتان. وذكر في المعراج وفتح القدير من شرائط رأس المال كون الدراهم منتقدة عند أبي حنيفة مع إعلام القدر اه‍. وليس المراد به تعجيل رأس المال لان صاحب المعراج ذكر شرط التعجيل والقبض وحده وذكر الانتقاد وحده شرطا، وإنما المراد به معرفة الجيد من الردئ منه فلو لم ينقدها لم يصح. ويشكل عليه قولهم في تعليل قول الامام أن الاشارة إلى رأس المال لا تكفي لاحتمال أن يجد البعض زيوفا فيحتاج إلى الرد ولا يتيسر الاستبدال إلا بعد المجلس فإن هذا يقتضي عدم اشتراط الانتقاد أو لا فليتأمل. السادس عشر وجود المسلم فيه من حين العقد إلى حين المحل كما في المعراج وقد تقدم مفهومه بقوله والمنقطع. والسابع عشر أن يكون ما يضبط بالوصف وهو أن يكون من الاجناس الاربعة المكيل والموزون والمذروع والمعدود المتقارب وتقدم أول الباب، وقد ذكره في الشرائط في المعراج. الثامن عشر بيان قدر رأس المال في المثليات عنده كما سيأتي.

[ 268 ]

وفي الخانية: ولا بطل الاجل بموت رب السلم ويبطل بموت المسلم إليه حتى يؤخذ المسلم من تركته حالا. قوله: (وأقله شهر) أي أقل الاجل شهر روي ذلك عن محمد رحمه الله تعالى لان ما دونه عاجوالشهر وما فوقه آجل بدليل مسألة اليمين حلف ليقضين دينه عاجلا فقضاه قبل تمام الشهر بر في يمينه، وقيل أقله ثلاثة أيام، وقيل ما تراضيا عليه، وقيل أكثر من نصف يوم، وقيل المرجع العرف وما في الكتاب هو الاصح وبه يفتى. وفي البناية وقال الصدر الشهيد في طريقته المطولة: والصحيح ما رواه الكرخي أنه مقدار ما يمكن فيه تحصيل المسلم فيه اه‍. فقد اختلف التصحيح لكن المعتمد ما في الكتاب وفي فتح القدير بعد نقل تصحيح الشهيد وهو جدير أن لا يصح لانه لا ضابط محقق فيه، وكذا ما عن الكرخي من رواية أخرى أنه ينظر إلى مقدار المسلم فيه وإلى عرف الناس في تأجيل مثله كل ذلك تنفتح فيه المنازعات بخلاف المقدار المعين من الزمان اه‍. أقول: هو جدير بأن يصحح ويعول عليه فقط لان من الاشياء ما لا يمكن تحصيله في شهر فيؤدي التقدير به إلى عدم حصول المقصود من الاجل وهو القدرة على تحصيله. وفي القنية: لقى رب السلم المسلم إليه بعد حلول الاجل في غير البلد الذي شرط الايفاء فيه فله مطالبته بالمسلم فيه إن كان قيمته في ذلك المكان مثل قيمته في المكان المشروط أو دونه لان شرط المكان حق رب السلم دفعا لمؤنة الحمل. قال رضي الله تعالى عنه: وأفتى بعض مفتي زماننا أنه لا يتمكن من مطالبته لان تعيين المكان حق المسلم إليه دفعا لمؤنة الحمل. وهذا الجواب أحب إلي إلا في موضع الضرورة وهو أن يقيم المسلم إليه في بلد آخر فيعجز رب السلم عن استيفاء حقه ثم قال: هدانا الله إلى الرواية المنصوصة قوله: (وقدر رأس المال في المكيل والموزون والمعدود) أي وشرطه بيان قدر رأس المال إذا كان العقد يتعلق على مقداره عند الامام. وقالا: تكفي الاشارة إليه كالثمن والاجرة والمذروع لان الجهالة مع الاشارة لا تفضي إلى المنازعة. وله أنها قد تفضي إليها بأن ينفق بعضه ثم يجد بالباقي عيبا فيرده ولا يتفق له الاستبدال في مجلس الرد فينفسخ العقد في المردود ويبقى في غيره ولا يدرى قدره ليبقى العقد بحسابه فيفضي إلى جهالة المسلم فيه

[ 269 ]

فيجب التحرز عن مثله وإن كان موهوما لشرعه مع المنافي إذ هو بيع المعدوم، والاولى أن يعلل للامام بأنه ربما لا يقدر على تحصيل المسلم فيه فيحتاج إلى رد رأس المال فيجب أن يكون معلوما. وأما ما ذكروه فمندفع بما قدمناه من أن الانتقاد شرط عنده، وقد قال بقول ابن عمر رضي الله عنهما وقول الفقيه من الصحابة مقدم على القياس بخلاف ما إذا كان رأس المال ثوبا لان الذرع وصف فيه والمبيع لا يقابل الاوصاف فلا يتعلق العقد بقدره، ولذا لو سمى عدد الذرعان فوجده المسلم إليه أنقص لا ينتقص من المسلم فيه شئ وإنما يخير المسلم إليه. ومن فروع المسألة إذا أسلم في جنسين ولم يبين رأس مال أحدهما بأن أسلم مائة درهم في كر حنطة وشعير ولم يبين حصة واحد منهما من رأس المال لم يصح فيهما لانه ينقسم عليهما باعتبار القيمة وهي تعرف بالحزر، أو أسلم جنسين ولم يبين قدر أحدهما بأن أسلم دراهم ودنانير في مقدار معلوم من البر فبين قدر أحدهما ولم يبين الآخر لم يصح السلم فيهما لبطلان العقد في حصته ما لم يعلم قدره فيبطل في الآخر أيضا لاتحاد الصفقة أو لجهالة حصة الآخر من المسلم فيه فيكون المسلم فيه مجهولا، والمراد بالمعدود هنا ما لا يتفاوت آحاده لتعلق العقد بمقداره. قوله: (ومكان الايفاء فيما له حمل من الاشياء) أي وشرطه بيان مكان الايفاء في المسلم إليه إذا كان له حمل ومؤنة أي إذا كان نقله يحتاج إلى أجرة. والحمل بالفتح الثقل. قال في البناية: يعنون به ما له ثقل يحتاج في حمله إلى ظهر وأجرة حمال. والمؤنة الكلفة وقالا: لا يحتاج إلى تعيينه ويسلمه في موضع العقد لان مكانه مكان الالتزام فيتعين لايفاء ما التزمه في ذمته كموضع الاستقراض والاستهلاك، وكبيع الحنطة بعينها، وكالغصب والقرض وله أن

[ 270 ]

التسليم غير واجب في الحال فلا يتعين مكان العقد للتسليم بخلاف القرض والغصب والاستهلاك فإن تسليمها يستحق بنفس الالتزام فيتعين موضعه، فإذا لم يتعين بقي مجهولا جهالة مفضية إلى المنازعة لاختلاف القيم باختلاف الاماكن فلا بد من البيان دفعا للمنازعة وصار كجهالة الصفة ولذا قال البعض: إن الاختلاف في المكان يوجب التحالف عنده كالاختلاف في الصفة. وقيل: لا تحالف عنده فيه، وعندهما يتحالفان لان تعيين المكان قضية العقد. قيد بالمسلم فيه لان مكان العقد يتعين لايفاء رأس مال السلم اتفاقا، وعلى هذا الاختلاف الثمن إذا كان له حمل ومؤنة والاجرة كذلك والقسمة وصورتها: اقتسما دارا وجعلا مع نصيب أحدهما شيأ له حمل ومؤنة فعنده يشترط بيان مكان الايفاء، وعندهما يتعين مكان العقد. وقيل: لا يشترط في الثمن عند الكل، والصحيح أنه شرط إذا كان مؤجلا، وعندهما يتعين مكان العقد، وقيل في الاجرة يتعين مكان الدار ومكان تسليم الدابة، ثم إن عين مصرا جاز لانه مع تباين أطرافه كبقعة واحدة في حق هذا الحكم لعدم اختلاف القيمة، ولهذا لو استأجر دابة ليعمل عليها في المصر فله أن يعمل في أي مكان شاء، وقيل هذا إذا لم يكن المصر عظيما تبلغ نواحيه فرسخا لا يجوز ما لم يبينا ناحية منه لان جهالته مفضية إلى المنازعة. ولو شرط أن يوفيه في مح نزله جاز استحسانا لانه يراد به المنزل حال حلول الاجل عادة والظاهر بقاؤه في منزله، ولو شرط الحمل إلى منزله قيل يجوز لانه اشتراط الايفاء فيه، وقيل لا يجوز لان الحمل لا يقتضيه العقد إنما يقتضي الايفاء وهو يتصور بدون الحمل فيكون مفسدا، وإن شرط أن يوفيه في موضع تم يحمله إلى منزله لا يجوز. والحاصل أن اشتراط الايفاء في مكان مصحح وفي اشتراط الحمل إلى مكان معين قولان، واشتراط الحمل بعد الايفاء مفسد وعكسه لا كالايفاء بعد الايفاء وتمامه في الخلاصة. وفي البزازية: شرط حمله إلى منزل رب السلم بعد الايفاء في المكان المشروط لا يصح لاجتماع الصفقتين الاجارة والتجارة، وشرط الايفاء خاصة أو الحمل خاصة أو الايفاء بعد الحمل جائز لا شرط الايفاء بعد الايفاء على قول عامة المشايخ كشرطه أن يوفيه في محلة كذا ثم يوفيه في منزله. ولو شرط الايفاء أو الحمل بعد الحلم لم يجز. وفي بعض الفوائد: شرط الحمل بعد الحمل يصح لان الحمل لا يوجب الملك لرب السلم فلما شرط الحمل ثانيا

[ 271 ]

صار كشرطه مرة، وكذا الايفاء بعد الحمل والايفاء بعد الايفاء، ولما شرط ذلك صار الايفاء الاول منفسخا وإذا شرط الايفاء في مدينة كذا فكل محلاتها سواء حتى لو وفاه في محله ليس له أن يطالبه في محلة أخرى اه‍، وفي فتح القدير: ولو اشترى طعاما بطعام من جنسه واشترط أحدهما التوفية إلى منزله لم يجز بالاجماع كيفما كان، ولو شرط أن يوفيه إلى مكان كذا فسلمه في غيره ودفع الكراء إلى الموضع المشروط صار قابضا ولا يجوز أخذ الكراء وإن شاء رده إليه ليسلمه إليه في المكان المشروط لانه حقه اه‍. وفي البدائع: فإن سلم في غير المكان المشروط فلرب السلم أن يأبى، فأعطاه على ذلك أجرا لم يجز له أخذ الاجر عليه وله أن يرد المسلم فيه حتى يسلمه في المكان المشروط بخلاف الشفيع إذا صولح عنها بمال لم يصح وسقط حقه لاعراضه عن الطلب كما لو أسقطه صريحا، وحق رب السلم في التسليم في المكان المشروط لم يسقط بالاسقاط صريحا اه‍. قيد بما له حمل لان ما لا حمل له كالمسك والكافور والزعفران وصغار اللؤلؤ لا يشترط فيه بيان مكان الايفاء. وقيده في فتح القدير بأن يكون قليلا وإلا فقد يسلم في أمناء من الزعفران كثيرة تبلغ أحمالا ويسلمه في المكان الذي أسلم فيه، وكلما قلنا يتعين مكان العقد فهو مقيد بما إذا كان مما يتأتى فيه التسليم وما لا بأن أسلم إليه وهما في مركب في البحر أو جبل فإنه يجب في أقرب الاماكن التي يمكن فيها، وهذا على رواية الجامع الصغير. وذكر في الاجارا ت أن ما لا حمل له يوفيه في أي مكان شاء وهو الاصح لان الاماكن كلها سواء. ولو عين مكانا قيل لا يتعين، وقيل يتعين وهو الاصح، كذا في فتح القدير. وصحح في المحيط أنه يتعين موضع العقد فيما لا حمل له لان القيمة تختلف باختلاف الاماكن فالكافور أكثر قيمة في المصر لكثرة الرغبة فيه في المصر وقلتها في السواد اه‍. قوله: (وقبض رأس المال قبل الافتراق) أي وشرطه قبض رأس المال قبل أن يتفرقا لان السلم ينبي عن أخذ عاجل بآجل وذلك بالقبض قبل الافتراق ليكون حكمه على وفق ما يقتضيه اسمه كما في الحوالة والكفالة والصرف. وظاهر كلامه أن القبض شرط انعقاده صحيحا كبقية الشروط وهو قول البعض، والصحيح أنه شرط بقائه على الصحة فينعقد صحيحا بدونه ثم يفسد بالافتراق بلا قبض، وستأتي فائدة الاختلاف في الصرف. وأطلقه فشمل ما إذا كان رأس المال مما لا يتعين أو يتعين لما ذكرناه، وفي الخلاصة: ولو أبى المسلم إليه قبض رأس المال أجبر رعليه اه‍. وفي الواقعات: باع عبدا بثوب موصوف في الذمة فإن

[ 272 ]

لم يضرب للثوب أجلا لا يجوز لان الثوب لا يجب في الذمة إلا سلما فالاجل شرط فلو ضرب الاجل جاز لوجود شرطه، فلو افترقا قبل قبض العبد لا يبطل العقد لان هذا العقد اعتبر سلما في حق الثوب بيعا في حق العبد، ويجوز أن يعتبر في عقد واحد حكم عقدين كما في الهبة بشرط العوض وكما في قول المولى لعبده إذا أديت إلي ألفا فأنت حر، اعتبر فيه حكم اليمين وحكم المعاوضة اه‍. وأشار المصنف رحمه الله إلى أنه لا يدخله خيار الشرط لانه يمنع تمام القبض قالوا: ولا يثبت في المسلم فيه خيار رؤية ويثبت فيه خيار العيب، ويثبتان في رأس المال إذا كان مما يتعين وإلا فخيار الرؤية لا يثبت في النقود. ودل قوله قبل الافتراق دون أن يقول في المجلس على أن القبض في المجلس ليس بشرط. وفي البزازية: وإن مكثا إلى الليل أو سافرا فرسخا أو أكثر ثم سلم جاز، وإن نام أحدهما أو ناما لم تكن فرقة، ولو أسلم عشرة في كر ولم تكن الدراهم عنده فدخل المنزل ليخرجه إن توارى عن المسلم إليه بطل، وإن بحيث يراه لا وصحت الكفالة والحواله والارتهان برأس مال المسلم اه‍. وفي البدائع: ثم إذا جازت الحوالة والكفالة فإن قبض المسلم إليه رأس المال من المحتال عليه أو الكفيل أو من رب السلم فقد تم العقد بينهما إذا كانا في المجلس، سواء بقي الحويل أو الكفيل أو فترقا بعد أن كان العاقدان في المجلس. وإن افترق العاقدان بأنفسهما قبل القبض بطل السلم وبطلت الحوالة والكفالة وإن بقي المحال عليه والكفيل في المجلس العبرة لبقاء العاقدين وافتراقهما لا لبقاء الحويل والكفيل وافتراقهما لان القبض من حقوق العقد وقيام العقد بالعاقدين فكان المعتبر بمجلسهما، وعلى هذا الكفالة والحوالة ببدل الصرف. وأما الرهن برأس لمال فإن هلك الرهن في المجلس وقيمته مثل رأس المال أو أكثر فقد تم العقد بينهما، وإن كانت قيمته أقل من رأس المال تم العقد بقدره ويبطل في الباقي، وإن لم يهلك الرهن حتى افترقا بطل السلم لحصول الافتراق لا عن قبض وعليه رد الرهن على صاحبه، وكذا الحكم في بدل الصرف اه‍. وفي إيضاح الكرماني من الرهن: ولو أخذ بالمسلم فيه رهنا وسلطه على البيع فباعه بجنس المسلم فيه أو بغير جنسه جاز اه‍. وفي تلخيص الجامع من باب إقرار المريض لوارث آخر والدينين قضاء لاولهما فلو أسلم ثم استقرض وقعت المقاصصة وفي عكسه لا اه‍. أي لا تقع المقاصة إلا إذا تقاصا بدليل ما سنذكره عن البدائع ويتفرع على أن القبض شرط ما إذا قبض ثم انتقض القبض لمعنى أوجبه أنه يبطل السلم، وبيانه أن رأس المال إما أن يكون عينا أو دينا، وكل منهما إما أن يوجد مستحقا أو معيبا، وكل إما إن يكون قبل الافتراق أو بعده كله أو بعضه، وكذ بدل الصرف على هذه التفاصيل، فإن كان عينا فوجد مستحقا أو معيبا فإن لم يجز المستحق ولم

[ 273 ]

يرض المسلم إليه بالعيب بطل السلم بعد الافتراق أو قبله، وإن أجاز المستحق ورضي المسلم إليه بالعيب جاز مطلقا، وله أن يرجع على الناقد بمثله إن كان مثليا أو بقيمته إن كان قيميا. وإن كان دينا فإن وجده مستحقا وأجيز مضى السلم مطلقا ولا سبيل للمشتري على المقبوض ويرجع على الناقد بمثله، وإن لم يجز فاستبدل في المجلس صح وإن بعده بطل. وإن وجده زيوفا أو نبهرجة، اوستوقة أو رصاصا فإن كانت زيوفافرضي بها صح مطلقا بخلاف الستوقة لانها ليست من جنس حقه فإن لم يرض فإن كان قبل الافتراق واستبدل في المجلس صح وان بعده بطل عند الامام مطلقا سواء استبدلها في المجلس أو لا. هذا إذا وجدها زيوفا أو نبهرجه فان وجدها ستوقة أو رصاصا فإن بعد الافتراق بطل سواء تجوز بها أو لا، وإن استبدل في المجلس صح وتمام التفريعات في البدائع. وفي الصغرى: المسلم إليه إذا أتى بشئ من الدراهم وقال وجدته زيوفا فالقول له اه‍. وفي الايضاح: استحسن أبو حنيفة في اليسير فقال يردها ويستبدل في ذلك المجلس وفي تحديد الكثير روايتان ما زاد على الثلث وما زاد على النصف اه‍. وفيه: لو وجد البعض نبهرجة أو مستحقة فاختلفا فقال رب السلم هو ثلث رأس المال وقال المسلم إليه نصفه فالقول قول رب السلم مع يمينه، ولو كان ستوقة أو رصاصا فاختلفا في مثل ذلك فالقول قول المسلم إليه وبيانه فيه اه‍. قوله: (فإن أسلم مائتي درهم في كربر مائة دينار عليه ومائة نقدا فالسلم في الدين باطل) أي في حصته لكونه دينا بدين، وصح في حصة النقد لوجود قبض رأس المال بقدره ولا يشيع الفساد لانه طارئ إذ السلم وقع صحيحا في الكل ولذا لو نقد الكل قبل الافتراق صح. والتقييد بكونه أضاف العقد إلى المائتين اتفاقي بل كذلك إذا أضافه إلى مائتين مطلقا ثم جعل المائة من رأس المال قصاصا بما في ذمته من الدين في الصحيح لان المعنى يجمعهما وهو كون الفساد طارئا إذ الدين لا يتعين بإضافة العقد إليه. وقيد بقوله دينا عليه لانه لو قال أسملت إليك هذه المائة والمائة التي لي على فلان يبطل في الكل، وإن نقد الكل لاشتراط تسليم الثمن على غير العاقد وهو مفسد مقارن فتعدى. وقيد بكون الدين من جنس النقد لان الجنس لو اختلف بأن كان له على آخر مائة درهم فأسلمها إليه وعشرة دنانير في أكرار معلومة لم يجز في الكل، أما الدين فظاهر، وأما عدم حصة العين فلجهالة ما يخصه. وهذا عند الامام رحمه الله تعالى، وعندهما يجوز في حصة العين وهي مبنية على مسألة إعلام قدر رأس المال. وقيد بكونه جعل الدين عليه رأس المال لانه لو لم يجعله وإنما وقعت المقاصة بأن وجب على

[ 274 ]

المسلم إليه دين مثل رأس المال فلا يخلوا إما إن يجب الدين الآخر بالعقد أو بالقبض، فإن كان الاول فإما بعقد سابق على السلم أو متأخر عنه، فإن كان الاول بأن كان رب السلم باع المسلم إليه ثوبا بعشرة دراهم ولم يقبضها حتى أسلم إليه عشرة دراهم في كرفان تراضيا بالمقاصة صار قصاصا، وإن أبى أحدهما لا يصير قصاصا استحسانا لان العقد موجب للقبض حقيقة لو لا المقاصة، فإذا تقاصا تبين أنه انعقد موجبا قبضا بطريق المقاصة وقد وجد، وإن وجب بعقد متأخر عن السلم لا يصير قصاصا وإن جعلاه قصاصا. هذا إذا وجب الدين بالعقد، فإن وجب بالقبض كالغصب والقرض فإنه يصير قصاصا جعلاه أو لا بعد أن كان وجوب الدين متأخرا عن العقد. هذا إذا تساوى الدينان، فإما إذا تفاضلا بأن كان أحدهما أفضل والآخر أدون ورضي أحدهما بالقصاص وأبي الآخر فإنه ينظر، فإن أبي صاحب الافضل لا يصير قصاصا لان حقه في الجودة معصوم محترم فلا يجوز إبطاله عليه من غير رضاه، وإن أبى صاحب الادون يصير قصاصا لانه لما رضي به صاحب الافضل فقد أسقط حقه، وكذلك المقاصة في بدل الصرف على هذه التفاصيل، كذا في البدائع. قال الازهري رحمه الله تعالى: الكرستون قفيزا، والقفيز ثمانية مكاكيك، والمكوك صاع ونصف. وفي الحسامي: الكراسم لاربعين قفيزا. وهذا كله في رأس المال، أما المقاصة بالمسلم فيه فقال في الايضاح: إن وجب على رب السلم دين مثل المسلم فيه بسبب متقدم على العقد أو بعده لم يصر قصاصا، وإن وجب بقبض مضمون كالغصب والقرض صار قصاصا إن كان قبل العقد، وإن كان بعده فجعله قصاصا جاز. وإن كان وديعة عند رب السلم قبل العقد أو بعده فجعله المسلم إليه قصاصا لم يكن قصاصا إلا أن يكون بحضرتهما أو يخلى بينه وبينهما، ولا يصير المغصوب قصاصا إلا إذا كان مثل المسلم فيه فإن كان أجود أو أردأ فلا بدمن رضاهما اه‍. قوله: (ولا يصح التصرف في رأس المال والمسلم فيه قبل القبض بشركة أو تولية) لان المسلم فيه مبيع والتصرف في المبيع المنقول قبل القبض لا يجوز ورأس المال مستحق القبض في المجلس والتصرف فيه مفوت له فلم يجز ففي التولية تمليكه بعوض، وفي الشركة تمليك بعضه بعوض فلم يجز. وصورة الشركة فيه أن يقول رب السلم لآخر أعطني نصف رأس المال ليكون نصف المسلم لك فيه. وصورة التولية أن يقول لآخر اعطني مثل ما أعطيت

[ 275 ]

المسلم إليه حتى يكون المسلم فيه لك، كذا في الايضاح. وإنما صرح بالتولية لرد قول من قال بجواز بيع المسلم فيه مرابحة وتولية. وجزم به في الحاوي فقال: ولا بأس ببيع المسلم قبل قبضه مرابحة وتولية وهو قول ضعيف والمذهب منعهما. وقد أشار إلى منع بيع السلم بالاولى سواء كان ممن عليه أو من يغره كما في الحاوي، فلو باع السلم المسلم فيه من المسلم إليه بأكثر من رأس المال لار يصح ولا يكون إقالة، كذا في القنية. ولو وهبه منه قبل قبضه وقبل الهبة لم يصح وكان إقالة فوجب عليه رد رأس المال، وكذا لو أبرأه كلا أو بعضا. وفي التجنيس والواقعات: رجل أسلم إلى رجل كرحنطة فقال رب السلم للمسلم إليه أبرأتك عن نصف السلم وقبل المسلم إليه وجب عليه رد نصف المال إليه لان السلم نوع بيع، وفي البيع من اشترى شيأ ثم قال المشتري للبائع قبل القبض وهبت منك نصفه فقبل البائع كانت إقالة في النصف بنصف الثمن فكذا هذا إذ الحط بمنزلة الهبة اه‍. وفي الفتاوي الصغرى: إقالة بعض السلم وإبقاؤه في البعض جائز، وأما إقالة المسلم على مجرد الوصف بأن كان المسلم فيه جيدا فتقايلا على الردئ على أن يرد المسلم إليه درهما لا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد خلافا لابي يوسف في رواية لكنه عند أبي يوسف يجوز لا بطريق الاقالة بل بطريق الحط عن رأس المال اه‍. وفي البدائع الابراء عن رأس المال يتوقف على قبول رب السلم فإن قيل انفسخ العقد فيه بخلاف الابراء عن المسلم فيه فإنه جائز بدون قبول المسلم إليه لانه ليس فيه إسقاط شرط وبخلاف الابراء عن ثمن المبيع فإنه صحيح بدون قبول المشتري لكنه يرتد بالرد ولا يجوز الابراء عن المبيع لانه عين وإسقاط العين لا يصح. وظاهره يخالف ما قدمناه عن التجنيس في الابراء عن المسلم فيه. وفي الظهيرية: لو أن رب السلم وهب المسلم فيه للمسلم إليه كانت إقالة للسلم ولزمه رد رأس المال إذا قبل. وفي المبسوط: إذا أبرأ رب

[ 276 ]

السلم المسلم إليه عن طعام السلم صح إبراؤه في ظاهر الرواية. وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمه اللتعالى لا يصح ما لم يقبل المسلم إليه، وإذا قبل كان فسخا لعقد السلم، ولو أبر المسلم إليه رب السلم عن رأس المال وقبل الابراء بطل السلم وإن رده لا. والفرق بين رأس المال والمسلم فيه أن المسلم فيه لا يستحق قبضه في المجلس بخلاف رأس المال اه‍. وذكر في الذخيرة قولين في مسألة الابراء عن بعض المسلم فيه هل هو إقالة فيرد ما قابله، أو حط له فلا يرد، وبه اندفع الاشكال. وذكر القولين أيضا فيما إذا أبرأه عن الكل وقبل فقيل يرد رأس المال كله، وقيل لا يرد شيأ اه‍. ودل كلام المصنف رحمه الله تعالى على منع الاستبدال بهما، أما الاستبدال برأس مال السلم في مجلس العقد فهو غير جائز بأن يأخذ برأس المال شيأ من غير جنسه لكونيفوت القبض المشروط لان بدل الشئ غيره، وكذا الاستبدال ببدل الصرف فإن أعطا من جنس رأس المال أجود أو أردأ ورضي المسلم إليه بالاردأ جاز لانه قبض جنس حقه وإنما اختلف الوصف، فإن كان أجود فقد قضى حقه وأحسن في القضاء، وإن كان أردأ فقد قضاه ناقصا فلا يكون استبدالا إلا أنه لا يجبر على أخذ الاردأ ويجبر على أخذ الاجود لانه في العادة لا يعد فضلا وإنما هو إحسان في القضاء والايفاء، وأما الاستبدال بالمسلم فيه بجنس الآخر فلا يجوز لكونه بيع المنقول قبل قبضه. وإن أعطى أجود أو أردأ فحكمه حكم رأس المال، كذا في البدائع. وفي البزازية: أسلم في ثوب وسط وجاء بالجيد فقال خذ هذا وزدني درهما فعلى وجوه: إن المسلم فيه كيلي أو وزني أو ذرعي لا يخلو إما أن يكون فيه فضل أو نقصان وذلك في القدر أو في الصفة، فإن كيليا بأن أسلم في عشرة أقفزه فجاء بأحد عشر فقال خذ هذا وزدني درهما جاز لانه باع معلوما بمعلوم، ولو جاء بتسعة وقال خذه وأرد عليك درهما جاز أيضا لانه إقالة البعض وإقالة الكل تجوز فكذا إقالة البعض. ولو جاء بالاجود أالارد أو قال خذ وأعط درهما أو أرد عليك درهما لا يجوز عندهما خلافا للثاني. وفي الثوب إن باع بذراع أزيد وقال زدني درهما جاز لانه بيع ذراع يملك تسليمه بدرها فاندفع بيعه مفردا، وكذا لو زاد في الوصف يجوز عندهم وإن جاء بأنقص ذراعا ورد لا يجوز عندهما لانه إقالة فيما لا يعلم حصته لكون الذراع وصفا مجهول الحصة. ولو جاء بأنقص من حيث الوصف لا يجوز ولو بأزيد وصفا يجوز لانه إقالة فيما لا

[ 277 ]

يعلم وهذا إذا لم يبين لكل ذراع حصة، أما إذا بين جاز في الكل بلا خلاف اه‍. وقيد بقوله قبل القبض لان بيعه بعده على رأس المال ومرابحة ووضيعة وشركة جائز، كذا في البناية. وفي القنية: أسلم دينارا في مائتي من من الزبيب فلما حل الاجل وعجز عن أدائه باع رب السلم من المسلم إليه مائة من من ذلك الزبيب الذي على المسلم إليه بدينار وقبض الدينار لا ينفسخ السلم في حصة الدينار اه‍. والحاصل أن التصرف المنفي في الكتاب شامل للبيع والاستبدال والهبة والابراء إلا أن في الهبة والابراء يكون مجازا عن الاقالة فيرد رأس المال كلا أو بعضا ولا يشمل الاقالة فإنها جائزة ولا التصرف في الوصف من دفع الجيد مكان الردئ والعكس. قوله: (فإن تقايلا السلم لم يشتر من المسلم إليه شيأ برأس المال) يعني قبل قبضه بحكم الاقالة لقوله عليه السلام لا تأخذ إلا سلمك أو رأس مالك أي سلمك حال قيام العقد أو رأس مالك حال انفساخه فامتنع الاستبدال فصار رأس المال بعد الاقالة بمنزلة السلم فيه قبله فيأخذ حكمه من حرمة الاستبدال بغيره، فحكم رأس المال بعدها كحكمه قبلها إلا أنه لا يجب قبضه في مجلسها كما كان يجب قبلها لكونها ليست بيعا من كل وجه ولهذا جاز إبراؤه عنه وإن كان لا يجوز قبلها. وفي الايضاح للكرماني أن الاقالة فيه بيع جديد في حق ثالث وهو الشرع. وفي البدائع: قبض رأس المال إنما هو شرط حال بقاء العقد فأما بعد ارتفاعه بطريق الاقالة أو بطريق آخر فقبضه ليس بشرط في مجلس الاقالة بخلاف القبض في مجلس العقد، وقبض بدل الصرف في مجلس الاقالة شرط لصحة الاقالة كقبضها في مجلس العقد ووجه الفرق أن القبض في مجلس العقد في البدلين ما شرط لعينه وإنما شرط للتعيين وهو أن يصير البدل معينا بالقبض صيانة عن الافتراق عن دين بدين، ولا حاجة إلى التعيين في مجلس الاقالة في السلم لانه لا يجوز استبداله فيعود إليه عينه فلا تقع الحاجة إلى التعيين بالقبض فكان الواجب نفس القبض فلا يراعى له المجلس بخلاف التصرف لان التعيين لا يحصل إلا بالقبض لان استبداله جائز فلا بد من شرط القبض في المجلس للتعيين اه‍. وذكر الشارح من باب التحالف من كتاب الدعوى الاقالة في السلم بعد نفاذها لا تحتمل الفسخ بسائر أسباب الفسخ ألا يرى أنهما لو قالا نقضنا الاقالة لا تنتقض، وكذا لو كان رأس المال عرضا فقبضه المسلم إليه ثم رد عليه بعيب بقضاء ثم هلك قبل التسليم إلى رب السلم لا يعود السلم والفقه فيه أن المسلم فيه سقط بالاقالة فلو انفسخت الاقالة لكان حكم انفساخها عود المسلم فيه، والساقط لا يحتمل العود بخلاف الاقالة في البيع لانه عين فأمكن عوده إلى ملك المشتري اه‍. ومن هنا يعلم أفسخ الابراء لا يصح بالاولى. وفي الذخيرة من باب السلم: لو اختلفا في رأس المال بعد الاقالة فالقول للمسلم إليه ولا يتحالفان. وذكر ما ذكره الشارح ثم قال: لو

[ 278 ]

تقايلا بعد ما سلم المسلم إليه المسلم فيه ثم اختلفا في رأس المال تحالفا لان المسلم فيه عين قائمة وليس بدين فالاقالة هنا تحتمل الفسخ قصدا اه‍. قيد بالسلم لان الصرف إذا تقايلاه جاز الاستبدال عنه ويجب قبضه في مجلس الاقالة بخلاف السلم، وبيان الفرق في الايضاح للكرماني. قوله: (ولو اشترى المسلم إليه كرا وأمر ر ب السلم بقبضه قضاء لم يصح وصح لو قرضا أو أمره بقبضه له ثم لنفسه ففعل) معناه أيكيله لنفسه بعد القبض ثانيا لانه اجتمع هنا صفقتان صفقة بين المسلم إليه وبين المشتري منه، وصفقة بين المسلم إليه وبين رب السلم كلاهما بشرط الكيل فلا بد من الكيل مرتين ولم يوجد في الاولى وهي ما إذا أمر المسلم إليه رب السلم بقبضه من البائع قضاء لحقه فلم يصح، ووجد في الثانية وهي ما إذا أمر رب السلم بقبضه له بأن يكيله ثم يقبضه بنفسه بالكيل ثانيا. والاصل فيه أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه صاعان صاع البائع وصاع المشتري. ومحمله على ما إذا اجتمعت الصفقتان فيه، وأما في صفقة واحدة فيكتفي بالكيل فيه مرة في الصحيح. والدليل على أنه بيع عند القبض ما قال في الزيادات: لو أسلم مائة كرثم اشترى المسلم إليه من رب السلم كرحنطة بمائتي درهم إلى سنة فقبضه فلما حل السلم أعطاه ذلك الكر لم يجز لانه اشترى ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن، كذا في فتح القدير. قيد بالشراء لان المسلم إليه لو ملك كرا بإرث أو هبة أو وصية فأوفاه رب السلم واكتاله مرة جاز لانه لم يوجد إلا عقد واحد بشرط الكيل، وقيد بالكر وهو ستون قفيزا أو أربعون على الخلاف لان المسلم إليه لو اشترى حنطة مجازفة فأوفاها رب السلم فاكتالها مرة جاز لما ذكرنا. وأشار بالكر المكيل إلى أنه لو أسلم في موزون معين واشترى المسلم إليه موزونا كذلك إلى آخره لا يجوز قبض رب السلم إذ لا فرق بين المكيل والموزون في هذا الحكم، وكذا المعدود إذا اشتراه بشرط العد فإنه كالمكيل والموزون كما قدمناه. وذكر في البناية أن في المعدود روايتين. وإنما فسرنا تكرار الامر في كلام المصنف بتكرار الكيل لان الشرط أن يكيله مرتين وإن لم يتعدد الامر حتى لو قال اقبض الكر الذي اشتريته من فلان عن حقك فذهب فاكتاله ثم أعاد كيله صار قابضا، ولفظ الجامع يفيده فإنه لم يزد على قوله فاكتاله له ثم اكتاله لنفسه، كذا في فتح القدير. وأما على قوله وصح لو قرضا فصورته: استقرض منه كرا فاشترى المستقرض كرا فأمر المقرض بقبضه قضاء لحقه، وإنما جاز بلا إعادة الكيل لان القرض إعارة حتى ينعقد بلفظها فكان المقبوض عين حقه تقديرا فلم يكن استبدالا، ولو كان استبدالا للزم مبادلة الجنس بجنسه نسيئة فلم يتحقق الصفقتان فيكتفي بكيل واحد للمشتري فيقبضه له ثم لنفسه من غير إعادة الكيل. وأشار بقوله لم يصح إلى أنه لم يدخل في ضمان رب السلم حتى لو هلك في يده هلك من

[ 279 ]

مال المسلم إليه كما في البناية. وللقرض صورة أخرى هي لو كان الدين الاول سلما فلما حل اقترض المسلم إليه من رجل كرا وأمر رب السلم بقبضه من المقرض ففعل جاز لما ذكرنا لان عقد القرض عقد مساهلة لا يوجب الكيل بخلاف البيع مكايلة أو موازنة، ولهذا لو استقرض من أخر حنطة على أنها عشرة أقفزة جاز له أن يتصرف فيها قبل القبض. قوله: (ولو أمر رب السلم أن يكيله في ظرفه ففعل وهو غائب لم يكن قضاء بخلاف المبيع) أي لو اشترى مكيلا معينا ودفع المشتري إلى البائع ظرفا وأمره أن يكيله في ظرفه ففعل البائع والمشتري غائب صح. والفرق أن رب السلم حقه في الذمة ولا يملكه إلا بالقبض فلم يصادف أمره ملكه فلا يصح فيكون المسلم إليه مستعيرا للظرف جاعلا فيه ملك نفسه كالدائن إذا دفع كيسا إلى المدين وأمره أن يزن دينه ويجعله فيه لم يصر قابضا بوزنه فيه، وصح الامر في البيع لمصادفته ملكه لكونه صار مالكا للعين بنفس العقد فصار البائع وكيلا عنه في أمساك الغرائر فصارت في يد المشتري حكما، وصار الواقع فيها واقعا في يد المشتري، وأشار المصنف بالفرق إلى مسائل: الاولى لو أمر المشتري البائع بطحن الطعام كان الطحين للمشتري ولو أمر رب السلم كان الطحين للمسلم إليه، فلو أخذ رب السلم الدقيق كان حرما لانه استبدال بالمسلم فيه قبل قبضه، كذا في فتح القدير. الثانية لو أمره المشتري أن يصبه في البحر ففعل هلك من مال المشتري وفي السلم يهلك من مال المسلم إليه وليس ذلك إلا باعتبار صحة الامر وعدمها. الثالثة يكتفي بكيل البائع في الشراء على الصحيح بخلاف السلم. قيدنا بكون الظرف للمشتري لانه لو كان للبائع فأمره المشتري بالكيل فيه ففعل لم يصر قابضا لكون المشتري استعار ظرفه ولم يقبضها فلا يصير في يده، فكذا ما يقع فيه فصار كما لو أمره أن يكيله في ناحية من بيت البائع فإن المشتري لا يكون قابضا، فإن البيت بنواحيه في يد البائع. وفي البدائع: لو استعار المشتري من البائع غرائره وأمره أن يكيله فيها ففعل صار قابضا بالتخلية إجماعا إن كان المشتري حاضرا وإلا لا ما لم يسلمها إليه عند محمد، سواء كانت الغرائر بعينها أو لا. وقال أبو يوسف: إن كانت بعينها صار قابضا وإلا لا ا ه‍. وقيد بقوله وهو غائب لانه إذا كان حاضرا صار المسلم إليه قابضا، سواء كانت الغرائر له أو للبائع، أو كانت مستأجرة، وبه صرح الفقيه أبو الليث، كذا في البناية. والتقييد بظرف الآمر ليفهم منه حكم ما إذا كان أمره بكيله في ظرف المسلم إليه بالاولى وقد سوى بينهما في البدائع. وأشار المؤلف بالفرق بينهما إلى أنه لو اجتمع الدين والعين بأن اشترى كرا معينا وله على البائع كردين والظرف للمشتري فأمره أن يجعلهما فيه، فإن بدأ المأمور بوضع العين صار

[ 280 ]

الآمر قابضا للعين والدين، أما العين فلصحة القبض بصحة الآمر، وأما الدين فلاتصاله بملكه لكون العين صارت في يده حكما وبمثله يصير قابضا كمن استقرض حنطة وأمره أن يزرعها في أرضه صح الامر وصار المستقرض قابضا له، وكمن دفع إلى صانع خاتما وأمره أن يزيده من عنده نصف دينار صح وصار قرضا. وفي الايضاح: وليس فيه أنه هلك قبل التسليم هل يصير قابضا أم لا. قال: وإن جعلناه قابضا فالوجه فيه أن الخلط استهلاك وهو من أسباب التملك وإن بدأ بالدين ثم بالعين لم يصر قابضا، أما الدين فلعدم صحة الامر به وأما العين فلانه خلطه بملك نفسه قبل التسليم بحيث لا يتميز فصار مستهلكا للبيع عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى فينتقض البيع، وهذا الخلط غير مرضي به من جهة المشتري لجواز أن يكون مراده البداءة بالعين. وعندهما المشتري بالخيار إن شاء نقض البيع وإن شاء شاركه في المخلوط لان الخلط ليس باستهلاك عندهما، كذا في الهداية. وخصه قاضيخان بقول محمد، أما عند أبي يوسف إذا بدأ بالدين يصير قابضا لهما جميعا كما لو بدأ بالعين ضرورة اتصاله بملكه في الصورتين إذ الخلط ليس باستهلاك. وقال محمد: يصير قابضا للعين دون الدين فيشتركان فيه ولم يبرأ عن الدين. وأشار بقوله في ظرفه إلى أنه لا طعام فيه فلو كان في الظرف طعام لرب السلم قبل لا يصير قابضا لما قررنا أن أمره غير معتبر في ملك الغير. قال في المبسوط: والاصح عندي أنه يصير قابضا لان أمره بخلط طعام السلم بطعام على وجه لا يتميز به معتبر فيصير به قابضا، كذا في فتح القدير. وأشار المصنف بمسألة السلم إلى مسألة القرض قال في البدائع: وكذلك لو استقرض من رجل كرا ودفع إليه غرائره ليكيله فيها ففعل وهو غائب لم يكن قابضا لان القرض لا يملك قبل القبض فكان الكر على ملك المقرض فلم يصح الامر ا ه‍. قوله: (ولو أسلم أمة في كر وقبضت الامة فتقابلا وماتت أو ماتت قبل الاقالة بقي وصح وعليه قيمتها) أي بقي عقد الاقالة فيما إذا تقايلا وهي حية ثم ماتت وصح إنشاء عقد الاقالة فيما إذا تقايلا بعد موتها ووجب على المسلم إليه قيمة الجارية في المسألتين يوم قبضها لان شرط صحة الاقالة بقاء العقد وهو يبقى ببقاء المعقود عليه والمعقود عليه في السلم هو المسلم فيه وهو باق في ذمة المسلم إليه بعد هلاك الجارية، فإذا انفسخ العقد وجب عليه رد الجارية وقد عجز بموتها فيجب عليه قيمتها كما لو تقابضا ثم تقايلا بعد هلاك أحدهما أو هلك أحدهما بعد الاقالة، وإنما اعتبر يوم القبض لانه سبب الضمان كالغصب قوله: (وعكسها شراؤها بألف) أي إذا ماتت الجارية المبيعة لم تصح الاقالة، وإذا تقايلا ثم ماتت بطلت الاقالة لان المعقود عليه الجارية فلا بدمن قيامها لصحة الاقالة وبقائها إلى أن تقبض. وقيد به لان الاقالة في الصرف صحيحة بعد هلاك البدلين أو أحدهما باقية بعد الهلاك لان المعقود عليه

[ 281 ]

في الصر ف ما وجب لكل واحد منهما في ذمة الآخر وهو غير معين فلا يتصور هلاكه والمقبوض عين، ولذا لو كان المقبوض قائما لم يتعين للرد بعد الاقالة. وفي القنية: تقايلا البيع في العبد فأبق من يد المشتري فإن لم يقدر على تسليمه بطلت الاقالة والبيع بحاله ا ه‍. والحاصل أنه يشترط لصحة إقالة البيع قيام المبيع دون الثمن فلو تقايلا بعد هلاك الثمن ولو معينا صحت ولكن لا بد من عدم الابراء عنه لما في القنية: أبرأ البائع المشتري عن الثمن بعد قبض المبيع ثم تقايلا لا تصح ا ه‍. وقيد بهلاكها لانها لو قطعت يدها ثم تقابلا صحت ولزمه رد جميع الثمن ولا شئ للبائع من ارش اليد إذا علم وقت الاقالة أنها قطعت يدها وأخذ المشتري أرشها، وإن لم يعلم يخير المشتري بين الاخذ بجميع الثمن أو الترك، كذا في القنية. ثم رقم: الاشجار لا تسلم للمشتري وللبائع أن يأخذ قيمتها منه لانها موجوده وقت البيع بخلاف الارش لانه لم يدخل في البيع أصلا لا قصدا ولا ضمنا. وقال قبله: اشترى أرضا مع الزرع وأدرك الزرع في يده ثم تقايلا لا تجوز الاقالة لان العقد إنما ورد على القصيل دون الحنطة، ولو حصد المشتري الزرع ثم تقايلا صحت الاقالة في الارض بحصنها من الثمن، ولو اشترى أرضا فيها أشجار فقطعها ثم تقايلا صحت الاقالة بجميع الثمن ولا شئ للبائع من قيمة الاشجار وتسلم الاشجار للمشتري. هذا إذا علم البائع بقطع الاشجار، وأما إذا لم يعلم به وقت الاقالة يخير إن شاء أخذها بجميع الثمن وإن شاء ترك ا ه‍. قوله: (والقول لمدعي الرداءة والتأجيل لا لنا في الوصف والاجل) أي إذا اختلفا في اشتراط وصف السلم بأن قال أحدهما شرطناه رديئا وقال الآخر لم نشترط شيأ أو قال أحدهما شرطنا الاجل وقال الآخر لم نشترط شيأ كان القول لمن ادع الاشتراط فيهما لا لمن نفاه فيهما لانه مدعي الصحة إذا لسلم لا يجوز إلا مؤجلا موصوفا فشهد له الظاهر لان الفاسد حرام والظاهر أن المسلم لا يباشره. أطلقه فشمل ما إذا كان رب السلم مدعي الوصف أو المسلم إليه وفي الاول خلافهما، فالامام علل بأنه مدعي الصحة وهما عللا بأن المسلم إليه منكر فالقول له. وشمل أيضا ما إذا كان مدعي الاجل المسلم إليه أو رب السلم وفي الاول خلافهما لانكاره وإذا قبل في الثاني قول رب السلم اتفاقا رجع إليه في مقدار الاجل أيضا فيقبل قوله في أصله ومقداره. والاصل عند الامام أن القول لمدعي الصحة سواء كان الآخر متعنتا أو لا، وعندهما القول للمنكر إن لم يكن متعنتا وهو من أنكر ما ينفعه، وغير المتعنت من أنكر ما يضره. هذا في الشريعة، وأما المتعنت في اللغة فهو من يطلب العنت وهو الوقو فيما لا يستطيع الانسان الخروج عنه، كذا في البناية. ولو قال المصنف والقول لمدعي

[ 282 ]

الوصف الشامل للرداءه والجودة لكان أولى لان أحدهما لو قال شرطناه جيداونفى الآخر الاشتراط أصلا فالقول للمثبت. قيد الاختلاف في أصل التأجيل لانهما لاختلفا في مقداره فالقول للطالب مع اليمين لانكاره الزيادة وأي برهن قبل، وإن برهنا قضي ببينة المطلوب لاثباتها الزيادة. وإن اختلفا في مضيه فالقول للمطلوب لانكاره توجه المطالبة، فإن برهنا قضي ببينة المطلوب لاثباتها زيادة الاجل فالقو قوله أي المسلم إليه والبينة بينته، أما إذا نظرنا إلى الصورة فهو منكر، وإن نظرنا إلى المعنى فمعناه ثبوت الحق في الشهر المستقبل فإذا أقاما البينة فبينة المسلم إليه بمعناها أثبتنا حقا له في شهر لم يتعرض ببينة رب السلم لذلك الشهر فكانت بينته أولى، كذا في إيضاح الكرماني. ثم اعلم أن بين الاجل والوصف فرقا وهو أن الاختلاف في مقدار الاجل يعني أنه ما هو لا يوجب التحالف وفي الوصف يوجبه لكونه يجري مجرى الاصل. وفي الخلاصة: إذا شرط في السلم الثوب الجيد فجاء بثوب وادعى أنه جيد وأنكر الطالب فالقاضي يرى اثنين من أهل تلك الصنعة وهذ أحوط والواحد يكفي، فإن قالا جيد أجبره على القبول، فإذا اختلفا في السلم يتحالفان استحسانا ويبدأ بيمين المطلوب عند أبي يوسف ثم رجع وقال بيمين الطالب وهو قول محمد، وأي برهن قبل، فإن برهنا قضى ببينة رب السلم بسلم واحد عند أبي يوسف، ويقال هو قول أبي حنيفة والمسألة على ثلاثة أوجه: لان رأس المال إما عين أو دين، وكل وجه على ثلاثة أوجه: اتفقا على رأس المال واختلفا في المسلم فيه أو على القلب أو اختلفا فيهما. فإن كان رأس المال عينا واختلفا في المسلم فيه لا غير فقال الطالب هذا الثوب في كر حنطة وقال الآخر في نصف كر أوفي شعير أو في الحنطة الرديئة وأقاما البينة قضي ببينة رب السلم اجماعا، وإن اختلفا في رأس المال فقال أحدهما هذا الثوب وقال الآخر هذا العبد واتفقا في المسلم فيه أنه الحنطة أو قال أحدهما هذا الثوب في كر حنطة وقال الآخر في كر شعير وأقاما البينة قضي بالمسلمين، فمحمد رحمه الله مر على أصله، وأبو يوسف يقول كل يدعي عقدا غير ما يدعيه الآخر. وإن كان رأس المال دراهم أو دنانير إن اتفقا في رأس المال واختلفا في المسلم فيه وأقاما البينة فالبينة لرب السلم ويقضي بسلم واحد عند أبي يوسف خلافا لمحمد، وإن كان الاختلاف على القلب فعلى هذا الاختلاف. ولو اختلفا فيهما فقال أحدهما عشرة دراهم في كري حنطة وقال الآخر خمسة عشر في كر وأقاما البينة فعند أبي يوسف تثبت الزيادة فيجب خمسة عشر في كرين ولا يقضي بسلمين، وعند محمد يقضي بسلمين. عقد بخمسة عشر في كر وعقد بعشرة في كرين ولو ادعى أحدهما أن رأس المال دراهم والآخر دنانير لم يذكر هذا وينبغي أن

[ 283 ]

يقضي بسلمين كما في الثوبين، كذا في فتح القدير. والحاصل أنهما إن اختلفا في الجنس والصفة أو المقدار تحالفا، سواء كان في رأس المال أو في المسلم إليه. وإن اختلفا في اشتراط الوصف أو الاجل فالقول لمثبته لا لنا فيه، وإن اختلفا في مقدار الاجل فالقول لرب السلم، وإن اختلفا في مضيه فالقول للمسلم إليه، وإن اختلفا في بيان مكان الايفاء فالقول للمطلوب وفي اشتراطه فلمن أثبته. وفي الظهيرية: إذا اختلفا في جنس المعقود عليه تحالفا وكذا في الصفة بخلاف الاختلاف في الصفة في بيع العين، ولو اختلفا في مكان الايفاء فالقول للمطلوب، وإن برهن فللطالب عنده، وعندهما يتحالفان ويترادان السلم، وقيل على العكس ا ه‍. وفي الصحاح: الشيئ جردأ رداءة فهو ردئ أي فاسد وأردأته أي أفسدته ا ه‍. وقد ذكر المصنف رحمه الله تعالى أولا في الدعوى التأجيل وفي النفي الاجل فظاهره أنه لا فرق بينهما عنده وليس كذلك لما في القاموس: الاجل غاية الوقت في الموت وحلول الدين ومدة الشئ والجمع آحال والتأجيل تحديد الاجل ا ه‍. والتحديد بمعنى التقدير وقدمنا أنهما لو اختلفا في مقداره فالقول للطالب فتعين أن يكون التأجيل في كلامه بمعنى الاجل مجازا بدليل الثاني. قوله: (وصح السلم والاستصناع في نحو خف وطست) أما السلم فلا مكان ضبط الصفة ومعرفة المقدار فكان سلما باستجماع شرائطه، وأما الاستصناع فالكلام فيه في مواضع: الاول في معناه لغة فهو طلب الصنعة. وفي القاموس: الصناعة ككتابة حرفة الصانع وعمله الصنعة ا ه‍. فعلى هذا الاستصناع لغة طلب عمل الصانع. وشرعا أن يقول لصاحب خف أو مكعب أو صفارا صنع لي خفا طوله كذا وسعته كذا أو دستا أي برمة تسع كذا ووزنها كذا على هيئة كذا بكذا وكذا ويعطي الثمن المسمى أو لا يعطي شيأ فيقبل الآخر منه. الثاني في دليله وهو الاجماع العملي وهو ثابت بالاستحسان، والقياس أن لا يجوز وهو قول زفر لكونه بيع المقدوم وتركناه للتعامل. ولا تلزم المعاملة والمزارعة على قول أبي حنيفة لفسادهما مع التعامل لثبوت الخلاف فيهما في الصدر الاول، وهذا بالاتفاق فلهذا قصرناه

[ 284 ]

على ما فيه تعامل وفيما لا تعامل فيه رجعنا فيه إلى القياس كان يستصنع حائكا أو خياطا لينسج له أو يخيط له قميصا بغزل نفسه. وفي القنية: دفع مصحفا إلى مذهب ليذهبه بذهب من عنده وأراه الذهب أنموذجا من الاعشار والاخماس ورؤوس الآي وأوائل السور فأمره رب المصحف أن يذهبه كذلك بأجرة معلومة لا يصح. سئل عمر النسقي عمن دفع إلى حائك غزلا لينسج له عمامة من سداه فجاء بها منسوجة فقال صاحب الغزل اشتريت منك ما في هذا المنسوج من الابريسم بكذا وقال الآخر بعت هل يصح؟ فقال بيع ما صار على الآمر للمأمور من الابريسم السد أبا العقد ااول صار ملكا للآمر قال أبو الفضل الابريسم دين على الآمر وأجرة العمل عليه. قال النجار ابن لي بيتا فإذا بنيته يقومه المقومون فما يقولون أدفعه إليك فرضيا به وبناه وقومه رجل باتفاقهما وأبي الصانع فله أجر مثله. وقال أبو حامد وحمير الوبري: هو بمنزلة المقوم لا الحكم فلا يلزمه تفويمه ا ه‍. الثالث في صفته فقد اختلفوا في كونه مواعدة أو معاقدة فالحاكم الشهيد والصفار ومحمد بن سلمة وصاحب المنشور مواعدة وإنما ينعقد عند الفراغ بالتعاصي ولهذا كان للصانع أن لا يعمل ولا يجبر عليه بخلاف السلم، وللمستصنع أن لا يقبل ما يأتي به ويرجع عنه، والصحيح من المذهب جوازه بيعا لان محمدا ذكر فيه القياس والاستحسان وهما لا يجريان في المواعدة، ولان جوازه فيما فيه تعامل خاصة ولو كان مواعدة لجاز في الكل. وسماه أيضا شراء فقال إذ رآه المستصنع فله الخيار لانه اشترى ما لم يره ولان الصانع يملك الدراهم بقبضها ولو كانت مواعدة لم يملكها، وإثبات أبي اليسر الخيار لكل منهما لا يدل على أنه غير بيع كما في بيع المقايضة، وحين لزم جوازه علمنا أن الشارع اعتبر فيه المعدوم موجودا وهو كثير في الشرع كطهارة صاحب العذر وتسمية الذابح إذا نسيها والرهن بالدين الموعود وقراءة المأموم. والرابع في المعقود عليه فاختلف فيه فالمذهب المرضي في الهداية أنه العين دون العمل. وقال البردعي: المعقود عليه العمل دون العين لان الاستصناع ينبئ عنه. والاديم والصرم بمنزلة الصبغ والدليل على المذهب ما ذكرناه من قول محمد لانه اشترى ما لم يره ولذا لو جاء به مفروغا لا من صنعته أو من صنعته قبل العقد فأخذه جاز، وإنما يبطله بموت الصانع لشبهه بالاجارة. وفي الذخيرة هو إجارة ابتداء بيع انتهاء لكن قبل التسليم لا عند التسليم بدليل قولهم إذا

[ 285 ]

مات الصانع يبطل ولا يستوفي المصنوع من تركته، ذكره محمد في كتاب البيوع. وإنما لم يجبر الصانع على العمل والمستصنع على إعطاء المسمى لانه لا يمكنه إلا بإتلاف عين ماله والاجارة تفسخ بهذا العذر. الخامس فحكمه وهو الجواز دون اللزوم لان جوازه للحاجة وهي في الجواز لا اللزوم ولذا قلنا للصانع أن يبيع المصنوع قبل أن يراه المستصنع لان العقد غير لازم، وأما بعد ما رآه فالاصح أنه لا خيار للصانع بل إذا قبله المستصنع أجبر على دفعه له لانه بالآخرة بائع له. وتفرع على عدم لزومه ما في فتاوي قاضيخان من الدعوى: رجل استصنع رجلا في شئ ثم اختلفا في المصنوع فقال المستصنع لم تفعل ما أمرتك به وقال الصانع فعلت قالوا: لا يمين فيه لاحدهما على الآخر. ولو ادعى الصانع على رجل أنك استصنعت إلي في كذا وأنكر المدعى عليه لا يحلف ا ه‍. قوله: (وله الخيار أي للمستصنع الخيار (إذا رأى المصنوع) لما قدمناه أنه اشترى ما لم يره بخلاف السلم لانه لا فائدة في إثبات الخيار فيه لانه كلما رده عليه أعطاه غيره لكونه غير متعين إذا المسلم فيه في الذمة فيبقى فيها إلى أن يقبضه. قيد به لانه لا خيار للصانع لانه باع ما لم يره. وعن أبي حنيفة أن له الخيار لانه يلحقه الضرر بقطع الصرم والصحيح الاول قوله: (وللصانع بيعه قبل أن يراه) أي المستصنع لانه لا يتعين إلا باختياره. قيد بقوله قبل أن يراه لانه إذا رآه ورضي به امتنع على الصانع بيعه لانه بالاحضار أسقط خياره ولزم قوله: (ومؤجله سلم) أي إذا أجله المستصنع صار سلما وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: إن ضرب الاجل فيما فيه تعامل فهو استصناع، وإن ضرب فيما لا تعامل فيه فهو سلم لتعذر جعله استصناعا ويحمل الاجل فيما فيه تعامل على الاستعجال. وله أن يحتمل السلم فحمل عليه وهو أولى لكونه ثابتا بالكتاب والسنة والاجماع مطلقا. وأما الاستصناع فبالتعامل ومخصوص بما فيه تعامل، ولان الاجل لتأخير المطالبة وذلك باللزوم وهو في السلم دونه. والمراد بالاجل ما قدمه من أن أقله شهر فإن لم يصلح كان استصناعا إن جرى فيه تعامل وإلا ففاسد إن ذكره على وجه الاستمهال، فإن كان للاستعجال بأن قال على أن تفرغ منه غدا أو بعد غد كان صحيحا. وفصل الهندواني فجعله من المستصنع استعجالا ومن الصانع تعجيلا. ثم فائدة كونه سلما أن يشترط فيه شرائطه من القبض قبل الافتراق وعدم الخيار إلى غير ذلك من

[ 286 ]

الاحكام. وفي الصحاح: الطس بلغة طئ أبدل من إحدى السينين تاء للاستثقال فإذا جمعت أو صغرت ردت السين لانك فصلت بينهما بألف أو ياء قلت طساس وطسيس ا ه‍. وفي المغرب: الطست مؤنثة وهي أعجمية والطس تعريبها والجمع طساس وطسوس، وقد يقال الطسوت ذكره في الشين المعجمة. والقمقمة بالضم معروفة. وقال الاصمعي: هو رومي والجمع قماقم، كذا في الصحاح اه‍ والله أعلم. باب المتفرقات هكذا في نسخة الزيلعي. وفي نسخة العيني مسائل متفرقة وعبر عنها في الهداية بمسائل منثورة والمعنى واحد. وحاصلها أن المسائل التي تشد عن الابواب المتقدمة فلم تذكر فيها إذا استدركت سميت بها أي متفرقة من أبواب أو منثورة عن أبوابها قوله: (صح بيع الكلب والفهد والسباع والطيور) لما رواه أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم رخص في ثمن كلب الصيد، ولانه مال متقوم آلة الاصطياد فصح بيعه كالبازي بدليل أن الشارع أباح الانتفاع به حراسة واصطيادا فكذا بيعا. وهذا على القول المفتي به من طهارة عينه بخلاف الخنزير فإنه نجس العين، وأما على رواية أنه نجس العين كالخنزير فقال في فتح القدير: ولو سلم نجاسة عينه فهي توجب حرمة أكله لا منع بيعه بل منع البيع بمنع الانتفاع شرعا ولهذا أجزنا بيع السرقين والبعر مع نجاسة عينهما لاطلاق الانتفاع بهما عندنا بخلاف العذرة لم يطلق الانتفاع بها فمنع بيعها، فإن ثبت شرعا إطلاق الانتفاع بها مخلوطة بالتراب ولو بالاستهلاك كالاستصباح بالزيت النجس كما قيل جاز بيع ذلك التراب التي هي في ضمنه

[ 287 ]

وبه قال مشايخنا. وإنما امتنع بيع الخمر لنص خاص في منع بيعها وهو الحديث إن الذي حرم شربها حرم بيعها ا ه‍. وفي القنية: اشترى ثورا أو فرسا من خوف لاستئناس الصبي لا يصح ولا يضمن متلفه (طب) صح ويضمن متلفه. يجوز بيع خرء الحمام إن كان كثيرا وهبته أدنى القيمة التي تشترط لجواز البيع فلس ولو كانت كسرة خيز لا يجوز ا ه‍. أطلقه فشمل المعلم وغيره العقور وغيره هكذا أطلق في الاصل فمشى القدوري على هذا الاطلاق. ونص فنوادر هشام عن محمد في جواز بيع العقور وتضمين من قتله قيمته. وعن أبي يوسف منع بيع العقور وذلك في المبسوط أنه لا يجوز بيع الكلب العقور الذي لا يقبل التعليم وقال: هذا هو الصحيح من المذهب قال: وهكذا نقول في الاسد إذا كان يقبل التعليم ويصطاد به أنه يجوز بيعه وإن كان لا يقبل التعليم والاصطياد به لا يجوز. قال: والفهد والبازي يقبلان التعليم فيجوز بيعهما على كل حال ا ه‍. فعلى هذا لا يجوز بيع النمر بحال لانه لشراسته لا يقبل التعليم. وفي بيع القرد روايتان وجه رواية الجواز وهو الاصح كما ذكره الشارح أنه يمكن الانتفاع بجلده وهذا هو وجه إطلاق رواية بيع الكلب والسباع فإنه مبني على أن كل ما يمكن الانتفاع بجلده أو عظمه يجوز بيعه. وصحح في البدائع عدم الجواز لانه لا يشتري للانتفاع بجلده عادة بل للتلهي به وهو خرام ا ه‍. ويجوز بيع الهرة لانها تصطاد الفأرة والهوام المؤذية فهي منتفع بها، ولا يجوز بيع هوام الارض كالخنافس والعقارب والفأرة والنمل والوزغ والقنافذ والضب، ولا هوام البحر كالضفدع والسرطان، وكذا كل ما كان في البحر الا السمك وما جاز الانتفاع يجاده أو عظمه كذا في البدائع وفي القنية وبيع فير السمك من دواب البحر إن كان له ثمن كالسقنقور وجلود الخز ونحوها يجوز وإلا فلا. وجمل الماء قيل يجوز حيا لا ميتا، والحسن أطلق الجواز، وذكر أبو الليث يجوز بيع الحيات إذا كان ينتفع بها في الادوية فإن لم ينتفع بها لا يجوز. ورده في البدائع بإنه غير سديد لان المحرم شرعا لا يجوز الانتفاع به للتداوي كالخمر فلا تقع الحاجة إلى شرع البيع. ويجوز بيع الدهن النجس لانه ينتفع به للاستصباح فهو كالسرقين، أما المعذرة فلا ينتفع بها إلا مخلوطة بالتراب فلا يجوز إلا تبعا. ويجوزع الفهد على فهود، وفهد الرجل إذا أشبه الفهد في كثرة نومه وتمرده. وفي الحديث إن دخل فهد وإن خرج أسد والسبع واحد السباع، كذا في الصحاح. وفي فتح القدير: والانتفاع بالكلب للحراسة والاصطياد جائز إجماعا لكن لا ينبغي أن يتخذ في داره إلا إن خاف اللصوص أو عدوا وفي الحديث

[ 288 ]

الصحيح من أقتني كلبا إلا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيرطان وفي البدائع: ويجوز بيع الفيل بالاجماع لانه منتفع به حقيقة مباح الانتفاع به شرعا على الاطلاق فكان مالا. قوله: (والذمي كالمسلم في بيع غير الخمر والخنزير) لانه مكلف محتاج فشرع في حقهم أسباب المعاملات فكل ما جاز لنا من المبيعات من الصرف والسلم وغيرهما جاز له، وما يجوز من الربا وغيره لا يجوز له إلا الخمر والخنزير فإن عقدهم فيها كعقدنا على العصير والشاة فيجوز له السلم في الخمر دون الخنزير. وفي البدائع: لا يمنعون من بيع الخمر والخنزير، أما على قول بعض مشايخنا فلانه مباح الانتفاع به شرعا لهم فكان مالا في حقهم، وعن البعض حرمتهما ثابتة على العموم في حق المسلم والكافر لان الكفار مخاطبون بشرائع هي محرمات وهو الصحيح من مذهب أصحابنا فكانت الحرمة ثابتة في حقهم لكنهم لا يمنعون عن بيعها لانهم لا يعتقدون حرمتها ويتمولونها وقد أمرنا بتركهم وما يدينون ا ه‍. قيد بالخمر والخنزير لانا نجيز فيما بينهم بيع الميتة والدم، وأما المنخنقة والتي قد جرحت في غير موضع الذبح وذبائح المجوس كالخنزير قال في الاصلاح: فالمستثني غير مختص بهما كما يفهم من الهداية ا ه‍. وفي البزازية: وبيع المجوسي ذبيحته أو ما هو ذبيحة عنده كالخنق من كافر جائز عند الثاني ا ه‍. فظاهره أنه غير جائز عند الاول والثالث، وحينئذ فالمستثني مختص بالخمر والخنزير لا كما زعم صاحب الاصلاح. وفي البزازية أيضا: بيع متروك التسمية عمدا من كافر يجوز ا ه‍. وفي القنية من كتاب الشفعة: تأخير اليهودي في السبت لاشتغاله بالسبت مبطل للشفعة. وفيها من الحدود: ويمنع الذمي عما يمنع المسلم إلا شرب الخمر فإن غنوا وضربوا العيدان يمنعوا كالمسلمين لانه لم يستثن عنهم ا ه‍. وفي ايضاح الكرماني: ولو باح ذمي من ذمي خمرا أو خنزيرا ثم أسلما أو أسلم أحدهما قبل القبض

[ 289 ]

انتقض البيع، والمراد بلفظة الانتقاض إثبات حق الفسخ لتعذر القبض بالاسلام فصار كما لو أبق المبيع، فإن صار خلا قبل القبض خير المشتري إن شاء نقض وإن شاء أخذ في قولهما. وعند محمد العقد باطل. وكذا المسلم إذا اشترى عصيرا فتخمر ولو قبض الخمر ثم أسلما أو أحدهما جاز البيع قبض الثمن أو لا، ولو اشترى الذمي عبدا مسلما جاز وأجبر على بيعه، وكذ إذا اشترى مصحفا. ولو اشترى كافر من كافر عبدا أو مسلما شراء فاسدا أجبر على رده ويجبر البائع على بيعه لان دفع الفساد واجب حقا للشرع فيجبر على الرد لينعدم الفساد، ثم يجبر البائع على بيعه، فإن أعتقه الذمي جاز، وإن دبره جاز ويسعى في قيمته، وكذا لو كانت أمة فاستولدها ويوجع الذمي ضربا لانه وطئ مسلمة وذلك حرام فإن كاتبه جاز ولا يفترض عليه، فإن عجز أجبر على بيعه. وكذا الذمي إذا ملك شقصا من مسلم فهو كالكل، فإذا كان أحد المتعاقدين مسلما والآخر ذميا لم يجز بينهما إلا ما يجوز بين المسلمين. ولو أقرض النصراني نصرانيا خمرا ثم أسلم المقرض سقط الخمر لتعذر قبضها فصار كهلاكها مستندا إلى معنى فيها، وإن أسلم المستقرض فعن أبي حنيفة سقوطها، وعنه أن عليه قيمتها وهو قول محمد لتعذره لمعنى من جهته ا ه‍. ولم أر حكم وقف الكافر مصحفا. قوله: (ولو قال بع عبدك من زيد بألف على أني ضامن لك مائة سوى الالف فباع صح بألف وبطل الضمان وإن زاد من الثمن فالالف على زيد والمائة على الضامن) لانه في الاول يصير التزاما للمال ابتداء وهو رشوة، وفي الثاني يصير زيادة في الثمن وهي جائزة من الاجنبي ولا رجوع له بها على المشتري، ولا تظهر في حق الشفيع والمرابحة، ولا يحبس البائع

[ 290 ]

المبيع عليها وإنما يحبسه على ألف ويرابح عليها ويأخذ الشفيع بها. ولو تقايلا البيع استردها الاجنبي، وكذا إن ردت عليه بعيب بغير قضاء وبه لا يستردها لكونه فسخا إجماعا. ولو ضمن الزيادة بأمر المشتري صارت كزيادته بنفسه فتلتحق بأصل العقد فتثبت الاحكام كلها إلا أنه لا يطالب البائع بها وإنما يطالب من زاد كأنه وكيله. ولو رد بعيب أو تقايلا يرد الزيادة على الضامن فقط لكونه أخذها منه دون المشتري. وذكر في الكافي أن الشفيع يأخذها بالالف ومائة فجعلها ظاهرة في حقه. وإنما ظهرت في حقه مع أن زيادة المشتري لا تظهر في حقه لانها في العقد فصارت من الثمن بخلافها بعد العقد. قيد بقوله سوى الالف لانه لو قال بعه بألف على أني ضامن لك مائة من الثمن صار كفيلا بمائة من الثمن ولا تثبت الزيادة، فإن أدى رجع به إن كان بأمره وإلا فلا. وقيد بكون الزيادة في العقد لان الاجنبي إذا زاد بعد العقد فإنه لا يجوز إلا بإجازة المشتري أو يعطي الزيادة من عنده أو يضمنها أو يضيفها إلى نفسه، وإن زاد بأمر المشتري جاز ولا يلزمه شئ والمال لازم للمشتري لكونه سفيرا ومعبرا لاحتياجه إلى إضافته للمشتري فلا يلزمه إلا بالضمان كالخلع والصلح. وقوله بع عبدك كلام أجنبي لاتعلق له بالايجاب والقبول فلا حاجة إلى قوله في فتح القدير إن قوله بع عبدك أمر والامر لا يكون في البيع إيجابا لان الامر المشار إليه إنما يكون من المشتري والقائل هنا ليس هو المشتري ولذا قال المصنف فباع أي بإيجاب وقبول قوله: (ووطئ زوج المشتراة قبض لا عقده) لان الوطئ من الزوج حصل بتسليط المشتري فصار منسوبا إليكأنه فعله بنفسه، وإن لم يطأها لا يكون قبضا استحسانا لانه لم يتصل بها من المشتري فعل يوجب نقصا في الذات وإنما هو عيب من طريق الحكم. ودل وضع المسألة على أن تزويج الامة قبل قبضها جائز بخلاف بيعها لان النكاح لا يبطل بالغرر والبيع يبطل به بدليل صحة تزويج العبد الآبق دون بيعه، فلو انتقض البيع بطل النكاح في قول أبي يوسف خلافا لمحمد. قال الصدر الشهيد رحمه الله تعالى: والمختار قول أبي يوسف لان البيع متى انتقض قبل القبض انتقض من الاصل فصار كأن لم يكن فكان النكاح باطلا. وقيد القاضي الامام أبو بكر بطلان النكاح

[ 291 ]

ببطلان البيع قبل القبض بما إذا لم يكن بالموت حتى لو ماتت الجارية بعد النكاح قبل القبض لا يبطل النكاح وإن بطل البيع، كذا في فتح القدير. قيد بعقد النكاح لان العتق والتدبير قبض وإن لم يكن فعلا حسيا لان العتق إنهاء للملك والتدبير من فروعه، وقدمنا في أول البيوع قبيل خيار الشرط أنه إذا أعتق ما في بطن الجارية لا يصير قابضا لها، وأن المشتري إذا قال للغلام تعال معي كان قبضا، وكذا إذا أمر البائع بطحن الحنطة فطحنها، وأن المشتري إذا وطئ الجارية صار قابضا لها إن حبلت وإلا فللبائع حبسها، فإن منعها البائع فماتت ماتت من ماله ولا عقر عليه. ولو أرسل العبد في حاجته صار قابضا كأمره أن يؤجر نفسه وقوله للبائع احملني معك على الدابة فحمله إلى آخر ما ذكرته هناك. قوله: (ومن اشترى عبد افغاب فبرهن البائع على بيعه وغيبته معروفة لم يبع بدين البائع وإلا بيع بدينه) لانها إذا كانت معروفة يتوصل إلى حقه بدون بيعه بالذهاب إليه فلا حاجة إلى بيعه لان فيه إبطال حق المشتري في العين وإن لم يدر مكانه أجابه القاضي إن برهن لان البينة هنا ليست للقضاء على الغائب وإنما هي لنفي التهمة وانكشاف الحال لان القاضي نصب لكل من عجز عن النظر ونظرهما في بيعه لان البائع يصل به إلى حقه ويبرأ من ضمانه، والمشتري أيضا تبرأ ذمته من دينه ومن تراكم نفقته فإذا انكشف الحال عمل القاضي بموجب إقراره فلا يحتاج إلى خصم حاضر وإنما يحتاج إليه إذا كانت البينة للقضاء، وهذا لان العبد في يده وقد أقر به للغائب على وجه يكون مشغولا بحقه فيظهر الملك للغائب على الوجه الذي أقر به، ولا يقدر البائع أن يصل إلى حقه كالراهن إذا مات مفلسا، والمشتري إذا مات مفلسا قبل القيض وأراد المصنف بكون المشتري غاب قبل القبض، أما إذا غاب بعده فإن القاضي لا يجيبه لان حقه غير متعلق بماليته. وإنما جاز للقاضي بيع المنقول قبل قبضه لان البيع هنا ليس بمقصود وإنما المقصود إحياء حقه وفي ضمنه يصح بيعه لان الشئ قد يصح ضمنا وإن لم يصح قصدا. وأراد بالعبد المنقول عبدا كان أو غيره، واحترز به عن العقار فلا يبيعه القاضي كما في النهاية وجامع الفصولين. ولم يذكر المصنف أنه يدفع الثمن إلى البائع لان القاضي إنما يدفع له بقدر ما باعه فإن فضل شئ عن دينه أمسكه للمشتري الغائب لانه بدل ملكه، وإن لم يف بالدين وبقي شئ يتبعه البائع إذا ظفر به، وقيد بالمبيع لان القاضي إذا قضى بالبينة على إنسان فغاب وله مال على الناس لا يدفع إلى المقضي له حتى يحضر الغائب إلا في نفقة المرأة والاولاد الصغار والوالدين، كذ عن محمد. وكذا لو مات وله ورثه غيب

[ 292 ]

ومال في المصر عند المقرين به للمقضي عليه فالقاضي لا يدفع شيأ منه حتى تحضر ورثته أو يحضر المقضي عليه لو غائبا، كذا في جامع الفصولين. وأشار المصنف رحمه الله تعالى إلى أن من استأجر إبلا إلى مكة ذاهبا وجائيا ودفع الكراء ومات رب الدابة في الذهاب حتى انفسخت الاجارة فإذا أتى مكة ورفع الامر إلى القاضي فرأى أن يبيع الدابة ويدفع بعض الاجر إلى المستأجر جاز وللمستأجر أن يركبها إلى مكة ولا يضمن وعليه الكراء إلى مكة، وإلى أن المديون لو رهن وغاب غيبة منقطعة فرفع المرتهن الامر إلى القاضي حتى يبيع الرهن بدينه فإنه ينبغي أن يجوز كما في هاتين المسألتين والمسألتان في جامع الفصولين. وفيه أيضا: باع دابة ولم يوقف على المشتري فللحاكم أن يأذن له فبيعها فيأخذ ثمنه من ثمنه لو كان من جنسه ولو أذن له أن يؤجرهخا ويعلفها من أجرها جاز ا ه‍. وبه علم أن في مسألة الكتاب للقاضي أن يأذن للبائع في بيعها كما له أن يبيعها بنفسه أو أمينه، وأن له أن يأذن له في إجارتها لو كان لها أجر. وظاهر كلامهم أن البائع لا يملك البيع بلا إذن القاضي فإن باع كان فضوليا، وإسلم كان متعديا والمشتري منه غاضب. فروع متعلقة بالتصرف في مال الغائب منقولة من جامع الفصولين: للقاضي ولاية إيداع مال غائب ومفقود وله إقراضه وبيع منقوله لو خيف تلفه ولم يعلم مكان الغائب لا لو علم إذا يمكنه البعث إليه إذا خاف التلف فيمكنه حفظ العين والمالية جميعا، ولا بيع القاضي الامة المغصوبة إذا غاب مالكها إنما يبيع مال المفقود. سئل نجم الدين عن أمير وهب أمة من خادمه فأخبرته أنها التاجر قتل في غير فأخذت وتداولتها الايدي حتى وقعت بيد هذا الامير والموهوب له الآن لا يجد ورثة القتيل ويعلم أنه لو خلاها ضاعت وإن أمسكها يخاف الفتنة، هل للقاضي بيعها من ذي اليد نيابة عن الغائب حتى لو ظهر المالك كان له على ذي اليد ثمنها؟ قال: نعم له ذلك. القاضي لا يملك تزويج أمة الغائب والمجنون وقنهما وله أن يكاتبهما ويبيعهما. لا يملك تزويج أمة الغائب وإن لم يكن له مال. للقاضي بيع قن المفقود وأمته لا لو كان غائبا غير مفقود، وللقاضي ولاية بيع مال الغائب. مات ولا يعلم له وارث

[ 293 ]

فباع القاضي داره جاز، ولو علم بموضع الورث جاز ويكون حفظا ألا ترى أنه لو باع الآبق يجوز وتمامه فيه. قوله (ولو غاب أحد المشترين فللحاضر دفع كل الثمن وقبضه وحبسه حتى ينقد شريكه) وهذا قول أبي حنيفة ومحمد، وخالف أبو يوسف في الكل فهذه أحكام: الاول في قبض جميع المبيع على تقدير إيفاء الثمن كله فعنده إذا نقد الثمن لا يأخذ إلا نصيبه لكونه أجنبيا في نصيب الغائب، وهما يقولان: إن الحاضر مضطر إلى أداء كل الثمن لان للبائع حق حبس كل المبيع إلى أن يستوفي كل الثمن فصار كمعير الرهن وصاحب العلو والوكيل بالشراء إذا أدى الثمن من ماله. قيد بغيبته لانه لو كان حاضرا لا يقبضه اتفاقا ويكون متبرعا لانه كالوكيل عنه من وجه من حيث إن ملك الغائب ثبت بقبول الحاضر، غير وكيل من وجه لان كلا منهما لا يطالب بنصيب الآخر فلشبهه بالاجنبي كان متبرعا في حضرته، ولشبهه بالوكيل لم يكن متبرعا حال غيبته. الثاني في حبسه عن الغائب حتى يعطيه ما دفعه عنه وهو فرع أنه ليس بمتبرع عندهما لما قدمناه، ودل أن له الرجوع عليه واستفيد من قوله للحاضر الدفع أن البائع يجبر على قبول ما أداه الحاضر من نصيب الغائب كما يجبر على تسليم نصيب الغائب فهذه خمسة أحكام على الخلاف. وقيد بقوله أحد المشتريين لانه لو غاب أحد المستأجرين قبل نقد الاجرة فنقد الحاضر جميعها يكون متبرعا لانه غير مضطر في نقد حصة الغائب إذ ليس للآجر حبس الدار لاستيفاء الاجرة قوله: (ومن باع أمة بألف مثقال ذهب وفضة فهما نصفان) لانه أضاف المثقال إليهما على السواء فيجب من كل واحد خمسمائة مثقال لعدم الاولوية فيصير كأنه قال بعت بخمسمائة مثقال ذهب وخمسمائة مثقال فضة. ويشترط بيان الفضة من الجودة وغيرها بخلاف ما لو قال من الدراهم والدنانير فإنه لا يحتاج إلى بيان الفضة وينصرف إلى الجياد، وقيد بقوله بألف مثقال لانه لو باعها بألف من الذهب والفضة فإنه يجب النصف من الذهب مثاقيل، ومن الفضة دراهم العشرة منها وزن سبعة مثاقيل لانه أضاف الالف إليهما فينصرف إلى الوزن المعهود من كل واحد. وأشار المؤلف إلى أنه لو قال لفلان علي كر حنط وشعير وسمسم فإنه يجب لم يستطع شئ من كل جنس ثلث الكر، وهكذا في المعاملات كلها كالمهر والوصية والوديعة والغصب والاجارة وبدل الخلع وغيره في الموزون والمكيل والمعدود والمذروع. وفي فتح القدير: في الدراهم ينصرف إلى الوزن المعهود وزن سبعة، ويجب كون هذا إذا كان المتعارف في بلد العقد في اسم الدراهم ما يوزن سبعة

[ 294 ]

والمتعارف في بعض البلاد الآن كالشام والحجاز ليس ذلك بل وزن ربع وقيراط من ذلك الدرهم. وأما في عرف مصر لفظ الدرهم ينصرف الآن إلى زنة أربعة دراهم بوزن سبعة من الفلوس إلا أن يقيد بالفضة فينصرف إلى درهم بوزن سبعة فإن ما دونه ثقل أو خفة يسمونه نصف فضة ا ه‍. وعلى هذا إذا شرط بعض الواقفين بمصر للمستحق دراهم ولم يقيدها تتصرف إلى الفلوس النحاس، وأما إذا قيدها بالنقرة كواقف الشيخونية والصرغتمشية تنصرف إلى الفضة لما في المغرب: النقرة القطعة المذابة من الذهب أو الفضة، ويقال نقرة فضة على الاضافة للبيان اه‍. وفي المصباح: النقرة القطعة المذابة من الفضة وقبل الذوب هي تبر ا ه‍. قوله: (وإن قضى زيف عن جيد وتلف فهو قضاء) يعني إذا كان له على آخر دراهم جياد فدفع له زيوفا فهلكت كان قضاء وبرئ ولا رجوع عليه بشئ. أطلقه فشمل ما إذا علم بكونه زيوفا أما إذا لم يعلم وإنما قيد بالتلف ليعلم حكم ما إذا أنفقها بالاولى وهذا عندهما. وقال أبو يوسف: إذا لم يعلم برد مثل زيوفه ويرجع بالجياد لان حقه في الوصف كالقدر وقد تعذر الرجوع بصفة الجودة فتعين رد مثل المقبوض والرجوع بالجياد. ولهما أن المقبوض من جنس حقه بدليل أنه لو تجوز بها في الصرف والسلم الجاز، ولو لم يكن من الجنس لكان استبدالا وهو حرام فلم يبق إلا الجودة ولا قيمة لها وقد حصل الاستيفاء، وذكر فخر الاسلام وغيره أن قولهما قياس، وقولابي يوسف هو الاستحسان فظاهره ترجيح قول أبي يوسف. قيد بتلفها لانها لو كانت قائمة ردها. وفي الجوهرة من كتاب الرهن: إذا علم قبل أن ينفقها فطالبه بالجياد وأخذها كان الجياد أمانة في يده ما لم يرد الزيوف ويجدد القبض ا ه‍. وفي الذخيرة: لو كان له عليه جياد فقضاه زيوفا وقال أنفقها فإن لم ترج فردها علي ففعل فلم ترج فله أن يردها استحسانا. فرق بين هذا وبين ما إذا اشترى عينا فوجد بها عيبا فأرادها فقال له البائع بعه فإن لم يشتره أحد فرده علي فعرضه على البيع فلم يشتره أحد منه ليس له أن يرده. والفرق أن المقبوض من الدراهم ليس عين حق القابض بل هو من جنس حقه لو تجوز به جاز وصار عين حقه، فإذا لم يتجوز بقي على ملك الدافع فصح أمر الدافع بالتصرف فيه فهو في الابتداء تصرف للدافع وفي الانتهاء لنفسه بخلاف التصرف في العين لانها ملكه فتصرفه لنفسه فبطل خياره اه‍. وقدمنا أن الزيوف كالجياد في خمس مسائل كما في الولوالجية، وزدنا في أو كتاب البيوع سادسا عند الكلام على الاثمان. قيدنا الخلاف بعدم

[ 295 ]

العلم لانه لو علم بها وأنفقها كان قضاء اتفاقا وقيد بالزيوف لانها لو كانت ستوقة أو نبهرجة فاتلفها فإنه يرد مثلها ويرجع الجياد اتفاقا. وهما فرقا بأن الزيوف من جنس حقه والستوقة والنبهرجة لا. وفي المصباح: زافت الدراهم تزيف زيفا من باب سارردأت ثم وصف بالمصدر فقيل درهم زيف مثل فلس وفلوس، وربما قيل زائف على الاصل ودراهم زيف مثل راكع وركع، وزيفتها تزييفا أظهرت زيفها. قال بعضهم: الدراهم الزيوف هي المطلية بالزئبق المعقود بمزاوجة الكبريت وكانت معروفة قبل زماننا وقدرها مثل سنج الميزان ا ه‍. وفي الواقعات الحسامية من البيع تكلموا في معرفة الزيوف والنبهرجة. قال أبو النصر: الزيوف دراهم مغشوشة، أما النبهرجة التي تضرب في غير دار السلطان والستوقة صفر مموه بالفضة. وقال الفقيه أبو جعفر: الزيوف ما زيفه بيت المال يقال في عرفنا غطريفي لا غير والنبهرجة ما لا يقبله التاجر ا ه‍. وفي الجوهرة من الرهن: من كان له على رجل درهم فأعطاه درهمين صغيرين وزنهما درهم جاز ويجبر على ذلك، ولو كان له دينار فأعطاه دينارين صغيرين وزنهما دينار فأبى لم يجبر على ذلك قبض ه‍. وفي الواقعات الحسامية من كتاب الصلح وقال أبو يوسف: إذا اقتضى دراهم فأنفقها ثم ردت عليه بعيب الزيافة، فإن كان حين أنفقها يعلم أنها زائفة فله أن يردها سواء قبلها بقضاء أو بغير قضاء. فرق بين هذا وبين المبيع إذا قبله البائع بغير قضاء ليس له أن يرد، والفرق أن هناك الرد إذا كان بغير قضاء جعل عقدا جديدا في حق الثالث وهو البائع، أما هنا لا يمكن أن يجعل بيعا جديدا لانه لم يملك الرد على ما قدمناه. وقال أبو يوسف: من أقرض كرحنطة عفن وقبضها المستقرض واستهلكها ثم قضاه كرحنطة جيدة، فإن كان قال له الطالب لي عليك حنطة طيبة وصدقه المطلوب ثم قضاه ثم تصادقا أن الكر القرض كان عفنا فللمستقرض أن يرجع فيما قضاه ويعطيه كرا عفنا مثل القرض، فإن لم يكن الطالب قال له كري جيد لكن المستقرض قضاه جيدا من غير شرط جاز، وليس له أن يرجع. قلت: ويحتمل أن يكون جواب الوجه الاول

[ 296 ]

قول أبي يوسف خاصة على ما قدمناه ا ه‍. وفي الذخيرة من آخر كتاب الصرف قال ابو حنيفة لا بأس ببيع المغشوش إذا بين وكان ظاهرا يرى وهو قول أبي يوسف. وقال في رجل معه فضة نحاس لا يبيعها حتى يبين ولا بأس بن يشتري بستوقة إذا بين، وأرى أن للسلطان أن يكسرها لعلها تقع في أيدي من لا يبين. وبشر في الاملاء عنأبي يوسف أكره للرجل أن يعطي الزيوف والنبهرجة والستوقة والمكحلة والبخارية وإن بين ذلك، ويجوز بها عند الاخذ من قبل أن إنفاقها ضرر على العوام وما كان ضررا عاما فهو مكروه وليس بمعصية، ورضا هذين الحاضرين خوفا من الوقوع في أيدي المدلسة على الجاهل به ومن التاجر الذي لا يتحرج قال: وكل شئ لا يجوز فإنه ينبغي أن يقطع ويعاقب صاحبه إذا أنفقه وهو يعرفه ا ه‍. قوله: (وإن أفرخ طير أو باض أو تكنس ظبي في أرض رجل فهو لمن أخذه) لانه مباح سبقت يده إليه فكان أولى به لقوله عليه السلاالصيد لمن أخذه والبيض صيد ولهذا يجب على المحرم الجزاء بكسره. أطلقه وهو مقيد بقيدين: الاول ذكره الشارح أن لا تكون أرضه مهيئة لذلك وإن كنت مهيئة للاصطياد فهو له لان الحكم لا يضاف إلى السبب الصالح إلا بالقصد ألا ترى أن من نصب شبكة للجفاف فتعلق بها صيد أو حفر بئرا للماء فوقع فيها صيد لا يملكه ولا يجب عليه الجزاء إن كان محرما، وإن قصد به الاصطياد ملكه ووجب عليه الجزاء إن كان محرما. على هذا التفصيل لو دخل صيد داره أو وقع ما نثر من الدراهم في ثيابه بخلاف معسل النحل في أرضه حيث يملكه وإن لم تكن أرضه معدة لذلك لانه من إنزال الارض حتى يملكه تبعا لها كالاشجار النابتة والتراب المجتمع فيها بجريان الماء وإن لم تكن معدة ولهذا يجب في العسل العشر إذا أخذه من أرض العشر. الثاني في الذخيرة من كتاب الصيد: وهذا إذا كان صاحب الارض بعيدا من الصيد بحيث لا يقدر على أخذه لو مد يده، وأما إذا كان صاحب الارض قريبا من الصيد بحيث يقدر على اخذه لو مد يده فالصيد لصاحب الارض لانه صار أخذا له تقديرا لتمكنه من الاخذ حقيقة إن لم يكن آخذا له بأرضه ا ه‍. ومثله في شرح الطحاوي. وقوله تكنس ظبي أي دخل في كناسه وهو بالكسر بيته وكنس الظبي كنوسا من باب نزل دخل كناسه كذا في المصباح ولم يذكر تكنس. وفي المغرب: كنس الطبي دخل في الكناس كنوسا من باب طلب وتكنس مثله، ومنه الصيد إذا تكنس في أرض رجل أي استتر، ويروى تكسر وانكسر ا ه‍. وفي فتح القدير: وفي بعض النسخ تكسر أي وقع فيها فتكسر، ويحترز به عما لو كسره رجل فيها فإنه لذلك الرجل لا

[ 297 ]

للآخذ ولا يختص بصاحب الار ض ا ه‍. ثم قال: ومن جنس هذه المسائل لو اتخذ في أرضه حظيرة فدخل الماء والسمك ملكه ولو اتخذت لحاجة أخرى فمن أخذ السمك فهو له، وكذا في حفر الحفير إن حفرها للصيد فهو له أو لغرض آخر فهو للآخذ، وكذا صوف وضع على سطح بيت قابتل بالمطر فعصره رجل، فإن كان وضعه للماء فهو لصاحبه وإلا فالماء للآخد ا ه‍. وفي الذخيرة: إن أغلق الباب على الصيد ولم يعلم به لم يصر آخذا مالكا له حتى لو خرج الصيد بعد ذلك فأخذه غيره ملكه. وفي المنتفي: رجل نصب حباله فوقع فيها صيد فاضطرب وقطعها وانفلت فجاء آخر وأخذ الصيد فالصيد للآخذ، ولو جاء صاحب الحبالة ليأخذه فلما دنى منه بحيث يقدر على أخذه فاضطرب وانفلت فأخذه آخر فهو لصاحب الحبالة. والفرق أن فيهما صاحب الحبالة وإن صار آخذا له إلا أنه في الاول بطل الاخذ قبل تأكده، وفي الثاني بطل بعد تأكده. وكذا صيد البازي والكلب إذا نفلت فهو على هذا التفصيل. وفي الاصل: إذا رمى صيدا فصرعه فاشتد رجل وأخذه فهو لمن رماه لانه لما رماه صار آخذا له فصار ملكا، ولو رمى صيدا فأصابه وأثخنه بحيث لا يستطيع براحا فرماه آخر فقتله فالصيد للاول، وإن كان يتحامل ويطير مع ما أصابه من السهم الاول فرماه الثاني فقتله فهو للثاني. وفي الاصل أيضا: لو أرسل كلبه على صيد فاتبعه الكلب حتى أدخله في أرض رجل أو داره كان لصاحب الكلب لان الكلب إنما يرسل للاخذ فيعتبر بما لو أخذه بيده، وكذا لو اشتد على صيد حتى أخرجه فأدخله دار إنسان فهو له لانه أخرجه واضطره فقد أخذه، وعن أبي يوسف: رجل اصطاد طائرا في دار رجل فإن اتفقا على أنه على أصل الاباحة فهو للصائد، وسواء كان اصطاده من الهواء أو على الشجر، لان الصيد إنما يملك بالاستيلاء والاحراز وحصوله على حائط رجل أو شجرة ليس بإحراز فيكون للآخذ. وإن اختلفا فقال رب الدار كنت اصطدته قبلك أو ورثته وأنكر الصائد. فإن كان أخذه من الهواء فهو له لانه لا يد لصاحب الدار على الهواء، وإن أخذه من حائطه أو شجره فالقول لصاحب الدار لاخذه من محل هو في يده، فإن اختلفا في أخد من الهواء أو من الدار أو الشجرة فالقول لصاحب الدار لان الظاهر أن ما في دار الانسان يكون له ا ه‍. قوله: (ما يبطل بالشرط الفاسد ولا يصح تعليقه بالشرط البيع) فإذا باع عبدا وشرط

[ 298 ]

استخدامه شهرا أو دارا على أن يسكنها البائع شهرا فالبيع باطل أي فاسد كما تقدم في بابه. والاصل أن ما كان مبادلة مال بمال فإنه لا يصح تعليقه بالشرط الفاسد للنهي عن بيع وشرط، وما كان مبادلة مال بغير مال أو كان من التبركات فإنه لا يبطل به لان الشروط الفاسدة من باب الربا وهو مختص بالمعاوضات المالية دون غيرها من غير المالية والتبرعات فيبطل الشرط فقط. وأصل آخر أن التعليق بالشرط المحض لا يجوز في التمليكات ويجوز فيما كان من باب الاسقاط المحض كالطلاق والعتاق، وكذا ما كان من باب الاطلاقات والولايات يجوز تعليقه بالشرط الملائم، وكذا التحريضات. أطلق في عدم صحة تعليقه بالشرط وهو محمول على ما إذا علقه بكلمة إن بأن قال بعتك هذا إن كان كذا فيفسد البيع مطلقا ضارا كان أو نافعا إلا في صورة واحدة وهو أن يقول بعت منك هذا إن رضي فلان به فإنه يجوز إذا وقته بثلاثة أيام لانه اشتراط الخيار إلى أجنبي وهو جائز. وفي جامع

[ 299 ]

الفصولين: ولو قال بعته بكذا إن رضي فلان جاز البيع والشرط جميعا ولو قال بعته منك بكذا إن شئت فقال قبلت تم البيع ا ه‍. وإن كان الشرط بكلمة على فقد قدمنا أنه إن كان مما يقتضيه العقد أو يلائمه أو فيه أثر أو جرى التعامل فيه كشرط تسليم المبيع أو الثمن أو التأجيل أو الخيار لا يفسد ويصح الشرط، وكذا إذا اشترى نعلا على أن يحذوها البائع وإن كان الشرط لا يقتضيه العقد ولا يلائمه ولا جرت العادة به، فإن كان فيه منفعة لاهل الاستحقاق فسد وإلا فلا. وفي جامع الفصولين: وتعليق القبول في البيع بعد ما أوجب ا لآخر هل يصح؟ ذكر أنه لو قال إن أديت ثمن هذا فقد بعت منك صح البيع استحسانا إن دفع الثمن إليه، وقيل هذا خلاف ظاهر الرواية والصحيح أنه لا يجوز ا ه‍. قوله: (والقسمة) بأن كان للميت دين على الناس فاقتسموا التركة من الدين والعين على أن يكون الدين لاحدهم والعين للباقين فهي فاسدة. وصورة تعليقها أن يقتسموا دارا وشرطوا رضا فلان فسدت أيضا لان القسمة فيها معنى المبادلة فهي كالبيع، كذا ذكر العيني مع أن البيع يصح تعليقه برضا فلان ويكون شرط خيار إذا وقته ولكن شرط الخيار هل يدخلها قال في الولوالجية من القسمة: وأما خيار الرؤية والشرط فيثبت في قسمة لا يجبر الآبي عليها وهو القسمة في الاجناس المختلفة، وأما في كل قسمة يجبر الآبي عليها كالقسمة في ذوات الامثال في الجنس الواحد فإنه لا يثبت ا ه‍. ومن صور فسادها بالشرط ما إذا اقتسم الشريكان على أن لاحدهما الصامت وللآخر العروض وقماش الحانوت والديون التي على الناس على أنه إن نوى عليه شئ من الديون يرد عليه نصفه فالقسمة فاسدة، وعلى الذي أخذه الصامت أن يرد على شريكه نصف ما أخذه، وعلى شريكه أن يرد نصف ما أخذه أيضا. ومنها أيضا ما إذا اقتسما دارا على أن يشتري أحدهما من الآخر دارا له خاصة بألف درهم فهي فاسدة، وكذا كل قسمة على شرط هبة أو صدقة. وإن شرط أن يزيده شيأ معلوما فهو جائز كالبيع، وإن اقتسما دارا وأخد كل واحد طائفة على أن يرد أحدهما على الآخر دراهم مسماة فهو جائز، وكذا إن كانت الدراهم إلى آجل، فإن كان له حمل ومؤنة ولم يسم مكان الايفاء فعلى الخلاف المعروف في السلم، الكل في الولوالجية قوله: (والاجارة) أي كان أجر داره على أن يقرضه المستأجر أو يهدي إليه أو إن قدم زيد، كذا ذكره العينين. ومن

[ 300 ]

صورها: استأجر حانوتا احترق كل شهر بكذا على أن يعمره ويحتسب ما أنفقه من الاجرة لان شرط العمارة على المستأجر يفسد العقد فعليه أجر المثل وله ما أنفقه وأجر مثل قيامه عليه، واشتراط تطيين الدار ومرمتها أو تعليق الباب عليها أو إدخال جذع في سقفها على المستأجر مفسد للعقد، وكذا اشتراط كرى النهر أو حفر بئر فيها أو أن يسرقها، وكذا على أن يردها مكروبة، هكذا أطلقه في الكافي. وفصل خواهر زاده فإن شرطه في المدة فسدت وبعد انقضائها، والصحيح أن شرطه في المدة فسدت وإلا فإن قال أجرتك بكذا بأن تكربها بعد انقضاء المدة فتردها على مكروبة فلا تفسد، وإن قال على أن تكربها بعدها فهي فاسدة، الكل من فتاوي الولوالجية. ويستثنى من إطلاق قولهم لا يصح تعليقها بالشرط ما صرحوا به في الاجارات لو قال لغاصب داره فرغها وإلا فأجر كل شهر كذا فسكت ولم يفرغها وجب المسمى مع أنه تعليق بعدم التفريع. قوله: (والاجازة) بالزاي المعجمة بأن باع فضولي عبده فقال أجزته بشرط أن تقرضني أو تهد إلي وعقلها بشرط لانها بيع معنى، كذا ذكر العيني. فظاهره تخصيص إجازة البيع فلو قال المصنف وإجازة البيع لكان أولى فإن ظاهره أن إجازة القسمة والاجارة كذلك بل كل شئ لا يصح تعليقه بالشرط إذا انعقد موقوفا لا يصح تعليق إجازته بالشرط حتى

[ 301 ]

النكاح، ويدل عليه ما في جامع الفصولين والبزازية، وتعليق الاجازة بالشر طباطل كقوله إن زاد فلا في الثمن فقد أجزت. ولو زوج بنته البالغة بلا رضاها فبلغها الخبر فقالت أجزت إن رضيت أمي بطلت الاجازة إذ التعليق يبطل الاجاز اعتبارا بابتداء العقد ا ه‍. قوله: (والرجعة) بأن قال لمطلقته الرجعية راجعتك على أن تقرضيني كذا أو إن قدم زيد لانها استدامة الملك فتكون معتبرة بابتدائه فكما لا يجوز تعليق ابتدائه لا يجوز تعليقها، كذا ذكره العيني وهو سهو ظاهر وخطأ صريح فسيأتي في الكتاب قريبا إن شاء الله تعالى أن النكاح لا يبطل بالشرط الفاسد وإن كان لا يصح تعليقه، والمذكور في الظهيرية والجوهرة والبدائع والتتارخانية من الرجعة لا يصح تعليقها بالشرط ولا إضافتها ولم يذكروا أنها تبطل بالشرط

[ 302 ]

الفساد، وكيف يصح أن يقال به وأصل النكاح لا يبطل بالشرط الفاسد مع أن المصنف لم ينفرد بذكر الرجعة فيما يبطل بالشرط ولا يصح تعليقه بل ذكره كذلك في الخلاصة والبزازية من البيوع، والعمادي في فصوله وجامع الفصولين وفتح القدير من البيوع، ولم أر أحدا نبه على هذا، وقد توقفت في تخطئة هؤلاء ثم جزمت بها وكا يجب أن تذكر الرجعة مع النكاح في القسم الثاني. ومما يدل على بطلان قول المصنف ومن وافقه ما في البدائع من كتاب الرجعة أنها تصح مع الاكراه والهزل واللعب والخطأ كالنكاح ا ه‍. فلو كانت تبطل بالشرط الفاسد لم تصح مع الهزل لان ما يصح مع الهزل لا تبطله الشروط الفاسد، وما لا يصح مع الهزل تبطله الشروط الفاسدة، هكذا ذكره الاصوليون في بحث الهزل من قسم العوارض وفي الكافي للحاكم الشهيد: وتعليق الرجعة بالشرط باطل ولم يذكر أنها تبطل بالشروط الفاسدة. قوله: (والصلح عن مال) أي بمال بأن قال صالحتك على أن تسكنني في الدار مثلا سنة أو إن قدم زيد لانه معاوضة مال بمال فيكون بيعا، كذا ذكره العيني. واعلم أنه إنما يكون بيعا إذا كان البدل خلاف جنس المدعي به إما إذا كان على جنسه، فإن كان باقل من المدعى فهو حط وإبراء، وإن كان بمثله فهو قبض واستيفاء، وإن كان بأكثر منه فهو فضل وربا، كذا ذكره الشارح من الصلح، فينبغي أن يخصص هنا. وظاهر ما في البزازية الاطلاق في عدم صحة تعليقه بالشرط قال: له عليه ألف صالح على مائة إلى شهر وعلى مائتين إن لم يعطه إلى شهر لا يصح لجهالة المحطوط لانه على تقدير الاعطاء تسع مائة وعلى تقدير عدمه ثمان مائة ا ه‍. قوله: (والابراء عن الدين) بأن قال أبرأتك عن ديني على أن تخدمني شهرا أو

[ 303 ]

إن قدم فلان لانه تمليك من وجه حتى يرتد بالرد وإن كان فيه معنى الاسقاط فيكون معتبرا بالتمليكات فيجوز تعليقه بالشرط، كذا ذكره العيني. قيد بالدين لان الابراء عن الكفالة يصح تعليقه بشرط ملائم كقوله إن وافيت به غدا فأنت برئ فوافاه به برئ من المال وهو قول البعض. واختاره في فتح القدير وقال: إنه الاوجه معللا بأنه إسقاط لا تمليك، ذكره في الكفالة. وعلى هذا يحمل قول المصنف رحمه الله تعالى فيها وبطل تعليق البراءة من الكفالة بشرط على ما إذا كان غير ملائم. وفي فتاوي قاضيخان من فصل في هبة المرأة من الزوج: ولو قال الطالب لمديونه إذا مت فأنت برئ من الدين الذلي عليك جاز وتكون وصية من الطالب للمطلوب، ولو قال إن مت فأنت برئ من ذلك الدين لا يبرأ وهو مخاطرة كقوله إن دخلت الدار فأنت برئ مما لي عليك لا يبرأ ا ه‍. وفيها أيضا: لو قالت المريضة لزوجها إن مت من مرضي هذا فمهري عليك صدقة أو أنت في حل من مهري فماتت من ذلك المرض كان مهرها على زوجها لان هذه مخاطرة فلا تصح ا ه‍. وحاصله أن التعليق بموت الدائن صحيح إلا إذا كان المديون وارثا له وعلق في مرض موته فيكون مخصصا لاطلاق الكتاب. وفي البزازية من الدعوى: قال المديون دفعت إلى فلان فقال إن كنت دفعت إليه فقد أبرأتك صح لانتعليق بأمر كائن ا ه‍. ومن فروع عدم صحة تعليق الابراء ما في المبسوط: لو قال الطالب للخصم إن حلفت فأنت برئ فهذا باطل لانه تعليق البراءة بخطر وهي لا تحتمل التعليق ا ه‍. وفي الخانية من الهبة: امرأة قالت لزوجها وهبت مهري منك على أن كل امرأة تتزوجها تجعل أمرها بيدي، فإن لم يقبل الزوج ذلك بطلت الهبة، وإن قبل ذلك في المجلس جازت الهبة، ثم إن فعل الزوج ذلك فالهبة ماضية، وإن لم فعل فكذلك عند البعض كمن أعتق أمة على أن لا تتزوج فقبلت عتقت تزوجت أولم تتزوج. امرأة قالت لزوجها وهبت

[ 304 ]

مهري إن لم تطلمني فقبل الزوج ذلك ثم طلقها بعد ذلك قال أبو بكر الاسكاف وأبو القاسم الصفار: الهبة فاسدة لانها تعليق الهبة بالشرط، وهذا بخلاف ما لو قالت وهبت منك مهري على أن لا تظلمني فقبصحت الهبة لان هذا تعليق الهبة بالقبول، فإذا قبلت تمت الهبة فلا يعود المهربعد ذلك، وهو نظير ما لو قال لامرأته أنت طالق إن دخلت الدار لا تطلق ما تدخل، ولو قال أنت طالق على دخولك الدار فقال قبلت وقع الطلاق. وقال محمدابن مقاتل في مسألة الظلم: مهرها عليه على حاله إذا ظلمها لان المرأة لم ترضبالهبة إلا بهذا الشرط فإذا فات الشرط فات الرضا: أما الطلاق فالرضا فيه ليس بشرط والدليل على هذا ما ذكر في كتاب الحج إذا تركت المرأة مهرها على الزوج على أن يحج بها فقبل الزوج ذلك ولم يحج بها كان المهر عليه على حاله والفتوى على هذا القول. قال مولانا رضي الله تعالى عنه: ويمكن الفرق بين مسألة الحج وبين مسألة الظلم، ووجه ذلك أن في مسألة الحج لما شرطت الحج بها فقد شرطت نفقة الحح عليه فيكون هذا بمنزلة الهبة بشرط العوض، فإذا لم يحصل العوض لا تتم الهبة. أما في مسألة الظلم شرطت عليه ترك الظلم وترك الظلم لا يصلح عوضا قامولانا رضي الله تعالى عنه: ثم ذكر في بعض النسخ إذا شرطت عليه أن لا يظلمها فقبل الزوج ثم ضربها وأجابا كما ذكر. وعندي إذا ضربها بغير حق، أما إذا ضربها لتأديب مستحق عليها لا يعود المهر لان ما كان حقا لا يكون ظلما. امرأة وهبت مهرها من زوجها ليقطع لها في كل حول ثوبا مرتين وقبل الزوج فمضى حولان ولم يقطع قال الشيخ الامام أبو بكر محمد بن الفضل: إن كان ذلك شرطا في الهبة، فهرها عليه على حاله لان هذا بمنزلة الهبة بشرط العوض فإذا لم يحصل العوض لا تصح الهبة وإذالم يكن ذلك شرطا في الهبة سقط مهرها ولا يعود بعد ذلك. وكذا لو وهبت مهرها على أن يحسن إليها ولم يحسن كانت الهبة باطلة ويكون بمنزلة الهبة بشرط العوض. رجل قال لامرأته أبرئيني من مهرك حتى أهب لك كذا فابرأته ثم أبى الزوج أن يهب منها ما قال كان المهر عليه كما كان امرأت وهبت مهرها من زوجها على أن يمسكها ولا يطلقها فقبل الزوج ذلك ثم طلقها قال الشيخ الامام أبو بكر محمد بن الفضل: إن لم يكن وقت للامساك وقتا لا

[ 305 ]

يعود مهرها على الزوج، وإن وقت وقتا وطلقها قبل ذلك الوقت كان المهر عليه على حاله فقيل له: إذا لم يوقت لذلك وقتا كان قصدها أن يمسكها ما عاش قال: نعم إلا أن العبرة لاطلاق اللفظ فإنه ذكر في كتاب الوصايا. رجل أوصى لام ولده بثلث ماله إن لم تتزوج فقبلت ذلك ثم تزوجت بعد انقضاء عدتها بزمان فإنها تستحق الثلث بحكم الوصية. امرأة وهبت مهرها من زوجها على أن يطلقها فقبل الزوج قال خلف: صحت الهبة طلقها أو لم يطلقها لان ترك الطلاق لا يكون عوضا بقيت هذه هبة بشرط فاسد والهبة لا تبطل بالشروط الفاسدة، وذكر في النوازل: إذا قالت المرأة لزوجها تركت مهري عليك على أن تجعل أمري بيدي ففعل الزوج ذلك قال: مهرها عليه ما لم تطلق نفسها. وو وهبت مهرها الذي على المطلق منه على أن يتزوجها ثم أبي أن يتزوجها قالوا: مهرها عليه على حاله تزوجها أو لم يتزوجها لانها جعلت المال على نفسها عوضا عن النكاح، وفي النكاح العوض لا يكون على المرأة. ا ه‍ أما في الخانية. فإن قلت: إن هبة الدين إبراء فكيف صح تعليقه بالشرط في بعض هذه المسائل؟ قلت: الابراء يصح تعليقه بالشرط المتعارف وبهذا يجب تقييد كلام المصنف رحمه الله تعالى ومن أطلق ففي المسائل التي قدمناها التي قالوا فيها بصحة التعليق إنما هو في المتعارف. وما قالوا فيها بعدمها فإنما هو في غير المتعارف، ويدل على هذا التقييد أيضا ما في القنية من باب مسائل الابراء بالطلاق من كتاب الطلاق: ولو أبرأته مطلقته بشرط الامهار صح التعليق لانه شرط متعارف وتعليق الابراء بشرط متعارف جائز، فإن قبل الامهار وهم بأن يمهرها فأبت ولم تزوج نفسها منه لا يبرأ لفوت الامهار الصحيح، ولو أبرأته المبتوتة بشرط تجديد النكاح بمهر ومهر مثلها مائة فلو جدد لها نكاحا بدينار فأبت لا يبرأ بدون الشرط. قالت المسرحة لزوجها تزوجني فقال لها هبي لي المهر الذي لك علي فأتزوجك فأبرأته مطلقا غير معلق بشرط التزوج يبرأ إذا تزوجها وإلا فلا، لانه إبراء معلق دلالة. وقيل: لا يبرأ وإن تزوجها لان هذا الابراء على سبيل الرشوة فلا يصح. أبرأته بشرط أن يمسكها بمعروف ويحسن معاشرتها ولا يؤذيها ولا يطلقها فقبل ثم تزوج عليها وأغار على مالها وأذاها وطلقها فالابراء بهذا الشرط غير صحيح. وساق فيها فروعا كثيرة في بعضها لا

[ 306 ]

يصح التعليق وفي بعضها يصح. وفي جامع الفصولين: لو قال كل حق لي عليك فقد أبرأتك لا يصح، وكذا إضافة الابراء إلى ما يجب في الزمن الثاني لا يصح. ولو قال لمديونه الدنانير العشرة التي لي عليك اعطني منها خمسة ووهبت منك الخمسة صح الابراء، سواء أعطاه الخمسة أو لا، لانه تنجيز الابراء لا تعليقه. ولو قال أبرأتك عن الخمسة على تدفع الخمسة حاله، فإن كانت العشرة حالة صح الابراء لان أداء الخمسة يجب عليه حالا فلا يكون هذا تعليق الابراء بشرط تعجيل الخمسة ولو مؤجلة بطل الابراء إذا لم يعطه الخمسة حالا ا ه‍. ثم اعلم أن الابراء يصح تقييده بالشرط وليس هو تعليقا وعليه فروع كثيرة مذكورة في آخر كتاب الصلح. وذكر الشارح هناك أن الابراء يصح تقييده لا تعليقه والله تعالى أعلم. وهذا التقرير إن شاء الله تعالى من خواص هذا الشرح فاغتنمه واحفظ هذا التفصيل في الابراء قوله: (وعزل الوكيل) بأن قال لوكيله عزلتك على واحفظ هذا التفصيل في الابراء أن تهدي إلى شيأ أو إن قدم فلان لانه ليس مما يحلف به فلا يجوز تعليقه بالشرط، كذا ذكر العيني وتعليله يقتضي عدم صحة تعليقه، وأما كونه يبطل بالشرط الفاسد فلا دليل عليه من هذا، وعندي أن هذا خطأ أيضا وأن عزل الوكيل ليس من هذا القبيل وهو ما يبطل بالشرط الفاسد، وإنما هو من قبيل القسم الثاني وهوما لا يصح تعليقه بالشرط لكن لا يبطل بالشرط الفاسد ولهذا اقتصر في البزازية من كتاب الوكالة على أنه لا يصح تعليقه ولم يذكر أنه يبطل الشرط الفاسد فهو كما قدمناه في الرجعة، وقد ذكر في جامع الفصولين عزل الوكيل من قسم ما لا يصح تعليقه

[ 307 ]

ويبطل بفاسده، وفي البزازية: وتعليق عزل الوكيل بالشرط يصح في رواية الصغرى، ولا يصح في رواية الامام السرخسي لكن قال في رواية: والدليل عليه أنهم قالوا إن الذي يبطل بالشرط الفاسد ما كان من باب التمليك والعزل ليس منه وهذا هو الحق فيجب إلحاقه بالقسم الثاني، وأرجو من كرم الفتاح الظفر بالنقل في الرجعة وعزل الوكيل موافقا لما قلته. وقيد بالوكيل لان في صحة تعليق عزل القاضي اختلافا ففي جامع الفصولين: لو قال الامير إذا أتاك كتابي هذا فأنت معزول ينعزل بوصوله وقيل لا ا ه‍. وسيأتي في الكتاب صريحا أن عزل القاضي مما لا يبطل بالشرط الفاسد. ثم اعلم أن الحجر على العبد كعزل الوكيل لا يصح تعليقه، كذا في الخانية. قوله: (والاعتكاف) بأن قال علي أن أعتكف إن شفى الله تعالى مريضي أو إن قدم زيد لانه ليس مما يحلف به كعزل الوكيل فلا يصح تعليقه بالشرط، كذا ذكر العيني. وهذا يدل على أن المراد بالاعتكاف النذر به والتزامه ليكون قولا يمكن تعليقه. وعندي أن ذكره في هذا القسم خطأ من وجهين: من كونه يبطل بالشروط الفاسدة، ومن كونه لا يصح تعليقه. أما الثاني فقال في القنية باب الاعتكاف: قال لله علي اعتكاف شهر إن دخلت الدار فدخل فعليه اعتكاف شهر عند علمائنا ا ه‍. فإذا صح تعليقه بالشرط لم يبطل بالشرط الفاسد لما في جامع الفصولين: وما جاز تعليقه بالشرط لا تبطله الشروط الفاسدة ه‍. لكنه ذكر إيجاب الاعتكاف من جملة ما لا يصح تعليقه بشرط ويبطل بفاسده. وذكر في البزازية من هذا القسم إيجاب الاعتكاف فقال: وتعليق وجوب الاعتكاف بالشرط لا يصح ولا يلزم، والعجب من المحقق ابن الهمام في فتح القدير حيث جعل إيجاب الاعتكاف مما لا يصح تعليقه وعزاه إلى الخلاصة في كتاب البيوع ولم يقل في رواية مع أنه قدم في باب الاعتكاف أن الاعتكاف الواجب هو المنذر وتنجيزا أو تعليقا وهو صريح في صحة تعليقه بالشرط، والعجب من العين كيف مشى هنا على أنه لا يصح تعليقه وقال في شرح الهداية من باب الاعتكاف: والواجب أن يقول لله علي أن أعتكف يوما أو شهرا أو يعلقه بشرط فيقول إن شفى الله مريضي ا ه‍. فقد أتى بعين ما مثل به هنا وتناقض، وكيف يصح أن يقال بعدم صحة تعليقه مع الاجماع على صحة تعليق المنذور من العبادات أي عبادة كانت حتى إن الوقف كما سيأتي لا يصح تعليقه بالشرط، ولو علق النذر به بشرط صح التعليق. قافي الواقعات الحسامية

[ 308 ]

من الفصل السابع في النذر بالصدقة: رجل ذهب له شئ فقا إن وجدته فلله علي أن أقف أرضي على أبناء السبيل فوجده وجب عليه أن يقف لان هذا نذر والوفاء بالنذر واجب وقال قبله لو قال إن دخلت هذه الدار فلله على أن أتصدق بهذه المائة فدخل الدار وهو ينوي بدخوله أن يتصدق عن زكاة ماله فدخل ثم تصدق بها لا يجزئه عن الزكاة لان الاول يمين واليمين لازم لا يملك الرجوع عنها، فإذا دخل الدار لزمه التصدق بها بجهة اليمين ا ه‍. فقد أفاد أن المنذور المعلق من باب اليمين وحينئذ صح التعليق، وبهذا ظهر بطلان قول الشارحين أنه ليس مما يحلف به وصرح في النذر بالصوم بصحة تعليقه بالشرط. وفي فتاوي قاضيخان: الاعتكاف سنة مشروعة يجب بالنذر والتعليق بالشرط والشروع فيه اعتبار بسائر العبادات ا ه‍. ثم قال: ولو نذر أن يعتكف رجب فعجل شهرا قبله يجوز في قول أبي يوسف خلافا لمحمد، وأجمعوا أن النذر لو كان معلقا بأن قال إن قدم غائبي أو شفى الله مريضي فلانا فلله علي أن أعتكف شهرا فعجل شهرا قبل ذلك لم يجز ا ه‍. وهذه العبارة بوضعها دالة على صحة تعليقه بالاجماع لان مفهومها أن النذر صحيح وأنه يجب الوفاء به إذا وجد شرطه، وأما تعجيله قبل وجود شرطه فغير جائز، وهذا هو الموضع الثالث مما أخطؤا فيه في بيان ما لا يصح تعليقه، والخطأ هنا أقبح من الاولين وأفحش لكثرة الصرائح بصحة تعليقه، وأنا متعجب لكونهم تداولوا هذه العبارات متونا وشروحا وفتاوي لم يتنبهوا لما اشتملت عليه من الخطأ بتغير الاحكام والله الموفق للصواب. وقد يقع كثيرا أن مؤلفا يذكر شيأ خطأ في كتابه فيأتي من بعده من المشايخ فينقلون تلك العبارة من غير تغيير ولا تنبيه فيكثر الناقلون لها وأصلها لواحد مخطئ كما وقع في هذه الموضع، ولا عيب بهذا على المذهب لان مولانا محمد ابن الحسن ضابط المذهب لم يذكر جملة ما لا يصح تعليقه بالشرط وما يصح على هذا الوجه، وقد نبهنا على مثل ذلك في الفوائد الفقهية في قول قاضيخان وغيره أن الامانات تنقلب مضمونة بالموت عن تجهيل إلا في ثلاث، ثم إني تتبعت كلامهم

[ 309 ]

فوجدت سبعة أخرى زائدة على الثلاثة، ثم إني نبهت على أن أصل هذه العبارة للناطفي أخطأ فيها ثم تداولوها ويرحم الله المحقق صاحب الهداية ليلتفت إلى جمع هذه الاشياء ووضعها في كتابه وهو دليل على كمال ضبطه وإتقانه قوله: (والمزارعة) بأن قال ولو حذفها المصنف رحمه الله تعالى لكان أسلم زارعتك أرضي على أن تقرضني كذا أو إن قدم فلان لانها إجازة فلا يصح تعليقها بالشرط كالاجازة، كذا ذكره العيني. وفي البزازية من المزارعة: شرطا في المزارعة على المزارع أو رب الارض ما ليس من أعمال المزارعة فسدت وما ينبت وما ينمي الخارج أو يزيد في وجود الخارج فهو من عمل المزارعة، وما لا ينبت ولا ينمي ولا يزيد في الخارج فليس من أعمالها، فإذا شرط على المزارع أو ربها الحصاد أو الدياسة فسدت من أيهما كان البذر في ظاهر الرواية اه‍. ثم قال بعد تفريعات كثيرة: هذا كله في الشرط النافع لاحدهما، وإن شرطا لا ينفع كما لو شرط أن لا يسقي أحدهما حصته لا تفسد المزارعة، وفيما إذا كان شرطا مفسدا لو أبطلاه أن الشرط في صلب العقد لا ينقلب جائزا وإلا عاد جائزا إلى آخر ما فيها قوله: (والمعاملة) وهي المساقاة أن قال ساقيتك شجري أو كرمي على أن تقرضني كذا أو إن قدم فلان لانها إجازة أيضا، كذا ذكره العيني. قوله: (والاقرار) بأن قال لفلان على كذا إن أقرضني كذا أو إن قدم فلان لانه ليس مما يحلف به عادة فلا يصح تعليقه بالشرط بخلاف ما إذا علقه بموته أو بمجئ الوقت فإنه يجوز، ويحمل على أنه فعل ذلك للاحتراز عن الحجود أو دعوى الاجل فيلزمه للحال، ذكره العيني ومن فروع تعليقه ما ذكره في المبسوط والمحيط والولوالجية في كتاب الكفالة: لو ادعى رجل على رجل ما لا فقال له المطلوب إن لم آتك غدا فهو علي لم يلزمه إن لم يأت به غدا لانه تعليق

[ 310 ]

الاقرار بالخطر وتعليقه بالشرط باطل اه‍. وفي المبسوط من باب الاقرار بكذا وإلا فعليه كذا لو قال قد ابتعت من فلان هذا العبد بألف درهم وإلا فلفلان علي خمسمائة درهم إن أقر رب العبد بيع العبد لزمه الالف، وإن أنكر ذلك لم يلزمه شئ لانه صار رادا لاقراره حين أنكر ببيع العبد منه وإقراره بالخمسمائة كان معلقا بشرط وهو باطل من أصله اه‍. وقال في باب اليمين والاقرار: رجل قال لفلان علي ألف درهم إن حلف أو على أن يحلف أو إذا حلف أو متى يحلف أو حين حلف أو مع يمينه أو في يمينه أو بعد يمينه فحلف فلان على ذلك وحجد المقر المال لم يؤخذ بالمال لان هذا اليس بإقراوإنما هو مخاطرة، ومعناه أنه علق الاقرار بشرط فيه خطر وهو بمنزله الخصم والتعليق بالشرط يخرج كلامه من أن يكون إقرارا اه‍. فإن قلت: هل يدخل في الاقرار بالطلاق والعتاق كما لو قال إن دخلت الدار فأنا مقر بطلاقها أو بعتقه ويفرق بين الاقرار بهما وبين الانشاء؟ قلت: طاهر الاطلاق الدخول ولم أره صريحا، ويدل على الفرق بينهما ما نقلناه في كتاب الطلاف من هذا الشرح أنه لو أكره على إنشاء الطلاق فطلق وقع، ولو أكره على الاقرار به فأقر لم يقع. وفي البزازية من الاقرار: ادعى مالا فقال المدعي عليه كلما يوجد في تذكرة المدعي بخطه فقد التزمته لا يكون إقرارا لانه محفوظ عن أصحابنا أنه لو قال كلما أقر فلان علي فأنا مقر به لا يلزما إذا أقربه فلان. وعلى هذا إذا كان بين اثنين أخذ وعطاء فقال المطلوب للطالب ما تقول فهو كذلك أو ما يكون في جريدتك فهو كذلك لا يكون إقرارا إلا إذا كان في الجريدة شئ معلوم أو ذكر المدعي شيأ معلوما فقال المدعي ما ذكرنا يكون تصديقا لان التصديق لا يلحق بالمجهول. وكذا إذا أشار للجريدة وقال ما فيها فهو على كذلك يصبح، ولو لم يكن مشارا إليه لا يصح للجهالة اه‍. وقد حكى الشارح الاختلاف فيما إذا علق الاقرار بشرط في كتاب الاقرار فنقل

[ 311 ]

عن النهاية كما هنا أن الاقرار المعلق باطل، ونقل عن المحيط أن الاقرار صحيح والشرط باطل، ونقل عن المبسوط ما يشهد للمحيط، فظاهره ترجيحه والحق تضعيفه لتصريحهم هنا بأن الاقرار والوقوف لا يصح تعليقه بالشرط وأنه يبطل باشرط الفاسد. قوله: (والوقوف) بأن قال وقفت دارى أن قدم فلان أو وقفت داري عليك أن أخبرتني بقدوم زيد لانه ليس مما يحلف به أيضا فلا يصح تعليقه بالشرط، كذا ذكره العيني. وفي جامع الفصولين: والوقف في رواية فظاهره أن في صحة تعليقه روايتين، وفي فتح القدبر من كتاب الوقف وشرطه أن يكون منجزا غير معلق. فلو قال إن قدم ولدي فداري صدقة موقوفه على الساكن فجاء ولده لا يصير وقفا اه‍. وفي الاسعاف: ولو قال إذا جاء غدا وإذا جاء رأس الشهر أو قال إذا كلمت فلانا أو إذا تزوجت فلانه وما أشبه ذلك فأرضي هذه صدقه موقوفه يكون الوقف باطلا لانه تعليق والوقف لا يحتمل التعليق بالخطر لكونه مما لا يحلف به بخلاف النذر لانه يحتمل التعليق ويحلف به، فلو قال إن برئت من مرضي هذا فأرضي صدقه موقوفه يلزمه التصدق بعينها إذا وجد الشرط، ولو قال هي صدقة موقوفه إن شئت أو أحببت أو رضيت أو هويت كان باطلا اه‍. ولم يذكر العيني صورة بطلانه بالشرط الفاسد وصورته ما في الاسعاف: وقفها على أن له أصلها أو على أن يزول ملكه عنها أو على أن يبيع أصلها ويتصدق بثمنها كان الوقف بالطلا اه‍. وقدمنا في الوقف أن شرط الاستبدال صحيح على المفتي به قوله: (والتحكيم) بأن يقول المحكمان إذا أهل الشهر أو قالا لعبد أو كافر، إذا أعتقت أو أسلمت فاحكم بيننا، وهذا عند أبي يوسف وعند محمد يجوز تعليقه بشرط وإضافته ألى زمان كالوكالة والامارة والقضاء. وله التحكيم توليه صورة وصلح معنى فباعتبار أنه صلح لا يصح تعليقه ولا إضافته، وباعتبار أنه توليه يصح بالشك والاحتمال، ذكره العيني. وفي فتاوى قاضيحان من القضاء: الفتوى على قول أبي يوسف. وقد فات المصنف إبطال الاجل. قال في البزازية: وإبطال الاجل يبطل بالشرط الفاسد بأن

[ 312 ]

قال كلما حل نجم ولم تؤد فالمال حال صح وصار حالا اه‍. وعبارة الخلاصة: وإبطال الاجل يبط بالشرط الفاسد، ولو قال كلما دخل نجم فلم تؤد فالمال حال صح والمال يصير حالا اه‍. فجعلها مسئلتين وهو الصواب. وأما قوله في البزازية بأن قال تصويرا اللاولى فسهو ظاهر لانه لو كان كذلك لبقي الاجل فكيف يقول صح فيتأمل. وفاته أيضا تعليق الرد بالعيب فإنه باطل وله الرد كما في البزازية، وليس هو من القسم الاول لانه لا يبطل بالشرط الفاسد كما ذكره المصنف في القسم الثاني ولا يصح تعليقه فهو كالنكاح. وبهذا أعلم أن المصنف فاته بيان مالا يصح تعليقه ولا يبطل بالشرط الفاسد كما فاته ما يجوز تعليقه. قوله: (ومالا يبطل بالشرط الفاسد القرض) بأن قال أقرضتك هذه المائة بشرط أن تخدمني شهرا امثلا فإنه لا يبطل بهذا الشرط، وذلك لان الشروط الفاسدة من اباب الربا وأنه يختص بالمبادلة المالية، وهذه العقود كلها ليست بمعاوضه مالية فلا تؤثر فيها الشروط الفاسدة، ذكره العيني. فيقال له: فكيف بطل عزل الوكيل والاعتكاف والرجعة بالشروط الفاسدة مع أنها لم تكن من المبادلة المالية؟ وفي البزازية: وتعليق القرض حرام والشرط لا يلزم قوله: (والهبة) بأن قال وهبتك هذه الجارية بشرط أن يكون حملها لي قوله: (والنكاح) بأن قال تزوجتك على أن لا يكون لك مهر يصبح النكاح ويفسد الشرط ويجب مهر المثل كما عرف في موضعه. ومن هذا القبيل لو قال تزوجتك على أني بالخيار ويجوز النكاح ولا يصح

[ 313 ]

الخيار لانه ما علق النكاح بالشرط فيبطل الخيار، كذا في الخانية. وسيأتي أن النكاح لا يجوز تعليقه بالشرط، وعليه تفرع ما في الخانية: تزوجتك إن أجاز أبي أو رضي فقالت قبلت لا يصح لانه تعليق والنكاح لا يقبل التعليق. زاد في الظهيرية: لو كان الاب حاضرا في المجلس فقبل جاز. وفي الخانية: رجل تزوج امرأة على أنه مدني فإذا هو قروي يجوز النكاح إن كان كفؤا ولاخيار لها. رجل طلب من امرأة نكاحا بمحضر من الشهود فقالت المرأة لي زوج فقال الرجل ليس لك زوج فقالت المرإة إن لم يكن لي زوج فقد زوجت نفسي منك وقبل الزوج ولم يكن لها زوج قالوا: يجوز هذا النكاح لان التعليق بشرط كائن تنخيز اه‍. وفي جامع الفصولين: تعليق النكاح بكائن تنجيز لو قال الاب زجتك ابنتي إن لم أكن زوجتها فقبل صح. قوله: (والطلاق) بأن قال طلقتك على أن لا تتزوجي غيري قوله: (والخلع) بأن قال خالعتك على أن يكون لي الخيار مدة سماها بطل الشر ووقع الطلاق ووجب المال، وإما اشتراط الخلع لها فصحيح عند الامام كما مضى قوله: (والعتق) بأن قال أعتقتك على أني بالخيار قوله: (والرهن) بأن قال رهنت عندك عبدي بشرط أن استخدمه، ومن هذا القبيل ما في رهن البزازية قال: أخذ به رهنا على أنه إن ضاع بغير شئ فقال الراهن نعم صار رهنا وبطل الشرط وهلك بالدين ثم قال: قال إن أوفيتك متاعك إلى كذا وإلا فالرهن لك بمالك بطل الشرط وصح الرهن. وقالالشافعي رحمه الله تعالى: يبطل الرهن أيضا اه‍. قوله: (والايصاء والوصية) بأن قال أوصيت لك بثلث مالي إن أجاز فلان، ذكره العيني. وفيه نظر لانه مثال تعليقها بالشرط والكلام الآن في أنها لا تبطل بالشرط الفاسد. وفي البزازية: وتعليقها بالشرط جائز لانها في الحقيقة إثبات الخلافة عند الموت اه‍. ومعنى صحة التعليق أن الشرط إن وجد كان للموصي له المال وإلا فلا شئ له، وقدمنا عن فتاوى قاضيحان في بحث الابراء أنه لو أوصى بثلث ماله لام ولده إن لم تتزوج فقبلت ذلك ثم تزوجت بعد انقضاء عدتها بزمان فإنها تستحق الثلث بحكم الوصية اه‍. مع أن الشرط لم

[ 314 ]

يوجد إلا أن يكون المراد بالشرط عدم تزوجها عقب انقضاء العدة لاعدمه إلى الموت بدليل أنه قال تزوجت بعد انقضاء عدتها بزمان للاحتراز عن تزوجها عقب الانقضاء. وأما الايصاء فقال في البزازية: لك مائة درهم على أن تكون وصيا عني فهو وصي والشرط باطل والمائة له وصية اه‍. وكأنه من باب القلب كأنه قال جعلتك وصيا على أن يكون لك مائة. ومعنى بطلان الشرط مع قوله والمائة وصية له أنها لا تكون للايصاء فيبطل جعلها له وتبقى وصية إن قبلها كانت له والافلا. وفيها من البيوع: وتعليق الوصية والوصاية جائز اه‍. قوله: (والشركة) بأن قال شاركتك على أن تهديني كذا، ومن هذا القبيل ما في شركة البزازية: لو شرطا العمل على أكثرهما مالا والربح بينهما نصفين لم يجز الشرط والربح بينهما إثلاثا اه‍. وقد وقعت حادثه توهم بعض حنفيه العصر أنها من هذا القبيل وليس كذلك هي. تفاضلا في المال وشرطا الربح بينهما نصفين ثم تبرع أفضلهما مالا بالعمل فأجبت بأن الشرط صحيح لعدم اشتراط العمل على أكثرهما مالا، والتبرع ليس من قبيل الشرط، والدليل عليه ما في بيوع الدخيرة: اشترى حطبا في قرية شراء صحيحا وقال موصولا بالشراء من غير شرط في الشراء احمله إلى منزلي لا يفسد العقد لان هذا اليس بشرط في البيع هو كلام مبتدأ بعد تمام البيع فلا يوجب فساده اه‍. فعلى هذا لو استأجر قرية أو أرضا للزراعة ثم قال بعد تمامها إن الحرث على المسأجر لا تفسد لانه لم يكن شرطا فيهوإنما يكون شرطا لو قال غلى أن الحرث عليه فليحفظ هذا فإنه يخرج عليه كثير من المسائل قوله: (والمضاربة) بأن قال ضاربتك في ألف على النصف في الربح إن شاء فلان أو إن قدم زيد، ذكره العيني وهو مثال لتعليقها بالشرط. وهذا الذي وقع للعيني هنا دليل على كسله وعدم تصفح كلامهم فإنه لو أتى بالامثلة التي ذكروها في الابواب لكان أنسب. وفي البزازية: ولا تبطل الفاسد ولو

[ 315 ]

شرط من الربح عشرة دراهفسدت لا لانه شرط بل لقطع الشركة اه‍. وفيها: دفع إليه ألفا على أن يدفع رب المال إلى الضارب أرضا يزرعها سنة أو دارا للسكنى بطل الشرط وجازت المضاربة، ولو شرط الضارب لرب المال أن يدفع له أرضا أو دارا سنة فسدت لانه جعل نصف الربح عوضا عن عمله وأجرة داره اه‍. ثم قال: ولو شرط على أن تكون النفقة على المضارب إذا حرج إلى السفر بطل الشرط وجازت اه‍. وسيأتي بقية الكلام على ذلك في كتابها. قوله: (والقضاء) بأن قال الخليفة وليتك قضاء مكة مثلا على أن لا تعزل أبدا ويصح تعليقه بالشرط. قال في البزازية: لو شرط في التقليد أنه متى فسق ينعزل انعزل اه‍. وفي البزازية أيضا: استخلف رجلا وشرط عليه أن لا يرتشي ولا يشرب الخمر ولا يتمثل أمر أحد صح التقليد والشرط، وإن فعل شيأ من ذلك انعزل ولا يبطل قضاؤه فيما مضى. قلد السلطان رجلا القضاء وشرط عليه أن لا يسمع قضية رجل بعينه يصح الشرط ولا ينفذ قضاء القاضي في هذا الرجل ويجب على السلطان أن يفصل قضية إن اعتراه قضيته اه‍. قوله: (والامارة) بأن قال الخليفة وليتك إمارة الشام مثلا على أن لا تركب فهذا الشرط فاسد ولا تبطل أمريته بهذا. والامارة مصدر كالامرة بالكسر يقال فلان أمرو أمر عليه إذا كان واليا وقد كان سوقه أي أنه يجرب، والتأمير تولية الامارة يقال هو أمير مؤمر وتأمر عليهم أي تسلط، كذا في الصحاح. وفي صحيح البخاري إنكم ستحرصون على الامارة وستكون ندامة يوم القيامة 2 (212) قوله: (والكفالة) بأن قال كفلت غريمك إن أقرضتني، كذا ذكره العيني. وهو مثال لتعليقها بالشرط. وفي البزازية) لو قال كفلت به على أنه متى طولبت به أو كلما طولبت به فلي أجل شهر صحت، فإذا طالبه به فله أجل شهر من وقت المطالبة الاولى، فإذا تم الشهر من المطالبة الاولى لزم التسليم ولا يكون للمطالبة الثانية تأجيل اه‍. ثم قال: كفل على أنه بالخيار عشرة أيام أو أكثر يصح بخلاف البيع لان مبناها على التوسع اه‍. وأما تعليقها بالشرط فسيأتي أنه يصح بشرط ملائم. وفي البزازية من البيوع: وتعليق الكفالة إن متعارفا

[ 316 ]

كقدوم المطلوب يصح، وإن شرطا محضا كإن دخل الدار أوهبت الريح لا. والكفالة إلى هبوب الريح جائزة والشرط باطل. ونص النسفي أن الشرط إن لم يتعارف تصح الكفالة ويبطل الشر والحوالة كهي قوله: (والحوالة) بأن قال أحلتك على فلان بشرط أن لا ترجع علي عند التواء، ذكره العيني. يعني تصح الحوالة ويبطل الشرط فيرجع عليه عند التواء ويصح تعليقها بالشرط، ومنه اشتراط الخيار للمحتال وهو جائز كما في البزازية. ثم اعلم أن الحوالة تبطل ببعض الشروط لما في البزازية: ومن صور فساد الحوالة ما إذا شرط في الحوالة أن يعطي المال المحال به المحتال عليه للمحتال من ثمن دار المحيل لانه لا يقدر على الوفاء بالملتزم بخلاف ما إذا التزم المحتال عليه الاعطامن ثمن دار نفسه لانه قادر على بيع نفسه، ولا يجبر على بيع داره كما إذا كان قبولها بشرط الاعطاء عند الحصاد لا يجبر على الاداء قبل الاجل اه‍. وهذه واردة على إطلاق المصنف وغيره قوله: (والوكالة) بأن قال وكلتك إن أبرأتني عمالك علي، ذكره العيني. وهو مثال تعليقها بالشرط. وفي البزازية: تعليق الوكالة بالشرط جائز وتعليق العزل به باطل، وتفرع على ذلك أنه قال كلما عزلتك فأنت وكيلي أنه صحيح لانه تعليق التوكيل بالعزل، وسيأتي طريق عزله، ولو قال كلما وكلتك فأنت معزول لم يصح لانه تعليق العزل بالشرط. وفي البزازية: الوكالة لا تبطل بالشروط الفاسدة أي شرط كان قوله: (والاقالة) بأن قال أقلتك عن هذا البيع إن أقرضتني، كذا ذكره العيني. وفي القنية: لا يصح تعليق الاقالة بالشرط وتقدم أنهما لو تقايلا بأقل من الثمن الاول أو بجنس آخر لم تفسد ووجب الثمن الاول وهو مثال أنها لا تبطل بالشروط الفاسدة، وأما ما ذكر فثال تعليقها. وفي البزازية: بجوز اشتراط الخيار فيها. قوله: (والكتابة) بأن قال المولى لعبده كتابك على ألف بشرط أن لا تخرج من البلد أو

[ 317 ]

على أن لا تعمل في نوع من التجارة، فإن الكتابة على هذا الشرط تصح ويبطل الشرط، فله أن يخرج من البلد ويعمل ما شاء من أنواع التجارة مع أي شخص شاء، وذلك لان الشرط غير داخل في صلب العقد، وأما إذا كان داخلا في صلب العقد بأن كان في نفس البدل كالكتابة على خمر ونحوها فإنها تفسد به على ما عرف في موضعه، ذكره العيني، وفي البزازية: كاتبها وهي حامل على أن يدخل ولدها في الكتابة فسدت لانها تبطل بالشرط الفاسد قوله: (وإذن العبد في التجارة) بأن قال لعبده أذنت لك في التجارة على أن تتجر إلى شهر أو على أن تتجر في كذا، فإن أذنه له يكون عاما في التجارات والاوقات ويبطل الشرط قوله: (وذعوة الولد) بأن قال لامته التي ولدت هذا الولد مني إن رضيت امرأتي بذلك قوله: (والصلح عن دم العمد) بأن صالح ولي المقتول عمدا القاتل على شئ بشرط أن يقرضه أو يهدي إليه شيأ فإن صالح صحيح والشرط فاسد ويسقط الدم لانه من الاسقاطا ت فلا يحتمل الشرط قوله: (وعن الجراحة) بأن صالح وعنها بشرط إقراض شئ أو إهدائة قوله: (وعقد الذمة) بأن قال الامام لحربي يطلب عقد الذمة ضربت عليك الجزية إن شاء فلان مثلا فإن عقد الذمة صحيح والشرط باطل قوله: (وتعليق الرد بالعيب) بأن قال إن وجدت بالمبيع عيبا أرده عليك إن شاء فلان مثلا قوله: (وبخيار الشرط) أي وتعليق الروبة

[ 318 ]

بأن قال من له خيار الشرط في البيع رددت البيع أو قال أسقطت خياري إن شاء فلان فإنه يصح ويبطل الشرط قوله: (وعزل القاضي) بأن قال الخليفة للقاضي عزلتك عن القضاء إن شاء فلان فإنه ينعزل ويبطل الشرط لما ذكرنا أن هذه الاشياء ليست بمعاوضه مالية فلا يؤثر

[ 319 ]

فيها الشروط الفاسدة. ولم يذكر المصنف رحمه الله تعالى ما يجوز تعليقة بالشرط. قال الشارح رحمه الله تعالى: إنه مختص بالاسقاطات المحضة التي يحلف بها كالطلاق والعتاق، وبالالتزامات التي يحلف بها كالحج والصلاة والتوليات كالقضاء والامارة اه‍. وقد فاته إلاذن في التجارة فإنه يصح تعليقه بالشرط كما في الخانية لكونه من الاسقاطات لكن لا يحلف به، فلو حذف التي يحلف بها الدخل ولدخل تعليق تسليم الشفعة فإن صحيح كما في البزازية لكونه إسقاطا لكن لا يحلف به. وقد فات المصنف الرهن فإنه مما لا يبطل بالشرط الفاسد كما في البزازية، وفاتة أيضا مسألة الاسلام فإنه لا يصح تعليقه بالشرط كما في فتاوى قارئ الهداية. وبرد عليه أن الهبة يجوز تعليقها بالشرط الملائم نحو وهبتك على أن تقرضني

[ 320 ]

كذا، كذا في جامع الفصولين. وعلى هذا فما ذكره الكردي في المناقب معزيا إلى الناصحي لو قال إن اشتريت جارية فقد ملكتهمنك يصح ومعناه إذا قبضه بناء على ذلك اه‍. مبني على أن الشرط ملائم. وفي البزازية من البيوع: وتعليق الهبة به ان باطل وبه على إن ملائما كهبته على أن يعوض يجوز، وإن مخالفا بطل الشرط وصحت الهبة. ويرد عليه أيضا تعليق دعوة الولد صحيح كقوله إن كانت جاريتي حاملا فني صح، كذا في البزازية وليس مما ذكره. وكذا يرد عليه الكفالة فإنه يصح تعليقها بشرط ملائم كما قدمناه. ولم يذكر المصنف ولا الشارح يجوز تعليقه بالشرط الجائز وما لا يجوز وتقييده بالفاسد يخرجه، وفي البزازية: إن ما يتعلق بذكر الشرط الجائز يفسده الفاسد من الشرط كالبيع والاجارة والصلح على مال والفسمة وعقد لا يتعلق بالجائز. فالفاسد من الشرط لا يبطله كالنكاح والخلع والصلح عن دم العمد والعتق على مال فالاول لا يصح إلا ببدل منطوق معلوم يجري فيه التمليك والتملك، ولا ثاني يصح ببدل وبدونه وببدل مجهول وحرام وحلال وعقد يتعلق بالجائز منه. والفاسد منه على نوعين: نوع يفسده ونوع لا وهو الكتابة إلى آخر ما فيها. وقد ذكر المصنف رحمه الله تعالى ما يجوز إضافته إلى زمان وما لا يجوز في آخر كتاب الاجارات فإذا وصلنا إليه شرحناه بأتم مما ذكره الشارح هنا وننبه على ما فاتهما إن شاء الله تعالى والله أعلم بالصواب.

[ 321 ]

كتاب الصرف تقدم وجه تأخيره والكلام فيه في مواضع: الاول في معناه اللغوي. ذكر في القاموس أن صرف الحديث أن يزاد فيه ويحسن من الصرف في الدراهم وهو فضل بعضه على بعض في القيمة. وكذلك صرف الكلام. وأما الصرف في الحديث لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا فالصرف التوبة، والعدل الفدية، أو هو النافلة والعدل الفريضة أو بالعكس، أو هو الوزن والعدل الكيل، أو هو الاكتساب والعدل الفدية أو الحيل اه‍. وفي الصحاح: يقال صرفت الدراهم بالدنانير وبين الدرهمين صرف أي فضل لجودة فضة أحدهما على الآخر اه‍. والثاني في معناه في الشريعة وقد أفاده بقوله قوله: (هو بيع بعض الاثمان ببعض) كالذهب والفضة إذا بيع أحدهما بالآخر أي بيع ما من جنس الاثمان بعضها ببعض. وإنما فسرناه به ولم نبقه على ظاهره ليدخل فيه بيع المصوغ بالمصوغ أو بالنقد فإن المصوغ بسبب ما تصل به من الصنعة لم يبق ثمنا صريحا ولهذا يتعين في العقد ومع ذلك بيعه صرف. الثالث في ركنه فما هو ركن كل بيع فهو ركنه من الايجاب والقبول أو التعاطي. والرابع في شرائطه فأربعة: الاول قبض البدلين قبل الافتراق بالابدان. الثاني أن يكون باتا لا خيار فيه فإن شرط فيه خيار وأبطله صاحبه قبل التفرق صح وبعده لا، وأما خيار العيب فثابت فيه، وأما خيار الرؤية فثابت في العين دون الدين وإذا رده بعيب انفسخ العقد، سواء رده في المجلس أو بعده، وإن كان دينا فردها في المجلس لم ينفسخ، فإذا رد بدله بقي الصرف وإن رد بعد الافتراق بطل وتمامه في البدائع. الثالث أن لا يكون بدل الصرف مؤجلا فإن أبطل صاحب الاجل الاجل قبل التفرق ونقد ما عليه ثم افترقا عن قبض من الجانبين انقلب جائزا وبعد التفرق لا الرابع التساوي في الوزن إن كان المعقود عليه من جنس واحد فإن تبايعا ذهبا

[ 322 ]

بذهب أو فضة بفضة مجازفة لم يجز، فإن علما التساوي في المجلس وتفرقا عن قبض صح. وكذا لو اقستما الجنس مجازفة لم يجز إلا إذا علم التساوي في المجلس لان القسمة كالبيع، كذا في السراج الوهاج. قوله: (فلو تجانسا شرط التماثل والتقابض) أي النقدان بأن بيع أحدهما بجنس الآخر فلا بد لصحته من التساوي وزنا ومن قبض البدلين قبل الافتراق. أما التساوي فقد مناه في باب الربا ولو تصارفا جنسا بجنس مثلا بمثل وتقابضا وتفرقا ثم زاد أحدهما صاحبه شيأ أو حط عنه شيأ وقبله الآخر فسد البيع عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف هما باطلان والصرف صحيح، وعند محمد الزيادة باطلة والحط جائز بمنزلة الهبة المستقلة. واختلافهم هذا فرع اختلافهم في أن الشرط الفاسد المتأخر عن العقد في الذكر إذا ألحق به هل يلتحق أم لا، فمن أصل أبي حنيفة التحاقه ويفسد العقد ومن أصلهما عدم التحاقه فطرده أبو يوسف هنا، ومحمد فرق بين الزيادة والحط. ولو زاد أو حط في صرف بخلاف الجنس جاز إجماعا لكن يشترط قبض الزيادة قبل الافتراق لا لتحاقها بأصل العقد. ولو حط مشتري الدينار قيراطا منها فبائع الدينار يكون شريكا له في الدينار. ولو زاد مشتري السيف المحلى دينار جاز، ولا يشترط قبضه قبل الافتراق لصرف الزيادة إلى النصل والحمائل وتمامه في البدائع. وأما التقابض فالمراد التقابض قبل الافتراق بأبدانهما بأن يأخذ هذا في جهة وهذا في جهة، فإن مشيا ميلا أو أكثر ولم يفارق أحدهما صاحبه فليسا بمتفرقين. ولا يبطل مما يدل على الاعراض بخلاف خيار المخيرة فإنه يبطل بما يدل عليه وتفرع على ماذ كرناه أنه لم كان لكل من رجلين على صاحبه دين فأرسل إليه رسولا فقال بعتك الدنانير التي لي عليك بالدراهم التي لك علي وقال قبلت فهو باطل لان حقوقه العقد لا تتعلق بالرسول بل بالمرسل وهما متفرقان بأبدانهما. وكذا لو نادى أحدهما صاحبه من وراء جدار أو ناداه من بعيد لم يجز لانهما مفترقان بأبدانهما. والمعتبر افتراق المتعاقدين سوا كانا مالكين أو نائبين كالاب والوصي والوكيل لان القبض من حقوق العقد وحوقه متعلقه بهما. ولا اعتبار بالمجلس إلا في مسألة وهي ما إذا قال الاب اشهدوا أني اشتريت هذا الدينار من ابني الصغير بعشرة دراهم ثم قال قبل أن يزن العشرة فهو باطل، كذا روي عن محمد لان الاب هو العاق فلا يمكن اعتبار التفرق بالابدان فيعتبر المجلس، كذا في البدائع. وفي الذخيرة: لوكل وكيلين في الصرف فتصارفا ثم ذهب أحدهما قبل القبض وقبض الآخر بطل في حصل الذاهب فقط كالمالكين إذا قبض أحدهما ولم يقبض الآخر بخلاف الوكيلين بقبض الدين إذا قبض أحدهما دون الآخر لم يجز، كذا في الذخيرة. وتفرع على اشتراط القبض أنه لا يجوز الابراء عن بدل الصرف ولا

[ 323 ]

هبته والتصدق به، فإن فعل لم يصح بدون قبول الآخر، فإن قبل انتقض الصرف وإلا لم يصح ولم ينتقض لانه في معنى الفسخ فلا يصح إلا بتراضيهما، فلو أبى الواهب أن يأخذ ما وهب أجبر على القبض، وتفرع أيضا أنه لا يجوز الاستبدال ببدل الصرف قبل قبضه وسيأتي. وعلى هذا تتخرج المقاصة في ثمن الصرف إذا وجب الدين بعقد متأخر عن عقد الصرف أنه لا يصير قصاصا ببدل الصرف وإن تراضيا بذلك وقد مر في السلم. ولو قبض بدل الصرف ثم انتقض القبض فيه لمعنى أوجب انتقاضه أن يبطل الصرف وقد تقدم في السلم وتمامه في البدائع. ثم إن استحق أحد بلدي الصرف بعد الافتراق فإن أجاز المستحق والبدل قائم أو ضمن الناقد وهو هالك جاز الصرف، وإن استرده وهو قائم أو ضمن القابض قيمته وهو هالك بطل الصرف، كذا في البدائع. قيدنا التماثل من حيث الوزن لانه لا اعتبار به عددا، كذا في الذخيرة. قوله: (وإن اختلفا جودة وصياغة) لقوله عليه السلام الذهب بالذهب والفضة بالفضة إلى أن قال مثلا بمثل، سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الاصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد رواه مسلم وغيره. ولا فرق في ذلك بين أن يكونا مما يتعين بالتعيين كالمصوغ والتبرأ ولا يتعينان كالمضروب، أو يتعين أحدهما دون الآخر لاطلاق الحديث، وفي الذخيرة من البيوع من الفصل السادس: وإذا باع درهما كبيرا بدرهم صغير أو درهما جيدا بدرهم ردئ يجوز لان لهما فيه غرضا صحيحا، فإما إذا كانا مستويين في القدر والصفة فبيع أحدهما بالآخر هل يجوز وهل يصير مثله دينا في الذمة؟ اختلفوا بعضهم قالوا: لا يجوز وأشار إليه محمد في الكتاب وبه كان بفتي أبو حاتم الامام أبو أحمد اه‍. قيد إسقاط الصفة بالاثمان لانه لو باع إناء نحاسا بإناء نحاس أحدهما أثقل من الآخر فإنه يجوز وزنا مع أن النحاس وغيره مما يوزن من الاموال الربوية أيضا، وذلك لان صفة الوزن في النقدين منصوص عليها فلا يتغير بالصنعة ولا يخرج عن كونه موزونا بتعار جعله عدديا لو تعورف ذلك بخلاف غيرهما فإن الوزن فيه بالتعارف فيخرج عن كونه موزونا بتعارف عدديته إذا صيغ وصنع، كذا في فتح القدير. وفي الذخيرة حتقالوا: لو اعتادوا بيع الاواني المتخذة

[ 324 ]

من هذه الاشياء بالوزن لا بالعدد لا يجوز بيعه بغير المصنوع من جنسه إلا متساويا وزنا، وإذا تعاملوا بيعها عددا لا وزنا يجوز بيع الواحد بالاثنين اه‍. وفي القاموس: الجيد ككيس ضد الردئ والجمع جياد وجيادات وجيايد، وجاد يجوز جودة صار جيدا اه‍. وفيه: والصياغة بالكسر حرفة الصائغ اه‍ قوله: (وإلا شرط التقابض) أي وإن لم يتجانسا يشترط التقابض قبل الافتراق دون التماثل لما رويناه من الحديث. وفي فتح القدير والمعراج معزيا إلى فوائد القدوري: المراد بالقبض هنا القبض بالبراجم لا بالتخلية يريد باليد اه‍. ثم اختلفوا في القبض فقيل شرط انعقاده صحيحا فأورد عليه أنه حينئذ لا بد من القران أو التقدم والقبض متأخر فكان حكما له لا شرطا. وأجيب بأن الوجود في المجلس رجعل مقارنا للعقد حكما، والصحيح المختار أنه شرط بقائه على الصحة لا شرط انعقاده، وقد أشار محمد إلى كل منهما كما في لذخيرة. ويدل على الثاني قوله فإن تفرقا قبل القبض بطل فلو لا أنه منعقد لما بطل بالافتراق، كذا في المعراج. وثمرة الخلاف تظهر فيما إذا ظهر الفساد فيما هو صرف فهل يفسد فيما ليس بصرف عند أبي حنيفة فعلى القول الضغيف يتعدى الفساد وعلى الاصح لا يتعدى، كذا في فتح القدير. وقيد بالذهب والفضة لانه لو باع فضة بفلوس أو ذهب بفلوس فإنه يشترط قبض أحد البدلين قبل الافتراق لا قبضهما، كذا في الذخيرة وقدمناه عند قوله في باب الربا وصح بيع الفلس بالفلسين. وفي الذخيرة: إذا غصب قلب فضة أو ذهب ثم استهلكه فعليه قيمته مصوغا من خلاف جنسه، فإن تفرقا قبل قبض القيمة جاز عندنا خلافا لزفر لانه صرف. وعندنا هو صرف حكما للضمان الواجب بالغصب لا مقصودا فلا يشترط له القبض سواء كان وجوب القيمة بقضاء القاضي أو بالصلح. ولو اشترى المودع الوديعة الدراهم بدناينر وقبض الدنانير وافترقا قبل أن يجدد المودع قبضا في الوديعة بطل الصرف بخلاف ما إذا كانت مغصوبة لان قبض الغصب ينوب عن قبض الشراء بخلاف الوديعة اه‍ قوله: (فلو باع الذهب بالفضة مجازفة صح إن تقابضا في المجلس) لان المستحق هو القبض قبل الافتراق دون التسوية لما روينا فلا يضره الجزاف. ولو افتراقا قبل قبضهما أو قبض أحدهما بطل لفوات الشرط قيد ببيع الجنس بخلاف الجنس لانه لو باع الجنس بالجنس مجازفة فإن علما تساويهما قبل الافتراق صح وبعده لا. قوله: (ولا يصح التصرف في ثمن الصرف قبل قبضه فلو باع دينارا بدراهم ثم اشترى

[ 325 ]

بها ثوبا فسد البيع في الثوب) أي في أحد بدلي الصرف لان كلا منهما ثمن فلا تجوز هبته ولا صدقته ولا بيع شئ به، وقدمنا أنه إن وهب أو تصدق به أو أبرأه فإن قبل الآخر انفسخ الصرف لتعذر وجود القبض وإفلا. وأما البيع فصورته كما ذكره المصنف باع دينارا بعشرة دراهم ولم يقبضها حتى اشترى بها ثوبا أو مكيلا أو موزونا فالبيع في الثوب فاسد لان قبض العشرة مستحق حقا لله تعالى فلا يسقط بإسقاط المتعاقدين فلم يجز بيع الثوب والصرف على حاله يقبض بدله من عاقده معه. وأورد عليه أن فساد الصرف حينئذ حق الله تعالى وصحة بيع الثوب حق العبد فتعارضا فيقدم حق العبد لتفضل الله بذلك. وأجيب بأن ذلك بعد ثبوت الحقين ولم يثبت حق العبد بعد لانه يفوت حق الله بعد تحققه فيمتنع لاأنه يرتفع، وقد نقل عن زفر صحة بيع الثوب لان الثمن في بيعه لم يتعين كونه بدل الصرف لان العقد لا يتعين فإضافة العقد إلى بدل الصرف كعدم إضافته فيجوز شراءتوب بدراهم لم يصفها. وجوابه أن قبض بدل الصرف واجب والاستبدال يفوته فكاشرط إيفاء ثمن الثوب من بدل الصرف شرطا فاسدا فيمتنع الجواز وقد رجحه في فتح القدير. ثم اعلم أنهم قرروا هنا كما في المعراج أن البدلين في باب الصرف كل منهما ثمن قبل العقد وحالته فلا يشترط وجودها في ملك المتصارفين ولا يتعينان بالاشارة، ومثمن من وجه بعد العقد ضرورة أن العقد لا بد له من مثمن فلا يجوز الاستبدال بأحدهما قبل القبض لكونه بيع المبيع قبل قبضه إلى آخره، وبه اندفع ترجيح ابن الهمام قول زفر كما لا يخفى. وفي الذخيرة: إذا اشترى الرجل ألف درهم بعينها بمائة دينار والدراهم بيض فأعطاه مكانها سودا ورضي بها البائع جاز ذلك لان هذا ليس باستبدال والسود والبيض من الدراهم جنس واحد، وإنما أبرأه عن صفة الجودة حين تجوز بالسود فكان مستوفيا بهذه الطريق لا مستبدلا. قال شمس الائمة السرخسي: ومراده من السود الدراهم المضروبة من النقود السود لا الدراهم البخارية لان أخذ البخارية مكان الدراهم البيض لا يجوز لانه يكون استبدالا لاختلاف الجنس. وكذلك لو قبض مشتري الدراهم الدراهم فأراد أن يعطي ضربا آخر من الدنانير سوى ما شرط لا يجوز إلا برضا صاحبه وإذا رضي به صاحبه كان مستوفيا لا مستبدلا لكون الجنس واحدا. قيل: هذا إذا أعطى ضربا دون المسمى، فأما إذا أعطاه ضربا فوق المسمى فلا حاجة إلى رضا صاحبه اه‍. وقدمنا جواز الرهن ببدل الصرف فإن هلك وهما في المجلس هلك بما فيه وجاز العقد، وإن

[ 326 ]

هلك بعد الافتراق بطل الصرف ولا يكون مستوفيا، وقدمنا جواز الحوالة والكفالة به فإن سلم الكفيل أو الاصيل أو المحا عليه في المجلس صح، وإن افترق المتعاقدان بطل وإن بقي الكفيل أو المحال عليه لان حقوق العقد إنما تتعلق بالمتعاقدين، كذا في شرح السراج الوهاج قوله: (ولو باع أمة مع طوق قيمة كل ألف بالفين ونقد من الثمن ألفا فهو ثمن الطوق وإن اشتراها بألفين ألف نقد وألف نسيئة فالنقد ثمن الطوق) لان حصة الطوق يجب قبضها في المجلس لكونه بدل الصرف والظاهر منهما الاتيان بالواجب فيصرف المتأخر إلى الجارية والمقبوض والحال إلى الطوق إحسانا للظن بالمسلم، وكذا لو قال خذ منهما صرفا إلى الطوق وصح البيع فيهما تحريا للجواز بخلاف ما لو صرح فقال خذ هذه الالف من ثمن الجارية فإن الظاهر حينئذ عارضة التصريح بخلافه، فإذا قبضه ثم افترقا بطل في الطوق كما إذا لم يقبضه، كذا في فتح القدير. وقيد بتأجيل البعض لانه لو أجل الكل فسد البيع في الكل عند أبي حنيفة. وقالا: يفسد في الطوق دون الجارية لان القبض ليس بشرط في حصتها فيتقدر الفساد بقدره. ولابي حنيفة أن الفساد مقارن فيتعدى إلى الجميع كما لو جمع بين عبد وحر في البيع بخلاف الفساد في الاولى فإنه طارئ فلا يتعدى إلى غيره. وقد اعترض الشارح على المؤلف بالتسامح في عبارته بأنه ذكر القيمة في كل منهما ولا تعتبر القيمة في الطوق وإنما يعتبر القدر حين المقابلة بالجنس. وكذا لا حاجة إلى بيان قيمة الجارية لان قدر الطوق مقابل به والباقي بالجارية، قلت قيمتها أو كثرت، فلا فائدة في بيان قيمتها إلا إذا قدر أن الثمن بخلاف جنس الطوق فحينئذ يفيد بيان قيمتها لان الثمن ينقسم عليهما على قدر قيمتها اه‍. وقد أجاب العيني بما لا طائل تحته. وفي فتح القدير: ولقد وقع الافراط في تصوير المسألة حيث جعل طوقها ألف مثقال فضة فإنه عشرة أرطال بالمصري ووضع هذا المقدار في العتق بعيد عن العادة بل نوع تعذيب، وكون قيمتها مع مقدار الطوق متساويين ليس بشرط بل الاصل أنه إذا بيع نقد مع غيره بنقد من جنسه لا بد أن يزيد الثمن على النقد المضموم إليه اه‍. قوله: (ومن باع سيفا حليته خمسون بمائة ونقد خمسين فهي حصتها وإن لم يبين أو قال من ثمنهما) أما إذا لم يبين فلما ذكرنا إن أمرهما يحمل على الصلاح، وأما إذا قال خذ هذا من ثمنهما فلان التثنية قد يراد بها الواحد منهما قال الله تعالى * (فنسيا حوتهما) * [ الكهف: 16 ] والناسي أحدهما وقال تعالى * (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) * (الرحمن: 22 ] والمراد أحدهما.

[ 327 ]

وفي الحديث فأذنا وأقيما والمراد أحدهما فيحمل عليه لظاهر حالهما بالاسلام. ونظيره في الفقه إذا حضتما حيضة أو ولدتما ولدا علق بأحدهما للاستحالة بخلاف ما إذا لم يذكر المفعول به للامكان. وقد فاته صورتان: الاولى أن يبين ويقول خذ هذا نصفه من ثمن الحلية ونصفه من ثمن السيف. الثانية أن يجعل الكل من ثمن السيف وفيهما يكون المقبوض ثمن الحلية لانهما شئ واحد فيجعل عن الحلية لحصول مراده، هكذا ذكره الشارح. وفي المعراج معزيا إلى المبسوط: لو قال خذ هذه الخمسين من ثمن السيف خاصة وقال الآخر نعم أو قال لا وتفرقا على ذلك انتقض البيع في الحلية لان الترجيح بالاستحقاق عند المساواة في العقد أو الاضافة، ولا مساواة بعد تصريح الدافع بكون المدفوع ثمن السيف خاصة والقول في ذلك وقوله لانه هو الملك فالقول له في بيان جهته اه‍. وهكذا في العناية. وفي السراج الوهاج: ولو قال هذا الذي عجلته حصة السيف كان عن الحلية وجاز البيع لان السيف اسم للحلية أيضا لانها تدخل في بيعه تبعا. ولو قال هذا من ثمن الجفن والنصل خاصة فسد البيع لانه صرح بذلك وأزال الاحتمال فلم يمكن حمله على الصحة اه‍. ويمكن التوفيق بأن يحمل ما ذكره الشارح على ما إذا قال من ثمن السيف ولم يقل خاصة فيوافق ما في السراج الوهاج.

[ 328 ]

وأما ما في المبسوط فإنما قال خاصة وحينئذ كأنه قال خذ هذا عن النصف فليتأمل، وسيتضح بعد. قيد بقوله بمائة لانلو باعه بخمسين أو بأقل منها لم يجز الربا وإن باعه بفضة لم يدر وزنها لم يجز أيضا لشبهة الربا نفي ثلاثة أوجه لا يجوز البيع وفي واحد يجوز وهو وما إذا علم أن الثمن أزيد مما في الحلية ليكون ما كان قدرها مقابلا لها والباقي في مقابلة النصل. هذا إذا كان الثمن من جنس الحلية، فإن كان من خلاف جنسها جاز كيفما كان لجواز التفاضل، ولا خصوصية للحلية مع السيف والطوق مع الجارية بل المراد إذا جمع مع الصرف غيره فإن النقد لا يخرج عن كونه صرفا بانضمام غيره إليه وعلى هذا بيع المزركش والمطرز بالذهب أو الفضة. وفي المبسوط: وكان محمد بن سيرين يكره بيعه بجنسه وبه نأخذ لاحتمال الزيادة والاولى بيعه بخلاف جنسه. قوله: (ولو افترقا بلا قبض صح في السيف دونها إن تخلص بلا ضرر وإلا بطلا) أي بطل العقد فيهما لان حصة الصرف يجب قبضها قبل الافتراق فإذا لم يقبضها حتى افترقا بطل فيه لفقد شرطه، وكذا في السيف إن كان لا يتخلص إلا بضرر لتعذر تسليمه بدون الضرر كبيع جذع من سقف، وإن كان يتخلص بدونه جاز للقدرة على التسليم صار كالجارية مع الطوق، وذكر الشارح هنا ما نقلناه عن المبسوط سابقا ثم قال: قال الراجي عفو ربه: ينبغي

[ 329 ]

أن تكون هذه كالمسألة المتقدمة من أنه يصرف إلى الحلية ومن أنه على التفصيل المتقدم ذكره يعني إن كان الحلية تتخلص بغير ضرر صح في السيف خاصة وإلابطل في الكل. وفي المحيط: لو قال هذا من ثمن النصل خاصة فإن لم يمكن التمييز إلا بضرر يكون المنقود ثمن الصرف ويصحان جميعا لانه قصد صحة البيع ولا صحة له إلا بصرف المنقود إلى الصرف فحكمنا بجوازه تصحيحا للبيع، وإن أمكن تمييزها بغير ضرر بطل الصرف، فعلى هذا ما ذكر في المبسوط محمول على ما إذا كانت الحلية تتخلص من غير ضرر توفيقا بينه وبين ما ذكر في المحيط اه‍. وفيه نظر لان ما في المحيط إنما هو فيما إذا صرح بالنصل دون السيف، ولا شك في عدم انصرافه إلى الحلية لانه صريح كما قدمناه لكن بشرط أن يتخلص بلا ضرر وإلا صرفناها إلى الحلية، وتركنا الصريح تصحيحا لانه لولا ذلك بطل في الكل، وما في المبسوط إنما هو فيما إذا قال خذ هذا من ثمن السيف خاصة فذكر السيف ولم يذكر النصل. والحاصل أنه إن ذكر السيف ولم يقل خاصة صرف إلى الحلية مطلقا أعني سواء أمكن التمييز بلا ضرر أو لا، وإن زاد خاصة أو لم يذكر السيف وإنما ذكر النصل لا ينصرف إليها ويصرف إلى النصل إن أمكن تخليصه بلا ضرر وإلا صرفناه إلى الحلية. وفي البدائع: إن ذكر أنه من ثمن السيف يقع عن الحلية، وإن ذكر أنه من ثمن النصل فإن أمكن تخليصه بلا ضرر يقع عن المذكور ويبطل الصرف بالافتراق وإلا فالمنقود ثمن الصرف ويصحان اه‍. وفي المغرب: الحلية الزينة من ذهب أو فضة يقال حلية السيف والسرج وغيره. وفي التنزيل * (وتستخرجون حلية تلبسونها) * [ فاطر: 21 ] أي اللؤلؤ والمرجان اه‍ قوله: (ولو باع إناء فضة وقبض بعض ثمنه وافترقا صح فيما قبض والاناء مشترك بينهما) يعني إذا باعه بفضة أو ذهب لانه صرف وهو يبطل بالافتراق قبل القبض فيتقدر الفساد بقدر ما لم يقبض ولا يشيع لانه طارئ، ولا يكون هذا تفريق الصفقة أيضا لان التفريق من جهة الشرع باشتراط القبض لا من العاقد، ولا يثبت للمشتري خيار عيب الشركة لانها حصلت منه وهو عدم النقد قبل

[ 330 ]

الافتراق بخلاف ما إذا هلك أحد العبدين قبل القبض حيث ثبت الخيار في أخذ الباقي لعدم الصنع منقوله: (وإن استحق بعض الاناء أخذ المشتري ما بقي بقسطه أو رد) لان الشركة في الاناء عيب لان التشقيص يضره وهذا العيب كان موجودا عند البائع مقارنا له، فأجاز المستحق قبل أن يحكم له بالاستحقاق جاز العقد وكان الثمن له يأخذه البائع من المشتري ويسلمه إليه إذا لم يفترقا بعد الاجازة ويصير العاقد وكيلا للمجيز فتتعلق حقوق العقد بالوكيل دون المجيز حتى لو افترق المتعاقدان قبل إجازة المستحق بطل العقد. وإن فارقه المستحق قبل الاجازة والمتعاقدان باقيان في المجلس بطل العقد، كذا في السراج الوهاج. أطلق الخيار فشمل ما قبل القبض وبعده. قوله: (ولو باعه قطعة نقرة فاستحق بعضها أخذ ما بقي بقسطه بلا خيار) لان الشركة فيها ليست بعيب إذ التشقيص فيها لا يضرها بخلاف الاناء. أطلقه وهو محمول على ما إذا كان بعد قبضها، أما إذا استحق بعض النقرة قبل قبضها فإن له الخيار لتفرق الصفقة عليه قبل التمام بخلاف ما بعد القبص لتمامها. وفي المغرب: النقرة القطعة المذابة من الذهب أو الفضة، ويقال نقرة فضة على الاضافة للبيان اه‍. وفي النهاية: هي قطعة فضة مذابة، كذا في ديوان الادب. وعلى هذا فما وقع في بعض كتب الاوقاف المصرية كالشيخونية والصرغتمشيه من الدراهم النقرة المراد منها الفضة لكن وقع الاشتباه في أنها فضة خالصة أو مغشوشة، وكنت استفتيت بعض المالكية عنها فأفتى بأنه سمع ممن يوثق به أن الدرهم منها يساوي نصفا وثلاثة فلوس قال: فليعول على ذلك ما لم يوجد خلافه اه‍. وقد اعتير ذلك في زماننا ولكن الادنى متيقن به وما زاد عليه مشكوك فيه ولكن الاوفق بفروع مذهبنا وجوب درهم وسط لما في جامع الفصولين من دعوى النقرة: لو تزوجها على مائة درهم نقرة ولم يصفها صح العقد، فلو ادعت مائة درهم مهر أوجب لها مائة درهم وسط اه‍. فينبغي أن يعول عليه والله سبحانه وتعالى أعلم قوله: (وصح بيع درهمين ودينار بدرهم ودينارين وكر بر وشعير بضعفهما) أي بأن يبيعهما بكري بر وكري شعير. وإنما جاز لانه يجعل كل جنس

[ 331 ]

مقابلا بخلاف جنسه تصحيحا للعقد، ولو صرف إلى جنس مفسد لان العقد يقتضي مطلق المقابلة من غير تعرض لقيد لا مقابلة الكل بالكل شائع ولا فردا معينا فصار كما لو باع نصف عبد مشترك بينه وبين غيره فإنه ينصرف إلى نصيبه تصحيحا للعقد وكانصراف النقد إلى المتعارف، ولا يرد علينا ما لو اشترى قلبا بعشرة وثوبا بعشرة ثم باعهما مرابحة بخمسة وعشرين فإنه لا يصح وإن أمكن صرف الربح إلى الثوب لانا لو صرفناه لصار تولية في القلب وهو خلاف المرابحة فكان إبطالا له. وكذا لا يرد لو اشترى عبدا بألف ثم باعه قبل النقد مع آخر من البائع بألف وخمسمائة فإنه لا يصح في المشتري بألف لان طريق التصحيح غير متعين لامكان صرف الالف ومائة إليه أو مائتين إلى غير ذلك من الصورة. وأورد عليه أن الطرق متعددة في مسألة الكتاب لجواز أن يصرف الدينار إلى الدينار والدرهم إلى الدرهم والدينار إلى الدرهم كما يجوز أن يصرف الدرهمان إلى الدينارين والدينار إلى الدرهم. وأجيب عنه بأنه أقل تغييرا فكان أولى، وكذا لا يرد علينا ما لو جمع بين عبده وعبد غيره وقال بعتك أحدهما فإنه لا يصح للتنكير وإن أمكن تصحيحه بصرفه إلى عبده. وأجيب بأن البيع أضيف إلى منكر فلا ينصرف إلى المعين للتضاد إذ المنكر ليس بمحل للبيع. ورد بأنه يسن بشئ لان المعرفة مما صدقات النكرة فإن زيدا يصدق عليه رجل ولا شك أنه يحتمله فيجب حمله عليه. وقد قال أبو حنيفة في قوله عبدي أو حماري حر أنه يعتق العبد ويجعل استعارة المنكر للمعرف، وكذا ما قيل إن تصحيح العقد يجب في محل العقد وهو لم يضف إلى المعين. وفي فتح القدير: واعلم أن ما أورد على دفع النقوض المذكورة أن لحظ له جواب فذاك وإلا فلا يضرك النقض في إثبات المطلوب إذ غايته أنه خطأ في محل آخر إذا اعترف بخطئه في محل النقض وذلك لا يوجب خطأه في محل النزاع اه‍. وأما مسألة ما إذا باع درهما ثوبا بدرهم وثوب وافترقا بلا قبض فليس مما نحن فيه فإن العقد انعقد صحيحا، وإنما طرأ الفساد بالافتراق والصرف لدفع الفساد وقد انعقد بلا فساد، وكلامنا ليس في الفساد الطارئ. وفي الظهيرية معزيا إلى المبسوط: باع عشرة وثوبا بعشرة وثوب وافترقا قبل القبض بطل العقد في الدراهم ولو صرف الجنس إلى خلاف جنسه لم يبطل ولكن قيل في العقود يحتال للتصحيح في الابتداء ولا يحتال للبقاء على الصحة اه‍. وفي الايضاح: الاصل في هذا الباب أن حقيقة البيع إذا اشتملت على إبدال وجب قسمة أحد البدلين على الآخر، وتظهر الفائدة في الرد بالعيب والرجوع بالثمن عند الاستحقاق ووجوب الشفعة فيما تجب فيه الشفعة، فإن كان العقد مما لا ربا فيه فإن كان مما لا يتفاوت فالقسمة على الاجزاء، وإن كان مما يتفاوت فالقسمة على القيمة. وأما ما فيه الربا فإنما تجب القسمة على الوجه الذي يصح به العقد

[ 332 ]

مثاله: باع عشرة دراهم بخمسة دراهم ودينار يصح العقد فإن الخمسة بالخمسة والخمسة الاخرى بالدينار، وكذا لو قابل جنسين بجنسين كما في مسألة الكتاب اه‍. ونظير المسألة المسألة التي تلي هذه وهي. قوله: (وأحد عشر درهما بعشرة دراهم ودينار) أي صح بيع فتكون العشرة بمثلها والدينار بالدرهم تصحيح للعقد على ما بينا، وإنما ذكر هذه بعد التي قبلها وإن كانت قد علمت مما قبلهالبيان أن الصرف إلى خلاف الجنس لا يتفاوت في الجميع أو جزء واحد، كذا في السراج الوهاج قوله: (ودرهم صحيح ودرهمين غلة بدرهمين صحيحين ودرهم غلة) أي يصح بيع الاتحاد في الجنس فيعتبر التساوي في القدر دون الوصف. والغلة هي الدراهم المقطعة، وقيل ما يرده بيت المال ويأخذه التجار ولا تنافي لاحتمال أن تكون هي المقطعة. وفي الهداية: ولو تبايعا فضة بفضة أو ذهبا بذهب ومع أقلهما شئ آخر تبلغ قيمته باقي الفضة جاز البيع من غير كراهة، فإن لم تبلغ فمع الكراهة، وإن لم يكن له قيمة لا يجوز البيع لتحقق الربا إذ الزيادة لا يقابلها عوض فيكون ربا اه‍. وصرح في الايضاح بأن الكراهة قول محمد، وأما أبو حنيفة فقال: لا بأس به. وفي المحيط: إنما كرهه محمد خوفا من أن يألفه الناس ويستعملوه فيما لا يجوز وقيل: لانهما باشرا الحيلة لاسقاط الربا كبيع العينة فإنه مكروه. وفي فتح القدير: اشترى تراب الفضة بفضة لا يجوز لانه إن لم يظهر في التراب شئ فظاهر، وإن ظهر فهو بيع الفضة بالفضة مجازفة لهذا لو اشتراه بتراب فضة لا يجوز لان البدلين هما الفضة لا التراب، ولو اشتراه بتراب ذهب جاز لعدم لزوم العلم بالمماثلة لاختلاف الجنس، فلو ظهر أن لا شئ في التراب لا يجوز، وكلما جاز فمشترى التراب بالخيار إذا رأى لانه اشترى ما لم يره اه‍. قوله: (ودينار بعشرة عليه أو بعشرة مطلقة ودفع الدينار وتقاصا العشرة بالعشرة) أي صح بيع أما إذا قابل الدينار بالعشرة التي عليه ابتداء فلانه جعل ثمنه دراهم لا يجب قبضها ولا تعيينها بالقبض وهو جائز إجماعا لان التعيين للاحتراز عن الربا ولا ربا في دين سقط، وإنما الربا في دين يقع الخطر في عاقبته ولذا لو تصارفا دراهم دينا بدنانير دينا صح لفوات الخطر. وأما الثانية وهو ما إذا باعه بعشرة مطلقة ثم تقاصا فالمذكور هنا إستحسان، والقياس عدم الجواز وهو قول زفر لكونه استبدالا ببدل الصرف، وجه الاستحسان أنهما لما تقاصا انفسخ الاول وانعقد صرف آخر مضافا إلى الدين فتثبت الاضافة اقتضاء كما لو جدد البيع بأكثر من الثمن الاول. وفي فتح القدير: ونحن نقول موجب العقد عشرة مطلقة تصير متعينة بالقبض وبالاضافة بعد العقد إلى العشرة الدين صارت كذلك غير أنه بقبض سابق ولا

[ 333 ]

يبالي به لحصول المقصود من التعيين بالقبض بالمساواة. وعلى هذا التقرير لا حاجة إلى اعتبار فسخ العقد الاول بالاضافة إلى العشرة الدين بعد العقد على الاطلاق بخلاف ما إذا باع بألف ثم بألف وخمسمائة فإن الفسخ لازم لان أحدهما لم يصدق على الآخر بخلاف العشرة مطلقا مع هذه العشرة للصدق لان الاطلاق ليس قيدا في العقد بها وإلا لم يمكن قضاؤها أصلا إذ لا وجود للمطلق بقيد الاطلاق وعلى هذا مشوا، وتقريره أنهما لما غيرا موجب العقد فقد فسخاه إلى عقد آخر اقتضاء اه‍. أطلق في العشرة الدين فشمل ما إذا كانت عليه قبل عقد الصرف أو حدثت بعده وقيل: لا يجوز التقاص بدين حادث بعده والاول أصح لان التقاص هو المتضمن لفسخ الاول وإنشاء صرف آخر فيكتفي بالدين عند التقاص بخلاف رأس مال السلم حيث لا يجوز جعله قصاصا بدين آخر مطلقا متقدما كان أو متأخرا لان المسلم فيه دين، ولو صحت المقاصة برأس مال السلم لافترقا عن دين بدين ولذا لا يجوز إضافته إلى الدين ابتداء بأن يجعل الدين الذي على المسلم إليه رأس مال السلم بخلاف الصرف. وقال الفقيهأبو الليث في شرح الجامع الصغير: إذا استقرض بائع الدينار عشرة من المشتري أو غصب منه فقد صار قصاصا ولا يحتاج إلى التراضي لانه قد وجد منه القبض اه‍. وقوله وتقاصا راجع إلى الثانية، وأما الاولى فتقع المقاصصة بنفس العقد. والحاصل أن الدين إذا حدث بعد الصرف فإن كان بقرض أو غصب وقعت المقاصة وإن لم يتقاصا، وإن حدث بالشراء بأن باع مشتري الدينار من بائع الدينار ثوبا بعشرة إن لم يجعلاه قصاصا لا يصير قصاصا باتفاق الروايات، وإن جعلاه قصاصا ففيه روايتان، كذا في الذخيرة. ومن مسائل المقاصات وإن لم تكن من الصرف ما في المنتقى: له وديعة وللمودع على صاحبها دين من جنسها لم تصر قصاصا بالدين قبل الاتفاق عليه وإذا اجتمعا عليه لا تصير الوديعة قصاصا ما لم يرجع إلى أهله فيأخذها، وإن كانت في يده فاجتمعا على جعلها قصاصا لا يحتاج إلى غير ذلك، وحكم المغصوب كالوديعة سواء، والدينان إذا كانا من جنسين لا تقع المقاصة بينهما ما لم يتقاصا، وذكر إذا كان أحدهما حالا والآخر مؤجلا، وكذا إذا كان أحدهما غلة والآخر صحيحا - كذا في الذخيرة أيضا من كتاب الصرف. وذكر في كتاب المداينات أن الدينين إذا كانا مؤجلين لا تقع المقاصة حتى يتقاصا، وذكر قبله أن التفاوت في الوصف يمنع المقاصة بنفسه ولا يمنع إذا جعلاه قصاصا اه‍. وفي الصحاح: تقاص القوم إذا قاص كل واحد منهما صاحبه في حساب أو غيره اه‍. وإذا اختلف الجنس وتقاصا كأن كان له عليه مائة درهم وللمديون مائة دينار عليه، فإذا تقاصا تصير الدراهم قصاصا بمائة من قيمة

[ 334 ]

الدنانير ويبقى لصاحب الدنانير على صاحب الدراهم ما بقي منها، كذا في الظهيرية. وفي فروق الكرابيسي من النفقات: وإذا طلبت المرأة النفقة وكان للزوج عليها دين فقال الزوج احسبوا لها نفقتها منه كان جائزا لانها من جنس الدراهم والدنانير فتقع المقاصة عند التراضي، فرق بين هذا وبين سائر الديون فإن هناك المقاصة تقع من غير التراضي، وهنا شرط التراضي. والفرق أن دين النفقة أدنى لما ذكرنا فلا تقع المقاصة إلا بالتراضي كما لو كان أحد الدينين جيدا والآخر رديئا بخلاف سائر الديون لانها جنس واحد فلا يشترط التراضي اه‍. وتقدم شئ من فوائد التقاص في باب أم الولد فارجع إليه. قوله: (وغالب الفضة والذهب فضة وذهب) يعني فلا يصح بيع الخالصة بها ولا بيع بعضها ببعض إلا متساويا وزنا ولا يصح الاستقراض بها إلا وزنا لانهما لا يخلوان عن قليل غش إذ هما لا ينطبعان عادة بدون، وقد يكون خلقيا فيعسر التمييز فصار كالردئ وهو والجيد سواء عند المقابلة بالجنس فيجعل الغش معدوما فلا اعتبار له أصلا بخلاف ما إذا غلب الغش فإن للمغلوب اعتبارا كما سيأتي اه‍. قوله: (وغالب الغش ليس في حكم الدراهم والدنانير فيصح بيعها بجنسها متفاضلا) أي وزنا وعددا لان الحكم للغالب فلا يضر التفاضل لجعل الغش مقابلا بالفضة أو الذهب الذي في الآخر، ولكن يشترط التقابض قبل الافتراق لانه صرف في البعض لوجود الفضة أو الذهب من الجانبين. ويشترط في الغش أيضا لانه لا يتميز إلا بضرر، وكذا إذا بيعت بالفضة الخالصة أو الذهب الخالص لا بد أن يكون الخالص أكثر من الفضة أو الذهب الذي في المغشوش حتى يكون قدره بمثله والزائد بالغش على مثال بيع الزيتون بالزيت فاعتبر الفضة أو الذهب المغلوب بالمغشوش بالغالب حتى لا يجوز بيعه بجنسه إلا على سبيل الاعتبار، ولم يعتبر الغش المغلوب بهما فجعل كأنه كله فضة أو ذهب ومنع بيعه متفاضلا. والفرق أن الفضة أو الذهب المغلوب موجود حقيقة حالا بالوزن ومآلا بالاذابة لكونهما يخلصان منه بالاذابة فكانا موجودين حقيقة وحكما حتى يعتبرا في نصاب الزكاة بخلاف الغش المغلوب لانه يحترق ويهلك ولا لون حتى لو عرف أن الفضة أو الذهب الذي في الغش الغالب يحترق ويهلك كان حكمه حكم النحاس الخالص فلا

[ 335 ]

يعتبران أصلا، ولا يجوز بيعه بجنسه متفاضلا إن كان موزونا للربا. وفي الهداية: ومشايخنا - يعني مشايخ ما وراء النهر من بخارى وسمرقند - لم يفتوا بجواز ذلك أي ببيعها بجنسها متفاضلا في العدالي والغطارفة مع أن الغش فيها أكثر من الفضة لانها أعز الاموال في ديارنا، فلو أبيح التفاضل فيها ينفتح باب الربا الصريح فإن الناس حينئذ يعتادون في الاموال النفيسة فيتدرجون ذلك في النقود الخالصة. والغطارفة دراهم منسوبة إلى غطريف - بكسر الغين المعجمة وسكون الطاء وكسر الراء بعدها الياء وآخرها الفاء - ابن عطاء الكندي أمير خراسان أيام الرشيد، وقيل هو خال الرشيد. والعدالى بفتح العين المهملة وتخفيف الدال المهملة وباللام المكسورة وهي الدراهم المنسوبة إلى العدال وكأنه اسم ملك نسب إليه درهم فيه غش، كذا في البناية. والغش بمعنى المغشوش وهو غير الخالص، كذا في القاموس قوله: (والتبايع والاستقراض بما يروج عددا أو وزنا أو بهما) لان المعتبر فيما لا نص فيه العادة لانها صارت بغلبة الغش كالفلوس فيعتبر فيها العادة كالفلوس فإن كانت تروج بالوزن فبه وبالعد فبه وبهما فبكل منهما قوله: (ولا يتعين بالتعيين لكونها أثمانا) يعني ما دامت تروج لانها بالاصطلاح صارت أثمانا فما دام ذلك الاصطلاح موجودا لا تبطل الثمنية لقيام المقتضى. قوله: (وتتعين بالتعين إن كانت لا تروج) لزوال المقتضى للثمنية وهو الاصطلاح، وهذا لانها في الاصل سلعة وإنما صارت أثمانا بالاصطلاح فإذا تركوا المعاملة بها رجعت إلى أصلها، وإن كان يأخذها البعض فهي مثل الدراهم لا يتعلق العقد بعينها بل بجنسها إن كان البائع يعلم بحالها، وإن كان لا يعلم بحالها وباعه بها على ظن أنها دراهم جياد تعلق حقه بالجياد لوجود الرضا بها في الاول وعدمه في الثاني. وأشار بالتعيين عند عدم رواجها وبعدمه عند رواجها إلى أنها إذا هلكت قبل القبض لا يبطل العقد إن كانت رائجة، ويبطل إن لم تكن. وأطلق في تعيينها وهو مقيد بما إذا كانا يعلمان بحالها ويعلم كل من المتعاقدين أن

[ 336 ]

الآخر يعلم، فإن كانا لا يعلمان أو لا يعلم أحدهما أو يعلمان ولا يعلم كل أن الآخر يعلم فإن البيع يتعلق بالدراهم الرائجة في ذلك البلد لا بالمشار إليه من هذه الدراهم التي لا تروج، وإن كان يقبلها البعض ويردها البعض فهي في حكم الزيوف والنبهرجة فيتعلق البيع بجنسها لا بعينها كما هو في المرابحة، لكن يشترط أن يعلم البائع خاصة ذلك من أمرها لانه رضي بذلك وأدرج نفسه في البعض الذين يقبلونها. وإن كان البائع لا يعلم تعلق العقد على الاروج، فإن استوت في الرواج جرى التفصيل الذي أسلفناه في أول كتاب البيع، كذا في فتح القدير قوله: (والمتساوي كغالب الفضة في التبايع والاستقراض وفي الصرف كغالب الغش) يعني فلا يجوز البيع بها ولا إقراضها إلا بالوزن بمنزلة الدراهم الرديئة لان الفضة موجودة فيها حقيقة ولم تصر مغلوبة فيجب الاعتبار بالوزن شرعا. وإذا أشار إليها في المبايعة كان بيانا لقدرها ووصفها، ولا يبطل البيع بهلاكها قبل القبض ويعطيه مثلها لكونها ثمنا لم تتعين، وأما في الصرف فيجب بيعها بجنسها على وجه الاعتبار. ولو باعها بالفضة الخالصة لم يجز حتى يكون الخالص أكثر مما فيه الفضة لانه لا غلبة لاحدهما على الآخر فيجب اعتبارهما. وفي الخانية: إن كان نصفها صفرا ونصفها فضة لا يجوز التفاضل. فظاهره أنه أراد به فيما إذا بيعت بجنسها وهو مخالف لما ذكر هنا، ووجهه أن فضتها لما لم تصر مغلوبة جعلت كان كلها فضة في حق الصرف احتياطا قوله: (ولو اشترى بها أو بفلوس نافقة شيئا وكسدت بطل البيع) أي اشترى بالدراهم التي غلب عليها الغش أو بالفلوس وكان كل منهما نافقا حتى جاز البيع لقيام الاصطلاح على الثمنية، ولعدم الحاجة إلى الاشارة لالتحاقها بالثمن ولم يسلمها المشتري إلى البائع ثم كسدت بطل البيع. والانقطاع عن أيدي الناس كالكساد وحكم الدراهم كذلك، فإن اشترى بالدراهم ثم كسدت أو انقطعت بطل البيع، ويجب على المشتري رد المبيع إن كان قائما، ومثله إن كان هالكا وكان مثليا وإلا فقيمته، وإن لم يكن مقبوضا فلا حكم لهذا البيع أصلا، وهذا عند الامام. وقالا: لا يبطل البيع لان المتعذر إنما هو التسليم بعد الكساد وذلك لا يوجب الفساد لاحتمال الزوال بالرواج كما لو اشترى شيئا بالرطب ثم انقطع وإذا لم يبطل وتعذر تسليمه وجبت قيمته لكن عند أبي يوسف يوم البيع، وعند محمد يوم الكساد وهو آخر ما يتعامل الناس بها. وفي الذخيرة: الفتوى على قول أبو يوسف. وفي

[ 337 ]

المحيط والتتمة والحقائق: بقول محمد يفتي رفقا بالناس. ولابي حنيفة أن الثمنية بالاصطلاح فتبطل لزوال الموجب فيبقى البيع بلا ثمن، والعقد إنما تناول عينها بصفة الثمنية وقد انعدمت بخلاف انقطاع الرطب فإنه يعود غالبا في العام القابل بخلاف النحاس فإنه بالكساد رجع إلى أصله فكان الغالب عدم العود. والكساد لغة كما في المصباح من كسد الشئ يكسد من باب فتل لم ينفق لقلة الرغبات فهو كاسد، وكسيتعدى بالهمزة فيقال أكسده الله وكسدت السوق فهي كاسد بغير هاء في الصحاح، وبالهاء في التهذيب، ويقال أصل الكساد الفساد اه‍. وفقها أن يترك المعاملة بها في جميع البلاد وإن كانت تروج في بعض البلاد لا يبطل لكنه تعيب إذا لم ترج في بلدهم فتخير البائع إذا شاء أخذه وإن شاء أخذ قيمته. وحد الانقطاع أن لا يوجد في السوق وإن كان يوجد في يد الصيارفة وفي البيوت، هكذا في الرواية. وفي فتح القدير: ما ذكر للكساد ذكره في العيون وقالوا: إنه على قول محمد. وأما على قولهما فلا. وينبغي أن ينتفي البيع بالكساد في تلك البلدة التي وقع فيها البيع بناء على اختلافهم في بيع الفلس بالفلسين، عندهما يجوز اعتبارا لاصطلاح بعض الناس، وعند محمد لا يجوز اعتبارا لاصطلاح الكل، فالكاسد يجب أن يكون على هذا القياس أيضا، ومثله في الانقطاع والفلوس النافقة إذا كسدت كذلك اه‍. قيد بالكساد ومثله الانقطاع لانها لو نقصت قيمتها قبل القبض فالبيع على حاله بالاجماع ولا يتخير البائع، وعكسه لو غلت قيمتها وازدادت فكذلك البيع على حاله ويتخير المشتري ويطالب بألف بذلك المعيار الذي كان وقت البيع، كذا في فتح القدير. وفي المصباح نفقت الدراهم نفقا من باب تعب نقدت، ويتعدى بالهمزة فيقال أنفقتها. قيدنا بكونها لم تقبض لان البائع لو قبضها ثم كسدت فلا شئ له. وفي الخلاصة عن المحيط: دلال باع متاع الغير بإذنه بدراهم معلومة واستوفاها

[ 338 ]

فكسدت قبل أن يدفعها إلى صاحب المتاع لا يفسد البيع لان حق القبض له اه‍. وفي البزازية معزيا إلى المنتقى: غلت الفلوس القرض أو رخصت فعند الامام الاول والثاني أولا ليس عليه غيرها. وقال الثاني ثانيا عليه قيمتها من الدراهم يوم البيع والقبض وعليه الفتوى، وهكذا في الذخيرة والخلاصة بالعز وإلى المنتقى. وفي فتاوى قاضيخان: يلزمه المثل. وهكذا ذكر الاسبيجابي قال: ولا ينظر إلى القيمة ولكن صورها بما إذا باع مائة فلس بدرهم، وقولهم عن المنتقي يلزمه قيمتها من الدراهم يوم البيع والقبض لعله بالتوزيع فقوله يوم البيع عائد إلى البيع. وقوله يوم القبض عائد إلى القرض. وفي البزازية: والاجارة كالبيع والدين على هذا، وفي النكاح يلزمه قيمة تلك الدراهم، وإن كان نقد بعض الثمن دون بعض فسد في الباقي قوله: (وصح البيع بالفلوس النافقة وإن لم تتعين) لانها أموال معلومة وصارت أثمانا بالاصطلاح فجاز بها البيع ووجبت في الذمة كالنقدين ولا تتعين وإن عينها كالنقد إلا إذا قالا أردنا تعليق الحكم بعينها فحينئذ يتعلق العقد بعينها بخلاف ما إذا باع فلسا بفلسين بأعيانهما حيث يتعين من غير تصريح لانه لو لم يتعين لفسد البيع. وهذا على قولهما، وأما على قول محمد لا يتعين وإن صرحا، وأصله أن اصطلاح العامة لا يبطل باصطلاحهما على خلافه عنده، وعندهما يبطل في حقهما كما قدمناه قوله: (وبالكاسدة لا حتى يعينها) لانها سلع فلا بد من تعينها قوله: (ولو كسدت أفلس القرض يجب رد مثلها) أي عددا عند أبي حنيفة. وقالا: عليه رد قيمتها لتعذر ردها كما قبضها لان المقبوض ثمن والمردود لا ففاتت المماثلة فصار كما لو استقرض مثليا فانقطع لكن عند أبي يوسف عليه القيمة يوم القبض، وعند محمد يوم الكساد، وقول محمد أنظر في حق المستقرض لان قيمته يوم الانقطاع أقل. وكذا في حق المقرض بالنظر إلى قول أبي حنيفة، وقول أبي يوسف أيسر لان قيمته يوم القبض معلومة ويوم الكساد لا تعرف إلا بحرج. ولابي حنيفة أن القرض إعارة وموجبها رد العين معنى وذلك يتحقق برد مثله والثمنية زيادة فيه. والاختلاف مبني على الاختلاف فيمن غصب مثليا كالرطب ثم انقطع عن أيدي الناس وجبت قيمته إجماعا لكن عند أبي حنيفة يوم الخصومة، وعند أبي يوسف يوم الغصب، وعند محمد يوم الانقطاع. وفي الخانية والفتاوى الصغرى والبزازية: الفتوى على قول محمد رفقا بالناس. وفي المصباح: الفلس الذي يتعامل به وجمعه في القلة أفلس وفي الكثرة فلوس. وفي فتح القدير: وأما إذا استقرض دراهم غالبة الغش فقال أبو يوسف: في قياس قول أبي حنيفة عليه مثلها ولست أروي ذلك عنه ولكن لروايته

[ 339 ]

في الفلوس إذا أقرضها ثم كسدت. وفي البزازية: وكذا الخلاف إن أقرضه طعاما بالعراق وأخذه بمكة، فعند الثاني عليه قيمته يوم قبضه بالعراق، وعند محمد قيمته بالعراق يوم اختصما، وكذا الخلاف في الفلوس المغصوبة إذا كسدت حال قيام العين، وكذا العدالي. ثم قال: ولو اشترى بالنقد الرائج وتقابضا ثم تقايلا بعد كساده رد البائع المثل لا القيمة عند الامام، ولو اشترى بالنقد الكاسد بلا إشارة وتعيين فالعقد فاسد كالكاسد الطارئ وقالوا: لو كان مكانه نكاح وجب مهر المثل وفيه نظر، ويجب أن يقال لو قيمة الكاسد عشرة أو أكثر فهي لها، وإن أقل فتمام العشرة، وإن طرأ الكساد العام في كل الاقطار ثم راجت قبل فسخ البيع يعود البيع جائزا لعدم انفساخ العقد بلا فسخ اه‍. فعلى هذا قول المصنف سابقا بطل البيع أي انفسخ أن فسخه من له الدراهم لا مطلقا اه‍. قوله: (ولو اشترى شيئا بنصف درهم فلوس صح) وعليه فلوس تباع بنصف درهم وعلى هذا لو قال بثلث درهم أو بربعه أو بدانق فلوس أو بقيراط فلوس لان التبايع بهذا الطريق متعارف في القليل معلوم بين الناس لا تفاوت فيه فلا يؤدي إلى النزاع. قيد بما دون الدرهم لانه لو اشترى بدرهم فلوس لا يجوز عند محمد، أو بدرهمين فلوس لا يجوز عند محمد لعدم العرف، وجوزه أبو يوسف في الكل للعرف وهو الاصح، كذا في الكافي والمجتبى. والدانق سدس درهم والقيراط نصف السدس قوله: (ومن أعطى صيرفيا درهما فقال أعطني به نصف درهم فلوس ونصفا إلا حبة صح) لان قابل الدرهم بنصف درهم فلوس وينصف درهم إلا حبة من الفضة فيكون نصف درهم إلا حبة بمقابلة الفضة ونصف درهم وحبة بمقابلة الفلوس. قيد بقوله به لانه لو قال أعطني بنصفه فلوسا وبنصفه نصفا إلا حبة بطل في الكل على قياس قوله، وعندهما صح في الفلوس وبطل فيما قابل الفضة لان الفساد هما عند التفصيل يتقدر بقدر المفسد، وعنده يتعدى، وأصله أن العقد يتكرر عنده بتكرار اللفظ، وعندهما بتفصيل الثمن حتى لو قال أعطني بنصفه فلوسا وأعطني بنصفه نصفا إلا حبة جاز في الفلوس وبطل في الفضة بالاجماع فهنا صور: الاولى مسألة الكتاب أعطني به نصف درهم فلوس ونصفا إلا حبة صح اتفاقا. الثانية أعطني بنصفه فلوسا وبنصفه نصفا

[ 340 ]

إلا حبة فسد في الكل عنده، وفي الفضة فقط عندهما. الثالثة أعطني بنصفه فلوسا وأعطني بنصفه نصفا إلا حبة جاز في الفلوس فقط. ولم يذكر المصنف القبض قبل الافتراق للعلم به مما قدمه، وحاصله إن تفرقا قبل القبض فسد في النصف إلا حبة لكونه صرفا لا في الفلوس لانها بيع فيكفي قبض أحد البدلين، ولو لم يعطه الدرهم ولم يأخذ الفلوس حتى افترقا بطل في الكل للافتراق عن دين بدين، وقدمنا شيئا من أحكام الفلوس في باب الربا وفي هذا الباب. وإلى هنا ظهر إن الاموال ثلاثة: ثمن بكل حال وهو النقدان، صحبه الباء أولا، قوبل بجنسه أو لا، ومبيع بكل حال كالثياب والدواب، وثمن من وجه مبيع من وجه كالمثليات غير النقدين من المكيل والموزون، فإن كان معينا في العقد كان مبيعا وإلا وصحبه الباء وقوبل بمبيع فهو ثمن وثمن بالاصطلاح وهو سلعة في الاصل كالفلوس، فإن كانت رائجة فهي ثمن إو إلا فسلعة. ومن حكم الثمن عدم اشتراط وجوده في ملك العاقد عند العقد ولا يبطل بهلاكه، ويصح الاستبدال به في غير الصرف والسلم وحكم المبيع خلافه في الكل. ومن حكمها وجوب التساوي عند المقابلة بالجنس في المقدرات إلى آخر ما قدمناه في باب الربا والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.

[ 341 ]

كتاب الكفالة ذكرها عقب البيوع لانها غالبا تكون بالثمن أو بالمبيع، ومناسبتها للصرف لانها تكون آخرا عند الرجوع معاوضة عما يثبت في الذمة من الاثمان، وقدمه عليها لانه من البيوع والكلام فيها في عشرة مواضع: الاول في معناها لغة قال في المصباح: كفلت بالمال وبالنفس كفلا من باب قتل وكفولا أيضا والاسم الكفالة، وحكى أبو زيد سماعا من العرب من بابي تعب وقرب، وحكى ابن القطاع كفلت وكفلت به وعنه إذا تحملت به، ويتعدى إلى مفعول ثان بالتضعيف والهمزة فيحذف الحرف فيهما وقد يثبت مع المثقل. قال ابن الانباري: تكفلت بالمال التزمت به وألزمته نفسي. وقال أبو زيد: تحملت به. وقال في المجمع، كفلت به كفلة وكفلت عنه بالمال لغريمه حقوق بينهما، وكفلت الرجل والصغير من باب قتل كفالة أيضا علته وقت به، ويتعدى بالتضعيف إلى مفعول ثان يقال كفلت زيدا الصغير. والفاعل عن كفالة المال كفيل به للرجل والمرأة. وقال ابن الاعرابي: وكافل أيضا مثل ضمين وضامن. وفرق الليث بينهما فقال: الكفيل الضامن والكافل هو الذي يعول إنسانا وينفق عليه. والكفل وزان حمل الضعف من الاجر أو الاثم والكفل بفتحتين العجز اه‍. وفي المغرب: الكفيل الضامن وتركيبه دال على الضم والتضمن والكفالة ضم ذمة إلى ذمة في حق المطالبة اه‍. الثاني في معناها شرعا قد اختلف فيه وقد أشار إلى الاصح بقوله: (هي ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة) الضم الجمع ومن الفقهاء من جعل الضمان مشتقا من الضم وهو غلط من جهة الاشتقاق لان نون الضمان أصلية والضم لا نون فيه فهما مادتان مختلفتان، كذا في المصباح. والذمة العهد والامان والضمان، وقولهم في ذمتي كذا أي في ضماني، والجمع ذمم مثل سدرة وسدر، كذا في المصباح. وقال الاصوليون: إن الآدمي يولد وله ذمة صالحة للوجوب

[ 342 ]

له وعليه. وفي التحرير: والذمة وصف شرعي به الاهلية لوجوب ماله وعليه. وفسرها فخر الاسلام بالنفس والرقبة التي لها عهد، والمراد أنها العهد فقولهم في ذمته أي في نفسه باعتبار عهدها من باب إطلاق الحال وإرادة المحل اه‍. والمطالبة من طالبته مطالبة وطلابا من باب قاتل، كذا في المصباح. وحاصله أن الكفيل والمكفول عنه صارا مطلوبين للمكفول له، سواء كان المطلوب من أحدهما هو المطلوب من الآخر كما في الكفالة بالمال أو لا كما في الكفالة بالنفس فإن المطلوب من الاصيل المال ومن الكفيل إحضار النفس، ولفظ المطالبة بإطلاقه ينتظمهما، هذا على رأي بعضهم، وجزم مسكين بأن المطلوب منهما واحد وهو تسليم النفس فإن المطلوب عليه تسليم نفسه والكفيل قد التزمه. وقيد بالمطالبة لدفع قول من قال إنها الضم في الدين فيثبت الدين في ذمة الكفيل من غير سقوط عن الاصيل. ولم يرجح في المبسوط أحد القولين على الآخر وما يظن مانعا من لزوم صيرورة الدين الواحد دينين على هذا القول دفعه في المبسوط بأنه لا مانع لانه لا يستوفي إلا من أحدهما كالغاصب مع غاصب الغاصب فإن كلا ضامن للقيمة وليس حق المالك إلا في قيمة واحدة لانه لا يستوفي إلا من أحدهما، واختياره تضمين أحدهما يوجب براءة الآخر فكذا هنا لكن هنا بالقبض لا يمجرد اختياره، ومما يدل على ثبوت الدين في ذمة الكفيل أنه لو وهب الدين للكفيل صح ويرجع الكفيل به على الاصيل مع أن هبة الدين من غير من عليه الدين لا يصح. والحاصل أن ثبوت الدين في الذمة اعتبار من الاعتبارات الشرعية فجاز أن يعتبر الشئ الواحد في ذمتين إنما يمتنع في عين تثبت في زمن واحد في طرفين حقيقيين، ولكن المختار ما ذكره المصنف أنه في مجرد المطالبة لا الدين لان اعتباره في ذمتين وإن أمكن شرعا لا يجب الحكم بوقوع كل ممكن إلا بموجب ولا موجب لان التوثق يحصل بالمطالبة وهو لا يستلزم، ولا بد من ثبو ت اعتبار الدين في الذمة كالوكيل بالشراء يطالب بالثمن وهو في ذمة الموكل، كذا في فتح القدير. وكذا الوصي والولي والناظر يطالبون بما لزم دفعه ولا شئ في ذمتهم، وكذا كل أمين يطالب برد الامانة ولا شئ في ذمته، وكذا سيد العبد المأذون المديون مطالب ببيعه أو فدائه ولا دين عليه. وأما الجواب عن الهبة والابراء فإنا جعلناه في حكم دينين تصحيحا لتصرف صاحب الحق وذلك عنده، أما قبله فلا ضرورة ولا داعي إلى ذلك.

[ 343 ]

وفي فتح القدير: ولا يخفى أن ما نقل من قول أبي حنيفة أن الدين فعل يقتضي أن يكون في ذمة الكفيل أيضا كما هو في ذمة الاصيل إذ فعل الاداء واجب عليه اه‍. وقد يقال إنما وجب عليه لاسقاط المطالبة عنه وأبو حنيفة إنما جعله فعلا لسقوطه عن الميت إذ لا يتأتى الفعل منه فلم تصح الكفالة عن ميت مفلس، وليس مراده أن حقيقته الفعل لانه وصف قائم بالذمة، وإنما مراده أن المقصود منه الفعل كما لا يخفى. وقد صرحوا في مواضع بأنه وصف ولذا قالوا: الديون تقضى بأمثالها لان ما في الذمة لا يمكن تسليمه. وفي الايضاح أخذا من الغاية أن تعريفها بالضم في الدين لا ينتظم الكفالة بالنفس والكفالة بالعين والكفالة بالفعل اه‍. قلت: نعم لا يشمل لكن المعرف لها بذلك إنما أراد تعريف الكفالة بالمال فإن أصل الخلاف نشأ من أن الكفيل هل يثبت في ذمته المال أو لا. ثم رأيت صاحب البدائع أشار إلى ذلك في بيان حكمها ولم يذكر الشارحون لهذا الاختلاف ثم فإن الاتفاق على أن الدين لا يستوفي إلا من أحدهما وأن الكفيل مطالب وأن هبة الدين له صحيحة ويرجع به على الاصيل ولو اشترى الطالب بالدين شيئا من الكفيل صح مع أن الشراء بالدين من غير من عليه الدين لا يصح. ويمكن أن يقال: إنها تظهر فيما إذا حلف الكفيل أن لا دين عليه فعلى الاصح لا يحنث، وعلى الضعيف يحنث، وجهد المقل دموعه وسيأتي عند قوله وبطل تعليق البراءة من الكفالة بالشرط ما يقتضي أن يكون ثمرة. وفي الخانية: رجل ادعى على غيره أنه ضمن له عن فلان الغائب كذا كذا درهما قال الشيخ الامام: يحلفه بالله ما له عليك هذا المال من الوجه الذي يدعي. وعن أبي يوسف إن عرض المدعى عليه للقاضي فإنه يحلفه بالله ما له عليك هذا المال من الوجه الذي يدعي، وإن لم يعرض حلفه بالله ما ضمن. والتعريض أن يقول المدعى عليه أن الرجل قد يضمن مالا ثم يؤدي أو يبرئه الطالب أو يؤديه المضمون عنه فيبرأ الضامن اه‍. وينبغي أن يكون قول الشيخ الامام مفرعا على أنها للضم في الدين، وما عن أبي يوسف مفرع على الاصح كما لا يخفى. ومما يضعف أنها الضم في الدين أن المديون لو دفع الدين ثم كفل به إنسان قالوا: لا يصح مع قولهم ببقاء الدين بعد الدفع وأن الساقط المطالبة بالالفاظ

[ 344 ]

الآتية ولم يجعل أبو يوسف في قوله الاخير القبول ركنا فجعلها تتم بالكفيل وحده في المال والنفس. الثالث في بيان ركنها قالوا: هو الايجاب والقبول بالالفاظ الآتية. ولم يجعل أبو يوسف في قوله الاخير القبول ركنها فجعلها تتم بالكفيل وحده في المال والنفس. واختلف على قوله فقيل يتوقف على إجازة الطالب، وقيل تنفذ وللطالب الرد. وثمرة الخلاف فيما إذا مات المكفول له قبل القبول، فمن قال بالتوقف قال لا يؤاخذ الكفيل. الرابع في شرائطها وهي أربعة. أنواع في الكفيل والاصيل والطالب والمكفول به. ثم منها ما هو شرط الانعقاد ومنها ما هو شرط النفاذ، أما شرائط الكفيل فالعقل والبلوغ وهما شرطان للانعقاد فلا ينعقد كفالة مجنون وصبي إلا إذا استدان الولي دينا في نفقة اليتيم وأمره بأن يضمن المال عنه فإنه صحيح، ولو أمره بكفالة نفسه عنه لم يجز لان ضمان الدين قد لزمه من غير شرط فالشرط لا يزيده إلا تأكيدا لم يكن متبرعا. فأما ضمان النفس وهو تسليم نفس الاب أو الوصي فلم يكن عليه فكان متبرعا به فلم يجز، والحرية شرط نفاذها

[ 345 ]

فلم ينفذ كفالة العبد ولو مأذونا له في التجارة ويؤاخذ بها بعد العتق بخلاف الصبي لا يؤاخذ بها بعد البلوغ لعدم انعقادها، فإن أذن المولى لعبده فيها فإن كان مديونا لم يجز وإلا جازت وبيع فيها إلا إن فداه. ولم تجز كفالة المكاتب عن أجنبي ولو أذن مولاه ويطالب بها بعد عتقه، وتصح كفالة المكاتب والمأذون عن مولاهما، ولا يشترط أن يكون الكفيل صحيحا فتصح كفالة المريض لكن من الثلث لانها تبرع. وأما شرائط الاصيل فالاول أن يكون قادرا على تسليم المكفول به إما بنفسه أو بنائبه فلم تصح الكفالة عن ميت مفلس. الثاني أن يكون معلوما فلو كفل بما على واحد لم تصح ولا يشترط أن يكون حرا بالغا عاقلا. وأما شرائط المكفول له فالاول أن يكون معلوما. الثاني وجوده في مجلس العقد وهو شرط الانعقاد وقد تقدم في بيان الركن، وتفرع على اشتراط قبوله أنه لا بد من عقله لا حريته. وأما شرائط المكفول به فالاول أن يكون مضمونا على الاصيل دينا أو عينا أو نفسا أو فعلا ولكن يشترط في العين أن تكون مضمونة لنفسها. الثاني أن يكون مقدور التسليم من الكفيل فلا تجوز بالحدود والقصاص. الثالث أن يكون الدين لازما وهو خاص بالكفالة فلا تجوز الكفالة ببدل الكتابة. ولا يشترط أن يكون معلوم القدر، الكل من البدائع مختصرا. الخامس في سببها قالوا: سبب وجودها تضييق الطالب على المطلوب مع قصد الخارج دفعه عنه إما تقربا إلى الله تعالى أو إزالة للاذى عن نفسه إذا كان المطلوب ممن يهمه ما أهمه، وسبب شرعيتها رفع هذه الحاجة والضرر الذي ذكرناه. السادس في حكمها ففي البدائع لها حكمان: أحدهما ثبوت

[ 346 ]

مطالبة الكفيل بما على الاصيل فإن كان عليه دين طولب بكله الكفيل أن كان واحدا، وإن كانا اثنين طولب كل واحد بنصفه، وفي الكفالة بالنفس يطالب بإجضاره إن أمكن كما سيأتي. والكفيل بالعين يطالب بتسليمها حال قيامها وببدلها حال هلاكها وبالتسليم يطالب لها وبالفعل جميعا، وقدمنا أنه اشتراط الخيار فيها أكثر من ثلاثة فيما يصح تعليقه وما لا يصح قبيل الصرف. السابع في صفتها فهي عقد جائز به لازم، وسيأتي أن له الرجوع عنها في مسألة بايع فلانا فما بايعته فهو علي. الثامن في محاسنها ومساويها، فمحاسنها جليلة وهي تفريج كرب الطالب الخائف على ماله والمطلوب الخائف على نفسه فقد كفاهما مؤنة ما أهمهما وهو نعمة كبيرة عليهما، ولذا كانت من الافعال العالية حتى امتن الله بها حيث قال * (وكفلها زكريا) * [ آل عمران: 73 ] في قراءة التشديد المتضمن للامتنان على مريم إذ جعل لها من يقوم بمصالحها ويقوم بها. ومساويها كما في المجتبى قال: الامتناع على التكفل أقرب إلى الاحتياط لانه مكتوب في التوراة والزعامة أولها ملامة، وأوسطها ندامة، وآخرها غرامة اه‍. التاسع في أنواعها سيأتي أنها نوعان: كفالة بالنفس وكفالة بالمال. العاشر في دليلها قوله تعالى * (ولمن جاء به حمل بعير وأنابة زعيم) * [ يوسف: 27 ] وقوله صلى الله عليه وسلم الزعيم غارم رواه أبو داود والترمذي. وفي الدر المنثور: الزعيم الكفيل وغارم من الغرم وهو أداء شئ لازم اه‍. ويحتاج إلى معرفة أسامي أربعة: المكفول عنه وهو المديون، والمكفول له وهو الدائن، والكفيل وهو الملتزم، والمكفول به وهو الدين. ويقال للمكفول بنفسه مكفول به ولا يقال مكفول عنه، كذا في التتارخانية. قوله: (وتصح بالنفس وإن تعددت) أي الكفالة بأن أخذ منه كفيلا ثم كفيلا ثم آخر وجاز رجوع الضمير إلى النفس بأن كفل واحد نفوسا كما يجوز بالديون الكثيرة لاطلاق قوله عليه الصلاة والسلام الزعيم غارم من غير فصل بين الكفالة بالمال والكفالة بالنفس. ولا يقال لاغرم في كفالة النفس لانا نقول: الغرم لزوم ضرر عليه ومنه قوله تعالى * (أن عذابها

[ 347 ]

كان غراما) * [ الفرقان: 56 ] ويمكنه العمل بموجبها بأن يخلي بينه وبين المكفول أو يرافقه إذا دعاه أو يكره بالحضور إلى مجلس القاضي وإن لم يقدر استعان بأعوان القاضي، ولانه التزم ما هو واجب على الاصيل وهو حضوره إلى مجلس القاضي، وسيأتي حكم ما إذا تعدد الكفيل فسلم البعض هل يبرأ الباقي. فإن قلت: هل يجبر أحد على إعطاء الكفيل بالنفس؟ قلت: يجبر المدعى عليه على إعطاء الكفيل بمجرد الدعوى، سواء كان المدعى عليه معروفا أو لا في ظاهر الرواية إلا إذا كان غريبا، وسيأتي في كتاب الدعوى. وفي القنية: ليس للمدعي ولا للقاضي طلب الكفيل بقوله لي عليه دعوى قبل بيان الدعوى وإذا طلب القاضي منه كفيلا وامتنع يحبسه القاضي وإنما يأمره بالملازمة، كذا في البزازية. وفي البزازية: وفي الدين المؤجل إذا قرب الحول وأراد المديون السفر لا يجب إعطاء الكفيل. وفي الصغرى: ليس له مطالبة الكفيل ولم يقيد بالمؤجل. وقال الثاني: لو قيل له طلب الكفيل قياسا على نفقة شهر لا يبعد. وفي المنتقى: قال رب الدين مديوني يريد السفر له التكفيل وإن كان الدين مؤجلا. وفي الظهيرية: قالت زوجي يريد أن يغيب فخذ بالنفقة كفيلا لا يجيبها الحاكم إلى ذلك لانها لم تجب بعد. واستحسن الامام الثاني أخذ الكفيل رفقا بها وعليه الفتوى، ويجعل كأنه كفل بما ذاب لها عليه. وفي المحيط: لو أفتى يقول الثاني في سائر الديون بأخذ الكفيل كان حسنا رفقا بالناس. وفي شرح المنظومة لابن الشحنة: وهذا ترجيح من صاحب المحيط اه‍. وفي القنية: إن عرف المديون بالمطل والتسويف يأخذ الكفيل وإلا فلا، وجاز أن يكون المراد من تعددها أن يكون للكفيل كفيل ولذا قال في الخانية: الكفيل بالنفس إذا أعطى الطالب كفيلا بنفسه فمات الاصيل برئ الكفيلان، وكذا لو مات الكفيل الاول برئ الكفيل الثاني اه‍. وأشار بجواز تعددها إلى أن المكفول له إذا أخذ من الاصيل كفيلا آخر بعد الاول لم يبرأ الاول، كذا في الخانية فلقوله وإن تعددت ثلاثة أوجه قوله: (بكفلت بنفسه وبما عبر عن البدن ويجزء شائع) أي تصح الكفالة بالنفس بقوله كفلت بنفس فلان أو برأسه أو وجهه

[ 348 ]

ورقبته وعنقه وكل عضو منه يعبر به عن جميع البدن أو بثلثه أو ربعه، وقد قدمناه في الطلاق. وقد ذكروصحة الكفالة بالروح ولم يذكروه في الطلاق وينبغي الوقوع به، وذكروا في الطلاق الفرج ولم يذكروه هنا وينبغي صحة الكفالة به إذا كانت امرأة، كذا في التتارخانية. ولم يذكر محمد رحمه الله تعالى ما إذا كفل بعينه قال البلخي: لا يصح كما في الطلاق إلا أن ينوي به البدن. والذي يجب أن تصح الكفالة به كالطلاق إذا تعين مما يعبر به عن الكل يقال عين القوم وهو عين في الناس ولعله لم يكن معروفا في زمانهم، أما في زماننا فلا شك في ذلك بخلاف ما لو قال بيده أو رجله ويتأتى في دمه ما تقدم في الطلاق، كذا في فتح القدير. قيدنا بكونه جزء الكفيل عنه لان الكفيل لو أضاف الجزء إليه بأن قال الكفيل كفل لك نصفي أو ثلثي فإنه لا يجوز، ذكره في الكرخي في باب الرهن كذا في السراج الوهاج قوله: (وبضمنته) أي تصح بقوله ضمنت لك فلانا لانه تصريح بمقتضاها قيد بقوله ضمنته لانه لو قال أنا ضامن حتى تجتمعا أو تلتقيا لا يكون كفيلا لانه لم يبين المضمون نفسا أو مالا، كذا في الخانية. وفي السراج الوهاج: لو قال علي حتى نجتمعا أو نلتقيا فهو جائز لاقوله هو علي ضمان مضاف إلى العين وجعل الالتقاء غاية له. وفي التتارخانية: هو علي حتى نجتمعا فهو كفيل إلى الغاية التي ذكرها وعلى هذا فلو قال حتى تلتقيا فهو كفيل إلى الغاية اه‍. قوله: (وبعلى) لان كلمة على للوجوب فهي صيغة التزام. وفي التتارخانية: قال لك عند هذا الرجل أو قال دعه إلي كانت كفالة قوله: (وإلي) بمعناه لقوله صلى الله عليه وسلم من ترك كلا فإلي - أي يتيما فإلي - ومن ترك مالا فلورثته قوله: (وأنا زعيم) لان الكفيل يسمى زعيما قال الله تعالى حكاية عن صاحب يوسف * (وأنابه زعيم) * [ يوسف: 27 ] أي كفيل، كذا ذكر الشارحون لكن ذكر الرازي في شرح مختصر الطحاوي أن من الناس من يظن أن قوله تعالى

[ 349 ]

* (ولمن جاء به حمل بعير وأنابه زعيم) * إن ذلك كفالة وليس منها في شئ‌لان القائل مستأجر لمن جاء به وهو الذي يلزمه ضمان الاجرة التي عقد عليها لمن جاء به وليس ضمانا عن أحد، وجوابه يحمل على أنه كان رسولا من جهة الملك والرسول سفير فلا تجب الاحكام عليه كأن يقول إن الملك قال لمن جاء به حمل بعير ثم يقول من جهته وأنا بذلك الحمل على الملك كفيل. وذكر الفخر الرازي بعد ما قرر أنها دليل الكفالة إلا أن هذه كفالة لرد مال السرقة وهو كفالة ما لم يجب لانه لا يحل للسارق أن يأخذ شيئا على رد السرقة ولعل مثل هذه الكفالة كانت تصح عندهم اه‍. وذكر القاضي أن في هذه الآية دليلا على جواز الجعالة وضمان الجعل قبل تمام العمل اه‍. وفي الدر المنثور للاسيوطي عن مجاهد في قوله وأنابه زعيم قال: الزعيم هو المؤذن الذي قال أيتها العير اه‍. قوله: (وقبيل به) أي بفلان لان القبيل هو الكفيل ولذا سمي الصك قبالة لانه يحفظ الحق فمعناه القابل للضمان. وفي الصحاح: القبيل الكفيل والعريف وقد قبل به يقبل به قبالة ونحن في قبالته أي في عرافته، والقبيل الجماعة تكون من الثلاثة فصاعدا من قوم شتى مثل الروم والزنج والعرب والجمع قبل اه‍. وفي التتارخانية: أنا قبيل لك بنفس فلان كان كفيلا كما لو قال على أن آتيك به سواء قوله: (لا بأنا ضامن لمعرفته) أي لا تصح بهذا القول. وقالابو يوسف: يصير ضامنا للعرف لانهم يريدون به الكفالة. وجه ما في الكتاب أنه التزم معرفته دون المطالبة فصار كالتزامه دلالة عليه أو قال أوقفك عليه. وقال الفقيهأبو الليث: هذا القول عنأبي يوسف غير مشهور والظاهر ما عنهما. وفي خزانة الواقعات: وبه يفتى أي بظاهر الرواية، كذا في فتح القدير. وفي الخلاصة: وعليه الفتوى. قيد بالمعرفة لانه لو قال أنا ضامن لتعريفه أو على تعريفه ففيه اختلاف المشايخ، والوجه اللزوم لانه مصدر متعد إلى اثنين فقد التزم أن يعرفه الغريم بخلاف معرفته فإنه لا يقتضي إلا معرفة الكفيل للمطلوب، كذا في فتح القدير. ولو قال أنا ضامن لوجهه فإنه يؤخذ به لان الوجه يعبر به عن الجملة فكأنه قال أنا ضامن له، كذا في السراج الوهاج. وأشار إلى أنه لو قال أنا أعرفه لا يكون كفيلا كما في السراج. وفي الخانية: لو قال أنا كفيل لمعرفة فلان لا يكون كفيلا ولو قال معرفة فلان علي قالوا يلزمه أن يدل عليه اه‍. وفي التتارخانية: ألفاظ الكفالة كل ما ينبئ عن العهدة في العرف والعادة ثم قال: لو كفل بنفس رجل وسلمه إليه وبرئ، ثم إن الطالب لزم

[ 350 ]

المطلوب فقال له الكفيل دعه وأنا على كفالتي أو على مثل كفالتي لا شك أنه كفالة مبتدأة. ولم يذكر المصنف الكفالة المقيدة بالوقت. قال في الخانية: رجل كفل بنفس رجل إلى ثلاثة أيام ذكر في الاصل أنه يصير كفيلا بعد الايام الثلاثة وجعله بمنزلة ما لو قال لامرأته أنت طالق إلى ثلاثة أيام فإن الطلاق يقع بعد ثلاثة أيام، وكذا لو باع عبدا بألف إلى ثلاثة إيام يصير مطالبا بالثمن بعد الايام الثلاثة. وعن أبي يوسف يصير كفيلا في الحال، وقال في الطلاق يقع الطلاق في الحال أيضا. وقال الفقيه أبو جعفر: يصير كفيلا في الحال. قال: وذكر الايام الثلاثة لتأخير المطالبة إلى ثلاثة أيام لا لتأخير الكفالة ألا ترى أنه لو سلم المكفول به قبل الايام الثلاثة بجبر الطالب على القبول كتعجيل الدين المؤجل. وما ذكر في الاصل أراد به أن يكون كفيلا مطالبا بعد الثلاثة وغيره أخذ بظاهر الكتاب وقالوا: لا يصير كفيلا للحال فإذا مضت قبل تسليم النفس كان كفيلا أبدا إلى أن يسلم، فإذا قال أنا كفيل بنفس فلان من اليوم إلى عشرة أيام صار كفيلا في الحال، فإذا مضت العشرة خرج عنها. ولو قال أنا كفيل بنفسه إلى عشرة أيام فإذا مضت العشرة فإني برئ قال ابن الفضل: لا مطالبة عليه بها لا فيها ولا بعدها، وذكر في الاصل كفلت بنفس فلان شهرا كان كفيلا أبدا كقوله أنت طالق شهرا، ولو قال علي نفسه إلى شهر عن محمد أنه قال لا سبيل عليه حتى يمضي شهر، ولو قال نفسه علي إلى شهر فإذا مضى شهر فأنا برئ منه قال: هذا لم يضمن شيئا اه‍. وفي التتارخانية: إذا كفل إلى ثلاثة أيام كان كفيلا بعد الثلاثة ولا يطالب في الحال في ظاهر الرواية. وفي السراج: وهو الاصح. وفي الصغرى: وبه يفتى. وفي البزازية: كفل بنفسه إلى شهر على أنه برئ إذا مضى شهر قال الفقيهأبو الليث: الفتوى على أنه لا يصير كفيلا. وفي الواقعات: الفتوى على أنه يصير كفيلا كفل إلى شهر طالبة بعد شهر ويبطل ما قاله البعض أنه كفيل في الحال مؤجلا إلى شهر، دل عليه ما ذكره عصام أنه لو قال أنت طالق إلى شهر يقع بعد الاجل إلا أن ينوي الوقو في الحال دل على أنه لا يصير كفيلا في الحال وبه يفتى بخلاف أمر امرأتي بيدها إلى شهر حيث يصير الامر بيدها في الحال إلى شهر لان الطلاق لا يحتمل التأقيت والامر يحتمله، وكذا الكفالة تحتمل التأقيت، ولا نعني بقوله إنه كفيل بعد شهر أنه ليس بكفيل للحال ألا ترى أن الكفيل لو سلم للحال يجب على الطالب القبول ولو لم يصر كفيلا إلا بعد الشهر لما أجبر في الحال لكن ذكر الشهر تأجيل للكفيل حتى لا يطالب للحال ويطالب بعد الاجل اه‍. قوله: (وإن شرط تسليمه في وقت بعينه أحضره فيه إن طلبه) لانه التزمه بالشرط في الكفالة فيجب عليه الوفاء به إن طلبه في ذلك الوقت أو بعده كالدين المؤجل إذا حل قوله:

[ 351 ]

(أحضره وإلا حبسه الحاكم) لامتناعه عن إيفاء ما وجب عليه ولكن لا يحبسه أول مرة حتى يظهر مطله لانه جزاء الظلم وهو ليس بظالم قبل المطل. وذكر الشارح أنه ينبغي أن يفصل كما فصل في الحبس بالدين من أنه إن ثبت الدين بإقراره لم يعجل بحبسه وإلا عجل وظاهره أنه لم يطلع على نقل في المسألة. وفي البزازية: أقر بالكفالة بالنفس أو ثبتت بالبينة عند الحاكم قال الخصاف) لا يحبسه فيهما أول مرة، وفي ظاهر الرواية كذلك في الاقرار وأما في البينة يحبسه ولو أول مرة اه‍. وهكذا في الخانية وصرح فيها بأنه كالدين. وفي النهاية: هذا إذا لم يظهر عجزه، فإن ظهر فلا معنى لحبسه إلا أن لا يحال بينهما بل يلازمه كالمديون. وفي شرح المنظومة معزيا إلى المبسوط: لو ادعى الكفيل بالنفس أنه دفعه إلى وكيل الطالب وأنكر الطالب حلف على علمه لانه استحلاف على فعل الغير بخلاف ما إذا ادعى الكفيل بالنفس أنه دفع إليه فإنه يستحلف على البتات. وفي السراج الوهاج: ثلاثة كفلوا رجلا بنفسه كفالة واحدة فأحضره أحدهم برؤوا جميعا، وإن كانت الكفالة متفرقة لم يبرأ الباقون لان الكفالة إذا كانت واحدة فالاحضار المستحق واحد، فإذا سلمه واحد لم يبق هناك إحضار أحد، وأما إذا تفرقت فكل عقد أوجب إحضارا على حدة فإحضار واحد لا يسقط إحضار غيره، ولو تكفلوا بمال كفالة واحدة أو متفرقة فأدى واحد جميع المال برئ الباقون لان المكفول به مال واحد، فإذا أداه واحد لم يبق على غيره مال اه‍. وفي البزازية: كفل بنفس رجل لرجلين فسلمه إلى أحدهما برئ له والآخر على حقه لان كلا منهما ليس نائب الآخر قوله: (وإن غاب أمهله مدة ذهابه وأيابه) يعني لا يحبسه لعدم ظهور مطله وهو مقيد بما إذا أراد الكفيل السفر إليه فإن أبى حبسه للحال من غير إمهال كما في البزازية. وفي التتارخانية: وإن كان في الطريق عذر لا يؤاخذ الكفيل به والاياب بالكسر الرجوع من آب يؤب أوبا وأوبة وإيابا، كذا في الصحاح. وأشار إلى أنه لو كفل بنفس محبوس أو غائب صح كما في البزازية. وقوله وإن غاب أي وإن ثبت عند القاضي أن الكفيل غائب ببلد آخر بعلم القاضي أو ببينة أقامها الكفيل كما في البزازية. أطلقه فشمل المسافة القريبة والبعيدة كمفي فتح القدير قوله: (فإن مضت ولم يحضره حبسه) لانه ظهر مطله إلى أن يظهر للقاضي تعذر إحضاره بشهود أو بدلالة الحال فيطلقه كالمديون المفلس وينظره إلى وقت قدومه، ولا يحول بينه وبين الطالب فيلازمه ولا يمنعه من أشغاله، كذا في فتح القدير، وإن أضرته ملازمته استوثق منه كفيل، كذا في التتارخانية.

[ 352 ]

قوله: (فإن غاب ولم يعلم مكانه لا يطالب به) لانه عاجز ولا بد من ثبوت أنه غائب لم يعلم مكانه، إما بتصديق الطالب وعليه اقتصر الشارح، أو ببينة أقامها الكفيل لما في القنية عن علي السغدي: إذا غاب المكفول عنه فللدائن أن يلازم الكفيل حتى يحضره، والحيلة في دفعه أن يدعي الكفيل عليه أن خصمك غائب غيبة لا تدري فبين لي موضعه فإن أقام بينة على ذلك تندفع عنه الخصومة اه‍. وفي ملازمة الطالب الكفيل عند عجزه عن إحضار الاصيل اختلاف ذكر السرخسي أنه يلازمه، وذكر شيخ الاسلام إنه لا يلازمه، كذا في التتارخانية. فإن اختلفا ولا بينة فقال الكفيل لا أعرف مكانه وقال الطالب تعرفه، فإن كان له خرجة معلومة للتجارة في كل وقت فالقول للطالب ويؤمر الكفيل بالذهاب إلى ذلك الموضع وإلا فالقول للكفيل لتمسكه بالاصل وهو الجهل. وقوله لا يطالب به مقيد بما إذا لم يبرهن الطالب على أنه بموضع كذا، فإن برهن أمر الكفيل بالذهاب إليه وإحضاره لانه علم مكانه، ولو علم أنه ولحق بدار الحرب يؤجل الكفيل مدة ذهابه وأيابه ولا تبطل باللحاق بدار الحرب لانه وإن كان موتا حكما لكن بالنسبة إلى ماله وإلا فهو حي مطالب بالتوبة والرجوع، هكذا أطلقه في النهاية. وقيده في الذخيرة بما إذا كان الكفيل قادرا على رده بأن كان بيننا وبينهم مواعدة أنهم يردون إلينا المرتد وإلا لا يؤاخذ به اه‍. وهو تقييد لا بد منه ثم في كل موضع قلنا: إنه يؤمر بالذهاب إليه للطالب أن يستوثق بكفيل من الكفيل حتى لا يغيب الآخر. وفي الخانية: الكفيل بالنفس إذا منع المكفول به عن السفر إن كانت الكفالة حالة كان له أن يمنعه حتى يخرجه عند عهدة الكفالة، وإن كانت الكفالة مؤجلة ليس له أن يمنعه من الخروج قبل حلول الاجل اه‍. ظاهره أن للكفيل ملازمة الاصيل إذا كانت حالة وإن لم يلازمه الطالب قوله: (فإن سلمه بحيث يقدر المكفول له أن يخاصمه كمصر برئ) لانه أتى بما التزمه إذ لم يلتزم تسليمه إلا مرة واحدة وحصل مقصود الطالب فلم تبق الكفالة كما لو تكفل بمال فقضاه. أطلقه فشمل ما إذا كان للتسليم وقت فسلمه قبله أو لا لان الاجل حق الكفيل فلإسقاطه كالدين المؤجل إذا قضاه المديون قبل الحلول والتسليم بالتخلية بينه وبين الخصم وذلك برفع الموانع فيقول له هذا خصمك فخذه إن شئت، فإن سلمه بعد طلبه برئ مطلقا وإلا فلا يبرأ حتى يقول سلمته إليك بجهة الكفالة. وفي القنية: كان المكفول له جالسا مع قوم في مدرسة فجاء الكفيل بالمكفول عنه وقال له هو المكفول عنه فلم يجلس بل مر وخرج إلى باب آخر فهذا القدر تسليم منه اه‍. قيد بقوله بحيث يقدر للاحتراز عما إذا

[ 353 ]

سلمه في برية أو في سواد فإنه لا يبرأ لعدم قدرته على مخاصمته في ذلك المكان، سواء شرط تسليمه في مجلس القاضي أو لا. وفي الخانية: وهو نظير ما إذا سلم المديون الدين للطالب حين خرج اللصوص فإنه لا يبرأ. وفي القنية: سلم الكفيل بالنفس المكفول عنه إلى الطالب ليلا في مكان لا يمكنه العصمة وفر منه فإن كان التسليم بطلبه يخرج عن العهدة اه‍. قوله: (ولو شرط تسليمه في مجلس القاضي سلمه ثم) لان الشرط مفيد فإن سلمه في مجلسه برئ. وأفاد بقوله سلمه ثم إلى اشتراط ذلك فإن سلمه في السوق لم يبرأ وهو قول زفر وبه يفتى في زماننا لتهاون الناس في إقامة الحق، ومحل الاختلاف في بلدة لم يعتادوا نزع الغريم من يد خصمه، كذا في التتارخانية. وهذه إحدى المسائل التي يفتى فيها بقول زفر رحمه الله تعالى، ومنها قعود المريض في صلاته كقعود المصلي في التشهد، ومنها سماع البينة من امرأة الغائب ليقرر القاضي لها نفقة، ومنها أن الوكيل بالخصومة لا يلي القبض، ومنها تضمين الساعي إذا سعى به إلى السلطان وغرمه شيئا، ومنها أن رؤية البيت من الصحن لا يكفي بل لا بد من رؤية داخله، ومنها أن رؤية ظاهر الثوب مطويا لا يكفي بل لا بد من نشره فهي سبع، وليس المراد الحصر. وفي القنية: كفل بنفسه في البلد وسلمه في الرساتيق صح إن كان فيها حاكم. وقال العلاء التاجرى والبدر: الظاهر لا يصح. قال رضي الله تعالى عنه: وجوابهما حسن لان أغلب قضاة رساتيق خوارزم ظلمة فلا يقدر على محاكمته على وجه العدل دون رساتيقهم اه‍. وإن سلمه في مصر آخر غير المصر الذي كفل فيه برئ عند أبي حنيفة إن كان فيه سلطان أو قاض وكانت الكفالة غير مقيدة بمصر وإلا فلا يبرأ اتفاقا، كذا في التتارخانية لامكان إحضاره إلى محلس القاضي، ولا يبرأ عندهما لاحتمال أن يكون شهودة

[ 354 ]

فيما عينه. وفي فتح القدير: وقولهما أوجه قيل إنه اختلاف عصر وزمان لاحجة وبرهان. وفي البزازية: ضمن نفس رجل وحبس المطلوب في السجن فسلم لا يبرأ، ولو ضمن وهو محبوس فسلمه فيه يبرأ، ولو أطلق ثم حبس ثانيا فدفعه إليه فيه. أن الحبس الثاني من أمور التجارة ونحوها صح الدفع وإن في أمور السلطان ونحوها لاحبس الطالب المطلوب ثم طالب الكفيل به فدفعه وهو في حبسه قال محمد: برئ اه‍. وفي الخانية: ولو كفل بنفس رجل وهو غير محبوس ثم حبس فخاصم الطالب الكفي‍ إلى القاضي الذي حبسه فقال الكفيل كفلت به وأنت حبسته بدين فلان آخر له عليه عن محمد أن القاضي يأمر بإحضار المطلوب حتى يسلمه الكفيل إلى المكفول له ثم يعاد إلى الحبس اه‍. ولو سلمه وهو مع رسول القاضي وهو ممتنع به لا يبرأ ولو سلمه قدام الحاكم برئ، كذا في البزازية. وفي فتح القدير: ولو قال المطلوب في الحبس دفعت نفسي إليه بالكفالة برئ الكفيل وفي الواقعات: رجل كفل بنفس رجل وهو محبوس فلم يقدر أن يأتي به الكفيل لا يحبس الكفيل لانه عجز عن إحضاره اه‍. وفي التتارخانية: إذا شرط تسليمه عند القاضي فسلمه عند الامير أو شرط تسليمه عند هذا القاضي فسلمه عند قاض آخر جاز. قوله: (وتبطل بموت المطلوب والكفيل لا الطالب) لعجزه عن إحضاره له بعد موته، وكذا بعد موت الكفيل، ووارثهما لا يقوم مقامهما لان الخلفية فيما له لا فيما عليه، وما له لا يصلح لايفاء هذا الحق وهو إحضار المكفول به، وقد تبع المصنف صاحب الهداية في بطلانها بموت الكفيل، وفي الكرخي في باب الصلح عن الحقوق التي ليست بمال إنها لا تبطل بموت الكفيل ويطالب وارثه بإحضاره، كذا في السراج الوهاج. قيد بالكفالة بالنفس لان الكفيل بالمال إذا مات لا تبطل لان حكمها بعد موته ممكن فيوفي من ماله ثم ترجع الورثة على المكفول عنه إن كانت بأمره وكان الدين حالا، فإن كان مؤجلا لا رجوع لهم حتى يحل الاجل وإلا فلا كأدائه بنفسه، وأما موت الطالب فلا يبطلها لان وصيه ووراثه يخلفونه. أطلق المطلوب فشمل العبد لكن في الخلاصة: لو كفل بنفسه العبد فمات العبد برئ الكفيل إن كان المدعى به المال على العبد، وإن كان المدعى به نفس العبد لا يبرأ وضمن قيمته

[ 355 ]

اه‍. وأشار باقتصاره في بطلانها على موت المطلوب والكفيل إلى أنها لا تبطل بإبراء الاصيل لما في البزازية: ولو كفل بنفس ثم أقر الطالب أنه لا حق له قبل المكفول به له أن يأخذ الكفيل بتسليمه ولا يبرأ، ولو قال الطالب لا حق لي قبل المكفول به لا من جهته ولا من جهة غيره لا بوكالة ولا بوصاية ولا بولاية برئ من الكفالة اه‍. فقولهم براءة الاصيل توجب براءة الكفيل إنما هو في الكفالة بالمال اللهم إلا أن يقال أن صورة براءة الاصيل فيما إذا كانت الكفالة بالنفس أن يقول ما ذكره فحينئذ الكلام على عمومه. وفي السراج الوهاج: إذا مات المكفول له لم تبطل ويسلمه الكفيل إلى ورثته فإن سلمه إلى بعضهم برئ منهم خاصة وللباقين مطالبته بإحضاره، فإن كانوا صغارا فلوصيهم مطالبته بأحضاره فإن سلمه إلى أحد الوصيين برئ في حقه وللآخر مطالبته، كذا في الينابيع اه‍. ومن الغريب ما في منظومة ابن وهبان وعزاه في الشرح إلى النتف أنها تبطل بموت الطالب والمعروف في المذهب خلافه. وفي فروق الكرابيسي: الكفالة على الكفالة جائزة وبموت الاصيل يبطلان وبموت الكفيل الاول يبرأ الثاني. والحوالة بعد الحوالة تبطل الحوالة الاولى لان الكفالة للتوثق والثانية تزيده والحوالة نقل وهما لا يحتمعان اه‍. قوله: (وبرئ بدفعه إليه وإن لم يقل إذا دفعته إليك فأنا برئ) لان موجب الدفع إليه البراءة فتثبت وإن لم ينص عليها كالمديون إذا سلم الدين والغاصب إذا سلم المغصوب والبائع إذا سلم المبيع. وأطلقه فشمل ما إذا قال سلمته إليك بجهة الكفالة أو لا إن طلبه منه، وأما إذا لم يطلبه منه فلا بد أن يقول لك كما قدمناه. وإذا أقر الطالب بقبض المكفول برئ الكفيل ولا يحتاج فيه إلى النص لان الظاهر أنه لا يقر إلا باستيفاء حقه، ولو سلم الكفيل المكفول إلى الطالب فأبى أن يقبله أجبر على قبوله بمعنى أنه ينزل قابضا كالغاصب إذا رد العين والمديون إذا دفع الدين بخلاف ما إذا سلمه فضولي فإنه لا يجبر كما إذا قضى الدين فضولي أي غير مأمور بذلك، والضمير في قوله إليه راجع إلى الطالب. وأطلقه فشمل ما إذا كان غير صاحب الحق كما إذا كان الآخذ للكفيل وكيل الدائن فيبرأ بتسليمه إلى الموكل مطلقا وإلى الوكيل إن أضافه إلى نفسه، وإن أضافه إلى موكله لم يبرأ بتسليمه إلى الوكيل لانه رسول، كذا في التتارخانية. وكما إذا أخذ القاضي من المدعى عليه كفيلا بالنفس بطلب المدعي أو بغير طلبه وسلمه الكفيل إلى القاضي برئ، وإن سلمه إلى المدعي لا يبرأ. هذا إذا لم يضفه القاضي فإن أضافه وقال القاضي إن المدعى يطلب منك كفيلا بالنفس فأعطه كفيلا بنفسك فسلم الكفيل للقاضي لا يبرأ، وإن سلمه إلى المدعى يبرأ، كذا في الخانية والبزازية. ورسول القاضي وأمينه كالقاضي، ولو كفل بنفسه إلى الوصي فسلمه إلى الورثة أو الغريم لا يبرأ، كذا في البزازية. وفي القنية: كفل بنفس رجل على أن

[ 356 ]

يسلمه إلى المكفول له متى طالبه به ثم سلمه إليه قبل أن يطالبه ولم يقبله يبرأ لان حكم الكفالة وجوب التسليم وهو ثابت في الحال. وقوله على أن يسلمه إليه متى طالبه به يذكر للتأكيد لا للتعليق فقد سلمه إليه حال كونه كفيلا فيبرأ اه‍. وإنما ذكروا هذه المسألة أعني مسألة الكتاب مع ظهورها كما قاله الفقيه أبو الليث لدفع توهم أنه يلزم الكفيل تسليمه مرة بعد مرة إلى أن يستوفي حقه لان الكفالة ما أريدت إلا للتوثق لاستيفاء الحق، فما لم يستوفه يجب عليه تسليمه إلى أن يستوفيه فأزال هذا الوهم ببيان أن عقد الكفالة يوجب التسليم مرة لا بقيد التكرار، كذا في فتح القدير. قوله: (وبتسليم المطلوب نفسه من كفالته وبتسليم وكيل الكفيل ورسوله) أي يبرأ الكفيل بتسليم هؤلاء لان المطلوب يطالب بتسليم نفسه فإذا سلم نفسه حصل المقصود فلا معنى لبقائها كالمحيل إذا قضى الدين بنفسه فإنه يصح قبل الطالب أو، وفعل نائب الكفيل كفعله. وقيد بقوله من كفالته لانه لا يبرأ الكفيل حتى يقول المكفول سلمت نفسي إليك من الكفالة ولو أخر قوله من الكفالة لكان أولى لان الوكيل والرسول كالمكفول لا بد من التسليم عنها وإلا لا يبرأ. وقيد بتسليم النفس لان المديون لو دفع الدين إلى الكفيل قبل أن يوفي عنه ولم يقل إنه عن كفالتك كان قضاء لانه الغالب وتستحق عليه فانصرف إليه كذا في القنية. وقيد بالوكيل والرسول لانه لو سلمه أجنبي بغير أمر الكفيل وقال سلمت إليك عن الكفيل وقف على قبوله، فإن قبله الطالب برئ الكفيل، وإن سكت لا. وفي السراج الوهاج: ولو سلم المكفول بالنفس نفسه إلى المكفول له بجهة الكفالة فإنه يجبر على القبول حتى يبرأ الكفيل، وهذا إذا كانت الكفالة بالامر، أما إذا كانت بغير الامر لا يبرأ، كذا في الفوائد اه‍. ولم يظهر هذا التفصيل ثم ظهر لي أن المراد أمر المطلوب وأن الكفالة بالنفس على وجهين: إما أن تكون بأمر المطلوب أو بغير أمره لما في التتارخانية: ولو كفل بنفسه بغير أمره فلا مطالبة للكفيل عليه إلا أن يجده فيسلمه فيبرأ اه‍. فعلى هذا إذا ضمنه بغير أمره لا يأثم بعدم التمكين منه فله الهرببخلاف ما إذا كان بأمره، وعلى هذا فما قدمناه من منعه من السفر إنما هو فيما إذا كانت بأمره، وزاد في الاصلاح على رسوله إليه. وقال في الايضاح: وإنما قال إليه لان رسوله إلى غيره كالاجنبي اه‍. وفي التتارخانية: يشترط التسليم عن الكفالة ولا يحتاج أن يقول عن كفالة فلان إنما يحتاج تعيينه إذا كان كفله لرجلين، ولو قال بعد قوله ورسوله وكفيله لكان أولى لان كفيل الكفيل لو سلمه برئ كما في التتارخانية، فلو قال وبتسليم نائب الكفيل عنه لكان أحسن. قوله: (فإن قال إن لم أواف به غدا فهو ضامن لما

[ 357 ]

عليه فلم يواف به أو مات المطلوب ضمن المال) لان الكفالة بالمال معلقة بشرط عدم الموافاة وهو متعارف يصح تعليقها به فإذا وجد الشرط لزمه المال ولا يبرأ عن كفالة النفس لانها كانت ثابتة قبلها ولا تنافيها كما لو كفلهما جملة. والمراد بقوله ولم يواف به مع قدرته عليه فإن عجزلا يلزمه إلا إذا عجز بموت المطلوب أو جنونه وموت المطلوب وإن أبطل الكفالة بالنفس فإنما هو في حق تسليمه إلى الطالب لا في حق المال. وقيد بموت المطلوب لان الكفيل لو مات لم يوجد شرط الكفالة المعلقة لان وارثه يقوم مقامه كموت الطالب فإن الكفيل إذا سلمه إلى وارثه برئ، ولو أبرأه الطالب عن كفالة النفس فلم يواف به لا يجب المال لفقد شرطه، ولو اختلف فقال الكفيل وافيتك وقال الطالب لم توافني به فالقول للطالب والمال لازم على الكفيل لان سبب وجوب المال التزام المال بالكفالة إلا أن الموافاة شرط للبراءة فلا يثبت بقول الكفيل، كذا في الخانية. وفي البزازية: وفيما إذا علق المال بعدم الموافاة لا يصدق الكفيل على الموافاة إلا بحجة وبيانه ما ذكره في نظم الفقه: قال الكفيل دفعته إليك اليوم المشروط وأنكره الطالب فالامر على ما كان في الابتداء ولا يمين على واحد منهما لان كلا منهما مدع الكفيل البراءة والطالب الوجوب ولا يمين على المدعي عندنا اه‍. وفي فروق الكرابيسي: رجل كفل بنفس رجل على أنه إن لم يواف به غدا فعليه المال فلم يوافه لكن المدعي وجد المدعى عليه ولازمه حتى الليل يلزمه المال، وكذا لو تغيب الطالب فلم يجده لزمه المال. هنا فصول: الثاني لو شرط على الكفيل مكانا فجاء الكفيل بالمكفول به في ذلك المكان وتغيب الطالب لزم المال الكفيل. الثالث لو اشترى بالخيار فتوارى البائع الرابع حلف ليقضين دينه اليوم فتغيب الدائن. الخامس جعل أمر امرأته بيدها إن لم تصل نفقتها فتغيبت، وعند أبي يوسف ينصب القاضي قيما في الفصلين الاخيرين لا في وفي الخلاصة: إذا توارى الاول لان الطالب متعنت فيهما لا في الاول اه‍ وفي الخلاصة: إذا توارى الطالب والبائع نصب القاضي وكيلا عن الغائب قال الفقيه أبو الليث: هذا خلاف قول أصحابنا وإنما روي في بعض الروايات عن أبي يوسف ولو فعل القاضي فهو حسن اه‍. وجعل قاضيخان في فتاواه المسائل كلها على الخلاف وأن القاضي ينصب وكيلا عن الغائب على قول المتأخرين وهو قول أبي يوسف ا ه‍. ولم يصور المصنف المسألة بالالف كما في الهداية لبيان أن معلومية القدر ليست شرطا لصحتها فإذا قال بما عليه فمهما ثبت بالبينة أنه عليه لزمه كما سيأتي، كذا في النهاية. وكذلك لو قال الكفيل بالنفس

[ 358 ]

إن لم أوافك به غدا فعلى ما أقر به المطلوب فلم يواف به غدا فأقر المطلوب أن عليه خمسمائة كان الكفيل ضامنا لما أقر، وليس هذا كما لو قال إن لم أوافك غدا فأنا ضامن لما ادعيت عليه فلو يواف به غدا فادعى الطالب عليه مالا لا يلزمه المال، وكذا لو قال إن لم أوافك به غدا فما ادعيت عليه فهو علي فلم يواف به غدا فادعى الطالب عليه مالا لا يلزمه، كذا في فتاوى قاضيخان بعد مراجعة نسخة صحيحة. وقوله إن لم أدفعه إليك غدا بمنزلة إن لم أوافك به كما في الخانية. ولو قال الكفيل بالنفس إن غاب عنك المكفول فأنا ضامن لما عليه فغاب المكفول إلى الكوفة ولم يطلبه الطالب ثم دفعه الكفيل إليه بعد رجوعه من الكوفة فالكفيل ضامن للمال لانه علقها بالغيبة، ولو قال قد كفلت لك بنفس فلان فإن غاب ولم أوافك فأنا ضامن لما عليه فغاب قبل أن يوافي لزمه المال، وهو بمنزلة ما لو قال إن غاب قبل أن أوافيك به. ولو قال إن غاب فلم أوافك به فأنا ضامن لما عليه فهذا على أن يوافيه بعد الغيبة، كذا في الخانية. وفيها أيضا: ولو كفل بنفس رجل على أن يوافي به إذا جلس القاضي، فإن لم يواف به فعليه الالف التي للطالب عليه فلم يجلس القاضي أياما وطلب المدعي ولم يأت به فلا شئ على الكفيل من المال لانه علق الكفالة بالمال بعدم الموافاة إذا جلس القاضي ا ه‍. وقوله في الكتاب فأنا ضامن ليس بقيد ففي الخانية: إن لم أواف به فعندي لك هذا المال لزمه لان عندي إذا استعمل في الدين يراد به الوجوب، وكذا لو قال إلى هذا المال. وقيد بعدم الموافاة للاحتراز عما في البزازية: كفل بنفسه على أنه متى طالبه سلمه فإن لم يسلمه فعليه ما عليه ومات المطلوب وطالبه بالتسليم وعجز لا يلزمه المال لان المطالبة بالتسليم بعد الموت لا تصح، فإذا لم تصح المطالبة لم يتحقق العجز الموجب للزوم المال فلا يجب ا ه‍. وفي القنية: كفل بنفسه وقال إن عجزت عن تسليمه إلى ثلاثة أيام فعلي المال ثم حبس بحق أو بغير حق أو مرض مرضا يتعذر إحضاره يلزمه المال بعد الثلاثة ا ه‍. وفي وكالة منية المفتي: قال إن وافيتك به غدا فعلي ما عليه ثم وافى به لم يلزمه المال لانه شرط لزومه إن أحسن إليه ا ه‍. يعني أنه تعليق بغير المتعارف فلم تصح الكفالة. قوله: (ومن ادعى على آخر مائة دينار فقال رجل إن لم أوافك به غدا فعليه المائة فلم يواف به غدا فعليه المائة) لوجود الشرط فلزم المال. قيد ببيان المال عند الدعوى لانه لو تعلق رجل بآخر وقال لي عليك دعوى ولم يبينها فكفله إنسان بالنفس على أنه إن لم يواف به غدا

[ 359 ]

فعليه مائة دينار ففيه اختلاف. قالا: إذا لم يوافه به لزمته إذا ادعاها المدعي. وقال محمد: لا تلزمه لانه لما لم يبينها وقت الدعوى لم تصح الدعوى فلم يجب حضوره إلى مجلس القاضي فلم تصح الكفالة بالنفس فلم تصح بالمال لانها مبنية عليها. ولهما أنه يمكن تصحيحها لان العادة جرت بالابهام في الدعاوى في غير مجلس القضاء ثم يبينوها عنده دفعا للحيل فصحت الدعوى والملازمة على احتمال البيان، فإذا بين بعده انصرف إلى البيان أولا فظهر به صحة الكفالة بالنفس فصحت بالمال حملا على أن الكفيل كان يعلم خصوص المال المدعى به تصحيحا لكلام العاقل ما أمكن. والحاصل أنا لا نحكم حال صدورها بالفساد بل الامر موقوف على ظهور الدعور بذلك القدر فإذا ظهرت ظهر أنه إنما كفل بالقدر المدعى به. وفي الخلاصة: كفل بنفس رجل على أنه إن لم يواف به غدا فعليه ألف درهم ولم يقل التي عليه فمضى الغد ولم يواف به وفلان يقول لا شئ علي والطالب يدعي ألفا والكفيل ينكر وجوبه على الاصيل فعلى الكفيل ألف درهم عند أبي حنيفة وأبي يوسف في قوله الاول، وفي قوله الآخر وهو قول محمد لا شئ عليه ا ه‍. وهذا يقتضي أن الحاصل أن أبا حنيفة وحده، ويستفاد بها أن الالف تجب على الكفيل بمجرد دعوى المكفول له وإن كان الكفيل ينكر وجوبه، كذا في فتح القدير. وقيد بكون المال على المكفول بالنفس لانه لو كان على غيره ففيه اختلاف كما لو كفل بنفس رجل على أنه إن لم يواف به في يوم كذا فعليه ما للطالب على فلان آخر جاز ذلك استحسانا وهو قول محمد، وفي القياس لا يجوز وهو قول أبي يوسف، ذكره قاضيخان. وفي المحيط: جعل الخلاف على العكس وجعل أبا حنيفة مع أبي يوسف. وفي السراج الوهاج: وكذا لو كفل بنفس رجل على أنه إن لم يواف به غدا كان كفيلا بنفس رجل آخر كان على هذا الاختلاف ا ه‍. ولا بدفي مسألة الكتاب من إقرار المدعى عليه

[ 360 ]

بالمائة لما في السراج الوهاج: لو ادعى على رجل ألفا فأنكره فقال له رجل إن لم أوافك به غدا فهو علي فلم يواف به غدا لا يلزمه شئ لان المكفول عنه لم يعترف بوجود المال ولا اعترف الكفيل بها أيضا فصار هذا مالا متعلقا بخطر فلا يجوز ا ه‍. ولم يذكر المصنف حكم ما إذا علق الكفيل بالمال براءته بموافاته غدا بأن قال كفلت لك مما عليه على أني إن وافيتك به غدا فأنا برئ من المال فوافاه به للاختلاف فيه فإن فيه روايتين: في رواية يبرأ، وفي رواية لا، وهما مبنيان على تعليق براءة الكفيل بالشرط وستأتي في الكتاب والمسألة في السراج الوهاج كما ذكرناه قوله: (ولا يجبر على الكفالة بالنفس في حد وقود) وهذا عند الامام، وقالا بالجبر في حد القذف والقصاص دون غيرهما. قيد بالجبر لان أخذه برضاه بلا طلب في حد القذف والقصاص جائز اتفاقا. لهما أنها شرعت لتسليم النفس وهو واجب على الاصيل فصحت به كما في دعوى المال بخلاف الحدود الخالصة لانها محض حق الله تعالى. وله إطلاق قوله عليه الصلاة والسلام لا كفالة في حد ولانها للاستيثاق ومبناهما على الدرء. والحق التمرتاشي حد السرقة بهما في جواز التكفيل بنفس من عليه إجماعا، وفي الاجبار عليها عندهما، وجعله من حقوق العباد لكون الدعوى فيه شرطا بخلاف غيره لعدم اشتراطها. ولا يجب الحضور بسببها فإذا لم يكفل عنده يلازمه إلى قيام القاضي من مجلسه فإن برهن وإلا خلى سبيله، وليس تفسير الجبر عندهما الجبر بالحبس وإنما هو الامر بالملازمة. قول‍: (ولا يحبس فيهما حتى يشهد شاهدان مستوران أو عدل) أي في الحدود والقود لان الحبس لتهمة الفساد وشهادة المستورين أو الواحد العدل تكفي لاثباتها لان خبر الواحد

[ 361 ]

حجة في الديانات والمعاملات فتثبت شهادة العدل التهمة وإن لم تثبت أصل الحق. وظاهر كلامهم أنها لا تثبت بخبر مستور واحد والحبس بتهمة الفساد مشروع لانه عليه الصلاة والسلام حبس رجلا بتهمة بخلاف دعوى الاموال حيث لا يحبس فيها قبل الثبوت لانه نهاية عقوبتها فلا يثبت إلا بحجة كالحد نفسه، وكلامهم هنا يدل ظاهرا على أن القاضي يعزر المتهم وإن لم يثبت عليه وقد كتبت فيها رسالة وحاصلها أن ما كان من التعزير من حقوقه تعالى فإنه لا يتوقف على الدعوى ولا على الثبوت بل إذا أخبر القاضي عدل بما يقتضيه أحضره القاضي وعزره لتصريحهم هنا بحبس المتهم بشهادة مستورين أو واحد عدل والحبس تعزير، وصرحنا بجواز الهجم على بيت المفسد وجواز إخراجه من البيت وجواز نفيه عن البلد وتخليد حبسه إلى أن يتوب، وأن من ذلك ما إذا سمع صوت غناء في بيته أو أخبر القاضي باجتماعهم على الشراب أو كان يؤذي الناس بيده ولسانه، وجواز التعزير بالقتل وجوازه بأخذ المال. ومعناه على ما في البزازية إمساكه عنه إلى أن يتوب. وفي السراج الوهاج: وأما التعزير فتجوز الكفالة به يعني أنه يجوز للقاضي الابتداء بطلب ذلك لانه من حقوق العباد كالديون ا ه‍. فظاهره أن ما كان من حقوقه تعالى لا يجوز به كالحدود قوله: (وبالمال ولو مجهولا إذا كان دينا صحيحا) أي تصح الكفالة بالمال ولو كان المال مجهولا، وصحتها بالاجماع وصحت مع جهالة المال لبنائها على التوسع ولذا جاز شرط الخيار فيها أكثر من ثلاثة، ويدل عليه إجماعهم على صحتها بالدرك مع أنه لا يعلم كم يستحق من المبيع كله

[ 362 ]

أو بعضه والدين الصحيح ما لا يسقط إلا بالاداء أو الابراء فلم تصح ببدل الكتابة لانه يسقط بدونهما بالتعجيز، وكذا لا يجوز ببدل السعاية عنده خلافا لهما، كذا في السراج الوهاج مع أنه لا يسقط إذ هو لا يقبل التعجيز. وكذا لا تصح الكفالة بدين هو على ابن المكاتب أو عبده لان من دخل في مكاتبته فهو مكاتب لمولاه، كذا في البزازية بخلاف أرش الشجة وقطع الطرف فإنه دين صحيح فصحت به. وفي فتح القدير: وما نوقض به من أنه لو قال كفلت لك بعض مالك على فلان فإنه لا يصح ممنوع بل يصح عندنا والخيار للضامن ويلزمه أن يبين أي مقدار شاء ا ه‍. وفي البدائع: وأما كون المكفول به معلوم الذات في أنواع الكفالات أو معلوم القدر فليس بشرط حتى لو كفل بأحد شيئين غير عين بأن كفل بنفس رجل أو بمن عليه وهو ألف جاز وعليه أحدهما أيهما شاء، وكذا إذا كفل بنفس رجل أو بما عليه أو بنفس رجل جاز آخرا وبما عليه جاز ويبرأ بواحد منهما إلى الطالب، ولو كفل عن رجل بما لفلان عليه أو بما يدركه في هذا البيع جاز ا ه‍ قيد بجهالة المال للاحتراز عن جهالة الاصيل والمكفول له فإنها مانعة حتى لو قال من غصبك من الناس أو بايعك أو قتلك فأنا كفيل لك عنه أو قال من غصبته أنت أو قتلته فأنا كفيل له عنك لا يجوز إلا إذا كانت كفالة يسيرة في المكفول عنه نحو أن يقول كفلت لك بمالك على أحد هذين فيجوز والتعيين للمكفول له لانه صاحب الحق. وفي البزازية: شهدا على رجل أنه كفل بنفس رجل نعرفه بوجهه إن جاء به لكن لا نعرفه باسمه يجوز كما لو قال

[ 363 ]

عند القاضي كفلت لرجل أعرفه بوجهه لان الجهالة في الاقرار لا تمنع صحته ويقال له أي رجل أتيت به وقلت إنه هذا وحلفت عليه برئ ت من الكفالة ا ه‍. وأطلق صحتها فشمل كل من عليه المال حرا كان أو عبدا، مأذونا أو محجورا، صبيا أو بالغا، رجلا أو امرأة، مسلما كان أو ذميا، وكل من له المال لكن في البزازية: الكفالة للصبي التاجر صحيحة لانه تبرع عليه وللصبي العاقل غير التاجر روايتان. ودخل تحت الدين الصحيح بدل العتق فإذا أعتق عبده على مال فكفله به رجل جاز، كذا في البزازية. ومنه ما إذا كان للمكاتب مال على رجل فأمره فضمنه لمولاه من مكاتبته أو دين سوى ذلك جاز لان أصل ذلك المال واجب للمكاتب على الكفيل، وهذا أمر منه أن يدفع ما عليه لمولاه، كذا في البزازية. وخرج عنه كما خرج بدل الكتابة ما لو دفع إلى محجور عشرة لينفقها على نفسه فقال إنسان كفلت بهذه العشرة لا تصح لانه ضمن ما ليس بمضمون، فإن ضمن قبل الدفع بأن قال ادفع العشرة إليه على أني ضامن لك العشرة هذه يجوز، وطريقه أن يجعل الضامن مستقرضا من الدافع ويجعل الصبي نائبا عنه في القبض، وكذا الصبي المحجور إذا باع شيئا فكفل رجل بالدرك للمشتري إن ضمن بعد ما قبض الصبي الثمن لا يجوز، وإن قبل قبضه يجوز. محجور اشترى متاعا وضمن رجل الثمن للبائع عنه لا يلزم الكفيل الثمن، ولو ضمن المتاع يعينه كان ضامنا، كذا في البزازية. وفي التتارخانية: لو ضمن بدل الكتابة وأدى رجع بما أدى. وفي جامع

[ 364 ]

الفصولين: كفل مسلم عن ذمي بخمر لذمي قيل د لا يصح مطلقا، وقيل لو كانت الخمرة بعينها عند المطلوب يصح على قياس قولابي حنيفة إذ يجوز عنده للمسلم أن يلزمه نقل الخمر كما لو أجر نفسه لنقلها اه‍. ودخل فيه ما لو صادر الوالي رجلا وطلب منه مالا وضمن رجل ذلك وبذل الخط ثم قال الضامن ليس لك علي شئ لانه ليس للوالي عليه شئ. قال شمس الاسلام: والقاضي يملك المطالبة لان المطالبة الحسية كالمطالبة الشرعية، كذا في البزازية. فائدة: ذكر الطرسوسي في مؤلف له أن مصادرة السلطان لارباب الاموال لا تجوز إلا لعما بيت المال مستدلا بأن عمر رضي الله تعالى عنه صادر أبا هريرة رضي الله تعالى عنه. وفي الدر المنثورة في تفسير سورة يوسف في قوله تعالى * (اجعلني على خزائن الارض) * [ يوسف: 55 ] قال: اخرج ابن أبي حاتم والحاكم عن أبي هريرة قال: استعملني عمر على البحرين ثم نزعني وغرمني اثني عشر ألفا ثم دعاني بعد إلى العمل فأبيت فقال: لم وقد سأل يوسف العمل وكان خيرا منك؟ فقلت: إن يوسف ابن نبي ابن نبي وأنا ابن أمية وأنا أخاف أن أقول بغير علم وأن أفتي بغير علم وأن يضرب ظهري ويشتم عرضي ويؤخذ مالي ا ه‍. قوله: (بكفلت عنه بألف) بيان لالفاظها وهو صريح. أطلقه فشمل ما إذا كان الاصيل مطالبا به الآن أو لا، فتصح الكفالة عن العبد المحجور ربما يلزمه بعد عتقه باستهلاك أو قرض، ويطالب الكفيل به الآن كما لو فلس القاضي المديون وله كفيل فإن المطالبة تتأخر عن الاصيل دون الكفيل، كذا في التتارخانية. وفي التتارخانية: رجل له مال على رجل فقال رجل للطالب ضمنت لك ما على فلان أن أقبضه وأن أدفعه إليك قال: ليس هذا على ضمان المال أن يدفعه من عنده إنما هذا على أن يتقاضاه ويدفعه إليه، وعلى هذا معاني كلام الناس. ولو غصب من مال الرجل ألفا فقاتله المغصوب منه وأرا أخذها منه فقال رجل لا تقاتله فأنا ضامن لها آخذها وأدفعها إليك لزمه ذلك، ولو كان الغاصب استهلك الالف وصارت دينا كان هذا الضمان باطلا وكان عليه ضمان التقاضي ا ه‍. وفي البزازية: ضمن ألفا على أن

[ 365 ]

يؤديها من ثمن الدار هذه فلم يبعها لا ضمان على الكفيل ولا يلزمه بيع الدار ا ه‍. وفيها قبله: كفل عنه بألف على أن يعطيه من وديعته التي عنده جاز إذا أمره بذلك، وليس له أن يسترد الوديعة منه فإن هلكت الوديعة برئ والقول فيه للكفيل، فإن غصبها المودع أو غيره وأتلفها برئ الكفيل ا ه‍ قوله: (وبما لك عليه) وسيأتي أنه لا بد من البرهان أنه له عليه كذا أو إقرار الكفيل وإلا فالقول له مع يمينه. وفي الخانية: رجل قال لجماعة اشهدوا أني قد ضمنت لهذا الرجل بالالف التي له على فلان ثم إن المديون أقام البينة أنه كان قد قضاه قبل أن يضمنه الكفيل قبلت بينته وبرئ المطلوب عن دين الطالب، ولا يبرأ الكفيل عن دين الطالب لان قول الكفيل كان إقرارا منه بالدين عند الكفالة فلا يبرأ الكفيل، ولو أقام المديون بينة على القضاء بعد الكفالة برئ المديون والكفيل جميعا ا ه‍. وفي جامع الفصولين: قال دينك الذي على فلان أنا أدفعه إليك أنا أسلمه إليك أنا أقبضه لا يصير كفيلا ما لم يتكلم بلفظ يدل على الالتزام كقوله كفلت ضمنت على إلي لو أتى بهذه الالفاظ منجزا لا يصير كفيلا ولو معلقا كقوله لو لم تؤد فأنا أؤدي فأنا أدفع يصير كفيلا فهو نظير ما في قول من قال أنا أحج لا يلزمه شئ، ولو قال لو دخلت الدار فأنا أحج لزمه الحج إدا دخل ا ه‍. وفي القنية: أنا في عهدة ما على فلان كفالة وكتبه الكفالة بالحط بعد طلب الدائن كفالة وإن لم يتلفظ بها ا ه‍. وفي الملتقط: رجل جاء بكتاب سفتجة إلى رجل من شريكه فدفعه إليه فقرأه ثم قال ما كتبها لك عندي فهو ليس بضامن، وكذا لو قال الدافع اضمنها لي فقال قد أثبتها لك عندي، ولو قال كتبتها لك على أو قال أثبتها لك على فهذا ضامن نأخذه به ا ه‍. وقدمنا عن التتارخانية أنه لو قال للطالب لك عندي هذا الرجل كان كفيلا به، فعلى هذا كلمة عند لا تفيد الكفالة بالمال وتفيدها بالنفس، وعلي هذا وقعت حادثة قال رجل للدائن لا تطالب فلانا مالك عندي وأفتيت أنه لا يكون كفيلا، وقدمنا عن الخانية في المعلقة بعدم الموافاة أن عندي على فعلى هذا تكون عندي ك‍ " علي في التعليق فقط.

[ 366 ]

قوله: (وبما يدركك في هذا البيع) وهذا هو ضمان الدرك. والدرك لغة بفتحتين وسكون الراء اسم من أدركت الشئ ومنه ضمان الدرك، كذا في المصباح. واصطلاحا الرجوع بالثمن عند استحقاق المبيع. وفي البزازية من آخر الدعوى في فصل الاستحقاق: وإن استحق المبيع وله كفيل بالدرك لا يرجع على الكفيل ما لم يجب على البائع فبعده هو بالخيار ولا يرجع على الكفيل بقيمة البناء والغرس ا ه‍. وفي السراج الوهاج: فإذا استحق المبيع كان للمشتري أن يخاصم البائع أولا فإذا ثبت عليه استحقاق المبيع كان له أن يأخذ الثمن من أيهما شاء، وليس له أن يخاصم الكفيل أولا في ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف أن له ذلك وأجمعوا أنه لو ظهر المبيع حرا كان له أن يخاصم أيهما شاء ا ه‍. قوله: (وما بايعت فلانا فعلى) من أمثلة الكفالة بالمجهول. وفي المبسوط: ولو قال إذا بعته شيئا فهو علي فباعه متاعا بألف درهم ثم باعه متاعا بعد ذلك بألف درهم لزم الكفيل الاول دون الثاني لان حرف إذا لا يقتضي التكرار بخلاف كلما وما ومثل إذا متى وإن. ولو رجع الكفيل عن هذا الضمان قبل أن يبايعه ونهاه عن مبايعته ثم بايعه بعد ذلك لم يلزمه شئ لان لزوم الكفالة بعد وجود المبايعة وتوجه المطالبة على الكفيل فأما قبل ذلك هو غير مطلوب بشئ ولا ملتزم في ذمته شيئا فيصح رجوعه، يوضحه أن بعد المبايعة إنما أوجبنا المال على الكفيل دفعا للغرور عن الطالب لانه يقول إنما اعتمدت في المبايعة معه كفالة هذا الرجل وقد اندفع هذا الغرور حين نهاه عن المبايعة ا ه‍. وفي الولوالجية: لو قال رجعت عن الكفالة قبل

[ 367 ]

المبايعة ثم بايعه لم يلزم الكفيل. فرق بين هذه المسألة وبين الكفالة بالذوب حيث إذا رجع الكفيل قبل الذوب لا يصح، والفرق أن في هذه المسألة هذه الكفالة مبنية على ما هو غير لازم وهو الامر فإنه قال بايعه فما بايعته فهو على إن لم يقل بايعه فهو قائل دلالة فالامر غير لازم، والمبني على الشئ يكون تبعا له وتبع غير اللازم لا يكون لازما، فأما الكفالة بالذوب غير مبنية على ما هو غير لازم ا ه‍. وفي البزازية: فإن قال الطالب والمطلوب تبايعنا على كذا ولزم على كذا لا يلتفت إلى إنكار الكفيل ويؤاخذ بلا بينة، فإن نهاه الكفيل بعد الكفالة عن المبايعة ورجع عن الضمان صح نهيه ولا يجب عليه ضمان ما لزم بالمبايعة بعده، فإن أنكر الكفيل والمكفول عنه المبايعة بعده فبرهن على أحدهما بالمبايعة والتسليم لزمهما ا ه‍. قوله: (وما غصبك فلان فعلي) هو كذلك من أمثلة المجهول. وفي البدائع: لو قال إن غصبك فلان ضيعتك فأنا ضامن لم يجز عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد يجوز بناعلى أن غصب العقار لا يتحقق عندهما خلافا له ا ه‍. وفي القنية: ما غصبك فلان فعلي يشترط القبول للمال ا ه‍. يعني لا عند الغصب، وكذا فيما قبله من ما بايعت وما ذاب. قيد بقوله ما بايعت فلانا لانه لو قال بايع فلانا على أن ما أصابك من خسران فعلي لم يصح، كذا في البزازية. وفيها: إن غصب مالك واحد من هؤلاء القوم فأنا ضامن صح بخلاف قوله إن غصب مالك إنسان حيث لا يصح ا ه‍. وفيها أيضا: طلب من غيره قرضا فلم يقرضه فقال رجل أقرضه فما أقرضته فأنا ضامن فأقرضه في الحال من غير أن يقبل ضمانه صريحا يصح

[ 368 ]

ويكفي هذا القدر قوله: (وطالب الكفيل أو المديون) لانه موجبها ولو قال وطالبهما لكان أولى لبيان ذلك، وليفيد حكم طلب أحدهما بالاولى، وأشار إلى أن له حبس أحدهما. وفي البزازية من القضاء من فصل الحبس: وإذا حبس الكفيل يحبس المكفول عنه معه وإذا لوزم يلازمه لو الكفالة بأمره وإلا لا، ولا يأخذ المال قبل الاداء. دلت المسألة على جواب الواقعة وهو أن المكفول له يتمكن من حبس الاصيل والكفيل وكفيل الكفيل وإن كثروا ا ه‍. وسيأتي في الكتاب ما يشير إليه. ثم اعلم أنه يطالبهما إذا كان المال حالاعليهما، فإن كان حالا على أحدهما مؤجلا على الآخر طالب من حل عليه فقط كما سنشرحه بعد إن شاء الله تعالى قوله: (إلا إذا شرط البرءاة فحينئذ تكون حوالة كما أن الحوالة بشرط أن لا يبرأ بها المحيل كفالة) اعتبارا للمعنى فيهما مجازا لا للفظ، وإذا صارت حوالة جرى فيها أحكامها، وكذا في عكسه تجري أحكام الكفالة. وفي وكالة البزازية: الوصاية حال حياته وكالة والوكالة بعد موته وصاية لان المنظور المعاني ا ه‍. وفي إجارتها وتنعقد بقوله أعرتك هذه الدار شهرا بكذا وكل شهر بكذا ولا تنعقد الاعارة بالاجارة حتى لو قال أجرتك منافعها سنة بلا عوض تكون إجارة فاسدة لا عارية، وكذا لو قال وهبتك منافعها بلا عوض لا تكون عارية ا ه‍. فاستعير لفظ العارية للاجارة دون عكسه وليس خارجا عن قولهم الاعتبار للمعاني لان معنى الاجارة وجد في الاعارة لانها من التعاور وهو التناوب وهو معنى الاجارة حيث كان بعوض والاجارة لا تستعار للاعارة لانها تفيد العوض والاعارة تفيد عدمه، وقدمنا في أول البيوع أن شركة المفاوضة يعتبر فيه لفظها لا المعنى وذكرنا الجواب عنه قوله: (ولو طالب أحدهما كان له أن يطالب الآخر) لما ذكرنا - قالوا - بخلاف المغصوب منه إذا اختار أحد الغاصبين لان اختيار أحدهما يتضمن التمليك منه عند قضاء القاضي به فلا يمكنه التمليك من الآخر بعد ذلك، وأما المطالبة بالكفالة لا تقتضيه ما لم يوجد منه حقيقة الاستيفاء. وفي غصب البزازية: اختار المالك تضمين الغاصب الاول ورضي به الغاصب أو لم يرض لكن حكم له بالقيمة على الاول فليس له أن يرجع ويضمن الثاني، وإن لم يرض به الاول ولم يحكم به كان له أن يرجع ويضمن الثاني، فإن اختاره الاول ولم يعطه شيئا وهو مفلس فالحاكم يأمر الاول بقبض ماله على الثاني ويعطيه له، فإن أبي المالك يحضرهما ثم يقبل البينة على الغاصب الثاني للغاصب الاول ويأخذ ذلك من الثاني فيقبضه.

[ 369 ]

قوله: (ويصح تعليق الكفالة بشرط ملائم كشرط وجوب الحق كأن استحق المبيع) أي ملائم لمقتضي العقد والملاءمة فيه بكونه سببا لوجوبه عبر عنه بالشرط مجازا لان استحقاقه سبب لوجوب الثمن على البائع للمشتري، ومن هذا القبيل ما في الآية فإن الكفالة بالجعل معلقة بسبب وجوبه وهو المجئ بالصاع فإنه سبب وجوب الجعل، وقدمنا الكلام على الآية ومنه ما في الخلاصة ناقلا عن الاصل: قال للمودع إن أتلف المودع وديعتك أو جحدك فأنا ضامن لك صح، وكذا إن قتلك أو ابنك فلان خطأ فأنا ضامن للدية صح بخلاف إن أكلك سبع ونحوه مما ليس ملائما ا ه‍. والاضافة إلى سبب الوجوب حقيقي كما في الكتاب وحكمي كما إذا كفل بالاجرة فإنها لا تجب على الكفيل إلا باستيفاء الاصيل أو التمكن أو شرط التعجيل كأنه مضاف إلى سبب الوجوب، وتمامه إجارة البزازية. قوله: (أو لامكان الاستيفاء كأن قدم زيد وهو مكفول عنه) فإن قدومه سبب موصل للاستيفاء منه، ولم يذكر الشارحون للمختصر مفهوم قوله وهو مكفول عنه ومفهومه أنه لو علقها بقدوم زيد الاجنبي لم يصح. وظاهر ما في القنية الصحة على الاصح قال فيهما لا يصح التعليق بشرط غير متعارف كدخول الدار أو قدوم زيد إلا أن الاصح ما ذكر أبو نصر أنه يصح بقدوم زيد، ذكره في تحفة الفقهاء ا ه‍. وهو بإطلاقه شامل للاجنبي ولكن ينبغي أن يحمل على أنه مكفول عنه لقوله في العناية: قيد بكون زيد مكفولا عنه لانه كان أجنبيا كان التعليق به باطلا كما في هبوب الريح ا ه‍. وهكذا في فتح القدير. والحق أنه لا يلزم أن يكون مكفولا عنه. قال في البدائع: لان قدومه وسيلة إلى الاداء في الجملة لجواز أن يكون مكفولا عنه أو مضار به ا ه‍. ويدل عليه أيضا ما قدمناه من الاصح وعبارة البدائع أزالت اللبس وأوضحت كل

[ 370 ]

تخمين وحدس. وفي البزازية: قال ضمنت لك عن فلان ألفا فإذا قدم فلان فأنا برئ منه إن كان فلان غريما له بألف جاز شرط البراءة، فإن كان فلان أجنبيا ليس بينه وبين الطالب والمطلوب تعلق في هذا الالف تصح الكفالة ويبطل شرط البراءة ا ه‍. فكما يصح تعليقها بقدوم الاصيل يصح تعليق البراءة منها بقدومه قوله: (أو لتعذره كان غاب عن المصر) لان غيبته سبب لتعذر الاستيفاء ومنه ما في المعراج: ضمنت كل مالك على فلان إن توى فهو جائز، وكذا إن مات ولم يدع شيئا فهو ضامن، وكذا إن حل مالك على فلان ولم يوافك به فهو علي أو إن حل مالك على فلان فهو علي وإن مات فهو علي ا ه‍. ومنه ما في البزازية: إن غاب ولم أوافك به فأنا ضامن لما عليه فإن هذا على أن يوافي به بعد الغيبة. وعن محمد قال: إن لم يدفع مديونك مالك أو لم يقضه فهو علي، ثم إن الطالب تقاضى المطلوب فقال المديون لا أدفعه ولا أقضيه وجب على الكفيل الساعة. وعنه أيضا إن لم يعطك المديون دينك فأنا ضامن إنما يتحقق الشرط إذا تقاضاه ولم يعطه ذلك. وفي الفتاوى: إن تقاضيت ولم يعطك فأنا ضامن فمات قبل أن يتقاضاه ويعطيه بطل الضمان ولو بعد التقاضي. قا أنا أعطيك فإن أعطاه مكانه أو ذهب به إلى السوق أو منزله أو أعطاه جاز، وإن طال ذلك ولم يعطه من يومه لزم الكفيل. عبد مأذون مديون طالبه غريمه بكفيل خوفا من أن يعتقه مولاه فقال رجل إن أعتقه مولاه فأنا ضامن جازت الكفالة ا ه‍. ومنه ما في القنية: قال للدائن إن لم يؤد فلان مالك عليه إلى ستة أشهر فأنا ضامن له يصل التعليق لانه شرط متعارف ا ه‍. قوله: (ولا يصح بنحو إن هبت الريح فتصح الكفالة ويجب المال حالا) ومثله التعليق بنزول المطر ودخول الدار وقدوم زيد وهو غيمكفول عنه. وذكر الشارح أن المذكور في المختصر مذكور في الهداية والكافي وهو سهو فإن الحكم فيه أن التعليق لا يصح ولا يلزم المال لان الشرط غير ملائم فصار كما لو علقه بدخول الدار ونحوه مما ليس بملائم، ذكره قاضيخان وغيره. ولو جعل الاصل في الكفالة إلى هبوب الريح لا يصح التأجيل ويجب المال

[ 371 ]

حالا ا ه‍. وهو سهو منه فإن المصنف لم يقل فتصح الكفالة ويجب المال حالا والموجود في النسخ المعتمدة الاقتصار على قوله: ولا تصح بنحو إن هبت الريح ولذا لم ينسب العيني السهو إلى المصنف وإنما نسبه إلى الهداية، فعلى هذا الانسب أن يقرأ ولا تصح بالتاء أي الكفالة لا بالياء ليكون للتعليق، وكل منهما مخطئ في نسبته إلى الهداية وعبارة الهداية هكذا، فأما ما لا يصح بمجرد الشرط كقوله إن هبت الريح أو جاء المطر، وكذا إذا جعل كل واحد منهما أجلا إلا أنه تصح الكفالة ويجب المال حالا لان الكفالة لما صح تعليقها بالشرط لم تبطل بالشروط الفاسدة كالطلاق والعتاق ا ه‍. لان قوله إلا أنه تصح الكفالة إنما يعود إلى الاجل بنحو إن هبت الريح لا إلى التعليق بالشرط. وقوله لما صح تعليقها معناه لما صح تأجيلها بأجل متعارف مجازا ومجوزه عد الثبوت في الحال في كل واحد منهما، وإنما صحت مع الاجل الغير المتعارف ولم تصح مع التعليق بغير المتعارف لان التعليق يخرج العلة عن العلية كما عرف في الاصول والاجل عارض بعد العقد فلا يلزم من انتفائه انتفاء معروضه

[ 372 ]

كما أشار إليه في العناية. وفي فتح القدير: فالحاصل أن الشرط الغير الملائم لا تصح معه الكفالة أصلا ومع الاجل الغير الملائم تصح حالا ويبطل الاجل لكن تعليل المصنف هذا بقوله لان الكفالة لما صح تعليقها بالشرط يقتضي أن في التعليق بغير الملائم تصح الكفالة حالة وإنما يبطل الشرط، والمصرح به في المبسوط وفتاوى قاضيخان أن الكفالة باطلة فتصحيحه أن يحمل لفظ تعليقها على معنى تأجيلها بجامع أن في كل منهما عدم ثبوت الحكم في الحال. وقلد المصنف في هذا الاستعمال لفظ المبسوط فإنه ذكر التعليق وأراد التأجيل. هذا وظاهر شرح الاتقاني المشي على ظاهر اللفظ. وفي الخلاصة: كفل بماله على أن يجعل له الطالب جعلا فإن لم يكن مشروطا في الكفالة فالشرط باطل، وإن كان مشروطا فيها فالكفالة

[ 373 ]

باطلة ا ه‍. وهذا يفيد أنها تبطل بالشروط الفاسدة إذا كانت في صلبها ا ه‍. وهكذا في معراج الدراية ونقل في البناية ما في العناية والمعراج ولم يتعقبه، وقد ظهر لي أنه لا حاجة إلى جعل التعليق بمعنى التأجيل بل المراد إنما صحت الكفالة مع هذا التأجيل لان الكفالة لما صح تعليقها بشرط في الجملة وهو الملائم لم تبطل بالشروط الفاسدة والتأجيل بغير المتعارف شرط فاسد فلم تبطل به، ولا يخالفه فرع الخلاصة لانه الاجل بعد العقد كما قدمناه فليس في صلبها. وفي الخانية: كفل عن رجل بدين له على أن فلانا وفلانا يكفلان عنه بكذا وكذا من هذا المال فأبى الآخران أن يكفلا. قال الفقيه أبو بكر البلخي: الكفالة الاولى لازمة ولا خيار له في ترك الكفالة ا ه‍. قوله: (فإن كفل بماله عليه فبرهن على ألف لزمه) لان الثابت بالبينة كالثابت عيانا ولا يكون قول الطالب حجة عليه كما لا يكون حجة على الاصيل لانه مدع قوله: (وإلا صدق الكفيل فيما أقر بحلفولا ينفذ قول المطلوب على الكفيل) أي وإن لم يبرهن فالقول للكفيل فيما يقر بمع يمينه على نفي العلم لا على البتات كما في الايضاح، ولا يكون قول المطلوب حجة عليه لانه إقرار على الغير وهو معنى قوله ولا ينفذ. قال العيني بالتشديد. قيد بقوله على الكفيل لانه ينفذ على نفسه. قيد بقوله بماله عليه لانه لو كفل بما ذا ب لك على فلان أو بما ثبت فأقر المطلوب بمال لزم الكفيل لان الثبوت حصل بقوله وذاب بمعنى حصل وقد حصل بإقراره بخلاف الكفالة بمالك عليه فإنها بالدين القائم في الحال وما ذاب ونحوه الكفالة بما سيجب والوجوب ثبت بإقراره. وخرج أيضا ما إذا كفل بما قضى لك عليه فلا يلزمه إلا بقضاء القاضي ومثل مالك عليه ما أقر لك به أمس، فلو قال المطلوب أقررت له بألف أمس لم يلزم الكفيل لانه قبل مالا واجبا عليه لا ما لا يجب عليه في الحال ولم يثبت أنه

[ 374 ]

واجب عليه، فلو قال ما أقربه فأقر به للحال لزمه ولو قامت بينة أنه أقر له قبل الكفالة بالمال لم يلزمه لانه لم يقل ما كان أقر لك، ولو أبى المطلوب اليمين فألزمه القاضي اليمين فنكل لم يلزم الكفيل لان النكول ليس بإقرار بل بذل. وفي الخلاصة: رجل قال ما أقر به فلان فعلي فمات الكفيل ثم أقر فلان لزم في تركة الضامن وكذا ضمان الدرك، وإذا كفل بهذا اللفظ في صحته ثم مرض الكفيل فأقر المطلوب بألف لزم المريض جميع ما أقر به في جميع ماله، كذا في الخانية. وفي الخلاصة: رجل قال لآخر بايع فلانا فما بايعته من شئ فهو على صح، فإن قال الطالب بعته متاعا بألف وقبضه مني وأقر به المطلوب وجحد الكفيل يؤخذ به الكفيل استحسانا بلا بينة ولو جحد الكفيل والمكفول عنه البيع وأقام الطالب البينة على أحدهما أنه باعه وسلم لزمهما. وفي فتاوى قاضيخان: رجل قال لغيره ما ذاب لك على فلان من حق أو ما قضى لك عليه من حق فهو علي، فغاب المكفول عنه فأقام المدعي البينة على الكفية أنه له على المكفول عنه ألف درهم لا تقبل بينته حتى يحضر المكفول عنه، ولو أقام المدعي على الكفيل بينة أن قاضي بلد كذا قضى له على الاصيل بعد عقد الكفالة بألف درهم قبلت هذه البينة ويقضي على الكفيل بأمر ويكون ذلك قضاء على الغائب، ولو كفل رجل عن رجل بأمره بما للطالب على المكفول عنه فغاب الاصيل فأقام الطالب البينة على الكفيل أن له على فلان الغائب ألف درهم وأنه كفل له بأمر فلا الغائب قبلت هذه البينة ويكون ذلك قضاء على الحاضر وعلى الغائب ا ه‍. قوله: (فإن كفل بأمره رجع بما أدى عليه) لانه قضى دينه بأمره ومعنى الامر أن يشتم كلامه على لفظة عني كأن يقول اكفل عني أو اضمن عني لفلان، فلو قال اضمن الالف التي لفلان علي لم يرجع عليه عند الاداء لجواز أن يكون القصد ليرجع أو لطلب التبرع فلا يلزم المال، كذا في فتح القدير. وخرج عنه مسألة في الخانية: لو قال ادفع له كل يوم درهما علي على أن ذلك علي فدفع له كل يوم حتى اجتمع مال كثير فالكل على الكفيل ا ه‍. وبه علم أن لفظة عني ليست شرطا بل هي أو ما قام مقامها وهو على أن ذلك علي، وكذا الخليط يرجع بالاجماع وإن لم يقل عني. والخليط هو الذي يعتاد الرجل مداينته والاخذ منه ووضع الدراهم عنده والاستجرار منه، كذا في فتح القدير. وأطلق الامر فشمل الحقيقي كما مثلنا، والحكمي كما إذا كفل الاب عن ابنه الصغير مهر امرأته ثم مات فأخذ من تركته فإن للورثة الرجوع في نصيب الابن لانه كفالة بأمر الصبي حكما لثبوت الولاية بخلاف ما إذا أدى الاب بنفسه ولم يشهد فإنه لا رجوع له لاحتمال أنه أدى تبرعا كما هو العادة بخلاف ما

[ 375 ]

إذا أشهد فإن الصريح يفوق الدلالة، كذا في شرح المجمع للمصنف من المهر. ومن الامر الحكمي مفي تلخيص الجامع الكبير: لو جحد الكفيل الكفالة بعد الدعوى عليه بها فبرهن المدعى عليها بالامر وقضى بها على الكفيل وأدى فإنه يرجع على المديون، وإن كان مناقضا لكونه صار مكذبا شرعا بالقضاء عليه. وقال زفر: لا رجوع لانه أقر أنه لا حق له حين جحدها ا ه‍. وقول المطلوب اضمن عني لفلان كذا إقرار بالمال كما في الخانية وأطلق في قوله كفل بأمره وهو مقيد بمن يصح أمره فلا رجوع على الصبي والعبد المحجورين إذا أدى كفيلهما بالامر لعدم صحته منهما ولكن يرجع على العبد بعد عتقه، وأما الصبي فلا رجوع عليه مطلقا. ولو تكفل الكفيل بإذن وليه كما في المبسوط بخلاف المأذون فيهما لصحة أمره وإن لم يكن أهلا لها. وأطلق في قوله بما أدى وهو مقيد بأن يؤدي ما ضمن، أما إذا أدى خلافه بأن كان المكفول به جيدا فأدى رديئا أو بالعكس فإن رجوعه بما ضمن لا بما أدى لكونه ملك الدين بالاداء فنزل منزلة الطالب كما إذا ملكه الكفيل بالهبة أو بالارث ولا يرد عليه أنه تمليك الدين من غير من عليه الدين لاننا ننقل الدين إليه بمقتضى الهبة للضرورة وله نقله بالحوالة أو بجعل الدين الواحد كدينين بخلاف المأمور بقضاء الدين فإنه يرجع بما أدى إن أدى أردأ من الدين وإن أدى أجود لم يرجع إلا بالدين لان حق رجوعه إنما هو بالاداء بأمره، ولذا لا يملكه لو وهب له فيرجع بما أدى ما لم يخالف أمره بالزيادة أو بجنس آخر. وقوله رجع بما أدى مقيد بما إذا دفع ما وجب دفعه على الاصيل، فلو كفل عن المستأجر بالاجرة فدفع الكفيل قبل الوجوب لا رجوع له كما في إجارات البزازية. وأطلق فيما أدى فشمل ما إذا صالح الكفيل الطالب عن الالف المكفول بها على خمسمائة فإنه يرجع بالخمسمائة لا بما ضمن وهو الالف لانه إسقاط أو هو إبراء عن بعض الدين فيسقط البعض ولا ينتقل إلى الكفيل. وفي فتح القدير من بيع الفضولي: إذا كفل بالمسلم فيه وأداه من ماله يصير مقرضا حتى لا يرجع بقيمته إن كان ثوبا لان الثوب مثلي في باب السلم فكذا فيما جعل تبعا له ا ه‍. وفي رهن الخانية: باع شيئا وأخذ بالثمن كفيلا بأمر المشتري فأدى الكفيل الثمن ثم هلك المبيع عند البائع فإن الكفيل لا يخاصم البائع ولا يرجع عليه بالثمن وإنما يخاصم المشتري ثم المشتري يرجع على البائع بما دفع الكفيل إليه ا ه‍. قوله: (وإن كفل بغير أمره ثم أجازها لان الكفالة لزمته ونفذت لعيه بغير أمر غير موجبة للرجوع فلا تنقلب

[ 376 ]

موجب له كما في الكافي. وهذا إذا أجاز بعد المجلس، أما إذا أجازفي المجلس فإنها تصير موجبة للرجوع، كذا في فصول العمادية. وفي آخر الولوالجية من الحيل: رجل كفل بنفس رجل ولم يقدر على تسليمه فقال له الطالب ادفع إلي مالي على المكفول عنه حتى تبرأ عن الكفالة فأراد أن يؤديه على وجه يكون له حق الرجوع على المطلو ب، فالحيلة في ذلك أن يدفع الدين إلى الطالب ويهب الطالب مال المطلوب ويوكل بقبضه فيكون له حق المطالبة، فإذا قبضه يكون له حق الرجوع لانه لو دفع إليه المال بغير هذه الحيلة يكون متطوعا، ولو أدى بشرط أن لا يرجع لا يجوز ا ه‍. وقذكر قاضيخان في هذا الكتاب مسائل الامر بنقد المال وأنها على أربعة أقسام: منهما يرجع المأمور على الآمر سواء قال ادفع عني أو لم يقل، خليطا كان الآمر أو، وهي أن يقول اكفل لفلان بألف درهم علي أو انقده ألف درهم علي أو اضمن له الالف التي علي أو اقضه ماله علي أو اعطه الالف التي له علي أو ادفع كذلك، ففي هذه كلها كلمة علي كعني. ومنها ما يرجع إن كان خليطا وإلا لا لو قال ادفع إلى فلان ألفا ولم يقل عني ولا علي فدفعها رجع إن كان خليطا وإلا لا. ومنها ما لا رجوع فيه في جميع الاحوال إلا إذا شرط الآمر الضمان وقال على أني ضامن وهي ما لو قال هب لفلان عني ألفا فإذا وهب المأمور كانت من الآمر ولا رجوع للمأمور عليه ولا على القابض وللآمر الرجوع فيها والدافع متطوع، ولو قال على أني ضامن ففعل جازت وضمن الآمر للمأمور وللآمر الرجوع فيها دون الدافع، وكذا أقرض فلانا ألفا وكذا عوض عني فلانا فإن قال على أن ترجع علي رجع وإلا فلا، وكذا كفر عن يميني بطعامك أو أد زكاة مالي بمال نفسك أو

[ 377 ]

أحج عني رجلا أو أعتق عني عبدا عن ظهاري. وليس في نسختي بيان القسم الرابع الذي قال فيه أو لا أنه يرجع إن ذكر عني وإلا فلا قوله: (ولا يطالب الكفيل بالمال قبل أن يؤدي عنه) لانه إنما التزم المطالبة وإنميتملك الدين بالاداء فلا يرجع قبل التملك. فإن قلت: هل للكفيل أخذ الرهن من الاصيل قبل أن يؤدي عنه؟ قلت: قال في الخانية: كفل عن رجل بمال ثم إن المكفول عنه أعطى الكفيل رهنا ذكر في الاصل أنه لو كفل بمال مؤجل على الاصيل فأعطاه المكفول عنه رهنا بذلك جاز ا ه‍. قيد بالكفيل لان الوكيل بالشراء له الرجوع على الموكل قبل الاداء لما بينهما من المبادلة الحكمية حتى تحالفا لو اختلفا في مقدار الثمن وللوكيل حبس المبيع إلى استيفاء الثمن قوله: (فإن لوزم لازمه) أي إن لازم الكفيل الطالب لازم الاصيل ليخلصه من هذه العهدة. وأشار إلى أنه لو حبس الكفيل حبس المطلوب، وقدمنا عن البزازية أنه مقيد بما إذا كانت الكفالة بأمره وإلا فلا يلازم الاصيل لانه ما أدخله ليخلصه، وقدمنا أن للطالب حبسهما. وينبغي أن يقيد أيضا بما إذا كان المال حالا على الاصيل كالكفيل وإلا فليس له ملازمته، وسيأتي بيان الحلول على الكفيل وحده. وقيده في السراج الوهاج أيضا بما إذا لم يكن على الكفيل للمطلوب دين مثله وإلا فلا يلازمه. وأشار المؤلف إلى أن المحال عليه إذا لوزم وكانت الحوالة بأمر المحيل كان له أن يلازم المحيل ليخلصه عن ملازمة المحال له، وإذا حبسه كان له أن يحبسه إلا أن يكون للمحيل على المحال عليه دين مثله وقد احتال بماله عليه مقيدا فليس للمحال عليه أن يلازم المحيل إذالوزم ولا يحبسه إذا حبس ا ه‍. قوله: (وبرئ بأداء الاصيل) أي برئ الكفيل لان براءة الاصيل توجب براءته لانه لا

[ 378 ]

دين عليه في الصحيح وإنما عليه المطالبة فيستحيل بقاؤها بلا دين، هكذا ذكر الشارح تبعا للهداية. وظاهره أن القائل بأن الكفيل عليه دين لا يبرأ بأداء الاصيل وليس كذلك بل يبرأ إجماعا لان تعدد الدين عند القائل به حكمي فيسقط بأداء واحد ا ه‍. قوله: (ولو أبرأ الاصيل أو أخر عنه برئ الكفيل وتأخر عنه) لما قدمناه أنه يلزم من إبراء الاصيل إبراؤه والتأخير إبراء موقت فتعتبر بالابراء المؤيد. وإنما قال أبرأ الاصيل أي أبرأ الطالب ولم يقل لو برئ الاصيل لانه لا يلزم من براءته براءته لما في الخانية: ضمن له ألفا على فلان فرهن فلان أنه كان قضاه إياها قبل الكفالة فإنه يبرأ الاصيل دون الكفيل، ولو برهن أنه قضاه بعدها يبرآن ا ه‍. فقد برئ الاصيل في الوجه الاول فقط ولكن يخرج عنه حينئذ مسألة في الخانية هي لو مات الطالب والاصيل وارثه برئ الكفيل أيضا لكون المطلوب ملك في ذمته فبرأ وبراءته توجب براءته، فعلى هذا لو عبر ببرئ لشملها. ويجاب عما ذكرناه من فرع الخانية السابق بأنه ليس من باب البراءة وإنمتبين أن لا دين على الاصيل والكفيل عومل بإقراره كما

[ 379 ]

لا يخفى. وخرج عن مسألة الكتاب ما إذا تكفل بشرط براءة الاصيل فإن الاصيل يبرأ دون الكفيل لكونها صارت مجازا عن الحوالة. وفي جامع الفصولين: باع المديون بيع وفاء برئ كفيله فلو تفاسخا لا تعود الكفالة ا ه‍. وهو يدل على أن الدين إذا عاد إلى الاصيل بما هو فسخ لا يعود على الكفيل، وسيأتي عن التتارخانية بيانه. وفي السراج الوهاج: ويشتر قبول الاصيل البراءة، فإن ردها ارتدت. وهل يعود الدين على الكفيل؟ فيه قولان وموت الاصيل كقبوله وإنما قال أو أخر عنه للاحتراز عما إذا تأخر المطالبة عن الاصيل لا بتأخير الطالب كالعبد المحجور إذا لزمه شئ بعد عتقه فكفل به إنسان فإن الاصيل تتأخر المطالبة عنه إلى إعتاقه ويطالب كفيله للحال، ومنه المكاتب إذا صالح عن دم عمد وكفل به رجل ثم عجز تأخرت المطالبة عن الاصيل دون الكفيل والمسألتان في الخانية معللا بأن الاصيل إنما تأخرت عنه لاعساره، ومفهومه أن الاصيل لو كان معسرا ليس للطالب مطالبته ويطالب الكفيل لو موسرا. وفي التتارخانية: لو أجل الطالب الاصيل فلم يقبل صار حالا عليهما، ولو أجله شهرا ثم سنة دخل الشهر في السنة والآحال إذا اجتمعت انقضت بمرة ا ه‍. وفي النهاية: ان ابراء الاصيل وتأجيله يرتدان بالرد وإبراء الكفيل يرتد بالرد وأما تأجيله فلا يرتد بالرد ا ه‍. قوله: (ولا ينعكس) أي براءة الكفيل لا توجب براءة الاصيل ولا التأخير عنه يوجب التأخير عن الاصيل لان عليه المطالبة وبقاء الدين على الاصيل بدونه جائز. قيد بالتأخير أي التأجيل بعد الكفالة بالمال حالا لانه لو كفل بالمال الحال مؤجلا إلى شهر فإنه يتأجل عن الاصيل لانه لا حق له إلا الدين حال وجود الكفالة فصار الاجل داخلا فيه، أما ها هنا بخلافه، كذا في الهداية. أطلقه في براءة الكفيل فشمل ما إذا قبل أو لم يقبل كما في السراج الوهاج، وأشار باقتصاره على عدم براءة الاصيل إلى أن الكفيل إذا أبرأه الطالب فلا رجوع له عليه بخلاف ما إذا وهبه الدين أو تصدق به عليه فإن له الرجوع على الاصيل. ولا بد من

[ 380 ]

قبول الكفيل في الهبة والصدقة فلو كان الابراء والهبة بعد موته فقبل الوارث صح فإن رد ورثته ارتد في قول أبي يوسف وبطل الابراء لانه إبراء لهم. وقال محمد: لا يرتد بردهم كما لو أبرأه في حياته ثم مات. ويستثنى من قوله براءة الكفيل لا توجب براءة الاصيل ما في السراج الوهاج: لو أحال الكفيل الطالب على رجل فقبل الطالب والمحال عليه برئ الكفيل والاصيل لان الحوالة حصلت بأصل الدين والدين أصله على المكفول عنه فتضمنت الحوالة برأتهما. ولو اشترط الطالب وقت الحوالة براءة الكفيل خاصة برئ الكفيل ولا يبرأ المكفول عنه وللطالب أن يأخذ بدينه أيهما شاء إن شاء الاصيل وإن شاء المحال عليه، ولا سبيل له على الكفيل حتى يتوي المال على المحال عليه ا ه‍. وكذا يستثنى منه ما في الخانية: إذا مات الطالب والكفيل وارثه برئ الكفيل عن الكفالة وبقي المال على المكفول عنه على حاله، وإن كانت الكفالة بغير أمره برئ المطلوب أيضا لانه لما مات الطالب صار ذلك المال ميراثا لورثته. ولو ملك الكفيل المال في حياة الطالب بالقضاء أو الهبة يرجع على المكفول عنه إن كانت الكفالة بأمره وإن كانت بغير أمره لا رجوع ا ه‍. ففيما إذا مات الطالب والكفيل وارثه وكانت بغير أمره لزم من براءة الكفيل براءة الاصيل. ثم اعلم أن قول صاحب الهداية فيما قدمناه لو كفل بالمال الحال مؤجلا إلى شهر يتأجل عن الاصيل أيضا محمول على غير القرض لما في التتارخانية: وإذا كفل بالقرض مؤجلا إلى أجل مسمى فالكفالة جائزة والمال على الكفيل إلى الاجل المسمى وعلى الاصيل حال. وعزاه إلى الذخيرة ثم عزا إلى الغياثية: لو كفل بالقرض فأخر عن الكفيل جاز ولا يتأخر عن الاصيل. ويخالفه ما صرح به في تلخيص

[ 381 ]

الجامع من أنه شامل للقرض فإن هذا هو الحيلة في تأجيل القروض وقدمناه في التأجيل. وللطرسوسي في أنفع الوسائل كلام فيه فراجعه. وفيها: ولو كفل بدين مؤجل ثم باعه الكفيل شيئا بالدين قبل حلوله سقط، ولو أقال البيع أو رد بالتراضي عاد الدين ولم يعد الاجل، ولو انفسخت الحوالة بالتوي عاد الاجل، وكذا لو باع الاصيل الطالب بدينه سقط فلو رد عليه بملك جديد عاد الدين على الاصيل ولم يعد على الكفيل، وبالفسخ من كل وجه يعود على الكفيل. ولو كان الاجل لاحد الكفيلين أكثر فحل على الآخر وأدى رجع على الاصيل حتى يحل على الآخر أو يرجع الآخر بنصفه ثم يتبعان الاصيل بالنصف اه‍. وإذا لم يكن تأجيل الكفيل تأجيلا للاصيل فإذا أدى الكفيل قبل مضي الاجل لا رجوع له على الاصيل حتى يمضي الاجل باتفاق الروايات، وكذا إذا حل على الكفيل بموته لا يحل على الاصيل، وكذا إذا حل على الاصيل بموته لا يحل على الكفيل. وعن أبي يوسف إذا كان على

[ 382 ]

رجلين ألف مؤجل وكل واحد كفيل عن صاحبه فمات أحدهما أخذ ما عليه بالاصالة، وأما ما عليه بالكفالة يبقى مؤجلا هو الصحيح، كذا في التتارخانية. قوله: (ولو صالح أحدهما رب المال عن ألف على نصفه برئ ا) أي صالح الاصيل أو الكفيل الطالب على نفس الدين برئ الكفيل والاصيل، أما إذا صالح الاصيل فظاهر لانه بالصلح يبرأ وبراءته توجب براءة الكفيل، وأما إذا صالح الكفيل فلانه أضافه إلى الالف الدين وهي على الاصيل فبرئ عن خمسمائة، فبراءته توجب براءة الكفيل، ثم برئ ا جميعا عن خمسمائة بأداء الكفيل ويرجع على الاصيل بخمسمائة إن كانت الكفالة بأمره بخلاف ما إذا صالح على جنس آخر لكونه مبادلة فملكه فرجع بالالف. أطلقه فشمل ما إذا شرط الكفيل برأتهما أو براءة الاصيل أو لم يشرط شيئا، وأما إذا شرط براءة الكفيل وحده برئ دون الاصيل، هكذا ذكر الشارح. وليس المراد أن الطالب يأخذ البدل في مقابلة إبراء الكفيل عنها، وإنما المراد أن ما أخذه من الكفيل محسوب من أصل دينه ويرجع بالباقي على الاصيل قال في الهداية: ولو كان صالحه عما استوجب من الكفالة لا يبرأ الاصيل لان هذا إبراء الكفيل عن المطالبة اه‍. قال في النهاية: أي ما وجب بالكفالة وهو المطالبة صورته ما في المبسوط: لو صالحه على مائة درهم على أن إبراء الكفيل خاصة من الباقي رجع الكفيل على الاصيل بمائة ورجع الطالب على الاصيل بتسعمائة لان إبراء الكفيل يكون فسخا للكفالة يكون إسقاطا لاصل الدين ا ه‍. وهكذا في فتح القدير وقال قبله: وإن شرط براءة الكفيل

[ 383 ]

وحده برئ الكفيل عن خمسمائة والالف بتمامها على الاصيل فيرجع الكفيل بخمسمائة إن كان بأمره والطالب بخمسمائة. ا ه‍ وفي التتارخانية: الكفيل إن كان بالنفس إذا صالح الطالب على خمسمائة دينار على أن أبرأه من الكفالة بالنفس يجوز ولا يبرأ عنها، فلو كان كفيلا بالنفس والمال عن إنسان واحد وصالح على خمسين بالشرط برئ. ثم قال: الكفيل بالنفس إذا قضى الدين الذي على الاصيل على أنه يبرئ عن الكفالة ففعل جاز القضاء والابراء، وأما إذا أعطاه عشرة ليبرئ عن الكفالة بالنفس فأبرأه لم يسلم له العوض باتفاق الروايات وفي براءته عنها روايتان ا ه‍. وفي الخانية: لو صالح الكفيل الطالب على شئ ليبرئ ه عن الكفالة لا يصح الصلح ولا يجب المال على الكفيل ا ه‍. وهو بإطلاقه شامل للكفالة بالمال والكفالة بالنفس قوله: (وإن قال الطالب للكفيل برئ ت إلي من المال رجع على المطلوب) أي الكفيل على الاصيل معناه إذا ضمن بأمره لان البراءة التي ابتداؤها من المطلوب وانتهاؤها إلى الطالب لا تكون إلا بالايفاء فيرجع فصار كإقراره بالقبض منه أو النقد منه أو الدفع إليه، واستفيد منه براءة المطلوب للطالب لاقراره كالكفيل قوله: (وفي برئ ت أو أبرأتك لا) أي في قول الطالب للكفيل برئ ت - بفتح التاء - أو أبرأتك لا يرجع الكفيل على المطلوب، أما في أبرأتك فلا خلاف فيه لانه إبراء لا ينتهي إلى غيره وذلك بالاسقاط فلم يكن إقرارا بالايفاء. وأنت في حل بمنزلة أبرأتك، وأما في برئ ت فقال محمد: هو مثله لاحتماله البراءة بالاداء إليه والابراء فيثبت الادنى إذ لا رجوع بالشك. وقال أبو يوسف: هو مثل الاول لانه أقر ببراءة ابتداؤها من المطلوب وإليه الايفاء دون الابراء. وقيل في جميع ما ذكرنا إذا كان الطالب حاضرا يرجع في البيان إليه لانه هو المجمل حتى في برئ ت إلي لاحتمال لاني أبرأتك مجازا وإن كان بعيدا في الاستعمال، كذا في النهاية. وفي فتح القدير: والحوالة كالكفالة في هذا. قيد بقوله برئ ت لانه لكتب في الصك برئ الكفيل من الدراهم التي كفل بها كان إقرارا بالقبض عندهم جميعا كقوله برئ ت إلي بقضية العرف فإن العرف بين الناس أن الصك يكتب على الطالب بالبراءة إذا حصلت بالايفاء، وإن حصلت

[ 384 ]

بالابراء لا يكتب عليه الصك فجعلت الكتابة إقرارا بالقبض عرفا ولا عرف عند الابراء، كذا في فتح القدير. واختلف المتأخرون فيما إذا قال المدعى عليه أبرأني المدعي من الدعوى التي يدعي علي، منهم من قال هو إقرار بالمال كما لو قال أبرأني من المال الذي ادعاه، ومنهم من قال لا يكون إقرارا لان الدعوى تكون بحق وبباطل، كذا في فتح القدير. وفي البزازية من الدعوى: دعوى البراءة عن الدعوى لا يكون إقرارا بالدعوى عند المتقدمين وخالفهم المتأخرون، ودعوى البراءة عن المال إقرار وقول المتقدمين أصح اه‍. قوله: (وبطل تعليق البراءة من الكفالة بالشرط) لما فيه من معنى التمليك كما في سائر البراآت، ويروى أنه يصح لانه عليه المطالبة دون الدين في الصحيح فكان إسقاطا محضا كالطلاق، ولهذا لا يرتد إبراء الكفيل بالرد بخلاف إبراء الاصيل، كذا في الهداية. وظاهره ترجيح عدم بطلانه بناء على الصحيح. وذكر الزيلعي الشارح أنه لا يصح التعليق أيضا وإن لم يكن عليه إلا المطالبة لما فيه من تمليك المطالبة وهي كالدين لانها وسيلة إليه والتمليك لا يقبله. وفي الخانية: لو قال للكفيل أخرجتك عن الكفالة فقال الكفيل لا أخرج لم يصر خارجا ا ه‍. فثبت أن إبراء الكفيل أيضا يرتد بالرد. وفي المعراج: قيل المراد بالشرط الشرط المحض الدي لا منفعة للطالب فيه أصلا كدخول الدار ومجئ الغد لانه غير متعارف، أما إذا كان متعارفا فإنه يجوز كما في تعليق الكفالة لما في الايضاح: لو كفل بالمال والنفس وقال إن وافيتك غدا فأنا برئ من المال فوافاه غدا يبرأ من المال، فقد جوز تعليق البراءة عن الكفالة

[ 385 ]

بالمال، وكذا إذا علق البراءة باستيفاء البعض يجوز أو علق البراءة عن البعض بتعجيل البعض يجوز، ذكره في مبسوط شيخ الاسلام. فعلم أن المراد بالشرط الشرط الغير المتعارف، واختلاف الروايتين في صحة التعليق محمول على هذا، فرواية عدم الجواز فيما إذا كان غير متعارف، ورواية الجواز فيما إذا كان متعارفا ا ه‍. فعلى هذا فكلام المؤلف محمول على شرط غير متعارف. وأراد من الكفالة الكفالة بالمال احترازا عن كفالة النفس فإنه يصح تعليق البراءة منها على تفصيل مذكور في الخانية قال: إذا علق براءة الكفيل بالنفس بشرط فهو على وجوه ثلاثة: في وجه تجوز البراءة ويبطل الشرط نحو أن يكفل رجل بنفسه رجل فأبرأه الطالب عن الكفالة على أن يعطيه الكفيل عشرة دراهم جازت البراءة ويبطل الشرط، وإن صالح الكفيل المكفول له على مال ليبرئ ه عن الكفالة لاصح الصلح، ولا يجب المال على الكفيل ولا يبرأ عن الكفالة في رواية الجامع وإحدى روايتي الحوالة والكفالة، وفي رواية أخرى يبرأ عن الكفالة. وفي وجه تجوز البراءة والشرط وصورة ذلك: رجل كفل بنفس رجل وبما عليه من المال فشرط الطالب على الكفيل أن يدفع المال إلى الطالب ويبرئ ه عن الكفالة بالنفس جازت الكفالة والشرط. وفي وجه لا يجوز كلاهما وصورة ذلك: رجل كفل بنفس رجل خاصة فشر الطالب على الكفيل أن يدفع إليه المال ويرجع بذلك على المطلوب فإنه يكون باطلا ا ه‍. قوله: (والكفالة بحد وقود) أي بطل التكفيل بحد وقود لانه يتعذر إيجابه عليه لعدم جريان النيابة في العقوبة لعدم حصول المقصود منها وهو الزجر. قيل الكفالة بنفس الحد والقود لان الكفالة بنفس من عليه يجوز، وصرح به في البناية وأشار إليه في الهداية. وقدمنا أنه لا يجوز بنفس من عليه في الحدود الخالصة فليراجع في شرح قوله ولا يجبر على الكفالة بالنفس في حد وقود قوله: (ومبيع ومرهون وأمانة) أي وبطلت الكفالة بالمبيع والمرهون. أما الكفالة بالمبيع للمشتري فلان المبيع مضمون بغيره وهو الثمن، والكفالة بالاعيان المضمونة وإن كانت تصح عندنا خلافا للشافعي لكن إنما تصح بالاعيان المضمونة بنفسها كالمبيع بيعا فاسدا والمقبوض على سوم الشراء أو المغصوب لا بما كان مضمونا بغيره كالمبيع والمرهون لان من شرطها أن يكون المكفول مضمونا على الاصيل بحيث لا يمكنه أن يخرج عنه إلا بدفعه أو دفع مثله، والمبيع قبل القبض ليس بمضمون على البائع حتى لو هلك لا يجب عليه شئ

[ 386 ]

وإنما ينفسخ به البيع، والمرهون غير مضمون على المرتهن بنفسه وإنما يسقط دينه إذا هلك فلا يمكن إيجاب الضمان على الكفيل، وهو ليس بواجب على الاصيل. أطلقه فشمل ما إذا ضمن الرهن عن المرتهن للراهن أو عكسه، كذا في جامع الفصولين. وأما الامانة كالوديعة ومال المضاربة والشركة والعارية والمستأجر في يد المستأجر فلا يمكن جعلها مضمونة على الكفيل وهي غير مضمونة على الاصيل وقالوا: رد الوديعة ليس بواجب على المودع بل الواجب عدم المنع عند طلب المودع فلا يجب على الكفيل تسليمها. قيد بالكفالة بالعين لان الكفالة بتسليمها أمانة أو مضمونة صحيحة، وفائدته حينئذ إلزام إحضار العين وتسليمها، ولو عجز بأن مات العبد المبيع أو المستأجر أو الرهن انفسخت الكفالة وزان الكفالة بالنفس سواء. وما ذكره شمس الائمة السرخسي أن الكفالة بتسليم العارية باطلة باطل فقد نص في الجامع الصغير أن الكفالة بتسليم العارية صحيحة، وكذا في المبسوط. ونص القدوري أنها بتسليم المبيع جائزة، ونص في التحفة على جميع ما أوردناه أن الكفالة بالتسليم صحيحة. والوجه عندي أن لا فرق بين الثلاث الاول من الوديعة ومال المضاربة والشركة وبين العارية وما معها من الآمانات إذ لا شك في وجوب الرد عند الطلب. فإن قال الواجب التخلية بينه وبينها لا ردها إليه فنقو: فليكن مثل هذا الواجب على الكفيل وهو أن يحصلها ويخلي بينه وبينها بعد إحضاره إليها. ونحن نعني بوجوب الرد ما هو أعم من هذا ومن حمل المردود إليه. قال في الذخيرة: الكفالة بتمكين المودع من الاخذ صحيحة، كذا في فتح القدير. ورده على شمس الائمة السرخسي مأخوذ من معراج الدراية ويساعده قول الشارح ويجوز في الكل أن يتكفل بتسليم العين مضمونة أو أمانة. وقيل: إن كان تسليمه واجبا على الاصيل كالعارية والاجارة جاز وإلا فلا، فأفاد أن التفصيل بين أمانة وأمانة ضعيف. قوله: (وصح لو ثمنا ومغصوبا ومقبوضا علي سوم الشراء ومبيعا فاسدا) أي صح الضمان لو كان المضمون إلى آخره. أما لثمن فلكونه دينا صحيحا مضمونا على المشتري، وأماما عداه فلكوه مضمونا بنفسه على الاصيل لانه إذا هلك وجبت قيمته وهي كهو.

[ 387 ]

ويستثنى من الثمن ما باع به صبي محجور عليه فكفل به رجل أو كفل بالدرك بعدما قبض الصبي الثمن لم تصح الكفالة لكونه كفل بما ليس بمضمون على الاصيل، وإن كفل بالدرك قبل قبض الصبي صحت، كذا في الخانية. ومما تصح به الكفالة من الاعيا بدل الصلح عن الدم لو كان عبدا فكفل به إنسان صحت، فإن هلك قبل القبض فعليه قيمته، ومنها المهر وبدل الخلع لان هذه الاشياء لا تبطل بهلاك العين، كذا في الخانية. لو كفل بالثمن فاستحق المبيع برئ الكفيل، وكذا لو رده بعيب بقضاء أو بغير قضاء أو بخيار رؤية أو شرط، ولو كفل المشتري بالثمن لغريمه ثم استحق المبيع برئ الكفيل، ولو رده بعيب بقضاء أو بغير قضاء لا. ولو كفل بالمهر عنه ثم سقط عنه كله قبل الدخول أو نصفه قبله برئ الكفيل عن الكل في الاول وعن النصف في الثاني حكما لبراءة الزوج. ولو كفل بالثمن ثم ظهر فساد البيع رجع الكفيل بما دفعه إن شاء على البائع وإن شاء على المشتري، وإن فسد بعد صحته بأن ألحقا به شرطا فاسدا فالرجوع للمشتري على البائع وتمامه في التتارخانية هنا. وذكر في باب خيار الشرط لو كان بالثمن كفيل ففسخ المشتري فلم يرد المبيع إلى البائع فله مطالبة الكفيل بالثمن حتى يرد المشتري المبيع اه‍. وهو مخالف لقوله هنا إن الكفيل يبرأ بفسخ البيع بخيار الشرط ونحوه فليتأمل. وأما ضمان المغصوب فإن كان المضمون عينا قائما فيلزم الضامن إحضارها وتسليمها لا قيمتها إن هلكت، وإن كالمضمون مستهلكا فالمضمون قيمته لما في السراج الوهاج: ولو ادعى على رجل أنه غصبه ألف درهم وهو في يده أو في منزله أو ادعى شيئا يكون دينا من مكيل أو موزون فضمن له رجل ما ادعى كان على الضامن أن يأتي بذلك الشئ بعينه، فإن لم يأت بذلك الشئ لم يضمن حتى يستحقه المدعي على المدعى عليه، وإن ادعى ألفا مستهلك أو كرا مستهلكا فضمنه رجل فهو ضامن من ساعته وإن لم يقم المدعي بينة لان العين مادامت باقية فالضمان ينصرف إلى إحضارها ولا ينصرف إلى تسليمها إلا بعد الاستحقاق، وإن كانت هالكة فالضمان ينصرف إلى القيمة فصار ضمانه دلالة على الاعتراف بالضمان اه‍. والمقبوض على سوم الشراء إنما يكون من هذا النوع إذا سمي له ثمن وإلا فهو أمانة كما قدمناه في البيوع قوله: (وحمل دابة معينة مستأجرة وخدمة عبد استؤجر للخدمة) أي وبطلت الكفالة بحمل دابة إلى آخره لانها إذا كانت معينة كان الكفيل عاجزا عن تسليمها لانه لا ولاية له في الحمل على دابة الغير لانه لو أعطى دابة من عنده لا يستحق الاجرة لانه أتى بغير المعقود عليه. قيد بكونها معينة لانها لو كانت بغير عينها

[ 388 ]

جازت الكفالة لانه يمكنه الحمل على دابة نفسه والحمل هو المستحق. وقيد بالحمل لانه لو كفل بتسليم الدابة المعينة يجوز كما قدمناه. وفي فتح القدير: والحاصل أنه إن كان الحمل على الدابة بتسليمها فينبغي أن تصح الكفالة لان الكفالة بتسليم المستأجر صحيحة ولم يمنع منه كون المستأجر ملكا لغير الكفيل، وإن كان التحميل ينبغي أن لا يصح فيهما لان التحميل غير واجب على الاصيل. والحق أن الواجب في الحمل على الدابة معينة أو غير معينة ليس مجرد تسليمها بل المجموع من تسليمها والاذن في تحميلها وهو ما ذكر في النهاية من التركيب، وما ذكرنا من الحمل عليها ففي المعينة لا يقدر على الاذن في تحميلها إذ ليس له ولاية عليها ليصح إذنه الذي هو معنى الحمل، وفي غير المعينة يمكنه ذلك عند تسليم دابة نفسه أو دابة استأجرها اه‍. قوله: (وبلا قبول الطالب في مجلس العقد) أي وبطلت الكفالة بلا قبول الطالب في مجلس الايجاب أي لم تنعقد أصلا، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: يجوز إذا بلغه فأجاز. ولم يشترط في بعض النسخ الاجازة وهو الاظهر عنه والخلاف في الكفالة في النفس والمال جميعا له أنه تصرف التزام فيستبد به الملتزم وهذا وجه الظاهر عنه، ووجه التوقف ما قدمناه في الفضولي في النكاح. ولهما أن فيهما معنى التمليك وهو تمليك المطالبة منه فيقوم بهما جميعا والموجود شطره فلا يتوقف على ما وراء المجلس إلا أن يقبل عن الطالب فضولي فإنه يصح ويتوقف على إجازته وللكفيل أن يخرج نفسه عنها قبل إجازته، كذا في شرح المجمع والحقائق. وبه علم أن قبول الطالب بخصوصه إنما هو شرط النفاذ، وأما أصل القبول في مجلس الايجاب فشرط الصحة، فلو حذف الطالب في الكتاب لكان أولى كما فعل في الاصلاح ونبه عليه في الايضاح. وفي البزازية: الفضولي لو فسخ الموقوف لا يصح، كذا في البزازية. وفي البزازية: الفتوى على قول الثاني. قيد بالانشاء لانه لو أخبر عن الكفالة

[ 389 ]

حال غيبة الطالب يجوز إجماعا. ولو اختلفا فقال الطالب أخبرت وقال الكفيل كان إنشاء فالقول للطالب، كذا في البزازية. وفي السراج الوهاج: لو قال ضمنت ما لفلان على فلان وهما غائبان فقبل فضولي ثم بلغهما فأجازا فإن أجاز المطلوب أولا ثم الطالب جازت وكانت كفالة بالامر، وإن كان على العكس جازت وكانت بغير الامر، وإن لم يقبل فضولي عن الطالب لم تجز مطلقا عندهما، وكذا لو كان الطالب حاضرا وقبل ورضي المطلوب فإن رضي قبل قبول الطالب رجع عليه، وإن بعده فلا رجوع اه‍ قوله: (إلا أن يكفل وارث المريض عنه) بأن يقول المريض لوارثه تكفل عني بما علي من الدين فكفل به مع غيبة الغرماء لان ذلك وصية في الحقيقة ولذا تصح وإن لم يسم المكفول لهم ولهذا قالوا: إنما تصح إذا كان له مال أو يقال إنه قائم مقام الطالب لحاجته إليه تفريغا لذمته وفيه نفع الطالب فصار كما إذا حضر بنفسه. وإنما يصح يهذا اللفظ ولا يشترط القبول لانه يراد به التحقيق دون المساومة ظاهرا في هذه الحالة فصار كما إذا كفل بنفسه كالامر بالنكاح. قيد بالوارث لان المريض لو قال ذلك لاجنبي اختلف المشايخ فيه، فمنهم من قال بالجواز تنزيلا للمريض منزلة الطالب، ومنهم من قال بعدمه لان الاجنبي غير مطالب بقضاء دينه بلا التزام فكان المريض والصحيح سواء والاول أوجه، كذا في فتح القدير. وحقق أنها كفالة لكن يرد عليه توقفها على المال كما قدمناه. وقيد بالمريض لان الصحيح لو قال ذلك لوارثه أو غيره لم يصح ومن هنا يقال إنها ليست كفالة من كل وجه لانها لا تصح إلا إذا كان للمريض مال، فلو كانت كفالة مطلقا لصحت مطلقا وليست وصية من كوجه لانها لو كانت وصية مطلقا لصح الامر من الصحيح ولذا قال في معراج الدراية في تعليل الكتاب بأن ذلك وصية في الحقيقة نظر إذ لو كانت وصية حقيقة لما اختلف الحكم بين حالة الصحة وحالة المرض إلا أن يؤول بأنه في معنى الوصية في الحقيقة وفيه بعد اه‍. وقد يقال: لا فائدة في هذه الكفالة لان الوارث مطالب بقضاء دين الميت من مال الميت سواء قال له المريض تكفل عني أو لا، وإذا لم يكن له تركة لا مطالبة عليه، سواء قال له ذلك أم لا، فأي فائدة فيها؟ وقد وقع الاشتباه لعدم الاطلاع على نقل فيما إذا تكفل بعض الورثة بأمر المريض وكان له مال غائب، هل يطالب الكفيل بقضاء دين الميت من ماله ثم يرجع في التركة أو لا؟ ولهذا قال في السراج الوهاج: إن الورثة يطالبون بدين مورثهم بلا ضمان والضمان ما زاده إلا تأكيدا. وقيد في الهداية المسألة بأمر المريض لورثته لان الورثة لو قالوا ضمنا للناس كل دين لهم عليك ولم يطلب

[ 390 ]

المريض ذلك منهم والغرماء غيب لم يصح، ولو قالوا ذلك بعد موته صحت الكفالة، وروي عن أبي حنيفة جواز كفالتهم في مرضه وإن لم يطلب المريض منهم ذلك، كذا في السراج الوهاج والخانية. وفي البدائع: وأما مسألة المريض فقد قال بعض مشايخنا: إن جواز الضمان بطريق الايصاء بالقضاء عنه بعد موته لا بطريق الكفالة، وبعضهم أجازوه على سبيل الكفالة. ووجه ما أشار إليه أبو حنيفة في الاصل وقال هو بمنزلة المعبر عن غرمائه وشرح هذه الاشارة والله أعلم أن المريض مرض الموت يتعلق الدين بماله ويصير بمنزلة الاجنبي عنه حتى لا ينفذ منه التصرف المبطل لحق الغريم، ولو قال أجنبي للورثة اضمنو الغرماء فلان عنه فقالوا ضمنا يكتفي به فكذا المريض اه‍. قوله: (وعن ميت مفلس) أي وبطلت الكفالة عن ميت مفلس وهذا عند أبي حنيفة. وقالا. صحيحة لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بجنازة رجل من الانصار فسأل هل عليه دين؟ قالوا: نعم درهمان أو ديناران فامتنع من الصلاة فقال: صلوا على أخيكم. فقام أبو قتادة فقال: هما علي يا رسول الله فصلى عليه. ولانه كفل بدين ثابت لانه وجب لحق الطالب ولم يوجد المسقط ولهذا يبقى في حق أحكام الآخرة.، ولو تبرع به انسان يصح ولذا يبقى إذا كان به كفيل. وله أنه كفل بدين ساقط لان الدين هو الفعل حقيقة ولهذا يوصف بالوجوب لانه في الحكم مال لانه يؤول إليه في المآل وقد عجبنفسه وبخلفه ففات عاقبة الاستيفاء فيسقط ضرورة. والتبرع لا يعتمد قيام الدين. وإذا كان له كفيل أو له مال فخلفه إذا لافضاء إلى الاداء باق. أطلقه فشمل ما إذا كان الكفيل أجنبيا أو وارث الميت ولو ابنه، كذا في المعراج. والجواب عن الحديث أنه يحتمل الاقرار عن كفالة سابقة والانشاء والوعد وحكاية الفعل لا عموم لها. وقيد بالكفالة بعد موته لانه لو كفل في حياته ثم مات مفلسا لم تبطل الكفالة، وكذا لو كان به رهن ثم مات مفلسا لا يبطل الرهن لان سقوط الدين عنه في أحكام الدنيا في حقه للضرورة فتتقدر بقدرها فأبقيناه في حق الكفيل والرهن لعدم الضرورة، كذا في المعراج. وبما قررناه علم أن الميت المفلس من مات ولا تركة له ولا كفيل عنه، ويستثنى من بطلانها مسألة في التحرير من بحث الموت من عوارض الاهلية لو تقوت الذمة بلحوق دين بعد الموت صحت الكفالة به بأن حفر بئرا على الطريق فتلف به حيوان بعد موته فإنه يثبت الدين مستندا إلى وقت الحفر الثابت حال قيام الذمة والمستند يثبت أولا في الحال، ويلزم اعتبار قوتها حينئذ به لكونه محل الاستيفاء اه‍ قوله: (وبالثمن للموكل ولرب المال به) أي وبطلت كفالة الوكيل لموكله بالثمن وكفالة المضارب لرب المال بالثمن فيما باعه

[ 391 ]

لان حق القبض لهما بجهة الاصالة في البيع ولهذا لا يبطل بموت الموكل ورب المال وبعزله، ولذا جاز أن يكون الموكل وكيلا عن الوكيل في القبض، ورب المال عن المضارب، وللوكيل والمضارب عزله لرجوع الحقوق إليهما وبر المشتري في حلفه أن لا شئ عليه للموكل ورب المال، وحنث لو حلف أن لا شئ عليه للوكيل والمضارب. قيد بالوكيل لان الرسول بالبيع تصح كفالته بالثمن عن المشتري ومثله الوكيل ببيع الغنائم عن الامام لكونه كالرسول. وقيد بالثمن لان الوكيل بتزويج المرأة لو ضمن لها المهر صح لكونه سفيرا ومعبرا. وقيدنا بأن يكون ثمن ما باعه الوكيل لان البائع لو وكل رجلا بقبض الثمن فكفل به الوكيل صح. وكذا لو أبرأه عنه لم يصح إبراؤه ولو أبرأه الوكيل بالبيع عنه صح إبراؤه وضمن، كذا في وكالة الخانية. وظاهر كلامهم أن الوصي والمتولي على الوقف إذا باع شيئا وضمنا الثمن عن المشتري فهما كالوكيل والمضارب، وسيأتي في كتاب الوكالة من باب الوكالة بالخصومة عند قول المصنف وبطل توكيله الكفيل بالمال. فالحاصل أن توكيله الكفيل باطل وكفالة الوكيل باطلة، وذكر الشارح هنا فرعا: رجل أعتق عبده المدين حتى لزمه ضمان قيمته للغرماء ولزم العبد جميع الدين ثم إن المولى ضمن الدين للغرماء فإنه لا يصح لان المولى متهم فيه بإبراء نفسه اه‍. قوله: (وللشريك إذا بيع عبد صفقة) أي وبطل كفالة الشريك لشريكه عن المشتري حصته من الثمن فيما إذا باعا شيئا مشتركا عقدا واحدا لانه يصير ضامنا لنفسه لانه ما من جزء يؤديه المشتري أو الكفيل من الثمن إلا وهو مشترك بينهما، ولانه يؤدي إلى قسمة الدين قبل قبضه وأنه لا يجوز. قيد بقوله صفقة واحدة لانهما لو باعاه صفقتين بأن سمى كل واحد منهما لنصيبه ثمنا صح ضمان أحدهما نصيب الآخر لامتياز نصيب كل منهما فلا شركة بدليل أن له قبول نصيب أحدهما دون الآخر، ولو قبل الكل ونقد حصة أحدهما كان للناقد قبض نصيبه، ولهذا لو استوفى أحدهما نصيبه من المشتري فلا شركة للآخر بخلاف ما إذا بيع صفقة فإنيشارك، وقد اعتبروا هنا لتعدد الصفقة تفصيل الثمن وذكروا في البيوع أن هذا قولهما، وأما قول أبي حنيفة فلا بد من تكرار لفظ بعت. ولو قال المصنف وللشريك بدين مشترك وحذف قوله فيما إذا بيع عبد صفقة لكان أولى لما في الخانية: رجلان لهما على رجل دين فكفل أحدهما لصاحبه بحصته من الدين لا تصح كفالته، ولو تبرع أحدهما بأداء نصيب صاحبه من الدين كان جائزا، وكذا الرجل إذا مات وله دين على رجل وترك ابنين فكفل أحدهما لاخيه عن المديون بحصة أخيه لا تصح الكفالة، ولو تبرع أحدهما فأدى حصة صاحبه

[ 392 ]

من الدين صح تبرعه وهو بمنزلة الوكيل بالبيع إذا كفل بالثمن عن المشتري لا تصح كفالته ولو تبرع بأداء الثمن عن المشتري صح تبرعه اه‍. وفي جامع الفصولين: لهما دين مشترك على آخر فضمن أحدهما نصيب صاحبه لم يجز فيرجع بما أدى بخلاف ما لو أداه من غير سبق ضمان فإنه لا يرجع بما أدى، ولو توى نصيبه على المديون مر في مسائل التركة. وفي صورة الضمان يرجع بما دفع إذ قضاه على فساد فيرجع كما لو أدى بكفالة فاسدة، ونظيره لو كفل ببدالكتابة لم تصح فيرجع بما أدى إذا حسب أنه مجبر على ذلك لضمانه السابق، وبمثله لو أدى من غير سبق ضمان لا يرجع لتبرعه، وكذا وكيل البيع إذا ضمن الثمن لموكله لم يجز فيرحع، ولو أدى بغير ضمان جاز ولا يرجع اه‍ قوله: (وبالعهدة) أي وبطلت الكفالة بالعهدة لاشتباه المراد بها لاطلاقها على الصك القديم وعلى العقد وعلى حقوقه وعلى الدرك وعلى خيار الشرط فتعذر العمل بها قبل البيان فبطل للجهالة بخلاف ضمان الدرك، ولا يقال ينبغي أن يصرف إلى ما يجوز الضمان به وهو الدرك تصحيحا لتصرفه لانا نقول: فراغ الذمة أصل فلا يثبت الشغل بالشك والاحتمال، وظاهر كلامهم أن الضامن إذا فسرها بغير ضمان الدرك لم يصح، ولو كان الصك القديم لقولهم إنه ملك البائع قوله: (والخلاص) أي وبطلت الكفالة بالخلاص وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: هي صحيحة بناء على تفسيرها بتخليص المبيع إن قدر عليه ورد الثمن إن لم يقدر عليه وهو ضمان الدرك في المعنى، وأبو حنيفة فسره بتخليص المبيع لا محالة ولا قدرة له عليه لان المستحق لا يمكنه منه. ولو ضمن تخليص المبيع أو رد الثمن جاز لامكان الوفاء به وهو تسليمه إن أجاز المستحق أو رده إن لم يجز فالخلاف راجع إلى التفسير قوله: (وببدل الكتابة) لما قدمناه أول الباب. قيد ببدل الكتابة لان بدل العتق تجوز الكفالة به لانه دين وجب عليه بعد الحرية فلا يؤدي إلى التنافي. فصل قوله: (ولو أعطى المطلوب الكفيل قبل أن يعطي الكفيل الطالب لا يسترد مثله) لانه تعلق به حق القابض على احتمال قضائه الدين فلا تجوز المطالبة ما بقي هذا الاحتمال كمن عجل زكاته ودفعها إلى الساعي، ولانه ملكه بالقبض على ما نذكر. أطلقه فشمل ما إذا كان الدفع على وجه الرسالة فلا يسترد لكنه لا يملكه بالقبض لتمحضة أمانة في يده، والفرق

[ 393 ]

بينهما أنه إن دفع له على وجه الاقتضاء كأن قال له إني لا آمن أن يأخذ الطالب حقه منك فأنا أقضيك المال قبل أن تؤديه لم يكن رسالة، وأما إذا قال له ابتداء خذ هذا المال وادفعه إلى الطالب كان رسالة، فالفرق بينهما إنما هو من جهة ملك المدفوع للقابض وعدمه. وأشار المؤلف إلى أن بالكفالة صار للكفيل على الاصيل دين لو كفل بأمره، ولهذا لو أخذ الكفيل منه رهنا قبل أن يؤدي عنه جاز، ولو أبرأه الكفيل أو وهبه قبل الاداء عنه صح حتى لو أدى عنه لم يرجع فثبت أن له دينا عليه لكن لا رجوع له قبل الاداء وقد سئلت عما إذا دفع المديون الدين للكفيل ليؤديه إلى الطالب ثم نهاه عن الاداء هل يعمل نهيه؟ فأجبت إن كان كفيلا بالامر لم يعمل نهيه لانه لا يملك الاسترداد وإلا عمل لانه يملكه قوله: (وما ربح الكفيل له) أي إذا ربح الكفيل في المال الذي قبضه من المطلوب قبل أن يقضي الدين طاب له الربح لانه ملكه بالقبض كما قدمناه فكان الربح بذل ملكه، فظاهره أنه لا يجب عليه التصدق به. وأطلقه فشمل ما إذا قضى الدين هو أو قضاه الاصيل، وقدمنا أن ملكه للمقبوض مقيد بما إذا قبضه على وجه الاقتضاء، وأما إذا قبضه على وجه الرسالة فإنه لا ملك له فلا يطيب له الربح على قولهما، وعند أبي يوسف يطيب له وأصله ربح الدراهم المغصوبة، واستدل أبو يوسف بقوله عليه الصلاة والسلام الخراج بالضمان.

[ 394 ]

قوله: (وندب رده على المطلوب لو شيئا يتعين) أي يستحب رد الربح على الاصيل إذا كان المقبوض شيأ يتعين كالحنطة والشعير، وهذا عند أبي حنيفة في رواية الجامع الصغير. وقالا: هو له لا يرده وهو رواية عنه. وعنه أنه يتصدق به. لهما أنه ربح في ملكه فيسلم له، وله أنه تمكن الخبث مع الملك إما لانه بسبيل من الاسترداد بأن يقضيه بنفسه أو لانه رضي به على اعتبار قضاء الكفيل، فإذا قضاه بنفسه لم يكن راضيا به وهذا الخبث يعمل فيما يتعين فيكون سبيله التصدق في رواية ويرده عليه في أخرى لان الخبث لحقه، وهذا أصح لكنه استحباب لا جبر لان الحق للكفيل، كذا في الهداية. وظاهر قوله لا جبر أن المراد بالاستحباب عدم جبر القاضي عليه وهو لا يستلزم عدم الوجوب فيما بينه وبين الله تعالى مع استحبابه في القضاء بالمعنى المذكور، والعبارة المنقولة عن شيخ الاسلام ظاهرها وجوب الرد فيما بينه وبين الله تعالى أو التصدق به غير أنه ترجح الرد، كذا في فتح القدير مختصرا. وقيد بما يتعين لان ربح ما لا يتعين لا يندب رده على المطلوب. ولم يذكر المصنف رحمه الله تعالى أنه لا يطيب للاصيل إذا رده الكفيل أو لا، وحكمه كما في البناية أنه إذا كان الاصيل فقيرا طاب له وإن كان غنيا ففيه روايتان، والاشبه كما قال فخر الاسلام في شرح الجامع الصغير إنه يطيب له لانه إنما رده عليه لانه حقه اه‍. وقيد بالكفيل لان الغاصب إذا ربح وجب رده على المالك ويجبر على الدفع له لانه لا حق للغاصب في الربح، كذا في البناية قوله: (ولو أمر كفيله أن يتعين عليه حريرا ففعل فالشراء للكفيل والربح عليه) ومعناه الامر ببيع العينة مثل أن يستقرض من تاجر عشرة فيأبى فيبيع منه ثوبا يساوي عشرة بخمسة عشر مثلا رغبة في نيل الزيادة ليبيعه المستقرض بعشرة ويتجمد خمسة سمي به لما فيه من الاعراض عن الدين إلى العين وهو مكروه لما فيه في الاعراض عن مبرة الاقراض مطاوعة لمذموم البخل، كذا في الهداية. وتعقبه في فتح القدير بأنه غير صحيح هنا إذ ليس المراد من قوله تعين عليه حريرا اذهب فاستقرض فإن لم يرض المسؤول أن يقرضك فاشتر منه الحرير بأكثر من قيمته بل المقصود اذهب فاشتر بثمن أكثر من قيمته لتبيعه بأقل من ذلك الثمن لغير البائع ثم يشتريه البائع من ذلك الغير بالاقل الذي اشتراه به ويدفع ذلك الاقل إلى بائعه فيدفعه بائعه إلى

[ 395 ]

المشتري المديون فيسلم الثوب للبائع كما كان ويستفيد الزيادة على ذلك الاقل. وإنما وسط الثاني تحرزا عن شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن، فإذا فعل الكفيل ذلك كان مشتريا لنفسه والملك له في الحرير والزيادة التي يخسرها عليه لان هذه العبارة حاصلها ضمان ما يخسر المشتري نظرا إلى قوله علي كأنه أمره بالشراء لنفسه فما خسر فعلي وضمان الخسران باطل لان الضمان لا يكون إلا بمضمون والخسران غير مضمون كما لو قال بايع في السوق على أن كل خسران يلحقك فعلي أو قال لمشتري العبد إن أبق عبدك فعلي لم يصح. وقيل: هو توكيل فاسد ومعنى على منصرف إلى الثمن، فإذا كان الثمن عليه يكون المبيع له فأغنى عن قوله لي فهو توكيل لكنه فاسد لانه غير معين مقداره ولا ثمنه فلا تصح الوكالة كما لو قال اشتر لي حنطة ولم يبين مقدارها ولا ثمنها ولو كان المراد بقدر ما يقع به إيفاء الدين لان قدره إنما هو ثمن الحرير الذي يباع به لا ثمن ما يشتريه الكفيل به اه‍. والمراد بقوله تعين عليه حريرا اشتر حريرا بطريق العينة وما لم ترجع إليه العين التي خرجت منه لا يسمى بيع العينة لانه من العين المسترجعة لا العين مطلقا وإلا فكل بيع بيع العينة. وفي البناية أن الكراهة في هذا البيع حصلت من المجموع فإن الاعراض عن الاقراض ليس بمكروه والبخل الحاصل من طلب الربح في التجارات كذلك وإلا لكانت المرابحة مكروهة اه‍. وفي فتح القدير: ثم ذموا البياعات الكائنة الآن أشد من بيع العينة حتى قال مشايخ بلخ للتجار أن العينة التي جاءت في الحديث خير من بياعاتكم وهو صحيح، فكثير من البياعات كالزيت والعسل والشيرج وغير ذلك استقر وزنها عليها مظروفة، ثم إسقاط مقدار معين على الظرف وبه يصير البيع فاسدا، ولا شك أن البيع الفاسد في حكم الغصب المحرم فأين هو من بيع جوزه بعضهم اه‍.

[ 396 ]

قوله: (ومن كفل عن رجل بما ذاب له عليه أو بما قضى له عليه فغاب المطلوب فبرهن المدعي على الكفيل أن له على المطلوب ألفا لم يقبل) لان المكفول به مال يقضى به وهذا في لفظ القضاء ظاهر، وكذا في الاخرى لان معنى ذاب تقرر وهو وبالقضاء إذ المضمون مال يقضى به وهذا ماض أريد به المستقبل كقوله أطال الله بقاك. والدعوى على الكفيل غير مقيدة بأن المال وجب على الاصيل بعد الكفالة بل يحتمل أنه بعدها كما يحتمل أن يكون قبلها فلا تصح. وحاصله أنه قضاء على الغائب وهو الاصيل من غير خصم عنه وجزمهم هنا بعدم القبول ينبغي أن يكون على الرواية الضعيفة، أما على أظهر الروايتين المفتى به من نفاذ القضاء

[ 397 ]

على الغائب فينبغي النفاذ، ولم أر من نبه عليه هنا. وقيد بقوله برهن أن له على المطلوب لانه لو ادعى الوجوب بعد الكفالة بأن قاحكم لي عليه القاضي فلان بكذا بعد الكفالة وبرهن قبل لدخوله تحت الكفالة. وأشا المؤلف إلى أن الكفيل لو أقر على الاصيل بألف لم تجب على الكفيل لان إقراره يوجد على الاصيل شيئا فلم يجب به على الكفيل قوله: (ولو برهن أن له على زيد كذا وأنه كفيل عنه بأمره قضى به عليهما ولو بلا أمر قضى على الكفيل فقط) وإنما قبل البرهان هنا لان المكفول به مال مطلق بخلاف ما تقدم وإنما يختلف بالامر وعدمه لانهما يتغايران لان الكفالة بالامر تبرع ابتداء ومعاوضة انتهاء، وبغير أمر تبرع ابتداء وانتهاء فبدعواه أحدهما لا يقضى له بالآخر، وإذا قضى بها بالامر يثبت أمره وهو يتضمن الاقرار بالمال فيصير مقضيا والكفالة بأمر لا تمس جانبه لانه يعتمد صحتها قيام الدين في زعم الكفيل فلا يتعدى إليه، وفي الكفالة بأمر يرجع الكفيل بما أدى على الآمر. وقال زفر: لا يرجع لانه لما أنكر فقد ظلم في زعمه فلا يظلم غيره، ونحن نقول: صار مكذبا شرعا فبطل

[ 398 ]

ما زعمه. قيد بقوله له على زيد كذا وأن هذا كفيل عنه يعني بهذا المقدار لان الكفالة لو كانت مطلقة نحو أن يقول كفلت بمالك على فلان فإن القضاء على الكفيل قضاء على الاصيل، سواء كانت بأمره أو بغير أمره، لان الطالب لا يتوصل إلى إثبات حقه على الكفيل إلا بعد إثباته على الاصيل لما ذكرنا أن القول قول الكفيل أنه ليس للطالب على الاصيل شئ، وإذا كان كذلك صار الكفيل خصما عنه وإن كان غائبا. والمذهب عندنا أن القضاء على الغائب لا يجوز إلا إذا ادعى على الحاضر حقا لا يتوصل إليه إلا بإثباته على الغائب. قال مشايخنا: وهذا طريق من أراد إثبات الدين على الغائب من غير أن يكون بين الكفيل والغائب اتصال، وكذا إذا خاف الطالب موت الشاهد يتواضع مع رجل ويدعي عليه مثل هذه الكفالة فيقر الرجل بالكفالة وينكر الدين فيقيم المدعي البينة على الدين فيقضي به على الكفيل والاصيل ثم يبرئ الكفيل. والحاصل أنها على أربعة أوجه: مطلقة عن المقدار، ومقيدة به. وكل على وجهين إما بالامر أو بعدمه فلا تفصيل في المطلقة وهي الحيلة في القضاء في الغائب والتفصيل في المقيدة، ولا تصلح للحيلة لان شرط التعدي إلى الغائب كونها بأمره والحوالة على هذه الوجوه، وفي فتاو قاضيخان بعد أن ذكر أن الكفالة المطلقة هي الحيلة في الاثبات على الغائب قال: وليس هو قضاء على المسخر لان المدعي صادق في دعواه على الكفيل ثم يبرئ المدعي الكفيل عن المال والكفالة ويبقى المال له على الغائب اه‍. ومن هنا علم أن ما ذكره الشارح فيما يأتي في شرح قوله ولا يقضى على غائب إلا أن يكون ما يدعي على الغائب سببا لما يدعي على الحاضر أن من الصور الكفالة المقيدة بألف درهم إلى آخره سهو ظاهر، وإنما هو في المطلقة وسيأتي التنبيه عليه في محله إن شاء الله تعالى.

[ 399 ]

قوله: (وكفالته بالدرك تسليم) لان الكفالة لو كانت مشروطة في البيع فتمامه بقبوله، ثم بالدعوى يسعى في نقض ما تم من جهته وإن لم تكن مشروطة فيه فالمراد بها أحكام البيع وترغيب المشتري فيه إذ لا يرغب فيه دون الكفالة فنزل منزلة الاقرار بملك البائع. والمراد بكونها تسليما أنها تصديق من الكفيل بأن الدار ملك البائع حتى لو ادعى الكفيل الدار لنفسه على المشتري لم تسمع دعواه لانها لو صحت لرجع المشتري عليه بحكم الكفالة فلا يفيد، كذا في النهاية. وشمل ما إذا كان الكفيل شفيعها فلا شفعة له فلا تسمع دعواه بالملك فيها وبالشفعة وبالاجارة، وقدمنا أن ضمان الدرك هو ضمان الثمن عند استحقاق المبيع. والدرك في اللغة التبعة يحرك ويسكن. وفي الحادي عشر من بيوع الخلاصة: من سعى في نقض ما تم من جهته لم يعتبر إلا في موضعين: أحدهما رجل اشترى عبدا وقبضه ونقد الثمن ثم ادعى أن البائع باعه قبل ذلك من فلان الغائب بكذا قبلت بينته. والثاني إذا وهب جاريته من إنسان فاستولدها الموهوب له ثم أقام الواهب بينة أنه كان دبرها أو استولدها قبلت بينته ويرجع على الموهوب له بالجارية والعقر اه‍. والحصر المذكور ليس بصحيح لانه يرد عليه ما ذكره قاضيخان من البيوع: لو ادعى المشتري أن المبيع حر تسمع دعواه، وما لو باع أرضا ثم ادعى أنه كان وقفها وأنها وقف فإن بينته مقبولة على المختار كما ذكره الولوالجي، لكن لا تسمع دعواه للتناقض مع أنه ساع في نقض ما تم من جهته قوله: (وشهادته وختمه لا) أي لا يكون إقرارا بملك البائع والشاهد على دعواه لان الشهادة لا تكون مشروطة في البيع ولا يكون إقرارا بالملك لان البيع مرة يوجد من المالك وتارة من غيره، ولعله كتب الشهادة ليحفظ الحادثة بخلاف ما تقدم. قالوا: إذا كتب في الصك باع وهو يملكه أو بيعا باتا نافذا وكتب شهد بذلك كان تسليما إلا إذا كتب الشهادة على إقرار المتعاقدين، وكذا لو شهد عند الحاكم بالبيع وقضى بشهادته أو لم يقض كان تسليما. والتقييد بالختم لبيان أن مجرد الكتابة بلا ختم لا يكون تسليما بالاولى، وإنما ذكروه بناء على عادتهم فإنهم كانوا يختومنه بعد كتابة أسمائهم على الصك خوفا من التغيير والتزوير والحكم لا يختلف. وفي فتح القدير: الختم أمر كان في زمانهم إذا كتب اسمه في الصك جعل اسمه تحت رصاص مكتوبا ووضع نقش خاتمه كيلا يتطرقه التبديل وليس هذا في زماننا. اعلم أن قولهم هنا أن الشهادة لا تكون

[ 400 ]

إقرارا بالملك يدل بالاولى على أن السكوت زمانا لا يمنع الدعوى وسيأتي تمامه في مسائل شتى آخر الكتاب عند قوله باع عقارا وبعض أقاربه حاضر إلى آخره. قوله: (ومن ضمن عن آخر خراجه أو رهن به أو ضمن نوائبه أو قسمته صح) أما الخراج فلكونه دينا مطالبا به. قيد به للاحتراز عن الزكاة في الاموال الظاهرة فإنه لا يجوز الضمان بها عن صاحب المال لانها مجرد فعل، ولهذا لا تؤخذ من تركته إلا بوصيته. وأطلقه فشمل الخراج الموظف وخراج المقاسمة، وخصصه بعضهم بالموظف وهو ما يجب في الذمة ونفي صحة الضمان بخراج المقاسمة لانه لم يكن دينا في الذمة والرهن كالكفالة بجامع التوثق فيجوز في كل موضع تجوز الكفالة فيه، هكذا ذكر الشارح وهو منقوض بالدر ك فإن الكفالة به جائزة دون الرهن، وأما النوائب فجمع نائبة وفي الصحاح: النائبة المصيبة واحدة نوائب الدهر اه‍. وفي اصطلاحهم قيل: أراد بها ما يكون بحق كأجرة الحراس وكري النهر المشترك والمال الموظف لتجهيز الجيش وفداء الاسرى. وقيل: المراد بها ما ليس بحق كالجبايات التي في زماننا يأخذها الظلمة بغير حق. فإن كان مراده هو الاول جازت الكفالة بها اتفاقا لانه واجب مضمون، وإن كان مراده الثاني ففيه اختلاف المشايخ فقال بعضهم: لا تجوز الكفالة منهم صدر الاسلام البزدوي لانها ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة أو الدين، وهنا لا مطالبة ولا دين شرعيان على الاصيل فلم يتحقق معناها. وقال بعضهم: تجوز منهم فخر الاسلام علي البزدوي أخو صدر الاسلام المتقدم لانها في المطالبة مثل سائر الديون بل فوقها والعبرة للمطالبة لانها شرعت لالتزامها، فالمطالبة الحسية كالمطالبة الشرعية ولذا قلنا: ومن قام بتوزيع هذه النوائب على المسلمين بالقسط أي بالعد يؤجر وإن كان الآخذ بالاخذ ظالما، وقلنا من قضى نائبه غيره بأمره رجع عليه وإن لم يشترط الرجوع وهو الصحيح كما في الخانية، كمن قضى دين غيره بأمره. وفي العناية قال شمس الائمة: هذا إذا أمره به لا عن إكراه، أما إذا كان مكرها في الامر فلا يعتبر أمره في الرجوع اه‍. وفي فتح القدير: وينبغي أن كل من قال إنها ضم في الدين يمنع صحتها هنا، ومن قال في المطالبة يمكن أن يقول بصحتها ويمكن أن يمنعها بناء على أنها في المطالبة في الدين أو معناه أو مطلقا اه‍. وقوله بناء على أنها المطالبة في الدين ممنوع لما قدمنا أنها لا تقتصر على المطالبة في الدين إذ لو كان كذلك لم يشمل

[ 401 ]

التعريف الكفالة بالنفس لانها ضم في المطالبة بالحضور. وفي قوله أو مطلقا نظر لانه إذا قال بأنها في المطالبة مطلقا لا يمنعها هنا. وفي البزازية: صادر الوالي رجلا وطلب منه مالا وضمن رجل ذلك وبذل الحط ثم قال الضامن ليس لك علي شئ لانه ليس للوالي عليه شئ قال شمس الاسلام: والقاضي يملك المطالبة لان المطالبة الشرعية كالمطالبة الحسية اه‍. ولو قال لان المطالبة الحسين كالمطالبة الشرعية لكان أولى كما لا يخفى، وظاهر كلامهم ترجيح الصحة ولذا قال في إيضاح الاصلاح: والفتوى على الصحة فإنها كالديون الصحيحة حتى لو

[ 402 ]

أخذت من الاكار فله الرجوع على مالك الارض اه‍. وفي الخانية: الصحيح الصحة ويرجع على المكفول عنه إن كان بأمره، وأما القسمة فقد قيل هي النوائب بعينها أو حصة منها والرواية بأو. وقيل: هي النائبة الموظفة الراتبة والمراد بالنوائب ما ينوبه عن راتب، كذا في الهداية. والحاصل أن المشايخ اختلفوا في معناه فأبو بكر بن سعيد ادعى أن هذه الكلمة غلط لان القسمة مصدر والمصدر فعل وهذا الفعل غير مضمون، ورد بأن القسمة تجئ بمعنى النصيب قال الله تعالى * (ونبئهم أن الماء قسمة بينهم) * [ القمر: 82 ] والمراد النصيب. والفقيه أبو جعفر الهندواني قال: معناها أن أحد الشريكين إذا طلب القسمة من صاحبه وامتنع الآخر عن ذلك فضمن إنسانا ليقوم مقامه في القسمة جاز لان القسمة واجبة عليه. وقال بعضهم: معناها إذا اقتسما ثم منع أحد الشريكين قسم صاحبه فتكون الرواية على هذا قسمة بالضمير لا بالتاء، وقد علمت أن القسمة بالتاء تجئ بمعنى القسم بلا تاء. وقيل: هي النوائب بعينها فالعطف للبيان والتفسير. وقيل: ما يخص الرجل منها ولكنه كان ينبغي أن يعطف بالواو لا بأو ليكون من عطف الخاص على العام. وقيل: هي النائبة الموظفة الديوانية كل شهر أو ثلاثة أشهر والنوائب غير الراتبة، كذا في العناية. ثم من أصحابنا من قال: الافضل للانسان أن تساوي أهل محلته في إعطاء النائبة. قال شمس الائمة: هذا كان في ذلك الزمان لانه إعانة على الحاجة والجهاد، وأما في زماننا فأكثر النوائب تؤخذ ظلما، ومن تمكن دفع المظلمة عن نفسه فهو خير له، وإذا أراد الاعطاء فليعط من هو عاجز عن دفع الظلم عن نفسه لفقر ليستعين به الفقير على الظلم وينال المعطي الثواب، كذا في فتح القدير.

[ 403 ]

قوله: (ومن قال لآخر ضمنت لك عن فلان مائة إلى شهر فقال هي حالة فالقول للضامن) لانه لم يقر بالدين لانه لا دين عليه في الصحيح إنما أقر بمجرد المطالبة بعد الشهر. قيد بالضمان لانه لو أقر بمائة إلى شهر وقال المقر له هي حالة فالقول للمقر له لان المقر أقر بالدين ثم ادعى حقا لنفسه وهو تأخير المطالبة إلى أجل، وهذا هو الفرق. وفوق آخر أن الاجل في الدين عارض حتى لا يثبت إلا بشرط فكان القول قول من أنكر الشرط كما في الخيار. وأما الاجل في الكفالة فنوع حتى يثبت عن غير شرط بأن كان مؤجلا على الاصيل، والشافعي أالحق الدين بالكفالة، وأبو يوسف عكسه، والفرق قد أوضحناه. وذكر الشارح: والحيلة فيها إذا كان عليه دين مؤجل وادعى عليه وخاف الكذب إن أنكر والمؤاخذة في الحال إن أقر أن يقول للمدعي هذا الذي تدعيه من المال حال أم مؤجل، فإن قال مؤجلا فلا دعوى عليه في الحال، وإن قال حال فينكره وهو صدوق فلا حرج عليه. وقيل من عليه الدين مؤجل إذا أنكر الدين وقال ليس له قبلي حق فلا بأس به إذا لم يرد به إتواء حقه ا ه‍. قوله: (ومن اشترى أمة وكفل له رجل بالدرك فاستحقت لم يأخذ المشتري الكفيل حتى يقضى له بالثمن على البائع) لانه بمجرد الاستحقاق لا ينتقض البيع على ظاهر الرواية ما لم يقض له بالثمن على البائع فلم يجب له على الاصيل رد الثمن فلا يجب على الكفيل بخلاف القضاء بالحرية لان البيع يبطل بها لعدم المحلية ويرجع على البائع والكفيل، ولذا قيد بالاستحقاق أي لغير البائع. أشار المؤلف إلى أن البيع لا ينتقض بقضاء القاضي للمستحق بالعين حتى لو كان الثمن عبدا فأعتقه بائع الجارية بعد حكم القاضي للمستحق نفذ إعتاقه، كذا في العناية. وصحح في فصول الاستروشني أن للمستحق أن يجيز بعد قضاء القاضي وبعد قبضه قبل أن يرجع المشتري على بائعه بالثمن، والرجوع

[ 404 ]

بالقضاء يكون فسخا، ثم من الاستحقاق المبطل دعوى النسب ودعوى المرأة الحرمة الغليظة ودعوى الوقف في الارض المشتراة أو أنها كانت مسجدا ويشارك الاستحقاق الناقلي في أن كلا منهما يجعل المستحق عليه ومن يملك ذلك الشئ من جهته مستحقا عليه حتى لو أقام واحد منهم البينة على المستحق بالملك المطلق لا تقبل بينته، ويختلفان في أن كل واحد من الباعة في الناقل لا يرجع على بائعه ما لم يرجع عليه، ولا يرجع على كفيل الدرك ما لم يقض على المكفول عنه وفي المبطل يثبت لكل منهم الرجوع على بائعه وإن لم يرجع عليه ويرجع على الكفيل وإن لم يقض على المكفول عنه، كذا ففتح القدير. ولو قال المصنف ومن اشترى شيأ لكان أولى كما لا يخفي. وأشار بقوله حتى يقضى له بالثمن على البائع إلى أن القضاء على البائع قضاء على الكفيل وللمشتري أن يأخذ الثمن من أيهما شاء. وأفاد أنه لا يخاصم الكفيل أولا وهو ظاهر الرواية خلافا لما ذكر عنأبي يوسف. وقيد بالاستحقاق لان البيع لو انفسخ بينهما بما سواه وصار الثمن مضمونا على البائع لم يؤاخد الكفيل به كما إذا فسخ بخيار رؤية أو شرط أو عيب. وأشار بقوله بالثمن إلى أن المشتري لو بنى في الارض ثم استحقت فإنه لا يرجع على الكفيل بقيمة البناء وإنما يرجع بها على البائع فقط إذا سلم النقض له وهو ظاهر الرواية، وكذا لو كان المبيع حارية فاستولدها المشتري واستحقها رجل وأخذ منه قيمة الجارية والولد والعقر فإن المشتري يأخذ الثمن من أيهما شاء ولا يأخذ قيمة الولد إلا من البائع خاصة، فالكفيل كبائع البائع لا رجوع عليه إلا بالثمن، كذا في السراج الوهاج والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. باب كفالة الرجلين والعبدين قوله: (دين عليهما وكل كفيل عن صاحبه فما أداه أحدهما لم يرجع به على شريكه فإن

[ 405 ]

زاد على النصف رجع بالزيادة) لان كل واحد منهما في النصف أصيل وفي النصف الآخر كفيل، ولا معارضة بين ما عليه بحق الاصالة وبحق الكفالة لان الاول دين والثاني مطالبة، ثم هو تابع للاول فيقع عن الاول وفي الزيادة لا معارضة فيقع عن الكفالة، ولانه لو وقع الدفع في النصف عن صاحبه فيرجع عليه فلصاحبه أن يرجع لان أداء نائبه كأدائه فيؤدي إلى الدور. وظاهر الكتاب استواء الدينين صفة وسببا فإن اختلفا صفة بأن كان ما عليه مؤجلا وما كان على صاحبه حالا فإذا أدى صح تعيينه عن شريكه ورجع به عليه، وعلى عكسه لا يرجع لان الكفيل إذا عجل دينا مؤجلا ليس له الرجوع على الاصيل قبل الحلول، ولو اختلف سبببهما نحو أن يكون ما على أحدهما قرضا وما على الآخر ثمن مبيع فإنه يصح تعيين المؤدي لان النية في الجنسين المختلفين معتبرة وفي الجنس الواحد لغو كما في فتح القدير. وقيد بكون كل كفيلا عن صاحبه احترازا عما لو كفل أحدهما عن صاحبه دون الآخر وأدى الكفيل فجعله عن صاحبه فإنه يصدق. وقول الشارح وهي واردة على مسألة الكتاب سهو وإنما هي خارجة عنها بمفهوم التقييد كما قررناه، ولم يقيد رحمه الله بالامر في قوله رجع بالزيادة للعلم به مما تقدم من أنه إذا كفل بأمره رجع وإلا فلا قوله: (وإن كفلا عن رجل فكفل كل عن صاحبه فما أدى رجع ينصفه على شريكه أو بالكل على الاصيل) لان ما أداه أحدهما وقع شائعا عنهما إذا لكل كفالة فلا ترجيح للبعض على البعض بخلاف ما تقدم فيرجع على شريكه بنصفه فلا يؤدي إلى الدور لاقضيته الاستواء وقد حصل برجوع أحدهما بنصف ما أدى بخلاف ما تقدم ثم يرجعان على الاصيل لانهما أديا عنه أحدهما بنفسه والآخر بنائبه، وإن شاء رجع بالجميع على المكفول عنه لانه كفل بجميع المال عنه بأمره. وترك المصنف قيدين للمسألة: الاول أن يتكفل كل واحد منهما عن الاصيل بجميع الدين على التعاقب، فلو تكفل كل واحد منهما بالنصف ثم تكفل كل عن صاحبه فهي كالمسألة الاولى في الصحيح فلا يرجع حتى يزيد على النصف. وكذا لو تكفلا عن الاصيل بجميع الدين معا ثم تكفل كل واحد منهما عن صاحبه لان الدين ينقسم عليهما نصفين فلا يكون كفيلا عن الاصيل بالجميع. الثاني أن يكفل كل عن صاحبه بالجميع، فلو كفل عن الاصيل بالجميع متعاقبا ثم كفل كل واحد منهما عن صاحبه بالنصف فكالاولى.

[ 406 ]

قوله: (وإن أبرأ الطالب أحدهما آخذ الآخر بكله) لان إبراء الكفيل لا يوجب إبراء الاصيل فيبقى المال كله على الاصيل والآخر كفيل عنه بكله فيأخذه والله أعلم. وفي المحيط: كفالة الرجلين المبسوط مسائله على أربعة أقسام: القسم الاول كفل ثلاثة عن رجل بألف درهم فأدى أحدهما برئوا ولم يرجع على صاحبيه بشئ، ولو كان كل واحد كفيلا عن صاحبه فأداها أحدهم رجع المؤدي عليهما بالثلثين، ولصاحب المال أن يطالب كل واحد منهم بألف. القسم الثاني لرجل على أربعة نفر ألف درهم ومائتان وكل اثنين كفيلان عن اثنين بجميع المال فإنه يأخذ أيهما شاء بسبعمائة وخمسين وأي اثنين شاء بجميع الالف. وذكر في المختصر الصواب أن يأخذ أيهم شاء وحده بنصف المال وأي اثنين شاء بجميع المال. والقسم الثالث لرجل على عشرة أنفس ألف وكل أربعة كفيل عن أربعة بجميع المال يأخذه من أحدهما ثلاثمائة وخمسة وعشرين مائة حصته من الدين ومائتان وخمسة وعشرون حصته من الكفالة. القسم الرابع لو كان أصل المال على ثلاثة وكل واحد كفيل عن صاحبيه فأدى أحدهما شيأ فهو على ثلاثة أوجه: في وجه يكون المؤدي عن نفسه وإن لم يعين، وفي وجه يكون المؤدي عنه وعن صاحبيه، وفي وجه يكون المؤدي عن نفسه إذا لم يعين، فإن عين يكون عن صاحبه. مثال الاول لو كان المال على ثلاثة وكل واحد منهم كفيل عن صاحبه فأدى أحدهم شيأ يكون إلى تمام الثلث عنه، وما زاد على الثلث يكون عن صاحبيه، ولو قال هذا من كفالة صاحبي لم يصح. الثاني لو كان له على رجل ألف فكفل ثلاثة عنه على أن يكون بعضهم كفيلا عن البعض فأدى أحدهم شييكون مؤديا عن نفسه وعن صاحبيه، وإن عين أحدهما لا يصح. والثالث لو كان الدين على رجلين وأحدهما كفيل عن صاحبه والآخر لم يكفل عنه إن أدى الكفيل شيأ ولم يعين كان المؤدي عنه، وإن عين يكون عن صاحبه وتمامه مع البيان فيه. ثم قال في المنتقى: رجلان كفلا عن رجل بأمره بمال على أن كل واحد منهما كفيل عن صاحبه ثم أدى أحدهما شيأ فله أن يرجع بجميع ما أدى على المكفول عنه، وإن شاء رجع عليه بنصفه وعلى شريكه بنصفه. وإن ضمنا عنه بغير أمره لم يكن له أن يرجع على شريكه بشئ حتى يؤدي أكثر من النصف فيرجع عليه بالزيادة على النصف. وقالابو يوسف: إذا أقر رجلان لرجل بألف درهم على أن يأخذ بهذا المال أيهما شاء فهذا بمنزلة كفالة كل واحد منهما عن صاحبه بأمره ا ه‍ ملخصا. قوله: (ولو افترق المفاوضان آخذ الغريم أيا شاء بكل الدين) لان كل واحد منهما كفيل عن صاحبه على ما عرف في الشركة. قيد بالمفاوضين أي الشريكين شركة مفاوضة لان شريك العنان لا يؤاخذ عن شريكه لانها لا تتضمن الكفالة بل

[ 407 ]

الوكالة ولذا قال في البزازية من الشركة: أقر أحدهما بدين في تجارتهما وأنكر الآخر لزم المقر كله إن كان هو الذي تولاه، وإأقر أنهما تولياه لزم نصفه ولا يلزم المنكر شئ، وإن أقر أنه وليه لم يلزمه شئ اه‍ قوله: (ولا يرجع حتى يؤدي أكثر من النصف) لما بينا من الوجهين في كفالة الرجلين. قوله: (وإن كاتب عبديه كتابة واحدة وكفل كل من صاحبه وأدى أحدهما رجع بنصفه) لان هذا العقد جائز استحسانا وطريقة أن يجعل كل واحد منهما أصيلا في حق وجوب الالف عليه فيكون عتقهما معلقا بأدائه ويجعل كفيلا بالالف في حق صاحبه، وإذا عرف ذلك فما أداه أحدهما رجع على صاحبه بنصفه لاستوائهما، ولو رجع بالكل لم تتحقق المساواة. قيد بقوله وكفل لانه لو كاتبهما معا ولم يزد على ذلك لزم كل واحد حصته ويعتق بأداء حصته لان المقابلة المطلقة تقتضي ذلك، فلو كاتبهما على أنهما إن أديا عتقا وإن عجزا ردا في الرق ولم يذكر الكفالة فعندنا لا يعتق واحد منهما ما لم يصل جميع المال إلى المولى لان شرط المولى في العقد تجب مراعاته إذا كان صحيحا شرعا، وقد شرط العتق عند أدائهما جميع المال إلى المولى لان شرط المولى في العقد نص، فلو عتق أحدهما بأداء حصته كان مخالفا لشرطه قوله: (ولو حرر أحدهما آخذا ما شاء بحصة من لم يعتقه) وإنما جاز العتق لمصادفته ملكه وبرعن النصف لانه ما رضي بالتزام المال إلا ليكون وسيلة إلى العتق ولم يبق وسيلة فيسقط ويبقى النصف على الآخر لان المال في الحقيقة مقابل برقيتهما. وإنما جعل على كل واحد منهما احتيالا لتصحيح الضمان، وإذا جاء العتق استغنى عنه فاعتبر مقابلا برقبتهما فلهذا ينتصف، وللمولى أن يأخذ بحصة الذي لم يعتق أيهما شاء المعتق بالكفالة وصاحبه بالاصالة قوله: (فإن آخذ المعتق رجع على صاحبه وإن آخذ الآخر لا) لان المعتق مؤد عنه بأمره والآخر مؤد عن نفسه. وإنما جازت الكفالة ببدل الكتابة هنا لانه في حال البقاء، وأما في الابتداء فالمال كله عليه قوله: (ومن ضمن عن عبد ما لا يؤاخذ به بعد عتقه فهو حال) كما إذا أقر العبد باستهلاك مال وكذبه المولى أو أقرضه إنسان أو باعه وهو محجور عليه أو أودعه شيأ فاستهلكه أو وطئ امرأة بشبهة بغير إذن المولى فإنه لا يؤاخذ به في الحال، فإذا ضمنه إنسان ولم يبين أنه حال ولا غيره كان على الضامن حالا لانه حال عليه لوجود السبب وقبول الذمة إلا أنه لا يطالب لعسرته إذ جميع ما في يده ملك المولى ولم يرض بتعلقه به والكفيل غير معسر فصار كما إذا كفل عن غائب أو مفلس بخلاف الدين المؤجل لانه متأخر بمؤخر، ثم إذا أدى

[ 408 ]

رجع على العبد بعد العتق لان الطالب لا يرجع عليه إلابعد العتق فكذا الكفيل لقيامه مقامه. والتقييد بكونه يؤاخذ به بعد عتقه ليفهم منه حكم ما يؤاخذ به للحال بالاولى كدين الاستهلاك عيانا وما لزمه بالتجارة بإذن المولى، وجعله قيدا احترازيا كما في الشرح سهو كما لا يخفي. وفي فتح القدير: ولو كان كفل بدين الاستهلاك المعاين ينبغي أن يرجع قبل العتق إذا أدى لانه دين غير مؤجل ولا مؤخر إلى العتق فيطالب السيد بتسليم رقبته أو القضاء عنه، وبحث أهل الدرس هل المعتبر في هذا الرجوع الامر بالكفالة من العبد أو السيد وقوي عندي كون المعتبر أمر السيد لان الرجوع في الحقيقة عليه ا ه‍. وفي البدائع: وأما رجوع الكفيل فله شرائط. منها: أن تكون الكفالة بأمر المكفول عنه. ومنها أن يكون بإذن صحيح وهو إذن من يجوز إقراره على نفسه بالدين حتى إنه لو كفل عن الصبي المحجور بإذنه فأدى لا يرجع لان إذنه بالكفالة لم يصح لانه من المكفول عنه استقراض واستقراض الصبي لا يتعلق به الضمان، وأما العبد المحجور فإذنه بالكفاله صحيح فحق نفسه حتى يرجع عليه بعد العتاق لكن لا يصح في حق المولى فلا يؤاخذ به في الحال ا ه‍. وفي الخانية: ولو أن المكاتب صالح عن الدم على مال مؤجل في الذمة والقتل ثابت بإقراره أو بالبينة وكفل إنسان بالبدل ثم عجز المكاتب فرد في الرق لم يكن للمصالح أن يأخذ المكاتب حتى يعتق لانه التزام المال في الذمة عوضا عن الدم فصذلك في حقه لا في حق المولى، فإذا خلص أكسابه بالحرية يؤخذ به وللمصالح أن يؤخذ الكفيل قبل عتق المكاتب لانه كفل بمال واجب للحال، وإنما تأخرت المطالبة عن المكاتب قبل العتق لافلاسه وعجزه فلا تسقط المطالبة عن الكفيل ا ه‍. قوله: (ولو ادعى رقبة العبد فكفل به رجل فمات العبد فبرهن المدعي أنه لو ضمن قيمته ولو ادعى على عبد ما لا وكفل بنفسه رجل فمات العبد برئ الكفيل) لانها تبطل بموت المكفول به إذا كان حرا فكذا إذا كان عبدا لتعذر تسليمه بعد موته، وهذه المسألة الثانية مكررة لانه قدم في الكفالة بالنفس أنها تبطل بموت المطلوب، وفي هذا لافرق بين الحر والعبد ولكن إنما ذكرها هنا ليبين الفرق بينها وبين الاولى وهو ظاهر، لان المكفول به في الاولى رقبة العبد وهي مال وهي لا تبطل بهلاك المال فيلزمه قيمة العبد لان على المولى رد العبد على وجه يخلفها قيمتها وقد التزم الكفيل ذلك وبعد الموت تبقى القيمة واجبة على الاصيل فكذا على الكفيل، فالمكفول المدعى عليه بخلاف الثانية. والحاصل أنها كفالة بالعين المغصوبة وهي تستفاد أيضا مما قدمه في الكفالة بالمال. قيد بإقامة البينة لانه وثبت ملك المدعي بإقرار ذي

[ 409 ]

اليد أو بنكوله عند التحليف وقد مات العبد في يد ذي اليد قضى بقيمة المدعي على المدعى عليه، ولا يلزم على الكفيل شئ مما يلزم على الاصيل إلا إذا أقر الكفيل بما أقر به الاصيل لان إقرار الاصيل لا يعتبر حجة في حق الكفيل لما عرف أن الاقرار حجة قاصرة فيقتصر على المقر ولا يعدوه، كذا في الفوائد الظهيرية. وفي الخانية: مكاتب قتل رجلا عمدا فصالح عن الدم على عبد بعينه وكفل رجل بالعبد فهلك العبد قبل التسليم كان لولي الدم أن يأخذ الكفيل بقيمة العبد، وإن شاء طالب المكاتب أيضا بقيمة العبد لان الصلح عند دم العمد لا يبطل بهلاك البدل قبل التسليم، فإذا عجز عن تسليم العبد مع الموجب للتسليم يطالب بقيمة البدل، وكذا لو كان القاتل حرا والمسألة بحالها ا ه‍. قوله: (ولو كفل عبد عن سيده بأمره فعتق فأداه أو كفل سيده عنه وأداه بعد عتقه لم يرجع واحد منهما على الآخر) بيان المسألتين: الاولى كفالة العبد عن سيده، والثانية عكسه، أما الاولى فشرطه أن لا يكون على العبد دين حتى تصح كفالته بالمال عن المولى، وإنما صحت لان الحق في ماليته لمولاه وهو يملك أن يجعله بالدين بأن يرهنه أو يقر بالدين، وإن كان عليه دين مستغرق لم تصح كفالته لحق الغرماء وإن كان بإذن المولى، وأما الثانية فهي صحيحة على كل حال وإنما لم يرجع أحدهما على الآخر فيهما لانها وقعت غير موجبة للرجوع لان المولى لا يستوجب على عبده دينا، وكذا العبد على مولاه فلا تنقلب موجبة أبدا كمن كفل عن عبده بغير أمره فأجازه. ثم فائدة كفالة المولى عن عبده وجوب مطالبته بإيفاء الدين من سائر أمواله، وفائدة كفالة العبد عن مولاة تعلقه برقبته. قيد بكفالة السيد عن عبده لان كفالة السيد لعبده عن مديونه صحيحة إن كان العبد مديونا، فلو أن هذا العبد قضى وليه دينه الذي كان عليه بطلت كفالة المولى، كذا في الخانية. وفي هذا التفريع أعني قوله فلو أن هذا العبد إلى آخره نظر ا ه‍ والله أعلم.

[ 410 ]

كتاب الحوالة ذكرها بعدها لان كلا منهما عقد التزام ما على الاصيل للتوثق إلا أن الحوالة تتضمن براءة الاصيل براءة مقيدة بخلاف الكفالة فكانت كالمركب مع المفرد والمفرد مقدم فأخر الحوالة عنها. والكلام فيها في مواضع: الاول في معناها لغة ففي المصباح: حولته تحويلا نقلته من موضع إلى موضع، وحول هو تحويلا يستعمل لازما ومتعديا. وحولت الرداء نقلت كل طرف إلى موضع الآخر، والحوالة مأخوذة من هذا فأحلته بدينه نقلته من ذمة إلى غير ذمتك وأحلت الشئ إحالة نقلته أيضا ا ه‍. وفي الصحاح: أحال عليه بدينه والاسم الحوالة ا ه‍. وفي فتح القدير: يقال أحلت زيدا بماله على عمرو فاحتال أي قبل أنا محيل وزيد محال ويقال محتاج والمال محال به والرجل محال عليه ويقال محتال عليه، فتقدير الاصل في محتال الواقع فاعلا محتول بكسر الواو وفي الواقع مفعولا محتول بالفتح كما يقدر في مختار الفاعل مختبر بكسر الباء وفتحها في مختار المفعول. وأما صلة له مع المحتال الفاعل فلا حاجة إليها بل الصلة مع المحال عليه لفظة عليه فهما محنال ومحتال عليه، فالفرق بينهما بعدم الصلة وبصلة عليه، ويقال للمحتال حويل أيضا فالمحيل هو المديون والمحال والمحتال رب الدين والمحال عليه والمحتال عليه هو الذي التزم ذلك الدين للمحتال والمحال به نفس الدين ا ه‍. الثاني في معناها شريعة فأفاده بقوله: (هي نقل الدين من ذمة إلى ذمة) أي من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه وهذا قول البعض فقد اتفقوا على أصل النقل، ثم اختلفوا في كيفيته فقيل إنها نقل المطالبة والدين، وقيل نقل المطالبة فقط. وجعل الاختلاف في البدائع بين المتأخرين ونسب الشارح الاول إلى أبي يوسف. والثاني إلى محمد. وجه الاول دلالة الاجماع من أن

[ 411 ]

المحتال لو أبرأ المحال عليه من الدين أو وهبه منه صح، ولو أبرأ المحيل أو وهبه لم يصح، ولولا انتقاله إلى ذمة المجال عليه لما صح الاول ولصح الثاني. وحكى في المجمع خلاف محمد في الثانية فكأنه لم يعتبره فنقل الاجماع. ووجه الثاني دلالة الاجماع أيضا من أن المحيل إذا قضى دين الطالب بعد الحوالة قبل أن ؤدي المحتال عليه لا يكون متطوعا ويجبر على القبول، ولو لم يكن عليه دين لكان متطوعا فينبغي أن لا يجبر على القبول كما إذا تطوع أجنبي بقضاء دين إنسان على غيره، وكذا المحتار لو أبرأ المحتال عليه عن دين الحوالة لا يرتد برده، ولو وهبه منه ارتد كما لو أبرأ الطالب الكفيل أو وهبه منه. ولو انتقل إلى ذمة المحال عليه لما اختلف حكم الابراء والهبة، وكذا المحال لو أبرأ المحال عليه عن دين الحوالة لم يرجع على المحيل وإن كانت بأمره كالكفالة. ولو وهب الدين منه فله الرجوع إذا لم يكن للمحيل عليه دين، ولو كان له عليه دين يلتقيان قصاصا كما في الكفالة فدلت هذه الاحكام على التسوية بين الحوالة والكفالة، ثم الدين في باب الكفالة ثابت في ذمة الاصيل فكذا في الكفالة، هكذا قرره في البدائع ولم يرجح. وفي فتح القدير: المصحح من المذهب أنها توجب البراءة من الدين ا ه‍. فالمذهب ما في الكتاب. قالوا: وفائدة الاختلاف في أنها نقلهما أو المطالبة فقط تظهر في مسألتين: أحداهما أن الراهن إذا أحال المرتهن بالدين فله أن يستر الرهن عند أبي يوسف، وكذا لو أبرأه عنه. وعند محمد لا يسترده كما لو أجل الدين بعد الرهن. والثانية إذا أبرأ الطالب المحيل بعد الحوالة لا يصح عند أبي يوسف لانه برئ بالحوالة، وعند محمد يصح وبرئ المحيل، وقد أنكر هذا الخلاف بينهما بعض المحققين وقال: لم ينقل عن محمد نص بنقل المطالبة دون الدين بل ذكر أحكاما متشابهة، واعتبر الحوالة في بعضها تأجيلا وجعل المحول بها المطالبة لا الدين، واعتبرها في بعض الاحكام إبراء، وجعل المحول بها المطالبة والدين. وإنما فعل هكذا لان اعتبار حقيقة اللفظ يوجب نقل المطالبة والدين إذا الحولة مبنية على النقل، وقد أضيف إلى الدين واعتبار المعنى يوجب تحويل المطالبة لان الحوالة تأجيل معنى ألا ترى أن المحتال عليه إذا مات مفلسا يعود الدين إلى ذمة المحيل، وهذا هو معنى التأجيل فاعتبر المعنى في بعض الاحكام واعتبر الحقيقة في بعضها، نعم يحتاج إلى بيان لمية خصوص الاعتبار في كل مكان، كذا في فتح القدير. وفي تلخيص الجامع بها صار على

[ 412 ]

الحويل ما كان على المحيل إذ نقل الدين أو في بمعناها من نقل الطلب وحده وإن عكس أبو يوسف حسب التأثير في عتق المكاتب وبطلان الرهن بعد الاحالة على الغير ولهذا جاز للمحال أن يبرئ الحويل أو يسترهن أيهب منه دون المحيل على المذهب عكس ما قبلها ولم يصر للمحال ما كان للمحيل، وإن قيدها بالدين حذار تمليكه غير المديون بل يلزم الحويل دينان لهذا لو قبل الحال مؤجلا لم يظهر الاجسل في حق المحيل حسب التأثير بعد الموت والابراء ا ه‍. ثم اعلم أنه يرد على تعريفها بالنقل المذكور أشياء: الاول أن التعريف لا يصدق على الحوالة المقيدة بالوديعة إذ ليس فيها دين انتقل إلى المحال عليه. ثانيها عود الدين بالتوى ولو انتقل الدين لم يعد. ثالثها جبر المحال على قبول الدين من المحيل بعدها ولو انتقل لم يجبر. رابعها قسمة الدين بين غرماء المحيل بعد موته قبل قبض المحتال ولو انتقل لاختص به المحال. خامسها أن إبراء المحتال المحا عليه لا يرتد بالرد ولو انتقل إليه لارتد. سادسا أن توكيل المحال المحيل بالقبض من المحال عليه غير صحيح ولو انتقل من ذمة المحيل لصح لكونه أجنبيا. سابعها أن المحتال لو وهب الدين للمحال عليه كان له أن يرجع على المحيل، ولو انتقل الدين إلى المحال عليه لكانت الهبة إبراء فلا رجوع. ثامنها أنها تفسخ بالفسخ ولو سقط الدين لم يعد. تاسعها عدم سقوط حق حبس المبيع فيما إذا أحاله المشتري. عاشرها كذلك الرهن والجواب أن موجبها نقل مؤقت لا مؤبد فبرئ المحيل براءة موقتة إلى التوى فالرجوع به لانه لم يبرأ براءة مؤبدة، وإنما برئ بشرط السلامة للمحتال فحيث توى المال لم يوجد الشرط وصح أداء المحيل للمحتال ليستفيد البراءة المؤبدة التي لم تحصل بالحوالة كما علل به في الذخيرة. ولا يضر في نقل الدين قسمته بين غرماء المحيل بعد موته قبل قبض المحتال لان المحتال لم يملك الدين بالحوالة إذ يلزم عليه تمليك الدين من غير من عليه الدين وهو لا يجوز وإنما ملك المطالبة، فإذا قبضه ملكه. ولا يلزم أن يكون على المحال عليه دينان

[ 413 ]

دين للمحيل بدليل قسمته بين غرمائه ودين للمحتال لان الممنوع أن يكون للدين الواحد مطالبان لا أن يكن على واحد دينان باعتبارين لهما مطالب واحد كما في الحولة. وإنما لا يصلح المحيل أن يكون وكيلا عن المحتال بقبض الدين لكون المحيل يعمل لنفسه ليستفيد الابراء المؤبد. والفرق بين الهبة والابراء في الرجوع وعدمه أن الابراء إسقاط والهبة من أسباب الملك كالارث، وإنما قبلت الفسخ لان الدين لم يسقط بالكلية لانها توجب الابراء المؤبد. وفي الذخيرة: إذا أحال المديون المطالب على رجل بألبف أو بجميع حقه وقبل منه ثم أحاله أيضا بجميع حقه على آخر وقبل منه صار الثاني نقضا للاول وبرئ الاول ا ه‍. وإنما لم يبطل حق البائع في الحبس لان المطالبة باقية، ولذا لو كان المحيل هو البائع بطل حقه في الحبس لان مطالبته سقطت كالمرتهن إذا أحال غريمه على الراهن بطل حقه في حبس الرهن بخلاف ما إذا أحاله الراهن. الثالث في ركنها هو الايجاب من المحيل والقبول من المحتال عليه والمحتال. الرابع في شرائطها ففي المحيل العقل فلا تصح إحالة مجنون وصبي لا يعقل، والبلوغ وهو شرط النفاذ دون الانعقاد فتنعقد حوالة الصبي العاقل موقوفة على إجازة وليه كالبيع لان فيها معنى المبادلة. وأما حريته فليست شرطا للصحة فتصح حوالة العبد مأذونا أو محجورا غير أنه إن كان مأذونا رجع المحال عليه للحال وإلا فبعد العقق، وكذا صحته فتصح من المريض ومنها رضى المحيل حتى لو كان مكرها في الحوالة لم تصح لانها إبراء فيه معنى التمليك فيفسده الاكراه. وفي المحتال العقل والبلوغ على أنه شرط نفاذ فينفذ احتياله موقوفا على إجازة وليه إن كان الثاني أصليا من الاول، وكذا الوصي إذا احتال بمال اليتيم لا تصح إلا بهذا الشرط. ومنها الرضا حتى لو احتال مكرها لا تصح. ومنها مجلس الحوالة وهو شرط الانعقاد في قولهما خلافا لابي يوسف فإنه شرط النفاذ عنده فلو كان المحتال غائبا عن المجلس فبلغه الخبر فأجار لم ينعقد عندهما خلافا له، والصحيح قولهما. وأما شرائط المحال عليه فالعقل فلم يصح من مجنون وصبي لم يعقل قبولها، والبلوغ فلم يصح من صبي قبولها مطلقا، سواء كانت بأمر المحيل أو بدونه، لكونها مع الامر تبرعا ابتداء وبدونه تبرعا ابتداء

[ 414 ]

وانتهاء، ولو قبل عنه وليه لم يصح لكونه من المضار فلا يملكه الولي. ومنها الرضا فلو أكره على قبولها لم يصح. ومنها المجلس فإنه شرط الانعقاد. وأما شرائط المحتال به فأن يكون دينا لازما فلا تصح ببدل الكتابة فما لا تصح به الكفالة لا تصح به الحوالة فلم تصح إحالة المولى غريمه على مكاتبه إلا إذا قيدها ببدل الكتابة، وأما إذا أحال المكاتب مولاه على رجل فإنما يجوز إذا كان له على الرجل دين أو عين. وقيد بها لان المحتال يكون نائبا عن المكاتب في القبض فيجوز وإن لم يكن له واحد منهما أو كان له ولم يقيده به لا يجوز ولكن إذا أحال المولى عليه رجلا لم يعتق حتى يؤدي بدل الكتابة فإذا أحال مولاه على رجل عتق كما ثبتت الحوالة عكس البائع كما أوضحه الشارح. وتفرع على هذا الشرط أنه لو ظهرت براءة المحال عليه من الدين الذي قيدت الحواله به بأن كان الدين ثمن مبيع فاستحق المبيع تبطل الحوالة، ولو سقط عنه الدين لمعنى عارض بأن هلك المبيع عند البائع قبل التسليم بعد الحوالة حتى سقط الثمن عنه لم تبطل الحوالة ولكن إذا أدى الدين بعد سقوط الثمن يرجع بما أدى على المحيل ولو ظهر طلك في المطلقة لم تبطل وسيأتي الكلام عليها. الخامس في حكمها فلها أحكام منها: براءة المحيل، ومنها ثبوت ولاية المطالبة للمحتال على المحال عليه بدين في ذمته أو في ذمة المحيل على اختلافهم، ومنها ثبوت الملازمة للمحال عليه على المحيل إذا لازمه المحتال فكلما لازمه لازمه، وإذا حبسه حبسه إن كانت بأمر المحيل ولا دين له لانه هو الذي أوقعه في هذه العهدة فعليه تخليصه، وإن كان بغير أمره أو كان مديونه وقد قيدت به

[ 415 ]

فلا ملازمة ولا حبس. السادس في صفتها ذكر في الخلاصة والبزازية أنها على ثلاثة أوجه لازمة وجائزة وفاسدة. فاللازمة أن يحيل الطالب على رجل وقبل الحوالة، سواء كانت مقيدة أو مطلقة. والجائزة أن يقيدها بأن يعطي المحال عليه الحوالة من ثمن دار نفسه أو ثمن عبده فلا يجبر المحال عليه على البيع وهو بمنزلة ما لو قبل الحوالة على أن يعطي عند الحصاد فإنه لا يجبر على أداء الماء قبل الاجل. والفاسدة أن يقيد بإعطائه من ثمن دار المحيل أو ثمن عبده لانها حوالة بمالا يقدر على الوفاء به وهو بيع الدار والعبد فإن الحوالة بهذا الشرط لا يكون توكيلا ببيع دار المحيل اه‍. السابع في دليلها روى أصحاب الكتب الستة عن أبي هريرة مرفوعا مطل الغني طلم وإذا اتبع أحدكم على ملئ فليتبع وفي لفظ الطبراني مرفوعا ومن أحيل على ملئ فليتبع ورواه أحمد ومن أحيل على ملئ فليحتل ثم أكثر العلماء على أن الامر للاستحباب وعن أحمد للوجوب، والحق الظاهر أنه أمر إباحة فهو دليل جواز نقل الدين شرعا أو المطالبة والاجماع على جوازها دفعا للحاجة، كذا في فتح القدير. الثامن في أنواعها سيأتي أنها مقيدة ومطلقة. التاسع في سببها. العاشر في محاسنها وهو ما قدمناه في الكفالة قوله: (وتصح في الدين لا في العين) لان النقل الذي تضمنته نقل شرعي وهو لا يتصور في الاعيان بل المتصور فيها النقل الحسي فكانت نقل الوصف الشرعي وهو الدين فلا بد أن يكون للمحتال دين على المحيل ولذا قال في الخلاصة: رب الدين إذا أحال رجلا على رجل وليس للمحتال على المحيل دين فهذه وكالة وليست بحوالة ا ه‍. وفي القنية: أحال عليه مائة من من الحنطة ولم يكن للمحيل على المحتال عليه شئ ولا للمحتال على المحيل فقبل المحتال عليه ذلك لا شئ عليه ا ه‍. وأما الدين على المحال عليه فليس بشرط. وفي السراج الوهاج: لا تصح الحوالة بالاعيان والحقوق ا ه‍. ولم يمثلوهما قوله: (برضا المحتال والمجال عليه) لان المحتال هو صاحب الحق وتختلف عليه الذمم فلا بد من رضاه لاختلاف الناس في الايفاء، وأما المحال عليه فيلزمه المال ويختلف عليه الطلب والناس متفاوتون. قيد

[ 416 ]

برضاهما لانها لا تصح مع إكراه أحدهما كما قدمناه وأراد من الرضا القبول في مجلس الايجاب لما قدمناه أن قبولهما في مجلس الايجاب شرط الانعقاد وهو مصرح به في البدائع، ولكن في البزازية: لو أحال على غائب فقبل بعد ما علم صحت ولا تصفي غيبة المحتال كالكفالة إلا أن يقبل رجل له الحوالة ا ه‍. فجعل القبول من المحتال والرضا منهما مع أنه قال: الحوالة تعتمد قبول المحتال والمحال عليه. ولم يذكر المصنف رضا المحيل فإنه ليس بشرط على ما ذكره محمد في الزيادات، وشرطه القدوري. وإنما شرطه للرجوع عليه فلا اختلاف في الروايات كما في إيضاح الاصلاح. والحاصل أنها إن كانت بغير رضا المحيل وكان له دين على الحال عليه فله مطالبته بدينه، وإن لم يكن له دين عليه فلا رجوع للمحال عليه لانه قضى دينه بغير أمره كما في السراج الوهاج، وكذا حضرته ليست شرطا حتى لو قيل لصاحب الدين لك على فلان ألف فاحتل بها علي ورضي الطالب بذلك وأجاز صحت فليس له أن يرجع بع ذلك بخلاف ما لو قيل للمديون عليك ألف لفلان فأحله بها علي فقال المديون أحلتثم بلغ الطالب فأجاز لا يجوز عند الامام ومحمد، كذا في البزازية. وكذا لو كالمحتال غائبا كما قدمناه. وفيها معزيا إلى المنتفى: قال لآخر أحلني على فلان وسكت ثم قال لم أقبل فالحوالة جائزة ا ه‍. ولم يقيد المصنف رحمه الله تعالى بأن يكون الدين المحال به معلوما ولا بد منه لصحتها لما في البزازية، احتال بمال مجهول على نفسه بأن قال احتلت بما يذوب لك على

[ 417 ]

فلان لا تصح الحوالة مع جهالة المال، ولا تصح أيضا الحوالة بهذا اللفظ، والحوالة متى حصلت مبهمة يثبت الاجل في حق المحتال عليه كما في الكفالة. ولو كان المال حالا على الذي عليه الاصل من قرض أو غصب فأحاله به على رجل إلى سنة فهو جائز، وإن مات المحتال عليه قبل انقضاء الاجل عاد المال إلى المحيل حالا، فرق بين الحوالة والكفالة، فإن الكفيل إذا كفل بدين وأجل الطالب الدين ولم يضف الاجل إلى الكفيل صار الاجل مشروطا للاصيل حتى لو مات الكفيل كان الدين على الاصيل مؤجلا، وفي الحوالة متى أضاف الاجل إلى الدين ولم يضف إلى المحتال عليه لا يصير الاجل مشروطا في حق الاصيل حتى لو مات المحتال عليه مفلسا لا يعود الدين إلى الاصيل حالا ا ه‍. ومن الغريب ما في المجتبى أحال الغريم بغير رضا المحال عليه لا يجوز، وقيل يجوز كالتوكيل بقبض الدين. وفي شروط الظهيرية: رضا من عليه الحوالة ليس بشرط إجماعا. قلت: معناه إذا كان المحال به مثل الدين

[ 418 ]

ا ه‍. والمذهب المعتمد أنه لا بد من رضاالمحال عليه سواء كان عليه دين أو لا، وسواء كان المحال به مثل الدين أو لا. ثم اعلم أن الحوالة إذا صحت برضا المحال عليه وغاب المحيل فادعى المحال عليه ما يوجب براءة المحيل ليبرأ فهل تسمع دعواه؟ ففي البزازية: غاب المحيل وزعم المحتال عليه أن مال المحتال على المحيل كان ثمن خمر لا تصح دعواه وإن برهن على ذلك كما في الكفالة ا ه‍. وفي فروق الكرابيسبي: لو أحال امرأته بصداقها على رجل وقبل الحوالة ثم غاب الزوج فأقام المحتال عليه بينة أن نكاحها كان فاسدا وبين لذلك وجها لا تقبل بينته، ولو ادعى أنها كانت أبرأت زوجها عن صداقها أو أن الزوج أعطاها المهر أو باع بصداقها منها شيأ وقبضت قبلت ببنته، وإن كان المبيع غير مقبوض لا تقبل بينته، والفرق أن مدعي فساد النكاح متناقض أو لانه يدعى أمرا مستنكرا فلا تسمع دعواه بخلاف دعوى الابراء أو البيع لانه غير مستنكر، وكذا هذا في الكفالة ا ه‍. فعلى هذا لو ادعى المحيل أنه أوفاه الدين بعدها تسمع وتقبل بينته لانه غير مستنكر. قوله: (وبرئ المحيل بالقبول من الدين) أي بقبول المحتال الحوالة على الحال عليه لان الاحكام الشرعية تبتنى على وفق المعاني اللغوية فمعنى الحوالة النقل والتحويل وهو لا يتحقق إلا بفراغ ذمة الاصيل بخلاف الكفالة لانها الضم وهو لا يتحقق مع البراءة. وقوله من الدين رد على من يقول بأنه يبرأ عن المطالبة لا الدين وقدمنا ذلك، ومراده أنه يبرأ براءة موقتة كما قدمناه، فلو أحال الزوج المرأة بصداقها لم تحبس نفسها بخلاف العكس في الثلاثة هذا هو مقتضي براءة المحيل ولكن المنقول في الزيادات عكسه وهو أن البائع والمرتهن إذا أحالا سقط حقهما في الحبس، ولو أحيلا لم يسقط لان المحال عليه قائم مقام المحيل فلم تسقط مطالبتهما والمكاتب على عكس ذلك فإنه إن أحال مولاه على رجل عتق، وإن أحال مولاه عليه لم يعتق حتى يؤدي البدل لانها معلقة ببراءة ذمته وقد برئت إذا كان المكاتب محيلا لا إذا كان محالا عليه. وقوله برئ المحيل من الدين غير شامل لما إذا كان المحيل كفيلا وخصها ببراءة نفسه فإنه يبرأ عن المطالبة لانه لا دين عليه على الصحيح، وأما إذا أطلق الحوالة فإن الاصيل يبرأ أيضا لان الحوالة المطلقة تنصرف إلى الدين وهو على الاصيل فيبرأ ويتبعه الكفيل كصلح الكفيل مع الطالب إن أطلقه برئا، وإن اشترط براءة نفسه خاصة برئ الكفيل وحده، كذا في تلخيص الجامع. فإذا أحال الطالب على الكفيل بمال

[ 419 ]

الكفالة صح، وإن أحال على الاصيل فكذلك ولا سبيل للمحتال على الكفيل لانه لم يضمن كذا في البزازية. وفي قوله برى المحيل اشارة إلى براءة كفيله فإذا احال الاصيل الطالب برئا، كذا في المحيط. ولم يشترط المصنف لبراءة المحيل قبض المحال من المحال عليه فلا تتوقف على القبض إلا في مسألتين في تلخيص الجامع قال: وإن كان دينه جيادا أو ذهبا وعليه زيف أو ورق فأحال عنهما بجياد أو ذهب على أن يأخذهما من غريمه جاز إن قبل الغريم ناقدا في مجلس المحيل والمحال إذا تصارفا مقتضى إيجاب الجياد كما ينقل الدين مقتضى هبته من الكفيل وأكدا بدله بضمان الحويل في المجلس كشرط الرهن والكفيل والنقل إلى ذمته توثيق بمنزلة الملاءة عادة لا تفويت للقبض المستحق إلا أن يبرئه المحال فينعكس ويبطل الصرف لانه فسخ مجازا كيلا يلغو إذا لاقى ما له حكم الغير حذار الاستبدال غير مشروط بالقبول لوجود الرضا ضمن الحوالة ضد غيرها، ولو أحاله على الجياد أو الذهب الذي عليه أو على أن يعطيه الجياد أو الذهب الذي عليه لم يجز لان التعريف ضد التنكير بجعل الدين الذي عليه بدلا وفيه تمليكه من غير من عليه أو شرط الثمن على الغير ضد ما لو كانت الجياد والذهب وديعة أو غصبا قائما أو ملك العين والدين اه‍. ولم يذكر المصنف ما إذا اختلفا في الاحالة. قال في البزازية: زعم المديون أنه كان أحال الدائن على فلان وقبله وأنكره الطالب سأل الحاكم من المديون البينة على الحوالة إن أحضرها والمحتال عليه حاضر قبلت وبرئ المديون، وإن غائبا قبلت في حق التوقف إلى حضور المحال عليه، فإن حضرو أقر بما قال المديون برئ وإلا أمر بإعادة البينة عليه، وإن كان لشهود ماتوا أو غابوا حلف المحتال عليه، وإن لم يكن للمديون بينة وطلب حلف الطالب بالله ما احتال على فلان بالمال فإن نكل برئ المطلوب اه‍ قوله: (ولم يرجع المحتال على المحيل إلا بالتوى) لان براءته مقيدة بسلامة حقه إذ هو المقصود، أو لفسخ الحوالة لفواته وأنها تحتمل الفسخ فصار كوصف السلامة في المبيع. وهذا إذا لم يشترط الخيار للمحال، أما إذا جعل للمحال الخيار أو أحاله على أن له أن يرجع على أيهما شاء صح، كذا في البزازية. ومراده إذا كانت الحوالة باقية، أما إذا فسخت الحوالة فإن للمحتال الرجوع بدينه على المحيل ولذا قال في البدائع: إن حكمها ينتهب فسخا وبالتوى. وفي البزازية: والحيل والمحتال يملكان النقض وبالنقض يبرأ المحتال عليه. وقدمنا عن الذخيرة أن الحوالة إذا تعددت على رجلين كانت الثانية نقضا للاولى. وفيها أيضا: قال محمد في الزيادات: رجل له على رجل ألف درهم وبها كفيل وعلى

[ 420 ]

رب الدين لرجلين ألفا درهم دين لكل واحد منهما ألف درهم أحال رب الدين أحد غريميه على الكفيل حوالة مقيدة بذلك الدين وأحال الغريم الآخر على الاصيل حوالة مقيدة بذلك الدين فهذا على وجهين: إما أن حصلت الحوالتان على التعاقب وهو على وجهين: إما أن بدأ بالحوالة على الاصيل أو بالحوالة على الكفيل، فإن بدأ بالحوالة على الكفيل صحت الحوالتان، أما الحوالة على الكفيل فظاهر، وأما الحوالة على الاصيل فلان ناخير المطالبة عن الكفيل لا يوجب تأخير المطالبة عن الاصيل، ولا تبطل الحوالة الاولى بالحوالة الثانية لان المطالبة قد تأخرت عن الكفيل بالحوالة الاولى. وإن بدأ بالحوالة على الاصيل ثم بالحوالة على الكفيل فالحوالة على الاصيل صحيحة وعلى الكفيل باطلة، ولووقعتا معا جازتا إلى آخر ما فيها. وقوله إلا بالتوى مقيد بأن لا يكون المحيل هو المحتال عليه ثانيا لما في الذخيرة: رجل أحال رجلا له عليه دين على رجل ثم إن المحتال عليه الاول، فإن توى المال على الذي عليه الاصل لا يعود إلى المحتال عليه الاول، فإن توى المال على الذي عليه الاصل لا يعود إلى المحتال عليه الاول اه‍. وللتوى معنيان لغوي واصطلاحي هنا فالاول ففي المصباح: التوى وزان الحصى وقد يمد هو الهلاك اه‍. وفي الصحاح: التوى مقصورا هلاك المال يقال توى الما بالكسر يتوى توى أتواه غيره وهذا مال أتو على فعل اه‍. وأما الثاني فأفاده بقوله: (وهو أن يجحد الحوالة ويحلف ولا بينة له أو يموت مفلسا) لان العجز عن الوصول يتحقق بكل واحد وهو التوى في الحقيقة، ولو فلسه الحاكم بعد ما حبسه لا يكون توى عند أبي حنيفة. وقالا: هو توى لانه عجز عن الاخذ منه بتفليس الحاكم وقطعه عن ملازمته عندهما فصار كعجزه عن الاستيفاء بالجحود أو بموته مفلسا. ولابي حنيفة أن الدين باق في ذمته وبتعذر الاستيفاء لا يوجب الرجوع ألا ترى أنه لو تعذر بغيبة المحتال عليه لا يرجع على المحيل. وهذا بناء على أن الافلاس لا يتحقق بحكم القاضي عنده خلافا لهما لان مال الله تعالى عزوجل غاد وزائح. وفي البزازية: أحال على رجل فغاب المحتال عليه فزعم المحتال أن المحتال عليه حجد الحوالة وحلف وبرهن على ذلك لا تقبل ولا تصح دعواه لان المشهود عليه غائب اه‍. وفي المحيط: وإن صدقه المحيل رجع عليه بدون البينة الافلاس للميت بأن لم يترك مالا عينا ولا دينا ولا كفيلا ووجود الكفيل يمنع موته مفلسا على ما في الزيادات وفي الخلاصة لا يمنع وأن المحتال لو أبرى الكفيل بعد موت المحال عليه فله أن يرجع بدينه على المحيل. وفي البزازية: أخذ المحتال من المحال عليه بالمال كفيلا ثم مات المحال عليه مفلسا لا يعود الدين إلى ذمة المحيل، سواء كفل بأمره أو بغير أمره، والكفالة حالة أو مؤجلة أو كفل حالا ثم أجله المكفول له،

[ 421 ]

وإن لم يكن به كفيل ولكن تبرع رجل ورهن به رهنا ثم مات المحال عليه مفلسا عاد الدين إلى ذمة المحيل، ولو كان مسلطا على البيع فباعه ولم يقبض الثمن حتى مات المحال عليه مفلسا بطلت الحوالة والثمن لصاحب الرهن، ولو قال الطالب مات المحال عليه بلا تركة وقال المحيل عن تركة فالقول للطالب مع حلفه اه‍. ثم قال فيها: قال المحيل مات المحال عليه بعد أداء الدين إليك وقال المحال عليه بل قبله وتوى حقي فلي الرجوع فالقول للمحتال لتمسكه بالاصل اه‍. وأورد على قولهم لتمسكه بالاصل وهو العسرة مالو أوصى لفقراء بني فلان وجاء واحد من بني فلان وقال أنا فقير وقالت الورثة إنه غني فالقول للورثة وإن كان الاصل العسرة لان الفقير مدع وليس بدافع شيأ عن نفسه من حيث المعنى، وفي مسألتنا الطالب منكر معنى لان المحيل بدعواه أن المحتال عليه مات عن وفاء يدعي توجه المطالبة على الورثة وأنها لم تكن ثابتة على الوارث، وهذا دعوى على الطالب فإنه متى ثبت ذلك لا يعود الدين على المحيل ولاطالب بدعوى الفقر ينكر ذلك فقد انضم إلى التمسك بالاصل الانكار معنى وفي مثله القول قول المتمسك بالاصل، كذا في الذخيرة قوله: (فإن طالب المحتال عليه المحيل بما أحال فقال المحيل أحلت بدين لي عليك ضمن مثل الدين) لان سبب الرجوع قد تحقق وهو قضاء دينه بأمره إلا أن المحيل يدعي عليه دينا وهو ينكر والقول للمنكر. وإنما قال مثل الدين ولم يقل بما أداه فلو كان المحال به دراهم فأدى دنانير أو عكسه صرفا رجع بالمحال به، وكذا إذا أعطاه عرضا. وإن أعطاه زيوفا بدل الجياد رجع بالجياد، وكذا لو صالحة بشئ فإنه يرجع بالمحال به إلا إذا صالحه عن جنس الدين بأقل فإنه يرجع بقدر المؤدي بخلاف المأمور بقضاء الدين فإنه يرجع بما أدى إلا إذا أدى أجود أو جنسا آخر. والكفيل كالحويل يرجع بالدين لا بما أدى إلا في الصلح على الاقل كما قدمناه في الكفالة، ولا بد أن يقول بعد قوله بما أحال بعدما دفع المحال به إلى المحتال ولو حكما لانه قبل الدفع إليه لا يطالبه إلا إذا طولب ولا يلازمه إلا إذا لوزم كما قدمناه، فلو أبرى المحتال المحال عليه فإنه لا رجوع له على المحيل، ولو كان المحال عليه مديونا للمحيل وقد أحاله بدينه مقيدا فللمحيل الرجوع عليه بدينه بعد إبراء المحتال. وإنما قلنا ولو حكما لان المحتال لو وهبه من المحال عليه فله الرجوع ولا رجوع للمحيل بدينه لو كان مديونه وقد أحاله به كالاستيفاء والوراثة من المحتال كالهبة، كذا في البزازية. وفيها عن الثاني: أحال المشتري بالثمن على إنسان فتبرع أجنبي بقضاء الثمن عن المشتري لم يرجع المحتال عليه على المشتري، وإن تبرع على المحتال عليه يرجع، وإن لم يبين فالقول للمتبرع، وإن ميتا أو غائبا فعن المحتال عليه ما لم

[ 422 ]

يعلم خلافه بإقرار الدافع قوله: (وإن قال المحيل للمحتال أحلتك لتقبضه لي فقال المحتال أحلتني بدين لي عليك فالقول للمحيل) لان المحتال يدعي عليه الدين وهو ينكر ولفظ الحوالة مستعلمة في الوكالة مجازا لما في التوكيل من نقل التصرف من الموكل إلى الوكيل فيكون القول له مع يمينه. فإن قيل: قلتم إن المحيل لا يملك إبطال الحوالة فلو لم يجعل المحتال مستحقا لملك المحيل إبطالها لانه يملك فسخ التوكيل بالقبض قلنا: الحوالة قد صحت وهي محتملة أن تكون بمال هو دين على المحيل، وحتمل أن يكون أقامه مقام نفسه فلا يجوز إبطال الحوالة بالاحتمال، كذا في السراح الوهاج. وفي المحيط: إلا أن يكون المحيل قال للحويل أضمن عني هذا المال لان قوله أضمن عني لا يحتمل الوكالة لانه أمره بالضمان عنه. وإنما يصير ضامنا عنه إذا كان على المحيل دين فكان إقرارا هنا بالمال عليه اه‍. وفي النوادر: لو غاب المحتال وأراد المحيل أن يقبض المال من المحال عليه وقال أحلته بوكالة لا يصدق على ذلك لانه قضاء على الغائب، هذه رواية بشر خالد بن الوليد. وروى ابن سماعة عن محمد رحمه الله تعالى أنه يقبل قول المحيل أنه وكله لان الدين حقه قبل المحال عله وقد أنكر إسقاطه بالحوالة وأقر بحق قبضه للوكيل بالوكالة، وكذا لو قال تدفعه جاز نهيه وأن الآخر عائبا، كذا في الميحط قوله: (ولو أحاله بماله عند زيد وديعة صحت فإن هلكت برئ) بيان للحوالة المقيدة وحاصله أنها نوعان: مطلقة ومقيدة. فالمقيدة أن يقيدها بدين له عليه أو وديعة أو عين في يده وديعه أو غصب أو نحوه. والمطلقة ان يرسلها ارسالاو ولا يقيدها بواحد مما ذكر سواء كان له دين على المحال عليه أو عنده، عين له أو لا بأن قبلها متبرعا، والكل جائز لانه في المقيدة وكيل في الدفع، وفي المطلقة متبرع. وحكم المطلقة أن لا ينقطع حق المحيل من الدين والعين وللمحال عليه الرجوع على الميحل بعد أدائه إن كانت برضاه ولو كان الدين مؤجلا في حق المحيل تأجل في حق المحال عليه ولا يحل بموت الميحل ويحل بموت المحال

[ 423 ]

عليه. وحكم المقيدة أن لا يملك المحيل مطالبة المحال عليه بما أحال عليه من الدين أو العين لتعلق حق المحتال على مثال الراهن بخلاف المطلقة فلا تبطل الحوالة بأخذ ما عليه من الدين أو عنده من العين بخلاف المقيدة، وقدمنا حكم إبراء المحتال وهبته وإرثه. ولو مات المحيل قبل قبض المحتال كان الدين والعين المحال بهما بين غرمائه بالحصص لكونه مال المحيل ولم يثبت عليه يد الاستيفاء لغيره لان المحتال لم يملكه بها للزوم تمليك الدين من غير من هو عليه، وإنما وجب بها دين في ذمة المحال عليه مع بقاء دين المحيل وقد حققناه فيما سلف، وسيأتي حكم ما إذا قبض المحتال به بعد مرض المحيل بخلاف الرهن لان ثابت عليه يد الاستيفاء فاختص به المرتهن بعد موت الراهن مديونا بخلاف المطلقة لبراءة المحيل وصار المحتال من غرماء المحال عليه، وإذا قسم الدين بين غرماء المحيل لا يرجع المحتال على المحال عليه بحصة الغرماء لاستحقاق الدين الذي كان عليه. وظاهر قولهم بقسمته بين غرماء المحيل أنه يقسم بين ورثته أيضا بمعنى أن لهم المطالبة به دون المحتال فيضم إلى تركته، ولم أره الآن. والمراد بالبراءة في قوله برئ بطلان الحوالة لان المودع كما قدمنا وكيل في دفعها فلا دين عليه، أو المراد البراءة عن المطالبة وهو الطاهر وهلاكها بقول المودع، ولذا قال في الخلاصة: لو قال المودع ضاعت بطلت الحوالة اه‍. ولو لم يعط المحال عليه الوديعة وإنما قضى من ماله كان متطوعا قياسا لا استحسانا وقد مرت في الوكالة، كذا في المحيط. وفي التتارخانية: والاستحسان أن لا يكون متبرعا وله أن يشارك غرماء المحيل في تركته ووديعته

[ 424 ]

بقدر ما أدى واستحقاق الوديعة مبطل لها كهلاكها كما في الخانية. وفي التتارخانية: لو كانت الحوالة مقيدة بالعين الوديعة فوهبها المحتال من المحال عليه صح التمليك وهو مشكل لان المحتال لم يملكها فكيف يملكها. وجوابه أنه لما كان له حق أن يتملكها كان له أن يملكها اه‍. وقيد بالوديعة لان الحوالة بالمغصوب لا تبطل بهلاكه، ذكره الشارح في أول كتاب الرهن. ووجهه أنه لا يبرأ بالهلاك للانتقال إلى بد له مثلا وقيمته. وفي البزازية: لو كانت مقيدة بالغصب لا تبطل لوجود الخلف. وقيبهلاك العين لانها لو كانت مقيدة بدين ثم ارتفع ذلك الدين لم تبطل على تفصيل فيه، فلو أحال المولى غريمه على المكاتب ببدل الكتابة ثم أعتق المولى المكاتب لم تبطل الحوالة عندنا خلافا لزفر. وعلى هذا الخلاف ما إذا باع عبدا من رجل بألف درهم ثم إن البائع أحال غريما بالثمن على المشتري فمات العبد قبل القبض أو رد بخيار من الخيارات الثلاث قبل القبض أو بعده لم تبطل، ولو استحق المبيع أو استحق الدين الذي قيد به الحوالة من جهة الغرماء أو ظهر أن العبد المبيع كان حرابطلت الحوالة إجماعا. والفرق أن في الاول سقط الدين بعد الوجوب مقصودا فلم تبطل الحوالة، وفي الثاني ظهر عدم الوجوب وقت الحوالة فبطلت، وإذا لم تبطل وأدى فإنه يرجع به على المحيل فيرجع المكاتب على سيده إن أداه بعد عتقه لا قبله، كذا في الذخيرة. ثم قال: وفي المنتقي: رجل اشترى عبدا بألف درهم وقبضه ثم أحال المشتري البائع بالثمن على غريمه من المال الذي له عليه ثم رد المشتري العبد بعيب بقضاء فإن القاضي يبطل الحوالة، فإن كان البائع أجل المحتال عليه بالمال فإن الاجل ينتقض أيضا إذا كان الرد بحكم، فإن كان الرد بغير حكم لا يبطل الاجل والمشتري بالخيار إن شاء اتبع البائع به حالا وإن شاء اتبع المحتال عليه إلى أجله اه‍. فقد فرق على رواية المنتقي بين إحالة البائع غريمه على المشتري وبين إحالة المشتري البائع على غريمه حيث لا تبطل في الاولى بالفسخ، وتبطل في الثانية، ولعل وجهه

[ 425 ]

أن في الاولى تبين أن لا دين عليه وهي تصح بدون دين على المحال عليه، وفي الثانية ظهر أن المحيل ليس بمديون فبطلت. ثم قال في الذخيرة: وإن كان البائع أبرأ المحتال عليه من المال، أو وهبه له أو اشترى منه ثوبا وقبضه ثم رد المشتري المبيع بعيب بقضاء أو بغير جازت الهبة والابراء والبائع ضامن للمال، وكذا لو مات العبد في يد البائع قبل القبض، وكذا لو استحق بعده وقد ابرا البائع المحتال عليه من المال أو وهبه له اه‍. وهو مشكل بالنسبة إلى مسألة الاستحقاق لما تقدم من بطلان الحوالة إذا استحق المبيع لانه تبين أن لا دين أصلا فلما بطلت ينبغي أن يبطل ما ابتنى عليها من الهبة والابراء من البائع، وقد وقعت حادثة الفتوى في المديون إذا باع شيأ من دائنه بمثل الدين ثم أحال عليه بنظير الثمن أو بالثمن فهل تصح أو لا؟ فأجبت إذا وقع بنظيره صحت لانها لم تقيد بالثمن ولا يشترط لصحتها دين على المحال عليه، وإن وقعت بالثمن فهي مقيدة بالدين وهو مستحق للمحال عليه لوقوع المقاصة بنفس الشراء، وقدمنا أن الدين إذا استحق للغير فإنها تبطل والله أعلم. فروع مهمة: يجوز قبول الحوالة بمال اليتيم من الاب والوصي على أملا من الاول لان تصرفهما مقيد بشرط النظر، وإن كان مثله في الملآة اختلفوا على قولين. ولو احتالا بدينه إلى أجل لم يجز لكونه إبراء موقتا فيعتبر بالابراء المؤبد. وهذا إذا كان دينا ورثه الصغير، وإن وجب بعقدهما جاز التأجيل عندهما خلافا لابي يوسف، كذا في الميحط. وكذا قبول الحوالة من المتولي على هذا التفصيل. ولم يذكروا فيما رأيت حكم إحالة المستحق بمعلومه على المتولي، وينبغي أن تكون صحيحة إذا كان مال الوقف تحت يده كالاحالة على المودع بجامع أن كلا منهما أمين ولا دين عليه. وأما إذا لم يكن في يدذه مال الوقف فلا لانها لثبوت المطالبة على المحال عليه، ولو قبل الحوالة بالمال الذي للمحيل على المحال عليه ثم مرض المحيل فقضي المحال عليه سلم للمحتال ما أخذه ويؤخذ من المحال عليه ما علم ويقسم بين غرماء المحيل بالحصص ويشاركهم المحتال عليه. ولو كانت الحوالة بوديعة فالمسألة بحالها فلا سبيل لغرماء المحيل على المحال عليه، ولو أحال المحال عليه المحتال على آخر جاز وبرئ الاول والمال على الآخر كالكفالة من الكفيل. ولو قال ضمنت لك ما على فلاعلى أن أحيلك به على فلان فرضي الطالب، إن أحاله وقبله جاز، وإن لم يقبل فلان الحوالة فالكفيل ضامن على حاله.

[ 426 ]

ولو قال على أن أحيلك به على فلان إلى شهر انصرف التاجيل إلى الدين لانه لا يصح تأجيل عقد الحواله وإذا اراد ان يحيله على فلان فلم يقبل المكفول له الحوالة برئ الكفيل عن الضمان، وإن مات فلان لم يكن للطالب أن يطالبه بالمال حتى يمضي شهر، والكل في المحيط. وفي البزازية: أدى المال في الحوالة الفاسدة فهو بالخيار إن شاء رجع على القابض وهو المحتال، وإن شاء رجع على المحيل، وعلى هذا إذا باع الآجر المستأجر وأحال بالثمن على المستأجر ثم استحق المستأجر من يد المشتري إن شاء رجع بالثمن على المؤجر المحيل، وإن شاء رجع على المستأجر القابض، وكذا في كل موضع ورد فيه الاستحقاق اه‍ قوله: (وكره السفاتج) جمع سفتجة قيل بضم السين، وقيل بفتحها. وأما التاء مفتوحة فيهما فارسي معرب وفسرها بعضهم فقال: هي كتبا صاحب المال لوكيله أن يدفع مالا قرضا يأمن به خطر الطريق، كذا في المصباح. وفي القاموس: السفتجة كقرطقة أن يقطى مالا لآخر وللآخذ مال في بلد المعطى فهو فيه إباها ثم فيستفيد أمن الطريق وفعله السفتجة بالفتح اه‍. وحاصله عندنا قرض استفاد به المقرض أمن خطر الطريق للنهي عن قرض جر منفعة. وقيل: إذا لم يكن المنفعة مشروطة فلا بأس به. وفي البزازية من كتاب الصرف ما يقتضي ترجيح الثاني قال: ولا بأس بقبول هدية الغريم وإجابة دعوته بلا شرط، وكذا إذا قضى أجود ما قبض يحل بلا شرط، وكذا لو قضى أدون ولو أرجح في الوزن إن كثيرا لم يجز وإن قل جاز، وما لا يدخل في تفاوت الموازين ولا يجري بين الكيلين لا يسلم له بل يرده والدرهم في مائة يرده بالاتفاق. واختلفو في نصفه قيل كثير، وقيل قليل، ولو أن المستقرض وهب منه الزائد لم يجز لانه مشاع يحتمل القسمة اه‍. والله أعلم.

[ 427 ]

كتاب القضاء لما كان أكثر المنازعات في الديون والبياعات والمنازعات محتاجة إلى قطعها أعقبها بما هو القاطع لها وهو القضاء، والكلام فيه في عشرة مواضع: الاول في معناه لغة وهو بالمد ككساء أو أكسية ففي المصباح أنه مصدر قضيت بين الخصمين وعليهما حكمت اه‍. وفي الصحاح: القضاء الحكم وأصله قضاي لانه من قضيت إلا أن الياء لما جاءت بعد الالف قلبت همزة، والجمع الاقضية. وقضى أي حكم ومنه قوله تعالى * (وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه) * [ الاسراء: 32 ] وقد يكون بمعنى الفراغ يقول قضيت حاجتي وضربه فقضى عليه أن قتله كأنه فرغ منه وسم قاض أي قاتل وقضى نحبه قضاء أي مات. وقد يكون بمعنى الاداء وإنهاء تقول قضيت ديني ومنه قوله تعالى * (وقضينا إلى بني اسرائيل في الكتاب) * [ الاسلااء: 4 ] وقوله تعالى * (وقضينا إليه ذلك الامر) * [ الحجر: 66 ] أي أنهيناه إليه أبلغناه ذلك. قال الفراء في قوله تعالى * (ثم اقضوا إلى) * [ يونس: 17 ] ألي امضوا لي كما يقال قضى فلان أي مات ومضى وقد يكون بمعنى الصنع والتقدير قال أبو ذؤيب: وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبع يقال قضاه أي صنعه وقدره ومنه قوله تعالى * (فقضاهن سبع سموات في يومين) * [ فصلت: 21 ] ومنه القضاء والقدر ويقال استقضى فلان أي صير قاضيا اه‍. وحاصله أنه يستعمل لغة بمعنى الحكم والفراغ والهلاك والاداء والانهاء والمضي والصنع والتقدير. وفي القاموس: القضاء يمد أو يقصر الحكم قضى عليه بقضي قضيا وقضى وقضية وهي الاسم أيضا إلى آخر ما فيه. الثاني في معناه شرعا فعرفه في فتح القدير بالالزام، وفي المحيط بفصل الخصومات وقطع المنازعات، وفي البدائع الحكم بين الناس بالحق وهو الثابت عند الله تعالى

[ 428 ]

من حكم الحادثة إما قطعا بأن كان عليه دليل قطعي وهو النصر المفسر من الكتاب أو السنة المتواترة أو المشهورة أو الاجماع، وإما ظاهرا بأن أقام عليه دليلا ظاهرا يوجب علم غالب الرأي وأكثر الظن وهو ظاهر الكتاب والسنة ولو خبر واحد والقياس، وذلك في المسائل الاجتهادية التي اختلف فيها الفقهاء أو التي لا رواية فيها عن السلف، فلو قضى بما قام الدليل القطعي على خلافه لم يجز لانه قضى بالباطل قطعا، وكذا لو قضى في موضع الاختلاف بما هو خارج عن أقاويل الفقهاء لم يجز لان الحق لم يعدوهم، ولذا لو قضى الاجتهاد فيما فيه نص ظاهر بخلافه لم يجز لان القياس في مقابلة النص باطل ولو ظاهرا. وأما ما لا نص فيه فإن مجتهدا قضى برأيه لا برأي غيره، وإذا قلد الافقه وسعه عند الامام الاجتهاد خلافا لهما، وقيل الخلاف على العكس. وإن أشكل عليه الحكم استعمل رأيه، والافضل مشاورة الفقهاء، فإن اختلفوا أخذ بما يؤدي إلى الحق ظاهر، وإن اتفقوا على خلاف رأيه عمل برأي نفسه لكن لا يعجل بالقضاء حتى لقضى مجازفا لم يصح فيما بينه وبين الله تعالى، فإذا كان مجتهدا أو لا يدري حاله يحمل على أنه قضى برأيه حملا له على الصلاح، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد فإن حفت اقاويل الصحابة عمل بمن يعتقد قوله حقا على التقليد وإلا عمل لفتوى أهل الفقه في بلده من أصحابنا، فإن لم يكن فيها إلا واحد وسعه الاخذ بقوله، ولو قضى بمذهب خصمه وهو يعلم بذلك لم ينفذ. ولو كان ناسيا فله أن يبطله، وفي بعض الروايا ت صح قضاؤه عنده خلافا لهما اه‍. وعرفه العلامة قاسم بأنه إنشاء إلزام في مسائل الاجتهاد المتقاربة فيما يقع فيه النزاع لمصالح الدنيا، فخرج القضاء على خلاف الاجماع، وخرج ما ليس بحادثة وما كان من العبادات اه‍. ووقع في الهداية وكثير التعبير بباب أدب القاضي ففي العناية الادب اسم يقع على كل رياضة محمودة يتحرج بها الانسان في فضيلة في الفضائل قال أبو زيد ويجوز أن يعرف بأنه ملكة تعصم مقامت به عما يشينه اه‍. وفي فتح القدير: الادب الخصال الحميدة فالمراد بها هناما ينبغي للقاضي أن يفعله وما عليه أن ينتهي عنه. والاولى التفسير بالملكة لانها الصفة الراسخة للنفس فما لم يكن كذلك لا يكون أدبا كما لا يخفي. وفي القاموس الادب محركة الظرف وحسن التناول أدب كحسن أدبا فهو أديب والجمع أدباء اه‍. الثالث في ركنه وهو ما يدل عليه من قول أو فعل فالاول قال في القنية: قول القاضي حكمت أو قضيت ليس بشرط، وقوله بعد إقامة البينة للمعتمد أقمه واطلب الذهب منه حكم منه، وقوله ثبت عندي يكفي، وكذا إذا قال ظهر عندي أو صح عندي أو عملت فهذا كله حكم في المختار. زاد في الخزانة أو أشهد عليه. وحكى في التتمة الخلاف في الثبوت، وصحح في البزازية أنه حكم وذكر في أنفع الوسائل معزيا إلى الكبرى للخاصي أن الفتوى على أن الثبوت حكم، وكذا في الخانية.

[ 429 ]

والتحقيق أنه لا خلاف فمن قال إنه ليس بحكم أراد به إذا لم يكن بعد تقدم دعوى صحيحة، ومن قال إنه حكم أراد إذا كان بعد الدعوى. ثم اعلم أن الثبوت ليس بحكم اتفاقا في مواضع ظفرت بها منها: ثبوت ملك البائع للعين المبيعة عن البيع وهو المسمى ببينة الجريان، قد ذكره ابن وهبان في شرح قوله في المنظومة ودخل شرب الارض من دون ذكره. قال: إذا شهد الشهود بملكية الارض لانسان على ما هو المعتاد في كتب التبايع في بلادنا أنه يقيم المشتري أو البائع بينة بأن البائع لم يزل جائزا مالكا لجميع الارض، وكذلك في الوقف من أجل صحة البيع أو الموقوف أو غيرهما اه‍. وفائدة بينة الملك للبائع أو الواقف التوصل إلى قضاء القاضي بصحة البيع أو الوقف وإلا لم يقض بالصحة، وإنما بقضي بموجب ما أقر به كما في فتاوى قارئ الهادية. ومنها ما ذكره ابن الغرس من قولهم لا تصح الدعوى في العقار حتى يثبت المدعى أن المدعى عليه واضع يده عليه وهذا الثبوت ليس بحكم قطعا. قال ومنها قول الموثق وثبن عنده أن العين بصفة الاستبدال شرعا ومنها قولهم في خيار العيب لا بد أن يثبت المشتري قيام العيب للحال لتوجه الخصومة إلى البائع فإنه ثبوت مجرد لا حكم. ومنها قولهم أنه ثبت أن لا مال للصغير سوى العقار عند بيع عقاره اه‍. وفي البزازية: قوله لا أرى لك حقا في هذه الدار بهذه الدعوى لا يكون قضاء ما لم يقل أمضيت أو أنفذت عليك القضاء بكذا. وكذا قوله للمدعي عليه سلم هذه الدار إليه بعد إقامة البرهان. قال: وهذا نص على أن أمره لا يكون بمنزلة قضائه. وذكر شمس الائمة أنه حكم لان أمره إلزام وحكم. وإذا قال القاضي ثبت عندي وقلنا أنه حكم فالاولى أن يبين أن الثبوت بماذا بالاقرار أم بالبينة لمخالفة الحكم بين

[ 430 ]

طريقي الحكمين. وفي الخانية: لو قال القاضي بعدما شهد العدول أرى أن الحق للمشهود له لم يكن قضاء لان قوله أرى أو رأى بمنزلة قوله أظن. ولو قال أظن لم يكن قضاء. ثم قال البزازي: أمر القاضي ليس كقضائه بدليل ما ذكره الظهيري: وقف على الفقراء فاحتاج بعض قرابة الواقف فأمر القاضي بأن يصرف شئ من الوقف إليه فهذا بمنزلة الفتوى حتى لو أراد أن يصرفه إلى فقير آخر صح، ولو حكم بأن لا يصرف إلا إلى أقربائه نفذ حكمه دل هذا أن أمره ليس بحكم اه‍. والحاصل أنهم اختلفوا في قوله سلم الدار هل هو حكم أو لا ولم يحكوا خلافا في أن أمره بإعطاء بعض قرابته ليس بحكم. وأما قولهم لو حكم القاضي أن لا يعطي غير هذا الرجل نفذ حكمه فقد قال في فتح القدير من الوقف بعد نقله عن الخصاف من غير تقييد بأقارب الواقف: وقد استبعدت صحة هذا الحكم وكيف ساغ بلا شرط حتى ظفر ت في المسألة بقويلة أن هذا الحكم لا يصح ولا يلزم اه‍. ويمكن أن تجعل له حادثة هي إعطاء المتولي فقيرا شيأ من وقف الفقراء سنة ثم جاء له في السنة الثانية فمنعه وأراد أن يعطي غيره فترافعا إلى القاضي فرأى القاضي أن الدفع إليه أصلح لعملوصلاحه فحكم على المتولي بأن لا يعطي غيره نفذ لان فيه موافقة للشرط لانه فقير. وكذا علل في أوقاف الخصاف بعد المسألتين أعين ما إذا أعطاه القاضي بلا حكم، وأما إذا حكم بأن لا يعطي غيره بأن في كل منهما تنفيذ شرط الواقف. ولم يحكوا خلافا في أن أمره بحبس الخصم حكم كأمره بالاخذ منه. قال في القنية: وأمر القاضي بحبس المدعي عليه قضاء بالحق اه‍. وفائدته لو حبسه حنفي في معاملة بفائدة ليس للمالكي إبطالها، كذا في أنفع الوسائل. وأما فعله فعلى وجهين: فما لم يكن موضعا للحكم فليس بحكم قطعا، ومنه ما إذا أذنت بالغة عاقلة في تزويج نفسها فزوجها فإنه وكيل عنها ففعله ليس بحكم كما في القاسمية. وما كان منها موضعا له أي محلا فقد اختلفوا فيه وله صور منها: تزويج الصغار الذين لا ولي لهم، ومنها شراؤه وبيعه مال اليتيم. ومنها قسمة القاضي العقار إلى غير ذلك مما هو في هذا المعنى، فجزم في التجنيس بأنه حكم ولذا لو زوج اليتيم، ومنها قسمة القاضي العقار إلى غير ذلك مما هو في هذا المعنى، فجزم في التجنيس بأنه حكم ولذا لو زوج اليتيمة من ابنه لم يجز. ورده في فتح القدير من كتاب النكاح بأنه ليس بحكم لانتفاء شرطه وهو الاوجه. قال: والالحاق بالوكيل يكفي للمنع يعني أن الوكيل بالنكاح لا يملك أن يزوج من ابنه فكذا القاضي بمنزلة الوكيل. أقول: وكذا ما ذكره في التتمة من أن القاضي لو باع ما اليتيم من نفسه لا يجوز لان بيع القاضي يكون على وجه الحكم وحكمه لنفسه لا يجوز اه‍. خلاف الاوجه والالحاق بالوكيل للمنع مغن عن كونه حكما لان بيع الوكيل من نفسه باطل، وكذا ما ذكر في الذخيرة من أن

[ 431 ]

الامام إذا اشترى شيأ من الغنيمة لنفسه لا يجوز شراؤه وإن كان للغانمين فيه منفعة ظاهرة لان الامام إنما يبيع الغنائم على وجه الحكم بين المسلمين ولهذا لا تلزم العهدة عليه، فلو جاز بيعه من نفسه كان ذلك حكما من نفسه، وحكم الامام والقاضي لنفسه لا يجوز اه‍. خلاف الاوجه ولكن لما كثر ذلك في كلام أئمتنا فالاول أن يقال: إن الحكم القولي يحتاج إلى الدعوى والفعلي لا كالقضاء الضمني لا يحتاج إلى الدعوى له، وإنما يحتاج القصدي فيدخل الضمني تبعا تصحيحا لكلامهم. فممن نقل أن فعل القاضي حكم صاحب التجنيس والتتمة والذخيرة كما أسلفناه وصرح به في بيوع المحيط والامام شمس الائمة السرخسي وفي بيوع فتاوي قاضيخان وصرح به محمد في الاصل قال: إذا حضر الورثة إلى القاضي فطلبوا القسمة وبينهم وارث غائب أو صغير والتركة عقار قال أبو حنيفة: لا أقسم بينهم بإقرارهم حتى يقيموا بينة على الموت والمواريث. وقال أبو يوسف ومحمد: أقسم ذلك بإقرارهم. وقال أبو حنيفة: لا أقسم ذلك بقولهم ولا أقضي على الغائب والصغير وبقولهم لان قسمة القاضي قضاء منه اه‍. وما في الاصل من قوله لان فسمة القاضي قضاء منه قاطع للشبهة كلها فتعين الرجوع إلى الحق. وأما شرائطه وهو الرابع ففي الحكم أن يكون بعد تقدم دعوى صحيحة من خصم على خصم فإن فقد هذا الشرط لم يكن حكما. وإنما هو إفتاء صرح به الامام السرخسي قال: وهذا شرط لنفاذ القضاء في المحتهدات، ذكره العمادي في فصوله والبزازي في فتاواه، ونقل الشيخ قاسم في فتاواه الاجماع عليه. وفي فتاوى قاضيخان: إنما ينفذ القضاء عند شرائط القضاء من الخصومة وغيرا فإذا لم يوجد لم ينفذ اه‍. فإذا حكم شافعي بموجب بيع عقار لا يكون حكما بأن لا شفعة للجار

[ 432 ]

لعدم حادثة الشفعة وقت الحكم به، وهكذا في نظائره كما ذكره العلامة قاسم في فتاواه. والموجب بفتح الجيم هو الحكم، ومن شرائط الحكم أن يكون بحق كالقضاء بالبينة أو اليمين أو النكول أو علم القاضي بشرطه أو كتاب القاضي إلى القاضي بشرطه، وباخبار القاضي يجوز لنائبه القضاء وعكسه كما في البزازية. ولا يشترط له المصر على ظاهر الرواية فالقضاء بالسواد صحيح وبه يفتى، ولا يشترط أن يكون المتداعيان من بلد القاضي إذا كانت الدعوى في المنقول والدين، وأما إذا كانت في عقار لا في ولايته فالصحيح الجواز كما في الخلاصة والبزازية. وإياك أن تفهم خلاف ذلك فإنه غلط. فإن قلت: هل تقرير القاضي للنفقة حكم منه؟ قلت: هو حكم وطلب المرأة التقرير بشرطه دعوى فقد وجد بعد الدعوى والحادثة، ويدل عليه ما في نفقات خزانة المفتيين: وإذا أراد القاضي أن يفرض النفقة يقول فرضت عليه نفقة امرأتك كذا وكذا في مدة كذا، أو يقول قضيت عليك بالنفقة مدة كذا يصح وتجب على الزوج حتى لا تسقط بمضي المدة لان نفقة زمان المستقبل تصير واجبة بقضاء القاضي حتى لو أبرأت بعد الفرض صح اه‍. فإن قلت: إذا فرض لها نفقة مدة معينة كان

[ 433 ]

قضاء بجميعها فإذا فرض لها نفقة كل يوم أو كل شهر هل يكون قضاء بواحد أو بالكل؟ قلت: هو قضاء بالجميع ما دامت في عصمته ولم يمنع مانع بدليل ما في الخزانة: فرض كل شهر عشرة دراهم فأبرأت من نفقتها أبدا برئ من نفقة الشهر الاول، فإذا مضى أشهر فأبرأته من نفقة ما مضى وما يستقبل برئ مما مضى ومن شهر مما يستقبل وتمامه فيها. وفي المحكوم عليه وله حضرته أو من يقوم مقامه كوكيل ووصي ومتول على وقف وأحد الورثة أو يكون ما يدعي على الغائب سببا لما يدعي على الحاضر فالقضاء بلا خصم حاضر غير صحيح، وقد صرح بعدم صحته الشارحون عند قولهم لا يقضي على غائب كما سنبينه إن شاء الله تعالى. وصرح به في البدائع هنا أنه من شرائط القضاء، وبهذا يظهر أن قولهم أن القضاء على الغائب ينفذ في أظهر الروايتين عن أصحابنا وعليه الفتوى كما في الخلاصة وغيرها محمول على ما إذا كان القاضي شافعيا وإلا فمشكل. وما وقع في بعض الكتب كالقنية من أنه في حق الحنفي أيضا ضعيف، وسيأتي بيان اختلاف التصحيح. وفي الحاكم: العقل والبلوغ والاسلام والحرية والسمع والبصر والنطق والسلامة عن حد القذف وأن يكون مولى للحكم دون سماع الدعوى فقط كما في الخزانة لا الذكورة والاجتهاد، وأما في المحكوم به فإن يكون معلوما كما في البدائع كما سيأتي في الدعوى، وأما في المحكوم له فدعواه الصحيحة، وأما طلبه الحكم في حقوق العباد من القاضي بعد وجود الشرائط ففي الخلاصة: طلب الحكم ليس بشرط وأن يكون ممن تقبل شهادة القاضي له كما في البدائع، وسيزداد الامر وضوحا إن شاء الله تعالى. وأما صفته وهو الخامس فوجب عند استجماع شرائطه وانتفاء الريبة ولذا قال في جامع الفصولين: القاضي بتأخير

[ 434 ]

الحكم يأثم ويعزل ويعزر اه‍. ويجوز تأخيره لرجاء الصلح بين الاقارب أو لاستمهال المدعي عليه كما في الولوالجية. وفي شرح باكير أن القاضي إذا أخر القضاء بعد إقامة البينه يفسق وإن أنكره يكفر اه‍. وأما صفة قبوله للقضاء فسيأتي أنه فرض وحرام ومباح ومستحب. والسادس في طريق ثبوته له وجهان: أحدهما اعترافه حيث كان متوليا وسيأتي أنه إذا قال قاض عالم عدل قضيت على هذا بالقطع أو بالقتل وسعك فعله وإن لم تعاين سببه، وأما إذا كان معزولا فهو كواحد من الرعايا لا يقبل قوله مطلقا إلا فيما إذا كان في يده كما سيأتي. وفي السراج الوهاج: الحاكم إذا حكم بحق ثم قال بعد عزله كنت حكمت لفلان بكذا لم يقبل قوله اه‍. الثاني أن يشهد شاهد إن على حكمه بعد دعوى صحيحة إن لم يكن القاضي منكرا. قال في البزازية والخلاصة: وإن أرادوا أن يثبتوا حكم الخليفة عند الاصل فلا بد من تقديم دعوى صحيحة على خصم حاضر وإقامة البينة كما لو أرادو إثبات قضاء قاض آخر اه‍. وفي البزازية أيضا: شهدا على القاضي أنه قضى في غير مجلس القضاء أو خارج المصر تقبل عنده خلافا لهما اه‍. قيدنا بعدم إنكاره لانهما لو شهدا أنه قضى بكذا وقال لم أقض بشئ لا تقبل شهادتهما خلافا لمحمد، كذا في البزازية اه‍. ورجح في جامع الفصولين قول محمد قال: وينبغي أن يفتى به لما علم من أحوال قضاة زماننا. ثم نقل أن محمدا قال: لا يقضي القاضي بعلمه. ثم نقل عن عيون المذاهب أن بقوله يفتى. قوله: (وقيد بقوله بعد دعوى صحيحة لانه قبلها إفتاء لا حكم كما قدمناه، وبه علم أن الاتصالات والتنافيذ الواقعة في زماننا المجردة عن الدعاوي ليست حكما وإنما فائدتها تسليم الثاني للاول قضاه. السابع في أحكامه فمنها بالنسبة إلى الحكم اللزوم فليس لاحد نقضه حيث كان مجتهدا فيه ومستوفيا شرائطه الشرعية. وهل يصح رجوع القاضي عنه؟ ففي الخلاصة والبزازية: للقاضي أن يرجع عن قضائه إن كان خطأ رجع ورده، وإن كان مختلفا فيه أمضاه وقضى فيما يأتي بما هو عنده، فإن ظهر له نص بخلاف قضائه نقضه، ثم إن كان في حقوق العباد كالطلاق والعتاق والقصاص أو ظهر أن الشهود عبيد أو محدودون في قذف إن قال القاضي تعمدت فالضمان في ماله ويعزر للجناية، وإن أخطأ يضمن الدية، وفي الطلاق والعتاق ترد المرأة إلى الزوج والرقيق إلى المولى، وفي حقوقه تعالى كالزنا والشرب إذا حد وبان الشهود عبيدا وقال تعمدت الحكم يضمن في ماله الدية، وفي الخطأ يضمن من

[ 435 ]

بيت المال. هذا إذا ظهر الخطأ بالبينة أو بإقرار المقصى له، أما إذا أقر القاضي بذلك لا يثبت الخطأ كما لو رجع الشاهد عن الشهادة لا يبطل القضاء ا ه‍. وإذا أقر المقضي له ببطلانه بطل إلا المقضي بحريته كما في البزازية، وبالنسبة إلى التولية عدمه. وفي الخلاصة والبزازية: للسلطان أن يعزل القاضي لريبة أو لغير ريبة ا ه‍. قلت: ولقاضي القضاة عزل نائبه بجنحة وغيرها، ومنها أن القضاء إذا فوض لاثنين لا يلي القضاء أحدهما فلو شرط أن ينفرد كل منهما بالقضاء لا رواية فيه، وقال الامام ظهير الدين: ينبغي أن يجوز لان نائب القاضي نائب عن السلطان حتى لا ينعزل بانعزال القاضي ويملك التفرد، كذا في البزازية. ومنها صحة تعليقه وإضافته وتقييده بزمان ومكان، ولو لم يقيده ببلد فالمختار أنه يصير قاضيا ببلده الذي هو فيه لا في كل بلاد السلطان، وهذا في تعليق الولاية. وهل يصح تعليق ولاية القضاء؟ قال في نفقات خزانة المفتين: امرأة أقامت على رجل بينة بالنكاح فلا نفقة لها في مدة المسألة عن الشهود، ولو أراد القاضي أن يفرضلها النفقة لما رأى من المصلحة ينبغي أن يقول لها إن كنت امرأته قد فرضت لك عليه في كل شهر كذا ويشهد على ذلك، فإذا مضى شهر وقد استدانت وعدلت البينة أخذت نفقتها منذ فرض لها ا ه‍. وعلى هذا فقول القاضي حكمت بكذا إن لم يمنع مانع شرعي صحيح. ومن أحكامه أنه لو قضى فضولي فأجاز القاضي قضاءه جاز، ولو كان مولى في كل أسبوع يومين فقضى في غير اليومين توقف قضاؤه، فإن أجازه في نوبته جاز كما في آخر جامع الفصولين، كذا في البزازية. ولو استثنى حوادت فلان لا يقضي فيها ولو قضى لا ينفذ. ومنها أنها لا يملك الاستخلاف إلا بإذن صريح أو دلالة بأن يقول له جعلتك قاضي القضاة. ومنها أن القاضي لا يبقى أكثر من سنة كي لا ينسى العلم. ومنها أنه يقتصر على المقضي عليه وعلى كل من تلقي الملك منه ولا يتعدى إلى الكافة ويتعدى في القضاء بالحرية والنسب والولاء والنكاح، ولا يتعدى في الوقف على الاصح وقدمناه في باب الاستحقاق من البيوع. الثامن فيما يخرج القاضي عن القضاء ففي البزازية: أربع خصال

[ 436 ]

إذا حل بالقاضي انعزل: فوات السمع أو البصر أو العقل أو الدين. وإذا عزل السلطان القاضي لا ينعزل ما لم يصل إليه الخبر كالوكيل. وعن الثاني أنه لا ينعزل ما لم يأت قاض آخر صيانة للمسلمين عن تعطيل قضاياهم. وهذا إذا لم يعلق عزله بشرط كوصول الكتاب ونحوه وإن معلقا لا ينعزل ما لم يصل إليه الكتاب وإن وصل إليه الخبر. وإذا مات القاضي انعزل خلفاؤه، وإذا عزل القاضي فالفتوى على أن النائب لا ينعزل بعزله لانه نائب السلطان أو العامة، وبعزل نائب القاضي لا ينعزل القاضي ولا ينعزل بموت الخليفة، كذا في البزازية. وفيها: القاضي إذا عزل نفسه وبلغ السلطان عزله ينعزل، وكذا إذا كتب به إلى السلطان وبلغ الكتاب إلى السلطان، وقيل لا ينعزل بعزل نفسه لانه نائب عن العامة فلا يملك إبطال حقهم ا ه‍. وينبغي أن الخصم لو علم بعزله ولم يعلم القاضي أنه لا ينفذ حكمه لعلمه أنه غير حاكم باطنا ولم أره، وكذا لم أر ما إذا بلغ النائب عزل قاضي القضاة، وينبغي أن لا ينعزل حتى يعمل أصله، وكذا لم أر حكم ما إذا بلغ الاصل دون النواب ولم يعلمهم فحكموا، وينبغي أن يصح حكمهم وأن يستحق الاصل ما عين له على القضاء من بيت المال لمباشرة نوابه. وفي البدائع أن القاضي يخرج عن القضاء بكل ما يخرج الوكيل إلا إذا مات الخليفة أو خلع فإنه لا تنعزل قضاته وولاته، وإذا مات الموكل انعزل وكيله ولا ينعزل بأخذ الرشوة والفسق عندنا ا ه‍. وفي البزازية: قلد السلطان رجلا قضاء بلدة ثم بعد أيام قلد القضاء آخر ولم يتعرض لعزل الاول الاظهر والاشبه أنه لا ينعزل ا ه‍. وفي الولوالجية: إذا ارتد القاضي أو فسق ثم صلح فهو على حاله لان المرتد أمره موقوف ولان الارتداد فسق وبنفس الفسق لا ينعزل إلا أن ما قضى في حالة الردة باطل بخلاف الحكم إذا ارتد فإنه يخرج، والفرق مذكور فيها، وما قدمناه عن البزازية من أنه ينعزل بفوات الدين يخالفه إلا أن يقال بالردة ينعزل عن نفاذ قضائه جمعا بينهما. وفي الواقعات الحسامية: الفتوى على أنه لا ينعزل بالردة فإن الكفر لا ينافي ابتداء القضاء في إحدى الروايتين حتى لو قلد الكافر ثم أسلم هل يحتاج إلى تقليد آخر فيه روايتان ا ه‍. وبه علمت أن ما في الخلاصة على خلاف المفتى به، وعلمت أن تقليد الكافر صحيح وإن لم يصح قضاؤه على المسلم حال كفره. وفي الخزانة: إذا عمي القاضي ثم أبصر فهو على قضائه ا ه‍. التاسع في آدابه وستأتي. العاشر في محاسنه منها إنصاف المظلوم من الظالم، وتخليص الحقوق إلى أهلها، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو من أعظم العبادات وبه أمر كل نبي قال الله تعالى * (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون) * [ المائدة: 44 ] وقال تعالى * (وإن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم) * [ المائدة: 94 ] والحاكم نائب عن الله تعالى في أرضه ولولاه لفسد العباد والبلاد ومع ذلك فله مساو مذكورة في شرح أدب القضاء للخصاف للصدر الشهيد.

[ 437 ]

قوله: (أهله أهل الشهادة) أي أهل القضاء أي من يصح منه أو من تصح توليته له لان كلا منهما يثبت الولاية على الغير والشاهد يلزم الحاكم أن بحكم بشهادته والحاكم والخصم بحكمه فكانا من باب واحد. وليس المراد أن القضاء مبني على الشهادة ليلزم منه بناء القوي على الضعيف، وإنما المراد أنهما يرجعان في شئ واحد وهو أن يكون حرا مسلما بالغا عاقلا عدلا لا أن حكمه مبني على حكمها لكن أوصاف الشهادة أشهر عند الناس فعرف أوصافه بأوصافها وتمامه في النهاية. فلا تصح تولية كافر وصبي فلذا قال في البزازية: قلد القضاء لصبي ثم أدرك لا يقضي به، ذكره في المنتقي. وفي الاجناس: قلد القضاء الكافر ثم أسلم فهو على قضائه ولا يحتاج إلى تحديد ثان ا ه‍. وفيها قبله: السلطان أمر عبده بنصب القاضي في بلدة ونصب يصح بطريق النيابة عن السلطان، ولو حكم بنفسه لا يصح، ولو جمع بنفسه بعد أمره أو أمر غيره صح. الامام أذن لعبده بالقضاء فقضى بعدما عتق جاز ولا يحتاج إلى تجديد الاذن كما لو تحمل الشهادة في الرق ثم عتق ا ه‍. وقدمنا أن شرائط القاضي ثمانية وفي منظومة ابن وهبان: وتولية الاطروش الاصح جوازها. وفسرها الشارح بأن يسمع ما قوي من الاصوات والاصم بخلافه وهو من لا يسمع البته. وفي القاموس: قوم طرش والاطرش الاصم. وظاهر كلامهم أن من لا تقبل شهادته لم يصح قضاؤه ولا يرد الفاسق فإنه عندنا أهل لهما لان القاضي لو قضى بشهادته صح وإن كان يأثم كما سيأتي، فعلى هذا لا يصح قضاء العدو على عدوه عدواة دنيوية كالشهادة وإن قلنا بصحته إذا قضى

[ 438 ]

بالبينة أو الاقرار لا بعلمه فهي مستثناة، ولا يصح القضاء لمن لا تقبل شهادته له إلا في مسألة ما إذا ورد عليه كتاب القاضي فإنه يقضي له كما في السراج الوهاج، وكتبناه في فوائد القضاء وسنتكلم عليه إن شاء الله تعالى في الشهادات. ولو ولى السلطان قاضيا مشركا على الكفار فظاهر تعليل الخلاصة الصحة وهو ظاهر لانه أهل للشهادة عليهم، وسألت عن تولية الباشاه بالقاهرة قاضيا ليحكم في حادثة خاصة مع وجود قاضيها المولى من السلطان فأجبت بعدم الصحة لانه لم يفوض إليه تقليد القضاء ولذا لو حكم بنفسه لم يصح كما قدمناه قوله: (والفاسق أهل للقضاء كما هو أهل للشهادة إلا أنه لا ينبغي أن يقلد) لما قدمنا أنهما من باب واحد، ولا ينبغي تقليده لان القضاء من باب الامانة والفاسق لا يؤتمن في أمر الدين لقلة مبالاته به كما لا ينبغي قبول شهادته فإن قبلها نفذ الحكم بها وفي غير موضع ذكر الاولوية عين الاولى أن لا تقبل شهادته وإن قبل جاز. وفي فتح القدير: ومقتضي الدليل أن لا يحل أن يقضي بها فإن قضى جاز ونفذ ا ه‍. ومقتضاه الاثم وعلى الاول لا يأثم، وظاهر الآية يفيد أنه لا يحل قبولها قبل تعرف حاله وهي قوله * (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) * [ الحجرات: 6 ] وقولهم بوجوب السؤال عن الشاهد سرا وعلانية طعن الخصم أولا في سائر الحقوق على قولهما المفتي به يقتضي أن يأثم بتركه لانه للتعرف عن حاله حتى لا يقبل الفاسق. وصرح في اصلاح الايضاح بأن من قلد فاسقا يأثم وإن قبل القاضي شهادته يأثم، واستثنى أبو يوسف من الفاسق إذا شهد أن يكون ذا جاه ومروءة فإنه يجب قبول شهادته كما في البزازية. فعلى هذا يجوز تقليده القضاء إلا أن يكون أبو يوسف فارقا بينهما. والفسق لغة الخروج عن الاستقامة، كذا في المغرب. وشرعا ارتكا ب كبيرة أو الاصرار على صغيرة كما في الخزانة. والعدالة اجتناب الكبائر والاصرار على صغيرة واجتناب فعل ما يخل بالمروءة كما سيأتي في الشهادات، فإذا ارتكب ما يخلها خرج عن كونه عدلا وإن لم يصر فاسقا به. قوله: (ولو كان عدلا ففسق لا ينعزل ويستحق العزل) أي فسق بأخذ الرشوة أو بغيره من الزنا وشرب الخمر، وما ذكره المؤلف من صحة تولية الفاسق وعدم عزله لو فسق هو ظاهر المذهب كما في الهداية وهو قول عامة المشايخ وهو الصحيح كما في الخانية. وعن علمائنا الثلاثة في النوادر أنه لا يجوز قضاؤه. وقال بعض المشايخ: إذا قلد الفاسق ابتداء

[ 439 ]

يصح ولو قلد وهو عدل ينعزل بالفسق. وفي ايضاح الاصلاح: وعليه الفتوى ا ه‍. وهو غريب ولم أره والمذهب خلافه لان المقلد اعقد عدالته فلم يكن راضيا دونها، وهذا مكان فيه الابتداء أسهل من البقاء وله نظير مذكور في المعراج. لو أبق المأذون ينحجز ولو أذن للآبق صح. وقيده في الخانية بما في يده عكس السائر على ألسنة الفقهاء وهو أن البقاء أسهل من الابتداء وإنما كان كذلك لوجود دليل يقتضيه وهو أن المقلد اعتمد عدالته فيتقيد التقليد بحال عدالته إلى آخر ما في النهاية. وفي البزازية: ولو شرط في التقليد أنه متى فسق ينعزل انعزل ا ه‍. قيد بالقضاء لان الفسق لا يمنع الامامة بلا خلاف ولا ينعزل بالفسق ا ه‍. وقوله ويستحق العزل معناه يجب على السلطان عزله، كذا في البزازية. وفي المعراج: يحسن عزله ا ه‍. فقد اختلف في معنى الاستحقاق كما اختلف في توليته ابتداء. وفي فتاوي قاضيخان من الردة: والسلطان يصير سلطانا بأمرين: بالمبايعة معه يعتبر في المبايعة مبايعة أشرافهم وأعيانهم. الثاني أن ينفذ حكمه على رعيته خوفا من قهره وجبروته، فإن بايع الناس ولم ينفذ فيهم حكمه لعجزه عن قهرهم لا يصير سلطانا، فإذا صار سلطانا بالمبايعة فجاز إن كان له قهر وغلبة لا ينعزل لانه لو انعزل يصير سلطانا بالقهر والغلبة فلا يفيد، وإن لم يكن له قهر وغلبة ينعزل ا ه‍. ومن أول الدعاوي: والوالي إذا فسق فهو بمنزلة القاضي يستحق العزل ولا ينعزل ا ه‍. ولم يذكر المؤلف نفاذ قضائه ولا يلزم من عدم عزله نفاذ قضائه لما في الخانية: وأجمعوا على أنه إذا ارتشى لا ينفذ قضاؤه فيما ارتشى ا ه‍. مع أنه قدم أنه لا ينعزل بالفسق فصار الحاصل إنه إذا فسق لا ينعزل وتنفذ قضاياه إلا في مسألة هي ما إذا فسق بالرشوة فإنه لا ينفذ في الحادثة الذي إخذ بسببها. وذكر الطرسوسي أن من قال باستحقاقه العزل قال بصحة أحكامه ومن قال بعزله قال ببطلانها. قوله: (وإذا أخذ القضاء بالرشوة لا يصير قاضيا) أي بمال دفعه لتوليته لم تصح توليته

[ 440 ]

وهو الصحيح، ولو قضى لم ينفذ وبه يفتى إذا الامام لو قلد برشوة أخذها وهو أو قومه وهو عالم به يجز تقليده كقضائه برشوة، كذا في جامع الفصولين. ثم رقم لآخر أن من أخذ القضاء برشوة أو بشفعاء فهو كمحكم لو رفع حكمه إلى قاض آخر يمضيه لو وافق رأيه أبطله ا ه‍. وهكذا في الخلاصة من أن الفتوى على عدم نفاذه إذا تولى بالرشوة. وأطلقه فشمل ما إذا كان القاضي الدافع أو غيره ليوليه السلطان كما في البزازية. قيد بتوليته القضاء لانه لو أخذ الرشوة وقضى فقدمنا عن الخانية الاجماع على أنه لا ينفذ قضاؤه فيما ارتشى، وهكذا في السراج الوهاج. وفي البزازية: الفتوى على عدم نفاذه. وحكى في فصول العمادي فيه اختلافا فقيل لا ينفذ فيما ارتشى فيه وينفذ فيما سواه وهذا اختيار شمس الائمة، وقيل لا ينفذ فيهما، وقيل ينفذ فيهما وهو ما ذكره البزدوي ورجحه في فتح القدير بقوله وهو حسن لان حاصل أمر الرشوة فيما إذا قضى بحق إيجابها فسقه وقد فرض أن الفسق لا يوجب العزل فولايته قائمة وقضاؤه بحق فلم ينفذ، وخصوص هذا الفسق غير مؤثر. وغاية ما وجه به أنه إذا ارتشى عامل لنفسه أو ولده يعني والقضاء عمل لله تعالى ا ه‍. قلت: ليس هذا مرادهم وإنما مرادهم أنه قضى لنفسه أو ولده يعني والقضاء لنفسه باطل، وهذا القول أحسن، وظهر أن خصوص هذا الفسق مؤثر في عدم النفاذ. وفي السراج الوهاج معزيا إلى الينابيع قال أبو حنيفة: لو قضى القاضي زمانا بين الناس ثم علم أنه مرتش ينبغي للقاضي الذي يختصمون إليه أن يبطل كل قضاياه ا ه‍. وفي البزازية: فإن ارتشى وكيل القاضي أو كاتبه أو بعض أعوانه فإن بأمره ورضاه فهو كما لو ارتشى بنفسه، وإن بغير علمه ينفذ قضاؤه وعلى المرتشي رد ما قبض. قضى ثم ارتشى ثم قضى أو ارتشى ولده أو بعض من لا تقبل شهادته له لا لانه لما أخذ المال أو ابنه يكون عاملا لنفسه أو ابنه. القاضي المولى أخذ الرشوة ثم بعثه إلى شافعي المذهب ليحكم لا يصح لانه عامل لنفسه، وإن كتب إليه ليسمع الخصومة وأخذ أجرة مثل الكتابة ينفذ لانه ليس برشوة ا ه‍. والرشوة بكسر الراء وضمها، كذا في البناية. وفي القاموس: إنها بالتثليث الجعل وارتشى أخذها واسترشى طلبها وراشاه حاباه وصانعه وراشاه لاينه وأعطاه الرشوة ا ه‍. وفي المصباح: الرشوة بكسر الراء ما يعطيه الشخص للحاكم وغيره ليحكم له أو يحمله على ما يريد. وجمعها رشا مثل سدرة وسدر، والضم لغة وجمعها رشى بالضم، ورشوته رشوا من باب قتل أعطيته رشوة فارتشى أي أخذ، وأصلها رشا الفرخ إذا مد رأسه إلى أمه لتزقه ا ه‍. وفيه البرطيل

[ 441 ]

بكسر الباء الرشوة وفي المثل البراطيل تنصر الاباطيل كناية مأخوذ من البرطيل الذي هو المعول لانه يستخر به ما استتر، وفتح الباء عامي لفقد فعليل بالفتح ا ه‍. وذكر الاقطع أن الفرق بين الهدية والرشوة أن الرشوة ما يعطيه بشرط أن يعينه والهدية لا شرط معها ا ه‍. وفي الخانية الرشوة غلى وجوه أربعة نتها ما هو حرام من الجانبين وذلك في موضعين: أحدهما إذا تقلد القضاء بالرشوة حرم على القاضي والآخذ. وفي صلح المعراج: تجوز المصانعة للاوصياء في أموال اليتامى وبه يفتى. ثم قال: من الرشوة المحرمة على الآخذ دون الدافع ما يأخذه الشاعر. وفي وصايا الخانية: قالوا بذل المال لاستخلاص حق له على آخر رشوة. الثاني إذا دفع الرشوة إلى القاضي ليقضي له حرم من الجانبين سواء كان القضاء بحق أو بغير حق ومنها إذا دفع الرشوه خوفا على نفسه أو ماله فهو حرام على الآخذ غير حرام على الدافع، وكذا إذا طمع في ماله فرشاه ببعض المال. ومنها إذا دفع الرشوة ليسوي أمره عند السلطان حل له الدفع ولا يحل للآخذ أن يأخذ، فإن أراد أن يحل للآخذ يستأجر الآخذ يوما إلى الليل بما يريد أن يدفع إليه فإنه تصح هذه الاجارة، ثم المستأجر إن شاء استعمله في هذا العمل وإن شاء استعمله في غيره. هذا إذا أعطاه الرشوة أولا ليسوي أمره عند السلطان، وإن طلب منه أن يسوي أمره ولم يذكر له الرشوة وأعطاه بعدما يسوي اختلفوا فيه، قال بعضهم: لا يحل له أن يأخذ. وقال بعضهم: يحل وهو الصحيح لانه يريد مجازاة الاحسان فيحل ا ه‍. ولم أر قسما يحيل الاخذ فيه دون الدفع. وأما الحلال من الجانبين فهو الاهداء للتودد والمحبة كما صرحوا به وليس هو من الرشوة لما علمت. وفي القنية قبيل التحري: الظلمة تمنع الناس من الاحتطاب من المروج إلا بدفع شئ إليهم فالدفع والاخذ حرام لانه رشوة ا ه‍. وفيها ما يدفعه المتعاشقان رشوة يجب ردها ولا تملك ا ه‍. فهذا يفيد أن الآخذ لا يملكها وقد صرح به في هبة القنية قال: وفي السير الكبير: الرشوة لا تملك إلى أن قال: أبرأه عن الدين ليصلح مهمه عند السلطان لا يبرأ وهو رشوة، ولو أبى الاضطجاع عند امرأته فقال أبرئيني عن المهر فأضطجع معك فأبرأته قيل يبرأ لان الابراء للتودد الداعي للجماع وقال عليه الصلاة والسلام تهادوا تحابوا بخلاف الابراء في الاول لانه مقصود على إصلاح المهم وأصلاح المهم مستحق عليه ديانة، وبذل المال فيما هو مستحق عليه حد الرشوة ا ه‍. وفيها: دفع للقاضي أو لغيره سحتا لاصلاح المهم فأصلح ثم ندم يرد ما دفع إليه ا ه‍. فظاهر أن التوبة من الرشوة يرد المال إلى صاحبه وإن قضى حاجته. وفي صلح المعراج تجوز

[ 442 ]

المصانعة للاوصياء في أموال اليتامى وبه يفتى ثم قال: من الرشوة المحرمة على الآخذ دون الدافع ما يأخذه الشاعر. وفي وصايا الخانية قالو: بذل المال لاستخلاق حق له على آخر رشوة، وليس منه ما تأخذه المرأة لاجل صلحها مع الزوج. قال في الخلاصة والبزازية آخر كتاب الصلح: وقع بين الزوجين مشاقات فقالت لا أصالحه حتى يعطيني كذا لان لها عليه حقا كالمهر والنفقة ا ه‍. ومنها ما في مهر البزازية: الاخ أبى أن يزوج الاخت إلا أن يدفع له كذا فدفع له أن يأخذه منه قائما أو هالكا لانه رشوة، وعلى قياس هذا يرجع بالهداية أيضا في المسألة المتقدمة إذا علم من حاله أنه لا يزوجه إلا بالهدية وإلا لا ا ه‍. ومنها لو أنفق على معتدة الغير ليتزوجها فأبت أن تتزوجه إن شرط الرجوع رجع تزوجها أم لا وإلا لكن أنفق على طمع أن يتزوجها اختلف التصحيح في الرجوع وعدمه وقدمناه تمامه فيها. قوله: (والفاسق يصح مفتيا وقيل لا) وجه الاول أنه يحذر النسبة إلى الخطأ، ووجه الثاني أنه من أمور الدين وخيره غير مقبول في الديانات ولم يرجح الشارحون أحدهما، وظاهر ما في التحرير أنه لا يحل استفتاؤه اتفاقا فإنه قال: الاتفاق على حل استفتاء من عرف من أهل العلم بالاجتهاد والعدالة أو رآه منتصبا والناس يستفتونه معظمين: وعلى امتناعه إن ظن عدم أحدهما، فإن جهل اجتهاده دون عدالته فالمختار منع استفتائه بخلاف المجهول من غيره إذا الاتفاق على المنع ا ه‍. فلا أقل من أن يكون ترجيحا لعدم صلاحيته ولذا جزم به في المجمع واختاره في شرحه وقال: إن أولى ما يستنزل به فيض الرحمة الالهية في تحقق الواقعات الشرعية طاعة الله عزوجل والتمسك بحبل التقوى قال الله تعالى * (واتقوا الله ويعلمكم الله) * [ البقرة: 282 ] ومن اعتمد على رأيه وذهنه في استخراج دقائق الفقه وكنوزه وهو في المعاصي حقيق بإنزال الخذلان عليه فقد اعتمد على ما لا يعتمد عليه، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ا ه‍. فشرط المفتي إسلامه وعدالته ولزم منها اشتراط بلوغه وعقله فترد فتوى الفاسق والكافر وغير المكلف إذ لا يقبل خيرهم، ويشترط أهلية اجتهاده كما سيأتي. ولا حاجة إلى اشتراط التيقظ وقوة الضبط كما في الروض للاحتراز عمن غلب

[ 443 ]

عليه الغفلة والسهو لان اشتراط العدالة يغني عنهما. وفي شرح الروض: وينبغي للامام أن يسأل أهل العلم المشهورين في عصره عمن يصلح للفتوى ليمنع من لا يصلح ويتوعده بالعقوبة بالعود وليكن المفتي متنزها عن خوارم المروءة، فقيه النفس، سليم الذهن. حسن التصرف والاستنباط، ولو كان المفتي عبدا أم امرأة أو أعمى أو أخرس بالاشارة وليس هو كالشاهد في رد فتواه لقربة وجر نفع ودفع ضر وعداوة فهو كالراوي لا كالشاهد وتقبل فتوى من لا يكفر ولا يفسق ببدعة كشهادته ا ه‍. وفي تلقيح المحبوبي أن الاشارة من المفتي الناطق يعمل بها فلا يختص بالاخرس. وفي القنية رامز العين الائمة المكي: أشار المفتي برأسه مكان قوله نعفل لمستفتي أن يعمل به. ورمز للنوازل عن أبي القاسم مثله، ورمز لظهير الدين المرغيناني لا لان إشارة الناطق لا تعتبر ا ه‍. وسيأتي أنه ينبغي أن يكون المفتي كالقاضي في أوصاف الكمال. وفي الظهيرية: ولا بأس للقاضي أن يفتي من لم يخاصم إليه ولا يفتي أحد الخصمين فيما خوصم إليه ا ه‍ قوله: (ولا ينبغي أن يكون القاضي فظا غليظا جبارا عنيدا) لان المقصود منه وهو إيصال الحقوق إلى أهلها لا يحصل به. وفي المصباح: رجل فظ شديد غليظ القلب يقال منه فظ بفظ من باب تعب فظاظة إذا غلظ حتى يهاب في غير موضعه، وغلظ الرجل اشتد فهو غليظ وفيه غلظة أي غير لين ولاسلس، وأغلظ له في القول إغلاظا عنفه ا ه‍. والجبار في الخلق الحامل غيره على الشئ قهرا وغلبة وفي أسمائه تعالى الذي جبر خلقه على ما أراد من أمره ونهيه. والعنيد من عاند فلان عنادا من باب قاتل إذا ركب الخلاف والعصيان، وعانده معاندة عارضه وفعل مثل فعله. قال الازهري: المعاند المعارض بالخلاف لا بالوفاق وقد يكون مباراة بغير خلاف ا ه‍. وفسره في المغرب بمن يظهر له الحق فيأباه. وذكر مسكين أن الفظ هو الجافي سئ الخلق والغليظ قاسي القلب، والجبار من جبره على الامر بمعنى أجبره أي لا يجبر غيره على ما يريه، والعنيد المعاند المجانب للحق المعادي لاهله. قوله: (وينبغي أن يكون موثوقا به في عفافه وعقله وصلاحه وفهمه وعلمه بالسنة والآثار ووجوه الفقه) ويكون شديدا من غير عنق، لينا من غير ضعف، لان القضاء من أهم أمور المسلمين فكل من كان أعرف وأقدر وأوجه وأهيب وأصبر على ما يصيبه من الناس كان أولى. وينبغي للسلطان أن يتفحص في ذلك ويولي من هو أولى لقوله عليه الصلاة والسلام من قلد إنسانا عملا وفي رعيته من هو أولى فقد خان الله ورسوله وجماعة المسلمين والموثوق به من وثقت به أثق بكسرهما ثقة ووثوقا ائتمنته وهو وهي وهم ثقة لانه مصدر، وقد يجمع في الذكور والاناث فيقال ثقات، والعفاف بالفتح من عف عن الشئ يعف من باب ضرب عفة بالكسر امتنع عنه فهو عفيف، كذا في المصباح. وفسره الكرماني شارح البخاري بالكف

[ 444 ]

عن المحارم وخوارم المروءة والعقل على قول الاكثر كما في التحرير قوة بها إدرا ك الكليات للنفس ا ه‍. والمراد بالوثوق به في عقله أن يكون كامله فلا يولي الاحمق وهو ناقص العقل. قال في المستظرف: الحمق الخفة غريزة لا تنفع فيها الحيلة وهي داء ودواؤه الموت وفي الحديث الاحمق أبغض الخلق إلى الله تعالى إذ حرمه أعز الأشياء عليه وهو العقل. ويستدل على صفته من حيث الصورة بطول اللحية لان مخرجهمن الدماغ فمن أفرط طول لحيته قل دماغه، ومن قل دماغه قل عقله، ومن قل عقلفهو أخف. وأما صفته من حيث الافعال فترك نظره في العواقب، وثقته بمن لا يعرفه، والعجب وكثرة الكلام وسرعة الجواب وكثرة الالتفات والخلو من العلم، والعجلة والخفة والسفه والظلم والغفلة والسهو والخيلاء، إن استغنى بطر، وإن افتقر قنط، وإن قال فحش، وإن سئل بخلال، وءن سأل ألح، وإن قال لم يحسن، وإن قيل له لم يفقه، وإن ضحك قهقه، وإن بكى صرخ. وإذا اعتبرنا هذه الخصال وجدناها في كثير من الناس فلا يكاد يعرف العاقل من الاحمق قال عيسى عليه السلام: عالجت الاكمه والابرص فأبرأتهما وعالجت الاحمق فلم يبرأ ا ه‍. وأما الصلاح فهو لغة خلاف الفساد كما في المصباح، وذكر الكرماني أنه لفظ جامع لكل خير ولذا وصف الانبياء عليهم الصلاة والسلام نبينا صلى الله عليه وسلم ليلة الاسراء فقال كل من لقيه في السموات مرحبا بالنبي الصالح، ولو كان هناك وصف أجمع منه للخير لوصفوه به ا ه‍. وفي أوقاف الخصاف: الصالح من كان مستورا ليس بمهتوك ولا صاحب ريبة، وكان مستقيم الطريقة، سليم الناحية، كامن الاذى، قليل السوء، ليس بمعاقر للنبيذ ولا ينادم عليه الرجال، وليس بقذاف للمحصنات ولا معروفا بالكذب، فهذا عندنا من أهل الصلاح ا ه‍. والفهم لغة كما في المصباح العلم، والعنف عدم الرفق، والضعف العجز عن احتمال الشئ. وفي فتح القدير قبيل الحبس: ويستحب أن يكون في القاضي عبسة بلا غضب وأن يلتزم النواضع من غير وهن ولا ضعف. والمراد بعلم السنة ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا وتقريرا عند أمر يعاينه، ولمراد بوجوه الفقه طرقه وقدمنا تعريفه أول الكتاب. وذكر مسكين هنا أن الفقه عند عامة العلماء اسم لعلم خاص في الدين لا لكل علم وهو العلم بالمعاني التي تعلقت بها الاحكام من كتاب وسنة وإجماع ومقتضياتها وإشاراتها. قوله: (والاجتهاد شرط الاولوية) وهو لغة بذل الطاقة في تحصيل ذي كلفة، واصطلاحا ذلك من الفقه في تحصيل حكم شرعي ظني كما في التحرير. واختلفوا في المجتهد فقيل أن يعلم الكتاب بمعانيه والسنة بطرقها، والمراد بعلمهما علم ما يتعلق به الاحكام منهما من العام والخاص والمشترك والمؤول والنص والظاهر والناسخ والمنسوخ ومعرفة الاجماع والقياس، ولا يشترط حفظه لجميع القرآن ولا لبعضه عن ظهر القلب بل

[ 445 ]

يكفي أن يعرف مظان أحكامها في أبوابها فيراجعها وقت الحاجة، ولا يشترط التبحر في هذه العلوم، ولا بد له من معرفة لسان العرب لغة واعرابا، وأما الاعتقاد فيكفيه اعتقاد جازم، ولا يشترط معرفتها على طريق المتكلمين وأدلتهم لانها صناعة لهم. ويدخل في السنة أقوال الصحابة فلا بد من معرفتها لانه فد يقيس مع وجود قول الصحابي: ولا بد له من معرفة عرف الناس وهو معنى قولهم لا بد أن يكون صاحب قريحة. وفي القاموس: والقريحة أول ماء يستنبط من القرح كالبئر وأول كل شئ ومنك طبعك، والاقتراح ارتجال الكلام واستنبطاط الشئ من غير سماع، والاجتناء والاختيار وابتداع الشئ والتحكم ا ه‍. وفي مناقب الامام محمد للكردري: كان محمد يذهب إلى الصباغين ويسأل عن معاملاتهم وما يديرونها فيما بينهما، وكان الكسائي يختلف إلى محمد فقال له يوما: ما أكثر ما تقولون وعلى هذا معاني كل الناس ما أنتم وهذا القول لا يعرفه إلا الحذاق من أهل هذه الصناعة، فمن أتقن هذه الجملة فهو أهل للاجتهاد فيجب عليه أن يعمل بإجتهاده ولا يقلد أحدا. وقوله شرط الاولوية يفيد أن تولية الجاهل صحيحة عندنا لان المقصود من القضاء وهو إيصال الحي إلى مستحقه يحصل بالعمل بفتوى غيره. وفي البزازية من كتاب الايمان قبيل الثالث والعشرين: المفتي يفتي بالديانة والقاضي يقضي بالظاهر إلى أن قال: دل أن الجاهل لا يمكنه القضاء بالفتوى أيضا فلا بد من كون القاضي الحاكم من الدماء والفروج عالما دينا كالكبريت الاحمر وأين الكبريت الامر وأين الدين والعلم!؟ اه‍. وذكر يعقوب باشا: ويعلم من الدليل أن المراد من الجاهل من لا يقدر على أخذ المسائل من كتب الفقه وضبط أقوال الفقهاء كما لا يخفى مع أن لمراد منه المقلد بقرينة جعل الاجتهاد شرط الاولوية ا ه‍. وهكذا في إيضاح الاصلاح وجوز في العناية أن يراد بالجاهل المقلد لكونه ذكر في مقابلة المجتهد وأن يراد من لا يحفظ شيأ من أقوال الفقهاء وهو المناسب لسياق الكلام لقوله في دليل الشافعي: ولا قدرة بدون العلم ولم يقل بدون الاجتهاد ا ه‍. وأما معناه لغة واصطلاحا فقدمناهما. وأما حكمه فهو غلبة الظن بالحكم مع احتمال الخطأ، ورأيت في حجج الدلائل أن الظن الغالب ب‍ غير غلبة الظن لتغير الثاني دون الاول، وقد يقال المقلد أيضا يعمل بفتوى غيره ولو أخذها من الكتب. وحاصل شرائط المجتهد على ما في التلويح والتحرير: الاسلام، والبلوغ، والعقل،

[ 446 ]

وكونه فقيه النفس بمعنى شديد الفهم بالطبع، وعلمه باللغة والعربية أي الصرف والنحو والمعاني والبيان والاصول، وكونه حاويا بالعلم كتاب الله تعالى مما يتعلق بالاحكام، وكونه عالما بالحديث متنا وسندا وناسخا ومنسوخا، ولا يشترط فيه بعد صحة العقيدة علم الكلام ولا تفاريع الفقه ولا الذكورة والحرية ولا العدالة فللفاسق الاجتهاد ليعمل بنفسه وأما غيره فلا يعمل به. ويشترط كونه عالما بوجوه القياس وفي الحقيقة اشتراط علمه بالاصول يغني عنه، ولا بد من معرفة الاجماع ومواقعه ومن معرفة عادات الناس، فالحاصل أن الشرائط أربعة عشر شرطا. وأما ركنه فالمجتهد وهو ما قدمناه والمجتهد فيه وهو حكم شرعي ظني عليه دليل. قوله: (والمفتى ينبغي أن يكون هكذا) أي موثوقا به في دينة وعفافه إلى آخره. وأن يكون مجتهدا قال في فتح القدير: واعلم أن ما ذكر في القاضي ذكر في المفتي فلا يفتي إلا المجتهد، وقد استقر رأي الاصوليين على أن المفتي هو المجتهد فأما غير المجتهد ممن يحفظ أقوال المجتهد فليس مفتيا، والواجب عليه إذا سئل أن يذكر قول المجتهد كأبي حنيفة على جهة الحكاية فعرف أن ما يكون في زماننا من فتوى الموجودين ليس بفتوى بل هو نقل كلام المفتي ليأخذ به المستفتي. وظريق نقله لذلك عن المجتهد أحد أمرين: إما أن يكون له سند فيه أو يأخذه من كتاب معروف تداولته الايدي نحو كتب محمد بن الحسن ونحوها من التصانيف المشهور للمجتهدين لانه بمنزلة الخبر المتواتر أو المشهور، هكذا ذكر الرازي. فعلى هذا لو وجد بعض نسخ النوادر في زماننا لا يحل عز وما فيها إلى محمد ولا إلى أبي يوسف لانها لم تشتهر في عصرنا في ديارنا ولم تتداول، نعم إذا وجد النقل عن النوادر مثلا في كتاب مشهور معروف كالهداية والمبسوط كان ذلك تعويلا على ذلك الكتاب فلو كان حافظا للاقاويل المختلفة للمجتهدين ولا يعرف الحجة ولا قدرة له على الاجتهاد للترجيح لا يقطع بقول منها يفتي به بل يحكيها للمستفتي فيختار المستفتي ما يقع في قلبه أنه الاصوب، ذكر في بعض الجوامع. وعندي لا يجب عليه حكاية كلها بل يكفى أن يحكي قولا منها فإن المقلد له أن يقلد أي مجتهد شاء، فإذا ذكر أحدها فقلده حصل المقصود، نعم لا يقطع عليه فيقول جواب مسألتك كذا بل يقول قال أبو حنيفة حكم هذا كذا، نعم لو حكى الكل فالاخذ بما يقع في قلبه أن أصوب أولى وإلا فالعامي لا عبرة بما يقع في قلبه من صواب الحكم

[ 447 ]

وخطئه. وعلى هذا إذا استفتى فقيهين أعني مجتهدين فاختلفا عليه الاولى بأن يأخذ بما يميل إليه قلبه منهما. وعندي أنه لاخذ بقول الذي لا يميل إليه قلبه جاز لان ذلك الميل وعدمه سواء، والواجب عليه تقليد مجتهد وقد فعل أصاب ذلك المجتهد أو أخطأ. وقالوا: المنتقل من مذهب إلى مذهب باجتهاد وبرهان آثم يستوجب التعزير فبلا اجتهاد وبرهان أولى، ولا بد أن يراد بهذا الاجتهاد معنى التحري وتحكيم القلب لان العامي ليس له اجتهاد. ثم حقيقة الانتقال إنما تتحقق في حكم مسألة خاصة قلد فيه وعمل به وإلا فقوله قلدت أبا حنيفة فيما أفتى به من المسائل والتزمت العمل به على الاجمال وهو لا يعرف صورها ليس حقيقة التقليد، بل هذا حقيقة تعليق التقليد أو وعد به كأنه التزم أن يعمل بقول أبي حنيفة فيما يقع له من المسائل التي تتعين في الوقائع، فإن أرادو وهذا الالتزام فلا دليل على وجوب اتباع المجتهد المعين بالتزام نفسه ذلك قولا أو نية شرعا بل الدليل اقتضى العمل بقول المجتهد فيما احتاج إليه بقوله تعالى * (فاسألوا أهل الذكر أن كنتم لا تعلمون) * [ النحل: 34 ] والسؤال إنما يتحقق عند طلب حكم الحادثة المعينة، وحينئذ إذا ثبت عنده قول المجتهد وجب عمله به. والغالب أن مثل هذا إلزامات منهم لكف الناس عن تتبع الرخص وإلا أخذ العامي في كل

[ 448 ]

مسألة بقول مجتهد قوله أخف عليه، وأنا لا أدري ما يمنع هذا من النقل أو العقل وكون الانسان يتبع ما هو أخف على نفسه من قول مجتهد سوغ له الاجتهاد وما علمت من الشرع ذمه عليه وكان صلى الله عليه وسلم يحب ما خفف عن أمته، إلى هنا ما في فتح القدير. ولم يبسط أصحابنا الكلام على المفتي والمستفتي في المتون والشروح وإنما ذكر أصحاب الفتاوي بعض مسائلهما، وقد بسط الكلام عليهما في الروض في كتاب القضاء فأحببت نقله لان قواعدنا لا تأباه ثم أنبه بعده على نقل البعض لمذهبنا والله تعالى أعلم قال: فصل في المفتي: فإن لم يكن غيره تعين عليه، وإن كان غيره تعين عليه، وإن كان غيره فهو فرض كفاية، ومع هذا لا يحل التسارع إلى ما لا يتحقق. ويشترط إسلام المفتي وعدالته فترد فتوى الفاسق ويعمل لنفسه باجتهاده، ويشترط تيقظه وقوة ضبطه وأهلية اجتهاده، فمن عرف مسألة أو مسألتين أو مسائل بأدلتها لم تجز فتواه بها ولا تقليده، وكذا من لم يكن مجتهدا. ولو مات المجتهد لم تبطل فتواه بل يؤخذ بقوله، فعلى هذا من عرف مذهب مجتهد وتبحر فيه جاز أن يفتي بقول ذلك المجتهد. وليضف إلى المذهب إن لم يعلم أنه يفتي عليه ولا يجوز لغير المتبحر إلا في مسائل معلومة من المذهب. فرع ليس لمجتهد تقليد مجتهد ولو حدثت واقعة قد اجتهد فيها وجب إعادته إن نسي الدليل أو تجدد مشكل. فرع المنتسبون إلى مذهب إمام إما عوام فتقليدهم مفرع على تقليد الميت فقد مر، وإما مجتهدون فلا يقلدون، فإن وافق اجتهاده اجتهادهم فلا بأس وإن خالفه أحيانا، ومن لم يبلغ رتبة الاجتهاد بل وقف على أصول إمامه

[ 449 ]

وتمكن من قياس ما لم ينص عليه على المنصوص فليس بمقلد في نفسه بل هو واسطة، فإن نص صاحب المذهب على الحكم والعلة الحق بها غير المنصوص، ولو نص على الحكم فقط فله أن يستنبط العلة ويقيس وليقل هذا قياس مذهبه لا قوله، وإن اختلف نص إمامه في مشتبهين فله التخريج من أحدهما إلى الاخرى. فرع للمفتي أن يغلظ للزجر متأولا كما إذا سأله من له عبد عن قتله وخشى أن يقتله جاز أن يقول إن قتلته قتلناك متأولا لقوله صلى الله عليه وسلم من قتل عبده قتلناه وهذا إذا لم يترتب على إطلاقه مفسدة واختلاف المفتين كالمجتهدين والله تعالى أعلم. فصل في المستفتي: يجب أن يستفتي من عرف علمه وعدالته ولو بإخبار ثقة عارف أو باستفاضة وإلا بحث عن ذلك فلو خفيت عدالته الباطنة اكتفي بالعدالة الظاهرة. ويعمل بفتوى عالم مع وجود أعلم جهله فإن اختلفا ولا نص قدم الاعلم، وكذا إذا اعتقد أحدهما أعلم أو أورع ويقدم الاعلم على الاورع. ولو أجيب في واقعة لا تتكرر ثم حدثت لزم إعادة السؤال إن لم يعلم استناد الجواب إلى نص أو إجماع، وإن لم تطمئن نفسه إلى جواب المفتي استحب سؤال غيره ولا يجب. ويكفي المستفتي بعث رقعة أو رسول ثقة، ومن الادب أن لا يسأل والمفتي قائم أو مشغول بما يمنع تمام الفكر وأن لا يقول بجوابه هكذا قلت أنا ولا يطالبه بدليل فإن أراده فوقت آخر وليبين موضع السؤال وينقط المشتبه في الرقعة ويتأملها لا سيما آخرها، ويتثبت ولا يقدح الاسراح مع التحقيق، وأن يشاور فيما يحسن اظهار من حضر متأهلا وإن يصلح لحنا فاحشا وليشغل بياضا بخط كيلا يلحق بشئ ويبين خطه بقلم بين قلمين، ولا بأس بكتبه الدليل لا السؤال، ولا يكتب خلف من لا يصلح، وله أن يضرب عليه إن أمن فتنة وإن سخط المالك وينهي المستفتي عن ذلك، وليس له حبس الرقعة، وينبغي للامام أن يبحث عن أهل العلم عمن يصلح للفتوى ليمنع من لا يصلح، وليكن المفتي متنزها عن خوارم المروءة فقيه النفس سليم الذهن حسن التصرف ولو عبدا أو امرأة أو أخرس تفهم اشارته، وليس هو كالشاهد في رد فتواه لقرابة وجر نفع وتقبل فتوى من لا يكفر، ولا يفسق ببدعة كشهادته. ويفتي ولو كان قاضيا وفي اشتراط معرفة الحساب لتصحيح مسائله وجهان، ويشترط أن يحفظ مذهب إمامه ويعرف قواعده وأساليبه. وليس

[ 450 ]

للاصولي الماهر وكذا البحاث في الخلاف من أئمة الفقه وفحول المناظرين أن يفتي في الفروع الشرعية، ولا يجب افتاء فيما لا يقع. ويحرم التساهل في الفتوى واتباع الحيل إن فسدت الاغراض وسؤال من عرف لذلك، ولا يفتي في حال تغير أخلاقه خروجه عن الاعتدال ولو لفرح، ومدافعة أخبثين، فإن أفتى معتقدا أن ذلك لم يمنعه عن درك الصواب صحت فتواه وإن خاطر. والاولى أن يتبرع بالفتوى فإن أخذ رزقا من بيت المال جاز إلا إن تعينت عليه وله كفاية. ولا يأخذ أجرة من مستفت فإن جعل له أهل البلد رزقا جاز وإن استؤجر جاز والاولى كونها بأجرة مثل كتبه مع كراهة. وله قبول هدية لا رشوة على فتوى لما يريد، وعلى الامام أن يفرض لمدرس ومفت كفايته. ولكل أهل بلد اصطلاح في اللفظ فلا يجوز أن يفتي أهل بلد بما يتعلق باللفظ من لا يعرف اصطلاحهم، وليس له العمل والفتوى بأحد القولين أو الوجهين من غير تعويل عليه في القولين أن يعمل بالمتأخر إن علمه وإلا فبالذي رجحه الشافعي وإلا لزمه البحث عنه، فإن كان أهلا اشتغل به متعرفا لذلك من القواعد والمأخذ وإلا تلقاه من نقلة المذهب فإن عدم الترجيح توقف وحكم الوجهين كالقولين لكن لا عبرة بالمتأخر إلا إذا وقعا من شخص، فإن اختلفوا في الارجح ولم يكن أهلا للترجيح اعتمدما صححه الاكثر والاعلم وإلا توقف. والعمل بالجديد من قولي الشافعي إلا في نحو ثلاثين مسألة. وإن كان في الرقعة مسائل رتب الاجوبة على ترتيبها، ويكره أن يقتصر على فيه قولان إذ لا يفيد. ولا يطلق حيث التفصيل فهو خطأ، ويجيب على ما في الرقعة لا على ما يعلمه، فإن أراده قال إن أراد كذا فجوابه كذا، ويجيب الاول في الناحية اليسرى وإن شاء غيرها لا قبل البسلمة، وليكتب الحمد لله وليختم بقوله والله أعلم. ولا يقبح أن يقول في الجواب عندنا. وإن تعلقت بالسلطان دعا له فقال وعلى السلطان سدده الله أو شد أزره، ويكره أطال الله بقاءه. ويختصر جوابه ويوضح عبارته. وإن سئل عن تكلم بكفر متأول قال: يسئل إن أراد كذا فلا شئ عليه، وإن أراد كذا فيستتاب فإن تاب قبلت توبته وإلا قتل. وإن سئل عمن قتل أو جرح احتاط وذكر شروط القصاص ويبين قدر التعزير، ويكتب على الملصق من الورقة وإن ضاقت كتب في الظهر والحاشية أولى لا ورقة أخرى. ويشافهه بما عليه بل إن اقتضاهما السؤال لم يقتصر على أحدهما، ولا يلقنه على خصمه فإن وجب الافتاء قدم السابق بفتوى ثم أقرع، نعم يجب تقديم نساء ومسافرين تهيؤا أو تضرروا بالتخلف إلا إن ظهر تضرر غيرهم بكثرتهم. وإن سئل عن الاخوة فصل في جوابه أبو الابوين أو لاب أو لام، وإن كان في الفريضة عول قال الثمن عائلا وإن كان في الورثمن يسقط بحال دون حال بينه. ويكتب تحت الفتوى الصحيحة إن عرف أنها لاهل الجواب صحيح ونحوه. وله أن يجيب إن رأى ذلك ويختصر وإن جهل حاله يبحث عن حاله، فإن لم يظهر له فله أمره بإبدالها، فإن تعسر أجاب بلسانه.

[ 451 ]

وإن عدم المفتي في بلده وغيرها ولا من ينقل له حكمها فلا يؤاخذ صاحب الواقعة بشئ يصيبه إذلا تكليف. فرع أفتاه ثم رجع قبل العمل كف عنه، وكذا إذا نكح امرأة بفتواه ثم رجع لزمه فراقها كما في القبلة، وإن رجع بعد العمل وفد خالف دليلا قاطعا نقضه وإلا فلا. وإن كان المفتي يقلد الامام فنص إمامه إن كان اجتهاديا في حقه كالدليل القطعي وعلى المفتي إعلامه برجوعه قبل العمل، وكذا بعده إن وجب النقض وإن أتلف بفتواه لا يغرم ولو كان أهلا ا ه‍ والله تعالى أعلم. فصل يجوز تقليد من شاء من المجتهدين وإن دونت المذاهب كاليوم وله الانتقال من مذهبه لكن لا يتبع الرخص فإن تتبعها من المذاهب فهل يفسق وجهان ا ه‍. قال الشارح: أوجههما لا والله سبحانه أعلم. وقد عقد في أول التتارخانية فصلين في الفتوى حاصل الاول أن أبا يوسف قال: لا تحل الفتوى إلا لمجتهد، ومحمد جوزها إذا كان صواب الرجل أكثر من خطئه. وعن الاسكاف أن الاعلم بالبلد لا يسعه تركها. واختلفوا في الافتاء ماشيا جوزه البعض ومنعه آخر، واختار الاسكاف أن يفتي إن كان شيأ ظاهرا وإلا لا، وكان ابن سلام إذا ألح عليه المستفتي وقال جئت من مكان بعيد يقول: فلا نحن نادينا ك من حيث جئتناولا نحن عمينا عليك المذاهبا ولكن اختار الفقيه أبو الليث أنه لا يقول له ذلك أول مرة فإن ألح أجابه بذلك. وحاصل الثاني أن اختلاف أئمة الهدى توسعة على الناس فإن كان الامام في جانب وهما في جانب خير المفتي، وإن كان أحدهما مع الامام أخذ بقولهما إلا إذا اصطلح المشايخ على قول الآخر فيتبعهم كما اختار الفقيه أبو الليث قول زفر في مسائل. وإن اختلف المتأخرون أخذ بقول واحد، فلو لم يجد من المتأخرين مجتهدا برأيه إذا كان يعرف وجوه الفقه ويشاور أهله. ولا يجوز له الافتاء بالقول المهجور لجر منفعة ولا يرجو عليه دنيا ورد مفت زرا على خياط مستفت وقلعه من ثوبه تحررا عن شبهة الرشوة. ومن شرائطها حفظه الترتيب والعدل بين المستفتين لا يميل إلى الاغنياء وأعوان السلطان والامراء بل يكتب جواب السابق غنيا كان أو فقيرا. ومن آدابه أن يأخذ الورقة بالحرمة ويقرأ المسألة بالبصيرة مرة بعد مرة حتى يتضح له

[ 452 ]

السؤال ثم يجيب، وإذا لم يتضح السؤال سأل من المستفتي. ولا يرمي بالكاغد إلى الارض وهو لا يجوز، وكان بعضهم لا يأخذ الرقعة ميد امرأة ولا صبي وكان له تلميذ يأخذ منهم ويجمعها ويرفعها فيكتبها تعظيما للعلم. والاحسن أخذ المفتي من كل أحذ تواضعا. ويجوز للشاب الفتوى إذا كان حافظا للروايات واقفا على الدرايات محافظا على الطاعات مجانبا للشهوات والشبهات، والعالم كبير إن كان صغيرا، والجاهل صغير وإن كان كبيرا. وصحح في السراجية أن المفتي يفتي بقول أبي حنيفة على الاطلاق ثم بقول أبي يوسف ثم بقول محمد ثم بقول زفر والحسن بن زياد ولا يخير إذا لم يكن مجتهدا. وإذا اختلف مفتيان يتبع قول الافقه منهما بعد أن يكون أورعهما. وينبغي أن يكتب عقب جوابه والله أعلم أو نحوه. وقيل في العقائد يكتب والله الموفق ونحوه، وكره بعضهم الافتاء والصحيح عدم الكراهة للاهل. ولا ينبغي الافتاء إلا لمن عرف أقاويل العلماء من أين قالوا، فإن كان في المسألة خلاف لا يختار قولا يجيب به حتى يعرف حجته، وينبغي السؤال من أفقه أهل زمانه فإن اختلفوا تحرى ا ه‍. وصحح في الحاوي القدسي أن الامام إذا كان في جانب وهما في جانب فالاصح أن الاعتبار لقوة المدرك. فإن قلت: كيف جاز للمشايخ الافتاء بغير قول الامام الاعظم مع أنهم مقلدون؟ قلت: قد أشكل على ذلك مدة طويلة ولم أر فيه جوابا إلا ما فهمته الآن من كلامهم وهو أنهم نقلوا من أصحابنا أنه لا يحل لاحد أن يفتي بقولنا حتى يعلم من أين قلنا حتى نقل في السراجية أن هذا سبب مخالفة عصام للامام وكان يفتي بخلاف قوله كثيرا لانه لم يعلم الدليل وكان يظهر له دليل غيره فيفتي به فأقول: إن هذا الشرط كان في زمانهم أما في زماننا فيكتفي بالحفظ كما في القنية وغيرها فيحل الافتاء بقول الامام بل يجب وإن لم نعلم من أين قال، وعلى هذا فما صححه في الحاوي مبني على ذلك الشرط. وقد

[ 453 ]

صححوا أن الافتاء بقول الامام فينتج من هذا أنه يجب علينا الافتاء بقول الامام وإن أفتى المشايخ بخلافه لانهم إنما أفتوا بخلافه لفقد شرطه في حقهم وهو الوقوف على دليله، وأما نحن فلنا الافتاء وإن لم نقف على دليله، وقد وقع للمحقق ابن الهمام في مواضع الرد على المشايخ في الافتاء بقولهما بأنه لا يعدل عن قوله ألا لضعف دليله وهو قوي في وقت العشاء لكونه الاحوط، وفي تكبير التشريق في آخر وقته إلى آخرها، وذكره في فتح القدير. ولكن هو أهل للنظر في الدليل ومن ليس بأهل للنظر فيه فعليه الافتاء بقول الامام. والمراد بالاهلية هنا أن يكون عارفا مميزا بين الاقاويل له قدرة على ترجيح بعضها على بعض، ولا يصير الرجل أهلا للفتوى ما لم يصرحوا به أكثر من خطائه لان الصواب متى كثر فقد غلب ولا عبرة بالمغلوب بمقابلة الغالب فإن أمور الشرع مبنية على الاعم الاغلب، كذا في الولوالجية

[ 454 ]

من كتاب القضاء. وفي مناقب الكردري قال ابن المبارك. وقد سئل متى يحل للريفتي ويلي القضاء قال: إذا كان بصيرا بالحديث والرأي، عارفا بقول أبي حنيفة حافظا له. وهذا محمول على إحدى الروايتين عن أصحابنا وقبل استقرار المذاهب، أما بعد التقرر فلا حاجة إليه لانه يمكنه التقليد ا ه‍. ومن العجب ما سمعت من بعض حنفية عصرنا حين تكلمت قديما معه فيها أن قال لما أفتى المشايخ بشئ علمنا أنه قول الامام فقلت إنه خطأ لانهم يبينون قول الامام في ظاهر الرواية ثم يقولون الفتوى على قول أبي يوسف أو محمد أو زفر، وسمعت من بعضهم أنه يقول الكل عن أبي حنيفة. قلت: نعم لكن ما خرج عن ظاهر الرواية فهو مرجوع عنه لما قرره في الاصول من عدم إمكان صدور قولين مختلفين متساويين من مجتهد والمرجوع عنه لم يبق قولا له كما ذكروه. قوله: (وكره التقليد لمن خاف الحيف) كلا يكون ذريعة إلى مباشرة الظلم هنا نسختان: التقليد أي النصب من السلطان. والتقليد أي قبول تقليد القضاء وهي الاولى. والحيف بمعنى الجور والظلم من حاف عليه يحيف إذا جار وخوف عدم إقامة العدل لعجزه كخوف الجور فلو قال المؤلف لمن خاف الحيف أو العجز لكان أولى لان أحدهما يكفي، نص عليه القدوري. والمراد بالكراهة كراهة التحريم لان الغائب الوقوع في محظوره حينئذ، ومحل الكراهة ما إذا لم يتعين عليه فإن انحصر صار فرض عين عليه وعليه ضبط نفسه إلا أن كان السلطان يمكن أن يفصل الخصومات ويتفرغ لذلك، كذا في فتح القدير. وإذا لم يمكن السلطان فصل القضايا وفي البلد قوم صالحون له أثموا كلهم، كذا في البزازية. ولم أر هل يفسق الممتنع؟ الظاهر نعم لتركه الفرض إلا أن يقال: إن للمتنع في الغالب تأويلا وهو مانع من الفسق ولم أر الآن هل يحير الممتنع المنحصر فيه؟ الظاهر جواز جبره على القبول لاضطرار الناس إليه كاطعام المضطر وسائر فروض الكفاية عند التعين، وكذا جواز جبر واحد من المتأهلين وغير المتأهل كالمعدوم قوله: (وإن أمنه لا) أي إن أمن الحيف لم يكره

[ 455 ]

التقليد لان كبار الصحابة والتابعين تقلدوه، ولم يتعرض المصنف لكون الدخول فيه عند الامن رخصة فالاولى تركه أو عزيمة فالاولى الدخول فيه للاختلاف. قال في البزازية: وعامة المشايخ على أن التقلد رخصة والترك عزيمة، وقد دخل في القضاء قوم صالحون وتحامى منه قوم صالحون وترك الدخول أصلح دينا ودنيا. وفي فتح القدير: وإن أمن أبيح رخصة والترك هو العزيمة لانه وإن أمن فالغالب خطأ طن من ظن من نفسه الاعتدال فيظهر منه خلافا ا ه‍. فالحاصل أنه فرض عين إن تعين وفرض ض‍ كفاية للمتأهل عند وجود غيره لكن رخصة ومكروه عند خوف العجز أو الحيف، وينبغي أن يكون حراما عند غالب ظنه أنه يجو في الحكم، ومباح وكما قدمناه ففيه الاحكام الخمسة. أما غير الاهل فيحرم عليه الدخول فيه قطعا، ولم أر حكم ما إذا خاف الجور مع التعين، ومقتضى كلامهم في النكاح أن لا يجوز له القبول تقديما للمحرم على المبيح وإن كان فرضا، وقد روي أن أبا حنيفة دعي للقضاء ثلاثة مرات فأبى حتى حبس وجلد كل مرة ثلاثين سوطا حتى قال له أبو يوسف: لو تقلدت لمنفعة الناس؟ فنظر إليه شبه المغضب فقال: لو أمرت أن أقطع البحر سباحة لكنت أقدر عليه فكأني بك قاضيا ونكس رأسه ولم ينظر إليه بعد. وهذا يدل على كراهة الدخول فيه وهو قول البعض وقدمنا أنه لا يكره للقادر عليه. وظاهر كلام الامام أنه عرف من نفسه عدم القدرة ولذا لم يقبل، وبه صرح في فتح القدير أنه لا يجوز القبول إلا لمن أجبر عليه ولذا ضرب الامام أياما وقيد بضعا وخمسين وامتنع في الاصح من القبول ومات على الاباء، كذا في البزازية. وحاصل ما ذكره البزازية في مناقبه روايات: الاولى أن الامام لما أكرهه المنصور على القضاء وأبى حبسه وضربه ثلاثة أيام ومات في الحبس مبطونا. الثانيه انه حبس مرتين على القضاء والفتيا ثم اخرج ولزم بيته ومنع من الجلوس للنساء ان مات. الثالثة أنهم لما عجزوا منه قتلوه بالسم. الرابعة أنه طيف به في الاسواق. الخامس أنه لما أحس بالسم سجد فخرجت روحه ساجدا سنة خمسين ومائة. ومن غريب ما وقع أنه جئ بجنازته فازدحم الناس فلم يقدروا على دفنه إلا بعد العصر واستمر الناس يصلون عليه على قبره عشرين يوما وحذر من صلى عليه خمسون ألفا ثم قال: والجمهور على أنه لم يقبل القضاء وأنه مات بالسم وقيل قبله يومين أو ثلاثة لاجل بر المنصور في يمينه ثم ترك. ثم اعلم أن واقعة المنصور معه هي الفنة الثانية للامام والاولى أكرهه ابن هبيرة والي الكوفة على قضائها وضربه على رأسه حتى انتفخ وجهه وحبسه فرأى النبي صلى الله عليه وسلم فأمره بإطلاقه وتمامه فيها. ولم يذكر الشارح المولى للقضاة وظاهر كلامهم أنه الخليفة أو السلطان وعند الامام الثاني الامير الذي ولاه

[ 456 ]

السلطان ناحية وجعل له خراجها وأطلق له التصرف في الرعية وما تقتضيه الامارة له أن يقلد ويعزل بخلاف ما إذا فوض إليه الاموال فقط. وعنه أيضا إذا كان القضاء من الاصل ومات القاضي ليس للامير أن ينصب قاضيا وإن ولى عشرها وخراجها وإن حكم الامير لم يجز حكمه فإذا جاء هذا المولى بكتاب الخليفة إليه من الاصل لا يكون امضاء لقضائه، كذا في البزازية. وللسلطان أن يفوض التولية للقضاء إلى غيره ولو كان المفوض إليه عبدا بطريق النيابة بخلاف ما إذا حكم العبد بنفسه لم يصح. ويشترط للسلطان المولي للقضاة البلوغ لما في البزازية: مات السلطان واتفقت الرعية على سلطنة ابن صغير له ينبغي أن يفوض أمور التقليد إلى وال ويعد هذا الوالي نفسه تبعا لابن السلطان لشرفه والسلطان في الرسم هو الابن وفي الحقيقة الوالي لعدم صحة الاذن والجمعة لا ولاية له ا ه‍. وفيها أيضا: السلطان أو الوالي إذا بلغ يحتاج إلى تقليد جديد، وكذا النصراني إذا استؤمر، وفي العبد روايتان. ولو اجتمع أهل بلدة على تولية واحد القضاء لم يصح بخلاف ما إذا ولو لسلطانا بعد موت سلطانهم فإنه يجوز. منها أيضا: ولا بد في صحة التولية من تعيين القاضي، فلو قال السلطان وليت عالما أو أحد هذين أو فلانا وفلانا لم يصح أخذا مما في البزازية: لو قال السلطان للوالي قلد من شئت يصح ولو قال قلد أحدا لم يصح كقوله لوكيله وكل من شئت يصح وكل أحد لا ا ه‍. والتولية للقاضي إما بالمشافهة للقاضي بقوله وليتك قضاء بلدة كذا أو جعلتك قاضي القضاة ونحو ذلك، أو بإرسال ثقة إليه بذلك أو بكتاب. وفي البزازية: كان الفقيه أو جعفر يقول: كان الفقيه أبو بكر الاسكاف يقول: تولية القضاء في ديارنا غير صحيح لان المولي لا يواجههم بالتقليد وإنما يكتب المنشور ويكتب في كل فصل عادة من تقدم إن شاء الله تعالى فيبطل المقدم ولو محاه بعده لا ينقلب صحيحا كما لو كتب أنت طالق إن شاء الله تعالى ثم محى المبطل لا يقع الطلاق ا ه‍. ولا يشترط لصحة التولية قبوله لها وإنما يشترط عدم رده بشرط بلوغه الرد كالوكالة لما في البزازية: السلطان إذا قلده القضاء فرده مشافهة ثم قبل لا يصح، وإن بعث إليه منشورا أو أرسل إليه فرده ثم قبل إن قبل قبل بلوغ الرد إلى السلطان يصح القبول لابعد بلوغ الرد إليه، وكذا الوكيل يرد الوكالة ثم يقبل، وكذا إذا كتبت المرأة إلى رجل زوجت نفسي منك فبلغ الكتاب إليه فرده ثم قبل والرسالة كالكتابة ا ه‍. ولم أر لاصحابنا مجموعا ما يستفيده القاضي بالتولية وقد جمعته من مواضعه فيملك الحكم الثابت ببينة أو إقرارا ونكول عن اليمين بعد استيفاء الشرائط الشرعية للحكم، ويملك حبس الممتنع عن أداء الحق، ومن وجب عليه تعزير ورأى حبسه لقولهم إنه مفوض إلى رأيه، ويملك إقامة التعازير ما كان حقا لله تعالى بلاطلب أحد وما كان حق عبد بطلبه، ويملك

[ 457 ]

إقامة الحدود كما صرحوا به في بابها. وفي تهذيب القلانسي أنها إلى الامام وأمراء الامصار دون أمراء السواد وعمال الخراج في الرساتيق ا ه‍. ويملك تزويج اليتامى والايتام حيث لا ولي لهم لكن بشرط أيكتب في منشوره ذلك، وظاهر كلامهم في باب الاولياء أنه لا يكفي في هذه توليته له قاضي القضاة. ويملك الاستخلاف بالاذن الصريح أو بقوله جعلتك قاضي القضاة وإلا فلا يملك، ويملك ولاية أموال غير المكلفين ممن لا ولي له، وأما من له ولي فلا إلا أن يتصرف غير صالح فله نقضه أو كان مبذرا مسرفا فله منعه كما في بيوع الخانية ويملك ولاية الوقوف ولو شرط الواقف أن لا ولاية له في وقفه فشرطه باطل كما قدمناه في الوقف. ويبحث عن ولاتها فيعزل الخائن عنها ولو كان ابن الواقف. ويحاسبهم ويحلف من يتهمه منهم كما قدمناه في الوقف. وله نصب الاوصياء إن لم يكن للميت وصي. وفي البزازية من التاسع في نصب الوصي من كتاب القضاء قال الامام الحلواني: للقاضي أن ينصب الوصي في مواضع إذا كان في التركة دين، مهرا كان الدين أو غيره، بشرط امتناع الوارث الكبير من البيع للقضاء أو وصية أو صغير فينصبه القاضي لقضاء الدين أو لتنفيذ الوصية أو لحفظ مال الصغير، وكذا لو كان أبو الصغير مبذرا متلفا لمال الصغير ينصب وصيا لحفظ ماله. ولو اشترى الوارث من مورثه شيأ ثم اطلع بعد موته على عيب نصب القاضي وصيا حتى يرده الا ب عليه. وقيد الخصاف نصب الوصي فيما إذا كان على الميت دين وله وارث كبير غائب بانقطاعه عن بلد المتوفي لا يأتي ولا تذهب القافلة، فإن لم يكن منقطعا لا ينصب، وكذا ينصب وصيا على الصغير عنود غيبة أبيه واحتيج إلى إثبات حق الصغير إن كانت غيبة الاب منقطعة وإلا فلا. وينصب وصيا عن المفقود لحفظ حقوقه ولا ينصب عن الغائب ا ه‍. فهذه سبعة مواضع يملك فيها نصب الوصي. ثم رأيت ثامنا قال في القنية: إذا كان المدعى عليه أصم أعمى أخرى فالقاضي ينصب عنه وصيا ويأمر المدعي بالخصومة معه إن لم يكن له أب أوجد أو وصيهما ا ه‍. قال في البزازية بعدها: إنما يلي

[ 458 ]

النصب إذا كان مأذونا بالاستخلاف وينصب عدلا أمينا كافيا لاغريبا لا يعرف، ويثبت ذلك بإخبار عدل. ويشترط في نصب الوصي على اليتيم كونه في ولاية القاضي لا التركة، وفي الوقف كون المدعي عليه في ولايته، هكذا اختار القاضي وفيه اختلاف. ويملك البيع على المديون لايفاء دينه على القول المفتى به كما صرحوا به في الحجر. وله ولاية إقراض اللقطة من الملتقط، وولاية إقراض مال الغائب، وله بيع منقوله إذا خاف عليه التلف إذا لم يعلم مكان الغائب، فإذا علم مكانه بعث إليه لانه يمكنه حفظ العين والمالية دل هذا على أنه يملك بعث مال الغائب إليه إذا خاف التلف. وله نصب وكيل في جمع غلات المفقود. طلب الوارث أو لا. وله إيفاء ديون الغائب بماله بالحصص وبيع ماله لايفاء دينه إذا كان دينه ثابتا عنده. وله الارسال خلف من نسب إلى طلاق زوجته الثلاث إذا أخبره عدلان وإن لم تطلبه المرأة، الكل من البزازية من نوع في ولاية القاضي قال: وليس له أن يزوج أم ولد الغائب وله الاذن بالانفاق على مال الغائب وزوجته وأولاد وأصله من ماله كما قدمناه في النفقات. وله فرض النفقة على الزوج إذا لم يكن صاحب مائدة وطعام كثير. وفي جامع الفصولين: للقاضي إيداع مال الغائب. وله الاذن في بيع شئ باعه مالكه لرجل وغاب المشتري ليأخذ ثمنه لو من ثمنه لو من جنسه، ولو كانت دابة فله الاذن بإجارتها وعلفها من أجرتها. وله الاذن ببيع الجارية المغصوبة لو كان مالكها غائبا ولو من الغاصب فيحل له وطؤها، وإن حضر مالكها كان له علي ذي اليد ثمنها، ولا يملك تزويج أمة الغائب والمجنون وقنهما، وله أن يكاتبهما ويبيعهما، وله أن يقبض دين غائب من محبوسه، وله أن يضعه عند عدل، وله إطلاق محبوسه بكفيل بنفسه، وله الاذن ببيع وديعة خيف فسادها وربها غائب كصوف، وله بيع دار الميت إذا لم يعلم له وارث وإذا علم جاز أيضا حفظا وله بيع الآبق، وله إجارة بيع بيت المفقود لو

[ 459 ]

خيف خرابه لو لم يسكن، وله قبض المغصوب الغائب من غاصبه، وله أخذ وديعة المفقود إيداعها عند من يثق به. ا ما في جامع الفصولين ملخصا. وأما إقامة الجمع والاعياد فيملكها القاضي إن كانت في منشوره وإلا فلا، وقول محمد للقاضي أن يجمع حمله المشايخ على هذا، كذا في البزازية من أول القضاء. وله النظر في الطريق فيمنع متعديا فيها ببناء وإشراع جناح لا يجوز، وله نصب القسام كما ذكروه في كتاب القسمة. وله نصب أئمة المساجد، ولم أر حكم نصبه للمحتسبين وينبغي أن يكون له ذلك إن لم ينصب الامام أحدا. وأما نصب العاشر والجاني للزكوات فإلى الامام كأخذ الجزية والخراج وما يتعلق بأموال بيت المال. قوله: (ولا يسأل القضاء) لقوله عليه الصلاة والسلام من طلب القضاء وكل إلى نفسه، ومن أجبر عليه نزل عليه ملك يسدده أي يلهمه رشده، ذكره الصدر الشهيد. ولان من طلبه اعتمد على نفسه فيحرم ومن أجبر عليه توكل على ربه فيلهم. وعلله في السراج الوهاج بأخرى بأن في طلب القضاء إذلالا وإهانة بالعلم لان كل معرض مهان ا ه‍. وهو يفيد منع العالم من السؤال مطلقا لا لحاجة، وقد جمع القدوري بين النهي عن طلبه والنهي عن سؤاله ففهم الشارحون المغايرة بينهما، فقيل الطلب بالقلب والسؤال باللسان، كذا في المستصفي. وفي الينابيع: الطلب أن يقول للامام ولني والسؤال أن يقول للناس لو ولاني الامام قضاء بلدة كذا لاجبته إلى ذلك وهو يطمع أن يبلغ ذلك إلى الامام ا ه‍. والمراد كراهة السؤال أي تحريما أي لا يحل كما في فتح القدير، وليس النهي عن السؤال على إطلاقه بل مقيد بأن لا يتعين للقضاء أما إن تعين بأن لم يكن أحد غيره يصلح للقضاء وجب عليه الطلب صيانة لحقوق المسلمين ودفعا لظلم الظالمين. واستحب بعض الشافعية طلبه لخامل

[ 460 ]

الذكر لينشر العلم كما في المعراج، ولم أر حكم ما إذا تعين ولم يول الا بمال هل يحل بذله؟ وكذا لم أر حكم جواز عزله وينبغي أن يحل بذله للمال كما حل طلبه وأن يحرم عزله حيث تعين وأن لا يصح عزله، وكما لا يجوز طلبه لا تجوز تولية الطالب في الخلاصة والبزازية والخانية من الوقف: طالب التولية لا يولي ا ه‍. فمن طلب القضاء أو النظارة أو الوصاية لا يولي، وعللوه بأن الطالب موكول إلى نفسه وهو عاجز فيكون سببا لتضييع الحقوق. وفي وصايا البزازية قال أبو مطيع البلخي أفتي منذ نيف وعشرين سنة فما رأيت قيما عدل في مال ابن أخيه قط فلا ينبغي أن يتقلد الوصاية أحد وقد قيل: اتفوا الواوات الوكالة والوصاية والولاية ا ه‍. وظاهر كلامهم أنه لا تطلب التولية على الوقف ولو كانت بشرط الواقف له لاطلاقهم، وقدمنا في كتاب الوقف أن له طلب عودها إذا عزل من قاض جديد. قوله: (ويجوز تقليد القضاء من السلطان العادل والجائز ومن أهل البغي) لان الصحاب رضي الله تعالى عنهم تقلدوه من معاوية والحق كان بيد علي رضي الله تعالى عنهما في نوبته، والتابعين تقلدوه من الحجاج وكان جائزا أفسق أهل زمانه، هكذا قال أصحابنا. وفي فتح القدير: وهذا تصريح بجور معاوية والمراد في خروجه لا في أقضيته، ثم إنما يتم إذا ثبت أنه ولي القضاة قبل تسليم الحسن رضي الله عنه له، أما بعد تسليمه فلا ويسمى ذلك العام عام الجماعة ا ه‍. ومن العلماء من قال إن الحسن رضي الله عنه لم يسلم له اختيارا وإنما سلم له لما رأى ما يقع بينهما من قتل المسلمين من كل من الطائفتين فكان مضطرا كما في المسايرة. وفي المعراج: انعقد الاجماع على بيعة معاوية حين سلم له الحسن. وما ذكر المؤلف من جواز التقليد من الجائر مقيد بما إذا كان يمكنه من القضاء بالحق أما إذا لم يمكنه فلا كما في الهداية لان المقصود لا يحصل به. والعادل هو الواضع كل شئ في موضعه، وقيل هو المتوسط بين طرفي الافراط والتفريط، سواء كان في العقائد أو في الاعمال أو في الاخلاق. وقيل: الجامع بين أمهات كمالات الانسان الثلاثة وهي الحكمة والشجاعة والعفة التي هي أوساط القوى الثلاث أعني القوة العقلية والغضبية والشهوانية. وقيل: المطيع لاحكام الله تعالى. وقيل: المراعي لحقوق الرعية، ذكره الكرماني في شرح قوله عليه الصلاة والسلام إمام عادل والعدل في اللغة القصد في الامور وهو خلاف الجور. وذكر الصدر الشهيد في شرح

[ 461 ]

أدب القضاء لخصاف أن أبا بكر رضي الله عنه سئل عن العدل وهو على المنبر فقال على البديهة: العدل أن نأتي إلى أخيكا. ما مثله أن يرضيكا. وأطلق في الجائز فشمل المسلم والكافر كما ذكره مسكين معزيا إلى الاصل، وظاهره صحة سلطنة الكافر على المسلمين وصحة توليته للقضاة وفي فتح القدير ما يخالفه قال: وإذا لم يكن سلطان ولا من يجوز التقليد منه كما هو في بعض بلاد المسلمين غلب عليهم الكفار في بلاد المغرب كقرطبة الآن وبالنسية وبلاد الحبشة وأقروا المسلمين عندهم على مال يؤخذ منهم يجب عليهم أن يتفقوا على واحد منهم يجعلونه واليا فيولي قاضيا ويكون هو الذي يقضي بينهم، وكذا ينصبوا إماما يصلي بهم الجمعة ا ه‍. ويؤيده ما في جامع الفصولين: وكل مصرفيه وال مسلم من جهة الكفار يجوز منه إقامة الجمع والاعياد وأخذ الخراج وتقليد القضاء وتزويج الايامي لاستيلاء المسلم عليهم، وأما طاعة الكفرة فهي موادعة ومخادعة، وأما في بلاد عليها ولاة الكفارة فيجوز للمسلمين إقامة الجمع والاعياد ويصير القاضي قاضيا بتراضي المسلمين ويجب عليهم طلب وال مسلم ا ه‍. وتصريحه بجواز التقلد من الجائز يدل على أن البغاة إذا وال قاضيا ثم جاء أهل العدل فرفعت قضاياه إلى قاضي أهل العدل فإنه يمضي حيث كان موافقا أو مختلفا فيه كما في سائر القضاة، وهو مصرح به في فصول العمادي، ويدل بمفهومه على أن القاضي لو كان من البغاة فإن قضاياه تنفذ كسائر فساق أهل العدل لان الفاسق يصلح قاضيا في الاصح. وذكر في الفصول ثلاثة أقوال فيه: الاول ما ذكرناه وهو المعتمد. الثاني عدم النفاذ فإذا رفع إلى العادل يمضيه. الثالث حكمه حكم المحكم يمضيه لو وافق رأيه وإلا أبطله ا ه‍. وأشار المؤلف بصحة التقليد من الجائر عادلا كان القاضي أو باغيا إلى صحة عزل الباغي لقضاة أهل العدل. وفي الفصول: بمجرد استيلاء

[ 462 ]

الباغي لا تنعزل قضاة العدل ويصح عزل الباغي لهم حتى لو انهزم الباغي بعده لا تنفذ قضاياهم بعده ما لم يقلدهم سلطان العدل ثانيا إذ الباغي صار سلطانا بالقهر والغلبة ا ه‍. وفي شرح باكير فيما يصح تعليقه وما لا يصح قبيل الصرف: اعلم أنه لا بد أن يكون الامام مكلفا حرا مسلما عدلا مجتهدا دا رأي وكفاية سميعا بصيرا ناطقا وأن يكون من قريش وللامام فيه منع، وإن لم يوجد فمن العجم، وتنعقد بيعة أهل الحل والعقد من العلماء المجتهدين والرؤساء لما عرف ا ه‍. وتكفي مبايعة واحدة وقيل لا بد من الاكثر. وقيل لا يلزمه عدد وتمامه في المسايرة. وعرف المحقق الامامة العظمى في المسايرة بأنها استحقاق تصرف عام في الدين والدنيا على المسلمين. وظاهره أنه لا بد في الامام من عموم ولايته ولذا قالوا: لا يجوز اجتماع إمامين في زمن واحد وقدمنا أولا عن الخانية بماذا يكون سلطانا. قوله: (فإن تقلد بسال ديوان قاض قبله) شروع فيما يفعله القاضي إذا تقلده، فإن كان في البلد ينبغي أن يقرأ المنشور على أهل البلد إن كتب له، وإن قدم من خارج ينبغي أن يقدم يوم الاثنين أو الخميس لابسا عمامة سوداء وينزل وسط البلد ويقرأ عليهم منشوره، ولم أره صريحا الآن. ثم رأيته في شرح أدب القضاء للخصاف. ثم يطلب ديوان القاضي السابق لانه إنما وضع للحاجة فيجعل في يد من له ولاية القضاء لان القاضي يكتب نسختين إحداهما في يده لاحتمال الحاجة إليها، والاخرى في يد الخصم وما في يده لا يؤمن عليه. والديوان لغة جريدة الحساب، ثم أطلق على موضع الحاسب وهو معرب، والاصل دوان فابدلت من إحدى المضعفين ياء بالتخفيف ولهذا يرد في الجمع إلى أصله فيقال دواوين، وفي التصغير دويوين لان التصغير وجمع التكسير يردان الاسماء إلى أصولها. ودونت الديوان أي وضعته وحمعته ويقال إن عمر رضي الله تعالى عنه أول من دون الدواوين في العرب أي رتب الجرائد للعمال وغيرها، كذا في المصباح والمراد به هنا ما ذكره بقوله قوله: (الخرائط التي فيها السجلات والمحاضر وغيرها) أي الديوان والخرائط جمع خريطة مثل كريمة وكرائم وهي شبهة كيس يشرج من أديم وخرق، كذا في المصباح. وهذا مجاز لان الديوان نفس السجلات والمحاضر لا الكيس كما أفاده مسكين. والسجلات جمع سجل وهو لغة كتاب القاضي. والمحاضر جمع محضر، وذكر العلامة خسروفي شرح الدرر والغرر أن المحضر ما كتب فيه خصومة المتخاصمين عند القاضي وما جرى بينهما من الاقرار من المدعى عليه أو الانكار فيه والحكم بالبينة أو النكول على وجه يرفع الاشتباه، وكذا السجل والصك

[ 463 ]

ما كتب فيه البيع والرهن والاقرا وغيرها، والحجة والوثيقة متناولان الثلاثة ا ه‍. وفي العرف الآن السجل ما كتبه الشاهدان في الواقعة وبقي عند القاضي وليس عليه خط القاضي، والحجة ما نقل من السجل من الواقعة وعليه علامة القاضي أعلاه وخط الشاهدين أسفله وأعطي للخصم. وفي قوله إن دون إذا إشارة إى أن تقلده نادر غير كائن لا يتقلده إلا مغرور بحديث النفس إليه أشار مسكين وأراد بغيرها محاسبات الاوقاف وكل شئ كان فيه مصالح الناس مما يتعلق بالقاضي المعزول. وأطلقه فشمل ما إذا كان الورق من بيت المال أو من مال أرباب القضايا وهو الصحيح، وما إذا كان من مال القاضي في الصحيح لانه أخذه تدينا لحفظ أمور المسلمين لا تمولا، ويبعث المولى اثنين أو واحدا مأمونا ليقبضاها من المعزول أو أمينه ويسألان منه شيأ فشيأ ويجعلان كل نوع في خريطة ليكون أسهل للتناول، وهذا السؤال لكشف الحال لا للزوم العمل بمقتضي الجواب من القاضي فإنه التحق بسائر الرعايا بالعزل، ثم إذا قبضاه ختما عليه خوفا من التغيير. وأما ما قيل يكتبان عدد ضياع الوقوف ومواضعها فلا حاجة إليه فإن كتب الاوقاف تغني عنه. وأشار إلى أن المولى بمجرد توليته لا يتأخر عن النظر فيما فوض له، فإن تأخر لغير عذر عزله الامام ولذا قال الصدر الشهيد: إن عمر رضي الله عنه استقضى رجلا على الشام يقال له حابس بن سعد الطائي على قضاء حمص قال له: يا حابس كيف تقضي؟ قال: أقضي بما في كتاب الله تعالى. قال: فإن لم يكن في كتاب الله تعالى؟ قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فإن لم يكن في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أجتهد برأيي واستشير جلسائي. فقال عمر رضي الله عنه: أصبت وأحسنت. ثم لقي عمر ذلك الرجل فقال: ما منعك أتسير إلى عملك؟ قال: يا أمير المؤمنين إني رأيت رؤياها ليتني أي خوفتني قال: وما هي؟ قال: رأيت كأن الشمس والقمر يقتتلان، رأيت كأن الشمس أقبلت من المشرق في جمع كثير، ورأيت كأن القمر أقبل من المغرب في جمع كثير حتى اقتتلا قال: فمع أيهما كنت؟ قال: مع القمر. فقرأ عمر رضي الله عنه * (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة) * كنت مع القمر في مغرب الشمس أردد إلينا عهدنا فقتل بعد بصفين مع معاوية، فيدل على أن للامام عزل القاضي إذا تأخر وعلى التفاؤل وتمامه في شرح أدب القضاء للخصاف. قوله: (ونظر في حال المحبوسين) أي الجديد لانه نصب ناظرا للمسلمين. والمراد المحبوس في سجن القاضي فيبعث القاضي ثقة يحصيهم في السجن ويكتب أساءهم وأخبارهم وسبب حبسهم ومن حبسهم. وفي شرح أدب القضاء يجب على القاضي كتابة اسم

[ 464 ]

المحبوس وأبيه وجده وما حبس بسببه وتاريخه، فإذا عزله بعث النسخة التي فيها أسماؤهم إلى المتولي لينظر فيها، وأما المحبوس في سجن الوالي فيجب على الامام النظر في أحوالهم. وحاصل ما ذكره الامام أبو يوسف في كتاب الخراج أن من حبس من أهل الدعارة والتلصص والجنايات ولا ما لهم أن نفقتهم في بيت المال وكسوتهم، وكذا أسراء المشركين وأن لا يبيت أحد في قيد إلا رجل مطلوب بدم. وينبغي أن يولي على هذا الامر رجلا صالحا يثبت أسماءهم عنده ويدفع نفقتهم وأدمهم شهرا بشهر، ويدعو كل رجل ويدفع إليه بيده ويعفهم عن الخروج في السلاسل يتصدق عليهم فإن هذا شئ عظيم، ومن مات منهم ولا ولي له ولا قرابة فإن تجهيز من بيت المال وأمر بالصلاة عليه ونظر في أحوالهم كل أيام فمن كان عليه أدب أدب وأطلق، ومن لم يكن له قضية خلي سبيله إلى آخر ما ذكره رحمه الله قوله: (فمن آقر بحق أو قامت عليه بينة ألزمه) لان كلا منهما حجة ملزمة. وليس المراد بقوله ألزمه الحكم عليه وإنما المراد ألزمه الحبس كما أشار إليه مسكين أي أدام حبسه، ويصح أن يراد ألزمه بالحق وإليه يشير تقريره في فتح القدير. والظاهر عندي ما قاله مسكين لان الثاني لا يطرد في كل إقرار لان المحبوس إذا أقر بسبب عقوبة خالصة كالزنا وشرب الخمر فقال إني أقررت عند القاضي المعزول أربع مرات في الزنا ولم يقم الحد علي فإن القاضي لا يقيمه عليه لان ما كان منه في مجلس المعزول بطل لكن يستقبل المولى الامر فإذا أقر حده ثم

[ 465 ]

بعد الحد يتأنى وينادي عليه ثم يطلقه بكفيبنفسه، كذا في شرح أدب القضاء للخصاف. وقوله أو قامت عليه بينة أعم من أتشهد بأصل الحق أو بحكم القاضي عليه، وأما المعزول فلا يقبل قوله لو قال حبست بحق عليه، وكذا لو قال كنت حكمت عليه لفلان بكذا كما في السراج الوهاج. وعلله في البداية بأنه كواحد من الرعايا وشهادة الفرد غير مقبولة لا سيما إذا كانت على فعل نفسه ا ه‍. فظاهره أنه لو شهد مع آخر لم تقبل شهادته، ورأيت في بعض كتب الشافعية أنه لو شهد مع آخر على حكمه لم تقبل إلا أن يقول إن قاضيا قضى عليه بكذا لفلان ا ه‍. وقواعدنا تأباه لان الشهادة على قضاء القاضي من غير تسميته غير صحيحة. ولم يذكر المؤلف رحمه الله إطلاقه بعد إلزامه لما في شرح أدب القضاء أنه إذا أقر لفلان بن فلان وعرفه القاضي أو شهد الشهود بنسبه وأحضر المال له أطلقه بلا كفيل، وكذا إذا اختار المدعي إطلاقه وإن أشكل على القاضي أمر المدعي أمره بالدفع إليه ولا يطلقه بل يتأنى ثم يطلقه بكفيل خوفا من الاحتيال ا ه‍. قوله: (وإلا نادى عليه) أي من لم يثبت عليه شئ أمر مناديا كل يوم في محلته وقت جلوسه من كان يطلب فلان بن فلان المحبوس بحق فليحضر حتى نجمع بينه وبينه، فإن حضر واحد وادعى وهو على إنكاره ابتدأ الحكم بينهما وإلا تأتي في ذلك أياما على حسب ما يرى القاضي فإن لم يحضر أحد أخذ منه كفيلا بنفسه على الصحيح اتفاقا وأطلقه بخلاف مسألة القسمة فإن أبا حنيفة لم يأخذ من الورثة كفيلا لان احتمال وارث آخر موهوم وهنه القاضي لا يحبسه إلا بحق ظاهر وخلافه موهوم. فإن قال لا كفيل لي وأبى أن يعطي كفيلا وجب أن يحتاط نوعا آخر من الاحتياط فينادي شهرا فإن لم يحضر أحد أطلقه. وقد بحث المحقق في فتح القدير بأنه لو قيل بالنظر إلى أن الظاهر أنه حبس بحق يجب أن لا يطلقه بقوله إني مظلوم حتى تمضي مدة يطلق فيها مدعي الاعسار كان جيدا اه‍. قلت: ليس بجيد لانا عملنا بمقتضى هذا الظاهر بالنداء وأخذ الكفيل ولو أبقيناه في الحبس كما ذكره لسوينا بين

[ 466 ]

الحقق والظاهر فإن المعسر تحققنا ثبوت الحق عليه بخلاف المحبوس بعد عزل القاضي. ثم اعلم أن حاصل ما ذكره الصدر في المحبوسين أنه إن كان بسبب الدين فقد ذكرناه، وإن كان بسبب قصاص أقربه اقتص منه للمقرله في النفس والطرف ولكن لا يطلقه في الطرف إلا بكفيل احتياطا، وإن كان قاحبست بسبب حد الزنا لا يعمل القاضي بإقراره السابق وإنما يستأنف الآن، وإن قال بسبب شهود علي به لا يحده بذلك، وإن قال بسبب سرقة أقررت بها قطع المولى يده وأطلقه بكفيل، وإن قال بينة لا للتقادم وإن أقر أنه حبس بسبب حد الخمر لا يحده سواء قال بإقرار أو ببينة، وإن قال بسبب قذف لفلان وصدقه حد مطلقا وأطلقه بكفيل قوله: (وعمل في الودائع وغلات الوقف ببينة أو إقرار) لان كلا منها حجة والمراد إقرار ذي اليد وأما غيره فلا يقبل إقراره. وفي فتح القدير: والذي في ديارنا من هذا أن أموال الاوقاف تحت أيدي جماعة يوليهم القاضي النظر أو المباشرة فيها وودائع اليتامى تحت يد الذي يسمى أمين الحكم اه‍. وقد انقطع هذا في زماننا فإن أموال اليتامى تحت يد الاوصياء ولم يول في زماننا أمين الحكم. قيد بغلات الوقف لانه لا يعمل بإقرار ذي اليد في أصل الوقف إذا جحده الورثة ولا بينة وقا المعزول إن هذا وقف فلان بن فلان سلمته إلى هذا وأقر ذو اليد وكذبه الورثة لم يقبل قول القاضي وذو اليد ويكون ميراثا بين الورثة، وتمامه في شرح أدب القضاء. قوله: (ولم يعمل بقول المعزول إلا أن يقر ذو اليد أنه سلمه إليه فيقبل قوله فيهما) يعني لو قال من في يده المال لي وقال المعزول إنه مال وقف أو يتيم لم يقبل بقوله لما بينا أنه التحق بواحد من الرعايا بخلاف القاضي لانه هو المخصوص بأن يكتفي بقوله في الالزام حتى الخليفة الذي قلد القضاء لو أخبر القاضى انه شهد عنده الشهود بكذا لا يقضي به حتى يشهد

[ 467 ]

عنده الخليفة مع آخر والواحد لا يقبل قوله. والحاصل أن المسألة على وجوه خمسة: الاول أن يقر بأنه سلمها إليه ومع ذلك يقربها لغيره فإذا بدأ ذو اليد بالاقرار للغير ثم بتسليم القاضي فأقر القاضي بأنها لآخر وحكمه أن تسلم العين للمقر له الاول ويضمن المقر قيمته إن كان قيميا أو مثله إن مثليا للقاضي بإقراره الثاني فيسلمها لمن أقر له القاضي. الثاني أن ينكر التسليم وحكمه أن لا يقبل قول المعزول. الثالث أن يقر بأن المعزول سلمه إليه ثم يقر به للغير عكس الاول وحكمه عدم قبول الثاني. الرابع أن يبدأ بالاقرار بتسليم القاضي ثم يقول لا أدري لمن هو وحكمه قبول قول القاضي. الخاس أن يقر بأنه تسلمه من القاضي وصدق القاضي أنها لفلان فيقبل قولهما ويدفع إلى القاضي ليدفعه إلى فلان فلم يعمل بقوله في وجه وعمل به في الاربعة. وقوله ببينة شامل لما إذا شهدوا أنهم سمعوا القاضي قبل عزله يقول هذا المال لفلان اليتيم استودعته فلانا، وكذا إذا شهدوا لى بيعه مال اليتيم فإنه يقبل ويؤخذ المال لمن ذكره، وكذا لو مات الاول واستقضى غيره فشهد بذلك قوله: (ويقضي في المسجد أو داره) لانه صلى الله عليه وسلم حكم بين المتلاعنين في المسجد وقال للمديون قم فاقضه بعد أمر الدائن بوضع الشرطر وكانا في المسجد وقد ارتفعت أصواتهما وأمر بإقامة الحد وهو في المسجد. وقد لا عن عمر رضي الله عنه عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رواه البخاري. وأما كون المشرك يدخله للقضاء وهو نجس فلا يمنع لان نجاسته نجاسة الاعتقاد على معنى التشبيه، وأما الحائض فتخبر بحالها ليخرج إليها القاضي أو يرسل نائبه كما إذا كانت الدعوى في دابة، وكذا السلطان يجلس في المسجد للحكم. أطلق المسجد فشمل غير الجامع لكنه أولى لانه أشهر، ثم الذي تقام فيه الجماعات وإن لم تصل فيه الجمعة. قال فخر الاسلام: هذا إذا كان الجامع في وسط البلد، أما إذا كان في طرف منها فلا لزيادة المشقة فالاولى أن يختار مسجدا في وسط البلد وفي السوق. ويجوز أن يحكم في بيته وحيث كان إلا أن الاولى ما ذكرناه. ويأذن للناس على العموم ولا يمنع أحدا لان لكل أحد حقا في مجلسه، والاولى أن يكون بيته في وسط البلد لما ذركناه. والحاصل أنه يجلس له في أشهر الاماكن ومجامع الناس وليس فيه حاجب ولا بواب وهو الافضل، ولا يحكم وهو ماش ولا راكب ولا بأس بالقعود على الطريق إذا كان لا يضيق على المارة ولا بأس بالحكم وهو متكئ. والقضاء وهو مستو أفضل تعظيما لامر القضاء، ولا يجلس وحده لانه يورث التهمة فينبغي أن يجالسه من كان يجلس

[ 468 ]

معه قبل ذلك، وروي أن عثمان رضي الله عنه ما كان يحكم حتى يحضر أربعة من الصحابة. ويستحب أن يحضر مجلسه جماعة من الفقهاء ويشاورهم، وكان أبو بكر يحضر عمر وعثمان وعليا رضي الله عنهم حتى قال أحمد: يحضر مجلسه الفقهاء من كل مذهب ويشاورهم فيما يشكل عليه. وفي المبسوط: وإن دخله حصر في قعودهم عنده أو شغله عن شئ من أمور المسلمين جلس وحده فإن طباع الناس تختلف فمنهم من يمنعه من حشمة الفقهاء عن فضل القضاء، ومنهم من يزداد قوة على ذلك، فإن كان ممن يدخله حصر جلس وحده. وفي المبسوط ما حاصله أن ينبغي للقاضي أن يعتذر للمقضي عليه ويبين له وجه قضائه ويبين له أنه فهم حجته ولكن الحكم في الشرع كذا يقتضي القضاء عليه فلم يمكن غيره ليكون ذلك أدفع لشكايته للناس ونسبته إلى أنه جار عليه، ومن يسمع يخل فربما تفسد العامة عرضه وهو برأئ. وإذا أمكن إقامة الحق مع عدم إيفاء الصدور كان أولى، كذا في فتح القدير. وفي التتارخانية قال مشايخنا: ينبغي للقاضي إذا أراد الحكم أن يقول للخصمين أحكم بينكما وهذا على وجه الاحتياط حتى إنه إذا كان في التقليد خلل يصير حكما بتحكيمهما. وفي البزازية: قضى القاضي بحق ثم أمره أن يسأل القضية ثانيا بمحضر من العلماء لا يفرض ذلك على القاضي اه‍. وفيها: وإن رأي أن يقعد معه أهل الفقة قعدوا ولا يشاورهم عند الخصوم اه‍. فعلى هذا إذا كانت عنده الفقهاء ووقعت الحادثة يخرج الخصوم أو يبعدهم ثم يشاور الفقهاء ولا يسلم عليه إلا إذا كان الداخل الشاهد فله أن يسلم كما في الخانية، ويصلي ركعتين تحية المسجد ويسند ظهره إلى المحراب والناس بين يدين يقفون مستقبلي القلة، فإن اعتراه هم أو غضب أو جوع أو حاجة حيوانية كف عنه حتى يزول، ولا يتعب نفسه في طول الجلوس ولا يقضي وهو يدافع أحد الاخبثين، وإن كان شابا قضى وطره من أهله ثم جلس للقضاء. ولا يسمع من رجل حجتين أو أكثر في مجلس إلا أن يكون الناس قليلا، ولا يقدم رجلا جاء غيره قبله، ولا يضرب في المسجد حدا ولا تعزيرا، كذا في البزازية. والحاصل لا يقضي حال شغل قلبه ولو بفرح أو برد شديد أو حر شديد وأصله لا يقضي القاضي وهو غضبان معلول به. ولا ينبغي أن يتطوع بالصوم في اليوم الذي يريد الجلوس فيه، كذا في فتح القدير. وفي الظهيرية: ويخرج في أحسن ثيابه وأعدل أحواله،

[ 469 ]

وله أن يتخذ بوابا ليمنع الخصوم من الازدحام. ولا يباح للبواب أن يأخذ شيأ على الاذن في الدخول، وإذا أخذ البواب شيأ وعلم القاضي به فقضى كان كالقضاء بالرشوة لا ينفذ، كذا في شرح أدب القضاء. وإذا جلسوا بين يديه قال أبو يوسف: يقول أيكما المدعي فإذا عرفه يقو له ماذا تدعي. وقال محمد: لا يفعل ذلك. وقول أبي يوسف أرفق دفعا للمهابة عنهم. وإذا جاء رجل أراد إحضار خصمه الغائب دفله طينة عليها ختم القاضي مكتوب فيها أجب خصمك إلى مجلس الحكم، فإن كان في المصر أحضره أو قريبا منه، وإن كان بعيدا فالقاضي لا يعديه بمجرد قوله حتى يقيم البينة. والفاصل بينهما أنه إن أمكنه أن يعود إلى أهله في ذلك اليوم فهو قريب وإلا فلا. وقال محمد: يجب على الامام أن ينصب قضاة على الكور فيما دون مد السفر احترازا عن شقة الاعداء وهو إزالة العدوان. ويسقط الاعداء بعذر المرض أو كانت مخدرة، فإن توارى الخصم في بيته ختم القاضي على بيته وجعل بيته عليه سجنا وسد أعلاه وأسفله حتى يضيق عليه الامر فيخرج. قال الحلواني: وأصحابنا لم يجوزوا الهجوز وصورته أن يبعث القاضي نساء يطلبنه في البيت وأعوانا يأخذون السفل والعلو كيلا يهرب. وهذا هو القياس فعله عمر رضي الله عنه والصالحون من بعده وتركوا فيه القياس. فإن كان المديون يسكن دارا بأجرة وامتنع من الحضور اختلفوا في تسمير الباب، والاصح أنه يسمر. والتسمير الضرب بالمسامير اه‍. فإن كانت الدار مشتركة فسمرها الحاكم لاجل أحد الشركاء للباقي أن يرفعوا الامر إليه ليرفع المسامير وليس هذا من العدل، كذا في التتارخانية. وفيها: للسلطان الختم على باب المديون وإن لم يتوار في بيته تضييقا عليه حتى يقضي الدين اه‍. فعلى هذا له وضعه في الجاويش في زماننا. وفي البزازية: ويستعين بأعوان الوالي على الاحضار وأجرة الاشخاص في بيت المال، وقيل على المتمرد في المصر من نصف درهم إلى درهم، وفي الخارج لكل فرسخ ثلاثة دراهم أو أربعة وأجرة الموكل على المدعي

[ 470 ]

وهو الاصح. وفي الذخيرة: إنه المشخص وهو المأمور بملازمة المدعي عليه. وأطلق بعض المشايخ الذهاب إلى باب السلطان والاستعانة بأعوانه أولا لاستيفاء حقه قبل العجز عن الاستيفاء القاضي لكنه لا يفتي به إلا إذا عجز القاضي. وإذا ثبت تمرده عن الحضور عاقبه بقدره. وذكر الصدر الشهيد لاختلاف في قبول القاضي القصص من الخصوم والمذهب عندنا أنه لا يأخذها إذا جلس للقضاء وإلا أخذها. ثم ذكر الاختلاف في أن القاضي يؤاخذ بما كتب فيها والمذهب لا إلا إذا أقر بلفظه صريحا. وفي السراج الوهاج: وينبغي للقاضي أن يتخذ كاتبا صالحا عفيفا ويقعده بحيث يراه أهلا للشهادة لا ذميا ولا عبدا ولا صبيا ولا ممن لا تجوز شهادته فيكتب الخصومة وبجعلها في فمطره ويجعل لكل شهر فمطرا. قوله: (ويردهدية إلا من قريب أو ممن جرت عادته به) أي لا يقبل القاضي هدية لما رواه البخاري عن أبي حميد الساعدي قال: استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من الازد يقال له ابن اللتبية على الصدقة واسمه عبد الله، فلما قدم قال: هذا لكم هذا أهدي إلي. فقال عليه

[ 471 ]

الصلاة والسلام: هلاجلس في بيت أبيه أو بيت أمه فينظر أيهدي إليه أم لا؟ قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: كانت الهدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية واليوم رشوة. فتعليله دليل على تحريم الهدية التي سببها الولاية ويجب ردها على صاحبها فإن تعذر ردها على مالكها وضعها في بيت المال كاللقطة كما في فتح القدير، فإن كان المهدي يتأذى بالرد يقبلها ويعطيه مثل قيمتها، كذا في الخلاصة. وفي المضمرات: إذا دخلت الهدية له من البا خرجت الامانة من الكوة. وقدمنا عن الاقطع الفرق بين الهدية والرشوة أن الرشوة ما كان معها شرط الاعانة لا بخلاف الهدية. وفي خزانة المفتين: ما ليعطيه ولا يكون معها شرط، والرشوة مال يعطيه بشرط أن يعينه. وذكر الهدية في الكتاب ليس احترازيا إذ يحرم عليه الاستقراض والاستعارة ممن يحرم عليه قبول هديته كما في الخانية. وإنما يقبل هدية القريب لما فيها من صلة الرحم وردها قطعية وهي حرام. وأطلقه وهو مقيد بالمحرم فخرج ابن العم مثلا، ومقيد بأن لا تكون له خصومة وإنما يقبل ممن له عادة للعلم بأنها ليست للقضاء وله شرطان: أن لا يكون له خصومة، وأن لا يزيد على العادة فيرد الكل في الاول وما زاد عليها في الثاني. وقيده فخر الاسلام بأن لا يكون مال المهدي قد زاد فبقدر ما زاد ماله لا بأس بقبوله. وظاهر العطف في كلام المصنف يقتضي أنه يقبل من القريب وإن لم تكن له عادة بالاهداء. وفي كلام بعضهم ما يقتضي أنه كالاجنبي لا بد أن يكون له عادة وإلا فلا يقبلها منه إلا أن يكون لفقره ثم أيسر لان الظاهر أن المانع ما كان إلا الفقر على وزان ما قاله فخر الاسلام في الزيادة. والحاصل أن من له خصومة لا يقبلها مطلقا، ومن لا خصومة له فإن كان له عادة قبل القضاء قبل المعتاد وإلا فلا. وفي تهديب القلانسي: ولا يقبل هدية إلا من ذي رحم محرم أو من وال تولى الامر منه أو وال مقدم الولاية على القضاء اه‍. فعلى هذا له أن يقبلها من السلطان ومن حاكم بلده المسمى الآن بالباشاة، واقتصر في التتارخانية على من ولا. وفي فتح القدير: وكل من عمل للمسلمين عملا حكمه في الهدية حكم القاضي اه‍. فظاهره أنه يحرم قبولها على الوالي والمفتي وليس كما قال فقد قال في الخانية: ويجوز للامام والمفتي قبول الهدية وإجابة الدعوة الخاصة لان ذلك من حقوق المسلم على المسلم وإنما يمنع عنه القاضي اه‍. إلا أن يراد بالامام إمام الجامع. وفي التتارخانية: من خصوصياته عليه الصلاة

[ 472 ]

والسلام أن هداياه له. وفهيا: ضم الواعظ إلى المفتي معللا بأنه إنما يهدي إلى العالم لعلمه بخلاف القاضي. وأشار المصنف إلى أن القاضي لا يبيع ولا يشتري في مجلس القضاء وغيره وهو الصحيح لان الناس يساهلونه لاجل القضاء، كذا في الخانية. هذا إذا كان يكفي المؤنة من بيت المال أو يعامل من يجابيه وإلا لا يكره، ولو باع مال المديون أو الميت لا يكره، كذا في البزازية. وفي فتح القدير: ويجب أن يكون هدية المستقرض للمقرض كالهدية للقاضي إن كان المستقرض له عادة قبل استقراضه فأهدى إلى المقرض فللمقرض أن يقبل منه قدر ما كان يهديه بلا زيادة اه‍. وهو سهو والمنقول كما قدمناه آخر الحوالة أنه يحل حيث لم يكن مشروطا مطلقا. قوله: (ودعوة خاصة) أي يردها فلا يحضرها لانها جعلت لاجاه أطلقه فشمل ما إذا كان الداعي لها القرب وذكر الطحاوي أن هذا قولهما. وقال محمد: يجيبها. وذكر الخصاف أنه يجيبها بلا خلاف واختاره المؤلف في الكافي. وإنما ترك التقييد به في المختصر اعتمادا على ما استثناه في الهدية فالاحسن أن يقال: ولا يقبل هدية ودعى خاصة إلا من محرم أو ممن له عادة فإن للقاضي أن يجيب الدعوة الخاصة من أجنبي له عادة باتخاذها كالهدية، فلو كان من عادتها الدعوة له كل شهر مرة فدعاخه كل أسبوع بعد القضاء لا يجيبه.، ولو اتخله طعاما أكثر من الاول لا يجيبه إلا أن يكون ما له قد زاد، كذا في التتارخانية قيد بالخاصة احترازا عن العامة فإن له أن يحضرها بشرط أن لا يكون لصاحبها خصومة. واختلف في الخاصة والعامة فقيل ما دون العشرة خاصة والعشرة وما فوقها عامة. واختار في الهداية أن الخاصة هي ما لو علم صاحبها أن القاضي لا يحضرها لا يتخذها، والعامة هي التي يتخذها وإن لم يحضرها. وحكي عن أبي علي النسفي أن العامة دعوة العرس والختان وما سواهما خاصة. وفي فتح القدير: عندي أنه حسن لان الغالب أن العامة هاتان وربما مضى عمر ولم نعرف من اصطنع طعاما عاما ابتداء لعامة الناس بل ليس إلا هاتين الخصلتين أو بخصوص من الناس أو لكونه أضبط فإن معرفة كون الرجل لو لم يحضر القاضي لم يصنع أو يصنع غير محقق فإنه أمر مبطن وإن كان عليه لوائح ليس كضبط هذا وتكفي عادة الناس في ذلك وعادة الناس هي ما ذكر النسفي اه‍. وعندي أنه ليس بحسن لان العامة عرفا لا تنحصر في هاتين لان العقيقة كذلك، وكذا طعام القدوم من سفر الحج، وفي زماننا يصنع طعام عام ف العيدين فالمعتمد ما في الهداية. وفي السراج الوهاج أنه أصح ما قيل في تفسيرها اه‍. واختاره شمس الائمة السرخسي كما في المعراج. وفي الخلاصة: وهو الصحيح وجزم به قاضيخان ففتاواه بقوله: وإنما يعرف الخاص من العام إلى آخره. ولم

[ 473 ]

يحك غيره فما قاله النسفي ليس بضابط فضلا عن كونه أضبط وكونها لا يعملها إلا لاجل القاضي ليس يخفي، وبعضه يعلم بالتصريح وبعضه يعلم بالقرائن كالصريح. قوله: (ويشهد الجنازة ويعود المريض) لان هذا من حق المسلم على المسلم ففي الحديث للمسلم على المسلم ست حقوق: إذا دعاه يجيبه، وإذا مرض يعوده، وإذا مات يحضره، وإذا لقيه يسلم عليه، وإذا استنصحه ينصحه، وإذا عطس يشمته كذا في النهاية وهو لا يسقط بالقضاء لكن لا يطيل مكثه في ذلك المكان وإنما يعوده بشرط أن لا خصومة له وإلا فلا قوله: (وليسو بينهما حلوسا) أي يجب على القاضي التسوية بين اخصمين في الجلوس للحديث إذا ابتلى أحدكم بالقضاء فلسو بينهم في المجلس والنظر والاشارة ولا يرفع صوته على أحد الخصمين دون الآخر رواه اسحق بن راهوية. وبمثله رواه الدار قطني. ولان في عدم التسوية مكسرة لقلب الآخر فيجلسهما بين يديه ولا يجلس واحدا عن يمينه والآخر عن يساره لان لليمين فضلا. أطلق في التسوية بينهما فشمل الشريف والوضيع والاب والابن والصغير والكبير والحر والعبد والسلطان وغيره ولذا قال في النوازل والفتاوي الكبرى: خاصم السلطان مع رجل فجلس السلطان مع القاضي في مجلسه ينبغي للقاضي أن يقوم من مقامه ويجلس خصم السلطان فيه ويقعد هو على الارض ثم يقضي بينهما اه‍. وهذا دليل على ان القاضي يقضي يقضي على السلطان الذي ولاه والدليل ليه قصه شريح مع علي رضي الله عنه. وشمل المسلم والذمي فيسوي بينهما كما في فتاوي قارئ الهداية. وقيد بالجلوس لانه لا يجب عليه التسوية بينهما بالقلب وإن كان أفضل فقد حكى في الولوالجية أن أبا يوسف وقت موته قال: اللهم إنك تعلم أني لم أمل إلى أحد الخصمين حتى بالقب إلا في خصومة تصراني مع الرشيد لم أسو بينهما وقضيت على الرشيد ثم بكى. ومما حكي عن أبي يوسف أن خادما من أكبر خدام الخليفة جاء مع خصمه للدعوة فترافع على خصمه فأمره أبو يوسف بالمساواة فلم يمتثل فقال القفا يا غلام ائتني بعمر والنخاس يبيع هذا الخادم وأرسل ثمنه إلى أمير المؤمنين فاستوى وانقضت الدعوى فذهب الخادم إلى الخليفة وقص عليه ما جرى وبكى بكاء شديدا فقال له: لو باعك لاجزت بيعه ولم أردك إلى ملكي رحمه الله تعالى. وينبغي الخصمين أن يجثوا بين يديه ولا يتربعان ولا يقعيان ولا يجتبيان ولو فعلا ذلك منعهما القاضي تعظيما

[ 474 ]

للحكم كما يجلس المتعلم بين يدي المعلم تعظيما له. ويكون بعدهما عنه قدر ذراعين أو نحو ذلك من غير أن يرفعا أصواتهما. وتقف أعوان القاضي بين يديه فيكون أهيب. وقدمنا الخلاف بين الشيخين في ابتداء القاضي لهما بالسؤال وفي فتح القدير هنا، والاصح عندنا أنه يستنطقه ابتداء للعلم بالمقصود ولا يتعجل على الخصوم ولا يخوفهم. وينبغي أن يقوم بين يديه إذا جلس للحكم رجل يمنع الناس عن التقدم إليه معه سوطيقال له الجلواز وصاحب المجلس يقيم الخصوم بين يديه على البعد والشهود بقرب من القاضي. قوله: (وليتق عن مسارة أحدهما وإشارته وتلقين حجته وضيافته أي وليجتنب عن هذه الاشياء لان فيها تهمة ومكسرة لقلب الآخر والمسارة من ساره في أذنه وتساروا تناجوا، كذا في القاموس. والمعنى أنه يجتنب الكلام معه خفية. قيد بما ذكر لانه لا يلزمه اجتناب ميل قبله إلى أحدهما لانه ليس في وسعه كالقسم. وفي الولوالجية: ولا ينبغي للذي يقوم بين يدي القاضي أن يسار أحدا من الخصمين في مجلس الحكم لانه نائب القاضي اه‍. وأما منعه من ضيافة أحدهما فما رواه الحسن فقال: جاء رجل فنزل على علي رضي الله عنه فأضافه فلما فرغ قال: أني أريد أن أخاصم. قال له: تحول فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا أن نضيف الخصم إلا ومعه خصمه، قيد بضيافة أحدهما لان له أن يضيفهما معا لما رويناه قوله: (والمزاح) أي وليتق المزاح في المصباح: مزح مزحا من باب نفع مزاحة بالفتح، والاسم المزاح بالضم وهو الدعابة، والزاحة المرة وما زحت مزاحا من باب قاتل قتالا اه‍. وفي الصحاح: الدعابة بالضم المزاح من دعب لعب اه‍. فعلى هذا المزاح اللعب. وأشار إلى أنه لا يضحك في وجه أحدهما فلا يقوم له إذا قدم بالاولى فلو قال المصنف والمزح لكان أولى لانه يجتنب المزح سواء مازحه أحد أو لا، وسواء كان مع أحد الخصمين أو مع غيرهما. ومراده إذا كان في مجلس الحكم، وأما في غيره فلا يكثر منه لانه يذهب بالمهابة قوله: (وتلقين الشاهد) أي يجتنبه لان فيه إعانة لاحدهما على الآخر. أطلقه فشمل ما إذا كان في موضع تهمة أو لا، واستحسنه أبو يوسف في غير موضع التهمه لانه قد يقول أعلم مكان أشهد لمهابة المجلس وهو نوع رخصة عنده رجع إليه بعدما تولى القضاء، والعزيمة فيما قالا لانه لا يخلو عن نوع تهمة. وفي فتح القدير: وظاهر الجواب ترجيح ما عن أبي يوسف. وفي القنية من باب المفتي: والفتوى على قول أبي ويسف فيما يتعلق بالقضاء لزيادة تجربته، وكذا في البزازية من القضاء والتلقين أن يقول له القاضي كلاما يستفيد به علما. وذكر الصدر أن منه أن يقول له كيف تشهد إنما يقول له بم تشهد. وأما إفتاء القاضي فالصحيح أنه لا بأس به في مجلس القضاء وغيره لكن لا يفتي أحد لخصمين، كذا في خزانة الفتاوي. وفي الملتقط: فأما اليوم فقد ظهرت المذاهب إلا إذا كانت مسألة لا يعرف جوابها في مذهب القاضي اه‍. قيد بالشاهد لبيان أنه لا يلقن

[ 475 ]

المدعي بالاولى. وفي الخانية: ولو أمر القاضي رجلين ليعلماه الدعوى والخصومة فلا بأس به خصوصا على وقول أبي يوسف. فصل في الحبس قدمنا أنه مما يملكه القاضي على الممتنع عن إيفاء الحق وتعزيرا فكان من عمله فذكره فيه. وهو في اللغة المنع وهو مصدر حبسه من باب ضرب ثم أطلق على الموضع وجمع على حبوس مثل فلس وفلوس، كذا في المصباح. ودليله الكتاب * (أو ينفوا من الارض) * [ المائدة: 33 ] والمراد منه الحبس والسنة حبسه عليه الصلاة والسلام رجلا بالتهمة. والاجماع عليه وكان في المسجد إلى زمن علي رضي الله عنه فبنى سجنا وهو أول من بناه في الاسلام وسماه نافعا ولم يكن حصينا لكونه من قصب فانفلت الناس منه فبنى آخر وسماه مخيسا وكان من مدر وفي ألا تراني كيسا مكيسابنيت بعد نافع مخيسا بابا حصينا وأمينا كيسا ذلك يقول علي وفي وراية حصنا حصينا وفي وراية بدلت بدل بنيت، وفي رواية بابا شديدا وفي وراية وأميرا بدل أمينا. والمخيس بالخاء المعجمة والتاء المثناة الفوقية موضع التخييس بيائين وهو التذليل وروي بكسر الياى لانه يذلل من وقع فيه. والكيس حسن التأني في الامو، والكيس المنسوب إلى الكيس المعروف به. وأمينا أراد ونصبت أمينا يعني السجان كقوله متقلدا سيفا ورمحا، كذا في الفائق. وصفة الحبس أن يكون في موضع ليس فيه فراش ولا وطاء ولا يمكن أحد يدخل عليه للاستئناس إلا أقاربه وجيرانه، ولا يمكثون ولا يخرج لجمعة ولا جماعة ولا لحج فرض ولا لحضور جنازة ولو بكفيل. وفي الخلاصة: يخرج بكفيل لجنازة الوالدين والاجداد والجدات والاولاد وفي غيرهم لا يخرج وعليه الفتوى اه‍. وتعقبه في فتح القدير بأنمحمدا نص على خلافه، وقد يدفع بأن نص محمد في المديون أصالة والكلام في الكفيل. لا لمجئ رمضان والعيدين ليضجر قلبه ويوفى. ولا لموت قريبه إلا إذا لم يوجد من يغسله ويكفنه فيخرج لقرابة الولاد، وإن مرض مرضا أضناه فإن وجد من

[ 476 ]

يخدمه لا يخرجه وإلا أخرج بكفيل وإلا لا يطلقه وحضرة الخصم ليست شرطا. ولا يخر للمعالجة لامكانها في السجن، ولا يمنع من الجماع إن احتاج إليه فتدخل امرأته أو جاريته عليه إن كان فيه موضع سترة. واختلفوا في منعه من الكسب والاصح المنع، كذا في الخلاصة. ولا يضرب المديون ولا يقيد ولا يغل ولا يجرد ولا يؤاجر ولا يقام بين يدي صاحب الحق إهانة. وفي المنتقي: إذا خاف فراره قيده، كذا في البزازية وفيها: إذا خيف أنه يفر من السجن يحول إلى سجن اللصوص. وإذا جلس المحبوس في السجن متعنتا لا يوفي المال قال الامام الارسانيدي: يطين الباب ويترك له ثقبة يلقي منها الماء والخبز. وقال القاضي: الرأي فيه إلى القاضي اه‍. وفي الخانية: إذا كان للمحبوس ديون على الناس فإن القاضي يخرجه ليخاصم ثم يحبس اه‍. وصرحوا في كتاب الظهار أنه إذا امتنع من التكفير مع قدرته يضرب، وصرحوا في كتاب النفقات أنه لو امتنع من الانفاق على قريبه يضرب بخلاف سائر الديون اه‍. وعن أبي يوسف أن القاضي يؤجره لقضاء دينه وعليه حمل ما في الحديث من أنه باع حرا في دينه أي أجره. وتعيين مكان الحبس للقاضي إلا إذا طلب المدعي مكانا آخر لما في القنية: ادعى على بنته مالا وأمر القاضي بحبسها فطلب الاب منه أن يحبسها في موضع آخر غير السجن حتى لا يضيع عرضه يجيبه القاضي إلى ذلك، وكذا في كل مدع مع المدعى عليه اه‍. وفي المحيط: ويجعل للنساء سجن على حدة نفيا لوقوع الفتنة. قوله: (وإذا ثبت الحق للمدعي أمره بدفع ما عليه فإن أبى حبسه في الثمن والقرض والمهر المعجل وما التزمه بالكفالة) لانه جزاء الظلم وقد صار ضالما بمنعه. أطلقه وقيده في الهداية بالقاضي فظاهره أن المحكم لا يحبس ولم أره الآن صريحا. أطلق الثبوت فشمل ما إذا كان بينة أو بإقرار، وفرق بينهما في الهداية بأنه إذا ثبت بالبينة عجل حبسه لظهور المطل بإنكاره وإلا لم يعجل، فإذا امتنع حبسه وهو المذهب عندنا، وعكسه شمس الائمة السرخسي

[ 477 ]

لانه إذا ثبت بالبينة ربما تعلل بأنه لم يعلم به إلا الآن. وقد فرق الحلواني بين ما ثبت بالبينة فيخبره القاضي أنه يريد القضاء ويقول ألك مخرج، وبين ما ثبت بالاقرار فلا يعلمه، وتمامه في شرح أدب القضاء للخصاف. والاحسن إطلاق الكتاب من الامر بالايفاء مطلقا فلا يعجل بحبسه. وذكر الشارح أن الصواب أنه لا يحبسه حتى يسأله فإن أقر أن لمالا أمره بالدفع، فإن أبى حبسه وإلا سأل المدعي عن البينة أن له مالا، فإن برهن أمره بالدفع، فإن أبي حبسه، وإن عجز واختلفا فالقول للمدعي في الاشياء الاربعة وللمدعي عليه في غيرها اه‍. ونقله في البناية عن الخصاف وهو خلاف المذهب ولكن يسأل المدعي عن ماله إذا طلب المديون إجماعا، كذا في شرح الصدر. أطلق الحق فشمل القليل والكثير ولو دانقا وهو سدس درهم، ولو قال حبسه بطلب المدعي لكان أولى كما ذكره قاضيخان. وقال شريح: يحبسه من غير طلبه، كذا في البناية. ولو قال المديون أبيع عرضي وأقضي ديني أجله القاضي ثلاثة ولا يحبسه، ولو له عقار يحبسه ليبيعه ويقضي الدين ولو بثمن قليل وإن وجد المديون من يقرضه ليقضي به دينه فلم يفعل فهو ظالم، كذا في البزازية. وفي كراهية القنية: ولو كان للمديون حرفة تفضي إلى قضاء دينه فامتنع منها لا يعذر اه‍. وأطلق الثمن فشمل الاجرة الواجبة لانها ثمن المنافع، وشمل ما على المشتري وما على البائع بعد فسخ البيع بينهما بإقالة أو خيار، وشمل رأس مال السلم بعد الاقالة وما إذا قبض المشتري المبيع أو لا، ولا شك في دخول الاجرة تحت قولهم أو التزمه بعقد إن لم تجعل ثمن المنافع ويتفاوت الحال، فإن دخلت تحت ما كان بدل مال حبسه عليها على فتوى قاضيخان أيضا وإلا لم يحبس عليها على ما أفتى به، ولم أر من صرح بها لكن لم يذكر المؤلف حبسه على العين المغصوبة هنا، وذكره في كتاب الغصب بنفي الامانات إذا امتنع الامين من دفعها غير مدع لهلاكها فإنه يحبس عليها وصارت مغصوبة، وما في تهذيب القلانسي وهو إذا ثبت الحق بإقرار أو بحكم بنكوله أو ببينة فمطل المطلوب عن تسليمه وطلب الطالب حبسه أمره بحبسه في كل عين يقدر على تسليمها وفي كل دين لزمه بدلا عن مال كثمن البيع وبدل القرض والمغصوب ونحوه أو بالتزامه بعقد كالمهر والكفالة اه‍. أولى كما لا يخفي ولشموله الحكم بالنكول بخلاف من قيد ثبوت الحق بالبينة أو الاقرار. وأشار المؤلف إلى حبس الكفيل والاصيل معا الكفيل بما التزمه والاصيل بما لزمه بدلا عن مال، وللكفيل بالامر حبس الاصيل إذا حبس، كذا في المحيط. وفي

[ 478 ]

البزازية: يتمكن المكفول له من حبس الكفيل والاصيل وكفيل الكفيل وإن كثروا اه‍. وإلى تعدد حبسه لتعدد الطالب فلو حبس بدين ثم جاء آخر وادعى الدين عليه أخرجه من الحبس وجمع بينه وبين المدعي، فإن برهن على دعواه كتب اسمه واسم الاول، ثم إن برهن آخر كتب اسمه أيضا وحبسه للكل ويكتب التاريخ أيضا، كذا في البزازية. وأطلقه فأفاد أن المسلم يحبس بدين الذمي والمستأمن وعكسه. وفي البزازية: لهما على رجل دين لاحدهما أقل وللآخر الاكثر لصاحب الاقل حبسه وليس لصاحب الكثير إطلاقه بلا رضاه، وإن أراد أحدهما إطلاقه بعد ما رضيا بحبسه ليس له ذلك. وفي القنية: حبس لصاحب الدين الاقل فلصاحب الدين الاكثر إطلاقه ليكتسب ويؤدي له اه‍. وإلى أنه لا يحبس مع المديون أحد غير كفيله فإذا لزم حبس المرأة لا يحبسها مع الزوج وتحبس في بيت الزوج، كذا في البزازية. فإذا حبست المرأة زوجها لا تحبس معه، كذا في الخلاصة. وفي مآل الفتاوي: إذا خيف عليها الفساد اختار المتأخرون حبسها معه اه‍. وفي خزانة الفتاوي: استحسن بعض المتأخرين أن تحبس معه إذا كان مخوفا عليه اه‍ وفي البزازية: واستحسن بعض المتأخرين أن تحبس المرأة إذا حبس فالزوج وكان قاضي شاه لا مش يحبسها معه صيانة لها عن الفجوز اه‍. وقيد المهر بالمعجل لانه لا يحبس في المأجل ويصدق في الاعسار وعليه الفتوى، وفي الاصل لا يصدق في الصداق بلا فصل بين مؤجله ومعجله، كذا في البزازية. ثم اعلم أن قاضيخان في الفتاوي رجح الاقتصار على الاول فقال وقال بعضهم: وإن كان الدين واجبا بدلا عما هو مال كالقرض وثمن المبيع فالقول قول مدعي اليسار مروي ذلك عن أبي حنيفة وعليه الفتوى لان قدرته كانت ثابته في المبدل فلا يقبل قوله في زوال تلك القدرة، وإن لم يكن الدين بدلا عما هو مال فالقول للمديون. وقال بعضهم: ما وجب بعقده لم يقبل قوله وإن لم يكن بدلا عماهو مال اه‍. فقد علمت أن الفتوى على الاول وهو أنه لا يحبس إلا فيما كان بدلا عن مال فلا يحبس في المهر والكفالة على المفتى به وهو خلاف مختار المصنف تبعا لصاحب

[ 479 ]

الهداية. وذكر الطرسوسي في أنفع الوسائل أنه المذهب المفتى به فقد اختلف الافتاء فيما التزمه بعقد ولم يكن بدل مال والعمل على ما في المتون لانه إذا تعارض ما في المتون والفتاوي فالمعتمد ما في المتون كما في أنفع الوسائل. وكذا يقدم ما في الشروح على ما في الفتاوي وقيل: القول لمديون في الكل، وقيل للدائن في الكل، وقيل يحكم الزي إلا في الفقهاء والعلوية. والزي كما في القاموس بالكسر الهيئة والجمع أزياء اه‍. وصححه الكرابيسي في الفروق. وفي المحيط: إنه ظاهر الرواية. وبه علم أن ما في المختصر خلاف ظاهر الرواية والمفتي بعه. وأطلق المديون فشمل المكاتب والعبد المأذون والصبي المحجور فإنهم بحبسون لكن الصبي لا يحبس بدين الاستهلاك بل يحبس والده أو وصية، فإن لم يكونا أمر القاضي رجلا يبيع ماله في دينه، كذا في البزازية قوله: (لا في غيره إن ادعى الفقر إلا أن يثبت غريمه غناه فيحبسه بما رأى) أي لا يحبسه في غير ما ذكرنا مما كان بدلا عن مال أو ملتزما بعقد إن ادعى أنه معسر لان الاصل في الآدمي العسرة والمدعي يدعي أمرا عارضا وهو الغناء فلم يقبل منه إلا ببينة. ويدخل تحت الغير تسع صور: بدل الخلع، وبدل عتق نصيب الشريك، وبدل المغصوب، ونفقة الزوجا ت، ونفقة الاقارب. وأروش الجنايات، وبدل دم العمد وما تأخر من المهر بعد الدخول، وبدل المتلقات. وذكر الطرسوسي: وأخطأ

[ 480 ]

صاحب المختار في نقل الحكم في الخلع فإنه جعله مع ثمن المتاع والقرض وقال القول قول رب الدين ولا يلتفت إلى ما قاله المديون وهو المرأة أو الاجنبي اه‍. وقد يقال إن بدل الخلع مما التزم بعقد فإن الخلع بمال عقد بإيجاب وقبول ويشكل يدل الصلح عن دم العمد فإنهم جعلوا فيه القول قول المديون مع أنه التزمه بعقد، وكذا يشكل مؤجل المهر فإنه التزمه بعقد وهو نظير الكفالة بالدرك فإن مقتضى إطلاقهم الكفالة وما التزمه بعقد أن لا يقبل قوله فيها، ومقتضى تقييد المهر بالمعجل قبول قوله لانها كالمهر المؤجل لانها لا تلزمه إلا بعد استحقاق المبيع. وذكر الطرسوسي: فإن ادعى المديون أنه لزمه عما ليس بمال وادعى الدائن أنه ثمن متاع لم يذكرها الاصحاب، وينبغي أن يكون القول فيها قول المديون إلا أن يقيم رب الدين البينة اه‍. وفي نفقات البزازية: وإن لم يكن لها بينة على يساره وطلبت من القاضي أن يسأل من جيرانه لا يجب عليه السؤال، وإن سأل كان حسنا، فإن سأل فأخبره عدلان بيساره ثبت اليسار بخلاف سائر الديون حيث لا يثبت اليسار بالاخبار، وإن قالا سمعناه إنه موسر أو بلغنا ذلك لا يقبله القاضي اه‍. ولو قال المديون حلفه أنه ما يعلم أني معسر يجيبه القاضي إلى ذلك ويحلفه أنه ما يعلم إعساره، فإن حلف حبسه بطلبه وإن نكل لا يحبسه، كذا في البزازية معزيا إلى الحلواني. والمراد بقوله غناه قدرته الآن على قضاء الدين فلو كان للمحبوس مال في بلد آخر يطلقه بكفيل فإن علم القاضي عسرته لكن له مال على آخر يتقاضى غريمه، فإن حبس غريمه الموسر لا يحبسه، كذا في البزازية. وقياس الاولى أنه لو كان له مال غائب لا يحبسه وقوله بما رأى أي لا تقدير لمدة حبسه وإنما هو مفوض إلى رأي القاضي لانه للضجر والتسارع لقضاء الدين وأحوال الناس فيه متفاوتة، وقدره في كتاب الكفالة بشهرين أو ثلاثة،

[ 481 ]

وفي رواية الحسن بأربعة، وفي رواية الطحاوي بنصف الحول، والصحيح ما ذكره المصنف كما في البزازية، فلو رأى القاضي إطلاقه بعد يوم فظاهر كلامهم أن له ذلك. قال في المحيط: إن شاء يسأل عنه قبل مضي شهر اه‍. وذكر الصدر الشهيد: إن كان الرجل لينا أو صاحب عيال وشكى عياله إلى القاضي حبسه شهرا ثم سأل عنه، وإن كان وقحا حبسه ستة أشهر ثم سأل عنه، وهذا إذا كان حاله مشكلا عند القاضي وإلا عمل بما ظهر له. قوله: (ثم يسأل عنه) أي يسأل القاضي عن المحبوس بعد حبسه بقدر ما يراه من جيرانه، فإن قامت بينة على إعساره أطلقه ولا يحتاج إلى لفظ الشهادة وشرطه في الصغرى. والعدل الواحد يكفي والاثنان أحوط، وكيفيته أن يقول المخبر أن حاله حاالمعسرين في نفقته وكسوته وحالته ضيقة وقد اختبرنا حاله في السر والعلانية ولا يشترط لسماعها حضور رب الدين فإن كان غائبا سمعها وأطلقه بكفيل، كذا في البزازية. قال الطرسوسي: والمستور كالعدل، وأما الفاسق فلا يقبل خبره، وتعقب الزيلعي في ذكر العدالة وأنه من كلامه لا أنه نقل المذهب ا ه‍. وفيه نظر لقوله في الخلاصة والبزازية: وإنما يسأل من الثقات ا ه‍. وهم العدول فليس ذكرها من كلام. ثم اعلم أن قولهم إن الواحد يكفي مقيد بما إذا لم يكن الحال حال منازعة، أما إذا كان حال منازعة بأن ادعى المطلوب أنه معسر وادعى الطالب أنه موسر فلابد من اقامة البينة، كذا في السراج الوهاج معزيا إلى النهاية. وظاهر إطلاق المصنف أن الحبس أولا ثم السؤال في حق كل أحد ولكن في البزازية: إن كان أمر المديون ظاهر عند الناس فالقاضي يقبل بينة الاعسار ويخليه قبل المدة التي يذكرها، وإن كان أمره مشكلا هل يقبل البينة قبل الحبس؟ فيه روايتان ا ه‍. وفي الملتقط قال أبو حنيفة: لا أسأل عن المعسر وأحبسه شهرين أو ثلاثة ثم أسأل عنه إلا إذا كان معروفا بالعسرة فلا أحبسه ا ه‍. وفيه أيضا: ولو معسرا عليه دين وله على موسر دين يعلم به القاضي يحبس المعسر حتى يطالب الموسر، فإذا طالبه وحبس الموسر أطلق المعسر ا ه‍. وفي البزازية: ولو للمحبوس

[ 482 ]

مال في بلد آخر يطلقه بكفيل وإن علم القاضي عسرته لكن له مال على آخر يتقاضى غريمه فإن حبس غريمه الموسر لا يحبسه ه‍. وظاهر كلامه أن القاضي لا يحبس المديون إذا علم أن له مالا غائبا أو محبوسا موسرا وأنه يطلقه إذا علم بأحدهما قوله: (فإن لم يظهر له مال خلاه) أي أطلقه من الحبس لان عسرته ثبتت عنده فاستحق النظرة إلى الميسرة للآية فحبسه بعده يكون ظلما، وظاهره أنه يطلقه بلا كفيل - قلت - إلا في مال اليتيم لما في البزازية ولو للميت على رجل دين وله ورثة صغار وكبار لا يطلقه من الحبس قبل الاستيثاق بكفيل للصغار ا ه‍. وقدمنا أنه يطلقه بكفيل إذا كان رب الدين غائبا، وينبغي أن يكون مال الوقف كمال اليتيم فلا يطلقه القاضي إلا بكفيل فهي ثلاثة مواضع مستثناة والكلام في إطلاقه جبرا على رب الدين، فلو أطلقه رب الدين من غير بينة على إفلاسه ورضي المحبوس جاز ولا يتوقف على حضور القاضي - كما في البزازية - إلا في مال اليتيم فلا يطلقه الوصي. وفي وصايا القنية: حبس الوصي غريما بدين الصبي ليس له أن يطلقه قبل قضائه إذا كان موسرا، وإن رأى أن يأخذ منه كفيلا أو يطلقه فله ذلك. ثم رقم آخر: إذا كان معسرا جاز إطلاقه ا ه‍. فتحرر أن المعسر يجوز إطلاقه اتفاقا وفي الموسر خلاف. وقيدنا برضا المحبوس لما في القنية: المحبوس بالدين أقام البينة على إفلاسه فأراد رب الدين أن يطلقه قبل القضاء بإفلاسه وأبى المحبوس أن يخرج حتى يقضي بإفلاسه يجب على القاضي القضاء به حتى لا يعيده رب الدين ثانيا قبل ظهور غناه ا ه‍. وإذا أطلقه بلا بينة فله إعادته إلى الحبس كما في أنفع الوسائل. وأشار بقوله خلاه إلى أنه لا يحبسه مرة أخرى للاول ولا لغيره حتى يثبت غريمه غناه لما في البزازية: أطلق القاضي المحبوس لافلاسه ثم ادعى عليه آخر مالا وادعى أنه موسر لا يحبسه حتى يعلم يسره ا ه‍. وظهور عدم مال له بالشهادة بأنه لا مال له. وقال

[ 483 ]

الخصاف: يثبت الافلاس بقول الشهود هو فقير لا نعلم له مالاولا عرضا يخرج به عن الفقر. وعن الصفار: يشهدون أنه مفلس معدم لا نعلم مالا سوكسوته وثيابه ليلة واختبرناه سرا وعلنا ا ه‍. وفي أنفع الوسائل: ولا تكون هذه شهادة على النفي فإن الاعسار بعد اليسار أمر حادث فتكون شهادة بأمر حادث لا بالنفي، نبه عليه السغناقي ا ه‍. واعلم أن الاخراج بمضي المدة مع إخبار واحد بحال المحبوس لا يكون من باب الثبوت حتى لا يجوز للقاضي أن يقول ثبت عندي أنه معسر، كذا في أنفع الوسائل. وفي النوازل: فقير لا شئ له ولا يجد من يكفله بنفسه لا يحبسه القاضي وخلى بينه وبين الغريم إن شاء لازمه وإن شاء ترك ا ه‍ وفي الخانية: فإن أحضر المحبوس المال ورب الدين غائب بريد تطويل الحبس عليه فإن كان القاضي يعلم بالدين ومقداره وصاحبه فإن شاء أخذ المال وخلاه وإن شاء أخذ منه كفيلا ثقة بالمال والنص وخلى سبيله، ولو مات الطالب والقاضي الذي حبسه وارثه لا غير قال بعضهم: يخلي سبيله كي لا يتهمه الناس. وقال بعضهم: يتركه في السجن حتى يقضي الدين ا ه‍ قوله: (ولم يحل بينه وبين غرمائه) أي لا يمنعهم من ملازمته عند الامام، وقالا بالمنع عنها لكونه منظرا بأنظار الله تعالى وهي أقوى من أنظار العبد بالتأجيل ومعه لا ملازمة. وله منظر إلى قدرته على الايفاء وهو ممكن كل حين فيلازمونه كيلا يخفيه والدين حال بخلاف الاجل لانه لا مطالبة له قبل مضيه. ولو كان المديون قادرا فظهر الفرق وبذل القياس ولذا قال في أنفع الوسائل: إن الصحيح قوله دائما هو الصحيح. وفي المحيط: إنه ظاهر الرواية. وأحسن الاقاويل في الملازمة ما روي عن محمد أنه قال: يلازمه في قيامه وقعوده ولا يمنعه من الدخول على أهله ولا من الغداء ولا من العشاء ولا من الوضوء والخلاء، وله أن يلازمه بنفسه وإخوانه وولده ومن أحب. والصحيح أن الرأي فيه إلى صاحب الدين إن شاء لازمه بنفسه وإن شاء بغيره ولا عبرة بالمديون في رأيه. وفي المحيط قالوا: لا يلازمه بالليالي لان الليالي ليست بوقت الكسب فلا يتوهم وقوع المال في يده في الليالي فالملازمة لا تفيد حتى لو كان الرجل يكتسب في الليالي قالوا يلازمه في الليالي، هكذا قال الفقيه أبو جعفر ا ه‍. وفي البزازية: لا يلازمه في موضع معين لانه حبس ولا يمنعه من دخول بيته لغائط أو غداء إلا إذا أعطاه الدائن وأعد له مكانا للغائط وإكان عمل المديون السقي، ولا يمنعه اللزوم من ذلك لازمه إلا إذا أعطاه نفقته ونفقة عياله فله إذا منعه من السعي. ولو أبى المديون ملازمة الغريم وقال اجلس مع الدائن له ذلك، وليس للدائن أن

[ 484 ]

يجلسه في الشمس أو على الثلج أو في مكان يتضرر به. ولو طلب المطلوب الحبس والطالب الملازمة لازمه. وملازمة المرأة أن تلازمها امرأة فإن لم يوجد حبسها في بيت مع امرأة وجلس هو على الباب أو المرأة في بيت نفسها وهو على الباب وليس له غير ذلك. وعن محمد: المرأة يلازمهم الرجال بالنهار في موضع لا يخاف عليها الفساد ولا يخلون بها، وبالليل يلازمها النساء. وفي الواقعات: عليها حق له أن يلازمها ويجلس معها ويقبض على ثيابها لان هذا ليبس بحرام، فإن هربت إلى خربة إذا كان يأمن على نفسه يدخل عليها ويكون بعيدا منها لحفظ نفسه لان له ضرورة في هذه الخلوة كما قالوا فيمن هرب بمتاع إنسان ودخل داره له أن يدخل عقيبه ليأخذ حقه، ولو ادعى على آخر مالا ولم يجلس القاضي أياما لازم خصمه أياما وإن طال ا ه‍. وفي الهداية: لو اختار المطلوب الحبس والطالب الملازمة فالخيار للطالب إلا إذا علم القاضي أن بالملازمة يدخل عليه ضرر بين أن لا يمكنه من دخول داره فحينئذ يحبسه دفعا للضرر اه‍. وفي البزازية: ويجوز الجلوس في المسجد لغير الصلاة لملازمة الغريم قال القاضي: المذهب عندنا أنه لا يلازمه في المسجد لانه بني لذكر الله تعالى وبه يفتي. وفيها أيضا: إن كان في ملازمة الغريم ذهاب قوته كلف أن يقيم كفيلا بنفسه ثم يخلي سبيله وللطالب ملازمة الغريم بلا أمر القاضي إن كان مقرا بحقه قوله: (ورد البينة على افلاسه قبل حبسه) لانها بينة نفي فلا تقبل ما لم تتأبد بمؤيد وهو الحبس وبعده تقبل على سبيل الاحتياط لا على وجه الوجوب، وما ذكره في الكتاب هوما اختاره عامة المشايخ كما في الهداية وهو الصحيح كما في النهاية، وروي عن محمد قبولها وبه كان يفتي الشيخ الامام أبو بكر محمد بن الفضل ونصير بن يحيى. وفي الخانية: وينبغي أن يكون مفوضا إلى القاضي إن علم أنه وقح لا تقبل بينته قبل الحبس، وإن علم أنه لين قبلت بينته. وفسر الطرسوسي الوقاحة بالاغلاظ على المدعي في القول، واللين بالتلطف فيه، ونظيره ما قاله الخصاف في تعيين مدة الحبس إن كان المديون سمحا بأخذ القاضي برواية الكفالة من التقدير بشهرين أو بثلاثة، وإن كان مفتيا أخذ بالاكثر، كذا في البزازية قوله: (وبينة اليسار أحق) أي من بينة الاعسار بالقبول عند التعارض لان اليسار عارض والبينة للاثبات. وفي البزازية: كبينة الابراء مع بينة الاقراض. وفي الخانية: فإن شهدوا أنه موسر قادر على قضاء الدين جاز وكفى ولا يشترط تعيين المال ا ه‍. واستثنى في فتح القدير من تقديم بينة اليسار ما لو قال المدعي أنه موسر وقال المدعى عليه أعسرت بعد ذلك وأقام بذلك بينة فإنها تقدم لان معها علما بأمر حادث وهو حدوث ذهاب المال ا ه‍. والظاهر أنه بحث منه وليس بصحيح لجواز حدوث اليسار

[ 485 ]

بعد إعساره الذي ادعاه. أطلق في قبول بينة اليسار فأفاد قبولها إن لم يذكروا مقدار ما ملكه. وفي البزازية: ولم شترط بيان ما به اليسار لان المقصود منها دوام الحبس عليه ولم يبينوا مقدار ما يملك، ولو بينوا مقدار ما يملك لم يمكن قبولها وتمامه في القنية. وفي العناية فإن قيل: محمد قبل البينة على اليسار وهو لا يثبت إلا بالملك وتعذر القضاء به لانهم لم يشهدوا بمقداره ولم يقبل فيما إذا أنكر المشتري جواز الشفيع وأنكر ملكه في الدار فبرهن الشفيع أن له نصيبا في هذه الدار ولم يبينوا مقداره. وأجيب بأن الشاهد على اليسار شاهد على قدرته على أداء الدين وهي لا تكون إلا بملك مقدار الدين فثبت بها قدر الملك وفي النصيب لم يشهدوا بشئ معلوم فافترقا ا ه‍. قوله: (وأبد حبس الموسر) لانه جزاء الظلم إذا امتنع من ايفاء الحق مع القدرة عليه خلده في الحبس، وأما كونه يعجل القاضي حبسه أو لا يحبسه حتى تظهر مماطلته فقدمناه، ولذا حمل صاحب الهداية قوله في الجامع الصغير أنه يؤبد حبس الموسر إذا أقر على ما إذا أقر عند غير القاضي أو عنده مرة فظهر ت مماطلته قوله: (ويحبس الرجل بنفقة زوجته) لانه ظالم بالامتناع عن الانفاق. قيدنا بالامتناع لانه لا يحبس في النفقة الماضية لانها تسقط بمضي لزمان وإن لم تسقط بأن حكم الحاكم بها أو اصطلح الزوجان عليها فلانها ليست ببدل عن مال ولا لزمته بعقد، كذا ذكر الشارح، ومراده أن النفقة الواجبة المجتمعة داخلة تحت قوله لا في غيره فلا يحبس عليها إن ادعى الفقر إلا أن تثبت المرأة يساره، فإذا

[ 486 ]

ادعت المرأة بنفقة أو كسوة مقررة اجتمعت عليه وقال إني فقير فالقول له مع يمينه ولا يحبس إذا حلف، فإن أقامت بينة على يساره وطلبت حبسه حبسه القاضي قوله: (لافي دين ولده) أي لا يحبس أصل في دين فرعه لانه لا يستحق العقوبة بسبب ولده ولذالا قصاص عليه بقتله ولا بقتل مورثه، ولا يحد بقذفه ولا بقذف أمه الميتة بطلبه وقولهم هنا إنه لا قصاص بقتله يقتضي أن المراد الاصل أبا أو أما أو جدا لاب أو لام لتصريحهم في باب الجنايات أن الجد لام لا قصاص عليه بقتل ولد بنته فكذا لا يحبس بدينه. وفي المحيط: ولا يحبس ا الابوان والجدان والجدتان إلا في النفقة لولدهما اه‍. وظاهر إطلاقهم أنه لا فرق بين الموسر والمعسر ولكن ينبغي أن يتنبه لشئ وهو أنه إذا كان موسرا وامتنع من قضاء دين ولده وقلنا لا يحبس فالقاضي يقضي دينه من ماله إن كان من جنسه وإلا باعه للقضاء كبيعه مال المحبوس الممتنع عن قضاء دينه، والصحيح عندهما بيع عقاره كمنقوله. ولو قال المديون أبيع عرضي وأقضي ديني أجله القاضي ثلاثة ولا يحبسه، ولو له عقار يحبسه ليبيعه ويقضي الدين ولو بثمن قليل كما في البزازية. وسيأتي تمامه في الحجر إن شاء الله تعالى فيبيع القاضي مال الاب لقضاء دين ابنه إذا امتنع لانه لا طريق له إلا البيع وإلا ضاع. وقيد بدين الولد لان الولد يحبس بدين أصله ويحبس القريب بدين قريبه كما في الخانية، وقد كتبنا في الفوائد الفقهية أن من لا يحبس سبعة: الاول الاصل في دين فرعه. الثاني المولى فدين عبده المأذون غير المديون وإن مديونا يحبس لحق الغرماء. الثالث العبد، لا يحبس بدين مولاه، أطلقه الشارح فظاهره ولو كان مديونا. الرابع المولى لا يحبس بدين مكاتبه إن كان من جنس بدل الكتابة لوقوع المقاصة وإلا يحبس لتوقفها على الرضا. الخامس لا يحبس المكاتب بدين الكتابة وإن كان دينا آخر يحبس به للمولى. ومنهم من منعه لانه يتمكن من إسقاطه بالتعجيز وصححه في المبسوط

[ 487 ]

وعليه الفتوى كما في أنفع الوسائل. السادس لا يحبس صبي على دين الاستهلاك ولو له مال من عروض وعقار إذا لم يكن له أب ولا وصي والرأي إلى القاضي فيأذن في بيع بعض ماله للايفاءب، وإن كان له أب أو وصي فإنه يحبس إذا امتنع من قضاء دينه من ماله ولا يحبس الصبي إلا بطريق التأديب حتى لا يتجاسر إلى مثله إذ باشر شيأ من أسباب التعدي قصدا، أما إذا كان خطأ فلا، كذا في المبسوط من كتاب الكفالة. وفي المحيط: وللقاضي أن يحبس الصبي التاجر على وجه التأديب لا على وجه العقوبة حتى لا يماطل حقوق العباد فإن الصبي يؤدب لينزجر عن الافعال الذميمة. السابع إذا كان للعاقلة عطاء لا يحبسون في دية وأرش ويؤخذ من العطاء وإن لم يكن لهم عطاء يحبسون، كذا في البزازية. ويزاد هنا مسألتان قدمناهما لا يحبس المديون إذا علم القاضي أن له مالا غائبا أو محبوسا موسرا فصارت تسعا. قوله: (إلا إذا امتنع من الانفاق عليه) فيحبس لانها لحاجة الوقت وهو بالمنع قصد إهلاكه فيحبس لدفع الهلاك عنه ألا ترى أن له قتله دفعا عن نفسه، وهكذا حكم الاجداد والجدات وإن علوا لان في ترك الانفاق سعيا في هلاكهم. وقيد في السراج الوهاج الولد بالصغر

[ 488 ]

والفقر فظاهره أنه إذا كان بالغا زمنا فقيرا لا يحبس أبوه إذا امتنع من الانفاق عليه مع أن النفقة واجبة عليه وفيه تأمل لا يخفى. والحاصل أنه إذا امتنع من الانفاق على أصله وإن علا وفرعه وإن سفل وعلى زوجته يحبس. وفي فتح القدير: ويتحقق الامتناع بأن تقدمه في اليوم الثاني من يوم فرض النفقة وإن كان مقدار النفقة قليلا كالدانق إذا رأى القاضي ذلك، فأما بمجرد فرضها لو طلبت حبسه لم يحبسه لان العقوبة تستحق بالظلم وهو بالمنع بعد الوجوب ولم يتحقق فهذا يقتضي أنه إذا لم يفرض لها ولم ينفق الزوج عليها في يوم ينبغي إذا قدمته في اليوم الثاني أن يأمره بالانفاق، فإن رجع فلم ينفق أو جعه عقوبة، وإن كانت النفقة سقطت بعد الوجوب فإنه ظالم لها وهو قياس ما أسلفناه في باب القسم من قولهم إذا لم يقسم لها فرفعته يأمره بالقسم وعدم الجور، فإن ذهب ولم يقسم فرفعته أوجعه عقوبة، وإن كان ما ذهب لهاه من الحق لا يقضي ويحصل بذلك ضرر كبير اه‍. وفي فتاوى قارئ الهداية: إذا لم يكن الزوج صاحب مائدة وعلم القاضي أنه يضارها في الانفاق فرض نفقتها عليه دراهم الصبي التاجر على وجه التأديب لا على وجه العقوبة حتى لا يماطل حقوق العباد فإن الصبي يؤدب لينزجر عن الافعال الذميمة. السابع إذا كان للعاقلة عطاء لا يحبسون في دية وأرش ويؤخذ من العطاء وإن لم يكن لهم عطاء يحبسون، كذا في البزازية. ويزاد هنا مسألتان قدمناهما لا يحبس المديون إذا علم القاضي أن له مالا غائبا أو محبوسا موسرا فصارت تسعا. قوله: (إلا إذا امتنع من الانفاق عليه) فيحبس لانها لحاجة الوقت وهو بالمنع قصد إهلاكه فيحبس لدفع الهلاك عنه ألا ترى أن له قتله دفعا عن نفسه، وهكذا حكم الاجداد والجدات وإن علوا لان في ترك الانفاق سعيا في هلاكهم. وقيد في السراج الوهاج الولد بالصغر

[ 488 ]

والفقر فظاهره أنه إذا كان بالغا زمنا فقيرا لا يحبس أبوه إذا امتنع من الانفاق عليه مع أن النفقة واجبة عليه وفيه تأمل لا يخفى. والحاصل أنه إذا امتنع من الانفاق على أصله وإن علا وفرعه وإن سفل وعلى زوجته يحبس. وفي فتح القدير: ويتحقق الامتناع بأن تقدمه في اليوم الثاني من يوم فرض النفقة وإن كان مقدار النفقة قليلا كالدانق إذا رأى القاضي ذلك، فأما بمجرد فرضها لو طلبت حبسه لم يحبسه لان العقوبة تستحق بالظلم وهو بالمنع بعد الوجوب ولم يتحقق فهذا يقتضي أنه إذا لم يفرض لها ولم ينفق الزوج عليها في يوم ينبغي إذا قدمته في اليوم الثاني أن يأمره بالانفاق، فإن رجع فلم ينفق أو جعه عقوبة، وإن كانت النفقة سقطت بعد الوجوب فإنه ظالم لها وهو قياس ما أسلفناه في باب القسم من قولهم إذا لم يقسم لها فرفعته يأمره بالقسم وعدم الجور، فإن ذهب ولم يقسم فرفعته أوجعه عقوبة، وإن كان ما ذهب لهاه من الحق لا يقضي ويحصل بذلك ضرر كبير اه‍. وفي فتاوى قارئ الهداية: إذا لم يكن الزوج صاحب مائدة وعلم القاضي أنه يضارها في الانفاق فرض نفقتها عليه دراهم بقدر حالهما، وإذا امتنع من أن يفرض شيأ حبس حتى يفرض اه‍. وهو مشكل لان القاضي يفرض إذا امتنع فلا حاجة إلى فرض الزوج ليحبس إذا امتنع والله أعلم باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية