الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




البحر الرائق - ابن نجيم المصري ج 5

البحر الرائق

ابن نجيم المصري ج 5


[ 1 ]

البحر الرائق شرح كنز الدقائق (في فروع الحنفية) للشيخ الامام أبي البركات عبد الله بن أحمد بن محمود المعروف بحافظ الدين النسفي المتوفي سنة 710 ه‍ والشرح " البحر الرائق " للإمام العلامة الشيخ زين الدين ين إيراهيم بن محمد المعروف بابن نجم المصري الحنفي المتوفي سنة 970 ه‍ ومعه الحواشي المسماة منحة الخالق على البحر الرائق للعلامة الشيخ محمد أمين عابدين بن عمر عابدين بن عبد العزيز المعروف بابن عابدين الدمشقي الحنفي التوفي سنة 1252 ه‍ ظبطه وخرج آياته وأحاديثه الشيخ زكريا عميرات تنبيه وضعنا متن كنز الدقائق في أعلى الصفحات، ووضعنا أسفل منه مباشرة نص " البحر الرائق " ووضعنا في أسفل الصفحات حواشي الشيخ ابن عابدين الجزء الخامس منشورات محمد على بيضون دار الكتب العلمية بيروت - لبنان

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الحدود الحد عقوبة مقدرة لله تعالى والزنا وطء في قبل خال عن ملك وشبهته ويثبت كتاب الحدود لما كانت اليمين للمنع في أحد نوعيها ناسب أن يذكر الحدود عقيبها لان الحد في اللغة المنع ومنه سمي البواب حدادا لمنعه الناس عن الدخول، والسجان حدادا لمنعه عن الخروج، وحدود الديار نهاياتها لمنعها عن دخول ملك الغير فيها وخروج بعضها إليه، وسمي اللفظ الجامع المانع حدا لانه يجمع معنى الشئ ويمنع دخول غيره فيه، وسميت العقوبات الخالصة حدودا لانها موانع من ارتكاب أسبابها معاودة، وحدود الله محارمه لانها ممنوع عنها ومنه * (تلك حدود الله فلا تقربوها) * (البقرة: 187) وحدود الله أيضا أحكامه لانها تمنع من التخطي إلى ما وراءها ومنه حدود الله فلا تعتدوها ولان كفارة اليمين دائرة بين العقوبة والعبادة فناسب أن يذكر العقوبات المحضة بعدها. قوله: (الحد عقوبة مقدر لله تعالى) بيان لمعناه شرعا فخرج التعزير لعدم التقدير ولا ينافيه قولهم إن أقله ثلاثة وأكثره تسعة وثلاثون سوطا لان ما بين الاقل والاكثر ليس بمقدر، ولانه يكون بغير الضرب. وخرج القصاص لانه حق العبد فلا يسمى حدا اصطلاحا على المشهور، وقيل يسمى به فهو العقوبة المقدرة شرعا فهو على هذا قسمان: قسم يصح فيه العفو وهو القصاص، وقسم لا يصح فيه وهو ما عداه. وعلى الاول المشهور الحد لا يقبل الاسقاط مطلقا بعد ثبوت سببه عند الحاكم، وعلى هذا يبنى عدم جواز الشفاعة فيه فإنها

[ 4 ]

طلب ترك الواجب ولذا أنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أسامة بن زيد حين شفع في المخزومية التي سرقت فقال: أتشفع في حد من حدود الله تعالى؟ وأما قبل الوصول إلى الامام والثبوت عنده تجوز الشفاعة عند الرافع له إلى الحاكم ليطلقه لان الحد لم يثبت، كذا في فتح القدير. والتحقيق أن الحدود موانع قبل الفعل زواجر بعده أي العلم بشرعيتها يمنع الاقدام على الفعل وإيقاعه بعده يمنع من العود إليه فهي من حقوق الله تعالى لانها شرعت لمصلحة تعود إلى كافة الناس فكان حكمها الاصلي الانزجار عما يتضرر به العباد وصيانة دار الاسلام عن الفساد، ففي حد الزنا صيانة الانساب، وفي حد السرقة صيانة الاموال، وفي حد الشرب صيانة العقول، وفي حد القذف صيانة الاعراض فالحدود أربعة، وما في البدائع من أنها خمسة وجعل الخامس حد السكر فلا حاجة إليه لان حد السكر هو حد الشرب كمية وكيفية وإن اختلف السبب. واختلف العلماء رحمهم الله في أن الطهرة من الذنب من أحكامه من غير توبة فذهب كثير من العلماء إلى ذلك، وذهب أصحابنا إلى أنها ليست من أحكامه فإذا أقيم عليه الحد ولم يتب لم يسقط عنه إثم تلك المعصية عندنا عملا بآية قطاع الطريق فإنه قال تعالى * (ذلك لهم خزى في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم إلا الذين تابوا) * (المائدة: 34) فإن اسم الاشارة يعود إلى التقتيل أو التصليب أو النفي فقد جمع الله تعالى بين عذاب الدنيا والآخرة عليهم وأسقط عذاب الآخرة بالتوبة فإن الاستثناء عائد إليه للاجماع على أن التوبة لا تسقط الحد في الدنيا، وأما ما رواه البخاري وغيره مرفوعا أن من أصاب من هذه المعاصي شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب منها شيئا فستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبة (1) فيجب حمله على ما إذا تاب في العقوبة لانه هو الظاهر لان الظاهر أن ضربه أو رجمه يكون معه توبة منه لذوقه سبب فعله فتقيد به جمعا بين الادلة، وتقيد الظني مع معارضة القطعي له متعين بخلاف العكس، كذا في فتح القدير. وقد يقال: إذا كان الاستثناء في الآية عائدا إلى عذاب الآخرة لم يبق لقوله تعالى * (من قبل أن تقدروا

[ 5 ]

عليهم) * (المائدة: 34) فائدة لان التوبة ترفع الذنب قبل الاخذ والقدرة عليهم وبعدها، فالظاهر أنه راجع إلى عذاب الدنيا لما سيأتي أن حد قطاع الطريق يسقط بالتوبة قبل القدرة عليهم وإنما يبقى حق العباد عليهم من القصاص إن قتلوا، والقطع إن أخذوا المال فصح العفو عنهم بخلافها بعد القدرة فإنها لا تسقط حق الله تعالى حتى لا يصح عفو أولياء المقتولين. واستدل الزيلعي على عدم كونه مطهرا من الذنب بأنه يقام على الكافر ولا مطهر له اتفاقا، وزاد بعضهم: ويقام على كره ممن أقيم عليه الحد. والثاني ليس بشئ لجواز التكفير بما يصيب الانسان من المكاره وإن لم يصبر كما نص عليه الامام الشافعي. والحاصل أن الواجب على العاصي في نفس الامر التوبة فيما بينه وبين الله تعالى والانابة، ثم إذا اتصل بالامام ثبوته وجب إقامة الحد على الامام ولا يمتنع من إقامته بسبب التوبة. وفي الظهيرية: رجل أتى بفاحشة ثم تاب وأناب إلى الله تعالى فإنه لا يعلم القاضي بفاحشته لاقامة الحد عليه لان الستر مندوب إليه ا ه‍. قوله: (والزنا وطئ في قبل حال عن الملك وشبهته) بيان لمعناه الشرعي واللغوي فإنهما واء فيه. وخرج الوطئ في الدبر، وخرج وطئ زوجته وأمته ومن له فيها شبهة ملك، ودخل وطئ الاب جارية ابنه فإنه زنا شرعي بدليل أنه لا يحد قاذفه بالزنا وإن لم يجب الحد عليه والمراد وطئ الرجل فخرج الصبي لكن يرد عليه المرأة فإن فعلها ليس وطئا، وإنما هو تمكين منه، والجواب أن تسميتها زانية مجاز والكلام في الحقيقة. ولم يقصد المصنف تعريف

[ 6 ]

الزنا الموجب للحد كما توهمه الزيلعي فإنه لو كان كذلك لانتقض التعريف طردا وعكسا. أما انتقاضه طردا فإنه يوجد في المجنون والمكره وفي وطئ الصبية التي لا تشتهي والميتة والبهيمة وفي دار الحرب ولا يجب الحد في هذه المواضع وهو زنا شرعي، وأما انتقاضه عكسا فبزنا المرأة فإن الحد انتفى ولم ينتف المحدود وهو الزنا الموجب للحد، فالزنا الموجب للحد هو وطئ مكلف طائع مشتهاة حالا أو ماضيا في القبل بلا شبهة ملك في دار الاسلام أو تمكينه من ذلك أو تمكينها ليصدق على ما لو كان مستلقيا فقعدت على ذكره فتركها حتى أدخلته فإنهما يحدان في هذه الصورة وليس الموجود منه سوى التمكين. والوطئ هو إدخال قدر الحشفة من الذكر في القبل أو الدبر. وبهذا عرف أن تعريف الزيلعي الزنا الموجب للحد بأنه وطئ مكلف في قبل المشتهاة عار عن ملكه وشبهته عن طوع ليس بتام وإن قال إنه أتم كما لا يخفى. وزاد في المحيط أن من شرائطه العلم بالتحريم حتى لو لم يعلم بالحرمة لم يجب الحد للشبهة، وأصله ما روي سعيد بن المسيب أن رجلا زنى باليمن فكتب في ذلك عمر رضي الله عنه إن كان يعلم أن الله تعالى قد حرم الزنا فاجلدوه، وإن كان لا يعلم فعلموه، فإن عاد فاجلدوه. ولان الحكم في الشرعيات لا يثبت إلا بعد العلم فإن كان الشيوع والاستفاضة في دار الاسلام أقيم مقام العلم ولكن لا أقل من إيراث شبهة لعدم التبليغ ا ه‍. وبه علم أن الكون في دار الاسلام لا يقوم مقام العلم في وجوب الحد كما هو قائم مقامه في الاحكام كلها. وتعقبه في فتح القدير بأن الزنا حرام في جميع الاديان والملل فالحربي إذا

[ 7 ]

دخل دار الاسلام فأسلم فزنى وقال ظننت أنه حلال يحد ولا يلتفت إليه وإن كان فعله أول يوم دخوله فكيف يقال إذا ادعى مسلم أصلي أنه لا يعلم حرمة الزنا أنه لا يحد لانتفاء شرط الحد، ولو أنه أراد أن المعنى أن شرط الحد في نفس الامر علمه بالحرمة في نفس الامر فإذا لم يكن عالما لا حد عليه كان قليل الجدوى أو غير صحيح لان الشرع لما أوجب على الامام أن يحد هذا الرجل الذي ثبت زناه عنده عرف ثبوت الوجوب في نفس الامر لانه لا معنى لكونه واجبا في نفس الامر لانه يكفيه فيما بينه وبين الله تعالى التوبة والانابة، ثم إذا اتصل بالامام ثبوته وجب على الامام إقامة الحد ا ه‍. وهو مقصور في اللغة الفصحى لغة أهل الحجاز التي جاء بها القرآن ويمد في لغة نجد، والمرد بالملك هنا الاعم من ملك العين ومن ملك حقيقة الاستمتاع، ودخل تحت شبهة الملك حق الملك وشبهة النكاح وشبهة الاشتباه وقد فصلها في البدائع فقال: العاري عن حقيقة الملك وعن شبهته وعن حق الملك وعن حقيقة النكاح وشبهته وعن شبهة الاشتباه في موضع الاشتباه في الملك والنكاح جميعا ا ه‍. وفي الظهيرية: والذي يجن ويفيق إذا زنا في حال إفاقته أخذ بالحد، وإن قال زنيت في حال جنوني لا يحد كالبالغ إذا قال زنيت في حال الصبا. قوله: (ويثبت بشهادة أربعة بالزنا لا بالوطئ والجماع) أي يثبت الزنا عند الحاكم ظاهرا بشهادة أربعة من الرجال يشهدون بلفظ الزنا لا بلفظ الوطئ والجماع لقوله تعالى * (فاستشهدوا عليهن أربعة منكم) * (النساء: 15) وقال تعالى * (ثم لم يأتوا بأربعة شهداء) * (النور: 4) وقال

[ 8 ]

عليه السلام للذي قذف امرأته: ائت بأربعة يشهدون على صدق مقالتك. ولان في اشتراط الاربع تحقيق معنى الستر وهو مندوب إليه بقوله عليه السلام من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة (1) والاشاعة ضده. فعلى هذا فالشهادة بالزنا خلاف الاولى التي مرجعها إلى كراهة التنزية لانها في رتبة الندب في جانب الفعل وكراهته التنزية في جانب الترك، ويجب أن يكون بالنسبة إلى من لم يعتد بالزنا ولم يتهتك به، أما إذا وصل الحال إلى إشاعته والتهتك به بل بعضهم ربما افتخر به فيجب كون الشهادة أولى من تركها لان مطلوب الشارع إخلاء الارض عن المعاصي والفواحش وذلك يتحقق بالتوبة من الغافلين وبالزجر لهم، فإذا أظهر حال الشره في الزنا مثلا والشرب وعدم مبالاته فإخلاء الارض حينئذ بالحدود، وعلى هذا ذكره في غير مجلس القاضي. وأداء الشهادة بمنزلة الغيبة فيه يحرم منه ما يحرم منها ويحل منه ما يحل منها وسيأتي في الشهادات أنه لا بد من الذكورة في الشهود لادخال التاء في العدد في المنصوص. وأطلقهم فشمل ما إذا كان الزوج أحدهم خلافا للشافعي، هو يقول هو متهم، ونحن نقول التهمة ما توجب جر نفع والزوج مدخل على نفسه بهذه الشهادة لحوق العار وخلو الفراش خصوصا إذا كان له منها أولاد. وقيده في الظهيرية بأن لا يكون الزوج قذفها فلو كان قد قذفها وشهدا بالزنا ومعه ثلاثة حد الثلاثة للقذف وعلى الزوج اللعان لان شهادة الزوج لم تقبل لمكان التهمة لانه بشهادته يسعى في دفع اللعان عن نفسه اه‍. فعلى هذا لو قال بعض الشهود إن فلانا فد زنى أو قال له زنيت ثم جاء وشهد عند القاضي لا تقبل شهادته لما ذكر في الزوج. وفي المحيط: ولو شهدوا على المرأة أحدهم زوجها بالزنا بابن زوجها مطاوعة لا تجوز شهادة الزوج، دخل بها أو لم يدخل، لوجود التهمة لانه ربما يريد إسقاط المهر قبل الدخول وإسقاط النفقة بعد الدخول ويحد الثلاثة ولا يحد الزوج اه‍. ولا بد من اتحاد المجلس لصحة الشهادة حتى لو شهدوا متفرقين لا تقبل شهادتهم لقول عمر رضي الله عنه: لو جاؤا مثل ربيعة ومضر فرادي لجلدتهم. وفي الظهيرية: لو جاؤا متفرقين يحدون حد القذف ولو جاؤا فرادى وقعدوا مقعد الشهود وقام إلى القاضي واحد بعد واحد قبلت شهادتهم وإن كان خارج المسجد حدوا جميعا ا ه‍. وإنما اشترط لفظ الزنا لانه هو الدال على فعل الحرام لا لفظ الوطئ والجماع، وظاهر كلام المصنف أنه لا يقوم لفظ

[ 9 ]

مقام لفظ الزنا فلو شهدوا أنه وطئها وطئا محرما لا يثبت به. وأشار بقوله بالزنا إلى أنه لو شهد رجلان أنه زنى وآخران أنه أقر بالزنا فإنه لا يحد. قال في الظهيرية: ولا تحد الشهود أيضا، وإن شهد ثلاثة بالزنا وشهد الرابع على الاقرار بالزنا فعلى الثلاثة الحد اه‍. لان شهادة الواحد على الاقرار لا تعتبر فبقي كلام الثلاثة قذفا. قوله: (فسألهم الامام عن ماهيته وكيفيته ومكانه وزمانه والمزنية) أي سأل الحاكم الشهود عن ماهيته أي ذاته وهو إدخال الفرج في الفرج لاحتمال أنهم عنوا غير الفعل في الفرج كما قال عليه السلام العينان تزنيان وزناهما النظر (1) الحديث. ومن الناس من يظن كل وطئ حرام زنا يوجب الحد، وظاهر كلامهم أنه ليس المراد بالماهية الحقيقة الشرعية كما بيناه والكيفية هي الطواعية والكراهية وعن المكان لاحتمال أنه زنا في دار الحرب فلا حد عليه، وعن الزمان لجواز تقادم العهد ولجواز أنه زنا في زمن صباه، وعن المزنية لجواز أن تكون جارية ابنه أو أمة مكاتبه فليستقص القاضي في ذلك احتيالا لدرء الحد. وفي فتح القدير: وقياسه في الشهادة على زنا امرأة أن يسألهم عن الزاني بها من هو فإن فيه أيضا الاحتمال المذكور وزيادة وهو جواز كونه صبيا أو مجنونا بأن مكنت أحدهما فإنه لا حد عليها عند الامام اه‍. وأشار المصنف إلى أنه لو سألهم فلم يزيدوا على قولهم أنهم زنيا فلا حد على والمشهود عليه قالوا: لا على الشهود لانهم شهدوا بالزنا ولم يثبت قذفهم لانهم لم يذكروا ما ينفي كون ما ذكروه زنا ليظهر قذفهم بخلاف ما لو وصفوه بغير صفته فإنهم يحدون ولو بين ثلاثة ولم يزاد واحد على الزنا لا يحد، وما وقع في أصل المبسوط من أن الرابع لو قال أشهد أنه زان فسئل عن صفته ولم يصفه أنه يحد يحمل على أنه قاله للقاضي في مجلس غير المجلس الذي شهد فيه الثلاثة، كذا في فتح القدير. وإلى أنهم لو شهدوا بأنه زنى بامرأة لا يعرفونها لا يحد. قال في المحيط: لا يحد وإن قال ليست بامرأتي، وإن أقر أنه زنى بامرأة لا يعرفها يحد لانه غير متهم في الاقرار على نفسه لانه عارف بحاله بخلاف الشاهد لانه متهم اه‍. وفي الخانية: شهدوا أنه زنى بامرأة لا يعرفونها ثم قالوا بفلانة لا يحد الرجل ولا الشهود اه‍. قوله: (فإن بينوه وقالوا رأيناه وطئها كالميل في المكحلة وعدلوا سرا وجهرا حكم به) لظهور الحق ووجوب الحكم به على القاضي. والمكحلة بضم الميم والحاء. وقولهم وطئها كالميل في المكحلة راجع إلى بيان الكيفية وهو زيادة بيان احتيالا للدرء وإلا السؤال عن ماهيته كاف مع أن ظاهر كلامهم أن الحكم موقوف على بيانه. ولم يكتف هنا بظاهر العدالة اتفاقا بأن يقال هو مسلم ليس بظاهر الفسق احتيالا للدرء بخلاف سائر الحقوق عند الامام وسيأتي بيان التعديل سرا وعلانية إن شاء الله تعالى. وحاصل التعديل سرا أن يبعث القاضي ورقة فيها أسماؤهم

[ 10 ]

وأسماء محلتهم على وجه يتميز كل منهم لمن يعرفه فيكتب تحت اسمه هو عدل مقبول الشهادة. وحاصل التعديل علانية أن يجمع القاضي بين المزكي والشاهد فيقول هذا هو الذي زكيته. وفي فتح القدير: واعلم أن القاضي لو كان يعلم عدالة الشهود لا يجب عليه السؤال عن عدالتهم لان علمه يغنيه عن ذلك وهو أقوى من الحاصل له من تعديل المزكي، ولولا ما ثبت من إهدار الشرع علمه بالزنا في إقامة الحد بالسمع الذي ذكرناه لكان يحده بعلمه لكن ثبت ذلك هناك ولم يثبت هنا قالوا: ويحبسه هنا حتى يسأل عن الشهود كيلا يهرب ولا وجه لاخذ الكفيل منه لان أخذ الكفيل نوع احتياط فلا يكون مشروعا فيما ينبني على الدرء وليس حبسه للاحتياط بل للتهمة بطريق التعزير بخلاف الديون لا يحبس فيها قبل ظهور العدالة لان الحبس أقصى عقوبة فيها فلا يجوز أن يفعله قبل الثبوت بخلاف الحدود فإنه فيها عقوبة أخرى أغلظ منه. قوله: (وبإقراره أربعا في مجالسه الاربعة كلما أقر رده) معطوف على بالبينة أي يثبت الزنا بإقراره. وقدم الثبوت بالبينة عليه لانه المذكور في القرآن ولان الثابت بها أقوى حتى لا يندف الحد بالفرار ولا بالتقادم، ولانها حجة متعدية والاقرار قاصر وللاقرار شرطان: أحدهما أن يكون صريحا فلو أقر الاخرس بالزنا بكتابة أو إشارة لا يحد للشبهة لعدم الصراحة، وكذا الشهادة على الاخرس لا تقبل لاحتمال أنه يدعي شبهة كما لو شهدوا على مجنون أنه زنى في حال إفاقته بخلاف الاعمى فإنه يصح إقراره والشهادة عليه، وكذا الخصي والعنين. وعلى هذا فيزاد في تعريف الزنا الموجب للحد بعد قوله مكلف ناطق لما علمت أن الاخرس لا حد عليه لا بإقراره ولا ببينة. الثاني أن لا يظهر كذبه في إقراره فلو أقر فظهر مجبوبا أو أقرت فظهرت رتقاء وذلك بأن تخبر النساء بأنها رتقاء قبل الحد وذلك لان إخبارهن بالرتق يوجب شبهة في شهادة الشهود وبالشبهة يندرئ الحد. ولو أقر أنه زنى بخرساء أو هي أقرت بأخرس لا حد على واحد منهما، كذا في فتح القدير. ولا بد أن يكون إقراره في حالة

[ 11 ]

الصحو لما في المحيط: السكران إذا سرق أو زنى في حال سكره يحد ولو أقر بالزنا أو بالسرق لا يحد لان الانشاء لا يحتمل الكذب والاقرار يحتمل الكذب فاعتبر هذا الاحتمال في حال سكره في الاقرار بالحد لا غير اه‍. ولا بد من أن لا يكذبه الآخر فإن أقر الرجل بالزنا بفلانة فكذبته درئ الحد عن الرجل، سواء قالت إنه تزوجني أو لا أعرفه أصلا، ويقضي بالمهر عليه إن ادعته المرأة، وإن أقرت المرأة بالزنا بفلان وكذبها الرجل فلا حد عليها أيضا عند الامام خلافا لهما في المسألتين، كذا في الظهيرية. وفي المحيط: أصله أن الحد متى لم يجب على المرأة أصلا أو تعذر استيفاؤه عليها لا يجب على الرجل بالاجماع، ومتى لم يجب على الرجل أصلا لم يجب على المرأة بالاجماع وإن انعقد فعله موجبا للحد لكن بطل الحد عنه لمعنى عارض لا يمنع الوجوب على المرأة عنده خلافا لهما اه‍. ولم يشترط المصنف بلوغ المقر وعقله كما في الهداية لانهما شرط الكل تكليف وليس من شرطه الحرية فصح إقرار العبد بالزنا أو بغيره مما يوجب الحد وإن كان مولاه غائبا، وكذا القطع والقصاص، وفرق أبو حنيفة ومحمد بين حجة البينة وحجة الاقرار. ولو قال العبد بعد ما أعتق زنيت وأنا عبد لزمه حد العبيد، كذا في الظهيرية. وإنما شرطنا تكرار الاقرار أربعا لحديث ما عز أنه عليه السلام أخر إقامة الحد عليه إلى أن تم إقراره أربع مرات في أربع مجالس فلهذا قلنا لا بد من اختلاف المجالس لان لاتحاده أثرا في جمع المتفرقات فعنده يتحقق شبهة الاتحاد فيه والعبرة لمجلس المقر لانه قائم به دون مجلس القاضي. وفسر محمد المجالس المتفرقة أن يذهب المقر بحيث يتوارى عن بصر القاضي وينبغي للامام أن يزجره عن الاقرار ويظهر له الكراهية من ذلك ويأمر بإبعاده عن مجلسه في كل مرة لانه عليه السلام فعل كذلك. وفي الظهيرية: ولو أقر كل يوم

[ 12 ]

مرة أو كل شهر مرة فإنه يحد اه‍. وأشار المصنف باقتصاره على البينة والاقرار إلى أن الزنا لا يثبت بعلم القاضي وكذلك سائر الحدود الخالصة، كذا في الذخيرة. وإلى أن الاقرار والشهادة لا يجتمعان فلذا قال في الظهيرية والذخيرة: أربعة فسقة شهدوا على رجل بالزنا وأقر هو مرة واحدة لا يحد. ولو كان الشهود عدولا. ذكر شمس الائمة السرخسي أنه يحد وذكر غيره من المشايخ أن على قول محمد يحد وعلى قول أبي يوسف لا يحد اه‍. قوله: (وسأله كما مر فإن بينه حد) أي سأل الحاكم المقر عن الاشياء الخمسة المتقدمة للاحتمالات المذكورة فإن بين المسؤول عنه وجب الحد، وظاهر كلامه أنه يسأله عن الزمان والمزني بها وهذا هو الاصح لاحتمال أنه زنى في صباه أو زنى بجارية ابنه وهو لا يعلمها. وليس فائدة السؤال عن الزمان منحصرة في احتمال التقادم وهو مضر في الشهادة دون الاقرار لان له فائدة أخرى وهو احتمال وجوده في زمن الصبا. ولو سئل عن المزني بها فقال لا أعرفها قدمنا أنه يحد، وكذا إذا أقر بالزنا بفلانة وهي غائبة فإنه يحد استحسانا بخلاف ما إذا كذبته لما قدمناه. وأشار بسؤال الامام إلى أنه لا يعتبر إقراره عند غير الحاكم لانه لا ولاية له في إقامة الحدود ولو كان أربع مرات حتى لا تقبل الشهادة بذلك عليه لانه إن كان منكرا فقد رجع، وإن كان مقرا لا تعتبر الشهادة مع الاقرار، كذا في التبيين. وبهذا علم أن البينة على الاقرار لا تقبل أصلا قوله: (فإن رجع عن إقراره قبل الحد أو في وسطه خلى سبيله) لان الرجوع خبر محتمل للصدق كالاقرار وليس أحد يكذبه فيه فتحقق الشبهة بالاقرار بخلاف ما فيه حق العبد وهو القصاص وحد القذف لوجود من يكذبه ولا كذلك ما هو خالص حق الشرع. أطلق في الرجوع فشمل الرجوع بالقول أو بالفعل كما إذا هرب كما في الحاوي. وقيد بالاقرار لانه لو ثبت الزنا بالبينة فهرب في حال الرجم اتبع بالحجارة حتى يقضي عليه، كذا في الحاوي. وإنكار الاقرار رجوع كإنكار الردة توبة. قال في الخانية: رجل أقر عند القاضي بالزنا أربع مرات فأمر القاضي برجمه فقال والله ما أقررت بشئ يدرأ عند الحد اه‍. وكذا يصح الرجوع عن الاقرار بالاحصان لانه لما صار شرطا للحد صار حق الله تعالى فصح الرجوع عنه لعدم المكذب، كذا في الكشف الكبير من بحث العلامة. وقد ظهر بما ذكرنا أنه يصح الرجوع عن الاقرار بالحدود الخالصة كحد الشرب والسرقة.

[ 13 ]

قوله: (وندب تلقينه بلعلك قبلت أو لمست أو وطئت بشبهة) لحديث ما عز في البخاري لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت. وقال في الاصل: ينبغي أن يقول له لعلك تزوجتها أو وطئتها بشبهة. والمقصود أن يلقنه بما يكون ذكره دارئا ليذكره كائنا ما كان كما قال عليه السلام للسارق الذي جئ به إليه أسرقت وما أخاله سرق أي وما أظنه سرق تلقينا له ليرجع. وبهذا علم أن الزاني لو ادعى أنها زوجته سقط الحد عنه وإن كانت زوجة للغير ولا يكلف إقامة البينة للشبهة كما لو ادعى السارق أن العين مملوكة له سقط القطع بمجرد دعواه. وفي المحيط: لو تزوج المزني بها أو اشتراها لا يسقط الحد في ظاهر الرواية لانه لا شبهة له وقت الفعل قوله: (فإن كان محصنا رجمه في فضاء حتى يموت) لانه عليه السلام رجم ماعزا وقد كان أحصن وقال في الحديث المعروف وزنا بعد إحصان. وعلى هذا إجماع الصحابة. وإنكار الخوارج الرجم باطل لانهم إن أنكروا حجية إجماع الصحابة فجهل مركب بالدليل بل هو إجماع قطعي، وإن أنكروا وقوعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم لانكارهم حجية خبر الواحد فهو بعد بطلانه بالدليل ليس مما نحن فيه لان ثبوت الرجم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم متواتر المعنى كشجاعة علي وجود حاتم، والآحاد في تفاصيل صوره وخصوصياته، كذا في فتح القدير. وإنما يرجم في الفضاء لحديث البخاري أن ما عزا رجم بالمصلي. وفي مسلم: فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد. فإن المصلي كان به وهو مصلي الجنائز. وفي المحيط: المقضي برجمه إذا قتله انسان أو فقأ عينه لا شئ عليه ولو قتله قبل القضاء يجب القصاص إن كان عمدا والدية إن كان خطأ قوله: (يبدأ الشهود به) أي بالرجم يعني على وجه الشرط ولو بحصاة صغيرة، هكذا روي عن علي رضي الله عنه، ولان الشاهد قد يتجاسر على الاداء ثم يستعظم المباشرة فيرجع فكان في بدايته احتيال للدرء. وقال الشافعي: لا يشترط بدايتهم اعتبارا بالجلد. قلنا: كل أحد لا يحسن الجلد فربما يقع مهلكا والاهلاك غير مستحق ولا كذلك الرجم لانه اتلاف قوله: (فإن أبواسقط) أي إن امتنع الشهود من الابتداء سقط الحد لانه دلالة الرجوع، وكذا إذا ماتوا أو غابوا في ظاهر الرواية لفوات الشرط. ولا يجب الحد عليهم لو امتنعوا لانه دلالة الرجوع لا صريحه وامتناع البعض أو غيبته كالكل، وكذا إذا خرج بعض الشهود عن الاهلية بارتداد أو عمى أو خرس أو فسق أو قذف، سواء كان قبل القضاء أو بعده، لان الامضاء من القضاء في الحدود، وأما قطع اليدين فإن كان بعد الشهادة امتنعت الاقامة، وإن

[ 14 ]

كان القطع قبلها رمي القاضي بحضرتهم لانهم إذا كانوا مقطوعي الايدي لم تستحق البداءة بهم، وإن قطعوا بعدها فقد استحقت، وهذا يفيد أن كون الابتداء بهم شرطا إنما هو عند قدرتهم على الرجم. وفي الظهيرية: وإن كان الشهود مرضى لا يستطيعون الرمي وقد حضر وارمي القاضي ثم رمى الناس. وقال أبو يوسف: يقام عليه الرجم وإن لم يحضر الشهود وإن حضروا ولم يرجموا رجم الامام ثم الناس. وقيد المصنف بالرجم لان ما سوى الرجم من الحدود لا يجب الابتداء لا من الشهود ولا من الامام وكذا في الظهيرية قوله: (ثم الامام ثم الناس) هكذا روي عن علي رضي الله عنه وأرضاه،. ويقصدون بذلك مقتله إلا من كان منهم ذا رحم محرم منه فإنه لا يقصد مقتله فإن بغيره كفاية، كذا في التبيين وغيره. وظاهره أنه يرجمه ولا يقصد مقتله مع أن ظاهر ما في المحيط أنه لا يرجمه أصلا فإنه قال: ويكره لذي الرحم المحرم أن يلي إقامة الحد والرجم ا ه‍. ولم يذكر المصنف أن الامام إذا امتنع من الرجم بعد الشهود أنه يسقط الحد وقياسه السقوط. قال في فتح القدير: واعلم أن مقتضى ما ذكر أنه لو بدأ الشهود فيما إذا ثبت بالشهادة يجب أن يثني الامام فلو لم يثن الامام يسقط الحد لاتحاد المأخذ فيهما اه‍. وفي الظهيرية: والقاضي إذا أمر الناس برجم الزاني وسعهم أن يرجموه وإن لم يعاينوا أداء الشهادة. وروى ابن سماعة عن محمد أنه قال: هذا إذا كان القاضي فقيها عدلا، أما إذا كان فقيها غير عدل أو كان عدلا غير فقيه فلا يسعهم أن يرجموه حتى يعاينوا أداء الشهادة اه‍. قوله: (ويبدأ الامام لو مقرا ثم الناس) كذا روي عن علي رضي الله عنه ورمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الغامدية بحصاة مثل الحمصة وكانت قد اعترفت بالزنا، ولم يذكر المصنف أن الامام لو لم يبدأ هل يحل للناس الرمي. قال في فتح القدير: واعلم أن مقتضى هذا أنه لو

[ 15 ]

امتنع الامام لا يحل للقوم رجمه ولو أمرهم لعلمهم بفوات شرط الرجم هو منتف برجم ما عز فإن القطع بأنه عليه السلام لم يحضره بل رجمه الناس بأمره عليه السلام. ويمكن الجواب بأن حقيقة ما دل عليه قول علي رضي الله عنه أنه يجب على الامام أن يأمرهم بالابتداء اختيارا لثبوت دلالة الرجوع وعدمه، وأن يبتدئ هو في الاقرار لينكشف للناس أنه لم يقصر في أمر القضاء بأن لم يتساهل في بعض شروط القضاء بالحد، فإذا امتنع حينئذ ظهرت أمارة الرجوع. وفي الحاوي: وينبغي للناس أن يصفوا عند الرجم كصفوف الصلاة وكلما رجم قوم تأخروا وتقدم غيرهم فرجموا اه‍ قوله: (ولو غير محصن جلده مائة) لقوله تعالى * (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) * (النور: 2) إلا أنه انتسخ في حق المحصن فبقي في حق غيره معمولا به، ويكفينا في تعيين الناسخ القطع برجم النبي صلى الله عليه وسلم فيكون من نسخ الكتاب بالسنة القطعية قوله: (ونصف للعبد) أي نصف جلد المائة للعبد الزاني فيجلد خمسين سوطا لقوله تعالى * (فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) * (النساء: 25) والمراد به الجلد لان الرجم لا يتنصف، وإذا ثبت التنصيف في الاماء لوجود الرق ثبت في العبيد دلالة. وما في التبيين من أن العبيد دخلوا في اللفظ وأنث للتغليب مخالف لما في الاصول من أن الذكور لا تتبع الاناث حتى لو قال أمنوني على بناتي لا تدخل الذكور بخلاف أمنوني على بني عم الذكور والاناث. قوله: (بسوط لا تمرة له متوسطا) أي لا عقدة له لان عليا رضي الله عنه لما أراد أن يقيم الحد كسر تمرته. والمتوسط بين المبرح وهو الجارح وغيره المؤلم لافضاء الاول إلى الهلاك وخلو الثاني عن المقصود وهو الانزجار، كذا في الهداية. وحاصله أنه المؤلم غير الجارح قوله: (ونزع ثيابه وفرق على بدنه إلا رأسه ووجهه وفرجه) أي ونزع عنه ثيابه إلا ما يستر عورته لان عليا رضي الله عنه كان يأمر بالتجريد في الحدود لان التجريد أبلغ في إيصال الالم إليه، وهذا الحد مبناه على الشدة في الضرب، وفي نزع الازار كشف العورة فيتوقاه. وإنما يفرق الضرب على أعضائه لان الجمع في عضو واحد قد يفضي إلى التلف والحد زاجر لا متلف. وإنما يتقي الاعضاء الثلاثة لقوله عليه السلام للذي أمره بضرب الحد اتق الوجه

[ 16 ]

والمذاكير ولان الفرج مقتل والرأس مجمع الحواس وكذا الوجه وهو مجمع المحاسن أيضا فلا يؤمن من فوات شئ منها بالضرب وذلك إهلاك معنى فلا يشرع حدا. وقال أبو يوسف: يضرب الرأس أيضا رجع إليه بعد أن كان أولا يقول لا يضرب كما هو المذهب وإنما يضرب سوطا لقول أبي بكر رضي الله عنه: اضربوا الرأس فإن فيه شيطانا. قلنا: تأويله أنه قال ذلك فيمن أبيح قتله ونقل أنه ورد في حربي كان من دعاة الكفرة والاهلاك فيه مستحق قوله: (ويضرب الرجل قائما في الحدود وغير ممدود) لقول علي رضي الله عنه: تضرب الرجال في الحدود قياما والنساء قعودا. ولان مبنى إقامة الحد على التشهير والقيام أبلغ فيه. ثم قوله غير ممدود فقد قيل المد أن يلقى على الارض ويمد كما يفعل في زماننا وقيل أن يمد السوط فيرفعه الضارب فوق رأسه، وقيل أن يمد بعد الضرب وذلك كله لا يفعل لان زيادة على المستحق قوله: (ولا ينزع ثيابها إلا الفرو والحشو) لان في تجريدها كشف العورة والفرو والحشو يمنعان وصول الالم إلى الجسد والستر حاصل بدونهما فلا حاجة إليهما فينزعان ليصل الالم إلى البدن قوله: (وتضرب جالسة) لاثر علي رضي الله عنه ولانها عورة فلو ضربت قائمة لا يؤمن كشف عورتها قوله: (ويحفر لها في الرجم لا له) لان ماعزا لم يحفر له وحفر للغامدية وهو بيان للجواز وإلا فلا بأس بترك الحفر لها لانه عليه السلام لم يأمر بذلك والامساك غير مشروع في المرجوم قوله: (ولا يحد عبده إلا بإذن إمامه) لقوله عليه السلام أربع إلى الولاة وذكر منها الحدود ولان الحد حق الله تعالى لان المقصود منه إخلاء العالم عن الفساد ولهذا لا يسقط بإسقاط العبد فيستوفيه من هو نائب عن الشرع وهو الامام أو نائبه بخلاف التعزير لانه حق العبد، ولهذا يعزر الصبي وحق الشرع موضوع عنه. قيد بالحد لان المولى يعزر عبده بلا إذن الامام لانه حق العبد وهو المالك والمقصود منه التأديب ولهذا يعزر الصبي والدابة وتقبل فيه الشهادة على الشهادة وشهادة النساء مع الرجال ويصح فيه العفو قوله: (وإحصان الرجم الحرية والتكليف والاسلام والوطئ بنكاح صحيح وهما بصفة الاحصان) فالعبد ليس محصنا لانه غير متمكن بنفسه من النكاح الصحيح المغني عن الزنا، ولا الصبي والمجنون لعدم أهلية العقوبة. والتكليف شرط لكون الفعل زنا وإنما جعله شرط الاحصان لاجل قوله وهما بصفة الاحصان وإلا ففعل الصبي والمجنون ليس بزنا أصلا. ولا الكافر للحديث من أشرك بالله فليس بمحصن ورجمه عليه السلام اليهوديين إنما كان

[ 17 ]

بحكم التوراة قبل نزول آية الرجم ثم نسخ. ولا من لم يتزوج لعدم تمكنه من الوطئ الحلال، ولا من تزوج ولم يدخل بها للحديث الثيب بالثيب (1) والثيابة لا تكون بغير دخول، ولانه لم يستغن عن الزنا والدخول إيلاج الحشفة أو قدرها. ولا يشترط الانزال كما في الغسل لانه شبع. ولا من دخل بغير المحصنة كمن دخل بذمية أو أمة أو صغيرة أو مجنونة لوجود النفرة عن نكاح هؤلاء لعدم تكامل النعمة، ولا من دخل بامرأة محصنة ولم يكن محصنا وقته وصار محصنا وقت الزنا لما ذكرنا من عدم تكامل النعمة. ولو زال الاحصان بعد ثبوته بالجنون أو العته يعود محصنا إذا أفاق، وعند أبي يوسف لا يعود حتى يدخل بامرأته بعد الافاقة. وفي فتاوي قارئ الهداية المسماة بالسراجية: إذا سرق الذمي أو زنى ثم أسلم إن ثبت ذلك عليه بإقراره أو بشهادة المسلمين لا يدرأ عنه الحد، وإن ثبت بشهادة أهل الذمة فأسلم لا يقام عليه الحد وسقط عنه. وفي الحاوي القدسي: وإن شهد عليه أربعة بالزنا فأنكر الاحصان وله امرأة قد ولدت منه فإنه يرجم وإن لم تكن ولدت منه وشهد بالاحصان رجلان أو رجل وامرأتان رجم اه‍. قوله: (ولا يجمع بين جلد ورجم ولا بين جلد ونفي) لانه عليه الصلاة والسلام لم يجمع بين الجلد والرجم لان الجلد يعري عن المقصود مع الرجم لان زجر غيره يحصل بالرجم إذ هو في العقوبة أقصاها وزجره لا يكون بعد هلاكه. وأما عدم الجمع بين الجلد والنفي وهو التغريب فلان الله تعالى جعل الجلد كل الموجب في قوله تعالى * (فاجلدوا) * رجوعا إلى حرف الفاء وإلى كونه كل المذكور، ولان في التغريب فتح باب الزنا لانعدام الاستحياء من العشيرة. ثم فيه فتح مواد البغاء فر بما تتخذ زناها مكسبة وهو من أقبح وجوه الزنا وهذه الجهة مرجحة لقول علي رضي الله عنه: كفى بالنفي فتنة. والحديث وهو قوله عليه السلام البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام (1) منسوخ كشطره وهو قوله الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة (1) وقد عرف طريقه في موضعه قالوا: إلا إذا رأى الامام مصلحة فيغربه على قدر ما يرى وذلك تعزير وسياسة لانه قد يفيد في بعض الاحوال فيكون الرأي فيه إلى الامام، وعليه يحمل النفي المروي عن بعض الصحابة رضي الله عنهم، كذا في الهداية وهو

[ 18 ]

المراد بقوله في المختصر قوله: (ولو غرب بما يرى صح) أي جاز. فسر التغريب في النهاية بالحبس وهو أحسن وأسكن للفتنة من نفيه إلى اقليم آخر لانه بالنفي يعود مفسدا كما كان ولهذا كان الحبس حدا في ابتداء الاسلام دون النفي وحمل النفي المذكور في قطاع الطريق عليه. وفي الظهيرية: والزاني إذا ضرب الحد لا يحبس والسارق إذا قطع يحبس حتى يتوب اه‍. وظاهر كلامهم ههنا أن السياسة هي فعل شئ من الحاكم لمصلحة يراها وإن لم يرد بذلك الفعل دليل جزئي قوله: (والمريض يرجم ولا يجلد حتى يبرأ) لان الاتلاف مستحق في الرجم فلا يمنع بسبب المرض وفي الجلد غير مستحق وهو في حالة المرض يفضي إلى الهلاك ولهذا لا يقام القطع عند شدة الحر والبرد. واستثنى في الظهيرية أن يكون مريضا وقع اليأس عن برئه فحينئذ يقام عليه اه‍. قيد بالمريض لو لانه كان ضعيف الخلقة بحيث لا يرجى برؤه فخيف عليه الهلاك إذا ضرب يجلد جلدا خفيفا مقدار ما يحتمله لما روي أن رجلا ضعيفا زنى فذكر ذلك سعد بن عبادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ذلك الرجل مسلما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اضربوه حده. فقالوا: يا رسول الله أنه ضعيف بحيث لو ضربناه مائة قتلناه فقال عليه الصلاة والسلام: خذوا عثكالا فيه مائة شمراخ ثم اضربوه ضربة واحدة. قال: ففعلوه. رواه أحمد وابن ماجه. والعثكال والعثكول عنقود النخل، والشمراخ شعبة منه وهو بالعين المهملة والثاء المثلثة، كذا في المغرب قوله: (والحامل لا تحد حتى تلد وتخرج من نفاسها لو كان حدها الجلد) لان النفاس نوع مرض فيؤخر إلى زمان البرء. وقيد بحد الجلد لانه لو كان حدها الرجم. رحمت إذا ولدت من غير تأخير لان التأخير لاجل الولد وقد انفصل. وعن أبي حنيفة أن الرجم يؤخر إلى أن يستغني ولدها عنها إذا لم يكن أحد يقوم بتربيته لان في التأخير صيانة الولد عن الضياع، وقد روي أنه عليه السلام قال للغامدية بعدما وضعت: ارجعي حتى يستغني ولدك. وظاهر المختار أن هذه الرواية هي المذهب فإنه اقتصر عليها ولم يذكر المصنف أنها تحبس إذا كانت حاملا. قال في الهداية: ثم الحبلى تحبس إلى أن تلد إن كان الحد ثابتا بالبينة كيلا تهرب بخلاف الاقرار والله أعلم.

[ 19 ]

باب الوطئ الذي يوجب الحد والذي لا يوجبه قد قدم حقيقة الزنا وهو الذي (1) لا يوجب الحد وهذا الباب لتفاصيله. ثم بدأ ببيان الشبهة وهي ما يشبه الثابت وليس بثابت، وبين أنها ثلاثة أنواع: شبهة في المحل، وشبهة في الفعل، وشبهة في العقد. قال الامام الاسبيجابي: الاصل أنه متى ادعى شبهة وأقام البينة عليها سقط الحد فبمجرد الدعوى يسقط أيضا إلا الاكراه خاصة لا يسقط الحد حتى يقيم البينة على الاكراه اه‍ قوله: (لا حد بشبهة المحل وإن ظن حرمته كوطئ أمة ولده وولد ولده ومعتدة الكنايات) لان الشبهة إذا كانت في الموطوءة يثبت الملك فيها من وجه فلم يبق معه اسم الزنا فامتنع الحد على التقادير كلها وهي تتحقق بقيام الدليل النافي للحرمة في ذاته، ولا يتوقف على ظن الجاني واعتقاده. وبيانه أن قوله عليه السلام أنت ومالك لابيك أورث شبهة في جارية الولد للاب لان اللام فيه للملك. والمعتدة بالكنايات في بينونتها اختلاف الصحابة رضي الله عنهم فمذهب عمر رضي الله عنه أنها رجعية فأورث شبهة وإن كان المختار قول علي رضي الله عنه. قال الشارحون: ومن هذا النوع مسائل منها: الجارية المبيعة في حق البائع قبل التسليم لانها في ضمانه ويده وتعود إلى ملكه بالهلاك قبل التسليم، وكذا في الفاسد قبل القبض وبعده، أما قبله فلبقاء الملك وأما بعده فلان له الفسخ فله حق الملك فيها، وكذا إذا كان بشرط الخيار، سواء كان الخيار للبائع أو للمشتري، فإن كان للبائع فلبقاء ملكه، وإن كان للمشتري فلان المبيع لم يخرج عن ملك بائعه بالكلية. ومنها جارية مكاتبه أو عبده المأذون له وعليه دين يحيط بماله ورقبته لان له حقا في كسب عبده فكان شبهة في حقه. ومنها الجارية الممهورة قبل التسليم في حق الزوج لما ذكرنا من المعنى في المبيعة. ومنها الجارية المشتركة بينه وبين غيره لان ملكه في البعض ثابت حقيقة فالشبهة فيها أظهر، ويدخل فيه وطئ الرجل من الغانمين قبل القسمة جارية من الغنيمة، سواء كان بعد الاحراز بدار الاسلام أو قبله لثبوت الحق له بالاستيلاء، كذا في البدائع: ومنها المرهونة في حق المرتهن في رواية كتاب الرهن لان استيفاء الدين يقع بها عند الهلاك وقد انعقد له سبب الملك الحال فصارت كالمشتراة بشرط الخيار للبائع، ففي هذه المواضع لا يجب الحد وإن قال علمت أنها على حرام لما ذكرنا قال في فتح القدير: وينبغي أن يزاد جاريته التي هي أخته من الرضاع وجاريته قبل

[ 20 ]

الاستبراء، والاستقراء يفيدك غير ذلك أيضا كالزوجة التي حرمت بردتها أو مطاوعتها لابنه أو جماعه لامها ثم جامعها وهو يعلم أنها عليه حرام فلا حد عليه ولا على قاذفه لان بعض الائمة لم يجزم به فاستحسن أن يدرأ بذلك الحد فالاقتصار على الستة لا فائدة فيه اه‍. وفي الظهيرية: رجل غصب جارية وزنى بها ثم ضمن قيمتها فلا حد عليه، وعلى قياس قول أبي حنيفة ومحمد لا يسقط الحد، وعلى قياس ما روي عن أبي يوسف ينبغي أن يسقط كما يذكر في المسألة التي تليه اه‍. رجل زنى بأمة ثم اشتراها ذكر في ظاهر الرواية أنه يجد، وروي عن أبي يوسف أنه يسقط الحد، وذكر أصحاب الاملاء عن أبي يوسف أن من زنى بامرأة ثم تزوجها أو بأمة ثم اشتراها لا حد عليه عند أبي حنيفة، وعليه الحد في قول أبي يوسف. وذكر ابن سماعة في نوادره على عكس هذا وقال: وعلى قول أبي حنيفة ومحمد عليه الحد في الوجهين، وعن أبي يوسف لا حد عليه في الوجهين، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه إذا زنى بأمة ثم اشتراها فلا حد عليه، وإن زنى بامرأة ثم تزوجها فعليه الحد. والفرق بين النكاح والشراء أنه بالشراء يملك عينها وملك العين في محل الحل سبب لملك الحل فيجعل الطارئ قبل الاستيفاء كالمقترن بالسبب كما في باب السرقة فإن السارق إذا ملك المسروق قبل القطع يقنع القطع فأما بالنكاح فلا يملك عين المرأة وإنما ثبت له ملك الاستيفاء، ولهذا لو وطئت المنكوحة بشبهة كان العقر لها فلا يورث ذلك شبهة فيما تقدم استيفاؤه منها فلا يسقط الحد عنه. وإذا زنى بأمة ثم قال اشتريتها وصاحبها فيها بالخيار وقال مولاها كذب لم أبعها لا حد عليه. وإذا جنت الامة فزنى بها ولي الجناية، فإن قتلت رجلا عمدا فوطئها ولي القتيل ولم يدع شبهة، فإن قال علمت أنها على حرام فإنه لا يحد، وأما إذا قتلت رجلا خطأ فوطئها ولي القتيل قبل أن يختار المولى شيئا أجمعوا على أنه إذا اختار الفداء بعد ذلك فإنه يحد، وأما إذا اختار دفع الجارية فالقياس أن يحد وفي الاستحسان لا يحد، وبالقياس أخذ أبو حنيفة ومحمد، وبالاستحسان أخذ أبو يوسف اه‍. - وأطلق في الكنايات فشمل المختلعة. وفي المجتبى: المختلعة ينبغي أن تكون كالمطلقة ثلاثا لحرمتها إجماعا. وفي جامع النسفي: لا حد عليه وإن علم حرمتها لاختلاف الصحابة رضي الله عنهم في كونه بائنا اه‍.

[ 21 ]

قوله: (وبشبهة في الفعل إن ظن حله كمعتدة الثلاث وأمة أبويه وزوجته وسيده) أي لا حد لاجل الشبهة في الفعل بشرط أن يظن أن الوطئ حلال لان الملك والحق غير ثابت في هذا النوع لان حرمة المطلقة ثلاثا مقطوع به فلم يبق له فيها ملك ولا حق غير أنه بقي فيها بعض الاحكام كالنفقة والسكنى والمنع من الخروج وثبوت النسب وحرمة أختها وأربع سواها وعدم قبول شهادة كل منهما لصاحبه فحصل الاشتباه لذلك فأورث شبهة عند ظن الحل لانه في موضع الاشتباه فيعذر. أطلق في الثلاث فشمل ما إذا أوقعها جملة أو متفرقة، ولا اعتبار بخلاف من أنكر وقوع الجملة لكونه مخالفا للقطعي، كذا ذكر الشارحون وفيه نظر لما في صحيح مسلم من أن الطلاق الثلاث كان واحدة في زمن النبي صلى الله عليه وأبي بكر وصدر من خلافة عمر رضي الله عنهما حتى أمضى عمر رضي الله عنه على الناس الثلاث، وإن كان العلماء قد أجابوا عنه وأولوه فليس الدليل على وقوع الثلاث جملة واحدة بكلمة واحدة قطعيا. فإن قيل: إن العلماء قد أجمعوا عليه قلنا: قد خالف أهل الظاهر في ذلك كما نقلوه في كتاب الطلاق فينبغي أن لا يحد وإن علم الحرمة. والدليل عليه ما ذكره في الهداية من كتاب النكاح في فصل المحرمات أن الحد لا يجب بوطئ المطلقة طلاقا بائنا واحدة أو ثلاثا مع العلم بالحرمة على إشارة كتاب الطلاق، وعلى عبارة كتاب الحدود يجب لان الملك قد زال في

[ 22 ]

حق الحل فيتحقق الزنا اه‍. وينبغي أن تحمل إشارة كتاب الطلاق على ما إذا أوقعها بكلمة واحدة، وعبارة كتاب الحدود على ما إذا أوقعها متفرقة لما ذكرنا توفيقا بينهما كما لا يخفى. وأما الزنا بأمة أبويه وزوجته وسيده فإنه لا ملك له ولا حق ملك فيها غير أن البسوطة تجري بينهم في الانتفاع بالاموال والرضا بذلك عادة وهي تجوز الانتفاع بالمال شرعا، فإذا ظن الوطئ من هذا القبيل يعذر لان وطئ الجواري من قبيل الاستخدام فيشتبه الحال والاشتباه في محله معذور فيه. ولهذه المسائل أخوات منها: المطلقة على مال لان حرمتها ثابتة بالاجماع فصارت كالمطلقة ثلاثا، كذا ذكره الشارحون. ومرادهم الطلاق على مال بغير لفظ الخلع، أما إذا كان بلفظ الخلع فقد قدمنا الاختلاف فيه وأن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا فيه لكن في البدائع: ولو خالعها أو طلقها على مال فوطئها في العدة ذكر الكرخي أنه ينبغي أن يكون الحكم فيه كالحكم في المطلقة ثلاثا وهو الصحيح لان زوال الملك بالخلع والطلاق على مال مجمع عليه فلم تتحقق الشبهة فيجب الحد إلا إذا ادعى الاشتباه. ومنها أم الولد إذا أعتقها مولاها لثبوت حرمتها بالاجماع وتثبت الشبهة عند الاشتباه لبقاء أثر الفراش وهي العدة. ومنها الجارية المرهونة في حق المرتهن في رواية كتاب الحدود فإذا قال المرتهن علمت أنها حرام ووطئتها ففيه روايتان، ففي رواية كتاب الرهن لا حد عليه وهو من النوع الاول لما قدمناه، وفي وراية كتاب الحدود يجب الحد. قال في الهداية: وهو الاصح. وتبعه الشارحون. وفي التبيين: وهو المختار لان الاستيفاء من عينها لا يتصور وإنما يتصور من ماليتها فلم يكن الوطئ حاصلا في محل الاستيفاء لكن لما كان الاستيفاء سببا لملك المال في الجملة وملك المال سبب لملك المتعة في الجملة حصل الاشتباه بخلاف المستأجرة وجارية الميت إذا وطئها الغريم لان الاجارة لا تفيد المتعة بحال والغريم لا يملك عين التركة وإنما يستوفي حقه من الثمن، ولو تعلق حقه بالعين لما جاز بيعها إلا بإذنه كالرهن. والحاصل أنه إذا ظن الحل فلا حد عليه باتفاق الروايتين، والخلاف فيما إذا علم الحرمة والاصح وجوبه لكن ذكر في الايضاح رواية ثالثة أنه يجب الحد وإن قال ظننت أنها حلال وإن ظنه لا يعتبر قياسا على وطئ الغريم جارية الميت، وهذه الرواية مخالفة لعامة الروايات كما في فتح القدير: قال في الهداية: والمستعير للرهن في هذا بمنزلة المرتهن. وأما الجارية المستأجرة والعارية والوديعة فكجارية أخيه، وسيأتي أنه يحد وإن ظن الحل كما في المحيط والبدائع: وأطلق في ظن الحل فشمل ظن الرجل وظن الجارية فإن ظناه فلا حد، وإن علما الحرمة وجب الحد، وإن ظنه الرجل وعلمته الجارية أو بالعكس فلا حد لان الشبهة إذا تمكنت في الفعل في أحد الجانبين تتعدى إلى الجانب الآخر ضرورة، كذا في المحيط.

[ 23 ]

قوله: (والنسب يثبت في الاول فقط) أي يثبت النسب في شبهة المحل بالدعوة ولا يثبت في شبهة الفعل وإن ادعاه لان الفعل تمحض زنا في الثانية وإن سقط الحد لامر راجع إليه وهو اشتباه الامر عليه ولم يتمحض في الاولى للشبهة في المحل، وقد قدم المصنف أن نسب ولد المعتدة البت يثبت إذا جاءت به لاقل من سنتين بغير دعوة، ولسنتين فأكثر لا يثبت إلا بالدعوة، وهو بعمومه يتناول المعتدة عن ثلاث طلقات فكان مخصصا لقوله هنا فقط. والحاصل أنه لا يثبت النسب في شبهة الفعل عند الدعوة إلا في المطلقة ثلاثا. والفرق أن الشبهة فيها شبهة في العقد بخلاف باقي محال شبهة الاشتباه فإنه لا شبهة عقد فيها فلا يثبت النسب بالدعوة، وسيأتي أن من شبهة الاشتباه وطئ امرأة زفت وقالت النساء هي زوجتك ولم تكن زوجته معتمدا خبرهن. وصرح الزيلعي بأن النسب يثبت فيه بالدعوة كما سيأتي فتحرر أن النسب لا يثبت في شبهة الفعل إلا في موضعين قوله: (وحد بوطئ أمة أخيه وعمه وإن ظن حله وامرأة وجدت في فراشه) يعني سواء ظن الحل أو الحرمة لانه لا انبساط في مال الاخ والعم وكذا سائر المحارم سوى الولاد لما بينا، ولا اشتباه في المرأة الموجودة على فراشه لطول الصحبة فلم يكن مستندا إلى دليل، وهذا لانه قد ينام على فراشه غيرها من المحارم التي في بيتها. أطلقه فشمل البصير والاعمى لانه يمكنه التمييز بالسؤال وغيره إلا إذا ادعاها فأجابته وقالت أنا زوجتك أو أنا فلانة باسم زوجته فواقعها لان الاخبار دليل. وفي التبيين: وإن جاءت بولد يثبت نسبه لما نذكره في المرقوقة. ولو أجابته فقط يحد لعدم ما يوجب السقوط. وأطلق في المرأة فشمل المكرهة والطائعة فيحد لو أكرهها دونها ولا يجب المهر عندنا قوله: (لا بأجنبية زفت وقيل هي زوجتك) أي لا يحد بوطئ أجنبية زفت إليه وقال النساء هي

[ 24 ]

زوجتك، قضى بذلك علي رضي الله عنه، ولانه اعتمد دليلا وهو الاخبار في موضع الاشتباه إذ الانسان لا يميز بين امرأة وبين غيرها في أول الوهلة فصار كالمغرور ولكن لا يحد قاذفه لان الملك منعدم حقيقة فبطل به إحصانه كوطئ جارية ابنه فإنه مسقط لاحصانه حبلت أو لا. وظاهر كلام المصنف أن إخبار واحدة له بأنها زوجته يكفي لاسقاط الحد عنه كما يفيده ما في فتح القدير، لكن عبارة القدوري وقلن النساء بالجمع، والظاهر أنه ليس بشرط كما سنبينه لانه من المعاملات والواحد فيها يكفي اه‍. قوله: (وعليه مهر) بذلك قضى علي رضي الله عنه وبالعدة لان الوطئ في دار الاسلام لا يخلو عن الحد أو المهر وقد سقط فتعين المهر وهو مهر المثل، ولهذا قلنا في كل موضع سقط فيه الحد مما ذكرنا يجب فيه المهر لما ذكرنا إلا في وطئ جارية الابن وقد علقت منه وادعى نسبه لما ذكرنا في النكاح أو في وطئ البائع المبيعة قبل التسليم، ذكرها في الزيادات. وينبغي أن لا يجب بوطئ جارية السيد لان المولى لا يجب له دين على عبده، ولو قيل وجب ثم سقط فمستقيم على ما اختلفوا في تزويج المولى عبده بجاريته، كذا في التبيين. ولا يرد ما لو زنى صبي بامرأة بالغة مطاوعة قالوا لا حد على الصبي ولا مهر عليه لاسقاطها حقها حيث مكنته لان المهر وجب لكنه سقط لما ذكرنا فلم يخل وطئ عنهما. وفي المجتبى: مراهق تزوج بالغة بغير إذن أبيه ووطئها ورد الاب النكاح فلا مهر على الصبي لان قوله غير معتبر. وأراد المصنف أن يكون المهر لها عليه بذلك قضى علي رضي الله عنه خلافا لعمر رضي الله عنه حيث جعله في بيت المال كأنه جعله حق الشرع لما أن الحد حق له وهذا

[ 25 ]

كالعوض عنه، والمختار قول علي رضي الله عنه لان الوطئ كالجناية عليها وأرش الجنايات للمجني عليه، ولو كان عوضا عن الحد لوجب على المرأة لان الحد ساقط عنها. ولم يذكر المصنف ثبوت النسب فيها، وقالوا يثبت نسب الولد بالدعوة لكن اختلفوا ففي التبيين أنه يثبت النسب وإن كانت شبهة الاشتباه لعدم الملك وشبهته، وفي فتح القدير والاوجه أنها شبهة دليل فإن قول النساء هي زوجتك دليل شرعي مبيح للوطئ فإن قول الواحد مقبول في المعاملات ولذا حل وطئ الامة إذا جاءت إلى رجل وقالت مولاي أرسلني إليك هدية، فإذا كان دليلا غير صحيح في الواقع أوجب الشبهة التي يثبت معها النسب اه‍. قوله: (وبمحرم نكحها) أي لا يجب الحد بوطئ امرأة محرم له عقد عليها عند أبي حنيفة. وقالا: عليه الحد إذا كان عالما بذلك لانه عقد لم يصادف محله فيلغو كما إذا أضيف إلى الذكور. وهذا لان محل التصرف ما يكون محلا لحكمه وحكمه في الحل وهي من المحرمات. ولابي حنيفة أن العقد صادف محله لان محل التصرف ما يقبل مقصوده والانثى من بنات آدم قابلة للتوالد وهو المقصود وكان ينبغي أن ينعقد في حق جميع الاحكام إلا أنه تقاعد عن إفادة حقيقة الحل فيورث الشبهة لان الشبهة ما بشبه الثابت لا نفس الثابت. وحاصل الخلاف أن هذا العقد هل يوجب شبهة أم لا، ومداره أنه هل ورده على ما هو محله أو لا؟ فعند الامام ورد على ما هو محله لان المحلية ليست بقبول الحل بل بقبول المقاصد من العقد وهو ثابت ولذا صح من غيره عليها. وعندهما لا لان محل العقد ما يقبل حكمه وحكمه الحل وهذه من المحرمات في سائر الاحوال فكان الثابت صورة العقد لانعقاده، وبتأمل يسير يظهر أنهم لم يتواردوا على محل واحد في المحلية فحيث نفوا محليتها أرادوا بالنسبة إلى خصوص هذا العاقد أي ليست محلا لعقد هذا العاقد، ولهذا عللوه بعدم حلها، ولا شك في حلها لغيره بعقد النكاح لا محليتها للعقد من حيث هو والامام حيث أثبت محليتها أراد محليتها النفس العقد لا بالنظر إلى خصوص عاقد ولذا علل بقبولها مقاصده، ولا ينافيه قول الاصوليين أن النهي

[ 26 ]

عن نكاح المحارم مجاز عن النفي لعدم محله. ولا قول الفقهاء أن محل النكاح الانثي من بنات آدم التي ليست من المحرمات لانهم أرادوا نفي المحلية لعقد النكاح الخاص، وأنت علمت أن أبا حنيفة إنما أثبت محليتها للنكاح في الجملة لا بالنظر إلى خصوص ناكح لكن قد أخذ الفقيه أبو الليث بقولهما. قال في الواقعات: ونحن نأخذ به أيضا. وفي الخلاصة: الفتوى على قولهما. ووجه ترجيحه أن تحقق الشبهة يقتضي تحقق الحل من وجه لان الشبهة لا محالة شبهة الحل لكن حلها ليس ثابتا من جه وإلا وجبت العدة وثبت النسب. اطلق المصنف فشمل ما إذا كان عالما بالحرمة أو لا. ثم اعلم أن مسائلهم هنا تدل على أن من استحل ما حرمه الله على وجه الظن لا يكفر وإنما يكفر إذا اعتقد الحرام حلالا لا إذا ظنه حلالا، ألا ترى أنهم قالوا في نكاح المحرم لو ظن الحل فإن لا يحد بالاجماع ويعزر كما في الظهيرية وغيرها، ولم يقل أحد أنه يكفر، وكذا في نظائره وهو نظير ما ذكره القرطبي في شرح مسلم: إن ظن الغيب جائز كظن المنجم والرمال بوقوع شئ في المستقبل بتجربة أمر عادي فهو ظن صادق، والممنوع هو ادعاء علم الغيب. والظاهر أن ادعاء ظن الغيب حرام وليس بكفر بخلاف ادعاء علم الغيب فإن كفر وسنوضحه إن شاء الله تعالى في باب الردة. وأشار المصنف إلى أن المستأجرة للزنا لو وطئها فلا حد عليه لشبهة العقد عند الامام لان المستوفي بالزنا المنفعة وهي المعقود عليه في الاجارة. وقالا: يحد كما سيأتي. وأطلق في المحرم فشمل المحرم نسبا ورضاعا وصهرية، وأشار إلى أنه لو عقد على منكوحة الغير أو معتدته أو مطلقته الثلاث أو أمة على حرة أو تزوج مجوسية أو أمة بلا إذن سيدها أو تزوج العبد بلا إذن سيده أو تزوج خمسا في عقدة فوطئهن أو جمع بين أختين في عقدة فوطئهما أو الاخيرة لو كان متعاقبا بعد التزوج فإن لا حد بالوطئ بالاولى وهو بالاتفاق على الاظهر، أما عنده فظاهر، وأما عندهما

[ 27 ]

فلان الشبهة إنما تنتفي عندهما إذا كان مجمعا على تحريمه وهي محرمة على التأبيد. وقيد بنفي الحد لان التعزير واجب إن كان عالما قالوا يوجع بالضرب الشديد أشد ما يكون من التعزير سياسة. قوله: (وفي أجنبية في غير قبل ولواطة) أي لا يجب الحد في مسألتين أيضا: الاولى لو وطئ امرأة أجنبية في دبرها فإنه لا يحد. الثانية لو لاط بصبي في دبره فإنه لا يحد. ولا شك أن وطئ الاجنبية في دبرها لواطة أيضا، هذا عند أبي حنيفة. وقالا: هو كالزنا فيحد رجما إن كان محصنا أو جلدا إن كان غير محصن لانه في معنى الزنا لانه قضاء الشهوة في محل مشتهى على سبيل الكمال على وجه تمحض حراما لقصد سفح الماء. وله أنه ليس بزنا لاختلاف الصحابة رضي الله عنهم في موجبه من الاحراق بالنار وهدم الجدار والتنكيس من مكان مرتفع باتباع الاحجار ونحو ذلك، ولا هو في معنى الزنا لانه ليس فيه إضاعة الولد واشتباه الانساب ولذا هو أندر وقوعا لانعدام الداعي في أحد الوجهين والداعي إلى الزنا من الجانبين، وما ورد في الحديث من الامر بقتل الفاعل والمفعول به فمحمول على السياسة أو على المستحل. قال الزيلعي: لو رأى الامام مصلحة في قتل من اعتداه جاز له قتله ا ه‍. واعلم أنهم يذكرون في حكم السياسة أن الامام يفعلها ولم يقولوا القاضي فظاهره أن القاضي ليس له الحكم بالسياسة ولا العمل بها. قيد بعدم الحد لان التعزير واجب. قالوا: يوجع

[ 28 ]

ضربا زاد في الجامع الصغير أنه يودع في السجن. قال في فتح القدير: حتى يموت أو يتوب، ولو اعتاد اللواطة قتله الامام محصنا كان أو غير محصن سياسة. وذكر العلامة الاكمل في شرح المشارق أن اللواطة محرمة عقلا وشرعا وطبعا بخلاف الزنا فإنه ليس بحرام طبعا فكانت أشد حرمة منه. وإنما لم يوجب الحد أبو حنيفة فيها لعدم الدليل عليه لا لخفتها. وإنما عدم الوجوب فيها للتغليظ على الفاعل لان الحد مطهر على قول بعض العلماء. وفي فتح القدير: وهل تكون اللواطة في الجنة أي هل يجوز كونها فيها؟ قيل إن كان حرمتها عقلا وسمعا لا تكون وإن كان سمعا فقط جاز أن تكون والصحيح أنها لا تكون فيها لانه تعالى استبعده واستقبحه فقال * (ما سبقكم بها من أحد من العالمين) * (الاعراف: 80) وسماه خبيثة فقال تعالى * (كانت تعمل الخبائث) * (الانبياء: 74) والجنة منزهة عنها اه‍. وقيد بالاجنبية ليفيد أن زوجته وجاريته بالاولى في عدم وجوب الحد لكن قال في التبيين: إذا فعل في عبده أو أمته أو منكوحته لا يجب الحد بالاجماع وإنما يعزر لارتكابه المحظور. وفي الحاوي القدسي: وتكلموا في هذا التعزير من الجلد ورميه من أعلا موضع وحبسه في أنتن بقعة وغير ذلك سوى الاخصاء والجب والجلد أصح اه‍. وللواطة أحكام أخر لا يجب بها العقر أي المهر ولا العدة في النكاح الفاسد ولا في المأتي بها لشبهة، ولا تحل للزوج الاول في النكاح الصحيح، ولا تثبت بها الرجعة ولا حرمة المصاهرة عند الاكثر، ولا الكفارة في رمضان في رواية، ولو قذف بها لا يحد خلافا لهما، وكذا لو قذف امرأته بها لم يلاعن خلافا لهما، وعن الصفار يكفر مستحلها عند الجمهور، كذا في المجتبى: وقدمنا أنه يجب الغسل بها على الفاعل والمفعول به قوله: (وببهيمة) أي لا يحد بوطئ بهيمة لانه ليس في معنى الزنا في كونه جناية وفي وجود الداعي لان الطبع السليم ينفر عنه والحامل عليه نهاية السفه أو فرط الشبق ولهذا لا يجب ستره إلا أنه يعزر لما بينا. والذي يروي أنها تذبح البهيمة وتحرق فذلك لقطع التحدث به وليس بواجب. قالوا: إن كانت الدابة مما لا يؤكل لحمها تذبح

[ 29 ]

وتحرق لما ذكرنا، وإن كانت مما تؤكل تذبح وتؤكل عند أبي حنيفة. وقالا: تحرق هذه أيضا. هذا إن كانت البهيمة للفاعل، فإن كانت لغيره ففي الخانية كان لصاحبها أن يدفعها إليه بالقيمة، وفي التبيين يطالب صاحبها أن يدفعها إليه بالقيمة ثم تذبح. هكذا ذكروا ولا يعرف ذلك إلا سماعا فيحمل عليه اه‍. والظاهر أنه لا يجبر على دفعها. قوله: (وبزنا في دار حرب أو بغي) أي لا يجب الحد بالزنا في دار الحرب أو في دار البغي لقوله عليه السلام لا تقام الحدود في دار الحرب ولان المقصود هو الانزجاز وولاية الامام منقطعة فيهما فيعرى الوجوب عن الفائدة. أطلقه فأفاد أنه لا يقام بعد الخروج أيضا لانها لم تنعقد موجبة فلا تنقلب موجبة. قيد بدار الحرب والبغي لان من زنى في محل نزول العسكر فإن من له ولاية الاقامة بنفسه كالخليفة وأمير مصره أن يقيم الحد عليه لانه تحت يده بخلاف أمير العسكر والسرية لانه لم يفوض إليهما الاقامة. ويستثنى من كلام المصنف ما لو زنى في العسكر والعسكر في دار الحرب في أيام المحاربة قبل الفتح له أن يقيمه للولاية حينئذ بخلاف ما إذا زنى واحد منهم خارج العسكر فإنه لا يقيم الحد عليه قوله: (وبزنا حربي بذمية في حقه) أي لا يجب الحد بزنا رجل حربي مستأمن بذمية في حق الحربي المستأمن عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف آخرا: يحد لان المستأمن التزم أحكامنا مدة مقامه في دارنا في المعاملات كما أن الذمي التزمها مدة عمره ولهذا يحد حد القذف ويقتل قصاصا بخلاف حد الشرب لانه يعتقد إباحته. ولهما أنه ما دخل للقرار بل لحاجته كالتجارة ونحوها فلم يصر من أهل دارنا ولهذا يمكن من الرجوع إلى دار الحرب، ولا يقتل المسلم ولا الذمي به فإنما يلتزم من الحكم ما يرجع إلى تحصيل مقصوده وهو حقوق العباد لانه لما طمع في الانصاف يلتزم الانتصاف والقصاص وحد القذف من حقوقهم، أما حد الزنا فمحض حق الشرع. قيد بقوله في حقه لان الذمية تحد عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: لا تحد أيضا لان المرأة تابعة فامتناع الحد في حق الاصل يوجب امتناعه في حق التبع كالبالغة إذا مكنت الصبي والمجنون قلنا إن فعل المستأمن زنا لانه مخاطب بالحرمات على ما هو الصحيح، وإن لم يكن مخاطبا بالشرائع على أصلنا، والتمكين من فعل هو زنا موجب للحد عليها. وقيد بالحربي لان الذمي إذا زنى بحربية فإنه يحد عندهما خلافا لمحمد، والاصل لابي يوسف أن الحدود كلها تقام على المستأمن والمستأمنة إلا حد الشرب كما تقام على الذمي والذمية فسوى بين الذمي والحربي والمستأمن. والاصل عند الامام الاعظم أنه لا يقام على المستأمن والمستأمنة شئ من الحدود إلا حد القذف بخلاف الذمي، وحد يقول كذلك في جميع ما ذكرنا إلا أنه

[ 30 ]

يقول فعل الرجل أصل والمرأة تبع فالامتناع في الاصل امتناع في التبع فمحل الاختلاف في حد الزنا والسرقة، وأما حد القذف فواجب اتفاقا وحد الشرب غير واجب اتفاقا، وقيد بالذمية لانه لو زنى مستأمن بمستأمنة فلا حد عليهما خلافا لابي يوسف. والحاصل أن الزانيين إما مسلمان أو ذميان أو مستأمنان أو أحدهما مسلم والآخر ذمي، وهو صادق بصورتين أو أحدهما مسلم والآخر مستأمن، وهو صادق بصورتين أو أحدهما ذمي والآخر مستأمن، وهو صادق بصورتين فهي تسع صور، والحد واجب في الكل عند الامام إلا في المستأمنين وإلا فيما إذا كان أحدهما مستأمنا أيا كان فلا حد عليه في ثلاث منها كما لا يخفى. قوله: (وبزنا صبي أو مجنون بمكلفة بخلاف عكسه) أي لا يجب الحد إذا زنى صبي أو مجنون بمكلفة ويجب الحد إذا زنى بالغ بصبية أو مجنونة لان فعل الزنا يتحقق منه وهي محل الفعل ولهذا يسمى هو واطئا وزانيا والمرأة موطوءة ومزنيا بها إلا أنها سميت زانية مجازا تسمية للفعل باسم الفاعل كالراضية بمعنى المرضية أو لكونها مسببة بالتميكن فتعلق الحد في حقها بالتمكين من قبيح الزنا وهو فعل من هو مخاطب بالكف عنه مؤثم على مباشرته، وفعل الصبي ليس بهذه الصفة فلا يناط به الحد، وقد ذكر بعضهم أن كلما انتفى الحد عن الرجل انتفى عن المرأة وهو منقوض بزنا المكره بالمطاوعة والمستأمن بالذمية والمسلمة فالاولى أن لا تجعل قاعدة لان حكم في كل موضع بمقتضى الدليل. قال في التبيين: وعبارات أصحابنا أن فعلها مع الصبي والمجنون ليس بزنا يشير إلى أن إحصانها لا يسقط بذلك كما لا يسقط إحصان الصبي والمجنون حتى يجب الحد على قاذفهما بعد البلوغ والافاقة وقد قدمنا حكم المهر قوله: (وبالزنا بمستأجرة) أي لا يجب الحد بوطئ من استأجرها ليزني بها عند أبي حنيفة. وقالا: يجب الحد لعدم شبهة الملك ولهذا لا يثبت النسب ولا تجب العدة. وله أن الله تعالى سمى المهر أجرة بقوله تعالى * (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن) * (النساء: 24) فصار شبهة لان الشبهة ما يشبه الحقيقة لا الحقيقة فصار كما لو قال أمهرتك كذا لازني بك. قيدنا

[ 31 ]

بأن يكون استأجرها ليزني بها لانه لو استأجرها للخدمة فزنى بها يجب الحد اتفاقا لان العقد لم يضف إلى المستوفي بالوطئ والعقد المضاف إلى محل يورث الشبهة في ذلك المحل لا في محل آخر قوله: (وبإكراه) أي لا يجب الحد بالزنا بإكراه. أطلقه فشمل ما إذا كان المكره السلطان أو غيره، أما إذا كان المكره السلطان فكان أبو حنيفة أولا يقول عليه الحد وهو قول زفر لان الزنا من الرجل لا يتصور إلا بعد انتشار الآلة وهذا آية الطوع، ووجه قوله الآخر أن السبب الملجئ قائم ظاهرا وهو قيام السيف على رأسه والانتشار دليل محتمل لانه قد يكون من غير قصد كما في النائم فلا يزول اليقين بالمحتمل، وأما إذا أكرهه غير السلطان فإنه يحد عند الامام. وقالا: لا يحد لتحقق الاكراه من غير السلطان عندهما لان المؤثر خوف الهلاك ويتحقق من غيره، وله أنه من غيره لا يدوم إلا نادرا لتمكنه من الاستغاثة بالسلطان وبجماعة المسلمين ويمكنه دفع شره بنفسه بالسلاح والنادر لا حكم له فلا يسقط الحد بخلاف السلطان لانه لا يمكنه الاستغاثة بغيره ولا الخروج بالسلاح عليه. قالوا: هذا اختلاف عصر وزمان لانه لم يمكن في زمن أبي حنيفة لغير السلطان من القوة ما لا يمكن دفعها بالسلطان، وفي زمنهما ظهرت القوة لكل متغلب فيفتي بقولهما، كذا في الظهيرية فلذا أطلق في المختصر. قوله: (وبإقرار إن أنكره الآخر) أي لا يجب الحد بإقرار أحد الزانيين إذا أنكره الآخر لان دعوى النكاح يحتمل الصدق وهو يقوم بالطرفين فأورث شبهة، وإذا سقط وجب المهر تعظيما لخطر البضع. أطلقه فشمل ما إذا قال لم أطأ أصلا أو قال تزوجت، وشمل ما إذا كان المنكر الرجل أو المرأة وهو قول الامام. وقالا: إن ادعى المنكر منهما الشبهة بأن قال تزوجته فهو كما قال، وإن أنكر الامام قال ما زنيت ولم يدع ما يسقط الحد وجب على المقر الحد دون المنكر. وحاصل دليل الامام أن الزنا فعل مشترك بينهما قائم بهما فانتفاؤه عن أحدهما يورث شبهة في الآخر، وإذا سقط الحد وجب المهر تعظيما لامر البضع، وإن كانت هي منكرة لامر النكاح لانه من ضرورة سقوط الحد. وأشار المصنف إلى أنه لو زنى بامرأة خرساء لا حد على واحد منهما. قال في الاصل: وجعل الجواب في الخرساء كالجواب فيما إذا كانت المرأة ناطقة وادعت المرأة النكاح بخلاف ما إذا كانت المرأة مجنونة أو صبية يجامع مثلها كان على الرجل الحد، وبخلاف ما إذا كانت المرأة غائبة وأقر الرجل أنه زنى بها أو شهد عليه الشهود فإنه يقام الحد على الرجل، كذا في الظهيرية قوله: (ومن زنى بأمة فقتلها لزمه الحد

[ 32 ]

والقيمة) معناه قتلها بفعل الزنا لانه جنى جنايتين فيوفر على كل واحدة منهما حكمها. وعن أبي يوسف أنه لا يحد لان تقرر ضمان القيمة سبب لملك الامة وصار كما إذا اشتراها بعد ما زنى بها وهو على هذا الخلاف، واعتراض سبب الملك قبل إقامة الحد يوجب سقوطه كما إذا ملك المسروق قبل القطع. ولهما أنه ضمان قتل فلا يوجب الملك لان ضمان دم ولو كان يوجبه إنما يوجبه في العين كما في هبة المسروق لا في منافع البضع لانها استوفيت والملك يثبت مستندا فلا يظهر في المستوفي لكونها معدومة، وهذا بخلاف ما إذا زنى بها فاذهب عينها حيث يجب عليه قيمتها ويسقط الحد لان الملك هناك يثبت في الجثة العمياء وهي عين فأورث شبهة. وأشار المصنف إلى أنه لو زنى بحرة فقتلها به يجب الحد عليه اتفاقا لان الحرة لا تملك بالضمان وإن لم يقتلها وإنما أفضاها بأن اختلط المسلكان، فإن كانت كبيرة مطاوعة له من غير دعوى شبهة فعليهما الحد ولا شئ عليه في الافضاء لرضاها به ولا مهر عليه لوجوب الحد، وإن كان مع دعوى شبهة فلا حد ولا شئ في الافضاء ويجب العقر، وإن كانت مكرهة من غير دعوى شبهة فعليه الحد دونها ولا مهر لها ثم ينظر في الافضاء، فإن لم يستمسك بولها فعليه دية المرأة كاملة لانه فوت جنس المنفعة على الكمال، وإن كان يستمسك بولها حد وضمن ثلث الدية لما أن جنايته جائفة. وإن كان مع دعوى شبهة فلا حد عليهما. وإن كان البول يستمسك فعليه ثلث الدية ويجب المهر في ظاهر الرواية، وإن لم يستمسك فعليه الدية كاملة ولا يجب المهر عندهما خلافا لمحمد. وإن كانت صغيرة يجامع مثلها فهي كالكبيرة فيما ذكرنا إلا في حق سقوط الارش برضاها، وإن كانت صغيرة لا يجامع مثلها، فإن كان يستمسك بولها لزمه ثلث الدية والمهر كاملا ولا حد عليه لتمكن القصور في معنى الزنا وهو الايلاج في قبل المشتهاة، ولهذا لا تثبت به حرمة المصاهرة. والوطئ الحرام في دار الاسلام يوجب المهر إذا انتفي الحد فيجب ثلث الدية لكونه جائفة على ما بينا، وإن كان لا يستمسك ضمن الدية ولا يضمن المهر عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: يضمن المهر أيضا لما ذكرنا. ولنا أن الدية ضمان كل العضو والمهر ضمان جزء منه وضمان الجزء يدخل في ضمان الكل إذا كانا في عضو واحد كما إذا قطع أصبع إنسان ثم قطع كفه قبل البرء يدخل أرش الاصبع في أرش الكف ويسقط إحصانه بهذا الوطئ لوجود صورة الزنا وهو الوطئ الحرام. وفي المحيط: لو كسر فخذ امرأة في الزنا أو جرحها ضمن الدية في ماله وحده لانه شبه العمد وفي شبهة تجب الدية في ماله يعني به فيما دون النفس، وإن جنت الامة فزنى بها

[ 33 ]

ولي الجناية، فإن كانت الجناية توجب القصاص بأن قتلت نفسا عمدا فلا حد عليه وعليه العقر لان من العلماء من قال يملكها في هذه الصورة فأورث شبهة، وإن كانت الجناية لا توجب القصاص فإن فداها المولى يجب عليه الحد بالاتفاق لان الزاني لم يملك الجثة، وإن دفعها بالجناية فعلى الخلاف. وفي الفوائد الظهيرية: لو غصبها ثم زنى بها ثم ضمن قيمتها فلا حد عليه عندهم جميعا خلافا للشافعي، أما لو زنا بها ثم غصبها وضمن قيمتها لم يسقط الحد. وفي جامع قاضيخان: لو زنى بحرة ثم نكحها لا يسقط الحد بالاتفاق قوله: (والخليفة يؤخذ بالقصاص والاموال لا بالحد) لان الاول حقوق العباد لما أن حق استيفائها لمن له الحق فيكون الامام فيه كغيره وإن احتاج إلى المنعة فالمسلمون منعته فيقدر بهم على الاستيفاء فكان الوجوب مفيدا، وبهذا يعلم أنه يجوز استيفاء القصاص بدون قضاء القاضي والقضاء لتمكين الولي من استيفائه لا أنه شرط كما صرحوا به. وأما الثاني - أعني الحدود - فإنما لا تقام عليه لان الحد حق الله تعالى والامام هو المكلف بإقامته وتعذر إقامته على نفسه لان إقامته بطريق الجزاء والنكال ولا يفعل ذلك أحد بنفسه ولا ولاية لاحد عليه ليستوفيه وفائدة الايجاب الاستيفاء فإذا تعذر لم يجب، وفعل نائبه كفعله لانه بأمره. أطلق في الحد فشمل حد القذف لان المغلب فيه حق الشرع فكان كبقية الحدود. والمراد بالخليفة الامام الذي ليس فوقه إمام، وقيد به احترازا عن أمير البلدة فإنه يقام عليه الحدود بأمر الامام والله أعلم. باب الشهادة على الزنا والرجوع عنها قوله: (شهدوا بحد متقادم سوى حد القذف لم يحد) أي شهدوا بسبب حد وهو الزنا أو السرقة أو شرب الخمر لا بنفس الحد، وكذلك قوله متقادم معناه متقادم سببه. والاصل أن الحدود الخالصة حقا لله تعالى تبطل بالتقادم لان الشاهد مخير بين حسبتين أداء الشهادة والستر، فالتأخير إن كان لاختيار الستر فالاقدام على الاداء بعد ذلك لضغينة هيجته أو لعداوة حركته فيتهم فيها، وإن كان التأخير لا للستر يصير فاسقا آثما فتيقنا بالمانع بخلاف التقادم في حد القذف لان فيه حق العباد لما فيه من دفع العار عنه ولهذا لا يصح رجوعه بعد الاقرار

[ 34 ]

والتقادم غير مانع في حقوق العباد، ولان الدعوى فيه شرط فيحمل تأخيرهم على انعدام الدعوى فلا يوجب تفسيقهم، ولا يرد حد السرقة لان الدعوى ليس بشرط للحد لانه خالص حق الله تعالى على ما مر وإنما شرط للمال، ولان الحكم يدار على كون الحد حقا لله تعالى فلا يعتبر وجود التهمة في كل فرد، ولان السرقة تقام على الاستشرار على غرة من المالك فيجب على الشاهد إعلامه وبالكتمان يصير فاسقا آثما. وأشار المصنف بكون التقادم مبطلا لها إلى أن التقادم يمنع الاقامة بعد القضاء حتى لو هرب بعد ما ضرب بعض الحد ثم أخذ بعد ما تقادم الزمان لا يقام عليه لان الامضاء من القضاء في باب الحدود فلا بد من قيام الشهادة حال الاستيفاء، وبالتقادم لم تبق الشهادة فلا يصح هذا القضاء الذي هو الاستيفاء. وقيد بالشهادة لانه لو أقر بسبب حد متقادم حد لانتفاء العلة لان الانسان لا يعادي نفسه إلا في حد الشرب عند أبي حنيفة وأبي يوسف فإن التقادم فيه يبطل الاقرار، كذا في غاية البيان. ولم يفسر المصنف التقادم لان الامام الاعظم لم يقدره بشئ وإنما فوضه إلى رأي القاضي في كل عصر لكن الاصح ما عن محمد أنه يقدر بشهر لان ما دونه عاجل وهو مروي عنهما أيضا، وقد اعتبره محمد في شرب الخمر أيضا. وعندهما: هو مقدر بزوال الرائحة فلو شهدوا عليه بالشرب بعدها لا تقبل. وقد جزم به المصنف في بابه فظاهره كغيره أنه المختار فعلم أن الاصح اعتبار الشهر إلا في شرب الخمر. ولم يستثن المصنف كون التقادم لبعد المكان عن القاضي لان العذر لا يختص به بل يكون بنحو مرض أو خوف طريق. وحاصله أن كل شئ منع الشاهد من المسارعة إلى أداء الشهادة فهو عذر بقدره، ولم يذكر المصنف وجوب الحد على الشهود إذا شهدوا بزنا متقادم. وذكر في الخانية: لو شهدوا بزنا متقادم اختلفوا فيه قال بعضهم يحد الشهود حد القذف، وقال بعضهم لا يحدون اه‍. قوله: (ويضمن المال) يعني في صورة شهادتهم بسرقة متقادمة لان الدعوى شرط في حقوق العباد فتأخير الشاهد لتأخير الدعوى لا يلزم فيه تفسيق ولا تهمة ولذا لم يبطل حد القذف بالتقادم إن كان الغالب فيه حق الله تعالى على الاصح لتوقفه على الدعوى. أطلقه فشمل ما إذا كان تأخير الشهادة لعدم الدعوى بسبب عدم علم صاحب المال أو لطلبه الستر أو لكتمان الشهادة بعد طلبه الشهادة منه. وينبغي أن لا تقبل شهادتهم في حق المال أيضا في الوجه الثاني لفسقهم بالكتمان. واعلم أن قولهم بضمان المال مع تصريحهم بوجود التهمة في شهادتهم مع التقادم مشكل لتصريحهم في كتاب الشهادات بأنه لا شهادة للمتهم، سواء كانت في الاموال أو في غيرها إلا أن يقال إن التهمة غير محققة وإنما الموجود الشبهة والمال يثبت مع الشبهة بخلاف الحد قوله: (ولو أثبتوا زناه بغائبة حد بخلاف السرقة) أي لو شهدوا أنه

[ 35 ]

سرق من فلان وهو غائب يقطع، والفرق أن بالغيبة تنعدم الدعوى وهي شرط في السرقة دون الزنا، وبالحضور يتوهم دعوى الشبهة ولا معتبر بالموهوم لانه شبهة الشبهة واعتبارها يؤدي ى سد باب الحدود لان المقر يحتمل أن يرجع فرجوعه شبهة فيدرأ به الحد، واحتمال رجوعه شبهة الشبهة فلا يسقط، وكذا البينة يحتمل رجوعها فرجوعها حقيقة شبهة واحتماله شبهة الشبهة. وأشار المصنف إلى أنه لو أقر أنه زنى بفلانة وهي غائبة فإنه يحد بالاولى، ولانه عليه السلام رجم ماعزا، والغامدية حين أقر بالزنا بغائبين. وقيد بالزنا لانه لو كان القصاص بين شريكين وكان أحدهما غائبا لا يتمكن الحاضر من الاستيفاء لاحتمال العفو من الغائب وهو حقيقة المسقط، فاحتماله يكون شبهة المسقط لا شبهة الشبهة قوله: (وإن أقر بالزنا بمجهولة حد وإن شهدوا بذلك لا) أي شهدوا عليه أنه زنى بامرأة لا يعرفونها لا يحد لاحتمال أنها امرأته أو أمته هو الظاهر بخلاف الاقرار لانه لا يخفى عليه امرأة وأمته، ولا اعتبار باحتمال أن تكون أمته بالميراث ولا يعرفها لانه ثابت في المعروفة كالمجهولة واعتباره يؤدي إلى انسداد باب الحدود. وفي كافي الحاكم: الشهيد وإن قال المشهود عليه إن التي رأوها معي ليست لي بامرأة ولا خادم لم يحد أيضا، وذلك لانها يتصور أنها أمة ابنه أو منكوحة نكاحا فاسدا اه‍. وهذا التعليل أولى مما علل به لعدم الوجوب من أنه إقرار مرة واحدة لانه يتقضى أنه لو قال هذه المقالة أربعا حد وليس كذلك. وفي الخانية: لو قالوا زنى بامرأة لا نعرفها ثم قالوا بفلانة فإنه لا يحد الرجل ولا الشهود اه‍. قوله: (كاختلافهم في طوعها أو في البلد ولو على كل زنا أربعة) بيان لمسألتين لا حد فيهما: الاولى لو اختلف الشهود في طوع المرأة فشهد اثنان أنه استكرهها واثنان أنها طاوعته وعدم وجوب الحد عليهما قول الامام. وقالا: يحد الرجل خاصة لاتفاقهم على الموجب عليه وانفراد أحد الفريقين بزيادة جناية وهو الاكراه بخلاف جانبها لان طواعيتها شرط لتحقق الموجب في حقها ولم يثبت لاختلافهم. وله أنه اختلف المشهود عليه لان الزنا فعل واحد يقوم بهما ولان شاهدي الطواعية صارا قاذفين لها، وإنما يسقط الحد عنهما لشهادة شاهدي الاكراه لان زناها مكرهة يسقط إحصانها فصارا خصمين في ذلك. أطلقه فشمل ما إذا شهد ثلاثة بالطواعية وواحد بالاكراه وعكسه لكن في الوجه الاول يحد الثلاثة حد القذف لعدم سقوط إحصانها بشهادة الفرد، وعند الامام لا يحدون في الوجوه الثلاثة لان اتفاق الاربعة على النسبة إلى الزنا بلفظ الشهادة مخرج لكلامهم من أن يكون قذفا. الثانية لو اختلفوا في

[ 36 ]

البلد الذي وقع فيها الزنا فهو على وجهين: أحدهما أن يشهد اثنان أنه زنى بها بالكوفة واثنان أنه زنى بها بالبصرة فلا حد عليهما لان المشهود به فعل الزنا وقد اختلف باختلاف المكان ولم يتم على كل واحد منهما نصاب الشهادة، ولا يحد الشهود خلافا لزفر لشبهة الاتحاد نظرا إلى اتحاد الصورة والمرأة. وعلى هذا الخلاف إذا جاء القاذف بأربعة شهداء فشهد اثنان أنه زنى في بلد وآخران أنه زنى في بلد آخر. وثانيهما أن يتم نصاب الشهادة بالزنا في كل بلد وهو على وجهين: أحدهما أن يذكروا وقتا واحدا مع تباعد المكانين كما إذا شهد أربعة أنه زنى بها بالبصرة وقت طلوع الشمس في اليوم الفلاني في الشهر الفلاني من السنة الفلانية وأربعة أنه زنى بها بالكوفة في الوقت المذكور بعينه، وفي هذه لا حد عليهما وهو المراد بقوله ولو على كل زنا أربعة لتيقننا بكذب أحدهما لان الشخص الواحد لا يكون في ساعة واحدة في مكانين متباعدين، ولا يعرف الصادق من الكاذب فيعجز القاضي عن الحكم بهما للتعارض أو لتهمة الكذب، ولا يحد الشهود أيضا لان كل واحد منهما تم به نصاب الشهادة واحتمل الصدق. ثانيهما أن يتقارب المكانان مع اتحاد الوقت فتجوز شهادتهم لانه يصح كون الامر فيهما في ذلك الوقت لان طلوع الشمس يقال لوقت ممتد امتدادا عرفيا لا أنه يخص وقت ظهورها من الافق. ويحتمل تكرار الفعل، كذا في فتح القدير. وذكر الحاكم في كافيه: إذا شهد أربعة على رجل بالزنا فاختلفوا في المزني بها أو في المكان أو في الوقت بطلت شهادتهم إلا أن يكون اختلافهم في مكانين متقاربين من بيت أو غير بيت فيقام الحد استحسانا اه‍ قوله: (ولو اختلفوا في بيت واحد حد الرجل والمرأة) أي اختلفوا في مكان الزنا من بيت واحدكما إذا شهد اثنان أنه زنى بها في زاوية منه واثنان أنه زنى بها في زاوية أخر منه وهذا استحسان، والقياس أن لا يجب لاختلاف المكان حقيقة. وجه الاستحسان أن التوفيق ممكن بأن يكون ابتداء الفعل في زاوية والانتهاء في زاوية أخرى بالاضطرا ب والحركة أو لان الواقع في وسط البيت فيحسبه من في المقدم في المقدم ومن في المؤخر في المؤخر فيشهد بحسب ما عنده. أطلق في البيت وهو مقيد بالصغير لان الكبير كالدار ولو اختلفا في دارين لا حد كالبلدين. والحاصل أن الاختلاف في المكان مانع لقبولها إلا إذا أمكن التوفيق بأن يكون صغيرا. وقيد الاختلاف بما ذكر لانهم لو اختلفوا في طولها وقصرها أو سمنها أو هزالها أو في لونها أو في ثيابها فإنه لا يمنع لامكان التوفيق. وقد استشكل على هذا مذهب الامام فيما إذا اختلفوا في الاكراه والطواعية فإن التوفيق فيه ممكن بأن يكون ابتداء الفعل كرها وانتهاؤه طواعية. قال في الكافي: يمكن أن يجاب عنه بأن ابتداء الفعل إذا كان عن إكراه لا يوجب الحد فبالنظر إلى الابتداء لا يجب، وبالنظر إلى الانتهاء يجب فلا يجب بالشك، وهنا بالنظر إلى الزاويتين يجب فافترقا.

[ 37 ]

قوله: (ولو شهدوا على زنا امرأة وهي بكر أو الشهود فسقه أو شهدوا على شهادة أربعة وإن شهد الاصول لم يحد أحد) بيان لثلاث مسائل لا حد فيها: الاولى لو شهدوا على رجل أنه زنى بفلانة فوجدت فلانة بكرا بقول النساء لان الزنا لا يتحقق مع بقاء البكارة فلا حد عليهما لظهور الكذب، ولا على الشهود لان سقوطه بقول النساء وشهادتهن حجة في إسقاط الحد وليس بحجة في إيجابه. وأشار المصنف إلى أنهم لو شهدوا على رجل بالزنا فوجد مجبوبا أو شهدوا عليها بالزنا فوجدت رتقاء أو قرناء فإنه لا حد على أحد لما ذكرنا. وأطلق في قوله وهي بكر فشمل ما إذا ثبتت بكارتها بقول امرأة واحدة. وكذا في الرتق والقرن وكل ما يعمل فيه بقول النساء، كذا في كافي الحاكم. الثانية لو شهد أربعة فسقة بالزنا لاشتراط العدالة فلم يثبت الزنا فلا حد ولا حد على الشهود لان الفاسق من أهل الاداء والتحمل وإن كان في أدائه نوع قصور لتهمة الفسق ولهذا لو قضى القاضي بشهادته ينفذ عندنا فيثبت بشهادتهم شبهة الزنا فسقط الحد عنهم. وأطلق في الفسقة فشمل ما إذا علم فسقهم في الابتداء أو ظهر فسقهم كما في الهداية. وأشار المصنف بسقوط الحد عن الشهود الفسقة إلى أن القاذف لو أقام أربعة من الفساق على أن المقذوف قد زنى يسقط عنه الحد - قالوا - بخلاف القاتل حيث لا يسقط عنه القتل بإقامة الشهود الفسقة على أن أولياء المقتول قد عفوا لان وجوب القود بالقتل متيقن فلا يسقط عنه بالشك والاحتمال، وحد القذف لم يجب بالقذف وإنما يجب بالعجز عن إقامة البينة وتمامه في التبيين. الثالثة لو شهدوا على شهادة أربعة فلان الشهادة على الشهادة لا تجوز في الحدود لما فيها من زيادة الشبهة لان احتمال الكذب فيها في موضعين: في شهادة الاصول وفي شهادة الفروع. ولا حد على الفروع لان الحاكي للقذف لا يكون قاذفا، وكذا لا حد على الاصول بالاولى فإذا شهد الفروع وردت شهادتهم ثم جاء الاصول بعد ذلك وشهدوا على معاينة ذلك الزنا بعينه لم تقبل شهادتهم ولم يحدوا أيضا وهو المراد بقوله وإن شهد الاصول لم يحد أحد لان شهادة الاصول قد ردت من وجه برد شهادة الفروع. قيد بالحد لانه لو ردت شهادة الفروع في الاموال فإن شهادة الاصول بعده مقبولة لثبوت المال مع الشبهة دون الحد، ولو ردت شهادة الاصول لم تقبل شهادة الاصول ولا الفروع بعده أبدا في كل شئ إن ردت لتهمة مع بقاء الاهلية، وإن ردت لعدم الاهلية كالعبيد والكفار تقبل شهادتهم في تلك الحادثة بعد العتق والاسلام لزوال المانع، كذا في التبيين قوله: (ولو كانوا عميانا أو محدودين أو ثلاثة حد الشهود لا المشهود عليهما) لانه لا يثبت بشهادة الاعمى والمحدود المال فكيف يثبت الحد وهم ليسوا من أهل أداء الشهادة فلم تثبت شبهة الزنا فكانوا قذفة فيحدون، ومراده من ليس أهلا للاداء فدخل العبد مع أنه ليس

[ 38 ]

بأهل للتحمل أيضا، ولا فرق بين أن يكون الكل كذلك أو بعضهم كذلك، وأما إذا نقص عددهم عن الاربعة فلانهم قذفة لان الشهادة قذف حقيقة وخروجها عنه باعتبار الحسبة ولا حسبة عند النقصان، وحد عمر رضي الله عنه الثلاثة الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم من غير نكير. قوله: (ولو حد فوجد أحدهم عبدا أو محدودا حدوا) لانهم قذفة إذا الشهود ثلاثة على ما بينا قوله: (وأرش ضربه هدر وإن رجم فديته على بيت المال) وهذا عند أبي حنيفة رضي الله عنه. وقالا: أرش الضرب أيضا على بيت المال. ومعناه إذا كان جرحه، وعلى هذا الخلاف إذا مات من الضرب. وعلى هذا إذا رجع الشهود لا يضمنون عنده، وعندهما يضمنون. لهما أن الواجب بشهادتهم مطلق الضرب إذا الاحتراز عن الجرح خارج عن الوسع فينتظم الجارح وغيره فيضافان إلى شهادتهم فيضمنون بالرجوع، وعند عدم الرجوع يجب على بيت المال لانه ينتقل فعل الجلاد إلى القاضي وهو عامل للمسلمين فتجب الغرامة في مالهم وصار كالرجم والقصاص. ولابي حنيفة أن الواجب هو الجلد وهو ضرب مؤلم غير جارح ولا مهلك ولا يقع جارحا ظاهرا إلا لمعنى في الضارب وهو قلة هدايته فاقتصر عليه إلا أنه لا يجب الضمان عليه في الصحيح كيلا يمتنع الناس عن الاقامة مخافة الغرامة قوله: (فلو رجع أحد لا ربعة بعد الرجم حد وغرم ربع الدية) لان الشهادة انقلبت قذفا بالرجوع لان به تنفسخ الشهادة فجعل للحال قذفا للميت وقد انفسخت الحجة فينفسخ ما ينبني عليه وهو القضاء في حقه فلا يورث الشبهة بخلاف ما إذا قذفه غيره لانه غير محصن في حق غيره لقيام القضاء في حقه. وإنما غرم الواحد الراجع ربع الدية لبقاء من يبقى بشهادته ثلاثة أرباع الحق فيكون التالف بشهادة الراجع ربع الحق، ولا يجب القصاص على الراجع عندنا لانه تسبب في الاتلاف وليس بمباشر. قيد بالرجوع لانه لو وجد واحد منهم عبدا فلا حد على واحد منهم لظهور أنها لم تكن شهادة بل هي قذف في ذلك الوقت فصاروا قاذفين حيا ثم مات والحد لا يورث على ما سيجئ، وأشار إلى أنه لو كان حده الجلد فجلد بشهادتهم ثم رجع واحد منهم فإنه يحد الراجع بالاولى وهو متفق عليه وفي مسألة الكتاب خلاف زفر، وإلى أنه لو رجع الكل حدوا وغرموا ربع الدية، وإلى أنه لو شهد على رجل أربعة أنه زنى بفلانة وشهد عليه أربعة آخرون بالزنا بغيرها ورجم فرجع الفريقان فإنهم يضمنون الدية إجماعا ويحدون للقذف عندهما. وقال محمد: لا يحدون قوله: (وقبله حدوا ولا رجم) أي لو

[ 39 ]

رجع أحدهم قبل الرجم حد الكل الراجع وغيره وامتنع الرجم. وقال محمد: حد الراجع خاصة لان الشهادة تأكدت بالقضاء فلا ينفسخ إلا في حق الراجع كما إذا رجع بعد الامضاء ولهما إن الامضاء من القضاء وصار كما إذا رجع واحد منهم قبل القضاء ولهذا يسقط الحد عن المشهود عليه. أطلق في قوله قبله فشمل ما إذا كان قبل القضاء أو بعده، وخلاف محمد إنما هو فيما بعد القضاء، وأما قبل القضاء فيحد الكل عند الثلاثة خلافا لزفر فإنه قال: يحد الراجع خاصة لانه لا يصدق على غيره. ولنا أن كلامهم قذف في الاصل وإنما يصير شهادة باتصال القضاء به فإذا لم يتصل بقي قذفا فيحدون قوله: (ولو رجع أحد الخمسة لا شئ عليه) لانه بقي من يبقى بشهادته كل الحق وهو شهادة الاربع، وشمل قوله لا شئ عليه الحد والغرم وما إذا كان قبل القضاء وبعده، وأفاد أنه لا شئ على الاربعة بالاولى، وحاصله أنه لا شئ على الكل وكأنه لم يرجع أحد. قوله: (فإن رجع آخر حدا وغرما ربع الدية) أما الحد فلانفساخ القضاء بالرجم في حقهما، وأما الغرامة فلانه بقي من يبقى بشهادته ثلاثة أرباع الحق والمعتبر بقاء من بقي على ما عرف. وأفاد بالغرامة أن المسألة بعد الرجم لانه لو كان قبله فلا غرامة وإنما لزم الاول برجوع الثاني لانه وجد منه الموجب للحد والضمان وهو قذفه وإتلافه بشهادته وإنما امتنع الوجوب لمانع وهو بقاء من يقوم بالحق، فإذا زال المانع برجوع الثاني ظهر الوجوب، وإذا رجع الثالث ضمن ربع الدية، وكذا الثاني والاول، وإذا رجع الخمسة ضمنوا الدية اخماسا، كذا في الحاوي القدسي قوله: (وضمن المزكون دية المرجوم إن ظهروا عبيدا) يعني ضمن المزكون برجوعهم عن التزكية دية المرجوم إن ظهر الشهود أنهم ليسوا أهلا للشهادة عند أبي حنيفة. وقالا: هي على بيت المال لانهم أثنوا على الشهود خيرا فصار كما إذا أثنوا على المشهود عليه خيرا بأن شهدوا بإحصانه. وله أن الشهادة إنما تصير حجة وعاملة بالتزكية فكانت التزكية في معنى علة العلة فيضاف الحكم إليها بخلاف شهود الاحصان لانه محض الشرط. قيدنا بكوبهم رجعوا بأن قالوا تعمدنا الكذب مع علمنا بأنهم ليسوا أحرارا لانهم لو ثبتوا على تزكيتهم ولم يرجعوا أو قالوا أخطأنا لم يضمنوا بالاجماع لانهم أخطؤوا فيما عملو لعامة المسلمين فصاروا كالقاضي. وأفاد بالمزكين أنهم أخبروا بحرية الشهود وإسلامهم وعدالتهم لتكون تزكية، سواء كان بلفظ الشهادة أو بلفظ الاخبار، لانهم لو أخبروا بأنهم عدول ثم ظهروا عبيدا لم يضمنوا اتفاقا لانها ليست تزكية، والقاضي قد أخطأ حيث اكتفى بهذا القدر. وقيد بالمزكيين لانه لا ضمان على الشهود والمسألة بحالها لان كلامهم لم يقع شهادة ولا يحدون للقذف لانهم قذفوا حيا وقد مات فلا

[ 40 ]

يورث. وقوله إن ظهروا عبيدا مثال بل المراد أن ظهر أنهم ليسوا أهلا للشهادة ولو كانوا كفارا. ثم اعلم أنه وقع في كثير من الكتب وجوب الضمان على المزكين بظهورهم عبيدا من غير تقييد برجوع المزكين حتى جعلها في المنظومة مسألتين: المسألة الاولى فيما إذا ظهروا عبيدا. الثانية إذا رجع المزكون وليس الامر كذلك. والحاصل أن ظهور الشهود عبيدا وعدمه لا تأثير له في ضمان المزكين وإنما الموجب عليهم هو الرجوع فقط عند الامام، وإذا لم ير جعوا وظهروا عبيدا فالضمان في بيت المال اتفاقا. قوله: (كما لو قتل من أمر برجمه فظهروا كذلك) أي يضمن المزكون الدية كما يضمن القاتل لمن أمر القاضي برجمه فظهر الشهود أنهم ليسوا أهلا للشهادة. وفي القياس يجب القصاص على قاتله لانه قتل نفسا معصومة بغير حق. وجه الاستحسان أن القضاء صحيح ظاهرا وقت القتل فأورث شبهة. وأشار بكون القاتل ضامنا إلى أن الدية في ماله لانه عمد والعواقل لا تعقل دم العمد وتجب في ثلاث سنين لانه وجب بنفس القتل بخلاف الواجب بالصلح حيث يجب حالا لانه وجب بالعقد فأشبه الثمن في البيع. وقيد بقوله وأمر القاضي برجمه لانه لو قتله بعد التزكية قبل القضاء بالرجم وجب القصاص في العمد والدية في الخطأ على عاقلته. والمراد من الامر بالرجم القضاء به فاستلزم أن يكون بعد التزكية، فلو أمر برجمه بعد الشهادة قبل التعديل خطأ من القاضي فقتله رجل عمدا وجب القصاص، أو خطأ وجبت الدية في ثلاث سنين. وقيد بقوله فظهروا كذلك لانه لو قتله بعد الامر بالرجم ولم يظهر الشهود كذلك فلا شئ عليه. ولم يذكر المصنف تعزير القاتل ولا شك فيه لافتياته على الامام كما في فتح القدير. وقيد بقتل المأمور برجمه لان من قتل من قضى بقتله قصاصا فإنه يقتص منه، سواء ظهر الشهود عبيدا أو لا، لان الاستيفاء للولي، كذا في التبيين من كتاب الردة. قوله: (وإن رجم فوجدوا عبيدا فديته في بيت المال) لانه امتثل أمر الامام فنقل فعله إليه، كذا في الهداية. وهو يقتضي أن يضبط رجم بالبناء للفاعل أي وإن رجم رجل من أمر القاضي برجمه، فالمسألة الاولى بيان لقتله بالسيف، والثانية بيان لقتله بالرجم، واقتصر عليه في فتح القدير. ويجوز أن يكون مبنيا للمفعول أي إن رجم المشهود عليه بالزنا في هذه الحالة ثم تبين حال الشهود، كذا في غاية البيان. ولم أر هل تؤخذ الدية حالا أو مؤجلة قوله: (وإن قال شهود الزنا تعمدنا النظر قبل شهادتهم) لانه يباح النظر لهم إلى الفرج ضرورة تحمل الشهادة فأشبه الطبيب والقابلة والخافضة والختان والاحتقان والبكارة في العنة

[ 41 ]

والرد بالعيب. قيد بقوله تعمدنا النظر لانهم لو قالوا تعمدنا النظر للتلذذ لا تقبل شهادتهم إجماعا لفسقهم. قوله: (ولو أنكر الاحصان فشهد عليه رجل وامرأتان أو ولدت منه زوجته رجم) أي لو أنكر الدخول بعد وجود سائر الشروط، أما إذا ولدت منه فلان الحكم بإثبات النسب منه حكم بالدخول عليه ولهذا لو طلقها يعقب الرجعة والاحصان يثبت بمثله، وأما إذا شهد عليه بالاحصان رجل وامرأتان بعد ما أنكر بعض شرائطه كالنكاح والدخول والحرية فإنه يرجم خلافا لزفر والشافعي، فالشافعي مر على أصله أن شهادتهن غير مقبولة في غير الاموال، وزفر يقول إنه شرط في معنى العلة لان الجناية تتغلظ عنده فيضاف الحكم إليه فأشبه حقيقة العلة فلا تقبل شهادة النساء فيه احتيالا للدرء، وصار كما إذا شهد ذميان على ذمي زنى عبده المسلم أنه أعتقه قبل الزنا لا تقبل لما ذكرنا. ولنا أن الاحصان عبارة عن الخصال الحميدة وأنها مانعة عن الزنا على ما ذكرنا فلا يكون في معنى العلة، وصار كما إذا شهدوا به في غير هذه الحالة، ولا يرد أنه يصح الرجوع عن الاقرار به فدل أنه كالحد لانا نقول: إنما صح لانه لا مكذب له فيه بخلاف ما ذكر لان العتق يثبت بشهادتهما، وإنما لا يثبت سبق التاريخ لانه ينكره المسلم ويتضرر به المسلم. والمراد بقوله أو ولدت منه أن يكون له من زوجته ولد قبل الزنا. قال في غاية البيان: ودلت هذه المسألة على أن إثبات الاحصان ليس مثل إثبات العقوبات كالحدود والقصاص لانها لا تثبت بدلالة الظواهر. قالوا: وكيفية الشهادة بالدخول أن يقول الشهود تزوج امرأة وجامعها أو باضعها، ولو قالوا دخل بها يكفي عندهما. وقال محمد: لا يكفي ولا يثبت بذلك إحصانه لانه مشترك بين الوطئ والزفاف والخلوة والزيارة فلا يثبت بالشك كلفظ القربان والاتيان. ولهما أنه متى أضيف إلى المرأة بحرف الباء يتعين للجماع بخلاف دخل عليها فإنه للزيارة. ولو خلا بها ثم طلقها وقال وطئتها وأنكرت صار محصنا دونها، وكذا لو قالت بعد الطلاق كنت نصرانية وقال كانت مسلمة. وإذا كان أحد الزانيين محصنا يحد كل واحد منهما حده، وإن رجع شهود الاحصان لا يضمنون وهي معروفة. وفي المحيط: امرأة الرجل إذا أقرت أنها أمه هذا الرجل فزنى الرجل يرجم، وإن أقرت بالرق قبل أن يدخل بها ثم زنى الرجل لا يرجم استحسانا لا قياسا. رجل تزوج امرأة بغير ولي فدخل بها قال أبو يوسف: لا يكونان بذلك محصنين لان هذا النكاح غير صحيح قطعا لاختلاف العلماء والاخبار فيه اه‍. والله أعلم.

[ 42 ]

باب حد الشرب أي الشرب المحرم أخره عن الزنا لانه أقبح منه وأغلظ عقوبة، وقدمه على حد القذف لتقن الحرمة في الشارب دون القاذف لاحتمال صدقه، وتأخير حد السرقة لانه لصيانة الاموال التابعة للنفوس. قوله: (من شرب خمرا وأخذ وريحها موجود أو كان سكران ولو بنبيذ وشهد رجلان أو أقر مرة حدان علم شربه طوعا وصحا) للحديث من شرب الخمر فاجلدوه ثم إن شرب فاجلدوه ثم إن شرب فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه (1) أخرجه أصحاب السنن الاربعة إلا النسائي. ثم نسخ القتل في الرابعة بما رواه النسائي أنه عليه السلام قد أتى برجل شرب الخمر في الرابعة فجلدوه ولم يقتله. وزاد في لفظ فرأى المسلمون أن الحد قد وقع وأن القتل قد ارتفع. أطلق في شرب الخمر فشمل القطرة الواحدة كما سيصرح به آخرا، وفي وجود ريحها فشمل ما إذا كان الريح موجودا وقت الشهادة أو وقت رفعه إلى الحاكم وهي على وجهين: فإن كان المكان قريبا فلا بد من وجود الرائحة عند أداء الشهادة بأن يشهدا بالشرب وبقيام الرائحة أو يشهدا به فقط فيأمر القاضي باستنكاهه فيستنكهه ويخبره بأن ريحها موجود، فإن شهدا به بعد مضي ريحها مع قرب المكان فسيأتي، وإن كان المكان بعيدا فزالت الرائحة فلا بد أن يشهدا بالشرب ويقولا أخذناه وريحها موجود لان مجيئهم به من مكان بعيد لا يستلزم كونهم أخذوه في حال قيام الرائحة فيحتاجون إلى ذكر ذلك للحاكم. ولو أخر المصنف اشتراط وجود الرائحة عن السكران بأن قال بعد قوله ولو بنبيذ وأخذ وريح ما شرب منه موجود لكان أولى لانه لا بد من وجود رائحة الشرب الذي شربه خمرا كان أو نبيذا سكر منه. وقد ذكر المصنف الريح حيث قال موجود. وفي الهداية: وريحها موجودة وهو الحق لان الريح من الاسماء المؤنثة السماعية كما في غاية البيان. وقيد بالرجلين لان شهادة النساء لا تقبل في الحدود للشبهة. ولم يذكر المصنف أن القاضي يسأل الشهود كما يسألهم في الزنا وقد ذكره قاضيخان في الفتاوي فقال: وإذا شهد

[ 43 ]

الشهود عند القاضي على رجل بشرب الخمر سألهم القاضي عن الخمر ما هي ثم سألهم كيف شرب لاحتمال أنه كان مكرها، ثم يسألهم متى شرب لاحتمال التقادم، ثم يسألهم أنه أين شرب لاحتمال أنه شرب في دار الحرب اه‍. وينبغي أن يكون السؤال عن الوقت مبنيا على قول محمد، وأما على المذهب فلا لان وجود الرائحة كاف ثم قال: فإذا بينوا ذلك حبسه القاضي حتى يسأل عن العدالة ولا يقضي بظاهر العدالة اه‍. والمشهود عليه بشربها لا بد أن يكون بالغا عاقلا مسلما ناطقا، فلا حد على صبي ولا مجنون ولا كافر. قال في الظهيرية: رجل ارتد عن الاسلام - والعياذ بالله تعالى - ثم أتى به إلى الامام ثم شرب خمرا أو سكر من غير خمر أو سرق أو زنى ثم تاب وأسلم فإنه يحد في جميع ذلك ما خلا الخمر والسكر فإنه لا يحد فيهما لان المرتد كافر وحد السكر والخمر لا يقام على أحد من الكفار اه‍. وفي الخانية: ولا يحد الاخرس سواء شهد الشهود عليه أو أشار بإشارة معهودة يكون ذلك إقرارا منه في المعاملات لان الحدود لا تثبت بالشبهات، ويحد الاعمى. ولو قال المشهود عليه بشرب الخمر ظننتها لبنا أو قال لا أعلم أنها خمر لا يقبل ذلك لانه يعرفها بالرائحة والذوق من غير ابتلاع، وإن قال ظننتها نبيذا قبل منه لان غير الخمر بعد الغليان والشدة يشارك الخمر في الذوق والرائحة ا ه‍. ولا بد من اتفاق الشاهدين فلو شهدا على الشرب والريح يوجد منه لكنهما اختلفا في الوقت لم يحد، وكذا لو شهد أحدهما أنه شربها وشهد الآخر بإقراره بشربها، وكذلك لو شهد أحدهما أنه سكر من الخمر وشهد الآخر أنه سكر من السكر، كذا في الظهيرية. وفي حصره الثبوت في البينة والاقرار دليل على أن من يوجد في بيته الخمر وهو فاسق أو يوجد القوم مجتمعين عليها ولم يرهم أحد يشربونها غير أنهم جلسوا مجلس من يشربها لا يحدون وإنما يعزرون، وكذلك الرجل يوجد معه ركوة من خمر، وكان في عهد أبي حنيفة من يقول بوجود الحد عليه فقال له الامام: لم تحده؟ فقال: لان معه آلة الشرب والفساد. فقال الامام: فارجمه إذن فإن معه آلة الزنا، كذا في الظهيرية. وفي قوله مرة لقول أبي يوسف أنه لا بد من مرتين اعتبارا بالشهادة كما في الزنا. قلنا: ثبت ذلك على خلاف القياس فلا يقاس عليه غيره، وشرط أن يعلم شربه طوعا وهو بأن يشهد الشهود أنه شربه طائعا لان الشرب مكرها لا يوجب الحد. قال في الخانية: ولو قال أكرهت عليها لا يقبل لان الشهود شهدوا عليه بالشرب طائعا، ولو لم يشهدوا بذلك لا تقبل شهادتهم، فلو قبلنا قوله كان لكل من شهد عليه بالشرب أن يقول كنت مكرها فيرتفع الحد

[ 44 ]

اه‍. قال في الظهيرية: فرق بين هذا وبين ما إذا ادعى المشهود عليه بالزنا أنه نكحها فإنه لا يحد لان هناك هو ينكر السبب الموجب للحد لان الفعل يخرج عن أن يكون زنا بالنكاح، وههنا بعذر الاكراه لا ينعدم السبب وهو حقيقة شرب الخمر إنما هذا عذر مسقط فلا يثبت إلا ببينة يقيمها على ذلك اه‍. وظاهر كلام المصنف أن الصحو شرط لاقامة الحد حتى لو حده في حال سكره لا يكتفي به لعدم فائدته من كونه زاجرا. وفي القنية: لا يجوز لقاضي الرستاق أو فقيهه أو المتفقهة وأئمة المساجد إقامة حد الشرب إلا بتولية الامام قوله: (وإن أقر أو شهد بعد مضي ريحها لا لبعد المسافة أو وجد منه رائحة الخمر أو تقاياها أو رجع عما أقر أو أقر سكران بأن زال عقله لا) أي لا يحد في هذه المسائل كلها. أما ثبوته بعد زوال رائحتها بإقرار أو ببينة فللتقادم وهو مقدر به فالتقادم يمنع قبول الشهادة بالاتفاق غير أنه مقدر بالزمان عند محمد اعتبارا بحد الزنا، وهذا لان التأخير يتحقق بمضي الزمان والرائحة قد تكون من غيره كما قيل: يقولون لي انكه شربت مدامة * فقلت لهم لا بل أكلت السفرجلا وعندهما يقدر بزوال الرائحة لقول ابن مسعود رضي الله عنه: تلتلوه ومزمزوه واستنكهوه فإن وجدتم رائحة الخمر فاجلدوه. ولان قيام الاثر من أقوى دلالة على القرب، وإنما يصار إلى التقدير بالزمان عند تعذر اعتباره والتمييز بين الروائح ممكن للمستدل وإنما يشتبه على الجهال، وأما الاقرار فالتقادم لا يبطله عند محمد كما في حد الزنا على ما مر تقريره، وعندهما لا يقام الحد إلا عند قيام الرائحة لان حد الشرب ثبت بإجماع الصحابة رضي الله عنهم ولا إجماع إلا برأي ابن مسعود وقد شرط قيام الرائحة على ما روينا. ورجح في غاية البيان قول محمد فقال: والمذهب عندي في الاقرار ما قاله محمد لان حديث ابن مسعود رضي الله عنه أنكره بعض أهل العلم. قال أبو عبيد: لان الاصل في الحدود إذا جاء صاحبها مقرا بها الرد والاعراض وعدم الاستمتاع احتيالا للدرء كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أقر ماعز فكيف يأمر ابن مسعود بالتلتلة والمزمزة والاستنكاه حتى يظهر سكره؟ فلو صح فتأويله أنه جاء في رجل أنه مولع بالشراب مدمن فاستجازه لذلك اه‍. وفي فتح القدير: وقول محمد هو الصحيح اه‍. والحاصل أن المذهب قول أبي حنيفة وأبي يوسف إلا أن قول

[ 45 ]

محمد أرجح من جهة المعنى، وقدمنا التفصيل في اشتراط وجود الرائحة، وأن المسافة إذا كانت بعيدة فالشرط وجودها عند التحمل لا الاداء وهو المراد بقوله لا لبعد المسافة. وقدمنا أن وجود الرائحة لا بد منها، سواء كان قد شرب الخمر أو سكر من بيذ. وقول الزيلعي وأشار في الهداية إلى أنه لا يشترط غير صحيح لانه قال أولا ومن شرب الخمر فأخذ وريحها موجودة أو جاؤا به وهو سكران، وثانيا فإن أخذه الشهود وريحها توجد أو سكران وكونه سكران مغن عن اشتراط وجود الرائحة إذ لا يوجد سكران بغير رائحة ما شربه. وأما إذا وجد منه رائحة الخمر أو تقيأها فلانة يحتمل أنه شربها مكرها أو مضطرا والرائحة محتملة أيضا فلا يجب الحد بالشك. وأشار إلى أنه لو وجد سكران لا يحد من غير إقرار ولا بينة لاحتمال ما ذكرنا، ولاحتمال أنه سكر من المباح. وفي الظهيرية: شهد أحدهما أنه شربها والآخر أنه قاءها لم يحد، وإذا شرب قوم نبيذا فسكر منه بعضهم دون البعض حد من سكر، وأما إذا رجع عن الاقرار فلانه خالص حق الله تعالى فيعمل الرجوع فيه كسائر الحدود. وهذا لانه يحتمل أن يكون صادقا فصارت شبهة والحدود تدرأ بالشبهات، وأما إذا أقر وهو سكران فلزيادة احتمال الكذب في إقراره فيحتال للدرء لانه خالص حق الله تعالى. وأشار إلى أن كل حد كان خالصا لله تعالى فلا يصح إقرار السكران به، وإن ما لم يكن خالصا لله تعالى فإنه يصح إقراره به كحد القذف لان فيه حق العبد والسكران فيه كالصاحي عقوبة عليه كما في سائر تصرفاته. والحاصل أن إقراره بالحدود لا يصح إلا حد القذف، وإقراره بسبب القصاص وسائر لحقوق من المال والطلاق والعتاق وغيرها صحيح لانها لا تقبل الرجوع. ولذا إذا أقر بالسرقة ولم يقطع لسكره أخذ منه المال وصار ضامنا له، وأما ارتداده فليس بصحيح فلا تبين منه أمرأته لان الكفر من باب الاعتقاد فلا يتحقق مع السكر. قال في فتح القدير: هذا في الحكم، أما فيما بينه وبين الله تعالى فإن كان في الواقع قصد أن يتكلم به ذاكرا لمعناه كفر وإلا فلا. وفي التبيين: وعند أبي يوسف ارتداده كفر، ذكره في الذخيرة. وأما إذا أسلم ينبغي أن يصح كإسلام المكره اه‍. وفي فتح القدير: إن إسلامه غير صحيح وقيد بالاقرار

[ 46 ]

لانهم لو شهدوا عليه بالشرب وهو سكران قبلت شهادتهم، وكذا بالزنا وهو سكران كما إذا زنى وهو كران، وكذا بالسرقة وهو سكران ويحد بعد الصحو ويقطع لان الانشاء لا يحتمل الكذب فيعتبر فعله فيما ينفذ من غير قصد واعتقاد. وهذا كله إذا سكر من المحرم، وأما إذا سكر بالمباح كشرب المضطر والمكره. والمتخذ من الحبوب والعسل والدواء والبنج فلا تعتبر تصرفاته كلها لانه بمنزلة الاغماء لعدم الجناية. وفي الخانية: وإن زال عقله بالبنج فطلق إن كان حين تناوله البنج علم أنه بنج يقع الطلاق، وإن لم يعلم لا يقع. وعن أبي يوسف ومحمد لا يقع من غير فصل وهو الصحيح اه‍. وهذا يدل على أن البنج حلال مطلقا على الصحيح. وقوله بأن زال عقله بيان لحد السكر فعند أبي حنيفة السكران من النبيذ الذي يحد هو الذي لا يعقل منطقا قليلا ولا كثيرا، ولا يعقل الرجل من المرأة ولا الارض من السماء، وقالا: هو الذي يهذي ويختلط كلامه غالبا، فإن كان نصفه مستقيما فليس بسكران لانه السكران في العرف وإليه مال أكثر المشايخ. وله أن يؤخذ في أسباب الحدود بأقصاها درأ للحد ونهاية السكران يغلب السرور على العقل فيسلبه الميز بين شئ وشئ، وما دون ذلك لا يعرى عن شبهة الصحو. والمعتبر في القدح المسكر في حق الحرمة ما قالاه بالاجماع أخذا بالاحتياط. وفي الخانية: وبقولهما أفتى المشايخ. وفي فتح القدير: واختاروه للفتوى لضعف دليل الامام. واستدل له في الظهيرية بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: من بات سكران بات عروسا للشيطان فعليه أن يغتسل إذا أصبح. فهذا إشارة إلى أن السكران من لا يحس بشئ مما يصنع به. وحكي أن أئمة بلخ اتفقوا على أنه يستقرأ سورة من القرآن فإن أمكنه أن يقرأها فليس بسكران حتى يحكي أن أميرا ببلخ أتاه بعض الشرطي - بسكون الراء -

[ 47 ]

بسكران فأمره الامير أن يقرأ قل يا أيها الكافرون فقال السكران للامير اقرأ سورة الفاتحة أو فلما قال الامير: الحمد لله رب العالمين قال: قف فقد أخطأت من وجهين تركت التعوذ عند افتتاح القراءة وتركت التسمية وهي آية من أول الفاتحة عند بعض الائمة والقراء، فخجل الامير وجعل يضرب الشرطي الذي جاء به ويقول: أمرتك أن تأتيني بالسكران فجئتني بمقرئ بلخ اه‍. وفي فتح القدير: ولا شك أن المراد ممن يحفظ القرآن أو كان حفظها فيما حفظ منه لا من لم يدرسها أصلا، ولا ينبغي أن يعول على هذا بل ولا معتبر به فإنه طريق سماع تبديل كلام الله تعالى فإنه ليس كل سكران إذا قيل له اقرأ قل يا أيها الكافرون يقول لا أحسنها الآن بل يندفع قارئا فيبدلها إلى الكفر، ولا ينبغي لاحد أن يلزم أحدا بطريق ذكر ما هو كفر وإن لم يؤاخذ به. قوله: (وحد السكر والخمر ولو شرب قطرة ثمانون سوطا) لاجماع الصحابة رضي الله عنهم. روى البخاري من حديث السائب بن يزيد قال: كنا نأتي بالشارب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر رضي الله عنهما فنقوم عليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا حتى كان آخر إمرة عمر رضي الله عنه فجلد أربعين حتى عتوا وفسقوا جلد ثمانين. وحاصل ما في فتح القدير أنه عليه الصلاة والسلام لم يسن فيه عددا معينا، ثم قدرة أبو بكر وعمر رضي الله عنهما بأربعين، ثم اتفقوا على ثمانين. وإنما جاز لهم أن يجمعوا على تعيينه والحكم المعلوم عنه عليه السلام عدم تعيينه لعلمهم أنه عليه السلام انتهى إلى هذه الغاية في ذلك الرجل لزيادة فساد منه، ثم رأوا أهل الزمان تغيروا إلى نحوه أو أكثر على ما تقدم من قول السائب حتى عتوا وفسقوا وعلموا أن الزمان كلما تأخر كان فساد أهله أكثر فكان ما أجمعوا عليه هو ما كان حكمه عليه السلام في أمثالهم. والسكر في عبارة المصنف بضم السين وسكون الكاف، كذا في السماع كما في غاية البيان، يعني لا السكر بفتحتين نوع من الاشربة والحاصل أن حرمة الخمر قطعية فيحد بقليله وحرمة غيره ظنية فلا يحد إلا بالسكر منه قوله: (وللعبد نصفه) أي نصف هذا الحد وهو أربعون سوطا لما رواه مالك في الموطأ أن عمر وعثمان وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم قد جلدوا عبيدهم نصف الحد في الخمر،

[ 48 ]

ولان الرق منصف للنعمة والعقوبة على ما عرف قوله: (وفرق على بدنه كحد الزنا) لان تكرار الضرب في موضع واحد قد يفضي إلى التلف والحد شرع زاجرا لا متلفا. وأشار بالتشبيه إلى أنه لا يضرب الرأس ولا الوجه ولا الفرج كما قدمنا في حد الزنا، وأنه يضرب بسوط لا تمرة له، وأنه ينزع عنه ثيابه. قال في الهداية: ثم يجرد في المشهور من الرواية. وعن محمد أنه لا يجرد إظهار للتخفيف. ووجه المشهور إذا أظهرنا التخفيف مرة فلا يعتبر ثانيا اه. وسيصرح المصنف رحمه الله في فصل التعزير أن حد الشرب أخف من حد الزنا وصفا كما هو أخف منه قدرا. والحاصل أن المضروب في الحدود والتعزير يجرد عن ثيابه إلا الازارا احتراز عن كشف العورة إلا حد القذف فإنه يضرب وعليه ثيابه إلا الحشو والفرو - كذا في غاية البيان - إلا أنه قال: والاصح عندي ما روي عن محمد من أنه لا يجرد لعدم ورود النص بذلك. باب حد القذف هو في اللغة الرمي بالشئ. وفي الشرع الرمي بالزنا. وهو من الكبائر بإجماع الامة قال الله تعالى * (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم) * (النور: 23) كذا في فتح القدير. وليس هو من الكبائر مطلقا بل بحضرة أحد، أما القذف في الخلوة فصغيرة عند الشافعية كما في شرح جمع الجوامع، وقواعدنا لا

[ 49 ]

تأباه لان العلة فيه لحوق العار وهو مفقود في الخلوة. وينبغي أن يقيد أيضا بكون المقذوف محصنا كما قيد به في الآية الكريمة فقذف غير المحصن لا يكون من الكبائر ولذا لم يجب به الحد فينبغي أن يعرف القذف في الشرع بأنه رمي المحصن بالزنا. وفي فتح القدير: وتعلق الحد به بالاجماع مستندين إلى قوله تعالى * (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) * (النور: 4) والمراد الرمي بالزنا حتى لو رماها بسائر المعاصي غيره لا يجب الحد بل التعزير، وفي النص إشارة إليه أي إلى أن المراد بالزنا وهو اشتراط أربعة من الشهود يشهدون عليها بما رماها به ليظهر به صدقه فيما رماها به، ولا شئ يتوقف ثبوته بالشهادة على شهادة أربعة إلا الزنا، ثم ثبت وجوب جلد القاذف للمحصن بدلالة هذا النص للقطع بإلغاء الفارق وهو صفة الانوثة واستقلال دفع عار ما نسب إليه بالتأثير بحيث لا يتوقف فهمه على ثبوت أهلية الاجتهاد. قوله: (هو كحد الشر ب كمية وثبوتا) أي حد القذف كحد الشرب قدرا وهو ثمانون سوطا إن كان حرا، ونص فإن كان القاذف عبدا، ويثبت سببه وهو القذف بشهادة رجلين أو بإقرار القاذفمرة. ولا تقبل فيه شهادة النساء ولا الشهادة على الشهادة ولا كتاب القاضي إلى القاضي. ولو ادعى المقذوف أن له بينة حاضرة على القاذف في مضر يحبسه القاضي في قول ابي حنيفة إلى قيام القاضي عن مجلسه، يريد به أن يلازمه ولا يأخذ منه كفيلا بنفسه في قول أبي حنيفة ومحمد. ولو أقام المقذوف شاهدا واحدا عدلا على القاذف وقال لي شاهد آخر في المصر قال أبو حنيفة رضي الله عنه: يحبسه القاضي. وكذا لو أقام المدعي شاهدين مستورين لا يعرفهما القاضي بالعدالة فإنه يحبسه. وقال أبو يوسف: لا يحبس بقول الواحد العدل. ولو قال مدعي القذف شهو دي خارج المصر أو أقام شاهدا واحدا وادعى أن بينته خارج المصر وطلب من القاضي حبس القاذف فإنه لا

[ 50 ]

يحبسه، كذا في الخانية. وفي الظهيرية: هذا إذا كان المكان الذي فيه الشاهد بعيدا من المصر بحيث لا يمكنه الاحضار في ثلاثة أيام، أما إذا كان المكان قريبا يمكنه الاحضار في ثلاثة أيام فإنه يحبسه أيضا. وفي الظهيرية أيضا: إذا ادعى رجل على رجل أنه قذفه وجاء بشاهدين فالقاضي يسأل الشاهدين عن القذف ما هو وكيف هو، فإذا قالا نشهد أنه قال له يا زاني قبلت شهادتهما وحد القاذف إن كانا عدلين، فإن شهد أحدهما أنه قال له يا زاني يوم الجمعة وشهد الآخر أنه قال له يا زاني يوم الخميس قال أبو حنيفة: تقبل هذه الشهادة. وقالا: لا تقبل، وكذا لو شهد أحدهما بالاقرار والآخر بالانشاء اه‍. قوله: (فلو قذف محصنا أو محصنة بزنا حد بطلبه مفرقا) أي بطلب المقذوف مفرقا على أعضاء القاذف لما تلوناه من الآية وبينا من الاجماع. قيد بالمحصن لان غيره لا يجب الحد بقذفه، وفيه إشارة إلى اشتراط عجز القاذف عن إقامة البينة على الزنا فإنه إذا أقام بينة على صدق مقالته لم يبق المقذوف محصنا فأغنى ذكر الاحصان عن هذا الشرط، وكذا لو صدقه المقذوف، وفي الظهيرية: رجل قذف رجلا بالزنا فرفعه المقذوف إلى القاضي فقال القاذف عندي شهود عدول على ما قلت وأقامهم على ذلك فإنه لا يحد. وهل يحد المقذوف؟ إن شهدوا بحد متقادم فإنه لا يحد كما لو شهدوا عليه بالزنا قبل القذف إن كان متقادما لم يحد، وإن كان غير متقادم حد فكذلك ههنا اه‍. وقيد بقوله بزنا لانه لو قذفه بغيره لا يكون قذفا شرعا لما قدمناه فلا حد بقوله وطئك فلان وطئا حراما أو جامعك حراما. وأطلق في الزنا ولم يقيده بلفظ ليدخل فيه ما إذا قال زنيت أو يا زاني أو أنت أزنى الناس أو أنت أزنى من فلان أو أنت أزنى مني كما في الظهيرية، ويخالفه ما في الخانية: لو قال أنت أزنى مني لا حد

[ 51 ]

عليه. ولو قال لرجل يا زانية بالتاء لا يحد في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: يكون قاذفا. ولو قال لامرأة يا زاني يجب الحد في قولهم لانه ترخيم وهو حذف آخر الكلمة. ولو قال لرجل زان لا حد عليه، ولو قال لاهل قرية ليس فيكم زان إلا واحدا أو قال كلكم زان إلا واحدا أو قال لرجلين أحدكما زان فقيل هذا لاحدهما بعينه فقال نعم لا حد عليه. ولو قال لرجل يا زاني فقال له غيره صدقت حد المبتدئ دون المصدق. ولو قال له صدقت هو كما قلت فهو قاذف أيضا. ولو أن جماعة قالوا رأينا فلانا يزني بفلانة ثم قالوا فيما دون الفرج متصلا لا حد على المقذوف ولا على الجماعة، ولو قطعوا الكلام ثم قالوا فيما دون الفرج كان عليهم حد القذف. ولو قال من قال كذا وكذا فهو ابن الزانية فقال رجل أنا قلت لا حد على المبتدئ. ولو قال لغيره أنت تزني لا حد عليه. ولو قال لامرأة ما رأيت زانية خيرا منك لا حد عليه، ولو قال لامرأة زنى بك زوجك قبل أن يتزوجك كان قاذفا. ولو قال لغيره زنى فخذك أو ظهرك أو يدك لا حد عليه. ولو قال زنى فرجك كان قاذفا. ولو قذف رجلا بغير لسان العربية كان عليه الحد. ولو قال لغيره أخبرت أنك زان أو قال أشهدت على ذلك لا حد عليه. ولو قال لغيره زنيت وفلان معك يكون قاذفا لهما. ولو قال عنيت وفلان معك شاهد لا يصدق. ولو قال أشهد أنك زان فقال رجل آخر وأنا أشهد أيضا لا حد على الثاني إلا أن يقول وأنا أشهد عليه بمثل ما شهدت به عليه فحينئذ يكون قاذفا. ولو قال لغيره اذهب إلى فلان وقل له يا زاني فلا حد على الآمر. وهل يحد المأمور؟ إن كان المأمور قال له يا زاني يحد، وإن قال له إن فلانا يقول لك يا زاني لم يحد. ولو قال لآخر يا ابن الزانية وهذا معك قال ذلك بكلام واحد فهذا ليس بقذف للثاني. ولو قال لرجل يا زاني وهذا معك كان قاذفا لهما. ولو قال لآخر يا ابن الزانية وهذا ولم يقل معك فهو قاذف للثاني. رجل قال لامرأة أجنبية زنيت ببعير أو بثور أو بحمار لا حد عليه لانه نسبها إلى التمكين من البهائم، ولو قال زنيت بناقة أو ببقرة أو بثوب أو بدرهم فعليه الحد لان معنى كلامه زنيت بناقة بذلت لك أو بدرهم بذل لك في الزنا. فإن قيل: بل معنى كلامه زنيت بدرهم استؤجرت عليه فينبغي أن لا يحد في قول أبي حنيفة، وهذا لان حرف الباء تصحب الاعواض والابدال قيل له: هذا محتمل وما ذكرناه فيتقابل المحتملان ويبقى قوله زنيت فكأنه لم يزذ على هذا. ولو قال لرجل زنيت ببعير أو بناقة أو ما أشبه ذلك لا حد عليه لانه

[ 52 ]

نسبه إلى إتيان البهيمة، فإن قال بأمة أو دار أو ثوب فعليه الحد، كذا في الخانية والظهيرية. وبه تبين أن حد القذف لا يجب مع التصريح بالزنا في بعض المسائل لقرينة، ويجب في بعض المسائل مع عدم التصريح مثل ما تقدم من قوله هو كما قال فحينئذ يحتاج إلى ضبط هذه المسألة. وفي الخانية: رجل قال لغيره يا لوطي لا حد عليه، ولو نسبه إلى اللواطة صريحا لا حد عليه في قول أبي حنيفة. وقال صاحباه: يحد اه‍. واعلم أنه يشترط وجود الاحصان وقت الحد حتى لو زنى المقذوف قبل أن يقام الحد على القاذف أو وطئ وطئا حراما على ما ذكرنا أو ارتد والعياذ بالله تعالى سقط الحد عن القاذف، ولو أسلم بعد ذلك لان إحصان المقذوف شرط فلا بد من وجوده عند إقامة الحد، كذا في فتح القدير. وقيد بطلبه لانه حقه وينتفع به على الخصوص من حيث دفع العار على نفسه وإن كان الغالب فيه حق الله تعالى على الاصح. وأشار به إلى أن الاخرس لا يوجب الحد لان طلبه يكون بالاشارة ولعله لو كان ينطبق لصدقه ولما كان الطلب، ثم الحد لدفع العار استفيد منه أنه لا بد من تصور الزنا من المقذوف حتى لو قذف رتقاء أو مجبوبا لا يجب عليه الحد لانهما لا يلحقهما العار بذلك لظهور كذبه بيقين.

[ 53 ]

قوله: (ولا ينزع عنه غير الفرو والحشو) إظهارا للتخفيف لان سببه غير متيقن به لاحتمال صدق القاذف فلا يقام على الشدة، وأما الفرو والحشو فيمنعان وصول الالم فينزعان بخلاف حد الزنا والشرب فإنه ينزع عنه ثيابه كلها إلا الازار كما قدمناه. والمراد بالحشو الثوب المحشو كالمضرب بالقطن، ومقتضى كلامهم أنه لو كان عليه ثوب ذو بطانة غير محشو لا ينزع. وفي فتح القدير: والظاهر أنه لو كان فوق قميص ينزع لانه يصير مع القميص كالمحشو أو قريبا منه ويمنع من إيصال الالم الذي يصلح زاجرا قوله: (وإحصانه بكونه مكلفا حرا مسلما عفيفا عن الزنا) فخرج الصبي والمجنون لانه لا يتصور منهما الزنا إذ هو فعل محرم والحرمة بالتكليف. وفي الظهيرية: إذا قذف غلاما مراهقا فادعى الغلام البلوغ بالسن أو الاحتلام لم يجد القاذف بقوله وخرج العبد لان الاحصان ينتظم الحرية قال تعالى * (فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) * (النساء: 25) فقذف العبد ولو مدبرا أو مكاتبا يوجب التعزير على قاذفه لا الحد. وخرج الكافر لقوله عليه السلام من أشرك بالله فليس بمحصن. وفي الخانية: ولا يجب حد القذف إلا أن يكون المقذوف حرا ثبت حريته بإقرار القاذف أو بالبينة إذا أنكر القاذف حريته، وكذا لو أنكر القاذف حرية نفسه وقال أنا عبد وعلى حد العبيد كان القول قوله اه‍. ويثبت الاحصان بشهادة رجل وامرأتين وبعلم القاضي، ولا يحلف القاذف أنه لا يعلم أن المقذوف محصن، كذا في فتح القدير. وفي الظهيرية: لو قال لامرأته زنيت وأنت كافرة وأنت في الحال مسلمة فإنه يجب اللعان، وكذلك لو قال زنيت وهي أمة وهي في الحال حرة لانه لو قال ذلك للاجنبية يجب الحد، وهذا بخلاف ما لو قال قذفتك وأنت كافرة أو وأنت أمة اه‍. وخرج غير العفيف لان الاحصان ينتظم العفة أيضا قال تعالى * (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب) * (المائدة: 5) أي العفائف، ولان المقذوف إذا لم يكن

[ 54 ]

عفيفا فالقاذف صادق فالشرائط الخمسة للاحصان داخلة تحت قوله تعالى * (والذين يرمون المحصنات) * (النور: 4) فإذا فقد واحد منها لا يكون محصنا. وفي القنية: قذف وهو مصلح ظاهرا ولم يكن عفيفا في السر يعذر في مطالبة القاذف بالحد فيما بينه وبين الله تعالى. قال رضي الله عنه: فيه نظر فإن المفهوم من قوله ولم يكن عفيفا في السر أنه من الزنا وإن كان زانيا لم يكن قذفه موجبا للحد فكيف يعذر؟ اه‍. وقيد بقوله عن الزنا لانه لا يشترط العفة عن الوطئ الحرام ولذا قال في الظهيرية: لو وطئ أمته المرتدة حد قاذفه ولو تزوج أمة على حرة فوطئها فإني أحد قاذفه، كذا في المنتقى عن أبي يوسف. قال الحاكم أبو الفضل: هذا خلاف ما في الاصل قال: ثم كل شئ اختلف فيه الفقهاء حرمه بعضهم وأحله بعضهم فأني أحد قاذفه. وفيه أيضا: لو وطئ أمته في عدة من زوج لها فأني أحد قاذفه لان ملكه في أمته صحيح، ولو وطئ جارية ابنه في عدة من زوج لها فأحبلها أو لم يحبلها فإنه يحد قاذفه. قال أبو يوسف: كل من درأت الحد عنه وجعلت عليه المهر وأثبت نسب الولد منه فإني أحد قاذفه، وكذلك لو تزوج أمة لرجل بغير إذنه ودخل بها فإني أحد قاذفه. هشام عن محمد في رجل اشترى أمة فوطئها ثم استبان أنها أخته حد قاذفه ابن سماعة عن محمد في الرقيات: أربعة شهدوا على رجل أنه زنى بفلانة بنت فلان الفلانية امرأة مغروفة سموها ووصفوا الزنا فأثبتوه والمرأة غائبة فرجم الرجل، ثم إن رجلا قذف تلك المرأة الغائبة فخاصمته إلى القاضي

[ 55 ]

الذي قضى على الرجل بالرجم قال: القياس أن يحد قاذفها لان القاضي إنما قضى عليه لا عليها لكني أستحسن أن لا أحد قاذفها ثم قال: وكما يزول الاحصان بالزنا من كل وجه يزول بالزنا من وجه، فكل وطئ حرم لعدم ملك المتعة من وجه فهو زنا من كل وجه وذلك كوطئ الاجنبية، وكل وطئ حرم مع قيام ملك المتعة من كل وجه لعارض كوطئ المرأة في حالة الحيض لا يزول به الاحصان. وإذا وطئ أمته المجوسية لا يزول إحصانه لقيام ملك المتعة من كل وجه. ولو اشترى أمة وطئها أبوه أو وطئ هو أمها ووطئها فقذفه إنسان فلا حد على القاذف بالاجماع، وكذا لو اشترى أخته من الرضاعة ووطئها سقط إحصانه لان الحرمة هنا ثابتة على سبيل التأبيد بخلاف ما تقدم. ولو اشترى أمة لمس أمها أو بنتها بشهوة أو نظر إلى فرج أمها أو بنتها بشهوة أو نظر أبوه أو ابنه إلى فرجها بشهوة ووطئها قال أبو حنيفة: لا يزول إحصانه ويحد قاذفه. وقالا: يزول إحصانه ولا يحد قاذفه. وكذلك على الاختلاف إذا تزوج امرأة بهذه الصفة ووطئها ا ه‍. وجعل في الخانية من وطئ بنكاح فاسد كمن وطئ الجارية المشتركة في عدم وجوب الحد على القاذف. والحاصل أن من زنى أو وطئ بشبهة أو بنكاح فاسد في عمره أو وطئ من هي محرمة عليه على التأبيد سقط إحصا نه ومالا فلا، كذا في شرح الطحاوي. قوله: (فلو قال لغيره لست لابيك أو لست بابن فلان في غضب حد وفي غيره لا) أي وإن قال له ذلك في حالة الرضا فلا حد لانه عند الغضب يراد به حقيقته سبا له وفي غيره يراد به المعاتبة بنفي مشابهته له في أسباب المروءة. ثم اعلم أنه قد وقع في الهداية مسألتان: الاولى قال: ومن نفى نسب غيره وقال لست لابيك فإنه يحد، وهذا إذا كانت أمة مسلمة حرة لانه في الحقيقة قذف لامه لان النسب إنما ينفى عن الزاني لا عن غيره. الثانية قال لغيره في غضب لست بابن فلان لابيه الذي يدعي له يحد ولو قال في غير غضب لا يحد وعلله بما ذكرناه، فظاهره أنهما مسألتان مختلفتان صورة وحكما لان في المسألة الاولى قد نفاه عن أبيه من غير تعرض للاب الذي يدعى إليه، وحكمها وجوب الحد مطلقا سوءا كان في غضب أو رضا، لانه لم يفصل. وفي المسألة الثانية قد نفاه عن أبيه المعين الذي يدعي إليه وحكمها التفصيل، وقد حمل بعضهم المسألة الاولى على التفصيل في الثانية وهو أنه إن كان في حالة الغضب حد لا في غيره. وجزم به في غاية البيان ولم يتعقبه في فتح القدير وهو بعيد لما صرح به في الكافي للحاكم الشهيد بقوله: وإن قال لرجل يا ولد الزنا أو يا ابن الزنا أو لست لابيك وأمه حرة مسلمة فعليه الحد، بلغنا عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه

[ 56 ]

قال: لا حد إلا في قذف محصنة أو نفي رجل عن أبيهئ اه‍. - لانه سوى بين الالفاظ الثلاثة. وقد صرح في فتح القدير بأنه إذا قال يا ولد الزنا أو يا ابن الزنا لا يتأتي فيه تفصيل بل يحد ألبتة اه‍. فكذلك إذا قال لست لابيك لانهم صرحوا أنه بمعنى أمك زانية أو زنت ولا يراد به المعاتبة حالة الرضا لانه لم يعين أبا مخصوصا حتى ينفي أن يكون على إطلاقه. ثم رأيت التصريح بذلك في فتاوي قاضيخان: قال لرجل لست لابيك عن أبي يوسف أنه قذف كان ذلك في غضب أو رضا، ولو قال ليس هذا أباك لابيه المعروف فإن كان هذا في حالة الرضا أو على وجه الاستفهام لا يكون قذفا، وإن كان في غضب أو على وجه التعيير كان قذفا اه‍. وما في القدير من أن التقدير حالة الرضا لست لابيك المشهور مجازا عن نفي المشابهة في محاسن الاخلاق فبعيد كما لا يخفى، وقد علم مما ذكرناه أنه لا بد من تقييد المختصر بأن تكون أمه محصنة لانه قذف لها وما في الهداية من التقييد بحرية أمه وإسلامها لا ينفي اشتراط بقية شروط الاحصان ولذا اعترضه الشارحون. وأشار المصنف إلى أنه لو قال إنك ابن فلان لغير أبيه فالحكم كذلك من التفصيل. وقيد بالنفي عن أبيه فقط لانه لو نفاه عن أمه أو عن أبيه وأمه فلا حد في الاحوال كلها للكذب في الثاني، ولان فيه نفي الزنا لان نفي الولادة نفي للوطئ وللصدق في الاول لان النسب ليس لامه. ولم يتعرض المصنف لطلب الولد لان الام إن كانت حية فالطلب لها، وإن كانت ميتة فالطلب لكل من يقع القدح في نسبه المخاطب وغيره سواء. وفي القنية: سمع أناس من أناس كثيرة أن فلانا ولد فلان والفلان يجحد فلهم أن يشهدوا مطلقا أن هذا ولده بمجرد السماع وإن لم يعلموا حقيقته، ولو قال واحد لهذا الولد ولد الزنا لا يحد اه‍. قوله: (كنفيه عن جده وقوله لعربي يا نبطي أو يا ابن ماء السماء ونسبته إلى حاله وعمه ورابه) أي لا يجب الحد في هذه المسائل. أما الاول وهو ما إذا نفاه عن جده فلانه صادق في

[ 57 ]

قوله، وأشار إلى أنه لو نسبه إلى جده لا يحد أيضا لانه قد ينسب إليه مجازا. وفي الظهيرية: إذا قال لست من ولد فلان فهذا قذف، ولو قال لست من ولادة فلان فهذا ليس بقذف، وإذا قال لغيره لست لاب لست لابيك لم يلدك أبوك فهذا كله قذف لامه، وكذا إذا قال لست للرشدة ا ه‍. وأما عدمه فيما إذا قال لعربي يا نبطي فلانه يراد به التشبيه في الاخلاق أو عدم الفصاحة، وكذا إذا قال لست بعربي لما قلنا، وفسره الفقيه أبو الليث برجل من غير العرب. وفي المغرب: النبط جيل من الناس بسواد العراق الواحد نبطي. وعن ثعلب عن ابن الاعرابي: رجل نباطي ولا تقل نبطي اه‍. وأشار المصنف إلى أنه لو قال لست من بني فلان فلا حد، وكذا إذا قال لها شمي لست بها شمي لكنه يعزر كما في المبسوط. وأما إذا قال لرجل يا ابن ماء السماء فلانه يراد به التشبيه في الجود والسماحة والصفاء لان ابن ماء السماء لقب به لصفائه وسخائه. وفي غاية البيان: ماء السماء هو عامر أبو مزيقيا وسمي به لانه في القحط أقام ماله مقام المطر وكان غياثا لقومه مثل ماء السماء للارض، وكانت أم المنذر بن امرئ القيس أيضا ماء السماء لجمالها وحسنها. وإنما سمي عمر وولده مزيقيا لانه كان يمزق كل يوم حلتين يلبسهما ويكره أن يعود فيهما ويكره أن يلبسهما غيره اه‍. وأما إذا نسبه إلى عمه أو خاله أو زوج أمه فلان كل واحد من هؤلاء يسمى أبا، أما الاول فلقوله تعالى * (واله آبائك إبراهيم وإسمعيل وإسحق) * (البقرة: 133) فاسمعيل كان عما له أي ليعقوب

[ 58 ]

عليهما السلام. وأما الثاني فلقوله عليه السلام الخال أب. وأما الثالث فللتربية ونسبته إلى المربي في الكتاب دون زوج الام يشير إلى أن العبرة فيه للتربية لا غير، حتى لو نسبه إلى من رباه وهو ليس بزوج لامه وجب أن لا يحد، كذا في التبيين. وظاهر كلام المصنف كغيره أنه لا يحد في هذه المسائل، سواء كان في حالة الغضب أو الرضا. وفي فتح القدير: وقد ذكر أنه لو كان هناك رجل اسمه ماء السماء يعني وهو معروف يحد في حال السباب بخلاف ما إذا لم يكن. فإن قيل: إذا كان قد سمي به وإن كان للسخاء أو الصفاء فينبغي في حال الغضب أن يحمل على النفي لكن جواب المسألة مطلقة فالجواب لما لم يعهد استعماله لذلك القصد يمكن أن يجعل المراد في حالة الغضب التهكم به عليه كما قلنا في قوله لست بعربي لما لم تستعمل في النفي يحمل في حالة الغضب على سبه بنفي الشجاعة والسخاء عنه ليس غير ا ه‍. قوله: (ولو قال يا ابن الزانية وأمه ميتة فطلب الوالد أو الولد أو ولده حد) لانه قذف محصنة بعد موتها فلكل من يقع القدح في نسبه بقذفه له المطالبة وهم الاصول والفروع لان العار يلتحق بهم لمكان الجزئية فيكون القذف متناولا لهم معنى. قيد بموتها لانها لو كانت غائبة لم يكن لهم المطالبة لجواز أن تصدق القاذف إذا حضرت والتقييد بقذف الام اتفاقي لانه لو قذف رجلا وهو ميت فلاصله أو فرعه المطالبة، ولذا ذكر في شرح الطحاوي: ولو قذف ميتا وجب الحد على القاذف وللوالدين والمولودين أن يخاصموا، لسواء كان الولد أو الوالد أو لم يكن. والتقييد بالوالد اتفاقي أيضا إذ الام كذلك لما قدمناه من قوله وللوالدين. فعلى هذا لو قذف ميتا بالزنا وله أم فلها المطالبة لانه يلحقها العار بذلك. وصرح الزيلعي بأن للاصول المطالبة وهو يقتضي أن للجد المطالبة وقد صرح في غاية البيان معزيا إلى شرح الجامع الصغير للفقيه أبي الليث بأن المراد الاب والجد وإن علا. ويخالفه ما في فتاوي قاضيخان من أن الجد أب الاب لا يطالب به ولا أم الام ولا الاخ ولا العم ولا العمة ولا مولاه، كذا في فتح القدير وهو سهو من القلم في النسخة التي نقل منها. والموجود في الفتاوي أن الجد أب الام ليس له المطالبة وليس فيما ذكر الجد أبو الاب فالحق أن له المطالبة. وأفاد بالتعبير ب‍ " أو " أن للفرع المطالبة مع وجود أصله وأن لولد الولد المطالبة مع وجود الولد، وأنه إذا صدق القاذف بعضهم فللبعض الآخر المطالبة، ولذا ذكر في الخانية أن رجلا لو قذف ميتا وله ابنان فصدقه أحدهما فللآخر أن يحده اه‍. وكذا إذا عفا بعضهم فللآخر المطالبة، وأطلق في الولد فشمل ولد البنت فله المطالبة بقذف جده، وروي عن محمد خلافه والمذهب الاول لان الشين يلحقه

[ 59 ]

إذ النسب ثابت من الطرفين. وقد أفاد صريح كلام المصنف أن ولد الولد المطالبة بقذف جده ولم يخالف في ذلك إلا زفر، ولا يخالفه ما في الخانية من أنه لو قال له جدك زان لا حد عليه لما علله في الظهيرية من أنه لا يدري أي جد هو. وأوضحه في فتح القدير بأن في أجداده من هو كافر فلا يكون قاذفا ما لم يعين مسلما بخلاف قوله أنت ابن ابن الزانية لانه قاذف لجده الادنى فإن كان أو كانت محصنة حد اه‍. وقد استفيد مما قدمه أنه لا بد أن يكون المقذوف ميتا محصنا فلذا لم يقيد به هنا. وأطلق في الطالب فشمل ما إذا كان غير محصن، فلو كان أصل المحصن الميت أو فرعه كافرا أو عبدا فله أن يطالب بالحد خلافا لزفر لانه من أهل الاستحقاق إذ الكفر أو الرق لا ينافيه وقد عيره بنسبة محصن إلى الزنا ما إذا قذفه هو لانه ليس بمحصن فلا يلحقه العار، فلو قال المصنف ولو قذف ميتا محصنا فلاصله وإن علا أو فرعه وإن سفل مطلقا المطالبة لكان أولى. قوله: (ولا يطلب ولد وعبد أباه وسيده بقذف أمه) لان المولى لا يعاقب بسبب عبده، وكذا الاب بسبب ابنه ولهذا لا يقاد الوالد بولده، ولا السيد بعبده. المراد بالولد الفرع وإن سفل، وبالاب الاصل وإن علا، ذكرا كان أو أنثى. قالوا: وليس للولد المطالبة بالحد إذا كان القاذف أباه أو جده وإن علا، وأمه وجدته وإن علت، كذا في غاية البيان. وأشار إلى أنهما لا يطالبان بقذفهما بالاولى. وقيد بولد القاذف لانه لو كان للمقذوفة الميتة ابنان أحدهما من غير القاذف فله أن يطالب بالحد لعدم المانع في حقه. وكذا لو كان لها أب ونحوه فله المطالبة حيث لم يكن مملوكا للقاذف فسقوط حق بعضهم لا يوجب سقوط حق الباقين بخلاف القصاص. والفرق بينهما أن القصاص حق العبد يستحقونه بالميراث ولهذا يثبت لجميع الورثة بقدر إرثهم، فإذا سقط حق بعضهم وهو لا يقبل التجزي سقط حق الباقين ضرورة، وأما حد القذف فحق الله تعالى، وإنما للعبد حق الخصومة إذا لحقه به شين فيثبت لكل واحد منهم على الكمال فسقوط حق بعضهم في الخصومة لا يسقط حق الباقين، ولهذا كان للابعد منهم حق مع وجود الاقرب. وقيد بالقذف لانه لو شتمه والده فإنه يعزر. قال في القنية: ولو قال لآخر يا حرام زاده لا يجب عليه حد القذف. قال: وقد كتبت أنه لو قال ذلك الوالد لاولده يجب عليه التعزير اه‍. وفي نفسي منه شئ لتصريحهم بأن الوالد لا يعاقب بسبب ولده فإذا كان القذف لا يوجب عليه شئ فالشتم أولى قوله: (ويبطل بموت المقذوف) أي بطل الحد لانه لا يورث عندنا، ولا خلاف في أنه فيه حق الشرع وحق العبد فإنه شرع لدفع العار عن

[ 60 ]

المقذوف وهو الذي ينتفع به على الخصوص، فمن هذا الوجه حق العبد، ثم إنه شرع زاجرا ومنه سمي حدا والمقصد من شرع الزواجر إخلاء العالم عن الفساد وهذا آية حق الشرع وبكل ذلك تشهد الاحكام، فإذا تعارضت الجهتان فالشافعي مال إلى تغليب حق العبد تقديما لحق العبد باعتبار حاجته وغنا الشرع ونحن صرنا إلى تغليب حق الشرع لان ما للعبد من الحق يتولاه مولاه فيصير حق لعبد مدعيا به ولا كذلك عكسه لانه لا ولاية للعبد في استيفاء حق الشرع إلا نيابة، وهذا هو الاصل المشهور الذي تتفرع عليه الفروع المختلف فيها منها: الارث إذ الارث يجري في حقوق العباد لا في حقوق الشرع، ومنها العفو فإنه لا يصح العفو عن المقذوف عندنا ويصح عنده، ومنها أنه لا يجوز الاعتياض عنه ويجري فيه التداخل، وعنده لا يجري، وعن أبي يوسف في العفو مثل قول الشافعي، ومن أصحابنا من قال إن الغالب حق العبد وخرج الاحكام والاول أظهر، كذا في الهداية. واعلم أنهم اتفقوا على أنه يشترط الدعوى في إقامته ولم تبطل الشهادة بالتقادم ويجب على المستأمن ويقيمه القاضي بعلمه إذا علمه في أيام قضائه، وكذا لو قذفه بحضرة القاضي حده، وإن علمه القاضي قبل أن يستقضي ثم ولي القضاء ليس له أن يقيمه حتى يشهد به عنده ويقدم استيفاؤه على حد الزنا والسرقة إذا اجتمعا، ولا يصح الرجوع عنه بعد الاقرار به. وهذا كله باعتبار حق العبد، واتفقوا على أن الامام يستوفيه دون المقذوف بخلاف القصاص ولا ينقلب مالا عند سقوطه، ولا يستحلف عليه القاذف ويتنصف بالرق كالعقوبات الواجبة حقا لله تعالى، ولا يباح القذف بإباحته ولا يحلف القاذف ولا يؤخذ منه كقيل إلى أن يثبت. وهذا كله باعتبار حق الله تعالى ووقع الاختلاف في الفروع المذكورة أولا. ثم اعلم أن صدر الاسلام وإن صحح أن الغالب حق العبد لم يخالف في الفروع من عدم الارث وصحة العفو إلى آخره، وإنما أجاب عنها كما في التبيين. وأطلق بطلانه بموت المقذوف فشمل الكل والبعض حتى لو ضر ب القاذف بعض الحد فمات المقذوف لا يقام ما بقي. وقيد بكونه قذفه حيا إذ لو قذفه ميتا فلاصله وفرعه المطالبة بطريق الاصالة لا بطريق الميراث. قوله: (لا بالرجوع والعفو) أي لا يبطل برجوع القاذف عن الاقرار ولا بعفو المقذوف لما قدمناه، وقد توهم بعض حنفية زماننا من عدم صحة العفو أن القاضي يقيم الحد عليه مع عفو المقذوف وتعلق بما في فتح القدير من قوله ومنها العفو فإنه بعدما ثبت عند الحاكم القذف والاحصان لو عفا المقذوف عن القاذف لا يصح منه العفو ويحد عندنا اه‍. وهو غلط

[ 61 ]

فاحش فقد صرح في المبسوط بأنه إذا قضى القاضي بحد القذف على القاذف ثم عفا المقذوف عنه بعوض أو بغير عوض لم يسقط الحد ولكن الحد وإن لم يسقط بعفوه فإذا ذهب العافي لا يكون للامام أن يستوفيه لما بينا أن الاستيفاء عند طلبه وقد ترك الطلب إلا إذا عاد وطلب فحينئذ يقيم الحد لان العفو كان لغوا فكأنه لم يخاصم إلى الآن اه‍. وفي غاية البيان معزيا إلى الشامل: لا يصح عفو المقذوف إلا أن يقول لم يقذفني أو كذب شهودي لانه حق الله تعالى إلا أن خصومته شرط اه‍. ويدل عليه أيضا ما في كافي الحاكم: لو غاب المقذوف بعدما ضرب بعض الحد لم يتم الحد إلا وهو حاضر لاحتمال العفو فالعفو الصريح أولى فتعين حمل ما في فتح القدير على ما إذا عاد وطلب قوله: (ولو قال زنأت في الجبل وعنى الصعود حد) وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: لا بحد لان المهموز منه للصعود حقيقة قالت امرأة من العرب: وارق إلى الخيرات زنأ في الجبل وذكر الجبل يقرره مرادا. ولهما أنه يستعمل في الفاحشة مهموزا أيضا لان من العرب من يهمز الملين كما يلين المهموز، وحالة الغضب والسباب تعين الفاحشة مرادا بمنزلة ما إذا قال يا زاني أو قال زنات، وذكر الجبل إنما يعين الصعود مرادا إذا كان مقرونا بكلمة على إذ هو المستعمل فيه. قيد بفي لانه لو قال زنأت على الجبل قيل لا يحد، وقيل يحد للمعنى الذي ذكرنا. وفي غاية البيان: والمذهب عندي إذا كان هذا الكلام خرج على وجه الغضب والسباب يجب الحد لدلالة الحال على ذلك إذ لا يكون صعود الجبل سبا وإلا فلا للاحتمال والحد لا يجب بالاحتمال اه‍. وفي فتح القدير: والاوجه وجوب الحد حيث كان في الغضب. وقيد بقوله زنأت بالهمز إذ لو كان بالياء وجب الحد اتفاقا. وقيد بالجار والمجرور إذ لو اقتصر على قوله زنات يحد اتفاقا كما أفاده في غاية البيان. وأطلق في وجوب الحد وقيده الشارحون بأن يكون في حالة الغضب، أما في حالة الرضا فلا حد اتفاقا وبهذا ترجح

[ 62 ]

قولهما، فما في المغرب من أن زنأ في الجبل بمعنى صعد فقول محمد أظهر اه‍. ليس بظاهر. وقيد بقوله وعنى الصعود لانه لو لم يعن الصعود يحد اتفاقا. قوله: (ولو قال يا زاني وعكس حدا) أي المبتدي والمجيب بقوله لا بل أنت لان كلا منهما قذف صاحبه، أما الاول فظاهر، وكذا الثاني لان معناه لا بل أنت زان إذ هي كلمة عطف يستدرك به الغلط فيصير المذكور في الاول خبرا لما بعد بل وإنما لم يلتقيا قصاصا لان في حد القذف الغالب حق الله تعالى فلو جعل قصاصا يلزم إسقاط حقه تعالى فلا يجوز ذلك ولذا لم يجز عفو المقذوف، فإذا طالب كل منهما الآخر وأثبته لزم الاستيفاء فلا يتمكن واحد منهما من إسقاطه فيحد كل منهما، كذا في فتح القدير. وظاهره أنه يقام عليهما ولو أسقطاه وتقدم عدم صحته وأنه غلط في الفهم، فإذا أسقطاه بعد الثبوت امتنع الامام من إقامته لعدم الطاب لا لصحة الاسقاط، فإذا عادا وطلبا أقامه عليهما. وقيد بحد القذف لانه لو قال له يا خبيث فقال له الآخر أنت تكافأ ولا يعزر كل منهما الآخر لان التعزير لحق الآدمي وقد وجب عليه مثل ما وجب للآخر فتساقطا، كذا في فتح القدير. وفي القنية: ضرب غيره بغير حق وضربه المضروب أيضا أنهما يعزران ويبدأ بإقامة التعزير بالبادئ منهما لانه أظلم والوجوب عليه أسبق اه‍. فعلم أن التعزير بالضرب كحد القذف وأن التكافؤ إنما هو في الشتم بشرط أن لا يكون بين يدي القاضي. قالوا: لو تشاتم الخصمان بين يدي القاضي عزرهما قوله: (ولو قال لامرأته يا زانية وعكست حدت ولا لعان) لانهما قاذفان وقذفه يوجب اللعان وقذفها يوجب الحد، وفي البداية بالحد إبطال اللعان لان المحدود في القذف ليس بأهل له ولا إبطال في عكسه أصلا فيحتال للدرء إذ اللعان في معنى الحد. أشار المصنف إلى أنه لو قال لامرأته يا زانية بنت الزانية فخاصمت الام أولا فحد الرجل سقط اللعان لانه بطلت شهادة الرجل ولو خاصمت المرأة أولا فلاعن القاضي بينهما ثم خاصمت الام يحد الرجل حد القذف قوله: (ولو قالت زنيت بك بطلا) أي الحد واللعان لوقوع الشك في كل واحد منهما لانه يحتمل أنها أرادت الزنا قبل النكاح فيجب الحد دون اللعان لتصديقها إياه وانعدامه منه، ويحتمل أنها أرادت زناي الذي كان معك بعد النكاح لاني ما مكنت أحدا غيرك وهو المراد في مثل هذه الحالة. وعلى هذا الاعتبار يجب الحد دون اللعان لوجود القذف منه وعدمه منها فجاء ما قلناه. أطلقه فشمل ما إذا بدأت بقولها زنيت بك ثم قذفها أو قذفها

[ 63 ]

ثم أجابت به للاحتمال المذكور، ولا فرق بين الباء وكلمة مع كزنيت معك للاحتمال السابق مع احتمال آخر وهو أني زنيت بحضورك وأنت تشهد فلا يكون قذفا. وقيد بكونها اقتصرت على هذه المقالة لانها لو زادت قبل أن أتزوجك تحد المرأة دون الرجل لان كلا منهما قذف صاحبه غير أنها صدقته فبطل موجب قذفه ولم يصدقها فوجب موجب قذفها. وقيد بكونها امرأته لانه لو كان ذلك كله مع امرأة أجنبية حدت المرأة دون الرجل لما ذكرنا من تصديقها وعدم الاحتمال الذي ذكرناه مع الزوجة. وقيد بقولها زنيت بك لانها لو قالت في جوابه أنت أزنى مني حد الرجل وحده، كذا في الخانية قوله: (وإن أقر بولد ثم نفاه لاعن) لان النسب لزمه بإقراره وبالنفي بعده صار قاذفا فيلاعن قوله: (وإن عكس حد) أي إن نفى الولد ثم أقر به فإنه يحد حد القذف لانه لما أكذب نفسه بطل اللعان لانه حد ضروري صير إليه ضرورة التكاذب، والاصل فيه حد القذف فإذا بطل التكاذب يصار إلى الاصل قوله: (والولد له فيهما) أي فيما إذا أقر به ثم نفاه أو نفاه ثم أقر به لاقراره به سابقا أو لاحقا واللعان يصح بدون قطع النسب كما يصح بدون الولد قوله: (ولو قال ليس بابني ولا بابنك بطلا) أي الحد واللعان لانه أنكر الولادة وبه لا يصير قاذفا، وكذا لو قال لاجنبي لست بابن فلان ولا فلانة وهما أبواه لا يجب عليه شئ. قوله: (ومن قذف امرأة لم يدر أبو ولدها أو لاعنت بولد أو رجلا وطئ في غير ملكه أو أمه مشتركة أو مسلما زنا في كفره أو مكاتبا مات عن وفاء لا يحد) بيان لست مسائل: أما الاوليان فلقيام أمارة الزنا منها وهو ولادة ولد لا أب له ففاتت العفة نظرا إليها وهي شرط. أطلقه فشمل ما إذا كان الولد حيا عند القذف أو ميتا، وقيد بكونها لاعنت بولد إذ لو قذف الملاعنة بغير ولد فعليه الحد لانعدام أمارة الزنا. وأشار بقوله لاعنت إلى أنه لا بد من بقاء اللعان حتى لو بطل بإكذابه نفسه ثم قذفها رجل حد لزوال التهمة بثبوت النسب منه، وكذا لو قامت البينة على الزوج أنه ادعاه وهو ينكر يثبت النسب منه ويحد ومن قذفها بعد ذلك يحد لانها خرجت عن صورة الزواني، ولو قذفها الزوج فرافعته وأقامت بينة أنه أكذب نفسه حد لان الثابت بالبينة كالثابت بإقرار الخصم أو بمعاينة، ولا بد من أن يقطع القاضي نسب الولد حتى لو لاعنت بولد ولم يقطع القاضي النسب وجب الحد على قاذفها كما في غاية البيان. والمراد بعدم معرفة أبي ولدها عدمها في بلد القذف لا في كل البلاد ولذا قال في الجامع

[ 64 ]

الصغير: امرأة قذفت في بعض البلاد ومعها أولاد لا يعرف لهم أب فقال لها رجل يا زانية الخ. وفي فتح القدير: واعلم أنه إن صح ما رواه الامام أحمد وأبو داود في حديث هلال بن أمية من قوله وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يدعي ولدها لاب ولا يرمي ولدها ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد وكذا ما رواه الامام أحمد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ولد المتلاعنين أنه يرث أمه وترثه ومن رماها به جلد ثمانين. أشكل على المذهب، والائمة الثلاثة جعلوا قذف الملاعنة بولد كقذف الملاعنة بلا ولد إلى آخره. وأما الثالثة والرابعة أعني إذا قذف رجلا وطئ المقذوف امرأة في غير ملكه أو أمة مشتركة فلفوات العفة وهي شرط الاحصان لان القاذف صادق. والاصل فيه أن من وطئ وطئا حراما لعينه لا يجب الحد بقذفه لان الزنا هو الوطئ المحرم لعينه، وإن كان محرما لغيره يحد لانه ليس بزنا والوطئ في غير الملك من كل وجه أو من وجه حرام لعينه، وكذا الوطئ في الملك والحرمة مؤبدة، فإن كانت الحرمة موقتة فالحرمة لغيره، فأبو حنيفة يشترط أن تكون الحرمة المؤبدة ثابتة بالاجماع أو بالحديث المشهور لتكون ثابتة من غير تردد، وقد قدمنا شيئا من هذه المسائل، وقيد بكونه في غير الملك لانه لو كان وطئ أمته المجوسية أو المزوجة أو امرأته الحائض أو مكاتبته أو المظاهر منها أو المحرمة أو المشتراة شراء فاسدا، فعلى قاذفه الحد لان الحرمة موقتة، وكذا إذا وطئ أخته من الرضاع وهي أمته لانها وإن كانت الحرمة مؤبدة فهي مملوكة له، وهذا قول الكرخي. والصحيح أنه لا يحد قاذفه لثبوت التضاد بين الحل والحرمة، فلو قال المصنف أو رجلا وطئ في غير ملكه أو في ملكه والحرمة مؤبدة لكان أولى. وشمل قوله في غير ملكه جارية ابنه والمنكوحة نكاحا فاسدا والامة المستحقة والمكره على الزنا والثابت حرمتها بالمصاهرة أو تزوج محارمه ودخل بهن أو جمع بين المحارم أو تزوج

[ 65 ]

أمة على حرة. وأما الخامسة وهي ما إذا قذف مسلما زنى في حال كفره فلتحقق الزنا منه شرعا وإن كان الاثم قد ارتفع بإسلامه لانعدام الملك ولهذا وجب عليه الحد لو كان في ديارنا. وأطلقه فشمل الحربي والذمي وما إذا كان الزنا في دار الاسلام أو في دار الحرب، وشمل ما إذا قال له زنيت. وأطلق ثم أثبت أنه زنى في كفره أو قال له زنيت وأنت كافر فهو كما لو قال لمعتق زنيت وأنت عبد. وأما السادسة وهي ما إذا قذف مكاتبا مات عن وفاء فلتمكن الشبهة في الحرية لمكان اختلاف الصحابة رضي الله عنهم. وقيد بكونه مات عن وفاء ليفيد أن المكاتب إذا مات من غير وفاء لا حد على قاذفه بالاولى لموته عبدا. قوله: (وحد قاذف واطئ أمة مجوسية وحائض ومكاتبة ومسلم نكح أمه في كفره) لما ذكرنا أن ملكه في هذه الاشياء ثابت والمراد بأمه محرمه، وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: لا يحد قاذفه بناء على أن نكاح الكافر محرمه صحيح وعندهما فاسد كما قدمناه في بابه قوله: (ومستأمن قذف مسلما) أي حد، وكان أبو حنيفة أولا يقول: لا يحد لان المغلب فيه حق الله تعالى فصار كسائر الحدود ثم رجع إلى ما ذكر هنا لان فيه حق العبد وقد التزم إيفاء حقوق العباد لانه التزم أن لا يؤذي بطمعه في أن لا يؤذي. والحاصل أن حد القذف يجب عليه اتفاقا، وحد الخمر لا يجب عليه اتفاقا، ولا يجب حد الزنا والسرقة خلافا لابي يوسف، وأما الذي فيجب عليه جميع الحدود اتفاقا إلا حد الخمر، كذا في غاية البيان قوله: (ومن قذف أو زنى أو شرب مرارا فحد فهو لكله) أما الاخيران فلان المقصد من إقامة الحد حقا لله تعالى الانزجار واحتمال حصوله بالاول قائم فتمكن شبهة فوات المقصود في الثاني، وأما القذف فالمغلب فيه عندنا حق الله تعالى فيكون ملحقا بهما. قيد بكونه فعل أحد هذه الاشياء لانه لو فعل كلها بأن زنى وقذف وشرب الخمر فإنه يحد لكل واحد حده منها لعدم حصول المقصود بالبعض إذ الاغراض مختلفة، فإن المقصود من حد الزنا صيانة الانساب، ومن حد القذف صيانة الاعراض، ومن حد الشرب صيانة العقول، فلا يحصل بكل جنس إلا ما قصد

[ 66 ]

بشرعه. وأطلق في قوله قذف مرارا فشمل ما إذا كان المقذوف واحدا أو جماعة فقذفهم بكلمة واحدة أو بكلمات، وشمل ما إذا كان في يوم أو أيام وما إذا طلبوا الحد كلهم أو بعضهم، وما إذا حضروا أو حضر أحدهم كما في الخانية وغيرها، وما إذا جلد للقذف إلا سوطا ثم قذف آخر في المجلس فإنه يتم الاول ولا يثنى عليه للثاني للتداخل، وما إذا قذف عبدا فأعتق ثم قذف آخر فأخذه الاول فضرب أربعين ثم أخذه الثاني قالوا: فإنه يتم له ثمانين لان الاربعين وقع لهما فيبقى للباقي أربعين، ولو قذف الآخر قبل أن يأتي به فالثمانون تكون لهما جميعا ولا يضرب ثمانين مستأنفا لان ما بقي تمامه حد الاحرار فجاز أن يدخل فيه الاحرار. وفي المحيط: رجل شرب الخمر فضرب بعض الحد ثم هرب ثم شرب ثانيا ضرب حدا مستقبلا، وكذا لو ضرب الزاني بعض الحد ثم هرب وزنى بأخرى، ولو ضرب القاذف بعض الحد فهرب ثم قذف آخر ثم قدم إلى القاضي ينظر، إن حضر المقذوف الثاني والاول جميعا يكمل الاول ويسقط الثاني لانه يتداخل، وإن حضر الثاني دون الاول يضرب جلدا مستقبلا للثاني ويبطل الاول لانه أمكن إقامة الحد للثاني لوجوه دعواه ولا يمكن الاقامة للاول لعدم دعواه اه‍. فتعين حمل ما تقدم من أنه لو جلد للقذف إلا سوطا إلى آخره على ما إذا حضرا جميعا، ومن أنه لو قذف جماعة يكتفي بحد واحد على ما إذا كان القذف لهم قبل أن يضرب البعض كما لا يخفى. وشمل ما إذا قال لرجل يا ابن الزانيين فعليه حد واحد حيين كانا أو ميتين. وحكي أن ابن أبي ليلى سمع من يقول لرجل يا ابن الزانيين فحده حدين في المسجد فبلغ أبا حنيفة فقال: يا للعجب لقاضي بلدتنا أخطأ في مسألة واحدة في خمس مواضع: الاول حده بدون طلب المقذوف. والثاني أنه لو خاصم وجب حد واحد. والثالث أنه إن كان الواجب عنده حدين ينبغي أن يتربص بينهما يوما أو أكثر حتى يخف أثر الضرب الاول. والرابع ضربه في المسجد. والخامس ينبغي أن يتعرف أن والديه في الاحياء أو لا، فإن كانا حيين فالخصومة لهما وإلا فالخصومة للابن. وأفاد بقوله فحد أن الحد وقع بعد الفعل المتكرر إذ لو حد للاول ثم فعل الثاني يحد حدا آخر للثاني، سواء كان قذفا أو زنا أو شربا كما صرح به في فتح القدير وغيره، لكن ينبغي أن يستثنى منه ما إذا قذف رجلا فحد له ثم عاد فقذفه ثانيا فإنه لا يحد ثانيا لان المقصود وهو إظهار كذب القاذف ودفع العار عن المقذوف قد حصل بالاول فلا حاجة إلى الثاني، صرح به الشارح الزيلعي في حد السرقة عند مسألة سرقة العين ثانيا بعد ما قطع، ولا يخفي ما فيه فإن بالحد الاول لم يظهر كذبه في إخبار مستقبل إنما ظهر

[ 67 ]

كذبه فيما أخبر به ماضيا قبل الحد ولهذا ذكر المحقق في فتح القدير عند تلك المسألة، وصار كما لو قذف شخصا فحد به ثم قذفه بعين ذلك الزنا بأن قال أنا باق على نسبتي إليه الزنا الذي نسبته إليه لا يحد ثانيا فكذا هذا، أما إذا قذفه بزنا آخر حد به ا ه‍. لكن في الظهيرية: ومن قذف إنسانا فحد ثم قذفه ثانيا لم يحد. والاصل فيه ما روي أن أبا بكرة لما شهد على المغيرة بالزنا وجلده عمر بن الخطاب رضي الله عنه لقصور العدد بالشهادة كان يقول بعد ذلك في المحافل: أشهد أن المغيرة لزان فأراد عمر رضي الله عنه أن يحده ثانيا فمنعه علي رضي الله عنه فرجع إلى قوله وصارت المسألة إجماعا اه‍ بلفظه. فظهر أن المذهب إطلاق المسألة كما ذكره الزيلعي. ولم يذكر المصنف التداخل في حد السرقة، ولا شك فيه لانه حق الله تعالى. ولم يذكر أيضا ما إذا اجتمعت عليه الحدود المختلفة كيف يفعل قال في المحيط: وإذا اجتمع حدان وقدر على درء أحدهما درأه، وإن كانت من أجناس مختلفة بأن اجتمع حد الزنا والسرقة والشرب والقذف والفق ء بدأ بالفق ء، فإذا برأ حد للقذف، فإذا برأ إن شاء بدأ بالقطع وإن شاد بدأ بحد الزنا، وحد الشرب آخرها لثبوته بالاجتهاد من الصحابة رضي الله عنهم، وإن كان محصنا يبدأ بالفق ء ثم يحد القذف ثم بالرجم ويلغي غيرها اه‍. قالوا: ولا يقام حد في المسجد ولا قود ولا تعزير ولكن القاضي إذا أراد أن يقام بحضرته يخرج من المسجد كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغامدية أو يبعث أمينا كما فعل عليه الصلاة والسلام في ماعز رضي الله عنه. فصل في التعزير هو تأديب دون الحد وأصله من العزر بمعنى الرد والردع، كذا في المغرب وفي ضياء

[ 68 ]

الحلوم: هو ضرب دون الحد للتأديب والتعزير التعظيم والنصر قال تعالى * (وتعزروه) * (الفتح: 9) اه‍ فالظاهر أن ما في ضياء الحلوم معناه اللغوي، وما في المغرب معناه الشريعي فإنه شرعا لا يختص بالضرب بل قد يكون به وقد يكون بالصفع وبفرك الاذن، وقد يكون بالكلام العنيف، وقد يكون بنظر القاضي إليه بوجه عبوس. وذكر أبو اليسر والسرخسي أنه لا يباح التعزير بالصفع لانه من أعلى ما يكون من الاستخفاف فيصان عنه أهل الغفلة، كذا في المجتبى. وفي ضياء الحلوم: الصفع الضرب على القفا. ولم يذكر محمد التعزير بأخذ المال وقد قيل: روي عن أبي يوسف أن التعزير من السلطان بأخذ المال جائز، كذا في الظهيرية. وفي الخلاصة: سمعت عن ثقة أن التعزير بأخذ المال إن رأى القاضي ذلك أو الوالي جاز، ومن جملة ذلك رجل لا يحضر الجماعة يجوز تعزيره بأخذ المال اه‍. وأفاد في البزازية أن معنى التعزير بأخذ المال على القول به إمساك شئ من ماله عند مدة لينزجر ثم يعيده الحاكم إليه لا أن يأخذه الحاكم لنفسه أو لبيت المال كما يتوهمه الظلمة إذ لا يجوز لاحد من المسلمين أخذ مال أحد بغير سبب شرعي. وفي المجتبى: لم يذكر كيفية الاخذ وأرى أن يأخذها فيمسكها فإن أيس من توبته يصرفها إلى ما يرى. وفي شرح الآثار: التعزير بالمال كان في ابتداء الاسلام ثم نسخ اه‍. والحاصل أن المذهب عدم التعزير بأخذ المال، وأما التعزير بالشتم فلم أره إلا في المجتبى قال: وفي شرح أبي اليسر: التعزير بالشتم مشروع ولكن بعد أن يكون قاذفا اه‍. وصرح السرخسي بأنه ليس في التعزير شئ مقدر بل هو مفوض إلى رأي القاضي لان المقصود منه الزجر وأحوال الناس مختلفة فيه. وفي الشافي: التعزير على مراتب: أشراف الاشراف وهم العلماء والعلوية بالاعلام وهو أن يقول له القاضي إنك تفعل كذا وكذا فينزجر به. وتعزير الاشراف وهم الامراء والدهاقين بالاعلام والجر إلى باب القاضي والخصومة. وتعزير الاوساط وهم السوقة بالجر والحبس. وتعزير الاخسة بهذا كله وبالضرب

[ 69 ]

اه‍. وظاهره أنه ليس مفوضا إلى رأي القاضي وأنه ليس للقاضي التعزير بغير المناسب لمستحقه. وظاهر الاول أن له ذلك وقد ذكر والتعزير بالقتل. قال في التبيين: وسئل الهندواني عن رجل وجد رجلا مع امرأة أيحل له قتله؟ قال: إن كان يعلم أنه ينزجر بالصياح والضرب بما دون السلاح لا، وإن كان يعلم أنه لا ينزجر إلا بالقتل حل له القتل، وإن طاوعته المرأة حل له قتلها أيضا. وفي المنية: رأى رجلا مع امرأته وهو يزني بها أو مع محرمه وهما مطاوعتان قتل الرجل والمرأة جميعا اه‍. فقد أفاد الفرق بين

[ 70 ]

الاجنبية والزوجة والمحرم ففي الاجنبية لا يحل القتل إلا بالشرط المذكور من عدم الانزجار بالصياح والضرب، وفي غيرها يحل مطلقا. وفي المجتبى: الاصل في كل شخص إذا رأى مسلما يزني أن يحل له قتله وإنما يمتنع خوفا أن يقتله ولا يصدق في أنه زنى. وعلى هذا القياس المكابرة بالظلم وقطاع الطريق وصاحب المكس وجميع الظلمة بأدنى شئ له قيمة وجميع الكبائر والاعونة والظلمة والسعاة فيباح قتل الكل ويثاب قاتلهم اه‍. ولم يذكر المصنف من يقيمه قالوا: لكل مسلم إقامته حال مباشرة المعصية، وأما بعد الفراغ منها فليس ذلك لغير الحاكم. قال في القنية: رأى غيره على فاحشة موجبة للتعزير فعزره بغير إذن المحتسب فللمحتسب أن يعزر المعزز إن عزره بعد الفراغ منها. قال رضي الله عنه: قوله إن عزره بعد الفراغ منها فيها إشارة إلى أنه لو عزره حال كونه مشغولا بالفاحشة فله ذلك وأنه حسن لان ذلك نهي عن المنكر وكل واحد مأمور به، وبعد الفراغ ليس بنهي عن المنكر لان النهي عما مضى لا يتصور فيتمحض تعزيرا وذلك إلى الامام ا ه‍. وذكر قبله من عليه التعزير إذا قال لرجل أقم على التعزير ففعل ثم رفع إلى القاضي فإن القاضي يحتسب بذلك التعزير الذي أقامه بنفسه ا ه‍. وفي المجتبى: فأما إقامة التعزير فقيل لصاحب الحق كالقصاص، وقيل للامام لان صاحب الحق قد يسرف فيه غلظا بخلاف القصاص لانه مقدر بخلاف التعزير الواجب حقا لله تعالى حيث يتولى إقامته كل أحد بحكم النيابة عن الله تعالى اه‍. وفي القنية: ضرب غيره بغير حق وضربه المضروب أيضا أنهما يعزران بإقامة التعزير بالبادي منهما لانه أظلم والوجوب عليه أسبق اه‍.

[ 71 ]

قوله: (ومن قذف مملوكا أو كافرا بالزنا أو مسلما بيا فاسق يا كافر يا خبيث يا لص يا فاجر يا منافق يا لوطي يا من يلعب بالصبيان يا آكل الربا يا شارب الخمر يا ديوث يا مخنث يا خائن يا ابن القحبة يا زنديق يا قرطبان يا مأوى الزواني أو اللصوص يا حرام زاده عزر) لانه جناية قذف في المسألتين الاوليين وقد امتنع وجوب الحد لفقد الاحصان فوجب التعزير وفيما عداهما قد أذاه وألحق الشين به ولا مدخل للقياس في الحدود فوجب التعزير وهو ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الامة. أما الكتاب فقوله تعالى * (واهجروهن في المضاجع واضربوهن) * (النساء: 34) وأما السنة فكثيرة منها تعزيره عليه السلام رجلا قال لغيره يا مخنث، وحبس عليه السلام رجلا بالتهمة وأجمعت الامة على وجوبه في كبيرة لا توجب الحد أو جناية لا توجب الحد، كذا في التبيين فصار الحاصل أن كل من ارتكب معصية ليس فيها حد مقدر وثبت عليه عند الحاكم فإنه يجب التعزير من نظر محرم ومس محرم وخلوة محرمة وأكل ربا ظاهر، ومن ذلك ما في القنية: مسكينة أخذت كسرة خبز من خباز فضربها حتى صرعها ليس له ذلك ويعزر اه‍. ويؤخذ منه أن من أخذ مال أحد ليس له ضربه حيث أمكنه رفعه إلى الحاكم إلا أن يقال إنه لقلة قيمتها ولكونها مسكينة ومن ذلك الاستخفاف بالمسلم كما في القنية: ومنه المسلم إذا باع الخمر فإنه يضرب ضربا وجيعا بخلاف الذمي حتى يتقدم إليه، فإن باع في المصر بعد التقديم ثم أسلم لم يسقط الضرب، كذا في القنية. وفي فتاوي القاضي: من يتهم بالقتل والسرقة وضرب الناس يحبس ويخلد في السجن إلى أن يظهر التوبة. وقد ذكروا في كتاب الكفالة أن التهمة تثبت بشهادة مستورين أو واحد عدل، فظاهره أنه لو شهد عند الحاكم واحد مستور وفاسق بفساد شخص ليس للحاكم حبسه بخلاف ما إذا كان عدلا أو مستورين فإنه له حبسه. وقال المصنف فيها: ولا يحبس في الحدود والقصاص حتى يشهد شاهدان أو واحد عدل اه‍. وتقدير مدة الحبس راجعة إلى الحاكم كما لا يخفى. وفي فتح القدير: ويعزر من شهد شرب الشاربين والمجتمعون على شبه الشرب وإن لم يشربوا ومن معه ركوة خمر، والمفطر في نهار رمضان يعزر ويحبس، والمسلم يأكل الربا يعزر ويحبس، وكذا المغني والمخنث والنائحة يعزرون ويحبسون حتى يحدثوا توبة، وكذا من قبل أجنبية أو عانقها أو لمسها بشهوة اه‍. وفي شرح الطحاوي: والاصل في وجوب التعزير أن كل من ارتكب منكرا أو آذى مسلما بغير حق بقوله أو بفعله وجب عليه التعزير إلا إذا كان الكذب

[ 72 ]

ظاهرا كقوله يا كلب اه‍. والمصنف رحمه الله اقتصر على مسائل الشتم لكثرة وقوعها خصوصا في زماننا. وأطلق عليه قذفا مجازا شرعيا وهو حقيقة لغوية لان القذف في اللغة الرمي بالحجارة ونحوها قال تعالى * (ويقذفون من كل جانب دحورا) * (الصافات: 8) وقذف المحصنات رميهن بالفجور والقذف بالغيب الرجم بالظن قال تعالى * (ويقذفون بالغيب) * (سبأ: 53) وقذف قذفا كذا في ضياء الحلوم. وأطلق في وجوب التعزير بالشتم المذكور وهو مقيد بأن يعجز القائل عن إثبات ما قاله. قال في المحيط: ولو قال له يا فاسق يا فاجر يا مخنث يا لص والمقول له فاسق أو فاجر أو لص لا يعزر، ذكره الحسن في المجرد لانه صادق في إخباره فلا يكون فيه إلحاق الشين به بل الشين كان ملحقا به. وفي فتح القدير: إنما يجب التعزير فيمن لم يعلم اتصافه به، أما من علم اتصافه فإن الشين قد ألحقه هو بنفسه قبل قول القائل اه‍. وفي القنية: قال له يا فاسق ثم راد أن يثبت بالبينة فسقه ليدفع التعزير عن نفسه لا تسمع بينته لان الشهادة على مجرد الجرح والفسق لا تقبل بخلاف ما إذا قال يا زاني ثم أثبت زناه بالبينة تقبل لانه متعلق الحد، ولو أراد إثبات فسقه ضمنا لما تصح فيه الخصومة كجرح الشهود إذا قال رشوته بكذا فعليه رده تقبل البينة، كذا هذه اه‍. وهذا إذا شهدوا على فسقه ولم يبينوه، وأما إذا بينوه بما يتضمن إثبات حق الله تعالى أو العبد فإنها تقبل كما إذا قال له يا فاسق فلما رفع إلى القاضي ادعى أنه رآه قبل أجنبية أو عانقها أو خلا بها ونحو ذلك ثم أقام رجلين شهدا أنهما رأياه فعل ذلك فلا شك في قبولها وسقوط التعزير عن القائل لانها تضمنت إثبات حق لله تعالى وهو التعزير على الفاعل لان الحق لله تعالى لا يختص بالحد بل أعم منه ومن التعزير، وكذلك يجري هذا في جرح الشاهد بمثله وإقامة البينة عليه، وينبغي على هذا للقاضي أن يسأل الشاتم عن سبب فسقه فإن بين سببا شرعيا طلب منه إقامة البينة عليه، وينبغي أنه إن بين أن سببه ترك الاشتغال بالعلم مع الحاجة إليه أن يكون صحيحا وفي مثل هذا لا يطلب منه البينة بل يسأل المقول له عن الفرائض التي يفترض عليه معرفتها، فإن لم يعرفها ثبت فسقه فلا شئ على القائل له يا فاسق لما صرح به في المجتبى من أن من ترك

[ 73 ]

الاشتغال بالفقه لا تقبل شهادته. واقتصر المصنف في مسائل الشتم على النداء وليس بقيد لان الاخبار كذلك كما إذا قال أنت فاسق أو فلان فاسق ونحوه. قال في القنية: لو قال له يا منافق أو أنت منافق يعزر اه‍. وهذا إذا لم يخرج مخرج الدعوى. قال في القنية: لو ادعى رجل عند القاضي سرقة وعجز عن إثباتها لا يعزر بخلاف دعوى الزنا لان القصد من دعوى السرقة إثبات المال لا نسبته إلى السرقة بخلاف دعوى الزنا وإن قصد إقامة الحسبة لكن لا يمكنه إلا إثباتها بالنسبة إلى الزنا فكان قاصدا نسبته إلى الزنا، وفي المال يمكنه إثباته بدون نسبته إلى السرقة فلم يكن قاصدا نسبته إلى السرقة اه‍. وفي الظهيرية عن محمد في رجل قال إن زنيت فعبده حر فادعى العبد أنه زنى أحلف المولى بالله ما زنيت، فإن حلف لم يعتق العبد ووجب على العبد الحد للمولى، وإن لم يحلف عتق العبد ولا حد على من قذفه بعد ذلك استحسانا اه‍. وفي الفتاوي السراجية: إذا ادعى شخص على شخص بدعوى توجب تكفيره وعجز المدعي عن إثبات ما ادعاه لا يجب عليه شئ إذ صدر الكلام على وجه الدعوى عند حاكم شرعي، أما إذا صدر منه على وجه السب أو الانتقاص فإنه يعزر على حسب ما يليق به اه‍. والتقييد بالمسلم في قوله أو مسلما في مسائل الشتم اتفاقا إذ لو شتم مسلم ذميا فإنه يعزر لانه ارتكب معصية، كذا في فتح القدير. وفي القنية من باب الاستحلال ورد المظالم: لو قال ليهودي أو مجوسي يا كافر يأثم إن شق عليه اه‍. ومقتضاه أن يعزر لارتكابه ما أوجب الاثم، وقد جعل المصنف من ألفاظ الشتم يا كافر يا منافق. وفي المحيط: جعل منه يا يهودي وظاهره أن الشاتم لا يكفر به. وصرح في الخلاصة

[ 74 ]

أنه لو أجابه بقوله لبيك كفر. ولا يخفى أن قوله يا رافضي بمنزلة يا كافر أو يا مبتدع فيعزر لان الرافضي كافر إن كان يسب الشيخين، ومبتدع إن فضل عليا عليهما من غير سب كما في الخلاصة وسيأتي في باب الردة إن شاء الله تعالى. وأفاد بعطفه يا فاجر على يا فاسق التغاير بينهما ولذا قال في القنية: لو أقام مدعي الشتم شاهدين شهد أحدهما أنه قال له يا فاسق والآخر على أنه قال له يا فاجر لا تقبل هذه الشهادة اه‍. وأطلق في قوله يا لوطي فأفاد أنه لا يسأل عن نيته وأنه يعزر مطلقا. وفي فتح القدير: وقيل في يا لوطي يسأل عن نيته إن أراد أنه من قوم لوط لا شئ عليه، وإن أراد أنه يعمل عملهم يعزر على قول أبي حنيفة، وعندهما يحد، والصحيح أنه يعزر إن كان في غضب - قلت - أو هزل من تعود بالهزل والقبيح اه‍. وقد ذكر المصنف من الالفاظ الديوث والقرطبان فقال في المغرب: الديوث الذي لا غيرة له ممن يدخل على امرأته. والقرطبان نعت سوء في الرجل الذي لا غيرة له. عن الليث وعن الازهري: هذا من كلام الحاضرة ولم أر البوادي لفظوا به ولا عرفوه ومنه ما في قذف الاجناس كشحات اه‍. وذكر الشارح أن القرطبان هو الذي يرى مع امرأته أو محرمه رجلا فيدعه خاليا بها. وقيل: هو المتسبب للجمع بين اثنين لمعنى غير ممدوح. وقيل: هو الذي يبعث امرأته مع غلام بالغ أو مع مزارعه إلى الضيعة أو يأذن لهما بالدخول عليها في غيبته اه‍. وعلى هذا يعزر بلفظ معرص لانه الديوث في عرف مصر. وأشار بقوله يا ابن القحبة إلى مسألتين: أحداهما إذا شتم أصله فإنه يعزر بطلب الولد كقوله يا ابن الفاسق يا ابن الكافر أو النصراني وأبوه ليس كذلك. ثانيهما أنه لو قال لامرأته يا قحبة يعزر ولا يحد للقذف بخلاف يا روسي فإنه قذف يحد به، كذا في الخانية.

[ 75 ]

وكأن الفرق بينهما أن روسبي صريح في القذف بالزنا بخلاف القحبة فإنه كناية عن الزانية. قال في الظهيرية: والقحبة الزانية مأخوذ من القحاب وهو السعال، وكانت الزانية في العرب إذا مر بها رجل سعلت ليقضي منها وطره فسميت الزانية قحبة لهذا اه‍. ومن الالفاظ الموجبة للتعزير يا رستاقي يا ابن الاسود ويا ابن الحجام وهو ليس كذلك كذا في التبيين ومنها يا خائن كما في الظهيرية ومنها يا سفيه كما في المحيط. وفي فتح القدير: الاولى للانسان فيما إذا قيل له ما يوجب التعزير أن لا يجيبه. قالوا: لو قال له يا خبيث الاحسن أن يكف عنه، ولو رفع إلى القاضي ليؤدبه يجوز، ولو أجاب مع هذا فقال بل أنت لا بأس اه‍. وفي القنية: تشاتما يجب الاستحلال عليهما. وعن الشيخ الجليل: المتكلم إن من شتم غيره أو ضربه فالذاهاب إليه في الاستحلال لا يجب عليه ويخرج عن العهدة بالارسال إليه اه‍. وهو مشكل لانه يقتضي أنه يزول عنه المأثم بمجرد الذهاب أو الارسال، سواء حالله أو أبرأه أو لا، وينبغي أن يبقى الاثم إلى أن يوجد الابراء إلا أن يقال: إن الابراء ليس في قدرته وإنما في قدرته طلب المحاللة والابراء وقد أتى بما في وسعه. وفي الخانية: التعزير حق العبد كسائر حقوقه يجوز فيه الابراء والعفو والشهادة على الشهادة ويجري فيه اليمين يعني إذا أنكر أنه سبه يحلف ويقضي بالنكول. قال في فتح القدير: ولا يخفى على أحد أنه ينقسم إلى ما هو حق العبد وحق الله تعالى فحق العبد لا شك أنه يجري فيه ما ذكر، وأما ما وجب منه حقا لله تعالى فقد قدمنا أنه يجب على الامام إقامته ولا يحل له تركه إلا فيما علم أنه انزجر

[ 76 ]

الفاعل قبل ذلك. ثم يجب أن يتفرع عليه أنه يجوز إثباته بمدع شهد به فيكون مدعيا شاهدا إذا كان معه آخر. فإن قلت: في فتاوي قاضيخان وغيره إن كان المدعى عليه ذا مروءة وكان أول ما ما فعل يوعظ استحسانا ولا يعزر فإن عاد وتكرر منه روي عنأبي حنيفة أنه يضرب وهذا يجب أن يكون في حقوق الله تعالى فإن حقوق العباد لا يتمكن القاضي فيها من اسقاط التعزير. قلت: يمكن أن يكون محمل ما قلت من حقوق الله تعالى ولا مناقضة لانه إذا كان ذا مروءة فقد حصل تعزيره بالجر إلى باب القاضي والدعوى فلا يكون مسقطا لحق الله تعالى في التعزير. وقوله ولا يعزر يعني بالضرب في أول مرة فإن عاد عزره حينئذ بالضرب، ويمكن كون محمله حق آدمي من الشتم وهو ممن تعزيره بما ذكرنا، وقد روي عن محمد في الرجل يشتم الناس إن كان ذا مروأة وعظ، وإن كان دون ذلك حبس، وإن كان سبابا ضرب وحبس يعني الذي دون ذلك، والمروءة عندي في الدين والصلاح. اه‍ ما في فتح القدير. وفي الخلاصة: لو ادعى عليه أنه قال له يا فاسق أو يا زنديق أو يا كافر أو يا منافق أو يا فاجر أو ما يجب فيه التعزير لا يحلفه بالله ما قلت هذا لكن يحلف بالله ماله عليك هذا الحق الذي يدعي ذكره في كيفية الاستحلال. وفي القنية: التعزير لا يسقط بالتوبة. وفي مشكل الآثار: وإقامة التعزير إلى الامام عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد والشافعي والعفو إليه أيضا. قال الطحاوي: وعندي أن العفو ثابت للذي جنى عليه لا للامام قال رضي الله عنه: ولعل ما قالوه من أن العفو إلى الامام فذاك في التعزير الواجب حقا لله تعالى بأن ارتكب منكرا ليس فيه حد مشروع من غير أن يجني على إنسان، وما قاله الطحاوي فيما إذا جنى على إنسان اه‍. ما في القنية. فهذا كله يدل على أن العفو للامام جائز وهو مخالف لما في فتح القدير.

[ 77 ]

قوله: (وبيا كلب يا تيس يا حمار يا خنزير يا بقر يا حية يا حجام يا بغا يا مؤاجر يا ولد الحرام يا عيار يا ناكس يا منكوس يا سخرة يا ضحكة يا كشحان يا أبله ياموسوس لا) أي لا يعزر بهذه الالفاظ. أما عدم التعزير في يا كلب يا حمار يا خنزير يا بقر يا حية يا تيس يا ذئب يا قرد فلظهور كذبه. قال في الحاوي القدسي: الاصل أن كل سب عاد شينه إلى الساب فإنه لا يعزر، فإن عاد الشين فيه إلى المسبوب عزر. وعلله في الهداية بأنه ما ألحق الشين به للتيقن بنفيه. وفي هذه الالفاظ ثلاثة مذاهب: ظاهر الرواية أنه لا يعزر مطلقا لما ذكرنا واختار الهندواني أنه يعزر به وهو قول الائمة الثلاثة لان هذه الالفاظ تذكر للشتيمة في عرفنا. وفي فتاوي قاضيخان في يا كلب لا يعزر قال: وعن الفقيه أبي جعفر أنه يعزر لانه شتيمة ثم قال: والصحيح أنه لا يعزر لانه كاذب قطعا اه‍. وفي المبسوط: فإن العرب لا تعده شتيمة ولهذا يسمون بكلب وذئب. وذكر قاضيخان عن أمالي أبي يوسف في يا خنزير يا حمار يعزر. ثم قال: وفي رواية محمد لا يعزر وهو الصحيح، وصاحب الهداية استحسن التعزير إذا كان المخاطب من الاشراف وتبعه في التبيين، وسوى في فتح القدير بين قوله يا حجام وبين قوله يا ابن الحجام حيث لم يكن كذلك في عدم التعزير. وفرق بينهما في التبيين فأوجب التعزير في يا ابن الحجام دون يا حجام كأنه لعدم ظهور الكذب في قوله يا ابن الحجام لموت أبيه فالسامعون لا يعلمون كذبه فلحقه الشين بخلاف قوله له يا حجام لانهم يشاهدون صنعته. وأما بغا - بالباء الموحدة والغين المعجمة المشددة - فهو المأبون بالفارسية ويقال باغا وكأنه انتزع من البغاء، كذا في المغرب. وينبغي أن يجب التعزير فيه اتفاقا لانه ألحق الشين به لعدم ظهور الكذب فيه ظاهرا لانه مما يخفي وهو بمعنى يا معفوج وهو المأتي في الدبر. وقد

[ 78 ]

صرح في الظهيرية بوجوب التعزير فيه معللا بأنه ألحق الشين به بل هو أقوى إيذاء لان الابنة في العرف عيب شديد إذ لا يقدر على ترك أن يؤتى في دبره بسبب دودة ونحوها، وأما المؤاجر فإن كان بكسر الجيم فهو بمعنى المؤجر للشئ ولا عيب فيه إلا أن هذا اللفظ لهذا المعنى في اللغة خطأ وقبيح، وإن كان بفتح الجيم بمعنى المؤجر بالفتح يقال آجره المملوك فاسم المفعول مؤجر ومؤاجر كذا في المغرب - فقد نسبه إلى أن غيره قد استأجره ولا عيب فيه، سواء كان صادقا أو كاذبا، لانها عقد شرعي. وأما ولد الحرام فينبغي التعزير به لانه في العرف بمعنى يا ولد الزنا ولم يجب القذف لانه ليس بصريح وقد ألحق الشين به. وقد أبدله في فتح القدير بيا ولد الحمار وهذا هو الظاهر. وأما العيار - بالعين المهملة المفتوحة والياء المثناة التحتية المشددة - فهو كثير المجئ والذهاب. عن ابن دريد وعن ابن الانباري: العيار من الرجال الذي يخلي نفسه وهواها لا يردعها ولا يزجرها. وفي أجناس الناطفي: الذي يتردد بلا عمل وهو مأخوذ من قولهم فرس عائر وعيار، كذا في المغرب. وكأنه لما كان أمر الانسان ظاهرا من التردد أو كثرة المجئ والذهاب لم يلحق الشين به فلذا لم يعزر. وأما قوله يا ناكس يا منكوس ففي ضياء الحلوم من باب فعل - بكسر العين - النكس الرجل الضعيف، ومن باب فعل بالفتح يفعل بالضم النكس قلب الشئ على رأسه قال الله تعالى * (ثم نكسوا على رؤسهم) * (الانبياء: 65) اه‍. فكأنه دعا على المخاطب فلا تعزير فيه لعدم إلحاق الشين به. وأما السخرة بضم السين ففي المغرب: السخري من السخرة وهو ما يتسخر أي يستعمل بغير أجر اه‍. فلا شين فيه بل هو مدح. وأما الضحكة - بضم الضاد - فهو الشئ يضحك منه، كذا في ضياء الحلوم. ولا يخفي أن المقول له إذا لم يكن كذلك فقد استخف به ومن استخف بغيره عزر فينبغي التعزير به ولذا قال في الولوالجية: لو قال له يا ساحر يا ضحكة يا مقامر

[ 79 ]

لا يعزر، هكذا ذكر في بعض المواضع والظاهر أنه يجب اه‍. وأما الكشحان فرأيت في بعض الحواشي أنه بالحاء المهملة. وفي المغرب: الكشحان الديوث الذي لا غيرة له، وكشحه وكشحته شتمته ويقال يا كشحان اه‍. فحينئذ هو بمعنى القرطبان والديوث فيجب فيه التعزير ولذا قال في فتح القدير: والحق ما قاله بعض أصحابنا أنه يعزر في الكشحان إذ قيل إنه قريب من معنى القرطبان والديوث اه‍. فما في المختصر مشكل لكن قال في ضياء الحلوم: كشح القوم عن الشئ إذا تفرقوا عنه وذهبوا، وكشح له بالعداوة أضمرها في كشحه لان العداوة فيه، وقيل الكاشح المتباعد عن مودة صاحبه من قولهم كشح القوم على الشئ إذا ذهبوا عنه، وفي الحديث أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح فإن صح مجئ الكشحان منه فلا إشكال أنه ليس بمعنى القرطبان فلذا فرق المصنف بينهما. وأما الابله ففي ضياء الحلوم: البله الغفلة، وفي الحديث أكثر من يدخل الجنة البله قيل: البله في أمر الدنيا الغافلون عن الشر وإن لم يكن بهم بله. قال الزبرقان: خير أولادنا الابله العقول أي الذي هو لشدة حيائه كالابله وهو عاقل اه‍. فعلم أنها صفة مدح وإن كانت مفضولة بالنسبة لمن عنده حذق وعلم كما صرح به القرطبي في شرح مسلم في قوله عليه السلام إن أهل الجنة يتراؤن الغرف فوقهم كالكوكب الدري (1) وصرح بأن المراد بهم البله وأن العلماء هم أهل الغرق فوقهم. وقيد بالابله احترازا عن البليد فإنه يعزر به. قال في الولوالجية: لو قال يا بليد يا قذر يجب فيه التعزير لانه قذفه بمعصية ولانه ألحق الشين به اه‍. وفي كونه معصية نظر والظاهر التعليل الثاني. وأما الموسوس فضبطه في الظهيرية في فصل التعزير بكسر الواو، وفي المغرب: رجل موسوس بالكسر ولا يقال بالفتح ولكن موسوس له أو إليه أي ملقى إليه الوسوسة. وقال الليث: الوسوسة حديث النفس. وإنما قيل موسوس لانه يحدث بما في ضميره. وعن أبي الليث: لا يجوز طلاق الموسوس يعني المغلوب في عقله وعن الحاكم: هو المصاب في عقله إذا تكلم تكلم بغير نظام اه‍. قوله: (وأكثر التعزير تسعة وثلاثون سوطا) وعن أبي يوسف أكثره خمسة وسبعون سوطا والاصل فيه الحديث من بلغ حدا في غير حد فهو من المعتدين فتعذر تبليغه حدا

[ 80 ]

بالاجماع غير أن أبا حنيفة اعتبر أدنى الحدود وهو حد العبيد لان مطلق ما روينا يتناوله وأقله أربعون، وأبو يوسف اعتبر حد الاحرار لانهم هم الاصول وأقله ثمانون فلا بد من النقص عنه، ففي رواية عنه ينقص خمسة وروي ذلك عن علي رضي الله عنه وهو ظاهر الرواية عن أبي يوسف كما في فتح القدير. قيل: وليس فيه معنى معقول فلا يضره لانه قلد فيه عليا رضي الله عنه، ويجب تقليد الصحابي فيما لا يدرك بالرأي. وفي رواية ينقص سوط. وفي الحاوي القدسي قال أبو يوسف: أكثر في العبد تسعة وثلاثون سوطا، وفي الحر خمسة وسبعون سوطا وبه نأخذ اه‍. فعلم أن الاصح قول أبي يوسف. وفي المجتبى: وروي أنه ينقص منها سوطا وهو قول زفر وهو القياس وهو الاصح اه‍. وفي فتح القدير: وبما ذكرنا من تقدير أكثره بتسعة وثلاثين يعرف أن ما ذكر مما تقدم من أنه ليس في التعزير شئ مقدر بل مفوض إلى رأي الامام أي من أنواعه فإنه يكون بالضرب وبغيره مما تقدم ذكره أما إن اقتضى رأيه الضرب في خصوص الواقعة فإنه حينئذ لا يزيد على تسعة وثلاثين اه‍. وقد وقع لي تردد في مسألة وهي أن انسانا لو ضرب انسانا بغير حق أكثر من أكثر التعزير ورفع إلى القاضي وثبت عليه أنه ضربه مثلا خمسين سوطا كيف يعزره القاضي؟ فإنه إن ضربه خمسين زاد على أكثر التعزير، وإن اقتصر على الاكثر لم يكن مستوفيا لحق المضروب إلا أن يقال: إن حقه التعزير لا القصاص وقد صرح في الخانية أن مما يجب التعزير به الضرب قوله: (وأقله ثلاثة) أي أقل التعزير بالضرب ثلاثة أسواط وهكذا ذكر القدوري فكأنه يرى أن ما دونها لا يقع به الزجر وليس كذلك، بل يختلف ذلك باختلاف الاشخاص فلا معنى لتقديره مع حصول المقصود بدونه فيكون مفوضا إلى رأي القاضي يقيمه بقدر ما يرى المصلحة فيه على ما بينا تفاصيله وعليه مشايخنا، كذا في التبيين. والحاصل أن على ما في المختصر لو علم القاضي أن الزجر يحصل بسوط لا يكتفى به بل لا بد من الثلاثة وعلى قول المشايخ يكتفى به اه‍. قوله: (وصح حبسه بعد الضرب) أي جاز للحاكم أن يحبس العاصي بعد الضرب فيجمع بين حبسه وضربه لانه صلح تعزيرا وقد ورد به الشرع في الجملة حتى جاز أن يكتفي به فجاز أن يضم إليه، ولهذا لم يشرع في التعزير بالتهمة قبل ثبوته كما شرع في الحد لانه من التعزير. أطلق في الحبس فشمل الحبس في البيت والسجن. قال في الحاوي القدسي: وقد يكون التعزير بالحبس في بيته أو في السجن اه‍.

[ 81 ]

پقوله: (وأشد الضرب التعزير) لانه جرى التخفيف فيه من حيث العدد فلا يخفف من حيث الوصف كيلا يؤدي إلى فوات المقصود. ولم يذكر المصنف أنه يفرق على الاعضاء كضرب الحدود لانه لا يفرق كما في الهداية وإليه يشير إطلاق الاشدية الشاملة لقوته وجمعه في عضو واحد، وفي حدود الاصل يفرق التعزير على الاعضاء وفي أشربة الاصل يضرب التعزير في موضع واحد. قال في التبيين: وليس في المسألة اختلاف الرواية وإنما اختلف الجواب لاختلاف الموضوع، فموضوع الاول إذا بلغ بالتعزير أقصاه، وموضوع الثاني إذا لم يبلغ ا ه‍. وهكذا في المجتبى وفي فتح القدير، وأثبت الاختلاف في غاية البيان معزيا إلى الاسبيجابي فقال بعضهم: الشدة هو الجمع فتجمع الاسواط في عضو واحد ولا يفرق على الاعضاء بخلاف سائر الحدود. وقال بعضهم: لا بل شدته في الضرب لا في الجمع اه‍. قالوا: ويتقي المواضع التي تتقى في الحدود. قال في المجتبي: ويضرب الظهر والالية. قالوا: ويبلغ في التعزير غايته وهو تسعة وثلاثون سوطا فيما إذا أصاب من الاجنبية كل محرم غير الجماع، وفيما إذا أخذ السارق بعد ما جمع المتاع قبل الاخراج، وفيما إذا شتمه بجنس ما يجب به حد القذف كقوله للعبد أو الذمي يا زاني. وأشار بالاشدية إلى أنه يجرد من ثيابه. قال في غاية البيان: ويجرد في سائر الحدود إلا في حد القذف فإنه يضرب وعليه ثيابه كما قدمناه. ويخالفه ما في فتاوي قاضيخان يضرب للتعزير قائما عليه ثيابه وينزع الفرو والحشو ولا يمد في التعزير اه‍. والظاهر الاول لتصريح المبسوط به وإلى أنه لو اجتمع التعزير مع الحدود قدم التعزير في الاستيفاء لتمحضه حقا للعبد، كذا في الظهيرية قوله: (ثم حد الزنا) لانه ثابت بالكتاب وحد الشرب ثابت بقول الصحابة رضي الله عنهم ولانه أعظم جاية حتى شرع فيه الرجم قوله: (ثم الشرب ثم القذف) يعني حد الشرب يلي حد الزنا في شدة الضرب لما قدمناه، وحد القذف أدنى الكل وإن كان ثابتا بالكتاب إلا أن سببه محتمل لاحتمال كونه صادقا وسبب حد الشرب متيقن به وهو الشرب، والمراد أن الشرب متيقن السببية للحد لا متيقن الثبوت لانه بالبينة أو الاقرار وهما لا يوجبان اليقين قوله: (ومن حد أو عزر فمات فدمه هدر) لانه فعل ما فعل بأمر الشارع وفعل المأمور لا يتقيد بشرط السلامة كالفصاد والبزاغ. قال في ضياء الحلوم: ذهب دمه هدرا أي باطلا. قوله: (بخلاف الزوج إذا عزر زوجته لترك الزينة والاجابة إذا دعاها إلى فراشه وترك

[ 82 ]

الصلاة والخروج من البيت) يعني فماتت فإنه يكون ضامنا ولا يكون دمها هدرا لانه مباح ومنفعته ترجع إليه كما ترجع إلى المرأة من وجه وهو استقامتها على ما أمر الله تعالى به. وقد ظهر بهذا أن كل ضرب كان مأمورا به من جهة الشارع فإن الضارب لا ضمان عليه بموته، وكل ضرب كان مأذونا فيه بدون الامر فإن الضارب يضمنه إذا مات لتقييده بشرط السلامة كالمرور في الطريق. وظهر أن الزوج لا يجب عليه ضرب زوجته أصلا، وظهر به أيضا أن له ضربها في أربعة مواضع لكن وقع الاختلاف في جواز ضربها على ترك الصلاة فذكر هنا تبعا لكثير أنه يجوز، وفي النهاية تبعا لما في كافي الحاكم أنه لا يجوز له لان المنفعة لا تعود إليه بل إليها، وليس في كلام المصنف ما يقتضي أنه ليس له ضربها في غير هذه الاربعة أشياء ولهذا قال الولوالجي في فتاواه: للزوج أن يضرب زوجته على أربعة أشياء وما في معناها. ففي قوله وما في معناها إفادة عدم الحصر فمما في معناها ما إذا ضربت جارية زوجها غيرة ولا تتعظ بوعظه فله ضربها، كذا في القنية. وينبغي أن يلحق به ما إذا ضربت الولد الذي لا يعقل عند بكائه لان ضرب الدابة إذا كان ممنوعا فهذا أولى. ومنه ما إذا شتمته أو مزقت ثيابه أو أخذت لحيته أو قالت له يا حمار يا أبله أو لعنته، سواء شتمها أو لا على قول العامة. ومنه ما إذا شتمت أجنبيا، ومنه ما إذا كشفت وجهها لغير محرم أو كلمت أجنبيا أو تكلمت عامدا مع الزوج أو شاغبت معه ليسمع صوتها الاجنبي. ومنه ما إذا أعطت من بيته شيئا من الطعام بلا إذنه حيث كانت العادة لم تجربه، وإن كانت العادة مسامحة المرأة بذلك بلا مشورة الزوج فليس له ضربها. ومنه ما إذا ادعت عليه. وليس منه ما إذا طلبت نفقتها أو كسوتها وألحت لان لصاحب الحق يدا لملازمة ولسان التقاضي، كذا أفاده في البزازية في مسائل الضرب من فصل الامر باليد، والمعنى الجامع للكل أنها إذا ارتكبت معصية ليس فيها حد مقدر فإن للزوج أن يعزرها كما أن للسيد ذلك بعبده، كذا في البدائع من فصل القسم بين النساء وهو شامل لما كان متعلقا بالزوج وبغيره. وقد صرحوا بأنه إذا ضربها بغير حق وجب عليه التعزير، ولا يخفي أنه إنما يجوز ضربها لترك الزينة إذا كانت قادرة عليها وكانت شرعية وإلا فلا كما أنه يجوز ضربها لترك الاجابة إذا كانت طاهرة عن الحيض وعن النفاس، وكما يجوز ضربها للخروج إذا كان الخروج بغير حق، وأما إذا كان بحق فليس له ضربها عليه، وقدمنا

[ 83 ]

المواضع التي تخرج إليها بغير إذنه في كتاب النفقات. وأطلق في الزوجة فشمل الصغيرة ولذا قال في التبيين: إن التعزير مشروع في حق الصبيان. وفي القنية: مراهق شتم عالما فعليه التعزير اه‍. وفي المجتبى معزيا إلى السرخسي: الصغير لا يمنع وجوب التعزير ولو كان حقا لله تعالى لمنع. وعن الترجماني: البلوغ يعتبر في التعزير أراد به ما وجب حقا لله تعالى نحو ما إذا شرب الصبي أو زنى أو سرق، وما ذكره السرخسي فيما يجب حقا للعبد توفيقا بينهما اه‍. قيد بالزوجة لا بالاب والمعلم لا يضمن. وفي القنية: ولا يجوز ضرب أختها الصغيرة التي ليس لها ولي بترك الصلاة إذا بلغت عشرا، وله أن يضرب اليتيم فيما يضرب ولده، به وردت الآثار والاخبار. وفي الروضة: له أن يكره ولده الصغير على تعلم القرآن والادب والعلم لان ذلك فرض على الوالدين، ولو أمر غيره بضرب عبده حل للمأمور ضربه بخلاف الحر. قال رضي الله عنه: فهذا تنصيص على عدم جواز ضرب ولد الآمر بأمره بخلاف المعلم لان المأمور يضربه نيابة عن الاب لمصلحته والمعلم يضربه بحكم الملك بتمليك أبيه لمصلحة الولد اه‍. وفيها أيضا عن أبي بكر: أساء عبده لا يعزره وهذا خلاف قول أصحابنا، وله التعزير دون الحد وبه نأخذ وكذلك امرأته لان الله تعالى قال * (واضربوهن) * (النساء: 34) اه‍ والله أعلم.

[ 84 ]

كتاب السرقة لما كانت صيانة الاموال مؤخرة عن صيانة النفوس والعقول والاعراض أخر زاجر ضياعها. وهي في اللغة أخذ الشئ في خفاء وحلية. يقال سرق منه مالا وسرقه سرقا وسرقة، ويسمى الشئ المسروق سرقة مجازا، كذا في المغرب. وأما في الشريعة فلها تعريفان: تعريف باعتبار الحرمة وتعريف باعتبار ترتب حكم شرعي وهو القطع. أما الاول فهو أخذ الشئ من الغير على وجه الخفية بغير حق، سواء كان نصابا أو لا. وأما الثاني فهو ما ذكره المصنف بقوله: (هو أخذ مكلف خفية قدر عشرة دراهم مضروبة محرزة بمكان أو حافظ) أطلق في الاخذ فشمل الحقيقي والحكمي، فالاول هو أن يتولى السارق أخذ المتاع بنفسه، والثاني هو أن يدخل جماعة من اللصوص من زل رجل ويأخذوا متاعه ويحملوه على ظهر رجل واحد ويخرجوه من المنزل، فإن الكل يقطعون استحسانا وسيأتي، فخرج بالتكليف الصبي والمجنون لان القطع عقوبة وهما ليسا من أهلها فهما مخصوصان من آية السرقة لكنهما يضمنان المال. وإن كان يجن ويفيق، فإن سرق في حال جنونه لم يقطع، وإن كان في حال الافاقة قطع. ولو سرق جماعة فيهم صبي أو مجنون يدرأ عنهم القطع، كذا في البدائع. وشمل الذكر والانثى والحر والعبد ولو آبقا والمسلم والكافر كما في البدائع. وخرج بقيد الخفية ما أخذ جهرا مغالبة أو نهبا أو اختلافا فإنه لا قطع فيه. وأفاد بقوله الاخذ خفية إلى أن الشرط الخفية وقت الاخذ أو دخول الحرز ليلا كان أو نهارا، وأما الخفية في الانتهاء فإن كانت السرقة نهارا في المصر فهي شرط أيضا وما بين العشاء والعتمة من النهار ولذا قال في الاختيار: ولو دخل بين العشاء والناس منتشرون فهو بمنزلة النهار، وإن كانت السرقة ليلا فليست بشرط حتى لو دخل البيت ليلا خفية ثم أخذ المال مجاهرة ولو بعد مقاتلة من في يده

[ 85 ]

قطع به للاكتفاء بالخفية الاولى. ولم يبين المصنف أن المعتبر كونها خفية على زعم السارق أو المسروق منه فهي رباعية، فلو كان السارق يعلم أن صاحب الدار يعلم بدخوله وعلم به صاحب الدار أيضا فلا قطع، أو لم يعلما فيقطع اتفاقا، أو كان صاحب الدار يعمل بدخوله والسارق لا يعلم أنه يعلم فإنه يقطع اكتفاء بكونها خفية في زعم السارق، وإن كان على عكسه بأن زعم اللص بأن صاحب الدار علم به وصاحب الدار لم يعلم ففي التبيين لا يقطع لانه جهر. وفي الخلاصة والمحيط والذخيرة أنه يقطع اكتفاء بكونها خفية في زعم أحدهما أيهما كان. واحترز بقوله قدر عشرة دراهم عن سرقة ما دونها. وأطلق في الدراهم فانصرفت إلى المعهودة وهي أن تكون العشرة منها وزن سبعة مثاقيل كما في الزكاة. واحترز بالمضروبة عما إذا سرق تبرا وزنه عشرة دراهم أو متاعا قيمته عشرة دراهم غير مضروبة فإنه لا قطع فيه على الصحيح بخلاف المهر. والفرق أن الحد يدرأ بالشبهة فيتعلق بالكامل، والمهر يثبت مع الشبهة مع أن قوله مضروبة تأكيد وإيضاح وإلا فالدرهم اسم للمضروب، وأما غير المضروب فلا يسمى درهما كما في المغرب، فلو سرق نصف دينار قيمته النصاب قطع عندنا، ولو سرق دينارا قيمته أقل من النصاب لا يقطع وتعتبر قيمة النصاب يوم السرقة ويوم القطع، فلو كانت قيمته يوم السرقة عشرة فانتقص بعد ذلك إن كان نقصان القيمة لنقصان العين يقطع، وإن كان لنقصان السعر لا يقطع في ظاهر الرواية. ولو سرق ثوبا قيمته عشرة دراهم فأخذه المالك. في بلد آخر وقيمة الثوب ثمة ثمانية دراهم درئ عنه القطع، وإذا وجب تقويم المسروق بعشرة دراهم يقوم بأعز النقود أو بنقد البلد الذي يروح بين الناس في الغالب، فالاول رواية الحسن عن الامام، والثاني رواية أبي يوسف عنه. ولا يقطع السارق بتقويم الواحد بل لا بد من تقويم رجلين عدلين لهما معرفة بالقيمة لانه من باب الحدود فلا يثبت إلا بما ثبت به السرقة فلا قطع عند اختلاف المقومين كما في الظهيرية. وأطلق في قدر النصاب فشمل ما إذا كان المسروق منه واحدا أو أكثر، فلو سرق واحد نصابا من جماعة قطع، ولو سرق اثنان نصابا من واحد لا قطع عليهما، فالعبرة للنصاب في حق السارق لا المسروق منه بشرط أن يكون الحرز واحدا، فلو سرق نصابا من منزلين مختلفين فلا قطع، والبيوت من دار واحدة بمنزلة بيت واحد حتى لو سرق من عشرة أنفس في دار كل واحد في بيت على حدة من كل واحد منهم درهما قطع بخلاف ما إذا كانت الدار عظيمة وفيها حجر كما في البدائع. وخرج باشتراط النصاب ما إذا سرق ثوبا قيمته تسعة دراهم فوضعه على باب الدار ثم دخل فأخذ ثوبا آخر يساوي تسعة دراهم فأخرجه عليه لم يقطع لانه لم يبلغ المأخوذ في كل واحد منهما نصابا كذا في البدايع. وأطلق في

[ 86 ]

الدراهم فانصرفت إلى الجياد، فلو سرق زيوفا أو نبهرجة أو ستوقة فلا قطع إلا أن تكون كثيرة تبلغ قيمتها نصابا من الجياد. وقد استفيد من اشتراط النصاب اشتراط أن يكون المسروق مالا متقوما، ولا بد أن يكون مملوكا لغيره فلا قطع في حصر المسجد وأستار الكعبة وإن كانت مجرزة. ولا بد من انتفاء الشبهة ولم يذكرهما لما سيصرح به، ولا بد من كون السارق ليس بأخرس ولا أعمى لاحتمال أنه لو نطق ادعى شبهة والاعمى جاهل بمال غيره. وقوله محرزة بمكان أو حافظ بيان لكون الحرز على قسمين: حرز بنفسه وهو كل بقعة معدة للاحراز ممنوع الدخول فيها إلا بإذن كالدور والحوانيت والخيم والخزائن والصناديق. وحرز بغيره وهو كل مكان غير معد للاحراز وفيه حافظ كالمساجد والطرق والصحراء وسيأتي بيانهما. وفي القنية: لو سرق المدفون في المفازة يقطع اه‍. ولا بد أن تكون السرقة في دار العدل فلا يقطع في السرقة في دار الحرب ودار البغي، فلو سرق بعض تجار المسلمين من البعض في دار الحرب ثم خرجوا إلى دار الاسلام فأخذ السارق لا يقطعه الامام، كذا في البدائع. ولا بد من ثبوت دلالة القصد إلى النصاب المأخوذ. وعليه ذكر في التجنيس من علامة النوازل: سرق ثوبا قيمته دون العشرة وعلى طرفه دينار مشدود لا يقع وذكر من علامة فتاوى سمرقند إذا سرق ثوبا لا يساوي عشرة وفيه دراهم مصرورة لا يقطع قال: وهذا إذا لم يكن الثوب وعاء للدراهم عادة، فإن كان يقطع لان القصد فيه يقع على سرقة الدراهم ألا ترى أنه لو سرق كيسا فيه دراهم كثيرة يقطع وإن كان الكيس يساوي درهما. ولا بد أن يكون للمسروق منه يد صحيحة فخرج السارق من السارق، ولا بد أن يخرجه ظاهرا حتى لو ابتلع دينارا في الحرز وخرج لا يقطع، ولا ينتظر أن يتغوطه بل يضمن مثله لانه استهلكه وهو سبب الضمان للحال فقد علمت مما ذكرناه أن تعريف المختصر قاصر، فلو قال المصنف هي أخذ مكلف ناطق بصير صاحب يد يسرى ورجل يمنى صحيحتين عشرة دراهم جياد أو مقدارها مقصودة ظاهرة الاخراج خفية من صاحب يد صحيحة مما لا يتسارع إليه الفساد من المال المعمول للغير من حرز بلا شبهة وتأويل في دار العدل لكان أولى وقد علمت فوائد القيود. وفي الظهيرية: وشرط أصحابنا لقطع اليد اليمنى أن تكون اليد اليسرى والرجل اليمنى صحيحتين، وهكذا ذكره في المجتبى من الشروط. وفي التحقيق أن الاخذ المذكور هو ركنها.

[ 87 ]

قوله: (فيقطع أن أقر مرة أو شهد رجلان) بيان لحكمها وسبب ثبوتها. وفي قوله مرة رد على أبي يوسف في قوله لا يقطع إلا بإقراره مرتين ويروى عنه أنهما في مجلسين مختلفين لانه أحد الحجتين فتعتبر بالاخرى وهي البينة كذلك اعتبرنا في الزنا. ولهما أن السرقة ظهرت بإقراره مرة واحدة فيكتفى به كما في القصاص وحد القذف، ولا اعتبار بالشهادة فيها لان الزيادة تفيد فيها تقليل تهمة الكذب ولا تفيد في الاقرار شيئا لانه لا تهمة، وباب الرجوع في حق الحد لا ينسد بالتكرار والرجوع في حق المال لا يصح أصلا لان صاحب المال يكذبه واشتراط الزيادة في الزنا بخلاف القياس فيقتصر على مورد الشرع. ومن مسائل الاقرار لو قال أنا سارق هذا الثوب بالاضافة قطع، ولو نون القاف لا يقطع لانه على الاستقبال والاول على الحال. وفي عيون المسائل: قال سرقت من فلان مائة درهم بل عشرة دنانير يقطع في العشرة دنانير ويضمن مائة. هذا إن ادعى المقر له المالين وهو قول أبي حنيفة لانه رجع عن الاقرار بسرقة مائة وأقر بعشرة دنانير فصح رجوعه عن الاقرار بالسرقة الاولى في حق القطع ولم يصح في حق الضمان وصح الاقرار بالسرقة الثانية في حق القطع، وبه ينتفي الضمان بخلاف ما لو قال سرقت مائة بل مائتين فإنه يقطع ولا يضمن شيئا لو ادعى المقر له المائتين لانه أقر بسرقة مائتين ووجب القطع فانتفى الضمان والمائة الاولى لا يدعيها المقر له بخلاف الاولى. ولو قال سرقت مائتين بل مائة لم يقطع ويضمن المائتين لانه أقر بسرقة مائتين ورجع عنها فانتفى الضمان ولم يجب القطع ولم يصح الاقرار بالمائة إذ لا يدعيها

[ 88 ]

المسروق منه، ولو أنه صدقه في الرجوع إلى المائة لا ضمان، كذا في فتح القدير. ولم يذكر المصنف صحة الرجوع عن الاقرار للعلم بأنه يصح الرجوع عن الاقرار بالحدود كلها إلا حد القذف. قال في الذخيرة: وإذا أقر بالسرقة ثم هرب لا يتبع وإن كان في فوره اه‍. بخلاف ما إذا شهدا عليه ثم هرب فإنه يتبع، كذا في الظهيرية. ولم يشترط المصنف عدم التقادم في هذه الحجة لانه ليس بشرط في الاقرار، وشرط في البينة فلو أقر بسرقة متقادمة قطع ولو شهدا عليه بذلك لا كما في البدائع. وقدمناه وحد التقادم في السرقة هو حده في الزنا، كذا في الذخيرة. وأطلق في المقر فشمل الحر والعبد وسيأتي تفاصيلها في العبد. وقيد بالرجلين لان شهادة النساء غير مقبولة فيه وكذا الشهادة على الشهادة وإن قبلت في حق المال. وأفاد المصنف بحصر الحجة فيما ذكر أنه لا يقطع بالنكول وإن ضمن المال، وأن العبد لا يقطع بإقرار مولاه عليه بها وإن لزم المال. ولم يقيد المصنف الاقرار بالطواعية. قال في الظهيرية: وإذا أقر بالسرقة مكرها فإقراره باطل، ومن المتأخرين من أفتى بصحته، وسئل الحسن بن زياد أيحل ضرب السارق حتى يقر؟ قال: ما لم يقطع اللحم لا يتبين العظم ولم يزد على هذا ا ه‍. وفي التجنيس: لا يفتى بعقوبة السارق لانه جور ولا يفتى به. وفي الظهيرية: هل ينبغي للسارق أن يعلم صاحب المتاع أنه سرق متاعه؟ إن كان لا يخاف أن يظلمه متى أخبره يخبره ليصل إلى حقه، وإن كان يخاف لا يخبره لانه معذور في ترك الاخبار ولكن يوصل الحق إليه بطريق آخر. وإذا قضى القاضي بالقطع ببينة أو إقرار ثم قال المسروق منه هذا متاعه لم يسرقه مني إنما كنت أودعته أو قال شهد شهودي بزور أو قال أقر هو بباطل أو ما أشبه ذلك سقط عنه القطع، ويستحب للامام أن يلقن السارق حتى لا يقر بالسرقة لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بسارق فقال: أسرق ما إخاله سرق؟ ولانه احتيال للدرء. وقوله إخاله بكسر الهمزة معناه أظنه، وبالفتح كذلك وكلاهما فعل مضارع من المخيلة وهي الظن إلا أن الحديث جاء بالكسر. وإذا شهد كافران على كافر ومسلم بسرقة مال لا يقطع الكافر كما لا يقطع المسلم، ولو شهدا أنه سرق من فلان ثوبا فقال أحدهما إنه هروي وقال الآخر إنه مروي - بسكون الراء - ذكر في نسخ أبي سليمان أنه على الخلاف اعتبارا باختلاف الشاهدين في لون البقرة، وذكر في نسخة أبي حفص أنه لا تقبل الشهادة اجماعا اه‍. ولم يذكر المصنف سؤال الشاهدين. وفي الهداية: وينبغي أن يسألهم الامام عن كيفية السرقة وماهيتها وزمانها ومكانها لزيادة الاحتياط كما مر في الحدود، ويحبسه إلى أن يسأل عن

[ 89 ]

الشهود للتهمة اه‍. زاد في الكافي أنه يسألهما عن المسروق إذ سرقة كل مال لا توجب القطع فالسؤال عن الكيفية لاحتمال أنه سرق على كيفية لا يقطع معها كأن نقب الجدار وأدخل يده فأخرج المتاع فإنه لا يقطع. والسؤال عن الماهية لاطلاقها على استراق السمع والنقص من أركان الصلاة والسؤال عن الزمان لاحتمال التقادم، وعلى المكان لاحتمال السرقة في دار الحرب من مسلم. وفي المبسوط: لم يذكر محمد السؤال عن المسروق منه لانه حاضر يخاصم والشهود يشهدون على السرقة منه فلا حاجة إلى السؤال عنه وفيه نظر لاحتمال أن يكون قريب السارق أو زوجا فلا بد من السؤال عنه كما في التبيين. وأما سؤال المقر فإنه عن جميع ما ذكرنا إلا عن السؤال عن الزمان. وفي فتح القدير: ولا يسأل المقر عن المكان وهو مشكل للاحتمال المذكور. واعلم أنه لا بد من حضور الشاهدين وقت القطع كحضور المدعى حتى لو غابا أو ماتا لاقطع، وهذا في كل الحدود إلا في الرجم ويمضي القصاص وإن لم يحضروا استحسانا، كذا في كافي الحاكم وإن شرط بداءة الشهود بالرجم. قوله: (ولو جمعا والآخذ بعضهم قطعوا إن أصاب لكل نصاب) أي لو كان السارق جماعة لان الموجب سرقة النصاب، ويجب على كل واحد منهم بجنايته فيعتبر كمال النصاب في حقه، وقدمنا أنه لا فرق بين كون الاخذ مباشرة أو تسببا، ولا بد من أن لا يكون فيهم ذو رحم محرم من المسروق منه ولا صبي ولا مجنون ولا معتوه. وأطلقه فشمل ما إذا كانوا خرجوا معه من الحرز أو بعده من فوره أو خرج هو بعدهم في فورهم لان بذلك يحصل التعاون. وقيد بالجمع لانه لو سرق واحد من عشرة من كل واحد منهم درهما من بيت واحد

[ 90 ]

يقطع لكمال النصاب في حق السارق قوله: (ولا يقطع بخشب وحشيش وقصب وسمك وطيوصيد وزرنيخ ومغرة ونورة) لانه لا قطع فيما يوجد تافها مباحا في دار الاسلام لقول عائشة رضي الله عنها: كانت اليد لا تقطع في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشئ التافه أي الحقير. وما يوجد جنسه مباحا في الاصل بصورته غير مرغوب فيه حقير لقلة الرغبات فيه والطباع لا تضن به فقل ما يوجد آخذه على كره من المالك فلا حاجة إلى شرع الزاجر ولهذا لم يجب القطع بسرقة ما دون النصاب، ولان الحرز فيها ناقص ألا يرى أن الخشب يلقى على الابواب وإنما يدخل في الدار للعمارة لا للاحراز والطير يطير والصيد يفر، وكذا الشركة العامة التي كانت فيه وهي على تلك الصفة تورث الشبهة والحد يندرئ بها. أطلق الخشب وهو مقيد بما إذا لم يحدث فيه صنعة متقومة، فإن كان معمولا قطع فيه كما في شرح الطحاوي كما يقطع في الحصر البغدادية كما في غاية البيان، ومقيد بما إذا لم تجر العادة بإحرازه، فإن كان مما يحرز كالساج والابنوس فإنه يقطع فيه. وأطلق السمك فشمل الطري والمالح، والطير فشمل الدجاج والبط والحمام، ونظر بعضهم في الزرنيخ فقال: ينبغي أن يقطع به لانه يحرز ويصان في دكاكين العطارين كسائر الاموال. واختلف في الوسمة والحناء والوجه القطع لانه جرت العادة بإحرازه في الدكاكين. والمغرة - بفتح الغين - الطين الاحمر ويجوز إسكانها. وألحق في المجتبى بما ذكر الفحم والاشنان والزجاج والملح والخزف، واستثنى في الظهيرية من الطير الدجاج فأوجب القطع فيه. قوله: (وفاكهة رطبة أو على شجر ولبن ولحم وزرع لم يحصد وأشربة وطنبور) لانه لا قطع فيما يتسارع إليه الفساد لقوله عليه السلام لا قطع في ثمرة ولا كثر والكثر الجمار. وقال عليه السلام لا قطع في الطعام والمراد والله أعلم ما يتسارع إليه الفساد كالمهيأ للاكل منه وما في معناه كاللحم والتمر لانه يقطع في الحنطة والسكر إجماعا ولا إحراز فيما على الشجر وفي زرع لم يحصد ولتأول السارق في الاشربة المطربة الاراقة وبعضها ليس بمال، وفي مالية بعضها اختلاف فيتحقق شبهة عدم المال والطنبور من المعازف. أطلق في الفاكهة فشمل العنب والرطب على المختار لانه يخاف الفساد من وجه. وذكر الاسبيجابي أنه لا بد أن

[ 91 ]

يكون المسروق يبقى من حول إلى حول فإذا سرق شئ لا يبقى من حول إلى حول لا يجب القطع اه‍. وقيد بالرطبة لانه يقع في اليابسة ويقطع في الزبيب والتمر. وأطلق في اللحم فشمل القديد منه لانه يتوهم فيه الفساد. وقيد بالاشربة لانه يقطع في العسل والخل إجماعا كذا في التبيين. وفيه نظر لما نقله الناطفي عن المجرد قال أبو حنيفة: لا قطع في الخل لانه قد صار خمرا مرة اه‍. فلا يدعي الاجماع. وأطلق في الاشربة فشمل الحلو والمر وما إذا كان السارق مسلما أو ذميا. وأشار بالطنبور إلى جميع آلات اللهو. وفي الظهيرية وغيرها: والقطع في الحنطة وغيرها إجماعا إنما هو في غير سنة القحط أما فيها فلا، سواء كان مما يتسارع الفساد إليه أو لا، لانه عن ضرورة ظاهرة أو هي تبيح التناول وعنه عليه السلام لا قطع في مجاعة مضطرة وعن عمر رضي الله عنه: لا قطع في عام سنة قوله: (ومصحف ولو محلي) أي لا قطع في سرقة مصحف ولو كان عليه حلية من ذهب أو فضة لان الآخذ يتأول في أخذه القراءة والنظر فيه ولانه لا مالية له على اعتبار المكتوب وإحرازه لاجله لا للجلد والاوراق والحلية وإنما هي توابع ولا معتبر بالتبع كمن سرق آنية فيها خمر وقيمة الآنية تربو على النصاب، وكمن سرق صبيا حرا وعليه حلي. قال في المبسوط: ألا ترى أنه لو سرق ثوبا لا يساوي عشرة ووجد في جيبه عشرة مصرورة لم يعلم بها لم أقطعه، وإن كان يعمل بها فعليه القطع وقد قدمناه، وسيأتي أنه لا قطع في الدفاتر وهي الكتب شرعية كانت أو لا قوله: (وباب مسجد) لعدم الاحراز فصار كباب الدار بل أولى لانه يحرز بباب الدار ما فيها ولا يحرز بباب المسجد ما فيه حتى لا يجب القطع بسرقة متاعه. قال فخر الاسلام: فإن اعتاد سرقة أبواب المساجد فيجب أن يعزر ويبالغ فيه ويحبس حتى يتوب اه‍. وينبغي أن يكون كذلك سارق البزابيز من الميض وأشار إلى أنه لا قطع في سرقة حصره وقناديله وكذا استار الكعبة وإن كانت محرزة لعدم المالك قوله: (وصليب ذهب وشطرنج ونرد) لانه يتأول من أخذها الكسر نهيا عن المنكر بخلاف الدرهم الذي عليه التمثال لانه ما أعد للعبادة فلا يثبت شبهة إباحة الكسر. أطلقه فشمل ما إذا كان في حرز أو لا. والشطرنج بكسر الشين. وفي ضياء الحلوم: النرد الذي يلعب به وهو فارسي معرب وقل ما يأتلف النون والراء في كلمة واحدة إلا بدخل بينهما اه‍. وسيأتي في الشهادات أنه كل لعب لا يحتاج لاعبه إلى فكر

[ 92 ]

وحساب قوله: (وصبي حر ولو معه حلى) لان الحر ليس بمال وما عليه من الحلي تبع له ولانه يتأول في أخذ الصبي إسكاته أو حمله إلى مرضعته. أطلقه فشمل الصبي الذي لا يمشي ولا يتكلم. والحلي - بضم الحاء - جمع حلي - بفتحها - ما يلبس من ذهب أو فضة أو جوهر. وأشار المصنف إلى أنه لو سرق إناء ذهب فيه نبيذ أو ثريدا أو كلبا عليه قلادة فضة لا يقطع على المذهب إلا في رواية عن أبي يوسف ورجحها في فتح القدير، فإن الظاهر أن كلا منهما أصل مقصود بالاخذ بل القصد إلى الاناء الذهب أظهر منه إلى ما فيه وما يوافق ما ذكرنا ما في التجنيس: سرق كوزا فيه عسل وقيمة الكوز تسعة وقيمة العسل درهم يقطع، وكذا إذا سرق حمارا يساوي تسعة وعليه إكاف يساوي درهما بخلاف ما إذا سرق قمقمة فيها ما يساوي عشرة لانه سرق ماء من وجه وهو نظير ما تقدم من المبسوط فيمن سرق ثوبا لا يساوي عشرة مصرور عليه عشرة قال: يقطع إذا علم أن عليه مالا بخلاف ما إذا لم يعلم. قوله: (وعبد كبير ودفاتر بخلاف الصغير ودفاتر الحساب) لانه في الكبير غصب أو خداع وهي متحققة في الصغير. وقال أبو يوسف: لا يقطع وإن كان صغيرا لا يعقل ولا يتكلم استحسانا لانه آدمي من وجه مال من وجه. ولهما أنه مال مطلق لكونه منتفعا به أو بعرض أن يصير منتفعا به إلا أنه انضم إليه معنى الآدمية، ولو كانت قيمته أقل من النصاب وفي اذنه شئ يكمل النصاب يقطع باعتبار الضم. أراد بالكبير المميز المعبر عن نفسه بالغا كان أو صبيا، وبالصغير الذي لا يعبر عن نفسه. وأطلق في الكبير فشمل النائم والمجنون والاعمى. والمقصود من الدفاتر ما فيها وذلك ليس بمال إلا دفتر الحساب لان ما فيه لا يقصد بالاخذ فكان المقصود هو الكاغد. والمراد بالدفاتر صحائف فيها كتابة من عربية أو شعر أو حديث أو تفسير أو فقه مما هو من علم الشريعة، وقد اختلف في غيرها فقيل ملحقة بدفاتر الحساب فيقطع فيها، وقيل بكتب الشريعة لان معرفتها قد تتوقف على اللغة والشعر والحاجة. وإن قلت: كفت في ايراث الشبهة ومقتضى هذا أن لا يختلف في القطع بسرقة كتب السحر والفلسفة لانه لا يقصد ما فيها لاهل الديانة فكانت سرقة صرفا. والمراد بدفاتر الحساب دفاتر أهل الديون وقولهم لان المقصود الكاغد يدل على أن المراد به الذي مضى حسابه وقد قيل به كما ذكره الشمني. وأما الدفاتر التي في الديوان المعمول بها فالمقصود علم ما فيها فلا قطع، وأما دفاتر مثل علم الحساب والهندسة فهو كغيره فلا قطع بسرقته لانها ككتب الادب والشعر. وقيد بالدفاتر لانه لو سرق الورق والجلد قبل الكتابة قطع ذكره الشمني قوله: (وكلب وفهد) لان من جنسها يوجد مباح الاصل غير مرغوب فيه ولان

[ 93 ]

الاختلاف بين العلماء ظاهر في مالية الكلب فأورث شبهة. أطلقه فشمل ما إذا كان عليه طوق ذهب أو فضة علم به أو لم يعلم لانه تبع له كالصبي الحر إذا كان عليه حلي قوله: (ودف وطبل وبربط ومزمار) لانها عندهما لا قيمة لها وعليه الفتوى فلا ضمان على من كسرها، وعند أبي حنيفة آخذها يتأول الكسر فيها. والدف - بالضم والفتح - الذي يلعب به وهو نوعان: مدور ومربع، كذا في المغرب. والبربط - بفتح الباءين الموحدتين - وهو العود، كذا في الترغيب والترهيب. أطلقه فشمل الدف والطبل للغزاة وفيه اختلاف المشايخ والاصح عدم القطع لان صلاحيته للهو صارت شبهة، كذا في غاية البيان قوله: (وبخيانة ونهب واختلاس) لانتفاء ركن السرقة وهي الاخذ خفية والخيانة هي الاخذ مما في يده على وجه الامانة، والنهب هو الاخذ على وجه العلانية، والقهر في بلد أو قرية، والاختلاس الاختطاف وهو أن يأخذ الشئ بسرعة والاسم الخلسة. وفي السنن والجامع للترمذي مرفوعا ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع (1) وأما ما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن امرأة كانت تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطعها فأجاب عنه الجماهير بأن القطع كان لسرقة صدرت منها، وتمامه في فتح القدير قوله: (ونبش) أي لا قطع على النابش وهو الذي يسرق أكفان الموتى بعد الدفن، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: عليه القطع لقوله عليه السلام من نب‍ ش قطعناه ولانه مال متقوم محرزثله فيقطع. ولهما قوله عليه السلام لا قطع على المختفي وهو النباش بلغة أهل المدينة ولان الشبهة تمكنت في الملك لانه لا ملك للميت حقيقة ولا للوارث لتقدم حاجة الميت وقد تمكن الخلل في المقصود وهو الانزجار لان الجناية في نفسها نادرة لوجود، وما رواه غير مرفوع أو هو محمول على السياسة لمن اعتاده فيقطعه الامام سياسة لا حدا. أطلقه فشمل ما إذا كان القبر في بيت مقفل على الصحيح وما إذا سرق من تابوت في القافلة وفيه الميت لما بينا، وما إذا سرق من القبر ثوبا غير الكفن لعدم الحرز. وأشار إلى أنه لو سرق من البيت الذي فيه قبر الميت مالا آخر غير الكفن أنه لا يقطع لتأوله بالدخول إلى زيارة القبر، وكذا لو سرق من بيت فيه الميت لتأوله بتجهيزه وهو أظهر من الكل لوجود الاذن بالدخول فيه عادة. قوله: (ومال عامة أو مشترك) لان له فيه شركة حقيقة في الثاني أو شبهة شركة في

[ 94 ]

الاول وهو مال بيت المال فإنه مال المسلمين وهو منهم، وإذا احتاج ثبت الحق له فيه بقدر حاجته فأورث شبهة والحدود تدرأ بها. وأما مال الوقف فلم أر من صرح به ولا يخفي أنه لا يقطع به لعدم المالك كما صرحوا أنه لو سرق حصر المسجد ونحوها من حرز فإنه لا يقطع معللين بعدم المالك قوله: (ومثل دينه) لانه استيفاء لحقه. أطلقه فشمل ما إذا كان الدين مؤجلا وهو استحسان لان التأجيل لتأخير المطالبة. والمراد بالمماثلة المثل من حيث الجنس بأن كان من النقود، سواء كان من جنسه حقيقة كأن يكون دينه دراهم فسرق دراهم، أو من جنسه حكما كأن سرق دنانير في الصحيح ولهذا كان للقاضي أن يقضي بها دينه من غير رضا المطلوب ويضم أحدهما إلى الآخر في الزكاة فخرج ما إذا سرق عروضا ومنها الحلي فإنه يقطع لانه ليس باستيفاء وإنما هو استبدال فلا يتم إلا بالتراضي ولم يوجد. وعن أبي يوسف أنه لا يقطع لان له أن يأخذه عند بعض العلماء قضاء من حقه أو رهنا بحقه. قلنا: هذا قول لا يستند إلى دليل ظاهر فلا يعتبر بدون اتصال الدعوى به حتى لو ادعى ذلك درئ عنه الحد لانه ظن في موضع الخلاف، وأما المماثلة من حيث القدر فليست بشرط لانه لو سرق زيادة على حقه لا يقطع لانه بمقدار حقه يصير شريكا فيه فيصير شبهة، وكذا المماثلة من حيث الوصف حتى لو سرق من جنس حقه أجود أو أراد ألا يقطع، كذا في المجتبى. وفيه أن ابن أبي ليلى والشافعي يطلقان أخذ خلاف جنس حقه للمجانسة في المالية، وما قالا هو الاوسع،

[ 95 ]

ويجوز الاخذ به وإن لم يكن مذهبنا فإن الانسان يعذر في العمل به عند الضرورة اه‍. وقيد بسرقة الدائن لان المكاتب أو العبد إذا سرق من غريم المولى قطع إلا إن كان المولى وكلهما بالقبض لان حق الاخذ حينئذ لهما، ولو سرق من غريم أبيه أو غريم ولده الكبير أو غريم مكاتبه أو غريم عبده المأذون المديون قطع لان حق الاخذ لغيره، ولو سرق من غريم ابنه الصغير لا يقطع قوله: (وبشئ قطع فيه ولم يتغير) وهذا استحسان، والقياس أن يقطع وهو رواية عن أبي يوسف لقوله عليه السلام فإن عاد فاقطعوه من غير فصل، ولان الثانية متكاملة كالاولى بل أقبح لتقدم الزاجر وصار كما إذا باعه المالك من السارق ثم اشتراه منه ثم كانت السرقة. ولنا أن القطع أوجب سقوط عصمة المحل كما يعرف من بعد إن شاء الله تعالى. وبالرد إلى المالك وإن عادت حقيقة العصمة بقيت شبهة السقوط نظرا إلى اتحاد الملك والمحل وقيام الموجب وهو القطع فيه بخلاف ما ذكر لان الملك قد اختلف لاختلاف سببه، ولان تكرار الجناية فيه نادر لتحمله مشقة الزاجر فتعرى الاقامة عن المقصود وهو تقليل الجناية فصار كما إذا قذف المحدود في القذف والمقذوف الاول. قيد بقوله ولم يتغير لانه لو تغير مثل ما لو كان غزلا فسرقه فقطع فيه فرده ثم نسج فعاد فسرقه فإنه يقطع. وعلى هذا الصوف والقطن والكتان وكل عين أحدث المالك فيه صنعا بعد القطع لو أحدثه الغاصب ينقطع به حق المالك. وأطلق في التغير فشمل المعنوي كما إذا باعه المسروق منه بعد القطع ثم اشتراه فسرقه لان تبدل السبب كتبدل العين. وذكر الشمني أنه لا يقطع عند مشايخ العراق، وينبغي أن يكون حكم ما إذا باعه المالك فسرقه من المشتري وجوب القطع بالاولى. قوله: (ويقطع بسرقة الساج والقنا والابنوس والصندل والفصوص الخضر والياقوت والزبرجد واللؤلؤ) لان هذه الاشياء من أعز الاموال وأنفسها وهي محرزة لا توجد مباحة الاصل بصورتها في دار الاسلام غير مرغوب فيها فصارت كالذهب والفضة. وفي شرح المختار: لا قطع في العاج ما ليعمل فإذا عمل منه شئ قطع فيه. وأشار المصنف إلى أنه يقطع في العود والمسك والادهان والورس والزعفران والعنبر بالاولى وفي طلبة الطلبة. قال جار الله العلامة: الساج ضرب من الشجر يعلوه الحمرة وهو صلب كالحجر ولا يكون هذا الابنوس إلا في بلاد الهند ودور سادات مكة من هذا الساج اه‍. والقنا خشب الرماح جمع قناة وألفها منقلبة عن الواو. والابنوس بفتح الباء معروف وهو معرب. ولم يذكر المصنف

[ 96 ]

الزجاج لانه لا قطع فيه على الظاهر لانه يسرع إليه الكسر فكان ناقصا في المالية قوله: (والاواني والابواب المتخذة من الخشب) لانه بالصنعة التحقت بالاموال النفيسة ألا ترى أنها تحرز بخلاف الحصير لان الصنعة فيه لم تغلب على الجنس حتى يبسط في غير الحرز، وقدمنا أنهم قالوا في الحصر البغدادية يجب القطع في سرقتها لغلبة الصنعة على الاصل. وقوله من الخشب متعلق بالاواني والابواب، وقيد به لان الاواني المتخذة من الحشيش والقصب لا قطع فيها لان الصنعة لم تغلب فيه حتى لا تتضاعف قيمته ولا تحرز حتى لو كان الغلبة فيه للصنعة كالاواني التي تتخذ للبن والماء من الحشيش في بلاد السودان يقطع فيها لما ذكرنا. وأطلق في الابواب وهي مقيدة بقيدين: أحدهما أن لا يكون مركبا ليكون حرزا فلا قطع في المركب لعدم الاحراز لانها حرز لغيرها. ثانيها أن يكون الباب خفيفا فلو كان ثقيلا يثقل على الواحد حمله فلا قطع لان الثقيل منه لا يرغب في سرقته. وفي عيون المسائل: سرق جلود السباع المدبوغة لا يقطع فإذا جعلت مصلي أو بساطا يقطع هكذا قال محمد لانها إذا جعلت ذلك خرجت من أن تكون جلود السباع لانها أخذت أسماء أخر والله أعلم. فصل في الحرز هو في اللغة الموضع الحصين يقال أحرزه إذا جعله في الحرز، كذا في المغرب. وفي الشرع ما يحفظ فيه المال عادة أي المكان الذي يحرز فيه كالدار والحانوت والخيمة والشخص نفسه، والمحرز ما لا يعد صاحبه مضيعا. ثم الاخراج من الحرز شرط عند عامة أهل العلم تخصيصا لآية السرقة به بالاجماع كما نقله ابن المنذر بناء على عدم صحة الخلاف بعد ما خصص بمقدار النصاب. قوله: (ومن سرق من ذي رحم محرم لا برضاع ومن زوجته

[ 97 ]

وزوجها وسيده وزوجته وزوج سيدته ومكاتبه وختنه وصهره ومن مغنم وحمام وبيت أذن في دخوله لم يقطع) لوجود الشبهة في كل واحد منها، أما إذا سرق من قريبه المحرم فللدخول في الحرز مع البسوطة في المال في الاصول والفروع، والمراد من السرقة منه السرقة من بيته. أطلقه فشمل ما إذا سرق ماله أو مال غيره لان بيته ليس بحرز في حقه مطلقا، واحترز به عما إذا سرق مال محرمه من بيت غيره فإنه يقطع لوجود الحرز، وينبغي أن لا يقطع لما في القطع من القطيعة فيندرئ، كذا في فتح القدير. وقد يقال ليس القطع حقه وإنما هو حق الشرع فلا يكون قطيعة، وينبغي أن لا يقطع في الولاد لما ذكرنا من الشبهة في ماله فعدم القطع في الولاد للشبهة لا لعدم الحرز وفي المحارم لعدم الحرز. واحترز بقوله لا برضاع عن المحرم الذي محرميته بالرضاع كابن العم الذي هو أخ من الرضاع فإنه رحم محرم لا من جهة القرابة وإنما محرميته من جهة الرضاع. فإذا سرق من بيته قطع كما إذا سرق من الرحم فقط، وبه اندفع ما في التبيين من أنه لا حاجة إلى إخراجه لانه لم يدخل في ذي الرحم المحرم اه‍. ظنا منه أنه متعلق بالرحم وليس كذلك بل متعلق بالمحرم كما علمت، وأما إذا سرق أحد الزوجين من الآخر أو لعبد من سيده أو من امرأة سيده أو زوج سيدته فلوجود الاذن بالدخول عادة فانعدم الحرز أطلق في الزوجين فشمل الزوجية وقت السرقة فقط بأن سرق منها ثم أبانها وانقضت عدتها ثم ترافعا فلا قطع والزوجية بعدها كما إذا سرق من

[ 98 ]

أجنبية ثم تزوجها ثم ترافعا فلا قطع ولو بعد القضاء، وكذا عكسه لوجود الشبهة قبل الامضاء. وشمل زوجية من وجه كما إذا سرق من مبتوته في العدة أو سرقت هي منه لوجود الخلطة بخلاف ما إذا سرق منها بعد الانقضاء فإنه يقطع. والحاصل أن في باب السرقة يكتفي بوجود الزوجية في حالة من الاحوال قبل القطع لسقوطه، وفي باب الرجوع في الهبة لا بد من قيام الزوجية وقت الهبة، فلو حدثت بعدها فالرجوع ثابت، وفي الوصية الاعتبار لها حالة الموت لا غير. وشمل ما إذا سرق أحدهما من حرز لا يسكنان فيه لوجود البسوطة بينهما في الاموال عادة، والعبد في هذا ملحق بمولاه حتى لا يقطع في سرقة لا يقطع فيها المولى كالسرقة من أقارب المولى وغيرهم لانه مأذون له الدخول عادة في بيت مولاها لاقامة المصالح. وأطلقه فشمل القن والمكاتب لانه ما بقي عليه درهم والمأذون له في التجارة، وأما إذا سرق من مكاتبه فإن له حقا في إكسابه ولذا لا يجوز له أن يتزوج أمة مكاتبه. وأما إذا سرق من ختنه ومن صهره فالمذكور هنا قول الامام، وعندهما يقطع لانه لا شبهة في ملك الختن لانها تكون بالقرابة ولا قرابة. وله أن العادة قد جرت بالبسوطة في دخول بعضهم منازل بعض بلا استئذان فتمكنت الشبهة في الحرز، والمحرمية بالمصاهرة كالمحرمية بالرضاع، وعلى هذا الخلاف إذا سرق من كل من يحرم عليه بالمصاهرة، ومحل الاختلاف ما إذا لم يجمعهما منزل واحد، أما إذا جمعهما منزل واحد فلا قطع اتفافا، كذا في شرح الطحاوي. وسيأتي في باب الوصية للاقارب وغيرهم أن الاصهار كل ذي رحم محرم من امرأته، والاختان زوج كل ذي رحم محرم منه. وأما إذا سرق من المغنم فإن له فيه نصيبا كما أفتى به علي رضي الله عنه مع أن المصنف قد قدم أنه لا قطع في المال المشترك، فالظاهر من إعادته أنه لا قطع وإن لم يكن له حق في الغنيمة. وبحث في غاية البيان بأنه ينبغي أن يكون المراد من السارق من الغنيمة من له نصيب في الغنيمة في الاربعة الاخماس أو في الخمس كالغانمين أو اليتامى والمساكين، أما غيرهم فلا نصيب له في الغنيمة فينبغي أن يقطع بخلاف السارق من بيت المال فإنه معد لمصالح عامة المسلمين وهو منهم إلا أن يقال إن مال الغنيمة مال مباح في الاصل فلا قطع بسرقته حيث كان على صورته ولم يتغير، وسواء كان السارق حرا أو عبدا. وأما إذا سرق من الحمام أو بيت أذن للناس في الدخول فيه فلاختلال الحرز بالاذن في الدخول. أطلقه فشمل ما إذا سرق من الحمام وصاحبه عنده أو المسروق تحته بخلاف ما إذا سرق من المسجد وصاحبه عنده فإنه يقطع. والفرق على الظاهر أن الحمام بني للاحراز

[ 99 ]

فكان حرزا فلا يعتبر الحافظ كالبيت بخلاف المسجد لانه ما بني لاحراز الاموال فلم يكن محرزا بالمكان فيعتبر الحافظ كالطريق والصحراء. وشمل ما إذا سرق من الحمام في وقت لم يؤذن للناس في الدخول فيها كالليل، والمنقول في التبيين أنه يقطع بخلاف المسجد لا يقطع مطلقا. وأطلق في المأذون للناس في دخوله فشمل حوانيت التجار والخانات إلا إذا سرق منه ليلا لانها بنيت لاحراز الاموال، وإنما الاذن يختص بالنهار، كذا في الهداية. وفي قوله للناس إشارة إلى أنه لو أذن لجماعة مخصوصين بالدخول فدخل واحد غيرهم وسرق فإنه يقطع ولم أره صريحا، وقد قدم المصنف أنه لا بد من الاحراز بمكان أو حافظ. قال الطحاوي في كتابه: حرز كل شئ معتبر بحرز مثله حتى إنه إذا سرق دابة من اصطبل يقطع، ولو سرق لؤلؤة من اصطبل لا يقطع. وذكر الكرخي في كتابه أن ما كان حرز النوع فهو حرز للانواع كلها. قال شمس الائمة السرخسي: وهذا هو المذهب عندنا. والقفاف لا يقطع وهو الذي يعطي الدراهم لينظر إليها فيأخذ منها وصاحبها لا يعلم. والفشاش وهو الذي يهئ لغلق البيت ما يفتح به إذا فش نهارا وليس في البيت ولا في الدار أحد وأخذ المتاع لا يقطع، وإن كان فيها أحد من أهلها فأخذ المتاع وهو لا يعلم قطع. وفي الحاوي: إذا كان باب الدار مردودا غير مغلق فدخلها السارق خفية وأخذ المتاع قطع، ولو كان باب الدار مفتوحا فدخل نهارا وسرق لا يقطع، ولو سرق من السطح ثيابا تساوي نصابا يقطع لانه حرز، وإذا سرق ثوبا بسط على حائط في السكة لا يقطع، وكذلك لو سرق ثوبا بسط على خص إلى السكة، وإن بسط على الحائط إلى الدار أو على الخص إلى السطح قطع، كذا في الظهيرية اه‍. قوله: (ومن سرق من المسجد متاعا وربه عنده قطع) لانه عليه السلام قطع سارق رداء صفوان من تحت رأسه وهو نائم في المسجد أراد بالمسجد كل موضع لم يكن حرزا فدخل الطريق والصحراء. وأطلق في ربه فشمل النائم واليقظان وهو الصحيح، وأراد من كونه عنده أن يكون بحيث يراه كما في المجتبى. وأطلق في كونه عنده فشمل ما إذا كان تحت رأسه أو تحت جنبه أو بين يديه حالة النوم وهو قول بعض المشايخ وإليه مال الامام السرخسي. وفي الاصل ما يدل على خلافه فإنه قال: المسافر ينزل في الصحراء فيجمع متاعه ويبيت عليه فسرق رجل منه شيئا قطع، فإن بعض المشايخ فهم منه أنه إذا كان موضوعا بين يديه لا يقطع، كذا في الظهيرية. وصحح في المجتبى ما اختاره السرخسي من الاطلاق لانه يعد النائم حافظا له عادة وعلى هذا لا يضمن المودع والمستعير بمثله لانه ليس بتضييع بخلاف ما اختاره في الفتاوي اه‍. وأشار المصنف إلى أنه لو سرق الغنم أو البقر أو الفرس من المرعى

[ 100 ]

ومعها حافظ فإنه يقطع، وإطلاق محمد عدم القطع محمول على ما إذا لم يكن معها حافظ لكن إن كان الحافظ الراعي ففيه اختلاف ففي البقالي لا يقطع وهكذا في المنتقى عن أبي حنيفة. وأطلق خواهر زاده ثبوت القطع إذا كان معها حافظ، ويمكن التوفيق بأن الراعي لم يقصد لحفظها من السراق بخلاف غيره، كذا في فتح القدير. وفي المجتبى: لا قطع في المواشي في المرعى وإن كان معها الراعي، وإن كان معها سوى الراعي من يحفظها يجب القطع، وكثير من مشايخنا أفتوا بهذا وإن كانت الغنم تأوي إلى بيت في الليل بني لها عليه باب مغلق فكسره وسرق منها شاة قطع لا يعتبر الغلق إذا كان الباب مردودا إلا أن يكون بيتا منفردا في الصحراء أو المراح. وفي الحاوي: اتخذ من الحجر أو الشوك حظيرة وجمع هذه الاغنام وهو نائم عندها قطع، وعن محمد يقطع سواء كان معها حافظ أو لا وعليه عامة المشايخ اه‍. وأشار المصنف بالحضرة إلى أن الثياب ليست عليه فلو سرق من رجل ثوبا عليه أو رداء أو قلنسوة أو منطقة أو سرق من امرأة نائمة حليا عليها لم يقطع، وكذا إذا سرق من رجل نائم عليه ملاءة وهو لابسها لم يقطع، وقيل يقطع كالموضوع عنده، كذا في المجتبى. وقيد بما ليس بحرز لما في الخلاصة جماعة نزلوا بيتا أو خانا فسرق بعضهم من بعض متاعا وصاحب المتاع يحفظه أو تحت رأسه لم يقطع، ولو كان في مسجد جماعة قطع قوله: (ولو سرق ضيف ممن أضافه أو سرق شيئا ولم يخرج من الدار لا) أي لا يقطع، أما الاول فلان البيت لم يبق حرزا في حقه لكونه مأذونا في دخوله ولانه بمنزلة أهل الدار فيكون فعله خيانة لا سرقة. أطلقه فشمل ما إذا سرق من البيت الذي أضافه فيه أو من بعض بيوت الدار، سوء كان مقفلا أو من صندوق مقفل - ذكره القدوري في شرحه - لان الدار مع جميع بيوتها حرز واحد فبالاذن في الدار اختل الحرز في جميع بيوتها. وأما الثاني فلان الدار كلها حرز واحد فلا بد من الاخراج منها وما فيها في يد صاحبها معنى فتتمكن شبهة عدم الاخذ. قيد بالسرقة لانه يجب الضمان على الغاصب قوله: بمجرد الاخذ وإن لم يخرجه من الدار هو الصحيح لانه يجب مع الشبهة (وإن أخرجه من حجرة إلى الدار وأغار من أهل الحجرة على حجرة أخرى أو نقب فدخل وألقى شيئا في الطريق ثم أخذه أو حمله على حمار فساقه وأخرجه قطع) بيان لاربع مسائل: الاولى لو كانت الدار فيها مقاصير فأخرجها من مقصورة إلى صحن الدار فإنه يقطع لان كل مقصورة باعتبار ساكنها حرز على حدة، فالمراد بالدار الكبيرة التي فيها منازل وفي

[ 101 ]

كل منزل مكان يستغنى به أهله عن الانتفاع بصحن الدار وإنما ينتفعون به انتفاع السكة وإلا فهي المسألة السابقة التي لا بد فيها من الاخراج من الدار. الثانية لو أغار إنسان من أهل المقاصير على مقصورة فسرق منها قطع لما بينا، والمراد أنه دخل مقصورة على غرة فأخذ بسرعة. يقال أغار الفرس والثعلب في العدو إذا أسرع. الثالثة اللص إذا نقب البيت فدخل وأخذ المال ثم ألقاه في الطريق ثم خرج وأخذه فإنه يقطع. وقال زفر: لا يقطع لان الالقاء غير موجب للقطع كما لو خرج ولم يأخذ فكذا الاخذ من السكة كما لو أخذه غيره. ولنا أن الرمي حيلة يعتادها السراق لتعذر الخروج مع المتاع أو ليتفرغ لقتال صاحب الدار وللفرار ولم تعترض عليه يد معتبرة فاعتبر الكل فعلا واحدا. قيد بقوله ثم أخذه لانه لو لم يأخذه فهو مضيع لا سارق، وكذا لو أخذه غيره. الرابعة لو حمله على حمار وساقه وأخرجه لان سيره مضاف إليه بسوقه. قيد بالسوق لانه لو لم يسقه وخرج بنفسه لم يقطع. والمراد أن يكون متسببا في إخراجه فيشمل ما إذا علقه في عنق كلب وزجره، ولو خرج بغير زاجر لم يقطع لان للدابة اختيارا فما لم يفسد اختيارها بالحمل والسوق لا ينقطع نسبة الفعل إليها. وكذا إذا علقه على طائر فطار به إلى منزل السارق فإنه لا يقطع، ويشمل ما لو ألقاه في نهر في الدار وكان الماء ضعيفا وأخرجه بتحريك السارق لان الاخراج مضاف إليه وإن أخرجه الماء بقوة جريه لم يقطع، وقيل يقطع وهو الاصح لانه أخرجه بسببه، كذا في النهاية. قوله: (وإن ناوله آخر من خارج أو أدخل يده في بيت فأخذ أو طر صرة خارجة من كم أو سرق من قطار بعيرا أو جملا لا) أي لا يقطع في هذه المسائل الاربع. أما الاولى وهي ما إذا نقب اللص البيت فدخل وأخذ المال وناوله آخر من خارج الدار فلا قطع عليهما لان الاول لم يوجد منه الاخراج لاعتراض يد معتبرة على المال قبل خروجه. والثاني لم يوجد منه هتك الحرز فلم تتم السرقة من كل واحد. أطلقه فشمل ما إذا أخرج الداخل يده وناولها الخارج أو أدخل يده الخارج فتناولها من يد الداخل وهو ظاهر المذهب، ولم يذكر محمد ما إذا وضع الداخل المال عند النقب ثم خرج وأخذه قيل يقطع والصحيح أنه لا يقطع، كذا في فتح القدير. وأما الثانية وهي ما إذا أدخل يده في بيت وأخذ فلما روي عن علي رضي الله عنه أن اللص إذا كان ظريفا لا يقطع. قيل: وكيف ذلك؟ قال: أن ينقب البيت ويدخل يده من غير أن يدخله ولانه لم يهتك الحرز. قيد بالبيت لانه لو أدخل يده في الصندوق والجيب

[ 102 ]

والكم ونحوه فإنه يقطع لان الممكن فيها إدخال اليد لا الدخول بخلاف ما إذا شق الجولق فتبدد ما فيه من الدراهم فأخذه لا يقطع لعدم الهتك. وأما الثالثة وهي ما إذا طر صرة خارجة من كم فلان الرباط من خارج فبالطر لا تبقي الصرة داخل الكم فيتحقق الاخذ من الخارج فلم يوجد هتك الحرز. قيد بكونها خارجة لانه إن طر صرة داخلة وأخذها قطع لان الرباط من داخل فبالطر تبقي الصرة داخل الكم فتحقق الاخذ من الداخل فيوجد الهتك. والطر الشق. وذكر الشمني أن المراد بالصرة بعض الكم المشدود فيه الدراهم. وقيد بالطر لانه لو كان مكانه حل الربطا انعكس الحكم لانعكاس العلة فيقطع إن كان الرباط خارج الكم لانه يأخذ الدراهم من داخله، ولا يقطع إن كان الرباط من داخل الكم لانه يأخذها من خارجه. وفي فتح القدير: وبما ذكر من التفصيل في الطر ظهر أن ما يطلق في الاصول من أن الطرار يقطع إنما يتأتى على قول أبي يوسف فإنه قال يقطع الطرار على كل حال اه‍. وأما الرابعة وهي ما إذا سرق من قطار بعيرا أو حملا عليه فإنه ليس بمحرز مقصودا فيتمكن فيه شبهة العدم. أطلقه فشمل ما إذا كان معها سائق أو قائد أو لم يكن لان السائق أو الراكب يقصد قطع المسافة ونقل الامتعة دون الحفظ حتى لو كان معها من يحفظها يقطع. والقطار الابل على نسق واحد والجمع قطر وقيد بسرقة الجمل لانه لو شق الجولق على الجمل وهو يسير وأخذ ما فيه فإنه يقطع لان صاحب المال اعتمد الجوالق فكان هاتكا للحرز بخلاف ما إذا أخذ الجولق بما فيه، وكذا لو سرق من الفسطاط فإنه يقطع، ولو سرق نفس الفسطاط فإنه لا يقطع لعدم إحرازه إلا إذا كان الفسطاط غير منصوب وإنما هو ملفوف عنده من يحفظه أو في فسطاط آخر فإنه يقطع، كذا في فتح القدير قوله: (وإن شق الحمل فسرق منه أو سرق جوالقا فيه متاع وربه يحفظه أو نائم عليه أو أدخل يده في صندوق أو جيب غيره أو كمه فأخذ المال قطع) لوجود السرقة من الحرز وقدمنا كل ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم.

[ 103 ]

فصل في كيفية القطع وإثباته لما كان القطع حكم السرقة ذكره عقبه لان حكم الشئ يعقبه قوله: (وتقطع يمين السارق من الزند) لقوله تعالى * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * (المائدة: 38) والمعنى يديهما وحكم اللغة أن ما أضيف من الخلق إلى اثنين لكل واحد واحد أن يجمع مثل قوله تعالى * (فقد صغت قلوبكما) * (التحريم: 66) وقد يثنى والافصح الجمع. وأما كونها اليمين فبقراءة ابن مسعود رضي الله عنه فاقطعوا أيمانهما وهي مشهورة فكان خبرا مشهورا فيقيد إطلاق النص فهذا من تقييد المطلق لا من بيان المجمل لان الصحيح أنه لا إجمال في الآية وقد قطع عليه السلام اليمين والصحابة رضي الله عنهم. وأما كونه من الزند - وهو مفصل الرسغ ويقال الكوع وهو مذكر كما في المغرب - فلانه المتوارث ومثله لا يطلب له سند بخصوصه كالمتواتر ولا يبالي فيه بكفر الناقلين فضلا عن فسقهم أو ضعفهم قوله: (وتحسم) أي تكوي كي ينقطع الدم لقوله عليه السلام فاقطعوه واحسموه ولانه لو لم يحسم يفضي إلى التلف والحد زاجر لا متلف - كذا في الهداية - وهو يقتضي وجوبه. وفي المغرب: الحسم أن يغمس في الدهن الذي أغلى. وفي فتح القدير: وثمن الزيت وكلفة الحسم على السارق عندنا. والمنقول (عن) الشافعي وأحمد أنه يسن تعليق يده في عنقه لانه عليه السلام أمر به رواه أبو داود وابن ماجه. وعندنا ذلك مطلق للامام إن رآه لم يثبت عنه عليه السلام في كل من قطعة ليكون سنة قوله: (ورجله اليسرى إن عاد) لقوله عليه السلام فإن عاد فاقطعوه وعليه إجماع المسلمين. ولم يذكر المصنف نهاية القطع من الرجل لانه يقطع من الكعب عند أكثر العلماء وفعل عمر رضي الله عنه ذلك. وقال أبو ثور والروافض: يقطع من نصف القدم من معقد الشراك لان عليا كان يفعل كذلك ويدع له عقبا يمشي عليها اه‍ قوله: (فإن سرق ثالثا حبس حتى يتوب ولم يقطع) لقول علي رضي الله عنه فيه: إني لاستحي من الله أن لا أدع له يدا يأكل بها ويستنجي بها ورجلا يمشي عليها فلهذا حاج بقية الصحابة رضي الله عنهم فحجهم فانعقد إجماعا، ولانه إهلاك معنى لما فيه من تفويت جنس المنفعة والحد زاجر ولانه نادر الوجود والزجر فيما يغلب بخلاف القصاص لانه حق العبد فيستوفي ما أمكن جبرا لحقه. وما ورد من الحديث من قطع يده اليسرى في الثالثة والرجل اليمنى في الرابعة

[ 104 ]

طعن فيه الطحاوي أو نحمله على السياسة وتمامه في الاصول من بحث الامر. وفي الفتاوي السراجية: للامام أن يقتله سياسة، كذا في شرح مسكين. ولم يذكر المصنف ضربه مع الحبس وأثبته في المجتبى ولم يذكروا متى تقبل توبته وتظهر. وفي غاية البيان معزيا إلى النافع أنه يحبس حتى يتوب أو تظهر عليه سيما رجل صالح. قوله: (كمن سرق وإبهامه اليسرى مقطوعة أو شلاء أو أصبعان منها سواها أو رجله اليمنى مقطوعة) يعني لا يقطع في هذه المسائل لما فيه من تفويت جنس المنفعة بطشا أو مشيا، وكذا إذا كانت رجله اليمنى شلاء لما قلنا وقوام البطش بالابهام. قيد بالابهام لانه لو كان المقطوع أصبعا غير الابهام أو أشل فإنه يقطع لانه فوتها لا يوجب خللا في البطش ظاهرا. وقيد باليد اليسرى لانه لو كانت يده اليمنى شلاء أو ناقصة الاصابع تقطع في ظاهر الرواية لان المستحق بالنص قطع اليمنى واستيفاء الناقص عند تعذر الكامل جائز. وقيد بقطع الرجل اليمنى لانه لو كانت رجله اليمنى مقطوعة الاصابع فإن كان يستطيع القيام والمشي عليها قطعت يده، وإن كان لا يستطيع القيام والمشي لم تقطع يده، كذا في غاية البيان. وفي الكافي: وإذا حبس السارق ليسأل عن الشهود فقطع رجل يده اليمنى عمدا فعليه القصاص وقد بطل الحد عن السارق، وكذلك إن كان قطع يده اليسرى، وإن حكم عليه بالقطع في السرقة فقطع رجل يده اليمنى من غير أن يؤمر بذلك فلا شئ عليه اه‍ قوله: (ولا يضمن بقطع اليسرى من أمر بخلافه) أي إذا قال الحاكم للجلاد اقطع يمين هذا في سرقة سرقها فقطع يساره عمدا فلا شئ عليه عند أبي حنيفة. وقالا: لا شئ عليه في الخطأ ويضمن في العمد. وقال زفر: يضمن في الخطأ أيضا وهو القياس والمراد هو الخطأ في الاجتهاد، وأما

[ 105 ]

الخطأ في معرفة اليمين واليسار لا يجعل عفوا. وقيل: يجعل عذرا أيضا. له أنه قطع يداه معصومة والخطأ في حق العباد غير مضمون فيضمنها. قلنا: إنه أخطأ في اجتهاده إذ ليس في النص تعيين اليمين والخطأ في الاجتهاد موضوع. ولهما أنه قطع طرفا معصوما بغير حق ولا تأويل. له لانه تعمد الظلم فلا يعفي وإن كان في المجتهدات، وكان ينبغي أن يجب القصاص إلا أنه امتنع القصاص للشبهة. ولابي حنيفة أنه أتلف وأخلف من جنسه ما هو خير منه فلا يعد إتلافا كمن شهد على غيره ببيع ماله بمثل قيمته ثم رجع، وعلى هذا لو قطعه غير الجلاد لا يضمن أيضا هو الصحيح. قيد بالامر لانه لو قطعه أحد قبل الامر والقضاء وجب القصاص في العمد والدية في الخطأ اتفاقا وسقط القطع عن السارق لان مقطوع اليد لا يجب عليه القطع حدا وقضاء القاضي بالحد كالامر على الصحيح فلا يرد على المصنف. وقيد بقوله بخلافه لان الحاكم لو أطلق وقال اقطع يده ولم يعين اليمنى فلا ضمان على القاطع اتفاقا لعدم المخالفة إذ اليد تطلق عليهما، وكذلك لو أخرج السارق يده فقال هذه يميني لانه قطعه بأمره. وقيد بعدم الضمان لانه يعزر إذا كان عمدا كما في فتح القدير. ولم يذكر المصنف أن هذا القطع وقع حدا أو لا قالوا: فعلى طريقة أنه وقع حدا فلا ضمان على السارق لو كان استهلك العين لان القطع والضمان لا يجتمعان، وعلى طريقة عدم وقوعه حدا فهو ضامن في العمد والخطأ. قوله: (وطلب المسروق منه شرط القطع) أي وطلبه المال فلا قطع بدونه لان الخصومة شرط لظهورها. أطلقه فشمل ما إذا أقر أو أقيمت عليه البينة لاحتمال أن يقر له بالملك فيسقط القطع فلا بد من حضوره عند الاداء والقطع لتنتفي تلك الشبهة. وبما ذكرناه ظهر أن ما في التبيين معزيا إلى البدائع من أنه إذا أقر أنه سرق من فلان الغائب قطع استحسانا ولا ينتظر حضور الغائب وتصديقه، فإنما هو رواية عن أبي يوسف وليست هذه عبارة البدائع فإن عبارته قال أبو حنيفة ومحمد: الدعوى في الاقرار شرط حتى لو أقر السارق أنه سرق مال فلان الغائب لم يقطع ما لم يحضر المسروق منه ويخاصم عندهما. وقال أبو يوسف: الدعوى في الاقرار ليست بشرط إلى آخره. وفي البدائع أيضا قال محمد: لو قال سرقت هذه الدراهم

[ 106 ]

ولا أدري لمن هي أو قال سرقتها ولا أخبرك من صاحبها لا يقطع لان جهالة المسروقة منه فوق غيبته ثم الغيبة لما منعت القطع على أصله فالجهالة أولى اه‍. ولم يعين يعني المصنف مطلوب المسروق منه فاحتمل شيئين: أحدهما طلب المال وبه جزم الشارح. ثانيهما طلب القطع. وأشار الشمني إلى أنه لا بد من الطلبين وأن أحدهما لا يكفي لكن ذكر في الكشف الكبير قبيل بحث الامر أن وجوب القطع حق الله تعالى على الخلوص ولهذا لم يتقيد بالمثل، وما يجب حقا للعبد يتقيد به مالا كان أو عقوبة كالغصب والقصاص، ولهذا لا يملك المسروق منه الخصومة بدعوى الحد وإثباته، ولا يملك العفو بعد الوجوب ولا يورث عنه اه‍. فقد صرح بأنه لا يملك طلب القطع إلا أن يقال إنه لا يملك طلب القطع مجردا عن طلب المال. والظاهر أن الشرط إنما هو طلب المال ويشترط حضرته عند القطع لا طلبه القطع إذ هو حق الله تعالى فلا يتوقف على طلب العبد قوله: (ولو مودعا أو غاصبا أو صاحب الربا) أي ولو كان المسروق منه والاصل فيه أن كل من كان له يد صحيحة يملك الخصومة ومن لا فلا، فللمالك أن يخاصم السارق إذا سرق منه، وكذا المودع - بفتح الدال - والمستعير والمضارب والمبضع والغاصب والقابض على سوم الشراء والمرتهن ومتولي المسجد والاب والوصي، فتعتبر خصومتهم في ثبوت ولاية الاسترداد وفي حق القطع. وأراد بصاحب الربا أن يبيع عشرة بعشرين وقبض العشرين فسرق منه العشرون فيقطع السارق بخصومته عندنا لان هذا المال في يده بمنزلة المغصوب إذ الشراء فاسد بمنزلته وأما العاقد الآخر من عاقدي الربا فإنه بالتسليم لم يبق له ملك ولا يد فلا يكون له ولاية الخصومة، ذكره الشمني. وفي فتاوي قاضيخان من اللقطة: رجل التقط لقطة فضاعت منه فوجدها في يد غيره فلا خصومة بينه وبين ذلك الرجل بخلاف الوديعة فإن في الوديعة يكون للمودع أن يأخذها من الثاني لان في اللقطة الثاني كالاول في ولاية أخذ اللقطة وليس الثاني كالاول في ولاية إثبات اليد على الوديعة اه‍. فينبغي أن لا يقطع بطلب الملتقط كما لا يخفى قوله: (ويقطع بطلب المالك لو سرق منهم) أي من هؤلاء الثلاثة لان الخصومة إنما شرطت ليعلم

[ 107 ]

أن المسروق ملك غير السارق وهذا يحصل بخصومة المالك، ولم يذكر المصنف الراهن والمرتهن للاختلاف فروي ابن سماعة عن محمد أنه لا يقطع بطلب الراهن في غيبة المرتهن بل لا بد من حضرته. وصرح في الجامع الصغير بأنه يقطع في غيبته لانه هو المالك، وكذا الخلاف لو حضر المغصوب منه وغاب الغاصب. قوله: (لا بطلب المالك أو السارق لو سرق من سارق بعد القطع) يعني لو قطع سارق بسرقة فسرقت منه لم يكن له ولا لمالك العين المسروقة أن يقطع السارق الثاني لان المال غير متقوم في حق السارق حتى لا يجب عليه الضمان بالهلاك فلم تنعقد موجبة في نفسها وللاول ولاية الخصومة في الاسترداد لحاجته إذ الرد واجب عليه. قيد بقوله بعد القطع لانه لو سرق الثاني قبل أن يقطع الاول أو بعد ما درئ القطع بشبهة يقطع بخصومة الاول لان سقوط التقوم ضرورة القطع ولم يوجد فصار كالغاصب، كذا في الهداية. وأطلق الكرخي والطحاوي عدم قطع السارق من السارق لان يده ليست يد أمانة ولا ملك فكان ضائعا ولا قطع في أخذ مال ضائع. قلنا: بقي أن يكون يد غصب والسارق منه يقطع فالحق ما في الهداية من التفصيل، واختاره في فتح القدير في مسألة ولاية الاسترداد أن الوجه أنه إذا ظهر هذا الحال للقاضي لا يرده إلى الاول ولا إلى الثاني إذا رده لظهور خيانة كل منهما، بل يرده من يد الثاني إلى المالك إن كان حاضرا وإلا حفظه كما يحفظ أموال الغيب قوله: (ومن سرق شيئا ورده قبل الخصومة إلى مالكه أو ملكه بعد القضاء أو ادعى أنه ملكه أو نقصت قيمته عن النصاب لم يقطع) بيان لاربع مسائل لا قطع فيها: الاولى لو سرق شيئا ورده قبل الخصومة إلى مالكه فلا قطع لان الخصومة شرط لظهور السرقة لان البينة إنما جعلت حجة ضرورة قطع المنازعة وقد انقطعت الخصومة، وقيد بالرد بما قبل الخصومة أي قبل المرافعة إلى القاضي لانه لو رده بعد المرافعة إلى القاضي قطع لانتهاء الخصومة لحصول

[ 108 ]

مقصودها فتبقى تقديرا، كذا في الهداية وهو شامل لما إذا رده بعد القضاء بالقطع وما إذا رده بعد ما شهد الشهود ولم يقض القاضي استحسانا لان السرقة قد ظهرت عند القاضي بما هو حجة بناء على خصومة معتبرة، كذ في التبيين. فالمراد بالخصومة الدعوى والشهادة أو الاقرار، فلو ادعى ولم يثبت ثم رده ينبغي أن لا قطع لعدم ظهورها عند القاضي فهي رباعية لان الرد إما أن يكون بعد الترافع إلى القاضي قبل الدعوى أو بعدها قبل الثبوت أو بعدهما قبل القضاء أو بعد الثلاثة، فلا قطع في الاوليين ويقطع في الاخرين. وأطلق في الرد فشمل الرد حقيقة والرد حكما كما إذا رده إلى أصوله وإن علا كوالده وجده ووالدته وجدته، سواء كانوا في عيال المالك أو لا، لان لهؤلاء شبهة الملك فيثبت به شبهة الرد بخلاف ما إذا رده إلى عيال أصوله فإنه يقطع لانه شبهة الشبهة وهي غير معتبرة. ومن الرد الحكمي إليه الرد إلى فرعه وكل ذي رحم محرم منه بشرط أن يكون في عياله وإلا فليس برد ومنه الرد إلى مكاتبه وعبده، ومنه الرد إلى مولاه لو كان مكاتبا لان ماله له رقبة ومنه إذا سرق من العيال ورد إلى من يعولهم لان يده عليهم فوق أيديهم في ماله. الثانية لو ملكه بعد القضاء بالقطع فلان الامضاء من القضاء في هذا الباب لوقوع الاستغناء عنه بالاستيفاء إذ القضاء للاظهار والقطع حق الله تعالى وهو ظاهر عنده، وإذا كان كذلك يشترط قيام الخصومة عند الاستيفاء وصار كما إذا ملكها منه قبل القضاء. أطلقه فشمل البيع والهبة لكن يشترط القبض فيها ليحصل الملك كما في الهداية. الثالثة لو ادعى السارق أن المسروق ملكه بعد ما ثبتت السرقة عليه بالبينة أو بالاقرار فلا قطع، سواء أقام بينة أو لم يقم، لان الشبهة دارئة للحد فتتحقق بمجرد الدعوى بدليل صحة الرجوع بعد الاقرار. الرابعة إذا سرق شيئا قيمته نصاب ثم نقصت قيمته بعد القضاء لم يقطع لان كمال النصاب لما كان شرطا يشترط قيامه عند الامضاء لما ذكرنا. أطلقه فشمل ما إذا تغير السعر في بلد أو بلدين حتى إذا سرق ما قيمته نصاب في بلد وأخذ في بلد آخر القيمة فيه أنقص لم يقطع كما في شرح الطحاوي. وقيد بنقصان القيمة لان العين لو نقصت فإنه يقطع لانه مضمون عليه فكمل النصاب عينا ودينا كما إذا استهلكه كله، أما نقصان السعر فغير مضمون فافترقا. قوله: (ولو أقرا بسرقة ثم قال أحدهما هو مالي لم يقطعا) أي السارقان المقران لان الرجوع عامل في حق الراجع ومورث للشبهة في حق الآخر لان السرقة قد ثبتت بإقرارهما على الشركة. أطلقه فشمل ما إذا كان قبل القضاء أو بعده، وقيد بإقرارهما لانه لو أقر أنه سرق هو وفلان كذا فأنكر فلان فإنه يقطع المقر لعدم الشركة بتكذيبه بقوله قتلت أنا وفلان

[ 109 ]

وزنيت أنا وفلان اقتصر على المقر وإن أنكر فلان. وقوله قال أحدهما هو مالي تمثيل وإلا فالمراد أن أحدهما إذا ادعى شبهة أشبهة كانت فإنه يسقط القطع عنهما كما في شرح الطحاوي قوله: (ولو سرقا وغاب أحدهما وشهد على سرقتهما قطع الآخر) أي الحاضر لان الغيبة تمنع ثبوت السرقة على الغائب فيبقى معدوما والعدم لا يورث الشبهة، ولا معتبر بتوهم حدوث الشبهة لانه شبهة الشبهة، وبيانه أن الغائب لو حضر وادعى كان شبهة للحاضر واحتمال دعوى الغائب شبهة الشبهة فلا تعتبر قوله: (ولو أقر عبد بسرقة قطع وترد السرقة إلى المسروق منه) لان إقرار العبد على نفسه بالحدود والقصاص صحيح من حيث إنه آدمي ثم يتعدى إلى المالية فيصح من حيث إنه مال، ولانه لا تهمة في هذ الاقرار لما يشتمل عليه من الاضرار ومثله مقبول على الغير فيقطع العبد. وإذا صح الاقرار بالقطع صح بالمال بناء عليه لان الاقرار يلاقي حالة البقاء والمال في حالة البقاء تابع فقط حتى تسقط عصمة المال باعتباره ويستوفي القطع بعد استهلاكه. أطلق العبد فشمل المأذون والمحجور عليه وخالف محمد في المحجور فقال: لا يقطع. وخالفه أبو يوسف، واتفقا على أن المال للمولى. وأطلق في القطع فشمل ما إذا صدقه المولى وكذبه والخلاف فيه فقط. وأطلق في السرقة فشمل القائمة والمستهلكة. وأشار بالرد المقيد لبقائها إلى أنها لو كانت مستهلكة فلا ضمان ويقطع اتفاقا. وأشار بالقطع إلى أن العبد كبير إذ لا قطع إلا على مكلف فإذا أقر عبد صغير بسرقة فلا قطع غير أنه إذا كان مأذونا يرد المال إلى المسروق منه إن كان قائما، وإن كان هالكا يضمن، وإن كان محجورا فإن صدقه المولى يرد المال إلى المسروق منه إن كان قائما لا ضمان عليه إن كان هالكا ولا بعد العتق، كذا في فتح القدير. وقيد بالاقرار ليفيد أن السرقة لو ثبتت عليه بالبينة فإنه يقطع بالاولى ويرد المال إلى المسروق منه كما في الذخيرة، لكن يشترط حضرة المولى عند إقامة البينة عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف ليست بشرط، وأما حضرته عند الاقرار بالحدود فليست بشرط اتفاقا، كذا في شرح الطحاوي قوله: (ولا يجتمع قطع وضمان وترد العين لو قائمة) لقوله عليه السلام لا غرم على السارق بعد ما قطعت يمينه (1) ولان وجوب الضمان ينافي القطع لانه يتملكه بأداء الضمان مسندا إلى وقت الاخذ فتبين أنه ورد على ملكه فينتفي القطع، وما يؤدي إلى انتفائه فهو المنتفي أو لان المحل لا يبقى معصوما حقا للعبد إذ

[ 110 ]

لو بقي كان مباحا في نفسه فينتفي القطع للشبهة فيصير محرما حقا للشرع كالميتة ولا ضمان فيه. أطلقه فشمل ما إذا هلكت العين أو استهلكها وهو ظاهر الرواية، وسواء كان الاستهلاك قبل القطع أو بعده كما في المجتبى، وفرق في رواية الحسن بين الهلاك والاستهلاك لان العصمة لا يظهر سقوطها في حق الاستهلاك لانه فعل آخر غير السرقة ولا ضرورة في حقه، وكذا الشبهة تعتبر فيما هو السبب دون غيره. ووجه المشهور أن الاستهلاك إتمام المقصود فتعتبر الشبهة فيه، وكذا يظهر سقوط العصمة في حق الضمان لانه من ضرورة سقوطها في حق الهلاك لانتفاء المماثلة. وفي التبيين عن محمد: إن السارق يفتي بأداء القيمة وإن لم يقض به كقطع الطريق والباغي يفتيان بأداء الضمان والاموال والدية في النفوس. وفي الكافي: هذا إذا كان بعد القطع وإن كان قبله، فإن قال المالك أنا أضمنه لم يقطع عندنا، وإن قال أنا أختار القطع يقطع ولا يضمن اه‍. لانه في الاولى تضمن رجوعه عن دعوى السرقة إلى دعوى المال. وأطلق في قيام العين فشمل ما إذا كان السارق لم يتصرف فيها أو باعها أو وهبها فإنها تؤخذ من المشتري والموهوب له بلا خلاف لبقائها على ملك مالكها. وفي الايضاح قال أبو حنيفة: لا يحل للسارق الانتفاع به بوجه من الوجوه لانه على ملك المسروق منه، وكذا لو خاطه قميصا لا يحل له الانتفاع به. وفي المجتبى: لو قطع السارق ثم استهلك السرقة غيره لم يضمن لاحد، وكذا لو هلك في يد المشتري منه أو الموهوب له ولو استهلكه فللمالك تضمينه اه‍. قوله: (ولو قطع لبعض السرقات لا يضمن شيئا) يعني عند الامام. وقالا: يضمن كلها إلا التي قطع فيها لان الحاضر ليس بنائب عن الغائب ولا بد من الخصومة لتظهر السرقة فلم تظهر السرقة من الغائبين فلم يقع القطع لهم فبقيت أموالهم معصومة. وله أن الواجب بالكل قطع واحد حقا لله تعالى لان مبنى الحدود على التداخل والخصومة شرط للظهور عند القاضي، أما الوجوب بالجناية وإذا استوفى فالمستوفي كل الواجب ألا ترى أنه يرجع نفعه إلى

[ 111 ]

الكل فيقع عن الكل، وعلى هذا الخلاف إذا كان العين كلها لواحد وسرقها منه مرارا فخاصم في البعض ولذا أطلق المصنف فشمل ما إذا كان الكل لواحد كما شمل ما إذا كان لمتعدد وحضر الكل وقطع بالبعض أو حضر البعض فقط قوله: (ولو شق ما سرقه في الدار ثم أخرجه قطع) كما إذا سرق ثوبا فشقه نصفين ثم أخرجه، وعن أبي يوسف عدمه لشبهة الملك فإن الخرق الفاحش يوجب القيمة فيملك المضمون وصار كالمشتري إذا سرق مبيعا فيه خيار البائع. ولهما أن الاخذ وضع سببا للضمان لا للملك وإنما يثبت الملك ضرورة إذ الضمان كيلا يجتمع البدلان في ملك واحد ونفسه لا يورث الشبهة كنفس الاخذ، وكما إذا سرق البائع مبيعا باعه بخلاف ما ذكر لا البيع وضع لافادة الملك. أطلق الشق فشمل ما إذا كان فاحشا أو يسيرا لكن لا خلاف في القطع إذا كان يسيرا لعدم وجوب الضمان وترك الثوب عليه وإنما يضمن النقصان مع القطع، وكذا إذا كان الخرق فاحشا. وصحح البخاري عدم وجوب الضمان لانه لا يجتمع مع القطع. ورجح في فتح القدير الضمان تبعا لقاضيخان وقال: إنه الحق لوجوب الضمان بالخرق قبل الاخراج. واختلفوا في الفرق بين الفاحش واليسير، والصحيح أن الفاحش ما يفوت به بعض العين وبعض المنفعة، واليسير ما لا يفوت به شئ من المنفعة بل يتعيب به فقط. ويرد على المصنف رحمه الله شيآن: أحدهما أن القطع مقيد بما إذا اختار تضمين النقصان وأخذ الثوب وإن اختار تضمين القيمة وترك الثوب عليه فلا قطع اتفاقا لانه ملكه مستندا إلى وقت الاخذ. وقد يجاب بأن هذا الاختيار مسقط للقطع بعد وجوبه فصار كما إذا وهبه العين بل أولى لاستناده واقتصار الهبة وكلام المصنف في الوجوب. ثانيهما أن الشق لو كان إتلافا فله تضمين القيمة من غير خيار ويملك السارق الثوب ولا يقطع وحد الاتلاف أن ينقص أكثر من نصف القيمة، فلو قال المصنف قطع ما لم يكن إتلافا لكان أولى، ولا بد أن تكون قيمة الثوب نصابا بعد الشق قوله: (ولو سرق شاة فذبحها فاخرجها لا) أي لا قطع عليه لان السرقة تمت على اللجم ولا قطع فيه. أطلقه فشمل ما إذا ساوت نصابا بعد الذبح، وقيد بعدم القطع لانه يضمن قيمتها للمسروق منه. قوله: (ولو صنع المسروق دراهم أو دنانير قطع وردها) أي لو صنع السارق وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: لا سبيل للمسروق منه عليها وأصله في الغصب فهذه صنعة متقومة

[ 112 ]

عندهما خلافا له. ثم وجوب القطع لا يشكل على قوله لانه لم يملكه، وقيل على قولهما لا يجب لانه ملكه قبل القطع، وقيل يجب لانه صار بالصنعة شيئا آخر فلم يملك عينه. وأشار إلى أنه لو صنع المسروق من النقد آنية كان كذلك بالاولى. وقيد بالنقد لانه في الحديد والرصاص والصفر إن جعله أواني، فإن كان يباع عددا فهو للسارق بالاجماع وإن كان يباع وزنا فهو على الاختلاف بينهم في الذهب والفضة، كذا في شرح المختار. وذكر الاسبيجابي أنه لو سرق حنطة فطحنها تكون للسارق بعد القطع. قوله: (ولو صبغه أحمر فقطع لا يرد ولا يضمن) بيان لثلاثة أحكام: الاول وجوب القطع لان قطع السارق باعتبار سرقة الثوب الابيض وهو لم يملكه أبيض بوجه ما والمملوك للسارق إنما هو المصبوغ فصار كما إذا سرق حنطة فطحنها فإنه يقطع بالحنطة وإن ملك الدقيق الثاني عدم رده إلى المسروق منه وهو قولهما. وقال محمد: يؤخذ منه الثوب ويعطي ما زاد الصبغ فيه اعتبارا للغصب، والجامع كون الثوب أصلا قائما وكون الصبغ تابعا. ولهما أن الصبغ قائم صورة ومعنى حتى لو أراد أخذه مصبوغا يضمن ما زاد الصبغ فيه، وحق المالك في الثوب قائم صورة لا معنى ألا ترى أنه غير مضمون على السارق بالهلاك وهو الحكم الثالث الذي أفاده بقوله ولا يضمن أي لا يرده حال قيامه ولا يضمنه حال استهلاكه بخلاف الغصب لان حق كل واحد قائم صورة ومعنى فاستويا من هذا الوجه، ورجحنا جانب المالك لما ذكرنا. قيد بكونه صبغه قبل القطع بدليل فاء التعقيب لانه لو صبغه بعد القطع يرده لان الشركة بعد القطع لا تسقط القطع، كذا في شرح المختار. وذكر في الهداية الصبغ بعد القطع فإنه قال: وإن سرق ثوبا فقطع فصبغه أحمر لم يؤخذ منه الثوب ولا يضمن اه‍. وهو مفيد لانه لو صبغه قبل القطع فالحكم كذلك بالاولى وكلام محمد دليل عليه أيضا فإنه قال: سرق الثوب فقطع يده وقد صبغ الثوب أحمر لم يؤخذ منه الثوب قوله: (ولو اسود برد) أي لو صبغة السارق أسود يرده على المالك يعني عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف هذا والاول سواء لان السواد عنده زيادة كالحمرة وعند محمد زيادة أيضا كالحمرة لكنه لا يقطع حق المالك لما مر، وعند أبي حنيفة السواد نقصان فلا يوجب انقطاع حق المالك. قالوا: وهذا اختلاف عصر وزمان لا حجة وبرهان فإن الناس

[ 113 ]

كانوا لا يلبسون السواد فلا زمنه ويلبسونه في زمنهما. وفي شرح الطحاوي: لو سرق سويقا فلته بسمن أو عسل فهو مثل الاختلاف في الصبغ الاحمر والله أعلم. باب قطع الطريق بيان للسرقة الكبرى وإطلاق السرقة عليه مجاز لذا لزم التقييد بالكبرى. قالوا: إن الشرائط المختصة بها ثلاثة في ظاهر الرواية: الاول أن يكون من قوم لهم قوة وشوكة أو واحد كذلك. الثاني أن لا يكون في مصر أو ما هو بمنزلته كما بين المصرين أو القريتين. الثالث أن يكون بينهم وبين المصر مسيرة سفر. وعن أبي يوسف اعتبار الشرط الاول فقط فيتحقق في المصر ليلا وعليه الفتوى لمصلحة الناس اه‍. قوله: (أخذ قاصد قطع الطريق قبله حبس حتى يتوب وإن أخذ مالا معصوما قطع يده ورجله من خلاف وإن قتل حدا وإن عفا الولي وإن قتل وأخذ قطع وقتل أو صلب أو قتل وصلب) بيان لاحوال قاطع الطريق فبين أنها أربع: الاولى لو أمسك بعد ما قصد قطع الطريق ولم يقطعها على أحد وحكمه الحبس حتى يتوب وهو المراد بقوله تعالى * (أو ينفوا من الارض) * (المائدة: 33) فالنفي بمعنى الحبس لانه نفي عن وجه الارض وقد عهد عقوبة في الشرع، ولم يذكر المصنف التعزير. وفي الهداية: ويعزرون أيضا لمباشرتهم منكر الاخافة اه‍. وأطلق في أخذه فشمل ما إذا كان بإذن الامام أو لا، ولم يبينوا بماذا يتحقق قصده لظهور أنه يحصل بوقوفه على الطريق لاخافة المارين، وأما قطع الطريق حقيقة فبالقتل أو أخذ المال وأن يكون بالاخافة فقط، فالضمير في قوله قبله عائد إلى قطع الطريق لا كما قال الشارح أنها ترجع إلى غير مذكور، وكلامه مبني على أن مجرد الاخافة قطع وليس كذلك والتوبة وإن

[ 114 ]

كانت متعلقة بالقلب لكن لحصولها أمارات ظاهرة فصح أن تكون غاية للحبس. الثانية أن يؤخذ بعد ما أخذ المال ولم يقتل النفس، وحكمه أن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى بشرطين: أحدهما أن يكون ذلك المال معصوما وهو أن يكون لمسلم أو ذمي فخرج مال الحربي المستأمن. الثاني أن يكون نصابا ولم يصرح به للاكتفاء بذكره في السرقة الصغرى فلا قطع على من أصابه أقل من نصاب وهو المراد بقوله تعالى * (أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف) * (المائدة: 33) بناء على أن الا جزية متوزعة على الاحوال كما علم في الاصول، ولما كانت جنايته أفحش من السرقة الصغرى كانت عقوبته أغلظ، وإنما كان من خلاف لئلا تفوت جنس المنفعة ولذا لو كانت يده اليسرى مقطوعة أو شلاء أو رجله اليمنى كذلك لا يقطع. الثالثة أن يؤخذ بعد ما قتل نفسا معصومة ولم يأخذ مالا، وحكمه أن الامام يقتله حدا لله تعالى لا قصاصا حتى لو عفا الاولياء لا يلتفت إلى عفوهم. وأشار بكونه حدا إلى أنه لا يشترط في القتل أن يكون موجبا للقصاص من مباشرة الكل والآلة لانه وجب في مقابلة الحناية على حق الله تعالى بمحاربته ولذا قال في المجتبى: ويقتل الكل في الحالة الثالثة حدا القاتل والمعين فيه سواء. وإنما الشرط القتل من أحدهم، وسواء قتلهم بسيف أو حجر أو عصا أو غيرهما، ويصير كالجماعة قتلوا واحدا به قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحاب أبي بردة اه‍. الرابعة أن يؤخذ وقد قتل النفس وأخذ المال فذكر المصنف أن الامام مخير بين ثلاثة أشياء: إما أن يجمع بين الثلاثة قطع اليد والرجل من خلاف والقتل والصلب، وإما أن يقتصر على القتل، وإما أن يقتصر على الصلب وهكذا في الهداية. ومنع محمد القطع لانه جناية واحدة فلا توجب حدين ولان ما دون النفس يدخل في النفس في باب الحد كحد السرقة والرجم. ولهما أن هذه عقوبة واحدة تغلظت لتغلظ سببها وهو تفويت الامن على التناهي بالقتل وأخذ المال ولهذا كان قطع اليد والرجل معا في الكبرى حدا واحدا وإن كان في الصغرى حدين، والتداخل في الحدود لا في حد واحد، ثم ذكر في الكتاب التخيير بين الصلب وتركه وهو ظاهر الرواية. وعن أبي يوسف أنه لا يتركه لانه منصوص عليه والمقصود التشهير ليعتبر به غيره ونحن نقول: أصل التشهير بالقتل والمبالغة بالصلب فيخير فيه.

[ 115 ]

قوله: (ويصلب حيا ثلاثة أيام ويبعج بطنه برمح حتى يموت) تشهيرا له واستعجالا لموته، ومعنى يبعج يشق، كذا في المغرب. والصلب حيا ظاهر المذهب كما في المجتبى وهو الاصح. وعند الطحاوي أنه يقتل ثم يصلب. وقيد بالثلاثة لانه لا يصلب أكثر منها توقيا عن تأذي الناس فإذا (تم) له ثلاثة من وقت موته يخلي بينه وبين أهله ليدفنوه. وعن أبي يوسف أنه يترك على الخشبة حتى يتقطع فيسقط قوله: (ولم يضمن ما أخذ) يعني بعد ما أقيم عليه الحد كما في السرقة الصغرى، ولو قال ولم يضمن ما فعل لكان أو لى لانه لا يضمن ما قتل وما جرح لذلك المعنى قوله: (غير المباشر كالمباشر) يعني في الاخذ والقتل حتى تجري الاحكام على الكل بمباشرة البعض لانه جزاء المحاربة وهي تتحقق بأن يكون البعض ردا للبعض حتى إذا زالت أقدامهم انحازوا إليهم وإنما الشرط القتل من واحد منهم وقد تحقق قوله: (والعصا والحجر كالسيف) لانه يقع قطعا للطريق بقطع المارة قوله: (وإن أخذ مالا وجرح قطع وبطل الجرح) بيان للحالة الخامسة لهم وهي أن يأخذ المال ويجرح إنسانا فيقطع يده ورجله من خلاف ولا يجب شئ لاجل الجرح لانه لما وجب الحد حقا لله تعالى سقطت عصمة النفس حقا للعبد كما تسقط عصمة المال. قوله: (وإن جرح فقط أو قتل فتاب أو كان بعض القطاع غير مكلف أو ذا رحم محرم من المقطوع عليه أو قطع بعض القافلة على البعض أو قطع الطريق ليلا أو نهارا بمصر أو بين مصرين لم يحد فأقاد الولي أو عفا) بيان للمسائل التي لا حد فيها وهي ست مسائل: الاولى لو جرح ولم يقتل ولم يأخذ مالا فلانه لا حد في هذه الجناية فيظهر حق العبد فيقتص منه مما فيه القصاص وأخذ الارش منه مما فيه الارش وذلك إلى الاولياء، كذا في الهداية. وفيه نظر لان ذلك للمجروح لا لوليه، فإن أفضى الجرح إلى القتل ينبغي أن يجب الحد، ولما كان أخذ المال

[ 116 ]

الموجب للحد هنا هو النصاب كان أخذ ما دونه بمنزلة العدم، فإذا أخذ ما دون النصاب وجرح فهو داخل تحت قوله وإن جرح فقط. وكذا إذا أخذ مالا يقطع فيه كالاشياء التي يتسارع إليها الفساد. قال الشارح: ولو كان مع هذا الاخذ قتل لا يجب الحد أيضا وهي طعن عيسى فإنه قال: القتل وحده يوجب الحد فكيف يمتنع مع الزيادة؟ فجوابه أن قصدهم المال غالبا فينظر إليه لا غير بخلاف ما إذا اقتصروا على القتل لانه تبين أن مقصدهم القتل دون المال فيحدون فعدت هذه من الغرائب وأمر بحفظها في الفوائد الظهيرية، وعدها من أعجب المسائل من حيث إن ازدياد الجناية أورث الخفة. الثانية لو قتل فتاب قبل الاخذ لا حد لان هذه الجناية لا تقام بعد التوبة للاستثناء المذكور في النص، أو لان التوبة تتوقف على رد المال ولا قطع في مثله فظهر حق العبد في النفس والمال حتى يستوفي الولي القصاص أو يعفو، ويجب الضمان إذا هلك في يده أو استهلكه، كذا في الهداية. وإنما قيد بالمختص بالقتل ليعلم حكم أخذ المال بالاولى. وفي المبسوط والمحيط: رد المال من تمام توبتهم لتنقطع خصومة صاحبه، ولو تاب ولم يرد المال لم يذكره في الكتاب واختلفوا فيه، فقيل لا يسقط الحد كسائر الحدود لا تسقط بالتوبة، وقيل يسقط أشار إليه محمد في الاصل. الثالثة والرابعة لو كان بعض القطاع غير مكلف كالصبي والمجنون أو ذا رحم محرم من المقطوع عليه فإن القطع يسقط عن الكل لانها جناية واحدة قامت بالكل، فإذا لم يقع فعل بعضهم موجبا كان فعل الباقين بعض العلة وبه لا يثبت الحكم فصار كالخاطئ مع العامد. أطلق في ذي الرحم المحرم فشمل ما إذا لم يكن مشتركا بين المقطوع عليهم وهو الاصح لان الجناية واحدة فالامتناع في حق البعض يوجب الامتناع في حق الباقين بخلاف ما إذا كان فيهم مستأمن لان الامتناع في حقه لخلل في العصمة وهو يخصه، أما هنا الامتناع لخلل في الحرز والقافلة حرز واحد، وإذا سقط الحد صار القتل إلى الاولياء لظهور حق العبد على ما ذكرنا، وإن شاؤا قتلوه وإن شاؤا عفوا. وأشار بذي الرحم المحرم إلى أنه لو كان في المقطوع عليهم شريك مفاوض لبعض القطاع لا يحدون كذي الرحم المحرم. وفي المبسوط: تابوا وفيهم عبد قطع يد حر دفعه مولاه أو فداه كما لو فعله في غير قطع الطريق، وهذا لانه لا قصاص بين العبيد والاحرار فيما دون النفس فيبقى حكم الدفع والفداء، فإن كانت فيهم امرأة فعلت

[ 117 ]

ذلك فعليها دية اليد في مالها لانه لا قصاص بين الرجال والنساء في الاطراف والواقع منها عمدا لا تعقله العاقلة. الخامسة لو قطع بعض القافلة على البعض لم يجب الحد لان الحرز واحد فصارت القافلة كدار واحدة، وإذا لم يجب الحد وجب القصاص في النفس إن قتل عمدا بحديدة أو بمثقل عندهما ورد المال إن أخذه وهو قائم في يده وضمانه إن هلك أو استهلك. السادسة لو قطع الطريق بمصر ليلا أو نهارا أو بين مصرين فليس بقاطع الطريق استحسانا، وفي القياس أن يكون قاطع الطريق وهو قول الشافعي لوجوده حقيقة وقدمنا المفتي به اه‍. قوله: (ومن خنق في المصر غير مرة قتل به) أمرارا - كذا في شرح مسكين - لانه صار ساعيا في الارض بالفساد فيدفع شره بالقتل والخنق عصر الحلق. قيد بتعدده لانه لو خنق مرة واحدة فلا قتل عند الامام وإنما تجب الدية على العاقلة وهي نظير مسألة القتل بالمثقل. وصرح الشارح بأن القتل عند التكرار إنما هو بطريق السياسة. ومنها ما حكي عن الفقيه أبي بكر الاعمش أن المدعي عليه السرقة إذا أنكر فللامام أن يعمل فيه بأكبر رأيه، فإن غلب على ظنه أنه سارق وأن المال المسروق عنده عاقبه ويجوز ذلك كما لو رآه الامام جالسا مع الفساق في مجلس الشراب، وكما لو رآه يمشي مع السراق وبغلبة الظن أجازوا قتل النفس كما إذا دخل عليه رجل شاهر سيفه وغلب على ظنه أنه يقتله. وحكي عن عصام بن يوسف أنه دخل على أمين بلخ فأتي بسارق فأنكر السرقة فقال الامير لعصام: ماذا يجب عليه؟ فقال: على المدعي البينة وعلى المنكر اليمين فقال الامير: هاتوا بالسوط فما ضرب عشرة حتى أقر وأحضر السرقة فقال عصام: ما رأيت جورا أشبه بالعدل من هذا اه‍. وفي التجنيس: رجل ادعى على آخر بسرقة كان على المدعي البينة وعلى السارق اليمين، والضرب خلاف الشرع فلا يفتي به لان فتوى المفتي يجب أن يطابق الشرع. لص هو معروف بالسرقة وجده رجل يذهب في حاجته غير مشغول بالسرقة ليس له أن يقتله وله أن يأخذه، وللامام أن يحبسه حتى يتوب لان الحبس للزجر لتوبته مشروع. رجل استقبله اللصوص ومعه مال لا يساوي عشرة حل له أن يقاتلهم لقوله عليه السلام قاتل دون مالك واسم المال يقع على القليل والكثير. اللص إذا دخل دار رجل وأخذ المتاع وأخرجه فله أن يقتله ما دام المتاع معه لقوله عليه السلام قاتل دون مالك فإن رمى به ليس له أن يقتله لانه لا يتناوله الحديث اه‍. وفي الذخيرة: رجل ادعى على رجل سرقة وقدمه إلى السلطان وطلب من السلطان أن يضربه

[ 118 ]

فضربه السلطان مرة أو مرتين ثم أعيد إلى السجن من غير أن يعذبه فخاف المحبوس من التعذيب والضرب فصعد السطح ليفر فسقط من السطح ومات وقد لحقه غرامة في هذه الحادثة وقد ظهرت السرقة على يدي رجل آخر كان للورثة أن يأخذوا صاحب السرقة بدية أبيهم وبالغرامة التي أداها إلى السلطان لان الكل حصل بتسبيبه وهو متعد في هذا التسبيب، هكذا ذكر في مجموع النوازل. قيل: هذا الجواب مستقيم في حق الغرامة، أصله مسألة السعاية غير مستقيم في حق الدية لانه صعد السطح باختياره. وقيل: هو مستقيم في حق الدية أيضا لانه مكره على الصعود للفرار من حيث المعنى لانه إنما قصد الفرار خوفا على نفسه من التعذيب اه‍. ولم أر في كلام مشايخنا تعريف السياسة. قال المقريزي في الخطط: يقال ساس الامر سياسة بمعنى قام به وهو سائس من قولهم ساسه وسوسه القوم جعلوه يسوسهم، والسوس الطبع والخلق، يقال الفصاحة من سوسه والكرم من سوسه أي من طبعه. فهذا أصل وضع السياسة في اللغة، ثم رسمت بأنها القانون الموضوع لرعاية الآداب والمصالح وانتظام الاموال. والسياسة نوعان: سياسة عادلة تخرج الحق من الظالم الفاجر فهي من الشريعة علمها من علمها وجهلها من جهلها، وقد صنف الناس في السياسة الشرعية كتبا متعددة، والنوع الآخر سياسة ظالمة فالشريعة تحرمها إلى آخر ما ذكره من النصف الثاني عند ذكر جيوش الدولة التركية والله تعالى أعلم.

[ 119 ]

كتاب السير مناسبته للحدود من حيث إن المقصود منهما إخلاء العالم عن الفساد فكان كل منهما حسنا لمعنى في غيره، وقدمها عليه لانها معاملة مع المسلمين والجهاد معاملة مع الكفار. وهذا الكتاب يعبر عنه بالسير والجهاد والمغازي، فالسير جمع سيرة وهي فعلة - بكسر الفاء - من السير فتكون لبيان هيئة السير وحالته إلا أنها غلبت في لسان الشرع على أمور المغازي وما يتعلق بها كالمناسك على أمور الحج وقالوا: السير الكبير فوصفوها بصفة المذكر لقيامها مقام المضاف الذي هو الكتاب كقولهم صلاة الظهر وسير الكبير خطأ كجامع الصغير وجامع الكبير. والجهاد هو الدعاء إلى الدين الحق والقتال مع من امتنع عن القبول بالنفس والمال. والمغازي جمع المغزاة من غزوت العد وقصدته للقتال غزوا وهي الغزوة والغزاة. وسبب الجهاد عندنا كونهم حربا علينا، وعند الشافعي هو كفرهم، كذا في النهاية قوله: (الجهاد فرض كفاية ابتداء) مفيد لثلاثة أحكام: الاول كونه فرضا ودليله الاوامر القطعية كقوله تعالى * (فاقتلوا المشركين) * (التوبة: 5) * (وقاتلوا المشركين كافة) * (التوبة: 36) و * (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) * (التوبة: 29) وتعقب بأنها عمومات مخصوصة والمخصوص ظني الدلالة وبه لا يثبت الفرض. وأجيب بأن خروج الصبي والمجنون منها بالعقل لا يصيره ظنا وأما غيرهما فنفس النص ابتداء لم يتعلق به لانه مقيد بمن بحيث يحارب كقوله تعالى * (وقاتلوا المشركين كافة) * (التوبة: 36) الآية. فلم تدخل المرأة. وأما الاحاديث الواردة فيه فظنية لا تفيد الافتراض، وقول صاحب الايضاح إذا تأيد خبر الواحد بالكتاب والاجماع يفيد الفرضية ممنوع بل المفيد حينئذ الكتاب والاجماع وجاء الخبر على وفقهما. وأما قوله عليه

[ 120 ]

السلام الجهاد ماض إلى يوم القيمة (1) فدليل على وجوبه وأنه لا ينسخ وهو من مضافي الارض مضاء نفذ. الثاني كونه على الكفاية لانه ما فرض لعينه إذ هو إفساد في نفسه وإنما فرض لا عزاز دين الله تعالى ودفع الشر عن العباد فإذا حصل المقصود بالبعض سقط عن الباقين كصلاة الجنازة ورد السلام، والادلة المذكورة وإن كانت تفيد فرض العين لكن قوله تعالى * (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون) * إلى قوله * (وكلا وعد الله الحسنى) * (النساء: 95) وعد القاعدين الحسنى فلو كان فرض عين لاستحقوا الاثم وقد صح خروجه عليه السلام في بعض الغزوات وقعوده في البعض. وقد ظن بعض المشايخ من جواز القعود إذا لم يكن النفير عاما أنه تطوع في هذه الحالة وأكثرهم على أنه فرض كفاية فيها وليس بتطوع أصلا كما في الذخيرة وهو الصحيح كما في التتارخانية. هذا وفضله عظيم كما نطقت به الاحاديث النبوية. وفي الخانية: الحراسة بالليل عند الحاجة إليها أفضل من صلاة الليل. وفي فتح القدير: ومن توابع الجهاد والرباط وهو الاقامة في مكان يتوقع هجوم العدو فيه لقصد دفعه لله تعالى، والاحاديث في فضله كثيرة. واختلف في محله فإنه لا يتحقق في كل مكان والمختار أن يكون في موضع لا يكون وراءه إسلام وجزم به في التجنيس. الثالث افتراضه وإن لم يبدؤنا للعمومات، وأما قوله تعالى * (فإن قاتلوكم فاقتلوهم) * (البقرة: 191) فمنسوخ كما في العناية. أطلقه فأفاد أنه لا يتقيد بزمان وتحريم القتال في الاشهر الحرم منسوخ بالعمومات قوله: (فإن قام به قوم سقط عن الكل وإلا أثموا بتركه) بيان لحكم فرض الكفاية. وفي الولوالجية: ولا ينبغي أن يخلو ثغر من ثغور المسلمين ممن يقاوم الاعداء، فإن ضع‍ ف أهل الثغر من المقاومة وخيف عليهم فعلى من وراءهم من المسلمين أن يعينوهم بأنفسهم والسلاح والكراع ليكون الجهاد قائما والدعاء إلى الاسلام

[ 121 ]

دائما. قوله: (ولا يجب على صبي وامرأة وعبد وأعمى ومقعد واقطع) لان الصبي غير مكلف وكذا المجنون والعبد والمرأة مشغولان بحق الزوج والمولى وحقهما مقدم على فرض الكفاية والاعمى ونحوه عاجزون وقد قال تعالى * (ليس على الاعمى حرج) * (النور: 61) أطلق في المرأة والعبد وقيده في فتح القدير بعدم الاذن، أما لو أمر السيد والزوج العبد والمرأة بالقتال يجب أن يكون فرض كفاية ولا نقول صار فرض عين لوجوب طاعة المولى والزوج حتى إذا لم يقاتل في غير النفير العام يأثم لان طاعتهما المفروضة عليهما في غير ما فيه المخاطرة بالروح وإنما يجب ذلك على المكلفين لخطاب الرب جل جلاله بذلك والغرض انتفاؤه عنهم قبل النفير العام اه‍. وفيه نظر لان المرأة لا يجب عليها طاعة الزوج في كل ما يأمر به إنما ذلك فيما يرجع إلى النكاح وتوابعه خصوصا إذا كان في أمره إضرار بها فإنها تأثم على تقدير فرض الكفاية وترك الناس كلهم الجهاد، نعم هو في العبد ظاهر لعموم وجوب الطاعة عليه. وفي الذخيرة: ويجوز للاب أن يأذن للصبي المراهق إذا طالق القتال بالخروج له وإن كان يخاف عليه القتل لان قصده تهذيبه لا إتلافه فهو كتعليمه السباحة وكختنه. وقيده ركن الاسلام السغدي بأن لا يخاف عليه نحو أن يرمي بالحجر فوق الحصن أو النشاب، أما إذا كان يخاف عليه بأن كان يخرج للبراز فليس له أن يأذن له في القتال اه‍. وأشار بالمرأة والعبد إلى أن المديون لا يخرج إلى الجهاد ما لم يقض دينه فإن لم يكن عنده وفاء لا يخرج إلا بإذن الغريم لانه تعلق به حق الغريم، فإن كان للمال كفيل كفل بإذنه لا يخرج إلا بإذنهما، وإن كفل بغير إذنه لا يخرج إلا بإذن الطالب خاصة كذا في التنجيس - وهو يفيد أن له أن يأذن له أن يخرج بغير إذن الكفيل بالنفس لانه لا ضرر على الكفيل إذا تعذر احضاره عليه. وفي الذخيرة: إن أذن له الدائن ولم يبرئه فالمستحب له الاقامة لقضاء الدين لان الاولى أن يبدأ بما هو الاوجب، فإن غزا فلا بأس. وهذا إذا كان الدين حالا، فإن كان مؤجلا وهو يعلم بطريق الظاهر أنه يرجع

[ 122 ]

قبل أن يحل الاجل فالافضل الاقامة لقضاء الدين، فإن خرج بغير إذن لم يكن به بأس لعدم توجه المطالبة بقضائه اه‍. وإلى أنه لا يخرج إلى الجهاد إلا بإذن الوالدين فإن أذن له أحدهما ولم يأذن له الآخر فلا ينبغي له أن يخرج وهما في سعة من أن يمنعاه إذا دخل عليهما مشقة لان مراعاة حقهما فرض عين والجهاد فرض كفاية فكان مراعاة فرض العين أولى، فإن لم يكن له أبوان وله جدان أو جدتان فأذن له أب الاب وأم الام ولم يأذن له الآخران فلا بأس بالخروج لان أب الاب قائم مقام الاب وأم الام قائمة مقام الام فكانا بمنزلة الابوين. وأما سفر التجارة والحج فلا بأس بأن يخرج بغير إذن والديه لانه ليس فيه خوف هلاكه حتى لو كان السفر في البحر لا يخرج بغير إذنهما. ثم إنما يخرج بغير إذنهما للتجارة إذا كانا مستغنيين عن خدمته، أما إذا كانا محتاجين فلا، كذا في التجنيس. وتعبيره في فتح القدير بالحرمة تسامح. وإنما الثابت الكراهة. وفي البزازية: دلت العلة على التحاق الخروج إلى العلم بالحج والتجارة ولان الخروج إلى التجارة لما جاز لان يجوز للعلم أولى اه‍. وهذا كله إذا كان أبواه مسلمين، وأما إذا كانا كافرين أو أحدهما فكرها خروجه إلى الجهاد أو كره الكافر ذلك فعليه أن يتحرى، فإن وقع تحريه على أن الكراهة لما يلحقهما من التفجيع والمشقة لاجل الخوف عليه من القتل لا يخرج، وإن كان لاجل كراهة قتال الكفار يخرج، فإن شك ينبغي أن لا يخرج، كذا في الذخيرة. وفيها: أن من سوى الاصول إذا كرهوا خروجه للجهاد فإن كان يخاف عليهم الضياع فإنه لا يخرج بغير إذنهم وإلا يخرج وكذا امرأته اه‍. وفي التتارخانية: وإن كان عند الرجل ودائع وأربابها غيب فإن أوصى إلى رجل أن يدفع الودائع إلى أربابها كان له أن يخرج إلى الجهاد، والعالم الذي ليس في البلدة أحد أفقه منه ليس له أن يغزو لما يدخل عليهم من الضياع. قوله: (وفرض عين أن هجم العدو وفتخرج المرأة والعبد بلا إذن زوجها وسيده) لان المقصود عند ذلك لا يحصل إلا بإقامة الكل فيفترض على الكل فرض عين فلا يظهر ملك اليمين ورق النكاح في حقه كما في الصلاة والصوم بخلاف ما قبل ذلك لان بغيرهما مقنعا ولا ضرورة إلى إبطال حق المولى والزوج. وأفاد خروج الولد بغير إذن والديه بالاولى، وكذا الغريم يخرج إذا صار فرض عين بغير إذن دائنه وأن الزوج والمولى إذا منعا أثما، كذا في الذخيرة. ولا بد من قيد آخر وهو الاستطاعة في كونه فرض عين فخرج المريض المدنف، أما الذي يقدر على الخروج دون الدفع ينبغي أن يخرج لتكثير السواد لان فيه ارهابا، كذا في فتح

[ 123 ]

القدير. والهجوم الاتيان بغتة والدخول من غير استئذان، كذا في المغرب. المراد هجومه على بلدة معينة من بلاد المسلمين فيجب على جميع أهل تلك البلدة، وكذا من يقرب منهم إن لم يكن بأهلها كفاية، وكذا من يقرب ممن يقرب إن لم يكن ممن يقرب كفاية أو تكاسلوا وعصوا وهكذا إلى أن يجب على جميع أهل الاسلام شرقا وغربا كتجهيز الميت والصلاة عليه يجب أولا على أهل محلته فإن لم يفعلوا عجزا وجب على من ببلدتهم على ما ذكرنا، هكذا ذكروا وكان معناه إذا دام الحرب بقدر ما يصل الابعدون وبلغهم الخبر وإلا فهو تكليف ما لا يطاق بخلاف إنقاذ الاسير وجوبه على كل متجه من أهل المشرق والمغرب ممن علم. ويجب أن لا يأثم من عزم على الخروج وقعوده لعدم خروج الناس وتكاسلهم أو قعود السلطان أو منعه، كذا في فتح القدير. وفي الذخيرة: إذا دخل المشركون أرضا فأخذوا الاموال وسبوا الذراري والنساء فعلم المسلمون بذلك وكان لهم عليهم قوة كان عليهم أن يتبعوهم حتى يستنقذوهم من أيديهم ما داموا في دار الاسلام، فإذا دخلوا أرض الحرب فكذلك في حق النساء والذراري ما لم يبلغوا حصونهم وجدرهم ويسعهم أن لا يتبعوهم في حق المال وذراري أهل الذمة وأموالهم في ذلك بمنزلة ذراري المسلمين وأموالهم اه‍. وفي البزازية: امرأة مسلمة سبيت بالمشرق وجب على أهل المغرب تخليصها من الاسر ما لم تدخل دار الحرب لان دار الاسلام كمكان واحد اه‍. ومقتضى ما في الذخيرة أنه يجب تخليصها ما لم تدخل حصونهم وجدرهم. وفي الذخيرة: ويستوي أن يكون المستنفر عدلا أو فاسقا يقبل خبرة في ذلك لانه خبر يشتهر بين المسلمين في الحال وكذلك الجواب في منادي السلطان يقبل خبره عدلا كان أو فاسقا اه‍. قوله: (وكره الجعل إن وجد فئ وإلا لا) أي إن لم يوجد فلا كراهة لانه يشبه الاجر ولا ضرورة إليه لان مال بيت المال معد لنوائب المسلمين، وإن دعت الضرورة فلا بأس أن يقوي المسلمون بعضهم بعضا لان فيه دفع الضرر الاعلى بإلحاق الادنى، ويؤيده أنه عليه السلام أخذ دروعا من صفوان وعمر رضي الله عنه كان يغزي الاعزب عن ذي الحليلة ويعطي الشاخص فرس القاعد والجعل - بضم الجيم - ما يجعل للانسان في مقابلة شئ يفعله والمراد به هنا أن يكلف الامام الناس بأن يقوي بعضهم بعضا بالكراع والسلاح وغير ذلك من النفقة والزاد. والفئ المال والمأخوذ من الكفار بغير قتال كالخراج والجزية، وأما المأخوذ بقتال فإنه يسمى غنيمة، كذا في فتح القدير. وظاهره أنه إذا لم يكن في بيت المال فئ وكان فيه غيره من بقية الانواع فإنه لا يكره الجعل ولا يخفي ما فيه فإنه لا ضرورة لجواز الاستقراض

[ 124 ]

من بقية الانواع ولذا لم يذكر الفئ في الذخيرة والولوالجية إنما ذكر مال بيت المال وهو الحق. وفي الذخيرة: ثم من كان قادرا على الجهاد بنفسه وماله فعليه أن يجاهد بنفسه وماله قال الله تعالى * (وجاهدوا في الله حق جهاده) * (الحج: 78) وحق الجهاد أن يجاهد بنفسه وماله، ولا ينبغي له في هذه الحالة أن يأخذ من غيره جعلا. ومن عجز عن الخروج وله مال ينبغي أن يبعث غيره عن نفسه بماله، ومن قدر بنفسه ولا مال له فإن كان في بيت المال مال يعطيه الامام كفايته من بيت المال، فإن أعطاه كفايته لا ينبغي أن يأخذ من غيره جعلا وإلا فله أن يأخذ الجعل من غيره. قال ركن الاسلام علي السغدي: إذا قال القاعد للشاخص خذ هذا المال فاغز به فإنه ليس باستئجار على الجهاد، فأما إذا قال خذه لتغزو به عني فهذا استئجار على الجهاد فلا يجوز، وينبغي أن تكون مسألة الحج على هذا التفصيل. وإذا دفع الرجل إلى غيره جعلا ليغزو به عنه هل له أن يصرفه في غير الغزو؟ فهو على وجهين: إن قال له أغز بهذا المال عني فليس له صرفه في غيره كقضاء دينه ونفقة أهله كمن دفع إلى آخر مالا وقال حج به عني، وإن قال اغز به فله صرفه إلى غيره كمن دفع مالا وقال حج به لانه ملكه المال وأشار إليه إشارة فله أن لا يأخذ بإشارته كقوله هذه الدار لك فاسكنها وهذا الثوب لك فالبسه كان له أن لا يسكنها ولا يلبسه. وفي شرح السير: إن للمدفوع إليه أن يترك بعض الجعل لنفقة عياله على كل حال لانه لا يتهيأ له الخروج إلا بهذا فكان من أعمال الجهاد معنى. وتفرع على الوجهين ما إذا عرض له عارض من مرض أو غيره فأراد أن يدفع إلى غيره أقل مما أخذ ليغزو به، فإن كان مراده إمساك الفضل لرب المال فلا بأس به، وإن كان مراده الامساك لنفسه ففي الوجه الاول لا يملك ذلك لانه ما ملكه بل أباح له الانفاق على نفسه في الغزو، وفي الثاني يملكه لان له أن لا يغزو أصلا، كذا في الذخيرة مختصرا. وفي الظهيرية: وينبغي أن تكون ألوية المسلمين بيضاء والرايات سوداء واللواء للامام والرايات للقواد، وينبغي أن يتخذ لكل قوم شعارا حتى إذا ضل رجل عن رايته نادى بشعاره وليس ذلك بواجب. والشعار العلامة والخيار إلى إمام المسلمين إلا أنه ينبغي له أن يختار كلمة دالة على ظفرهم بالعدو وبطريق التفول. ويكره للغزاة اتخاذ الاجراس في دار الحرب لانه يدلهم على المسلمين، أما في بلاد الاسلام فلا بأس به، ولا بأس بهذه الطبول التي تضرب في الحرب لاجتماع الناس واستعدادهم للقتال لانها ليست بطبول لهو. وينبغي أن يكون أمير الجيش بصيرا بأمر الحرب حسن التدبير لذلك ليس ممن يقتحم بهم المهالك ولا مما يمنعهم عن الفرصة، وينبغي للامام أن يستقبل الصفوف ويطوف عليهم يحضهم على القتال ويبشرهم

[ 125 ]

بالفتح إن صدقوا وصبروا، كذا في الظهيرية مختصرا. قوله: (فإن حاصرناهم ندعوهم إلى الاسلام) أي ضيقنا بالكفار وأحطنا بهم يقال حاصره العدو محاصرة وحصارا إذا ضيقوا عليه وأحاطوا به فطلب منهم الدخول في دين الاسلام لما روى الامام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما قط إلا دعاهم. وفي الصحيح أمر ت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله (1) ولم يذكر المصنف ما يصير به الكافر مسلما وهو نوعان: قول وفعل. والكفار أقسام: قسم يجحدون الباري جل وعلا وإسلامهم إقرارهم بوجوده، وقسم يقرون به ولكن ينكرون وحدانيته وإسلامهم إقرارهم بوحدانيته، وقسم أقروا بوحدانيته وجحدوا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وإسلامهم إقرارهم برسالته صلى الله عليه وسلم، فالاصل أن كل من أقر بخلاف ما كان معلوما من اعتقاده أنه يحكم بإسلامه وهذا في غير الكتابي، أما اليهودي والنصراني فكان إسلامهم في زمنه عليه السلام بالشهادتين لانهم كانوا ينكرون رسالة النبي عليه الصلاة والسلام، وأما اليوم ببلاد العراق فلا يحكم بإسلامه بهما ما لم يقل تبرأت عن ديني ودخلت في دين الاسلام لانهم يقولون أنه أرسل إلى العرب والعجم لا إلى بني اسرائيل، كذا صرح به محمد رحمه الله، وإنما شرط مع التبري إقرارهم بالدخول في الاسلام لانه قد يتبرأ من اليهودية ويدخل في النصرانية أو في المجوسية. ولو قيل لنصراني أمحمد رسول الله حق فقال نعم لا يصير مسلما وهو الصحيح، ولو قال رسول إلى العرب والعجم لا يصير مسلما لانه يمكنه أن يقول هو رسول إلى العرب والعجم إلا أنه لم يبعث بعد. فإن قيل: يجب أن لا يحكم بإسلام اليهودي والنصراني وإن أقر برسالة محمد عليه السلام وتبرأ عن دينه ودخل في دين الاسلام ما لم يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ويقر بالبعث وبالقدر خيره وشره من الله تعالى لانها من شرائط الاسلام كما في حديث جبريل عليه السلام قلنا: الاقرار بهذه الاشياء وإن لم يوجد نصا فقد وجد دلالة لانه لما أقر بدخوله في الاسلام فقد التزم جميع ما كان شرط صحته. ولو قال الكتابي أنا مسلم أو أسلمت لا يحكم بإسلامه لانهم يدعون ذلك لانفسهم، وكذا لو قال أنا على دين الحنيفية. ولو قال الذمي لمسلم أنا مسلم مثلك يصير مسلما، كذا في الذخيرة والفتاوي. فالحاصل أن الكتابي اليوم إذا أتى بالشهادتين لا يحكم بإسلامه. وفي الفتاوي السراجية: سئل إذا قال

[ 126 ]

الذمي أنا مسلم أو إن فعلت كذا فأنا مسلم ثم فعله أو تلفظ بالشهادتين لا غير هل يصير مسلما؟ أجاب: لا يحكم بإسلامه في شئ من ذلك، كذا أفتى علماؤنا، والذي أفتى به إذا تلفظ بالشهادتين يحكم بإسلامه وإن لم يتبرأ عن دينه الذي كان عليه لان التلفظ بهما صار علامة على الاسلام فيحكم بإسلامه، وإذا رجع إلى ما كان عليه يقتل إلا أن يعود إلى الاسلام فيترك اه‍. وهذا يجب المصير إليه في ديار مصر بالقاهرة لانه لا يسمع من أهل الكتاب فيها الشهادتان ولذا قيده محمد بالعراق. وأما بالفعل فإن صلى بالجماعة صار مسلما بخلاف ما إذا صلى وحده إلا إذا قال الشهود صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا، وأما إذا صام أو أدى الزكاة أو حج لم يحكم بإسلامه في ظاهر الرواية، وعن محمد أنه إذا حج على الوجه الذي يفعله المسلمون يحكم بإسلامه، كذا في الذخيرة. وفي التتارخانية: وإن صلى خلف إمام ثم أفسد لم يكن مسلما، وكذا إذا قرأ القرآن أو صلى على محمد لم يكن مسلما أيضا، وأما الاذان فإن شهدوا أنه كان يؤذن ويقيم كان مسلما، سواء كان الاذان في السفر أو في الحضر، وإن قالوا سمعناه يؤذن في المسجد فليس بشئ حتى يقولوا هو مؤذن فإذا قالوا ذلك فهو مسلم لانهم إذا قالوا إنه مؤذن كان ذلك عادة له فيكون مسلما: كذا في البزازية. وينبغي أن يكون ذلك في حق الكتابي بناء على أنه لا يكون مسلما بمجرد الشهادتين.

[ 127 ]

قوله: (فإن أسلموا وإلا إلى الجزية) أي وإن لم يسلموا ندعوهم إلى أداء الجزية للحديث المعروف، وسيأتي التصريح من المصنف أن مشركي العرب والمرتدين لا تقبل منهم الجزية بل إما الاسلام أو السيف فلا يدعوا إليها ابتداء لعدم الفائدة فلا يرد على إطلاقه هنا. وفي شرح الطحاوي: إذا أسلموا نترك أموالهم ونجعل أراضيهم عشرية ونأمرهم بالتحول من دارهم إلى دار الاسلام لان المقام للمسلم في دار الحرب مكروه، فإن أبوا أخبرهم أنهم كأعراب المسلمين ليس لهم في الفئ ولا في الغنيمة ولا في الخمس ولا في بيت المال نصيب. هذا إذا كان مكانهم بدار الحرب ليس متصلا بدار الاسلام، فإن كان متصلا لا يؤمرون بالتحول. وفي التتارخانية: وينبغي للامام أن يبين لهم مقدار الجزية ووقت وجوبها ويعلمهم أنه إنما يأخذها منهم في كل سنة مرة وأن الغني يؤخذ منه كذا ومن الفقير كذا ومن الوسط كذا اه‍. قوله: (فإن قبلوا فلهم ما لنا وعليهم ما علينا) أي قبلوا إعطاء الجزية صاروا ذمة لنا قال علي رضي الله عنه: إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا. وسيأتي في البيوع استثناء عقدهم على الخمر والخنزير وأن عقدهم على الخمر كعقدنا على العصير، وعقدهم على الخنزير كعقدنا على الشاة، وقدمنا أن الذمي مؤاخذ بالحدود والقصاص إلا حد شرب الخمر، وتقدم في كتاب النكاح أنهم إذا اعتقدوا جوازه بغير مهر أو شهود أو في عدة تتركهم وما يدينون بخلاف الربا فإنه مستثنى من عقودهم قوله: (ولا نقاتل من لا تبلغه الدعوة إلى الاسلام) أي لا يجوز القتال لقوله عليه الاسلام في وصية أمراء الاجناد فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله ولانهم بالدعوة يعلمون أنا نقاتلهم على الدين لا على سلب الاموال وسبي

[ 128 ]

الذراري فلعلهم يجيبون فنكفي مؤنة القتال، ولو قاتلهم قبل الدعوة أثم للنهي ولا غرامة لعدم العاصم وهو الدين أو الاحراز بالدار فصار كقتل النسوان والصبيان. أطلق الدعوة فشمل الحقيقية والحكمية، فالحقيقية باللسان، والحكمية انتشار الدعوة شرقا وغربا أنهم إلى ماذا يدعون وعلى ماذا يقاتلون فأقيم ظهورها مقامها، وقد نص محمد عليه في السير الكبير فقال: وإذا لقي المسلمون المشركين فإن كان المشركون قوما لم يبلغهم الاسلام لا حقيقة ولا حكما فلا ينبغي لهم أن يقاتلوهم حتى يدعوهم إلى الاسلام، وفي فتح القدير: ولا شك أن في بلاد الله تعالى من لا شعور له لهذا الامر فيجب أن المراد غلبة ظن أن هؤلاء لم تبلغهم الدعوة. وفي التتارخانية: وإن كانوا قوما قد تبلغهم الاسلام إن أنهم لا يدرون أيقبل المسلمون الجزية أم لا فلا ينبغي لهم أن يقاتلوهم حتى يدعوهم إلى الجزية اه‍ قوله: (وندعو ندبا من بلغته) أي الدعوة مبالغة في الانذار ولا يجب ذلك لانه صح أن النبي صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غارون وعهد إلى أسامة أن يغير على أبنى صباحا ثم يحرق، والغارة لا تكون بدعوة. وابنى بوزن حبلى موضع بالشام. أطلق في الاستحباب وهو مقيد بأن لا يتضمن ضررا بأن يعلم أنهم بالدعوة يستعدون أو يحتالون أو يتحصنون وغلبة الظن في ذلك بما يظهر من أحوالهم كالعلم، كذا في فتح القدير. قوله: (وإلا فنستعين عليهم بالله تعالى بنصب المجانيق وحرقهم غرقهم وقطع أشجارهم وإفساد زروعهم ورميهم وإن تترسوا ببعضنا ونقصدهم) أي إن لم يقبلوا الجزية إلى آخره. أما الاستعانة فلانه تعالى هو الناصر لاوليائه والمدمر على أعدائه فيستعان به في كل الامور، وأما نصب المجانيق فلانه عليه السلام نصبها على الطائف، وأما التحريق ونحوه فلانه عليه السلام أحرق البوبرة أرسلوا عليهم الماء وقطعوا أشجارهم وأفسدوا زروهم لان في جميع ذلك إلحاق الغيظ والكبت بهم وكسر شوكتهم وتفريق جمعهم فيكون مشروعا. أطلق في الاشجار فشمل المثمرة وغيرها كما في البدائع. وأطلق في جواز فعل هذه الاشياء وقيده في فتح القدير بما إذا لم يغلب على الظن أنهم مأخوذون بغير ذلك، فإن كان الظاهر أنهم مغلوبون وأن الفتح باد كره ذلك لانه إفساد في غير محل الحاجة وما أبيح إلا لها. وفي الظهيرية: ولا يستحب رفع الصوت في الحرب من غير أن يكون ذلك مكروها من وجه الدين ولكنه فشل والفشل الجبن، فإن كان فيه منفعة وتحريض للمسلمين فلا بأس به. وعن قيس بن عبادة قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون الصوت عند ثلاث: الجنائز والقتال والذكر. والمراد بالذكر الوعظ. وقال الامام شمس الائمة السرخسي: ففي هذا الحديث بيان كراهة رفع الصوت عند سماع القرآن والوعظ فتبين به أن ما يفعله الذين يدعون الوجد والمحبة مكروه لا أصل له

[ 129 ]

في الدين، وتبين به أنه يمنع المتقشفة وحمقاء أهل التصوف مما يعتادونه من رفع الصوت وتمزيق الثياب عند السماع لان ذلك مكروه في الدين عند سماع القرآن والوعظ، فما ظنك عند سماع الغناء؟ ويندب للمجاهد في دار الحرب توفير الاظفار وإن كان قصها من الفطرة لانه إذا سقط السلاح من يده ودنا منه العدو ربما يتمكن من دفعه بأظافيره وهو نظير قص الشوارب فإنه سنة، ثم الغازي في دار الحرب مندوب إلى توفيرها وتطويلها ليكون أهيب في عين من يبارزه. والحاصل أن ما يعين المرء على الجهاد فهو مندوب إلى اكتسابه لما فيه من اعزاز المسلمين وقهر المشركين اه‍. وأما جواز رميهم وإن تترسوا ببعضنا فلان في الرمي دفع الضرر العام بالذب عن بيضة الاسلام وقتل المسلم ضرر خاص، ولانه قل ما يحلو حصن عن مسلم فلو امتنع عن اعتباره لا نسد بابه. أطلق في بعضنا فشمل الاسير والتاجر والصبيان لكن نقصد الكفار بالرمي دون المسلمين لانه إن تعذر التمييز فعلا فقد أمكن قصدا والطاعة بحسب الطاقة، وما أصابوه منهم لا دية عليهم ولا كفارة لان الجهاد فرض والغرامات لا تقترن بالفروض بخلاف حالة المخمصة لانه لا يمتنع مخافة الضمان لما فيه من إحياء نفسه، أما الجهاد بني على إتلاف النفس فيمتنع حذار الضمان، وأما قوله عليه السلام ليس في الاسلام دم مفرج أي مهدر فمعناه ليس في دار الاسلام وكلامنا في دار الحرب، كذا في العناية، قيد بالتترس عند المحاربة لان الامام إذا فتح بلدة ومعلوم أن فيها مسلما أو ذميا لا يحل قتل أحد منهم لاحتمال كونه ذلك المسلم أو الذمي ولو أخرج واحدا من عرض الناس حل إذا قتل الباقي لجواز كون المخرج هو ذلك فصار في كون المسلم في الباقين شك بخلاف الحالة الاولى فإن كون المسلم أو الذمي فيهم معلوم بالفرض فوقع الفرق، كذا في فتح القدير. وفي الولوالجية وغيرها: فإن كان المسلمون في سفينة فاحترقت السفينة، فإن كان غلبة ظنهم أنهم لو ألقوا أنفسهم في البحر تخلصوا بالسباحة يجب عليهم أن يطرحوا أنفسهم في البحر ليتخلصوا من الهلاك القطعي، وإن استوى الجانبان إن أقاموا احترقوا وإن أوقعوا أنفسهم غرقوا فهم بالخيار عند أبي حنيفة وأبي يوسف لاستواء الجانبين. وقال محمد: لا يجوز لهم أن يلقوا أنفسهم في الماء لانه يكون اهلاكا بفعلهم ا ه‍. قوله: (ونهينا عن إخراج مصحف وامرأة في سرية يخاف عليهما) لان فيه تعريضهن على

[ 130 ]

الضياع والفضيحة وتعريض المصاحف على الاستخفاف فإنهم يستخفون بها مغايظة للمسلمين وهو التأويل الصحيح لقوله صلى الله عليه وسلم لا تسافروا بالقرآن في أرض العدو وما في الكتاب هو الاصح والاحوط خلافا لما ذكره الطحاوي من أنه لا كراهة في إخراج المصحف مطلقا. أطلق المرأة فشمل الشابة والعجوز للمداواة أو غيرها، كذا في الذخيرة. وقيد بالسرية لانه لا كراهة في الاخراج إذا كان جيشا يؤمن عليه لان الغالب هو السلامة والغالب كالمتحقق. وفي المغرب: ولم يرد في تحديد السرية نص، ومحصول ما ذكره محمد في السير أن التسعة وما فوقها سرية، وأما الاربعة والثلاثة ونحو ذلك طليعة لا سرية اه‍. وفي الخانية قال أبو حنيفة: أقل السرية مائتان وأقل الجيش أربعمائة. وقال الحسن بن زياد: أقل السرية أربعمائة وأقل الجيش أربعة آلاف. وفي المبسوط: السرية عدد قليل يسيرون بالليل ويكمنون بالنهار اه‍. وفي فتح القدير: وينبغي كون العسكر العظيم اثني عشر ألفا لما روي أنه عليه السلام قال لن تغلب اثناء عشر ألفا من قلة (2) وهو أكثر ما روي فيه اه‍. وظاهر مفهوم المختصر أن في الجيش لا يكره إخراج المرأة مطلقا وخصوه بالعجائز للطب والمداواة والسقي، ويكره إخراج الشواب ولو احتيج إلى المباضعة فالاولى إخراج الاماء دون الحرائر والاولى عدم اخراجهن أصلا خوفا من الفتن. ولا تباشر المرأة القتال إلا عند الضرورة لانه يستدل به على ضعفهم. وأراد بالمصحف ما يجب تعظيمه ويحرم الاستخفاف به فيكره إخراج كتب الفقه والحديث في سرية كما في فتح القدير. وقيد بالاخراج في السرية لانه إذا دخل رجل مسلم إليهم بأمان لا بأس أن يحمل معه المصحف إذا كانوا قوما يوفون بالعهد لان الظاهر عدم التعرض. وفي الذخيرة قال محمد في أهل الثغور التي تلي أرض العدو: لا بأس أن يتخذوا فيها النساء وأن يكون لهم فيها الذراري وإن لم يكن بين تلك الثغور وبين أرض العدو أرض المسلمين إذا كان الرجال يقدرون على الدفع عنهم وإلا فلا ينبغي قوله: (وغدر وغلول ومثلة) أي نهينا عنها لقوله عليه السلام لا تغلوا ولا تعذروا ولا تمثلوا (3) وهذه الثلاثة محرمة كما

[ 131 ]

في فتح القدير. والغدر الخيانة ونقض العهد، والغلول السرقة من المغنم، والمثلة المروية في قصة العرنيين منسوخة بالنهي المتأخر هو المنقول يقال مثلث بالرجل بوزن ضربت أمثل به بوزن انصر مثلا ومثلة إذا سودت وجهه وقطعت أنفه ونحوه ذكره في الفائق. وفي فتح القدير: وأما من جنى على جماعة جنايات متعددة ليس فيها قتل بأن قطع أنف رجل وأذني رجل وفقأ عيني آخر وقطع يدي آخر ورجلي آخر فلا شك في أنه يجب القصاص لكل واحد أداء لحقه لكن يجب أن يتأنى لكل قصاص بعد الذي قبله إلى أن يبرأ منه وحينئذ يصير هذا الرجل ممثلا به أي مثلة ضمنا لا قصدا. وإنما يظهر أثر النهي والنسخ فيمن مثل بشخص حتى قتله، فمقتضى النسخ أن يقتل به ابتداء ولا يمثل به. ثم لا يخفي أن هذا بعد الظفر والنصر، أما قبل ذلك فلا بأس به إذا وقع قتال كمبارز ضرب فقطع أذنه ثم ضربه ففقأ عينه فلم ينته فضربه فقطع يده وأنفه ونحو ذلك اه‍. وفي الظهيرية: ولا بأس بحمل الرؤوس إذا كان فيه غيظ للمشركين أو إفراغ قلب للمسلمين بأن كان المقتول من قواد المشركين أو عظماء المبارزين ألا ترى أن عبد الله بن مسعود حمل رأس أبي جهل لعنه الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر حتى ألقاه بين يديه فقال: هذا رأس عدوك أبي جهل لعنه الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الله أكبر هذا فرعوني وفرعون أمتي كان شره علي وعلى أمتي أعظم من شر فرعون على موسى وأمته ولم ينكر عليه ذلك اه‍. قوله: (وقتل امرأة وغير مكلف وشيخ فان وأعمى ومقعد إلا أن يكون أحدهم ذا رأي في الحرب أو ملكا) أي نهينا عن قتل هؤلاء لان المبيح للقتل عندنا هو الحراب ولا يتحقق منهم ولهذا لا يقتل يابس الشق والمقطوع اليمين والمقطوع يده ورجله من خلاف والراهب الذي لم يقاتل وأهل الكنائس الذين لا يخالطون الناس، وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الصبيان والنساء، وحين رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة مقتولة قال: هاه ما كانت هذه تقاتل فلم قتلت؟ وأما إذا كان لاحدهم رأي في الحرب أو كان ملكا فقد يتعدى ضرره إلى العباد ولذا يقتل من قاتل دفعا لشره، ولان القتال مبيح حقيقة. وغير المكلف شامل للصبي والمجنون

[ 132 ]

غير أنهما يقتلان ما داما يقاتلان، وغيرهما لا بأس بقتله بعد الاسر لانه من أهل العقاب لتوجه الخطاب نحوه وإن أمكن السبي وإن كان يجن ويفيق فهو في حالة إفاقته كالصحيح. وفي التتارخانية: لا يقتل المعتوه. وفي فتح القدير: ثم المراد بالشيخ الفاني الذي لا يقتل من لا يقدر على القتال ولا الصياح عند التقاء الصفين ولا على الاحبال لانه يجئ منه الولد فيكثر محارب المسلمين، ذكره في الذخيرة. وزاد الشيخ أبو بكر الرازي في كتاب المرتد من شرح الطحاوي أنه إذا كان كامل العقل نقتله ومثله نقتله إذا ارتد والذي لا نقتله الشيخ الفاني الذي خرف وزال عقله وخرج عن حدود العقلاء والمميزين فحينئذ يكون بمنزلة المجنون فلا نقتله ولا إذا ارتد. قال: وأما الزمني فهم بمنزلة الشيوخ فيجوز قتلهم إذا رأى الامام ذلك بعد أن يكونوا عقلاء ونقتلهم أيضا إذا ارتدوا اه‍. وفي الذخيرة: ونقتل الاخرس والاصم والمقطوع اليسرى. وفي التتارخانية: ولا نقتل من في بلوغه شك. ولا بأس بنبش قبورهم طلبا للمال. وإذا كان بالمسلمين قوة على حمل من لا يقتل وإخراجهم إلى دار الاسلام لا ينبغي لهم أن يتركوا في دار الحرب امرأة ولا صبيا ولا معتوها ولا أعمى ولا مقعدا ولا مقطوع اليد والرجل من خلاف ولا مقطوع اليد اليمنى لان هؤلاء يولد لهم ففي تركهم عون على المسلمين. وأما الشيخ الفاني الذي لا يلقح فإن شاء أخرجه وإن شاء تركه. وكذلك الرهبان وأصحاب الصوامع إذا كانوا ممن لا يصيبون النساء وكذلك العجوز الذي لا يرجى ولدها، فإن شاء الامام أخرجهم وإن شاء تركهم اه‍. وفي البدائع: ولو قتل لا يحل له قتله ممن ذكرنا فلا شئ فيه من دية ولا كفارة إلا التوبة والاستغفار لان دم الكافر لا يتقوم إلا بالامان ولم يوجد قوله: (وقتل أب مشرك) أي نهينا عن ابتداء أبيه بالقتل لقوله تعالى * (وصاحبهما في

[ 133 ]

الدنيا معروفا) * (لقمان: 15) ولانه يجب عليه إحياؤه بالانفاق فيناقضه الاطلاق في إفنائه ولو قتله لا شئ عليه لعدم العاصم قوله: (وليأب الابن ليقتله غيره) أي ليمتنع الابن من إطلاقه وقتله ليقتله غيره لان المقصود يحصل بغيره من غير اقتحامه المأثم فإذا أدركه في الصف يشغله بالمحاولة بأن يعرقب فرسه أو يطرحه من فرسه ويلجئه إلى مكان، ولا ينبغي أن ينصرف عنه ويتركه لان يصير حربا علينا. ولو قال المصنف وقتل أصله المشرك لكان أولى لان هذا الحكم لا يخص الاب لان أمه وأجداده وجداته من قبل الاب والام كالاب فلا يبتدئهم بالقتل. وخرج فرعه وإن سفل فللاب أن يبتدئ بقتل ابنه الكافر لانه لا يجب عليه احياؤه، وكذا أخوه وخاله وعمه المشركون ولذا لم يجب عليه الانفاق عليهم إلا بشرط الاسلام. وقيدنا بالابتداء لانه لو قصد الاب قتله بحيث لا يمكنه دفعه إلا بقتله لا بأس به لان مقصوده الدفع ألا ترى أنه لو شهر الاب المسلم سيفه على ابنه ولا يمكنه دفعه إلا بقتله لا بأس بقتله لما بينا فهذا أولى. وقيد بالمشرك لان الباغي يكره ابتداء القريب بقتله، سواء كان أبا أو أخا أو غيرهما لانه يجب عليه إحياؤه بالانفاق عليه لاتحاد الدين فكذا بترك القتل، وأما في الرجم إذا كان الابن أحد الشهود فيبتدئ بالرجم ولا يقصد قتله بأن يرميه مثلا بحصاة. قوله: (ونصالحهم ولو بمال لو خيرا) لقوله تعالى * (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها) * (الانفال: 61) ووادع رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة عام الحديبية على أن يضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين ولان الموادعة جهاد معنى إذا كان خيرا للمسلمين لان المقصود وهو دفع الشر حاصل به فإذا وقع الصلح أمنوا على أنفسهم وأموالهم وذراريهم وأمن من أمنوه وصار في حكمهم كما في الولوالجية: أراد بالصلح العهد على ترك الجهاد مدة معينة أي مدة كانت ولا يقتصر الحكم على المدة المذكورة في المروي لتعدي المعني إلى ما زاد عليها. وقيد بالخير لانه لا يجوز بالاجماع إذا لم يكن فيه مصطلحة. وأطلق في قوله ولو بمال فشمل المال المدفوع منهم إلينا وعكسه، والاول ظاهر إذا كان بالمسلمين حاجة إليه لانه جهاد معنى ولانه إذا جاز بغير المال فبالمال أولى، وإن لم يكن إليهم حاجة به لا يجوز لانه ترك للجهاد صورة ومعنى، والمأخوذ منهم يصرف مصارف الجزية لانه مأخوذ بقوة المسلمين كالجزية إلا إذا نزلوا بدارهم للحرب فحينئذ يكون غنيمة لكونه مأخوذا بالقهر، والثاني لا يفعله الامام لما فيه من إعطاء الدنية ولحوق المذلة إلا إذا خاف على المسلمين لان دفع الهلاك بأي طريق أمكن واجب.

[ 134 ]

وذكر الولوالجي: لو دخل الموادعون بلدة أخرى لا موادعة معهم فغزا المسلمون في تلك البلدة فهؤلاء آمنون لبقاء الامان. ولو أسر من الموادعين أهل دار أخرى فاستولى عليه المسلمون كان فيأ لان حكم الموادعة بطل في حق الاسير اه‍. وفي المحيط: ولو وقع الصلح ثم سرق مسلم منهم شئ لا يملكه، وكذا إن أغار المسلمون عليهم وسبوا قوما منهم لم يسع المسلمون الشراء من ذلك السبي ويرد المبيع، ومن دخل منهم دارنا بغير أمان لا نتعرض له لان الموادعة السابقة كافية في إفادة الامان والعصمة اه‍. وأطلق في المصالح ولم يقيده بالامام لان موادعة المسلم أهل الحرب جائزة كاعطائه الامان، فإن كان على مال ولم يعلم الامام ذلك، فإن مضت المدة أخذه وجعله في بيت المال، وإن علم بها قبل مضيها، فإن كان فيها خير أمضاها وأخذ المال وإلا أبطلها ورد المال ونبذ إليهم، وإن كان بعد مضي البعض رد كل المال استحسانا بخلاف ما إذا وادعهم ثلاث سنين كل سنة بكذا وقبض المال كله ثم أراد الامام نقضها بعد مضي سنة فإنه يرد الثلثين لتفريق العقود هنا بتفريق التسمية بخلاف الاول فإن العقد واحد. ولو وادع المسلمون أهل الحرب على أن يؤدوا كل سنة مائة رأس إلينا وفيها خير، فإن كانت من أنفسهم وأهليهم وذراريهم لم يصح لان الكل دخلوا تحت الامان فلا يجوز استرقاقهم وتمليكهم، وإن صالحوا على مائة رأس بأعيانهم أول سنة على أن يكون أولئك لهم ثم يعطوهم كل سنة مائة رأس من رقيقهم جاز لعدم دخولهم تحت الامان، وتمامه في المحيط. وذكر الولوالجي: وهذا كله إذا وقع الصلح على أن يكونوا مبقين على أحكام الكفر، فإن وقع الصلح على أن تجري عليهم أحكام الاسلام فقد صاروا ذمة ولا يسع للمسلمين أن لا يقبلوا ذلك منهم لانهم لما قبلوا حكم الاسلام صاروا من جملة أهلها. قوله: (وننبذ لو خيرا) لانه عليه السلام نبذ الموادعة التي كانت بينه وبين أهل مكة ولان المصلحة لما تبدلت كان النبذ جهارا وإبقاء العهد ترك الجهاد صورة ومعنى فلا بد من النبذ تحرزا عن الغدر. ولا بد من اعتبار مدة يبلغ خبر النبذ إلى جميعهم ويكتفي في ذلك بمضي مدة يتمكن ملكهم بعد علمه بالنبذ من إنفاذ الخبر إلى أطراف مملكته لان بذلك ينتفي الغدر، فإن كانوا خرجوا من حصونهم وتفرقوا في البلاد أو خربوا حصونهم بسب الأمان فحتى يعودوا كلهم إلى مأمنهم ويعمروا حصونهم مثل ما كانت توقيا عن الغدر. وفي المغرب: نبذ الشئ من يده طرحه ورمى به نبذا، ونبذ العهد نقضه وهو من ذلك لانه طرح له. وفي النهاية: والمراد هنا من قوله فلا بد من النبذ إعلام نقض العهد. وذكر الشارح أن النبذ يكون على الوجه الذي كان الامان، فإن كان منتشرا يجب أن يكون النبذ كذلك، وإن كان غير منتشر بأن أمنهم واحد

[ 135 ]

من المسلمين سرا يكتفي بنبذ ذلك الواحد كالحجر بعد الاذن. وهذا إذا صالحهم مدة فرأى نقضه قبل مضي المدة، وأما إذا مضت المدة فإنه يبطل الصلح بمضيها فلا ينبذ إليهم، ومن كان منهم في دارنا فهو آمن حتى يبلغ مأمنه لانه في يدنا بأمان، كذا ذكره الولوالجي قوله: (ونقاتل بلا نبذ لو حان ملكهم) لانهم صاروا ناقضين للعهد فلا حاجة إلى نقضه. أطلق في خيانة ملكهم فشمل ما إذا كان باتفاق الكل أو بفعل بعضهم بإذنه حتى لو دخل جماعة منهم ذو منعة دار الاسلام بإذنه وقاتلوا المسلمين كان نقضا. وقيد بملكهم لانه لو دخل جماعة بغير إذنه لم ينتقض في حق الكل، وإنما ينتقض في حق الخائنين حتى يجوز قتلهم واسترقاقهم وإن لم يكن لهم منعة لم يكن نقضا للعهد قوله: (والمرتدين بلا مال وإن أخذ لم يرد) أي نصالح المرتدين حتى ننظر في أمورهم لان الاسلام مرجو منهم فجاز تأخير قتالهم طمعا في إسلامهم، ولا نأخذ عليه مالا لانه لا يجوز أخذ الجزية منهم وإن أخذه لم يرده لانه مال غير معصوم. وأشار إلى أنه يجوز الصلح مع أهل البغي بالاولى ولا يؤخذ منهم شئ، وصرح الشارح بأن أموالهم معصومة فظاهره أنه إذا أخذ شئ لاجل الصلح يرد عليهم. وفي فتح القدير: ويرد عليهم بعد ما وضعت الحرب أوزارها ولا يردها حال الحرب لانه إعانة لهم اه‍. وأطلق في جواز صلح المرتدين وهو مقيد بما إذا غلبوا على بلدة وصار دارهم دار الحرب وإلا فلا، لان فيه تقرير المرتد على الردة وذلك لا يجوز ولذا قيده الفقيه أبو الليث بما ذكرنا، كذا في الفتح قوله: (ولم نبع سلاحا منهم) لان النبي عليه السلام نهي عن بيع السلاح من أهل الحرب وحمله إليهم ولان فيه تقويتهم على قتال المسلمين فيمنع من ذلك، وصرح الشارحون بحرمته. أراد من السلاح ما يكون سببا لتقويتهم على الحرب فدخل الكراع والحديد لانه أصل السلاح وهو ظاهر الرواية. والكراع الخيل. ودخل الرقيق لانهم يتوالدون عندهم فيعودون حربا علينا مسلما كان الرقيق أو كافرا. وخرج الطعام والقماش والقياس المنع إلا أنا عرفناه بالنص لانه عليه السلام أمر ثمامة أن يمير أهل مكة وهم حرب عليه. وشمل كلامه ما قبل الموادعة وما بعدها لانها على شرف الانقضاء أو النقض قال الفقيه أبو الليث: وليس هذا كما قالوا في بيع العصير ممن يجعله خمرا لان العصير ليس بآلة للمعصية وإنما يصير آلة لها بعدما يصير خمرا، وأما هنا فالسلاح آلة للفتنة في الحال اه‍. وفي كافي الحكم: فإن كان الحربي جاء بسيف فاشترى. مكانه قوسا أو رمحا أو فرسا لم يترك أن يخرج به مكان سيفه، وكذا إذا استبدل بسيفه سيفا خيرا منه، وإن كان مثله أو شرا منه لم يمنع اه‍. فما يمنع المسلم منه المستأمن منهم أن يدخل به دارهم وإن خرج هو بشئ ما ذكرنا فلا يمنع من الرجوع به إلا إذا أسلم العبد.

[ 136 ]

قوله: (ولا يقتل من أمنه حر أو حرة) لقوله عليه السلام المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم (1) أي أقلهم وهو الواحد ولانه من أهل القتال فيخافونه إذ هو من أهل المنعة فيتحقق الامان منه لملاقاته محله ثم يتعدى إلى غيره، ولان سببه لا يتجزأ وهو الايمان وكذا الامان لا يتجزى فيتكامل كولاية الانكاح، وأجاز عليه السلام أمان أم هانئ رجالا من المشركين يوم فتح مكة كما رواه الشيخان. وركنه صريح وكنابة وإشارة، فالصريح كقوله أمنت أو وادعت أو لا تخافوا منا ولا تذهلوا لا بأس عليكم لكم عهد الله أو ذمته تعالوا فاسمعوا الكلام، ويصح بأي لسان وإن كانوا لا يعرفونه بعد أن عرفه المسلمون بشرط سماعهم له فلا أمان لو كان بالبعد منهم. ومن الكنايات قول المسلم للمشرك تعال إذا ظن أنه أمان كان أمانا، وكذا إذا أشار بأصبعه إلى السماء فيه بيان أعطيتك ذمة إله السماء والمشرك إذا نادى الامان فهو أمن إذا كان ممتنعا، وإن كان في موضع ليس بممتنع وهو ماد سيفه ورمحه فهو فئ. ولو طلب الامان لاهله لا يكون هو آمنا بخلاف ما إذا طلب لذراريه فإنه يدخل تحت الامان. وفي دخول أولاد البنات روايتان. ولو طلبه لاولاده دخل فيه أولاد الابناء دون أولاد البنات، ولو طلبه لاخوته دخل الاخوات تبعا دون الاخوات المفردات، وكذا لو طلبه لابنائه دخلت بناته كالآباء يدخل فيه الآباء والامهات، ولا يدخل الاجداد لعدم صلاحيتهم للتبعية، كذا في المحيط. ولو طلبه لقرابته دخل الولدان استحسانا. وشرائطه العقل فلا يجوز أمان المجنون والصبي الذي لا يعقل، والبلوغ فلا يصح أمان الصبي العاقل، والاسلام فلا يصح أمان الذمي وإن كان مقاتلا، وأما الحرية فليست بشرط، وكذا السلامة عن العمى والزمانة والمرض. وأما حكمه فهو ثبوت الامن للكفرة عن القتل والسبي والاستغنام، وأما إذا وجد في أيديهم مسلم أو ذمي أسير فإنه يؤخذ منهم كما في التتارخانية وقال محمد: وإذا أمن رجل من المسلمين ناسا من المشركين فأغار عليهم قوم

[ 137 ]

آخرون من المسلمين قتلوا الرجل وسبوا النساء والاموال واقتسموا ذلك وولد لهم منهن أولاد ثم علموا بالامان فعلى الذين قتلوا دية من قتلوا وترد النساء والاموال إلى أهلها وتغرم للنساء أصدقتهن لما أصابوا من فروجهن، والاولاد أحرار مسلمون تبعا لابيهم لكن إنما ترد النساء بعد ثلاث حيض، وفي زمان الاعتداد يوضعن على يدي عدل، والعدل امرأة عجوز ثقة لا الرجل، ويكون الاولاد أحرارا بغير قيمة، كذا في التتارخانية اه‍. وأما صفته فهو عقد غير لازم حتى لو رأى الامام المصلحة في نقضه نقضه، كذا في البدائع قوله: (وننبذ لو شرا) أي نقض الامام الامان لو كان بقاؤه شرا لان جوازه كان للمصلحة مع أنه يتضمن ترك القتال المفروض فإذا صارت المصلحة في نقضه نقض. وعبارة المصنف شاملة لما إذا اعطى الامام الامان لمصلحة ثم رأى المصلحة في نقضه ولما إذا أمنهم مسلم بغير إذن الامام ولا مصلحة فيه، فاقتصار الشارح على الثاني مما لا ينبغي. وإذا فعله الواحد ولا مصلحة فيه أدبه الامام لانفراده برأيه بخلاف ما إذا كان فيه مصلحة لانه ربما تفوت بالتأخير فيعذر. وفي البدائع: إن الامان على وجهين: مطلق وموقت، فالاول ينتقض بأمرين: إما ينقض الامام وينبغي أن يخبرهم به ثم يقاتلهم خوفا من الغدر، وإما بمجئ أهل الحصن إلى الامام بالامان ثم امتناعهم عن الاسلام وقبول الجزية فإنه ينتقض لكن يردهم إلى مأمنهم ثم يقاتلهم احترازا عن التغرير، فإن امتنعوا أن يلحقوا بمأمنهم أجلهم على ما يرى، فإن لم يرجعوا حتى مضى الاجل صاروا ذمة. والثاني ينتهي بمضي الوقت من غير توقف على النقض، ولهم أن يقاتلوهم إلا إذا دخل واحد منهم دار الاسلام فمضى الوقت وهو فيه فهو آمن حتى يرجع إلى مأمنه. قوله: (وبطل أمان ذمي وأسير وتاجر وعبد ومحجور عن القتال) لان الذمي لا ولاية له على المسلمين وهو متهم والاسير والتاجر مقهوران تحت أيديهم فلا يخافونهم والامان يختص بمحل الخوف والعبد المحجور عن القتال لا يخافونه فلا يلاقي الامان محله بخلاف المأذون في القتال لان الخوف منه متحقق، وصحح محمد أمانه. قيد بكون الامان من الذمي لان الامير لو أمر الذمي بأن يؤمنهم فأمنهم فهو جائز والمسألة على وجهين: إما أن يقول له قل لهم إن

[ 138 ]

فلانا أمنكم أو قال له أمنهم وكل على وجهين: أما إن قال الذمي قد أمنتكم أو إن فلانا المسلم قد أمنكم ففي الثاني يصح أمانه في الوجهين، وفي الاول إن قال لهم الذمي إن فلانا أمنكم صح، وإن قال أمنتكم فهو باطل. وأراد بالاسير والتاجر المسلم الذي في دار الحرب، فلو دخل مسلم دار الحرب وأمن جندا عظيما فخرجوا معه إلى دار الاسلام وظفر بهم المسلمون فهم فئ بخلاف ما إذا خرج واحد منهم أو عشرون مع المسلم بأمان فهو آمن لانه في الاول مقهور معهم دون الثاني. وفي الذخيرة: أراد بقوله لا يصح أمان الاسير لا يصح أمانه في حق باقي المسلمين حتى كان لهم أن يغيروا عليهم، وأما أمانه في حقه صحيح، وإذا صح أمانه في حق نفسه صار حكمه وحكم الداخل فيهم بأمان سواء، فلا يأخذ شيئا من أموالهم بغير رضاهم، وكذلك لا يأخذ ما كان للمسلمين وصار ملكا لهم بالاستيلاء والاحراز بدارهم، وما كان للمسلمين ولم يصر ملكا لهم بالاستيلاء لا بأس بأن يأخذه ويخرجه إلى دار الاسلام، وكذا قال في الذخيرة. ومعنى عدم صحة أمان العبد المحجور في حق باقي المسلمين، أما أمان العبد المحجور في حق نفسه صحيح بلا خلاف، والجواب في الامة كالجواب في العبد إن كانت تقاتل بإذن المولى فأمانها صحيح وإلا فلا اه‍. وأطلق في أمان الذمي فشمل ما إذا أذنه الامام بالقتال بخلاف ما إذا أذنه الامام بالامان كما قدمنا، وبخلاف العبد المأذون بالقتال، والفرق هو الصحيح. وفي السراجية: والفاسق يصح أمانه. وفي الخانية من فصل إعتاق الحربي: العبد المسلم إذا خدم مولاه الحربي في دار الحرب كانت خدمته له أمانا له والله سبحانه وتعالى أعلم. باب الغنائم وقسمتها الغنائم جمع غنيمة. قال في القاموس: المغنم والغنيم والغنيمة والغنم بالضم الفئ.

[ 139 ]

غنم - بكسر - غنما بالضم وبالفتح وبالتحريك، وغنيمة وغنمانا بالضم الفوز بالشئ بلا مشقة اه‍. وفي المغرب: الغنيمة ما نيل من أهل الشرك، عن أبي عبيدة عنوة والحرب قائمة. وحكمها أن تخمس وسائرها بعد الخمس للغانمين خاصة. والفئ ما نيل منهم بعدما تضع الحرب أوزارها وتصير الدار دار إسلام، وحكمه أن يكون لكافة المسلمين ولا يخمس اه‍. قوله: (ما فتح الامام عنوة قسم بيننا أو أقر أهلها ووضع الجزية والخراج) أي الجزية على رؤسهم والخراج على أراضيهم والعنوة القهر كما في القاموس. وبه اندفع ما في شروح الهداية فالقسمة اتباع لفعله عليه السلام بخيبر وعدمها اتباع لفعل عمر رضي الله عنه بسواد العراق بموافقة من الصحابة ولم يجد من خالفه وفي كل من ذلك قدوة فيتخير. وقيل: الاول هو الاولى عند حاجة الغانمين، والثاني عند عدم الحاجة ليكون عدة في الزمان الثاني، ولا يخفى أن القسيمة بعد إخراج الخمس قيد بالاراضي لان في المنقول المجرد لا يجوز المن بالرد عليهم لانه لم يرد به الشرع فيه وفي العقار خلاف الشافعي لان في المن إبطال حق الغانمين أو ملكهم فلا يجوز من غير بدل يعادله، والخراج غير معادل لقلته بخلاف الرقاب لان للامام أن يبطل حقهم رأسا إما بالعوض القليل وإما والحجة عليه ما روينا، ولان فيه نظرا لهم لانهم كالاكرة العاملة للمسلمين العالمة بوجوه الزراعة والمؤن مرتفعة مع أنه يخطئ به الذين يأتون من بعد والخراج وإن قل حالا فقد جل مآلا وهو المن عليهم برقابهم وأراضيهم فقط وقسمة الباقي لدوامه، وإن من عليهم بالرقاب والاراضي يدفع إليهم من المنقولات قدر ما يتهيؤ لهم العمل ليخرج عن حد الكراهة قوله:

[ 140 ]

(وقتل الاسرى أو استرق أو تركهم أحرارا ذمة لنا) يعني أن الامام بالخيار إن شاء قتلهم لانه عليه السلام قد قتل ولان فيه حسم مادة الفساد، وإن شاء استرقهم لان فيه دفع شرهم مع وفور المنفعة لاهل الاسلام، وإن شاء تركهم أحرارا ذمة للمسلمين لما بينا إلا مشركي العرب والمرتدين فإنهم لا يسترقون ولا يكونون ذمة على ما نبين إن شاء تعالى، وليس له فيمن أسلم منهم إلا الاسترقاق لان قتله أو وضع الجزية عليه بعد إسلامه لا يجوز قيد بكون الخيار للامام لانه ليس لواحد من الغزاة أن يقتل أسيرا بنفسه لان الرأي فيه إلى الامام فقد يرى مصلحة المسلمين في استرقاقه فليس له أن يفتات عليه. وعلى هذا فلو قتل بلا ملجئ بأن خاف القاتل شر الاسير كان له أن يعزره إذا وقع على خلاف مقصوده ولكن لا يضمن بقتله شيأ، كذا في فتح القدير. وفي القاموس: الاسير الاخيذ والمقيد والمسجون والجمع أسرى وأسارى وأسرى قوله: (وحرم ردهم إلى دار الحرب والفداء والمن) لان في ردهم تقويتهم على المسلمين وفي الفداء بهم معونة الكفرة لانه يعود حربا علينا ودفع شر حرابه خير من استخلاص الاسير المسلم لانه إذا بقي في أيديهم كان ابتلاء في حقه غير مضاف إلينا، والاعانة بدفع أسيرهم إليهم مضاف إلينا فلا يجوز عند الامام أبي حنيفة، وجوزا أن يفادى أسرى المسلمين تخليصا للمسلم وجوابه ما مر. أطلق في منع الفداء فشمل الشيخ الكبير الذي لا يرجى له نسل. وعن محمد جوازه كما في الولوالجية، وشمل إطلاق الحربي وأخذ المسلم الاسير عوضا عنه واستنقاذه منا بمال نأخذه منه. قال في المغرب: فداه من الاسر فداء وفدى استنقذه منه بمال، والفدية اسم ذلك المال، والمفاداة بين اثنين يقال فداه إذا أطلقه وأخذ فديته. وعن المبرد: المفاداة أن تدفع رجلا وتأخذ رجلا والفداء أن تشتريه وقيل هما بمعنى اه‍. وفي الثاني خلاف ففي المشهور من المذهب لا يجوز. وفي السير الكبير: لا بأس به إذا كان بالمسلمين حاجة استدلالا بأسرى بدر، ولو كان أسلم الاسير في أيدينا لا يفادى بمسلم أسير في أيديهم لانه لا يفيد إلا إذا طابت نفسه به وهو مأمون على إسلامه، وأما المن فقال في القاموس: من عليه منا أنعم واصطنع عنده صنيعة اه‍. واختلفت العبارات في المراد به هنا ففي فتح القدير: هو أن يطلقهم إلى دار الحرب بغير شئ. وفي غاية البيان والنهاية: هو الانعام عليهم بأن يتركهم مجانا بدون إجراء الاحكام عليهم من القتل والاسترقاق أو تركهم ذمة للمسلمين اه‍. ولا يصح الاول في كلام المختصر لانه هو عين قوله وحرم ردهم إلى دار الحرب وإنما حرم لان بالاسر ثبت حق الغانمين فلا يجوز إبطال ذلك بغير عوض كسائر الاموال المغنومة. وقيد بفداء الكفار لانه يجوز فداء أسرى المسلمين به الذين في دار الحرب بالدراهم والدنانير وما ليس فيه قوة للحرب كالثياب وغيرها

[ 141 ]

ولا يفادون بالسلاح، كذا في غاية البيان. وظاهر الولوالجية أنه يجوز مفاداة أسرى المسلمين بالسلاح والكراع اتفاقا قوله: (وعقر مواش شق إخراجها فتذبح وتحرق) أي وحرم عقر المواشي لانه مثلة فيذبحها لان ذبح الحيوان يجوز لغرض صحيح ولا غرض أصح من كسر شوكة الاعداء، ثم تحرق بالنار لتنقطع منفعته عن الكفار وصار كتخريب البنيان بخلاف التحريق قبل الذبح لانه منهي عنه، قال في المحيط: وأشار إلى أنه يحرق الاسلحة والامتعة إذا تعذر نقلها وما لا يحترق منها يدفن في موضع لا يقف عليه الكفار إبطالا للمنفعة عليهم. قال في المغرب: عقره عقرا جرحه، وعقر الناقة بالسيف ضرب قوائمها. والمواشي جمع ماشية وهي الابل والبقر والغنم. وقيد بالمواشي احترازا عن النساء والصبيان التي يشق إخراجها فإنها تترك في أرض خربة حتى يموتوا جوعا كيلا يعودوا حربا علينا لان النساء يقع بهن النسل، وأما الصبيان فإنهم يبلغون فيصيرون حربا علينا، كذا في فتاوى الولوالجي. وتعقبه في فتح القدير بأنه أقوى من القتل المنهي عنه في قتل النساء والصبيان اللهم إلا أن يضطروا إلى ذلك بسبب عدم الحمل فيتركوا ضرورة وهو عجيب منه لان الولوالجي صرح بأنه يفعل بالنساء والصبيان ذلك عند عدم إمكان الاخراج لا مطلقا فلا إشكال أصلا والمسألة مذكورة في المحيط أيضا وذكر بعده: ولهذا قال علماؤنا: إذا وجد المسلمون حية أو عقربا في دار الحرب في رحالهم ينزعون ذنب العقرب وأنياب الحية قطعا للضرر عن أنفسهم ولا يقتلونها لان فيه منفعة الكفار وقد أمرنا بضده اه‍. وفي التتار خانية: نساء من أهل الاسلام متن في دار الحرب فيطأ أهل الحرب النساء الاموات قال: يسعنا أن نحرقهن بالنار اه‍. قوله: (وقسمة غنيمة في دارهم لا للايداع) أي حرم قسمة الغنائم في دار الحرب لغير إيداع لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الغنائم في دار الحرب والقسمة بيع معنى فتدخل تحته، ولان الاستيلاء إثبات اليد الحافظة والناقلة والثاني منعدم لقدرتهم على الاستنقاذ ووجوده ظاهرا، والاصل عندنا أنه لا ملك قبل الاحراز بدار الاسلام فتحرم القسمة والبيع قبله ويشارك المدد العسكر قبله ولو من أهل الحرب إذا أسلموا بدارهم قبل الاستيلاء عليهم، ولا يثبت نسب ولد أمة

[ 142 ]

من السبي ادعاه بعض الغانمين قبله ويجب عقرها وتقسم الامة والولد والعقر بين الغانمين، ولا يورث نصيب من مات قبله ولا ضمان على من أتلف شيئا من الغنيمة قبله، كذا ذكره الشارح وغيره، وظاهره أن جميع تلك الاحكام إنما هي قبله، أما بعده فالاحكام مختلفة وليس كذلك فإنه لا ملك بعد الاحراز بدار الاسلام أيضا إلا بالقسم بدار الاسلام فلا يثبت بالاحراز ملك لاحد بل يتأكد الحق، ولهذا لو أعتق واحد من الغانمين عبدا بعد الاحراز لا يعتق، ولو كان هناك ملك مشترك عتق بعتق الشريك ويجري فيه ما عرف في عتق الشريك، فحكم استيلاد الجارية بعد الاحراز قبل القسمة وقبله سواء. نعم لو قسمت تلك الغنيمة على الرايات أو العرافة فوقعت جارية بين أهل راية صح استيلاد أحدهم لها فإنه يصح عتقه لها لانها مشتركة بينه وبين أهل تلك الراية والعرافة شركة ملك لكن هذا إذا قلوا حتى تكون الشركة خاصة، أما إذا كثروا فلا لان بالشركة العامة لا تثبت ولاية الاعتاق. والقليل مائة أو أقل، وقيل أربعون. قال في المبسوط: والاولى أن لا يوقت ويجعل موكولا إلى اجتهاد الامام، كذا في فتح القدير. وفي التتارخانية قال المتأخرون: وأحسن ما قيل فيه إن الجند إذا كان بحيث تقع بهم الشركة في الاغلب كانت الشركة فيما بينهم عامة، وإن كانت بحيث لا تقع بهم الشركة في الغالب تكون شركة خاصة اه‍. وفيها وفي المنتقي قال أبو يوسف: إذا أعتق الامام عبدا من الخمس جاز عتقه وولاؤه لجماعة المسلمين وليس له أن يوالي أحدا اه‍. وفي المحيط: ولو وطئ جارية لا يحد ويؤخذ منه العقران وطئها في دار الاسلام دون دار الحرب لانه أتلف منافع بضعها اه‍. وهذا هو الظاهر لان الوطئ في دار الحرب لا يجب فيه شئ. وقد نقله في التتارخانية بصيغة قال محمد فكان هو المذهب قال: وكذا إذا قتل واحدا من السبي أو استهلك شيئا من الغنيمة في دار الحرب فلا صفان عليه، لا فرق بين أن يكون المستهلك من الغانمين أو غيرهم. وعبر بالحرمة دون الصحة لانه إذا قسم في دار الحرب مجتهدا أو قسم لحاجة الغانمين فصحيحة، وإن قسم بلا اجتهاد أو اجتهد فوقع على عدم صحتها فغير صحيحة. وقيد بغير الايداع لانها للايداع جائزة، وصورتها أن لا يكون للامام من بيت المال حمولة يحمل عليها الغنائم فيقسمها بين الغانمين قسمة إيداع ليحملها إلى دار الاسلام ثم يرتجعها منهم فيها، فإن أبوا أن يحملوها أجبرهم على ذلك بأجر المثل في رواية السير الكبير لانه دفع ضرر عام بتحميل ضرر خاص كما لو استأجر دابة شهرا فمضت المدة في المفازة أو استأجر سفينة فمضت المدة في وسط البحر فإنه ينعقد عليها إجارة أخرى بأجر المثل، ولا

[ 143 ]

يجبرهم في رواية السير الصغير لانه لا يجبر على عقد الاجارة ابتداء كما إذا نفقت دابته في المفازة ومع رفيقه دابة لا يجبر على الاجارة بخلاف ما استشهد به فإنه بناء وليس بابتداء وهو أسهل منه، ولو كان في بيت المال أو في الغنيمة حمولة حمل عليها لان الكل ما لهم. وفي الخانية: ولو أن الامام أودع الغنيمة إلى بعض الجند قبل القسمة ولا يبين ما فعل حتى مات لا يضمن شيأ. وفي السير الكبير: وإذا أراد أمير العسكر أن يرسل رسولا من دار الحرب إلى دار الاسلام بشئ من أموال المسلمين ولم يقدر الرسول أن يخرج إلا فارسا ولبعض العسكر فضل فرس فلا بأس بأخذ فرسه على كره منه اه‍. قوله: (وبيعها قبلها) أي حرم بيع الغنائم قبل القسمة. أطلقه فشمل ما قبل الاحراز وما بعده، أما قبله لم يملكه، وأما بعده فنصيبه مجهول فلا يمكنه أن يبيع وقد ورد النهي عن البيع قبل القسمة كما قدمناه قوله: (وشرك الردء والمدد فيها) أي في الغنيمة لاستوائهم في السبب وهو المجاوزة أو شهود الوقعة، وإذا لحقهم المدد في دار الحرب قبل أن يخرجوا الغنيمة إلى دار الاسلام شاركوهم فيها على ما قدمناه من الاصل. وإنما ينقطع حق المشاركة عندنا بالاحراز أو بقسمة الامام في دار الحرب أو بيعه المغانم فيها لان بكل منها يتم الملك فتنقطع شركة المدد. والردء - بكسر الراء وسكون الدال المهملة بعدها همزة - بمعنى العون، والمدد الجماعة الناصرون للجند. وأفاد المصنف أن المقاتل وغيره سواء حتى يستحق الجندي الذي لم يقاتل لمرض أو غيره، وأنه لا يتميز واحد على آخر بشئ حتى أمير العسكر وهذا بلا خلاف لاستواء الكل في سبب الاستحقاق، كذا في فتح القدير. وفي المحيط: المتطوع في الغزو وصاحب الديوان في الغنيمة سواء اه‍. وفي

[ 144 ]

التتارخانية: إذا قسم الامام الغنيمة ثم جاء رجل وادعى أنه شهد الوقعة وأقام عدلين فالقياس أن ينقض القسمة. وفي الاستحسان لا ينقض ويعوض من بيت المال قيمة نصيبه اه‍ قوله: (لا للسوقي بلا قتال) أي لا شركة لسوقي في الغنيمة إذا لم يقاتل لا سهما ولا رضخا لانه لم توجد المجاوزة على قصد القتال فانعدم السبب الظاهر فيعتبر السبب الحقيقي وهو القتال فيقيد الاستحقاق على حسب حاله فارسا أو راجلا عند القتال. وأشار المصنف إلى أن الحربي إذا أسلم في دار الحرب أو المرتد إذا أسلم ولحق بالجيش لا يستحق شيئا إن لم يقاتل، صرح به في المحيط. وذكر الشارح أن السوقي إذا قاتل ظهر أن قصده القتال والتجارة تبع له فلا يضره كالحاج إذا اتجر في طريق الحج لا ينقص أجره اه‍ قوله: (ولا من مات فيها وبعد الاحراز بدارنا يورث نصيبه) لان الارث يجري في الملك ولا ملك قبل الاحراز وإنما الملك بعده كما قدمنا. وصرحوا في كتاب الوقف أن معلوم المستحق لا يورث بعد موته على أحد القولين، وفي قول يورث ولم أر ترجيحا، وينبغي أن يفصل، فإن كان مات بعد خروج الغلة وإحراز الناظر لها قبل القسمة يورث نصيب المستحق لتأكد الحق فيه فإن الغنيمة بعد الاحراز بدارنا يتأكد الحق فيها للغانمين ولا ملك لواحد بعينه في شئ قبل القسمة مع أن النصيب يورث فكذا في الوظيفة، وإن مات قبل الاحراز في يد المتولي لا يورث نصيبه قياسا على مسألة الغنيمة، وسيأتي أن من مات من أهل الديوان قبل خروج العطاء لا يورث نصيبه،

[ 145 ]

سواء مات في نصف السنة أو آخرها. ثم اعلم أن من مات في دار الحرب إنما لا يورث نصيبه إذا مات قبل القسمة أو قبل البيع، أما إن مات بعد القسمة أو البيع في دار الحرب فإنه يورث نصيبه كما صرح به في التتارخانية قوله: (وينتفع فيها بعلف وطعام وحطب وسلاح ودهن بلا قسمة) لما رواه البخاري عن ابن عمر أنه قال: كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب فنأكل ولا نرفعه. أطلقه ولم يقيده بالحاجة وقد شرطها في رواية ولم يشترطها في الاخرى وهو الاستحسان فيجوز للغني والفقير. وجه الاولى أنه مشترك فلا يباح الانتفاع به إلا لحاجة كما في الثياب والدواب، ووجه الاخرى قوله عليه السلام في طعام خيبر كلوها واعلفوها ولا تحملوها ولان الحكم يدار على دليل الحاجة وهو كونه في دار الحرب. وظاهر كلامهم أن السلاح لا يجوز له إلا بشرط الحاجة اتفاقا وقد صرح به في الظهيرية مع أن المصنف سوى بين الكل. وأطلق الطعام فشمل المهيأ للاكل وغيره حتى يجوز لهم ذبح المواشي ويردون جلودها في الغنيمة، وقيد جواز الانتفاع بما ذكر في الظهيرية بما إذا لم ينههم الامام عن الانتفاع بالمأكول والمشروب، أما إذا نهاهم عنه فلا يباح لهم الانتفاع به اه‍. وينبغي أن يقيد بما إذا لم تكن حاجتهم إليه، أما إذا احتاجوا إلى المأكول والمشروب لا يعمل نهيه. وقيد بالمذكورات لان ما لا يؤكل عادة لا يجوز لهم تناوله مثل الادوية والطيب ودهن البنفسج وما أشبه ذلك للحديث ردوا الخيط والمخيط كذا في الشرح. ولا شك أنه لو تحقق بأحدهم مرض يحوجه إلى استعمالها كان له ذلك كلبس الثوب فالمعتبر حقيقة الحاجة، ذكره في فتح القدير بحثا، وقد صرح به في المحيط. والضمير في قوله ينتفع عائد إلى الغانمين فخرج التاجر والداخل لخدمة الجندي بأجر لا يحل لهم إلا أن يكون خبز الحنطة أو طبخ اللحم فلا بأس به حينئذ لانه ملكه بالاستهلاك، ولو فعلوا لا ضمان عليهم. ويأخذ الجندي ما يكفيه ومن معه من عبيده ونسائه وصبيانه الذي دخلوا معه. قالوا: ولو احتاج الكل إلى الثياب والسلاح قسمها حينئذ. ولم يذكر محمد قسمة السلاح ولا فرق كما ذكر المصنف لان الحاجة في الثياب والسلاح واحد بخلاف السبي لا يقسم إذا احتيج إليه لانه من فضول الحوائج لا أصولها. وفي المحيط: وجد مسلم جارية مأسورة له في دار الحرب في أيديهم وقد دخل بأمان كرهت له غصبها ووطأها إلا إذا كانت مدبرة أو أم ولد له فلا يكره لان

[ 146 ]

المدبرة وأم الولد لا يملكونها بخلاف القنة لانه بعقد الامان ضمن أن لا يسرق ولا يغصب شيئا من أموالهم، فإذا فعل ذلك كان نقضا، فإن وطئ مدبرته أو أم ولده أهل الحرب لا يحل له وطؤها حتى تنقضي عدتها لانهم باشروا الوطئ على تأويل الملك فتجب العدة ويثبت النسب. والمأسور فيهم لا يكره له أن يسرق أمته وسائر أمواله ولا يقتلهم لانه لا عهد بينه وبينهم وأموالهم وأنفسهم مباحة في حقنا اه‍ قوله: (ولا نبيعها) لانه لا ملك لهم ولا ضرورة إلى ذلك، وأفاد أنهم يتمولونها كالمباح له الطعام. أطلقه فشمل البيع بالدراهم والدنانير والعروض فإن باعه أحدهم قبل القسمة رد الثمن إلى الغنيمة لانه بدل عين كان للجماعة، وإن كان بعدها يتصدق به على الفقراء إن كان غنيا ويأكل إن كان فقيرا، كذا في المحيط. وفي التتارخانية: إذا دخل العسكر دار الحرب فصاد رجل منهم شئ من الصيد بازيا أو صقرا أو ظبيا أو صاد سمكة كبيرة من البحر أو أصاب عسلا في جبال لا يملكه أهل الحرب، أو أصاب جواهر من ياقوت وفيروزج وزمرد من معدن لا يملكه أهل الحرب، أو أصاب معدن ذهب أو فضة أو رصاص أو حديد مما لا يملكه أهل الحر ب سوى الحشيش والماء، فإن جميع ذلك يكون مشتركا بينه وبين أهل العسكر فلا يختص به الآخذ. فإن كان الآخذ باعه من التجار يقف على إجازة الامير ثم الامام ينظر في ذلك، فإن كان المبيع قائما والثمن أنفع للعسكر من المبيع أجاز البيع وأخذ الثمن ورده في الغنيمة وقسمه بين الغانمين، وإن كان المبيع أنفع لهم من الثمن فسخ البيع واسترد المبيع وجعله في الغنيمة، وإن لم يكن المبيع قائما يجيز بيعه وبأخذ ثمنه ويرده في الغنيمة. وهذا كله استحسان، والقياس أن لا تعمل الاجازة بعد الهلاك. ولو أن رجلا من الجند حش الحشيش في دار الحرب أو استسقى الماء ويبيعه من العسكر أو التجار كان بيعه جائزا وكان الثمن طيبا له، ولو أخذ جندي خشبا فعمل منه قصاعا ثم أخرجها إلى دار الاسلام فإن الامام يأخذ ذلك منه ثم يعطيه قيمة ما زاد من الصنعة فيه إن شاء وإن شاء باعه وقسم الثمن على قيمة هذا الخشب غير معمول وعلى قيمته معمولا، فما أصاب غير المعمول كان في الغنيمة، وما أصاب المعمول من ذلك يكون للعامل. ولا يصير المصنوع ملكا للعامل بهذه الصنعة، وإن كانت الصنعة على هذا الوجه في ملك خاص لغيره يجعل المصنوع ملكا للصانع فينقطع حق صاحب الخشب، فأما إذا كان لا يضمن بالغصب فالصنعة لا توجب انقطاع حق المالك ألا ترى أن من غصب من آخر جلد ميتة وخاطها فروا ثم دبغها فإنه لا ينقطع حق صاحب الجلد عن الجلد بهذه الصنعة، ولو أخرجت الغنيمة إلى دار الاسلام فأخذ آخر منها خشبا وجعله قصاعا أو غيرها فإنه يضمن

[ 147 ]

قيمة الخشب وكان المصنوع للذي عمل لا سبيل للامام عليه اه‍ قوله: (وبعد الخروج منها لا) أي لا ينتفعون بشئ مما ذكر لزوال المبيح ولان حقهم قد تأكد حتى يورث نصيبه فلا يجوز الانتفاع به بدون رضاهم قوله: (وما فضل رد إلى الغنيمة) لزوال حاجته والاباحة باعتبارها. أطلقه وقيده في المحيط بأن يكون غنيا وإن كان فقيرا يأكل بالضمان لانه ليس له أخذ الطعام بعد الاحراز فكذلك الامساك لان الحاجة قد ارتفعت. وهذا إذا كان قبل القسمة، وأما إذا كان بعدها باعها وتصدق بثمنها لانه لا يمكنه القسمة لقلته فتعذر إيصاله إلى المستحق فيتصدق به كاللقطة اه‍ قوله: (ومن أسلم منهم أحرز نفسه وطفله وكل مال معه أو وديعة عند مسلم أو ذمي دون ولده الكبير وزوجته وحملها وعقاره وعبده المقاتل) أي ومن أسلم من أهل الحرب في دار الحرب قبل أخذه ولم يخرج إلينا حتى ظهرنا على الدار إلى آخره. وإنما يحرز نفسه لان الاسلام ينافي ابتداء الاسترقاق وأولاده الصغار لانهم مسلمون بإسلامه تبعا وكل مال هو في يده لقوله عليه السلام من سلم على مال فهو له ولانه سبقت يده الحقيقية إليه يد الظاهرين عليه، والوديعة لما كانت في يد صحيحة محترمة صارت كيده وخرج عنه عقاره لانه في يد أهل الدار وسلطانها إذ هو من جملة دار الحرب فلم يكن في يده حقيقة فكان فيأ. وقيل: إن محمدا جعله كسائر أمواله، وكذا عبده المقاتل لانه لما تمرد على مولاه خرج من يده وصار تبعا لاهل داره، وكذا أمته المقاتلة ولو كانت حبلى فهي والجنين فئ، كذا في المحيط. وأما ولده الكبير فهو فئ لانه كافر حربي ولا تبعية، وكذا زوجته وحملها جزء فيرق برقها والمسلم محل للتمليك تبعا لغيره بخلاف المنفصل لانه حر لانعدام الجزئية عند ذلك. قيد بالوديعة لان ما كان غصبا في يد مسلم أو ذمي فهو فئ عند الامام خلافا لهما لان المال تابع للنفس وقد صارت معصومة بإسلامه فيتبعها ماله فيها. وله أنه مال مباح فيملك بالاستيلاء والنفس لم تصر معصومة بالاسلام ألا ترى أنها ليست بمتقومة إلا أنه محرم التعرض في الاصل لكونه مكلفا وإباحة التعرض بعارض شره وقد اندفع بالاسلام بخلاف المال لانه خلق عرضة للامتهان فكان محلا للتملك وليس في يده حكما فلم تثبت العصمة. وقيد بالمسلم والذمي لانها لو كانت وديعة عند حربي فهي فئ لان يده ليست بمحترمة. وقيدنا كون إسلامه قبل أخذه لانه لو كان بعده فهو عبد لانه أسلم بعد انعقاد سبب الملك فيه، وكذا لو أسلم بعدما أخذ أولاده الصغار وما له ولم يؤخذ هو حتى لو أسلم أحرز

[ 148 ]

بإسلامه نفسه فقط. وقيدنا بكونه خرج إلينا بعد الظهور لانه لو أسلم في دار الحرب ثم خرج إلينا ثم ظهر على الدار فجميع ماله هناك فئ إلا أولاده الصغار لاسلامهم تبعا له وماله لم يكن في يده للتباين، وما أودع مسلما أو ذميا ليس فيأ لان يدهما يد صحيحة عليه بخلاف وديعته عند الحربي فإنها فئ في ظاهر الرواية. وقيدنا بكونه في دار الحرب لان المستأمن إذا أسلم في دار الاسلام ثم ظهرنا على داره فجميع ما خلفه فيها من الاولاد الصغار والمال فئ لان التباين قاطع للعصمة وللتبعية. وقيد بالحربي إذا أسلم لان المسلم أو الذمي إذا دخل دار الحرب بأمان واشترى منهم أموالا وأولادا ثم ظهرنا على الدار فالكل له إلا الدور والارضين فإنها فئ لان يده صحيحة، وما كان له وديعة عند حربي فهو له في رواية أبي سليمان وهي الاصح. وأشار المصنف بكون العقار فيأ إلى أن الزرع المتصل بالارض قبل حصاده فئ تبعا للارض، كذا في فتح القدير. وقيدنا بالظهور على الدار لانهم إذا أغاروا عليها ولم يظهروا فكذلك عند محمد وعند أبي حنيفة يصير ماله فيأ وإنما يحرز نفسه وولده الصغير. وفي المحيط: حربي دخل دارنا بغير أمان فهو فئ لجماعة المسلمين أخذ قبل الاسلام أو بعده عند أبي حنيفة والله أعلم. فصل في كيفية القسمة أفردها بفصل على حدة لكثرة شعبها، والقسمة جمع نصيب شائع في معين. قال الشارح: يجب على الامام أن يقسم الغنيمة ويخرج خمسها لقوله تعالى * (فإن لله خمسة) *

[ 149 ]

(الانفال: 41) ويقسم الاربعة الاخماس على الغانمين للنصوص الواردة فيه وعليه إجماع المسلمين اه‍. وفي التتارخانية: ينبغي للامام إذا أراد الدخول بدار الحرب أن يعرض العسكر ليعرف عددهم راجلهم وفارسهم ويكتب أسماءهم، فمن كتب اسمه فارسا ثم مات فرسه بعدما جاوز الدرب استحق سهم الفارس ولو باعها لا يستحق إلا أن يستبدل فرسا آخر قوله: (للراجل سهم وللفارس سهمان) يعني عند أبي حنيفة. وقالا: للفارس ثلاثة أسهم لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أسهم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهما، ولان الاستحقاق بالكفاية وهي على ثلاثة أمثال الراجل لانه للكر والفر والثبات والراجل للثبات لا غير. ولابي حنيفة ما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى للفارس سهمين وللراجل سهما فتعارض فعلاه فيرجع إلى قوله وقد قال عليه السلام للفارس سهمان وللراجل سهم (1) كيف وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم للفارس سهمين، وإذا تعارضت روايتاه ترجحت رواية غيره، ولان الكر والفر من جنس واحد فيكون غناؤه مثل غناء الراجل فيفضل عليه بسهم، ولانه تعذر اعتبار مقدار الزيادة لتعذر معرفته فيدار الحكم على سبب ظاهر وللفارس سببان النفس والفرس وللراجل سبب واحد فكان استحقاقه على ضعفه، كذا في الهداية. وتعقبه في العناية بأن طريقة استدلاله مخالفة لقواعد الاصول فإن الاصل أن الدليلين إذا تعارضا وتعذر التوفيق والترجيح يصار إلى ما بعده لا إلى ما قبله وهو قال فتعارض فعلاه فيرجع إلى قوله والمسلك المعهود في مثله أن يستدل بقوله ويقول فعله لا يعارض قوله لان القول أو لى بالاتفاق اه‍. وقد تقدم نظيره في باب سجود السهو. وفي المحيط: والفارس في السفينة في البحر يستحق سهمين وإن لم يمكنه القتال على الفرس في السفينة لانه إن لم يباشر القتال على الفرس فقد تأهب للقتال على الفرس والمتأهب للشئ كالمباشر اه‍. أطلق في الفارس وهو من معه فرس فشمل الفرس المملوك والمستأجر والمستعار والمغصوب إذا لم يسترده، فإن استرده صاحبه قبل المقاتلة فسيأتي. وفي التتارخانية: وهل يتصدق الغاصب بالسهم الذي كان لفرسه؟ حكي عن الفقيه أبي جعفر أنه قال: على قياس قول أبي حنيفة ومحمد يتصدق، وعلى قياس قول أبي يوسف لا يتصدق. وسئل الخجندي عمن استأجر أجيرا للخدمة في سفره ولحرس ما له فذهب على الشرط إلى دار الحرب ثم غزى هذا الاجير بفرس المستأجر وسلاحه مع الكفار وأخذ منهم غنائم كثيرة لمن تكون؟ قال: إن شرط هذا المستأجر أن ما أصاب الاجير يكون للمستأجر يكون له، وإن استأجره للخدمة فحسب فالمصاب يكون بينهما.

[ 150 ]

قوله: (ولو له فرسان) يعني لو كان له فرسان لا يستحق إلا سهمين فلا يسهم إلا لفرس واحدة. وقال أبو يوسف: يسهم لفرسين لما روي أنه عليه السلام أسهم لفرسين ولان الواحد قد يعي فيحتاج إلى الآخر. ولهما أن البراء بن أوس قاد فرسين فلم يسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا لفرس، ولان القتال لا يتحقق بفرسين دفعة واحدة فلا يكون السبب الظاهر مفضيا إلى القتال عليهما فيسهم لواحد ولهذا لا يسهم لثلاثة أفراس، وما رواه محمول على التنفيل كما أعطى سلمة ابن الاكوع رضي الله عنه سهمين وهو راجل. وفي النهاية: وهذه المسألة نظير ما بيننا في النكاح أن المرأة لا تستحق النفقة إلا لخادم واحد عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: تستحق النفقة لخادمين. قوله: (والبراذين كالعتاق) لان الارهاب مضاف إلى جنس الخيل في الكتاب قال الله تعالى * (ومن رباط الخيل ترهبون به عدوا لله وعدوكم) * (الانفال: 60) واسم الخيل ينطلق على البراذين والعراب والهجين والمقرف اطلاقا واحدا، ولان العربي إن كان في الطلب والهرب أقوى فالبرذون أصبر وألين عطفا ففي كل منهما منفعة معتبرة فاستويا. والبرذون التركي من الخيل والجمع البراذين وخلافها العراب والانثى برذونة، وعتاق الخيل والطير كرائمها، كذا في المغرب. وفي شرح النقاية: العتاق - بكسر العين - كرام الخيل العربية، والبراذين خيل العجم والهجين الذي أبوه عربي وأمه عجمية والمقرف عكسه قوله: (لا الراحلة والبغل) أي لا يكونان كالعتاق فلا يسهم لهما لان الارهاب لا يقع بهما إذ لا يقاتل عليهما قوله: (والعبرة للفارس والراجل عند المجاوزة) لان المجاوزة نفسها قتال لانهم يلحقون الخوف بها والحالة بعدها حالة الدوام ولا معتبر بها، ولان الوقوف على حقيقة القتال متعسر، وكذا على شهود الوقعة لانه حالة التقاء الصفين فتقام المجاوزة مقامه إذ هو السبب المفضي إليه ظاهرا إذا كان على قصد القتال فيعتبر حال الشخص حالة المجاوزة فارسا أو راجلا، فلو دخل دار الحرب فارسا فنفق فرسه استحق سهم الفرسان، ولو كان بقتل رجل وأخذ القيمة منه فإذا بقي فرسه وقاتل راجلا لضيق المكان يستحقه بالطريق الاولى، وإن دخلها راجلا فاشترى فرسا استحق سهم راجل وهذا إذا هلك فرسه فإن دخلها فارسا ثم باعه أو رهنه أو أجره أو وهبه فإنه لا يستحق سهم الفارس في ظاهر الرواية لان الاقدام على هذه التصرفات يدل على أنه لم يكن من قصده بالمجاوزة القتال فارسا، وكذا إذا باعه حال القتال على الاصح لدلالته على غرض التجارة إلا إذا باعه أو رهنه أو أجره أو وهبه فإنه لا يستحق سهم الفارس في ظاهر الرواية لان الاقدام على هذه التصرفات يدل على أنه لم يكن من قصده بالمجاوزة القتال فارسا، وكذا إذا باعه حال القتال على الاصح لدلالته على غرض التجارة إلا إذا باعه مكرها كما في التتارخانية بخلاف ما إذا باعه بعد انقضاء الحرب فإنه يستحق سهم الفارس. وفي الخلاصة: ولو أعاره ففيه روايتان،

[ 151 ]

وأما إذا دخل على فرس مغصوب أو مستعار أو مستأجر ثم استرده المالك فقاتل راجلا ففيه روايتان ولم أر ترجيحا، وينبغي ترجيح استحقاق سهم الفارس لحصول الارهاب ولا صنع له في الاسترداد فصار كالهلاك بخلاف البيع وقد كتبته قبل مراجعة ما في فتح القدير ثم رأيته قال بعد ذكر الروايتين: ومقتضى كونه جاوز بفرس لقصد القتال عليه ترجيح الاستحقاق إلا أن يزاد في أجزاء السبب بفرس مملوك وهو ممنوع فإنه لو لم يسترد المعير وغيره حتى قاتل عليه كان فارسا اه‍. قالوا: ويشترط أن يكون الفرس صالحا للقتال بأن يكون صحيحا كبيرا حتى لو دخل بمهر أو مريض لا يستحق سهم الفرسان لانه لا يقصد به القتال. وفي التتارخانية: لو زال المرض وصار بحال يقاتل عليه قبل الغنيمة فالقياس أن لا يسهم له. وفي الاستحسان يسهم له بخلاف ما إذا طال المكث في دار الحرب حتى بلغ المهر وصار صالحا للركوب فقاتل عليه لا يستحق سهم الفرسان اه‍. وكان الفرق هو أن الارهاب حاصل بالكبير المريض في الجملة بخلافه في المهر. وفيها: لو غصب فرسه منه قبل الدخول فدخل راجلا ثم استرده فيها فله سهم الفارس، وكذا لو ركب رجل عليه ودخل دار الحرب، وكذا لو نفر الفرس فأتبعه ودخل راجلا، وكذا إذا ضل منه فدخل راجلا ثم وجده فيها فإن صاحبه لا يحرم سهم الفرس ولو وهبها ودخل راجلا ودخل الموهوب له فارسا ثم رجع فيها استحق الموهوب له في الغنيمة سهم الفارس فيما أصابه قبل الرجوع وسهم الراجل فيما أصيب بعده. والراجع راجل مطلقا كالبائع فاسدا في دار الاسلام إذا استرده في دار الحرب للفساد، وكالمستحق للفرس في دار الحرب، وكالراهن إذا افتكها فيها. ولو باعها ثم وهب له أخرى وسلمت كان فارسا، ولو استردها المؤجر أو المعير فملك غيرها بشراء أو هبة فالثانية تقوم مقام الاولى، ولو كان الاول بإجارة والثاني كذلك، أو بعارية والثاني كذلك فالثاني يقوم مقام الاول، ولو كان الاول بإجارة والثاني عارية فإنه لا يقوم مقامه، ولو اشتراها في دار الاسلام وتقابضا في دار الحرب فهما راجلان، ولو نقده قبل الدخول وقبضها بعده فالمشتري فارس والفرس المشترك بين رجلين يقاتل هذا مرة وهذا أخرى لا سهم له إلا إذا أجر أحدهما نصيبه من شريكه قبل الدخول فالسهم للمستأجر اه‍. قوله: (وللمملوك والمرأة والصبي والذمي الرضخ لا السهم) لانه عليه السلام كان لا يسهم للنساء والصبيان والعبيد وكان يرضخ لهم، ولما استعان النبي صلى الله عليه وسلم باليهود على اليهود لم يعطهم شيئا من الغنيمة يعني لم يسهم لهم، ولان الجهاد عبادة والذمي ليس من أهلها.

[ 152 ]

والرضخ في اللغة إعطاء القليل وهنا إعطاء القليل من سهم الغنيمة. وظاهر ما في المختصر أنه يرضخ لهم مطلقا وليس كذلك ذ بل إنما يرضخ للعبد إذا قاتل لانه دخل لخدمة المولى فصار كالتاجر والمرأة، وكذا الصبي لانه مفروض بأن يكون له قدرة عليه. والمرأة إنما يرضخ لها إذا كانت تداوي الجرحى قوتقوم على المرضى لانها عاجزة عن حقيقة القتال فيقام هذا لنوع من الاعانة مقام القتال بخلاف العبد لانه قادر على حقيقة القتال، كذا في الهداية. وظاهره تخصيص هذا النوع من الاعانة وليس كذلك فقد قال الولوالجي: إن الاعانة منها قائمة مقام القتال كخدمة الغانمين وحفظ متاعهم اه‍. وهو الحق كما لا يخفي. والذمي إنما يرضخ له إذا قاتل أو دل على الطريق لانه فيه منفعة للمسلمين إلا أنه يزاد على السهم في الدلالة إذا كانت فيه منفعة عظيمة، ولا يبلغ فيه السهم إذا قاتل لانه جهاد والاول ليس من عمله فلا يسوى بينه وبين المسلم في حكم الجهاد، ودل كلامهم على أنه يجوز الاستعانة بالكافر على القتال إذا دعت الحاجة إلى ذلك كما قدمناه. وأطلق العبد فشمل المكاتب لقيام الرق وتوهم عجزه فيمنعه المولى عن القتال. وقيد بالمذكورين لان الاجير لا يسهم له ولا يرضخ لعدم اجتماع الاجر والنصيب من الغنيمة إلا إذا قاتل فإنه يسهم له كما قدمناه. وفي التتارخانية: لو أعتق العبد يرضخ له فيما أصيب من الغنيمة قبل عتقه والذمي المقاتل مع الامام إذا أسلم يضرب له بسهم كامل فيما أصيب بعد إسلامه اه‍. وطاهر ما في الولوالجية أن العبد يرضخ له بشرطين: إذن المولى بالقتال له وأن يقاتل. فعليه لو قاتل بلا إذن لا يرضخ له، ولم يذكر المصنف المجنون. وفي الولو الجية: ويرضخ للصبي والمجنون لان السبب وجد في حقهما وهو القتال إلا أنهما تبع فصار كالعبد مع المولى اه‍.

[ 153 ]

قوله: (والخمس لليتامى والمساكين وابن السبيل وقدم ذوو القربى الفقراء منهم عليهم ولا حق لاغنيائهم) لان الخلفاء الاربعة الراشدين رضي الله عنهم أجمعين قسموه على ثلاثة أسهم على نحو ما قلنا وكفى بهم قدوة. وقال عليه السلام يا معشر بني هاشم إن الله تعالى كره لكم غسالة الناس وأوساخهم وعوضكم منها بخمس الخمس (1) والعوض إنما يثبت في حق من يثبت في حقه المعوض وهم الفقراء، والنبي صلى الله عليه وسلم أعطاهم للنصرة ألا ترى أنه عليه السلام علل فقال: إنهم لم يزالوا معي هكذا في الجاهلية والاسلام وشبك بين أصابعه لان المراد من النصر قرب النصرة لا قرب القرابة واليتيم صغير لا أب له فيدخل فقراء اليتامى من ذوي القربى في سهم اليتامى المذكورين دون أغنيائهم، والمسكين منهم في سهم المساكين وفقراء أبناء السبيل. فإن قيل: فلا فائدة حينئذ في ذكر اسم اليتيم حيث كان استحقاقه بالفقر والمسكنة لا باليتم. أجيب بأن فائدته دفع توهم أن اليتيم لا يستحق من الغنيمة شيئا لان استحقاقها بالجهاد واليتيم صغير فلا يستحقها، ومثله ما ذكر في التأويلات للشيخ. أبي منصور لما كان فقراء ذوي القربى يستحقون بالفقر فلا فائدة في ذكرهم في القرآن. أجاب بأن إفهام بعض الناس قد تقتضي إلى أن الفقير منهم لا يستحق لأنه من قبيل الصدقة ولا تحل لهم، وفي الحاوى القدسي: وعن أبي يوسف أن الخمس يصرف لذوي القربى واليتامى

[ 154 ]

والمساكين إبن السبيل وبه نأخذ اه‍. فهذا يقتضي أن الفتوى على الصرف إلى الاقرباء الاغنياء فليحفظ. وفي التحفة: هذه الثلاثة مصارف الخمس عندنا لا على سبيل الاستحقاق حتى لو صرف إلى صنف واحد منهم جاز كما في الصدقات، كذا في فتح القدير: وأطلق في ذوي القربى وهو مقيد ببني هاشم وبني المطلب دون غيرهم لانه عليه الصلاة والسلام وضع سهم ذوي القربى في بني هاشم وبني المطلب وترك بني نوفل وبني عبد شمس مع أن قرابتهم واحدة لان عبد مناف الجد الثالث للنبي صلى الله عليه وسلم وأولاد هاشم والمطلب ونوفل وعبد شمس قوله: (وذكره تعالى للتبرك) أي للتبرك باسمه تعالى في افتتاح الكلام بقوله تعالى * (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسة) * (الانفال: 41) لان جميع الاشياء له إذ هو الغنى على الاطلاق لان السلف رضي الله عنهم فسروه بما ذكر، وبه اندفع ما ذكره أبو العالية بأن سهم الله تعالى ثابت يصرف إلى بناء بيت الكعبة إن كانت قريبة وإلا فإلى مسجد كل بلدة ثبت فيها الخمس قوله: (وسهم النبي عليه السلام سقط بموته كالصفى) لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يستحقه برسالته ولا رسول بعده والصفي شئ كان النبي عليه السلام يصطفيه لنفسه من الغنيمة مثل درع أو سيف أو جارية. وقال الشافعي رضي الله عنه: يصرف سهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الخليفة والحجة عليه ما قدمناه. قوله: (وإن دخل جمع ذوو منعة دارهم بلا إذن خمس ما أخذوا وإلا لا) أي وإن لم يكونوا ذوي منعة لا يخمس لان الغنيمة هو المأخوذ قهرا وغلبة لا اختلاسا وسرقة والخمس وظيفتها والقهر موجود في الاول والاختلاس في الثاني، ولا يضر كونه بغير إذن الامام لانه يجب عليه أن ينصرهم إذ لو خذلهم كان فيه وهن بالمسلمين بخلاف الواحد والاثنين لا يجب عليه نصرتهم. والتقييد بغير إذن الامام ليس احترازيا لانه لو كان بإذن الامام ولهم منعة فإنه يخمس بالاولى، ولو لم يكن له منعة كواحد أو اثنين دخل بإذن الامام ففيه روايتان، والمشهور أنه يخمس لانه لما أذن لهم الامام فقد التزم نصرتهم بالامداد فصار كالمنعة. فالحاصل أن الداخل بإذن الامام يخمس ما أخذه مطلقا وبغير إذنه، فإن كان ذا منعة خمس وإلا لا. وفي المحيط: لو قال الامام ما أصبتم فهو لكم لا خمس فيه فإن كانوا لا منعة لهم جاز، وإن كان لهم منعة لا يجوز لان الخمس في الاول واجب بقول الامام فله أن يبطله بقوله بخلافه في الثاني ولذا لو دخلوا بغير إذنه خمس ما أخذوه قوله: (وللامام أن ينفل بقوله من قتل قتيلا فله

[ 155 ]

سلبه وبقوله للسرية جعلت لكم الربع بعد الخمس) أي بعدما دفع الخمس للفقراء لان التحريض مندوب إليه قال الله تعالى * (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال) * (الانفال: 65) وهذا نوع تحريض فلو قال المصنف ويستحب للامام لكان أولى. وقول من قال لا بأس للامام لا يخالفه لانها تستعمل في المندوب أيضا كما تقدم في الجنائز فلم تكن مضطردة لما تركه أولى. ثم قد يكون التنفيل بما ذكر وقد يكون بغيره كالدراهم والدنانير أو يقول من أخذ شيئا فهو له، فما ذكر في المختصر مثال لا قيد لكن قالوا: لو قال للعسكر كلما أخذتم فهو لكم بالسوية بعد الخمس أو للسرية لم يجز لان فيه إبطال السهمان الذي أوجبها لشرع إذ فيه

[ 156 ]

تسوية الفارس بالراجل وكذا لو قال ما أصبتم فهو لكم ولم يقل بعد الخمس لان فيه إبطال الخمس الثابت بالنص، ذكره في السير الكبير. قال في فتح القدير: وهذا بعينه يبطل ما ذكرناه من قوله من أصاب شيئا فهو له لاتحاد اللازم فيهما وهو بطلان السهمان المنصوصة بالتسوية بل وزيادة حرمان من لم يصب شيئا أصلا بانتهائه فهو أولى بالبطلان والفرع المذكور من الحواشي وبه أيضا ينتفي ما ذكر من قوله إنه لو نفل بجميع المأخوذ جاز إذا رأى المصلحة وفيه زيادة إيحاش الباقين وزيادة الفتنة اه‍. ويدخل الامام نفسه في قوله من قتل قتيلا استحسانا لانه ليس من باب القضاء ولا تهمة بخلاف ما إذا خصص نفسه بقوله من قتلته للتهمة إلا إذا عمم بعده كما في الظهيرية، وبخلاف ما إذا خصهم بقوله من قتل قتيلا منكم فإن الامام لا يستحق كما في التتارخانية.

[ 157 ]

وإذا اشترك رجلان في قتل حربي اشتركا في سلبه. وقيده في شرح الطحاوي بأن يكون المقتول مبارزا يقاوم الكل، فإن كان عاجزا لا يستحقون سلبه ويكون غنيمة، وإن قيده الامام بقوله وحده لا يستحقان سلبه، ولو كان الخطاب لواحد فشاركه آخر استحق المخاطب وحده، ولو خاطب واحدا فقتل المخاطب رجلين فله سلب الاول خاصة إلا إذا قتلهما معا فله واحد. والخيار في تعيينه للمقاتل لا للامام، ولو كان على العموم فقتل رجل اثنين فأكثر استحق سلبهما ويستحق السلب من يستحق السهم أو الرضخ فيشتمل الذمي والتاجر والمرأة والعبد، ولا بد أن يكون المقتول منهم مباح القتل حتى لا يستحق السلب بقتل النساء والمجانين والصبيان الذين لم يقاتلوا، ولا يشترط في استحقاق السلب سماع القاتل مقالة الامام حتى لو قتل من لم يسمع فله السلب لانه ليس في وسع الامام إسماع الافراد وإنما في وسعه إشاعة الخطاب وقد وجد. ولو نفل السرية بالربع وسمع العسكر دونها فلهم النفل استحسانا، كذا في الظهيرية. وفي التتارخانية: من قتل قتيلا فله سلبه يقع على كل قتال في تلك السفر ما لم يرجعوا وإن مات الوالي أو عزل ما لم يمنعه الثاني. وإن قال حالة القتال يتعين ذلك، ولو قال من دخل دار الحرب بدرع فله كذا جاز، وكذا بدرعين. ولا يجوز ما زاد إلا إذا كان فيه منفعة للمسلمين بخلاف ما إذا قال من دخل بفرس كذا فإنه لا يجوز والرماح والاقواس كالدرع. وقيد المصنف بالامام لانه أمير السرية إذ نهاه الامام عن التنفيل فليس له أن ينفل إلا إذا رضي العسكر بنفله فيجوز من الاربعة الاخماس وإن لم ينهه له ذلك لانه قائم مقام الامام. ولو نفل الامام السرية بالثلث بعد الخمس ثم إن أميرها نفل لفتح الحصن أو للمبارزة بغير أمر الامام، فإن نفل من حصة السرية يجوز، ولا يجوز من سهام العسكر إلا إذا رجعت السرية إلى دار الاسلام قبل لحاق العسكر، فإن نفل أميرهم جائز من جميع ما أصابوا لانه لا شركة للعسكر معهم فجاز نفل أمير السرية وبطل نفل أمير العسكر. ولا فرق في النفل بين أن يكون معلوما أو مجهولا، فلو قال من جاء منكم بشئ فله منه طائفة فجاء رجل بمتاع وآخر بثياب وآخر برؤس فالرأي للامير، ولو قال له منه قليل أو يسير أو شئ أعطاه أقل من النصف والجزء النصف وما دونه وسهم رجل من القوم يعطيه

[ 158 ]

سهم الراجل، ولو قال من جاء بألف فله ألفان فجاء بألف لا يعطى إلا ألف، ولو قال من جاء بالاسير فله الاسير وألف درهم فإنه يعطى ذلك، والفرق وتمام التفريعات في المحيط. والتنفيل إعطاء الامام الفارس فوق سهمه وهو من النفل وهو الزائد ومنه النافلة الزائد على الفرض، ويقال لولد الولد كذلك أيضا، ويقال نفله تنفيلا ونفله بالتخفيف نفلا لغتان فصيحتان. قوله: (وينفل بعد الاحراز من الخمس فقط) لان حق الغير تأكد فيه بالاحراز ولا حق للغانمين في الخمس والمعطى من المصارف له والتنفيل منه إنما هو باعتبار الصرف إلى أحد الاصناف الثلاثة ولذا قال في الذخيرة: لا ينبغي للامام أن يضعه في الغني ويجعله نفلا له بعد الاصابة لان الخمس حق المحتاجين لا الاغنياء فجعله للاغنياء إبطال حقهم اه‍. لكن تصريحهم بأنه تنفيل يدل على جوازه للغنى، ومن العجيب قول الزيلعي لا يجوز للغني فإن

[ 159 ]

ظاهر ما في الذخيرة عدم الحرمة قوله: (والسلب للكل إن لم ينفل) أي لا يختص به القاتل عندنا لانه مأخوذ بقوة الجيش فيكون غنيمة فيقسم بينهم قسمة الغنائم كما نطق به النص وقال عليه السلام لحبيب بن أبي سلمة: ليس لك من سلب قتيلك إلا ما طابت به نفس إمامك. وأما قوله عليه السلام من قتل قتيلا فله سلبه (1) فيحتمل نصب الشرع ويحتمل التنفيل فنحمله على الثاني لما روينا قوله: (وهو مركبه وثيابه وسلاحه وما معه) أي السلب ما ذكر للعرف. وفي المغرب: السلب المسلوب. وعن الليث والازهري: كل ما على الانسان من اللباس فهو سلب، وللفقهاء فيه كلام اه‍. وفي القاموس: السلب بالتحريك ما يسلب وجمعه أسلاب، ودخل في مركبه ما كان عليه من سرج وآلة وما مع المقتول شامل لما كان في وسطه أو على دابته، وما عدا ذلك مما هو مع غلامه أو في بيته أو في خيمته فليس بسلب. أطلقه فشمل ما إذا كان السلب عند المشرك عارية من صبي أو امرأة لانه يستغنم مالهما كمال البالغ، وما إذا كان السلب ملكا لمسلم دخل دارهم بأمان فغصبه المشرك المقتول لانه ملكه بالاستيلاء فانقطع ملك المسلم عنه. ولو أخذ المشركون سلب المقتول ثم انهزموا فهو غنيمة ولا شئ للقاتل لانهم ملكوه بالاستيلاء فبطل ملك القاتل ثم ملكه الغزاة وإن لم يدر أنهم أخذوه، فإن كان منزوعا عنه فهو فئ لاثبات يدهم عليه بالنزع وإلا فهو للقاتل وإن جره المشركون أو حملوه على دابته وعليها سلاحه بخلاف ما إذا حملوا أسلحتهم وأمتعتهم عليها فإنه فئ. ولو وجد على دابة بعدما سار العسكر مرحلة أو مرحلتين ولا يدري أكان في يد أحد أو لا فهو للقاتل قياسا لا استحسانا. ولو قال من قتل قتيلا فله فرسه فقتل راجل راجلا ومع غلامه فرسه قائم بجنبه بين الصفين يكون للقاتل فرسه إذا كان فرسه مع غلامه بقرب منه لان مقصود الامام قتل من كان متمكنا من القتال فارسا وهذا كذلك، وإن لم يكن بجنبه في الصف فلا يكون له. ولو قتل مشركا على برذون كان له لانه يسمى فارسا، ولو كان على حمار أو بغل أو حمل لا يستحق السلب لان راكب هذه الاشياء لا يسمى فارسا ولذا لا يستحق سهم الفارس، كذا في المحيط. وبه علم أن ما ذكره الشارح عن المحيط بأنه قال الامام من قتل قتيلا فله سلبه سبق قلم، وإنما المذكور في المحيط فله فرسه والدليل عليه أنه

[ 160 ]

قال آخرا: لو كان راكبا على بغل ونحوه لا يكون له، ولو كان التنفيل بلفظ السلب لاستحقه لان المركب أعم منه ومن الفرس. قال في القاموس: المركب كمقعد واحد مراكب البر والبحر اه‍. وفي الهداية: ثم حكم التنفيل قطع حق الباقين فأما الملك فإنما يثبت بعد الاحراز بدار الاسلام لما مر من قبل حتى لو قال الامير من أصاب جارية فهي له فأصابها مسلم فاستبرأها لم يجز له وطؤها وكذا لا يبيعها، هذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: له أن يطاها ويبيعها لان التنفيل يثبت به الملك عنده كما يثبت بالقسمة في دار الحرب والشراء من الحربي ووجوب الضمان بالاتلاف قد قيل على هذا الاختلاف اه‍. والله سبحانه وتعالى أعلم. باب استيلاء الكفار شامل لشيئين: استيلاء بعضهم على بعض واستيلائهم على أموالنا فقدم الاول قوله: (سبى الترك الروم وأخذوا أموالهم ملكوها) لان الاستيلاء قد تحقق في مال مباح وهو السبب لان الكلام فيما إذا كان الكل في دار الحرب لان الكافر يملك بمباشرة سبب الملك كالاحتطاب فكذا بهذا السبب. وفي القاموس: الروم بالضم جيل من ولد الروم بن عيصو رجل رومي والجمع روم. والترك - بالضم - جيل من الناس والجمع أتراك اه‍. فما في النهاية من أن الترك جمع التركي والروم جمع الرومي ففيه نظر لا يخفي قوله: (وملكنا ما نجده من ذلك أن غلبنا عليهم) اعتبارا بسائر أملاكهم. أطلقه فشمل ما إذا كان بيننا وبين الروم موادعة لانا لم نغدرهم إنم ا أخذنا ما لا خرج عن ملكهم ولذا حل لنا أن نشتري ما غنمه إحدى الطائفتين من الاخرى لما ذكرنا. وفي الخلاصة. والاحراز بدار الحرب شرط أما بدارهم فلا، ولو كان بيننا وبين كل من الطائفتين موادعة واقتتلوا في دارنا لا نشتري من الغالبين شيئا لانهم لم يملكوه لعدم الاحراز فيكون شراؤنا غدرا بالآخرين فإنه على ملكهم. وأما لو اقتتلت طائفتان في بلدة واحدة فهل يجوز شراء المسلم المستأمن من الغالبين نفسا أو مالا؟ ينبغي أن يقال: إن كان بين المأخوذ والآخذ قرابة محرمية كالامية أو كان المأخوذ لا

[ 161 ]

يجوز بيعه للآخذ لم يجز إلا إن دانوا بذلك عند الكرخي، وإن لم يكن فإن دانوا بأن من قهر آخر ملكه جاز الشراء وإلا فلا، كذا في فتح القدير. قوله: (وإن غلبوا على أموالنا وأحرزوها بدارهم ملكوها) وقال الشافعي: لا يملكونها لان الاستيلاء محظور ابتداء وانتهاء والمحظور لا ينتهض سببا للملك على ما عرف من قاعدة الخصم. ولنا أن الاستيلاء ورد على مال مباح فنيعقد سببا للملك دفعا لحاجة المكلف كاستيلائنا على مالهم، وهذا لان العصمة ثبتت على منافاة الدليل ضرورة تمكن المالك من الانتفاع، وإذا زالت المكنة عاد مباحا كما كان غير أن الاستيلاء لا يتحقق إلا بالاحراز بالدار لانه عبارة عن الاقتدار على المحل حالا ومآلا، والمحظور لغيره إذا صلح سببا لكرامة تفوق الملك وهو الثواب الآجل فما ظنك بالملك العاجل؟ قيد بالاحراز لانهم لو استولوا عليها فظهرنا عليهم قبل الاحراز فإنها تكون لملاكها بغير شئ، ولو اقتسموها في دارنا لم يملكوا. وفي المحيط: يفرض علينا اتباعهم ومقاتلتهم لاستنقاذ الاموال من أيديهم ما داموا في دار الاسلام، وإن دخولوا بها دار الحرب لا يفترض علينا اتباعهم. والاولى اتباعهم بخلاف الذراري يفترض اتباعهم مطلقا. وأفاد المصنف رحمه الله أنهم لو أسلموا فلا سبيل لاربابها عليها، كذا في شرح الطحاوي. قوله: (وإن غلبنا عليهم فمن وجد ملكه قبل القسمة أخذه مجانا وبعدها بالقيمة) لقوله عليه السلام فيه: إن وجدته قبل القسمة فهو لك بغير شئ، وإن وجدته بعد القسمة فهو لك بالقيمة. ولان المالك القديم زال ملكه بغير رضاه فكان له حق الاخذ نظرا له إلا أن في الاخذ بعد القسمة ضررا بالمأخوذ منه بإزالة ملكه الخاص فيأخذه بالقيمة ليعتدل النظر من الجانبين، والشركة قبل القسمة عامة فيقل الضرر فيأخذه بغير قيمته. أطلقه فشمل ما إذا ترك أخذه بعد العلم به زمانا طويلا بعد الاخراج من دار الحرب كما سيأتي. وأشار بقوله بقيمته إلى أن الكلام في القيمي لان النقدين والمكيل والموزون لا سبيل له عليه بعد القسمة لانه لو أخذه أخذه بمثله وذلك لا يفيد وقبيل القسمة يأخذه مجانا، كذا في المحيط: وفي التتارخانية: عبد لمسلم سباه أهل الحرب فأعتقه سيده ثم غلب عليه المسلمون أخذه مولاه بغير شئ وذلك العتق باطل، ولو أعتقه بعد ما أخرجه المسلمون قبل القسمة جاز عتقه. عبد لمسلم

[ 162 ]

أسره العدو وأحرز بدارهم ثم انفلت منهم وأخذ شيئا من أموالهم وخرج هاربا إلى دار الاسلام فأخذه مسلم ثم جاء مولاه لم يأخذه منه إلا بالقيمة في قول محمد، وما في يده من المال فهو لمن أخذه ولا سبيل للمولى عليه، وأما في قياس قول أبي حنيفة فإن المولى يأخذ العبد بغير شئ لانه لما دخل دار الاسلام صار فيأ لجماعة المسلمين يأخذه الامام ويرفع خمسة ويقسم أربعة أخماسه بين الغانمين، ثم رجع محمد عن قوله وقال: إذا أخذه مسلم فهو غنيمة آخذه وأخمسه إذا لم يحضر المولى واجعل أربعة أخماس العبد والمال الذي معه للآخذ، فإن جاء مولاه بعد ذلك أخذه بالقيمة، وإن جاء مولاه قبل أن يخمس أخذه بغير شئ اه‍. وفي الملتقط: عبد أسره أهل الحرب وألحقوه بدارهم ثم أبق منهم يرد إلى سيده وفي رواية يعتق اه‍. قوله: (وبالثمن لو اشتراه تاجر منهم) أي لو اشترى ما أخذه العدو منهم تاجر وأخرجه إلى دار الاسلام أخذه مالكه القديم بثمنه الذي اشترى به التاجر من العدو لانه يتضرر بالاخذ مجانا ألا ترى أنه وقع العوض بمقابلته فكان اعتدال النظر فيما قلنا، ولو اختلف المولى والمشتري منهم في قدر الثمن فالقول قول المشتري بيمينه إلا أن يقيم المالك البينة، كذا في المحيط. وفي التتارخانية: وإن أقام أحدهما بينة قبلت وإن أقاما فعلى قولهما البينة بينة المولى القديم. وقال أبو يوسف: بينة المشتري أراد بالثمن البدل فشمل ما إذا اشتراه بعرض فإنه يأخذه بقيمة العرض. ولو كان البيع فاسدا يأخذه بقيمة نفسه ويرد على المصنف ما لو اشتراه التاجر بمثله قدرا ووصفا فإنه لا يأخذه المالك القديم لعدم الفائدة، سواء كان البيع صحيحا أو فاسدا بخلاف ما إذا كان بأقل منه قدرا أو بأردأ منه وصفا فإن له أن يأخذه لانه مفيد ولا يكون ربا لانه يستخلص ملكه فهو في الحقيقة فداء لا عوض، فلو كان اشتراه بمثله نسيئة فليس للمالك أخذه، ولو كان اشتراه بخمر أو خنزير لم يكن للمالك أخذه باتفاق الروايات. ولو أخذ المشركون ألف درهم نقد ببيت المال لرجل وأحرزوها فاشتراها التاجر بألف درهم غلة وتفرقوا عن قبض لم يكن للمالك أن يأخذها على الروايات كلها بمثل الغلة

[ 163 ]

التي نقدها، كذا في التتارخانية مع أنه في الاخيرة مشكل لانه بأردأ منه وصفا فينبغي أن يكون للمالك الاخذ. وههنا مسائل لا بأس بإيرادها تكثير ا للفوائد منها: أن العين المحرزة لو كانت في يد مستأجر أو مودع أو مستعير هل له المخاصمة والاسترداد أم لا؟ قالوا: للمستأجر أن يخاصم في المغنوم ويأخذه قبل القسمة بغير شئ، وكذا المستعير والمستودع، وإذا أخذه المستأجر عاد العبد إلى الاجارة وسقط عنه الاجر في مدة أسره، وإن كان بعد القسمة فللمستأجر أخذه بالقيمة، فإن أنكر الذي وقع في سهمه الاجارة فأقام المستأجر البينة قبلت بينته وثبتت الاجارة، وليس للمستعير والمستودع المخاصمة بعد القسمة فكانا بمنزلة الاجنبي. ومنها لو وهبها العد ولمسلم فأخرجها إلى دار الاسلام أخذها المالك بقيمتها لانه ثبت له ملك خاص فلا يزال إلا بالقيمة. ومنها لو أسر العدو الجارية المبيعة قبل القبض ونقد الثمن ثم اشتراها رجل منهم يأخذها البائع بالثمن ولا يكون متطوعا لانه يحيى به حقه فيرجع به على المشتري والثمن الثاني واجب على المشتري الثاني بعقده. ومنها إذا وقع العبد المأسور في سهم رجل فدبره أو أعتقه جاز ولا يبقى للمولى عليه سبيل لان المأسور منه لا يملك نقض تصرف المالك في المأسور. ولو زوجها وولدت من الزوج له أخذها وولدها لان التزويج لا يمنع النفل ولا يفسخ النكاح، وإن أخذ عقرها أو أرش جناية عليها ليس للمولى عليها سبيل لان الولد من أجزائها وهي كانت ملكا له والعقر والارش لم يكن من أجزائها وإنما وجب في ملك مستأنف للمشتري، ولانهما من ذوات الامثال فلا تجري فيهما المفاداة لانها لا تفيد. ومنها أن للوصي أن يأخذ المأسور لليتيم من مشتريه بالثمن ولا يأخذه لنفسه بشرط أن يكون الثمن مثل قيمته. ومنها لو رهنه المشتري فليس لمولاه عليه سبيل حتى يفتكه ولا يجبر على الافتكاك إلا أن يتطوع بأداء الدين ثم يعطى الثمن فله ذلك بخلاف ما إذا آجره المشتري فللمولى أخذه وإبطال الاجارة لانها تنفسح بالاعذار وهذا عذر بخلاف الرهن. ومنها لو أسروا عبدا في عنقه جناية أو دين فرجع إلى مولاه القديم فالكل في رقبته، وإن لم يرجع إليه أو رجع بملك مبتدأ فجناية العمد والدين بحاله وسقطت جناية الخطأ لان العمد متعلق بروحه والدين بذمته، وأما الخطأ فمتعلق بماليته ابتداء فإذا خرج عن ملك المولى إلى ملك من لا يخلفه بطل الكل كما في المحيط. قوله: (وإن فقأ عينيه وأخذ أرشه) وصلية أي للمالك أن يأخذه بالثمن من التاجر وإن

[ 164 ]

كانت عينه فقئت وخذ التاجر أرشها يعنى لا يحط شئ من الثمن ولا يأخذ المالك الارش. أما الاول فلان الاوصاف لا يقابلها شئ من الثمن بخلاف الشفعة لان الصفقة لما تحولت إلى الشفيع صار المشتري في يد المشتري بمنزلة المشتري شراء فاسدا والاوصاف تضمن فيه كما في الغصب، أما هنا الملك صحيح فافترقا. وأما الثاني فلان الملك فيه صحيح فلو أخذه أخذه بمثله وهو لا يفيد، وظاهر ما في فتح القدير أن الفاقئ غير التاجر فإنه قال: ولو أنه فقأ عينه عند الغازي المقسوم له فأخذ قيمته وسلمه للفاقئ فللمالك الاول أخذه من الفاقئ بقيمته أعمى عند أبي حنيفة. وقالا: بقيمته سليما وهي التي أعطاها الفاقئ للمولى. والفرق لابي حنيفة أن فوات الطرف هنا بفعل الذي ملكه باختياره فكان بمنزلة ما لو اشتراه سليما ثم قطع طرفه باختياره فكان راضيا بتنقيصه بخلاف مسألة الكتاب لان الفاقئ غيره بغير رضاه اه‍. وصرح في المحيط بأن المشتري إذا فقأ عينها فالحكم كذلك. وعن محمد أنه تسقط حصته من الثمن، وهذا بمنزلة الشفعة إذا هدم المشتري البناء سقط عن الشفيع حصة البناء فكذا هذا اه‍. فعلى رواية محمد لا فرق بين مسألة الكتاب والشفعة إذ الوصف لا يقابله شئ إلا إذا صار مقصودا بالاتلاف وهو موافق لما ذكروه في البيوع لكن ظاهر الهداية الفرق بين مسألة الكتاب والشفعة وهو الحق. ولا فرق في الفاقئ بين أن يكون التاجر أو غيره ولهذا قال الشارح: الاوصاف لا يقابلها شئ من الثمن في ملك صحيح بعد القبض وإن كانت مقصودة بالاتلاف بخلاف المشفوع لان شراءه من غير رضا الشفيع مكروه وملكه ينتقض من غير رضاه فأشبه البيع الفاسد اه. ولو أخرجه المشتري من العدو عن ملكه بعوض يأخذه المالك القديم بذلك العوض إن كان مالا، وإن كان غير مال كالصلح عن دم أو هبة أخذه بقيمته ولا ينتقض تصرفه بخلاف الشفيع لان حقه قبل حق المشتري فينتقض تصرف المشتري لاجله، والتقييد بالعين اتفاقي لان اليد لو قطعت فالحكم كذلك. ولو ولدت الجارية عند المشتري فأعتق المشتري أحدهما أخذ الباقي منهما بجميع الثمن لان الفداء لا يتوزع ما بقي شئ من الاصل أو ما تولد منه، وعن محمد إن أعتق الام أخذ الولد بحصته من الثمن وليس الولد كالارش، كذا في المحيط. وفي المغرب: فقأ العين غارها بأن شق حدقتها، والقلع أن ينزع حدقتها بعروقها، والارش دية الجراحات والجمع أروش اه‍. قوله: (فإن تكرر الاسر والشراء أخذ الاول من الثاني بثمنه ثم القديم بالثمنين) يعني لو أسر العبد مرتين واشتراه في المرأة الاولى رجل وفي الثانية رجل آخر كان حق الاخذ من المشتري الثاني للمشتري الاول بما اشترى لان الاسر ورد على ملكه وأفاد أنه ليس للمالك القديم أن يأخذه من المشتري الثاني، ولو كان المشتري الاول غائبا أو كان حاضرا إلا أنه أبى عن أخذه لان الاسر ما ورد على ملكه، فإذا أخذه المشتري الاول من الثاني بثمنه فقد قام

[ 165 ]

عليه بالثمنين فكان للمالك القديم أن يأخذ بالثمنين إن شاء من المشتري الاول لانه قام عليه بهما. وأفاد بتعبيره بالاخذ المفيد للتخليص أن المشتري الاول لو اشتراه من الثاني ليس للقديم أخذه لان حق الاخذ ثبت للمالك القديم في ضمن عود ملك المشتري الاول ولم يعد ملكه القديم وإنما ملكه بالشراء الجديد منه. وقيد بتكرر الشراء لان المشتري الاول لو كان وهبه له أخذه مولاه من الموهوب له بقيمته كما لو وهب الكافر لمسلم. وقيد بتكرر الاسر لانه لو لم يتكرر ما إذا باع المشتري من العدو والعبد من غيره أخذه ا لمالك القديم من الثاني بالثمن الذي اشتراه به إن مثليا فبمثله وإن قيميا بأن كان اشتراه مقايضة فبقيمته لان المشتري الثاني قائم مقام المشتري الاول، وليس للقديم أن ينقض العقد الثاني فيأخذه من المشتري الاول بالثمن للمولى إلا رواية ابن سماعة عن محمد وظاهر الرواية الاولى والوجه في المبسوط قوله: (ولا يملكون حرنا ومدبرنا وأم ولدنا ومكاتبنا ونملك عليهم جميع ذلك) يعني بالغلبة لان السبب إنما يفيد الملك في محله والمحل المال المباح والحر معصوم بنفسه وكذا من سواه لانه ثبتت الحرية فيه من وجه بخلاف رقابهم لان الشرع أسقط عصمتهم جزاء على جنايتهم وجعلهم أرقاه ولا جناية من هؤلاء، ويتفرع على عدم ملكهم هؤلاء أنهم لو أسروا أم ولد لمسلم أو مكاتبا أو مدبرا ثم ظهر على دارهم أخذه مالكه بعد القسمة بغير شئ وعوض الامام من وقع في قسمه من بيت المال قيمته، ولو اشترى ذلك تاجر منهم أخذه منه بغير ثمن ولا عوض قوله: (وإن نداليهم جمل فأخذوه ملكوه) لتحقق الاستيلاء إذ لا يد للعجماء لتظهر عند الخروج من دارنا والتقييد بالجمل اتفاقي، وإنما المقصود الدابة كما عبر بها في المحيط. وفي المغرب: ند البعير نفر ندودا من باب ضرب قوله: (وإن أبق إليهم قن لا) أي لا يملكونه بالاخذ عند أبي حنيفة. وقالا: يملكونه لانه العصمة لحق المالك لقيام يده وقد زالت ولهذا لو أخذوه من دار الاسلام ملكوه. وله أنه ظهرت يده على نفسه بالخروج من دارنا لان سقوط اعتباره لتحقق يد المولى عليه تمكينا له من الانتفاع وقد زالت يد المولى فظهرت يده على نفسه وصار معصوما بنفسه فلم يبق محلا للملك بخلاف المتردد في دار الاسلام لان يد المولى باقية لقيام يد أهل الدار فمنع ظهور يده، وإذا لم يثبت الملك لهم عنده يأخذه المالك القديم بغير شئ موهوبا كان أو مشترى أو مغنوما قبل القسمة، وبعد القسمة يؤدي عوضه من بيت المال لانه لا يمكن إعادة القسمة لتفرق الغانمين وتعذر اجتماعهم، وليس له على المالك جعل الآبق لانه عامل لنفسه إذ في زعمه أنه ملكه. وأطلق في المالك للقن فشمل المسلم والذمي، وأطلق القن وهو مقيد بكونه مسلما لانه لو ارتد فأبق إليهم فأخذوه ملكوه اتفاقا ولو كان كافرا من الاصل فهو ذمي تبع لمولاه، وفي العبد الذمي إذا أبق قولان، ذكره مجد الائمة كذا في

[ 166 ]

فتح القدير. وفي شرح الوقاية: الخلاف فيما إذا أخذوه قهرا وقيدوه، وأما إذا لم يكن قهرا فلا يملكونه اتفاقا اه‍. قوله: (ولو أبق بفرس أو متاع فاشترى رجل كله منهم أخذ العبد مجانا وغيره بالثمن) يعني عند الامام رضي الله عنه. وقالا: يأخذ العبد وما معه بالثمن اعتبارا لحالة الاجتماع بحالة الانفراد وقد بينا الحكم في كل فرد، ولا تكون يده على نفسه مانعة من استيلاء الكفار على ما معه لقيام الرق المانع للملك بالاستيلاء كغيره. وفي القاموس: المتاع المنفعة والسلعة والاداة وما تمتعت به من الحوائج اه‍. والمراد الثاني هنا قوله: (وإن ابتاع مستأمن عبدا مؤمنا وأدخله دارهم أو أمن عبد ثمة فجاءنا أو ظهرنا عليهم عتق) بيان لمسألتين: الاولى: أن الحربي إذا دخل دارنا بأمان واشترى عبدا مسلما وأدخله دار الحرب عتق عند أبي حنيفة. وقالا: لا يعتق لان الازالة كانت مستحقة بطريق معين وهو البيع وقد انقطعت ولاية الجبر عليه فبقي في يده عبدا. ولابي حنيفة رحمه الله أن تخليص المسلم عن ذل الكافر واجب فيقام الشرط وهو تباين الدارين مقام العلة وهو الاعتاق تخليصا له كما يقام مضي ثلاث حيض مقام التفريق فيما إذا أسلمت المرأة في دار الحرب. قيد بكون الحربي ملكه في دار الاسلام لان العبد المسلم إذا أسره الحربي من دار الاسلام وأدخله داره لا يعتق عليه اتفاقا، وأما عندهما فظاهر، وأما عنده فللمانع من عمل المقتضي عمله وهو حق استرداد المسلم، وعلى الخلاف السابق لو أسلم عبد الحربي ولم يهرب إلى دار الاسلام حتى اشتراه مسلم أو ذمي أو حربي في دار الحرب يعتق عنده خلافا لهما لان العتق في دار الحرب يعتمد زوال القهر الخاص وقد عدم إذ زال قهره إلى المشتري فصار كما لو كان في يده، وله أن قهره زال حقيقة بالبيع وكان إسلامه يوجب إزالة قهره عنه إلا أنه تعذر الخطاب بالازالة فأقيم ما له أثر في زوال الملك مقام الازالة وهو البيع. والتقييد بأيمان العبد اتفاقي إذ لو كان ذميا فالحكم كذلك لانه يجبر على بيعه ولا يمكن من إدخاله دار الحرب كما في النهاية. الثانية: لو أسلم عبد لحربي ثم خرج إلينا أو ظهر على الدار فهو حر، وكذا إذا خرج عبيدهم إلى عسكر المسلمين فهم أحرار لما روي أن عبيدا من عبيد الطائف أسلموا وخرجوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى بعتقهم وقال: هم عتقاء الله تعالى. وقيد بخروجه أو ظهورنا لانه إذا أسلم ولم يوجدا فهو رقيق إلى أن يشتريه مسلم أو ذمي فيعتق. وفي شرح الطحاوي: إذا لم يوجدا لم يعتق إلا إذا عرضه المولى على البيع من مسلم أو كافر فحينئذ يعتق العبد، قبل المشتري البيع أو لم يقبل، لانه لما عرضه فقد رضي بزوال ملكه. والتقييد بإيمانه في دار الحرب اتفاقي إذ لو خرج مراغما لمولاه فأمن في دار الاسلام فالحكم كذلك بخلاف ما إذا خرج بإذن مولاه أو بأمره لحاجته فأسلم في

[ 167 ]

دارنا فإن حكمه أن يبيعه الامام ويحفظ ثمنه لمولاه الحربي لانه لما دخل بأمان صارت رقبته داخلة فيه كما لو دخل سيده به وبما معه من المال. وفي شرح الطحاوي: ولا يثبت ولاء العبد الخارج إلينا مسلما لاحد لان هذا عتق حكمي والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. باب المستأمن أخره عن الاستيلاء لان الاستيلاء يكون بالقهر والاستئمان بكون بعد القهر قوله: (دخل تاجرنا ثم حرم تعرضه لشئ منهم) أي دخل المسلم دار الحرب بأمان، وعبر عنه بالتاجر لانه لا يدخل دارهم إلا بأمان حفظا لما له. وإنما حرم عليه لانه ضمن بالاستئمان أن لا يتعرض لهم فالتعرض بعد ذلك يكون غدرا والغدر حرام إلا إذا غدر به ملكهم فأخذ ماله أو حبسه أو فعل غيره بعلم الملك ولم يمنعه لانهم هم الذين نقضوا العهد. قيد بالتاجر لان الاسير يباح له التعرض وإن أطلقوه طوعا لانه غير مستأمن فهو كالمتلصص فيجوز له أخذ المال وقتل النفس دون استباحة الفرج لانه لا يحل إلا بالملك ولا ملك قبل الاحراز بدارنا إلا إذا وجد من لم يملكه أهل الحرب من امرأته وأم ولده ومدبرته فيباح له وطؤهن إلا إذا وطئهن أهل الحرب فتجب العدة للشبهة فلا يجوز وطؤهن حتى تنقضي عدتهن بخلاف أمته المأسورة لا يحل وطؤها مطلقا لانها مملوكة لهم. وأطلق الشئ فشمل النفوس والاموال حتى أمة التاجر المأسورة لانها من أملاكهم، ولا يدخل تحته زوجته وأم ولده ومدبرته لانهن غير مملوكات لهم فيجوز للتاجر التعرض لهن، وكذا لو أغار أهل الحرب الذين فيهم مسلمون مستأمنون على طائفة من المسلمين فأسروا ذراريهم فمروا بهم على أولئك المستأمنين وجب عليهم أن ينقضوا عهودهم ويقاتلوهم إذا كانوا يقدرون عليه لانهم لا يملكون رقابهم فتقريرهم في أيديهم تقرير على الظلم، ولم يضمنوا ذلك لهم بخلاف الاموال لانهم ملكوها بالاحراز وقد ضمنوا لهم أن لا يتعرضوا لاموالهم، وكذا لو كان المأخوذ ذراري الخوارج لانهم مسلمون. ومن الفروع النفيسة ما في المبسوط: لو أغار قوم من أهل الحرب على أهل الدار التي فيهم المسلم المستأمن لا يحل له قتال هؤلاء الكافر إلا إن خاف على نفسه لان

[ 168 ]

القتال لما كان تعريضا لنفسه على الهلاك لا يحل إلا لذلك أو لا علاء كلمة الله وهو إذا لم يخف على نفسه ليس قتال هؤلاء إلا إعلاء كلمة الكفر اه. وفي المحيط: مسلم دخل دار الحرب بأمان فجاء رجل من أهل الحرب بأمه أو بأم ولده أو بعمته أو بخالته قد قهرها ببيعها من المسلم المستأمن لا يشتريها منه لان الحربي إن ملكها بالقهر فقد صارت حرة فإذا باعها فقد باع الحرة، ولو قهر حربي بعض أحرارهم ثم جاء بهم إلى المسلم المستأمن فباعهم منه ينظر، إن كان الحكم عندهم أن من قهر منهم صاحبه فقد صار ملكه جاز الشراء لانه باع المملوك، وإن لم يملكه لا يجوز لانه باع الحر. قوله: (فلو أخرج شئ ملكه ملكا محظورا فيتصدق به) لورود الاستيلاء على مال مباح إلا أنه صل بسبب الغدر فأوجب ذلك خبثا فيه فيؤمر بالتصدق به، وهذا لان الحظر فيه لا يمنع انعقاد السبب على ما بيناه. أفاد بالحظر مع وجوب التصدق أنه لو كان المأخوذ غدرا جارية لا يحل له وطؤها ولا للمشتري منه بخلاف المشتراة شراء فاسدا فإن حرمة وطئها على المشتري خاصة وتحل للمشتري منه لان المنع منه لثبوت حق البائع في حق الاسترداد وببيع المشتري انقطع حقه ذلك لانه باع بيعا صحيحا فلم يثبت له حق الاسترداد وهناك الكراهة للغدر، والمشتري الثاني كالاول فيه. وفي الولوالجية: مسلم تزوج امرأة في دار الحرب وكانت كافرة فأعطى للاب صداقها فأضمر في قلبه أنه يبيعها فخرج بها إلى دار الاسلام فأراد بيعها فالبيع باطل وهي حرة يريد به إذا خرجت معه طوعا لان أهل الحرب إنما يملكون بالقهر في دار الحرب فإذا لم يقهر في دار الحرب وخرجت معه إلى دار الإسلام بغير قهر لا تصير ملكا له اه‍. وفي فتح القدير: واعلم أنهم أخذوا في تصويرها ما إذا أضمر في نفسه أنه يخرجها ليبيعها ولا بد منه لانه لو أخرجها كرها لا لهذا الغرض بل لاعتقاده أن له أن يذهب بزوجته حيث شاء إذا أوفاها معجل مهرها ينبغي أن لا يملكها اه‍. وقيد بالاخراج لانها إذا غصب شئ في دار الحرب وجب عليه التوبة وهي لا تحصل إلا بالرد عليهم فأشبه المشتري شراء فاسدا، كذا في المحيط قوله: (فإن أدانه حربي أو أدان حربيا أو غصب أحدهما صاحبه وخرج إلينا لم يقض بشئ) أما الادانة فلان القضاء يعتمد الولاية ولا ولاية وقت الادانة أصلا ولا وقت القضاء على المستأمن لانه ما التزم حكم الاسلام فيما مضى من أفعاله وإنما التزم ذلك في المستقبل، وأما

[ 169 ]

الغصب فلانه صار ملكا للذي غصبه واستولى عليه لمصادفته مالا غير معصوم على ما بينا. قيد بالقضاء لان المسلم يفتى برد المغصوب وإن كان لا يحكم عليه به لانه غدر، كذا ذكره الشارح وسكت عن الافتاء بقضاء الدين. وفي فتح القدير: يفتى بأنه يجب عليه قضاء الدين فما بينه وبين الله تعالى. وذكر الشارحون أن الادانة البيع بالدين والاستدانة الابتياع بالدين والظاهر عدم تخصيصه بالبيع وأنه لا يشمل القرض لما في القاموس: أدان واستدان وتدين أخذ دينا والدين ماله أجل ومالا أجل له فقرض وأدان اشترى بالدين أو باع بالدين ضد اه‍. مع أنه في الحكم هنا لا فرق بينهما لان أحدهما لو أقرض الآخر في دار الحرب شئ ثم خرجا لم يقض بشئ قوله: (وكذلك لو كانا حربيين وفعلا ذلك ثم استأمنا) أي الادانة والغصب ثم دخلا دارنا بأمان لم يقض بشئ لما بيناه. وفي المحيط: خرج حربي مع مسلم إلى العسكر وادعى المسلم أنه أسير وقال كنت مستأمنا فالقول للحربي إلا إذا قامت قرينة ككونه مكتوفا أو مغلولا أو كان مع عدد من المسلمين. قوله: (وإن خرجا مسلمين قضى بالدين بينهما لا بالغصب) أي أسلم الحربيان في دار الحرب ثم خرجا مسلمين بعد الادانة أو الغصب لان المداينة وقعت صحيحة لوقوعها بالتراضي والولاية ثابتة حالة القضاء لالتزامهما الاحكام بالاسلام، وأما الغصب فلما بيناه أنه ملكه ولا خبث في ملك الحربي حتى يؤمر بالرد، وقد قدمنا أن المسلم إذا دخل دارهم بأمان فأدانه حربي أو غصب منهم شيئا يفتى بالرد وإن لم يقض عليه قوله: (مسلمان مستأمنان قتل أحدهما صاحبه تجب الدية في ماله والكفارة في الخطأ) أي تجب الدية في مال القاتل لا على العاقلة، سواء كان القتل عمدا أو خطأ، أما الكفارة فلاطلاق الكتاب به والدية لان العصمة الثابتة بالاحراز بدار الاسلام لا تبطل بعارض الدخول بالامان. وإنما لا يجب القصاص لانه لا يمكنه استيفاؤه إلا بمنعة ولا منعة بدون الامام وجماعة المسلمين ولم يوجد ذلك في دار الحرب، وإنما تجب الدية في ماله في العمد لان العواقل لا تعقل العمد وفي الخطأ لانه لا قدرة لهم على الصيانة مع تباين الدارين والوجوب عليهم على اعتبار تركها قوله: (ولا شئ في الاسيرين سوى الكفارة في الخطأ كقتل مسلم مسلما أسلم ثمة) وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: في الاسيرين الدية في الخطأ والعمد لان العصمة لا تبطل بعارض الاسر كما لا تبطل بعارض الاستئمان وامتناع القصاص لعدم المنعة وتجب الدية في ماله لما قلنا. ولابي حنيفة أن

[ 170 ]

بالاسر صار تبعا لهم لصيرورته مقهورا في أيديهم ولهذا يصير مقيما بإقامتهم ومسافرا بسفرهم فبطل الاحراز أصلا وصار كالمسلم الذي لم يهاجر إلينا وهو المشبه به في المختصر وخص الخطأ بالكفارة لانه لا كفارة في العمد عندنا والله أعلم. فصل تأخير استئمان الكافر عن المسلم ظاهر قوله: (لا يمكن مستأمن أن يقيم فينا سنة وقيل له إن أقمت سنة وضع عليك الجزية) لان الحربي لا يمكن من إقامة دائمة في دارنا إلا باسترقاق أو جزية لانه يصير عينا لهم وعونا علينا فتلتحق المضرة بالمسلمين، ويمكن من الاقامة اليسيرة لان في منعها قطع الميرة والجلب وسد باب التجارة ففصلنا بينهما بسنة لانها مدة تجب فيها الجزية فتكون الاقامة لمصلحة الجزية. قيد بالمستأمن لانه لو دخل دارنا بلا أمان فهو وما معه فئ، فإن قال دخلت بأمان لم يصدق وأخذ، ولو قال أنا رسول، فإن وجد معه كتاب يعرف أنه كتاب ملكهم بعلامة تعرف ذلك كان آمنا فإن الرسول لا يحتاج إلى أمان خاص بل بكونه رسولا يأمن وإن لم يعرف فهو زور فيكون هو وما معه فيئا. وإن دخل دار الاسلام بلا أمان فأخذه واحد من المسلمين لا يختص به عند أبي حنيفة بل يكون فيئا لجماعة المسلمين، وظاهر قولهما أنه يختص به. ولو دخل الحرم قبل أن يؤخذ فعند أبي حنيفة يؤخذ ويكون فيئا للمسلمين، وعلى قولهما لا ولكن لا يطعم ولا يسقى ولا يؤذى ولا يخرج، كذا في فتح القدير. وفي المحيط: إذا دخل دارنا بلا أمان فهو فئ عند الامام أخذ قبل الاسلام أو بعده، وعندهما إن أسلم قبل الاخذ فهو حر ولو رجع هذا الحربي إلى دار الحرب خرج من أن يكون فيئا وعاد حرا. ولو قال رجل من المسلمين أنا أمنته لم يصدق إلا أن يشهد رجلان غيره أنه أمنه قوله: (فإن مكث سنة فهو ذمي) إن مكث المدة المضروبة فهو ذمي لانه لما أقامها بعد تقدم الامام إليه صار ملتزما للجزية فيصير ذميا فمراده من السنة ما وقته الامام له، سواء كانت سنة أو أقل كالشهر والشهرين. وظاهر ما في الكتاب أن قول الامام له ما ذكر شرط

[ 171 ]

لكونه ذميا فلو مكث سنة قبل مقال الامام له لا يكون ذميا وبه صرح العتابي فقال: لو أقام سنين من غير أن يتقدم الامام إليه فله الرجوع. قيل: ولفظ المبسوط يدل على خلافه والاوجه الاول كما في فتح القدير. ودل كلامه على أنه لا جزية عليه في حول المكث لانه إنما صار ذميا بعده فتجب في الحول الثاني إلا أن يكون شرط عليه أنه إن مكث سنة أخذها منه، وقد ذكروا أن من أحكام الذمي جريان القصاص بينه وبين المسلم، وضمان المسلم قيمة خمره وخنزيره إذا أتلفه، ووجوب الدية عليه إذا قتله خطأ، ووجوب كف الاذى عنه حتى قال في فتح القدير: تحرم غيبته كما تحرم غيبة المسلم. وفي فتح القدير: وإذا رجع إلى دار الحرب لا يمكن أن يرجع معه بسلاح اشتراه من دار الاسلام بل بالذي دخل به، فإن باع سيفه واشترى به قوسا ونشابا أو رمحا لا يمكن منه، وكذا لو اشترى سيفا أحسن منه، فإن كان مثل الاول أو دونه يمكن. ولو مات المستأمن في دارنا وقف ماله لورثته فإذا قدموا وبرهنوا أخذوه، ولو كان الشهود أهل ذمة أخذ منهم كفيلا ولا يقبل كتاب ملكهم. قوله: (فلم يترك أن يرجع إليهم) أي لا يمكن المستأمن بعد الحول من الرجوع إلى أهل الحرب لان عقد الذمة لا ينقض لكونه خلفا عن الاسلام كيف وإن فيه قطع الجزية وجعل ولده حربا علينا وفيه مضرة بالمسلمين، وظاهره أنه لا يمكن من العود إلى دار الحرب للتجارة أو لقضاء حاجة ولو بعدت المدة وهو يقتضي منع الذمي من دخول دار الحرب قوله: (كما لو وضع عليه الخراج) أي فلا يمكن من العود إلى دار الحرب لان خراج الارض بمنزلة خراج الرأس فإذا التزمه صار ملتزما المقام في دارنا. قيد بوضعه لان بمجرد الشراء لا يصير ذميا لانه قد يشتريها للتجارة وصححه الشارح وهو ظاهر الرواية كما في السراج الوهاج، وفسر في البناية وضعه بالتوظيف عليه. وفي فتح القدير: والمراد بوضعه إلزامه به وأخذه منه عند حلول وقته وهو بمباشرة السبب وهو زراعتها أو تعطيلها مع التمكن منها إذا كانت في ملكه أو زراعتها بالاجارة وهي في ملك غيره إذا كان خراج مقاسمة فإنه يؤخذ منه لا من المالك فيصير به ذميا بخلاف ما إذا كان على المالك ولا يظن بوضع الامام وتوظيفه أن يقول وظفت على هذه الارض الخراج ونحوه لان الامام قط لا يقوله بل الخراج من حين استقر وظيفة للارض استمر على كل من صارت إليه واستمرت في يده اه‍. وأطلق في وضع الخراج فشمل جميع أسباب التزامه، فلو استعارها المستأمن من ذمي صار المستعير ذميا. وفي التتارخانية: إذا اشترى المستأمن أرض خراج فغصبت منه فإن زرعها الغاصب لا يصير

[ 172 ]

المستأمن ذميا وإلا فهو ذمي لوجوبه عليه، والصحيح أنه يصير ذميا في الوجهين. وفي السراج: لو زرع الحربي أرضه الخراجية فأصاب الزرع آفة لا يصير ذميا لعدم وجوب الخراج. وفي الهداية: وإذا لزمه خراج الارض فبعد ذلك تلزمه الجزية لسنة مستقبلة لانه يصير ذميا بلزوم الخراج فتعتبر المدة من وقت وجوبه قوله: (أو نكحت ذميا) يعني فلا تمكن من الرجوع إليهم لانها التزمت المقام تبعا للزوج فتكون ذمية فيوضع الخراج على أرضها، وتقييد الزوج بالذمي ليفيد أنها تصير ذمية إذا نكحت مسلما بالاولى كما في فتح القدير، لان الكلام فيما إذا كانت كتابية كما في التتارخانية. وأفاد بإضافة النكاح إليها أنه بمعنى العقد فتصير ذمية بمجرده من غير توقف على الدخول كما أشار إليه الشارح. وظاهر كلام المصنف أن النكاح حادث بعدد دخولها دارنا وهو ليس بشرط. فلو قال أو صار لها زوج مسلم أو ذمي لكان أولى ليشمل ما إذا دخل المستأمن بامرأته دارنا ثم صار الزوج ذميا فليس لها الرجوع، وكذا لو أسلم وهي كتابية بخلاف ما إذا أسلم وهي مجوسية، وليشمل ما إذا تزوج مستأمن مستأمنة في دارنا ثم صار الرجل ذميا. ولو أسلم وهي كتابية ثم أنكرت أصل النكاح فأقام الزوج بينة من المسلمين أو من أهل الذمة على أصل النكاح أو إقرارها به في دار الحرب لم يلتفت القاضي إلى هذه البينة، وإن برهن على اقرارها به في درانا قبلت ومنعت من اللحاق كما لو أقرت بين يدي القاضي، كذا ذكره السرخسي. وذكر الهندواني أنها تقبل مطلقا، كذا في التتارخانية. قوله: (لا عكسه) أي لا يصير المستأمن ذميا إذا نكح ذمية لانه يمكنه أن يطلقها فيرجع إلبلده فلم يكن ملتزما المقام، وكذا لو دخلا إلينا بأمان فأسلمت فله أن يرجع إلى دار الحرب. وفي التتارخانية: لو طالبته بصداقها فإن كان تزوجها في دار الاسلام فلها أن تمنعه

[ 173 ]

الرجوع حتى يوفيها مهرها، وإن كان تزوجها في دار الحرب فليس لها ذلك اه‍. ويعلم منه حكم الدين الحادث في دارنا بالاولى، وظاهره أنها إذا منعته للمهر فلم يقدر على وفائه حتى مضى حول كان ذميا. وفي التتارخانية: لو أن جندا من أهل الشرك أو قوما من أهل الحصن استأمنوا وهم في معمعة القتال فأمنوهم وصاروا في أيدي المسلمين فأرادوا أن ينصرفوا إلى مأمنهم في دار الحرب لم يتركوا وصاروا ذمة اه‍. وقد تقدم في الهداية في آخر كتاب الطلاق أنه جعل الحربي بالتزوج في دار الاسلام ذميا فهو مناقض لما ذكره هنا وقدمنا جوابه قوله: (فإن رجع إليهم وله وديعة عند مسلم أو ذمي أو دين حل دمه) أي فإن رجع المستأمن إلى دار الحرب فقد جاز قتله لانه أبطل أمانه بالعود إليها، وظاهره أنه لا فرق بين كونه قبل الحكم بكونه ذميا أو بعده لان الذمي إذا لحق بدار الحرب صار حربيا كما سيأتي، وجواز قتله بعوده ليس موقوفا على كونه له دين أو ديعة فلو أسقطه لكان أولى قوله: (فإن أسر أو ظهر عليهم سقط دينه وصارت وديعته في أوان قتل ولم يظهر أو مات فقرضه ووديعته لورثته) بيان لحكم أمواله المتروكة في دار الاسلام إذا رجع إلى دار الحرب فإن أمانه بطل في حق نفسه فقط، وأما في حق أمواله التي في دارنا فباق ولهذا يرد عليه ماله وعلى ورثته من بعده. وفي السراج: لو بعث من يأخذ الوديعة والقرض وجب التسليم إليه. وحاصل المسألة خمسة أوجه، ففي ثلاثة يسقط دينه وتصير وديعته غنيمة: الاول أن يظهروا على الدار ويأخذوه. الثاني أن يظهروا ويقتلوه. الثالث أن يأخذوه مسببا من غير ظهور. فقوله فإن أسر بيان للثالث. وقوله أو ظهر عليهم بيان للاولين لانه أعم من أن يقتلوه أولا لكن شامل لما إذا ظهر عليهم وهرب فإن ماله يبقى له كما سيأتي فلا بد من التقييد في الظهور عليهم بأن يأخذوه أو يقتلوه. وإنما صارت وديعته غنيمة لانها في يده تقديرا لان يد المودع كيده فيصير فيئا تبعا لنفسه. وإنما سقط الدين لان إثبات اليد عليه بواسطة المطالبة وقد سقطت ويد من عليه أسبق إليه من يد العامة فتختص به فيسقط، وينبغي أن تكون العين المغصوبة منه كدينه لعدم المطالبة وليست يد الغاصب كيده. ولم يذكر المصنف حكم الرهن

[ 174 ]

قالوا: والرهن للمرتهن بدينه عند أبي يوسف، وعند محمد يباع ويستوفى دينه والزيادة فئ للمسلمين وينبغي ترجيحه لان ما زاد على قدر الدين في حكم الوديعة وهي فئ، فلو قال المصنف وصار ما له فيئا لكان أولى لانه لا يخص الوديعة لان ما عند شريكه ومضاربه وما في بيته في دارنا كذلك، وفي وجهين يبقى ماله على حاله فيأخذه إن كان حيا أو ورثته إن مات. الاول أن يظهروا على الدار فيهرب. الثاني أن يقتلوه ولم يظهروا على الدار أو يموت لان نفسه لم تصر مغنومة فكذلك ماله. ولو عبر بالدين بدل القرض لكان أولى ليشمل سائر الديون. ثم اعلم أن ماله وإن كان غنيمة لا خمس فيه وإنما يصرف كما يصرف الخراج والجزية لانه مأخوذ بقوة المسلمين من غير قتال بخلاف الغنيمة لانه مملوك بمباشرة الغانمين وبقوة المسلمين. وفي التتارخانية: وديعته فئ لجماعة المسلمين عند أبي يوسف. وقال محمد: تكون فيئا للسرية التي أسرت الرجل ويعتق مدبره الذي دبره في دارنا وأم ولده بأسره. وفي المغرب: ظهر عليه غلب وظهر على اللص غلب اه‍. فينبغي ضبط المختصر بالبناء للمجهول كما لا يخفى، ولم أر حكم ما إذا كان على المستأمن دين لمسلم أو ذمي أدانه له في دارنا ثم رجع، ولا يخفى أنه باق لبقاء المطالبة وينبغي أن يوفى من ماله المتروك ولو صارت وديعته فيئا اه‍. قوله: (وإن جاءنا حربي بامان وله زوجة ثم وولد ومال عند مسلم أو ذمي أو حربي فأسلم هنا ثم ظهر عليهم فالكل فئ) بيان لحكم ما تركه المستأمن في دار الحرب ثم صار من أهل دارنا إما بإسلامه أو بصيرورته ذميا فتقييده بإسلامه في المختصر ليفهم منه حكم الآخر بالاولى. أما المرأة وأولاده الكبار فلانهم حربيون كبار وليسوا بأتباع، وكذلك ما في بطنها لو كانت حاملا لما قلنا إنه جزؤها، وأما أولاده الصغار فلان الصغير إنما يتبع أباه في الاسلام عند اتحاد الدار ومع تباين الدارين لا يتحقق ولذا أطلق في الولد ليشمل الكبير والصغير والجنين. ولو سبى الصبي في هذه المسألة وصار في دار الاسلام فهو مسلم تبعا لابيه لانهما اجتمعا في دار واحدة بخلاف ما قبل إخراجه وهو فئ على كل حال. وأما أمواله فإنها لا تصير محرزة بإحراز نفسه لاختلاف الدارين فبقي الكل غنيمة وعمم المودع لعدم الفرق. فإن قلت: قوله عليه السلام عصموا مني دماءهم وأموالهم يخالفه. قلت: هذا باعتبار الغلبة يعني المال الذي في يده وما هو في معناه بالعرف لان من دأب الشرع بناء الحكم على الغلبة،

[ 175 ]

كذا في البناية قوله: (وإن أسلم ثمة فجاءنا فظهر عليهم فولده الصغير حر مسلم وما أودعه عند مسلم أو ذمي فهو له وغيره فئ) بيان لحكم متروك الحربي إذا أسلم في دار الحرب وجاء إلينا مسلما وترك أمواله وأولاده ثم ظهرنا على أهل الحرب. أما الولد الصغير فهو تبع لابيه حين أسلم إذا الدار واحدة فكان حرا مسلما، وما كان من وديعة له عند مسلم أو ذمي فهو له لانه في يد محترمة ويده كيده وما سوى ذلك فئ، فأما المرأة وأولاده الكبار فلما قلنا، وأما المال الذي في يد الحربي فلانه لم يصر معصوما لان يد الحربي ليست يدا محترمة، وشمل غيره العين المغصوبة في يد المسلم أو الذمي فيكون فيئا لعدم النيابة، كذا في فتح القدير قوله: (ومن قتل مؤمنا خطأ لا ولي له أو حربيا جاءنا بأمان فأسلم فديته على عاقلته للامام) لانه قتل نفسا معصومة خطأ فيعتبر بسائر النفوس المعصومة. ومعنى قوله للامام أن حق الاخذ له لانه لا وارث له لا أنه يملكه الامام بل يوضع في بيت المال وهو المقصود من ذكره ههنا وإلا فحكم القتل الخطأ معلوم ولذا لم ينص على الكفارة لما سيأتي في الجنايات فإنه لا ولي له، ولو اقتصر على المسألة الاولى لشملت الثانية لان الحربي إذا أسلم في دارنا ولم يكن معه وارث فإنه لا ولي له وإن كان له أولاد في دار الحرب قوله: (وفي العمد القتل أو الدية لا العفو) أي لو قتل من لا ولي له عمدا خير الامام إن شاء قتله وإن شاء أخذ الدية لبيت المال لانه النفس معصومة والقتل عمد والولي معلوم وهو السلطان لانه ولى من لا ولى له كما في الحديث، وأخذه الدية بطريق الصلح برضا القاتل لان موجب العمد هو القود عينا وهذا لان الدية وإن كانت أنفع للمسلمين من قتله لكن قد يعود عليهم من قتله منفعة أخرى هو أن ينزجر أمثاله عن قتل المسلمين، وليس للامام العفو لان الحق للعامة وولايته نظرية وليس من النظر إسقاط حقهم من غير عوض. وشمل كلامه اللقيط فإن قتل خطأ فالدية للامام قتله الملتقط أو غيره، وإن قتل عمدا خير كما في الكتاب وهو قولهما. وقال أبو يوسف: ليس له القصاص لانه لا يخلو عن الوارث غالبا أو هو محتمل فكان فيه شبهة وهو يسقط بها. ولهما أن المجهول الذي لا يمكن الوصول إليه ليس بولي لان الميت لا ينتفع به فصار كالعدم فتنتقل

[ 176 ]

الولاية إلى السلطان كما في الارث، كذا ذكره الشارح وهو يفيد أن من لا وارث له معلوم فإرثه لبيت المال وإن احتمل أن يكون له وارث، وكذا من لا وارث له ظاهرا إذا أوصى بجميع ماله لاجنبي فإنه يعطى كل ماله وإن احتمل مجئ وارث لكن بعد التأني كما لا يخفي والله أعلم. باب العشر والخراج والجزية بيان لما يؤخذ من الذمي بعد بيان ما يصير به ذميا، وذكر العشر تتميم للوظائف المالية، وقدمه لما فيه من معنى العبادة. والعشر بضم العين واحد العشرة، والخراج اسم لما يخرج من غلة الارض أو الغلام ثم سمي ما يأخذه السلطان خراجا يقال فلان أدى خراج أرضه قوله: (أرض العرب وما أسلم أهله أو فتح عنوة وقسم بين الغانمين عشرية) أما أرض العرب فلان النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أجمعين لم يأخذوا الخراج من أرض العرب. وتعقبه في البناية بأنه ليس له أصل في كتب الحديث ولم يجب عنه، وجوابه أن العدم لا يحتاج إلى أصل لانه لو أخذ منهم الخراج لنقل، ولما لم ينقل دل على عدمه، ولانه بمنزلة الفئ فلا يثبت في أراضيهم كما لا يثبت في رقابهم. وهذا لان وضع الخراج من شرطه أن يقر أهلها على الكفر كما في سواد العراق، ومشركو العرب لا يقبل منهم إلا الاسلام أو السيف. وذكر في المغرب معزيا إلى كتاب العشر والخراج أبو يوسف في الامالي حدود أرض العرب ما وراء حدود أرض الكوفة إلى أقصى صخر باليمن. وعن محمد من عدن أبين إلى الشام وما والاها. وفي شرح القدوري قال الكرخي: هي أرض الحجاز وتهامة واليمن ومكة والطائف والبرية يعني البادية. قال وقال محمد: أرض العرب من العذيب إلى مكة وعدن أبين إلى أقصى حجر باليمن بمهرة. وهذه العبارات مما لم أجده في كتب اللغة وقد ظهر أن من روى إلى أقصى حجر بالسكون وفسره بالجانب فقد حرف لوقوع صخر موقعه وكأنهما ذكرا ذلك تأكيدا للتحديد وإلا فهو عنه مندوحة اه‍. ما في المغرب. وجزيرة العرب بمعنى أرضها ومحلتها. وفي البناية: العذيب - بضم العين المهملة وفتح الذال المعجمة وبالباء الموحدة - ماء لتميم. والحجر - بفتحتين - بمعنى الصخرة. ومهرة - بفتح الهاء والسكون - اسم رجل وقيل

[ 177 ]

اسم قبيلة ينسب إليها الابل المهرية، وسمي ذلك المقام به فيكون بمهرة بدلا من قوله باليمن اه‍. وأما إذا أسلم أهلها أو فتحت قهرا وقسمت بين الغانمين فلان الحاجة إلى ابتداء التوظيف على المسلم والعشر أليق به لما فيه من معنى العبادة، وكذا هو أحق حيث يتعلق بنفس الخارج والعنوة بالفتح القهر، كذا في المغرب. قوله: (والسواد وما فتح عنوة وأقر أهله عليه أو فتح صلحا خراجية) أما السواد فالمراد به سواد العراق فلان عمر رضي الله عنه وضع عليه الخراج بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم وهو أشهر من أن ينقل فيه أثر معين. وفي البناية: المراد بالسواد القرى وبه صرح التمرتاشي. وسمي السواد لخضرة أشجاره وزورعه. وقال الاترازي: المراد من السواد المذكور سواد الكوفة وهو سواد العراق وحده من العذيب إلى عقبة حلوان عرضا ومن العلث إلى عبادان طولا، وأما سواد البصرة فالاهواز وفارس اه‍. وتقدم ضبط العذيب. وحلوان - بضم الحاء - اسم بلد. والعلث - بفتح العين المهملة وسكون اللام وبالثاء المثلثة - قرية موقوفة على العلوية على شرقي دجلة وهو أول العراق. وعبادان - بتشديد الباء الموحدة - حصن صغير على شط البحر وفي المثل ما وراء عبادان قرية. وفي شرح الوجيز: طول سواد العراق مائة وستون فرسخا، وعرضه ثمانون فرسخا، ومساحته ستة وثلاثون ألف ألف جريب، كذا في البناية. وأما ما أقر أهلها عليها سواء فتحت قهرا أو صلحا فلان الحاجة إلى ابتداء التوظيف على الكافر والخراج أليق به، ويلحق بما أقر أهله عليها ما نقل إليها غير أهلها من الكفار فإنها خراجية كما ذكره الاسبيجابي. وأطلق المصنف فيما أقر أهله عليه تبعا للقدوري، وقيده في الجامع الصغير على ما في الهداية بأن يصل إليها ماء الانهار لتكون خراجية، وما لم يصل إليها ماء الانهار واستخرج منها عين فهي أرض عشر لان العشر يتعلق بالاراضي النامية ونماؤها بمائها فيعتبر السقى بماء العشر أو بماء الشعر أو بماء الخراج اه‍. وهو مشكل لاننا نقطع بأن الارض التي أقر أهلها عليها لو كانت تسقى بعين أو بماء السماء لم تكن الاخراجية لان أهلها كفار والكفار لو انتقلت إليهم أرض عشرية، ومعلوم أن العشرية قد تسقى بعين أو بماء السماء لا تبقى على العشرية بل تصير خراجية في قول أبي حنيفة وأبي يوسف خلافا لمحمد، فكيف يبتدأ الكافر بتوظيف العشر؟ ثم كونها عشرية عند محمد إذا انتقلت إليه كذلك أما في الابتداء فهو أيضا يمنعه، والعبارة التي نقلها عن الجامع في غاية البيان ليست كما في الهداية، وقد أطال المحقق في فتح القدير في تقريره ثم قال: والحاصل أن التي فتحت عنوة إن أقر الكفار عليها لا يوظف عليهم إلا الخراج ولو سقيت بماء المطر، وإن قسمت بين المسلمين لا يوظف إلا العشر وإن سقيت بماء الانهار. وإذا كان كذلك فالتفصيل في الارض المحياة

[ 178 ]

التي لم تقسم ولم يقر أهلها عليها بأن أحياها مسلم فإن وصل إليها ماء الانهار فهي خراجية أو ماء عين ونحوه فعشرية اه‍. وفي التبيين: إن التفصيل في حق المسلم، أما الكافر فيجب عليه الخراج من أي ماء سقى لان الكافر لا يبتدأ بالعشر فلا يتأتى فيه التفصيل في حالة الابتداء اجماعا إلى آخره. ومعنى قوله وأقر أهلها عليها أن الامام أقرهم على ملكهم للاراضي. قال في الهداية: وأرض السواد مملوكة لاهلها يجوز بيعهم لها وتصرفهم فيها. وفي التتارخانية: فإن أسلموا سقطت الجزية عن رؤسهم ولا يسقط الخراج عن أراضيهم اه‍. وإذا باعها انتقلت بوظيفتها من الخراج وكذا إذا مات انتقلت إلى ورثته كذلك، وإذا وقفها مالكها بقي الخراج على حاله كما صرحوا بوجوبه في أرض الوقف وأرض الصبي والمجنون. وفي الهداية أن عمر رضي الله عنه وضع على مصر الخراج حين افتتحها عمرو بن العاص رضي الله عنه، وكذا أجمعت الصحابة رضي الله عنهم على وضع الخراج على الشام اه‍. وفي فتح القدير: المأخوذ الآن من أراضي مصر إنما هو بدل إجارة لاخراج ألا ترى أن الاراضي ليست مملوكة للزراع، وهذا بعدما قلنا إن أرض مصر خراجية والله أعلم كأنه لموت المالكين شيأ فشيأ من غير إخلاف ورثة فصارت لبيت المال. وينبغي على هذا أن لا يصح بيع الامام ولا شراؤه من وكيل بيت المال لشئ منها لان نظره في مال المسلمين كنظره في مال اليتيم فلا يجوز له بيع عقاره إلا

[ 179 ]

لضرورة عدم وجود ما ينفقه سواه فلذا كتبت في فتوى رفعت إلي في شراء السلطان الاشرف برسباي الارض ممن ولاه نظر بيت المال هل يجوز شراؤه منه وهو الذي ولاه؟ فكتبت: إذا كان بالمسلمين حاجة والعياذ بالله تعالى جاز ذلك اه‍. كأنه أجاب لا يجوز كما لا يخفى وهو مبتى على قول المتقدمين، أما على قول المتأخرين المفتى به لا ينحصر جواز بيع عقار اليتيم فيما ذكر بل فيه، وفيما إذا كان على الميت دين لا وفاء له إلا منه أو رغب فيه بضعف قيمته فكذلك نقول للامام بيع العقار لغير حاجة إذا رغب فيه بضعف قيمته على المفتى به، وهذه مسألة مهمة وقع النزاع فيها في زماننا في تفتيش وقع من نائب مصر على الرزق في سنة ثمان وخمسين وتسعمائة حتى ادعى بعضهم بأن المبايعات للاراضي من بيت المال غير صحيحة ليتوصل بذلك إلى إبطال الاوقاف والخيرات وهو مردود بما ذكرناه، ثم قدم بعد ذلك بيسير شخص ولاه السلطان أمر الاوقاف فطلب أن يحدث على أراضي الاوقاف خراجا متمسكا بأن الخراج واجب في أرض الوقف وهو مردود عليه بما نقلناه عن المحقق ابن الهمام من أن الخراج ارتفع عن أراضي مصر إنما المأخوذ منها أجرة فصارت الاراضي بمنزلة دور السكنى لعدم من يجب عليه الخراج، فإذا اشتراها انسان من الامام بشرطه شراء صحيحا ملكها ولا خراج عليها فلا يجب عليه الخراج لان الامام قد أخذ البدل للمسلمين فإذا وقفها وقفها سالمة من المؤن فلا يجب الخراج فيها وتمامه فيما كتبناه في تلك السنة المسمى بالتحفة المرضية في الاراضي المصرية اه‍.

[ 180 ]

قوله: (ولو أحيا أرضا مواتا يعتبر قربه) أي لو أحيا المسلم والمراد بالقرب أنها إن كانت بقرب أرض الخراج فهي خراجية، وإن كانت بقرب أرض العشر فهي عشرى. وهذا عند أبي يوسف لان ما قرب من الشئ أخذ حكمه كفناء الدار لصاحبها الانتفاع به وإن لم تكن ملكا له ولذا لا يجوز إحياء ما قرب من العامر. واعتبر محمد الماء فإن أحياها بماء الخراج فهي خراجية وإلا فعشرية. قيدنا بالمسلم لان الكافر يجب عليه الخراج مطلقا، كذا في الشرح وقدمناه اه‍ قوله: (والبصرة عشرية) نص عليها لان مقتضى ما سبق أن تكون خراجية لانها من حيز أرض الخراج لكن ترك القياس بإجماع الصحابة رضي الله عنهم على توظيف العشر عليها، كذا في غاية البيان وفيه نظر لان الحيز إنما يعتبر في الارض المحياة والبصرة لم تكن محياة وإنما فتحت عنوة فقياس ما مضى أن تكون خراجية كما أشار إليه في التبيين كما خرج عن القياس مكة المشرفة فإن القياس وضع الخراج عليها لكونها فتحت عنوة ومع ذلك لم يوظف رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها الخراج تعظيما لها ولاهلها، فكما لا رق على العرب فكذلك لا

[ 181 ]

خراج على أراضيهم، كذا في البناية قوله: (وخراج جريب صلح للزراعة صاع ودرهم وفي جريب الرطبة خمسة دراهم وفي جريب الكرم والنخل المتصل عشرة دراهم) بيان للخراج الموظف وهذا هو المنقول عن عمر رضي الله عنه فإنه بعث عثمان بن حنيف حتى يمسح سواد العراق وجعل حذيفة مشرفا فمسح فبلغ ستا وثلاثين ألف ألف جريب ووضع على ذلك ما قلناه وكان ذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم من غير نكير فكان إجماعا منهم، ولان المؤن متفاوتة فالكرم أخفها مؤنة والمزارع أكثرها مؤنة والرطاب بينهما والوظيفة تتفاوت بتفاوتها فجعل الواجب في الكرم أعلاها، وفي الزرع أدناها، وفي الرطبة أوسطها. والجريب أرض طولها ستون ذراعا وعرضها كذلك لكن اختلف في الذراع ففي كتب الفقه أنه سبع قبضات وهو ذراع كسرى يزيد على ذراع العامة بقبضة. وفي المغرب أنه ست قبضات والقبضة أربع أصابع اه‍. وفي الكافي ما قيل الجريب ستون في ستين حكاية عن جريبهم في أراضيهم وليس بتقدير لازم في الاراضي كلها بل جريب الارض يختلف باختلاف البلدان فيعتبر في كل بلد متعارف أهله اه‍. وهذا يقتضي أن يعتبر في مصر الفدان فإنهم لا يعرفون غيره لكن ما في الكافي مردود والمعول عليه ما ذكرنا من التقدير كما في فتح القدير. وقيد بصلاحيته لانه لا شئ في غير الصالح لها. وأطلقه فشمل ما زرعه صاحبه في السنة مرة أو مرارا أو لم يزرعه، ولم يذكر هنا تقدير الصاع للاكتفاء بما قدمه في صدقة الفطر من أنه ثمانية أرطال. وأطلقه فشمل كل مزروع فيه فيؤخذ قفيز مما زرع حنطة أو شعيرا أو عدسا أو ذرة وهو الصحيح، ولم يقدر الدرهم للاكتفاء بما ذكره في الزكاة من أن العشرة منها بوزن سبعة مثاقيل. وذكر العيني أنه يعطى الدرهم من أجود النقود. والرطبة - بفتح الراء - إلا سفست الرطب والجمع رطاب. وفي كتاب العشر: البقول غير الرطاب وإنما البقول مثل الكراث والرطاب هو القثاء والبطيخ والباذنجان وما يجري مجراه، والاول هو المذكور فيما عندي من كتب اللغة فحسب، كذا في المغرب. وفي العيني: الرطبة البرسيم اه‍. وينبغي أن يفسر بما في كتاب العشر كما لا يخفي. وأفاد المصنف رحمه الله أنه يؤخذ من الرطبة شئ من الخارج، وقيد بالاتصال لانها لو كانت متفرقة في جوانب الارض ووسطها مزروعة فلا شئ فيها، وكذا لو غرس أشجارا غير مثمرة، ولو كان الاشجار ملتفة لا يمكن زراعة أرضها فهي كرم، ذكره في الظهيرية. وفي شرح الطحاوي: لو أنبت أرضه كرما فعليه خراجها إلى أن تطعم فإذا أطعمت فإن كان ضعف وظيفة الكرم ففيه وظيفة الكرم، وإن كان أقل فنصفه إلى أن ينقص عن قفيز ودرهم

[ 182 ]

فإن نقص فعليه درهم وقفيز اه‍. وفي البناية: المتصل ما يتصل بعضه ببعض على وجه تكون كل الارض مشغولة بها. وفي الهداية: وفي ديارنا وظفوا من الدراهم في الاراضي كلها وترك كذلك لان التقدير يجب أن يكون بقدر الطاقة من أي شئ كان اه‍. قلت: وكذا في غالب أراضي مصر لا يؤخذ خراجها إلا دراهم بخلاف أراضي الصعيد فإن غالب خراجها القمح، ولم يذكر المصنف ما سوى ذلك من الاصناف كالزعفران والبستان وغيره لانه يوضع عليها بحسب الطاقة لانه ليس فيه توظيف عمر رضي الله عنه وقد اعتبر في ذلك الطاقة فنعتبرها فيما لا توظيف فيه. قالوا: ونهاية الطاقة أن يبلغ الواجب نصف الخارج لا يزاد عليه لان التنصيف عين الانصاف لما كان لنا أن نقسم الكل بين الغانمين والبستان كل أرض يحوطها حائط وفيها نخيل متفرقة وأشجار. ولم يذكر المصنف خراج المقاسمة لظهوره فإذا من الامام عليهم جعل على أراضيهم نصف الخارج أو ثلثه أو ربعه. قال في السراج الوهاج: لا يزاد على النصف ولا ينقص عن الخمس قوله: (وإن لم تطق ما وظف نقص بخلاف الزيادة) أي وإن لم تطق الارض ما جعل عليها من الخراج الموظف السابق نقص عنها ما لا تطيقه وجعل عليها ما تطيقه بخلاف الزيادة على ما وظفه عمر رضي الله عنه فإنها لا تجوز، وإن طاقتها الارض لقول عمر رضي الله عنه لعامليه لعلكما حملتما الارض ما لا تطيق فقالا: بل حملناها ما تطيق ولو زدنا لاطاقت. وهو دال على ما ذكرناه من الامرين. أطلقه فشمل الاراضي التي صدر التوظيف فيها من عمر رضي الله عنه أو من إمام بمثل وظيفة عمر وهو مجمع عليه، وأما إذا أراد الامام توظيف الخراج على أرض ابتداء وزاد على وظيفة عمر رضي الله عنه فإنه لا يجوز عند أبي حنيفة وهو الصحيح لان عمر رضي الله عنه لم يزد لما أخبراه بزيادة الطاقة، كذا في الكافي. ومعناه أن الارض التي فتحت بعد عمر رضي الله عنه لو كانت تزرع الحنطة فأراد أن يضع عليها درهمين

[ 183 ]

وقفيزا وهي تطيقه ليس له ذلك. ومعنى عدم الاطاقة أن الخارج منها لم يبلغ ضعف الخراج الموظف فينقص منه إلى نصف الخارج، كذا أفاده في الخلاصة. وظاهر ما في الكتاب أن النقصان عند الاطاقة لا يجوز وليس كذلك فقد نقل في البناية عن الكاكي أنه إذا جاز النقصان عند قيام الطاقة فعند عدم الطاقة بالطريق الاولى. قوله: (ولا خراج أن غلب على أرضه الماء أو انقطع أو أصاب الزرع آفة) لانه فات التمكن من الزراعة وهو النماء التقديري المعتبر في الخراج. وفيما إذا ا صطلم الزرع آفة فات النماء التقديري في بعض الحول وكونه ناميا في جميع الحول شرط كما في الزكاة أو يدار الحكم على الحقيقة عند خروج الخارج. أطلقه فشمل ذهاب كل الخارج أو بعضه وهو مقيد بالاول، أما في الثاني قال محمد: إن بقي مقدار الخراج ومثله بأن بقي مقدار درهمين وقفيزين يجب الخراج، وإن بقي أقل من مقدار الخراج يجب نصفه. قال مشايخنا: والصواب في هذا أن ينظر أولا إلى ما أنفق هذا الرجل في هذه الارض ثم ينظر إلى الخارج فيحسب ما أنفق أولا من الخارج. فإن فضل منه شئ أخذ منه مقدار ما بينا، وما ذكر في الكتاب أن الخراج يسقط بالاصطلام محمول على ما إذا لم يبق من السنة مقدار ما يمكنه أن يزرع الارض، أما إذا بقي ذلك لا يسقط الخراج، كذا في الفوائد. وأطلق الآفة وهو مقيد بالآفة السماوية التي لا يمكن الاحتراز عنها كالغرق والاحتراق وشدة البرد، أما إذا كانت غير سماوية ويمكن الاحتراز عنها كأكل القردة والسباع والانعام ونحو ذلك لا يسقط الخراج. وقال بعضهم، يسقط. والاول أصح. وذكر شيخ الاسلام أن هلاك الخارج قبل الحصاد يسقط: كذا في السراج الوهاج. ومنه يعلم أن الدودة والفأرة إذا أكلا الزرع لا يسقط الخراج. وقيد بالزرع وهو اسم للقائم لانه لو هلك بعد الحصاد لا يسقط كما أشار إليه شيخ الاسلام. وقيد بالخراج لان الاجرة تسقط بالاوليين، وأما بالثالث فذكر الولوالجي في فتاواه: إذا استأجر أرضا للزراعة سنة ثم اصطلم الزرع آفة قبل مضي السنة فما وجب من الاجر قبيل الاصطلام لا يسقط، وما وجب بعد الاصطلام يسقط لان الاجر إنما يجب بإزاء المنفعة شيأ فشيأ، فما استوفي من المنفعة وجب عليه الاجر، وما لم يستوف انفسخ العقد في حقه. وفي بعض الروايات لا يسقط شئ والاعتماد على ما ذكرنا فرق بين هذا وبين الخراج فإنه يسقط اه‍. قال شمس الائمة: ومما حمد من سير الاكاسرة أنهم إذا أصاب

[ 184 ]

بعض زرع الرعية آفة غر مواله ما أنقق في الزراعة من بيت مالهم وقال التاجر شريك في الخسران كما هو شريك في الربح فإذا لم يعظه الامام شئ فلا أقل من أن لا يغرمه الخراج اه‍. قوله: (وإن عطلها صاحبها أو أسلم أو اشترى مسلم أرض خراج يجب) أي الخراج، أما الاول فلان التمكن كان ثابتا وهو الذي فوته. قالوا: من انتقل إلى أحسن الامرين من غير عذر فعليه خراج الاعلى لانه هو الذي ضيع الزيادة كما إذا كانت صالحة للزعفران فزرع الشعير وهذا يعرف ولا يفتى به كيلا يتجرأ الظلمة على أخذ أموال الناس لانا لو أفتينا بذلك يدعي كل ظالم في أرض ليس هذا شأنها أنها كانت تزرع الزعفران فيأخذ خراجه فيكون ظلما وعدوانا. قيد بكونه المعطل لانه لو منعه إنسان من الزراعة لا يجب عليه الخراج لعدم التمكن. وقيد بالخراج الموظف لان كلامه فيه لانه وكان خراج مقاسمة فلا شئ عليه بالتعطيل، كذا في السراج الوهاج. وأشار بنسبة التعطيل إليه إلى أنه كان متمكنا من الزراعة ولم يزرع فلو عجز المالك عن الزراعة لعدم قوته وأسبابه فللامام أن يدفعها إلى غيره مزارعة ويأخذ الخراج من نصيب المالك ويمسك الباقي للمالك، وإن شاء أجرها وأخذ الخراج من الاجرة، إن شاء زرعها بنفقة من بيت المال، فإن لم يتمكن من ذلك ولم يجد من يقبل ذلك باعها وأخذ من ثمنها الخراج، وهذا بلا خلاف. وعن أبي يوسف يدفع للعاجز كفايته من بيت المال فيعمل فيها قرضا. وفي جمع الشهيد: باع أرضا خراجية فإن بقي من السنة مقدار

[ 185 ]

ما يتمكن المشتري من الزراعة فالخراج عليه وإلا فعلى البائع، كذا في البناية. وقد قدمناه أن أرض مصر الآن ليست خراجية إنما هي بالاجرة فلا شئ على الفلاح لو عطلها ولم يكن مستأجرا لها ولا جبر عليه بسببها. وبه علم أن بعض المزارعين إذا ترك الزراعة وسكن في مصر فلا شئ عليه، فما يفعله الظلمة من الاضرار به فحرام خصوصا إذا أراد الاشتغال بالقرآن والعلم كمجاوري الجامع الازهر. وأما الثاني وهو أن من أسلم من أهل الخراج فإن يؤخذ منه الخراج على حاله لان فيه معنى المؤنة فيعتبر مؤنة في حالة البقاء فأمكن إبقاؤه على المسلم. وأما الثالث وهو ما إذا اشترى مسلم من ذمي أرض خراج فلما قلنا، وقد صح أن الصحابة رضي الله عنهم اشتروا أراضي الخراج وكانوا يؤدون خراجها فدل على جواز الشراء وأخذ الخراج وأدائه للمسلم من غير كراهية قوله: (ولا عشر في خارج أرض الخراج) لقوله عليه السلام لا يجتمع عشر وخراج في أرض مسلم كما رواه أبو حنيفة في مسنده. ولان أحدا من أئمة العدل والجور لم يجمع بينهما وكفى بإجماعهم حجة، ولان الخراج يجب في أرض فتحت عنوة وقهرا والعشر يجب في أرض أسلم أهلها طوعا والوصفان لا يجتمعان في أرض واحدة وسبب الحقين واحد وهو الارض النامية إلا أنه يعتبر في العشر تحقيقا وفي الخراج تقديرا ولهذا يضافان إلى الارض وعلى هذا الخلاف الزكاة مع أحدهما والحد والعقر والجلد والنفي والرجم وزكاة التجارة وصدقة الفطر والقطع والضمان، كذا في السراج الوهاج. وكذا التيمم مع الوضوء وكذا الحبل مع الحيض والحيض مع النفاس. فروع: لا يتكرر الخراج بتكرر الخارج في سنة إذا كان موظفا وإن كان خراج مقاسمة تكرر لتعلقه بالخارج حقيقة كالعشر، ولو وهب السلطان لانسان خراج أرضه ليس له أن يقبل وإن كان مصرفا له أن يقبل. ولو ترك السلطان لانسان خراج أرضه جاز عند أبي يوسف.

[ 186 ]

وقال محمد: لا يجوز والفتوى على قول أبي يوسف إن كان صاحب الارض مصرفا له، ولو ترك له عشر أرضه لا يجوز بالاجماع ويخرجه بنفسه ويعطيه للفقراء والله أعلم. فصل في الجزية (الجزية لو وضعت بتراض لا يعدل عنها) لان الموجب هو التراضي فلا يجوز التعدي إلى غير ما وقع عليه التراضي، وقد صالح عليه السلام بني نجران على ألف ومائتي حلة. والجزية اسم لما يؤخذ من أهل الذمة والجمع جزى كلحية ولحى لانها تجزئ عن القتل أي تقضي وتكفي فإذا قبلها سقط عنه القتل قوله: (وإلا توضع على الفقير في كل سنة اثنا عشر درهما وعلى وسط الحال ضعفه وعلى المكثر ضعفه) أي إن لم توضع بالتراضي وإنما وضعت قهرا بأن غلب الامام على الكفار وأقرهم على إملاكهم، ومذهبنا منقول عن عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ولم ينكر عليهم أحد من المهاجرين والانصار، ولانه وجب نصرة للمقاتلة فيجب على التفاوت بمنزلة خراج الارض. وهذا لانه وجب بدلا عن النصرة بالنفس والمال وذلك يتفاوت بكثرة الوفد وقلته فكذا ما هو بدله. وظاهر كلامهم أن حد الغني والمتوسط والفقر لم يذكر في ظاهر الرواية ولذا اختلف المشايخ فيه، وأحسن الاقوال ما اختاره في شرح الطحاوي من أن من ملك عشرة آلاف درهم فصاعدا فهو غني. والمتوسط من يملك مائتي درهم فصاعدا، والفقير الذي يملك ما دون المائتين أو لا يملك شيئا. وأشار بقوله في كل سنة إلى أن وجوبها في أول الحول وإنما الحول تخفيف وتسهيل. وفي الهداية أنه يؤخذ من الغني في كل شهر أربعة دراهم، ومن المتوسط درهمان، ومن الفقير درهم وهذا لاجل التسهل عليه لا بيان للوجوب لانه بأول الحول كما ذكرنا، كذا في البناية.

[ 187 ]

وأطلق الفقير هنا اكتفاء بما ذكره بعده من أن الفقير غير المعتمل لا جزية عليه والمعتمل هو القادر على العمل وإن لم يحسن حرفة. وفي السراج: المعتمل القادر على تحصيل الدراهم والدنانير بأي وجه كان وإن لم يحسن الحرفة. وقال الكاكي: والمعتمل هو المكتسب والاعتمال الاضطراب في العمل وهو الاكتساب، فلو كان مريضا في السنة كلها أو نصفها أو أكثرها لا تجب عليه، ولو ترك العمل مع القدرة عليه فهو كالمعتمل كمن قدر على الزراعة ولم يزرع. وظاهر كلام المختصر أن القدرة على العمل شرط في حق الفقير فقط لقوله وفقير غير معتمل وليس كذلك بل هو شرط في حق الكل ولذا قال في البناية وغيرها: لا يلزم الزمن منهم وإن كان مفرطا في اليسار، وكذا لو مرض نصفها كما في الشرح. فلو حذف الفقير لكان أولى. وفي فتح القدير: ويعتبر وجود هذه الصفات في آخر السنة اه‍. وينبغي اعتبارها في أولها لانه وقت الوجوب. قوله: (وتوضع على كتابي ومجوسي ووثنى عجمي) لقوله تعالى * (من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد) * (التوبة: 29) الآية. ووضع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجزية على المجوس. وأما عبدة الاوثان من العجم فلانه يجوز استرقاقهم فيجوز ضرب الجزية عليهم إذ كل واحد منهما يشتمل على سلب النفس منهم فإنه يكتسب ويؤدي إلى المسلمين ونفقته في كسبه، وإن ظهر عليهم قبل وضع الجزية فهم ونساؤهم وصبيانهم فئ لجواز استرقاقهم لا فرق في ذلك بين الانواع الثلاثة كما في العناية. وأشار بتقييد الوثني بالعجمي دون الاولين إلى أن الكتابي والمجوسي لا فرق فيهما بين العرب والعجم كما في العناية أيضا، والكتابي

[ 188 ]

شامل لليهود والنصارى. ويدخل في اليهود السامرة لانهم يدينون بشريعة موسى صلوات الله وسلامه عليه إلا أنهم يخالفونهم في فروع، ويدخل في النصارى الفرنج والارمن. وفي الخانية: وتؤخذ الجزية من الصابئة عند أبي حنيفة رحمه الله خلافا لهما. والمجوس عبدة النار، والوثن ماله جثة من خشب أو حجر أو فضة أو جوهر ينحت والجمع أوثان، وكانت العرب تنصبها وتعبدها. والعجم جمع العجمي وهو خلاف العربي وإن كان فصيحا، والاعجمي الذي في لسانه عجمة أي عدم إفصاح بالعربية وإن كان عربيا، كذا في المعرب. وفي السراج: الوثن ما كان منقوشا في حائط ولا شخص له، والصنم اسم لما كان على صورة الانسان، والصليب ما لا نقش فيه ولا صورة تعبد. قوله: (لا عربي ومرتد وصبي وامرأة وعبد ومكاتب وزمن وأعمى وفقير غير معتمل وراهب لا يخالط) أي لا توضع الجزية على هؤلاء، أما مشركو العرب فلان النبي صلى الله عليه وسلم نشأ بين أظهرهم والقرآن نزل بلغتهم فالمعجزة في حقهم أظهر. والمراد بالعربي في عبارته عربي الاصل وهم عبدة الاوثان وأنهم أميون كما وصفهم الله تبارك وتعالى في كتابه فخرج الكتاب كما قدمناه، فأهل الكتابي وإن سكنوا فيما بين العرب وتوالدوا فهم ليسوا بعربي الاصل. وأما المرتد عربيا كان أو أعجميا فلانه كفر بربه بعدما هدي إلى الاسلام ووقف على محاسنه فلا يقبل من الفريقين إلا الاسلام أو السيف زيادة في العقوبة، وإذا ظهر عليهم فنساؤهم وصبيانهم فئ لان أبا بكر رضي الله عنه استرق نساء بني حنيفة وصبيانهم لما ارتدوا وقسمهم بين الغانمين إلا أن نسائهم وذراريهم يجبرون على الاسلام بخلاف ذراري عبدة الاوثان ونسائهم، ومن لم يسلم من رجالهم قتل لما ذكرنا. وأما عدم وضعها على الصبي والمرأة فلانها وجبت بدلا عن القتل أو القتال وهما لا يقتلان ولا يقاتلان لعدم الاهلية. وأما عدم وضعها على المملوك فلانها بدل عن القتل في حقهم وعن النصرة في حقنا، وعلى اعتبار الثاني لا يجب فلا يجب بالشك. وشمل العبد المدبر وأم الولد وقد وقع في الهداية ذكر أم الولد ولا

[ 189 ]

ينبغي فإن من المعلوم أن لا جزية على النساء الاحرار فكيف بأم الولد وإنما المراد ابن أم الولد. وأفاد أنه لا يؤدي عنهم المولى لانهم تحملوا الزيادة بسببهم لانهم صاروا أغنياء به فلو أدوا عنهم لكن وجوبها مرتين بسبب شئ واحد. وأما عدمها على العاجز فلانها وجبت بدلا عن القتال كما ذكرنا فدخل المفلوج والشيخ الكبير ولو كان له مال ولذا لم تجب على الراهب الذي لا يخالط الناس ولو كان قادرا على العمل لانه لا يقتل والجزية لاسقاطه. وفي البناية: الزمن من زمن الرجل بزمن زمانة وهو عدم بعض أعضائه أو تعطيل قواه اه‍. وأما عدم وضعها عن الفقير الذي لا يعمل فلان عثمان رضي الله عنه لم يوظفها عليه وذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم كالارض التي لا طاقة لها فإن الخراج ساقط عنها، وغير المعتمل هو الذي لا يقدر على العمل. والمعتمل المكتسب الذي يقدر على العمل وإن لم يحسن حرفة ويكتفي بصحته في أكثر السنة، فإن مرض نصفها فلا جزية عليه. ولو أدرك الصبي أو أفاق المجنون أو عتق العبد أو برئ المريض قبل وضع الامام الجزية ضع عليهم وبعد وضع الجزية لا يوضع عليهم لان المعتبر أهليتهم وقت الوضع بخلاف الفقير إذا أيسر بعد الوضع حيث توضع عليه لانه أهل للجزية وإنما سقطت عنه لعجزه وقد زال، كذا في الاختيار قوله: (وتسقط بالاسلام والموت والتكرر) لانها عقوبة على الكفر وعقوبة الكفر تسقط بالاسلام ولا تقام بعد الموت. ولا فرق في المسقط بين أن يكون بعد تمام السنة أو في بعضها. وكذا تسقط إذا عمي أو زمن أو أقعد أو صار شيخا كبيرا لا يستطيع العمل أو افتقر بحيث لا يقدر على شئ، والعقوبات إذا اجتمعت تداخلت كالحدود فلذا إذ اجتمعت عليه حولان تداخلت. واختلف في معنى التكرار والاصح أنه إذا دخلت السنة الثانية سقطت جزية السنة الاولى لان الوجوب بابتداء الحول بخلاف خراج الارض فإنه بآخره لسلامة الانتفاع. وفي الجوهرة:

[ 190 ]

الجزية تجب في أول الحول عند الامام إلا أنها تؤخذ في آخره قبل تمامه بحيث يبقى منه يوم أو يومان. وقال أبو يوسف: تؤخذ الجزية حين تدخل السنة ويمضي شهران منها. قيد بالجزية لان الديون والاجرة والخراج لا يسقط بإسلام الذمي وموته اتفاقا. واختلف في الخراج هل يسقط بالتداخل؟ فقيل على الخلاف فعند الامام يسقط، وعندهما لا. وقيل لا تداخل فيه بالاتفاق كالعشر لانها مؤنة الارض، وينبغي ترجيح الاول لان الخراج عقوبة بخلاف العشر. فروع في الجزية: صرح في الهداية بأنها لا تقبل من الذمي لو بعثها على يد نائبه في أصح الروايات بل يكلف أن يأتي بنفسه فيعطى قائما والقابض منه قاعدا، وفي رواية يأخذ بتلبيبه ويهزه هزا ويقول أعط الجزية يا ذمي اه‍. أو يقول له يا يهودي أو يا نصراني أو يا عدو الله كما في غاية البيان، ولا يقال له يا كافر ويأثم القائل إن آذاه به كما في القنية. وفي بعض الكتب أنه يصفع في عنقه حين أداء الجزية. قوله: (ولا تحدث بيعة ولا كنيسة في دارنا) أي لا يجوز إحداثهما في دار الاسلام لقوله عليه السلام لا اخصاء في الاسلام ولا كنيسة والمراد إحداثهما. وفي البناية: يقال كنيسة اليهود والنصارى لمتعبدهم وكذلك البيعة كان مطلقا في الاصل ثم غلب استعمال الكنيسة لمتعبد اليهود والبيعة لمتعبد النصارى. وفي فتح القدير: وفي ديار مصر لا يستعمل لفظ البيعة بل الكنيسة لمتعبد الفريقين، ولفظ الدير للنصارى خاصة. والبيع بكسر الباء. أطلق عموم دار الاسلام فشمل الامصار والقرى وهو المختار كما في فتح القدير. وقيده في الهداية بالامصار دون القرى لان الامصار هي التي تقام فيها الشعائر فلا يعارض بإظهار ما يخالفها. وقيل في ديارنا يمنعون من ذلك في القرى أيضا لان فيها بعض الشعائر، والمروي عن صاحب المذهب في قرى الكوفة لان أكثر أهلها أهل الذمة، وفي أرض العرب يمنعون من ذلك في أمصارها وقراها لقوله عليه السلام لا يجتمع دينان في جزيرة العرب اه‍. (1) وشمل كلامه المواضع كلها. وفي البناية: قيل أمصار المسلمين ثلاثة: أحدها ما مصره المسلمون منها كالكوفة والبصرة وبغداد وواسط فلا يجوز فيها إحداث بيعة ولا كنيسة ولا مجتمع لصلاتهم ولا صومعة بإجماع العلماء، ولا يمكنون فيه من شرب الخمر واتخاذ الخنزير وضرب الناقوس. وثانيها ما فتحه المسلمون عنوة فلا يجوز إحداث شئ فيها بالاجماع. وثالثها ما فتح صلحا فإن صالحهم على أن الارض لهم ولنا الخراج جاز إحداثهم، وإن صالحهم على أن الدار لنا ويؤدون الجزية، فالحكم في الكنائس على ما يوقع عليه الصلح، فإن

[ 191 ]

صالحهم على شرط تمكين الاحداث لا نمنعهم والاولى أن لا يصالحهم عليه، وإن وقع الصلح مطلقا لا يجوز الاحداث ولا يتعض للقديمة اه‍. والحاصل أنهم يمنعون من الاحداث مطلقا إلا إذا وقع الصلح على الاحداث أو على أن الارض لهم على هذا القول ولا استثناء في ظاهر الرواية. وأشار إلى أنهم يمنعون من إحداث بيت النار بالاولى. والصومعة كالكنيسة لانها تبتني للتخلي للعبادة بخلاف موضع الصلاة في البيت لانه تبع للسكنى. والصومعة بيت مبني برأس طويل لتعبد فيها بالانقطاع عن الناس قوله: (ويعاد المنهدم) مفيد لشيئين: الاول عدم التعرض للقديمة لانه قد جرى التوارث من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا بترك البيع والكنائس في دارنا. والمراد بالقديمة ما كانت قبل فتح الامام بلدهم ومصالحتهم على إقرارهم على بلدهم وأراضيهم، ولا يشترط أن تكون في زمن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم لا محالة، كذا في البناية. وفي المحيط: لو ضربوا الناقوس في جوف كنائسهم لا يمنعون. الثاني جواز بناء ما انهدم من القديمة لان الابنية لا تبقى دائما، ولما أقرهم الامام فقد عهد إليهم الاعادة. وأشار إلى أنه لا تجوز الزيادة على البناء الاول كما في الخانية، وإلى أنهم لا يمكنون من نقلها لانه إحداث في الحقيقة. وفي فتح القدير: واعلم أن البيع والكنائس القديمة في السواد لا تهدم على الروايات كلها، وأما في الامصار فاختلف كلام محمد فذكر في العشر والخراج تهدم القديمة، وذكر في الاجارة أنها لا تهدم وعمل الناس على هذا فإنا رأينا كثيرا منها تولت عليها أئمة وأزمان وهي باقية لم يأمر إمام بهدمها فكان متوارثا من عهد الصحابة رضي الله عنهم. وعلى هذا لو مصرنا برية فيها دير أو كنيسة فوقع داخل السور ينبغي أن لا يهدم لانه كان مستحقا للامان قبل وضع السور فيحمل ما في جوف القاهرة من الكنائس على ذلك فإنها كانت فضاء فأدار العبيديون عليها السور ثم فيها الآن كنائس ويبعد من إمام تمكين الكفار من إحداثها جهارا في جوف المدن الاسلامية، فالظاهر أنها كانت في الضواحي فأدير السور فأحاط بها. وعلى هذا أيضا فالكنائس الموجودة الآن في دار الاسلام غير جزيرة العرب

[ 192 ]

كلها ينبغي أن لا تهدم لانها إن كانت في الامصار قديمة فلا شك أن الصحابة أو التابعين رضي الله عنهم أجمعين حين فتحوا المدينة علموا بها وبقوها وبعد ذلك ينظر، فإن كانت البلدة فتحت عنوة حكمنا بأنهم بقوها مساكن لا معابد فلا تهدم ولكن يمنعون من الاجتماع فيها للتقرب، وإن عرف أنها فتحت صلحا حكمنا بأنهم أقروها معباد فلا يمنعون من ذلك فيها بل من الاظهار. وانظر إلى قول الكرخي إذا حضر لهم عيد يخرجون فيه صلبانهم وغير ذلك فليصنعوا في كنائسهم القديمة من ذلك ما أحبوا، فأما أن يخرجوا ذلك من الكنائس حتى يظهر في المصر فليس لهم ذلك ولكن ليخرجوا خفية من كنائسهم اه‍. وصحح في التتارخانية رواية كتاب الاجارة من عدم هدم القديمة. قوله: (ويميز الذمي عنا في الزي والمركب والسرج فلا يركب خيلا ولا يعمل بالسلاح ويظهر الكستيج ويركب سرجا كالاكف) إظهارا للصغار عليهم وصيانة لضعفة المسلمين ولان المسلم يكرم والذمي يهان فلا يبتدأ بالسلام ويضيق عليه في الطريق، فلو لم تكن علامة مميزة فلعله يعامل معاملة المسلمين وذلك لا يجوز بخلاف يهود المدينة لم يأمرهم عليه الصلاة والسلام بذلك لانهم كانوا معروفين بأعيانهم لجميع أهل المدينة ولم يكن لهم زي عال عن المسلمين، وإذا وجب التمييز وجب بما فيه صغار لاعزاز لان إذلالهم لازم بغير أذى من ضرب أو صفع بلا سبب يكون منه بل المراد اتصافه بهيئة وضيعة. والزي بالكسر اللباس والهيئة وأصله زوى، كذا في الصحاح. وفي الديوان: الزي الزينة والكستيج. عن أبي يوسف: خيط غليظ بقدر الاصبع يشده الذمي فوق ثيابه دون ما يتزينون به من الزنانير المتخذة من الابريسم، كذا في المغرب. وقيده في المجمع بالصوف. وقيد بالخيل لان لهم أن يركبوا الحمر عند المتقدمين على سروج كهيئة الاكف وهو جمع أكاف وهو معروف. والسرج الذي على هيئته هو ما يجعل على مقدمه شبه الرمانة. والوكاف لغة ومنه أو كف الحمار، كذا في المغرب. والاكاف البرذعة، ذكره العيني. واختار المتأخرون أن لا يركبوا أصلا إلا إذا خرجوا إلى قرية ونحوها أو كان مريضا. وحاصله أنه لا يركب إلا لضرورة فيركب ثم ينزل في مجامع المسلمين إذا مر بهم، كذا في فتح القدير. وفيه: وإذا عرف أن المقصود العلامة فلا يتعين ما ذكر بل يعتبر في كل بلدة ما يتعارفه أهله، وفي بلادنا جعلت العلامة في العمامة

[ 193 ]

فألزموا النصارى العمامة الزرقاء واليهود بالعمامة الصفراء واختص المسلمون بالبيضاء اه‍. لكن في الظهيرية ما يفيد منع العمامة لهم فإنه قال: وكستيجان النصارى قلنسوة سوداء من اللبد مضربة وزنار من الصوف، وأما لبس العمامة وزنار الابريسم فجفاء في حق أهل الاسلام ومكسرة لقلوبهم اه‍. أطلق الذمي فشمل الذكر والانثى ولذا قال في الهداية: ويجب أن تتميز نساؤهم عن نسائنا في الطرقات والحمامات ويجعل على دورهم علامات كيلا يقف عليها سائل يدعو لهم بالمغفرة ويمنعون عن لباس يختص به أهل العلم والزهد والشرف اه‍. وصرح في فتح القدير بمنعهم من الثياب الفاتحة حريرا أو غيره كالصوف المربع والجوخ الرفيع والابراد الرفيعة. قال: ولا شك في وقوع خلاف هذا في هذه الديار، ولا شك في منع استكتابهم وإدخالهم في المباشرة التي يكون بها معظما عند المسلمين بل ربما يقف بعض المسلمين خدمة له خوفا من أن يتغير خاطره منه فيسعى به عند مستكتبه سعاية توجب له منه الضرر اه‍. وفي الحاوي القدسي: وينبغي أن لا يلازم الذمي الصغار فيما يكون بينه وبين المسلم في كل شئ اه‍. فعلى هذا يمنع من القعود حال قيام المسلم عنده. واختار في فتح القدير بحثا أنه إذا استعلى على المسلمين حل للامام قتله. واستثنى في الذخيرة من منع الخيل ما إذا وقعت الحاجة إلى ذلك بأن استعان بهم الامام في المحاربة والذب عن المسلمين. وألحق في التتارخانية البغل بالحمار في جواز ركوبه لهم وصرح بمنعهم من القلانس الصغار وإنما تكون طويلة من كرباس مصبوغة بالسواد مضربة مبطنة. ويجب تمييزهم في النعال أيضا فيلبسون المكاعب الخشنة الفاسدة اللون تحقيرا لهم. وشرط في الخيط الذي يعقده على وسطه أن يكون غليظا غير منقوش وأن لا يجعل له حلقة وإنما يعقده على اليمين أو الشمال. وشرط في القميص أيضا أن يكون ذيله قصيرا وأن يكون جيبه على صدره كما يكون للنساء. وفي الخانية: ولا يؤخذ عبيد أهل الذمة بالكستيجان. وفي التتارخانية: وهذا كله إذا وقع الظهور عليهم، فأما إذا وقع معهم الصلح للمسلمين على بعض هذه الاشياء فإنهم يتركون على ذلك. واختلف المشايخ بعد هذا أن المخالفة بيننا وبينهم تشترط بعلامة واحدة أو بعلامتين أو بالثلاث. قال بعضهم: بعلامة واحدة إما على الرأس كالقلنسوة الطويلة المضربة أو على الوسط كالكستيج أو على الرجل كالنعل والمكعب على خلاف نعالنا أو مكاعبنا. وقال بعضهم: لا بد من الثلاث. ومنهم من قال في النصراني يكتفي بعلامة واحدة، وفي اليهودي بعلامتين، وفي المجوس بالثلاث وإليه مال الشيخ أبو بكر محمد بن الفضل. وفي الذخيرة: وبه كان يفتي بعضهم. قال شيخ الاسلام: والاحسن أن يكون في الكل ثلاث علامات. وكان الحاكم الامام أبو محمد يقول: إن صالحهم الامام وأعطاهم الذمة بعلامة واحدة لا يزاد عليها، وأما إذا فتح بلدا عنوة وقهرا كان للامام أن يلزمهم العلامات وهو الصحيح اه‍. وإذا وجب عليهم إظهار الذل والصغار مع المسلمين

[ 194 ]

وجب على المسلمين عدم تعظيمهم لكن قال في الذخيرة: إذا دخل يهودي الحمام هل يباح للخادم المسلم أن يخدمه؟ أن خدمه طمعا في فلوسه فلا بأس به، وإن فعل ذلك تعظيما له إن كان لميل قلبه إلى الاسلام فلا بأس به، وإن فعل ذلك تعظيما له من غير أن ينوي شئ مما ذكرناه كره له ذلك. وكذا إذا دخل ذمي على مسلم فقام له إن قام طمعا في ميله إلى الاسلام فلا بأس به، وإن فعل ذلك تعظيما له من غير أن ينوي ما ذكرنا أو قام تعظيما لغناه كره له ذلك اه‍. قال الطرسوسي: إن قام تعظيما لذاته وما هو عليه كفر لان الرضا بالكفر كفر فكيف يتعظم الكفر اه‍، كذا في شرح المنظومة. وفي الخانية: الذمي إذا اشترى دارا في المصر ذكر في العشر والخراج أنه لا ينبغي أن يباع منه، وإن اشتراها يجبر على بيعها من المسلم. وذكر في الاجارات أنه يجوز الشراء، ولا يجبر على البيع ولا يترك الذمي أن يتخذ بيته صومعة في المصر يصلي فيه اه‍. وفي الصغرى: وذكر في الاجارات أنه لا يجبر على البيع إلا إذا كثر فحينئذ يجبر اه‍. وفي التتارخانية: يمكنون من المقام في دار الاسلام على رواية عامة الكتب إلا أن يكون من أمصار العرب كأرض الحجاز. وعلى رواية العشر كما يجبر على بيع داره يخرجون من المصر وبه أخذ الحسن بن زياد. وفي الذخيرة: وإذا تكارى أهل الذمة دورا فيما بين المسلمين ليسكنوا فيها جاز لانهم إذا سكنوا بين المسلمين رأوا معالم الاسلام ومحاسنه. وشرط الحلواني قلتهم بحيث يمكنون من المقام في دار الاسلام إلا في أمصار العرب كأرض الحجاز، أما إذا كثروا بحيث تعطل بسبب سكناهم بعض المسلمين أو تقللوا يمنعون من السكنى فيما بين المسلمين ويؤمرون بأن يسكنوا ناحية ليس فيها المسلمون وهو محفوظ عن أبي يوسف اه‍. وفي المحيط: يمكنون أن يسكنوا في أمصار المسلمين يبيعون ويشترون في أسواقهم لان منفعة ذلك تعود إلى المسلمين اه‍. قوله: (ولا ينتقض عهده بالاباء عن الجزية والزنا بمسلمة وقتل مسلم وسب النبي صلى الله عليه وسلم) لان الغاية التي ينتهي بها القتال التزام الجزية لا أداؤها والالتزام باق فيأخذها الامام منه جبرا والاباء الامتناع. وأما الزنا فيقيم الحد عليه وفي القتل يستوفي القصاص منه، وأما السب فكفر والمقارن له لا يمنعه فالطارئ لا يرفعه. وأشار إلى أنه لا ينتقض إذا نكح مسلمة ولو وقع ذلك فالنكاح باطل ويعزران، وكذا الساعي بينهما، ولو أسلم بعد ذلك لا يجوز النكاح لوقوعه باطلا، كذا في المعراج من باب نكاح الكافر. وذكر العيني: وفي رواية مذكورة في واقعات حسام أن أهل الذمة إذا امتنعوا عن أداء الجزية ينتقض العهد ويقاتلون وهو قول

[ 195 ]

الثلاثة اه‍. ولا يخفي ضعفها رواية ودراية كما أن قول العيني واختياري أن يقتل بسب النبي صلى لله عليه وسلم لا أصل له في الرواية، وكذا وقع لابن الهمام بحث هنا خالف فيه أهل المذهب. وقد أفاد العلامة قاسم في فتاواه أنه لا يعمل بأبحاث شيخه ابن الهمام المخالفة للمذهب. نعم نفس المؤمن تميل إلى قول المخالف في مسألة السب لكن اتباعنا للمذهب واجب. وفي الحاوي القدسي: ويؤدب الذمي ويعاقب على سبه دين الاسلام أو النبي أو القرآن اه‍ قوله: (بل باللحاق ثمة أو بالغلبة على موضع للحراب) أي بل ينتقض عهده باللحاق بدار الحرب ونحوه لانهم صاروا حربا علينا فيعرى عقد الذمة عن الفائدة وهو دفع شر الحراب. وظاهر كلامهم أنه لا ينتقض إلا بأحد الامرين، وقد ذكر في فتح القدير من باب نكاح المشرك أن الذمي لو جعل نفسه طليعة للمشركين فإنه يقتل لانه محارب معنى فحينئذ هي ثلاث لكن في المحيط هنا الذمي إذا وقف منه على أنه يخبر المشركين بعيوب المسلمين أو يقاتل رجلا من المسلمين فيقتله لا يكون نقضا للعهد لما روي أن حاطب بن أبي لمتعة كتب إلى مكة أن النبي صلى الله عليه وسلم يريد حربكم فخذوا حذركم وجعل الكتاب في قرن امرأة لتذهب به إلى مكة فنزل

[ 196 ]

قوله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة) * (الممتحنة: 1) فبعث عليا رضي الله عنه فأخذه وجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لحاطب: ما حملك على هذا؟ فقال: أن لي عيالات وقرابات بمكة فأردت أن يكون لي عندهم عهد، وإني أعلم أن الله تعالى ناصرك وممكنك ولا يضرك ما صنعت. فقال عمر رضي الله عنه: أئذن لي حتى أضرب عنق هذا المنافق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مهلا يا عمر لعل الله أطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فإني غفرت لكم. ولانه لو فعله المسلم لا يكون نقضا للاسلام فكذلك إذا فعله الذمي غير أنه يعاقب ويحبس لانه ارتكب محظورا اه‍. إلا أن يفرق بين الطليعة وبين ما في المحيط لما في المغرب: الطليعة واحدة الطلائع في الحرب وهم الذين يبعثون ليطلعوا على أخبار العدو ويتعرفونها. قال صاحب العين: وقد يسمى الرجل الواحد في ذلك طليعة والجميع أيضا إذا كانوا معا. وفي كلام محمد الطليعة الثلاثة والاربعة وهي فوق السرية اه‍. فيحمل ما في المحيط على أنه لم يبعثه أهل الحرب ليطلع على أخبار المسلمين. وما في الفتح ظاهر فيما إذا بعثوه لذلك. واستدلاله في المحيط بواقعة حاطب بعيد لان كلامه في الذمي وحاطب كان مؤمنا ولذا قال تعالى * (يا أيها الذين آمنوا) * الخ وقال تعالى * (ومن يفعل ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل) * ولذا قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقت. وأفاد المصنف رحمه الله أن العهد لا ينتقض بالقول ولذا قال في المحيط: عقد الذمة ينتقض بالفعل وهو الالتحاق ولا ينتقض بالقول وأمان الحربي ينتقض بالقول اه‍. قوله: (وصاروا كالمرتدين) أي صار أهل الذمة بالالتحاق أو بالغلبة كالمرتدين في قتلهم ودفع مالهم لورثتهم لانه التحق بالاموات لتباين الدار. قيدنا التشبيه في الشين لان بينهما فرقا من جهة أخرى، وهو أن الذمي بعد الالتحاق يسترق ولا يجبر على قبول الذمة ذكرا كان أو أنثى كما في المحيط بخلاف المرتد حيث لا يسترق ويجبر على الاسلام لان كفر المرتد أغلظ، وسيأتي أن المرتدة تسترق بعد اللحاق رواية واحدة وقبله في رواية. وأفاد بالتشبيه أن المال الذي لحق به بدار الحرب فئ كالمرتد ليس لورثتهما أخذه بخلاف ما إذا رجع إلى دار الاسلام بعد اللحاق وأخذ شيئا من ماله ولحق بدار الحرب فإنه يكون لورثته لانه مالهم باللحاق الاول، والاحسن أن لا يقيد التشبيه بالشين فقط كما فعل الشارحون وإنما يبقى على إطلاقه ويستثنى منه مسألة الاسترقاق وعدم الجبر لما علمت من مسألة المال الذي لحق به دار

[ 197 ]

الحرب. ولما في المحيط أن أهل الذمة إذا انتقض عهدهم ثم عادوا إلى الذمة أخذوا بحقوق كانت قبل النقض من القصاص والمال لانه حق التزمه بعقد الذمة فلا يسقط بصيرورته حربا علينا ولم يؤخذوا بما أصابوا في المحاربة، وكذلك المرتدون لانهم بنقض العهد والردة التحقوا بسائر أهل الحرب، وما أصاب أهل الحرب من دمائنا وأموالنا لا يؤاخذون بذلك متى أسلموا كذا هذا اه‍. ولما في فتح القدير أنه كالمرتد في الحكم بموته باللحاق وإذا تاب تقبل توبته وتعود ذمته، ولا يبطل أمان ذريته بنقض عهده وتبين منه زوجته الذمية التي خلفها في دار الاسلام إجماعا ويقسم ماله بين ورثته اه‍. والحاصل أنه إذا أخذ أسيرا بعد الظهور فقد استرق ولا يتصور منه جزية كما صرح به في فتح القدير آخرا، وإذا جاء من نفسه تائبا عادت ذمته كما أفاده أولا. وفي فتح القدير أيضا: فإن عاد بعد الحكم باللحاق ففي رواية يكون فيأ وفي رواية لا اه‍. ويحمل على ما إذا لم يعد تائبا فقد علمت أن التشبيه في سبعة أشياء كما لا يخفي. قوله: (ويؤخذ من تغلبي وتغلبية ضعف زكاتنا) أي المسلمين وتغلب بن وائل من العرب من ربيعة تنصروا في الجاهلية فلما جاء الاسلام ثم زمن عمر رضي الله عنه دعاهم عمر إلى الجزية فأبوا وأنفوا وقالوا نحن عرب خدمنا كما يأخذ بعضكم من بعض الصدقة فقال: لا آخذ من مشرك صدقة فلحق بعضهم بالروم فقال النعمان بن زرعة: يا أمير المؤمنين إن القوم لهم بأس شديد وهم عرب يأنفون من الحزبة فلا تعن عليك عدوا بهم وخذ منهم الجزية باسم الصدقة فبعث عمر رضي الله عنه في طلبهم وضعف عليهم فأجمعت الصحابة رضي الله عنهم على ذلك ثم الفقهاء، ففي كل أربعين شاة شاتان ولا زيادة حتى تبلغ مائة وعشرين ففيها أربع شياه، وعلى هذا في البقر والابل، كذا في فتح القدير. أفاد بتسويته بين الذكر والانثى إلى أن المأخوذ وإن كان جزية في المعنى فهو واجب بشرائط الزكاة وأسبابها إذ الصلح وقع على ذلك فلا يراعي فيه شرائط الجزية من وصف الصغار فتقبل من النائب ويعطى جالسا إن شاء ولا يؤخذ بتلبيبه ولا يهز والمصرف مصالح المسلمين لانه مال بيت المال وذلك لا يخص الجزية. وخرج الصبي والمجنون لا يؤخذ من مواشيهم وأموالهم لعدم وجوب الزكاة عليهم عندنا بخلاف أرضهم فيؤخذ خراجها لانها وظيفة الارض وليست عبادة. وفي التتارخانية معزيا إلى الحجة: لو حدث ولد ذكر بين نجراني وبين تغلبي من جارية بينهما وادعياه جميعا معا فمات الابوان وكبر الولد لم تؤخذ منه الجزية. وذكر في السير

[ 198 ]

إن مات التغلبي أملا تؤخذ منه جرية أهل نجران، وإن مات النجراني أولا تؤخذ منه جزية بني تغلب، وإن ماتا معا يؤخذ النصف من هذا والنصف من ذاك اه‍. واقتصر في الخانية على ما في السير. والتغلبي بالتاء المثناة الفوقية والغين المعجمة. وفي كتاب الخراج لابي يوسف أن عمر رضي الله عنه حين صالحهم شرط عليهم أن لا يغمسوا أحدا من أولادهم في النصرانية قوله: (ومولاه كمولى القرشي) أي ومعتق التغلبي ومعتق القرشي واحد في عدم التبعية للاصل فيوضع الخراج والجزية على معتقهما لان الصدقة المضاعفة تخفيف والمعتق لا يلحق بالاصل فيه ألا ترى أن الاسلام أعلى أسباب التخفيف ولا تبعية فيه. قيد بهما لان مولى الهاشمي كالهاشمي في حرمة الصدقة عليه لانه ليس تخفيفا بل تحريم والحرمات تثبت بالشبهات فالحق مولى الهاشمي به. وبه بطل قياس زفر مولى التغلبي على مولى الهاشمي لكن نقض بمولى الغني تحرم الصدقة عليه ولم تنفذ إلى مولاه الفقير، ودفع بأن الغني أهل للصدقة في الجملة وإنما الغني مانع عن الاسقاط عن المعطي ولم يتحقق المانع في حق مولاه فخص السيد، أما الهاشمي فليس أهلا لهذه الصدقة أصلا لشرفه ولذا لا يعطى لو كان عاملا بخلاف الغني فألحق مولاه به لان التكريم أن لا تنسب إليه الاوساخ بنسبة. وأما قوله عليه السلام مولى القوم منهم فإنما هو في حكم خاص وهو عدم دفع الزكاة إليه بدليل الاجماع على أن مولى الهاشمي لا ينزل منزلته في الكفاءة للهاشمية والامامة. قوله: (والجزية والخراج ومال التغلبي وهدية أهل الحرب وما أخذنا منهم بلا قتال يصرف في مصالحنا كسد الثغور وبناء القناطر والجسور وكفاية القضاة والعلماء والعمال والمقاتلة وذراريهم) لانه مال بيت المال فإنه وصل للمسلمين بغير قتال وهو معد لمصالح المسلمين وهؤلاء عملتهم ونفقة الذراري على الآباء فلو لم يعطوا كفايتهم لاحتاجوا إلى الاكتساب. وفائدة ذلك أنه لا يخمس ولا يقسم بين الغانمين، كذا في الجوهرة وفيها معزيا إلى الذخيرة: إنما يقبل الامام هدية أهل الحرب إذا غلب على ظنه أن المشرك وقع عنده أن المسلمين يقاتلون لاعلاء كلمة الله وإعزاز الدين لا لطلب الدنيا، أما من كان من المشركين يغلب على الظن أنه يظن أن المسلمين يقاتلون طمعا لا يقبل هديته وإنما يقبل من شخص لا يطمع في إيمانه لو ردت هديته، أما من طمع في إيمانه إذا ردت هديته لا يقبل منه اه‍. ثم اعلم أن ظاهر المتون أن الذراري يعطون بعد موت آبائهم كما يعطون في حياتهم، وتعليل المشايخ يدل على أنه مخصوص بحياة آبائهم ولم أر نقلا صريحا في الاعطاء بعد موت آبائهم

[ 199 ]

حالة الصغر. والثغور جمع ثغر وهو موضع بحافة البلدان، والقنطرة ما لا يرفع، والجسر ما يرفع، كذا في العناية. والضمير في قوله منهم يعود إلى الكفار فيشمل ما يأخذه العاشر من أهل الحرب وأهل الذمة إذا مروا عليه مال نجران وما صولح عليه أهل الحرب على ترك القتال قبل نزول العسكر بساحتهم. وأفاد بالتمثيل إلى أنه يصرف أيضا هذا النوع لنحو الكراع والسلاح والعدة للعدو وحفر أنهار العامة وبناء المساجد والنفقة عليها، ذكره قاضيخان في فتاواه من كتاب الزكاة. فقد أفاد من أن المصالح بناء المساجد والنفقة عليها فيدخل فيه الصرف على إقامة شعائرها من وظائف الامامة والاذان ونحوهما. وفي المحيط أن هذا النوع يصرف إلى أرزاق الولاة وأعوانهم وأرزاق القضاة والمفتين والمحتسبين والمسلمين وكل من تقلد شئ من أمور المسلمين وإلى ما فيه صلاح المسلمين اه‍. وفي التجنيس: ذكر من المصارف المعلمين والمتعلمين فقال في فتح القدير: وبهذا يدخل طلبة العلم بخلاف المذكورين هنا لانه قبل أن يتأهل عامل لنفسه لكن ليعمل بعده للمسلمين اه‍. وفي فتاوي قاضيخان من الحظر والاباحة سئل علي الرازي عن بيت المال هل للاغنياء فيه نصيب؟ قال: لا إلا أن يكون عاملا أو قاضيا، وليس للفقهاء فيه نصيب إلا فقيه فرغ نفسه لتعليم الناس الفقه أو القرآن اه‍. فيحمل ما في التجنيس على ما إذا فرغ نفسه لذلك بأن صرف غالب أوقاته في العلم وليس مراد الرازي الاقتصار على العامل أو القاضي بل أشار بهما إلى كل من فرغ نفسه لعمل المسلمين فيدخل الجندي والمفتي فيستحقان الكفاية مع الغني. وفي الظهيرية من كتاب الزكاة: ويبدأ من الخراج بأرزاق المقاتلة وأرزاق عيالهم فإذا فضل شئ يجوز أن يصرف إلى الفقراء، ويجوز صرف الخراج إلى نفقة الكعبة. وفي المتنقى: إن تركه أهل الذمة كالخراج اه‍. والضمير في قوله وذراريهم يعود إلى الكل من القضاة والعلماء والمقاتلة لان العلة تشمل الكل كما ذكره مسكين. وفي عبارة الهداية ما يوهم اختصاصه بالمقاتلة وليس كذلك. وفي المحيط من الزكاة: والرأي إلى الامام من تفضيل وتسوية من غير أن يميل في ذلك إلى هوى، ولا يحل لهم إلا ما يكفيهم ويكفي أعوانهم بالمعروف، وإن فضل من المال شئ بعد إيصال الحقوق إلى أربابها قسموه بين المسلمين، فإن قصروا في ذلك وقعدوا عنه كان الله حسيبا عليهم اه‍.

[ 200 ]

وفي مآل الفتاوى لكل قارئ في كل سنة مائتا دينار أو ألفا درهم إن أخذها في الدنيا وإلا يأخذها في الآخرة اه‍. والمراد بالقارئ المفتي لما في الحاوي القدسي: ولم يقدر في ظاهر الرواية قدر الارزاق والاعطية سوى قوله ما يكفيهم وذراريهم وسلاحهم وأهاليهم. وما ذكر في الحديث لحافظ القرآن وهو المفتي اليوم مائتا دينار وعن عمر رضي الله عنه أنه زاد فيه دليل على قدر الكفاية اه‍. وفي القنية من كتاب الوقف: كان أبو بكر رضي الله عنه يسوي في العطاء من بيت المال، وكان عمر رضي الله عنه يعطيهم على قدر الحاجة والفقه والفضل والاخذ بما فعله عمر رضي الله عنه في زماننا أحسن فتعتبر الامور الثلاثة اه‍. وفي موضع آخر منها: له حظ في بيت المال ظفر بما هو وجه لبيت المال فله أن يأخذه ديانة وللامام الخيار في المنع والاعطاء في الحكم اه‍. وفي الظهيرية: السلطان إذا جعل خراج الارض لصاحب الارض وتركه له جاز في قول أبي يوسف خلافا لمحمد، والفتوى على قول أبي يوسف إذا كان صاحب الارض من أهل الخراج، وعلى هذا التسويغ للقضاة والفقهاء. ولو جعل العشر لصاحب الارض لم يجز في قولهم. وفي الحاوي القدسي ما يخالفه فإنه قال: وإذا ترك الامام خراج أرض رجل أو كرمه أو بستانه ولم يكن أهلا لصرف الخراج إليه عند أبي يوسف يحل له وعليه الفتوى، وعند محمد لا يحل له وعليه رده، وهذا يدل على أن الجاهل إذا أخذ من الجوالي شئ يجب عليه رده لقول محمد رحمه الله لا يحل وعليه أن يرده إلى بيت المال أو إلى من هو أهل لذلك كالمفتي والقاضي والجندي وإن لم يفعل أثم اه‍. ومن هنا يعلم حكم الاقطاعات من أراضي بيت المال فإن حاصلها أن الرقبة لبيت المال والخراج لمن أقطع له فلا ملك للمقطع فلا يصح بيعه ووقفه وإخراجه عن الملك وقد صرح به العلامة قاسم في فتاواه وأن له الاجارة تخريجا على إجارة المستأجر، وإجارة العبد الذي صولح على خدمته مدة معلومة، وإجارة الموقوف عليه الغلة، وإجارة العبد المأذون وإن لم يملكوا الرقبة لملك المنفعة وصرح بأنه إذا مات الجندي أو أخرج السلطان الاقطاع عنه تنفسخ الاجارة اه‍. ثم اعلم أن أموال بيت المال أربعة: أحدها ما ذكرناه. الثاني الزكاة والعشر ومصرفهما ما بين في باب المصرف من الزكاة. الثالث خمس الغنائم وقد تقدم مصرفه في كتاب السير. والرابع اللقطات والتركات التي لا وارث لها وديات مقتول لا ولي له ولم يذكره المصنف. قالوا: مصرفه اللقيط الفقير والفقراء الذين لا أولياء لهم يعطون منه نفقتهم وأدويتهم ويكفن به موتاهم ويعقل به جنايتهم، وعلى الامام أن يجعل لكل نوع من هذه الانواع بيتا يخصه فلا يخلط بعضه ببعض لان لكل نوع حكما يختص به، فإن لم يكن في بعضها شئ فللامام أن

[ 201 ]

يستقرض عليه من النوع الآخر ويصرفه إلى أهل ذلك، ثم إذا حصل من ذلك النوع شئ رده إلى المستقرض منه إلا أن يكون المصروف من الصدقات أو من خمس الغنيمة على أهل الخراج وهم فقراء فإنه لا يرد فيه شئ لانهم مستحقون للصدقات بالفقر، وكذا في غيره إذا صرفه للمستحق. ويجب على الامام أن يتقي الله تعالى ويصرف إلى كل مستحق قدر حاجته من غير زيادة، فإن قصر في ذلك كان الله عليه حسيبا، كذا في التبيين. وفي الحاوي القدسي والمحيط: ولا شئ لاهل الذمة في بيت مال المسلمين إلا أن يكون ذميا يهلك لضعفه فيعطيه الامام منه قدر ما يسد جوعته اه‍. قوله: (ومن مات في نصف السنة حرم عن العطاء) لانه نوع صلة وليس بدين فلهذا يسمى عطاء فلا يملك قبل القبض ويسقط بالموت، وأهل العطاء في زماننا مثل القاضي والمدرس والمفتي. والمراد بالحرمان عدم الاعطاء له وجوبا واستحبابا، وقيد بنصف السنة لانه لو مات في آخرها يستحب الصرف إلى قريبه لانه قد أوتي تعبه فيستحب له الوفاء ثم قيل: رزق القاضي ومن في معناه يعطى في آخر السنة، واختلفوا فيما إذا أخذه أو لها ثم مات أو عزل قبل مضيها، قيل يجب رد ما بقي، وقيل لا يجب عندهما كالنفقة المعجلة إلا عند محمد والله تعالى أعلم. باب أحكام المرتدين شروع في بيان الكفر الطارئ بعد الاصلي. والمرتد في اللغة الراجع مطلقا. وفي الشريعة الراجع عن دين الاسلام كما في فتح القدير. وفي البدائع: ركن الردة إجراء كلمة الكفر على اللسان - والعياذ بالله - بعد وجود الايمان، وشرائط صحتها العقل فلا تصح ردة

[ 202 ]

المجنون ولا الصبي الذي لا يعقل، وأما من جنونه متقطع فإن ارتد حال الجنون لم يصح، وإن ارتد حال إفاقته صحت، وكذا لا تصح ردة السكران الذاهب العقل. والبلوغ ليس بشرط لصحتها من الصبي عندهما خلافا لابي يوسف، وكذا المذكورة ليست شرطا ومنها الطوع فلا تصح ردة المكره عليها اه‍. والايمان التصديق بجميع ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم عن الله تبارك وتعالى مما علم مجيئه به ضرورة. وهل هو فقط أو هو مع الاقرار؟ قولان فأكثر الحنفية على الثاني والمحققون على الاول. والاقرار شرط إجراء أحكام الدنيا بعد الاتفاق على أنه يعتقد متى طولب به أتى به، فإن طولب به فلم يقر فهو كفر عناد. والكفر لغة الستر وشرعا تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم في شئ مما يثبت عنه ادعاؤه ضرورة. وفي المسايرة: ولاعتبار التعظيم المنافي للاستخفاف كفر الحنفية بألفاظ كثيرة وأفعال تصدر من المتهتكين لدلالتها على الاستخفاف بالدين كالصلاة بلا وضوء عمدا بل بالمواظبة على ترك سنة استخفافا بها بسبب أنه إنما فعلها النبي صلى الله عليه وسلم وزيادة أو استقباحها كمن استقبح من آخر جعل بعض العمامة تحت حلقه أو إحفاء شاربه اه‍. وفي فتح القدير: ومن هزل بلفظ كفر ارتد وإن لم يعتقده للاستخفاف فهو ككفر العناد والالفاظ التي يكفر بها تعرف في الفتاوى اه‍. فهذا وما قبله صريح في أن ألفاظ التكفير المعروفة في الفتاوى موجبة للردة عن الاسلام حقيقة. وفي البزازية: ويحكى عن بعض من لا سلف له أنه كان يقول ما ذكر في الفتاوى أنه يكفر بكذا وكذا فذاك للتخويف والتهويل لا لحقيقة الكفر وهذا كلام باطل إلى آخره. والحق أن ما صح عن المجتهد فهو على حقيقته، وأما ما ثبت عن غيره فلا يفتي به في مثل التكفير ولذا قال في فتح القدير من باب البغاة: إن الذي صح عن المجتهدين في الخوارج عدم تكفيرهم ويقع في كلام أهل المذهب تكفير كثير لكن ليس من كلام الفقهاء الذين هم المجتهدون بل من غيرهم ولا عبرة بغير الفقهاء اه‍. فيكفر إذا وصف الله تعالى بما لا يليق به أو سخر باسم من أسمائه أو بأمر من أوامره أو أنكر وعده أو وعيده أو جعل له شريكا أو ولدا أو زوجة أو نسبه إلى الجهل أو العجز أو النقص. واختلفوا في قوله فلان في عيني كاليهودي في عين الله فكفره الجمهور، وقيل لا إن عنى به استقباح فعله، وقيل يكفر إن عنى الجارحة القدرة، والاصح مذهب المتقدمين في المتشابه كاليد، واختلفوا في جواز أن يقال بين يدي الله. ويكفر بقوله يجوز أن يفعل الله فعلا لا حكمة فيه وبإثبات المكان لله تعالى فإن قال الله في السماء فإن قصد حكاية ما جاء في

[ 203 ]

ظاهر الاخبار لا يكفر، وإن أراد المكان كفر، وإن لم يكن له نية كفر عند الاكثر وهو الاصح وعليه الفتوى. ويكفر إن اعتقد أن الله تعالى يرضى بالكفر، وبقوله لو أنصفني الله تعالى يوم القيامة انتصفت منك، أو إن قضى الله يوم القيامة أو إذا أنصف الله، وبقوله بارك الله في كذبك، وبقوله الله جلس للانصاف أو قام له، وبقوله هذا لا يمرض هذا ممن نسيه الله أو منسي الله على الاصح، وبوصفه تعالى بالفوق أو بالتحت وبظنه أن الجنة وما فيها للفناء عند البعض، وبقوله لامرأته أنت أحب إلي من الله وقيل لا، وبقوله لا أخاف الله أو لا أخشاه عند البعض ومحل الاختلاف عند عدم قصد الاستهزاء، وبقولها لا جوابا لقوله أما تعرفين الله على الظاهر، وبقوله لا أريد اليمين بالله وإنما أريد اليمين بالطلاق أو بالعتاق عند البعض خلافا للعامة وهو الاصح وبقوله رأيت الله في المنام، وبقوله المعدوم ليس بمعلوم الله تعالى، وبقوله الظالم أنا أفعل بغير تقدير الله تعالى، وبإدخاله الكاف في آخر الله عند ندائه من اسمه عبد الله وإن كان عالما على الاصح، وبتصغير الخالق عمدا عالما، وبقوله ليتني لم أسلم إلى هذا الوقت حتى أرث أبي، وبقوله إن كنت فعلت كذا أمس فهو كافر وهو يعلم أنه قد فعله إذا كان عنده أنه يكفر به وعليه الفتوى، وبقوله الله يعلم أني فعلت كذا وهو يعلم أنه ما فعل عند العامة إن كان اختيارا لا مخافة، وبقوله إن كنت قلته فأنا كافر وهو يعلم أنه قاله، وبقوله أنا برئ من الله لولا ولم يتم تعليقه خلافا للبعض قياسا على أنت طالق ثلاثا لولا لم يقع، وبقولها نعم جوابا لقوله أتعلمين الغيب، وبتزوجه بشهادة الله ورسوله، وبقوله فلان يموت بهذا المرض عند البعض، وبقوله عند رقاء الهامة يموت أحد عند البعض والاصح عدمه، وبقوله عند رؤية الدائرة التي تكون حول القمر يكون مطر مدعيا علم الغيب، وبرجوعه من سفره عند سماع صياح العقعق عند البعض، وبإتيان الكاهن وتصديقه، وبقوله أنا أعلم المسروقات، وبقوله أنا أخبر عن أخبار الجن إياي، وبعدم الاقرار ببعض الانبياء عليهم السلام أو عيبه نبيا بشئ أو عدم الرضا بسنة من سنن المرسلين، وبقوله لا أعلم أن آدم عليه السلام نبي أولا، ولو قال آمنت بجميع الانبياء عليهم السلام وبعدم معرفة أن محمدا صلى الله عليه وسلم آخر الانبياء عند البعض وبنسبته نبيا إلى الفواحش كعزمه على الزنا وقيل لا، وبقوله إن الانبياء عصو وإن كان معصية كفر، وبقوله لم تعص الانبياء حال النبوة وقبلها لرده النصوص لا بقوله لا أقبل شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في الامهال فكيف أقبلها منك، ولا بأنكاره نبوة الخضر وذي الكفل عليهما السلام لعدم الاجماع على نبوتهما، ويكفر من أراد بغض النبي صلى الله عليه وسلم بقلبه وبقوله لو كان فلان نبيا لا أؤمن به لا بقوله لو كان صهري رسول الله لا أئتمر بأمره، ويكفر بقوله إن كان ما قال الانبياء حقا أو صدقا، وبقوله أنا رسول الله وبطلبه المعجزة حين ادعى

[ 204 ]

رجل الرسالة وقيل إذا أراد إظهار عجزه لا يكفر، واختلف في تصغيره شعر النبي صلى الله عليه وسلم إلا إذا أراد الاهانة فيكفر أما إذا أراد التعظيم فلا، وبقوله لا أدري أكان النبي صلى الله عليه وسلم انسيا أو جنيا، وبشتمه رجلا اسمه محمد وكنيته أبو القاسم ذاكرا للنبي صلى الله عليه وسلم عند البعض، وبشمته محمدا صلى الله عليه وسلم حين أكره على شتمه قائلا قصدته، وبقوله جن النبي صلى الله عليه وسلم ساعة لا بقوله أغمي عليه. واختلفوا فيمن قال لو لم يأكل آدم عليه الصلاة والسلام الحنطة ما صرنا أشقياء، وبرده حديثا مرويا إن كان متواترا أو قال على وجه الاستخفاف سمعناه كثيرا، وبتمنيه أن لا يكون بعض الانبياء نبيا مريدا به الاستخفاف به أو عداوته لا بقوله لو لم يبعث الله نبيا لم يكن خارجا عن الحكمة، وبقوله أنا لا أحبه حين قيل له إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب القرع وقيل إن كان على وجه الاهانة، وبقولها نعم حين قال لها لو شهد عندك الانبياء والملائكة لا تصدقيهم حين قالت له لا تكذب، وباستخفافه بسنة من السنن، وبقوله لا أدري أن النبي في القبر مؤمن أم كافر، وبقوله ما كان علينا نعمة من النبي عليه السلام لان البعثة من أعظم النعم، وبقذفه عائشة رضي الله عنها من نسائه صلى الله عليه وسلم فقط، وبإنكاره صحبة أبي بكر رضي الله عنه بخلاف غيره، وبإنكاره إمامة أبي بكر رضي الله عنه على الا صح كإنكاره خلافة عمر رضي الله عنه على الاصح لا بقوله لولا نبينا لم يخلق آدم عليه السلام وهو خطأ، ويكفر بقوله لو أمرني الله بكذا لم أفعل، ولو صارت القبلة إلى هذه الجهة ما صليت، أو لو أعطاني الله الجنة لا أريدها دونك أو لا أدخلها مع فلان، أو لو أعطاني الله الجنة لاجلك أو لاجل هذا العمل لا أريدها وأريد رؤيته، وبقوله لا أترك النقد لاجل النسيئة جوابا لقوله دع الدنيا للآخرة، وبقوله لو أمرني الله بالزكاة أكثر من خمسة دراهم أو بالصوم أكثر من شهر لا أفعل، وبقوله الايمان يزيد وينقص، وبقوله لا أدري الكافر في الجنة أو في النار أو لا أدري أين يصير الكافر، ويقتل بقوله أنا العن المذهبين جوابا لقوله على أي المذهبين أنت أبي حنيفة أو الشافعي وإن تاب عزر، ويكفر بإنكاره أصل الوتر والاضحية وباستحلال وطئ الحائض لا بقوله ليس لي موضع شبر في الجنة لاستقلاله العمل، ولا بقوله لا تكتب الحفظة على هذا الرجل. ولا بقوله هذا مكان لا إله فيه ولا رسول إلا إذا قصد به إنكار الدين، ولا بقول المرأة لا أتعلم ولا أصلي جوابا لقول الزوج تعلمي، ولا بإنكار العشر أو الخراج ولا يفسق خصوصا في هذا الزمان، ولا بقوله من أكل حراما فقد أكل ما رزقه الله لكنه أثم ويكفر باستحلاله حراما علمت حرمته من الدين من غير ضرورة لا بفعله من غير استحلال خلافا لما عن محمد رحمه الله في أكل الخنزير ولما عن أبي حفص في الخمر والفتوى على الاول، ويكفر بقوله للقبيح إنه

[ 205 ]

حسن، وبقوله لغيره رؤيتي إياك كرؤية ملك الموت عند البعض خلافا للاكثر وقيل به إن قاله لعداوته لا لكراهة الموت، وبقوله لا أسمع شهادة فلان وإن كان جبريل أو ميكائيل عليهما السلام، وبعيبه ملكا من الملائكة أو الاستخفاف به لا بقوله أنا أظن أن ملك الموت توفي ولا يقبض روحي مجازا عن طول عمره إلا أن يعني به العجز عن توفيه. ويكفر إذا أنكر آية من القرآن أو سخر بآية منه إلا المعوذتين ففي إنكارهما اختلاف والصحيح كفره، وقيل لا، وقيل إن كان عاميا يكفر وإن كان عالما لا، وبوضع رجله على المصحف عند الحلف مستخفا، وبقراءة القرآن على ضرب الدف أو القضب وباعتقاد أن القرآن مخلوق حقيقة، والمزاح بالقرآن كقوله * (التفت الساق بالساق) * (القيامة: 29) أو ملا قدحا وجاء به وقال * (وكأسا دهاقا) * (النبأ، 34) أو قال عند الكيل أو الوزن قوله: * (وإذا كالوهم أوزنوهم يخسرون) * (المطففين: 3) وقيل إن كان جاهلا لا يكفر. وبقوله القرآن أعجمي، ولو قال فيه كلمة أعجمية ففي أمره نظر، وفي تسميته آلة الفساد كراسته، وبقراءة القارئ * (يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم) * (النساء: 174) مريدا مدرسا اسمه إبراهيم، وبنظمه القرآن بالفارسية، وببراءته من القرآن لامر خافه لكن قال الوبري: أخاف كفره. وبإنكاره القراءة في الصلاة وقيل لا، وبقول المريض لا أصلي أبدا جوابا لمن قال له صلى وقيل لا، وكذا قوله لا أصلي حين أمر بها وقيل إنما يكفر إذا قصد نفي الوجوب، وبقول العبد لا أصلي فإن الثواب يكون للمولى، وبقوله جوابا لصل إن الله نقص من مالي فأنا أنقص من حقه، وبقول مصلي رمضان فقط إن الصلاة في رمضان تساوي سبعين صلاة

[ 206 ]

وبترك الصلاة متعمدا غيرنا وللقضاء وغير خائف من العقاب وبصلاته لغير القبلة متعمدا أو في ثوب نجس أو بغير وضوء عمدا والمأخوذ به الكفر في الاخير فقط وقيل لا في الكل، ومحل الاختلاف إذا لم يكن استخفافا بالدين لا بسجوده بغير طهارة. ويكفر بإتيانه عيد المشركين مع ترك الصلاة تعظيما لهم، وبقوله لا أؤدي الزكاة بعد الامر بأدائها على قول، ولو تمنى أن لا يفرض رمضان فالصواب أنه على نيته، ويكفر بقوله جاء الشهر الثقيل إلا إذا أراد التعب لنفسه وباستهانته للشهور المفضلة، وبقوله إن هذه الطاعات جعلها الله تعالى عذابا علينا بلا تأويل أو قال لو لم يفرض الله هذه الطاعات لكان خيرا لنا، وبالاستهزاء بالاذكار وبتسميته عند أكل الحرام أو فعل حرام كالزنا، واختلف في تحميده عند الفراغ منه، وبقوله لا أقول عند أمره بقوله لا إله إلا الله وقيل لا إن عني أني لا أقول بأمرك، ولا يكفر المريض إذا قيل له قل لا إله إلا الله فقال لا أقول، ويكفر بالاستهزاء بالاذان لا بالمؤذن، وبإنكاره القيامة أو البعث أو الجنة أو النار أو الميزان أو الحساب أو الصراط أو الصحائف المكتوب فيها أعمال العباد لا إذا أنكر بعث رجل بعينه، واختلف في تكفير امرأة لا تعرف أن اليهود يبعثون، وسئل أبو يوسف رحمه الله عن امرأة لا تعرف أن الكفار يدخلون النار فقال: تعلم ولا تكفر. ويكفر بإنكاره رؤية الله عز وجل بعد دخول الجنة وبإنكاره عذاب القبر وبقوله لا أعلم أن اليهود والنصارى إذا بعثوا هل يعذبون بالنار وبإنكار حشر بني آدم أو غيرهم، ولا بقوله إن المثاب والمعاقب الروح فقط، ولا بقوله سلمتها إلى من لا يمنع السارق جوابا لمن وضع ثيابه وقال سلمتها إلى الله، ويخاف الكفر على من قال للآمر بالمعروف غوغا على وجه الرد والانكار، ويكفر بقوله له فضولي، ويخاف عليه بقوله أيهما أسرع وصولا جوابا لمن قال له حلال واحد أحب إليك أم حرامان، ويكفر بتصدقه على فقير بشئ حرام يرجو الثواب وبدعاء الفقير له عالما به وبتأمين المعطى وبقوله الحرام أحب إلي جوابا لقول القائل له كل من الحلال لا بقوله إني أحتاج إلى كثرة المال والحلال والحرام عندي سواء، ولا بقوله لحرام هذا حلال من غير أن يعتقده فلا يكفر السوقي بقوله هذا حلال للحرام ترويجا لشرائه والاصل أن من اعتقد الحرام حلالا فإن كان حراما لغيره كمال الغير لا يكفر وإن كان لعينه، فإن كان دليله قطعيا كفر وإلا فلا، وقيل التفصيل في العالم أما الجاهل فلا يفرق بين الحلال والحرام لعينه ولغيره وإنما الفرق في حقه إنما كان قطعيا كفر به وإلا فلا فيكفر إذا قال الخمر ليس

[ 207 ]

بحرام، وقيده بعضهم بما إذا كان يعلم حرمتها لا بقوله الخمر حرام ولكن ليست هذه التي تزعمون أنها حرام. ويكفر من قال إن حرمة الخمر لم تثبت بالقرآن، ومن زعم أن الصغائر والكبائر حلال، وباستحلاله الجماع للحائض لا في الاستبراء وقيل لا في الاول وهو الصحيح، ولا باستحلال سؤر كلب أو ريع أرض غصب، وباستحلال اللواطة إن علم حرمته من الدين، وبقوله هي لي حلال حين نهى عن تقبيله أجنبية، وبقوله الشريعة كلها تلبيس أو حيل إن قال في كل الشرائع لا فيما يرجع إلى المعاملات مما تصح فيه الحيل الشرعية وقيل يكفر في الاول مطلقا ويخاف عليه الكفر إذا شتم عالما أو فقيها من غير سبب، ويكفر بقوله لعالم ذكر الحمار في أست علمك مريدا به علم الدين، ويجلسوه على مكان مرتفع والتشبه بالمذكرين ومع جماعة يسألون منه المسائل ويضحكون منه ثم يضربونه بالمحراق، وكذا يكفر الجميع لاستخفافهم بالشرع، وكذا لو لم يجلس على مكان مرتفع ولكن يستهزئ بالمذكرين ويتمشى والقوم يضحكون، وبإلقاء الفتوى على الارض حين أتى بها خصمه، وبقوله لا تذهب وإن ذهبت تطلق امرأتك استهزاء بالعلم والعلماء جوابا لمن قال إلى مجلس العلم جوابا لقوله أين تذهب، وبقوله قصعة من تريد خير من العلم لا بقوله خير من الله لارادته أنها نعمة من الله والاول لا تأويل له سوى الاستخفاف بالعلم، وبقول المريض المشتد مرضه إن شئت توفني مسلما وإن شئت كافرا، وبقول المبتلي أخذت مالي وأخذت ولدي وأخذت كذا وكذا فماذا تفعل وماذا بقي، وبقوله عمدا لا جوابا لمن قال له ألست مسلما حين ضرب عبده أو ولده ضربا شديدا إلا إن غلط أو قصد الجواب، وبقول الزوج ليس لي حمية ولا دين الاسلام حين قالت له امرأته ذلك، وبقوله لمسلم يا كافر عند البعض ولو أحد الزوجين للآخر والمختار للفتوى أن يكفر إن اعتقده كافرا لا إن أراد شتمه، وبقوله لبيك جوابا لمن قال يا كافر يا يهودي يا مجوسي، وبقوله أنا ملحد لان الملحد كافر ولو قال ما علمته لا يعذر، وبقول المعتذر لغيره كنت كافرا فأسلمت عند بعضهم وقيل لا، وبقوله كنت مجوسيا أسلمت الآن، وبنسيان العاصي التوبة وتحقير الذنب وعدم رؤية العقوبة بالذنب وعدم رؤية المعاصي قبيحة وبعدم رؤية الطاعة حسنا وبعدم رؤيته الثواب على الطاعة وبعدم رؤيته وجوب الطاعات،

[ 208 ]

وبقوله كفرت حين تكلم بكلمة زعم القوم أنها كفر وليست بكفر فقيل له كفرت وطلقت زوجتك، وتكفر المرأة إذا تكلمت بالكفر لقصد أن تحرم على زوجها والايمان مستقر في قلبها، وقولها أصير كافرة حتى أتخلص من الزوج، ومن قصد الكفر ساعة أو يوما فهو كافر في جميع العمر، وبتمنيه الكفر أن لو كان كافرا فأسلم حين أسلم كافرا فأعطي شئ، وبتمنيه أن لم يحرم الظلم والزنا والقتل بغير حق وكل حرام لا يكون حلالا في وقت بخلاف الخمر ومناكحة المحارم، وبتمنيه أن لو كان نصرانيا حتى يتزوج نصرانية سمينة رآها، وبوضع قلنسوة المجوسي على رأسه على الصحيح إلا لضرورة دفع الحر أو البرد، وبشد الزنار في وسطه إلا إذا فعل ذلك خديعة في الحرب وطليعة للمسلمين، وبقول معلم صبيان اليهود خير من المسلمين بكثير فإنهم يقضون حقوق معلمي صبيانهم، وبقوله المجوسية خير مما أنا فيه يعني فعله، وبقوله النصرانية خير من المجوسية لا بقوله المجوسية شر من النصرانية، وبقوله النصرانية خير من اليهودية وينبغي أن يقول النصرانية شر من اليهودية، وبقوله لمعاملة الكفر خير مما أنت تفعل عند بعضهم مطلقا، وقيده الفقيه أبو الليث بأن يقصد تحسين الكفر لا تقبيح معاملته، وبخروجه إلى نيروز المجوس والموافقة معهم فيما يفعلون في ذلك اليوم وبشرائه يوم النيروز شئ لم يكن يشتريه قبل ذلك تعظيما للنيروز لا للاكل والشرب وبإهدائه ذلك اليوم للمشركين ولو بضيعة تعظيما لذلك اليوم لا بإجابته دعوة مجوسي حلق رأس ولده وبتحسين أمر الكفار اتفاقا حتى قالوا: لو قال ترك الكلام عند أكل الطعام من المجوسي حسن أو ترك المضاجعة حالة الحيض منهم حسن فهو كافر. وبذبحه شئ في وجه إنسان وقت الخلعة أو للقادم من الحج أو الغزو والمذبوح ميتة وقيل لا يكفر، وقوله لسلطان زماننا عادل وقيل لا وعلى هذا الاختلاف قول الخطباء في ألقاب السلطان العادل الاعظم مالك رقاب الامم سلطان أرض الله مالك بلاد الله، وبقوله لا تقل للسلطان هذا حين عطس السلطان فقال له رجل يرحمك الله، وبسقي ولده الخمر فجاء أقرباؤه ونثروا الدراهم والسكر كفر الكل، وكذا لو لم ينثروا الدراهم ولكنهم قالوا مبارك، واختلفوا فيما إذا قال أحب الخمر فلا أصبر عنها. ويكفر بتلقين كلمة الكفر ليتكلم بها ولو على وجه اللعب وبأمره امرأة بالارتداد لتبين من زوجها، وبالافتاء بذلك وإن لم تكفر المرأة بناء على أن الرضا بكفر غيره كفر وقيل لا،

[ 209 ]

وبعزمه على أن يأمر بالكفر، وبقوله لمن ينازعه افعل كل يوم عشرة أمثالك من الطين أو لم يقل من الطين قاصدا من حيث الخلقة لا من حيث بيان صنعته، ولا بقوله قد خلقت هذه الشجرة لانه يراد به عادة الفرس حتى لو عنى به حقيقة الخلق يكفر، ولا بقوله لغيره ينبغي لك أن تسجد لي سجدة لان المراد منه الشكر والمنة، ويكفر بقوله أي شئ أصنع إذا لزمني الكفر جوابا لمن قال له أي شئ تصنع قد لزمك الكفر. وبإبداله حرفا أو آية من القرآن عمدا، وباعتقاد أن الخراج ملك السلطان لا بقوله أنا فرعون أو إبليس إلا إذا قال اعتقادي كاعتقاد فرعون، ومن حسن كلام أهل الاهواء وقال معنوي أو كلام له معنى صحيح إن كان ذلك كفرا من القائل كفر المحسن، وكذا من حسن رسوم الكفرة. واختلفوا في تكفير من قال إن إبراهيم بن أدهم رأوه بالبصرة يوم التروية وفي ذلك اليوم بمكة. ومسألة ثبوت النسب بين المشرقي وبين المغربية تؤيد القائل بعدمه ويخاف الكفر على من قال بحياتي وحياتك. وأجمعوا على أن من شك في إيمانه فهو كافر وهو أن يكون مصدقا لكن يشك أن هذا التصديق إيمان أو كفر، واختلفوا في أنا مؤمن إن شاء الله. هذا كله حاصل ما في التتارخانية من الفصول من باب ألفاظ التكفير سوى الفارسي. وفي الخلاصة: يكفر بقوله أنا برئ من الثواب والعقاب، وبقوله لو عاقبني الله مع ما بي من المرض ومشقة الولد فقد ظلمني، وبشد المرأة حبلا في وسطها وقالت هذا زنار ومن أبغض عاملا من غير سبب ظاهر خيف عليه الكفر، ولو صغر الفقيه أو العلوي قاصدا الاستخفاف بالدين كفر لا إن لم يقصده، والسجود للجبابرة كفر إن أراد به العبادة لا إن أراد به التحية على قول الاكثر. وفي البزارية قال علماؤنا: من قال أرواح المشايخ حاضرة تعلم يكفر، ومن قال بخلق القرآن فهو كافر، ومن قال إن الايمان مخلوق فهو كافر، كذا في كثير من الفتاوى وهو محمول على أنه بمعنى هداية الرب، وأما فعل العبد فهو مخلوق. وإذا أخذ أحد المكس مقاطعة فقالوا له مبارك كفروا. ووقعت بسراي الجديدة واقعة وهي أن واحدا قاطع على مال معلوم احتسابا بها أعني الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فضربوا على بابه طبولات وبوقات ونادوا مبارك باد لمقاطعته الاحتساب وكان إمام الجامع فامتنعنا من الصلاة خلفه حتى عرض على نفسه الاسلام أخذا من هذه المسألة قال لرجل يا أحمر قال خلقني الله من سويق التفاح وخلقك من طين كفر. قال واحد من الفسقة لو وضعت هذه الخمرة بين يدي جبريل عليه السلام لرفعها على جناحه يكفر، ولا يكفر بقوله يا حاضر يا ناظر ولا بقوله درويش درويشان والقول بالكفر بكل منهما باطل. وفي جامع الفصولين روى الطحاوي عن أصحابنا: لا يخرج الرجل من الايمان إلا جحود ما أدخله فيه، ثم ما تيقن أنه

[ 210 ]

ردة يحكم بها به وما يشك أنه ردة لا يحكم بها إذ الاسلام الثابت لا يزول بشك مع أن الاسلام يعلو، وينبغي للعالم إذا رفع إليه هذا أن لا يبادر بتكفير أهل الاسلام مع أنه يقضي بصحة إسلام المكره. أقول: قدمت هذه لتصير ميزانا فيما نقلته في هذا الفصل من المسائل فإنه قد ذكر في بعضها أنه كفر مع أنه لا يكفر على قياس هذه المقدمة فليتأمل اه‍. وفي الفتاوى الصغرى: الكفر شئ عظيم فلا أجعل المؤمن كافرا متى وجدت رواية أنه لا يكفر اه‍. وقال قبله وفي الجامع الاصغر، إذا أطلق الرجل كلمة الكفر عمدا لكنه لم يعتقد الكفر قال بعض أصحابنا: لا يكفر لان الكفر يتعلق بالضمير ولم يعقد الضمير على الكفر. وقال بعضهم: يكفر وهو الصحيح عندي لانه استخف بدينه اه‍. وفي الخلاصة وغيرها: إذا كان في المسألة وجوه توجب التكفير ووجه واحد يمنع التكفير فعلى المفتي أن يميل إلى الوجه الذي يمنع التكفير تحسينا للظن بالمسلم. زاد في البزازية إلا إذا صرح بإرادة موجب الكفر فلا ينفعه التأويل حينئذ. وفي التتارخانية: لا يكفر بالمحتمل لان الكفر نهاية في العقوبة فيستدعي نهاية في الجناية ومع الاحتمال لا نهاية اه‍. والحاصل أن من تكلم بكلمة الكفر هازلا أو لاعبا كفر عند الكل ولا اعتبار باعتقاده كما صرح به قاضيخان في فتاواه، ومن تكلم بها مخطأ أو مكرها لا يكفر عند الكل، ومن تكلم بها عالما عامدا كفر عند الكل، ومن تكلم بها اختيارا جاهلا بأنها كفر ففيه اختلاف، والذي تحرر أنه لا يفتي بتكفير مسلم أمكن حمل كلامه على محمل حسن أو كان في كفره اختلاف ولو رواية ضعيفة، فعلى هذا فأكثر ألفاظ التكفير المذكورة لا يفتى بالتكفير بها ولقد ألزمت نفسي أن لا أفتي بشئ منها. وأما مسألة تكفير أهل البدع المذكورة في الفتاوي فقد تركتها عمدا لان محلها أصول الدين وقد أوضحها المحقق في المسايرة. قوله: (يعرض الاسلام على المرتد) أي يعرضه الامام والقاضي وهو مروي عن عمر رضي الله عنه لان رجاء العود إلى الاسلام ثابت لاحتمل أن الردة كانت باعتراض شبهة لم يبين صفته، وظاهر المذهب استحبابه فقط ولا يجب لان الدعوة قد بلغته وعرض الاسلام هو الدعوة إليه ودعوة من بلغته الدعوى غير واجبة ولم يذكر تكرار العرض عليه. وفي الخانية: يعرض عليه الاسلام في كل يوم من أيام التأجيل. قوله: (وتكشف شبهته) بيان لفائدة العرض أي فإن كان له شبهة أبداها كشفت عنه لانه عساه اعترضت له شبهة فتزاح عنه. قوله: (ويحبس ثلاثة أيام فإن أسلم وإلا قتل) لانها مدة ضربت لابداء الاعذار وهو مروي عن عمر رضي الله عنه. أطلقه فأفاد أنه يمهل وإن لم يطلبه وهو رواية، وظاهر الرواية أنه لا يمهل بدون استمهال بل يقتل من ساعته كما في الجامع الصغير إلا إذا كان الامام يرجو

[ 211 ]

إسلامه كما في البدائع. وإذا استمهل فظاهر المبسوط الوجوب فإنه قال: إذا طلب التأجيل كان على الامام أن يمهله، وعن الامام الاستحباب مطلقا. وأفاد بإطلاقه أنه يفعل به ذلك إذا ارتد ثانيا إلا أنه إذا تاب ضربه الامام وخلى سبيله، وإن ارتد ثالثا ثم تاب ضربه الامام ضربا وجيعا وحبسه حتى تظهر عليه التوبة ويرى أنه مسلم مخلص ثم خلى سبيله فإن عاد فعل به هكذا، كذا في التتارخانية. وأفاد بإطلاقه أنه لا فرق بين ردة وردة من أنه إذا أسلم ويستثنى منه مسائل: الاولى الردة بسبه صلى الله عليه وسلم قال في فتح القدير: كل من أبغض رسول الله صلى الله عليه وسلم بقلبه كان مرتدا فالساب بطريق أولى ثم يقتل حدا عندنا فلا تقبل توبته في إسقاطه القتل. قالوا:

[ 212 ]

هذا مذهب أهل الكوفة ومالك، ونقل عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه. ولا فرق بين أن يجئ تائبا من نفسه أو شهد عليه بذلك بخلاف غيره من المكفرات فإن الانكار فيها توبة فلا تعمل الشهادة معه حتى قالوا يقتل وإن سب سكران ولا يعفى عنه، ولا بد من تقييده بما إذا كان سكره بسبب محظور باشره مختارا بلا إكراه وإلا فهو كالمجنون. قال الخطابي: لا أعلم أحدا خالف في وجوب قتله وأما مثله في حقه تعالى فتقبل توبته في إسقاط قتله اه‍. وعلله البزازي بأنه حق تعلق به حق العبد فلا يسقط بالتوبة كسائر حقوق الآدميين وكحد القذف لا يزول بالتوبة، وصرح بأن سب واحد من الانبياء كذلك. وقوله في فتح القدير في إسقاط القتل يفيد أن توبته مقبولة عند الله تعالى وهو مصرح به. الثانية الردة بسب الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وقد صرح في الخلاصة والبزازية بأن الرافضي إذا سب الشيخين وطعن فيهما كفر، وإن فضل عليا عليهما فمبتدع، ولم يتكلما على عدم قبول توبته. وفي الجوهرة: من سب الشيخين أو طعن فيهما كفر ويجب قتله، ثم إن رجع وتاب وجدد الاسلام هل تقبل توبته أم لا؟ قال الصدر الشهيد: لا تقبل توبته وإسلامه ونقتله وبه أخذ الفقيه أبو الليث السمرقندي وأبو نصر الدبوسي وهو المختار للفتوى اه‍. وحيث لا تقبل توبته علم أن سب الشيخين كسب النبي صلى الله عليه وسلم فلا يفيد الانكار مع البينة كما تقدم عن فتح القدير لانا نجعل إنكار الردة توبة إن كانت مقبولة كما لا يخفى. الثالثة لا تقبل توبة الزنديق في ظاهر المذهب وهو من لا يتدين بدين، وأما من يبطن الكفر والعياذ بالله تعالى ويظهر الاسلام فهو المنافق ويجب أن يكون حكمه في عدم قبولنا توبته كالزنديق لان ذلك في الزنديق لعدم الاطمئنان إلى ما يظهر من التوبة إذا كان قد يخفى كفره الذي هو عدم اعتقاده دينا والمنافق مثله في الاخفاء، وعلى هذا فطريق العلم بحاله إما بأن يعثر بعض الناس عليه أو يسره إلى من إن أمن إليه، والحق أن الذي يقتل ولا تقبل توبته هو المنافق فالزنديق إن كان حكمه ذلك فيجب أن يكون مبطنا كفره الذي هو عدم التدين بدين ويظهر تدينه بالاسلام أو غيره إلى أن ظفرنا به وهو عربي وإلا لو فرضناه مظهرا لذلك حتى تاب يجب أن لا يقتل وتقبل توبته كسائر الكفار المظهرين لكفرهم إذا أظهروا التوبة، وكذا من علم أنه ينكر في الباطن بعض الضروريات كحرمة الخمر ويظهر اعتقاد حرمته، كذا في فتح القدير. وفي الخانية قالوا: إن جاء الزنديق قبل أن يؤخذ فأقر أنه زنديق فتاب عن ذلك تقبل توبته وإن

[ 213 ]

أخذ ثم تاب لم تقبل توبته ويقتل اه‍. وتفصيل حسن موافق لما بحثه في فتح القدير هو الرابعة توبة الساحر جعله في فتح القدير كالزنديق لا تقبل توبته. وفي الخانية من كتاب الحظر والاباحة: الساحر إذا تاب فهو على وجوه: إن كان يعتقد نفسه خالقا لما يفعل فإن تاب عن ذلك فقال خالق كل شئ هو الله تعالى وتبرأ عما كان يقول تقبل توبته ولا يقتل، وإن كان الساحر يستعمل السحر بالتجربة والامتحان ولا يعتقد لذلك أثرا لا يقتل لانه ليس بكافر. وساحر يجحد السحر ولا يدري كيف يفعل ولا يقربه قالوا: لا يستتاب بل يقتل إذا ثبت أنه يستعمل السحر، وفي بعض المواضع ذكر أن الاستتابة أحوط. وقال الفقيه أبو الليث: إذا تاب الساحر قبل أن يؤخذ تقبل توبته ولا يقتل وإن أخذ ثم تاب لم تقبل توبته ويقتل، وكذا الزنديق المعروف الداعي والفتوى على هذا القول اه‍. وفي فتح القدير: وتقبل الشهادة بالردة من عدلين ولا يعلم مخالف إلا الحسن قال: لا يقبل في القتل إلا أربعة قياسا على الزنا، وإذا شهدوا على مسلم بالردة وهو منكر لا يتعرض له لا لتكذيب الشهود العدول بل لان إنكاره توبة ورجوع اه‍. وهذا معنى قوله فيما نقلناه آنفا عنه أن الشهادة لا تعمل مع الانكار وليس المراد أن ردته لا تثبت بالشهادة مع الانكار بل تثبت ويحكم بها حتى تبين زوجته منه ويجب تجديد النكاح، وإنما يمتنع القتل فقط للتوبة بالانكار، وقد رأيت من يغلط في هذا المحل. وقد ذكر المصنف للردة أحكاما أربعة: العرض والكشف والحبس والقتل إن لم يسلم. وقد بقي لها أحكام كثيرة منها: حبط العمل عندنا بنفس الردة، وعند الشافعي بشرط الموت عليها، كذا في البدائع. أي إبطال العبادات. وفي الخلاصة: من ارتد ثم أسلم وهو قد حج مرة فعليه أن يحج ثانيا وليس عليه إعادة الصلوات والزكوات والصيامات لان بالردة كأنه لم يزل كافرا فإذا أسلم وهو غني فعليه الحج وليس عليه قضاء سائر العبادات اه‍. وفي التتارخانية معزيا إلى اليتيمة قيل له: لو تاب أتعود حسناته؟ قال: هذه المسألة مختلفة فعند أبي علي وأبي هاشم وأصحابنا أنها تعود، وعند أبي قاسم الكعبي أنها لا تعود ونحن نقول إنه لا يعود ما بطل من ثوابه لكنه تعود طاعاته المتقدمة مؤثرة في الثواب بعد اه‍. وفيها معزيا إلى السراجية: من ارتد ثم أسلم ثم ارتد ومات فإنه

[ 214 ]

يؤاخذ بعقوبة الكفر الاول والثاني وهو قول الفقيه أبي الليث ومن العبادات التي بطلت بردته وقفه الذي وقفه حال إسلامه، سواء كان على قربة ابتداء أو على ذريته ثم على المساكين لانه قربة ولا بقاء لها مع وجود الردة، وإذا عاد مسلما لا يعود وقفه إلا بتجديد منه. وإذا مات أو قتل أو لحق كان الوقف ميراثا بين ورثته كما أوضحه الخصاف في آخر أوقافه. ومنها بقاء المعصية مع الردة ولذا قال في الخانية: إذا كان على المرتد قضاء صلوات أو صيامات تركها في الاسلام ثم أسلم قال شمس الائمة الحلواني: عليه قضاء ما ترك في الاسلام لان ترك الصلاة والصيام معصية والمعصية تبقى بعد الردة اه‍. ومنها أنه لا يجب عليه شئ من العبادات عندنا لعدم خطاب الكفار بالشرائع عندنا فلا يقضي ما فاته زمن ردته بعد إسلامه. ومنها ما في الخانية: مسلم أصاب مالا أو شيئا يجب به القصاص أو حد قذف ثم ارتد وأصاب ذلك وهو مرتد في دار الاسلام ثم لحق بدار الحرب وحارب المسلمين زمانا ثم جاء مسلما فهو مأخوذ بجميع ذلك، ولو أصاب ذلك بعد ما لحق بدار الحرب مرتدا وأسلم

[ 215 ]

فذلك كله موضوع عنه لانه أصابه وهو حربي في دار الرحب والحربي لا يؤاخذ بعد الاسلام بما كان أصابه حال كونه محاربا. وما أصاب المسلم من حدود الله تعالى كالزنا والسرقة وقطع الطريق ثم ارتد أو أصاب ذلك بعد الردة ثم لحق بدار الحرب ثم جاء مسلما فكل ذلك يكون موضوعا عنه إلا أنه يضمن المال في السرقة، وإذا أصاب دما في الطريق كان عليه القصاص لان ما كان من حقوق العباد كان المرتد مأخوذا بذلك، وما أصاب في قطع الطريق من القتل خطأ ففيه الدية على عاقلته إن أصابه قبل الردة، وفي ماله إن أصابه بعد الردة، وإن وجب على المسلم حد الشرب من الخمر أو المسكر ثم ارتد ثم أسلم قبل اللحوق بدار الحرب فإنه لا يؤاخذ بذلك لان الكفر يمنع وجوب هذا الحد ابتداء حتى لا يجب على الذمي المستأمن فإذا اعترض الكفر بعد الوجوب يمنع البقاء، وإن أصاب ذلك والمرتد محبوس في يد الامام فإنه لا يؤاخذ بحد الخمر والسكر وهو مؤاخذ بما سوى ذلك من حدود الله تعالى، ويتمكن الامام من إقامة هذا الحد إذا كان في يده، فإن لم يكن في يده حين أصاب ذلك ثم أسلم قبل اللحوق بدار الحرب فذلك موضوع عنه أيضا اه‍. وسيأتي حكم تصرفاته وأملاكه وجنايته وأولاده في الكتاب. وأشار بقوله وإلا قتل إلى أنه لا يجوز استرقاقه وإن لحق بدار الحرب لانه لم يشرع فيه إلا الاسلام أو السيف. وفي الخانية: لا يترك على ردته بإعطاء الجزية ولا بأمان موقت ولا بأمان مؤبد ولا يجوز استرقاقه بعد اللحاق مرتدا إذا أخذه المسلمون أسيرا، ويجوز استرقاق المرتدة بعد اللحاق اه‍. ومن أحكامه أنه لا عاقلة له لانها للمعونة وهو لا يعاون، كذا في البدائع. وقد مضى في باب نكاح الكافر وقوع الفرقة بردة أحد الزوجين وفي المحرمات أنه لا ينكح ولا ينكح وسيأتي أنه لا يرث من أحد لانعدام الملة والولاية فقد ظهر أن الردة أفحش من الكفر الاصلي في الدنيا والآخرة. وأطلق في القتل فشمل الحر والعبد فولاية قتل العبد المرتد للامام لا للمولى لاطلاق النصوص. وفي الولوالجية: إذا باع عبده المرتد أو أمته المرتدة جاز والردة عيب لانه مملوك له فيجوز بيعه وفي حق العبد يوجب استحقاق القتل عليه فيكون عيبا وردة الامة تفوت على المشتري منفعة الوطئ فيكون عيبا أيضا اه‍. وفي شرح المجمع معزيا إلى الحقائق: ولا تجالس ولا تواكل ولا تباع اه‍. ويشترط في جواز قتل المرتد أن لا يكون إسلامه بطريق التبعية ولذا قال في البدائع: صبي أبواه مسلمان حتى حكم بإسلامه تبعا لابويه فبلغ كافرا ولم يسمع منه إقرار باللسان بعد البلوغ لا يقتل لانعدام الردة منه إذ هي اسم للتكذيب بعد سابقة التصديق ولم يوجد منه التصديق بعد البلوغ حتى لو أقر بالاسلام ثم ارتد يقتل ولكنه في الاولى يحبس لانه كان له حكم الاسلام قبل

[ 216 ]

البلوغ تبعا والحكم في إكسابه كالحكم في إكساب المرتد لانه مرتد حكما اه‍. وأن لا يكون في إسلامه شبهة لان السكران لو أسلم صح إسلامه فإن رجع مرتدا لا يقتل كالصبي العاقل إذا ارتد، كذا في التاترخانية. قوله: (وإسلامه أن يتبرأ عن الاديان كلها أو عما انتقل إليه) أي إسلام المرتد بذلك ومراده أن يتبرأ عن الاديان كلها سوى دين الاسلام وتركه لظهوره ولم يذكر الشهادتين. وصرح في العناية بأن التبرأ بعد الاتيان بالشهادتين. وفي شرح الطحاوي سئل أبو يوسف كيف يسلم؟ فقال: أن يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقر بما جاء من عند الله ويتبرأ من الذي انتحله وقال لم أدخل في هذا الدين قط وأنا برئ منه. وقوله قط يريد منه معنى أبدا لان قط طرف لما مضى لا لما يستقبل، كذا في فتح القدير. والاقرار بالبعث والنشور مستحب. وقوله عما انتحله أي ادعاه لنفسه كاليهود والنصارى، كذا في الظهيرية. وأفاد باشتراط التبري أنه لو أتى بالشهادتين على وجه العادة لم ينفعه ما لم يرجع عما قال إذ لا يرتفع بهما كفره، كذا في البزازية وجامع الفصولين. وقيد بإسلام المرتد لان في إسلام غيره من الكفار تفصيلا، فإن كان الكافر جاحدا للباري سبحانه وتعالى كعبدة الاوثان أو مقرا بالباري مشركا غيره معه كالثنوية فإنه يكون مسلما بإحدى الشهادتين، وكذا إذا قال أنا على دين الاسلام أو على الحنيفية، وإن كان موحدا جاحدا للرسالة فلا يصير مسلما بكلمة التوحيد حتى يقول محمد رسول الله. وفي مجموع النوازل: قال مجوسي صلى الله على محمد لا يكون مسلما، ولو قال أسلمت فهو إسلام. وفي الروضة: لو قال الكافر آمنت بما آمن به الرسل صار مسلما وفي مجموع النوازل: إذا قال الكافر الله واحد يصير مسلما. ولو قال لمسلم دينك حق لا يصير مسلما، وقيل يصير مسلما إلا إذا قال حق ولكن لا أؤمن به. ولو قال برئت من اليهودية ولم يقل دخلت في دين الاسلام لا يكون مسلما. وفي التجريد: لو قال اليهودي أو النصراني لا إله إلا الله وأتبرأ من النصرانية فليس بإسلام، ولو قال مع ذلك ودخلت في دين الاسلام أو دين محمد صلى الله عليه وسلم كان مسلما، الكل من الخلاصة. وفي المحيط: من يقر من اليهود والنصارى برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ولكنهم يزعمون أنه رسول إلى العرب لا إلى بني إسرائيل كما في بلاد العراق فإنه لا يكون مسلما بإقراره أن محمدا رسول الله حتى يتبرأ من دينه ذلك أو يقر بأنه دخل في دين الاسلام اه‍. ثم اعلم أن الاسلام يكون بالفعل أيضا كالصلاة بجماعة أو الاقرار بها أو الاذان في بعض المساجد أو

[ 217 ]

الحج وشهود المناسك لا الصلاة وحده ومجرد الاحرام. قوله: (وكره قتله قبله) أي قبل عرض الاسلام لان إسلامه مرجو. قال في الهداية: ومعنى الكراهة هنا ترك المستحب اه‍. يعني فهي كراهة تنزيه وهو مبني على القول باستحباب العرض، وأما من قال بوجوبه فهي كراهة تحريم كما في فتح القدير. أطلقه فشمل قتل الامام وغيره لكن إن قتله غيره أو قطع عضوا منه بغير إذن الامام أدبه الامام كما في شرح الطحاوي. قوله: (ولم يضمن قاتله لان الكفر مبيح للقتل) وكل جناية على المرتد فهي هدر. قوله: (ولا تقتل المرتدة بل تحبس حتى تسلم) لنهيه صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء ولان الاصل تأخير الا جزية إلى دار الآخرة إذ تعجيلها يخل بمعنى الابتلاء، وإنما عدل عنه دفعا لشر ناجز وهو الحراب ولا يتوجه ذلك من النساء لعدم صلاحية البنية بخلاف الرجال فصارت كالمرتدة الاصلية. أطلقها فشمل الحرة والامة. ويستثنى منه المرتدة بالسحر لما في المحيط. والساحرة تقتل إذا كانت تعتقد أنها هي الخالقة لذلك لتصير مرتدة وإن كانت المرتدة لا تقتل لما جاء في الاثر من أن عمر رضي الله عنه كتب إلى عماله أن اقتلوا الساحر والساحرة. وذكر في المنتقى أن الساحرة لا تقتل ولكنها تحبس وتضرب كالمرتدة والاول أصح لان ضرر كفرها وهو سحرها يتعدى إلى الحي المعصوم بفوات حياته فتقتل كالرجل اه‍. وفي التتارخانية: الخنثى المشكل إذا ارتد لم يقتل ويحبس ويجبر على الاسلام اه‍. ولم يذكر المصنف حكم قاتلها قال في فتح القدير: ولو قتلها قاتل لا شئ عليه حرة كانت أو أمة. ذكره في المبسوط اه‍. وفي التتارخانية معزيا إلى العتابية: وفي الامة يضم لمولاها اه‍. وفي الولوالجية: وإن قتلها قاتل لم يضمن شئ لان قيمة الدم بالاسلام وقد زال ويؤدب على ذلك لارتكابه ما لا يحل اه‍. وظاهر كلامه أنه لا فرق بين الحرة والامة في عدم الضمان فإنه قال أولا: ومن قتل حرة مرتدة لم يضمن ثم قال: وكذا الامة. وأطلق في حبسها فشمل الامة لكن الامة تدفع إلى مولاها فيجعل حبسها بيت السيد، سواء طلب هو ذلك أم لا في الصحيح، ويتولى هو جبرها جمعا بين حق الله وحق السيد في الاستخدام فإنه لا منافاة بخلاف العبد المرتد لانه لا فائدة في دفعه إليه لانه يقتل. ويستثنى من خدمته لها وطؤها فقد صرح الاسبيجابي بأنه لا يطؤها، وقدمنا عن الولوالجي ما يفيده. وأفاد بقوله تحبس أنها لا تسترق في دار الاسلام وقدمنا فيه رواية في باب نكاح الكافر مع بقية أحكام ردتها فارجع إليه. ولم يذكر المصنف أنها تضرب لانه لم ذكر في الجامع الكبير ولا في ظاهر الرواية وقد نقل الشارحون في باب نكاح الكافر أنها إذا ارتدت تضرب خمسة وسبعين وهو اختيار لقول أبي يوسف في نهاية التعزير

[ 218 ]

وهو المأخوذ به في كل تعزير بالضرب كما في الحاوي القدسي، وذكر في فتح القدير هنا: ويروى عن أبي حنيفة أنها تضرب في كل يوم وقدرها بعضهم بثلاثة، وعن الحسن تضرب في كل يوم تسعة وثلاثين سوطا إلى أن تموت أو تسلم. ولم يخصه بحرة ولا أمة وهذا قتل معنى لان موالاة الضر ب تفضي إليه اه‍. وأطلق في حبسها فشمل ما إذا لحقت بدار الحرب ثم سبيت واسترقت فإنها تجير على الاسلام بالضرب والحبس ولا تقتل كما صرح به في البدائع، ولا يكون استرقاقها مسقطا عنها الجبر على الاسلام كما لو ارتدت الامة ابتداء فإنها تجبر على الاسلام. وشمل ما إذا كانت صغيرة عاقلة لما في المحيط من باب ما يجب للمطلقة قبل الدخول ما يجب جزاء على الردة: يجوز أن تؤاخذ الصغيرة به ألا ترى أنها تحبس على الردة كما تحبس الكبيرة والحبس جزاء الردة اه‍. قوله: (ويزول ملك المرتد عن ماله زوالا موقوفا فإن أسلم عاد ملكه) قالوا: وهذا عند أبي حنيفة. وعندهما لا يزول ملكه لانه مكلف محتاج فإلى أن يقتل يبقى ملكه كالمحكوم عليه بالرجم والقصاص، وله أنه حربي مقهور تحت أيدينا حتى يقتل ولا يقتل إلا بالحراب وهذا يوجب زوال ملكه ومالكيته غير أنه مدعو إلى الاسلام بالاجبار عليه ويرجى عوده إليه فتوقفنا في أمره، فإن أسلم جعل العارض كأن لم يكن في حق هذا الحكم فصار كأن لم يزل مسلما ولم يعمل بالسبب، وإن مات أو قتل على ردته أو لحق بدار الحرب وحكم بلحاقه استقر أمره فعمل السبب عمله وزال ملكه. ثم اختلف الشيخان في حكم تبرعاته فقال أبو يوسف: من جميع المال كتصرف من وجب عليه القصاص. وقال محمد: هو بمنزلة المريض فتكون من ا لثلث لكونه على شرف التلف. وفي البدائع: لا خلاف أنه إذا أسلم أن أمواله باقية على حكم ملكوأنه إذا مات أو قتل أو لحق بدار الحرب أنها تزول عن ملكه، وإنما الخلاف في زوالها بهذه الاشياء الثلاثة مقصورا على الحال وهو قولهما أو مستندا إلى وقت وجود الردة وهو قوله وثمرته تظهر في تصرفاته فعندهما نافذة قبل الاسلام وعنده موقوفة لوقوف املاكه اه‍. قيد بالملك لانه لا توقف في إحباط طاعاته ووقوع الفرقة بينه وبين امرأته وتجديد الايمان فإن الارتداد بالنسبة إليها قد عمل عمله، كذا في العناية. وذكر في الخانية إذا استأجر المسلم دارا أو عقارا أو منقولا ثم ارتد - والعياذ بالله تعالى - ولحق بدار الحرب وقضى القاضي بلحاقه تبطل إجارته كأنه مات، وكذا إذا استأجر ثم ارتد. ولو أوصى لرجل بثلث ماله ثم ارتد ولحق بدار الحرب أو لم يلحق بطلت وصيته، وكذا لو أوصى إلى رجل وجعله قيما في ماله ثم ارتد ولحق بدار الحرب أو لم يلحق بطل إيصاؤه. وإن وكل رجلا ثم ارتد الموكل ولحق بدار الحرب ينعزل وكيله في قولهم، وإن عاد إلينا مسلما هل يعود وكيلا؟ ذكر في الوكالة أنه لا يعود، وذكر في السير أنه يعود، ولو ارتد الوكيل ولحق وقضى به ثم عاد

[ 219 ]

مسلما قال أبو يوسف: لا يعود وكيلا. وقال محمد: يعود اه‍. والحاصل أنه لا توقف في إبطال عباداته وبينونة امرأته وإيجاره واستئجاره ووصيته وإيصائه وتوكيله ووكالته، وقدمنا أن من عباداته التي بطلب بردته وقفه وأنه لا يعود بإسلامه. وقيد بالمرتد لان المرتدة لا يزول ملكها عن مالها بلا خلاف فيجوز تصرفاتها في مالها بالاجماع لانها لا تقتل فلم تكن ردتها سببا لزوال ملكها، كذا في البدائع. وينبغي أن يلحق بها المرتد إذا لم يقتل وهو من كان في إسلامه شبهة كما قدمناه بجامع عدم القتل ولم أره صريحا. وفي الزيادات: المرتدة إذا تصرفت إن كان تصرفا ينفذ من المسلم ينفذ منها، وإن كان تصرفا لا ينفذ من المسلم لكن يصح ممن هو على ملة انتحلت إليها كاليهود والنصارى نفذ تصرفاتها عندهما، وعنده اختلف المشايخ قال بعضهم يصح، وقال بعضهم لا يصح منها إلا ما يصح من المسلم، كذا في التتارخانية، وثمرته في بيعها الخمر والخنزير. وأفاد بقوله ملك المرتد عن ماله أن الكلام في الحر فلا يزول ما ملكه المكاتب من اليد بردته ولذا قال في الخانية: وتصرفات المكاتب في ردته نافذة في قولهم اه‍. قوله: (وإن مات أو قتل على ردته ورث كسب إسلامه وإرثه المسلم بعد قضاء دين إسلامه وكسب ردته فئ بعد قضاء دين ردته) بيان لميراث المرتد بعد موته حقيقة. وحاصله أن ما كان كسبا له زمن إسلامه فهو ميراث لورثته المسلمين اتفاقا ولا يكون فئ عندنا خلافا للامة الثلاثة لانه مات كافرا والمسلم لا يرث الكافر وهو مال حربي لا أمان له فكان فيئا. ولنا أن ملكه بعد الردة باق فينتقل بموته إلى ورثته مستندا إلى ما قبيل ردته إذ الردة سببا للموت فيكون توريث المسلم من المسلم، والاستناد لازم له على قول الائمة الثلاثة أيضا لان أخذ المسلمين له إذا لم يكن له وارث بطريق الوراثة وهو يوجب الحكم باستناده شرعا إلى ما قبيل ردته وإلا كان توريثا للكافر من المسلم، ومحمل الحديث الكافر الاصلي الذي لم يسبق له إسلام فساوت قرابته المسلمين في ذلك فترجحت قرابته بجهة القرابة وتمامه في فتح القدير. واستدل في البدائع بأن عليا رضي الله عنه لما قتل المستورد العجلي بالردة قسم ماله بين ورثته للمسلمين وكان بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم من غير إنكار فكان إجماعا، وأشار بقوله وارثه إلى أن المعتبر وجود الوارث عند الموت أو القتل أو الحكم باللحاق وهو رواية محمد عن الامام وهو الاصح كما في النهاية وفتح القدير، لان الحادث بعد انعقاد السبب قبل

[ 220 ]

تمامه كالحادث قبل انعقاده بمنزلة الولد الحادث من المبيع قبل القبض. وذكر في الهداية فيه ثلاث روايات وحاصله كما في النهاية أن على رواية الحسن يشترط الوصفان وهما كونه وراثا وقت الردة وكونه باقيا إلى وقت الموت أو القتل حتى لو كان وارثا وقت الردة ثم مات قبل موت المرتد أو حدث وارث بعد الردة فإنهما لا يرثان. وعلى رواية أبي يوسف يشترط الوصف الاول دون الثاني، وعلى رواية محمد يشترط الوصف الثاني دون الاول اه‍. فعلى الاصح لو كان من بحيث يرثه كافرا أو عبدا يوم ارتد فعتق بعد الردة قبل أن يموت أو يلحق أو أسلم ورثه، كذا في فتح القدير. وكذا لو ولد له ولد من علوق حادث بعد الردة إذا كان مسلما تبعا لامة بأن علق من أمة مسلمة له. وفي الخانية: مسلم ارتد أبوه فمات الابن وله معتق ثم مات الاب وله معتق مسلم فإن ميراث الاب لمعتقه لا لمعتق ابنه لان الابن إنما يرث من أبيه المرتد عند موت المرتد فإذا مات الابن قبل موت الاب لم يرثه الابن اه‍. وهو مفرع على غير رواية أبي يوسف، أما عليها فالمال لمعتق الابن كما لا يخفى. وأطلق الوارث فشمل المرأة فترثه امرأته المسلمة إذا مات أو قتل وهي في العدة لانه يصير فارا وإن كان صحيحا وقت الردة، كذا في الهداية والتحقيق أن يقال: إنه بالردة كأنه مرض مرض الموت باختياره بسبب المرض ثم هو بإصراره على الكفر مختارا في الاصرار الذي هو سبب القتل حتى قتل بمنزلة المطلق في مرض موته ثم يموت قتلا أو حتق أنفه أو بلحاقه فيثبت حكم الفرار، كذا في فتح القدير. ثم اعلم أن اشتراط قيام العدة لارثها إنما هو على غير رواية أبي يوسف، أما عليها فترثه وإن كانت منقضية العدة لكونها وارثة وقت الردة وهو مروي أيضا. ثم اعلم أن اشتراط قيام العدة يقتضي أنها موطوءة فلا ترث غير المدخولة وهو كذلك، وذلك لان بمجرد الردة تبين غير المدخولة لا إلى عدة فتصير أجنبية ولما لم تكن الردة موتا حقيقيا حتى إن المدخولة إنما تعتد فيها بالحيض لا بالاشهر لم تنتهض سببا للارث إذا لم يكن عند موت الزوج أو لحاقه أثر من آثار النكاح لان الارث وإن استند إلى الردة لكن يتقرر عند الموت، وبهذا

[ 221 ]

أيضا لا ترث المنقضية عدتها، كذا في فتح القدير. وينبغي أن يكون مفرعا أيضا على غير رواية أبي يوسف، أما عليها فلا فرق بين المدخولة وغيرها. وقيد الوارث بالاسلام لان الكافر لا يرث المرتد. وفي البدائع: ولو ارتد الزوجان معا ثم جاءت بولد ثم قتل الاب على ردته، فإن جاءت به لاقل من ستة أشهر من وقت الردة يرثه لانه علم أن العلوق حصل في حالة الاسلام قطعا، وإن جاءت به لستة أشهر فصاعدا من وقت الردة لم يرثه لانه يحتمل أنه علق في حالة الردة فلا يرث مع الشك، ولو ارتد الزوج دون المرأة أو كانت له أم ولد مسلمة ورثه مع ورثته المسلمين وإن جاءت به لاكثر من ستة أشهر لان الام مسلمة فكان الولد على حكم الاسلام تبعا لامه فيرث أباه اه‍. وأما ما كان كسبا له زمن ردته ففيه اختلاف، فقالا: هو كالاول ميراث لان ملكه باق بعد الردة فينتقل بموته إلى ورثته مستندا إلى ما قبيل ردته. وقال الامام: إنه فئ يوضع في بيت مال المسلمين كاللقطة لانه إنما يمكن الاستناد في كسب الاسلام لوجوده قبل الردة ولا يمكن الاستناد في كسب الردة لعدمه قبلها، ومن شرط استناد التوريث وجوده قبلها. وحاصله أنه لا ملك له فيما اكتسبه زمن ردته حيث مات أو قتل، وما ليس بمملوك له لا يورث عنه، وهما لما قالا بأن أملاكه لا تزول بردته قالا بأن كسبه زمنها مملوك له فيورث عنه فالخلاف هنا مبني على الخلاف السابق في زوال أملاكه بالردة. وفي القاموس: الفئ ما كان شمسا فينسخه الظل والغنيمة والخراج والقطعة من الطير والرجوع اه‍. فله خمسة معان لغة. وأما اصطلاحا فما يوضع في بيت مال المسلمين. وأما حكم ديونه فأفاد أن ديون إسلامه تقضي من كسب إسلامه وإن دين ردته يقضي من كسب ردته. وحاصله أن على قولهما تقضي ديونه من الكسبين لانهما جميعا ملكه حتى يجري الارث فيهما، وأما على قول الامام ففيه روايتان: ففي رواية أبي يوسف عنه أنه في كسب الردة إلا أن لا يفي به فيقضي الباقي من كسب الاسلام. وفي رواية الحسن عنه أنه في كسب الاسلام إلا أن لا يفي به فيقضي الباقي من كسب الردة وهو الصحيح لان دين الانسان يقضي من ماله لا من مال غيره، وكذا دين الميت يقضي من ماله لا من مال وارثه وماله كسب الاسلام فأما كسب الردة فما جماعة المسلمين فلا يقضي منه الدين إلا لضرورة، فإذا لم يف به كسب الاسلام تحققت الضرورة فيقضي الباقي منه، كذا في البدائع، وهكذا صحح الولوالجي. فقد علمت أن ما في المتن ليس على قول من الاقوال الثلاثة، وإنما ذكره في البدائع قولا للحسن وزفر فقال وقال الحسن: دين الاسلام في كسب الاسلام ودين الردة في كسب الردة وهو قول زفر اه‍. والحق أنها رواية زفر عن الامام أيضا كما في النهاية. وقوله في الهداية إنها رواية عن أبي حنيفة أي رواية زفر عنه لكنها ضعيفة كما علمت. وظاهر الولوالجية أنه لو لم يكن له إلا أحد النوعين يقضي الدينان منه اتفاقا وسنوضحه من بعد

[ 222 ]

إن شاء الله تعالى. وقدمنا أن الكلام إنما هو في الحر وأن المكاتب خارج عن هذه الاحكام فلذا قال في الجوهرة: إن ما اكتسبه المكاتب في حال ردته لا يكون فيأ وإنما يكون لمولاه لتعلق حقه به وسنوضحه من بعد إن شاء الله تعالى. وقيد بالمرتد لان المرتدة كسباها لورثتها لانه لا حراب منها فلم يوجد سبب الفئ بخلاف المرتد عند أبي حنيفة، ويرثها زوجها المسلم إن ارتدت وهي مريضة لقصدها إبطال حقه، وإن كانت صحيحة لا يرثها لانها لا تقتل فلم يتعلق حقه بمالها بالردة بخلاف المرتد. والحاصل أن زوجة المرتد ترث منه مطلقا وزوج المرتدة لا يرثها إلا إذا ارتدت مريضة والكسب بفتح الكاف وكسرها الجمع كسبه جمعه، كذا في القاموس. وقد قدمنا حكم المرتدة في النكاح والعدة في باب نكاح الكافر. قوله: (وإن حكم بلحاقه عتق مدبروه وأم ولده وحل دينه) لانه باللحاق صار من أهل الحرب وهم أموات في حق أحكام الاسلام لانقطاع ولاية الالزام كما هي منقطعة عن الموتى فصار كالموت إلا أنه لا يستقر لحاقه إلا بقضاء القاضي لاحتمال العود إلينا فلا بد من القضاء وهو باتفاق الامام وصاحبيه كما في الجوهرة. وإذا تقرر موته تثبت الاحكام المتعلقة به من عتق المدبر وأم الولد وسقوط الاجل كما في الموت الحقيقي، والمرتدة إذا لحقت بدار الحرب فهي على هذا من عتق مدبريها وحلول دين عليها. ولم يذكر قسمة ماله بين ورثته لظهوره ولما سيشير إليه عند قوله فما وجده في يد وارثه ولم يذكر حكم مكاتبه وحكمه كما في البدائع أنه يؤدي إلى الورثة فيعتق وإذا عتق فولاؤه للمرتد لانه المعتق اه‍. وفي المجتبي بعلامة حس ظ: القضاء باللحاق ليس بشرط وإنما يشترط قضاؤه بشئ من أحكام الموتى. وعامتهم على أنه يشترط القضاء باللحاق سابقا على قضائه بهذه الاحكام وإليه أشار محمد في كثير من المواضع اه‍. وفي فتح القدير: وإذا صار اللحاق كالموت لا أنه حقيقة الموت لا يستقر حتى يقضي به سابقا على القضاء بشئ من هذه الاحكام المذكورة في الصحيح لا أن القضاء بشئ منها يكفي بل يسبق القضاء باللحاق ثم تثبت الاحكام المذكورة اه‍. وظاهرهما أن القضاء باللحاق قصدا صحيح وينبغي أن لا يصح إلا في ضم دعوى حق للعبد وقد قالوا: إن يوم الموت لا يدخل تحت القضاء ويوم القتل يدخل كما في جامع الفصولين والبزازية. واللحاق موت حكما فينبغي أن لا يدخل تحت القضاء قصدا فينبغي أنه لو حكم بعتق مدبره لثبوت لحاقه مرتدا ببينة عادلة فإنه صحيح، ولا يشترط له تقدم الحكم بلحاقه ولم أر إلى الآن من أوضح هذا المحل. وقوله عتق مدبروه معناه من ثلث ما له وإنما لم يصرح به لما تقدم في

[ 223 ]

باب التدبير. وقوله في الجوهرة بعد عتق المدير وأم الولد يعني من الثلث تسامح لان أم الولد تعتق من جميع المال كما علم في بابها. ثم اختلف الشيخان في الوقت الذي يعتبر فيه كونه وارثا له فقال أبو يوسف: يقضي به كان وارثا وقت القضاء بلحاقه لانه حينئذ يصير موتا. وقال محمد: يعتبر وقت لحاقه لانه السبب، كذا في المجتبى. وفي التتارخانية: وإذا ارتد الاب مع بعض أولاده ولحقوا بدار الحرب فرفع ميراث المرتد إلى الامام فإنه يقسم ميراثه بين ورثته المسلمين ولا شئ من ميراثه للذي ارتد من أولاده. هذا في كسب الاسلام، وأما كسب الردة ففئ عند الامام، وأما ما اكتسبه في دار الحرب فهو للابن الذي ارتد ولحق معه إذا مات مرتدا، فإن لحق أحد من أولاده مسلما معه فإنه يرث كسب إسلامه فقط اه‍. قوله: (وتوقف مبايعته وعتقه وهبته فإن آمن نفذ وإن هلك بطل) بيان لتصرفه حال ردته بعد بيان حكم أملاكه قبل ردته، وهذا عند الامام. وقالا: هو جائز مطلقا لان الصحة تعتمد الاهلية وهي موجودة لكونه مخاطيا والنفاذ يعتمد الملك وهو موجود لقيامه قبل موته إلا أن عند أبي يوسف تصح كما تصح من الصحيح لان الظاهر عوده إلى الاسلام، وعند محمد كما تصح من المريض لانه يفضي إلى القتل ظاهرا، وله أنه حربي مقهور تحت أيدينا على ما قررناه في توقف الملك وتوقف التصرفات بناء عليه فصار كالحربي يدخل دارنا بغير أمان فيؤسر فتتوقف تصرفاته لتوقف حاله حيث كان للامام الخيار بين استرقاقه وقتله، فإن قتل أو أسر لم تنفذ منه هذه أو أسلم لم يؤخذ له مال فكذا هذا وفي الاهلية خلل لاستحقاقه القتل لبطلان سب العصمة بخلاف الزاني وقاتل العمد لان استحقاق القتل جزاء على الجناية. قال أبو اليسر: ما قالاه أحسن لان المرتد لا يقبل الرق والقهر يكون حقيقيا لا حكميا والملك يبطل بالقهر الحكمي لا الحقيقي، ولهذا المعنى لا يبطل ملك المقضي عليه بالرجم. وحاصل مراده أن المنافي للملك الاسترقاق ليس غير لكنه ممنوع عند أبي حنيفة بل نقول: إنما أوجب الاسترقاق ذلك في الاصل للقهر الكائن بسبب حرابته وهو موجود في المرتد فيثبت فيه ذلك

[ 224 ]

بطريق الاولى لان الرق يتصور معه ملك النكاح بخلاف قهر المرتد، كذا في فتح القدير. أطلق المبايعة فشملت البيع والشراء والاجارة لانها بيع المنافع، وأشار بالعتق إلى ما هو من حقوقه كالتدبير والكتابة فهما موقوفان أيضا لكن لا يدخل الاستيلاد لانه منه نافذ اتفاقا لانه لا يفتقر إلى حقيقة الملك حتى صح في جارية الابن. وأشار بالهبة إلى كل تمليك هو تبرع فدخلت الوصية فإنها موقوفة أيضا، ولما كان الرهن من المعاوضات في المال كالبيع كان داخلا فتوقف رهنه أيضا، ولما كان قبض الدين مبادلة حكما دخل تحت المبايعة فتوقف قبضه الدين أيضا. والحاصل أن ما يعتمد الملة لا يصح منه اتفاقا وهي خمسة، النكاح والذبيحة والصيد بالكلب والبازي والرمي والارث والشهادة. وما لا يعتمد الملة ولاية ولا حقيقة ملك فإنه صحيح منه اتفاقا وهي خمس أيضا، الاستيلاد والطلاق وقبول الهبة وتسليم الشفعة والحجر على عبده المأذون. وصورة الاستيلاد ما في الخانية: إذا جاءت جاريته بولد فادعى الولد يثبت نسبه منه ويرث ذلك الولد مع ورثته وتصير الجارية أم ولد له اه‍. وأورد كيف يقع طلاقه وقد بانت بردته. وأجيب بأنه لا يلزم من وقوع البينونة امتناع الطلاق، وقد سلف أن المبانة يلحقها الصريح في العدة وأورد طلب الفرق بين طلاقه وعتقه، والفرق أن الطلاق لا يعتمد كمال الولاية بخلاف العتق بدليل وقوع طلاق العبد دون عتقه. وفي الخانية: وإذا أعتق المرتد عبده ثم أعتقه ابنه المسلم وليس له وارث سواه لا يجوز عتق واحد منهما لان الابن إنما يرث بعد الموت لا قبله وإعتاقه سابق على ملكه فلا يعتق وهو بخلاف ما إذا مات الرجل وترك عبدا وتركته مستغرقة بالدين فأعتقه الوارث ثم سقط دين الغرماء فإنه ينفذ إعتاق الوارث لان ثمة سبب الملك للوارث تام وإنما توقف الملك لحق الغرماء، فإذا سقط حق

[ 225 ]

الغرماء فإن إعتاق الوارث ينفذ، وأما في المرتد سبب الملك للوارث إنما يتم بعد موت المرتد اه‍. ولا يمكن توقف التسليم لانها بطلت به مطلقا، وأما الحجر فيصح بحق الملك فبحقيقة الملك الموقوف أولى. وفي المحيط في مسألة عتقه: وإعتاق ابنه أنه على الرواية التي عند أبي حنيفة يعتبر كونه وارثا وقت الردة فيجب أن ينفذ عتقه لانه يملكه من وقت الردة اه‍. وقد يقال: إنه إنما يملكه من وقت الردة على تلك الرواية إذا مات أو قتل والكلام هنا قبله، وأما ما يعتبر المساواة من التصرف أو ولاية متعدية فإنه لا ينفذ منه اتفاقا، فالاول المفاوضة فإذا فاوض مسلما توقفت اتفاقا إن أسلم نفذت، وإن هلك بطلت وتصير عنانا من الاصل عندهما وتبطل عنده، كذا في الخانية. والثاني التصرف على ولده الصغير وفي مال ولده موقوف اتفاقا فقد ظهر أن تصرفاته على أربعة أقسام ولم أر حكم التقاطه لقيطا أو لقطة. وفي غاية البيان من باب الاستيلاد: الجد إذا وطئ جارية ابن ابنه والاب مرتد فادعاه الجد بعد الولادة لم تصح دعوى الجد عندهما، وعند أبي حنيفة موقوفة، فإن أسلم الاب لم تصح دعوى الجد، وإن مات على الردة أو لحق بدار الحرب وحكم بلحاقه تصح اه‍. وهذه لا ترد على ما في الكتاب لانها تصرف المسلم وهو الجد لا تصرف المرتد. وقيد بالمرتد لان تصرفات المرتدة نافذة عند الكل لانها لا تقتل وقد قدمناه مع بيان تصرفات المكاتب المرتد. وأطلق الهلاك فشمل الحقيقي بالموت أو القتل والحكمي بالقضاء بلحاقه بدار الحرب كما في الخانية. وعبر بالايمان في قوله فإن آمن وأراد الاسلام فإنه المراد هنا كما عبر به في الهداية والخانية فإنه الانقياد الظاهر الذي تبتني عليه الاحكام. قوله: (وإن عاد مسلما بعد الحكم بلحاقه فما وجده في يد وارثه أخذه وإلا لا) أي وإن لم يجده قائما فيده فليس له أخذ بدله منه لان الوارث إنما يخلفه فيه لاستغنائه، وإذا

[ 226 ]

عاد مسلما يحتاج إليه فيقدم عليه. وعلى هذا لو أحيا الله ميتا حقيقة وأعاده إلى دار الدنيا كان له أخذ ما في يد ورثته، وأطلق في قوله وإلا لا فشمل ما إذا كان هالكا أو إزاله الوارث عن ملكه وهو قائم، سواء كان بسبب يقبل الفسخ كبيع أو هبة أو لا يقبله كعتق وتدبير واستيلاد فإنه يمضي ولا عود له فيه ولا يضمنه. وشمل ما لم يدخل في يد وارثه أصلا كمدبريه وأمهات أولاده المحكوم بعتقهم بسبب الحكم بلحاقه فإنهم لا يعودون في الرق لان القضاء بعتقهم قد صح بدليل مصحح له والعتق بعد نفاذه لا يقبل البطلان وولاؤهم لمولاهم أعني المرتد الذي عاد مسلما، وكذلك مكاتبه إذا كان أدى المال إلى الورثة لا سبيل عليه أيضا لانه عتق بأداء المال والعتق لا يحتمل الفسخ وما أدى إلى الورثة إن كان قائما أخذه، وإن زال ملكهم عنه لا ضمان عليه كسائر أمواله، وإن كان لم يؤد بدل الكتابة يأخذها منه، وإن عجز عاد رقيقا له، كذا في البدائع. وفي الخانية: إذا عاد مسلما بعد الحكم بحل ديونه وعتق مدبريه وأم ولده لا يملك أن يبطل شئ إلا شيآن: الاول الميراث يبطله ويسترد ماله إن كان قائما، والثاني إذا كاتب ورثته عبدا من ماله ثم رجع فإن رجع بعدما أدى بدل الكتابة لا يملك إبطالها، فإن رجع قبل أن يؤدي جميع بدل الكتابة كان له أن يبطل الكتابة اه‍. وظاهر الكتاب أنه يأخذ ما في يد الوارث بغير قضاء ولا رضا والمنقول خلافه. قال في التتارخانية: وما كان قائما في يد الورثة إنما يعود إلى ملكه بقضاء أو رضا فإنه ذكر في السير الكبير أن وارث المرتد إذا تصرف في المال الذي ورثه بعد ما عاد المرتد مسلما نفذ تصرفه اه‍. وجزم به الزيلعي معللا بأنه دخل في ملكه بحكم شرعي فلا يخرج عن ملكه إلا بطريقه اه‍. وقد يقال طريقه عوده مسلما فإن الحكم الشرعي الموجب للدخول الحكم بخلافته عنه بعد موته حكما وقد بطلت فبطل ما ابتنى عليه، وقد قدمنا عن التتارخانية أن كسب ردته فئ بعد الحكم بلحاقه كموته حقيقة لكن لم أر حكم ما إذا عاد مسلما ووجد كسب ردته قائما عند الامام فهل يسترده كما يسترد من وارثه كسب إسلامه؟ الظاهر أنه لا يسترده لان أخذه ليس بطريق

[ 227 ]

الخلافة بل لكونه مال حربي كما قدمناه فصار لبيت المال فلا يسترده كما أن الحربي الحقيقي لا يسترد ماله بعد إسلامه. وقيد بقوله بعد الحكم بلحاقه لانه لو عاد مسلما قبله فحكمه كما إذا لم يرتد فلا يعتق مدبره وأم ولده ولا تحل ديونه وله إبطال ما تصرف فيه الوارث لكونه فضوليا. قوله: (ولو ولدت أمة له نصرانية لستة أشهر منذ ارتد فادعاه فهي أم ولده وهو ابنه حر ولا يرثه ولو مسلمة ورثه الابن إن مات على الردة أو لحق بدار الحرب) أما صحة الاستيلاد فلما قدمنا أنه لا يفتقر إلى حقيقة الملك، وأما الارث فلان الام إذا كانت نصرانية فالولد تبع له لقربه إلى الاسلام للجبر عليه فصار في حكم المرتد والمرتد لا يرث أحدا، ولم يجعل مسلما تبعا للدار لانها عند عدم الابوين فقط، أما إذا كانت مسلمة فالولد مسلم تبعا لها لانها خيرهما دينا، والمسلم يرث المرتد. أراد بالنصرانية الكتابية ولو يهودية، والتقييد بالستة لنفي الاقل فإنها إذا جاءت به لاقل منها فالولد يرث من أبيه المرتد للتيقن بوجوده في البطن قبل الردة فيكون مسلما تبعا للاب بخلافه للستة لعدم التيقن كما في النهاية لا لنفي الاكثر ولذا عبر في الهداية بالاكثر. زاد فتح القدير ولو إلى عشر سنين. قوله: (وإن لحق المرتد بماله فظهر عليه فهو فئ) أي ماله غنيمة يوضع في بيت المال بالاجماع لا لورثته لسقوط عصمة ماله تبعا لعصمة نفسه. وقيد بالمال لان المرتد بعد الظهور لا يسترق وإنما يقتل إن لم يسلم، ولا يشكل كون ماله فيأ دون نفسه لان مشركي العرب كذلك. وفي المغرب: ظهر عليه غلب، وظهر على اللص غلب وهو من قولهم ظهر فلان السطح إذا علاه وحقيقته صار على ظهره اه‍. فعلى هذا ظهر في كلام المصنف بالبناء للمفعول. قوله: (فإن رجع وذهب بماله وظهر عليه فلوارثه) لانه انتقل إليهم بقضاء القاضي بلحاقه فكان الوارث مالكا قديما. وحكمه أنه إن وجده قبل القسمة أخذه بغير بدل، وإن وجده بعدها أخذه بقيمته إن شاء، وإن كان مثليا فقد تقدم أنه لا يؤخذ لعدم الفائدة، كذا في فتح القدير. والمثلي وارد على المصنف مع أن في عبارته إيهام أن يأخذه بغير شئ مطلقا، ولم يقيد المصنف أن يكون رجوعه بعد الحكم بلحاقه تبعا للجامع الصغير فأفاد أنه لا فرق بين أن يكون بعده أو قبله، أما إذا كان بعده فظاهر لتقرر الملك للوارث بالقضاء بلحاقه، وأما قبله فلان عوده وأخذه ولحاقه ثانيا يرجح جانب عدم العود ويؤكده فيتقرر موته، وما احتيج للقضاء باللحاق لصيرورته ميراثا إلا ليترجح عدم عوده فيتقرر إقامته ثمة فيتقرر موته، فكان رجوعه ثم عوده ثانيا بمنزلة القضاء. وفي بعض روايات السير جعله فيأ لان بمجرد اللحاق لا يصير المال

[ 228 ]

ملكا للورثة والوجه ظاهر الرواية: كذا في فتح القدير تبعا لما في النهاية والعناية وهما تبعا فخر الاسلام البزدوي في شرح الجامع الصغير من أن ظاهر الرواية الاطلاق. وقيد الفقيه أبو الليث في شرح الجامع الصغير بأن يكون الرجوع بعد القضاء أما قبله ففئ. وحمل في غاية البيان إطلاق الكتاب على مذهب محمد وما في بعض روايات السير على مذهب أبي يوسف. وبما قررناه سقط إشكال الزيلعي على النهاية لانه حيث كان ظاهر الرواية الاطلاق وكان له وجه ظاهر فلا محل للاشكال فلذا قال في الفتح: والوجه ظاهر الرواية واعتمده المصنف في الكافي. قوله: (وإن لحق وقضى بعبده لابنه فكاتبه فجاء مسلما فالمكاتبة والولاء لمورثه) وهو المرتد الذي عاد مسلما لانه لا وجه إلى إبطال الكتابة لنفوذها بدليل منفذ وهو القضاء بلحاقه فجعلنا الوارث الذي هو خلفه كالوكيل من جهته وحقوق العقد فيه ترجع إلى الموكل والولاء لمن يقع العتق عنه نظيره المكاتب إذا كاتب عبده ثم عجز وفسخت الكتابة الاولى تبقى الثانية على حالها ويكون بدل الكتابة وولاؤه لمولاه، وليس انتقال الكتابة إلى المرتد الذي أسلم بسبب انتقال المكاتب من ملك الابن إليه وإنما هو لسقوط ولاية الخلف عند ظهور ولاية الاصل، وأشار بفاء التعقيب في قوله فجاء مسلما إلى أن مجيئه عقيب كتابته يعني من غير أداء بدل الكتابة إلى الابن فلو أداها إليه ثم جاء مسلما فإنه عتق على الابن حين أدى وكان الولاء له فلا ينتقل بعده إلى أبيه كما لو أعتق الابن عبده ثم جاء مسلما والمكاتبة بدل الكتابة. وقيد بالكتابة لان الابن إذا دبره ثم جاء الاب مسلما فإن الولاء لا يكون للاب كما في التتارخانية. وأشار بكون البدل والولاء فقط للاب إلى أنه لا يمكن فسخ الكتابة لصدورها عن ولاية شرعية وقد صرح به الشارح، وقدمنا عن الخانية أنه يملك إبطال كتابة الوارث قبل أداء جميع البدل إلا أن يقال إن مرادهم أنه لا يمكن فسخها بمجرد مجيئه من غير أن يفسخها، أما إذا فسخها انفسخت إلا أن جعلهم الوارث كالوكيل من جهته يأباه وقدمنا حكم ما إذا كاتب ثم ارتد ثم لحق. قوله: (فإن قتل مرتد رجلا خطأ ولحق أو قتل فالدية في كسب الاسلام خاصة) بيان لحكم جنايته وهذا عند الامام. وقالا: الدية فيما اكتسبه في الاسلام والردة لان الكسبين ماله لنفوذ تصرفه في المالين ولذا يجري الارث فيهما عندهما وعنده ماله هو المكتسب في الاسلام لنفوذ تصرفه فيه دون المكسوب في الردة لتوقف تصرفه ولذا كان الاول ميراثا عنه والثاني فيأ، واتفقوا أنه لا عاقلة له لانعدام النصرة فتكون الدية في ماله. قيد بلحاقه أو قتله يعني

[ 229 ]

على الردة لانه لو أسلم تكون الدية في الكسبين جميعا مات أو لم يمت. وأشار بقوله خاصة إلى أنه لو لم يكن له كسب إسلام وإنما له كسب الردة فإن الجناية هدر عنده خلافا لهما، كذا في فتح القدير. وفيه نظر والصواب أن الدية في كسب الردة لانها كالدين وقدمنا عن أبي حنيفة في الدين ثلاث روايات، وفي رواية يقضي دين الاسلام من كسبه ودين الردة من كسبها، وفي رواية يقضي من كسب الردة إلا أن لا يفي فمن كسب الاسلام، وفي رواية عكسه وهي الصحيحة فلم يرد أن دين الردة هدر فكيف يقال في جنايته مع وجود كسب الردة أنها هدر والظاهر أنه سهو ولذا قال في التتارخانية والولوالجية: فإن لم يكن له إلا كسب الاسلام أو إلا كسب الردة تستوفى الدية منه، وإن كان له الكسبان قالا يستوفي منهما. وقال الامام: تستوفي من كسب الاسلام أولا فإن فضل شئ استوفى الفضل من كسب الردة اه‍. وفي فتح القدير: وعلى هذا لو غصب مالا فأفسده يجب ضمانه في مال الاسلام وعندهما في الكل اه‍. وفي غاية البيان: إن حكم ما اغتصبه أو أتلفه كذلك عنده في كسب الاسلام فإن فضل شئ كان في كسب الردة. وفي التتارخانية: هذا إذا ثبت الغصب والاتلاف بالمعاينة، فإن ثبت بإقرار المرتد فعندهما يستوفي من الكسبين، وعنده من كسب الردة، كذا ذكر شيخ الاسلام اه‍. وينبغي أن يكون القتل خطأ كذلك لكونه متهما في إقراره لحق الورثة. وفي فتح القدير الولوالجية: وجناية العبد والامة والمكاتب المرتدين كجنايتهم في غير الردة لان الملك فيهما قائم بعد الردة والمكاتب يملك إكسابه في الردة فيكون موجب جنايته في كسبه والجناية على المماليك المرتدين هدر اه‍. ولم يذكر المصنف حكم الجناية على المرتد بقطع يده أو رجله لكونه قد علم من قوله أولا لا يضمن قاتله بالاولى. وذكر محمد في الاصل أن الجاني لا يضمن. سواء مات المرتد من ذلك القطع على الردة أو مات مسلما حيث كان القطع وهو مرتد، وأما إذا كان القطع وهو مسلم والسراية إلى النفس وهو مرتد فهي المسألة الآتية. والواو في قوله ولحق بمعنى ثم وقيد به لانه لو قتل في دار الحرب ثم جاء تائبا فلا شئ عليه، وكذا لو غصب أو قذف لان فعله لم ينعقد موجبا لصيرورته في حكم أهل الحرب، وأما إذا فعل شئ قبل اللحاق ثم لحق فما كان من حقوق العباد كالقتل والغصب والقذف يؤخذ به، وما كان من حقوق الله تعالى كبقية الحدود فإنه يسقط لان اللحاق كالموت يورث شبهة، كذا في البدائع. قوله: (ولو ارتد بعد القطع عمدا أو مات أو لحق وجاء مسلما فمات منه ضمن القاطع

[ 230 ]

نصف الدية في ماله لورثته) بيان لمسألتين: إحداهما إذا قطعت يد المسلم عمدا ثم ارتد المقطوعة يده ثم سرى القطع إلى النفس. ثانيهما إذا لحق المقطوع يده بدار الحرب ثم عاد مسلما ثم سرى القطع إلى النفس، والحكم فيهما ضمان دية اليد فقط ولا يضمن القاطع بالسراية إلى النفس شيئا، أما في الاولى فلان السراية حلت محلا غير معصوم فانهدرت بخلاف ما إذا قطع يد المرتد ثم أسلم فمات من ذلك فإنه لا يضمن شيئا لان الاهدار لا يلحقه الاعتبار، أما المعتبر قد يهدر بالابراء وبالاعتاق وبالبيع كما لو قطع يد عبد ثم باعه مولاه ثم رد عليه بالعيب ثم مات العبد من القطع فإن الجاني لا يضمن للبائع ضمان النفس فلذا يهدر بالردة. وأما الثانية فقال في الهداية: معناه إذا قضى بلجاقه لانه صار ميتا تقديرا والموت يقطع السراية وإسلامه حياة حادثة في التقدير فلا يعود حكم الجناية الاولى، وإن لم يقض بلحاقه حتى عاد مسلما فهو على الخلاف الآتي في الآتية على الصحيح، فعند محمد يجب نصف الدية، وعندهما دية، وحاصله أنه بعد اللحاق قبل القضاء كما قبل اللحاق. قيد بقوله عمدا ليكون ضمان دية اليد في ماله لانه لو كان خطأ فهو على العاقلة كما في الولوالجية قوله: (وإن لم يلحق وأسلم ومات ضمن الدية) أي كاملة عندهما. وقال محمد: النصف لان اعتراض الردة أهدر السراية فلا ينقلب بالاسلام إلى الضمان كما إذا قطع يد مرتد فأسلم. ولهما أن الجناية وردت على محل معصوم وتمت فيه فيجب ضمان النفس كما إذا لم تتخلل الردة. وهذا لانه لا معتبر لقيام العصمة في حال بقاء الجناية وإنما المعتبر قيامها في حال انعقاد السبب وفي حال ثبوت الحكم وحالة البقاء بمعزل من ذلك وصار كقيام الملك في حال بقاء اليمين. قيد بكون المقطوع هو المرتد لانه لو لم يرتد وإنما ارتد القاطع بعد القطع ثم قتل القاطع أو مات ثم سرى القطع إلى النفس، فإن كان القطع عمدا فلا شئ على أحد لفوت محل القصاص، وإن كان خطأ وجبت الدية بتمامها على عاقله القاطع في ثلاث سنين من يوم قضاء القاضي عليهم - كذا في الخانية - لانه حين القطع كان مسلما وتبين أن الجناية قتل بخلاف ما إذا قطعها وهو مرتد فإنه لا شئ على العاقلة لان المرتد لا عاقلة له. وأشار بإضافة الضمان إليه إلى أنه في ماله لانه عمد والعاقلة لا تعقله فلو كان القطع خطأ وجبت الدية على العاقلة، كذا في الولوالجية. قوله: (ولو ارتد مكاتب ولحق وأخذ بماله وقتل فمكاتبته لمولاه وما بقى لورثته) أما على

[ 231 ]

أصلهما فظاهر لان كسب الردة ملكه إذا كان حرا فكذا إذا كان مكاتبا، وأما عند أبي حنيفة فلان المكاتب إنما يملك إكسابه بالكتابة والكتابة لا تتوقف بالردة فكذا إكسابه ألا ترى أنه لا يتوقف تصرفه بالاقوى وهو الرق فكذا بالادنى وهو الردة. ومعنى قوله أخذ بماله بالبناء للمفعول أنه أسر مع ماله وأبى أن يسلم فقتل وأورد عليه أنه إذا وفيت كتابته حكم بحريته في آخر جزء من أجزاء حياته فيتبين أن كسبه كسب مرتد حر فيكون فيأ عنده. وأجيب بأن الحكم بحريته إنما هو في الحقوق المستحقة بالكتابة وهي حرية نفسه وأولاده وملك كسبه رقبة وفيما عدا ذلك من الاحكام يعتبر عبدا ألا ترى أنه لا تصح وصيته وإن ترك وفاء لان الوصية ليست من الحقوق المستحقة بالكتابة فكذا كسبه لا يكون فيأ لان كسب العبد المرتد لا يكون فيئا فلا يجعل حرا في حقه والمكاتبة بدل الكتابة. وفي القاموس: المكاتبة التكاتب وأن يكاتبك عبدك على نفسه بثمنه فإذا أداه عتق اه‍. فإطلاق المكاتبة على البدل مجاز كما لا يخفى قوله: (ولو ارتد الزوجان ولحقا فولدت ولدا وولد له ولد فظهر عليهم فالولدان فئ ويجبر الولد على الاسلام لا ولد الولد) بيان لحكم ولد المرتدة وحاصله أنه إما أن يكون موجودا منفصلا حين الردة أولا، فإن كان الاول فإنه لا يكون مرتدا بردتهما معا لانه ثبت له حكم الاسلام بالتبعية فلا تزول بردتهما إلا إذا لحقا به أو أحدهما إلى دار الحرب فإنه خرج عن الاسلام لانه كان بالتبعية لهما أو للدار وقد انعدم الكل فيكون الولد فيئا ويجبر على الاسلام إذا بلغ كما تجبر الام عليه، فإن كان الاب ذهب به وحده والام مسلمة في دار الاسلام لم يكن الولد فيئا لانه بقي مسلما تبعا لامه، وإن كان الثاني بأن ولد لهما ولد بعد لحوقهما فحكمه حكمهما من كونه فيئا ومن الجبر على الاسلام، سواء كان الحبل في دار الحرب أو في دار الاسلام ولذا أطلقه المصنف. وتقييده في الهداية بكون الحبل في دار الحرب اتفاقي ليعلم حكم ما إذا حبلت به في دار الاسلام بالاولى لانه إذا أجبر على الاسلام مع بعده عنه ببعده عن داره فمع كونه أقرب إليه أولى كما في النهاية لكن ليس حكم هذا الولد كحكمهما من جهة القتل ولذا قال الولوالجي: لا يقتل لو أبى كولد المسلم إذا بلغ ولم يصف الاسلام يجبر عليه ولا يقتل. وإنما لم يجبر ولد الولد لانه أما بالتبعية لجده أو لابيه لا سبيل إلى الاول مع وجود أبيه ولا إلى الثاني لان ردة أبيه كانت تبعا والتبع لا يستتبع خصوصا وأصل التبعية ثابتة على خلاف القياس لانه لم يرتد حقيقة ولذا يجبر بالحبس لا بالقتل بخلاف أبيه، وإذا لم يتبع الجد فيسترق أو توضع عليه الجزية أو يقتل لان حكمه حينئذ حكم سائر أهل الحرب إذا أسروا، وأما الجد فيقتل لا محالة لانه المرتد بالاصالة أو يسلم، كذا في فتح القدير... واعلم

[ 232 ]

أن الجد ليس كالاب في ظاهر الرواية في ثمان مسائل، أربعة في الفرائض وأربعة في غيرها. أما الثاني فالاولى أنه لا يكون مسلما بإسلام جده في ظاهر الرواية وفي رواية الحسن يتبعه. وهذه وهو أن ولد الولد لا يجبر كجده مبنية عليها. والثانية صدقة الفطر للولد الصغير إذا كان جده موسرا أو لا أب له أو له أب معسر أو عبد لا تجب على الجد في ظاهر الرواية، وفي رواية الحسن تجب عليه. والثالثة جر الولاء صورتها: معتقة تزوجت بعبد وله أب عبد فولدت منه فالولد حرتبعا لامه وولاؤه لمولى أمه فإذا عتق جده لا يجر ولاء حافده إلى مواليه عن موالي أمفي ظاهر الرواية، وفي رواية الحسن يجره كما لو أعتق أبوه. والرابعة الوصية للقرابة لا يدخل الوالدان ويدخل الجد في ظاهر الرواية، وفي رواية الحسن لا يدخل كالاب. وأما الاربعة التي في الفرائض فرد الام إلى ثلث ما بقي وحجب أم الاب والاخوة لا تسقط بالجد عندهما وتسقط بالاب اتفاقا. والرابعة ابن المعتق يحجب الجد عن ميراث المعتق اتفاقا ولا يحجب الاب عند أبي يوسف فله السدس والباقي للابن، ذكر هذه الاربعة الاكمل في شرح السراجية. وذكروا هنا الاربعة الاولى، وينبغي أن يزاد مسألتان مذكورتان في النفقات: الاولى الام تشارك الجد في نفقة الصغير أثلاثا بخلاف الاب. الثانية لا تفرض النفقة على الجد المعسر بخلاف الاب فصارت المسائل عشرا. وقد يزاد أخرى هي أن الصغير لا يتصف بعدم اليتم بحياة جده ويتصف به بحياة أبيه كما في الخانية من الوقف. قيد بردتهما لما في البدائع لو مات مسلم عن امرأته وهي حامل فارتدت ولحقت بدار الحرب فولدت هناك ثم ظهر على الدار فإنه لا يسترق ويرث أباه لانه مسلم تبعا لابيه، ولو لم تكن ولدته حتى سبيت ثم ولدته في دار الاسلام فهو مسلم تبعا لابيه مرقوق تبعا لامه ولا يرث أباه لان الرق من أسباب الحرمان اه‍. قوله: (وارتداد الصبي العاقل صحيح كإسلامه ويجير عليه ولا يقتل) بيان لاسلام الصبي وردته، أما الاول ففيه خلاف زفر والشافعي نظرا إلى أنه في الاسلام تبع لابويه فيه فلا يجعل أصلا ولا نلزمه أحكاما يشوبها المضرة فلا يؤهل له. ولنا أن عليا رضي الله عنه أسلم في صباه وصحح النبي صلى الله عليه وسلم إسلامه وافتخاره بذلك مشهور، ولانه أتى بحقيقة الاسلام وهو التصديق والاقرار معه لان الاقرار عن طوع دليل على الاعتقاد على ما عرف والحقائق لا ترد وما يتعلق به سعادة أبدية ونجاة عقباوية وهو من أجل المنافع وهو الحكم الاصلي ثم يبتنى عليه غيرها فلا يبالي بما يشوبه. وفي فتح القدير: مقتضى الدليل أن يجب عليه بعد البلوغ فيجب القصد إلى تصديق وإقرار يسقط به، ولا يكفيه استصحاب ما كان عليه من التصديق

[ 233 ]

والاقرار غير المنوي به إسقاط الفرض كما أنه لو كان يواظب على الصلاة قبل بلوغه لا يكون كما كان يفعله بل لا يكفيه بعد بلوغه منها إلا ما قرنه بنية أداء الواجب امتثالا لكنهم اتفقوا على أنه لا يجب بل يقع فرضا قبل البلوغ، أما عند فخر الاسلام فلانه يثبت أصل الوجوب على الصبي بالسبب وهو حدث العالم وعقلية دلالته دون وجوب الاداء لانه بالخطاب وهو غير مخاطب، فإذا وجد بعد السبب وقع الفرض كتعجيل الزكاة. وأما عند شمس الائمة لا وجوب أصلا لعدم حكمه وهو وجوب الاداء فإذا وجد وجد كالمسافر يصلي الجمعة فيسقط فرضه وليست الجمعة فرضا عليه لكن ذلك للترفية عليه بعد سببها فإذا فعلها تم، ولا نعلم خلافا بين المسلمين في عدم وجوب نية فرض الايمان بعد البلوغ على قول من حكم بصحة إسلامه صبيا تبعا لابويه المسلمين أو لاسلامه وأبواه كافران، ولو كان ذلك فرضا لم ينقله أهل الاجماع عن آخرهم اه‍. ولم يذكر القول الثالث المختار عند أبي منصور الماتريدي وهو أن الصبي العاقل مخاطب بأداء الايمان كالبالغ حتى لو مات بعده بلا إيمان خلد في النار، وذكره في التجريد. وأما الثاني أعني ردته ففيها خلاف أبي يوسف نظرا إلى أنها مضرة محضة. ولهما أنها موجودة حقيقة ولا مرد للحقيقة كما قلنا في الاسلام والخلاف في أحكام الدنيا ولا خلاف أنه مرتد في أحكام الآخرة كما بيناه في شرح المنار المسمى بتعليق الانوار في أصول المنار معزيا إلى التلويح. وبه ظهر ما في النهاية العناية وفتح القدير بأنه إذا ارتد كان معذبا في الآخرة مخلدا. ونقلوه عن الاسرار والمبسوط وجامع التمرتاشي، وأحال التمرتاشي هذه الرواية إلى التبصرة. وإنما لا يقتل إذا أبى عن الاسلام لاختلاف العلماء في صحة إسلامه لكنه يجير على الاسلام لما فيه من النفع المتيقن. وهنا مسائل لا يقتل فيها المرتد: الاولى هذه. والثانية الذي إسلامه بالتبعية لابويه إذا بلغ مرتدا استحسانا لان إسلامه لما كان بطريق التبعية صار شبهة في إسقاط القتل. الثالثة إذا أسلم في صغره ثم بلغ مرتدا استحسانا لقيام الشبهة باختلاف العلماء في إسلامه. الرابعة المكره على الاسلام إذا ارتد لا يقتل استحسانا لان الشبهة بالاكراه مسقطة للقتل وفي الكل يجبر على الاسلام، ولو قتله قاتل قبل أن يسلم لا يلزمه شئ، كذا في المبسوط. وزاد في فتح القدير خامسة: اللقيط في دار الاسلام محكوم بإسلامه ولو بلغ كافرا أجبر على الاسلام ولا يقتل كالمولود بين المسلمين إذا بلغ كافرا اه‍. وقد قدمنا أن السكران إذا أسلم ثم ارتد لا يقتل. قيد بالعاقل لان ارتداد الصبي الذي لا يعقل غير صحيح كإسلامه لان إقراره لا يدل على تغيير العقيدة، وكذا المجنون والسكران

[ 234 ]

الذي لا يعقل وقدمنا حكم من جنونه متقطع وخرج عن هذا إسلام السكران فإنه صحيح كما ذكره الشارح والله أعلم. باب البغاة أخره لقلة وجوده ولبيان حكم من يقتل من المسلمين بعد من يقتل من الكفار. والبغاة جمع باغ من بغى على الناس ظلم واعتدى، وبغى سعى بالفساد ومنه الفرقة الباغية لانها عدلت عن القصد. وأصله من بغى الجرح إذا ترامى إلى الفساد، وبغت المرأة تبغي بغاء بالكسر والمد فجرت فهي بغي والجمع البغايا وهو وصف يختص بالمرأة ولا يقال للرجل بغي، قاله الازهري كذا في المصباح. وفي القاموس: الباغي الطالب والجمع بغاة وبغيان وفئة باغية خارجة عن طاعة الامام العادل اه‍. فقوله في فتح القدير الباغي في عرف الفقهاء الخارج عن الامام الحق تساهل لما علمت أنه في اللغة أيضا. والخارجون عن طاعته ثلاثة: قطاع الطريق وقد علم حكمهم، وخوارج وبغاة. وفرق بينهما في فتح القدير بأن الخوارج قوم لهم منعة وحمية خرجوا عليه بتأويل يرون أنه على باطل كفر أو معصية توجب قتاله بتأويلهم يستحلون دماء المسلمين وأموالهم ويسبون نساءهم ويكفرون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحكمهم عند جمهور الفقهاء والمحدثين حكم البغاة، وذهب بعض المحدثين إلى كفرهم. قال

[ 235 ]

ابن المنذر: لا أعلم أحدا وافق أهل الحديث على تكفيرهم، وهذا يقتضي نقل إجماع الفقهاء. وذكر في المحيط أن بعض الفقهاء لا يكفر أحدا من أهل البدع وبعضهم يكفرون بعض أهل البدع وهو من خالف ببدعته دليلا قطعيا ونسبه إلى أكثر أهل السنة، والنقل الاول أثبت. نعم يقع في كلام أهل المذاهب تكفير كثير لكن ليس من كلام الفقهاء الذين هم المجتهدون بل من غيرهم ولا عبرة بغير الفقهاء، والمنقول عن المجتهدين ما ذكرنا، وابن المنذر أعرف بنقل مذاهب المجتهدين، وما ذكره محمد بن الحسن من حديث الحضرمي يدل على عدم تكفير الخوارج. وأما البغاة فقوم مسلمون خرجوا على الامام العدل ولم يستبيحوا ما استباحه الخوارج من دماء المسلمين وسبي ذراريهم اه‍. فما في البدائع من تفسير البغاة بالخوارج فيه قصور وإنما لا نكفر الخوارج باستحلال الدماء والاموال لتأويلهم وإن كان باطلا بخلاف المستحل بلا تأويل. قوله: (خرج قوم مسلمون عن طاعة الامام وغلبوا على بلد دعاهم إليه وكشف شبهتهم) بأن يسألهم عن سبب خروجهم فإن كان لظلم منه أزاله، وإن قالوا الحق معنا والولاية لنا فهم بغاة لان عليا رضي الله عنه فعل ذلك بأهل حروراء قبل قتالهم ولانه أهون الامرين ولعل الشر يندفع به فيبدأ به استحبابا لا وجوبا فإن أهل العدل لو قاتلوهم من غير دعوة إلى العود إلى الجماعة لم يكن عليهم شئ لانهم علموا ما يقاتلون عليه فحالهم كالمرتدين وأهل الحرب بعد بلوغ الدعوة، كذا في العناية. فلو أبدوا ما يجوز لهم القتال كأن ظلمهم أو ظلم غيرهم ظلما لا شبهة فيه لا يكونون بغاة ولا يجوز معاونة الامام عليهم حتى يجب على المسلمين أن يعينوهم حتى ينصفهم ويرجع عن جورهم بخلاف ما إذا كان الحال مشتبها أنه

[ 236 ]

ظلم مثل تحميل بعض الجبايات التي للامام أخذها وإلحاق الضرر بها لدفع ضرر أعم منه، كذا في فتح القدير. قيد بإسلامهم لان أهل الذمة إذا غلبوا على موضع للحراب صاروا أهل حرب كما قدمناه لكن لو استعان أهل البغي بأهل الذمة فقاتلوا معهم لم يكن ذلك منهم نقضا للعهد كما أن هذا الفعل من أهل البغي ليس نقضا للايمان فحكمهم حكم البغاة، كذا في فتح القدير. يعني بالتبعية للمسلمين فلا يرد على التقييد بالاسلام والمراد بالامام السلطان أو نائبه. قال في الخانية من السير قال علماؤنا: السلطان من يصير سلطانا بأمرين: بالمبايعة معه ويعتبر في المبايعة أشرافهم وأعيانهم، والثاني أن ينفذ حكمه في رعيته خوفا من قهره وجبروته، فإن بايع الناس ولم ينفذ حكمه فيهم لعجزه عن قهرهم لا يصير سلطانا، فإذا صار سلطانا بالمبايعة فجار إن كان له قهر وغلبة لا ينعزل لانه لو انعزل يصير سلطانا بالقهر والغلبة فلا يفيد، وإن لم يكن له قهر وغلبة ينعزل اه‍. وقيد بغلبتهم على بلد لانه لا يثبت حكم البغي ما لم ينغلبوا ويجتمعوا ويصير لهم منعة، كذا في المحيط. ولم يقيد المصنف الامام بالعادل وقيده في فتح القدير بأن يكون الناس به في أمان والطرقات آمنة. قوله: (وبدأ بقتالهم) يعني إذا تعسكروا واجتمعوا وهو اختيار لما نقله خواهر زاده عن أصحابنا أنا نبدؤهم قبل أن يبدؤنا لان الحكم يدار على لدليل وهو الاجتماع والامتناع. وهذا لانه لو انتظر الامام حقيقة قتالهم ربما لا يمكنه الدفع فيدار على الدليل ضرورة دفع شرهم. ونقل القدوري أنه لا يبدؤهم حتى يبدؤه فإن بدؤه قاتلهم حتى يفرق جمعهم، وظاهر كلامهم أن المذهب الاول. وفي البدائع: يجب على كل من دعاهم الامام إلى قتالهم أن يجيب ولا يسعهم التخلف إذا كان له غنى وقدرة لان طاعة الامام فيما ليس بمعصية فرض فكيف فيما هو طاعة؟ وما عن أبي حنيفة من الاعتزال في الفتنة ولزوم البيت محمول على ما إذا لم يدعه أما إذا أدعاه الامام فالاجابة فرض اه‍. وأما تخلف بعض الصحابة رضي الله عنهم عنها فمحمول على أنه لم يكن لهم قدرة وربما كان بعضهم في تردد من حل القتال، وما روي إذا التقى المؤمنان بسيوفهما فالقاتل والمقتول في النار (1) محمول على اقتتالهما حمية وعصبة كما يتفق بين أهل قريتين أو محلتين أو لاجل الدنيا والمملكة، كذا في فتح القدير. وفي المحيط: طلب أهل البغي الموادعة أجيبوا إن كان خيرا المسلمين كما في أهل الحرب ولا يؤخذ منهم شئ فلو أخذنا منهم رهونا وأخذوا منا رهونا ثم غدروا بنا وقتلوا رهوننا لا ينبغي لنا أن نقتل رهونهم لان الرهون صاروا آمنين في أيدينا وشرط إباحة دمهم باطل، ولكنهم يحبسون إلى أن يهلك أهل البغي أو يتوبوا، وكذلك أهل الشرك إذا فعلوا برهوننا ذلك لا نفعل

[ 237 ]

برهونهم فيجبرون على الاسلام أو يصيروا ذمة. وفي الهداية: وإذا بلغه أنهم يشترون السلاح ويتأهبون للقتال ينبغي أن يأخذهم ويحبسهم حتى يقلعوا عن ذلك ويحدثوا توبة دفعا للشر بقدر الامكان. قوله: (ولو لهم فئة أجهز على جريحهم واتبع موليهم وإلا لا) أي وإن لم يكن لهم فئة لا يجهز على الجريح ولا يتبع المولى لدفع شرهم بالاول كيلا يلحقوا بهم ولاندفاع الشر دونه في الثاني، والفئة الطائفة والجمع فئون وفئات. وجهز على الجريح كمنع وأجهز ثبت قتله وأسرعه وتمم عليه، وموت مجهز وجهيز سريع، كذا في القاموس. واتبع على البناء للمفعول للقتل والاسر وموليهم بالنصب مفعول ثان وهو اسم فاعل من ولي تولية أدبر كتولي ولم يذكر حكم أسيرهم. وفي البدائع: إن شاء الامام قتله وإن شاء حبسه لاندفاع شره به. ويقاتل أهل البغي بالمنجنيق والغرق وغير ذلك كأهل الحرب، وكل من لا يجوز قتله من أهل الحرب من النساء والصبيان والشيوخ والعميان لا يجوز قتله من أهل البغي إلا إذا قاتلوا فيقتلون حال القتال وبعد الفراغ إلا الصبيان والمجانين. ولا يجوز للعادل أن يبتدئ بقتل محرمه من أهل البغي مباشرة إلا إذا أراد قتله فله أن يدفعه ولو بقتله، وله أن يتسبب ليقتله غيره كعقر دابته بخلاف أهل الحرب فإن له أن يقتل محرمه منهم مباشرة إلا الوالدين اه‍. قوله: (ولم تسب ذريتهم وحبس أموالهم حتى يتوبوا) لقول علي رضي الله عنه يوم الجمل: ولا يقتل أسير ولا يكشف ستر ولا يؤخذ مال. وهو القدوة في هذا الباب. وقوله في الاسير مؤول بما إذا لم يكن لهم فئة. ومعنى لا يكشف لهم ستر لا تسبي نساؤهم. أطلق المال فشمل العبيد فلذا قال في البدائع: وأما العبد المأسور من أهل البغي فإن كان قاتل مع مولاه يجوز قتله، وإن كان يخدم مولاه لا يجوز قتله ولكن يحبس حتى يتوب اه‍. وظاهر ما في الكتاب حبس عين الكراع وليس كذلك لما في الهداية: وأما الكراع فلا يمسك ولكنه يباع ويحبس ثمنه لمالكه لانه أنفع له. وذكر في المحيط الدواب بدل الكراع. وفي فتح القدير: ولا ينفق عليه من بيت المال لتتوفر مؤنتها عليه، وهذا إذا لم يكن للامام بها حاجة اه‍. قوله: (وإن احتاج قاتل بسلاحهم وخيلهم) لان عليا رضي الله عنه قسم السلاح فيما بين أصحابه بالبصرة وكانت قسمته للحاجة لا للتمليك، ولان للامام أن يفعل ذلك في مال العادل عند الحاجة ففي مال الباغي أولى والمعنى فيه إلحاق الضرر الادنى لدفع الاعلى. قيد بالسلاح والخيل لان غيرهما من الاموال لا ينتفع به مطلقا، كذا في البدائع. وفي المحيط: قال الباغي تبت وألقى السلاح كف عنه لان توبة الباغي بمنزلة الاسلام من الحربي في إفادة العصمة

[ 238 ]

والحرمة، ولو قال كف عني لانظر في أمري لعلي ألقى السلاح يكف عنه، ولو قال أنا على دينك ومعه السلاح لم يكف عنه لان ذلك ليس بتوبة اه‍. قوله: (وإن قتل باغ مثله فظهر عليهم لم يجب شئ) لانه لا ولاية لامام العدل حين القتل فلم ينعقد موجبا كالقتل في دار الحرب فلا قصاص ولا دية ولذا عبر بالشئ المنكر في النفي، فظاهره أنه لا يأثم أيضا وهو ظاهر ما في فتح القدير فإنه علل بأنه قتل نفسا يباح قتلها ألا ترى أن العادل إذا قتله لا يجب عليه شئ فلما كان مباح القتل لم يجب به شئ اه‍. وفي البدائع: يصنع بقتلى أهل العدل ما يصنع بسائر الشهداء لانهم شهداء، وأما قتلى أهل البغي فلا يصلى عليهم ولكنهم يغسلون ويكفنون ويدفنون، ويكره أن تؤخذ رؤسهم وتبعث إلى الآفاق وكذلك رؤس أهل الحرب لانه مثلة اه‍. وفي فتح القدير: وجوزه بعض المتأخرين إذا كان فيه طمأنينة قلوب أهل العدل أو كسر شوكتهم اه‍. ومنعه في المحيط في رؤس البغاة وجوزه في رؤس أهل الحرب. قوله: (وإن غلبوا على مصر فقتل مصري مثله فظهر على المصر قتل به) يعني بشرطين: الاول إن كان عمدا. الثاني أن لا يجري على أهله أحكام أهل البغي وأزعجوا من المصر قبل ذلك لانه حينئذ لم تنقطع ولاية الامام وبعد إجراء أحكامهم تنقطع فلا يجب. قوله: (وإن قتل عادل باغيا أو قتله باغ وقال أنا على حق ورثه وإن قال أنا على باطل لا) أي لا يرثه بيان لمسألتين: الاولى إذا قتل عادل باغيا فإنه يرثه ولا تفصيل فيه لانه قتل بحق فلا يمنع الارث، وأصله أن العادل إذا أتلف نفس الباغي أو ماله لا يضمن ولا يأثم لانه مأمور بقتالهم دفعا لشرهم، كذا في الهداية. وصرح في البدائع بأن العادل لا يضمن ما أصاب من أهل البغي من دم أو جراحة أو مال استهلكه. وفي شرح المختار قال محمد: إذا تابوا أفتيهم أن يغرموا ولا أجبرهم. وفي المحيط: العادل لو أتلف مال الباغي يؤخذ بالضمان لان مال الباغي معصوم في حقنا وأمكن إلزام الضمان له فكان في إيجابه فائدة. ووفق الشارح فحمل عدم وجوب الضمان على ما إذا أتلفه حال القتال بسبب القتال إذ لا يمكنه أن يقتلهم إلا بإتلاف

[ 239 ]

شئ من أموالهم كالخيل، وأما إذا أتلفوها في غير هذه الحالة فلا معنى لمنع الضمان لعصمة أموالهم. وفي فتح القدير: ولو دخل باغ بأمان فقتله عادل كان عليه الدية كما لو قتل المسلم مستأمنا في دارنا، وهذا لبقاء شبهة الاباحة في دمه. الثانية إذا قتل باغ عادلا فمنع أبو يوسف إرثه لانه قتل بغير حق، وكذا إذا أتلف ماله ضمنه لعصمة دمه وماله. وقالا: إن قال الباغي كنت على حق وأنا الآن على حق ورثه، وإن قال قتلته وأنا أعلم أني على الباطل لم يرثه لانه أتلف عن تأويل فاسد والفاسد منه ملحق بالصحيح إذا ضمت إليه المنعة في حق الدفع كما في منعة أهل الحرب وتأويلهم. والحاصل أن نفي الضمان منوط بالمنعة مع التأويل فإن تجردت المنعة عن التأويل كقوم تغلبوا على بلدة فقتلوا واستهلكوا الاموال بلا تأويل ثم ظهر عليهم أخذوا بجميع ذلك، ولو انفرد التأويل عن المنعة بأن انفرد واحد أو اثنان فقتلوا وأخذوا عن تأويل ضمنوا إذا تابوا أو قدر عليهم، كذا في فتح القدير. وفي الهداية: وعلى هذا الخلاف إذا مات المرتد وقد أتلف نفسا أو مالا اه‍. وبما قررناه ظهر أن الضمير في قوله وقال أنا على حق عائد إلى الباغي لا إلى القاتل الشامل للعادل والباغي. وفي الهداية: الباغي إذا قتل العادل لا يجب الضمان ويأثم. وفي البدائع: لا يضمن ما أصاب من دم أو جراحة أو مال، ولو فعل شئ من ذلك قبل الحروج وظهور المنعة أو بعد الانهزام وتفرق الجمع يؤخذ به اه‍. والحاصل أن المسألة رباعية لان الجاني والمجني عليه إما أن يكونا عادلين أو باغيين أو مختلفين، فإن كانا باغيين بينه بقوله وإن قتل باغ مثله وإن كانا مختلفين فقد بينه بقوله وإن قتل عادل باغيا أو قتله باغ وإن كانا عادلين فإن كانا في معسكر أهل البغي فلا قصاص لان دار البغي كدار الحرب، وإن كانا في مصر فيها البغاة لكن لم تجر أحكامهم فيها فقد بينه بقوله وإن غلبوا على مصر. وفي فتح القدير: وإن كان رجل من أهل العدل في صف أهل البغي فقتله رجل من أهل العدل لم تكن عليه دية كما لو كان في صف أهل الحرب. ثم اعلم أن المصنف سكت عن أحكام منها حكم قضاتهم. وفي البدائع: الخوارج لو ولوا قاضيا فإن كان باغيا وقضى بقضاء ثم رفعت إلى أهل العدل لا ينفذها لانه لا يعلم كونها حقا لانهم يستحلون دماءنا وأموالنا، ولو كتب القاضي الباغي إلى القاضي العادل كتابا فإن علم أنه قضى بشهادة أهل

[ 240 ]

العدل نفذه وإلا فلا، وإن كان قاضيهم عادلا نفذنا قضاءه لصحة توليته، والظاهر قضاؤه على رأي أهل العدل. ومنها أن أمان الباغي لاهل الحرب صحيح لاسلامه فإن غدر بهم البغاة فسبوا لا يحل لاحد من أهل العدل أن يشتري منهم. ومنها أنه لا يجوز لنا الاستعانة بأهل الشرك على أهل البغي إذا كان حكم أهل الشرك هو الظاهر، ولا بأس أن يستعين أهل العدل بالبغاة والذميين على الخوارج إذا كان حكم أهل العدل هو الظاهر، كذا في فتح القدير. قوله: (وكره بيع السلاح من أهل الفتنة لانه إعانة على المعصية) قيد بالسلاح لان بيع ما يتخذ منه السلاح كالحديد ونحوه لا يكره لانه لا يصير سلاحا إلا بالصنعة، نظيره بيع المزامير يكره ولا يكره بيع ما يتخذ منه المزامير وهو القصب والخشب، وكذا بيع الخمر باطل ولا يبطل بيع ما يتخذ منه وهو العنب، كذا في البدائع. وذكر الشارح أن بيع الحديد لا يجوز من أهل الحرب ويجوز من أهل البغي، والفرق أن أهل البغي لا يتفرغون لعمله سلاحا لان فسادهم على شرف الزوال بخلاف أهل الحرب اه‍. وقد استفيد من كلامهم هنا أن ما قامت المعصية بعينه يكره بيعه وما لا فلا ولذا قال الشارح: إنه لا يكره بيع الجارية المغنية والكبش النطوح والديك المقاتل والحمامة الطيارة اه‍. وذكر الشارح من الخطر والاباحة أنه لا يكره بيع جارية لمن لا يستبريها أو يأتيها من دبرها أو بيع غلام من لوطي اه‍. وفي الخانية من البيوع: ويكره بيع الامرد من فاسق يعلم أنه يعصي به لانه إعانة على المعصية اه‍. وسيأتي إن شاء الله تعالى في الحظر والاباحة تمامه. أطلق في أهل الفتنة فشمل البغاة وقطاع الطريق واللصوص. قوله: (وإن لم يدر أنه منهم لا) أي لا يكره البيع لان الغلبة في الامصار لاهل الصلاح وظاهر كلامهم في الاول أن الكراهة تحريمية لتعليلهم بالاعانة عى المعصية والله أعلم بالصواب.

[ 241 ]

كتاب اللقيط لما كان في الالتقاط دفع الهلاك عن نفس اللقيط ذكره عقيب الجهاد الذي فيه دفع الهلاك عن نفس عامة المسلمين. قال في القاموس: لقطه أخذه من الارض فهو ملقوط ولقيط، واللقيط المولود الذي ينبذ كالملقوط اه‍. وفي المغرب: اللقيط ما يلقط أي يرفع عن الارض وقد غلب على الصبي المنبوذ لانه على عرض أن يلقط. وهو في الشريعة اسم لحي مولود طرحه أهله خوفا من العيلة أو فرارا من تهمة الريبة مضيعة آثم ومحرزه غانم. قوله: (ندب التقاطه) لما فيه من إحيائه وهو من أفضل الاعمال. قوله: (ووجب أن خيف الضياع) أي فرض على الكفاية إن غلب على ظنه هلاكه لو لم يرفعه بأن وجده في مفازة ونحوها من المهالك صيانة له ودفعا للهلاك عنه كمن رأى أعمى يقع في البئر افترض عليه حفظه من الوقوع. وإنما افترض على الكفاية لحصول المقصود بالبعض وهو صيانته، ويتعين إن لم يعلم به غيره، وفي القاموس: ضاع يضيغ ضيعا ويكسر وضيعة وضياعا هلك اه‍. فالضاد مفتوحة وليس المراد من الوجوب ما اصطلحنا عليه بل الافتراض فلا خلاف بيننا وبين باقي الائمة كما قد توهم، وينبغي أن يحرم طرحه بعد التقاطه لانه وجب عليه بالتقاطه حفظه فلا يملك رده إلى ما كان عليه. قوله: (وهو حر) لان الاصل في بني آدم إنما هو الحرية وكذا الدار دار الاحرار، ولان الحكم للغالب فيترتب عليه أحكام الاحرار من أهلية الشهادة والاعتاق وتوابعه وحد قاذفه وغير ذلك من أحكام الاحرار إلا أنه لا يحد قاذف أمه لان إحصان المقذوف شرط ولم يعرف إحصانها، وسيأتي أنه لا يرق إلا ببينة وسنبين حكم إقراره بالرق. أطلقه فشمل ما إذا كان الواجد حرا أو عبدا أو مكاتبا ولا يكون تبعا للواجد، كذا في الولوالجية: وفي المحيط: وجد العبد المحجور عليه لقيطا ولا يعرف إلا بقوله وقال المولى

[ 242 ]

كذبت بل هو عبدي فالقول للمولى لان ما في يد العبد المحجور في يد المولى لانه ليس له يد على نفسه، ولهذا لو ادعى إنسان ما في يده لا ينتصب خصما له، ولو أقر بما في يده لم يصح، وإن كان مأذونا فالقول له لان للمأذون يدا ولهذا ينتصب خصما لمن ادعى ما في يده، ولو أقر بما في يده صح فصح إقراره بأنه لقيط من حيث إن ما في يده ليس له كما في مال آخر في يده لا من حيث إنه أقر بالحرية لانه لا يملك الاقرار بالحرية وتثبت حريته باعتبار الاصل فإنها أصل في بني آدم لا بإقراره اه‍. قوله: (ونفقته في بيت المال) هو المروي عن عمر وعلي رضي الله عنهما ولانه مسلم عاجز عن الكسب ولا مال له ولا قرابة فأشبه المقعد الذي لا مال له ولا قرابة، وسيأتي في اللقطة أن الملتقط متبرع بالانفاق عليهما وبإذن القاضي يكون دينا ونبينه إن شاء الله تعالى. وفي الخانية: وإن أمره القاضي أن ينفق عليه وشرط له الرجوع على اللقيط فادعى الملتقط عليه بعد بلوغه أنه أنفق عليه بأمر القاضي كذا إن صدقه اللقيط رجع بذلك عليه وإن كذبه في الانفاق لا يرجع إلا ببينة اه‍. أطلق النفقة فشمل الكسوة كما في المحيط. ولو قال وما يحتاج إليه في بيت المال لكان أولى لما في المحيط أن مهره إذا زوجه السلطان في بيت المال وإن كان له مال ففي ماله اه‍. ولو أبى الملتقط الانفاق عليه وسأل القاضي أخذه منه فهو مخير والاولى قبوله بالبينة إذا علم عجزه عنه، فلو قبله القاضي ودفعه إلى آخر وأمره بالانفاق ليرجع ثم طلب الاول رده خير القاضي، كذا في الخانية والمحيط. قوله: (كإرثه وجنايته) فإن إرثه لبيت المال وجنايته فيه لان الخراج بالضمان فلو وجد اللقيط قتيلا في محلة كان على أهل تلك المحلة ديته لبيت المال وعليهم القسامة، وكذا إذا قتله الملتقط أو غيره خطأ فالدية على عاقلته لبيت المال، ولو قتله عمدا فالخيار للامام بين القتل والصلح على الدية وليس له العفو. وقال أبو يوسف: تجب الدية في مال القاتل، كذا في الخانية، وفي البدائع: إن ولاءه لبيت المال كعقله وله أن يوالي من شاء إذا بلغ إلا إذا عقل عنه بيت المال فليس له أن يوالي أحدا ووليه السلطان في ماله ونفسه للحديث السلطان ولي من لا ولي له (1) فيزوجه ويتصرف في ماله دون الملتقط. وفي الظهيرية: لو جعل الامام ولاء اللقيط للملتقط جاز له لانه قضاء في فصل مجتهد فيه. قوله: (ولا يأخذه منه أحد) أي لا يأخذ اللقيط من الملتقط أحد بغير رضاه لانه ثبت حق الحفظ له لسبق يده. عممه فشمل الامام الاعظم فلا يأخذه منه بالولاية العامة إلا بسبب

[ 243 ]

يوجب ذلك، كذا في فتح القدير. وقيدنا بالجبر لانه لو دفعه إلى غيره باختياره جاز وليس له أن يأخذه من الثاني لانه أبطل حق نفسه عن اختيار، وأفاد بأنه لا يأخذه أحد أنه لو انتزعه أحد فاختصم الاول والثاني إلى القاضي فإن القاضي يدفعه إلى الاول، كذا في الخانية. وينبغي أن ينتزع منه إذا لم يكن أهلا لحفظه كما قالوا في الحاضنة وكما أفاده في فتح القدير بقوله إلا بسبب يوجب ذلك. وفي الخانية: وللملتقط أن ينقله إلى حيث شاء اه‍. وفي فتح القدير: ولو وجده مسلم وكافر فتنازعا في كونه عند أحدهما قضي به للمسلم لانه محكوم له بالاسلام فكان المسلم أولى بحفظه ولانه يعلمه أحكام الاسلام بخلاف الكافر اه‍. وهو يفيد أن الملتقط إذا كان متعددا فإن أمكن الترجيح اختص به الراجح ولم أر حكم ما إذا استويا، وينبغي أن يكون الرأي فيه إلى القاضي وفي روض الشافعية يشترط في الملتقط تكليف وحرية ورشد وإسلام وعدالة فلا يصح من عبد إلا بإذن سيده أو تقريره ويكون السيد الملتقط وإلا انتزع من العبد، ولا من مكاتب إلا بإذن سيده وينزع من سفيه وفاسق وكافر، وكذا ما لم يختبر وظاهره الامانة فإن تنازع فيه ملتقطان قبل أخذه اختار الحاكم ولو غيرهما أو بعد الاخذ وهما أهل للالتقاط فالسابق بالاخذ، فإن استويا قدم الغني وظاهر العدالة على فقير ومستور. ثم يقرع، ولا يقدم مسلم على ذمي في كافر، والرجل والمرأة سواء فيقرع اه‍. ولم أر مثل هذا البيان لاصحابنا. قوله: (ويثبت نسبه من واحد) استحسانا لاحتياجه إليه. أطلقه فشمل الملتقط وغيره والقياس أن لا يقبل دعوى غيره لانه يتضمن إبطال حق الملتقط. وجه الاستحسان أنه إقرار للصبي بما ينفعه لانه يتشرف بالنسب ويعير بعدمه، ولو ادعاه الملتقط قيل يصح قياسا واستحسانا والاصح أنه على القياس والاستحسان لكن وجه القياس هنا غير وجه القياس في دعوى غير الملتقط، فوجهه في دعوى غير الملتقط تضمن إبطال حق الملتقط، ووجهه في دعوى الملتقط تناقض كلامه وتمامه في النهاية. وأفاد بثبوت النسب بدعوى غير الملتقط أن يكون أحق بحفظه من الملتقط ضرورة ثبوت النسب وكم من شئ يثبت ضمنا ولا يثبت قصدا وهو الاصح. وأطلقه عن البينة فشمل ما إذا لم يبرهن استحسانا لما فيه من النظر

[ 244 ]

من الجانبين، والقياس أن لا يثبت إلا ببينة، وهذا إذا لم يظهر كذبه ولذا قال في الظهيرية: لو انفرد رجل بالدعوى وقال هو غلام فإذا هو جارية أو قال هو جارية فإذا هو غلام لا يقضي له أصلا اه‍. وهذا كله حالة الحياة، أما بعد الموت فقال في الخانية: وإذا مات اللقيط وترك مالا أو لم يترك فادعى رجل بعد موته أنه ابنه لا يصدق إلا بحجة اه‍. قوله: (ومن اثنين) أي ويثبت نسبه من اثنين إذا ادعياه معا ولا مرجح لاستوائهما في السبب. وقيده في الخانية بأن يقول كل واحد منهما هو ولدي من جارية مشتركة بينهما. قيد بالاثنين لان فيما زاد على الاثنين اختلافا فروي عن الامام أنه جوز إلى خمسة. وقال أبو يوسف: يثبت من اثنين ولا يثبت من أكثر من ذلك. وقال محمد: أجوز الثلاثة ولا أجوز أكثر من ذلك، كذا ذكره الاسبيجابي، ولم أر توجيه هذه الاقوال. وقيد بدعوى الرجل لان المدعي لو كان امرأة ادعت أنه ابنها فإن صدقها زوجها أو شهدت لها القابلة أو قامت البينة صحت دعوتها وإلا فلا، لان فيه حمل نسب الغير على الغير وأنه لا يجوز. ولو ادعت امرأتان وأقامت إحداهما البينة فهي أولى به، وإن أقامتا جميعا فهو ابنهما عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف لا يكون لواحدة منهما. وعن محمد روايتان: في رواية أبي حفص يجعل ابنهما، وفي رواية أبي سليمان لا يجعل ابن واحدة منهما، كذا في البدائع. واعلم أن شهادة القابلة إنما يكتفى بها فيما إذا كان لها زوج منكر للولادة، أما إذا لم يكن لها زوج فلا بد من شهادة رجلين كما صرح به في الخانية. وفيها: لو أقامت إحداهما رجلين والاخرى امرأتين يجعل ابنا للذي شهد لها رجلان، ولو ادعت امرأتان اللقيط أنه ابنهما كل واحدة منهما تقيم البينة على رجل على حدة بعينه أنها ولدته منه قال أبو حنيفة: يصير ولدهما من الرجلين جميعا. وقالا: لا يصير ولدهما ولا ولد الرجلين اه‍. وفي الظهيرية: رجلان ادعيا نسب اللقيط وأقاما البينة وأرخت بينة كل واحدة منهما يقضي لمن يشهد له سن الصبي، فإن كان سن الصبي مشتبها لم يوافق كلا من التارخين فعلى قولهما يسقط اعتبار التاريخ ويقضي به بينهما باتفاق الروايات، وأما على قول أبي حنيفة فقد ذكر خواهر زاده أنه يقضي به بينهما في رواية أبي حفص، وفي رواية أبي سليمان يقضي لاقدمهما تاريخا اه‍. وفي التتارخانية أنه يقضي به بينهما في عامة الروايات وهو الصحيح. وقيدنا بكونهما ادعياه معا لانه لو سبقت دعوة أحدهما فهو ابنه لعدم النزاع، ولو ادعى الآخر بعده لا يقبل منه إلا ببينة لان البينة أقوى،

[ 245 ]

كذا في الهداية. ولا اعتبار بالوصف من الثاني مع سبق الاول كما في فتح القدير. وقيدنا بعدم المرجح لاحدهما لانه لو كان لاحدهما مرجح فهو أولى فيقدم الملتقط على الخارج ولو كان الملتقط ذميا والخارج مسلم لاستوائهما في الدعوى ولاحدهما يد فيحكم للذمي وبإسلام الولد، يقدم من يقيم البينة على من لم يبرهن من الخارجين، والمسلم على الذمي، والحر على العبد، والذمي الحر على العبد المسلم، ولم يذكروا من المرجح تقديم الاب على الابن وذكروه في ولد الجارية المشتركة، والفرق ظاهر وأما الترجيح بالعلامة فسيأتي. قوله: (وإن وصف أحدهما علامة به) أي بالولد قوله: (فهو أحق به) يعني إذا وافقها لان الظاهر شاهد له لموافقة العلامة كلامه. قيد باللقيط لان صاحب العلامة في اللقطة لا يترجح عند التنازع لان الترجيح عند وجود سبب الاستحقاق وقد وجد في اللقيط وهو الدعوة دون اللقطة، وكذا لو تنازع خارجان عينا في يد ثالث وذكر أحدهما علامة فإنه لا ترجيح له، وقيدنا بالموافقة لانه لو وصف أحدهما العلامة ولم يصب فلا ترجيح وهو ابنهما، وكذا لو وصف أحدهما وأصاب في البعض وأخطأ في البعض فهو ابنهما، وإن وصفا ولم يصب واحد منهما فهو ابنهما، ولو وصفا وأصاب أحدهما دون الآخر قضي للذي أصاب، كذا في الظهيرية. ثم اعلم أن لعلامة مرجحة عند عدم مرجح أقوى منها فيقدم ذو البرهان على ذي العلامة والمسلم على الذمي ذي العلامة، وظاهر ما في فتح القدير تقديم ذي اليد على الخارج ذي العلامة، وينبغي تقديم الحر على العبد ذي العلامة فعلم أنها أضعف المرجحات. وفي التتارخانية: وإذا ادعى اللقيط رجلان ادعى أحدهما أنه ابنه والآخر أنه ابنته فإذا هو خنثى فإن كان مشكلا قضى به بينهما، وإن لم يكن مشكلا حكم به لمن ادعى أنه ابنه اه‍. وفيها عن القدوري: لو شهد للمسلم ذميان وللذمي مسلمان قضى به للمسلم. قوله: (ومن ذمي وهو مسلم إن لم يكن في مكان أهل الذمة) أي يثبت النسب من ذمي عند عدم دعوى مسلم ويكون اللقيط مسلما إن لم يكن في مكان أهل الذمة، وهذا استحسان

[ 246 ]

لان دعواه تتضمن النسب وهو نافع للصغير وإبطال الاسلام الثابت بالدار وهو يضره فصحت دعوته فيما ينفعه دون ما يضره. والمراد من مكان أهل الذمة قرية من قراهم أو بيعة أو كنيسة. قال في الهداية: وهذا الجواب فيما إذا كان الواجد ذميا رواية واحدة، وإن كان الواجد مسلما في هذا المكان أو ذميا في مكان المسلمين اختلفت الرواية فيه ففي كتاب اللقيط اعتبر المكان لسبقه، وفي كتاب الدعوى في بعض النسخ اعتبر الواجد وهو رواية ابن سماعة عن محمد لقوة اليد ألا ترى أن تبعية الابوين فوق تبعية الدار حتى إذا سبى مع الصغير أحدهما يعتبر كافرا. وفي بعض نسخه اعتبر الاسلام نظرا للصغير. وفي النهاية حاصلها على أربعة أوجه: أحدها أن يجده مسلم في مكان المسلمين فهو مسلم. ثانيها أن يجده كافر في مكانهم فهو كافر. ثالثها أن يجده كافر في مكان المسلمين. رابعها عكسه ففيه روايتنا ففي كتاب اللقيط العبرة للمكان فيهما، وفي رواية ابن سماعة العبرة للواجد فيهما. وفي فتح القدير: ولا ينبغي أن يعدل عما في بعض النسخ من اعتبار الاسلام أي ما يصير الولد به مسلما نظرا للصغير اه‍. وظاهر كلام المصنف أنه إنما يعتبر مكان أهل الذمة إذا كان الواجد ذميا ومفهومه إن يكون مسلما في الصور الثلاث ذميا في صورة واحدة ولا يعدل عنه كما ذكرنا. وفي كفاية البيهقي قيل يعتبر بالسيما والزي لانه حجة قال الله تعالى * (نعرفهم بسيماهم) * (البقرة: 273) وقال * (يعرف المجرمون بسيماهم) * (الرحمن: 41) وفي المبسوط: كما لو اختلط الكفار يعني موتانا بموتاهم فإنه يعتبر بالزي والعلامة، ولو فتحت القسطنطينية فوجد فيها شيخ يعلم صبيانا حوله القرآن يزعم أنه مسلم يجب أن يؤخذ بقوله، كذا في فتح القدير. وذكر في الخانية الروايات الاربع وصرح في المختار بأن ظاهر الرواية اعتبار المكان. وفي الخانية: ولو أدرك اللقيط كافرا فإن كان الملتقط وجده في مصر من أمصار المسلمين فإنه يحبس ويجير على الاسلام استحسانا. واختلفوا في موضع القياس والاستحسان قال بعضهم: القياس والاستحسان في قتله إذا لم يسلم في القياس يقتل، وفي الاستحسان لا يقتل. وقال بعضهم: الاستحسان والقياس في الجبر على الاسلام في القياس لا يجبر على الاسلام وترك على الكفر بالحرية، وفي الاستحسان يجبر على الاسلام ولا يترك على الكفر وهو الصحيح اه‍. ثم اعلم أن ابن الذمي اللقيط إنما يكون مسلما إذا لم يقم بينة أنه ابنه فإن برهن بشهود مسلمين قضي له به وصار تبعا له في دينه، وإن أقام بينة من أهل الذمة لا يكون ذميا لانا حكمنا بإسلامه فلا يبطل هذا الحكم بهذه البينة لانها شهادة قامت في حكم الدين على مسلم فلا تقبل، كذا في الخانية. قوله: (ومن عبد وهو حر) أي يثبت نسبه

[ 247 ]

من عبد ادعى أنه ابنه لانه ينفعه وكان حرا لان المملوك قد تلد له الحرة فلا تبطل الحرية الظاهرة بالشك، وقد منا أن الحر في دعوته اللقيط أولى من العبد كما أن المسلم أولى من الذمي ترجيحا لما هو إلا نظر في حقه. أطلق في قوله وهو حر فشمل ما إذا قال العبد هو ابني من زوجتي وهي أمة فصدقه مولاها لانه حر باعتبار الاصل فلا تبطل الحرية بتصادق العبد وسيدها، وهذا قول محمد. وقال أبو يوسف: يكون عبدا لسيدها لان الامة أمه فإذا ثبت النسب منها ثبت ما هو من ضروراته وهو الرق إذ يستحيل أن يكون المولود بين رقيقين حرا بخلاف الذمي على ما بينا. قلنا: لا يستحيل ذلك لانه يجوز عتقه قبل الانفصال وبعده فلا تبطل الحرية الثابتة بالدار بالشك، كذا في التبيين. وظاهره ترجيح قول محمد. وفي آخر جامع الفصولين قيل، قد يكون الولد حرا من زوجين قنين بلا تحرير ووصية وصورته أن يكون للحر ولد وهو قن لاجنبي فزوج الاب أمته من ولده برضا مولاه فولدت الامة ولدا فهو حر لانه ولد ولد المولى اه‍. وفي التبيين: ولو ادعاه حران أحدهما أنه ابنه من هذه الحرة والآخر من الامة فالذي يدعي أنه من الحرة أولى لكونه أكثر إثباتا لكونه يثبت جميع أحكام النسب ولو كانت الامة سرية له لانه يثبت الاحكام من جانب والآخر من جانبين فكان أولى. قوله: (ولا يرق إلا ببينة) لانه حر ظاهرا فإذا أقام بينة أنه عبده قبلت وكان عبده، لا يقال هذه البينة ليست على خصم فلا تقبل لان الملتقط خصم لانه أحق بثبوت يده عليه فلا تزول إلا ببينة هنا، وإنما قلنا هنا كيلا ينقص بما إذا ادعى خارج نسبه فإن يده تزول بلا بينة على الاوجه، والفرق أن يده اعتبر لمنفعة الولد، وفي دعوى النسب منفعة تفوق المنفعة التي أوجبت اعتبار يد الملتقط فتزال لحصول ما يفوق المقصود من اعتبارها، وهنا ليس دعوى العبدية كذلك بل هو بما يضره لتبديل صفة المالكية بالمملوكية فلا تزال إلا ببينة، ويشترط في قبولها إسلامهم لانه مسلم بالدار وباليد فلا يحكم عليه بشهادة الكفار إلا إذا اعتبر كافرا بوجوده في موضع أهل الذمة على ما بينا. وفي المحيط: وإن ادعى الملتقط أنه عبده إن لم يقر بأنه لقيط فالقول قوله لان الصغير في يده، وإن أقر أنه لقيط لا يصدق في دعواه إلا ببينة. قيد بالبينة لانه لا يرق بإقراره لمدعيه فلو صدقه اللقيط قبل البلوغ لا يسمع تصديقه لانه يضر به نفسه بعد الحكم بالحرية بخلاف ما إذا كان صغيرا في يد رجل فادعى أنه عبده وصدقه الغلام فإنه يكون عبدا له وإن لم يدرك لانه لم يعرف إلا في يده وإن رد لا يصح لقيام يده من وجه، وإن بلغ فأقر أنه عبد فلان وفلان يدعيه إن كان قبل أن يقضي عليه بما لا يقضي به إلا على الاحرار كالحد الكامل ونحوه صح إقراره وصار عبدا لانه غير متهم فيه، وإن كان بعد القضاء بنحو ذلك لا يقبل ولا يصير به عبدا لان فيه إبطال حكم الحاكم، ولانه مكذب في ذلك شرعا فهو كما لو كذبه الذي أقر له بالرق. ولو كان اللقيط امرأة فأقرت بالرق بعدما كبرت أو كان بعد التزوج صح وكانت أمة للمقر له، ولا تصدق في إبطال النكاح لان

[ 248 ]

الرق لا ينافي النكاح ابتداء ولا بقاء فليس من ضرورة الحكم برقها انتفاء النكاح وإن بلغ فتزوج امرأة ثم أقر أنه عبد لفلان ولامرأته عليه صداق فصداقها لازم عليه لا يصدق في إبطاله لانه دين ظهر وجوبه فهو متهم في إقراره، وكذا إذا استدان دينا أو بايع إنسانا أو كفل كفالة أو وهب أو تصدق وسلم أو دبر أو كاتب أو أعتق ثم أقر أنه عبد فلان لا يصدق في إبطال شئ من ذلك لانه متهم، كذا في فتح القدير والخانية وزاد فيها: فإذا أعتقها المقر له وهي تحت زوج لم يكن لها خيار العتق، ولو كان الزوج طلقها واحدة فأقرت بالرق بصير طلاقها ثنتين لا يملك الزوج عليها بعد ذلك إلا طلقة واحدة، ولو كان طلقها ثنتين ثم أقرت بالرق كان له أن يراجعها، وكذلك حكم المعتدة إذا أقرت بالرق بعد ما حاضت حيضتين كان له أن يراجعها في الحيضة الثالثة اه‍. وهكذا ذكر في المحيط وزاد فيه: لو دبر اللقيط عبدا ثم أقر بالرق لآخر ثم مات عتق المدبر من ثلثه ويسعى في ثلثي قيمته لمولاه لان المقر بالرق بقي حرا في حق المدبر وقد مات ولا مال له غير المدبر فيسعى في ثلثي قيمته لمولاه لانه يقر بذلك لمولاه، ولو أن مولاه أعتقه كان المدبر على حاله غير أن خدمته للمولى وسعايته بعد موت اللقيط للمولى لان المدبر يقر بالخدمة والسعاية للقيط وهو يقر بذلك لمولاه فصار كمن يقر للمقر له اه‍. وذكره في المحيط من كتاب الاقرار أيضا وزاد في باب الاقرار بالرق أن ما ولدت قبله أو بعده لاقل من ستة أشهر فهو حر لانه عرف علوقه قبل الاقرار فلا يصدق في إبطال حريته، فإن ولدته لاكثر فعند أبي يوسف هو عبد خلافا لمحمد لان الزوج استحق عليها حرية الاولاد فلا يبطل هذا الاستحقاق بإقرارها. وذكر في الزيادات: لو طلقها الزوج تطليقتين وهو لا يعلم بإقرارها ملك عليها الرجعة ولو علم لا يملك. وذكر في الجامع لا يملك علم أو لم يعلم. قيل: ما ذكره في الجامع قياس، وما ذكر في الزيادات استحسان وهو الصحيح. ولو اشترى مجهول الحرية عبدا فأعتقه ثم أقر بالرق فجحد المعتق وللمقر ابن كبير يجحد أيضا يصير المقر عبدا والمعتق حر على حاله، فإن مات المعتق وترك مالا وعصبة فماله لعصبته، فإن لم يكن له وارث غير الذي أعتقه فماله للمقر له، فإن كان للميت بنت فالنصف لها والنصف للمقر له فإن جنى هذا العتيق فأرشه عليه، وإن جنى عليه فهي كالجناية على المملوك وهو كالمملوك في الشهادة لان حريته ثابتة بالظاهر لا بالدليل فصلح للدفع لا للاستحقاق، ولو أعتق المقر له المقر ثم مات العتيق الاول ولا عصبة له كان ميراثه للمقر له اه‍. وفيه أيضا: لو أقرت المنكوحة بالرق فإن أعطاها الزوج المهر قبل إقرارها برئ وبعد إقرارها لم يبرأ لان المهر صار للمقر له اه‍. وهو يفيد أنها أمة في حق القسم في

[ 249 ]

النكاح، وينبغي أن يكون تسليمها للزوج كتسليم الحرائر فلا يملك المقر له استخدامها ومنعها من السكنى مع الزوج لما فيه من الاضرار فتستحق النفقة بلا تبوئة. وقيد في المحيط بجحد العتيق ولم يصرح بمفهومه، وصرح في تلخيص الجامع بأنه لو صدق العتيق مولاه في إقراره بالرق يبطل عتقه لان المنع لحقه إذ الولاء يقبل البطلان بدليل العتيقة ترتد فتسبى. وفي التتارخانية: إذا أقر أنه ببد لا يصدق على إبطال شئ كان فعله إلا النكاح لانه لما أقر بالرق فقد زعم أن النكاح لم يصح لعدم إذن من يزعم أنه مولاه فيجب أن يؤاخذ بزعمه بخلاف المرأة لو أقرت بالرق لا يبطل نكاحها اه‍. قوله: (وإن وجد معه مال فهو له) اعتبارا للظاهر وأورد عليه أن يكفي للدفع لا للاستحقاق، فلو ثبت الملك للقيط بهذا الظاهر كان الظاهر مثبتا. قلنا: يدفع بهذا الظاهر دعوى الغير، ثم الظاهر أن تكون الاملاك في يد الملاك، وكذا الظاهر يدل على أن من وضعه معه إنما وضعه لينفق عليه. أطلقه فشمل ما إذا كان المال مشدودا عليه أو دابة هو مشدود عليها وإن وجد اللقيط على دابة فهي له، وحكي أن لقيطة وجدت ببغداد وعند صدرها رق منشور فيه هذه بنت شقي وشقية بنت الطباهجة والقلية ومعها ألف دينار جعفرية يشتري بها جارية هندية وهذا جزاء من لم يزوج بنته وهي كبيرة. وفي رواية وهي صغيرة، كذا في الجوهرة. وفيها: لو كان المال موضوعا بقربه لم يحكموا له به ويكون لقطة اه‍. ولا يخفى أن الدراهم والدنانير الموضوعة عليه له لدخولها تحت قولهم معه مال. وينبغي أن تكون الدراهم التي فوق فراشه أو تحته له كلباسه ومهاده ودثاره بخلاف ما إذا كان مدفونا تحته ولم أره كما لم أر حكم ما إذا وجد في دار فيها وحده أو بستان هل يكونان له؟ وصرح في روض الشافعية بأن الدار له وفي البستان وجهان. ولم يذكر المصنف إنفاق الملتقط عليه من ماله قال في الهداية: ثم يصرفه الواجد إليه بأمر القاضي لانه مال ضائع وللقاضي ولاية صرف مثله إليه، وقيل يصرفه بغير أمر القاضي لانه للقيط ظاهرا وله ولاية الانفاق وشراء ما لا بد منه كالطعام والكسوة لانه من الانفاق اه‍. وكذا الغير الواجد بأمر القاضي والقول قوله في نفقة مثله، وينبغي أن يشترط إذن القاضي إن أمكن وإلا يكفي الاشهاد. قوله: (ولا يصح للملتقط عليه نكاح وبيع وإجارة) أما النكاح فلانعدام سبب الولاية من القرابة والملك والسلطنة، وأما تصرفه في ماله بالبيع وغيره فبالقياس على الام لان ولاية التصرف لتثمير المال وذلك يتحقق بالرأي الكامل والشفقة الوافرة فلا بد من اجتماعهما والوجود في كل واحد منهما أحدهما، وأما الاجارة ففيها روايتان، فرواية القدوري أنه يؤجره، وفي رواية الجامع الصغير أنه لا يجوز أن يؤجره، كذا ذكره في الكراهية وهو الاصح. وجه الاول أنه

[ 250 ]

يرجع إلى تثقيفه، وجه الثاني أنه لا يملك إتلاف منافعه فأشبه العم بخلاف الام فإنها تملك الاستخدام فتملك الاجارة، وقدمنا أن ولاية التصرف عليه في ماله ونفسه للسلطان وأنه لو جعل الولاية للمتلقط جاز. وفي منظومة ابن وهبان: لو قرر القاضي ولاءه للملتقط صح التقرير. قوله: (ويسلمه في حرفة) لانه من باب تثقيفه وحفظ ماله والحرفة الصنعة. والتثقيف تقويم المعوج بالثقاف وهو ما يسوى به الرماح ويستعار للتأديب والتهذيب، كذا في النهاية. قوله: (ويقبض هبته) لانه نفع محض ولهذا يملكه الصغير بنفسه إذا كان عاقلا وتملكه الام ووصيها ولم يذكر ختانه. قال في الخانية: فليس له أن يختنه فإن فعل ذلك وهلك كان ضامنا اه‍. وفي الذخيرة: لو أمر الملتقط الختان فختنه ضمن الملتقط لانه ليس له ولاية ختانه فصار بهذا الامر جانيا ولا يضمن الختان. قيل: هذا إذا لم يعلم الختان بكونه ملتقطا فإن علم ضمن اه‍. وقدمنا أنه له ولاية نقله إلى حيث شاء، وينبغي أن ليس له نقله من مصر إلى قرية أو بادية والله أعلم بالصواب.

[ 251 ]

كتاب اللقطة وجه تأخيرها ظاهر. قال في القاموس: لقطه أخذه من الارض فهو ملقوط واللقطة محركة كهمزة ما التقط اه‍. وفي المغرب: اللقطة الشئ الذي تجده ملقى فتأخذه. قال الازهري: ولم أسمع اللقطة بالسكون لغير الليث اه‍. وفي فتح القدير: هي فعلة - بفتح العين - وصف مبالغة للفاعل كهمزة ولمزة ولعنة وضحكة للكثير الهمز وغيره. وبسكونها للمفعول كضحكة وهمزة للذي يضحك منه ويهزأ به. وإنما قيل للمال لقطة - بالفتح - لان طباع النفوس تتبادر إلى التقاطه لانه مال فصار المال باعتبار أنه داع إلى أخذه لمعنى فيه نفسه كأنه الكثير الالتقاط مجازا وإلا فحقيقته الملتقط الكثير الالتقاط. وما عن الاصمعي وابن الاعرابي أنه بفتح القاف اسم للمال أيضا محمول على هذا يعني يطلق الالتقاط على المال أيضا اه‍. ولم يذكر أكثر الشارحين تعريفها اصطلاحا وعرفها في التتارخانية معزيا إلى المضمرات بأنها مال يوجد ولا يعرف له مالك وليس بمباح اه‍. فخرج ما عرف مالكه فإنه أمانة لا لقطة ولان حكمها التعريف وهذا لا يعرف بل يدفع إلى مالكه، وخرج بالاخير مال الحربي لكن يرد عليه ما كان محرزا بمكان أو حافظ فإنه ليس لقطة وهو داخل في التعريف فالاولى أن يقال في مال معصوم معرض للضياع. وعرفها في المحيط بأنها رفع شئ ضائع للحفظ على الغير لا للتمليك وجعل عدم الحافظ لها من شرائطها. ثم قال في آخر الباب: أخذ الثوب من السكران الواقع النائم على الارض ليحفظه فهلك في يده لا ضمان عليه لانه متاع ضائع كاللقطة، فإن كان الثوب تحت رأسه أو كانت دراهمه في كمه فأخذها ليحفظها فهو ضامن لانه ليس بضائع لانه محفوظ بمالكه اه‍. والكلام فيها في مواضع في الالتقاط والملتقط واللقطة. أما الاول ولم يذكره المصنف للاختلاف فيه ففي الخلاصة: فإن خاف ضياعها

[ 252 ]

يفترض الرفع، وإن لم يخف يباح رفعها، أجمع العلماء عليه والافضل الرفع في ظاهر المذهب اه‍. وأقره عليه في فتح القدير وفي البدائع أنه مندوب الاخذ ومباحه وحرامه. فالاول أن يخاف عليها الضياع لو تركها لانه إحياء لمال المسلم فكان مستحبا. وقال الشافعي: إذا خاف الضياع وجب أخذها وإلا استحب لان الترك عند الخوف تضييع والتضييع حرام وهذا غير سديد، لان الترك لا يكون تضييعا بل امتناع عن حفظ غير ملتزم وهو ليس بتضييع كالامتناع عن قبول الوديعة. وأما حالة الاباحة فأن لا يخاف الضياع. وأما حالة الحرمة فهو أن يأخذها لنفسه لا لصاحبها فتكون في معنى الغصب اه‍. فقد علمت أن ما في الخلاصة ليس مذهبنا. وفي المحيط أن الاخذ مندوب إن أمن على نفسه التعريف والرد على صاحبها. وإن خاف الضياع فعليه أن يأخذها صيانة لحق المسلم لان لماله حرمة كما لنفسه، وإن كان لا يأمن على نفسه فالترك أولى اه‍. وهو موافق لما في الخلاصة ومثله في المجتبى. وأشار في الهداية إلى التبري منه بقوله وهو واجب إذا خاف الضياع على ما قالوا، ولم أر حكم ما إذا ضاعت بعدما خاف الضياع ولم يلتقطها، ومقتضى القول بافتراض رفعها الضمان لو لم يرفع وضاعت لكن في جامع الفصولين في الفصل الثالث والثلاثين: لو انفتح زق فمر به رجل فلو لم يأخذه برئ ولو أخذه ثم تركه ضمن لو مالكه غائبا لا لو حاضرا، وكذا لو رأى ما وقع من كم رجل اه‍. فهذا يدل على عدم الافتراض إلا أن يقال: إن فائدة الافتراض الاثم بالترك لا الضمان في الدنيا بدليل أنهم قالوا: لو منع المالك عن أمواله حتى هلكت بأثم ولا يضمن، فأما الملتقط فلم أر من بين شرائطه ولا يشترط بلوغه بدليل ما في المجتبى التعريف إلى ولي الصبي والوارث اه‍. فدل على صحة التقاطه. وأما حرية الملتقط فليست بشرط لان للعبد يدا صحيحة بدليل قولهم كما في البزازية من الوديعة ليس للمالك أن يأخذ وديعة عبده مأذونا أم لا ما لم يحضر ويظهر أنه من كسبه لاحتمال أن تكون وديعة الغير في يد العبد، فإن برهن أنه للعبد تدفع إليه اه‍. لكن قدمنا أنه لو التقط لقيطا فقال المولى هو عبدي وقال العبد التقطته فإن محجورا فالقول للمولى، وإن مأذونا فللعبد. ولم أر حكم اللقطة إذا تنازعا فيها وينبغي أن يكون كذلك، ولم أر حكم تعريف لقطته هل إليه أو إلى مولاه، وإذا عرفت فهل يتملكها

[ 253 ]

المولى إن كان فقيرا؟ وهل يتوقف الالتقاط على إذن المولى؟ وهل الاذن في التجارة إذن في الالتقاط؟ وهل المكاتب كالحر أو العبد فيه؟ ثم رأيت في الكافي للحاكم عن أبي سعيد مولى أبي رشيد قال: وجدت خمسمائة درهم بالحيرة وأنا مكاتب قال فذكرت ذلك لعمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال اعمل بها وعرفها قال: فعملت بها حتى أد يت مكاتبتي ثم أتيته فأخبرته فقال: ادفعها إلى خزائن بيت المال اه‍. وسيأتي أن العبد لورد الآبق فالجعل لمولاه فينبغي أن يكون أهلا للالتقاط، وأن المولى يعرفها ثم يتملكها إن كان فقيرا. وأما إسلام الملتقط فليس بشرط بدليل ما في الكافي للحاكم: لو أقام مدعيها شهودا كفارا على ملتقط كافر قبلت اه‍. فدل على صحة التقاط الكافر وعلى هذا تثبت الاحكام من التعريف والتصدق بعده أو الانتفاع ولم أره صريحا، ولم أر حكم التقاط المرتد لقيطا أو لقطة والظاهر أن مشايخنا إنما لم يقيدوا الملتقط بشئ لاطلاقه عندنا. ولم يذكر المصنف أن الملتقط أحق بإمساكها من غيره وذكر في اللقيط أنه ليس لاحد أخذه منه. وفي الولوالجية: رجل التقط لقطة فضاعت منه ثم وجدها في يد رجل فلا خصومة بينها وبين ذلك الرجل فرق بينه وبين الوديعة، والفرق أن الثاني في أخذ اللقطة كالاول وليس الثاني في أخذ الوديعة كالاول. ولو التقط الرجل لقيطا فأخذه منه رجل ثم اختصما فيه فالاول أحق به لان الاول صار أحق بإمساكه بحكم اليد لانه ليس له مستحق آخر بحسب الظاهر لانه لو كان له مستحق لما وجد مطروحا من حيث الظاهر ولا كذلك اللقطة لان لها مستحقا آخر من حيث الظاهر فلا يثبت الاستحقاق لصاحب اليد الاول فكان الثاني في إثبات اليد كالاول اه‍. فقد علمت أن الملتقط ليس أحق بها وهو مشكل لو انتزعها إنسان منه غصبا فإنه يثبت للاول حق أن يتملكها بعد التعريف لو كان فقيرا فكيف يبطله الثاني؟ نعم لو ضاعت من الاول والتقطها آخر فإن الاول لا يخاصمه لانها لقطة للثاني والاول لا يملك الخصومة، ولا يقال إن كلامهم فيما إذا ضاعت

[ 254 ]

لانا نقول: قد بينا أنهما مسألتان: الاولى فيما إذا ضاعت وفرقوا بينها وبين الوديعة. الثانية فيما إذا أخذها رجل منه وفرقوا بينها وبين اللقيط، وأما اللقطة فلا فرق عندنا بين لقطة ولقطة كما أفاده بقوله وصح التقاطه البهيمة ولا فرق بين مكان ومكان كما أفاده بقوله (لقطة الحل والحرم أمانة (1) إن أخذها ليردها على ربها وأشهد) لاطلاق قوله عليه السلام اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة وأما قوله عليه السلام في الحرم ولا تحل لقطته إلا لمنشدها فتأويله أنه لا يحل الالتقاط إلا للتعريف، والتخصيص بالحرم لبيان أنه لا يسقط التعريف فيه لمكان أنه للغرباء ظاهرا. وأما كونها أمانة فلان الاخذ على هذا الوجه مأذون فيه شرعا بل هو الافضل عند العامة. قيد بأخذها ليردها لانه لو أقر أنه أخذها لنفسه يضمن بالاجماع لانه أخذ مال الغير بغير إذنه وبغير إذن الشرع. ولو تصادقا على أنه أخذها للمالك فلا ضمان إجماعا لان تصادقهما حجة في حقهما كالبينة. وبه علم أن الاشهاد إنما هو شرط عند الاختلاف بأن قال الملتقط أخذته للمالك وكذبه المالك فإنه ضامن عندهما. وقال أبو يوسف: لا يضمن والقول قوله لان الظاهر شاهد له لاختياره الحسبة دون المعصية. ولهما أنه أقر بسبب الضمان وهو أخذ مال الغير وادعى ما يبرئه وهو الاخذ لمالكه وفيه وقع الشك فلا يبرأ. وما ذكر من الظاهر معارض بمثله لان الظاهر أن يكون المتصرف عاملا لنفسه. ورجح في الحاوي القدسي قول أبي يوسف قال وبه نأخذ اه‍. ويكفيه في الاشهاد أن يقول من سمعتموه ينشد لقطة فدلوه علي واحدة كانت اللقطة أو أكثر لانهم اسم جنس، كذا في الهداية. وفي الينابيع ذكر في بعض الكتب قول محمد مع أبي حنيفة والاصح أنه مع أبي يوسف اه‍. ويكفيه في الاشهاد أيضا أن يقول عندي لقطة كما في شرح الطحاوي ولا يشترط التصريح بكونه لقطة لانه لو قال عندي شئ فمن سمعتموه يسأل فدلوه على كفاه كما في الولوالجية. ومحل اشتراط الاشهاد عند الامكان فلو لم يجد من يشهده عند الرفع أو خاف أنه لو أشهد عند الرفع يأخذه منه الظالم فترك الاشهاد لا يضمن، كذا في الخانية. وفي فتح القدير، والقول قوله مع يمينه كوني منعني من الاشهاد، كذا في الخانية. فإن وجد من يشهده فجاوزه ضمن. وفي القنية: وجد الصبي لقطة ولم يشهد يضمن كالبالغ اه‍. وهذا يدل على ما قدمناه من صحة التقاطه. وفي الولوالجية محل الاختلاف فيما إذا اتفقا على كونها لقطة لكن اختلفا هلى التقطها للمالك أو لا، أما إذا اختلفا في كونها لقطة فقال صاحب المال أخذتها غصبا وقال الملتقط لقطة وقد أخذتها لك فالملتقط ضامن بالاجماع اه‍. ولم يذكر المصنف حكم ما إذا ردها إلى مكانها. وفي الولوالجية وغيرها: وإذا أخذ الرجل ليعرفها ثم

[ 255 ]

أعادها في المكان الذي أخذها منه فقد برئ عن الضمان. هذا إذا أعادها قبل أن يتحول عن ذلك المكان، أما إذا عادها بعد ما تحول يضمن. ولو كانت دابة فركبها ثم نزل عنها فتركها في مكانها على قول أبي يوسف هو ضامن، وعلى قول زفر لا، وكذا إذا أخذ الخاتم من أصبع نائم ثم أعاده إلى أصبعه بعدما انتبه، ولو أعاده قبل أن ينتبه من تلك النومة برئ عن الضمان اتفاقا اه‍. والتفصيل المذكور خلاف ظاهر الرواية فإنها عدم الضمان مطلقا وهو الوجه كما في فتح القدير ورجحه في البدائع أيضا. وأطلق في الاشهاد فانصرف إلى من تقبل شهادته وهو عدلان ولذا قال في فتح القدير: وظاهر المبسوط اشتراط عدلين اه‍. قوله: (وعرف إلى أن علم أن ربها لا يطلبها) معطو ف على أشهد فظاهره أن التعريف شرط أيضا وأن الاشهاد لا يكفي لنفي الضمان، وهكذا شرط في المحيط لنفي الضمان الاشهاد وإشاعة التعريف. وحكى في الظهيرية فيه اختلافا فقال قال الحلواني: أدنى ما يكون من التعريف أن يشهد عند الاخذ ويقول آخذها لا ردها فإن فعل ذلك ثم لم يعرفها بعد ذلك كفى. ومن المشايخ من قال: يأتي على أبواب المساجد وينادي اه. وفي فتح القدير: وعلى هذا لا يلزم الاشهاد أي التعريف وقت الاخذ بل لا بد منه قبل هلاكها ليعرف أنه أخذها ليردها لا لنفسه اه‍. وهو غير صحيح لان الاشهاد لا بد منه على قول الامام عند الاخذ باتفاق المشايخ، وإنما اختلفوا هل يكفي هذا الاشهاد عند الاخذ عن التعريف بعده أو لا، ولم يقل أحد إن التعريف بعد الاخذ يكفي عن الاشهاد وقت الاخذ فليتأمل. ولم يجعل للتعريف مدة اتباعا لشمس الائمة السرخسي فإنه بنى الحكم على غالب الرأي فيعرف القليل والكثير إلى أن يغلب على رأيه أن صاحبه لا يطلبه بعد ذلك. وصححه في الهداية وقال في البزازية والجوهرة. وعليه الفتوى وهو خلاف ظاهر الرواية فإنه التقدير بالحول في القليل والكثير كما ذكره الاسبيجابي. وفي الظهيرية ثم على قول من قدر بحول اختلف فيه، قيل يعرفها كل جمعة، وقيل كل شهر، وقيل كل ستة أشهر. قال السرخسي: حكي أن بعض العلماء ببلخ وجد لقطة وكان محتاجا إليها وقد قال في نفسه لا بد من تعريفها ولو عرفتها في المصر ربما يظهر صاحبها فخرج من المصر حتى انتهى إلى رأس بئر فدلى رأسه في البئر وجعل يقول وجدت كذا، فمن سمعتموه ينشد ذلك فدلوه علي وبجنب البئر رجل رقع شملته وكان صاحب اللقطة فتعلق به حتى أخذها منه ليعلم أن المقدور كائن لا محالة، فلا ينبغي له أن يترك ما لزمه شرعا وهو إظهار التعريف قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يكثر همك ما يقدر يكون وما ترزق يأتيك اه‍. وهو خطأ من هذا الملتقط لان هذا ليس بتعريف اتفاقا. قال في الجوهرة: ثم التعريف إنما يكون جهرا في الاسواق وفي أبواب المساجد وفي الموضع الذي وجدها فيه. وفي الجامع: وإن كانت شيئا لا يبقى عرفه حتى يخاف فساده فيتصدق به اه‍، كذا في الهداية. وإن وجد اللقطة رجلان عرفاها جميعا واشتركا في حكمها اه‍. وقدمنا أن الملتقط إذا

[ 256 ]

كان صبيا عرفها وليه - زاد في القنية - أو وصيه. ثم له أن يتصدق بها. وسكت عن حكم تمليكها للصبي لو كان فقيرا لانه يعلم بالاولى، وينبغي أن لا تجوز الصدقة بها من وليه أو وصيه لما في ذلك من الاضرار على احتمال أن لا يجيز مالكها إذا حضر والعين هالكة من يد الفقير فإنه يضمنها من مال الصبي وليس في إمساكها أو تمليكها ضرر. ثم رأيت بعد ذلك في شرح منظومة ابن وهبان للمصنف أنه قال: ينبغي على قول أصحابنا إذا تصدق بها الاب أو الوصي ثم ظهر صاحب اللقطة وضمنها أن يكون الضمان في مالهما دون الصبي اه‍. وإذا صح هذا البحث فلا إشكال في جواز تصدقهما حينئذ. وفي القاموس: التعريف الاعلام. وفي التتارخانية قال أبو الحسن: له أن يأمر غيره ويعطيها حتى يعرفها يريد إذا عجز عن التعريف بنفسه اه‍. فأفاد جواز الاستنابة في التعريف لكن في الحاوي القدسي: لو دفعها إلى غيره بغير إذن القاضي ضمن اه‍. وأطلق المصنف في تعريفها وهو مقيد بما في الهداية فإن كانت اللقطة شئ يعلم أن صاحبها لا يطلبها كالنواة وقشر الرمان يكون إلقاؤه إباحة حتى جاز الانتفاع به من غير تعريف ولكنه يبقى على ملك مالكه لان التمليك من المجهول لا يصح. وفي البزازية: لو وجدها مالكها في يده له أخذها إلا إذا قال عند الرمي من أخذها فهي له لقوم معلومين، ولم يذكر السرخسي هذا التفصيل. وكذا الحكم في التقاط السنابل لكن أخذه بعد جمع غيره يعد دناءة. وأطلق في الهداية في النواة وقشور الرمان وقيده في البزازية بأن يكون في مواضع متفرقة قال: أما المجتمعة فهي من قبيل ما يطلبه صاحبه فيحفظه وإن وجد جوزة ثم وثم حتى بلغ المتقوم إن مجتمعا فهو من الثاني، وإن متفرقا له قيمة اختلفوا، قيل من الاول، وقيل من الثاني وهو الاحوط. وذكر في الفتاوى المختار أنه من النوع الاول التفاح والكمثري إن وجد في الماء يجوز أخذه وإن كثيرا لانه يفسد بالماء والحطب في الماء إن لم يكن له قيمة يأخذه وإن له قيمة فهو لقطة. وجعل في الفتاوى الحطب كالتفاح بالماء، أصابوا بعيرا مذبوحا في البادية قريبا من الماء ووقع في ظنه أن مالكه أباحه لا بأس بالاخذ والاكل. وعن الثاني لو طرح ميتة فجاء آخر وأخذ صوفها له الانتفاع به، ولو جاء مالكها له أن يأخذ الصوف منه، ولو سلخها ودبغ يأخذه المالك ويرد عليه ما زاد الدباغ فيه اه‍. وفي المحيط: أناخ رجل إبله في دار رجل يؤاجرها الجلد واجتمع من ذلك بعر كثير، فإن كان من رأى صاحب الدار أن يجمع ذلك له فهو له لانه أعد الدار للاحراز، وإن لم يكن من رأيه أن يجمعه بل يترك ذلك

[ 257 ]

على حاله فهو مباح، فكل من أخذه فهو أولى، ولو سيب دابته فأخذها إنسان فأصلحها ثم جاء صاحبها، فإن كان قال عند التسييب جعلتها لمن أخذها فلا سبيل لصاحبها عليها لانه أباح التمليك، وإن لم يقل ذلك له أن يأخذها، وكذلك من أرسل صيدا له هكذا اختاره بعض مشايخنا، فإن اختلفا فالقول قول صاحبها مع يمينه أنه لم يقل هي لمن أخذها لانه ينكر إباحة التملك، وإن برهن الآخذ أو نكل المالك عن اليمين سلمت للآخذ. وذكر الفقيه أبو الليث في نوازله: إذا اجتمع للدهانين ما يقطر من الاوعية في إنائه، فإن كان يسيل من خارج الاوعية يطيب له لانه ليس للمشتري لان ما انفصل عنها لا يدخل البيع، وإن سال من الداخل أو من الداخل والخارج جميعا أو لا يعلم ينظر، إن زاد الدهان من عنده لكل واحد من المشترين طاب له، وإن لم يزد لا يطيب له ويتصدق به إلا أن يكون محتاجا لان سبيله سبيل اللقطة اه‍. وفي التتارخانية: سأل رجل عطاء عن رجل بات في المسجد واستيقظ وفي يده صرة فيها دنانير قال: إن الذي صرها في يدك لم يصرها إلا وهو يريد أن يجعلها لك اه‍. وفي الظهيرية: ومن أخذ بازيا أو شبهه في مصر أو سواد وفي رجليه سير أو جلاجل فعليه أن يعرفه للتيقن بثبوت يد الغير عليه قبله، وكذا لو أخذ ظبيا وفي عنقه قلادة أو حمامة في المصر يعرف إذ مثلها لا يكون وحشية بأن كانت مسرولة فعليه أن يعرفها اه‍. قوله: (ثم تصدق) أي إن لم يجئ صاحبها فله أن يتصدق بها على الفقراء أيضا لا للحق إلى المستحق وهو واجب بقدر الامكان وذلك بإيصال عينها عند الظفر بصاحبها وإيصال العوض وهو الثواب على اعتبار إجازته التصدق بها، وسيأتي أن له أن ينتفع بها فعلم أنه مخير بينهما وسكت عن إمساكها وله ذلك رجاء الظفر بصاحبها كما في الهداية، وعن دفعها للامام. قال في الخلاصة: يرفع الامر إلى الامام والامام بالخيار إن شاء قبل وإن شاء لم يقبل، فإن قبل إن شاء عجل صدقتها وإن شاء أقرضها من رجل ملئ وإن شاء دفعها مضاربة وإن شاء ردها على الملتقط، ثم هو بالخيار إن شاء أدام الحفظ وإن شاء تصدق على أن يكون الثواب لصاحبها، وإن شاء باعها إن لم تكن دراهم أو دنانير وأمسك ثمنها ثم بعد ذلك إن

[ 258 ]

حضر مالكها ليس له نقض البيع إن كان البيع بأمر القاضي، وإن باع بغير أمر القاضي وهي قائمة فإن شاء أجاز البيع وأخذ الثمن، وإن شاء أبطل البيع وأخذ عين ماله، وإن هلكت إن شاء ضمن البائع وعند ذلك ينفذ البيع من جهة البائع في ظاهر الرواية وبه أخذ عامة المشايخ. وذكر الامام السرخسي أن المودع إذا باع الوديعة وهلكت وضمنه المالك فهو كالملتقط اه‍. وفي الذخيرة: والحاصل أن الامام يصير ناظرا فيفعل ماي راه أصلح في حق صاحب اللقطة اه‍. وفي الحاوي: الدفع بعد الاشهاد إلى القاضي أجود ليفعل القاضي الاصلح. وفي المجتبى: والتصدق بيده في زماننا أولى من الدفع إلى الحاكم، وقد مر في كتاب التوبة لقاضي القضاة عبد الجبار المتكلم أن الواجب فيها أن يتصدق بنفسه ولا يلقيه في يد غيره لانه لا يعلم هل يؤديها إلى مستحقها أو لا اه‍. وقيدنا بالتصدق على الفقراء لما في الهداية أنه لا يتصدق باللقطة على غني - زاد في الحاوي - ولا مملوك غني ولا ولد غني صغير، واستثنى من التصدق باللقطة ما إذا عرف أنها لذمي فلا يتصدق بها وكانت في بيت المال للنوائب، كذا في التتارخانية. وفي القنية: وما يتصدق به الملتقط بعد التعريف وغلبة ظنه أنه لا يوجد صاحبه لا يجب إيصاؤه، وإن كان يرجو وجود المالك وجوب الايصاء اه‍. وإذا أمسكها وخشي الموت يوصي بها كيلا تدخل في الميراث ثم الورثة أيضا يعرفونها، ومقتضى النظر أنهم لو لم يعرفوها حتى هلكت وجاء صاحبها أن يضمنوا لانهم وضعوا أيديهم على لقطة ولم يشهدوا أي لم يعرفوا ويغلب على الظن بذلك أن قصدهم تعميتها ويجري فيهم خلاف أبي يوسف، كذا في فتح القدير. وقد يقال: إن التعريف عليهم غير واجب حيث عرفها الملتقط. قوله: (فإن جاء ربها نفذه أو ضمن الملتقط) أي إن جاء مالكها بعد تصدق الملتقط خير بين إمضاء الصدقة والثواب له وبين تضمين الملتقط لان التصدق وإن حصل بإذن الشرع لم يحصل بإذنه فيتوقف على إجازته. أطلق في التنفيذ فشمل ما بعد هلاك العين لان الملك يثبت للفقير قبل الاجازة فلا يتوقف على قيام المحل بخلاف بيع الفضولي فإنه يشترط لصحة إجازته قيام العين لثبوت الملك بعد الاجازة فيه، وإما تضمين الملتقط فلكونه سلم ماله إلى غيره بغير إذنه إلا أنه بإباحة من جهة الشرع وهذا لا ينافي الضمان حقا للعبد كما في تناول مال الغير حالة المخمصة. وأطلق فيه فشمل ما إذا كان التصدق بأمر القاضي وهو الصحيح لان أمره لا يكون أعلى من فعله والقاضي لو تصدق بها كان له أن يضمنه فكذا له أن يضمن من أمره القاضي ولذا أطلق المصنف في الملتقط فشمل القاضي، ولذا قال في الذخيرة: وإذا مال

[ 259 ]

القاضي أو الامام إلى التصدق وتصدق كان في ذلك كواحد من الرعايا، وهذا لان التصدق بها غير داخل في ولاية الامام والقاضي لانه تصدق بمال الغير بغير إذنه اه‍. وهو شامل لما إذا كانا ملتقطين أو التقط غيرهما ودفعها إليهما، ولم يذكر المصنف تضمين المسكين قالوا: إنه مخير إن شاء ضمن الملتقط وإن شاء ضمن المسكين، وأيهما ضمن لا يرجع على صاحبه، فإن ضمن الملتقط ملكها الملتقط من وقت الاخذ ويكون الثواب له، وإن كانت العين قائمة أخذها من يد الفقير، كذا في الخانية، وبه علم أن الثواب موقوف. ولم يذكر المصنف أن للملتقط شئ إذا ردها إلى صاحبها لما في الولوالجية: ولو التقط لقطة أو وجد ضالة أو صبيا حرا ضالا فرده على أهله لم يكن له جعل وإن عوضه شئ فحسن اه‍. وفي التتارخانية: لو قال من وجده فله كذا فأتى به إنسان يستحق أجر مثله اه‍. وعلله في المحيط بأنها إجارة فاسدة وعزاه إلى الكرخي لكن فيه نظر لانه لا قبول لهذه الاجارة فلا إجارة أصلا. وفي القاموس: الرب باللام لا يطلق لغير الله تعالى وأما بالاضافة فمالك الشئ ومستحقه أو صاحبه. وأنفذ الامر قضاه والنافذ الماضي في جميع أموره. قوله: (وصح التقاط البهيمة) أي ندب التقاطها لانها لقطة يتوهم ضياعها فيستحب أخذها وتعريفها صيانة لاموال الناس، وأما ما في الصحيح حين سئل عن ضالة الابل قال مالك ولها معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل الشجر فذرها حتى يجدها ربها فأجاب عنه في المبسوط بأن ذلك كان إذ ذاك لغلبة أهل الصلاح والامانة لا تصل إليها يد خائنة فإذا تركها وجدها، وأما في زماننا فلا يأمن من وصول يد خائنة إليها بعده ففي أخذها إحياؤها. وإنما فسرنا الصحة بالندب لان خلاف الائمة الثلاثة إنما هو في ندب التقاطها فإنهم قالوا تركها أفضل لا أنهم قالوا بعدم الجواز وإنما يكون مندوبا عندنا إذا لم يخف الضياع وإلا لم يسعه تركه، كذا في الولوالجية. قال: ولا فرق عندنا بين أن تكون البهيمة في القرية أو في الصحراء، ومحل الاختلاف الثاني. والحذاء النعل والسقاء القربة والمراد به هنا مشافرها وبالاول فراسنها، كذا في الظهيرية. وفي التتارخانية: وإن كان مع اللقطة ما يدفع به عن نفسه كالقرن للبقرة وزيادة القوة في البعير بكدمه ونفحه يقضي بكراهية الاخذ اه‍. وبه علم أن التقاط البهيمة على ثلاثة أوجه لكن ظاهر الهداية أن

[ 260 ]

صورة الكراهة إنما هي عند الشافعي لا عندنا. وفي القاموس: البهيمة كل ذات أربع ولو في الماء أو كل حي لا يميز والجمع بهائم اه‍. فشمل الدواب والطيور والابل والبقر والغنم والدجاج والحمام الاهلي كما في الحاوي وفيه: ومن رأى دابة في غير عمارة أو برية لا يأخذها ما لم يغلب على ظنه أنها ضالة بأن كانت في موضع لم يكن بقربه بيت مدرأ وشعر أو قافلة نازلة أو دواب في مرعاها اه‍. فلو وصف المصنف البهيمة بالضالة لكان أولى. قوله: (وهو متبرع في الانفاق على اللقيط واللقطة) أي الملتقط لقصور ولايته فصار كما لو قضى دين غيره بغير أمره. قيد بالملتقط لان الوصي لو أنفق عليه من مال ومال اليتيم غائب فهو متطوع إلا أن يشهد أنه قرض عليه أو أنه يرجع، ولو اشترى له الوصي طعاما أو كسوة بشهادة شهود رجع، ولو اشترى ثوبا أو خادما لولده ونقد ثمنه من مال نفسه لا يرجع إلا أن يشهد أنه شراه له ليرجع، كذا في جامع الفصولين من الفصل السابع والعشرين. وقيد حكم قضاء مديون الميت دينه بغير أمر وصيه وقضاء المودع دين مودعه بلا أمر وقضاء الوكيل بالبيع عن المشتري الثمن لموكله بلا أمره. قوله: (وبإذن القاضي يكون دينا) لان للقاضي ولاية في مال الغائب وعلى اللقيط نظرا لهما، وقد يكون النظر بالانفاق وصورة إذن القاضي أن يقول له أنفق على أن ترجع، فلو أمره به ولم يقل على أن ترجع لا يكون دينا وهو الاصح لان الامر متردد بين الحسبة والرجوع فلا يكون دينا بالشك. وعبارة المجمع أحسن وهي: فإن أنفق الملتقط كان متبرعا إلا أن يأذن له القاضي بشرط الرجوع أو يصدقه اللقيط إذا بلغ اه‍. وينبغي أن يكون معنى التصديق تصديقه أنه أنفق عليه بأمر القاضي على أن يرجع لا تصديقه على الانفاق لانه لو كان بلا أمر القاضي لا رجوع عليه له فتصديقه وعدمه سواء. وفي شرحه لابن الملك خلافه فإنه قال: يعني إذا لم يأمر القاضي بإنفاقه فصدقه اللقيط بعد البلوغ أنه أنفقه للرجوع عليه فله الرجوع عليه لاقراره بحقه اه‍. ولو صح هذا لزم أن يقال في الجواب فهو متبرع إلا أن شهد أنه أنفق ليرجع أو يصدقه على ذلك وحينئذ لا اعتبار بأمر القاضي وهم قد اتفقوا على أنه لا بد من إذن القاضي لعدم ولاية الملتقط فلا يكفيه الاشهاد بخلاف الوصي لو أنفق من ماله وأشهد يرجع كما قدمناه لان له ولاية في مال

[ 261 ]

اليتيم، ولم أر من نبه على هذا المحل لكني فهمته مما نقلته عن الخانية في باب اللقيط عند قوله ونفقته في بيت المال. ولم يبين المصنف المديون لتعدده ففي اللقطة صاحبها، وفي اللقيط الاب إن ظهر له أب، واللقيط بعد بلوغه إن لم يظهر له أب كما في الظهيرية، ومالكه إن ظهر له سيد بإقراره كما في الحاوي. والعجب من الشارح أنه جعله صاحبها وسها عن اللقيط. ولم يذكر المصنف إقامة البينة من الملتقط قبل إذن القاضي وشرطه في الاصل وصححه في الهداية لانه يحتمل أن يكون غصبا في يده ولا يأمر فيه بالانفاق وإنما يأمره في الوديعة فلا بد من البينة لكشف الحال وليست تقام للقضاء حتى يشترط لها خصم لكن ظاهره أنه في اللقطة، وأما في اللقيط فقد قدمنا أنه كذلك وصرح به في الظهيرية. وإن قال الملتقط لا بينة لي يقول له أنفق عليها إن كنت صادقا. وفي الذخيرة: يقول له ذلك بين يدي الثقات. وكذا لو كانت اللقطة شيئا يخاف عليه الهلاك متى لم ينفق عليه إلى إقامة البينة كما في الظهيرية. وقدمنا أن القاضي لو جعل ولاء اللقيط للملتقط جاز لانه قضاء في فصل مجتهد فيه فإن من العلماء من قال بأن الملتقط يشبه المعتق من حيث إنه أحياه كالمعتق فعلى هذا لا يكون متبرعا بالانفاق بغير إذن القاضي إذا أشهد ليرجع كالوصي. قوله: (وإن كان لها نفع أجرها وأنفق عليها) أي اللقطة والمراد الضالة البهيمة لان فيه إبقاء العين على مالكه من غير إلزام الدين عليه. قيد باللقطة لان العبد الآبق لا يؤجره القاضي لانه يخاف أن يأبق، كذا في التبيين. وفي الهداية: سوى بينهما بقوله وكذلك يفعل بالعبد الآبق ولم أر حكم اللقيط إذا صار مميزا ولا مال له هل يؤجره القاضي للنفقة أو لا؟ قوله: (وإلا باعها) أي إن لم يكن لها نفع باعها القاضي وحفظ ثمنها لصاحبها إبقاء له يعني عند تعذر إبقائه صورة، وظاهر الكتاب أن القاضي يفعل أحد الامرين من الاجارة إن أمكن وإلا فالبيع. وظاهره أنه إذا لم يكن له نفع لا يأذن له في الانفاق. وفي الهداية: وإن كان الاصلح الانفاق عليها أذن في ذلك وجعل النفقة دينا على مالكها. قالوا: إنما يأمر بالانفاق

[ 262 ]

يومين أو ثلاثة على قدر ما يرى رجاء أن يظهر مالكها فإذا لم يظهر يأمر ببيعها لان دارة النفقة مستأصلة فلا نظر في الانفاق مدة مديدة اه‍. وأفاد بقوله لا نظر إلى آخره أنه لو فعل ذلك لا ينفذ من القاضي للتيقن بعدم النظر وقد فهمه المحقق ابن الهمام أيضا. وإذا بيعت أخذ الملتقط ما أنفق بإذن القاضي، ولم يذكر المصنف حكم ما إذا حضر المالك بعد البيع ولم يجزه، وقدمنا عن الخلاصة أن البيع نافذ من القاضي موقوف من غيره إجازته وبيع الملتقط بإذن القاضي كبيع القاضي، فلو كان عبدا باعه القاضي فلما جاء المولى قال هو مدبر أو مكاتب لا يصدق في نقض البيع، كذا في التتارخانية وهو مشكل لانه لو باع بنفسه ثم قال هو مدير أو مكاتب أو أم ولد وبرهن قبل كما ذكره في فتح القدير من باب الاستحقاق مصورا له في الواهب، وعللوا له بأن التناقض في دعوى الحرية وفروعها لا يمنع. قوله: (ومنعها من ربها حتى يأخذ النفقة) أي منع اللقطة لانه حي بنفقته فصار كأنه استفاد الملك من جهته فأشبه المبيع، وأقرب من ذلك زاد الآبق فإن له الحبس لاستيفاء الجعل لما ذكرنا، ثم لا يسقط دين النفقة بهلاكه عند الملتقط قبل حبسه ويسقط إذا هلك بعد الحبس لانه يصير بالحبس شبيه الرهن كما في الهداية والكافي وهو المذهب فاندفع به ما ذكره القدوري من عدم السقوط بالهلاك بعد الحبس وإنما السقوط هو قول زفر، وهكذا في الينابيع. ولم يذكر المؤلف بيع القاضي لها بعد حضور مالكها للانفاق إذا امتنع من دفعه للملتقط. قال في الحاوي: فإن امتنع صاحبها من أداء ما أنفق بأمر القاضي باعها القاضي وأعطى نفقته من ثمنها ورد عليه الباقي اه‍. ولا فرق في منعها من ربها للانفاق بين أن يكون الملتقط أنفق من ماله أو استدان بأمر القاضي ليرجع على صاحبها كما صرح به في الحاوي لكن لم أر أن للملتقط أن يحيل الدائن على صاحبها بدينه بغير رضاه، وقد صرحوا في نفقة الزوجة المستدانة بإذن القاضي أن المرأة تتمكن من الحوالة عليه بغير رضاه وقياسه هنا كذلك بجامع إذن القاضي بالاستدانة.

[ 263 ]

قوله: (ولا يدفعها إلا مدعيها بلا بينة) أي اللقطة للحديث البينة على المدعي (1) ولان اليد حق مقصود حتى وجب على الغاصب الضمان بإزالته فلا يزال إلا ببينة ولا يستحق إلا بها كالملك ولذا وجب الضمان على غاصب المدبر. وفي الخانية: الملتقط إذا أقر بلقطة لرجل وأقام رجل آخر البينة أنها له يقضي بها لصاحب البينة، فإذا أقر بها لرجل ودفعها إليه فاستهلكها ثم أقام آخر البينة أنها له فإن كان دفع إلى الاول بقضاء أو بغير قضاء كان لصاحب البينة أن يضمن القابض لانه قبض ماله بغير أمره عن اختيار فيكون بمنزلة غاصب الغاصب، وإذا ضمنه صاحب البينة لا يرجع هو على المقر كغاصب الغاصب إذا ضمن لا يرجع على الغاصب، وإن اختار صاحب البينة تضمين الدافع، فإن كان الدفع بغير قضاء كان له أن يضمنه، وإن كان الدفع بقضاء لم يذكره في الكتاب. قالوا: ينبغي أن تكون المسألة على الاختلاف على قول أبي يوسف ليس له ذلك وعلى قول محمد له ذلك اه‍. أراد بعدم الدفع عدم لزومه لانه لو صدق مدعيها بلا بيان جاز الدفع بلا جبر وأراد بالبينة القضاء بها وفي الظهيرية: فإن كانت اللقطة في يد رجل مسلم فادعاها رجل فأقام البينة أو أقر الملتقط بذلك ولكن قال لا أردها عليك إلا عند القاضي فله ذلك، وإن مات في يده عند ذلك فلا ضمان عليه اه‍. وفي الكافي للحاكم: وإذا كانت اللقطة في يد مسلم فادعاها رجل ووصفها فأبى الذي في يده أن يعطيه إلا ببينة فأقام شاهدين كافرين لم تجز شهادتهما لان الذي في يده مسلم، فإن كانت في يد كافر فكذلك القياس أيضا لعلها لمسلم ولكني أستحسن فأقضي له، فإن كانت في يد مسلم وكافر لم تجز شهادة الكافر على واحد منهما في القياس ولكني أستحسن أن أجيزه على ما في يد الكفار منهما اه‍. قوله: (فإن بين علامتها حل الدفع بلا جبر) للحديث فإن جاء صاحبها وعرف عفاصها وعددها فادفعها إليه وهذا للاباحة عملا بالمشهور وهو قول عليه السلام البينة على المدعى (1) الحديث. ولما قدمنا أن اليد حق مقصود كالملك فلا يستحق إلا بالبينة، والعلامة مثل أن يسمى وزن الدراهم وعددها ووكاءها ووعاءها، كذا في الهداية. والعفاص ككتاب الوعاء فيه النفقة جلدا أو خرقة وغلاف

[ 264 ]

القارورة والجلد يغطي به رأسها. والوكاء ككساء رباط القربة وغيرها وقد وكأها وأوكأها وعليها وكلما شد رأسه من وعاء ونحوه وكاء، كذا في القاموس. وظاهر مفهوم الشرط أنه لو لم يبين علامتها لا يحل الدفع وهو محمول على ما إذا لم يصدقه، فإن صدقه حل الدفع. قال في فتح القدير: فإن صدقه مع العلامة أو لا معها فلا شك في جواز دفعه إليه لكن هل يجبر؟ قيل يجبر كما لو أقام بينة، وقيل لا يجبر كالوكيل بقبض الوديعة إذا صدقه المودع لا يجبره القاضي على دفعها إليه ودفع بالفرق بأن المالك هنا غير ظاهر أي المالك الآخر والمودع في مسألة الوديعة ظاهر اه‍. وقدمنا حكم ما إذا دفعها بلا بينة ثم أثبتها آخر وهو أعم من دفعها بالعلامة أو بالتصديق فقط. ولم يذكر المصنف أخذ الكفيل عند دفعها ببيان العلامة قال في الهداية: ويأخذ منه كفيلا إن كان يدفعها إليه استيثاقا وهذا بلا خلاف لانه يأخذ الكفيل لنفسه بخلاف الكفيل لوارث غائب عند أبي حنيفة اه‍. وصحح في النهاية أنه لا يأخذ كفيلا مع إقامة الحاضر البينة. والمراد ببيان العلامة بيانها مع المطابقة، وقدمنا في اللقيط أن الاصابة في بعض العلامات لا تكفي. وصرح في التتارخانية في التصوير بأنه أصاب في علامات اللقطة كلها. فظاهره أنه شرط ولم أر حكم ما إذا بين كل من المدعيين لها علاماتها وأصابا وينبغي أن يحل له الدفع لهما. قوله: (وينتفع بها لو فقيرا وإلا تصدق على أجنبي ولابويه وزوجته وولده لو فقيرا) أي ينتفع الملتقط باللقطة بأن يتملكها بشرط كونه فقيرا نظرا من الجانبين كما جاز الدفع إلى فقير آخر، وأما الغني فلا يجوز له الانتفاع بها، فإن كان غير الملتقط فظاهر للحديث فإن لم يجئ صاحبها فليتصدق بها والصدقة إنما تكون على الفقير كالصدقة المفروضة وإن كان الملتقط فكذلك. وقال الشافعي: يجوز لقوله عليه السلام في حديث أبى رضى الله عنه فإن جاء صاحبها فادفعها إليه وإلا فانتفع بها وكان من الاغنياء ولانه إنما يباح للفقير حملا له على رفعها صيانة لها والغني يشاركه فيه. ولنا أنه مال الغير فلا يباح الانتفاع به إلا برضاه لاطلاق النصوص والاباحة للفقير لما روينا أو بالاجماع فبقي ما وراءه على الاصل، والغني محمول على الاخذ لاحتمال افتقاره في مدة التعريف والفقير قد يتوانى لاحتمال استغنائه فيها، وانتفاع أبى رضى الله عنه كان بإذن الامام وهو جائز بإذنه كما في الهداية، فقد أفاد أن الغني يجوز له الانتفاع بإذن الامام لكن على وجه القرض كمقيده به الزيلعي وغيره. وظاهر كلامهم متونا وشروحا أن الحل للفقير بعد التعريف لا يتوقف على إذن القاضي. ويخالفه ما في الخانية في

[ 265 ]

المسألتين فإنه قال: لو أراد الملتقط أن يصرفها إلى نفسه بعدما عرفها هذه المدة فهو على وجهين: إن كان الملتقط غنيا لا يجوز له الانتفاع عندنا سواء فعل ذلك بأمر القاضي أو بغير أمره، وإن كان الملتقط فقيرا إن أذن له القاضي أن ينفقها على نفسه يحل له أن ينفق ولا يحل بغير أمر القاضي عند عامة العلماء. وقال بشر: يحل اه‍. وإنما فسرنا الانتفاع بالتملك لانه ليس المراد الانتفاع بدونه كالاباحة ولذا ملك بيعها وصرف الثمن إلى نفسه كما في الخانية. أطلق في عدم الانتفاع للغني فشمل القرض ولذا قال في فتح القدير: وليس للملتقط إذا كان غنيا أن يتملكها بطريق القرض إلا بإذن الامام، وإن كان فقيرا فله أن يصرفها إلى نفسه صدقة لا قرضا اه‍. وأطلق في ولده فشمل الصغير، والحاصل أن أقارب الملتقط وأصوله وفروعه وزوجته كالاجنبي لان الجواز للفقر وهو موجود في الكل وينبغي تقييد الصغير بأن يكون الملتقط فقيرا لان الولد يعد غنيا بغناء أبيه كما قدمناه في الزكاة. ولم يذكر المصنف حكم ما إذا انتفع بها الملتقط ثم حضر المالك لانه معلوم من حكم ما إذا تصدق بها الملتقط ثم حضر المالك بالاولى فله أن يجيز وأن يضمن. وفي الخانية: رجل وجد عرضا لقطة فعرفها ولم يجد صاحبها وهو فقير ثم أنفق على نفسه ثم أصاب مالا قالوا: لا يجب عليه أن يتصدق على الفقراء بمثل ما أنفق على نفسه - زاد في الولوالجية - وهو المختار فأفاد الاختلاف. وفي الخانية: امرأة وضعت ملاءتها وجاءت امرأة أخرى ووضعت ملاءتها ثم جاءت الاولى وأخذت ملاءة الثانية وذهبت لا ينبغي للثانية أن تنتفع بملاءة الاولى لانه انتفاع بملك الغير، فإن أرادت أن تنتفع بها قالوا ينبغي أن تتصدق هي بهذه الملاءة على ابنتها إن كانت فقيرة على نية أن يكون ثواب الصدقة لصاحبتها إن رضيت، ثم تهب الابنة الملاءة منها فيسعها الانتفاع بها لانها بمنزلة اللقطة فكان التصدق، وإن كانت غنية لا يحل لها الانتفاع بها، وكذلك الجواب في المكعب إذا سرق اه‍. وقيده بعضهم بأن يكون المكعب الثاني مثل الاول أو أجود، أما إذا كان الثاني دون الاول فله أن ينتفع به من غير هذا التكلف لان أخذ الاجود وترك الادون دليل الرضا بالانتفاع بالادون، كذا في الظهيرية. وفيه مخالفة اللقطة من جهة

[ 266 ]

جواز التصدق بها قبل التعريف وكأنه للضرورة، وكذلك جوزوا الانتفاع للحال في مسألة مذكورة في الخلاصة. وفي الولوالجية: هي لو مات غريب في دار رجل ومعه قدر خمسة دراهم فأراد صاحب البيت أن يتصدق على نفسه إن كان فقيرا فله ذلك كاللقطة اه‍. ولم يصرحا بما زاد على الخمسة. وفي الحاوي القدسي: وإذا مات الغريب في بيت إنسان وليس له وارث معروف كان حكم تركته كحكم اللقطة إلا إذا كان مالا كثيرا يكون لبيت المال بعد البحث والفحص عن ورثته سنين اه‍. وفي الخانية: رجل غريب مات في دار رجل وليس له وارث معروف وخلف ما يساوي خمسة دراهم وصاحب الدار فقير ليس له أن يتصدق بهذا المال على نفسه لانه ليس بمنزلة اللقطة اه‍. وهو مخالف لما ذكرناه والاول أثبت وصرح به في المحيط، وأما مسألة الحمام فقال في الظهيرية: رجل له محصنة حمام اختلط بها أهلي لغيره لا ينبغي له أن يأخذه فإن أخذه طلب صاحبه ليرده عليه لانه في معنى اللقطة، فإن فرخ عنده، فإن كانت الام غريبة لا يتعرض لفرخها، وإن كان الام لصاحب المحصنة والغريب ذكر فالفرخ له. قال الشيخ الامام شمس الائمة السرخسي: وبهذا تبين أن من اتخذ برج حمام فأوكرت فيه حمام الناس فما يأخذ من أفراخها لا يحل له وهو بمنزلة اللقطة في يده، فإن كان فقيرا له أن يتناول حاجته، وإن كان غنيا ينبغي له أن يتصدق بها على فقير ثم يشتري منه بشئ ويحل له التناول. قال شمس الائمة: وهكذا كان يفعل شيخنا شمس الائمة الحلواني وكان مولعا بأكل الجوازل. ومحصنة الحمام برجه، وأوكرت اتخذت وكرا وهو بيت الحمام وغيره والمولع الحريص، والجوازل جمع جوزل وهو فرخ الحمام اه‍. وفي القنية: يمشي في السوق وينفخ في التراب فوجد عدلية أو فلسا أو ذهبا لا يحل له إلا بعد التعريف ثم التصدق عليه إن كان فقيرا ثم رقم لآخر أما الفلس والعدلية فيباح له إذا كان فقيرا. وفي الزيادة: لا ويجوز التصدق في العدلية والفلس قبل التعريف اه‍. وفي الظهيرية: المأخوذ به أن للمأمور بالنثار سكرا أو غيره أن يحبس لنفسه مقدار ما يحبسه الناس وأن يلتقط ومن وقع في حجره أو ذيله شئ فأخذه منه غيره إن هيأه لذلك لا يكون للآخذ وإلا كان له. وفي التتارخانية: سارق دفع لرجل متاعا فينبغي له أن يتصدق به إن لم يعرف صاحبه وإلا رده ولا يرده إلى السارق والله سبحانه وتعالى أعلم.

[ 267 ]

كتاب الاباق كل من الاباق واللقيط واللقطة متحقق فيه عرضة الزوال والتلف إلا أن التعرض له بفعل فاعل مختار في الاباق فكان الانسب تعقيب الجهاد به بخلاف اللقطة واللقيط وكذا الاولى فيه، وفي اللقطة الترجمة بالباب لا بالكتاب، كذا في فتح القدير وفيه نظر لان خوف التلف من حيث الذات في اللقيط أكثر من اللقطة فناسب ذكره عقيب الجهاد. وأما التلف في الآبق فإنما هو من حيث الانتفاع للمولى لا من حيث الذات لانه لو لم يعد إلى مولاه لا يموت بخلاف اللقيط فإنه لصغره إن لم يرفع يت فالانسب ترتيب المشايخ كما لا يخفى. وكذا تعبيرهم بالكتاب لكل من الثلاثة أنسب من الباب لما أن مسائل كل منها مستقلة لم تدخل في شئ قبلها ولا بعدها. وفي القاموس: أبق العبد كسمع وضرب ومنع آبقا، ويحرك وإباقا ككتاب ذهب بلا خوف ولا كد عمل أو استخفى ثم ذهب فهو آبق وأبوق وجمعا ككفار وركع اه‍. وفي المصباح: الاكثر أنه من باب ضرب اه‍. ولما كان الهرب لا يتحقق إلا بالقصد لم يحتج إلى زيادته كما في العناية، وأما الضال فليس فيه قصد التغيب بل هو المنقطع عن مولاه لجهله بالطريق إليه، كذا في فتح القدير. قوله: (أخذه أحب أن يقو عليه) أي يقدر عليه لما فيه من إحيائه لانه هالك في حق المولى فيكون الرد إحياء له. قيد بقدرته على أخذه لانه لو لم يقدر فلا استحباب، ولم يذكر ما إذا خاف هلاكه لو لم يأخذه. وصرح في البدائع بأن حكم أخذه حكم أخذ اللقطة فعلى هذا يفترض أخذه إن خاف ضياعه، ويندب إن لم يخف، ويحرم أخذه لنفسه، ويستحب تركه إن لم يأمن على نفسه. ولم يذكر المصنف كثيرا من أحكامه بعد أخذه قال في البدائع: إن شاء الآخذ أمسكه حتى يجئ صاحبه، وإن

[ 268 ]

شاء ذهب به إلى صاحبه، فإن ادعى إنسان أنه عبده وبرهن دفعه إليه واستوثق بكفيل إن شاء لجواز أن يدعيه آخر، وإن لم يبرهن وأقر العبد لمدعيه دفعه إليه أيضا لعدم المنازع ويأخذ كفيلا، فإن طالت المدة باعه القاضي وحفظ ثمنه لصاحبه، فإن جاء صاحبه بعده وبرهن دفع الثمن إليه وليس له نقض البيع لان بيع القاضي بولاية شرعية، ولو زعم المدعي أنه دبره وكاتبه لم يصدق في نقض البيع اه‍. وسيأتي حكم نفقته آخرا ويستحلف القاضي مدعيه مع البرهان بالله أنه باق إلى الآن في ملكك لم يخرج ببيع ولا هبة كما في فتح القدير. وفي الظهيرية: ينبغي للراد أن يأتي به إلى الامام عند السرخسي وخيره الحلواني، وإذا جاء به إلى القاضي هل يصدقه القاضي بلا بينة؟ اختلف المشايخ فيه كما اختلفوا في نصب القاضي خصما لمدعيه حتى تقبل بينته ولم يذكره محمد كما اختلفوا في أخذ الكفيل من مدعيه بعد البرهان كما اختلفوا في أخذ الضال، وإذا أبق العبد وذهب بمال المولى فجاء به رجل وقال لم أجد معه شيئا فالقول قوله ولا شئ عليه، ولا يكون وصول يده إلى العبد دليلا على وصول يده إلى المالية اه‍. قوله: (ومن رده من مدة سفر فله أربعون درهما) جعلا له استحسانا يستحقها على مولاه بلا شرط لان الصحابة رضي الله عنهم اتفقوا على أصل وجوب الجعل إلا أن منهم من جعله أربعين ومنهم من أوجب دونه فأوجب الاربعين في مسيرة السفر وما دونها فيما دونه توفيقا وتلفيقا، فلو جاء بالآبق رجل فأنكر مولاه إباقه فالقول له، فإن برهن أنه أبق أو أن مولاه أقر بذلك قبلت، كذا في الجوهرة. قيد بالآبق لانه لا جعل لراد الضال لانه بالسمع ولا سمع في الضال فامتنع، ولان الحاجة إلى صيانة الضال دونها في الآبق لانه لا يتوارى والآبق يختفي، وهذا مما فارق فيه الآبق وكذا في حبسه فإن الآبق إذا رفع إلى الامام يحبسه ولا يحبس الضال لانه لا يؤمن على الآبق من الاباق ثانيا بخلاف الضال، وكذا لا يأخذه الواجد بل تركه أفضل على أحد القولين لانه لا يبرح من مكانه فيجده المالك بخلاف الآبق، وكذا لا جعل لراد الصبي الحر. أطلق الراد فشمل ما إذا كانا اثنين فيشتركان في الاربعين إذا رداه لمولاه كما في الحاوي. وشمل ما إذا رده محرمه إليه فهو كالاجنبي لكن يرد عليه ما إذا رده من في عيال سيده إليه فإنه لا جعل له، وكذا يرد عليه ما إذا رده الابوان أو أحدهما ولم يكن في عياله لا جعل له، وكذا يرد عليه لو رده الابن إلى أبيه وليس في عياله أو أحد

[ 269 ]

الزوجين إلى الآخر، وكذا يرد عليه لو رده الوصي إلى اليتيم، وكذا من يعول اليتيم إذا رد آبقه وليس بوصي، وكذا يرد عليه لو كان مالكه قد استعاذ به كما لو قال لرجل إن عبدي قد أبق فإذا وجدته فخذه كما في فتح القدير. وشرط في التتارخانية أن يقول له نعم معللا بأنه قد وعد له الاعانة. وكذا يرد عليه لو رده السلطان أو الشحنة أو الخفير لوجوب الفعل عليهم فالوارد إحدى عشرة فلو قال إذا كان الراد يحفظ مال السيد أو يخدمه أو استعان به لسلم من الايراد كما لا يخفى. وشمل ما إذا كان الراد بالغا أو صبيا حرا أو عبدا لان الصبي من أهل استحقاق الاجر بالعمل وكذا العبد إلا أن الجعل لمولاه لانه ليس من أهل ملك المال، كذا في البدائع. وشمل ما إذا رده بنفسه أو نائبه. قال في المحيط: أخذ أبقا من مسيرة سفر فدفعه إلى رجل وأمره أن يأتي به إلى مولاه وأن يأخذ منه الجعل جاز. وذكر في آخر الباب لو أخذ عبدا آبقا فاغتصبه منه رجل وجاء به لمولاه فدفعه إليه وأخذ جعله ثم جاء الذي أخذه فأقام البينة أنه أخذه من مسيرة ثلاثة أيام فإنه يأخذ من مولاه الجعل ثانيا ويرجع المولى على الغاصب بما دفع إليه لانه أخذه بغير حق اه‍. وأطلق في السيد فشمل البالغ والصبي فيجعل الجعل في ماله. وشمل ما إذا كان متعددا فالجعل على قدر النصيب، فلو كان البعض غائبا فليس للحاضر أن يأخذه حتى يعطي تمام الجعل، ولا يكون متبرعا بنصيب الغائب فيرجع عليه. وأطلق في المردود فشمل ما إذا كان صغيرا فهو كالكبير، ذكره الحاكم في الكافي لكن ذكر بعده: وإذا أبقت الامة ولها صبي رضيع فردهما رجل كان له جعل واحد، فإن كان ابنها غلاما قد قارب الحلم فله الجعل ثمانون درهما اه‍. وقيد ولد الآبقة بالمراهق ولم

[ 270 ]

يقيد أولا فالظاهر أن الصغير إن لم يكن تبعا لاحد أبويه لا يشترط أن يكون مراهقا وإلا فهو شرط لكن لا بد من تقييده بالعقل. قال في التتارخانية: وما ذكر من الجواب في الصغير محمول على ما إذا كان يعقل الاباق، أما إذا كان لا يعقل فهو ضال لا يستحق له الجعل اه‍. وفي المصباح: الجعل بالضم الاجر يقال جعلت له جعلك، والجعالة بكسر الجيم وبعضهم يحكي التثليث والجعيلة مثل الكريمة لغات في الجعل اه‍. قوله: (ولو قيمته أقل منه) أي ولو كانت قيمة المردود أقل من الا ربعين فالواجب الاربعون عند أبي يوسف، لان التقدير بها ثبت بالنص فلا ينقص عنها ولذا لا يجوز الصلح على الزيادة بخلاف الصلح على الاقل لانه حط منه. وقال محمد: يقضي بقيمته إلا درهما لان المقصود إحياء مال المالك فلا بد أن يسلم له شئ تحقيقا للفائدة. ولم يذكر في الهداية فيه قولا للامام وذكره صاحب البدائع والاسبيجابي مع محمد فكان هو المذهب ولذا ذكره القدوري. وفي التتارخانية: لو مات العبد بعد الرد لم يبطل حقه في الجعل. قوله: (وإن رده لاقل منها فبحسابه) الخ. أي لو رد الآبق لاقل من ثلاثة أيام تقسم الاربعون على الايام الثلاثة لكل يوم ثلاثة عشر وثلث إذ هي أقل مدة السفر. وقد استفيد منه أن ما زاد على الثلاث كالثلاثة بخلاف ما نقص عنها. وظاهر ما في الهداية وغيرها تضعيف ما في الكتاب وأن المذهب الرضخ له باصطلاحهما أو يفوض إلى رأي القاضي. وفي الينابيع: العرض إلى رأي الامام وهو الاشبه بالاعتبار، وفي الابانة وهو الصحيح، وفي الغياثية وعليه الفتوى، كذا في التتارخانية. وفي المحيط: رجلان أتيا به فبرهن أحدهما أنه أخذه من مسيرة ثلاثة أيام والثاني أنه من مسيرة يومين فعلى المولى جعل تام ويكون للاول جعل يوم خاصة ويكون جعل يومين بينهما نصفين، ولو أقام أحدهما البينة أنه أخذه بالكوفة وأقام آخر أنه أخذه في طريق البصرة على مسيرة يومين فقد علمت أن إحدى البينتين كاذبة فعلى المولى جعل تام ويكون للذي أقام البينة أنه أخذه بالكوفة ثلث الجعل ويكون الباقي بينهما نصفين اه‍. وفي القاموس: رضخ له كمنع وضرب أعطاه عطاء غير كثير اه‍. أطلق في الاقل فشمل ما إذا رده في المصر فإنه يرضخ له كما لو رده من خارج وهو المذكور في الاصل. وعن أبي حنيفة لا شئ له في المصر والاول هو الصحيح، كذا في التتارخانية. قوله: (وأم الولد والمدبر كالقن) لما فيه من إحياء ملكه. وقيده في الهداية بأن يكون الرد في حياة المولى ولا حاجة إليه لانهما يعتقان بموته ولا شئ في رد الحر، وهذا ظاهر في

[ 271 ]

أم الولد لانه لا سعاية عليها بعد موته، وكذا في المدبر الذي لا سعاية عليه بأن كان للمولى مال سواه، وأما إذا لم يكن له غيره فكذلك لا جعل للراد لانه حر عندهما مستسعى عنده وهو كالمكاتب ولا جعل لراد المكاتب ولذا قيد بأم الولد والمدبر للاحتراز عنه لان المكاتب أحق بمكاسبه فلا يوجب فيه إحياء مال المولى، ولو رد القن بعد موت مولاه وجب الجعل إن كان الراد أجنبيا، وإن كان وارثا ينظر، فإن أخذه بعد موت المولى لا يستحق شيئا لان العمل يقع في محل مشترك بينه وبين بقية الورثة، وإن أخذه في حياته ثم مات استحقه في حصة غيره عندهما خلافا لابي يوسف. والراد أحق بالعبد من سائر الغرماء حتى يعطى الجعل فيقدم على سائر الديون ويعطى من ثمنه ثم يقسم الباقي بين الغرماء، كذا في البدائع. وكذا لو كان الآبق مأذونا في التجارة وعليه دين محيط فالجعل على مولاه، فإن امتنع بيع في الجعل وما فضل يصرف للغرماء، كذا في التتارخانية. قوله: (وإن أبق من الراد لا يضمن) لانه أمانة في يده إذا أشهد أنه أخذه ليرده كما سيأتي. ولم يذكر سقوط الجعل قالوا: ولا جعل له لانه في معنى البائع من المالك ولهذا كان له أن يحبس الآبق حتى يستوفي الجعل بمنزلة البائع، يحبس المبيع لاستيفاء الثمن، وكذا إذا مات في يده لا شئ له ولا عليه. ولو أعتقه المولى كما لقيه صار قابضا بالاتفاق كما في العبد المشتري، وكذا إذا باعه من الراد لسلامة البدل له والرد وإن كان له حكم البيع لكنه بيع من وجه فلا يدخل تحت النهى الوارد عن بيع ما لم يقبض فجاز، كذا في الهداية. وقوله كما لقيه ليس بقيد بل لو أعتقه بعد ما سار به الراد ثلاثة أيام أو أكثر ليرده ثم أبق بعده فإن الجعل لا يسقط كما صرح به في المحيط بخلاف ما إذا سار به أقل من ثلاثة أيام. وقال أبو حنيفة: إن كان المولى دبره ثم هرب فلا جعل له لان بالتدبير لم يزل الرق. وسبب الاستحقاق هو الرد إلى المولى في حالة الرق ولم يرده اه‍. ولم يذكر المصنف حكم ما إذا رده آخر بعدما أبق من الاول، وذكر في المحيط أن الاول إذا أدخله المصر فهرب منه فأخذه آخر ورده إلى مولاه فلا جعل لواحد منهما، وإن خرج من المصر ورده الثاني من مسيرة سفر فله الجعل، ولو أخذ الآبق من مسيرة سفر فسار به يوما ثم أبق منه متوجها إلى بلد مولاه ولا يريد أن يرجع إلى مولاه، فإن أخذه الذي كان أخذه ثانيا فسار به اليوم الثالث فرده فله ثلثا الجعل جعل اليوم الاول والثالث، فإن أخذه مولاه أو رجع العبد إلى مولاه فلا جعل للآخذ لانه لم يدفعه إلى مولاه، ولو كان العبد لم يأبق من الآخذ ولكن فارقه وجاء إلى مولاه متوجها لا يريد الاباق فللآخذ جعل يوم لانه لم يتمرد من الآخذ

[ 272 ]

بل منقاد له فلم تنقطع يده عنه فصار كأنه رده إلى مولاه، ولو أخذ عبدا أبقا من مسيرة سفر فسار به يوما ثم دفعه إلى آخر أو باعه منه أو وهبه وسلمه وأمره أن يدفع إلى مولاه فدفعه أو سار العبد بنفسه فللآخذ جعل اليوم الاول ولا شئ للمدفوع إليه اه‍. قوله: (ويشهد أنه أخذه ليرده) أي يشهد الآخذ للآبق. ولو قال إن أشهد أنه أخذه ليرده لكان أولى ليكون شرطا لعدم ضمانه بإباقه من يده فإن الاشهاد لنفي الضمان عن آخذه شرط عندهما خلافا لابي يوسف كما تقدم في اللقطة لكن لم يعلقه به ليفيد أن الاشهاد شرط لاستحقاق الجعل أيضا حتى لو رده من لم يشهد وقت الاخذ لا جعل له عندهما لان تركه الاشهاد أمارة أنه أخذه لنفسه فصار كما إذا اشتراه من الآخذ أو اتهبه أو ورثه فرده على مولاه لا جعل له لانه أخذه لنفسه إلا إذا أشهد أنه اشتراه ليرده فيكون له الجعل وهو متبرع في أداء الثمن. واتفقوا أنه لو أقر أنه أخذه لنفسه فلا جعل له. والحاصل أنه إن أشهد أنه أخذه ليرده استحق الجعل وانتفى الضمان عنه بموته وإباقه وإلا لا، لكن ينبغي أن يكون الاشهاد شرطا لهما عند التمكن، أما إذا لم يتمكن منه فلا اتفاقا كما تقدم نظيره في اللقطة، وأن القول قوله في أنه لم يتمكن منه، ثم رأيت التصريح به في التتارخانية. قوله: (وجعل الرهن على المرتهن) لانه أحيا ماليته بالرد وهي حق المرتهن، إذ الاستيفاء منها والجعل في مقابلة إحياء المالية فيكون عليه. أطلقه فأفاد أن الرد في حياة الراهن وبعده سواء لان الرهن لا يبطل بالموت لكن يرد على إطلاقه ما إذا كانت قيمته أكثر من الدين فليس الكل عليه فإنما عليه بقدر دينه والباقي على الراهن لان حقه في القدر المضمون فصار كثمن الدواء وتخليصه من الجناية بالفداء. وأشار بوجوبه على المرتهن الذي ليس بمالك للرقبة لكون المنفعة عائدة إليه لكونه مضمونا عليه إلى أن العبد الموصى برقبته لانسان وبخدمته لآخر إذا أبق فالجعل على صاحب الخدمة لان المنفعة له، فإذا انقضت الخدمة رجع صاحب الخدمة على صاحب الرقبة أو بيع العبد فيه، وإلى أن المأذون المديون لو أبق فأداء الجعل على من يقع الرد له وهو من يستقر الملك له، فإن اختار المولى قضاء دينه كان الجعل عليه، وإن اختار بيعه كان الجعل في الثمن يبتدأ به كما أسلفناه ولا شئ على المشتري، وإلى أن الآبق لو كان حتى خطأ لا في يد الآخذ فإنه على من سيصير له إن اختار المولى فداءه فهو عليه لعود منفعته إليه، وإن اختار دفعه إلى الاولياء فعليهم لعودها إليهم، فلو دفع المولى الجعل وأخذه ثم قضى عليه بدفعه إلى الاولياء فله الرجوع على المدفوع إليه بالجعل، كما لو باعه القاضي في الدين فإن المولى يأخذ جعله الذي دفعه من ثمنه، كذا في المحيط. قيدنا بكونه خطأ لانه لو كان قتل عمدا ثم رده فلا جعل له على أحد. وقيد بكون الجناية لم تكن وهي في يده إذ لو جنى الآبق في يد الآخذ فلا جعل له على أحد، ولو جنى بعد إباقه قبل أن يأخذه فإن قتل فلا شئ له، وإن دفع إلى الولي فعليه الجعل، كذا في المحيط. فجنايته على ثلاثة أوجه كما علمت، وإلى أن العبد

[ 273 ]

المغصوب لو أبق من غاصبه فالجعل على الغاصب. ودل بمفهومه أنه لو رد الموهوب فالجعل على الموهوب له سواء رجع الواهب في الهبة بعد الرد أو لم يرجع لان المالك له وقت الرد المنتفع به إنما هو الموهوب له ولو وهبه للآخذ، فإن كان قبل قبض المولى فلا جعل وإلا فعلى المولى بخلاف ما إذا باعه منه فإن الجعل له مطلقا، كذا في المحيط. قوله: (وأمر نفقته كاللقطة) أي وحكم نفقة الآبق كحكم نفقة اللقطة لانه لقطة حقيقة، فلو أنفق عليه الآخذ بلا أمر القاضي كان متبرعا وبإذنه كان له الرجوع بشرط أن يقول على أن يرجع على الاصح وله أن يحبسه للنفقة الدين، فإن طالت المدة ولم يجئ صاحبه باعه القاضي وحفظ ثمنه كما قدمناه. وأسلفنا أن القاضي لا يؤجره بخلاف اللقطة وأنه يحبسه تعزيرا له بخلاف الضال. وقدر في التتارخانية مدة حبسه بستة أشهر ثم يبيعه بعدها قال: وينفق عليه مدة الحبس من بيت المال. وسيأتي حكم بيع الآبق وهبته في البيوع الفاسدة. وإعتاقه جائز ولو عن كفارة ظهار، ولا تقطع يده بسرقة تثبت عليه حتى يحضر مولاه خلافا لابي يوسف، وإن أجره رجل فالاجر له ويتصدق به وإن دفعه إلى المولى كان له حلالا استحسانا، كذا في التتارخانية والله سبحانه وتعالى أعلم.

[ 274 ]

كتاب المفقود من فقده يفقده فقدا وفقدانا وفقودا عدمه فهو فقيد ومفقود، كذا في القاموس. قوله: (وهو غائب لم يدر موضعه) يعني لم تدر حياته ولا موته فالمدار إنما هو على الجهل بحياته وموته لا على الجهل بمكانه فإنهم جعلوا منه - كما في المحيط - المسلم الذي أسره العدو ولا يدري أحي أم ميت مع أن مكانه معلوم وهو دار الحرب فإنه أعم من أن يكون عرف أنه في بلدة معينة من دار الحرب أو لا. وحاصل ما ذكره المصنف من أحكامه أن له حكمين: حكما في الحال وحكما في المآل فالاصل في الاول أنه حي في حق نفسه حتى لا يورث عنه ماله ولا تتزوج نساؤه، وميت في حق غيره حتى لا يرث من أحد ولا يقسم ماله بين ورثته ما لم يثبت موته ببينة أو يبلغ سنا سيبينه المصنف. وأما الحكم المآلي فهو الحكم بموته بمضي مدة معينة. قوله: (فينصب القاضي من يأخذ حقه ويحفظ ماله ويقوم عليه) لان القاضي نصب ناظرا لكل عاجز عن النظر لنفسه والمفقود بهذه الصفة وصار كالصبي والمجنون، وفي نصب الحافظ لماله والقائم عليه نظر له لكن عند الحاجة فلو كان له وكيل ثم فقد ينبغي أن لا ينصب القاضي وكيلا لانه لا ينعزل بفقد موكله إذا كان وكيلا في الحفظ لما في الولوالجية والتجنيس: رجل غاب وجعل داره في يد رجل ليعمرها أو دفع ماله ليحفظه وفقد الدافع فله أن يحفظه وليس له أن يعمر الدار إلا بإذن الحاكم لانه لعله مات ولا يكون الرجل وصيا اه‍. أطلق الحق فشمل الاعيان والديون من الغلات وغيرها ما كان في بيته أو عند أمنائه، ولا يخفى أنه يقبض غلاته والديون المقر بها لانه من باب الحفظ فيخاصم في دين وجب بعقده

[ 275 ]

لانه أصيل في حقوقه ولا يخاصم في الذي تولاه المفقود ولا في نصيب له في عقار أو في عروض في يد رجل لانه ليس بمالك ولا نائب عنه إنما هو وكيل في القبض من جهة القاضي، وأنه لا يملك الخصومة بلا خلاف وإنما الخلاف في الوكيل بالقبض من جهة المالك في الدين، وإذا كان كذلك تضمن الحكم به قضاء على الغائب وأنه لا يجوز إلا إذا رده القاضي وقضى به لانه مجتهد فيه، كذا في الهداية. وأورد عليه أن المجتهد فيه نفس القضاء فينبغي أن يتوقف نفاذه على إمضاء قاض آخر كما لو كان القاضي محدودا في قذف. أجيب بأن المجتهد فيه سبب القضاء وهو أن البينة هل تكون حجة من غير خصم حاضر أو لا، فإذا رآها القاضي حجة وقضى بها نفذ قضاؤه كما لو قضى بشهادة المحدود في القذف. واستشكله الشارح بأن الاختلاف إنما هو في نفس القضاء وإلا لم يتصور الاختلاف في نفس القضاء فلا ينفذ حكمه إلا بتنفيذ قا ض آخر ولهذا قال الشارح في كتاب القضاء: إن الاصح أنه لا ينفذ إلا بتنفيذ قاض آخر لان الاختلاف في نفس القضاء وتبعه المحقق ابن الهمام هناك لكن ذكر هنا عن الخلاصة أن الفتوى على النفاذ. والحاصل أن في نفاذ القضاء على الغائب روايتين فصححوا في باب المفقود رواية النفاذ وفي كتاب القضاء رواية عدمه لكن وقع الاشتباه بين أهل العصر في المراد بالقاضي على الغائب هل المراد به الاعم من الحنفي وغيره أو المراد غير الحنفي ومنشؤه فهم عبارة الهداية وغيرها هنا حيث قالوا: إذا رآه القاضي نفذ هل المراد أنه رأي له واعتقاد فيخرج الحنفي لانه لا يرى القضاء على الغائب أو المراد إذا رآه القاضي مصلحة فقال في العناية إلا إذا رآه القاضي أي جعل ذلك رأيا له وحكم به. وقال في فتح القدير: أي رأى القاضي المصلحة في الحكم على الغائب أوله اه‍. وقال الشارحون وصاحب الخلاصة والبزازية في توجيه الجواب عما أورد أن المجتهد فيه نفس القضاء إذا رآها القاضي حجة وقضى بها نفذ وهو موافق لما في العناية المقتضي لتخصيص القاضي بغير الحنفي، ومن العجب ما في الخلاصة من نقل الاجماع على نفاذ القضاء على الغائب لو فعل، وإنما الخلاف في أنه هل يقضي وينصب وكيلا عن الغائب أم لا، وستزداد وضوحا في كتاب القضاء إن شاء الله تعالى. والحاصل أنه لا تسمع الدعوى ولا تقبل البينة فيما لو ادعى إنسان على المفقود دينا أو وديعة أو شركة في عقار أو رقيق أو ردا بعيب أو مطالبة لاستحقاق لعدم الخصم لان منصوب القاضي ليس بخصم، وكذا ورثته لانهم يرثونه بعد موته ولم يثبت، ولم يذكر المصنف بيع شئ من ماله وفي الهداية: ثم ما كان يخاف عليه الفساد يبيعه

[ 276 ]

القاضي لانه يتعذر عليه حفظ صورته ومعناه فينظر له بحفظ المعنى، ولا يبيع ما لا يخاف عليه الفساد في نفقة ولا غيرها لانه لا ولاية له على الغائب إلا في حفظ ماله فلا يسوغ له ترك حفظ الصورة وهو ممكن. قوله: (وينفق على قريبه ولادا وزوجته) يعني من مال المفقود والاصل فيه أن كل من يستحق النفقة في ماله حال حضرته بغير قضاء القاضي ينفق عليه من ماله في غيبته لان القضاء حينئذ يكون إعانة، وكل من لا يستحقها في حضرته إلا بالقضاء لا ينفق عليه من ماله في غيبته لان النفقة حينئذ تجب بالقضاء والقضاء على الغائب ممتنع. فمن الاول الاولاد الصغار والاناث من الكبار والزمني من الذكور الكبار، ومن الثاني الاخ والاخت والخال والخالة وكل محرم لما قدمناه في النفقات، أطلق في الانفاق من ماله وهو مقيد بالدراهم والدنانير لان حقهم في الملبوس والمطعوم فإذا لم يكن ذلك في ماله يحتاج إلى القضاء بالقيمة وهي النقدان والتبر بمنزلتهما في هذا الحكم لانه يصلح قيمة كالمضروب، وتقدم في النفقات استثناء الاب فإن له بيع العروض. وفي التتارخانية: ويباع في النفقة ما سوى العقار ولم يقيد بفقرهم لما علم في النفقات أنه لا بد منه إلا الزوجة فإنها تستحق النفقة وإن كان غنية، ولم يبين من تحت يده المال لما قدمه في النفقات أنه إذا كان المال وديعة أو دينا ينفق عليهم منهما إذا كان المودع والمديون مقرين بالدين والوديعة والنكاح والنسب، وهذا إذا لم يكونا ظاهرين عند القاضي، فإن كانا ظاهرين لا حاجة إلى الاقرار، وإن كان أحدهما ظاهرا الوديعة والدين أو النكاح والنسب يشترط الاقرار بما ليس بظاهر. هذا هو الصحيح، وإن دفع المودع بنفسه أو من عليه الدين بغير أمر القاضي يضمن المودع ولا يبرأ المديون لانه ما أدى إلى صاحب الحق ولا إلى نائبه بخلاف ما إذا دفع بأمر القاضي لان القاضي نائب عنه. وإن كان المودع والمديون جاحدين أصلا أو كانا جاحدين الزوجية والنسب لم ينتصب أحد من مستحقي النفقة خصما في ذلك لان ما يدعيه للغائب لم يتعين سببا لثبوت حقه وهو النفقة لانها كما تجب في هذا المال تجب في مال آخر للمفقود، وأما إذا نصب القاضي من يخاصم في ذلك فله ذلك كما في التتارخانية، ولم يذكر المصنف أخذ الكفيل منهم لما قدمه أنه يؤخذ كفيلا. قوله: (ولا يفرق بينه وبينها) أي وبين زوجته لقوله عليه السلام في امرأة المفقود إنها امرأته حتى يأتيها البيان وقول علي رضي الله عنه فيها هي امرأة ابتليت فلتصبر حتى يتبين موت أو طلاق خرج بيانا للبيان المذكور في المرفوع ولان النكاح عرف ثبوته والغيبة لا توجب الفرقة والموت في حيز الاحتمال فلا يزال النكاح بالشك، وعمر رضي الله عنه رجع إلى قول علي ولا معتبر بالايلاء لانه كان طلاقا معجلا فاعتبر في الشرع مؤجلا فكان موجبا للفرقة لان الغربة تعقب الاوبة والعنة قلما تنحل بعد استمرارها سنة.

[ 277 ]

قوله: (وحكم بموته بعد تسعين سنة) لانه الغاية في زماننا والحياة بعدها نادر فلا عبرة للنادر، وقد وقع الاختلاف في هذه واختلف الترجيح فظاهر الرواية وهو المذهب أنه مقدر بموت الاقران في السن لان من النوادر أن يعيش الانسان بعد موت أقرانه فلا ينبغي الحكم عليه، فإذا بقي منهم واحد لا يحكم بموته. واختلفوا في المراد بموت أقرانه فقيل من جميع البلاد، وقيل من بلده وهو الاصح، كذا في الذخيرة. واختار المؤلف التقدير بالتسعين بتقديم التاء على السين تبعا لابن الفضل وهو الارفق كما في الهداية، وفي الذخيرة وعليه الفتوى، وعن أبي يوسف تقديره بمائة سنة واختاره أبو بكر بن حامد، وفي رواية الحسن عن الامام بمائة وعشرين سنة واختاره القدوري، واختار المتأخرون ستين سنة، واختار المحقق ابن الهمام سبعين سنة، واختار شمس الائمة أن لا يقدر بشئ لانه أليق بطريق الفقه لان نصب المقادير بالرأي لا تكون، وفي الهداية أنه الاقيس، وفوضه بعضهم إلى القاضي فأي وقت رأى المصلحة حكم بموته. قال الشارح: وهو المختار. والحاصل أن الاختلاف ما جاء إلا من اختلاف الرأي أي في أن الغالب هذا في الطول أو مطلقا، والعجب من المشايخ كيف يختارون خلاف ظاهر المذهب مع أنه واجب الاتباع على مقلدي أبي حنيفة والامام محمد لم يعتبر السنين وإنما اعتبره المتقدمون بعده، وقال الصدر الشهيد في شرحه: ما قال محمد أحوط كما في التتارخانية ولقد صدق من قال كثرة المقالات تؤذن بكثرة الجهالات ومن الغريب ما نقله في التتارخانية أنه مقدر بثمانين سنة وعليه الفتوى. قوله: (وتعتد امرأته وورث منه حينئذ لا قبله) أي حين حكم بموته بمضي هذه المدة والظرف قيد للحكمين كأنه مات من ذلك الوقت معاينة إذ الحكمي معتبر بالحقيقي وكذا يحكم بعتق مدبريه وأمهات أولاده في ذلك الوقت كما في الحاوي. قوله: (ولا يرث من أحد مات) أي قبل الحكم بموته لان بقاءه حيا في ذلك الوقت باستصحاب الحال وهو لا يصلح حجة للاستحقاق،

[ 278 ]

ولذلك لو أوصى للمفقود ومات الموصي لا يستحق الوصية لكن قال محمد: لا أقضي بها ولا أبطلها حتى يظهر حال المفقود يعني يوقف نصيب المفقود الموصي له به إلى أن يقضي بموته، فإذا قضي بموته جعل كأنه مات الآن. والحاصل أنه حي في مال نفسه فلا يورث ميت في حق غيره فلا يرث. وهذا إذا لم تعلم حياته إلى أن يحكم بموته، وإن علم حياته في وقت من الاوقات يرث من مات قبل ذلك الوقت من أقاربه كا في الحمل لاحتمال أن يكون حيا فيرث، فإن تبين حياته في وقت مات فيه قريبه وإلا يرد الموقوف لاجله إلى وارث مورثه الذي وقف من ماله. قوله: (ولو كان مع المفقود وارث يحجب به لم يعط شيئا وإن انتقص حقه به يعطى أقل النصيبين) بيانه: رجل مات عن ابنتين وابن مفقود وابن ابن أو بنت ابن والمال في يد الاجنبي وتصادقوا على فقد الابن وطلبت البنتان الميراث، يعطيان النصف لانه متيقن به يوقف النصف الآخر ولا يعطى أولاد الابن لانهم يحجبون بالمفقود لو كان حيا فلا يستحقون الميراث بالشك، ولا ينزع من يد الاجنبي إلا إذا ظهرت منه خيانة بأن كان أنكر أن للميت عنده مالا حتى أقامت البنتان البينة عليه فقضي بها لان أحد الورثة ينتصب خصما عن الباقين فإن حينئذ يؤخذ الفضل الباقي منه ويوضع على يد عدل لظهور خيانته. ولو لم يتصادقوا على فقد الابن فقال الاجنبي الذي في يده المال مات المفقود قبل أبيه فإنه يجبر على دفعه الثلثين للبنتين لان إقراره معتبر فيما في يده وقد أقر أن ثلثيه للبنتين فيجبر على دفعه لهما، ولا يمنع إقراره قول أولاد الابن أبونا أو عمنا مفقود لانهم بهذا القول لا يدعون لانفسهم شيئا ويوقف الثلث الباقي في يده وتمامه في فتح القدير. وفي البزازية من كتاب الدعوى: مات عن ابنين أحدهما مفقود فزعم ورثة المفقود أنه حي وله الميراث والابن الآخر يزعم موته لا خصومة بينهما لان ورثة المفقود اعترفوا أنهم لاحق لهم في التركة فكيف يخاصمون عمهم؟ اه‍. قوله: (كالحمل) أي الحمل نظيره في الميراث عند الشك في نصيب الحمل فإنه يوقف له ميراث ابن واحد على ما عليه الفتوى، فلو كان مع الحمل وارث آخر لا يسقط بحال ولا يتغير بالحمل يعطى كل نصيبه للتيقن به على كل حال، وكذا إذا ترك ابنا وامرأة حاملا تعطى المرأة الثمن، وإن كان ممن يسقط بالحمل لا يعطى شيئا، وإن كان ممن يتغير يعطى الاقل للتيقن به مثاله: ترك امرأة حاملا وجدة تعطى السدس لانه لا يتغير بها، ولو ترك حاملا وأخا أو عما لا يعطى شيئا لان الاخ يسقط بالابن وجائز أن يكون الحمل ابنا وكان بين أن يسقط ولا يسقط فكان أصل الاستحقاق مشكوكا فيه فلا يعطى شيئا ولو ترك حاملا وأما وزوجة تأخذ الام السدس والزوجة الثمن لانه لو كان ميتا أخذت الام الثلث أو حيا أخذت المسدس والزوجة الثمن لانه لو كان ميتا أخذت الربع والله أعلم.

[ 279 ]

كتاب الشركة أولاها للمفقود لتناسبهما بوجهين: كون مال أحدهما أمانة في يد الآخر كما أن مال المفقود أمانة في يد الحاضر، وكون الاشتراك قد يتحقق في مال المفقود كما لو مات مورثه وله وارث آخر والمفقود حي. والشركة لغة خلط النصيبين بحيث لا يتميز أحدهما، وما قيل إنه اختلاط النصيبين تساهل فإن الشركة اسم المصدر والمصدر الشرك مصدر شركت الرجل أشركه شركا فظهر أنها فعل الانسان وفعله الخلط، وأما الاختلاط فصفة للمال تثبت عن فعلهما ليس لها اسم من المادة ولا يظن أن اسمه الاشتراك لان الاشتراك فعلهما أيضا مصدر اشترك الرجلان افتعال من الشركة، كذا في فتح القدير. وذكر أنها بإسكان الراء في المعروف وسكت عن الاول. وفي القاموس: الشرك والشركة بكسرهما وضم الثاني بمعنى. وقد اشتركا وشارك أحدهما الآخر. والشرك بالكسر وكأمير المشارك والجمع أشراك وشركاء اه‍. وفي التبيين: إطلاق الشركة على العقد مجاز لكونه سببا له. وفي فتح القدير: وركنها في شركة العين اختلاطهما، وفي شركة العقد اللفظ المفيد له ويقال الشركة على العقد نفسه، فإذا قيل شركة العقب الاضافة فهي إضافة بيانية. وشرعيتها بالكتاب والسنة والمعقول، أما الكتاب فقوله تعالى * (فهم شركاء في الثلث) * (النساء: 12) وهو خاص بشركة العين. وأما السنة فما في سنن أبي داود عن السائب أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: كنت شريكي في الجاهلية كما في فتح القدير. وفي المحيط: شرط جوازها كون الواحد قابلا للشركة وحكمها في شركة الملك صيرورة المجتمع من النصيبين مشتركا بينهما وفي شركة العقد صيرورة المعقود عليه أو ما يستفاد به مشتركا بينهما. قوله: (شركة الملك أن يملك اثنان عينا إرثا أو شراء) بيان للنوع الاول منها، وقوله إرثا أو شراء مثال لا قيد فلا يرد أن ظاهره القصر عليهما مع أنه لا

[ 280 ]

يقتصر عليهما بل تكون فيما إذا ملكاها هبة أو صدقة أو استيلاء بأن استوليا على مال حربي أو اختلاطا كما إذا اختلط مالهما من غير صنع من أحدهما أو اختلط بخلطهما خلطا يمنع التمييز أو يتعسر كالحنطة مع الشعير. والحاصل أنها نوعان: جبرية واختيارية، فأشار إلى الجبرية بالارث وإلى الاختيارية بالشراء كما في المحيط. وذكر أن من الاختيارية أن يوصي لهما بمال فيقبلان، وظاهر قولهم عينا يدل على إخراج الدين فقيل إن الشركة فيه مجاز لانه وصف شرعي لا يملك، وقد يقال بل يملك شرعا وقد جازت هبته ممن عليه الدين ودفع بأنها مجاز عن الاسقاط ولذا لم تجز من غير من عليه الدين. وفي فتح القدير: والحق ما ذكروا من ملكه ولذا ملك ما عنه من العين على الاشتراك حتى إذا دفع من عليه الدين إلى أحدهما كان للآخر الرجوع عليه بنصف ما أخذ، وليس له أن يقول هذا الذي أخذته حصتي وما بقي على المديون حصتك، ولا يصح من المديون أيضا أن يعطيه شيئا على أنه قضاه وأخر الآخر، وسيأتي في الصلح أن من الحيلة في اختصاص الآخذ بما أخذ دون شريكه أن يهبه من عليه مقدار حصته ويبرئه هو من حصته، فلو قال المصنف أن يملك متعدد عينا أو دينا لكان أولى. قوله: (وكل أجنبي في قسط صاحبه) أي وكل واحد من الشريكين ممنوع من التصرف في نصيب صاحبه لغير الشريك إلا بإذنه لعدم تضمنها الوكالة، والقسط بالكسر الحصة والنصيب، كذا في القاموس. ولم يذكر المصنف حكم بيع أحدهما حصته وحكم الانتفاع بها بلا بيع، أما الاول فقالوا: يجوز بيع أحدهما نصيبه من شريكه في جميع الصور ومن غير شريكه بغير إذنه إلا في صورة الخلط والاختلاط فإنه لا يجوز إلا بإذنه. والفرق أن الشركة إذا كانت بينهما من الابتداء بأن اشتريا حنطة أو ورثاها كانت كل حبة مشتركة بينهما فبيع كل منهما نصيبه شائعا جائز من الشريك والاجنبي بخلاف ما إذا كانت بالخلط أو الاختلاط كان كل حبة مملوكة بجميع أجزائها ليس للآخر فيها شركة، فإذا باع نصيبه من غير الشريك لا يقدر على تسليمه إلا مخلوطا بنصيب الشريك فيتوقف على إذنه بخلاف بيعه من الشريك

[ 281 ]

للقدرة على التسليم والتسلم. والظاهر أن البيع ليس بقيد بل المراد الاخراج عن الملك بهبة أو وصية أو صدقة أو إمهار أو بدل خلع، وسيأتي بيان إجارة المشترك في قوله فيها وفسد إجارة المشاع إلا من الشريك. وأما الثاني ففيه تفصيل، ففي الدابة المشتركة لا يركبها بغير إذن شريكه، وفي البيت له أن يسكن كله في غيبة شريكه وكذا الخادم، ولا يلزمه أجرة حصة شريكه، ولو كانت الدار معدة للاستغلال وفي الارض له أن يزرعها كلها على المفتي به إن كان الزرع ينفعها، فإذا جاء شريكه زرعها مثل تلك المدة، وإن كان الزرع ينقصها أو الترك ينفعها فليس له أن يزرعها، وفي الكيلي والوزني له أن يعزل حصته بغيبة شريكه وينتفع بها ولا شئ عليه إن سلم الباقي، فإن هلك قبل التسليم إلى شريكه هلك عليهما، وتمامه في جامع الفصولين من الفصل الثالث والثلاثين من الانتفاع بالمشترك. وفي الخانية: ولو كان بينهما شركة في مال خلطاه ليس لواحد منهما أن يسافر بالمال بغير إذن الشريك، فإن سافر به فهلك، فإن كان له حمل ومؤنة ضمن، وإن لم يكن له حمل ومؤنة لا يضمن اه‍. وفي الظهيرية: ولو قال لآخر ما اشتريت اليوم من أنواع التجارات فهو بيني وبينك وقال الآخر نعم فهو جائز، وكذلك لو قال كل واحد منهما لصاحبه ذلك لان هذه شركة في الشراء والشركة في الشراء جائزة، وليس لاحد منهما أن يبيع حصة الآخر مما اشترى إلا بإذن صاحبه لانهما اشتركا في الشراء لا في البيع، ولو اشترى رجل عبدا فقال له رجل اشكرني

[ 282 ]

فيه فأشركه ثم جاء آخر فقال أشركني فيه فأشركه، فإن كان الثاني يعلم بمشاركة الاول إياه فله ربع ج