الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




البحر الرائق - ابن نجيم المصري ج 4

البحر الرائق

ابن نجيم المصري ج 4


[ 1 ]

البحر الرائق شرح كنز الدقائق (في فروع الحنفية) للشيخ الامام أبي البركات عبد الله بن أحمد بن محمود المعروف بحافظ الدين النسفي المتوفى سنة 710 ه‍ والشرح " البحر الرائق " للامام العلامة الشيخ زين الدين بن إبراهيم بن محمد المعروف بابن نجيم المصري الحنفي المتوفى سنة 970 ه‍ ومعه الحراشي المسماة منحة الخالق على البحر الرائق للعلامة الشيخ محمد أمين عابدين بن عمر عابدين بن عبد العزيز المعروف بابن عابدين الدمشقي الحنفي المتوفى سنة 1252 ه‍ ضبطه وخرج آياته وأحاديثه الشيخ زكريا عميرات تنبيه وضعنا متن كنز الدقائق في اعلى الصفحات، ووضعنا اسفل منه مباشرة نص البحر الرائق ووضعنا في أسفل الصفحات حواشي الشيخ ابن عابدين الجزء الرابع منشورات محمد علي بيضون دار الكتب العلمية بيروت - لبنان

[ 2 ]

جميع الحقوق محفوطة

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم باب التعليق باب التعليق لما فرغ من بيان المنجز شرع في المعلق. والتعليق من علقه تعليقا جعله معلقا كذا في القاموس. وفي المصباح: علقت الشئ بغيره وأعلقته بالتشديد والالف فتعلق اه‍. وفي الاصطلاح: ربط حصول مضمون جملة بحصول مضمون جملة أخرى. وتعبيره بالتعليق أولى من تعبير الهداية باليمين لشمول التعليق الصوري وإن لم يكن يمينا كالتعليق بحيضها وطهرها أو بحيضها حيضة أو بما لا يمكنه الامتناع عنه كطلوع الشمس ومجئ الغد أو بفعل من أفعال قلبها كالمحبة والمشيئة أو بفعل من أفعال قلبه فإنه في هذه المواضع ليس بيمين كما في المحيط، فلا يحنث لو كان حلف أن لا يحلف بها مع أن بعضها مذكور في هذا الباب كالمحبة والحيض حيضة بخلاف إن دخلت أو إن حضت. وفي تلخيص الجامع: لو حلف لا

[ 4 ]

يحلف يحنث بالتعليق لوجود الركن دون الاضافة لعدمه إلا أن يعلق بأعمال القلب أو بمجئ الشهر في ذوات الاشهر لانه يستعمل في التمليك أو بيان وقت السنة فلا يتمحض للتعليق ولهذا لم يحنث بتعليق الطلاق بالتطليق لاحتمال حكاية الواقع ولا ب‍ " إن أديت فأنت حر وإن عجزت فأنت رقيق لانه تفسير الكتابة، ولا ب‍ " إن حضت حيضة أو عشرين حيضة لاحتمال تفسير السنة اه‍. وشرط صحة التعليق كون الشرط معدوما على خطر الوجود فخرج ما كان محققا كقوله أنت طالق إن كان السماء فوقنا فهو تنجيز، وخرج ما كان مستحيلا كقوله إن دخل الجمل في سم الخياط فأنت طالق فلا يقع أصلا لان غرضه منه تحقيق النفي حيث علقه بأمر محال وهذا يرجع إلى قولهما إمكان البر شرط انعقاد اليمين خلافا لابي يوسف. وعلى هذا ظهر ما في الخانية: لو قال لها إن لم تردي علي الدينار الذي أخذتيه من كيسي فأنت طالق فإذا الدينار في كيسه لا تطلق امرأة. ولو قال إن حضت وهي حائض أو مرضت وهي مريضة فعلى حيضة مستقبلة. ولو قال للصحيحة إن صححت فأنت طالق طلقت الساعة، وكذا لو قال إن أبصرت أو سمعت وهي بصيرة أو سميعة لان الصحة والسمع أمر يمتد فكان لبقائه حكم الابتداء بخلاف الحيض والمرض فإنهما مما لا يمتد. ولو قال لعبده إن ملكتك فأنت حر عتق حين سكت، وتمامه في المحيط من باب الشرط الذي يحتمل الحال والاستقبال. وبهذا علم أن قولهم إن ما كان محققا تنجيز ليس على إطلاقه بل فيما لبقائه حكم ابتدائه. ومن شرائطه وجود رابط حيث كان الجزاء مؤخرا وسيأتي بيانه. ومن شرائطه أن لا يفصل بين الشرط والجزاء فاصل أجنبي فإن كان ملائما وذكر لاعلام المخاطبة أو لتأكيد ما خاطبها بمعنى قائم في المنادى فإنه لا يضر كقوله لامرأته أنت طالق يا زانية إن دخلت الدار تعلق الطلاق بالدخول ولا حد ولا لعان لانه لتأكيد ما خاطبها به كقوله يا زينب بخلاف ما إذا قال يا زانية أنت طالق إن دخلت فإنه قاذف، وتمامه في المحيط من باب ما يتخلل بين الشرط والجزاء. وفي الخانية: لو قال إن دخلت الدار يا عمرة فأنت طالق ويا زينب فدخلت عمرة الدار طلقت ويسأل عن نيته في زينب، فإن قال نويت طلاقها أيضا طلقت أيضا، ولو قال ذلك بغير واو فقال نويت طلاقها مع عمرة طلقتا جميعا، ولو قدم الطلاق فقال يا عمرة أنت طالق إن دخلت الدار ويا زينب فدخلت عمرة الدار طلقتا جميعا، ولو قال لم أنو طلاق زينب لا يقبل قوله وتمامه فيها. وفي تلخيص الجامع من باب الاستثناء

[ 5 ]

يكون على الجميع والبعض يا زانية إن تخلل الشرط والجزاء أو الايجاب والاستثناء لم يكن قذفا في الاصح، وإن تقدم أو تأخر كان قذفا لانه للاستحضار عنه عرفا ولاثبات الصفة وضعا فلاءم من وجه دون آخر فعلق خللا ونجز طرفا عملا بهما كيا طالق، وقد يعلق الخبر للنفي كالاقرار اه‍. ومن شرطه أن لا يكون الظاهر قصد المجازاه فلو سبته بنحو قرطبان وسفلة فقال إن كنت كما قلت فأنت طالق تنجز، سواء كان الزوج كما قالت أو لم يكن، لان الزوج في الغالب لا يريد إلا إيذاءها بالطلاق، فإن أراد التعليق يدين، وفتوى أهل بخارى عليه كما في فتح القدير. ومن شرطه الاتصال فلو ألحق شرطا بعد سكوته لم يصح. وفي الظهيرية: رجل له فأفأة أو ثقل في لسانه لا يمكنه إتمام الكلام إلا بعد مدة فحلف بالطلاق وذكر الشرط والاستثناء بعد تردد وتكلف، إن كان معروفا بذلك جاز استثناؤه وتعليقه اه‍. وركنه أداة شرط وفعله وجزاء صالح فلو اقتصر على أداة الشرط لم يكن تعليقا اتفاقا واختلفوا في تنجيزه فلذا قال في الظهيرية: لو قال أنت طالق إن ولم يزد تطلق للحال في قول محمد ولا تطلق في قول أبي يوسف والفتوى على قول أبي يوسف لانه ما أرسل الكلام إرسالا ذكره في الجامع العتابي. وكذلك لو قال أنت طالق ثلاثا لو لا، أو قال وإلا، أو قال إن كان، أو قال إن لم يكن، لا تطلق في قول أبي يوسف وبه أخذ محمد بن سلمة اه‍. قوله: (إنما يصح في الملك كقوله لمنكوحته إن زرت فأنت طالق أو مضافا إليه كأن نكحتك فأنت طالق) أي معلقا بسبب الملك كقوله لاجنبية إن نكحتك أي تزوجتك فإن النكاح سبب للملك فاستعير السبب للمسبب أي إن مكلتك بالنكاح كقوله إن اشتريت عبدا

[ 6 ]

فهو حر أي إن ملكته بسبب الشراء بخلاف ما لو قال الوارث لعبد مورثه إن مات سيدك فأنت حر فإنه لا يصح التعليق لان الموت ليس بموضوع للملك بل موضوع لابطاله بخلاف الشراء. وفي كشف الاسرار: ولو قال لحرة أن ارتديت فسبيت فملكتك فأنت حرة صح اه‍. لان السبي من أسباب الملك الموضوعة، ولو مثل بقوله أنت طالق يوم أتزوجك لكان أولى وفي المعراج: وتمثيله غير مطابق لانه تعليق محض بحرف الشرط ولو إضافة إلى النكاح لا يقع كما لو قال أنت طالق مع نكاحك أو في نكاحك - ذكره في الجامع - بخلاف أنت طالق مع تزوجي إياك فإنه يقع وهو مشكل. وقيل الفرق أنه لما أضاف التزوج إلى فاعله واستوفى مفعوله جعل التزويج مجازا عن الملك لانه سببه وحمل مع على بعد تصحيحا له وفي نكاحك لم يذكر الفاعل فالكلام ناقص فلا يقدر بعد النكاح فلا يقع ويصح النكاح اه‍. أطلق الملك فأفاد أنه يشمل الحقيقي كالملك حال بقاء النكاح، والحكمي كبقاء العدة والتعليق يصح فيهما، وقدمنا عند شرح قوله آخر الكنايات والصريح يلحق الصريح أن تعليق طلاق المعتدة فيهما صحيح في جميع الصور إلا إذا كانت معتدة عن بائن وعلق بائنا كما في البدائع اعتبارا للتعليق بالتنجيز. وفي المصباح: زاره يزوره زيارة وزورا قصده فهو زائر وزور وزوار مثل سافر وسفر وسفار، ونسوة زور أيضا وزوار وزائرات والمزار يكون مصدرا وموضع الزيارة والزيارة في العرف قصد المزور إكراما له واستئناسا به اه‍. وقدمنا في أول كتاب الحج أنه لو حلف لا يزوره فلقيه من غير قصد فإنه لا يحنث وينبغي تقييدها بما قاله في المصباح من الاكرام والاستئناس للعرف فلا يحنث في مسألة الكتاب إلا مع القصد للاكرام، فلو كان الشرط زيارتها فذهبت من غير قصد الاكرام لم يحنث، وفي عرفنا زيارة المرأة لا يكون الا بطعام معها يطبخ عند المزور. وفي المحيط: حلف يزرون فلانا غدا أو ليعودنه فأتى بابه واستأذنه فلم يؤذن له لا يحنث، فإن أتى بابه ولم يستأذنه يحنث حتى يصنع في ذلك ما يصنع الزائر والعائد من الاستئذان. والفرق أن في الاول لم يتصور البر فلم ينعقد اليمين، وفي الثاني يتصور وهكذا ذكر في العيون. وعلى قياس من قال إن لم أخرج من هذا المنزل اليوم فمنع أو قيد حنث يجب أن يحنث، هنا في الوجهين وهو المختار لمشايخنا وفي النوازل: حلف لا يزور فلانا لا حيا ولا ميتا فشيع جنازته لا يحنث وإن زار قبره يحنث هو المختار لان زيارة الميت زيارة قبره عرفا لا تشييع جنازته اه‍. وأطلق المضاف إلى الملك فشمل ما إذا خصص أو عمم كقوله كل امرأة خلافا لمالك في الثاني معللا بانسداد باب النكاح عليه. وأجيب بأنه لا

[ 7 ]

مانع من انسداده إما لدينه خوفا من جوره أو لدنياه لعدم يساره، ويمنع اسنداده لامكان أن يزوجه فضولي ويجيز بالفعل كسوق الواجب إليها وبإمكان أن يتزوجها بعدما وقع الطلاق عليها لان كلمة كل لا تقتضي التكرار إلا أن صحته لا فرق فيها بين أن يعلق بأداة الشرط أو بمعناه إن كانت المرأة منكرة، فإن كانت معينة يشترط أن يكون بصريح الشرط، فلو قال هذه المرأة التي أتزوجها طالق فتزوجها لم تطلق لانه عرفها بالاشارة فلا تؤثر فيها الصفة وهي اتزوجها بل الصفة فيها لغو فكأنه قال هذه طالق كقوله لامرأته هذه المرأة التي تدخل هذه الدار طالق فإنها تطلق للحال دخلت أو لا بخلاف قوله إن تزوجت هذه فإنه يصح. وفي الذخيرة: والتعريف بالاسم والنسب كالتعريف بالاشارة، فلو قال فلانة بنت فلان التي أتزوجها طالق فتزوجها لم تطلق. وأورد عليه ما ذكره في الجامع: رجل اسمه محمد بن عبد الله وله غلام فقال إن كلم غلام محمد بن عبد الله هذا أحد فامرأته طالق أشار الحالف إلى الغلام لا إلى نفسه، ثم إن الحالف كلم الغلام بنفسه تطلق ولو كان التعريف بالاسم كالتعريف بالاشارة لم تطلق امرأته كما لو أشار إلى نفسه. والجواب أن تعريف الحاضر بالاشارة والغائب بالاسم والنسب وفي مسألة محمد بن عبد الله الحالف حاضر فتعريفه بالاشارة أو الاضافة ولم يوجدا فبقي منكرا فدخل تحت اسم النكرة، وفي مسألة الطلاق الاسم النسب في الغائب لا في الحاضر فيحصل بهما التعريف وتلغو الصفة حتى إن في مسألة الطلاق لو كانت فلانة حاضرة عند الحلف فبذكر اسمها ونسبها لا يحصل التعريف ولا تلغو الصفة ويتعلق الطلاق بالتزوج. هكذا ذكره شيخ الاسلام في الجامع. وفرق بعضهم بأن التعريف بالاضافة والاشارة لا يحتمل التنكير بوجه ما، والتعريف بالاسم والنسب يحتمل التنكير، ولو قال كل امرأة أتزوجها ما دامت عمرة حية أو قال حتى تموت عمرة فهي طالق فتزوج عمرة، ذكر محمد في الكتاب أنها لا تطلق، وعامة المشايخ على أن تأويل المسألة أن عمرة كانت مشارا إليها فلو كانت غير مشار إليها تطلق وتدخل تحت اسم النكرة. وعلى قياس ما ذكره شيخ الاسلام ينبغي أن يقال: إذا كانت عمرة حاضرة تطلق وإذا كانت غائبة لا تطلق وتمامه في الذخيرة. وقدم التعليق في الملك لانه لا خلاف فيه، وأخر المعلق به لان الشافعي قائل بعدم صحته خصص أو عمم لحديث أبي داود والترمذي وحسنه مرفوعا لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق له فيما لا يملك، ولا طلاق له فيما لا يملك ولنا

[ 8 ]

أن هذا تعليق لما يصح تعليقه وهو الطلاق فيلزم كالعتق والوكالة والحاجة داعية إليه لان نفسه قد تدعوه إلى تزويجها مع عمله بفساد حالها ويخشى غلبتها عليه فيؤيسها بتعليق طلاقها بنكاحها فطاما لها، والحديث محمول على نفي التنجيز وما هو مأثور عن السلف رضي الله عنهم كالشعبي والزهري وجماعة كما رواه ابن أبي شيبة في مصنفة وهو وإن كان ظاهرا لنا لكن لما كانوا في الجاهلية يطلقون قبل التزوج تنجيزا ويعدونه طلاقا إذا وجد النكاح نفاه صاحب الشرع، والخلاف هنا مبني على أن المعلق بالشرط هل هو سبب للحال أولا نفيناه وأثبته؟ وتحقيقه أن اللفظ الذي ثبتت سببيته شرعا لحكم إذا جعل جزاء الشرط هل نسلبه سببيته لذلك الحكم قبل وجود معنى الشرط كأنت طالق وحرة جعل شرعا سببا لزوال الملك فإذا دخل الشرط منع الحكم عنده، وعندنا منع سببيته فتفرعت الخلافية، فعندنا ليس بطلاق قبل وجود الشرط فلم يتناوله الحديث، وعنده طلاق فيتناوله، والاوجه قولنا لان الحنث هو السبب عقلا لا اليمين، ولان السبب هو المفضي إلى الحكم والتعليق مانع من الافضاء لمنعه من الوصول إلى المحل، والاسباب الشرعية لا تصير أسبابا قبل الوصول إلى المحل فضعف قوله إن السبب هو قوله أنت طالق والشرط لم يعدمه. وإنما آخر الحكم وأورد بأنه يجب أن يلغو كالاجنبية. وأجيب بأنه لو لم يرج لغا كطالق إن شاء الله، وأما غيره فبعرضية أن يصير سببا فلا يلغى تصحيحا لكلام العاقل أو نقول: لما توقف الحكم على الشرط صار الشرط كجزء سببه ولا يرد علينا البيع المؤجل فإنه سبب قبل حلوله لان الاجل دخل على الثمن فقط، وكذا لا يرد البيع بشرط الخيار لان الشرط بعلى لتعليق ما بعده فقط لغة فأتيك على أن تأتيني المعلق إتيان المخاطب فكذا قوله بعتك على أني بالخيار أي في الفسخ، فالمعلق الفسخ لا البيع وهو منجز فتعلق الحكم دفعا للضرر لا لان المعلق ينعقد سببا للحال. وكذا لا يرد المضاف كقوله أنت طالق غدا فإنه عندنا سبب في الحال لان التعليق يمين وهو للبر وهو إعدام موجب المعلق فلا يفضي إلى الحكم، أما الاضافة فلثبوت حكم السبب في وقته لا لمنعه فيتحقق السبب بلا مانع إذ الزمان من لوازم الوجود وهو معنى ما فرق به الزيلعي وهو مردود لانه يرد عليه أن اليمين لا توجب الاعدام مطلقا بل في المنع، أما في الحمل فلا نحو إن بشرتني بقدوم ولدي فأنت حر فإن المقصود إيجاد الشرط لا إعدامه. وفرقوا بينهما أيضا بأن الشرط على خطر الوجود بخلاف المضاف وهو مردود لانه يقتضي تسوية المضاف والمعلق في نحو

[ 9 ]

يوم يقدم زيد وإن قدم في يوم كذا لان كلامنهما على خطر الوجود، وإن استويا في عدم انعقاد السببية للخطر استويا في الاحكام فيلزم منه عدم جواز التعجيل فيما لو قال علي صدقة يوم يقدم فلان لعدم جواز التقديم على السبب وإن كان بصورة الاضافة مع أن الحكم في المضاف جواز التعجيل قبل الوقت بخلافه في المعلق، ويقتضي أيضا كون إذا جاء غد فأنت حر كإذا مت فأنت حر لانه لا خطر فيهما فيكون الاول مضافا فيمتنع بيعه قبل الغد كما قبل الموت لانعقاده سببا في الحال كما عرف في التدبير لكنهم يجيزون بيعه قبل الغد، ويفرقون بين أنت حر غدا فلا يجيزون بيعه قبل الغد، وبين إذا جاء غد فأنت حرة فيجيزونه مع أنه لا خطر فيهما. وقد يقال في الفرق بينهما إن الاضافة ليست بشرط حقيقة لعدم كلمة الشرط لكنه في معنى الشرط من حيث إن الحكم يتوقف عليه فمن حيث إنه ليس بشرط لا يتأخر عنه ولا يمنع السببية، ومن حيث إنه في معنى الشرط لا ينزل في الحال فقلنا بأنه ينعقد سببا للحال ويقع مقارنا ويتأخر الحكم عملا بالشبهين. وفي الخانية من أول كتاب الاجارات: رجل قال لغيره أجرتك داري هذه رأس الشهر كل شهر بكذا جاز في قولهم، ولو قال إذا جاء رأس الشهر فقد أجرتك هذه الدار كل شهر بكذا قال الفقيه أبو الليث وأبو بكر الاسكاف: يجوز. وقال أبو القاسم الصفار: لا يجوز لانه تعليق التمليك فلا يصح كما لو علقها بشرط آخر، ويؤيده ما ذكره في الجامع: رجل حلف أن لا يحلف ثم قال لامرأته إذا جاء غد فأنت طالق كان حانثا في يمينه، وهذا يؤيد قوله. والذي يؤيد قول الفقيه أبي الليث ما ذكر في المنتقى: رجل له خيار الشرط في البيع فقال أبطلت خياري غدا أو قال أبطلت خياري إذا جاء غد كان ذلك جائزا قال: فليس هذا كقوله إن لم أفعل كذا فقد أبطلت خياري فإن ذلك لا يصح لان هذا وقت يجئ لا محالة. ولو أجر داره كل شهر بكذا ثم قال إذا جاء رأس الشهر فقد أبطلت الاجارة. قال الفقيه أبو بكر: كما يصح تعليق الاجارة بمجئ الشهر يصح تعليق فسخها بمجئ الشهر وغيره من الاوقات، ومسألة المنتفي في تعليق إبطال الخيار تؤيد قوله. قال شمس الائمة السرخسي قال بعض أصحابنا: إضافة الفسخ إلى الغد وغيره من الاوقات صحيح وتعليق الفسخ بمجئ الشهر وغير ذلك لا يصح والفتوى على قوله اه‍. فقد تحرر عندنا أن المعلق بشرط على خطر ليس كالمضاف اتفاقا وبما ليس فيه خطر فيه اختلاف المشايخ فسوى بينهما الفقيهان في الاجارة، وفرق بينهما الصفار، والافتاء بالفرق بينهما في فسخ الاجارة افتاء بقول الصفار بالفرق في الاجارة، فالفتوى على الفرق في الاجارة وفسخها ومسألة الجامع تؤيده وإنما خرج عن ذلك مسألة المنتفى. ثم اعلم أن المراد بالصحة في قوله إنما يصح اللزوم فإن التعليق في غير الملك والمضاف إليه صحيح موقوف على إجازة الزوج حتى لو قال أجنبي لزوجة إنسان إن دخلت الدار فأنت طالق توقف على الاجازة فإن أجازه لزم التعليق فتطلق بالدخول بعد الاجازة لا

[ 10 ]

قبلها، وكذا الطلاق المنجز من الاجنبي موقوف على إجازة الزوج فإذا أجازه وقع مقتصرا على وقت الاجازة ولا يستند بخلاف البيع الموقوف فإنه بالاجازة يستند إلى وقت البيع حتى ملك المشتري الزوائد المتصلة والمنفصلة. والضابط فيه أن ما يصح تعليقه بالشرط فإنه يقتصر، وما لا يصح تعليقه فإنه يستند وتمامه في تلخيص الجامع، ودخل تحت المضاف إلى الملك ما لو قال لمعتدته إن تزوجتك فأنت طالق ثلاثا، فهذا وما لو قال لاجنبية سواء كما في الخلاصة: وللحنفي أن يرفع الامر إلى شافعي يفسخ اليمين المضافة، فلو قال إن تزوجت فلانة فهي طالق ثلاثا فتزوجها فخاصمته إلى قاض شافعي وادعت الطلاق فحكم بأنها امرأته وأن الطلاق ليس بشئ حل له ذلك، ولو وطئها الزوج بعد النكاح قبل الفسخ ثم فسخ يكون الوطئ حلالا إذا فسخ، وإذا فسخ بعد التزوج لا يحتاج إلى تجديد العقد، ولو قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق فتزو امرأة وفسخ اليمين ثم تزوج امرأة أخرى لا يحتاج إلى الفسخ في كل امرأة. كذا ذكر في الخلاصة. وفي الظهيرية أنه قول محمد وبقوله يفتي، وكذلك في قوله كل عبد اشتريته وإذا عقد أيمانا على امرأة واحدة فإذا قضى بصحة النكاح بعد ارتفعت الايمان كلها، وإذا عقد على كل امرأة يمينا على حدة لا شك أنه إذا فسخ على امرأة لا ينفسخ على الاخرى، وإذا عقد يمينه بكلمة كلما فإنه يحتاج إلى تكرار الفسخ في كل يمين اه‍. فهي أربع مسائل في شرح المجمع للمصنف فإن أمضاه قاض حنفي بعد ذلك كان أحوط اه‍. وفي الخانية: حكم الحاكم كالقضاء على الصحيح اه‍. وفي البزازية وعن الصدر أقول: لا يحل لاحد أن يفعل ذلك. وقال الحلواني: يعلم ولا يفتى به لئلا يتطرق الجهال إلى هدم المذهب. وعن أصحابنا ما هو أوسع من ذلك وهو أنه لو استفتى فقيها عدلا فأفتاه ببطلان اليمين حل له العمل بفتواه وإمساكها. وروي أوسع من هذا وهو أنه لو أفتاه مفت بالحل ثم أفتاه آخر بالحرمة بعدما عمل بالفتوى الاولى فإن يعمل بفتوى الثاني في حق امرأة أخرى لا في حق الاولى، ويعمل بكلا الفتوتين في حادثتين لكن لا يفتى به اه‍. وفيها قبيل الرجعة والتزوج فعلا أولى من فسخ اليمين في زماننا. وينبغي أن يجئ إلى عالم ويقول له ما

[ 11 ]

حلف واحتياجه إلى نكاح الفضولي فيزوجه العالم امرأة ويجيز بالفعل فلا يحنث، وكذا إذا قال لجماعة لي حاجة إلى نكاح الفضولي فيزوجه واحد منهم، أما إذا قال لرجل اعقد لي عقد فضولي يكون توكيلا اه‍. وسيأتي في آخر الايمان. واعلم أن الفسخ من الشافعي إنما محله قبل أن يطلقها ثلاثا لما في الخانية: رجل قال لامرأته إذا تزوجتك فأنت طالق فتزوجها وطلقها ثلاثا ثم إنها رفعت أمرها إلى القاضي ليفسخ اليمين فإن القاضي لا يفسخ لانه لو فسخ تطلق ثلاثا بالتنجيز بعد النكاح فلا يفيد اه‍. فإن قلت: لم وسع أصحابنا في فسخ اليمين المضافة ما لم يوسعوا في غيره مع أن دليلهم ظاهر؟ قلت: قد اختلج هذا في خاطري كثيرا ولم أر عنه جوابا حتى رأيت الزاهدي في المجتبى قال: وقد ظفرت برواية عن محمد أنه لا يقع وبه كان يفتي كثير من أئمة خوارزم اه‍. وشرط قاضيخان لجواز فسخ اليمين المضافة أن لا يكون القاضي أخذ على ذلك مالا، فإن أخذ لا ينفذ فسخه عند الكل، وإن أخذ على الكتابة فإن كان بقدر أجرة المثل نفذ، وإن كان أزيد لا ينفذ، والاولى أن لا يأخذ مطلقا وتمامه فيها. وفي المحيط من باب عطف الشروط بعضها على بعض: لو قال إن تزوجتك وإن تزوجتك فأنت طالق لم يقع حتى يتزوجها مرتين، ولو قدم الجزاء فهو على تزويج واحد وكذا لو وسطه. ولو قال أنت طالق إن تزوجتك فإن تزوجتك أو وسط الجزاء لم يقع حتى يتزوجها مرتين فقد فرق بين الفاء والواو بعده فجعله بالواو إعادة للشرط الاول وبالفاء جعله شرطا مبتدأ. ولو قال أنت طالق إن تزوجتك ثم تزوجتك ففي قياس قول أبي حنيفة على التزويج الاول، ولو قال إن تزوجتك ثم تزوجتك فأنت طالق انعقدت في الاخيرة اه‍. وفي البزازية: إن تزوجت فلانة فهي طالق إن تزوجت فلانة فتزوج لا يقع، فإن طلقها ثم

[ 12 ]

تزوجها وقع. وفي المحيط من باب تعليق اليمين بالشرط: لو قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق إن كلمت فلانا فتزوج امرأة قبل الكلام وامرأة بعده طلقت التي تزوجها قبل الكلام، ولو قدم الشرط بأن قال إن كلمت فلانا فكل امرأة أتزوجها فهي طالق طلقت التي تزوجها بعد الكلام زكذا إذا وسطه ا ه‍، وفي الباب أضافة الطلاق إلى الملك لو قال إذا تزوجت امرأة فهي طالق فتزوج امرأتين تطلق أحداهما والبيان إليه، ولو كان قال وحدها لا يقع شئ فإن تزوج أخرى بعدهما وقع عليها. ولو قال يوم أتزوجك فأنت طالق قال ذلك ثلاث مرات فتزوجها يقع الثلاث لان هذه أيمان، ولو قال إذا تزوجتك فأنت طالق وأنت علي كظهر أمي ووالله لا أقربك ثم تزوجها وقع الطلاق ويلغو الظهار والايلاء عند أبي حنيفة خلافا لهما لما عرف أن عنده ينزل الطلاق أولا فتصير مبانة، وعندهما ينزلن جملة. ولو قال إن تزوجتك فوالله لا أقربك وأنت علي كظهر أمي وأنت طالق فتزوجها وقع الطلاق وصح الظهار والايلاء لانها بنزول الظهار والايلاء لا تصير مبانة، وكذا لو قال إن تزوجتك فأنت طالق إن تزوجتك فأنت علي كظهر أمي ثو تزوجها صحا لانهما يمينان ذكر لكل واحدة شرطا على حدة وهو التزوج فنزلا معا اه‍. وفي باب الحلف على التزويج إن تزوجت امرأة فعبدي حر فتزوج صبية حنث، ولو حلف لا يشتري امرأة فاشترى صغيرة لم يحنث. والفرق أن اسم المرأة مطلقا لا يتناول الصغيرة إلا أن في الشراء اعتبر ذكر المرأة لان الشراء قد يكون للرجل وقد يكون للمرأة ولم يعتبر ذلك المرأة في النكاح لان النكاح لا يكون إلا للمرأة فلغا ذكرها. ولو قال إن كلمت امرأة فكلم صبية لا يحنث لان الصبي مانع عن هجران الكلام فلا تراد الصبية في اليمين المعقودة على الكلام عادة ولا كذلك التزوج اه‍. وفي الذخيرة في نوع آخر في دخول شخص واحد تحت اليمينين: إذا قال إن تزوجت فلانة فهي طالق ثم قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق ثم تزوج فلانة طلقت تطليقتين بحكم اليمينين لانها فلانة وامرأة، وكذلك لو قال إن كلمت فلانا فأنت طالق وإن كلمت انسانا فأنت طالق فكلمت فلانا تطلق تطليقتين

[ 13 ]

بحكم اليمينين اه‍. قوله: (فيقع بعده) أي يقع الطلاق بعد وجود الشرط في المسألتين، سواء كان التعليق في الملك أو مضافا إليه. وفي فتح القدير: وقوله وقع عقيب النكاح يفيد أن الحكم يتأخر عنه وهو المختار لان الطلاق المقارن لا يقع كقوله أنت طالق مع نكاحك إذ لا يثبت الشئ منتفيا ثم قال: وأما قولهم إنه ينزل سببا عند الشرط كأنه عند الشرط أوقع تنجيزا فالمراد الايقاع حكما ولهذا إذا علق العاقل الطلاق ثم جن عند الشرط تطلق ولو كان كالملفوظ حقيقة لم يقع لعدم أهليته اه‍. وأشار بقوله بعده إلى أنه لو قال إن تزوجتك فأنت طالق قبله ثم نكحها لم يقع وهو قولهما لان المعلق كالملفوظ عند الشرط. ولو قال وقت النكاح أنت طالق قبل أن أنكحك لا تطلق كذا هذا. وأوقعه أبو يوسف بإلغاء الظرف لعدم قدرته على الايقاع فيه. وفي المحيط: لو قال كل امرأة أتزوجها في قرية كذا فهي طالق ثلاثا فتزوجها في غير تلك القرية لم يحنث لانه لم يتزوجها في تلك القرية، ولو قال من قرية كذا حنث حيثما تزوجها. ولو قال إن تزوجت امرأة ما دمت بالكوفة فهي طالق ففارق الكوفة ثم عاد إليها فتزوج امرأة لم تطلق لانتهاء اليمين بالمفارقة، ولو قال لامرأته إن تزوجت عليك ما عشت فحلال الله علي حرام ثم قال لامرأته إن تزوجت عليك فالطلاق واجب علي ثم تزوج عليها يقع على كل واحدة منهما تطليقة على القديمة والحديثة ويقع تطليقة أخرى يصرفها إلى أيتهما شاء لان اليمين الاولى انصرفت إلى الطلاق عرفا فينصرف إلى طلاق كل واحدة منهما واليمين الثانية يمين بطلاق واحدة، فإذا تزوج امرأة انحلت اليمينان جميعا اه‍. وفي المحيط من كتاب الايمان: لو قال إن فعلت كذا فكل امرأة أتزوجها فهي طالق فتزوج ثم فعل لا تطلق لان المعلق بالفعل طلاق المتزوجة بعده ولم يوجد، وإذا نوى تقديم النكاح على الفعل صحت نيته لانه نوى ما يحتمله لانه يحتمل التقديم والتأخير فصار كأنه قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق إن فعلت. قوله: (فلو قال لاجنبية إن زرت فأنت طالق فنكحها فزارت لم تطلق) لانه حين صدر لا يصح جعله إيقاعا لعدم المحل ولا يمينا لعدم معنى اليمين وهو ما يكون حاملا على البر

[ 14 ]

لاخافته لانه لم يصدر مخيفا لعدم ظهور الجزاء عند الفعل وهو الزيارة هنا لعدم ثبوت المحلية عند وجود الشرط، ومعنى الاخافة هنا لزوم نصف المهر إن تزوجها لانه حينئذ يقع الطلاق فيجب المال فيمتنع عن التزوج خوفا من ذلك، وقد أورد على هذا قوله إذا حضت فأنت طالق فإنه يمين مع أنه لا حمل فيه ولا منع، وأجيب بأن العبرة فيه للغالب لا للشاذ كذا في فتح القدير. وأشار المصنف إلى مسائل: الاولى لو قال كل امرأة أجتمع معها في فراش فهي طالق فتزوج امرأة لا تطلق، ومثله كل جارية أطوءها حرة فاشترى جارية فوطئها لا تعتق لان العتق لم يضف إلى الملك كذا في المحيط. وفي الولوالجية: إذا قال الرجل لاجنبية إن طلقتك فعبدي حر يصح ويصير كأنه قال إن تزوجتك وطلقتك فعبدي حر، ولو قال لها إن طلقتك فأنت طالق ثلاثا لا يصح لان ذكر الطلاق ذكر النكاح الذي لا يستغنى عنه الطلاق لا ذكر لما لا يستغني عنه الجزاء اه‍. الثانية لو قال لوالديه إن زوجتماني امرأة فهي طالق ثلاثا فزوجاه امرأة بغير أمره لا تطلق لان التعليق لم يصح لاه غير مضاف إلى ملك النكاح لان تزويج الوالدين له بغير أمره غير صحيح لانه غير مضاف إلى ملك النكاح لانه لم يأمرهما بالتزويج عند التعليق كذا في المحيط. ولا فرق في حق هذا الحكم بين أن يزوجاه بأمره أو بغير أمره لما في المعراج: ولو قال لغيره إن زوجتني امرأة فهي طالق فزوجه بامره أو بغير أمره لا تطلق لان التعليق لم يصح اه‍. الثالثة لو قال إن تزوجت فلانة قبل فلانة فهما طالقان فتزوج الاولى طلقت، واختلفوا فيما إذا تزوج الثانية فقال في المحيط: تطلق أيضا. وقيل: ينبغي أن لا تطلق لان نكاح الثانية غير مذكور صريحا ولا ضرورة. ولو قال إن تزوجت زينب قبل عمرة بشهر فهما طالقتان فتزوج زينب ثم عمرة بعدها بشهر طلقت زينب للحال لوجود الشرط ولا يستند ولا تطلق عمرة لانه ما أضاف طلاقها إلى نكاحها لان تزوجها لم يصر مذكورا وتمامه في المحيط. الرابعة لو قال إن تزوجت امرأة أو أمرت إنسانا بالتزوج لي امرأة فهي طالق ثم أمر غيره أن يزوجه امرأة ففعل المأمور لا تطلق امرأة الحالف لانه حنث بالامر لا إلى جزاء وهو نظير ما روي عن أبي يوسف: لو قال رجل إن تزوجت فلانة أو خطبتها فهي طالق فخطب امرأة وتزوجها لا يحنث في يمينه لانه حنث بالخطبة كذا في الخانية. وحاصل ما ذكره في الذخيرة أنه إذا قال إن تزوجت فلانة فهي طالق وإن أمرت من يزوجنيها فهي طالق فأمر إنسانا فزوجها منه طلقت لانهما يمينان فانحلال أحدهما لا يوجب انحلال الاخرى. ولو قال إن تزوجت وإن أمرت من يزوجنيها

[ 15 ]

فهي طالق فأمر رجلا فزوجهاا منه لم تطلق لان اليمين واحدة والشرط شيئان الامر والتزويج فبمجرد الامر لا تنحل اليمين، ولذا لو تزوجها من غير أن يأمر أحدا بذلك لا تطلق لانه بعض الشرط، فإن أمر بعد ذلك رجلا فقال زوجني فلانة وهي امرأته على حالها طلقت لانه كل الشرط. ولو قال إن خطبت فلانة أو تزوجتها فهي طالق فخطبها ثم تزوجها لا تطلق لان شرط حنثه أحد شيئين، فإذا خطبها فقد وجد شرط الحنث والمرأة ليست في نكاحه فانحلت اليمين لا إلى حنث، فإذا تزوجها بعد ذلك واليمين منحلة فلا تطلق. وقوله لانه حنث بالخطبة يدل على أنها يمين منعقدة وفائدتها لو زوجه فضولي فبلغه فأجاز طلقت، ونظيرها إن تزوجت فلانة أو أمرت من يزوجنيها فأمر غيره فزوجها منه لا تطلق وتمامه فيها من فصل التعليقات. وفي تتمة الفتاوى في مسألتي الامر والخطبة باو وهذا رد على من يقول اليمين غير منعقدة لان الشرط أحدهما وأحدهما بعينه صالح والآخر لا فإنه نص على الحنث حتى لو تزوج قبل الامر في المسألة الاولى أو قبل الخطبة في المسألة الثانية لو تصور فإنها تطلق اه‍. وفي الخانية: قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق ونوى من بلد كذا أو نوى امرأة حبشية أو غيرها لا يكون مصدقا في ظاهر الرواية قضاء، ولو قال أي امرأة أتزوجها فهي طالق كانت على امرأة واحدة إلا أن ينوي جميع النساء. ولو قال إن تزوجت امرأة من بنات فلان فهي طالق وليس لفلان بنت ثم ولد له بنت فتزوجها الحالف قالوا لا يحنث في يمينه ويشترط قيام البنت وقت اليمين، ولا يدخل في اليمن ما يحدث بعد اليمين كما لو حلف أن لا يتزوج من أهل هذه الدار وليس لتلك الدار أهل ثم سكنها قوم فتزوج الحالف منهم امرأة لا يحنث في يمينه ويشترط وجود الاهل عند اليمين إلا أن هذا الجواب يوافق قول محمد، وأما قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف يدخل في هذا اليمين من كان موجودا وقت اليمين ومن يحدث بعده كمن حلف أن لا يكلم ابن فلان وليس لفلان ابن ثم ولد له ابن فكلمه الحالف حنث في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ولا يحنث في قول محمد. ولو قال والله لا أتزوج امرأة من أهل الكوفة فتزوج امرأة من أهل الكوفة ولدت بعد اليمين حنث، فرق محمد بين هذا وبين بنت فلان لان أهل الكوفة قوم لا يحصون فلم يكن الحامل على اليمين غيظ لحقه من جهة الاهل بل الحامل على اليمين معنى في الكوفة فيدخل الموجود والحادث. بخلاف بنت فلان لان الحامل على اليمين غيظ لحفه من جهة فلان فيدخل فيه الموجود لها الحادث. ولو حلف أن لا يتزوج من نساء أهل البصرة فتزوج جارية ولدت بالبصرة ونشأت بالكوفة واستوطنت بها حنث الحالف في قول أبي حنيفة لان المعتبر عنده في هذه الولادة، ولو حلف أن لا يتزوج من

[ 16 ]

أهل بيت فلان فتزوج بنت بنت فلان لا يحنث لان هذا الاسم لا يتناول أولاد البنات. ولو قال إن تزوجت امرأة إلى خمس سنين فهي طالق فتزوج في السنة الخامسة طلقت لانها لا تنتهي قبل مضي السنة الخامسة كما لو أجر داره إلى خمس سنين. ولو قال إن أكلت من خبز والدي ما لم أتزوج فاطمة فكل امرأة أتزوجها فهي طالق فأكل ثم تزوج فاطمة بعد الاكل طلقت. ولو قال كل امرأة أتزوجها ما لم أتزوج فاطمة فهي طالق فماتت فاطمة أو غابت فتزوج غيرها طلقت في الغيبة ولا تطلق في الموت، أما في الغيبة فلانه ما تزوج فاطمة حال بقاء اليمين فيحنث، وأما في الموت فلا يحنث في قول أبي حنيفة ومحمد لان عندهما يمينه تبطل بالموت فلا يحنث بعده. ولو قال كل امرأة أتزوجها فقد بعت طلاقها منك بدرهم ثم تزوج بامرأة فقالت التي كانت عنده حين علمت بنكاح غيرها قبلت أو قالت طلقتها أو قالت اشتريت طلاقها طلقت التي تزوجها، وإن قالت التي كان عنده قبل أن يتزوج أخرى قبلت لا يصح قبولها لان ذلك قبول قبل الايجاب اه‍. وفي الكافي للحاكم: لو قال يوم أتزوجك فأنت طالق وأنت طالق وأنت طالق ثم تزوجها طلقت واحدة في قول أبي حنيفة وثلاثا عندهما. ولو قال يوم أتزوجك فأنت طالق يوم أتزوجك فأنت طالق يوم أتزوجك فأنت طالق ثم تزوجها طلقت ثلاثا، وكذلك إن وإذا ومتى وكلما. وإن قال أنت طالق وطالق وطالق يوم أتزوجك ثم تزوجها طلقت ثلاثا بخلاف ما إذا أخر الطلاق فإن الاولى تقع فقط اه‍. ثم قال: لو قال إذا تزوجت امرأة فهي طالق فتزوج امرأتين في عقدة واحدة فإحداهما طالق والخيار له، وإن نوى امرأة وحدها لم يدين في القضاء. ولو قال إن تزوجت امرأة وحدها لم تطلق واحدة منهما فإن تزوج أخرى بعدها طلقت اه‍. وفي القنية: قال لاجنبية إن دخلت الدار فأنت طالق من جهتي أو طلقتك صح وصار كأنه قال إن دخلت الدار وتزوجتك فأنت طالق. ولو قال لاجنبية إن ولدت فأنت طالق مني فتزوجها فولدت طلقت اه‍. وهو مشكل ولو زاد قوله من جهتي كما لا يخفى. قوله: (وألفاظ الشرط إن وإذا وإذاما وكل وكلما ومتى ومتى ما) وهو في اللغة كما في القاموس إلزام الشئ والتزامه في البيع ونحوه كالشريطة والجمع شروط. وفي المثل الشرط أملك عليك أم لك. وبزغ الحجام بشرط ويشرط فيهما. والدون اللئيم السافل. والجمع أشراط. وبالتحريك العلامة والجمع أشراط وكل مسيل صغير يجئ من قدر عشرة أذرع. وأول الشئ ورزال المال وصغارها. والاشراف أشراط أيضا ضد ا ه‍. وعند الاصوليين كما في التلويح تعليق حصول مضمون جملة بحصول مضمون جملة ويزاد في أن فقط أي من غير اعتبار ظرفية ونحوها كما في إذا ومتى ا ه‍. وفي المعراج: الشروط

[ 17 ]

شرعية وعقلية وعرفية ولغوية. فالشرعية كالوضوء وستر العورة واستقبال القبلة وطهارة الثوب والمكان والبدن فيتوقف وجود الصلاة عليها ولا يلزم من وجودها وجود الصلاة. والعقلي كالحياة مع العلم فيلزم من وجود العلم الحياة من غير عكس. والعرفية ويقال لها الشرطية العادية كالسلم مع صعود السطح فيلزم من الصعود وجوده من غير عكس. واللغوية مثل التعليقات فيلزم من وجود الشرط وجود المشروط. قالوا: وهو حقيقة السبب وبهذا قال النحويون في الشرط والجزاء مع السببية للاول والمسببية للثاني والمعتبر من المانع وجوده ومن الشرط عدمه ومن السبب وجوده وعدمه ا ه‍. وقال قبله: إنما قال ألفاظ الشرط دون حروفه كما قال بعضهم لان عامتها اسم كمتى وإذا ا ه‍. وليس مقصود المؤلف الحصر في الالفاظ الستة وقد ذكر في جوامع الفقه لو ولولا. وفي فتح القدير: وإنما لم يذكر المصنف لو لان مقصودة ينافيه أعني التعليق على ما على خطر الوجود لانها أفادت تحقق عدمه فلا يحصل معنى اليمين ولعدم حصوله لم تذكر لما وإن كان لو دخلت فأنت طالق تعليق للطلاق كما ذكره التمرتاشي ويروى عن أبي يوسف لكنه ليس معناها الاصلي ولا المشهور ولذا قال بعضهم: لا يتعلق. وفي الحاوي في فروعنا: قال أنت طالق لو تزوجتك تطلق إذا تزوجها، ولو قال أنت طالق لولا دخولك أو لولا أبوك أو مهرك لا يقع، وكذا في الاخبار بأن قال طلقتك أمس لولا كذا ا ه‍. ولا محل للتردد لان المذهب أن لو بمعنى الشرط. قال في المحيط: وكلمة لو بمعنى الشرط فإنها تستعمل هذه الكلمة لامر مترقب منتظر فصار بمعنى الشرط الذي هو مترقب الثبوت وعلى خطر الوجود فتوقف عليه حتى لو قال لامرأته أنت طالق لو دخلت الدار لم تطلق حتى تدخل، ولو قال أنت طالق لو حسن خلقك سوف أراجعك طلقت الساعة لان لو دخلت على المراجعة، وكذا لو قدم أبوك راجعتك. وعن أبي يوسف أنت طالق لو دخلت الدار لطلقتك فهذا رجل حلف بطلاق امرأته ليطلقها إن دخلت الدار فإذا دخلت لزمه أن يطلقها ولا يقع إلا بموت أحدهما كقوله إن لم آت البصرة ا ه‍. وفي المعراج: وإنما لم يذكر المصنف كلمة لو مع أنها للشرط وضعا ذكره في شرح المفصل باعتبار أنه يعمل عمل الشرط معنى لا لفظا وغيرها يعمل معنى ولفظا حتى تجزم في مواضع الجزم وفي غير مواضع الجزم لزم دخول الفاء في جزائهن بخلاف لو انتهى. ولم يذكر من مع أنها من الجوازم لفظا ومعنى ومن مسائلها فرع غريب في المعراج:

[ 18 ]

رجل قال لنسوة له من دخلت منكن الدار فهي طالق فدخلت واحدة مرارا طلقت بكل مرة لان الدخول لما أضيف إلى جماعة فيراد به تعميمه عرفا مرة بعد مرة كقوله تعالى * (ومن قتله منكم متعمدا) * [ المائدة: 59 ] فإنه أفاد عموم الصيد ولهذا ذكر محمد في السير الكبير: لو قال الامير من قتل قتيلا فله سلبه فقتل واحد قتليين فله سلبهما. قيل لا حجة لمحمد في الاستشهادين لان الصيد في قوله لا تقتلوا الصيد عام باعتبار اللام الاستغراقية والقتيل عام لوقوعه في سياق الشرط ولو استشهد بقوله تعالى * (وإذا رأيت الذين يخوضون) * [ الانعام: 86 ] الآية * (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا) * [ الانعام: 45 ] الآية. فإن إذا في ذلك تفيد التكرار. وعن بعض الحنابلة أن متى تقتضي التكرار والصحيح أن غير كلما لا يوجب التكرار ا ه‍. والحاصل أن أدوات الشرط إن ومن وما ومهما وأي و أين وأنى ومتى ومتى ما وحيث وحيثما وإذا وإذا ما وإيان و كيفما عند الكوفيين ولم يذكر النحاة كلا وكلما فيها لانهما ليسا من أدوات الشرط وإنما ذكرهما الفقهاء لثبوت معنى الشرط معهما وهو التعليق بأمر على خطر الوجود وهو الفعل الواقع صفة الاسم الذي أضيف إليه. قالوا: وكلها جازمة إلا لو وإذا والمشهور أنه إنما يجزم ب‍ " إذا في الشعر وكذا لو. والمراد ب‍ " إن المكسورة فلو فتحها تنجز وهو قول الجمهور لانها للتعليل، ولا يشترط وجود العلة وهذا مذهب البصريين واختاره محمد. ومذهب الكوفيين أنها بمعنى إذا واختاره الكسائي وهو منهم وتمامه في المعراج. وأشار بقوله ألفاظ الشرط إلا أنه لا يتحقق التعليق إلا بالفاء في الجواب في موضع وجوبها إلا أن يتقدم الجواب فيتعلق بدونها على خلاف في أنه حينئذ هو الجواب أو يضمر الجواب بعده والمقدم دليله. وأما الفقيه فنظره من جهة المعنى فلا عليه من اعتبار الجواب كذا في فتح القدير. وكون الاول هو الجواب مذهب الكوفيين، وكونه دليلا عليه مذهب البصريين. فإن قلت: ما فائدة الاختلاف بين أهل البلدين؟ قلت: يجوز عند البصريين ضربت غلامه إن ضربت زيد اعلى إن ضمير غلامه لزيد لرتبة الجزاء عند البصريين بعد الشرط، ولا يجوز عند الكوفيين لرتبته قبل الاداة كما أشار إليه الرضى. وفي الالفية لابن مالك.

[ 19 ]

واقرن بفا حتما جوابا لو جعل شرطا لان أو غيرها لم ينجعل وتوضيحه كما في المغني أنها واجبة في جواب لا يصلح أن يكون شرطا قال: وهو منحصر في ست مسائل. إحداها أن يكون الجواب جملة اسمية نحو * (إن تعذبهم فإنهم عبادك) * [ المائدة: 811 ] الثانية أن يكون فعلها جامدا نحو * (إن تبدوا الصدقات فنعما هي) * [ البقرة: 172 ] الثالثة أن يكون فعلها انشائيا نحو * (إن كنتم تحبون الله فاتبعوني) * [ آل عمران: 13 ] الرابعة أن يكون فعلها ماضيا لفظا ومعنى نحو * (إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل) * [ يوسف: 77 ] الخامسة أن يقترن بحرف الاستقبال نحو * (من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم) * [ البقرة: 712 ] ونحو * (وما يفعلوا من خير فلن يكفروه) * [ آل عمران: 511 ] السادسة أن يقترن بحرف له الصدر كرب وإنما دخلت في نحو * (ومن عاد فينتقم الله منه) * [ المائدة: 59 ] لتقدير الفعل خبر المحذوف فالجملة اسمية وقد مر أن إذا الفجائية تنوب عن الفاء نحو * (وإن تصيهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون) * [ الروم: 36 ] وإن الفاء قد تحذف للضرورة كقوله: من يفعل الحسنات الله يشكرها وعن المبرد أنه منع من ذلك حتى في الشعر وزعم أن الرواية من يفعل الخير فالرحمن يشكره. وعن الاخفش أن ذلك واقع في النثر الفصيح وأن منه قوله تعالى * (إن ترك خيرا الوصية للوالدين) * [ البقرة: 081 ] وتقدم تأويله. وقال ابن مالك: يجوز في النثر نادرا ومنه حديث اللقطة فإن جاء صاحبها وإلا استمتع بها وكما تربط الفاء الجواب بشرطه كذلك تربط شبه الجواب بشبه الشرط وذلك في نحو الذي يأتيني فله درهم ا ه‍ ما في المغني: وذكر المرادي في شرح الالفية أحد عشر موضعا لوجوب الاقتران بالفاء وهي: الجملة الاسمية والفعلية الطلبية والفعل غير المتصرف والمقرون بالسين أو سوف أو قد أو منفيا بما أو لن وإن والمقرون بالقسم والمقرون برب. قال: فهذه الاجوبة تلزمها الفاء لانها لا يصلح جعلها شرطا وخطب التمثيل سهل ا ه‍. وهذا لا يخالف قول المغني أنها منحصرة في ست لان حرف الاستقبال شامل للسين وسوف ولن وما له الصدر شامل للقسم ورب. والاضبط

[ 20 ]

والاخصر ما ذكره الرضى أنها واجبة في أربعة مواضع: أحدها الجملة الطلبية كالامر والنهي والاستفهام والتمني والعرض والتحضيض والدعاء. الثاني الجملة الانشائية كنعم وبئس وما تضمن معنى انشاء المدح والذم وكذا عسى وفعل التعجب. والقسم الثالث الجملة الاسمية. الرابع كل فعلية مصدرة بحرف سوى لا ولم في المضارع سواء كان الفعل المصدر ماضيا أو مضارعا ا ه‍. وظاهره أن الطلبية لا تدخل تحت الانشائية ولذا صرح بعده بما يفيد التغاير فقال: إن الجملة الانشائية متجردة عن الزمان والطلبية متمحضة للاستقبال وتمامه فيه. وفي شرح التوضيح من بحث الصلة الانشائية ما قارن لفظها معناها والطلبية ما تأخر وجود معناها عن وجود لفظها ا ه‍. وهذا كله عند النحاة، وأما في علم المعاني فالطلبية من أقسام الانشائية لانها ما ليس لها خارج تطابقه أو لا تطابقه، والخبرية ما لها خارج تطابقه أو لا تطابقه. وبما قررناه ظهر أن قول الزيلعي أن مواضعها سبع ونظمها بعضهم فقال: طلبية واسمية وبجامد وبما وقد ولن وبالتنفيس قاصر عن الاستيفاء وزيادة المحقق عليه في فتح القدير ما ذكره المرادي ليس تحريرا والحق ما أسلفناه عن الرضى. فإذا عرف ذلك تفرع عليه أنه لو لم يأتي بالفاء في موضع وجوبها فإنه يتنجز ك‍ " إن دخلت الدار أنت طالق فإن نوى تعليقه دين، وكذا إن نوى تقديمه. وعن أبي يوسف أنه يتعلق حملا لكلامه على الفائدة فتضمر الفاء. قلت: الخلاف مبني على جواز حذفها اختيارا فأجازه أهل الكوفة وعليه فرع أبو يوسف، ومنعه أهل البصرة وعليه تفرع المذهب، وقد حكى الرضى خلاف الكوفيين كما ذكرناه، فإن قلت: يرد على البصريين قوله تعالى * (وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) * [ الانعام: 121 ] قلت: قد أجاب عنه الرضى بأنه بتقدير القسم ويجوز أن يكون قوله تعالى * (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم) * [ الجاثية: 52 ] مثله أي بتقدير القسم، ويجوز أن تكون إذا لمجرد الوقت من دون ملاحظة الشرط كما لم يلاحظ في قوله تعالى * (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون) * [ الشورى: 93 ] وقوله تعالى * (وإذا ما غضبوا هم يغفرون) * [ الشورى: 73 ] ا ه‍. ولو أجاب بالواو وفي موضع وجوب الفاء تنجز وإن نوى تعليقه بدين. وفي المعراج: ولو نوى تقديمه قيل يصح وتحمل الواو على الابتداء وفيه ضعف لان واو الابتداء لا تستعمل في أول الكلام ا ه‍. وظاهر ما في المحيط أنه لو نوى تعليقه لا يدين فإنه قال: ولا تصح نية التعليق

[ 21 ]

أصلا لانه يحتاج إلى اسقاط حرف الواو ثم إلى اضمار حرف الفاء ولان الاضمار إنما يصح متى أظهر ما أضمر لا يختل الكلام وهنا لو ظهر ما أضمر اختل الكلام لانه يصير إن دخلت الدار فوأنت طالق ولو لم يأت بحرف التعليق ك‍ " أنت طالق دخلت الدار تنجز لعدم التعليق. ولو قدم الجواب وأخر الشرط لكن ذكره بالواو ك‍ " أنت طالق وإن دخلت الدار تنجز لان الواو في مثله عاطفة على شرط هو نقيض المذكور على ما عرف في موضعه تقديره إن لم تدخلي وإن دخلت و إن هذه هي الوصلية. كذا في فتح القدير وهو اختيار لقول الجرمي وهو ليس بمرضى عند الرضى لانه يلزمه أن يأتي بالفاء في الاختيار فتقول زيد وإن كان غنيا فبخيل لان الشرط لا يلغي بين المبتدأ والخبر اختيارا، وأما على ما اخترنا من كون الواو اعتراضية فيجوز لان الاعتراضية بين أي جزئين من الكلام كانا بلا فصل إذا لم يكن أحدهما حرفا ا ه‍. وقال قبله: وشرط دخولها أن يكون ضد الشرط المذكور أولى بذلك المقدم الذي هو كالعوض عن الجزاء من ذلك الشرط كقوله أكرمه وإن شتمني فالشتم بعيد من إكرامك الشاتم وضده وهو المدح أولى بالاكرام، وكذلك اطلبوا العلم ولو بالصين. والظاهر أن الواو الداخلة على كلمة الشرط في مثله اعتراضية ونعني بالجملة الاعتراضية ما تتوسط بين أجزاء الكلام ومتعلقاته معنى مستأنفا لفظا على طريق الالتفات إلى آخره. وفي المحيط: وذكر الكرخي أنه لو نوى بيان الحال على معنى أنت طالق في حال دخولك تصح نيته ديانة لا قضاء لان الواو في مثله تذكر للحال كقوله أنت طالق وأنت راكبة ا ه‍. وقال الرضى: وعن الزمخشري في مثله الحال فيكون الذي هو كالعوض عن الجزاء عاملا في الشرط أيضا على أنه حال كما عمل جواب متى عند بعضهم في متى النصب على أنه ظرفه ومعنى الظرفية والحال متقاربان، ولا يصح اعتراض الجرمي عليه بأن معنى الاستقبال الذي في أن يناقض معنى الحال الذي في الواو لان حالية الحال باعتبار عامله مستقبلا كان العامل أو ماضيا نحو اضربه غدا مجردا أو ضربته أمس مجردا واستقبالية شرط أن باعتبار زمن التكلم فلا تناقض بينهما ا ه‍ كلام الرضى. وهو مؤيد لقول الكرخي. ولو ذكره بالفاء كانت طالق فإن دخلت الدار قال في المعراج: لا رواية فيه. ولقائل إن يقول: تطلق لان الفاء صارت فاصلة، ولقائل أن يقول لا تطلق لان الفاء حرف التعليق ا ه‍. وفي فتح القدير: وقياس المذكور في حرف الفاء في موضع وجوبها وذكر الواو مع الجواب أن يكون التنجيز موجب اللفظ إلا أن ينوي التعليق لاتحاد الجامع وهو عدم كون التعليق إذ ذاك مدلول اللفط فلا يثبت إلا بالنية، والفاء وإن كان حرف تعليق لكن لا يوجبه إلا في محله فلا أثر له هنا ا ه‍. وثم كالواو قال في المحيط: لو قال أنت طالق ثم إن دخلت الدار طلقت للحال ولا تصح نية التعليق أصلا لانه لا يحتمله لان ثم للتعقيب مع الفصل والتعليق للوصل فكان بينهما مضادة ا ه‍. ثم اعلم أن ما المذكورة بعد أداة شرط زائدة. قال الرضى: وأما ما فتزاد مع الخمس كلمات المذكورة إذا أفادت معنى الشرط نحو

[ 22 ]

إذا ما تكرمني أكرمك بغير الجزم ومتى ما تكرمني أكرمك بمعنى متى تكرمني ولا تفيد ما معنى التكرير ولو أفادتها لم تكن زائدة، فمن قال إن متى للتكرير فمتى ما مثله، ومن قال ليس للتكرير فكذا متى ما وإياما تفعل أفعل وأينما تكن أكن * (فاما نذهبن بك) * [ الزخرف: 14 ] وقد تدخل بعد أيان أيضا قليلا وليست في حيثما وإذ ما زائدة لانها هي المصححة لكونهما جازمين فهي الكافة أيضا عن الاضافة ا ه‍. ذكره في بحث حروف الزيادة ولم يذكر هنا ما في كلما لكونها ليست زائدة لافادتها التكرار ولذا قال: وتفيد كل التكرار بدخول ما عليه دون غيره من أدوات الشرط ا ه‍. وفي المحيط وعن أبي يوسف: لو قال أنت طالق لدخلت الدار فهذا يخبر أنه دخل الدار وأكده باليمين فيصير كأنه قال إن لم أكن دخلت الدار فإن لم يكن دخل الدار طلقت. ولو قال أنت طالق لا دخلت الدار يتعلق بالدخول لان لا حرف نفي وقد أكده بالدخول فكان الطلاق معلقا بالدخول. ولو قال أنت طالق لدخولك الدار طلقت الساعة لان اللام للتعليل فقد جعل الدخول علة للوقوع وجدت العلة أو لا. ولو قال أنت طالق بدخولك الدار أو بحيضك لم تطلق حتى تدخل أو تحيض لان الباء للوصل والالصاق وإنما يتصل الطلاق ويلتصق بالدخول إذا تعلق به. ولو قال أنت طالق على دخولك الدار إن قبلت يقع وإلا فلا لانه استعمل الدخول استعمال الاعواض فكان الشرط قبول العوض لا وجوده كما لو قال أنت طالق على أن تعطيني ألف درهم ا ه‍. وفي فتح القدير: ويقع في الحال بقوله أنت طالق إن دخلت وبقوله ادخلي الدار وأنت طالق فيتعلق بالدخول لان الحال شرط مثل ادي إلي ألفا وأنت طالق لا تطلق حتى تؤدي ا ه‍. وسيأتي في العتق أنه على القلب أي كوني طالقا في حال الاداء وكن حرا في حال الاداء. وقوله لان الحال شرط منقوض بأنت طالق وأنت مريضة فإنه يقع للحال فالتعليل الصحيح أن جواب الامر بالواو كجواب الشرط بالفاء كذا في المعراج. وفيه: لو قال ادي إلي ألفا فأنت طالق بالفاء يتنجز لانها للتعليل كقوله افتحوا الابواب وأنتم آمنون يتعلق، ولو قال فأنتم آمنون لا يتعلق للتفسير، ولو قال أنت طالق ووالله لا أفعل كذا فهو تعليق ويمين، ولو قال أنت طالق والله لا أفعل كذا طلقت في الحال. ذكرهما في جوامع الفقه. قوله: (ففيها إن وجد الشرط انتهت اليمين) أي في ألفاظ الشرط إن وجد المعلق عليه انحلت اليمين وحنث وانتهت لانها غير مقتضية للعموم والتكرار لغة فبوجود الفعل مرة يتم الشرط ولا يتم بقاء اليمين بدونه وإذا تم وقع الحنث فلا يتصور الحنث مرة أخرى إلا بيمين

[ 23 ]

أخرى أو بعموم تلك اليمين ولا عموم. وفي المحيط معزيا إلى الجامع الاصل: إن إضافة الجمع إلى الواحد يعتبر جمعا في حق الواحد، والجمع المضاف إلى الجمع يعتبر آحادا في حق الآحاد ولا يعتبر جميعا في حق الآحاد، فلو قال إن دخلتما هذه الدار فلا بد من دخولهما، وإن قال هاتين الدارين فدخلت كل واحدة دارا على حدة طلقتا، ولو قال إن ولدتما ولدا أو حضتما حيضة فولدت إحداهما أو حاضت طلقتا لعدم إمكان الاجتماع بخلاف إن ولدتما أو حضتما أو إن ولدتما ولدين أو حضتما حيضتين لا بد من ولادة كل واحدة وحيضها، وكذا إن أكلتما هذا الرغيف لا بد من أكلهما للامكان. وإن قال إن لبستما قيمصين لا بد من لبسهما معا للحنث فلا يحنث بلبسهما متفرقين بخلاف هذين القميصين يحنث بلبسهما متفرقين كان تغديت رغيفين يحنث بأكلهما متفرقين بخلاف إن أكلت رغيفين لا بد من أكلهما معا. وأفاد بإطلاقه أنه لو زاد على إن أبدا فإنها لا تفيد التكرار كما لو قال إن تزوجت فلانة أبدا فهي طلاق فتزوجها طلقت ثم إذا تزوجها ثانيا لا تطلق. كذا أجاب أبو نصر الدبوسي كما في فتح القدير وعلله البزازي في فتاواه بأن التأبيد ينفي التوقيت لا التوحيد فيتأبد عدم التزوج ولا يتكرر. ومن مسائل إن ما في الواقعات الحسامية والمحيط: لو كان له أربع نسوة فقال لواحدة منهن إن لم أبت عندك الليلة فالثلاث طوالق ثم قال للثانية مثل ذلك ثم قال للثالثة مثل ذلك ثم قال للرابعة مثل ذلك ثم بات عند الاولى وقع عليها الثلاث لانه انحل عليها ثلاثة أيمان، ويقع على كل واحدة منهن ممن لم يبت عندهن تطليقتان لانه انحل على كل واحدة منها ثنتان، ولو بات مع ثنتين وقع على كل واحدة منهما تطليقتان وعلى الاخريين على كل واحدة منهما تطليقة. يخرج على هذا الاصل أنه لو بات مع الثلاث وقع على كل واحدة منهن تطليقة لانه انحل على كل واحدة منهن واحدة وهي اليمين التي عقدت على التي لم يبت عندها، ولا يقع على هذه التي لم يبت عندها شئ لان الايمان التي عقدت على الثلاث لم ينحل شئ منها على الرابعة وهي التي لم يبت عندها ا ه‍. ومنها ما في الخانية: إن دخلت الدار إن دخلت الدار إن دخلت الدار فأنت طالق فهذه على دخلة واحدة، ولو قال إن دخلت الدار فأنت طالق إن دخلت فهذا على دخلتين، ولو قال إن قلت لك أنت طالق فأنت طالق ثم قال قد طلقتك تطلق ثنتين واحدة بالتطليق وواحدة باليمين ا ه‍. والفرع الاخير يفيد أن قولهم إن التعليق يراعي فيه اللفظ ولا يقوم لفظ آخر مقامه يستثنى منه المرادف له فإن قوله قد طلقتك مرادف لقوله أنت طالق من جهة إفادة وقوع الطلاق. ومنها ما في الصيرفية: إن لم تمت فلانة غدا فأنت طالق فمضى الغد وهي حية يقع لامكانه

[ 24 ]

بخلاف إن تكلمت الموتى حيث لا يقع لعدمه. ومنها ما فيها أيضا: قالت لزوجها لك مع فلانة شغل ولك معها حديث فقال إن كنت أعرف أنه رجل أو امرأة فأنت كذا قال: إن كان له معها حديث أو شغل وقع وإلا فلا لان الاعتبار هنا للمعنى لا للحقيقة والمعنى ترك التعرض. ومنها ما لو قال إن لم أكن اليوم في العالم أو في هذه الدنيا فحلال الله علي حرام يحبس حتى يمضي اليوم سواء حبسه القاضي أو الوالي أو في بيت لان الحبس يسمى نفيا قال تعالى * (أو ينفوا من الارض) * [ المائدة: 33 ] ا ه‍ ومنها ما في الخانية أيضا لو قال أنت طالق إن دخلت الدار ثلاثا ينصرف الثلاث إلى الطلاق إلا أن ينوي الدخول، ولو قال أنت طالق إن دخلت الدار عشرا فهي على الدخول عشر مرات لا إلى الطلاق ا ه‍. ومنها ما فيها أيضا: قال إن لم أجامعها ألف مرة فهي طالق قالوا هذا على المبالغة والكثرة دون العدد ولا تقدير في ذلك والسبعون كثير ا ه‍. ومنها ما فيها لو قال لامرأته إن تكوني امرأتي فأنت طالق ثلاثا فإن لم يطلقها واحدة بائنة متصلة بيمينه تطلق ثلاثا، ولو قال إن أنت امرأتي فأنت طالق ثلاثا طلقت ثلاثا ا ه‍. ودل اقتصاره على استثناء كلما أن من لا تقيد التكرار فعلى هذا ما في الغاية: لو قال لنسوة له من دخلت منكن الدار فهي طالق فدخلت واحدة منهن الدار مرارا طلقت بكل مرة تطليقة لان الفعل وهو الدخول أضيف إلى جماعة فيراد به تعميم الفعل عرفا مرة بعد أخرى كقوله تعالى * (ومن قتله منكم متعمدا) * [ المائدة: 59 ] أفاد العموم واستدل عليه بما ذكر في السير الكبير: إذا قال الامام من قتل قتيلا فله سلبه فقتل واحد قتيلين فله سلبهما ا ه‍. وهو مشكل لان عموم الصيد لكون الواجب فيه مقدرا بقيمة المقتول وفي السلب بدلالة الحال وهو أن مراده التشجيع وكثرة القتل. كذا في التبيين. والحق أن ما في الغاية أحد القولين فقد نقل القولين في القنية في مسألة صعود السطح ودل أيضا على أن إذا لا تفيد التكرار، وأما قوله تعالى * (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فاعرض عنهم) * [ الانعام: 86 ] فإنما حرم القعود مع الواحد في كل مرة من العلة لا من الصيغة كمن فيما تقدم لما فيهما من ترتيب الحكم وهو الجزاء في الاول ومنع القعود على المشتق منه وهو القتل والخوض فيتكرر به كما في فتح القدير. ودل أيضا على أن أيا لا تفيد التكرار. وفي المحيط وجوامع الفقه: لو قال أي امرأة أتزوجها فهو على امرأة واحدة بخلاف كل امرأة أتزوجها حيث يعم بعموم الصفة ا ه‍. واستشكله في التبيين وفتح القدير حيث لم يعم أي امرأة أتزوجها بعموم الصفة ولم يجيبا عنه، وقد ظهر لي أنه لا إشكال فيه من حيث

[ 25 ]

الحكم وهو منقول في الخلاصة والولوالجية أيضا. وزاد في البزازية إلا أن ينوي جميع النساء لان الصفة هنا ليست عامة لان الفعل وهو أتزوج مسند إلى خاص وهو المتكلم فهو نظير ما صرح به الاصوليون في الفرق بين أي عبيدي ضربته لا يتناول إلا واحدا وبين أي عبيدي ضربك يعتق الكل إذا ضربوا لانه في الاول أسند إلى خاص، وفي الثاني إلى عام بخلاف كل امرأة أتزوجها فإن العموم إنما هو من كلمة كل لا من الوصف إذ الوصف خاص كلما قلنا، وإنما الاشكال في قوله حيث تعم بعموم الصفة لانها لا عموم لها فيهما إلا أن الاشكال لتسليم عمومها وأنه ينبغي أن يكون كذلك في أي كما فعلا. فإن قلت: هذا يقتضي أنه لو قال أي امرأة زوجت نفسها مني فهي طالق أن يتناول جميع النساء لان الوصف هنا عام لانه لم يستند إلى معين فهو كقوله أي عبيدي ضربك بل أولى لتنكير المضاف إليه. قلت: الحكم كذلك كما في الخلاصة من الفصل الرابع في اليمين في النكاح ويدل على ما قررناه ما ذكره الحاكم في الكافي: لو قال لنسوة أيتكن أكلت من هذا الطعام شيئا فهي طالق فأكلن جميعا منه طلقن كلهن، وكذلك لو قال أيتكن دخلت هذه الدار فدخلنها، وكذلك لو قال أيتكن شاءت فهي طالق فشئن جميعا، ولو قال أيتكن بشرتني بكذا فبشرنه جميعا طلقن، وإن بشرته واحدة قبل الاخرى طلقت وحدها ا ه‍. وفي المحيط: لو قال لعبيده أيكم حمل هذه الخشبة فهو حر فحملوها جميعا إن كانت الخشبة بحيث يطيق حملها واحد لم يحنث لان كلمة أي تتناول الواحد المنكر من الجملة فكان شرط الحنث حمل الواحد ولم يوجد بكماله، وإن كانت بحيث لا يحملها الواحد عتقوا لان في العرف يراد به حملهم على الشركة لما تعذر

[ 26 ]

حملها على الواحد فصار كأنه قال أيكم حملها مع أصحابه، ونظيره لو قال أيكم شرب ماء هذا الوادي فشربوا جميعا عتقوا لان المراد منه شرب البعض عرفا لان شرب الكل متعذر فصار كأنه قال أيكم شرب بعض هذا الماء فهو حر. ولو قال أيكم شرب ماء هذا الكوز وكان ماؤه يمكن شربه للواحد بدفعة أو دفعتين فشربوا جميعا لم يعتق واحد منهم، وإن حملها بعضهم يعتق لان كلمة أي تتناول واحدا منكرا من الجملة لكنها صارت عامة بعموم الوصف وهو الحمل فتتناول كل واحد على الانفراد على سبيل البدل لا على العموم والشمول بخلاف قوله إن حملتم هذ الخشبة فأنتم أحرار فحملها بعضهم لم يعتق لان اللفظ عام بصيغته فيتناول الكل لعمومه فما لم يوجد الحمل منهم لا يتحقق شرط الحنث ا ه‍. وبه علم أن قولهم إنها تعم بعموم الوصف ليس على إطلاقه. قوله: (إلا في كلما لاقتضائها عموم الافعال كاقتضاء كل عموم الاسماء) لان كلمة كل موضوعة لاستغراق ما دخلت عليه كان ليس معه غيره غير أن كلما تدخل على الافعال وكل تدخل على الاسماء فيفيد كل منهما عموم ما دخلت عليه، فإذا وجد فعل واحد أو اسم واحد فقد وجد المحلوف عليه فانحلت اليمين في حقه وفي حق غيره من الافعال، والاسماء باقية على حالها فيحنث كلما وجد المحلوف عليه غير أن المحلوف عليه طلقات هذا الملك وهي متناهية. فالحاصل أن كلما لعموم الافعال وعموم الاسماء ضروري فيحنث بكل فعل حتى ينتهي طلقات هذا الملك، وكل لعموم الاسماء وعموم الافعال ضروري، ولو قال المصنف إلا في كل وكلما لكان أولى لان اليمين في كل وإن انتهت في حق اسم بقيت في حق غيره من الاسماء كما سيأتي. وفي الولوالجية: الطلاق والعتاق متى علق بشرط متكرر يتكرر، واليمين متى علق بشرط متكرر لا يتكرر حتى لو قال كلما دخلت الدار فوالله لا أكلم فلانا فدخلت الدار مرارا فكلمه بعد ذلك لا يحنث إلا في يمين واحدة. ولو قال كلما دخلت الدار فأنت طالق إن كلمت فلانا فدخل الدار مرارا ثم كلمه مرة يحنث في الايمان كلها. والفرق أن انعقاد اليمين بالله ليس إلا ذكر اسم الله تعالى مقرونا

[ 27 ]

بخبر وذكر اسم الله تعالى مقرون بخبر الدخول والكلام، فكما أن لانعقاد اليمين تعلقا بالدخول كان لها تعلق بالكلام بدليل أنه لو قال إن دخلت والله ولم يقل لا أكلم لا ينعقد فلم ينفسخ ليكن تصحيح اليمين بالله تعالى معلقا بالدخول وحده وإنما تصحيحها بالدخول والكلام جميعا والدخول متكرر والكلام غير متكرر والمعلق بشرط متكرر وغير متكرر لا يتكرر فأما اليمين بالطلاق والعتاق وغيرهما فمعلق بالدخول وحده، ألا ترى أنه لو اقتصر عليه صح فلم يكن لانعقاد اليمين تعلق بالكلام فيبقى اليمين معلقا بالدخول وحده والدخول يتكرر لانه أدخل فيه كلمة كلما والمعلق بشرط متكرر يتكرر فيصير قائلا عند كل دخلة إن كلمت فلانا فامرأته طالق، ولو كرر هذه المقالة ثم كلمه مرة يحنث في الايمان كلها لان الشرط الواحد يصلح شرطا للايمان كلها ا ه‍. وزاد البزازي على الطلاق والعتاق الظهار. وفي المحيط معزيا إلى الجامع: أصله أن الجزاء متى علق بشرط مكرر وغير مكرر فإنه لا يتكرر بتكرر المكرر لان المعلق بشرطين لا ينزل إلا عند وجودهما، فلو قال كلما دخلت هذه الدار فعلي حجة إن ضربتك فدخل مرارا ولم يضربه إلا مرة فإنه يلزمه الحج بعدد الدخلات لان المعلق بالشرط كالمرسل عند وجود الشرط فكأنه قال عند كل دخلة علي حجة إن ضربتك بخلاف ما لو ضربه ودخل ثم دخل مرة أخرى فإنه لا يلزمه حجة أخرى ما لم يضربه ثانيا، وكذلك لو قال كلما دخلت الدار فامرأته طالق وعبده حر إن ضربت فلانا لانه علق بشرط مكرر وهو الدخول عتقا أو طلاقا معلقا بالضرب ا ه‍. قوله: (فلو قال كلما تزوجت امرأة يحنث بكل امرأة ولو بعد زوج آخر) بيان لبعض تفاريع كل وكلما وهي مسائل منها: مسألة الكتاب ووجهه أن الشرط ملك يوجد في المستقبل وهو غير محصور وكلما أوجد هذا الشرط تبعه ملك الثلاث فيتبعه جزاؤه. وحاصل ما ذهب إليه أبو يوسف أن كلما إنما توجب التكرار في المعينة لا في غير المعينة بادعاء اتحاد الحاصل بين كل وكلما إذا نسب فعلها إلى منكر متكرر لان الحاصل كل تزوج لكل امرأة وفي مثله تنقسم الآحاد فلزم بالضرورة أنها إذا انحلت في فعل انحلت في اسمه فلا يتكرر الحنث في امرأة واحدة وهو مردود لانقسام الآحاد على الآحاد عند التساوي وهو منتف لان دائرة عموم الافعال أوسع لان كثيرا من أفراده ما يتحقق بالتكرار من شخص واحد وقد فرض عمومه بكلما فلا يعتبر كل اسم بفعل واحد فقط. ومنها لو قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق فكل امرأة تزوجها تطلق واحدة فإن تزوجها ثانيا لا تطلق لاقتضائها عموم الاسماء لا عموم

[ 28 ]

الافعال، ولو نوى بعض النساء صحت نيته ديانة لا قضاء لان نية تخصيص العام خلاف الظاهر. وقال الخصاف: تصح نيته في القضاء أيضا وهذا مخلص لمن يحلفه ظالم فأخذ بقوله لا بأس به لان الحالة دلالة ظاهرة، كذا في المحيط والفتوى على ظاهر المذهب وإن أخذ بقول الخصاف إذا كان الحالف مظلوما فلا بأس به كذا في الولوالجية. ومنها: لو كان له أربع نسوة فقال كل امرأة تدخل الدار فهي طالق فدخلت واحدة طلقت ولو دخلن طلقن، فإن دخلت تلك المرأة مرة أخرى لا تطلق. ولو قال كلما دخلت فدخلت امرأة طلقت ولو دخلت ثانيا تطلق وكذا ثالثا، فإن تزوجت بعد الثلاث وعادت إلى الاول ثم دخلت لم تطلق خلافا لزفر. ومنها لو قال كلما تزوجت امرأة ودخلت الدار فهي طالق فتزوج امرأة مرتين ثم دخلت الدار لم تطلق إلا مرة واحدة لان قوله ودخلت عطف على التزوج وحكم المعطوف حكم المعطوف عليه وكلمة كلما توجب التكرار فصار الدخول مكررا أيضا بخلاف ما لو قال كلما تزوجت امرأة فهي طالق إن دخلت الدار فتزوجها مرارا ودخلت مرة طلقت ثلاثا لانه لم يعطفه على الشرط المتكرر وإنما جعله شرطا ب‍ " إن وهي لا تفيد التكرار فصار الدخول شرط الحنث في الايمان كلها، كذا في المحيط. ومنها لو قال كلما تزوجت امرأة فهي طالق. وعبد من عبيدي حر فتزوج امرأة طلقت وعتق عبد من عبيده، ولو تزوج أخرى طلقت ولا يعتق عبد من عبيده. كذا ذكره الاسبيجابي. وأصله أن الكلام إذا كان تاما مستقلا بنفسه يؤخذ حكمه من نفسه لا من غيره، وإن كان ناقصا غير مستقل بنفسه ولا مفهوم المعنى بذاته يؤخذ حكمه من غيره لئلا يلغو بنفسه والكناية لا تستقل بنفسها فأخذ حكمها من المكنى عنه والصريح معتبر بنفسه، فلو قال كل امرأة لي تدخل الدار فهي طالق وعبد من عبيدي حر فدخلن طلقن ولم يعتق إلا عبد واحد لان العبد صريح مستقل بنفسه فلم ينعطف على الاول وأنه نكرة في الاثبات فيخص. ولو قال كلما والمسألة بحالها عتق أربعة عبيد لان كلما أوجبت تعميم الفعل فصار كل دخول شرطا على حدة وعتق العبد معلق بالدخول، ومن ضرورة تكرار الشرط تكرر الجزاء حتى يفيد، ومن ضرورة تكرار الجزاء تعميم الاسم. ولو قال كل جارية لي تدخل فهي حرة وولدها وعبد من عبيدي حر فدخلن جميعا عتقن وعتق الاولاد كلهم ولم يعتق إلا عبد واحد. ولو قال كل دار دخلتها فعلي حجة فدخل دورا لم يلزمه إلا حجة لانه صرح بالحجة وهي نكرة في الاثبات فتخص ولم يقترن بها ما يوجب تعميمها ولم يعلقها بشرط مكرر فإن الدخول غير مكرر لان كلمة كل تجمع الاسماء دون الافعال. ولو قال فعلي بها حجة لزمه بكل دار حجة، وتمامه في المحيط إلا أنه يشكل بفرع الاسبيجابي ولعل الصواب في عبارة الاسبيجابي كل امرأة أتزوجها دون كلما كما لا يخفى.

[ 29 ]

ومنها ما في الكافي وغيره: لو قال كلما نكحتك فأنت طالق فنكحها في يوم ثلاث مرات ووطئها في كل مرة طلقت طلقتين وعليه مهران ونصف. وقال محمد: بانت بثلاث وعليه أربعة مهور ونصف. ولو قال كلما نكحتك فأنت طالق بائن فنكحها ثلاث مرات في يوم ووطئ في كل مرة بانت بثلاث إجماعا وعليه خمسة مهور ونصف وتوضيحه فيه. ومنها ما لو قال كلما دخلت هذه الدار فامرأتي طالق وله أربع نسوة فدخلها أربع مرات ولم يعين واحدة منهن بعينها يقع بكل دخلة واحدة إن شاء فرقها عليهن وإن شاء جمعها على واحدة. ولو قال كلما دخلت هذه الدار وكلمت فلانا أو فكلمت فلانا فعبد من عبيدي حر فدخلت مرارا وكلمت مرة لم يعتق إلا عبد واحد. ولو قال كلما دخلت هذه الدار فإن كلمت فلانا فأنت طالق فدخلت ثلاثا ثم كلمت فلانا طلقت ثلاثا، ولو قال كلما دخلت هذه الدار فكلما كلمت فلانا فأنت طالق فاليمين الثانية تصير معلقة بالدخول وإذا دخلت الدار انعقدت اليمين الثانية فإذا كلمت فلانا ثلاث مرات بعد ذلك طلقت ثلاثا، كذا في المحيط. ومنها ما في الخانية والمحيط: رجل له أربع نسوة فقال كل امرأة لم أجامعها منكن الليلة فالاخريات طوالق فجامع واحدة منهن وطلع الفجر طلقت المجامعة ثلاثا لانها مطلقة بترك جماعة كل واحدة منهن وسائرهن طلقن كل واحدة ثنتين لان في حق سائرهن ترك جماع امرأتين في حق كل واحدة سواها وعلى هذا القياس فافهم. ومنها ما في الخانية: قال كلما قعدت عندك فامرأته طالق فقعد عنده ساعة طلقت ثلاثا لان الدوام على القعود وعلى كل ما يستدام بمنزلة الانشاء. ولو قال كلما ضربتك فأنت طالق فضربها بيديه جميعا طلقت ثنتين وإن ضربها بكف واحد لا تطلق إلا واحدة، وإن وقعت الاصابع متفرقة لان في اليدين تكرار الضرب لان الضرب بكل يد ضربة على حدة فكان ذلك بمنزلة الضرب بضغث واحد، أما في الوجه الثاني لم يتكرر الضرب لان الاصل في الضرب هو الكف والاصابع تبع لها فلم يتعدد الضرب. فلو قال لامرأته كلما طلقتك فأنت طالق فطلقها واحدة يقع طلاقان طلاق بالتطليق وطلاق بقوله كلما طلقتك فأنت طالق. ولو قال كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق

[ 30 ]

فطلقها واحدة طلقت ثلاثا ا ه‍. ومنها ما في المحيط: ثم المنعقد بكلمة كلما يمين واحدة. للحال ويتجدد انعقادها مرة بعد أخرى كلما حنث في يمينه، أما أيمان منعقدة على رواية الجامع أيمان منعقدة للحال انحلت بعضها وبقي بعضها منعقدة بعد الحنث إلى أن يوجد شرطها، وعلى رواية المبسوط المنعقدة للحال يمين واحدة ويتجدد انعقادها مرة بعد أخرى كلما حنث لان الجزاء لم يذكر إلا مرة وهو المعتبر. وجه رواية الجامع أن كلما بمنزلة تكرار الشرط والجزاء والفتوى على رواية الجامع لانه أحوط ا ه‍. ولم يذكر ثمرة الاختلاف، وينبغي أن تظهر الثمرة فيما إذا حلف بالطلاق لا يحلف بأن قال كلما حلفت فأنت طالق ثم علق بكلمة كلما، فعلى رواية الجامع يقع الآن الثلاث، وعلى رواية المبسوط يقع الآن واحدة. وأما إذا حلف بالله أن لا يحلف فينبغي أن تجب كفارة واحدة للحال اتفاقا لانه لا يعلم ما زاد على اليمين الواحدة. وفي البزازية من كتاب القضاء: لو قال لامرأة كلما تزوجتك فأنت طالق ثلاثا ثم تزوجها ورفع الحال إلى حاكم يرى صحة النكاح فقضى بها ثم طلقها ثلاثا ثم تزوجها بعد دخول زوج آخر اختلف المشايخ في أنه هل يحتاج إلى القضاء ثانيا بناء على أن المنعقدة بكلمة كلما للحال يمين واحدة يتجدد انعقادها كلما وقع الحنث وهو رواية الاصل، أم المنعقدة بها في الحال أيمان كما هو رواية الجامع وهو الاصح فيحنث في البعض لوجود الشرط وتبقى الباقية منعقدة؟ فمن قال بهذا شرط القضاء ثانيا. ومن قال بالاول لم يشترط القضاء ثانيا ا ه‍. وهذا بيان ثمرة الاختلاف في المعلق بالتزوج لا مطلقا. قوله: (وزوال الملك بعد اليمين لا يبطلها) لانه لم يوجد الشرط والجزاء باق لبقاء محله فتبقى اليمين، وسيأتي ان زوال الملك بالثلاث مبطل للتعليق فكان مراده هنا الزوال بما دون الثلاث بأن طلقها بعد التعليق واحدة أو ثنتين فانقضت عدتها ثم تزوجها ثم وجد الشرط طلقت. أطلق الملك فشمل ملك النكاح وملك اليمين حتى لو قال لعبده إذا دخلت الدار فأنت حر فباعه ثم اشتراه فدخل عتق. وقيد بزوال الملك لان زوال إمكان البر المصحح للتعليق مبطل له أيضا. وتفرع على ذلك فروع منها ما في البزازية: قال لها إن لم أدفع إليك الدينار الذي علي إلى شهر فأنت كذا فأبرأته قبل الشهر بطل اليمين ا ه‍. ومنها ما في القنية:

[ 31 ]

إن لم تردي ثوبي الساعة فأنت طالق فأخذه هو قبل أن تدفع إليه لا يحنث، وقيل يحنث، وهكذا إن لم تجيئي بفلان فأنت طالق فجاء فلان من جانب آخر بنفسه. فالحاصل أنه متى عجز عن الفعل المحلوف عليه واليمين موقتة بطلت عند أبي حنيفة ومحمد خلافا لابي يوسف. دعا امرأته إلى الوقاع فأبت فقال متى يكون فقالت غدا فقال إن لم تفعلي هذا المراد غدا فأنت طالق ثم نسياه حتى مضى الغد لا يحنث. حلف ليخرجن ساكن داره اليوم والساكن ظالم غالب يتكلف في إخراجه فإن لم يمكنه فاليمين على التلفظ باللسان ا ه‍. وذكر قبله فيها فروعا تحتاج إلى التوفيق: حلف إن لم يخرب بيت فلان غدا فقيد ومنع فلم يخربه حتى مضى الغد اختلف فيه والمختار للفتوى الحنث. قال لها وهي في بيت أمها إن لم أذهب بك إلى داري فأنت طالق ثم أخرجها من دار أمها فهربت منه فلم يقدر على أخذها وقع. حلف لا يسكن فلم يقدر على الخروج إلا بطرح نفسه من الحائط بعد ما أوثق لم يحنث ولو وجد الباب مغلقا لم يمكنه فتحه ففي حنثه قولان. ولو قال إن لم أخرج من هذا منزل اليوم فقيد ومنع حنث، وكذا لو قال لها في منزل والدها إن لم تحضري في منزلي الليلة فأنت طالق فمنعها الوالد من الحضور تطلق هو المختار. ولو قال لاصحابه إن لم أذهب بكم الليلة إلى منزلي فذهب بهم بعض الطريق فأخذهم العسس فحبسهم لا يحنث. إن لم أعمل هذه السنة في المزارعة بتمامها فمرض ولم يتم حنث ولو حبسه السلطان لا يحنث ا ه‍. أقول: إن قوله إن لم أخرج وإن لم أذهب بك وإن لم أخرج وإن لم تحضري منزلي سواء في أن القيد والمنع لا يمنع الحنث لانه إكراه وللاكراه تأثير في الفعل بالاعدام كالسكنى لا في العدم، والمعلق عليه

[ 32 ]

في هذه المسائل العدم فلم يؤثر فيه الاكراه وإنما يشكل مسألة العسس فإن الشرط العدم وقد أثر فيه الحبس، وكذا يشكل مسألة إن لم أعمل هذه السنة فإن الشرط العدم وقد أثر فيه حبس السلطان. ومنها ما في الخانية: امرأة دفعت من كيس زوجها درهما فاشترت به لحما وخلط اللحام الدرهم بدراهمه وقال لها الزوج إن لم تردي علي ذلك الدرهم اليوم فأنت طالق فمضي اليوم وقع الطلاق لوجود شرطه، فإن أراد الحيلة للخورج عن اليمين أن تأخذ المرأة كيس اللحام وتسلمه إلى الزوج ا ه‍. وذكر قبله رجل دفع إلى امرأته درهما ثم قال ما فعلت بالدرهم فقالت اشتريت به اللحم فقال الزوج إن لم تردي علي ذلك الدرهم فأنت طالق وقد ضاع الدرهم من يد القصاب قالوا ما لم يعلم أنه أذيب ذلك الدرهم أو سقط في البحر لا يحنث ا ه‍. ومفهومه أنه إذا لم يمكن رده فإنه يحنث فعلم به أن قولهم يشترط لبقاء اليمين إمكان البر إنما هو في المقيدة بالوقت فعدمه مبطل لها، أما المطلقة فعدمه موجب للحنث، والحاصل أن إمكان البر شرط لانعقاد اليمين مطلقا مطلقة كانت أو مقيدة، وأما في البقاء فإن كانت مقيدة فيشترط بقاء إمكان البر لبقائها، وإن كانت مطلقة فلا ولذا قال في الكتاب من باب اليمين في الاكل والشرب: إن لم أشرب ماء هذا الكوز اليوم فكذا ولا ماء فيه أو كان فصبت أو أطلق ولا ماء فيه لا يحنث وإن كان فصبه حنث ا ه‍. وسنوضحه إن شاء الله تعالى. وفي الخانية: رجل قال لاصحابه إن لم أذهب بكم الليلة إلى منزلي فامرأته طالق فذهب

[ 33 ]

بهم بعض الطريق فأخذهم اللصوص وحبسوهم قالوا لا يحنث في يمينه، وهذا الجواب يوافق قول أبي حنيفة ومحمد أصله مسألة الكوز اه‍. بقي ها هنا مسألتان كثر وقوعهما: الاولى حلف بالطلاق ليؤدين له اليوم كذا فعجز عن الاداء بأن لم يكن معه شئ ولا وجد من يقرضه، الثانية ما يكتب في التعاليق أنه متى نقلها أو تزوج عليها وأبرأته من كذا مما لها عليه فدفع لها جميع ما عليه قبل الشرط فهل تبطل اليمين؟ فالجواب أن قوله في القنية أنه متى عجز عن المحلوف عليه واليمين موقتة فإنها تبطل يقتضي بطلانها في الحادثة الاولى إلا أن يوجد نقل صريح بخلافه، وأما الثانية فقد يقال إن الابراء بعد الاداء ممكن فإنه لو دفع الدين إلى صاحبه ثم قال الدائن للمديون قد أبرأتك براءة إسقاط قال في الذخيرة: صح الابراء ويرجع المديون بما دفعه. ذكره في كتاب البيوع في مسألة الابراء من الثمن والحط منه إلا أن يوجد نقل بخلافه فيتبع. وفي المحيط قبيل القسم الخامس في الطاعات والمحرمات من كتاب الايمان: لو قال لامرأته إن كنت زوجتي غدا فأنت طالق ثلاثا فخلعها في الغد إن نوى بذلك كونها امرأة له في بعض النهار تطلق، وإن لم يكن له نية لم تطلق لان البر إنما يتصور في آخر النهار، ولو خلعها قبل غروب الشمس ثم تزوجها قبل غروب الشمس طلقت لانها امرأته قبل الغروب، ولو خلعها قبل الغرو ب ثم تزوجها بعد الغروب كانت امرأته وبر في يمينه لانه لم تكن امرأته قبل الغروب اه‍. وفي القنية: إن سكنت في هذه البلدة فامرأته طالق

[ 34 ]

وخرج على الفور وخلع امرأته ثم سكنها قبل انقضاء العدة لا تطلق لانها ليست بامرأته وقت وجود الشرط اه‍. فقد بطلت اليمين بزوال الملك هنا فعلى هذا يفرق بين كون الجزاء فأنت طالق وبين كونه فامرأته طالق لانها بعد البينونة لم تبق امرأته فليحفظ هذا فإنه حسن جدا. وفي القنية أيضا: إن فعلت كذا فحلال الله علي حرام ثم قال إن فعلت كذا فحلال الله علي حرام ففعل أحد الفعلين حتى بانت امرأته ثم فعل الآخر فقيل لا يقع الثاني لانها ليست بامرأته عند وجود الشرط، وقيل يقع وهو الاظهر اه‍. فعلى الاظهر قوله حلال الله علي حرام مثل أنت طالق والاظهر عندي أنه مثل امرأتي طالق كما لا يخفى. فإن قلت: قد جعلوا زوال الملك مبطلا لليمين فيما لو حلف لا تخرج امرأته إلا بإذنه فخرجت بعد الطلاق وانقضاء العدة لم يحنث وبطلت اليمين بالبينونة حتى لو تزوجها ثانيا ثم خرجت بلا إذن لم يحنث، لا يقال إن البطلان لتقييده بامرأته لانها لم تبق امرأته لانا نقول لو كان لاضافتها إليه لم يحنث فيما لو حلف لا تخرج امرأته من هذه الدار فطلقها وانقضت عدتها وخرجت، وفيما لو قال إن قبلت امرأتي فلانة فعبدي حر فقبلها بعد البينونة مع أنه يحنث فيهما كما في المحيط معللا بأن الاضافة للتعريف لا للتقييد. قلت: اليمين مقيدة بحال ولاية الاذن والمنع بدلالة

[ 35 ]

الحال وذلك حال قيام الزوجية فسقط اليمين بزوال النكاح كما لو حلف لا يخرج إلا بإذن غريمه فقضى دينه ثم خرج لم يحنث بخلاف ما إذا حلف لا يخرج إلا بإذن فلان وليس بينهما معاملة لانها مطلقة كما في المحيط من باب اليمين على الفور أو التراخي. ثم اعلم أن مما يبطل التعليق ارتداد الزوج ولحاقه بدار الحرب عنده خلافا لهما حتى لو دخلت الدار بعد لحاقه وهي في العدة لا تطلق حتى لو جاء ثانيا مسلما فتزوجها ثانيا لا ينقص من عدد الطلاق شئ، كذا في شرح المجمع للمصنف. والبطلان عنده لخروج المعلق عن الاهلية لا لزوال الملك، فلو قال المؤلف وزوال الملك بغير ارتداد وثلاث لا يبطلها لكان أولى باليمين لان زوال الملك بعد الامر باليد يبطله لما في القنية: لو قال لها أمرك بيدك ثم اختلعت منه وتفرقا ثم تزوجها ففي بقاء الامر بها روايتان والصحيح أنه لا يبقى قال لها إن غبت عنك أربعة أشهر فأمرك بيدك ثم طلقها وانقضت عدتها وتزوجت ثم عادت إلى الاول وغاب عنها أربعة أشهر فلها أن تطلق نفسها اه‍. والفرق بينهما أن الاول تنجيز للتخيير فيبطل بزوال الملك والثاني تعليق التخيير فكان يمينا فلا يبطل. قوله: (فإن وجد الشرط في الملك طلقت وانحلت اليمين) لانه قد وجد الشرط والمحل قابل للجزاء فينزل ولم تبق اليمين لان بقاءها ببقاء الشرط والجزاء ولم يبق واحد منهما. وفي القنية: قال لها إن خرجت من الدار إلا بإذني فأنت طالق فوقع فيها غرق أو حرق غالب فخرجت لا يحنث اه‍. مع كون الشرط قد وجد ولكن الشرط الخروج بغير إذنه لغير الغرق والحرق. وفيها قبيل النفقة: قال لزوجته الامة إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا ثم أعتقها مولاها فدخلت وقع ثنتان. وفي جامع الكرخي: طلقت تنتين وملك الزوج الرجعة له امرأة جنب وحائض ونفساء فقال أخبثكن طالق طلقت النفساء. وفي أفحشكن على الحائض لانه نص اه‍. أطلق الملك فشمل ما إذا وجد في العدة كما قدمناه قبيل باب التفويض، وليس مراده أن يوجد جميع الشرط في الملك بل الشرط تمامه فيه حتى لو قال لها إذا حضت حيضتين فأنت طالق فحاضت الاولى في غير ملك والثانية في ملك طلقت، وكذلك إن تزوجها قبل أن تطهر من الحيضة الثانية بساعة أو بعد ما انقطع عنها الدم قبل أن تغتسل وأيامها دون العشرة فإذا

[ 36 ]

اغتسلت أو مضى عليها وقت صلاة طلقت لان الشرط قد تم وهي في نكاحه، وكذا لو قال إن أكلت هذا الرغيف فأنت طالق فأكلت عامة الرغيف في غير ملكه ثم تزوجها فأكلت ما بقي منه طلقت لان الشرط تم في ملكه والحنث به يحصل، كذا في المبسوط. وسيصرح بأن الملك يشترط لآخر الشرطين وكلامنا هنا في الشرط الواحد. وفي البزازية: أنت طالق إن فعلت كذا وكذا لا تطلق ما لم يوجد الكل وإن كرر حرف الشرط. إن أكلت أو شربت إن قدم الجزاء فأي شئ وجد منها يقع الطلاق وترتفع اليمين وإن أخر الطلاق لا يقع ما لم توجد الامور على قول محمد، وعلى قول أبي يوسف إذا وجد واحد يقع الطلاق ويرتفع اليمين اه‍. ومما يناسب قوله فإن وجد الشرط طلقت ما في المحيط من باب الايمان التي يكذب بعضها بعضا: إذا حلف المدعى عليه بالطلاق فقال امرأته طالق إن كان لك علي ألف وبرهن المدعي وقضى به حنث الحالف عند أبي يوسف وهي رواية عن محمد، وعنه أنه لا يحنث. ولو برهن على إقرار المدعي بألف ذكر في واقعات الناطفي أنه لا يحنث. ولو حلف رجلان في أيديهما دار حلف كل أن الدار داره وبرهنا كانت بينهما ويحنثان وإن كانت في يد أحدهما حنث صاحب اليد لتقديم بينة الخارج عليه. حلف بالله أنه لم يدخل هذه الدار اليوم ثم قال عبده حر إن لم يكن دخلها اليوم لا كفارة ولا يعتق عبده لانه إن كان صادقا في اليمين بالله تعالى لم يحنث ولا كفارة، وإن كان كاذبا فهو يمين الغموس فلا توجب الكفارة واليمين بالله تعالى لا مدخل لها في القضاء فلم يصر فيها مكذبا شرعا فلم يتحقق شرط الحنث في اليمين بالعتق وهو عدم الدخول حتى لو كانت اليمين الاولى بعتق أو طلاق حنث في اليمينين لان لها مدخلا في القضاء. ولو ادعى على رجل دينا فحلف المدعى عليه بالطلاق ما له عليه شئ فأقام المدعي البينة وقضى به له ينظر، إن قال كان له على دين وأوفيته لم تطلق امرأته، وإن قال لم يكن له علي شئ قط طلقت امرأته وتمامه فيه. ثم اعلم أن ها هنا مسائل في الايمان تحمل على المعنى دون ظاهر اللفظ منها: لو قال سكران لآخر إن لم أكن عبدا لك فامرأته طالق ثلاثا لا يحنث إن كان متواضعا له. ومنها إن وضعت يدك على المغزل فكذا فوضعت يدها عليه ولم تغزل لا يحنث. ومنها إن دفعت لاخيك شيئا ودفع إليها أرزا لتدفع إليه لا يحنث. ومنها خرج من داره وحلف لا يرجع ثم رجع لشئ نسيه في داره لا يحنث، كذا في القنية. وفيها: لو قال لامرأتين له أطولكما حياة طالق لا تطلق في الحال، فلو كانت إحداهما بنت ستين سنة والاخرى بنت عشرين سنة فماتت العجوز قبل

[ 37 ]

الشابة طلقت الشابة في الحال ولا يستند خلافا لزفر. قال رحمه الله: ولو ماتتا معا لا تطلق واحدة منهما. إن لم تخرج الفساق من النار فأنت طالق ثلاثا لا تطلق لتعارض الادلة اه‍. وفيها: دعا امرأته إلى الوقاع فأبت فقال متى يكون قالت غدا فقال إن لم تفعلي لي هذا المراد غدا فأنت طالق ثم نسياه حتى مضى الغد لا يحنث اه‍. وهذا يستثنى من قولهم إذا فعل المحلوف عليه ناسيا يحنث. والجواب أن الحنث شرطه أن يطلب منها غدا وتمتنع ولم يطلب فلا استثناء قوله: (وإلا لا وانحلت) أي إن لم يوجد الشرط في الملك لا يقع الطلاق وتنحل اليمين إن وجد في غير الملك، وأما بمجرد عدم الشرط في الملك لا تنحل. ثم اعلم أنه تعتبر الاهلية وقت التعليق. قال في القنية: وفي الطريقة الرضوية أجمعنا أن الاهلية في تعليق الطلاق تعتبر وقت اليمين لا وقت الشرط حتى لو كان مفيقا وقت اليمين مجنونا وقت الشرط يصح ويقع وعلى العكس لا يصح اليمين اه‍. قوله: (وإن اختلفا في وجود الشرط فالقول له) أي للزوج لانه منكر وقوع الطلاق وهي تدعيه وهذا أولى من التعليل بأنه متمسك بالاصل لان الاصل عدم الشرط والقول لمن يتمسك بالاصل لان الظاهر شاهد له اه‍. لانه لا يشمل ما إذا كان الظاهر شاهدا لها والحكم قبول قوله مطلقا فلذا لو قال لها إن لم تدخلي هذه الدار اليوم فأنت طالق فقالت لم أدخلها وقال الزوج بل دخلتيها فالقول له وإن كان الظاهر شاهدا لها وهو أن الاصل عدم الدخول لكونه منكرا. وأقوى منه لو قال لها إن لم أجامعك في حيضتك فالقول له أنه جامعها مع أن الظاهر شاهد لها من وجهين: كون الاصل عدم العارض، وكون الحرمة مانعة له من الجماع. قيد بالشرط لان الاختلاف لو كان في وقت المضاف كان القول لها كما إذا قال لها أنت طالق للسنة ثم قال جامعتك وهي طاهرة لا يقبل قوله بخلاف ما إذا كانت حائضا لانه يمكنه إنشاء الجماع فيه وإن لم يجز شرعا، أما إذا كانت طاهرة فلكونه اعترف بالسبب لما قدمنا أن المضاف ينعقد سببا للحال بخلاف المعلق. وفي الكافي من هذا الباب: لو قال لامرأته الموطوءة أنت طالق للسنة لا يقع إلا في طهر حال عن الطلاق والوطئ عقيب حيض حال عن الطلاق والوطئ فإذا حاضت وطهرت وادعى الزوج جماعها وطلاقها في الحيض لا يقبل قوله في منع الطلاق السني لانعقاد المضاف سببا للحال وإنما يتراخى حكمه فقط، فدعوى الطلاق أو الجماع بعده دعوى المانع فلا يقبل قوله في منع وقوع الطلاق في الطهر لكن يقع طلاق آخر بإقراره بالطلاق في الحيض وإن ادعى الطلاق أو الجماع وهي حائض

[ 38 ]

صدق. ولو قال إن لم أجامعك في حيضتك فأنت طالق فادعى الجماع في الحيض لا تطلق لانه علق الطلاق بصريح الشرط والمعلق بالشرط إنما ينعقد سبيا عند الشرط لما عرف، فإذا أنكر الشرط فقد أنكر السبب فيقبل قوله. وكذا لو قال والله لا أقربك أربعة أشهر فمضت المدة ثم ادعى قربانها في المدة لا يقبل لان الايلاء سبب في الحال لكن تراخي وقوع الطلاق إلى مضي المدة وقد مضت المدة ووقع ظاهرا، فدعوى القربان في المدة دعوى المانع فلا يقبل. ولو ادعى القربان قبل مضي المدة يقبل قوله لانه لم يقع الطلاق بعد وقد أخبر عما يملك انشاءه فيقبل قوله. وإن قال إن لم أقربك في أربعة أشهر فأنت طالق فمضت المدة ثم ادعى القربان في المدة لا يقع لانه علق الطلاق بصريح الشرط فمتى أنكر الشرط فقد أنكر السبب فيقبل قوله. وإن قال عبده حر إن طلقتك ثم خيرها فقالت اخترت نفسي في المجلس وادعى أنك أخذت في عمل آخر قبل الاختيار وأنكرت وقع الطلاق والعتق لان سبب الطلاق وجد والظاهر وقوعه فدعواه الاعراض دعوى المبطل فلا يقبل، وإذا ثبت الطلاق ثبت العتق لبنائه عليه. ولو قال عبده حر إن لم تشتغلي بعمل آخر فادعى الاشتغال بعمل آخر قبل الاختيار لا يعتق لانه أنكر شرط العتق وتطلق لما مر. ولو باع عبده بالخيار ثلاثة أيام للبائع ثم قال إن تم البيع بيننا فعبده حر فمضت مدة الخيار ثم ادعى النقض في المدة لا يقبل ويثبت الملك والعتق لان المدة إذا مضت فالظاهر ثبوت الملك نظرا إلى السبب، وإذا ثبت الملك ثبت العتق. ولو قال إن لم أنقض البيع في الثلاث فعبدي حر فادعى النقض بعده لم يعتق لانكاره شرط العتق والملك ثابت لما مر اه‍. وفيه من آخر كتاب الايمان: لو قال كل أمة لي حرة إلا أمهات أولادي ثم ادعى أمية الولد فيهن أو بعضهن لا يصدق، سواء كان معهن ولد أو لا. والاصل أن السيد إذا أوجب العتق بلفظ عام واستثنى بوصف خاص ثم ادعى وجود ذلك، فإن كان الوصف عارضا لا يقبل قوله، وإن كان أصليا قبل قوله لان القول قول من يتمسك بالاصل. وإن أوجب العتق بلفظ خاص ثم أنكر وجود ذلك الوصف فالقول قوله لانه ينكر الاعتاق أصلا وهنا أوجب العتق بلفظ عام واستثنى بوصف خاص عارضي فكان مدعيا إبطال العتق الثابت أصلا فلم يصدق، وقيام الولد لا يدل على صدق دعواه لاحتمال أن يكون من غيره ولكن يثبت نسب الولد منه لحصول الدعوة في ملكه وعتق الولد، ولم تصر الامة أم ولده لانها عتقت بالايجاب العام. ولو عرف دعوى النسب من المولى قبل الخصومة واختلفوا فقال المولى كنت ادعيت قبل اليمين ولم تعتق الامة وقالت الامة ادعيت بعد اليمين وقد عتقت فالقول للمولى لان أمية الولد تثبت في الحال والحال يدل على ما قبله لما عرف. فإن قيل للامة ظاهر آخر وهو أن الاصل عدم أمية الولد قلنا: هي بظاهرها تثبت الاستحقاق وهو يدفع. ولو قال إلا أمة خبازة أو اشتريتها من زيد أو نكحتها البارحة أو إلا ثيبا وادعى ذلك لا يصدق لان هذه صفة عارضة لكن القاضي يريها النساء، فإن قلن ثيب لا

[ 39 ]

تعتق ويحلف السيد لان شهادتهن ضعيفة فلا بد من مؤيد وهو حلف المولى، وإن قلن بكر أو أشكل عليهن عتقت بالايجاب العام لعدم صفة ثبوت المستثنى، وإن كانت ثيبا وخاصم واختلفوا فقال أصبتها قبل الحلف وقالت أصبتني بعد الحلف فالقول له لان الحال يدل على ما قبله. وكذا لو قال إلا أمة بكرا أو لم أشترها من فلان أو لم أطأها البارحة أو إلا خراسانية ثم ادعى ذلك فالقول قوله لان هذه صفة أصلية إذا الاصل هي البكارة وعدم الولادة وعدم الشراء من فلان وعدم الوطئ، وكذا الخراسانية لان الخراسانية من يكون مولدها بخراسان فكانت صفة أصلية مقارنة لحدوث الذات. ولو قال كل أمة لي بكر أو ثيب أو اشتريتها من فلان أو لم اشترها منه أو نكحتها البارحة أو ولدت مني أو لم تلد مني أو خبازة أو غير خبازة فهي حرة ثم أنكر هذه الاوصاف فالقول له لانه أوجب العتق بوصف خاص ثم أنكر وجود ذلك الوصف فكان القول قوله اه‍. ويجري هذا في الطلاق أيضا، فلو قال كل امرأة لي طالق إلا امرأة خبارة أو وطئتها البارحة ونحوه وادعى ذلك لا يقبل إلى آخر المسائل. ثم اعلم أن ظاهر المتون يقتضي أنه لو علق طلاقها بعدم وصول نفقتها شهرا ثم ادعى الوصول وأنكرت فالقول قوله في عدم وقوع الطلاق، وقولها في عدم وصول المال، وقد جزم به في القنية فقال: إن لم تصل نفقتي إليك عشرة أيام فأنت طالق ثم اختلفا بعد العشرة فادعى الزوج الوصول وأنكرت هي فالقول له اه‍. لكن صحح في الخلاصة والبزازية كما قدمناه في فصل

[ 40 ]

الامر باليد أنه لا يقبل قوله في كل موضع يدعي إيفاء حق وهي تنكر كما قبل قولها في عدم وصول المال وهو يقتضي تخصيص المتون وكأنه ثبت في ضمن قبول قولها في عدم وصول المال، وهذا التقرير في هذا المحل من خواص هذا الشرح إن شاء الله تعالى. قوله: (إلا إذا برهنت) أي أقامت البينة على وجود الشرط لانها نورت دعواها بالحجة. أطلقه فشمل ما إذا كان الشرط عدميا فإن برهانها عليه مقبول لما في جامع الفصولين: الشرط يجوز إثباته ببينة ولو كان نفيا كما لو قال لقنه إن لم أدخل الدار فأنت حر فبرهن القن أنه لم يدخلها يعتق. قيل فعلى هذا لو جعل أمرها بيدها إن ضربها بغير جناية ثم ضربها وقال ضربتها بجناية وبرهنت أنه ضربها بغير جناية ينبغي أن تقبل بينتها وإن أقامت على النفي لقيامها على الشرط حلف إن لم تجئ صهرتي هذه الليلة فامرأتي كذا فشهد أنه حلف كذا ولم تجئ صهرته في تلك الليلة وطلقت امرأته تقبل لانها على النفي صورة وعلى إثبات الطلاق حقيقة، والعبرة للمقاصد لا للصورة كما لو شهدا أنه أسلم واستثنى وشهد آخران أنه أسلم ولم يستثن تقبل بينة إثبات الاسلام ولو كان فيها نفي إذ غرضهما إثبات إسلامه. ثم رقم بعلامة مح قال: تقبل على الشرط وإن كان نفيا اه‍. فإن قلت سيأتي في كتاب الايمان في هذا المختصر أنه لو قال عبده حر إن لم يحج العام فشهدا بنحره في الكوفة لم يعتق يعني عندهما خلافا لمحمد، وعللوا لهما بأنها شهادة نفي معنى لانها بمعنى لم يحج العام فهذا يدل على أن شهادة النفي لا تقبل على الشرط. قلت: قد اختلفوا في بناء هذه المسألة فقيل إنها مبنية على مسألة اشتراط الدعوى في شهادة عتق القن. قال في جامع الفصولين: فعلى هذا لو وضعت المسألة في الامة ينبغي أن تعتق وفاقا إذ دعواها العتق لا يشترط اه‍. فيحنئذ لا إشكال. وأما على ما علل به في الهداية من أنها قامت على النفي لان المقصود منها نفي الحج

[ 41 ]

لا إثبات التضحية لانها لا مطالب بها فصار كما إذا شهدوا أنه لم يحج. غاية الامر أن هذا النفي مما يحيط به علم الشاهد ولكنه لا يميز بين نفي ونفي تيسيرا اه‍. فمشكل ولذا قال في فتح القدير: إن قول محمد أوجه، ظاهره تسليم أنها على الشرط مقبولة ولو نفيا وقد نقله عن المبسوط أيضا وسيأتي تمامه إن شاء الله تعالى. ولو قال المصنف ولو ادعى عليه أن الشرط قد وجد وأنكر فالقول له إلا إذا شهدت البينة لكان أولى لانه لا يشترط دعوى المرأة للطلاق ولا أن تبرهن لان الشهادة على عتق الامة وطلاق المرأة تقبل حسبة بلا دعوى، ولا يشترط حضور المرأة والامة لكن يشترط حضور الزوج والمولى صح تحضر المرأة ليشير إليها الشهود ط. لو شهدا أنه أبان امرأته فلانة فقالت لم يطلقني وقال الزوج ليس اسمها فلانة وشهدا أن اسمها فلانة فالقاضي يفرق بينهما ويماثله عتق الامة، فلو شهدا أنه حررها وأن اسمها كذا وقالت لم يحررني فالقاضي يحكم بعتقها والشهادة بحرمة المصاهر والايلاء والظهار بدون الدعوى تقبل ويشترط حضور المشهود عليه، وقيل لا تقبل بدون الدعوى في الايلاء والظهار وفي عتق الامة والطلاق بدون الدعوى قيل يحلف وقيل لا فليتأمل عند الفتوى، كذا في جامع الفصولين. وفي القنية: ادعت أنه طلقها من غير شرط والزوج يقول طلقتها بالشرط ولم يوجد فالبينة فيه بينة المرأة، ولو ادعت عليه أنه حلف لا يضربها وادعى هو أنه لا يضربها من غير ذنب وأقاما البينة فيثبت كلا الامرين وتطلق بأيهما كان اه‍. وفي القنية من باب البينتين والمتضادتين: ولو قال لامرأته إن شربت مسكرا بغير إذنك فأمرك بيدك فأقامت بينة على وجود الشرط وأقام الزوج بينة أنه كان بإذنها فبينة المرأة أولى اه‍. قوله: (وما لا يعلم إلا منها فالقول لها في حقها كان حضت فأنت طالق وفلانة أو إن كنت تحبيني فأنت طالق وفلانة فقالت حضت أو أحبك طلقت هي فقط) عليه الائمة الاربعة لانها أمينة مأمورة بإظهار ما في رحمها. وفائدته ترتيب أحكام الطهر وهو فرع قبول قولها كما قبل إخبارها بالحيض في انقضاء العدة وحرمة جماعها وبالطهر وبقولها طهرت في حله وهي

[ 42 ]

متهمة في حق غيرها إن كذبها الزوج وإن صدقها طلقت فلانة أيضا. والحاصل أن المنظور إليه في حقها مشرعا الاخبار به لانها أمينة، وفي حق ضرتها متهمة وشهادتها على ذلك شهادة فرد ولا بعد في أن يقبل قول الانسان في حق نفسه لا في حق غيره كأحد الورثة إذا أقر بدين على الميت اقتصر على نصيبه إذا لم يصدقه الباقون، والمشتري إذا أقر بالمبيع لمستحق لا يرجع بالثمن على البائع، كذا في فتح القدير. وقد يقال: إن المقر في المسألتين لم يتعد ضرر إقراره إلى أحد وهنا تعدى إلى الزوج بقطع العصمة مع كونها متهمة في حق نفسها أيضا ولا بد من قيام الحيض عند الاخبار، أما بعد الانقطاع فلا لانه ضرورة فيشترط قيام الشرط بخلاف إن حضت حيضة حيث يقبل قولها في الطهر الذي يلي الحيضة لا قبله ولا بعده لانها أخبرت عن الشرط حال عدمه، والمعنى فيه أن الشرع جعلها أمينة فيما تخبر به عن الحيض والطهر ضرورة إقامة الاحكام المتعلقة بهما فما دامت الاحكام قائمة كان الاسمان قائمين من جهة الشرع فتصدق، وإذا كانت الاحكام منقضية كان الاسمان غير ثابتين فلا تصدق بخلاف المودع لو قال رددتها أو هلكت يصدق ولا يشترط لتصديقه قيام الامانة لانه صار أمينا من جهة صاحب المال صريحا وابتداء لا لضرورة حيث ائتمنه صاحب المال مطلقا، كذا في المعراج. قيد بقوله إن حضت لانه لو قال لامرأتيه إن حضتما فأنتما طالقان فقالتا حضنا لم تطلق واحدة منهما إلا أن يصدقهما، فإن صدق إحداهما وكذب الاخرى طلقت المكذبة. وإن كن ثلاثا فقال ذلك فقلن حضنا لم تطلق واحدة منهن إلا أن يصدقهن، وكذا إن صدق إحداهن، فإن صدق ثنتين فقط طلقت المكذبة دون المصدقات، ولو كن أربعا والمسألة بحالها لم يطلقن إلا أن يصدقهن، وكذا إن صدق إحداهن أو اثنتين، وإن صدق ثلاثا فقط طلقت المكذبة دون المصدقات والوجه ظاهر من الشرح وفي المحيط قال لنسائه الاربع إذا حضتن حيضة فأنتن طوالق فقالت واحدة حضت حيضة وصدقها الزوج طلقن لان شرط وقوع الطلاق عليهن حيضة واحدة منهن لان اجتماعهن على حيضة واحدة لا يتصور فيجعل ذلك مجازا عن حيضة إحداهن كما لو قال لامرأتيه إذا حضتما حيضة فأنتما طالقان فحاضت إحداهما طلقتا وإن كذبها طلقت واحدقا تطليقه لانها مصدقة في حقها دون ضراتها، ولو

[ 43 ]

قالت كل واحدة حضت حيضة طلقت كل واحدة تطليقة صدقها الزوج أو كذبها لان كل واحدة مصدقة شرعا فيما بينها وبين زوجها. ولو قال كلما حضتن حيضة فأنتن طوالق فقالت كل واحدة حضت حيضة، فإن كذبهن طلقت كل واحدة تطليقة لانه ثبت حيضة كل واحدة في حق نفسها خاصة دون صواحبها فلم يوجد في حق كل واحدة إلا شرط طلاق واحدة، وإن صدق واحدة دون الثلاث طلقت كل واحدة من الثلاث ثنتين والمصدقة واحدة لانه ثبت في حق المصدقة دون حيض صواحبها وثبت في حق كل واحدة من المكذبات حيضتان حيضها بإخبارها وحيضة المصدقة بالتصديق، وإن صدق منهن اثنتين طلقت كل مصدقة اثنتين لوجود حيضتين في حق كل واحدة حيضتها وحيضة صاحبتها المصدقة وكل مكذبة ثلاثا لوجود ثلاث حيض في حقها حيضتها وحيضتي المصدقتين، وإن صدق ثلاثا طلقت كل واحدة ثلاثا لثبوت ثلاث حيض في حق المصدقات وأربع حيض في حق المكذبة اه‍. ثم اعلم أن الوقوع على الضرة لم ينحصر في تصديقه وإنما يتوقف على تصديقه إذا لم يعلم وجود الحيض منها، أما إذا علم طلقت فلانة أيضا، كذا في الجوهرة. وقيد بكونه لا يعلم إلا منها لانه لو كان يعلم من غيرها توقف الوقوع على تصديقه أو البينة كالدخول والكلام اتفاقا. واختلفوا فيما لو علق طلاقها بولادتها فقالا يقع الطلاق بشهادة القابلة. وقال الامام الاعظم: لا بد من شهادة رجلين أو رجل وامرأتين كما في الجوهرة. ولا يشمل ما لو علقه على فعل بغير إذنها لما في البزازية: إن شربت مسكرا بغير إذنك فأمرك بيدك وشرب ثم اختلفا في الاذن فالقول له والبينة لها وفي الصيرقية إن ذهبت إلى بيت أبي بغير إذنك فأنت طالق فادعى إذنها وأنكرت فالقول له لانه ينكر وقوع الطلاق اه‍ مع أن الاذن لا يستفاد إلا منها ولكن يطلع عليه بالقول بخلاف الحيض والمحبة والبغض ومن قبيل الدخول والكلام ما لو علق بقوله إن كنت جائعة في بيتي. قال قاضيخان: إن لم تكن جائعة في غير الصوم لا يكون حانثا. ومنه ما لو علقه بقوله إن لم أشبعك من الجماع قال القاضي: إن جامعها حتى

[ 44 ]

أنزلت فقد أشبعها اه‍. وفي القنية: والمسرة كالمحبة وكذا الغيرة باللسان لا بالقلب اه‍. وقد سوى المصنف بين المحبة والحيض وليس بينهما فرق إلا من وجهين: أحدهما أن التعليق بالمحبة يقتصر على المجلس لكونه تخييرا حتى لو قامت وقالت أحبك لا تطلق، والتعليق بالحيض لا يبطل بالقيام كسائر التعليقات والثاني أنها إذا كانت كاذبة في الاخيار تطلق في التعليق بالمحبة لما قلنا، وفي التعليق بالحيض لا تطلق فيما بينه وبين الله تعالى حتى يحل وطؤها ديانة لان حقيقة المحبة والبغض أمر خفي لا يوقف عليها من قبل أحد لا من قبلها ولا من قبل غيرها لان القلب يتقلب لا يستقر على شئ، فلما لم يوقف عليها تعلق الحكم بإخبارها لانه دليل عليها لان أحكام الشرع لا تناط بأحكام خفية. وفي الفوائد الظهيرية: لو قال أنت طالق إن كنت أنا أحب كذا ثم قال لست أحبه وهو كاذب فهي امرأته يسعه وطؤها ديانة. قال شمس الائمة: وهذا مشكل لانه يعرف ما في قلبه حقيقة وإن كان لا يعرف ما في قلبها لكن الطريق ما قلنا أن الحكم يدار على الظاهر وهو الاخبار وجودا وعدما، وكذا الحكم لو قال إن كنت تبغضيني، ولو قال إن كنت تحبيني بقلبك فقالت أحبك طلقت ديانة وقضاء عند أبي حنيفة وأبي يوسف لان المحبة فعل القلب فكان إطلاقها وتقييدها بالقلب سواء وإنما يفيد التأكيد. وقال محمد: لا تطلق ديانة لان المحبة عمل القلب وجعل اللسان خلفا عنه وعند التقييد بالقلب تبطل الخلفية فيبقى الحكم متعلقا بالاصل، كذا في المعراج. والظاهر من كلام مشايخنا أنه لا فرق بين التعليق بمحبتها إياه أو بمحبتها فراقه وذكره في المعراج عن غير أهل المذهب فقال: وفي التبصرة للخمي: قال لها إن كنت تحبين فراقي فأنت طالق فقالت أحب ثم قالت كنت لاعبة قال: أرى أن يقع عليها. ثم نقله عن الانوار للمالكية. وذكر في المحيط مسألة ما إذا قال إن كنت تحبين الطلاق ولا فرق بين الطلاق والفراق فكان منقولا عن أصحابنا أيضا. وأطلق في المحبة فشمل ما إذا قال إن كنت تحبين أن يعذبك الله في نار جهنم فأنت طالق ولا يتيقن بكذبها لانها لشدة بغضها إياه قد تحب التخلص منه بالعذاب، كذا في الهداية. وذكر قاضيخان: قال لامرأته إن سررتك فأنت طالق فضربها فقالت سرني قالوا: لا تطلق امرأته لانا نتيقن بكذبها. قال مولانا رضي الله تعالى عنه: وفيه إشكال وهو أن السرور مما لا يوقف عليه فينبغي أن يتعلق الطلاق بخبرها ويقبل قولها في ذلك وإن كنا نتيقن بكذبها كما لو قال إن كنت تحبين أن يعذبك الله بنار جهنم فأنت طالق فقالت أحب يقع الطلاق عليها. ولو أعطى ألف درهم فقالت لم يسرني كان القول قولها ولا يقع الطلاق لاحتمال أنها طلبت الالفين فلا يسرها الالف اه‍.

[ 45 ]

قلت: بينهما فرق، وقوله وإن كنا نتيقن بكذبها ممنوع لما سمعته عن الهداية من أنه لا يتيقن بكذبها. وبهذا ظهر أنه لو علق بفعل قلبي وأخبرت به فإن تيقنا بكذبها لم يقع وإلا وقع. وفي البدائع: إن كنت تكرهين الجنة تعلق بإخبارها بالكراهة مع أنها لا تصل إلى حالة تكره الجنة فقد تيقنا بكذبها. وقد يقال: إن لشدة محبتها للحياة الدنيا تكره الجنة لانها لا تتوصل إليها إلا بالموت وهي تكرهه فلم يتيقين بكذبها. وهل تكفر المرأة بقولها أنا أحب عذاب جهنم وأكره الجنة؟ قلت: ظاهر كلامهم هنا عدمه. وفي المحيط لو قال لامرأتيه أشدكما حبا للطلاق وأشدكما بغضا له طالق فقالت كل واحدة أنا أشد حبا في ذلك لا يقع شئ لان كل واحدة مخيرة في حق نفسها شاهدة على صاحبتها بما في ضميرها لانها تقول أنا أشد حبا منها وهي أقل حبا مني وهي غير مصدقة في الشهادة على صاحبتها فلم يتم الشرط اه‍. وقيد بمحبتها لانه لو علقه بمحبة غيرها فظاهر ما في المحيط أنه لا بد من تصديق الزوج فإنه قال: لو قال أنت طالق إن لم تكن أمك تهوى ذلك فقالت الام أنا لا أهوى وكذبها الزوج لا تطلق. فإن صدقها طلقت لما عرف. وروى ابن رستم عن محمد أنه لو قال إن كان فلان مؤمنا فأنت طالق لا تطلق لان هذا لا يعلمه إلا هو ولا يصدق هو على غيره وإن كان هو بين مسلمين يصلي ويحج. ولو قال لآخر لي إليك حاجة فاقضها لي فقال امرأته طالق إن لم أقض حاجتك فقال حاجتي أن تطلق زوجتك فله أن لا يصدقه فيه ولا تطلق زوجته لانه محتمل للصدق والكذب فلا يصدق على غيره اه‍. وأطلق في المرأة فشمل ما إذا كانت مراهقة لم تحض بعد لما في المحيط: لو قال لامرأته المراهقة إن حضت فأنت طالق فقالت حضت، أو قال لغلامه المراهق إن احتلمت فأنت حر فقال احتلمت، تصدق المرأة ولا يصدق الغلام في رواية هشام لان الغلام ينظر إليه كيف يخرج منه المني ولا يستطاع ذلك في الحيض لانها تدخل الدم في الفرج فلا يعلم منها أو من غيرها، وفي رواية يصدق الغلام أيضا وهي الاصح لان الاحتلام يعرفه غيره كالحيض ولذلك إذا قال احتلمت في حال إشكال أمره يصدق فيما له وفيما عليه لانه أخبر بخبر يحتمل الصدق والكذب فيصدق كالجارية اه‍. ولم أر صريحا أن المرأة إذا قبل قولها في حقها في الحيض والمحبة فهل يكون بيمينها أو بلا يمين. ووقع في الوقاية أنه قال صدقت في حقها خاصة وظاهره أنه لا يمين عليها ويدل عليه قولهم إن الطلاق معلق بإخبارها وقد وجد ولا فائدة في التحليف لانه وقع

[ 46 ]

بقولها والتحليف لرجاء النكول وهي لو أخبرت ثم قالت كنت كاذبة لا يرتفع الطلاق لتناقضها كما سيأتي نقله عن الكافي قريبا إن شاء الله تعالى. قوله: (وبرؤية الدم لا يقع فإن استمر ثلاثا وقع من حين رأت) يعني لا يقع برؤيته فيما إذا علق الطلاق بحيضها، سواء كان ب‍ " إن أو بفي أو مع نحو أنت طالق في حيضك أو مع حيضك أو إن حضت لانه لم يتحقق كونه حيضا حينئذ، فإذا استمر حينئذ ثلاثة أيام بلياليها وقع الطلاق من حين رأت الدم لانه بالامتداد تبين أنه حيض من الابتداء فيجب على المفتي أن يعينه فيقول طلقت من حين رأت الدم. وليس هذا من باب الاستناد وإنما هو من باب التبيين ولذا قال من حين رأت. وقال المصنف في شرح المجمع: إنه تبين بالانتهاء أنه حيض من الابتداء. وأظهر منه ما في المحيط: لو قال لها عبده حر إن حضت فقالت رأيت الدم وصدقها الزوج لا يحكم بعتقه حتى يستمر ثلاثة أيام فيحكم بعتقه من حين رأت لان الدم لا يكون حيضا حتى يستمر ثلاث أيام، والظاهر وإن كان فيه الاستمرار ولكن الظاهر يكفي للدفع فيدفع به العبد استخدام المولى عن نفسه ولا يكفي للاستحقاق فإذا استمر تبين أنه كان حيضا فيعتق من حين رأت الدم حتى لو جنى أو جنى عليه كان أرشه أرش الاحرار لانه يظهر عتقه ولا يستند بمنزلة قوله إن كان فلان في الدار فأنت حر فظهر ذلك في آخر النهار يظهر عتقه بخلاف قوله أنت حر قبل موتي بشهر فمات بعده بشهر وقد جنى العبد كان حكمه حكم العبيد عند أبي حنيفة لان ثمة العتق يثبت مستندا والاستناد لا يظهر في حق الفائت والمتلاشي، فإن قال الزوج انقطع الدم في الثلاثة وأنكرت المرأة والعبد فالقول لهما لان الزوج أقر بوجود شرط العتق ظاهرا لان رؤية الدم في وقته يكون حيضا ولهذا تؤمر بترك الصلاة والصوم ثم ادعى عارضا يخرج المرئي من أن يكون حيضا فلا يصدق فإن صدقته المرأة وكذبه العبد في الايام الثلاثة فالقول لهما وإن كان بعدها فالقول للعبد اه‍. وفي الكافي

[ 47 ]

في مسألة إن حضت فعبدي حر وضرتك طالق إذا رأت الدم فقالت حضت وصدقها أنه قبل الاستمرار يمنع الزوج عن وطئ المرأة واستخدام العبد في الثلاثة لاحتمال الاستمرار فلو صدقها الزوج ثم قالت كان الطهر قبل الدم عشرة أيام لم تصدق لانه بعد إقرارها بالحيض رجوع بخلافه بعد إقرارها برؤية الدم. ولو ادعى الزوج أن الدم كان قبله الطهر عشرة أيام وقالت بل عشرين فالقول لها، ولو قال وهي حائض إن طهرت فعبدي حر فقالت طهرت بعد ثلاثة أيام وكذبها الزوج لا يعتق وإن صدقها أو مضت العشرة عتق، وإن قالت بعد العشرة عاودني الدم في العشرة وصدقها الزوج وكذبها العبد عتق، وكذا لو قالت ذلك بعدما أقرت بالانقطاع. وإن كان حيضها خمسة فقال لها إن حضت هذه المرة ستة فعبدي حر فقالت رأيت الدم في اليوم السادس إلى آخر اليوم وكذبها الزوج فالقول له لانكاره شرط العتق بخلاف ما إذا علق عتقه بأصل الحيض فادعى الزوج الانقطاع في الثلاث وادعت الامتداد فالقول لها، وإن صدقها الزوج بالدم في اليوم السادس توقف العتق، فإن جاوز العشرة تبين أنه لم يكن حيضا ولم يعتق وإن لم يجاوز عتق، فإن مضت فادعت الانقطاع فيها وادعى المجاوزة فالقول له ولا عتق. ولو أخبرت في العشرة بالانقطاع ثم قالت عاودني الدم لا يقبل قولها وإن صدقها الزوج، ولو كانت عادتها خمسة فطلقها في مرض موته فحاضت حيضتين ثم مات الزوج في الثالثة بعد خمسة فقالت الورثة طهرت على رأس الخمسة ولا ميراث لك وقالت لم ينقطع وأرى الدم في الحال فالقول لها لان الاصل في كل ثابت دوامه فهي تتمسك بهذا الظاهر لدفع الحرمان وهو حجة للدفع وتمامه في الكافي. ومن أحكام الوقوع من الابتداء أنها لو كانت غير مدخولة وتزوجت حين رأت الدم فإن النكاح صحيح. ومن أحكامه أنها لا تحسب هذه الحيضة من العدة لانها بعض حيضة لانه حين كان الشرط رؤية الدم لزم أن يقع الطلاق بعد حيضها. وفي الخانية: رجل قال لامرأته قبل الدخول إذا حضت فأنت طالق فقالت حضت وتزوجت من ساعتها ثم ماتت قال محمد: ميراثها للزوج الاول دون الثاني. وقال: لا يدري أكان ذلك حيضا أو لا ا ه‍. ومن أحكامه أيضا أن الطلاق بدعي. ومنها أنه لو خالعها في الثلاث بطل الخلع لكونها مطلقة ذكرهما في الجوهرة. وفي الثاني نظر لان الخلع يلحق

[ 48 ]

الطلاق الصريح كما قدمناه في آخر باب الكنايات. وذكر المؤلف في المستصفى من باب المسح على الخفين الاحكام تثبت بطرق أربعة: الاقتصار كما إذا أنشأ الطلاق أو العتاق وله نظائر جمة، والانقلاب وهو انقلاب ما ليس بعلة علة كما إذا علق الطلاق أو العتاق بالشرط فعنده وجود الشرط ينقلب ما ليس بعلة علة. والاستناد وهو أن يثبت في الحال ثم يستند وهو دائر بين التبيين والاقتصار وذلك كالمضمونات تملك عند أداء الضمان مستندا إلى وقت وجود السبب، وكالنصاب فإنه يجب الزكاة عند تمام الحول مستندا إلى وقت وجوده، وكالطهارة في المستحاضة والتيمم ينقض عند خروج الوقت ورؤية الماء مستندا إلى وقت الحدث، ولذا قلنا: لا يجوز المسح لهما. والتبيين وهو أن يظهر في الحال أن الحكم كان ثابتا من قبل مثل أن يقول في اليوم إن كان زيد في الدار فأنت طالق وتبين في الغد وجوده فيها فيقع الطلاق في اليوم ويعتبر ابتداء العدة منه، وكما إذا قال لامرأته إذا حضت فأنت طالق فرأت الدم لا يقضي بوقوع الطلاق ما لم يمتد ثلاثة أيام، فإذا امتد ثلاثة أيام حكمنا بوقوع الطلاق من حين حاضت. والفرق بين التبيين والاستناد أن التبيين يمكن أن يطلع عليه العباد وفي الاستناد لا يمكن، وفي الحيض يمكن أن يطلع عليه بأن يشق بطنها فيعلم أنه من الرحم. وكذا يشترط المحلية في الاستناد دون التبيين، وكذا الاستناد يظهر أثره في القائم دون المتلاشي، وأثر التبيين يظهر فيهما فلو قال أنت طالق قبل موت فلان بشهر لم تطلق حتى يموت فلان بعد اليمين بشهر، فإن مات لتمام الشهر طلقت مستندا إلى أول الشهر فتعتبر العدة من أوله. ولو وطئها في الشهر صار مراجعا لو كان الطلاق رجعيا وغرم العقر لو كان بائنا، ويرد الزوج بدل الخلع إليها لو خالعها في خلاله ثم مات فلان ولو مات فلان بعد العدة بأن كانت بالوضع أو لم تجب العدة لكونه قبل الدخول لا يقع الطلاق لعدم المحل. وبهذا تبين أنه فيها بطريق الاستناد لا بطريق التبيين وهو الصحيح، ولو قال أنت طالق قبل قدوم فلان بشهر يقع مقتصرا على القدوم لا مستندا ا ه‍. قوله: (وفي إن حضت حيضة يقع حين تطهر) يعني إما بمضي العشرة مطلقا أو بانقطاع الدم مع أخذ شئ من أحكام الطاهرات إذا انقطع لاقل منها لان الحيضة اسم للكاملة، وكذا إذا قال نصف حيضة أو ثلثها أو سدسها أو أنت طالق مع حيضتك أو في حيضتك بالتاء كقوله إن صمت يوما أو صليت صلاة لا يحنث إلا بصوم يوم كامل وبشفع بخلاف ما تقدم لانه يدل على جنس الحيض فهو كقوله إن صمت أو صليت. وأشار بقوله

[ 49 ]

حين تطهر إلى أنه ليس ببدعي. وأشار بقوله حين رأت الدم إلى أنه بدعي وإلى أنها لو كانت حائضا لا تطلق ما لم تطهر ثم تحيض كقوله لطاهرة إذا طهرت فأنت طالق لم تطلق حتى تحيض ثم تطهر لما قدمنا أن اليمين تقتضي شرطا مستقبلا. وفي الصحاح: الحيضة بالفتح المرة الواحدة والحيضة بالكسر الاسم والجمع الحيض ا ه‍. وفي الخانية: لو قال لها وهي حائض إذا حضت فأنت طالق فهو على حيض في المستقبل، ولو قال لها إن حضت غدا فأنت طالق وهو يعلم أنها حائض فهو على دوام ذلك الحيض إلى الغد إن دام إلى أن يطلع الفجر من الغد طلقت لان الحيضة الثانية لا يتصور حدوثها من الغد فيحمل على الدوام إذا علم ا ه‍. وفي الكافي: لو قالت بعد عشرة أيام حضت وطهرت وكذبها الزوج تطلق لانها أخبرت عن الامانة في أوانها، ولو قالت بعد مضي شهر إني حضت وطهرت ثم حضت حيضة أخرى وأنا الآن حائض لا يقبل قولها، ولكن إذا طهرت يقع لانها أخرت الاخبار عن أوانه فصارت متهمة. ولو قال إذا حضت فأنت طالق فقالت بعد خمسة أيام حضت وأنا حائض الساعة فالقول لها لان الاخبار في أوانه، ولو قالت حضت وطهرت لا تصدق حتى تحيض لانها أخبرت والحال منافية لما أخبرت ا ه‍. وفي تلخيص الجامع للصدر: من ملك الانشاء ملك الاخبار كالوصي والمولى والمراجع والوكيل بالبيع ومن له الخيار. قال إذا حضت حيضة فأنت طالق فقال بعد مدة محتملة حضت وطهرت وقع، ولو قالت حضت وطهرت وأنا حائض لا حتى تطهر، ولو قال إذا حضت فقالت حضت منذ خمسة أيام وقع ولا تتهم في التأخير للعذر، ولو قالت وطهرت لا ا ه‍. وذكر في باب الحنث يقع الحيض والفعل: قال أنت طالق قبل أن تحيضي حيضة بشهر فحاضت بعده طلقت ولا ينتظر الطهر للبينونة واختلفوا، والاصح فيه أنه يقتصر. ولو قال قبل قدوم فلان أو موت فلان بشهر وتقدم القدوم يقع والموت لا بخلاف ما إذا قدم ومات للتعليق ا ه‍. وفي الجوهرة: إذا حضت نصف حيضة فأنت طالق وإذا حضت نصفها الآخر فأنت طالق لا يقع شئ ما لم تحض وتطهر، فإذا حاضت وطهرت وقع تطليقتان. ولو قال لها وهي حائض إذا حضت فأنت طالق أو قال وهي مريضة إذا مرضت فهذا على حيض في المستقبل ومرض في المستقبل، فإن نوى ما يحدث من هذا الحيض أو ما يزيد من هذا المرض فهو كما نوى، وكذا إذا قال لصاحبة الرعاف إن رعفت، وكذا إذا قال للحبلى إذا حبلت فهو على حبل في المستقبل، ولو

[ 50 ]

نوى الحبل الذي هو فيه لا يحنث لانه ليس له أجزاء متعددة وإنما هو معنى واحد بخلاف الحيض وإخواته لان له أجزاء ا ه‍. وفي المحيط: لو قال إذا حضت حيضة فأنت طالق ثم قال إن حضت حيضتين فأنت طالق فحاضت حيضة يقع واحدة باليمين الاول، فإذا حاضت أخرى يقع أخرى باليمين الثانية لان الحيضة الاولى كل الشرط لليمين الاولى وشطر الشرط لليمين الثانية، فإذا حاضت أخرى فقد تم الشرط لليمين الثانية، فإن قال ثم إذا حاضت والمسألة بحالها لا يقع شئ حتى يوجد حيضتان بعد الاولى لان كلمة ثم للتعقيب مع التراخي فيقتضي وجود الحيضتين بعد الاولى ا ه‍. قوله: (وفي إن ولدت ذكرا فأنت طالق واحدة وإن ولدت أنثى فثنتين فولدتهما ولم يدر الاول تطلق واحدة قضاء وثنتين تنزها ومضت العدة) لانها لو ولدت الغلام وقعت واحدة وتنقضي عدتها بوضع الجارية ثم لا يقع أخرى به لانه حال انقضاء العدة، ولو ولدت الجارية أولا وقعت تطليقتان وانقضت عدتها بوضع الغلام ثم لا يقع شئ آخر به لما ذكرنا أنه حال انقضاء العدة فإذا في حال تقع واحدة وفي حال تقع ثنتان فلا تقع الثانية بالشك والاولى أن يؤخذ بالثنتين تنزها واحتياطا والعدة منقضية بيقين لما بينا. قيد بقوله لم يدر الاول لانه لو علم فقد بيناه وإن اختلفا فالقول للزوج لانكاره. وأشار بمضي العدة إلى أنه لا رجعة ولا إرث كما في غاية البيان. وقيد بقوله إن ولدت لانه لو قال إن كان حملك غلاما فطالق واحدة أو جارية فثنتين فولدتهما لم تطلق لان حملك اسم جنس مضاف فيعم كله فما لم يكن الكل غلاما أو جارية لم يقع كما في قوله إن كان ما في بطنك غلاما والباقي بحاله. وقوله إن كان ما في هذا العدل حنطة فهي طالق أو دقيقا فطالق فإذا فيه حنطة ودقيق لا تطلق بخلاف قوله إن كان في بطنك غلام والباقي بحاله حيث تقع الثلاث. وقيد بقوله فولدتهما أي الغلام والجارية لانها لو ولدت غلاما وجاريتين ولم يدر الاول وقع الثلاث تنزها وثنتين قضاء، ولو ولدت غلامين وجارية وقعت واحدة قضاء وثلاث تنزها، وقدمنا أن الولادة لا تثبت بقولها اتفاقا بل لا بد من نصاب الشهادة عنده وامرأة عندهما. ولو علق طلاقها بولادتها ولدا فولدت ميتا طلقت وسيأتي تمامه في الايمان. وفي المحيط: قال كلما ولدت

[ 51 ]

ولدا فأنت طالق فولدت ولدين في بطن، فإن كان بينهما أقل من ستة أشهر طلقت بالاول وانقضت عدتها بالثاني ولا يقع طلاق آخر، ولو ولدت ثلاثة أولاد وقع ثنتان، ولو ولدت ثلاثا بين كل ولدين ستة أشهر وقع ثلاث وتعتد بثلاث حيض. ولو قال لامرأته الحامل كلما ولدت فأنت طالق للسنة فولدت ثلاثة في بطن واحدة لم يقع عندهما حتى تطهر من نفاسها فيقع في كل طهر تطليقة، وعند محمد وزفر طلقت واحدة بالولد الاول وتنقضي عدتها بالاخير. ولو قال لامرأتيه كلما ولدتما ولدا فأنتما طالقان فولدت إحداهما ثم الاخرى آخر ثم الاولى آخر ثم الاخرى آخر في بطن واحدة حتى ولدت كل واحدة ولدين، طلقت الاولى ثنتين وانقضت عدتها بولدها الثاني والاخرى ثلاثا وانقضت عدتها بولدها الثاني، ولو كان بين ولدي كل واحدة ستة أشهر فأكثر إلى سنتين طلقت الاولى ثنتين وانقضت عدتها بالولد الثاني وثبت نسب الولدين وطلقت الاخرى واحدة وانقضت عدتها بالولد الاول ولا يثبت نسب ولدها الثاني. ولو قال لامرأته الحامل إذ ولدت ولدا فأنت طالق ثنتين ثم قال إن كان الولد الذي تلدينه غلاما فأنت طالق فولدت غلاما طلقت ثلاثا. ولو قال إن كان الولد الذي في بطنك غلاما والمسألة بحالها طلقت وتمامه في المحيط. وقيد بالولادة لانه لو علق طلاقها بحبلها فالمستحب أن لا يطأها إلا بالاستبراء لتصور حدوث الحبل ولا يقع الطلاق ما لم تلد لاكثر من سنتين من يوم اليمين لانه علقه بحدوث الحبل بعد اليمين ويتوهم حدوث الحبل قبل اليمين إلى سنتين فوقع الشك في الموقع فلا يقع بالشك، كذا في المحيط. وذكر قاضيخان أنه لو قال إن لم تكوني حاملا فأنت طالق ثلاثا فجاءت بولد لاقل من سنتين بيوم من وقت اليمين لا تطلق في الحكم، وإن جاءت لاكثر من سنتين بيوم طلقت، فإن حاضت بعد اليمين لا يقربها لاحتمال أن لا تكون حاملا، وكذا إذا لم تحض لا ينبغي له أن يقربها حتى تضع ا ه‍. قوله: (والملك يشترط لآخر الشرطين) لان صحة الكلام بأهلية المتكلم إلا أن الملك يشترط حالة التعليق ليصير الجزاء غالب الوجود لاستصحاب الحال فتصح اليمين وعند تمام الشرط لينزل الجزاء لانه لا ينزل إلا في الملك وفيما بين ذلك الحال حال بقاء اليمين فيستغنى عن قيام الملك إذ بقاؤه بمحله وهو الذمة، فالمراد من اشتراطه لآخرهما بيان عدم اشتراطه

[ 52 ]

لاولهما فلا ينافي اشتراطه وقت التعليق.، وأيضا علم الاشتراط وقت التعليق من قوله أول الباب فلو قال لاجنبية إن زرت فأنت طالق لم يصح لكن في القنية قبيل النفقات معزيا إلى الملتقط: قال حلال الله علي حرام إن فعلت كذا وليس له امرأة فتزوج ثم فعل ذلك الفعل لا تطلق حج طلقت ا ه‍. وينبغي الاعتماد على الاول لما ذكرنا، وأراد من الشرطين أمرين يتعلق الطلاق بهما ولا يقع بأحدهما، سواء كانا شرطين حقيقة بتعدد أداة الشرط أو لا. أما الاول فبأن عطف شرطا على آخر وأخر الجزاء نحو إذا قدم فلان وإذا قدم فلان فأنت طالق فإنه لا يقع حتى يقدما لانه عطف شرطا محضا على شرط لا حكم له ثم ذكر الجزاء فيتعلق بهما فصارا شرطا واحدا فلا يقع إلا بوجودهما، فإن نوى الوقوع بأحدهما صحت نية تقديم الجزاء على أحدهما وفيه تغليظ، أو بأن كرر أداة الشرط بغير عطف كقوله إن أكلت أو لبست فأنت طالق فأنها لا تطلق ما لم تلبس ثم تأكل فيقدم المؤخر، وكذا لو قال كل امرأة أتزوجها إن كلمت فلانا فهي طالق يقدم المؤخر فيصير التقدير إن كلمت فلانا فكل امرأة أتزوجها طالق. واستغنى عن الفاء بتقدير الجزاء فالكلام شرط الانعقاد والتزوج شرط الانحلال وأصله قوله تعالى * (ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم) * [ هود: 34 ] فالمعنى إن كان الله يريد أن يغويكم فلا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم. ووجه المسألة أنه لا يمكن أن يجعل الشرطان شرطا واحدا لنزول الجزاء لعدم العطف وإن روي عن محمد في غير رواية الاصول أنه رجع عن التقديم والتأخير وأقر كل شرط في موضعه وهو رأي امام الحرمين من الشافعية لان الاصل عدم التقرير إلا بدليل والكلام في موجب اللفظ ولا الشرط الثاني مع ما بعده هو الجزاء للاول لعدم الفاء الرابطة، ونية التقديم والتأخير أحق من إضمار الحرف لانه تصحيح للمنطوق من غير زيادة شئ آخر فكان قوله إن أكلت مقدما من تأخير لانه في حيز الجواب المتأخر. والتقدير إن لبست فإن أكلت فأنت طالق، وهذا بناء على ما قدمناه من لزوم التخبيز في مثل إن دخلت الدار أنت طالق، وعلى ما قدمناه عن أبي يوسف من لزوم إضمار الفاء يجب أن لا يعكس الترتيب. وفي التجريد: لو قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق إن كلمت فلانا لا بد من اعتبار الملك عند الشرط الاول فإن طلقها بعد الدخول بها ثم دخلت الدار وهي في العدة ثم كلمت فلانا وهي في العدة طلقت ا ه‍. وهو على الظاهر من التقديم والتأخير فكان المتقدم شرط الانحلال فيعتبر الملك عنده. وعلى هذا لو قال إن أعطيتك إن وعدتك إن سألتيني فأنت طالق لا تطلق حتى تسأله

[ 53 ]

أولا ثم يعدها ثم يعطيها لانه شرط في العطية الوعد وفي الوعد السؤال فكأنه قال إن سألتيني إن وعدتك إن أعطيتك، كذا في فتح القدير. وهذا إذا لم يكن الشرط الثاني مترتبا على الاول عادة، فإن كان كذلك كان كل شرط في موضعه نحو إن أكلت إن شربت فأنت كذا كان الاكل مقدما والشرب مؤخرا حتى إذا شرب ثم أكل لم يعتق وإن أكل ثم شرب عتق. ولو قال إن شربت إن أكلت يؤخر الشرط الاول، ولو قال إن دعوتني إن أجبتك يقر كل شرط في موضعه، ولو قال إن أجبتك إن دعوتني تؤخر الاجابة، ولو قال إن لبست طيلسانا إن أتيتني يقر كل في موضعه، ولو قال إن أتيتني إن لبست طيلسانا يؤخر الاتيان، ولو قال إن ركبت الدابة إن أتيتني يقر كل في موضعه بخلاف إن أتيتني إن ركبت الدابة لانهما متى كانا مرتبين عرفا أضمرت كلمة ثم وإذا لم يكونا مرتبين عرفا لم يثبت العطف بينهما لا عرفا ولا ذكرا، فمتى أقر كل شرط في موضعه لا يتصل الجزاء بأحد الشرطين ا ه‍. كذا في المحيط: وفي البزازية وفي الفارسية: المقدم مقدم والمؤخر مؤخر وعليه الاعتماد. وذكر القاضي في تفسيره أن قوله * (ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم) * شرط ودليل جواب والجملة دليل جواب قوله تعالى * (إن كان الله يريد أن يغويكم) * تقدير الكلام إن كان الله يريد أن يغويكم فإن أردت أن أنصح لكم لا ينفعكم نصحي ا ه‍. وجعل في فتح القدير من هذا القبيل قوله تعالى * (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها) * [ الاحزاب: 05 ] قال: فالمعنى إن أراد أن ينكح مؤمنة وهبت نفسها فقد أحللناها ا ه‍. وذكر القاضي أن قوله تعالى * (إن أراد النبي) * شرط للشرط الاول في استيجاب الحل فإن وهبتها نفسها منه لا توجب له حلا إلا بإرادته نكاحها فإنها جارية مجرى القبول ا ه‍. فلم تكن من هذا القبيل. وفي المعراج: إنها محتملة للامرين فإن إرادة النبي متأخرة فإنها كالقبول، ويحتمل تقدم إرادة النبي فإذا فهمت ذلك وهبت نفسها له ا ه‍. وذكر في المحيط أنها على ثلاثة أوجه: أحدها إذا أخر الجزاء عن الشرطين، والثاني إذا قدمه، والثالث إذا وسطه. أما الاول والثاني فعلى التقديم والتأخير، وأما الثالث فيقر كل شرط في موضعه ولا يكون من المسائل المعترضة لانه لا حاجة إلى التقديم والتأخير لانه تخلل الجزاء بين الشرطين بحرف الوصل وهو الفاء فيكون الاول شرطا لانعقاد اليمين والثاني شرط الحنث ا ه‍. وكذا في البدائع في مسألة توسط الجزاء فقال: لو قال لامرأته إذا دخلت الدار فأنت طالق إن كلمت فلانا يشترط قيام الملك عند وجود الشرط الاول وهو الدخول لانه جعل الدخول شرط انعقاد اليمين كأنه قال عند الدخول إن كلمت فلانا فأنت طالق واليمين لا تنعقد إلا في الملك ومضافة إلى الملك، فإن كانت في ملكه عند دخول الدار صحت اليمين المتعلقة بالكلام، فإذا كلمت يقع وإن لم تكن في ملكه عند الدخول بأن طلقها وانقضت عدتها ثم دخلت لم يصح التعليق وإن كلمت، وإن طلقها بعد الدخول ثم دخلت في العدة

[ 54 ]

ثم كلمت فيها طلقت ا ه‍. والحاصل أن الجزاء إذا كان متوسطا فلا بد من الملك عن الشرطين وأن كل شرط يقر في موضعه فلم تكن هذه المسألة داخلة تحت قوله والملك يشترط لآخر الشرطين إلا باعتبار أن الشرط الاول هو شرط الانعقاد، وقدمنا أن الملك لا بد منه وقت التعليق فحينئذ ليس معلقا إلا بشرط واحد فجعله في فتح القدير من قسم تقديم المؤخر منهما من كلام التجريد وهو لما علمت أن كل شرط في موضعه. وهذا كله إذا كان الشرط الثاني غير الاول، فإن كان عينه فقال في البزازية: إن دخلت هذه الدار فعبدي حر وهما واحد فالقياس عدم الحنث حتى تدخل دخلتين فيها، وفي الاستحسان يحنث بدخول واحد ويجعل الباقي تكرارا وإعادة، ولقائل أن يقول: لو جعل الثاني تكرارا لزم ثبوت الحرية حالا على قول الامام ويصير الثاني فاصلا كما في أنت حر وحد إن شاء الله، ويجاب بأن يجعل الثاني تكرارا معنى لا لفظا لان الثاني عطف على الاول ولا يعطف الشئ على نفسه، والعبرة في الباب للفظ فإذا انتفى التكرار لفظا كان الثاني حشوا فصار فاصلا، وفيما نحن فيه الثاني غير معطوف على الاول فأمكن جعل الثاني تكرارا فكان واحد معنى فلا يفصل، ونظيره حر حر إن شاء الله تعالى ا ه‍. وقدمنا عن المحيط أنه لو قال إن تزوجتك وإن تزوجتك فأنت طالق لم يقع حتى يتزوجها مرتين بخلاف ما إذا قدم الجزاء أو وسطه ا ه‍. فعلى هذا يفرق بين ما إذا كان بالواو وبدونه فيما إذا أخر الجزاء وكانا بمعنى واحد فليحفظ. وذكر في الخانية هذه المسألة ثم قال: ولو قال إذا دخلت الدار فأنت طالق إذا دخلت هذه الدار لا تطلق ما لم تدخل مرتين ولا تطلق ما لم يتزوج مرتين ا ه‍. فعلى هذا إذا كانا بمعنى واحد بلا عطف فإن تأخر الجزاء عنهما فالشرط أحدهما، وإن توسط فلا بد من الفعل مرتين. وقيدنا بكون الامرين تعلق الطللاق بهما لانه لو قدم الجزاء وأخر الشرط ثم ذكر شرطا آخر بعطف فإن الطلاق فيه معلق بأحدهما نحو أنت طالق إذا قدم فلان وإذا قدم فلان أو ذكر بكلمة أن أو متى فأيهما قدم أولا يقع الطلاق ولا ينتظر قدوم الآخر، ولو قدما معا لا يقع إلا واحدة. ولا بد من الملك عند أيهما وجد، وكذا لو وسط الجزاء مع العطف نحو إن قدم فلان فأنت طالق وإذا قدم فلان فأيهما سبق وقع، ثم لا يقع عند الشرط الثاني شئ إلا أن ينوي أن يقع عند كل واحد تطليقة فتقع أخرى عند الثاني، وأما الثاني أعني ما ليا شرطين حقيقة وهو أن يكون فعلا متعلقا بشيئين من حيث هو متعلق بهما نحو إن دخلت هذه الدار وهذه أو إن كلمت أبا عمرو وأبا يوسف فكذا فإنهما شرط واحد إلا أن ينوي الوقوع بأحدهما

[ 55 ]

فاشترط للوقوع قيام الملك عند آخرهما. وكذا إذا كان فعلا قائما باثنتين من حيث هو قائم بهما نحو إذا جاء زيد وعمرو فكذا فإن الشرط مجيئهما. فإذا عرف هذا فقصر الشارح كلام المصنف على القسم الثاني مما لا ينبغي، واعتراض الكمال على الشارح في جعله مسألة الكلام من تعدد الشرط سهو لانه إنما جعله من قبيل الشرط المشتمل على وصفين وعليه حمل عبارة المصنف لا من قبيل تعدد الشرط. والحاصل أنه إذا كرر أداة الشرط من غير عطف فإن الوقوع يتوقف على وجودهما، سواء قدم الجزاء عليهما أو أخره عنهما أو وسطه، لكن إن قدمه أو أخره فالملك يشترط عند آخرهما وهو الملفوظ به أولا على التقديم والتأخير، وإن وسطه فلا بد من الملك عندهما وإن كان بالعطف فإنه موقوف على أحدهما إن قدم الجزاء أو وسطه. وأما إذا أخره فإنه موقوف عليهما وإن لم يكرر أداة الشرط فإنه لا بد من وجود الشيئين قدم الجزاء عليهما أو أخره عنهما. هذا ما ظهر لي من كلامهم. وفي الولوالجية: إذا قال إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق إن كلمت فلانا فالطلاق الاول والثاني يتعلق بالشرط الاول، والثالث بالشرط الثاني حتى لو دخلت طلقت تطليقتين، ولو كلمه طلقت واحدة لا أن يصير الشرط الاول شرط الانعقاد في حق الكل والثاني شرط الانحلال في حق الكل لانا علقنا الجزاء الثاني بالدخول كان الجزاء مؤخرا عن الشرط، ولو علقناه بالكلام كان الجزاء مقدما على الشرط والاصل في الشرط هو التقديم فمهما أمكن حفظه على الاصل لا يغير. ولو قال امرأته طالق إن دخلت الدار وعبدي حر وعلي المشي إلى بيت الله تعالى إن كلمت فلانا فالطلاق على الدخول والعتق والمشي على الكلام الحق الجزاء المتوسط بالشرط الاخير هنا بخلاف ما تقدم لان ثمة الكلام متفق عليه لانه عطف الاسم على الاسم فصار الوصل أصلا، وإنما يقطع لضرورة ولا ضرورة في حق المتخلل، وأما هنا فالكلام منقطع لانه عطف الاسم على الفعل فلا يلحق بالاول إلا الضرورة لانه أمكن إلحاقه بالثاني انتهى. وتمام تفريعات الطلاق المعلق بالتزوج وبالكلام مذكور في تتمة الفتاوى من فصل تعليق الطلاق بالملك. وفي البزازية من الايمان: والطلاق المضاف إلى وقتين ينزل عند أولهما والمعلق بالفعلين

[ 56 ]

عند آخرهما والمضاف إلى أحد الوقتين كقوله غدا أو بعد غد ينزل بعد غد، ولو علق بأحد الفعلين ينزل عند أولهما والمعلق بفعل ووقت يقع بأيهما سبق انتهى. وقدمناه في فصل إضافة الطلاق إلى الزمان. وفي الخانية: قال لها إن دخلت دار فلان وفلان يدخل في دارك فأنت طالق فدخلت المرأة دار فلان وفلان لم يدخل دارها حنث في يمينه لانه يراد باليمين أحدهما دون الجمع انتهى. قوله: (ويبطل تنجيز الثلاث تعليقه) أي تعليق الثلاث على ما يشير إليه أكثر الكتب والاولى أن يعود إلى الزوج ليشمل ما دون الثلاث، كذا في شرح مسكين. قلت: الاولى أن يعود إلى الطلاق لان الكلام فيه حتى لو قال لها إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا أو قال واحدة أو قال ثنتين ثم طلقها ثلاثا ثم عادت إليه بعد زوج آخر ثم دخلت لم تطلق لان الجزاء طلقات هذا الملك لانها هي المانع لان الظاهر عدم ما يحدث واليمين تعقد للمنع أو الحمل، وإذا كان الجزاء ما ذكرناه وقد فات بتنجيز الثلاث المبطل للمحلية فلا تبقي اليمين. قيد بالثلاث لانه لو نجز أقل منها لا يبطل التعليق لان الجزاء باق لبقاء محله، فلو طلقها ثنتين ثم عادت إليه بعد زوج أخر وقد كان علق الثلاث ثم وجد المعلق طلقت ثلاثا اتفاقا، أما عندهما فلوقوع المعلق كله لان الزوج الثاني هدم الواقع، وأما عند محمد فلوقوع واحدة من المعلق لان الثاني لا يهدم عنده، ولو كان المعلق طلقة والمنجز ثنتين ثم عادت إليه بعد زوج آخر ثم وجد الشرط فعند محمد تحرم حرمة غليظة بالمنجز والمعلق، وعندهما لا تحرم إذ يملك بعد وقوع الطلاق المعلق ثنتين لهدم الثاني ما نجزه الاول. وقيد بالطلاق لان الملك إذا زال بعد تعليق العتق لا يبطل التعليق كما إذا قال لعبده إن دخلت الدار فأنت حر ثم باعه ثم اشتراه ثم دخل عتق لان العبد بصفة الرق محل للعتق وبالبيع لم تفت تلك الصفة حتى لو فاتت بالعتق بطلت اليمين حتى لو ارتد ولحق بدار الحرب ثم سبي ثم ملكه المولى ودخل الدار لم يعتق، كذا في المعراج. وصوابه حتى لو ارتدت لان المرتد لا يملك بالسبي وإنما هو في الامة. وقيد بتعليق الطلاق لان تنجيز الثلاث لا يبطل الظهار منجزا كان أو معلقا كما إذا قال إن دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي ثم طلقها ثلاثا ثم دخلت بعدما عادت إليه بعد زوج آخر كان مظاهرا لان الظهار تحريم الفعل لا تحريم الحل الاصلي لكن قيام النكاح شرط له فلا يشترط بقاؤه لبقاء المشروط كالشهود في النكاح بخلاف الطلاق لانه تحريم للحل الاصلي.

[ 57 ]

وفي فتح القدير: وأورد بعض أفاضل أصحابنا أنه يجب أن لا يقع إلا واحدة كقول زفر لقولهم المعلق تطليقات هذا الملك، والفرض أن الباقي من هذا الملك ليس إلا واحدة فصار كما لو طلق امرأته ثنتين ثم قال أنت طالق ثلاثا فإنما يقع واحدة لانه لم يبق في ملكه سواها. والجواب أن هذه مشروطة، والمعنى أن المعلق طلقات هذا الملك الثلاث ما دام ملكه لها فإذا زال بقي المعلق ثلاثا مطلقة كما هو اللفظ لكن بشرط بقائها محلا للطلاق، فإذا نجز اثنتين زال ملك الثلاث فبقي المعلق ثلاثا مطلقة ما بقيت محليتها وأمكن وقوعها وهذا ثابت في تنجيزه الثنتين فيقع والله أعلم انتهى. وقدمنا أن مما يبطل التعليق لحاقه بدار الحرب قال في المجمع: فلحاقه مرتدا مبطل لتعليقه أي عند الامام. وقالا: لا لان زوال الملك لا يبطله. وله أن إبقاء تعليقه باعتبار قيام أهليته وبالارتدار ارتفعت العصمة فلم يبق تعليقه لفوات الاهلية فإذا عاد إلى الاسلام لم يعد بعد ذلك التعليق الذي حكم بسقوطه لاستحالة عود الساقط، وكذا في شرح المصنف. ومما يبطله فوت محل الشرط كفوت محل الجزاء كما إذا قال إن كلمت فلانا فأنت طالق فمات فلان كذا في النهاية. ومنه ما إذا قال إن دخلت هذه الدار فأنت طالق فجعلت الدار بستانا كما في المعراج. وقدمنا أن مما يبطله زوال إمكان البر وذكرنا فروعا عليه عند شرح قوله وزوال الملك بعد اليمين لا يبطلها. وفي القنية: حلف لا يخرج من بخارى إلا بإذن هؤلاء الثلاثة فجن أحدهم لا يخرج لانه إن أفاق المجنون حنث ولو مات أحدهما لم يحنث لبطلان اليمين انتهى. قوله: (ولو علق الثلاث أو العتق بالوطئ لم يجب العقر باللبث) أي لم يجب مهر المثل للمطلقة ثلاثا والمعتقة بالمكث من غير فعل لان الجماع هو إدخال الفرج في الفرج وليس له دوام حتى يكون لدوامه حكم ابتدائه كمن حلف لا يدخل هذه الدار وهو فيها لا يحنث باللبث، وكذا لو حلف أن لا يدخل دابته الاصطبل وهي فيه فأمسكها فيه لم يحنث. وفي الفوائد الظهيرية: الجماع عبارة عن الموافقة والمساعدة في أي شئ كان فإن محمدا كثيرا ما يقول في كتاب الحج على أهل المدينة ألستم جامعتمونا في كذا أي وافقتمونا. وحكي عن الطحاوي أنه كان يملي على ابنته مسائل يقول في املائه ألسنا قد جامعناكم على كذا أو لستم قد جامعتمونا على كذا فتبسمت ابنته يوما من ذلك فوقع بصره عليها فقال: ما شأنك؟ فتبسمت مرة أخرى فأحس الطحاوي أنها ذهبت إلى الجماع المعروف بهذا اللفظ فقال: أو يفهم من هذا؟ فاحترق غضبا وقطع الاملاء ورفع يديه إلى السماء وقال: اللهم لا أريد حياة بعد هذا فتمنى الموت فمات بعد ذلك من نحو خمسة أيام، كذا في المعراج. أشار بنفي العقر

[ 58 ]

فقط إلى ثبوت الحرمة باللبث فإن الواجب عليه النزع للحال وإلى أنه لو جامع في رمضان ناسيا فتذكر ودام على ذلك حتى أنزل فعليه القضاء، وإن نزع من ساعته لا. وقيدنا المكث بكونه من غير فعل لانه لو تحرك لزمه مهربه لانه كالايلاج ولذا قالوا أولج ثم قال لها إن جامعتك فأنت طالق أو حرة إن نزع أو لم ينزع ولم يتحرك حتى أنزل لا تطلق ولا تعتق، وإن حرك نفسه طلقت وعتقت ويصير مراجعا بالحركة الثانية ويجب للامة العقر ولا حد عليهما ولو جامع عامدا قبل الفجر وطلع الفجر وجب النزع في الحال فإن حرك نفسه قضى وكفر كما لو حرك بعد التذكر في الاولى، كذا في البززية وغيرها من الصوم، وفي المعراج: ولو قال إن وطئتك فيمينه على الجماع. وقال ابن قدامه الحنبلي: وعن محمد بن الحسن يمينه على الوطئ بالقدم ولو قال أردت به الجماع ولم يقبل وقد غلط ابن قدامة في النقل عن محمد فإن محمدا ذكر في أيمان الجامع لو قال لها إن وطئتك فهو على الجماع في فرحها بذكره ولو نوى الدوس بالقدم لا يصدق في الصرف عن الجماع ويحنث بالدوس بالقدم أيضا لاعترافه به على نفسه. ولو قال إن وطئت من غير ذكر امرأة فهو على الدوس بالقدم وهو في اللغة والعرف باتفاق أصحابنا ا ه‍. والعقر بالضم مهر المرأة إذا وطئت على شبهة، وبالفتح الجرح من عقره أي جرحه فهو عقير، كذا في الصحاح. وفي القاموس: العقر بالضم دية الفرج المغصوب وصداق المرأة ا ه‍. وفي المصباح: العقر بالضم دية فرج المرأة إذا غصبت على نفسها ثم كثر ذلك حتى استعمل في المهر انتهى. واللبث من لبث بالمكان لبثا من باب تعب وجاء في المصدر السكون للتخفيف واللبث بالفتح، والمرة بالكسر الهيئة، والنوع والاسم اللبث بالضم، كذا في المصباح. وفي القاموس: اللبث بفتح اللام وسكون الباء المكث من لبث كسمع وهو نادر لان المصدر من فعل بالكسر قياسه التحريك إذا لم يتعد انتهى. وهو أولى مما في المصباح لايهامه أن المصدر بفتح الباء وأن السكون جائز قوله: (ولم يصر به مراجعا في الرجعي إلا إذا أولجه ثانيا) أي لم يصر باللبث مراجعا إذا كان المعلق بالجماع طلاقا رجعيا عند محمد لان الدوام ليس بتعرض للبضع. وقال أبو يوسف: يصير مراجعا لوجود المساس بشهوة وهو القياس، وجزم المصنف بقول محمد دليل على أنه المختار لانه فعل واحد فليس لآخره حكم على حدة. وقيل: ينبغي أن يصير مراجعا عند الكل لوجود المساس بشهوة، كذا في المعراج: وينبغي تصحيح قول أبي يوسف لظهور دليله والاستثناء في كلام المصنف راجع إلى المسألتين فإذا أولج ثانيا وجب عليه مهر المثل وصار مراجعا فجعل الشارح إياه راجعا إلى الثانية قصور. وقيد بالمسألتين لان الحد لا يجب بالايلاج ثانيا وإن كان جماعا لما فيه من شبهة أنه جماع واحد بالنظر إلى اتحاد المقصود وهو قضاء الشهوة في المجلس الواحد وقد كان أوله غير موجب للحد فلا يكون آخره موجبا له. وإن قال ظننت أنها علي حرام كما

[ 59 ]

في المعراج ووجب المهر لان البضع المحترم لا يخلو عن عقر أو عقر. وفي المعراج: ولقائل أن يقول إذا أخرج ثم أولج في العتق ينبغي أن يجب الحد لانه وطئ لا في ملك ولا في شبهة وهي العدة بخلاف الطلاق لوجود العدة، وجوابه ما ذكر في الكتاب أن هذا ليس بابتداء فعل من كل وجه لاتحاد المجلس والمقصود ا ه‍. وقيدنا بالتعليق للاحتراز عما روي عن محمد لو أن رجلا زنى بامرأة ثم تزوجها في تلك الحالة فإن لبث على ذلك ولم ينزع وجب مهران مهر بالوطئ ومهر بالعقد، وإن لم يستأنف الادخال لان دوامه على ذلك فوق الخلوة بعد العقد، كذا نقلوا، وتخصيص الرواية بمحمد لا يدل على خلاف بل لانها رويت عنه دون غيره. وفي البزازية: حلف لا يقربها فاستلقى وجاءت وقضت منه حاجتها يحنث فيما عليه الفتوى ولو نائما لا يحنث. قال لامته إن جامعتك فأنت حرة فالحيلة أن يبيعها من غيره ثم يتزوجها ويطؤها فتنحل لا إلى جزاء ثم يشتريها منه فيطؤها فلا تعتق. حلف لا يغشاها وهو عليها فاليمين على الاخراج ثم الادخال فإن دام عليها لا يحنث وذكر في أول الفصل الثالث عشر في الجماع لا يحنث بالجماع فميا دون الفرج وإن أنزل إلا إذا نوى انتهى. قوله: (ولا تطلق في أن نكحتها عليك فهي طالق فنكح عليها في عدة البائن) يعني لا تطلق امرأته الجديدة فيما إذا قال للتي تحته إن تزوجت عليك امرأة فهي طالق فطلق امرأته بائنا ثم تزوج أخرى في عدتها لان الشرط لم يوجد لان التزوج عليها أن يدخل عليها من ينازعها في الفراش ويزاحمها في القسم ولم يوجد قيد بالبائن لانه لو كان رجعيا طلقت كما في شرح مسكين. وفي البزازية من فصل الامر باليد جعل أمر المرأة التي يتزوجها عليها بأن قال إن تزوجت عليك امرأة فأمرها بيدك أو قال ما دمت امأتي ثم طلقها بائنا أو خالعها وتزوج أخرى في عدتها ثم تزوج بالاولى لا يصير الامر بيدها لان المراد حال المنازعة في القسم ولم يوجد وقت الادخال، وإن قال إن تزوجت امرأة فأمرها بيدك فأبانها ثم تزوج بأخرى صار الامر بيدها ا ه‍. وفي القنية من باب تفويض الطلاق: إن تزوجت عليك امرأة فأمرها بيدك ثم دخلت المرأة في نكاحه بنكاح الفضولي وأجاز بالفعل ليس لها أن تطلقها، ولو قال إن دخلت امرأة في نكاحي فلها ذلك وكذا في التوكيل بذلك انتهى. وفي آخر الايمان: إن سكنت في هذه البلدة فامرأته طالق وخرج في الفور وخلع امرأته ثم سكنها قبل انقضاء عدتها لا تطلق لانها ليست بامرأته وقت وجود الشرط. قال إن فعلت كذا فحلال الله علي حرام ثم قال إن فعلت كذا فحلال الله علي حرام لفعل الآخر ففعل أحد الفعلين حتى بانت امرأته ثم فعل الآخر فقيل لا يقع الثاني لانها ليست بامرأته عند الشرط، وقيل يقع وهو

[ 60 ]

الاظهر انتهى. وفي القنية: طلقها ثم قال إن أمسكت امرأتي إلى مماتي فهي طالق ثلاثا يتركها حتى تنقضي عدتها ثم يتزوجها بعد يوم لا يقع لانها بمضي العدة خرجت عن أن تكون امرأته فبالنكاح لم يمسك امرأته انتهى قوله: (ولا في أنت طالق إن شاء الله متصلا وإن ماتت قبل قوله إن شاء الله). أي لا يقع الطلاق لحديث رواه الترمذي وحسنه مرفوعا من حلف على يمين وقال إن شاء الله لم يحنث وقد بحث فيه المحقق ابن الهمام في كتاب الايمان. قيد بالاتصال لانه لو كان بينهما سكوت كثير بلا ضرورة ثبت حكم الكلام الاول بخلاف ما إذا كان السكوت بالجشاء أو التنفس وإن كان له منه بد أو بامساك غيره فمه أو كان بلسانه ثقل فطال في تردده، والفاصل اللغو يبطل المشيئة فلذا طلقت ثلاثا في قوله أنت طالق ثلاثا وثلاثا إن شاء الله وفي قوله أنت طالق وطالق وطالق وطالق إن شاء الله، وفي قوله أنت طالق ثلاثا وواحدة إن شاء الله كقوله عبده حر وحر إن شاء الله بالواو بخلاف ما إذا كان بدونها للتأكيد بخلاف حر وعتيق إن شاء الله لكونه تفسيرا وهو إنما يكون بغير لفظ الاول وبخلاف طالق واحدة وثلاثا إن شاء الله لكونه أفاد التكميل كقوله أنت طالق وطالق وطالق إن شاء الله. وفي المجتبي من كتاب الايمان: لو قال أنت طالق رجعيا إن شاء الله يقع ولو قال بائنا لا يقع لان الاول لغو دون الثاني. وفي القنية بعده: ولو قال أنت طالق رجعيا أو بائنا إن شاء الله يسأل عن نيته فإن عنى الرجعي لا يقع وإن عنى البائن يقع ولا

[ 61 ]

يعمل الاستثناء انتهى. وصوابه إن عنى الرجعي يقع لعدم صحة الاستثناء للفاصل، وإن عنى البائن لم يقع لصحة الاستثناء. وفي البزازية: أنت طالق ثلاثا يا زانية إن شاء الله يقع وصرف الاستثناء إلى الوصف، وكذا أنت طالق يا طالق إن شاء الله وكذا أنت طالق يا صبية إن شاء الله، يصرف الاستثناء إلى الكل ولا يقع الطلاق كأنه قال يا فلانة، والاصل عنده أن المذكور في آخر الكلام إذا كان يقع به طلاق أو يلزم به حد كقوله يا طالق يا زانية فالاستثناء على الكل انتهى. وأطلق فشمل ما إذا أتى بالمشيئة عن قصد أو لا فلا يقع فيهما، وكذا إذا كان لا يعلم المعنى فلو شهد أنه استثنى متصلا وهو لا يذكره قالوا: إن كان بحال لا يدري ما يجري على لسانه لغضب جاز له الاعتماد عليهما وإلا لا. وشمل ما إذا ادعى الاستثناء وأنكرته فإن القول قوله وكذا في دعوى الشرط، ولو شهدوا أنه طلق أو خالع بلا استثناء أو شهدوا بأنه لم يستثن تقبل وهذا مما تقبل فيه البينة على النفي لانه في المعنى أمر وجودي لانه عبارة عن ضم الشفتين عقيب التكلم بالموجب، وإن قالوا أطلقوا ولم نسمع منه غير كلمة الخلع والزوج يدعي الاستثناء فالقول له لجواز أنه قاله ولم يسمعوه والشرط سماعه لاسماعهم على ما عرف في الجامع الصغير، وفي الصغرى إذا ذكر البدل في الخلع لا تسمع دعوى الاستثناء، كذا في البزازية. وفي الخانية: لو قال الزوج طلقتك أمس وقلت إن شاء الله ففي ظاهر الرواية يكون

[ 62 ]

القول قول الزوج، وذكر في النوادر خلافا بين أبي يوسف ومحمد، فقال على قول أبي يوسف يقبل قول الزوج، وعلى قول محمد لا يقبل قوله ويقع الطلاق ولعيه الاعتماد والفتوى احتياطا في أمر الفروج في زمن غلب على الناس الفساد انتهى. وأشار بصحة المشيئة في الطلاق إلى صحتها في كل ما كان من صيغ الاخبار وإن كانت انشاآت شرعا فدخل البيع والاعتكاف والعتق والنذر بالصوم، وخرج الامر والنهي. فلو قال اعتقوا عبدي في بعد موتي إن شاء الله لا يصح الاستثناء، وكذا بع عبدي من بعد موتي إن شاء الله لا يصح الاستثناء، وكذا بع عبدي هذا إن شاء الله لم يبعه. وخرج ما لم يختص باللسان كالنية فلو قال نويت أن أصوم إن شاء الله صح صومه. وأشار بإسناد المشيئة إلى الله تعالى إلى كل من لم يوقف له على مشيئة كإن شاء الجن أو الانس أو الملائكة أو الحائط فلا يقع في الكل فخرج من يوقف له عليها كإن شاء زيد فهو تمليك له معتبر فيه مجلس علمه فإن شاء فيه طلقت وإلا خرج الامر من يده. وصورة مشيئته أن يقول شئت ما جعله إلى فلان ولا تشترط فيه نية الطلاق ولا ذكره كما في الجوهرة. ودخل في كلامه ما إذا علقه بمشيئة الله ومشيئة من يوقف على مشيئته كما إذا قال إن شاء الله وشاء زيد فلا وقوع وإن شاء زيد كما في البدائع. وقدمنا عن تلخيص الجامع حكم ما إذا قال أمرها بيد الله وبيدك. وأشار بكلمة أن إلى ما كان بمعناها فدخل إلا أن يشاء الله أو ما شاء الله أو إذا شاء الله أو بمشيئة الله. وبالمشيئة إلى ما كان بمعناها كالارادة والمحبة والرضا بجميع الادوات المتقدمة لا فرق بين إن والباء فخرج ما لم يكن بمعناها كأمره وحكمه وإرادته وقضائه وإذنه وعلمه وقدرته فإنه يقع للحال إن كان بالباء، وإن أضافه إلى العبد. وخرج أيضا ما إذا كان باللام فإنه يقع في الوجوه كلها وإن أضافه إلى العبد، وأما إذا كان بفي وأضافه إلى الله تعالى فإنه لا يقع في الوجوه كلها إلا في

[ 63 ]

قوله طالق في علم الله، وإلا في قوله في قدرة الله إن أراد بالقدرة ضد العجز لان قدرة الله تعالى موجودة قطعا كالعلم سواء بخلاف ما إذا لم ينو لانها بمعنى التقدير ولا يعلم تقديره كذا في المحيط. والحاصل أنه إن أتى ب‍ " إن لم يقع في الكل، وإن أتى بالباء لم يقع في المشيئة والارادة والرضا والمحبة ووقع في الباقي، وإن أتى بفي لم يقع إلا في علم الله، وإن أتى باللام وقع في الكل، وإن أضافه إلى العبد كان تمليكا في الاربعة الاولى وهي المشيئة وأخواتها وما بمعناها كالهوية والرؤية تعليقا في الستة وهي الامر وأخواته. وأطلقه فشمل ما إذا كتب الطلاق والاستثناء أو كتب الطلاق واستثنى بلسانه أو طلق بلسانه واستثنى بالكتابة يصح كما في البزازية. وأشار ب‍ " إن بدون الواو إلى أنه لو قال أنت طالق وإن شاء الله فإنه لا يصح الاستثناء كما في الجوهرة، ولو قدم المشيئة ولم يأت بالفاء صحت المشيئة ولا تطلق لكونه إبطالا وعليه الفتوى كما في الخانية، وهو الاصح كما في البزازية معزيا كل منهما إلى أبي يوسف. وقد حكى صاحب المجمع خلافا فيه فقال: وإن شاء الله أنت طالق يجعله تعليقا وهما تطليقا فأفاد أنه يقع عند أبي يوسف لكونه تعليقا عنده

[ 64 ]

والشرط فيه الفاء في الجواب المتأخر فإذا لم يأت به لا يتعلق فينجز ولغت المشيئة، ولا يقع عند أبي حنيفة ومحمد لانه ليس بتعليق. هذا ما يقتضيه ما في المتن وقرره الزيلعي وابن الهمام وغيرهما، وقد خالف شارح المجمع فنسب إلى أبي يوسف القائل بالتعليق عدم الوقوع وإليهما الوقوع نظرا إلى ما نقله قاضيخان في هذه المسألة من أن عدم الوقوع قول أبي يوسف. فالحاصل أن ثمرة الخلاف تظهر فيما إذا قدم المشيئة ولم يأت بالفاء في الجواب ويصدق على القول بالوقوع ديانة أنه أراد الاستثناء كما في الجوهرة ولو أجاب بالواو فهو استثناء اجماعا. وفي الاسبيجابي: لا يصح الاستثناء بذكر الواو بالاجماع. قال في الجوهرة: وهو الاظهر. وتظهر أيضا فيمن حلف بالطلاق إن حلف بطلاقها ثم قال أنت طالق إن شاء الله حنث على القول بالتعليق لا الابطال. قال في فتح القدير: وفي فتاوى قاضيخان الفتوى على قول أبي يوسف إلا أنه عزى إليه الابطال فتحصل على أن الفتوى على أنه إبطال اه‍. فظاهره أن الفتوى على عدم الوقوع فيما إذا قدم المشيئة ولم يأت بالفاء وفيما إذا حلف بالطلاق إن حلف

[ 65 ]

بطلاقها ثم حلف مستثنيا وليس كذلك لما صرح به قاضيخان بأن الفتوى على عدم الوقوع في الاولى وهو قول أبي يوسف كما قدمناه. وصرح في البزازية بأن الفتوى على الوقوع في المسألة الثانية وهو قول أبي يوسف. وقوله إلا أنه أي قاضيخان عزا إليه أي إلى أبي يوسف الابطال سهو وإنما عزى إليه اليمين ولا بأس بسوق عبارته بتمامها قال: ولو قال إن شاء الله أنت طالق لا تطلق في قول أبي يوسف وتطلق في قول محمد والفتوى على قول أبي يوسف، وكذا لو قال إن شاء الله وأنت طالق ثم اختلف أبو يوسف ومحمد أن الطلاق المقرون بالاستثناء في موضع يصح الاستثناء هل يكون يمينا قال أيو يوسف: يكون يمينا حتى لو قال إن حلفت بطلاقك فعبدي حر ثم قال لها أنت طالق إن شاء الله حتى يصح الاستثناء حنث في قول أبي يوسف. وقال محمد: لا يكون يمينا ولا يحنث. وعلى هذا لو قال لامرأته أنت طالق إن دخلت الدار وعبده حر إن كلمت فلانا إن شاء الله تعالى على قول محمد ينصرف الاستثناء إلى الطلاق والعتاق جميعا، وعلى قول أبي يوسف ينصرف الاستثناء إلى اليمين الثانية اه‍. فقد ظهر بهذا أن أبا يوسف قائل بأنها يمين لا إبطال وأن على القول بالتعليق لا يقع الطلاق فيما إذا قدم الشرط ولم يأت بالفاء في الجزاء كما في شرح المجمع لا أنه يقع على القول به، وأن شارح المجمع قد غلط كما توهمه في فتح القدير، وأن أبا يوسف القائل بعدم الوقوع في الاولى قائل بالوقوع في الثانية، وأن الفتوى على قوله في المسألتين.

[ 66 ]

فتحصل من هذا أن الفتوى على أنه تعليق لا إبطال ولكن فيه إشكال وهو أن مقتضى التعليق الوقوع عند عدم الفاء لعدم الرابط، ومما يظهر فيه ثمرة الخلاف ما لو قال كنت طلقتك أمس إن شاء الله فعندهما لا يقع، وعند أبي يوسف يقع، كذا في المحيط. فثمرة الخلاف تظهر في هذه وفيما إذا أخر الجواب ولم يأت بالفاء أو أتى بالواو وحلف أن لا يحلف أو تعقب جملا وقيد بموتها لانه إذا مات الزوج قبل الاستثناء وهو يريده يقع الطلاق وتعلم إرادته بأن ذكر لآخر قصده قبل التلفظ بالطلاق. والفرق بين موتها وموته أن الاستثناء خرج الكلام من أن يكون ايجابا والموت ينافي الموجب دون المبطل بخلاف موته لانه لم يتصل به الاستثناء كذا في الهداية. وفي البزازية: لو قال أنت طالق إن شاء الله أنت طالق فالاستثناء ينصرف إلى الاول ويقع الثاني عندنا خلافا لزفر فإنه ينصرف إليهما عنده ولا يقع شئ، وكذا لو قال أنت طالق ثلاثا إن شاء الله أنت طالق وقعت واحدة في الحال وينبغي أن يكون المفتى به قول زفر لان إن شاء الله صالح لتعليق الطلاق الاول اتفاقا ولتعليق الاخير أيضا وإن لم تكن الفاء فيه لما تقدم أن عند أبي يوسف إذا قدم الشرط وأخر الجزاء ولم يأت بالفاء لا يقع شئ وعليه الفتوى. وأشار بقوله إن شاء الله إلى أنه لو قال أنت طالق إن لم يشأ الله لا يقع شئ فأفاد أنه لو قال أنت طالق واحدة إن شاء الله وأنت طالق اثنتين إن لم يشأ الله لا يقع شئ أما في الاول فللاستثناء، وأما في الثاني فلانا لو أوقعناه علمنا أن الله تعالى شاء لان الوقوع دليل المشيئة لان كل واقع بمشيئة الله تعالى وهو علق في الثاني بعدم مشيئة الله تعالى لا بمشيئته جل وعلا فيبطل الايقاع ضرورة. ولو قال أنت طالق اليوم واحدة إن شاء الله وإن لم يشأ فثنتين فمضى اليوم ولم يطلقها طلقت ثنتين لان وقوع ثنتين تعلق بعدم مشيئة الله تعالى الواحدة في اليوم وبمضيه بلا طلاق وجد الشرط. ثم اعلم أن مذهبنا كما قدمناه عدم الوقوع في المعلق بالمشيئة نواه وعلم معناه أولا، وعند مالك يقع مطلقا، وعند الشافعي إن نواه وعلمه لا يقع

[ 67 ]

وإلا يقع، وعند المعتزلة كما في البزازية إن كان يمسكها بمعروف لا يقع الطلاق وإن كان يسئ معا شرتها يقع لان الطلاق في الاول حرام والقبائح لا تعلق لها بمشيئة الله تعالى، وفي الثاني واجب وبه تتعلق مشيئته تعالى وإن كان لا يحسن ولا يضر فالطلاق مباح. وهل يتعلق بالمباح مشيئة الله تعالى ففيه خلاف بين المعتزلة اه‍. وقيد بقوله إن شاء الله لانه لو قال أنت طالق كيف شاء الله فإنها تطلق رجعية كما في الخلاصة وقدمناه. وفي المحيط: ولو حرك لسانه بالاستثناء يصح وإن لم يكن مسموعا عند الكرخي، وعند الهند وإني لا يصح ما لم يكن مسموعا على ما مر في الصلاة اه‍. قوله: (وفي أنت طالق ثلاثا إلا واحدة تقع ثنتان وفي الاثنتين واحدة وفي إلا ثلاثا ثلاث) شروع في بيان الاستثناء وهو في الاصل نوعان: وضعي وعرفي. فالعرفين ما تقدم من التعليق بالمشيئة والوضعي هو المراد هنا وهو بيان ب إلا أو إحدى أخواتها أن ما بعدها لم يرد بحكم الصدر قد اتقفوا على أن ما بعد إلا لم يرد بحكم الصدر فالمقربة ليس إلا سبعة في علي عشرة إلا ثلاثة، وإنما اختلفوا هل أريد ما بعد إلا باالصدر فأكثر الاصوليين أنه لم يرد وكلمة إلا قرينة عليه، وجماعة على أنه أريد ما بعد إلا ثم أخرج ثم حكم على الباقي. والمراد أنه أريد عشرة في هذا المثال وحكم على سبعة فإرادة العشرة باق بعد الحكم، وما نسب إلى الشافعي من القول بالمعارضة فمعناه أنه اسند الحكم إلى العشرة مثلا ثم نفي الحكم عن ثلاثة فتعارضا صورة، ثم ترجح الثاني فيحكم أن المراد بالاول ما سواه وليس مراده حقيقة النسبة إليهما لان حقيقة التناقض لم يقل به عاقل فاندفع ما ذكره الشارح وغيره من الاستدلال عليه بقوله تعالى * (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما) * [ العنكبوت: 41 ] لانه في غير محل النزاع وتمامه في التحرير لابن الهمام. ولم يقيد المصنف بالاتصال هنا اكتفاء بما ذكره فميا قبله لما قدمنا أن كلا منهما استثناء ويبطل الاستثناء بأربعة: بالسكتة اختيارا، وبالزيادة على المستثنى منه كأنت طالق ثلاثا إلا أربعا، وبالمساواة، وباستثناء بعض الطلاق كأنت طالق إلا نصفها، كذا في البزازية. وزاد في الخانية خامسا فقال: والخامس ما يؤدي

[ 68 ]

إلى تصحيح بعض الاستثناء وإبطال البعض كما لو قال أنت طالق ثنتين وثنتين إلا ثلاثا، لو قال أنت طالق ثلاثا يا فلانة إلا واحدة وقعت اثنتان ولا يصير النداء فاصلا لانه للتأكيد كما في الولوالجية. وأشار باستثناء الثنتين إلى جواز استثناء الاكثر، وأفاد بقوله وفي إلا ثلاثا ثلاث عدم جواز استثناء الكل من الكل وحاصله أنه إذا كان المستثنى منه أو بمساو ولم يكن بعده استثناء آخر فإن الاستثناء باطل، فالاول كمسألة الكتاب وكقوله نسائي طوالق إلا نسائي، وعبيدي أحرارا إلا عبيدي، وكما إذا أوصى بثلث ماله. ومن المساوي أنت طالق ثلاثا إلا واحدة وواحدة وواحدة أو الاثنتين وواحدة. وفي الولوالجية من آخر العتق: قال لعبيده الثلاث أنتم أحرار إلا فلانا وفلانا وفلانا يقع العتق ولا يصح الاستثناء لانه استثناء الكل من الكل اه‍. وفي قياسه أنتن طوالق إلا فلانة وفلانة وفلانة وليس له أربعة وهو من قبيل المساوي بخلاف ما إذا كان بغير المساوي كقوله كل امرأة لي طالق إلا هذه وليس له سواها لا تطلق لان المساواة في الوجود لا تمنع صحته إن عم وضعا لانه تصرف صيغي كقوله نسائي طوالق إلا زينب وهندا وعمرة وبكرة، وأوصيت بثلث مالي إلا ألفا والثلث ألف فإنه يصح، وعبيدي أحرار إلا فلانا وفلانا وليس له إلا هما. وفي الجوهرة: واحتلفوا في استثناء الكل قال بعضهم هو رجوع، وقال بعضهم هو استثناء فاسد وليس برجوع وهو الصحيح لانهم قالوا في الموصي إذا استثنى جميع الموصى به فإنه يبطل الاستثناء والوصية صحيحة ولو كان رجوعا لبطلت الوصية لان الرجوع فيها جائز اه‍. وفي المحيط: لو قال أنت طالق ثنتين وثنتين إلا ثنتين، إن نوى الاستثناء عن إحدى الثنتين لم يصح لانه استثناء الكل من الكل، وإن نوى واحدة من الاولى وواحدة من الاخرى يصح، وإن لم تكن له نية يصح الاستثناء ويقع ثنتان خلافا لزفر لانه أمكن تصحيح الاستثناء بأن يصرف إلى كلا العددين فيصير مستثنى من كل جملة واحدة فيصرف إليهما تصحيحا لكلامه، وروى هشام عن محمد لو قال أنت طالق ثنتين وثنتين إلا ثلاثا أو أنت طالق ثنتين وأربعا إلا خمسا وقع الثلاث لانه تعذر تصحيح الاستثناء لان استثناء الثلاث من الثنتين لا يصح لانه يزيد عليه ولا استثناء نصف الثلاث من كل ثنتين لانه استثناء جميع الثنتين لان ذكر نصف ما لا يتجزئ كذكر كله ولا استثناء واحدة من إحدى الثنتين لانه يبقى ثنتين استثناء من الاخرى وأنه لا يصح. ولو قال أنت طالق ثلاثا إلا واحدة أو ثنتين ومات قبل البيان طلقت واحدة في رواية ابن سماعة عن أبي يوسف. وفي رواية أخرى يقع اثنتان. ولو قال أنت طالق عشرا إلا تسعا يقع واحدة لان الاستثناء يرد على اللفظ فيكون العبرة للفظ لا للحكم وباعتبار هذا اللفظ

[ 69 ]

استثناء البعض من الكل. ولو قال إلا ثمانيا تقع اثنتان، ولو قال إلا سبعا يقع الثلاث. ولو قال للمدخولة أنت طالق أنت طالق أنت طالق إلا واحدة يقع الثلاث، وكذا لو قال أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة إلا واحدة لانه ذكر كلمات متفرقة فيعتبر كل كلام في حق صحة الاستثناء كأنه ليس معه غيره، وكذا لو قال أنت طالق بائن وأنت طالق غير بائن إلا تلك البائن لا يصح الاستثناء، وكذا لو قال هذه طالق وهذه وهذه إلا هذه، ولو قال أنتن طوالق إلا هذه صح الاستثناء اه‍. وقيدنا بكونه لم يكن بعده استثناء آخر لانه لو كان بعده ما يكون جبرا للصدر فإنه يصح كقوله أنت طالق ثلاثا الا ثلاثا الا واحدة فإنها تطلق واحدة والاصل أنه إذا تعدد الاستثناء بلا وأو كان كل اسقاطا مما يليه فوقع اثنتان في قوله أنت طالق ثلاثا الاثنتين إلا واحدة، ولزمه خمسة في قوله له علي عشرة إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثا إلا ثنتين إلا واحدة. وفي المحيط: وطريقة أخرى لمعرفتها أن تأخذ الثلاث بيمينك والثنتين بسارك والواحدة بيمينك ثم تسقط ما اجتمع في يسارك مما اجتمع في يمينك فما بقي فهو الواقع اه‍. وقيد بقوله إلا واحدة لانه لو قال أنت طالق ثلاثا إلا نصف واحدة لا يصح الاستثناء ووقع الثلاث على المختار، وقد ذكر المصنف المستثنى والمستثنى منه من غير وصف لانه لو قال أنت طالق ثلاثا بائنة إلا واحدة أو ثلاثا ألبتة إلا واحدة وقع اثنتان رجعيتان، ولو قال أنت طالق اثنتين إلا واحدة بائنة إو إلا واحدا بائنا تطلق واحدة رجعية، ولو قال أنت طالق اثنتين ألبتة إلا واحدة تقع واحدة بائنة، وكذا لو قال أنت طالق ثنتين إلا واحدة ألبتة تقع واحدة بائنة وتمامه في البزازية وفي الولوالجية أنت طالق ثلاثا إلا واحدة غدا أو قال إلا واحدة إن كلمت فلانا يصير قائلا أنت طالق اثنتين غدا أو إن كلمت فلانا، ولو قال أنت طالق ثلاثا إلا واحدة للسنة كانت طالقا اثنتين للسنة عند كل طهر تطليقة واحدة لانه صار كأنه قال أنت طالق اثنتين للسنة وتمامه في المحيط. ولو قال أنت بائن ينوي ثلاثا إلا واحدة طلقت اثنتين بائنتين. وقال محمد: طلقت واحدة. ولو قال أنت طالق ثلاثا إلا نصفها يقع ثنتان، ولو قال إلا أنصافهن يقع الثلاث، كذا في الخانية والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.

[ 70 ]

باب طلاق المريض لما كان المرض من العوارض أخره ومعناه ضروري فتعريفه تعريف بالاخفى، والمراد به هنا من عجز عن القيام بحوائجه خارج البيت كعجز الفقيه عن الاتيان إلى المسجد، وعجز السوقي عن الاتيان إلى دكانه، فأما من يذهب ويجئ ويحم فلا وهو الصحيح. وهذا في حقه، أما في حقها فيعتبر عجزها عن القيام بمصالحها داخل البيت، كذا في البزازية. وزاد في فتح القدير أن لا تقدر على الصعود إلى السطح. وفي صلاة المريض الذي يباح له ترك القيام أن يكون بحيث يلحقه بالقيام ضرر على الاصح كما في الجوهرة. وليس الحكم هنا مقصورا على المريض بل المراد من يخاف عليه الهلاك غالبا وإن كان صحيحا كما سيأتي. وقد علم من كلامهم أنه لا يجوز للزوج المريض التطليق لتعلق حقها بماله إلا إذا رضيت به. قوله: (طلقها رجعيا أو بائنا في مرض موته ومات في عدتها ورثت وبعدها لا) لان الزوجية سبب إرثها في مرض موتة والزوج قصد إبطاله فيرد عليه قصده بتأخير عمله إلى زمن انقضاء العدة دفعا للضرر عنها وقد أمكن لان النكاح في العدة يبقى في حق بعض الآثار فجاز أن يبقى في حق إرثها عنه بخلاف ما بعد الانقضاء لانه لا إمكان والزوجية في هذه الحالة ليست بسبب لارثه عنها فيبطل في حقه خصوصا إذا رضي به. وفي الظهيرية: وإن كانت المطلقة في المرض مستحاضة وكان حيضها مختلفا ففي الميراث يؤخذ بالاقل لان المال لا يستوجب بالشك اه‍. أطلق الرجعي ليفيد أنها ترث وإن طلق في الصحة ما دامت في العدة لبقاء الزوجية بينهما حقيقة حتى حل الوطئ وورثها إذا ماتت فيها، ولا يشترط أهليتها للارث وقت الطلاق بل وقت موته حتى لو كانت في الرجعي مملوكة أو كتابية ثم أعتقت أو أسلمت في العدة ورثته. وأطلق البائن فشمل الواحدة والثلاث. وترك المصنف قيد الطواعية ولا بد منه لانه لو أكره على طلاقها البائن لا ترث كما لو أكرهت على سؤالها الطلاق فإنها

[ 71 ]

ترث كما في القنية، وذكر في جامع الفصولين خلافا فيه. وقيد بأن يكون في مرضه احترازا عما إذا طلق في الصحة ثم مرض ومات وهي في العدة لا ترث منه، ولو قال صحيح لامرأتيه إحداكما طالق ثم بين في مرضه في إحداهما صار فارا بالبيان وترث لانه كالانشاء في حق الارث للتهمة وتمامه في الكافي. وأراد به المرض الذي اتصل به الموت لان حقها لا يتعلق بما له إلا به، فلو طلقها في مرضه ثم صح ثم مات وهي في العدة لا ترث منه كما سيأتي. ولو طلقها في مرضه ثم قتل أو مات من غير ذلك المرض غير أنه لم يبرأ فلها الميراث لانه قد اتصل الموت بمرضه، كذا في الظهيرية. ولا بد في البائن أن تكون أهلا للميراث وقت الطلاق والموت وما بينهما وسيأتي. ولا يشترط عمله بأهليتها للميراث حتى لو طلقها بائنا في مرضه وقد كان سيدها أعتقها قبل ولم يعلم به الزوج كان فارا، وكذا لو كان تحته كتابية فأسلمت فطلقها الزوج ثلاثا وهولا يعلم بإسلامها كما في الظهيرية، بخلاف ما لو قال المولى لامته أنت حرة غدا. وقال الزوج أنت طالق ثلاثا بعد غد إن علم الزوج بكلام المولى كان فارا وإلا فلا كما في الخانية لانه وقت التعليق لم يقصد إبطال حقها حيث لم يعلم وإن صارت أهلا قبل نزول الطلاق ولم تكن حرة وقت التعليق لان عتقها مضاف بخلاف ما إذا كانت حرة وقته ولم يعلم به لانه أمر حكمي فلا يشترط العلم به ولو علق طلاقها البائن بعتقها كان فارا كما في الظهيرية. ولو علق طلاقها بمرضه كما إذا قال إن مرضت فأنت طالق ثلاثا يكون فارا لانه جعل شرط الحنث المرض مطلقا كما في الولوالجية، وصححه في الخانية. وشمل كلامه ما إذا وكل بطلاقها وهو صحيح ثم مرض فطلق الوكيل بشرط أن يقدر على عزله، أما إذا لم يستطع عزله حتى طلقها في مرضه لا ترث منه كما في الظهيرية. وفي الولوالجية: لو قالت بعد موته طلقني في مرضه ثلاثا وكذبها الورثة في الطلاق في

[ 72 ]

المرض ورثته لانهم يدعون عليها الحرمان بالطلاق في الصحة وهي تنكر فيكون القول لها كما لو قالت طلقني وهو نائم.، وقالوا في اليقظة كان القول لها. وفي الخانية: لو كانت المرأة أمة قد عتقت ومات الزوج فادعت المرأة العتق في حياة الزوج وادعت الورثة أنه كان بعد موته فالقول للورثة ولا يعتبر قول مولاها كما إذا ادعت أنها أسلمت في حياته وقال الورثة أسلمت بعد موته فالقول لهم والقول لها في إنه مات قبل انقضاء عدتها مع اليمين، فإن نكلت لا إرث لها. ولو تزوجت قبل موته ثم قالت لم تنقض عدتي لا يقبل قولها ولو لم تتزوج لكنها قالت أيست ثم مات بعد مضي ثلاثة أشهر من وقت إقرارها لا ميراث لها اه‍. وفي المحيط: وإن لم يعلم منها كفر فقالت الورثة كنت كتابية وأسلمت بعد موت الزوج وهي تقول ما زلت مسلمة فالقول قولها لان الورثة يدعون بطلان حقها وهي تنكر. ولو مات الزوج كافرا فقالت امرأة مسلمة أسلمت بعد موت زوجي وقالت الورثة بل كنت مسلمة قبل موته فالقول لهم لانه ظهر بطلان حقها حيث كانت مسلمة للحال فهي تدعي ثبوت حقها في ماله والورثة ينكرونه اه‍. وأشار بقوله في عدتها إلى أنها مدخولة فلو أبانها قبل الدخول بها فلا ميراث لها لانه تعذر إبقاء الزوجية في غير حالة العدة كما في المحيط. وقيد بموته لانه لو ماتت المرأة لم يرثها الزوج بحال لان الزوج بالطلاق رضي ببطلان حقه، كذا في الميحط. وفي جامع الفصولين: طلقها في المرض فمات بعد مضي العدة فالمشكل من متاع البيت لوارث الزوج إذ صارت أجنبية بمضي العدة ولم يبق لها يد ولو مات قبل العدة فالمشكل من متاع البيت للمرأة عند أبي حنيفة لانها ترث فلم تكن أجنبية فكأنه مات قبل الطلاق اه‍. قوله: (ولو أبانها بأمرها أو اختلعت منه أو اختارت نفسها بتفويضه لم ترث) لانها رضيت بإبطال حقها للامر منها بالعلة في الاولى ولمباشرتها العلة في الاخيرين، أما في التخيير فظاهر لانه تمليك منها، وأما في الخلع فلان التزام المال علة العلة لانه شري الطلاق. قيد بالبائن لانها لو سألته الرجعي فطلقها لا يمتنع إرثها لما قدمنا أنها زوجة حقيقة. وقيد بكونه طلق بأمرها لانها لو طلقت نفسها بائنا فأجاز ترث لان المبطل للارث إجازته كما في القنية. وأراد بالامر الرضا بالطلاق فخرج ما لو أكرهت على سؤالها الطلاق فإنها ترث لعدم

[ 73 ]

الرضا، وشمل ما لو وقعت الفرقة بتمكين ابن الزوج فلا ترث إلا أن يكون أبوه أمره بذلك فقربها مكرهة لانه بذلك ينتقل إليه فيصير كالمباشر، وشمل ما إذا فارقته بسبب الجب أو العنة أو خيار البلوغ والعتق فلا ترث لرضاها، وكذا لو ارتدت وهو مريض. وأشار باختلاعها منه إلى مباشرتها لعلة الطلاق فدخل فيه ما لو أبانها في مرضه ثم قال لها إذا تزوجتك فأنت طالق ثلاثا ثم تزوجها في العدة ومات من مرضه حيث لا ترث لانه موت في عدة مستقبلة فأبطل حكم الفرار بالطلاق الاول والطلاق الثاني وإن وقع إلا أن شرطه وهو التزوج حصل بفعلها فلا يكون فرارا خلافا لمحمد، كذا في الخانية. وقيد باختلاعها منه لانه لو خلعها أجنبي من زوجها المريض مرض الموت فلها الارث لو مات الزوج في مرضه ذلك وهي في العدة لانها لم ترض بهذا الطلاق فيصير الزوج فارا، كذا في جامع الفصولين. ولم يذكر المصنف حكم ما إذا وقعت الفرقة من قبلها في مرض موتها ولا يخفى أنه لما تعلق حقها بما له في مرض موته تعلق حقه بما لها في مرض موتها، فلو باشرت سبب الفرقة وهي مريضة وماتت قبل انقضاء عدتها ورثها كما إذا وقعت الفرقة باختيارها نفسها في خيار البلوغ والعتق أو بتقبيلها ابن زوجها وهي مريضة لانها من قبلها ولذا لم يكن طلاقا وهذا ظاهر، وأما إذا وقعت بسبب الجب أو العنة أو العان وهي مريضة فمشى الشارح على أنها كالاول. وفي الخانية ونقله في فتح القدير عن الجامع أنه لا يرثها لانها طلاق فكانت مضافة إليه وعزاه في المحيط إلى الجامع أيضا مقتصرا عليه وجزم به في الكافي فكان هو المذهب. وإذا ارتدت المرأة ثم ماتت أو لحقت بدار الحرب إن كانت الردة في الصحة لا يرثها زوجها، وإن كانت في المرض ورثها زوجها استحسانا بخلاف ما إذا ارتد فقتل أو لحق بدار الحرب أو مات على الردة فإنها ترثه مطلقا. وإن ارتدا معا ثم أسلم أحدهما ثم مات أحدهما إن مات المسلم لا يرث المرتد وإن كان الذي مات مرتدا هو الزوج ورثته المسلمة وإن كانت المرتدة قد ماتت فإن كانت ردتها في المرض ورثها الزوج المسلم، وإن كانت في الصحة لم ترث، كذا في الخانية. وفي الكافي: الاصل أن المأمورين بالطلاق بغير بدل ينفرد كل واحد منهما بالايقاع والمأمورين بالطلاق بالبدل لا ينفرد أحدهما بالايقاع بل يشترط اجتماعهما وأن التمليك يقتصر على المجلس والتوكيل، لا ومن عمل لنفسه فهو مالك ومن عمل لغيره فهو وكيل. وامرأة الفار لم ترث إن باشرت علة الفرقة أو شرطها أو أخر وصفي العلة أو إحدى العلتين، وإن باشرت بعض العلة أو بعض الشرط لم يبطل حقها من الارث. قال المريض لامرأتيه بعد الدخول طلقا

[ 74 ]

أنفسكما ثلاثا فطلقت كل نفسها وصاحبتها على التعاقب طلقتا ثلاثا بتطليق الاولى وتطليق الاخرى نفسها بعد ذلك وصاحبتها باطل فإذا طلقت الاولى نفسها وصاحبتها طلقتا وورثت الثانية دون الاولى بخلاف ما إذا ابتدأت الاولى فطلقت صاحبتها دون نفسها حيث يقع الطلاق على صاحبتها ولم يقع عليها لانها في حق نفسها مالكة والتمليك يقتصر على المجلس، فإذا بدأت بطلاق صاحبتها خرج الامر من يدها وورثت، وكذا لو ابتدأت كل واحدة بتطليق صاحبتها لان كل واحدة طلقت بتطليق غيرها. وإن طلقت كل واحدة نفسها وصاحبتها معا طلقتا ولم يرثا لان كل واحدة طلقت بتطليق نفسها، وإن طلقت احداهما بأن قالت إحداهما طلقت نفسي وقالت الاخرى طلقت صاحبتي وخرج الكلامان معا طلقت تلك الواحدة ولا ترث، وإن طلقت إحداهما نفسها ثم طلقتها صاحبتها طلقت ولا ترث وعلى العكس ترث. هذا كله إذا كانتا في مجلسهما ذلك، فإن قامتا عن مجلسهما ذلك ثم طلقت كل نفسها وصاحبتها معا أو على التعاقب أو طلقت كل واحدة صاحبتها ورثتا، ولو طلقت كل واحدة منهما نفسها لم تطلق واحدة منهما. ولو قال طلقا أنفسكما ثلاثا إن شئتما فطلقت إحداهما نفسها وصاحبتها لم تطلق واحدة منهما حتى تطلق الاخرى نفسها وصاحبتها، فلو طلقت الاخرى بعد ذلك نفسها وصاحبتها ثلاثا طلقتا وورثت الاولى دون الثانية، لو قامتا عن المجلس ثم طلقت كل واحدة كليهما متعاقبا أو معا لا يقع. ولو قال أمركما بأيديكما ناويا التفويض صار تمليكا حتى لا تنفرد إحداهما بالطلاق ويقتصر على المجلس وهو كالتعليق بالمشيئة إلا في حكم واحد وهو أنهما إذا اجتمعا على طلاق واحدة منهما يقع، وفي قوله إن شئتما لا يقع. ولو قال طلقا أنفسكما بألف فقالت كل واحدة طلقت نفسي وصاحبتي بألف معا أو متعاقبا بانتا بألف ويقسم على مهريهما ولم يرثا، ولو طلقت إحداهما طلقت بحصتها من الالف وإن قامتا من المجلس بطل الامر. اه‍ مختصرا قوله: (وفي طلقني رجعية فطلقها ثلاثا ورثت) لما قدمنا أن الرجعي لا يزيل النكاح فلم تكن بسؤالها راضية ببطلان حقها، وأراد من ذكر الرجعية نفي سؤالها البائن فدخل ما لو قالت طلقني ولم تزد عليه فطلقها بائنا فإنها ترث لانه ينصرف إلى الرجعي عند الاطلاق كما في الخانية، وكذا ينصرف إليه في الوكالة والتفويض والانشاء فلم تكن بسؤالها راضية ببطلان حقها. والمراد بالثلاث البائن فدخل ما لو طلقها واحدة بائنة أيضا ولم أرحكم ما إذا سألته واحدة بائنة فطلقها ثلاثا وظاهر المحيط أنها ترث فإنه قال: لو قالت له طلقني فطلقها ثلاثا ورثت استحسانا لانها سألته في الواحدة

[ 75 ]

وقد طلقها ثلاثا انتهى. ولم يعلل بالرجعي وإنما علل بالواحدة وينبغي أن لا ميراث لها لرضاها بالبائن. قوله: (وإن أبانها بأمرها في مرضه أو تصادقا عليها في الصحة ومضى العدة فاقر أو أوصى لها فلها الاقل منها ومن ارثها) أي لها الاقل من كل واحد من المقر به والموصى به ومن إرثها منه لان العدة باقية في المسألة الاولى وهي سبب التهمة والحكم يدار على دليل التهمة، وفي الثانية قال الامام ببقاء التهمة أيضا لان المرأة قد تختار الطلاق لينفتح باب الاقرار والوصية فيزيد حقها والزوجان قد يتواضعان على الاقرار بالفرقة وانقضاء العدة وهذه التهمة في الزيادة فرددناها ولا تهمة في قدر الميراث فصححناه. وهما قالا في الثانية بنفي التهمة لكونها أجنبية لعدم العدة بدليل قبول شهادته لها وجواز وضع الزكاة فيها وتزوجها بزوج آخر. وأجاب الامام الاعظم رضي الله عنه بأنه لا مواضعة عادة في حق الزكاة والشهادة والتزوج فلا تهمة. هذا حاصل ما في الهداية وقرره الشارحون من غير تعقب وهو ظاهر في أنه إذا أقر بالطلاق منذ زمان وصدقته أن العدة تعتبر من وقت الطلاق بدليل أنهم اتفقوا هنا أنه يجوز له دفع الزكاة إليها وشهادته لها وتزوجها وهو خلاف ما صرحوا به في العدة من أن الفتوى على أن العدة تعتبر من وقت الاقرار كما في الهداية والخانية وغيرهما، فلا يثبت شئ من هذه الاحكام ولا تزوجه بأختها وأربع سواها أيضا فحينئذ ظهرت التهمة في إقراره ووصيته، واندفع به ما ذكره السروجي في غايته من أنه ينبغي تحكيم الحال فإن كان جرى

[ 76 ]

بينهما خصومة وتركت خدمته في مرضه فذلك يدل على عدم المواضعة فلا تهمة وإلا فلا تصح للتهمة. وقد رده في فتح القدير بوجه آخر بأن حقيقة الخصومة ليست ظاهرة إذ الايصاء لها بأكثر من الميراث ظاهر في أن تلك الخصومة ليست على حقيقتها كما يفعله أهل الحيل للاغراض انتهى. وظهر بما ذكرنا سهو الشمني في شرح النقاية حيث قال: وفي الذخيرة لا بد من تحكيم الحال فإن كان حال خصومة وغضب يقع الطلاق عليها بهذا الاقرار وإن لم يكن كذلك لا يقع انتهى. فإن صاحب الذخيرة إنما ذكر تحكيم الحال فيما إذا قالت لك امرأة غيري أو تزوجت علي فقال كل امرأة لي طالق فإنه قال قيل الاولى تحكيم الحال إن كان قد جرى بينهما مشاجرة وخصومة تدل على غضبه يقع الطلاق عليها أيضا وإن لم يكن كذلك لا يقع انتهى. فقاس السروجي مسألتنا هنا على ما في الذخيرة كما صرح به في فتح القدير، ولا يخفى على عاقل فساد قول من قال إن الطلاق الصريح لا يقع إلا في الخصومة، ولم يذكر صاحب الذخيرة هذه المسألة أصلا فكيف تنسب إليه؟ ودلت المسألة على أن المريضة إذا اختلعت بمهرها الذي على الزوج ولم يكن قريبا لها فإنه ينظر إلى المسمى في بدل الخلع وإلى ثلث ما لها إن ماتت بعد انقضاء العدة وإلى المسمى في بدل الخلع وإلى قدر ميراثه منها إن ماتت قبل انقضاء العدة فيكون له الاقل، وتمامه في البزازية من الخلع. وأشار إلى أن ما تأخذه منه له شبه بالدين وشبه بالميراث فللاول لو أرادت أن تأخذ من عين التركة ليس على الورثة ذلك بل لهم أن يعطوها من مال آخر اعتبارا لزعمها أن ما تأخذه دين، وللثاني لو هلك شئ من التركة قبل القسمة فهو على الكل، ولو طلبت أن تأخذه دنانير والتركة عروض ليس لها ذلك. وفي فصول العمادي: وهذا كله إذا كانت عدتها لم تنقض، أما إذا

[ 77 ]

انقضت عدتها من وقت الاقرار ثم مات فلها جميع ما أقر لها به أو أوصى انتهى. وفي جامع الفصولين: قال لها في مرضه قد كنت ابنتك في صحتي أو جامعت أم امرأتي أو بنت امرأتي أو تزوجتها بلا شهود أو بيننا رضاع قبل النكاح أو تزوجتك في العدة وأنكرت المرأة ذلك بانت منه وترثه لا لو صدقته انتهى. وفيه: ادعت على زوجها المريض أنه طلقها ثلاثا فجحد وحلفه القاضي فحلف ثم صدقته ومات ترثه لو صدقته قبل موته لا لو بعده انتهى. وفي شرح الوقاية: واعلم أن حرف من في قوله فلها الاقل منه ومن الارث ليس صلة لافعل التفضيل إذ لو كان لوجب أن يكون الواجب أقل من كل واحد منهما وليس كذلك بل حرف من للبيان وأفعل التفضيل استعمل باللام فيجب أن يقال أو من الارث لانه لما قال الاقل بينه بأحدهما وصلة الاقل محذوفة وهي من الآخر أي فلها أحدهما الذي هو أقل من الآخر فتكون الواو بمعنى أو أو تكون الواو على معناها لكن لا يراد بها المجموع بل الاقل الذي هو الارث تارة والموصى به أخرى فتكون الواو للجمع وهو أن الاقلية ثابتة لكن بحسب زمانين انتهى. قوله: (ومن بارز رجلا أو قدم ليقتل بقود أو رجم فأبانها ورثت أن مات في ذلك الوجه أو قتل) بيان لحكم الصحيح الملحق بالمريض هنا وهو من كان غالب حاله الهلاك كما في النقاية وغيرها. والاولى أن يقال من يخاف عليه الهلاك غالبا على أن الغلبة تتعلق بالخوف وإن لم يكن الواقع غلبة الهلاك فإن في المبارزة لا يكون الهلاك غالبا إلا أن يبرز لمن علم أنه ليس من أقرانه بخلاف غلبة خوف الهلاك. ودخل تحته من كان راكب السفينة إذا انكسرت وبقي على لوح أو افترسه السبع وبقي في فمه كما ذكره الشارح، وقد يوهم أن الانكسار شرط لكونه فارا وليس كذلك فقد قال في المبسوط: فإن تلاطمت الامواج وخيف الغرق

[ 78 ]

فهو كالمريض. وكذا في البدائع. وقيده الاسبيجابي بأن يموت من ذلك الموج، أما لو سكن ثم مات لا ترث انتهى. والحامل لا تكون فارة إلا في حال الطلق. وفي المجتبى: واختلف في تفسير الطلق فقيل الوجع الذي لا يسكن حتى تموت أو تلد، وقيل وإن سكن لان الوجع يسكن تارة ويهيج أخرى والاول أوجه اه‍. والمسلول والمفلوج والمقعد ما دام يزداد ما به فهو غالب الهلاك وإلا فكالصحيح وبه كان يفتي برهان الائمة والصدر الشهيد، وذكر في جامع الفصولين فيه أقوالا فنقل أولا أنه إن لم يكن قديما فهو كمريض ولو قديما فكصحيح، وثانيا لو لم يرج برؤه بتداو فكصحيح وإلا فكمريض، وثالثا لو طال وصار بحال لا يخاف منه الموت فكصحيح. واختلف في حد التطاول فقيل سنة وبعضهم اعتبروا العرف فما يعده تطاولا فتطاول وإلا فلا. ورابعا إن لم يصر صاحب فراش فكصحيح وإلا فمريض. وخامسا لو يزداد كل يوم فهو مريض لو ينتقص مرة ويزداد أخرى فلو مات بعد سنة فكصحيح ولو مات قبل سنة فمريض اه‍. وأشار بقوله إن مات في ذلك الوجه أو قتل إلى أنه لو طلق بعدما قدم للقتل ثم خلى سبيله أو حبس ثم قتل أو مات فهو كالمريض ترثه لانه ظهر فراره بذلك الطلاق ثم ترتب موته فلا يبالي بكونه بغيره كالمريض إذا طلق ثم قتل. وفي فتح القدير: وأما في حال فشو الطاعون فهل يكون لكل من الاصحاء حكم المرض؟ فقال به الشافعية ولم أره لمشايخنا اه‍. وفي جامع الفصولين: ثم من له حكم المريض لو طلقها ومات في العدة ترثه مات بهذه الجهة أو بجهة أخرى ولذا قال في الاصل: مريض صاحب الفراش لو أبانها ثم قتل ترثه. طعن فيه عيسى بن أبان فقال: لا ترثه إذ مرض الموت ما هو سبب للموت ولم يوجد ولكنا نقول: قد اتصل الموت بمرضه حين لم يصح حتى مات وقد يكون للموت سببان فلا يتبين بهذا أن مرضه لم يكن مرض موته وأن حقها لم يكن ثابتا في ماله اه‍.

[ 79 ]

وفي المصباح: برز الشئ بروزا من باب قعد ظهر وبارز في الحرب مبارزة وبرازا فهو مبارز اه‍. وفيه: والسل بالكسر مرض معروف وأسله الله بالالف أمرضه بذلك فسل هو بالبناء للمفعول وهو مسلول من النوادر ولا يكاد صاحبه يبرأ منه. وفي كتب الطب أنه من أمراض الشباب لكثرة الدم فيهم وهو قروح تحدث في الرئة اه‍. وفيه: والفالج مرض يحدث في أحد شقي البدن طولا فيبطل إحساسه وحركته وربما كان في الشقين ويحدث بغتة إلى آخره. قوله: (ولو محصورا أو في صف القتال لا) أي لا ترث لانه لا يغلب خوف الهلاك، وكذا راكب السفينة قبل خوف الغرق، والحامل قبل الطلق، والمحصور الممنوع سواء كان في حصن أو حبس لقتل من رجم أو قصاص أو غيره، وكذا من نزل بمسبعة أو مخيف من عدو. وفي المصباح: حصره العدو حصرا من باب قتل أحاطوا به ومنعوه من المضي لامره قوله: (ولو علق طلاقها بفعل أجنبي أو بمجئ الوقت والتعليق والشرط في مرضه أو بفعل نفسه وهما في مرضه أو الشرط فقط أو بفعلها ولا بد لها منه وهما في المرض أو الشرط ورثت وفي غيرها لا) لان في الوجه الاول والثاني إذا كان التعليق والشرط في مرضه وجه القصد إلى الفرار عن الميراث في حال تعلق حقها بما له بخلاف ما إذا كان التعليق في الصحة والشرط في المرض لان التعليق السابق يصير تطليقا عند الشرط حكما لا قصدا ولا ظلم إلا عن قصد فلا يرد تصرفه. والمراد من الطلاق في قوله علق طلاقها البائن لان حكم الفرار لا يثبت إلا به. وأطلق في فعل الاجنبي فشمل ما إذا كان له منه بد كدخول الدار أو لا كصلاة الظهر. وأما الوجه الثالث وهو ما إذا علقه بفعل نفسه فلوجود قصد الابطال. أما بالتعليق أو بمباشرة الشرط في المرض. وأطلقه فشمل ما إذا كان له بد منه أو لا فإنه وإن لم يكن له بد من فعل الشرط فله من التعليق ألف بد فيرد تصرفه دفعا للضرر عنها، وشمل ما إذا فوض طلاقها لرجل في صحته فطلقها الاجنبي في المرض وكان يقدر الزوج على عزله لانه لما أمكنه عزله في المرض ولم يفعل صار كأنه أنشأ التوكيل في المرض. ودخل في الاول ما إذا لم يمكنه عزله. ودخل في التعليق بفعله ما إذا قال في صحته إن لم آت البصرة فأنت طالق ثلاثا فلم يأتها حتى مات ورثته وإن ماتت هي وبقي الزوج ورثها لانها ماتت وهي

[ 80 ]

زوجته. فالحاصل أن المسألة على ثمانية أوجه لانه إما أن يعلق بمجئ الوقت أو بفعل أجنبي أو بفعلها أو بفعله، وكل على وجهين إما أن يكون التعليق في الصحة والشرط في المرض أو كانا في المرض، فإن كان بفعل أجنبي أو بمجئ الوقت لا يكون فارا إلا إذا كانا في المرض، وإن كان بفعله فإنه يكون فارا حيث يكون الشرط في المرض فقط، وإن كان بفعلها فقط فكذلك إن كان ذلك الفعل لا يمكنها تركه، وإن كان يمكنها تركه لا يكون فارا. ولو قال لها إن لم أطلقك فأنت طالق فلم يطلقها حتى مات ورثته، ولو ماتت هي وبقي الزوج لم يرثها، وكذا لو قال إن لم أتزوج عليك فأنت طالق ثلاثا فلم يفعل حتى مات ورثته، ولو ماتت هي وبقي الزوج لم يرثها كذا في البدائع وفي الخانية: رجل قال لامرأته في صحته إن شئت أنا وفلان فأنت طالق ثلاثا ثم مرض فشاء الزوج والاجنبي الطلاق معا أو شاء الزوج ثم الاجنبي ثم مات الزوج لا ترث، وإن شاء الاجنبي أولا ثم الزوج ورثت ا ه‍. وحاصله أن الطلاق معلق على مشيئتهما فإذا شاآ معا لم يكن الزوج تمام العلة فلا يكون فارا بخلاف ما إذا تأخرت مشيئة الزوج لانه حينئذ تمت العلة. وأما الوجه الرابع وهو ما إذا علقه بفعلها فإن كان التعليق والشرط في المرض والفعل مما لها بد منه ككلام زيد لم ترث لرضاها، وإن كان لا بد لها منه طبعا كالاكل أو شرعا كصلاة الظهر فلها الميراث لاضطرارها، وأما إذا كان التعليق في الصحة فلا ميراث لها عند محمد مطلقا لفوات الصنع منه في مرضه، وعندهما ترث إن كان مما لا بد لها منه وصححوا قول محمد. قوله: (ولو أبانها في مرضه فصح فمات أو أبانها فارتدت فأسلمت فمات لم ترث) لما قدمنا أنه لا بد أن يكون المرض الذي طلقها فيه مرض الموت فإذا صح تبين أنه لم يكن مرض

[ 81 ]

الموت. وفي معراج الدراية: قيل هذا إن كان به حمى ربع فزالت ثم صار به حمى غب، أما إذا كان به حمى ربع فزالت ثم عادت إليه فإن الثانية تجعل عين الاولى ويكون لها الميراث وفيه نظر، لانها لما زالت لم يبق لها تعلق بماله ا ه‍. وفي قانون شاه في الطب: وأما حمى السوداوية خارج العروق وداخلها فهي حمى الربع فيجب أن يراعى فيها حفظ القوة، وأما حمى الغب بكسر الغين ففي المصباح هي التي تأتي يوما وتغيب يوما ا ه‍. وإن في البائن لا بد أن تستمر أهليتها للارث من وقت الطلاق إلى وقت الموت. أطلق البائن فشمل الثلاث والواحدة، وأشار بارتدادها إلى أنها لو كانت كتابية أو مملوكة وقت الطلاق ثم أسلمت أو أعتقت لا ترث. وقيد بالبائن لان المطلقة رجعيا إنما يشترط أهليتها للارث وقت الموت كما قدمناه. وفي المحيط: ولو ارتد الزوجان معا ثم أسلم الزوج ومات لا ترث منه لانها مرتدة، وإن أسلمت المرأة ثم مات الزوج مرتدا ورثته لان الفرقة قد وقعت ببقاء الزوح على الردة فصار بمنزلة ارتداده ابتداء، ولو ارتد المسلم فمات أو لحق بدار الحرب وله امرأة مسلمة في العدة ورثت، ولو ارتدت المرأة فماتت أو لحقت بدار الحرب معتدة لم يرث منها، وإن كانت مريضة فارتدت ثم ماتت ورث الزوج منها استحسانا لان الفرقة حصلت بعدما تعلق حقه بمالها، ولو قال لامرأته الحرة الكتابية أنت طالق ثلاثا غدا ثم أسلمت قبل الغد أو بعده فلا ميراث لها منه لانها ليست من أهل الميراث منه في الحال، ولو أضاف الطلاق إلى حالة يثبت لها الارث فيها فلا يصير فارا، ولو قال إن أسلمت فأنت طالق ثلاثا ورثت لانه أضاف الطلاق إلى ما بعد الاسلام وهو حالة تعلق حقها بماله، ولو أسلمت فطلقها ثلاثا وهو لا يعلم بإسلامها ترث، ولو أسلمت امرأة الكافر ثم طلقها ثلاثا في مرضه ثم أسلم ومات وهي في العدة لا ترث لان التطليق حصل في حالة لا تستحق المرأة الارث منه، وكذلك العبد إذا طلق امرأته في مرضه ثم أعتق لا ترث ا ه‍ قوله: (وإن طاوعت ابن الزوج أو لا عن أو آلى مريضا ورثت) يعني لو أبانها في مرضه ثم طاوعت ابن الزوج ترث لان الاهلية للارث لم تبطل بالمطاوعة لان المحرمية لا تنافي الارث. قيد بكون المطاوعة بعد الابانة لان الفرقة لو وقعت بتقبيل ابن زوجها لا ترث مطاوعة كانت أو مكرهة، أما إذا كانت مطاوعة فلرضاها بإبطال حقها، وأما إذا كانت مكرهة فلم يوجد من الزوج إبطال حقها المتعلق بالارث لوقوع الفرقة بفعل غيره، كذا في البدائع. وبه علم أن اقتصار الشارحين على المطاوعة لا ينبغي، وخرج ما لو طاوعته بعد الرجعي فإنها لا ترث كما لو طاوعته حال قيام النكاح. وفي الخانية: لو طاوعت ابن زوجها وهي مريضة ثم ماتت في العدة ورثها الزوج استحسانا ا ه‍. وقيد بالمطاوعة لانها لو قبلته لا ترث، وفي المسألة الثانية إنما ورثت وإن كانت الفرقة بفعلها وهو آخر اللعانين لانه يلحق بالتعليق بفعل لا بد لها منه إذ هي ملجأة إلى الخصومة لدفع عار الزنا عن نفسها. وأطلقه فشمل ما إذا كان القذف في الصحة أو في

[ 82 ]

المرض لان العبرة لكون اللعان في المرض وفيه خلاف محمد. وأراد بالايلاء في المرض أن يكون مضي المدة في المرض أيضا لان الايلاء في معنى تعليق الطلاق بمضي أربعة أشهر خالية عن الوقاع فيكون ملحقا بالتعليق بمجئ الوقت وقد تقدم أنه لا بد أن يكون التعليق والشرط في مرضه قوله: (وإن آلى في صحته وبانت منه في مرضه لا) أي بانت بالايلاء في مرضه لا ترث لما تقدم أنه لا بد أن يكون التعليق والشرط في مرضه، وهنا وإن تمكن من إبطاله بالفئ لكن بضرر يلزمه وهو وجوب الكفارة عليه فلم يكن متمكنا مطلقا كما قدمناه في مسألة الوكيل إذا لم يتمكن من عزله. وفي الخانية: لو طلق المريض امرأته بعد الدخول طلاقا بائنا ثم قال لها إذا تزوجتك فأنت طالق ثلاثا ثم تزوجها في العدة طلقت ثلاثا، فإن مات وهي في العدة فهذا موت في عدة مستقبلة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف فيبطل حكم ذلك الفرار بالتزوج وإن وقع الطلاق بعد ذلك لان الزوج حصل بفعلهما فلا يكون فارا. وعلى قول محمد لتمام العدة الاولى فإن كان الطلاق الاول في المرض ورثت وإن كان الطلاق الاول في الصحة لم ترث ا ه‍ والله أعلم. باب الرجعة بكسر الراء وفتحها والفتح أفصح. وفي المصباح: وأما الرجعة بعد الطلاق فبالفتح والكسر وبعضهم اقتصر على الفتح وهو أفصح. قال ابن فارس: والرجعة مراجعة الرجل أهله وقد تكسر وهو يملك الرجعة على زوجته وطلاق رجعي بالوجهين أيضا ا ه‍. وقدمنا أن الطلاق الصريح وما في حكمه يعقب الرجعة. وضبطه في البدائع بأن يكون الطلاق صريحا بعد الدخول حقيقة غير مقرون بعوض ولا بعدد الثلاث نصا ولا إشارة ولا موصوف بصفة تنبئ عن البينونة أو تدل عليها من غير حرف العطف ولا مشبه بعدد أو صفة تدل عليها قوله: (وهي استدامة الملك القائم في العدة) أي الرجعة إبقاء النكاح على ما كان ما دامت في العدة لقوله تعالى * (فامسكوهن بمعروف) * [ البقرة: 822 ] لان الامساك استدامة الملك القائم لا إعادة الزائل، وقوله تعالى * (وبعولتهن أحق بردهن) * [ البقرة: 822 ] يدل على عدم اشتراط رضاها وعلى اشتراط العدة إذ لا يكون بعدها بعلا والرد يصدق حقيقة بعد

[ 83 ]

انعقاد سبب زوال الملك وإن لم يكن زائلا بعد كما بعد الزوال. وأشار المؤلف إلى أنه ليس في الرجعة مهر ولا عوض لانها استبقاء ملك والمهر يقابله ثبوتا لابقاء. ولو قال راجعتك بألف درهم إن قبلت المرأة صح ذلك وإلا لا لانه زيادة في المهر. وفي المرغيناني والحاوي: قال راجعتك على ألف درهم قال أبو بكر لا تجب عليه الالف ولا تصير زيادة في المهر كما في الاقالة، كذا في المعراج. ولو قال لها زدتك في مهرك لا يصح، كذا في الولوالجية. وأفاد به أنه لو طلق امرأته الامة رجعيا ثم تزوج حرة كان له أن يراجع الامة ولو كانت الرجعة استحداث ملك لما كان له مراجعتها لحرمة إدخال الامة على الحرة ولهذا كان الملك باقيا في حق الارث والايلاء والظهار واللعان وعدة الوفاة، وينتناولها قوله زوجاتي طوالق وجواز الاعتياض بالخلع ونحو ذلك حتى صح الخلع والطلاق بمال بعد الطلاق الرجعي. ومن أحكامها أنه لا يصح إضافتها إلى وقت في المستقبل ولا تعليقها بالشرط كما إذا قال إذا جاء غد فقد راجعتك أو إن دخلت الدار فقد راجعت امرأتي. وتصح مع الاكراه. والهزل واللعب والخطأ كالنكاح كذا في البدائع. وفي الخلاصة: وبالطلاق يتعجل المؤجل ولو راجعها لا يتأجل، وصححه في الظهيرية. وفي الصيرفية: لا يكون حالا حتى تنقضي العدة. وقيد بقيام العدة لانه لا رجعة بعد انقضائها والقول في انقضاء العدة بالحيض قول المرأة ولا تصدق في انقضائها في أقل من شهرين، كذا في الحاوي القدسي. وفي البزازية: وإذا أسقطت تام الخلق أو ناقص الخلق بطل حق الرجعة لانقضاء العدة، ولو قالت ولدت لا تقبل بلا بينة، فإن طلب يمينها بالله تعالى لقد أسقطت بهذه الصفة حلفت اتقاقا ا ه‍. وفيها: لو قال بعد الخلوة بها وطئتك وأنكرت فله الرجعة وإن أنكر الزوج الوطئ لا رجعة له ا ه‍. وأشار بالاستدامة إلى أنه لو طلقها على مال بعد الطلاق الرجعي يصح كما في القنية. قوله: (وتصح في العدة إن لم يطلق ثلاثا ولو لم ترض براجعتك أو راجعت امرأتي وبما يوجب حرمة المصاهرة) بيان لشرطها وركنها فشرطها إن لا يكون الطلاق ثلاثا كما ذكره ومراده أن لا يكون بائنا سواء كان واحدة أو ثنتين، وقدمنا الرجعي والثنتان في الامة كالثلاث في الحرة بشرط أن لا يكون رقها ثابتا بإقرارها، ولهذا لو كان اللقيط امرأة متزوجة وقد طلقها ثنتين ثم أقرت بالرق فله الرجعة لانها متهمة في إبطال حقه بخلاف ما لو كان طلقها واحدة ثم أقرت بالرق فإنه يصير طلاقها ثنتين لا يملك الزوج عليها بعد ذلك إلا

[ 84 ]

طلقة واحدة وتمامه في الخانية في باب اللقيط. وفي القنية: قبيل النفقة: قال لزوجته الامة إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا ثم أعتقها مولاها فدخلت وقع ثنتان. وفي جامع الكرخي: طلقت ثنتين وملك الزوج الرجعة انتهى. وأطلق في المرأة فشمل المسلمة والكتابية والحرة والمملوكة لاطلاق الدلائل كما في المحيط. وأما ركنها فقول أو فعل، فالاول صريح وكناية. أما الاول فراجعتك وراجعت امرأتي. وجمع بينهما ليفيد ما إذا كانت حاضرة فخاطبها أو غائبة وارتجعتك ورجعتك ورددتك وأمسكتك ومسكتك فيصير مراجعا بلا نية ومنه النكاح والتزوج فلو تزوجها في العدة كان رجعة في ظاهر الرواية، كذا في البدائع، وهو المختار كذا في الولوالجية، وعليه الفتوى كذا في الينابيع. فقول الشارحين أنه ليس برجعة عند أبي حنيفة خلافا لمحمد على غير ظاهر الرواية كما لا يخفى فعلم أن لفظ النكاح يستعار للرجعة. وهل يستعار لفظ الرجعة للنكاح؟ قال في الخلاصة: ولو طلق امرأته ثم قال إن راجعتك فأنت طالق فإذا انقضت عدتها فتزوجها لم تطلق ولو كان الطلاق بائنا تطلق. وعلل له في المحيط بأنها لما لم تكن محلا انصرف إلى النكاح مجازا انتهى. وحاصله أنه إذا أمكن انصراف اللفظ إلى حقيقته وقت التعليق وانصرف إليه لا يصير بعده مجازا وإلا صار مجازا، وأما الكناية فنحو أنت عندي كما كنت أو أنت امرأتي فيتوقف على النية. وأما الثاني أعني الفعل فأفاد أن كل فعل أوجب حرمة المصاهرة فإن الرجعة تصح به وسوى بين القول والفعل في الصحة للاحتراز عن الكراهة فإنها مكروهة بالفعل كما في الجوهرة، فدخل الوطئ والتقبيل بشهوة على أي موضع كان فما أو خدا أو ذقنا أو جبهة أو رأسا والمس بلا حائل أو بحائل يجد الحرارة معه بشهوة والنظر إلى داخل الفرج شهوة بأن كانت متكئة والوطئ في الدبر على المفتى به لانه لا يخلو عن مس بشهوة، ولا فرق بين كون التقبيل والمس والنظر بشهوة منه أو منها بشرط أن يصدقها سواء كان بتمكينه أو فعلته اختلاسا أو كان نائما أو مكرها أو معتوها، أما إذا ادعته وأنكره لا تثبت الرجعة، وقدمنا في باب التعليق أنه لو قال لها إن جامعتك فأنت طالق فجامعها ومكث بعدما جامعها فهو رجعة عند محمد. وقال أبو يوسف: لا يكون رجعة إلا أن يتنحى عنها، ولا تقبل الشهادة على فعلها لان الشهوة لا تعرف إلا بقولها. وخرج ما إذا كانت هذه الافعال بغير شهوة أو نظر إلى غير داخل الفرج بشهوة ولو إلى حلقة الدبر فإنه لا يكون مراجعا لكنه مكروه كما في الولوالجية. وفي الجوهرة: ولو صدقها الورثة بعد موته أنها لمسته بشهوة كان ذلك رجعة انتهى. وفي المعراج: والامة لو فعلت بالبائع في الخيار كان فسخا لان الفسخ قد يحصل بفعلها كما لو زنت أو قتلت نفسها، وأبو يوسف سوى بين الخيار والرجعة في أنهما لا يثبتان بفعلها، ومحمد أثبت الرجعة دون الفسخ. وفي البدائع:

[ 85 ]

أبو حنيفة سوى بينهما في الثبوت. وفي شرح الطحاوي: لو قال أبطلت رجعتي أو لا رجعة لي عليك لا تبطل الرجعة انتهى. وفي القنية: أجاز مراجعة الفضولي صح ويصير مراجعا بوقوع بصره على فرجها بشهوة من غير قصد المراجعة انتهى. واختلف فيما إذا طلق رجعيا ثم جن ثم راجعها بقول أو فعل فقيل لا يصح بهما، وقيل يصح بهما، وقيل تصح بالفعل دون القول كما في القنية من غير ترجيح، واقتصر البزازي على الاخير ولعله الراجح لما عرف أنه مؤاخذ بأفعاله دون أقواله. وعلله في الصيرفية بأنه استدامة النكاح والرضا ليس بشرط ولهذا لو أكره على الرجعة بالفعل يصح انتهى. وفي الحاوي القدسي: وإذا راجعها بقبلة أو لمس فالافضل أن يراجعها بالاشهاد ثانيا ا ه‍. وفي المحيط: قال أبو يوسف: ويكره التقبيل واللمس بغير شهوة إذا لم يرد الرجعة، ويكره أن يراها متجردة لانه لا يأمن من أن يشتهي فيصير به مراجعا ثم يحتاج إلى الطلاق فيؤدي إلى تطويل العدة انتهى. قوله: (والاشهاد مندوب عليها) أي على الرجعة وفاقا لمالك والشافعي على الاظهر خروجا من خلاف عند الشافعي ومالك وإن كان ضعيفا وعملا بقوله تعالى * (واشهدوا ذوي عدل منكم) * [ الطلاق: 2 ] بناء على أنه للندب بدليل أنه أمر بالاشهاد بعد الامر بشيئين: الامساك والمفارقة: فلو كان الاشهاد واجبا في الرجعة مندوبا في المفارقة للزم استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه وهو ممنوع عندنا، واحترازا عن التجاحد وعن الوقوف في مواضع التهم. وأشار المصنف رحمه الله إلى أن الرجعة على ضربين: سني وبدعي. فالسني أن يراجعها بالقول ويشهد على رجعتها ويعلمها ولو راجعها بالقول ولم يشهد أو أشهد ولم يعلمها كان مخالفا للسنة كما في شرح الطحاوي قوله: (ولو قال بعد العدة راجعتك فيها فصدقته تصح وإلا لا) أي وإن لم تصدقه لا تصح الرجعة لانه أخبر عن شئ لا يملك إنشاءه في الحال وهي تنكره فكان القول لها من غير يمين لما عرف في الاشياء الستة، وإن صدقته صحت لان النكاح يثبت بتصادقهما فالرجعة أولى، ونظيره الوكيل بالبيع، إذا قال قبل العزل كنت بعته من فلان صدق بخلاف ما لو قاله بعد العزل كذا في الكافي. وفي تلخيص

[ 86 ]

الجامع للصدر: من ملك الانشاء ملك الاخبار كالوصي والمولى والمراجع والوكيل بالبيع ومن له الخيار انتهى. ولو أقام بينة بعد العدة أنه قال في عدتها قد راجعتها أو أنه قال قد جامعتها كان رجعة لان الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة وهذا من أعجب المسائل فإنه يثبت إقراره نفسه بالبينة بما لو أقر به في الحال لم يكن مقبولا كذا في المبسوط. قيد بقوله بعد العدة لانه لو قال في العدة كنت راجعتك أمس ثبتت وإن كذبته لملكه الانشاء في الحال. قوله: (كراجعتك فقالت مجيبة مضت عدتي) يعني لو قال لها راجعتك فأجابته بقولها مضت عدتي لا تصح الرجعة عند أبي حنيفة لانها صادفت حال انقضاء العدة فلا تصح. وقالا: تصح والقول له لانها صادفت العدة لبقائها ظاهرا ما لم تخبر بالانقضاء وقد سبقت الرجعة خبرها بالانقضاء كما لو قال طلقتك فقالت مجيبة انقضت عدتي فإنه يقع الطلاق، وكالموكل إذا قال للوكيل عزلتك فقال الوكيل مجيبا له بعت لا يصح كذا في المحيط. وله أن قوله راجعتك إنشاء وهو إثبات أمر لم يكن فلا يستدعي سبق الرجعة. وقولها انقضت عدتي إخبار وهو إظهار أمر قد كان فيقتضي سبق الانقضاء ضرورة. ومسألة الطلاق قيل على الخلاف فلا يقع عنده كما لو قال أنت طالق مع انقضاء عدتك والاصح أنه يقع لاقرار الزوج بالوقوع كما لو قال بعد انقضاء العدة كنت طلقتها في العدة كان مصدقا في ذلك بخلاف الرجعة. قيد بكونها إجابته من غير سكوت لانها لو سكتت ساعة تصح الرجعة اتفاقا. وأشار بكون الزوج بدأها إلى أنها لو بدأت فقالت انقضت عدتي فقال الزوج مجيبا لها موصولا بكلامها راجعتك لا يصح بالاولى ولهذا لم يذكر الاسبيجابي فيها خلافا. وإذا لم تصح الرجعة في مسألة الكتاب تستحلف عنده، والفرق بينها وبين الاولى أن اليمين فائدتها النكول وهو بذل عنده، وفي المسألة الاولى تحليفها على الرجعة وبذلها لا يجوز، وفي الثانية تحليفها على مضي عدتها وهو الامتناع عن التزوج والاحتباس في منزل الزوج وبذله جائز. وأما مذهبهما في المسألة الثانية فقد عرفت أنه صحة الرجعة فلا يتصور أن يقال تستحلف المرأة بالاجماع كما ذكره الشارح وقلده في فتح القدير وشرح المجمع وقد اقتصر على أنها تستحلف عند أبي حنيفة في البدائع وغاية البيان والاقطع والخلاصة والولوالجية فكان نقل الاجماع سهوا قوله: (ولو قال زوج الامة بعد العدة راجعت فيها فصدق سيدها وكذبته أو قالت مضت عدتي وأنكرا فالقول لها) أي أنكر الزوج والمولى وقبول قولها في الاولى قول أبي حنيفة لان الرجعة تبتني على قيام العدة والقول فيها قولها. وقالا: القول للمولى لان البضع حقه كإقراره عليها بالنكاح. قيد بتصديق السيد لان المولى لو كذبه وصدقته الامة فالقول قول المولى على الصحيح

[ 87 ]

لان ملكه قد ظهر للحال بخلاف الاول لاعترافه ببقاء العدة ولا يظهر ملكه معها. فالحاصل أنه لا فرق في الحكم بين المسألتين وهو عدم صحة الرجعة وإن اختلف التصوير. وقيد بكونها قالت مضت عدتي لانها لو قالت ولدت يعني انقضت عدتي بالولادة لا يقبل إلا ببينة، وكذا لو قالت أسقطت سقطا مستبين الخلق وللزوج أن يطلب يمينها على أنها أسقطت بهذه الصفة بالاتفاق، ولا فرق في هذا بين الحرة والامة كذا في فتح القدير. وفي شرح النقاية: لو قالت انقضت عدتي ثم قالت لم تنقض كان له الرجعة لانها أخبرت بكذبها في حق عليها انتهى. قوله: (وتنقطع إن طهرت من الحيض الاخير لعشرة وإن لم تغتسل ولا قل لا حتى تغتسل أو يمضي وقت صلاة) أي وتنقطع الرجعة إن حكم بخروجها من الحيضة الثالثة إن كانت حرة أو الثانية إن كانت أمة لتمام عشرة أيام مطلقا. وليس المراد من الطهارة هنا الانقطاع لانها بمضي العشرة خرجت من الحيض وإن لم ينقطع. وأشار بمضي الوقت إلى أنه لا بد من خروجه لتصير الصلاة دينا في ذمتها فإن كان الطهر في آخر الوقت فهو ذلك الزمن اليسير الذي تقدر فيه على الاغتسال والتحريمة لا ما دونه، وإن كان في أوله لم يثبت هذا حتى يخرج جميعه لان الصلاة لا تصير دينا إلا بذلك. وعلى هذا لو طهرت في وقت مهمل

[ 88 ]

كبعد الشروق لا تنقطع الرجعة إلى دخول وقت العصر. وأطلق الاغتسال فشمل ما إذا اغتسلت بسؤر الحمار ولو مع وجود الماء المطلق فإنه تنقطع الرجعة لاحتمال طهارته وإن كانت لا تصلي به لاحتمال النجاسة ولذا لا يقربها الزوج ولا تتزوج بآخر احتياطا كما في التتارحانية. وإنما شرط في الاقل أحد الشيئين لانه لما احتمل عود الدم لبقاء المدة فلا بد من أن يتقوى الانقطاع بحقيقة الاغتسال أو يلزم شئ من أحكام الطاهرات فخرجت الكتابية لانه لا يتوقع في حقها أمارة زائدة فاكتفى بالانقطاع، كذا ذكره الشارحون وظاهره أن القاطع للرجعة الانقطاع لكن لما كان غير محقق اشترط معه ما يحققه فأفاد أنها لو اغتسلت ثم عاد الدم ولم يجاوز العشرة كان له الرجعة وتبين أن الرجعة لم تنقطع بالغسل، ولو تزوجت بعد الانقطاع للاقل قبل الغسل ومضي الوقت تبين صحة النكاح، هكذا أفاد في فتح القدير بحثا وهو وإن خالف ظاهر المتون لكن المعنى يساعده والقواعد لا تأباه قوله: (أو تتيمم وتصلي) أي لا تنقطع الرجعة عند فقد الماء حتى تتيمم وتصلي به فرضا كان أو غيره، ولا يكفي مجرد التيمم عندهما لانها طهارة ضرورية لم تشرع إلا عند العجز عن الماء فلا بد لها من مؤكد فلا ينافيه قولهما في باب الامامة أنها طهارة مطلقة حتى جوز اقتداء المتوضئ بالمتيمم لان

[ 89 ]

مرادهما بالاطلاق أنه يرفع الحدث إلى غاية وجود الماء كالطهارة بالماء فهي مطلقة من هذه الجهة وإن كانت ضرورية من جهة أخرى، وكذا لا ينافيه قول الكل في باب التيمم أيضا إنها مطلقة لما علمت، ولا تنافى هنا أيضا بين قول محمد هنا إنها مطلقة حتى اكتفى بمجرد التيمم لانقطاعها وبين قوله في باب الامامة أنها ضرورية حتى منع اقتداء المتوضئ بالمتيمم لما علمت أن الاطلاق من جهة والضرورة من جهة أخرى لكن محمد عمل بالاحتياط فيهما وقد رجح في فتح القدير قولهما في الامامة. وقوله في الرجعة وتمام تحقيقه فيه. قيد توقف الانقطاع على الصلاة لان حل قربان الزوج لها غير متوقف عليها بل يجوز قبل الصلاة وأجمعوا أن حلها للازواج متوقف على صلاتها بذلك التيمم كما ذكره الاسبيجابي. وأشار بقوله حتى تصلي إلى أنها لا تنقطع حتى تفرغ من الصلاة على الصحيح لاحتمال وجود الماء في أثنائها فتبطل. وقيد بالصلاة لانها لو قرأت القرآن بعد التيمم أو مست المصحف أو دخلت المسجد لا تنقطع الرجعة لانها اتباع الصلاة فلا يعطى لها حكمها. وقال الكرخي: تنقطع لانه من أحكام الطاهرات. قوله: (ولو اغتسلت ونسيت أقل من عضو تنقطع ولو عضو إلا) لان ما دون العضو يتسارع إليه الجفاف لقلته فلا يتيقن بعدم وصول الماء إليه. قيد بالانقطاع لانه لا يحل لزوجها أن يقربها ولا يحل لها أن تتزوج يزوج آخر ما لم تغسل تلك اللمعة أو بمضي عليها أدنى وقت صلاة مع القدرة على الاغتسال كما ذكره الاسبيجابي. والمراد بالعضو نحو اليد والرجل وبما دونهما نحو الاصبع والاصبعين وبعض العضو والساعد وأحد المنخرين، وترك المضمضة أو الاستنشاق كترك عضو عند أبي يوسف وعنه وهو قول محمد كترك ما دون العضو. وقيد بالنسيان لانها لو تعمدت اخلاء ما دون العضو لا تنقطع قوله: (ولو طلق ذا حمل أو ولد وقال لم أطأها راجع) يعني لو طلق امرأته وهي حامل أو بعد ما ولدت في عصمته وقال لم أجامعها فله الرجعة لانها مبنية على الدخول وقد ثبت حكما لثبوت النسب لانه يثبت بظهور الحمل بأن ولدت لاقل من ستة أشهر فلم يلتفت إلى قوله لم أطأها لانه صار مكذبا شرعا ومن صار مكذبا شرعا بطل زعمه ما لم يتعلق بإقراره حق الغير فلا يرد ما أورده في الكافي بأن من أقر بعبد لآخر ثم اشتراه ثم استحق من يده ثم وصل إليه فإنه يؤمر بالتسليم إلى المقر له وإن صار مكذبا شرعا لكونه تعلق بإقراره حق الغير بخلاف مسألة الرجعة. ثم اعلم أن

[ 90 ]

من فروع الاصل المذكور ما إذا اختلف البائع والمشتري في ثمن العقار فقال المشتري اشتريته بألف وقال البائع بعته بألفين وأقام البينة فإن الشفيع يأخذها بألفين لان القاضي كذب المشتري في إقراره. ومن فروعه أيضا أن المشتري إذا أقر بالملك للبائع ثم استحق المبيع من يده بالبينة فإن له الرجوع عليه بالثمن لكونه صار مكذبا في إقراره حين قضى القاضي به للمستحق والفرعان في الخلاصة. ومنه ما في التلخيص: لو ادعى عليه كفالة معينة فأنكرها فبرهن المدعي وقضى على الكفيل فإن له الرجوع على المديون إذا كانت بأمره عندنا لكونه صار مكذبا في إنكارها حين قضى القاضي بها عليه. وقيد في الخلاصة الاصل المذكور في كتاب القضاء من الفصل الثالث منه بأن يكون القضاء بالبينة، أما إذا قضى القاضي باستصحاب الحال فإنه لا يصير مكذبا كما لو اشترى عبدا وأقر أن البائع أعتقه قبل البيع وكذيه البائع فقضى القاضي بالثمن على المشتري لم يبطل إقرار المشتري بالعتق حتى يعتق عليه. وكذا المديون إذا ادعى الايفاء أو الابراء على صاحب الدين وجحد الدائن وحلف وقضى القاضي له بالدين على الغريم لا يصير الغريم مكذبا حتى لو وجدت بينة الايفاء أو الابراء تقبل ا ه‍. فكان دلالة على الوطئ ودلالة الشرع أقوى من صريح العبد لاحتمال الكذب من العبد دون الشارع. فعلم بما قررناه أن الحمل يثبت قبل الوضع ويثبت النسب به قبله لما صرحوا به في باب خيار العيب أن حمل الجارية المبيعة يثبت بظهوره قبل الوضع بشهادة امرأة حتى كان للمشتري ردها بعيب الحبل قبل الوضع، وفي باب ثبوت النسب أنه يثبت بالحبل الظاهر فاندفع ما اعترض به صدر الشريعة على المشايخ بأن قولهم له الرجعة تساهل لان وجود الحمل وقت الطلاق إنما يعرف إذا ولدت لاقل من ستة أشهر من وقت الطلاق فإذا ولدت انقضت العدة فلا يملك الرجعة فيكون المراد أنه راجع قبل وضع الحمل فولدت لاقل من ستة أشهر يحكم بصحة الرجعة السابقة، ولا يراد أنه يحل له الرجعة قبل وضع الحمل لانه لما أنكر الوطئ والشرع لا يحكم بوجود الحمل وقت الطلاق بل إنما يحكم به إذا ولدت لاقل من ستة أشهر من وقت الطلاق فلم يوجد تكذيب الشرع قبل وضع الحمل، فالصواب أن يقال:

[ 91 ]

ومن طلق حاملا منكرا وطأها فراجعها فجاءت بولد لاقل من ستة أشهر صحت الرجعة. وأما مسألة الولادة فصورتها أنه طلق امرأته التي ولدت قبل الطلاق منكرا وطأها فله الرجعة ا ه‍. وقيد بكون الولادة قبل الطلاق لانها لو ولدت بعده تنقضي به العدة فتستحيل الرجعة. قوله: (وإن خلا بها ثم قال لم أجامعها ثم طلقها لا) أي لا يملك الرجعة لان الملك يتأكد بالوطئ وقد أقر بعدمه فيصدق في حق نفسه والرجعة حقه ولم يصر مكذبا شرعا لان تأكيد المهر المسمى يبتنى على تسليم المبدل لا على القبض، والعدة تجب احتياطا لاحتمال الوطئ فلم يكن القضاء بها قضاء بالدخول. قيد بإنكاره الجماع لانه لو قال جامعتها وأنكرت المرأة فله الرجعة لان الظاهر شاهد له فإن الخلوة دلالة الدخول، فإن لم يخل بها فلا رجعة له عليها لان الظاهر شاهد لها، كذا في الولوالجية. وفي المبسوط: فإن قيل الظاهر حجة لدفع الاستحقاق والزوج إنما يريد استحقاق الرجعة بقوله قلنا: ليس كذلك بل الزوج إنما يستبقي ملكه بما يقول ويدفع استحقاقها نفسها والظاهر يكفي لذلك قوله: (وإن راجعها ثم ولدت بعدها لاقل من عامين صحت تلك الرجعة) يعني راجعها والمسألة بحالها. والمراد بالصحة ظهور صحة الرجعة السابقة لان العدة لما وجبت ثبت نسب الولد منه وظهر أن العلوق كان سابقا على الطلاق فنزل واطئا قبل الطلاق دون ما بعده لان على الاعتبار الثاني يزول الملك بنفس الطلاق لعدم الوطئ قبله فيحرم الوطئ والمسلم لا يفعل الحرام، وهو وإن كان لا يكذب لكن لما لزم أحد الاعتبارين من الزنا أو كذبه فجعله كاذبا أخف من حمله على الزنا قوله: (إن ولدت فأنت طالق فولدت ثم ولدت من بطن آخر فهي رجعة) يعني ثم ولدت بعد ستة أشهر وإن كان أكثر من سنتين إذا لم تقر بانقضاء عدتها لانه وقع الطلاق عليها بالولد الاول ووجبت العدة فيكون الولد الثاني من علوق حادث منه في العدة لانها لم تقر بانقضاء العدة فيصير مراجعا حملا لامرها على الصلاح كما إذا طلقها رجعيا فجاءت بولد لاكثر من سنتين. قيد بكونه من بطن آخر لانه لو كان بينهما أقل من ستة أشهر لا يكون رجعة لان الثاني ليس بحادث بعد الولد الاول كما إذا طلقها رجعيا فجاءت بولد لاقل من سنتين قوله: (كلما ولدت فأنت طالق فولدت ثلاثة في بطون فالولد الثاني والثالث رجعة) لوقوع الطلاق

[ 92 ]

بالاول وثبتت الرجعة بالثاني والثالث ويقع بكل طلقة أخرى فتحرم حرمة غليظة ويثبت نسب الاولاد من الزوج وعليها العدة بالاقراء. قيد بكونهم في بطون أي بين كل واحد مدة الحمل فأكثر إذ لو كان بين الولادتين أقل منها لا يكون رجعة ويقع طلقتان بالاول والثاني ولا يقع بالثالث شئ لانقضاء العدة به، ولو كان الاولان في بطن والثالث في بطن تقع تطليقة واحدة بالاولى لا غير وتنقضي العدة بالثاني ولا يقع بالثالث شئ، ولو كان الاول في بطن والثاني والثالث في بطن يقع ثنتان بالاول والثاني وتنقضي العدة بالثالث فلا يقع به شئ، كذا في فتح القدير. وفي المحيط: ولو ولدت ولدين في بطن وقع بالاول ولا يقع بالثاني لمصادفته انقضاء العدة، والمراد من كون الولد الثاني والثالث رجعة أنه ظهر صحة الرجعة السابقة بهما كما قدمناه أنه يحمل على أنه بوطئ حادث قوله: (والمطلقة الرجعية تتزين) يعني لزوجها إذا كانت الرجعة مرجوة لانها حلال للزوج لان النكاح قائم بينهما ثم الرجعة مستحبة والتزين حامل عليها فيكون مشروعا. قيدنا بكونه لزوجها لانه لو كان غائبا فلا تتزين لفقد العلة، وقيدنا بالرجعية لان المعتدة من طلاق بائن لا يجوز لها التزين مطلقا لحرمة النظر إليها وعدم مشروعية الرجعة، كذا في غاية البيان. وخرجت المعتدة عن وفاة فإنها تحد. وقيدنا بكونها مرجوة لانها لو كانت تعلم أنه لا يراجعها لشدة بغضها فإنها لا تفعل ذلك كما ذكره في شرح مسكين: وقد صرحوا بأن للزوج أن يضرب امرأته على تركها الزينة إذا طلبها منها لانها حقه وهو شامل للمطلقة رجعيا. قوله: (وندب إن لا يدخل عليها حتى يؤذنها) أي يعلمها بدخوله إما بخفق النعل أو بالتنحنح أو بالنداء أو نحو ذلك. أطلقه فشمل ما إذا قصد رجعتها أو لا، فإن كان الاول فإنه لا يأمن أن يرى الفرج بشهوة فتكون رجعة بالفعل من غير إشهاد وهو مكروه من جهتين كما قدمناه، وإن كان الثاني فلانه ربما يؤدي إلى تطويل العدة عليها بأن يصير مراجعا بالنظر من غير قصد ثم يطلقها وذلك إضرار بها. فبهذا علم أنه لا يحتاج إلى حمل المتون على ما إذا لم يقصد رجعتها كما فعل في الهداية وغيرها، وإنما هي على إطلاقها كما لا يخفى، وقد صرح

[ 93 ]

بالاطلاق الولوالجي في فتاواه قوله: (ولا يسافر بها) يعني يحرم عليه السفر بها لقوله تعالى * (ولا تخرجوهن من بيوتهن) * [ الطلاق: 1 ] ولحرمته لم يكن رجعة لان الرجعة مندوبة والمسافرة بها حرام، ومراده إذا كان يصرح بعدم رجعتها، أما إذا سكت كانت رجعة دلالة كما أشار إليه في فتح القدير وشرح الجامع الصغير للقاضي وفتاويه والبدائع وغاية البيان معللين بأن السفر دلالة الرجعة فانتفى به ما ذكره الشارح من أن السفر ليس دلالة الرجعة وأورد أن التقبيل بشهوة يكون رجعة وإن نادى على نفسه بعدم الرجعة وجوابه الفرق بالحل والحرمة كما نقلنا، كذا في فتح القدير. وأجاب الشمني بأن التقبيل رجعة حقيقة لا دلالة بخلاف السفر فإنه رجعة دلالة لانه يستلزم شيئا تثبت به الرجعة. قيد بالسفر أي بإنشائه لانه لو طلقها في السفر لها أن تمشي معه، ذكره الاسبيجابي. ومراده من المسافرة بها إخراجها من بيتها لا السفر الشرعي المقدر بثلاثة أيام لانه يحرم إخراجها إلى ما دونه أيضا للنهي المطلق لكن لا يكون رجعة دلالة. واعلم أن في الهداية ما يدل على أن حرمة المسافرة بها مقيدة بما إذا لم يراجعها في عدتها لانه تبين أن المبطل للعصمة عمل عمله من وقت الطلاق حتى احتسبت الاقراء الماضية من العدة فكانت المسافرة بأجنبية، أما إذا راجعها في عدتها تبين أنه لم يعمل عمله فزالت الحرمة قوله: (والطلاق الرجعي لا يحرم الوطئ) لما قدمناه من الآيات والمعنى أول الباب فلا يلزم به عقر، والشافعي لما حرمه أوجب له العقر. وفي المعراج معزيا إلى الروضة للشافعية: لو وطئها فلا حد عليه، وإن كان عالما بالتحريم وفيه وجه ضعيف لا يجب التعزير إن كان جاهلا أو يعتقد إباحته وإلا فيجب، ولو وطئها ولم يراجعها يجب مهر المثل، ولو راجعها فالنص وجوب مهر المثل. وفي الروضة أيضا قال الشافعي: إنها زوجته في خمس مواضع من كتاب الله: في آية الميراث والايلاء والظهار واللعان والطلاق وعدة الوفاة وكذا في عدم اشتراط الولي في الرجعة وعدم اشتراط لفظة النكاح والتزويج ورضاها عند الكل ا ه‍. وأشار إلى أن الخلوة بها لا تحرم لكنها مكروهة كراهة تنزيهية إن لم يكن من قصده المراجعة وإلا فلا، وكذا القسم لانه لو ثبت لها القسم فخلا بها فربما أدى إلى المساس بشهوة فيصير مراجعا وهو لا يريدها فيطلقها فتطول العدة عليها حتى لو كان من قصده المراجعة كان لها القسم، كذا في البدائع والله سبحانه وتعالى أعلم.

[ 94 ]

فصل فيما تحل به المطلقة قوله: (وينكح مبانته في العدة وبعدها) أي المبانة بما دون الثلاث لان المحلية باقية لان زوالها معلق بالطلقة الثالثة فينعدم قبلها ومنع الغير في العدة لاشتباه النسب ولا اشتباه في الاطلاق له قوله: (لا المبانة بالثلاث لو حرة وبالثنتين لو أمة حتى يطأها غيره ولو مراهقا بنكاح صحيح وتمضي عدته لا بملك يمين) أي لا ينكح مبانته بالبينونة الغليظة. أطلقه فشمل ما إذا كان قبل الدخول أو بعده كما صرح به في الاصل، وأما ما عن المشكلات فيمن طلق امرأته قبل الدخول بها ثلاثا فله أن يتزوجها بلا تحليل. وأما قوله تعالى * (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) * [ البقرة: 032 ] ففي المدخول بها ا ه‍. فمعناه أنه طلقها ثلاثا متفرقة فلا يقع إلا بالاولى لا الثلاث بكلمة واحدة كما ذكره العلامة البخاري شارح الدرر فحينئذ لا حاجة إلى ما في فتح القدير من أنها زلة عظيمة إلى أن قال لا يبعد إكفار مخالفه. وفي القنية أن سعيد بن المسيب رضي الله عنه رجع عن مذهبه في أن الدخول بها ليس بشرط في صيرورتها حلالا للاول ولو قضى به قاض لا ينفذ قضاؤه، فإن شرط الدخول ثبت بالآثار المشهورة. م فع: يحتال في التطليقات الثلاث ويأخذ الرشى بذلك ويزوجها للاول بدون دخول الثاني هل يصح النكاح وما جزاء من يفعل ذلك قالوا: إن يسود وجهه ويبعد. فع فقيه يفتي بمذهب سعيد بن المسيب وبزوج للاول قال: بقيت مطلقة بثلاث ويعزر الفقيه ا ه‍. وشمل ما إذا طلقها أزواج كل زوج ثلاثا قبل الدخول فتزوجت بآخر فدخل بها تحل للكل. وأشار بالوطئ إلى أن الشرط الايلاج بشرط كونه عن قوة نفسه وإن كان ملفوفا بخرقة إذا كان يجد لذة حرارة المحل، فلو أولج الشيخ الكبير الذي لا يقدر على الجماع لا بقوته بل بمساعدة اليد لا يحلها للاول إلا إن انتعش وعمل بخلاف من في

[ 95 ]

آلته فتور وأولجها فيها حتى التقى الختانان فإنها تحل به. وخرج المجبوب الذي لم يبق له شئ يولج في محل الختان فلا تحل بسحقه حتى تحبل، ودخل الخصي الذي مثله يجامع فيحلها. وأراد بالمراهق الذي مثله يجامع وتتحرك آلته ويشتهي الجماع، وقدره شمس الاسلام بعشر سنين. واحترز به عن الصغير الذي لا يجامع مثله فلا يحلها. وأطلق الوطئ فشمل ما إذا وطئها في حيض أو نفاس أو إحرام وإن كان حراما. وشمل ما إذا كان الزوج الثاني مسلما أو ذميا فتحل الذمية بوطئ الذمي لزوجها المسلم، وسواء كان حرا أو عبدا ولهذا قالوا: لو حافت ظهور أمرها في التحليل تهب لمن تثق به ثمن عبد فيشتري لها مراهقا فيزوجها منه بشاهدين ثم يهب العبد لها فيبطل النكاح ثم تبعث العبد إلى بلد آخر فلا يظهر أمرها. وهذا مبني على ظاهر المذهب من أن الكفاءة في النكاح ليست بشرط في الانعقاد، وأما على رواية الحسن المفتى بها فلا يحلها العبد لفقد الكفاءة لكن بشرط أن يكون لها ولي، أما إذا لم يكن لها ولي فيحلها اتفاقا، والاولى أن يكون حرا بالغا فإن مالكا يشترط الانزال كما في البزازية. وأشار بالوطئ إلى أن المرأة لا بد أن يوطأ مثلها، أما إذا كانت صغيرة لا يوطأ مثلها لا تحل للاول بهذا الوطئ، وإلى أنه لا بد من التيقن بكونه في المحل حق لو كانت المرأة مفضاة لا تحل للاول بعد دخول الثاني إلا إذا حبلت ليعلم أن الوطئ كان في قبلها. وفي القنية: المحلل إذا أولج في مكان البكارة تحل للاول والموت لا يقوم مقام الدخول في حق التحليل ا ه‍. مع أنه نقل في المحيط من كتاب الطهارة أنه لو أتى امرأة وهي عذراء لا غسل عليه ما لم ينزل لان العذرة مانعة من مواراة الخشفة ا ه‍. وأراد بالنكاح الصحيح النافذ فخرج النكاح الفاسد والموقوف كما لو تزوجها عبد بغير إذن سيده ثم وطئها قبل الاجازة لا يحلها إلا إذا وطئها بعد الاجازة. وأشار إلى أن الانزال ليس بشرط لانه مشبع. ودخل في قوله لا يملك يمين ثلاث صور: الاولى أن الامة لو طلقها زوجها اثنتين وانقضت عدتها فوطئها المولى لا تحل لزوجها. الثانية لو اشتراها الزوج بعد الثنتين لا تحل له بوطئه حتى تتزوج بغيره. الثالثة لو كانت تحته حرة فطلقها ثلاثا ثم ارتدت ولحقت بدار الحرب ثم استرقها م تحل له حتى تتزوج بزوج آخر.

[ 96 ]

وفي مناقب البزازي: إذا كان العقد بلا ولي بل بعبارة المرأة أو كان بلفظ الهبة أو كان بحضرة فاسقين ثم طلقها ثلاثا ثم أراد أن تحل له بلا زوج فإنه يرفع الامر إلى شافعي فيقضي ببطلان النكاح وبزوجها له بعقد جديد ولا يرد أن القضاء بفساد النكاح يستلزم حرمة الوطئ المتقدم وأن الاولاد متولدة من وطئ حرام لانا نقول: القضاء يعمل في القائم والآتي لا في الماضي ا ه‍. وفي فتاويه: وإن حافت أن لا يطلقها المحلل تقول له حتى يقول إن تزوجتك وجامعتك فأنت طالق ا ه‍. وأطلق فشمل ما إذا كان الزوج الاول معترفا بالطلاق الثلاث أو منكرا بعد أن كان الواقع الطلاق الثلاث ولهذا قالوا: لو طلقها ثلاثا وأنكر لها أن تتزوج بآخر وتحلل نفسها سرا منه إذا غاب في سفر فإذا رجع التمست منه تجديد النكاح لشك خالج قلبها لا لانكار الزوج النكاح. وقد ذكر في القنية خلافا فرقم للاصل بأنها إن قدرت على الهروب منه لم يسعها أن تعتد وتتزوج بآخر لانها في حكم زوجية الاول قبل القضاء بالفرقة، ثم رمز شمس الائمة الاوزجندي وقال: قالوا هذا في القضاء ولها ذلك ديانة، وكذلك إن سمعته طلقها ثلاثا ثم جحد وحلف أنه لم يفعل وردها القاضي عليه لم يسعها المقام معه ولم يسعها أن تتزوج بغيره أيضا. قال - يعني البديع: والحاصل أنه على جواب شمس الاسلام الاوزجندي ونجم الدين النسفي والسيد أبي شجاع وأبي حامد والسرخسي يحل لها أن تتزوج بزوج آخر فيما بينها وبين الله تعالى، وعلى جواب الباقين لا يحل انتهى. وفي الفتاوى السراجية: إذا أخبرها ثقة أن الزوج طلقها وهو غائب وسعها أن تعتد وتتزوج ولم يقيده بالديانة والله أعلم. قال المصنف رحمه الله: وقد نقل في القنية قبل ذلك عن شرح السرخسي ما صورته: طلق امرأته ثلاثا وغاب عنها فلها أن تتزوج بزوج آخر بعد العدة ديانة. ونقل آخر أنه لا يجوز في المذهب الصحيح ا ه‍. قلت: إنما رقم لشمس الائمة الاوزجندي وهو الموافق لما تقدم عنه والقائل بأنه المذهب الصحيح العلاء الترجماني ثم رقم بعده لعمر النسفي وقال: حلف بثلاثة فظن أنه لم يحنث وعلمت الحنث وظنت أنها لو أخبرته ينكر اليمين فإذا غاب عنها بسبب من الاسباب فلها التحلل ديانة لا قضاء. قال عمر

[ 97 ]

النسفي: سألت عنها السيد أبا شجاع فكتب أنه يجوز. ثم سألته بعد مدة فقال: إنه لا يجوز. والظاهر أنه إنما أجاب في امرأة لا يوثق بها ا ه‍. كذا في شرح المنظومة. وفي البزازية: شهد أن زوجها طلقها ثلاثا إن كان غائبا ساغ لها أن تتزوج بآخر، وإن كان حاضرا لا لان الزوج إن أنكرا احتيج إلى القضاء بالفرقة ولا يجوز القضاء بها إلا بحضرة الزوج ا ه‍. وفيها: سمعت بطلاق زوجها إياها ثلاثا ولا تقدر على منعه إلا بقتله إن علمت أنه يقربها تقتله بالدواء ولا تقتل نفسها. وذكر الاوزجندي أنها ترفع الامر إلى القاضي فإن لم يكن لها بينة تحلفه، فإن حلف فالاثم عليه، وإن قتلته فلا شئ عليها والبائن كالثلاث ا ه‍. وفي التتارخانية: وسئل الشيخ أبو القاسم عن امرأة سمعت من زوجها أنه طلقها ثلاثا ولا تقدر أن تمنعه نفسها هل يسعها أن تقتله في الوقت الذي يريد أن يقربها ولا تقدر على منعه إلا بالقتل؟ فقال: لها أن تقتله. وهكذا كان فتوى الامام شيخ الاسلام عطاء بن حمزة أبي شجاع. وكان القاضي الامام الاسبيجابي يقول: ليس لها أن تقتله. وفي الملتقط: وعليه الفتوى. وفي فتاوى الشيخ الامام محمد بن الوليد السمرقندي في مناقب أبي حنيفة عن عبد الله بن المبارك عن أبي حنيفة أن لها أن تقتله. وفي المحيط في مسألة النظم: وينبغي لها أن تفتدي بمالها وتهرب منه فإن لم تقدر قتلته متى علمت أنه يقربها ولكن ينبغي أن تقتله بالدواء وليس لها أن تقتل نفسها. قلت قال في المنتفى: وإن قتلته بالآلة يجب عليها القصاص ا ه‍. وفي التتمة: سئل عن امرأة حرمت على زوجها ولا تقدر أن تتخلص ولو غاب عنها سحرته وردته إليها هل يحتال في قتلها بالسم وغيره ليتخلص منها؟ قال: لا يحل ويبعد عنها بأي وجه قدر والله أعلم ا ه‍. قوله: (وكره بشرط التحليل للاول) أي كره التزوج الثاني بشرط أن يحلها للاول بأن قال تزوجتك على أن أحللك له أو قالت المرأة ذلك، أما لو نويا كان مأجورا لان مجرد النية في المعاملات غير معتبر. وقيل: المحلل مأجور وتأويل اللعن إذا شرط الاجر كذا في البزازية. والمراد بالكراهة كراهة التحريم فينتهض سببا للعقاب لما روى النسائي والترمذي وصححه مرفوعا: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له. لانه لو كان فاسدا لما سماه محللا، ولو كان غير مكروه لما لعنه. وهل هذا الشرط لازم؟ قال في البزازية: زوجت المطلقة نفسها من الثاني بشرط أن يجامعها ويطلقها لتحل للاول قال الامام: النكاح والشرط جائزان

[ 98 ]

حتى إذا أبى الثاني طلاقها أجبره القاضي على ذلك وحلت للاول ا ه‍. ونقله في غاية البيان عن روضة الزندوسني ورده في فتح القدير بأن هذا مما لم يعرف في ظاهر الرواية ولا ينبغي أن يعول عليه ولا يحكم به لانه بعد كونه ضعيف الثبوت تنبو عنه قواعد المذهب لانه لا شك أنه شرط في النكاح لا يقتضيه العقد والعقود في مثله على قسمين. منها ما يفسد كالبيع ونحوه، ومنها ما يبطل فيه ويصح الاصل، ولا شك أن النكاح مما لا يبطل بالشروط الفاسدة بل يبطل الشرط ويصح هو فيجب بطلان هذا وأن لا يجبر على الطلاق، نعم يكره الشرط كما تقدم من مجمل الحديث ويبقى ما وراءه وهو قصد التحليل بلا كراهة ا ه‍. قوله: (ويهدم الزوج الثاني ما دون الثلاث) حتى لو طلقها واحدة وانقضت عدتها وتزوجت بآخر وطلقها وانقضت عدتها منه ثم تزوجها الاول يملك عليها ثلاثا إن كانت حرة وثنتين إن كانت أمة، ولا يتحقق في الامة إلا هدم طلقة واحدة، وعند محمد يملك عليها ثنتين في الحرة وواحدة في الامة، ومراده إن دخل بها ولو لم يدخل بها لا يهدم اتفاقا كما في القنية. وقد أخذ أبو حنيفة وأبو يوسف فيها بقول شبان الصحابة رضي الله عنهم كابن عباس وابن عمر، وأخذ محمد بقول الاكابر كعمر وعلي رضي الله عنهما. وحاصل ما استدلوا به من قوله صلى الله عليه وسلم لعن الله المحلل والمحلل له بطريق الدلالة أنه لما كان محللا في الغليظة ففي الخفيفة أولى، أو بالقياس بجامع كونه زوجا، ورده المحقق في فتح القدير والتحرير بأن التحليل إنما جعل في حرمتها بالثلاث فلا حرمة قبلها فظهر أن القول ما قاله محمد وباقي الائمة الثلاث. قوله: (ولو أخبرت مطلقة الثلاث بمضي عدته وعدة الزوج الثاني والمدة تحتمله له أن يصدقها إن غلب على ظنه صدقها) يعني للزوج الاول أن يتزوجها لانه معاملة أو أمر ديني لتعليق الحل به وقول الواحدة فيهما مقبول وهو غير مستنكر إذا كانت المدة تحتمله، وقد اقتصر المصنف في إخبارها على ما ذكر وذكره في الهداية مبسوطا فقال: قالت قد انقضت عدتي وتزوجت ودخل بي الزوج وطلقني وانقضت عدتي. وفي النهاية إنما ذكر إخبارها هكذا مبسوطا لانها لو قالت حللت لك فتزوجها ثم قالت لم يكن الثاني دخل بي إن كانت عالمة بشرائط الحل لم تصدق وإلا تصدق وفيما ذكرته مبسوطا لا تصدق في كل حال. وعن السرخسي لا يحل له أن يتزوجها حتى يستفسرها لاختلاف بين الناس في حلها بمجرد العقد. وفي التفاريق: لو تزوجها ولم يسألها ثم قالت ما تزوجت أو ما دخل بي صدقت إذ

[ 99 ]

لا يعلم ذلك إلا من جهتها. واستشكل بأن إقدامها على النكاح دليل على اعتراف منها بصحته فكانت متناقضة فينبغي أن لا يقبل منها كما لو قالت بعد التزوج بها كنت مجوسية أو مرتدة أو معتدة أو منكوحة الغير أو كان العقد بغير شهود، ذكره في الجامع الكبير وغيره بخلاف قولها لم تنقض عدتي. ولو قال الزوج لها ذلك وكذبته تقع الفرقة كأنه طلقها ولذا يجب عليه نصف المهر المسمى أو كماله ا ه‍. من قائله. ثم رأيت في الخلاصة ما يوافق الاشكال المذكور. وقال في الفتاوى في باب الباء: لو قالت بعدما تزوجها الاول ما تزوجت بآخر وقال الزوج الاول تزوجت بآخر ودخل بك لا تصدق المرأة ا ه‍. ولو قال الزوج النكاح وقع فاسدا لاني جامعت أمها إن صدقته المرأة لا تحل للزوج الاول، وإن كذبته تحل، كذا أجاب القاضي الامام. ولو قالت دخل بي الثاني والثاني منكر فالمعتبر قولها، وكذا على العكس. وفي النهاية: ولم يمر بي لو قال المحلل بعد الدخول كنت حلفت بطلاقها إن تزوجتها هل تحل للاول. قلت: يبتني الامر على غالب ظنها إن كان صادقا عندها فلا تحل له، وإن كان كاذبا تحل. وعن الفضلي: لو قالت تزوجني فإني تزوجت غيرك وانقضت عدتي فتزوجها ثم قالت ما تزوجت صدقت إلا أن تكون أقرت بدخول الثاني كأنه - والله أعلم - يحمل قولها تزوجت على العقد وقولها ما تزوجت على معنى ما دخل بي لا على إنكار ما اعترفت به ولذا قال إلا أن تكون أقرت بدخول الثاني فإنه لم يقبل قولها فإنه حينئذ تكون مناقضة صريحة، كذا في فتح القدير. وأشار بقبول قولها إلى أنه لا عبرة بقول الزوج الثاني حتى لو قال لم أدخل بها أو كان النكاح فاسدا وكذبته فالمعتبر قولها، ولو قال الزوج الاول لها ذلك يعتبر قوله في حق الفرقة كأنه طلقها لا في حقها حتى يجب لها نصف المسمى أو كماله إن دخل بها. وأشار بقوله إن غلب على ظنه صدقها إلى أن عداتها ليست شرطا ولهذا قال في البدائع وكافي الحاكم وغيرهما: لا بأس أن يصدقها إذا كانت ثقة عنده أو وقع في قلبه صدقها، وبقبول قول المطلقة إلى أن منكوحة رجل قالت لآخر طلقني زوجي وانقضت عدتي جاز تصديقها إذا وقع في الظن صدقها عدلة كانت أم لا، ولو قالت نكاحي الاول فاسد ليس له أن يصدقها وإن كانت عدلة، كذا في البزازية وفيها: سمع رجل من امرأة أنها مطلقة الثلاث والزوج يقول لا بل مطلقة الثنتين لا يسع لمن سمع منها أن يحضر نكاحها ويمنعها ما استطاع. أراد أن يتزوج امرأة فشهد عنده أو عند القاضي أن لها زوجا فتزوجها لا يفرق انتهى. وفيها: قالت طلقني ثلاثا ثم أرادت تزويج نفسها منه ليس لها ذلك أصرت عليه أم كذبت نفسها ا ه‍. وقيد بقوله والمدة تحتمله لان المدة لو لم تحتلمه فإنه لا يصدقها واحتمالها أن يذكر لكل عدة ما يمكن وهو شهران عند أبي حنيفة، وتسعة وثلاثون يوما عندهما، تمامه في الشرح ولكن في القنية برقم شب: قالت المعتدة أسقطت سقطا استبان خلقه أو بعض خلقه تصدق وتنقضي به العدة وإن أخبرت بعد الطلاق بساعة أو يوم ففي

[ 100 ]

بق: إذا قالت انقضت عدتي في يوم أو أقل تصدق أيضا وإن لم تقل سقط لا حتماله بو: خلافه ا ه‍. فقولهم الامكان بشهرين عند الامام محله ما إذا لم تقل أسقطت سقطا استبان بعض خلقه وجزمهم بهذه المدة دليل على ضعف قول من قال بقبول قولها انقضت عدتي بعد يوم أو أقل لاحتمال سقوط سقط من غير تصريح منها بذلك والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. باب الايلاء لما كان الايلاء يوجب البينونة في ثاني الحال كالطلاق الرجعي أولاه به وهو لغة اليمين وشرعا قوله: (هو الحلف على ترك قربانها أربعة أشهر أو أكثر) أي الزوجة وهو تعريف لاحد قسمي الايلاء الحقيقي وهو ما اشتمل على القسم كقوله آليت أن لا أقربك أو حلفت أو والله أو ما يؤل إليه كقوله أنا منك مول قاصدا به الايجاب أو أنت مثل امرأة فلان وقد كان فلان آلى من امرأته لان معناه أنا منك حالف، وكذا الثاني يؤول إليه فانجل إلى القسم، وأما ما كان في معنى اليمين وهو اليمين بتعليق ما يستشقه على القربان فسنتكلم عليه بعده. وبهذا سقط اعتراض ابن الهمام تبعا للشارح من أنه يرد عليه اليمين بتعليق ما لا يستشقه كقوله إن وطئتك فلله علي أن أصلي ركعتين فإنه لا يكون موليا مع أن التعريف شامل له مع أن في كونه موليا اختلافا فما ذكروه من عدم كونه موليا هو قول أبي يوسف. وقال محمد: يكون موليا كما في المجتمع فجازان يكون المؤلف قصد تعريف الايلاء المتفق عليه وان كان المعتمد قول أبي يوسف كما سيأتي. والتعريف الشامل لكل من القسمين السالم من الايراد قولنا اليمين على ترك قربانها أربعة أشهر فصاعدا بالقسم أو بتعليق ما يستشقه على القربان، وعلى

[ 101 ]

هذا فقولهم المولي من لا يخلو عن أحد المكروهين من الطلاق أو الكفارة مبنى على أحد قسمي الايلاء الحقيقي فلا يعترض عليهم بالمعنوي كما في فتح القدير، والشامل لهما المولي من لا يخلو أحد المكروهين من الطلاق لزوم ما يشق عليه وأوردت عليه إيلاء الذمي على قول أبي حنيفة فإنه إذا قربها خلا عنهما كما سيأتي ولكن قال في الكافي: إنه ما خلا عن حنث لزمه بدليل أنه يحلف في الدعاوى بالله العظيم ولكن منع من وجوب الكفارة عليه مانع وهو كونها عبادة وهو ليس من أهلها وما إذا قال لاربع نسوة والله لا أقربكن صار موليا منهن ويمكنه قربان ثلاث من غير شئ يلزمه لانه لا يحنث إلا يقربان جميعهن. وركنه الحلف المذكور، وشرطه محليه المرأة بأن تكون منكوحة وقت تنجيز الايلاء فلا يرد ما لو قال إن تزوجتك فوالله لا أقربك فتزوجها فإنه يصير موليا عندنا كما في المبسوط. وأهلية الزوج للطلاق عنده وللكفارة عندهما فيصح ايلاء الذمي عنده مما فيه كفارة نحو والله لا أقربك فإن قربها لا تلزمه كفارة. وفائدة كونه موليا أن المدة لو مضت بلا قربان بانت بتطليقة ولا يصح عندهما، أما لو آلى بما هو قربة كالحج لا يصح اتفاقا أو بما لا يلزم كونه قربة كالعتق فإنه يصح اتفاقا فإيلاء الذمي على ثلاثة أوجه وعدم النقص عن أربعة أشهر في الحرة من الشرائط فهي ثلاث. وحكمه لزوم الكفارة أو الجزاء المعلق بتقدير الحنث بالقربان ووقوع طلقة بائنة بتقدير البر. قوله: (كقوله والله لا أقربك أربعة أشهر أو والله لا أقربك) لقوله تعالى * (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر) * [ البقرة: 622 ] وأفاد بالمثالين أنه لا فرق بين تعيين المدة أو الاطلاق لانه كالتأبيد وبإطلاقه إلى أن هذا اللفظ صريح فيه لانه لم يشترط فيه النية ومثله لا أجامعك، لا أطؤك، لا أباضعك، لا أغتسل منك من جنابة، فلو ادعى أنه لم يعن الجماع لا يصدق قضاء ويصدق ديانة. والكناية كل لفظ لا يسبق إلى الفهم معنى الوقاع ويحتمل غيره ما لم ينو نحو لا أمسك ولا آتيك، ولا أغشاك، لا المسك، لاغيظنك، لاسؤنك، لا أدخل

[ 102 ]

عليك، لا أجمع رأسي ورأسك، لا أضاجعك، لا أدنو منك، لا أبيت معك في فراش، لا يمس جلدي جلدك، لا أقرب فراشك، فلا يكون إيلاء بلا نية ويدين في القضاء. وفي غاية البيان معزيا إلى الشامل: حلف لا يقربها وهي حائض لا يكون موليا لان الزوج ممنوع عن الوطئ بالحيض فلا يصير المنع مضافا إلى اليمين ا ه‍. وبهذا علم أن الصريح وإن كان لا يحتاج إلى النية لا يقع به لوجود صارف. وقيد المصنف بالقسم لانه لو قال لا أقربك ولم يقل والله لا يكون موليا، كذا ذكر الاسبيجابي. وفي البدائع: لو آلى من امرأته ثم قال لامرأته الاخرى أشركتك في إيلائها لم يصح فإن كان مكان الايلاء ظهار صح، والفرق أن الشركة في الايلاء لو صحت لثبتت الشركة في المدة فيصير كل واحد منهما أقل من أربعة أشهر وهذا يمنع صحة الايلاء انتهى. والطلاق كالظهار وهو يفيد أنه لو آلى منها مدة لو قسمت خص كل واحدة منهما أربعة أشهر فأكثر فإنه يكون موليا من الثانية بالتشريك. وذكر الكرخي لو قال لامرأته أنت علي حرام ثم قال لامرأته الاخرى قد أشركتك معها كان موليا من كل منهما لان إثبات الشركة لا يغير موجب اليمين هنا فإنه لو قال أنتما علي حرام كان موليا من كل واحدة منهما على حدة وتلزمه الكفارة بوطئهما بخلاف قوله والله لا أقربكما لان هذا صار إيلاء لما يلزمه من هتك حرمة الاسم وذلك لا يتحقق إلا بقربانهما. وأما قوله أنتما علي حرام صار إيلاء باعتبار معناه وهو إثبات التحريم وإثبات التحريم قد وجد في كل واحدة منهما فيثبت الايلاء في حق كل واحدة منهما، ولو حلف لا يقربها في زمان أو مكان معين لا يكون موليا خلافا لابن أبي ليلى لانه يمكنه قربانها في مكان آخر أو زمان آخر، ولو حلف لا يقرب امرأته وأجنبية لا يصير موليا ما لم يقرب الاجنبية لانه يمكنه قربان امرأته من غير شئ يلزمه لان الايلاء واحد ولا يصح في حق الاجنبية في حق الطلاق فكذلك في حق امرأته فإذا قرب الاجنبية لا يمكنه قربانها إلا بكفارة تلزمه وصار كما لو حلف لا يقرب امرأته وأمته، ولو حلف لا يقربها إن شاءت يتوقف على مشيئتها لانه طلاق مؤجل فيجوز تعليقه بمشيئتها كالطلاق المنجز، كذا في المحيط. ومن الكنايات أنت علي مثل

[ 103 ]

امرأة فلان وقد كان فلان آلى من امرأته فإن كان نوى الايلاء كان موليا وإلا فلا. ومنها ما لو قال أنت علي كالميتة كذا في الظهيرية وسيأتي أنت علي حرام. وأراد بقوله والله ما ينعقد به اليمين كقوله تالله وعظمة الله وجلاله وكبريائه فخرج ما لا ينعقد به اليمين كقوله وعلم الله لا أقربك وعلي غضب الله وسخطه إن قربتك وإن جعل للايلاء غاية إن كان لا يرجى وجودها في مدة الايلاء كان موليا كما إذا قال والله لا أقربك حتى أصوم المحرم وهو في رجب أو لا أقربك إلا في مكان كذا وبينه مسيرة أربعة أشهر فصاعدا فإنه يكون موليا، وإن كان أقل لم يكن موليا. وكذا إذا قال حتى تفطمي طفلك وبينها وبين الفطام أربعة أشهر فصاعدا فإنه يكون موليا وإن كان أقل لم يكن موليا. وإن قال لا أقربك حتى تطلع الشمس من مغربها أو حتى تخرج الدابة أو الدجال كان القياس أن لا يكون موليا لانه يرجى وجود ذلك ساعة فساعة. وفي الاستحسان يكون موليا لان هذا اللفظ في العرف والعادة إنما يكون للتأبيد. وكذا إذا قال حتى تقوم الساعة أو قال حتى يلج الجمل في سم الخياط فإنه يكون موليا، فإن كان يرجى وجوده في المدة لا مع بقاء النكاح فإنه يكون موليا أيضا مثل أن يقول والله لا أقربك حتى تموتي أو أقتل أو حتى أطلقك ثلاثا فإنه يكون موليا إجماعا. وكذا إذا كانت أمة فقال لا أقربك حتى أملكك أو أملك شقصا منك يكون موليا. وإن قال حتى أشتريك لا يكون موليا لانه قد يشتريها لغيره ولا يفسد النكاح. ولو قال حتى أشتريك لنفسي لا يكون موليا أيضا لانه ربما يشتريها لنفسه شراء فاسدا. ولو قال اشتريتك لنفسي وأقبضك كان موليا. وإن كان يرجى وجوده مع بقاء النكاح كان موليا مثل أن يقول إن قربتك فعبدي حر، كذا في الجوهرة. وقيد بالقربان لانه لو قال والله لا يمس جلدي جلدك لا يكون موليا لانه يحنث في يمينه بالمس بدون الجماع في الفرج. ولو قال والله لا يمس فرجي فرجك يكون موليا لانه يراد بهذا الكلام الجماع في الفرج. ولو قال لامرأته إن قربتك أو دعوتك إلى فراشي فأنت طالق لا يكون موليا لانه يمكنه قربانها من غير وقوع

[ 104 ]

الطلاق بأن يدعوها إلى الفراش فيحنث، ثم يقربها بعد ذلك من غير أن يحنث بالقربان. ولو قال لامرأته إن اغتسلت من جنابتي ما دمت امرأتي فأنت طالق ثلاثا وأعاد هذا القول وكانت المرأة حاملا ولم يقربها بعد المقالة حتى وضعت حملها بعد أربعة أشهر فصاعدا فإنها تبين بواحدة عند انقضاء أربعة أشهر لانه كان موليا وتنقضي عدتها بوضع الحمل، فإن تزوجها بعد ذلك لا يكون موليا لو قربها لا يحنث لان اليمين كانت موقتة إلى بقاء النكاح وبعدما وقعت تطليقة بالايلاء لا يقع عليها طلاق آخر وإن مضت أربعة أشهر أخرى قبل وضع الحمل لان المبانة بالايلاء لا يقع عليها طلاق آخر بحكم ذلك الايلاء وإن كانت في العدة ما لم تتزوج وتمامه في الخانية. وعلم أن القربان مصدر قرب يقرب من باب فعل بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارع وله مصدران: القربان والقرب بمعنى الدنو، كذا في ضياء الحلوم. قوله: (فإن وطئ في المدة كفر) بتشديد الفاء أي لزمته الكفارة إذا كانت يمينه بالله تعالى وبه قالت الائمة الثلاثة. ووعد المغفرة بسبب الفئ الذي هو مثل التوبة لا ينافي الزام الكفارة لانه حكم دنيوي وذاك أخروي. قيد بالوطئ لانه لو كفر قبله لا يكون كفارة، كذا ذكر الاسبيجابي. وأطلق في الوطئ فشمل ما إذا جن بعد الايلاء ثم وطئها انحلت وسقط الايلاء، كذا في فتح القدير قوله: (وسقط الايلاء) بإجماع الفقهاء حتى لو مضت أربعة أشهر لا يقع طلاق لانحلال اليمين بالحنث وسواء حلف على أربعة أشهر أو أطلق أو على الابد قوله: (وإلا بانت) أي إن لم يطأ في المدة وهي أربعة أشهر وقعت عليه طلقة بائنة لانه قد وقع التخلص من الظلم ولا يكون بالرجعي لانه بسبيل من أن يردها إلى عصمته ويعبد الايلاء فتعين البائن لتملك نفسها وتزول سلطنته عنها جزاء لظلمه وهو مروي عن عثمان بن عفان وزيد بن ثابت وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم وتمامه في فتح القدير. وذكر الاسبيجابي أن العدة من وقت البينونة وبه فارق الطلاق الرجعي فإنه وإن أوجب بينونة في ثاني الحال كالايلاء لكن العدة فيه من وقت الطلاق لا البينونة. وفي المبسوط: وإذا ادعى أنه قد جامعها فإن ادعى في الاربعة الاشهر فالقول قوله، وإن ادعى ذلك بعد مضي المدة لم يقبل قوله بناء على الاصل المعروف أنه متى أقر بما يملك انشاءه لا يكون متهما، فلو أقام بينة على مقالته في الاربعة الاشهر أنه قد جامعها فهي امرأته لانه الثابت بإقراره كالثابت بالمعاينة وهي من أعجب المسائل أنه لا يقبل إقراره بعد مضي المدة ويتمكن من إثباته بالبينة ا ه‍. قوله: (وسقط اليمين لو حلف على أربعة أشهر) لانها موقتة بوقت فلا تبقى بعد مضيه قوله: (وبقيت لو على الابد) أي بقيت اليمين لو كان حلف على الابد سواء صرح به أو أطلق

[ 105 ]

لعدم ما يبطلها من حنث أو مضى وقت قوله: (فلو نكحها ثانيا وثالثا ومضت المدتان بلا فئ بانت بأخريين) يعني لو تزوجها بعدما بانت بالايلاء ثم مضت المدة بعد التزوج الثاني بانت بتطليقة أخرى. وكذا لو تزوجها بعد ذلك ثالثا ومضت المدة بانت بثالثة. وتعتبر المدة من وقت التزوج لان به يثبت حقها في الجماع وبامتناعه صار ظالما فيجازى بإزالة نعمة النكاح. وأشار إلى أنه لا يتكرر الطلاق قبل التزوج لانه لا حق لها في الجماع قبله وهو الاصح بخلاف ما لو أبانها بتنجيز الطلاق ثم مضت مدة الايلاء وهي في العدة حيث تقع أخرى بالايلاء لانه بمنزلة التعليق بمضي الزمان والمعلق لا يبطل بتنجيز ما دون الثلاث. وفي الظهيرية: لو قال والله لا أقربك أبدا فمضت أربعة أشهر ووقع الطلاق ثم مضت أربعة أشهر أخرى وهي في العدة تقع أخرى، وكذلك هذا في الكرة الثالثة. ولو تزوجها بعد انقضاء العدة تعتبر مدة الايلاء الثاني من وقت التزوج، ولو تزوجها في العدة تعتبر المدة من وقت وقوع الطلاق الاول ا ه‍. قوله: (فإن نكحها بعد زواج آخر لم تطلق) لتقييده بطلاق هذا الملك وقد انتهى بالثلاث سواء وقعت متفرقة بسبب الايلاء المؤبد أو نجزها بعد الايلاء قبل مضي مدته ثم عادت إليه بعد زوج آخر لبطلان الايلاء فلا يعود بالتزوج قوله: (فلو وطئها كفر لبقاء اليمين) أي لو وطئها بعد ما عادت إليه بعد زوج آخر لزمه التكفير عن يمينه لبقائها في حقه وإن لم يبق في حق الطلاق. وفي الجامع الكبير للصدر الشهيد: الايلاء يصح في المنكرة حلف لا يقرب إحداهما ومضت المدة بانت واحدة ويخير، فإن مضت مدة أخرى قبله بانت الاخرى للتعيين ودلت أن الايلاء يبطل بالبينونة وأنه لا ينعقد على المبانة في العدة وهو الاصح بخلاف الابانة بغيره، وعلى هذا تكرار مدة الواحدة بخلاف كلما مضت أربعة أشهر فأنت بائن ينوي الطلاق اه‍. ومن باب اليمين في الايلاء يوجب طلاقا ويتعدد بتعدد المدة وكفارة في الحنث وتتعدد بتعدد الاسم. قال كلما دخلت واحدة من هاتين الدارين فوالله لا أقربك ودخلها، أو قال كلما دخلت هذه ودخلها مرتين يتعدد في حق الطلاق دون الكفارة، ولو قال فعلي يمين إن قربتك تعددا. قال في مجلس مرتين إذا جاء غد فوالله لا أقربك تعدد الكفارة بالوطئ لتعدد الاسم والطلاق بالبر لا لاتحاد المدة، وعند زفر تتعدد، ولو علقه بوقتين تعددا لتعددهما. قال كلما دخلت فأنت طالق ثلاثا إن قربتك أو فعبدي هذا حر يتعدد الايلاء والجزاء متحد لتعذره. قال كلما دخلت فإن قربتك فعلي يمين أو نذر أو حجة يتعدد ويشترط مع كل دخلة قربان للعطف. قال كلما دخلت فوالله لا أقربك أو قدم القسم يتعدد الطلاق

[ 106 ]

دون الكفارة، ولو قال إن قربتك فأنت طالق كلما دخلت لا يكون موليا لان به ينعقد ويمكنه أن لا يدخل. آلى مرارا في مجلس ونوى التكرار يتحد الطلاق والكفارة وإن عطف يتعدد الكفارة وتطلق ثلاثا يتبع بعضها قياسا وهو قول محمد وزفر، وواحدة استحسانا وهو قولهما ا ه‍ قوله: (ولا إيلاء فيما دون أربعة أشهر) يعني في الحرة بدليل أنه سيذكر حكم الامة وبه قال الائمة الاربعة وظاهر الآية صحة الايلاء فيما دونها لانه إنما خص بالاربعة مدة التربص وأما الحلف فمطلق، وما ذكره الشارح وغيره من المعنى فمصادرة كما في فتح القدير ولكن كان مشايخنا إنما تمسكوا بفتوى ابن عباس على أنه تفسير للآية وتمامه في العناية والله أعلم. قوله: (والله لا أقربك شهرين وشهرين بعد هذين الشهرين إيلاء) لان الجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظه وقوله بعد هذين الشهرين قيد اتفاقي لانه لو لم يذكره كان الحكم كذلك. قيد بالواو بدون تكرار النفي والقسم لانه لو كرر النفي بأن قال والله لا أقربك شهرين ولا شهرين أو كرر القسم بأن قال والله لا أقربك شهرين والله لا أقربك شهرين لا يكون موليا لانهما يمينان فتتداخل مدتهما حتى لو قربها قبل مضي شهرين يجب عليه كفارتان، ولو قربها بعد مضيهما لا تجب عليه لانقضاء مدتهما. وحكم اليمين كحكم الايلاء في عدم التعدد إذا كانت بالواو فقط والتعدد إذا تكرر حرف النفي أو القسم، ولا فرق في تكرار القسم بين تكرار المقسم عليه أو لا حتى لو قال والله والله لا أفعل كذا فهو يمينان في ظاهر الرواية كقوله والله لا أفعل كذا والله لا أفعل كذا. واعلم أنه لا تلازم بين كونه إيلاء ويمينا فلذلك قد يتعدد البر والحنث وقد يتحدان وقد يتعدد البر ويتحد الحنث وقلبه مثال الاول: إذا جاء غد فوالله لا أقربك إذا جاء بعد غد فوالله لا أقربك فتعدد الايلاء لتعدد المدة وتعدد اليمين لتعدد الذكر فإن تركها أربعة أشهر من اليوم الاول بر في الاولى وبانت، فإذا مضى يوم آخر بر في الثانية وطلقت أيضا، ولو قربها بعد الغد تجب كفارتان وإن قربها في الغد تجب كفارة واحدة. ومثال الثاني: والله لا أقربك أربعة أشهر وكذا مسألة الكتاب.

[ 107 ]

ومثال الثالث كلما دخلت هذه الدار فوالله لا أقربك فدخلتها في يوم ثم في يوم ثم في يوم آخر فإن قربها تجب كفارة واحدة لاتحاد الحنث، وإن تركها أربعة أشهر من اليوم الاول بانت بطلقة، فإذا مضى يوم آخر بانت بطلقة أخرى، وكذا إذا مضي يوم آخر بانت بثالثة لتعدد البر، وفي فتح القدير: وفي هذا المثال نظر لان الحلف بالله وقع جزاء لشرط متكرر فيلزم تكرره. ولا يشكل بأنه لا حلف عند الشرط الثاني والثالث لانه لم يوجد فيه ذكر اسم الله تعالى وإلا لزم أن لا حلف عند الشرط الاول أيضا، ومع ذلك ثبت الحلف عنده ولعله اشتبه بوالله كلما دخلت الدار لا أقربك أو بكلما دخلت الدار فوالله لا أقربك ا ه‍. والجواب لا اشتباه لان المنقول في الفتاوى كالولوالجية والبزازية أن الطلاق والعتاق والظهار متى علق بشرط متكرر يتكرر واليمين لا وإن علق بمتكرر حتى لو قال كلما دخلت الدار فوالله لا أكلم زيدا فدخل الدار مرارا لا يتكرر اليمين لانه إنشاء عقد والانشاء لا يتكرر بلا تكرر صيغته، ألا ترى أنه لا يتعدد وإن سمى التعدد لان الكفارة لا تلزم بلاهتك حرمة اسم الله تعالى ا ه‍. وقوله والالزام أن لا حلف عند الشرط الاول ممنوع لانه صريح قيد كما لا يخفي. ومثال الرابع أعني اتحاد الايلاء وتعدد اليمين: إذا جاء غد فوالله لا أقربك ثم قال في المجلس إذا جاء غد فوالله لا أقربك فهو إيلاء واحدا في حكم البر حتى لو مضت أربعة أشهر من الغد طلقت وإن قربها فعليه كفارتان لاتحاد المدة وتعدد الاسم. قوله: (ولو مكث يوما ثم قال والله لا أقربك شهرين بعد الشهرين الاولين أو قال والله لا أقربك سنة إلا يوما أو قال بالبصرة والله لا أدخل مكة وهي بها لا) أي لا يكون موليا في هذه المسائل الثلاث. أما في الاولى فلان الثاني إيجاب مبتدأ أو قد صار ممنوعا بعد اليمين الاولى شهرين وبعد الثانية أربعة إلا يوما فلم تتكامل مدة المنع. أراد باليوم مطلق الزمان لانه لا فرق بين مكثه يوما أو ساعة، وتقييده بقوله بعد الشهرين اتفاق أيضا لانه لو لم يذكره لا يكون موليا أيضا لكن بينهما فرق من وجه أخر وهو أنه عند ذكره تتعين مدة اليمين الثانية، وعند عدمه تصير مدتهما واحدة وتتأخر الثانية عن الاولى بيوم ولكن في مسألة الكتاب

[ 108 ]

تتداخل المدتان، فلو قربها في الشهرين الاولين لزمته كفارة واحدة، وكذا في الشهرين الاخيرين لانه لم يجتمع على شهرين يمينان بل على كل شهرين يمين واحدة، وقد توارد شروح الهداية من النهاية ومختصريها وغاية البيان على الخطأ عند كلامهم على هذه المسألة فاحذره، كذا في فتح القدير. وأقول: وقيد بالوقت لانه لو أطلق بأن قال والله لا أقربك ثم قال بعد ساعة والله لا أقربك ثم بعد ساعة قال والله لا أقربك فقربها بعد اليمين الثالثة لزمه ثلاث كفارات لتداخل المحلوف عليه، ولو لم يقربها حتى مضت أربعة أشهر بانت وعند تمام الثانية وهو ساعة بعدها تبين بأخرى إذا كانت في العدة، وعند تمام الثالثة تبين بثالثة بلا خلاف. وفي الجوهرة: ولو كرر والله لا أقربك ثلاثا في مجلس واحد، فإن أراد التكرار فالايلاء واحد واليمين واحدة، وإن لم يكن له نية فالايلاء واحد واليمين ثلاث، وإن أراد التغليظ والتشديد فالايلاء واحد واليمين ثلاث في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وإذا تعدد المجلس تعدد الايلاء واليمين وتمامه فيها. وأما الثانية وهو ما إذا قال والله لا أقربك سنة إلا يوما فإن المولى من لا يمكنه القربان في المدة إلا بشئ يلزمه ويمكنه ها هنا القربان من غير شئ يلزمه لان المستثنى يوم منكر ولو قربها في يوم صار موليا إذا غربت الشمس من ذلك اليوم ولا يكون موليا بمجرد القربان بخلاف قوله سنة إلا مرة فإنه إذا قربها صار موليا من ساعته، ولا بد فيها من كون الباقي من السنة أربعة أشهر فأكثر، ذكره الاسبيجابي. قيد بالايلاء لان في الاجارة ينصرف إلى اليوم الاخير من السنة لان الصرف إلى الاخير لتصحيحها فإنها لا تصح مع التنكير ولا كذلك اليمين في الايلاء، وأما اليمين في غيره فقالوا ينصرف إلى الاخير كقوله والله أكلم فلانا سنة إلا يوما فاحتاجوا إلى الفرق بين اليمينين. وفرق صاحب النهاية بأن المعنى الحامل وهو المغايظة المقتضية لعدم كلامه في الحال منظور فيه بأنه مشترك الالزام إذ الايلاء أيضا يكون عن المغايظة، كذا في فتح القدير تبعا للشارح. وقد يقال لا يلزم في الايلاء أن يكون عن مغايظة كما إذا كان برضاها الخوف غيل

[ 109 ]

على ولدها وعدم موافقة مزاجهما ونحوه فيتفقان عليه لقطع لجاج النفس كما صرح به في فتح القدير أول الباب ولم يتنبه له هنا وتأجيل الدين كالاجارة. وقيد باليوم لانه لو قال إلا نقصان يوم انصرف إلى الاخير لان النقصان منها لا يكون إلا من آخرها عرفا والتقييد بالسنة اتفاقي لانه لو أطلق فقال لا أقربك إلا يوما لا يكون موليا أيضا لكن إذا قربها هنا صار موليا مطلقا، وكذا لا فرق بين الاقتصار على اليوم وبين وصفه بقوله إلا يوما أقربك فيه في كونه لا يكون موليا لكن هنا لا يصير موليا أبدا قربها أو لا بخلاف ما تقدم. وقيد بالاستثناء لانه لو قال لا أقربك سنة كان موليا ووقع عليه طلقتان فقط إذا تركها السنة كلها ولا تقع الثالثة، كذا في الولوالجية. وأما المسألة الثالثة وهو ما إذا كان في بلدة وامرأته في أخرى فحلف لا يدخل البلدة التي هي فيها لانه يمكنه القربان من غير شئ يلزم بالاخراج من البلد بوكيله أو نائبه قبل مضي المدة، فإن كان لا يمكنه بأن كان بينهما ثمانية أشهر صار موليا على ما في جوامع الفقه، وأما على ذكره قاضيخان فالعبرة لاربعة أشهر، والذي يظهر ضعفه لامكان خروج كل منهما إلى الآخر فيلتقيان في أقل من ذلك وقدمنا بعض مسائل الايلاء المغيا بغاية عن الجوهرة. وفي الجامع للصدر الشهيد: الغاية كالشرط. قال لا أقربك حتى أقتل أو تقتلي أو أقتلك أو تقتليني أو أملكك أو تملكيني أو ما دام النكاح بيننا فهو ومول، وحتى أشتريك لا خلافا فالزفر دليله التعليق. ولو قال حتى أعتق عبدي أو أطلق امرأتي صار موليا خلافا لابي يوسف. ولو قال حتى أقتله أو أضربه أو يأذن لي لا لامكان الغاية فإن وحدت الغاية سقطت اليمين، وكذا إن تعذرت عندهما خلافا لابي يوسف وهي معروفة. ولو قال حتى أقتلك أو فلانا وقتله بطلت، وإن مات صار موليا بعده. ولو قال حتى تموت أو يموت ومات بطلت. قال في رجب لا أقربك حتى أصوم شعبان فأفطر أول يوم منه أو عمل ما لا يستطيع معه الصوم بطلت يمينه، وعند أبي يوسف يصير موليا من وقت التعذر، عند محمد من وقت اليمين وخالف أصله، ولو قال حتى أصوم المحرم فهو مول بالاتفاق، وكذا حتى تخرج الدابة أو تطلع الشمس من مغربها ا ه‍. قوله: (وإن حلف بحج أو صوم أو عتق أو صدقة أو طلاق أو آلى من المطلقة الرجعية فهو مول) هذا شروع في القسم الثاني من الايلاء وهو الايلاء المعنوي وهو اليمين بتعليق ما

[ 110 ]

يستشقه على القربان كإن قربتك فلله علي حج. وخرج اليمين بما لا يستشقه كإن قربتك فلله علي صلاة ركعتين أو فلله علي صلاة ركعتين في بيت المقدس لانه لا يلزمه بتعيين المكان شئ عندنا فله صلاتهما في غيره كما خرج فعلي اتباع جنازة أو سجدة تلاوة أو قراءة القرآن أو تسبيحة، ودخل ما لو قال فلله علي مائة ركعة لانه يشق على النفس كما في فتح القدير بحثا. وإطلاق أن الصلاة مما لا يستشقه كما فعل الشارح مما لا ينبغي، هذا إن علل الصلاة بما لا يستشق، أما إذا علل بأن الصلاة لا يحلف بها عادة كما في شرح المجمع للمصنف قال، فالتحق بصلاة الجنازة وسجدة التلاوة فلا فرق بين الركعتين ومائة ركعة كما لا يخفى. ودخل الهدي والاعتكاف واليمين وكفارة اليمين وذبح الولد لانه يلزمه بالنذر به ذبح شاة عندنا كما في البدائع. وأراد بالصوم غير المعين كقوله فلله علي صوم يوم أو شهر، والمعين إن كان بمدة الايلاء أو أكثر كقوله فلله علي صوم أربعة أشهر أولها هذا الشهر مثلا، وأما إذا كان بأقل منها كقوله فلله علي صوم هذا الشهر فليس بمول لانه يمكنه ترك القربان إلى أن يمضي ذلك ثم يطأها بلا شئ يلزمه. وأطلق العتق فشمل عتق العبد المعين كقوله فلله علي عتق هذا العبد وغيره كقوله فلله علي عتق عبد سواء كان منجزا أو معلقا حتى لو قال فكل مملوك اشتريته فهو حر صار موليا خلافا لابي يوسف. كما أطلق الطلاق فشمل طلاقها وطلاق غيرها منجزا أو معلقا حتى لو قال فكل امرأة أتزوجها من أهل الاسلام طالق صار موليا. وفي التلخيص من باب الايلاء يكون في موطنين: وفي إن قربتك فأنت طالق كلما دخلت فليس بمول لان له مدفعا بالترك أو بحمل الغير بخلاف فكل مملوك أملك حرا وأخر الجزاء كان موليا للاعراض اه‍. ومن باب الفئ في اليمين: قال إن قربتك فعبداي حران فباع أحدهما ثم اشتراه وباع الآخر أو قدم بيعه فهو مول من وقت شرائه وفي واحدهما حر من وقت اليمين اه‍. ولو باع العبد المعين سقط الايلاء لانه صار بحال يمكنه قربانها بغير شئ يلزمه، ولو ملكه بسبب شراء أو غيره عاد الايلاء من وقت الملك إن لم يكن وطئها قبله، فإن كان وطئها قبل تجدد الملك لم يعد لسقوط الايلاء، ولو مات العبد المعين قبل البيع سقط الايلاء لقدرته على الوطئ بغير شئ، وعلى هذا التفصيل موت المرأة المعلق طلاقها أو إبانتها ثم تزوجها. وفي الجامع للصدر: قال أنت طالق ثلاثا قبل أن أقربك

[ 111 ]

بشهر أو قبل أن أقربك بشهر إذا قربتك لا يصير موليا قبل الشهر وبعده يصير إلا إذا قربها فيه والثاني تأكيد بخلاف والله لا أقربك إن قربتك للتعليق. قال أنت طالق قبل أن أقربك يتنجز، وقيل لا ويصير موليا اه‍. وفي الخانية: قال لامرأته إن قربتك فعبدي هذا حر فمضت أربعة أشهر وخاصمته إلى القاضي وفرق بينهما ثم أقام العبد البينة أنه حر الاصل القاضي يقضي بحريته ويبطل الايلاء وترد المرأة إلى زوجها لانه تبين أنه لم يكن موليا اه‍. وأما صحة الايلاء من المطلقة رجعيا وإن لم يكن لها حق في الوطئ فباعتباران وطأها مباح، فإن كانت تعتد بالاقراء فلاحتمال امتداد عدتها حتى تمضي مدة الايلاء فتبين، وإن كانت بالاشهر فلاحتمال أن يراجعها قبل مضيها، فإن لم يراجعها حتى مضت عدتها قبل مضيها سقط الايلاء لفوات محله. قوله: (ومن المبانة والاجنبية لا) أي لا يصح الايلاء لفوات محله وهو الزوجة ولو وطئها كفر لانعقادها في حق وجوب الكفارة عند الحنث لان انعقاد اليمين يعتمد التصور حسا لا شرعا، ألا ترى أنها تنعقد على ما هو معصية. وفي الخانية: رجل آلى من امرأته ثم طلقها تطليقة بائنة إن مضت أربعة أشهر من وقت الايلاء وهي في العدة طلقت أخرى بالايلاء، وإن انقضت عدتها ثم تمت مدة الايلاء يقع الطلاق بالايلاء. رجل آلى من امرأته ثم طلقها ثم تزوجها إن تزوجها قبل انقضاء العدة كان الايلاء على حاله حتى لو تمت أربعة أشهر من وقت الايلاء يقع عليها تطليقة أخرى بحكم الايلاء، وإن تزوجها بعدما طلقها بعد

[ 112 ]

انقضاء العدة كان موليا تعتبر مدة الايلاء من وقت التزوج اه‍ قوله: (ومدة إيلاء الامة شهران) لان الرق منصف. أطلقه فشمل ما إذا كان الزوج حرا أو عبدا ذكره الاسبيجابي. ولا يرد عليه الايلاء من أمته لان شرطه المحلية وهي بالزوجية كما قدمناه، ولو طلقها زوجها بعد الايلاء رجعيا أو بائنا ثم أعتقت في المدة انتقلت المدة إلى مدة إيلاء الحرائر ذكره الاسبيجابي. وفي الجامع الكبير للصدر الشهيد: تحته حرة وأمة حلف لا يقرب إحداهما ومضي شهران بانت الامة لسبق مدتها، فلو عتقت قبلها كملت مدتها، وكذا لو أبانها ثم عتقت بخلاف العدة فلو مضت مدة أخرى بانت الحرة. وعن أبي يوسف لا وتتعين له الامة كالحنث فإن تزوجها بعد البينونة عاد إيلاؤها وكذاهما لكن إن رتب بانت الاولى عند تمام مدتها من وقت العقد والثانية بمدة ثانية بخلاف ما لو بانت قبلها. قال لامرأته وأمته والله لا أقرب إحداكما لم يكن موليا، وكذا لو أعتق الامة ثم تزوجها ومن وطئها كفر ويمكنه تركه كالاجنبية بخلاف واحدة منكما لعمومه. وعلى هذا لو قال لزوجته لا أقرب إحداكما أو واحدة منكما لعمومه استحسانا. قال إن قربت إحداكما فالاخرى علي كظهر أمي وبانت إحداهما بالايلاء أو بغيره بطل إيلاء الاخرى بخلاف فالاخرى طالق ما دامت في العدة، ولو قال فإحداكما أو فواحدة أو فهي لا لتعينها. قال إن اشتريت جارية فهي حرة صح فيمن في ملكه دون من يملكها خلافا لزفر. قوله: (وإن عجز المولى عن وطئها بمرضه أو مرضها أو بالرتق أو بالصغر أو بعد مسافة ففيؤه أن يقول فئت إليها) لانه أذاها بذكر المنع فيكون إرضاؤها بالوعد باللسان. أراد ببعد المسافة أن يكون بينهما مسافة لا يقدر على قطعها في مدة الايلاء، فإن قدر لا يصح فيؤه باللسان كما في البدائع. وقيد بالقول لان المريض لو فاء بقلبه لا بلسانه لا يعتبر، كذا في الخانية. وليس مراده خصوص لفظ فئت إليها بل ما يدل عليه كقوله رجعتك أو راجعتك أو ارتجعتك أو أبطلت الايلاء أو رجعت عما قلت ونحوه. ودخل تحت العجز أن تكون ممتنعة منه أو كانت في مكان لا يعرفه وهي ناشزة أو حال القاضي بينهما لشهادة الطلاق الثلاث للتزكية أو كانت محبوسة أو محبوسا إذا لم يقدر على مجامعتها في السجن فإن قدر عليه ففيؤه

[ 113 ]

الجماع، كذا في غاية البيان. وقيد بما ذكره من أنواع العجز الحقيقي احترازا عن العجز الحكمي مثل أن يكون محرما وقت الايلاء وبينه وبين الحج أربعة أشهر، فعندنا لا يكون فيؤه إلا بالجماع لان المتسبب باختياره بطريق محظور فيما لزمه فلا يستحق تخفيفا. وأراد بكون الفئ باللسان معتبرا مبطلا للايلاء في حق الطلاق، أما في حق بقاء اليمين باعتبار الحنث فلا، حتى لو وطئها بعد الفئ باللسان في مدة الايلاء لزمته الكفارة لتحقق الحنث. وفي البدائع: ومن شروط صحة الفئ بالقول قيام ملك النكاح وقت الفئ بالقول وهو أن يكون في حال ما يفئ إليها زوجته غير بائنة منه، فإن كانت بائنة منه ففاء بلسانه لم يكن ذلك فيئا ويبقى الايلاء لان الفئ بالقول حال قيام النكاح إنما يرفع الايلاء في حق حكم الطلاق بحصول إيفاء حقها به ولا حق لها حالة البينونة بخلاف الفئ بالجماع فإنه يصح بعد ثبوت البينونة حتى لا يبقى الايلاء بل يبطل لانه حنث بالوطئ فانحلت اليمين وبطلت ولم يوجد الحنث ها هنا فلا تنحل اليمين فلا يرتفع الايلاء اه‍ قوله: (وإن قدر في المدة ففيؤه الوطئ) لكونه خلفا عنه فإذا قدر على الاصل قبل حصول المقصود بالبدل بطل كالمتيمم إذا رأى الماء في صلاته. قيد بكونه في المدة لانه لو قدر عليه بعدها لا يبطل، وشمل كلامه ما إذا كان قادرا وقت الايلاء ثم عجز بشرط أن يمضي زمان يقدر على وطئها بعد الايلاء، وما إذا كان عاجزا وقته ثم قدر في المدة، وأما لو آلى إيلاء مؤبدا وهو مريض فبانت بمضي المدة ثم صح وتزوجها وهو مريض ففاء بلسانه لم يصح عندهما خلافا لابي يوسف وصححوا قوله، كذا في فتح القدير. وفي الجامع الكبير للصدر: الجامع أصل واللسان خلفه آلى في مرضه وفاء بلسانه بطل إيلاؤه في حق الطلاق فإن صح قبل تمام المدة بطل لقدرته على الاصل كالمتيمم، ولو لم يفئ حتى بانت فصح ثم مرض فتزوجها ففيؤه بالجماع. وعن أبي يوسف وزفر لانه

[ 114 ]

حرام كالخلوة لكنه بتقصيره كمن أحرم بالحج ثم آلى أو آلى وهو صحيح ثم بانت ثم مرض وتزوجها بخلاف إن تزوجتك فوالله لا أقربك. آلى في مرضه ثم أعاده بعد عشرة أيام وصح في بعض المدة فكما مر اه‍ قوله: (أنت علي حرام إيلاء إن نوى التحريم أو لم ينو شيئا) لان الاصل في تحريم الحلال إنما هو اليمين عندنا على ما سنذكره في الايمان إن شاء الله تعالى. ولا فرق في الاحكام كلها بين أن يذكر كلمة علي أو لم يذكر، وما ذكره في خزانة الاكمل عن العيون من أنه لو قال أنت حرام أو بائن ولم يقل مني فهو باطل سهو منه حيث نقله عن العيون، وفي العيون ذكر ذلك من جانب المرأة فقال لو جعل أمر امرأته بيدها فقالت للزوج أنت علي حرام أو أنت مني بائن أو حرام أو أنا عليك حرام أو بائن وقع، ولو قالت أنت بائن أو حرام ولم تقل مني فهو باطل. ووقع في بعض نسخ العيون: ولو قال بغير تاء التأنيث فظن صاحب الاكمل أنها مسألة مبتدأة وظن أنه لو قال ذلك الرجل لامرأته فهو باطل. قال رضي الله عنه: وعند هذا ازداد سهو شيخنا نجم الدين البخاري فزاد فيها لفظة لها فقال: لو قال لها أنت حرام أو بائن فهو باطل والمسألة مع تاء التأنيث مذكورة في الواقعات الكبرى المرتبة وغير المرتبة في مسائل العيون فعرف به سهوهما، كذا في القنية. قيد بالزوج لان الزوجة لو قالت لزوجها أنا عليك حرام أو حرمتك صار يمينا حتى لو جامعها طائعة أو مكرهة تحنث بخلاف ما لو حلف لا يدخل هذه الدار فأدخل فيها مكرها لا يحنث ومعناه أدخل محمولا، ولو أكره على الدخول فدخل مكرها حنث، كذا في البزازية. وحرمتك علي أو لم يقل علي أو أنت محرمة علي أو حرام علي أو لم يقل علي أو أنا عليك حرام أو محرم أو حرمت نفسي عليك بمنزلة أنت علي حرام كما في البزازية وقوله أنت علي كالحمار أو الخنزير أو ما كان محرم العين فهو كقوله أنت علي حرام كما في البزازية. قوله: (وظهار إن نواه) أي الظهار وهذا عندهما. وقال محمد: ليس بظهار لانعدام التشبيه بالمحرمة وهو الركن فيه. ولهما أنه أطلق الحرمة وفي الظهار نوع حرمة والمطلق يحتمل المقيد، كذا في الهداية تبعا للقدوري وشمس الائمة، وليس الخلاف مذكورا في ظاهر الرواية ولذا لم يذكره الحاكم الشهيد في مختصره ولا الطحاوي.

[ 115 ]

قوله: (وكذب إن نوى الكذب) لانه نوى حقيقة كلامه إذ حقيقته وصفها بالحرمة وهي موصوفة بالحل فكان كذبا وأورد لو كان حقيقة كلامه لانصرف إليه بلا نية لكنكم تقولون عند عدم النية ينصرف إلى اليمين. والجواب أن هذه حقيقة أولى فلا تنال إلا بالنية واليمين الحقيقة الثانية بواسطة الاشتهار، وقيل لا يصدق قضاء. وقال شمس الائمة السرخسي: بل فيما بينه وبين الله تعالى لكونه يمينا ظاهرا لان تحريم الحلال يمين بالنص فلا يصدق قضاء في نيته خلاف الظاهر وهذا هو الصواب على ما عليه العمل والفتوى كما سنذكره. والاول قول الحلواني وهو ظاهر الرواية ولكن الفتوى على العرف الحادث كذا في فتح القدير وفيه نظر، لان العمل والفتوى إنما هو في انصرافه إلى الطلاق من غير نية لا في كونه يمينا. وفي المصباح: الكذب بفتح الكاف وكسر الذال وبكسر الكاف وسكون الذال هو الاخبار عن الشئ بخلاف ما هو سواء فيه العمد والخطأ ولا واسطة بين الصدق والكذب على مذهب أهل السنة والاثم يتبع العمد اه‍ قوله: (وبائنة إن نوى الطلاق) سواء نوى واحدة أو ثنتين قوله: (وثلاث إن نواه) أي الثلاث لان الحرام من الكنايات وهذا حكمها وقدمنا أن النية شرط في الحالة المطلقة أي الخالية عن الغضب والمذاكرة، وأما مع أحدهما فليست شرطا للوقوع قضاء. وشمل قوله وبائنة إن نوى الطلاق ما إذا طلقها واحدة ثم قال لها أنت علي حرام ناويا ثنتين فإنه وإن تم به الثلاث لم يقع بالحرام إلا واحدة. وقوله في فتح القدير لم يقع شئ سبق قلم وعبارة غيره: لم تصح نيته بخلاف ما إذا نوى الثلاث به فإنه يصح ويقع ثنتان تكملة للثلاث كما في الخانية وقدمناه. وفي البزازية: أنت علي حرام ألف مرة يقع واحدة وفي كل موضع تشترط النية ينظر المفتي إلى سؤال السائل إن قال قلت كذا هل يقع يقول نعم إن نويت وإن قال كم يقع يقول واحدة ولا يتعرض لاشتراط النية لان كم عبارة عن عدد الواقع وذلك يقتضي أصل الواقع وهذا حسن اه‍. ثم قال فيها: قال لها مرتين أنت علي حرام ونوى بالاول الطلاق وبالثاني اليمين فعلى ما نوى. قال لامرأتيه أنتما علي حرام ونوى الثلاث في إحداهما والواحدة في الاخرى صحت نيته عند الامام وعليه الفتوى. ولو قال نويت الطلاق في إحداهما واليمين في الاخرى عند الثاني يقع الطلاق

[ 116 ]

عليهما، وعندهما كما نوى. قال لثلاث أنتن علي حرام ونوى الثلاث في الواحدة واليمين في الثانية والكذب في الثالثة طلقت ثلاثا، وقيل هذا على قول الثاني، وعلى قولهما ينبغي أن يكون على ما نوى اه‍. قوله: (وفي الفتاوى إذا قال لامرأته أنت علي حرام والحرام عنده طلاق ولكن لم ينو طلاقا وقع الطلاق) يعني قضاء لما ظهر من العرف في ذلك حتى لو قال لامرأته إن تزوجتك فحلال الله علي حرام فتزوجها تطلق ولهذا لا يحلف به إلا الرجال. قيدنا بالقضاء لانه لا يقع الطلاق ديانة بلا نية. وذكر الامام ظهير الدين: لا نقول لا تشترط النية لكن يجعل ناويا عرفا. فإن قلت: إذا وقع الطلاق بلا نية ينبغي أن يكون كالصريح فيكون الواقع رجعيا قلت: المتعارف به إيقاع البائن، كذا في البزازية. فلو قال المصنف ويقع البائن لكان أولى. وقوله أنت معي في الحرام بمنزلة قوله أنت علي حرام وكذا قوله حلال المسلمين علي حرام. وفي المواضع التي يقع الطلاق بلفظ الحرام إن لم تكن له امرأة إن حنث لزمته الكفارة. والنسفي على أنه لا تلزمه وإن كان له أكثر من زوجة واحدة. قال في الفتاوى: يقع على كل تطليقة واحدة بخلاف الصريح فإنه لا يقع إلا واحدة فيما إذا قال امرأته طالق وله أكثر من واحدة. وأجاب شيخ الاسلام الاوزجندي أنه لا يقع إلا على واحدة وإليه البيان وهو الاشبه، كذا في البزازية والخلاصة والذخيرة. وفي فتح القدير: وعندي أن الاشبه ما في الفتاوى لان قوله حلال الله أو حلال المسلمين يعم كل زوجة فإذا كان فيه عرف في الطلاق

[ 117 ]

يكون بمنزلة قوله هن طوالق لان حلال الله يشملهن على سبيل الاستغراق لا على سبيل البدل كما في قوله إحداكن طالق، وحيث وقع الطلاق بهذا اللفظ وقع بائنا اه‍. ويوجد في بعض النسخ وفي الفتاوى وفي بعضها وفي الفتوى والاولى لا يدل على أنه هو المفتى به مع أن هذا القول هو المفتي به عند المتأخرين ولذا قال في البزازية: ومشايخنا أفتوا في أنه لو قال أنت علي حرام والحلال عليه حرام أو حلال الله عليه حرام أو حلال المسلمين عليه حرام أن الكل بائن بلا نية، وإذا حلف بهذه الالفاط على فعل في المستقبل ففعل وليست له امرأة عليه الكفارة، وإذا كان له امرأة وقت الحلف وماتت قبل الشرط أو بانت لا إلى عدة ثم باشر الشرط الصحيح أنه لا تطلق امرأته المتزوجة وعليه الفتوى لان حلفه صار حلفا بالله تعالى وقت الوجود فلا ينقلب طلاقا. خالعها ثم قال حلال الله علي حرام إن شرب إلى سنة وشرب لا يقع لعدم الملك والاضافة إليه، ولو قال لها إن تزوجتك فحلال الله علي حرام فتزوجها تطلق. قال بعضهم: والصحيح خلافه لوقوعه على القائمة لا على المتزوجة فلو لم تكن في نكاحه وقت وجود الشرط امرأة لا يقع على فلانة أيضا وتمامه في البزازية. وفي قوله حلال الله عليه حرام وله امرأتان ولم تكن له نية طلقتا وإن نوى إحداهما دين لا في القضاء، وفتوى الامام الاوزجندي على أنه يقع على واحدة وعليه البيان وقد ذكرناه. وفي الظهيرية: حلف بهذه الالفاظ أنه لم يفعل كذا وكان فعله وله امرأتان وأكثر بن، وإن ليست له امرأة فلا

[ 118 ]

شئ عليه لانه إن حمل على الطلاق فلا يراد به شئ آخر، وإن حمل على اليمين فهو غموس. وفي فوائد شيخ الاسلام: قال حلال الله عليه حرام إن فعل كذا وفعله وحلف بطلاق امرأته إن فعل كذا وفعله وله امرأتان فأراد أن يصرف هذين الطلاقين في واحدة منهما أشار في الزيادات إلى أنه يملك ذلك. وفي الذخيرة: إن فعل كذا فحلال الله عليه حرام ثم حلف كذلك على فعل آخر وحنث في الاول ووقع الطلاق على امرأته ثم حنث في اليمين الثانية وهي في العدة، قيل لا يقع والاشبه الوقوع لالتحاق البائن بالبائن إذا كان معلقا. قالت أنا عليك حرام فقال لا أدري أحلال أم حرام لا يقع شئ. قال بين يدي أصحابه من كانت امرأته عليه حراما فليفعل هذا الامر ففعله واحد منهم قال في المحيط: هذا إقرار منه بحرمتها عليه في الحكم. وقيل لا يكون إقرارا بالحرمة. قال ثلاث مرات حلال الله عليه حرام إن فعل كذا ووجد الشرط وقع الثلاث، كذا في البزازية والله سبحانه وتعالى أعلم. باب الخلع لما اشترك مع الايلاء في أن كلا منهما قد يكون معصية وقد يكون مباحا وزاد الخلع عليه بتسمية المال أخر عنه لانه بمنزلة المركب من المفرد، وقدما على الظهار واللعان لانهما لا ينفكان عن المعصية. وهو لغة النزع يقال خلعت النعل وغيره خلعا نزعته، وخالعت المرأة

[ 119 ]

زوجها مخالعة إذا افتدت منه وطلقها على الفدية فخلعها هو خلعا والاسم الخلع بالضم، وهو استعارة من خلع اللباس لان كل واحد منهما لباس للآخر فإذا فعلا ذلك فكان كل واحد نزع لباسه عنه، كذا في المصباح. وشرعا على ما اخترناه إزالة ملك النكاح المتوقفة على قبولها بلفظ الخلع أو ما في معناه. وقولي هذا أولى من قول بعض الشارحين أخذه المال بإزاء ملك النكاح لمغايرته المفهوم اللغوي من كل وجه والاصل أن يتحد جنس المفهومين، ويزاد في الشرعي قيد لاخراج اللغوي ولانه يرد عليه الطلاق على مال وليس مساويا له في جميع أحكامه لاستقلال حكم الخلع باسقاط الحقوق وإن اشتركا في البينونة. ويرد عليه أيضا ما إذا عري عن البدل كما سنذكره. وقولي أيضا أولى مما اختاره في فتح القدير من أنه إزالة ملك النكاح ببدل بلفظ الخلع لانه يرد عليه ما إذا قال خالعتك ولم يسم شيئا فقبلت فإنه خلع مسقط للحقوق - كما في الخلاصة - إلا أن يقال مهرها الذي سقط به بدل فلم يعر عن البدل. فإن قلت: لو كانت قبضت جميع المهر ما حكمه؟ قلت: ذكر قاضيخان أنها ترد عليه ما ساق إليها من الصداق كما ذكره الحاكم الشهيد في المختصر وجواهر زاده وأخذ به ابن الفضل، قال القاضي: وهذا يؤيد ما ذكرنا عن أبي يوسف أن الخلع لا يكون إلا بعوض اه‍. وسيأتي تمامه آخر الباب. وإنما قيدنا بالمفاعلة لانه لو قال خلعتك ناويا وقع بائنا غير مسقط كما سيأتي وهو خارج عن تعريفنا بقولنا المتوقفة على قبولها لعدم توقفه كما في الخلاصة. ويرد عليه أيضا ما إذا كان بلفظ المباراة فإنه يقع به البائن وتسقط الحقوق كالخلع بلفظه وما إذا كان بلفظ البيع والشراء فإنه خلع مسقط للحقوق على ما صححه في الصغرى وإن صرح قاضيخان بخلافه فلذا زدنا في تعريفنا أو ما في معناه. واستفيد من قولنا إزالة ملك النكاح أنه لو خالع المطلقة رجعيا بمال فإنه يصح ويجب المال، ولو خالعها بمال ثم خالعها في العدة لم يصح كما في القنية ولكن يحتاج إلى الفرق بين ما إذا خالعها بعد الخلع حيث لم يصح، وبين ما إذا طلقها بمال بعد الخلع حيث يقع ولا يجب المال وقد ذكرناه في آخر

[ 120 ]

الكنايات. وخرج الخلع بعد الطلاق البائن وبعد الردة فإنه غير صحيح فيهما فلا يسقط المهر ويبقى له بعد الخلع ولاية الجبر على النكاح في الردة كما في البزازية. قوله: (الواقع به وبالطلاق على مال طلاق بائن) أي بالخلع الشرعي، أما الخلع فلقوله عليه الصلاة والسلام الخلع تطليقة بائنة ولانه يحتمل الطلاق حتى صار من الكنايات والواقع بالكناية بائن. وفي الخلاصة: ولو قضى بكون الخلع فسخا قيل ينفذ وقيل لا اه‍. والظاهر الاول لانه قضى في فصل مجتهد فيه، ومذهبنا قول الجمهور، ومن العلماء من قال بعدم مشروعيته أصلا، ومنهم من قيده بما إذا كرهته وخاف أن لا يوفيها حقها وأن لا توفيه، ومنهم من قال لا يجوز إلا بإذن السلطان. وقالت الحنابلة: لا يقع به طلاق بل هو فسخ بشرط عدم نية الطلاق فلا ينقص العدد. وقال قوم: وقع به رجعي فإن راجعها رد البدل الذي أخذه وتمامه في فتح القدير. أطلقه فشمل ما إذا كان بغير عوض أيضا، وما إذا وقع بلفظ الخلع أو البيع أو المباراة وما إذا لم ينو الطلاق به ولكن بشرط ذكر العوض حتى لو قال لم أعن الطلاق مع ذكره لا يصدق قضاء ويصدق ديانة لان الله تعالى عالم بما في سره لكن لا يسع المرأة أن تقيم معه لانها كالقاضي لا تعرف منه إلا الظاهر، كذا في المبسوط. وحال مذاكرة الطلاق كالنية كذا في الخانية. وفي البزازية: ادعى الاستثناء أو الشرط في الخلع وكذبته فيه فالقول له إلى أن قال: والفتوى على صحة دعوى المغير والمبطل إلا إذا ظهر ما ذكرنا من التزام البدل أو قبضه أو نحوه ادعى الاستثناء وقال قبضت ما قبضت منك بحق لي عليك وقالت بل لبدل الخلع فالقول له لانه أنكر وجوب البدل عليها وأقر أن له عليها مالا واحدا لا مالين والمرأة مقرة أن له عليها مالا آخر فيكون القول له بخلاف ما إذا لم يدع

[ 121 ]

الاستثناء لانه يدعي عليها بدل الخلع وهي تنكر فالقول لها اه‍. وأما إذا لم يذكر العوض فهو من الكنايات فيتوقف على النية أو مذاكرة الطلاق إن كان بلفظ الخلع أو المباراة، وإن كان بلفظ البيع كبعت نفسك أو طلاقك فلا لانه خلاف الظاهر. وقد أفاد بوقوع البائن حكمه وسيأتي بيان صفته أنه يمين من جانبه معاوضة من جانبها فلا يصح رجوعه عنه ولا يبطل بقيامه عن المجلس وصح مضافا منه وانعكست الاحكام في حقها لو بدأت كما سيأتي. ولم يذكر شرطه لان شرطه شرط الطلاق ولكن لا بد من القبول منها حيث كان على مال أو كان بلفظ خالعتك أو اختلعي ولذا قال في المحيط: لو قال لها اختلعي فقالت اختلعت تطلق ويسقط المهر لان قوله اختلعي أمر بالطلاق بلفظ الخلع والمرأة تملك الطلاق بأمر الزوج فصار بمنزلة ما لو قال لها طلقي نفسك طلاقا بائنا بخلاف قوله اشتري نفسك مني فقالت اشتريت لا تطلق ما لم يقل الزوج بعت لانه أمر بالخلع الذي هو معاوضة لان الشراء معاوضة فلا يصح الامر إذا لم يكن البدل مذكورا معلوما. وأما إذا ذكر مالا مجهولا بأن قال اخلعي نفسك بمال فقالت اختلعت نفسي بألف درهم لا يتم الخلع ولا تطلق حتى يقول الزوج خلعت لانه لم يصح تفويض الخلع إليها لانه إذا ذكر المال كان خلعا حقيقة والخلع لا يصح إلا بتسمية البدل والبدل ها هنا مجهول فلم يصح، وإن ذكر مالا معلوما بأن قال اخلعي نفسك بألف درهم فقالت اختعلت بألف درهم

[ 122 ]

ولم يقل الزوج خلعت أو قالت المرأة خالعني بألف درهم فقال الزوج خالعت ولم تقل المرأة قبلت تم الخلع في رواية ولم يتم في أخرى والكتابة والصلح عن دم العمد على الروايتين. وكذا لو قال اشترى ثلاث تطليقات بكذا فقالت اشتريت بخلاف النكاح. وفي النوادر: لو قال لها اشتريت مني ثلاث تطليقات بكذا فقالت اشتريت لا يتم الخلع ما لم يقل الزوج بعت وهو الصحيح إلا إذا أراد به التحقيق دون المساومة لانه لم يوجد الامر بالخلع والخلع معاوضة فلا يتم بركن واحد اه‍. وفي جامع الفصولين: كل طلاق وقع بشرط ليس بمال فهو رجعي، وفيه أن القبول في المعلق إنما يكون بعد وجود الشرط. وفي الكافي: القبول في المضاف إنما يكون بعد وجود الوقت ولا يصح القبول قبله لان الايجاب معلق بالشرط والمعلق بالشرط عدم قبل الشرط فلا يصح القبول قبل الايجاب اه‍. وفي التجنيس ما يفيد صحة القبول في المعلق قبل وجود الشرط فإنه قال: لو قال إن دخلت الدار فقد خلعتك على ألف فتراضيا عليه ففعلت صح الخلع. وفي الوجيز كما في الكافي وأقول: لو قيل بصحة القبول في المضاف قبل وجود الوقت لانعقاده سببا للحال عندنا وبعدم صحته في المعلق قبل وجود الشرط لعدم انعقاده سببا للحال لكان حسنا لتخريجه على الاصول. وفي المجتبى: باع طلاقها منها بمهرها فهو براءة من المهر والطلاق رجعي ويشترط في قبولها علمها بمعناه فلو قال لها اختلعي نفسك بكذا ثم لقنها بالعربية حتى قالت اختلعت وهي لا تعلم بذلك فالصحيح أنه لا يصح ما لم تعلم المرأة ذلك لانه معاوضة كالبيع بخلاف الطلاق والعتاق والتدبير لانه إسقاط محض والاسقاط يصح مع الجهل، كذا في المحيط. وقولها فعلت في جواب قوله خلعت نفسك مني بكذا ليس بقبول على الصحيح المختار إلا إذا أراد به التحقيق. ولو قالت لزوجها اخلعني على ألف درهم فقال الزوج مجيبا لها أنت طالق صار كقوله خلعتك لان هذا يحتمل أن يكون جوابا فيجعل جوابا لها وهو المختار كما في الخانية. ولو قال بعت منك طلاقك بمهرك فقالت طلقت نفسي بانت منه بمهرها بمنزلة قولها اشتريت لانه يصح جوابا ويصح ابتداء فيجعل جوابا لها، وقيل يقع رجعيا والاول أصح. ولو قال لها اخلعي نفسك فقالت قد طلقت لزمها المال إلا أن ينوي بغير مال. ولو قال بعت منك تطليقة فقالت اشتريت يقع الطلاق رجعيا مجانا لانه صريح. ولو قال لها بعت نفسك

[ 123 ]

منك فقالت اشتريت يقع الطلاق بائنا لان هذا كناية وهي بائنة. ولو قال لها بعت منك أمرك بألف درهم إن اختارت نفسها في المجلس وقع الطلاق ولزمها المال لانه ملكها الطلاق بالمال، فإذا اختارت فقد تملكت. ولو قال لامرأته كل امرأة أتزوجها فقد بعت طلاقها منك بدرهم ثم تزوج امرأة فالقبول إليها بعد التزوج، فإن قبلت بعد التزوج طلاقها أو طلقتها يقع، وإن قبلت قبله لا يقع لان هذا الكلام من الزوج خلع بعد التزوج فيشترط القبول بعده. ولو قالت المرأة بعت منك مهري ونفقة عدتي فقال اشتريت فالظاهر أنها لا تطلق لان الزوج ما باع نفسها ولا طلاقها منها إنما اشترى مهرها وهذا لا يكون طلاقا لكن الاحوط أن يجدد النكاح، كذا في المحيط. وفي القنية في الباب المعقود للمسائل التي لم يوجد فيها رواية ولا جواب شاف للمتأخرين آخرها: قالت لزوجها أبرأتك من المهر بشرط الطلاق الرجعي فقال لها أنت طالق طلاقا رجعيا يقع بائنا للمقابلة في المال كمسألة الزيادات. أنت طالق اليوم رجعيا وغدا أخرى بألف فالالف مقابل بهما وهما بائنتان أم رجعيا وهل يبرأ الزوج لوجود الشرط صورة أو لا يبرأ اه‍. وفي الذخيرة: أنت طالق الساعة واحدة وغدا أخرى بألف درهم فقبلت وقعت واحدة في الحال بنصف الالف وأخرى غدا بغير شئ، وإن تزوجها قبل مجئ الغد ثم جاء الغد تقع أخرى بخمسمائة. أنت طالق الساعة واحدة أملك الرجعة وغدا أخرى بألف فقبلت وقعت واحدة للحال بغير شئ وفي الغد أخرى بالالف، ولو قال أنت طالق اليوم بائنة وغدا أخرى بألف وقع للحال واحدة بائنة بغير شئ وغدا أخرى بالالف. ولو قال أنت

[ 124 ]

طالق واحدة وأنت طالق أخرى بألف فقبلت وقعتا بألف. ولو قال أنت طالق الساعة واحدة أملك الرجعة وغدا أخرى أملك الرجعة بألف فقبلت انصرف البدل إليهما، وكذا لو قال أنت طالق الساعة ثلاثا وغدا أخرى بائنة بألف وأنت طالق الساعة واحدة بغير شئ وغدا أخرى بغير شئ بالالف فالبدل ينصرف إليهما اه‍. قوله: (ولزمها المال) أي في المسألتين لانه ما رضي بخروج بعضها عن ملكه إلا به فلزمها المال بالقبول. ولو قال وكان المسمى له لكان أولى ليشمل ما إذا قبله غيرها وسيأتي آخر الباب بيان خلع الفضولي إن شاء الله، وليشمل الابراء حتى لو قالت له أبرأتك عما لي عليك على طلاقي ففعل جازت البراءة وكان الطلاق بائنا، وكذا لو طلقها على أن تبرئه من الالف التي كفل بها للمرأة من فلان صح والطلاق بائن كما في البزازية. وقيد به احترازا عن التأخير فإنه ليس بمال وأنما تتأخر فيه المطالبة كما لو قالت له طلقني على أن أؤخر مالي عليك فطلقها، فإن كان للتأخير غاية معلومة صح التأخير، وإن يكن له غاية معلومة لا يصح والطلاق رجعي على كل حال كما في البزازية أيضا. ولو قال قد خلعتك على ألف قال ثلاث مرات فقبلت طلقت ثلاثا بثلاثة آلاف لانه لم يقع شئ إلا بقبولها لان الطلاق يتعلق بقبولها

[ 125 ]

في الخلع فوقع الثلاث عند قبولها جملة بثلاثة آلاف. ولو قال بعت منك تطليقة بألف فقالت اشتريت ثم قاله ثانيا وثالثا كذلك وقال أردت التكرار لا يصدق ويقع الثلاث ولم يلزمها إلا الالف لانها ملكت نفسها بالاولى وقد صرح بالطلاق في اللفظ الثانية والثالثة والصريح يلحق البائن، كذا في المحيط. ولو اتفقا على الخلع وقالت بغير جعل فالقول لها لان صحة الخلع لا تستدعي البدل فتكون منكرة فيكون القول لها، ولو ادعت الخلع والزوج ينكره فشهد أحدهما بألف والآخر بألف وخمسمائة لا يقبل ولا يثبت الخلع لانها تحتاج إلى إثبات أن الزوج علق الطلاق بقبول المال والطلاق المعلق بقبول الالف غير الطلاق المعلق بقبول الالفين إذ هما شرطان مختلفان فكان كل واحد يشهد بغير ما يشهد به الآخر فلا يقبل، ولو كان الزوج هو المدعي وقد ادعى ألفا وخمسمائة والمسألة بحالها تقبل على الالف لان الطلاق وقع بإقرار الزوج فبقي دعوى الزوج دينا مجردا واتفق الشاهدان على الالف وانفرد أحدهما بزيادة خمسمائة فيقضي بما اتفقا عليه وإن كان يدعي ألفا لا يقبل وقد كذب أحد شاهديه لما عرف ويقع الطلاق بإقراره. وإذا شهد شاهدان أنه طلقها قبل الخلع ثلاثا تسترد المال لانها بمباشرة الخلع وإن كانت مقرة بصحة الخلع ظاهرا فإذا ادعت الفساد بعد ذلك صارت متناقضة في الدعوى إلا أن البينة على الطلاق تقبل من غير دعوى فيثبت أنه أخذ المال بعد البينونة فلزمه الرد، كذا في المحيط. أطلق في لزومها المال فشمل المكاتبة ولكن لا يلزمها المال إلا بعد العتق ولو بإذن المولى لحجرها عن التبرع ولو بالاذن كهبتها، وشمل الامة وأم الولد ولكن بشرط إذن المولى فيلزمها للحال لانفكاك الحجر بإذن المولى فظهر في حقه كسائر الديون. وفي الجامع: لو خلع الامة مولاها على رقبتها وزوجها حر فالخلع واقع بغير شئ، ولو كان الزوج مكاتبا أو عبدا أو مدبرا جاز الخلع وصارت لسيد العبد والمدبر لانها لا تصير مملوكة للزوج بل للمولى فلا يبطل النكاح، وفي الحر لو ملك رقبتها بعد النكاح لبطل ولو بطل بطل الخلع فكان في تصحيحه ابطاله. وأما المكاتب فإنه يثبت له فيها حق الملك وحق الملك لا يمنع بقاء النكاح فلا يفسد النكاح كما لو اشترى زوجة أمة تحت عبد خلعها مولاها على عبد في يديه ثم استحق العبد المخلوع عليه فلا شئ على المولى لانه لم يضف العبد المخلوع عليه إلى نفسه ولا ضمنه فكان العقد مضافا إلى الامة، وتباع الامة في قيمة العبد المستحق لان المولى يملك ايجاب بدل الخلع عليها فظهر في حقه فتعلق برقبتها، فإن كان عليها دين آخر قبله بدأ به لانه وجب باختيار المولى فلم يظهر في حق الغريم كما في الصلح، فإن بقي شئ يؤخذ من الامة بعد العتق فإن كان المولى ضمن بدل الخلع أخذ به، كذا في المحيط. وفي الظهيرية: امرأة قالت لزوجها اختلعت منك بكذا وهو ينسج كرباسا فجعل ينسج وهو

[ 126 ]

يخاصمها ثم قال خلعت قالوا إن لم يطل ذلك فهو جواب اه‍. وفي جامع الفصولين: قال خلعتك بكذا درهما فجعلت المرأة تعد الدراهم فلما تم العد قالت قبلت ينبغي أن يصح اه‍. وفي كافي الحاكم: وإذا خلع الرجل امرأتيه على ألف درهم فإن الالف تنقسم عليهما على قدر ما تزوجهما عليه من المهر اه‍. وفي البزازية: اختلعا وهما يمشيان إن كان كلام كل منهما متصلا بالآخر صح، وإن لم يكن متصلا لا يصح ولا يقع الطلاق أيضا، ولو اختلعا وزعمت تمام الخلع وادعى القيام ثم القبول فالقول له لانه انكار الخلع اه‍. ودخل تحت الطلاق على مال لو طلقها على إعطاء المال لما في الخانية: لو قال لامرأته أنت طالق على أن تعطيني ألف درهم فقالت قبلت تطلق للحال وإن لم تعط ألفا لامرأته أنت طالق على دخولك الدار فقبلت تطلق للحال وإن لم تدخل لان كلمة على لتعليق الايجاب بالقبول لا للتعليق بوجود القبول اه‍. ولو قال ولزمها المال إن لم تكن مريضة مرض الموت ولا سفيهة ولا مكرهة لكان أولى لان المحجورة بالسفه لو قبلت الخلع وقع ولا يلزمها المال ويكون بائنا إن كان بلفظ الخلع رجعيا إن كان بلفظ الطلاق كما في شرح المنظومة. وأما المريضة فقال في جامع الفصولين: مريضة اختلعت من زوجها بمهرها ثم ماتت ينظر إلى ثلاثة أشياء: إلى ميراثه منها وإلى بدل الخلع وإلى ثلث مالها فيجب أقلها لا الزيادة، كذا في شحي وفي حل في هذه الصورة: لو لم يدخل بها سقط نصف المهر بطلاقه والنصف الآخر وصية وهو لغير الوارث فصح من الثلث، فلو دخل بها وماتت بعد مضي العدة فكل المهر وصية وتصح من الثلث إذا الاختلاع تبرع ولو ماتت في العدة هكذا عند أبي يوسف ومحمد إذا الزوج لم يبق وارثا لرضاه بالفرقة وعند أبي حنيفة يعطى الاقل من ميراثه ومن بدل الخلع ومن الثلث إذ اتهما في حق سائر الورثة ولم يتهما في الاقل وهو نظير ما قلنا جميعا في طلاقها بسؤالها في مرض الموت. وحاصل التفاوت بين مضي العدة عدم مضيها أنه بعد مضيها لا ينظر إلى قدر حق الزوج في الميراث وإنما ينظر إلى الثلث فيسلم للزوج قدر الثلث من بدل الخلع ولو أكثر من ميراثه، وقبل مضيها لا ينظر إلى الثلث وإنما ينظر إلى ميراثه فيسلم للزوج قدر إرثه من بدل الخلع دون ثلث المال لو ثلثه أكثر كذا. ولو كان الزوج ابن عمها فلو لم يرث منها بأن كان لها عصبات أخر أقرب منه فهو والاجنبي سواء، ولو يرثها بقرابة وماتت بعد مضيها ينظر إلى بدل الخلع وإلى إرثه بالقرابة، فلو كان البدل قدر إرثه أو أقل سلم له ذلك، ولو أكثر فالزيادة على قدر إرثه لا تسلم له إلا بإجازة الورثة. هذا لو كانت مدخولة وإلا فالنصف يعود إلى الزوج بطلاق قبل دخوله لا بحكم الوصية وفي النصف الآخر ينظر لو كان الزوج أجنبيا فهو متبرع فيصح من الثلث، ولو كان ابن عمها

[ 127 ]

ويرثها فله الاقل من إرثه ومن نصف المهر. هذا لو ماتت في ذلك المرض، ولو برئت منه سلم للزوج كل البدل كهبتها منه ثم يرثها ولا إرث بينهما بالزوجية ماتت في العدة أو بعدها لتراضيهما ببطلان حقه. هذا لو كانت مريضة فلو اختلعت صحيحة والزوج مريض فالخلع جائز بالمسمى قل أو كثر ولا إرث بينهما مات في العدة أو بعدها، ولو خالها أجنبي من الزوج بمال ضمنه للزوج وكان ذلك في مرض موت الاجنبي جاز ويعتبر البدل من ثلث مال الاجنبي، فلو كان الزوج مريضا حين تبرع الاجنبي بخلعها فلها الارث لو مات الزوج من مرضه ذلك وهي في العدة لانها لم ترض بهذا الطلاق فيعتبر الزوج فارا اه‍. ولو كانت مكرهة على القبول لم يلزمها البدل. وفي القنية: ولو اختلفا في الكره بالخلع والطوع فالقول له مع اليمين اه‍. وفي الظهيرية: لو قالت طلقني ثلاثا بألف درهم طلقني ثلاثا بمائة دينار فطلقها ثلاثا طلقت بمائة دينار ولو كان الايجاب من الزوج بالمالين لزمها المالان اه‍. وأشار بقوله ولزمها المال إلى أنه لا يتصور أن يلزمه مال في الخلع ولذا قال في المجتبى: خلعتك على عبدي وقف على قبولها ولم يجب شئ قلنا: الظاهر أنه عنى بقوله وقف على قبولها أي وقوع الطلاق ومعرفة هذه المسألة من أهم المهمات في هذا الزمان لان الناس يعتادون إضافة الخلع إلى مال الزوج يعد إبرائها إياه من المهر، فبهذا علم أنها إذا قبلت وقع الطلاق ولم يجب على الزوج شئ. وفي منية الفقهاء: خلعتك بمالي عليك من الدين فقبلت ينبغي أن يقع الطلاق ولا يجب شئ ويبطل الدين، ولو كانت اختلعت على عبد ثم تبين أنه عبد الزوج بتصادقهما ينبغي أن لا يلزمها شئ لسلامة البدل له اه‍. وظاهر اقتصاره على لزومها المال أنه لو تخالعا ولم يذكرا من المال شيئا أن لا يصح الخلع وهو رواية عن محمد لانه لا يكون إلا بالمال ولكن الاصح أنه يصح، كذا في المجتبى. وفي الخانية: الزيادة في البدل بعد الخلع غير صحيحة.

[ 128 ]

قوله: (وكره له أخذ شئ إن نشز) أي كرهها والنشوز يكون من الزوجين وهو كراهة كل واحد منهما صاحبه كما في المغرب. وفي المصباح: نشزت المرأة من زوجها نشوزا من بابي قعد وضرب عصت زوجها وامتنعت عليه، ونشز الرجل من امرأته نشوزا بالوجهين تركها وجفاها. وفي التنزيل * (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو اعراضا) * [ النساء: 128 ] وأصله الارتفاع يقال نشز من مكانه نشوزا بالوجهين إذا ارتفع عنه. وفي السبعة وإذا قيل انشروا فانشزوا بالضم والكسر والنشز بفتحتين المكان المرتفع من الارض والسكون لغة فيه اه‍. وأراد بالكراهة كراهة التحريم المنتهضة سببا للعقاب، والحق أن الاخذ في هذه الحالة حرام قطعا لقوله تعالى * (فلا تأخذوا منه شيئا) * [ النساء: 20 ] ولا يعارضه الآية الاخرى * (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) * [ البقرة: 229 ] لان تلك فيما إذا كان النشوز من قبله فقط والاخرى فيما إذا خافا أن لا يقيما حدود الله فليس من قبله فقط نشوز على أنهما لو تعارضا كانت حرمت الاخذ ثابتة بالعمومات القطعية فإن الاجماع على حرمة أخذ مال المسلم بغير حق وفي إمساكها لا لرغبة بل إضرارا وتضييقا ليقتطع ما لها في مقابلة خلاصها من الشدة التي هي معه فيها ذلك وقال تعالى * (ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه) * [ البقرة: 231 ] فهذا دليل قطعي على حرمة أخذ مالها كذلك فيكون حراما إلا أنه لو أخذ جاز في الحكم أي يحكم بصحة التمليك وإن كان بسبب خبيث وتمامه في فتح القدير. وفي الدر المنثور أخرج ابن أبي جرير عن ابن زيد في الآية قال: ثم رخص بعد فقال * (فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به) * قال فنسخت هذه تلك اه‍ والحاصل أن ما في النساء منسوخ بآية البقرة وهو يقتضي حل الاخذ مطلقا إذا رضيت. أطلقه فشمل القليل والكثير ويلحق به الايراء عما لها عليه فإنه لا يجوز أيضا إذا كان النشوز منه لانه اعتداء وإضرار قوله: (وإن نشزت لا) أي لا يكره له الاخذ إذا كانت هي الكارهة. أطلقه فشمل القليل والكثير وإن كان أكثر مما أعطاها وهو المذكور في الجامع الصغير، وسواء كان منه نشوز لها أيضا أو لا، فإن كانت الكراهة من الجانبين فالاباحة ثابتة بعبارة قوله تعالى * (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) * [ البقرة: 922 ] وإن كانت من جانبها فقط فبدلالتها

[ 129 ]

بالاولى والمذكور في الاصل كراهة الزيادة على ما أعطاها، وينبغي حمله على خلاف الاول كما ينبغي حمل الحديث عليه أيضا وهو قوله أما الزيادة فلا لان النص نفي الجناح مطلقا فتقييده بخبر الواحد لا يجوز لما عرف في الاصول ولذا قال في فتح القدير: إن رواية الجامع أوجه وصحح الشمني رواية الاصل لاحاديث ذكرها. قوله: (وما صلح مهر اصلح بدل الخلع) لان ما صلح عوضا للمتقوم أولى أن يصلح عوضا لغير المتقوم فإن البضع غير متقوم حالة الخروج ومتقوم حالة الدخول فمنع الاب من خلع صغيرته على مالها وجاز له تزوج ولده بماله، ونفذ خلع المريضة من الثلث، وجاز تزويج المريض بمهر المثل من جميع ماله فصح الخلع على ثوب موصوف أو مكيل أو موزون كالمهر، وكذا على زراعة أرضها أو ركوب دابتها وخدمتها على وجه لا يلزم خلوة بها أو خدمة أجنبي لان هذه تجوز مهرا وبطل البدل فيه لو كان ثوبا أو دارا كالمهر ووجب عليها رد المهر. وأشار إلى أن هذا الاصل لا ينعكس كليا فلا يصح أن يقال ما لا يصلح مهرا لا يصلح بدلا في الخلع لانه لو خالعها على ما في بطن جاريتها أو غنمها صح وله ما في بطونها ولا يجوز مهرا بل يجب مهر المثل، وكذا على أقل من عشرة، وكذا على ما في يدها، كذا في التبيين وفتح القدير. وذكر في غاية البيان أنه مطرد منعكس كليا لان الغرض من طرد الكلي أن يكون مالا متقوما ليس فيه جهالة مستتمة وما دون العشرة بهذه المثابة، ومن عكس الكلي أن لا يكون مالا متقوما أو أن يكون فيه جهالة مستتمة وما دون العشرة مال متقوم ليس فيه جهالة فلا يرد السؤال لا على الطرد الكلي ولا على عكسه اه‍. وفي المحيط: لو اختلعت على ثوب لم يتبين جنسه أو على دار فله المهر وفي العبد يلزمها الوسط، ولو اختلعت على ما تكتسبه العام أو على ما ترثه من المال أو على أن تزوجه امرأة وتمهرها عنه فالشرط باطل وترد المهر، ولو اختلعت بحكمه أو بحكمها صح فإن حكمت ولم يرض الزوج رجع بالمهر، ولو خلعها على ألف إلى الحصاد ثبت الاجل، ولو قالت إلى قدوم فلان أو موته وجب المال حالا، ولو خالعها على دراهم معينة فوجدها ستوقة يرجع بالجياد، وكذلك الثوب على أنه هروي فإذا هو مروي يرجع بهروي وسط ولا يرد بدل الخلع إلا بعيب فاحش فإن كان حلال

[ 130 ]

الدم أو اليد فأمضى عنده رجع عليها بقيمته عند أبي حنيفة، وعندهما بنقصان قيمته لان كونه حلال الدم بمنزلة الاستحقاق عنده، وعندهما بمنزلة النقصان. ولو اختلعت على عبد بعينه فمات في يدها أو استحق فعليها قيمته، فإن ظهر أنه كان ميتا وقت الانخلاع فله مهرها. ولو خلعها على حيوان ثم صالحته على دراهم أو مكيل أو موزون جاز يدا بيد. ولو خالعها على عبد ومهرها ألفا ثم زادها ألفا ثم استحق العبد رجع عليها بألف وبنصف قيمة العبد لان المرأة بذلت العبد بإزاء البضع وألف درهم فانقسم العبد عليهما نصفين: نصفه بدل الخلع ونصفه بيعا بالالف، والمبيع متى استحق ثمنه رجع بثمنه وبدل الخلع متى استحق تجب قيمته فيرجع بنصف قيمة العبد. ولو خلع امرأتيه على عبد قسمت قيمته على مسميهما في العقد لانه قيمة بضعيهما لا على مهر مثليهما لان الزيادة على المسمى مكروهة في الخلع والزيادة في بدل الخلع باطلة لانها زادت بعد هلاك المعقود عليه فصار كما لو زاد في بدل الصلح عن دم العمد فإنها لا تصح اه‍. وفي التتارخانية: إذا قال لامرأتيه إحداكما طالق بألف درهم والاخرى بمائة دينار فقبلتا طلقتا بغير شئ. وروى ابن سماعة عن محمد: إذا قال لامرأتيه إحداكما طالق بألف فقبلتا ومات فعلى كل واحدة منهما خمسمائة ولا ميراث اه‍. وفي القنية: اختلعت نفسها بالمهر بشرط أن الزوج يعطيها كذا منا من الارز الابيض وخالعها به ينبغي أي يصح ولا يشترط بيان مكان الايفاء عند أبي حنيفة لان الخلع أوسع من البيع ففي بت: خالعها على ثوب بشرط أن تسلم إليه الثوب فقبلت فهلك الثوب قبل التسليم لم تبن لانه يجعل نفس التسليم شرطا. مخ: وهبت مهرها لاخيها فأخذ أخوها منه المهر قبالة ثم اختلعت نفسها منه بشرط أن تسلم له القبالة غدا فقبل ولم تسلم إليه القبالة غدا لا تحرم. ولو اختلعت بشرط الصك أو قالت بشرط أن يرد عليها أقمشتها فقيل لا تحرم ويشترط كتابة الصك ورد الاقمشة في المجلس. خلعتك على عبدي وقف على قبولها ولم يجب شئ. خلعتك بمالي عليك من الدين وقبلت ينبغي أن يقع الطلاق ولا يجب شئ ويبطل الدين. ادعت مهرها على زوجها فأنكره ثم اختلعت نفسها بمهرها وقبل ثم تبين بالشهود أنها كانت امرأته قبل الخلع فليس له شئ. ولو اختلعت على عبد ثم تبين أنه عبد الزوج ولا ذلك إلا بالتصادق فينبغي أن لا يلزمها شئ لان ما هو بدل الخلع يسلم له كما لو علم أنه عبده. وسئل لو كان الخلع على دراهم أو دنانير ثم تبين أنها للزوج لم يجب شئ اه‍. وفي الخانية: ويجوز الرهن والكفالة ببدل الخلع. وفي المجتبى: فوضت الخلع إلى زوجها أو العبد إلى المولى ففعل بغير حضرتهما جاز والواحد يتولى الخلع من الجانبين. وفي عتاق الاصل الواحد يكون وكيلا من الجانبين في

[ 131 ]

العتاق والخلع والصلح عن دم العمد إذا كان البدل مسمى وإلا لا يكون في ظاهر الرواية، وعن محمد أنه يكون اه‍. قوله: (فإن خالعها أو طلقها بخمر أو خنزير أو ميتة وقع بائن في الخلع رجعي في غيره مجانا) لان الخلع على ما لا يحل صحيح لانه لا يبطل بالشرط الفاسد ولا يجب له شئ لانها لم تغره والبضع غير متقوم في الاصل حالة الخروج وإنما يتقوم بتسمية المال. وفي المجتبى: وإنما يلزم المال بالالتزام أو باستهلاك المال أو بملكه ولم يوجد، ولما بطل العوض كان العامل في الخلع لفظه وهو يوجب البينونة لانه من الكنايات الموجبة لقطع وصلة النكاح، وفي الثاني الصريح وهو رجعي فقوله مجانا عائد إلى المسألتين. وفي المصباح: فعلته مجانا أي بغير عوض. قال ابن فارس: المجان عطية الشئ بلا ثمن. وقال الفارابي: هذا الشئ لك مجانا أي بلا بدل اه‍. وأوجب زفر عليها رد المهر كما في المحيط. قيد بكونها سمت محرما لانها لو سمت له حلالا كخالعني على هذا الحل فإذا هو خمر فلها أن ترد المهر المأخوذ إن لم يعلم الزوج بكونه خمرا، وإن علم به فلا شئ له. وفي المحيط: لو خلعها على عبد فإذا هو حر رجع بالمهر عندهما، وعند أبي يوسف بقيمته لو كان عبدا لما عرف في النكاح. وقيد بالخلع والطلاق لان الكتابة على خمر أو خنزير فاسدة وعلى ميتة أو دم باطلة فيعتق إن أداه في الاولى مع وجوب قيمة نفسه لان ملك المولى متقوم ولا يعتق في الثانية، والنكاح بالكل صحيح مع وجوب مهر المثل لتقوم البضع عند الدخول. ثم اعلم أن البدل وإن لم يجب في الخلع والطلاق فلا يقعان إلا بقبولها ولذا قال في البزازية: لو قالت له خالعني بمال أو على مال ولم تذكر قدره لا يتم في ظاهر الرواية بلا قبولها. وإذا لم بجب البدل هل يقع الطلاق؟ قيل يقع وبه يفتى، وقيل لا يقع وهو الاشبه بالدليل اه‍. قوله: (كخالعني على ما في يدي ولا شئ في يدها) أي يقع الطلاق البائن من غير شئ عليها لعدم تسمية شئ تصير به غارة له، وأشار إلى أنه لو قال لها خالعتك على ما في يدي ولا شئ في يده إنه لا شئ له أيضا إذ لا فرق بينهما، فلو كان في يده جوهرة لها فقبلت فهي له وإن لم تكن علمت ذلك لانها هي التي أضرت بنفسها حين قبلت الخلع قبل أن تعلم ما في يده، ولو اشترى منها بهذه الصفة كان جائزا ولا خيار لها فالخلع أولى، كذا في المبسوط. وأشار إلى أنها لو قالت خالعني على ما في بيتي أو ما في بيتي من شئ ولا شئ في بيتها

[ 132 ]

أنها كمسألة الكتاب لان الشئ يصدق على غير المال، كذا في فتح القدير. وكذا لو قالت على ما في يدي من شئ أو على ما في بطن جاريتي ولم تلد لاقل من ستة أشهر، كذا في المجتبى. وفي المحيط: لو اختلعت على ما في بطن جاريتي أو غنمها أو ما في نخلها صح وله ما في بطنها، وإن لم يكن فلا شئ له، ولو حدث بعده في بطونها فللمرأة لان ما في بطنها اسم للموجود للحال. ولو اختلعت على حمل جاريتها وليس في بطنها حمل ترد المهر لانها غرته حيث أطمعته فيما له قيمة لان الحمل مال متقوم ولكن في وجوده احتمال وتوهم ويصح الخلع بعوض موهوم بخلاف ما في البطن لانه قد يكون مالا وقد لا يكون كريح أو ما يحويه البطن اه‍. وفي التتارخانية: لو طلقها على أن تبريه عن كفالة نفس فلان فالطلاق رجعي، ولو طلقها على أن تبريه عن الالف التي كفلها لها عن فلان فالطلاق بائن اه‍. قوله: (وإن زادت من مال أو من دراهم ردت مهرها أو ثلاثة دراهم) يعني ردت مهرها فيما إذا قالت خالعني على ما في يدي من مال ولم يكن في يدها شئ وردت ثلاثة دراهم فيما إذا قالت خالعني على ما في يدي من دارهم ولم يكن في يدها شئ لانها في الاولى لما سمت مالا لم يكن الزوج راضيا بالزوال إلا بالعوض ولا وجه إلى إيجاب المسمى وقيمته للجهالة ولا إلى قيمة البضع أعني مهر المثل لانه غير متقوم حالة الخروج فتعين إيجاب ما قام به على الزوج، كذا في الهداية. وقيده في الخلاصة بعدم العلم فقال: لو خالعها على ما في هذا البيت من المتاع وعلم أنه لا متاع في هذا البيت وقع وقع الطلاق ولا يلزمها شئ وذكر اليد مثال، والبيت والصندوق وبطن الجارية والغنم كاليد. وقوله من مال مثال أيضا والمتاع والحمل للبطن كالمال فإذا قالت على ما في بطن جاريتي أو غنمي من حمل ردت المهر. وفي المحيط: لو خالعها بما لها عليه من المهر ثم تبين أنه لم يبق عليه شئ من المهر لزومها رد المهر لانه طلقها بطمع ما نص عليه فلا يقع مجانا، فإن علم الزوج أنه لا مهر لها عليه وأن لا متاع في البيت في مسألة على ما في البيت من متاع لا يلزمها شئ لانها لم تطمعه فلم يصر مغرورا اه‍. وفي الثاني ذكرت الجمع ولا غاية لاقصاه وأدناه ثلاثة فوجب الادنى كما لو أقر بدراهم أو أوصى بدراهم وأورد عليه أن من للتبعيض فينبغي وجوب درهم أو درهمين. وأجيب بأنها هنا للبيان لان الاصل أن كل موضع تم الكلام بنفسه ولكنه اشتمل على ضرب إبهام فهي للبيان وإلا فللتبعيض، وقولها خالعني على ما في يدي كلام تام بنفسه حتى جاز الاقتصار عليه ولا فرق في الحكم بين ذكر الجمع منكرا أو معرفا. وأورد عليه إذا كان معرفا أنه ينبغي وجوب واحد فقط لما عرف أن الجمع المحلي كالمفرد المحلي كما لو حلف لا يشتري العبيد أو لا يتزوج النساء. وأجيب بأنه إنما ينصرف إلى الجنس إذا عرى عن قرينة العهد كما في المثالين وقد وجدت

[ 133 ]

القرينة هنا على العهد وهو قولها على ما في يدي، كذا في الكافي. وأوضحه في فتح القدير فقال: لان قولها على ما في يدي أفاد كون المسمى مظروفا بيدها وهو عام يصدق على الدراهم وغيرها فصار بالدراهم عهد في الجملة من حيث هو مما صدقات لفظ ما وهو مبهم وقعت من بيانا له ومدخولها هو المبين لخصوص المظروف والدراهم مثال، والمراد أنها بينت المبهم بجمع كالدنانير وينبغي أن يكون قولها على ما في هذا البيت من الشياه أو الخيل أو البغال أو الحمير كذلك يلزمها ثلاثة من المسمى. ثم رأيت في المعراج: لكن زاد الثياب وفيه نظر للجهالة المتفاحشة. وقيد بقوله ولا شئ في يدها لانه لو كان في يدها مال متقوم كان له قليلا كان أو كثيرا ولا يلزمها رد المهر في الاولى، وأما في الثانية فلا بد أن يكون في يدها جمع مما سمته، فلو كان في يدها درهم أو درهمان لزمها تكملة الثلاثة، كذا في الخانية والمبسوط. وبهذا علم أن في كلام المصنف مسامحة لان عدم وجود شئ في يدها شرط لرد المهر في الاولى، وعدم وجود الثلاثة شرط في الثانية، وكلامه لا يفيده. وأفاد بقوله ردت المهر أنه مقبوض فيدل على أنه لو لم يكن مقبوضا يرئ منه ولا شئ عليها كما ذكره العمادى في فصوله وفي الجوهرة. ثم إذا وجب الرجوع بالمهر له وكانت قد أبرأته منه لم يرجع عليها بشئ لان عين ما يستحقه قد سلم له بالبراءة فلو رجع عليها يرجع لاجل الهبة وهي لا توجب على الواهب ضمانا اه‍. وفي البزازية: والحاصل أنه إذا سمى ما ليس بمتقوم لا يجب شئ، وإن سمى موجودا معلوما يجب المسمى، وإن سمى مجهولا جهالة مستدركة فكذلك، وإن فحشت الجهالة وتمكن الخطر بأن خالعها على ما يثمر نخلها العام أو على ما في البيت من المتاع ولم يكن فيه شئ بطلت التسمية وردت ما قبضت اه‍. وقيد بالخلع لان السيد لو أعتق عبده على ما في يده من الدراهم وليس في يده شئ يجب عليه قيمة نفسه لان منافع البضع غير متقومة حالة الخروج فلا يشترط كون المسمى معلوما بخلاف العبد فإنه متقوم في نفسه، وبخلاف النكاح حيث يجب مهر المثل لانه متقوم حالة الدخول، كذا في البدائع. ودلت المسألة الاولى على أنه لو خالعها على عبد بعينه مثلا وقد كان ميتا قبل الخلع أنه يرجع عليها بالمهر الذي أخذته منه للغرور بخلاف ما لو مات بعده حيث تجب قيمته كما لو استحق وظهور حريته كموته قبل الخلع فيرجع عليها بالمهر

[ 134 ]

عندهما، وعند أبي يوسف بقيمته لو كان عبدا كالمهر وقتله عنده بسبب كان عندها كاستحقاقه فيرجع بقيمته، كذا لو قطع بده، كذا في المبسوط. وأشار بقوله ردت المهر إلى صحة الخلع على المهر وقد قال في الجوهرة: وإن وقع الخلع على المهر صح فن لم تقبضه المرأة سقط عنه وإن قبضته استرده منها اه‍. وفي الولوالجية: خلعها بما لها عليه من المهر ظنا منه أن لها عليه بقية المهر ثم تذكر أنه لم يبق عليه شئ من المهر وقع الطلاق بمهرها فيجب عليها أن ترد المهر لانه طلقها بطمع ما بقي عليه فلا يقع مجانا، أما إذا علم أن لا مهر لها عليه فلا شئ له اه‍. وفي القنية: ادعت مهرها على زوجها فأنكره ثم اختعلت نفسها بمهرها وقبل ثم تبين بالشهود أنها كانت أبرأته قبل الخلع فليس له شئ، ولو اختلعت على عبد ثم تبين أنه عبد الزوج ولا يعلم ذلك إلا بالتصادق ينبغي أن لا يلزمها شئ لان ما هو بدل الخلع مسلم له كما لو علم أنه عبده قوله: (فإن خالعها على عبد أبق لها على أنها برية من ضمانه لم تبرأ) لانه عقد معاوضة فيقتضي سلامة العوض واشتراط البراءة شرط فاسد فبطل فكان عليها تسليم عينه إن قدرت، وتسليم قيمته إن عجزت. أشار إلى أن الخلع لا يبطل بالشروط الفاسدة كالنكاح ولذا قال في العمادي: لو خالعها على أن يمسك الولد عنده صح الخلع وبطل الشرط اه‍. وفي الخانية: لو اختلعت من زوجها على أن جعلت صداقها لولدها أو على أن تجعل صداقها لفلان الاجنبي قال محمد: الخلع جائز والمهر للزوج ولا شئ للولد ولا للاجنبي اه‍. ومعنى اشتراطها البراءة أنها إن وجدته سلمته وإلا فلا شئ عليها. وقيد باشتراط البراءة من ضمانه لانها لو اشترطت البراءة من عيب في البدل صح الشرط وإنما صحت تسمية الآبق في الخلع لان مبناه على المسامحة بخلاف البيع لان مبناه على المضايقة، فالعجز عن التسليم يفضي إلى المنازعة فيه ولا كذلك هنا لان العجز عن التسليم هنا دون العجز عن التسليم فيما إذا اختلعت على عبد الغير أو على ما في بطن غنمها وذلك جائز فكذا هنا. وقيد بالشرط الفاسد لان الشرط لو كان ملائما لم يبطل ولذا قال في القنية: خالعها على ثوب بشرط أن تسلم إليه الثوب فقبلت فهلك الثوب قبل التسليم لم تبن لانه يجعل نفس التسليم شرطا. وهبت مهرها لاخيها فأخذ أخوها منه المهر قبالة ثم اختلعت نفسها منه بشرط أن تسلم إليه القبالة غدا فقبل ولم تسلم إليه القبالة غدا لم تحرم. ولو اختلعت بشرط الصك أو قالت بشرط أن يرد إليها أقمشتها فقبل لا تحرم ويشترط كتبه الصك

[ 135 ]

ورد الاقمشة في المجلس اه‍. وفي الخانية: رجل قال لغيره طلق امرأتي على شرط أن لا تخرج من المنزل شيئا فطلقها المأمور ثم اختلفا فقال الزوج إنها قد أخرجت من المنزل شيئا وقالت المرأة لم أخرج، ذكر في النوادر أن القول قول الزوج ولم يقع الطلاق. قالوا: هذا الجواب صحيح إن كان الزوج قال للمأمور قل لها أنت طالق إن لم تخرجي من الدار شيئا فقال لها المأمور ذلك ثم ادعى الزوج أنها قد أخرجت من المنزل شيئا فيكون القول قوله لانه منكر شرط الطلاق، أما إذا كان الزوج قال للمأمور قل لامرأتي أنت طالق على أن لا تخرجي من المنزل شيئا فقال لها المأمور ذلك فقبلت ثم قال الزوج إنها قد أخرجت من المنزل شيئا لا يقبل قوله لان في هذا الوجه الطلاق يتعلق بقبول المرأة، فإذا قبلت يقع الطلاق للحال، أخرجت من المنزل شيئا أو لم تخرج كما لو قال لامرأته أنت طالق على أن تعطيني ألف درهم فقالت قبلت تطلق للحال وإن لم تعطه ألفا. وكذا لو قال لامرأته أنت طالق على دخولك الدار فقبلت تطلق للحال وإن لم تدخل الدار لان كلمة على لتعليق الايجاب بالقبول لا للتعليق بوجود القبول اه‍. واستفيد من قوله لم تبرأ أن العقد يقتضي سلامة العوض فلذا قال في التتارخانية: لو قال لها أنت طالق غدا على عبدك هذا فقبلت وباعت العبد ثم جاء الغد يقع الطلاق وعليها قيمة العبد اه‍. قوله: (قالت طلقني ثلاثا بالف فطلق واحدة له ثلث الالف وبانت) لان الباء تصحب الاعواض وهو ينقسم على المعوض ويشترط أن يطلقها في المجلس حتى لو قام فطلقها لا يجب شئ، - كذا في فتح القدير - بخلاف ما إذا بدأ هو فقال خالعتك على ألف فإنه يعتبر في القبول مجلسها لا مجلسه حتى لو ذهب من المجلس ثم قبلت في مجلسها ذلك صح قبولها، كذا في الجوهرة. أشار بطلبها الثلاث إلى أنه لم يطلقها قبله إذ لو كان طلقها ثنتين ثم قالت طلقني ثلاثا على أن لك ألف درهم فطلقها واحدة كان عليها كل الالف لانها التزمت المال بإيقاع البينونة الغليظة وقد تم ذلك بإيقاع الثلاث، كذا في المبسوط والخانية. وينبغي أن لا فرق فيها بين الباء وعلى لان المنظور إليه حصول المقصود لا اللفظ ولذا قال في الخلاصة: لو قالت طلقني أربعا بألف فطلقها ثلاثا فهي بالالف، لو طلقها واحدة فبثلث الالف اه‍. وقيد بكونه طلق واحدة إذا لو طلق الثلاث كان له جميع الالف، سواء كان بلفظ واحد أو متفرقة بعد أن تكون في مجلس واحد، كذا في فتح القدير لا يقال كيف وقع الثاني مع أن البائن لا يلحق البائن إلا إذا كان معلقا لانا نقول: قد أسلفنا أن مرادهم من البائن ما كان بلفظ الكناية لا مطلق البائن حتى صرحوا بوقوع أنت طالق ثلاثا بعد البينونة. وفي التتارخانية: ثم في قولها طلقني ثلاثا بألف إذا طلقها ثلاثا متفرقة في مجلس واحد القياس أن تقع تطليقة واحدة بثلث الالف وتقع الاخريان بغير شئ، وفي الاستحسان تقع الثلاث

[ 136 ]

بالالف، ومن مشايخنا من قال: ما ذكر من جواب الاستحسان محمول على ما إذا وصل التطليقات بعضها ببعض، أما إذا فصل بين كل تطليقة بسكوت لا يجب جميع الالف وإن حصل الايقاع في مجلس واحد. ومنهم من يقول: إذا كان المجلس واحدا لا يشترط الوصل وهو الصحيح اه‍. قيد بقوله ثلاثا لانها لو قالت طلقني واحدة بألف فقال أنت طالق ثلاثا فإن اقتصر ولم يذكر المال طلقت ثلاثا بغير شئ في قول أبي حنيفة. وقال صاحباه: تقع واحدة بألف وثنتان بغير شئ ولو قال أنت طالق ثلاثا بألف يتوقف ذلك على قبول المرأة إن قبلت تقع الثلاث بالالف، وإن لم تقبل لا يقع شئ. ولو قالت طلقني واحدة بألف فقال لها الزوج أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة تقع الثلاث واحدة بألف وثنتان بغير شئ عند الكل، كذا في الخانية. قوله: (وفي على وقع رجعي مجانا) أي في قولها طلقني ثلاثا على ألف أو على أن لك علي ألفا فطلقها واحدة وقع رجعيا بغير شئ عليها عند الامام خلافا لهما، فهما جعلاها كالباء وهو جعلها للشرط والمشروط لا يتوزع على أجزاء الشرط، ألا ترى أنه ذكر في السير الكبير لو أمن الامام ثلاث سنين بألف دينار فبدا للامام أن ينبذ إليهم بعد سنة رد عليهم ثلثا الالف، ولو أمن على ألف دينار رد الكل، كذا في المحيط. قيد بكونه طلقها واحدة لانه لو طلقها ثلاثا استحق الالف وإن طلقها ثلاثا متفرقات في مجلس واحد لزمها الالف لان الاولى والثانية تقع عنده رجعية فإيقاع الثالثة وجد وهي منكوحته فيستوجب عليها الالف درهم، وإن طلقها ثلاثا في ثلاث مجالس عندهما يستوجب ثلث الالف، وعنده لا يستوجب شيئا، كذا في المحيط. وحاصل ما حققه في فتح القدير أن كلمة على مشتركة بين الاستعلاء واللزوم فإذا اتصلت بالاجسام المحسوسة كانت للاستعلاء وفي غيره للزوم وهو صادق على الشرط المحض نحو أنت طالق على أن تدخلي الدار، وعلى المعاوضة كبعني هذا على ألف واحمله على درهم سواء كانت شرطا محضا كما مثلنا، أو عرفا نحو افعل كذا على أن أنصرك، والمحل المتنازع فيه يصح فيه كل من الشرط والمعاوضة ولا مرجح، وكون مدخولها مالا لا يرجح معنى الاعتياض فإن المال يصح جعله شرطا محضا كإن طلقتني ثلاثا فلك ألف فلا

[ 137 ]

يجب المال بالشك ولا يحتاط في اللزوم إذا الاصل فراغ الذمة. ومنهم من جعلها للاستعلاء حقيقة وللزوم مجازا لان المجاز خير من الاشتراك ورد بأن المعنى الحقيقي ليس إلا لتبادر ذلك المعنى عند أهل اللسان وهو متبادر كتبادر الاستعلاء، وكون المجاز خيرا من الاشتراك إنما هو عند التردد، أما عند قيام دليل الحقيقة وهي التبادر بمجرد الاطلاق فلا. وذكر في التحرير ما يرجح قولهما بمنع قوله في دليله ولا مرجح بل فيه مرجح العوضية وهو أن الاصل فيما علمت مقابلته العوضية ولا يرد عليه لو قالت طلقني وضرتي على ألف فطلقها وحدها حيث وافقهما أنه يلزمها حصتها من الالف لانه لا غرض لها في طلاق ضرتها حتى يجعل كالشرط بخلاف اشتراط الثلاث بتحصيل البينونة الغليظة، كذا ذكروا. ولا يخلو من شئ فإن لها غرضا في أنه إذا طلقها لا تبقى ضرتها معه بعدها فالاولى أن نكون على الاختلاف أيضا كما في غاية البيان معزيا للمختلف. ثم رأيت في التتارخانية أن الاصح أنها على الخلاف وفيها: ما لو قالت طلقني وضرتي على ألف علي فطلق إحداهما لا رواية فيها. ولقائل أن يقول يلزمها حصتها من الالف، ولقائل أن يقول لا يلزمها شئ حتى يطلقهما جميعا. وفي المحيط: قالت طلقني وفلانة وفلانة على ألف فطلق واحدة ومهورهن سواء يجب ثلث الالف لانها أمرته بعقود لان طلاق كل واحدة على مال خلع على حدة فانقسم الالف عليهن ضرورة أنه لا بد أن يكون لكل عقد بدل على حدة لتصح المعاوضة اه‍. وهذا التعليل لا يرد عليه شئ. قوله: (طلقي نفسك ثلاثا بألف أو على ألف فطلقت نفسها واحدة لم يقع شئ) لانه لم يرض بالبينونة إلا بسلامة الالف كلها له بخلاف قولها له طلقني ثلاثا بألف لانها لما رضيت بالبينونة بألف كانت ببعضها أولى أن ترضى فظهر الفرق بين ابتدائه وابتدائها. وفي الخانية: رجل قال لغيره طلق امرأتي ثلاثا للسنة بألف فقال لها الوكيل في وقت السنة أنت طالق ثلاثا للسنة بألف فقبلت تقع واحدة بثلث الالف، فإن طلقها الوكيل في الطهر الثاني تطليقة بثلث الالف فقبلت تقع أخرى بغير شئ، وكذا لو طلقها الثالثة في الطهر الثالث. ولو طلقها الوكيل أولا تطليقة بثلث الالف ثم تزوجها الزوج ثم طلقها الوكيل تطليقة ثانية بثلث الالف

[ 138 ]

تقع الثانية بثلث الالف، وكذا الثالثة على هذا الوجه اه‍. وفي المحيط: قال للمدخولة طلقي نفسك ثلاثا للسنة بألف فقالت طلقت نفسي ثلاثا للسنة بألف، فإن كانت طاهرة من غير جماع طلقت للحال واحدة ولا تقع الثانية والثالثة إلا بتجديد الايقاع في مجلس السنة فيقعان بغير شئ. هكذا ذكر الزعفراني لانه فوض إليها إيقاع كل تطليقة في كل طهر فيكون بمنزلة المضاف إلى وقت كل طهر لم يجامعها فيه فلا تملك إيقاعها حتى يجئ الوقت وقد أمرها بالايقاع فلا بد من التجديد وإنما يقعان مجانا لانها بانت بالاولى فلا تملك نفسها بالثانية والثالثة ألا ترى أنه لو أمرها أن تطلق نفسها ببدل بعدما أبانها ففعلت وقع مجانا، وفي رواية محمد لا يقع بهذا القول أبدا لانه تعذر إيقاعهما بعوض لما بينا وتعذر إيقاعهما بغير عوض لان الزوج لم يرض بوقوعهما مجانا فلم يقعا اه‍. والحاصل أنه لا يخلو إما أن تسأله الطلاق أو يسألها على مال، فإن كان الاول، فإما أن يجنبها بالموافقة أو لا، فإن كان الاول فظاهر واستحق المسمى، وإن كان الثاني، فإما أن تسأله بالباء أو به على، فإن كان بالباء وقع ما تلفظ به وانقسم المال على عدد الطلقات فكان له بحسابه إن لم يحصل مقصودها، فإن حصل، فإن كانت الواحدة مكملة للثلاث استحق الكل، وإن كان به على، فإما إن كانت المخالفة بأنقص أو بأزيد، فإن كان بأنقص وقع بغير شئ، وإن كان الثاني كما لو سألته واحدة بألف فطلقها ثلاثا، فإن ذكر المال في جوابه وقع الثلاث بالمسمى إن قبلت وإلا فلا، وإن لم يذكر المال وقع الثلاث بغير شئ. وهذا كله إن ذكر الثلاث بكلمة واحدة، وإن ذكر متفرقة وقعت الاولى بالمال وثنتان بغير شئ. قوله: (أنت طالق بألف أو على ألف فقبلت لزم وبانت) يعني إن قبلت في المجلس لزم المال وبانت المرأة وهو تكرار لانه علم من قوله أو الباب الواقع به وبالطلاق على مال طلاق بائن ولزمها المال إلا أنه زاد القبول هنا فقط، ولو ذكره عند قوله ولزمها المال لاستغنى عن التطويل. وفي التتارخانية: لو قال لامرأته أنت طالق واحدة بألف فقالت قبلت نصف هذه التطليقة طلقت واحدة بألف بلا خلاف، ولو قالت قبلت نصفها بخمسمائة كان باطلا. ولو قالت لزوجها طلقني واحدة بألف فقال الزوج أنت طالق نصف تطليقة بألف درهم طلقت تطليقة بألف درهم، ولو قال أنت طالق نصف تطليقة بخمسمائة طلقت واحدة بخمسمائة اه‍. وفي المحيط معزيا إلى المتنقى: أنت طالق أربعا بألف فقبلت طلقت ثلاثا بألف، وإن

[ 139 ]

قبلت الثلاث لم تطلق لانه علق الطلاق بقبولها الالف بإزاء الاربع اه‍. وفي المحيط: لو قال لغير المدخولة أنت طالق ثلاثا للسنة بألف أو على ألف ولا نية له طلقت واحدة بثلث الالف لان جميع الاوقات في حق غير المدخولة وقت لطلاق السنة وقد قابل الالف بالثلاث فيتوزع عليها، فإن تزوجها ثانيا طلقت أخرى بثلث الالف، وكذلك ثالثا لان الايقاع كان صحيحا فلا يرتفع بزوال الملك، فإذا وجد الملك، فإذا وجد الملك وجد الشرط فوقع ولا يحتاج إلى قبول جديد منها لان القبول يشترط في مجلس الخطاب وقد وجد إلا أن الوقوع تأخر لعدم المحل كما لو قال أنت طالق غدا بألف فقبلت فجاء غد طلقت بألف من غير قبول، وإن كانت مدخولة وقعت واحدة في طهر لم يجامعها فيه بثلث الالف ثم أخرى في الطهر الثاني وأخرى في الثالث بغير شئ لان البدل يجب مقابلا بملك النكاح وقد زال بالاولى فلا تملك نفسها بالثانية ليصح الاعتياض عنها، وإن قبلت وهي مجامعة لم يقع شئ حتى تحيض وتطهر فيقع حينئذ كما ذكرنا اه‍. ثم اعلم أن الطلاق على مال يمين من جهته فتصح إضافته وتعليقة ولا يصح رجوعه ولا يبطل بقيامه عن المجلس، ويتوقف على البلوغ إليها إذا كانت غائبة ومن جهتها مبادلة فلا يصح تعليقها ولا إضافتها، ويصح رجوعها قبل قبول الزوج لو ابتدأت ويبطل بقيامها ومثل قوله علي ألف على أن تعطيني ألفا بخلاف إذا اعطيتني أو إذا أجبتني بألف فلا تطلق حتى تعطيه للتصريح بجعل الاعطاء شرطا بخلافه مع على حتى إنه إذا كان على الزوج دين لها وقعت المقاصة في مسألة على أن تعطيني دون أن أعطيتني إلا أن يرضى الزوج طلاقا مستقبلا بألف له عليها، وذلك لانه يقال على أن تعطيني كذا ويراد قبوله في العرف قال تعالى * (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) * [ التوبة: 92 ] أي حتى يقبلوا للاجماع على أن بقبولها

[ 140 ]

ينتهي الحرب منهم ولكن بين أن وبين إذا ومتى فرق فإن في أن يتوقف الطلاق على الاعطاء في المجلس بخلاف إذا ومتى. وفي جوامع الفقه: قال لاجنبية أنت طالق على ألف إن تزوجتك فقبلت ثم تزوجها لا يعتبر القبول إلا بعد التزوج لانه خلع بعد التزوج فيشترط القبول بعد كذا في فتح القدير ولو قال لانه طلاق على مال بعد التزوج لكان أولى. وقد طلب مني بالمدرسة الصرغتمشية الفرق بين على أن تعطيني حيث توقف على القبول وبين على أن تدخلي الدار حيث توقف على الدخول، وطلب أيضا الفرق بين أنت طالق على دخولك الدار حيث توقف على قبولها لا على الدخول كما في الخانية وبين على أن تدخلي حيث لا يكفي القبول مع أن إن والفعل بمعنى المصدر وها هنا قاعدة في الطلاق على مال الاصل أنه متى ذكر طلاقين وذكر عقيبهما مالا يكون مقابلا بهما إذ ليس أحدهما بصرف البدل إليه بأولى من الآخر إلا إذا وصف الاول بما ينافي وجوب المال فيكون المال حينئذ مقابلا بالثاني، ووصفه بالمنافي كالتنصيص على أن المال بمقابلة الثاني وإن شرط وجوب المال على المرأة حصول البينونة لانه إنما يلزمها التملك نفسها. فلو قال لها أنت طالق الساعة واحدة وغدا أخرى بألف أو قال على أنك طالق غدا أخرى بألف أو قال اليوم واحدة وغدا أخرى رجعية بألف فقبلت تقع واحدة بخمسمائة للحال وغدا أخرى بغير شئ إلا أن يعود ملكه قبله لانه جمع بين تطليقة منجزة وتطليقة مضافة إلى الغد وذكر عقيبهما مالا فانصرف إليهما، ألا ترى أنه لو ذكر مكان البدل استثناء ينصرف إليهما فيقع اليوم واحدة بخمسمائة، فإذا جاء غد تقع أخرى لوجود الوقت المضاف إليه ولا يجب شئ لانه شرط وجوب المال بالطلاق الثاني حصول البينونة ولم تحصل لحصولها بالاولى حتى لو نكحها قبل مجئ الغد ثم جاء الغد تقع أخرى بخمسمائة لوجود شرط وجوب المال. ولو قال أنت طالق الساعة واحدة

[ 141 ]

رجعية أو بائنة أو بغير شئ على أنك طالق غدا أخرى بألف تقع في الحال واحدة مجانا وغدا أخرى بألف لتعذر الصرف إليهما لانه وصف الاولى بما ينافي وجوب المال إلا أن في قوله بائنة فيشترط التزوج لوجوب المال بالثاني. ولو قال أنت طالق ثلاثا للسنة بألف فقبلت يقع في الطهر الاول واحدة بثلث الالف وفي الطهر الثاني أخرى مجانا لانها بانت بالاولى ولا يجب بالثانية المال إلا إذا نكحها قبل الطهر الثاني فحينئذ تقع أخرى بثلث الالف وفي الطهر الثالث كذلك، كذا في فتح القدير. في التتارخانية: وإن طلق امرأته على أن تفعل كذا وقبلت لزمها الطلاق على الفعل ثم ينظر، فإن كان جعلا فهو على ما ذكرت لك، وإن كان غير جعل فقد مضي الطلاق. عن أبي يوسف: إذا طلق امرأته على أن تهب عنه لفلان ألف درهم أجبرها على هذه الالف والزوج هو الواهب وإن لم يقل عنه لم تجبر على الهبة وعليها أن ترد المهر والطلاق بائن ولا شئ عليها غير الهبة التي وهبت ولا رجوع في هذه الهبة لاحد. وعن محمد في امرأة قالت لزوجها طلقني على أن أهب مهري من ولدك ففعل فأبت أن تهبه فالطلاق رجعي ولا شئ عليها اه‍. قوله: (أنت طالق وعليك ألف أو أنت حر وعليك ألف طلقت وعتق مجانا) يعني قبلا أو لا عند الامام، وعندهما وقع إن قبلا ولزمهما المال وإلا لا عملا بأن الواو للحال مجازا لتعذر حملها على العطف للانقطاع لان الاولى جملة إنشائية والثانية خبرية، وعنده الواو للعطف هنا عملا بالحقيقة ولا انقطاع لان التحقيق أن الجملة الاولى خبرية لا انشائية، كذا في فتح القدير. وذكر في تحريره أن الاوجه أن الواو للاستئناف عدة أو غيره لا للعطف للانقطاع، ولا شك أنه مجاز لكن ترجح على مجاز أنها للحال بالاصل وهو براءة الذمة وعدم إلزام المال بلا معين، واتفقوا على أنها للحال في أد الي ألفا وأنت حر وانزل وأنت آمن لتعذر العطف لكمال الانقطاع بين الجملتين لكنه من باب القلب لان الشرط الاداء والنزول، واتفقوا على أنها بمعنى الباء وهو المعاوضة في قوله احمل هذا الطعام ولك درهم لان المعاوضة في الاجارة أصلية، واتفقوا على تعين الاصل وهو العطف من غير احتمال غيره في

[ 142 ]

خذه واعمل به في البز للانشائية فلا تتقيد المضاربة به ولو نوى، واتفقوا على احتمال الامرين في أنت طالق وأنت مريضة أو مصلية لانه لا مانع من كل منهما ولا معني فيتنجز الطلاق قضاء ويتعلق ديانة إن أراده. فالضابط الاعتبار بالصلاحية وعدمها فإن تعين معنى الحال تقيد وإلا فإن احتمل فالمعين النية وإلا كانت لعطف الجملة، كذا في التحرير والبديع. وعلى هذا الخلاف لو قالت طلقني ولك ألف أو اخلعني ولك ألف ففعل فعنده وقع ولم يجب المال. وقالا: يجب المال، كذا في الكافي. وفي المحيط: لو قالت طلقني ولك ألف فقال طلقتك على الالف التي سميتها إن قبلت يقع الطلاق ويجب المال، وإن لم تقبل لا يقع الطلاق ولم يجب عنده لانها التمست طلاقا بغير عوض لان قولها ولك ألف لم يكن تعويضا على الطلاق فقد أعرض الزوج عما التمست حيث أوقع طلاقا بعوض، فإن قبلت وقع وإلا بطل. وعندهما يقع ويجب المال ا ه‍. ثم اعلم أن الوقوع مجانا مع ذكر المال لا يختص بمسألة الكتاب بل يكون في مسائل أخرى منها لو قال أنت طالق على عبدي هذا فإذا هو حر فقبلت طلقت مجانا لعدم صحة التسمية، وأوجب عليها زفر قيمته قياسا على تسمية عبد الغير، وفرقنا بإمكان تسليمه بإجازة مالكه في المقيس عليه وفي المقيس لا يتصور تسليمه. ومنها لو قالت طلقني واحدة بألف أو على ألف فطلقها ثلاثا ولم يذكر الالف طلقت ثلاثا مجانا عنده للمخالفة، وعندهما طلقت ثلاثا وعليها الالف بإزاء الواحدة لانه مجيب بالواحدة مبتدئا بالباقي، وإن ذكر الالف لا يقع شئ عنده ما لم تقبل المرأة، وإذا قبلت الكل وقع الثلاث بالالف، وعندهما إن لم تقبل فهي طالق واحدة، فقط، وإن قبلت طلقت ثلاثا واحدة بألف وثنتان بغير شئ، كذا في الكافي. قوله: (وصح خيار الشرط لها لا له) لما قدمنا أنه معاوضة من جهتها ويمين من جهته ولذا صح رجوعها قبل القبول ولا تصح إضافتها وتعليقها بالشرط، ولا يتوقف على ما وراء المجلس وانعكست الاحكام من جانبه وهما منعاه من جانبها أيضا نظرا إلى جانب اليمين، والحق ما قاله الامام رضي الله تعالى عنه. أطلقه فشمل الخلع والطلاق على مال ويتفرع على هذا الاصل مسائل منها ما لو قال أنت طالق على ألف على أنني بالخيار ثلاثة أيام فقبلت بطل الخيار ووقع الطلاق. ومنها ما لو قال أنت طالق على ألف على أنك بالخيار ثلاثة أيام فقبلت إن ردت الطلاق في الايام الثلاثة بطل الطلاق، وإن اختارت الطلاق في الايام الثلاثة وقع

[ 143 ]

ووجب الالف له، وعندهما الطلاق واقع في الوجهين والمال لازم عليها والخيار باطل في الوجهين، كذا في الكافي وغيره. وفي فتاوى قاضيخان من باب الاكراه: لو قال لامرأته أنت طالق على ألف على إنك بالخيار ثلاثة أيام فقبلت يقع الطلاق ولها الخيار في قول أبي حنيفة ا ه‍. وهو مشكل والظاهر أنه سبق قلم فإن الطلاق لا يقع قبل إسقاط الخيار إما بالرضا أو بمضي المدة لا أنه وقع ثم يرتفع بالفسخ بالخيار ولذا قال في البدائع: إن أبا يوسف ومحمدا يقولان في مسألة الخيار إن الخيار إنما شرع للفسخ والخلع لا يحتمل الفسخ. وجواب أبي حنيفة عن هذا أن محل الخيار في منع انعقاد العقد في حق الحكم على أصل أصحابنا فلم يكن العقد منعقدا في حق الحكم للحال بل موقوف إلى وقت سقوط الخيار فحينئذ يعمل على ما عرف في البيوع ا ه‍. فإن قلت: هل يصح اشتراط الخيار لها بعد الخلع؟ قلت: لم أره صريحا ومقتضى جعله كالبيع أن يصح لان شرط الخيار اللاحق بعد البيع كالمقارن مع أن فيه اشكالا لان الطلاق وقع حيث كان بلا شرط فكيف يرتفع بعد وقوعه؟ وأطلق في المدة فشمل اشتراطه لها أكثر من ثلاثة عنده والفرق للامام بينه وبين البيع أن اشتراطه في البيع على خلاف القياس لانه من التمليكات فيقتصر على مورد النص، وفي الخلع على وفقه لانه من الاسقاطات، والمال وإن كان مقصودا فيه بالنظر إلى العاقد لكنه تابع في الثبوت في الطلاق الذي هو مقصود العقد كما أن الثمن تابع في البيع وبالنظر إلى المقصود يلزم أن لا يتقدر بالثلاث، كذا في الكشف من آخر بحث الهزل، فعلى هذا إذا قدرا وقتا ومضى بطل الخيار سواء كان ثلاثة أو أكثر ووقع الطلاق ولزم المال، وإذا أطلقا ينبغي أن يكون لها الخيار في مجلسها فقط، فإن قامت منه بطل استنباطا مما إذا أطلقا في البيع لما أنه له شبه البيع. وذكر الشارح أن جانب العبد في العتاق مثل جانب المرأة في الطلاق حتى صح اشتراط الخيار له دون المولى. ثم اعلم أنهم نقلوا هنا أنه لا يصح تعليقها للخلع لكونه معاوضة من جهتها، وقد ذكر الحاكم في الكافي أنها لو قالت إن طلقتني ثلاثا فلك علي ألف درهم، فإن قبل في المجلس فله الالف، وإن قبل بعده فلا شئ له. وعزاه إليه في فتح القدير ولم يتعقبه مع أنه تعليق منها له بصريح الشرط. وظاهر إطلاقهم أنه لا فرق بين أن يعلق القبول أو الايجاب. وفي البزازية: خالعها وقالت إن لم أؤد البدل إلى أربعة أيام فالخلع باطل فمضت المدة ولم تؤد فهذه بمنزلة شرط الخيار في الخلع وأنه على الخلاف إذا كان من

[ 144 ]

جانبها ا ه‍. يعني إذا مضت المدة قبل الاداء بطل الخلع وإن أدت في المدة وقع كمسألة خيار العقد في البيع، واستفيد منه أن الخيار لا يتقيد بالثلاث كما قدمناه صريحا. وقيد بخيار الشرط لان خيار الرؤية لا يثبت في الخلع ولا في كل عقد لا يحتمل الفسخ كما ذكره العمادي في فصوله، وأما خيار العيب في بدل الخلع فثابت في العيب الفاحش دون اليسير والفاحش ما يخرجه من الجودة إلى الوساطة ومن الوساطة إلى الرداءة ا ه‍. وفي جامع الفصولين: الاصل أن من له الرجوع عن خطابه قولا يبطل خطابه بقيامه ومن لا رجوع له لا يبطل بقيامه ثم قال: والحاصل أن الخلع من جانبه يبطل بقيامها لا بقيامه ومن جانبها يبطل بقيام كل منهما ا ه‍. قوله: (طلقتك أمس بألف فلم تقبلي وقالت قبلت صدق بخلاف البيع) والفرق أن الطلاق على مال بلا قبول عقد تام وهو عقد يمين فلا يكون إقراره به اقرارا بقبول المرأة، أما البيع بلا قبول المشتري فليس ببيع فكان إقراره به اقرارا بقبول المشتري، فدعواه بعده عدم قبول تناقض ومراده من تصديق الزوج قبول قوله مع يمينه كما نص عليه العمادي في الفصول، ولو قيد المسألة بالمال كما في الهداية لكان أولى ولولا ما ذكره المصنف في الكافي شرحا لقوله بخلاف البيع من أن صورته ما لو قال لغيره بعت منك هذا العبد بألف درهم أمس فلم تقبل وقال المشتري قبلت إلى آخره لشرحت قوله بخلاف البيع بما لو قال بعتك طلاقك أمس فلم تقبلي فقالت بل قبلت، فقد نص في فتح القدير أن القبول لها لمناسبته للطلاق وفيه: ولو قال لعبده أعتقك أمس على ألف فلم تقبل وبعتك أمس نفسك منك بألف فلم تقبل على قياس قول الزوج لها ا ه‍. وفي التتارخانية: لو أقاما بينة أخذ ببينة المرأة ا ه‍. وفي البزازية: ادعى الخلع على حالها والمرأة تنكر يقع الطلاق بإقراره والدعوى في المال على حالها وعكسه لا يقع كيفما كان ادعت المهر إو نفقة العدة، لانه طلقها وادعى الخلع وليس لها بينة ففي حق المهر القول لها وفي النفقة قوله ا ه‍. وينبغي حمله على ما إذا كان مدعيا أن نفقة العدة من جملة بدل الخلع وعلى تقديره فالفرق أن المهر كان ثابتا عليه قبله فدعواه سقوطه غير مقبول، وأما نفقة العدة فليست واجبة قبله وهي تدعي استحقاقها بالطلاق وهو ينكر فكان القول له وهو مشكل فإنهما اتفقا على سبب استحقاقها لان الخلع والطلاق يوجبان نفقة العدة فكيف تسقط؟ وفي جامع الفصولين: اختلفا في كمية الخلع فقال مرتان وقالت ثلاث قيل القول له، وقيل لو اختلفا بعد التزوج فقالت لم يجز التزوج لانه وقع بعد الخلع الثالث

[ 145 ]

وأنكره فالقول له، ولو اختلفا في العدة وبعد مضيها فقال هي عدة الخلع الثاني وقالت هي عدة الخلع الثالث فالقول لها فلا يحل النكاح ا ه‍. وفي القنية: لو أقامت بينة أن زوجها المجنون خالعها في صحته وأقام وليه أو هو بعد الافاقة بينة أنه خالعها في جنونه فبينة المرأة أولى ا ه‍. وفي كافي الحاكم: قال لها قد طلقتك واحدة بألف فقبلت فقالت إنما سألتك ثلاثا بألف فطلقتني واحدة فلك ثلثها فالقول للمرأة مع يمينها، فإن أقاما البينة فالبينة بينة الزوج، وكذا لو اختلفا في مقدار الجعل بعد الاتفاق على الخلع أو قالت اختلعت بغير شئ فالقول قولها والبينة بينة الزوج، أما إذا اتفقا أنها سألته أن يطلقها ثلاثا بألف وقالت طلقتني واحدة وقال هو ثلاثا فالقول قوله إن كانا في المجلس، ألا ترى أنه لو قال لها أنت طالق أنت طالق أنت طالق في مجلس سؤالها الثلاث بألف كان له الالف؟ فغاية هذا أن يكون موقعا الباقي في المجلس فيكون مثله، وإن كان غير ذلك المجلس لزمها الثلاث، وإن كانت في العدة فمن المتفق عليه ولا يكون للزوج إلا ثلث الالف، وإن قالت سألتك أن تطلقني ثلاثا على ألف فطلقتني واحدة فلا شئ لك يعني على قول أبي حنيفة، وقال هو بل سألتني واحدة على ألف فطلقتكها فالقول قولها على قول أبي حنيفة، وإن قالت سألتك ثلاثا بألف فطلقتني في ذلك المجلس واحدة والباقي في غيره وقال بل الثلاث فيه فالقول لها، وإن قالت سألتك أن تطلقني أنا وضرتي على ألف فطلقتني وحدي وقال طلقتها معك وقد افترقا من ذلك المجلس فالقول لها وعليها حصتها من الالف والاخرى طالق بإقراره، وكذا إذا قالت فلم تطلقني ولا في ذلك المجلس، وفي مسألة خلع الثنتين بسؤال واحد تنبيه وهو أنه إذا خلع امرأتيه على ألف كانت منقسمة على قدر ما تزوجهما عليه من المهر حتى لو سألتاه طلاقهما على ألف أو بألف فطلق إحداهما لزم المطلقة حصتها من الالف على قدر ما تزوجها عليه، فإن طلق الاخرى في ذلك المجلس أيضا لزمها حصتها لان الالف تنقسم عليهما بالسوية، ولو طلقهما بعدما افترقوا فلا شئ له. وإذا ادعت المرأة الخلع والزوج ينكره فأقامت بينة فشهد أحدهما بالالف والآخر بألف وخمسمائة أو اختلفا في جنس الجعل فالشهادة باطلة. وإن كان الزوج هو المدعي للخلع والمرأة تنكره فشهد أحد شاهديه بألف والآخر بألف وخمسمائة والزوج يدعي ألفا وخمسمائة حازت شهادتهما على الالف، وإن ادعى ألفا لم تجز شهادتهما ولزمه الطلاق بإقراره، كذا في فتح القدير. وفيه: لو اختلفا في مقدار العوض فالقول لها عندنا، وعند الشافعي يتحالفان ا ه‍. وفي البزازية: دفعت بدل الخلع وزعم الزوج أنه قبضه بجهة أخرى، أفتى الامام ظهير الدين أن القول له، وقيل لها لانها المملكة.

[ 146 ]

قوله: (ويسقط الخلع والمبارأة كل حق لكل واحد على الآخر مما يتعلق بالنكاح حتى لو خالعها أو باراها بمال معلوم كان للزوج ما سمت له ولم يبق لاحدهما قبل صاحبه دعوى في المهر مقبوضا كان أو غير مقبوض قبل الدخول بها أو بعده) لان الخلع كالبراءة يقتضي البراءة من الجانبين لانه ينبئ عن الخلع وهو الفصل ولا يتحقق ذلك إلا إذا لم يبق لكل واحد منهما قبل صاحبه حق وإلا تحققت المنازعة بعده. والمبارأة بالهمزة وتركها خطأ وهي أن يقول الزوج برئت من نكاحك بكذا، كذا في شرح الوقاية. ولا يخفى وقوع الطلاق البائن في هذه الصورة وقد صورها في فتح القدير بأن يقول بارأتك على ألف وتقبل ولم يذكر وقوع الطلاق به، وقد صرح بوقوع الطلاق بهذا اللفظ في الخلاصة والبزازية لكن قال فيها نية الطلاق في الخلع والمبارأة شرط الصحة إلا أن المشايخ لم يشترطوه في الخلع لغلبة الاستعمال، ولان الغالب كون الخلع بعد مذاكرة الطلاق، فلو كانت المبارأة أيضا كذلك لا حاجة إلى النية وإن كان من الكنايات وإن لم يكن كذلك فبقيت مشروطه في المباراة وسائر الكنايات على الاصل ا ه‍. وشمل أول كلامه ستة عشر وجها لانه لا يخلو إما أن لا يسميا شيئا أو سميا المهر أو بعضه أو مالا آخر، وكل وجه على وجهين إما أن يكون المهر مقبوضا أو لا، وكل على وجهين إما أن يكون قبل الدخول أو بعده، فإن لم يسميا شيئا برئ كل منهما كما صححه في الخلاصة والبزازية. وعبارة الخلاصة: لو خالعها ولم يذكر العوض عليها فهو على وجوه: الاول أن يسكت عنه: ذكر شمس الائمة السرخسي في نسخته أنه يبرأ كل واحد منهما عن دعوى صاحبه وذكر الامام خواهر زاده أن هذا إحدى الروايتين عن أبي حنيفة، وهو الصحيح وإن لم يكن على الزوج مهر فعليها رد ما ساق إليها من المهر لان المال مذكور عرفا بذكر الخلع، وفي رواية عن أبي حنيفة وهو قولهما أنه لا يبرأ أحدهما عن صاحبه ا ه‍. وهكذا ذكر في البزازية وظاهر عبارتهما أولا أن المهر إذا كان مقبوضا فلا رجوع له عليها، وصريح كلامهما ثانيا الرجوع. وقد صرح قاضيخان في فتاويه في هذه الصورة بأنها ترد ما

[ 147 ]

ساق إليها من المهر فحينئذ لم يبرأ كل منهما عن صاحبه، وقد ظهر لي أن محل البراءة لكل منهما ما إذا خالعها بعد ما دفع لها معجل المهر وقد بقي مؤجله فإنه يبرأ عن مؤجله وتبرأ هي عن معجله، ولذا قال في المحيط: وهو الصحيح أنه يسقط من المهر ما قبضت المرأة فهو لها وما كان باقيا في ذمة الزوج يسقط ا ه‍. وفي البزازية: قال لها خلعتك فقالت قبلت لا

[ 148 ]

يسقط شئ من المهر ويقع الطلاق البائن بقوله إذا نوى ولا دخل لقبولها حتى إذا نوى الزوج الطلاق ولم تقبل المرأة يقع البائن، وإن قال لم أرد الطلاق لا يقع ويصدق قضاء وديانة بخلاف قوله خالعتك فقالت قبلت يقع الطلاق والبراءة ا ه‍. وحاصله أن الفرق بين خلعتك وخالعتك من وجهين: الاول أن خلعتك لا يتوقف على القبول بخلاف خالعتك. الثاني لا يبرأ في الاول ويبرأ في الثاني فلذا قال في الكتاب: حتى لو خالعها بصيغة المفاعلة. الثاني أن يصرح بنفي العوض فيه كما لو قال لها اخلعي نفسك مني بغير شئ ففعلت وقبل الزوج صح بغير شئ لانه صريح في عدم المال ووقوع البائن، كذا في البزازية. يعني فلا يبرأ كل منهما عن حق صاحبه كما لا يخفى. الثالث أن يقع ببدل على الزوج. قال في البزازية قال الامام في الاسرار: يجوز الخلع ولا يجوز بدل المال. وقال بعضهم: يجوز والمختار الجواز، وطريقه أن يحمل على الاستثناء من المهر لان الخلع يوجب براءته من المهر فكأنه قال إلا قدرا من المهر فإنه لا يسقط عني، فإن لم يكن عليه مهر يجعل كان ذلك القدر استثنى عن نفقة العدة، فإن زاد على نفقة العدة يجعل كأنه زاد على مهرها ذلك القدر قبل الخلع ثم خالع تصحيحا للخلع بقدر الامكان ا ه‍. وبه علم حكم ما إذا خالعها واشترطت عليه أن يدفع لها بعض المهر فإنه صحيح. الرابع أن يقع بشرط أن يكون المهر لولدها أو لاجنبي. قال في البزازية: خالعها على أن يجعل صداقها لولدها أو لاجنبي جاز والمهر للزوج لا لغيره ا ه‍. وإن سميا المهر فإن كان مقبوضا رجع بجميعه وإلا سقط عنه كله مطلقا في الاحوال كلها. وفي البزازية: خلع زوجته على أن ترد عليه جميع ما قبضت منه وكانت وهبته أو باعته من إنسان ولم ترد ذلك عليه رجع عليها بقيمة ذلك إن عروضا وبالمثل في المكيلات والموزونات كأنه استحق بدل الخلع فيرجع بالقيمة ا ه‍. وفيها: خالعها بغير خسران يلحق الزوج إذا أبرأته عن مهرها يقع الطلاق وإلا لا لان ارتفاع الخسران يكون بسلامة المهر له ا ه‍. وإن سميا بعض المهر كالعشر مثلا فإن كان مقبوضا رجع بالمسمى فقط

[ 149 ]

إن كان بعد الدخول وسلم لها الباقي وبنصفه فقط إن كان قبله، وإن لم يكن مقبوضا سقط الكل مطلقا المسمى بحكم الشرط والباقي بحكم لفظ الخلع. وإن سميا مالا آخر غير المهر فله المسمى وبرئ كل منهما مطلقا في الاحوال كلها. وبما قررناه ظهر أن قولهم الخلع يسقط كل الحقوق ليس في جميع الصور ويستثنى منه ما إذا خالعها على مهرها أو بعضه وكان مقبوضا فإنها ترده ولا تبرأ. ومقتضى إطلاقهم البراءة إلا أن يقال إن مرادهم البراءة عن سائر الحقوق ما عدا بدل الخلع والمهر بدل الخلع فلا تبرأ عنه كما لو كان مالا آخر. وبما قررناه ظهر أن الوجوه أربعة وعشرون، لانه إما أن يسكتا عن البدل أو ينفى أو يشترط على الزوج أو عليها أو مهرها أو بعضه، وكل على وجهين إما أن يكون مقبوضا أو لا، وكل على وجهين إما أن يكون قبل الدخول أو بعده. هذا إن كان المسمى معلوما موجودا متقوما أو محمولا جهالة مستدركة كثوب هروي أو مروي. وإن فحشت الجهالة كمطلق ثوب أو تمكن الخطر بأن خلعها على ما يثمر نخلها العام أو على ما في البيت وليس فيه شئ بطلت التسمية وردت ما قبضت من المهر، كذا في البزازية. وقدمناه. ثم اعلم أنه بقي هنا صورة وهي ما في البزازية: اختلفت مع زوجها على مهرها ونفقة عدتها على أن الزوج يرد عليها عشرين درهما صح ولزم الزوج عشرون، دليله ما ذكر في الاصل: خالعت على دار على أن الزوج يرد عليها ألفا لا شفعة فيه، وفيه دليل على أن إيجاب بدل الخلع عليه يصح. وفي صلح القدوري: ادعت عليه نكاحا وصالحها على مال بذله لها لم يجز، وفي بعض النسخ جاز والرواية الاولى تخالف المتقدم، والتوفيق أنها إذا خالعت على بدل يجوز إيجاب البدل على الزوج أيضا ويكون مقابلا ببدل الخلع، وكذا إذا لم يذكر نفقة العدة في الخلع ويكون تقديرا لنفقة العدة، أما إذا خالعت على نفقة العدة ولم تذكر عوضا آخر ينبغي أن لا يجب بدل الخلع على الزوج وقد ذكرنا ما فيه من الوجه ا ه‍. قيد بالخلع والمبارأة لان الطلاق على مال لا يسقط شيئا مما يتعلق بالنكاح في ظاهر الرواية وصححه الشارحون وقاضيخان وفي البزازية والولوالجية وعليه الفتوى بعد أن حكي

[ 150 ]

أن فيه روايتين عن الامام وأن عندهما هو كالخلع. وفي موضع منها: طلقها على ألف قبل الدخول ولها عليه ثلاثة آلاف تسقط ألف وخمسمائة بالطلاق قبل الدخول وبقي عليه ألف وخمسمائة وتقاصا بألف، ولا ترجع عليه بخمسمائة عند البلخي وترجع عند غيره، وعليه الفتوى بناء على أن صريح الطلاق بقدر من المال هل يوجب البراءة من المهر عند الامام أم لا، فالبلخي يوجبه وغيره لا ا ه‍. ثم اعلم أن الاولى في التعبير أن يقال إن الطلاق على مال لا يسقط المهر فقد صرح في شرح الوقاية والخلاصة والبزازية والجوهرة بأن النفقة المقتضى بها تسقط بالطلاق. وأطلقوه فشمل الطلاق بمال وغيره وسنتكلم عليه إن شاء الله تعالى في كتاب النفقات. وأما الخلع بلفظ البيع والشراء فقال قاضيخان في فتاواه: إنه لا يوجب البراءة عن المهر إلا بذكره اتفاقا وهو الصحيح. وصحح في الفتاوى الصغرى أنه يوجب البراءة كالخلع واختاره العمادي في الفصول. وأطلق في الحق فشمل المهر والنفقة المفروضة والماضية والكسوة كذلك، وأما المتعة فقال في البزازية: خالعها قبل الدخول وكان لم يسم مهرا تسقط المتعة بلا ذكر ا ه‍. وأما نفقة العدة فلم تدخل تحت العموم لانها لم تكن واجبة قبل الخلع لتسقط به وإنما تسقط بالتنصيص. قال البزازي: اختلعت بمهرها ونفقة عدتها صح وإن لم تجب النفقة بعد وهي مجهولة لدخولها تبعا كبيع الشرب تبعا للارض وإن كان مجهولا. وفي شرح الطحاوي: خالعها على نفقة العدة صح ولا تجب النفقة بخلاف ما لو أبرأت الزوج عن النفقة في المستقبل لا يصح. وفي الظهيرية: إن أبرأته عن نفقة العدة بعد الخلع لا يصح، وكذا بعد الطلاق وقيل يصح وهو الاشبه ا ه‍. ما في البزازية. وفيها في موضع آخر: اختلعت بتطليقة بائنة على كل حق يجب للنساء على الرجال قبل الخلع وبعده ولم يذكر الصداق ونفقة العدة تثبت البراءة عنهما لان المهر ثابت قبل الخلع وبعد تثبت نفقتها ا ه‍. وفي الخانية من العدة: رجل طلق امرأته ثم صالحته من نفقة العدة على شئ إن كانت عدتها بالاشهر جاز الصلح لان زمان العدة معلوم، وإن كانت عدتها بالحيض لا يجوز لان المدة غير معلومة ا ه‍. وأما السكني فلم يصح أسقاطها بحال لما أن سكناها في غير بيت الطلاق معصية إلا إن أبرأته عن مؤنة السكن بأن كانت ساكنة في بيت نفسها أو تعطى الاجرة من مالها فيصح التزامها ذلك، كذا في فتح القدير. أما إذا شرطا البراءة من نفقة الولد وهي مؤنة الرضاع إن وقتا لذلك وقتا كسنة مثلا صح ولزم وإلا لا يصح. وفي المنتفى: إن كان الولد رضيعا صح وإن لم يبين المدة وترضعه حولين ا ه‍. بخلاف الفطيم كذا في فتح القدير. واقتصر في البزازية على ما في المنتفى فإن تركته على الزوج وهربت فللزوج أن يأخذ قيمة النفقة منها ولها أن تطالبه بكسوة الصبي إلا إذا اختلعت على نفقته وكسوته

[ 151 ]

فليس لها أن تطالبه وإن كانت الكسوة مجهولة، سواء كان الولد رضيعا أو فطيما. ولو خالعته على نفقة ولده شهرا وهي معسرة فطالبته بنفقته يجبر عليها وعليه الاعتماد لا على ما أفتى به بعضهم من سقوط النفقة، كذا في فتح القدير: وهو المذكور في القنية. وإن مات الولد قبل تمام الوقت كان للزوج الرجوع عليه بحصة الاجر إلى تمام المدة. والحيلة في براءتها أن يقول الزوج خالعتك على أني برئ من نفقة الولد إلى سنتين. فإن مات الولد قبلها فلا رجوع لي عليك، كذا في الخانية، بخلاف ما لو استأجر الطئر للارضاع سنة بكذا على أنه إن مات قبلها فالاجر كله لها فالاجارة فاسدة، كذا في إجارات الخلاصة. ومقتضى مسألة موت الولد قبل المدة أن نفقة العدة لو جعلت بدلا في الخلع ثم لم تسكن في منزل الطلاق حتى صارت ناشزة وسقطت نفقتها أن يرجع الزوج عليها بالنفقة وأنه إذا شرط أنها إذا لم تسكن فلا رجوع أن يصح الشرط كما لا يخفى فإن قلت: إذا خالعها على نفقة العدة ثم تزوجها بعد خمسة أيام مثلا فهل يرجع عليها ببقية النفقة؟ قلت: نعم لما في القنية: اختلعت نفسها بالمهر ونفقة العدة ونفقة ولده سنة ثم مات الولد بعد خمسة أيام وتزوجها يرجع بنفقة بقية العدة وبقية نفقة ولده سنة ا ه‍. وهو دليل لما ذكرناه في مسألة النشوز. ثم اعلم أن موتها وعدم وجود ولد في بطنها كموته في أثناء المدة من كونها ترد قيمة الرضاع كما في المحيط. ولو اختلعت على أن تمسكه إلى وقت البلوغ صح في الانثى لا الغلام، وإذا تزوجت فللزوج أن يأخذ الولد ولا يتركه عندها، وإن اتفقا على ذلك لان هذا حق الولد وينظر إلى مثل إمساك الولد في تلك المدة فيرجع به عليها، كذا في فتح القدير. ومقتضاه أنها لو قصرت في الانفاق عليه أن يرجع عليها بقيمة النفقة وينفق هو عليه نظرا له. وفي الولوالجية من كتاب الصلح: صالحها على أن يطلقها على أن ترضع ولده سنتين على أن زادها ثوبا بعينه وقبضته فاستهلكته وأرضعت الصبي سنة ثم مات فإن الزوج يرجع عليها إذا كانت قيمة الثوب والمهر سواء بنصف قيمة الثوب وبربع قيمة الرضاع. ولو زادت مع ذلك شاة قيمتها مثل قيمة الرضاع رجع عليها بربع الثوب وبربع قيمة الرضاع وسلمت له الشاة

[ 152 ]

وتوضيحه فيها وقد أطال في بيانه فليراجع. قيد بقوله مما يتعلق بالنكاح لانهما لا يوجبان البراءة من دين آخر سوى النكاح على الصحيح لانه وإن كان مطلقا فقد قيدناه بحقوق النكاح لدلالة الغرض. وادعى في الجوهرة الاجماع عليه وليس بصحيح فقد روي عن الامام البراءة عن سائر الديون كما في فتح القدير. فإن قلت: لو اختلعت على أن لا دعوى لكل على صاحبه هل يشمل ما ليس من حقوق النكاح؟ قلت: مقتضى الابراء العام ذلك لكن المنقول في البزازية: اختلعت على أن لا دعوى لكل على صاحبه ثم ادعى أن له عندها كذا من القطن يصح لان البراءة تختص بحقوق النكاح ا ه‍. وكأنه لما وقع في ضمن الخلع تخصص بما هو من حقوق النكاح وأراد بالنكاح ما ارتفع بهذا الخلع لانه إذا تزوج امرأة على مهر مسمى ثم طلقها بائنة بعد الدخول ثم تزوجها ثانيا بمهر آخر ثم اختلعت منه على مهرها برئ الزوج عن المهر الذي يكون في النكاح الثاني دون الاول، كذا في الخانية. وإنما نص على المهر ليعلم سقوط باقي الحقوق بالاولى. وأطلق النكاح فانصرف إلى الصحيح فالخلع في الفاسدة غير مسقط لمهر المثل كما في البزازية. وقيد بقوله خالعها المفيد لكونه خاطبها لانه لو خالعها مع أجنبي بمال فإنه لا يسقط المهر لانه لا ولاية للاجنبي في إسقاط حقها وهو خلع الفضولي وسنتكلم عليه مع خلع الوكيل والرسول إن شاء الله تعالى. قوله: (ولو خلع صغيرة بمالها لم يجز عليها) أي لا يلزمها المال لانه لا نظر لها فيه لعدم تقوم البضع حالة الخروج، وإنما فسرنا عدم الجواز في كلامه بعدم لزوم المال لان الصحيح وقوع الطلاق كما في الهداية لانه تعليق بشرط قبوله فيعتبر بالتعليق بسائر الشروط. هذا إذا قبل الاب، فإن قبلت وهي عاقلة تعقل أن النكاح جالب والخلع سالب وقع الطلاق بالاتفاق ولا يلزمها المال. وذكر صاحب المنظومة أن خلع الصغيرة بمال مع الزوج إن كان بلفظ الخلع يقع البائن، وإن كان بلفظ الطلاق يقع الرجعي. وفي جامع الفصولين: لو طلق الصبية بمال يقع رجعيا وفي الامة يصير بائنا إذا الطلاق بمال يصح في الامة لكنه مؤجل وفي الصبية يقع بلا مال ا ه‍. وفي جوامع الفقه: طلقها بمهرها وهي صغيرة عاقلة فقبلت وقعت طلقة ولا يبرأ. وإن قبل أبوها أو أجنبي روى هشام عن محمد أنه يقع، وروى الهندواني عن محمد أنه لا يقع، فلو بلغت وأجازت جاز، كذا في فتح القدير. وذكر الشارح ولو شرط الزوج البدل عليها توقف على قبولها إن كانت أهلا، فإن قبلت وقع اتفاقا ولا يلزم المال، وإن قبل الاب عنها صح في رواية لانه نفع محض لانها تتخلص بلا مال، ولا يصح في أخرى لان قبولها بمعنى شرط اليمين وهو لا يحتمل النيابة وهذا هو الاصح ا ه‍. أطلق في مالها فشمل مهرها الذي على الزوج ولذا قال في البزازية: والخلع على مهرها ومال آخر سواء في الصحيح ا ه‍. وقيد بالصغيرة ليفيد أنه لو خلع كبيرته بلا إذنها فإنه لا يلزمها المال بالاولى لانه كالاجنبي في حقها. وفي البزازية: الكبيرة إذا خلعها أبوها أو أجنبي بإذنها جاز

[ 153 ]

والمال عليها وإن بلا إذنها لم يجز وترجع بالصداق على الزوج والزوج على الاب إن ضمن الاب، وإن لم يضمن فالخلع يتوقف على قبولها إن قبلت تم الخلع في حق المال، وهذا دليل على أن الطلاق واقع، وقيل لا يقع الطلاق ها هنا إلا بإجازتها ا ه‍. وقيد بالاب لانه لو جرى الخلع بين زوج الصغيرة وأمها فإن أضافت الام البدل إلى مال نفسها أو ضمنت تم الخلع كالاجنبي، وإن لم تضف ولم تضمن لا رواية فيه، والصحيح أنه لا يقع الطلاق بخلاف الاب. وإن كان العاقد أجنبيا ولم يضمن البدل إن كانت الصغيرة تعقل العقد والزوج والصداق أنه ما هو يتوقف على إجازتها، وقيل لا يتوقف، ومذهب مالك أن الاب إذا علم أن الخلع خير لها بأن كان الزوج لا يحسن عشرتها فالخلع على صداقها صحيح، فإن قضى به قاض نفذ قضاؤه، كذا في البزازية. وفيها: وإذا أراد أن يصح خلع الصغيرة على وجه يسقط المهر والمتعة عن زوجها يخالع أجنبي مع زوجها على مال قدر المهر والمتعة فيجب البدل على الاجنبي للزوج ثم يحيل الزوج بما عليه من الصداق والمتعة لمن له ولاية قبض صداقها على ذلك الاجنبي فيبرأ الزوج عن المهر ويكون في ذمة ذلك الرجل ا ه‍. وفيها من موضع آخر: وحيلة أخرى أن يحيل الزوج بالصداق على الاب فيبرأ الزوج منه وينتقل إلى ذمة الاب والاب يملك قبول الحوالة إذا كان المحتال عليه املا من المحيل والغالب كون الاب أملا من الزوج، كذا لو كان المحتال عليه مثل المحيل في الملاءة، ذكره في الجامع الصغير. وذكر اسحق الولوالجي أنه لا يملك قبولها لو مثله في الملاءة ولو كان المخالع وليا غير الاب جعله القاضي وصيا حتى يملك قبولها. وذكر الحاكم حيلة أخرى وهو أن يقرب الاب بقبض صداقها ونفقة عدتها ثم يطلقها الزوج بائنا. وهذا خاص بالاب لصحة إقراره بالقبض بخلاف سائر الاولياء ويبرأ الزوج في الظاهر لاقرار الاب لا في إقرار غيره، ويكتب إقرار الاب بقبض حقها وطلاق الزوج بائنا ا ه‍. وتعقبه في جامع الفصولين بأن الاب إذا كان كاذبا في الاقرار لم يبرأ الزوج عند الله ويحرم عليه فلم تكن هذه الحيلة شرعية ولذا قال في الظاهر ا ه‍. وفيها أيضا: وكلت الصغيرة بالخلع ففعل الوكيل في رواية يصح ويتم الخلع وله البدل، وفي رواية لا إلا إذا ضمن الوكيل البدل، وإن لم يضمن الوكيل البدل لا يقع الطلاق. قال لها وهي صغيرة إن غبت عنك فأمرك بيدك فطلقي نفسك مني متى شئت بعد أن تبرئي ذمتي من المهر فوجد الشرط فطلقت نفسها بعد ما أبرأته لا يسقط المهر لعدم صحته ابراء الصغيرة ويقع الرجعي لانه كالقائل لها عند وجود الشرط أنت طالق على كذا وحكمه ما ذكرنا ا ه‍. وقيد

[ 154 ]

بالانثى لانه لو خلع ابنه الصغير لا يصح ولا يتوقف خلع الصغير على إجازة الولي ا ه‍. وحاصله أنه في الصغيرة لا يلزم المال مع وقوع الطلاق وفي الصغير لا وقوع أصلا. قوله: (ولو بألف على أنه ضامن طلقت والالف عليه) أي على الاب الملتزم لان اشتراط بدل الخلع على الاجنبي صحيح فعلى الاب أولى، ولا يسقط مهرها لانه لم يدخل تحت ولاية الاب فإذا بلغت تأخذ نصف الصداق إن كان قبل الدخول، وكله إن كان بعده من الزوج ويرجع هو على الاب الضامن أو ترجع على الاب ولا يرجع هو على الزوج، ولو كان المهر عينا أخذته من الزوج كله إن كان بعد الدخول، ونصفه إن كان قبله ويرجع الزوج على الاب الضامن بقيمته، كذا في فتح القدير وليس بصحيح لان هذا حكم ما إذا خالعها على صداقها على أنه ضامن له فحينئذ إذا رجعت به على الزوج رجع الزوج به على الاب لضمانه، والكلام هنا إنما هو فيما إذا خالعها على الالف على أنه ضامن لها وحكمه لزوم الالف عليه للزوج، وإذا رجعت على الزوج بمهرها فلا رجوع له على أبيها لانه لم يضمن له الصداق مع أن في جامع الفصولين في مسألة ما إذا خالعها أبوها على مهرها وضمنه أنها ترجع على الاب لا على الزوج، هذا لو ضمن مهرها للزوج وإلا فلا شك أن المهر لا يسقط بهذا الخلع لصغرها ا ه‍. والظاهر أنها مخيرة إن شاءت رجعت على زوجها أو أبيها. وفي البزازية: خالعها أبوها أو أجنبي على صداقها إن ضمن المخالع تم ووقع كائنا من كان العاقد وبعد البلوغ آخذت الزوج بنصفه لو قبل الدخول وبكله لو بعده. وقال شمس الائمة: ترجع به على الاب لا على الزوج وإذا لم يضمن الاب لا شك أن الصداق لا يسقط، وهل تقع البينونة؟ وإن قبلت الصغيرة وهي أهل للقبول وقع اتفاقا، وإن لم تقبل إن كان المخالع أجنبيا ولم يضمن لا يقع اتفاقا، وتكلموا أنه هل يتوقف على إجازتها إذا بلغت قيل لا يتوقف وإن كان العاقد أبا ولم يضمن للزوج قال بكر: اختلفت المشايخ في الوقوع. وقال الامام الحلواني: فيه روايتان. وفي حيل الاصل أنه لا يقع ما لم يضمن الاب الدرك له. وفي كشف الغوامض: إن الطلاق يقع بقبول الاب على قول محمد بن سلمة وإن لم يضمن البدل أي الصداق ولا يجب البدل على الاب ولا عليها. وعنه أن الخلع واقع بقبول الاب والبدل عليه وإن لم يضمن وفي طلاق

[ 155 ]

الاصل في خلع الاب على صداقها قبل الدخول بها أن الخلع جائز ولها نصف الصداق ويضمن الاب للزوج نصف الصداق. قالوا: كيف صح الخلع على صداقها وهو ملكها ولا ولاية له في إبطال ملكها؟ وكيف يصح ضمان الصداق للزوج وهو عليه؟ ولاي معنى يضمن الاب نصف الصداق للزوج وقد ضمن الزوج ذلك لها؟ أجابوا عن ذلك بأن الخلع لما أضيف إلى مهرها وذلك ملكها كان مضافا إلى مالها والاضافة إلى مال الغير بأن خالع على عبد إنسان يصح كإضافة الشراء إلى مال غيره، فلما صح إضافة الشراء فلان يصح الخلع وهو أقرب إلى الجواز أولى، لكن في باب الشراء يجب تسليم البدل على العاقد وفي الخلع لا يجب إلا بضمان لرجوع الحقوق إلى من يقع له العقد غير أنه إذا ضمن رجع إليه الحقوق بالضمان فإذا خلع وضمن صح وضمن البدل ووقع الطلاق بقبوله ووجب نصف المهر وسقط النصف ويجب للزوج على الاب نصفه بضمانه تسليم كل المهر إلى الزوج، وإن كانت مدخولة فلها جميع المهر عليه والاب يضمن للزوج لانه ضمن تسليم الكل فلم يقدر فيضمن مثله ا ه‍. ولا فرق في حكم ضمانه بين الصغيرة والكبيرة التي لم تأذن له ولكن إذا أجازته وقع وبرئ من الصداق واعتبر هذا الخلع معاوضة بين الزوج والمخالع وطلاقا بلا بدل في حقها، فإذا بلغ الخبر إليها فأجازت نفذ عليها وبرئ الزوج، وإن لم تجز رجعت عليه بمهرها والزوج يرجع على الاب بحكم الضمان. وتقدير هذا الخلع كان المخالع قال له إذا بلغها الخبر وأجازت كان البدل عليها، وإن لم تجزه فالبدل علي وما يجب على الاب من الضمان إنما يجب بالعقد لا بحكم الكفالة، كذا في البزازية: ولذا قال في فتح القدير: المراد بالضمان هنا التزام المال لان اشتراط بدل الخلع على الاجنبي صحيح بخلاف بدل العتق لا يجوز اشتراطه على الاجنبي لانه يحصل به للعبد ما لم يكن حاصلا له وهو إثبات الاهلية وهو القوة عن ذلك الاسقاط بخلاف إسقاط الملك في الخلع لا يحصل عنه للمرأة ما لم يكن حاصلا قبله فصار الاب والاجنبي مثلها فإنه لم يحصل له شئ بخلاف العبد فإنه حصل له ما ذكرنا، والعوض

[ 156 ]

لا يجب على غير من يحصل له المعوض فصار كثمن المبيع إلا أن البيع يفسد بالشروط الفاسدة والخلع لا يفسد بها ا ه‍. وبهذا علم الفرق بين ما يصح التزامه وما لا يصح. ومن صور الالتزام أيضا ما في جامع الفصولين: لو زوج الاب بنته الكبيرة فطلبوا منه وقت الدخول أن يهب للزوج شيئا من مهرها ينيغي أن يهب بإذنها وأن يضمن للزوج عنها فيقول إن أنكرت هي الاذن بالهبة وغرمتك ما وهبته فأنا ضامن ما وهبته، ويصح هذا الضمان لاضافته إلى سبب الوجوب لان من زعم الاب والزوج أنها كاذبة في الانكار وأن ما أخذته دين عليها للزوج فالاب ضمن بدين واجب فصح ا ه‍. والظاهر من آخر كلامه أن الضمان هنا بمعنى الكفالة لا التزام المال ابتداء كما لا يخفى. وأشار بقوله لم يجز عليها إلى أن الاب فضولي في خلع الصغيرة فيستفاد منه جواز خلع الفضولي. وحاصله كما في المحيط أن المتعاقدين من يدخلان تحت حكم الايجابين وإن كان المخاطب في الخلع المرأة فالمعتبر قبولها، سواء كان البدل مبهما أو معينا، أضاف البدل إلى نفسه أو لم يضفه، لانها هي العاقدة، وإن كان المخاطب هو الاجنبي إن أضاف البدل إلى نفسه فالمعتبر قبوله لانه التزم تسليم ذلك من ملكه وإن لم يضفه إلى نفسه ولا إلى أحد فالمعتبر قبولها لانها الاصل فيه، فلو قال أجنبي للزوج اخلع امرأتك على هذه الدار وهذه الالف فالقبول إلى المرأة، ولو قال على عبدي هذا وألفي هذه ففعل وقع الخلع لانه هو العاقد لما أضاف المال إلى نفسه، ولو قال لها الزوج خلعتك على دار فلان فالقبول إليها، ولو قال لصاحب العبد خلعت امرأتي بعبدك والمرأة حاضرة فالقبول لصاحب العبد، ولو قال رجل للزوج اخلعها على ألف فلان هذا أو على عبد فلان أو على ألف على أن فلانا ضامن لها فالقبول لفلان، ولو قالت اخلعني على ألف على أن فلانا ضامن له ففعل وقع الخلع فإن ضمن فلان أخذ الزوج من أيهما شاء وإلا فمنها فقط ا ه‍. وفي البزازية: الخلع إذا جرى بين الزوج والمرأة فإليها القبول كان البدل مرسلا أو مطلقا أو مضافا إلى المرأة أو الاجنبي إضافة ملك أو ضمان، ومتى جرى بين الاجنبي والزوج فتى كان البدل مرسلا فالقبول إليها، وإن أضيف إلى الاجنبي إضافة ملك أو ضمان فإلى الاجنبي لا إلى المرأة اه‍. وأما الوكيل به فقال في الخانية: وكيل المرأة بالخلع إذا قبل الخلع يتم الخلع وهل يطالب الوكيل ببدل الخلع فالمسألة على وجهين: إن كان الوكيل أرسل البدل إرسالا بأن قال للزوج اخلع امرأتك بألف درهم أو على هذه الالف وأشار إلى ألف للمرأة كان البدل على المرأة ولا يطالب به الوكيل، وإن أضاف الوكيل البدل إلى نفسه إضافة ملك أو ضمان بأن قال اخلع امرأتك على ألفي هذه أو على هذه الالف وأشار إلى نفسه أو

[ 157 ]

على ألف على أني ضامن كان البدل على الوكيل ولا تطالب به المرأة، وللوكيل أن يرجع على المرأة قبل الاداء وبعده وإن لم تكن المرأة أمرته بالضمان بخلاف الوكيل بالنكاح من قبل الزوج إذا ضمن المهر للمرأة ولم يكن الضمان بأمر الموكل فإنه لا يرجع على الموكل اه‍. ولا ينفرد أحد الوكيلين به بخلاف الطلاق والوكيل بالطلاق لا يملك الخلع والطلاق على مال إن كانت مدخولة على الصحيح لانه خلاف إلى شر بخلاف غيرها فإنه إلى خير. ولو زعم رجل أنه وكيلها بالخلع فخالعها معه على ألف ثم أنكرت المرأة التوكيل فإن ضمن الفضولي المال للزوج وقع الطلاق وعليه المال وإلا إن لم يدع الزوج التوكيل لم يقع، وإن ادعاه وقع ولا يجبر المال، كذا في المحيط. ولو وكله بأن يخالعها بعد شهر فمضت المدة ولم يخالعها الوكيل لا يجبر الوكيل على الخلع وإن طلبت المرأة وبمضي المدة لا ينعزل الوكيل. وذكر الامام محمد أن توكيل الصبي والمعتوه عن البالغ العاقل بالخلع صحيح الواحد لا يصلح في الخلع وكيلا من الجانبين بأن وكلت رجلا بالخلع فوكله الزوج أيضا، سواء كان البدل مسمى أو لا، وعن محمد أنه يصح، كذا في البزازية والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. باب الظهار هو في اللغة مصدر ظاهر امرأته إذا قال لها أنت علي كظهر أمي، كذا في الصحاح والمغرب. وفي المصباح: قيل إنما خص ذلك بذكر الظهر لان الظهر من الدابة موضع الركوب والمرأة مركوبة وقت الغشيان فركوب الام مستعار من ركوب الدابة، ثم شبه ركوب الزوجة بركوب الام الذي هو ممتنع وهو استعارة لطيفة فكأنه قال ركوبك للنكاح حرام علي، وكأن الظهار طلاقا في الجاهلية فنهوا عن الطلاق بلفظ الجاهلية وأوجب عليهم الكفارة تغليظا في النهي اه‍. والمذكور في كتب الشافعية أنه كان طلاقا في الجاهلية يوجب حرمة مؤبدة لا رجعة فيه، وفي الشريعة ما ذكره بقوله: (هو تشبيه المنكوحة بمحرمة عليه على

[ 158 ]

التأبيد) أراد بالمنكوحة ما يصح إضافة الطلاق إليه من الزوجة وهو أن يشبهها أو عضوا منها يعبر به عنها أو جزء شائعا منها لما سيأتي. وأراد بالمشبه به عضوا يحرم إليه النظر من عضو محرمة عليه على التأبيد لما سنذكره أيضا. وأراد بالزوج المسلم لاظهار للذمي عندنا. وأطلقه فشمل السكران والمكره والاخرس بإشارته كما في التتارخانية. وقيد بالمنكوحة احترازا عن الامة والاجنبية على ما سيصرح به، ولم يقيدها بشئ ليشمل المدخولة وغيرها الكبيرة والصغيرة الرتقاء وغيرها العاقلة والمجنونة والمسلمة والكتابية. وقيد بالتأبيد لانه لو شبهها بأخت امرأته لا يكون مظاهرا لان حرمتها موقتة بكون امرأته في عصمته وكذا المطلقة ثلاثا. وأطلق الحرمة فشمل الحرمة نسبا وصهرية ورضاعا، وأراد بالتأبيد تأبيد الحرمة باعتبار وصف لا يمكن زواله لا باعتبار وصف يمكن زواله فإن المجوسية محرمة على التأبيد، ولو قال كظهر مجوسية لا يكون ظهارا - ذكره في جوامع الفقه - لان التأبيد باعتبار دوام الوصف وهو غير لازم لجواز إسلامها بخلاف الامية والاختية وغيرهما، كذا في فتح القدير. والتحقيق أن حرمة المجوسية ليست بمؤبدة بل هي موقتة بإسلامها أو بصيرورتها كتابية فلا حاجة إلى ما ذكره كما لا يخفى ولذا علل في المحيط بأنها ليست بمحرمة على التأبيد وضم إلى المجوسية المرتدة. وشمل كلامه التشبيه الصريح والضمني فدخل ما لو ظاهر من امرأته ثم قال للاخرى أنت علي مثل هذه ينوي الظاهر فإنه يكون مظاهرا ولو بعد موتها وبعد التكفير باعتبار تضمن قوله لها أنت علي كظهر أمي فالتشبيه فيها باعتبار خصوص وجه الشبه المراد لا باعتبار نفس التشبيه بها، وكذا لو كانت امرأة رجل آخر ظاهر زوجها منها فقال أنت علي مثل فلانة ينوي ذلك صح ولو كان بعد موتها، وكذا لو ظاهر من امرأته ثم قال لاخرى أشركتك في ظهارها. فالحاصل أن حقيقة الظهار الشرعي تشبيه الزوجة أو جزء شائع منها أو ما يعبر به عن الكل بما لا يحل النظر إليه من المحرمة على التأبيد كذا قالوا، ولو قالوا من محرم دون محرمة صفة لشخص المتناول للذكر والانثى لكان أولى لانه لو قال أنت علي كفرج أبي أو قريبي كان

[ 159 ]

مظاهرا إذ فرجهما في الحرمة كفرج أمه، كذا في المحيط. وينبغي عدم التقييد بالاب والقريب لان فرج الرجل الاجنبي محرم على التأبيد أيضا. وأشار بقوله بمحرمة إلى أن المشبه الرجل لانه لو كان المرأة بأن قالت أنت علي كظهر أمي أو أنا عليك كظهر أمك فالصحيح كما في المحيط أنه ليس بشئ فلا حرمة ولا كفارة، ومنهم من أوجب عليها الكفارة. ثم اختلفوا هل هي كفارة يمين أو ظهار؟ ورجح ابن الشحنة أنها كفارة يمين، وذكر ابن وهبان تفريعا على القول بوجوب الكفارة أنها تجب بالحنث إن كانت كفارة يمين وإن كانت كفارة ظهار فإن كان تعليقا يجب متى تزوجت به، وإن كانت في نكاحه تجب للحال ما لم يطلقها لانه لا يحل لها العزم على منعه من الجماع اه‍. وفي الخانية: ولو شبهها بمزنية الاب أو الابن قال محمد: لا يكون ظهارا. وقال أبو يوسف: يكون ظهارا. وهو الصحيح ولو شبهها بأم امرأة أو ابنة امرأة قد زنى بها يكون ظهارا اه‍. ولو قبل أجنبية بشهوة ثم شبه زوجته بابنتها لم يكن مظاهرا عند أبي حنيفة ومحمد خلافا لابي يوسف، كذا في الولوالجية. فلذا زاد في النهاية لفظة اتفاقا في التعريف وتبعه الشارح وغيره. وما في الدراية أنه لو شبهها بأم امرأة زنى بها أبوه أو ابنه كان مظاهرا مشكل لان غايته أن تكون كأم زوجة أبيه أو ابنه وهي حلال، كذا في فتح القدير. والظاهر أنه سبق قلم وقد ظهر لي أنه لا حاجة إلى قيد

[ 160 ]

الانفاق، أما في تشبيهها بمزنية الاب أو الابن فقد علمت أنه يكون مظاهرا على الصحيح مع أنه لا اتفاق على تحريمها لمخالفة الشافعي. وأما في مسألة تشبيهها بابنة المقبلة بشهوة فلان حرمة البنت عليه ليست مؤبدة لارتفاعها بقضاء الشافعي بحلها كما في المحيط فارقا بين التقبيل والوطئ بأن حرمة الوطئ منصوص عليها فلم ينفذ قضاء الشافعي بحل أصول المزنية وفروعها بخلاف التقبيل. وعلى هذا لو شبهها بالملاعنة لا يكون مظاهرا لان حرمتها موقتة بتكذيبه نفسه، ولو شبهها بالاخت من لبن الفحل لا يكون مظاهرا لان حرمتها موقتة بقضاء الشافعي بحلها فهي كالمقبلة، وبهذا التقرير إن شاء الله تعالى استغنى عما في فتح القدير. وأطلق في التشبيه فشمل المعلق ولو بمشيئتها كالطلاق والموقت كأنت علي كظهر أمي يوما أو شهرا، فإن أراد قر بأنها في ذلك الوقت فإنه لا يجوز بغير كفارة ويرتفع الظهار بمضي الوقت كما في الخانية، ولو قال لها أنت علي كظهر أمي كل يوم فهو ظهار واحد، ولو قال في كل يوم تجدد الظهار كل يوم، فإذا مضى يوم بطل ظهار ذلك اليوم وكان مظاهرا منها في اليوم الآخر وله أن يقربها ليلا، ولو قال لها أنت علي كظهر أمي اليوم وكلما جاء يوم كان مظاهرا منها اليوم وإذا مضى بطل هذا الظهار وله أن يقربها في الليل فإذا جاء غد كان مظاهرا ظهارا آخر دائما غير موقت، وكذا كلما جاء يوم صار مظاهر ظهارا آخر مع بقاء الاول. وإذا قال أنت علي كظهر أمي رمضان كله ورجب كله فكفر في رجب سقط ظهار رجب وظهار رمضان استحسانا والظهار واحد، وإن كفر في شعبان لم يجز. أنت علي كظهر أمي إلا يوم الجمعة ثم كفر، إن كفر في يوم الاستثناء لم يجز وإلا يجوز. أنت علي كظهر أمي إلى شهر لا يكون مظاهرا قبله كذا في التتارخانية وغيرها. وفيها عن أبي يوسف: أنت علي كظهر أمي إذا جاء غد كان باطلا ولو قال أنت علي كظهر أمي أمس كان باطلا اه‍ والفرعان مشكلان لان الاول من قبيل إضافة الظهار أو تعليقة اه‍. وهما صحيحان كما قدمناه وقد صرح بهما في البدائع. والثاني ينبغي أن يكون كالطلاق إن كان نكحها قبل أمس كان مظاهرا الآن، وإن كان نكحها اليوم كان لغوا. والحاصل أن هنا أربعة أركان: المشبه والمشبه والمشبه به وأداة التشبيه. أما الاول وهو المشبه وهو بكسر الباء فهو الزوج البالغ العاقل المسلم - وزاد

[ 161 ]

في التتارخانية - العالم ولا يخض ما فيه. وأما الثاني وهو المشبه بفتح الباء المنكوحة أو عضو منها يعبر به عن كلها أو جزء شاسع. وأما الثالث وهو المشبه به عضو لا يحل النظر إليه من محرمة عليه تأبيدا. وأما الرابع وهو الدال عليه وهو ركنه وهو صريح وكناية، فالصريح أنت علي كظهر أمي ومني وعندي ومعي كعلى ولم أر حكم ما إذا قال أنت كظهر أمي بدون إضافة له وينبغي أن لا يكون مظاهرا لاحتمال أنه قصد أنها كظهر أمه على غيره وأنا منك مظاهر وظاهرت منك من الصريح. وفي التتارخانية وعن أبي يوسف: لو قال أنت مني مظاهرة أنه يكون باطلا. وشرطه في المرأة كونها زوجة ولو أمة فلا يصح من أمته ولا من مبانته ولا من أجنبية إلا إذا أضافه إلى التزوج كما سيأتي. وفي الرجل كونه من أهل الكفارة فلا يصح من ذمي وصبي ومجنون لان الكافر ليس من أهل الكفارة. وفي التتارخانية: يلزم الذمي كفارة الظهار إذا ظاهر وفي صحته عن أبي يوسف نظر إنما نقله المشايخ عن الشافعي. والحاصل أنه تعالى قيد بقوله منكم في الآية الاولى وهو قوله تعالى * (الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم أن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وأنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور) * [ المجادلة: 2 ] ولما شرع في بيان الكفارة لم يقيده بقوله منكم فقال * (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا) * [ المجادلة: 3 ] لكن لما لم يكن أهلا للكفارة لم يصح ظهاره. قال بعضهم: والعجب من الشافعي أنه قيد الرقبة بالايمان ولم يجوز أن يملك الكافر المؤمن وصحح ظهاره فكان تناقضا. ورده بعض الشافعية بأنا عينا لكفارته الاطعام ولا يلزم من صحة الظهار أن يكون المظاهر أهلا لكل الانواع بدليل أن ظهار العبد صحيح عندنا مع أنه ليس أهلا لغير الصوم. ولو ظاهر المسلم ثم ارتد والعياذ بالله تعالى بقي ظهاره عند أبي حنيفة حتى لو أسلم لا يحل القربان إلا بالكفارة، وعندهما لا يبقى لان المرتد ليس أهلا لحكمه وهو الكفارة، وله أن الحال حال بقاء حكمه وهو الحرمة لا حال الانعقاد والكفر ليس بمناف للحرمة وحكمه حرمة الوطئ ودواعيه إلى غاية الكفارة. قوله: (حرم الوطئ ودواعيه بأنت على كظهر أمي حتى يكفر) أما حرمة الوطئ فبالكتاب والسنة، وأما حرمة الدواعي فإن دخولها تحت النص المفيد لحرمة الوطئ وهو قوله تعالى * (من قبل أن يتماسا) * [ المجادلة: 3 ] لانه لا موجب فيه للحمل على المجاز وهو الوطئ لامكان الحقيقة، ويحرم الجماع لانه من أفراد التماس فيحرم الكل بالنص، كذا في فتح

[ 162 ]

القدير. وقد يقال إن الموجب للحمل على المجاز موجود وهو صدق التماس على المس بغير شهوة وليس بمحرم اتفاقا فالتحقيق خلاف ما زعم أنه التحقيق وهو أن الاصل أن الوطئ إذا حرم حرم ما كان داعيا إليه لان طريق المحرم محرم وقد استمر هذا في الاستبراء والاحرام والاعتكاف، وخرج في الصوم والحيض عن هذا الاصل لنص صريح وهو أنه عليه السلام كان يقبل بعض نسائه وهو صائم وكان يقبلها وهي حائض، وحكمته لزوم الحرج لو حرمت الدواعي في الصوم والحيض لكثرة وقوعهما بخلاف غيرهما. وعن محمد للمظاهر تقبيلها إذا قدم من سفره بغير شهوة للشفقة والدواعي المباشرة والتقبيل واللمس عن شهوة والنظر إلى فرجها بشهوة كما في البدائع. ولا يدخل فيها النظر إليها بشهوة. وفي التتارخانية: ولا يحرم النظر إلى ظهرها وبطنها ولا إلى الشعر والصدر. وفي الهداية أن اللفظ الصريح أعني - أنت علي كظهر أمي - لا يكون إلا ظهارا ولو نوى به الطلاق لا يصح لانه منسوخ فلا يتمكن من الاتيان به وهو يقتضي أن الظهار كان طلاقا في الاسلام حتى يوصف بالنسخ مع أنه قال أولا إنه كان طلاقا في الجاهلية وهو يقتضي أن جعله ظهارا ليس ناسخا ولم أر أحدا من شراحها تعرض لذلك. وذكر الامام فخر الدين الرازي في التفسير الكبير البحث الثاني أن الظهار كان من أشد طلاق الجاهلية لانه في التحريم أوكد ما يمكن، فإن كان ذلك الحكم مقررا في الشرع كانت الآية ناسخة له وإلا لم يعد ناسخا في الشرع إلا في عادة الجاهلية لكن الذي روي أنه عليه السلام قال لها: حرمت أو ما أراك إلا قد حرمت عليه كالدلالة على أنه كان شرعا، فأما ما روي أنه توقف في الحكم فلا بدل على ذلك اه‍. وأشار المصنف إلى أن هذه الحرمة لا ترتفع إلا بالكفارة فلا يبطل الظهار بزوال ملك النكاح ولا ببطلان حل المحلية حتى لو ظاهر منها ثم طلقها بائنا ثم تزوجها لا يحل له وطؤها حتى يكفر، وكذا إذا كانت زوجته أمة وظاهر منها ثم اشتراها، وكذا إذا كانت حرة فارتدت - والعياذ بالله تعالى عن الاسلام - ولحقت بدار الحرب فسبيت ثم اشتراها. وفي المحيط: أسلم زوج المجوسية فظاهر منها قبل عرض الاسلام عليها صح لكونه من أهل الكفارة اه‍. قالوا: وللمرأة أن تطالبه بالوطئ وعليها أن تمنعه من الاستمتاع بها حتى يكفر وعلى القاضي أن يجبره على التكفير دفعا

[ 163 ]

للضرر عنها بحبس، فإن أبى ضربه ولا يضرب في الدين، ولو قال كفرت صدق ما لم يعرف بالكذب. وفي التتارخانية: إذا أبى عن التكفير عزره بالضرب والحبس إلى أن يكفر أو يطلق. ثم اعلم أن تعليقه بمشيئة الله تعالى تبطله ولو قال إن شاء فلان فالمشيئة إليه. قوله: (فلو وطئ قبله استغفر ربه فقط) أي لو وطئ قبل التكفير لا يجب عليه كفارة لاجل الوطئ والواجب الكفارة الاولى لما رواه الترمذي في المظاهر يواقع قبل أن يكفر قال: كفارة واحدة. وأما الاستغفار فمنقول في الموطأ من قول مالك، والمراد منه التوبة من هذه المعصية وهي حرمة الوطئ قبل الكفارة قوله: (وعوده عزمه على وطئها) أي عود المظاهر المذكور في الآية عزمه على وطئ المظاهر منها وهو بيان لسبب وجوب الكفارة. وقد اختلف فيه أصحابنا على أقوال محكية في البدائع، فالعامة على أن السبب مجموع الظهار والعود لانه المذكور قبل فاء السببية ولان الكفارة دائرة بين العقوبة والعبادة فلا بد أن يكون سببها دائرا بين الحظر والاباحة حتى تتعلق العقوبة بالمحظور وهو الظهار والعبادة بالمباح وهو العزم على وطئها لانه نقض للمنكر، وقيل الظهار سبب للاضافة والعود شرط، وقيل عكسه، وقيل هما شرطان والسبب أمر ثالث وهو كون الكفارة طريقا متعينا لايفاء حقها وكونه قادرا على إيفائه، وقيل كل منهما شرط وسبب ومن جعل السبب العزم أراد به العزم المؤكد حتى لو عزم ثم بدا له أن لا يطأها لا كفارة عليه لعدم العزم المؤكد لا أنها وجبت بنفس العزم ثم

[ 164 ]

سقطت كما قال بعضهم لان الكفارة بعد سقوطها لا تعود إلا بسبب جديد، كذا في البدائع. لكن أورد على من جعل العود وحده سببا أن الحكم بتكرر بتكرر سببه لا شرطه والكفارة تتكرر يتكرر الظهار لا العزم، وأنه لو قدمها على العزم صح ولو كان سببا لم يصح، ولكن دفع الثاني بأنها إنما وجبت لرفع الحرمة الثابتة في الذات فتجوز بعد ثبوتها كما قلنا في الطهارة إنها جائزة قبل إرادة الصلاة مع أنها سببها لانها شرعت لرفع الحدث فتجوز بعد وجوده، وأورد على من جعله الظهار فقط أن السبب ما دار بين محظور ومباح وهو محظور فقط فلا يصلح للسببية، وسنجيب عنه في الكفارة، ولم يظهر لي ثمرة الاختلاف بين الاقوال لاتفاقهم على جواز التكفير بعد الظهار قبل العزم، وعلى عدمه قبل الظهار، وعلى تكررها بتكرر الظهار وإن لم يتكرر العزم، وعلى أنه لو عزم ثم ترك فلا إثم، وعلى عدم الكفارة لو أبانها بعده وبعد العزم، ومراد المشايخ من قولهم العزم على وطئها العزم على استباحة وطئها لا العزم على نفس الوطئ لانهم قالوا: المراد في الآية ثم يعودون بنقض ما قالوا رفعه وهو إنما يكون باستباحتها بعد تحريمها لكونه ضدا للحرمة لا نفس وطئها ولقد أبعد من قال إن المراد تكرار الظهار لانه لو كان كذلك لقال تعالى ثم يعيدون ما قالوا من الاعادة لا من العود وتمام تحقيقه في التفسير الكبير للامام فخر الدين. قوله: (وبطنها وفخذها وفرجها كظهرها) أي الام وهي المشبه به وقدمنا أن المعتبر فيه عضو لا يحل النظر إليه من محرمة تأبيدا وهذه الاعضاء كذلك، فخرج عضو يحل النظر إليه كاليد والرجل والجنب فلا يكون ظهارا. وفي الخانية: أنت علي كركبة أمي في القياس يكون مظاهرا، ولو قال فخذك كفخذ أمي لا يكون مظاهرا اه‍. لفقد الشرط في الثانية من جهة المشبه قوله: (وأخته وعمته وأمه رضاعا كأمه) أي نسبا لما قدمنا أن المعتبر في المشبه به كونها محرمة تأبيدا نسبا أو صهرا أو رضاعا، فخرج من لا تحرم تأبيدا كأخت امرأته وعمتها وخالتها

[ 165 ]

والمرتدة والمجوسية والملاعنة والمقبلة حراما والمطلقة ثلاثا والاخت رضاعا من لبن الفحل خاصة كإن رضع على امرأة لها لبن من زوج له بنت من غير المرضعة فإن الرضيع بعد بلوغه إذا شبه امرأته بهذه البنت لا يكون مظاهرا وقد أوضحنا ذلك فيما تقدم. وما في الدراية معزيا إلى شرح القدوري لو شبهها بأم امرأة زنى بها أبوه أو ابنه كان مظاهرا غلط لان غايته أن تكون كأم زوجة أبيه أو ابنه وهي حلال، والتعبير بالغلط أولى من قوله في فتح القدير مشكل لانه لا يقال إلا فيما يمكن تأويله وهذا ليس كذلك. وفي البزازية من فصل الخلوة: خلا بامرأة ثم قال لزوجته أنت علي كظهر أم تلك المرأة لا يكون مظاهرا. والمراد خلا بامرأة أجنبية لا بزوجته لان أمها حرام بالعقد تأبيدا قوله: (ورأسك ووجهك وفرجك ورقبتك ونصفك وثلثك كانت) يعني أن المعتبر في المشبه أن يذكر ذاتها أو جزأ شائعا منها أو عضوا يعبر به عن كلها. وضابطه ما صح إضافة الطلاق إليه كان مظاهرا به فخرج اليد والرجل، فلو قال بطنك علي كظهر أمي لا يكون مظاهرا لانتفاء الشرط من جهة المشبه. وفي الخانية: رأسك كرأس أمي لا يكون مظاهرا اه‍. للانتفاء من جهة المشبه به قوله: (وإن نوى بأنت علي مثل أمي برا أو ظهارا أو طلاقا فكما نوى وإلا، لغا) بيان للكنايات فمنها: أنت علي مثل أمي أو كأمي فإن نوى الكرامة قبل منه لانه مستعمل فيه فالتقدير أنت عندي في الكرامة كأمي، وإن نوى الظهار كان ظهارا بكونه كناية فيه. وأشار إلى أن صريحه لا بد فيه من ذكر العضو فحينئذ لا يحتاج إلى النية ولا تصح فيه نية الطلاق والايلاء لانها تغيير للمشروع. وإذا نوى الطلاق في مسألة الكتاب كان بائنا كلفظ الحرام وإن لم ينو شيئا كان باطلا، ولم يتعرض لنية الايلاء به للاختلاف فأبو يوسف جعله إيلاء لانه أدنى من الظهار، ومحمد جعله ظهارا نظرا إلى أداة التشبيه، وصحح أنه ظهار عند الكل لانه تحريم مؤكد بالتشبيه وذكر علي ليس بشرط في مسألة الكتاب إذ أنت مثل أمي كذلك كما في الخانية. وقيد بالتشبيه لانه لو خلا عنه بأن قال أنت أمي لا يكون مظاهرا لكنه مكروه لقربه من التشبيه وقياسا على قوله يا أخية

[ 166 ]

المنهي عنه في حديث أبي داود المصرح بالكراهة، ولولا التصريح بها لامكن القول بالظهار فعلم أنه لا بد في كونه ظهارا من التصريح بأداة التشبيه شرعا ومثله قوله يا بنتي يا أختي ونحوه. قوله: (وبانت على حرام كأمي ظهارا أو طلاقا فكما نوى) لانه لما زاد على المثال الاول لفظة التحريم امتنع إرادة الكرامة وصحت نية الظهار والطلاق ولم يبين ما إذا لم ينو شيأ للاختلاف، فمحمد جعله ظهارا، وأبو يوسف إيلاء والاول أوجه قوله: (وبانت علي حرام كظهر أمي طلاقا أو إيلاء فظهار) لانه لما زاد على المثال الثاني لفظة الظهار كان صريحا فيه فكان مظاهرا سواء نواه أو نوى الطلاق أو الايلاء أو لم تكن له نية قوله: (ولا ظهار إلا من زوجته) أي ابتداء. أطلقها فشملت الحرة والامة المدبرة وأم الولد أو بنتها أو مكاتبة أو مستسعاة، فلا يصح من أمته موطوءة كانت أو غير موطوءة، قنة أو مدبرة أو أم ولد أو ابنتها أو مكاتبة أو مستسعاة، لان النص لم يتناولها لان حقيقة إضافة النساء إلى رجل أو رجال إنما تتحقق مع الزوجات لانه المتبادر حتى صح أن يقال هؤلاء جواريه لا نساؤه ولهذا لم تدخل في نص الايلاء أيضا ولا في قوله وأمهات نسائكم حتى لا تحرم عليه أم أمته قبل وطئ أمته. واستدل الامام الرازي في تفسيره على عدم دخول الاماء تحت نسائنا بقوله تعالى * (أو نسائهن) * [ النور: 13 ] والمراد منه الحرائر ولولا ذلك لما صح عطف قوله تعالى * (أو ما ملكت أيمانهن) * [ النور: 13 ] لان الشئ لا يعطف على نفسه اه‍. قيدنا بالابتداء لانه في البقاء لا يحتاج إلى كونها زوجة كما قدمنا أنه لو ظاهر من زوجته الامة ثم ملكها بقي الظهار، وكما خرجت الامة خرجت الاجنبية والمبانة حتى لو علق الظهار بشرط ثم أبانها ثم وجد الشرط في العدة لا يصير مظاهرا بخلاف الابانة المعلقة والفرق في البدائع. وحاصله أن وقت وجود

[ 167 ]

الشرط صادق في التشبيه فلا ظهار، وأما في الطلاق ففائدة وقوع المعلق بعد تقدم الابانة تنقيص العدد وتصح إضافته إلى الملك أو سببه كالطلاق بأن قال إن تزوجتك فأنت علي كظهر أمي فإن نكحها كان مظاهرا. وفي التتارخانية: لو قال إذا زوجتك فأنت طالق ثم قال إذا تزوجتك فأنت علي كظهر أمي فتزوجها يكون مظاهرا ومطلقا جميعا، ولو قال إذا تزوجتك فأنت طالق وأنت علي كظهر أمي فتزوجها يقع الطلاق ولا يلزم الظهار في قول أبي حنيفة. وقال صاحباه: لزماه جميعا. ولو قال لاجنبية إن تزوجتك فأنت علي كظهر أمي مائة مرة فعليه لكل مرة كفارة اه‍ قوله: (فلو نكح امرأة بغير أمرها فظاهر منها فأجازته بطل) لانه صادق في التشبيه في ذلك الوقت ولا يتوقف على الاجازة كالنكاح لان الظهار ليس بحق من حقوقه حتى يتوقف بتوقفه بخلاف إعتاق المشتري من الغاصب فإنه يتوقف لتوقف الملك وينفذ بنفاذه كما أفاده المصنف في البيوع بقوله وصح عتق مشتر من غاصب بإجازة بيعه لان الاعتاق حق من حقوق الملك بمعنى أنه إذا ملك العبد ثبت له حق أن يعتقه كما في فتح القدير. ويرد عليه الطلاق فإنه على هذا التفسير من حقوق النكاح بمعنى أنه إذا نكحها ثبت له حق أن يطلقها فيقتضي أنه لو طلقها في النكاح الموقوف توقف بتوقفه ونفذ بنفاذه مع أن المصرح به في جامع الفصولين أنه لو طلقها ثلاثا في النكاح الموقوف لم تحرم عليه ولا تقبل الاجازة وصار مردودا، ولهذا فسر كون الاعتاق من حقوق الملك بكونه منهيا له في العناية وهذا لا يرد عليه الطلاق قوله: (أنتن علي كظهر أمي ظهار منهن) لانه أضاف الظهار إليهن فكان كإضافة الطلاق إليهن قوله: (وكفر لكل) أي لزمه الكفارة لكل واحدة إذا عزم على وطئها لان الكفارة لرفع الحرمة وهي تتعدد بتعددهن. وإنما قال وكفر لكل ولم يكتف بقوله كان مظاهرا منهن لان مالكا وأحمد قالا: يكون مظاهرا من الكل. ولكن اكتفيا بكفارة واحدة. قيد بالظهار لانه لو آلى منهن كان موليا منهن وعليه كفارة واحدة لانها في الايلاء تجب لهتك حرمة اسم الله تعالى وهو ليس بمتعدد. وأشار إلى أنه لو ظاهر من امرأته مرارا في مجلس أو مجالس فعليه لكل ظهار كفارة إلا أن ينوي به الاول كما ذكره الاسبيجابي وغيره. وفي بعض الكتب فرق بين المجلس والمجالس والمعتمد الاول، وقدمنا في باب

[ 168 ]

التعليق عن البزازية أن الظهار كالطلاق والعتاق متى علق بشرط متكرر فإنه يتكرر كما لو قال كلما دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي يتكرر الظهار بتكرر الدخول بخلاف اليمين والله أعلم. فصل في الكفارة من كفر الله عنه الذنب محاه ومنه الكفارة لانها تكفر الذنوب. وكفر عن يمينه إذا فعل الكفارة، كذا في المصباح. وفي القاموس: الكفارة ما كفر به من صدقة وصوم ونحوهما اه‍. وفي المحيط، إنها منبئة عن الستر لغة لانها مأخوذة من الكفر وهو التغطية والستر قال الشاعر: في ليلة كفر النجوم غمامها أي سترها اه‍. والكلام فيها يقع في مواضع في معناها، وقد قدمناه. وفي سببها وهو قسمان: سبب مشروعيتها وسبب وجوبها، فالاول ما هو سبب لوجوب التوبة وهو إسلامه وعهده مع الله أن لا يعصيه وإذا عصاه تاب لانها من تمام التوبة لانها شرعت للتكفير. والثاني قال في التنقيح: سببها ما نسبت إليه من أمر دائر بين الحظر والاباحة يعني بأن يكون مباحا من وجه محظورا من وجه آخر. والحاصل أن السبب يكون على وفق الحكم فالقتل خطأ مباح باعتبار عدم التعمد محظور باعتبار عدم التثبت، والافطار عمدا مباح نظرا إلى أنه يلاقي فعل نفسه الذي هو مملوك له ومحظور لكونه جناية على العبادة، وأما كفارة اليمين فسببها إما اليمين

[ 169 ]

المعقودة للاضافة إليها وهي دائرة بين الحظر والاباحة أو الحنث وهو دائر أيضا. وأما كفارة الظهار فعلى القول بأن المضاف إليها سبب وهو الظهار وهو قول الاصوليين فإنما كان دائرا بين الحظر والاباحة مع أنه منكر من القول وزورا باعتبار أن التشبيه يحتمل أن يكون للكرامة فلم يتمحض كونه جناية، وأما على قول من جعل السبب مركبا من الظهار والعود فظاهر لكونه الظاهر محظورا والعود مباحا لكونه إمساكا بالمعروف ونقضا للقول الزور. والذي يظهر أنه لا ثمرة للاختلاف في سببها لانهم اتفقوا على أنه لو عجلها بعد الظهار قبل العود جاز ولو كرر الظهار تكررت الكفارة وإن لم يتكرر العزم، ولو عزم ثم ترك فلا وجوب، ولو عزم ثم أبانها سقطت، ولو عجلها قبل الظهار لم يصح. وفي الطريق المعينة لا استحالة في جعل المعصية سببا للعبادة التي حكمها أن تكفر المعصية وتذهب السيئة خصوصا إذا صار معنى الزجر فيها مقصودا، وإنما المحال أن تجعل سببا للعبادة الموصلة إلى الجنة. وأما ركنها فالفعل المخصوص من إعتاق وصيام وإطعام على ما سيأتي. وأما شروطها فكل ما هو شرط انعقاد سبب وجوبها من اليمين والظهار والافطار والقتل، وأما شرائط وجوبها القدرة عليها، وأما شرائط الصحة فنوعان: عامة وخاصة. فما يعمها النية وشرطها المقارنة لفعل التكفير فإن تأخرت عنه لم يجز وسيأتي بيان ما إذا أعتق رقبة عن كفارتين، وسيأتي بيان شرط صحة كل نوع من أنواعها. ومصرفها مصرف الزكاة فلا يجوز إطعام الغني ولا مملوكه ولا الهاشمي إلا الذمي فإنه مصرف لها دون الحربي. وأما صفتها فهي عقوبة وجوبا لكونها شرعت أجزية لافعال فيما معنى الحظر عبادة، أداء لكونها تتأدى بالصوم والاعتاق والصدقة وهي قرب والغالب فيها معنى العبادة إلا كفارة الفطر في رمضان فإن جهة العقوبة فيها غالبة بدليل أنها تسقط بالشبهات كالحدود، ولا تجب مع الخطأ بخلاف كفارة اليمين لوجوبها مع الخطأ وكذا كفارة القتل الخطأ، وأما كفارة الظهار فقالوا: إن معنى العبادة فيها غالب وخالفهم صدر الشريعة في الاصول فجعلها ككفارة الفطر معنى العقوبة فيها غالب لكونه منكرا من القول وزورا. ورده في التلويح بأنه فاسد نقلا وحكما واستدلالا. أما الاول فلتصريحهم بخلافه، وأما الثاني فلان من حكم ما تكون العقوبة فيه غالبة أن تسقط بالشبهة وتتداخل ككفارة الصوم حتى لو أفطر مرارا لم تلزمه إلا كفارة واحدة ولا تداخل في كفارة الظهار حتى لو ظاهر من امرأته مرارا لزمه لكل ظهار كفارة. وأما الثالث فلانه لم يتحقق كونه جناية لاحتمال أن يكون التشبيه للكرامة وتمامه فيه. وأما حكمها فسقوط الواجب عن ذمته وحصول الثواب المقتضي لتكفير الخطايا، وهي واجبة على التراخي على الصحيح لكون الامر مطلقا حتى لا يأثم بالتأخير عن أول أوقات الامكان ويكون مؤديا لا

[ 170 ]

قاضيا ويتضيق في آخر عمره ويأثم بموته قبل الاداء ولا تؤخذ من تركته إن لم يوص ولو تبرع الورثة جاز إلا في الاعتاق والصوم، كذا في البدائع. فإن أوصى كان من الثلث اه‍. وأما أنواعها فخمس كفارة الظهارة وكفارة القتل وكفارة الفطر وهي مرتبة: الاعتاق ثم الصوم ثم الاطعام إلا كفارة القتل فإنه لا إطعام بعد الصوم وكفارة اليمين وهي مخبر فيها كما سيأتي، وكفارة جزاء الصيد وقد تقدم في جنايات الاحرام. وزاد في البدائع كفارة الحلق ولكن المذكور في الآية الفدية * (ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) * [ البقرة: 196 ]. قوله: (وهو تحرير رقبة) أي التكفير المستفاد من قوله حتى يكفر والتحرير من حرر المملوك عتق حرارا من باب لبس وحرره صاحبه ومنه * (فتحرير رقبة) * [ النساء: 29 ] وتحرر بمعنى حر قياس، كذا في المغرب. فالتحرير بمعنى الاعتاق وهو أولى من قول الهداية عتق رقبة فإنه لو ورث من يعتق عليه فنوى به الكفارة مقارنا لموت المورث لا يجزيه عنها لعدم الصنع منه بخلاف ما إذا نوى عند العلة الموضوعة للملك كالشراء والهبة كما سيأتي. والرقبة من الحيوان معروفة وهي في معنى المملوك من تسمية الكل باسم البعض، كذا في المغرب. وفي الهداية: هي عبارة عن الذات أي الشئ المرقوق المملوك من كل وجه فشمل الذكر والانثى الصغير والكبير ولو رضيعا. وفي البدائع: فإن قيل الصغير لا منافع لاعضائه فينبغي أن لا يجوز إعتاقه عن الكفارة كالزمن ولذا لا يجوز إطعامه عن الكفارة فكذا إعتاقه، فالجواب عن الاول أن أعضاء الصغير سليمة لكنها ضعيفة وهي بعرض أن تصير قوية فأشبه المريض، وأما إطعامه عن الكفارة فجائز بطريق التمليك لا الاباحة، والمسلم والكافر ولو مجوسيا أو مرتدا أو مرتدة أو مستأمنا. وفي التتارخانية: والمرتد يجوز عند بعض المشايخ، وعند بعضهم لا يجوز والمرتدة تجوز بلا خلاف اه‍. وأما إعتاق العبد الحربي في دار الحرب فغير جائز عنها، كذا في فتح القدير. وفي التتارخانية: لو أعتق عبدا حربيا في دار الحرب إن لم يخل سبيله لا يجوز، وإن خلى سبيله ففيه اختلاف المشايخ، بعضهم قالوا لا يجوز اه‍. وشمل الصحيح والمريض واستثنى في الخانية مريضا لا يرجى برؤه فإنه لا يجوز لانه ميت حكما اه‍. وفي التتارخانية: وأما إعتاق حلال الدم فعن محمد إذا قضى بدمه عن ظهاره ثم عفى عنه لم يجز. البقالي: إذا أعتق عبدا حلال الدم قد قضى بدمه ثم عفى عنه أو كان أبيض العينين فزال البياض أو كان مرتدا فأسلم فإنه لا يجوز. وفي جامع الجوامع: جاز المديون والمرهون ومباح الدم ويجوز إعتاق الآبق إذا علم أنه حي اه‍. ثم اعلم أنه لا بد أن تكون الرقبة غير المرأة المظاهر منها لما في الظهيرية والتتارخانية: أمة تحت رجل ظاهر منها ثم

[ 171 ]

اشتراها وأعتقها عن ظهارها قيل لم تجز في قول أبي حنيفة ومحمد خلافا لابي يوسف اه‍. ولا بد أن يكون المعتق صحيحا لانه لو كان مريضا أعتق عبده عن كفارته وهو لا يخرج من ثلث ماله فمات من ذلك المرض لا يجوز عن كفارته وإن أجازت الورثة، ولو أنه برئ من مرضه جاز، كذا في التتارخانية. وخرج بقوله من كل وجه الجنين إذا أعتقه عنها وولدته لاقل من ستة أشهر فإنه لا يجوز لانه رقبة من وجه جزء من أجزاء الام من وجه حتى يعتق بإعتاق الام، كذا في المحيط. وقوله من كل وجه متعلق بالمرقوق لا بالمملوك، كذا في العناية. وفي المحيط: ولو أعتق عبدا قد غصبه أحد جاز عن الكفارة إذا وصل إليه، ولو ادعى الغاصب أنه وهبه منه فأقام بينة زور حكم له الحاكم بالعبد لم يجز عتقه عن الكفارة لانه بمعنى الهالك، ولو أعتق عبدا مديونا عن الكفارة واختار الغرماء استسعاء العبد جاز لان استغراق الدين برقبته واستسعاءه لا يخل بالرق والملك فإن السعاية لم توجب الاخراج عن الحرية فوقع تحريرا من كل وجه بغير بدل عليه اه‍. وفي البدائع: وكذا لو أعتق عبدا رهنا فسعى العبد في الدين فإنه يجوز عن الكفارة ويرجع على المولى لان السعاية ليست ببدل عن الرق. قوله: (ولم يجز الاعمى ومقطوع اليدين أو إبهاميهما أو الرجلين والمجنون) لان الاصل أن فوات جنس المنفعة يمنع الجواز والاختلال والعيب لا يمنع لان بفوات جنس المنفعة تصير القربة فائتة من وجه بخلاف نقصانها فيدخل تحت عدم الجواز ساقط الاسنان لانه لا يقدر على المضغ كما في الولوالجية، ودخل أشل اليدين والرجلين والمفلوج اليابس الشق والمقعد والاصم الذي لا يسمع شيئا على المختار لانه بمنزلة العمى كما في الولوالجية، وشمل مقطوع اليد والرجل من جانب واحد لان منفعة المشي فائتة، وكذا من كل يد ثلاثة أصابع مقطوعة لفوات منفعة البطش كمقطوع الابهامين، وجاز العنين والخصي والمجبوب خلافا لزفر، ومقطوع الاذنين والمذاكير والرتقاء والقرناء والعوراء والعمشاء والبرصاء والرمداء والخنثى وذاهب الحاجبين وشعر الليحة والرأس ومقطوع الانف والشفتين إذا كان يقدر على الاكل والاصم الذي يسمع إذا صيح عليه لانه بمنزلة العور. وأراد بالجنون المطبق، وكذا المعتوه المغلوب كما في الكافي لان منفعة العقل أصلية، وأما الذي يجن ويفيق فإنه يجزئ عتقه، كذا في الكفاية. وأطلقه ومراده إذا أعتقه في حال إفاقته. واعلم أنهم اعتبروا هنا فوات

[ 172 ]

جنس المنفعة ولم يعتبروا كمال الزينة واعتبروه في الديات فألزموا بقطع الاذنين الشاخصتين تمام الدية وجوزوا هنا عتق مقطوعهما إذا كان السمع باقيا، ومثله فيمن حلقت لحيته فلم تنبت لفساد المنبت. والفرق بين البابين أن كمال الزاينة مقصود في الحر فباعتبار فواته يصير الحر هالكا من وجه وزائد على ما يطلب من المماليك فباعتبار فواته لا يصير المرقوق هالكا من وجه، كذا في فتح القدير. فإن قلت: إن جنس المنفعة فات في الخصي والمجبوب لانه لا مني فلا نسل لهما قلت قال في المحيط: إنه لم يفت خروج البول ولان منفعة النسل عائدة إلى العبد لا منفعة للمولى في كون عبده فحلا بل ازدادت قيمته في حق المولى بالخصي والجب فلم تصر الرقبة هالكة من وجه. وفي الولوالجية: إن منفعة النسل زائدة على ما يطلب من المماليك. وها هنا فرع حسن من الخانية من كتاب الوكالة: رجل وكل رجلا وقال اشتر لي جارية بكذا أعتقها عن ظهاري فاشترى عمياء أو مقطوعة اليدين أو الرجلين ولم يعلم بذلك لزم الآمر وكان له أن يرد ولو علم الوكيل بذلك لا يلزم الآمر اه‍. قوله: (والمدبر وأم الولد) أي لا يجوز تحريرهما عن الكفارة لاستحقاقهما الحرية بجهة فكان الرق فيهما ناقصا والاعتاق عن الكفارة يعتمد كمال الرق كالبيع فلذا لا يجوز بيعهما، والمكاتب لما كان الرق فيه كاملا جاز إعتاقه عن الكفارة حيث لم يؤد شيئا، ولا عبرة هنا بكمال الملك ونقصانه وإنما لم يستلزم نقصان الملك نقصان الرق لان محل الملك أعم من محل الرق لان الملك يثبت في الامتعة وغير الآدمي دون الرق وبالبيع يزول الملك دون الرق والاعتاق يزيلهما. وإنما عتق المدبر وأم الولد بقوله كل مملوك أملكه فهو حر دون المكاتب لان هذه اليمين تقتضي ملكا كاملا لا رقا كاملا والملك فيهما كامل حتى ملك إكسابهما واستخدامها، ووطئ المدبرة وأم الولد والملك في المكاتب ناقص لانه ملك نفسه يدا ولذا لا يملك المولى كسبه ويحرم عليه وطئ مكاتبته. والحاصل أن جواز البيع والاعتاق عن الكفارة يعتمد كمال الرق فجاز بيع المكاتب برضاه وإعتاقه عنها وانعكس فيهما، وحل الوطئ يعتمد كمال الملك فحرم في المكاتب وانعكس فيهما. قوله: (والمكاتب الذي أدى شيئا) أي لا يجوز تحريره عنها لانه تحرير بعوض، وذكر في الاختيار أن السيد لو أبرأه عن بدل الكتابة أو وهبه عتق فلو قال لا أقبل صح عتقه ولم يبرأ من بدل الكتابة فينبغي أن لا يجزئ عن الكفارة لانه عتق ببدل كما لا يخفى. وروى الحسن

[ 173 ]

عن أبي حنيفة أنه إذا أعتق المكاتب عنها بعد أداء البعض صح لان عتقه معلق بأداء كل البدل فلا يثبت شئ من العتق بأداء البعض، كذا في المحيط. وما في الكتاب ظاهر الرواية. وفي التتارخانية: لو عجز عن أداء بدل الكتابة ثم أعتقه يجوز، سواء كان أدى شيئا أو لم يؤد، وهي الحيلة لمن أراد أن يعتق مكاتبه بعد أداء البعض كما في الينابيع. في كافي الحاكم: ولو أعتق عنها على جعل لم يجزه عنها فإن وهب له الجعل بعد ذلك لم يجز أيضا ا ه‍ قوله: (فإن لم يؤد شيئا أو اشترى قريبه ناويا بالشراء الكفارة أو حرر نصف عبده عن كفارته ثم حرر باقيه عنها صح) أما الاول فلما قدمنا أن الرق فيه كامل وإن كان الملك فيه ناقصا وجواز الاعتاق عنها يعتمد كمال الرق لا كمال الملك. أشار إلى أن عتق المرهون والمستأجر والموصي بخدمته عنها جائز بالاولى لوجود ملك الرقبة وإن فاتت اليد، ودل كلامه على أن الكتابة تنفسخ بإعتاقه لرضاه بذلك لكن قالوا: إن الانفساخ ضروري فيتقدر بقدر الضرورة وهو جواز التكفير فتنفسخ الكتابة بالنظر إلى جوازه لا مطلقا بدليل أن الاولاد والاكساب سالمة له. ثم اعلم أن السيد لو مات وله مكاتب فأعتقه وارثه عن كفارته لم يجز إجماعا كما نقله الفخر الرازي في التفسير الكبير. قال: فدل على أن الملك كان فيه ضعيفا ا ه‍. والفرق على مذهبنا أن المكاتب لا ينتقل إلى ملك الوارث بعد موت سيده لبقاء الكتابة بعد موته فلا ملك للوارث فيه بخلاف سيده حال الكتابة، وإنما جاز إعتاق الوارث له لتضمنه الابراء من بدل الكتابة المقتضي للاعتاق. وأما الثاني أعني ما إذا اشترى قريبه أي محرمه ناويا بالشراء الكفارة ومراده ما إذا دخل محرمه في ملكه بصنع منه فنوى وقت الملك عتقه عن كفارته أجزأه، شراء كان أو هبة أو قبول صدقة أو وصية فخرج الارث، فلو نوى وقت موت مورثه إعتاقه عنها لم يجز عنها لعدم الصنع. وقيد بكون النية عند الشراء لانها لو تأخرت عن الصنع لم يجز عنها. وما في الخانية من باب عتق القريب لو وكل رجلا بأن يشتري أباه فيعتقه بعد شهر عن ظهاره فاشتراه الوكيل يعتق كما اشتراه ويجزيه عن ظهار الآمر ا ه‍. فمبني على إلغاء قوله بعد شهر لمخالفته المشروع وهو عتق المحرم عند الشراء، وأشار باشتراط النية عند الشراء إلى اشتراط قرانها بعلة العتق لكون الشراء علة العتق القريب فأفاد أنه لو قال لعبده إن دخلت الدار فأنت حر ناويا كونه عن الظهار وقت التعليق أجزأه، وإن تأخرت النية عنه لم يجزه، ولا فرق بين

[ 174 ]

أن يصرح بقوله عن ظهاري أو ينوي، فلو نوى وقت التعليق أن يكون حرا عن ظهاره ثم نوى أن يكون عن كفارة قتله كان عن الظهار، وكذا لو نوى وقته أن يكون تطوعا ثم نوى عنها لم يصح، كذا في البدائع معللا بأن اليمين لا يحتمل الفسخ بناء على أن المنوي كالملفوظ به. وفي التتارخانية: وعلى هذا لو قال إن اشتريت هذا العبد فهو حر عن ظهاري ثم قال إن اشتريته فهو حر عن ظهار فلانة ثم قال لامرأة أخرى كذلك ثم اشتراه فهو حر عن ظهار الاولى ا ه‍. ثم اعلم أنه لو وكل في إعتاقه عبده عن كفارته ثم نوى قبل إعتاق المأمور أن يكون عن جهة أخرى فإنه يجوز فهما من كلام المحيط من باب الاحصار لو بعث المحصر بهدي الاحصار ثم زال وحدث آخر فإن علم أن يدرك الهدى ونوى أن يكون لاحصاره الثاني جاز، وكذا لو دفع خمسة أصوع طعام لرجل وأمره بالتصدق على عشرة مساكين عن كفارة يمينه فلم يتصدق حتى كفر الآمر وحنث في آخرى ثم تصدق المأمور جاز عن الثانية إذا نواها الآمر، وكذا لو بعث هديا لجزاء صيد ثم أحصر فنوى أن يكون للاحصار، ولو قلد بدنة وأوجبها تطوعا ثم أحصر فنوى أن تكون لاحصاره جاز ا ه‍. ثم اعلم أنهم جعلوا المعلق هنا علة للعتق مع قولهم إن المعلق لا ينعقد سببا للحال وإنما ينعقد سببا عند وجود الشرط فينبغي على هذا الاصل أن لا تصح النية وقت التعليق وإنما تصح وقت وجود الشرط والحكم فيها بالعكس وجوابه في فتح القدير من كتاب الايمان من باب اليمين في الطلاق والعتاق، وقد ذكروا فيه أنه لو اشترى أم ولده أي من استولدها بنكاح ناويا عن كفارته فإنه لا يجوز لان العلة الاستيلاد ولم تقارنه النية. وأما الثالث أعني ما إذا حرر نصف عبده ثم حرر باقيه قبل المسيس فلكونه أعتق رقبة كاملة بكلامين والنقصان متمكن على ملكه بسبب التحرير عنها ومثله غير مانع كمن أضجع شاة للاضحية فأصابت السكين عينها. قيد بقوله حرر باقية لانه لو حرر نصفا آخر من رقبة أخرى لا يجوز تكميل العتق بالعتق من شخص آخر عند أبي حنيفة، وأما تكميله بالاطعام كما لو حرر عنها نصف عبد وأطعم عن الباقي لم يجز أيضا عند أبي حنيفة لانها إنما تتأدى بإعتاق رقبة أو بإطعام مساكين مقدرة ولم يوجد واحد منهما، وتكميل العتق بالعتق من شخص آخر لا يجوز فلان لا يجوز تكميله

[ 175 ]

بالتمليك من جنس آخر أولى. وعندهما يجوز لان العتق عندهما لا يتجزى فصار معتقا للكل وكان متبرعا بالاطعام، كذا في المحيط. ولو حرر عبدين بينه وبين غيره لم يجز عن الكفارة لان الواجب تحرير رقبة واحدة وتخليصها عن الرق وهو ما حرر رقبة واحدة ولم يصرف العتق إلى شخص بل حرر نصفا من كل رقبة كما لو فرق طعام مسكين على اثنين، ولو كان شاتان بين رجلين فذبحاهما عن نسكهما أجزأهما لان الاشتراك في النسك جائز، ألا ترى أنه تجزئ البدنة عن سبعة فكان المعتبر في باب النسك مقدار الشاة وقد وجد، كذا في المحيط أيضا. وخرج بقوله حرر باقيه ما إذا لم يحرر باقيه أصلا فإعتاق النصف لا يكفي عنها عنده، وعندهما لما أعتق النصف عتق الكل بلا سعاية فأجزأ عن الكفارة، كذا في الكافي. قوله: (وإن حرر نصف عبد مشترك وضمن باقيه أو حرر نصف عبده ثم وطئ التي ظاهر منها ثم حرر باقيه لا) أي لا يجزيه عن الكفارة، أما الاول فلان نصيب صاحبه قد انتقص على ملكه لتعذر باقيه لاستدامة الرق فيه ثم يتحول إليه بالضمان ومثله يمنع الكفارة كالتدبير. والمراد بضمان القيمة إعتاق النصف الآخر بعد التضمين وإلا فمجرد الضمان لا يكفي لوضع المسألة، ودل كلامه على أنه لو كان معسرا وسعى العبد في بقية قيمته حتى عتق كله لا يجزيه عنها بالاولى، وهذا عند الامام، وأما عندهما إن كان المعتق موسرا ضمن قيمة نصيب شريكه أجزأه عنها لانه عتق كله بإعتاق البعض، وإن كان معسرا لا يجزئه والخلاف مبنى على تجزء الاعتاق وعدمه. وبما قررناه علم أن المعتق إذا كان معسكرا لم يجز اتفاقا لانه عتق بعوض وإن لم يكن البدل حاصلا للمعتق بل لشريكه لان المانع أن يلزم العبد بدل في مقابلة تحرير رقبته. وفي الكافي: فإن قيل المضمونات تملك عند أداء الضمان مستندا إلى وقت وجود السبب فصار نصيب الساكت ملكا للمعتق زمان الاعتاق فكان النقصان في ملكه لا في ملك شريكه. قلنا: الملك في المضمون يثبت بصفة الاستناد في حق الضامن والمضمون له لا في حق غيرهما فتمكن النقصان في نصيب الساكت في حق غيرهما والكفارة غيرهما فلم تجز ا ه‍. والحاصل أن النقصان إن كان على ملك المعتق أجزأه، وإن كان على ملك غيره لا يجزئه. وفي فتح القدير: إن التعييب ضرورة إقامة المأمور به ليس كالتعييب بصنعه مختارا حتى إنه لو فقأ عين الشاة مختارا عند الذبح نقول لا يجزئه فكان المشترك أولى بالاجزاء من العبد المختص لان مالك النصف لا يقدر على عتقه إلا بطريق عتق نصفه فحاله أشبه بذابح الشاة من مالكه على الكمال. وجوابه أن المعنى أنه حصل بسبب إقامة الواجب وهذا القدر كاف

[ 176 ]

في عدم ما نعيته لا يتوقف على كونه بحيث لا يمكن إقامة الواجب إلا كذلك فإن الشارع لما أطلق له العتق بمرة ومرة كان لازمه أنه إذا حصل النقص بسببه مطلقا لا يمنع وتمامه فيه. وأما الثاني فعدم الاجزاء قول الامام لكونه متجزئا عنه وشرط الاعتاق أن يكون قبل المسيس بالنص وإعتاق النصف حصل بعده، وعندهما إعتاق النصف إعتاق للكل فحصل الكل قبل المسيس، وأورد عليه أن هذا يقتضي أن لا يجوز إعتاق رقبة كاملة بعد المسيس مع أنه جائز. وأجيب بأنه قبل المسيس الثاني وبطل إعتاق ذلك النصف عنها كما في النهاية. قوله: (فإن لم يجد ما يعتق صام شهرين متتابعين ليس فيهما رمضان وأيام منهية) أي إن لم يملك رقبة ولا ثمنها فاضلا عن قدر كفايته لان قدرها مستحق الصرف فصار كالعدم، فمن له خادم يحتاج إلى خدمته لا يجزئه الصوم بخلاف من له مسكن لانه كلباسه ولباس أهله، صرح به في الخزانة. وفي الجوهرة: لو كان له عبد للخدمة لا يجوز له الصوم إلا أن يكون زمنا فيجوز ا ه‍. والضمير في يكون يعود ظاهرا إلى المولى. وفي التتارخانية: ومن ملك رقبة لزمه العتق وإن كان محتاجا إليها ا ه‍. وظاهره أنه يعتقها ولو كان السيد زمنا فحينئذ يرجع الضمير في كلام الجوهرة للعبد، والمعنى إلا أن يكون العبد بحال لا يجزئ عنها، ومن الكفاية قدر كفايته للقوت، فإن كان محترفا فقوت يومه والذي لا يعمل قوت شهر. وفي المحيط: معسر له دين على الناس أو عبد غائب يجزئه الصوم يريد بالغائب أنه لم يكن مملوكا له، فأما إذا كان في ملكه لا يجزه الصوم لانه قادر على إعتاقه، فأما الدين إذا لم يقدر على أخذه من مديونه فقد عجز عن التكفير بالمال فيجزئه الصوم، أما إذا قدر على أخذه منه لم يجزه الصوم. وكذلك امرأة تزوجت على عبد وزوجها قادر على أدائه إذا طالبته بذلك ووجب عليها كفارة لم يجزها الصوم، وإن كان له مال ووجب عليه دين مثله يجزئه الصوم بعدما قضى دينه لانه غير واجد للمال، فأما قبل قضاء الدين فقيل يجزئه لان محمدا علل وقال بأنه تحل له الصدقة وهذا إشارة إلى أن ماله ملحق بالعدم حكما لكونه مستحق الصرف إلى الدين كالماء المستحق للعطش. وقيل: لا يجزئه لان محمدا ذكر ما يدل عليه لانه خص الصوم بما بعد قضاء الدين وذلك لان ملك المديون في ماله كامل بدليل إنه يملك جميع التصرف فيه ا ه‍. وفي البدائع: لو كان في ملكه رقبة صالحة للتكفير يجب عليه تحريرها، سواء كان عليه دين أو لم يكن، لانه واجد حقيقة ا ه‍. وحاصله أن الدين لا يمنع تحرير الرقبة الموجودة ويمنع وجوب شرائها بمال على أحد القولين. فإن قلت: إذا كان عليه كفارتا

[ 177 ]

ظهار لامرأتين وفي ملكه رقبة فقط فصام عن إحداهما ثم أعتق عن ظهار الاخرى هل يجزئه الصوم عن الاولى. قلت: لم أره صريحا ولكن في المحيط في نظيره ما يقتضي عدم الاجزاء قال: عليه كفارتا يمين وعنده طعام يكفي لاحداهما فصام عن إحداهما ثم أطعم عن الاخرى لا يجوز صومه لانه صام وهو قادر على التكفير بالمال فلا يجزئه ا ه‍. وبما نقلناه عن المحيط من أن من له عبد غائب في ملكه لا يجزئه الصوم ظهر أن ما ذكره الامام فخر الدين الرازي عن أصحاب الشافعي استنباطا من تعبيره تعالى بعدم الوجود عند الانتقال إلى الصوم وبعدم الاستطاعة عند الانتقال إلى الاطعام من أنه لو كان له مال غائب فإنه ينتظره ولا يصوم، ومن كان مريضا مرضا يرجى برؤه فإنه يطعم ولا ينتظر الصحة ليصوم، موافق لمذهبنا أيضا في الصوم لا في الاطعام لما سيأتي وإن كان المال أعم من العبد لانه لا فرق بين العبد وبين قدر ما يشتري به. وأراد بالايام المنهية الخمسة المعروفة وهي يوما العيد وأيام التشريق لان الصوم بسبب النهي فيها ناقص فلا يتأدى به الكامل، وشهر رمضان في حق الصحيح المقيم لا يسع غير فرض الوقت قيدنا بالمقيم الصحيح لان المسافر له أن يصوم عن واجب آخر وفي المريض روايتان كما علم في الاصول في بحث الامر. وفي اقتصاره على نفي الايام المنهية وشهر رمضان دلالة على أنه لا يشترط أن لا يكون فيهما وقت نذر صومه لان المنذور المعين إذا نوى فيه واجبا آخر وقع عما نوى بخلاف رمضان كما علم في الصوم. وفي كلامه إشارة إلى أن هذه الايام لو دخلت على الصوم انقطع التتابع صامها أولا لامكان وجود شهرين يصومها خاليين عنها فلذا قطع النفاس والمرض التتابع وكان حيضها غير قاطع لصوم كفارتها لعدم الامكان وينبغي أن يكون مخصوصا بكفارة قتلها أو فطرها في الحيض لانها لا تجد شهرين خاليين عن حيضها بخلاف كفارة اليمين فإنها تجد ثلاثة أيام خالية عنه. ثم رأيت الفرق مصرحا به في المحيط. وفي البدائع: عليها أن تصل أيام القضاء بعد الحيض بما قبله حتى لو لم تصل وأفطرت يوما بعد الحيض استقبلت لتركها التتابع بلا ضرورة بخلاف نفاسها، وهذا مما خالف فيه النفاس الحيض فإن النفاس قاطع للتتابع في صوم كل كفارة لها بخلاف الحيض فإنه غير قاطع في كفارة الفطر والقتل. وعن محمد في المنتفى: لو صامت شهرا ثم حاضت ثم أيست استقبلت لانها قدرت على مراعاة التتابع فلزمها التتابع. وعن أبي يوسف: إنها إذا حبلت في الشهر الثاني بنت، كذا في المحيط. فعلى الاول قولهم حيضها غير قاطع في كفارة الشهرين إلا إذا أيست بعده فحينئذ يقطع، وأما صوم المضللة عن الكفارة فقد استوفاه في

[ 178 ]

المحيط من الحيض، وقد أفاد كلامه أن كل صوم شرط فيه التتابع نصا فحكمه كالكفارة فإذا أفطر فيه يوما بطل ما قبله ولزمه الاستقبال كالمنذور المشروط فيه التتابع معينا أو مطلقا بخلاف المعين الخالي عن اشتراطه فإن التتابع فيه وإن لزم لكن لا يستقبل إذا أفطر فيه يوما كرجب مثلا لانه لا يزيد على رمضان وحكمه ما ذكرنا كما في فتح القدير من الايمان. وأراد بعدم الوجود عدما مستمرا إلى فراغ صوم الشهرين حتى لو قدر على الاعتاق في اليوم الاخير قبل غروب الشمس وجب عليه الاعتاق وكان صومه تطوعا والافضل إتمامه، وإن أفطر لا قضاء عليه لانه شرع فيه مسقطا لا ملتزما خلافا لزفر. وقيد الصوم بعدم الوجود لانه غير جائز من القادر على التحرير لترك الواجب في قوله تعالى * (فتحرير رقبة) * [ النساء: 29 ] إذ المعنى فالواجب عليه تحرير رقبة لا عملا بمفهوم الشرط كما لا يخفى. واليسار والاعسار معتبران وقت التكفير أي الاداء لا وقت الوجوب كمذهب أحمد، ولا أغلظ الحالين كمذهب الشافعي، لان القدرة إنما يحتاج إليها للاداء فيشترط وجودها وعدمها عند الاداء، وفي المحيط: لو صام بالاهلة فاتفق تسعة وخمسين يوما جاز، ولو صام بغير الاهلة تسعة وخمسين يوما يصوم ثانيا لان الاصل اعتبار الشهر بالاهلة، فإن غم الهلال اعتبر كل شهر ثلاثين يوما ا ه‍. وينبغي أن يقال: فاتفق ثمانية وخمسين جاز لجواز كون كل منهما تسعة وعشرين يوما وقد أفاده في التتارخانية. قوله: (فإن وطئ فيهما ليلا أو يوما ناسيا أو أفطر استأنف الصوم) أي وطئ المظاهر منها عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: الشرط عدم فساد الصوم فلو جامعها ليلا أو نهارا ناسيا لا يستأنف. والصحيح قولهما لان المأمور به صيام شهرين متتابعين لا مسيس فيهما فإذا جامعها في خلالهما لم يأت بالمأمور به وإذا أفطر في خلالهما انقطع التتابع. أطلق في الليل فشمل العمد والنسيان كما صرح به في البدائع، والتقييد بالعمد في أكثر الكتب اتفاقي لا للاحتراز عنه كما في بعض شروح المجمع فاحترز منه فإنه غلط، وقد صرح في غاية البيان والعناية بأنه قيد اتفاقي. وقيد بالنسيان في اليوم لانه لو جامعها نهارا عمدا استأنف اتفاقا لوجود المسيس عندهما ولفساد الصوم عنده. وإنما لم يعف عن النسيان في وطئ المظاهر منها كما عفى عنه في الصوم لانه في الصوم على خلاف القياس للحديث فلا يلحق به غيره. ولو قال المصنف ولو جامعها فيهما مطلقا أو أفطر استأنف لكان أولى ومن التطويل أعرى. قيدنا بوطئ المظاهر منها لانه لو وطئ غيرها فيهما فإن بطل صومه كأن كان نهارا عامدا دخل تحت قوله أو أفطر فيستأنف وإلا لا وهذا بالاتفاق. وقيد بكفارة الظهار لانه لو وطئ وطئا لا يفسد الصوم في كفارة القتل لم يستأنف كما في الجوهرة. وأطلق في

[ 179 ]

الافطار فشمل ما إذا كان لعذر كسفر أو مرض أو لا كما في العناية قوله: (ولم يجز للعبد إلا الصوم) أي إلا صوم الشهرين المتتابعين لان العبد لا يملك وإن ملك والاعتاق والاطعام شرطهما الملك فإن أعتق المولى عنه أو أطعم لم يجز وإن كان بأمره لانه ليس بأهل للملك فلا يصير مالكا بتمليكه للحديث لا يملك العبد شيأ ولا يملكه مولاه ولا يثبت عتقه في ضمنه لانه إنما يصح أن لو كان تبعا والاعتاق أصل الاهلية فلا يثبت اقتضاء، كذا في الكافي. وإذا تعين الصوم للكفارة وقد تعلق بها حق المرأة لم يكن للسيد أن يمنعه بخلاف صوم بقية الكفارات له أن يمنعه عن صومها لعدم تعلق حق عبد بها. وفي فتح القدير من باب جنايات الاحرام: ولا يجوز إطعام المولى عنه إلا في الاحصار فإن المولى يبعث عنه ليحل هو فإذا عتق فعليه حجة وعمرة ا ه‍. ولم يعلل لاستثناء هذه المسألة. فإن قلت: لم لم يكن الرق منصفا لصوم الكفارات مع أنه منصف نعمة وعقوبة؟ قلت: لما فيه من معنى العبادة وهي لم تتنصف بالرق كالصلاة وصوم رمضان وإن كان الغالب في بعضها معنى العقوبة احتياطا. ثم رأيت تعليل مسألة دم الاحصار فقال في البدائع: لو أحصر العبد بعد ما أحرم بإذن المولى ذكر القدوري في شرح مختصر الكرخي أنه لا يلزم المولى إنفاذ هدي لانه لو لزمه يلزمه لحق العبد ولا يجب للعبد على مولاه حق فإذا أعتقه وجب عليه. وذكر القاضي في شرح مختصر الطحاوي أن على المولى أن يذبح عنه هديا في الحرم فيحل لان هذا الدم وجب لبلية ابتلي بها العبد بإذن المولى فصار بمنزلة النفقة والنفقة على المولى فكذا دم الاحصار ا ه‍. وأما كفارة الميت إذا مات وعليه كفارة وأوصى بإخراجها من ثلث ماله فإن كانت كفارة يمين خبر الوصي بين الاطعام وبين الكسوة وبين التحرير وفي كفارة القتل والظهار والافطار يتعين التحرير إن بلغت قيمته الثلث وإلا تعين الاطعام ولا دخل للصوم في الكل، كذا في

[ 180 ]

البدائع. فإن قلت: هل لنا حر ليس له كفارة إلا بالصوم؟ قلت: المحجور عليه بالسفه على قولهما المفتى به لا يكفر إلا بالصوم حتى لو أعتق عنها صح العتق ولا يجزئ عنها ويلزمه الصوم كما في شرح المنظومة من الحجر. قوله: (فإن لم يستطع الصوم أطعم ستين فقيرا كالفطرة أو قيمته) أي إن لم يقدر على الصوم لمرض لا يرجى برؤه أو كبر. أراد بالاطعام الاعطاء تمليكا لانه سيصرح بالاباحة ولذا قال في البدائع: إذا أراد التمليك أطعم كالفطرة وأراد الاباحة أطعمهم غداء وعشاء. وقيد بالفقير لان الغني لا يجوز إطعامه في الكفارات تمليكا وإباحة ومن له مال وعليه دين لعبد فقير في هذا كما في البدائع. وأشار بذكر الفقير إلى أنه المراد في الآية فالمسكين والفقير سواء فيها. وأفاد بقوله كالفطرة أي كصدقة الفطر أنه لا يجوز إطعام أصله وفرعه واحد الزوجين ومملوكه والهاشمي، وأنه يجوز إطعام الذمي لان مصرفها مصرفها وهو مصرف الزكاة إلا الذمي فإنه مصرف فيما عدا الزكاة بخلاف الحربي فإنه ليس بمصرف لشئ ولو كان مستأمنا. ولو دفع بتحر فبان أنه ليس بمصرف أجزأه عندهما خلافا لابي يوسف كما عرف في الزكاة كما في البدائع، وأنه يملك نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو شعير أو دقيق كل كأصله وكذا السويق. واختلفوا هل يعتبر الكيل أو القيمة فيهما كما في صدقة الفطر وأنه لو دفع البعض من الحنطة والبعض من الشعير فإنه جائز إذا كان قدر الواجب كأن يدفع ربع صاع من بر ونصفا من شعير. وإنما جاز التكميل بالآخر لاتحاد المقصود وهو الاطعام ولا يجوز

[ 181 ]

التكميل بالقيمة كما لو ادى نصفا من تمر جيد يساوي صاعا من الوسط. وأفاد بعطف القيمة أنه لا بد أن تكون من غير المنصوص عليه فلو دفع منصوص عليه عن منصوص آخر بطريق القيمة لم يجز إلا أن يباع المدفوع الكمية المقدرة شرعا، فلو دفع نصف صاع تمر يبلغ قيمة نصف صاع بر لا يجوز فالواجب عليه أن يتم للذين أعطاهم القدر المقدر من ذلك الجنس الذي دفعه لهم، فإن لم يجدهم بأعيانهم استأنف في غيرهم ولا يقال لو أطعم خمسة وكسا خمسة في كفارة اليمين حيث تجوز لكسوة عن الاطعام مع أن كلا منهما منصوص عليه لانا نقول قال في البدائع: لو أطعم خمسة على وجه الاباحة وكسا خمسة فإن كان على وجه المنصوص عليه لا يجوز، وإن أخرجه على وجه القيمة، فإن كان الطعام أرخص من الكسوة أجزأه، وإن كانت الكسوة أرخص من الطعام لم يجزه لان الكسوة تمليك فجاز أن تكون بدلا عن الاطعام. ثم إن كانت قيمة الكسوة مثل قيمة الطعام فقد أخرج قيمة الطعام، وإن كانت أغلا فقد أخرج قيمة الطعام وزيادة، وإن كانت قيمة الكسوة أرخص لا يكون الطعام بدلا عنه لان طعام الاباحة ليس بتمليك فلا يقوم مقام التمليك وهو الكسوة لان الشئ لا يقوم مقام ما هو فوقه. ولو أطعم خمسة وكسا خمسة جاز وجعل أغلاهما ثمنا بدلا عن أرخصهما ثمنا أيهما كان لان كل واحد منهما تمليك فجاز أن يكون أحدهما بدلا عن الآخر ا ه‍. وأشار بقوله كالفطرة إلى أنه لو أعطى مسكينا أقل من نصف صاع لا يجزيه كما قدمه الشارح في صدقة الفطر ونقل أن الجواز قول الكرخي، فما نقله هنا من الجواز إما غفلة عما قدمه وإما على قول الكرخي. ثم اعلم أن الكفارات كلها لا يجوز إعطاء فقير فيها أقل من نصف صاع حتى فدية الصلاة حتى لو أعطى عن صلاة أقل من المسكين لم يجز كما في المحيط. وقد فرق في العناية بين الكفارة وصدقة الفطر وقد علمت أنه مفرع على الضعيف. وفي التتارخانية:

[ 182 ]

لو أعطى ستين مسكينا كل مسكين مدا من الحنطة لم يجز وعليه أن يعيد مدا آخر على كل مسكين، فإن لم يجد الاولين فأعطى ستين آخرين كل مسكين مدا لم يجز ا ه‍. وفي المحيط: لو أعطى عشرة مساكين كل مسكين مدا مدا ثم استغنى المساكين ثم افتقروا فأعاد عليهم مدا مدا لا يجوز، وكذا لو أدى إلى المكاتبين مدا مدا ثم ردوا إلى الرق ومواليهم أغنياء ثم كوتبوا ثانيا ثم أعاد عليهم لم يجز لانهم صاروا بحال لا يجوز الاداء إليهم فصاروا كجنس آخر ا ه‍. قوله: (فلو أمر غيره أن يطعم عنه عن ظهاره ففعل أجزأه) لانه طلب منه التمليك معنى والفقير قابض له أولا ثم لنفسه فيتحقق تملكه ثم تمليكه كهبة الدين من غير من عليه الدين إذا سلطه على القبض، ولما كان طلب التمليك متنوعا إلى هبة وقرض والاصل البراءة لا رجوع على الآمر في ظاهر الرواية. وفي التتارخانية: إن قال الآمر على أن لا رجوع للمأمور فلا رجوع، وإن قال على أن ترجع علي رجع عليه، وإن سكت الآمر ففي الدين يرجع اتفاقا، وفي الكفارة والزكاة لا يرجع عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف يرجع ا ه‍. والحاصل أنهم فرقوا بين الامر بقضاء الدين وبين الامر بأداء الزكاة والتكفير مع أن الكل واجب على الآمر، وقد رأيت الفرق في السراج الوهاج من كتاب الوكالة معزيا إلى الامام الكرخي بأنه لو رجع بلا شرط رجع بأكثر مما أسقط عن ذمة الآمر، ألا ترى أن الوجوب كان من أحكام الآخرة دون الدنيا، ولو ثبت الرجوع بمطلق الامر لرجع بحق مضمون في الدنيا والآخرة ولا يجوز أن يرجع بأكثر مما أسقط عن ذمته ا ه‍. وفي البزازية من كتاب الوكالة ذكر ضابطا حسنا لما يرجع بلا شرط وما يرجع بشرط الرجوع فانظره ثمة. قيد بالاطعام لانه لو أمر أجنبيا أن يعتق عنه فأعتق لا يجزئه عندهما خلافا لابي يوسف. والفرق على قولهما أن التمليك بغير بدل هبة ولا جواز لها بدون القبض ولم يوجد القبض في الاعتاق ووجد في الاطعام والكسوة في كفارة اليمين كالاطعام، كذا في البدائع. وإن كان بجعل سماه أجزأه اتفاقا، وإن أعتق عنه بغير أمره لم يجز اتفاقا لوقوعه عن المعتق، كذا في الولوالجية. وخرج الصوم أيضا فلو أمره أن يصوم عنه فصام لا يجزئه، كذا في غاية البيان. وقيد الاطعام بالامر لانه لو

[ 183 ]

أطعم عنه بلا أمره لا يجزئه لعدم ملكه ولعدم النية، وأما تكفير الوارث عن الميت ففي كفارة اليمين يجوز الاطعام أو الكسوة وفي كفارة الظهار بالاطعام ولا يجوز التبرع عنه في كفارة القتل لان التبرع بالاعتاق غير جائز، كذا في المحيط قوله: (وتصح الاباحة في الكفارات) أي في إطعام الكفارات قوله: (والفدية دون الصدقات والعشر) لو رود الاطعام في الكفارات والفدية هو حقيقة في التمكين من الطعم. وإنما جاز التمليك باعتبار أنه تمكين، أما الواجب في الزكاة الايتاء وفي صدقة الفطر الاداء وهما للتمليك حقيقة. فإن قلت: هل يجوز الجمع بين الاباحة والتمليك لرجل واحد أو لبعض المساكين دون البعض أو أن يعطي نوعا للبعض ونوعا للبعض؟ قلت: أما الاول ففي التتارخانية: إذا غداه وأعطاه مدا ففيه روايتان. واقتصر في البدائع على الجواز لانه جمع بين شيئين حائزين على الانفراد. وإن غداهم وأعطاهم قيمة العشاء أو عشاهم وأعطاهم قيمة الغداء يجوز. وأما الثانية كما إذا ملك ثلاثين وأطعم ثلاثين غداء وعشاء فهو جائز. وأما الثالثة فقال في الكافي: ويجوز تكميل أحدهما بالآخر. فإن قلت: هل المباح له الطعام يستهلكه على ملك المبيح أو على ملك نفسه؟ قلت: إذا صار مأكولا زال ملك المبيح عنه ولم يدخل في ملك أحد، ذكره في البدائع. قيدنا بالاطعام لان الاباحة في الكسوة في كفارة اليمين لا تجوز كما لو أعار عشرة مساكين كل مسكين ثوبا، كذا في المحيط. وجعل الفدية كالكفارة ظاهر الرواية، وروى الحسن عن الامام أنه لا بد من التمليك لانها تنبئ عنه كفدية العبد الجاني لا بد فيها من تمليك الارش. قوله: (والشرط غدآن أو عشاآن مشبعان أو غداء وعشاء) أي الشرط في طعام الاباحة أكلتان مشبعتان لكل مسكين والسحور كالغداء، فلو غداهم يومين أو عشاهم كذلك أو غداهم وسحرهم أو سحرهم يومين أجزأه. ولو غدى ستين مسكينا وعشى ستين غيرهم لم يجزه إلا أن يعيد على أحد النوعين منهم غداء أو عشاء، ولو غدى واحدا وعشى آخر لم يجز.

[ 184 ]

وقيد بالشبع لانه لو كان فيهم من هو شبعان قبل الاكل أو صبي ليس بمراهق لا يجزئه، واختلف المشايخ فيه ومال الحلواني إلى عدم الجواز. وفي المصباح: الاكل معروف والاكل بضمتين وإسكان الثاني للتخفيف، المأكول والاكلة بالفتح المرة، وبالضم اللقمة. والغداء بالمد طعام الغداة والعشاء بالفتح، وبالمد طعام العشاء بالكسر. والسحور بفتح السين ما يؤكل في السحر ما قبل الصبح، وبالضم الاكل وقته. وأشار به إلى أنه لا معتبر بعد الشبع إلى مقدار الطعام حتى روي عن أبي حنيفة في كفارة اليمين لو قدم أربعة أرغفة إلى عشرة مساكين وشبعوا أجزأه وإن لم يبلغ ذلك صاعا أو نصف صاع، كذا في التتارخانية. وإلى أنه لا بد من الادام في خبز الشعير والذرة ليمكنهم الاستيفاء إلى الشبع بخلاف خبز البر. وقد اختلف المشايخ في جواز إطعام خبز الشعير بالادام بناء على أن محمدا نص على خبز البر في الزيادات فقال البعض لا يجوز بخبز الشعير، وبعضهم جوزه مع الادام وإليه مال الكرخي كما في التتارخانية. وفي الينابيع: لو أطعم مائة وعشرين مسكينا في يوم واحد أكلة واحدة مشبعة لم يجز إلا عن نصف الاطعام فإن أعاده على ستين مسكينا أجزأه ا ه‍. وفي البدائع: أوصى بأن يكفر عنه فأطعم الوصي الغداء للعدد المنصوص عليه ثم ماتوا قبل العشاء يستأنف فيغدي ويعشي غيرهم لانه لا سبيل إلى التفريق ولا يضمن الوصي شيئا لانه غير متعد إذ لا صنع له في الموت ا ه‍. وينبغي أن المكفر إذا غدى العدد ثم غابوا أن ينتظر حضورهم أو يعيد الغداء مع العشاء على عدد غيرهم، وينبغي في الوصي أن ينتظر لرجاء حضورهم قوله: (وإن أعطى فقيرا شهرين صح) لان المقصود سد خلة المحتاج والحاجة تتجدد بتجدد الايام فتكرر المسكين بتكرر الحاجة حكما فكان تعدادا حكما. قيد بالتمليك لانه لو أطعم مسكينا غداه وعشاه ستين يوما لا يجزئه في قول أبي يوسف الاخير كما في التتارخانية فيحتاج إلى الفرق بين الاباحة والتمليك في حق الواحد. والحق أن لا فرق على المذهب لما في البدائع: لو أعطى طعام عشرة مساكين في كفارة اليمين في عشرة أيام لمسكين واحد غداه وعشاه عشرة أيام أجزأه عندنا. وفي المصباح: الخلة بالفتح الفقر والحاجة قوله: (ولو في يوم لا إلا عن يومه)

[ 185 ]

أي لو أعطى فقيرا ثلاثين صاعا في يوم لا يجزئه إلا عن واحد لفقد التعدد حقيقة وحكما لعدم تجدد الحاجة. أطلقه فشمل ما إذا أعطاه بدفعة واحدة أو متفرقا على الصحيح كما في المحيط. وفي طعام الاباحة لا يجوز في يوم واحد وإن فرق بلا خلاف كما في التتارخانية. والكسوة في كفارة اليمين كالاطعام حتى لو أعطى مسكينا واحدا عشرة أثواب في عشرة أيام يجوز في كفارة اليمين لتجدد الحاجة حكما باعتبار تجدد الزمان. وفي البدائع في كفارة اليمين: لو غدى رجلا واحدا عشرين يوما أو عشى واحدا عشرين يوما أجزأه عندنا. وفي المحيط: لو أعطى مسكينا عن فدية صوم يومين عليه فعن أبي يوسف روايتان، وفي رواية يجزئه عنهما، وفي رواية لا يجزئه. قيل: وهذا قول أبي حنيفة كما في كفارة اليمين. قوله: (ولا يستأنف بوطئها في خلال الاطعام) لان الله تعالى إنما شرط في التحرير والصوم أن يكون قبل التماس ولم يشترطه في الاطعام ولا يحمل المطلق على المقيد وإن وردا في حادثة واحدة بعد أن يكونا حكمين - كذا في الكافي - إلا أنه منع من الوطئ قبله لجواز أن يقدر على الصوم والاعتاق فتنتقل الكفارة إليهما فيتبين أن الوطئ كان حراما قوله: (ولو أطعم عن ظهارين ستين فقيرا كل فقير صاعا صح عن واحد وعن إفطار وظهار صح عنهما) لانه في الاول زاد في قدر الواجب ونقص عن المحل فلا يجوز إلا بقدر المحل لان النية في الجنس الواحد لغو وفي الجنسين معتبرة، وكذلك لو أطعم عشرة مساكين عن يمينين لكل مسكين صاعا فهو على هذا الخلاف، كذا في البدائع. أطلقه فشمل ما إذا كان الظهاران لامرأتين أو لواحدة. والحاصل أن النقصان عن العدد لا يجوز فالواجب في الظهارين إطعام مائة وعشرين فلا يجوز صرف الواجب إلى الاقل كما لو أطعم ثلاثين مسكينا لكل واحد صاعا فإنه لا يكفي عن ظهار واحد، والمراد بالمدفوع البر إذ لو كان تمرا أو شعيرا فموضوع المسألة أعطى لكل فقير صاعين ولا بد من تقييد المسألة بأن يكون دفعها دفعة واحدة، أما لو كان بدفعات جاز اتفاقا كما في الكافي معللا بأنه في المرة الثانية كمسكين آخر. ورجح في فتح القدير قول محمد بأنه كما يحتاج إلى نية التعيين عند اختلاف الجنس يحتاج إليها لتمييز بعض أشخاص ذلك الجنس وقد اعتبروا ذلك في العتق فإنه لو كان عليه كفارتا ظهار

[ 186 ]

لامرأتين فاعتق عبدا ناويا عن إحداهما صح تعيينه ولم يلغ وحل له وطؤها مع اتحاد الجنس فليصح في الاطعام لثبت غرضه وهو حلهما معا قوله: (ولو حرر عبدين عن ظهارين ولم يعين صح عنهما ومثله الصيام والاطعام) حتى لو صام عنهما أربعة أشهر أو أطعم عنهما مائة وعشرين مسكينا صح عنهما من غير تعيين لان الجنس متحد فلا حاجة إلى نية التعيين. قيد بقوله عن ظهارين لانه لو كان عليه كفارة يمين وكفارة ظهار وكفارة قتل فأعتق عبيدا عن الكفارات لا يجزئه عن الكفارة، ولو أعتق كل رقبة ناويا عن واحدة منها لا بعينها جاز بالاجماع ولا يضر جهالة المكفر عنه، كذا في المحيط قوله: (وإن حرر عنهما رقبة أو صام شهرين صح عن واحد وعن ظهار وقتل لا) لان نية التعيين في الجنس الواحد لغو وفي المختلف مفيد فإذا لغا له أن يعين أيهما شاء ويجامع تلك المرأة التي عينها. وأراد بالرقبة المؤمنة، أما لو أعتق كافرة عن ظهار وقتل كان عن الظهار وإن اختلف الجنس لان الكافرة لا تصلح لكفارة القتل، وجعل له في البدائع نظيرا حسنا هو ما إذا جمع بين المرأة وبنتها أو أختها ونكحهما معا، فإن كانتا فارغتين لم يصح العقد على كل منهما، وإن كانت إحداهما متزوجة صح في الفارغة. والاصل أن ما اختلف سببه فهو المختلف وما اتحد سببه فهو المتحد، فالصلوات كلها من قبيل المختلف حتى الظهرين من يومين وصوم أيام رمضان من قبيل المتحد إن كان في سنة واحدة، وإن كان من سنتين فهو من قبيل المختلف. ولو نوى ظهرا أو عصرا أو صلاة جنازة لم يكن شارعا في واحدة منهما للتنافي وعدم الرجحان، ولو نوى ظهرا ونفلا لم يكن شارعا أصلا عند محمد للتنافي، وعند أبي يوسف يقع عن الفرض لانه أقوى. ولو نوى صوم القضاء والنفل أو الزكاة والتطوع أو الحج المنذور والتطوع يكون تطوعا عند محمد لبطلانهما بالتعارض فانصرف إلى النفل، وعن أبي يوسف يقع عن الاقوى ترجيحا له عند التعارض. ولو نوى حجة الاسلام والتطوع فهو عن الحجة اتفاقا للقوة عند الثاني ولبطلان الجهة بالتعارض وهي تتأدى بالمطلق. ثم اعلم أن من عليه كفارات أيمان أعتق

[ 187 ]

عن إحداهن وأطعم عن أخرى وكسا عن أخرى أو أعتق عنها عبدا ولا ينوي كل واحدة بعينها جاز استحسانا حلافا لزفر نظرا إلى أنهما مختلفان ونحن نقول: الجنس متحد فهو كالصوم بخلاف صلاة الظهر لان نية التعيين ثمة لم تشترط باعتبار أن الواجب مختلف متعدد بل باعتبار أن مراعاة الترتيب واجبة عليه ولا يمكنه مراعاة الترتيب إلا بنية التعيين حتى لو سقط الترتيب بكثرة الفوائت تكفيه نية الظهر لا غير، كذا في المحيط. وهو تفصيل حسن في الصلوات ينبغي حفظه. والحاصل أنه إذا نوى شيئين فإن كانا فرضين لم يصح اتفاقا، وإن كان أحدهما فرضا والآخر نفلا فعند أبي يوسف يقع عن الاقوى، سواء كان الاقوى يتأدى بمطلق النية كالصوم والحج أو لا كالصلاة. وعند محمد في الاول يقع عن الفرض لانه لما بطلت النيتان للتعارض بقي مطلق النية، وفي الثاني لم يصح. وفي فتح القدير: ومما يعكر على الاصل الممهد ما عن أبي يوسف في المنتقى: لو تصدق عن يمين وظهار فله أن يجعله عن أحدهما استحسانا وقدمنا في باب شروط الصلاة مسائل من هذا النوع فارجع إليه. وقولهم هنا لو نوى ظهرا وعصرا وصلاة جنازة بواو العطف في صلاة الجنازة لانها لو كانت بأو لم يصح لانهم قالوا: لو نوى ظهرا أو صلاة جنازة كان عن الظهر كما قدمناه. ثم اعلم أن قولهم إن نية التعيين في الجنس الواحد لغو يرد عليه ما لو كان عليه كفارتا ظهار لامرأتين فأعتق عبدا عن إحداهما صح التعيين وله أن يطأ التي كفر عنها دون الاخرى ولم يجب عنه في فتح القدير وهو بناء على ما فهمه من ظاهر العبارة أن المراد أن نية تعيين بعض الافراد في الجنس المتحد لغو، وقد قرر المراد في النهاية بما يدفع الابراء فقال: أراد به تعميم الجنس بالنية ألا ترى أنه إذا عين ظهار إحداهما للتكفير صح وحل له قربانها، كذا في الفوائد الظهيرية. والله أعلم.

[ 188 ]

باب اللعان مصدر لاعن ملاعنة ولعانا. يقال لاعن امرأته ملاعنة ولعانا وتلاعنا. والتعنا لعن بعض بعضا، ولاعن الحاكم بينهما لعانا حكم، والتلعين التعذيب، ولعنه كجعله طرده وأبعده فهو لعين وملعون، والجمع ملاعين والاسم اللعان واللعانية. واللعن بالضم من يلعنه الناس، واللعنة كهمزة الكثير اللعن لهم، واللعين من يلعنه كل واحد كالملعن والشيطان والممسوخ والمشؤم والمسيب وما يتخذ في المزارع كهيئة الرجل والمنخرى المهلك، كذا في القاموس. والاصل فيه الآيات التي في سورة النور وهو قوله تعالى * (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ويدرأ عنها العذاب إن تشهد أربع شهادات بالله أنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ولولا فضل الله عليكم ورحمته وإن الله تواب حكيم) * [ النور: 6 ] وقد اختلف في سبب نزولها فروى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن هلال بن أمية قذف امرأته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشريك ابن سحماء فقال النبي صلى الله عليه وسلم: البينة وإلا حد في ظهرك. فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: البينة وإلا حد في ظهرك. فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن الله تعالى ما يبرئ ظهري من الحد. فنزل جبريل فأنزل الله * (والذين يرمون أزواجهم) * حتى بلغ * (إن كان من الصادقين) * فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهما فجاء هلال فشهد والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب. ثم قامت فشهدت فلما كانت عند الخامسة وعظها وقال إنها موجبة فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ثم قالت لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين شائع الاليتين خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء فجاءت به كذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لولا ما مضى من كتاب الله تعالى لكان لي ولها شأن. في المصباح: خدلج أي ضخم. وأخرج البخاري أيضا عن سهل بن سعد قال: جاء عويمر إلى عاصم بن عدي فقال: سل رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا فقتله أيقتل به أم كيف يصنع؟ فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيه عويمر

[ 189 ]

فقال: ما صنعت إنك لم تأتني بخير سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاب السائل فقال عويمر: والله لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم ولاسألنه فأتاه فوجده قد أنزل عليه فدعا بها فلاعن بينهما فقال عويمر: إن انطلقت بها يا رسول الله فقد كذبت عليها ففارقها قبل أن يأمره النبي صلى الله عليه وسلم فصارت سنة للتملاعنين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبصروها فإن جاءت به أسحم العينين عظيم الاليتين فلا أراه إلا قد صدق، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة فلا أراه إلا كاذبا، فجاءت به مثل النعت المكروه. وذكر البقاعي أنه لا يمتنع أن يكون للآية الواحدة عدة أسباب معا أو منفرقا ا ه‍. وتمام الروايات باختلاف طرقها في الدر المنثور للجلال الاسيوطي رحمه الله تعالى. قوله: (هي شهادات مؤكدات بالايمان مقرونة باللعن قائمة مقام حد القذف في حقه ومقام حد الزنا في حقها) وهذا بيان للركن فدل على اشتراط أهليتهما للشهادة في حق كل منهما كما سيصرح به لا أهلية اليمين كما ذهب إليه الشافعي، ودل على أنهما لو التعنا عند قاض فلم يفرق بينهما حتى مات أو عزل فإن الثاني يعيد اللعان كما لو شهدا عنده فمات أو عزل قبل القضاء، كذا في البدائع. والمراد بكونه قائما مقام حد القذف في حقه أن يكون بالنسبة إليها لا مطلقا، إذا لو كان مطلقا لم تقبل شهادته أبدا مع أنها مقبولة كما ذكره الشارح في حد القذف، وفي الاختيار لا تقبل شهادته بعد اللعان أبدا، ولو قذف بكلمة أو بكلمات أربع زوجات له بالزنا لا يكفيه لعان واحد لهن بل لا بد من أن يلاعن كلا منهن على حدة بخلاف ما إذا قذفها مرارا حيث يجب لعان واحد كما لو قذف أجنبية مرارا أو أجنبيات بكلمة أو كلمات يجب حد واحد لحصول المقصود وهو دفع العار عنهن ولا يحصل ذلك في اللعان إلا بالنسبة إلى كل واحدة، ولو قذفهن ولم يكن من أهل اللعان اكتفى بحد واحد للكل للتداخل، كذا في البدائع. والمراد بكونه قائما مقام حد الزنا في حقها أن يكون بالنسبة إلى الزوج حتى لا يثبت اللعان بالشهادة على الشهادة ولا بكتاب القاضي إلى القاضي ولا بشهادة النساء، وإذا قذفها إنسان بعد اللعان إن رماها زوجها بالزنا ثم قذفها هو أو غيره حد لان لعانه كحده مؤكد لعفتها، وإن قذفها بنفي الولد ثم قذفها هو أو غيره لا يحد لوجود أمارة الزنا، وإن أكذب نفسه بعد اللعان ثم قذفها هو أو غيره حد القاذف، سواء كان اللعان بالزنا أو بنفي الولد. وسببه قذفه لزوجته قذفا يوجب الحد في الاجنبية، وأهله أهل الاداء للشهادة، وحكمه حرمة الوطئ بعد التلاعن ولو قبل التفريق بينهما ووجوب التفريق بينهما ووقوع البائن بالتفريق. واستفيد من كونه قائما مقام الحد سواء كان بالنسبة إليه أو إليها أنه لا يحتمل العفو والابراء والصلح على مال حتى لو صالحها على الترك بمال ردت المال ولها المطالبة بعد العفو، وأنه لا يحتمل التوكيل إلا في إثباته على قول الامام كالحدود، كذا في البدائع. واعلم أنه ليس المراد أن اللعان قائم مقام الحدين في حالة واحدة وإنما المراد أنه قائم

[ 190 ]

مقام حد القذف في حقه إن كان كاذبا وهي صادقة، وقائم مقام حد الزنا في حقها إن كانت كاذبة وهو صادق فافهم. وفي البدائع: وأما شرائط وجوب اللعان فبعضها يرجع إلى القاذف خاصة، وبعضها إلى المقذوف خاصة، وبعضها إليهما جميعا، وبعضها إلى المقذوف به، وبعضها إلى المقذوف فيه، وبعضها إلى نفس القذف. أما الاول فواحدة وهو عدم إقامة البينة على صدقه، وأما الثاني فإنكارها وجود الزنا منها وعفتها عنه، وأما الثالث فالزوجية بينهما والحرية والعقل والاسلام والبلوغ والنطق وعدم الحد في قذف، فلا لعان في قذف المنكوحة فاسدا، ولا بقذف المبانة ولو واحدة بخلاف قذف المطلقة رجعيا، ولو قذف زوجته بزنا كان قبل الزوجية وجب اللعان ولا لعان بقذف زوجته الميتة. وقال الشافعي: يلاعن على قبرها. وأما ما يرجع إلى المقذوف به فهو الزنا، وأما المقذوف فيه فدار الاسلام، وأما نفس القذف فالرمي بصريح الزنا وسيأتي في الحدود. قوله: (ولو قذف زوجته بالزنا وصلحا شاهدين وهي ممن يحد قاذفها أو نفى نسب الولد وطالبته بموجب القذف وجب اللعان) أي بصريح الزنا الموجب للحد في الاجنبية، فلو قدفها بعمل قوم لوط فلا لعان عنده، وعندهما يجب اللعان بناء على الحد كما في البدائع. وفي التتارخانية: رجل قذف امرأة رجل فقال الزوج صدقت هي كما قلت كان قاذفا حتى يلاعن، ولو قال صدقت مطلقا من غير زيادة لم يكن قاذفا ا ه‍. وضمير صلحا للزوجين. وأطلقها فشمل غير المدخولة والمراد صلاحيتهما لادائها على المسلم لا للتحمل فلا لعان بين كافرين وإن قبلت شهادة بعضهم على بعض عندنا لان اللعان شهادات مؤكدات بالايمان فلا يكتفي بأهلية الشهادة بل لا بد معها من أهلية اليمين والكافر ليس من أهل الكفارة، كذا في البدائع. ولا بين كافرة ومسلم ولا بين مملوكين ولا إذا كان أحدهما مملوكا أو صبيا أو مجنونا أو محدودا في قذف، ولا يرد عليه لعان الاعمى والفاسق فإنه يجري بين الاعميين والفاسقين مع أنهما لا تقبل شهادتهما لانهما من أهل الاداء إلا أنه لا تقبل للفسق في الفاسق ولعدم التمييز في الاعمى حتى لو قضى قاض بشهادة الفاسق والاعمى صح قضاؤه بخلاف ما إذا قضى بشهادة المملوك أو الصبي فإنه لا يصح، ولم يحتج إلى التمييز لان المشهود عليه الزوجية وهو قادر على أن يفصل بين نفسه وامرأته. وروى ابن المبارك عن الامام الاعمى لا يلاعن. وقيد بكونها ممن يحد يقاذفها احترازا عما لو كانت وطئت بنكاح فاسد وكان لها ولد وليس له أب معروف أو زنت في عمرها ولو مرة أو وطئت وطئا حراما ولو مرة بشبهة لا يجري

[ 191 ]

اللعان. وتفرع على هذا الشرط لو قذفها فتزوجت غيره فادعى الاول الولد لزمه وحد للقذف وإن ولدت من الثاني لا شئ عليه إن كان قبل إكذاب الاول، وإن كان بعد الاكذاب لا عن كما في التتارخانية. ولما كانت المرأة هي المقذوفة دونه اختصت باشتراط كونها ممن يحد قاذفها بعد اشتراط أهلية الشهادة، ولما كان الزوج ليس مقذوفا وإنما هو شاهد اشترط في حقه كما اشترط في حقها أهلية الشهادة، ولم تشترط عفته لانه لو كان فاسقا بالزنا جرى اللعان بينه وبينها وإن كان لا يحد قاذفه لما قدمنا من جريانه بين الفاسقين، فهذا وجه تخصيصها بهذا الشرط كما حققه الشارح ردا على صاحب النهاية. وأراد بكونها ممن يحد قاذفها أن تكون عفيفة عن الزنا فقط لان كونها من أهل الشهادة يدل على اشتراط الحرية والتكليف والاسلام فلم يبق من شرائط الاحصان إلا العفة كما أفاده في شرح الوقاية. وأراد بنفي نسب الولد نفي نسب ولدها، وأطلقه فشمل ولدها منه أو من غيره بأن يقول هذا الولد من الزنا أو هذا الولد ليس مني وما إذا صرح معه بالزنا أو لم يصرح على مختار صاحب الهداية والشارح خلافا لما في المحيط والمبتغي. والحق الاطلاق لان قطع النسب من كل وجه يستلزم الزنا فلا عبرة باحتمال كون الولد من غيره بوطئ بشبهة ولهذا قال في البدائع: هذا الاحتمال ساقط بالاجماع للاجماع على أنه إن نفاه عن الاب المشهور بأن قال له لست لابيك يكون قاذفا لامه حتى يلزمه حد القذف مع وجود هذا الاحتمال وقد ظهر لي أن قول من قال لا يجب حد ولا لعان بنفي الولد عن أبيه إذا لم يصرح بالزنا محمول على حالة الرضا، وقول من أوجبه وإن لم يصرح به محمول على حالة الغضب وبه يندفع إلزام التناقض على صاحب النهاية والدراية. وإنما حملناه على ذلك لتصريحهم بالتفصيل في باب حد القذف - والله الموفق - بخلاف قوله وجدت معها رجلا يجامعها فإنه ليس بقذف لان الجماع لا يستلزم الزنا. وقيد بطلبها لانها لو لم تطالبه فلا لعان لانه حقها لدفع العار عنها فيشترط طلبها، ولا بد من كونه في مجلس القاضي، كذا في البدائع. ومراده طلبها إذا كان القذف بصريح الزنا أما بنفي الولد فالطلب حقه أيضا لاحتياجه إلى نفي من ليس ولده عنه. وأشار بعدم اشتراط الفور في الطلب إلى أن سكوتها لا يبطل حقها وإن طالت المدة لان تقادم الزمان لا يوجب بطلان الحق في القذف والقصاص كما ذكره الاسبيجابي. وزاد في الجوهرة وحقوق العباد، وفي خزانة الفقه، ولو سكتت ولم ترفع إلى الحاكم كان أفضل وينبغي للحاكم أن يقول لها اتركي وأعرضي عن هذا لانه دعاء إلى الستر فإن تركت مدة ثم خاصمت فلها ذلك كما في

[ 192 ]

البدائع. ولا يخفى أن وجوب اللعان مقيد بعجزه عن إقامه البينة على زناها وعدم إكذاب نفسه بعده وعدم تصديقها له، فإن أقام بينة على زناها فإن كانوا أربعة رجال رجمت لو محصنة، وجلدت لو غير محصنة، وإن كانا رجلين فقط على إقرارها بالزنا يندرئ اللعان ولا تحد المرأة، وكذا لو كانا رجلا وامرأتين شهدوا على تصديقها فلا حد عليهما ولا لعان. وهذا كله إذا أقر بالقذف، فإن أنكره فأقامت رجلين وجب اللعان لا رجلا وامرأتين وإن لم يكن لها بينة لا يستحلف الزوج، ذكره الامام الاسبيجابي رحمه الله. وتقبل شهادة الزوج على زناها مع ثلاثة إن لم يكن قذفها وإلا فلا تقبل، وتحد الثلاثة حد القذف ويلاعن الزوج ولو لم يقذفها وشهد مع ثلاثة غير عدول فلا حد عليه ولا على الثلاثة ولا لعان، كذا في المحيط. وفيه أيضا: ولو شهدا على أبيهما أنه قذف ضرة أمهما لا تقبل لانهما بشهادتهما يشهدان لامهما بخلوص الفراش لها لان اللعان سبب الفرقة حتى لو كان أبوهما محدودا في قذف تقبل لان هذا القذف موجب للحد دون اللعان قال: ولا بد في وجوب اللعان من أن لا يقذف أمها فلو قال لها يا زانية بنت الزانية وجب الحد لقذف أمها واللعان لقذفها فإن اجتمعا على المطالبة بدأ بحده ليسقط اللعان بخروجه عن أهلية الشهادة، وإن لم تطالب الام وطالبته المرأة وجب اللعان ويحد للام بطلبها بعده في ظاهر الرواية. وذكر الطحاوي أنه لا يحد بعد اللعان وهذا غير سديد لعدم المانع من إقامته، وإن كانت أمها ميتة فلها المطالبة بهما، فإن خاصمته فيهما بدأ بالحد ليسقط اللعان، وإن بدأت بالخصومة لنفسها وجب اللعان ثم لها المطالبة بقذف أمها فيحد له. وعلى هذا التفصيل لو قدف أجنبيه بالزنا ثم نكحها ثم قذفها فلها المطالبة باللعان والحد، كذا في البدائع. والحاصل أنه إذا اجتمع قذفان وفي تقديم موجب أحدهما إسقاط الآخر بدأ بالمسقط كما إذا قذفها وقذفته فإنه يبدأ بحدها ليسقط اللعان كما سيأتي في باب حد القذف. وفي المحيط: لو قال لها أنت طالق ثلاثا يا زانية وجب الحد ولا لعان، ولو قال يا زانية أنت طالق ثلاثا فلا حد ولا لعان ا ه‍. ولو قال قذفتك قبل أن أتزوجك أو قد زنيت قبل أن أتزوجك فهو قذف في الحال فيلاعن. وما في خزانة الاكمل من أنه يلاعن في قوله زنيت ويحد في قوله قذفتك قبل أن أتزوجك أوجه، كذا في فتح القدير. قوله: (فإن أبى حبس حتى يلاعن أو يكذب نفسه فيحد) لانه حق مستحق عليه وهو قادر على إيفائه فيحبس حتى يأتي بما هو عليه أو يكذب نفسه ليرتفع السبب في اللعان وهو التكاذب هكذا قالوا. والتحقيق أن القذف هو السبب فإن التكاذب شرط. قيد وجوب الحد

[ 193 ]

بالاكذاب لعدم وجوبه بمجرد الامتناع من اللعان وهذا هو المذكور في ظاهر الرواية كما نص عليه الحاكم في الكافي. وبه علم أن ما ذكره الولوالجي من وجوب الحد عليه بمجرد امتناعه سهو ليس مذهبا لاصحابنا، وحمله في غاية البيان على أنه قول بعض المشايخ بعيد لتوقفه على النقل ولان الولوالجي ذكر أنها لو امتنعت بعد لعانه تحد حد الزنا ولم يقل به أحد من أصحابنا كما سنوضحه قوله: (فإن لاعن وجب عليها اللعان) لما قدمناه. أفاد أن لعانها مؤخر عن لعانه لانه في حكم الشاهد عليها بقذفه وهي مسقطة بشهادتها ما حققه عليها من الزنا فلا يصح أن تبتدئ المرأة كما لا يصح أن يبتدئ المدعي عليه بما يسقط الدعوى عن نفسه، كذا في شرح الاقطع. وفي الاختيار: فإن التعنت المرأة أولا ثم الزوج أعادت ليكون على الترتيب المشروع، فإن فرق بينهما قبل الاعادة جاز لان المقصود تلا عنهما وقد وجد قوله: (فإن أبت حبست حتى تلاعن أو تصدقه) لما قدمناه. ولم يقل أو تصدقه فتحد للزنا كما وقع في بعض نسخ القدوري لكونه غلطا لان الحد لا يجب بالاقرار مرة فكيف يجب بالتصديق مرة وهو لا يجب بالتصديق أربع مرات لان التصديق ليس بإقرار قصدا فلا يعتبر في حق وجوب الحد ويعتبر في درئه ليندفع به اللعان ولا يجب به الحد، ولو صدقته في نفي الولد فلا حد ولا لعان وهو ولدهما لانهما لا يملكان إبطال حقه قصدا، والنسب إنما ينتفي باللعان ولم يوجد. وبهذا ظهر أن ما قاله في شرح الوقاية وتبعه شارح النقاية من أنها إذا صدقته ينتفي نسب ولدها منه غير صحيح كما نبه عليه في شرح الدرر والغرر، ولم يذكر المؤلف حكم ما إذا امتنعا من اللعان بعد ما ترافعا، صرح الاسبيجابي في شرح الطحاوي أنهما يحبسان إذا امتنعا من اللعان بعد الثبوت وينبغي حمله على ما إذا لم تعف المرأة، أما إذا عفت فإنه لا يحبسهما كما لو عفا المقذوف فإنا وإن قلنا لا يصح العفو في حد القذف واللعان إلا أنهما لا يقامان إلا بطلب كما سنوضحه في باب حد القذف. فإن قلت: ظاهر الآية يشهد للشافعي القائل بأنها إذا امتنعت من اللعان تحد حد الزنا وهي قوله تعالى * (ويدرأ عنها العذاب إن تشهد) * [ النور: 6 ] أي الحد لان اللام للعهد الذكري أي العذاب المذكور السابق وهو الحد. قلنا: المراد منه الحبس كقوله تعالى في آية الهدهد * (لاعذبنه) * [ النمل: 12 ] ورد في التفسير لاحبسنه. والاختلاف مبني على أن الاصل في قذف الزوجات عند الشافعي الحد عملا بالآية الاولى وهي قوله تعالى * (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم) * [ النور: 4 ] الآية. وبين بآية اللعان أن القاذف إذا كان زوجا له أن يدفع الحد عنه باللعان، وإذا كان المقذوف زوجة القاذف لها أن تدفع حد الزنا عنها بلعانها فأيهما امتنع عن اللعان

[ 194 ]

وجب الاصل وهو الحد. وعندنا آية اللعان ناسخة للاولى في حق الزوجات لان الخاص المتأخر عن العام ينسخ العام بقدره فلم تبق الآية الاولى متناولة للزوجات فصار الواجب بقذف الزوجة اللعان فأيهما امتنع عنه حبس حتى يأتي به كالمديون إذا امتنع عن إيفاء حق عليه، ولذا لما قذف هلال زوجته قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: البينة وإلا حد في ظهرك، فدل على أنه كان في الابتداء يوجب الحد كقذف الاجنبيات ثم لما نزلت آية اللعان انتسخ في حق الزوجات كما في البدائع والعناية. قوله: (فإن لم يصلح شاهدا حد) لانه لما تعذر اللعان لمعنى من جهته لا من جهتها صير إلى الموجب الاصلي وهو حد القذف. وعدم صلاحيته للشهادة بكونه عبدا أو محدودا في قذف أو كافرا بأن أسلمت ثم قذفها قبل عرض الاسلام عليه. قيدنا به لان الزوج لو كان صبيا أو مجنونا فلا حد ولا لعان والاصل أن اللعان إذا سقط لمعنى من جهته، فإن كان القذف صحيحا وجب الحد عليه، وإن لم يكن القذف صحيحا فلا حد ولا لعان، كذا في البدائع. فلو قال فإن لم يصلح شاهدا وكان أهلا للقذف حد لكان أولى. وفي الينابيع: زوجان كافران أسلمت المرأة ولم يسلم الزوج ولم يعرض القاضي الاسلام عليه حتى قذفها بالزنا وجب عليه الحد فإن أقيم بعض الحد ثم أسلم فقذفها ثانيا قال أبو يوسف: أقيم عليه بقية الحد ثم يلاعنا. وقال زفر: لا لعان بينهما. وفي النافع. وإن كانا ذميين فأسلمت المرأة وقذفها قبل أن يعرض الاسلام عليه فلا لعان ويجد الزوج، كذا في التتارخانية قوله: (وإن صلح وهي ممن لا يحد قاذفها فلا حد ولا لعان) لانها إن لم تكن عفيفة فهو صادق في قوله وإن كانت صغيرة أو مجنونة أو محدودة في قذف فلفقد أهليتها للشهادة، أما في الصغيرة والمجنونة فظاهر، وأما في المحدودة العفيفة فلان قذفه مع أهلية اللعان إنما يوجب اللعان فإذا امتنع لعدم أهليتها له امتنع الحد أيضا، وإن كانت ممن يحد قاذفها فلو قال وإن صلح وهي ليست أهلا للشهادة لكان أولى ليدخل المحدودة في قذف ولم تدخل في عبارته لانها ممن يحد قاذفها كما لا يخفى. ولم يتعرض صريحا لما إذا لم يصلحا لاداء الشهادة وقد فهم من اشتراطه أولا أنه لا لعان. وأما الحد فإن كانا صغيرين أو مجنونين أو كافرين أو مملوكين فلا يجب، وأما إذا كانا محدودين في قذف فإنه يجب الحد عليه لان امتناع اللعان لمعنى من جهته، وكذا

[ 195 ]

إذا كان هو عبد أو هي محدودة في قذف يحد لان قذف العفيفة ولو كانت محدودة موجب للحد مطلقا. قيد بنفي الحد واللعان لان التعزير واجب لانه إذا أذاها وألحق الشين بها فيجب حسما لهذا الباب، كذا في الاختيار. وفي الكافي: وإن كانا محدودين في قذف فعليه الحد لان قذفه باعتبار حاله غير موجب للعان فيكون موجبا للحد، ولا يجوز أن يقال امتناع جريان اللعان لكونها محدودة لان أصل القذف من الرجل فإنما يظهر حكم المانع في حقها بعد قيام الاهلية في جانبه فأما بدون الاهلية في جانبيه معتبر بحالها ا ه‍. وتحقيقه كما في العناية أن المانع من الشئ إنما يعتبر مانعا إذا وجد المقتضي لانه عبارة عما ينفي به الحكم مع وجود المقتضي، وإذا لم يكن الزوج أهلا للشهادة لم ينعقد قذفه مقتضيا للعان فلا يعتبر المانع والقذف في نفسه موجب للحد فيحد بخلاف ما إذا وجدت الاهلية من جانبه فإنه ينعقد قذفه مقتضيا له، فإذا ظهر عدم أهليتها بطل المقتضي فلا يجب الحد لانه إنما انعقد اللعان وقد أبطله المانع ا ه‍. ثم الاحصان يعتبر عند القذف حتى لو قذفها وهي أمة أو كافرة ثم أسلمت أو أعتقت لا حد ولا لعان، كذا ذكره الشارح. ثم اعلم أن اللعان بعد وجوبه يسقط بالطلاق ولا يجب الحد ولا يعود اللعان يتزوجها بعده لان الساقط لا يعود ويسقط بزناها ووطئها بشبهة وبردتها، وإن أسلمت بعده لا يعود بإكذابه نفسه ولا يحد بخلاف ما إذا أكذب نفسه بعد اللعان وبموت شاهد القذف وغيبته بخلاف ما لو عميا أو فسقا أو ارتدا كما في فتح القدير. ولو أسند الزنا بأن قال زنيت وأنت صبية أو مجنونة وهو معهود وهي الآن أهل فلا لعان بخلاف وأنت ذمية أو أمة أو منذر أربعين سنة وعمرها أقل تلاعنا لاقتصاره كما في فتح القدير أيضا. قوله: (وصفته ما نطق به النص) أي صفة اللعان ما دلت عليه آلة اللعان من الابتداء بالزوج ثم بالزوجة بالالفاظ المخصوصة، وظاهره أنه متعين وقدمنا أن المرأة لو بدأت ثم الزوج أعادت، ولو فرق القاضي قبل إعادتها صح، وفي الغاية تجب الاعادة وقد أخطأ السنة ورجحه في فتح القدير بأنه الوجه وهو قول مالك لان النص أعقب الرمي بشهادة أحدهم وشهادتها الدارئة للحد عنها بقوله ويدرأ عنها العذاب ولان الفاء دخلت على شهادته على وزان ما قلنا في سقوط الترتيب في الوضوء من أنه أعقب جملة الافعال للقيام إلى الصلاة وإن كان دخول الفاء على غسل الوجه فانظره ثمة ا ه‍. والظاهر أنه أراد بالصفة الركن كقولهم باب صفة الصلاة أي ماهيتها فيكون بيانا للشهادات الاربع، وإنما أولناه بذلك لان صفته على

[ 196 ]

وجه السنة لم ينطق به النص وإنما ورد في السنة فالذي نقله المشايخ أن القاضي يقيمهما متقابلين ويقول له التعن فيقول الزوج أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا ويقول في الخامسة لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنا يشير إليها في كل مرة ثم تقول المرأة أربع مرات اشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا وتقول في الخامسة غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماني به من الزنا. وإنما ذكر الغضب في جانبها في الخامسة لانهن يستعملن اللعن كثيرا كما في الحديث يكثرن اللعن فكان الغضب أردع لها، هكذا ذكر المشايخ. وذكر البقاعي في المناسبات أن الغضب أبلغ من اللعن الذي هو الطرد لانه قد يكون بسبب غير الغضب وسبب التغليظ عليها الحث على اعترافها بالحق لما يعضد الزوج من القرينة من أنه لا يتجشم فضيحة أهله المستلزم لفضيحته إلا وهو صادق ولانها مادة الفساد وهاتكة الحجاب وخالطة الانساب ا ه‍. وفي رواية الحسن أنه لا بد أن يقول إني لمن الصادقين فيما رميتك به من الزنا وهي تقول إنك لمن الكاذبين فيما رميتني به من الزنا بالخطاب لان في الغيبة شبهة واحتمالا وفي ظاهر الرواية لم يعتبر هذا لان كل واحد منهما يشير إلى صاحبه والاشارة أبلغ أسباب التعريف، كذا في الكافي. هذا كله إذا كان القذف بالزنا، وإن كان بنفي الولد ذكراه وإن كان بهما ذكراهما، وزاد بعضهم بعد القسم الذي لا إله إلا هو. والقيام ليس بشرط لانه إما شهادة وإما يمين والقيام ليس بشرط فيهما إلا أنه مندوب إليه لقوله صلى الله عليه وسلم: يا عاصم قم فاشهد وللمرأة قومي فاشهدي ولان الحدود مبناها على الشهر. فإن قلت: هل يشرع الدعاء باللعن على الكاذب المعين؟ قلت: قال في غاية البيان من العدة وعن ابن مسعود رضي الله عنه إنه قال: من شاء بأهلته أن صورة النساء القصرى نزلت بعد التي في سورة البقرة أي من شاء المباهلة أي الملاعنة باهلته. وكانوا يقولون إذا اختلفوا في شئ بهلة الله على الكاذب منا قالوا هي مشروعة في زماننا أيضا ا ه‍. وقد سئلت في درس الصرغتمشية حين قرأت باب اللعان من الهداية أنهما لو تلاعنا ثم وجد الزوج بينة على صدقه هل

[ 197 ]

تقبل؟ فأجبت بأني لم أر فيها نقلا وينبغي أن لا تقبل لان القذف أخذ موجبه من اللعان وكأنها حدت للزنا فلا تحد ثانيا إلا أن يوجد نقل فيجب اتباعه. قوله: (فإن التعنا بانت بتفريق الحاكم ولا تبين قبله) أي الحاكم الذي وقع اللعان عنده حتى لو لم يفرق الحاكم حتى عزل أو مات فالحاكم الثاني يستقبل اللعان عندهما خلافا لمحمد، كذا في الاختيار. وأفاد أنه لو مات أحدهما قبل التفريق ورثه الآخر وأنه لو زالت أهلية اللعان في الحال بما لا يرجى زواله بأن أكذب نفسه أو قذف أحدهما انسانا فحد للقذف أو وطئت وطأ حراما أو خرس أحدهما لم يفرق بينهما بخلاف ما إذا جن قبل التفريق حيث يفرق بينهما لانه يرجى عود الاحصان، وأنه لو ظاهر منها في هذه الحالة أو طلقها أو آلى منها صح لبقاء النكاح، وأشار إلى أن القاضي يفرق بينهما ولو لم يرضيا بالفرقة كما في شرح النقاية. وفي التتارخانية: ولو تلاعنا فجن أحدهما يفرق ولو تلاعنا فوكل أحدهما بالتفريق وغاب يفرق، ولو زنت لا يفرق لزوال الاحصان، وإنما توقفت البينونة على التفريق لانه لما حرم الاستمتاع بينهما باللعان فات الامساك بالمعروف فوجب عليه التسريح، وإذا لم يسرح ناب القاضي منابه لانه نصب لدفع الظلم ويدل عليه أنه عليه الصلاة والسلام لاعن بين عويمر وبين امرأته فقال عويمرا كذبت عليها إن أمسكتها هي طالق ثلاثا فأوقع الثلاث بعد التلاعن ولم ينكر عليه صلى الله عليه وسلم، وكذا في واقعة هلال قال الراوي: فلما فرغ فرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما. فدل على قيام النكاح قبل التفريق وهي تطليقة بائنة وهو خاطب إذا أكذب نفسه عندهما، وعند أبي يوسف هي حرمة مؤبدة كما سيأتي. وفي شرح النقاية: وأما قول البيهقي في المعرفة أن عويمر حين طلقها ثلاثا كان جاهلا بأن اللعان فرقة فصار كمن شرط الضمان

[ 198 ]

في السلف وهو يلزمه شرط أو لم يشرط بخلاف المظاهر ا ه‍. والجواب أن الاستدلال إنما هو بعدم إنكاره عليه السلام عليه لا بمجرد فعله كما لا يخفى، ويقع في بعض الشروح زيادة الفاء في قوله هي طالق ثلاثا وهي من النساخ لان الواقع أن عويمر أنجز طلاقها لا أنه علقه بالامساك. وفي التتارخانية: وإن أخطأ القاضي ففرق بينهما بعد وجود أكثر اللعان من كل واحد منهما وقعت الفرقة، ولو التعن كل واحد مرتين ففرق القاضي بينهما لم تقع الفرقة، ولو فرق بينهما بعد لعان الزوج قبل لعان المرأة نفذ حكمه لكونه مجتهدا فيه ا ه‍. وينبغي أن يقيد بغير القاضي الحنفي أما هو فلا ينفذ. وفي فتح القدير: وطؤها حرام بعده قبل التفريق وإن كان النكاح قائما لقوله عليه السلام المتلاعنان لا يجتمعان أبدا وفي التتارخانية: ولها النفقة والسكنى ما دامت في العدة. قوله: (وإن قذف بولد نفى نسبه وألحقه بأمه) لان المقصود من هذا اللعان نفي الولد فيوفر عليه مقصوده ويتضمنه القضاء بالتفريق. وفي البدائع: ولوجوب قطع النسب شرائط: الاول التفريق. الثاني أن يكون بحضرة الولادة أو بعدها بيوم أو يومين. الثالث أن لا يتقدم منه إقرار به صريحا أو دلالة كسكوته عند التهنئة مع عدم رده. الرابع أن يكون الولد حيا وقت قطع النسب وهو وقت التفريق فلو نفاه بعد موته لاعن ولم ينقطع نسبه، وكذا لو جاءت بولدين أحدهما ميت فنفاهما يلاعن ولزماه. وكذا لو نفاهما ثم مات أحدهما أو قتل قبل اللعان لزماه، وأما اللعان فذكر الكرخي أنه يلاعن ولم تذكر الخلاف. وذكر ابن سماعة الخلاف فقال: عند أبي يوسف يبطل، وعند محمد لا يبطل. الخامس أن لا تلد بعد التفريق ولدا آخر من بطن واحد فلو ولدت فنفاه ولا عن الحاكم بينهما وفرق بينهما وألزم الولد أمه ثم ولدت آخر من الغد لزماه وبطل قطع نسب الاول، ولا يصح نفيه الآن لانها أجنبية واللعان ماض لانه لما ثبت الثاني ثبت الاول ضرورة وإن قال الزوج هما ابناي لا حد عليه ولا يكون مكذبا نفسه لاحتمال الاخبار ربما لزمه شرعا. السادس أن لا يكون محكوما بثبوته

[ 199 ]

شرعا، فإن كان لا يقطع نسبه. وقد ذكر الامام محمد في الجامع الكبير خمس مسائل مسألتان في كتاب الشهادات من التلخيص: إحداهما في كتاب المعاقل امرأة ولدت ولدا فانقلب هذا الولد على رضيع فمات الرضيع وقضى بديته على عاقلة الاب ثم نفى الا ب نسبه يلاعن القاضي بينهما ولا يقطع نسب الولد منه لان القضاء بالدية على عاقلة الاب قضاء بكون الولد منه فلا ينقطع النسب بعده. الثانية في الزيادات إذا قال لامرأتيه وقد دخل بهما إحداكما طالق ثلاثا ولم يبين حتى ولدت إحداهما لاكثر من سنتين من وقت الطلاق كانت الولادة بيانا لوقوعه على الاخرى لان الولد حصل من علوق حادث بعد الطلاق وتعينت التي ولدت للنكاح، فإن نفي الولد لاعن القاضي بينهما ولا يقطع النسب لان حكم الشرع بكون الولد بيانا حكم بكونه منه وبعد الحكم به لا ينقطع باللعان. وثلاث مسائل في كتاب الدعوى: الاولى امرأة ولدت وزوجها غائب ففطمت ولدها وطلبت من القاضي أن يفرض لها النفقة وللولد برهنت ثم حضر الزوج ونفي الولد لاعن وقطع النسب مع أنه محكوم به حيث فرض القاضي نفقته. الثانية لو أنكر الدخول بعدما ولدت ثبت النسب ووجب لها كمال المهر فلو نفاه يلاعن ويقطع النسب مع أنه محكوم به حين قضى لها بكمال المهر. الثالثة المطلقة طلاقا رجعيا إذا ولدت لاكثر من سنتين تكون رجعة ولو نفاه لاعن وقطع نسبه مع أنه محكوم به. وقد حكي أن عيسى بن أبان كتب إلى محمد بن الحسن حين كان بالرقة يستفرقه بين المسألتين الاوليين وبين الثلاث فكتب محمد رحمه الله أنه متى حصل القضاء بالنسب ضرورة القضاء بأمر ليس من حقوق النكاح فإنه يمنع قطع النسب باللعان، وتمامه في شرح تلخيص الجامع من باب شهادة الملاعنة بالولد. ومن المواضع المانعة من قطع النسب أن يقذفها أجنبي بنفي الولد ويحده القاضي لها فإنه حكم منه بثبوت نسبه فإذا نفاه بعده أبوه لا ينتفى كما في فتح القدير وسيأتي عن الذخيرة. ثم إذا قطع النسب عن الاب وألحق الولد بالام يبقى النسب في حق سائر الاحكام من الشهادة والزكاة وعدم القصاص على الاب بقتله ونحو ذلك من

[ 200 ]

الاحكام إلا أنه لا يجري التوارث بينهما، ولا نفقة على الاب لان النفي باللعان ثبت شرعا بخلاف الاصل بناء على زعمه وظنه مع كونه مولودا على فراشه وقد قال صلى الله عليه وسلم الولد للفراش فلا يظهر في حق سائر الاحكام ا ه‍. ويزاد السابع أن يكون النكاح صحيحا فلا لعان بالقذف بنفي الولد في النكاح الفاسد والوطئ بشبهة ولا ينتفى النسب. وقيد بالزوجية لانه لو نفي نسب ولد أم الولد فإنه ينتفى بمجرد قوله بلا لعان. ويزاد الثامن أن يكون العلوق في حال يجري ف يه اللعان حتى لو علق وهي كافرة لا ينتفى. وفي شهادات الجامع: ولدت توأمين فنفاهما ومات أحدهما عن أمه وأخيه وأخ منها فالسدس لها والثلث لهما والباقي يرد كأولاد العاهرة لانقطاع النسب وفيها اختلاف يعرف في موضعه ا ه‍. وفي تتمة الفتاوى من الفرائض: ولد الملاعنة وولد الزنا في حكم الميراث بمنزلة ولد رشيدة ليس له أب ولا قرابة أب فلا يرث هذا الولد من الاب وقرابته ولا يرث الاب ولا قرابته من هذا الولد لان قوم الاب تبع له في قطع النسب وهو ولد الام فيرث منها ومن قرابتها وترث الام وقرابتها، وأما ابن ابن الملاعنة فله أب وقوم الاب وهم الاخوة وليس له جد صحيح ولا قومه وهم الاعمام والعمات لاب وأم أو لاب فإذا ثبت حرمة المصاهرة بين الزوجين ثم حدث بينهما ولد ثم مات الاب اختلفوا في ميراث هذا الولد منه للاختلاف في هذه الحرمة فلم يكن كولد الزنا كما لو جاءت بولد بعد النكاح المعلق طلاقها الثلاث به فإن النسب فيه ثابت للاختلاف. ا ه‍ باختصار. وفي تلخيص الجامع: لو ملك النافي الام لا يجوز بيعها. وفي شرحه وصورته: رجل نفى نسب ولد امرأته الحرة ولاعن القاضي بينهما وقطع نسب الولد ثم ارتدت والعياذ بالله تعالى عن الاسلام ثم سبيت وملكها الزوج النافي فإنه لا يجوز له بيعها لان نسب الولد ثابت حكما لقيام فراشها ولا تصح دعوة غير النافي لهذا الولد وإن صدقه الثاني، وتصح دعوة النافي مطلقا ولو كان المنفي كبيرا جاحدا للنسب من النافي. وفي التتارخانية: ولا ينتفى من أحكام النسب من جهة الزوج

[ 201 ]

سوى التوارث وإيجاب النفقة وما عداهما من أحكام النسب من جهة الزوج قائمة. وفي الذخيرة: وكل نسب ثبت بإقراره أو بطريق الحكم لم ينتف بعد ذلك وبيانه فيما روي عن أبي يوسف في رجل جاءت امرأته بولد فنفاه فلم يلاعنها حتى قذفها أجنبي بالولد فحد فقد ثبت نسب الولد ولا ينتفى بعد ذلك، ولو نفى ولد زوجته اللعان ومهما مما لا لعان بينهما لا ينتفى، سواء وجب الحد أو لم يجب، وكذا إذا كانا من أهل اللعان ولم يتلاعنا فإنه لا ينتفى، وكذا إذا كان العلوق في حال لا لعان بينهما ثم صارا بحال يتلاعنان نحو إن كانت المرأة أمة أو كتابية حالة العلوق فأعتقت أو أسلمت فإنهما لا يتلاعنان ولا ينتفي نسب الولد. وفي السغناقي: ولو قال لامرأته يا زانية ولها ولد منه ثبت اللعان ولا يلزم نفي الولد فإن أكذب نفسه حده القاضي ا ه‍ ولذا قيد النفي بقذف الولد احترازا عما إذا قذفها بالزنا ولها منه ولد فإنه لا ينتفي نسبه. ثم اعلم أن هذا الولد وإن قطع القاضي نسبه عن أبيه لم تصح دعوى أحد لنسبه وإن صدقة الولد كما في التتارخانية وهو مستفاد من قولهم إن قطع النسب لا يظهر إلا في مسألتين. وفي قوله نفي نسبه أي القاضي وألحقه بأمه إشارة إلى أن التفريق بينهما لا يكفي لنفي نسب الولد فلذا روي عن أبي يوسف أنه لا بد أن يقول قطعت نسب هذا الولد عنه بعدما قال فرقت بينكما. وفي المبسوط: هذا هو الصحيح لانه ليس من ضرورة التفريق نفي النسب كما بعد الموت يفرق بينهما باللعان ولا ينتفى نسبه عنه، كذا في النهاية. وفي المجمع: ولو ماتت بنته المنفية عن ولد فادعاه فنسبه غير ثابت منه أي عند الامام. وقالا: يثبت. قيد بموتها لانها لو كانت حية ثبت نسبها بدعوة ولدها اتفاقا. وقيد بالبنت لان الولد المنفي لو كان ذكرا فمات وترك ولدا ثبت نسبه من المدعي وورث الاب منه اتفاقا لحاجة الولد الثاني إلى ثبوت النسب فبقاؤه كبقاء الاول. وقيد بدعوة الولد لانه لو ادعى البنت المنفية حية ثبت نسبها اتفاقا وتمامه في شرحه. وفي الذخيرة: لا يشرع اللعان بنفي الولد في المجبوب والخصي ومن لا يولد له ولد. قوله: (فإن أكذب نفسه حد) لاقراره بوجوب الحد عليه. أطلقه فشمل ما إذا اعترف به وما إذا أقيمت عليه بينة أنه أكذب نفسه لانه الثابت بالبينة عليه كالثابت بإقراره كما في

[ 202 ]

الولوالجية. وشمل الاكذاب صريحا وضمنا ولهذا لو مات الولد المنفي عن مال فادعى الملاعن لا يثبت نسبه ويحد، فإن كان قد ترك ولدا ثبت نسبه من الاب وورثه الاب لاحتياج الحي إلى النسب، ولو ترك بنتا ولها ابن فأكذب الملاعن نفسه يثبت نسب الولد منه عند الامام خلافا لهما، كذا في فتح القدير. وظاهر ما في الكتاب أن الاكذاب بعد اللعان ووجوب الحد عليه ليس باعتبار قذفه الاول لانه أخذ بموجبه وهو اللعان بل باعتبار القذف الثاني الذي تضمنه كلمات اللعان كشهود الزنا إذا رجعوا فإنهم يحدون باعتبار ما تضمنته شهادتهم من القذف، أما إذا أكذب نفسه قبل اللعان ينظر، فإن لم يطلقها قبل الاكذاب حد أيضا، وإن أبانها ثم أكذب نفسه فلا حد ولا لعان لان اللعان أثره التفريق بينهما وهو لا يتأتى بعد البينونة لحصوله بالابانة وهو لا يصح بدون حكمه ولا يجب الحد لان قذفه وقع موجبا للعان فلا ينقلب موجبا للحد. وعلى هذا لو قال يا زانية أنت طالق ثلاثا لا حد ولا لعان، ولو قال أنت طالق ثلاثا يا زانية حد أطلق في الاكذاب فشمل ما إذا أنكر الولد بعدما ادعاه ولذا قال أيضا في فتح القدير: لو أقامت البينة على الزوج أنه ادعاه وهو ينكر يثبت النسب منه ويحد ا ه‍. وفي جامع الصدر الشهيد: قذفها بنفي الولد ولاعن فتزوجت غيره فادعاه صح ويحد، فإن ولدت من الثاني فنفاه لاعن وينتفى إن علق بعد إكذابه وقبله لا، وينبغي أن لا يلاعن لاستناده نظيره زنيت وأنت صبية بخلاف وأنت ذمية أو رقيق أو منذ أربعين سنة وعمرها عشرون سنة وإن تردد يقطع استحسانا وقياسا لا نظيره أسلمت زوجته أو أعتقت ثم ولدت فنفاه ا ه‍. ثم اعلم أن ولد أم الولد إذا نفاه المولى وقلنا بصحته فإن حكمه حكم ولد المنكوحة إذا نفي في سائر الاحكام فلا تقبل شهادة أحد للآخر بعد إعتاق الولد، ولا يضع أحدهما زكاته فيه، وتحرم المناكحة بينهما، ولا يرث أحذهما صاحبه بالقرابة لكن المولى يرث منه بالولاء إذا لم يكن عصبة أقرب منه، وتجب نفقته على المولى بعد إعتاقه بحكم الملك، كذا في شرح التلخيص من الشهادات قوله: (وله أن ينكحها) أي للملاعن بعد التفريق أن يتزوجها إذا أكذب نفسه. أطلقه فشمل ما إذا حد أو لم يحد فتقييد الشارح الحل بالحد اتفاقي، وكذا إذا أكذبت نفسها فصدقته. فالحاصل أن الفرقة باللعان يزول بها ملك النكاح وتوجب حرمة الاجتماع والتزوج ما داما على حال اللعان، فإن أكذب أحدهما نفسه جاز التناكح والاجتماع عند الامام والثالث. وقال الثاني: إنها توجب حرمة مؤبدة كحرمة الرضاع

[ 203 ]

والمصاهرة لقوله عليه السلام والمتلاعنان لا يجتمعان أبدا ويقتضي قوله أن الفرقة لا تتوقف على القضاء كما أشار إليه في فتح القدير. ولهما أن عويمرا طلق الملاعنة ثلاثا فصار سنة المتلاعنين لانه يجب عليه أن يطلقها فإن لم يفعل ناب القاضي منابه كما في العنين فكانت الفرقة طلاقا، وأما الحديث فلا يمكن العمل بحقيقته لان حقيقة المتفاعل المتشاغل بالفعل ولما فرغا منه زالت الحقيقة فانصرف المراد إلى الحكم وهو أن يكون حكمه باقيا وبعد الاكذاب لم يبق حكمه لبطلانه فلم يبق حقيقة ولا حكما فجاز اجتماعهما ونظيره قوله تعالى في قصة أصحاب الكهف * (إنهم أن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا) * [ الكهف: 02 ] أي ما داموا في ملتهم، ألا ترى أنهم إذا لم يفعلوا أفلحوا كذا هذا، كذا في البدائع. وقد بحث المحقق ابن الهمام في فتح القدير بأنه لما لم تمكن الحقيقة وصير إلى المجاز كان له مجازان: أحدهما ما ذكرتم من إرادة من بينهما تلاعن قائم حكما. والثاني من وجد بينهما تلاعن في الخارج. وعلى هذا التقدير لا يجتمعان بعد الاكذاب بينهما إذ ارتفاع حكمه لا يوجب ارتفاع كونه قد تحقق له وجود في الخارج ولكن بقي النظر في أي الاحتمالين أرجح وأظن أن الثاني أسرع إلى الفهم ا ه‍. قوله: (وكذا إذا قذف غيرها فحد أو زنت فحدت) يعني له أن ينكحها أيضا إذا خرجا أو أحدهما عن أهلية اللعان. أطلقه فشمل ما إذا خرسا أو أحدهما، وأراد بالزنا الوطئ الحرام وإن لم يكن زنا شرعيا - كما ذكره الاسبيجابي - لزوال عفتها. ولو قال وكذا إن قذف أحدهما فحد لكان أولى لشموله المتلاعنين ولو أسقط قوله فحد لكان أولى لان بمجرد زناها حلت له سواء حدت بأن وقع اللعان قبل الدخول ثم زنت فجلدت أو لم تحد لزوال العفة. وإنما قيدنا بهذه الصورة لانه لو كان بعد الدخول كان حدها الرجم وهو إهلاك فلا يتصور القول بحلها بعده واستغنى بها عن تغيير الرواية بأنها زنت بالتشديد أي نسبت غيرها للزنا لمخالفته للرواية لانها بتخفيف النون. وفي فتح القدير: واستشكل بأن زوال أهلية الشهادة بطرق الفسق مثلا لا يوجب بطلان ما حكم به القاضي عنها في حال قيام العدالة فلا يوجب بطلان ذلك اللعان السابق الواقع في حال الاهلية ليبطل أثره من الحرمة اه‍. قوله: (ولا لعان بقذف الاخرس) لفقد الركن منه وهو التلفظ بالشهادات ولهذا لو قال أحلف مكان أشهد لا يجوز. ولو قال ولا لعان إذا كانا أخرسين أو أحدهما لكان أولى للعلة المذكورة إذا كانت خرساء ولاحتمال تصديقها لو كانت ناطقة. وأشار إلى أنه لا يثبت بالكتابة كما لا

[ 204 ]

يثبت بإشارة الاخرس للشبهة، وإلى أنه لو خرس أحدهما بعد اللعان وقبل التفريق فلا تفريق ولا حد كما لو ارتد أو أكذب نفسه قوله: (ولا ينفى الحمل) لانه لا يتيقن بقيامه عند القذف لاحتمال أنه انتفاخ ولو تيقنا بقيامه وقته بأن ولدت لاقل من ستة أشهر صار كأنه قال إن كنت حاملا فحملك ليس مني والقذف لا يصح تعليقه بالشرط وهذا قول الامام، وعندهما يجري اللعان إذا جاءت به لاقل من ستة أشهر للتيقن بقيامه وجوابه ما مر. وأما الارث والوصية فيتوقفان على الولادة فيثبتان للولد لا للحمل، وأما عتقه فكذلك لقبوله التعليق بالشرط، وأما رد المبيعة بعيب الحمل فلان الحمل ظاهر واحتمال الريح شبهة والرد بالعيب لا يمتنع بالشبهة، وكذا النسب يثبت مع الشبهة، وأما وجوب النفقة للمطلقة إذا ادعت حملا فلقبول قولها في أمر عدتها، والحق أن قول صاحب الهداية إن الاحكام لا تترتب عليه قبلها لا يراد به كل الاحكام وإنما يراد به بعضها كما في العناية وقد كتبنا في القواعد الفقهية مسائل أخرى تترتب عليه قبلها قوله: (وتلاعنا بزنيت وهذا الحمل منه ولم ينف الحمل) لوجود القذف بصريح الزنا ونفي الحمل غير صحيح لان قطع النسب حكم عليه ولا تترتب الاحكام عليه ولا له قبل الانفصال قوله: (ولو نفي الولد عند التهنئة وابتياع آلة الولادة صح وبعده لا ولاعن فيهما) أي فيما إذا صح نفيه أو لم يصح لوجود القذف فيهما. والتهنئة بالهمز من هنأته بالولد بالتثقيل والهمز، كذا في المصباح. فالتفصيل المذكور بين أن تقوم دلالة على إقراره بالولد أولا إنما هو في صحة النفي وعدمه لا في اللعان كما في المتون والشروح، وبه علم أن ما ذكره الولوالجي من أن اللعان إنما يجري إذا نفى بعد الولادة في مدة قصيرة أما بعد مدة طويلة فلا يصح سهو، ودل كلامه على أنه لو أقر صريحا بالولد ثم نفاه لا يصح بالاولى كما قدمناه ولم يقدر مدة الولادة بوقت وهو ظاهر الرواية وقد قالوا: إن الاقرار بالولد الذي ليس منه حرام كالسكوت لاستلحاق نسب من ليس منه، وقد ذكر المصنف تبعا للهداية شيئين قبول التهنئة وشراء آلة الولادة وزاد في الاختيار ثالثا أن يقبل هدية الاهل فهي ثلاث لا يصح نفيه بعد واحدة منها، والحق أنها أربع والرابع سكوته حتى مضى وقت التهنئة وشراء الآلة وهي ثلاثة أيام في رواية وسبعة في أخرى كما في الكافي. وقبول التهنئة ذكر ما يدل على القبول مثل أحسن الله، بارك الله، جزاك الله، رزقك الله مثله أو أمن على دعاء المهنى، كذا في فتح القدير. ولو كان غائبا لم يعلم بالولادة تعتبر المدة بعد قدومه.

[ 205 ]

قوله: (وإن نفى أول التوأمين وأقر بالثاني حد) لانه أكذب نفسه بدعوى الثاني. التوأم والانثى توأمة والاثنان توأمان والجمع توائم وتوأم كدخان، كذا في المصباح قوله: (وإن عكس لاعن) بأن أقر بالاول ونفى الثاني لانه قاذف بنفي الثاني ولم يرجع عنه قوله: (وثبت نسبهما فيهما) أي في المسألتين لانهما خلقا من ماء واحد، والتوأمان ولدان بين ولادتهما أقل من ستة أشهر، وفيه إشارة إلى أنه لو نفاهما ثم مات أحدهما قبل اللعان لزماه وقدمنا تفاريعه. ولو جاءت بثلاثة في بطن واحد فنفى الثاني وأقر بالاول والثالث يلاعن وهم بنوه، ولو نفى الاول والثالث وأقر بالثاني يحدوهم بنوه، كذا في شرح النقاية. اعلم أنه في صورة ما إذا أقر بالاول ونفى الثاني إذا قال بعده هما ابناي أو ليسا بابني فلا حد فيهما، كذا في فتح القدير. وفي شهادات الجامع للصدر الشهيد من باب شهادة ولد الملاعنة: باع أحد التوأمين وقد ولدا في ملكه وأعتقه المشتري فشهد لبائعه تقبل، فإن ادعى الباقي ثبت نسبهما وانتقض البيع والعتق والقضاء ويرد ما قبض أو مثله إن هلك للاستناد كتحويل العقد، وإن كان القضاء قصاصا في طرف أو نفس فأرشه عليه دون العاقلة لانه بدعواه. ثم اعلم أنه إذا نفي نسب التوأمين ثم مات أخدهما عن توأمه وأمه وأخ لامه فالارث أثلاث فرضا وردا، للام السدس وللاخوين الثلث والنصف يرد عليهم. وهذا يبين أن قطع النسب يجري في التوأم لانه لو لم يقطع نسبه عن أخيه التوأم لكان عصبة يأخذ الثلثين وقطع النسب عن الاخ التوأم بالتبعية لابيهما وقد قدمناه عن الجامع وتمامه في شرح التلخيص من باب شهادة ولد الملاعنة والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. باب العنين وغيره يقال رجل عنين لا يقدر على إتيان النساء أو لا يشتهي النساء، وامرأة عنينة لا تشتهي الرجال، والفقهاء يقولون به عنة. وفي كلام الجوهري ما يشبهه ولم أجده لغيره ولفظه: عن امرأته تعنينا بالبناء للمفعول إذا حكم عليه القاضي بذلك أو منع عنها بالسحر، والاسم

[ 206 ]

منه العنة. وصرح بعضهم بأنه لا يقال عنين به عنة كما يقوله الفقهاء فإنه كلام ساقط قال: والمشهور في هذا المعنى كما قال ثعلب وغيره رجل عنين بين التعنين والعنية. وقال في البارع بين العنانة بالفتح. قال الازهري: وسمي عنينا لان ذكره يعن بقبل المرأة عن يمين وشمال يعترض إذا أراد إيلاجه، كذا في المصباح. وجمعه عنن. وأما عند الفقهاء فهو من لا يصل إلى النساء مع قيام الآلة لمرض به وإن كان يصل إلى الثيب دون البكر أو إلى بعض النساء دون بعض سواء كانت آلته تقوم أو لا كما في العناية ولذا قال في شرح المنظومة: الشكاز بفتح المعجمة وكاف مشددة وبعد الالف زاي هو الذي إذا جذب المرأة أنزل قبل أن يخالطها ثم لا تنتشر آلته بعد ذلك لجماعها وهو من قبيل العنين لها المطالبة بالتفريق، وإن كان يصل إلى الثيب دون البكر أو إلى بعض النساء دون بعض لضعف طبيعته أو لكبر سنه أو سحر فهو عنين في حق من لا يصل إليها لفوات المقصود في حقها فإن السحر عندنا حق وجوده وتصوره ويكون أثره كما في المحيط. ولا يخرج عن العنة بإدخاله في دبرها خلافا لابن عقيل فإنه يقول: الدبر أشد من القبل، كذا في المعراج. وفيه: إذا أولج الحشفة فقط فليس بعنين وإن كان مقطوعها فلا بد من إيلاج بقية الذكر، وينبغي أن يقال يكفي الايلاج بقدر الحشفة من مقطوعها، ولم أر حكم ما إذا قطعت ذكره وإطلاق المحبوب يشمله وهو في تحرير الشافعية لكن قولهم لو رضيت به فلا خيار لها ينافيه وله نظيران: أحدهما لو خرب المستأجر الدار، الثاني لو أتلف البائع المبيع قبل القبض. قوله: (وجدت زوجها مجبوبا فرق في الحال) وهو من استؤصل ذكره وخصيتاه يقال جببته جبا من باب قتل قطعته وهو مجبوب بين الجباب بالفتح والكسر، كذا في المصباح. وإنما لم يؤجل لعدم الفائدة ولما كان التفريق لفوات حقها توقف على طلبها ولم يذكره هنا اكتفاء بما ذكره في العنين. وأشار إلى أنه لوجب بعد الوصول إليها مرة لا خيار لها كما إذا صار عنينا بعده. ويلحق بالمجبوب من كان ذكره صغيرا جدا كالزر لا من كانت آلته قصيرة لا يمكن إدخالها داخل الفرج فإنها لاحق لها في المطالبة بالتفريق، كذا في المحيط. وظاهره أنه إذا كان لا يمكن إدخالها أصلا فإنه كالمجبوب لتقييده بالداخل. وأطلق الزوج المجبوب فشمل الصغير والمريض بخلاف العنين حيث ينتظر بلوغه أو برؤه لاحتمال الزوال. وأراد

[ 207 ]

بالمرأة من لها حق المطالبة بالجماع لانها لو كانت صغيرة انتظر بلوغها في المجبوب والعنين لاحتمال رضاها بخلاف ما لو كان أحدهما مجنونا فإنه لا يؤخر إلى عقله في الجب والعنة لعدم الفائدة ويفرق بينهما للحال في الجب، وبعد التأجيل في العنين لان الجنون لا يعدم الشهوة بخصومة ولي إن كان وإلا فمن ينصبه القاضي. ولو جاء الولي ببينة في المسألتين على رضاها بعنته أو جبه أو على علمها بحاله عند العقد لم يفرق، ولو طلب يمينها على ذلك تحلف، فإن نكلت لم يفرق وإن حلفت فرق، كذا في فتح القدير. وقالوا: لو جاءت امرأة المجبوب بولد بعد التفريق إلى سنتين يثبت نسبه ولا يبطل التفريق بخلاف العنين حيث يبطل التفريق لانه لما ثبت نسبه لم يبق عنينا. ونظر فيه الشارح بأن الطلاق وقع بتفريقه. وهو بائن فكيف يبطل ألا ترى أنها لو أقرت بعد التفريق أنه كان قد وصل إليها لا يبطل التفريق. وجوابه أن ثبوت النسب من المجبوب باعتبار الانزال بالسحق والتفريق بينهما باعتبار الجب وهو موجود بخلاف ثبوته من العنين فإنه يظهر به أنه ليس بعنين والتفريق باعتباره بخلاف ما استشهد به من إقرارها فإنها متهمة في إبطال القضاء لاحتمال كذبها فظهر أن البحث بعيد كما في فتح القدير. وفي الخانية من فصل العنين: إذ اشهد شاهدان بعد تفريق القاضي على إقرار المرأة قبل التفريق أنه وصل إليها يبطل تفريق القاضي، ولو أقرت بعد التفريق أنه قد وصل إليها لم تصدق على إبطال تفريق القاضي اه‍. والحاصل أن تفريق القاضي في العنين يبطل بمجئ الولد وإقامة البينة على إقرارها بالوصول. وفي التتارخانية: كان الزوج مجبوبا ولم تعلم بحاله فجاءت بولد فادعاه وأثبت القاضي نسبه ثم علمت بحاله وطلبت الفرقة فلها ذلك اه‍. وأطلق في المرأة ولا بد من تقييدها بأن لا تكون رتقاء فإن الرتقاء إذا وجدته مجبوبا لا خيار لها كما في الخانية، وأن تكون حرة لان زوج الامة إذا كان مجبوبا أو عنينا فالخيار إلى

[ 208 ]

المولى في قول أبي حنيفة، فإن رضي المولى لا حق للامة، وإن لم يرض كانت الخصومة له كما في العزل. وقال أبو يوسف: الخيار إلى الامة كقوله في العزل. واختلفوا في قول محمد فقيل مع أبي يوسف كما في العزل، وقيل مع الامام هنا، كذا في الخانية. ولم يقيد التفريق بالطلب للحال لانها لو وجدته مجبونا فأقامت معه زمانا وهو يضاجعها كانت على خيارها، ولم يذكر حكم ما إذا اختلفا في كونه مجبوبا. وحكمه أنه إذا كان يعرف حقيقة حاله بالمس من غير نظر يمس من وراء الثياب ولا تكشف عورته، وإن كان لا يعرف إلا بالنظر أمر القاضي أمينا لينظر إلى عورته فيخبر بحاله لان النظر إلى العورة يباح عند الضرورة، كذا في الخانية. ولم يذكر المصنف صفة الفرقة هنا اكتفاء بما ذكره في العنين وهو طلاق بائن كفرقة العنين كما في الخانية. والحاصل أن المجبوب كالعنين إلا في خصلة واحدة وهي أن العنين يؤجل والمجبوب لا، كذا في التتارخانية. ويزاد مسألة بطلان التفريق بمجئ الولد كما قد عملت. والثالثة لا ينتظر بلوغه. والرابعة لا تشترط صحته. وفي فتح القدير: وما نقل عن الهند وإني أنه يؤتى بطست فيه ماء بارد فيجلس فيه العنين فإن تلقص ذكره وانزوى علم أنه لا عنة به وإلا علم أنه عنين، لو اعتبر هذا لزم أن لا يؤجل سنة لان التأجيل ليس إلا ليعرف أنه عنين على ما قالوا إذ لا فائدة فيه إن أجل مع ذلك لكن التأجيل لا بد منه لانه حكمه اه‍. والحاصل أن طلبها التفريق في العنين له شرائط مختصة بهما فالمختص به أن يكون الزوج بالغا صحيحا لم يصل إليها مرة فالصبي لا يؤجل إلا بعد بلوغه والمريض بعد صحته والمختص بها أن تكون حرة بالغة غير رتقاء وقرناء غير عالمة بحاله قبل النكاح وغير راضية به بعده. قوله: (وأجل سنة لو عنينا أو خصيا) وهو من نزع خصيتاه وبقي ذكره وهو بفتح الخاء فعيل بمعنى مفعول مثل جريح وقتيل والجمع خصيان. والخصيتان بالتاء البيضتان الواحدة خصية وبدون التاء الخصيان الجلدتان، وجمع الخصية خصي كمدية ومدى. وخصيت العبد أخصيه خصاء بالكسر والمدسللت خصيته، وخصيت الفرس قطعت ذكره فهو مخصي، ويجوز استعمال فعيل ومفعول فيهما، كذا في المصباح. ولا فرق هنا بين سلهما وقطعهما إذا كان ذكره لا ينتشر. قيدنا به لان آلته لو كانت تنتشر لا خيار لها كما في المحيط، وعلى هذا لا حاجة إلى عطفه على العنين لانه إن لم يكن عنينا فلا تأجيل وإلا فهو داخل فيه ولذا لم يصرح بالخنثى الذي يبول من مبال الرجال والصبي الذي بلغ أربع عشرة سنة والشيخ الكبير وحكم الثلاث التأجيل كالعنين كما في الخانية لدخول الكل تحت اسم العنين. قال في الخانية: يؤجل الشيخ الكبير إن كان لا يصل إليها اه‍. والمراد من المؤجل الحاكم ولا عبرة

[ 209 ]

بتأجيل غيره. قال في الخانية أيضا: وتأجيل العنين لا يكون إلا عند قاضي مصر أو مدينة فلا يعتبر تأجيل المرأة ولا تأجيل غيرها اه‍. وأما رضاها به عند غير الحاكم فمسقط لحقها كما في الخلاصة. ولو عزل القاضي بعدما أجله بنى المتولي على تأجيل الاول وابتدأ السنة من وقت الخصومة واستفيد من وضع المسألة أن نكاح العنين صحيح فإن علمت بعنته وقت النكاح فلا خيار لها كما لو علم المشتري بعيب المبيع، وإن لم تعلم به وقته وعلمت بعده كان لها الخصومة وإن طال الزمان كما في الخانية. وفي المحيط: والامام المتبع في أحكام العنين عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم ولم ينقل عن أقرانهم خلافه فحل محل الاجماع، ولان عدم الوصول قد يكون لعلة معترضة وقد يكون لآفة أصلية فلا بد من ضرب مدة لاستبانة العلة من العنة فقدر بسنة لاشتمالها على الفصول الاربع اه‍. وقد كتبنا في القواعد الفقهية في مذهب الحنفية أن قاضيا لو قضى بعدم تأجيل العنين لم ينفذ قضاؤه ولم يقيد المرأة بشئ. ولا بد من كونها حرة وغير رتقاء كما قدمناه في زوجة المجبوب، وعلله في الاختيار بأن الرتقاء لا حق لها في الوطئ فلا تملك الطلب، ولو اختلفا في كونها رتقاء يريها النساء كما في التتارخانية. وأطلق الزوج فشمل المعتوه لما في الخانية: والمعتوه إذا زوجه وليه امرأة فلم يصل إليها أجله القاضي سنة بحضرة الخصم عنه. ولا بد من تقييد الزوج بكونه صحيحا كما سيأتي أن المريض لا يؤجل حتى يصح ولم يذكره محمد. واختلفوا في تلك السنة فقيل شمسية وهي تزيد على القمرية بأحد عشر يوما. قال في الخلاصة: وعليه الفتوى. وقيل قمرية وهي ثلثمائة وأربعة وخمسون يوما وصححه في الواقعات والولوالجية وهو ظاهر الرواية كما في الهداية فكان هو المعتمد لانه الثابت عن صاحب المذهب. وفي الخانية: إذا ثبت عدم الوصول أجله القاضي طلب أو لم يطلب ويكتب التأجيل ويشهد على التاريخ. وفي المجتبي: إذا كان التأجيل في أثناء الشهر يعتبر بالايام إجماعا كما ذكره في العدة. قوله: (فإن وطئ وإلا بانت بالتفريق إن طلبت) أي طلبا ثانيا فالاول للتأجيل والثاني للتفريق. وذكر خجامسكين أن قوله إن طلبت متعلق بالجميع وهو حسن وطلب وكيلها بالتفريق عند غيبتها كطلبها على خلاف فيه ولم يذكره محمد. وأطلقه فشمل ما إذا طلبت على

[ 210 ]

التراخي أولا وثانيا ولذا لو خاصمته ثم تركت مدة فلها المطالبة ولو طاوعته في المضاجعة تلك الايام كما في الخانية. ولما كانت هذه فرقة قبل الدخول حقيقة كانت بائنة ولها كمال المهر وعليها العدة لوجود الخلوة الصحيحة. وأشار إلى أنه لو وطئها مرة لا حق لها في المطالبة لسقوط حقها بالمرة قضاء وما زاد عليها فهو مستحق ديانة لا قضاء كما في جامع قاضيخان. وفي فتاواه: لو كان يأتيها فيما دون الفرج حتى ينزل وتنزل ولا يصل إليها في فرجها وقامت معه على ذلك زمانا وهي بكر أو ثيب ثم خاصمته إلى القاضي سنة، ولو وطئها بعد التأجيل سقط حقها ولو حائضا أو نفساء أو صائمة أو محرمة، كذا في المعراج وإلى أن الزوج لو طلب أن يؤجل بعد السنة ولو يوما لا يجيبه القاضي إلا برضاها ولها الرجوع واختيار الفرقة، كذا في الاختيار. وقدمنا أن المراد بالزوجة الحرة، أما الامة فالخيار لمولاها لا لها كالاذن في العزل، وفي المحيط: فرق بينهما ثم تزوجها ثانيا لا خيار لها لرضاها بالمقام معه، ولو تزوج أخرى عالمة بحاله لا خيار لها وعليه الفتوى، ولو كان له امرأة يصل إليها وولدت منه أولا ثم أبانها ثم تزوجها ولم يصل في النكاح الثاني فهو عنين لانها باعتبار كل عقد يتجدد لها حق المطالبة اه‍. وفي المعراج: ويؤهل الصبي هنا للطلاق في مسألة الجب لانه مستحق عليه كما يؤهل بعتق القريب ومنم من جعله فرقة بغير طلاق والاول أصح اه‍. قوله: (فلو قال وطئت وأنكرت وقلن بكر خيرت وإن كانت ثيبا صدق بحلفه) أطلقه فشمل ما إذا وقع الاختلاف في الابتداء بأن ادعى الوصول إليها وأنكرت أو، في الانتهاء فإن قوله خيرت شامل لتخيير تأجيله سنة في الابتداء أو لاختيار الفرقة بعد التأجيل. وحاصله أنها إن كانت ثيبا فالقول قوله في الوطئ ابتداء وانتهاء مع يمينه فإن نكل في الابتداء يؤجل سنة ولا يؤجله إلا إذا ثبت عدم الوصول إليها، وإن نكل في الانتهاء تخير للفرقة، وإن كانت بكرا ثبت عدم الوصول إليها بقولهن فيؤجل في الابتداء ويفرق في الانتهاء وبهذا ظهر أن ما ذكره الشارح من أن المصنف لم يذكر كيفية ثبوت العنة في الابتداء وذكره في الانتهاء غفلة عما فهمته من كرمه لما قررنا أن التخيير شامل لهما. والتقييد بقوله وقلن

[ 211 ]

المفيد للجماع اتفاقي أو لبيان الاولى للاكتفاء بقول الواحدة والاثنتان أحوط، وفي البدائع أوثق، وفي الاسبيجابي أفضل. وشرط الحاكم الشهيد في الكافي عدالتها. وطريق معرفة أنها بكر أن تبول على جدار فإن وصل إليه فبكر وإلا فلا، أو يرسل في فرجها ما في بيضة فإن دخل فثيب وإلا فبكر، أو يرسل في فرجها أصغر بيضة للدجاجة فإن دخلت من غير عنف فهي ثيب وإلا فبكر. وفي الخانية: وإن شهد البعض بالبكارة والبعض بالثيابة يريها غيرهن اه‍. وفي المعراج: لو وجدت ثيبا وزعمت أن عذرتها زالت بسبب أخر من غير وطئه كأصبعه وغيرها فالقول قوله لانه الظاهر والاصل عدم أسباب أخر. وفي المحيط: عنين أجله القاضي سنة وامرأته ثيب فوطئها وادعت بعد الحول أنه لم يطأها وقالت حلفه فأبى أن يحلف ففرق القاضي بينهما لم يسعها أن تتزوج بآخر ولم يسعه أن يتزوج بأختها اه‍ قوله: (وإن اختارته بطل حقها) أطلقه فشمل الاختيار حقيقة وحكما كما إذا قامت من مجلسها أو أقامها أعوان القاضي قبل أن تختار شيئا أو قام القاضي قبل أن تختار لامكان أن تختار مع القيام وعليه الفتوى، كذا في المحيط والواقعات وفي البدائع: ظاهر الرواية أنه لا يتوقف على المجلس. وقيد بقوله بانت بالتفريق لان الفرقة لا تقع باختيارها نفسها بل لا بد من تطليق الزوج بائنة أو تفريق القاضي إن امتنع. وقيل تقع باختيارها، وجعله في الخلاصة ظاهر الرواية والاول رواية الحسن. وأشار ببطلانه باختيارها إلى أنه لو فرق بينهما ثم تزوجها ثانيا لم يكن لها خيار لرضاها بحاله كما لو تزوجته عالمة بحاله على المفتي به كما في المحيط. وفي

[ 212 ]

الخانية: فرق بين العنين وبين امرأته ثم تزوج أخرى تعلم بحاله اختلفت الروايات والصحيح أن للثانية حق الخصومة لان الانسان قد يعجز عن امرأة ولا يعجز عن غيرها. ويحتسب من السنة أيام حيضها ورمضان وحجه وغيبته لا بمرض أحدهما على المفتى به مطلقا كما في الولوالجية. وصحح في الخانية أن الشهر لا يحتسب وما دونه يحتسب. وفي المحيط أصح الروايات عن أبي يوسف أن نصف الشهر وما دونه يحتسب وما زاد على النصف لا يحتسب ولا بحجها وغيبتها وحبسها وامتناعها من المجئ إلى السجن بعد حبسه بعد أن يكون فيه موضع خلوة ولو على مهرها. وفي الخلاصة: لو كان محرما وقت الخصومة أجله بعد الاحرام. وفي الخانية: لو وجدت زوجها مريضا لا يقدر على الجماع لا يؤجل ما لم يصح وإن طال المرض اه‍. وفيها: وإن كان الزوج مظاهرا منها إن كان قادرا على الاعتاق أجله القاضي، وإن كان عاجزا عنه أمهله القاضي شهرين للكفارة ثم يؤجل، وإن ظاهر بعد التأجيل لا يلتفت إليه ويحتسب ذلك عليه اه‍. وفي المحيط الجامع: أصله أن كل موضع تجري الوكالة فيه ينتصب الولي فيه خصما فالتفريق بسبب الجب وخيار البلوغ وعدم الكفاءة تجري الوكالة فيه فانتصب الولي فيه خصما، وكل موضع لا تجري الوكالة فيه لا ينتصب الولي خصما فيه كالفرقة بالاباء عن الاسلام واللعان اه‍. قوله: (ولم يخير أحدهما بعيب) أي لا خيار لاحد الزوجين بعيب في الآخر لان المستحق بالعقد هو الوطئ والعيب لا يفوته بل يوجب فيه خللا ففواته بالموت قبل التسليم لا يوجب الخيار فاختلاله أولى. وفي الهداية: إن اختلاله بالموت لا يوجب الفسخ فبالعيب أولى. واعترض عليه جميع الشارحين بأن النكاح مؤقت بحياتهما ولم يجيبوا وأجبت عنه بجوابين: الاول أن النكاح ينتهي بالموت لا أنه ينفسخ قالوا والشئ بانتهائه يتقرر ولا

[ 213 ]

ينفسخ. والثاني وهو الاحسن أنه على حذف مضاف تقديره لا يوجب خيار الفسخ حتى لا يسقط بالموت شئ من مهرها. أطلق العيب فشمل الجذام والبرص والجنون والرتق والقرن، وخالف الشافعي ومالك وأحمد في هذه الخمسة، وخالف محمد في الثلاثة الاول إذا كانت بالزوج فتخير المرأة بخلاف ما إذا كانت بها فلا يخير لقدرته على دفع الضرر عن نفسه بالطلاق دونها، ويرد عليه تخيير الغلام إذا بلغ عند محمد فإنه قادر بالطلاق. ويمكن أن يجاب بأن خيار البلوغ لدفع ضرر فعل الغير بخلافه هنا لان الزوج فعله كما لا يخفى. الجذام من الجذم بفتح الجيم القطع وهو مصدر من باب ضرب ومنه يقال جذم بالبناء للمفعول إذا أصابه الجذام لانه يقطع اللحم ويسقطه وهو مجذوم. قالوا: ولا يقال فيه من هذا المعنى أجذم وزان أحمر، كذا في المصباح. وفي القاموس: والجذام كالغراب علة تحدث من انتشار السوداء في الجسد كله فيفسد مزاج الاعضاء وهيآتها وربما انتهى إلى تأكل الاعضاء وسقوطها عن تقرح جذم فهو مجذوم ومجذم وأجذم، وهم الجوهري في منعه اه‍. والبرص محركة بياض يظهر في ظاهر البدن لفساد مزاج. برص كفرح فهو أبرص وأبرصه الله ثم قال في موضع آخر: وجن بالصم جنا وجنونا واستجن مبنيا للمفعول، وتجنن وتجان وأجنه الله فهو مجنون. وأما الرتق ضد الفتق ومحركة جمع رتقة، ومصدر قولك امرأة رتقاء بينة الرتق لا يستطاع جماعها أو لا خرق لها الا المبال خاصة. وفي المصباح: رتقت المرأة رتقا من باب تعب فهي رتقاء إذا استد مدخل الذكر من فرجها فلا يستطاع جماعها. والقرن مثل فلس العفلة وهو لحم ينبت في الفرج في مدخل الذكر كالغدة الغليظة وقد يكون عظما. ويحكى أنه اختصم إلى القاضي شريح في جارية بها قرن فقال أقعدوها فإن أصاب الارض فهو عيب وإلا فلا. وقال القلعي: القرن بفتح الراء بمنزلة العفلة فأوقع المصدر موقع الاسم وهو سائغ، كذا في المصباح. والرتق بفتح التاء كما في العناية. وقد كتبنا في القواعد الفقهية في مذهب الحنفية أن القاضي لو قضى برد أحد الزوجين بعيب نقذ قضاؤه. وفي

[ 214 ]

القنية من الكراهية: جراح اشترى جارية رتقاء فله شق الرتق وإن تألمت اه‍. ولم أر حكم شق الرتقاء المنكوحة وقالوا في تعليل عدم ردها لامكان شقه ولكن ما رأيت هل يشق جبرا أم لا. وفي المعراج: لو تراضى العنين وزوجته على النكاح بعد التفريق فله أن يتزوجها إلا رواية عن أحمد حيث قال لا يجتمعان أبدا كفرقة اللعان وهذا باطل لا أصل له والله أعلم بالصواب. باب العدة لما ترتبت في الوجود على الفرقة بجميع أنواعها أوردها عقيب الكل. وهي لغة الاحصاء عددت الشئ أحصيته إحصاء. وفي شرح المجمع للمصنف العدة مصدر عد الشئ يعده. وسئل عليه السلام متى تكون القيامة قال: إذا تكاملت العدتان أي عدة أهل الجنة وعدة أهل لنار، أي عددهم. وسمي زمان التربص عدة لانها تعده. ويقال على المعدود. وفي الدر النثير أي إذا تكاملت عند الله برجوعهم إليه. وفي المصباح: وعدة المرأة قيل أيام أقرائها مأخوذ من العد والحساب، وقيل تربصها المدة الواجبة عليها والجمع عدد مثل سدرة وسدر. وقوله تعالى * (فطلقوهن لعدتهن) * [ الطلاق: 1 ] قال النحاة: للام بمعنى في أي في عدتهن اه‍. وفي الشريعة ما ذكره بقوله: (هي تربص يلزم المرأة عند زوال النكاح أو شبهته) أي لزوم انتظار انقضاء مدة والتربص التثبت والانتظار قال الله تعالى * (فتربصوا حتى حين) * [ المؤمنون: 52 ] وقال تعالى * (يتربص بكم الدوائر) * [ التوبة: 89 ] وقال تعالى * (فتربصوا إنا معكم متربصون) * [ التوبة: 25 ] كذا في البدائع. وإنما قدرنا اللزوم لان التربص فعلها وقد قالوا إن ركنها حرمات أي لزومات كحرمة تزوجها على الغير. ونقلوا عن الشافعي أن ركنها التربص عنده وفرعوا على الاختلاف تداخل العدتين، فعندنا يتداخلان خلافا له وانقضاؤه بدون علمها عندنا خلافا له وهذا أولى مما في البدائع من جعلها في الشرع عندنا اسما لاجل ضرب لانقضاء ما بقي من آثار النكاح، وعند الشافعي اسما لفعل التربص

[ 215 ]

لانه على هذا التقدير يكون ركنها نفس الاجل وقد صرحوا بخلافه إلا أنه لو صح اندفع الاشكال الوارد على عدة الصغيرة إذ ليس في العدة وجوب شئ بل هي مجرد انقضاء الاجل، والثابت في هذه المدة عدم صحة التزوج لا خطاب أحد بل وضع الشارع عدم الصحة لو فعل. ويرد على ما في الكتاب عدة الصغيرة إذ لا لزوم في حقها ولا تربص واجب، وأجيب بأنها اليست هي الخاطبة بل الولي هو المخاطب بأن لا يزوجها حتى تنقضي مدة العدة ولهذا لم يطلق أكثر المشايخ لفظ الوجوب على عدة الصغيرة لعدم خطابها وإنما يقولون تعتد. وقيد بقوله يلزم المرأة لان ما يلزم الرجل من التربص عن التزوج إلى مضي عدة امرأته في نكاح أختها ونحوه لا يسمى عدة اصطلاحا لاختصاصه بتربصها وإن وجد معنى العدة فيه، ويجوز إطلاق العدة عليه شرعا كما أفهمه ما في فتح القدير. فعلى هذا ما في الكتاب معناها الاصطلاحي. وأما في الشريعة فهي تربص يلزم المرأة والرجل عند وجود سببه. وقد ضبط الفقيه أبو الليث رحمه الله في خزانة الفقه المواضع التي يمتنع الانسان من الوطئ فيها حتى تمضي مدة في عشرين موضعا: نكاح أخت امرأته وعمتها وخالتها وبنت أختها وبنت أخيها والخامسة وإدخال الامة على الحرة ونكاح أخت الموطوءة في نكاح فاسدا أو في شبهة عقد، ونكاح الرابعة كذلك، ونكاح المعتدة للاجنبي، ونكاح المطلقة ثلاثا، ووطئ الامة المشتراة، والحامل من الزنا إذا تزوجها، والحربية إذا أسلمت في دار الحرب وهاجرت إلينا وكانت حاملا فتزوجها رجل، والمسبية لا توطأ حتى تحيض أو يمضي شهر إن كانت لا تحيض لصغر أو كبر، ونكاح المكاتبة ووطؤها لمولاها حتى تعتق أو تعجز نفسها، ونكاح الوثنية والمرتدة والمجوسية لا يجوز حتى تسلم ودخل تحت شبهة النكاح الفاسد، ومن زفت إليه غير امرأته فوطئها. ولكن خرج عن التعريف عدة أم الولد إذا مات مولاها أو أعتقها فإنها واجبة عندنا مع أنها لم تكن عند زوال النكاح أو شبهته. هذا ما أوردته قبل الاطلاع على الاصطلاح ثم رأيته عرفها فيه بما يدخل عدة أم الولد فقال: هي اسم لاجل ضرب لانقضاء ما بقي من آثار النكاح أو الفراش. وقال في إيضاح الاصلاح: لا بد منه لتنظيم عدة أم الولد اه‍. وفي بعض النسخ أو شبهه بإضافة الشبه إلى ضمير النكاح، وعلى النسخة الاولى بإضافة الشبهة إليه، فعلى النسخة الثانية تدخل عدة أم الولد لانها تربص يلزمها عند زوال شبه النكاح لما أن لها فراشا كالحرة وإن كان أضعف

[ 216 ]

من فراشها وقد زال بالعتق ولكن لا يدخل من زفت إليه غير امرأته وقلن امرأتك إلا على النسخة الاولى. وعليها فينبغي أن يقال: قوله أو شبهته معطوف على الزوال لا على النكاح لانه لو عطف عليه لاقتضى أنها لا تجب إلا عند زوال الشبهة وليس كذلك. وأما سبب وجوبها فلكل نوع منها سبب، فعدة الاقراء لوجوبها أسباب منها: الفرقة في النكاح الصحيح سواء كانت بطلاق أو بغير طلاق بعد وطئ أو خلوة، ومنها عدة النكاح الفاسد سببها تفريق القاضي أو المشاركة وشرطها أن تكون بعد الوطئ حقيقة، ومنها عدة الوطئ عن شبهة فسببها الوطئ، ومنها عدة أم الولد وسببها عتق المولى باعتاقه أو موته وأما عدة من لم تحض لصغر أو كبر سببها الطلاق. وشرط وجوبها إما الصغر أو الكبر أو عدم الحيض رأسا. والثاني الدخول حقيقة أو حكما، وأما عدة الحمل فسببها الفرقة أو الوفاة، كذا في البدائع مختصرا وهو مخالف لما في فتح القدير من أن سبب وجوبها عقد النكاح المتأكد بالتسليم أو ما يجري مجراه من الخلوة والموت ولو فاسدا، وأما الفرقة فشرطها فالاضافة في قولهم عدة الطلاق إلى الشرط اه‍. والظاهر ما في فتح القدير لعدم صلاحية الطلاق والموت للسببية لما في المصفي كان القياس أن لا تجب العدة بالطلاق والموت لانهما مزيلان للنكاح والشئ إذا زال يزول جميع آثاره وإنما وجبت بالنص على خلاف القياس اه‍. وحكمها حرمة نكاحها على غيره وحرمة نكاح أختها وأربع سواها كذا قالوا، وينبغي الاقتصار على الثاني لان حرمة نكاحها على غيره من المحرمات التي قدمنا أنها الركن. ومحظوراتها حرمة التزين والتطيب - خصوصا في المبانة - والخروج من المنزل عموما كما سيأتي في الحداد. وأنواعها حيض وأشهر ووضع حمل لتعرف براءة رحم وللتعبد ولاظهار حزن على زوج. وإلى هنا ظهر أن الكلام فيها في عشرة مواضع: معناها لغة وشرعا واصطلاحا وركنها وشرطها وسببها وحكمها ومخطوراتها وأنواعها ودليلها.

[ 217 ]

قوله: (عدة الحرة للطلاق أو الفسخ ثلاثة أقراء) أي حيض ظاهر في أن العدة اسم للاجل المضروب كما في البدائع على إرادة مدة ثلاثة أقراء لانه أوقع ثلاثة خبرا للعدة على تقدير الرفع فهو مخالف لما قدمناه من التحقيق، وأما على تقدير نصب ثلاثة فالمراد كون عدتها في مدة ثلاثة أقراء لان الحرمات تتعلق في مدة الاقراء فكان ظرف زمان معربا واقعا خبرا عن اسم معنى نحو السفر غدا لكنه على تقدير الرفع اعتبر فيه الاطلاق المجازي أعني إطلاق العدة على نفس المدة. أطلق الطلاق فشمل البائن والرجعي ولم يقيد بالدخول بناء على أن الاصل في النكاح الدخول ولا بد منه حقيقة أو حكما حتى تجب على مطلقة بعد الخلوة ولو فاسدة كما بيناه فيها، ولم أر حكم ما إذا وطئها في دبرها أو أدخلت منيه في فرجها ثم طلقها من غير إيلاج في قبلها. وفي تحرير الشافعية وجوبها فيهما ولا بعد أن بحكم على المذهب بالثاني لان إدخال المني محتاج إلى تعرف البراءة أكثر من مجرد الايلاج والاصل في هذا النوع قوله تعالى * (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) * [ البقرة: 822 ] والمراد بهن المدخولات اللاتي يحضن وهو خبر بمعنى الامر وأصل الكلام ليتربصن ولام الامر محذوفة فاستغنى عن ذكره، وإخراج الامر في صورة الخبر تأكيد له وللاشعار بأنه مما يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله نحو قولهم في الدعاء رحمك الله أخرج في صورة الخبر ثقة بالاستجابة كأن الرحمة وجدت فهو يخبر عنها. وبناؤه على المبتدأ يدل على زيادة التأكيد، ولو قيل يتربص المطلقات لم يكن بتلك الوكادة لان الجملة الاسمية تدل على الدوام والثبات بخلاف الفعلية. وفي ذكر الانفس تهييج لهن على التربص وزيادة تعب إذ نفوسهن طوامح إلى الرجال فأمرن أن يقمعن أنفسهن ويغلبنها على الطموح ويجبرنها على التربص. وانتصب ثلاثة على الظرف أي مدة ثلاثة قروء وجاء المميز على جمع الكثرة دون القلة التي هي الاقراء لجواز استعمال أحد الجمعين مكان الآخر لاشتراكهما في الجميعة، ولعل القروء أكثر في جمع القرء من الاقراء فأوثر عليه تنزيلا لقليل الاستعمال منزلة المهمل، كذا في المعراج. والقرء مشترك بين الحيض والطهر، وأوله أصحابنا في الآية بالحيض، والشافعي بالطهر وموضعه الاصول.

[ 218 ]

وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا طلقها في الطهر فإنه تنقضي العدة برؤية قطرة من الدم من الحيضة الثالثة عنده، وعندنا لا تنقضي العدة ما لم تطهر منها، كذا في غاية البيان. وفي المبسوط: الحيضة الاولى لتعرف براءة الرحم، والثانية لحرمة النكاح، والثالثة لفضيلة الحرية وشمل جميع أسبابه من الفسخ بخيار البلوغ والعتق وملك أحد الزوجين صاحبه وردة أحدهما، وقدمنا في نكاح الاولياء جملة الفرق والايراد على قولهم أنه لا يحتمل الفسخ بعد التمام، ثم رأيت في إيضاح الاصلاح هنا أنه لا فرق بين الطلاق أو الفسخ أو الرفع ثم قال: اعلم أن النكاح بعد التمام لا يحتمل الفسخ فكل فرقة بغير طلاق قبل تمام النكاح كالفرقة بخيار البلوغ والفرقة بخيار العتق والفرق بعدم الكفاءة فسخ، وكل فرقة بغير طلاق بعد تمام النكاح كالفرقة بملك أحد الزوجين الآخر والفرقة بتقبيل ابن الزوج ونحوه رفع وهذا واضح عند من له خبرة في هذا الفن اه‍. وعدم الكفاءة ومن هذا النوع ما إذا تزوج المكاتب بنت مولاه بإذنه ثم مات المكاتب بعد موت المولى لا عن وفاء فإن النكاح يفسد وتعتد بثلاث حيض إن كانت مدخولا بها وسقط مهرها بقدر ما ملكت منه وإلا فلا عدة، وإن مات عن وفاء تعتد عدة الوفاة دخل بها أو لم يدخل، ولها الصداق والارث لانا حكمنا بعتقه في آخر جزء من أجزاء حياته، وقدمنا في فصل التحليل أن العدة لا تظهر في حق المطلق حيث كان دون الثلاث وهكذا في الفسخ، فلو اشترى زوجته بعد الدخول لا عدة عليها له وتعتد لغيره حتى لا يزوجها من الغير ما لم تحض حيضتين، ولهذا لو طلقها السيد في هذه العدة لم يقع طلاقه لانها معتدة بالنسبة إلى غيره ولهذا تحل له بملك اليمين بخلاف ما إذا اشترت الحرة زوجها بعد الدخول وقد كان قال لها أنت طالق للسنة وهي حائض ثم طهرت من حيضها وقع الطلاق لعدم ارتفاع عدة الطلاق بدليل حرمة وطئها. ولا بد في انقضاء عدتها من الاقرار بالطلاق لانه لو طلقها وأقام معها زمانا منكرا طلاقها لم تنقض عدتها، هكذا اختاره المشايخ كذا في المحيط وسيأتي زيادة بيان له. ولو اشترى المكاتب زوجته ثم مات فإن ترك وفاء فهو حر في آخر حياته وفسد نكاحه، فإن لم يكن دخل بها فلا عدة لوقوع الفرقة قبل الدخول وهي أمة، فإن

[ 219 ]

كانت ولدت منه تعتد بثلاث حيض حيضتان بالفرقة وثلاث بالوفاة إلا أنها تتداخل وتحد في الاوليين دون الثالثة، كذا في المحيط. وأطلق الحرة فشمل المسلمة والكتابية تحت مسلم فالكتابية تحت المسلم كالمسلمة حرتها كحرتها وأمتها كأمتها، وأما إذا كانت تحت ذمي فلا عدة عليها إذا كانوا لا يدينون ذلك إلاءذا كانت حاملا عند الامام خلافا لهما وقد مرت، وذكرها في البدائع هنا. وفي الولوالجية قال: إلا أن تكون حاملا فتمنع من التزوج إن كان ذلك في دينهم اه‍. فقيد الحامل بأن تكون في دينهم العدة لها. وفي البزازية: شهدا أن زوجها طلقها ثلاثا إن كان غائبا ساغ لها أن تتزوج بآخر، وإن كان حاضرا لا لان الزوج إذا أنكر احتيج إلى القضاء بالفرقة ولا يجوز القضاء بها إلا بحضرة الزوج. وفيها: لو شهد عندها رجلان أنه طلقها ليس لها أن تمكن من نفسها وإن أخبرها واحد ليس لها الامتناع اه‍. فقد قبل خبر الواحد العدل بموته عندها ولم يقبل بطلاقه، وذكر في الاستحسان لو أخبر الابن رجلان أن فلانا قتل أباه ليس له أن يقتله حتى يحكم القاضي بشهادتهما بخلاف المرأة إذا أخبرها عدلان بالطلاق فإنه يحرم عليها التمكين من غير حكم بشهادتهما. ولو برهن القاتل عند ابن المقتول أنه قتله للردة أو للقصاص إن كان الشاهدان ممن لو شهدا عند الحاكم تقبل شهادتهما ليس للابن قتله وإلا فله اه‍. قوله: (وثلاثة أشهر إن لم تحض) أي عدة الحرة إن لم تكن من ذوات الحيض لصغر أو كبر مدة ثلاثة أشهر لقوله تعالى * (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر) * [ الطلاق: 4 ] في حق الآيسة وقوله تعالى * (واللائي لم يحضن) * [ الطلاق: 4 ] في حق الصغيرة ومن بلغت بالسن ولم تحض. وشمل قوله إن لم تحض أيضا البالغة إذا لم تر دما أو رأت وانقطع قبل التمام، ومن بلغت مستحاضة، والمستحاضة التي نسيت عادتها وهو مما يلغز به فيقال: شابة ترى ما يصلح حيضا في كل شهر وعدتها بالاشهر لكن في التحقيق لما نسيت عادتها جاز كونها أول كل شهر وآخره فإذا قدرت بثلاثة أشهر علم أنها حاضت ثلاث حيض بيقين بخلاف ما لم تنس فإنها ترد إلى أيام عادتها فجاز كون عدتها أول الشهر فتخرج من العدة بخمسة أو ستة من الثالث. وفي فتح القدير أخذا من الزيلعي في الحيض:

[ 220 ]

واعلم أن إطلاقهم الانقضاء بثلاثة أشهر في المستحاضة الناسية لعادتها لا يصح إلا فيما إذا طلقها أول الشهر، أما إذا طلقها بعد ما مضى من الشهر قدر ما يصلح حيضة فينبغي أن يعتبر ثلاثة أشهر غير باقي هذا الشهر ا ه‍. اعلم أن ما ذكره في فتح القدير أن تقدير عدتها بثلاثة أشهر قول المرغيناني وذكر هو في الحيض اختلافا قال: والفتوى على قول الحاكم من أن طهرها مقدر بشهرين فعلى هذا لا بد من ستة أشهر للاطهار وثلاث حيض بشهر احتياطا. والمراد بالصغيرة من لم تبلغ سن الحيض والمختار المصحح أنه تسع، وعن الامام الفضلي أنها إذا كانت مراهقة لا تنقضي عدتها بالاشهر بل يوقف حالها حتى يظهر هل حبلت من ذلك الوطئ أم لا، فإن ظهر حبلها اعتدت بالوضع وإن لم يظهر فبالاشهر ا ه‍. وفي فتح القدير: ويعتد بزمن التوقف من عدتها لانه كان ليظهر حبلها فإذا لم يظهر كان من عدتها ا ه‍. وفي التتارخانية: امرأة رأت الدم وهي بنت ثلاثين سنة مثلا رأت يوما دما لا غير ثم طلقها زوجها قال: ليست هي آيسة. وقال أبو جعفر: تعتد بالشهور لانها من اللائي لم يحضن وبه تأخذ ا ه‍. وفي الصغرى واعتبار الشهور في العدة بالايام دون الاهلة بالاجماع إنما الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه في الاجارة ا ه‍. وفي المجتبى جعله على الخلاف كالاجارة والدين وإنما تعتبر بالايام اجماعا مدة العنين. وفي التتارخانية: امرأة بلغت فرأت يوما دما ثم انقطع عنها الدم حتى مضت سنة ثم طلقها زوجها فعدتها بالاشهر ا ه‍. وخرج بقوله إن لم تحض الشابة الممتد طهرها فلا تعتد بالاشهر وصورتها: إذا رأت ثلاثة أيام وانقطع ومضى سنة أو أكثر ثم طلقت فعدتها بالحيض إلى أن تبلغ إلى حد الاياس وهو خمس وخمسون سنة في المختار، كذا في البزازية. ومن الغريب ما في البزازية قال العلامة والفتوى في زماننا على قول مالك في عدة الآيسة ا ه‍. ولو قضى قاض بانقضاء عدة الممتد طهرها بعد مضي تسعة

[ 221 ]

أشهر نفذ كما في جامع الفصولين. ونقل في المجمع أن مالكا يقول: إن عدتها تنقضي بمضي حول. وفي شرح المنظومة أن عدة الممتد طهرها تنقضي بتسعة أشهر كما في الذخيرة معزيا إلى حيض منهاج الشريعة ونقل مثله عن ابن عمر قال: وهذه المسألة يجب حفظها لانها كثيرة الوقوع. وذكر الزاهدي وقد كان بعض أصحابنا يفتون بقول مالك في هذه المسألة للضرورة خصوصا الامام والدي ا ه‍. قلت: لكنه مخالف لجميع الروايات لا يفتى به نعم لو قضى مالكي به نفذ. وفي فتح القدير: ثم أكثر المشايخ لا يطلقون لفظ الوجوب على هذه الصغيرة لانها غير مخاطبة بل يقولون تعتد. وفي المبسوط قال بعض علمائنا: هي لا تخاطب بالاعتداد لكن الولي يخاطب بأن لا يزوجها حتى تنقضي مدة العدة مع أن العدة مجرد مضي المدة فثبوتها في حقها لا يؤدي إلى توجيه خطاب الشرع عليها، ولا يخفى أن القائل الاول قوله مبني على أنه يراها الحرمات أو التربص الواجب، فإن قلت على تقدير كونها مضي المدة أليس أن فيها يجب أن لا تتزوج فلا بد أن يتعلق خطاب نهي التزوج بالولي فجعلها المدة كما قال شمس الائمة لا يستلزم انتفاء قول الاول ويخاطب الولي بأن لا يزوجها، فالجواب لا يلزم فإنا إذا قلنا إنها المدة فالثابت فيها عدم صحة التزوج لا خطاب أحد بل وضع الشارع عدم الصحة لو فعل ا ه‍. والحاصل أن الصغيرة أهل لخطاب الوضع وهذا منه كما خوطب الصغيرة والصغيرة بضمان المتلفات، ولو حاضت الصغيرة في الاشهر الثلاثة تستأنف العدة بالحيض، ولو حاضت الكبيرة حيضة ثم أيست استأنفت بالشهور تحرزا عن الجمع بين الاصل والخلف، وقد فسر القاضي قوله تعالى إن ارتبتم شككتم وجهلتم ا ه‍. وإذا كان هذا مع الارتياب ففي غيره بالاولى، كذا في غاية البيان. وفي الفخر الرازي: إن ارتبتم في دم البالغات مبلغ الاياس أهو دم حيض أو استحاضة. وروي أن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: يا رسول الله قد عرفنا عدة التي تحيض فما عدة التي لم تحض؟ فنزلت * (واللائي يئسن) * [ الطلاق: 4 ] فقام رجل فقال: ما عدة الصغيرة فنزل * (واللائي لم يحضن) * [ الطلاق: 4 ] أي هي بمنزلة الكبيرة

[ 222 ]

فقام آخر فقال: ما عدة الحوامل فنزل * (وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن) * [ الطلاق: 4 ] ا ه‍ وذكر في الدر المنثور للاسيوطي أن السائل عن المسائل الثلاث أعني عن الكبرى والصغرى والحامل أبي بن كعب رضي الله عنه. وأخرج عن مجاهد في قوله تعالى * (إن ارتبتم) * إن لم تعلموا الحيض أم لا. فإن قلت: لم لم يكتف بقوله * (واللائي لم يحضن) * عما قبلها؟ قلت الآيسة يصدق عليها أنها حاضت فلم تدخل تحت قوله * (واللائي لم يحضن) * لان المعنى لا حيض لهن أصلا إما للصغر أو بلغت ولم تحض فلذا أفردها. قوله: (وللموت أربعة أشهر وعشر) أي عدة المتوفى عنها زوجها بعد نكاح صحيح إذا كانت حرة أربعة أشهر وعشرة أيام لقوله تعالى * (والذي يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا) * [ البقرة: 432 ] أي عشرة أيام بناء على أنه إذا ذكر عدد الايام أو الليالي فإنه يدخل ما بإزائه من الآخر، وبه اندفع قول الاوزاعي إن العدة أربعة أشهر وعشر ليال أخذا من تذكير العدد أعني العشر في الكتاب كما سمعت، وفي السنة في حديث لا حداد إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرا. والحاصل أن الاوزاعي يقول بتسعة أيام وعشر ليال حتى لو تزوجت في اليوم العاشر جاز، هكذا فرعه في معراج الدراية على قول الاوزاعي وتبعه في فتح القدير لكن في فتاوى قاضيخان حكي عن الفضلي كقول الاوزاعي فقال: وحكي عن الشيخ الامام أبي بكر محمد بن الفضل أنه قال: تعتد أربعة أشهر وعشر ليال لان الله تعالى ذكر العشر مذكرا وجمع الليالي بذكر لفظ التذكير وجمع الايام بلفظ التأنيث فعلى قوله تزيد العدة بليلة واحدة وهذا أقرب إلى الاحتياط ا ه‍. فظاهره أن من اعتبر الليالي إنما زاد لا أنه نقص فإذا تزوجت في اليوم العاشر لم يجز اتفاقا، وإنما يظهر الاختلاف

[ 223 ]

فيما إذا مات قبل طلوع الفجر وتربصت الاهلة الاربعة فإن عدتها لا تنقضي بمضي اليوم العاشر من الخامس بل لا بد من مضي الليلة التي بعد العاشر على قول الفضلي والاوزاعي، وعلى قول العامة تنقضي بغروب الشمس، ولا يخفى أن الاول أحوط. وفي المجتبى أن العشر عشرة أيام وعشر ليال من الشهر الخامس عندنا. وقال ابن عمر: عشر ليال وتسعة أيام ا ه‍. وأكثر أهل العربية أن العدد إنما يكون عكس المعدود تذكيرا وتأنيثا حيث كان المعدود مذكورا، وأما إذا كان محذوفا فإنه يجوز ترك التاء في العدد الذي معدوده مذكر كقوله عليه السلام من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال كذا في بعض شروح الالفية وذكره الكرماني في شرح حديث بني الاسلام على خمس. والنكتة في عدم الاتيان بالتاء ما ذكره الرازي أن هذه أيام الحزن والمكروه ومثل هذه الايام تسمى بالليالي استعارة كقولهم خرجنا ليالي الفتنة وتمامه فيه. وفي المحيط: إذا اتفق عدة الطلاق والموت في غرة الشهر اعتبرت الشهور بالاهلة، وإن انقصت عن العدد، وإن اتفق في وسط الشهر فعند الامام تعتبر بالايام فتعتد في الطلاق بتسعين يوما، وفي الوفاة بمائة وثلاثين يوما. وعندهما يكمل الاول من الاخير وما بينهما بالاهلة ومدة الايلاء. واليمين أن لا يكلم فلانا أربعة أشهر والاجارة سنة في وسط الشهر وسن الرجل متى ولد في أثنائه، وصوم الكفارة إذا شرع فيه من وسط الشهر على هذا الاختلاف ا ه‍. وقدمنا عن المجتبى تأجيل العنين إذا كان في أثناء الشهر فإنه يعتبر بالايام إجماعا، ويستثنى أيضا من الخلاف لو طلق الحامل في وسط الشهر فإنه يفصل بين كل طلاقين بثلاثين يوما فإذا طلقها الثالثة فقد بانت منه بثلاث وبقي من عدتها ثلاثون يوما وهو

[ 224 ]

قول الكل وهو الصحيح لان عندهما تعذر اعتبار الاهلة في جميع العدة لانا لو اعتبرنا الشهر الثاني والثالث بالهلال في حق انقضاء العدة فربما ينقصان يومين، فمتى اعتبرنا الفاصل بين الطلاقين ثلاثين يوما يبقى بعد الطلقة الثالثة ثمانية وعشرون يوما وذلك أقل من شهر ولا يجوز انقضاء العدة به، كذا في المحيط وفي الصغرى واعتبار العدة بالايام اجماعا إنما الخلاف في الاجازة ا ه‍. ونقله عنها في التتارخانية. وفي التتارخانية: امرأة الغائب إذا أخبرها رجل بموت زوجها وأخبرها رجلان بحياته فإن كان الذي أخبر بموته شهد أنه عاين موته أو جنازته وكان عدلا وسعها أن تعتد وتتزوج، هذا إذا لم يؤرخا، فإن أرخا وتاريخ شهود الحياة متأخر فشهادتهما أولى. وفي النسفية: سئل عن امرأة لها زوج غائب أخبرها رجل بموته فاعتدت وتزوجت ودخل بها فجاء آخر وأخبرها أنه حي في بلد كذا وأنا رأيته فهل يحل لها المقام مع الثاني؟ فقال: إن كانت صدقت المخبر الاول لا يمكنها أن تصدق المخبر الثاني ولا يبطل النكاح الثاني ولهما أن يقرا على ذلك النكاح. وفي شهادات البزازية: قال رجل لامرأة سمعت أن زوجك مات لها أن تتزوج إن كان المخبر عدلا، فإن تزوجت بآخر وأخبرها جماعة بأنه حي إن صدقت الاول صح النكاح، كذا في فتاوى النسفي. وفي المنتقى: شرط عدالة المخبر ولا يشترط تصديقها. وفي النوازل: لو عدلا لكن أعمى أو محدودا في قذف جاز، ولو شهد عندها عدل أن زوجها ارتد هل لها أن تتزوج؟ فيه روايتان: في رواية لسبر لا يجوز وفي الاستحسان يجوز. وأطلق في عدة الحرة للموت فشمل المسلمة والكتابية تحت المسلم صغيرة كانت أو كبيرة أو آيسة، سواء كان زوجها حرا أو عبدا، قبل الدخول أو بعده، ولم يخرج عنها إلا الحامل فإنها تعتد بالوضع في الوفاة أيضا ولذا أخر عدة الحامل عن المتوفى عنها زوجها للاشارة إلى أنها باقية على عمومها كما سترى. وفي البدائع أن سببها الموت وشرط وجوبها النكاح الصحيح فلا تجب في النكاح الفاسد ا ه‍. وسيأتي أن مبدأها من وقت الوفاة لا من وقت العلم بها ولا بد من بقاء النكاح صحيحا إلى الموت فلو فسد قبله لم تجب عدة الوفاة ولهذا قدمنا أن المكاتب لو اشترى زوجته ثم مات عن وفاء لم تجب عدة الوفاء فإن لم يدخل بها فلا عدة أصلا، وإن دخل بها فولدت منه صارت أم ولد له فعدتها ثلاث حيض، وإن لم تكن ولدت منه فعليها أن تعتد بحيضتين لفساد النكاح قبل الموت، وإن لم يترك وفاء تعتد بشهرين وخمسة أيام عدة الوفاء لانهما مملوكان للمولى كما في الخانية، ولكن ذكر في المحيط أنها إذا ولدت منه وقلنا عدتها ثلاث حيض تحد في الاولين دون الثالثة، ولو تزوج المكاتب بنت مولاه فإن مات عند وفاء فعدتها عدة الحرة

[ 225 ]

عن وفاة دخل بها أم لا وإلا لم تعتد للوفاة، فإن لم يدخل فلا عدة، وإن دخل بها تعتد بثلاث حيض. قوله: (وللامة قرآن ونصف المقدر) أي وعدة الامة حيضتان في الطلاق بعد الدخول إن كانت ممن تحيض وإلا فشهر ونصف في الطلاق وشهران وخمسة أيام في الوفاة. أطلقها فشمل القنة وأم الولد والمدبرة والمكاتبة والمستسعاة على قول الامام، سواء كانت معتقة البعض أو لا كالمعتقة في مرض الموت إذا كانت لا تخرج من الثلث، والمدبرة بعد موت مولاها في زمن السعاية فإن المستسعى كالمكاتب عنده وحر مديون عندهما، ولا بد من قيد الدخول في الامة إلا في المتوفى عنها زوجها. والحاصل أن الرق منصف نعمة وعقوبة لكن في الصلاة والصوم والطهارة هما سواء، وفي صوم الكفارات هما سواء، وفي أجل العنين هما سواء بخلاف إيلاء الامة فإنها على النصف كما قدمناه، وفي الحدود على النصف، وفي النكاح على النصف، وفي الطلاق على النصف واعتباره بالمرأة، وفي القصاص هما سواء بخلاف الاطراف فهو منصف إلا في العبادات وما فيه معنى العبادة والايلاء والقصاص. ودليل التنصيف في عدة الامة الحديث وعدتها حيضتان. وأورد عليه في الكافي أنه معارض بعموم القطعي وتخصيص العام ابتداء لا يجوز بخبر الواحد والقياس ولهذا قال أبو بكر الاصم بأن عدتها ثلاثة أقراء، وأجاب عنه بأنه من المشاهير تلقته الامة بالقبول أو لان الآية إنما هي في الحرائر بدليل السياق * (مما آتيتموهن) * [ البقرة: 922 ] * (حتى تنكح) * [ البقرة: 032 ] * (فيما افتدت به) * [ البقرة: 922 ]. وفي كافي الحاكم: توفي عن امرأة وهي مملوكة واعتدت بشهرين وخمسة أيام وأقرت بانقضاء عدتها ثم ولدت لاكثر من ستة أشهر من يوم الاقرار لم يلزم الزوج، وإن لم تقر لزمه الولد إلى سنتين، وفي الخانية: امرأة قالت في عدة الوفاة لست بحامل ثم قالت من الغد أنا حامل كان القول قولها، وإن قالت بعد أربعة أشهر وعشرة أيام لست بحامل ثم قالت أنا حامل لا يقبل قولها وسيأتي في آخر الباب.

[ 226 ]

قوله: (وللحامل وضعه) أي وعدة الحامل وضع الحمل لقوله تعالى * (وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن) * [ الطلاق: 4 ] أطلقها فشمل الحرة والامة المسلمة والكتابية مطلقة أو متاركة في النكاح الفاسد أو وطئ بشبهة والمتوفى عنها زوجها لاطلاق الآية. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: من شاء بأهلته إن سورة النساء القصرى نزلت بعد التي في البقرة يريد بالقصرى * (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) * [ الطلاق: 1 ] وبالطولي * (والذين يتوفون منكم) * [ البقرة: 432 ] الآية. والمباهلة الملاعنة. وفي رواية من شاء لاعنته وفي رواية حالفته وكانوا إذا اختلفوا في أمر يقولون لعنة الله على الكاذب منا. قالوا: وهي مشروعة في زماننا كما في غاية البيان وفتح القدير. وقال عمر رضي الله عنه: لو وضعت وزوجها على سريره لانقضت عدتها ويحل لها أن تتزوج. وعن علي وابن عباس رضي الله عنهم تعتد الحامل المتوفي عنها زوجها بأبعد الاجلين يعني لا بد من وضع الحمل ومضي أربعة أشهر وعشر، هذا معنى أبعد الاجلين: وفي التفسير الكبير للامام الرازي أن الشافعي لم يقل إن آية القصرى مخصصة لآية الطولى لوجهين: الاول أن كل واحدة من هاتين الآيتين أعم من الاخرى من وجه وأخص منها من وجه، فإن الحامل قد يتوفى عنها زوجها وقد لا يتوفى، والمتوفي عنها زوجها قد تكون حاملا وقد لا تكون فامتنع أن تكون إحداهما مخصصة للاخرى. الثاني أن قوله تعالى * (وأولات الاحمال أجلهن) * إنما ورد بعد ذكر المطلقات فربما كانت في المطلقة فلهذين السببين لم يعول الشافعي رحمه الله على القرآن وإنما عول على السنة وهو حديث سبيعة الاسلمية ا ه‍. وحاصل ما في التلويح إنهما متعارضان في حق الحامل والمتوفى عنها زوجها فعلى رأي على من عدم معرفة التاريخ يثبت حكم التعارض بقدر ما تعارضا فيه فرجعنا إلى السنة، وعلى رأي ابن مسعود القائل بتأخر القصرى كانت القصرى ناسخة للطولي فيما تعارضا فيه وهي الحامل المتوفى عنها زوجها فقط ا ه‍. ما في التلويح هنا. وليس معناه كما قلناه في زوجة الفار، وقد سها صاحب المعراج ففسر أبعد الاجلين المروي عن علي رضي الله عنه بأربعة أشهر وعشر فيها ثلاث حيض، ونقله عن فتاوى قاضيخان وإنما هذا في عدة امرأة الفار وأنه لا دخل للحيض في عدة الحامل أصلا ولهذا قال في المحيط: عن علي تعتد بأبعد الاجلين وهما الاشهر ووضع الحمل. وهكذا في فتح

[ 227 ]

القدير. وإنما قالا بذلك لعدم علمهما بالتاريخ فكان ذلك أحوط، وعامة الصحابة رضي الله عنهم لما علموا التاريخ قالوا بوضع الحمل لتأخر آيته. قال القاضي في تفسيره: وهو حكم يعم المطلقات والمتوفى عنهن أزواجهن والمحافظة على عمومه أولى من المحافظة على عموم قوله تعالى * (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا) * [ البقرة: 432 ] لان عموم أولات الاحمال بالذات وعموم أزواجا بالعرض والحكم يتعلل ها هنا بخلافه. ثم ولانه صح أن سبيعة بنت الحارث وضعت بعد وفاة زوجها بليال فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قد حللت فتزوجي. ولانه متأخر النزول فتقديمه تخصيص وتقديم الآخر بناء العام على الخاص والاول أرجح للوفاق عليه ا ه‍. وفي الدر المنثور عن ابن مسعود رضي عنه مرفوعا: نسخت سورة النساء القصرى كل عدة وأولات الاحمال أجل كل حامل مطلقة أو متوفى عنها زوجها أن تضع حملها. وأخرج عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنها نزلت بعد سبع سنين. ونقل عن أبي بن كعب وأبي سعيد الخدري رضي الله عنه وعمر وابنه وأبي هريرة وعائشة والمسور بن محزمة رضي الله

[ 228 ]

عنهم كقول ابن مسعود. ومعنى قول القاضي إن عموم أولات بالذات أن الموصول من صيغ العموم، ومعنى قوله إن عموم أزواجا بالعرض أن عمومه بدلي لا يصلح لتناول جميع الازواج في حال واحد، ومعنى قوله إن الحكم يتعلل هنا أن الحكم هنا معلل بوصف الحملية بخلاف ذلك، وقوله والاول أرجح أي التخصيص أولى من النسخ لانا إذا أخرنا آية الحمل عن آية الوفاة كانت مخصصة لآية الوفاة، وإذا قدمنا آية الحمل على آية الوفاة كانت رافعة لما في الخاص من الحكم وهو نسخ. وفي المعراج: حمل أهل العلم آية البقرة على الحوامل تخصيصا بآية القصرى والتخصيص أولى من دعوى النسخ ا ه‍. وفي البدائع: إن كان بين نزول الآيتين زمان يصلح للنسخ فينسخ الخاص المتقدم بالعام المتأخر كما هو مذهب مشايخنا بالعراق ولا يبنى العام على الخاص أو يعمل بالنص العام على عمومه ويتوقف في حق الاعتقاد كما هو مذهب مشايخ سمرقند ولا يبنى العام على الخاص ا ه‍. وذكر البقاعي في المناسبات: لما كان توحيد الحمل لا ينشأ عنه لبس وكان الجمع ربما أوهم أنها لا تحل واحدة منهما حتى تضع جمعا قال حملهن ا ه‍. وذكر الفخر الرازي أنه قرئ أحمالهن ثم قال أن يضعن حملهن ولم يقل أن يلدن لانه لو قاله لانقضت بولادة أحد الولدين ا ه‍. يعني وهو بعض الحمل فلا تنقضي حتى تضع جميع ما في البطن لان الحمل اسم لجميع ما في البطن ولهذا قال الاصوليون: لو قال إن كان حملك ذكرا فانت حرة فولت ذكرا وأنثى لا تعتق لانه اسم لجميع ما في البطن كقوله إن كان ما في بطنك ذكر. وفي البدائع: وشرط

[ 229 ]

وجوبها أن يكون الحمل من نكاح، صحيحا كان أو فاسدا، ولا تجب على الحامل من الزنا لان الزنا لا يوجب العدة إلا أنه إذا تزوج امرأة وهي حامل من الزنا جاز النكاح. وفي فتح القدير: لو تزوجت بعد الاشهر ثم جاءت بولد لاقل من ستة أشهر من المدة ظهر فساد النكاح وألحق بالميت ا ه‍. فعند أبي حنيفة ومحمد لا يجوز له أن يطأها ما لم تضع كيلا يكون ساقيا ماء زرع غيره فظهر أن الحامل من الزنا لا عدة عليها أصلا، وأما الموطوءة بشبهة فعدتها بالاقراء كما سيأتي إلا إذا كانت حاملا فعدتها بوضع الحمل كما في تزوج الحامل التي من الزنا ثم طلقها فولدت انقضت عدتها عندهما بالوضع. وفي البدائع: وقد تنقضي العدة بوضع الحمل من الزنا بأن تزوجت الحامل من الزنا ثم طلقها فولدت انقضت عدتها عندهما بالوضع. ولدت وفي بطنها آخر تنقضي العدة بوضع الآخر لان الحمل اسم لجميع ما في البطن، وإذا أسقطت سقطا استبان بعض خلقه انقضت به العدة لانه ولد، وإن لم يستبن بعض خلقه لم تنقض لان الحمل اسم لنطفة متغيرة بدليل أن الساقط إذا كان علقة أو مضغة لم تنقض به العدة لانها لم تتغير فلا يعرف كونها متغيرة بيقين إلا باستبانة بعض الخلق، كذا في المحيط. وفي التتارخانية قال: إذا ولدت ولدا فأنت طالق فولدت ولدا ثم ولدت لستة أشهر ثبت نسب الثاني أيضا وانقضت به العدة ولا يجب به العقر. وفي الكافي للحاكم: قال لها كلما ولدت ولدا فأنت طالق فولدت ولدين في بطن واحد طلقت بالاول وانقضت العدة بالآخر ولا يقع به طلاق، ولو ولدت ثلاثة في بطن وقعت طلقتان وانقضت العدة بالثالث، ولو كان بين الولدين ستة أشهر ولم تقر بانقضاء العدة طلقت ثلاثا وتعتد بالاقراء بعد الثالث ا ه‍. وفي الخانية: طلقها رجعيا فتزوجت في العدة ثم طلقها الثاني فجاءت بولد لاكثر من سنتين من طلاق الاول ولستة أشهر من طلاق الثاني فإن الولد للثاني، ولو تزوجت المنعي إليها زوجها ثم ولدت أولادا ثم جاء الزوج الاول حيا كان الامام أبو حنيفة يقول: الاولاد للاول ثم رجع عنه وقال للثاني وعليه الفتوى. ا ه‍ منتفي. قال محمد في نوادر ابن رستم: لو خرج من قبل الرأس نصف البدن غير الرأس أو خرج من قبل الرجلين نصف البدن غير الرجلين انقضت به العدة وفسر فقال: النصف من البدن هو من أليتيه إلى منكبيه ولا يعتد بالرأس ولا بالرجلين. وقال في الهارونيات: لو خرج أكثر الولد لم تصح الرجعة وحلت للازواج. وقال مشايخنا: لا تحل للازواج أيضا لانه قام مقام الكل في حق انقطاع الرجعة

[ 230 ]

احتياطا ولا يقوم مقامه في حق حلها للازواج احتياطا. وفي نوادر ابن سماعة: لو جاءت المبانة المدخولة بولد فخرج رأسه لاقل من سنتين وخرج الباقي لاكثر من سنتين لم يلزمه حتى يخرج الرأس ونصف البدن لاقل من سنتين ويخرج الباقي لاكثر من سنتين أو يخرج من قبل الرجلين الاكثر من البدن لاقل من سنتين ويخرج ما بقي لاكثره، ولو خرج الرأس فقتله إنسان وجبت الدية ولا يجب القصاص، وكذلك في أذنيه، ولو قطع الرجلين قبل الرأس وجبت الدية. وفي نوادر ابن هشام: قال لجاريته أنت حرة وقد خرج رأس الولد مع نصف البدن لا تعتق حتى يخرج النصف سوى الرأس. ا ه‍. ما في المحيط. والحاصل أن خروج الاكثر كالكل في جميع الاحكام إلا في حلها للازواج على قول المشايخ، وخروج الرأس فقط أو مع الاقل لا اعتبار به فلا تنقضي به العدة ولا يثبت نسب من المبانة إذا كان لاقل من سنتين والباقي للاكثر، ولا قصاص بقطعهما ودليل مسألة العتق في المحيط محرفة من الكاتب. وحاصلها أن الحمل يتبع الام في العتق فإذا أعتقت بعد خروج بعضه، فإن خرج الاكثر أو النصف لا يتبعها، وإن خرج الاقل يتبعها. وفي المحيط أيضا: تزوج بامرأة فجاء بسقط بعد أربعة أشهر إلا يوما لم يجز النكاح إن كان قد استبان خلقه لانه لا يستبين خلقه إلا في مائة وعشرين يوما أربعين يوما نطفة وأربعين علقة وأربعين مضغة ثم ينفخ فيه الروح، وإن سقط لاربعة أشهر تامة فهو من الزوج والعمل على مائة وعشرين يوما، وإن تزوجها في عشر من الشهر فخمسة أشهر بالاهلة وعشرين يوما من السادس في لزوم الولد ا ه‍. وفي الخانية: المتوفي عنها زوجها إذا ولدت لاكثر من سنتين من وقت الموت يحكم بانقضاء عدتها قبل الولادة بستة أشهر وزيادة فتجعل كأنها تزوجت بزوج آخر بعد انقضاء عدتها وحبلت من الثاني ا ه‍. والحاصل أن السقط الذي استبان بعض خلقه يعتبر فيه أربعة أشهر وتام الخلق ستة أشهر، كذا في المجتبى. وفي التتارخانية: المعتدة عن وطئ بشبهة إذا حبلت في العدة ثم وضعت انقضت عدتها. وفي البزازية: لو قالت المعتدة ولدت لا يقبل قولها بلا بينة فإن طلب يمينها بالله لقد أسقطت سقطا مستبين الخلق حلفت اتفاقا ا ه‍. قوله: (وزوجة الفار أبعد الاجلين) أي وعدة المطلقة بائنا في مرض موته بغير رضاها عدة الوفاة وعدة الطلاق فالمراد بأبعد الاجلين مضي أربعة أشهر وعشر فيها ثلاث حيض حتى لو مضت هذه المدة ولم تحض ثلاثا كانت في العدة حتى تحيض ثلاثا، ولو حاضت ثلاثا قبل تمام هذه المدة لم تنقض حتى تتم كما ذكره في الخانية والعناية. واعترضه في فتح القدير بأنه مقصر لانه لا يصدق إلا إذا كانت الاربعة الاشهر وعشرا بعد من الثلاث حيض وحقيقة

[ 231 ]

الحال أنها لا بد أن تتربص الاجلين ا ه‍. وجوابه أنه لا بأس بعد التصريح بالمراد فلا تقصير. وفي المجتبى يعني بأبعد الاجلين عدة الوفاة إن كانت أطول وعدة الطلاق إن كانت أطول. قلت: ويعتبر الحيض من وقت الطلاق لا الوفاة ا ه‍. فعلى هذا قول من فسره بالاربعة الاشهر والعشر فيها ثلاث حيض مشكل لانه يقتضي أنه لا بد أن تكون الحيض كلها في عدة الوفاة، وعلى ما في المجتبى لو حاضت حيضتين قبل وفاته ولم تحض بعد وفاته إلا واحدة ومضت عدة الوفاة كفي بخلاف ما في الخانية. قيدنا بكونه بائنا لانه لو طلقها رجعيا فعدتها عدة الوفاة، سواء طلقها في الصحة أو في المرض بطريق انتقال عدة الطلاق إلى عدة الوفاة وترث منه. وقيدنا بكونه في مرض موته لانه لو طلقها بائنا في صحته لم تنتقل ولا ترث، وما ذكره المصنف قولهما. وقال أبو يوسف: عدتها ثلاث حيض لان النكاح قد انقطع قبل الموت بالطلاق ولزمها ثلاث حيض، وإنما تجب عدة الوفاة إذا زال النكاح بالوفاة إلا أنه بقي في حق الارث لا في حق تغيير العدة بخلاف الرجعي لان النكاح باق من كل وجه. ولهما أنه لما بقي في حق الارث يجعل باقيا في حق العدة احتياطا فيجمع بينهما، كذا في الهداية. وأورد على قولهما لو ارتد زوج المسلمة فمات أو قتل على ردته ترثه زوجته المسلمة وعدتها بالحيض فقد بقي في حق الارث ولم يبق في حق العدة فكذا في زوجة الفار. والجواب منع حكم المسلمة بل يلزمها عدة الوفاة على ما أشار إليه الكرخي فهو على الاختلاف، وقيل عدتها بالحيض إجماعا لان النكاح ما اعتبر باقيا إلى وقت الموت في حق الارث لان المسلمة لا ترث الكافر فيستند استحقاقه إلى وقت الردة. وقد استفيد بما ذكرناه أن وضع المسألة فيما إذا لم تحض ثلاثا قبل موته، أما إذا حاضت ثلاثا قبل موته فقد انقضت عدتها ولم تدخل تحت

[ 232 ]

المسألة لانه لا ميراث لها إلا إذا مات قبل انقضاء العدة، وقد أشكل ذلك على بعض حنفية العصر لعدم التأمل. وفي فتح القدير: وهذا الحكم ثابت في صور: إحداها هذه. والثانية إذا قال لزوجتيه أو زوجاته إحداكن طالق بائن ومات قبل البيان فعلى كل واحدة الاعتداد بأبعد الاجلين، ولو بين في إحداهما كان ابتداء العدة من وقت البيان. والثالثة إذا مات زوجها وسيدها ولم يدر أيهما مات أولا وعلم أن بينهما شهرين وخمسة أيام فصاعدا ا ه‍. ولا بد من تقييد المسألة الاولى بأن يكون قد دخل بهما فلو لم يدخل بهما اعتدتا بعدة الوفاة فقط، ولو دخل بإحداهما دون الاخرى ينبغي أن تعتد المدخولة بأبعد الاجلين وغيرها بعدة الوفاة، ولا بد من كونهما من ذوات الاقراء لانهما لو كانتا لا تحيض فعدة الوفاة، وإن كانت إحداهما تحيض والاخرى لا فعلى التي تحيض أبعد الاجلين والاخرى عدة الوفاة، هذا ما فهمته ولم أره صريحا. والحاصل أن المرأة لا تعتد بأبعد الاجلين إلا في ثلاث مسائل، وينبغي أن يزاد رابعة على قول محمد ذمي أسلم وتحته أختان أو أكثر من أربع أو أم وبنتها ومات بلا بيان فإن محمدا يخيره، وهما أبطلا نكاح الكل حيث لم يعلم الآخر كما في المجمع ولم أر من نبه عليه. قوله: (ومن عتقت في عدة الرجعي لا البائن والموت كالحرة) أي وعدة الامة إذا أعتقت وهي معتدة عن طلاق رجعي كعدة الحرة في الابتداء فتتغير عدتها إلى عدة الوفاة، فإن كانت من ذوات الاقراء صارت عدتها ثلاثة حيض وإلا فثلاثة أشهر بخلاف ما إذا كانت معتدة عن بائن أو وفاة فإن عدتها لا تتغير لبقاء النكاح في الرجعي من كل وجه وزواله في البائن والموت. قيد بالعدة لان الامة لو آلى منها ثم أعتقت انتقل مدة إيلائها إلى مدة الحرائر لان البينونة ليست من أحكام الايلاء في الابتداء لانها لا تثبت إلا بعد المدة فكانت الزوجية قائمة للحال فأشبه الطلاق الرجعي. وفي فتح القدير: وقد صور الانتقال إلى جميع كميات العدة البيسطة وهي أربعة: صورتها أمة صغيرة منكوحة طلقت رجعيا فعدتها شهر ونصف

[ 233 ]

فلو حاضت في أثنائها انتقلت إلى حيضتين، فلو أعتقت قبل مضيهما صارت ثلاث حيض، فلو مات زوجها انتقلت إلى أربعة أشهر وعشر ا ه‍ وفيه نظر، لان هذه الصورة لم يجتمع فيها جميع كميات العدة أي عددها البسيطة لان عدة الآيسة من جملة كميات العدة البسيطة ولم يذكرها ولذا قال في الخانية: وقد يجب على المرأة أربع عدد ولو ذكر كذلك لسلم. وحاصل مسائل انتقال العدة مسائل: الاولى صغيرة اعتدت فبلغت في خلالها تستقبل بالحيض، مبتوتة كانت أو رجعية. الثانية آيسة حاضت في أثناء الشهور أو حبلت تستقبل بالحيض أو بالوضع. الثالثة اعتدت بحيضة أو حيضتين ثم ارتفع حيضها لا تخرج من العدة ما لم تيأس فإذا أيست استقبلتها بالاشهر. الرابعة آيسة اعتدت بالاشهر ثم حاضت وستأتي. الخامسة أعتقت الامة بعد الطلاق أو الموت وقد قدمناها. السادسة مات زوج الحرة المطلقة في عدتها وقد قدمناها في زوجة الفار. قوله: (ومن عاد دمها بعد الاشهر الحيض) أي وعدة من اعتدت بالاشهر لاياسها ثم رأت دم الحيض فينتقض ما مضى من عدتها وعليها أن تستأنف العدة بالحيض، ومعناه إذا رأت الدم على العادة لان عوده يبطل إياسها وهو الصحيح فظهر أنه لم يكن خلفا، وهذا لان شرط الخلفية تحقق اليأس وذلك باستدامة العجز إلى الممات كالفدية في حق الشيخ الفاني، كذا في الهداية. وظاهره فساد الانكحة المباشرة قبل رؤية الدم وعبده وهو لازم الانتقاض كما في فتح القدير. واختلفوا في معنى قوله إذا رأت الدم على العادة فقيل معناه إذا كان سائلا كثيرا احترازا عما إذا رأت بلة يسيرة، وقيل معناه ما ذكر وأن يكون أحمر أو أسود، فلو كان أصفر أو أخضر أو تربية لا يكون حيضا، وقيل معناه أن يكون على العادة الجارية حتى لو كان عادتها قبل الاياس أصفر فرأته كذلك انتقض. هكذا حكى الاقوال في فتح القدير من غير ترجيح، وصرح في المعراج بأن الفتوى على القول الاول. وشمل إطلاق المصنف كالهداية ما إذا رأت قبل الحكم بإياسها أو بعده وهذا الاطلاق بجملته مختار صاحب الهداية وهو أحد الاقوال. وحاصله ينتقض مطلقا، وسواء كان بعد الشهور أو في أثنائها، ولكن عبارة المصنف فيما إذا كان بعد الاشهر. الثاني لا ينتقض مطلقا واختاره الاسبيجابي. الثالث ينتقض إن رأته قبل تمام الاشهر وإن كان بعدها فلا وبه أفتى الصدر الشهيد، وفي المجتبي وهو الصحيح المختار للفتوى. الرابع تنتقض على رواية عدم التقدير للاياس التي هي ظاهر الرواية فإنما ثبت الامر على ظنها فلم حاضت تبين خطؤها، ولا ينتقض على رواية

[ 234 ]

التقدير له واختاره في الايضاح، واقتصر عليه في الخانية، وجزم به القدوري والجصاص ونصره في البدائع. الخامس تنتقض إن لم يكن حكم بإياسها وإن حكم به فلان كان يدعي أحدهما فساد النكاح فيقضي بصحته وهو قول محمد بن مقاتل وصححه في الاختيار. السادس تنتقض في المستقبل فلا تعتد إلا بالحيض للطلاق بعده لا للماضي فلا تفسد الانكحة المباشرة بعد الاعتداد بالاشهر. وصححه في النوازل فقد تحرر أن فيها ستة أقوال مصححة فيجب النظر فيما ثبت عن صاحب المذهب الامام الاعظم رضي الله عنه. وقد صرح الاقطع وتبعه في غاية البيان بأن ظاهر الرواية القول بالانتقاض مطلقا وهو مختار صاحب الهداية فتعين المصير إليه ولكنه مبني على اشتراط تحقق اليأس في خلفية الاشهر بالنص وإن تحقق اليأس لا يكون إلا باستدامة الانقطاع إلى الممات. وضعفه في فتح القدير بمنع قوله وذلك باستدامة العجز إلى الممات إلى آخره بناء على أن اليأس حقيقة اعتقاد عدم الوقوع أبدا لا العلم بعدم وجوده. وفي القاموس: اليأس القنوط وهو ضد الرجاء وقطع الامل ا ه‍. ويمكن أن يقال إن في المسألة ثمانية أقوال: الخمسة الاخيرة والثلاثة المذكورة في تفسير قول صاحب الهداية إن رأت الدم على العادة. ثم اعلم أنه لا تقدير لسن الاياس في ظاهر الرواية. وإياسها على هذا أن تبلغ من السن ما لا يحيض فيه مثلها وذلك يعرف بالاجتهاد والمماثلة في تركيب البدن والسمن والهزال، وفي رواية فيه تقدير. قال الصدر الشهيد: المختار خمس وخمسون سنة وعليه أكثر المشايخ، وفي المنافع وعليه الفتوى، كذا في المعراج. ثم قال بعده قال ابن مقاتل: حده خمسون سنة وهو مروي عن عائشة رضي الله عنها وعليه الفتوى. وقيل ستون، وقيل لا تلد لستين إلا قرشية. وقال الصفار: سبعون سنة. وقدر محمد في الروميات خمسا وخمسين سنة، وفي غيرهن ستين وعنه سبعين وفي الخانية: لا فرق بين الرومية وغيرها وهو خمس وخمسون سنة وعليه الفتوى. وفي الاختيار: المرأة إذا لم تحض أبدا حتى بلغت مبلغا لا يحيض فيه أمثالها غالبا حكم بإياسها. وذكر في الجامع الصغير إذا بلغت ثلاثين سنة ولم تحض حكم بإياسها. وفي القنية: طلق المدخول بها وعمرها خمس وخمسون سنة ثم مضى عليها أربعة أشهر لا تحيض ليس له أن يتزوج بنت أخيها حتى تنقضي مدة الحبل ثم ثلاثة أشهر للاحتياط ا ه‍.

[ 235 ]

قوله: (والمنكوحة نكاحا فاسدا والموطوءة بشبهة وأم الولد الحيض للموت وغيره) أي عدة هؤلاء ثلاث حيض في الحرة التي تحيض، وحيضتان في الامة، ووضع الحمل إن كانت حاملا، والاشهر إن كانت آيسة، وتركه لظهوره وفهمه مما قدمه، ولو صرح به لكان أولى. وإنما كان كذلك لانها وجبت لتعرف براءة الرحم لا لقضاء حق النكاح إذ لا نكاح صحيح. والحيض هو المعرف وإنما لم يكتف بحيضة كالاستبراء لان الفاسد ملحق بالصحيح، وعدة الوفاة إنما وجبت لاظهار الحزن على فوات زوج عاشرها إلى الموت ولا زوجية. وشمل قوله وغيره الفرقة في النكاح الفاسد وهي إما بتفريق القاضي أو بالمتاركة، وابتداؤها من وقت الفرقة، وفي الموت من وقت الموت. ودخل تحت النكاح الفاسد النكاح بغير شهود ونكاح المحارم مع العلم بعدم الحل عند الامام خلافا لهما وقد مرت المسألة في كتاب النكاح. ومثال الموطوءة بشبهة أن تزف إليه غر امرأته والموجودة ليلا على فراشه إذا دعاها فأجابته. وفي كتب الشافعية إذا أدخلت منيا فرجها ظنته مني زوج أو سد وجبت العدة عليها كالموطوءة بشبهة ولم أره لاصحابنا والقواعد لا تأباه لان وجوبها لتعرف براءة الرحم كما سيأتي في الحدود، ووجوبها بسبب أن الشبهة تقام مقام الحقيقة في موضع الاحتياط وإيجاب العدة من باب الاحتياط ولا حداد عليها في هذه العدة لما سيأتي. وللموطوءة بشبهة أن تقيم مع زوجها الاول ونفقتها وسكناها على زوجها الاول لان النكاح بينهما قائم إنما حرم الوطئ، وليس لها أن تخرج إلا بإذن زوجها الاول فإن أذن لها فلها أن تخرج وإن لم تنقض عدتها ذكره القاضي الاسبيجابي. ومراده إذا لم تكن راضية بالوطئ، أما إذا كانت راضية عالمة فلا نفقة لها ولهذا قال في الخانية: المنكوحة إذا تزوجت رجلا ودخل بها الثاني ثم فرق بينهما لا يجب على الزوج الاول نفقتها ما دامت في العدة لانها لما وجبت العدة عليها صارت ناشزة اه‍. وقيد الوطئ بشبهة لانه لو تزوج امرأة الغير عالما بذلك ودخل بها لا تجب العدة عليها حتى لا يحرم على الزوج وطؤها وبه يفتى لانه زنا والمزني بها لا تحرم على زوجها. وفي شرح المنظومة: إذا زنت المرأة لا يقربها زوجها حتى تحيض لاحتمال علوقها من الزنا فلا يسقي ماء زرع غيره اه‍. ويجب حفظه لغرابته بخلاف ما إذا لم يعلم كما في الذخيرة والخانية. وفي فتح القدير أول الباب فرع: تنقضي عدة الطلاق البائن والثلاث بالوطئ المحرم بأن وطئها وهي معتدة عالما بجرمتها بخلاف ما لو ادعى الشبهة أو كان منكرا طلاقها فإنها تستقبل العدة اه‍. والباء في قوله بالوطئ المحرم بمعنى مع أي مع الوطئ المحرم كقولك اشتريت

[ 236 ]

الفرس بسرجه. هذا هو المراد وليس الوطئ المحرم سببا لانقضاء ولا آلة له. وقيد بالنكاح الفاسد لان المنكوحة نكاحا موقوفا كنكاح الفضولي لا تجب فيه العدة قبل الاجازة لان النسب لا يثبت فيه لانه موقوف فلم ينعقد في حق حكمه فلا يؤثر شبهة الملك والحل والعدة وجبت صيانة للماء المحترم عن الخلط واحترازا عن اشتباه الانساب، كذا في الاختيار والمحيط وهو مشكل مخالف للرواية فقد نقل الزيلعي في النكاح الفاسد ما نصه: وذكر في كتاب الدعوى من الاصل إذا تزوجت الامة بغير إذن مولاها ودخل بها الزوج وولدت لستة أشهر منذ تزوجها فادعاه المولى والزوج فهو ابن الزوج. فقد اعتبره من وقت النكاح لا من وقت الدخول ولم يحك خلافا. قال الحلواني: هذه المسألة دليل على أن الفراش ينعقد بنفس العقد في النكاح الفاسد خلافا لما يقوله البعض إنه لا ينعقد إلا بالدخول اه‍. فهو صريح في ثبوت النسب فيه ويتبعه وجوب العدة فكان ما في المحيط والاختيار سهوا. وفي الخانية: أم ولد تزوجت بغير إذن المولى فولدت لستة أشهر فصاعدا من وقت النكاح فادعاه المولى والزوج فإن الولد يكون للزوج في قولهم جميعا اه‍. وأما عدة أم الولد فلانها وجبت بزوال الفراش فأشبه عدة النكاح، وفراش أم الولد وإن كان أضعف من فراش المنكوحة إلا أنهما يشتركان في أصل الفراش والمحل محل الاحتياط فالحق القاصر بالكامل احتياطا. وفي كافي الحاكم: لو أعتق أم ولده لا نفقة لها في عدته وإمامنا فيه عمر رضي الله عنه فإنه قال: عدة أم الولد ثلاث حيض. ودخل تحت قوله وغيره عتقها وهو مقيد بأن تكون من ذوات الحيض، فإن كانت من ذوات الاشهر ومات مولاها أو أعتقها فعدتها ثلاثة أشهر كما ذكرناه، وإن كانت حاملا فوضع الحمل كما في الخانية، وبأن لا تكون منكوحة ولا معتدة لزوج، فإن كانت لا عدة عليها من المولى إجماعا لانه لا فراش لها من المولى ووجوب العدة بزواله. والتحقيق أن يقال: الشرط في وجوب عدة المولى أن لا تحرم عليه بسبب من الاسباب وأسباب الحرمة عليه ثلاثة: نكاح الغير وعدته والثالث تقبيل ابن المولى. فلا عدة عليها بموت المولى أو إعتاقه بعد تقبيل ابنه كما في الخانية قال: ولذا لو أتت بولد بعد حرمتها لستة أشهر لا يثبت نسبه ما لم يدعه اه‍. فلو طلقها بعد الاعتاق عليها عدة الحرائر وبانقضاء عدة النكاح تعود عدة المولى ثلاث حيض، ولو مات المولى والزوج ولا يدري الاول فهي على ثلاثة أوجه: الاول أن يعلم أن بين موتهما أقل من شهرين وخمسة أيام فعليها أن تعتد بأربعة أشهر وعشر لان المولى إن كان مات أولا ثم مات الزوج وهي حرة فلا يجب بموت المولى شئ وتعتد للوفاة عدة الحرة، وإن كان الزوج مات أولا وهي أمة لزمها شهران وخمسة أيام ولا يلزمها بموت المولى شئ لانها معتدة الزوج، ففي حال يلزمها أربعة أشهر وعشر، وفي حال نصفها فلزمها الاكثر احتياطا، ولا تنتقل عدتها على الاحتمال. الثاني لما قدمنا أنها لا تنتقل في الموت الثاني أن يعلم أن بين موتيهما شهرين

[ 237 ]

وخمسة أيام فعليها أن تعتد بأربعة أشهر وعشر فيها ثلاث حيض احتياطا لان المولى إن كان مات أولا لم تلزمها عدته لانها منكوحة وبعد موت الزوج يلزمها أربعة أشهر وعشر لانها حرة، وإن مات الزوج أولا لزمها شهران وخمسة أيام وقد انقضت عدتها منه لانها مصورة أن بينهما هذه أو أكثر، فموت المولى بعده يوجب عليها ثلاث حيض فتجمع بينهما احتياطا. الثالث أن لا يعلم كم بين موتيهما ولا الاول منهما فكالاول عنده، وكالثاني عندهما، كذا في المعراج وغيره. وقيد بأم الولد لان المديرة والامة إذا أعتقت أو مات سيدها لا عدة عليهما بالاجماع كما ذكره الاسبيجابي. وفي فروق الكرابيسي: المعتدة في عدة الزوج تغسل زوجها ولا تغسل مولاها في عدته إذا كانت أم ولد لانها ليست عدة النكاح بل هي استبراء اه‍. ومما يتعلق بأم الولد حكاية لطيفة ذكرها في المعراج لما أخرج شمس الائمة من السجن زوج السلطان أمهات الاولاد من خدامه الاحرار فسأل العلماء عن هذه فقالوا: نعم ما فعلت فقال شمس الائمة له: أخطأت لان تحت كل خادم حرة وهذا تزوج الامة على الحرة فقال السلطان: اعتقهن وأجدد العقد. فسأل العلماء فقالوا: نعم ما فعلت. فقال شمس الائمة له: أخطأت لان العدة تجب عليهن بعد الاعتاق فكان تزويج المعتدة من الغير، فأنسى الله تعالى العلماء الجواب في هاتين المسألتين ليظهر فضل شمس الائمة اه‍. ولكن حكاها محب الدين بن الشحنة فيما كتبه على الهداية على غير هذا لوجه وهو أنه لما خطأه في الثانية أغراه عليه القاضي فحبسه وأن هذا كان سبب حبسه. وأن القاضي حينئذ كان فخر الاسلام البزدوي، وأن طلبته وعلماء عصره لا ينقطعون عنه ولا يتركون الاشتغال عليه فمنعوا عنه كتبه فأملى المبسوط من حفظه. وقيل: كان سبب حبسه أن السلطان أراد أن يأخذ من الرعية مظلمة كبيرة ثم ترك بعضها فمدحه القاضي فأنكر عليه شمس الائمة فقال: لا يمدح إذا ترك جميعه فكيف بترك بعضه؟ فحبسه. وحكى شمس الائمة في المبسوط واقعة مناسبة للموطوءة بشبهة دالة على أفضلية الامام رضي الله تعالى عنه على علماء زمانه هي: رجل زوج ابنيه بنتين وعمل الوليمة وجمع العلماء وفيهم أبو حنيفة رضي الله عنه لكنه لم يكن حينئذ من المشهورين، ففي أثناء الليل سمعوا ولولة النساء فأخبروا انهن غلطن فأدخلت زوجة كل أخ على أخيه فسألوا العلماء فأجابوا بأن كل واحد يجتنبها حتى تنقضي عدتها فتعود إلى زوجها فعسر ذلك الجواب فقال الامام رضي الله عنه: يطلق كل زوجته ويعقد على موطوءته ويدخل عليها للحال لانه صاحب العدة بعد ما سأل كل واحد من الاخوين عن مراده فقال كل مرادي موطوءتي لا المعقود عليها فرجع العلماء إلى جوابه. ثم رأيت بعد ذلك أن أعود إلى شرح المسألة الخلافية في أم الولد إذا لم تعلم كم بين موتهما توضيحا للطلاب فقال في شرح المجمع وقالا: يجمع بين العدتين احتياطا لجواز أن يكون المولى مات أولا فعتقت ثم مات الزوج فوجب عليها عدة

[ 238 ]

الوفاة، وجواز أن يكون الزوج مات أولا وانقضت شهران وخمسة أيام ثم مات المولى فيجب ثلاث حيض. وهذا لان موت المولى سبب للاعتداد بثلاث حيض وقيام حق الزوج مانع وقد وقع الشك في بقاء المانع فوجب حكم السبب احتياطا لها كما لو تزوج بنتين في عقدة وثلاثا في عقدة وأربعا في عقدة ومات مجهلا فإن العدة تجب على الجميع لوجود السبب ووقوع الشك في المانع في حق التفريق وهو تقديم نكاح فريق آخر بخلاف ما إذا وقع الشك في السبب فإنه لا يحتاط لاثبات الحكم لتعذر ثبوت الحكم بدون السبب كما إذا قال إن لم أفعل كذا فأنت طالق ثم مات ولا يعلم وجد الشرط أم لا فإنها لا تعتد عدة الطلاق لوقوع الشك في السبب لانه ينعقد عند وجود الشرط ووجوده مشكوك فيه، وله أن الواقع ليس إلا للاحتمال إلا أن أحد الاحتمالين ثابت والاحتمال الآخر محتمل. بيان هذا أن موت الزوج بعد المولى يوجب الاعتداد بعدة الوفاة قطعا وهذا الاحتمال ثابت، واحتمال موت الزوج قبل موت المولى ليس بموجب الاعتداد بثلاث حيض قطعا لجواز أن يكون موت المولى بعد الزوج قبل انقضاء شهرين وخمسة أيام فلا يجب، وجواز أن يكون بعد انقضاء هذه المدة فتجب فيها فالاحتمال ثابت على أحد التقديرين دون الآخر فكان الاحتمال الثابت قطعا قائما مقام الحقيقة عملا بالاحتياط، ولا يقام احتمال وجوب العدة عن المولى لان شبهة الشبهة ساقطة الاعتبار بالاجماع بخلاف وجوب العدة على أولئك النساء لثبوت احتمال وجوب العدة عليهن لان نكاح كل فريق إما أن يكون متقدما أو لم يكن، فإن تقدم وجبت العدة قطعا وإلا لا تجب قطعا فيكون الاحتمال ثابتا فيلحق بالحقيقة اه‍. وقال في فتح القدير بعد الدليلين: ولا يخفى أنه مشترك الالزام. وفي الكافي للحاكم الشهيد: إن قولهما احتياط. وفي فتح القدير: إن الاحتياط إنما يكون بعد ظهور السبب لانه العمل بأقوى الدليلين. ثم قال في الكافي: ولا ميراث لها من زوجها لاني لم أعلم أنها كانت حرة يوم موته اه‍. وفيه: ولا فرق بين كون طلاقها رجعيا أو بائنا في الوجوه كلها. وفيه أيضا: لو مات عن أم ولده أو أعتقها فجاءت بولد ما بينها وبين سنتين لزمه، وإن جاءت به لاكثر من سنتين لم يلزمه إلا أن يدعيه فإن ادعاه لزمه اه‍. وفي الخانية: أم ولد أعتقها مولاها أو مات ولزمتها العدة ثم تزوجت في العدة فجاءت بولد لسنتين من حين مات المولى أو أعتق ولستة أشهر منذ تزوجت وادعياه معا كان للمولى في قولهم لمكان العدة التي كانت. قوله: (وزوجة الصغير الحامل عند موته وضعه والحامل بعده الشهور) أي عدتها وضع الحمل إذا أنت به لاقل من ستة أشهر من وقت موته، وعدتها الشهور إذا أنت به لستة أشهر فأكثر أي عدة الوفاة أربعة أشهر وعشر، والحامل صفة زوجة وهو نعت مخصوص بالاناث كحائض ولهذا لم يؤنث. وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، وأوجب أبو يوسف عدة الوفاة في الحالين لان الحمل ليس ثابت النسب منه فاستوى الموجود عند الموت والحادث بعده. ولهما

[ 239 ]

إطلاق قوله تعالى * (وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن) * [ الطلاق: 4 ] ولانها مقدرة بمدة وضع الحمل في أولات الاحمال، قصرت المدة أو طالت، لا للتعرف عن فراغ الرحم لشرعها بالاشهر مع وجود الاقراء لكن لقضاء حق النكاح، وهذا المعنى يتحقق في حق الصبي وإن لم يكن الحمل منه بخلاف الحمل الحادث لانه وجبت العدة بالشهور فلا يتغير بحدوث الحمل الحادث بعده وفيما نحن فيه كما وجبت وجبت مقدرة بمدة الحمل فافترقا، كذا في الهداية. واختلفوا في الموجود والحادث فالصحيح في تفسيرهما ما قدمناه من أن الحادث أن تأتي به بعد موته لستة أشهر من يوم الموت وهو قول عامة المشايخ. وقال بعضهم: أن تضعه لاكثر من سنتين والاول أصح، كذا في العناية معزيا إلى النهاية. وأما تفسير قيامه عند الموت أن تلده لاقل من ستة أشهر من وقت الموت، كذا في الفوائد الظهيرية. ولم أر صريحا حكم دخول الصبي في النكاح الصحيح والفاسد في وجوب العدة وقد صرحوا بفساد خلوته وبوجوب العدة بالخلوة الفاسدة الشاملة لخلوة الصبي، وإنما الكلام فيما إذا أولج فيها في مكان ليس بخلوة هل تجب به العدة لو بلغ وطلقها. ثم رأيت في شرح النكاح الفاسد من هذا الكتاب أني نقلت وجوب العدة عليها إذا وطئها الصبي بنكاح فاسد وفي وجوب المهر عليه بالوطئ تفصيل فليرجع إليه. فعلم به أن دخوله في الصحيح موجب للعدة عليها بالاولى وخلوته كدخوله فيها، فحاصله أن الزوج الصبي كالبالغ في الصحيح والفاسد وفي الوطئ بشبهة في الوفاة والطلاق والتفريق ووضع الحمل كما لا يخفى فليحفظ. ثم رأيت في القنية ما نصه: تجب العدة بدخول زوجها الصبي المراهق وفي آحاد الجرجاني في قول أبي حنيفة وأبي يوسف أن المهر والعدة واجبان بوطئ الصبي، وفي قول محمد تجب العدة دون المهر ثم قال: ولا خلاف بينهم لانهما أجابا في مراهق يتصور منه الاعلاق، ومحمد أجاب فيمن لا يتصور منه الاعلاق لان ذكره في حكم أصبعه. وفي نظم الزندوستي: زنت العاقلة البالغة بصبي أو مجنون لا حد عليهما وعليها العدة ولا مهر لها اه‍. ولهذا صور المسألة الحاكم الشهيد في الكافي فيما إذا كان رضيعا. قال في الهداية: ولا يلزم امرأة الكبير إذا حدث لها الحمل بعد الموت لان النسب يثبت منه فكان كالقائم عند الموت حكما اه‍. ومراده بقوله إذا حدث ظهوره بعد الموت فهو كالظاهر عنده تبعا لثبوت النسب منه ولذا قيدناه بأن تلده لاقل من سنتين، أما إذا ولدته لسنتين فأكثر من موته كانت عدتها بالشهور للتيقن بحدوثه عند الموت حقيقة وحكما لانه غير ثابت النسب وعند التأمل لا معنى للايراد المجاب عنه بما ذكر أصلا، كذا في فتح القدير. وفي المجتبى: حبلت المطلقة فعدتها بالوضع، وكذا لو تزوجت في عدة الوفاة وحبلت وعنه خلافه بخلاف عدة الطلاق. وفي الايضاح: حبلت في عدة الوفاة فعدتها بالشهور وإن حبلت معتدة عن ثلاث فعدتها بالوضع اه‍. وفي كافي الحاكم: إن مات المجنون عن امرأته

[ 240 ]

كان حكمه في العدة والولد حكم الرجل الصحيح. وفي الخانية قبيل المهر: زوج أمته من رضيع ثم جاءت بولد فادعاه المولى ثبت نسبه لانه أقر بنسب من يملكه وليس له نسب معروف، ولو كان الزوج مجبوبا لم يثبت النسب من المولى لانه ثابت النسب من الزوج وعلى الزوج كل المهر لمكان الدخول حكما اه‍. والحق أن قول أبي يوسف موافق لقولهما وإنما هي رواية شاذة عنه موافقة للشافعي وهو رواية عن الامام أيضا كما حققه في فتح القدير وفيه: وعلى هذا الخلاف إذا طلق الكبير امرأته فأتت بولد غير سقط لاقل من ستة أشهر من وقت العقد بأن تزوجها حاملا من الزنا ولا يعلم الحال وإنما وضعت كذلك بعد الطلاق تعتد بالوضع عندهما خلافا له. وإنما قلنا ولا يعلم ليصح كونه على هذا الخلاف لانه لو علم لا يصح العقد عند أبي يوسف لانه يمنع العقد على الحبلى من الزنا بخلاف ما إذا لم يعلم فإنه وإن لم يصححه لكن يوجب من الوطئ فيه العدة لانه شبهة فيقع الخلاف في أنها بالوضع أو بالاشهر اه‍. وفي البدائع: وقال أبو يوسف ومحمد في زوجة الكبير تأتي بولد بعد موته لاكثر من سنتين وقد تزوجت بعد مضي أربعة أشهر وعشر إن النكاح جائز لان إقدامها على النكاح إقرار منها بالانقضاء ولم يرد ما يبطل ذلك. قوله: (والنسب منتف فيهما) أي في الموجود وقت الموت والحادث بعده لان الصبي لا ماء له فلا يتصور منه العلوق، ولا يرد ثبوت نسب ولد امرأة المشرقي من المغربية لان النكاح إنما أقمناه مقام العلوق لتصوره حقيقة وهو غير متصور هنا حقيقة فافترقا. وظاهر إطلاقهم دخول المراهق وينبغي أن يثبت النسب احتياطا إلا أن لا يمكن بأن جاءت به لاقل من ستة أشهر من وقت العقد كما في فتح القدير، ولهذا صور المسألة الحاكم الشهيد في الكافي بما إذا كان رضيعا ودل كلامهم في زوجة الصغير أن الحامل من الزنا إذا تزوجت ثم مات عنها زوجها فعدتها بوضع الحمل كما صرح به في المعراج معزيا إلى قاضيخان وقدمنا أن الحامل من الزنا لا عدة عليها عندهما ولذا صححا نكاحها لغير الزاني وإن حرما الوطئ. وإنما الكلام فيما إذا تزوجت على قول أبي حنيفة ومحمد وهي حامل من الزنا ثم طلقها أو مات عنها فإنها تعتد بوضع الحمل. وفي كافي الحاكم الشهيد في عدة امرأة الصغير إذا مات وهي حامل فإن عدتها بوضع الحمل قال لانه مات وهي حامل وإن كان من فجور، والخصي كالصحيح في الولد والعدة وكذلك المجبوب إذا كان ينزل وإن لم ينزل لم يلزمه الولد فكان بمنزلة الصبي في الولد والعدة قوله: (ولم تعتد بحيض طلقت فيه) للزوم النقص عن المقدر شرعا لو اعتد بها وهذا بالاجماع بخلاف الطهر الذي وقع فيه الطلاق فإنه محسوب عند مالك والشافعي، وقد أورد عليهما لزوم النقصان عن

[ 241 ]

الثلاثة فأورد علينا لزوم الزيادة عليها والخاص، كما لا يحتمل النقصان لا يحتمل الزيادة. وأجيب عنه بأنا لم نعتبر ذلك الزائد أصلا فلا زيادة على الخاص والحاصل لا اعتبار بالناقص لا ابتداء ولا انتهاء. قوله: (وتجب عدة أخرى بوطئ المعتدة بشبهة وتداخلتا والمرئي منهما وتتم الثانية إن تمت الاولى) لان المقصود التعرف عن فراغ الرحم وقد حصل بالواحدة فيتداخلان ومعنى العبادة فيها تابع، ألا ترى أنها تنقضي بدون علمها ومن غير تركها الكف. أطلق الوطئ بشبهة فشمل المطلق وغيره حتى لو حاضت المطلقة حيضة ثم تزوجت بآخر ووطئها، وفرق بينهما ثم حاضت حيضتين بعد التفريق انقضت عدة الاول وحل للثاني أن يتزوجها وليس لغيره أن يتزوجها حتى تحيض ثلاثا من وقت التفريق، وإن كان طلاق الاول رجعيا كان له أن يراجعها قبل أن تحيض حيضتين لبقاء عدتها ولا يطؤها حتى تنقضي عدة الثاني، فإن حاضت ثلاثا من وقت التفريق فقد انقضت العدتان، كذا في الخانية. والوطئ بشبهة يتحقق في صور منها من زفت إلى غير زوجها، ومنها الموطوءة للزوج بعد الثلاث في العدة بنكاح قبل زوج آخر، وفي العدة إذا قال ظننت أنها تحل لي. ومنها المبانة في الكناية إذا وطئها في العدة، ومنها المعتدة إذا وطئها آخر في العدة بشبهة أو في عصمة فوطئها آخر بشبهة ثم طلقها الزوج ففي هذه تجب عدتان فيتداخلان، كذا في فتح القدير أخذا من المعراج أخذا من الينابيع ولكنه نظر في مسألة المعراج وهي الموطوءة للزوج بعد الثلاث إذا ادعى ظن الحل بأنه من قبيل شبهة الفعل والنسب لا يثبت فيها بالوطئ وإن قال ظننت أنها تحل لي، وإذا لم يثبت النسب لم تجب العدة لكن الاخيرة لم تدخل تحت كلام المصنف لان كلامه في وطئ المعتدة وتلك وطئ المنكوحة وإن اشتركنا في وجوب عدتين. قوله والمرئي منهما بيان لمعنى التداخل ولكنه قاصر على من تحيض بعد أن كان قوله وتداخلتا شاملا لما إذا كانتا من جنس واحد كوطئ المعتدة عن طلاق أو جنسين كوطئ المعتدة عن وفاة. وأما من لم تحض إذا وجبت عليها عدتان فالاشهر لهما يتأديان بمدة واحدة حياة ووفاة، وكذا المعتدة عن وفاة إذا وطئت بشبهة تعتد بالشهور وتحتسب بما تراه من الحيض، فلو لم تر فيها دما يجب أن تعتد بعد الاشهر بثلاث حيض كما في فتح القدير. بقي صورتان لو كانت حائلا في عدة الطلاق أو الموت فوطئت بشبهة فحبلت فظاهر ما في المعراج التداخل فتنقضي بوضع الحمل لان الحامل لا تحيض عندنا فينبغي أن يكتفي بوضع الحمل وقد قدمنا في بيان عدة امرأة الصغير معزيا إلى المجتبى فارجع إليه. وفي كافي الحاكم: لو تزوجت المعتدة برجل ودخل بها وفرق بينهما، فإن كانت حاملا فوضعت انتقضت العدتان منهما جميعا. وفيه أيضا: لو تزوجت في عدتها من طلاق بائن

[ 242 ]

ودخل بها فولدت لاقل من سنتين منذ طلق الاول ولاقل من ستة أشهر منذ دخل الثاني لزم الاول، وإن كان لاكثر من سنتين منذ طلقها الاول ولاقل من ستة أشهر منذ دخل الثاني لم يلزم الاول ولا الثاني اه‍. بقي ما لو جاءت به لاقل من سنتين من طلاق الاول ولستة أشهر من دخول الثاني وينبغي إلحاقه بالاول، وبقي ما لو جاءت به لاكثر من سنتين من طلاق الاول ولستة أشهر من دخول الثاني، ولا شك بإلحاقه بالثاني فهي رباعية. وفي نسختي الكافي للحاكم الشهيد سقط وتغيير في هذا المحل. وفي الجوهرة: ثم إذا تداخلتا عندنا وكانت العدة من طلاق رجعي فلا نفقة على واحد منهما لها، وإن كانت من بائن فنفقتها على الاول والزوجة إذا تزوجت بآخر وفرق بينهما بعد الدخول ووجبت عليها العدة فلا نفقة لها في هذه العدة على زوجها لانها منعت نفسها في العدة اه‍. فعلى هذا فالمنع الشرعي أقوى من المنع الحسي لانها لو منعته عن جماعها لها النفقة. وفي المجتبى: كل نكاح اختلف العلماء في جوازه كالنكاح بلا شهود فالدخول فيه يوجب العدة، أما نكاح منكوحة الغير ومعتدته فالدخول فيه لا يوجب العدة إن علم أنها للغير لانه لم يقل أحد بجوازه فلم ينعقد أصلا فعلى هذا يفرق بين فاسده وباطله في العدة ولهذا يجب الحد مع العلم بالحرمة لكونه زنا كما في القنية وغيرها، ولو كان الواطئ في العدة والمطلق هو فلا نفقة لها بعد عدة الطلاق، كذا في المجتبى. ثم اعلم أن المرئي إنما يكون منهما إذا كان بعد التفريق بينها وبين الواطئ الثاني، أما إذا حاضت حيضة بعد وطئ الثاني قبل التفريق فإنها من عدة الاول خاصة وبقي عليها من تمام عدة الاول حيضتان وللثاني ثلاث حيض، فإذا حاضت حيضتين كانت منهما جيمعا وبقيت من عدة الثاني حيضة، كذا في الجوهرة. فإن قيل: إذا كان الواطئ المطلق فهل يشترط أن يكون بعد التفريق أيضا قلت: لم أره صريحا. وفي الولوالجية: رجل طلق امرأته ثلاثا فلما اعتدت بحيضتين أكرهها على الجماع فإن جامعها منكرا طلاقها تستقبل العدة، وإن كان مقرا بطلاقها لكن جامعها على وجه الزنا لا تستقبل، وكذلك من طلق امرأته ثم أقام معها زمانا فعلى التفصيل اه‍. وشمل قوله المعتدة عن وطئ بشبهة لو وطئت

[ 243 ]

بشبهة ثانيا والمعتدة عن فاسد لو وطئت بشبهة للاول لكن ذكر في القنية خلافا في الثانية. قوله: (مبدأ العدة بعد الطلاق والموت) يعني ابتداء عدة الطلاق من وقته وابتداء عدة الوفاة من وقتها، سواء علمت بالطلاق والموت أو لم تعلم حتى لو لم تعلم ومضت مدة العدة فقد انقضت لان سبب وجوبها الطلاق أو الوفاة فيعتبر ابتداؤها من وقت وجود السبب، كذا في الهداية. وشرح عليه في العناية وغاية البيان والمعراج من غير تعقيب وهذا صريح فيما نقلناه عن البدائع من بيان سببها مخالف لما في فتح القدير من أن الفرقة شرطها والنكاح سببها. وقوله هنا إن في عبارة الهداية تساهلا فقد قدموا أن سببها النكاح والطلاق شرط وأن الاضافة في قولنا عدة الطلاق إلى الشرط فالاولى أن يقال لان عند الطلاق والموت يتم السبب فيستعقبهما من غير فصل فيكون مبدأ العدة من غير فصل بالضرورة. وذكر الشارح الزيلعي كما في فتح القدير فقال: وجعل صاحب الهداية السبب إنما هو الطلاق أو الموت وهو تجوز لكونه معملا للعلة اه‍. وفي الكافي شرح الوافي وقال صاحب الهداية: سبب وجوبها الطلاق أو الموت وقد نص في الاسرار أن سبب وجوبها نكاح متأكد بالدخول أو ما يقوم مقامه مما يكمل المهر عند ثبوت ما يوجب الفرقة لا الفرقة فإنها شرط اه‍. وقدمنا أن ابتداء العدة في الطلاق المبهم من وقت البيان يعني لكونه إنشاء من وجه. وفي الكافي للحاكم وغاية البيان: إذا أتاها خبر موت زوجها وشكت في وقت الموت تعتد من الوقت الذي تستيقن فيه بموته لان العدة يؤخذ فيها بالاحتياط وذلك في العمل بيقين اه‍. وظاهر كلام محمد في المبسوط كالمختصر أن العدة تعتبر من وقت الطلاق في إقراره بالطلاق من زمان مضى إلا أن المتأخرين اختاروا وجوب العدة من وقت الاقرار حتى لا يحل له التزوج بأختها وأربع سواها زجرا له حيث كتم طلاقها ولكن لا نفقة لها ولا كسوة إن صدقته في الاسناد لان قولها مقبول على نفسها. وفي الهداية: ومشايخنا يفتون في الطلاق أن ابتداءها من وقت الاقرار نفيا لتهمة المواضعة اه‍. وهو المختار كما في الفتاوى الصغرى. وفي غاية البيان: أراد بالمشايخ علماء بخارى وسمرقند لا جماعة التصوف الذين هم أهل البدعة اه‍. وهو عجيب منه. والحاصل أنها إن كذبته في الاسناد أو قالت لا أدري فمن وقت الاقرار، وإن صدقته

[ 244 ]

ففي حقها من وقت الطلاق وفي حق الله من وقت الاقرار، وأما حكم وطئها في هذه المدة فقال في الاختيار: لها أن تأخذ منه مهرا ثانيا لانه أقربه وقد صدقته اه‍. وفي الخانية: رجل تزوج امرأة ودخل بها ثم قال كنت حلفت إن تزوجت ثيبا قط فهي طالق ثلاثا ولم أعلم أنها ثيب يقع الطلاق بإقراره، ثم إن صدقته المرأة كان لها نصف المهر بالطلاق قبل الدخول ومهر المثل بالدخول وعليها العدة لهذا الوطئ ولا نفقة لها لانها صدقته في وقوع الطلاق قبل الدخول، وإن كذبته المرأة في اليمين فلها مهر واحد ولها النفقة والسكنى لانها تزعم أن الطلاق وقع عليها بإقراره بعد الدخول اه‍. ثم اعلم أن يوم الموت لا يدخل تحت القضاء ويوم القتل يدخل وقد وقعت حادثة في عدة الوفاة استخرجنا حكمها من هذه القاعدة وأوضحناها في القواعد الفقهية. وفي القنية: طلقها ثلاثا ثم قال بعده كان قلبها طلقة وانقضت عدتها فلم تقع الثلاث وصدقته في ذلك فقد ذكر في الجامع أنهما يصدقان، وذكر علي البزدوي أنهما لا يصدقان وعليه الفتوى وإن لم تصدقه هي لا يصدق اه‍. وفيها: طلقها ثلاثا ويقول كنت طلقتها قبل ذلك واحدة وانقضت عدتها، فإن كان انقضاء العدة معلوما عند الناس لا يقع، الثلاث وإلا يقع ولو حكم عليه بوقوع الثلاث بالبينة بعد إنكاره فلو أقام بينة أني كنت طلقتها قبل ذلك طلقة بمدة مديدة لا يلتفت إليه اه‍. وفي فتح القدير: وعرف أن تقييده بالاقرار يفيد أن الطلاق المتقدم إذا ثبت بالبينة ينبغي أن تعتبر العدة من وقت قامت لعدم التهمة لان ثبوته بالبينة لا بالاقرار اه‍. وهو مقيد بما إذا كان تأخير الشهادة لعذر، أما إذا كان لغير عذر لم تقبل الشهادة كما في القنية. وفي الخانية الفتوى على أن العدة من وقت الاقرار صدقته أو كذبته ولا يظهر أثر تصديقها إلا في إسقاط النفقة. ووفق السغدي فحمل كلام محمد على ما إذا كانا متفرقين، وكلام المشايخ على ما إذا كانا مجتمعين لان الكذب في كلامهما ظاهر وهذا هو التوفيق إن شاء الله تعالى. وفي فتح القدير: إن فتوى المتأخرين مخالفة للائمة الاربعة وجمهور الصحابة والتابعين رضي الله عنهم فينبغي أن يقيد بمحل التهمة ولذا قيده السغدي بأن يكونا مجتمعين. وفي الجوهرة: ولو أن امرأة أخبرها ثقة أن زوجها الغائب مات أو طلقها ثلاثا أو أتاها كتاب من زوجها على يد ثقة بالطلاق ولا تدري أنه كتابه أم لا إلا أن أكبر رأيها أنه حق فلا بأس أن تعتد وتتزوج، وكذا لو قالت امرأة لرجل طلقني زوجي وانقضت عدتي لا بأس أن يتزوجها اه‍. وفي الذخيرة:

[ 245 ]

وإن شهد شاهدان على رجل أنه طلق امرأته ثلاثا بعد ما دخل بها فلم يعد لا حتى مضى أيام ثم عدلا وقضى القاضي بالفرقة بينهما تعتبر العدة من يوم الشهادة لا من يوم القضاء اه‍. وهل يحال بينه وبينها بعد الشهادة قبل التزكية؟ كتبناها في القواعد الفقهية في السابع عشر بعد الثلثمائة وكتبنا فيها ما تسمع فيها الشهادة بدون الدعوى وهي اثنتا عشرة مسألة. وفي فتح القدير: ولو جعل أمر امرأته بيدها إن ضربها فضربها فطلقت نفسها فأنكر الزوج الضرب فأقامت البينة عليه وقضى القاضي بالفرقة فالعدة من وقت القضاء أو من وقت الضرب ينبغي أن يكون من وقت الضرب، ولو طلقها فأنكر فأقيمت البينة فقضى بالطلاق فالعدة من وقت الطلاق لا القضاء اه‍. وفي المجتبى: قال إن فعلت كذا فأنت طالق ثلاثا ثم فعلت ذلك ولم يعلم الزوج به ومضى عليه ثلاثة أقراء وتزوجت بآخر ودخل بها ثم طلقها واعتدت ثم أخبرت زوجها بما صنعت وصدقها لم تحل له لان عدة المطلقة ثلاثا من وقت الفراق عندنا لا من وقت الطلاق، وعند زفر تحل لانها من وقت الطلاق عنده، ولا محل لقول المحقق ابن الهمام ينبغي أن تكون العدة من وقت الضرب بل يتعين الجزم بكونها من وقت طلاقها نفسها لا من وقت القضاء ولا من وقت الضرب كما جزم به في البزازية، كما لو ادعت الطلاق في شوال وقضى بالفرقة في المحرم فالعدة من وقت الطلاق لا من وقت القضاء اه‍. وفي الخانية: طلقها بائنا أو ثلاثا ثم أقام معها زمانا، إن أقام وهو ينكر طلاقها لا تنقضي عدتها، وإن أقام وهو يقر بالطلاق تنقضي عدتها اه‍. فعلى هذا مبدأ العدة من وقت ثبوت الطلاق في هذه المسألة. وفيها أيضا: قال لامرأته المدخولة كلما حضت وطهرت فأنت طالق فحاضت ثلاثا كانت العدة عليها من وقت الطلاق الاول اه‍. فعلى هذا إذا حاضت ثلاثا بانت بثلاث وبقي عليها حيضة من عدتها لكن الثالثة لا تقع إلا بالطهر. وفي القنية: تزوجها نكاحا فاسدا وأنكر الدخول وهي تزعم أنها غير بالغة وأنه دخل بها لزمتها العدة حتى يحرم نكاحها على غيره اه‍. فعلى هذا القول قوله في الدخول وعدمه في حق المهر وقولها في وجوب العدة.

[ 246 ]

قوله: (وفي النكاح الفاسد بعد التفريق أو العزم على ترك وطئها) أي مبدأ العدة. وقال زفر: من آخر الوطآت لان الوطئ هو السبب الموجب. ولنا أن كل وطئ وجد في العقد الفاسد يجري مجرى الوطأة الوادحة لاستناد الكل إلى حكم عقد واحد ولهذا يكتفي في الكل بمهر واحد، فقبل المتاركة أو العزم لا تثبت العدة مع جواز وجود غيره، ولان التمكن على وجه الشبهة أقيم مقام حقيقة الوطئ لخفائه ومساس الحاجة إلى معرفة الحكم في حق غيره. وفي الخلاصة: المتاركة في النكاح الفاسد بعد الدخول لا تكون إلا بالقول كقوله تركتك أو ما يقوم مقامه كتركتها أو خليت سبيلها، أما عدم المجئ فلا لان الغيبة لا تكون متاركة لانه لو عاد تعود ولو أنكر نكاحها لا تكون متاركة اه‍. وقدمنا في النكاح الفاسد أنهما لو اختلفا في الدخول فالقول له في المهر فلا يجب المهر وأن المراد بهذه العدة عدة المتاركة فلا عدة عليها بموته إلا الحيض بعد الدخول، وأنه لا حداد ولا نفقة فيها، وإن تزوج أخت امرأته فاسدا تحرم عليه إلى انقضاء عدتها وأن وجوبها فيه إنما هو في القضاء، أما في الديانة لو علمت أنها حاضت بعد آخر وطئ ثلاثا حل لها التزوج من غير تفريق ونحوه وأن الطلاق فيه متاركة وأن إنكار النكاح إن كان بحضرتها فمتاركة وإلا فلا، وإن علم غير المتاركة بالمتاركة شرط على قول وصحح، وقيل لا وصحح ورجحنا الثاني، وأن المتاركة لا تختص بالزوج بل تكون من المرأة أيضا ولذا ذكر مسكين في شرحه من صورها أن تقول له تركتك وقدمنا كثيرا من أحكامه هناك فارجع إليه. وبما قررناه علم أن مجرد العزم لا يكفي بل لا بد من الاخبار بما يدل عليه ولذا قال في العناية: العزم أمر باطن لا يطلع عليه وله دليل ظاهر وهو الاخبار به فلو قال كما في الاصلاح أو إظهار عزمه لكان أولى. والمراد بالتفريق أن يحكم القاضي بالتفريق بينهما كما في العناية. وفي الجوهرة وغاية البيان: لو فرق بينهما ثم وطئها وجب الحد عليه اه‍. وينبغي أن يقيده بما إذا وطئها بعد دانقضاء العدة وإلا فوطئ المعتدة لا يوجب الحد. وجعل في التتمة قول زفر قول أبي القاسم الصفار البلخي وأن الامام أبا بكر البلخي يقول من وقت الفرقة. وفي البزازية في النكاح الفاسد: لا تعتد في بيت الزوج اه‍. وفي

[ 247 ]

القنية: تزوجها فاسدا فأحبلها فولدت لا تنقضي به العدة إن كان قبل المتاركة وإن كان بعدها انقضت اه‍. قوله: (ولو قالت مضت عدتي وكذبها الزوج فالقول لها مع الحلف) لانها أمينة في ذلك وقد اتهمت بالكذب فتحلف كالمودع إذا ادعى الرد والهلاك وقد ذكرنا في القواعد الفقهية عشر مسائل لا يحلف فيها الامين. وقد ذكرنا فيها مسألة لا يقبل فيها قول الامين في الدفع، وترك المصنف قيدا لا بد منه وهو كون المدة تحتمل الانقضاء على الخلاف الذي قدمناه وهو شهران عنده وتسعة وثلاثون يوما عندهما، لانه إذا لم تحتمله المدة لا يقبل قولها أصلا لان الامين إنما يصدق فيما لا يخالفه الظاهر، أما إذا خالفه فلا كالوصي إذا قال أنفقت على اليتيم في يوم واحد ألف دينار، كذا في البدائع. والخلاف المذكور في الحرة، أما الامة فأقل مدة تصدق فيها أربعون يوما على رواية محمد، وثلاثون يوما على رواية الحسن مع اتفاقهما في الحرة على الستين عن الامام. ومحل الخلاف أيضا فيما إذا لم يكن طلاقها معلقا بولادتها، أما إذا طلقها عقيب الولادة فلا تصدق الحرة في رواية محمد في أقل من خمسة وثمانين يوما ويجعل النفاس خمسة وعشرين يوما، وعلى رواية الحسن أقلها مائة يوم بزيادة أكثر النفاس. وقال أبو يوسف: لا تصدق في أقل من خمسة وستين يوما. وقال محمد: لا تصدق في أقل من أربعة وخمسين يوما وساعة. وإن كانت أمة فعلى رواية محمد عن الامام لا تصدق في أقل من خمسة وستين يوما بزيادة خمسة وعشرين على الاربعين، وعلى رواية الحسن لا تصدق في أقل من خمسة وسبعين يوما بزيادة أربعين على خمسة وثلاثين. وقال أبو يوسف: لا تصدق في

[ 248 ]

أقل من سبعة وأربعين. وقال محمد: لا تصدق في أقل من ستة وثلاثين وساعة. وتوجيه الروايات المذكورة في البدائع. وأطلق في قولها مضت عدتي فشمل ذات الاقراء والشهور والخلاف المذكور في ذات الاقراء، وأما المعتدة بالشهور فلا بد من مضي المقدر شرعا. وفي الخلاصة: المطلقة بالثلاث إذا جاءت بعد أربعة أشهر وقالت طلقني الثاني وانقضت عدتي أفتى النسفي أنه لا بد من مدة أخرى للنكاح والوطئ وأفتى الاسبيجابي وأبو نصر أنها تصدق اه‍. ثم اعلم أنه إذا كذبها الظاهر بالنسبة إلى المدة لا يقبل قولها عند عدم التفسير، أما لو فسرت بأن قالت أسقطت سقطا مستبين الخلق أو بعضه قبل قولها لان الظاهر لا يكذبها، كذا في البدائع. فعلم أن انقضاءها لا ينحصر في إخبارها بل يكون به وبالفعل بأن تزوجت بزوج آخر بعدما مضت مدة تنقضي في مثلها العدة حتى لو قالت بعده لم تنقض لم تصدق لا في حق الزوج الاول ولا في حق الثاني لان الاقدام عليه دليل الاقرار كذا في البدائع وفي فتح القدير وعكس هذه المسألة إذا قال الزوج أخبرتني بأن عدتها قد انقضت، فإن كانت في مدة لا تنقضي في مثلها لا يقبل قوله ولا قولها إلا أن تبين ما هو محتمل من إسقاط سقط مستبين الخلق فحينئذ يقبل قولها، ولو كان في مدة تحتمله فكذبته لم تسقط نفقتها وله أن يتزوج بأختها لانه أمر ديني يقبل قوله فيه اه‍. فالحاصل أنه يعمل بخبريهما بقدر الامكان بخبره فيما هو حقه وحق الشرع وبخبرها في حقها من وجوب النفقة والسكنى، ولو جاءت بولد لاكثر من ستة أشهر يثبت نسبه منه لانه في النسب حقها أصلي كحق الولد لانها تعير بولد ليس له أب معروف فلم يقبل قوله ولا ينفذ نكاح أختها لانه لا يتصور استحقاق النسب إلا ببقاء الفراش فصار الزوج مكذبا في خبره شرعا بخلاف القضاء بالنفقة لانه يتصور استحقاق النفقة لغير العدة فكأنه وجبت في حقها بسبب العدة وفي حقه بسبب آخر، فإن تزوج أختها ومات فالميراث للاخرى، هكذا ذكر محمد في النكاح. وقيل، إن قال هذا في الصحة ثم مات فالميراث للاخرى لا للمعتدة، وإن قال في المرض فالميراث للمعتدة فإذا قضى بالميراث للمعتدة قيل يفسد نكاح أختها والاصح أنه لا يفسد لانه يتصور استحقاق الميراث بغير الزوجية فنزل منزلة استحقاق النفقة، كذا في المحيط. وفي الخانية: امرأة قالت في عدة الوفاة لست بحامل ثم قالت من الغد أنا حامل كان القول قولها، وإن قالت بعد أربعة أشهر وعشرة أيام لست بحامل ثم قالت أنا حامل لا يقبل قولها إلا أن تأتي بولد لاقل من ستة أشهر من موت زوجها فيقبل قولها ويبطل إقرارها بانقضاء العدة. رجل خلع امرأته فأقرت وقته وقالت أنا حائض غير حامل من زوجي

[ 249 ]

ثم أقرت في الشهرين قبل أن تقر بانقضاء العدة وقالت أنا حامل من زوجي فأنكر الزوج الحمل لا تصح دعواها اه‍. وفي القنية: إذا قالت المعتدة انقضت عدتي في يوم أو أقل تصدق أيضا، وإن لم تقر بسقط لاحتماله، ثم نقل خلافه عن بعض الكتب اه‍. فعلى الاول معنى قولهم لا تصدق في أقل من ستين يوما فيما إذا قالت انقضت بالحيض لا مطلقا. وفيها أيضا: ولدت ثم طلقها زوجها ومضى سبعة أشهر وتزوجت آخر لا تصح إذا لم تحض فيها ثلاث حيض، قيل له: فإن لم تكن حاضت قبل الولادة؟ قال: الجواب كذلك لان ولادتها كالحيض لان من لا تحيض لا تحبل اه‍. فرع في الخلاصة قال: جاءت امرأة إلى رجل وقالت طلقني زوجي وانقضت عدتي ووقع في قلبه أنها صادقة وهي عدلة أو لا حل له أن يتزوجها وإن قالت وقع نكاح الاول فاسدا لم تحل له وإن كانت عدلة. وفي البزازية: قالت ولدت لم تقبل إلا ببينة ولو قالت أسقطت سقطا وقع مستبين الخلق قبل قولها وله أن يحلفها اه‍. وفي المسألة الاولى نظر فقد صرحوا في باب ثبوت النسب أن عدتها تنقضي بإقرارها بوضع الحمل وإن توقف الولادة على البينة إنما هو لاجل ثبوت النسب. قوله: (ولو نكح معتدته وطلقها قبل الوطئ وجب مهر تام وعدة مبتدأة) وهذا عندهما. وقال محمد: عليه نصف المهر وعليها إتمام العدة الاولى لانه طلاق قبل المسيس فلا يوجب كمال المهر ولا استئناف العدة، وإكمال العدة الاولى إنما وجبت بالطلاق الثاني فظهر حكمه كما لو اشترى أم ولده ثم أعتقها. ولهما أنها مقبوضة في يده حقيقة بالوطأة الاولى وبقي أثره وهو العدة فإذا جدد النكاح وهي مقبوضة ناب ذلك عن القبض المستحق في هذا النكاح كالغاصب يشتري المغصوب الذي في يده يصير قابضا بمجرد العقد، فوضح بهذا أنه طلاق بعد الدخول. وقال زفر: لا عدة عليها أصلا لان الاولى قد سقطت بالتزوج فلا تعود والثانية لم تجب وجوابه ما قلناه. وما قاله زفر فاسد لانه يستلزم إبطال المقصود من شرعها وهو عدم اشتباه الانساب، كذا في فتح القدير. ومع ذلك هو مجتهد فيه صرح به في جامع الفصولين لو قضى به قاض نفذ قضاؤه لان للاجتهاد فيه مساغا وهو موافق لصريح القرآن * (ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها) * [ الاحزاب: 94 ] ا ه‍

[ 250 ]

وهذه أجدى المسائل المبنية على هذا الاصل وهو أن الدخول في النكاح الاول دخول في الثاني أولا، ويتفرع عليه لو قال كلما تزوجتك فأنت طالق فتزوجها في يوم ثلاثا ودخل بها في كل مرة ألزمه أربعة مهور ونصف وأبانها بثلاث وحكما بتطليقتين ومهرين ونصف أو بائنا ألزمه بتلك المهور وهما بخمسة ونصف نصف مهر بالطلاق الاول قبل الدخول ومهران بالتطليقتين لكونهما بعد الدخول حكما وثلاث مهور بالدخول ثلاثا وتمامه في شرح المجمع من التعليق. ثم اعلم أن الدخول في الاول دخول في الثاني في حق المهر ووجوب العدة، وأما في حق الرجعة لو كان الطلاق رجعيا لا يملكها كما في فتح القدير. ثانيها لو تزوجها نكاحا فاسدا ودخل بها ففرق بينهما ثم تزوجها صحيحا وهي في العدة عن ذلك الفاسد ثم طلقها قبل الدخول يجب عليه مهر كامل وعليها عدة مستقبلة عندهما. ولو كان على القلب بأن تزوجها أولا صحيحا ثم طلقها بعد الدخول ثم تزوجها في العدة فاسدا لا يجب عليه مهر ولا عليها عدة مستقبلة ويجب عليها اتمام العدة الاولى بالاتفاق. والفرق لهما أنه لا يتمكن من الوطئ الفاسد فلا يجعل واطئا حكما لعدم الامكان حقيقة ولهذا لا يجعل واطئا بالخلوة في الفاسد حتى لا تجب العدة بها ولا عليه المهر. وثالثها أنه لو دخل بها في الصحة

[ 251 ]

وطلقها بائنا ثم تزوجها في المرض في عدتها وطلقها بائنا قبل الدخول هل يكون فارا أم لا. ورابعها لو تزوجت بغير كف ء ودخل بها ففرق القاضي بينهما بطلب الولي ثم تزوجها هذا الرجل في العدة بمهر وفرق القاضي بينهما قبل أن يدخل بها كان عليه المهر الثاني كاملا وعدة مستقبلة عندهما استحسانا، وعند محمد نصف المهر الثاني وعليها تمام العدة الاولى. وخامسها تزوجها صغيرة ودخل بها ثم طلقها بائنا ثم تزوجها في العدة ثم ارتدت والعياذ بالله تعالى ثم أسلمت فتزوجها في العدة ثم طلقها قبل الدخول، هكذا ذكر في فتح القدير بتكرار التزوج ثلاثا ولا حاجة إليه في التصوير ويكفي فيه أنه تزوجها مرتين وأن الردة حصلت مرة واحدة فليتأمل. وسابعها تزوجها ودخل بها ثم طلقها بائنا ثم تزوجها في العدة ثم ارتدت ثم أسلمت فتزوجها في العدة ثم طلقها قبل الدخول. وثامنها تزوجها ودخل بها ثم طلقها بائنا ثم تزوجها في العدة ثم ارتدت قبل الدخول. وتاسعها تزوج أمة ودخل بها ثم أعتقت فاختارت نفسها ثم تزوجها في العدة ثم طلقها قبل الدخول. وعاشرها تزوج أمة ودخل بها ثم طلقها بائنا ثم تزوجها في العدة فأعتقت فاختارت نفسها قبل الدخول، كذا في فتح القدير والمعراج. قوله: (ولو طلق ذمي ذمية لم تعتد) عند الامام. وقالا: عليها العدة. والخلاف فيما إذا كانوا لا يعتقدونها، أما إذا اعتقدوها فعليها العدة اتفاقا وفيما إذا كانت حائلا، أما الحامل فعليها العدة اتفاقا. وقيده الولوالجي وغيره بما إذا كانوا يدينونها. وأطلقه في الهداية معللا بأن في بطنها ولدا ثابت النسب. وعن الامام يصح العقد عليها ولا يطؤها كالحامل من الزنا والاول أصح ا ه‍. وفي المعراج: وقع في بعض النسخ التقييد وفي بعضها يمنع من التزوج ولم يذكر الزيادة ا ه‍. ولا فرق بين الطلاق والموت فلو تزوجها مسلم أو ذمي في فور

[ 252 ]

طلاقها جاز كما في فتح القدير. وقيد بالذمي لان المسلم إذا طلق الذمية أو مات عنها فعليها العدة اتفاقا لانها حقه ومعتقده، كذا في فتح القدير. على هذا الخلاف المهاجرة إذا خرجت إلينا مسلمة أو ذمية أو مستأمنة ثم أسلمت أو صارت ذمية فعنده إن تزوجت جاز إلا أن تكون حاملا، وعنه لا يطؤها الزوج حتى يستبرئها بحيضة، وعنه لا يتزوجها إلا بعد الاستبراء، وقالا عليها العدة، وأما إذا هاجر الزوج مسلما أو ذميا أو مستأمنا ثم صار مسلما أو ذميا فإنه لا عدة عليها حتى جاز له التزوج بأختها وأربع سواها كما دخل دارنا لعدم تبليغ أحكامنا إليها لا لانها غير مخاطبة بالعدة، كذا في فتح القدير والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. فصل في الاحداد فيه لغتان: أحدت إحدادا فهي محد ومحدة إذا تركت الزينة لموته، وحدت المرأة على زوجها تحد وتحد حدادا بالكسر فهي حاد بغيرها. وأنكر الاصمعي الثلاثي واقتصر على الرباعي، كذا في المصباح. وفي القاموس: والحاد والمحد تاركة الزينة للعدة حدت تحد وتحد حدادا وأحدت ا ه‍. وفي الشريعة ترك الزينة ونحوها من معتدة بطلاق بائن أو موت قوله: (تحد معتدة البت والموت بترك الزينة والطيب والكحل والدهن إلا بعذر والحناء ولبس المزعفر والمعصفر إن كانت مسلمة بالغة) أي تحد المبانة والمتوفى عنها زوجها بترك ما ذكر. أطلقه فشمل الطلاق واحدة أو أكثر والفرقة كما في الخانية. وعبر بالاخبار عن فعلها لافادة أنه واجب عليها للحديث الصحيح لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاث إلا على زوج أربعة

[ 253 ]

أشهر وعشرا وتعقب بأنه لا دليل فيه على الايجاب لان حاصله استثناء من نفي الحل فيفيد ثبوت الحل ولا كلام فيه فالاولى الاستدلال بالرواية الاخرى إلا على زوجها فإنها تحد أربعة أشهر وعشرا ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب، ولا تكتحل ولا تمس طيبا فصرح بالنهي في تفصيل معنى ترك الاحداد، ولا خلاف في عدم وجوبه على المرأة بسبب غير الزوج من الاقارب. وهل يباح؟ قال محمد في النوادر: لا يحل الاحداد لمن مات أبوها أو ابنها أو أخوها أو أمها وإنما هو في الزوج خاصة. قيل: أراد بذلك فيما زاد على الثلاث لما في الحديث من إباحته للمسلمات على غير أزواجهن ثلاثة أيام، كذا في فتح القدير. وفي التتارخانية سئل أبو الفضل عن المرأة يموت زوجها أو أبوها أو غيرهما من الاقارب فتصبغ ثوبها أسود فتلبسه شهرين أو ثلاثة أو أربعة تأسفا على الميت أتعذر في ذلك؟ فقال: لا. وسئل عنها علي بن أحمد فقال: لا تعذر وهي آثمة إلا الزوجة في حق زوجها فإنها تعذر إلى ثلاثة أيام ا ه‍. وظاهره منعها من لبس السواد تأسفا على موت زوجها أكثر من الثلاث. وقيد بالبت لان المطلقة رجعيا لا حداد عليها وينبغي أنها لو أرادت أن تحد على قرابة ثلاثة أيام ولها زوج له أن يمنعها لان الزينة حقه حتى كان له أن يضربها على تركها إذا امتنعت وهو يريدها، وهذا الاحداد مباح لها لا واجب وبه يفوت حقه، كذا في فتح القدير. وفي التتارخانية: ويستحب لها تركه ولما وجب في الموت إظهارا للتأسف على فوات نعمة النكاح فوجب على المبتوتة إلحاقا لها بالمتوفى عنها زوجها بالاولى لان الموت أقطع من الابانة ولهذا تغسله ميتا قبل الابانة لا بعدها. وأطلق في ترك الطيب فلا تحضر عمله ولا تتجر فيه وإن لم يكن لها كسب إلا فيه. ودخل في الزينة الامتشاط بمشط أسنانه ضيقة لا الواسعة كما في المبسوط، وشمل لبس الحرير بجميع أنواعه وألوانه ولو أسود، وجميع أنواع الحلي من ذهب وفضة وجواهر، زاد في التتارخانية القصب. وقوله إلا بعذر متعلق بالجميع لا بالدهن وحده فلها لبس الحرير للحكة والقمل، ولها الاكتحال للضرورة، ولو أخر الاستثناء عن الجميع لكان أولى لجواز

[ 254 ]

لبس المعصفر والمزعفر إذا لم تجد غيره لوجوب ستر العورة. وذكر الدهن بعد الطيب ليفيد حرمته وإن لم يكن مطيبا كالزيت الخالص منه والشيرج والسمن. وفي المجتبى: ولو اعتادت الدهن فخافت وجعا فإن كان أمرا ظاهرا يباح لها ا ه‍. ويستثنى من المعصفر والمزعفر الخلق الذي لا رائحة له فإنه جائز كما في الهداية. وقيد بإسلامها مع بلوغها لانه لا حداد على كافرة ولا صغيرة وقدمنا معنى وجوب العدة عليهما. ولم يقيد بالعقل مع أنه لا حداد على مجنونة للاكتفاء بما يخرج الصغيرة لان عدمه عليها ليس إلا لعدم تكليفها والمجنونة مثلها في ذلك ولهذا قال الاسبيجابي رحمه الله تعالى: الاصل أن كل معتدة مخاطبة فارقت فراش زوج حلال يجب عليها الاحداد وإلا فلا ا ه‍. ولم يقيد بالحرية لوجوبه على الامة المنكوحة لكونها مكلفة بحقوق الشرع ما لم يفت به حق العبد ولهذا لا يحرم عليها الخروج إلا إذا كانت في بيت الزوج وقت الطلاق ولم يخرجها المولى ويحل إن أخرجها. والمدبرة والمكاتبة والمستسعاة كالقنة، ولو أسلمت الكافرة في العدة لزمها الاحداد فيما بقي من العدة، كذا في الجوهرة. وينبغي كذلك لو بلغت الصغيرة أو أفاقت المجنونة إذ لا فرق، واقتصاره على ترك ما ذكر يفيد جواز دخول الحمام لها. ونقل في المعراج أن عندهم لها أن تدخل الحمام وتغتسل رأسها بالخطمي والسدر، وفيه أن الحداد حق الشرع حتى لو أمرها الزوج بتركه لم يحل لها. قوله: (لا معتدة العتق والنكاح الفاسد) أي لا حداد على أم الولد إذا أعتقت بإعتاق سيدها أو موته، ولا على المعتدة من نكاح فاسد وهو مفهوم من اقتصاره على البت والموت. وفي الخانية: لو تزوج أمة وملكها بعد الدخول وقد ولدت منه فسد النكاح بينهما ولا حداد عليها، ولا يجوز لغيره أن يتزوجها حتى تحيض حيضتين، فإن أعتقها كان عليها عدتان: عدة فساد النكاح وفيها الحداد وعدة العتق ولا حداد فيها فتحد في حيضتين دون الثالثة، ولو أعتقها بعد حيضتين كان عليها أن تعتد بثلاث ا ه‍. وبهذا ظهر أن النكاح إذا فسد بعد صحته يوجب الحداد بخلاف ما إذا كان فاسدا من أصله لانه إنما وجب اظهارا للتأسف على فوات نعمة النكاح وسببه النكاح الصحيح فلا يتأسف على الفاسد، واستفيد عدم وجوبه على المعتدة من وطئ بشبهة بالاولى كما في المعراج. فالحاصل لا إحداد على كافرة ولا صغيرة ولا مجنونة ولا معتدة عن عتق ولا معتدة عن نكاح فاسد ولا على معتدة عن وطئ بشبهة ولا معتدة عن طلاق رجعي، فهن سبع لا حداد عليهن. فإن قلت: إن العلة لوجوبه أعني إظهار التأسف

[ 255 ]

على فوات نعمة النكاح وإن فاتت في مسألتي الكتاب بقيت أخرى أعني عدم اظهار الرغبة فيما هو ممنوع فيها وهذه الاشياء للرغبة. أجيب بأن هذه حكمة فلا تطرد وتلك علة يزول الحكم بزوالها كما في المعراج قوله: (ولا تخطب معتدة) أي تحرم خطبتها وهي بكسر الخاء مصدر بمنزلة الخطب مثل قولك إنه لحسن القعدة والجلسة تريد القعود والجلوس. وفي اشتقاقه وجهان: الاول أن الخطب هو الامر والشأن يقال ما خطبك أي ما شأنك فقولهم خطب فلان فلانة أي سألها أمرا وشأنا في نفسها. والثاني أن أصل الخطبة من الخطاب الذي هو الكلام، يقال خطب المرأة خطبة لانه خاطب في عقد النكاح، وخطب خطبة أي خاطب بالزجر والوعظ، والخطب الامر العظيم لانه يحتاج فيه إلى خطاب كثير، كذا ذكر الامام الرازي. أطلقها فشمل المعتدة عن طلاق بنوعية وعن وفاة وعن عتق وعن غير ذلك ولم أره صريحا، وعلم منه حرمة خطبة المنكوحة بالاولى وتحرم تصريحا وتعريضا كما في البدائع. وقيد بالمعتدة لان الخالية عن نكاح وعدة تحل خطبتها تصريحا وتعريضا لجواز نكاحها لكن بشرط أن لا يخطبها غيره قبله فإن خطبها فعلى ثلاثة أوجه: إما أن تصرح بالرضا فتحرم، أو بالرد فتحل، أو تسكت فقولان للعلماء ولم أر هذا التفصيل لاصحابنا وأصله الحديث الصحيح لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه (1) وقيدوه بأن لا يأذن له. واستفيد من حرمة خطبة المعتدة حرمة نكاحها على غير المطلق بالاولى وهو ظاهر ولكن جعلوا دليله قوله تعالى * (ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله) * [ البقرة: 235 ] ووجهه أن المراد لا تعقدوا، وعبر عنه بالعزم لانه سببه مبالغة في المنع عنه، وقيل هو باق على حقيقته والمراد به الايجاب، يقال عزمت عليك أي أوجبت عليك والايجاب سبب للوجود ظاهرا فكان مجازا

[ 256 ]

عنه أي لا توجدوا عقد النكاح وهذا القول هو اختيار أكثر المحققين. وفي الكتاب وجهان: أحدهما المكتوب والمعنى حتى تبلغ العدة المفروضة آخرها. الثاني أن الكتاب بمعنى الفرض أي حتى يبلغ هذا الكتاب آخره ونهايته وتمامه في التفسير الكبير قوله: (وصح التعريض) وهو لغة خلاف التصريح والفرق بينه وبين الكناية أن التعريض تضمين الكلام دلالة ليس فيها ذكر كقولك ما أقبح البخل تعريض بأنه بخيل، والكناية ذكر الرديف وإرادة المردوف كقولك فلان طويل النجاد وكثير رماد القدير يعني أنه طويل القامة ومضياف، كذا في المغرب. والمراد به هنا أن يذكر شيئا يدل على شئ لم يذكره نحو أن يقول إني أريد أن أتزوج امرأة من أمرها كذا أو من أمرها كذا كما فسره ابن عباس رضي الله عنهما، وما قيل إن منه أن يقول لها إنك لجميلة وإني فيك لراغب وإنك لتعجبيني أو إني لارجو ا أن أجتمع أنا وإياك وإنك لدينة فهو غير سديد ولا يحل لاحدان يشافه امرأة أجنبية لا يحل له نكاحها للحال بمثل هذه الكلمات لان بعضها صريح في الخطبة وبعضها صريح في إظهار الرغبة فلا يجوز شئ من ذلك، كذا في البدائع. وظاهره أن التعريض جائز لكل معتدة وليس كذلك بل لا يجوز إلا للمتوفي عنها زوجها بالاجماع، كذا في المعراج. وأما المطلقة فغير جائز لما فيه من إيراث العداوة بين المطلق والخاطب بخلاف الميت فإن النكاح قد انقطع فلا عداوة من الميت ولا ورثته والاصل في ذلك قوله تعالى * (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكنتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا ان تقولوا قولا معروفا) * [ البقرة: 235 ] قال الرازي في تفسيره: أراد به المتوفى عنها زوجها بدليل سياق الآية والمعنى لا إثم عليكم فيما ذكرتم لهن من الالفاظ الموهمة لارادة نكاحهن أو أضمرتم في أنفسكم فلم تنطقوا به تعريضا ولا تصريحا، علم الله أنكم ستذكرونهن فاذكروهن ولكن لا تواعدوهن نكاحا، والاستثناء من لا تواعدوهن وهو منقطع لان القول المعروف ليس داخلا في السر والاستدراك مما قدرناه وتمامه في التفسير الكبير. قوله: (ولا تخرج معتدة الطلاق) لقوله تعالى * (لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) * [ الطلاق: 1 ] أي لا تخرجوا المعتدات من المساكن التي كنتم تسكنون فيها قبل الطلاق فإن كانت المساكن عارية فارتجعت من الساكن كان على الازواج أن يعينوا مساكن أخرى بطريق الشراء أو الكراء، وعلى الزوجات أيضا أن لا يخرجن حقا لله تعالى إلا لضرورة ظاهرة فإن خرجن ليلا أو نهارا كان حراما. وقال ابن عباس رضي الله عنهما:

[ 257 ]

الفاحشة الزنا فيخرجن لاقامة الحد وبه قال الاكثرون. وقال ابن عمر رضي الله عنهما: خروجها قبل انقضاء العدة. وقال بعضهم: العصيان الظاهر وهو النشوز عن المجاورة وجمع بين النهي عن الاخراج والخروج لان الاخراج إخراج الزوج لها غصبا وكراهة أو حاجة إلى المسكن وأن لا يأذن لها في الخروج إذا طلبت، والخروج خروجهن بأنفسهن إذا أردن ذلك، وقرئ مبينة بالكسر والفتح وتمامه في التفسير الكبير. وأخذ أبو حنيفة بتفسير ابن عمر رضي الله عنهما، كذا ذكره الاسبيحابي. وذكر في الجوهرة أن أصحابنا قالوا: الصحيح تفسيرها بالزنا كما فسره ابن مسعود رضي الله عنه. أطلقه فشمل الرجعي والبائن بنوعيه. والمراد معتدة الفرقة سواء كانت بطلاق أو بغيره ولو كانت بمعصية كتقبيلها ابن الزوج كما في البدائع، وما إذا خرجت بإذن المطلق وبغير إذنه حتى إن المطلقة رجعيا وإن كانت منكوحة حكما لا تخرج من بيت العدة، ولو أذن الزوج بخلاف ما قبل الطلاق لان الحرمة بعده للعدة وهي حق الله تعالى فلا يملكان إبطاله بخلاف ما قبله لان الحرمة لحق الزوج فيملك إبطاله بالاذن، وسيأتي أنها تخرج حالة الضرورة كما إذا أخرجت أو انهدم البيت فهو مقيد بحالة الاختيار. ولا بد من تقييدها بالحرية والتكليف لان الامة والمدبرة وأم الولد والمكاتبة والمستسعاة يجوز لها الخروج في عدة الطلاق والوفاة لان حالة العدة مبنية على حال النكاح، ولا يلزمها المقام في منزل زوجها حال النكاح فكذا بعده، ولان الخدمة حق المولى فلا يجوز إبطاله إلا إذا بوأها منزلا فحينئذ لا تخرج وله الرجوع، ولو بوأها في النكاح ثم طلقت فللزوج منعها من الخروج حتى يطلبها المولى. وأما الصغيرة والمجنونة فلا يتعلق بهما شئ من أحكام التكليف كما قدمناه في الحداد ولكن للزوج أن يمنع المجنونة تحصينا لمائه من الخروج، ويمنع الصغيرة إذا كانت مطلقة رجعيا كما في البدائع. وفي المعراج وشرح النقاية: والمراهقة كالبالغة في المنع من الخروج وكالكتابية في عدم وجوب الاحداد، وأما الكتابية فلا يحرم عليها الخروج لانها غير مخاطبة بحق الشرع إلا أن منعها الزوج صيانة لمائه، وكذا إذا أسلم زوج المجنونة وأبت الاسلام، كذا في البدائع. وفي الظهيرية: الكتابية لا تخرج إلا بإذن الزوج بخلاف المسلمة فإنها لا تخرج لا بإذن الزوج ولا بعدم الاذن ا ه‍. وبين العبارتين فرق

[ 258 ]

للمتأمل. وقيد بمعتدة الطلاق لان معتدة الوطئ لا يحرم عليها الخروج كالمعتدة عن عتق كأم الولد إذا أعتقها سيدها أو مات عنها والمعتدة عن نكاح فاسد أو وطئ بشبهة لانه لا يفيد المنع عن الخروج قبل التفريق فكذا في عدته إلا أن منعها الزوج لتحصين مائه فله ذلك، كذا في البدائع. وينبغي أن يلحق به أم الولد إذا أعتقها سيدها فله منعها لتحصين مائة، فإن أعتقت الامه في العدة أو أسلمت الكتابية حرم الخروج كما في البدائع. وينبغي أن يكون كذلك في الصغيرة إذا بلغت والمجنونة إذا أفاقت. وفي الظهيرية: وسائر وجوه الفرق التي توجب العدة من النكاح الصحيح والفاسد سواء يعني في حق حرمة الخروج من بيتها في العدة، فهذا تنصيص على أن المنكوحة نكاحا فاسدا تعتد في بيت الزوج. وحكى فتوى شمس الاسلام الاوزجندي أنها لا تعتد في منزل الزوج لانه لا ملك له عليها ا ه‍. وفي المجتبى: لا تمنع المعتدة عن نكاح فاسد من الخروج. وفي التتارخانية: إذا قبلت ابن زوجها فلا نفقة لها ولها السكنى، والنصراني إذا طلق النصرانية فلها النفقة لا السكنى. وشمل أيضا المنزل المملوك للزوج وغيره حتى لو كان غائبا وهي في دار بأجرة قادرة على دفعها فليس لها أن تخرج بل تدفع وترجع إن كان بإذن الحاكم، وشمل خروجها إلى صحن دار فيها منازل لغيره بخلاف ما إذا كانت المنازل له، وشمل أيضا المختلعة على نفقة عدتها فالصحيح المختار أنه لا يباح لها الخروج وبه أفتى الصدر الشهيد كما لو اختلعت على أن لا سكنى لها ويلزمها أن تكتري بيت الزوج كما في المعراج، ولو زارت أهلها والزوج معها أو لا فطلقها كان عليها أن تعود إلى منزلها ذلك فتعتد كما في فتح القدير. وفي المجتبى: لو طلقت في غير مسكنها تعود إلى مسكنها بغير تأخير. قوله: (ومعتدة الموت تخرج يوما وبعض الليل) لتكتسب لاجل قيام المعيشة لانه لا نفقة

[ 259 ]

لها حتى لو كان عندها كفايتها صارت كالمطلقة فلا يحل لها أن تخرج لزيارة ولا لغيرها ليلا ولا نهارا. والحاصل أن مدار الحل كون خروجها بسبب قيام شغل المعيشة فيتقدر بقدره فمتى انقضت حاجتها لا يحل لها بعد ذلك صرف الزمان خارج بيتها، كذا في فتح القدير. وأقول: لو صح هذا عمم أصحابنا الحكم فقالوا لا تخرج المعتدة عن طلاق أو موت إلا لضرورة لان المطلقة تخرج للضرورة بحسبها ليلا كان أو نهارا، والمعتدة عن موت كذلك فأين الفرق؟ فالظاهر من كلامهم جواز خروج المعتدة عن وفاة نهارا ولو كانت قادرة على النفقة ولهذا استدل أصحابنا بحديث قريعة بنت أبي سعيد الخدري رحمه الله تعالى أن زوجها لما قتل أتت النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنته في الانتقال إلى بني خدرة فقال لها: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله. فدل على حكمين إباحة الخروج بالنهار وحرمة الانتقال حيث لم ينكر خروجها ومنعها من الانتقال. وروى علقمة أن نسوة من همدان نعي إليهن أزواجهن فسألن ابن مسعود رضي الله عنه فقلن إنا نستوحش فأمرهن أن يجتمعن بالنهار فإذا كان بالليل فلترجع كل امرأة إلى بيتها، كذا في البدائع. وفي المحيط عزاء الثاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وفي الجوهرة: يعني ببعض الليل مقدار ما تستكمل به حوائجها. وفي الظهيرية: والمتوفى عنها زوجها لا بأس بأن تتغيب عن بيتها أقل من نصف الليل. قال شمس الائمة الحلواني: وهذه الرواية صحيحة ا ه‍. ولكن في الخانية: والمتوفى عنها زوجها تخرج بالنهار لحاجتها إلى نفقتها ولا تبيت إلا في بيت زوجها ا ه‍. فظاهره أنها لو لم تكن محتاتجة إلى النفقة لا يباح لها الخروج نهارا كما فهمه المحقق. قوله: (وتعتدان في بيت وجبت فيه إلا أن تخرج أو ينهدم) أي معتدة الطلاق والموت يعتدان في المنزل المضاف إليهما بالسكنى وقت الطلاق والموت ولا يخرجان منه إلا لضرورة لما تلوناه من الآية. والبيت المضاف إليها في الآية ما تسكنه كما قدمناه، سواء كان الزوج ساكنا معها أو لم يكن، كذا في البدائع. ولهذا قدمنا أنها لو زارت أهلها فطلقها زوجها كان عليها أن تعود إلى منزلها فتعتد فيه. واستفيد من كلامه أن أجر المنزل بعد وفاة الزوج من مالها إن كان لها مال، وبعد الطلاق على الزوج، فإن كان الزوج غائبا فطولبت بالكراء فعليها إعطاؤه من مالها حيث كانت قادرة وترجع به عليه إن دفعت بإذن القاضي، هكذا في البدائع

[ 260 ]

وغيرها، هكذا أطلقه الشيخان خواهر زاده وشمس الائمة السرخسي، وظاهره أنها لا تخرج منها قبل العدة وإن لم تكن مستأجرة ولا زوجها مستأجرا. وذكر شمس الائمة الحلواني أن المنزل إذا كان بأجارة ينظر، إن كانت مشاهرة فلها التحول وإن كانت إجارة إلى مدة طويلة فليس لها التحول، كذا في الظهيرية. واستفيد أيضا أن المطلق لو طلب من القاضي أن يسكنها بجواره لا يجيبه إلى ذلك وإنما تعتد في مسكن كانت تسكنه قبل المفارقة، كذا في الظهيرية. وأطلق في الاخراج فشمل ما إذا أخرجها المطلق ظلما وتعديا وما إذا أخرجها صاحب الدار لعدم قدرتهما على الكراء ووجدت منزلا بغير كراء وما إذا أخرجها الوارث وكان نصيبها من البيت لا يكفيها. وفي المجتبى: كان نصيبها من دار الميت لا يكفيها اشترت من الاجانب وأولاده الكبار وكذا في الطلاق البائن ا ه‍. وظاهره وجوب الشراء عليها إن كانت قادرة ويقال يجب الكراء والشراء إن أمكن وحكم ما انتقلت إليه حكم المسكن الاصلي فلا تخرج منه على ما أسلفناه وتعيين المنزل الثاني للزوج في معتدة الطلاق ولها في الوفاة كما في فتح القدير، وكذا إذا كان زوجها غائبا وطلقها فالتعيين لها، كذا في المعراج. وفي المعراج أيضا: عين انتقالها إلى أقرب المواضع مما انهدم في الوفاة وإلى حيث شاءت في الطلاق. والمراد بالانهدام خوفه - كما في الظهيرية - فلها الخروج إذا حافت الانهدام عليها والمراد إذا خافت على نفسها أو متاعها من اللصوص فلها التحول للضرورة وليس المراد حصر الاعذار فيما ذكره. فمنها ما في الظهيرية لو لم يكن معها أحد في البيت وهي تخاف بالليل بالقلب من أمر الميت والموت إن كان الخوف شديدا كان لها التحول، وإن لم يكن شديدا فليس لها التحول، كذا في الظهيرة. وفي القنية: خرجت المعتدة لاصلاح ما لا بد لها كالزراعة وطلب النفقة وإخراج الكرم ولا وكيل لها فلها ذلك ا ه‍. ومنها: طلقها بالبادية وهي معه في محفة أو خيمة والزوج ينتقل من موضع إلى آخر للكلا والماء فإن كان يدخل عليها ضرر بين في نفسها ومالها بتركها في ذلك الموضع فله أن يتحول بها وإلا فلا، كذا في الظهيرية أيضا. وليس منها سفرها للحج أو للعمرة فلا تخرج المعتدة لسفر حج أو عمرة، كذا في المعراج. وليس للزوج المسافرة بالمعتدة ولو عن رجعي وقدمناه في بابها، ولم يبين المصنف حكم إقامته معها في منزل الطلاق.

[ 261 ]

قال في المجتبى: وإذا وجب الاعتداد في منزل الزوج فلا بأس بأن يسكنا في بيت واحد إذا كان عدلا، سواء كان الطلاق رجعيا أو بائنا أو ثلاثا والافضل أن يحال بينهما في البينونة بستر إلا أن يكون الزوج فاسقا فيحال بامرأة ثقة تقدر على الحيلولة بينهما، وإن تعذر فلتخرج هي وتعتد في منزل آخر، وكذا لو ضاق البيت وإن خرج هو كان أولى ولهما أن يسكنا بعد الثلاث في بيت إذا لم يلتقيا التقاء الازواج ولم يكن فيه خوف فتنة ا ه‍. وهكذا صرح في الهداية بأن خروجه أولى من خروجها عند العذر، ولعل المراد أنه أرجح فيجب الحكم به كما يقال إذا تعارض محرم ومبيح ترجح المحرم أو فالمحرم أولى، ويراد ما قلنا في هذا لانهم عللوا أولوية خروجه بأن مكثها واجب لا مكثه، كذا في فتح القدير. وقد استفيد من كلامهم أن الحائل يمنع الخلوة المحرمة. قال في الظهيرية: يجعل بينهما حجاب حتى لا يكون بينه وبين امرأة أجنبية خلوة، وإنما اكتفي بالحائل لان الزوج معترف بالحرمة ا ه‍. فيمكن أن يقال في الاجنبية كذلك وإن لم تكن معتدته إلا أن يوجد نقل بخلافه، وكذا حكم السترة إذا مات زوجها وله أولاد كبار أجانب كما في المعراج. وأما نفقة هذه المرأة الحائلة بينهما فقال في تلخيص الجامع الكبير للصدر الشهيد من باب ما يوضع عند العدل: شهدا أو واحد عدل أنه طلقها ثلاثا وقد دخل يمنع من الخلوة بها مدة المسألة بأمينة نفقتها في بيت المال لانه يعتقد الحل والعدل كغيره وبخلاف المعتدة، فإن طلبت النفقة تفرض نفقة العدة مدتها لانها زوجة أو معتدة بخلاف ما قبل الدخول ا ه‍. وتمام مسائل الحيلولة في كتاب القضاء من البزازية وغيرها. قوله: (بانت أو مات عنها في سفر وبينها وبين مصرها أقل من ثلاثة أيام رجعت إليه) أي إلى مصرها مطلقا سواء كانت في المصر أو غيره، هذا إذا كان المقصد ثلاثة أيام، أما إذا كان المقصد أقل فهي مخيرة قوله: (ولو ثلاثة أيام رجعت أو مضت) أي لو كان بينها وبين مصرها ثلاثة أيام خيرت إذا كان المقصد كذلك وهي في المفازة ولكن

[ 262 ]

الرجوع أولى، أما إذا كان المقصد أقل من ثلاثة أيام تختار الادنى قوله: (معها ولي أو لا) متعلق بالصورتين قوله: (ولو كانت في مصر تعتد ثمة فتخرج بمحرم) فلا تخرج قبل انقضائها مطلقا، سواء كان لها محرم أو لا. قيد بالبائن لان المطلقة رجعيا تابعة للزوج ولا تفارقه. وحاصل الوجوه كما في فتح القدير إما أن يكون بينهما وبين مصرها ومقصدها أقل من السفر فتتخير والاولى الرجوع على ما في الكافي، وعلى ما في النهاية وغيرها يتعين الرجوع. وإن كان أحدهما سفرا والآخر دونه فتختار ما دونه، فإن كان كل منهما سفرا فلا يخلو إما أن يكون في مفازة أو مصر، فإن كانت في مفازة تخيرت والاولى الرجوع، وإن كانت في مصر لم تخرج بغير محرم. وفي البدائع: لو كانت الجهتان مدة سفر فمضت أو رجعت وبلغت أدنى المواضع التي تصلح للاقامة أقامت فيه واعتدت إن لم تجد محرما بلا خلاف، وكذا إن وجدت عند أبي حنيفة، ومثله في المحيط والله أعلم بالصواب. باب ثبوت النسب لما كان من آثار الحمل ذكره عقيب العدة قوله: (ومن قال إن نكحتها فهي طالق فولدت لستة أشهر منذ نكحها لزمه نسبه ومهرها) أما النسب فلانها فراشه لانها لما جاءت بالولد لستة أشهر من وقت النكاح فقد جاءت به لاقل منها من وقت الطلاق فكان العلوق قبله في حالة النكاح والتصور ثابت بأن تزوجها وهو مخالطها فوافق الانزال النكاح، والنسب مما يحتاط في إثباته. والتزوج في هذه الحالة إما بتكلمهما وسماع الشهود أو بأنهما وكلا في التزويج فزوجهما الوكيل وهما في هذه الحالة والثاني أحسن كما لا يخفى. ولقائل أن يقول: إن الحمل على ما إذا تزوجها وهو مخالط لها حمل المسلم على الحرام وهو لا يجوز ولذا فر بعض المشايخ عن إثبات هذا التصور وقال لا حاجة إلى هذا التكلف بل قيام الفراش كاف، ولا يعتبر إمكان الدخول لان النكاح قائم مقامه كما في تزوج المشرقي بمغربية بينهما مسيرة سنة

[ 263 ]

فجاءت بولد لستة أشهر من يوم تزوجها لكن في فتح القدير: والحق أن التصور شرط، ولذا لو جاءت امرأة الصبي بولد لا يثبت نسبه والتصوير ثابت في المغربية لثبوت كرامات الاولياء والاستخدامات فيكون صاحب خطوة أو جني ا ه‍. ولم يجب عما ذكرناه. قيد بأن تلده لستة أشهر من غير زيادة ولا نقصان لانها لو ولدته لاقل منها لم يثبت نسبه لان العلوق حينئذ من زوج قبل النكاح، ولو ولدته لاكثر منها لم يثبت أيضا لاحتمال حدوثه بعد الطلاق وقد حكمنا به حيث حكمنا بعدم وجوب العدة لكونه قبل الدخول والخلوة ولم يتبين بطلان هذا الحكم. وتعقبه في فتح القدير بأن نفيهم النسب هنا في مدة يتصور أن يكون منه وهو سنتان ينافي الاحتياط في إثباته، والاحتمال المذكور في غاية البعد فإن العادة المستمرة كون الحمل أكثر من ستة أشهر وربما يمضي دهور لم تسمع فيها الولادة لستة أشهر فكان لظاهر عدم حدوثه وحدوثه احتمال فأي احتياط في إثبات النسب إذا نفيناه لاحتمال ضعيف يقتضي نفيه وتركنا ظاهرا يقتضي ثبوته وليت شعري أي الاحتمالين أبعد، الاحتمال الذي فرضوه لتصور العلوق منه ليثبتوا النسب وهو كونه تزوجها وهو يطؤها وسمع كلامهما الناس وهما على تلك الحالة ثم وافق الانزال العقد، أو احتمال كون الحمل إذا زاد على ستة أشهر بيوم يكون من غيره ا ه‍. وأما المهر فلانه لما ثبت النسب منه جعل واطئا حكما فتأكد المهر به. وقال أبو يوسف في الاملاء: القياس أنه يجب مهر ونصف بالوطئ بعد وقوع الطلاق وقبله. والجواب أنا إذا قدرنا أنه تزوجها حالة المواقعة لم تكن المواقعة بعد الطلاق فلا يلزمه إلا مهر واحد، ذكر ابن بندار في شرح الجامع الصغير. وبه اندفع ما قيل لا يلزم من ثبوت النسب منه وطؤه لانه الحمل قد يكون بإدخال الماء الفرج بدون جماع مع أنه نادر والوجه الظاهر هو المعتاد. وفي فتح القدير: واعلم أنه إذا كان الاصح في ثبوت هذا النسب إمكان الدخول وتصوره ليس إلا بما ذكر من تزويجها حال وطئها المبتدأ به قبل التزوج وقد حكم فيه بمهر واحد في

[ 264 ]

صريح الرواية يلزم كون ما ذكره مطلقا ومنسوبا، وقدمناه في باب المهر من أنه لو تزوجها في حال ما يطؤها كان عليه مهران مهر بالزنا لسقوط الحد بالتزوج قبل تمامه، ومهر بالنكاح لان هذا أكثر من الخلوة مشكلا لمخالفته لصريح المذهب. وأيضا الفعل واحد وقد اتصف بشبهة الحل فيجب مهر واحد بخلاف ما لو قال إن تزوجتها فهي طالق ونسي فتزوجها ووطئها حيث يجب مهر ونصف لان الطلاق قبل الوطئ، أما هنا الطلاق مع الوطئ الحلال في فعل متحد فصار الفعل كله له شبهة الحل وقد وجب المهر فلا يجب مهر آخر ا ه‍. وقد دل كلام المصنف على مسألتين: إحداهما أن من طلق امرأته قبل الدخول بها فجاءت بولد لاقل من ستة أشهر منذ طلقها أنه يلزمه لتيقننا بالعلوق حال قيام النكاح، وإن جاءت به لستة أشهر أو أكثر لا يلزمه لعدم التيقن بذلك، ويستوي في هذا الحكم ذواب الاقرار وذوات الاشهر. ثانيهما أن من تزوج امرأة فولدت لاقل من ستة أشهر من وقت النكاح لا يثبت نسبه وستأتي صريحة. وذكر في النهاية أنه لا يكون محصنا بالوطئ في مسألة الكتاب قوله: (ويثبت نسب ولد معتدة الرجعي وإن ولدته لاكثر من سنتين ما لم تقر بمضي العدة وكانت رجعة في الاكثر منهما لا في الاقل منهما) أي من السنتين لاحتمال العلوق في حالة العدة لجواز أنها تكون ممتدة الطهر، فإن جاءت به لاقل من سنتين بانت من زوجها لانقضاء العدة وثبت نسبه لوجود العلوق في النكاح أو في العدة ولا يصير مراجعا لانه يحتمل العلوق قبل الطلاق، ويحتمل بعده فلا يصير مراجعا بالشك، وإن جاءت به لاكثر من سنتين كانت رجعة لان العلوق بعد الطلاق والظاهر أنه منه لانتفاء الزنا منها فيصير بالوطئ مراجعا والاصل أن أقل مدة الحمل ستة أشهر وأكثرها سنتان، ففي كل موضع يباح الوطئ فيه فهي مقدرة بالاقل وهو أقرب الاوقات إلا أن يلزم إثبات رجعة بالشك أو إيقاع طلاق بالشك أو استحقاق مال

[ 265 ]

بالشك فحينئذ يستند العلوق إلى أبعد الاوقات وهو ما قبل الطلاق لان هذه الاشياء لا تثبت بالشك، وفي كل موضع لا يباح الوطئ فيه فمدة الحمل سنتان ويكون العلوق مستندا إلى أبعد الاوقات للحاجة إلى إثبات النسب وأمره مبني على الاحتياط، كذا في غاية البيان. أطلق في الاكثر منهما فشمل عشرين سنة أو أكثر، وقيد بعدم إقرارها لانها لو أقرت بانقضائها والمدة محتملة بأن يكون ستين يوما على قول أبي حنيفة، وتسعة وثلاثين يوما على قولهما، ثم جاءت بولد لا يثبت نسبه إلا إذا جاءت به لاقل من ستة أشهر من وقت الاقرار فإنه يثبت نسبه للتيقين بقيام الحمل وقت الاقرار فيظهر كذبها. وإنما نفى الاقل بقوله لا في الاقل منهما مع فهمه من التقييد بالاكثر لبيان أن حكم السنتين حكم الاكثر ولذا قال في الاختيار: وإذا جاءت به لسنتين أو أكثر كان رجعة ا ه‍. وأطلق في المعتدة فشمل المعتدة بالحيض أو بالاشهر ليأسها، ولا فرق بينهما كما في البدائع إلا إذا أقرت بانقضائها بالاشهر لاياسها مفسرا بثلاثة أشهر فإنه يثبت نسب ولدها إذا جاءت به لاقل من سنتين من وقت الطلاق بائنا كان أو رجعيا لانها لما ولدت تبين أنها لم تكن آيسة فتبين أن عدتها لم تكن بالاشهر فلم يصح إقرارها بانقضاء عدتها بالاشهر فصار كأنها لم تقر أصلا قوله: (والبت لاقل منهما) أي ويثبت نسب ولد معتدة الطلاق البائن إذا ولدته لاقل من سنتين من وقت الطلاق لانه يحتمل أن يكون الولد قائما وقت الطلاق فلا يتيقين بزوال الفراش فيثبت النسب احتياطا قوله: (وإلا لا) صادق بصورتين بما إذا أتت به لسنتين فقط، وبما إذا أتت به لاكثر منهما، واقتصر الشارح على الثاني. وصرح في المجتبي والنقاية بأن حكم السنتين كالاكثر وهو ظاهر المختصر، أما إذا أتت به لاكثر منهما فظاهر لان الحمل حادث بعد الطلاق فلا يكون منه لحرمة وطئها في العدة بخلاف الرجعي، وأما إذا أتت به لتمام السنتين فمشكل فإنهم اتفقوا

[ 266 ]

على أن أكثر مدة الحمل سنتان وألحقوا السنتين بالاقل منهما حتى أنهم أثبتوا النسب إذا جاءت به لتمام سنتين، وجوابه بالفرق فإن في مسألة البيتوتة إذا جاءت به لسنتين من وقت الطلاق لو أثبتنا النسب منه للزم أن يكون العلوق سابقا على الطلاق حتى يحل الوطئ فحينئذ يلزم كون الولد في بطن أمه أكثر من سنتين وفي الحديث لا يمكث الولد أكثر من سنتين في بطن أمه بخلاف غير المبتوتة لحل الوطئ بعد الطلاق، ولم يذكر المصنف في مسألة المبتوتة القيد الذي ذكره في الرجعية وهو عدم الاقرار بانقضاء عدتها مع أنه قيد فيهما كما صرح به في البدائع. وقوله وإلا لا مقيد بما إذا لم تلد ولدا قبله لاقل من سنتين وبينهما أقل من ستة أشهر حتى لو ولدت توأمين أحدهما لاقل من سنتين والآخر لاكثر منهما ثبت نسبهما منه عند أبي حنيفة وأبي يوسف كالجارية إذا ولدت ولدين بعد بيعها ثم ادعى البائع الاول ثبت نسبهما منه لانهما خلقا من ماء واحد. وقال محمد: لا يثبت نسبهما لان الثاني من علوق حادث فمن ضرورته أن يكون الاول كذلك بخلاف مسألة الجارية لانه يحتمل أن يكون الاول علق به وهو في ملكه لعدم الاستحالة حتى لو ولدت أحدهما لاقل من سنتين والآخر لاكثر ينبغي أن يكون الحكم كذلك. أو نقول: يمكن أن يفرق بينهما بأن البائع التزمه قصدا بالدعوة والزوج لم يدع حتى لو أدعى الزوج الاول كان مثله، ولو خرج بعضه لاقل من سنتين وباقية لاكثر من سنتين لا يلزمه حتى يكون الخارج لاقل من سنتين نصف بدنة أو يخرج من قبل الرجلين أكثر البدن لاقل والباقي لاكثر، ذكره محمد. ولم يذكر المصنف رحمه الله أن عدتها انقضت بوضع الحمل أو قبله. قالوا: فيما إذا ولدته لاكثر يحكم بانقضاء عدتها قبل ولادتها بستة أشهر عند أبي حنيفة ومحمد فيجب أن ترد نفقة ستة أشهر حملا على أنه من غيره بنكاح صحيح وأقل مدة الحمل ستة أشهر فقد أخذت مالا لا تستحقه في هذه الستة أشهر فترده. وقال أبو يوسف: لا تنقضي إلا بوضع الحمل بدليل جواز عدم تزوجها بالغير قبل وضعه فيحمل على الوطئ

[ 267 ]

بشبهة. وذكر القاضي الاسبيجابي: وكذلك إذا طلق الرجل امرأته في حال المرض فامتد مرضه إلى سنتين وامتدت عدتها إلى سنتين ثم مات ثم ولدت المرأة بعد الموت بشهر وقد كان أعطاها النفقة إلى وقت الوفاة فإنها لا ترثه ويسترد منها نفقة خمسة أشهر عند أبي حنيفة ومحمد قاله. وقال أبو يوسف: ترث ولا يسترد منها شيئا اه‍. وأطلق في البت فشمل الواحدة والثلاث كما في البدائع، وشمل الحرة والامة لكن بشرط أن لا يملكها بعد الطلاق، فلو تزوج أمة ثم دخل بها ثم طلقها واحدة ثم ملكها يلزمه ولدها إن جاءت به لاقل من ستة أشهر من يوم الملك، ولا يلزمه إذا جاءت به لستة أشهر فصاعدا كما سيأتي في آخر الباب مفصلا. واعلم أن ثبوت النسب فيما ذكر من ولد المطلقة الرجعية والبائنة مقيد بما سيأتي من الشهادة بالولادة أو اعتراف من الزوج بالحبل أو حبل ظاهر. وفي الخانية: المعتدة عن طلاق بائن إذا تزوجت بزوج آخر في العدة وولدت بعد ذلك إن ولدت لاقل من سنتين من وقت طلاق الاول ولاقل من ستة أشهر من وقت نكاح الثاني كان الولد للاول، وإن ولدت لاكثر من سنتين من وقت طلاق الاول لا يلزم الاول، ثم ينظر، إن ولدت لستة أشهر من وقت نكاح الثاني فالولد للثاني وإلا فلا اه‍. وبه علم أن ما في المختصر شامل لما إذا تزوجت المبتوتة في العدة أو لم تتزوج، ولم يبين في الخانية فيما إذا أتت به لاقل من وقت طلاق الاول ولستة أشهر من وقت نكاح الثاني. وفي البدائع: إنه للثاني والنكاح جائز لان إقدامها على التزوج دليل انقضاء عدتها من الاول، وكذلك إذا أتت به للاكثر من وقت الطلاق ولاقل من ستة أشهر من وقت النكاح ولم يثبت من الاول ولا من الثاني فإن النكاح صحيح عندهما خلافا لابي يوسف بناء على تزوج الحامل من الزنا. هذا إذا لم يعلم أنها كانت معتدة وقت النكاح، فإن علم وقع الثاني فاسدا فإن جاءت بولد فإن النسب يثبت من الاول إن أمكن إثبات منه بأن جاءت به لاقل من سنتين منذ طلقها الاول أو مات ولستة أشهر فأكثر منذ تزوجها الثاني، فإن جاءت به لاكثر من سنتين من وقت الطلاق ولستة أشهر من وقت التزوج فهو للثاني، كذا في البدائع قوله: (إلا أن يدعيه) استثناء من النفي يعني إذا جاءت به المبتوتة لاكثر وادعاء الزوج يثبت نسبه منه لانه التزمه وله وجه بأن وطئها بشبهة في العدة، كذا في الهداية وغيرها. وتعقبه في التبيين بأن المبتوتة بالثلاث إذا وطئها الزوج بشبهة كانت شبهة في الفعل وفيها لا يثبت النسب وإن ادعاه نص عليه في كتاب الحدود فكيف أثبت به النسب هنا اه‍. وجوابه تسليم أن شبهة الفعل لا يثبت النسب فيها وإن ادعاه إذا كانت متمحضة وإلا فلا كما في المطلقة ثلاثا أو على مال فإنه لا يثبت النسب فيهما بالدعوة لان الشبهة فيهما لم

[ 268 ]

تتمحض للفعل بل هي شبهة عقد أيضا فلا يكون بين النصين تناقض، وهذا أولى من حمل بعضهم المذكور هنا على المبانة بالكنايات فإن الشبهة فيها شبهة المحل، وأما المطلقة ثلاثا أو على مال فلا يثبت فيها النسب بالدعوة لان المنصوص عليه هنا أعم من المبتوتة بالكنايات أو بالثلاث أو على مال، وقد صرح ابن الملك في شرح المجمع أن من وطئ امرأة أجنبية زفت إليه وقيل له إنها امرأتك فهي شبهة في الفعل وأن النسب يثبت إذا ادعاه، فعلم أنه ليس كل شبهة في الفعل تمنع دعوى النسب. وأطلق في المختصر فأفاد أنه لا يشترط تصديق المرأة وفيه روايتان كما في البدائع، والاوجه أنه لا يشترط لانه ممكن منه وقد ادعاه ولا معارض ولذا لم يشترطه السرخسي والبيهقي فدل على ضعف رواية الاشتراط، وغرابتها كغرابة ما نقله في المجتبى أن توقف ثبوت النسب فيما إذا جاءت به للاكثر على الدعوى إنما هو قول أبي يوسف، وأما عندهما فيثبت النسب بلا دعوة لاحتمال الوطئ بشبهة في العدة اه‍. وفي البدائع: وكل جواب عرفته في المعتدة عن طلاق فهو الجواب في المعتدة من غير طلاق من أساب الفرقة اه‍. قوله: (والمراهقة لاقل من تسعة أشهر وإلا لا) أي ويثبت نسب ولد المطلقة المراهقة إذا أتت به لاقل من تسعة أشهر وقد كان دخل بها ولم تقر بانقضاء عدتها ولم تدع حبلا، وإن جاءت به لتسعة أشهر فأكثر لا يثبت. وهذا عند أبي حنيفة ومحمد سواء، كان الطلاق رجعيا أو بائنا كما أطلقه المصنف. وقال أبو يوسف: يثبت النسب إلى سنتين في الطلاق البائن كالكبيرة وإلى سبعة وعشرين شهرا في الطلاق الرجعي لانه يجعل واطئا في آخر العدة وهي الثلاثة الاشهر ثم تأتي به لاكثر مدة الحمل وهي سنتان. ولهما أن لانقضاء عدة الصغيرة جهة متعينة وهي الاشهر فبمضيها يحكم الشرع بالانقضاء وهو في الدلالة فوق إقرارها لانه لا يحتمل الخلاف والاقرار يحتمله، فإذا ولدت قبل مضي تسعة أشهر من وقت الطلاق تبين أن الحمل كان قبل انقضاء العدة، وإن ولدته لتسعة أشهر فأكثر فهو حمل حادث بعد انقضاء عدتها بالاشهر، وقد وقع في البدائع هذا غلط فاجتنبه فإنه قال: إذا لم تقر

[ 269 ]

بانقضاء عدتها فإن جاءت به لاقل من ستة أشهر من وقت الطلاق يثبت النسب وإن جاءت به لستة أشهر أو لاكثر لا يثبت. وصوابه ابدال الستة بالتسعة كما في المختصر أو إبدال قوله من وقت الطلاق بقوله من وقت انقضاء العدة بالاشهر الثلاثة والعبارتان سواء. قيد المصنف بكونها مطلقة لانها لو مات عنها زوجها ولم تقر بالحبل ولا بانقضاء العدة فعندهما إن ولدت لاقل من عشرة أشهر وعشرة أيام يثبت النسب لانه تبين أنه كان موجودا قبل مضي عدة الوفاة وإلا لم يثبت لانه حادث بعد مضيها. وعند أبي يوسف يثبت إلى سنتين كالكبيرة. وإن أقرت بانقضاء العدة بعد أربعة أشهر وعشر ثم ولدت لستة أشهر فصاعدا لم يثبت النسب منه. وقيدنا بكونه دخل بها لانه لو لم يدخل بها وجاءت بولد فإن كان لاقل من ستة أشهر من وقت الطلاق يثبت نسبه، وإن جاءت به لاكثر منها لا يثبت لحصول العلوق وهي أجنبية كما في غاية البيان. وقيدنا بكونها لم تقر بانقضائها لانها لو أقرت به بعد ثلاثة أشهر ولم تدع حبلا ثم جاءت بولد، فإن كان لاقل من ستة أشهر من ستة أشهر من وقت الاقرار يثبت النسب، وإن جاءت به لستة أشهر أو أكثر يثبت النسب لانقضاء العدة ومجئ الولد لمدة جبل تام بعده. وقيدنا بكونها لم تدع حبلا لانها لو أقرت بالحبل فهو إقرار منها بالبلوغ فيقبل قولها فصارت كالكبيرة في حق ثبوت نسبه من حيث إنها لا يقتصر انقضاء عدتها على أقل من تسعة، فإن كان الطلاق بائنا يثبت نسب ولدها لاقل من سنتين، وإن كان رجعيا يثبت نسبه إذا أتت به لاقل من سبعة وعشرين شهرا كما في غاية البيان لا مطلقا فإن الكبيرة يثبت نسب ولدها في الطلاق الرجعي لاكثر من سنتين وإن طال إلى سن الاياس لجواز امتداد طهرها ووطئه إياها في آخر الطهر، وتعبير المصنف بالمراهقة أولى من تعبير كثير بالصغيرة لان المراهقة هي التي تلد لا ما دونها ومن تعبير الهداية بالصغيرة التي يجامع مثلها كما لا يخفى قوله: (والموت لاقل منهما) معطوف على الرجعي أي ويثبت نسب ولد معتدة الموت إذا جاءت به لاقل من سنتين من وقت الموت. وقال زفر: إذا جاءت به بعد انقضاء عدة الوفاة لستة أشهر لا يثبت النسب لان الشرع حكم بانقضاء عدتها بالشهور لتعين الجهة فصار كما إذا أقرت بالانقضاء كما بينا في الصغيرة إلا أنا نقول: لانقضاء عدتها جهة أخرى وهو وضع الحمل بخلاف الصغيرة لان الاصل فيها عدم الحمل لانها ليست بمحل له قبل البلوغ وفيه شك. أطلق في معتدة الموت وهو مقيد بالكبيرة، وأما الصغيرة فقدمنا حكمها ومقيد بما إذا لم تقر بانقضاء عدتها، وأما إذا أقرت فهي داخلة في عموم المسألة الآتية عقيب هذه. وشمل كلامه المدخول

[ 270 ]

بها وغيرها كما في البدائع، وشمل ما إذا كانت من ذوات الاقراء أو من ذوات الاشهر لكن قيده في البدائع بأن تكون من ذوات الاقراء قال: وأما إذا كانت من ذوات الاشهر فإن كانت آيسة أو صغيرة فحكمها في الوفاة ما هو حكمها في الطلاق وقد ذكرناه اه‍. وقيد بالاقل لانها لو جاءت بولد لاكثر من سنتين من وقت الموت لا يثبت نسبه، كذا في البدائع. ولم أر من صرح بالسنتين وينبغي أن يكون كالاكثر كما تقدم في نظيره قوله: (والمقرة بمضيها لاقل من ستة أشهر من وقت الاقرار وإلا لا) أي ويثبت نسب ولد المعتدة المقرة بمضيها إذا جاءت بالولد لاقل من ستة أشهر من وقت الاقرار لانه ظهر كذبها بيقين فيبطل الاقرار، ولو جاءت به لستة أشهر أو أكثر من وقت الاقرار لم يثبت لانا لم نعلم بطلان الاقرار لاحتمال الحدوث بعده وهو المراد بقوله وإلا لا. وذكر في التبيين أن هذا إذا جاءت به لاقل من سنتين من وقت الفراق بالموت أو بالطلاق، وإن جاءت به لاكثر منهما لا يثبت وإن كان لاقل من ستة أشهر من وقت الاقرار كما إذا أقرت بعدما مضى من عدتها سنتان إلا شهرين فجاءت بولد بعد ثلاثة أشهر من وقت الاقرار لم يثبت نسبه منه لان شرط ثبوته أن يكون لاقل من سنتين من وقت الفراق بالموت أو بالطلاق وبعده لا يثبت، وإن لم تقر بالانقضاء فمع الاقرار أولى إلا إذا كان الطلاق رجعيا فحينئذ يثبت ويكون مراجعا على ما بينا من قبل. بقي فيه إشكال وهو ما إذا أقرت بانقضاء عدتها ثم جاءت بولد لاقل من ستة أشهر من وقت الاقرار ولاقل من سنتين من وقت الفراق ينبغي أن لا يثبت نسبه إذا كانت المدة تحتمل ذلك بأن أقرت بعدما مضى سنة مثلا ثم جاءت بولد لاقل من ستة أشهر من وقت الاقرار لانه يحتمل أن عدتها انقضت في شهرين أو ثلاثة

[ 271 ]

أشهر ثم أقرت بعد ذلك بزمان طويل، ولا يلزم من إقرارها بانقضاء العدة أن تنقضي في ذلك الوقت فلم يظهر كذبها بيقين إلا إذا قالت انقضت عدتي الساعة ثم جاءت بولد لاقل من ستة أشهر من ذلك الوقت اه‍. وهذا الاشكال ظاهر ويجب أن يكون كلامهم محمولا على ما إذا أقرت بالانقضاء الساعة كما يفهم من غاية البيان. أطلق المعتدة فشمل المعتدة عن طلاق بنوعيه وعن وفاة كما في الهداية لكن في الخانية والآيسة تعتد بالاشهر، فإذا ولدت ثبت نسب ولدها في الطلاق إلى سنتين أقرت بانقضاء العدة أو لم تقر اه‍. وقدمناه عن البدائع فارجع إليه قوله: (والمعتدة أن جحدت ولادتها بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين أو حبل ظاهر أو اقرار به أو تصديق الورثة) أي ويثبت نسب ولد المعتدة إن جحدت ولادتها بأحد أمور أربعة فلا يثبت بشهادة امرأة واحدة عند أبي حنيفة خلافا لهما لان الفراش قائم بقيام العدة وهو ملزم للنسب والحاجة إلى تعيين الولد فيه فيتعين بشهادتها، وله أن العدة تنقضي بإقرارها بوضع الحمل والمنقضي ليس بحجة فمست الحاجة إلى إثبات النسب ابتداء فيشترط كمال الحجة. وإنما اكتفى بظهور الحبل أو الاعتراف به لان النسب ثابت قبل الولادة والتعيين يثبت بشهادتها، وإنما اكتفى بتصديق الورثة إذا كانت معتدة عن وفاة فصدقها الورثة في الولادة ولم يشهد أحد عليها في قولهم جميعا لان الارث خالص حقهم فيقبل فيه تصديقهم، وأما في النسب فظاهر المختصر أنه يثبت في حق غيرهم أيضا لان الثبوت في حق غيرهم تبع للثبوت في حقهم ولذا كان الاصح أنه لا يشترط في تصديقهم لفظ الشهادة في مجلس الحكم، ولذا عبر في المختصر بلفظ التصديق دون الشهادة لان ما ثبت تبعا لا تراعى فيه الشرائط، وقيل يشترط ليتعدى إلى غير المصدق. وقيد بأن يكون المصدق جمعا من الورثة لان المصدق لو كان رجلا أو امرأة لم يشارك جميع الورثة. ولو صدقها رجل وامرأتان منهم شارك المصدقين والمكذبين فكان ذلك كشهادة غيرهم إلا أنهم لم يعتبروا لفظ الشهادة والخصومة بين يدي القاضي لانه يشبه الاقرار لانه يشاركهم بإقرارهم، فمن حيث إنه يشبه الشهادة اعتبر العدد، ومن حيث إنه يشبه الاقرار ما اعتبرنا الخصومة وإتيان لفظ الشهادة توفيرا على الشبهين حظهما، كذا في شرح الجامع الصغير لابن بندار. وحاصله أنه يشترط أحد شرطي الشهادة في تصديقهم وهو العدد نظرا إلى أنه شهادة ولم يشترط لفظ الشهادة، وينبغي أن لا تشترط العدالة أيضا وعلى هذا لو قال المصنف وتصديق ورثة بالتنكير لكان أولى لان الالف واللام أبطلت معنى الجمعية

[ 272 ]

كما في قوله لا أشتري العبيد ولا أتزوج النساء لكن ذكر في البدائع أن العدد إنما اشترطه من جعلها شهادة كما اشترط لفظها، ومن جعل التصديق اقرارا فلم يشترط لفظها ولم يشترط العدد أيضا. وعبارة فتاوى قاضيخان: امرأة ولدت بعد موت زوجها ما بينها وبين سنتين إن صدقها الورثة في الولادة يثبت نسب الولد من الميت في حق من صدقها. وهل يثبت النسب في حق غيرهم؟ إن كان يتم نصاب الشهادة بهم يثبت، واختلفوا في اشتراط لفظ الشهادة اه‍. وظاهره أن العدد لا بد منه ليتعدى في حق الكل عند الكل. وأطلق في المعتدة فشمل المعتدة عن طلاق رجعي أو بائن والمعتدة عن وفاة كما صرح به في غاية البيان معزيا إلى فخر الاسلام. وقيدها الامام السرخسي بالطلاق البائن، والحق التفصيل في المعتدة عن طلاق رجعي، إن أتت به لاقل من سنتين فكالمعتدة عن طلاق بائن لانقضاء فراشها بالولادة، وإن أتت به لاكثر من سنتين يثبت نسب ولدها بشهادة القابلة من غير زيادة شئ اتفاقا كما في المنكوحة لان الفراش ليس بمنتقض في حقها لانها تكون رجعة كما قدمناه. وصرح في البدائع بأنه لا فرق بين الرجعي والبائن إلا أنه علل بما يخص الاول بقوله لانها بعد انقضاء العدة أجنبية في الفصلين جميعا. وقيد المصنف بقوله إن جحدت ولادتها لانه لو اعترف بولادتها وأنكر تعيين الولد فإنه يثبت تعيينه بشهادة القابلة إجماعا ولا يثبت نسب الولد إلا بشهادتها إجماعا لاحتمال أن يكون هو غير هذا المعين، وظاهر كلام المصنف أنه لا يحتاج إلى شهادة القابلة مع ظهور الحبل أو اعتراف الزوج بالحبل وقد صرح به في البدائع فقال: وإن كان الزوج قد أقر بالحبل أو كان الحبل ظاهرا فالقول قولها في الولادة وإن لم تشهد لها قابلة في قول أبي حنيفة، وعندهما لا تثبت الولادة بدون شهادة القابلة، وهكذا صرح في الغاية وأنكر على صاحب ملتقى البحار في اشتراطه شهادة القابلة لتعيين الولد عند أبي حنيفة، ورده في التبيين بأنه سهو فإن شهادة القابلة لا بد منها لتعيين الولد إجماعا في جميع هذه الصور، وإنما الخلاف في ثبوت نفس الولادة، وأما نسب الولد فلا يثبت بالاجماع إلا بشهادة القابلة لاحتمال أن يكون هو غير هذا المعين. وثمرة الاختلاف لا تظهر إلا في حق حكم آخر كالطلاق والعتاق بأن علقهما بولادتها حتى يقع عند أبي حنيفة بوقلها ولدت لانها أمينة لاعترافه بالحبل أو لظهوره فيقبل قولها، وعندهما لا يقع حتى تشهد قابلة اه‍. وذكر ابن

[ 273 ]

بندار أنه بعد الثبوت بقيت مؤتمنة فكان القول قولها إلا أن القابلة جعلت شرطا للعادة لانها لا تلد إلا بالقابلة وإني أقول: إن القابلة شرط زوال التهمة كاليمين في رد الوديعة واليمين في دعوى انقضاء العدة، فإذا لم تشهد قابلة بقيت متهمة فلا يقبل قولها فيه اه‍ كلامه. وهو يصلح توفيقا لكلامهم فمن نفى اشتراط شهادة القابلة أفاد أنها ليست شرطا حقيقة لثبوت النسب، ومن أثبته أراد به أنها شرط لزوال التهمة عن نفسها وهو كلام حسن يجب قبوله. وأفاد بقوله شهادة رجلين قبول شهادة الرجال على الولادة من الاجنبية وأنهم لا يفسقون بالنظر إلى عورتها إما لكونه قد يتفق ذلك من غير قصد نظر ولا تعمد أو لضرورة كما في شهود الزنا، ولا يخفى أنها إذا ولدت وجحد الزوج ولادتها وادعت أن حبلها كان ظاهرا وأنكر ظهوره فلا بد من إقامة البينة عليه إما رجلين أو رجل وامرأتين، فظهور الحبل عند الانكار إنما يكون بإقامة البينة لان الحبل وقت المنازعة لم يكن موجودا حتى يكفي ظهوره لانها بعد الولادة ولم أر من صرح به قوله: (والمنكوحة لستة أشهر فصاعدا إن سكت وإن جحد بشهادة امرأة على الولادة) أي يثبت نسب ولد المنكوحة حقيقة إذا جاءت به لستة أشهر أو أكثر من وقت التزوج بأحد الشيئين: إما بالسكوت من غير اعتراف ولا نفي له، وإما بشهادة القابلة عند إنكار الولادة لان الفراش قائم والمدة تامة فوجب القول بثبوته، اعترف به

[ 274 ]

أو سكت أو أنكر، حتى لو نفاه لا ينتفي إلا باللعان. وفي التحقيق شهادة القابلة لم يثبت بها النسب لانه ثابت بقيام الفراش وإنما يثبت بها تعيين الولد. قيد بستة أشهر لانها لو ولدته لاقل منها لم يثبت نسبه لان العلوق سابق على النكاح فلا يكون منه، ويفسد النكاح لاحتمال أنه من زوج آخر بنكاح صحيح أو بشبهة، وأفاد أنها لو جاءت به لتمام ستة أشهر بلا زيادة أنها كالاكثر. قالوا: لاحتمال أنه تزوجها واطئا لها فوافق الانزال النكاح والنسب يحتاط في إثباته. ويرد عليه ما تقدم في المبتوتة حيث نفى نسب ما أتت به لتمام سنتين مع تصحيحه بأنه طلقها حال جماعها وصادف الانزال الطلاق. وأجيب عنه بأن ثبوت النسب هنا لحمل أمرها على الصلاح إذ لو لم يثبت هنا لزم كونه من زنا أو من زوج فتزوجت به وهي في العدة، وأما عدم الثبوت هناك للشك فلا يستلزم نسبه فساد إليها لجواز كون عدتها قد انقضت وتزوجت بزوج آخر فعلقت منه. أطلق المصنف في المرأة هنا وقيدها في الشهادات بالعدالة، وقيدها في المبسوط بالحرية والاسلام ولم يشترط العدالة والظاهر الاول. وفي الولوالجية: رجل تزوج بامرأة فجاءت بسقط قد استبان خلفه، فإن جاءت به لاربعة أشهر جاز النكاح ويثبت النسب من الزوج الثاني، وإن جاءت به لاربعة أشهر إلا يوما لم يجز النكاح لان في الوجه الاول الولد للزوج الثاني، وفي الوجه الثاني من الزوج الاول لان خلقه لا يستبين إلا في مائة وعشرين يوما فيكون أربعين يوما نطفة وأربعين علقة وأربعين مضغة اه‍. قوله: (فإن ولدت ثم اختلفا فقالت نكحتني منذ ستة أشهر وادعى الاقل فالقول لها وهو ابنه) لان الظاهر شاهد لها فإنها تدل ظاهرا من نكاح لا من سفاح ولا من زوج تزوجت بهذا الزوج في عدته وهو مقدم على الظاهر الذي يشهد له وهو إضافة الحادث وهو النكاح إلى أقرب الاوقات لانه إذا تعارض ظاهران في ثبوت نسب قدم المثبت له لوجوب الاحتياط فيه حتى إنه يثبت بالايماء مع القدرة على النطق بخلاف سائر التصرفات مع أن ظاهرها متأيد

[ 275 ]

بظاهره وهو عدم مباشرته النكاح الفاسد إن كان الولد من زوج أو حبل من الزنا على الخلاف فيه، ولم يذكر المصنف حرمتها عليه بهذا النفي لانه لا يلزم من تزوجها حاملا إثبات النسب فيكون إقرارا بالفساد كما إذا تزوجها بلا شهود لجوازه وهي حامل من زنا فإنه صحيح على الصحيح، ولان الشرع كذبه حيث أثبت النسب والشرع إذا كذب الاقرار يبطل، كذا في فتح القدير. وذكر في الخلاصة في كتاب القضاء من الفصل الثالث فيمن يكون خصما ومن لا يكون أن الاقرار إنما يبطل بتكذيب الشرع إذا كان التكذيب بالبينة، وأما إذا قضى باستصحاب الحال فلا يبطل كما لو اشترى عبدا وأقر أن البائع أعتقه قبل البيع وكذبه البائع فقضى القاضي بالثمن على المشتري لم يبطل إقرار المشتري بالعتق حتى يعتق عليه إلى آخر ما فيها. ولم يذكر المصنف يمينها لانه لا تحليف عند الامام لانه راجع إلى الاختلاف في النسب والنكاح، وعندهما يستحلف وسيأتي أن الفتوى على قولهما في الاشياء الستة قوله: (ولو علق طلاقها بولادتها وشهدت امرأة على الولادة لم تطلق) يعني لم يقع إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين عند أبي حنيفة. وقالا: تطلق لان شهادتها حجة في ذلك قال عليه السلام شهادة النساء جائزة فيما لا يطلع عليه الرجل ولانها لما قبلت على الولادة تقبل فيما يبتني عليها وهو الطلاق. ولابي حنيفة أنها ادعت الحنث فلا يثبت إلا بحجة تامة وهذا لان شهادتهن ضرورية في الولادة فلا تظهر في حق الطلاق لانه ينفك عنها. وشرط في البدائع على قولهما أن تكون المرأة عدلة. قيد بالطلاق لان النسب يثبت بشهادتها وكذا ما هو من لوازمه من أمومية الولد لو كانت لو كانت أمه، وثبوت اللعان فيما إذا نفاه ووجوب الحد بنفيه إن لم يكن أهلا للعان وليس مراده خصوص الطلاق بل كل ما لم يكن من لوازم الولادة فالعتاق كذلك قوله: (وإن كان أقر بالحبل طلقت بلا شهادة) أي بلا شهادة أحد أصلا عند أبي حنيفة، وعندهما تشترط شهادة القابلة لانه لا بد من حجة لدعواها الحنث وشهادتها حجة فيه ما بيننا، وله أن الاقرار بالحبل إقرار بما يفضي إليه وهو الولادة ولانه أقر بكونها مؤتمنة فيقبل قولها في رد الامانة، وعلى هذا الخلاف لو كان الحبل ظاهرا، أما عندهما فظاهر لانها مدعية فلا بد من إقامة البينة، وأما عنده فإن الطلاق تعلق بأمر كائن لا محالة فيقبل قولها فيه. والحاصل أن التعليق إن كان بما هو معلوم الوقوع بعده وعلمه من جهتها كما بحيضها وولادتها بعد الاقرار بحبلها أو ظهور حملها كان التزاما لتصديقها عند إخبارها به واعترافا بأنها

[ 276 ]

مؤتمنة فيه وإن لم يكن كذلك وهو التعليق بولادتها قبل الاعتراف بحبل سابق ولا ظهور حبل حال التعليق لم يلتزم ذلك فيحتاج عند إنكاره إلى الحجة، ولا خلاف أن النسب لا يثبت بدون شهادة القابلة، كذا في البدائع قوله: (وأكثر مدة الحمل سنتان) لقول عائشة رضي الله عنها: الولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين ولو بظل مغزل. رواه الدارقطني والبيهقي. وهو لا يعرف إلا سماعا. وظل المغزل مثل لقلته لان ظله حالة الدوران أسرع زوالا من سائر الظلال وهو على حذف المضاف تقديره ولو بقدر ظل مغزل. ويروى ولو بفلكة مغزل أي ولو بقدر دوران فلكة مغزل قوله: (وأقلها ستة أشهر) لقوله تعالى * (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) * [ الاحقاف: 51 ] ثم قال * (وفصاله في عامين) * [ لقمان: 41 ] فيبقى للحمل ستة أشهر، كذا في الهداية. وقد نقل في فتح القدير أنه لا خلاف للعلماء فيه وأورد على ما في الهداية أنه مخالف لما قرره لابي حنيفة في الرضاع من أن هذه المدة مضروبة بتمامها لكل من الحمل والفصال غير أن المنقص قام في أحدهما وهو الحمل وهو حديث عائشة رضي الله عنها. قلنا: قدمنا هناك أنه غير صحيح لما يلزم من أنه يراد بلفظ الثلاثين في إطلاق واحد حقيقة ثلاثين وأربعة وعشرين باعتبار إضافتين فلعله رجع إلى الصحيح قوله: (فلو نكح أمة فطلقها فاشتراها فولدت لاقل من ستة أشهر منه) أي من وقت الشراء قوله: (لزمه وإلا لا) أي وإن ولدت لتمام ستة أشهر أو لاكثر منها لا يلزمه لان في الوجه الاول ولد المعتدة فإن العلوق سابق على الشراء، وفي الوجه الثاني ولد المملوكة لانه يضاف الحادث إلى أقرب وقته حيث لم يتضمن إبطال ما كان ثابتا بالدليل أو تر ك العمل بالمقتضى، وبه اندفع ما أورد عليه كما علم في فتح القدير فلا بد من دعوته واقتصار الشارح على الاكثر في قوله وإلا لا ينبغي وقد صرح في فتح القدير بما ذكرناه. وأطلق في الامة فشمل المدخول بها وغيرها كما أطلق في الطلاق فشمل الرجعي والبائن الواحدة والثنتين، وكل من الاطلاقين غير صحيح فإن كان بعد الدخول فلا فرق بين الرجعي والبائن إذا كان واحدة، وإن كان قبل الدخول

[ 277 ]

فإنه لا يلزمه الولد إلا أن تجئ بالولد لاقل من ستة أشهر من وقت الطلاق إذا ولدت لتمام ستة أشهر أو أكثر من وقت التزوج. وفي غاية البيان: ولنا فيه نظر لان الطلاق قبل الدخول بائن والحكم في المبانة أن نسب ولدها يثبت إلى سنتين من وقت الطلاق، نعم إن محمدا وضع المسألة في الجامع الصغير في المدخول بها اه‍. وجوابه أن هذا حكم المبانة إ ذا كانت معتدة وغير المدخول بها لا عدة عليها، وأما إذا كان الطلاق ثنتين فإنه يمتد نسب الولد إلى سنتين من وقت الطلاق، وإن لم يدع فإن ولدت لاكثر من ذلك لا يثبت إلا إذا ادعاه لحرمتها حرمة غليظة فيضاف العلوق إلى أبعد الاوقات وهو ما قبل الطلاق حملا لامرهما على الصلاح. وذكر في غاية البيان أن في التقييد بالثنتين لهذا الحكم إيهاما لانه ربما يظن ظان أن الطلاق إذا كان واحدا بائنا لا يثبت النسب فيه إلى سنتين وليس كذلك لان النسب في البائن يثبت إلى سنتين من وقت الطلاق وإن لم يدع اه‍. وجوابه بالفرق بين اليينونة الخفيفة وبين الغليظة فإن في الخفيفة يعتبر وقت الشراء أيضا وهو أن تلده لاقل من ستة أشهر من وقت الشراء وإذا كان لسنتين من وقت الطلاق، وفي الغليظة لا يعتبر ذلك حتى لو ولدت لاكثر من ستة أشهر من وقت الشراء ولسنتين من وقت الطلاق ثبت نسبه بلا دعوة فظهر الفرق والايهام في فهمه لا في كلام المشايخ. فالحاصل أنه يستثنى من حكم المسألة المذكورة في المختصر المطلقة قبل الدخول والمبانة بالثنتين فإن فيهما لا اعتبار لوقت الشراء وإنما يعتبر وقت الطلاق، ففي الاولى يشترط لثبوت نسبه ولادته لاقل من ستة أشهر، وفي الثاني لسنتين فأقل، وقد علم مما قدمه المصنف أن هذه الامة لو كان طلاقها رجعيا فإنه يثبت نسب ولدها وإن جاءت به لعشر سنين بعد الطلاق أو أكثر، وإن كان بائنا فلا بد أن تأتي به لتمام سنتين أو أقل بعد أن يكون لاقل من ستة أشهر من وقت الشراء في المسألتين فلا يرد عليه ما إذا أتت به المبتوتة لاكثر من سنتين من وقت الطلاق ولاقل من ستة أشهر من وقت الشراء وإن كان داخلا في عبارته هنا لما قدمه سابقا، والتقييد بالطلاق اتفاقي لان الحكم فيما إذا لم يطلقها واشتراها كذلك أي

[ 278 ]

كحكم المطلقة فإن ولدته لستة أشهر أو أكثر من وقت الشراء لا يلزمه وإلا لزمه، وتقييده في فتح القدير بالرجعي لا يفيد لان البائن هنا كالرجعي إلا إذا كان غليظا. والمراد من الشراء الملك أعم من أن يكون بشراء أو هبة أو إرث أو نحو ذلك لان المفسد للنكاح الملك لا خصوص سبب له. وأشار باقتصاره على الشراء إلى أنه لا فرق في هذا الحكم بين أن يعتقها بعد الشراء أو لا. وعند محمد يثبت النسب إلى سنتين بلا دعوة من يوم الشراء لانه بالشراء بطل النكاح ووجبت العدة لكنها لا تظهر في حقه للملك وبالعتق ظهرت وحكم معتدة لم تقر بانقضاء عدتها كذلك، ولو لم يعتقها ولكن باعها فولدت لاكثر من ستة أشهر منذ باعها فعند أبي يوسف لا يثبت النسب وإن ادعاه إلا بتصديق المشتري لما مر أن النكاح بطل. وعند محمد يثبت بلا تصديق كما قال في العتق إلا أنه لا يثبت بلا دعوة لان العدة ظهرت ثم ولم تظهر هنا. وقيد في فتح القدير حكم المسألة المذكورة في المختصر بما إذا اشتراها قبل أن تقر بانقضاء عدتها ولم يبين مفهومه قوله: (ومن قال لامته إن كان في بطنك ولد فهو مني فشهدت امرأة بالولادة فهي أم ولده) لان الحاجة إلى تعيين الولد ويثبت ذلك بشهادة القابلة بالاجماع، وقد ذكر في المختصر المرأة دون القابلة وكثيرا ما يذكرون القابلة، والظاهر أن كونها القابلة ليس بشرط. أطلقه وقيدوه بأن تلده لاقل من ستة أشهر من وقت الاقرار وأن ولدته لستة أشهر أو أكثر لا يلزمه لاحتمال أنها حبلت بعد مقالة المولى فلم يكن المولى مدعيا هذا الولد بخلاف الاول لتيقننا بقيامه في البطن وقت القول فتيقناه بالدعوى، وما في غاية البيان من أن هذا إذا ولدته لاقل من ستة أشهر من وقت الطلاق سبق قلم إذ لا طلاق هنا لان الكلام في الامة المملوكة له، وإنما الاعتبار لوقت الاقرار. ومثله لو قال إن كان في بطنك ولد فهو حر فولدت بعد ذلك لستة أشهر لم يعتق وإن ولدته لاقل منها عتق، ولا فرق بين أن يقول في مسألة المختصر إن كان في بطنك ولد أو إن كان بها حبل فهو مني. وقيد بالتعليق لانه لو قال هذه حامل مني يلزمه الولد وإن جاءت به لاكثر من ستة أشهر إلى سنتين حتى ينفيه كما في الغاية. قوله: (ومن قال لغلام هو ابني ومات فقالت أمه أنا امرأته وهو ابنه يرثانه)

[ 279 ]

والقياس أن لا ميراث لها لان النسب كما يثبت بالنكاح الصحيح يثبت بالنكاح الفاسد وبالوطئ عن شبهته وبملك اليمين فلم يكن قوله إقرارا بالنكاح. وجه الاستحسان أن المسألة فيما إذا كانت معروفة بالحرية وبكونها أم الغلام، والنكاح الصحيح هو لمتعين لذلك وضعا وعادة لانه الموضوع لحصول الاولاد دون غيره فهما احتمالان لا يعتبران في مقابلة الظاهر القوي، وكذا احتمال كونه طلقها في صحته وانقضت عدتها لانه لما ثبت النكاح وجب الحكم بقيامه ما لم يتحقق زواله. فإن قيل: إن النكاح يثبت بمقتضى ثبوت النسب وهو لا عموم له فيتقدر بقدر الحاجة قلنا: النكاح غير متنوع إلى نكاح موجب للارث والنسب وإلى غير موجب لهما، فإذا تعين النكاح الصحيح لزم بلوازمه. وفي غاية البيان: إنه ليس من الاقتضاء في شئ لان المقتضي وهو النسب يصح بلا ثبوت المقتضي وهو النكاح بأن يكون الوطئ عن شبهة أو تكون أم ولده فلم يفتقر ثبوت النسب إلى النكاح لا محالة قوله: (وإن جهلت حريتها فقال وارثة أنت أم ولد أبي فلا ميراث لها) لان ظهور الحرية باعتبار الدار حجة في دفع الرق لا في استحقاق الارث، وتقييده بقول الوارث اتفاقي لان الجهل بحريتها كاف لعدم ميراثها، قال الوارث أنت أم ولد أبي أو لم يقل كما أطلقه في غاية البيان معللا بأن للوارث أن يقول ذلك، ولعل فائدته أن الوارث لو كان صغيرا فإنه لا ميراث لها أيضا وإن لم يقل شيئا. ولم يذكر المصنف رحمه الله أن لها مهرا تعند إقرار الوارث أنها أم ولد أبيه. وذكر التمرتاشي أن لها مهر مثها لانهم أقروا بالدخول ولم يثبت كونها أم ولد بقولهم، ورده في غاية البيان بأن الدخول إنما يوجب مهر المثل في غير صورة النكاح إذا كان الوطئ عن شبهة ولم يثبت النكاح هنا والاصل عدم الشبهة فبأي دليل يحمل على ذلك فلا يجب مهر المثل. وأيضا إنما لم نوجب الارث لان الاستصحاب لا يصلح للاثبات فلو وجب مهر المثل لكان صالحا للاثبات فلا يجوز اه‍. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. باب الحضانة بيان لمن يحضن الولد الذي ثبت نسبه، وهي بكسر الحاء وفتحها تربية الولد، والحاضنة

[ 280 ]

المرأة توكل بالصبي فترضعه وتربية وقد حضنت ولدها حضانة من باب طلب، وحضن الطائر بيضه حضنا إذا جثم عليه بكنفه يحضنه، كذا في المغرب، وفي ضياء الحلوم: حضنت عن حاجته ولدها حضانة وحضنت الحمامة بيضها حضونا أي جعلته في حضنها، وحضنه عن حاجته أي حبسه، وحضنه عن الامر إذا انحاه عنه، والحضن ما دون الابط. ثم اعلم أن الحضانة حق الصغير لاحتياجه إلى من يمسكه فتارة يحتاج إلى من يقوم بمنفعة بدنه في حضانته وتارة إلى من يقوم بما له حتى لا يلحقه الضرر وجعل كل واحد منهما إلى من أقوم به وأبصر، فالولاية في المال جعلت إلى الاب والجد لانهم أبصر وأقوم في التجارة من النساء، وحق الحضانة جعل إلى النساء لانهن أبصر وأقوم على حفظ الصبيان من الرجال لزيادة شفقتهن وملازمتهن للبيوت، واتفقوا على أن الاب يجبر على نفقته مطلقا ويجب عليه إمساكه وحفظه وصيانته إذا استغنى عن النساء لان ذلك حق للصغير عليه، واختلفوا في وجوب حضانته على الام ونحوها من النساء وفي جبرها إذا امتنعت، فصرح في الهداية بانها لا تجبر لانها عست أن تعجز عن الحضانة وصححه في التبيين، وفي الولواجية وعليه الفتوى، وفي الواقعات والفتوى على عدم الجبر لوجهين: أحدهما أنها ربما لا تقدر على الحضانة، والثاني أن الحضانة حق الام والمولى ولا يجبر على استيفاء حقه اه‍. وفي الخلاصة وقال مشايخنا: ولا تجبر

[ 281 ]

الام عليها وكذلك الخالة إذا لم يكن لها زوج لانها ربما تعجز عن ذلك اه‍. فأفاد أن غير الام كالام في عدم الجبر بل هو بالاولى كما في الولواجية. وذكر الفقهاء الثلاثة أبو الليث والهندواني وخواهر زاده أنها تجبر على الحضانة وتمسك لهم في فتح القدير بما في كافي الحاكم الشهيد الذي هو جمع محمد لو اختلعت على أن تترك ولدها عند الزوج فالخلع جائز والشرط باطل لان هذا حق الولد أن يكون عند أمه ما كان إليها محتاجا. زاد في المبسوط: فليس لها أن تبطله بالشرط. فهذا يدل على أن قول الفقهاء الثلاثة هو جواب ظاهر الرواية. وأما قوله تعالى (وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى) [ الطلاق: 6 ] فليس الكلام في الارضاع بل في الحضانة. قال في التحفة: ثم الام وإن كانت أحق بالحضانة فإنه لا يجب عليها الرضاعة لان ذلك بمنزلة النفقة ونفقة الولد على الوالد إلا أن لا يوجد من ترضعه فتجبر. فالحاصل أن الترجيح قد الترجيح قد اختلف في هذه المسألة والاولى الافتاء بقول الفقهاء الثلاثة لكن قيده في الظهيرية بأن لا يكون للصغير ذو رحم محرم فحينئذ تجبر الام كيلا يضيع الولد، أما إذا كان له جدة مثلا وامتنعت الام من إمساكه ورضيت الجدة بإمساكه فإن يدفع إلى الجدة لان الحضانة كانت حقا لها، فإذا أسقطت حقها صح الاسقاط منها. وعزا هذا التفصيل إلى الفقهاء الثلاثة. وعلله في المحيط بأن الام لما أسقطت حقها بقي حق الولد فصارت الام بمنزلة الميتة أو المتزوجة فتكون الجدة أولى. وظاهر كلامهم أن الام إذا امتنعت وعرض على من دونها من الحاضنات فامتنعت أجبرت الام لا من دونها ولذا قيدوا جواب المسألة بأن رضيت الجدة بإمساكه. وذكر في السراجية أن الام تستحق أجرة على الحضانة إذا لم تكن منكوحة ولا معتدة لابيه وتلك الاجرة غير أجرة ارضاعه كما سيأتي في النفقات.

[ 282 ]

قوله: (أحق بالولد أمه قبل الفرقة وبعدها) أي في التربية والامساك لما قدمناه، ولما روي أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء وحجري له حواء وثدي له سقاء وزعم أبوه أنه ينزعه مني فقال عليه السلام: أنت أحق به. ولان الام أشفق وإليه أشار الصديق رضي الله عنه بقوله: ريقها خير له من شهد وعسل عندك يا عمر، قاله حين وقعت الفرقة بينة وبين امرأته والصحابة رضي الله عنهم حاضرون متوافرون. أطلق في الام وقيدوه بأن يكون أهلا للحضانة فلا حضانة للمرتدة، سواء لحقت بدار الحرب أو لا، لانها تحبس وتجبر على الاسلام، فإن تابت فهي أحق به. ولا للفاسقة كما في فتح القدير وغيره. وفي القنية: الام أحق بالصغيرة وإن كانت سيئة السيرة معروفة بالفجور ما لم تعقل ذلك

[ 283 ]

اه‍. وينبغي أن يراد بالفسق في كلامهم هنا الزنا المقتضي لاشتغال الام عن الولد به بالخروج من المنزل ونحوه لا مطلقة الصادق بترك الصلوات لما يأتي أن الذمية أحق بولدها المسلم ما لم يعقل الاديان فالفاسقة المسلمة بالاولى، ولا لمن تخرج كل وقت وتترك البنت ضائعة ولا للامة وأم الواد والمدبرة والمكاتبة إذا ولدت قبل الكتابة، ولا للمتزوجة بغير محرم، وكذلك لو كان الاب معسرا وأبت الام أن تربي إلا بأجر وقالت العمة أنا أربي بغير أجر فإنه لا حضانة للام وتكون العمة أولى في الصحيح كما سيأتي، وسنذكر أن الكتابية أحق بولدها المسلم ما لم يعقل الاديان قوله: (ثم أم الام) يعني بعد الام الاحق أمها وهو شامل لما إذا كانت الام ميتة أو ليست أهلا للحضانة ففي كل منهما ينتقل الحق إلى أم الام لان هذه الولاية مستفادة من قبل الامهات فكانت التي هي من قبلها أولى وإن علت، فالجدة من قبل الام أولى من أم الاب ومن الخالة، وصححه الولوالجي. وذكر الخصاف في النفقات: فإن كان للصغير جدة الام من قبل أبيها وهي أم أبي أمه فهذه ليست بمنزلة من كانت من قرابة الام من قبل أمها، وكذلك كل من كان من قبل أبي الام فليس بمنزلة قرابة الام من قبل أمها اه‍. وفي الولواجية: جدة الام من قبل الاب وهي أم أبي الام لا تكون بمنزلة من كانت من قرابة الام لان هذا الحق لقرابة الام اه‍. وظاهره تأخير أم أبي الام عن أم الاب بل عن الخالة أيضا وقد صارت حادثة للفتوى في زماننا قوله: (ثم أم الاب وإن علت) فهي مقدمة

[ 284 ]

على الاخوات والخالات لانها من الامهات ولهذا تحرز من ميراثهن السدس ولانها أوفر شفقة للاولاد، وأما قوله عليه الصلاة والسلام في حديث أبي داود " إنما الخالة أم " (1) فيحتمل كونه في ثبوت الحضانة أو غيره إلا أن السياق أفاد إرادة الاول فيبقى أعم من كونه في ثبوت أصل الحضانة أو كونها أحق بالولد من كل من سواها، ولا دلالة على الثاني والاول متيقن فيثبت فلا يفيد الحكم بكونها أحق من أحد بخصوصه أصلا ممن له حق في الحضانة فيبقى المعنى الذي عيناه بلا معارض من أن الجدة أم، كذا في فتح القدير. وفي القنية: صغيرة عند جدة تخون حقها فلعمها أن يأخذها منها إذا ظهرت خيانتها. قوله: (ثم الاخت لاب وأم ثم لام ثم لاب) يعني فهن أولى من العمات والخالات لانهن بنات الابوين ولهذا قدمن في الميراث. وتقدم الاخت الشقيقة لانها أشفق ثم يليها الاخت من الام لان الحق لهن من قبل الام، وأما الاخت لاب فذكر المصنف أنها مقدمة على الخالة اعتبارا لقرب القرابة وتقديم المدلي بالام على المدلي بالاب عند اتحاد مرتبتهما قربا وهذه رواية كتاب النكاح، وفي رواية كتاب الطلاق الخالة أولى لانها تدلي بالام وتلك بالاب. ولم يذكر المصنف أولاد الاخوات لان فيهم تفصيلا فأولاد الاخوات لاب وأم أو لام أحق من الخالات والعمات باتفاق الروايات، وأما أولاد الاخوات لاب ففي أحد الروايتين أحق من الخالات اعتبارا بالاصل، والصحيح أن الخالات أولى من أولاد الاخوات لاب، والاخت لام أولى من ولد الاخت لاب وأم، وبنات الاخت أولى من بنات الاخ لان الخت لها حق في الحضانة دون الاخ فكان المدلي لها أولى، وإذا اجتمع من له حق الحضانة في درجة فاورعهم أولى ثم أكبر هم قوله: (ثم الخالات كذلك) أي فهن أولى من العمات ترجيحا لقرابة الام وينزلن كما نزلت الاخوات، فترجح الخالات لاب وأم ثم لام ثم لاب وهو المراد بقوله " كذلك ". والخالة هي أخت أم الصغير لا مطلق الخالة لان خالة الام مؤخرة عن عمة الصغير وكذلك خالة الاب كما سنبينه. وأفاد كلامه أن الخالة أولى من بنت الاخ لانها تدلي بالام وتلك بالاخ قوله: (ثم العمات كذلك) أي تقدم العمة لأب وأم ثم لاب، ولم يذكر المصنف بعد العمات أحدا من النساء، والمذكور في غاية البيان وفتح القدير وغيرهما أن بعد العمات خالة الام لاب وأم ثم لام ثم لاب ثم بعدهن خالة الاب لاب وأم ثم لام ثم لاب

[ 285 ]

ثم بعدهن عمات الامهات والآباء على هذا التفصيل الترتيب. ولم يذكر المصنف أيضا بنات الاخ وفي التبيين أن بنات الاخ أولى من العمات. ولم يذكر أيضا أولاد الخالة والعمة في الحضانة لانه لا حق لبنات العمة والخالة في الحضانة لانهن غير محرم، وكذلك بنات الاعمام والاخوال بالاولى، كذا في كثير من الكتب. وفي غاية البيان: والعمة أحق من ولد الخالة. وهو تسامح لانه لا حق لولد الخالة أصلا كما نقلناه قوله: (ومن نكحت غير محرم سقط حقها) أي غير محرم من الصغير كالام إذا تزوجت بأجنبي منه لقوله عليه الصلاة والسلام: أنت أحق به ما لم تتزوجي ولان زوج الام إذا كان أجنبيا يعطيه نزرا وينظر إليه شزرا فلا نظر له. والنزر الشئ القليل والشزر نظر التغض. ولذا قال في القنية: الام إذا تزوجت بزوج آخر وتمسك الصغير معها أم الام في بيت الراب فللاب أن يأخذه منها اه‍.، فعلى هذا تسقط الحضانة إما بتزوج غير المحرم أو بسكناها عند المبغض له لكن وقع لي تردد في أن الخالة ونحوها إذا سكنت عند أجنبي من الصغير ولم تكن متزوجة هل تسقط حضانتها قياسا على الجدة إذا سكنت في بيت بنتها المتزوجة، أو هذا خاص ببيت زوج الام باعتبار بغضه له كما هو العادة؟ والذي يظهر الاول لانه يتضرر بالسكنى في بيت أجنبي عنه، وكذا اختلف في أجرة المسكن الذي يحضن فيه الصبي، فقيل يجب في ماله أن كان له مال وإلا فعلى من تجب عليه نفقته. وفي التفاريق: لا تجب، كذا في خزانة الفتاوى. قيد بغير المحرم لان الزوج لو كان ذا رحم محرم للصغير كالجدة إذا كان زوجها الجد أو الام إذا كان زوجها عم الصغير أو الخالة إذا كان زوجها عمه لا يسقط حقها لانتفاء الضرر عن الصغير. ودخل تحت غير المحرم الذي ليس بمحرم كابن العم فهو كالاجنبي هنا، ولو ادعى أن الام تزوجت وأنكرت ولقول لها وينبغي أن يكون مع اليمين قوله: (ثم تعود بالفرقة) أي تعود الحضانة لزوال المانع فقولهم " سقط حقها " معناه منع مانع منه لانه من باب زوال المانع لا من عود الساقط كالناشزة لا نفقة لها ثم تعود بالعود إلى منزل الزوج. وأراد بالفرقة الطلاق البائن، وأما الطلاق الرجعي فإنه لا يعود حقها به حتى تنقضي عدتها لقيام الزوجية. وفي الظهيرية

[ 286 ]

وغيرها: لو أقرت بالتزوج وادعت أنه طلقها وعاد حقها فيها فإن أبهمت الزوج كان القول قولها، وإن عينت لا يقبل قولها في دعوى الطلاق. قوله: (ثم العصبات بترتيبهم) يعني إن لم يكن للصغير أحد من محارمه من النساء واختصم فيه الرجال فأولاهم به أقربهم تعصيبا لان الولاية للاقرب فيقدم الاب ثم الجد أب الاب وإن علا ثم الاخ الشقيق ثم الاخ لاب ثم ابن الاخ الشقيق ثم ابن الاخ لاب، وكذا كل من سفل من أولادهم ثم العم شقيق الاب ثم لاب وأما أولاد الاعمام فإنه يدفع إليهم الغلام فيبدا بابن العم لاب وأم ثم ابن العم لاب، ولا تدفع إليهم الصغيرة لانهم غير محارم، وكذا لا تدفع إلى الام التي ليست بمأمونة وللعصبة الفاسق ولا إلى مولى العتاقة تحرزا عن العتنة. وبهذا علم أن إطلاق المصنف في محل التقييد لكن ينبغي أن يكون محل عدم الدفع إلى ابن العم ما إذا كانت الصغيرة تشتهي وهو غير مأمون، أما إذا كانت لا تشتهي كبنت سنة مثلا فلا منع لانه لا فتنة، وكذا إذا كانت تشتهي وكان مامونا. قال في غاية البيان معزيا إلى تحفة الفقهاء: وإن لم يكن للجارية من عصباتها غير ابن العم فالاختيار إلى القاضي إن رآه أصلح تضم إليه وإلا توضع على يد أمينة اه‍. ولم يذكر المصنف الدفع إلى ذوي الارحام

[ 287 ]

قالوا: إذا لم يكن للصغير عصبة يدفع إلى الاخ لام ثم إلى ولده ثم إلى العم لام ثم إلى الخال لاب وام ثم لاب ثم لام لان لهؤلاء ولاية عند أبي حنيفة في النكاح. وبهذا علم أن مرادهم بذوي الارحام هنا وفي باب ولاية إلا نكاح قرابة ليست بعصبة لا المذكور في الفرائض أنه قريب ليس بذي سهم ولاعصبة لان بعض أقارب الفروض داخل في ذوي الارحام هنا كالاخ لام، وإذا اجتمع مستحقو الحضانة في درجة كالاخوة والاعمام فاصلحهم أولى، فان تساووا فاورعهم، فان تساووا فاسنهم. وفي البدائع: لا حق للرجال من قبل الام وهو محمول على ما إذا كان من قبل الاب من هو موجود قوله: (والام والجدة أحق بالغلام حتى يستغني وقدر بسبع) لانه إذا استغنى يحتاج إلى تأديب والتخلق باداب الرجال واخلاقهم والاب اقدر على التاديب والتعنيف، وما ذكره المصنف من التقدير بسبع قول الخصاف اعتبارا للقالب لان الظاهر ان الصغير إذا بلغ السبع يهتدي بنفسه الى الاكل والشرب واللبس والاستنجاء وحده فلا حاجة الى الحضانة، فلا مخالفة بين تقدير الاستغناء بالسن وبين ان يقدر على الاشياء الاربعة وحده كما هو المذكور في الاصل، ولم يذكر الاستنجاء في المبسوط وذكره في السير الكبير وزاد في نوادر ابن رشيد: ويتوضا وحده. ثم من المشايخ من قال: المراد من الاستنجاء تمام الطهارة بان يطهر وجهه وحده بلا معين. ومنهم من قال بل من النجاسة وإن لم يقدر على تمام الطهارة وهو المفهوم من ظاهر كلام الخصاف. وفي غاية البيان والتبيين والكافي ان الفتوى على قول الخصاف من التقدير بالسبع لان الاب مامور بان يامره بالصلاة إذا بلغها، وانما يكون ذلك إذا كان الولد عنده. ولو اختلفا فقال ابن سبع وقالت ابن ست لا يحلف القاضي احدهما ولكن ينظر ان كان ياكل وحده ويلبس وحده ويستنجي وحده دفع والا فلا، كذا في الظهيرية. واستغنى بذكر الاكل عن الشرب ولذا ذكر الشرب في الخلاصة وجمع بين الاربعة في التبيين، واما ما في فتح القدير والخلاصة من عدم ذكر الاستنجاء فسهو. واشار المصنف رحمه الله بذكر الام والجدة الى ان غيرهما اولى، فلو قال " والحاضنة احق به حتى يستغني " لكان اصرح. قوله: (وبها حتى تحيض) أي الام والجدة احق بالصغيرة حتى تحيض لان بعد الاستغناء تحتاج الى معرفة آداب النساء والمرأة على ذلك أقدر، وبعد البلوغ تحتاج الى التحصين والحفظ والاب فيه أقوى واهدى. وبه علم انه لو قال حتى تبلغ لكان اولى. وعن محمد انها تدفع الى الاب إذا بلغت حد الشهوة لتحقق الحاجة الى الصيانة. قال في النقاية وهو المعتبر لفساد الزمان. وفي نفقات الخصاف: وعن أبي يوسف مثله. وفي التبيين: وبه يفتى في زماننا

[ 288 ]

لكثرة الفساد. وفي الخلاصة وغياث المفتي: والاعتماد على هذه الروايات لفساد الزمان. فالحاصل ان الفتوى على خلاف ظاهر الرواية فقد صرح في التجنيس بان ظاهر الرواية انها احق بها حتى تحيض واختلف في حد الشهوة. وفي الولوالجية: وليس لها حد مقدر لانه يختلف باختلاف حال المرأة. وفي التبيين وغيره: وبنت احدى عشرة سنة مشتهاة في قولهم جميعا. وقدره أبو الليث بتسع سنين وعليه الفتوى اه‍. واشار المصنف الى انها لو زوجت قبل ان تبلغ لا تسقط حضانتها. وقال في القنية: الصغيرة إذا لم تكن مشتهاة ولها زوج لا يسقط حق الام في حضانتها ما دامت لا تصلح للرجال الا في رواية عن ابي يوسف إذا كانت يستانس بها اه‍. وظاهره انها إذا صلحت للرجال قبل البلوغ وقد زوجها ابوها فانه لا حضانة لامها اتفاقا فيحتاج اطلاق المختصر الى تقييد، نعم على المفتى به فهو ظاهر ولم ار حكم ما إذا اختلف الاب والام في حيضها فقالت الام لم تحض وقال الاب حاضت أو في البلوغ بالسن، وينبغي ان يكون القول قول الام كما لو ادعى تزوجها وانكرت بجامع انه يدعى سقوط حقها وهى تنكر قوله: (وغيرهما احق بها حتى تشتهي) أي غير الام والجدة احق بالصغيرة حتى تشتهي فيأخذها الاب. وفي الجامع الصغير: حتى تستغني لانها لا تقدر على استخدامها ولهذا لا تؤجرها للخدمة فلا يحصل المقصود بخلاف الام والجدة لقدرتهما عليه شرعا. واطلق في الجدة فشمل جدته من امه ومن ابيه كما في فتح القدير. وفى الظهيرية: ولو ان امرأة جاءت بالصبى تطلب النفقة من ابيه فقالت هذا ابن ابنتى منك وقد ماتت امه فاعطني نفقته فقال الاب صدقت هذا ابني من ابنتك فاما امه فلم تمت وهى في منزلي واراد اخذ الصبى منها لم يكن له ذلك حتى يعلم القاضى امه وتحضر هي فتأخذه لانه لما اقر انها جدة الصبى فقد اقر ان لها حق الحضانة ثم يدعى قيام من هو اولى منها وذا محتمل، فان احضر الاب امرأة فقال هذه ابنتك وهذا ابني منها وقالت الجدة ما هذه ابنتى وقد ماتت ابنتى ام هذا الصبى فالقول في هذا قول الرجل والمرأة التى معه ويدفع الصبى إليه لان الفراش لهما فيكون الولد لهما، وصار هذا كالزوجين إذا كان بينهما ولد فقالت المرأة هو ابني من زوج آخر وقال الرجل هو ابني من امرأة اخرى فانه يحكم بكونه ابنا لهما لان الفراش لهما فيكون الولد لهما، وكذلك الجدة لو حضرت وقالت هذا ابن ابنتى من هذا الرجل وقد ماتت امه فقال الرجل هذا ابني من غير ابنتك من امرأة لى فالقول قوله وياخذ الصبى منها، ولو احضر الرجل امرأة وقال هذا ابني من هذه لا من ابنتك وقالت الجدة ما هذه امه بل امه ابنتى وقالت التى احضرها الرجل صدقت ما انا بامه وقد كذب هذا الرجل ولكني امرأته فان الاب اولى به فيأخذه. وعلل الخصاف رحمه الله في الكتاب فقال: لانه لما قال هذا ابني من هذه المرأة فقد انكر كونها جدة له فيكون منكرا الحق لها في الحضانة اصلا وهى اقرت له بالحق اه‍.

[ 289 ]

قوله: (ولا حق للامة وام الولد ما لم يعتقا) لعجزهما عن الحضانة بالاشتغال بخدمة المولى، وإذا اعتقتا صارتا حرتين أو آن ثبوت الحق. ودخل تحت الامة المدبرة لوجود الرق فيها، وكذا المكاتبة داخلة تحت الامة بالنسبة الى الولد المولود قبل الكتابة، واما إذا ولدته بعد الكتابة فهى اولى بحضانته من غيرها لانه صار داخلا في كتابتها. واراد بالحق المنفى حق الحضانة قالوا: ولا يفرق بينه وبين امه للنهى عن ذلك. ولم يذكر المصنف ان الحق في حضانة ولد الامة للمولى أو لغيره. والحق التفصيل، فان كان الصغير رقيقا فمولاه احق به حرا كان ابوه أو عبدا، وكذا لو عتقت امه بعد وضعه فلا حق لها في حضانته انما الحق للمولى، سواء كانت منكوحة ابيه أو فارقها لانه مملوكه. واما إذا كان حرا فالحضانة لاقربائه الاحرار ان كانت امة امة لا لمولاها ولا لمولاه الذى اعتقه، وان اعتقت كانت الحضانة لها قوله: (والذمية احق بولدها المسلم ما لم يعقل الاديان) لان الحضانة تبتنى على الشفقة وهى اشفق عليه فيكون الدفع إليها انظر له فإذا عقل الاديان ينزع منها لاحتمال الضرر. واطلق الذمية فشمل الكتابية والمجوسية كما في غاية البيان وغيره. وقيد بها للاحتراز عن المرتدة لانه لا حق لها فيها لانها تحبس وتضرب فلا تتفرغ له، ولا في دفعه إليها نظر إذا اسلمت وتابت يسلم الولد إليها. وقد جمع في الهداية بين شيئين فقال ما لم يعقل الاديان أو يخاف ان يالف الكفر. فظاهره انه إذا خيف ان يالف الكفر نزع منها وان لم يعقل دينا وهى ورادة على المصنف المقتصر على الاول. وفى شرح النقاية: لو خيف ان تغذيه بلحم خنزير أو خمر لم ينزع منها بل يضم الى ناس من المسلمين. والتقييد بالام اتفاقى إذ كل حاضنة ذمية كذلك كما صرح في خزانة الاكمل: وام الام بمنزلة الام مسلمة كانت أو كتابية أو مجوسية، وكذا كل كافرة من نساء القرابة فهى بمنزلة الام اه‍. قوله: (ولا خيار للولد عندنا ذكرا كان أو انثى) وقال الشافعي: لهما الخيار لان النبي صلى الله عليه وسلم خير. ولنا انه لقصور عقله يختار من عنده الدعة والراحة لتخليته بينه وبين اللعب فلا يتحقق النظر، وقد صح ان الصحابة رضى الله عنهم لم يخيروا. واما الحريث قلنا قد قال عليه السلاة والسلام " اللهم اهده " فوفق لاختيار الا نظر بدعائه عليه السلام، أو يحمل على ما إذا كان بالغا. والمراد بعدم تخييره عندنا انه إذا بلغ السن الذى ينزع من الام ياخذه الاب ولا

[ 290 ]

خيار للصغير. وفى فتح القدير: والمعتوه لا يخير ويكون عند الام، وينبغى ان يكون عند من يقول بتخيير الولد، واما عندنا فامعتوه إذا بلغ السن المذكور يكون عند الاب. ولم يذكر المصنف رحمه الله حكم الولد إذا بلغ هل ينفرد بالسكنى أو يستمر عند الاب؟ وفى الظهيرية: فإذا بلغت الجارية مبلغ النساء فان كانت بكرا كان للاب ان يضمها الى نفسه، وان كانت ثيبا فليس له ذلك الا إذا لم تكن مامونة على نفسها. والغلام إذا عقل واجتمع رأيه واستغنى عن الاب ليس للاب ان يضمه الى نفسه الا إذا لم يكن مامونا على نفسه كان له ان يضمه الى نفسه، وليس عليه نفقته الا ان يتبرع. ومتى كانت الجارية بكرا يضمها الى نفسه وان كان لا يخاف عليها الفساد إذا كانت حديثة السن، اما إذا دخلت في السن واجتمع لها راى وعقلت فليس للاولياء حق الضم ولها ان تنزل حيث احبت حيث لا يتخوف عليها، وان كانت ثيبا مخوفا عليها وليس لها اب ولا جد ولكن لها اخ أو عم ليس له ولاية الضم الى نفسه بخلاف الاب والجد. والفرق ان الاب والجد كان لهما ولاية الضم في الابتداء فجاز ان يعيداها الى حجرهما إذا لم تكن مامونة، اما غير الاب والجد فلم يكن له ولاية الضم في البتداء فلا يكون له ولاية الاعادة ايضا اه‍. وان لم يكن لها اب ولا جد ولا عصبة أو كان لها عصبة مفسد فللقاضي ان ينظر في حالها، فان كانت مامونة خلاها تنفرد بالسكنى، سواء كانت بكرا أو ثيبا والا وضعها عند امرأة امينة ثقة تقدر على الحفظ لانه جعل ناظرا للمسلمين، كذا في التبيين. وذكر الاسبيجابى ان للاب ان يؤدب ولده البالغ إذا وقع منه شئ. وفي الولوالجية: الابن إذا بلغ يتخير بين الابوين فان كان فاسقا يخشى عليه شئ فالاب اولى من الام. وفى الخلاصة: امرأة خرجت من منزلها وتركت صبيا لها في المهد فسقط المهد ومات الصغير لا شئ عليها لانها لم تضيع فلا تضمن كما لو خرجت من منزلها فجاء طرار فطر في البيت فلا ضمان عليها. قوله: (ولا تسافر مطلقة بولدها الا الى وطنها وقد نكحها ثم) لان في السفر به اضرارا بابيه، فإذا خرجت به الى وطنها وقد كان تزوجها الزوج فيه فلها ذلك لانه التزم المقام فيه عرفا وشرعا. قال عليه السلام " من تأهل ببلدة فهو منهم " (1) ولهذا يصير الحربى به ذميا، كذا في الهداية. ودفعة في الكافي بان المصرح به ان الحربى لا يصير بتأهله في دار الاسلام ذميا لامكان ان يطلقها ثم يعود الى دار الحرب، وانما ذلك في الحربية إذا تزوجت فانها تصير

[ 291 ]

ذمية، وما في التبيين من ابدال الحربى بالحربية لا يناسب المقام لان الكلام في الرجل. وشرط المصنف لجواز سفرها به امرين، واتفقوا انه ليس لها السفر به الى مصر لم يتزوجها فيه، واختلفوا فيما إذا ارادت الخروج الى مصر غيره وطنها وقد كان التزوج فيه. اشار في الكتاب الى انه ليس لها ذلك وهذا رواية كتاب الطلاق، وذكر في الجامع الصغير ان لها ذلك لان العقد متى وجد في مكان يوجب احكامه فيه كما يوجب البيع التسليم في مكانه، ومن جملة ذلك حق امساك الاولاد. وجه الاول ان التزوج في دار الغربة ليس التزاما للمكث فيه عرفا وهذا اصح، كذا في الهداية. وفى شرح النقاية: وانما قال المصنف تسافر دون تخرج لانه لو كان بين الموضعين تقارب بحيث يتمكن الاب من مطالعة ولده الرجوع إليه في نهاره جاز لها ان تنتقل إليه، سواء كان وطنا لها أو لم يكن، وقع العقد فيه أو لم يقع لان الانتقال الى قريب بمنزلة الانتقال من محلة الى محلة في بلدة واحدة اه‍. والذى يظهر عدم صحة التعبير بالسفر أو بالخروج على الاطلاق لان السفر ان كان المراد به الشرعي لم يصح إذ لا يشترط في منعها عن الخروج به ان يكون بين الوطنيين ثلاثة ايام، وان كان المراد به السفر اللغوى لم يصح ايضا لانه إذا كان بين المكانين تقارب لا تمنع مطلقا فهو كالانتقال من محلة الى اخرى، وكذا التعبير بمطلق الخروج لا يصح والعبارة الصحيحة ليس لها الخروج وبالولد من بلدة الى اخرى بينهما تفاوت كما ذكرناه الا إذا انتقلت من القرية الى المصر فان لها ذلك لان فيه نظرا للصغير حيث يتخلق باخلاق اهل المصر، وليس فيه ضرر بالاب وهى واردة على المصنف وفى عكسه ضرر بالصغير لتخلقه باخلاق اهل السواد فليس لها ذلك مطلقا. ويستثنى من جواز نقله إذا وجد الامران في دار الحرب فليس لها ان تنقله إليها إذا كان وطنها ونكحها فيه لما فيه من الاضرار بالولد والوالد المسلم أو الذمي حتى لو كان الوالد والوالدة حربيين لها ذلك. وقيد بالمطلقة لان المنكوحة، ليس لها الخروج به من بلد الى آخر مطلقا لان حق السكنى للزوج بعد ايفاء المعجل خصوصا بعدما خرجت معه. واراد بالمطلقة المبانة بعد انقضاء العدة لان المطلقة رجعيا حكمها حكم المنكوحة، ومعتدة البائن ليس لها الخروج قبل انقضاء العدة مطلقا. وقيد بالام لان الام لو ماتت وصارت الحضانة للجدة فليس لها ان تنتقل الى مصرها

[ 292 ]

بالولد لانه لو لم يكن بينهما عقد، وكذا ام الولد إذا اعتقت لا تخرج الولد من المصر الذى فيه الغلام لانه لا عقد بين الاب وام الولد كذا في فتح القدير. وغير الجدة كالجدة بالاولى. واطلق في الوطن فشمل القرية فلها ان تنقله من مصر الى قرية وقع العقد بها وهى قريتها كما في شرح الطحاوي وهو المنصوص عليه في الكافي للحاكم الشهيد، فما في شرح البقالى من انه ليس لها ذلك ضعيف. وقيد بالمرأة لان الاب ليس له اخراج الولد من بلد امه حيث كان لها حق في الحضانة. قال في الظهيرية: وفى المنتقى ابن سماعة عن ابى يوسف: رجل تزوج امرأة بالبصرة فولدت له ولدا ثم ان هذا الرجل اخرج ولده الصغير الى الكوفة وطلقها وخاصمته في ولدها وارادت رده عليها قال: وان كان الزوج اخرجه إليها بامرها فليس عليه ان يرده ويقال لها اذهبي إليه وخذيه. قال وان كان اخراجه بغير امرها فعليه ان يجئ به إليها. ابن سماعة عن ابى يوسف في رجل خرج مع المرأة وولدها من البصرة الى الكوفة ثم رد المرأة الى البصرة ثم طلقها فعليه ان يرد ولدها فيؤخذ بذلك لها اه‍. وفى الحاوى القدسي: وإذا تزوجها في قرية من رستاق لها قرى قريبة بعضها من بعض فارادت ان تخرج بولدها من قرية الى قرية لها ذلك ما لم تقطعه من ابيه إذا اراد ان يبصر ولده كل يوم، وكذا الاب إذا اراد ان يخرجه الى مثل ذلك، وليس له ان يخرجه من المصر الى القرى بغير رضا امه إذا كان صغيرا اه‍. وفى المجمع: ولا يخرج الاب بولده قبل الاستغناء اه‍. وعلله في الشرح بانه لما فيه من الاضرار بالام بابطال حقها في الحضانة وهو يدل على ان

[ 293 ]

حضانتها إذا سقطت جاز له السفر به. وفى الفتاوى السراجية: سئل إذا اخذ المطلق ولده من حاضنته لزواجها هل له ان يسافر به؟ فأجاب بانه له ان يسافر به الى ان يعود حق امه اه‍. وهو صريح فيما قلنا وهى حادثة الفتوى في زماننا والله اعلم. باب النفقة هي في اللغة الانسان على عياله ونحو ذلك قال تعالى * (وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم) * [ التوبة: 45 ] ويقال أنفق الرجل من النفقة قال تعالى * (لينفق ذو سعة من سعته) * [ الطلاق: 7 ] وأنفق القوم إذا أنفقت سوقهم، وأنفق الرجل إذا ذهب ماله ويقال منه قوله تعالى * (إذا لامسكتم خشية الانفاق) * [ الاسراء: 001 ] أي خشية الفقر. ويقال نفقت السلعة نفاقا نقيض كسدت، ونفقة الدابة تفوقا إذا ماتت، كذا في ضياء الحلوم. وبه علم أن النفقة المرادة هنا ليست مشتقة من النفوق بمعنى الهلاك، ولا من النفق ولا من النفاق، بل هي اسم للشئ الذي ينفقه الرجل على عياله. وأما في الشريعة فذكر في الخلاصة قال هشام: سألت محمدا عن النفقة قال: النفقة هي الطعام والكسوة والسكنى ا ه‍. قالوا: ونفقة الغير تجب على الغير بأسباب ثلاثة: بالزوجية والقرابة والملك. فبدأ بالاول لمناسبة ما تقدم من النكاح والطلاق والعدة. قوله: (تجب النفقة للزوجة على زوجها والكسوة بقدر حالهما) أي الطعام والشراب بقرينة عطف الكسوة والسكنى عليها، والاصل في ذلك قوله تعالى * (لينفق ذو سعة من سعته) * [ الطلاق: 7 ] وقوله تعالى * (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) * [ البقرة: 332 ] وقوله عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف وعليه إجماع الامة، لان النفقة جزاء الاحتباس فكل من كان محبوسا بحق مقصود لغيره كانت

[ 294 ]

نفقته عليه. أصله القاضي والعامل في الصدقات والمفتي والوالي والمضارب إذا سافر بمال المضاربة والمقاتلة إذا أقاموا لدفع عدو المسلمين. واعترض بأن الرهن محبوس لحق المرتهن وهو الاستيفاء ولذا كان أحق به من سائر الغرماء مع أن نفقته على الراهن. وأجيب بأنه محبوس بحق الراهن أيضا وهو وفاء دينه عنه عند الهلاك مع كونه ملكا له. أطلق في الزوجة فشمل المسلمة والكافرة الغنية والفقيرة، وأطلق في الزوج فشمل الغني والفقير والصغير والكبير بشرط أن يكون للصغير مال وإلا فلا شئ على أبيه لها كما قدمناه في مهرها. ولم يذكر المصنف طريق إيصال النفقة إليها وهو نوعان: تمكين وتمليك. فالتمكين متعين فيما إذا كان له طعام وكثير وهو صاحب مائدة فتمكن المرأة من تناول مقدار كفايتها فليس لها أن تطالبه بفرض النفقة وإن لم يكن بهذه الصفة، فإن رضيت أن تأكل معه فبها ونعمت، وإن خاصمته في فرض النفقة يفرض لها بالمعروف وهو التمليك، كذا في غاية البيان. وظاهر ما في الذخيرة أن المراد بصاحب الطعام الكثير أن ينفق على من لا تجب عليه نفقته فحينئذ هي متعنتة في طلب الفرض لانه إذا كان ينفق على من لا تجب عليه نفقته فلا يمتنع من الانفاق على من عليه نفقته إلا إذا ظهر للقاضي أنه يضربها ولا ينفق عليها فحينئذ يفرض لها النفقة ا ه‍. وظاهر ما في غاية البيان أن النفقة المفروضة تصير ملكا للمرأة دفعها إليها فلها التصرف فيها من بيع وهبة وصدقة وادخار، ويدل على ذلك ما في الخلاصة: لو سرقت الكسوة أو هلكت النفقة لا يفرض لها أخرى بخلاف المحارم، ولو فرض لها دراهم وبقي

[ 295 ]

منها شئ يفرض بخلاف المحارم ا ه‍. وفي الذخيرة: لو فرض لها القاضي عشرة دراهم نفقة شهر فمضى الشهر وقد بقي من العشرة شئ يفر ض لها القاضي عشرة أخرى، وفرق بين النفقة وبين الكسوة كما سنبينه في الكسوة. ويدل عليه أيضا ما فيها: أنهما لو اصطلحا بعد فرض النفقة على شئ لا يصلح تقديرا للنفقة كان معاوضة كالعبد فلولا أنها ملكت النفقة المفروضة لما كان معاوضة. وفي القنية: قال لها خذي هذه الدنانير الخمسة لنفقتك ولم يعين الوقت فهو تمليك لا إباحة ا ه‍. فيفيد أنها تملك النفقة بفرض القاضي أو بدفع شئ بالرضا لكن في الخلاصة والذخيرة إذا فرض القاضي النفقة فالزوج هو الذي يلي الانفاق إلا إذا ظهر عند القاضي مطله فحينئذ يفرض النفقة ويأمره ليعطيها لتنفق على نفسها نظرا لها فإن لم يعط حبسه ولا تسقط عنه النفقة ا ه‍. فهي وإن ملكتها بالفرض لم تتصرف فيها بالانفاق. وتفرع على هذا ما لو قرر لها كل يوم مثلا قدرا معينا من النفقة فأمرته بإنفاق البعض وأرادت أن تمسك الباقي فمقتضى التمليك أن لها ذلك كما تقدم التصريح به عن الخلاصة والذخيرة في نفقة الشهر، ولا فرق بين نفقة شهر أو يوم فليس فائدة أنه يلي الانفاق مع فرض القاضي إلا لكونه قواما عليها لا لانه يأخذ ما فضل. وعلى هذا لو أمرأته بشراء طعام فاشترى لها فأكلت وفضل شئ واستغنت عنه في يومها فليس له أكله والتصرف فيه إليها كما هو مقتضى التمليك. ويدل عليه أيضا أنها لو أسرفت في نفقة الشهر فأكلتها قبل مضيه واحتاجت لا يفرض لها أخرى كما لو هلكت كما في الذخيرة. فالحاصل أن المفروضة أو المدفوعة إليها ملك لها فلها الاطعام منها والتصدق. وفي الخانية: المرأة إذا فرضت لها النفقة فأكلت من مال نفسها أو من مسألة الناس كان لها أن ترجع بالمفروض على زوجها ا ه‍. وفي البدائع: وإذا طلبت المرأة من القاضي فرض النفقة قبل النقلة وهي بحيث لا تمتنع من التسليم لو طالبها بالتسليم أو كان امتناعها لحق فرض القاضي لها إعانة لها على الوصول إلى حقها الواجب، وإن كان بعدما حولها إلى منزله فزعمت عدم الانفاق أو التضييق فلا ينبغي له أن يعجل بالفرض ولكن يأمره بالنفقة والتوسيع إلى أن يظهر ظلمه، فحينذ يفرض عليه النفقة ويأمره أن يدفعها إليها لتنفق على نفسها. ولو طلبت كفيلا بها خوفا من غيبته لا يجبره

[ 296 ]

القاضي على إعطاء الكفيل عند أبي حنيفة، واستحسن أبو يوسف أخذ كفيل بنفقة شهر. ويشترط لوجوب الفرض على القاضي وجوازه منه شرطان: أحدهما طلب المرأة، والثاني حضرة الزوج حتى لو كان الزوج غائبا فطلبت المرأة من القاضي فرض نفقة عليه لم يفرض وإن كان عالما بالزوجية عند أبي حنيفة في قوله الاخير لان الفرض من القاضي قضاء وقد صح من أصلنا أن القضاء على الغائب لا يجوز من غير خصم، وقوله عليه السلام لامرأة أبي سفيان كان على سبيل الفتوى لا على طريق القضاء بدليل أنه لم يقدر لها ما تأخذه، وفرض النفقة من القاضي تقديرها، فإذا لم تقدر لم تكن فرضا فلم تكن قضاء وسيأتي تمامه فيما إذا غاب وله مال عند مودعه. وفي الولوالجية: الفتوى على قول أبي يوسف في أخذ الكفيل بنفقة شهر. ولم يذكر المصنف تقديرا للنفقة لما في الذخيرة وغيرها من أنه ليس في النفقة عندنا تقدير لازم لان المقصود من النفقة الكفاية وذلك مما يختلف فيه طباع الناس وأحوالهم ويختلف باختلاف الاوقات أيضا، ففي التقدير بمقدار إضرار بأحدهما، والذي قال في الكتاب إن كان الزوج معسرا فرض القاضي لها النفقة أربعة دراهم فهذا ليس بتقدير لازم بل إنما قدره محمد لما شاهد في زمانه، فالذي يحق على القاضي في زماننا اعتبار الكفاية بالمعروف، وأصله حديث هند حيث اعتبر الكفاية. وفي البدائع: وإذا كان وجوبها على الكفاية فيجب على الزوج ما يكفيها من الطعام والادام والدهن لان الخير لا يؤكل عادة إلا مأدوما، وأما الدهن فلا بد منه للنساء. وفي الذخيرة قالوا: واللحم ليس من الادام خصوصا على أصل أبي حنيفة في اليمين فينظر، إن كانت المرأة مفرطة اليسار تأكل الحلواء وما أشبه ذلك والزوج كذلك يفرض عليه مثل ذلك، وإن كانا من أوساط الناس فعلى ما يأتدمون به في عاداتهم يفرض على الزوج ا ه‍. وفي الاقضية يفرض الادام أيضا أعلاه اللحم وأدناه الزيت وأوسطه اللبن. وقيل في الفقيرة لا يفرض الادام إلا إذا كان خبز شعير. وفي فتح القدير: والحق الرجوع في ذلك إلى عرفهم ا ه‍. وفي المجتبى: والنفقة هي الخبز واللحم ودهن الرأس ودهن السراج وثمن الماء ولون من الفاكهة، وعلى المعسر من الطعام خبز الشعير إذا كان ذلك طعام فقرائهم وعشرة أساتير من اللحم وخمسة أساتير من الشحم والالية ولا شئ لها من الفاكهة ا ه‍. فصار الحاصل أنه ينبغي للقاضي إذا أراد فرض النفقة أن ينظر في سعر البلد وينظر ما يكفيها

[ 297 ]

بحسب عرف تلك البلدة ويقوم الاصناف بالدراهم ثم يقدر بالدراهم كما في المحيط، أما باعتبار حاله أو باعتبار حالهما، واختار المصنف الثاني وهو قول الخصاف، وفي الهداية وعليه الفتوى، وفي الولوالجية وهو الصحيح وعليه الفتوى، وظاهر الرواية اعتبار حاله فقط وهو قول الكرخي وبه قال جمع كثير من المشايخ ونص عليه محمد. وقال في التحفة والبدائع: إنه الصحيح نظرا إلى قوله تعالى * (لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما أتاها) * [ الطلاق: 7 ] واستدل في الهداية لاعتبار حاهما بحديث هند فإنه اعتبر حالهما، وأما النص فنقول بموجبه إنه مخاطب بقدر وسعه والباقي دين في ذمته. وحاصله أنه عمل بالآية والحديث. واتفقوا على وجوب نفقة الموسرين إذا كانا موسرين، وعلى نفقة المعسرين إذا كانا معسرين. وإنما الاختلاف فيما إذا كان أحدهما موسرا والآخر معسرا فعلى ظاهر الرواية الاعتبار لحال الرجل، فإن كان موسرا وهي معسرة تجب عليه نفقة الموسرين ولا يجب عليه أن يطعمها مما يأكل لكن قال مشايخنا: يستحب له أن يؤاكلها لانه مأمور بحسن العشرة معها وذا في أن يؤاكلها لتكون نفقتها ونفقته سواء، وإن كان معسرا وهي موسرة وجب عليه نفقة المعسرين لانها لما تزوجت معسرا فقد رضيت بنفقة المعسرين، وأما على المفتي به فتجب نفقة الوسط في المسألتين وهي فوق نفقة المعسرة ودون نفقة الموسرة، فإذا كان الزوج مفرطا في اليسار يأكل الحلواء واللحم المشوي والباجات والمرأة فقيرة تأكل في بيتها خبز الشعير لا يجب عليها أن يطعمها ما يأكل في بيته بنفسه ولا ما كانت تأكل في بيت أهلها ولكن يطعمها الوسط وهو خبز البر وباجة أو باجتين، كذا في الذخيرة. وفي غاية البيان إنه إذا كان معسرا وهي موسرة وأوجبنا الوسط فقد كلفناه بما ليس في وسعه فلا يجوز وهو غفلة عما في الهداية كما قدمناه من أنه مخاطب بقدر وسعه والباقي دين إلى الميسرة فليس تكليفا بما ليس في وسعه. وفي المجتبى: إن شاء فرض لها أصنافا وإن شاء قومها وفرض لها بالقيمة. ولم يذكر المصنف في أي وقت يدفع لها النفقة لانه يختلف باختلاف الناس قالوا: يعتبر في الفرض الاصلح والايسر، ففي المحترف يوما بيوم أي عليه

[ 298 ]

أن يدفع نفقة يوم بيوم لانه قد لا يقدر على تحصيل نفقة شهر مثلا دفعة، وهذا بناء على أن يعطيها معجلا ويعطيها كل يوم عند المساء عن اليوم الذي يلي ذلك المساء لتتمكن من الصرف في حاجتها في ذلك اليوم، وإن كان تاجرا يفرض عليه نفقة شهر بشهر، أو من الدهاقين فنفقة سنة بسنة، أو من الصناع الذي لا ينقضي عملهم إلا بانقضاء الاسبوع كذلك، كذا في فتح القدير وغيره. وينبغي أن يكون محله ما إذا رضي الزوج وإلا لو قال التاجر الدهقان أو الصانع أنا أدفع نفقة كل يوم معجلا لا يجبر على غيره لانه إنما اعتبر ما ذكر تخفيفا عليه فإذا كان يضره لا يفعل. وظاهر كلامهم أن كل مدة ناسبت حال الزوج فإنه يعجل نفقتها كما صرحوا به في اليوم. وصرح به في التجنيس في نفقة الشهر أنها تفرض عليه وتدفع لها ثم قال: لو فرض لها نفقة كل شهر فطلبتها كل يوم كان لها أن تطلب عند المساء لان حصة كل يوم معلوم فيمكنها المطالبة ولا كذلك ما دون اليوم ا ه‍. فإن قلت: إذا شرط عليها وقت العقد أن النفقة تموين من غير تقدير والكسوة كسوة الشتاء والصيف، فهل لها بعد ذلك طلب التقدير فيهما؟ قلت: لم أره صريحا والقواعد تقتضي أن لها ذلك لان هذا الشرط ليس بلازم

[ 299 ]

إذ هو شرط فيما لم يكن واجبا بعد ولهذا قالوا: إن الابراء عن النفقة لا يصح إلا إذا وجبت بالقضاء أو الرضا ومضت مدة فحينئذ يصح الابراء، كذا في البدائع. وفي البزازية: أنت برئ من نفقتي ما دمت امرأتك فإن لم يفرض القاضي النفقة فالابراء باطل، وإن فرض لها القاضي النفقة كل شهر عشرة دراهم صح الابراء من نفقة الشهر الاول دون ما سواها ا ه‍. وهذا يدل عل أن التقدير في مثل هذا يقع على الشهر الاول دون ما عداه. فإن قلت: إذا حكم مالكي في أصل العقد وفي شروطه وكتب وحكم بموجبه كما يفعل الآن ثم بعد ذلك شكت المرأة وطلبت التقرير عند قاض حنفي فهل له تقريرها؟ قلت: لم أره صريحا أيضا وما نقلوه في كتاب القضاء كما في فصول العمادي والبزازية من أن الحكم لا يرفع الخلاف إلا إذا كان بعد دعوى صحيحة في حادثة من خصم على خصم، وما نقل الكل من أن شرط صحة الحكم تقدم الدعوى والحادثة يقتضي أن للحنفي ذلك وقد كثر وقوعها في زماننا خصوصا أن النفقة تتجدد في كل يوم وما يتجدد لم يقع فيه حكم. وفي القنية: قول القاضي استديني عليه كل شهر كذا فرض منه كحبس المدعى عليه قضاء به. وأشار المصنف بوجوب النفقة عليه إلى أنه إذا لم يعط الزوج لها نفقة ولا كسوة فلها أن تنفق من طعامه وتتخذ ثوبا من كرباسه بغير إذنه كما في الذخيرة والقنية. ومن النفقة التي على الزوج الحطب والصابون والاشنان والدهن للاستصباح وغيره وثمن ماء الاغتسال لانه مؤنة الجماع. وفي كتاب رزين جعله عليها. وفصل في ماء الطهر من الحيض بين أن يكون حيضها عشرة أيام فعليها أو أقل فعليه، وأجرة القابلة على من استأجرها من الزوجة والزوج، فإن جاءت بغير استئجار فلقائل أن يقول عليه لانه مؤنة الجماع، ولقائل أن يقول عليها كأجرة الطبيب، وأما ثمن ماء الوضوء فعليها، فإن كانت غنية تستأجر من ينقله ولا تنقله

[ 300 ]

بنفسها، وإن كانت فقيرة فإما أن ينقله الزوج لها أو يدعها تنقله بنفسها، كذا في الخلاصة. وبه علم أن أجرة الحمام عليه لانه ثمن ماء الاغتسال لكن له منعها من الحمام حيث لم تكن نفساء كما سيأتي بيانه.، وسوى في الظهيرية بين ثمن ماء الاغتسال وماء الوضوء في الوجوب عليه وهو الظاهر. وفي الواقعات: ماء وضوئها عليه غنية كانت أو فقيرة لانها لا بد لها منه فصار كالشرب ا ه‍. فظهر ضعف ما في الخلاصة، وفي الذخيرة: لو طلبت المرأة من القاضي فرض النفقة وكان عليها دين فقال احسبوا لها نفقتها منه كان له ذلك لان الدينين من جنس واحد فتقع المقاصة كما في سائر الديون إلا أن في سائر الديون تقع المقاصة تقاصا أو لم يتقاصا، وهنا يحتاج إلى رضا الزوج لوقوع المقاصة لان دين النفقة أنقص من سائر الديون لسقوطه بالموت بخلاف سائر الديون فكان دين الزوج أقوى فيشترط رضاه بالمقاصة كما لو كان أحد الدينين جيدا والآخر رديئا ا ه‍. وفي نفقات الخصاف: لو كفل رجل لها بالنفقة كل شهر عشرة دراهم لزمه شهر واحد عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف يقع على الابد وهو أرفق بالناس وعليه الفتوى. وأجمعوا أنه لو قال كفلت لك بنفقتك كل شهر كذا أبدا أو ما دمتما زوجين فإنه يقع على الابد ما داما زوجين. وأما الكسوة فقال في الظهيرية: قدر محمد الكسوة بدرعين وخمارين وملحفة في كل سنة. واختلفوا في تفسير الملحفة قال بعضهم الملاءة التي تلبسه المرأة عند الخروج. وقال بعضهم هي غطاء الليل تلبسه في الليل. وذكر درعين وخمارين أراد بهما صيفيا وشتويا، ولم يذكر السراويل في الصيف ولا بد منه في الشتاء وهذا في عرفهم، أما في عرفنا فتجب السراويل وثياب أخر كالجبة والفراش التي تنام عليه واللحاف وما تدفع به أذى الحر البرد وفي الشتاء درع خز وجبة قز وخمار ابريسم. ولم يذكر الخف والمكعب في النفقة لان ذلك إنما يحتاج إليه للخروج وليس للزوج تهيئة أسباب الخروج ا ه‍. وفي المجتبي أن ذلك يختلف باختلاف الاماكن والعادات فيجب على القاضي اعتبار الكفاية بالمعروف في كل وقت ومكان، فإن شاء القاضي فرضها أصنافا وإن شاء قومها وقضى بالقيمة. وفي الخلاصة: وتفرض الكسوة كل ستة أشهر إلا إذا تزوج وبنى بها ولم يبعث إليها الكسوة لها أن تطالبه بالكسوة قبل مضي ستة أشهر. والكسوة كالنفقة في أنه لا

[ 301 ]

يشترط مضي المدة وللزوج أن يرفعها إلى القاضي حتى يأمرها بلبس الثوب لان الزينة حقه ا ه‍. وهو يدل على أن المرأة لو أمسكت النفقة وأكلت قليلا وقترت على نفسها فله أن يرفعها إلى القاضي لتأكل بما فرض لها خوفا عليها من الهزال فإنه يضره. وفي غاية البيان معزيا إلى الخصاف: ويجعل لها ما تنام عليه مثل الفراش ومضربة ومرقعة في الشتاء ولحافا تتغطى به. قال شمس الائمة في شرح كتاب النفقات: ذكر لها فراشا على حدة ولم يكتف بفراش واحد لانها ربما تعتزل عنه في أيام الحيض أو في زمان مرضها ا ه‍. وفي فتح القدير: ذكر في الاصل الدرع من الكسوة والخصاف ذكر القميص وهما سواء إلا أن القميص يكون مجيبا من قبل الكتف والدرع من قبل الصدر. وفي البدائع الكسوة على الاختلاف كالنفقة من اعتبار حاله فقط أو حالهما على قول الخصاف. وفي الذخيرة: إذا فرض لها القاضي الكسوة فهلكت أو سرقت منها أو خرقتها قبل الوقت فليس عليه أن يكسوها حتى يمضي الوقت الذي لا تبقى إليه الكسوة. والاصل أن القاضي متى ظهر له الخطأ في التقدير يرده فإذا لم يظهر له ذلك لا يرده، فإن تخرقت الكسوة بالاستعمال قبل مضي الوقت ينظر، فإن تخرقت بخرق استعمالها لم يتبين الخطأ في التقدير فلا يقضي بكسوة أخرى ما لم يمض ذلك الوقت، وإن تخرقت بالاستعمال المعتاد تبين الخطأ في التقدير فيقضي بكسوة أخرى، وكذا الجواب في النفقة إذا ضاعت أو سرقت أو أكلت أو أسرفت أو لم تسرف وكان ذلك قبل مضي الوقت فهو كما قلنا في الكسوة، ولو مضت المدة والكسوة باقية، فإن لم تستعمل تلك الكسوة أصلا حتى مضى الوقت يفرض القاضي لها كسوة أخرى لانه لم يظهر خطأ القاضي في التقدير، وإن استعملت تلك الكسوة، فإن استعملت معها كسوة أخرى في تلك المدة يفرض لها القاضي كسوة أخرى في تلك المدة، وإن لم تستعمل مع هذه الكسوة كسوة أخرى لا يفرض لها أخرى لانه ظهر خطؤه في التقدير حيث وقت وقتا تبقى الكسوة وراء ذلك الوقت. فرق بين هذا وبين ما إذا فرض لها القاضي عشرة دراهم نفقة شهر فمضى الشهر وقد بقي من العشرة شئ حيث يفرض لها القاضي في النفقة عشرة أخرى، والفرق أن في باب النفقة لم يظهر خطأ القاضي في التقدير بيقين لجواز أنه إنما بقي من العشرة شئ لتقتير وجد منها في الانفاق على نفسها فبقي التقدير معتبرا فيقضي القاضي لها بعشرة أخرى، أما في باب الكسوة إذا لبست جميع المدة ولم تتخرق فقد ظهر خطأ القاضي في التقدير بيقين لانا تيقنا أنه لم يوجد منها التقتير في اللبس. فرق بين نفقة الزوجات وكسوتهن وبين نفقة المحارم وكسوتهم فإن في الاقارب إذا مضى الوقت وبقي شئ من الدراهم أو الكسوة فإن القاضي لا يقضي بأخرى في الاحوال كلها لانها باعتبار الحاجة في حقهم وفي حق المرأة معاوضة عن الاحتباس، ولهذا إذا ضاعت النفقة أو الكسوة من أيديهم يفرض لهم أخرى لما ذكرنا ا ه‍. وقد استفيد من هذه المنقولات

[ 302 ]

أشياء منها: أن جميع ما تحتاج إليه المرأة من لباس بدنها وفرش بيتها مما تنام عليه وتتغطى به فإنه لازم على الرجل، إما أن يأتي به، وإما إن يفرضه القاضي عليه أصنافا أو دراهم كل ستة أشهر ويعجلها لها. وينبغي أن يلي الزوج شراء الامتعة لها كما قدمناه في الانفاق إلا إذا ظهر مطله أو خيانته في الشراء لها فحينئذ هي التي تلي ذلك بنفسها أو بوكيلها. ومنها أنها لو كان لها أمتعه من فرش ونحوها لا يسقط عن الزوج ذلك بل يجب لها عليه ما ذكرناه، وإن كان لها أمتعه فلا يلزمها إن تلبس متاعها ولا أن تنام على فراشها فبالاولى أن لا يلزمها أن تفرش متاعها لينام عليه أو يجليس عليه. ومنها أنه إذا دفع لها نفقتها وأنفقت منها قليلا وأمسكت الباقي فإن لها ذلك كما قدمناه. ومنها أن أدوات البيت كالاواني ونحوها على الرجل. والحاصل أن المرأة ليس لها إلا تسليم نفسها في بيته، وعليه لها جميع ما يكفيها بحسب حالهما من أكل وشرب ولبس وفرش، ولا يلزمها أن تستمتع بما هو ملكها ولا أن تفرش له شيئا من فراشها. وإنما أكثرنا من هذه المسائل تنبيها للازواج لما نراه في زماننا من تقصيرهم في حقوقهن حتى إنه يأمرها بفرش أمتعتها جبرا عليها وكذلك لاضيافه، وبعضم لا يعطي لها كسوة حتى كانت عند الدخول غنية صارت فقيرة وهذا كله حرام لا يجوز نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيأت أعمالنا. وأراد بالزوجة في قوله تجب للزوجة الزوجة في نفس الامر بنكاح صحيح لانه لا نفقة للزوجة بنكاح فاسد لا قبل التفريق ولا بعده، ولا نفقة للزوجة ظاهرا إلا في نفس الامر ولهذا قال في الظهيرية: لو أن امرأة أخذت نفقتها من زوجها أشهرا ثم شهد شاهدان أنها أخته من الرضاع يفرق بينهما ويرجع عليها الزوج بما أخذت. وذكر قبله: أختان ادعت كل واحدة منهما أن هذا زوجها وهو يجحد فأقامتا البينة على النكاح والدخول فلهما نفقة امرأة واحدة في مدة المسألة عن الشهود، نص عليه الخصاف. قوله: (ولو مانعة نفسها للمهر) أي يجب عليه النفقة ولو كانت المرأة مانعة نفسها بحق كالمنع لقبض مهرها. والمراد منه المعجل إما نصا أو عرفا كما أسلفناه منع بحق فكان فوت الاحتباس لمعنى من قبله فيجعل كلا فائت. أطلقه فشمل المنع بعد الدخول وهو قول الامام. وقالا: لا نفقة لها إذا كانت دون البلوغ لعدم صحة تسليم الاب وقد قدمناه. قيدنا

[ 303 ]

بالمعجل لانه لو كان كله مؤجلا فامتنعت فلا نفقة لها لانه نشوز كما في غاية البيان، وقدمنا أن الفتوى على قول أبي يوسف من أن لها المنع فعلى هذا لا تسقط نفقتها لان بحق. وأشار المصنف إلى أن شرط وجوب النفقة تسليم المرأة نفسها إلى الزوج وقت وجوب التسليم، ونعني بالتسليم التخلية وهي أن تخلى بين نفسها وبين زوجها برفع المانع من وطئها أو الاستمتاع بها إذا كان المانع من قبلها أو من قبل غير الزوج، فلو تزوج بالغة حرة صحيحة سليمة ونقلها إلى بيته فلها النفقة، وكذلك إذا لم ينقلها وهي بحيث لا تمنع نفسها وطلبت هي النفقة ولم يطالبها هو بالنقلة فلها النفقة، فإن طالبها بالنقلة وامتنعت، فإن كان امتناعها بحق بأن امتنعت لاستيفاء مهرها المعجل فلها النفقة، وكذا لو طالبها بالنقلة بعدما أوفاها المهر إلى دار مغصوبة فامتنعت فلها النفقة لانه بحق، ولو كانت ساكنة في منزلها فمنعته من الدخول عليها لا على سبيل النشوز بل قالت له حولني إلى منزلك أو أكتر لي منزلا أنزله فإني محتاجة إلى منزلي هذا آخذ كراه فلها النفقة، كذا في البدائع. وفي الذخيرة وقال بعض المتأخرين من أئمة بلخ: لا تستحق النفقة إذا لم تزف إلى بيت الزوج. والفتوى على جواب الكتاب وهو وجوب النفقة إذا لم يطالبها بالنقلة. قوله: (لا ناشزة) بالجر عطف على الزوجة أي لا تجب النفقة للناشزة وهي في اللغة العاصية على الزوج المبغضة له. يقال نشزت المرأة على زوجها فهي ناشزة. وعن الزجاج: النشوز يكون بين الزوجين وهي كراهة كل واحد منهما صاحبه، كذا في المغرب. وفي الشرع كما قال الامام الخصاف: الخارجة عن منزل زوجها المانعة نفسها منه. والمراد بالخروج كونها في غير منزله بغير إذنه ليشمل ما إذا امتنعت عن المجئ إلى منزله ابتداء بغير إيفاء معجل مهرها، وما إذا خرجت من منزلها بعد الانتقال إليه. وأطلق الخروج فشمل الحقيقي والحكمي وهو عدم تمكينها له من الدخول في منزها الذي يسكنان فيه قبل أن تسأله النقلة

[ 304 ]

لانها كالخارجة. وعلله في الذخيرة بأنها صارت كأنها نشزت إلى موضع آخر فدل أنه خروج من منزله حكما بخلاف ما إذا منعته بعد ما سألته النقلة كما قدمناه. وخرج ما إذا خرجت من بيت الغصب أو امتنعت من الانتقال إليه فإنها لا تكون ناشزة كما قدمناه لانه ليس منزلا له أصلا بخلاف البيت الذي فيه شبهة كبيت السلطان ليس لها أن تمتنع وتصير ناشزة كما في الخانية لعدم اعتبار الشبهة في زماننا كما في التجنيس. وقيد بالخروج لانها لو كانت مقيمة معه في منزله ولم تمكنه من الوطئ فإنها لا تكون ناشزة لان الظاهر أن الزوج يقدر على تحصيل المقصود منها بدليل أن البكر لا توطأ إلا كرها، وقد علم مما قدمناه أن المراد بمنعها نفسها منه المنع بغير حق فلذا قال في الخلاصة: لو كان الزوج بسمرقند وكانت زوجته بنسف فبعث إليها أجنبيا ليحملها إلى سمرقند ولم تذهب معه لعدم المحرم فإن لها النفقة. وشمل الخروج الحكمي ما إذا طلب أن يسافر بها من بلدها وامتنعت فإنه لا نفقة لها على ظاهر الرواية من أن له السفر بها، وأما على المفتى به فإنها لا تكون ناشزة كما قدمناه، وأشار إليه في الذخيرة هنا. وأطلق في عدم وجوب النفقة للناشزة فشمل ما إذا كانت النفقة مفروضة فإن النشوز يسقطها أيضا إلا إذا استدانت فإن المستدانة لا يسقطها النشوز على أصح الروايتين كالموت لا يسقطها أيضا كما في الذخيرة وهو مما ينبغي حفظه. ولم يذكر ما إذا تركت النشوز وهو بعودها إلى منزله لظهور أن النفقة تعود لانه من باب زوال المانع. وفي الخلاصة: الناشزة إذا عادت إلى بيت الزوج بعدما سافر زوجها أجابوا أنها خرجت عن أن تكون ناشزة ا ه‍. وشمل تعريف الناشزة المنكرة للنكاح فإذا ادعى عليها النكاح فجحدت ثم أقام البينة فلا نفقة لها. زاد في فتح القدير: وكذا إذا كان الزوج هو المنكر ثم قال: ولقائل أن يقول وينبغي أن يجب لانها صارت مكذبة شرعا، وكذا الزوج وإلا فلا يخفى ما فيه من الاضرار وفتح باب الفساد خصوصا عند اضطرارها للنفقة مع حبسها ا ه‍. ولا يخفى أنهم إنما نفوا وجوب النفقة ما دامت جاحدة، أما إذا عادت إلى التصديق وطلبت النفقة فإن لها النفقة، وأما إذا كان الزوج هو المنكر فإنما نفوا وجوب النفقة عنه في مدة المسألة عن الشهود لا مطلقا كما سنبينه بعد ذلك عن الظهيرية. وخرج عنه ما إذا أجرت نفسها لارضاع صبي وزوجها شريف ولم تخرج من منزله. وذكر في الفوائد التاجية نقلين فيها: الثاني منهما كما ذكرنا، والاول هو نشوز وإن لم تخرج ولا يخفى ضعفه. وفي الخلاصة: إن قال الزوج هي ناشزة فلا نفقة لها علي، فإن شهدوا أنه أوفاها المعجل وهي لم تكن في بيت الزوج سقطت النفقة، ولو شهدوا أنها ليست في طاعة الزوج للجماع لا تقبل لانه يحتمل أنها تكون في بيته

[ 305 ]

ولا تكون في طاعته وبه لا تسقط النفقة لان الزوج يغلب عليها ا ه‍. وبه علم أن الزوج إذا ادعى نشوزها في مدة وأنكرت فالقول قولها مع يمينها، فإن حلفت أخذت النفقة، وإن نكلت سقطت والبينة عليه وسيأتي أن لها الخروج من منزله بغير إذنه في مواضع وحينئذ لا تكون ناشزة، فعلى هذا المراد بالخروج خروجها بغير حق لا بغير إذنه فقط لكن ذكر في المجتبى: وإذا سلمت نفسها بالنهار دون الليل أو على عكسه لا تستحق النفقة لان التسليم ناقص. قلت: وبهذا عرف جواب واقعة في زماننا بأنه إذا تزوج من المحترفات التي تكون عامة النهار في الكارخانة والليل مع الزوج لا نفقة لها ا ه‍. مع أنه سيأتي أن القابلة لها الخروج. قوله: (وصغيرة لا توطأ) أي لا نفقة للصغيرة إذا كانت لا تطيق الجماع لان امتناع الاستمتاع لمعنى فيها والاحتباس الموجب هو الذي يكون وسيلة إلى المقصود المستحق بالنكاح ولم يوجد بخلاف المريضة كما سيأتي. وقال الشافعي: لها النفقة لانها عوض عن الملك عنده كما في المملوكة بملك اليمين، ولنا أن المهر عوض عن الملك ولا يجتمع العوضان عن معوض واحد فلها المهر دون النفقة. أطلق في عدم وجوبها لها فشمل ما إذا كانت في بيت الزوج أو في بيت أبيها، وقيد بالنفقة لان للاب مطالبة الزوج بمهر الصغيرة التي لا توطأ وإن كانت صغيرة جدا ويجبر الزوج على دفع المهر إليه لانه يجب كله بنفس العقد وحق القبض للاب، كذا في الخانية. وقيد بالصغيرة لانها تجب كالمهر للكبيرة وإن كان الزوج صغيرا جدا في ماله لان العجز من قبله كالمجبوب والعنيين، فإن لم يكن له مال لا تجب على الاب نفقة امرأة ولده ويستدين الاب عليه ثم يرجع بذلك على الابن إذا أيسر، كذا في الخانية. وفي الخلاصة: لا يجب على أبيه إلا إذا ضمنها كما في المهر ا ه‍. فلو أنفق عليها أبوه ثم ولدت واعترفت أنها حبلت من الزنا فإنها لا ترد شيئا من النفقة لان الحبل من الزنا، وإن منع من الوطئ لا يمنع من دواعيه ومن الوطئ فيما دون الفرج وهذا كاف لوجوب النفقة بخلاف ما إذا أقرت أنها حين تزوجت كانت حبلى فإنها ترد نفقة ستة أشهر لانه لا نفقة في النكاح الفاسد حملا لامرها على أن الحبل من زوج آخر سابق فتصدق في حق نفسها لا في حق الزوج، كذا في الذخيرة. والحاصل أن الصغيرة التي لا توطأ لا يجب لها نفقة صغيرا كان الزوج أو كبيرا، والمطيقة للوطئ تجب نفقتها صغيرا كان الزوج أو كبيرا، واختلف في

[ 306 ]

حد المطيقة له والصحيح أنه غير مقدر بالسن وإنما العبرة للاحتمال والقدرة على الجماع فإن السمينة الضخمة تحتمل الجماع وإن كانت صغيرة السن، كذا في التبيين. وذكر العتابي أنها بنت تسع واختاره مشايخنا ا ه‍. وأطلق في التي لا تطيق الجماع فشمل ما إذا كانت تصلح للخدمة أو الاستئناس فإنه لا نفقة لها خلافا لابي يوسف فيما إذا أسكنها في بيته فإن لها النفقة، واختاره صاحب الايضاح والتحفة كما في غاية البيان، وله أن يردها على قول أبي يوسف. وقيد بالصغيرة لان النفقة واجبة للقرناء والرتقاء والتي أصابها مرض يمنع الجماع والكبيرة التي لا يمكن وطؤها لكبرها، سواء أصابتها هذه العوارض بعدما انتقلت إلى بيت الزوج أو قبل ذلك، مع أنه لا احتباس للوطئ فيهن كالصغيرة التي لا توطأ، فأجبت بأن المعتبر في إيجاب النفقة احتباس ينتفع به الزوج انتفاعا مقصودا بالنكاح وهو الجماع، أو الدواعي والانتفاع من حيث الدواعي موجود في هؤلاء بأن يجامع فيما دون الفرج بخلاف الصغيرة فإنها لا تكون مشتهاة أصلا. قالوا: فعلى هذا التعليل إذا كانت الصغيرة مشتهاة يمكن جماعها فيما دون الفرج تجب النفقة، كذا في الذخيرة. والظاهر أن من كانت بحيث تشتهي للجماع فيما دون الفرج فهي مطيقة للجماع في الجملة إلى آخر ما في فتح القدير. وفي الخلاصة معزيا إلى الاقضية: أبو الصغيرة التي لا نفقة لها إذا طلب من القاضي فرض النفقة لها على الزوج وظن الزوج أن ذلك عليه ففرض لها النفقة لا يجب شئ والفرض باطل اه‍. ونظيره ما قدمناه عن الظهيرية: لو فرض لها القاضي النفقة فأخذتها أشهرا ثم شهد الشهود أنها أخته من الرضاع وفرق القاضي بينهما رجع الزوج عليها بما أخذته من النفقة. قوله: (ومحبوسة بدين ومغصوبة وحاجة مع غير الزوج ومريضة لم تزف) أي لا تجب النفقة لهؤلاء لان فوات الاحتباس ليس منه، أما في المحبوسة بدين فلان فوات الاحتباس منها بالمماطلة وإن لم يكن منها بأن كانت عاجزة فليس منه ولذا أطلقه المصنف ليشمل ما إذا كانت قادرة على ادائه أولا، وما إذا حبست قبل النقلة وبعدها هو المذكور في الجامع الكبير. واستشهد له محمد رحمه الله بغصب العين المستأجرة من يد المستأجر حيث تسقط الاجرة عنه لفوات الانتفاع لا من جهته وعليه الاعتماد، كذا في التبيين، وفي فتح القدير وعليه الفتوى،

[ 307 ]

وفي غاية البيان أن محمدا وضع المسألة في النفقة المفروضة لانه بدونه لا تتصور المسألة لسقوطها، ولو حذف المصنف قوله بدين لكان أولى لان المحبوسة ظلما بغير حق لا نفقة لها لان المعتبر في سقوط نفقتها فوات الاحتباس لا من جهة الزوج وقد فات الاحتباس هنا لا من جهته، وهذا هو الصحيح لانه إذا كان الفوات من جهته أمكن القول ببقائه تقديرا، وأما إذا كان لا من جهته فلم يكن الاحتباس باقيا تقديرا وبدونه لا يمكن إيجاب النفقة، كذا في الذخيرة. وقيد بحبسها لان الزوج لو حبس وهو يقدر على الاداء أولا يقدر أو حبس ظلما أو هرب أو نشز كانت لها النفقة لان الاحتباس هنا فات لمعنى من جهة الزوج، كذا في الذخيرة. ولا فرق بين أن تحبسه هي لدين لها عليه أو يحبسه أجنبي. وفي الخلاصة أنها إذا حبسته وطلب أن تحبس معه فإنها لا تحبس. وذكر في مآل الفتاوى أنه إذا خيف عليها الفساد تحبس معه عند المتأخرين، وأما إذا غصبها رجل كرها وذهب بها فما في المختصر هو ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف أن لها النفقة. والفتوى على الاول لان فوت الاحتباس ليس منه ليجعل باقيا تقديرا، كذا في الهداية. وأما إذا حجت مع غير الزوج فلان فوات الاحتباس منها. وعن أبي يوسف أن لها النفقة لان إقامة الفرض عذر فيكون لها نفقة الحضر. وفي رواية عنه يؤمر الزوج بالخروج معها والانفاق عليها إذا أرادت حجة الاسلام، كذا في الذخيرة. أطلق الحج فشمل الفرض والنفل وما إذا حجت قبل أن تسلم نفسها أو بعده وهذا هو ظاهر الرواية لان الامتناع من جهتها فأوجب سقوطها، سواء كانت عاصية في الخروج أو طائعة بخلاف الصلاة والصوم لوجود الاحتباس فلا يمنع اشتغالها بهما من وجوب النفقة، كذا في الذخيرة. وقيد بكون الحج مع غير الزوج الشامل لحجها وحدها أو مع محرم للاحتراز عما إذا حج معها فإن لها النفقة اتفاقا وهي نفقة الحضر لا السفر فينظر إلى قيمة الطعام في الحضر ولا ينظر إلى قيمته في السفر، ولا يلزمه الكراء ومؤنة السفر، وأما المريضة التي لم تزف فالمراد بها المريضة التي لم تنتقل إلى بيت الزوج، وقد اختلفت عبارات الكتب في هذه المسألة فظاهر المختصر أنها إذا مرضت قبل الدخول وهي في غير بيت الزوج فإنه لا نفقة لها، ومفهومه أها إن كانت في بيته فلها النفقة. وعلى هذا فالفرق بينها وبين الصحيحة إنما هو من جهة أن الصحيحة إذا لم تمنع نفسها من الانتقال مع الزوج فلها النفقة طلبها الزوج أو لا بخلاف المريضة فإنه لا نفقة لها وهي في بيتها مطلقا. وفي البدائع ما يخالفه فإنه قال: لو

[ 308 ]

كانت المرأة مريضة قبل النقلة مرضا يمنع من الجماع فنقلت وهي مريضة فلها النفقة بعد النقلة وقبلها أيضا إذا طلبت النفقة فلم ينقلها الزوج وهي لا تمتنع من النقلة لو طالبها الزوج وإن كانت تمتنع فلا نفقة لها كالصحيحة، كذا ذكره في ظاهر الرواية. وروي عن أبي يوسف أنه لا نفقة لها قبل النقلة فإذا نقلت وهي مريضة فله أن يردها. وجه ظاهر الرواية أن التسليم في حق التمكين من الوطئ إن لم يوجد فقد وجد في حق التمكين من الاستمتاع وهذا يكفي لوجوب النفقة كما في الحائض والنفساء والصائمة صوم رمضان، وإذا امتنعت لم يوجد التسليم شرعا ا ه‍. فحاصله أن ظاهر الرواية أن المريضة كالصحيحة فلا ينبغي ادخالها في النساء اللاتي لا نفقة لهن. وفي التجنيس: المرأة قبل الدخول بها إذا مرضت وطلبت النفقة يفرض لها النفقة إن لم يكن يحول بينه وبين أن يضمها إليه لانها ما امتنعت من تسليم النفس، وإن امتنعت من ذلك فلا نفقة عليه ا ه‍. وظاهره أنه إذا كان مرضها مانعا من النقلة فلا نفقة لها وإن لم تمنع نفسها وعليه يحمل ما في المختصر. وحاصله أن المنقول في ظاهر الرواية وجوب النفقة للمريضة، سواء كان قبل النقلة أو بعدها، وسواء كان يمكنه جماعها أو لا، كان معها زوجها أو لا، حيث لم تمنع نفسها كما صرح به في البدائع والخلاصة والذخيرة وغاية البيان معزيا إلى كافي الحاكم والمبسوط والشامل وشرح الطحاوي فكان هو المذهب، وصححه في فتح القدير وقال: إن الفتوى عليه وذكر أن القائلين بعدمه فرعوه على اشتراط التسليم حقيقة وهو مروي عن أبي يوسف وليس هو المختار. والذي ظهر لي أن ما ذكره المشايخ إنما هو ظاهر الرواية لا أنه مفرع على رواية أبي يوسف فإن النفقة وإن كانت واجبة للمريضة في ظاهر الرواية قبل الانتقال حيث لم تمنع نفسها لكن بشرط أن يمكنها الانتقال، فلو كانت بحيث لا يمكنها الانتقال أصلا فلا نفقة لها لعدم التسليم تقديرا بدليل قولهم في توجيه ظاهر الرواية أن التسليم حاصل في حق التمكين من الاستمتاع وإن لم يكن انتقالها فات التسليم بالكلية، فهذا هو مراد الفارقين بين المريضة والصحيحة، فالمريضة التي لم تزف

[ 309 ]

لا نفقة لها إن كانت بحيث لا تقدر على الانتقال معه، سواء منعت نفسها بالقول أو لا. وقيد بكونها لم تزف لانها لو مرضت في بيت الزوج مرضا لا تستطيع معه الجماع لم تبطل نفقتها بلا خلاف لان التسليم المطلق هو التسليم الممكن من الوطئ والاستمتاع وقد حصل بالانتقال لانها كانت صحيحة، كذا في البدائع. وبه ظهر أن ما في الخانية من التفصيل لا أصل له وعبارتها: إذا زفت المرأة إلى زوجها وهي صحيحة فمرضت في بيت الزوج مرضا لا تحتمل الجماع إن كان بنى بها كان لها النفقة لان المرأة لا تسلم عن المرض في عمرها، وإن كان لم يدخل بها فمرضت مرضا لا تحتمل الجماع لا نفقة لها، وإن أغمي عليها اغماء كثير فهو بمنزلة المرض ا ه‍. وفيها أيضا: لو مرضت في بيت الزوج بعد الدخول فانتقلت إلى دار أبيها قالوا: إن كانت بحال يمكن النقل إلى منزل الزوج بمحفة أو نحوها فلم تنتقل فلا نفقة لها، وإن كان لا يمكن نقلها فلها النفقة ا ه‍. وقيد بالنفقة لان المداواة لا تجب عليه أصلا، كذا في التبيين من باب صدقة الفطر. وقد ذكر المصنف ستا من النساء لا نفقة لهن. وفي خزانة الفقه لابي الليث عشر من النساء لا نفقة لهن، ولم يذكر المريضة وذكر خمسة والامة إذا لم يبوئها مولاها، والمنكوحة نكاحا فاسدا، والمرتدة، والمتوفى عنها زوجها، والمرأة إذا قبلت ابن زوجها بشهوة، وسيأتي حكم نفقة الامة والمتوفي عنها زوجها والمقبلة والمرتدة فلم يفت المصنف إلا المنكوحة نكاحا فاسدا ولا حاجة إلى بيانه. قوله: (ولخادم لو موسرا) أي تجب النفقة والكسوة لخادم المرأة لان كفايتها واجبة عليه وهذا من تمامه إذ لا بد لها منه فيلزمه للخادم أدى الكفاية لا تبلغ نفقة المرأة، وكذا كسوته بأرخص ما يكون ويفرض للخادم خف لانها تحتاج إلى الخروج بخلاف المرأة، كذا في الخانية. وفسر في الهداية نفقة الخادم بما يلزم المعسر من نفقة امرأته وشرط في البدائع وشرح الطحاوي في وجوب نفقة خادمها أن لا يكون له شغل غير خدمتها بأن يكون متفرغا لها. وأطلق المصنف في الخادم ولم يضفه إليها للاختلاف في تفسيره فقيل هو كل من يخدمها حرا كان أو عبدا. ملكا لها أوله أولهما أو لغيرهما. وظاهر الرواية عن أصحابنا الثلاثة كما في الذخيرة أنه مملوكها فلو لم يكن لها خادم لا يفرض عليه نفقة خادم لانها بسبب ملكها له فإذا

[ 310 ]

لم يكن في ملكها لا يلزمه نفقته كالقاضي إذا لم يكن له خادم لا يستحق نفقة الخادم في بيت المال، وظاهر كلامهم أن خادمها هو المملوك لها، سواء كان عبدا أو جارية، ولهذا ذكر في غاية البيان أن الخادم واحد الخدام، غلاما ما كان أو جارية. وبه تبين أن تفسير الزيلعي خادمها بالجارية المملوكة لها في ظاهر الرواية فيه نظر، وينبغي أن يدخل المدبر والمدبرة تحته. وبهذا علم أنه إذا لم يكن لها خادم مملوك لا يلزم الزوج كراء غلام يخدمها لكن يلزمه أن يشتري لها ما تحتاج إليه من السوق كما صرح به في الفتاوى السراجية. وقيد بالخادم لانه لا يلزمه نفقة أكثر من خادم واحد لها وهذا عندهما. وقال أبو يوسف: يفرض لخادمين لانها تحتاج إلى أحدهما لمصالح الداخل وإلى الآخر لمصالح الخارج. ولهما أن الواحد يقوم بالامرين فلا ضرورة إلى اثنين. قال الطحاوي: وروى صاحب الاملاء عن أبي يوسف أن المرأة إذا كانت ممن يجل مقدارها عن خدمة خادم واحد أنفق على من لا بد لها منه من الخدام ممن هو أكثر من الخادم الواحد أو الاثنين أكثر من ذلك. قال: وبه نأخذ، كذا في غاية البيان. وفي الظهيرية والولوالجية: المرأة إذا كانت من بنات الاشراف ولها خدم يجبر الزوج على نفقة خادمين ا ه‍. فالحاصل أن المذهب الاقتصار على واحد مطلقا والمأخوذ به عند المشايخ قول أبي يوسف. وفي فتح القدير والذخيرة: لو كان له أولاد لا يكفيهم خادم واحد فرض عليه لخادمين أو أكثر مقدار ما يكفيهم اتفاقا. وفي التجنيس: امرأة لها مماليك قالت لزوجها انفق عليهم من مهري فأنفق فقالت لا أجعلها من المهر لانك استخدمتهم فما أنفق بالمعروف فهو محسوب عليها لانه بأمرها ا ه‍. وأطلق في وجوب نفقة الخادم فشمل ما إذا أراد الزوج أن يخدمها أو يخدمها خادمه ولا ينفق على خادمها. قال في الخانية: وإن قال الزوج أخدمك أو تخدمك جارية من جواري الصحيح أن الزوج لا يملك إخراج خادم المرأة من بيته وعلله الولوالجي بأن المرأة عسى لا تتهيأ لها الخدمة بخدم الزوج، وظاهره أنه يملك إخراج ما عدا خادم واحد من بيته لانه زائد على قولهما وأطلق في المرأة فشمل الامة والحرة الشريفة الوضيعة لكن في الخلاصة معزيا إلى الفتاو الصغرى: المنكوحة إذا كانت أمة لا تستحق نفقة الخادم ونفقة الخادم لبنات الاشراف ا ه‍. ولا يتصور أن يكون للامة خادم على ظاهر الرواية لانه المملوك للمرأة ولا ملك للامة، وإنما هو على قول من فسر الخادم بكل خادم مملوكا لها أو لا، وقد أخذ بعضهم بم في الخلاصة أنها إذا كانت من الارذال لا تستحق نفقة

[ 311 ]

الخادم وإن كانت حرة لانه قيدها ببنات الاشراف. قال في فتح القدير: ويوافقه ما قيد به الفقيه أبو الليث كلام الخصاف حيث قال في أدب القاضي: لو فرض ما يحتاج إليه من الدقيق والدهن واللحم والادام فقالت لا أعجن ولا أخبز ولا أعالج شيئا من ذلك لا تجبر عليه وعلى الزوج أن يأتيها بمن يكفيها عمل ذلك. قال الفقيه أبو الليث: هذا إذا كان بها علة لا تقدر على الطبخ والخبز أو كانت ممن لا تباشر ذلك، فإن كانت ممن تخدم نفسها وتقدر على ذلك لا يجب عليه أن يأتيها بمن يفعله، وفي بعض المواضع تجبر على ذلك. قال السرخسي: لا تجبر ولكن إذا لم تطبخ لا يعطيها الادام وهو الصحيح. وقالوا: إن هذه الاعمال واجبة عليها ديانة وإن كان لا يجبرها القاضي ا ه‍. ولذا قال في البدائع: لو استأجرها للطبخ والخبز لم يجز ولا يجوز لها أخذ الاجرة على ذلك لانها لو أخذت لاخذت على عمل واجب عليها في الفتوى فكان في معنى الرشوة فلا يحل لها الاخذ ا ه‍. وهو شامل لبنات الاشراف أيضا ولذا استدل في البدائع لوجوبه ديانة بأنه عليه السلام قسم الاعمال بين علي وفاطمة فجعل أعمال الخارج على علي وأعمال الداخل على فاطمة ا ه‍. مع أنها سيدة نساء العالمين رضي الله تعالى عنها وأبوها صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق أجمعين. وقيد بيسار الزوج لانه لا يجب عليه نفقة الخادم عند إعساره وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة وهو الاصح خلافا لما قاله محمد لان الواجب على المعسر أدنى الكفاية وهي قد تكتفي بخدمة نفسها، كذا في الهداية. وتعقبه في فتح القدير بأنه مخالف لما ذكره أولا من لزوم اعتبار حالهما وأنه عند إعساره دونها ينفق بقدر حاله والباقي دين عليه، وقياسه أن تجب النفقة للخادم دينا عليه ا ه‍. وقد يقال إنما قيل في نفقتها ذلك للجمع بين الدليلين الآية وحديث هند وليس ذلك في الخادم فبقي على الاصل من اعتبار حاله. وفي الذخيرة: ولا تقدر نفقة الخادم بالدراهم على ما ذكرنا في نفقة المرأة بل يفرض لها ما يكفيها بالمعروف ولكن لا تبلغ نفقة خادمها نفقتها لان الخادم تبع للمرأة فتنقص نفقة الخادم عن نفقتها، ولم يرد بالنقصان النقصان في الخبز لان النفقة بقدر الكفاية وعسى أن تستوفي الخادم من الخبز في الاكل أكثر مما تستوفي المرأة، وإنما أراد به النقصان في الادام ا ه‍. وفيها أيضا: والكسوة للخادم على المعسر قميص كربا س في الشتاء وإزار ورداء كأرخص ما يكون، وفي

[ 312 ]

الصيف قميص مثل ذلك وإزار. وعلى الموسر في الشتاء قميص وطئ وإزار كرياس وكساء رخيص، وفي الصيف قميص مثل ذلك وإزار. ثم لم يفرض للخادمة الخمار وفرضها للمرأة لان الخمار لستر الرأس ورأس المرأة عورة ورأس الخادم ليس بعورة، وفرض لها الازار لان الخادم تحتاج إلى الخروج. قال مشايخنا: ما ذكره محمد في الكتاب من ثياب الخادم فهو بناء على عاداتهم وذلك يختلف باختلاف الامكنة في شدة الحر والبرد باختلاف العادات في كل وقت، فعلى القاضي اعتبار الكفاية في نفقة الخادم فيما يفرض في كل وقت ومكان ا ه‍. وما ذكره من كسوة الخادم على المعسر إنما هو على قول محمد كما لا يخفى. وفي غاية البيان: واليسار مقدر بنصاب حرمان الصدقة لا بنصاب وجوب الزكاة ا ه‍. وإن اختلفا في اليسار والاعسار فالقول قوله إلا أن تقيم المرأة البينة ويشترط العدد والعدالة في هذا الخبر ولا يشترط لفظة الشهادة، وإن أقاما البينة فبينتها أولى، كذا في الخانية. ثم اعلم أن نفقة الخادم إنما تجب على الزوج بإزاء الخدمة فإن امتنعت من الطبخ والخبز وأعمال البيت لم تستحق النفقة لانه لم يوجد ما تستحق النفقة بمقابلتها بخلاف نفقة المرأة فإنها في مقابلة الاحتباس فإذا لم تعمل تستحق النفقة وهذا هو ظاهر الرواية، كذا في الذخيرة. قوله: (ولا يفرق بعجزه عن النفقة وتؤمر بالاستدانة عليه) لانه لو فرق بينهما لبطل حقه ولو لم يفرق لتأخر حقها والاول أقوى في الضرر لان النفقة تصير دينا بفرض القاضي فيستوفى في الثاني وفوت المال وهو تابع في النكاح فلا يلحق بما هو المقصود وهو التوالد فلا يقاس العجز عن الانفاق على العجز عن الجماع في المجبوب والعنيين. وأطلق في النفقة فشمل الانواع الثلاثة فلا يفرق بعجزه عن كلها أو بعضها، وقيد بالنفقة ليعلم حكم المهر بالاولى. وفي غاية البيان معزيا إلى الفصول: إذا ثبت العجز بشهادة الشهود فإن كان القاضي شافعي المذهب وفرق بينهما نقذ قضاؤه بالتفرق، وإن كان حنيفا لا ينبغي له أن يقضي بالتفريق بخلاف مذهبه إلا إذا كان مجتهدا ووقع اجتهاده على ذلك، فإن قضى مخالفا لرأيه من غير اجتهاد فعن أبي حنيفة روايتان ولو لم يقض ولكن أمر شافعي المذهب ليقضي بينهما في هذه الحادثة فقضى بالتفريق نفذ إذا لم يرتش الآمر والمأمور، فإن كان الزوج غائبا فرفعت المرأة الامر إلى القاضي وأقامت المرأة البينة أن زوجها الغائب عاجز عن النفقة وطلبت من القاضي أن يفرق بينهما، فإن كان القاضي حنفيا فقد ذكرنا، وإن كان شافعيا ففرق بينهما قال مشاخ سمرقند: جاز تفريقه لانه قضى في فصلين مختلف فيهما التفريق بسبب العجز عن

[ 313 ]

النفقة والقضاء على الغائب، وكل واحد منهما مجتهد فيه. وقال ظهير الدين المرغيناني: لا يصح هذا التفريق لان القضاء على الغائب إنما يصح عند الشافعي وينفذ في إحدى الروايتين عن أبي حنيفة إذا ثبت المشهود به، وهنا لم يثبت المشهود به عند القاضي وهو العجز لان المال غاد ورائح، ومن الجائز أن الغائب صار غنيا ولم يعلم به الشاهد لما بينهما من المسافة فكان الشاهد مجازفا في هذه الشهادة. وقال صاحب الذخيرة: الصحيح لانه لا يصح قضاؤه لان العجز لا يعرف حالة الغيبة لجواز أن يكون قادرا فيكون هذا ترك الانفاق لا للعجز عن الانفاق، فإن رفع هذا القضاء إلى قاض آخر وأجاز قضاءه فالصحيح أنه لا ينفذ لان هذا القضاء ليس بمجتهد فيه لما ذكرنا أن العجز لم يثبت ا ه‍. وتعقبه في فتح القدير بقوله: واعلم أن الفسخ إذا غاب ولم يترك لها نفقة يمكن بغير طريق إثبات عجزه بمعنى فقره وهو أن تتعذر النفقة عليها. قال القاضي أبو الطيب من الشافعية: إذا تعذرت النفقة عليها بغيبته ثبت لها الفسخ. قال في الحلية: وله وجه وجيه فلا يلزم مجئ ما قال ظهير الدين ا ه‍. وهذا لا يرد ما قاله ظهير الدين لوجهين: الاول أنه ليس مذهب الشافعي. والثاني أن كلامه في التفريق بسبب العجز لا في غيره. وفي الذخيرة: فرق بين النفقة وبين سائر الديون في الامر بالاستدانة فإن في سائر الديون من عليه الدين إذا عجز عن قضاء الدين لا يؤمر صاحب الدين بالاستدانة عليه، وهنا بعد ما فرض القاضي لها تؤمر بالاستدانة على الزوج. والفرق بينهما أن المرأة لو لم تؤمر بالاستدانة عسى تموت جوعا أو يموت الزوج فتسقط نفقتها فكان الامر بها لتأكيد حقها وهذا المعنى معدوم في سائر الديون. قال مشايخنا: ليس فائدة الامر بالاستدانة بعد فرض القاضي النفقة إثبات حق للمرأة عليه لان حق رجوعها ثابت بالفرض، سواء أكلت من مال نفسها أو استدانت بأمر القاضي أو بغير أمره، ولكن فائدته أن يرجع الغريم على الزوج وبدون الامر ليس له الرجوع عليه وإنما يرجع رب الدين على المرأة وهي ترجع بالمفروض على الزوج. وفي تجريد القدوري: إن فائدته أن تحيل المرأة الغريم على الزوج وإن لم يرض الزوج وبدونه لس لها ذلك.

[ 314 ]

وذكر الحاكم في المختصر أن فائدته الرجوع على الزوج بعد موت أحدهما وبدونه لا رجوع. اه‍ ما في الذخيرة. فقد ذكر واللامر بالاستدانة ثلاثة فوائد لكن من جعل فائدتها إمكان الاحالة علبه بدون رضاه ظاهره أنه ليس لرب الدين الاخذ من الزوج بدون الحوالة، وعلى الاول له ذلك كما لا يخفى، ولم أر من ذكر الوجه في أمرها بالاستدانة دون أمره بذلك مع أنه المديون فكان ينبغي أن يأمره القاضي بالاستدانة، وقد ظهر لي وجهه بأنه لو أمر ربما تراخى في ذلك فيحصل لها الضرر فأمرت هي بالاستدانة لدفع الضرر، ولان الغريم يطمئن لاستدانتها أكثر من استدانته باعتبار أنه يصير له المطالبة على شخصين الزوج والمرأة بخلاف استدانة الزوج فإنه لا يطالب إلا الزوج، فلو أمره القاضي بالاستدانة لنفقتها قبل أن يأمره لم يكن بعيدا، ولم أره منقولا. واختلف في معنى الاستدانة فذكر الخصاف وتبعه الشارحون أنها الشراء بالنسيئة لتقضي الثمن من مال الزوج. وفي المجتبى معزيا إلى ركن الائمة الصباغي أنها الاستقراض فإذا استدانت هل تصرح بأني أستدين على زوجي أو تنوي؟ أما إذا صرحت فظاهر وكذا إذا نوت، وإذا لم تصرح ولم تنو لا يكون الاستدانة عليه، ولو ادعت أنها نوت الاستدانة عليه وأنكر الزوج فالقول له اه‍. وأطلق في الاستدانة فشمل قريب المرأة والاجنبي ولكن ذكر في شرح المختار أن المرأة المعسرة إذا كان زوجها معسرا ولها ابن من غيره موسر أو أخ موسر فنفقتها على زوجها ويؤمر الابن أو الاخ بالانفاق عليها ويرجع به على الزوج إذا أيسر ويحبس الابن أو الاخ إذا امتنع لان هذا من المعروف. قال الزيلعي: فتبين بهذا أن الادانة لنفقتها إذا كان الزوج معسرا وهي معسرة تجب على من كانت تجب عليه نفقتها لولا الزوج، وعلى هذا لو كان للمعسر أولاد صغار ولم يقدر على إنفاقهم تجب نفقتهم على من تجب عليه لولا الاب كالام والاخ والعم ثم ترجع به على الاب إذا أيسر بخلاف نفقة أولاده الكبار

[ 315 ]

حيث لا يرجع عليه بعد اليسار لانها لا تجب مع الاعسار فكان كالميت اه‍. وأقره عليه في فتح القدير. وينبغي أن يكون محله إذا لم تجد أجنبيا يبيعها بالنسيئة أو يقرضها فحينئذ يتعين على ولدها ونحوه، وأما إذا وجدت فلا. وفي فتح القدير: ولو امتنع من الانفاق عليها مع اليسر لم يفرق ويبيع الحاكم ما له عليه وصرفه في نفقتها، فإن لم يجد ما له يحبسه حتى ينفق عليها ولا يفسخ اه‍. وفي المجتبى والذخيرة: قال الزوج في مجلس أبي يوسف ليس عندي نفقة فقال خذي عمامته وأنفقيها على نفسك، فيحتمل أنه علم أبو يوسف أن له عمامة أخرى وإلا لاتباع العمامة في النفقة وسائر الديون. قال الخصاف: ولا يبيع مسكنه وخادمه ويبيع ما سوى ذلك، وقيل يبيع ما سوى الازار، وقيل يترك لنفسه دستا من الثيا ب ويبيع ما سوى ذلك، وقيل دستين وبه قال السرخسي. ولو كان له ثياب حسنة يمكنه الاكتفاء بما دونها يبيعها ويشتري ذلك ببعضها ويصرف الباقي إلى الديون والنفقة اه‍. وسيأتي تمامه في الحبس وفي باب الحجر إن شاء الله تعالى. قوله: (وتمم نفقة اليسار بطروه وأن قضى بنفقة الاعسار) لان النفقة تختلف بحسب اليسار والاعسار وما قضى به تقدير لنفقة لم تجب فإذا تبدل حاله فلها المطالبة بتمام حقها. وزعم الشارح الزيلعي أن هذه المسألة تستقيم على قول الكرخي حيث اعتبر حال الرجل فقط ولم يعتبر حال المرأة أصلا وهو ظاهر الرواية، ولا يستقيم على ما ذكره الخصاف من اعتبار حالهما على ما عليه الاعتماد فيكون فيه نوع تناقض من الشيخ لان ما ذكره أول الباب هو قول الخصاف ثم ثنى الحكم على قول الكرخي اه‍. وأقره عليه في فتح القدير وهو مردود بل هو مستقيم على قول الكل لان الخلاف إنما يظهر فيما إذا كان أحدهما موسرا والآخر معسرا، وكلام المصنف هنا أعم من ذلك، فلو كانا معسرين وقضى بنفقة الاعسار ثم أيسرا فإنه يتمم نفقة اليسار اتفاقا، وإذا أيسر الرجل وحده فإنه يقضي بنفقة يساره ونفقة يساره في حال إعسارها عند الخصاف هي الوسط، وكذا إذا أيسرت المرأة وحدها قضى بنفقة يسارها وهي الوسط عنده فصر كلامه شاملا للصور الثلاث بهذا الاعتبار لانه لم يقيد بيسار الزوج.

[ 316 ]

وإن قلنا أنه المراد كما وقع التصريح به في الهداية فهو محمول على يسارها أيضا، ومتى أمكن الحمل فلا تناقض. وأشار المصنف إلى أن القاضي إذا فرض النفقة للمرأة فغلا الطعام أو رخص فإن القاضي يغير ذلك الحكم، كذا في الظهيرية. وفي الذخيرة: وإذا فرض القاضي لها مالا يكفيها فلها أن ترجع عن ذلك لانه ظهر خطأ القاضي حيث قضى بما لا يكفيها فعليه أن يتدارك الخطأ بالقضاء لها بما يكفيها، وكذلك إذا فرض على الزوج زيادة على ما يكفيها فله أن يمتنع عن الزيادة اه‍. وفي الخلاصة: لو صالحته على أكثر من حقوقها في النفقة والكسوة إن كان قدر ما يتغابن الناس في مثله جاز، وإن كان قدر ما لا يتغابن الناس فالزيادة مردودة ويلزمه نفقة مثلها ولا يبطل القضاء، فلو أن القاضي فرض لها النفقة والسعر غالي رخص ثم تسقط الزيادة، وهذا يدل على أنه لا يبطل القضاء وتبطل الزيادة اه‍. يعني لا يبطل أصل التقدير بزيادة السعر أو نقصانه حتى لو مضت مدة لا تسقط النفقة إذ لو بطل أصله لسقطت بمضي الزمان. وسيأتي في مسائل الصلح عن النفقة قريبا إن شاء الله تعالى. قوله: (ولا تجب نفقة مضت إلا بالقضاء أو الرضا) لان النفقة صلة وليست بعوض عندنا فلم يستحكم الوجوب فيها إلا بالقضاء كالهبة لا توجب الملك فيها إلا بمؤكد وهو القبض، والصلح بمنزلة القضاء لان ولايته على نفسه أقوى من ولاية القاضي بخلاف المهر لانه عوض البضع. والمراد بعدم وجوبها عدم كونها دينا عليه فلا تكون دينا عليه يطالب به ويحبس عليه إلا بإحدى هذين الشيئين فحينئذ تصير دينا عليه فتأخذه منه جبرا، سواء كان غائبا أو حاضرا، لسواء أكلت من مال نفسها أو استدانت. وأطلق المصنف فشمل المدة القليلة لكن ذكر في الغاية أن نفقة ما دون الشهر لا تسقط وعزاه إلى الذخيرة فكأنه جعل القليل مما لا يمكن التحرز عنه إذ لو سقطت بمضي اليسير من المدة لما تمكنت من الاخذ أصلا اه‍. والمراد بالرضا اصطلاحهما على قدر معين للنفقة إما أصنافا أو دراهم ولذا عبر الحدادي بالفرض والتقدير، فإذا فرض لها الزوج شيئا معينا كل يوم ثم مضت مدة فإنها لا تسقط، فهذا هو المراد بقولهم أو الرضا، وأما ما توهمه بعض حنفية العصر من أن المراد بالرضا أنه إذا مضت مدة بغير فرض ولا رضا ثم رضي الزوج بشئ فإنه يلزمه فخطأ ظاهر

[ 317 ]

لا يفهمه من له أدنى تأمل. وأما ما سيأتي من مسائل الصلح بلا قضاء ولا رضا فالمراد أنهما اصطلحا على شئ ثم مضت مدة بعده كما لا يخفى. وظاهر المتون والشروح أن المرأة ترجع بالنفقة المفروضة، سواء شرط الرجوع لها أو لا، ويشكل عليه ما في الخانية والظهيرية القاضي إذا فرض للمرأة النفقة فقال الزوج استقرضي كل شهر كذا وأنفقي على نفسك ففعلت ليس لها أن ترجع على الزوج إلا أن يقول وترجعين بذلك على اه‍. ولم أر جوابا عنها ولعل المراد أنها لا ترجع بما استقرضت وإنما ترجع بما فرض لها لان المأمور باستقراضه قد يكون أزيد أو من خلاف الجنس وإن لم يؤول بذلك فهو غلط محض كما لا يخفى. وفي الظهيرية: إذا قال الرجل لآخر استدن علي لامرأتي وأنفق عليها كل شهر عشرة دراهم وقال أنفقت وقالت المرأة صدق لم يصدق على ذلك إلا أن يكون القاضي فرض لها النفقة فحينئذ يصدق لانها أخذت بإذن القاضي، وكذا هذا في الاولاد الصغار اه‍. وأشار المصنف إلى أن الابراء عن النفقة قبل القضاء والصلح باطل لما في الواقعات وغيرها: المرأة إذا أبرأت الزوج عن النفقة بأن قالت أنت برئ من نفقتي أبدا ما كنت امرأتك فإن لم يفرض القاضي لها ا لنفقة فالبراءة باطلة لانها أبرأته قبل الوجوب، وإن كان فرض لها القاضي النفقة كل شهر عشرة دراهم صح الابراء عن نفقة الشهر الاول ولم يصح عن نفقة ما سوى ذلك من

[ 318 ]

الشهور. وكذا لو قالت أبرأتك عن نفقة سنة لم يبدأ إلا من نفقة شهر واحد لان القاضي لما فرض نفقة كل شهر فإنما فرض لمعنى يتجدد بتجدد الشهر فما لم يتجدد الشهر لا يتجدد الفرض، وما لم يتجدد الفرض لا تصير نفقة الشهر الثاني واجبا. ولو قالت بعدما مكثت أشهرا أبرأتك من نفقة ما مضى وما يستقبل يبرأ من نفقة ما مضى ويبرأ من نفقة ما يستقبل بقدر نفقة شهر ولا يبرأ زيادة على ذلك، وهو نظير من أجر عبده من رجل كل شهر بعشرة دراهم ثم أبرأه من أجرة الغلام أبدا لا يبرأ إلا من أجرة شهر اه‍. وأشار المصنف إلى أن الكفالة بالنفقة قبل الفرض أو التراضي على معين لا تصح وبعد أحدهما تصح كما في الذخيرة: ولو أن المرأة قالت للقاضي إن زوجي يريد أن يغيب وأرادت أن تأخذ منه كفيلا بالنفقة فإنه ليس لها ذلك لانه النفقة لم تجب. وقال أبو يوسف: استحسن ذلك وآخذ منه كفيلا بالنفقة شهرا. وعليه الفتوى لان النفقة إن لم تجب للحال تجب بعده فتصير كأنه كفل بما ذاب لها على الزوج فيجبر استحسانا رفقا بالناس، كذا في الواقعات. زاد في الذخيرة أنه لا فرق في هذا الحكم بين أن تكون النفقة مفروضة أو لا. وفي الذخيرة أيضا: ولو اختلفا فيما مضى من المدة من وقت القضاء أو من وقت الصلح فالقول قول الزوج والبينة بينة المرأة لانها تدعي زيادة دين والزوج ينكر فالقول قله مع يمينه، وإذا ادعى الزوج الانفاق وأنكرت المرأة فالقول قولها مع اليمين كما في سائر الديون اه‍. وفي الظهيرية: امرأة أقامت على رجل بينة بالنكاح فلا نفقة لها في مدة المسألة عن الشهود، ولو أراد القاضي أن يفرض لها النفقة لما رأى من المصلحة ينبغي أن يقول لها إن كنت امرأته فقد فرضت ذلك عليه في كل شهر كذا وكذا ويشهد على ذلك، فإذا مضى شهر وقد استدانت وعدلت البينة آخذته بنفقتها منذ فرض لها اه‍. وهو يدل على ما قلنا من أن الفرض من القاضي يصيرها دينا فلا تسقط بالمضي، وإن فرض القاضي النفقة قضاء لا يقال إنه ليس بقضاء لعدم الدعوى لانا نقول: طلبها التقدير دعوى ومسألة الابراء تدل على أن الفرض في الشهر الاول تنجز وفيما بعده مضاف فتنجز بدخول الشهر وهكذا فلا يصح الرجوع عنه لما في الخانية من الصلح: ولو صالحت المرأة زوجها عن نفقة كل شهر على دراهم ثم قال الزوج

[ 319 ]

لا أطيق ذلك فهو لازم لا يلتفت إليه إلا إذا تغير سعر الطعام ويعلم أن ما دون ذلك يكفيها اه‍. فإذا كان هذا في الصلح ففي فرض القاضي أولى لان له ولاية عامة، فإذا قرر القاضي لها نفقة كل يوم أو كل شهر أو كل سنة لزم التقرير ما دامت في عصمته حيث لم يوجد مسقط وكان بقدر حالهما. وفي خزانة المفتين: وإذا أراد القاضي أن يفرض النفقة يقول فرضت عليك نفة امرأتك كذا وكذا في مدة كذا وكذا أو يقول قضيت عليك بالنفقة لمدة كذا يصح وتجب على الزوج حتى لا تسقط بمضي المدة لان نفقة زمان مستقبل تصير واجبة بقضاء القاضي حتى لو أبرأت بعد الفرض صح اه‍. وهو دليل على ما قلنا من أن فرضها قضاء وأنه إذا فرضها ثم مضت مدة لم تسقط. وقد نقل في فتح القدير أنه لا نفقة لها فيما إذا ادعى الزوج النكاح وهي تجحد أو عكسه، واستشكله بأن فيه إضرارا بها وهو سهو لانه إذا كان منكرا إنما نفوا النفقة في مدة المسألة عن الشهود لا مطلقا مع أن القاضي إذا فرض لها جاز، وأما بعد قضاء القاضي بالنكاح بالبينة فلا شك في وجوبها. وقد علم من عطف المصنف الرضا على القضاء أن فرض القاضي بطريق الجبر وقدمنا أنه إذا فرض عليه أكثر من حاله فإن له أن يمتنع عن الزيادة، وكذا إذا اصطلحا على أزيد من نفقة المثل لما في الظهيرية: وإذا صالح الرجل امرأته عن نفقة كل شهر على مائة درهم والزوج محتاج لم يلزمه إلا نفقة مثلها، وإذا صالحها على دانق كل شهر جاز ولها أن تنقض إن لم يكفها اه‍. وفي الذخيرة: وإذا صالحت المرأة زوجها من نفقتها على ثلاثة دراهم كل شهر فهو جائز وكان ذلك تقديرا لنفقتها. والاصل أن الصلح بينهما متى حصل بشئ يجوز للقاضي أن يفرضه في نفقتها بحال، فالصلح بينهما تقدير للنفقة ولا تعتبر معاوضة، سواء كان هذا الصلح قبل فرض القاضي أو التراضي على شئ أو كان بعد أحدهما. وإذا وقع الصلح على شئ لا يجوز للقاضي أن يفرضه على الزوج في نفقتها بحال كالثوب والعبد ينظران كان الصلح بينهما قبل قضاء القاضي لها بالنفقة وقبل تراضيهما على شئ لكل شهر يعتبر الصلح منهما تقديرا وبعد أحدهما يعتبر معاوضة. وفائدة اعتبار التقدير أن تجوز الزيادة عليه والنقصان عنه، وفائدة اعتبار المعاوضة أن لا تجوز الزيادة على ذلك ولا النقصان، فإذا صالحها على دراهم كل شهر ثم قالت لا تكفيني زيدت، ولو قال الرجل لا أطيقه فإنه لا يصدق في ذلك فإنه التزمه باختياره، وذلك دليل على كونه قادرا على أداء ما التزم فيلزمه جميع ذلك إلا أن يتعرف القاضي عن حاله بالسؤال من الناس فإذا أخبروه أنه لا يطيق ذلك نقص عنه وأوجب على قدر طاقته، فإن لم يمض شئ من الشهر حتى صالحها من هذه

[ 320 ]

الدراهم عن شئ إن كان شيئا يجوز للقاضي أن يفرضه كما إذا صالح عن الدراهم على ثلاث مخاتيم دقيق بعينه أو بغير عينه فهو تقدير للنفقة، وإن كان ثوبا أو نحوه فهو معاوضة ولا يشبه هذا الديون كما إذا كان لرجل على آخر ثلاثة دراهم فصالحه من الدراهم على ثلاثة مخاتيم دقيق بغير عينه فإن الصلح لا يجوز لان الصلح فيه معاوضة لوجوب الدين قبل الصلح فكان بيع دين بدين فلا يجوز إلا أن يدفع الدقيق في المجلس، وأما هنا فقبل مضي الشهر فالنفقة لا تصير دينا فلم يكن معاوضة، وإنما هو تقدير للنفقة حتى لو مضى الشهر وصارت الدراهم دينا ثم صالحها على دقيق بغير عينه لا يجوز أيضا لما قلنا اه‍. وقد علم منه أن رضاهما وصلحهما على شئ صالح للنفقة بعد فرض القاضي النفقة مبطل لتقدير القاضي حتى لا يلزمه إلا ما تراضيا عليه بعد فرض القاضي، فيستفاد منه أنهما لو اتفقا على أن تأكل معه تموينا بعد فرض النفقة أو الاتفاق على قدر معين فإنه يبطل التقدير السابق لرضاها بذلك وهي كثيرة الوقوع في زماننا. وفي الذخيرة أيضا: ولو صالحها من نفقة سنة على ثوب جاز، فإن استحق الثوب، فإن وقع الصلح عليه بعد الفرض أو الرضا فإنها ترجع بما فرض لها أو تراضيا عليه لان أخذها الثوب شراء وقد انفسخ بالاستحقاق فعاد دينها، وإن كان قبل القرض والتراضي رجعت بقيمة الثوب ولو صلحها على وصيف وسط ولم يجعل له أجلا أو أجله، فإن كان قبل الفرض أو التراضي جاز، وإن كان بعد أحدهما لا يجوز. وصلح المكاتبة على نفقتها جائز كالصلح عن مهرها لانه حقها، وكذلك العبد المحجور إذا صالح عن نفقة امرأته وقد تزوج بإذن المولى، وكذا صلح المكاتب عن نفقة امرأته كل شهر جائز بالاولى اه‍. قوله: (وبموت أحدهما تسقط المقضية) أي بموت أحد الزوجين تسقط النفقة المقضى بها لان النفقة صلة والصلاة تسقط بالموت كالهبة والدية والجزية وضمان العتق. أطلقه فشمل ما إذا استدانت أولا، فإن كانت استدانت بغير إذن القاضي فإنها تسقط بموت أحدهما كما لو أنفقت من مال نفسها، وإن كانت الاستدانة بأمر القاضي جزم في الظهيرية بعدم السقوط وصححه في الذخيرة، ونسبه إلى الكافي للحاكم الشهيد لان للقاضي ولاية عامة بمنزلة استدانة الزوج بنفسه، ولو استدان الزوج بنفسه لا يسقط ذلك الدين للقاضي ولاية عامة بمنزلة استدانة الزوج بنفسه، ولو استدان الزوج بنفسه لا يسقط ذلك الدين بموت أحدهما كذا هذا اه‍. قيد بالموت لان سقوط النفقة المقضي بها بالطلاق مختلف فيه فجزم في النقاية بسقوطها به كالموت مسويا بينهما، وكذا في الجوهرة وذكر في الخانية والظهيرية:

[ 321 ]

وكما تسقط المفروضة بموت أحد الزوجين هل تسقط بالطلاق؟ اختلفوا فيه فقال بعضهم: لا تسقط. وقال القاضي الامام أبو علي النسفي: وجدت رواية في السقوط. وذكر البقالي أن على قول محمد تسقط ولا رواية عن أبي يوسف. وذكر شمس الائمة الحلواني زاد الخصاف لسقوط النفقة المفروضة سببا آخر فقال: تسقط بموته وموتها وتسقط إذا طلقها أو أبانها اه‍. هذه عبارتهما باللفظ. وفي الخلاصة والبزازية: وهل تسقط النفقة المفروضة بالطلاق؟ حكي عن القاضي الامام أبي علي النسفي أنها تسقط، وفي فتاوى البقالي ذكر الاختلاف بين أبي يوسف ومحمد اه‍. وفي الذخيرة: لو طلقها الزوج في هذا الوجه يسقط ما اجتمع عليه من النفقات بعد فرض القاضي، كذا حكي عن القاضي الامام أبي علي النسفي. وكان يقول: وجدنا رواية هذه المسألة في كتاب القاضي وبه كان يفتي الصدر الشهيد والشيخ الامام ظهير الدين المرغيناني. وشبهة بالذمي إذا اجتمع عليه خراج رأسه ثم أسلم يسقط عنه ما كان اجتمع عليه. ووجه التشبيه به أن الذمي إنما كان يؤخذ منه خراج النفس لاصراره على الدين الباطل وقد زال ذلك المعنى بالاسلام فتسقط الجزية، كذا ها هنا المرأة إنما تستحق النفقة بالوصلة التي كانت بينهما وتلك الوصلة قد انقطعت بالطلاق، فأما إذا كانت النفقة مستدانة بأمر القاضي فإنها لا تسقط بالطلاق وهو الصحيح لما ذكرنا أنه كاستدانة الزوج بنفسه اه‍. ما في الذخيرة. وفي المجتبى: ولو طلقها الزوج في هذه الوجوه فإنه يسقط ما اجتمع عليه من النفقات بعد فرض القاضي اه‍. فقد ظهر من هذا أن الراجح عندهم سقوطها بالطلاق كالموت خصوصا قد أفتى به الشيخان كما في الذخيرة، وظاهر كلامهم أنه لا فرق فيه بين الطلاق الرجعي والبائن لانه في عبارة الخانية والظهيرية قد عطف البائن على الطلاق فعلم أن الطلاق رجعي قال العبد الضعيف: ينبغي ضعف القول بسقوطها بالطلاق ولو بائنا لامور: الاول أنهم اتفقوا على أنه يحبس في النفقة المفروضة إذا امتنع من دفعها ولو كانت تسقط بالطلاق لامكنه أن يطلقها فتسقط ثم يراجعها. الثاني أنهم صرحوا بجواز أخذ الكفيل بالنفقة المفروضة بقدر المدة التي فرضها القاضي مع أن الكفالة لا تصح إلا بدين صحيح. قالوا: وهو الذي لا يسقط إلا بالاداء أو الابراء، فلو كان دين النفقة يسقط بالطلاق لم يكن صحيحا فلم تصح الكفالة به، ولا يضرنا سقوطه بموت أحدهما لانه لعارض أن أصله صلة والصلات تسقط بالموت قبل القبض. الثالث وهو أقواها ما ذكروه في باب الخلع فإن الكل قد ذكروا أن الطلاق على مال لا يسقط شيئا من حقوق النكاح بخلاف الخلع على مال ولا بأس بذكر

[ 322 ]

عباراتهم. قال في البدائع: ولا خلاف بينهم في الطلاق على مال أنه لا يبرأ به عن سائر الحقوق التي وجبت لها بسبب النكاح اه‍. فقد أفاد عدم سقوط النفقة والكسوة المفروضتين بالطلاق على مال لانه صرح بسائر الحقوق وهي ثلاثة: المهر والنفقة والكسوة. ولا يمكن حمله على المهر فقط لانه يبطل به قوله سائر الحقوق. وقال قبله: وأما حكم الخلع فإن كان بغير بدل بأن قال خالعتك ونوى به الطلاق فحكمه أن يقع الطلاق ولا يسقط شئ من المهر والنفقة الماضية، وإن كان ببدل إلى آخره فهذا صريح في المسألة أيضا، وفي غاية البيان: أما إذا كان العقد بلفظ الطلاق على مال فهل تقع البراءة عن الحقوق المتعلقة بالنكاح؟ ففي ظاهر الرواية لا تقع لان لفظ الطلاق لا يدل على إسقاط الحق الواجب بالنكاح، وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة تقع البراءة عنها لاتمام المقصود اه‍. وظاهره أن الطلاق إذا لم يكن علي مال لا يسقط شيئا من الحقوق الواجبة اتفاقا. فهذا كله يدل على ضعف الرواية السابقة خصوصا أن مفهوم الكتب حجة، وقد قيدوا سقوطها بموت أحدهما. وظاهر ما في الخانية والظهيرية أن الخصاف زاد الطلاق من عنده وليس له أصل في المذهب، فالذي يتعين المصير إليه على كل مفت وقاض اعتماد عدم السقوط خصوصا ما تضمنه القول بالسقوط من الاضرار بالنساء حتى استفتيت وقت تأليف هذا المحل عن امرأة لها كسوة مفروضة تجمد لها عشر سنين ولم يدفع لها الزوج ثم إنها رفعته إلى قاض وحكم عليه بالدفع فاستمهلها يوما ثم ذهب إلى قاض رومي وخلعها عنده بغير علمها فحكم له القاضي الحنفي بسقوط الكسوة الماضية، ولا يخفى ما في ذلك من الضرر. فإن قلت: لم لم تعتمد على تصحيح الزيلعي بقوله وكذا لا تسقط بالطلاق في الصحيح لما ذكرنا قلت: لان كلامه في النفقة المستدانة بأمر القاضي وكلامنا في المفروضة فقط. قوله: (ولا ترد المعجلة) أي لا ترد النفقة المعجلة بموت أحدهما ونحوه بأن عجل لها نفقة شهر بعد فرض القاضي أو التراضي ثم مات أحدهما. أطلقه فشمل ما إذا كانت قائمة أو هالكة، فإن كانت هالكة فلا ترد شيئا اتفاقا، وإن كانت قائمة أو مستهلكة فكذلك عندهما. وقال محمد: يحتسب لها نفقة ما مضى وما بقي فهو للزوج، وعلى هذا الخلاف

[ 323 ]

الكسوة لانها استعجلت عوضا عما تستحقه عليه بالاحتباس وقد بطل الاستحقاق بالموت فبطل العوض بقدره كرزق القاضي ورزق المقاتلة. ولهما أنها صلة وقد اتصل بها القبض ولا رجوع في الصلات بعد الموت لانتهاء حكمها كما في الهبة وفتح القدير، والفتوى على قولهما، وجعله الولوالجي وأصحاب الفتاوى قول أبي يوسف قالوا: والفتوى عليه. وشمل ما إذا كان المعجل الزوج أو أباه لما في الولوالجية وغيرها: أبو الزوج إذا دفع نفقة امرأة ابنه

[ 324 ]

مائة ثم طلقها الزوج ليس للاب أن يسترد ما دفع لانه لو أعطاها الزوج والمسألة بحالها لم يكن له ذلك عند أبي يوسف وعليه الفتوى، فكذا إذا أعطاها أبو الزوج اه‍. وشمل الموت والطلاق لما ذكرناه، وكذا في الخانية: ولو عجل لها ثم طلقها لم يكن له أن يسترد، وفي فتح القدير: والموت والطلاق قبل الدخول سواء، وفي نفقة المطلقة إذا مات زوجها اختلفوا، قيل ترد، وقيل لا تسترد بالاتفاق لان العدة قائمة في موته، كذا في الاقضية. فعلى هذا لا ينبغي أن يقيد كلام المصنف بموت أحدهما كما فعله الزيلعي بل تجعل مستقلة، ووجهه أنها صلة لزوجته ولا رجوع فيما يهبه لزوجته والعبرة لوقت الهبة لا لوقت الرجوع فالزوجية من الموانع من الرجوع كالموت ودفع الاب كدفع ابنه فلا إشكال. قوله: (ويباع القن في نفقة زوجته) يعني إذا كان تزوجه بإذن المولى لانه دين وجب في ذمته لوجود سببه وقد ظهر وجوبه في حق المولى فيتعلق برقبته كدين التجارة في العبد التاجر ومراده عند عدم الفداء فإن للمولى أن يفديه لان حقها في النفقة لا في عين الرقبة فلو مات العبد سقطت، وكذا إذا قتل في الصحيح لانه صلة، وكذا المهر، ولم أرهم صرحوا هنا بأن المرأة إذا اختارت استسعاء في النفقة دون بيعه أن لها ذلك أم لا، لكن صرحوا في المأذون له للتجارة إذا لحقه دين واختار الغرماء استسعاءه دون بيعه أن لهم ذلك، ذكره الزيلعي في المأذون فينبغي أن يكون هنا كذلك. وينبغي أن المرأة إذا اختارت استسعاء لنفقتها كل يوم أن يكون لها ذلك أيضا. قيدنا بإذن المولى لانه لو تزوج بغير إذن المولى لا يباع في النفقة لعدم وجوبها لعدم صحة النكاح ولذا لم يقيد المصنف بالاذن لان عند عدمه لم تكن زوجة لتجب لها النفقة، وكذا المهر لا يباع فيه ولو دخل بها لعدم ظهوره في حق المولى، وإنما يطالب به بعد عتقه. وقيد بالقن وهو العبد الذي لا حرية فيه بوجه عند الفقهاء. وفي اللغة العبد إذا ملك هو وأبواه يستوي فيه الاثنان والجمع والمذكر والمؤنث كما في شرح النقاية، لان المكاتب والمدبر وأم الولد لا يباعون فيها لعدم جواز البيع وإنما عليه السعاية إلا إذا عجز المكاتب فإنه يباع لزوال المانع. وقيد بنفقة زوجته لان نفقة أولاده لا تجب عليه، سواء كانت الزوجة حرة أو أمة، أما إذا كانت حرة فلان الاولاد أحرارا تبعا لها والحر لا يستوجب النفقة على العبد إلا الزوجة، وإن كانت المرأة أمة فنفقة الاولاد على مولى الامة وإن كانت نفقة الام على العبد لان الاولاد تبع للام في الملك فتكون نفقة الاولاد على المالك لا على الزوج، كذا في

[ 325 ]

الولوالجية. زاد في الكافي للحاكم وشرحه للسرخسي وشرح الطحاوي والشامل: وكذلك المكاتب لا تجب نفقة ولده، سواء كانت امرأته حرة أو قنة لهذا المعنى. وإذا كانت امرأة المكاتب مكاتبة وهما لمولى واحد فنفقة الولد على الام لان الولد تابع للام في كتابتها، ولهذا كان كسب الولد لها وأرش الجناية عليه لها وميراثه لها فكذلك النفقة تكون عليها بخلاف ما إذا وطئ المكاتب أمته فولدت حيث تجب نفقة الولد على المكاتب لانه داخل في كتابته ولهذا يكون كسبه له، وكذا أرش الجناية عليه له ولانه جزؤه فإذا تبعه في العقد كانت نفقته عليه كنفقة نفسه اه‍. ولم أر متى يباع القن في النفقة فإن القاضي إذا قرر لها نفقة كل شهر كذا وطالبت بالنفقة هل يباع لاجل النفقة اليسيرة أو تصبر المرأة حتى يجتمع لها من النفقة قدر قيمته؟ إن قلنا بالاول ففيه إضرار بالمولى ويقتضي أن يباع في نفقة يوم إذا طلبتها ولم يفده السيد، وإن قلنا بالثاني ففيه إضرار بها خصوصا إذا كانت فقيرة. وذكر في الذخيرة ما يدل على المراد ولفظها: فإذا اجتمع عليه من النفقة ما يعجز عن الاداء يباع فيه إلا أن يفديه المولى اه‍. فإذا فرض القاضي لها نفقة شهر مثلا فطالبته وعجز عن أدائه باعه القاضي إن لم يفده والله الموفق للصواب. وأطلق في بيعه لها فشمل سيده المزوج له وغيره، فإذا بيع فيها فاشتراه من علم به أو لم يعلم ثم علم فرضي ظهر السبب في حقه أيضا، فإذا اجتمعت عليه النفقة مرة أخرى يباع ثانيا، وكذا حاله عند المشتري الثالث وهلم جرا. ولا يباع مرة بعد أخرى إلا في دين النفقة لانها تتجدد شيئا فشيئا على حسب تجدد الزمان على وجه يظهر في حق السيد فهو في الحقيقة دين حادث عند المشتري، وأما إذا لم يعلم المشتري بحاله أو علم بعد الشراء ولم يرض فله رده لان عيب اطلع عليه، كذا في فتح القدير. وقد فرق الولوالجي وغيره أيضا بين دين النفقة وبين دين المهر بأن العبد إنما بيع في جميع المهر فإن المهر جميعه واجب، فإذا بيع في جميع المهر مرة لا يباع مرة أخرى وإن بقي شئ من ذلك المهر، فأما النفقة فإنما تجب شيئا فشيئا فإذا بيع فيها فإنما بيع فيما اجتمع من النفقة وصارت واجبة، وأما فيما لم يجتمع ولم يصر واجبا لا يتصور البيع فيه، فإذا وجبت نفقة أخرى فهذا دين حادث لم يبع العبد فيه مرة أخرى فجاز بيعه اه‍. وهذا يدل على أنه لو بيع في النفقة المجتمعة فلم يف بكلها فاشتراه من هو عالم به فإنه لا يباع لبقية النفقة الماضية لانها حينئذ كالمهر وإنما يباع لما يجتمع من النفقة عند المشتري. وبهذا ظهر أن ما ذكره صدر الشريعة في شرح الوقاية من قوله صورته عبد

[ 326 ]

تزوج امرأة بإذن المولى ففرض القاضي النفقة عليه فاجتمع عليه ألف درهم فبيع بخمسمائة وهي قيمته والمشتري عالم أن عليه دين النفقة يباع مرة أخرى بخلاف ما إذا كان الالف عليه بسبب آخر فبيع بخمسمائة لا يباع مرة أخرى اه‍. سهو فاحش ظاهر لتصريحهم بأن دين النفقة في الحقيقة دين حادث عند المشتري، ولانه يلزم عليه أن يكون دين النفقة أقوى من سائر الديون والامر بالعكس. وأطلق المصنف في الزوجة فشمل الحرة والامة ويستثنى من الامة أمة سيد العبد فإنه لا نفقة لها على العبد، بوأها العبد بيتا أو لا، وإنما هي على المولى لانهما جميعا ملك المولى ونفقة المملوك على المالك، كذا في الذخيرة. وشمل بنت المولى فإن لها النفقة على عبد أبيها لان النفقة في معنى سائر الديون من وجه والبنت تستحق الدين على الاب، وكذلك على عبد الاب، كذا في الذخيرة أيضا. وقد سئلت عن كفن امرأة العبد وتجهيزها على القول المفتى به من إنه على الزوج وإن تركت مالا فأجبت بأني إلى الآن لم أرها صريحة لكن تعليلهم لابي يوسف بأن الكفن كالكسوة حال الحياة يقتضي أن يكون على العبد، ومقتضاه أن يباع فيه كما يباع في كسوتها. قوله: (ونفقة الامة المنكوحة إنما تجب بالتبوأة) لانه لا احتباس إلا بها فإن بوأها المولى معه منزلا فعليه النفقة لتحقق الاحتباس وإلا فلا لعدمه. أطلق في الزوج فشمل الخر والقن والمدبر والمكاتب، وأطلق في الامة فشمل القنة والمدبرة وأم الولد، وأما المكاتبة فهي كالحرة ولا يحتاج إلى التبوأة لاستحقاق النفقة لان منافعها على حكم ملكها بصيرورتها أحق بنفسها ومنافعها بعقد الكتابة ولهذا لم يبق للمولى ولاية الاستخدام فكانت كالحرة. والتبوأة أن يخلي المولى بين الامة وزوجها في منزل الزوج ولا يستخدمها، كذا في كافي الحاكم الشهيد وهو يفيد أنه لو جاءت الامة من منزل زوجها بعد التبوأة وخدمت المولى في بعض الاوقات من غير أن يستخدمها لم يسقط كما صرح به في الذخيرة. وفيها: لو جاءت إلى بيت المولى في وقت والمولى ليس في البيت فاستخدمها أهله ومنعوها من الرجوع إلى بيته فلا نفقة لها لان

[ 327 ]

استخدام أهل المولى إياها بمنزلة استخدام المولى وفيه تفويت التبوأة اه‍. وظاهر قوله ولا يستخدمها أنه لو استخدمها وهي في منزل الزوج فلا نفقة لها لان التبوأة شرطين فإذا فقد أحدهما فقدت، ويدل عليه قولهم لو استخدمها بعد التبوأة سقطت النفقة لكن علله في الهداية بقوله لانه فات الاحتباس وهو يدل على أنها خدمته في بيت المولى، وتعليل الزيلعي بقوله لزوال الموجب أولى. وقيد بالامة لان نفقة الحرة واجبة مطلقا ولو كان زوجها عبدا، وما في الكتاب من تقييد زوجة العبد إذا كانت حرة بالتبوأة فقال في الذخيرة إنه ليس بصحيح لان الحرة لا تحتاج إليها مطلقا. وقيد بالمنكوحة لان نفقة المملوكة على سيدها مطلقا وقد تقدم أن التبوأة من السيد ليست بلازمة تقديما لحقه على حق الزوج، ولو بوأ الامة بعد الطلاق ولم يكن بوأها قبله فلا نفقة لها لانها لم تستحق بهذا الطلاق فلا تستحق بعده، وإن فاتت التبوأة بعد الطلاق ثم عادت تعود النفقة كما في الولوالجية، ولا يشكل على التعليل الحرة إذا كانت ناشزة فطلقها زوجها فلها أن تعود إلى بيت الزوج وتأخذ النفقة والسكنى كما ذكره الاسبيجابي للفرق المذكور في الولوالجية من أن في الامة النكاح حالة الطلاق لم يكن سببا لوجوب النفقة لانه لم يكن سببا لوجوب الاحتباس إذ لا تجب التبوأة، وفي الحرة النكاح حالة الطلاق سبب لوجوب النفقة إلا أنها فوتت بالنشوز فإذا عادت وجبت اه‍. وظاهره أن تقدير النفقة من القاضي قبل التبوأة لا يصح لانه قبل السبب ولم أره صريحا. وفي الذخيرة والولوالجية: وإن كان للرجل نسوة بعضهن حرائر مسلمات وبعضهن إماء

[ 328 ]

ذميات فهن في النفقة سواء لان النفقة مشروعة للكفاية وذلك لا يختلف باختلاف الدين والرق والحرية إلا أن الامة لا تستحق نفقة الخادم اه‍. وينبغي أن يكون هذا مفرعا على ظاهر الرواية من اعتبار حاله، وأما على المفتى به فلسن في النفقة سواء لاختلاف حالهن يسارا وعسرا، فليست نفقة الموسرة كنفقة المعسرة وليست نفقة الحرة كالامة كما لا يخفى، ولم أر من نبه عليه. قوله: (والسكنى في بيت حال عن أهله وأهلها) معطوف على النفقة أي تجب السكنى في بيت أي الاسكان للزوجة على زوجها لان السكنى من كفايتها فتجب لها كالنفقة، وقد أوجبها الله تعالى كما أوجب النفقة بقوله تعالى * (أسكونهن من حيث سكنتم من وجدكم) * [ الطلاق: 6 ] أي من طاقتكم أي مما تطيقونه ملكا أو إجارة أو عارية إجماعا. وإذا وجبت حقا لها ليس له أن يشرك غيرها فيه لانها تتضرر به فإنها لا تأمن على متاعها ويمنعها ذلك من المعاشرة مع زوجها ومن الاستمتاع إلا أن تختار لانها رضيت بانتقاص حقها. ودخل في الاهل الولد من غيرها لما بينا من قبل إلا أن يكون صغيرا لا يفهم الجماع فله إسكانه معها كما في فتح القدير. وخرج عنه أمته وأم ولده فليس للمرأة الامتناع من إسكانهما معها على المختار كما سيذكره المصنف آخر الكتاب لانه يحتاج إلى الاستخدام فلا يستغني عنها. وإنما ذكر البيت دون الدار لانه لو أسكنها في بيت من الدار مفردا وله غلق كفاها لان المقصود حصل، كذا في الهداية. وقد اقتصر على الغلق فأفاد أنه ولو كان الخلاء مشتركا بعد أن يكون له غلق بخصه وليس لها أن تطالبه بمسكن آخر، وبه قال الامام لان الضرر بالخوف على المتاع وعدم التمكن من الاستمتاع قد زال ولا بد من كون المراد كون الخلاء مشتركا بينهم وبين غير الاجانب، والذي في شرح المختار: ولو كان في الدار بيوت وأبت أن تسكن مع

[ 329 ]

ضرتها أو مع أحد من أهله إن أخلى لها بيتا وجعل له مرافق وغلقا على حدة ليس لها أن تطلب بيتا، كذا في فتح القدير، وهو يفيد أنه لا بد للبيت من بيت الخلاء ومن مطبخ بخلاف ما في الهداية، وينبغي الافتاء بما في شرح المختار، ويشترط أن لا يكون في الدار أحد من أحماء الزوج يؤذيها كما في الخانية. قالوا: للزوج أن يسكنها حيث أحب ولكن بين جيران صالحين. ولو قالت إنه يضربني ويؤذيني فمره أن يسكنني بين قوم صالحين فإن علم القاضي ذلك زجره ومنعه عن التعدي في حقها وإلا يسأل الجيران عن صنيعه، فإن صدقوها منعه عن التعدي في حقها ولا يتركها ثمة، وإن لم يكن في جوارها من يوثق به أو كانوا يميلون إلى الزوج أمره بإسكانها بين قوم صالحين اه‍. ولم يصرحوا بأنه يضرب وإنما قالوا زجره ولعله لانها لم تطلب تعزيزه وإنما طلبت الاسكان بين قوم صالحين وقد علم من كلامهم أن البيت الذي ليس له جيران فليس بمسكن شرعي. ثم اعلم أن المسكن أيضا لا بد أن يكون بقدر حالهما كما تقدم في الطعام والكسوة فليس مسكن الاغنياء كمسكن الفقراء فلو أخر قوله بقدر حالهما عن المسكن لكان أولى. وقدمنا أن النفقة إذا أطلقت فإنها تنصرف إلى الطعام والكسوة والسكنى كما في الخلاصة، فقولهم يعتبر في النفقة حالهما يشمل الثلاثة كما لا يخفى. وفي البزازية من الاجارات: تزوج بها وبنى بها في منزل كانت فيه بأجر ومضى عليه سنة فطالب المؤجر المرأة بالاجر فقالت له أخبرتك أن المنزل بالكراء فعليك الاجر لا يلتفت إلى مقالتها والاجر عليها لا على الزوج لانها العاقدة اه‍. ومفهومه أنها لو سكنت بغير إجارة في وقف أو مال يتيم أو ما كان معدا للاستغلال فالاجرة عليه. وفي البزازية: أجرت دارها من زوجها وهما يسكنان فيه لا أجر عليه اه‍. ولم يذكر المصنف المؤنسة لانها ليست بواجبة عليه كما في الفتاوى السراجية يعني ليس عليه أن يأتي لها بامرأة تؤنسها في البيت إذا خرج إذا لم يكن عندها أحد.

[ 330 ]

قوله: (ولهم النظر والكلام معها) يعني في أي وقت اختار أهلها ذلك فلهم ذلك لما في عدمه من قطيعة الرحم وليس له في ذلك ضرر، وقد أفاد كلامه أن له أن يمنع أهلها من الدخول في بيته ولو والدة أو ولدا لان المنزل ملكه، وله حق المنع من الدخول في ملكه. وأما القيام على باب الدار فليس له منعهم منه كالكلام كما في الخانية واختاره القدوري، وقيل لا يمنعهم من الدخول وإنما يمنعهم من القرار لان الفتنة في المكث وطول الكلام والصحيح خلاف كل من القولين قالوا: الصحيح أنه لا يمنعها من الخروج إلى الوالدين ولا يمنعهما من الدخول عليها في كل جمعة وفي غيرهما من المحارم في كل سنة، وإنما يمنعهم من الكينونة عندها وعليه الفتوى كما في الخانية. وعن أبي يوسف في النوادر تقييد خروجها بأن لا يقدرا على اتيانها، فإن كانا يقدران على اتيانها لا تذهب وهو حسن فإن بعض النساء لا يشق عليها مع الاب الخروج وقد يشق ذلك على الزوج فتمتنع. وقد اختار بعض المشايخ منعها من الخروج إليهما وقد أشار إلى نقله في شرح المختار، والحق الاخذ بقول أبي يوسف إذا كان الابوان بالصفة التي ذكرت، وإن لم يكونا كذلك ينبغي أن يؤذن لها في زيارتهما الحين بعد الحين على قدر متعارف، أما في كل جمعة فبعيد فإن في كثرة الخروج فتح باب الفتنة خصوصا إذا كانت شابة والزوج من ذو الهيآت بخلاف خروج الابوين فإنه أيسر.

[ 331 ]

ولو كان أبوها زمنا مثلا وهو يحتاج إلى خدمتها والزوج يمنعها من تعاهده فعليها أن تعصيه مسلما كان الاب أو كافرا، كذا في فتح القدير. وقد استفيد مما ذكرناه أن لها الخروج إلى زيارة الابوين والمحارم، فعلى الصحيح المفتي به تخرج للوالدين في كل جمعة بإذنه وبغير إذنه، ولزيارة المحارم في كل سنة مرة بإذنه وبغير إذنه، وأما الخروج للاهل زائدا على ذلك فلها ذلك بإذنه. قال في الظهيرية: ويجوز للرجل أن يأذن لها في الخروج إلى زيارة الوالدين وتعزيتهما وعيادتهما وزيارة المحارم. وفي الخلاصة معزيا إلى مجموع النوازل: يجوز للرجل أن يأذن لها بالخروج إلى سبعة مواضع: زيارة الابوين وعيادتهما وتعزيتهما أو أحدهما وزيارة المحارم، فإن كانت قابلة أو غسالة أو كان لها على آخر حق تخرج بالاذن وبغير الاذن والحج على هذا، وفيما عدا ذلك من زيارة الاجانب وعيادتهم والوليمة لا يأذن لها ولا تخرج، ولو أذن وخرجت كانا عاصيين. وتمنع من الحمام فإن أرادت أن تخرج إلى مجلس العلم بغير رضا الزوج ليس لها ذلك، فإن وقعت لها نازلة إن سأل الزوج من العالم أو أخبرها بذلك لا يسعها الخروج، وإن امتنع من السؤال يسعها الخروج من غير رضا الزوج، وإن لم تقع لها نازلة لكن أرادت أن تخرج إلى مجلس العلم لتتعلم مسألة من مسائل الوضوء والصلاة، فإن كان الزوج يحفظ المسائل ويذكر عندها فله أن يمنعها، وإن كان لا يحفظ فالاولى أن يأذن لها أحيانا، وإن لم يأذن فلا شئ عليه، ولا يسعها الخروج ما لم يقع لها نازلة. وفي الفتاوى في باب المهر: والمرأة قبل أن تقبض مهرها لها الخروج في حوائجها وتزور الاقارب بغير إذن الزوج، فإن أعطاها المهر ليس لها الخروج إلا بإذن الزوج ا ه‍. وهكذا في الخانية إلا أنه زاد أنها تخرج بغير الاذن أيضا إذا كانت في منزل يخاف السقوط عليها. وقيد الحج بالفرض مع وجود المحرم، وقيد خروج القابلة والغاسلة بإذن الزوج، وفسر الغاسلة بمن تغسل الموتى، وينبغي أن للزوج أن يمنع القابلة والغاسلة من الخروج لان في الخروج إضرارا به وهي محبوسة لحقه وحقه مقدم على فرض الكفاية بخلاف الحج الفرض لان حقه لا يقدم على فرض العين وينبغي أن يحمل كلامهم هنا على المرأة التي لم تكن مخدرة في مسألة خروجها للخصومة عند القاضي لانه حينئذ لا يقبل منها التوكيل، وأما إذا كانت مخدرة فليس لها الخروج بغير

[ 332 ]

إذن الزوج لقبول التوكيل منها بغير رضا الخصم، إما الزوج أو غيره ولم أر من نبه على هذا، وسيأتي في باب التعزير المواضع التي يجوز للزوج أن يضرب امرأته فيها وقالوا هنا: له أن يمنع امرأته من الغزل ولا تتطوع للصلاة والصوم بغير إذن الزوج، كذا في الظهيرية: وينبغي عدم تخصيص الغزل بل له أن يمنعها من الاعمال كلها المقتضية للكسب لانها مستغنية عنه لوجوب كفايتها عليه، وكذا في العمل تبرعا لاجنبي بالاولى. وفي فتح القدير: وحيث أبحنا لها الخروج فإنما يباح بشرط عدم الزينة وتغيير الهيئة إلى ما لا يكون داعية لنظر الرجال والاستمالة قال الله تعالى * (ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى) * [ الاحزاب: 33 ] وقول الفقية وتمنع من الحمام خالفه قاضيخان قال في فصل الحمام في فتاواه حيث قال دخول الحمام مشروع للرجال والنساء جميعا خلافا لما قاله بعض الناس إلى آخره. قوله: (وفرض لزوجة الغائب وطفله وأبويه في مال له عند من يقربه وبالزوجية ويؤخذ منها كفيل) بيان لنفقة الزوجة إذا كان زوجها غائبا ولم يعطها نفقتها واستتبع نفقة الفروع والاصول عند غيبته، ولا يخلو إما أن يكون له مال حاضر عند غيره أو لا، فصرح بالاول وأشار إلى الثاني. أما الاول فشرط لفرض القاضي شيئين: أن يكون من عنده المال مقرا به، وأن يكون مقرا بالزوجية لانه لما أقربهما فقد أقربان حق الاخذ لها لان لها أن تأخذ من مال الزوج حقها من غير رضاه وإقرار صاحب اليد مقبول في حق نفسه لا سيما ها هنا، وكذا الولد الصغير والابوان لان لهم أن يأخذوا نفقتهم من ماله بغير قضاء ولا رضا وكان القضاء في حقهم إعانة وفتوى من القاضي، وحكم الولد الكبير الزمن أو الانثى مطلقا كالصغير لما سيأتي، وقيد بالطفل والابوين للاحتراز عن غيرهم من الاقرباء كالاخ والعم فإن نفقتهم إنما تجب بالقضاء لانه مجتهد فيه والقضاء على الغائب لا يجوز، وللاحتراز عن نفقة مملوكة. وأطلقه فيمن عنده المال فشمل مودعه ومضاربه قالوا وكذا مديونه، فلو قال المصنف عنده أو عليه لكان أولى لان عنده للامانة فلو استعملت هنا للامانة والدين لكان جمعا بين الحقيقة والمجاز بلفظ واحدة وهو لا يجوز. وقوله بالزوجية اكتفاء وإلا فكان ينبغي أن يقول بالزوجية والنسب لانه لا تفرض النفقة لطفله وأبويه حتى

[ 333 ]

يكون مقرا بالنسب كما في التبيين. قالوا: وعلم القاضي بهما كإقراره بهما، وإن علم القاضي أحدهما يحتاج إلى الاقرار بالآخر على الصحيح. وأطلق في المال وهو في محل التقييد قالوا: هذا إذا كان المال من جنس حقها دراهم أو دنانير أو تبرا أو طعاما ما طعاما أو كسوة من جنس حقها، أما إذا كان من خلاف جنس حقها لا تفرض النفقة فيه لانه يحتاج إلى البيع ولا يباع مال الغائب بالاتفاق، أما عند أبي حنيفة فلانه لا يباع على الحاضر فكذا على الغائب، وأما عندهما فلانه إن كان يقضي على الحاضر لانه يعرف امتناعه لا يقضي على الغائب، لانه لا يعرف امتناعه. وقيد بإقراره بهما لانه لو جحد كون المال للغائب أو جحد النكاح أو جحدهما لم تقبل بينهما على شئ من ذلك، أما على المال فلانها بهذه البينة تثبت الملك للغائب وهي ليست بخصم في إثبات الملك للغائب، وأما على الزوجية فلانها بهذه البينة تثبت النكاح على الغائب والمودع والمديون ليسا بخصم في إثبات النكاح على الغائب ولا يمين للمرأة عليه لانه لا يستحلف إلا من كان خصما، كذا في الخانية من كتاب الوديعة وهي مما يستثنى من قولهم كل من أقر بشئ لزمه فإذا أنكره يحلف عليه، ولم يذكر المصنف استحلاف المرأة قبل الفرض. وفي الذخيرة: فإن القاضي يسأل المرأة هل عجل لها النفقة، فإن قالت لا يستحلفها فإذا حلفت أمرها القاضي بإعطاء النفقة من ذلك. وفي الخانية أنه يحلفها أنه ما أعطاها نفقة ولا كانت ناشزة. وقيد بنفقة من ذكر للاحتراز عن دين على الغائب فإن صاحب الدين لو أحضر غريما أو مودعا للغائب لم يأمره القاضي بقضاء الدين وإن كان مقرا بالمال وبدينه لان القاضي إنما يأمر في حق الغائب بما يكون نظرا له وحفظا لملكه، وفي الانفاق على زوجته من ماله حفظ ملكه وفي وفاء دينه قضاء عليه بقول الغير وهو لا يجوز، كذا في الذخيرة. وأطلق في فرض النفقة فشمل ما إذا قال المودع إن الزوج أمرني أن لا أدفع إليها شيئا فإن القاضي لا يلتفت إليه ويأمره بالانفاق ولا ضمان عليه، كذا في الذخيرة. والضمير في قول المصنف فرض يعود إلى ما ذكر أولا وهو الثلاثة أي فرض النفقة والكسوة والسكني كما في الذخيرة. وإنما يأخذ منها كفيلا لجواز أنه قد عجل لها النفقة أو كانت ناشزة أو مطلقة قد انقضت عدتها فكان النظر له في التكفيل بخلاف أخذ الكفيل

[ 334 ]

عند قسمة التركة بين الورثة فإنه ليس بحسن لجهالة المكفول له كما سيأتي. واختلف في أخذ الكفيل هل هو واجب على القاضي أو حسن؟ ذهب السرخسي إلى الاول والخصاف إلى الثاني، وصحح الصدر الشهيد الاول لانه نصب ناظرا للعاجز فيجب عليه النظر إليه وهو في أخذ الكفيل. وفي كتاب الاقضية أن القاضي لو لم يأخذ منها كفيلا دفع إليها النفقة، فهذا إشارة إلى أن أخذ الكفيل نوع احتياط لا أن يكون لازما، كذا في الذخيرة. وذكر في المستصفي قوله ويؤخذ منها أي من المرأة، وفي بعض النسخ، ويؤخذ منه أي من آخذ النفقة أو من كل واحد من الاصناف المذكورين ا ه‍. وهذا يدل على أنه يؤخذ الكفيل من الوالدين أيضا وهو الظاهر لانه أنظر للغائب. وقد يقال إنه إنما يؤخذ منها لما تقدم، وأما من الوالدين فإنما هو لاحتمال التعجيل، وقدمنا أن النفقة المعجلة للقريب إذا هلكت أو سرقت فإنه يقضي له بأخرى بخلاف الزوجة فليس في أخذ الكفيل احتياط للغائب لانه لو كان عجل ثم ادعى الوالد هلاكها قبل منه. وقيد بكون المال عند شخص لانه لو كان له مال في بيته فطلبت من القاضي فرض النفقة، فإن علم بالنكاح بينهما فرض لها في ذلك المال لانه إيفاء لحق المرأة وليس بقضاء على الزوج بالنفقة كما لو أقر بدين ثم غاب وله مال حاضر من جنس الدين وطلب صاحب الدين من ذلك قضى له به، أصله حديث هند كما عرف. وينبغي للقاضي أن يحلفها أنه لم يعطها النفقة ويأخذ منها كفيلا كما قدمناه، كذا في الذخيرة. ولو لم يكن له مال أصلا فطلبت من القاضي فرض النفقة فعندنا لا يسمع البينة لانه قضاء على الغائب، وعند زفر يسمع القاضي البينة ولا يقضي بالنكاح ويعطيها النفقة من مال الزوج، وإن لم يكن له مال أمرها القاضي بالاستدانة، فإن حضر الزوج وأقر بالنكاح أمره بقضاء الدين، وإن أنكر ذلك كلفها القاضي إعادة البينة، فإن لم تعدها أمرها القاضي برد ما أخذت، وما يفعله القضاة في زماننا من قبول البينة من المرأة وفرض النفقة على الغائب إنما ينفذ لا لانه قول علمائنا الثلاثة في ظاهر الرواية وإنما ينفذ لكونه مختلفا فيه، إما مع زفر أو مع أبي يوسف كما ذكره الخصاف وهو أرفق بالناس. ثم على قول من يقول تفرض النفقة في هذه المسألة لا تحتاج المرأة إقامة البينة على أنه لم يخلف نفقة، كذا في الذخيرة والخانية. والحاصل أن القاضي إذا لم يعلم النكاح فليس له فرض النفقة على الغائب ولو أقامت المرأة البينة على ظاهر الرواية لكن لو سمع البينة وفرضها

[ 335 ]

وأمرها بالاستدانة جاز ونفذ كما هو قول زفر وأبي يوسف وعلينه العمل وهي من إحدى المسائل الست التي يفتي فيها بقول زفر لحاجة الناس. وفي فتح القدير: ونقل مثل قول زفر عن أبي يوسف فقوي عمل القضاة لحاجة الناس إلى ذلك. وإذا كان للمرأة أولاد صغار وغاب الاب ولم يترك لهم نفقة تجبر الام على الانفاق إن كان لها مال ثم ترجع بذلك على الاب، كذا في الخانية. وبهذا علم أن الرجل إذا غاب وله زوجة وأولاد صغار ولم يترك شيئا فإن القاضي يسمع البينة منها على النكاح إن لم يكن عالما به على ما عليه العمل ثم يفرض لها ولاولادها نفقة ثم يأمرها بالاستدانة، فإذا جاء رجعت عليه بالمفروض لها ولاولادها. وأشار بقوله فرض إلى أن المودع والمديون لو أنفقا بغير أمر القاضي فإن المودع ضامن ولا يبرأ المديون، ولا رجوع للمنفق على من أنفق عليه كما في الذخيرة، وجعله في الخانية نظير المودع لو قضى بالوديعة دين المودع بغير أمر القاضي فإنه يكون ضامنا اه‍. مع أنه في هذه المسألة لا فرق بين أمر القاضي وعدمه فإنه ليس للقاضي أن يقضي دين الغائب من وديعته كما قدمناه، ولم يذكر المصنف الحكم بعد حضور الزوج. قال في الذخيرة: فإن حضر الزوج وقال كنت أوفيت النفقة أو أرسلت إليها النفقة فالقاضي يقول له أقم البينة، فإن أقامها أمرها القاضي برد ما أخذت لانه ظهر عند القاضي أنها أخذت بغير حق وللزوج الخيار إن شاء آخذها بذلك وإن شاء آخذ الكفيل، فإن لم يكن للزوج بينة وحلفت المرأة على ذلك فلا شئ على الكفيل، وإن نكلت عن اليمين ونكل الكفيل لزمهما المال وللزوج الخيار فقد ذكر في هذه المسألة نكولهما ونكول المرأة أمر لازم، وأما نكول الكفيل فليس بلازم بل إذا نكلت المرأة فذلك يكفي لثبوت الخيار للزوج وإن لم ينكل الكفيل لان النكول إقرار والاصيل إذا أقر بالمال لزم الكفيل وإن جحد الكفيل ولا ضمان على المودع لان أمر القاضي بالدفع إليها قد صح فصار كأمره بنفسه اه‍. ويخالفه ما في المبسوط وشرح الطحاوي من أنها لو أقرت أنها

[ 336 ]

تعجلت نفقتها فالزوج يأخذه من المرأة ولا يأخذه من الكفيل اه‍. وسيأتي في باب الكفالة الفرق بين الكفالة بدين قائم في الحال كقوله كفلت بمالك عليه فلا يلزم الكفيل ما أقر به الاصيل وبين الكفالة بدين يجب كقوله ما ثبت لك عليه أو ذاب فيلزم الكفيل كما في فتح القدير. ولا يخفى أن الكفيل إنما ضمن الدين القائم للحال لانها لما أخذت ثانيا ضمنها فكان وقت الضمان الدين قائم في ذمتها للحال وهو ما أخذته ثانيا، فظهر بهذا أنه من القسم الاول، فالحق ما في المبسوط كما في المجتبى ولم يذكر أنه يأخذ منها كفيلا بنفسها أو بما أعطاها. وذكر في شس: فإذا حلفت فأعطاها النفقة أخذ منها كفيلا بذلك. بط: وهو الصحيح اه‍. فقد صرح بأن الكفالة إنما هو بما أخذته قبل الكفالة فهو نظير قوله كفلت بمالك عليه. وفي الخانية: وبعد ما أمر القاضي المودع أو المديون إذا قال المودع دفعت المال إليها لاجل النفقة قبل قوله ولا يقبل قول المديون إلا ببينة اه‍. ولم يذكر قولها وينبغي أن يكون كالبينة لانها مقرة على نفسها. وفي الخانية: والوديعة أولى من الدين في البداءة بالانفاق منها عليها. وفي الذخيرة: وينفق القاضي عليها من غلة الدار والعبد الذي هو للغائب لانه من جنس حقها. وأطلق المصنف في الغائب فشمل المفقود وغيره كما في شرح الطحاوي ولم يقيد فيما عندي من الكتب الغيبة بشئ إلا في الفتاوى الصيرفية فإنه قال: إيجاب النفقة في مال الغائب يشترط أن يكون مدة سفر اه‍. وهو قيد حسن يجب حفظه فإنه فيما دونه ويسهل إحصاره ومراجعته.

[ 337 ]

قوله: (ولمعتدة الطلاق) أي تجب النفقة والكسوة والسكنى لمعتدة الطلاق. هذا هو ظاهر المختصر، وذكر الزيلعي النفقة والسكنى ولم يذكر الكسوة، والمنقول في الذخيرة والخانية والعناية والمجتبى أن المعتدة تستحق الكسوة، قالوا: وإنما لم يذكرها محمد في الكتاب لان العدة لا تطول غالبا فتستغني عنها حتى لو احتاجت إليها بفر ض لها ذلك اه‍. فظهر بهذا أن كسوة المعتدة على التفصيل إذا استغنت عنها لقصر المدة كما إذا كانت عدتها بالحيض وحاضت أو بالاشهر فإنه لا كسوة لها، وإن احتاجت إليها لطول المدة كما إذا كانت ممتدة الطهر ولم تحض فإن القاضي يفرض لها، وهذا هو الذي حرره الطرسوسي في أنفع الوسائل وهو تحرير حسن مفهوم من كلامهم. أطلق الطلاق فشمل البائن والرجعي لانها جراء الاحتباس وهي محبوسة فيهما في حق حكم مقصود وهو الولد إذ العدة واجبة لصيانة الولد فتجب النفقة. وفي المجتبى: ونفقة العدة كنفقة النكاح وتسقط بمضي المدة إلا بفرض أو صلح، وإن استدانت عليه وهو غائب فإن كان بقضاء ترجع عليه، وبغير قضاء اختلاف إلا بفرض أو صلح، وإن استدانت عليه وهو غائب فإن كان بقضاء ترجع عليه، وبغير قضاء اختلاف الروايات والمشايخ اه‍. وفي الذخيرة: والنفقة واجبة للمعتدة طالت المدة أو قصرت ويكون القول قولها في عدم انقضائها مع يمينها، فإن أقام الزوج بينة على إقرارها بانقضائها برئ منها، وإن ادعت حبلا أنفق عليها ما بينها وبين سنتين منذ يوم طلقها، فإن قالت كنت أظن أني حامل ولم أحض وأنا ممتدة الطهر إلى هذه الغاية وأظن أن هذا الذي بي ريح وأنا أريد النفقة حتى تنقضي عدتي، وقال الزوج قد ادعيت الحبل وأكثره سنتان فالقاضي لا يلتفت إلى قوله وتلزمه النفقة ما لم تنقض العدة، إما بثلاث حيض أو بدخولها في حد الاياس ومضي ثلاث أشهر بعده، فإن حاضت في هذه الاشهر الثلاثة استقبلت العدة بالحيض والنفقة واجبة لها في جميع ذلك ما لم يحكم بانقضاء العدة، وهكذا في الخلاصة. وقد وقعت حادثة في زماننا هي أنها ادعت الحبل ولم يصدقها فقرر لها نفقة على أنها إن لم تكن حاملا ردت ما أخذته ولا يخفى أنه شرط باطل. وفي الخلاصة: المعتدة إذا لم تأخذ النفقة حتى انقضت عدتها سقطت نفقتها. هذا إذا لم تكن مفروضة، أما إذا كانت مفروضة ذكر الصدر

[ 338 ]

الشهيد في الفتاوى الصغرى عن شمس الائمة الحلواني أنه قال في المختار عندي أنها لا تسقط اه‍. وذكر الخلاف في الخانية أيضا. وفي الذخيرة: إن كان القاضي أمرها بالاستدانة واستدانت فلها الرجوع على الزوج لانه كاستدانته بنفسه، وإن لم يأمرها القاضي بالاستدانة ففيه خلاف. وأشار السرخسي إلى أنها تسقط حيث علل فقال: سبب استحقاق هذه النفقة العدة والمستحق بهذا السبب في حكم العلة فلا بد من قيام السبب لاستحقاق المطالبة ألا ترى الذمي إذا أسلم وعليه خراج رأسه لم يطالب بشئ منه فكذا هنا وهو الصحيح اه‍. فعلى هذا لا بد من إصلاح المتون فإنهم صرحوا أنها تجب بالقضاء أو الرضا وتصير دينا وهنا لا تصير دينا بالقضاء إلا إذا لم تنقض العدة وهو يرجح أن المقضي بها تسقط بالطلاق لانه يشترط للمطالبة بها قيام السبب. وفي الذخيرة: على الزوج مؤنة سكنى المعتدة، فإن لم يكن له منزل مملوك يكتري منزلا لها ويكون الكراء عليه، فإن كان معسرا تؤمر المرأة أن تستدين الكراء ثم ترجع على الزوج إذا أيسر كما هو الحكم في النفقة حال قيام النكاح، وإن كان الطلاق بائنا، فإن كان المنزل ملكا للزوج ينبغي أن يخرج الزوج من المنزل ويعتزل عنها ويتركها في ذلك المنزل إلى انقضاء عدتها، وكذلك إن كان المنزل بالكراء وإن استكرى لها منزلا آخر يجوز لكن الافضل أن يتركها في المنزل الذي كانا يسكنان فيه قبل الطلاق، وإن كان الطلاق رجعيا فقد ذكر الخصاف أنه يسكنها في المنزل الذي كانا يسكنان فيه قبل الطلاق لكن الزوج يخرج أو يعتزل عنها في ناحية منه اه‍. وفيها أيضا: المعتدة إذا خرجت من بيت العدة تسقط نفقتها ما دامت على النشوز، فإن عادت إلى بيت الزوج كان لها النفقة والسكنى، ثم الخروج عن بيت العدة على سبيل الدوام ليس بشرط لسقوط نفقتها فإنها إذا خرجت زمانا وسكنت زمانا لا تستحق النفقة، وفي فتاوى النسفي: المعتدة عن طلاق بائن إذا تزوجت في العدة ووجد الدخول وفرق بينهما ووجبت العدة منهما لا نفقة على الزوج الثاني لفساد نكاحه وهي على الاول إذا لم تخرج من بيت العدة، فإن خرجت فلا ولا توصف بالنشوز بمنعها نفسها منه هنا لان الطلاق بائن والحل زائل اه‍. وفي الذخيرة أيضا: وإذا صالح الرجل امرأته عن نفقتها ما دامت في العدة على دراهم مسماة لا يزيدها عليها حتى تنقضي العدة ينظر، إن كان عدتها بالحيض لا يجوز الصلح للجهالة، وإن كانت بالاشهر جاز لعدمها، وإذا خلعها أو أبانها ثم صالحها عن السكنى على دراهم لا يجوز لانه يؤدي إلى إبطال حق الله تعالى في السكنى، وفي المحيط: خالعها على أن لا نفقة لها ولا سكنى فلها السكنى دون النفقة لان النفقة حقها فيصح الابراء عنها دون السكنى. وفي الولوالجية:

[ 339 ]

المختلعة بنفقة عدتها هل تخرج في حوائجها بالنهار تكلموا فيه والمختار أنها لا تخرج لانها هي التي أبطلت حقها في النفقة فلم يصح الابطال فيما يؤدي إلى إبطال حق الشرع اه‍. قوله: (لا الموت والمعصية) أي لا تجب النفقة لمعتدة الموت ولا لمعتدة وقعت الفرقة بينها وبين زوجها بمعصية من جهتها كالردة وتقبيل ابن الزوج، أما المتوفى عنها زوجها فلان احتباسها ليس لحق الزوج بل لحق الشرع فإن التربص عبادة منها ألا ترى أن معنى التعريف عن براءة الرحم ليس بمراعي فيه حتى لا يشترط فيه الحيض فلا تجب نفقتها عليه، لان النفقة تجب شيئا فشيئا ولا ملك له بعد الموت فلا يمكن إيجابها في ملك الورثة، أطلقه فشمل ما إذا كانت حاملا لكنه قال في الظهيرية: وإذا أنفق الوصي على الحامل للحمل فضمنوه يرجع على المرأة بما أنفق إلا أن يكون ذلك بإذن القاضي لان عليا وشريحا كانا يريان ذلك للحمل من جميع المال اه‍. وشمل السكنى والنفقة فلا سكنى لها أيضا، كذا في المبسوط. وأما الفرقة بمعصية من جهتها فلانها صارت حابسة نفسها بغير حق فصارت كما إذا كانت ناشزة بخلاف المهر بعد الدخول لانه وجد التسليم في حق المهر بالوطئ. قيد بالمعصية أي بمعصيتها لان الفرقة من قبلها بغير معصية كخيار العتق وخيار البلوغ والتفريق لعدم الكفاءة لا تسقط نفقتها لانها حبست نفسها بحق كما إذا حبست نفسها لاستيفاء المهر، فالحاصل أن الفرقة إما من قبله أو من قبلها، فإن كانت من قبله فلها النفقة مطلقا، سواء كانت بمعصية أو بغير معصية، طلاقا كانت أو فسخا كطلاقه ولعانه وعنته أو تقبيله بنت زوجته أو إيلائه مع عدم فيئه حتى مضت أربعة أشهر أو إبائه عن الاسلام إذا أسلمت هي أو ارتد هو فعرض عليه الاسلام فلم يسلم. وإن كانت من قبلها، فإن كان بمعصية فلا نفقة لها، وأما السكنى فقالوا بوجوبها كما في الخانية وشرح الطحاوي. وفي فتح القدير لخها السكنى في جميع الصور لان القرار في منزل الزوج حق عليها ولا تسقط بمعصيتها، أما النفقة فحق لها فتجازى بسقوطها لمعصيتها. وبما قررناه علم أن المصنف لو قال ولمعتدة الطلاق أو الفسخ إلا إذا وقعت الفرقة في معصيتها فلا نفقة لها إلا السكنى لكان أولى فإن كلامه خال عن معتدة الفسخ والمعصية شاملة لمعصيتها ولمعصيته. وفي الذخيرة: وفرق بين النفقة وبين المهر فإن الفرقة إذا جاءت من قبل المرأة قبل الدخول يسقط المهر، سواء كانت عاصية أو محقة، لان المهر عوض من كل وجه ولهذا لا يسقط بموت أحدهما فإذا فات العوض بمعنى من جهة من

[ 340 ]

له العوض سقط، فأما النفقة فعوض من وجه صلة من وجه فإذا كان بينهما اعتبر عوضا متى جاءت بسبب هو معصية وصلة متى جاءت بحق. قوله: (وردتها بعد البت تسقط نفقتها لا تمكين ابنه) يعني لو طلقها بائنا ثم ارتدت سقطت نفقتها، ولو مكنت ابن زوجها بعد البينونة لا تسقط مع أن الفرقة فيهما بالطلاق لا من جهتها بمعصية لان المرتدة تحبس حتى تتوب ولا نفقة للمحبوسة والممكنة لا تحبس فلهذا تقع الفرقة وفي الحقيقة لا فرق بين المسئلتين لان المرتدة بعد البينونة لو لم تحبس تجب لها النفقة كما في غاية البيان والمحيط كالممكنة، والممكنة إذا لم تلزم بيت العدة لا نفقة لها، فليس للردة أو التمكين دخل في الاسقاط وعدمه، بل إن وجد الاحتباس في بيت العدة وجبت وإلا فلا. ولو حبست المعتدة للردة ثم تابت ورجعت تجب النفقة لعود الاحتباس كالناشزة إذا عادت لزوال المانع بخلاف المبانة بالردة إذا أسلمت لا تعود نفقتها السقوط نفقتها أصلا بمعصيتها والساقط لا يعود. ولو لحقت بدار الحرب ثم عادت وتابت فلا نفقة لها لسقوط العدة بالالتحاق حكما لتباين الدارين لانه بمنزلة الموت فانعدم السبب الموجب، قيد بالطلاق البائن لان المعتدة عن رجعي إذا طاوعت ابن زوجها أو قبلها بشهوة فلا نفقة لها لان الفرقة لم تقع بالطلاق وإنما وقعت بسبب وجد منها وهو معصيتها. وأطلقه فشمل البائن بالواحدة أو بالثلاث، وما في الهداية من تقييده بالثلاث اتفاقي، وفي المحيط: الاصل أن كل امرأة لا نفقة لها يوم الطلاق فليس لها النفقة أبدا إلا الناشزة كالمعتدة عن النكاح الفاسد والامة المزوجة إذا لم يبوئها المولى بيتا اه‍. ثم قال بعده: ولو طلقها وهي مبوأة فلها النفقة، فإن أخرجها المولى بطلت، فإن أعادها عادت النفقة فلو بوأها بعد الطلاق الرجعي وجبت النفقة لانها منكوحة بخلاف المبانة. قوله: (ولطفله الفقير) أي تجب النفقة والسكنى والكسوة لولده الصغير الفقير لقوله تعالى * (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) * [ البقرة: 332 ] فهي عبارة في إيجاب نفقة المنكوحات إشارة إلى أن نفقة الاولاد على الاب، وأن النسب له. وأنه لا يعاقب بسببه فلا يقتل قصاصا بقتله ولا يحد بوطئ جاريته. وإن علم بحرمتها، وأن الاب ينفرد بتحمل نفقة الولد ولا يشاركه فيها أحد، وأن الولد إذا كان غنيا والاب محتاجا لم يشارك الولد أحد في نفقة الوالد، ذكره المصنف في شرح المنار. قيد بالطفل وهو الصبي حين يسقط من البطن

[ 341 ]

إلى أن يحتلم ويقال جارية طفل وطفلة، كذا في المغرب. وبه علم أن الطفل يقع على الذكر والانثى ولذا عبر به لان البالغ لا تجب نفقته على أبيه إلا بشروط نذكرها. وقيد بالفقير لان الصغير إذا كان له مال فنفقته في ماله. ولا بد من التقييد بالحرية لما أسلفناه أن الولد المملوك نفقته على مالكه لا على أبيه، حرا كان الاب أو عبدا. والحاصل أن الاب لا يخلو إما أن يكون غنيا أو فقيرا والصغير كذلك، فإن كان الاب والصغير غنيين فإن الاب ينفق عليه من مال نفسه إن كان حاضرا، وإن كان مال الصغير غائبا وجبت على الاب، فإذا أراد الرجوع أنفق عليه بإذن القاضي، فلو أنفق بلا أمره ليس له الرجوع في الحكم إلا أن يكون أشهد أنه أنفق ليرجع، ولو لم يشهد لكنه أنفق بنية الرجوع لم يكن له رجوع في الحكم وفيما بينه وبين الله تعالى يحل له الرجوع. وإن كان للصغير عقارا وأردية أو ثياب واحتيج إلى النفقة كان للاب أن يبيع ذلك كله وينفق عليه لانه غني بهذه الاشياء. وإن كانا فقيرين فعند الخصاف أن الاب بتكفف الناس وينفق على أولاده الصغار، وقيل نفقتهم في بيت المال. هذا إذا كان عاجزا عن الكسب، وإن كان قادرا على الكسب اكتسب وأنفق، فإن امتنع عن الكسب حبس بخلاف سائر الديون. ولا يحبس والد إن علا في دين ولده وإن سفل إلا في النفقة لان في الامتناع عن الانفاق إتلاف النفس، وإذا لم يف كسبه بحاجته أو لم يكتسب لعدم تيسره أنفق عليهم القريب ورجع على الاب إذا أيسر وإن كان الاب غنيا والولد الصغير فقيرا فالنفقة على الاب إلى أن يبلغ الذكر حد الكسب وإن لم يبلغ الحلم، فإذا كان هذا كان للاب أن يؤاجره وينفق عليه من أجرته، وليس له في الانثى ذلك، فلو كان الاب مبذرا يدفع كسب الابن إلى أمين كما في سائر أملاكه، وإن كان الاب فقيرا والصغير غنيا لا تجب نفقته على أبيه بل نفقة أبيه عليه، كذا في الذخيرة. وذكر الولوالجي أن في كل موضع أوجبنا نفقة الولد فإنه يدخل

[ 342 ]

فيه أولاده وأولاد البنات والبنين. وفي الذخيرة أن الام إذا خاصمت في نفقة الاولاد فإن القاضي يفرض على الاب نفقة الصغار الفقراء ويدفع النفقة إليها لانها أرفق بالاولاد. فإن قال الاب إنها لا تنفق وتضيق عليهم لا يقبل قوله لانها أمينة ودعوى الخيانة على الامين لا تسمع من غير حجة: فإن قال للقاضي سل جيرانها فالقاضي يسأل جيرانها احتياطا وإنما يسأل من كان يداخلها، فإن أخبر جيرانها بمال قال الاب زجرها القاضي ومنعها عن ذلك نظرا لهم. ومن مشايخنا من قال: إذا وقعت المنازعة بين الزوجين كذلك وظهر قدر النفقة فالقاضي بالخيار إن شاء دفعها إلى ثقة يدفعها إليها صباحا ومساء ولا يدفع إليها جملة وإن شاء أمر غيرها أن ينفق على الاولاد. وإذا صالحت المرأة زوجها على نفقة الاولاد الصغار موسرا كان الزوج أو معسرا جاز. واختلف المشايخ في طريق جواز هذا الصلح فقال بعضهم: لان الاب هو العاقد من الجانبين كبيعه مال ولده الصغير في نفسه وشرائه كذلك. وقال بعضهم: لان العاقد الاب من جانب نفسه والام من جانب الصغار لان نفقتهم من أسباب التربية والحضانة وهي للام. ثم ينظر إن كان ما وقع عليه الصلح أكثر من نفقتهم بزيادة يسيرة فهو عفو وهي ما تدخل تحت تقدير المقدرين، وإن كان لا تدخل طرحت عنه، وإن كان المصالح عليه أقل بأن كان لا يكفيهم يزاد إلى مقدار كفايتهم. قوله: (ولا تجبر أمه لترضع) لانه كالنفقة وهي على الاب وعسى لا تقدر فلا تجبر عليه قضاء وتؤمر به ديانة لانه من باب الاستخدام وهو واجب عليها ديانة كما قدمناه. أطلقه فشمل ما إذا كان الاب لا يجد من يرضعه أو كان الولد لا يأخذ ثدي غيرها. ونقل الزيلعي والاتقاني أنه ظاهر الرواية لانه يتغذى بالدهن وغيره من المائعات فلا يؤدي إلى ضياعه، ونقل عدم الاجبار في هذه الحالة في المجتبى عن البعض ثم قال: والاصح أنها تجبر عند الكل اه‍. وجزم به في الهداية، وفي الخانية وعليه الفتوى، وذكر في فتح القدير أنه الاصوب لان قصر الرضيع الذي لم يأنس الطعام على الدهن والشراب سبب تمريضه وموته اه‍. وفي الخانية: وإن لم يكن للاب ولا للولد الصغير مال تجبر الام على الارضاع عند الكل اه‍. فجعل

[ 343 ]

الخلاف عند قدرة الاب بالمال. وفي غاية البيان معزيا إلى التتمة عن إجارة العيون عن محمد فيمن استأجر ظئر الصبي شهرا فلما انقضى الشهر أبت أن ترضعه والصبي لا يقبل ثدي غيرها قال: أجبرها أن ترضع قوله: (ويستأجر من يرضعه عندها) أي ويستأجر الاب من يرضع الطفل عند الام لان الحضانة لها والنفقة عليه. أطلقه هنا وقيده في الهداية بإرادة الام للحضانة وهو مبني على ما صححه من أن الام لا تجبر عليها لانها حقها، وعلى ما اختاره الفقهاء الثلاثة من الجبر فليس معلقا بإرادتها لانها حق الصبي عليها. وفي الذخيرة: لا يجب على الظئر أن تمكث في بيت الام إذا لم يشترط عليها ذلك وقت العقد وكان الولد يستغني عن الظئر في تلك الحالة، بل لها أن ترضع وتعود إلى منزلها كما لها أن تحمل الصبي إلى منزلها أو تقول أخرجوه فترضعه عند فناء الدار ثم تدخل الولد على الوالدة إلا أن يشرط عند العقد أن الظئر تكون عند الام فحينئذ يلزمها الوفاء بذلك الشرط اه‍. وفي الخزانة عن التفاريق: لا تجب في الحضانة أجرة المسكن الذي يحضن فيه الصبي. وقال آخرون: تجب إن كان للصبي مال وإلا فعلى من يجب عليه نفقته اه‍. قوله: (لا أمة لو منكوحة أو معتدة) أي لا يستأجر أمه لو منكوحته أو معتدته لان الارضاع مستحق عليها ديانة قال الله تعالى: * (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين) * [ البقرة: 233 ] إلا أنها عذرت لاحتمال عجزها، فإذا أقدمت عليه بالاجر ظهرت قدرتها فكان الفعل واجبا عليه فلا يجوز أخذ الاجر عليه أطلق نفي المعتدة فشمل المعتدة عن رجعي أو بائن وهو في الرجعي رواية واحدة، وفي البائن في رواية، وفي رواية أخرى جاز استئجارها لان النكاح قد زال. وجه الاول أنه باق في حق بعض الاحكام، كذا في الهداية

[ 344 ]

من غير ترجيح صريح، وإن كان تأخير وجه المنع يدل على أنه المختار عنده كما هو عادته وصحح في الجوهرة الجواز فكان الاولى للمصنف أن يقيد المعتدة بالرجعي وذكر في فتح القدير عن بعضهم أن ظاهر الرواية الجواز. وقيد بالام لانه لو استأجر منكوحته لترضع ولده من غيرها جاز لانه لم يجب عليها إرضاعه بخلاف الام لانه وجب عليها إرضاعه ديانة كما قدمناه عن الهداية، وظاهره أنه لا يجوز لها أخذ الاجر من مال الصغير لو كان له مال لكن في الذخيرة: هذا إذا لم يكن للصغير مال، أما إذا كان له مال هل يجوز أن يفرض أجرة الرضاع في ماله؟ ذكر الصدر الشهيد أنه روي عن محمد أنه يفرض في مال الصبي. وهكذا ذكر في إجارات القدوري وليس فيه اختلاف الروايتين ولكن ما روي عن محمد أنه يفرض في مال الصبي تأويله إذا لم يكن للاب مال، وما ذكر أن الزوج إذا استأجرها لا يجوز تأويله إذا فرض أجرة الرضاع من مال نفسه فلا تستحق ذلك كيلا يؤدي إلى اجتماع أجر الرضاع مع نفقة النكاح في مال واحد، وهذا المعنى لا يتحقق إذا فرض لها في مال الصغير فقلنا إنها تستحق ذلك اه‍. فالحاصل أن على تعليل صاحب الهداية لا تأخذ شيئا في مقابلة الارضاع لا من الزوج ولا من مال الصغير لوجوبه عليها، وعلى ما علل به في الذخيرة من أن المنع إنما هو لاجتماع واجبين في مال، وفي المجتبى: لو استأجر زوجته من مال الصبي لارضاعه جاز وفي ماله لا يجوز حتى لا يجتمع عليه نفقة النكاح والارضاع اه‍.

[ 345 ]

قوله: (وهي أحق بعدها بعدها ما لم تطلب زيادة) أي الام أحق بإرضاع ولدها من الاجنبية بعد انقضاء العدة ما لم تطلب أجرة زائدة على أجرة الاجنبية للارضاع فحينئذ لا تكون أحق. وإنما جاز لها أخذ الاجرة بعد انقضاء عدتها لان النكاح قد زال بالكلية وصارت كالاجنبية. فإن قلت: إن وجوب الارضاع عليها هو المانع من أخذ الاجرة وهو بعينه موجود بعد انقضائها فليست كالاجنبية. قلت: إن الوجوب عليها مقيد بإيجاب رزقها على الاب بقوله تعالى * (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن) * [ البقرة: 332 ] ففي حال الزوجية والعدة هو قائم برزقها وفيما بعد العدة لا يقوم بشئ فتقوم الاجرة مقامة كما في فتح القدير. وإنما كانت أحق لانها أشفق فكان نظرا للصبي في الدفع إليها، وإن التمست زيادة لم يجبر الزوج عليها دفعا للضرر عنه وإليه الاشارة بقوله تعالى * (لا تضار والدة وبولدها ولا مولودله بولده) * [ البقرة: 332 ] أي بإلزامه لها أكثر من أجرة الاجنبية. وفي الذخيرة: لو صالحت المرأة زوجها عن أجر الرضاع على شئ إن كان الصلح حال قيام النكاح وفي العدة عن طلاق رجعي لا يجوز، وإن كان عن طلاق بائن واحدة أو ثلاثا جاز على إحدى الروايتين لان الصلح على أن يعطيها شيئا لترضع ولدها استئجار لها، وإذا جاز الصلح فهو كما لو استأجرها على عمل آخر من الاعمال على دراهم وصالحها عن تلك الداهم على شئ بعينه جاز، وإن صالح عنها عل شئ بغير عينه لا يجوز إلا أن يدفع ذلك في المجلس حتى لا يكون بيع دين بدين، وفي كل موضع جاز الاستئجار ووجبت النفقة لا تسقط بموت الزوج لانها أجرة وليست بنفقة اه‍. وكذا ذكر في الولوالجية لا تسقط هذه الاجرة بموته بل يكون أسوة الغرماء اه‍. فالحاصل أنه أجرة فلذا لا تتوقف على القضاء، وظاهر المتون أن الام لو طلبت الاجرة أي أجرة المثل والاجنبية

[ 346 ]

متبرعة بالارضاع فالام أولى لانهم جعلوا الام أحق في سائر الاحوال إلا في حالة طلب الزيادة على أجرة الاجنبية. والمصرح به بخلافه كما في التبيين وغيره أن الاجنبية أولى لكن هي أولى في الارضاع، أما في الحضانة ففي الولوالجية وغيرها: رجل طلق امرأته وبينهما صبي وللصبي عمة أرادت أن تربيه وتمسكه من غير أجر من غير أن تمنع الام عنه والام تأبى ذلك وتطالب الاب بالاجر ونفقة الولد، فالام أحق بالولد، وإنما يبطل حق الام إذا تحكمت الام في أجر الارضاع بأكثر من أجر مثلها. والصحيح أنه يقال للوالدة إما أن تمكسي الولد بغير أجر وإما أن تدفعيه إلى العمة اه‍. ولم أر من صرح بأن الاجنبية كالعمة في أن الصغير يدفع إليها إذا كانت متبرعة والام تريد الاجر على الحضانة ولا تقاس على العمة لانها حاضنة في الجملة، وقد كثر السؤال عن هذه المسألة في زماننا وهو أن الاب يأتي بأجنبية متبرعة بالحضانة فهل يقال للام كما يقال، لو تبرعت العمة، وظاهر المتون أن الام تأخذه بأجر المثل ولا تكون الاجنبية أولى بخلاف العمة على الصحيح إلا أن يوجد نقل صريح في أن الاجنبية كالعمة. والظاهر أن العمة ليست قيدا بل كل حاضنة كذلك بل الخالة كذلك بالاولى لانها من قرابة الام. ثم اعلم أن ظاهر الولوالجية أن أجرة الرضاع غير نفقة الولد للعطف وهو للمغايرة فإذا استأجر الام للارضاع لا يكفي عن نفقة الولد لان الولد لا يكفيه اللبن بل يحتاج معه إلى

[ 347 ]

شئ آخر كما هو المشاهد خصوصا الكسوة فيقرر القاضي له نفقة غير أجرة الارضاع وغير أجرة الحضانة. فعلى هذا تجب على الاب ثلاثة أجرة الرضاع وأجرة الحضانة ونفقة الولد. أما أجرة الرضاع فقد صرحوا بها هنا، وأما أجرة الحضانة فصرح بها قارئ الهداية في فتاواه، وأما نفقة الولد فقد صرحوا بها في الاجارات في إجارة الظئر. قال الزيلعي فيها: والطعام والثياب على الوالد، وما ذكره محمد في الدهن والريحان على الظئر فهو على عادة أهل الكوفة اه‍. فالحاصل أن الام ليس عليها إلا الارضاع وإصلاح طعامه وغسل ثيابه. لكن في الخانية وبعد الفطام يفرض القاضي نفقة الصغير على طاقة الاب ويدفع إلى الام حتى تنفق على الاولاد اه‍. إلا أن يقال إن مراده النفقة الكاملة بخلافها في زمن الرضاع فإنها قليلة. وفي المجتبى: وإذا كان للصبي مال فمؤنة الرضاع ونفقته بعد الفطام في مال الصغير ومدة الرضاع ثلاثة أوقات: أدنى وهو حول ونصف، وأوسط وهو حولان ونصف حتى لو نقص عن الحولين لا يكون شططا ولو زاد لا يكون تعديا فلو استغنى الولد دون الحولين ففطمته في

[ 348 ]

حول ونصف حل بالاجماع ولا تأثم، ولو لم يستغن بحولين حل لها أن ترضعه بعدهما عند عامة المشايخ إلا عند خلف بن أيوب. وأما الكلام في استحقاق الاجرة فمنهم من قال إنه على الخلاف حتى إن المبانة تستحق إلى الحولين ونصف عنده، وعندهما إلى حولين فقط، وأكثر المشايخ على أن مدة الرضاع في حق الاجرة حولان عند الكل حتى لا تستحق بعد الحولين إجماعا وتستحق في الحولين إجماعا. وظاهر كلامهم أن وجوب أجرة الرضاع لا تتوقف على عقد إجارة مع الام بل تستحقه بالارضاع مطلقا في المدة المذكورة، وقد قدمنا أنه ليس بفقه. وفي الظهيرية: وإذا أقرت المعتدة أنها قبضت نفقة أولادها الصغار لخمسة أشهر ثم قالت إنها قبضت عشرين درهما ونفقة خمسة أشهر مائة درهم لم تصدق على ذلك وإن قالت ضاعت النفقة فإنها ترجع على أبيهم بنفقتهم دون حصتها اه‍. قوله: (ولابويه وأجداده وجداته لو فقراء) أي تجب النفقة لهؤلاء، أما الايوان فلقوله تعالى * (وصاحبهما في الدنيا معروفا) * [ لقمان: 51 ] أنزلت في الابوين الكافرين، وليس من المعروف أن الابن يعيش في نعم الله تعالى ويتركهما يموتان جوعا. وأما الاجداد والجدات فلانهما من الآباء والامهات ولهذا يقوم الجد مقام الاب عند عدمه ولانهم تسببوا لاحيائه فاستوجبوا عليه الاحياء بمنزلة الابوين. وشرط الفقر لانه لو كان ذا مال فإيجاب النفقة في ماله أولى من إيجابها في مال غيره بخلاف نفقة الزوجة حيث تجب مع الغنى لانها تجب لاجل الحبس الدائم كرزق القاضي، ولو ادعى الولد غنى الاب وأنكره الاب فالقول للاب والبينة

[ 349 ]

للابن. وفي المبتغى بالمعجمة: إذا كان الاب محتاجا وأبي الابن أن ينفق عليه وليس ثمة قاض يرفع الامر إليه له أن يسرق من مال ابنه وبوجود قاض ثمة يأثم بسرقة ماله، وبإعطاء الابن مالا يكفيه يجوز له أن يأخذ إلى أن تقع الكفاية، وبسرقته ما فوق الكفاية يأثم، وكذا إذا لم يكن محتاجا ولم تكن نفقته عليه لا يجوز له أن يسرق مال ابنه اه‍. وأطلق في الابن ولم يقيده. بالغنا مع أنه مقيد به لما في شرح الطحاوي: ولا يجبر الابن على نفقة أبويه المعسرين إذا كان معسرا إلا إذا كان بهما زمانة أو بهما فقر فقط فإنهما يدخلان مع الابن ويأكلان معه ولا يفرض لهما نفقة على حدة اه‍. وفي الخانية: ولا يجب على الابن الفقير نفقة والده الفقير حكما إذا كان الوالد يقدر على العمل، وإن كان الوالد لا يقدر على عمل أو كان زمنا وللابن عيال كان على الابن أن يضم الاب إلى عياله وينفق على الكل والموسر في هذا الباب من يملك مالا فاضلا عن نفقة عياله ويبلغ الفاضل مقدارا تجب فيه الزكاة اه‍. وفي الخلاصة: المختار في الفقير الكسوب أن يدخل الابوين في النفقة. وقيد بفقرهم فقط لانه لو كان فقيرا وله قدرة على الكسب فإن الابن يجبر على نفقته وهو قول السرخسي. وقال الحلواني: لا يجبر

[ 350 ]

إذا كان الاب كسوبا لانه غني باعتبار الكسب فلا ضرورة في إيجاب النفقة على الغير، وإذا كان الابن قادرا على الكسب لا تجب نفقته على الاب فلو كان كل منهما كسوبا يجب أن يكتسب الابن وينفق على الاب، فالمعتبر في إيحاب نفقة الوالدين مجرد الفقر. قيل: هو ظاهر الرواية لان معنى الاذى في إيكاله إلى الكد والتعب أكثر منه في التأفيف المحرم بقوله تعالى * (فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما) * [ الاسراء: 32 ] كذا في فتح القدير. والقائل بأنه ظاهر الرواية صاحب الذخيرة، والضمير في قوله ولابويه يعود إلى الانسان المفهوم فأفاد بإطلاقه أنه لا فرق بين الذكر والانثى. وفي الهداية: وهي على الذكور والاناث بالسوية في ظاهر الرواية وهو الصحيح لان المعنى يشملهما اه‍. وفي الخلاصة وبه يفتى. وفي فتح القدير: وهو الحق لتعلق الوجوب بالولاد وهو يشملهما بالسوية بخلاف غير الولاد لان الوجوب علق فيه بالارث اه‍. وفي الخانية: فإن كان للفقير ابنان أحدهما فائق في الغنى والآخر يملك نصابا كانت النفقة عليهما على السواء، وكذا لو كان أحدهما مسلما والآخر ذميا فهي عليهما على السواء اه‍. وذكر في الذخيرة فيه اختلافا وعزاما في الخانية إلى مبسوط محمد، ونقل عن الحلواني أنه قال قال مشايخنا: هذا إذا تفاوتا في اليسار تفاوتا يسيرا، أما إذا تفاوتا فيه تفاوتا فاحشا يجب أن يتفاوتا في قدر النفقة. وأشار بقوله ولابويه إلى أن جميع ما وجب للمرأة يجب للاب والام على الولد من طعام وشراب وكسوة وسكنى حتى الخادم. قال في الخانية: وكما يجب على الابن الموسر نفقة والده الفقير تجب عليه نفقة خادم الاب، امرأة كانت الخادم أو جارية، إذا كان الاب محتاجا إلى من يخدمه اه‍. وفي الخلاصة: يجبر الابن على نفقة زوجة أبيه ولا يجبر الاب على نفقة زوجة ابنه. وفي نفقات الحلواني قال: فيه روايتان، في رواية كما قلناه، وفي رواية إنما تجب نفقة زوجة الاب إذا كان الاب مريضا أو به زمانة يحتاج إلى الخدمة، أما إذا كان صحيحا فلا. قال في المحيط: فعلى هذا لا فرق بين الاب والابن فإن الابن إذا كان بهذه المثابة يجبر الاب على نفقة خادمه اه‍. وظاهر ما في الذخيرة أن المذهب

[ 351 ]

عدم وجوب نفقة امرأة الاب أو جاريته أو أم ولده حيث لم يكن بالاب علة، وأن القول بالوجوب مطلقا إنما هو رواية عن أبي يوسف. وفي الذخيرة أيضا: ثم إذا قضى القاضي بالنفقة على الولدين للاب فأبى أحدهما أن يعطي للاب ما يجب عليه فالقاضي يأمر الآخر بأن يعطي كل النفقة ثم يرجع على الاخ بحصته اه‍. ومراد المصنف من إيجاب نفقة الام على الولد إذا لم تكن متزوجة لانها على الزوج كبنته المراهقة إذا زوجها صارت نفقتها على زوجها، وقدمنا أن الزوج لو كان معسرا فإن الابن يؤمر بأن يقرضها ثم يرجع عليه إذا أيسر، وقد صرح به في الذخيرة هنا أيضا قال: فإن أبى الابن أن يقرضها النفقة فرض لها عليه النفقة وتؤخذ منه وتدفع إليها لان الزوج المعسر بمنزلة الميت. وأشار المصنف بقوله ولابويه إلى أن الاعتبار في وجوب نفقة الوالدين والمولودين إنما وهو القرب والجزئية ولا يعتبر الميراث قالوا: وإذا استويا في القرب تجب على من له نوع رجحان، وإذا لم يكن لاحدهما رجحان فحينئذ تجب النفقة بقدر الميراث، فإن كان للفقير ولد وابن ابن موسرين فالنفقة على الولد لانه أقرب، وإذا كانت له بنت وابن ابن فالنفقة على البنت خاصة، وإن كان الميراث بينهما

[ 352 ]

لان البنت أقرب، وإذا كان له بنت بنت أو ابن بنت وأخ لاب وأم فالنفقة على ولد البنت ذكرا كان أو أنثى وإن كان الميراث للاخ لا لولد البنت، ولو كان له والد ولد موسران فالنفقة على ولده، وإن استويا في القرب لترجح الولد بتأويل أنت ومالك لابيك. ولو كان له جد وابن ابن فالنفقة عليهما على قدر ميراثهما على الجد السدس والباقي على ابن الابن، والدليل على عدم اعتبار الميراث في هذه النفقة أنه لو كان أحدهما ذميا فالنفقة عليهما، وإن كان الميراث للمسلم منهما. ولو كان للمسلم الفقير ابن نصراني وأخ مسلم فالنفقة على الابن والميراث للاخ، ولو كان للفقير بنت ومولى عتاقة موسران فالنفقة على البنت وإن استويا في الميراث، كذا في الذخيرة. وأطلق المصنف في الجد فشمل أب الاب وأب الام. جزم به في الذخيرة وغيرها نقل الاختلاف في أب الام. وأطلق في الجدة فشمل الجدة من قبل الاب والجدة من قبل الام. وفي الولوالجية: الاب إذا أخذ النفقة والكسوة المفروضتين معجلة فضاع ذلك يفرض له أخرى، فلو مضت المدة وهي باقية لا يفرض له أخرى، بخلاف الزوجة فيهما، وقد ذكرنا الفرق فيها في أول باب النفقات. قوله: (ولا تجب مع اختلاف الدين إلا بالزوجية والولاد) أما الزوجية فلما ذكرنا أنها

[ 353 ]

واجبة لها بالعقد لاحتباسها بحق مقصود له، وهذا لا يتعلق باتحاد الملة، وأما غيرها فلان الجزئية ثابتة وجزء المرء في معنى نفسه فكما تمتنع نفقة نفسه بكفره لا تمتنع نفقة جزئه إلا أنهم إذا كانوا حربيين لا تجب نفقتهم على المسلم وإن كانوا متساويين لانا نهينا عن البر في حق من يقاتلنا في الدين. أطلق في الولاد فشمل الابوين والاجداد والجدات والولد وولد الولد. وفي المستصفى صورته: تزوج ذمي ذمية وحصل لهما ولد ثم أسلمت الذمية حكم بإسلام الولد تبعا لها والنفقة على الاب. وهذا قبل عروض الاسلام، ويحتمل أن يعتقد الكفر في صغره وكفره صحيح عند أبي حنيفة ومحمد اه‍. وقيد بالزوجية والولاد لان فيما عدا ذلك لا تجب مع اختلاف الدين فلا يجب على المسلم نفقة أخيه النصراني وعكسه لان النفقة متعلقة بالارث بالنص بخلاف العتق عند الملك لانه متعلق بالقرابة والمحرمية بالحديث، ولان القرابة موجبة للصلة ومع الاتفاق في الدين آكد ودوام ملك اليمين أعلى في القطية من حرمان النفقة فاعتبرنا في الاصل أصل العلة، وفي الادنى العلة المؤكدة فلهذا افترقا. قوله: (ولا يشارك الاب والولد في نفقة ولده وأبويه أحد) أما نفقة الولد فقدمناها، وأما نفقة الوالدين فلان لهما تأويلا في مال الولد بالنص ولا تأويل لهما في مال غيره، ولانه أقرب الناس إليهما فكان الاولى باستحقاق نفقتهما عليه. أطلق في الاب فشمل الموسر والمعسر لكن في الذخيرة إن كان الاب معسرا والام موسرة أمرت أن تنفق من مالها على الولد فيكون دينا ترجع عليه إذا أيسر لان نفقة الصغير على الاب، وإن كان معسرا كنفقة نفسه فكانت الام قاضية حقا واجبا عليه بأمر القاضي فترجع عليه إذا أيسر، ثم جعل الام أولى بالتحمل من سائر الاقارب حتى لو كان الامر معسرا والام موسرة وللصغير جد موسر تؤمر الام بالانفاق من مال نفسها ثم ترجع على الاب، ولا يؤمر الجد بذلك لانها أقرب إلى

[ 354 ]

الصغير. ولو كان الاب واجدا للنفقة لكن امتنع من النفقة على الصغير ففرض القاضي النفقة على الاب فامتنع عن الاداء فالقاضي يأمرها أن تستدين عليه وتنفق على الصغير لترجع بذلك على الاب، وكذلك لو غاب الاب بعد فرض نفقة الاولاد وتركهم بلا نفقة فاستدانت بأمر القاضي وأنفقت عليهم رجعت عليه، وكذلك هذا الحكم في مؤنة الرضاع إذا كان الاب معسرا فالقاضي يأمر الام بالاستدانة، فإذا أيسر رجعت عليه بالقدر الذي أمرها القاضي بالاستدانة، وإن لم تستدن بعد الفرض لكن كانوا يأكلون من مسألة الناس فلا رجوع لها لوقوع الاستغناء، فإن كانوا أعطوا مقدار نصف الكفاية سقط نصف النفقة عن الاب وتصح الاستدانة في النصف الباقي وعلى هذا القياس، وكذا في نفقة المحارم وسيأتي تمامه. ولو كان للفقير أولاد صغار وجد موسر لم تفرض النفقة على الجد ولكن يؤمر الجد بالانفاق صيانة لولد الولد ويكون ذلك دينا على والد الصغار. وهكذا ذكر القدوري فلم يجعل النفقة على الجد حال عسرة الاب، وقد ذكرنا في أول هذا الفصل أن الاب الفقير يلحق بالميت في استحقاق النفقة على الجد وهذا هو الصحيح من المذهب، وما ذكره القدوري قول الحسن بن صالح، هكذا ذكر الصدر الشهيد في أدب القاضي للخصاف. وإن كان الاب زمنا قضى بنفقة الصغار على الجد ولم يرجع على أحد بالانفاق لان نفقة الاب في هذه الحالة على الجد

[ 355 ]

فكذا نفقة الصغار. وعن أبي يوسف في صغير له والد محتاج وهو زمن فرضت نفقته على قرابته من قبل أبيه دون أمه وكل من يجبر على نفقة الاب يجبر على نفقة الغلام، فإن لم يكن له قرابة من قبل أبيه قضيت بالنفقة على أبيه وأمرت قرابة الام بالانفاق فيكون دينا على الاب. وهذا الجواب إنما يستقيم إذا لم يكن في قرابة الام من يكون محرما للصغير ويكون أهلا للارث لان شرط وجوب النفقة في غير قرابة الولاد المحرمية وأهلية الارث، فأما إذا كان في قرابة الام من كان محرما للصغير وهو أهل للارث تجب عليه النفقة ويلحق الاب المعسر بالميت لما ذكرناه اه‍. وحاصله أن الوجوب على الاب المعسر إنما هو إذا أنفقت الام الموسرة وإلا فالاب كالميت والوجوب على غيره لو كان ميتا ولا رجوع عليه في الصحيح. وعلى هذا فلا بد من إصلاح المتون والشروح كما لا يخفى. وأطلق في قوله في نفقة ولده فشمل

[ 356 ]

الصغير والكبير الزمن. وفي رواية أن نفقة الكبير تجب على الابوين أثلاثا باعتبار الارث بخلاف الصغير والظاهر الاول. قوله: (ولقريب محرم فقير عاجز عن الكسب بقدر الارث لو موسرا) أي تجب النفقة للقريب إلى آخره لان الصلة في القرابة القريبة واجبة دون البعيدة، والفاصل أن يكون ذو رحم محرم وقد قال تعالى: * (وعلى الوارث مثل ذلك) * [ البقرة: 332 ] وفي قراءة عبد الله بن مسعود وعلى الوارث ذي الرحم المحرم مثل ذلك. قيد بالقريب لان المحرم الذي ليس بقريب كالاخ من الرضاع لا تجب نفقته. وقيد بالمحرم لان الرحم غير المحرم لا تجب نفقته كابن العم وإن كان وارثا، ولا بد أن تكون المحرمية بجهة القرابة لانه لو كان قريبا محرما لا من جهتها كابن العم إذا كان أخا من الرضاع فإنه لا نفقة له، كذا في شرح الطحاوي، فلو كان له خال وابن عم فالنفقة على الخال لمحرميته لا على ابن العم وإن كان وارثا لان المراد من الوارث في الآية من هو أهل للميراث لا كونه وارثا حقيقة إذ لا يتحقق ذلك إلا بعد الموت والخال وارث في الجملة، سواء كان وارثا في هذه الحالة أو لم يكن. وعند الاستواء في المحرمية وأهلية الارث يرجح من كان وارثا حقيقة في هذه الحالة حتى إذا كان له عم وخال فالنفقة على العم لانهما استويا في المحرمية، ويترجح العم على الخال لكونه وارثا حقيقة، وكذلك إذا كان له عم وعمة وخالة فالنفقة على العم لا غير إن كان موسرا، وإن كان معسرا فالنفقة على العمة والخالة أثلاثا على قدر ميراثهما ويجعل العم كالميت. وفي القنية: يجبر الابعد إذا غاب الاقرب. وقيد بالفقر لان الغنى نفقته على نفسه. وقيد بالعجز عن الكسب وهو بالانوثة مطلقا وبالزمانة والعمى ونحوها في الذكر، فنفقة المرأة الصحيحة الفقيرة على محرمها فلا يعتبر في الانثى إلا الفقر. وأما البالغ الفقير فلا بد من عجزه بزمانة أو عمى أو فق ء العينين أو شلل اليدين أو مقطوع الرجلين أو معتوه أو مفلوج. زاد في التبيين أن يكون من أعيان الناس يلحقه العار من التكسب أو طالب علم لا يتفرغ لذلك. وفي المجتبى: البالغ إذا كان عاجزا عن الكسب وهو صحيح فنفقته على الاب، وهكذا قالوا في طالب العلم إذا كان لا يهتدي إلى الكسب لا تسقط نفقته عن الاب بمنزلة الزمن والانثى اه‍. وفي القنية: والظاهر أنه لم يخف على أبي حامد قول السلف بوجوب نفقة طالب العلم

[ 357 ]

على الاب لكن أفتى بعدم وجوبها لفساد أحوال أكثر طلبة العلم فإن من كان منهم حسن السيرة مشتغلا بالعلوم النافعة يجبر الآباء على الانفاق عليهم وإنما يطالبهم فساق المبتدعة الذين شرهم أكثر من خيرهم يحضرون الدرس ساعة بخلافيات ركيكة ضررها في الدين أكثر من نفعها ثم يشتغلون طول النهار بالسخرية والغيبة والوقوع في الناس مما يستحقون به لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فيقذف الله البغض في قلوب آبائهم وينزغ عنهم الشفقة فلا يعطون مناهم في الملابس والمطاعم فيطالبونهم بالنفقة ويؤذونهم مع حرمة التأفيف، ولو علموا بسيرتهم السلف لحرموا الانفاق عليهم، ومن كان بخلافهم نادر في هذا الزمان فلا يفرد بالحكم دفعا لخرج التمييز بين المصلح والمفسد. قلت: لكن نرى طلبة العلم بعد الفتنة العامة المشتغلين بالفقه والادب اللذين هما قواعد الدين وأصول كلام العرب والاشتغال بالكسب يمنعهم عن التحصيل ويؤدي إلى ضياع العلم والتعطيل فكان المختار الآن قول السلف، وهفوات البعض لا تمنع وجوب النفقة كالاولاد والاقارب اه‍. واختلفوا في حد المعسر الذي يستحق هذه النفقة، فقيل هو الذي تحل له هذه الصدقة، وقيل هو المحتاج. والذي له منزل وخادم هل يستحق النفقة على قريبه الموسر؟ فيه اختلاف الرواية، في رواية لا يستحق حتى لو كانت أختا لا يؤمر الاخ بالانفاق عليها، وكذا لو كانت بنتا وأما في رواية تستحق وهو الصوا ب، كذا في البدائع، وأطلق المصنف فيمن تجب عليه هذه النفقة فشمل الصغير الغني والصغيرة الغنية فيؤمر الوصي بدفع نفقة قريبهما المحرم بشرطه، كذا في أنفع الوسائل أيضا وقدمناه، وأفاد بقوله بقدر الميراث أنه لو تعدد من تجب عليه النفقة فإنها تقسم عليهم بقدر ميراثهم لان الله أوجب النفقة باسم الوارث

[ 358 ]

فوجب التقدير به، فإذا كان للصغير أم وعم أو أم وأخ لاب وأم فالنفقة عليهما على قدر الميراث، وكذلك الرضاع عليهما أثلاثا لان الرضاع نفقة الولد فتكون عليهما كنفقته بعد الفطام. وروى الحسن عن أبي حنيفة أن في النفقة بعد الفطام الجواب هكذا، وأما ما يحتاج إليه من النفقة قبل الفطام الرضاع كله على الام لانها موسرة باللبن والعم معسر في ذلك ولكن في ظاهر الرواية قدرة العم على تحصيل ذلك بماله يجعله موسرا فيه فلهذا كان بينهما أثلاثا، فإن كان العم فقيرا والام غنية فالكل على الام، وإن كان له أم وأخ لام وأب أو أخ لاب وعم أغنياء فالرضاع على الام والاخ أثلاثا بحسب الميراث لان العم ليس بوارث في هذه الحالة فيترجح الاخ على العم. وإذا كان للفقير الزمن ابن صغير معسر وليس بزمن ولهذا المعسر ثلاثة إخوة متفرقين أهل يسار فنفقة الرجل على الاخ من الاب والام والاخ من الام أسداسا، لان الابن الصغير المعسر يجعل كالمعدوم في حق إيجاب النفقة على الغير وما لم يجعل الابن كالمعدوم لا تصير الاخوة ورثة فيعتذر إيجاب النفقة عليهم حال قيام الابن فيجعل الابن كالمعدوم ويجعل الميراث بين الاخ لاب وأم وبين الاخ لام أسداسا، ولو كان مكان الابن بنت فنفقة الاب على الاخ لاب وأم خاصة لانا لا نحتاج أن نجعلها كالمعدوم لانه يرث مع البنت وقد تعذر إيجاب النفقة على البنت فيجب على الاخ لاب وأم ونفقة الصغير على العم والاخ خاصة لان الاب المعسر كالمعدوم، وبعد الاب ميراث الولد للعم للاب والام خاصة فكذا نفقة الولد عليهما. فإن كان مكان الاخوة أخوات متفرقات، فإن كان الولد ذكرا فنفقة الاب على الاخوات أخماسا، لان أحدا من الاخوات لا يرث مع الابن فلا بد أن يجعل الابن كالمعدوم ليمكن إيجاب النفقة على الاخوات، وبعد الابن ميراث الاب بين الاخوات

[ 359 ]

أخماسا، ثلاثة أخماسه للاخت لاب وأم، وخمسه للاخت لاب، وخمسه للاخت لام فرضا وردا، فالنفقة عليهم بحساب ذلك. ونفقة الولد على الاخت لاب وأم خاصة عندنا لان الوالد المعسر نجعله كالمعدوم، وعند عدم الوالد ميراث الولد للعمة لاب وأم خاصة عندنا فالنفقة تكون عليها أيضا. وإذا كان الولد بنتا فنفقة الاب على الاخت لاب وأم خاصة لانها وارثة مع البنت فإن الاخوات مع البنات عصبة فلا تجعل البنت كالمعدوم، ولكن لو مات الاب كان نصف ميراثه للبنت والباقي للاخت لاب وأم فكذا النفقة على الاخت لاب وأم، ونفقة البنت على العمة لاب وأم خاصة عندنا لان الاب المحتاج جعل كالمعدوم. وعند انعدام الولد فميراث البنت يكون للعمة لاب وأم خاصة عندنا فكذا النفقة عليها وتمامه في الذخيرة. وعلم مما ذكرناه أن الولد الكبير داخل تحت القريب المحرم فتجب نفقته على الاب بشرط العجز على رواية المبسوط. وعلى ما ذكره الخصاف في نفقاته فهي على الاب والام أثلاثا، ثلثاها على الاب والثلث على الام. قال في الذخيرة: وإذا طلب الابن الكبير العاجز أو الانثى أن يفرض له القاضي النفقة على الاب أجابه القاضي ويدفع ما فرض لهم إليهم لان ذلك حقهم ولهم ولاية الاستيفاء اه‍. فعلى هذا لو قال الاب للولد الكبير أنا أطعمك ولا أدفع إليك شيئا لا يلتفت إليه، وكذا الحكم في نفقة كل محرم لكن لا يشترط يسار الاب لنفقة الولد الكبير العاجز لانه كالصغير كما في البدائع. وشرط المصنف اليسار لان الفقير لا تجب عليه نفقة غير الاصول والفروع والزوجة. واختلف في حد اليسار على أربعة أقوال مروية، الاصح منها قولان: أحدهما أنه مقدر بنصاب الزكاة. قال في الخلاصة: حتى لو انتقص منه درهم لا تجب وبه يفتى. واختاره الولوالجي معللا بأن النفقة تجب على الموسر ونهاية اليسار لا حد لها وبدايته النصاب فيقدر به اه‍. وثانيهما أنه نصاب حرمان الصدقة

[ 360 ]

وهو النصاب الذي ليس بنام. قال في الهداية: وعليه الفتوى. وصححه في الذخيرة لانه لم يشترط لوجوب صدقة الفطر غني موجب الزكاة وإنما شرط غني محرم للصدقة، فكذا في حق إيجاب النفقة لان النفقة بصدقة الفطر أشبه منها بالزكاة لان في صدقة الفطر معنى المؤنة ومعنى الصدقة، فإذا لم يشترط لوجوب صدقة الفطر غني موجب للزكاة وفي صدقة من وجه مؤنة من وجه فلان لا يشترط لوجوب النفقة موجب للزكاة وأنها مؤنة من كل وجه كان أولى اه‍. ورجح الزيلعي رواية محمد التي قدرت اليسار بما يفضل عن نفقة نفسه وعياله شهرا إن كان من أهل الغلة، وإن كان من أهل الحرف فهو مقدر بما يفضل عن نفقته ونفقة عياله كل يوم لان المعتبر في حقوق العباد القدرة دون النصاب وهو مستغن عما زاد على ذلك فيصرفه إلى أقاربه إذ المعتبر في حقوق العباد القدرة دون النصاب وهذا أوجه اه‍. وفي التحفة: وقول محمد أرفق وفي غاية البيان: ومال شمس الائمة السرخسي إلى قول محمد اه‍. ولم أر من أفتى به من مشايخنا فالاعتماد على القولين الاولين والارجح الثاني كما لا يخفى، وقدمنا أن القول لمنكر اليسار والبينة لمدعيه. وفي القنية: له عم وجد أبو الأم فنفقته على أبي الام وإن كان الميراث للعم، ولو كان له أم وأب لام موسران فعلى الام وفيه إشكال قوي لانه ذكر في الكتاب إذا كان له أم وعم موسران فالنفقة عليهما أثلاثا فلم يجعل الام أقرب من العم،

[ 361 ]

وجعل في المسألة المتقدمة أب الام أقرب من العم ولزم منه أن تكون النفقة على أب الام مع الام ومع هذا أوجبها عل الام. ويتفرع من هذه الجملة فرع أشكل الجواب فيه وهو ما إذا كانت له أم وعم وأب لام موسرون فيحتمل أن تجب على الام لا غير لان أبا الام لما كان أولى من العم والام أولى من أبي الام كانت الام أولى من العم لكن بترك جواب الكتاب، ويحتمل أن يكون على الام والعم أثلاثا اه‍. وفي الخانية: صغير مات أبوه وله أم وجد أب الاب كانت النفقة عليهما أثلاثا، الثلث على الام والثلثان على جد الاب اه‍. وبه علم أن الجد ليس كالاب فيها. قوله: (وصح بيع عرض ابنه لا عقاره للنفقة) والقياس أن لا يجوز له بيع شئ وهو

[ 362 ]

قولهما لانه لا ولاية له لانقطاعها بالبلوغ ولهذا لا يملك حال حضرته، ولا يملك البيع في دين له سوى النفقة، والمذكور في المختصر هو الاستحسان وهو قول الامام رحمه الله لان للاب ولاية الحفظ في مال الغائب ألا ترى أن للوصي ذلك فللاب أولى لوفور شفقته، وبيع المنقول من باب الحفظ ولا كذلك العقار لانها محتصنة بنفسها. قيد بالاب لان الام وسائر الاقارب ليس لهم بيع شئ اتفاقا لانهم لا ولاية لهم أصلا في التصرف حالة الصغر، ولا في الحفظ بعد الكبر، وإذا جاز بيع الاب فالثمن من جنس حقه وهو النفقة فله الاستيفاء منه كما لو باع العقار والمنقول على الصغير جاز لكمال الولاية، ثم له أن يأخذ منه نفقته لانه جنس حقه. ومحل الخلاف في الابن الكبير، أما الصغير فللاب بيع عرضه للنفقة إجماعا كما في شرح الطحاوي، وله بيع عقاره وكذا المجنون بخلاف غير الاب لا يجوز له بيع العقار مطلقا كما في فتح القدير. وقيد بالنفقة لانه ليس للاب بيع عرض ابنه لدين له عليه سوى النفقة اتفاقا، واستشكله الزيلعي بأنه إذا كان البيع من باب الحفظ وله ذلك فما المانع منه لاجل دين آخر؟ وأجاب عنه في غاية البيان بأن النفقة لا تشبه سائر الديون لانه حينئذ يلزم القضاء على الغائب فلا يجوز بخلاف النفقة فإنها واجبة قبل القضاء وإنما قضى القاضي إعانة فجاز بيع الاب لعدم القضاء على الغائب اه‍. وأشار بقوله للنفقة إلى أنه لا يجوز بيعه إلا بقدر ما يحتاج إليه من النفقة ولا يجوز له أن يبيع الزيادة على ذلك كما في غاية البيان. وأطلق المصنف في بيع العرض وهو مقيد بغيبته لان الابن لو كان حاضرا ليس للاب البيع إجماعا كما في الذخيرة. وإنما قال المصنف للنفقة ولم يقل لنفقته للاشارة إلى أنه يبيع لنفقته ونفقة أم الغائب وإن كانت الام لا تملك البيع. قال في الذخيرة: الظاهر أن الاب يملك البيع

[ 363 ]

والام لا تملك ولكن بعد ما باع الاب فالثمن يصرف إليهما في نفقتهما اه‍. واحترز بالاب أيضا عن القاضي لانه ليس له البيع عند الكل لا في العروض ولا في العقار لا في النفقة ولا في سائر الديون، يريد به إذا لم يكن السبب معلوما للحاكم، وإن كان معلوما ولكن حاجة الاب لم تكن معلومة أو إن كانت معلومة إلا أنه يحتمل أن الابن أعطاها النفقة، وفي هذه الوجوه كلها لا يبيع لانه لو باع القاضي وصرف الثمن إليه لا يكون ذلك الثمن مضمونا عليه لانه قبض بأمر القاضي فيتضرر به الغائب فلذا لا يبيعه القاضي ولكن يفوض الامر إلى الاب ويقول له إن كنت صادقا فيما تدعي وإلا فلا آمرك بشئ، وهو على هذا الوجه لا يتضرر الغائب اه‍. قوله: (ولو أنفق مودعه على أبويه بلا أمر ضمن) أي المودع ما أنفقه لانه تصرف في مال الغير بلا ولاية ولا نيابة لانه نائب عنه في الحفظ لا غير. والمودع ليس بقيد لان مديون الغائب كذلك كما في الولوالجية. والابوان ليسا بقيد بل الانفاق على الزوجة بلا أمر كذلك كما في الخانية من كتاب الوديعة، وكذا على الاولاد. وقيد بكونه بلا أمر لانه لو كان بأمر الغائب فلا إشكال، وكذا إذا كان بأمر القاضي لان أمره ملزم لعموم ولايته ولا يقال إنه قضاء على الغائب ولا يجوز لانا نقول نفقة هؤلاء واجبة قبل القضاء وقضاؤه إعانة لهم فحسب، كذا في غاية البيان. وعند أمر القاضي لا فرق بين الابوين والاولاد الصغار والزوجة كما تقدم في قوله وفرض لزوجة الغائب إلى آخره. وأشار المصنف إلى أن المودع لو قضى دين المودع بالوديعة فإنه يكون ضامنا ولم يضمنه الحاكم أبو إسحق، والصحيح الضمان كما أشار إليه محمد في كتاب الوديعة، كذا في الذخيرة. وأطلقه فظاهره أنه ولو كان بأمر القاضي لان الامر هنا بقضاء الدين قضاء على الغائب وهو لا يجوز بخلاف الامر بالانفاق كما قدمنا الفرق. وإنما عبر المصنف بالضمان دون الحرمة لانه إنما يضمن في القضاء، وأما فيما بينه وبين الله تعالى فلا ضمان عليه. ولو مات الغائب حل له أن يحلف لورثته أنهم ليس لهم عليه حق لانه لم يرد بذلك غير الاصلاح، كذا في فتح القدير. وأطلق المصنف في الضمان فشمل ما إذا أمكن استطلاع رأي القاضي أولا لكن نقلوا عن النوادر أنه مقيد بما إذا أمكن أما إذا لم يكن فلا ضمان استحسانا. قال في الذخيرة: وكذلك قال مشايخنا في رجلين كانا في سفر فأغمى على أحدهما فأنفق الآخر على المغمي عليه من مال المغمى عليه لم يضمن استحسانا، وكذا إذا مات فجهزه صاحبه من ماله لم يضمن استحسانا، وكذا العبد المأذون في التجارة إذا مات مولاه فأنفق في الطريق لم يضمن، وكذا روي عن مشايخ بلخ إذا كان للمسجد أوقاف ولم يكن لها متول فقام واحد من أهل المحلة في جميع الاوقاف وأنفق على المسجد فيما يحتاج إليه من الحصر والحشيش لا يضمن استحسانا فيما بينه وبين الله تعالى. وحكي عن محمد أنه مات واحد من تلامذته فباع محمد كتبه وأنفق في تجهيزه

[ 364 ]

فقيل له إنه لم يوص بذلك إلى أحد فتلا محمد قوله تعالى: * (والله يعلم المفسد من المصلح) * [ البقرة: 022 ] فما كان على قياس هذا الاصل لا ضمان عليه فيما بينه وبين الله تعالى استحسانا، أما في الحكم فهو ضامن. وكذا الورثة الكبار إذا أنفقوا على الصغار ولم يكن هناك وصي فإنهم متطوعون حكما، وأما ديانة فإنهم محسنون ويسعهم أن يقروا بما فضل من نصيب الصغار فقط، ولو حلفوا فلا شئ عليهم، ونظيره إذا عرف الوصي الدين على الميت فقضاه ولم يقر بذلك ولم يعرفه القاضي ولا الورثة لا يأثم. وكذا إذا كان لرجل عند رجل وديعة وعلى صاحب الوديعة مثلها دين والمودع يعلم أنه مات ولم يقبض دينه وسع المودع أن يقضي ذلك الدين بماله ولا يقربه، وكذا إذا كان لعمرو على زيد دين وعلى عمرو مثل ذلك الدين لرجل آخر فمات عمرو وزيد يعرف أن عمرا لم يقض دينه يسع لزيد أن يقضي دين عمرو بما لعمرو على زيد ولا يخبر ورثته بذلك اه‍. والاصل في ذلك أن خالد بن الوليد أخذ الراية وتأمر من غير تأمير لاجل الاصلاح. ذكره الكرماني في شرح البخاري من الجنائز. ولم يذكر المصنف أنه هل يرجع بما أنفقه على من أنفق عليه عند ضمانه؟ وقالوا لا رجوع له لان المودع ملك المدفوع بالضمان فكان متبرعا بملك نفسه، وظاهره أنه لا فرق بين أن ينفق عليهم وبين أن يدفع الوديعة إليهم في وجوب الضمان وعدم الرجوع عليهم لوجود العلة فيهما، ولم أر أنه إذا أنفق عليهم بلا أمر ثم أجاز المالك لظهور أنه لا ضمان لان الاجازة إبراء له من الضمان ولقولهم إن الاجازة اللاحقة كالوكالة السابقة. قوله: (ولو أنفقا ما عندهما لا) أي لا ضمان عليهما لانهما استوفيا حقهما لان نفقتهما واجبة قبل القضاء على ما مر وقد أخذا جنس الحق. وفي الخلاصة: ولو أنفق على نفسه من مال الابن ثم خاصمه الابن فقال أنفقته وأنت موسر وقال الاب أنفقته وأنا معسر قال انظر إلى حال الاب يوم الخصومة إن كان معسرا فالقول قوله استحسانا في نفقة مثله، وإن كان موسرا فالقول قول الابن، ولو أقاما البينة فالبينة بينة الابن اه‍. وحكم الزوجة والولد كالابوين إذا أنفقا ما عندهما لا ضمان عليهما بخلاف غيرهم من القريب المحرم العاجز فإنه يضمن بالانفاق بغير قضاء ولا رضا. قال في الذخير: إن نفقة الوالدين والمولودين والزوجة واجبة قبل القضاء حتى إذا ظفر أحد من هؤلاء بجنس حقهم كان له الاخذ بغير قضاء ولا

[ 365 ]

رضا. فأما نفقة سائر الاقارب لا تجب إلا بالقضاء أو الرضا حتى لو ظفروا واحد من الاقارب بجنس حقه لم يكن له الاخذ إلا بقضاء أو رضا، ولذا يفرض القاضي في مال الغائب نفقة الاولين فقط اه‍. قوله: (ولو قضى بنفقة الولاد والقريب ومضت مدة سقطت) لان نفقة هؤلاء تجب كفاية للحاجة حتى لا تجب مع اليسار وقد حصلت الكفاية بمضي المدة بخلاف نفقة الزوجة إذا قضى بها القاضي لانها تجب مع يسارها فلا تسقط بحصول الاستغناء فيما مضى ولم أر من صرح بأنه يأثم ومقتضى وجوبها أنه يأثم بتركها إذا طلبها صاحبها وامتنع مع أنهم قالوا إنها لا تجب إلا بالقضاء أو الرضا كما قدمناه عن الذخيرة، ولذا ليس لمن هي له أن يأخذها بغير قضاء ولا رضا. وصرح الخصاف في أدب القاضي بأنها لا تجب إلا بالقضاء للاختلاف فيها. واستشكله السروجي في الغاية من حيث إنهم جعلوا القاضي نفسه هو الذي أوجب هذه النفقة والقاضي ليس بمشرع وما ذاك إلا للنبي صلى الله عليه وسلم وانقطع من بعده فهو مشكل جدا. وتبعه على ذلك الطرسوسي في أنفع الوسائل وقال: لم لا؟ قيل: إن الوجوب يثبت بقوله تعالى: * (وعلى الوارث مثل ذلك) * [ البقرة: 332 ] فقضاء القاضي إعانة له كما في نفقة الاولاد، كيف وإنهم قد استدلوا في أصل المسألة بهذه الآية على وجوب نفقة القريب وكلمة علي للايجاب ولا يعكر على هذا اختلاف العلماء لان المسائل الاختلافية يعمل فيها على الاختلاف ولا يكون الاختلاف مؤثرا في عدم القبول فإن ذلك كان واجبا قبل القضاء كما قلنا في نفقة المبتوتة أنه يقضي بها باعتبار أنها ثابتة قبل القضاء والقضاء إعانة لا أن تعيين القاضي مثبت لها، وكذا بقية المسائل الخلافية، ولم يظهر لي الموجب لفرارهم من

[ 366 ]

هذا اه‍. وفي البدائع أن شرط وجوب نفقة القريب الطلب والخصومة بين يدي القاضي في نفقة غير الولاد فلا تجب بدونه لانها لا تجب بدون قضاء القاضي والقضاء لا بد له من الطلب والخصومة اه‍. وهو صريح في أن الطلب من غير أن يكون بين يدي القاضي لا يكون موجبا. وأطلق المصنف في المدة وهي مقيدة بالكثيرة، أما القليلة فلا تسقط وهي ما دون الشهر كما ذكره في الذخيرة وتبعها الشارحون لانها لو سقطت بالمدة اليسيرة لما أمكنهم استيفاؤها. وفي فتح القدير: وكيف لا تصير القصيرة دينا والقاضي مأمور بالقضاء، ولو لم تصر دينا لم يكن بالامر بالقضاء فائدة، ولو كان كلما مضى سقط لم يمكن استيفاء شئ ومثل هذا قدمناه في غير المفروضة من نفقات الزوجات اه‍. وأطلق في نفقة الولاد فشمل الاصول والفروع الصغار والكبار واستثنى في الذخيرة معزيا إلى الحاوي وأقره عليه الزيلعي نفقة الصغير فإنها تصير عليه دينا على الاب بقضاء القاضي بخلاف نفقة سائر الاقارب. وفي الواقعات: وإذا فرض نفقة الاب أو الابن فلم يقبض سنين ثم أيسر أو مات تبطل لان هذا صلة من وجه فلا يصير دينا من كل وجه اه‍. ولا يخفى أن تعليق البطلان على اليسار أو الموت ليس بقيد لما ذكرناه. قوله: (إلا أن يأذن القاضي بالاستدانة) يعني فلا تسقط بمضي المدة لان القاضي له ولاية عامة فصار إذنه كأمر الغائب فتصير دينا في ذمته، وقد أخل المصنف بقيد لا بد منه وهو الاستدانة والانفاق مما استدانة كما قيده في المبسوط والنهاية وغيرهما حتى قال الطرسوسي: ولقد غلط بعض الفقهاء هنا في مفهوم كلام صاحب الهداية وقال: إذا أذن القاضي في الاستدانة ولم يستدن فإنها لا تسقط وهذا غلط، بل معنى الكلام إذن القاضي في

[ 367 ]

الاستدانة واستدان اه‍. قال في المبسوط: فلو أنفق بعد الاذن بالاستدانة من ماله أو من صدقة تصدق بها عليه فلا رجوع له عليه لعدم الحاجة اه‍. وصرح في الذخيرة في نفقة الاولاد الصغار أنهم إذا أكلوا من مسألة الناس فلا رجوع لامهم على الاب بشئ، فلو أعطوا نصف الكفاية واستدانت الام لهم النصف رجعت بما استدانت وقد قدمناه. وأفاد المصنف بعدم سقوطها بعد الاستدانة المأذون فيها أنه لو مات من عليه النفقة بعد ذلك لا تسقط على الصحيح بل تؤخذ من تركته وأن دينها حينئذ مانع من وجوب الزكاة لانه دين له مطالب من جهة العباد. وفي الخانية: رجل غاب ولم يترك لاولاده الصغار نفقة ولامهم مال تجبر الام على الانفاق ثم ترجع ذلك على الزوج اه‍. ولم يشترط الاستدانة ولا الاذن بها فيفرق بين ما إذا أنفقت عليهم من مالها وبين ما إذا أكلوا من المسألة. وفي البزازية: قالت الام للقاضي

[ 368 ]

أفرض نفقة هذا الصغير على أبيه ومرني حتى أستدين عليه ففعله القاضي، وإذا استدانت عليه وأيسر رجعت عليه، فإن لم ترجع عليه حتى مات لا تأخذه من تركته في الصحيح، وإن أنفقت عليه من مالها أو من المسألة من الناس لا ترجع على الاب، وكذا في نفقة المحارم اه‍. ثم اعلم أن الممتنع من نفقة القريب المحرم بشروطه يضرب ولا يحبس بخلاف الممتنع من سائر الحقوق لانه لا يمكن استدراك هذا الحق بالحبس لانه يفوت بمضي الزمان فيستدرك بالضرب بخلاف سائر الحقوق، كذا في البدائع. قوله: (ولمملوكه) أي تجب النفقة والكسوة والسكنى لمملوكه على سيده للامر في قوله صلى الله عليه وسلم أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون

[ 369 ]

وعليه إجماع العلماء. قال الطحاوي: ذهب قوم إلى أن الرجل عليه أن يسوي بين مملوكه وبين نفسه في الطعام والكسوة احتجاجا بما روينا، وخالفهم آخرون احتجاجا بما حدث الطحاوي بإسناده إلى أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للملوك طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل ما لا يطيق فدل على أن للموالي أن يفضلوا أنفسهم على عبيدهم، ويدل عليه أيضا حديث البخاري مرفوعا إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة أو لقمتين أو أكلة أو أكلتين فإنه ولي علاجه والجواب عن الاول أنه ذكره بلفظ من وهي للتبعيض فإذا أطعمهم الموالي من بعض ما يأكلون أو كسوهم من بعض ما يلبسون يحصل الغرض، فلو كان المراد التسوية في الاكل والكسوة لقال مثل ما تأكلون ومثل ما تلبسون، كذا في غاية البيان. وأجاب عنه في فتح القدير بأن المراد من جنس ما تأكلون وتلبسون لا مثله فإذا ألبسه من الكتان والقطن وهو يلبس منهما الفائق كفى بخلاف إلباسه نحو الجوالق والله أعلم. ولم يتوارث عن الصحابة أنهم كانوا يلبسون مثلهم إلا الافراد اه‍. والمراد بالمملوك من كانت منافعه مملوكة لشخص، سواء كانت رقبته مملوكة له أو لا، فدخل المدبر وأم الولد، وخرج المكاتب لانه مالك لمنافعه. ولو أوصى بعبد لرجل وبخدمته لآخر فالنفقة على من له الخدمة، فإن مرض في يد صاحب الخدمة إن كان مرضا لا يمنعه من الخدمة كانت نفقته على صاحب الخدمة، وإن كان مرضا يمنعه من الخدمة كانت نفقته على صاحب الرقبة، وإن تطاول المرض ورأى القاضي أن يبيعه فباعه يشتري بثمنه عبدا يقوم مقام الاول في الخدمة، كذا في الخانية. وزاد في المحيط أنه إن كان صغيرا لم يبلغ الخدمة فنفقته على صاحب الرقبة حتى يبلغ الخدمة ثم على المخدوم لانه ملك المنافع بغير عوض فصار كالمستعير، وكذا النفقة على الراهن والمودع، وأما عبد العارية فعلى المستعير، وأما كسوته فعلى المعير، كذا في الواقعات، ولو أوصى بجارية لانسان وبما في بطنها لآخر فالنفقة على من له الجارية، ومثله أوصى بدار لرجل وسكناها لآخر فالنفقة على صاحب السكنى لان المنفعة له فإن انهدمت فقال صاحب السكنى أنا أبنيها وأسكنها كان له ذلك ولا يكون متبرعا لانه مضطر فيه لانه لا يصل إلى حقه إلا به فصار كصاحب العلو مع صاحب السفل إذا انهدم السفل وامتنع صاحبه من البناء لصاحب العلو أن يبنيه ويمنع صاحبه عنه حتى يعطي ما غرم فيه ولا يكون متبرعا. وأطلق في المملوك فشمل ما إذا كان له أب موجود حاضر أولا، وشمل الامة المتزوجة حيث لم

[ 370 ]

يبؤها منزلا للزوج، وشمل الصغير والكبير الذكر والانثى الصحيح والمريض والزمن والاعمى، وأما العبد الآبق إذا أخذه رجل ليرده على مولاه وأنفق عليه إن أنفق بغير أمر القاضي كان متطوعا لا برجع، وإن رفع الامر إلى القاضي فسأل من القاضي أن يأمره بالانفاق عليه نظر القاضي في ذلك، فإن رأى الانفاق أصلح أمره بالانفاق، وإن خاف أن تأكله النفقة أمره القاضي بالبيع وإمساك الثمن، وكذا إذا وجد دابة ضالة في المصر أو في غير المصر. وأما العبد المغصوب فإن نفقته على الغاصب إلى أن يرده إلى المولى فإن طلب من القاضي أن يأمره بالنفقة أو بالبيع لا يجيبه لان المغصوب مضمون على الغاصب إلا أن يكون الغاصب مخوفا منه على العبد فحينئذ يأخذه القاضي ويبيعه ويمسك الثمن، وأما العبد الوديعة إذا غاب صاحبه فجاء المودع إلى القاضي وطلب منه أن يأمره بالنفقة أو بالبيع فإن القاضي يأمره بأن يؤاجر العبد وينفق عليه من أجره، وإن رأى أن يبيعه فعل. وأما العبد إذا كان بين رجلين فغاب أحدهما وتركه عند الشريك فرفع الشريك الامر إلى القاضي وأقام البينة على ذلك كان القاضي بالخيار إن شاء قبل هذه البينة، وإن شاء لم يقبل وإن قبل يأمره بالنفقة ويكون الحكم ما هو الحكم في الوديعة، والكل من الخانية. وفي الخلاصة: الشريك إذا أنفق على العبد في غيبة شريكه بغير إذن القاضي وبغير إذن صاحبه، وكذا النخل والزرع، وكذا المودع والملتقط إذا أنفق على الوديعة واللقطة، وكذا في الدار المشتركة إذا اشتريت فأنفق أحدهما بغير إذن صاحبه وبغير إذن أمر القاضي فهو متطوع وفي القنية: ونفقة المبيع على البائع ما دام في يده هو الصحيح ثم رقم برقم آخر أنه يرفع البائع الامر إلى الحاكم فيأذن له في بيعه أو إجارته، ثم رقم بأن نفقة العبد المبيع بشرط الخيار على من له الملك في العبد وقت الوجوب، وقيل على البائع، وقيل يستدان فيرجع على من يصير له الملك كصدقة الفطر اه‍. وفي وجوب نفقة البيع على البائع قبل تسليمه إشكال لانه لا ملك له لا رقبة ولا منفعة فينبغي أن تكون على المشتري وتكون تابعة للملك كالمرهون كما بحثه بعضهم كما في القنية أيضا. وشمل كلام المصنف أيضا المملوك ظاهرا فلو شهدا عليه بحرية أمته فوضعها القاضي على يد عدل لاجل المسألة على الشهود فالنفقة على من هي في يده، سواء ادعت الامة الحرية أو جحدت لوجوب نفقة المملوك على مولاه وإن كان ممنوعا منه، ولا رجوع للمولى بما أنفقه، سواء زكيت الشهود أولا إلا إذا أجبره القاضي على الانفاق أو أكلت في بيته بغير إذنه فيرجع بما أنفقه لانه تبين أن لا ملك له. وإن كان عبدا أمره أن يكتسب وينفق على نفسه إن كان قادرا عليه وإلا فعلى المدعى عليه، وتمامه في الذخيرة.

[ 371 ]

قوله: (فإن أبى ففي كسبه وإلا أمره ببيعه) أي أن امتنع المولى عن الانفاق فإن نفقته في كسبه إن كان له كسب لان فيه نظرا لهما حتى يبقى المملوك فيه حيا ويبقى فيه ملك المالك، وإن لم يكن لهما كسب بأن كان عبدا زمنا أو جارية لا يؤجر مثلها أجبر المولى على بيعهما لانهما من أهل الاستحقاق، وفي البيع إيفاء حقهما وإيفاء حق المولى بالخلف بخلاف نفقة الزوجة لانها تصير دينا فكان إبطالا. وفي غاية البيان: إن كل ما لا يصلح للاجارة يجبر المولى على الانفاق أو يبيع القاضي إذا رأى ذلك إلا المدبر وأم الولد فإنه يجبر على الانفاق لا غير لانه لا يمكن بيعهما اه‍. فلو قال المصنف كذلك لكان أولى. وعلم مما في الغاية أن الامر بالبيع معناه بيع القاضي عليه. وفي شرح الاقطع ما ذكر من البيع ينبغي أن يكون على قول أبي يوسف ومحمد لانهما يريان البيع على الحر لاجل حق الغير، فأما أبو حنيفة فإنه لا يرى جواز البيع على الحر ولكنه يحبسه حتى يبيعه إذا استحق عليه البيع اه‍. ولذا قال المصنف أمر ببيعه ولم يقل باعه القاضي. قيد بالمملوك أي الرقيق لان ما عداه من أملاكه إذا امتنع من الانفاق فإنه لا يجبر عليه ولو كان حيوانا لانها ليست من أهل الاستحقاق إلا أنه يفتي فيما بينه وبين الله تعالى في الانفاق على الحيوانات لانه عليه السلام نهى عن تعذيب الحيوان وفيه ذلك، ونهى عن إضاعة المال وفيه إضاعته. وعن أبي يوسف أنه يجبر والاصح ما قلنا، كذا في الهداية. ورجح الطحاوي رواية أبي يوسف قال: وبه نأخذ. قال في فتح القدير: وبه قالت الائمة الثلاثة. وغاية ما فيه أن يتصور فيه دعوى حسبة فيجبره القاضي على ترك الواجب ولا بدع فيه وظاهر المذهب الاول والحق ما عليه الجماعة اه‍. وأما في غير الحيوانات كالدور والعقار لا يفتى به أيضا إلا إذا كان فيه تضييع المال فيكون مكروها. وهذا كله إذا لم يكن له شريك، فإن كانت دابة بين شريكين فامتنع أحدهما من الانفاق أجبره القاضي لانه لو لم يجبره لتضرر الشريك كما في المحيط. وذكر الخصاف أن القاضي يقول للآبي إما أن تبيع نصيبك من الدابة أو تنفق عليها رعاية لجانب الشريك. وفي الذخيرة: لو أوصى بنخل لواحد وبثمرته لآخر فالنفقة على صاحب الثمرة، وفي التبن والحنطة إن بقي من ثلث ماله شئ فالنفقة في ذلك المال، وإن لم يبق فالتخليص عليهما لان المنفعة لهما اه‍. وفي فتح القدير وأقول: ينبغي أن يكون على قدر قيمة ما يحصل لكل منهما وإلا يلزم ضرر

[ 372 ]

صاحب القليل ألا ترى إلى قولهم في السمسم إذا أوصى بدهنه لواحد وبثجيرة لآخر أن النفقة على من له الدهن لعده عدما وإن كان قد يباع، وينغي أن يجعل كالحنطة والتبن في ديارنا لان الثجير يباع لعلف البقر وغيره، وكذا أقول فيما روي عن محمد ذبح شاة فأوصى بلحمها لواحد وبجلدها لآخر فالتخليص عليهما كالحنطة والتبن أنه يكون على قدر الحاصل لهما وقبل الذبح أجرة الذبح على صاحب اللحم لا الجلد اه‍. وفي المجتبى: العبد إذا أقتر عليه مولاه في نفقته ليس له أن يأكل من مال مولاه لكن يكتسب ويأكل إلا إذا كان صغيرا أو جارية أو عاجزا عن الكسب فله أن يأكل، وإن لم يأذن له في الكسب فله أن يأكل من مال مولاه، وللعبد أن يأخذ من مال سيده قدر كفايته. ولو تنازعا في عبد أو أمة في أيديهما يجبران على نفقته ونفقة الدابة المستأجرة على الآجر، وإذا شرط العلف على المستأجر لم يضمن إن لم يعلفا حتى ماتت لان بدل المنافع تعود إلى مالك الرقبة. ومن ركب فرسا حبيسا في سبيل الله تعالى فنفقته عليه حتى يرده عليه، والاصل أن من كانت له المنفعة أو بدلها فالنفقة عليه سواء كان مالكا أو لا اه‍. وفي فتح القدير: ويجوز وضع الضريبة على العبد ولا يجبر عليها بل إن اتفقا على ذلك اه‍. وقيدنا الذي لا كسب له بأن يكون زمنا إلى آخره تبعا لما في الهداية للاحتراز عما إذا كان صحيحا غير عارف بصناعة فإنه لا يكون عاجزا عن الكسب لانه يمكن أن يؤاجر نفسه في بعض الاعمال كحمل شئ وتحويل شئ كمعين البناء، وما قدمناه نقلا عن الكافي في نفقة ذوي الارحام ثبوته هنا أولى، كذا في فتح القدير. وفي الخلاصة: ولو أعتق عبدا زمنا أو مقعدا سقطت نفقته عن المولى وينفق عليه من بيت المال اه‍. والله سبحانه وتعالى أعلم.

[ 373 ]

كتاب العتق ذكره عقيب الطلاق لان كلا منهما إسقاط الحق. وقدم الطلاق لمناسبة النكاح. ثم الاسقاطات أنواع تختلف أسماؤها باختلاف أنواعها، فإسقاط الحق عن الرق عتق، وإسقاط الحق عن البضع طلاق، وإسقاط ما في الذمة براءة، وإسقاط الحق عن القصاص والجراحات عفو. والاعتاق في اللغة الاخراج عن الملك، يقال أعتقه فعتق. والعتق الخروج عن الملك يقال من باب فعل بالفتح يفعل بالكسر عتق العبد عتاقا إذا خرج عن الملك، وعتقت الفرس، إذا سبقت ونجت، وعتق فرخ القطاة إذا طار. ويقال عتق فلان بعد استعلاج إذا رقت بشرته بعد غلظ، ومصدره العتق والعتاق وليس منه العتاقة بمعنى القدم لان فعله فعل بالفتح يفعل بالضم وليس منه العتق بمعنى الجمال لانه من هذا الباب أيضا وهو مضموم العين أيضا، كذا في ضياء الحلوم. فالعتق اللغوي حينئذ هو العتق الشرعي وهو الخروج عن المملوكية وهو أولى من قولهم إن العتق في اللغة القوة. وفي الشرع: قوة الشرعية لان أهل اللغة لم يقولوا اعتق العبد إذا قوي وإنما قالوا أعتق العبد، إذا خرج عن المملوكية. وإنما ذكر والقوة في عتق الطير ونحوه. وركنه في الاعتاق اللفظي الانشائي اللفظ الدال عليه. وفي البدائع ركنه اللفظ الذي جعل دلالة على العتق في الجملة أو ما يقوم مقام اللفظ اه‍. ويعرف ذلك ببيان سببه. قالوا: سببه المثبت له قد يكون دعوى النسب، وقد يكون نفس الملك في القريب، وقد يكون الاقرار بحرية عبد إنسان حتى لو ملكه عتق، وقد يكون بالدخول في

[ 374 ]

دار الحرب فإن الحربي إذا اشترى عبدا مسلما فدخل به إلى دار الحرب ولم يشعر عتق عند أبي حنيفة، وكذا زوال يده عنه بأن هرب عن مولاه الحربي إلى دار الاسلام، وقد يكون اللفظ المذكور. وأما سببه الباعث ففي الواجب تفريغ ذمته وفي غيره قصد التقرب إلى الله تعالى عز وجل. وأنواعه أربعة: واجب ومندوب ومباح ومحظور. فالواجب الاعتاق في كفارة القتل والظهار واليمين والافطار إلا أنه في باب القتل والظهار والافطار واجب على التعيين عند القدرة عليه، وفي باب اليمين واجب على التخيير. والمندوب الاعتاق لوجه الله تعالى من غير إيجاب لان الشرع ندب إلى ذلك للحديث أيما مؤمن أعتق مؤمنا في الدنيا أعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار ولهذا استحبوا أن يعتق الرجل العبد والمرأة الامة ليتحقق مقابلة الاعضاء بالاعضاء لكنه ليس بعبادة حتى يصح من الكافر. وأما المباح فهو الاعتاق من غير نية. وأما المحظور فهو الاعتاق لوجه الشيطان وسيأتي تمامه، وسيأتي بيان شرائطه وحكمه زوال الملك أو ثبوت العتق على الاختلاف. قوله: (هو إثبات القوة الشرعية للمملوك) أي الاعتاق شرعا. والقوة الشرعية هي قدرته على التصرفات الشرعية وأهليته للولايات والشهادات ودفع تصرف الغير عليه. وحاصله أنه إزالة الضعف الحكمي الذي هو الرق الذي هو أثر الكفر. وفي المحيط: ويستحب للعبد أن يكتب للعتق كتابا ويشهد عليه شهودا توثيقا وصيانة عن التجاحد والتنازع فيه كما في المداينة بخلاف سائر التجارات لانه ما يكثر وقوعها فالكتابة فيها تؤدي إلى الحرج ولا كذلك العتق. قوله: (ويصح من حر مكلف لمملوكه بانت حر أو بما يعبر به عن البدن وعتيق ومعتق ومحرر وحررتك وأعتقتك نواه أو لا) بيان لشرائطه وصريحه وحكم الصريح. أما شرائطه فذكر المصنف أنها ثلاثة: الاول منها لا حاجة إليه مع ذكر الملك لان الحرية للاحتراز عن إعتاق غير الحر وهو ليس بمالك كما سنبينه. واحترز بالمكلف عن عتق الصبي فإنه لا يصح وإن كان عاقلا كما لا يصح طلاقه، وعن عتق المجنون فإنه لا يصح، وأما الذي يجن ويفيق فهو في حالة إفاقته عاقل وفي حالة جنونه مجنون. وخرج المعتوه أيضا والمدهوش والمبرسم والمغمى عليه والنائم فلا يصح إعتاقهم كما لا يصح طلاقهم. ولو قال أعتقت وأنا صبي أو وأنا نائم كان القول قوله، وكذا لو قال أعتقته وأنا مجنون بشرط أن يعلم جنونه، أو قال وأنا حربي في دار الحرب وقد علم ذلك لانه لما أضافه إلى زمان لا يتصور منه الاعتاق علم أنه أراد صيغة الاعتاق ولا حقيقته فلم يصر معترفا بالاعتاق كما لو قال أعتقته

[ 375 ]

قبل أن أخلق أو يخلق. وخرج باشتراط أن يكون مملوكا له إعتاق العبد المأذون له في التجارة أو المكاتب لانعدام ملك الرقبة، وكذا لو اشترى العبد المأذون له في التجارة محرما منه أو المكاتب كذلك فإنه لا يعتق عليهما لعدم ملكهما. ويرد على المصنف إعتاق عبد الغير فإنه صحيح موقوف على إجازة سيده إن لم يكن وكيله، نعم هو شرط للنفاد وليس الكلام هنا إلا في الصحة، ولو أبدله بقوله للمملوك لكان أولى لان شرطه كما في المستصفى أن يكون المحل مملوكا. والمراد بالمملوك المملوك رقبة وإن لم يكن في يده فصح إعتاق المولى المكاتب والعبد المأذون والمشتري قبل القبض والمرهون والمستأجر والعبد الموصي برقبته لانسان وبخدمته لآخر إذا أعتقه الموصى له بالرقبة. ولا يشترط أن يكون عالما بأنه مملوكه حتى لو قال الغاصب للمالك أعتق رقبة هذا العبد فأعتقه وهو لا يعلم أنه عبده عتق ولا يرجع على الغاصب بشئ، وكذا لو قال البائع للمشتري أعتق عبدي هذا وأشار إلى المبيع فأعتقه المشتري ولم يعلم أنه عبده صح إعتاقه ويجعل قبضا ويلزمه الثمن كما في الكشف الكبير في بحث القضاء. وأخرج باشتراط المملوكية عتق الحمل إذا ولدته لستة أشهر فأكثر لعدم التيقن بوجوده وقته بخلاف ما إذا ولدته لاقل منها فإنه يصح. ويشترط وجود الملك للمعتق وقت وجود الاعتاق لينفذ إن كان منجزا وإن كان معلقا بما سوى الملك وسببه فإنه يشترط وجود الملك وقت التعليق كالتعليق بدخول الدار ونحوه. وكذا يشترط وقت نزول الجزاء، ولا يشترط بقاء الملك فيما بينهما. وأما إذا كان معلقا بالملك كان ملكتك فأنت حر فلا يشترط له شئ من ذلك. ولم يشترط المصنف أن يكون صاحيا ولا طائعا لصحة عتق السكران والمكره عندنا كطلاقهما، وكذا لم يشترط العمد لصحة عتق المخطئ، ولم يشترط قبول العبد للاعتاق لانه ليس بشرط إلا في العتق على مال فإن قبوله شرط كما سنذكره في بابه. وكذا لم يشترط خلوه عن الخيار لعدم صحة الخيار فيه من جانب المولى فيقع العتق ويبطل الشرط، وأما من جانب العبد في العتق على مال فلا بد من خلوه عن خياره حتى لورد العبد العتق في مدة الخيار ينفسخ العقد ولا يعتق كما في الطلاق على مال، وكذا الصلح من دم العمد بشرط الخيار، فإن كان من جانب المولى فهو باطل والصلح صحيح، وإن كان للقاتل فهو صحيح، فإن فسخ العقد ففي القياس يبطل العفو، وفي الاستحسان لا يبطل ويلزم القاتل الدية. ولم

[ 376 ]

يشترط المصنف أيضا إسلام المعتق وهو المالك لانه يصح من الكافر ولو مرتدة، وأما إعتاق المرتد فموقوف عند الامام نافذ عندهما. ولم يشترط أيضا أن يكون المالك صحيحا لانه يصح الاعتاق من المريض مرض الموت وإن كان معتبرا من الثلث لانه وصية. وشرط في البدائع عدم الشك في ثبوت الاعتاق فإن كان شاكا فيه لا يحكم بثبوته. وأما الثاني وهو صريحه فذكر المصنف هنا أنه الحرية والعتق بأي صيغة كانت فعلا أو وصفا. فالفعل نحو أعتقتك وحررتك أو أعتقك الله على الاصح وهو المختار كما في الظهيرية. والوصف نحو أنت حر ومحرر وعتيق ومعتق وسيأتي حكم النداء بها. ومنه المولى أيضا كما سنبينه. ولا بد أن يكون خبر المبتدأ فلو ذكر الخبر فقط توقف على النية ولذا قال في الخانية: لو قال حر فقيل له لمن عنيت فقال عبدي عتق عبده. وأما المصدر فلم يذكره المصنف للتفصيل فيه فإن قال العتاق عليك أو عتقك على كان صريحا إلا إذا زاد قوله عتقك علي واجب فإنه لا يعتق لجواز وجوبه عليه بكفارة أو نذر بخلاف طلاقك علي واجب لان نفس الطلاق غير واجب وإنما يجب حكمه وحكمه وقوعه واقتضى هذا وقوعه، وأما العتق فجاز أن يكون واجبا، كذا في الظهيرية. وأما إذا قال أنت عتق أو عتاق أو حرية فإنه لا يعتق إلا بالبينة، كذا في جوامع الفقه. قال الكمال: فعلى هذا لا بد من ضابط الصريح. قلت: إن ما في جوامع الفقه ضعيف لما في المحيط: لو قال أنت عتق يعتق وإن لم ينو كقوله لامرأته أنت طالق اه‍. فلا يحتاج إلى إصلاح الضابط. وأما إذا كان تلفظ بالعتق مهجي كقوله أنت حر فإنه كناية يعتق بالنية كالطلاق كما في الظهيرية. وأما التلفظ بالعتق العام فقال في الظهيرية: لو قال كل مالي حر لا يعتق عبيده لانه يراد به الصفا والخلو عن شركة الغير، ولو قال عبيد أهل بلخ أحرار ولم ينو عبده أو قال كل عبد في الارض حر أو قال كل عبيد أهل الدنيا أحرار أو كان مكان العتق طلاق اختلف المتقدمون والمتأخرون في هذه المسألة، أما المتقدمون فقال أبو يوسف في نوادره لا يعتق، وقال محمد في نوادر ابن سماعة يعتق. وأما المتأخرون فقال عصام بن يوسف لا يعتق، وقال شداد يعتق. قال الصدر الشهيد: المختار للفتوى قول عصام. ولو قال كل عبيد في هذه الدار أحرار وعبده فيهم عتق بالاتفاق، ولو قال ولد آدم كلهم أحرار لا يعتق عبده بالاتفاق

[ 377 ]

اه‍. وأما التلفظ بأفعل التفضيل ففي الخانية والظهيرية: لو قال أنت أعتق من هذا في ملكي أو قال في السن لا يعتق في القضاء ويدين. وفي المجتبى: قال لعبده أنت أعتق من فلان أو لامرأته أنت أطلق من فلانة وهي مطلقة إن نوى عتق وطلقت، وقيل يعتق بدون النية. ولو قال أنت عتيق فلان يعتق بخلاف قوله أعتقك فلان اه‍. وفي الظهيرية: لو قال لعبده نسبك حر أو أصلك حر إن علم أنه سبي لا يعتق، وإن لم يعلم أنه سبي فهو حر، وهذا دليل على أن أهل الحرب أحرار. ولو قال أبواك حران لا يعتق لاحتمال أنهما عتقا بعدما ولد، ولو قال لعبده تصبح غدا حرا كان العتق مضافا إلى الغد. ولو قال تقوم حرا وتقعد حرا يعتق للحال، ولو قال صحيح لعبده أنت حر من ثلثي يعتق من جميع المال، ولو قال لعبده افعل ما شئت في نفسك فإن أعتق نفسه قبل أن يقوم من مجلسه عتق، ولو قام قبل أن يعتق نفسه لم يكن له أن يعتق نفسه وله أن يهب بنفسه وأن يبيع نفسه وأن يتصدق بنفسه على من يشاء. ولو قال لعبدين له يا سالم أنت حر يا مبارك فهو على الاول، ولو قال يا سالم أنت حر يا مبارك على ألف درهم كان على الاخير. وسئل أبو القاسم عمن قال لفلان علي ألف درهم وإلا فعبدي حر ثم أنكر المال يكون إنكاره للمال إقرارا بالعتق. قال: إن قال ليس علي شئ لم يكن إقرارا بالعتق. وإن قال لم يكن علي شئ كان إقرارا بالعتق اه‍. وأما العتق بالجمع فقال في الخانية: لو قال عبيدي أحرار وهم عشرة عتق عبيدة وإن كانوا مائة، وإن كان له خمسة أعبد فقال عشرة من مماليكي إلا واحدا أحرار عتقوا جميعا لان تقديره تسعة من مماليكي أحرار. ولو قال مماليكي العشرة أحرار إلا واحد عتق أربعة منهم لان ذكر العشرة على سبيل التفسير وذلك غلط منه فلغا فكان الاستثناء منصرفا إلى مماليك فعتق أربعة. وفي الظهيرية عن محمد فيمن قال مماليكي الخبازون أحرار وله خبازون وخبازات عتقوا كلهم لان جمع المذكر ينتظم الاناث بطريق الاستتباع اه‍. وفي المحيط: رجل له عبد واحد فقال أعتقت عبدا يعتق، ولو قال بعتك عبدا لا يصح لان الجهالة تمنع صحة البيع دون العتق اه‍. وأما الثالث وهو حكم الصريح فإنه لا يتوقف على النية لاستعماله فيه شرعا وعرفا. ولو قال عنيت به الخبر كذبا لا يصدق في القضاء لعدو له عن الظاهر، ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى. وفي الخانية: لو قال أردت به اللعب يعتق قضاء ودبانة، وفي البدائع: لو قال عنيت به أنه كان حرا فإن كان مولودا لا يصدق أصلا لانه كذب

[ 378 ]

محض، وإن كان مسببا لا يصدق قضاء ويصدق ديانة. ولو قال أنت حر من عمل كذا أو أنت حر اليوم من هذا العمل عتق في القضاء، ولو دعى لعبده سالم يا سالم فأجابه مرزوق فقال أنت حر ولا نية له عتق الذي أجابه. ولو قال عنيت سالما عتقا في القضاء، وأما فيما بينه وبين الله تعالى فإنما يعتق الذي عنا خاصة. ولو قال يا سالم أنت حر فإذا هو عبد آخر له أو لغيره عتق سالم لانه لا مخاطبة ههنا إلا لسالم فينصرف إليه اه‍. وفي الظهيرية والخانية: أمة قائمة بين يدي مولاها فسألها رجل أمة أنت أم حرة فأراد المولى أن يقول ما سؤالك عنها أمة أم حرة فعجل في القول فقال هي حرة أمة عتقت في القضاء اه‍. وفي الخانية: لو قال لعبده الذي حل له دمه بقصاص أعتقتك وقال عنيت به عن القتل عتق في القضاء وسقط عنه الدم بإقراره اه‍. وقد ذكر المصنف أن العضو الذي يعبر به عن الكل كالكل كما إذا قال رقبتك حر أو رأسك أو وجهك أو بدنك أو فرجك للامة كما تقدم بيانه في الطلاق بخلاف العضو الذي لا يعبر به عن الكل كاليد والرجل، وفي المجتبى: لو قال لعبده فرجك حر عتق عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعن محمد روايتان. وكذا لو قال كبدك حر يعتق، ولو قال بدنك بدن حر عتق، وكذا الفرج والرأس. وعن أبي يوسف رأسك رأس حر أنه لا يعتق، ولو قال لها فرجك حر عن الجماع تعتق قضاء اه‍. وفي الخانية: لو قال فرجك حر قال للعبد أو للامة عتق بخلاف الذكر في ظاهر الرواية، ولو قال لعبده أنت حرة أو قال لامته أنت حر يعتق في الوجهين، كذا روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف اه‍. وفي الخلاصة بخلاف ما إذا قال لرجل يا زانية يعني فلا يكون قذفا. ولم يذكر المصنف الجزء الشائع كما ذكره في الطلاق للفرق بين العتاق والطلاق فإن الطلاق لا يتجزأ اتفاقا فذكر بعضه كذكر كله، وأما العتق فيتجزأ عند الامام، فإذا قال نصفك حر وثلثك حر يعتق ذلك القدر خاصة عنده كما سيأتي، فما في غاية البيان من تسوية الطلاق والعتاق في الاضافة إلى الجزء الشائع سهو كما لا يخفى. وفي الخانية: لو قال سهم منك حر عتق السدس، ولو قال جزء منك حر أو شئ منك حر يعتق منه المولى ما شاء في قوله اه‍. ولم يذكر المصنف الالفاظ الجارية مجرى الصريح. قال في البدائع: وأما الذي هو ملحق بالصريح فهو أن يقول وهبت لك نفسك أو وهبت نفسك منك أو بعت نفسك منك ويعتق، سواء قبل أو لم يقبل، نوى أو لم ينو، لان الايجاب من الواهب والبائع إزالة الملك من الموهوب والمبيع وإنما الحاجة إلى القبول من الموهوب له والمشتري لثبوت الملك لهما، وههنا

[ 379 ]

لا يثبت الملك للعبد في نفسه لانه لا يصلح مملوكا لنفسه فبقي الهبة والبيع إزالة الملك عن الرقيق لا إلى أوحد هذا معنى الاعتاق. وقد قال أبو حنيفة: إذا قال لعبده وهبت لك نفسك وقال أردت وهبت له عتقه أي لا أعتقه لم يعتق في القضاء لانه عدول عن الظاهر ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى لانه نوى ما يحتمله كلامه اه‍. وزاد في الخانية: تصدقت بنفسك عليك. وفي هذه الالفاظ ثلاثة أقوال، فقيل إنها ملحقة بالصريح كما ذكرناه، وقيل إنها كناية لا تحتاج إلى النية وكل منهما مبني على أن الصريح يخص الوضعي، والحق القول الثالث أنها صرائح حقيقة كما قال به جماعة لانه لا يخص الوضع واختاره المحقق ابن الهمام. قوله: (وبلا ملك ولا رق ولا سبيل لي عليك إن نوى) بيان للكنايات لان نفي هذه الاشياء يحتمل بالبيع والكتابة والعتق، وانتفاء السبيل يحتمل بالعتق وبالارضاء حتى لا يكون له سبيل في اللوم والعقوبة فصار مجملا، والمجمل لا يتعين بعض وجهه إلا بالنية. وبه اندفع ما في غاية البيان من أنه ينبغي أن يقع العتق بلا نية إذا لم يكن البيع ونحوه من الاشياء المزيلة موجودا لان نفي الملك لما كان دائرا بين الاعتاق وغيره الاعتاق لم يكن موجودا في الواقع تعين الاعتاق لا محالة كما هو الحكم في التردد بين الشيئين وإلا يلزم أن يكون كلام العاقل لغوا فلا يجوز اه‍. وقوله في المختصر لي عليك متعلق بالثلاثة. قيد بقوله: لا سبيل لي عليك لانه لو قال لا سبيل لي عليك إلا سبيل الولاء عتق في القضاء ولا يصدق أنه أراد به غير العتق، ولو قال لا سبيل لي عليك إلا سبيل الموالاة دين في القضاء، كذا في البدائع. وإذا لم يقع العتق في لا ملك لي أو خرجت عن ملكي فهل له أن يدعيه؟ قال في خلاصة الفتاوى: لو قال لعبده أنت غير مملوك لا يعتق لكن ليس له أن يدعيه بعد ذلك ولا أن يستخدمه، فإن مات لا يرث بالولاء، فإن قال المملوك بعد ذلك أنا مملوك له فصدقه كان مملوكا له، وكذا لو قال له ليس هذا بعبدي لا يعتق اه‍. وظاهره أنه يكون حرا ظاهرا لا معتقا فتكون أحكامه أحكام الاحرار حتى يأتي من يدعيه ويثبت فيكون ملكا له. ومن الكنايات أيضا خليت سبيلك، لا حق لي عليك، وقوله لامته أطلقتك فتعتق بالنية. ومن الكنايات أيضا كما في البدائع أمرك بيدك اختاري، فيتوقف على النية وسيأتي تمام ذلك. واختلف في أنت لله ففي الظهيرية لا يعتق عند أبي حنيفة وإن نوى. وقال محمد: إن أراد

[ 380 ]

به العتق فهو حر، وإن أراد به الصدقة فهو صدقة، وإن أراد به أن كلنا لله تعالى لا يلزمه شئ، ولو قال لعبده في مرضه أنت لوجه الله فهو باطل، وكذا أنت عبد الله، ولو قال جعلتك لله في صحته أو في مرضه وقال لم أنوبه العتق أو لم يقل شيئا حتى مات فإنه يباع، وإن نوى العتق فهو حر اه‍. قوله: (وهذا ابني أو أبي أو أمي وهذا مولاي أو يا مولاي أو يا حر أو يا عتيق) معطوف على قوله أنت حر أي يصح بهذا ابني وما عطف عليه، وإنما أخرها مع أنها صرائح لا تتوقف على النية لما فيها من التفصيل. أما الاول وهو الالفاظ التي ثبت بها النسب فذكر المصنف منها ثلاثة: الابن والاب والام. فكل منها إما أن يكون على وجه الصفة أو على وجه النداء، فإن كان على طريق الصفة بأن قال لمملوكه هذا ابني فهو على وجهين: أما إن كان يصلح ابنا له بأن كان مثله يولد لمثله أولا، وكل منهما إما أن يكون مجهول النسب أو معروفه، فإن كان يصلح ابنا له مجهول النسب ثبت النسب والعتق بالاجماع، وإن كان معروف النسب من الغير لا يثبت النسب بلا شك ولكن يثبت العتق عندنا، وإن كان لا يصلح ابنا له لا يثبت النسب بلا شك. وهل يعتق؟ قال أبو حنيفة رضي الله عنه: يعتق سواء كان مجهول النسب أو معروفه. وقالا: لا يعتق وعلى هذا لو قال لمملوكته هذه بنتي خلافا ووفاقا لهما أنه كلام محال فيردو يلغو كقوله أعتقتك قبل أن أخلق. وله أنه محال بحقيقته لكنه صحيح لمجازه لانه إخبار عن حريته من حين ملكه، وهذا لان البنوة في المملوك سبب لحريته إما إجماعا أو صلة للقرابة، وإطلاق السبب وإرادة المسبب مستجاز في اللغة تجوزا ولان الحرمة ملازمة للبنوة في المملوك والمشابهة في وصف ملازم من طرق المجاز على ما عرف فيحمل عليه تحرزا عن الالغاء بخلاف ما استشهد به لانه لا وجه له في المجاز فتعين الالغاء. وهذا بخلاف ما إذا قال لغيره قطعت يدك خطأ فأخرجهما صحيحتين حيث لم يجعل مجازا عن الاقرار بالمال والتزامه وإن كان القطع سببا لوجوب المال لان القطع خطأ سبب لوجوب مال مخصوص وهو الارش وأنه يخالف مطلق المال في الوصف حتى وجب على العاقلة في سنتين، ولا يمكن إثباته بدون القطع وما لم يكن إثباته فالقطع ليس بسبب له. أما الحرية لا تختلف ذاتا وحكما فأمكن جعله مجازا عنه

[ 381 ]

والكلام في المسألة طويل في الاصول في بحث الحقيقة هل المجاز خلف عنها في التكلم أو في الحكم. وصرح في فتح القدير بأنه يعتق، نوى أم لم ينو إذ لا تزاحم كيلا يلغي كلام العاقل. ثم إن كان هذا دخل في الوجود عتق قضاء وديانة وإلا فقضاء ولا تصير أم ولد له اه‍. وكذا صرح في الكشف الكبير بأنه يعتق فقضاء فيما إذا كان لا يولد مثله لمثله، والمعتبر المماثلة في السن لا المشاكلة حتى لو كان المدعي أبيض ناصعا والمقول له أسود أو على القلب يثبت النسب. وقيد بالمملوك لانه لو قال لزوجته وهي معروفة النسب من الغير هذه ابنتي لم تقع الفرقة اتفاقا كما عرف في الاصول. وأما الثاني وهو قوله هذا أبي فإن كان يصلح أبا له وليس للقائل أب معروف يثبت النسب والعتق بلا خلاف، وإن كان يصلح أبا له ولكن للقائل أب معروف لا يثبت النسب ويعتق عندنا، وإن كان لا يصلح أبا له لا يثبت النسب بلا شك ولكن يعتق عند أبي حنيفة وعندهما لا يعتق. وأما الثالث فهو قوله هذه أمي والكلام فيه كالكلام في الاب. ولو قال لعبده هذه بنتي أو قال لامته هذا ابني اختلف المشايخ فيه قال بعضهم يعتق، وقال بعضهم لا يعتق، ورجحه في الهداية وفتح القدير، وفي المجتبى وهو الاظهر. ولو قال لمملوكه هذا عمي أو خالي يعتق بلا خلاف بين أصحابنا وسيأتي الكلام على هذا أخي آخر الباب. ولو قال هذا ابني من الزنا يعتق ولا يثبت النسب. وأشار المصنف إلى أنه لا يشترط تصديق العبد المقر له بالنسب وفيه اختلاف، فقيل لا يحتاج إلى تصديقه لان إقرار المالك على مملوكه يصح من غير تصديقه، وقيل يشترط تصديقه فيما سوى دعوى البنوة لان فيه حمل النسب على الغير فيكون فيه إلزام العبد الحرية فيشترط تصديقه. ولو قال لصغير هذا جدي فقيل هو على الخلاف وهو الاصح لانه وصفه بصفة من يعتق عليه بملكه، والاصل أنه إذا وصف العبد بصفة من يعتق عليه إذا ملكه فإنه يعتق عليه إلا في قوله هذا أخي وهذه أختي. وأما الرابع أعني لفظ المولى فذكر المصنف أنه لا فرق بين الخبر والنداء، أما الاول فلان اسم المولى وإن كان ينتظم الناصر ابن العم والمولاة في الدين الاعلى والاسفل في العتاقة إلا أنه تعين الاسفل مرادا فصار كاسم خاص. وهذا لانه المولى لا يستنصر بمملوكه عادة والعبد نسبه معروف فانتفى الاول والثاني والثالث نوع مجاز والكلام بحقيقته والاضافة إلى العبد تنافي كونه معتقا فتعين المولى الاسفل فالتحق بالصريح. وكذا إذا قال لامته هذه مولاتي لما بينا، ولو قال عنيت به المولى في الدين أو الكذب يصدق فيما بينه وبين الله تعالى ولا يصدق في القضاء لمخالفته الظاهر، كذا في الهداية. وصرح في التحفة

[ 382 ]

بأن لفظ المولى صريح لا يحتاج إلى النية. وذكر الولوالجي اختلاف المشايخ فمنهم من قال لا يعتق بغير النية والاصح أنه صريح من كل وجه اه‍. وتعقبهم في غاية البيان بأنا لا نسلم أن المولى صريح في إيقاع العتق، وهذا لان الصريح مكشوف المراد ولفظ المولى مشترك ومع استعماله في المعاني على سبيل البدل لا يكون مكشوف المراد فلا يكون صريحا. وقولهم إن المولى لا يستنصر بمملوكه عادة لا نسلم ذلك بل تحصل له النصرة بمماليكه وخدمه، والذي لا يحتاج إلى النصير والظهير هو الله تعالى وحده على أنا نقول: الصريح يفوق الدلالة والمتكلم يصرح وينادي بأعلى صوته أني عنيت الناصر بلفظ المولى وله دلالة على ذلك حقيقة لانه مشترك وهم يقولون دلالة الحال من كلامك تدل على أن المراد من المولى هو المعتق الاسفل ولا تعتبر إرادة الناصر ونحوه، وهذا في غاية المكابرة اه‍. وأجاب عنه في فتح القدير بأن قوله استعمل في معان فلا يكون مكشوف المراد إن أراد دائما منعناه لجواز أن ينكشف المراد من المشترك في بعض الموارد الاستعمالية لاقترانه بما ينفي غيره اقترانا ظاهرا كما هو فيما نحن فيه، ومنعه أن المولى لا يستنصر بعبده لا يلائم ما أسند به من قوله تحصل النصرة بهم لان المراد أنه إذا حزبه أمر لا يستدعي للنصرة عبده بل بني عمه وإن كان العبيد والخدم ينصرونه. وأما قوله الصريح يفوق الدلالة فكأنه أراد الكناية فطغى قلمه فنقول هذا الصريح وهو قوله أردت الناصر بلفظ المولى إنما قاله بعد قوله بما هو ملحق بالصريح في إرادة العتق فأثبت حكمه ذلك ظاهرا، وهذا الصريح بعده رجوع عنه فلا يقبله القاضي والكلام فيه ونحن نقول فيما بينه وبين الله تعالى لو أراد الناصر لم يعتق فأين المكابرة اه‍. وأما الثاني أعني في النداء فلانه لما تعين الاسفل مرادا التحق بالصريح وبالنداء به يعتق بأن قال يا حر يا عتيق فكذا النداء بهذا اللفظ. وقيد بالمولى لانه لا يعتق في السيد والمالك إلا بالنية كقوله يا سيدي أو يا سيد أو يا مالكي لانه قد يذكر على وجه التعظيم والاكرام فلا يثبت به العتق بغير نية. وفي الظهيرية وغيرها: لو قال أنت مولى فلان عتق في القضاء كقوله أنت عتيق فلان بخلاف أعتقك فلان. وعن أبي القاسم الصفار أنه سئل عن رجل جاءت جاريته بسراج فوقفت بين يديه فقال لها المولى: ما أصنع بالسراج ووجهك أضوأ من السراج يا من أنا عبدك؟ قال: هذه كلمة لطف لا تعتق بها الجارية. وفي التنقيح: لو قال لعبده أنا عبدك المختار عدم العتق اه‍. وأما الثالث وهو النداء بحر ونحوه كيا حر يا عتيق يا معتق فلانه ناداه بما هو صريح في الدلالة على العتق لكون اللفظ موضوعا له ولا يعتبر المعنى في الموضوعات فيثبت العتق من غير نية. واستثنى في الهداية ما إذا سماه حرا ثم ناداه يا حر لان مراده الاعلام باسم علمه وهو ما لقبه به، ولو ناداه بالفارسية يا أزاد وقد لقبه بالحر قالوا يعتق، وكذا عكسه لان هذا ليس بنداء باسم علمه فيعتبر إخبارا عن الوصف اه‍. وشرط في الظهيرية والخانية الاشهاد وقت

[ 383 ]

تسميته بحر. وفي المبسوط: إذا لم يكن هذا الاسم معروفا له يعتق في القضاء لانه ناداه بوصف يملك إيجابه به. وفرق في التنقيح بين تسميته بحر حيث لا يقع إذا ناداه وبين تسمية المرأة بطالق حيث يقع إذا ناداها لانه عهد التسمية بحر كالحر ابن قيس بخلاف طالق لم تعهد التسمية به. وفي أكثر الكتب لم يفرق بينهما لان العلم لا يشترط فيه أن يكون معهودا والكلام فيما إذا أشهد وقت التسمية فيهما فالظاهر عدم الفرق. وفي الظهيرية. لو بعث غلامه إلى بلد وقال له إذا استقبلك أحد فقل إني حر فذهب الغلام فاستقبله رجل فسأله فأجابه بما قال المولى، فإن قال له سميتك حرا فقل إني حر لم يعتق أصلا، وإن لم يقل له المولى ذلك يعتق قضاء لا ديانة اه‍. وفي المجتبى: بعث غلامة إلى بلد فقال له إذا استقبلك أحد فقل إني حر ففعل عتق أو بعثه مع جماعة فقال لهم من سأل عنه عاشر أو غيره فقولوا له إنه حر ففعلوا عتق ولا يعتق قبله قضاء وإلا ديانة، ولو كان المولى قال لهم سميته حرا فقولوا له إنه حر فقالوا لا يعتق اه‍. وبه علم أنه إذا سماه حرا لا يعتق بالاخبار أيضا فلا فرق بين أن يقولوا له يا حر أو هذا حر. قوله: (لا بيا ابني ويا أخي ولا سلطان لي عليك وألفاظ الطلاق وأنت مثل الحر) أي لا يقع العتق بهذه الالفاظ، أما في النداء بيا ابني ويا أخي لان النداء إعلام المنادي إلا أنه إذا كان بوصف يمكن إثباته من جهته كان لتحقيق ذلك الوصف في المنادى استحضارا له بالوصف المخصوص كما في قوله يا حر على ما بيناه، وإن كان النداء بوصف لا يمكن إثباته من جهته كان للاعلام المجرد دون تحقيق الوصف لتعذره، والبنوة لا يمكن إثباتها حالة النداء من جهته لانه لو انخلق من ماء غيره لا يكون ابنا له بهذا النداء فكان لمجرد الاعلام. ويروى عن أبي حنيفة شاذا أنه يعتق فيهما والاعتماد على الظاهر، كذا في الهداية. ولا خصوصية للابن والاخ بل كذلك لو قال يا أبي يا جدي يا خالي يا عمي أو لجاريته يا عمتي يا خالتي يا أختي كما في غاية البيان. وفيهما عن تحفة الفقهاء أنه لا يعتق في هذه الالفاظ إلا بالنية فحينئذ لا ينبغي الجمع بين هذه المسائل في حكم واحد لان في مسألة النداء يتوقف على النية، وفي لا سلطان وفي ألفاظ الطلاق لا يقع وإن نوى كما سنبينه. وأشار المصنف إلى أنه لو قال يا ابن بغير إضافة لا يعتق بالاولى لان الامر كما أخبر فإنه ابن أبيه، وكذا إذا قال يا بني أو يا بنية لانه تصغير الابن والبنت من غير إضافة والامر كما أخبر، كذا في الهداية. وقد ذكر المصنف من الذي يثبت النسب على وجه الخبر ثلاثة: الابن والاب والام. ولم يذكر الاخ ونحوه فلو قال هذا أخي لا يعتق. وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يعتق. وجه ظاهر الرواية أن الاخوة اسم مشترك يراد بها الاخوة في الدين قال الله تعالى: * (إنما المؤمنون إخوة) * [ الحجرات: 01 ] وقد يراد بها الاتحاد في القبيلة قال الله تعالى: * (وإلى عاد أخاهم هودا) * [ الاعراف: 56 ] وقد يراد بها الاخوة في النسب والمشترك لا يكون حجة. فإن قيل:

[ 384 ]

الابوة والبنوة قد تكون بالرضاع فلم أثبتم العتق بهذين اللفظين عند الاطلاق؟ قيل له: البنوة عن الرضاع مجاز والمجاز لا يعارض الحقيقة بخلاف الاخوة فإنها مشتركة في الاستعمال. ولو قال لامته هذه عمتي أو هذه خالتي أو قال لغلامه هذا خالي أو عمي فإنه يعتق، كذا في الظهيرية، وفرق بينهما في البدائع بأن الاخوة تحتمل الاكرام والنسب بخلاف العم لانه لا يستعمل للاكرام عادة. وهذا كله إذا اقتصر على هذا أخي من أبي أو من أمي أو من النسب فإنه يعتق كما في فتح القدير وغيره، ولا يخفى أنه إذا اقتصر يكون من الكنايات فيعتق بالنية، وأما عدم العتق بقوله لا سلطان لي عليك ولو نوى به العتق كما في الهداية لان السلطان عبارة عن السيد وسمي السلطان به لقيام يده، وقد يبقى الملك دون اليد كما في المكاتب بخلاف قوله لا سبيل لي عليك لان نفيه مطلقا بانتفاء الملك لان للمولى على المكاتب سبيلا فلهذا يحتمل العتق اه‍. وفي فتح القدير: واعلم أن بعض المشايخ مال إلى أنه يعتق بالنية في لا سلطان لي عليك وبه قالت الائمة الثلاثة. وقال بعض المشايخ: إنه ليس ببعيد. وعن الكرخي فني عمري ولم يتضح لي الفرق بين نفي السلطان والسبيل ومثل هذا الامام لا يقع له مثل هذا إلا والمحل مشكل وهو به جدير، أما أولا فلان اليد المفسر بها السلطان ليس المراد بها المجارحة المحسوسة بل القدرة، فإذا قيل له سلطان أي يد يعني الاستيلاء وقد صرح في الكافي بأن السلطان يراد به الاستيلاء وإذا كان كذلك كان نفيه نفي الاستيلاء حقيقة أو مجازا فصح أن يراد منه ما يراد بنفي السبيل بل أولى بأدنى تأمل. وأما ثانيا فلان المانع الذي عينه من أن يراد به العتق وهو لزوم أن يثبت باللفظ أكثر مما وضع له غير مانع إذ غاية الامر أن يكون المعنى المجازي أوسع من الحقيقي فلا بدع في ذلك بل هو ثابت في المجازات العامة، فإن المعنى الحقيقي فيها يصير فردا من المعنى المجازي كذا هذا يصير زوال اليد من إفراد المعنى المجازي أعني العتق أو زوال الملك، والذي يقتضيه النظر كون نفي السلطان من الكنايات اه‍. وأما عدم الوقوع بألفاظ الطلاق ولو نوى العتق فهذا مذهبنا إلا رواية عن أبي يوسف أنه يقع بقوله لامته طلقتك ناويا العتق كما في المجتبى. وجه المذهب أنه نوى ما لا يحتمله لفظه لان الاعتاق لغة إثبات القوة والطلاق رفع القيد، وهذا لان العبد ألحق بالجمادات وبالاعتاق يحيى فيقدر ولا كذلك المنكوحة فإنها قادرة إلا أن قيد النكاح مانع وبالطلاق يرتفع المانع فتظهر القوة، ولا خفاء أن الاول أقوى ولان ملك اليمين فوق ملك النكاح فكان إسقاطه أقوى، واللفظ يصلح مجازا

[ 385 ]

عما هو دون حقيقته لا عن ما هو فوقه فلهذا امتنع في المتنازع فيه وانساغ في عكسه، كذا في الهداية. وحاصله أن يستعار ألفاظ العتق للطلاق دون عكسه بناء على ما في الاصول من جواز استعارة السبب للمسبب دون عكسه إلا أن يختص المسبب بالسبب فكالمعلول فيصح استعارة كل منهما للآخر. أطلقه فشمل صريح الطلاق وكناياته فلا يقع بها العتق أصلا فلو قال لامته فرجك علي حرام أو أنت علي حرام فإنها لا تعتق وإن نواه لان اللفظ غير صالح له فهو كما لو قال لها قومي واقعدي ناويا للعتق لان اللفظ لما لم يصلح له لغا فبقي مجرد النية وهي لا يقع بها شئ وسيأتي في الايمان أنه إن وطئها لزمه كفارة اليمين فليحفظ هذا. ويستثنى من كنايات الطلاق أمرك بيدك أو اختاري فإنه يقع العتق به بالنية لانه لما احتمل العتق وغيره كان كناية فهو من كنايات العتق والطلاق ولا بدع فيه كما في البدائع، وقد يقال إنهما من كنايات تفويض الطلاق فلا استثناء كما لا يخفى. وفي المحيط: لو قال لامته أمرك بيدك وأراد العتق فأعتقت نفسها في المجلس عتقت وإلا فلا لانه ملكها إيقاع العتق والاعتاق إسقاط الملك كالطلاق فيقتصر حكمه على المجلس كما في الطلاق، ولو قال لها أعتقي نفسك فقالت اخترت كان باطلا كما في الطلاق اه‍. وفي البدائع: ولو قال لها أمر عتقك بيدك أو جعلت عتقك في يدك أو قال له اختر العتق أو خيرتك في عتقك أو في العتق لا يحتاج فيه للنية لانه صريح لكن لا بد من اختيار العبد العتق ويتوقف على المجلس لانه تمليك اه‍. وقيد بألفاظ الطلاق لانه لو قال لامته أطلقتك أو قال لعبده ذلك يقع العتق إذا نوى كما في فتح القدير لانه كقوله خليت سبيلك بخلاف طلقتك كما قدمناه، وكذا إذا قال له اذهب حيث شئت توجه أينما شئت من بلاد الله لا يدلي عليك لا يقع وإن نوى كما في المجتبى مع أن أطلقتك من كنايات الطلاق يقع به بالنية فكيف وقع به العتق؟ والجواب أنه كناية فيهما والممنوع استعارة ما كان من ألفاظ الطلاق خاصة صريحا أو كناية. وأما عدم العتق في قوله أنت مثل الحر فلانه أثبت المماثلة بينهما وهي قد تكون خاصة. وقد تكون خاصة فلا يقع بلا نية للشك، كذا في التبيين وهو يفيد أنه من الكنايات يقع به العتق بالنية، وقد صرح به في غاية البيان معزيا إلى التحفة حيث قال: وقد قالوا إذا نوى يعتق فإنه ذكر في كنايات الطلاق إذا قال لامرأته أنت مثل امرأة فلان وفلان قد آلى من امرأته ونوى الايلاء يصدق ويصير موليا. وإنما لم يقع بدون النية لان المثل للتشبيه التشبيه بين الشيئين لا يقتضي اشتراكهما من

[ 386 ]

جميع الوجوه فلذلك لم يعتق لا في القضاء ولا فيما بينه وبين الله تعالى. ومعنى المثل في اللغة النظير، كذا في الجمهرة اه‍. وفي المحيط: لو قال ما أنت إلا مثل الحر لا يعتق، ولو قال لحرة أنت حرة مثل هذه يعني أمته فأمته حرة، ولو قال أنت حرة مثل هذه الامة لم تعتق أمته اه‍. وفي الظهيرية: أخذ قميصا خاطه غلامه وقال هذه خياطة حر لا يعتق العبد لانه يراد به التشبيه اه‍. فقد علمت أن بعض هذه المسائل يعتق فيها بالنية وبعضها لا فلا ينبغي إدخالها في سلك واحد. وفي الخانية: لو قال لعبده أنت حر يعني في النفس لم يدين في القضاء، ولو قال أنت عتيق وقال عنيت به في الملك لا يدين في القضاء، ولو قال أنت عتيق في السن لا يعتق، ولو قال أنت حر النفس يعني في الاخلاق عتق في القضاء اه‍. وفي المحيط وغيره: لو قال لعبده بدنك بدن حر ورأسك رأس حر لم يعتق لانه تشبيه وليس بتحقيق لانه لو أراد التحقيق لقال بدنك حر، ولو نون فقال رأسك رأس حر أو بدنك بدن حر أو وجهك وجه حر عتق لان هذا وصف له بالحرية وليس بتشبيه فصار كأنه قال رأسك حر. قوله: (وعتق بما أنت الاحر) لان الاستثناء من النفي إثبات على وجه التأكيد كما في كلمة الشهادة: كذا في الهداية. وفي فتح القدير: هذا هو الحق المفهوم من تركيب الاستثناء لغة وهو بخلاف قول المشايخ في الاصول وقد بيناه في الاصول، وأنه لا ينافي قولهم الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا، وأما كونه إثباتا مؤكدا فلو روده بعد النفي بخلاف الاثبات المجرد اه‍. قوله: (وبملك قريب محرم ولو كان المالك صبيا أو مجنونا) معطوفا على قوله أول الباب بأنت حر أي يصح العتق بملك قريب محرم للحديث من ملك ذا رحم محرم منه فهو حر أو عتق عليه واللفظ بعمومه ينتظم كل قرابة مؤبدة بالمحرمية ولادا أو غيره، ولانه ملك قريبه قرابة مؤثرة في المحرمية فيعتق عليه وهذا هو المؤثر في قرابة الولاد. وذكر فخر الاسلام البزدوي في بحث العلل أن العلة في عتق القريب بالملك شيئان: القرابة والملك. لكن العتق يضاف إلى آخرهما فإن تأخر الملك أضيف إليه العتق كما إذا ملك قريبه، وإن تأخرت القرابة وتقدم الملك أضيف العتق إلى القرابة كما إذا كان بين اثنين عبد ثم ادعى أحدهما إنه ابنه غرم لشريكه وأضيف العتق إلى القرابة اه‍. قيد بالقريب لانه لو ملك محرما بلا رحم كزوجة أبيه أو ابنه لا يعتق لانه ليس بينهما قرابة موجبة للصلة محرمة للقطيعة فلا يستحق العتق. وقيد بالمحرم احترازا عن الرحم بلا محرم كبني الاعمام والاخوال والخالات إذا ملكه لم يعتق، وخص عن النص المحرم للقطيعة بالاجماع لما أنهم كثير لا يحصون فلو عتقوا ربما حرجوا الملاك فيه لتعذر معرفتهم بالكلية، لو خصت القرابة المحرمية عن النص أيضا لادى إلى تعطيله وذلك لا يجوز، وكذا لو ملك ذا رحم محرم من الرضاع فلا بد أن تكون المحرمية من جهة

[ 387 ]

القرابة وذو الرحم المحرم شخصان يدليان إلى أصل واحد ليس بينهما واسطة كالاخوين أو أحدهما بواسطة والآخر بغير واسطة كابن الاخ مع العم في النسبة إلى الجد، كذا في المحيط، وأطلق في المالك فشمل المسلم والكافر لانهما يستويان في الملك وفيما يلزمهم من الصلة وحرمة القطيعة. ويشترط أن يكون في دار الاسلام لانه لا حكم لنا في دار الحرب فلو ملك قريبه في دار الحرب أو أعتق المسلم عبده في دار الحرب لا يعتق خلافا لابي يوسف، وعلى هذا الخلاف إذا أعتق الحربي عبده في دار الحرب وذكر الخلاف في الايضاح. وفي الكافي للحاكم: عتق الحربي في دار الحرب قريبه باطل ولم يذكر خلافا، أما إذا أعتقه وخلاه ففي المختلف قال يعتق عند أبي يوسف وولاؤه له. وقالا: لا ولاء له لان عتقه بالتخلية لا بالاعتاق ثم قال: المسلم إذا دخل دار الحرب فاشترى عبدا حربيا فأعتقه ثمة فالقياس أنه لا يعتق بدون التخلية، وفي الاستحسان يعتق بدونها ولا ولاء له عندهما قياسا، وله الولاء عند أبي يوسف استحسانا. وفي المحيط: وإن كان عبده مسلما أو ذميا عتق بالاجماع لانه ليس بمحل للاسترقاق بالاستيلاء اه‍. والصبي جعل أهلا لهذا العتق وكذا المجنون حتى عتق القريب عليهما عند الملك لانه تعلق به حق العبد فشابه النفقة. وفي البدائع: ولو اشترى أمة وهي حبلى من أبيه والامة لغير أبيه جاز الشراء وعتق ما في بطنها ولا تعتق الامة ولا يجوز بيعها قبل أن تضع، وله أن يبيعها إذا وضعت، وإنما عتق الحمل لانه أخوه وقد ملكه فيعتق عليه اه‍. فأفاد أن الحمل داخل تحت قولهم وبملك قريب بناء على أنه مملوك قبل الوضع مع أنهم قالوا: الحمل لا يدخل تحت اسم المملوك حتى لو قال كل مملوك لي حر لا يعتق الحمل فيحتاج إلى الجواب. وأطلق المصنف في الملك فشمل ما إذا باشر سببه بنفسه أو بنائبه فدخل ما إذا اشترى العبد المأذون ذا رحم محرم من مولاه ولا دين عليه فإنه يعتق بخلاف المديون لا يعتق ما اشتراه عنده خلافا لهما. وخرج المكاتب إذا اشترى ابن مولاه فإنه لا يعتق في قولهم جميعا كما في الظهيرية، وشمل الكل والبعض فإذا ملك بعض قريبه عتق عليه بقدره كما سيأتي. قوله: (وبتحرير لوجه الله وللشيطان وللصنم) أي يصح العتق بتحرير هو عبادة أو معصية لان الاعتاق هو الركن المؤثر في إزالة الرق وصفة القربة لا تأثير لها في ذلك، ألا ترى أن العتق والكتابة بالمال مشروعان وإن عريا عن صفة القربة فلا ينعدم بعدمها أصل العتق، ولا يخفى أن الاعتاق للصنم إنما هو صادر من كافر، وأما إذا صدر من مسلم فينبغي

[ 388 ]

أن يكفر به إذا قصد تعظيمه، وقدمنا أن أنواعه أربعة: فرض ومندوب ومباح ومعصية. وفي المحيط أن الاعتاق قد يقع مباحا لا قربة بأن أعتق من غير نية أو أعتق لوجه فلان، وقد يقع معصية بأن أعتقه لوجه الشيطان اه‍. ففرق بين الاعتاق لآدمي وبين الاعتاق للشيطان وعلل حرمة الاعتاق للشيطان بأنه قصد تعظيمه، وكذا العتق بلا نية مباح كما في التبيين. وذكر في فتح القدير أن من الاعتاق المحرم إذا غلب على ظنه أنه إن أعتقه يذهب إلى دار الحرب أو يرتد أو يخاف منه السرقة وقطع الطريق وينفذ عتقه مع تحريمه خلافا للظاهرية. هذا وفي عتق العبد الذمي ما لم يخف ما ذكرنا أجر لتمكينه من النظر في الآيات والاشتغال بما يزيل الشبهة عنه، وأما ما عن مالك أنه إذا كان أغلى ثمنا من العبد المسلم يكون عتقه أفضل من عتق المسلم لقوله عليه السلام أفضلها أغلاها - بالمهملة والمعجمة - فبعيد عن الصواب ويجب تقييده بالاعلى من المسلمين لانه تمكين المسلم من مقاصده وتفريغه. وأما ما يقال في عتق الكافر مما ذكرنا فهو احتمال يقابله ظاهر، فإن الظاهر رسوخ الاعتقادات والفها فلا يرجع عنه، وكذا نشاهد الاحرار بالاصالة منهم لا يزدادون إلا ارتباط بقاء يدهم فضلا عمن عرضت حريته. نعم الوجه الظاهر في استحباب عتقه تحصيل الجزية منه للمسلمين، وأما تفريغه للتأمل فيسلم فهو احتمال والله سبحانه وتعالى أعلم اه‍. وأراد بوجه الله رضاه مجازا والوجه في اللغة يجئ على معان، يقال وجه الانسان وغيره وهو معروف، ووجه النهار أوله، ووجه الكلام السبيل التي تقصدها به، ووجوه القوم ساداتهم، وصرفت الشئ على وجهه أي على سننه. والشيطان واحد شياطين الانسان والجن بمعنى مردتهم، والنون أصليه إن كان من شطن أي بعد عن الخير، وزائدة إن كان من شاط يشيط أي هلك. وأما الصنم فهو صورة الانسان من خشب أو ذهب أو فضة فإن كان من حجر فهو وثن، كذا في غاية البيان. قوله: (وبكره وسكر) أي يصح العتق مع الاكراه والسكر لصدور الركن من الاهل في المحل. والاكراه حمل الغير على ما لا يرضاه. وأطلقه فشمل الملجئ وهو ما يفوت النفس أو العضو وغير الملجئ، وأما السكر فأطلقه أيضا وهو مقيد بما كان من محرم أو

[ 389 ]

مثلث بقصد السكر، وأما ما كان طريقه مباحا كسكر المضطر إلى شرب الخمر والحاصل من الادوية والاغذية المتخذة من غير العنب والمثلث لا بقصد السكر بل بقصد الاستمراء والتقوي ونقيع الزبيب بلا طبخ فإنه كالاغماء لا يصح معه تصرف ولا طلاق ولا عتاق، كذا في التحرير، وقدمناه في الطلاق.. قوله: (وإن أضافه إلى ملك أو شرط صح) أي إن أضاف العتق إلى ملك بأن قال إن ملكتك فأنت حر أو إلى شرط كقوله لعبده إن دخلت الدار فأنت حر فإنه يصح ويقع العتق إذا وجد الشرط، أما الاضافة إلى الملك ففيه خلاف الشافعي وقد بيناه في كتاب الطلاق. وأما التعليق بالشرط فلانه إسقاط فيجري فيه التعليق بخلاف التمليكات على ما عرف والاضافة إلى سبب الملك لاضافة إلى الملك كإن اشتريتك فأنت حر بخلاف إن مات مورثي فأنت حر لا يصح لان الموت لم يوضع سببا للملك فالاضافة إلى وقت كالتعليق بالشرط من حيث إن الحكم لا يوجد فيهما إلا بعد وجود الشرط والوقت والمحل قبل ذلك على حكم ملك المالك في جميع الاحكام إلا في التعليق بشرط الموت المطلق وهو التدبير وكذا الاسيتلاد، كذا في البدائع. والتعليق بأمر كائن تنجيز قال في الظهيرية: لو قال لعبده إن ملكتك فأنت حر عتق للحال بخلاف قوله لمكاتبه إن أنت عبدي فأنت حر لا يعتق. قال الفقيه أبو الليث: وبه نأخذ لان في الاضافة قصورا اه‍. وفيها أيضا: رجل قال لعبد رجل إن وهبك مولاك لي فأنت حر فوهبه له والعبد في يد الواهب لا يعتق قبل أو لم يقبل، وكذا لو كان العبد في يد الموهوب له وقد ابتدأ الواهب بالهبة قبل الموهوب له أو لم يقبل، وإن ابتدأ الموهوب له فقال هب لي هذا العبد والعبد في يد الموهوب له فقال صاحب العبد وهبت لك عتق اه‍. ومن مسائل التعليق اللطيفة ما في الظهيرية: رجل قال لامته إذا مات والدي فأنت حرة ثم باعها من والده ثم تزوجها ثم قال لها إن مات والدي فأنت طالق ثنتين فمات الوالد كان محمد رحمه الله تعالى يقول أولا تعتق ولا تطلق ثم رجع وقال: لا يقع طلاق ولا عتاق والمسألة على الاستقصاء في المبسوط اه‍. قوله: (ولو حرر حاملا عتقا) أي الام والحمل تبعا لها إذ هو متصل بها فهو كسائر أجزائها ولو استثناه لا يصح كاستثناء جزء منها. وقال أبو يوسف: إذا خرج أكثر الولد فأعتق الام لا يعتق الولد لانه كالمنفصل في حق الاحكام ألا ترى أنه تنقصني به العدة ولو مات في هذه الحالة يرث بخلاف ما إذا مات قبل خروج الاكثر، هكذا ذكره الشارحون. وظاهره أن نسبة هذا التفصيل لابي يوسف لكونه نقل عنه وحده لا لان الصاحبين يخالفانه فإنه موافق للقاعدة. وفي الخانية: رجل أعتق جارية إنسان

[ 390 ]

فأجاز المولى إعتاقه بعد ما ولدت يعتق الولد اه‍. وأطلق المصنف في عتق الحمل فشمل ما إذا ولدته بعد عتقها لستة أشهر أو أقل أو أكثر لكن إن ولدته لاقل من ستة أشهر بعد عتقها فإنه يعتق مقصودا لا بطريق التبعية حتى لا ينجر ولاؤه إلى مولى الاب، وإن ولدته لستة أشهر فأكثر فإنه يعتق بطريق التبعية فحينئذ ينجر الولاء إلى مولى الاب كما في شرح الوقاية. وعلى هذا فينبغي أن يحمل قوله هنا على ما إذا ولدته لاقل من ستة أشهر ليكون عتقه بطريق الاصالة لئلا يلزم التكرار، ولانه سيذكر أن الولد يتبع الام في الحرية والتبعية إنما تكون إذا ولدته لستة أشهر فأكثر فيحمل عليه اللهم إلا أن يريد بالحرية الحرية الاصلية فلا إشكال ولا تكرار. قوله: (وإن حرره عتق فقط) أي إن حرر الحمل وحده عتق هو دون أمه لانه لا وجه إلى إعتاقها مقصود العدم الاضافة إليها ولا إليه تبعا لما فيه من قلب الموضوع. ثم إعتاق الحمل صحيح ولا يصح بيعه ولا هبته لان التسليم نفسه شرط في الهبة والقدرة عليه في البيع ولم يوجد بالاضافة إلى الجنين وشئ من ذلك ليس شرطا في الاعتاق فافترقا. وأفاد بقوله حرره أنه كان موجودا وقت التحرير ولن يتحقق وجوده إلا إذا ولدته لاقل من ستة أشهر، وإن ولدته لستة أشهر فأكثر فإنه لا يعتق، ولا يكون قوله ما في بطنك حر إقرارا بوجوده لعدم التيقن بوجوده وقته لجواز حدوثه إلا في مسألتين: إحدهما ما إذا كانت الامة معتدة عن طلاق أو وفاة فتلده لاقل من سنتين من وقت الفراق، وإن كان لاكثر من ستة أشهر من وقت الاعتاق فحينئذ يعتق لانه كان موجودا حين أعتقه بدليل ثبوت نسبه. ثانيهما إذا كان حملها توأمين فجاءت بأولهما لاقل من ستة أشهر ثم جاءت بالثاني لستة أشهر أو أكثر فإنه يعتق لانه كان محكوما بوجوده حين أعتقه حتى ثبت نسبه. وتفرع على التفصيل السابق مسألتان: إحداهما لو قال المولى ما في بطنك حر ثم قال إن حملت فسالم حر فولدت بعده لستة أشهر فالقول له إن أقر أنها كانت حاملا يومئذ عتق الولد، وإن أقر أنه حمل مستقبل عتق سالم لانا تيقنا بعتق أحدهما وشككنا في الآخر لانه لا يخلوا إما أن يكون العلوق والحمل كان موجودا وقت الاعتاق أو كان حادثا بعده فرجع في البيان إليه. وإن جاءت به لاكثر من سنتين يعتق سالم دون الولد لانا تيقنا أنه لم يكن موجودا وقت الاعتاق، وإن جاءت به لاقل

[ 391 ]

من ستة أشهر يعتق الولد دون سالم لانا تيقنا أنه كان موجودا وقت الاعتاق. ثانيهما لو قال ما في بطنك أحر ثم ضرب بطنها فألقت جنينا ميتا إن ضربها بعد العتق لاقل من ستة أشهر تجب دية الجنين الحر لابيه إن كان له أب حر، وإن لم يكن يكون لعصبة المولى لان المولى قاتل فلا يستحق الميراث، وإن ضرب لستة أشهر لا شئ عليه لانه لم يعتق، كذا في المحيط. وينبغي أن يقال: إن ولدته لاقل من ستة أشهر بعد العتق أو لستة أشهر ولا يذكر الضرب إذ لا دخل له. وفي البدائع: وكذا إذا قال إذا ولدت ما في بطنك فهو حر لا يعتق حتى تلده لاقل من ستة أشهر من يوم حلف للتيقن بوجوده قبل الحلف إلا أن ههنا يعتق من حين حلف، وفي إذا ولدت ما في بطنك من يوم تلد لاشتراطه الولادة اه‍. وأطلق المصنف في عتق الحمل فشمل ما إذا أعتقه على مال، فإنه يصح ولا يجب المال إذ لا وجه إلى إلزام المال على الجنين لعدم الولاية عليه، ولا إلى إلزامه الام لانه في حق العتق نفس على حدة واشتراط بدل العتق على غير المعتق لا يجوز على ما مر في الخلع، كذا في الهداية لكن لو أعتقه على مال على أمه لا بد من قبولها لعتقه وإن لم يلزمها شئ لما في المحيط: ولو قال أعتقت ما في بطنك على ألف عليك فقبلت فجاءت بولد لاقل من ستة أشهر يعتق بلا شئ لان العتق معلق بقبول الامة الالف وقد قبلت الالف فعتق الولد وبطل المال اه‍. وفي الظهيرية: لو قال لامته ما في بطنك حرمتي أدى إلي ألفا أو إذا أدى إلي ألفا فوضعت لاقل من ستة أشهر فهو حرمتي أدى إليه ألف درهم. وأطلق في تحرير الحمل فشمل ما إذا قال حملك حر أو ما في بطنك حر أو قال العلقة أو المضغة التي في بطنك حر فإنه يعتق ما في بطنها، كذا في الخانية. ولو قال أكبر ولد في بطنك فهو حر فولدت ولدين في بطن فأولهما خروجا أكبرهما وهو حر، كذا في المحيط. وكذا لو قال إن حملت بولد فهو حر وليس منه إن ولدت ولدا فهو حر لانه لا يعتق إلا بعد الولادة حتى لو باع الام أو مات المولى قبل الولادة بطلت اليمين كما في البدائع. ولم يشترط المصنف ولادته حيا بعد عتقه وظاهر ما في المحيط أنه شرط قال: ولو أعتق أحد شريكي الامة ما في بطنها فولدت توأما ميتا لا ضمان عليه لان الاتلاف لم يثبت يقينا لاحتمال أن الجنين لم يكن حيا ولم تنفخ فيه الروح أصلا فلا يجب الضمان بالشك. ولو ولدت توأما حيا يضمن لان الظاهر أن الحياة كانت موجودة فيه وقت الاعتاق، ولو أعتق أحد الشريكين الجنين فضرب أجنبي بطنها وألقت ميتا فعلى الضارب نصف عشر قيمته إن كان غلاما، وعشر قيمتها إن كانت جارية عند أبي حنيفة لان معتق البعض كالمكاتب

[ 392 ]

عنده فالضرب صادفه وهو رقيق فيجب فيه ما يجب في جنين الامة. وعندهما يجب فيه ما في جنين الحرة ويضمن المعتق نصفه لشريكه لان الشرع لما أوجب ضمانه على الضارب فقد حكم بكونه حيا قبل الضرب فيكون المعتق بالاعتاق متلفا نصيب شريكه فيضمن نصف قيمته، ويرجع بذلك فيما أدى الضارب لان المعتق ملك نصيب صاحبه بالضمان فإن الجنين مما يقبل النقل من ملك إلى ملك فإنه يملك بالوصية فصار نصيب صاحبه مكاتبا له، فهذا مكاتب مات عن وفاء فيقضى منه سعايته وما بقي فميراث لورثته أو لمعتقه لانه مات حرا اه‍. وأشار المصنف إلى أن تدبير الحمل وحده صحيح بالاولى قالوا: ولا يجوز بيع الام إذا أعتق ما في بطنها ويجوز هبتها. والفرق أن استثناء ما في بطنها عند بيعها لا يجوز قصدا فكذا حكما بخلاف الهبة لكن لا يحكم ببطلان البيع إلا بعد الولادة لاقل من ستة أشهر، وفي المبسوط: وبعد ما دبر ما في البطن لو وهب الام لا يجوز وهو الاصح. والفرق أن بالتدبير لا يزول ملكه عما في البطن فإذا وهب الام بعد التدبير فالموهوب متصل بما ليس بموهوب فيكون في معنى هبة المشاع فيما يحتمل القسمة، وأما بعد العتق ما في البطن غير مملوك اه‍. وفي المحيط: لو قال لامته أنت حرة أو ما في بطنك عتقت إذا لم تكن حاملا لان التخيير لم يصح، ولو قال لامته الحامل أنت حرة وأما في بطنك حر فضرب إنسان بطنها فألقت جنينا ميتا قد استبان خلقه قال يخير المولى، فإن أوقع العتق على الام عتق الجنين بعتقها وعلى الضارب غرة للمولى، وإن مات المولى قبل البيان فضرب إنسان بطنها فألقت جنينا ميتا قد استبان خلقه قال في الجنين غرة حر ويعتق نصف الامة وتسعى في نصف قيمتها ولا سعاية على الجنين اه‍. وفي الظهيرية: رجل أوصى بما في بطن جاريته لانسان فمات الموصي فأعتق الورثة ما في بطن الجارية جاز إعتاقهم ويضمنون قيمة الولد يوم الولادة. قوله: (والولد يتبع الام في الملك والحرية والرق والتدبير والاستيلاد والكتابة) لاجماع الامة ولان ماءه يكون مستهلكا بمائها فيرجح جانبها، ولانه متيقن به من جهتها ولهذا يثبت

[ 393 ]

نسب ولد الزنا وولد الملاعنة منها حتى ترثه ويرثها لانه قبل الانفصال هو كعضو من أعضائها حسا وحكما حتى يتغذى بغذائها، ويدخل في البيع والعتق وغيرهما من التصرفات تبعا لها فكان جانبها أرجح. وكذا يعتبر جانب الام في البهائم أيضا حتى إذا تولد بين الوحشي والاهلي أو بين المأكول وغير المأكول يؤكل إذا كانت أمه مأكولة، وتجوز الاضحية به إذا كانت أمه يجوز التضحية بها. وفي الظهيرية: لو قال القائل هل يصير الولد حرا من زوجين رقيقين من غير إعتاق ولا وصية؟ قيل: نعم وصورته إذا كان للحر ولد هو عبد لاجنبي فزوج الاب جاريته من ولده برضا مولاه فولدت الجارية ولدا فهو حر لانه ولد ولد المولى. ولو عبر المصنف بالحمل أو بالجنين بدل الولد لكان أولى لانه لا يتبع الام في أوصافها إلا الحمل، وأما الولد بعد الوضع فلا يتبعها في شئ مما ذكر حتى لو أعتق الام بعد الولادة لا يعتق الولد، وقد علمت مما قدمناه أن المراد بالحرية هنا الحرية الاصلية، وأما الطارئة فقد أفادها أولا بقوله ولو أعتق حاملا عتقا. وفي البدائع: لو اختلف المولى والمدبرة في ولدها فقال المولى ولدتيه قبل التدبير فهو رقيق وقالت هي ولدته بعده فهو مدبر فالقول قول المولى مع يمينه على علمه، والبينة بينة المدبرة. ولو كان مكان التدبير عتق فقال المولى للمعتقة ولدتيه قبل العتق وهو رقيق وقالت ولدته بعد العتق وهو حر يحكم فيه الحال إن كان الولد في يدها فالقول قولها، وإن كان في يد المولى فالقول قوله لان الظاهر يشهد لمن هو في يده بخلاف المدبرة فإنها في يد المولى فكذا ولدها اه‍. وفي الخانية من الدعوى في مسألة إعتاقها: لو كان الولد في أيديهما فكذلك يكون القول قولها لانها تدعي الولادة في أقرب الاوقات وفيه حرية الولد، ولو أقاما البينة فبينتها أولى لان بينة المولى قامت على نفي العتق وبينتها قامت على إثبات الحرية، وكذلك في الكتابة، وأما في التدبير فالقول قول المولى لانهما تصادقا على رق الولد. وذكر في المنتقى عن محمد: إن كان الولد يعبر عن نفسه يرجع إليه ويكون القول للولد وإلا فالقول لمن هو في يده منهما اه‍. وقد أشار المصنف بعطف الرق على الملك إلى المغايرة بينهما وهو كذلك فإن الملك هو القدرة على التصرف ابتداء فخرج الولي والوصي والوكيل، وأما الرق فعجز حكمي عن الولاية والشهادة والقضاء ومالكية المال كائن عن جعله شرعا عرضة للتملك والابتذال. واختلفوا هل هو حق الله تعالى أو حق العامة؟ فقيل بالاول لان الكفار لما استنكفوا عن

[ 394 ]

عبادته جعلهم الله أرقاء لعباده فكان سبب رقهم كفرهم أو كفر أصولهم، وقيل بالثاني لكونه وسيلة إلى نفعهم وإقامة مصالحهم ودفع الشر عنهم قالوا: أول ما يؤخذ المأسور يوصف بالرق ولا يوصف بالملك إلا بعد الاخراج إلى دار الاسلام والملك يوجد في الجماد والحيوان غير الآدمي دون الرق، وبالبيع يزول ملكه دون الرق. وبالعتق يزول ملكه قصدا لانه حقه ويزول الرق ضمنا ضرورة فراغه عن حقوق العباد، ويتبين لك الفرق بينهما في القن وأم الولد والمكاتب فإن الملك والرق كاملان في القن ورق أم الولد والمدبر ناقص حتى لا يجوز عتقها عن الكفارة والملك فيها كامل حتى جاز وطئ أم الولد والمدبرة، والمكاتب رقه كامل حتى جاز عتقه عن الكفارة، وملكه ناقص حتى خرج من يد المولى، ولا يدخل تحت قوله كل مملوك أملكه فهو حر فحاصله أن جواز البيع يعتمد كمالهما، وحل الوطئ يعتمد كمال الملك فقط، وجواز العتق عن الكفارة يعتمد كمال الرق فقط. وقيد بالتبعية فيما ذكر للاحتراز عن النسب فإنه للاب لان النسب للتعريف وحال الرجال مكشوفة دون النساء حتى لو تزوج هاشمي أمة إنسان فأتى بولد فهو هاشمي تبعا لابيه رقيق تبعا لامه كما في فتح القدير، لان الزوج قد رضي برق الولد حيث أقدم على تزوجها مع العلم برقها بخلاف المغرور فإن ولده من الامة حر لانه لم يرض به لعدم علمه فانعلق حرا وجبت القيمة، وهو ما يستثنى من كلام المصنف فإنه لم يتبع أمه في الرق والملك. وإنما لم يذكره هنا لانه سيصرح به في باب دعوة النسب وللاحتراز عن الدين فإنه يتبع خير الابوين دينا لانه أنظر له. قوله: (وولد الامة من سيدها حر) لانه انعلق حرا للقطع بأن إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن قط إلا حرا إلا أنه يعلق مملوكا ثم يعتق عليه كما هو ظاهر الهداية وغيرها. وفي المبسوط: الولد يعلق حرا من الماءين لان ماءه حر وماء جاريته مملوك لسيدها فلا تتحقق المعارضة بخلاف ابنه من جارية الغير فإن ماءها مملوك لغيره فتتحقق المعارضة فيترجح جانبها بأنه مخلوق من مائها بيقين كما قدمناه، وسيأتي أنه لا بد أن يعترف به، وفي آخر جامع الفصولين: قد يكون الولد حرا من زوجين رقيقين بلا تحرير ووصية وصورته أن يكون للحر ولد وهو قن لاجنبي فزوج الاب أمته من ولده برضا مولاه فولدت الامة ولدا فهو حر لانه ولد ولد المولى اه‍. فعلى هذا ولد الامة من سيدها أو ابن سيدها أو أبي سيدها حر وقد قدمناه أيضا عن الظهيرية والله أعلم.

[ 395 ]

باب العبد يعتق بعضه لا شك في كثرة وقوع عتق الكل وندرة عتق البعض وفي أن ما كثر وجوده فالحاجة إلى بيان أحكامه أمس منها إلى ما يندر وجوده، وأن دفع الحاجة الماسة تقدم على النادرة فلذا أخر هذا عما قبله قوله: (من أعتق بعض عبده لم يعتق كله وسعى فيما بقي وهو كالمكاتب) وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: يعتق كله. واختلف المشايخ في تحرير محل النزاع، فذهب صاحب الهداية وكثير إلى أنه مبني على أن الاعتاق يتجزأ عنده فيقتصر على ما أعتق. وعندهما لا يتجزأ وأقام الدليل من الجانبين، وفي غاية البيان: والمراد من تجزئ الاعتاق والملك أن يتجزأ المحل في قبول حكم الاعتاق وهو زوال الملك بأن يزول في البعض دون البعض وأن يتجزأ المحل في قبول حكم الملك وهو أن يكون البعض مملوكا لواحد والبعض الآخر لآخر، وليس معناه أن ذات الاعتاق أو ذات الملك تتجزأ لان معناه واحد لا يقبل التجزي اه‍. وفي فتح القدير: والذي يقتضيه النظر أن هذا غلط في تحرير محل النزاع فإنهم لم يتواردوا على محل واحد في التجزي وعدمه فإن القائل العتق أو الاعتاق يتجزأ لم يرده بالمعنى الذي يريد به قائل أنه لا يتجزأ وهو زوال الرق أو إزالته إذ لا خلاف بينهم في عدم تجزئه، بل زوال الملك وإزالته ولا خلاف في تجزئه فلا ينبغي أن يقال اختلف في تجزئ العتق وعدمه ولا الاعتاق بل الخلاف في التحقيق ليس إلا فيما يوجبه الاعتاق أولا وبالذات، فعنده زوال الملك ويتبعه زوال الرق فلزم تجزؤ موجبه غير أن زوال الرق لا يثبت إلا عند زوال الملك عن الكل شرعا لحكم الحدث لا يزول إلا عند غسل كل الاعضاء وغسلها متجزئ، وهذا لضرورة أن العتق قوة شرعية هي قدرة على تصرفات شرعية ولا يتصور ثبوت هذه في بعضه شائعا فقطع بعدم تجزئه، والملك متجزئ قطعا فلزم ما قلنا من زوال الملك عن البعض، وتوقف زوال الرق على زوال الملك عن الباقي وحينئذ فينبغي أن يقام الدليل من الجانبين على أن الثابت به أولا زوال الملك أو الرق لانه محل النزاع والوجه منتهض لابي حنيفة. أما المعنى فلان تصرف الانسان يقتصر على حقه وحقه الملك، وأما الرق فحق الله أو حق العامة، وأما السمع فما في الصحيحين مرفوعا من أعتق شريكا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه

[ 396 ]

قيمة عدل فأعطى شركاءه حصصهم وعتق العبد عليه وإلا فقد عتق منه ما عتق إلى آخره وقد أطال رحمه الله إطالة حسنة هنا كما هو دأبه ولسنا بصدد الدلائل. وقد صرح في البدائع بأن العتق يتجزأ عنده، سواء كان بمعنى زوال الملك أو زوال الرق، وأن الرق يتجزأ ثبوتا وزوالا لان الامام إذا ظهر على جماعة من الكفرة وضرب الرق على أنصافهم ومن على الانصاف جاز، ويكون حكمهم وحكم معتق البعض في حالة البقاء سواء اه‍. وهو بعيد كما قرره المحقق. ووفق في المجتبى بين عبارات المشايخ فمن قال إن العتق يتجزأ عنده لا يريد به والله أعلم أنه يسقط ملك المعتق عن الشقص الذي أضاف إليه العتق ويبقى الملك في الباقي. فإن قلت: إذا سقط ملكه عن الشقص المعتق يصير حرا كسائر الاحرار. قلت: هذا يشكل بالمكاتب إذا مات مولاه فإنه يسقط الملك ولا يصير حرا كسائر الاحرار وإن قال بأن العتق لا يتجزأ عندنا أراد ان خروجه عن كونه محلا للتمليك والتملك كالبيع والهبة والارث لا يتجزأ لانه عبارة صحيحة لانه من لوازم حقيقة العتق وذكر الملزوم وارادة اللازم جائز وخروجه عن محلية التمليك والملك متفق عليه بين أصحابنا لكن عندهما بزوال الرق أصلا وعنده بسقوط الملك عن الشخص المعتق وفساده في الباقي هذا ما تضمنه شروح الاسلاف والاخلاف في هذا الباب اه‍. والحاصل ان من أعتق بعض عبده عتق منه ذلك القدر رأى زال ملكه عن ذلك القدر وبقي الرق فيه بتمامه وإذا لزم شرعا أن لا يبقى في الرق لزم ان يسعى العبد في باقي قيمته لاحتباس مالية الباقي عنده وما لم يؤد السعاية فهو كالمكاتب حيث يتوقف عتق كله على اداء البدل وكونه أحق بمكاسبه ولا يد للسيد عليه ولا استخدام وكونه رقيقا كله الا انه يخالفه في أنه لو عجز لا يرد إلى الاستخدام بخلاف المكاتب بسبب ان المتسعة زوال الملك عن بعضه لا إلى مالك صدقة عليه به وإنما يلزم المال ضرورة الحكم الشرعي وهو تضمينه قهرا بخلاف المكاتب فإن عتقه في مقابلة التزامه بعقد باختياره يقال ويفسخ بتعجيزه نفسه وقد ذكروا مسألة في الجنايات يخالف معتق البعض فيها المكاتب أيضا هي ان المكاتب إذا قتل عمدا ولم يترك وفاء وله وارث غير المولى يجب القصاص على القاتل لانه مات رقيقا لانفساخ المكاتبة بموته عاجزا بخلاف معتق البعض إذا قتل ولم يترك وفاء حيث لا يجب القصاص لان العتق في البعض لا ينفسخ بموته عاجزا وذكروا في البيوع كما في الحقائق ان الجمع بين العبد ومعتق البعض في بيعهما صفقة واحدة

[ 397 ]

كالجمع بين العبد والحر فيبطل فيهما لان كتابة معتق البعض لا تقبل الفسخ بخلاف المكاتب فهي ثلاث مسائل يخالف فيها معتق البعض المكاتب وإنما لم يذكروها نصا لانهما اثران لعدم قبول الفسخ كما لا يخفى وأطلق في البعض فشمل المعين والمبهم ولزمه بيانه. وفي جوامع الفقه: الاستسعاء أن يؤاجره ويأخذ قيمة ما بقي من أجره قالوا وعلى هذا الخلاف التدبير والاستيلاد. قوله: (وان أعتق نصيبه فلشريكه ان يحرر أو يستسعى والولاء لهما أو يضمن لو موسرا ويرجع به على العبد والولاء له) وهذا عند أبي حنيفة وقالا ليس له الا لضمان مع اليسار والسعاية مع الاعسار ولا يرجع المعتق على العبد وهذه المسألة تنبني على أصلين أحدهما تجزؤ الاعتاق وعدمه على ما بيناه والثاني ان يسار المعتق لا يمنع استسعاء العبد عنده وعندهما يمنع لهما في الثاني قوله عليه السلام في الرجل يعتق نصيبه ان كان غنيا ضمن وان كان فقيرا سعى في حصة الآخر قسم والسمة تنافي الشركة وله انه ان احتبست مالية نصيبه عند العبد فله ان يضمنه كما إذا هبت الريح بثوب انسان وألقته في صبغ غيره حتى انصبغ به فعلى صاحب الثوب قيمة صبغ الآخر موسرا كان أو معسرا لما قلنا فكذا هنا الا ان العبد فقير فيسستسعيه وإنما ثبت الخيار للشريك الساكت لقيام ملكه في الباقي إذ الاعتاق يتجزأ عنده وقد ذكر المصنف ان له الاعتاق والاستسعاء والتضمين وزاد عليه في التحفة خيارين آخرين التدبير والكتابة وإنما تركهما المصنف لان الكتابة ترجع إلى معنى الاستسعاء ولو عجز استسعى ولو امتنع العبد من السعاية يؤاجره جبرا ويدل على ان الكتابة في معنى الاستسعاء انه لو كاتبه على أكثر من قيمته ان كان من النقدين لا يجوز الا ان يكون قدرا يتغابن الناس فيه لان الشرع أوجب السعاية على قيمته فلا يجوز الاكثر وكذا لو كان صالحه على عرض أكثر من قيمته جاز وإن كاتبه على حيوان جازت وأما التدبير ففي البدائع والمحيط فإن اختار التدبير فدبر نصيبه صار نصيبه مدبرا عند أبي حنيفة لان نصيبه باق على ملكه فيحتمل التخريج إلى العتق والتدبير تخريج له إلى العتق إلا أنه لا يجوز له أن يتركه على حاله ليعتق بعد الموت بل تجب عليه السعاية للحال فيؤدي فيعتق لان تدبيره اختيار منه للسعاية اه‍. فلما كان التدبير والكتابة راجعين إلى السعاية لم يذكرهما المصنف، وظاهر كلام الكمال أنه لا فائدة لهما حيث يرجعان إليها. قلت: بل لهما فائدة، أما في التدبير فلان الشريك المدبر إذا مات عتق العبد كله بسبب التدبير وسقطت عنه السعاية إذا كان يخرج من ثلث ماله ولولا التدبير لسعى للورثة كالمكاتب، وأما في الكتابة فلان فائدتها تعيين البدل لانه لولا الكتابة لاحتيج إلى تقويمه وإيجاب نصف القيمة، وقد يحتاج فيها إلى القضاء عند التنازع

[ 398 ]

في المقدار ولا يدل عدم جواز الكتابة على أكثر من القيمة زيادة فاحشة على أنه لا فائدة لها لان الحكم كذلك في صلح الساكت مع الشريك المعتق. قال في البدائع: ولو صالح الذي لم يعتق العبد المعتق على مال فإن هذا لا يخلو من الاقسام التي ذكرناها في المكاتبة، فإن كان الصلح على الدراهم والدنانير على نصف قيمته فهو جائز، وكذا إذا كان على أقل من نصف قيمته، وكذا إذا صالح على أكثر من نصف القيمة مما يتغابن الناس في مثله، فأما إذا كان على أكثر من قيمته مما لا يتغابن الناس في مثله فالفضل باطل في قولهم جميعا لانه ربا اه‍. فالحق أن الخيارات خمسة كما هو في البدائع وغيرها، وأطلق المصنف في تحرير الشريك فشمل العتق منجزا ومضافا. قال في فتح القدير: وينبغي إذا أضافه أن لا تقبل منه إضافته إلى زمان طويل لانه كالتدبير معنى ولو دبره وجب عليه السعاية في الحال فيعتق كما صرحوا به فينبغي أن يضاف إلى مدة تشاكل مدة الاستسعاء اه‍. وأشار المصنف بذكر هذه الخيارات إلى أنه ليس له خيار الترك على حاله لانه لا سبيل إلى الانتفاع به مع ثبوت الحرية في جزء منه فلا بد من تخريجه إلى العتق كما في البدائع، وإلى أنه لو اختار واحدا مما ذكر تعين فإن اختار الاستسعاء فليس له التضمين وعكسه، نعم إذا احتار الاستسعاء فله الاعتاق وإلى أنه ليس للساكت أن يختار التضمين في البعض والسعاية في البعض كما في المبسوط. وأطلق في تضمين الموسر وهو مقيد بأن يكون الاعتاق بغير إذنه فلو أعتق أحدهما نصيبه بإذن صاحبه فلا ضمان عليه، وإنما الاستسعاء في ظاهر الرواية. وعن أبي يوسف أنه يضمن لانه عنده ضمان تملك لا إتلاف، ولذا كان كل الولاء له وضمان التملك لا يسقط بالرضا. وجه ظاهر الرواية أن ضمان الاعتاق ضمان إتلاف ولذا يختلف باليسار والاعسار، وإنما ملك نصيب صاحبه بمقتضى الاعتاق تصحيحا له لا قصدا لان الاعتاق وضع لابطال الملك فثبوت الملك بما وضع لابطاله يكون تناقضا والمقتضي تبع للمقتضى فكان حكمه حكم المقتضي، والمقتضى وهو الاعتاق لا يوجب الضمان مع الرضا فلذا تبعه، كذا في المحيط. ولو كان الساكت جماعة فاختار بعضهم السعاية وبعضهم الضمان فلكل منهم ما اختار في قول أبي حنيفة، كذا في البدائع. واختلف في حد اليسار هنا ففي الهداية، ثم المعتبر يسار التيسير وهو أن يملك من المال قدر نصيب الآخر لا يسار الغنى لان به يقيد له النظر من الجانبين بتحقيق ما قصده المعتق من القربة وإيصال بدل حق الساكت إليه. وجعله في فتح القدير ظاهر الرواية قال: وفي رواية الحسن استثنى الكفاف وهو المنزل والخادم وثياب البدن. والذي يظهر أن استثناء الكفاف لا بد منه على ظاهر الرواية ولذا اقتصر عليه في المحيط فقال: ثم حد اليسار أن يكون المعتق مالكا لمقدار قيمة ما بقي من العبد سوى ملبوسه وقوت يومه لا ما يعتبر في حرمة الصدقة. وصححه في المجتبى. وتعتبر قيمة العبد في الضمان والسعاية يوم الاعتاق لانه سبب الضمان كالغصب، وكذلك يعتبر

[ 399 ]

يسار المعتق وإعساره يوم الاعتاق حتى لو أعتق وهو موسر ثم أعسر لا يبطل حق التضمين، ولو أعتق وهو معسر ثم أيسر لا يثبت لشريكه حق التضمين لان الضمان متى تعين على المعتق أو السعاية على العبد شرعا برئ الآخر عن الضمان ولا يعود إليه أبدا كالغاصب مع غاصب الغاصب إذا تعين الضمان على أحدهما باختيار المالك برئ الآخر عنه فكذا هذا. ولو اختلفا في قيمة العبد يوم العتق، فإن كان العبد قائما يقوم العبد للحال لانه أمكن معرفة قيمته للحال بالعيان ورفع اختلافهما بالبيان، وإن كان العبد هالكا فالقول قول المعتق لانه تعذر معرفة قيمته بالعيان لان أوصافه تتغير بالموت فيجب اعتبار قول واحد منهما والساكت يدعي الزيادة والمعتق ينكر فيكون القول له، وإن اتفقا على أن الاعتاق سابق على الاختلاف فالقول قول المعتق، كان العبد قائما أو هالكا، لانه وقع العجز عن معرفة قيمته لان قيمة الشئ قد تزداد وقد تنقص بمضي الوقت فيكون القول قول المعتق لانكار الزيادة. وإن اختلفا في الوقت والقيمة فقال المعتق أعتقته يوم كذا وقيمته مائة وقال الساكت أعتقته للحال وقيمته مائتان يحكم بالعتق للحال لان العتق أمر حادث، والاصل في الحوادث أن يحكم بحدوثها حال ظهورها، فمن ادعى الحدوث حالة الظهور فهو متمسك بالاصل فيكون القول له فكان العتق ثبت بتصادقهما للحال فيقوم العبد إن كان قائما ويكون القول للمعتق في قيمته إن كان هالكا، وكذلك على هذا التفصيل لو اختلف الساكت والعبد في قيمته. وإن اختلفا في يسار المعتق وإعساره والعتق متقدم على الخصومة إن كانت مدة يختلف فيها اليسار والاعسار فالقول قول المعتق لانه ينكر اليسار وشغل ذمته بالضمان، وإن كان لا يختلف يعتبر للحال، فإن علم يسار المعتق للحال فلا معنى للاختلاف، وإن لم يعلم فالقول للمعتق. ولو مات أحدهم قبل أن يختار الشريك شيئا فلا يخلو إما إن مات العبد أو المعتق أو الساكت، فإن مات العبد ضمن المعتق في ظاهر الرواية لانه ضمان إتلاف شرع لجبر الفائت فلا يسقط بهلاك محل التلف كما لو هلك المغصوب، وفي رواية لا يضمن المعتق. وإن كان للعبد كسب رجع بما ضمن المعتق فيه لانه يملك نصيب الساكت بأداء الضمان من وقت العتق فصار مكاتبا له. وهل للساكت أن يأخذ من تركة العبد قيمة نصيبه إذا لم يضمن المعتق؟ قيل: له ذلك كالمكاتب، وقال عامة مشايخنا: ليس له ذلك. وظاهر إطلاق محمد يدل عليه، وأما إذا مات المعتق والعتق في صحته يؤخذ الضمان من ماله، وإن كان في مرضه فعندهما لا يجب شئ على ورثته في ماله، وعند محمد يستوفى من ماله. وأما إذا مات الساكت فلورثته أن يختار والاعتاق أو الضمان أو السعاية لانهم قائمون مقام مورثهم، فإذا اختار بعضهم العتق وبعضهم الضمان فلهم ذلك في ظاهر الرواية. وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه ليس لهم ذلك وصححه في المبسوط. وفي المجتبى: ومعنى قوله لورثته الاعتاق الابراء لا حقيقة العتق لان المستسعي بمنزلة المكاتب عنده، ولا تورث رقبة المكاتب بموت مولاه وإنما يورث

[ 400 ]

بدل الكتابة لكن لهم الابراء عن السعاية كذا هذا اه‍. وأشار المصنف بذكر هذه الخيارات إلى أن الساكت لو ملك نصيبه من المعتق ببيع أو هبة فإنه لا يجوز استحسانا لانه لم يبق محلا للتمليك لانه مكاتب عنده حر مديون عندهما بخلاف ما إذا ضمن المعتق نصيب الساكت فإنه يملكه بالضمان ضرورة. قال قاضيخان في جامعه: وإذا ضمن المعتق وأدى الضمان ملك نصيب الساكت فيخير في نصيب الساكت، إن شاء أعتق وإن شاء استسعى بمنزلة ما لو كان الكل له فأعتق بعضه اه‍. ولذا كان الولاء كله له وإنما رجع المعتق على العبد بما ضمن لقيامه مقام الساكت بأداء الضمان وقد كان للساكت الاستسعاء فكذا لمن قام مقامه بخلاف العبد المستسعي لا رجوع له بما أدى على المعتق بإجماع أصحابنا لانه أدى لفكاك رقبته بخلاف المرهون إذا أعتقه الراهن المعسر حيث يرجع على المعتق إذا قدر على دفع القيمة للمرتهن لانه يسعى في فك رقبة قد فكت أو يقضي دينا على الراهن. وفي المجتبى: لو كان العبد بين ثلاثة لاحدهم نصفه وللثاني ثلثه وللثالث سدسه فأعتقه صاحب النصف والثلث يضمنان السدس نصفين والولاء للاول في النصف، وفيما ضمن من نصف السدس وللثاني في ثلثه، وفيما ضمن من نصف السدس. وأطلق المصنف في الشريك وهو مقيد بمن يصح منه الاعتاق، فلو كان الشريك صبيا ينتظر بلوغه إن لم يكن له ولي أو وصي، فإن كان له أحدهما فله الخيار إن شاء ضمن وإن شاء استسعى أو كاتب لانه ضمان نقل الملك فصار كالبيع، واختيار السعاية كالكتابة. وللولي ولاية بيع مال الصبي وكتابة عبده، وللقاضي أن ينصب وصيا ليختار أحدهما وليس لهما اختيار الاعتاق والتدبير والجنون كالصبي كما في البدائع. وإن كان الشريك عبدا مأذونا فإن كان مديونا فله اختيار التضمين والاستسعاء، وإذا استسعى فالولاء لمولاه لانه أقرب الناس إليه، وإن لم يكن عليه دين فالخيارات الخمسة ثابتة للمولى إن كان موسرا وإلا فالاربع والمكاتب كالمأذون والمديون. قوله: (ولو شهد كل بعتق نصيب صاحبه سعى لهما) أي لو شهد كل واحد من الشريكين أن شريكه أعتق نصيب نفسه سعى العبد لهما في قيمته لكل واحد منهما في نصيبه عند أبي حنيفة، موسرين كانا أو معسرين، أو كان أحدهما موسرا والآخر معسرا، لان كل واحد منهما يزعم أن صاحبه أعتق نصيبه فصار مكاتبا في زعمه عنده، وحرم عليه الاسترقاق فيصدق في حق نفسه فيمنع من استرقاقه ويستسعيه لانا تيقنا بحق الاستسعاء كاذبا كان أو صادقا لانه مكاتبه أو مملوكه فلهذا يستسعيانه، ولا يختلف ذلك باليسار وبالاعسار لان حقه في الحالين في أحد الشيئين لان يسار المعتق لا يمنع السعاية عنده، وقد تعذر التضمين لانكار الشريك فتعين الآخر وهو السعاية والولاء لهما لان كلا منهما يقول عتق نصيب صاحبي عليه بإعتاقه وولاؤه له وعتق نصيبي بالسعاية وولاؤه لي وهو عبد ما دام يسعى لهما بمنزلة المكاتب. وقالا: إن كانا موسرين فلا سعاية عليه لان كل واحد منهما يتبرأ عن

[ 401 ]

سعايته بدعوى الضمان على صاحبه لان يسار المعتق يمنع السعاية عندهما إلا أن الدعوى لم تثبت لانكار الآخر، والبراءة قد ثبتت لاقراره على نفسه. وإن كانا معسرين سعى لهما لان كل واحد منهما يدعي السعاية عليه صادقا كان أو كاذبا على ما بيناه إذ المعتق معسر، وإن كان أحدهما موسرا والآخر معسرا سعى للموسر منهما لانه لا يدعي الضمان على صاحبه لاعساره وإنما يدعي عليه السعاية فلا يبرأ عنه، ولا يسعى للمعسر لانه يدعي الضمان على صاحبه ليساره فيكون مبرئا للعبد عن السعاية. والولاء موقوف في جميع ذلك عندهما لان كل واحد منهما يحيله على صاحبه ويتبرأ عنه فيبقى موقوفا إلى أن يتفقا على إعتاق أحدهما، كذا في الهداية. فلو مات قبل أن يتفقا وجب أن يأخذه بيت المال كما في فتح القدير. ولم يذكر المصنف تحليف كل منهما هنا وذكره في المستصفى فقال: والسعاية لهما بعد أن يحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه لان كل واحد منهما مدع ومنكر. وصرح في البدائع والمحيط بأنه يحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه وفي فتح القدير: وهو أوجه فيجب في الجواب المذكور وهو لزوم استسعاء كل منهما للعبد أنه فيما إذا لم يترافعا إلى قاض بل خاطب كل منهما الآخر أنك أعتقت نصيبك وهو ينكر فإن هذه ليس حكمها إلا الاستسعاء إذ لو أراد أحدهما التضمين أو أراداه ونصيبهما متفاوت فترافعا أو رفعهما ذو حسبة فيما لو استرقاه بعد قولهما فإن القاضي لو سألهما فأجابا بالانكار فحلفا لا يسترق لان كلا يقول إن صاحبه حلف كاذبا واعتقاده أن العبد يحرم استرقاقه ولكل استسعاؤه. ولو اعترفا أنهما أعتقا معا أو على التعاقب وجب أن لا يضمن كل الآخر إن كانا موسرين، ولا يستسعي العبد لانه عتق كله من جهتهما، ولو اعترف أحدهما وأنكر الآخر فإن المنكر يجب أن يحلف لان فيه فائدة فإنه إن نكل صار معترفا أو باذلا وصارا معترفين فلا يجب على العبد سعاية كما قلنا اه‍. وتقييد المصنف بشهادة كل منهما قيد اتفاقي إذ لو شهد أحدهما على صاحبه أنه أعتقه وأنكره الآخر فالحكم كذلك. قال في البدائع: لا تقبل شهادته على صاحبه وإن كانا اثنين لانهما يجران إلى أنفسهما مغنما، ولا يعتق نصيب الشاهد ولا يضمن لصاحبه ويسعى العبد في قيمته بينهما، موسرين كانا أو معسرين في قول أبي حنيفة. وعندهما إن كان المشهود عليه موسرا فلا سعاية للشاهد على العبد، وإن كان معسرا فله السعاية عليه، وهكذا في المحيط. قوله: (ولو علق أحدهما عتقه بفعل فلان غدا وعكس الآخر ومضى ولم يدر عتق نصفه وسعى في نصف لهما) أي لو علق أحد الشريكين عتق العبد المشترك بفعل زيد غدا كان قال إن دخل زيد الدار غدا فأنت حر وعكس الشريك الآخر بأن قال مثلا إن لم يدخل زيد الدار غدا فأنت حر ومضى الغد ولم يعلم دخوله أو عدمه فإنه يعتق نصف العبد بغير سعاية ويسعى العبد في نصف قيمته للشريكين. وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد:

[ 402 ]

يسعى في جميع قيمته لان المقضى عليه بسقوط السعاية مجهول ولا يمكن القضاء على المجهول فصار كما إذا قال لغيره لك على أحدنا ألف درهم فإنه لا يقضي بشئ للجهالة كذا هذا، أولهما: أنا تيقنا بسقوط نصف السعاية لان أحدهما حانث بيقين ومع التيقن بسقوط النصف كيف يقضي بوجوب الكل والجهالة ترتفع بالشيوع والتوزيع كما إذا أعتق أحد عبديه لا بعينه أو بعينه ونسيه ومات قبل البيان أو الذكر. ويتأتى التفريع فيه على أن اليسار يمنع السعاية أو لا يمنعها على الاختلاف الذي سبق، ولو قال المصنف بفعل فلان في وقت وعكس الآخر في ذلك الوقت لكان أولى إذ لا فرق بين الغد واليوم والامس. صرح باليوم في المحيط، وبالامس في البدائع. وأطلق المصنف في سعاية النصف فشمل ما إذا كانا موسرين أو معسرين. وفي فتح القدير: ولا يخفى أن من صورة المسألة أن يتفقا على ثبوت الملك لكل آلى آخر النهار، قوله: (ولو حلف كل واحد بعتق عبده لم يعتق واحد) لان المقضى عليه بالعتق مجهول وكذا المقضى له فتفاحشت الجهالة فامتنع القضاء، وفي العبد الواحد المقضي له والمقضى به معلوم فغلب المعلوم المجهول. قيد بكون كل واحد منهما له عبد تام لانه لو كان بين رجلين عبد إن قال أحدهما لاحد العبدين أنت حر، إن لم يدخل فلان هذه الدار اليوم، وقال الآخر للعبد الآخر إن دخل فلان هذه الدار اليوم فأنت حر فمضى اليوم وتصادقا على أنهما لا يعلمان دخل أو لم يدخل قال أبو يوسف: يعتق من كل واحد منهما ربعه ويسعى في ثلاثة أرباع قيمته بين الموليين نصفين. وقال محمد: قياس قول أبي حنيفة أن يسعى كل واحد منهما في جميع قيمته بينهما نصفين وبيان كل من القولين في البدائع قال: ومن هذا النوع ما ذكره محمد بن سماعة عن أبي يوسف في عبد بين رجلين زعم أحدهما أن صاحبه أعتقه منذ سنة وأنه هو أعتقه اليوم، وقال شريكه لم أعتقه وقد أعتقته أنت اليوم فاضمن لي نصف القيمة لعتقك فلا ضمان على الذي زعم أن صاحبه أعتقه منذ سنة لان قوله أنا أعتقته اليوم ليس بإعتاق بل هو إقرار بالعتق، وأنه حصل بعد إقراره على شريكه بالعتق فلم يصح، وكذا لو

[ 403 ]

قال أعتقه صاحبي منذ سنة وأعتقته أنا أمس وإن لم يقر بإعتاق نفسه لكن قامت عليه بينة أنه أعتقه أمس فهو ضامن لشريكه لظهور الاعتاق منه بالبينة فدعواه على شريكه العتق المتقدم لا يمنع ظهور الاعتاق منه بالبينة ويمنع ظهوره بإقراره اه‍. وقيد بكون المعلق متعددا لانه لو قال عبده حر إن لم يكن فلان دخل هذه الدار اليوم ثم قال امرأته طالق إن ك ان دخل اليوم عتق وطلقت لان باليمين الاولى صار مقرا بوجود شرط الطلاق، وباليمين الثانية صار مقرا بوجود شرط العتق. وقيل: لم يعتق ولم تطلق لان أحدهما معلق بعدم الدخول والآخر بوجوده وكل واحد من الشرطين دائر بين الوجود والعدم فلا ينزل الجزاء بالشك، كذا في النهاية، وينبغي أن يفرق بين التعليق بالشرط الكائن وبغير الكائن فيقع في المعلق بالكائن لا بغير الكائن لان الاقرار يتصور في الكائن دون غيره، كذا في التبيين. وهو وما قبله مردودان والحق الاول لان صيغة إن لم يكن دخل تستعمل لتحقيق الدخول في الماضي ردا على المماري في الدخول وعدمه فكان معترفا بالدخول وهو شرط الطلاق فوقع بخلاف إن لم يدخل ليس فيها تحقيق وصيغة إن كان دخل ظاهرة لتحقيق عدم الدخول ردا على من تردد فيه فكان معترفا بعدم الدخول وهو شرط وقوع العتق فوقع بخلاف إن دخل فإنه ليس فيها تحقيق أصلا. والحاصل أنه قد اشتبه هذا التركيب على القائل بعدم الوقوع فيهما بتركيب إن لم يدخل وإن دخل، إليه أشار في فتح القدير. وفي تلخيص الجامع باب اليمين التي ستنقض صاحبتها: حلف بالعتق إن لم يكن دخل أمس وبالطلاق إن كان دخل وقعا لانه بكل يمين زعم الحنث في الاخرى لهذا لو أعتق أحدهما ثم قال لكل واحد لم أعنك عتقا، ولا يلزم ما لو كانت الاولى والله إذا الغموس لا يدخل تحت الحكم ليكذب به في الاخرى وتمامه فيه. وأشار المصنف بعدم عتقهما في مسألة الكتاب إلى أنه لو اشتراهما إنسان صح وإن كان عالما بحنث أحد المالكين لان كلا منهما يزعم أنه يبيع عبده، وزعم المشتري في العبد قبل ملكه له غير معتبر كما لو أقر بحرية عبد ومولاه ينكر ثم اشتراه صح، وإذا صح شراؤه لهما واجتمعا في ملكه عتق عليه أحدهما لان زعمه معتبر الآن ويؤمر بالبيان لان المقضي عليه معلوم، كذا في فتح القدير، وهو يفيد أن أحد المتحالفين لو اشترى العبد من الحالف الآخر فإنه يصح ويعتق عليه أحدهما ويؤمر بالبيان لما ذكر كما لا يخفى. وفي المحيط: هذا إذا علم المشتري بحلفهما، فإن لم يعلم فالقاضي يحلفهما ولا يجبر على البيان ما لم تقم البينة على ذلك اه‍.

[ 404 ]

قوله: (ومن ملك ابنه مع آخر عتق حظه ولم يضمن ولشريكه أن يعتق أو يستسعى) لانه ملك شقص قريبه فعتق عليه ولا ضمان عليه ولو كان موسرا لانه رضي بإفساد نصيبه كما إذا أذن له بإعتاق نصيبه صريحا ودلالة ذلك أنه شاركه فيما هو علة العتق وهو الشراء لان شراء القريب إعتاق وثبت لشريكه الاعتاق أو الاستسعاء لبقائه على ملكه كالمكاتب كما قدمناه. وهذا كله عند الامام. وقالا: في الشراء ونحوه يضمن الاب نصف قيمته إن كان موسرا، ويسعى الابن لشريك أبيه إن كان معسرا. أطلق المصنف في الملك فشمل ما إذا كان بالشراء أو الهبة أو الصدقة أو الوصية أو الامهار أو الارث، وشمل ما إذا كان عالما بأنه ابنه أولا وهو ظاهر الرواية عنه لان الحكم يدار على السبب كما إذا قال لغيره كل هذا الطعام وهو مملوك للآمر ولا يعلم الآمر بملكه، وذكر الابن اتفاقي لان الحكم في كل قريب يعتق عليه كذلك. وقيد بكونه ملكه مع آخر لانه لو بدأ الاجنبي فاشترى نصفه ثم اشترى الاب نصفه الآخر وهو موسر فالاجنبي بالخيار إن شاء ضمن الاب لانه ما رضي بإفساد نصيبه، وإن شاء استسعى الابن في نصف قيمته لاحتباس ماليته عنده. وهذا عند أبي حنيفة لان يسار المعتق لا يمنع السعاية عنده. وقالا: لا خيار له ويضمن الاب نصف قيمته لان يسار المعتق يمنع السعاية عندهما. وقيد بالقريب لانه لو ملك مستولدته بالنكاح مع آخر فإنه يجب عليه ضمان النصف لشريكه كيفما كان وإن كان ملكها بالارث. والفرق أن ضمان أم الولد ضمان تملك وذلك لا يختلف بين أن يكون بصنعه أو بغير صنعه ولهذا لا يختلف باليسار والاعسار. وإنما صح شراء الابن مع آخر في مسألة الكتاب ولم يصح شراء العبد نفسه هو وأجنبي من مولاه بالنسبة إلى حصة الاجنبي لاجتماع العتق والبيع في حق واحد في زمان واحد لان بيع نفس العبد منه إعتاق على مال فبطل البيع في حصة الاجنبي بخلاف مسألة الكتاب لان شراء القريب تملك في الزمان الاول وإعتاق في الزمان الثاني. وأشار المصنف إلى أنه لو حلف أحدهما بعتق عبد إن ملك نصفه فملكه مع آخر فالحكم كذلك وهو على الاختلاف. قوله: (وإن اشترى نصف ابنه ممن يملك ابنه لا يضمن لبائعه) لان البائع شاركه في العلة وهو البيع لان علة دخول المبيع في ملك المشتري الايجاب والقبول وقد شاركه فيه. وهذا عند أبي حنيفة موسرا كان أو معسرا. وقالا إن كان الاب موسرا يجب عليه الضمان. قيد بكونه ممن يملك

[ 405 ]

ابنه لانه لو اشترى نصف ابنه من أحد الشريكين وهو موسر فإنه يلزم المشتري الضمان بالاجماع للشريك الذي لم يبع، ولا يضمن للبائع شيئا لان الشريك الذي لم يبع لم يشاركه في العلة فلا يبطل حقه بفعل غيره، ولا يخفى أن في مسألة الكتاب إذا لم يضمن المشتري للبائع كان له الخيار إن شاء أعتق نصيبه وإن شاء استسعى. وفي البدائع: رجل قال إن اشتريت فلانا أو بعضه فهو حر فادعى رجل آخر أنه ابنه ثم اشترياه عتق عليهما ونصف، ولائه للذي أعتقه وهو ابن للذي ادعاه لان النسب ههنا لم يسبق اليمين فيعتق نصيب كل واحد منهما عليه، وولاؤه بينهما لانه عتق عليهما والولاء للمعتق اه‍. مع أنهم قالوا: إن المعتق آخر العصبات فينبغي أن يكون ميراثه كله لابيه مع وجوده ولا شئ للمعتق إلا أن يفرق بين ثبوت النسب قبل العتق وبينه بعده. قوله: (عبد لموسرين دبره واحد وحرره آخر ضمن الساكت المدبر والمدبر المعتق ثلثه مدبر إلا ما ضمن) أي لو كان عبد بين ثلاثة دبره أحدهم ثم أعتقه آخر فللساكت وهو الذي لم يدبر ولم يحرر أن يضمن المدبر وليس له أن يضمن المعتق، وللمدبر أن يضمن المعتق ثلث العبد مدبرا وليس له أن يضمنه الثلث الذي ضمنه للساكت وإنما يضمن الساكت المدبر ثلث قيمته قنا لان التدبير يتجزى عند الامام لانه شعبة من شعبه فيكون معتبرا به فاقتصر على نصيبه، وقد أفسد بالتدبير نصيب الآخرين فكان لكل واحد منهما أن يدبر نصيبه أو يعتق أو يكاتب أو يضمن المدبر أو يستسعى العبد أو يتركه على حاله، فلما حرره الآخر تعين حقه فيه وسقط اختياره غيره فتوجه للشريك الساكت سببا ضمان تدبير المدبر وإعتاق المعتق فله تضمين المدبر ليكون الضمان ضمان معاوضة إذ هو الاصل حتى جعل الغصب ضمان معاوضة على أصلنا. وأمكن ذلك في التدبير لكونه قابلا للنقل من ملك إلى ملك وقت التدبير وليس له تضمين المعتق لان العبد عند ذلك مكاتب أو حر على اختلاف الاصلين، ولا بد من رضا المكاتب بفسخه حتى يقبل الانتقال. ثم إن الشريك الذي أعتق نصيبه أفسد على المدبر نصيبه مدبرا والضمان يتقدر بقدر المتلف ولا يضمنه قيمة ما ملكه بالضمان من جهة الساكت لان ملكه ثبت مستندا وهو ثابت من وجه دون وجه فلا يظهر في حق التضمين، وقد استفيد من كلام المصنف أنه لو كان بين اثنين دبره أحدهما ثم حرره الآخر فللمدبر تضمين المعتق ثلثه مدبرا إن كان موسرا، ولو كان حرره أحدهما ثم دبره الآخر فللمدبر أن يستسعي العبد في نصف قيمته مدبرا لانه بالتدبير اختار ترك الضمان، ولو لم يعلم أيهما أولا فإن للمدبر تضمين المعتق ربع القيمة واستسعى العبد في ربع القيمة ويرجع المعتق بما ضمن

[ 406 ]

على العبد، وكذا لو صدر الاعتاق والتدبير منهما معا. وهذا كله عند الامام. وعندهما: المعتق أولى في الكل فإن كان المعتق موسرا ضمن للمدبر وإلا سعى العبد له في نصيبه، كذا في المحيط. وذكر قاضيخان في شرح الجامع الصغير أن قولنا للشريك هذه الخيارات أنه يصح منه هذه التصرفات، أما لا يؤذن بالاعتاق والاستسعاء لان فيه إفساد نصيب المدبر لان المدبر كان متمكنا من استسعاء نصيبه على ملكه إلى وقت الموت وبعد الاعتاق والاستسعاء لا يتمكن اه‍. وفي الهداية: وقيمة المدبر ثلثا قيمته قنا على ما قالوا، فلو كانت قيمته قنا سبعة وعشرين دينارا ضمن له ستة دنانير لان ثلثيها وهو قيمة المدبر ثمانية عشر وثلثها وهو المضمون ستة، والمدبر يضمن للساكت تسعة. وإنما كان كذلك لان الانتفاع بالوطئ والسعاية والبدل وإنما زال الاخير فقط وإليه مال الصدر الشهيد وعليه الفتوى إلا أن الوجه المذكور يخص المدبرة دون المدبر. وقيل: يسئل أهل الخبرة أن العلماء لو جوزوا بيع هذا فاتت المنفعة المذكورة كم يبلغ فما ذكر فهو قيمته وهذا أحسن عندي، كذا في فتح القدير. وجوابه أن الاستخدام هو المنظور إليه الشامل للعبد والجارية والوطئ من الاستخدام فالباقي في المدبر شيئان: الاستخدام والسعاية. والفائت البدل وهذا المعنى يشمل العبد والجارية فلذا كان المفتى به ما في الهداية. وأما قيمة أم الولد والمكاتب فسيأتي إن شاء الله تعالى. وقالا: العبد للذي دبره أول مرة ويضمن ثلثي قيمته لشريكه موسرا كان أو معسرا بناء على أن التدبير لا يتجزى عندهما. ولم يذكر المصنف أن للساكت الاستسعاء لظهوره لان له أن يستسعي العبد في ثلث قيمته وللمدبر أن يستسعي العبد في ثلث قيمته مدبرا إذا اختار عدم تضمين المعتق كما في غاية البيان، ولم يذكر الولاء قال في الهداية: والولاء بين المعتق والمدبر أثلاثا، ثلثاه للمدبر والثلث للمعتق لان العبد عتق على ملكهما على هذا المقدار اه‍. ومراده أنه بين عصبة المدبر والمعتق لان العتق لا يثبت للمدبر إلا بعد موت مولاه كما في غاية البيان والنهاية. وفي فتح القدير: وهو غلط لان العتق المنجز يوجب إخراجه إلى الحرية بتنجيز أحد الامور من التضمين مع اليسار والسعاية والعتق حتى منع استخدام المدبر إياه من حين وجوده كما لو أعتق أحد الشريكين ابتداء ودبره الآخر الساكت فإنه لا تتأخر حرية باقية إلى موته كما قدمناه أول الباب إلى آخره. وقيد المصنف باليسار لان المدبر لو كان معسرا فللساكت الاستسعاء دون التضمين، وكذا المعتق لو كان معسرا فللمدبر الاستسعاء دون تضمين المعتق، كذا في غاية البيان. وبهذا علم أن تقييد المصنف بيسار الثلاثة ليس بقيد لان الاعتبار ليسار المدبر والمعتق، وأما الساكت

[ 407 ]

فلا اعتبار بحاله من اليسار والاعسار. ولم يذكر المصنف رجوع المدبر بما ضمنه للساكت على العبد وقد نص الحاكم الشهيد في الكافي بأنه يرجع على العبد بثلث قيمته قنا كما ضمن. وقيد المصنف بكون الساكت اختار تضمين المدبر بعد تحرير الآخر لانه لو اختار تضمين المدبر. قبل إن يعتقه الآخر ثم أعتقه كان للمدبر أن يضمن المعتق ثلثي قيمته لان الاعتاق وجد بعد تملك المدبر نصيب الساكت فله أن يضمنه ثلث قيمته قنا مع ثلث قيمته مدبرا كما هو صفته. قال في فتح القدير: وأورد بعض الطلبة على هذا أنه ينبغي أن يضمنه قيمة ثلثيه مدبرا لانه حين ملك ثلث الساكت بالضمان صار مدبرا لا قنا، ولذا قلنا في وجه كون ثلثي الولاء له لانه صار كأنه دبر ثلثيه ابتداء، والجواب لا يتم إلا بمنع كون الثلث الذي ملكه بالضمان للساكت صار مدبرا بل هو قن على ملكه إذ لا موجب لصيرورته مدبرا لان ظهور الملك الآن لا يوجبه والتدبير يتجزى وذكرهم إياه في وجه كون ثلثي الولاء له غير محتاج إليه إذ يكفي فيه أنه على ملكه حين أعتقه الآخر وأدى الضمان، وإنما لم يكن ولاؤه له لما ذكرنا من أنه ضمان جناية لا تملك ا ه‍. وبما قررناه أولا علم أن الواو في قول المصنف وحرره آخر بمعنى ثم قيد به لانه لو أعتقه أحدهم ودبره الآخر وكاتب الآخر ولا يعلم الاول فالتصرفات كلها جائزة ويسعى العبد للمدبر في سدس قيمته وضمن له المعتق أيضا سدس قيمته مدبرا إن كان موسرا، ويسعى العبد في المكاتبة للثالث، فإن عجز فهو بالخيار، إن شاء استسعى العبد في ثلث قيمته والولاء أثلاثا، وإن شاء ضمن المدبر المعتق ثلث قيمته نصفين إذا كانا موسرين والولاء بينهما نصفان لانهما لما جهلا التاريخ يجعل كان هذه التصرفات وقعن معا، وأنها متجزئه عند أبي حنيفة فصحت. ثم لا شئ للمعتق على أحد، وإن أعتق واحد وكاتب الآخر ودبر الثالث معا ليس لواحد الرجوع لان تصرف كل واحد حصل في ملك نفسه، وإن دبر أحدهم أولا ثم أعتق الثاني ثم كاتب الآخر ثبت للمدبر الرجوع على المعتق بقيمة نصيبه ولا رجوع للمكاتب على أحد، فإن دبر ثم كاتب ثم أعتق فحكم المدبر والمعتق ما ذكرنا. وأما المكاتب إذا عجز العبد يرجع على المعتق بقيمة نصيبه لانه عاد عبدا له والمعتق أتلفه، وإن كاتبه أولا ثم دبر ثم أعتق، فإن لم يعجز العبد يعتق عليه ولا ضمان له على أحد، وإن عجز يرجع على المدبر بثلث قيمته لا على المعتق وتمام تفريعاته في المحيط. قوله: (ولو قال لشريكه هي أم ولدك وأنكر تخدمه يوما وتتوقف يوما) أي تخدم المنكر يوما ولا تخدم أحدا يوما. وهذا عند أبي حنيفة فلا سعاية عليها للمنكر ولا سبيل عليها للمقر. وقالا: إن شاء المنكر استسعى الجارية في نصف قيمتها ثم تكون حرة، ولا سبيل عليها لانه لما لم يصدقه صاحبه انقلب إقرار المقر عليه كأنه استولدها فصار كما إذا أقر المشتري على البائع أنه أعتق المبيع قبل البيع يجعل كأنه أعتق كذا هذا، فتمتنع الخدمة ونصيب المنكر

[ 408 ]

على ملكه في الحكم فتخرج إلى العتاق بالسعاية كأم ولد النصراني إذا أسلمت. ولابي حنيفة أن المقر لو صدق كانت الخدمة كلها للمنكر ولو كذب كان له نصف الخدمة فيثبت ما هو المتيقن به وهو النصف، ولا خدمة للشريك الشاهد ولا استسعاء لانه يبرأ عن جميع ذلك بدعوى الاستيلاد والضمان والاقرار بأمومية الولد يتضمن الاقرار بالنسب وهو أمر لازم لا يرتد بالرد فلا يمكن أن يجعل المقر كالمستولد. ونص الحاكم في الكافي على أن أبا يوسف رجع إلى قول أبي حنيفة فالمخالف فيها محمد فقط، وعلى قوله ليس لاحد أن يستخدمها. أما المقر فلانه تبرأ منها بالدعوى على شريكه، وأما المنكر فلانه لما أنكر نفذ الاقرار على المقر فصار كإقراره أنه استولدها، ثم إذا أدت نصف قيمتها إلى المنكر عتق كلها لان العتق لا يتجزى عندهما، ولم يذكر المصنف حكم كسبها ونفقتها وجنايتها والجناية عليها وحكمها بعد موت أحدهما. أما الاول ففي غاية البيان نصف كسبها للمنكر ونصفه موقوف اعتبارا بمنافعها. وأما نفقتها فمن كسبها فإن لم يكن لها كسب ففي المختلف في باب محمد أن نفقتها على المنكر ولم يذكر خلافا. وقال غيره: إن النصف على المنكر لان نصف الجارية له. قال في فتح القدير: وهو اللائق بقول أبي حنيفة. وينبغي على قول محمد أن لا نفقة لها عليه أصلا لانه لا خدمة له عليها ولا احتباس. وأما جنايتها والجناية عليها فموقوفة عند الامام إلى تصديق أحدهما صاحبه، وعلى قول أبي يوسف أولا وهو قول محمد تسعى في جنايتها بمنزلة المكاتب وتأخذ أرش الجناية عليها فتستعين به كما في الكافي للحاكم وتبعه في غاية البيان وفتح القدير، وقد نقل الزيلعي أن النصف موقوف والنصف على الجاحد عند الامام، وفي صحته عن الامام نظر لما علمت أن مذهبه التوقف في الكل. وفي المحيط: وذكر محمد التوقف على الاطلاق وهو الصحيح لانه تعذر إيجاب يوجب الجناية في نصيب المنكر على المنكر لانه عجز عن دفعها بالجناية من غير صنع منه فلا تلزمه الفدية كما لو أبق أو مات بعد الجناية بخلاف الجناية عليها لانه أمكن دفع نصيب الارش إلى المنكر، سواء كان نصيبه قنا أو أم ولد فلا معنى للتوقف ا ه‍. وأما إذا مات المنكر فإنها تعتق لاقرار المقر أنها كانت كأم ولد له ثم تسعى في نصف قيمتها لورثة المنكر، ولا تسعى للمقر لانه يدعي الضمان دون السعاية ولم أر حكمها إذا مات المقر لظهور أن الامر كما كان قبل موته فتخدم المنكر يوما وتتوقف يوما. وقيد بقوله وأنكر لانه لو صدقه كانت أم ولد له ولزمه نصف قيمتها ونصف عقرها كالامة المشتركة إذا أتت بولد فادعاه أحدهما كما سيأتي قوله: (وما لام ولد تقوم) أي ليس لها قيمة عند أبي حنيفة. وقالا: إنها متقومة للانتقاع بها وطئا وإجارة واستخداما، وهذا هو دلالة التقوم، وبامتناع بيعها لا يسقط تقومها كما في المدبر ألا ترى أن أم ولد النصراني إذا أسلمت عليها السعاية وهذا آية التقوم غير أن قيمتها ثلث قيمتها قنه على ما قالوا لفوات البيع، والسعاية بعد الموت بخلاف المدبر لفوات منفعة البيع، أما السعاية والاستخدام باقيان. ولابي

[ 409 ]

حنيفة أن التقوم بالاحراز وهي محرزة للنسب لا للتقوم والاحراز للتقوم تابع ولهذا لا تسعى لغريم ولا لوارث بخلاف المدبر. وهذا لان النسب فيها متحقق في الحال وهو الحرية الثابتة بواسطة الولد على ما عرف في حرمة المصاهرة إلا أنه لم يظهر عمله في حق الملك ضرورة الانتقاع فعمل التسبب في إسقاط التقوم، وفي المدبر ينعقد السبب بعد الموت وامتناع البيع فيه لتحقق مقصوده فافترقا، وفي أم ولد النصراني قضينا بكتابتها عليه دفعا للضرر من الجانبين وبدل الكتابة لا يفتقر وجوبه إلى التقوم، كذا في الهداية. وفي غاية البيان: وهذا تناقض من صاحب الهداية في كلامه لانه جعل التدبير هنا سببا بعد الموت وجعله في باب التدبير سببا في الحال، ومذهب علمائنا أن التدبير سبب في الحال بخلاف سائر التعليقات فإنها ليست بأسباب في الحال اه‍. وجوابه أن كلامه في سقوط التقوم لام الولد، فحاصل كلامه أن سبب سقوط التقوم في أمل الولد ثابت في الحال، وسبب سقوطه في المدبر متأخر إلى ما بعد الموت لان الاصل أن ينعقد السبب فيه بعد الموت كسائر التعليقاتت وإنما قلنا بانعقاده سببا للحال على خلاف القياس لضرورة هي أن تأخره إلى وجود الشرط كغيره من التعليقات يوجب بطلانه لان ما بعد الموت زمان زوال أهلية التصرف فلا تتأخر سببية كلامه فيتقدر بقدر الضرورة فيظهر أثره في حرمة البيع خاصة لا في سقوط التقوم فتتأخر سببيته لسقوط التقوم إلى ما بعد الموت، وهذا هو محمل كلام المصنف فلا تناقض كما في فتح القدير. قوله: (فلا يضمن أحد الشريكين بإعتاقها) يعني لو كانت أمة بين رجلين ولدت فادعياه جميعا فصارت أم ولد لهما ثم أعتقها أحدهما فلا ضمان عليه لشريكه موسرا كان أو معسرا عند الامام. وعندهما إن كان المعتق موسرا ضمن نصف قيمتها، وإن كان معسرا سعت للساكت في نصف القيمة. قالوا: وينبني على هذا الاصل مسائل منها ما في المختصر، والثانية إذا غصبها فهلكت عنده لا يضمن عنده، وعندهما يضمن. والثالثة إذا مات أحدهما تعتق ولا تسعى في شئ للحي عنده، وعندهما تسعى في نصف قيمتها له. والرابعة إذا باع جارية فجاءت بولد عند المشتري لاقل من ستة أشهر فماتت الجارية فادعى البائع أن الولد ابنه ثبت نسبه منه ويأخذ الولد ويرد الثمن كله، وعندهما يرد حصة الولد ولا يرد حصة الام، كذا في غاية البيان. وزاد في فتح القدير خامسة وهي ما إذا باعها وسلمها فماتت في يد المشتري لا ضمان عليه عنده، ويضمن عندهما. وذكر في الكافي والنهاية أن أم الولد إذا جاءت بولد فادعاه أحدهما ثبت نسبه منه وعتق ولم يضمن لشريكه قيمة الولد عنده لان أم الولد كأمه فلا يكون متقوما عنده، وعندهما يضمن إن كان موسر ويسعى الولد له إن كان معسرا. وتعقبه في التبيين بأن النسب يثبت مستندا إلى وقت العلوق فلم يعلق شئ منه على

[ 410 ]

ملك الشريك. وهكذا ذكر صاحب الهداية في باب الاستيلاد في القنة فضلا عن أن تكون أم ولد قبله حتى قال: لا يغرم قيمة ولدها. وكذا ذكر غيره. ولم يذكروا خلافا فيه فكيف يتصور أن يكون سقوط الضمان لاجل أنه كأمه عنده وعندهما يضمن وهو حر الاصل، ولو كان مكان الدعوى إعتاق كان مستقيما ا ه‍. وحاصله أنهم صرحوا أن أحد الشريكين إذا ادعى ولد الامة فإنه لا يغرم قيمة الولد من غير خلاف لانه ثبت نسبه مستندا إلى وقت العلوق، فإذا كان لا ضمان عليه في ولد القنة فكيف يضمن قيمته من أو الولد عندهما مع أنه حر الاصل؟ ولم أر جوابا عنه وهو سهو منه للفرق الظاهر بين ولد القنة وولد أم الولد لانه في ولد القنة إنما لا يضمن قيمته لشريكه لانه لما ضمن لشريكه نصف قيمة الامة تبين أن الاستيلاد صادف ملكه بالتمام لان النصف انتقل إليه فعلق الولد على ملكه، وولد الامة من مولاها حر فلا يغرمه، وفي أم الولد لم ينتقل نصيب شريكه إليه لانها لا تقبل الانتقال من ملك إلى ملك فلم يكن الاستيلاد في ملكه التام فهو في نصيب شريكه كالاجنبي وولد أم الولد من الاجنبي كأمه فلذا لا يضمن عنده ويضمن عندهما، والدليل على ذلك أنه لا يضمن نصف قيمة أم الولد عندهما في هذه الصورة لان مدعي الولد لم يتلف على شريكه شيئا لانها أم ولد لهما قبل دعوى الشريك الولد الثاني، والدليل على ذلك أيضا ما نقله في البدائع أن المدبرة بين رجلين إذا جاءت بولد فادعاه أحدهما ثبت نسبه وصار نصفها أم ولد له ونصفها مدبرة للشريك ويغرم نصف العقر ونصف قيمة الولد مدبرا، ولا يضمن نصف قيمة الام بخلاف القنة إلى آخره. فقد علمت أنه لا تقاس المدبرة وأم الولد على القنة وسنوضحه في بابها إن شاء الله تعالى والله سبحانه وتعالى أعلم. هذا ولو قرب أم الولد إلى مسبعة فافترسها السبع يضمن لان هذا ضمان جناية لا ضمان غصب. قوله: (له أعبد قال لاثنين أحد كما حر فخرج واحد ودخل آخر وكرر ومات بلا بيان عتق ثلاثة أرباع الثابت ونصف كل واحد من الآخرين) شروع في بيان بعض مسائل العتق المبهم. وصورة هذه المسألة رجل له ثلاثة أعبد فدخل عليه اثنان فقال أحد كما حر فخرج أحدهما ودخل آخر فقال أحد كما حر ومات المولى قبل أن يبين عتق من الثابت ثلاثة أرباعه وهو الذي أعيد عليه القول، وعتق نصف كل واحد من الخارج والداخل عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: كذلك إلا في العبد الاخير فإنه يعتق ربعه، أما الخارج فلان الايجاب الاول دائر بينه وبين الثابت فأوجب عتق رقبة بينهما لاستوائهما فيصيب كل واحد منهما النصف غير أن الثابت استفاد بالايجاب الثاني ربعا آخر لان الثاني دائر بينه وبين الداخل

[ 411 ]

فيتنصف بينهما غير أن الثابت استحق نصف الحرية بالايجاب الاول فشاع النصف المستحق بالثاني في نصفيه، فما أصاب المستحق بالاول لغا وما أصاب الفارغ بقي فيكون له الربع فتمت له ثلاثة الارباع، ولانه لو أريد هو بالثاني يعتق نصفه، ولو أريد به الداخل لا يعتق هذا النصف فيتنصف فعتق منه الربع بالثاني. والنصف بالاول، وأما الداخل فمحمد رحمه الله تعالى يقول: لما دار الايجاب الثاني بينه وبين الثابت وقد أصاب الثابت منه الربع فكذا يصيب الداخل. وهما يقولان: إنه دائر بينهما وقضيته التنصيف وإنما نزل إلى الربع في حق الثابت لاستحقاقه النصف بالايجاب الاول كما ذكرنا، ولا استحقاق للداخل من قبل فيثبت فيه النصف. قيد بقوله ومات بلا بيان لانه ما دام حيا يؤمر بالبيان وللعبيد مخاصمته، فإن بدا بالبيان للايجاب الاول فإن عنى به الخارج عتق الخارج بالايجاب الاول وتبين أن الايجاب الثاني بين الثابت والداخل وقع صحيحا لوقوعه بين عبدين فيؤمر بالبيان لهذا الايجاب، وإن عنى بالايجاب الاول الثابت عتق الثابت بالايجاب الاول وتبين أن الايجاب الثاني وقع لغوا لحصوله بين حر وعبد في جواب ظاهر الرواية، وإن بدأ بالبيان للايجاب الثاني فإن عنى به الداخل بالايجاب الثاني بقي الايجاب الاول بين الخارج والثابت على حاله كما كان فيؤمر بالبيان، وإن عنى به الثابت عتق الثابت بالايجاب الثاني وعتق الخارج بالايجاب الاول لتعينه للعتق بإعتاق الثابت. وقيد بموته لانه لو مات واحد منهم فإن مات الخارج عتق الثابت بالايجاب الاول وتبين أن الايجاب الثاني وقع باطلا، وإن مات الثابت عتق الخارج بالايجاب الاول والداخل بالايجاب الثاني لان الثابت قد أعيد عليه الايجاب فموته يوجب تعيين كل واحد منهما للعتق، وإن مات الداخل يؤمر المولى بالبيان للايجاب الاول، فإن عنى به الخارج عتق الخارج بالايجاب الاول وبقي الايجاب الثاني بين الداخل والثابت فيؤمر بالبيان، وإن عنى به الثابت تبين أن الايجاب الثاني وقع باطلا. قوله: (ولو في المرض قسم الثلث على هذا) أي على قدر ما يصيبهم من سهام العتق، وشرحه أن يجمع بين سهام العتق وهي سبعة على قولهما لانا نجعل كل رقبة على أربعة لحاجتنا إلى ثلاثة الارباع فنقول: يعتق من الثابت ثلاثة أسهم ومن الآخرين من كل واحد منهما سهمان فبلغ سهام العتق سبعة والعتق في مرض الموت وصية ومحل نفاذها الثلث فلا بد أن تجعل سهام الورثة ضعف ذلك، فتجعل كل رقبة على سبعة وجميع المال أحد وعشرون، فيعتق من الثابت ثلاثة ويسعى في أربعة، ومن الباقين من كل واحد سهمان ويسعى في خمسة أسهم، فإذا تأملت وجمعت استقام الثلث والثلثان. وعند محمد يجعل كل رقبة على ستة لانه

[ 412 ]

يعتق من الداخل عنده سهم فنقصت سهام العتق سهما فصار جميع المال ثمانية عشر وباقي التخريج ما مر. فحاصله أنه يعتق على قوله من الثابت نصفه ويسعى في النصف، وعلى قولهما يعتق نصفه إلا نصف سبع ويعتق من الخارج ثلثه سهمان ويسعى في الثلثين، وعلى قولهما يعتق ثلثه إلا ثلث سبع ومن الداخل سدسه وهو سهم واحد، وعلى قولهما يعتق سبعاه. قال في فتح القدير: ولا يخفى أن الحاصل لورثته لا يختلف ا ه‍. ولا يخفى أن قسمة الثلث إنما هو عند عدم إجازة الورثة وضيق المال وعدم الدين، أما إذا كانوا يخرجون من الثلث أو لا يخرجون لكن أجازت الورثة فالجواب كما إذا كان في الصحة يعتق من كل واحد ما عتق ويسعى في الباقي، ولو كان على الميت دين مستغرق يسعى كل واحد في قيمته للغر ماء ردا للوصية لان العتق في مرض الموت وصية ولا وصية إلا بعد قضاء الدين، فإن كان الدين غير مستغرق بأن كان ألفا وقيمة كل واحد من العبدين ألف مثلا يسعى كل واحد في نصف قيمته ثم نصف كل واحد منهما وصية، فإن أجازت الورثة عتق النصف الباقي من كل واحد وإلا يعتق من كل واحد ثلث نصف الباقي وهو السدس مجانا ويسعى في ثلثي النصف، كذا في البدائع في مسألة ما إذا أعتق عبديه في المرض، ويستفاد منه مسألة الكتاب كما لا يخفى. وأشار المصنف إلى أنه لو كان هذا في الطلاق فالحكم كذلك قال في الهداية: ولو كان هذا في الطلاق وهن غير مدخول بهن ومات الزوج قبل البيان سقط من مهر الخارجة ربعه، ومن مهر الثابتة ثلاثة أثمان، ومن مهر الداخلة ثمنه. قيل: هذا قول محمد. وعندهما يسقط ربعه. وقيل: هو قولهما أيضا. وقد ذكرنا الفرق وتمام تفريعها في الزيادات ا ه‍. وقد أوضحه في فتح القدير. ثم اعلم أن جهالة المعتق لا تخلو إما أن تكون أصلية وإما أن تكون طارئة، فإن كانت أصلية وهي أن تكون الصيغة من الابتداء مضافة إلى أحد المذكورين غير عين فصاحبه المزاحم لا يخلو إما أن يكون محتملا للاعتاق وهو ممن ينفذ إعتاقه فيه كقوله لعبديه أحدكما حر فالكلام فيه في موضعين: الاول في كيفية هذا التصرف، والثاني في أحكامه. أما كيفيته فقيل إن العتق معلق بالبيان ولا يثبت العتق قبل الاختيار إلا أنه ها هنا يدخل الشرط على الحكم لا على السبب كالتدبير والبيع بخيار الشرط بخلاف التعليق بسائر

[ 413 ]

الشروط، ونسب هذا القول إلى أبي يوسف. ويقال إنه قول أبي حنيفة أيضا. وقال بعضهم: هو تنجيز العتق في غير المعين للحال واختيار العتق في أحدهما بيان ونسب هذا القول لمحمد. ولم يكن منصوصا عليه من أصحابنا لكنه مدلول عليه ومشار إليه، أما الدلالة فلانه ظهر الاختلاف بين أبي يوسف ومحمد في الطلاق فيمن قال لامرأتيه أحداكما طالق أن العدة تعتبر من وقت الاختيار في قول أبي يوسف والعدة إنما تجب من وقت وقوع الطلاق، فدل أن الطلاق لم يكن واقعا. وفي قول محمد يعتبر من وقت الكلام السابق وهو يدل على أن الطلاق قد وقع من حين وجوده. وأما الاشارة فإنه روي عن أبي يوسف أنه قال: إذا أعتق أحد عبديه تعلق العتق بذمته ويقال له أعتق. وفيه إشارة إلى أنه غير نازل في المحل. ومعنى قوله أعتق اختر العتق لاجماعنا أنه لا يكلف بإنشاء العتق. وذكر محمد في الزيادات يقال له بين، وفيه إشارة إلى الوقوع في غير المعين. ثم القائلون بالبيان اختلفوا في كيفية البيان فمنهم من قال إنه إظهار محض، وقيل إظهار من وجه، إنشاء من وجه هذا غير سديد، لان القول الواحد لا يكون إظهارا وإنشاء. وأما الاحكام فنقول إن للمولى أن يستخدمهما ويستغلهما قبل الاختيار، وهذا يدل على أنه غير واقع ولو جنى عليهما قبل الاختيار فلا يخلو إما إن كانت من المولى أو من الاجنبي، وكل لا يخلو إما أن يكون على النفس أو على ما دون النفس، فإن كانت من المولى على ما دون النفس بأن قطع يدهما فلا شئ عليه وهو يدل على عدم نزول العتق، وسواء قطعهما معا أو على التعاقب، وإن كان على النفس بأن قتلهما، فإن كان على التعاقب فالاول عبد والثاني حر فتلزمه دية الثاني وتكون لورثته ولا يرث المولى منها شيئا، وإن قتلهما معا بضربة واحدة فعليه نصف دية كل واحد منهما وهذا يؤيد القول بنزول العتق في غير المعين. وإن كانت من أجنبي فيما دون النفس بأن قطع إنسان يدهما فعليه أرش العبيد للمولى وهو نصف قيمة كل واحد منهما، قطعهما معا أو على التعاقب، وهو يدل على عدم نزوله. وإن كانت في النفس فلا يخلو إما أن يكون القاتل واحدا أو اثنين، فإن كان واحدا فإن قتلهما معا فعلى القاتل نصف قيمة كل واحد منهما وتكون للمولى وعليه نصف دية كل واحد منهما لورثتهما، وهذا يدل على أن العتق نازل في غير العين، وإن قتلهما على التعاقب يجب على القاتل قيمة الاول للمولى ودية الثاني للورثة.

[ 414 ]

وإن كان القاتل اثنين، فإن كانا معا فعلى كل واحد منهما القيمة نصفها للورثة ونصفها للمولى، وإنما لم تجب دية لان من تجب عليه الدية منهما مجهول بخلاف ما إذا كان واحدا. وإن كان على التعاقب فعلى الاول القيمة للمولى وعلى الثاني الدية للورثة، ولو كانا أمتين فولدت كل واحدة ولدا أو إحداهما فاختار المولى عتق إحداهما عتقت هي وعتق ولدها، سواء كان للاخرى ولد أو لم يكن. أما على قول التنجيز فظاهر، وهكذا على قول التعليق لانعقاد السبب فيسرى كالاستيلاد. ولو ماتا معا قبل الاختيار وقد ولدت كل ولدا خير المولى فيختار عتق أي الوالدين شاء كما كان مخيرا فيهما، ولو قتل الامتين رجل خير المولى في الولدين فأيهما اختار عتقه لا يرث من أرش أمه شيئا لانه إنما عتق بالاختيار وهو بعد موت الام فلا يرث منها بل يكون الكل للمولى، وهذا نص مذهب التعليق. ولو وطئتا بشبهة قبل الاختيار يجب عقرهما للمولى كالارش وهو يؤيد قول التعليق، ولو باعهما صفقة واحدة فسد البيع على المذهبين لانعقاد السبب على قول التعليق كما لو جمع بين قن ومدبر في البيع ولم يبين حصة كل واحد منهما من الثمن، ولو قبضهما المشتري وملك أحدهما وأعتقهما المشتري أمر البائع باختيار العتق، وأيهما اختار عتقه عتق الآخر على المشتري، فإن مات البائع قبل البيان قام الوارث مقامه، فإن لم يعتق المشتري حتى مات البائع لم ينقسم العتق بينهما حتى يفسخ القاضي البيع، فإذا فسخه انقسم وعتق في كل نصفه. ولو وهبهما قبل الاختيار أو تصدق بهما أو تزوج عليهما تخير فيختار العتق في أيهما شاء، وتجوز الصدقة والهبة والامهار في الآخر لان حرية أحدهما لا يوجب بطلان هذه التصرفات لانه لو جمع في الهبة بين حر وعبد فإنه يصح في العبد، وإن مات المولى قبل أن يبين العتق في أحدهما بطلت الهبة والصدقة فيهما وبطل إمهارة لشيوع العتق بموته، ولو أسرهما أهل الحرب كان للمولى أن يختار العتق ويكون الآخر لاهل الحرب، فإن لم يختر حتى مات بطل ملك أهل الحرب لشيوع الحرية

[ 415 ]

فيهما. ولو اشتراهما من أهل الحرب تاجر فللمولى أن يختار عتق أيهما شاء ويأخذ الآخر بحصته من الثمن، فإن اشترى التاجر أحدهما فاختار المولى عتقه عتق وبطل الشراء، فإن أخذه المولى من الذي اشتراء بالثمن عتق الآخر. ولو أعتق أحد عبديه في صحته ثم بين في المرض فإنه يعتق من جميع المال، وإن كانت قيمته أكثر من الثلث، وهذا يدل على أن إضافة العتق إلى المجهول إيقاع وتنجيز إذا لو كان تعليقا لاعتبر من الثلث كالانشاء في المرض، وسيأتي بيان ما يكون بيانا وما لا يكون بيانا. ولو قال أحد عبيدي حر ثلاث مرات وله ثلاثة عتقوا جميعا، ولو قال أحدكم حر وكرره ثلاثا لم يعتق إلا واحد لان أحدهم عتق باللفظ الاول، ثم الثاني جمع بين حر وعبدين فقال أحدكم فلم يصح، ثم باللفظ الثالث جمع بين عبد وحرين فلم يصح ذلك أيضا. ولو قال لعبده أنت حر أو مدبر يؤمر بالبيان، فإن قال عنيت به الحرية عتق، وإن قال عنيت التدبير صار مدبرا، فإن مات قبل البيان والقول في الصحة عتق نصفه بالاعتاق البات ونصفه بالتدبير لشيوع العتقين فيه إلا أن نصفه يعتق مجانا من جميع المال، ونصفه يعتق من الثلث، سواء كان التدبير في المرض أو في الصحة، إن خرج من الثلث عتق كل النصف، وإن لم يكن له مال غيره عتق ثلث النصف ويسعى في ثلثي النصف وهو ثلث الكل. وأما الحكم بعد موت المولى من غير بيان فإنه يعتق من كل واحد منهما نصفه والخيار لا يورث لشيوع العتق ويسعى في نصفه. وهذا كله إذا كان المزاحم له محتملا للعتق وهو

[ 416 ]

ممن ينفذ إعتاقه فيه، فإن كان مما لا ينفذ إعتاقه فيه بأن جمع بين عبده وعبد غيره وقال أحدكما حر لا يعتق عبده، إلا بالنية لاحتماله كلا منهما، وإن كان المزاحم مما لا يحتمل الاعتاق كما إذا جمع بين عبد وبهيمة أو حائط أو حجر وقال أحدكما حر توقف على النية لان الصيغة للاخبار وهو صادق. ولو جمع بين عبده ومدبره وقال أحدكما حر لا يصير عبده مدبرا إلا بالنية، وأما الجهالة الطارئة بأن أضافه إلى أحدهما بعينه ثم نسيه فالكلام فيه في موضعين: أحدهما في كيفية هذا التصرف. ثانيهما في أحكامه. أما الاول فلا خلاف في أن أحدهما حر قبل البيان والبيان فيه إظهار، وأما الثاني فهي ضربان: ضرب يتعلق بحياة المولى والآخر بعد موته. أما الاول فإنه يمنع عن وطئهن واستخدامهن والحيلة في أن يباح له وطؤهن أن يعقد عليهن عقد النكاح فتحل له الحرة منهن ويأمره القاضي بالبيان، فإن امتنع حبسه ليبين، وإن ادعى كل ولا بينة وجحد استحلفه القاضي لكل واحد منهما بالله ما أعتقته، فإن نكل لهما عتقا، وإن حلف لهما أمر بالبيان لان حرية أحدهما لا ترتفع باليمين، فإن حلف المولى للاول عتق الذي لم يحل له، وإن لم يحلف له عتق هو، وإن حلف لهما وكانا أمتين يحجب عنهما حتى يبين. والبيان في هذه الجهالة نوعان: نص ودلالة أو ضرورة. فالنص أن يعينه بقوله، وأما الدلالة أو الضرورة فهو أن يفعل أو يقول ما يدل على البيان كأن يتصرف في أحدهما تصرفا لا يصح إلا في الملك من البيع والهبة والاعتاق. وكذا إذا كانا أمتين فوطئ أحداهما عتقت الاخرى بلا خلاف بخلاف الجهالة الاصلية عند الامام. وإن كن عشرا فوطئ إحداهن تعينت الموطوءة للرق حملا لامره على الصلاح، وتعينت الباقيات لكون المعتقة فيهن فتتعين بالبيان نصا أو دلالة. وكذا لو وطئ الثانية والثالثة إلى التاسعة فتتعين الباقية وهي العاشرة للعتق، ولو ماتت واحدة منهن قبل البيان فالاحسن أن لا يطأ الباقيات قبل البيان، فلو فعل جاز لاحتمال أن يتذكر أن المعتقة هي الميتة لان الحي هنا لا يتعين للعتق بخلاف الجهالة الاصلية. ولو كانتا اثنتين فماتت واحدة منهما لا تتعين الباقية للعتق لان الميتة لم تتعين للملك فوقف تعينها للعتق على البيان. ولو قال المولى هذا مملوك وأشار إلى أحدهما تعين الآخر للعتق دلالة أو ضرورة،

[ 417 ]

ولو باعهما صفقة واحدة كان البيع فاسدا، وكذا لو كانوا عشرة باعهم صفقة، ولو باعهم على الانفراد جاز البيع في التسع وتعين العاشر للعتق. وأما الثاني فهو أن المولى إذا مات قبل البيان يعتق من كل منهما نصفه مجانا ويسعى كل في نصفه كما في الجهالة الاصلية، كذا في البدائع مع اختصار وحذف الدلائل. قوله: (والبيع والموت والتحرير والتدبير بيان في العتق المبهم) لانه لم يبق محلا للعتق أصلا بالموت والتحرير وللعتق من جهته بالبيع وللعتق من كل وجه بالتدبير فتعين الآخر، ولانه بالبيع قصد الوصول إلى الثمن وبالتدبير إبقاء الانتفاع إلى موته، والمقصودان ينافيان العتق الملتزم فتعين الآخر دلالة. والاستيلاد والكتابة كالتدبير، والمراد بالتحرير أن يعتق أحدهما ناويا استئناف العتق عليه أو لا نية له لا بيان للمبهم، فلو قال لاحدهما أنت حر أو أعتقتك ولم يقل بذلك اللفظ أو بالعتق السابق، فإن أراد به عتقا مستأنفا عتقا جميعا، وهذا بالاعتاق المستأنف وذلك باللفظ السابق، وإن قال عنيت به الذي لزمني بقولي أحدكما حر يصدق في القضاء ويحمل قوله أعتقتك على اختيار العتق أي اخترت عتقك. وأشار بالبيع إلى كل تصرف لا يصح إلا في الملك كهبة أحدهما أو صدقته أو رهنه أو إجارته أو الايصاء به أو تزويجه فكان إقدامه دليلا على اختياره العتق المبهم في الآخر، وهذا على القول بأن العتق غير نازل. وأما على القول بنزوله فالاقدام عليها يكون اختيارا للملك في المتصرف فيه فيتعين الآخر للعتق ضرورة. وشرط في الهداية التسليم في الهبة والصدقة ليكون تمليكا. وظاهر البدائع أنه ليس بشرط لان المساومة إذا كانت بيانا فهذه التصرفات أولى بلا قبض. وفي الكافي أن ذكر التسليم وقع اتفاقا. وأطلق في البيع فشمل الصحيح والفاسد مع القبض وبدونه، وشمل المطلق وبشرط الخيار لاحد المتعاقدين لاطلاق الكتاب والمعنى ما قلنا، والعرض على البيع ملحق به في المحفوظ عن أبي يوسف. وأطلق في التحرير فشمل المعلق والمنجز، فإن قال لاحدهما إن دخلت الدار فأنت حر عتق الآخر. وقيد بالعتق المبهم لان الموت في النسب المبهم أو أمومية الولد المبهمة لا يكون بيانا فلو قال أحد هذين ابني أو أحد هاتين أم ولدي فمات أحدهما لم يتعين الآخر للحرية والاستيلاد لانه ليس بإنشاء بل إخبار

[ 418 ]

عن شئ سابق والاخبار يصح في الحي والميت فيقف على بيانه بخلاف أحدكما حر إنشاء والانشاء لا يصح إلا في الحي. وأطلق في الموت فشمل القتل، سواء قتله المولى أو أجنبي، فإن كان القتل من المولى فلا شئ عليه، وإن كان من الاجنبي فعليه قيمة العبد المقتول للمولى، فإن اختار المولى عتق المقتول لا يرتفع العتق عن الحي ولكن يكون لورثة المقتول لان المولى قد أقر بحريته فلا يستحق شيئا من قيمته، وقيد بالموت احترازا عن قطع اليد فإنه لا يعتق الآخر، سواء كان القطع من المولى أو من الاجنبي. فإن كان من أجنبي وبين المولى العتق في غير المجني عليه فالارش للمولى بلا شك، وإن بينه في المجني عليه ذكر القدوري أن الارش للمولى لا للمجني عليه. وذكر الاسبيجابي أن الارش للمجني عليه وهو قياس مذهب التنجيز والاول قياس مذهب التعليق. وفي فتح القدير: وما يقع به البيان في العتق المبهم المنجز يقع به في العتق المبهم المعلق كان قال إذا جاء زيد فأحد كما حر، فلو مات أحدهما قبل الشرط أو تصرف فيه بإزالة الملك ثم جاء زيد عتق الباقي. وفرق بين البيان الحكمي والصريح، فإن الحكمي قد رأيت أنه يصح قبل الشرط بخلاف الصريح فإنه لو قال قبل الشرط اخترت أن يعتق فلان ثم وجد الشرط لا يعتبر لانه اختيار قبل وقته كما لو قال أنت حر إن دخلت هذه أو هذه ثم عين أحداهما للحنث لا يصح تعيينه. ولو باع أحدهما أو كلاهما ثم اشتراهما ثم جاء زيد ثبت حكم العتق المبهم فيعتق أحدهما ويؤمر بالبيان لان زوال الملك بعد اليمين لا يبطلها ا ه‍. وفي الاختيار: لو قال أحدكما حر فقيل أيهما نويت فقال لم أعن هذا عتق الآخر، فإن قال بعد ذلك لم أعن هذا عتق الاول أيضا، وكذلك طلاق إحدى المرأتين بخلاف ما إذا قال لاحد هذين على ألف فقيل له هو هذا فقال لا لا يجب للآخر شئ. والفرق أن التعيين واجب عليه في الطلاق والعتاق فإذا نفاه عن أحدهما تعين الآخر إقامة للواجب، أما الاقرار لا يجب عليه البيان فيه لان الاقرار للمجهول لا يلزم حتى لا يجبر عليه فلم يكن نفي أحدهما تعيينا للآخر. قوله: (لا الوطئ) أي لا يكون وطئ إحدى الامتين بيانا للعتق المبهم إذا لم يكن معلقا عند أبي حنيفة. وقالا: لا هو بيان فتعتق الاخرى لان الوطئ لا يحل إلا في الملك وإحداهما حرة فكان بالوطئ مستبقيا الملك في الموطوءة فتعينت الاخرى لزواله بالعتق كما في الطلاق، وله أن الملك قائم في الموطوءة لان الايقاع في النكرة وهي معينة فكان وطؤها حلالا فلا يجعل بيانا ولهذا حل وطؤهما على مذهبه إلا أنه لا يفتى به. ثم يقال: العتق غير نازل قبل

[ 419 ]

البيان لتعلقه به أو يقال نازل في المنكر فيظهر في حق حكم يقبله والوطئ يصادف المعينة بخلاف الطلاق لان المقصود الاصلي من النكاح الولد وقصد الولد بالوطئ يدل على استبقاء الملك في الموطوءة صيانة للولد، أما الامة فالمقصود من وطئها قضاء الشهوة دون الولد فلا يدل على الاستبقاء. وفي فتح القدير: الحق أنه لا يحل طؤهما كما لا يحل بيعهما وقد وضع في الاصول مسألة يجوز أن يحرم أحد أشياء كما يجوز إيجاب أحد أشياء كما في خصال الكفارة، وحكم تحريم أحد أشياء جواز فعلها إلا واحدا لانه لو عمها فعلا كان فاعلا للمحرم قطعا ولا يعلم خلاف في ذلك، وثبوت الملك قد يمتنع معه الوطئ لعارض كالرضاع والمجوسية فلا يستلزم قيامه حل الوطئ وقد أطال رحمه الله تعالى إطالة حسنة. والحاصل أن الراجح قولهما وأنه لا يفتى بقول الامام كما في الهداية وغيرها لما فيه من ترك الاحتياط مع أن الامام رحمه الله تعالى ناظر إلى الاحتياط في أكثر المسائل. قيدنا الوطئ بكونه غير معلق لانها لو علقت به عتقت الاخرى بالاتفاق. وقيد بالعتق المبهم لان الوطئ في التدبير المبهم لا يكون بيانا بالاجماع لان التدبير لا يزيل ملك المنافع بخلاف العتق. وأشار المصنف إلى أنه لو قبلها أو لمسها أو نظر إلى فرجها بشهوة لا يكون بيانا بالاولى وهو على الخلاف كما في المحيط، وإلى أنه لو استخدم أحدهما طوعا أو كرها لا يكون بيانا وهو بالاجماع لان الاستخدام لا ينافي إنشاء العتق ولا يبطله الانشاء لانه لا يختص بالملك لانه قد تستخدم الحرة فلا يكون بيانا دلالة، كذا في المحيط قوله: (وهو والموت بيان في الطلاق المبهم) أي الوطئ بيان للطلاق المبهم فتطلق التي لم يطأها كما إذا ماتت إحداهما تعينت الاخرى للطلاق، وقد قدمنا الفرق بين الطلاق والعتق. ولا بد أن يكون الطلاق بائنا، أما لو كان رجعيا لا يكون الوطئ بيانا لطلاق الاخرى لحل وطئ المطلقة الرجعية. وهل البيان يثبت في الطلاق بالمقدمات في الزيادات لا يثبت. وقال الكرخي: يحصل بالتقبيل كما يحصل بالوطئ، كذا في فتح القدير. قيد بالوطئ والموت لانه لو طلق إحداهما ينبغي أن لا يكون بيانا لان المطلقة يقع الطلاق عليها ما دامت في العدة فلا يدل على أن الاخرى هي المطلقة. قوله: (ولو قال إن كان أول ولد تلدينه ذكر افأنت حرة فولدت ذكر أو أنثى ولم يدر الاول رق الذكر وعتق نصف الام والانثى) لان كل واحد منهما يعتق في حال دون حال وهو ما إذا ولدت الغلام أولا عتقت الام بالشرط والجارية لكونها تبعا لها لان الام حرة حين ولدتها، وترق في حال وهو ما إذا ولدت الجارية أولا لعدم الشرط فيعتق نصف كل واحدة وتسعى في النصف. أما الغلام فيرق في الحالين فلهذا يكون عبدا، وهذا الجواب كما ترى

[ 420 ]

في الجامع الصغير من غير خلاف فيه. والمذكور لمحمد في الكيسانيات في هذه المسألة أنه لا يحكم بعتق واحد منهم لانا لم نتيقن بعتق، واعتبار الاحوال بعد التيقن بالحرية، ولا يجوز إيقاع العتق بالشك فعن هذا حكم الطحاوي بأن محمدا كان أولا مع أبي حنيفة وأبي يوسف ثم رجع. وفي النهاية عن المبسوط أن هذا الجواب ليس جواب هذا الفصل بل في هذا الفصل لا يحكم بعتق واحد ولكن يحلف المولى بالله ما يعلم أنها ولدت الجارية أولا، فإن نكل فنكوله كإقراره، وإن حلف فكلهم أرقاء. وأما جواب هذا الفصل إنما هو فيما إذا قال إن كان أول ولد تلدينه غلاما فأنت حرة، وإن كانت جارية فهي حرة، فولدتهما ولا يدري الاول فالغلام رقيق والانثى حرة ويعتق نصف الام، ولا شك أن هذا ليس جواب الكتاب لان في هذه الصورة يعتق جميع الجارية على كل حال لانها إن ولدت الجارية أولا عتقت بالشرط، وإن ولدت الغلام أولا عتقت تبعا للام، وأما انتصاف عتق الام فلانها تعتق في ولادة الغلام أولا وترق في الجارية، وجواب الكتاب عتق نصفها مع نصف الام. وصحح في النهاية ما في الكيسانيات لان الشرط الذي لم يتيقن وجوده إذا كان في طرف واحد كان القول قول من أنكر وجوده كما إذا قال إن دخلت الدار غدا فأنت حر فمضى الغد ولا يدري أدخل الدار أم لا للشك في شرط العتق، فكذا وقع الشك في شرط العتق وهو ولادة الغلام أولا. وأما إذا كان الشرط مذكورا في طرفي الوجود والعدم كان أحدهما موجودا لا محالة فحينئذ يحتاج إلى اعتبار الاحوال. فإن قلت: المفروض في مسألة الكتاب تصادقهم على عدم علم المتقدم والمتأخر، فكيف يحلف ولا دعوى ولا منازع؟ قلت: هو محمول على دعوى من خارج حسبة عتق الامة أو بنتها لوجود الشرط، وقد عرف أن الامة لو أنكرت العتق وشهد به يقبل فعلى هذا جاز أن يدعى رجل حسبة إذا لم تكن بينة ليحلف لرجاء نكوله، هذا ولكن المذكور في المبسوط في تعليله صرح بأن الام تدعي العتق والمولى ينكر والقول للمنكر مع يمينه، فأفاد أن ذلك في صورة دعوى الام وهي غير هذه الصورة التي في الكتاب. واعلم أن ما ذكر في النهاية من ترجيح ما في الكيسانيات حقيقته إبطال قول أبي حنيفة وأبي يوسف مع أنه لم يرو عنهما رواية شاذة تخالف ذلك في الجواب، واستدلاله بأن الشرط الكائن في طرف واحد إلى آخر قد ينظر فيه بأن ذلك في الشرط الظاهر لا الخفي، ولذا قيد في المبسوط حيث قال: إذا قال إن فعلت كذا فأنت حر وذلك من الامور الظاهرة كالصوم والصلاة ودخول الدار فقال العبد فعلت لا يصدق إلا ببينة بخلاف قوله إن كنت تجيني إلى

[ 421 ]

آخره. فيمكن أن تكون الولادة من الامور التي ليست ظاهرة فيوجب الشك فيها اعتبار الاحوال فيعتق نصف الام كما في الجامع والله أعلم، كذا في فتح القدير وفيه نظر، لان جعل الولادة من الامور الخفية كمحبة القلب لا يصح لان المراد بالامور الظاهرة ما يمكن اطلاع الغير عليها، والمراد بالخفية ما لا يمكن اطلاع الغير عليه، ولا شك أن الولادة مما يمكن الاطلاع عليها ولذا اتفقوا أنه لا يقبل قول المرأة في الولادة ولو كانت كالمحبة لقبل قولها، وإنما اختلفوا هل يكتفي بشهادة المرأة أو لا بد من شهادة رجلين أو رجل وامرأتين كما قدمناه. فالحق أن المسألة مشكلة لانها لا توافق الاصول ولا يمكن الحكم بإبطال هذا الجواب كما في النهاية لان جوابها نص الجامع الصغير، ولولا ذلك لتعين القول بما في النهاية، وقد ظهر للعبد الضعيف أن مشايخنا يعتبرون الاحوال عند تعدد الشرط وعند التعليق بشرط واحد له جزآن كمسألتنا. قوله: (فإن العتق معلق على شرطه له جزآن) إحداهما ولادة الغلام، وثانيهما كونه أول، ففي كل منهما إذا تحقق وجود البعض ووقع التردد في تعيينه فحينئذ تعتبر الاحوال، فإن في مسألتنا تحقق ولادة الغلام لكن لم يدر أنه أول بخلاف التعليق بدخول الدار ونحوه فإن الشرط شئ واحد ولم يتحقق وجوده فلا تعتبر الاحوال. فالحاصل أن الشرط إذا كان مركبا من جزئين فهو كالتعليق بشرطين. وبهذا التقدير يصح ما في الجامع الصغير وتتوافق الفروع مع الاصول كما لا يخفى. والمراد بعدم علم الاول تصادقهم على عدم الاول تصادقهم على عدم معرفة الاول، وقيد به لانهم لو اتفقوا على أن ولادة الغلام أولا أو اتفقوا على أن ولادة الجارية أولا فلا يعتق أحد في الثاني ويعتق كل الام والجارية في الاول فهي ثلاثة، والرابعة لو اختلفا فادعت الام ولادة الغلام أولا وأنكر المولى والجارية صغيرة فالقول قول المولى لانه ينكر شرط العتق، ويحلف على العلم لانه فعل الغير، فإن حلف لم يعتق واحد منهما إلا أن تقيم البينة بعد ذلك، وإن نكل عتقت الام والبنت لان دعوى الام حرية الصغير معتبرة لانها نفع محض ولها عليها ولاية لا سيما إذا لم يعرف لها أب. الخامسة أن تدعي الام بأن الغلام هو الاول ولم تدع البنت وهي كبيرة فإنه يحلف المولى، فإن حلف لم يعتق واحد منهم، وإن نكل عتقت الام دون البنت لان النكول حجة ضرورية فلا تتعدى ولا ضرورة

[ 422 ]

في غير المدعية، هكذا ذكروا، وهذا يشير إلى أنها لو أقامت البينة تتعدى. السادسة أن تدعي البنت وهي كبيرة أن الغلام هو الاول ولم تدع الام فتعتق البنت إذا نكل دون الام لما ذكرنا. وقيد بكون الشرط واحدا لانه لو كان متعددا فهو على وجوه: الاول لو قال إن كان أول ولد تلدينه غلاما فأنت حرة، وإن كان جارية فهي حرة فولدتهما، فإن علم أنه أولا عتق الام والجارية لا غير، وإن علم أن الجارية هي الاولى عتقت لا غير، وإن لم يعلم فالجارية حرة على كل حال والغلام عبد على كل حال ويعتق نصف الام وتسعى في نصف قيمتها، وإن اختلفا فالقول قول المولى. الثاني لو قال إن كان أول ولد تلدينه غلاما فهو حر، وإن كانت جارية فأنت حرة فولدتهما، فإن علم أنه الاول عتق هو لا غير، وإن علم أنها أولا عتقت الام والغلام لا غير، وإن لم يعلم فالغلام حر على كل والجارية رقيقة على كل حال ويعتق نصف الام. الثالث أن تلد غلامين وجاريتين والمسألة بحالها، فإن علم أن الاول ذكر عتق هو لا غير، وإن علم أنه جارية فهي رقيقة ومن سواها أحرار، وإن لم يعلم الاول يعتق من الغلامين من كل واحد منهما ثلاثة أرباعه ويسعى في ربع قيمته ويعتق من الام نصفها ويعتق من البنتين من كل واحدة ربعها. الرابع لو قال إذا ولدت غلاما ثم جارية فأنت حرة، وإن ولدت جارية ثم غلاما فالغلام حر فولدتهما، فإن كان الغلام أولا عتقت الام والغلام والجارية رقيقان، وإن كانت الجارية أولا عتق الغلام والام والجارية رقيقان، وإن لم يعلم الاول باتفاقهما فالجارية رقيقة، وأما الغلام والام فإنه يعتق من كل واحدة منهما نصفه، وإن اختلفا فالقول قول المولى مع يمينه. الخامس لو ولدت غلامين وجاريتين والمسألة بحالها، فإن ولدت غلامين ثم جاريتين عتقت الام وعتقت الجارية الثانية بعتقها وبقي الغلامان والجارية الاولى رقيقا، وإن ولدت غلاما ثم جاريتين ثم غلاما عتقت الام والجارية الثانية والغلام الثاني بعتق الام، وإن ولدت جاريتين ثم غلامين عتق الغلام الاول وبقي من سواه رقيقا، وكذا إذا ولدت جارية ثم غلامين ثم جارية عتق الغلام الاول لا غير، وكذا إذا ولدت جارية ثم غلاما ثم جارية ثم غلاما عتق الغلام الاول، وإن لم يعلم باتفاقهم يعتق من الاولاد من كل واحد بعه ويعتق من الام نصفها، وإن اختلفوا فالقول قول المولى مع يمينه، كذا في البدائع بحذف التعليل. قوله: (ولو شهدا أنه حرر أحد عبديه أو أمتيه لغت إلا أن تكون في وصية أو طلاق مبهم) وهذا عند الامام. وقالا: الشهادة مقبولة ويؤمر بأن يوقع العتق على أحدهما قياسا على

[ 423 ]

ما إذا شهدا أنه طلق إحدى نسائه فإنها جائزة ويجبر على أن يطلق إحداهن بالاجماع وهو المراد بقوله أو طلاق مبهم وهو استثناء منقطع لان صدر الكلام لم يتناول آخره. وفرق الامام بينهما، أما في عتق العبد فالفرق أن الشهادة على عتق العبد لم تقبل من غير دعوى العبد ولم يتحقق هنا لان الدعوى من المجهول لا تتحقق فلا تقبل الشهادة. وعندهما لما لم تكن دعواه شرطا قبلت. أما في الطلاق فعدم الدعوى لا يوجب خللا في الشهادة. لانها ليست بشرط فيه، وأما في عتق الامة فإنها لا تقبل عنده وإن كانت الدعوى ليست شرطا فيه لانه إنما لم تشترط الدعوى لما أنه يتضمن تحريم الفرج فشابه الطلاق لكن العتق المبهم لا يوجب تحريم الفرج عنده على ما ذكرنا فصار كالشهادة على عتق أحد العبدين. والمراد بقوله إلا أن تكون في وصية أنهما شهدا أنه أعتقه في مرض موته فإن القياس أن لا تقبل لما ذكرنا. والاستحسان قبولها لان العتق في المرض وصية والخصم معلوم وهو الموصي وله خلف وهو الوصي أو الوارث فتتحقق الدعوى من الخلف، ولان العتق يشيع بالموت فيهما فصار كل واحد منهما معينا. وكذا لو شهدا على تدبير أحدهما، سواء كان في صحته أو مرضه، لانه وصية ولو في الصحة. وأطلق المصنف في شهادتهما بعتق أحد العبدين فشمل ما إذا كانت الشهادة بعد موت المولى وهو قول البعض لان العتق في الصحة ليس بوصية فلا تقبل شهادتهما، والاصح قبولها اعتبارا للشيوع لما عرف أن الحكم إذا علل بعلتين لا ينتفي بانتفاء أحدهما فكان ينبغي للمصنف أن يقول في حياته كما لا يخفى لكن قال في فتح القدير: ولقائل أن يقول شيوع العتق الذي هو مبني على صحة كون العبدين مدعيين يتوقف على ثبوت قوله أحد كما حر ولا مثبت له إلا الشهادة وصحتها متوقفة على الدعوى الصحيحة من الخصم فصار ثبوت شيوع العتق متوقفا على ثبوت الشهادة، فلو أثبتت الشهادة بصحة خصومتها وهي متوقفة على ثبوت العتق فيهما شائعا لزم الدور، وإذا لم يتم وجه ثبوت هذه الشهادة على قوله لزم ترجيح القول بعدم قبولها، وعلى هذا يبطل الوجه الثاني من وجهي الاستحسان في المسألة التي قبل هذه ا ه‍. أقول: إن هذا من العجب العجاب من هذا المحقق لان صحة كونهما مدعيين لا يتوقف على الثبوت إذ يلزم مثله في كل دعوى بأن يقال: صحة كونه مدعيا متوقفة على ثبوت قوله، وثبوت قوله متوقف على تقدم الدعوى الصحيحة، وإنما صحة الدعوى متوقفة على كون المدعي معلوما مع بقية الشرائط، فإذا كان المولى حيا لم يدع كل منهما عتق نفسه لجهالة المعتق فلم تسمع الشهادة لعدم تقدم الدعوى، وإذا مات المولى شاع العتق فجاز لكل واحد منهما أن يدعي أن نصفه حر فإذا ادعى ذلك سمعت دعواه وقبل

[ 424 ]

برهانه، فقد ظهر صحة الوجه الثاني وبطلان قول من زعم بطلانه، ولهذا صحح القول المذكور فخر الاسلام والمصنف في الكافي وارتضاه الشارحون والله هو الموفق للصواب. وشمل إطلاق المصنف ما إذا كان العبدان يدعيان العتق أو أحدهما كما في البدائع. وأشار المصنف إلى أنهما لو شهدا أنه حرر أمة بعينها وسماها فنسيا اسمها لا تقبل لانهما لم يشهدا بما تحملاه وهو عتق معلومة بل مجهولة، وكذا الشهادة على طلاق إحدى زوجتيه وسماها فنسياها. وعنذ زفر تقبل ويجبر على البيان ويجب أن يكون قولهما كقول زفر في هذا لانها كشهادتهما على عتق إحدى أمتيه وطلاق إحدى زوجتيه، كذا في فتح القدير. وإلى أنه لو شهدا أنه أعتق عبده سالما وله عبدان كل واحد اسمه سالم والمولى يجحد لم يعتق واحد منهما في قول أبي حنيفة لانه لا بد من الدعوى لقبول هذه الشهادة عنده، ولا يتحقق هنا من المشهود له لانه غير معين منهما فصارت كمسألة الكتاب الخلافية بخلاف ما لو كان له عبد واحد اسمه سالم وشهدا أنه أعتق عبده سالما ولا يعرفونه فإنه يعتق لانه كان متعينا لما أوجبه، وكون الشهود لا يعرفون عين المسمى لا يمنع قبول شهادتهم، كما أن القاضي يقضي بالعتق بهذه الشهادة وهو لا يعرف العبد بخلاف ما لو شهدوا ببيعه، كذا في فتح القدير. وذكر فروعا آخرى هنا تناسب الشهادات أخرنا ذكرها إليها. والفرق بين البيع والاعتاق أن البيع لا يحتمل الجهالة أصلا والعتق يحتمل ضربا منها، ألا ترى أنه لا يجوز بيع إحدى العبدين ويجوز عتق أحدهما، كذا في البدائع والله أعلم. باب الحلف بالدخول هكذا في بعض النسخ والاولى باب الحلف بالعتق كما في الهداية. والمراد منه أن يجعل

[ 425 ]

العتق جزاء على الحلف بأن يعلق العتق بشئ وهو شروع في بيان التعليق بعد ما ذكر مسائل التنجيز. وإنما ذكر مسألة التعليق بالولادة في باب عتق البعض لبيان أنه يعتق منه البعض عند عدم العلم. والحلف بفتح الحاء مع سكون اللام وكسرها مصدر قولهم حلف بالله يحلف حلفا وحلفا القسم، وبكسر الحاء مع سكون اللام العهد قوله: (ومن قال إن دخلت فكل مملوك لي يومئذ حر عتق ما يملكه بعده به) أي بعد هذا القول بالدخول لان التنوين في يومئذ عوض عن الجملة المضاف إليها لفظ إذ تقديره إذا دخلت. ولفظ يوم ظرف للمملوك فكان التقدير كل من يكون في ملكي وقت الدخول حر. وهذا في الحقيقة إضافة عتق المملوك يوم الدخول إلى يوم الدخول، والمملوك لا يكون إلا بملك فصار كأنه قال إن ملكت مملوكا وقت الدخول فهو حر وهو يصدق بملك قبل الدخول يقارن بقاءه الدخول فكأنه إضافة العتق إلى الملك الموجود عند الدخول بخلاف قوله لعبد غيره إن دخلت الدار فعبدي حر فاشتراه فدخل لا يعتق لانه لم يضف العتق إلى ملكه لا صريحا ولا معنى. والمراد باليوم هنا مطلق الوقت حتى لو دخل ليلا عتق ما في ملكه لانه أضيف إلى فعل لا يمتد وهو الدخول وإن كان في اللفظ إنما أضيف إلى لفظ إذ المضافة للدخول لكن معنى إذ غير ملاحظ وإلا كان المراد يوم وقت الدخول، وهو وإن كان يمكن على معنى يوم الوقت الذي فيه الدخول تقييدا لليوم به لكن إذا أريد به مطلق الوقت يصير المعنى وقت وقت الدخول ونحن نعلم مثله كثيرا في الاستعمال الفصيح كنحو ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ولا يلاحظ فيه شئ من ذلك فإنه لا يلاحظ في هذه الآية وقت يغلبون يفرح المؤمنون، ولا يوم وقت يغلبون يفرحون، ونظائره كثيرة في كتاب الله تعالى وغيره، فعرف أن لفظ إذ لم يذكر إلا تكثيرا للعوض عن الجملة المحذوفة أو عمادا له أعني التنوين لكونه حرفا واحدا ساكنا تحسينا لم يلاحظ معناها، ومثله كثير في أقوال أهل العربية في بعض الالفاظ لا يخفى على من له نظر فيها، كذا في فتح القدير. ولو قال المصنف عتق ما هو مملوك له وقت الدخول لكان أظهر لان ما كان في ملكه وقت الحلف واستمر إلى وقت الدخول لم يملكه بعد اليمين ملكا متجددا. وفي البدائع: لو قال كل مملوك أملكه اليوم فهو حر ولا نية له وله مملوك فاستفاد في يومه ذلك مملوكا آخر عتق ما في ملكه وما استفاد ملكه في اليوم، وكذا لو قال هذا الشهر أو هذه السنة لانه لما وقت باليوم أو الشهر أو السنة فلا بد وأن يكون التوقيت مفيدا، ولو لم يتناول إلا ما في ملكه يوم الحلف لم يكن مفيدا، فإن قال عنيت أحد الصنفين دون الآخر لم يدين في القضاء لانه نوى تخصيص العموم وأنه خلاف الظاهر فلا يصدق في القضاء ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى لان الله تعالى مطلع على نيته. وفي البدائع أيضا: لو قال كل مملوك اشتريه فهو حر إن كلمت فلانا أو إذا كلمت فلانا أو إذا جاء الغد ولا نية له فهذا يقع على ما يشتريه قيل الكلام، فكل مملوك اشتراه قبل الكلام ثم كلم عتق، وما اشتراه بعد الكلام لا يعتق،

[ 426 ]

ولو قدم الشرط فقال إن كلمت فلانا أو إذا كلمت فلانا أو إذا جاء غد فكل مملوك اشتريه فهو حر فهذا على ما يشتريه بعد الكلام لا قبله حتى لو كان اشترى مماليك قبل الكلام ثم كلم لا يعتق واحد منهم، وما اشتراه بعده يعتق، ولو قال كل مملوك اشتريه إذا دخلت الدار فهو حر، أو قال إن قدم فلان فهذا على ما يشتري بعد الفعل الذي حلف عليه ولا يعتق ما اشترى قبل ذلك إلا أن يعينهم. قوله: (ولو لم يقل يومئذ لا) أي لا يعتق ما يملكه بعده وإنما يعتق من كان في ملكه وقت التكلم لان قوله كل مملوك لي يختص بالحال والجزاء حرية المملوك في الحال يتعلق في الحال بمملوك أي المملوك في الحال حريته هي الجزاء، وإنما كانت للحال لان المختار في الوصف من اسم الفاعل والمفعول أن معناه قائم حال التكلم بمن نسب إليه على وجه قيامه به أو وقوعه عليه، واللام للاختصاص، فلو لم يكن في ملكه شئ يوم حلف كان اليمين لغوا. ولا فرق بين كون العتق معلقا كما في الكتاب أو منجزا، أو سواء قدم الشرط أو أخره، وسواء كان التعليق ب‍ " إن كما في الكتاب أو بغيرها كإذا دخلت أو إذا ما أو متى أو متى ما. وقوله لي ليس بقيد لانه لو قال كل مملوك أملكه فهو حر ولا نية له فإنه لما كان في ملكه يوم حلف فقط لان صيغة افعل وإن كانت تستعمل للحال والاستقبال لكن عند الاطلاق يراد به الحال عرفا وشرعا ولغة. أما العرف فإن من قال فلان يأكل أو يشرب أو يفعل كذا يريد به الحال. ويقول الرجل ما أملك ألف درهم ويريد به الحال. وأما الشرع فإن من قال أشهد أن لا إله إلا الله يكون مؤمنا، ولو قال أشهد أن لفلان علي فلان كذا كان شاهدا. وأما اللغة فإن هذه الصيغة موضوعة للحال على طريق الاصالة لانه ليس للحال صيغة أخرى وللاستقبال سين وسوف فكانت الحال أصلا فيها والاستقبال دخيلا، فعند الاطلاق ينصرف إلى الحال. ولو قال عنيت به ما استقبل ملكه عتق ما ملكه للحال وما استحدث الملك فيه لما ذكرنا أن ظاهرها للحال وبنيته يصرفه عن ظاهره فلا يصدق فيه ويصدق في قوله أردت ما يحدث ملكي فيه في المستقبل فيعتق عليه بإقراره كما إذا قال زينب طالق وله امرأة معروفة بهذا الاسم ثم قال لي امرأة أخرى بهذا الاسم عنيتها طلقت المعروفة بظاهر اللفظ والمجهولة باعترافه كذا ها هنا. وكذا لو قال كل مملوك أملكه الساعة فهو حر إن هذا يقع على ما في ملكه وقت اليمين ولا يعتق ما يستفيده بعد ذلك إلا أن يكون نوى ذلك فيلزمه ما نوى لان المراد من الساعة المذكورة هي الساعة المعروفة عند الناس وهي الحال لا الساعة الزمانية التي يذكرها المنجمون فيتناول هذا الكلام من كان في ملكه وقت التكلم لا من يستفيده من بعد، فإن قال أردت به من أستفيده في هذه الساعة الزمانية يصدق فيه لان اللفظ يحتمله وفيه تشديد على نفسه ولكن لا يصدق في صرف اللفظ عمن يكون في ملكه للحال، وسواء أطلق أو علق بشرط قدم الشرط أو أخره، كذا في البدائع.

[ 427 ]

قوله: (والمملوك لا يتناول الحمل) لان اللفظ يتناول والمملوك المطلق والجنين مملوك تبعا للام لا مقصودا، ولانه عضو من وجه واسم المملوك يتناول الانفس دون الاعضاء ولهذا لا يملك بيعه منفردا ولا يجزئ عتقه عن الكفارة، فلو قال كل مملوك لي حر وله حمل أوصى له به دون أمه، أو قال كل مملوك لي ذكر فهو حر وله جارية حامل فولدت ذكرا لاقل من ستة أشهر، أو قال إن اشتريت مملوكين فهما حران فاشترى جارية حاملا فإن الحمل في هذه الصور الثلاث لا يعتق لما ذكرنا، ولا تعتق الام في المسألة الثانية أيضا لتقييده بالذكورة، ولا في مسألة الثالثة كما في البدائع لان شرط الحنث شراء مملوكين والحمل لا يسمى مملوكا على الاطلاق، وكذا لو قال للحامل كل مملوك لي غيرك حر لم يعتق الحمل كما في المحيط. وإنما قيدنا بالصور الاربع لانه لو قال كل مملوك لي حر وله جارية حاملة فإن الحامل تدخل فيعتق الحمل تبعا لها كما في الهداية. وهذا بناء على أن لفظة مملوك إما لذات متصفة بالمملوكية وقيد التذكير ليس جزء المفهوم، وإذا كان التأنيث جزء مفهوم مملوكة فيكون مملوك أعم من مملوكة فالثابت فيه عدم الدلالة على التأنيث لا الدلالة على عدم التأنيث. وأما أن الاستعمال استمر فيه على الاعمية فوجب اعتباره كذلك، كذا في فتح القدير. قيد بعدم تناول الحمل فقط لانه يتناول العبيد ولو مرهونين أو مأذونين أو مأجورين، والاماء وإن كن حوامل وأمهات أولاده وأولادهما والمدبر والمدبرة. ولو نوى الذكور فقط لم يصدق في القضاء لانه خلاف الظاهر في عرف الاستعمال ويصدق ديانة مع أن طائفة من الاصوليين على أن جمع الذكور يعم النساء حقيقة وضعا. وفي الذخيرة: قال مماليكي كلهم أحرار ونوى الرجال دون النساء لم يذكره وقالوا: لا يصدق ديانة بخلاف قوله كل مملوك لي ونوى التخصيص يصدق ديانة ا ه‍. فإن قلت: ما الفرق وفي الوجهين نية تخصيص العام؟ فالجواب أن كلهم تأكيد للعام قبله وهو مماليكي لانه جمع مضاف فيعم وهو يرفع احتمال المجاز غالبا والتخصيص يوجب المجاز فلا يجوز بخلاف قوله كل مملوك لي فإن الثابت به أصل العموم فقط فقبل التخصيص. وفي المحيط: لو قال لم أنو المدبرين قيل لم يدين قضاء وديانة، والصحيح أنه يصدق ديانة لانه لا يمكن تخصيص العام إلا باعتبار الوصف فإن الخصوص لا يمتاز عن العام إلا باعتبار الوصف فلو لم يصح التخصيص في حق الوصف ما أمكن تخصيص عام أبدا ا ه‍. وأشار بعدم تناوله للحمل إلى أنه لا يتناول ما لم يكن مملوكا على الاطلاق فلا يتناول المكاتب لانه مملوك من وجه إذ هو حر يدا، وقدمنا أنه لا يدخل تحت لفظ العبد أيضا ولا يتناول المشترك إلا بالنية ولا عبيد عبده التاجر وهو قول أبي يوسف، سواء كان على العبد دين أو لا، وعلى قول محمد عتقوا نواهم أو لا، عليه دين أولا، وعلى قول أبي حنيفة إن لم

[ 428 ]

يكن عليه دين عتقوا إذا نواهم وإلا فلا، وإن كان عليه دين لم يعتقوا وإن نواهم، كذا في فتح القدير والنهاية وغيرهما. وبه علم أن ما في المجتبى من أنه لا يدخل العبد المرهون والمأذون في التجارة سبق قلم. وذكر في المحيط أنه لا يتناول المشترك إلا إذا ملك النصف الآخر بعده فإنه يعتق في قوله إن ملكت مملوكا فهو حر لانه وجد الشرط وهو مملوك كامل فلو باع نصيبه ثم اشترى نصيب شريكه لم يعتق استحسانا لانه لم يجتمع في ملكه مملوك كامل بخلاف إن ملكت هذا العبد فهو حر فملك نصفه ثم باعه ثم ملك النصف الثاني فإنه يعتق النصف الذي في ملكه لان حالة تعيين المملوك يراد به الملك فيه مطلقا لا مجتمعا ا ه‍. قوله: (كل مملوك لي أو أملكه فهو حر بعد غد أو بعد موتي يتناول من ملكه منذ حلف فقط) لما قدمنا أن قوله كل مملوك لي للحال وكذا كل مملوك أملكه لان المضارع للحال كما بيناه، فمن كان في ملكه وقت اليمين يصير حرا في المسألتين بعد غد. وفي قوله بعد موتي يصير من كان في ملكه وقت اليمين مدبرا في المسألتين فلا يعتق من اشتراه بعد اليمين في التقييد بقوله بعد موتي. قيد بكون الظرف ظرفا للحرية لانه لو جعله ظرفا للملك كما إذا قال كل مملوك أملكه غدا فهو حر ولا نيه له ذكر محمد في الجامع أنه يعتق كل من ملكه في غد ومن كان في ملكه قبله. وقال أبو يوسف. لا يعتق إلا من استفاد ملكه في غد ولا يعتق من جاء غد وهو في ملكه وهو رواية ابن سماعة عن محمد. وعلى هذا الخلاف إذا قال كل مملوك أملكه رأس شهر كذا فهو حر ورأس الشهر الليلة التي يهل فيها الهلال ومن الغد إلى الليل للعرف. وعن أبي يوسف فيمن قال كل مملوك أملكه يوم الجمعة فهو حر قال: ليس هذا على ما في ملكه إنما هو على ما يملكه يوم الجمعة، وهذا على أصل أبي يوسف صحيح لانه أضاف العتق إلى زمان مستقبل، فأما إذا قال كل مملوك أملكه إذا جاء غد فهو حر فهذا على ما في ملكه في قولهم لانه جعل مجئ الغد شرطا لثبوت العتق لا غير فيعتق من في ملكه ولكن عند مجئ الغد، كذا في البدائع. قوله: (وبموته عتق من ملكه بعده من ثلثه أيضا) أي بموت المولى يعتق من ملكه بعد قوله كل مملوك لي أو أملكه حر بعد موتي من ثلث ماله كما يعتق من كان في ملكه للحال من ثلث المال. فالحاصل أن من كان في ملكه وقت اليمين مدبر مطلق أو من ملكه بعدها فليس بمدبر مطلق وإنما هو مدبر مقيد فيعتقان بموت المولى عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: يعتق من كان في ملكه يوم حلف ولا يعتق ما استفاده بعد يمينه لان اللفظ حقيقة للحال على ما بينا فلا يعتق به ما سيملكه ولهذا صار هو مدبرا دون الآخر. ولهما أن هذا إيجاب عتق وإيصاء حتى اعتبر من الثلث وفي الوصايا تعتبر الحالة المنتظرة والحالة الراهنة ألا

[ 429 ]

ترى أنه يدخل في الوصية بالمال يستفيده بعد الوصية وفي الوصية لاولاد فلان من يولد له بعدها والايجاب إنما يصح مضافا إلى الملك أو إلى سببه، فمن حيث إنه إيجاب العتق يتناول العبد المملوك اعتبارا للحالة الراهنة فيصير مدبرا حتى لا يجوز بيعه، ومن حيث إنه إيصاء يتناول الذي يشتريه اعتبارا للحالة المتربصة وهي حالة الموت وقبل الموت حالة التمليك استقبال محض فلا يدخل تحت اللفظ، وعند الموت يصير كأنه قال كل مملوك أملكه فهو حر بخلاف قوله بعد غد على ما تقدم لانه تصرف واحد وهو إيجاب العتق وليس فيه إيصاء والحالة محض استقبال فافترقا. ولا يقال إنكم جمعتم بين الحال والاستقبال لانا نقول: نعم ولكن بشيئين مختلفين إيجاب عتق ووصية، وإنما لا يجوز ذلك لا بسبب واحد، كذا في الهداية. وتعقبه في فتح القدير بأن هذا قول للعراقيين غير مرضي في الاصول وإلا لم يمتنع الجمع مطلقا ولم يتحقق خلاف فيه لان الجمع قط لا يكون إلا باعتبارين وبالنظر إلى شيئين، ولو أمكن أن يقال أن لفظه أوجب تقدير لفظ إذا كان وصية وهو ما قدرناه عند موته من قوله كل عبد لي حر فيعتق به ما استحدث ملكه والموجب للتقدير ما ذكرنا من تحقيق مقصود الوصية من الثواب والبر للاصحاب، وهذا الموجب لا يحتاج إلى تقديم تقديره عند ملك العبد وإلا كان مدبرا مطلقا، وإنما يحتاج إليه عند موته من قوله فلا تتعلق به عبارته عند ملكه لا الصريحة لانها لم تتناول إلا الحال، ولا المقدرة لتأخير تقديرها إلى ما قبل الموت فلا يكون مدبرا لا مطلقا ولا مقيدا كان رافعا للاشكال ا ه‍. وحاصله أن عتق ما ملكه بعده بموته ليس من اللفظ المذكور ليلزم الجمع بين الحال والاستقبال وإنما هو من لفظ آخر مقدر دل عليه تحقيق مقصوده من الثواب فلا جمع بلفظ واحد بل بلفظين مذكور ومقدر. وأفاد بقوله من ثلثه أنهما إن خرجا من الثلث عتق جميع كل منهما، وإن ضاق عنهما يضرب كل منهما بقيمته فيه، وإن كان على المولى دين مستغرق فإنهما ليسعيان له في جميع قيمتهما كما هو حكم المدبر بعد موت مولاه. وأشار المصنف إلى أنه لو قال كل مملوك أملكه إذا مت فهو حر فالحكم كذلك والله أعلم. باب العتق على جعل أخره لان الاصل عدمه. والجعل في اللغة بضم الجيم ما يجعل للعامل على عمله ثم

[ 430 ]

سمى به ما يعطي المجاهد ليتعين به على جهاده. وأجعلت له أعطيته له والجعائل جمع جعيلة أو جعالة بالحركات بمعنى الجعل، كذا في المغرب. والمراد منه هنا العتق على مال قوله: (حرر عبده على مال فقبل عتق) أي قبل العبد وذلك مثل أن يقول أنت حر على ألف درهم أو بألف درهم أو على أن تعطيني ألفا أو على أن تؤدي إلي ألفا أو على أن تجيئني بألف أو على أن لي عليك ألفا أو على ألف تؤديها إلي، أو قال بعتك نفسك منك على كذا أو وهبت لك نفسك على أن تعوضني كذا. وإنما توقف على قبوله لانه معاوضة المال بغير المال إذ العبد لا يملك نفسه، ومن قضية المعاوضة ثبوت الحكم بقبول العوض للحال كما في البيع فإذا قبل صار حرا، وما شرط دين عليه حتى تصح الكفالة به بخلاف بدل الكتابة لانه ثبت مع المنافي وهو قيام الرق على ما عرف. وكما تصح به الكفالة جاز أن يستبدل به ما شاء يدا بيد لانه دين لا يستحق قبضه في المجلس فيجوز أن يستبدل به كالاثمان، ولا خير فيه نسيئة لان الدين بالدين حرام. ولم يقيد القبول بالمجلس لما عرف أنه لا بد لكل قبول من المجلس فإن كان حاضرا اعتبر مجلس الايجاب، وإن كان غائبا يعتبر مجلس علمه، فإن قبل فيه صح، وإن رد أو أعرض بطل. والاعراض عنه إنما يكون بالقيام أو بالاشتغال بعمل آخر يعلم أنه قطع لما قبله، كذا في شرح الطحاوي. ولم يقيد المصنف العتق بالاداء لانه يعتق قبله لانه ليس معلقا على الاداء وإنما هو معلق على القبول وقد وجد. وأفاد بقوله قبل أنه لا بد أن يقبل في الكل فلو قال لعبده أنت حر بألف فقال قبلت في النصف فإنه لا يجوز عند أبي حنيفة لان العتق عنده يتجزأ، فلو جاز قبوله في النصف وجب عليه نصف البدل وصار الكل خارجا عن يده لانه يخرج الباقي إلى العتق بالسعاية والمولى ما رضي بزوال يده وصيرورته محجورا عن التصرف إلا بألف. وعندهما يجوز ويعتق كله بجميع الالف لانه لا يتجزأ عندهما فالقبول في النصف قبول في الكل، ولو كان ذلك في الطلاق كان القبول في النصف قبولا في الكل اتفاقا، وكذا كل ما لا يتجزأ كالدم وغيره. ولو قال لمولاه أعتقني على ألف فأعتق نصفه يعتق نصفه بغير شئ، ولو كان بالباء يعتق نصفه بخمسمائة عند الامام كما في الطلاق، كذا في المحيط. وقيد بكون العبد كله له لانه لو كان له نصفه فقال له أنت حر على ألف فقبل فإنه يعتق نصفه بخمسمائة إلا إذا أجاز الآخر يجب الالف بينهما عند أبي حنيفة لان العتق يتجزأ عنده بخلاف ما إذا قال أعتقت نصيبي بألف فقبل العبد لزمه الالف للمعتق لا يشاركه فيه الساكت لان الالف بمقابلة نصيبه، كذا في المحيط أيضا. وأطلق المصنف في المال فشمل جميع أنواعه من النقد والعروض والحيوان وإن كان بغير عينه لانه معاوضة المال بغير المال فشابه النكاح والطلاق والصلح عن دم العمد، وكذا الطعام والمكيل والموزون إذا كان معلوم الجنس، ولا يضره جهالة الوصف لانها يسيرة ويلزمه الوسط في تسمية الحيوان والثوت بعد بيان جنسهما

[ 431 ]

من الفرس والحمار والعبد والثواب الهروي. ولو أتاه بالقيمة أجبر المولى على القبول، ولو لم يسم الحنس بأن قال على ثوب أو حيوان أو دابة فقبل عتق ولزمه قيمة نفسه كما لو أعتقه على قيمة رقبته فقبل عتق كما في المحيط. وأشار المصنف إلى أنه يعتق بالقبول ولو كان المال ملكا للغير، فلو أعتقه على عبد مثلا فاستحق لا ينفسخ العتق، فإن كان بغير عينه فعلى العبد مثله في المثلي والوسط في القيمي، وإن كان معينا رجع على العبد بقيمة نفسه عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد بقيمة المستحق. وعلى هذا الخلاف إذا هلك قبل التسليم، وكذا على هذا الاختلاف لو رده بعيب وليس للمولى الرد بالعيب اليسير عند أبي حنيفة، وإنما يرده بالعيب الفاحش كالعيب في المهر، وقالا باليسير أيضا، كذا في البدائع. ولو اختلفا في المال جنسه أو مقداره فالقول للعبد مع يمينه كما لو أنكر أصل المال، وإن أقاما البينة فالبينة للمولى بخلاف ما إذا كان العتق معلقا بالاداء وهي المسألة الآتية فإن القول فيها قول المولى والبينة بينة العبد، كذا في البدائع. وشمل إطلاق المال الخمر في حق الذمي فإنها مال عندهم، فلو أعتق الذمي عبده على خمر أو خنزير فإنه يعتق بالقبول ويلزمه قيمة المسمى، فإن أسلم أحدهما قبل قبض الخمر فعندهما على العبد قيمته، وعند محمد عليه قيمة الخمر، كذا في المحيط. وقيد بكون المخاطب بالعتق معينا لانه لو كان مجهولا كما إذا قال أحدكما حر على ألف والآخر بغير شئ فقبلا عتقا بلا شئ لان عتقهما متيقن ومن عليه المال مجهول فلا يجب كرجلين قالا لرجل لك على أحدنا ألف وتمام تفريعاته في المحيط. وفي الذخيرة: أنت حر على أن تحج عني فلم يحج فعليه قيمة حج وسط. سئل أبو جعفر عن رجل قال لعبده صم عني يوما وأنت حر أو صل عني ركعتين وأنت حر قال: عتق وإن لم يصم وإن لم يصل. ولو قال حج عني وأنت حر لا يعتق حتى يحج لان الصوم والصلاة مما لا تجري فيهما النيابة والحج مما يجري فيه النيابة، ولانه لا مؤنة في الصوم والصلاة فلا يدل على اشتراط بدل والحج فيه مؤنة فدل على أنه شرط ذلك بدلا ا ه‍. ثم اعلم أن الاعتاق على مال من جانب المولى تعليق وهو تعليق العتق بشرط قبول العوض فيراعي فيه من جانبه أحكام التعليق حتى لو ابتدأ المولى لم يصح رجوعه عنه قبل قبول العبد، ولا الفسخ ولا النهي عن القبول، ولا يبطل بقيامه عن المجلس ولا يشترط حضرة العبد، ويصح تعليقه بشرط وإضافته إلى وقت، ولا يصح شرط الخيار له ومن جانب العبد معاوضة فتراعي أحكامها، فملك الرجوع لو ابتدأ أو بطل بقيامه قبل قبول المولى. وبقيام المولى، ولا يقف على الغائب عن المجلس ولا يصح تعليقه ولا إضافته كما إذا قال اشتريت نفسي مني بألف إذا جاء غد أو عند رأس الشهر بخلاف ما إذا قال إذا جاء غد فأعتقني على كذا جاز لان هذا توكيل منه بالاعتاق حتى يملك العبد عزله قبل وجود الشرط وبعده قبل أن يعتقه، ولو لم يعزل حتى عتقه نفذ اعتاقه ويجوز شرط الخيار له عند أبي حنيفة. ولو قال المولى

[ 432 ]

أعتقتك أمس بألف فلم تقبل فقال العبد قبلت فالقول قول المولى مع يمينه لانه من جانبه تعليق وهو منكر لوجود الشرط، كذا في البدائع. قوله: (ولو علق عتقه بادائه صار مأذونا) أي بأداء المال كأن يقول إن أديت إلي ألفا فأنت حر فيصح ويعتق عند الاداء من غير أن يصير مكاتبا لانه صريح في تعليق العتق بالاداء وإن كان فيه معنى المعاوضة في الانتهاء وإنما صار مأذونا لانه رغبة في الاكتساب لطلبه الاداء منه ومراده التجارة دون التكدي فكان إذنا له دلالة. وذكر في فتح القدير أنه يخالف المكاتب في إحدى عشرة مسألة: الاولى ما إذا مات العبد قبل الاداء وترك مالا فهو للمولى ولا يؤدي منه عنه ويعتق بخلاف الكتابة. الثانية لو مات المولى وفي يد العبد كسب كان لورثة المولى ويباع العبد بخلاف الكتابة. الثالثة لو كانت أمة فولدت ثم أدت فعتقت لم يعتق ولدها لانه ليس لها حكم الكتابة وقت الولادة بخلاف الكتابة. الرابعة لو قال العبد للمولى حط عني مائة فحط عنه المولى وأدى تسعمائة لا يعتق بخلاف الكتابة. زاد في البدائع أنه لو أدى مكان الدراهم دنانير لا يعتق وإن قبل لعدم الشرط. الخامسة لو أبرأ المولى العبد عن الالف لم يعتق ولو أبرأ المكاتب عتق، كذا ذكروها والظاهر أنه لا موقع لها إذا الفرق بعد تحقق الابراء في الموضعين يكون والابراء لا يتصور في هذه المسألة لانه لا دين على العبد بخلاف الكتابة. السادسة لو باع المولى العبد ثم اشتراه أو رد عليه بخيار عيب ففي وجوب قبول ما يأتي به خلاف عند أبي يوسف نعم، وعند محمد لا ولكن لو قبضه عتق بخلاف الكتابة في أنه لا خلاف في أنه يجب أن يقبله ويعد قابضا. السابعة أنه يقتصر على المجلس فلا يعتق ما لم يؤد في ذلك المجلس فلو اختلف بأن أعرض أو أخذ في عمل آخر فأدى لا يعتق بخلاف الكتابة. وهذا إذا كان المذكور من أدوات الشرط لفظة إن فإن كان لفظ إذا أو متى فلا يقتصر على المجلس. الثامنة أنه يجوز للمولى بيع العبد بعد قوله ذلك قبل أن يؤدي بخلاف الكاتبة. التاسعة أن للسيد أن يأخذ ما يظفر به مما اكتسبه قبل أن يأتيه بما يؤديه بخلاف المكاتب. العاشرة أنه إذا أدى وعتق وفضل عنده مال مما اكتسبه كان للسيد فيأخذه بخلاف المكاتب. الحادية عشرة لو اكتسب العبد مالا قبل تعليق السيد فأداه بعده إليه عتق وإن كان السيد يرجع بمثله على ما سيذكر بخلاف الكتابة لا يعتق بأدائه لانه ملك المولى إلا أن يكون كاتبه على نفسه وماله فإنه حينئذ يصير أحق به

[ 433 ]

من سيده، فإذا أدى منه عتق ا ه‍. وفي البدائع ذكر محمد في الزيادات إذا قال إن أديت إلي ألفا في كيس أبيض فأنت حر فأداها في كيس أسود لا يعتق وفي الكتابة يعتق ا ه‍. وهي الثانية عشر. ولو قال إذا أديت ألفا في هذ الشهر فأنت حر فلم يؤدها في ذلك الشهر وأداها في غيره لم يعتق، وفي الكتابة لا يبطل إلا بحكم الحاكم أو بتراضيهما كما في البدائع. وهي الثالثة عشر. وفي المحيط: لو أمر غيره بالاداء فأدى لا يعتق لان الشرط أداؤه ولم يوجد فلا حاجة إلى أداء غيره لانه قادر على أدائه بخلاف الكتابة لانها معاوضة حقيقة فيها معنى التعليق فكان الاصل فيها المعاوضة فكان المقصود حصول البدل ا ه‍. وهي الرابعة عشر. وفي الذخيرة إذا قال إن أديت إلي ألفا فأنت حر فاستقرض العبد من رجل ألفا فدفعها إلى مولاه عتق العبد ورجع غريم العبد على المولى فيأخذ منه الالف لانه أحق بها من المولى من قبل أنه عبد مأذون له في التجارة وغرماء العبد المأذون أحق بماله حتى يستوفوا ديونهم. ولو كان العبد استقرض من رجل ألفي درهم وقيمته ألفا درهم فدفع أحد الالفين إلى مولاه وعتق بها وأكل الالف الاخرى فإن للمقرض أن يأخذ من المولى الالف التي دفعها العبد إليه ويضمن المولى أيضا للغريم الالف درهم لان المولى منع العبد بعتقه من أن يباع بما عليه من الدين، وإن شاء المقرض اتبع العبد بجميع دينه أيضا ا ه‍. قيد بالتعليق لانه لو لم يأت في الجواب بالفاء لا يتعلق بل يتنجز، سواء كان الجواب بالواو كقوله إن أديت إلي ألفا وأنت حر ولا كقوله إن أديت إلي ألفا أنت حر لكونه ابتداء لا جوابا لعدم الرابط. وفي الذخيرة: قال لعبده أنت حر وأدا لي ألف درهم فهو حر ولا شئ عليه، ولو قال أدا لي ألفا وأنت حر لم يعتق حتى يؤدي، ولو قال فأنت حر عتق للحال لان جواب الامر بالواو لا بالفاء فهي للتعليل أي أدا لي ألفا لانك حر كقوله أبشر فقد أتاك الغوث وتمامه في الاصول من بحث الواو. وقد قدمنا في بحث عتق الحمل من الظهيرية أنه لو علق عتق الحمل بأدائه ألفا فإنه يتوقف العتق على أدائه، فإذا أدى بعد الولادة عتق إذا ولدته لاقل من ستة أشهر. وقيد بأداء العبد لانه لو علق عتقه بأداء أجنبي لا يصير مأذونا له كما إذا قال إذا أديت إلي ألفا فعبدي هذا حر فجاء الاجنبي بألف ووضعها بين

[ 434 ]

يديه لا يجبر المولى على القبول ولا يعتق العبد، ولو حلف المولى أنه لم يقبض من فلان ألفا لا يحنث، كذا في الخانية. قوله: (وعتق بالتخلية) لانه تعليق نظرا إلى اللفظ ومعاوضة نظرا إلى المقصود لانه ما علق عتقه بالاداء، إلا ليحثه على دفع المال فينال العبد شرف الحرية والمولى المال بمقابلته بمنزلة الكتابة ولهذا كان عوضا في الطلاق في مثل هذا اللفظ حتى كان بائنا فجعلناه تعليقا في الابتداء عملا باللفظ ودفعا للضرر عن المولى حتى لا يمتنع عليه بيعه، ولا يكون العبد أحق بمكاسبه ولا يسري إلى الولد المولود قبل الاداء. وجعلناه معاوضة في الانتهاء عند الاداء دفعا للضرر عن العبد حتى يجبر المولى على القبول، فعلى هذا بدور الفقه وتخرج المسائل نظيره الهبة، بشرط العوض والتخلية رفع الموانع بأن يضعه بين يديه بحيث لو مد يده أخذه فحينئذ يحكم القاضي بأنه قد قبضه فيه وفي ثمن المبيع وبدل الاجارة وسائر الديون، وهذا معنى قولهم أجبره الحاكم على قبضه أي حكم به لا أنه يجبره على قبضه بحبس ونحوه. ولو حلف المولى أنه لم يؤد إليه الالف حنث كما في الخانية. وإنما ذكر التخلية ليفيد أنه يعتق بحقيقة القبض بالاولى، ويستثنى من إطلاق ما في المختصر مسائل لا يعتق فيها بالتخلية الاولى لو كان المال مجهولا بأن قال إذا أديت إلي دراهم فأنت حر لا يجبر علي القبول لان مثل هذه الجهالة لا تكون في المعاوضة ولا يمكن حملها على الكتابة فتكون يمينا محضا ولا جبر فيها كما في التبيين. وفي المحيط: لو قال إن أديت إلي كر حنطة فأنت حر فجاء بكر جيد يجبر على القبول لان الكر المطلق إنما ينصرف إلى الوسط لدفع الضرر من الجانبين، فإذا أتاه بالجيد فقد أحسن في القضاء ورضي بهذا الضرر فبطل التعيين، وتعلق العتق بحنطة مطلقة. ولو قال كر حنطة وسط فأتاه بكر جيد لا يجبر لانه نص على التعليق بكر موصوفة وفي الشروط يعتبر التنصيص ما أمكن كما في مسألة الكيس الابيض. ولو قال أعتق عني عبدا وأنت حر فأعتق عبدا مرتفعا لا يعتق، ولو قال أدا لي عبدا وأنت حر فأدى إليه عبدا مرتفعا يعتق كما في الكر. والفرق أن في الاداء يكون المولى راضيا بالزيادة لانه ادخال شئ في ملكه فيكون نفعا محضا فلا ضرر، وأما العتق إخراج عن ملكه لان كسبه مملوك للمولى ا ه‍. الثانية لو كان العتق معلقا على أداء الخمر لا يجبر على القبول وإن كان يعتق بقبوله لان المسلم ممنوع عنها لحق الله تعالى. والثالثة لو كان معلقا على أداء ثوب أو دابة لا يجبر على القبول. ولو أتى بثوب وسط أو جيد لانه مجهول الجنس فلم يصلح عوضا، ولذا لو وصفه أجبر على

[ 435 ]

قبوله بأن قال ثوبا هرويا. الرابعة لو قال إن أديت إلي ألفا أو دابة فحججت بها أو وحججت بها لا يعتق بتسليم الالف إليه ما لم يقبل لانه علق العتق بشرطين فلا ينزل بوجود أحدهما بخلاف ما لو قال إن أديت إلي ألفا أحج بها فإنه يعتق بتخلية الالف ويكون قوله أحج بها البيان الغرض ترغيبا للعبد في الاداء حيث يصير كسبه مصروفا إلى طاعة الله تعالى لا على سبيل الشرط، كذا في البدائع. ولو قال لعبدين له إن أديتما الي ألفا فأنتما حران فأدى أحدهما حصته لم يعتق أحدهما لانه علق العتق بأداء الالف ولم يوجد، وكذا لو أدى أحدهما الالف كله من عنده، وإن أدى أحدهما الالف وقال خمسمائة من عندي وخمسمائة بعث بها صاحبي ليؤديها إليك عتقا لوجود الشرط حصة أحدهما بطريق الاصالة وحصة الآخر بطريق النيابة لان هذا باب تجري فيه النيابة فقام أداؤه مقام أداء صاحبه. ولو أدى عنهما رجل آخر لم يعتقا إلا إذا قال أؤديها إليك على أنهما حران فقبلها المولى على ذلك عتقا ويرد المال إلى المؤدي لان المولى لا يستحق المال بعتق عبده قبل الغير بخلاف الطلاق، والفرق في البدائع. وقدمنا عن المحيط أنه لو أمر غيره بالاداء فأدى لا يعتق مع تصريح صاحب البدائع في مسألة العبدين بأن النيابة تجري في هذا الباب إلا أن يوفق بينهما بأن ما في المحيط إنما هو في الامر من غير إعطاء شئ من العبد، وما في البدائع فيما إذا بعث مع غيره المال فلا إشكال. وفي الهداية: ولو أدى البعض يجبر على القبول إلا أنه لا يعتق ما لم يؤد الكل لعدم الشرط كما إذا حط البعض وأدى الباقي ثم لو أدى ألفا اكتسبها قبل التعليق رجع المولى عليه وعتق لاستحقاقها، ولو كان اكتسبها بعده لم يرجع عليه لانه مأذون من جهته بالاداء منه ا ه‍. ولم أر صريحا أنه لو حجر على هذا العبد المأذون هل يصح حجره؟ وقد يقال إنه لا يصح حجره لان الاذن له ضروري لصحة التعليق بالاداء، وقد يقال إنه يصح لما أنه يملك بيعه فيملك حجره بالاولى. قوله: (وإن قال أنت بعد موتي بألف فالقبول بعد موته) لاضافة الايجاب إلى ما بعد الموت فصار كما إذا قال أنت حر غدا على ألف درهم. وأشار المصنف بتأخير العتق عن الموت إلى أنه لا يعتق بقبوله فلا يعتق إلا بإعتاق الوارث أو الوصي أو القاضي إذا امتنع الوارث لان العتق تأخر عن الموت إلى أن يقبل، والعتق متى تأخر عن الموت لا يثبت إلا بإعتاق واحد من هؤلاء لانه صار بمنزلة الوصية بالاعتاق، ذكره الامام العتابي وجزم به الاسبيجابي وقال: إن الوارث يملك عتقه تنجيزا وتعليقا، والوصي يملكه تنجيزا فقط، ولو أعتقه الوارث عن كفارة يمينه جاز عن الميت لا عن الكفارة، والولاء للميت لا للوارث. وصرح الصدر الشهيد بأن الاصح أنه لا يعتق بالقبول بل لا بد من إعتاق الوارث. وفي الهداية قالوا: لا يعتق وإن قبل بعد الموت ما لم يعتقه الوارث لان الميت ليس بأهل للاعتاق

[ 436 ]

وهذا صحيح ا ه‍. وتعقبه في غاية البيان بأنه ينبغي أن يعتق حكما لكلام صدر من الاهل مضافا إلى المحل وإن كان الميت ليس بأهل للاعتاق. ولان القبول لم يعتبر في حال الحياة فإذا لم يعتق بالقبول بعد الوفاة. إلا باعتاق واحد منهم لا يكون معتبرا بعد الوفاة أيضا فلا يبقى فائدة لقبوله بعد الموت ا ه‍. وجوابه أن العتق الحكمي وإن كان لا يشترط فيه الاهلية يشترط قيام الملك وقته، وهنا قد خرج ملك المعلق وبقي للوارث، ومتى خرج عن ملكه لا يقع بوجود الشرط مع وجود الاهلية فما ظنك عند عدمها؟ وقوله إنه لا فائدة للقبول بعد الموت ممنوع لانه لولا القبول لم يصح إعتاق الوصي والقاضي لعدم الملك لهما ولم يلزم الوارث الاعتاق. والحاصل أن المسألة مختلف فيها فظاهر إطلاق المتون أنه يعتق بالقبول بعد الموت من غير توقف على إعتاق أحد وهو قول البعض كما يشير إليه لفظ الاصح وله أصله في الرواية كما في غاية البيان، وصحح المتأخرون أنه لا يعتق بالقبول كما قدمنا، ولا فرق في المسألة بين أن يؤخر ذكر المال أو يقدمه كان يقول أنت حر على ألف درهم بعد موتي كما في غاية البيان، لكنه نقل الاجماع. وقد علمت أن الخلاف ثابت. وظهر بهذا أن قول الزيلعي وقاضيخان في الفتاوي أنه لو قال له أنت حر على ألف درهم بعد موتي أن القبول فيه للحال ليس بصحيح إذ لا فرق بينه وبين مسألة الكتاب. وقيد بأنت حر لانه لو قال أنت مدبر على ألف درهم فالقبول فيه للحال فإذا قبل صار مدبرا ولا يلزمه المال لان الرق قائم والمولى لا يستوجب على عبده دينا إلا أن يكون مكاتبا. وقد بحث فيه المحقق ابن الهمام بحثا حسنا فراجعه. وفي الخانية أن القبول فيه بعد الموت كمسألة الكتاب. وفي المحيط: لو قال لعبده حج عني حجة بعد موتي وأنت حر ولا مال له سواه يحج عنه حجا وسطا ثم تعتقه الورثة ويسعى في ثلثي قيمته لانه عتق بغير مال فيعتبر من الثلث، فإن أوصى الميت مع هذا بثلث ماله لرجل قسم الثلث بين العبد والموصى له على أربعة ثلاثة أرباعه منها للعبد ويسعى للموصى له في ربع ثلث رقبته وللورثة في ثلثي قيمته لان العبد موصى له بعتق جميع رقبته فيضرب بجميع الرقبة، والموصى له يضرب بالثلث فصار الثلث بينهما على أربعة أسهم وجميع الرقبة على اثني عشر، فسلم للعبد ثلاثة ويسعى للموصى له في سهم وللورثة ثمانية. ولو قال ادفع إلى الوصي قيمة حج يحج بها عني فدفع فعلى الورثة أن يعتقوه ولا ينتظر الحج لانه عتق بمال والحج مشورة وليس بشرط، فإن كانت قيمة الحج أقل من قيمته نظر، إن كانت مقدار ثلثي قيمته جاز لان الوصية بالعتق نافذة في الثلث، وإن كانت أقل من ثلثي قيمته فعليه أن يسعى إلى تمام الثلثين ثم يدفع إلى الورثة أو إلى الوصي

[ 437 ]

مقدار حجة، فإن أجازت الورثة الحج فحج بذلك كله فثلثاه للورثة والثلث يحج به عنه من حيث يبلغ، ولو قال لعبده ادفع إلى الوصي قيمة حجة فإذا دفعتها إليه فحج بها عني فأنت حر لا يعتق العبد ما لم يحج عن الميت، ولو قال حج عني بعد الموت وأنت حر فمات وأبى الورثة خروجه للحج ولا مال للميت غيره فلهم ذلك حتى يخدمهم مقدار ثلثي ما يحتاج إليه للخروج إلى الحج، لان مقدار ثلثيه صار حقا للورثة رقبة ومنفعة، وإذا خرج اشتغل عن خدمتهم، وإذا حج وجب إعتاقه فيبطل حق الورثة عن منفعته وخدمته فيحبسونه ويستخدمونه إلى العام القابل استيفاء لحقهم، فإن قال الورثة أخرج في هذا العام فقال أخدمكم العام وأخرج السنة الثانية فليس للعبد ذلك، فإن أمكنه الخروج في العام وإلا أبطل القاضي وصيته، فإن لم يطلب منه الورثة حتى مضت السنة فله أن يحج في السنة الثانية، إن لم يكن الميت قال حج عني في هذه السنة، ولو قال حج عني بعد موتي بخمس سنين وأنت حر فأبى الورثة أن يتركوه إلى خمس سنين فليس لهم ذلك ا ه‍. وفي الذخيرة: رجل قال لعبده أنت حر بعد موتي إن لم تشرب الخمر فأقام أشهرا ثم شرب الخمر قبل أن يعتق بطل عتقه، وإن رفع الامر إلى القاضي بعد موت المولى قبل أن يشرب فأمضى فيه العتق ثم شرب الخمر بعد ذلك لم يرد إلى الرق، ولو قال لعبده أنت حر علي أن لا تشرب الخمر فهو حر شرب الخمر أو لم يشرب ا ه‍. وأشار المصنف إلى أنه لو قال لعبده إن شئت فأنت حر بعد موتي فإن المشيئة له بعد موته، وكذا إذا قال إذا جاء غد فأنت حر إن شئت كانت المشيئة إليه بعد طلوع الفجر من الغد وكذا إذا قال أنت حر غدا إن شئت كانت المشيئة في الغد، ولو قال إن شئت فأنت حر غدا كانت المشيئة للحال في قول أبي يوسف ومحمد وظاهر الرواية عن أبي حنيفة، كذا في الخانية. وفي البدائع: لو قال أنت حر غدا إن شئت فالمشيئة في

[ 438 ]

الغد، ولو قال أنت حر إن شئت غدا فالمشيئة إليه في الحال لان في الفصل الاول علق الاعتاق المضاف إلى الغد بالمشيئة فيقتضي المشيئة في الغد، وفي الفصل الثاني أضاف الاعتاق المعلق بالمشيئة إلى الغد فيقتضي تقدم المشيئة على الغد. قوله: (ولو حرره على خدمته سنة فقبل عتق وخدمه) يعني من ساعته لان الاعتاق على الشئ يشترط فيه وجود القبول في المجلس لا وجود المقبول كسائر العقود، وعليه أن يخدمه المدة المعينة وهو المراد بالسنة سنة أو أقل أو أكثر. ونص الحاكم الشهيد أن الخدمة هي الخدمة المعروفة بين الناس. قيد بالمدة لانه لو حرره على خدمته من غير مدة عتق وعليه أن يرد قيمة نفسه لان الخدمة مجهولة، وكذا لو قال لجاريته أنت حرة على أن تخدمني فلانة فقبلت عتقت وردت قيمتها. وقال محمد: ترد قيمة الخدمة شهرا، كذا في الذخيرة. ونقل في الظهيرية عن بعضهم أنها إن خدمته عمره أو عمرها لا شئ عليها، وإن أبت أن تخدمه عمره أو عمرها تسعى في قيمتها ا ه‍. وقد وقع الاستفتاء عما إذا حرره على خدمته مدة معينة وقبل العبد وعتق وكان له زوجة وأولاد فما حكم نفقته ونفقتهم إذا لم يكن له مال فإنه لا يتفرغ للاكتساب بسبب خدمة المولى هذه المدة، فلم أر فيه نقلا، وينبغي أن يشتغل بالاكتساب لاجل الانفاق على نفسه وعياله إلى أن يستغني عن الاكتساب فيخدم المولى المدة المعينة لانه الآن معسر عن أداء البدل فصار كما إذا أعتقه على مال ولا قدرة له عليه فإنه يؤخر إلى الميسرة. قيد بكونه حرره على خدمته كان قال له أعتقتك على أن تخدمني لانه لو قال إن خدمتني كذا مدة فأنت حر لا يعتق حتى يخدمه لانه معلق بشرط والاول معاوضة، ولم يصرحوا هنا بأنه يكون مأذونا لانه لا ضرورة إليه إذ الخدمة لا تتوقف على اكتساب المال بخلاف إن أديت إلى ألفا فأنت حر كما قدمناه. وفي الذخيرة: لو قال اخدمني سنة وأنت حر عتق الساعة ولا شئ عليه في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: لا يعتق إلا بالخدمة قبل أو لم يقبل. وفي الظهيرية: لو قال لامته عند وصيته إذا حذمت ابني وابنتي حتى يستغنيا فأنت حرة، فإن كانا صغيرين تخدمهما حتى يدركا، فإن أدرك أحدهما دون الآخر تخدمهما جميعا، وإن كانا مدركين تخدم البنت حتى تتزوج والابن حتى يحصل له ثمن جارية، فإذا

[ 439 ]

زوجت البنت وبقي الابن تخدمهما جميعا، وإن مات أحدهما وهما كبيران أو صغيران بطلت الوصية ا ه‍. وفي شرح النقاية في مسألة إن خدمتني كذا: لو خدمه أقل منها أو أعطاه مالا عن خدمته لا يعتق، وكذا لو قال إن خدمتني وأولادي سنة فمات بعض الاولاد لا يعتق ا ه‍ قوله: (فلو مات تجب قيمته) أي لو مات المولى أو العبد قبل الخدمة وجبت قيمة العبد عليه عندهما. وقال محمد: عليه قيمة الخدمة في المدة وقد قدمناه فيما إذا أعتقه على مال فاستحق وسووا بين موت المولى وموت العبد وقد طعن عيسى وقال: هذا غلط فيما إذا مات المولى بل يخدم الورثة ما بقي منها لان الخدمة دين فيخلفه وارثه فيه بعد موته كما لو أعتقه على ألف درهم فاستوفى بعضها ومات ولكن في ظاهر الرواية لا فرق بينهما لان الخدمة عبارة عن المنفعة وهي لا تورث فلا يمكن إبقاء عين المنفعة بعد موت المولى أو لان الناس يتفاوتون فيها فإن خدمة الفقراء أسهل من غيرهم، وخدمة الشيخ ليست كخدمة الشاب، وقد تكون الورثة كثيرين وخدمة الواحد أسهل من خدمة الجماعة. وقيدنا بموته قبل الخدمة لانه لو خدمه بعض المدة كسنة من أربع سنين ثم مات فعلى قولهما عليه ثلاثة أرباع قيمته، وعلى قول محمد عليه قيمة خدمته ثلاث سنين، كذا في شرح الطحاوي. وفي الحاوي القدسي: وبقول محمد نأخذ. ولو أر حكم ما إذا مرض العبد مرضا لا يمكن معه الخدمة وينبغي أن يكون كالموت. قوله: (ولو قال أعتقها بألف على أن تزوجنيها ففعل وأبت أن تتزوجه عتقت مجانا) أي لو قال أجنبي لمالك جارية إلى آخره، وحاصله أمره المخاطب بإعتاق أمته وتزويجها منه على عوض معين مشروط على الاجنبي عن الامة وعن مهرها فلما لم تتزوجه بطلت عنه حصة المهر عنها، وأما حصة العتق فباطلة أيضا إذ لا يصح اشتراط بدل العتق على الاجنبي بخلاف الخلع لان الاجنبي فيه كالمرأة لم يحصل لها ملك ما لم تكن تملكه بخلاف العتق فإنه يثبت للعبد فيه قوة حكمية هي ملك البيع والشراء والاجارة والتزويج وغيره ذلك، ولا يجب العوض إلا على من حصل له المعوض فمعنى قوله مجانا أنها تعتق بغير شئ يلزمها أو يلزم الآمر أي لا يلزم أحدا شئ. وأطلق فشمل ما إذا قال بألف علي أو لم يقل علي وكان الاولى ذكرها كما في بعض نسخ الهداية ليفيد عدم الوجوب عند عدم ذكرها بالاولى. وأفاد بقوله

[ 440 ]

وأبت أن لها الامتناع من تزوجه لانها ملكت نفسها بالعتق. وقيد بإبائها لانها لو تزوجته قسمت الالف على قيمتها ومهر مثلها فما أصاب قيمتها سقط عنه لما ذكرناه. وما أصاب مهرها وجب لها عليه، فإن استويا بأن كان قيمتها مائة ومهرها مائة سقط عنه خمسمائة ووجب لها خمسمائة عليه، وإن تفاوتا كأن كان قيمتها مائتين والمهر مائة سقط عنه ستمائة وستة وستون وثلثان ووجب لها ثلثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث، كذا في فتح القدير. وبهذا علم أن المصنف لو حذف قوله وأنت لكان أولى لانها تعتق مجانا، سواء أبت أو تزوجته، وأما وجوب المهر فشئ آخر. وكذا قوله على أن تزوجنيها ليس بقيد لانها تعتق مجانا لو قال أعتقها بالالف علي ففعل لكن إنما ذكره ليفرع عليه المسألة الثانية. وفي المحيط: لو قالت لعبدها أعتقتك على ألف على أن تتزوجني على عشرة فقبل ذلك ثم أبى أن يتزوجها فعليه الالف، فإن كانت قيمته أكثر من الالف سعى في تمام القيمة لانه لم يف، وإن قالت أعتقتك علي أن تتزوجني وتمهرني ألفا، فقيل ثم أبي ذلك عتق وعليه أن يسعى في قيمته، وإن تزوجها على مائة ورضيت بذلك فلا سعاية عليه لانه وفي لها بالتزوج وهي رضيت بدون ما شرطت عليه من المهر، ولو دعاها العبد على أن يتزوجها على ألف فأبت المرأة فلا سعاية عليه لانه قد وفى لها بما شرطت عليه فجاء الامتناع من قبلها ا ه‍. قوله: (ولو زاد عني قسم الالف على قيمتها ومهر مثلها ويجب ما أصاب القيمة فقط) أي لو قال أعتقها عني بألف درهم على أن تزوجنيها فأبت أن تتزوجه قسمت الالف على قيمتها وعلى مهر مثلها، فما أصاب القيمة أداه الآمر للمأمور، وما أصاب المهر سقط عنه لانه لما قال عني تضمن الشراء اقتضاء على ما عرف في الاصول والفروع لكن ضم إلى رقبتها تزويجها وقابل المجموع بعوض هو ألف فانقسمت عليها بالحصة، ومنافع البضع وإن لم تكن مالا لكن أخذت حكم المال لانها متقومة حالة الدخول وإيراد العقد عليها ولم يبطل البيع باشتراط النكاح لانه مقتضي لصحة العتق فلا يراعي فيه شرائط البيع بل شرائط العتق وهو المقتضي - بالكسر - حتى يعتبر في الآمر أهلية الاعتاق بخلاف ما إذا قال اعتق عبدك عني بغير شئ فأعتقه حيث لا يسقط القبض عندهما خلافا لابي يوسف، وقد قدمناه قبيل نكاح الكافر. وفي الولوالجية: رجل قال جاريتي هذه لك على أن تعتق عني عبدك فلانا فرضي بذلك ودفع الجارية إليه لا تكون له حتى يعتبر عبده لانه طلب منه تمليك العبد يقتضي

[ 441 ]

الاعتاق بتمليك الجارية فما لم يعتق لم يوجد تمليك العبد فلا يتملك الجارية ا ه‍. وقيد بإبائها في الثانية أيضا لانها لو تزوجته فما أصاب قيمتها فهو للمولى، وما أصاب مهر مثلها كان مهرا لها. وقيد المصنف باشتراط التزوج من الاجنبي لانه لو أعتق أمته على أن تزوجه نفسها فزوجته نفسها كان لها مهر مثلها عند أبي حنيفة ومحمد لان العتق ليس بمال فلا يصلح مهرا، وعند أبي يوسف يجوز جعل العتق صداقا لانه صلى الله عليه وسلم أعتق صفية ونكحها وجعل عتقها مهرها. قلنا: كان النبي صلى الله عليه وسلم مخصوصا بالنكاح بغير مهر فإن أبت أن تتزوجه فعليها قيمتها في قولهم جميعا. وفي الخانية: أم الولد إذا أعتقها مولاها على أن تزوج نفسها منه فقبلت عتقت فإن أبت أن تزوج نفسها منه لا سعاية عليها والله أعلم. باب التدبير بيان للعتق الواقع بعد الموت بعد ما بين الواقع في الحياة، وقدمه على الاستيلاد لشموله الذكر والانثى. وله معنيان: لغوي وفقهي، فالاول كما في المغرب الاعتاق عن دبر وهو ما بعد الموت، وتدبر في الامر نظر في ادباره أي في عواقبه ا ه‍. وفي ضياء الحلوم: التدبير عتق العبد والامة بعد الموت، وتدبير الامر النظر فيه إلى ما تصير إليه العاقبة ا ه‍. والثاني ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى وركنه اللفظ الدال على معناه. وشرائطه نوعان: عام وخاص، فالعام هو ما قدمناه من شرائط العتق فلا يصح إلا من الاهل في المحل منجزا أو معلقا أو مضافا، سواء كان إلى وقت أو إلى الملك أو إلى سببه. والخاص تعليقه بموت المولى فلو علقه بموت غيره لا يكون مدبرا. وأن يكون بمطلق موته، وأن يكون بموته وحده كما سيأتي، وأما صفته فالتجزي عنده خلافا لهما، فلو دبره أحدهما اقتصر على نصيبه وللآخر عند يسار شريكه ست خيارات: الخمسة المتقدمة والترك على حاله كما عرف في البدائع. وسيأتي بيان أحكامه من عدم جواز إخراجه عن الملك في حالة الحياة ومن عتقه من الثلث بعد موت المولى إلى آخره قوله: (وهو تعليق العتق بمطلق موته) أي مو ت المولى فخرج بقيد الاطلاق التدبير المقيد كتعليقه بموت موصوف بصفة كما سيأتي، وكذا التعليق بموته وموت غيره، وخرج أيضا أنت حر بعد موتي بيوم أو بشهر فهو وصية بالاعتاق فلا يعتق بعد موت المولى إلا بإعتاق الوارث أو الوصي كما في الذخيرة. وخرج بموته تعليقه بموت غيره كقوله إن مات

[ 442 ]

فلان فأنت حر فإنه لا يصير مدبرا أصلا لا مطلقا ولا مقيدا، فإذا مات فلان عتق من غير شئ ولا يرد عليه تعليقه بموته إلى مدة لا يعيش مثله إليها كان مت إلى مائة سنة فأنت حر ومثله لا يعيش إليها فإنه سيأتي أنه مدبر مطلق على المختار مع أنه لم يعلق عتقه بمطلق موت المولى لانه وإن كان مقيدا صورة فهو مطلق معنى. وأشار بالتعليق إلى أنه لو دبر عبده ثم ذهب عقله فالتدبير على حاله وإن كان في التدبير معنى الوصية بخلاف ما إذا أوصى برقبته لانسان ثم جن ثم مات حيث تبطل الوصية. والفرق أن التدبير اشتمل على معنى التعليق والتعليق لا يبطل بالجنون ولهذا لا يبطل بالرجوع ولا كذلك الوصية، ولهذا جاز تدبير المكره ولا يجوز وصيته، كذا في الظهيرية. قوله: (كادامت فأنت حر وأنت حر يوم أموت أو عن دبر مني أو دبرتك) بيان لبعض ألفاظه الصريحة فإنه إثبات العتق عن دبر واليوم هنا لمطلق الوقت فيعتق مات المولى ليلا أو نهارا، لانه قرن بفعل لا يمتد، فإن نوى باليوم النهار دون الليل صحت نيته لانه نوى حقيقة كلامه ثم لا يكون مدبرا لانه علق عتقه بما ليس بكائن لا محالة وهو موته بالنهار وربما يموت بالليل فلذا لا يكون مدبرا، كذا في المبسوط. أي لا يكون مدبرا مطلقا وإنما هو مقيد فيعتق بموته نهارا وله بيعه. ومثل التعليق بإذا متى وإن والحدث كالموت فلو قال إن حدث بي حدث فأنت حر فهو مدبر لانه تعورف الحدث والحادث في الموت، كذا الوفاة والهلاك لان الاعتبار للمعنى، وكذا أنت حر مع موتي أو في موتي فإنه تعليق العتق بالموت وفي تستعار بمعنى حرف الشرط كما عرف في الاصول. وقول الزيلعي تبعا لما في المحيط أن حرف الظرف إذا دخل على الفعل يصير شرطا تسامح وإنما هو بمعناه لانه لو كان شرطا لطلقت في قوله لاجنبية أنت طالق في نكاحك مع أنها لا تطلق. وأفاد بقوله أنت حر يوم أموت أن كل لفظ وقع به العتق للحال إذا أضيف إلى الموت فإنه يوجب التدبير كقوله أعتقتك أو أنت عتيق أو عتق أو محرر بعد موتي. وفي الخانية والظهيرية: رجل قال لعبده لا سبيل لاحد عليك بعد موتي قالوا يصير مدبرا ا ه‍. ولم يقيداه بالنية مع أن لا سبيل لي عليك كناية لا يعتق بها إلا بالنية إلا أن يفرق بين قوله لي وبين قوله لاحد، وكذا بعد موتي قرينة لا تتوقف على النية. وفي الحاوي القدسي: لو قال أعتقوه بعد موتي فهو مدبر ا ه‍. وقيد بكون السيد واحدا لانه لو كان بين اثنين فقالا إذا متنا فأنت حر لم يصر بذلك مدبرا ولهما أن يبيعاه، فإذا مات أحدهما صار مدبرا من قبل الثاني وصار حكمه حكم عبد بين رجلين دبره أحدهما. ولو كان كل واحد منهما قال إذا مت فأنت حر أو دبرتك أو دبرت نصيبي منك وخرج القولان منهما جميعا صار مدبرا بينهما فلا يجوز بيعه، وأيهما مات عتق نصيبه وسعى العبد للآخر في قيمة نصيبه منه وكان ولاؤه بينهما، كذا في الحاوي القدسي. ولا فرق في العتق المضاف إلى الموت بين أن يكون معلقا بشرط آخر أو لا، فلو قال إن كلمت فلانا فأنت

[ 443 ]

حر بعد موتي فكلمه صار مدبرا لانه بعد الكلام صار التدبير مطلقا، وكذا لو قال أنت حر بعد كلامك فلانا وبعد موتي فكلمه فلان كان مدبرا، كذا في البدائع. وذكر محمد في الاصل إذا قال أنت حر بعد موتي إن شئت فإن نوى بقوله إن شئت الساعة فشاء العبد في ساعته تلك صار مدبرا لانه علق التدبير بشرط وهو المشيئة وقد وجد كما إذا قال إن دخلت الدار فأنت مصبر، وإن عنى به مشئته بعد الموت فليس للعبد مشيئة حتى يموت المولى فإن مات المولى فشاء بعد موته فهو حر من ثلثه. وذكر الحاكم في مختصره أن المراد منه أن يعتقه الوصي أو الوارث. وفي المحيط: ولو نهاه عن المشيئة قبل موته جاز نهيه. ولا فرق في التدبير بين أن يكون منجزا أو مضافا كما إذا قال أنت مدبر غدا أو رأس شهر كذا فإذا جاء الوقت صار مدبرا. وروى هشام عن محمد رحمه الله تعالى فيمن قال أنت مدبر بعد موتي فهو مدبر الساعة لانه أضاف التدبير إلى ما بعد الموت والتدبير بعد الموت لا يتصور فيلغو قوله بعد موتي فيبقى قوله أنت مدبر، أو يجعل قوله أنت مدبر أي أنت حر فيصير كأنه قال أنت حر بعد موتي. وفي الذخيرة معزيا إلى الاصل: لو قال أنت حر بعد موتي إن دخلت الدار لا يصح هذا التصرف عندنا أصلا بخلاف ما إذا قال أنت حر بعد موتي إن شئت. والفرق أن في فصل المشيئة صححنا تصرفه بطريق الوصية وتعليق الوصية بالمشيئة صحيح وتعذر تصحيح هذا التصرف بطريق الوصية لان تعليق الوصية بدخول الموصى له الدار باطل ا ه‍. وفي المحيط: لو قال لامة إن ملكتك فأنت حرة بعد موتي فولدت فاشتراهما تصير الام مدبرة دون الولد لان التدبير ثبت في الام والولد منفصل عنها قبل الملك فلا يتصور سراية حق التدبير إلى الولد كما لو قال إن ملكتك فأنت حرة فملكها عتقت ولا يعتق ولد ولدته قبل الملك فكذا هذا، ولو قال المولى ولدت قبل التدبير وقالت بل بعده فالقول للمولى مع يمينه على علمه والبينة لها ا ه‍. وفي الظهيرية: أنت حر الساعة بعد موتي يعتق بعد الموت ا ه‍. وأشار المصنف بهذه الالفاظ إلى أنه لو قال أوصيت لك برقبتك أو عتقك أو نفسك أو أوصيت لك بثلث مالي فإنه يكون مدبرا لان التدبير وصية فإذا أتى بصريحها كان مدبرا بالاولى، ولان الايصاء للعبد برقبته إزالة ملكه عن رقبته لانه لا يثبت الملك للعبد في رقبته إلا باعتاقه فهو كبيع نفس العبد منه. ولو قال العبد لا أقبل فهو مدبر وليس رده بشئ كما في الظهيرية، وعن أبي يوسف فيمن أوصى بسهم من ماله لعبده فإنه يعتق بعد موته، ولو أوصى له بجزء من ماله لم يعتق لان السهم عبارة عن السدس فكان

[ 444 ]

سدس رقبته داخلا في الوصية، فأما الجزء عبارة عن شئ مبهم والتعيين فيه للورثة فلم تكن الرقبة داخله له تحت الوصية، كذا في المحيط. وما عن أبي يوسف هنا جزم به في الاختيار. وذكر الولوالجي لو قال مريض أعتقوا فلانا بعد موتي إن شاء الله تعالى صح الايصاء. وفرق بين هذا وبين ما إذا قال هو حر بعد موتي إن شاء الله تعالى حيث لا يصح، والفرق أن في المسألة الاولى أمر بالاعتاق والاستثناء في الامور باطل وفي المسألة الثانية إيجاب والاستثناء في الايجاب صحيح ا ه‍. قوله: (فلا يباع ولا يوهب) شروع في بيان أحكامه. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: يجوز لانه تعليق العتق بالشرط فلا يمتنع به البيع والهبة كما في سائر التعليقات، وكما في المدبر المقيد ولان التدبير وصية وهي غير مانعة من ذلك. ولنا قوله عليه السلام المدبر لا يوهب ولا يورث ولا يباع وهو حر من الثلث ولانه سبب الحرية لان الحرية تثبت بعد الموت ولا سبب غيره، ثم جعله سببا في الحال أولى لوجوده في الحال وعدمه بعد الموت لان ما بعد الموت حال بطلان أهلية التصرف فلا يمكن تأخير السببية إلى زمان بطلان الاهلية بخلاف سائر التعليقات لان المانع من السببية قائم قبل الشرط لانه يمين واليمين مانع والمنع هو المقصود وأنه يضاد وقوع الطلاق والعتاق فأمكن تأخير السبب إلى زمان الشرط لقيام الاهلية عنده فافترقا، ولانه وصية الوصية خلافة في الحال لوراثة وإبطال السبب لا يجوز في البيع وما يضاهيه ذلك أراد بالبيع الاخراج عن الملك بعوض وبالهبة الاخراج بغير عوض فكأنه قال لا يخرج عن الملك. وفي الذخيرة وغيرها: كل تصرف لا يقع في الحر نحو البيع والامهار فإنه يمنع في المدبر والمدبرة لان المدبر باق على حكم الملك المولى إلا أنه انعقد له سبب الحرية فكل تصرف يبطل هذا السبب يمنع المولى منه ا ه‍. فلذا لا تجوز الوصاية به ولا رهنه لان الرهن والارتهان من باب إيفاء الدين واستيفائه عندنا فكان من باب تمليك العين وتملكها، كذا في البدائع. ومن هنا يعلم أن شرط الواقفين في كتبهم أنها لا تخرج إلا برهن شرط باطل إذا لوقف أمانة في يد مستعيره فلا يتأتى الايفاء والاستيفاء بالرهن سنوضحه إن شاء الله تعالى. وفي الظهيرية: فإن باعه وقضى القاضي

[ 445 ]

بجواز بيعه نفذ قضاؤه ويكون ذلك فسخا للتدبير حتى لو عاد إليه يوما من الدهر بوجه من الوجوه ثم مات لا يعتق وهذا مشكل، لانه يبطل بقضاء القاضي ما هو مختلف فيه وما هو مختلف فيه لزوم التدبير لا صحة التعليق فينبغي أن يبطل وصف اللزوم لا غير ا ه‍. وسيأتي في البيوع أن بيع المدبر باطل لا يملك بالقبض فلو باعه المولى فرفعه العبد إلى قاض حنفي وادعى عليه أو على المشتري فحكم الحنفي ببطلان البيع ولزوم التدبير فإنه يصير متفقا عليه فليس للشافعي أن يقضي بجواز بيعه بعده كما في فتاوى الشيخ قاسم وهو موافق للقواعد فينبغي أن يكون كالحر، فلو جمع بينه وبين قن ينبغي أن يسري الفساد إلى القن كما سنبينه إن شاء الله تعالى في محله. وفي الولوالجية من التدبير: رجل قال هذه أمتي إن احتجت إلى بيعها أبيعها وإن بقيت بعد موتي فهي حرة فباعها جاز، كذا في فتاوى الصدر الشهيد ا ه‍. ولم يصرح بأنها مدبرة تدبيرا مطلقا أو مقيدا. وفيها من كتاب الحيل: لو أراد أن يدبر عبده على وجه يملك بيعه يقول إذا مت وأنت في ملكي فأنت حر فهذا يكون مدبرا مقيدا فيملك بيعه فإذا مات وهو في ملكه عتق ا ه‍. فكذا في المسألة الاولى يكون مدبرا مقيدا لكن ذكر الولوالجي رحمه الله في آخر الوصايا: لو قال لعبده إن مت وأنت في ملكي فأنت حر فله أن يبيعه لانه لما مات لم يبق في ملكه فلم يعتق ا ه‍. وهو ليس بمخالف لقوله في الحيل إنه يعتق بموته لان قوله في الوصايا لا يعتق معناه لو مات بعد بيعه، وأما لو مات وهو في ملكه فإنه يعتق. وأشار المصنف بعدم جواز تمليكه إلى أنه لو كان المدبر بين اثنين أعتقه أحدهما وهو موسر وضمن قيمة نصيب شريكه عتق المدبر ولم يتغير الولاء لان العتق ها هنا ثبت من جهة المدبر في الحقيقة لا من جهة الذي أعتقه لان المعتق بأداء الضمان لا يملك نصيب الشريك ها هنا لان المدبر لا يقبل الانتقال من ملك إلى ملك، وإنما وجب الضمان لاثبات الحيلولة بين المدبر والمولى، أما أن يقال إن المعتق يتملك نصيب صاحبه من المدبر فلا. ولما كان هذا طريق العتق كان المعتق هو المدبر فلذا كان الولاء لهما على الشركة كما كان أولا، كذا في الذخيرة. ولا يرد عليه أن يقبل الانتقال بالقضاء لانه بالقضاء ينفسخ التدبير، وأما ها هنا فالتدبير باق ولكن كان ينبغي أنه لو ضم إلى قن وبيعا صفقة واحدة أن يسري الفساد إلى القن كالحر وسيتضح في محله إن شاء الله تعالى. وقيد بالبيع ونحوه لانه يجوز إعتاقه كأم الولد لانه إيصال إلى حقيقة الحرية عاجلا، وتجوز كتابتهما لما فيها من تعجيل الحرية. وفي المحيط: وإذا ولدت المدبرة من السيد فهي أم ولد وقد بطل التدبير لان أمية الولد أقوى في إفادة العتق من التدبير لانها تعتق من جميع المال بخلاف المدبر فإنها تعتق من الثلث فيبطل

[ 446 ]

بها التدبير كالبيع إذا ورد على الرهن ا ه‍. قوله: (ويستخدم ويؤجر وتوطأ وتنكح) أي ويستخدم المدبر ويؤجر وكذا المدبرة وتوطأ المدبرة أي يجوز للمولى ذلك ويجوز أن يزوجها جبرا عليها وكذا المدبر كما تقدم في نكاح الرقيق. وإنما جازت هذه التصرفات لان الملك ثابت فيه وبه تستفاد ولاية هذه التصرفات. وضابطها كما في الذخيرة أن كل تصرف يقع في الحر فإنه لا يمنع في المدبر والمدبرة لانه لا يبطل ما انعقد له من السبب. وأفاد المصنف رحمه الله بجواز ذلك أن أكساب المدبر والمدبرة للمولى وكذا أرشهما وكذا مهرها للمولى لانهما بقيا على حكم ملك المولى، كذا في الذخيرة. ومن أحكامه أن دينه لا يتعلق برقبته لانها لا تحتمل البيع ويتعلق بكسبه ويسعى في ديونه بالغة ما بلغت. ومنها أن جنايته على المولى وهو الاقل من قيمته ومن أرش الجناية ولا يضمن المولى أكثر من قيمة واحدة وإن كثرت الجنايات على ما سيأتي إن شاء الله تعالى. وولد المدبرة بمنزلتها كالحرة فيعتق بموت سيد أمه إن كان التدبير مطلقا، أما ولد المدبرة تدبيرا مقيدا فلا يكون مدبرا. ووقع في بعض نسخ الهداية أن ولد المدبر بالتذكير وليس بصحيح لان التبعية إنما هي للام لا للاب، وتدبير الحمل وحده جائز كعتقه فإن ولدته لاقل من ستة أشهر كان مدبرا وإلا فلا قوله: (وبموته يعتق من ثلثه) أي بموت المولى يعتق المدبر من ثلث مال المولى لما روينا من قوله عليه السلام وهو حر من الثلث ولان التدبير وصية لانه تبرع مضاف إلى وقت الموت والحكم غير ثابت في الحال فينفذ من الثلث، ولكونه وصية حتى لو قتله المدبر فإنه يسعى في جميع قيمته لانه لا وصية للقاتل، وأم الولد إذا قتلت مولاها فإنها تعتق ولا شئ عليها إن كان القتل خطأ، كذا في شرح الطحاوي. وذكر قاضيخان في كتاب الحجر أن المحجور عليه يصح تدبيره وبموته سفيها يعتق المدبر ويسعى في قيمته مدبرا، فإن كانت قيمته مدبرا عشرة يسعى في عشرة ا ه‍. مع أنه نقل قبله أن وصية المحجور عليه جائزة من ثلث ماله. وأطلق في الموت فشمل الحكمي بالردة بأن ارتد المولى عن الاسلام. والعياذ بالله تعالى ولحق بدار الحرب لانها مع اللحاق تجري مجرى الموت، وكذا المستأمن إذا اشترى عبدا في دار الاسلام فدبره ولحق بدار الحرب فاسترق الحربي عتق مدبره، كذا في البدائع. وأطلق في التدبير فشمل ما إذا كان في الصحة أو في المرض لانه وصية في الحالين ويعتبر من ثلث المال يوم مات المولى كما في الوصايا. وفي المحيط: إن المدبر يعتق في آخر جزء من أجزاء حياة المولى ا ه‍. وهو التحقيق وعليه يحمل كلامهم.

[ 447 ]

قوله: (ويسعى في ثلثيه لو فقير أوكله لو مديونا) أي يسعى المدبر للورثة في ثلثي قيمته لو كان المولى فقيرا ليس له مال إلا هو، وفي جميع قيمته لو كان المولى مديونا دينا يستغرق ماله لما ذكرنا أنه وصية ومحل نفاذها الثلث والدين مقدم عليها. اعلم أن المدبر في زمن سعايته كالمكاتب عند الامام، وعندهما حر مديون فتتفرع الاحكام فلا تقبل شهادته ولا يزوج نفسه عنده لما في المجمع من الجنايات: ولو ترك مدبرا فقتل خطأ وهو يسعى للوارث فعليه قيمته لوليه. وقالا: ديته على عاقلته ا ه‍. وهكذا في الكافي وعلله بما ذكرناه. وكذا المنجز عتقه في مرض الموت إذا لم يخرج من الثلث فإنه في زمن سعايته كالمكاتب عنده فلا تقبل شهادته كما في شهادات البزازية، وحكم جنايته كجناية المكاتب كما في شرح المجمع للمصنف. وقولهم هنا يعتق المدبر بموت المولى من ثلث المال يدل عليه فإن لم يخرج من الثلث لم يعتق حتى يسعى ويؤديها. قيدنا بكون الدين مستغرقا لان الدين لو كان أقل من

[ 448 ]

قيمته فإنه يسعى في قدر الدين والزيادة على الدين ثلثها وصية ويسعى في ثلثي الزيادة، كذا في شرح الطحاوي وذكر في المجتبى أن القدوري اجمل القيمة ولم يبين أنه يسعى في قيمته قنا أو مدبرا وذكر في بط أنه يسعى في قيمته مدبرا. وذكر محمد في كتاب الحجر إذا دبر السفيه ثم مات يسعى الغلام في قيمته مدبرا وليس عليه نقصان التدبير كالصالح إذا دبر ومات وعليه ديون ا ه‍. وقدمنا أن المفتى به أن قيمة المدبر ثلثا قيمته قنا، واختار الصدر الشهيد أنها النصف، وفي الولوالجية وهو المختار لان الانتفاع بالمملوك نوعان: انتفاع بعينه وانتفاع ببدله وهو الثمن والانتفاع بالعين قائم وبالبدل فائت ا ه‍. وفي الظهيرية: وعتق المدبر يعتبر من ثلث المال مطلقا كان أو مقيدا ا ه‍. ولم يبينه المصنف لانه إذا علم حكم المطلق فالمقيد أولى. وفي فتح القدير: إذا دبره ثم كاتبه ثم مات المولى وهو يخرج من ثلثه عتق بالتدبير وسقطت عنه الكتابة فإن لم يكن له مال غيره فإنه يخير إن شاء سعى في جميع بدل الكتابة بجهة عقد الكتابة وإن شاء سعى في ثلثي قيمته بالتدبير. وهذا عند الامام لان العتق يتجزى عنده وقد تلقاه جهتا حرية فيتخير أيهما شاء، وعند أبي يوسف يسعى في الاقل منهما بغير خيار، وعند محمد يسعى في الاقل من ثلثي قيمته ومن ثلثي بدل الكتابة. ولو كاتبه ثم دبره فعند أبي حنيفة يتخير بين أن يسعى في ثلثي قيمته أو ثلثي بدل الكتابة، وعندهما يسعى في أقلهما عينا وتمامه فيه. وذكر في الحاوي القدسي: لو قال لعبده أنت حر أو مدبر أمر بالبيان فإن مات على ما كان فإن كان القول منه في الصحة عتق نصفه من جميع المال ونصفه من الثلث ا ه‍. قوله: (ويباع لو قال إن مت من سفري أو من مرضي أو إلى عشر سنين أو عشرين سنة أو أنت حر بعد موت فلان ويعتق إن وجد الشرط) بيان للمدبر المقيد وأحكامه. وحاصله أن يعلق عتقه بموته على صفة لا بمطلقه كتقييده بموته في سفر أو مرض مخصوص أو بمدة معينة يعيشان إلى مثلها أو بزيادة شئ بعد موت المولى كقوله إذا مت وغسلت أو كفنت ودفنت فأنت حر فيعتق إذا مات استحسانا من الثلث لانه يغسل ويكفن ويدفن عقيب الموت

[ 449 ]

قبل أن يتقرر ملك الوارث أو بترداده بين الموت والقتل كقوله إذا مت أو قتلت فليس بمدبر مطلق عند أبي يوسف لانه علقه بأحد الشيئين والقتل وإن كان موتا فالموت ليس بقتل، وتعليقه بأحد الامرين يمنع كونه عزيمة في أحدهما خاصة فلا يصير مدبرا ويجوز بيعه. وقال زفر: هو مدبر مطلق. ورجحه في فتح القدير بأنه أحسن لان التعليق في المعنى بمطلق موته لانه لا تردد في كون الكائن أحد الامرين من الموت قتلا أو غير قتل، فهو في المعنى مطلق الموت كيفما كان. وقيد بقوله إلى عشر سنين أو عشرين سنة لانه لو قال إلى مائة سنة ومثله لا يعيش إليها في الغالب فهو مدبر مطلق لانه كالكائن لا محالة وهذا رواية الحسن عن أبي حنيفة. وفي التبيين أنه المختار لكن ذكر قاضيخان أن على قول أصحابنا هو مدبر مقيد وهكذا ذكره في الينابيع وجوامع الفقه. وفي فتح القدير: إن المصنف كالمناقض فإنه في النكاح اعتبره توقيتا وأبطل به النكاح وهنا جعله تأبيدا موجبا للتدبير ا ه‍. وقد يجاب عنه بأنه في باب النكاح اعتبره توقيتا للنهي عن النكاح الموقت، ولا شك أنه موقت صورة فالاحتياط في منعه تقديما للمحرم على المبيح لان النظر إلى الصورة يحرمه وإلى المعنى يبيحه، وأما هنا فنظر إلى التأبيد المعنوي ولا مانع منه فإن الاصل اعتبار المعنى ما لم يمنع مانع فلا تناقض ولذا كان هو المختار وإن كان الولوالجي جزم بأنه ليس بمدبر مطلق تسوية بينه وبين النكاح. وفي الظهيرية: لو قال أنت حر قبل موتي بشهر كان مدبرا فإن مضى شهر صار مدبرا مطلقا عند بعض المشايخ لتعلق العتق بمجرد الموت، وعند البعض بقي مدبرا مقيدا لتعلق العتق بموته ومضى شهر يتصل بموته ا ه‍. وفي الخانية: ولو مات بعد شهر قيل يعتق من الثلث، وقيل من جميع المال لان على قول أبي حنيفة يستند العتق إلى أول الشهر وهو كان صحيحا فيعتق من كله وهو الصحيح ا ه‍. وعلى قولهما يصير مدبرا بعد مضي الشهر قبل موته ا ه‍. وفي المجتبى: لو قال أنت حر قبل موتي بشهر فليس بمدبر وإن كان يعتق بعد موته ويجوز بيعه، ثم إذا مضى شهر قيل لا يجوز بيعه لانه صار مدبرا مطلقا، وأكثر المشايخ على أنه يجوز بيعه وهو الاصح ا ه‍. وليس من التدبير أنت حر بعد موتي بيوم أو بشهر وهو إيصاء بالعتق حتى لا يعتق بعد موت المولى ومضى اليوم ما لم يعتقه الوصي، ويجب إعتاقه فيعتقه الوصي أو الورثة، كذا في المجتبى أيضا. وفي الظهيرية: وإن أوصى بعتقه بعد موته فقتل العبد خطأ بعد موته فالقيمة للورثة ا ه‍. وقد ذكر المصنف أن من هذا النوع أنت حر بعد موت فلان، وظاهره أنه مدبر مقيد وليس كذلك ولذا قال في المبسوط: لو قال أنت حر بعد موت فلان لم يكن مدبرا لان موت فلان ليس بسبب للخلافة في حق هذا المولى ووجوب حق العتق باعتبار

[ 450 ]

معنى الخلافة، فلو مات فلان والمولى حي عتق العبد، وكذلك إن قال أنت حر بعد موتي وموت فلان أو قال بعد موت فلان وموتي لا يكون مدبرا فإن مات فلان قبل المولى فحينئذ يصير مدبرا ا ه‍. وفي البدائع: لو قال إن مات فلان فأنت حر لم يكن مدبرا لانه لم يوجد تعليق عتق عبده بموته فلم يكن هذا تدبيرا بل كان تعليقا بشرط مطلق كالتعليق بسائر الشروط من دخول الدار وكلام زيد وغير ذلك اه‍. فإن قلت: المصنف إنما ذكره في التدبير المقيد لمساواته لحكمه من جواز البيع والعتق بالموت. قلت: بينهما فرق من جهة أخرى وهو أن المدبر بقسميه يعتق من الثلث كما قدمناه، والمعلق عتقه بشرط غير موت المولى يعتق من جميع المال إذا وجد الشرط ويبطل التعليق بموت المولى قبل وجود الشرط كما لو قال لعبده إن دخلت الدار فأنت حر فمات المولى قبل الدخول بطلت اليمين ولا يعتق أصلا بخلاف المدبر. وفي الظهيرية: عبد بين رجلين قال أحدهما إن مت أنا وفلان يعني شريكه فأنت حر لم يكن مدبرا، وكذلك لو قال الآخر مثل ذلك، فإن مات أحدهما صار العبد مدبرا من الآخر اه‍. وإنما جاز بيع المدبر المقيد لان سبب الحرية لم ينعقد في الحال لتردد في هذا القيد لجواز أن لا يموت منه فصار كسائر التعليقات بخلاف المدبر المطلق لانه تعلق عتقه بمطلق الموت وهو كائن لا محالة. وأفاد بقوله ويعتق إذا وجد الشرط أنه لا بد أن يموت في سفره هذا أو مرضه هذا أو في المدة المعينة. فلو أقام أو صح أو مضت المدة ثم مات لم يعتق لبطلان اليمين قبل الموت. وفي فتح القدير: من التدبير المقيد أن يقول إن مت إلى سنة فأنت حر فإن مات قبل السنة عتق مدبرا، وإن مات المولى بعد السنة لا يعتق، ومقتضى الوجه كونه لو مات في رأس السنة يعتق لان الغاية هنا لولاها تناول الكلام ما بعدها لانه يتنجز عتقه فيصير حرا بعد السنة فتكون للاسقاط اه‍. وجوابه أن هذا الوجه ليس بمطرد لانتقاضه باليمين في قوله لا أكمله إلى غد فإن الغاية لا تدخل في ظاهر الرواية فله أن يكلمه في الغد مع أنها غاية إسقاط، وكذلك أكلت السمكة إلى رأسها لا تدخل الغاية مع أنه للاسقاط. وفي المجتبى: إن مت من مرضي هذا فهر حر فقتل لا يعتق بخلاف ما لو قال في مرضى، ولو قال إن مت من مرضي وبه حمى فتحول صداعا أو على عكسه قال محمد: هو مرض واحد اه‍. ففرق بين من وفي. وذكر الوالوالجي: رجل قال لعبديه أحد كما حر بعد موتي وأوصيت له بمائة درهم ثم مات عتقا ولهما المائة بينهما لانه لما مات شاع العتق فيهما فتشيع الوصية أيضا، ولو

[ 451 ]

قال لكل واحد منهما مائة درهم تبطل إحدى المائتين لانها وقعت لعبده اه‍. وبه علم أن من أوصى لعبده بقدر معين من ماله لا يكون مدبرا بخلاف الايصاء له برقبته أو بسهم من ماله كما قدمناه والله سبحانه وتعالى أعلم. باب الاستيلاد وهو طلب الولد في اللغة وهو عام أريد به خصوص وهو طلب ولد أمته أي استلحاقه أي باب بيان أحكام هذا الاستلحاق الثابتة في الام. وأم الولد تصدق لغة على الزوجة وغيرها ممن لها ولد ثابت النسب وغير ثابت النسب. وفي عرف الفقهاء أخص من ذلك وهي الامة التي ثبت نسب ولدها من مالك كلها أو بعضها. قوله: (ولدت أمة من السيد لم تملك) لقوله عليه السلام أعتقها ولدها أخبر عن إعتاقها فيثبت بعض مواجبه وهو حرمة البيع، ولان الجزئية قد حصلت بين الواطئ والموطوءة بواسطة الولد فإن المائين قد اختلطا بحيث لا يمكن الميز بينهما على ما عرف في حرمة المصاهرة إلا أن بعد الانفصال تبقى الجزئية حكما لا حقيقة فضعف السبب فأوجب حكما مؤجلا إلى ما بعد الموت وبقاء الجزئية حكما باعتبار النسب وهو من جانب الرجال، فكذا الحرية تثبت في حقهم لا في حقهن حتى إذا ملكت الحرة زوجها وقد ولدت منه لم يعتق بموتها، وبثبوت عتق مؤجل يثبت حق الحرية في الحال فيمتنع جواز البيع وإخراجها لا إلى الحرية في الحال ويوجب عتقها بعد موته. أطلق في الولد فشمل الولد الحي والميت لان الميت ولد بدليل أنه يتعلق به أحكام الولادة حتى تنقضي به العدة وتصير المرأة نفساء، وشمل السقط الذي استبان بعض خلقه فإن لم يستبن شئ لا تكون أم ولد وإن ادعاه المولى. ولو قال المصنف حبلت أمة من السيد مكان ولدت لكان أولى لما في البدائع والمحيط والخانية: لو قال لجاريته حملها مني صارت أم ولد له لان الاقرار بالحمل إقرار بالولد، وكذا لو قال هي حبلى مني أو ما في بطنها من ولد فهو مني ولا يقبل منه بعده أنها لم تكن حاملا وإنما كان ريحا ولو صدقته الامة لان في الحرية حق الله تعالى فلا يحتمل السقوط بإسقاط العبد بخلاف ما إذا قال ما في بطنها مني ولم يقل من حمل أو ولد ثم قال بعده كان ريحا وصدقته لم تصر أم ولد لاحتمال الولد والريح. ولو قال إن كانت حبلى فهو مني فأسقطت

[ 452 ]

مستبين الخلق كله أو بعضه صارت أم ولد، فإن ولدت لاقل من ستة أشهر صارت أم ولد للتيقن بحملها حينئذ، وإن ولدته لاكثر لم تصر أم ولد اه‍. وأطلق في الولادة من السيد فشمل ما إذا كان بجماع منه أو بغيره لما في المحيط عن أبي حنيفة: إذا عالج الرجل جاريته فيما دون الفرج فأنزل فأخذت الجارية ماءه في شئ فاستدخلته فرجها في حدثان ذلك فعلقت الجارية وولدت فالولد ولده والجارية أم ولد له اه‍. وأفاد بالولادة من السيد أنه لا بد من ثبوت النسب منه أولا لتصير أم ولد له فإن السبب عندنا وثبوت النسب منه موقوف على إقراره كما سيأتي. وبه اندفع ما في فتح القدير من أنهم أخلوا بقيد ثبوت النسب لان الولادة منه لا تتحقق إلا بالاعتراف فلا إحلال خصوصا قد صرحوا به بعد. وأطلق في السيد فشمل ما إذا كان سيدها وقت الولادة أولا حتى لو تزوج جارية إنسان فاستولدها ثم ملكها صارت أم ولد له لان سبب الاستيلاء ثبوت النسب بخلاف ما إذا زنى بجارية إنسان فولدت ثم ملكها لعدم ثبوت النسب. وشمل ما إذا كان مالكا كلها أو بعضها لان الاستيلاد لا يتجزى فإنه فرع النسب فيعتبر بأصله، وشمل السيد المسلم والكافر ذميا أو مرتدا أو مستأمنا، كذا في البدائع. وأطلق الامة فشمل القنة والمدبرة لاستوائهما في إثبات النسب إلا أن المدبرة إذا صارت أم ولد بطل التدبير لان أمية الولد أنفع لها لانها لا تسعى، كذا في البدائع. ويشكل عليه ما في المحيط من أنه يجوز إعتاقها وتدبيرها وكتابتها لان في الاعتاق إيصال حقها معجلا، وفي التدبير استجماع سبب الحرية، وفي الكتابة استعجال حقها في العتق متى أدت البدل قبل موت المولى فلم تتضمن هذه التصرفات إبطال حقها وملكه قائم فيها فصحت اه‍. فإنه على ما في البدائع ينبغي أن لا يصح التدبير فإن الاستيلاد أقوى منه ولا فائدة فيه معه وفي الذخيرة: معنى قوله بطل التدبير أنه لا يظهر حكم التدبير بعد ذلك فكأنه بطل لانها تعتق من جميع المال. وأفاد بقوله لم تملك أنه لا يجوز بيعها ولا هبتها ولا إخراجها عن الملك بوجه، وكذا لا يجوز رهنها. وليس المراد أنها لم تملك لاحد لانها باقية على ملك مولاها بدليل ما سيأتي من جواز وطئها. وأشار المصنف إلى أنه لو

[ 453 ]

قضى قاض بجواز بيعها لم ينفذ قضاؤه. قال في الخانية: وهو أظهر الروايات. وفي الظهيرية: وإذا قضى القاضي بجواز بيع أم الولد نفذ قضاؤه في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وفي قول محمد لا يجوز بناء على المسألة الاصولية أن الاجماع المتأخر هل يرفع الاختلاف المتقدم؟ عندهما لا يرفع لما فيه من تضليل بعض الصحابة، وعند محمد يرفع، والفتوى على قول محمد في هذه المسألة أنه لا ينفذ قضاؤه اه‍. وفي الذخيرة: لو قضى قاض بجواز بيعها لم ينفذ قضاؤه بل يتوقف على قضاء قاض آخر إمضاء وإبطالا اه‍. وفي المحيط: رجل أعتق أم ولده ثم ارتدت وسبيت وملكها تصير أم ولد له لان سبب صيرورتها أم ولد قائم وهو إثبات النسب منه، فإن أعتق المدبرة ثم ارتدت وسبيت فملكها لا تصير مدبرة لان إعتاق المدبر وصل إليه بالاعتاق وبطل التدبير فلا يبقى عتقها معلقا بالموت بخلاف الاستيلاد فإنه لا يبطل بالاعتاق والارتداد لقيام سببه وهو ثبات نسب الولد اه‍. وفي الخانية: وينبغي للمولى أن يشهد على أن الجارية ولدت منه خوفا من أن يسترق ولده بعد وفاته، وقدمنا في تزوج الاب جارية ابنه أن من أراد أن تلد أمته منه ولا تكون أم ولد أن يملكها لولده الصغير ثم يتزوجها كما في الخانية. قوله: (وتوطأ وتستخدم وتؤجر وتزوج) لان الملك قائم فيها فأشبهت المدبرة، فكل تصرف يبطل هذا الحق فإنه لا يجوز فيها، وما لا يبطله فهو جائز. وأفاد بالوطئ والاستخدام أن الكسب والغلة والعقر والمهر للمولى لانها بدل المنفعة والمنافع على ملكه، وكذا ملك العين قائم. وأفاد بالتزويج أنه لا يجب عليه الاستبراء قالوا هو مستحب كاستبراء البائع لاحتمال أنها حبلت منه فيكون النكاح فاسدا فكان تعريضا للفساد، ولو زوجها فولدت لاقل من ستة أشهر فهو من المولى والنكاح فاسد لانه تبين أنه زوجها وفي بطنها ولد ثابت النسب منه، فإن ولدت لاكثر من ستة أشهر فهو ولد الزوج وإن ادعاه المولى ولكن يعتق عليه لاقراره بحريته وإن لم يثبت نسبه. وفي المحيط: لو باع خدمتها منها أو كاتبها على خدمتها جاز وتعتق إذا باع خدمتها منها. قوله: (فإن ولدت بعده ثبت نسبه بلا دعوة بخلاف الاول) بيان لشرط صيرورتها أم ولد فأفاد أن الامة إذا ولدت فإنها لا تصير أم ولد إلا إذا ادعى الولد لنفسه لان وطئ الامة يقصد به قضاء الشهوة دون الولد لوجود المانع عنه فلا بد من الدعوة بمنزلة ملك اليمين من غير وطئ بخلاف العقد لان الولد يتعين مقصودا منه فلا حاجة إلى الدعوة، فإذا اعترف بالولد الاول وجاءت بالثاني فإنه يثبت نسبه من غير دعوة من المولى لانه بدعوى الاول تعيين الولد مقصودا منه فصارت

[ 454 ]

فراشا كالمعقودة وفي الظهيرية: لو قال لجاريته إن كان في بطنك غلام فهو مني وإن كان جارية فليس مني يثبت نسب الولد منه غلاما كان أو جارية. ولو قال إن كان في بطنك ولد فهو مني إلى سنتين فولدت لاقل من ستة أشهر يثبت النسب منه، وإن ولدت لاكثر من ستة أشهر لا يثبت النسب والتوقيت باطل اه‍. وأطلق في ثبوت نسب الثاني بلا دعوة وهو مقيد بأن لا تكون حرمت عليه، سواء كانت حرمة مؤبدة أولا، فإن حرمت عليه لا يثبت نسبه إلا بدعوة لان الظاهر أنه ما وطئها بعد الحرمة فكانت حرمة الوطئ كالنفي دلالة كما لو وطئها ابن المولى أو أبوه أو وطئ المولى أمها أو بنتها فجاءت بولد لاكثر من ستة أشهر، أو زوجها فجاءت بولد لستة أشهر من وقت التزويج. وإن ادعى في الحرمة المؤبدة يثبت النسب لان الحرمة لا تزيل الملك وفي المزوجة يعتق عليه، وكذا إذا حرمت عليه بكتابة، وإن حرمت عليه بما لا يقطع نكاح الحرة ولا يزيل فراشها كالحيض والنفاس والاحرام والصوم فإنه يثبت النسب بلا دعوة لانه تحريم عارض لا يغير حكم الفراش، كذا في البدائع. وظاهر تقييده بالاكثر من الستة أنها لو ولدته بعد عروض الحرمة لاقل من ستة أشهر فإنه يثبت نسبه بلا دعوة للتيقن بأن العلوق كان قبل عروضها، وقد ذكره في فتح القدير بحثا. وفي الظهيرية: أمة لرجل ولدت في ملكه ثلاثة أولاد في بطون مختلفة، فإن ادعى الاصغر يثبت نسب الاصغر منه وله أن يبيع الاخيرين بالاتفاق، وإن ادعى نسب الاكبر ثبت نسب الاكبر منه، والاوسط والاصغر بمنزلة الام لا يثبت نسبهما، وليس له أن يبيعهما لانه يحق عليه شرعا الاقرار بنسب ولد هو منه. ولما خص الاكبر بالدعوة بعد ما لزمه هذا شرعا كان هذا نفيا منه للاخيرين، وولد أم الولد ينتفي نسبه بالنفي وهو نظير ما قيل السكوت لا يكون حجة ولكن السكوت بعد لزوم البيان يجعل دليل النفي فهذا مثله اه‍. وقيد بالدعوة لانه لو قال كنت أطأ لقصد الولد عند مجيئها بالولد فإنه لا يثبت النسب لانه لم يعترف بالولد. وفي فتح القدير: ينبغي أن يثبت النسب بلا دعوة لان ثبوته بقوله هو ولدي بناء على أن وطأه حينئذ لقصد الولد، وعلى هذا قال بعض فضلاء الدرس: ينبغي أنه إذا أقر أنه كان لا يعزل عنها وحصنها أن يثبت نسبه من غير توقف على دعواه، وإن كنا نوجب عليه في هذه الحالة الاعتراف به فلا حاجة أن نوجب عليه الاعتراف ليعترف فيثبت نسبه بل يثبت نسبه ابتداء، وأظن أن لا بعد في أن يحكم على المذهب بذلك اه‍. وأقول: إنه لا يصح أن

[ 455 ]

يحكم على المذهب به لتصريح أهله بخلافه. قال في البدائع: الامة القنة أو المدبرة لا يثبت نسب ولدها وإن حصنها المولى وطلب الولد من وطئها بدون الدعوة عندنا لانها لا تصير فراشا بدون الدعوة اه‍. فإن أراد الثبوت عند القاضي ظاهرا فقد صرحوا أنه لا بد من الدعوة مطلقا، وإن أراد فيما بينه وبين الله تعالى فقد صرح في الهداية وغيرها بأن ما ذكرناه من اشتراط الدعوة إنما هو في القضاء، أما فيما بينه وبين الله تعالى فإن كان وطئها وحصنها ولم يعزل عنها يلزمه أن يعترف به ويدعيه لان الظاهر أن الولد منه، وإن عزل عنها أو لم يحصنها جاز له أن ينفيه لان الظاهر يقابله ظاهر آخر. والتحصين منعها من الخروج والبروز عن مظان الريبة، والعزل أن يطأها ولا ينزل في موضع المجامعة. وفي المجتبى معزيا إلى تجريد القدوري: ويثبت نسب ولد الجارية من مولاها وإن لم يدعه. فهذا نص على أن دعوى المولى ليس بشرط لصيرورتها أم ولد في نفس الامر وإنما يشترط لظهوره والقضاء عليه اه‍. وفيه أيضا: لا يصح إعتاق المجنون وتدبيره ويصح استيلاده اه‍ مع أن الدعوى لا تتصور منه فهذا إن صح يستثنى وهو مشكل.. قوله: (وانتفى بنفيه) أي انتفى نسب الولد الثاني بنفي المولى من غير توقف على لعان لان فراشها ضعيف حتى يملك نقله بالتزويج بخلاف المنكوحة حيث لا ينفي نسب ولدها إلا باللعان لتأكد الفراش. أطلق في النفي فشمل الصريح والدلالة كما إذا ولدت ولدين في بطنين فادعى نسب الثاني كان نفيا للاول، وكذا لو كانوا ثلاثة فادعى نسب الثاني كان نفيا للاول، وكذا لو كانوا ثلاثة فادعى نسب الاكبر كان نفيا لما بعده كما قدمناه. وشمل ما إذا تطاول الزمان وهو ساكت بعد ولادته، وصرح في المبسوط بأنه إذا تطاول الزمان لا يملك نفيه لان التطاول دليل إقراره لوجود دليله من قبول التهنئة ونحوه فيكون كالتصريح،

[ 456 ]

واختلافهم في التطاول سبق في اللعان. وصرح في المبسوط أيضا بأنه إنما يملك نفيه وإذا لم يقض به القاضي، فأما بعد القضاء فقد لزمه بالقضاء فلا يملك إبطاله اه‍. وينبغي أن يكون المراد به قضاء غير الحنفي، وأما الحنفي فليس له الحكم به من غير صريح الدعوى. قوله: (وعتقت بموته من كل ماله ولم تسع لغريمه) لحديث سعيد بن المسيب أن النبي عليه السلام أمر بعتق أمهات الاولاد وأن لا يبعن في دين وأن لا يجعلن من الثلث. ولان الحاجة إلى الولد أصلية فتقدم على حق الورثة والدين كالتكفين بخلاف التدبير فإنه وصية بما هو من زوائد الحوائج، ولانها ليست بمال متقوم حتى لا تضمن بالغصب عند أبي حنيفة فلا يتعلق بها حق الغرماء كالقصاص بخلاف المدبر لانه مال متقوم. أطلق في الموت فشمل الحكمي كردته ولحوقه بدار الحرب، وكذا الحربي المستأمن إذا اشترى جارية بدار الاسلام واستولدها ثم رجع إلى دار الحرب فاسترق الحربي عتقت الجارية لما ذكرنا في المدبر، كذا في البدائع. وشمل كلامه ما إذا أقر بأنها ولدت منه في الصحة أو في المرض لكن إن كان في الصحة فإنها تعتق من جميع المال، سواء كان معها ولد أو لم يكن، وإن كان الاقرار في المرض، فإن كان معها ولد فكذلك الجواب وإلا فهي أم ولده وحكمها كالمدبر تعتق من ثلث المال، كذا في شرح الطحاوي. وذكر في المحيط أنه لو قال لامته في مرضه ولدت مني، فإن كان هناك ولد أو حبل تعتق من جميع المال وإلا فمن الثلث لانه عند عدم الشاهد إقرار بالعتق وهو وصية. وفي الخانية: وإذا عتقت بموته يكون ما في يدها من المال للمولى إلا إذا أوصى لها به اه‍. وفي المجتبى عن محمد: مات مولى أم الولد ولها متاع وعروض ليس لها منها شئ إلا أني استحسن أن أترك لها ملحفة وقميصا ومقنعة، فأما المدبر فلا شئ له من الثياب وغيره اه‍. ولم يذكر المصنف هنا حكم ولد أم الولد من غير المولى لانه قدمه في كتاب العتق أن الولد أي الجنين يتبع الام في الاستيلاد، فإذا زوج المولى أم ولده لرجل فولدت فهو في حكم أمه لان حق الحرية يسري إلى الولد كالتدبير، ألا ترى أن ولد الحرة حر وولد القنة رقيق والنسب يثبت من الزوج لان الفراش له وإن كان النكاح فاسدا لان الفاسد ملحق بالصحيح في حق الاحكام، وإذا ادعاه المولى لا يثبت نسبه منه لانه ثابت النسب من غيره ويعتق الولد، كذا في الهداية. فإذا مات المولى عتق ولد أم الولد كأمه. وفي المحيط: لو شهد أحدهما أنه أقر أنها ولدت هذا الغلام منه وشهد الآخر أنها ولدت هذه الجارية منه

[ 457 ]

فشهادتهما جائزة على أمية الولد لا على ثبات النسب لاختلافهما في الولد. فإن كان الولدان لا يعلم أيهما أكبر فنصف كل واحد منهما بمنزلة أمه يعتق ذلك النصف بعتقها ويسعى كل واحد منهما في نصف قيمته بعد موت المولى، وإن كان أحدهما أكبر من الآخر عتق الاصغر بعتقها ويباع الاكبر ولا يثبت نسب واحد منهما، ومتى لم يعلم أيهما أكبر وأحدهما حادث بعد ثبوت أمية الولد للام وهو مجهول فيشيع ذلك الحكم فيهما نصفان اه‍. قوله: (ولو أسلمت أم ولد النصراني سعت في قيمتها) لان النظر من الجانبين في جعلها مكاتبة لانه يندفع الذل عنها بصيرورتها حرة يدا والضرر عن الذمي لانبعاثها على الكسب نيلا لشرف الحرية فيصل الذمي إلى بدل ملكه، أما لو أعتقت وهي مفلسة تتوانى في الكسب ومالية أمية الولد يعتقدها الذمي متقومة فيترك وما يعتقده، ولانها إن لم تكن متقومة فهي محترمة وهذا يكفي لوجوب الضمان كما في القصاص المشترك إذا عفا أحد الاولياء يجب المال للباقين. والمراد بقيمتها هنا ثلث قيمتها لو كانت قنة، كذا في غاية البيان. والمراد بالنصراني الكافر. وترك المصنف قيدا وهو أن محل وجوب السعاية عليها فيما إذا عرض الاسلام عليه فأبى، أما إذا أسلم فهي باقية على حالها. ولم يصرح بأنها في حال السعاية مكاتبة وقد قالوا: إنها مكاتبة لكن إذا عجزت لا ترد في الرق. وشرط قاضيخان في الخانية لكونها مكاتبه قضاء القاضي قال: وإذا قضى القاضي عليها بالسعاية كان حالها حال المكاتب ما لم تؤد السعاية. وقال فخر الاسلام: ومعنى المسألة أن القاضي يقدر قيمتها فينجمها عليها. وأشار بكونها أم ولده إلى أنه لو مات قبل السعاية عتقت بلا سعاية كما هو حكم الولد، وإلى أن المدبر النصراني إذا أسلم فحكمه حكم أم الولد يسعى في قيمته وهي نصف قيمته لو كان قنا أو الثلثان على ما مر. وقيد بأم الولد لان القنة للنصراني إذا أسلمت فإن المولى يؤمر بالبيع، وكذا قنه لان البيع أوجب الحقوق لان الكاتب ربما يعجز فيحتاج إلى بيعه فصارت الكتابة بمنزلة البدل عن البيع، ولا يصار إلى البدل ما دام الاصل مقدورا عليه، كذا في غاية البيان. وقيد مسكين الجبر على البيع بعرض الاسلام عليه فيأبى. وفي المحيط: وإذا قضى القاضي عليها بالقيمة ثم ماتت ولها ولد ولدته في السعاية سعى الولد فيما عليها لان الولد صار مستسعى تبعا لامه كولد المكاتبة لانها بمنزلة المكاتبة اه‍. قوله: (ولو ولدت بنكاح فملكها فهي أم ولده) لان السبب هو الجزئية على ما ذكرنا من قبل والجزئية إنما تثبت بينهما بنسبة الولد الواحد إلى كل منهما كملا وقد ثبت النسب فثبتت الجزئية بهذه الواسطة، وقد كان المانع حين الولادة ملك الغير وقد زال. قيد بالنكاح

[ 458 ]

احترازا عما إذا ولدت منه بالزنا ثم ملكها فإنها لا تصير أم ولد له لانه لا نسب فيه للولد إلى الزاني، وإنما يعتق على الزاني إذا ملكه لانه جزؤه حقيقة بلا واسطة، نظيره من اشترى أخاه من الزنا لا يعتق لانه ينسب إليه بواسطة نسبه إلى الوالد وهي غير ثابتة والوطئ بالشبهة كالنكاح كما في المحيط. وأطلق في الملك فشمل الكل والبعض ولذا قال في المحيط: وإذا ولدت الامة المنكوحة من الزوج ثم اشتراها هو وآخر تصير أم ولد للزوج لما قلنا، ويلزمه قيمة نصيب شريكه لانه بالشراء صارت أم ولد له وانتقل نصيب الشريك إليه بالضمان، وإن ورثا معا الولد وكان الشريك ذا رحم محرم من الولد عتق عليهما جميعا، وإن كان الشريك أجنبيا سعى الولد للشريك في حصته لانه لما عتق نصيب الاب فسد نصيب شريكه اه‍. وأشار المصنف بكونها أم ولد له إلى أن أولادها منه أحرار إذا ملكهم لان من ملك ذا رحم محرم منه عتق عليه الحديث. ولو ملك ولدا لها من غيره لا يعتق وله بيعه عندنا لانها إنما صارت أم ولد له من حين الملك لا من حين العلوق، وأما الولد الحادث في ملكه فحكمه حكم أمه بالاتفاق إلا أنه إذا كان جارية لم يستمتع بها لانه وطئ أمها هذه إجماعية وهي واردة على إطلاق من قال إنه كأمه، كذا في فتح القدير. ويستثنى منه أيضا ما في الظهيرية: رجل اشترى جارية هي أم ولد الغير من رجل أجنبي ولا علم له بحالها فولدت منه ولدا ثم استحقها مولاها وقضى له بها، فعلى أبي الولد وهو المشتري قيمة الولد لمولى أم الولد بسبب الغرور، وكان ينبغي أن لا يكون عليه شئ من قيمة الولد على قول أبي حنيفة لان ولد أم الولد لا مالية فيه كأمه إلا أنه ضمن مع هذا قيمته عنده لانه إنما لا يكون فيه مالية بعد ثبوت حكم أمية الولد فيه ولم يثبت في الولد لانه علق حر الاصل فلذا كان مضمونا بالقيمة والله أعلم اه‍. فحاصله أن ولد أم الولد من غير المولى كأمه إلا في مسألتين، فإذا ملك من استولدها بالنكاح وبنتها من غير الحادثة قبل الملك والبنت الحادثة من رجل بعد الملك وأعتقهن ثم اشتراهن بعد السبي والارتداد عدن كما كن في قول أبي يوسف يحرم عليه بيع الام والبنت الثانية ولا يحرم عليه بيع البنت الاولى. وقال محمد: يحرم عليه بيع الام ولا يحرم عليه بيع البنتين، كذا في الظهيرية. قوله: (ولو ادعى ولد أمة مشتركة ثبت نسبه وهي أم ولده ولزمه نصف قيمتها ونصف عقرها لا قيمته) أما ثبوت النسب فلانه لما ثبت في نصفه لمصادفته ملكه ثبت في الباقي ضرورة أنه لا يتجزأ لما أن سببه لا يتجزأ وهو العلوق إذ الولد الواحد لا يعلق من مائين، وأما صيرورتها أم ولد فلان الاستيلاد لا يتجزأ عنده، وعندهما يصير نصيبه أم ولد له ثم يتملك نصيب صاحبه إذ هو قابل للملك. وأما ضمان نصف القيمة فلانه تملك نصيب صاحبه لما استكمل الاستيلاد، وأما ضمان نصف العقر فلانه وطئ جارية مشتركة إذ الملك

[ 459 ]

ثبت حكما للاستيلاد فيعقبه الملك في نصيب صاحبه بخلاف الاب إذ استولد جارية ابنه لان الملك هناك ثبت شرطا للاستيلاد فيتقدمه فصار واطئا ملك نفسه. وأما عدم ضمان قيمة الولد فلان النسب يثبت مستندا إلى وقت العلوق فلم يتعلق شئ منه على ملك شريكه. أطلق في المدعي فشمل الحر والمكاتب، فإذا ادعى المكاتب ولد الامة المشتركة فالحكم كذلك كما في البدائع. وفي الظهيرية: وإن كانت بين حر ومكاتب فادعى المكاتب وحده ثبت نسبه وضمن نصف قيمتها للشريك. وقال أبو يوسف: نصيب الشريك بحاله كما كان يستخدمها كل واحد منهما يوما فإذا عجز المكاتب كان له أن يبيعها لان حكم الاستيلاد في نصيب المكاتب بصفة الاستقرار لم يثبت بدليل أنها تباع بعد العجز اه‍. ومثل المسلم الكافر والصحيح والمريض مرض الموت لانه من الحوائج الاصلية. وأطلق في الامة فشمل ما إذا كانت حبلت على ملكهما أو اشترياها حاملا لكنه يضمن في الثاني نصف قيمة الولد لانها دعوة إعتاق لا استيلاد. وفي الظهيرية: لو اشترى أخوان أمة حاملة فجاءت بولد فادعاه أحدهما فعليه نصف قيمة الولد لانه أعتقه بالدعوة، ولا يعتق على عمه بالقرابة لان الدعوة قد تقدمت فيضاف الحكم إلى الدعوة دون القرابة اه‍. وأطلق في وجوب نصف القيمة والعقر فشمل الموسر والمعسر لانه ضمان تملك بخلاف ضمان العتق وتعتبر القيمة يوم العلوق وكذا نصف العقر. وشمل ما إذا كانت المدعي منهما الاب كما إذا كان مشتركة بين الاب وابنه فادعاه الاب صح ولزمه نصف القيمة والعقر كالاجنبي بخلاف ما إذا استولدها ولا ملك له فيها حيث لا يجب العقر عندنا. والفرق بينهما أن الجارية متى لم تكن ملكا له مست الحاجة إلى إثبات الملك له فيها سابقا على الوطئ لئلا يكون فعله زنا، ومتى كانت مشتركة بينهما فقيام الملك في شقص منها يكفي لاخراج فعله من أن يكون زنا فلم تمس الحاجة إلى إثبات الملك سابقا على الوطئ فلذا يجب نصف العقر، كذا في الظهيرية. قوله: (ولو ادعياه معا ثبت نسبه منهما وهي أم ولدهما وعلى كل واحد نصف العقر وتقاصا وورث من كل إرث ابن وورثا منه إرث أب) أما ثبوت النسب منهما فلكتاب عمر إلى شريح في هذه الحادثة لبسا فلبس عليهما ولو بينا لبين لهما، هو ابنهما يرثهما ويرثانه وهو للباقي منهما، وكان ذلك بمحضر من الصحابة، وعن علي مثل ذلك. ولانهما استويا في سبب الاستحقاق فيستويان فيه، والنسب وإن كان لا يتجزى ولكن يتعلق به أحكام متجزئة فما يقبل التجزئة يثبت في حقهما على التجزئة وما لا يقبلها يثبت في حق كل واحد منهما

[ 460 ]

كملا كان ليس معه غيره، ولا اعتبار بقول القائف وسرور النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في أسامة إنما كان لان الكفار كانوا يطعنون في نسب أسامة فكان قول القائف مقطعا لطعنهم فسر به. وأما كونها أم ولد لهما فلصحة دعوى كل واحد منهما في نصيبه في الولد فيصير نصيبه فيها أم ولد له تبعا لولدها، وأما لزوم نصف العقر على كل واحد منهما فلما قدمناه، وأما التقاص فلعدم فائدة الاشتغال بالاستيفاء. وفائدة إيجاب العقر مع التقاص به أن أحدهما لو أبرأ أحدهما عن حقه بقي حق الآخر. وأيضا لو قدر نصيب أحدهما بالدراهم والآخر بالدنانير كان له أن يدفع الدراهم ويأخذ الدنانير كما في فتح القدير. وإن كان نصيب أحدهما أكثر من نصيب الآخر يأخذ منه الزيادة. وأما ميراثه من كل واحد منهما ميراث ابن كامل فلانه أقر له بميراثه كله وهو حجة في حقه، وأما إرثهما منه ميراث أب واحد إذا مات وهما حيان فلاستوائهما في النسب كما إذا أقاما البينة. وأطلق في الشريكين وهو مقيد باستوائهما في الاوصاف فلو ترجح أحدهما لم يعارضه المرجوح فيقدم الاب على الابن، والمسلم على الذمي، والحر على العبد، والذمي على المرتد، والكتابي على المجوسي. والعبرة لهذه الاوصاف وقت الدعوة لا العلوق كما في غاية البيان. وفي المبسوط: أمة بين مسلم وذمي ومكاتب ومدبر وعبد ولدت فادعوه فالحر المسلم أولى لاجتماع الاسلام والحرية فيه مع الملك، فإن لم يكن فيه مسلم بل من بعده فقط فالذمي أولى لانه حر، والمكاتب والعبد وإن كانا مسلمين لكن نيل الولد تحصيل الاسلام دون الحرية، ثم المكاتب لان له حق ملك والولد على شرف الحرية بأداء الكتابة، وإن لم يكن مكاتب وادعى المدبر والعبد لا يثبت من واحد منهما النسب لانهم ليس لهم ملك ولا شبهة ملك. قيل وجب أن يكون هذا الجواب في العبد المحجور وهبت له أمة ولا يتعين ذلك بين أن يزوج منها أيضا، كذا في فتح القدير. وفي الظهيرية: ولو كانت الجارية بين رجل وأبيه وجده فجاءت بولد فادعوه كلهم فالجد أولى اه‍. وقيد بكون كل واحد منهما ادعى نسبه لانها لو كانت بين رجلين فولدت ولدا فادعاه أحدهما وأعتقه الآخر وخرج الكلامان معا كانت الدعوة أولى من الاعتاق لان الدعوة تستند إلى حالة العلوق والاعتاق فيقتصر على الحال اه‍. وأطلق في كونها مشتركة بينهما ولم يقيد باستوائهما في القدر لانها لو كانت بين اثنين لاحدهما عشرها وللآخر تسعة أعشارها فجاءت بولد فادعياه معا فإنه ابنهما، ابن هذا كله وابن ذلك كله، فإن مات ورثاه نصفين، وإن جنى عقل عواقلهما نصفين، وإن جنت الامة

[ 461 ]

فعلى صاحب العشر عشر موجب الجناية وعلى الآخر تسعة أعشار موجبها، وكذا أولادها لهما على هذا. ولو أن رجلين اشتريا عبدا ليس له نسب معروف أحدهما عشرة والآخر تسعة أعشاره ثم ادعياه معا فهو ابنهما لا يفضل أحدهما على صاحبه في النسب، فإن جنى فجنايته على عواقلهما أعشارا، كذا في الظهيرية. وقيد بكونهما اثنين للاختلاف فيما زاد عليهما، فعند أبي حنيفة يثبت النسب من المدعيين وإن كثروا. وقال أبو يوسف: يثبت نسبه من اثنين ولا يثبت نسبه من الثلاثة. وعند محمد يثبت من الثلاثة لا غير. وقال زفر: يثبت من خمسة فقط وهو رواية الحسن بن زياد عن الامام. وفي غاية البيان: لو تنازع فيه امرأتان قضى به أيضا بينهما عند أبي حنيفة، وعندهما لا يقضي للمرأتين، وكذلك يثبت عند أبي حنيفة للخمس. ولو تنازع فيه رجل وامرأتان يقضي به بينهم عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد يقضي للرجل ولا يقضي للمرأتين. وإذا تنازع فيه رجلان وامرأتان كل رجل يدعي أنه ابنه من هذه المرأة والمرأة لا تصدقه على ذلك فعند أبي حنيفة يقضي بين الرجلين ولا يقضي بين المرأتين اه‍. وأفاد بكونها أم ولد لهما أنها تخدم كلا منهما يوما وإذا مات أحدهما عتقت ولا ضمان للحي في تركة الميت لرضا كل منهما بعتقها بعد الموت، ولا تسعى للحي عند أبي حنيفة لعدم تقومها، وعلى قولهما تسعى في نصف قيمتها له. ولو أعتقها أحدهما عتقت ولا ضمان عليه للساكت ولا سعاية في قول أبي حنيفة، وعلى قولهما يضمن إن كان موسرا وتسعى إن كان معسرا، كذا في فتح القدير. فعلى هذا محل قول الامام العتق يتجزأ في القنة، أما في أم الولد فعتقها لا يتجزأ اتفاقا وقد نبه عليه في المجتبى. وفي البدائع: وإن كانت الانصباء مختلفة بأن كان لاحدهم السدس وللآخر الربع وللآخر الثلث وللآخر ما بقي

[ 462 ]

يثبت نسبه منهم، ويصير نصيب كل واحد من الجارية أم ولد له لا يتعدى إلى نصيب صاحبه حتى تكون الخدمة والكسب والغلة بينهم على قدر أنصبائهم لان كل واحد يثبت الاستيلاد منه في نصيبه فلا يجوز أن يثبت فيه استيلاد غيره اه‍. فالحاصل أن الانصباء إذا كانت مختلفة فالحكم في حق الولد لا يختلف، فأما الاستيلاد فيثبت لكل واحد منهما بقدر ملكه، كذا في الظهيرية. وأطلق المصنف في كونها أم ولد لهما وهو مقيد بما إذا كانت حبلت في ملكهما بأن ولدت لستة أشهر فأكثر من يوم الشراء، أما إذا اشترياها وهي حامل بأن ولدت لاقل من ستة أشهر من وقت الشراء فادعياه أو اشترياها بعد الولادة ثم ادعياه فإنها لا تكون أم ولد لهما لان هذه دعوة عتق لا دعوة استيلاد فيعتق الولد مقتصرا على وقت الدعوة بخلاف الاستيلاد فإن شرطها كون العلوق في الملك وتستند الحرية إلى وقت العلوق فيعلق حرا، وكذا لو كان الحمل على ملك أحدهما بالتزوج ثم اشتراها هو وآخر فولدت لاقل من ستة أشهر من الشراء فادعياه فهي أم ولد الزوج، فإن نصيبه صار أم ولد له والاستيلاد لا يحتمل التجزي عندهما ولا إبقاؤه عنده فيثبت في نصيب شريكه أيضا، وكذا إذا حملت على ملك أحدهما رقبة فباع نصفها من آخر فولدت يعني لتمام ستة أشهر من بيع النصف فادعياه يكون الاول أولى لكون العلوق أولى في ملكه، كذا في فتح القدير. وهي ليست كأم ولد لواحد لانها لو جاءت بعد ذلك بولد، لم يثبت نسبه من واحد إلا بالدعوى لان الوطئ حرام فتعتبر الدعوة، كذا في المجتبى. وأفاد بقوله وورثا منه إرث أب أنه لو مات أحدهما قبل الولد فجميع ميراثه للباقي منهما، وأن الولاية عليه في التصرف مشتركة ولذا قال في الخانية من باب الوصي: رجلان ادعيا صغيرا ادعى كل واحد منهما أنه ابنه من أمة مشتركة بينهما فإنه يثبت نسبه منهما، فإن كان لهذا الولد مال ورثه من أخ له من أمه أو وهب له أخوه لا ينفرد بالتصرف في ذلك المال أحد الابوين عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف ينفرد اه‍. وأما ولاية الانكاح فلكل واحد منهما الانفراد به، قال في التبيين: النسب وإن كان لا يتجزى لكن يتعلق به أحكام متجزئه كالميراث والنفقة والحضانة والتصرف في المال، وأحكام غير متجزئة كالنسب وولاية الانكاح، فما يقبل

[ 463 ]

التجزئة يثبت بينهما على التجزئة، وما لا يقبلها يثبت في حق كل واحد منهما على الكمال كأنه ليس معه غيره اه‍. وذكر في صدقة الفطر أن صدقة فطر الولد عليهما لكن عند أبي يوسف على كل واحد منهما صدقة تامة، وعند محمد عليهما صدقة واحدة، وأما الام فلا تجب على واحد منهما صدقتها اتفاقا. وذكر في الخانية من فصل الجزية: لو حدث بين النجراني والتغلبي ولد ذكر من جارية وادعياه جميعا معا فمات الابوان وكبر الولد لم تؤخذ منه الجزية. وذكر في السير أنه إن مات التغلبي أولا تؤخذ منه جزية أهل نجران، وإن مات النجراني أولا تؤخذ منه جزية أهل تغلب، وإن ماتا معا يؤخذ النصف من هذا والنصف من هذا اه‍. قوله: (ولو ادعى ولد أمة مكاتبه وصدقة المكاتب لزم النسب والعقر وقيمة الولد ولم تصر أم ولده وإن كذبه لم يثبت) وعند أبي يوسف أنه يثبت النسب بدون تصديقه اعتبارا بالاب يدعي ولد جارية ابنه. وجه الظاهر وهو الفرق أن المولى لا يملك التصرف في إكساب مكاتبه حتى لا يتملكه والاب يملك تملكه فلا يعتبر تصديق الابن، وإنما لزمه العقر لانه لا يتقدمه الملك لان ماله من الحق كاف لصحة الاستيلاد لما ذكر، وإنما لزمه قيمة الولد لانه في معنى المغرور حيث اعتمد دليلا وهو أنه كسب كسبه فلم يرض برقه فيكون حرابا لقيمة ثابت النسب منه إلا أن القيمة هنا تعتبر يوم ولد وقيمة ولد المغرور يوم الخصومة. وإنما لم تصر الجارية أم ولد للمولى لانه لا ملك له فيها حقيقة كما في ولد المغرور، وإن كذبه المكاتب في

[ 464 ]

النسب لم يثبت من المولى لما بينا أنه لا بد من تصديقه، فلو ملكه يوما ثبت نسبه منه لقيام الموجب وزوال حق المكاتب إذ هو المانع. قيد بأمة المكاتب لانه لو وطئ المكاتبة فجاءت بولد فادعاه ثبت نسبه، ولا يشترط تصديقها لان رقبتها مملوكة له بخلاف كسبها. وفي التبيين: ولو ولدت منه جارية غيره وقال أحلها لي مولاها والولد ولدي فصدقه المولى في الاحلال وكذبه في الولد لم يثبت نسبه، فإن ملكها يوما ثبت نسبه وصارت أم ولد له، ولو صدقه في الولد ثبت نسبه، ولو استولد جارية أحد أبويه أو امرأته وقال ظننت أنها تحل لي لم يثبت نسبه منه ولا حد عليه، وإن ملكه يوما عتق عليه، وإن ملك أمه لا تصير أم ولد له لعدم ثبوت نسبه اه‍. والله سبحانه وتعالى أعلم. كتاب الايمان مناسبتها للعتاق من حيث إن كلا منهما لا يؤثر فيه الهزل والاكراه كالطلاق، وقدم العتاق عليه لقربه من الطلاق لاشتراكهما في الاسقاط. والايمان جمع يمين وهي في اللغة مشتركة بين الجارحة والقسم والقوة. قالوا: إنما سمي القسم يمينا لوجهين: أحدهما أن اليمين هي القوة والحالف يتقوى بالقسم على الحمل أو المنع. والثاني أنهم كانوا يتماسكون بأيديهم عند القسم فسميت بذلك، وهذا يفيد أن لفظ اليمين لفظ منقول، ومفهومه لغة جملة أولى إنشائية صريحة الجزئين يؤكد بها جملة بعدها خبرية. فخرج بقيد أولى نحو زيد قائم زيد قائم فإن الاولى هي المؤكدة بالثانية من التوكيد اللفظي على عكس اليمين، وشمل الجملة الفعلية كحلفت بالله لافعلن أو أحلف، والاسمية سواء كانت مقدمة الخبر كعلي عهد الله أو مؤخرته نحو لعمرك لافعلن. وأسماء هذا المعنى التوكيدي ستة: الحلف والقسم والعهد

[ 465 ]

والميثاق والايلاء واليمين. وخرج بقيد الانشائية نحو تعليق الطلاق والعتاق فإن الاولى ليست إنشائية فليست التعاليق إيمانا حقيقة. وأما مفهومه الاصطلاحي فجملة أولى إنشائية يقمم فيها باسم الله تعالى أو صفته يؤكد بها مضمون ثانية في نفس السامع ظاهرا، أو يحمل المتكلم على تحقيق معناها فدخلت بقيد الظهور الغموس أو التزام مكروه كفر أو زوال ملك على تقدير ليمنع عنه أو محبوب ليحمل عليه فدخلت التعليقات مثل إن فعل فهو يهودي وإن دخلت فأنت طالق بضم التاء لمنع نفسه وبكسرها لمنعها وإن بشرتني فأنت حر، كذا في فتح القدير. وعرفها في الكافي بأنها عبارة عن تحقيق ما قصده من البر في المستقبل نفيا أو إثباتا. وعرفها في التبيين بأنها عقد قوي به عزم الحالف على الفعل أو الترك. وفي شرح النقاية بأنها تقوى الخبر بذكر الله تعالى أو بالتعليق. وظاهر ما في البدائع أن التعليق يمين في اللغة أيضا قال: لان محمدا أطلق عليه يمينا وقوله حجة في اللغة، وذكر أن فائدة الاختلاف تظهر فيمن حلف لا يحلف ثم حلف بالطلاق أو العتاق فعند العامة يحنث، وعند أصحاب الظواهر لا يحنث، وركنها اللفظ المستعمل فيها. وشرطها العقل والبلوغ والاسلام. ومن زاد الحرية كالشمنى فقدسها لان العبد ينعقد يمينه ويكفر بالصوم كما صرحوا به. وزاد في المحيط ثالثا وهو كون الخبر المضاف إليه اليمين محتملا للصدق والكذب متمثلا بين البر والهتك فيتحقق حكمه وهو وجوب البر اه‍. وهو صحيح لما سيأتي أن إمكان البر شرط لانعقادها عندهما خلافا لابي يوسف كما في مسألة الكوز. وسببها إلغائي تارة إيقاع صدقه في نفس السامع، وتارة حمل نفسه أو غيره على الفعل أو الترك. وحكمها شيآن: وجوب البر بتحقق الصدق في نفس اليمين، والثاني وجوب الكفارة بالحنث، كذا في المحيط. وهو بيان لبعض أحكامها فإنه سيأتي أن البر يكون واجبا ومندوبا وحراما، وأن الحنث يكون واجبا ومندوبا. وفي المحيط: والافضل في اليمين بالله تعالى تقليلها لان في تكثير اليمين المضافة إلى الماضي نسبة نفسه إلى الكذب، وفي تكثير اليمين المضافة إلى المستقبل تعريض اسم الله تعالى للهتك، واليمين بغيره تعالى إلى مكروه وعند البعض للحديث لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت من كان حالفا فليحلف بالله أو ليذر وقال بعضهم: إذا أضيف إلى الماضي يكره، وإذا أضيف إلى

[ 466 ]

المستقبل لا يكره وهو الاحسن لما روي أنه عليه الصلاة والسلام لما لاعن بين العجلاني وبين امرأته قال العجلاني إن أمسكتها فهي طالق ثلاثا ولم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخره. وفي التبيين: لا تكره عند العامة. وفي الولوالجية: من أراد أن يحلف بالله تعالى فقال خصمه لا أريد الحلف بالله تعالى يخشى عليه الكفر اه‍. قوله: (فحلفه على ماض كذبا عمدا غموس) بيان لانواعها وهي ثلاثة كما في أكثر الكتب: الاول الغموس وهو أن يحلف على أمر ماض يتعمد الكذب فيه سميت غموسا لانها تغمس صاحبها في الذنب ثم في النار وسيأتي حكمها. أطلق في الماضي فشمل الفعل والترك كما صرح به صدر الشريعة وقال: فإن قلت إذا قيل والله إن هذا حجر كيف يصح أن يقال إن هذا الحلف على الفعل؟ قلت: تقدر كلمة كان أو يكون إذا أريد في الزمن الماضي أو المستقبل وقوله كذبا عمدا حالان من الضمير في حلفه بمعنى كاذبا متعمدا ويصح أن يكونا صغتين لمصدر محذوف أي حلفا. وفي المبسوط أن الغموس ليست بيمين حقيقة لانها كبيرة محضة واليمين عقد مشروع والكبيرة ضد المشروع ولكن سميت يمينا مجازا لان ارتكاب هذه

[ 467 ]

الكبير بصورة اليمين كما سمي بيع الحر بيعا مجازا لوجود صورة البيع فيه ا ه‍. وقيد المصنف بالماضي في الغموس واللغو قالوا: ويتاتيان أيضا في الحال ففي الغموس نحو والله ما لهذا علي دين وهو يعلم خلافه، ووالله إنه زيد وهو يعلم أنه عمرو. وفي غاية البيان: وما وقع من التقييد بالماضي فهو بناء على الغالب لان الماضي شرط ا ه‍. وفي شرح الوقاية. فإن قلت الحلف كما يكون على الماضي والآتي يكون على الحال فلم لم يذكره أيضا وهو من أقسام الحلف؟ قلت: إنما لم يذكره لمعنى دقيق وهو أن الكلام يحصل أولا في النفس فيعبر عنه باللسان فالاخبار المعلق بزمان الحال إذا حصل في النفس فعبر عنه باللسان، فإذا تم التعبير باللسان انعقد اليمين فزمان الحال صار ماضيا بالنسبة إلى زمان انعقاد اليمين، فإذا قال كتبت لا بد من الكتابة قبل ابتداء التكلم، وأما إذا قال سوف أكتب فلا بد من الكتابة بعد الفراغ من التكلم يعني ابتداء الزمان الذي من ابتداء التكلم إلى آخره فهو زمان الحال بحسب العرف، وهو ماض بالنسبة إلى آن الفراغ وهو آن انعقاد اليمين فيكون الحلف عليه الحلف على الماضي ا ه‍. وإنما لم يقل المصنف الايمان ثلاثة كما قال غيره لانها لا تنحصر في الثلاثة لان اليمين على الفعل الماضي صادقا ليس منها، وجواب صدر الشريعة بأن المراد حصر الايمان التي يترتب عليها الاحكام ليس بدافع لان هذه اليمين كاللغو لا إثم فيها فكان لها حكم. قوله: (وظنا لغو) أي حلفه على ماض يظن أنه كما قال والامر بخلافه لغو فقوله ظنا معطوف على كذبا سميت به لانه اعتبار بها. واللغو اسم لما لا يفيد يقال لغا إذا أتى بشئ لا فائدة فيه. وفي المغرب: اللغو الباطل من الكلام ومنه اللغو في الايمان لما لا يعقد عليه القلب، وقد لغا في الكلام يلغو ويلغي ولغا يلغى ومنه قوله فقد لغوت. وقد اختلف في تفسيره شرعا فذكر المصنف تبعا للهداية وكثير أنها الحلف على ماض يظن أنه كما قال من فعل أو ترك، أو صفة والامر بضده كقوله والله لقد دخلت الدار، والله ما كلمت زيدا، أو رأى طائرا من بعيد فظنه غرابا فقال والله إنه غراب أو قال إنه زيد وهو يطنه كذلك والامر

[ 468 ]

بخلافه في الكل. ومن الصفات ما في الخلاصة: رجل حلفه السلطان أنه لم يعلم بأمر كذا فحلف ثم تذكر أنه كان يعلم أرجو أن لا يحنث ا ه‍. وقدمنا أنها تكون في الحال أيضا. ومثله في المجتبى بقوله والله إن المقبل زيد يظنه زيدا فإذا هو عمرو. وفي البدائع قال أصحابنا: هي اليمين الكاذبة خطأ أو غلطا في الماضي أو في الحال وهو أن يخبر عن الماضي أو عن الحال على ظن أن المخبر به كما أخبر وهو بخلافه في النفي أو في الاثبات، وهكذا روى ابن رستم عن محمد أنه قال: اللغو أن يحلف الرجل على الشئ وهو يرى أنه حق وليس بحق. وقال الشافعي: يمين اللغو هي اليمين التي لا يقصدها الحالف وهو ما يجري على ألسن الناس في كلماتهم من غير قصد اليمين من قولهم لا والله وبلى والله، سواء كان في الماضي أو في الحال أو المستقبل. أما عندنا فلا لغو في المستقبل بل اليمين على أمر في المستقبل يمين معقودة وفيها الكفارة إذا حنث قصد اليمين أو لم يقصد، وإنما اللغو في الماضي والحال فقط، وما ذكر محمد على أثر حكايته عن أبي حنيفة أن اللغو ما يجري بين الناس من قولهم لا والله وبلى والله فذلك محمول عندنا على الماضي أو الحال، وعندنا ذلك لغو فيرجع حاصل الخلاف بيننا وبين الشافعي في يمين لا يقصدها الحالف في المستقبل، فعندنا ليست بلغو وفيها الكفارة، وعنده هي لغو ولا كفارة فيها ا ه‍. وهو أعم مما في المختصر باعتبار أن اليمين التي لا يقصدها الحالف في الماضي أو الحال جعلها لغوا، وعلى تفسير المصنف لا تكون لغوا لان الحلف على أمر يظنه كما قال لا يكون إلا عن قصد إلا أن يقال: إنه يكون لغوا بالاولى فلا مخالفة. فالحاصل أن تفسيرنا اللغو أعم من تفسير الشافعي وإنا نقول بقول الشافعي إلا في المستقبل. وذكر الامام السرخسي في أصوله قال علماؤنا:

[ 469 ]

اللغو ما يكون خاليا عن فائدة اليمين شرعا ووضعا، فإن فائدة اليمين إظهار الصدق من الخبر، فإن أضيف إلى خبر ليس فيه احتمال الصدق كان خاليا عن فائدة اليمين فكان لغوا. وقال الشافعي: ما يجري على اللسان من غير قصد ولا خلاف في جواز إطلاق اللفظ على كل واحد منهما ولكن ما قلناه أحق واستدل بقوله تعالى * (وقال الذي كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه) * [ فصلت: 62 ] الآية. ومعلوم أن مراد المشركين التعنت أي لم تقدروا على المغالبة بالحجة فاشتغلوا بما هو حال عن الفائدة من الكلام ليحصل مقصودكم بطريق المغالبة دون المحاجة ولم يكن مقصودهم التكلم بغير قصد. قال صاحب التقويم: ولم يرد تكلموا من غير قصد فإن الامر به لا يستقيم ا ه‍. وفي المحيط: والصحيح قولنا لان اللغو من الكلام ما ليس بصواب ولا حسن فإن اللغو من الكلام القبيح الفاحش منه قال الله تعالى * (لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما) * [ مريم: 26 ] أي كلاما قبيحا. فاللغو هو الكلام القبيح الفاحش، والخطأ الذي هو ضد العمد ليس بقبيح فاحش فلا يكون لغوا، فأما ما ذكرنا فهو كلام قبيح فاحش فإنه كذب والكذب قبيح لانه محظور، وأما الخطأ فليس بمحظور ا ه‍. وفي الخلاصة والخانية: واللغو لا يؤاخذ به صاحبه إلا في الطلاق والعتاق والنذر وفي فتاوى محمد بن الوليد: لو قال إن لم يكن هنا فلان فعلي حجة ولم يكن وكان لا يشك أنه فلان لزمه ذلك ا ه‍. فقد علمت أن اليمين بالطلاق على غالب الظن إذا تبين خلافه موجب لوقوع الطلاق وقد اشتهر عن الشافعية خلافه. قوله: (واثم في الاولى دون الثانية) أي أثم إثما عظيما كما في الحاوي القدسي في اليمين الاولى وهي يمين الغموس دون اليمين الثانية وهي يمين اللغو. والاثم في اللغة الذنب وقد سمي الخمر إثما. وفي الاصطلاح عند أهل السنة استحقاق العقوبة. وعند المعتزلة لزوم العقوبة بناء على جواز العفو وعدمه كما أشار إليه الاكمل في تقريره في بحث الحقيقة في

[ 470 ]

بحث إنما الاعمال بالنيات. وإنما أثم في الاولى لحديث ابن حبان مرفوعا من حلف على يمين هو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرئ مسلم حرم الله عليه الجنة وأدخله النار وفي الصحيحين لقي الله وهو عليه غضبان وفي سنن أبي داود قال قال النبي عليه السلام من حلف على يمين مصبورة كاذبا فليتبوأ مقعده من النار والمراد بالمصبورة الملزومة بالقضاء أي المحبوس عليها لانها مصبور عليها، كذا في فتح القدير. والاولى الاستدلال بحديث البخاري عند عبد الله ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الكبائر الاشراك بالله وعقوق الولدين وقتل النفس واليمين الغموس فإنه أعم من أن يقتطع بها مال امرئ مسلم أو لا. وقد صرح في غاية البيان وغيرها بأن اليمين الغموس كبيرة وهو أعم كما ذكرنا، وينبغي أن تكون كبيرة إذا اقتطع بها مال امرئ مسلم أو أذاه وتكون صغيرة إذا لم يترتب عليها مفسدة. وإنما لم يأثم في الثانية لقوله تعالى * (لا يؤاخذكم الله باللغو في ايمانكم) * [ البقرة: 522 ] ولهذا جزم المصنف بعدم الاثم في اللغو لكن الامام محمد بن الحسن لم يجزم به وإنما علقه بالرجاء فقال: الايمان ثلاثة يمين مكفرة. ويمين غير مكفرة، ويمين نرجو أن لا يؤاخذ بها الله تعالى صاحبها. فاعترض عليه بأنه كيف يعلقه بالرجاء مع أنه مقطوع به فاختلف المشايخ في الجواب عنه، ففي الهداية إلا أنه علقه بالرجاء للاختلاف في تفسيره ا ه‍. وتعقبه في فتح القدير بأن الاصح أن اللغو بالتفسيرين الاولين وكذا بالثالث متفق على عدم المؤاخذة في الآخرة، وكذا بالدنيا بالكفارة فلم يتم العذر عن التعليق بالرجاء فالاوجه ما قيل إن لم يرد به التعليق بل التبرك باسم الله تعالى والتأدب فهو كقوله عليه السلام لاهل المقابر وإنا إن شاء الله بكم لاحقون وأما بالتفسير الرابع فغير مشهور وكونه لغوا هو اختيار سعيد ا ه‍. وأراد بالتفسيرين الاولين تفسيرنا وتفسير الشافعي، وبالثالث ما عن الشعبي ومسروق لغير اليمين أن يحلف على معصية فينزل لاغيا بيمينه، وبالرابع قول سعيد أن يحرم على نفسه ما

[ 471 ]

أحل الله من قول أو عمل. والحاصل أن الاولى الجزم كما فعل المصنف لقطعية الدليل كالجزم في نظائره مما في معناه اختلاف. قوله: (وعلى آت منعقدة وفيها كفارة فقط) أي حلفه على آت تسمى منعقدة نفيا كان أو إثباتا وحكمها وجوب الكفارة إذا حنث لقوله تعالى * (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان فكفارته) * [ المائدة: 98 ] الآية. والمراد منها اليمين في المستقبل بدليل قوله تعالى * (واحفظوا أيمانكم) * [ المائدة: 98 ] ولا يتصور الحفظ عن الحنث والهتك إلا في المستقبل. وقد اعترض في التبيين على المصنف بأنه لا معنى لقوله فقط لان في اليمين المنعقدة إثما أيضا ولفظ الكفارة ينبئ عنه لان معناها الستارة وهي لا تجب إلا لرفع المأثم ا ه‍. وهو مردود من وجهين: أحدهما أن معنى قوله فقط أنه لا كفارة في غيرها من الغموس بيانا لذلك خلافا للشافعي فإنه أوجب الكفارة في الغموس كالمنعقدة لانها شرعت لدفع ذنب هتك حرمة اسم الله تعالى، وقد تحقق بالاستشهاد بالله كاذبا فأشبه المعقودة، ولنا أنها كبيرة محضة والكفارة عبادة حتى تتأدى بالصوم ويشترط فيها النية فلا تناط بها بخلاف المعقودة فإنها مباحة، ولو كان فيها ذنب فهو متأخر متعلق باختيار مبتدأ وما في الغموس ملازم فيمتنع الالحاق، كذا في الهداية. وذكر في فتح القدير أن المعقودة عند الشافعي ليست سوء المكسوبة بالقلب، وكون الغموس قارنها الحنث لا ينفي الانعقاد عنده، وكونها لا تسمى يمينا لانها لم تنعقد للبر بعيد إذ لا شك في تسميتها يمينا لغة وعرفا وشرعا بحيث لا يقبل التشكيك، فليس الوجه إلا ما قدمناه من أن شرعية الكفارة لدفع ذنب أصغر لا يستلزم شرعها لدفع ذنب أكبر، وإذا أدخلها في مسمى المنعقدة وجعل المنعقدة تنقسم إلى غموس وغيرها عسر النظر معه إلا أن يكون لغة أو سمع وقد روى الامام أحمد في مسنده بإسناد جيد عن النبي عليه السلام في حديث مطول قال فيه خمس ليس فيهن كفارة: الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، وبهت المؤمن، والفرار من الزحف، ويمين صابرة يقتطع بها مال مسلم بغير

[ 472 ]

حق وكل من قال لا كفارة في الغموس لم يفصل بين اليمين المصبورة على مال وغيرها ا ه‍. ثانيهما أن الاثم ليس لازما للمنعقدة بل قد يكون الحنث واجبا وقد يكون مستبحا فلم يصح إطلاقه كما لا يخفى، والعجب منه أنه بعد يسير ناقض نفسه بأن قال: لو فعله الحالف وهو مغمى عليه أو مجنون فإنه يحنث لتحقق الشرط حقيقة، ولو كانت الحكمة رفع الذنب فالحكم يدار على دليله وهو الحنث لا على حقيقة الذنب كما أدبر الحكم على السفر لا على حقيقة المشقة ا ه‍. فقد علم أنه لا يلزم في الكفارة أن تكون ستارة للذنب بل تجب ولا ذنب أصلا. قوله: (ولو مكرها أو ناسيا) أي في المنعقدة كفارة إذا حنث ولو كان حلف مكرها أو ناسيا لقوله عليه السلام ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق واليمين. كذا استدل مشايخنا، وتعقبهم في فتح القدير بأنه لو ثبت حديث اليمين لم يكن فيه دليل لان المذكور فيه جعل الهزل باليمين جدا والهازل قاصد لليمين غير راض بحكمه فلا يعتبر عدم رضاه به شرعا بعد مباشرة السبب مختارا، والناسي بالتفسير المذكور لم يقصد شيئا أصلا ولم يدر ما صنع، وكذا المخطئ لم يقصد قط التلفظ به بل بشئ آخر فلا يكون الوارد في الهازل واردا في الناسي الذي لم يقصد قط مباشرة السبب فلا يثبت في حقه نصا ولا قياسا. وإذا كان اللغو بتفسيرهم وهو أن يقصد اليمين مع ظن البر ليس لها حكم اليمين فما لم يقصده أصلا بل هو كالنائم يجري على لسانه طلاق أو إعتاق لا حكم له أولى أن لا يكون له حكم اليمين. وأيضا فتفسير اللغو المذكور في حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو أنه كلام الرجل في بيته كلا والله وبلى والله وإن لم يكن هو نفس التفسير الذي فسروا به الناسي فإن المتكلم كذلك في بيته لا يقصد التكلم به بل يجري على لسانه بحكم العادة غير مراد لفظه ولا معناه كان أقرب إليه من الهازل فحمل الناسي على اللاغي بالتفسير المذكور أولى من حمله على الهازل، وهو الذي أدينه وتقدم لنا مثله في الطلاق غافلا ا ه‍. وفي التبيين: والمراد بالناسي المخطئ كما إذا أراد أن يقول اسقني الماء فقال والله لا أشرب الماء. وذكر في الكافي أنه المذهول عن التلفظ به بأن قيل له إلا تأتينا فقال بلى والله غير قاصد لليمين. وإنما ألجأنا إلى هذا التأويل لان حقيقة النسيان في اليمين لا تتصور ا ه‍. وذكر الشمني أن حقيقته متصورة بأن حلف أن لا يحلف فنسي فحلف ا ه‍. وهو مردود لانه فعل المحلوف عليه ناسيا لا أن حلفه كان

[ 473 ]

ناسيا. وفي فتح القدير: والناسي هو من تلفظ باليمين ذاهلا عنه ثم تذكر أنه تلفظ به. وفي بعض النسخ الخاطئ وهو من أراد أن يتكلم بكلام غير الحلف فجرى على لسانه الحلف ا ه‍. وهو الظاهر كما لا يخفى. وفي الخانية: رجل حلف أن لا يفعل كذا فنسي أنه كيف حلف بالطلاق أو بالصوم قالوا: لا شئ عليه إلا أن يتذكر ا ه‍. قوله: (أو حنث كذلك) أي مكرها أو ناسيا لان الفعل الحقيقي لا ينعدم بلاكراه أو النسيان وهو الشرط، وكذا إذا فعله وهو مغمى عليه أو مجنون لتحقق الشرط حقيقة، ولو كان الحكمة رفع الذنب فالحكم يدار على دليله وهو الحنث لا على حقيقته الذنب، كذا في الهداية. ومراده من الشرط السبب لان الحنث عندنا سبب لوجوب الكفارة لا شرط كما سيأتي، كذا في فتح القدير. وقد يقال: إن فعل المحلوف عليه شرط في الحنث والحنث سبب للكفارة إلا أن يقال: إن الحنث هو عين فعل المحلوف عليه فحينئذ يحتاج إلى التأويل. قيد بالحنث لانه لو لم يحنث كما لو حلف أن لا يشرب فأوجر أو صب في حلقه الماء مكرها فإنه لا اعتبار به. وقيده قاضيخان بأن يدخل في جوفه بغير صنعه فلو صب في فيه وهو مكره فأمسكه ثم شربه بعد ذلك حنث ا ه‍ قوله: (واليمين بالله تعالى والرحمن والرحيم وجلاله وكبريائه وأقسم وأحلف وأشهد وإن لم يقل بالله ولعمر الله وأيم الله وعهد الله وميثاقه وعلى نذر ونذر الله وإن فعل كذا فهو كافر) بيان الالفاظ اليمين المنعقدة، فقوله بالله والرحمن والرحيم بيان للحلف باسم من أسمائه تعالى لانه يعتقد تعظيم الله تعالى فصلح ذكره حاملا أو مانعا. وفي المجتبى: لو قال والله بغيرها كعادة الشطار فيمين. قلت: فعل هذا ما يستعمله الاتراك بالله بغير هاء فيمين أيضا ا ه‍. بلفظه. وأفاد بعطف الرحمن على الله أن المراد بالله اللفظ. وقيد به احترازا عن بسم الله فإنه ليس بيمين إلا أن ينويه. وفي المنتقى رواية ابن رستم عن محمد أنه يمين مطلقا فليتأمل عند الفتوى. ولو قال وبسم الله يكون يمينا، كذا في الخلاصة. وفي فتح القدير: قال بسم الله لافعلن المختار أنه ليس بيمين لعدم التعارف وعلى هذا بالواو إلا أن نصارى ديارنا تعارفوه فيقولون واسم الله ا ه‍. والظاهر أن بسم الله يمين كما جزم به في البدائع معللا لان الاسم والمسمى واحد عند أهل السنة والجماعة فكان الحلف بالاسم حلفا بالذات كأنه قال بالله ا ه‍. والعرف لا اعتبار به في

[ 474 ]

الاسماء كما قدمناه. وذكر الولوالجي رجل قال لآخر الله لا تفعلن كذا أو قال والله لتفعلن كذا وقال الآخر نعم، إن أراد المبتدئ أن يحلف وأراد المجيب الحلف يكون كل منهما حالفا لان قوله نعم جواب والجواب يتضمن إعادة ما في السؤال فيصير كأنه قال نعم والله لافعلن، وإن أراد المبتدي الاستحلاف وأراد المجيب الوعد ليس على كل واحد منهما شئ لان كل واحد منهما نوى ما يحتمله، وإن أراد المبتدي الاستحلاف وأراد المجيب الحلف فالمجيب الحالف والمبتدي لا لان كل واحد منهما نوى ما يحتمله، وإن لم ينو واحد منهما شيئا ففي قوله الله الحالف هو المجيب، وفي قوله والله الحالف هو المبتدي ا ه‍. وأفاد بإطلاقه في اليمين بالله تعالى أنه لا يتوقف على النية ولا على العرف بل هو يمين تعارفوه أولا وهو الظاهر من مذهب أصحابنا وهو الصحيح كما في الذخيرة وغيرها إذ لا اعتبار بالعرف عند قيام دلالة النص، كذا في المحيط. وبه اندفع ما في الولوالجية من أنه لو قال والرحمن لا أفعل كذا إن أراد به السورة لا يكون يمينا لانه يصير كأنه قال والقرآن، وإن أراد به الله تعالى يكون يمينا ا ه‍. فإن هذا التفصيل في الرحمن قول بشر المريسي كما في الذخيرة والمذهب أنه يمين من غير نية. ومثل الحلف بالله الحلف بالذي لا إله إلا هو، ورب السموات والارض، ورب العالمين، ومالك يوم الدين، والاول الذي ليس قبله شئ، والآخر الذي ليس بعده شئ كما في فتح القدير. وأفاد بعطف الرحيم على الرحمن أنه لا فرق في أسمائه بين أن تكون خاصة أو مشتركة كالحكيم والعليم والقدير والعزيز، فالصحيح أنه لا يتوقف على النية خلافا لبعض المشايخ فيما كان مشتركا لانه لما كان مستعملا لله تعالى ولغيره لا تتعين إرادة أحدهما إلا بالنية. ورجحه في غاية البيان وهو خلاف المذهب لان هذه الاسماء وإن كانت تطلق على الخلق لكن تعين الخالق مرادا بدلالة القسم إذ القسم بغير الله لا يجوز فكان الظاهر أنه أراد به اسم الله حملا لكلامه على الصحة إلا أن ينوي به غير الله فلا يكون يمينا لانه نوى ما يحتمله كلامه فيتصدق في أمر بينه وبين الله تعالى، كذا في البدائع. وفي الذخيرة والولوالجية: لو قال والطالب والغالب لا أفعل كذا فهو يمين وهو متعارف أهل بغداد ا ه‍. وهذا لا يدل على أن كونه يمينا موقوف على التعارف وإنما بعد ما حكم بكونها يمينا أخبر بأن أهل بغداد تعارفوا الحلف بها، وبذلك اندفع ما في فتح القدير من أنه يلزم إما اعتبار العرف فيما لم يسمع من الاسماء من الكتاب والسنة فإن الطالب لم يسمع بخصوصه بل

[ 475 ]

الغالب في قوله تعالى * (والله غالب على أمره) * [ يوسف: 12 ] وإما كونه بناء على القول المفصل في الاسماء ا ه‍. وأفاد بقوله وجلاله وكبريائه أن الحلف يكون بصفة من صفاته تعالى لان معنى اليمين وهو القوة حاصل لانه يعتقد تعظيم الله تعالى وصفاته، ولم يقيد المصنف الحلف بالصفات بالعرف ولا بد منه. قال في المحيط: وأما الحلف بصفات الله تعالى فقد اختلفت عبارات مشايخنا في ذلك، قال عامة مشايخنا من حلف بصفة من صفات الله تعالى صفة ذات أو صفة فعل ينظر، وإن تعارف الناس الحلف به يكون يمينا وإلا فلا لان صفات الله في الحرمة كذاته تعالى فإنها ليست باغيار الله بل صفات الله تعالى لا هو ولا غيره لانها ليست بحادثة في ذاته خلافا لما تقوله الكرامية هداهم الله أن لله تعالى صفات حادثة وذاته محل الحوادث، وخلافا لما تقوله المعتزلة لعنهم الله أنه ليس لله صفات، وعند أهل السنة كثرهم الله صفة ذاته كونه سميعا بصيرا حيا عليما قديرا وهو بجميع صفاته قديم والقديم لا يجوز أن يكون محل الحوادث. وقال مشايخ العراق: إن حلف بصفة من صفات الذات يكون يمينا إلا العلم لما تبين، وإن حلف بصفة من صفات الفعل لا يكون يمينا، والفاصل بينهما إن كل صفة يوصف بها وبضدها كالرحمة والرأفة والسخط والغضب فهي من صفات الفعل، كل صفة يوصف بها ولا يوصف بضدها كالقدرة والعزة والعظمة فهي من صفات الذات، فألحقوا صفات الذات بالاسم ولم يلحقوا صفات الفعل بالاسم وعلى هذا تخرج المسائل ا ه‍. وظاهره أن الكرامية مؤمنون والمعتزلة كافرون لدعائه للاولين بالهداية وعلى المعتزلة باللعن. وفي فتح القدير: المراد بالصفة اسم المعنى الذي لا يتضمن ذاتا ولا يحمل عليها بهو هو كالعزة والكبرياء والعظمة بخلاف نحو العظيم. وفي التبيين: والصحيح عدم الفرق لان صفات الله كلها صفات ذات وكلها قديمة فلا يستقيم الفرق والايمان مبنية على العرف فما تعارف الناس الحلف به يكون يمينا وما لا فلا ا ه‍. وفي المسايرة للمحقق ابن الهمام: اختف مشايخ الحنفية والاشاعرة في صفات الافعال والمراد صفات تدل على تأثير لها أسماء غير اسم القدرة يجمعها اسم التكوين، فإن كان ذلك الاثر مخلوقا فالاسم الخالق والصفة الخلق، أو رزقا فالاسم الرازق والصفة الترزيق، أو حياة فهو المحي، أو موتا فهو المميت. فادعى متأخروا والحنيفة من عهد أبي منصور أنها صفات قديمة زائدة على الصفات المتقدمة

[ 476 ]

وليس في كلام أبي حنيفة والمتقدمين تصريح بذلك سوى ما أخذوه من قوله كان تعالى خالقا قبل أن يخلف ورازقا قبل أن يرزق وذكروا له أوجها من الاستدلال. والاشاعرة يقولون ليست صفة التكوين على فصولها سوى صفة القدرة باعتبار تعلقها بتعلق خاص، فالتخليق هو القدرة باعتبار تعلقها بالمخلوق، والترزيق تعلقها بإيصال الرزق إلى آخر ما ذكره فيها. وأما كونه خالفا بقوله أقسم أو أحلف أو أشهد وإن لم يقل بالله فلان هذه الالفاظ مستعملة في الحلف وهذه الصيغة للحال حقيقة وتستعمل للاستقبال بقرينة فجعل حالفا للحال والشهادة يمين قال الله تعالى * (قالوا نشهد أنك رسول الله) * [ المنافقون: 1 ] ثم قال * (اتخذوا ايمانهم جنة) * [ المنافقون: 2 ] والحلف بالله هو المعهود المشروع وبغيره محظور فيصرف إليه. وأشار إلى أنه لو قال حلفت أو أقسمت أو شهدت بالله أو لم يقل بالله فإنه يمين بالاولى. وأطلق في كونه يمينا بلفظ المضارع فأفاد أنه لا يتوقف على النية كما في غاية البيان. وذكر في الهداية خلافا فيه. وصحح في التبيين أنه يكون يمينا بلا نية. وأراد المصنف بهذه الالفاظ أن كلا منها يصلح أن يكون قسما فإن ذكر المقسم عليه انعقدت اليمين فيحنث إذا نقضها فتجب عليه الكفارة وإلا فلا. وقد ذكر محمد هذه الالفاظ كلها في الاصل ثم قال بعدها: فهذه كلها أيمان فإذا حلف بشئ منها ليفعلن كذا وكذا فحنث وجبت عليه الكفارة ا ه‍. وفي المجتبى: أشهد ليس بيمين ما لم يعلقه بالشرط، وقوله علي نذر يمين وإن سكت. وفي المنتفى وجامع الكرخي ما يشبه خلاف مسألة النذر. قلت: فعلم بهذا أن هذه الالفاظ لا تكون يمينا ما لم يعلق بشئ ا ه‍. فظهر بهذا أن ما في النهاية من أن قوله أقسم أو أشهد أو على يمين تنعقد يمينا سواء ذكر المقسم عليه أو لا مستدلا بما ذكر في الذخيرة أن قوله على يمين موجب للكفارة فهو سهو كما في غاية البيان وتوهم وخبط كما في فتح القدير، بل لا بد من ذكر المقسم عليه، وإنما ترك ذكره في بعض المواضع للعلم به وهو مراد صاحب الذخيرة، وتحقيقه أن الكفارة إنما تجب لستر الذنب في نقض اليمين المنعقدة فعلى أي شئ انعقدت اليمين حتى يتصور نقض اليمين فتجب الكفارة. وأيضا قوله على يمين فيه احتمال لانه يصح عليه أن يكون يمين الغموس أو اليمين المنعقدة والكفارة لا تثبت بالاحتمال لانها دائرة بين العبادة والعقوبة والعقوبات تندرئ بالشبهات وذلك أنه ليس في الغموس كفارة، وكذا في المنعقدة عند قيام البر فكيف تتصور الكفارة؟ وأيضا لو وجبت الكفارة بمجرد قوله على يمين يلزم تقديم المسبب على السبب وهو فاسد لان سبب الكفارة الحنث ولم يوجد لعدم انعقاد اليمين على شئ إلى آخر ما في غاية البيان إلا أنه في فتح القدير قال: والحق أن قوله علي يمين إذا لم يزد عليه على وجه الانشاء لا الاخبار يوجب الكفارة بناء على أنه التزام الكفارة بهذه العبارة ابتداء كما يأتي في قوله علي نذر إذا لم يزد عليه فإنه مثله من صيغ النذر ولو لم يكن كذلك لغا بخلاف احلف و اشهد ونحوهما ليست من صيغ النذر فلا يثبت به الالتزام ابتداء ا ه‍.

[ 477 ]

وفي المجتبى: اشهد بفتح الهمزة والهاء وضم الهمزة وكسر الهاء خطأ ثم قال: قال علي يمين يريد به الايجاب لا كفارة عليه إذا لم يعلقه بشئ ا ه‍. وبه ندفع ما في فتح القدير. وقيد بقوله أشهد لانه لو قال اللهم إني عبدك أشهدك وأشهدك ملائكتك إني لا أدخل دار فلان فليس بيمين لان الناس لم يتعارفوا الحلف بهذا بخلاف قوله أشهد أو أشهد بالله لان ذلك يمينا عرفا كذا في المحيط. واعزم كأشهد كما في البدائع ومعناه أوجب فكان إخبارا عن الايجاب في الحال وهذا معنى اليمين، وكذا لو قال عزمت لا أفعل كذا كان حالفا، وكذا آليت لا أفعل كذا لان الالية هي اليمين ا ه‍. وأما كونه حالفا بقوله لعمر الله فلان عمر الله بقاؤه فكان صفة له لانه من صفة الذات لانه يوصف به لا بغيره فكان قال وبقاء الله كقدرته وكبريائه ولقوله تعالى * (لعمرك أنهم لفي سكرتهم يعمهون) * [ الحجر: 27 ] هو بالضم والفتح إلا أن الفتح غلب في القسم حتى لا يجوز فيه الضم، وارتفاعه على الابتداء وخبره محذوف والخبر قسمي أو يميني، كذا في المغرب. ولا تلحق المفتوحة الواو في الخط بخلاف عمر والعلم فإنها ألحقت للتفرقة بينه وبين عمر. وقيد بكون اللام في أوله لانه لو لم تدخله اللام فإن القسم فيه محذوف ويكون منصوبا نصب المصادر فتقول عمر الله ما فعلت كما في الله لافعلن، وأما قولهم عمرك الله ما فعلت فمعناه بإقرارك له بالبقاء، وينبغي أن لا ينعقد يمينا لانه حلف بفعل المخاطب وهو إقراره واعتقاده كما في فتح القدير. وأما أيم الله فمعناه أيمن الله وهو جميع يمين على قول الاكثر فخفف بالحذف حتى صار أيم الله ثم خففت أيضا فقيل م الله لافعلن كذا فتكون ميما واحدة، وبهذا نفى سبيويه أن يكون جمعا لان الجمع لا يبقى على حرف واحد. ويقال من الله بضم الميم والنون وفتحهما وكسرهما. وهمزة أيمن بالقطع وإنما وصلت في الصول تخفيفا لكثرة الاستعمال. ومذهب سيبويه أنها همزة وصل اجتلبت ليمكن بها النطق كهمزة ابن وامرئ من الاسماء الساكنة الاوائل، وإنما كان يمينا لحديث البخاري وايم الله إن كان لخليقا بالامارة كما في فتح القدير. وأشار المصنف

[ 478 ]

إلى أنه لو قال يمين الله لا أفعلن كذا فهو يمين صرح به في المجتبى. وأما كونه حالفا بعهد الله وميثاقه فلان العهد في الاصل هي المواعدة التي تكون بين اثنين لوثوق أحدهما على الآخر وهو الميثاق وقد استعمل في اليمين لقوله تعالى * (وأوفوا بعد الله إذا عاهدتم) * [ النحل: 19 ] الآية، فقد جعل العهد في القرآن يمينا كما ترى والميثاق في معناه، وكذا الحلف بالذمة ولذا يسمى الذمي معاهدا. وأطلقه فشمل ما إذا لم ينو لغلبة الاستعمال للعهد، والميثاق في معنى اليمين فينصر فإن إليه إلا إذا قصد غير اليمين فيدين. وفي الذخيرة: لو قال إن فعلت كذا فعلي يمين إن شاء فلان ففعل ذلك الفعل وشاء فلان لزمه كما قال، وأما كونه حالفا بقوله علي نذر ونذر الله فيشترط أن يذكر المحلوف عليه لكونها يمينا منعقدة نحو أن يقول علي نذر الله لافعلن كذا أو لا أفعل كذا حتى إذا لم يف بما حلف عليه لزمته كفارة اليمين، وأما إذا لم يسم شيئا بأن قال علي نذر الله فإنه لا يكون يمينا لان اليمين إنما تتحقق لمحلوف عليه ولكن تلزمه الكفارة فيكون هذا التزام الكفارة ابتداء بهذه العبارة، كذا في فتح القدير. وهذا كله إذا لم ينو بهذا النذر المطلق شيئا من القرب كحج أو صوم، فإن كان نوى بقوله علي نذر إن فعلت كذا قربة مقصودة يصح النذر بها ففعل لزمته تلك القربة لما ذكره الحاكم بقوله: فإن حلف بالنذر فإن نوى شيئا من حج أو عمرة فعليه ما نوى، وإن لم يكن له نية فعليه كفارة اليمين ا ه‍. فيحمل الحديث من نذر نذرا لم يسمه فكفارته كفارة يمين على ما إذا لم تكن له نية. وقيد بلفظ النذر احترازا عن صيغة النذر كأن يقول لله علي كذا صلاة ركعتين أو صوم يومين مطلقا عن الشرط أو معلقا به كما سيأتي الكلام عليه قريبا. وقد خلط الزيلعي مسألة لفظ النذر بصيغة النذر وبينهما فرق تطلع عليه إن شاء الله. وفي الولوالجية وغيرها: لو قال لله علي أن لا أكلم فلانا أنها ليست بيمين إلا أن ينوي لان الصيغة للنذر مع احتمال معنى اليمين ا ه‍. وأما مسألة الحلف بالتعليق بالكفر فلانه لما جعل الشرط

[ 479 ]

علما فقد اعتقده واجب الامتناع وقد أمكن القول بوجوبه لغيره بجعله يمينا كما نقول في تحريم الحلال، ولا فرق بين أن يعلقه بالكفر أو بالتهود أو التنصر أو قال هو برئ من الاسلام أو من القرآن أو القبلة أو الصوم رمضان أو أنا برئ مما في المصحف أو أعبد من دون الله أو أعبد الصليب كما في المجتبى والمحيط، أو يعقد الزنار على نفسه كما يعقد النصارى كما في الظهيرية. ولو قال أنا برئ من كل آية في المصحف فهو يمين واحدة، ولو رفع كتابا فيه مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم فقال أنا برئ مما فيه، إن فعلت كذا فهو يمين، ولو قال إن فعلت كذا فأنا برئ من حجتي التي حججت ومن الصلاة التي صليت فليس بيمين بخلاف قوله أنا برئ من القرآن الذي تعلمته لانه في الاول تبرأ عن الفعل الذي فعل لا عن الحجة المشروعة، وفي الثاني تبرأ عن القرآن الذي تعلمه والقرآن قرآن وإن تعلمه فيكون التبري عنه كفرا. ولو قال إن فعلت كذا فأنا برئ من شهر رمضان، فإذا أراد البراءة عن فرضه فهو يمين كما إذا قال إن فعلت كذا فأنا برئ من الايمان، وإن أراد البراءة عن أجرها لا يكون يمينا لانه شئ غيب، وإن لم يكن له نية لا يكون يمينا في الحكم، كذا في المحيط. وفي المجتبى: لو قال صلاتي وصيامي لهذا الكافر إن فعلت كذا فليس بيمين. وفي الولوالجية: لو قال إن فعلت كذا فاشهدو علي بالنصرانية فعليه كفارة يمين لانه بمنزلة إن فعلت كذا فأنا نصراني، ولو قال إن فعلت كذا فأنا برئ من الكتب الاربعة فعليه كفارة واحدة لانها يمين واحدة، ولو قال أنا برئ من التوراة وبرئ من الانجيل وبرئ من الزبور وبرئ من الفرقان فعليه أربع كفارات لانها أربعة أيمان، ولو قال أنا برئ من الله ورسوله فعليه كفارة واحدة إن حنث لانها يمين واحدة، ولو قال أنا برئ من الله وبرئ من رسوله فعليه كفارتان إن حنث لانهما يمينان اه‍. ثم قال: ولو قال إن فعلت كذا فأنا برئ من الله ورسوله والله ورسوله بريآن منه ففعل فعليه أربع كفارات لانها أربعة أيمان ا ه‍. وينبغي أن يكونا يمينين الاولى أنا برئ من الله ورسوله كما تقدم، والثانية والله ورسوله بريآن منه، لان لفظ البراءة مذكور مرتين إلا أن يقال إنها في الثانية مذكورة مرتين بسبب التثنية فيكون عليه ثلاث كفارات. وأما الاربع فلم يظهر لي وجهها، ثم رأيت بعد ذلك المسألة في الظهيرية بتكرار لفظ البراءة بقوله: إن فعل كذا فهو برئ من الله وبرئ من رسوله

[ 480 ]

والله ورسوله بريآن منه فتعين أن يكون ما في الولوالجية كذلك والحذف من الكاتب ثم قال في الظهيرية: والاصل في جنس هذه المسائل أنه متى تعددت صيغة البراءة تعددت الكفارة وإذا اتحدت اتحدت. وصحح في المجتبي والذخيرة أنهما يمينان قال: ولو قال إن فعلت كذا فأنا برئ من الله ألف مرة ففعل لزمته كفارة واحدة ا ه‍. وفي الظهيرية أيضا: ولو قال إن فعلت كذا فلا إله في السماء يكون يمينا، ولو قال إن فعلت كذا فهو برئ من المؤمنين قالوا يكون يمينا أن البراءة من المؤمنين تكون لانكار الايمان ا ه‍. وينبغي أن الحالف إذا قصد نفي المكان عن الله أنه لا يكون يمينا لانه حينئذ ليس بكفر بل هو الايمان. وفي الذخيرة: قال هو يمين ولا يكفر. وفيها: لو قال إن فعلت كذا فأنا برئ من الشفاعة الاصح أنه ليس بيمين. وعلله في الظهيرية بأن الشفاعة وإن كانت حقا لكن من أنكرها صار مبتدعا لا كافرا ا ه‍. وفيها أيضا سئل نجم الدين عمن قال إن كلمت فلانا فهو شريك الكفارة فيما قالوا على الله تعالى مما لا يليق به فكلمه ماذا يجب عليه؟ قال: كفارة اليمين ا ه‍. وأشار المصنف إلى أنه إذا فعل المحلوف عليه لا يكون كافرا لانه صار يمينا. وقيد بكونه علقه على فعل في المستقبل لانه لو قال ذلك لشئ قد فعله في الماضي كان قال إن كنت فعلت كذا فهو كافر وهو عالم أنه قد فعل فهو يمين الغموس لا كفارة فيها إلا التوبة والاستغفار. وهل يكفر حتى تكون التوبة اللازمة عليه التوبة من الكفرة وتجديد الاسلام؟ قيل لا. وقيل نعم لانه تنجيز معنى لانه لما علقه بأمر كائن فكأنه قال ابتداء هو كافر، والصحيح أنه إن كان عالما أنه يمين إما منعقدة أو غموس لا يكفر بالماضي، وإن كان جاهلا وعنده أنه يكفر بالحلف في الغموس أو بمباشرة الشرط في المستقبل يكفر فيهما لانه لما أقدم عليه وعنده أنه يكفر فقد رضي بالكفر، كذا في كثير من الكتب. وفي المجتبى والذخيرة، والفتوى على أنه إن اعتقد الكفر به يكفر وإلا فلا في المستقبل والماضي جميعا. وفي قولهم يعلم الله أنه فعل كذا ولم يفعل كذا وهو يعلم خلافه فيه اختلاف المشايخ، وعامتهم على أنه يكفر. ثم رقم في المجتبى رقما آخر: لو قال الله يعمل أني ما فعلت كذا وهو يعلم أنه كاذب فقيل لا يكفر وهو رواية عن أبي يوسف لانه قصد ترويج الكذب دون الكفر. قوله: (لا بعلمه وغضبه وسخطه ورحمته) أي لا يكون اليمين بعلم الله ونحوه لان الحلف بهذه الالفاظ غير متعارف والعرف معتبر في الحلف بالصفات، ولان العلم يذكر ويراد

[ 481 ]

به المعلوم ويقال اللهم اغفر علمك فينا أي معلومك، ولان الرحمة يراد بها أثرها وهو المطر والجنة، والغضب والسخط يراد بهما العقوبة. وفي البدائع: وأما الصفة فصفات الله تعالى مع أنها كلها لذاته على ثلاثة أقسام: منها ما لا يستعمل في عرف الناس وعاداتهم إلا في الصفة نفسها فالحلف بها يكون يمينا، ومنها ما يستعمل في الصفة وفي غيرها استعمالا على السواء والحلف بها يكون يمينا أيضا، ومنها ما يستعمل في الصفة وفي غيرها لكن استعمالها في غير الصفة هو الغالب فالحلف بها لا يكون يمينا. ومن مشايخنا من قال: ما تعارفه الناس يمينا يكون يمينا إلا ما ورد الشرع بالنهي عنه، وما لم يتعارفوه لا يكون يمينا، وبيان هذه الجملة إذا قال وعزة الله وعظمته وجلاله وكبريائه يكون حالفا، وكذا وقدرة الله ما لم ينو المقدور. وكذا وقوته وإرادته ومشيئته ورضاه ومحبته وإرادته وكلامه بخلاف الرحمة والغضب والسخط والعلم إلا إذا أراد به الصفة، وأما وسلطان الله فقال القدوري: إن أراد به القدرة كان حالفا وإلا فلا. ولو قال وأمانة الله ذكر في الاصل أنه يكون يمينا خلافا للطحاوي لانها طاعته، ووجه ما في الاصل أن الامانة المضافة إلى الله تعالى عنه القسم يراد بها صفته. ولو قال ووجه الله فهو يمين لان الوجه المضاف إلى الله تعالى يراد به الذات. ولو قال لا إله إلا الله لا أفعل كذا لا يكون يمينا إلا أن ينوي، وكذا قوله سبحان الله والله أكبر لا أفعل كذا لعدم العادة، وملكوت الله وجبروته يمين لانه من صفاته تعالى التي لا تستعمل إلا في الصفة ا ه‍. ومن الغريب ما في الظهيرية لو قال وقدرة الله لا يكون يمينا وإن كان الله تعالى لا يوصف بصدها لان المراد بالقدرة المذكورة التقدير عرفا على ما عرف في الزيادات والله عز وجل قد يقدر وقد لا يقدر ا ه‍. وهو مردود لما في الولوالجية وغيرها: لو قال وقدرة الله كان يمينا لان استعمال القدرة على المقدور به لم يكثر ككثرة استعمال العلم على المعلوم حتى لو نوى المقدور لا يكون يمينا ا ه‍. وأشار المصنف إلى أنه لو قال وعذاب الله وثوابه ورضاه ولعنة الله وأمانته أنه لا يكون يمينا، وفي الخانية: لو قال بصفة الله لا أفعل كذا لا يكون يمينا لان من صفاته ما يذكر في غيره فلا يكون ذكر الصفة كذكر الاسم. قوله: (والنبي والقرآن والكعبة) أي لا يكون حالفا بها لان الحلف بالنبي والكعبة حلف بغير الله تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم ممن كان حالفا فليحلف بالله أو ليذر والحلف بالقرآن غير

[ 482 ]

متعارف مع أنه يراد به الحروف والنقوش، في فتح القدير: ثم لا يخفى أن الحلف بالقرآن الآن متعارف فيكون يمينا كما هو قول الائمة الثلاثة، وتعليل عدم كونه يمينا بأنه غيره تعالى لانه مخلوق لانه حروف وغيره المخلوق هو الكلام النفسي منع بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، ولا يخفى أن المنزل في الحقيقة ليس إلا الحروف المنقضية المنعدمة وما ثبت قدمه استحال عدمه غير أنهم أوجبوا ذلك لان العوام إذا قيل لهم إن القرآن مخلوق تعدوا إلى الكلام مطلقا، وأما الحلف بكلام الله تعالى فيجب أن يدور مع العرف، وأما الحلف بجان مريد ومثله الحلف بحياة رأسك وحياة رأس السلطان فذلك إن اعتقد أن البر فيه واجب يكفر. وفي تتمة الفتاوى قال علي الرازي: أخاف على من قال بحياتي وحياتك أنه يكفر ولولا أن العامة يقولونه ولا يعلمونه لقلت إن شرك. وعن ابن مسعود لان أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغير الله صادقا ا ه‍. قيد بالحلف بهذه الاشياء لان التبري منها يمين كقوله هو برئ من النبي إن فعل كذا كما قدمنا تفاصيله. وأشار المصنف إلى أنه لو قال ودين الله وطاعته أو حدوده أو شريعته أو المصحف أنه لا يكون يمينا بالاولى كما في الخانية قوله: (وحق الله) أي لا يكون يمينا وهو قول أبي حنيفة وهو قول محمد وإحدى الروايتين عن أبي يوسف، وعنه رواية أخرى أنه يكون يمينا لان الحق من صفات الله تعالى وهو حقيقة فصار كأنه قال والله الحق، والحلف به متعارف. ولهما أنه يراد به طاعة الله إذ الطاعات حقوقه فيكون حلفا بغير الله تعالى. وذكر في الاختيار أن المختار أنه يكون يمينا اعتبارا بالعرف اه‍. قيد بالحق المضاف لانه لو قال والحق يكون يمينا ولو قال حقا لا يكون يمينا لان المنكر منه يراد به تحقيق الوعد فكأنه قال افعل كذا حقيقة لا محالة وهذا قول البعض والصحيح أنه إن أراد اسم الله تعالى يكون يمينا، كذا في الخانية. وفي المجتبى: وحقا أو حقا اختلاف المشايخ والاكثر على أنه ليس بيمين. والحاصل أن الحق إما أن يكون معرفا أو

[ 483 ]

منكرا أو مضافا، فالحق معرفا سواء كان بالواو أو بالباء يمين اتفاقا كما في الخانية والظهيرية، ومنكرا يمين على الاصح إن نوى، ومضافا إن كان بالباء فيمين اتفاقا، لان الناس يحلفون به، وإن كان بالواو ففيه الاختلاف السابق والمختار أنه يمين كما سبق. وبهذا علم أن المختار أنه يمين في الالفاظ الثلاثة مطلقا. وأشار المصنف إلى أنه لو قال بحق الرسول أو بحق الايمان أو بحق المساجد أو بحق الصوم أو الصلاة لا يكون يمينا، كذا في الخانية. وفي المجتبى: وحرمة الله نظيره قوله وحق الله. وفي فتاوى النسفي: بحرمة شهد الله وبحرمة لا إله إلا الله ليس بيمين. قوله: (وإن فعلته فعلي غضب الله وسخطه أو أنا زان وسارق أو شارب خمر أو آكل ربا) أي لا يكون يمينا. أما في الاول فلانه دعا على نفسه ولا يتعلق ذلك بالشرط ولانه غير متعارف، وأما في قوله هو زان إلى آخره فلان حرمة هذه الاشياء تحتمل النسخ والتبديل فلم تكن في معنى حرمة اسم الله تعالى ولانه ليس بمتعارف، كذا في الهداية. والاولى الاقتصار على أنه ليس بمتعارف لان كون الحرمة تحتمل الارتفاع أو تحتمله لا أثر له مع أنه لا حاجة إلى التعليل بعدم التعارف أيضا لان معنى اليمين أن يعلق ما يوجب امتناعه عن الفعل بسبب لزوم وجوده عند الفعل، وليس بمجرد وجود الفعل يصير زانيا أو سارقا لانه لا يصير كذلك إلا بفعل مستأنف يدخل في الوجود ووجود هذه الفعل ليس لازما لوجود المحلوف عليه حتى يكون موجبا امتناعه عنه فلا يكون يمينا بخلاف الكفر فإنه بالرضا به يكفر من غير توقف على عمل آخر أو اعتقاد والرضا يتحقق بمباشرة الشرط فيوجب عنده الكفر لولا قول طائفة من العلماء بالكفارة كما في فتح القدير. وفي المجتبى: لو قال هو يأكل الميتة إن فعل كذا أو يستحل الخمر أو الخنزير فليس بيمين، أصله أن التعليق بما تسقط حرمته بحال ما كالميتة والخمر والخنزير لا يكون يمينا، وما لا يسقط كألفاظ الكفر فيمين. ولو قال جميع ما فعله المجوس أو اليهود فعلى عنقي إن فعلت كذا ففعل لا شئ عليه ا ه‍. وهو يفيد أن استحلال الخمر والخنزير ليس بكفر إلا أن يقال إن جزاء الشرط هو الاستحلال في المستقبل بخلاف ما لو قال إن فعلت كذا فأنا مستحل للخمر والخنزير. وفي الولوالجية: وأما في

[ 484 ]

الاستحلال فلان استحلال الدم لا يكون كفرا لا محالة فإن حالة الضرورة يصير حلالا وكذلك لحم الخنزير ا ه‍. فأفاد أن ما يباح للضرورة ولا يكفر مستحله. وفي الظهيرية: لو قال عصيت الله تعالى أن فعلت كذا أو قال عصيت الله في كل ما افترض على لا يكون يمينا. قوله: (وحروفه الباء والواو والتاء) أي وحروف القسم ولو عاد الضمير على اليمين لانثه لانها مؤنثة سماعا كقوله والله وبالله وتالله لان كل ذلك معهود في الايمان ومذكور في القرآن قال تعالى * (فورب السماء والارض أنه لحق) * وقال تعالى * (تالله لقد أرسلنا) * وقال تعالى * (بالله إن الشرك لظلم عظيم) * وفيه احتمال كونه متعلقا بقوله تعالى * (لا تشرك) * وقدم الباء قالوا: هي الاصل لانها صلة الحلف والاصل أحلف أو أقسم بالله، وهي للالصاق تلصق فعل القسم بالمحلوف به ثم حذف الفعل لكثرة الاستعمال مع فهم المقصود. ولاصالتها دخلت في المظهر والمضمر نحو بك لافعلن ثم ثني بالواو ولانها بدل منها للمناسبة المعنوية، وهي ما في الالصاق من الجمع الذي هو معنى الواو ولكونها بدلا انحطت عنها بدرجة فدخلت على المظهر لا على المضمر. ولا يجوز إظهار الفعل معها لا تقول أحلف بالله كما تقول أحلف والله، وأما التاء فبدل عن الواو لانها من حروف الزيادة وقد أبدلت كثيرا

[ 485 ]

منها كما في تجاه وتخمه وتراث فانحطت درجتين فلم تدخل على المظهر إلا على اسم الله تعالى خاصة، وما روي من قولهم تربي وترب الكعبة لا يقاس عليه، وكذا تحياتك، ولا يجوز إظهار الفعل معها لا تقول أحلف تالله. ولم يذكر المصنف كغيره أكثر من الثلاثة وذكر في التبيين أن له حروفا أخر وهي: لام القسم وحرف التنبيه وهمزة الاستفهام وقطع الالف الوصل والميم المكسورة والمضمومة في القسم ومن كقوله لله وها الله وم الله ومن الله. واللام بمعنى التاء ويدخلها معنى التعجب وربما جاءت التاء لغير التعجب دون اللام ا ه‍. قوله: (وقد تضمر) أي حروف القسم فيكون حالفا كقوله الله لا أفعل كذا لان حذف الحرف متعارف بينهم اختصارا، ثم إذا حذف الحرف ولم يعوض عنه هالتنبيه ولا همزة الاستفهام ولا قطع ألف الوصل لم يجز الخفض إلا في اسم الله، بل ينصب بإضمار فعل أو يرفع على أنه خبر مبتدأ مضمر إلا في اسمين فإنه التزم فيهما الرفع وهما: أيمن الله ولعمر الله، كذا في التبيين وإنما قال المصنف تضمر ولم يقل تحذف للفرق بينهما لان الاضمار يبقى أثره بخلاف الحذف، وعلى هذا ينبغي أن يكون في حالة النصب الحرف محذوفا لانه لم يظهر أثره، وفي حالة الجر مضمرا لظهور أثره وهو الجر في الاسم. وفي الظهيرية: بالله لا أفعل كذا وسكن الهاء أو نصبها أو رفعها يكون يمينا، ولو قال الله لا أفعل كذا وسكن الهاء أو نصبها لا يكون يمينا إلا أن يعربها بالجر فيكون يمينا، وقيل يكون يمينا مطلقا. ولو قال بله بكسر اللام لا أفعل كذا قالوا لا يكون يمينا إلا إذا أعرب الهاء بالكسر وقصد اليمين ا ه‍. وينبغي أنه إذا نصب أن يكون يمينا بلا خلاف لان أهل اللغة لم يختلفوا في جواز كل واحد من الوجهين ولكن النصب أكثر كما ذكره عبد القاهر في مقتصده، كذا في غاية البيان وبه اندفع ما في المبسوط من أن النصب مذهب أهل البصرة والخفض مذهب أهل الكوفة إلا أن يكون مراده أن الخلاف في الارجحية لا في أصل الجواز

[ 486 ]

فيه. قيد بإضمار الحروف لانه لا يضمر في المقسم عليه حرف التأكيد وهو اللام والنون بل لا بد من ذكرهما لما في المحيط: والحلف بالعربية أن تقول في الاثبات والله لا أفعلن كذا ووالله لقد فعلت كذا مقرونا بكلمة التوكيد، وفي النفي تقول والله لا أفعل كذا ووالله ما فعلت كذا حتى لو قال والله أفعل كذا اليوم فلم يفعل لا تلزمه الكفارة ويكون بمعنى قوله لا أفعل كذا فتكون كلمة لا مضمرة فيه لان الحلف في الاثبات عند العرب لا يكون إلا بحرف التأكيد وهو اللام والنون كقوله والله لا أفعلن كذا قال الله تعالى * (تالله لاكيدن أصنامكم) * [ الانبياء: 75 ] وإضمار الكلمة في الكلام استعملته العرب كقوله تعالى * (واسأل القرية) * [ يوسف: 38 ] أي أهلها فأما إضمار بعض الكلمة في البعض ما استعملته العرب ا ه‍. قوله: (وكفارته تحرير رقبة أو إطعام عشرة مساكين كهما في الظهار أو كسوتهم بما يستر عامة البدن) أي وكفارة اليمين بمعنى القسم أو الحلف لما قدمنا أنها مؤنثة والاصل في ذلك قوله تعالى * (فكفارته اطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة) * [ المائدة: 98 ] وكلمة أو للتخيير فكان الواجب أحد الاشياء الثلاثة، والتخيير

[ 487 ]

لا ينافي التكليف لان صحته بإمكان الامتثال وهو ثابت لانه بفعل أحدها يبطل قول من قال إن التخيير يمنع صحة التكليف فأوجب خصال الكفارة مع السقوط بالبعض كما أشار إليه في التحرير. وفي شرح المنار: ولو أدى الكل لا يقع عن الكفارة إلا واحدة وهو ما كان أعلى قيمة. ولو ترك الكل يعاقب على واحد منها وهو ما كان أدنى قيمة لان الفرض يسقط بالادنى. وهي من الكفر بمعنى الستر وإضافتها إلى اليمين إضافة إلى الشرط مجازا لان السبب عندنا الحنث كما سيأتي. وعبر بالتحرير بمعنى الاعتاق دون العتق اتباعا للآية، وليفيد أن الشرط الاعتاق فلو ورث من يعتق عليه فنوى عن الكفارة لا يجوز. وأفاد بقوله كما في الظهار أي التحرير والاطعام هنا كالتحرير والاطعام في كفارة الظهار أنه يجوز الرقبة، مسلمة كانت أو كافرة، ذكرا كان أو أنثى، صغيرة كانت أو كبيرة. ولا يجوز فائت جنس المنفعة ولا المدبر وأم الولد ولا المكاتب الذي أدى بعض شئ ويجوز في الاطعام التمليك والاباحة، فإن ملك أعطى نصف صاع من برا وصاعا من تمرا أو صاعا من شعير لكل مسكين، وإن أباح غداهم وعشاهم، فإن كان بخبرا البر لا يحتاج إلى الادام، وإن كان بغير خبز البر احتاج إليه على التفاصيل المتقدمة في كفارة الظهار وفي الخلاصة: لو أعطى عشرة مساكين كل مسكين ألف من من الحنطة عن كفارة الايمان لا يجوز إلا عن كفارة واحدة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وكذا في كفارة الظهار وفي نسخة الامام السرخسي: لو أطعم خمسة مساكين وكسا خمسة مساكين أجزأه ذلك عن الطعام إن كان الطعام أرخص من الكسوة، وعلى القلب لا يجوز. وهذا في طعام الاباحة، أما إذا ملك الطعام فيجوز ويقوم مقام الكسوة، ولو أدى إلى مسكين مدا من حنطة ونصف صاع من شعير يجوز ا ه‍. وخرج السراويل بقوله بما يستر عامة البدن، وصححه في الهداية لان لابسه يسمى عريانا في العرف ولذا قال في الخانية: لو حلف لا يلبس ثوبا من غزل فلانة فليس من غزلها سراويل لم يحنث في يمينه لكن ما لا يجزئه عن الكسوة يجزئه عن الطعام باعتبار القيمة فلا بد أن يعطيه قميصا أو جبة أو ازارا أو قباء سابلا بحيث يتوشح به عند أبي حنيفة وأبي يوسف وإلا فهو كالسراويل، ولا تجزئ العمامة إلا أنه إن أمكن أن يتخذ منها ثوب يجزئ مما ذكرنا جاز، أما القلنسوة فلا تجزئ بحال. قال الطحاوي: هذا كله إذا دفع إلى الرجل، أما إذا دفع إلى المرأة فلا بد من الخمار مع الثوب لان صلاتها لا تصح بدونه قال في فتح القدير: وهذا يشابه الرواية عن محمد في

[ 488 ]

دفع السراويل أنه للمرأة لا يكفي. وهذا كله خلاف ظاهر الجواب، وإنما ظاهر الجواب ما يثبت به اسم المكتسي وينتفي عنه اسم العريان وعليه بنى عدم اجزاء السراويل لا صحة الصلاة وعدمها فإنه لا دخل له في الامر بالكسوة إذا ليس معناه إلا جعل الفقير مكتسيا ا ه‍. وفي الخلاصة: وفي الثوب يعتبر حال القابض إن كان يصلح للقابض يجوز وإلا فلا. وقال بعض مشايخنا: إن كان يصلح لاوساط الناس يجوز. وقال شمس الائمة: وهذا أشبه بالصواب، ولو أعطى ثوبا خليقا عن كفارة اليمين إن أمكن الانتفاع به أكثر من نصف مدة الجديد يعني أكثر من ثلاثة أشهر جاز ا ه‍. واعلم أنه لا بد من النية لصحة التكفير في الانواع الثلاثة كما صرح به في فتح القدير وأن مصرفها مصرف الزكاة. قال في الخانية: كل من لا يجوز صرف الزكاة إليه لا يجوز صرف الكفارة إليه فلا يعطيها لابيه وإن علا، ولا لولده وإن سفل، وكذا الصدقة المنذورة ولو أعطى كفارة يمينه لامرأته وهي أمة لغيره ومولاها فقير لا يجوز ذلك لان الصدقة تتم بقبولها لا بقبول المولى وهي ليست بمحل لاداء كفارته فلا يجوز كما لو أعطى أباه وأمه وهما ملوكان لفقير المولى لا يجوز ذلك ا ه‍. ويرد على الكلية المذكورة الدفع إلى الذمي فإنه جائز في الكفارة دون الزكاة. وفي الخانية أيضا: لو أعطى في كفارة اليمين عشرة مساكين كل مسكين مدا مدا ثم استغنوا ثم افتقروا ثم أعاد عليهم مدا مدا عن أبي يوسف لا يجوز ذلك لانهم لما استغنوا صاروا بحال لا يجوز دفع الكفارة إليهم فبطل ما أدى كما لو أدى إلى مكاتب مدا ثم رده في الرق ثم كوتب ثانيا ثم أعطاه مدا لا يجوز ذلك. قوله: (وإن عجز عن أحدها صام ثلاثة أيام متتابعة) أي إن لم يقدر على الاعتاق والاطعام والكسوة كفر بالصوم لقوله تعالى * (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام) * [ المائدة: 98 ] وشرطنا التتابع عملا بقراءة ابن مسعود متتابعات وقراءته كروايته وهي مشهورة جاز الزيادة بها على القطعي المطلق. وأشار بالعجز إلى أنه لو كان عنده واحد من الاصناف الثلاث لا يجوز له الصوم وإن كان محتاجا إليه ففي الخانية: ولا يجوز التكفير بالصوم إلا لمن عجز عما سوى

[ 489 ]

الصوم فلا يجوز لمن يملك ما هو منصوص عليه في الكفارة أو يملك بدله فوق الكفاف، والكفاف منزل يسكنه وثوب يلبسه ويستر عورته وقوت يومه. ومن الناس من قال قوت شهر وإن كان له عبد وهو محتاج إلى الخدمة لا يجوز له التكفير بالصوم لانه قادر على الاعتاق. ومن ملك مالا وعليه دين مثل ذلك ووجبت عليه الكفارة فقضى دينه بذلك المال جاز له التكفير بالصوم، وإن صام قبل قضاء الدين اختلفوا فيه، قال بعضهم يجوز له الصوم، وقال بعضهم لا يجوز، وفي الكتاب إشارة إلى القولين. ولو كان له مال غائب أو دين على رجل وليس في يده ما يكفر عن يمينه جاز له الصوم قال: هذا إذا لم يكن المال الغائب عبدا، فإن كان عبدا يجوز في الكفارة لا يجوز له التكفير بالصوم لانه قادر على الاعتاق ا ه‍. وفي المجتبى: ظاهر المذهب إذا فضل عن حاجته قدر ما يكفر به لا يجوز له الصوم ا ه‍. والاعتبار في العجز وعدمه وقت الاداء لا وقت الحنث، فلو حنث وهو معسر ثم أيسر لا يجوز له الصوم وفي عكسه يجوز. ويشترط استمرار العجز إلى وقت الفراغ من الصوم فلو صام المعسر يومين ثم أيسر لا يجوز له الصوم، كذا في الخانية. وقيد بالتتابع لانه لو صام الثلاثة متفرقة لا يجوز له ولم يستثن العذر لما في الخلاصة: ولو حاضت المرأة في الثلاثة استقبلت بخلاف كفارة الفطر. وأشار المصنف بالعجز إلى أن العبد إذا حنث لا يكفر إلا بالصوم لانه عاجز عن الثلاثة، ولو أعتق عنه مولاه أو أطعم أو كسا لا يجزئه، وكذا المكاتب والمستسعي. ولو صام العبد فعتق قبل أن يفرغ ولو بساعة فأصاب مالا وجب عليه استئناف الكفارة بالمال، كذا في فتح القدير. وفي المجتبى: كفر بالصوم وفي ملكه رقبة أو ثياب أو طعام قد نسيه، قيل يجزئه عند أبي حنيفة ومحمد، والصحيح أنه لا يجزئه. وفي الجامع الاصغر: وهب ماله وسلمه ثم صام ثم رجع بالهبة أجزأه الصوم والمعتبر في التكفير حال الاداء لا غير ا ه‍. وهذا يستثنى من قولهم إن الرجوع في الهبة فسخ من الاصل. وفي المجتبى أيضا، بذل ابن المعسر لابيه مالا ليكفر به لا تثبت القدرة به إجماعا. قوله: (ولا يكفر قبل الحنث) أي لا يصح التكفير قبل الحنث في اليمين، سواء كان بالمال أو بالصوم، لان الكفارة لستر الجناية ولا جناية واليمين ليست بسبب لانها مانعة من الحنث غير مغضية إليه بخلاف التكفير بعد الجرح قبل الموت لانه مفض، ثم إذا كفر قبله لا يسترده من الفقير لوقوعه صدقة. ولم يذكر المصنف مسألة تعداد الكفارة لتعدد اليمين وهي مهمة. قال في الظهيرية: ولو قال والله والرحمن والرحيم لا أفعل كذا ففعل ففي الروايات الظاهرة يلزمه ثلاث كفارات ويتعدد اليمين بتعدد الاسم لكن يشترط تخلل حرف القسم،

[ 490 ]

وروى الحسن عن أبي حنيفة أن عليه كفارة واحدة وبه أخذ مشايخ سمرقند وأكثر المشايخ على ظاهر الرواية. ولو قال والله والرحمن لا أفعل كذا ففعل يلزمه كفارتان في قولهم جميعا. والفرق على قول أولئك المشايخ أن الواو إذا اتحد ذكره يحتمل أن تكون واو عطف، ويحتمل أن تكون واو القسم، ولا يثبت القسم بالشك بالشك والاحتمال بخلاف ما إذا تعدد ذكره لان أحدهما للعطف والآخر للقسم. ولو قال والله والله يتعدد اليمين في ظاهر الرواية، وروى ابن سماعة عن محمد أن في الاسم الواحد لا يتعدد اليمين. ولو قال والله الله أو قال والله الرحمن تكون يمينا واحدة ا ه‍. وفي الولوالجية: إذا أدخل بين اسمين حرف عطف كانا يمينين، وإن كان بغير حرف العطف كان على سبيل الصفة والتأكيد تكون يمينا واحدة ا ه‍. وفي الخلاصة معزيا إلى الاصل: إذا حلف على أمر أن لا يفعله ثم حلف في ذلك المجلس أو في مجلس آخر أن لا يفعله أبدا ثم فعله، إن نوى يمينا مبتدأ أو التشديد أو لم ينو فعليه كفارة يمينين، أما إذا نوى بالثاني الاول فعليه كفارة واحدة. وفي التجريد عن أبي حنيفة: إذا حلف بأيمان فعليه لكل يمين كفارة والمجلس والمجالس سواء، ولو قال عنيت بالثاني الاول لم يستقم ذلك في اليمين بالله تعالى، ولو حلف بحجة أو عمرة يستقيم. وفي الاصل أيضا: ولو قال هو يهودي هو نصراني إن فعل كذا يمين واحدة، ولو قال هو يهودي إن فعل كذا هو نصراني إن فعل كذا فهما يمينان. في النوازل: قال لآخر والله لا أكلمه يوما والله لا أكلمه شهرا والله لا أكلمه سنة، إن كلمه بعد ساعة فعليه ثلاثة أيمان، وإن كلمه بعد الغد فعليه يمينان، وإن كلمه بعد الشهر فعليه يمين واحده، وإن كلمه بعد سنة فلا شئ عليه ا ه‍. وفي فتح القدير: وعرف فلي الطلاق أنه لو قال لها إن دخلت الدار فأنت طالق إن دخلت الدار فأنت طالق إن دخلت الدار فأنت طالق فدخلت وقع ثلاث تطليقات. قوله: (ومن حلف على معصية ينبغي أن يحنث) بيان لبعض أحكام اليمين وحاصلها أن المحلوف عليه أنواع: فعل معصية أو ترك فرض، فالحنث واجب وهو المراد بقوله ينبغي أن يحنث أي يجب عليه الحنث الحديث البخاري عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه وحديث البخاري أيضا وإذا حلفت على يمين

[ 491 ]

فرأيت غيرها خيرا منها فائت الذي هو خير وكفر عن يمينك ثم اليمين في الحديث بمعنى المقسم عليه لان حقيقة اليمين جملتان إحداهما مقسم به والاخرى مقسم عليه فذكر الكل وأريد البعض، وقيل ذكر اسم الحال وأريد المحل لان المحلوف عليه محل اليمين ولان فيما قلناه تفويت البر إلى جابر وهو الكفارة ولا جابر للمعصية في ضده. وأطلق في المعصية فشمل النفي والاثبات فالاول مثل أن لا يصلي أو لا يكلم أباه فيجب الحنث بالصلاة وكلام الاب، والثاني نحو ليقتلن فلانا كما في الهداية، ولا بد أن تكون اليمين موقتة بوقت كاليوم وغدا لانها لو كانت مطلقة لم يتصور الحنث باختياره لانه لا يحنث إلا في آخر جزء من أجزاء حياته فيوصي بالكفارة حينئذ إذا هلك الحالف ويكفر عن يمينه إذا هلك المحلوف عليه، كذا في غاية البيان. الثاني أن يكون المحلوف عليه شيئا غيره أولى منه كالحلف على ترك وطئ زوجته شهرا أو نحوه فالحنث أفضل لان الرفق أيمن، ودليله الحديث المتقدم. وكذا لو حلف ليضربن عبده، وهو يستأهل ذلك أو ليشكون مديونه إن لم يوافه غدا لان العفو أفضل، وكذا تيسير المطالبة الثالث أن يحلف على شئ وضده مثله كالحلف لا يأكل هذا الخبز أو لا يلبس هذا الثوب فالبر في هذا وحفظ اليمين أولى. ولو قال قائل إنه واجب لقوله تعالى * (واحفظوا أيمانكم) * [ المائدة: 98 ] على ما هو المختار في تأويلها أنه البر فيها أمكن، كذا في فتح القدير. ولم يذكر القسم الرابع وهو أن يكون المحلوف عليه يجب فعله، قيل اليمين كحلفه ليصلين الظهر اليوم لظهور أن البر فرض، ومنه إذا كان المحلوف عليه ترك معصية فإن البر واجب فيثبت وجوبان لامرين الفعل والبر. فحاصله أن المحلوف عليه إما فعل أو ترك وكل منهما على خمسة أوجه لانه إما أن يكون معصية أو واجبا أو هو أولى من غيره أو غيره أولى منه أو مستويان وقد علمت أحكام العشرة قوله: (ولا كفارة على كافر وإن حنث مسلما) لما قدمنا أن شرط انعقادها الاسلام لانه ليس بأهل لليمين لانها تعقد لتعظيم الله تعالى ومع الكفر لا يكون معظما ولا هو للكفارة أهل ودليله قوله تعالى * (إنهم لا أيمان لهم) * [ التوبة: 21 ] وأما قوله بعده * (نكثوا أيمانهم) * [ التوبة: 21 ] فيعني صورة الايمان التي أظهروها. والحاصل أنه لا بد من التأويل، وأما في لا أيمان لهم كما قال الشافعي إن المراد لا إيفاء لهم بها، أو في نكثوا أيمانهم على قول أبي حنيفة أن المراد ما هو صورة الايمان دون حقيقتها الشرعية، ويرجح الثاني بالفقه وهو أنا نعلم من كان أهلا لليمين يكون أهلا للكفارة وليس الكافر أهلا لها. أطلقه فشمل المرتد. وأشار المصنف إلى أن الكفر يبطل اليمين فلو حلف

[ 492 ]

مسلما ثم ارتد والعياذ بالله تعالى ثم أسلم ثم حنث لا يلزمه شئ بعد الاسلام ولا قبله. قالوا: ولو نذر الكافر بما هو قربة لا يلزمه شئ، وأما تحليفه القاضي وقوله عليه السلام تبرئكم يهود بخمسين يمينا فالمراد كما قلنا صورة الايمان فإن المقصود منها رجاء النكول لانه يعتقد في نفسه تعظيم اسم الله تعالى وإن كان لا يقبل منه ولا يثاب عليه وهو المراد بقولهم ومع الكفر لا يكون معظما. قوله: (ومن حرم ملكه لم يحرم) أي لا يصير حراما عليه لذاته لانه قلب المشروع وتغييره ولا قدرة له على ذلك بل الله تعالى هو المتصرف في ذلك بالتبديل، وغيره إن استباحه كفر أي عامله معاملة المباحة بأن فعل ما حرمه الله فإنه يلزمه كفارة اليمين لقوله تعالى * (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) * [ التحريم: 1 ] الآيتين. فبين الله تعالى أن نبيه عليه السلام حرم شيئا مما هو حلال وأنه فرض له تحلته فعبر عن ذلك بقوله تحلة أيمانكم فعلم أن تحريم الحلال يمين موجب للكفارة وما في بعض الروايات من أنه يحلف صريحا فليس هو في الآية ولا في الحديث الصحيح إلى آخر ما في فتح القدير. ولو ذكر المصنف بدل الملك الشئ بأن قال ومن حرم شيئا ثم فعله كفر لكان أولى ليشمل الاعيان والافعال وملكه وملك غيره وما كان حلالا وما كان حراما فيدخل فيه ما إذا قال كلامك علي حرام أو معي أو الكلام معك حرام كما في المبتغى. كذا إذا قال دخول هذا المنزل علي حرام ونحوه كما في المجتبى. ولو قال لقوم كلامكم علي حرام أيهم كلم حنث. وفي مجموع النوازل: وكذا كلام فلان وفلان علي حرام يحنث بكلام أحدهما، وكذا كلام أهل بغداد، وكذا أكل هذا الرغيف علي حرام يحنث بأكل لقمة بخلاف ما لو قال والله لا أكلمهم لا يحنث حتى يكلمهم. وفي الخلاصة: لو قال هذا الرغيف علي حرام حنث بأكل لقمة. وفي فتاوى قاضيخان قال مشايخنا: الصحيح أنه لا يكون حانثا لان قوله هذا الرغيف علي حرام بمنزلة قوله والله لا أكل هذا الرغيف، ولو قال هكذا لم يحنث بأكل البعض ا ه‍. مع أن حرمة العين والمراد منها تحريم الفعل فإذا قال هذا الطعام علي حرام فالمراد أكله، وكذا إذا قال هذا الثوب علي حرام فالمراد لبسه إلا إذا نوى غيره كما في الخلاصة: ولو قال لدراهم في يده هذ الدراهم علي حرام إن اشترى بها حنث وإن تصدق بها أو وهبها لم يحنث بحكم العرف كما في المحيط وغيره، ولا خصوصية للدراهم بل لو وهب ما جعله حراما أو تصدق به لم يحنث لان المراد بالتحريم حرمة الاستمتاع. وفي المحيط: لو قال مالي علي حرام فأنفق منه شيئا حنث، وكذا مال فلان علي حرام فأكل منه أو أنفق حنث، ويدخل فيه ما إذا قال هذا الطعام علي حرام لطعام لا

[ 493 ]

يملكه فيصير به حالفا حتى لو أكله حلالا أو حراما لزمته الكفارة، إلا إذا قصد به الاخبار عنها وهو لا يدخل تحت عبارة المصنف أيضا، ويدخل فيه أيضا ما إذا قال هذه الخمر علي حرام فإذا شربه كفر ففي فتاوى قاضيخان من فصل الاكل: الصحيح أنه إذا قال الخمر علي حرام أو الخنزير علي حرام كان يمينا حتى إذا فعله كفر. وذكر في فصل تحريم الحلال: إذا قال هذه الخمر علي حرام فيه قولان، والفتوى على أنه ينوي في ذلك، فإن أراد به الخبر لا تلزمه الكفارة، وإن أراد به اليمين تلزمه الكفارة، وعند عدم النية لا تلزمه الكفارة ا ه‍. وعبر المصنف بمن المفيدة للعموم ليشمل الذكر والانثى فلذا قال في المجتبى والخلاصة: قالت لزوجها أنت علي حرام أو قالت حرمتك علي نفسي فيمين حتى لو طاوعته في الجماع أو أكرهها لزمتها الكفارة بخلاف ما إذا حلف لا يدخل هذه الدار فأدخل فإنه لا يحنث ا ه‍. وقيد بكونه حرمه على نفسه لانه لو جعل حرمته معلقة على فعله فإنه لا يلزمه الكفارة لما في الخلاصة: لو قال إن أكلت هذا الطعام فهو علي حرام فأكله لا حنث عليه. وفي المحيط وفي المنتقى: إذا قال لغيره كل طعام آكله في منزلك فهو علي حرام ففي القياس لا يحنث إذا أكله، هكذا روى ابن سماعة عن أبي يوسف. وفي الاستحسان يحنث والناس يريدون بهذا أن أكله حرام. وفي الحيل: إن أكلت عندك طعاما أبدا فهو حرام فأكله لم يحنث ا ه‍. وفي القنية: إن دخلت عليك فما أخذت بيميني فحرام فإن دخل عليه صار يمينا، فإن ملك شيئا ولو شربة ماء تلزمه كفارة اليمين ا ه‍. قوله: (كل حل علي حرام فهو على الطعام والشراب) والقياس أن يحنث كما فرع لانه باشر فعلا مباحا وهو التنفس ونحوه وهذا قول زفر وجه الاستحسان أن المقصود وهو البر لا يحصل مع اعتبار العموم وإذا سقط اعتباره ينصرف إلى الطعام والشراب للعرف فإنه يستعمل فيما يتناول عادة فيحنث إذا أكل أو شرب، ولا يتناول المرأة إلا بالنية فلا يحنث بجماع

[ 494 ]

زوجته لاسقاط اعتبار العموم، وإذا نواها كان إيلاء ولا تصرف اليمين عن المأكول والمشروب، وهذا كله جواب ظاهر الرواية، كذا في الهداية مع أن عبارة الحاكم في الكافي: إذا قال الرجل كل حل علي حرام سئل عن نيته، فإن نوى يمينا فهو يمين يكفرها ولا تدخل امرأته في ذلك إلا أن ينوي، فإن نواها دخلت، فإن أكل أو شرب أو قرب امرأته حنث وسقط عنه الايلاء وإن لم يكن له نية فهو يمين يكفرها لا تدخل امرأته فهيا، ولو نوى به الطلاق فالقول فيه كالقول في الحرام أي يصح ما نوى وإن نوى الكذب فهو كذب ا ه‍. تقتضي أن الامر موقوف على النية وأنه لو نوى الكذب لا يلزمه شئ وهو غير مستفاد من عبارة الهداية كما لا يخفى قوله: (والفتوى على أنه تبين امرأته من غير نية) لغلبة الاستعمال، كذا في الهداية. وإن لم تكن له امرأة ذكر في النهاية معزيا إلى النوازل أنه يحنث وعليه الكفارة ا ه‍. يعني إذا أكل أو شرب لانصرافه عند عدم الزوجة إلى الطعام والشراب لا كما يفهم من ظاهر العبارة. وقال البزدوي في مبسوطه: هكذا قال بعض مشايخ سمرقند ولم يتضح لي عرف الناس في هذا لان من لا امرأة له يحلف به كما يحلف ذو الحليلة، ولو كان العرف مستفيضا في ذلك لما استعمله إلا ذو الحليلة، فالصحيح أن يقيد الجواب في هذا فنقول: إن نوى الطلاق يكون طلاقا، فأما من غير دلالة فالاحتياط أن يقف الانسان فيه ولا يخالف المتقدمين. واعلم أن مثل هذا اللفظ لم يتعارف في ديارنا بل المتعارف فيه حرام علي كلامك ونحوه كأكل كذا ولبسه دون الصيغة العامة، وتعارفوا أيضا الحرام يلزمني ولا شك في أنهم يريدون الطلاق معلقا فإنهم يزيدون بعده لا أفعل كذا ولافعلن وهو مثل تعارفهم الطلاق يلزمني لا أفعل كذا فإنه يراد إن فعلت كذا فهي طالق ويجب إمضاؤه عليهم. والحاصل أن المعتبر في انصراف هذه الالفاظ عربية كانت أو فارسية إلى معنى بلا نية التعارف فيه، فإن لم

[ 495 ]

يتعارف سئل عن نيته وفيما ينصرف بلا نية لو قال أردت غيره لا يصدقه القاضي وفيما بينه وبين الله تعالى وهو مصدق، هكذا قال في فتح القدير. والحاصل أنه على ظاهر الرواية يحنث بالاكل والشرب فقط ولا يقع عليه طلاق، وعلى المفتى به إن لم يكن له امرأة فكذلك، وإن كان له امرأة وقع الطلاق عليها ولا يحنث بالاكل والشرب. وفي الظهيرية: رجل قال كل حل علي حرام وقال كل حلال علي حرام أو قال حلال الله أو قال حلال المسلمين وله امرأة ولم ينو شيئا قال الشيخ الامام أبو بكر محمد بن الفضل والفقيه أبو جعفر وأبو بكر الاسكاف وأبو بكر بن سعيد: تبين امرأته بتطليقة وإن نوى ثلاثا فثلاث، وإن قال لم أنو الطلاق لا يصدق قضاء لانه صار طلاقا عرفا ولهذا لا يحلف به إلا الرجال، فإن كان له امرأة واحدة تبين بتطليقة، وإن كن ثلاثا أو أربعا يقع على كل واحدة واحدة بائنة، وإن حلف بهذا اللفظ إن كان فعل كذا وقد كان فعل وله امرأة واحدة أو أكثرين جميعا، وإن لم يكن له امرأة لا يلزمه شئ لانه جعل يمينا بالطلاق، ولو جعلناه يمينا بالله فهو غموس. وإن حلف بهذا على أمر في المستقبل ففعل ذلك وليس له امرأة كان عليه الكفارة لان تحريم الحلال يمين، وإن كان له امرأة وقت اليمين فماتت قبل الشرط أو بانت لا إلى عدة ثم باشر الشرط لا تلزمه الكفارة لان يمينه انصرف إلى الطلاق وقت وجودها، وإن لم يكن له امرأة وقت اليمين ثم تزوج امرأة ثم باشر الشرط اختلفوا فيه قال الفقيه أبو جعفر: تبين المتزوجة وقال غيره: لا تبين وبه أخذ الفقيه أبو الليث وعليه الفتوى لان يمينه جعل يمينا بالله تعالى وقت وجودها فلا يكون طلاقا بعد ذلك ا ه‍. وقيد بصيغة العموم لانه لو قال لزوجته أنت علي حرام فقد قدم في باب الايلاء أنه ينصرف للزوجة فتطلق من غير نية.

[ 496 ]

قوله: (ومن نذر نذرا مطلقا أو معلقا بشرط ووجد وفى به) أي وفي بالمنذور لقوله عليه السلام من نذر وسمى فعليه الوفاء بما سمى وهو بإطلاقه يشمل المنجز والمعلق ولان المعلق بالشرط كالمنجز عنده. أطلقه فشمل ما إذا علقه بشرط يريد كونه أو لا. وعن أبي حنيفة أنه رجع عنه فقال: إن فعلت كذا فعلي حجة أو صوم سنة أو صدقة ما أملكه أجزأه عن ذلك كفارة يمين. وهو قول محمد ويخرج عن العهدة بالوفاء بما سمى أيضا إذا كان شرطا لا يريد كونه لان فيه معنى اليمين وهو المنع وهو بظاهره نذر فيتخير ويميل إلى أي الجهتين شاء بخلاف ما إذا كان شرطا يريد كونه كقوله إن شفى الله مريضي لانعدام معنى اليمين فيه. قال في الهداية: وهذا التفصيل هو الصحيح وبه كان يفتي اسماعيل الزاهد كما في الظهيرية. وقال الولوالجي: مشايخ بلخ وبخاري يفتون بهذا وهو اختيار شمس الائمة، ولكثرة البلوى في هذا الزمان وظاهر الرواية كما في المختصر للحديث المتقدم. ووجه الصحيح حديث مسلم كفارة النذر كفارة اليمين وهو يقتضى السقوط بالكفارة مطلقا فتعارضا فيحمل مقتضى الايفاء بعينه على المنجز أو المعلق بشرط يريد كون، وحديث مسلم على المعلق بشرط لا يريد كونه لانه إذا علقه بشرط لا يريده يعلم منه أنه لم يرد كونه المنذور حيث جعله مانعا من فعل ذلك الشرط مثل دخول الدار وكلام زيد لان تعليقه حينئذ لمنع نفسه عنه بخلاف الشرط الذي يريد كونه إذا وجد الشرط فإنه في معنى المنجز ابتداء فيندرج في حكمه وهو

[ 497 ]

وجوب الايفاء. ثم اعلم أن هذا التفصيل وإن كان قول المحققين فليس له أصل في الرواية لان المذكور في ظاهر الرواية لزوم الوفاء بالمنذور عينا منجزا كان أو معلقا. وفي رواية النوادر: وهو مخير فيهما بين الوفاء وبين كفارة اليمين قال في الخلاصة: وبه يفتي. فتحصل أن الفتوى على التخيير مطلقا ولذا اعترض في العناية على تصحيح الهداية ا ه‍. وأراد بقوله وفي إنه يلزمه الوفاء بأصل القربة التي التزمها لا بكل وصف التزمه لما

[ 498 ]

قدمناه أنه لو عين درهما أو فقيرا أو مكانا للتصدق أو للصلاة فإن التعيين ليس بلازم، وقدمنا تفاريع النذر في الصلاة وفي آخر الصوم وأن شرائطه أربعة: أن لا يكون معصية لذاته فخرج النذر بصوم يوم النحر لصحة النذر به لانه لغيره، وأن يكون من جنسه واجب، وأن يكون ذلك الواجب عبادة مقصودة، وأن لا يكون واجبا عليه قبل النذر، فلو نذر حجة الاسلام لم يلزمه شئ غيرها. وبه عرف أن إطلاق المصنف في محل التقييد في الخلاصة: لو التزم بالنذر أكثر مما يملكه لزمه ما يملكه هو المختار كما إذا قال إن فعلت كذا فألف درهم من مالي صدقة ففعل وهو لا يملك إلا مائة لا يلزمه إلا المائة لانه فيما لم يملك لم يوجد في الملك. ولا مضافا إلى سببه فلم يصح كقوله مالي في المساكين صدقة ولا مال له لا يصح فكذا هذا، كذا في الولوالجية. وفي الخلاصة أيضا: لو قال لله علي أن أهدي هذه الشاة وهي ملك الغير لا يصح النذر بخلاف قوله لاهدين ولو نوى اليمين كان يمينا اه‍. فعلى هذا لا بد أن يزاد شرط خامس وهو أن لا يكون ما التزمه ملكا للغير إلا أن يقال إن النذر به معصية لكن ليس معصية لذاته وإنما هو لحق الغير. وفي الخلاصة: لو قال لله علي إطعام المساكين فهو على

[ 499 ]

عشرة عند أبي حنيفة. لله علي إطعام مسكين يلزمه نصف صاع من حنطة استحسانا. ولو قال إن فعلت كذا فألف درهم من مالي صدقة لكل مسكين درهم واحد فحنث وتصدق بالكل على مسكين واحد جاز. ولو قال لله علي أن أعتق هذه الرقبة وهو يملكها فعليه أن يفي بذلك ولو لم يف يأثم ولكن لا يجبره القاضي. وفي مجموع النوازل: لو قال وهو مريض إن برئت من مرضي هذا ذبحت شاة أو علي شاة أذبحها فبرئ لا يلزمه شئ، ولو قال علي شاة أذبحها وأتصدق بلحمها لزمه، ولو قال لله علي أن أذبح جزورا وأتصدق بلحمه فذبح مكانه سبع شياه جاز اه‍. وهو يدل على أن مرادهم بالواجب الفرض من قولهم وأن يكون من جنسه واجب لان الاضحية واجبة وهو الذبح لا التصدق مع أنه صريح بأنه لا يصح النذر بالذبح من غير تصريح بالتصدق بلحمه، وقدمنا في باب الاعتكاف ما يجب فيه التتابع من المنذور، وكذا في أول كتاب الصوم. وفي الولوالجية: لو قال لله علي أن أتصدق بمائة درهم فأخذ إنسان فمه فلم يتم الكلام وهو يريد أن يقول إن فعلت كذا، فالاحتياط أن يتصدق، فرق بين هذا وبين اليمين بالطلاق فإن ثمة إذا وصل الشرط بعد ما رفع يده عن فمه لا يقع الطلاق، والفرق أن الطلاق محظور فيكلف لعدمه ما أمكن وقد أمكن بجعل هذا الانقطاع غير فاصل كما لو حصل الانقطاع بالعطاس، أما الصدقة عبادة فلا يكلف لعدمها. ولو قال إن دخلت الدار فلله علي أن أتصدق مثلا فدخل لا يلزمه شئ لان المثل بمنزلة التشبيه وليس في التشبيه إيجاب فلا يجب إلا أن يريد به الايجاب. ولو قال إن فعلت كذا فلله علي أن أكفن الميت أو أن أضحي لا يكون يمينا لان تكفين الميت ليس بقربة مقصودة، وأما التضحية فلان التضحية واجبة عليه، ولو قال لله علي ثلاثون حجة كان عليه بقدر عمره اه‍. وأشار بقوله وفى به إلى أنه معين مسمى فلو لم يكن مسمى كقوله إن فعلت كذا فعلي نذر، فإن نوى قربة من القرب التي يصح النذر بها نحو الحج والعمرة فعليه ما نوى لانه يحتمله لفظه فجعل ما نوى كالمنطوق به، وإن لم يكن له نية فعليه كفارة اليمين. وكذا إن قال إن كلمت أبي فعلي نذر أو إن صليت الظهر، فإن نوى معينا لزمه وإلا كفر. وفي الولوالجية: وإذا حلف بالنذر

[ 500 ]

وهو ينوي صياما ولم ينو عددا معلوما فعليه صيام ثلاثة أيام إذا حنث لان إيجاب العبد معتبر بإيجاب الله تعالى من الصيام وأدنى ذلك ثلاثة أيام وفي كفارة اليمين، وإن نوى صدقة ولم ينو عددا فعليه إطعام عشرة مساكين لكل مسكين نصف صاع لما ذكرنا اه‍. وفي القنية: نذر أن يتصدق بدينار على الاغنياء ينبغي أن لا يصح. قلت: وينبغي أن يصح إذا نوى أبناء السبيل لانهم محل الزكاة. ولو قال إن قدم غائبي فلله علي أن أضيف هؤلاء الاقوام وهم أغنياء لا يصح، ولو نذر أن يقول دعاء كذا في دبر كل صلاة عشر مرات لم يصح، ولو قال لله علي أن أصلي على النبي عليه الصلاة والسلام في كل يوم كذا يلزمه، وقيل لا يلزمه، ولو قال إن ذهبت هذه العلة عني فلله علي كذا فذهبت ثم عادت إلى ذلك الموضع لا يلزمه شئ اه‍. قوله: (ولو وصل بحلفه إن شاء الله تعالى بر) لقوله عليه الصلاة والسلام من حلف على يمين وقال إن شاء الله تعالى فقد بر في يمينه إلا أنه لا بد من الاتصال لانه بعد الفراغ رجوع ولا رجوع في اليمين إلا إذا كان انقطاعه لتنفس أو سعال ونحوه فإنه لا يضر. وظاهر كلام المصنف رحمه الله تعالى أن اليمين منعقدة إلا أنه لا حنث عليه أصلا لعدم الاطلاع على مشيئة الله تعالى، وهذا قول أبي يوسف رحمه الله تعالى، وعند أبي حنيفة ومحمد رحمة الله تعالى عليهما أن التعليق بالمشيئة إبطال ولذا قال في التبيين: وأراد بقوله بر عدم الانعقاد لان فيه عدم الحنث كالبر فأطلق عليه اه‍. وقد قدمنا فائدة الاختلاف في آخر باب التعليق من كتاب الطلاق. وأشار المصنف رحمة الله تعالى عليه إلى أن النذر كذلك أيضا إذا وصله بالمشيئة لم يلزمه شئ، وظاهر كلامهم أن كل شئ تعلق بالقول فالمشيئة المتصلة به مبطلة له عبادة أو معاملة بخلاف المتعلق بالقلب كالنية كما قدمناه في الصوم والله تعالى أعلم.

[ 501 ]

باب اليمين في الدخول والخروج والسكنى والاتيان وغير ذلك شروع في بيان الافعال التي يحلف عليها ولا سبيل إلى حصرها لكثرتها لتعلقها باختيار الفاعل فنذكر القدر الذي ذكره أصحابنا في كتبهم والمذكور نوعان: أفعال حسية وأمور شرعية. وبدأ بالاهم وهو الدخول ونحوه لان حالة الحلول في مكان ألزم للجسم من أكله وشربه، وقد ذكر المصنف رحمه الله تعالى في هذا الباب من الافعال خمسة: الدخول والخروج والسكنى والاتيان والركوب. والاصل أن الايمان مبنية على العرف عندنا لا على الحقيقة اللغوية كما نقل عن الشافعي، ولا على الاستعمال القرآني كما عن مالك، ولا على النية مطلقا كما عن أحمد لان المتكلم إنما يتكلم بالكلام العرفي أعني الالفاظ التي يراد بها معانيها التي وضعت في العرف كما أن العربي حال كونه من أهل اللغة إنما يتكلم بالحقائق اللغوية فوجب صرف ألفاظ المتكلم إلى ما عهد أنه المراد بها. ثم من المشايخ من جرى على هذا الاطلاق فحكم بالفرع الذي ذكره صاحب الذخيرة والمرغيناني وهو ما إذا حلف لا يهدم بيتا فهدم بيت العنكبوت أنه يحنث بأنه خطأ. ومنهم من قيد حمل الكلام على العرف بما إذا لم يمكن العمل بحقيقته ولا يخفى أن هذا يصير المعتبر الحقيقة اللغوية إلا ما كان من الالفاظ ليس له وضع لغوي بل أحدثه أهل العرف، وأن ماله وضع لغوي ووضع عرفي يعتبر معناه اللغوي وإن تكلم به متكلم من أهل العرف، وهذا يهدم قاعدة حمل الايمان على العرف فإنه لم يصير المعتبر إلا اللغة إلا ما تعذر وهذا بعيد إذ لا شك أن المتكلم لا يتكلم الا بالعرف الذي به التخاطب، سواء كان عرف اللغة إن كان من أهل اللغة أو غيرها إن كان من غيرها. نعم ما وقع استعماله مشتركا بين أهل اللغة وأهل العرف تعتبر اللغة على أنها العرف، وأما الفرع المذكور فالوجه فيه أنه إن كان نواه في عموم بيتا حنث، وإن لم يخطر له وجب أن لا يحنث لانصراف الكلام إلى المتعارف عند إطلاق لفظ بيت. وظهر أن مرادنا بانصراف الكلام إلى العرف أنه إذا لم يكن له نية كان موجب الكلام ما هو معنى عرفيا له، وإن كان له نية شئ واللفظ يحتمله انعقد اليمين باعتباره، كذا في فتح القدير. وفي الحاوي الحصيري: والمعتبر في الايمان الالفاظ دون الاغراض. وفي الظهيرية من الفصل الثالث من الهبة: رجل

[ 502 ]

اغتاظ على غيره فقال إن اشتريت لك بفلس شيئا فامرأته طالق فاشترى له بدرهم شيئا لم يحنث في يمينه فدل على أن العبرة بعموم اللفظ اه‍. وذكر الامام الخلاطي في مختصر الجامع فروعا مبنية على ذلك فقال باب اليمين في المساومة: حلف لا يشتريه بعشرة حنث بإحدى عشرة، ولو حلف البائع لم يحنث به لان مراد المشتري المطلقة ومراد البائع المفردة وهو العرف، ولو اشترى أو باع بتسعة لم يحنث لان المشتري مستنقص والبائع وإن كان مستزيدا لكن لا يحنث بلا مسمى كمن حلف لا يخرج من الباب أولا بضربه سوطا أو لا يشتري بفلس أو ليغدينه اليوم بألف فخرج من السطح وضرب بعصا واشترى بدينار وغدى برغيف لم يحنث اه‍. وفي التنوير للامام المسعودي شارحه: والحاصل أنه إذا كان في اليمين ملفوظ به يجوز تعيين أحد محتمليه بالغرض، وأما الزيادة على الملفوظ فلا يجوز بالغرض ففي مسألة لا أبيعه بعشرة فباعه بتسعة إنما لا يحنث البائع وإن كان غرضه المنع عن النقصان لان الناقص

[ 503 ]

عن العشرة ليس في لفظه ولا يحتمله لفظه فلا يتقيد به اه‍. وفي الخلاصة من الجنس الخامس من اليمين في الشراء: ولو أن البائع هو الذي حلف فقال عبده حر أن بعت هذا منك بعشرة فباعه بعشرة دراهم ودينار أو بأحد عشر درهما لم يحنث، ولو باعه بتسعة لا يحنث أيضا. هذا جواب القياس، وفي الاستحسان على عكس هذا فإن العرف بين الناس أن من حلف لا يبيع بعشرة أن لا يبيعه إلا بأكثر من عشرة فإذا باعه بتسعة يحنث استحسانا اه‍. فالحاصل أن بناء الحكم على الالفاظ هو القياس والاستحسان بناؤه على الاغراض، وسيأتي أنه هل يعتبر في العرف عند التخاطب أو العمل. قوله: (حلف لا يدخل بيتا لا يحنث بدخول البيت والمسجد والبيعة والكنيسة والدهليز والظلة والصفة) لما قدمنا أن الايمان مبنية على العرف والبيت في العرف ما أعد للبيتوتة وهذه البقاع ما بنيت لها. وأراد بالبيت الكعبة ولو عبر بها لكان أظهر. والبيعة - بكسر الباء - معبد النصارى، والكنيسة معبد اليهود. والدهليز بكسر الدال ما بين الباب والدار فارسي معرب كما في الصحاح. والظلة الساباط الذي يكون على باب الدار من سقف له جذوع أطرافها على جدار الباب وأطرافها الاخرى على جدار الجار المقابل له. وإنما قيدنا به لان الظلة إذا

[ 504 ]

كان معناها ما هو داخل البيت مسقفا فإنه يحنت بدخوله لانه يبات فيه. وأطلق المصنف في الدهليز والصفة وهو مقيد بما إذا لم يصلحا للبيتوتة، أما إذا كان الدهليز كبيرا بحيث يبات فيه فإنه يحنث بدخوله لان مثله يعتاد بيتوته للضيوف في بعض القرى وفي المدن يبيت فيه بعض الاتباع في بعض الاوقات فيحنث. والحاصل أن كل موضع إذا أغلق الباب صار داخلا لا يمكنه الخروج من الدار وله سعة تصلح للمبيت من سقف يحنث بدخوله، وعلى هذا يحنث بالصفة سواء كان لها أربع حوائط كما هي صفاف الكوفة، أو ثلاثة على ما صححه في الهداية بعد أن يكون مسقفا كما هي صفاف ديارنا لانه يبات فيه. غاية الامر أن مفتحه واسع وسيأتي أن السقف ليس شرطا في مسمى البيت فيحنث وإن لم يكن الدهليز مسقفا، كذا في فتح القدير. قوله: (وفي دار بدخولها خربة وفي هذه الدار يحنث وإن بنيت دارا أخرى بعد الانهدام) أي في حلفه لا يدخل دارا لا يحنث بدخولها حربة، وفيما إذا حلف لا يدخل هذه الدار فإنه يحنث بدخولها خربة، وإن بنيت دارا أخرى بعد الانهدام لان الدار اسم للعرصة عند العرب والعجم. يقال دار عامرة ودار غامرة أي خراب وقد شهدت أشعار العرب بذلك والبناء وصف فيها غير أن الوصف في الحاضر لغو والاسم باق بعد الانهدام. وفي الغائب تعتبر وأراد بالخربة الدار التي لم يبق فيها بناء أصلا، فأما إذا زال بعض حيطانها وبقي البعض فهذه دار خربة فينبغي أن يحنث في المنكر إلا أن يكون له نية، كذا في فتح القدير. والاصل أن الوصف في المعين لغو إن لم يكن داعيا إلى اليمين وحاملا عليها، وإن كان حاملا عليها تقيدت به كمن حلف أن لا يأكل هذا البسر فأكله رطبا لم يحنث إلا إذا كانت الصفة مهجورة شرعا فحينئذ لا يتقيد بها وإن كانت حاملة كمن حلف لا يكلم هذا الصبي لا يتقيد بصباه كما سيأتي. قيد باليمين لانه لو وكله بشراء دار منكرة فاشترى دارا خربة نفذ على الموكل لتعرفها من وجه باعتبار بيان الثمن والمحلة وإلا لم تصح الوكالة للجهالة المتفاحشة وهي في اليمين منكرة من كل وجه فافترقا. وأشار المصنف إلى أنه لو حلف لا يدخل هذا المسجد فهدم فصار صحراء ثم دخله فإنه يحنث وهو مروي عن أبي يوسف قال: هو مسجد وإن لم يكن مبنيا وهذا لان المسجد عبارة عن موضع السجود وذلك موجود في الخرب ولهذا قال أبو يوسف: إن المسجد إذا خرب واستغنى الناس عنه أنه يبقى مسجدا إلى يوم القيامة، كذا في البدائع. وقول أبي يوسف يبقى المسجد بعد خرابه هو المفتى به كما صرح به في الحاوي القدسي من كتاب الوقف. قوله: (وإن جعلت بستانا أو مسجدا أو حماما أو بيتا لا كهذا البيت فهدم أو بنى آخر)

[ 505 ]

بيان لثلاث مسائل، الاولى لو حلف لا يدخل هذه الدار فخربت فجعلت بستانا أو مسجدا أو حماما أو بيتا لا يحنث بدخوله فيه لانها لم تبق دارا لاعتراض اسم آخر عليه، وكذا إذا غلب عليها الماء أو جعلت نهرا فدخله. قيد بالاشارة مع التسمية لانه لو أشار ولم يسم كما إذا حلف لا يدخل هذه وإنه يحنث بدخولها على أي صفة كانت دارا أو مسجدا أو حماما أو بستانا لان اليمين عقدت على العين دون الاسم والعين باقية، كذا في الذخيرة. وأشار إلى أنه لو دخله بعدما انهدم المبنى ثانيا من الحمام وما معه فإنه لا يحنث أيضا لانه لا يعود إلى اسم الدارية بالتشديد، وإلى أنه لو بنى دارا بعدما انهدم ما بنى ثانيا من الحمام وغيره فإنه لا يحنث أيضا لانه غير تلك الدار التي منع نفسه من الدخول فيها. الثانية لو حلف لا يدخل هذا البيت فدخله بعد ما انهدم فإنه لا يحنث لزوال اسم البيت فإنه لا يبات فيه حتى لو بقيت الحيطان وسقط السقف يحنث لانه يبات فيه والسقف وصف فيه كما في الهداية لان البيت الصيفي ليس له سقف. وأشار المصنف إلى أنه لو كان البيت منكرا فإنه لا يحنث بالاولى. والحاصل أن البيت لا فرق فيه بين أن يكون منكرا أو معرفا فإذا دخله وهو صحراء لا يحنث لزوال الاسم بزوال البناء، وأما الدار ففرق فيه بين المنكرة والمعينة كما قدمناه. وفي البدائع: لو انهدم السقف وحيطانه قائمة فدخله يحنث في المعين ولا يحنث في المنكر لان السقف بمنزلة الصفة فيه وهي في الحاضر لغو وفي الغائب معتبرة اه‍. الثالثة لو حلف لا يدخل هذا البيت فهدم وبنى آخر فدخله لا يحنث لان الاسم لم يبق بعد الانهدام وهذا المبنى غير البيت الذي منع نفسه من دخوله. وأشار المصنف إلى جنس هذه المسألة من حيث المعنى وهو ما إذا حلف لا يجلس إلى هذه الاسطوانة أو إلى هذا الحائط فهدما ثم بنيا بنقضهما لم يحنث لان الحائط إذا هدم زال الاسم عنه وكذا الاسطوانة فبطلت اليمين، وكذلك لو حلف لا يكتب بهذا القلم فكسره ثم براه فكتب به لا يحنث لان غير المبري لا يسمى قلما وإنما يسمى أنبوبا فإذا كسره فقد زال الاسم عنه فبطلت اليمين، وكذلك إذا حلف على مقص فكسره ثم جعله مقصا آخر غير ذلك لان الاسم قد زال بالكسر، وكذلك كل سكين وسيف وقد كسر ثم

[ 506 ]

صنع مثله. ولو نزع مسمار ليقص ولم يكسره ثم أعاد فيه مسمارا آخر حنث لان الاسم لم يزل بزوال المسمار، وكذلك إن نزع نصاب السكين وجعل عليه نصابا آخر لان السكين اسم للحديد، ولو حلف على قميص لا يلبسه أو قباء محشوا أو مبطنا أوجبة مبطنة أو محشوة أو قلنسوة أو خفين فنقض ذلك كله ثم أعاد يحنث لان الاسم بقي بعد النقض، يقال قميص مفتوق وجبة مفتوقة، واليمين المنعقدة على العين لا تبطل بتغير الصفة مع بقاء اسم العين. وكذلك لو حلف لا يركب بهذا السرج فنقضه ثم أعاده، ولو حلف لا يركب هذه السفينة فنقضها ثم استأنفها بذلك الخشب فركبها لا يحنث لانها لا تسمى سفينة بعد النقض وزوال الاسم يبطل اليمين. ولو حلف لا ينام على هذا الفراش ففتقه وغسله ثم حشاه بحشو وخلطه ونام عليه حنث لان فتق الفراش لا يزيل الاسم عنه، ولو حلف لا يلبس شقة غزل بعينها فنقضها وغزلت وجعلت شقة أخرى لا يحنث لانها إذا نقضت صارت خيوطا وزال الاسم المحلوف عليه. ولو حلف على قميص لا يلبس فقطعه جبة محشوة فلبسه لا يحنث لان الاسم قد زال فزالت اليمين، ولو حلف لا يقرأ في هذا المصحف فخلعه ثم ألف ورقه وخرز دفيته ثم قرأ فيه حنث لان اسم المصحف باق وإن فرقه. ولو حلف على نعل لا يلبسها فقطع شراكها وشركها بغيره ثم لبسها حنث لان اسم النعل يتناولها بعد قطع الشراك، ولو حلفت امرأة لا تلبس هذه الملحفة فخيط جانبها فجعلت درعا وجعلت لها جيبا ثم لبستها لم تحنث لانها درع وليست بملحفة، فإن أعيدت ملحفة فلبستها حنثت لانها عادت ملحفة بغير تأليف وزيادة ولا نقصان فهي على ما كانت عليه. وقال ابن سماعة عن محمد في رجل حلف لا ى دخل هذا المسجد فزيد فهي طائفة فدخلها لا يحنث لان اليمين وقعت على بقعة معينة فلا يحنث بغيرها. ولو قال مسجد بني فلان ثم زيد فيه فدخل ذلك الموضع الذي زيد فيه حنث وكذلك الدار لانه علق يمينه على الاضافة وذلك موجود في الزيادة. ولو حلف لا يدخل في هذا الفسطاط وهو مضروب في موضع فقلع وضرب في موضع آخر فدخل فيه حنث، وكذلك القبة من العيدان وكذلك درج من عيدان أو منبر لان الاسم في هذه الاشياء لا يزول بنقلها من مكان إلى مكان، كذا في البدائع. قوله: (والواقف على السطح داخل وفي طلق الباب لا) أي ليس بداخل لان السطح من الدار ألا ترى أن المعتكف لا يفسد اعتكافه بالخروج إلى سطح المسجد، فإذا حلف لا يدخل هذه الدار فوقف على سطحها من غير دخول من الباب بأن توصل إليه من سطح آخر فإنه يحنث، وقيل في عرفنا لا يحنث، وما في المختصر قول المتقدمين ومقابله قول المتأخرين،

[ 507 ]

ووفق بينهما في فتح القدير يحمل ما في المختصر على ما إذا كان للسطح حضير، وحمل مقابله على ما إذا لم يكن له حضير أي ساتر. وأشار المصنف إلى أنه لو صعد على شجرة داخلها أو قام على حائط فيها فإنه داخل فيحنث، ولو كان الحائط مشتركا بينه وبين جاره لم يحنث كما في الظهيرية، وعلى قول المتأخرين لا، والظاهر قول المتأخرين في الكل لانه لا يسمى داخل الدار عرفا ما لم يدخل جوفها حتى صح أن يقال لم يدخل الدار ولكن صعد سطحها ونحوه. وفي التبيين: والمختار أنه لا يحنث في العجم لان الواقف على السطح لا يسمى داخلا عندهم. وأشار المصنف إلى أنه لو نوى في حلفه لا يدخل دار فلان فدخل صحنها فإنه لا يصدق قضاء لكن يصدق فيما بينه وبين الله تعالى لانهم قد يذكرون الدار ويريدون صحنها فقد نوى ما يحتمله كلامه كما في البدائع. وأفاد بإطلاقه أنه لا فرق في المحلوف عليه بين أن يكون دارا أو بيتا أو مسجدا، فإن كان فوق المسجد مسكن فدخله لا يحنث لانه ليس بمسجد كما في البدائع أيضا. وأشار بقوله داخل إلى أن المحلوف عليه دخول الدار فقط للاحتراز عما إذا حلف لا يدخل من باب هذه الدار فإنه إذا دخلها من غير الباب لم يحنث لعدم الشرط وهو الدخول من الباب، فإن نقب للدار بابا آخر فدخل يحنث لانه عقد يمينه على الدخول من باب منسوبة إلى الدار وقد وجدوا الباب الحادث كذلك فيحنث، وإن عنى به الباب الاول يدين فيما بينه وبين الله تعالى لان لفظه يحتمله ولا يدين في القضاء لانه خلاف الظاهر. حيث أراد بالمطلق المقيد. وإن عين الباب فقال لا أدخل من هذا الباب فدخل من باب آخر لا يحنث، وهذا مما لا شك فيه لانه لم يوجد الشرط، كذا في البدائع. وقيد بالسطح لانه لو حلف لا يدخل دار فلان فحفر سردابا تحت دار فلان أو قناة فدخل ذلك السرداب أو القناة لم يحنث لانه لم يدخل، ولو كان للقناة موضع مكشوف في الدار فإن كان كبيرا يستقى منه أهل الدار فإذا بلغ ذلك الموضع حنث لانه من الدار فإن أهل الدار ينتفعون به انتفاع الدار فيكون من مرافق الدار بمنزلة بئر الماء، وإن كان بئرا لا ينتفع به أهل الدار وإنما هو للضوء لم يحنث لانه ليس من مرافق الدار ولا يعد داخله داخل الدار، ولو اتخد فلان سردابا تحت داره وجعل بيوتا وجعل لها أبوابا إلى الطريق فدخلها الحالف حنث لان السرداب تحت الدار من بيوتها، كذا في المحيط. وأشار المصنف إلى أنه لو حلف لا يخرج من هذه الدار فصعد سطحها فإنه لا يحنث لانه داخل وليس بخارج، كذا في غاية البيان. وفي المحيط: لو حلف لا يخرج من هذه الدار وفي الدار شجرة أغصانها خارج الدار فارتقى تلك الشجرة حتى صار بحال لو سقط سقط في الطريق لا يحنث لان الشجرة بمنزلة

[ 508 ]

بناء الدار اه‍. وإنما لا يكون داخلا إذا وقف في طاق الباب لان الباب لاحراز الدار وما فيها فلم يكن الخارج من الدار. والمراد بطاق الباب عتبته التي إذا أغلق الباب كانت خارجة عنه وهي المسماة بأسكفة الباب، وأما العتبة التي لو أغلق الباب تكون داخلة فهي من الدار فيحنث بالدخول فيها، ولو كان المحلوف عليه الخروج انعكس الحكم كما نص عليه الحاكم. وقيد بكونه واقفا في طاق الباب أي بقدميه لانه لو وقف بإحدى رجليه على العتبة وأدخل الاخرى، فإن استوى الجانبان أو كان الجانب الخارج أسفل لم يحنث، وإن كان الجانب الداخل أسفل حنث لان اعتماد جميع بدنه على رجله التي هي في الجانب الاسفل، كذا في كثير من الكتب. وفي الظهيرية معزيا إلى السرخسي: الصحيح أنه لا يحنث مطلقا اه‍. وهو ظاهر لان الانفصال التام لا يكون إلا بالقدمين. وفي الظهيرية بعده: ولو أدخل رأسه وإحدى قدميه حنث. وأفاد المصنف رحمه الله دلالة أن حقيقة الدخول الانفصال من الخارج إلى الداخل فلهذا لو أدخل رأسه ولم يدخل قدميه أو تناول منها لم يحنث ألا ترى أن السارق لو فعل ذلك لم يقطع كما في البدائع. ولو دخل الدهليز فإنه يحنث ففرق بينهما إذا كان المحلوف على دخوله الدار أو البيت ففي الاول يحنث بدخول دهليزه، وفي الثاني لا. وأما صحن الدار أو البيت ففي الكافي: لو حلف لا يدخل بيت فلان ولا نية له فدخل في صحن داره لم يحنث حتى يدخل البيت لان شرط حنثه الدخول في البيت ولم يوجد ثم قال: وهذا في عرفهم، وأما في عرفنا فالدار والبيت واحد فيحنث إن دخل صحن الدار وعليه الفتوى اه‍. وفي الظهيرية: ولو قام على كنيف شارع أو ظلة شارعة إن كان مفتح الكنيف والظلة في الدار كان حانثا. وفي المحيط: لو دخل حانوتا مشرعا من هذه الدار إلى الطريق وليس له باب في الدار فإنه يحنث لان من جملة الدار ما أحاطت به الدور، وإن دخل بستانا في تلك الدار، فإن كان متصلا بها لم يحنث، وإن كان في وسطها حنث اه‍. وفي القنية: حلف لا يدخل داره فدخل اصطبله لا يحنث. وفي الخلاصة معزيا إلى فتاوى النسفي: لو حلف لا يدخل بيت فلان فجلس على دكان على بابه إن كان ينتفع به المحلوف عليه وهو تبع لبيته يحنث - قال رحمه الله - وفيه نظر اه‍. وعلى هذا لو دخل حوشا بجنب البيت يحنث. والحاصل أنه إذا حلف لا يدخل هذه الدار أو دار فلان فإنه يحنث بالوقوف على سطحها أو حائطها أو شجرة فيها أو عتبة داخل الباب ودهليزها أو صحنها أو كنيفها أو ظلتها بالشرط المذكور أو بستانها الذي في وسطها، ويحنث بدخولها على أي صفة كان الحالف راكبا كان أو ماشيا أو محمولا بأمره حافيا أو منتعلا بشرط أن يكون مختارا لما في

[ 509 ]

الظهيرية: ولو جاء إلى بابها وهو يشتد في المشي أي بعدو فانعثر أو انزلق فوقع في الدار اختلفوا فيه، والصحيح أنه لا يحنث. وإن دفعته الريح وأوقعته في الدار اختلفوا فيه والصحيح أنه لا يحنث إن كان لا يستطيع الامتناع. وإن كان على دابة فجمحت وانفلتت وأدخلته في الدار وهو لا يستطيع إمساكها لا يحنث، وإن أدخله إنسان مكرها فخرج منها ثم دخل بعد ذلك مختارا اختلفوا فيه والفتوى على أنه يحنث اه‍. ووجهه أن الشرط لم يوجد بالدخول مكرها بدليل عدم الحنث وقد وجد بالدخول ثانيا مختارا فحنث وسيأتي بعد ذلك إيضاحه. ووضع القدم كالدخول فيما ذكرنا لانه صار مجازا عن الدخول وهي مسألة الحقيقة والمجاز في الاصول. وهذا كله باعتبار الدار، وأما باعتبار صفتها بالاضافة إلى فلان فإنه يحنث إذا دخل دارا مضافة إلى فلان، سواء كان يسكتها بالملك أو بالاجارة أو بالعارية. وفي المجتبى: لو قال إن دخلت دار زيد فعبدي حر وإن دخلت دار عمرو فامرأتي طالق فدخل دار زيد وهي في يعد عمرو بإجارة يعتق وتطلق إذا لم ينو فإن نوى شيئا صدق اه‍. وفي المحيط: لو حلف لا يدخل دار فلان وله دار يسكنها ودار غلة فدخل دارا لغلة لا يحنث إذا لم يدل الدليل على دار الغلة وغيرها لان داره مطلقا دار يسكنها اه‍. وفي الخانية: لو حلف لا يدخل دار ابنته وابنته تسكن في دار زوجها أو حلف لا يدخل دار أمه وأمه تسكن في بيت زوجها فدخل الحالف حنث اه‍. وقد وقعت حادثة هي أن رجلا حلف بالطلاق أن أولاد زوجته لا يطلعون إلى بيته فطلع واحد هل يحنث؟ فأجبت بأنه لا يحنث ولا بد من الجمع لانه جمع ليس فيه الالف واللام. قال في الواقعات: إذا قال والله لا أكلم الفقراء أو المساكين أو الرجال فكلم واحدا منهم بحنث لانه اسم جنس بخلاف قوله رجالا أو نساء

[ 510 ]

اه‍. فقد علمت أن الجمع المعرف بالالف واللام كالمفرد وغيره على حقيقته ولا تأثير للاضافة وعدمها بدليل ما في الواقعات أيضا: لو قال والله لا أكلم إخوة فلان والاخ واحد، فإن كان يعلم يحنث إذا كلم ذلك الواحد لانه ذكر الجمع وأراد الواحد، وإن كان لا يعلم لا يحنث لانه لم يرد الواحد فبقيت اليمين على الجمع كمن حلف لا يأكل ثلاثة أرغفة من هذا الحب وليس فيه إلا رغيف واحد وهو لا يعلم لا يحنث اه‍. بلفظه. وهو صريح في أن الجمع المضاف كالمنكر لكن قال في القنية: إن أحسنت إلى أقاربك فأنت طالق فأحسنت إلى واحد منهم يحنث ولا يراد الجمع في عرفنا اه‍. فيحتاج إلى الفرق إلا أن يدعي أن في العرف فرقا. ولو دخل دارا مملوكة لفلان وفلان لا يسكنها يحنث ولو حلف لا يدخل دار فلان فدخل دار مشتركة بينه وبين فلا إن كان فلا يسكنها يحنث وإلا فلا. ولو حلف لا يدخل دار فلان فأجر فلان داره فدخلها الحالف هل يحنث؟ فيه روايتان قالوا: ما ذكره أنه لا يحنث ذلك قول أبي حنيفة وأبي يوسف لان عندهما كما تبطل الاضافة بالبيع تبطل بالاجارة والتسليم وملك اليد للغير، كذا في الظهيرية. وهي مسألة الاصول أيضا. قوله: (ودوام الركوب واللبس والسكنى كالانشاء لا دوام الدخول) يعني لو حلف لا يركب هذه الدابة وهو راكبها أو لا يلبس هذا الثوب وهو لابسه أو لا يسكن هذه الدار وهو ساكنها فإنه يحنث بالدوام كما لو ابتدأ بها بخلاف ما إذا حلف لا يدخل هذه الدار وهو فيها فإنه لا يحنث بالاستمرار فيها، والقياس أن يحنث قياسا على غيره، والاستحسان الفرق بين الفصلين وهو أن الدوام على الفعل لا يتصور حقيقة لان الدوام هو البقاء والفعل المحدث عرض والعرض مستحيل البقاء فيستحيل دوامه. وإنما يراد بالدوام تجدد أمثاله وهذا يوجد في الركوب واللبس والسكنى ولا يوجد في الدخول لانه اسم للانتقال من العورة إلى الحصن والمكث قرار فيستحيل البقاء. تحقيقه أن الانتقال حركة والمكث سكون وهما ضدان ألا ترى أنه يضرب لها مدة يقال ركبت يوما وليست يوما ولا يقال دخلت يوما. قال في التبيين: والفارق بينهما أن كل ما يصح امتداده له دوام كالقعود والقيام والنظر ونحوه، وما لا يمتد لا دوام له كالدخول والخروج اه‍. وفي المجتبى: والفارق بينهما صحة قران المدة به كاليوم والشهر. وفي فتح القدير: ونظير المسألة حلف لا يخرج وهو خارج لا يحنث حتى يدخل ثم

[ 511 ]

يخرج، وكذا لا يتزوج وهو متزوج، ولا يتطهر وهو متطهر فاستدام الطهارة والنكاح لا يحنث اه‍. والمراد بالدوام المكث ساعة على حاله، وقيد به لانه لو نزل من ساعته أو نزع الثوب فإنه لا يحنث. وقال زفر: يحنث لوجود الشرط وإن قل. ولنا أن اليمين تعقد للبر فيستثنى منه زمان تحقيقه وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وأشار المصنف إلى أنه لو قال كلما ركبت فأنت طالق وهو راكب ومكث ثلاث ساعات طلقت ثلاثا في كل ساعة طلقة بخلاف ما إذا لم يكن راكبا فركب أنها تطلق واحدة ولا تطلق بالاستمرار. وفي المجتبى: وإنما يعطى للدوام حكم الابتداء فيما يمتد إذا كانت اليمين حال الدوام، أما إذا كان قبله فلا، حتى لو قال كلما ركبت هذه الدابة فلله علي أن أتصدق بدرهم ثم ركبها ودام عليها فعليه درهم واحد، ولو قال ذلك حالة الركوب لزمه في كل ساعة يمكنه النزول درهم. قلت: في عرفنا لا يحنث إلا بابتداء الفعل في الفصول كلها وإن لم ينو، وفيه عن أبي يوسف ما يدل عليه وإليه أشار أستاذنا رحمه الله اه‍. فأفاد أن الساعة التي تكون دواما هي ما يمكنه النزول فيها، وأشار المصنف إلى أنه لو حلف ليدخلنها غدا وهو فيها فمكث حتى مضي الغد حنث لانه لم يدخلها فيه إذ لم يخرج، ولو نوى بالدخول الاقامة فيه لم يحنث وإلى هنا فرغ المصنف من مسائل الدخول لكنه لم يستوفها ونحن نذكر ما فاته منها تكثيرا للفائدة ولكثرة الاحتياج إلى مسائل الايمان، ففي الظهيرية: لو حلف لا يدخل في هذه السكة فدخل دارا من تلك السكة لا من السكة بل من السطح أو غيره اختلفوا فيه، والصحيح أنه لا يحنث إذا لم يخرج إلى السكة. ولو حلف لا يدخل سكة فلان فدخل مسجدا في تلك السكة ولم يدخل السكة لا يحنث رجل جالس في البيت في المنزل حلف لا يدخل هذا البيت فاليمين على ذلك البيت الذي كان جالسا فيه لان ما وراء ذلك البيت يسمى منزلا ودارا. هذا إذا كانت اليمين بالعربية، فإن كانت بالفارسية فاليمين على دخول ذلك المنزل وتلك الدار، فإن قال عنيت ذلك البيت الذي كنت جالسا فيه صدق ديانة لا قضاء لان في الفارسية خانه اسم للكل. هذا إذا لم يشر إلى بيت بعينه، فإن أشار إلى بيت بعينه فالعبرة للاشارة. امرأة حلفت أن لا يدخل زوجها دارها فباعت دارها فدخل الزوج وهي تسكنها، إن كانت نوت أن لا يدخل دارا تسكنها المرأة لا تبطل اليمين بالبيع، وإن لم يكن لها نية فاليمين على دار مملوكة لها. وقال بعضهم: يعتبر في جنس هذه المسائل سبب اليمين إن كانت اليمين لغيظ من صاحب الدار تبطل اليمين بالبيع، وإن كانت لضرر الجيران لا تبطل اليمين بالبيع. ولو حلف لا يدخل محلة كذا فدخل دارا لها بابان أحدهما مفتوح في تلك المحلة والآخر مفتوح في محلة

[ 512 ]

أخرى حنث في يمينه لان الدار تنسب إلى كل واحدة من المحلتين. وعن بعض المشايخ إذا حلف لا يدخل الحمام فدخل المسلخ لا يحنث لانه لا يراد من دخول الحمام ذلك. ولو حلف لا دخل دار فلان فمات صاحب الدار ثم دخل الحالف إن لم يكن على الميت دين مستغرق لا يحنث لانها انتقلت إلى الورثة بالموت، وإن كان عليه دين مستغرق قال محمد بن سلمة: يحنث لانها بقيت على حكم ملك الميت. وقال الفقيه أبو الليث: لا يحنث وعليه الفتوى لانها لم تبق ملكا للميت من كل وجه. ولو حلف لا يدخل دارا يشتريها فلان فاشترى فلان دارا وباعها من الحالف فدخل الحالف لا يحنث. ولو اشترى فلان دارا وهبها للحالف ثم دخل الحالف حنث. ولو حلف لا يدخل قبرية كذا فدخل أراضي القرية لا يحنث وتكون اليمين على عمرانها، وكذا لو حلف لا يشرب الخمر في قرية كذا فشرب في كرومها وضياعها لا يحنث إلا أن يكون الكروم والضياع في العمران، وكذلك لو كان الكلام على البلدة، ولو حلف لا يدخل كورة كذا أو رستاق كذا فدخل الاراضي حنث. ولو حلف لا يدخل بغداد فمن أي الجانبين دخل حنث. ولو حلف لا يدخل مدنية السلام لا يحنث ما لم يدخل من ناحية الكوفة لان اسم بغداد يتناول الجانبين ومدنية السلام لا. ولو حلف لا يدخل الري ذكر شمس الائمة السرخسي أن الري في ظاهر الرواية يتناول المدينة والنواحي. وروي عن هشام عن محمد أنه اسم للمدينة حتى لو استأجر دابة إلى الري ولم يذكر إلى المدنية ولا إلى الرستاق بعينه في ظاهر الرواية تفسد الاجارة، وفي رواية هشام لا تفسد. ولو حلف لا يدخل بغداد فمر بها في سفينة روى هشام أنه يحنث. وقال أبو يوسف: لا يحنث ما لم يدخل إلى الجدة، وهذا بخلاف الصلاة فإن البغدادي إذا جاء من الموصل في السفينة فدخل بغداد فأدركته الصلاة وهو في السفينة تلزمه صلاة الاقامة لا صلاة السفر. ولو حلف لا يدخل في الفراة فركب سفينة في الفراة أو كان على الفراة جسر فمر على الجسر لا يحنث ما لم يدخل الماء ولو حلف أن لا يدخل هذه الدار فاشترى صاحبها بجنب الدار بيتا وفتح باب البيت إلى هذه الدار وجعل طريقه فيها وسد الباب الذي كان للبيت قبل ذلك فدخل الحالف هذا البيت من غير أن يدخل هذه الدار قال محمد: يحنث لان البيت صار من الدار اه‍. ما في الظهيرية. والفتوى على قول أبي يوسف في مسألة المرور بالسفينة فيما إذا حلف لا يدخل بغداد كما في الواقعات. وذكر في البدائع: لو حلف لا يدخل على فلان فدخل عليه بيته، فإن قصده بالدخول حنث، وإن لم يقصده لا يحنث، وكذلك إن دخل عليه بيت غيره فإن دخل عليه في مسجد أو ظلة أو سقيفة أو دهليز دار لم يحنث، وإن دخل عليه في فسطاط أو خيمة أو بيت شعر لم يحنث إلا أن يكون الحالف من أهل البادية لانهم يسمون ذلك بيتا

[ 513 ]

والتعويل في هذا الباب على العرف. وعن محمد لا يدخل على فلان هذه الدار فدخل الدار وفلان في بيت من الدار لا يحنث وإن كان في صحن الدار يحنث. وكذا لو حلف لا يدخل على فلان هذه القرية أنه لا يكون داخلا عليه إلا إذا دخل في بيته. قال محمد: لو حلف لا يدخل على فلان فدخل على فلان بيته وهو يريد رجلا غيره يزوره لم يحنث لانه لم يدخل على فلان لما لم يقصده، وإن لم تكن له نية حنث اه‍. وفي الذخيرة: قالوا: الصفة إذا لم تكن داعية إلى اليمين إنما لا تعتبر في المعين إذا ذكرت على وجه التعريف، أما إذا ذكرت على وجه الشرط تعتبر وهو الصحيح ألا ترى أن من قال لامرأته إن دخلت هذه الدار راكبة فهي طالق فدخلتها ماشية لا تطلق، واعتبرت الصفة في المعين لما ذكرت على سبيل الشرط ا ه‍. وفي الواقعات: رجلان حلف كل واحد منهما أن لا يدخل على صاحبه فدخلا في المنزل معا لا يحنثان لانه لم يدخل واحد منهما على صاحبه. قال لاخ امرأته إن لم تدخل بيتي كما كنت تدخل فامرأته طالق، فإن كان بينهما كلام يدل على الفور فهو على الفور لان الحال أوجب التقييد وإلا كانت اليمين علي الابد ويقع اليمين على الدخول المعتاد قبل اليمين حتى لو امتنع الاخ مرة مما كان المعتاد يحنث لان اليمين مطلقة فتنصرف إلى الابد ا ه‍. وفي المحيط والولوالجية وغيرهما: لو قال إن أدخلت فلانا بيتي فامرأته طالق فهو على أن يدخل بأمره لانه متى دخل بأمره فقد أدخله، ولو قال إن تركت فلانا يدخل بيتي فامرأته طالق فهو على الدخول بعلم الحالف فمتى علم ولم يمنع فقد ترك، ولو قال إن دخل فلان بيتي فهو على الدخول أمر الحالف به أو لم يأمر علم به أو لم يعلم لان الشرط هو الدخول وقد وجد ا ه‍. وفي المحيط: لو قال إن دخل داري هذه أحد فعبدي حر والدار له ولغيره فدخلها هو لم يحنث لان المعرفة لا تدخل تحت النكرة كما لو قال زوج بنتي من رجل لا يدخل المأمور تحت هذا الامر، ولو قال إن دخلت هذه الدار أحد يحنث، إذا دخل هو، سواء كانت الدار له أو لغيره، لان النكرة تدخل تحت النكرة، ولو قال إن دخل دارك أحد فالمنسوب إليه خارج عن اليمين لانه صار معرفا بالاضافة وتمامه فيه. وفي الخانية: رجل قال للامنعن فلانا من دخول داري فمنعه مرة بر في يمينه، فإن رآه مرة ثانية ولم يمنعه لا شئ عليه. رجل حلف بطلاق امرأته أنه لم يدخل هذا اليوم ثم قال أوهمت وحلف بطلاق امرأة أخرى أنه قد دخلها اليوم يلزمه طلاق الاولى ولا يلزمه طلاق الثانية لانه يقول اليمين الاولى كذب والثانية صدق فلا يحنث في الثانية. ولو حلف بعتق عبده أنه دخل هذه الدار اليوم ثم قال لم أدخله وحلف بعتق عبد آخر أنه لم يدخلها اليوم ثم رجع وقال قد دخلتها اليوم وحلف بعتق عبد آخر عتق العبيد الثلاث جميعا لان الاول عتق بالكلام الثاني،

[ 514 ]

والوسط عتق بالكلام الثالث، وعتق الثالث بعتق الاول، لان الحالف زعم أنه كاذب في الكل فيلزمه عتق الكل. ولو قال إن دخلت الكوفة ولم أتزوج فعبدي حر، فإن دخل قبل التزوج حنث، ولو قال فلم أتزوج فهذا على أن يكون التزوج بعد الدخول حين يدخل. ولو قال إن دخلت الكوفة ثم لم أتزوج فهو على أن يتزوج بعد الدخول على الابد ا ه‍. وفي القنية: كان في البيت الشتوي فخاصم امرأته فقال إن دخلت هذا البيت إلى العيد فالحلال عليه حرام، ثم قال نويت ذلك البيت بعينه يصدق. حلف لا يدخل على هؤلاء القوم ثم دخل عتبة الباب فرأى واحدا منهم فرجع لا يحنث ا ه‍. وفي الخلاصة: قال لامرأته إن دخلت دار أبيك فكل امرأة أتزوجها فهي طالق فدخل دار أبيها ثم إنها حرمت عليه فتزوجها لا تطلق بتلك اليمين لانها معرفة بإضافة اليمين فلا تدخل تحت النكرة، هذا في مجموع النوازل. وفي النوازل: قال لامرأته إن دخلت الدار فنسائي طوالق فدخلت الدار وقع الطلاق عليها وعلى غيرها، ولاعتماد على هذا دون ما ذكر في مجموع النوازل، ولو قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق بغير خسران يشترط قبولها عند دخول الدار وتفسير غير الخسران إن وهبت المهر ثم دخلت الدار ا ه‍. وفي العمدة: لو قال لا أدع فلانا يدخل هذه الدار، فإن لم تكن الدار ملكا له فالمنع بالقول، وفي الملك بالقول والفعل، ولو حلف لا يدخل دار فلان فاستعار فلان دار جاره واتخذ فيها وليمة ودخلها الحالف لا يحنث ا ه‍. فقولهم إن المستعارة تضاف إليه معناه إذا سكنها لا إذا اتخذ فيها وليمة. وفي العدة: لو قال والله لا أدخل هذه الدار وأدخل هذه الدار، فإذا دخل الاولى يحنث، وإن دخل الثانية لا يحنث. ولو قال والله لا أدخل هذه الدار أو أدخل هذه الدار بنصب اللام، فإن دخل الدار الاولى أولا ثم دخل الثانية يحنث، وإن دخل الثانية أولا ثم دخل الاولى لا يحنث لان كلمة أو بمنزله حتى ا ه‍. وفي مآل الفتاوى قال لا أدخل دار فلان أو دار الفلان لا فرق بينهما عند أبي يوسف، ولو دخل دارا اشتراها بعد اليمين لا يحنث ا ه‍. ثم شرع المصنف رحمه الله في الكلام على السكنى لانها تعقب الدخول. قوله: (لا يسكن هذ الدار أو البيت أو المحلة فخرج وبقي متاعه وأهله حنث) لانه يعد ساكنا ببقاء أهله ومتاعه فيها عرفا فإن السوقي في عامة نهاره في السوق ويقول أسكن ببلدة كذا. والبيت والمحلة بمنزلة الدار، والمحلة هي المسماة في عرفنا بالجارة، قيد بالثلاثة.

[ 515 ]

والسكة كالمحالة لانه لو كان اليمين على المصر أو البلدة لا يتوقف البر على نقل المتاع والاهل كما روي عن أبي يوسف لانه لا يعد ساكنا في الذي انتقل عنه عرفا بخلاف الاول وهو المراد بقوله بخلاف المصر. والقرية بمنزلة المصر في الصحيح من الجواب كما في الهداية. وأطلق الساكن فشمل من يستقل بسكناه أو لا. وهو مقيد بالمستقبل لان الحالف لو كان سكناه تبعا كابن كبير ساكن مع أبيه أو امرأة مع زوجها فحلف أحدهما لا يسكن هذه فخرج بنفسه وترك أهله وماله وهي زوجها ومالها لا يحنث. وقيده الفقيه أبو الليث أيضا بأن يكون حلفه بالعربية فلو عقد بالفارسية لا يحنث إذا خرج بنفسه وترك أهله وماله وإن كان مستقلا بسكناه. وأشار إلى أنه لو لم يخرج فإنه يحنث بالاولى والكل مقيد بالامكان ولذا قالوا: لو بقي فيها أياما يطلب منزلا آخر حتى يجده أو خرج واستغل بطلب دار أخرى لنقل الاهل والمتاع أو خرج لطلب دابة لينتقل عليها المتاع فلم يجد أياما لم يحنث، وكذا لو كانت أمتعة كثيرة فاشتغل بنقلها نفسه وهو يمكنه أن يستكري دابة فلم يستكر لم يحنث، وكذا لو أبت المرأة أن تنتقل وغلبته وخرج هو ولم يرد العود إليه أو منع هو من الخروج بأن أوثق أو منع متاعة فتكره أو وجد باب الدار مغلقا فلم يقدر على فتحه ولا على الخروج منه لم يحنث، وكذا لو قدر على الخروج بهدم بعض الحائط ولم يهدم لا يحنث وليس عليه ذلك إنما تعتبر القدرة على الخروج من الوجه المعهود عند الناس كما في الظهيرية بخلاف ما إذا قال إن لم أخرج من هذا المنزل اليوم فامرأته طالق فقيد ومنع عن الخروج، أو قال لامرأته إن لم تجيئي الليلة إلى البيت فأنت طلق فمنعها والدها حيث تطلق فيهما في الصحيح. والفرق أن شرط الحنث في مسألة الكتاب الفعل وهو السكنى وهو مكره فيه وللاكراه تأثير في إعدام الفعل، والشرط في تلك المسألة عدم الفعل ولا أثر للاكراه في إبطال العدم. وإن كان اليمين في الليل فلم يمكنه الخروج حتى أصبح لم يحنث، كذا في التبيين وغيره. وفي التنجيس: رجل قال لامرأته إن سكنت هذه الدار فأنت طالق وكانت اليمين بالليل فإنها معذورة حتى تصبح لانها في معنى المكره في هذه السكنى لانها تخاف الخروج ليلا، ولو قال ذلك لرجل لم يكن معذورا لانه لا يخاف هذا هو المختار ا ه‍ ولا منافاة بينهما لان ما في التبيين مفروض بأنه لا يمكنه الخروج وما في التنجيس فيما إذا كان لا يخاف. والواو في قوله وبقي أهله ومتاعه بمعنى أو لان

[ 516 ]

الحنث يحصل ببقاء أحدهما من غير توقف عليهما، فلو قال نويت التحول ببدني خاصة لم يصدق في القضاء ويدين كما في البدائع. وأفاد أنه لا بد من نقل جميع الاهل والمتاع وهو في الاصل بالاجماع. والمراد بالاهل زوجته وأولاده الذين معه وكل من كان يأويه لخدمته والقيام بأمره كما في البدائع. وأما في الامتعة ففيه اختلاف فقال الامام: المتاع كالاهل حتى لو بقي وتد حنث لان السكنى تثبت بالكل فتبقى ببقاء شئ منه وقد صار هذا أصلا للامام حتى لو بقي صفة السكون في العصير يمنع من صيرورته خمرا وبقاء مسلم واحد في دار ارتد أهلها يمنع من صيرورتها دار حرب، ولا يرد عليه أن الشئ ينتفي بانتفاء جزئه كالعشرة تنتفي بانتفاء الواحد لان ذلك في الاجزاء، أما في الافراد فلا كالرجال لا ينتفي بانتفاء واحد. والفرق بين الفرد والجزء أنه إن صدق اسم الكل على كل واحد فالآحاد أفراد وإلا فأجزاء كما عرف من بحث العام في الاصول. وقال أبو يوسف: يعتبر نقل الاكثر لتعذر نقل الكل في بعض الاوقات. وقال محمد: يعتبر نقل ما تقوم به السكنى لان ما راءه ليس من السكنى. وقد اختلف الترجيح فالفقيه أبو الليث في شرح الجامع الصغير قول الامام وأخذ به كما في غاية البيان، والمشايخ استثنوا منه ما لا تتأتى به الكسنى كقطعة حصير ووتد كما ذكره في التبيين وغيره. ورجح في الهداية قول محمد بأنه أحسن وأرفق بالناس، ومنهم من صرح بأن الفتوى عليه كما في فتح القدير، وصرح كثير كصاحب المحيط والفوائد الظهيرية والكافي بأن الفتوى على قول أبي يوسف فقد اختلف الترجيح كما ترى، والافتاء بمذهب الامام لانه أحوط وإن كان غيره أرفق. ويتفرق على كون السكنى تبقى ببقاء اليسير من المتاع عنده أنه لو انتقل المودع وترك الوديعة لا غير في المنزل المنتقل عنه لا يضمن. وعندهما يضمن بكل حال، ذكره البزازي في فتاواه من كتاب الاجارة من فصل الخياط والنساج. وفي المحيط: لو حلف لا يسكن دار فلان هذه فسكن منزلا منها حنث لان الدار هكذا تسكن عادة، فإن عنى أن لا يسكنها كلها لا يحنث حتى يسكنها كلها لان الدار حقيقة اسم للجميع فقد نوى الحقيقة، وظاهر كلام الصنف أنه لو نقل أهله ومتاعه منها فإنه يبر سواء سكن في منزل آخر أو لا، وفيه اختلاف ففي الهداية: وينبغي أن ينتقل إلى منزل آخر بلا تأخير حتى يبر فإن انتقل إلى السكة أو إلى المسجد قالوا لا يبر دليله في الزيادات أن من خرج بعياله من مصره فلم يتخذ وطنا آخر يبقى وطنه الاول في حق الصلاة كذا هذا ا ه‍. وفي فتح القدير:

[ 517 ]

وإطلاق عدم الحنث أوجه وكون وطنه باقيا في حق إتمام الصلاة ما لم يستوطن غيره لا يستلزم تسميته ساكنا عرفا بذلك المكان بل يقطع من العرف فيمن نقل أهله وأمتعته وخرج مسافرا أنه لا يقال فيه إنه ساكن ا ه. وفصل الفقيه أبو الليث تفصيلا حسنا فقال: إن لم يسلم داره المستأجرة إلى أهلها حنث وإن سلمها لا. وفي الظهيرية: والصحيح أنه يحنث ما لم يتخذ مسكنا آخر. ولو يستوف المصنف رحمه الله مسائل اليمين على السكنى فنحن نذكرها تتميما للفائدة. ففي البدائع: لو حلف لا يسكن هذه الدار ولم يكن ساكنا فيها فالسكنى فيها أن يسكنها بنفسه وينقل إليها من متاعه ما يبات فيه ويستعمله في منزله، فإذا فعل ذلك فهو حانث، وأما المساكنة فإذا كان رجل ساكنا مع رجل في دار فخلف أحدهما أن لا يساكن صاحبه فإن أخذ في النقلة وهي ممكنة بر وإلا حنث. والنقلة على الخلاف المتقدم فإن لم ينتقل للحال حنث لان البقاء على المساكنة مساكنة وهو أن يجمعهما منزل واحد، فإن وهب متاعه للمحلوف عليه أو أودعه أو أعاره ثم خرج في طلب منزل فلم يجد منزلا أياما ولم يأت الدار التي فيها صاحبه قال محمد: إن كان وهب له المتاع وقبضه منه وخرج منه ساعته وليس من رأيه العود فليس بمساكن، وكذلك إن أودعه المتاع ثم خرج لا يريد العود إلى ذلك المنزل، وكذا العارية، ولو كان له في الدار زوجة فراودها الخروج فأبت ولم يقدر على إخراجها فإنه لا يحنث ببقائها، وإذا حلف لا يساكن فلانا فساكنه في عرصة دار أو بيت أو غرفة حنث، فإن ساكنه في دار هذا في حجرة وهذا في حجرة أو هذا في منزل وهذا في منزل حنث إلا أن تكون دارا كبيرة. قال أبو يوسف: مثل دار الرقيق ودار الوليد بالكوفة، وكذا كل دار عظيمة فيها مقاصير ومنازل، وعند محمد: إذا حلف لا يساكن فلانا ولم يسم دارا فسكن هذا في حجرة وهذا في حجرة لم يحنث إلا أن يساكنه في حجرة واحدة، فإن سكن هذا في بيت من دار وهذا في بيت آخر وقد حلف لا يساكنه ولم يسم دارا حنث في قولهم لان بيوت الدار الواحدة كالبيت الواحد. وقال أبو يوسف: فإن ساكنه في حانوت في سوق يعملان فيه عملا أو يبيعان تجارة فإنه لا يحنث إلا بالنية أو يكون بينهما كلام يدل عليها. قالوا: إذا حلف لا يساكن فلانا بالكوفة ولا نية له فسكن أحدهما في دار والآخر في دار أخرى في

[ 518 ]

قبيلة واحدة أو محلة واحدة أو درب واحد فإنه لا يحنث حتى يجمعهما السكنى في دار لان المساكنة المخالطة، وذكر الكوفة لتخصيص اليمين بها حتى لا يحنث بمساكنته في غيرها. ولو حلف الملاح أن لا يساكن فلانا في سفينة فنزل مع كل أهله ومتاعه واتخذها منزله حنث، وكذلك أهل البادية إذا جمعتهم خيمة وإن تفرقت الخيام لم يحنث وإن تقاربت. وإذا حلف أنه لا يأوي مع فلان أو لا يأوي في مكان أو دار أو بيت فالايواء الكون ماكثا في المكان أو مع فلان في مكان قليلا كان المكث أو كثيرا، ليلا كان أو نهارا، فإن نوى أكثر من ذلك فهو على ما نوى، فإذا حلف لا يبيت مع فلان أو لا يبيت في مكان كذا فالبيت بالليل حتى يكون منه أكثر من نصف الليل، وإن كان أقل من يحنث، وسواء نام في الموضع أو لم ينم. فلو حلف لا يبيت الليلة في هذه الدار وقد ذهب ثلثا الليل ثم بات بقية ليلته قال محمد: لا يحنث لان البيتوتة إذا كانت تقع على أكثر الليل فقد حلف على ما يتصور فلم تنعقد يمينه ا ه‍. وفي الواقعات: حلف لا يساكن فلانا فنزل منزله فمكث فيه يوما أو يومين لا يحنث لانه لا يكون ساكنا معه حتى يقيم معه في منزله خمسة عشر يوما، وهذا بمنزلة ما لو حلف لا يسكن الكوفة فمر بها مسافرا فنوى أربعة عشر يوما لا يحنث، فإن نوى خمسة عشر يوما يحنث. ولو سافر الحالف فسكن فلان مع أهله، قال أبو حنيفة يحنث، وقال أبو يوسف لا وعليه الفتوى لان الحالف لم يساكنه حقيقة ا ه‍. وفي الظهيرية: لو حلف لا يساكن فلانا فدخل فلان دار الحالف غصبا فأقام الحالف معه حنث، علم الحالف بذلك أو لم يعلم. وإن حرج الحالف بأهله وأخذ بالنقل حين نزل الغاصب لم يحنث، ولو حلف لا يساكن فلانا فساكنه في مقصورة أو في بيت واحد من غير أهل ومتاع لا يحنث، ولو حلف لا يساكن فلانا في دار وسمى دارا بعينها فتقا سماها وضرب كل واحد بينهما حائطا وفتح كل واحد منهما لنفسه بابا فسكن الحالف في طائفة والآخر في طائفة حنث الحالف، ولو لم يعني الدار

[ 519 ]

في يمينه ولكن ذكر دارا على التنكير وباقي المسألة بحالها لا يحنث، ولو حلف لا يساكن فلانا شهر كذا فساكنه ساعة في ذلك الشهر حنث لان المساكنة مما لا يمتد، ولو قال لا أقيم بالرقة شهرا لا يحنث ما لم يقم جميع الشهر، ولو حلف لا يسكن الرقة شهرا فسكن ساعة حنث، ولو حلف لا يبيت الليلة في هذا المنزل فخرج بنفسه وبات خارج المنزل وأهله ومتاعه في المنزل لا يحنث، وهذه اليمين تكون على نفسه لا على المتاع. ولو حلف لا يبيت على سطح هذا البيت وعلى البيت غرفة وأرض الغرفة سطح هذا البيت يحنث إن بات عليه، ولو حلف لا يبيت على سطح فبات على هذا لا يحنث، ولو قال والله لا أبيت في منزل فلان غدا فهو باطل إلا أن ينوي الليلة الجائية، وكذا لو قال بعد ما مضى أكثر الليلة، ولو قال لا أكون غدا في منزل فلان فهو على ساعة من الغد ا ه‍ وفي الخلاصة: لو قال والله لا أسكن هذه الدار ثلاثين يوما أو قال لاسكنن هذه الدار ثلاثين يوما له أن يفرق، ولو حلف لا يسكن هذه القرية فذهب على ما هو الشرط ثم عاد وسكن يحنث، هذا في الفتاوى الصغرى. وأفتى القاضي الامام أنه إن نوى الفور لا يحنث إذا عاد وسكن، وكذا إذا كان هناك مقدمة الفور. وفي المحيط: حلف لا يقعد في هذه الدار ولا نية له قالوا: إن كان ساكنا فيها فهو على السكنى، وإن لم يكن ساكنا فهو على القعود حقيقة، ولو قال والله لا يجمعني وإياك سقف بيت فهذا على المجالسة، فإن جالسه في بيت أو فسطاط أو سفينة أو خيمة حنث، وإن صلى في مسجد جماعة فصلى الآخر معه في القوم لم يحنث، وإن كان أحدهما في المسجد فجاء الآخر فجلس إليه فقد حنث، وإن جلس بعيدا منه ولم يجلس إليه لم يحنث، وكذلك البيت الواحد إذا كان يجلس هذا في مكان وهذا في مكان غير مجالس له لا يحنث ا ه‍.

[ 520 ]

قوله: (لا يخرج فاخرج محمولا بأمره حنث وبرضاه لا بأمره أو مكرها لا) أي لا يحنث وهو شروع في بعض مسائل الحلف على الخروج. فإذا حلف لا يخرج من المسجد مثلا فأمر إنسانا فحمله وأخرجه حنث لان فعل المأمور مضاف إلى الآمر فصار كما إذا ركب دابة فخرجت، ولو أخرجه مكرها لم يحنث لان الفعل لم ينتقل إليه لعدم الامر، ولو حمله برضاه لا بأمره لا يحنث في الصحيح لان الانتقال بالامر لا بمجرد الرضا، وإذا لم بحنث فيهما لا تنحل في الصحيح لعدم فعله. وقال السيد أبو شجاع: تنحل وهو أرفق بالناس، ويظهر أثر هذا الاختلاف فما لو دخل بعد هذا الاخراج هل يحنث؟ فمن قال انحلت قال لا يحنث وهذا بيان كونه أرفق بالناس، ومن قال لا تنحل قال حنث ووجبت الكفارة وهو الصحيح، كذا في فتح القدير. وصوابه إن كان الحلف بأنه لا يخرج أن يظهر فيما لو دخل بعد هذا الاخراج ثم خرج، وإن كان الحلف بأنه لا يدخل فنعم. قيد بكونه أخرج مكرها أي حمله المكره وأخرجه لانه لو خرج بنفسه مكرها وهو الاكراه المعروف وهو أن يتوعده حتى يفعل فإنه حينئذ يحنث لما عرف أن الاكراه لا يعدم الفعل عندنا. ونظيره ما لو حلف لا يأكل هذا الطعام فأكره عليه حتى أكله حنث، ولو أوجر في حلقه لا يحنث، كذا في فتح القدير. وبهذا ظهر أن هذا الحكم لا يختص بالحلف على الخروج لانه لو حلف لا يدخل فأدخل محمولا بأمره حنث وبرضاه لا بأمره أو مكرها لا. وفي المجتبى: لو هبت به الريح وأدخلته لم يحنث وفي الانحلال كلام، وفيمن زلق فوقع فيها أو كان راكبا دابة فانفلتت ولم يستطع

[ 521 ]

إمساكها فأدخلته خلاف ا ه‍. وفي البدائع: الخروج هو الانفصال من الحصن إلى العورة على مضادة الدخول فلا يكون المكث بعد الخروج خروجا كما لا يكون المكث بعد الدخول دخولا، ثم الخروج كما يكون في البلدان والدور والمنازل والبيوت تكون من الاخبية والفساطيط والخيم والسفن لوجود حده، والخروج من الدور المسكونة أن يخرج الحالف بنفسه ومتاعه وعياله كما إذا حلف لا يسكن، والخروج من البلدان والقرى أن يخرج الحالف ببدنه خاصة. ولو قال والله لا أخرج وهو في بيت من الدار فخرج إلى صحن الدار لم يحنث إلا أن ينوي، فإن نوى الخروج إلى مكة أو خروجا من البلد لم يصدق قضاء ولا ديانة لان غير المذكور لا يحتمل التخصيص. ولو قال إن خرجت من هذه الدار فأنت طالق فخرجت منها من الباب أي باب كان ومن أي موضع كان من فوق حائط أو سطح أو نقب حنث لوجود الشرط وهو الخروج من الدار، ولو قيد بباب هذه الدار لم يحنث بالخروج من غير الباب قديما كان الباب أو حادثا، ولو عين بابا في اليمين تعين ولا يحنث بالخروج من غيره ا ه‍. قوله: (كلا يخرج إلا إلى جنازة فخرج إليها ثم إلى حاجة) يعني لا يحنث لان الموجود خروج مستثنى والمضي بعد ذلك ليس بخروج. وفي البدائع: لو قال إن خرجت من هذه الدار إلا إلى المسجد فأنت طالق فخرجت تريد المسجد ثم بدا لها فذهبت إلى غير المسجد لم ت طلق لما ذكرنا. وأشار المصنف إلى أنه لو قال إن خرجت من هذه الدار مع فلان فأنت طالق فخرجت وحدها أو مع فلان آخر ثم خرج فلان ولحقها فإنه لا يحنث لان كلمة مع للقران فيقتضي مقارنتها للخروج ولم يوجد لان المكث بعد الخروج ليس بخروج كما في البدائع أيضا: ولو خرج في مسألة الكتاب لغير الجنازة فإنه يحنث لوجود الشرط والاعتبار للقصد

[ 522 ]

عند الخروج. قال في الظهيرية: لو قال لها إن خرجت إلى منزل أبيك فأنت كذا فهو على الخروج عن قصد ا ه‍. وفي المحيط: حلفت المرأة أن لا تخرج إلى أهلها قال أبو يوسف: أهلها أبواها وليس أحد سواهما أهلها، فإن لم يكن لها أبوان فأهلها كل ذي رحم محرم منها، فإن لم يكن لها إلا أم مطلقة فأهلها منزل أمها، فإن كان الاب متزوجا والام متزوجة فالاهل منزل الاب دون منزل الام ا ه‍. قوله: (لا يخرج أو لا يذهب إلى مكة فخرج يريدها ثم رجع يحنث وفي لا يأتيها لا) أي لا يحنث. والفرق بين الخروج والاتيان أن الخروج على قصد مكة قد وجد وهو الشرط إذا الخروج هو الانفصال من الداخل إلى الخارج، وأما الاتيان فعبارة عن الوصول قال الله تعالى * (فائتيا فرعون فقولا) * [ الشعراء: 61 ] واختلف في الذهاب فقيل هو كالاتيان، وقيل كالخروج وهو الاصح لانه عبارة عن الزوال. أطلق في الحنث بالخروج وهو مقيد بما إذا جاوز عمران مصره على قصدها، فلو خرج قاصدا مكة ولم يجاوز عمرانه لا يحنث كما في الظهيرية وغيرها، وكأنه ضمن لفظ أخرج معنى أسافر للعلم بأن المضي إليها سفر لكن على هذا لو لم يكن بينها وبينه مدة سفر ينبغي أن يحنث بمجرد انفصاله من الداخل كما في فتح القدير. وفي المحيط: حلف لا يخرج إلى بغداد اليوم فخرج من باب داره يريد بغداد ثم بداله فرجع لا يحنث ما لم يجاوز عمران مصره بهذه النية بخلاف ما إذا حلف لا يخرج إلى جنازة فلان والمسألة بحالها يحنث. والفرق أن الخروج إلى بغداد سفر والمرء لا يعد مسافرا ما لم يجاوز عمران مصره، ولا كذلك في الخروج إلى الجنازة. ولو كان في منزل من داره في المسألة الثانية فخرج إلى صحن الدار ثم رجع لا يحنث ما لم يخرج من باب الدار لانه لا يعد خارجا في جنازة فلان ما دام في داره كما لا يعد خارجا إلى بغداد ما دام في مصره فاستوت المسألتان معنى ا ه‍. وفي البدائع قال عمر بن أسد: سألت محمدا عن رجل حلف ليخرجن من الرقة ما الخروج؟ قال: إذا جعل البيوت خلف ظهره لان من حصل في هذه المواضع جاز له القصر ا ه‍. فالحاصل أن الخروج إن كان من البلد فلا يحنث حتى يجاوز عمران مصره، سواء كان إلى مقصده مدة سفر أو لا، وإن لم يكن خروجا من البلد فلا يشترط مجاوزة العمران. وأشار المصنف إلى أنه لو حلف أن لا يخرج إلى مكة ماشيا فخرج من أبيات المصر ماشيا يريد به مكة

[ 523 ]

ثم ركب حنث، ولو خرج راكبا ثم نزل فمشى لا يحنث، كذا في الظهيرية. وفيها أيضا: رجل قال والله لاخرجن مع فلان العام إلى مكة إذا خرج مع فلان حتى جاوز البيوت وصار بحيث يباح له قصر الصلاة بر في يمينه، وإن بداله أن يرجع رجع من غير ضرر، ولو حلف أن لا يخرج من بغداد فخرج مع جنازة والمقابر خارجة من بغداد يحنث، ولو قال لامرأته إن خرجت من ها هنا اليوم فإن رجعت إلى سنة فأنت طالق ثلاثا فخرجت اليوم إلى الصلاة أو غيرها ثم رجعت، فإن كان سبب اليمين خروج الانتقال أو السفر لا تطلق ا ه‍. وفي القنية: انتقل الزوجان من الرستاق إلى قرية فلحقه رب الديون فقال لها اخرجي معي إلى حيث كنا فيه فأبت إلى الجمعة فقال إن لم تخرجي معي فكذا، فإن كان قد تأهب للخروج فهو على الفور وإلا فلا. وإن خرجت معه في الحال إلى درب القرية ثم رجعت بر في يمينه، وإن أراد زوجها الخروج أصلا ا ه‍. وفي المحيط: ولو حلف لا يخرج من الري إلى الكوفة فخرج من الري يريد مكة وجعل طريقه إلى الكوفة ينظر، إن كان حيث خرج نوى أن يمر بالكوفة حنث، وإن نوى أن لا يمر بالكوفة ثم بداله بعد ما خرج فصار إلى موضع آخر تقصر فيه الصلاة فقصد أن يمر بالكوفة لا يحنث ا ه‍. ثم في الخروج والذهاب تشترط النية عند الانفصال للحنث كما قدمناه، وفي الاتيان لا يشترط بل إذا وصل إليها يحنث، ونوى أو لم ينو، لان الخروج متنوع يحتمل الخروج إليها وإلى غيرها، وكذا الذهاب فلا بد من النية عند ذلك كالخروج إلى الجنازة بخلاف الاتيان لان الوصول غير متنوع. وفي المحيط: ليأتينه فأتاه فلم يأذن له لا يحنث. وفي الذخيرة: إذا حلف الرجل أن لا تأتي امرأته عرس فلان فذهبت قبل العرس وكانت ثمة حتى مضى العرس لا يحنث، هكذا ذكر في المنتقى وعلله فقال: لانها ما أتت العرس بل العرس أتاها. ولو حلف لا يأتي فلانا فهو على أن يأتي منزله أو حانوته لقيه أو لم يلقه، وإن أتى مسجده لم يحنث، رواه ابراهيم عن محمد. وفي المنتقى: رجل لزم رجلا وحلف الملتزم ليأتينه غدا فأتاه في الموضع الذي لزمه فيه لا يبر حتى يأتي منزله، فإن كان لزمه في منزله فحلف ليأتينه غدا فتحول الطالب من منزله فأتى الحالف المنزل الذي كان فيه الطالب فلم يجده لا يبر حتى يأتي المنزل الذي تحول إليه. ولو قال إن لم آتك غدا في موضع كذا فعبدي حر فأتاه فلم يجده فقد بر إنما هذا على إتيان ذلك الموضع، وهذا بخلاف ما إذا قال إن لم أوفك غدا في موضع كذا فأتى الحالف ذلك الموضع فلم يجده حيث يحنث لان هذا على أن يجتمعا ا ه‍. وقيد بالاتيان لان العبادة والزيارة لا يشترط فيهما الوصول ولذا قال في الذخيرة: إذا حلف ليعودن فلانا أو ليزورنه فأتى بابه فلم يؤذن له

[ 524 ]

فرجع ولم يصل إليه لا يحنث، وإن أتى بابه ولم يستأذن حنث. قال في المحيط: وعلى قياس من قال إن لم أخرج من هذا المنزل اليوم فمنع أو قيد حنث فيجب أن يحنث هنا في الوجهين وهو المختار لمشايخنا ا ه‍. ولو قال إن لم أرسل إليك نفقتك هذا الشهر فأنت طالق فأرسل بها على يد إنسان وضاعت من يد الرسول لا يحنث لانه قد أرسل، وكذا إذا قال إن لم أبعث إليك نفقة هذا الشهر. ولو قال إن لم تجيئيني غدا بمتاع كذا فأنت طالق فبعثت به مع إنسان قال: إن كان مراده وصول عين المتاع إليه لا يحنث، وإن كان غرضه أن تحمل بنفسها يحنث. ولو قال الرجل لاصحابه إن لم أذهب بكم الليلة إلى منزلي فامرأته طالق فذهب بهم بعض الطريق فأخذهم العسس فحبسهم لا تطلق امرأته، هكذا حكي عن الفقيه أبي جعفر. قال الفقيه أبو الليث: هذا الجواب يوافق قولهما في مسألة الكوز وقد مر في أول النوع اختيار الصدر الشهيد في جنس هذه المسائل بخلاف هذا ا ه‍. ما في الذخيرة، ولم أر من صرح بلفظ الرواح من أئمتنا وهو كثير الوقوع في كلام المصريين وفي أيمانهم لكن قال الازهري: لغة العرب أن الرواح الذهاب، سواء كان أول الليل أو آخره أو في الليل. قال النووي في شرح مسلم من كتاب الجمعة بعد نقله: وهذا هو الصواب ا ه‍. فعلى هذا إذا حلف لا يروح إلى كذا فهو بمعنى لا يذهب وهو بمعنى الخروج يحنث بالخروج عن قصده وصل أولا. قوله: (ليأتينه فلم يأته حتى مات حنث في آخر حياته) لان البر قبل ذلك موجود ولا خصوصية للاتيان بل كل فعل حلف أنه يفعله في المستقبل وأطلقه ولم يقيده بوقت لم يحنث حتى يقع الاياس عن البر مثل ليضربن زيدا أو ليعطين فلانة أو ليطلقن زوجته وتحقق اليأس عن البر يكون بفوت أحدهما فلذا قال في غاية البيان: وأصل هذا أن الحالف في اليمين

[ 525 ]

المطلقة لا يحنث ما دام الحالف والمحلوف عليه قائمين لتصور البر، فإذا فات أحدهما فإنه يحنث ا ه‍. وبهذا ظهر أن الضمير في قوله حتى مات يعود إلى أحدهما أيهما كان، سواء كان الحالف أو المحلوف عليه، لا أنه خاص بالحالف كما هو المتبادر من العبارة. وقيد باليمين المطلقة لانها لو كانت مقيدة كقوله إن لم أدخل هذه الدار اليوم فعبده حر فإن الحنث معلق بآخر الوقت حتى إذا مات الحالف قبل خروج الوقت ولم يدخل الدار لا يحنث، وأما إذا مضى الوقت قبل دخوله وهو حي عتق العبد، كذا في غاية البيان. ثم اعلم أن اليمين المطلقة لا تكون على الفور إلا بقرينة ففي الظهيرية في الفصل السابع: ولو حلف إن رأى فلانا ليضربنه فالرؤية على القريب والبعيد والضرب متى شاء إلا أن يعني الفور. وفي فتاوى أبي الليث: رجل أراد أن يواقع امرأته وكانت امرأته على باب الدار فقال لها إن لم تدخلي معي في الدار فأنت طالق فدخلت بعد ما سكنت شهوته وقع الطلاق عليها، وإن دخلت قبل ذلك لم تطلق: وفي الفصل الخامس: حلف ليضربن غلامه في كل حق وباطل وليس له نية فهو على أن يضربه كل ما شكى إليه بحق أو باطل ولا يكون يمينه على فور الشكاية ما لم ينو ذلك ا ه‍. وسيأتي تمام مسائل الفور إن شاء الله تعالى قريبا قوله: (ليأتينه إن استطاع فهي استطاعة الصحة) لانها المرادة في العرف وهي سلامة الآلات وصحة الاسباب. وفسرها محمد رحمه الله بقوله: إذا لم يمرض ولم يمنعه السلطان ولم يجئ أمر لا يقدر على إتيانه فلم يأته حنث ا ه‍. فعلى هذا المراد بسلامة الآلات صحة الجوارح فالمريض ليس بمستطيع، والمراد بصحة الاسباب تهيئة لارادة الفعل على وجه الاختيار فخرج الممنوع ولذا ذكر في الاختيار أنها سلامة الآلات ورفع الموانع. وفي المبسوط: الاستطاعة رفع الموانع ا ه‍. فينبغي أنه إذا نسي اليمين سلامة الآلات ورفع الموانع. في المبسوط: الاستطاعة رفع الموانع ا ه‍. فينبغي أنه إذا نسي اليمين لا يحنث لان النسيان مانع، وكذا الوجن فلم يأته حتى مضى الغد كما لا يخفى ولذا قال في غاية البيان: وحدها التهيؤ لتقييد الفعل على إرادة المختار قوله: (وإن نوى القدرة دين) أي صدق فيما بينه وبين الله تعالى لان حقيقتها فيما يقارن الفعل. ويطلق الاسم على سلامة الآلات وصحة الاسباب في المتعارف فعند الاطلاق ينصرف إليه، وتصح نية

[ 526 ]

الاول ديانة لانه حقيقة كلامه. وظاهر كلامه أنه لا يصدق قضاء لانه خلاف الظاهر، وقيل يصدق قضاء أيضا لانه نوى حقيقة كلامه وإذا صدق لا يتصور حنثه أبدا لانها لا تسبق الفعل. ورجح في فتح القدير الاول بأنه أوجه لانه وإن كان مشتركا بينهما لكن تعورف استعماله عند الاطلاق عن القرينة لاحد المعنيين بخصوصه وهو سلامة آلات الفعل وصحة أسبابه فصار ظاهرا فيه بخصوصه فلا يصدقه القاضي في خلاف الظاهر ا ه‍. وقد أظهر الزاهدي في المجتبى اعتزاله في هذا المحل كما أظهره في القنية في موضعين من ألفاظ التكفير عبارته في المجتبى قلت: وفي قوله حقيقة الاستطاعة فيما يقارن الفعل نظر قوي لانه بناه على مذهب الاشعرية والسنية أن القدرة تقارن الفعل وأنه باطل إذا لو كان كذلك لما كان فرعون وهامان وسائر الكفرة الذين ماتوا على الكفر قادرين على الايمان وكان تكليفهم بالايمان تكليفا بما لا يطاق، وكان إرسال الرسل والانبياء وإنزال الكتب والاوامر والنواهي والوعد والوعيد ضائعة في حقهم ا ه‍. وهو غلط لان التكليف ليس مشروطا بهذه القدرة حتى يلزم ما ذكره وإنما هو مشروط بالقدرة الظاهرة وهي سلامة الآلات وصحة الاسباب كما عرف في الاصول. قوله: (لا تخرجي إلا بإذني شرط لكل خروج إذن بخلاف إلا أن وحتى) أي بخلاف لا تخرجي إلا أن آذن لك أو حتى أن آذن لك فأذن لها مرة انتهت اليمين حتى لو خرجت بإذنه ثم خرجت بعده بغير إذنه لا يحنث. والفرق في الاول أن المستثنى خروج مقرون بالاذن لانه مفرغ للمتعلق فصار المعنى إلا خروجا ملصقا به فما لم يكن ملصقا بالاذن فهو داخل في اليمين لعموم النكرة فيحنث به، وفي الثاني الاذن غاية، أما في حتى فظاهر، وأما في إلا أن فتجوز ب‍ " إلا فيها لتعذر استثناء الاذن من الخروج وبالمرة يتحقق فينتهي المحلوف عليه. وأما لزوم تكرار الاذن في دخول بيوته عليه السلام مع تلك الصيغة * (إلا أن يؤذن لكم) * [ الاحزاب: 35 ] فبدليل خارجي وهو تعليله بالاذى * (إن ذلكم كان يؤذي النبي) * [ الاحزاب: 35 ] وتمامه في الاصول في بحث الباء. ولا يرد أن لا أن آذن بمعنى إلا بإذني لان إن والفعل في تأويل المصدر ولا بد من تقدير الباء والاصار المعنى إلا خروجا إذني فصار كالمسألة الاولى لانه يلزم أحد الامرين. أما ما ذكر من تقدير الباء محذوفة أو ما قلنا من جعلها بمعنى حتى مجازا أي حتى آذن لك. وعلى الاول يكون كالاول، وعلى الثاني ينعقد على إذن واحد، وإذا لزم في إلا أن أحد المجازين وجب الراجح منهما، ومجاز غير الحذف أولى من مجاز الحذف عندهم لانه تصرف في وصف نفس اللفظ ومجاز الحدف تصرف

[ 527 ]

في ذاته بالاعدام مع الارادة. وأشار المصنف بقوله شرط أنه لو نوى الاذن مرة واحدة لم يصدق قضاء وعليه الفتوى كما في الولوالجية، لكنه يصدق ديانة لانه نوى محتمل كلامه فيستعار بمعنى حتى لكنه خلاف الظاهر فلا يصدقه القاضي بخلاف ما إذا نوى التعدد في المسألة الثانية حيث يصدق قضاء لانه محتمل كلامه وفيه تشديد على نفسه. ومثل قوله إلا بإذن بغير إذني فيشترط لكل خروج إذن لان المعنى فيهما واحد مع وجود الباء، والرضا والامر والعلم كالاذن فيما ذكرنا، كذلك إن خرجت إلا بقناع أو بمحلفة. ولو قال لها أذنت لك في الخروج كلما أردت فخرجت مرة بعد أخرى لا يحنث فإن نهاها عن الخروج بعد ذلك صح النهي وهذا قول محمد وبه أخذ الشيخ الامام أبو بكر محمد بن الفضل. ولو أذن لها في الخروج ثم قال لها كلما نهيتك فقد أذنت لك فنهاها لا يصح نهيه إياها، ولو أذن لها بالعربية ولا عهد لها بالعربية فخرجت حنث كما لو أذن لها وهي نائمة أو غائبة لم تسمع فخرجت حنث. وقال بعضهم: هذا قول أبي حنيفة ومحمد. أما على قول أبي يوسف وزفر يكون إذنا. وقال بعضهم: الاذن يصح بدون العلم والسماع في قولهم وإنما الخلاف بينهم في الامر على قول أبي حنيفة ومحمد لا يثبت الامر بدون العلم والسماع. والصحيح أن على قولهما لا يكون الاذن إلا بالسماع لان الاذن إيقاع الخبر في الاذن وذلك لا يكون إلا بالسماع، وأجمعوا أن إذن العبد في التجارة لا يكون إلا بالسماع. ولو كنست البيت هذه المرأة فخرجت إلى باب الدار لكنس الباب حنث لانها خرجت بغير إذنه، ولو أذن لها في الخروج إلى بعض أهلها فلم تخرج ثم خرجت في وقت آخر إلى بعض أهلها. قال الفقيه أبو الليث: أحاف أن يحنث، ولو أن المرأة سمعت سائلا يسأل شيئا بعد ما منعها زوجها عن الخروج إلا بإذنه فقال لها الزوج ادفعي هذه الكسرة إليه، فإن كان السائل بحيث لا تقدر المرأة على الدفع إليه إلا بالخروج فخرجت لا يحنث وإلا فيحنث. ولو قالت لزوجها تريد أن أخرج حتى أصير مطلقة فقال الزوج نعم فخرجت طلقت لان كلام الزوج هذا للتهديد لا للاذن، ولو قال لها اخرجي أما والله لو خرجت ليخزينك الله تعالى ونحو ذلك قال محمد: لا يكون إذنا. وكذا لو غضبت المرأة وتأهبت للخروج فقال الزوج دعوها تخرج لم يكن إذنا إلا أن ينوي الاذن. وكذا لو قال الزوج في غضبه أخرجي ينوي التهديد والتوعيد يعني أخرجي حتى تطلقي لم يكن ذلك إذنا. ولو قال لامرأته إن خرجت من هذه الدار فأنت طالق فخرجت قبل أن يقول الزوج طالق لم يحنث حتى تخرج مرة أخرى إلا أن يكون ابتداء اليمين مخاشنة كانت بينهما في الخروج فمتى كانت كذلك لا يحنث، وإن خرجت بعد ذلك لان اليمين كانت على الخروج الاول، الكل من الظهيرية. وفي المبتغى بالغين المعجمة: وفي قوله لها إن خرجت من الدار إلا بإذني فأنت طالق لا يحنث بخروجها الوقوع غرق أو حرق غالب فيها وكذا في القنية ا ه‍. وفي القنية: لو

[ 528 ]

حلف لا يشرب خمرا بغير إذنها فأذنت له أن يشربها في دار كذا فشربها في غيرها حنث ا ه‍. وفي باب آخر منها: إن دفعت شيئا بغير إذني فأنت طالق فدفعت من مال نفسها بغير إذنه لم يقع ا ه‍. وينبغي أن ينظر إلى السبب الداعي إلى اليمين كما لا يخفى. ثم اعلم أن في المسألة الاولى إذا كانت اليمين بالطلاق ثم خرجت بغير إذن ووقع الطلاق ثم خرجت مرة ثانية بغير إذن لا يقع شئ لانحلال اليمين بوجود الشرط، وليس فيها ما يدل على التكرار كما في الظهيرية. ولو أذن لها أن تخرج في المسألة الاولى عشرة أيام فدخلت وخرجت مرارا في العشرة لا يحنث. ولا فرق في المسألة الاولى بين أن يكون المخاطب الزوجة أو العبد حتى لو قال المولى لعبده إن خرجت من هذه الدار إلا بإذني فأنت حر فإنه يشترط لكل خروج إذن، فلو قال له أطع فلانا في جميع ما يأمرك به فأمره فلان بالخروج فخرج فالمولى حانث لوجود شرط الحنث وهو الخروج من غير إذن المولى لان المولى لم يأذن له بالخروج وإنما أمره بطاعة فلان. وكذلك لو قال المولى لرجل ائذن له في الخروج فأذن له الرجل فخرج لانه لم يأذن له بالخروج وإنما أمر فلانا بالاذن، وكذلك لو قال له قل يا فلان مولاك قد أذن لك في الخروج فقال له فخرج فإن المولى حانث لانه لم يأذن له وإنما أمر فلانا بكذب، ولو قال المولى لعبده بعد يمينه ما أمرك به فلان فقد أمرتك به فلان فقد أمرتك به فأمره الرجل بالخروج فخرج فالمولى حانث لان مقصود المولى من هذا أن لا يخرج إلى برضاه، فإذا قال ما أمرك به فهو لا يعلم أن فلانا يأمره بالخروج والرضا بالشئ بدون العلم به لا يتصور فلم يعلم كون هذا الخروج مرضيا به فلم يعلم كونه مستثنى فبقي تحت المستثنى منه. ولو قال المولى للرجل قد أذنت له في الخروج فأخبر الرجل به العبد لم يحنث المولى. ولو قال لامرأته إن خرجت إلا بإذني ثم قال لها إن بعت خادمك فقد أذنت لك لم يكن منه هذا إذنا لانه مخاطرة، كذا في البدائع: وقيد بالزوجة والعبد لانه لو قال لا أكلم فلانا إلا يأذن فلان أو حتى يأذن أو إلا أن يأذن أو إلا أن يقدم فلان أو حتى يقدم. أو قال الرجل في داره والله لا تخرج إلا بإذني فإنه لا يتكرر الاذن في هذا كله لان قدوم فلان لا يتكرر عادة والاذن في الكلام يتناول كلما يوجد من الكلام بعد الاذن. وكذا خروج الرجل مما لا يتكرر عادة بخلاف الاذن للزوجة فإنه لا يتناول إلا ذلك الخروج المأذون فيه لا كل خروج إلا بنص صريح فيه مثل أذنت لك أن تخرجي كلما أردت الخروج ونحوه، فكان الاقتصار في هذا الوجود الصارف عن التكرار لا لان العرف في الكل على التفصيل المذكور، كذا في فتح القدير. وأشار المصنف بالمسألة الثانية إلى أنه لو قال عبده حر إن دخل هذه الدار إلا أن ينسى فدخلها ناسيا ثم دخل بعد ذلك ذاكرا لم يحنث بخلاف ما إذا قال إن دخل هذه الدار إلا ناسيا فدخلها ناسيا ثم دخلها ذاكرا فإنه يحنث لانه استثنى من كل دخول دخولا بصفة فبقي ما سواه داخلا تحت اليمين بخلاف الاول فإنه بمعنى حتى فلما دخلها ناسيا انتهت اليمين،

[ 529 ]

وإلى أنه لو قال عبدي حر إن دخلت هذه الدار دخلة إلا أن يأمرني فلان فأمره فلان مرة واحدة فإنه لا يحنث وقد سقطت اليمين بخلاف ما إذا قال إلا أن يأمرني بها فلان بزيادة بها فأمره فدخل ثم دخل بعد ذلك بغير أمره فإنه يحنث. ولا بد من الامر في كل دخلة كقوله إلا بأمر فلان كالمسألة الاولى كما في البدائع أيضا. وفي الظهيرية. قال لامرأته إن دخلت من هذه الدار إلا لامر لا بد منه فأنت طالق وللمرأة حق على رجل فأرادت أن تدعي ذلك وخرجت لاجله قالوا: إن كانت تقدر على أن توكل بذلك حنث الحالف، وإن لم تقدر على أن توكل لا يحنث. ولو حلف أن لا تخرج امرأته إلا بعلمه فخرجت وهو يراها فمنعها لم يحنث، ولو أذن لها بالخروج فخرجت بغير علمه لا يحنث، وإن لم يأذن لها فخرجت وهو يراها لا يحنث أيضا اه‍. ثم انعقاد اليمين على الاذن في قوله إن خرجت إلا بإذني فأنت طالق أو والله لا تخرجين إلا بإذني مقيد ببقاء النكاح لان الاذن إنما يصح ممن له المنع، فلو أبانها ثم تزوجها فخرجت بلا إذن لم يحنث وإن كان زوال الملك لا يبطل اليمين عندنا لانها لم تنعقد إلا على مدة بقاء النكاح. وكذا في العبد يشترط بقاء ملك المولى وسيأتي بيان أيضا في قوله حلف ليعلمنه بكل داعر دخل البلدة تقيد بقيام ولايته، وهذا بخلاف ما إذا حلف لا تخرج امرأته من هذه الدار ولا عبده فبانت منه أو خرج العبد عن ملكه ثم خرج فإنه يحنث، ولا يتقيد بحال قيام الزوجية والملك لانعدام دلالة التقييد وهي قوله إلا بإذنه فيعمل بعموم اللفظ، فإن عني به ما دامت امرأته دين فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يدين في القضاء لانه خلاف الظاهر. وكذلك من طولب بحق فحلف أن لا يخرج من دار مطالبه حنث بالخروج زال ذلك الحق أو لم يزل لما قلنا، كذا في البدائع. وفي المحيط: رجل حلفه ثلاثة رجال أنه لا يخرج من بخاري إلا بإذنهم فجن أحدهم قال لا يخرج، وإن مات أحد الثلاثة فخرج لم يحنث لانه ذهب الاذن الذي وقعت عليه اليمين. ولو قال إلا بإذن فلان فمات المحلوف عليه بطلت اليمين عندهما خلافا لابي يوسف بناء على أن فوات المعقود عليه يمنع بقاء اليمين عندهما، وعنده لا يمنع اه‍ قوله: (ولو أرادت الخروج فقال أن خرجت أو ضرب العبد فقال إن ضربت تقيد به كاجلس فتغد عندي فقال أن تغديت) بيان ليمين الفور مأخوذ من فور القدر إذا غلت، واستعير للسرعة ثم سميت بها الحال التي لا ريث فيها فقيل جاء فلان من فوره أي من ساعته. وسميت هذه اليمين به باعتبار فوران الغضب. انفرد أبو حنيفة بإظهارها وكانت اليمين في عرفهم قسمين: مؤبدة وهي أن يحلف مطلقا، ومؤقته وهي أن يحلف أن لا يفعل كذا اليوم أو هذا الشهر فأخرج أبو حنيفة يمين الفور. قال في المحيط: ولم يسبقه أحد في

[ 530 ]

تسميتها ولا في حكمها ولا خالفه أحد فيه بعد ذلك فإن الناس كلهم عيال أبي حنيفة في هذا اه‍. بل الناس عيال أبي حنيفة في الفقه كله وهي يمين مؤبدة لفظا مؤقتة معنى تتقيد بالحال أو تكون بناء على أمر حالي، فمن الثاني امرأة تهيأت للخروج فحلف لا تخرج فإذا جلست ساعة ثم خرجت لا يحنث لان قصده أن يمنعها من الخروج الذي تهيأت له فكأنه قال إن خرجت أي الساعة. ومنه من أراد أن يضرب عبده فحلف عليه لا يضربه فإذا تركه ساعة بحيث يذهب فور ذلك ثم ضربه لا يحنث لذلك بعينه. ومن الاول اجلس فتغد عندي فيقول إن تغديت فعبدي حر تقيد بالحال، فإذا تغدى في يومه في منزله لا يحنث لانه يمين وقع جوابا تضمن إعادة ما في السؤال والمسؤول الغد الحالي فينصرف الحلف إلى الغداء الحالي لتقع المطابقة، وهذا كله عند عدم نية الحالف. وقيد بكونه قال إن تغديت ولم يزد عليه لانه لو زاد بأن قال إن تغديت اليوم أو معك فعبدي حر فتغدي في بيته أو معه في وقت آخر فإنه يحنث لانه زاد على حرف الجواب فيكون مبتدأ أو لا يقال إن موسى عليه السلام زاد في الجواب حين سئل عن العصا ولم يكن مبتدأ لانا نقول: لما سئل بما وهي تقع على ذات ما لا يعقل والصفات فاشتبه عليه الحال فأجاب بهما حتى يكون مجيبا عن أيهما كان. وأشار المصنف إلى أنه لو قال لامرأته عند خروجها من المنزل إن رجعت إلى منزلي فأنت طالق ثلاثا ثم جلست فلم تخرج زمانا ثم خرجت ورجعت والرجل يقول نويت الفور فالظاهر أنه يصدق لانه لو قال إن خرجت ولا نية له ينصرف إلى هذه الخرجة فكذا إذا قال إن رجعت ونوى الرجوع بعد هذه الخرجة كان أولى أن ينصرف إلى الرجوع عن هذه الخرجة، كذا في المحيط. ثم اعلم أن التقييد تارة يثبت صريحا وتارة يثبت دلالة، والدلالة نوعان: دلالة لفظية ودلاة حالية، فدلالة اللفظ نحو ما إذا حلف لا يدخل على فلان تقيد بحال حياة المحلوف عليه، والدلالة الحالية كما في الكتاب. وفي المحيط: أصله أن الحالف متى أعقب الفعل فعلا بحرف العطف وهو الفاء والواو فإن كان الفعل الثاني في العادة يفعل على فور الاول ولم يفعل حنث، وإن لم يكن يفعل على فور الاول لا يحنث ما لم يمت، وإن ذكر الفعل الثاني بحرف الشرط أو التراخي وهو حرف ثم فهو على الابد لان المشروط لا يتحقق إلا بعد وجود الشرط وكلمة ثم على التراخي، فلو قال إن ضربتني فلم أضربك أو لقيتك فلم أسلم عليك وإن كلمتني فلم أجبك فهو على الفور باعتبار العادة، وكذا لو قال إن استعرت

[ 531 ]

دابتك فلم تعرني أو دخلت الدار فلم أقعد. وإن ذكر بحرف الواو بأن قال إن كلمتك ولم تكلمني فهذا يحتمل قبل وبعد فتعتبر نيته، ولو قال إن ركبت دابتي فلم أعطك دابتي فهو على الفور، ولو قال إن أتيتني فلم آتك أو إن زرتني فلم أزرك فهو على الابد إلى آخر ما ذكره ثم قال: لو قال لامرأته إن لم تقومي الساعة وتجيئي إلى دار والدي فأنت طالق ثلاثا فقامت الساعة ولبست الثياب وخرجت ثم رجعت وجلست حتى خرج الزوج فخرجت هي أيضا وأتت دار والده بعدما أتاها الزوج لا يحنث لان رجوع المرأة وجلوسها ما دامت في تهيؤ الخروج لا يكون تركا للفور، ألا ترى أنه لو أخذها البول فبالت قبل لبس الثياب ثم لبست الثياب لم يحنث ألا ترى أن الرجل إذا قال لامرأته إن لم تجيئي إلى الفراش هذه الساعة فأنت طالق وهما في التشاجر فطال بينهما كان على الفور حتى لو ذهبت إلى الفراش لا يحنث، فإن خافت فوت الصلاة فصلت قال نصر بن يحيى: حنث الرجل لان الصلاة عمل آخر فينقطع به فور الاول. وعلى قياس الحسن بن زياد لا يحنث لانه عذر شرعا فصار مستثنى من يمينه شرعا وعرفا، ولو اشتغلت بالتطوع أو بالوضوء أو أكلت أو شربت حنث لان هذا ليس بعذر شرعا اه‍. وفي القنية: قال لها في الخصومة الحلال على حرام إن لم تخرجي وقال ما أردت به الخروج للحال ثم خرجت بعد ساعات يحنث إن كانت الخصومة في الخروج وإلا فلا. وفي الجامع: لو قال لها إن لم أضربك فأنت طالق فهي على أربعة أقسام: فإن كان فيه دلالة الفور بأن قصد ضربها فمنع انصرف إلى الفور، وإن نوى الفور بدون الدلالة يصدق أيضا لان فيه تغليظا، وإن نوى الابد أو لم تكن له نية انصرف إلى الابد، وإن نوى اليوم أو الغد لم تقبل نيته. ولو قال لها إن أخذت من مالي شيئا ولم تخبريني فكذا فأخذت ولم تخبره في الحال ولا قبله وإنما أخبرته بعد أيام لا يحنث إن رأيت سارقا فلم أخبرك فهو على الفور، وإن قال ولم أخبرك وإن لم أخبرك فعلى التراخي ولا بد من الشرطين. اه‍. ما في القنية. قوله: (ومركب عبده مركبه إن ينو ولا دين) يعني لو حلف لا يركب دابة فلان فركب دابة عبد فلان فإنه يحنث بشرطين: الاول أن ينويها. الثاني أن لا يكون عليه دين أي مستغرق فإن لم ينو لا حنث مطلقا لان الملك وإن كان للمولى إلا أنه يضاف إلى العبد عرفا وكذا شرعا

[ 532 ]

قال عليه السلام من باع عبدا وله مال الحديث. فتختل الاضافة إلى المولى فلا بد من النية، فإن نواها ولا دين على العبد أو كان دينه غير مستغرق حنث لانه شدد عل نفسه بنيته، وإن كان الدين مستغرقا فلا حنث وإن نوى لانه لا ملك للمولى في كسب عبده المديون المستغرق عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: يحنث في الوجوه كلها إذا نوى لان الملك للمولى لكن الاضافة إليه قد اختلت لما ذكرنا فلا يدخل إلا بالنية. وقال محمد: يحنث في الوجوه كلها نوى أو لم ينو اعتبارا للحقيقة لان العبد وما في يده ملك المولى حقيقة عنده. ونظير هذا الاختلاف ما لو قال كل مملوك لي حر فعند أبي يوسف لا يدخل عبيد عبده التاجر إلا بالنية سواء كان على العبد دين أو لا، وعند محمد عتقوا نواهم أو لا، كان عليه دين أو لا. وعند أبي حنيفة إن لم يكن عليه دين عتقوا إذا نواهم وإلا فلا، وإن كان على العبد دين لم يعتقوا وإن نواهم. وفي المحيط: ولو ركب دابة مكاتبة لا يحنث لان ملكه ليس بمضاف إلى المولى لا ذاتا ولا يدا اه‍. ولم يذكر المصنف رحمه الله من مسائل الركوب غير هذه المسألة ولا بأس بذكر بعض مسائله. قال في الواقعات: حلف لا يركب فاليمين على ما يركب الناس من الفرس والبغل وغير ذلك، فلو ركب ظهر إنسان ليعبر النهر لا يحنث لان أوهام الناس لا تسبق إلى هذا اه‍. وفي الظهيرية: حلف أن لا يركب دابة ولم ينو شيئا فركب حمارا أو فرسا أو برذونا أو بغلا حنث، فإن ركب غيرها نحو البعير والفيل لا يحنث استحسانا إلا أن ينوي ولو حلف لا يركب فرسا فركب برذونا لا يحنث، وكذلك لو حلف لا يركب برذونا فركب فرسا لان الفرس اسم للعربي والبرذون للعجمي والخيل ينتظم الكل. وهذا إذا كانت اليمين بالعربية، وإن كانت بالفارسية يحنث بكل حال. ولو حلف لا يركب دابة فحمل على الدابة مكرها لا يحنث، وإن حلف لا يركب أو لا يركب مركبا فركب سفينة أو محملا أو دابة حنث، ولو ركب آدميا ينبغي أن لا يحنث، ولو حلف لا يركب على هذا السرج فزيد فيه أو نقص عنه فركب عليه حنث اه‍. وفي الخلاصة: قال كلما ركبت دابة فلله علي أن أتصدق بها فركب دابة يلزمه التصدق بها، فإن تصدق بها ثم اشتراها فركب مرة أخرى لزمه التصدق بها مرة أخرى ثم وثم بخلاف مسألة التنجيز حيث يبطل التعليق، أما لو قال لاجنبية كلما تزوجتك فأنت طالق ثلاثا فتزوجها تطلق ثلاثا، فلو تزوجت بآخر وعادت إليه فتزوجها تطلق ثلاثا ثم وثم اه‍. والله أعلم.

[ 533 ]

باب اليمين في الاكل والشرب واللبس والكلام الاكل إيصال ما يحتمله المضغ بفيه إلى الجوف مضغ أو لم يمضغ كالخبز واللحم والفاكهة ونحوها. والشرب إيصال ما لا يحتمل المضغ من المائعات إلى الجوف مثل الماء والنبيذ واللبن والعسل. فإن وجد ذلك يحنث وإلا فلا يحنث إلا إذا كان يسمى ذلك أكلا أو شربا في العرف والعادة فيحنث، فإذا حلف لا يأكل كذا أو لا يشرب فأدخله في فيه ومضغه ثم ألقاه لم يحنث حتى يدخله في جوفه لانه بدون ذلك لا يكون أكلا وشربا بل يكون ذوقا. ولو حلف لا يأكل هذه البيضة أو لا يأكل هذه الجوزة فابتلعها قال قد حنث لوجود حد الاكل وهو ما ذكرنا، ولو حلف لا يأكل عنبا أو رمانا فجعل يمصه ويرمي تفله ويبتلع ماءه لم يحنث في الاكل ولا في الشرب لان ذلك ليس بأكل ولا شرب بل هو مص. وإن عصر ماء العنب فلم يشربه وأكل قشره وحصرمه فإنه يحنث لان الذاهب ليس إلا الماء وذهاب الماء لا يخرجه من أن يكون آكلا له، ألا ترى أنه إذا مضغه وابتلع الماء أنه لا يكون آكلا له بابتلاع الماء بل بابتلاع الحصرم فدل أن أكل العنب هو أكل القشر والحصرم منه وقد وجد فيحنث. وقال هشام عن محمد في رجل حلف لا يأكل سكرا فأخذ سكرة فجمها في فيه فجعل يبتلع ماءها حتى ذابت قال: لم يأكل لانه حين أوصلها إلى فيه وصلت وهي لا تحتمل المضغ. وكذلك روي عن أبي يوسف فيمن حلف لا يأكل رمانة فمص رمانة أنه لا يحنث. ولو حلف لا يأكل هذا اللبن فأكله بخبز أو تمر أو حلف لا يأكل من هذا السعل فأكله بخبز يحنث لان اللبن هكذا يكون، وكذلك الخل لانه من جملة إلا دام فيكون أكله بالخبز كاللبن، فإن أكل ذلك بانفراده لا يحنث لان ذلك شرب وليس بأكل، فإن صب على ذلك الماء ثم شربه لا يحنث في قوله لا آكل لعدم الاكل ويحنث في قوله لا أشرب لوجود الشرب، وكذلك إن حلف لا يأكل هذا الخبز فجففه ثم دقه وصب عليه الماء فشربه لا يحنث لان هذا شرب لا أكل، فإن أكله مبلولا أو غير مبلول يحنث لان الخبز هكذا يؤكل عادة وكذلك السويق إذا شربه بالماء فهو شارب وليس باكل، كذا في البدائع. ولم يذكر المصنف الذوق وهو معرفة الشئ بفيه من غير إدخال عينه ألا ترى أن الاكل والشرب مفطر لا الذوق، كذا في

[ 534 ]

الكافي. ولذا قال في الظهيرية: لو حلف لا يذوق في منزل فلان طعاما ولا شرابا فذاق فيه شيئا أدخله في فيه ولم يصل إلى جوفه حنث ويمينه على الذوق حقيقة إلا أن يكون تقدمه كلام. وبيان ذلك أن يقول له غيره تعالى تغد عندي اليوم فحلف لا يذوق في منزله طعاما ولا شرابا فهذا على الاكل والشرب. وعن محمد فيمن حلف لا يذوق الماء فتمضمض للصلاة لا يحنث لان هذا لا يراد بذكر الذوق اه‍. وفي المحيط: حلف لا يأكل ولا يشرب فذاق لا يحنث، ولو حلف لا يذوق فأكل أو شرب حنث لان في الاكل والشرب ذوقا وزيادة اه‍. وسيأتي بيان اللبس والكلام إن شاء الله تعالى. قوله: (لا يأكل من هذه النخلة حنث بثمرها) لانه أضاف اليمين إلى ما لا يؤكل فينصرف إلى ما يخرج منه لانه سبب له فيصلح مجازا عنه. والثمر بالمثلثة ما يخرج منها فيحنث بالجمار والبسر والرطب والتمر والطلع والدبس الخارج من ثمرها. والجمار رأس النخلة وهي شئ أبيض لين، والطلع ما يطلع من النخل وهو الكم قبل أن ينشق ويقال لما يبدو من الكم طلع أيضا وهو شئ أبيض يشبه بلونه الاسنان وبرائحته المني، كذا في المغرب. وقيد بالثمر لانه لا يحنث بما تغير بصفة حادثة فلا يحنث بالنبيذ والناطف والدبس المطبوخ والخل لانه مضاف إلى فعل حادث فلم يبق مضافا إلى الشجر. ويحنث بالعصير لانه لم يتغير بصنعة جديدة ولو لم يكن للشجرة ثمرة ينصرف اليمين إلى ثمنها فيحنث إذا اشترى به مأكولا وأكله. وأشار بقوله بثمرها إلى أنه لو قطع غصنا منها فوصله بشجرة أخرى فأكل من ثمر تلك الشجرة من هذا الغصن أنه لا يحنث، وقال بعضهم: يحنث. وإلى أنه لو تكلف وأكل من عين النخلة لا يحنث قالوا: وهو الصحيح، كذا في المحيط. وأشار بالنخلة إلى كل ما لا يؤكل عينه. فلو حلف لا يأكل من هذا الكرم فهو على عنبه وحصرمه وزبيبة وعصيره - وفي بعض المواضع - ودبسه والمراد عصيره فإنه ماء العنب وهو ما يخرج بلا صنع عند انتهاء نضج العنب. وقيد بما لا يؤكل عينه لانه ولو حلف لا يأكل من هذه الشاة فإنه يحنث باللحم خاصة ولا يحنث باللبن والزبد لانها مأكولة فينعقد اليمين عليها. وكذا لو حلف لا يأكل من هذا العنب فإنه لا يحنث بزبيبه وعصيره لان حقيقته ليست مهجورة فيتعلق الحلف بمسمى العنب. وأطلق المصنف ولم يقيد بالنية للاشارة إلى أنه عند عدمها، فلو نوى أكل عينها لم يحنث بأكل ما يخرج منها لانه نوى حقيقة كلامه، كذا في المحيط. وينبغي أن لا يصدق قضاء لان المجاز صار متعينا ظاهرا فإذا نوى بخلاف الظاهر لا يقبل وإن كان حقيقة وله شواهد كثيرة. قوله: (ولو عين البسر والرطب واللبن لا يحنث برطبه وتمره وشيرازه بخلاف هذا الصبي وهذا الشاب وهذا الحمل) لان صفة الرطوبة والبسورة داعية إلى اليمين، وكذا كونه

[ 535 ]

لبنا فيتقيد به فإذا حلف لا يأكل هذا البسر فأكله بعدما صار رطبا أو حلف لا يأكل هذا الرطب فأكله بعد ما صار تمرا يعني يابسا وهو بالتاء المثناة، أو حلف لا يأكل هذا اللبن فأكله بعدما صار شيرازا أي رائبا وهو الخائر إذا استخرج ماؤه فإنه لا يحنث في هذه المسائل الثلاث بخلاف ما إذا حلف لا يكلم هذا الصبي أو الشاب فكلمه بعد ما شاخ فإنه يحنث لان هجران المسلم بمنع الكلام منهي عنه فلم يعتبر الداعي في الشرع، ولان صفة الصبا داعية إلى المرحمة لا إلى الهجران فلا تعتبر وتتعلق اليمين بالاشارة. وكذا لو حلف لا يأكل هذا الحمل - بفتحتين ولد الشاة - فأكله بعد ما صار كبشا فإنه يحنث لان صفة الصغر في هذا ليست داعية إلى اليمين فإن الممتنع عنه أكثر امتناعا عن لحم الكبش. والاصل أن المحلوف عليه إذا كان بصفة داعية إلى اليمين تقيد به في المعرف والمنكر فإن زالت زال اليمين عنه وما لا يصلح داعية اعتبر في المنكر دون المعرف. قيد بقوله عين لانه لو نكر فسيأتي. وقيد بهذا الصبي لانه لو حلف لا يكلم صبيا فكلم بالغا لا يحنث لانه صار مقصودا بالحلف لكونه هو المعرف للمحلوف عليه فيجب تقييد اليمين به وإن كان حراما، كذا في الكشف الكبير. فالصبي من لم يبلغ وكذا الغلام فإذا بلغ فهو شاب وفتى إلى ثلاثين سنة أو ثلاث وثلاثين على الاختلاف فهو كهل إلى خمسين سنة فهو شيخ كما في الذخيرة. وأشار المصنف إلى أنه لو حلف لا يأكل هذا العنب فصار زبيبا أو لا يأكل هذا اللبن فصار جبنا أو حلف لا يأكل من هذه البيضة فأكل من فراريجها أو لا يذوق من هذا الخمر فصار خلا أو حلف لا يأكل من زهرة هذه الشجرة فأكل بعد ما صار لوزا أو مشمشا فإنه لا يحنث بخلاف ما إذا حلف لا يأكل تمرا فأكل حيسا فإنه يحنث لانه تمر مفتت فإن التمر بجميع أجزائه قائم إذ تفرقت أجزاؤه لا غير، كذا في المحيط. وفسر الحيس في البدائع بأنه اسم لتمر ينقع في اللبن ويتشرب فيه اللبن، وقيل هو طعام يتخذ من تمر ويضم إليه شئ من السمن أو غيره، والغالب هو التمر فكان أجزاء التمر بحالها فيبقى الاسم اه‍. والكلام ليس بقيد في مسألتي الصبي لانه لو حلف لا يجامع هذه الصبية فجامعها بعد ما صارت كبيرة يحنث كما في البدائع. ولو حلف لا يأكل من هذه الجدحة فأكلها بعد ما صارت بطيخا لا رواية فيه، واختلف المشايخ فيه، كذا في البدائع أيضا. وفيها أيضا: إذا نوى في الفصول المتقدمة ما يوجب الحنث حنث لانه شدد على نفسه. ثم اعلم أن الاصل فيما إذا حلف لا يأكل معينا فأكل بعضه إن كان يأكله الرجل في مجلس أو يشربه في شربة فالحلف على جميعه، ولا يحنث بأكل بعضه لان المقصود الامتناع عن أكله وكل شئ لا يطاق أكله في المجلس ولا شربه في شربة يحنث بأكل بعضه لان المقصود من اليمين الامتناع عن أصله لا عن جميعه، فلو حلف لا يأكل من ثمر هذا البستان أو من تمرها تين النخلتين أو من هذين الرغيفين أو من لبن هاتين الشاتين أو من هذا الغنم أو لا

[ 536 ]

أشرب من ماء هذه الانهار فأكل أو شرب بعضه يحنث لان كلمة من للتبعيض فكانت اليمين متناولة بعض المذكور وقد وجد. وكذلك لو قبض دينارا فوجد درهمين زائفين فحلف لا يأخذ منهما شيئا وأخذ أحدهما حنث. ولو قال لا أشرب لبن هاتين الشاتين ونحو ذلك لم يحنث حتى يشرب من لبن كل شاة، ولا يعتبر شرب الكل لانه غير مقصود. ولو حلف لا يأكل سمن هذه الخابية فأكل بعضه حنث ولو كان مكان الاكل بيعا فباع بعضها لا يحنث لان الاكل لا يتأتى على جميعه في مجلس واحد ويتأتى البيع. ولو حلف لا يأكل هذه البيضة لا يحنث حتى يأكلها كلها، ولو حلف لا يأكل هذا الطعام فإن كان يقدر على أكل كله دفعة واحدة لا يحنث حتى يأكل كله، وإن لم يقدر حنث بأكل بعضه وهو الاصح المختار لمشايخنا. ولو قال لامرأتيه إن أكلتما هذين الرغيفين فعبدي حر فأكلت كل واحدة منهما رغيفا عتق العبد، وكذلك لو أكلت إحداهما الرغيفين إلا شيئا وأكلت الباقي الاخرى يحنث، كذا في المحيط. وفي البدائع معزيا إلى الاصل بعد ما ذكر هذه المسائل قال: ولو قال لا آكل هذه الرمانة فأكلها إلا حبة أو حبتين حنث في الاستحسان لان ذلك القدر لا يعتد به فإنه يقال في العرف لمن أكل رمانة وترك منها حبة أو حبتين أنه أكل رمانة، وإن ترك نصفها أو ثلثها أو ترك أكثر مما لا يجري في العرف أنه يسقط من الرمانة لم يحنث لانه لا يسمى أكلا لجميعها اه‍. وبه يعلم أن اليسير من الرغيف وغيره كالعدم كاللقمة. وفي الواقعات: اغترف من القدر ثم قال والله لا آكل من هذا القدر فأكل ما في القصعة لا يحنث لان اليمين على ما بقي في القدر. ثم قال في الفصل التاسع: قال إن أكلت هذا الرغيف اليوم فامرأته طالق ثلاثا وإن لم آكله اليوم فأمته حرة فأكل النصف لم يحنث لانعدام شرط الحنث في اليمينين وهو أكل الكل أو ترك الكل، ولو أخذ لقمة فوضعها في فيه فقال له رجل امرأتي طالق إن أكلتها وقال آخر امرأتي طالق إن أخرجتها من فيك فأكل البعض وأخرج البعض لم يحنث أحدهما لان شرط الحنث أكل الكل أو إخراج الكل ولم يوجد. قال هذا الرغيف علي حرام فأكل بعضه حيث وهذا بخلاف قوله لا آكل هذا الرغيف إذا كان مما يؤكل كله في مجلس واحد والفتوى على ذلك اه‍. وقيد المصنف باليمين لانه لو أوصى بهذا الرطب فصار تمرا ثم مات لم تبطل الوصية لان بعض الموصى به قد فات وفوات بعض الموصى به لا يوجب بطلانها، وفي

[ 537 ]

اليمين تناول بعض المحلوف عليه فلا يحنث بخلاف ما إذا أوصى بعنب ثم صار زبيبا ثم مات الموصي بطلت الوصية. والفرق أن الرطب والتمر صنف واحد لقلة التفاوت بينهما بخلاف العنب والزبيب فإنه تبديل وهلاك، كذا في غاية البيان. قوله: (لا يأكل بسرا فأكل رطبا لا يحنث) لانه ليس ببسر كما لو حلف لا يأكل عنبا فأكل زبيبا. قيد به لانه لو حلف لا يأكل جوزا فأكل منه رطبا أو يابسا، وكذلك اللوز والفستق والبندق والتين وأشباه ذلك لان الاسم يتناول الرطب واليابس جميعا، كذا في البدائع. قوله: (وفي لا يأكل رطبا أو بسرا أو لا يأكل رطبا ولا بسرا حنث بالمذنب) وهو بكسر النون كما في المغرب. يقال بسر مذنب وقد ذنب إذا بدا الارطاب من قبل ذنبه وهو ما سفل من جانب القمع والعلاقة. وأما الرطب فهو ما أدرك من تمر النخل الواحدة رطبة، فالرطب المذنب هو الذي أكثره رطب وشئ قليل منه بسر، والبسر المذنب عكسه. وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: لا يحنث في الرطب بالبسر المذنب ولا في البسر بالرطب المذنب لان الرطب المذنب يسمى رطبا والبسر المذنب يسمى بسرا وصار كما إذا كانت اليمين على الشراء. وله أن الرطب المذنب ما يكون في ذنبه قليل بسر والبسر المذنب على عكسه فصار أكله أكل البسر والرطب، وكل واحد مقصود في الاكل بخلاف الشراء فإنه يصادف الجملة فيتبع القليل فيه الكثير، وفي أكثر الكتب المعتبرة أن محمدا مع أبي حنيفة. وحاصل المسائل أربع: وفاقيتان وخلافيتان، فالوفاقيتان ما إذا حلف لا يأكل رطبا فأكل رطبا مذنبا، وما إذا حلف لا يأكل بسرا فأكل بسرا مذنبا فيحنث فيهما اتفاقا. والخلافيتان ما إذا حلف لا يأكل رطبا فأكل بسرا مذنبا، وما إذا حلف لا يأكل بسرا فأكل رطبا مذنبا فإنه يحنث عندهما خلا والآبي يوسف. قوله: (ولا يحنث بشراء كباسة بسر فيها رطب في لا يشتري رطبا) أي لو حلف لا يشتري رطبا فاشترى كباسة بسر فيها رطب لم يحنث لان الشراء يصادف جملته والمغلوب تابع، ولو كان اليمين على الاكل يحنث لان الاكل يصادفه شيئا فشيئا فكان كل واحد منهما مقصودا، وصار كما إذا حلف لا يشتري شعير أو لا يأكل فاشترى حنطة فيها حبات شعيرا أو أكلها يحنث في الاكل دون الشراء لما قدمنا قال في الخانية: لو حلف لا يشتري إلية فاشترى شاة مذبوحة كان حانثا، وكذا إذا حلف لا يشتري رأسا. والكباسة - بكسر الكاف - عنقود النخل والجمع كبائس. قال في التبيين: بخلاف ما إذا عقد يمينه على المس حيث يحنث في الوجوه كلها لان المس فيها متصور حقيقة واسم المحلوف عليه باق بخلاف ما إذا حلف لا يمس قطنا أو كتانا فمس ثوبا اتخذ منه حيث لا يحنث لزوال اسم القطن والكتان عنه فصار كمن حلف لا يأكل سمنا أو زبدا أو لا يمسه فأكل لبنا أو مسه. قوله: (وبسمك في لا يأكل لحما) أي

[ 538 ]

لو حلف لا يأكل لحما لا يحنث بأكل لحم السمك وإن سماه الله تعالى لحما في القرآن للعرف، وقد قدمنا أن الايمان مبنية عليه لا على الحقيقة وهو أولى مما في الهداية من أن التسمية التي وقعت في القرآن مجازية لا حقيقية لان اللحم منشؤه من الدم ولا دم في السمك لسكونه في الماء ولذا حل بلا ذكاة فإنه ينتقض بالالية تنعقد من الدم، ولا يحنث بأكلها لمكان العرف وهي أنها لا تسمى لحما. وأيضا يمنع أن اسم اللحم باعتبار الانعقاد من الدم لا باعتبار الالتحام، ألا ترى أنه لو حلف لا يركب دابة فركب كافرا أو لا يجلس على وتد فجلس على جبل أنه لا يحنث مع تسميتها في القرآن دابة وأوتادا. وهذا كله إذا لم ينو، أما إذا نواه فأكل سمكا طريا أو مالحا يحنث. وفي المحيط: وفي الايمان يعتبر العرف في كل موضع حتى قالوا: لو كان الحالف خوارزميا فأكل لحم السمك يحنث لانهم يسمونه لحما، ولو حلف لا يشتري خبزا فاشترى خبز الارز لا يحنث إلا أن يكون بطبرستان اه‍. قوله: (ولحم الخنزير والانسان والكبد والكرش لحم) لان منشأ هذه الاشياء الدم فصارت لحما حقيقة فيحنث بأكلها في حلفه لا يأكل لحما وإن كان لحم الخنزير والآدمي حراما لان اليمين قد تنعقد لمنع النفس عن الحرام كما لو حلف لا يزني أو لا يكذب تصح يمينه، وكذا يدخل في العموم ألا ترى أنه لو حلف لا يشرب شرابا يدخل فيه الخمر حتى تلزمه الكفارة بشربها لكونها شرابا حقيقة، ووجوب الكفارة في اليمين ليس لعينها بل لمعنى في غيرها وهو هتك حرمة اسم الله تعالى. ولا يختلف ذلك بين أن تكون يمينه على الطاعة أو على المعصية، وصحح الامام العتابي أنه لا يحنث بأكل لحم الخنزير والآدمي. وقال في الكافي: وعليه الفتوى اعتبارا للعرف وهذا هو الحق، وما في التبيين من أنه عرف عملي لا يصلح مقيد اللفظ بخلاف العرف اللفظي ألا ترى أنه لو حلف لا يركب دابة لا يحنث بالركوب على الانسان للعرف اللفظي لان اللفظ عرفا لا يتناول إلا الكراع وإن كان في اللغة يتناوله. ولو حلف لا يركب حيوانا يحنث بالركوب على الانسان لان اللفظ يتناول جميع الحيوانات والعرف العملي وهو أنه لا يركب عادة لا يصلح مقيدا اه‍. فقد رده في فتح القدير بأنه غير صحيح لتصريح أهل الاصول بقولهم الحقيقة تترك بدلالة العادة إذ ليست العادة إلا عرفا عمليا، ولم يجب عن الفرق بين الدابة والحيوان وهي واردة عليه إن سلمها. وفي الخلاصة: لو حلف لا يأكل لحما فأكل شيئا من البطون كالكبد والطحال يحنث في عرف أهل الكوفة، وفي عرفنا لا يحنث وهكذا في المحيط والمجتبى، ولا يخفى أنه لا يسمى لحما

[ 539 ]

في عرف أهل مصر أيضا فعلم أن ما في المختصر مبني على عرف أهل الكوفة، وأن ذلك يختلف باختلاف العرف. وفي الخلاصة وغيرها: لو حلف لا يأكل لحما حنث بأكل لحم الابل والبقر والغنم والطيور، مطبوخا كان أو مشويا أو قديدا كما ذكره في الاصل. فهذا من محمد إشارة إلى أنه لا يحنث بالني. وفي فتاوى أبي الليث عنأبي بكر الاسكاف أنه لا يحنث وهو الاظهر، وعند الفقيه أبي الليث يحنث. ولو حلف لا يأكل من هذا اللحم شيئا فأكل من مرقته لم يحنث إن لم يكن له نية المرقة اه‍. وفي الظهيرية: الاشبه أنه لا يحنث بأكل النئ. وفي المحيط: حلف لا يأكل لحم شاة فأكل لحم عنز يحنث لان الشاة اسم جنس فيتناول الشاة أي الضأن وغيرها. وذكر الفقيه أبو الليث في نوازله أنه لا يحنث، سواء كان الحالف قرويا أو مصريا، وعليه الفتوى لانهم يفرقون بينهما عادة. ولو حلف لا يأكل لحم بقرة لم يحنث بأكل لحم الجاموس لانه وإن كان بقرا يعد في نصاب البقر ولكن خرج من اليمين بتعارف الناس اه‍. وفي الخانية والرأس والاكارع لحم في يمين الاكل وليس بلحم في يمين الشراء اه‍. وفي البدائع: حلف لا يأكل لحم دجاج فأكل لحم ديك حنث لان الدجاج اسم للذكر والانثى جميعا. فأما الدجاجة فاسم للانثى والديك اسم الذكر، واسم الابل يقع على الذكور والاناث، وكذا اسم الجمل والبعير والجزور، وهذه الاربعة تقع على البخاتي والعراب، واسم البقر يقع على الانثى والذكر كالشاة والغنم والنعجة اسم للانثى والكبش للذكر والفرس لهما كالبغل والبغلة والحمار للذكر والحمارة والاتان للانثى. قوله: (وبشحم الظهر في شحما) أي لو حلف لا يأكل شحما فأكل شحم الظهر لا يحنث فهو معطوف على قوله وبسمك وهذا عند الامام. وقالا: يحنث لوجود خاصية الشحم فيه وهو الذوب بالنار. وله أنه لحم حقيقة ألا ترى أنه ينشأ من الدم ويستعمل استعماله ويحصل به قوته. ولهذا يحنث بأكله في اليمين على أكل اللحم إجماعا كما في المحيط، ولا يحنث ببيعه في اليمين على بيع الشحم. قال القاضي الاسبيجابي: إن أريد بشحم الظهر شحم الكلية فقولهما أظهر وإن أريد به شحم اللحم فقوله أظهر اه‍. وفي فتح القدير: صحح غير واحد قول أبي حنيفة وذكر الطحاوي قول محمد معأبي حنيفة وهو قول مالك والشافعي في الاصح. وقيد بشحم الظهر لانه يحنث بشحم البطن اتفاقا. وذكر في الكافي أن الشحوم أربعة: شحم البطن، وشحم الظهر، وشحم مختلط بالعظم، وشحم على

[ 540 ]

ظاهر الامعاء. واتفقوا على أنه يحنث بشحم البطن والثلاثة على الخلاف اه‍. واليمين على شراء اللحم كهي على أكله كما في التبيين. وفي فتح القدير: وما في الكافي لا يخلو من نظر بل لا ينبغي خلاف في عدم الحنث بما على الامعاء في العظم. قال الامام السرخسي: إن أحدا لم يقل بأن مخ العظم شحم اه‍. وكذا لا ينبغي خلاف في الحنث بما على الامعاء لانه لا يختلف في تسميته شحما اه‍. وفسر في الهداية شحم الظهر بأنه اللحم السمين. وأشار المصنف إلى أن المأمور بشراء اللحم إذا اشترى شحم الظهر لا يجوز على الآمر وهو مروي عن محمد وهو دليل للامام أيضا كما في المحيط. قوله: (وبألية في شحما ولحما) أي لا يحنث يأكل ألية لو حلف لا يأكلل لحما أو حلف لا يأكل شحما لانها نوع ثالث حتى لا تستعمل استعمال اللحوم والشحوم فلا يتناولها اللفظ معنى ولا عرفا. قوله: (وبالخبز في هذا البر) أي لا يحنث بأكل الخبز في حلفه لا يأكل هذا البر فلا يحنث إلا بالقضم من عينها عند الامام. وقالا: إن أكل من خبزها حنث لانه مفهوم منه عرفا. ولابي حنيفة أن لها حقيقة مستعملة فإنها تغلى وتقلى وتؤكل قضما وهي قاضية على المجاز المتعارف كما هو الاصل عنده، ولو قضمها حنث عندهما على الصحيح لعموم المجاز كما إذا حلف لا يضع قدمه في دار فلان وإليه الاشارة بقوله حنث في الخبز أيضا، كذا في الهداية. وصحح في الذخيرة عنهما أنه لا يحنث بأكل عينها. وفي فتح القدير والمحيط: إنما يحنث بأكل عينها عند الامام إذا لم تكن نيئة بأن كانت مقلية كالبليلة في عرفنا، أما إذا قضمها نيئة لم يحنث لانه غير مستعمل أصلا. وأشار المصنف إلى أنه لو أكل من دقيقها أو سويقها فإنه لا يحنث بالاولى عند الامام. وأما عندهما فقالوا: لو أكل من سويقها حنث عند محمد خلافا لابي يوسف. فيحتاج أبو يوسف إلى الفرق بين الخبز والسويق، والفرق أن الحنطة إذا ذكرت مقرونة بالاكل يراد بها الخبز دون السويق، ومحمد اعتبر عموم المجاز. وأطلقه المصنف فشمل ما إذا نوى عينها أو لم تكن له نية كما في البدائع. ولا يخفى أنه إذا نوى أكل الخبز فإنه يصدق لانه شدد على نفسه. وقيد بكون الحنطة معينة لانه لو حلف لا يأكل حنطة ينبغي أن يكون جوابه كجوابهما، ذكره شيخ الاسلام. ولا يخفى أنه تحكم والدليل المذكور المتفق على إيراده في جميع الكتب يعم المعينة والمنكرة وهو أن عينها مأكول، كذا في فتح القدير ولا فرق في الحكم بين أن يقول لا آكل من هذه الحنطة أو هذه الحنطة كما في البدائع. قوله: (وفي هذا الدقيق يحنث بخبزه لا بسفه) أي في حلفه لا يأكل هذا الدقيق لا

[ 541 ]

يحنث بأكل عينه لان عينه غير مأكول بخلا ف الحنطة فانصرف إلى ما يتخذ منه فلو استفه كما هو لم يحنث على الصحيح لتعين المجاز مرادا كما لو أكل عين النخلة كما قدمناه، وإن عنى أكل الدقيق بعينه لم يحنث بأكل خبزه لانه نوى الحقيقة. وفي المحيط: وكذلك لو أكل من عصيدته يحنث لانه قد يؤكل كذلك لان أكل الدقيق هكذا يكون عند العقلاء فينصرف إلى ما هو معتاد بينهم اه‍. وفي الظهيرية: حلف أن لا يأكل من هذا الدقيق فاتخذ منه خبيصا. قال الفقيه أبو الليث: أخاف أن يحنثه اه‍. ومن الخبيص الحلواء فلو قال المصنف حنث بما يتخذ منه لكان أولى. قوله: (والخبز ما اعتاده بلده فإذا حلف لا يأكل خبزا حنث بأكل خبز البر والشعير) لانه هو المعتاد في غالب البلاد فلو أكل من خبز القطائف لا يحنث لانه لا يسمى خبرا مطلقا إلا إذا نواه لانه يحتمله، ولو أكل خبز الارز بالعراق لم يحنث لانه غير متعارف عندهم حتى لو كان بطبرستان أو في بلد طعامهم ذلك حنث ولا يحنث بخبز الشعير إن كان مصريا لانهم لا يعتادون إلا خبز البر، ويحنث الحجازي واليمني بخبز الذرة لانهم يعتادونه. ودخل في الخبز الكماج لانه خبز وزيادة للاختصاص باسم الزيادة لا للنقص. ولا يحنث بالثريد لانه لا يسمى خبزا مطلقا. وفي الخلاصة: حلف لا يأكل من هذا الخبز فأكله بعدما تفتت لا يحنث لانه لا يسمى خبزا. ولا يحنث بالعصيد والططماج ولا يحنث لو دقه فشربه. وعن أبي حنيفة في حيلة أكله أن يدقه فيلقيه في عصيده ويطبخ حتى يصير الخبز هالكا وقد سئل المحقق ابن الهمام عن بدوي اعتاد أكل خبز الشعير فدخل البلدة المعتاد فيها أكل خبز الحنطة واستمر هو لا يأكل إلا الشعير فحلف لا يأكل خبزا قال: فقلت لا ينعقد إلا على عرف نفسه فيحنث بالشعير لانه لم ينعقد على عرف الناس إلا لان الحالف يتعاطاه فهو منهم فينصرف كلامه لذلك وهذا منتف فيمن لم يوافقهم بل هو مجانب لهم اه‍. وفي الظهيرية: يحنث بأكل الزما ورد وهو ما يقطع من الخبز مستدبرا بعد أن كان محشوا بالبيض وغيره، ولو أكل الخبز مبلولا حنث. وفي الخانية أنه يحنث بأكل الرقاق اه‍. وينبغي أن يخص ذلك بالرقاق البيساني بمصر، أما الرقاق الذي يحشى بالسكر واللوز فلا يدخل تحت اسم الخبز في عرفنا كما لا يخفى. وفي الظهيرية: لو حلف لا يأكل خبز فلانة الخابزة والخابزة هي التي تضرب الخبز في التنور دون التى تعجنه وتهيئه للضرب فإن أكل من خبز التي ضربته حنث وإلا فلا اه‍. قوله: (والشواء والطبيخ على اللحم) فإذا حلف لا يأكل الشواء لا يحنث إلا بأكل اللحم دون الباذنجان والجزر لانه يراد به اللحم المشوي عند الاطلاق إلا أن ينوي ما يشوي من بيض وغيره لمكان الحقيقة. وكذا إذا حلف لا يأكل الطبيخ فهو على ما يطبخ من اللحم

[ 542 ]

وهذا استحسان اعتبارا للعرف، وهذا لان التعميم متعذر فيصرف إلى خاص وهو متعارف وهو اللحم المطبوخ بالماء إلا إذا نوى غير ذلك لان فيه تشديدا، وإن أكل من مرقه يحنث لما فيه من أجزاء اللحم ولانه يسمى طبيخا وإن كان لا يسمى لحما كما قدمناه. وفي البدائع: حلف لا يأكل من طبيخ امرأته فسخنت له قدرا قد طبخها غيرها أنه لا يحنث لان الطبخ فعل من طبخ وهو الفعل الذي يسهل به أكل اللحم وذلك وجد من الاول لا منها اه‍. وفي التجريد: قيل اسم الطبخ يقع بوضع القدر لا بإيقاد النار، وقيل لو أوقد غيرها فوضعت هي القدر لا يحنث اه‍. وفي عرفنا ليس واضع القدر طابخا قطعا ومجرد الايقاد كذلك، ومثله يسمى صبي الطباخ يعني معينه، والطباخ هو المركب بوضع التوابل وإن لم يوقد، كذا في فتح القدير. ويرد على المصنف شيئان: الاول أن الطبيخ ليس هو اللحم خاصة وإنما هو ما يطبخ بالماء من اللحم حتى أن ما يتخذ قلية من اللحم لا يسمى طبيخا فلا يحنث به كما صرح به في التبيين وغيره. فإن قيل إنه أراد به المطبوخ بالماء قلنا: لا يصح ذلك في الشواء لانه لا يحنث فيه إذا أكل لحما مطبوخا بالماء لان اللحم المشوي هو الذي لم يطبخ بالماء وقد جعلهما واحدا. والثاني أن الطبيخ لا يختص بالمطبوخ من اللحم لما في الخلاصة أنه يحنث بالارز إذا طبخ بودك، وكذا العدس كما في الظهيرية بخلاف ما إذا طبخ بزيت أو سمن. قال ابن سماعة: الطبيخ يقع على الشحم أيضا. زاد في البدائع أنه يقع على ما طبخ بالالية أيضا. قال في فتح القدير: ولا شك أن اللحم بالماء طبيخ وإنما الكلام في أنه المتعارف الظاهر أنه لا يختص به اه‍. وأشار المصنف رحمه الله إلى أنه لو أكل سمكا مطبوخا لا يحنث لانه لا يسمى طبيخا في العرف كما صرح به في البدائع. وفي المغرب: الودك من الشحم أو اللحم ما تحلب منه وقول الفقهاء ودك الميتة من ذلك اه‍. وحاصله أنه الدهن الخاص وهو دهن الشحم أو اللحم. قال في تهذيب القلانسي: وما يطبخ مع الادهان يسمى مزورة اه‍. ومراده غير دهن اللحم والشحم كما قدمناه. فعلى هذا لو حلف لا يأكل طبيخا لا يحنث بأكل المزروة التي تفعل للمريض. قيد المصنف بالطبيخ لانه لو حلف لا يأكل طعاما فأكل خبزا أو فاكهة أو غير ذلك مما يؤكل على وجه التطعم كان حانثا، وإن أكل ما له طعم لكن لا يؤكل على وجه التطعم كالسقمونيا ونحو ذلك لا يحنث في يمينه. كذا في الخانية وفي الظهيرية: حلف لا يأكل طعاما فأكل ملحا أو خلا أو كامخا أو زيتا يحنث في يمينه، هكذا رواه ابن رستم عن محمد. وقال: كل شئ يؤكل فهو طعام فقد جعل محمد الخل طعاما. وقال أبو يوسف: الخل ليس بطعام. قال القدوري في كتابه: وحقيقة الطعام ما يطعم ولكن يختص في العرف ببعض الاشياء، فإن السقمونيا وما أشبه ذلك من الادوية الكريهة لا تسمى طعاما اه‍. وفي البدائع: لو حلف لا يأكل طعاما فأكل شيئا يسيرا يحنث لان قليل الطعام طعام وفي المحيط: لو حلف لا يأكل من طعام فلان فأكل من نبيذه لم يحنث والنبيذ شراب

[ 543 ]

عند أبي يوسف. وقال محمد: هو طعام. ولو حلف لا يشتري طعاما مالا يحنث إلا بشراء الحنطة والدقيق والخبز استحسانا، وفي الواقعات: حلف لا يأكل طعاما فأكل دواء إن كان من الدواء الذي لا يكون له طعم ولا يكون غداء ويكون مرا كريها لا يحنث لانه لا يسمى طعاما، وإن كان دواء له حلاوة مثل الحلنجبين يحنث لان له طعما ويكون به غداء. حلف لا يأكل من طعام فلان فأكل من خله بطعام نفسه أو بزيته أو بملحه حنث لانه أكل من طعامه اه‍. وفي البدائع: حلف لا يأكل طعاما فاضطر إلى أكل ميتة فأكل منها لم يحنث. قوله: (والرأس ما يباع في مصره) فلو حلف لا يأكل رأسا انصرفت يمينه إلى ما يكبس في التنانير في تلك البلدة وتباع فيها من رؤس الابل والبقر والغنم وهو المراد بقوله ما يباع في مصره أي من الرؤس غير نئ. وخصه في الجامع الصغير برؤس البقر والغنم عند الامام، وعندهما بالغنم خاصة وهو اختلاف عصر، وفي زماننا هو خاص بالغنم فوجب على المفتي أن يفتي بما هو المعتاد في كل مصر وقع فيه حلف الحالف كما أفاده في المختصر. وما في التبيين من أن الاصل اعتبار الحقيقة اللغوية إن أمكن العمل بها وإلا فالعرف إلى آخره مردود لان الاعتبار إنما هو للعرف، وتقدم أن الفتوى على أنه لا يحنث بأكل لحم الخنزير والآدمي ولذا قال في فتح القدير: ولو كان هذا الاصل المذكور منظورا إليه لما تجاسر أحد على خلافه في الفروع ا ه‍. وفي البدائع: والاعتماد إنما هو على العرف وبما ذكرناه اندفع ما ذكره الاسبيجابي أنه في الاكل يقع على الكل إذا أكل ما يسمى رأسا، وفي الشراء يقع على رأس البقر والغنم عنده، وعندهما على الغنم خاصة، ولا يقع على رأس الابل بالاجماع لما علمت أنه في الاكل خاص بما يباع في مصره. وفي المغرب: يكبس في التنور يطم به التنور أو يدخل فيه من كبس الرجل رأسه في قميصه إذا أدخله قوله: (والفاكهة التفاح والبطيخ والمشمش لا العنب والرمان والرطب والقثاء والخيار) وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: يحنث في الرمان والعنب والرطب أيضا، والاصل أن الفاكهة اسم لما يتفكه به قبل الطعام وبعده أي يتنعم به زيادة على المعتاد، والرطب واليابس فيه سواء بعد أن يكون التفكه به معتادا حتى لا يحنث بيابس البطيخ وهذا المعنى موجود في التفاح وأخواتها فيحنث بها وغير موجود في القثاء والخيار لانهما من البقول بيعا وأكلا فلا يحنث بهما. وأما العنب والرطب والرمان فهما يقولان معنى التفكه موجود فيهما فإنها أعز الفواكه والتنعم بها يفوق التنعم بغيرها، وأبو حنيفة يقول إن هذه الاشياء مما يتغذى بها ويتداوى بها فأوجب قصورا في معنى التفكه للاستعمال في حالة البقاء، ولهذا كان اليابس منها من التوابل أو من الاقوات. وذكر في الكشف الكبير أن هذا اختلاف عصر وزمان فأبو حنيفة أفتى على حسب عرفه وتغير العرف في زمانهما وفي عرفنا ينبغي أن يحنث بالاتفاق ا ه‍. وفي الظهيرية قال محمد في الاصل:

[ 544 ]

التوت فاكهة. وعن أبي يوسف أن العناب فاكهة. وفي الاصل الجوز فاكهة. قال القدوري: ثمر الشجر كلها فاكهة إلا الرمان والعنب والرطب والبطيخ من الفواكه، هكذا ذكر القدوري. وروى الحاكم الشهيد في المنتقي عن أبي يوسف ذكر شمس الائمة السرخسي في شرحه أن البطيخ ليس من الفواكه فإنه ذكر أن ما لا يؤكل يابسه فاكهة فرطبه لا يكون فاكهة. وقال أبو حنيفة: ليس الباقلاء الاخضر بفاكهة. والحاصل أن العبرة في جميع ذلك للعرف فما يؤكل على سبيل التفكه عادة ويعد فاكهة في العرف يدخل تحت اليمين وما لا فلا ا ه‍. وفي المحيط: ما روي أن الجوز واللوز من الفاكهة هو في عرفهم أما في عرفنا فإنه لا يؤكل للتفكه. وقال محمد: قصب السكر والبسر الاحمر فاكهة، ولو حلف لا يأكل من فاكهة العام وثمار العام فإن كان في أيام الفاكهة الرطبة فهو على الرطب، فإن أكل اليابس لا يحنث، وإن كان في غير وقتها فهو على اليابس وهذا استحسان لتعارف الناس إطلاق اسم الفاكهة في وقت الرطب على الرطب دون اليابس ا ه‍. وفي البدائع: لو حلف لا يأكل فاكهة فأكل زبيبا أو تمرا أو حب الرمان لا يحنث بالاجماع والجوز رطبه فاكهة ويابسه إدام ا ه‍. قيد المصنف بالفاكهة لانه لو حلف لا يأكل الحلواء فالحلواء عندهم كل حلو ليس من جنسه حامض وما كان من جنسه حامض فليس بحلواء، والمرجع فيه إلى العرف فيحنث بأكل الخبيص والعسل والسكر والناطف والرب والرطب والتمر وأشباه ذلك، وكذا روي المعلى عن محمد إذا أكل تينا رطبا أو يابسا لانه ليس من جنسها حامض فخلص معنى الحلاوة فيه. ولو أكل عنبا حلوا أو بطيخا حلوا أو رمانا حلوا أو إجاصا لم يحنث لان من جنسه ما ليس بحلواء، وكذا الزبيب، وكذا إذا حلف لا يأكل حلواة فهو مثل الحلواء، كذا في البدائع. وحاصله أن الحلو والحلواء والحلاوة واحد، وهذا ليس في عرفنا فإن في عرفنا الحلو اسم للعسل المطبوخ على النار بنشاء ونحوه، وأما الحلواء والحلاوة فاسم لسكر أو عسل أو ماء عنب طبخ على النار وعقد حتى صار جامدا كالعقيد والفانيذ والحلاوة الجوزية والسمسمية ونحوها. وكذا قال في الظهيرية. قال القدوري: المرجع في هذا إلى عادات الناس فعلى هذا لا يحنث في الفانيذ والعسل والسكر في بلادنا ا ه‍. ولو حلف لا يأكل شهدا فأكل عسلا لا يحنث لان العسل اسم للصافي والشهد اسم للمختلط، ولو حلف لا يأكل سكرا فأكل سكرا بفيه وجعل يمتصه حتى ذاب فابتلع ماءه لم يحنث، كذا في الظهيرية أيضا. قوله: (والادام ما يصطبغ كالخل والملح والزيت لا اللحم والبيع والجبن) أي هو شئ يصبغ الخبز إذا اختلط به. وهذا عند أبي يوسف. وقال محمد: هو ما يؤكل مع الخبز

[ 545 ]

غالبا وهو رواية عن أبي يوسف لان الادام من المآدمة وهي الموافقة وكل ما يؤكل مع الخبز موافق له كاللحم والبيض ونحوه. ولهما أن الادام ما يؤكل تبعا والتبعية في الاختلاط حقيقة ليكون قائما به، وفي أن لا يؤكل على الانفراد حكما وتمام الموافقة في الامتزاج أيضا، والخل وغيره من المائعات لا تؤكل وحدها بل تشرب والملح لا يؤكل بانفراده عادة ولانه يذوب فيكون تبعا بخلاف اللحم وما يضاهية لانه يؤكل وحده إلا أن ينويه لما فيه من التشديد. والعنب والبطيخ ليس بإدام بالاجماع وهو الصحيح. وبهذا ظهر أن تخصيص الزيلعي الادام بالمائع صحيح في الملح أيضا باعتبار أنه يذوب في الفم ويحصل به صبغ الخبز. والاصطباغ افتعال من الصبغ ولما كان ثلاثيه وهو صبغ متعديا إلى واحد جاء الافتعال منه لازما فلا يقال اصطبغ الخبز لانه لا يصل إلى المفعول حتى يقام مقام الفاعل إذا بنى الفعل له فإنما يقام غيره من الجار والمجرور ونحوه فلذا يقال اصطبغ به. وذكر القلانسي في تهذيبه أن الفتوى على قول محمد للعرف ا ه‍. وفي المحيط: وقول محمد أظهر وبه أخذ الفقيه أبو الليث ا ه‍. ويكفيه الاستدلال بالعرف الظاهر لان مبناها عليه فلا حاجة إلى الاستدلال له بالحديث سيد إدامكم اللحم والحكاية هي أن ملك الروم كتب إلى معاوية أن ابعث إلى بشر إدام على يد شر رجل فبعث إليه جبنا على يد رجل يسكن في بيت أصهاره وهو من أهل اللسان لان كونه سيده لا يستلزم أن يكون منه إذ يقال في الخليفة سيد العجم وليس هو منهم. وأما حكاية معاوية فيتوقف الاستدلال بها على صحتها وهي بعيدة إذ يبعد من إمام عادل أن يتكلف إرسال شخص إلى بلاد الروم ملتزما لمؤنته لغرض مهمل لكافر والسكن في بيت الصهر قط لا يوجب أن يكون الساكن شر رجل فآثار البطلان تلوح على هذه القضية كما في فتح القدير. قال التمرتاشي: وهذا الاختلاف بينهم على عكس اختلافهم فيمن حلف لا يأكل إلا رغيفا فأكل معه البيض ونحوه لم يحنث عندهما، وحنث عند محمد. وإذا أكل الادام وحده فإن كان حلف لا يأكل إداما حنث، وإن كان حلف لا يأتدم بإدام لا يحنث بأكله وحده فلا بد من أن يأكل معه الخبز كما أشار إليه في الكشف الكبير. وفي المحيط: قال محمد: التمر والجوز ليس بإدام لانه يفرد بالاكل في الغالب فكذا العنب والبطيخ والبقل لانه لا يؤكل تبعا للخبز بل يؤكل وحده غالبا، وكذلك سائر الفواكه حتى لو كان في موضع يؤكل تبعا للخبز غالبا يكون إداما عنده اعتبارا للعرف ا ه‍. وفي الظهيرية: والبقل ليس بإدام بلا خلاف على الاصح. وفي البدائع: سئل محمد عمن حلف لا يأكل خبزا مأدوما فقال: الخبز المأدوم الذي يثرد ثردا يعني في المرق والخل وما أشبهه فقيل له: فإن ثرد في ماء وملح فلم ير ذلك

[ 546 ]

مأدوما. وعن أبي يوسف أن تسمية هذه الاشياء على ما يعرف أهل تلك البلاد في كلامهم ا ه‍. قوله: (والغداء الاكل من الفجر إلى الظهر) أي التغدي الاكل في هذا الوقت وإنما فسرناه به لان الغداء في الحقيقة بفتح الغين المعجمة والمداسم لما يؤكل في الوقت الخاص لا للاكل. وقد ترك المصنف قيدين ذكرهما قاضيخان في فتاواه فقال: التغدي الاكل المترادف الذي يقصد به الشبع في وقت خاص وهو ما بعد طلوع الفجر إلى زوال الشمس مما يتغدى به عادة، وغداء كل بلدة ما تعارفه أهل تلك البلدة ا ه‍. وفي التبيين: ومقدار ما يحنث به من الاكل أن يكون أكثر من نصف الشبع لان اللقمة واللقمتين لا تسمى غداء عادة، وجنس المأكول يشترط أن يكون ما يأكله أهل بلدته عادة حتى لو شرب اللبن وشبع لا يحنث إن كان حضريا وإن كان بدويا يحنث ا ه‍. وفي المحيط: لو حلف لا يتغدى فهو على الخبز فلو تغدى بغير الخبز من الارز والتمر واللبن لم يحنث إن كان غير بدوي. ولو حلف على فعل ماض بأن قال والله ما تغديت اليوم وقد تغدى بأرز وسمن ينبغي أن يحنث، وإن تغدى المصري بالعنب لم يحنث إلا أن يكون من أهل الرساتيق ممن عادتهم التغدي بالعنب في وقته ا ه‍. وقد اختلف في أول وقته فذكر الاسبيجابي أنه طلوع الشمس وهكذا في الخلاصة، وينبغي أن يكون هو المعتمد للعرف لان الاكل قبل طلوع الشمس لا يسمونه غداء. وأشار المصنف رحمه الله إلى أنه لو حلف ليأتينه غدوة فأتاه بعد طلوع الفجر إلى نصف النهار فقد بد وهو غدوة لانه وقت الغداء كما في البدائع: وأما الصحوة فمن بعد طلوع الشمس من الساعة التي تحل فيها الصلاة إلى نصف النهار لانه وقت الصلاة الضحى. قال محمد: إذا حلف لا يصبح فالتصبيح عندي ما بين طلوع الشمس وارتفاع الضحى الاكبر، فإذا ارتفع الضحى الاكبر ذهب وقت التصبيح لان التصبيح تفعيل من الصباح والتفعيل للتكثير فيقتضي زيادة على ما يفيده إلا صباح ا ه‍ قوله: (والعشاء منه إلى نصف الليل) أي التعشي الاكل من الزوال إلى نصف الليل، وأما العشاء - بفتح العين والمد - فاسم للمأكول في هذا الوقت كما تقدم في الغداء. والشرطان السابقان في التغدي يأتيان هنا. قلنا: وإنما كان كذلك لان ما بعد الظهر يسمى عشاء - بكسر العين - ولهذا يسمى الظهر إحدى صلاتي العشاء في الحديث. وذكر الامام الاسبيجابي أن هذا في عرفهم وأما في عرفنا فوقت العشاء بعد صلاة

[ 547 ]

العصر ا ه‍. وهذا هو الواقع في عرف أهل مصر لانهم يسمون ما يأكلونه بعد الزوال وسطانية. قيد بالعشاء لان السحور هو الاكل بعد نصف الليل إلى طلوع الفجر مأخوذ من السحر وهو قريب السحر لكن روى المعلى عن محمد فيمن حلف لا يكلمه إلى السحر قال: إذا دخل ثلث الليل الاخير فليكلمه لان وقت السحر ما قرب من الفجر. وقال هشام عن محمد: المساء مساآن: أحدهما إذا زالت الشمس ألا ترى أنك تقول إذا زالت كيف أمسيت. والمساء الآخر إذا غربت الشمس فإذا حلف بعد الزوال لا يفعل كذا حتى يمسي كان ذلك على غيبوبة الشمس لانه لا يمكن حمل اليمين على المساء الاول فيحمل على الثاني، كذا في البدائع. قوله: (إن لبست أو أكلت أو شربت ونوى معينا لم يصدق أصلا) أي لا قضاء ولا ديانة لان النية إنما تصح في الملفوظ، والثوب والطعام والماء غير مذكور تنصيصا والمقتضى بالفتح لا عموم له فلغت نية التخصيص فيه كما في الهداية وغيرها، فحنث بأي شئ أكل أو شرب أو لبس. وتعقبهم في فتح القدير بأن التحقيق أن المفعول في لا آكل ولا ألبس ليس من باب المقتضى لان المقتضى ما يقدر لتصحيح المنطوق وذلك بأن يكون الكلام مما يحكم بكذبه على ظاهره مثل رفع الخطأ والنسيان أو بعدم صحته شرعا مثل أعتق عبدك عني، وليس قول القائل لا آكل يحكم بكذب قائله بمجرده ولا متضمنا حكما يصح شرعا، نعم المفعول أعني المأكول من ضروريات وجود فعل الاكل ومثله ليس من باب المقتضى وإلا كان كل كلام كذلك إذ لا بد أن يستدعي معناه زمانا أو مكانا فكان لا يفرق بين قولنا الخطأ والنسيان مرفوعان وبين قام زيد وجلس عمرو فإنما هو من باب حذف المفعول اقتصارا أو تناسيا. وطائفة من المشايخ وإن فرقوا بين المقتضى والمحذوف وجعلوا المحذوف يقبل العموم قلنا لك أن تقول: إن عمومه لا يقبل التخصيص، وقد صرح من المحققين جمع بأن من العمومات ما لا يقبل التخصيص مثل المعاني إذا قلنا بأن العموم من عوارض المعاني كما هو من عوارض الالفاظ وغير ذلك فكذلك هذا المحذوف إذ ليس في حكم المنطوق لتناسيه وعدم الالتفات إليه إذ ليس الغرض إلا الاخبار بمجرد الفعل على ما عرف أن الفعل المتعدي قد ينزل منزلة اللازم لما قلنا، والاتفاق على عدم صحة التخصيص في باب المتعلقات من الزمان والمكان حتى لو نوى لا يأكل في مكان دون آخر أو زمان لا تصح نيته بالاتفاق ا ه‍. وفي البدائع: حلف لا يركب ونوى الخيل لا يصدق قضاء ولا ديانة. وفي فتح القدير: حلف لا يغتسل أو لا ينكح وعنى من جنابة أو امرأة دون امرأة لا يصدق أصلا، وكذا لا يسكن دار فلان وعنى بأجر ولم يسبق قبل ذلك كلام بأن استأجرها منه أو استعارها فأبى فحلف ينوي السكن بالاجارة والاعارة لا يصح أصلا. وكذلك لو حلف لا يتزوج امرأة ونوى كوفية أو بصرية لا يصح لانه نية تخصيص الصفة، ولو نوى حبشية أو عربية صحت

[ 548 ]

ديانة لانه تخصيص في الجنس. وفي البدائع: لو حلف لا يكلم هذا الرجل وعنى به ما دام قائما لكنه لم يتكلم بالقيام كانت نيته باطلة وحنث إن كلمه، ولو حلف لا يكلم هذا القائم دين لورود التخصيص على الملفوظ، وكذلك إذا قال والله لاضربن فلانا خمسين وهو ينوي بسوط بعينه فبأي شئ ضربه فقد خرج من يمينه والنية باطلة. ولو قال والله لا أتزوج امرأة وعنى امرأة كان أبوها يعمل كذا وكذا فهو باطل ا ه‍. وخرج عن هذا الاصل فعل الخروج والمساكنة فإذا قال إن خرجت فعبدي حر ونوى السفر مثلا يصدق ديانة فلا يحنث بالخروج إلى غيره تخصيصا لنفس الخروج بخلاف ما إذا نوى الخروج إلى مكان خاص كبغداد حيث لا يصح لان المكان غير مذكور، وكذا لو حلف لا يساكن فلانا ونوى المساكنة في بيت واحد يصح قالوا: لان الخروج في نفسه متنوع إلى سفر وغيره حتى اختلفت أحكامها. وكذا المساكنة متنوعة إلى كاملة وهي المساكنة في بيت واحد وإلى مطلقة وهي ما تكون في دار وفيه بحث مذكور في فتح القدير. قوله: (ولو زاد ثوبا أو طعاما أو شرابا دين) أي قبل منه نية التخصيص ديانة لا قضاء لانه نكرة في الشرط فتعم كالنكرة في النفي لكنه خلاف الظاهر فلا يصدقه القاضي. وفي البدائع: قال والله لا أتزوج امرأة على وجه الارض ينوي امرأة بعينها قال يصدق فيما بينه وبين الله تعالى بخلاف ما إذا قال لا أشتري جارية ونوى متولدة فإن نيته باطلة لانه تخصيص الصفة فأشبه الكوفية والبصرية ا ه‍. قيد المصنف رحمه الله بكونه نوى البعض دون البعض

[ 549 ]

لانه لو نوى الكل صدق قضاء وديانة ولا يحنث أصلا لما في المحيط: لو حلف لا يأكل طعاما أو لا يشرب شرابا وعنى جميع الاطعمة أو جميع مياه العالم يصدق في القضاء. وفي البدائع: لو قال والله لا آكل الطعام أو لا أشرب الماء أو لا أتزوج النساء فيمينه على بعض الجنس، وإن أراد به الجنس صدق لانه نوى ما هو حقيقة كلامه. وفي الكشف الكبير: إذا قال والله لا أشرب ماء أو الماء أو لا آكل طعاما أو الطعام أنه يقع على الادنى لانه هو المتيقن وهو الكل لولا غيره فيكون فيه معنى الجنسية أيضا، فإن نوى الكل صحت نيته فيما بينه وبين الله تعالى حتى لا يحنث أصلا لانه نوى محتمل كلامه لانه فرد من حيث أنه اسم جنس لكنه عدد من وجه فلم يتناوله الفرد إلا بالنية، كذا في شرح الجامع لفخر الاسلام. وهذا يشير إلى أنه لا يصدق قضاء إن كان اليمين بطلاق أو نحوه لانه خلاف لظاهر إذ الانسان إنما يمنع نفسه باليمين عما يقدر عليه وشرب كل المياه ليس في وسعه وفيه تخفيف عليه أيضا. وقال شمس الائمة: قالوا وإطلاق الجواب دليل على أنه يصدق قضاء وديانة إن كان اليمين بطلاق ونحوه لانه نوى حقيقة كلامه. وعن أبي القاسم الصفار أنه لا يصدق قضاء لانه نوى حقيقة لا تثبت إلا بالنية فصار كأنه نوى المجاز ا ه‍. ثم اعلم أن الفرق بين الديانة والقضاء إنما يظهر في الطلاق والعتاق، وأما في الحلف بالله تعالى فلا يظهر لان الكفارة حق الله ليس للعبد فيها حق حتى يرفع الحالف إلى القاضي. وفي الواقعات: إذا استحلف الرجل بالله وهو مظلوم فاليمين على ما نوى، وإن كان ظالما فاليمين على نية من استحلفه وبه أخذ أبو حنيفة ومحمد. وفي اليمين بالطلاق اليمين على نية الحالف وفي الولوالجية من الطلاق: نية تخصيص العام لا تصح. وعند الخصاف تصح حتى إن من حلف وقال كل امرأة أتزوجها فهي طالق ثم قال نويت به من بلدة كذا لا تصح نيته في ظاهر المذهب. وقال الخصاف: تصح. وكذا

[ 550 ]

من غصب دراهم إنسان ووقت ما حلفه الخصم عاما نوى خاصا لا تصح نيته من ظاهر المذهب. وقال الخصاف: تصح لكن هذا في القضاء أما فيما بينه وبين الله تعالى نية تخصيص العام صحيحة بالاجماع مذكور في الكتب من مواضع منها الباب الخامس من أيمان الجامع الكبير، وما قاله الخصاف مخلص لمن حلفه ظالم والفتوى على ظاهر المذهب فمتى وقت في يد الظلمة وأخذ بقول الخصاف لا بأس به ا ه‍. قوله: (لا يشرب من دجلة على الكرع بخلاف ماء دجلة) يعني لو حلف فلا يحنث لو يشرب من دجلة فيمينه على الكرع وهو تناول الماء بالفم من موضعه نهرا أو إناء - كما في المغرب - فلا يحنث لو شرب بإناء أو بيده بخلاف ما لو حلف لا يشرب من ماء دجلة فإنه يحنث بالشرب من إناء أو غيره لانه بعد الاغتراف بقي منسوبا إليه وهو الشرط. وقالا: هما سواء فيحنث بالشرب من إناء لانه المتعارف المفهوم - وله أن كلمة من للتبعيض وحقيقته في الكرع وهي مستعملة ولهذا يحنث بالكرع اجماعا فمنعت المصير إلى المجاز وإن كان متعارفا، والتقييد بدجلة اتفاقي لان الفرات والنيل كذلك بل وكل نهر. وقيد بالنهر لانه لو حلف لا يشرب من هذا البئر أو من هذا الجب فإنه يحنث بشربه بالاناء اجماعا لانه لا يمكن فيه الكرع فتعين المجاز، وإن كان يمكن الكرع فعلى الخلاف، ولو تكلف وشرب بالكرع فيما لا يمكن الكرع لا يحنث لان الحقيقة والمجاز لا يجتمعان وأشار المصنف إلى أنه لو شرب من نهر يأخذ من دجلة لا يحنث في المسألة الاولى لعدم الكرع في دجلة لحدوث النسبة إلى غيره ويحنث في الثانية لان يمينه انعقدت على شرب ماء منسوب إليها وهي لم تنقطع بمثله ونظيره ما إذا حلف لا يشرب من ماء هذا الجب فحول إلى جب آخر فشرب منه حنث. وفي البدائع: لو حلف لا يشرب من ماء دجلة فهذا وقوله لا أشرب من دجلة سواء لانه ذكر الشرب من النهر فكان على الاختلاف. ولو حلف لا يشرب من نهر يجري ذلك النهر إلى دجلة فأخذ من دجلة من ذلك الماء فشربه لم يحنث لانه قد صار من ماء دجلة لزوال الاضافة إلى النهر الاول

[ 551 ]

بحصوله في دجلة. ولو حلف لا يشرب من ماء المطر فمدت الدجلة من المطر فشرب لم يحنث لانه إذا حصل في الدجلة انقطعت الاضافة إلى المطر، فإن شرب من ماء واد سال من المطر لم يكن فيه ماء قبل ذلك أو جاء من ماء مطر مستنقع حنث لانه لما لم يضف إلى نهر بقيت الاضافة إلى المطر كما كانت ا ه‍. وفي الظهيرية: لو حلف لا يشرب من الفرات لم يحنث ما لم يكرع عند أبي حنيفة وهي معروفة غير أنا ذكرناها لفائدة وهي أن تفسير الكرع عند أبي حنيفة أن يخوض الانسان في الماء ويتناول الماء بفمه من موضعه ولا يكون الكرع إلا بعد الخوض في الماء فإنه من الكراع وهو من الانسان ما دون الركبة ومن الدواب ما دون الكعب كذا قال الشيخ الامام نجم الدين النسفي ا ه‍. وفي المحيط: لو حلف لا يشرب من هذا الكوز فحقيقته أن يشرب منه كرعا حتى لو صب على كفه وشرب لا يحنث، ولو نوى بقوله لا أشرب من الفرات ماء الفرات قيل تصح نيته لانه نوى ما يحتمله لفظه لان الشرب لا يتحقق بدون الماء فكان الماء مضمرا فيه. وقيل لا تصح نيته لانه نوى تعميم المقتضى فإن الماء غير ملفوظ به، وإنما يثبت مقتضى ذكر الشرب والمقتضي لا عموم له فتكون نية التعميم فيه باطلة. ولو حلف لا يشرب من ماء فرات أو ماء فراتا فشرب من ماء دجلة أو من ماء عذب حنث لانه ذكر الفرات صفة للماء لانه عبارة عن العذب قال تعالى * (وأسقيناكم ماء فراتا) * [ المرسلات: 72 ] أي ماء عذبا بخلاف ماء الفرات لانه أضافه إلى الفرات فقد أراد بالفرات نهر الفرات ا ه‍. وفي المجتبى: ولجنس هذه المسائل أصل حسن وهو أنه متى عقد يمينه على شئ ليس له حقيقة مستعملة وله مجاز متعارف يحمل على المجاز إجماعا كما إذا حلف لا يأكل من هذه النخلة وإن كان له حقيقة متعارفة يحمل على الحقيقة إجماعا كمن حلف لا يأكل لحما وإن كان له حقيقة مستعملة ومجاز متعارف فعنده يحمل على الحقيقة، وعندهما يحمل عليهما ولكن لا بطريق الجمع بين الحقيقة والمجاز ولكن بمجاز يعم أفرادهما وهو الاصح، ويبتنى عليه مسائل كثيرة منها ما مرت، ومنها مسألة أكل الحنطة والدقيق ا ه‍. بلفظه. فقد صحح قولهما في هذه المسائل وهو خلاف المنقول في الاصول عنهما فإنهم نقلوا أن عندهما المجاز المتعارف أولى من الحقيقة لا أنه يحمل عليهما. ثم اعلم أن الشرب أن يوصل إلى جوفه ما لا يتأتى فيه الهشم مثل الماء والنبيذ واللبن: فإذا حلف لا يشرب هذا اللبن فأكله لا يحنث ولو شربه

[ 552 ]

يحنث. وأكل اللبن أن يثرد فيه الخبز ويؤكل وشربه أن يشرب كما هو. ولو حلف لا يشرب هذا العسل فأكله كذلك لا يحنث، ولو صب عليه ماء وشربه حنث، ولو حلف لا يشرب مع فلان، فإن شرب شرابا وفلان شرب شرابا من نوع آخر حنث، ولو حلف لا يشرب شرابا ولا نية له فأي شراب شربه من ماء أو غيره يحنث إذ الشرب اسم لما يشرب. وفي حيل المبسوط: إذا حلف لا يشرب الشراب ولا نية له فهو على الخمر. قال شمس الائمة الحلواني: فإذا في المسألة روايتان، وفي فتاوى أهل سمرقند لا يحنث بشرب الماء وإذا حلف لا يشرب لبنا فصب الماء في اللبن فالاصل في هذه المسألة وأجناسها أن الحالف إذا عقد يمينه على مائع فاختلط ذلك المائع بمائع آخر من خلاف جنسه إن كانت الغلبة للمحلوف عليه يحنث، وإن كانت الغلبة لغير المحلوف عليه لا يحنث، وإن كانا سواء القياس أن يحنث، وفي الاستحسان لا يحنث. فسر أبو يوسف الغلبة فقال: إن كان يستبين لون المحلوف عليه ويوجد طعمه. وقال محمد: تعتبر الغلبة من حيث الاجزاء، هذا إذا اختلط الجنس بغير الجنس، أما إذا اختلط الجنس بالجنس كاللبن يختلط بلبن آخر فعند أبي يوسف هذا والاول سواء يعني يعتبر الغالب غير أن الغلبة من حيث اللون والطعم لا يمكن اعتبارها هنا فيعتبر بالقدر. وعند محمد يحنث ها هنا بكل حال لان الجنس لا يستهلك الجنس قالوا: هذا الاختلاف فيما يمتزج ويختلط، أما ما لا يمتزج ولا يختلط كالدهن وكان الحلف على الدهن يحنث بالاتفاق، كذا في الظهيرية. قوله (إن لم أشرب ماء هذا الكوز اليوم فكذا ولا ماء فيه أو كان فصب أو أطلق ولا ماء فيه لا يحنث وإن كان فصب حنث) بيان لشرط من شروط انعقاد اليمين وهو إمكان تصور البر في المستقبل، وكذا من شرط بقاءها، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: لا يشترط لانه يمكن القول بالانعقاد موجبا للبر على وجه يظهر في حق الخلف وهو الكفارة. ولهما أنه لا بد من تصور الاصل لتنعقد في حق الخلف وبهذا لا تنعقد الغموس موجبة

[ 553 ]

للكفارة، ولا فرق على هذا الخلاف بين اليمين بالله تعالى أو بالطلاق ولهذا صورها في المختصر يمين الطلاق أو العتاق، وقد ذكر المصنف مسألة الكوز وهي مفرعة على هذا الاصل وذكر أنها على أربعة أوجه: وجهان في المقيدة ووجهان في المطلقة. أما في المقيدة فهي على وجهين: أما أن لا يكون فيه ماء أصلا أو كان فيه ماء وقت الحلف ثم صب قبل مضي الوقت، وفي كل منهما لا يحنث لعدم انعقاد اليمين في الاول ولبطلانها عند الصب في الثاني عندهما، ولا فرق في الوقت بين أن يكون اليوم أو الشهر أو الجمعة. وأما المطلقة فعلى وجهين: إما أن يكون فيه ماء أصلا فلا يحنث لعدم انعقاد اليمين أو كان فيه وصب فإنه يحنث لانعقادها لامكان البر، ثم يحنث بالصب لان البر يجب عليه كما فرغ فإذا صب فقد فات البر فيحنث في ذلك الوقت كما لو مات الحالف والماء باق. وظاهر كلامهم أنه لا فرق بين أن يكون قد صبه هو أو غيره أو مال الكوز فانصب ما فيه من غير فعل أحد. وأما عند أبي يوسف فيحنث في الوجوه كلها غير أنه في المؤقت يحنث في آخر الوقت، وفي المطلق يحنث

[ 554 ]

للحال إن لم يكن فيه ماء وإن كان فيه ماء يحنث عند الصب. وأطلق المصنف في عدم حنثه في المسائل الثلاثة فشمل ما إذا علم الحالف أن فيه ماء أو لا، وما إذا علم أن لا ماء فيه. وقيده الاسبيجابي بعدم علمه بأن لا ماء فيه، وأما إذا علم بأن لا ماء فيه يحنث بالاتفاق ا ه‍. لانه إذا علم وقعت يمينه على ما يخلق الله تعالى فيه وقد تحقق العدم فيحنث، وروي عن أبي حنيفة في رواية أخرى أنه قال: لا يحنث علم أو لم يعلم وهو قول زفر ا ه‍. وصحح في التبيين هذه الرواية في شرح قوله إن لم أقتل فلانا فكذا ولذا أطلق هنا في المختصر وجزم بالاطلاق في فتح القدير. وقد تفرع على هذا الاصل مسائل منها ما لو حلف ليقتلن زيدا اليوم فمات زيد قبل مضي اليوم لا يحنث عندهما كما سيأتي بيانه. ومنها لو حلف ليأكلن هذا الرغيف اليوم فأكله غيره قبل الليل. ومنها لو حلف ليقضين فلانا دينه غدا وفلان قد مات ولا علم له أو مات أحدهما قبل مضي الغد أو قضاه قبله أو أبرأه فلان قبله لم تنعقد. ومنها ما لو قال لزيد إن رأيت عمرا فلم أعلمك فعبدي حر فرآه مع زيد فسكت ولم يقل شيئا أو قال هو عمر ولا يعتق عندهما. ومنها لو حلف لا يعطيه حتى يأذن فلان فمات فلان ثم أعطاه لم يحنث، وكذا

[ 555 ]

ليضربنه أو ليكلمنه. ومنها لو قال رجل لامرأته إن لم تهبي لي صداقك اليوم فأنت طالق وقال أبوها إن وهبت له صداقك فأمك طالق فحيلة عدم حنثهما أن تشتري منه بمهرها ثوبا ملفوفا وتقبضه، فإذا مضى اليوم لم يحنث أبوها لانها لم تهب صداقها ولا الزوج لانها عجزت عن الهبة عند الغروب لان الصداق سقط عن الزوج بالبيع، ثم إذا أرادت عود الصداق ردته بخيار الرؤية، الكل في فتح القدير. ومنها ما في الولوالجية من تعليق الطلاق رجل قال إن لم أدخل الليلة البلد ولم ألق فلانا فامرأته طالق فدخل ولم يصادفه في منزله فلم يلقه حتى أصبح إن كان عالما بأنه غاب عن المنزل وقت الحلف يحنث، وإن لم يكن عالما لا يحنث ا ه‍. ومنها ما في المبتغى: وفي يمينه لامرأته إن لم تصل صلاة الفجر غدا فأنت كذا لا يحنث بحيضها بكرة في الاصح ا ه‍. ومنها لو قال لامرأته بعد ما أصبح إن لم أجامعك هذه الليلة فأنت طالق ولم تكن له نية وكان يعلم أنه أصبح وقع يمينه على الليلة القابلة لانه حلف نهارا فينصرف إلى الليلة القابلة المستقبلة، وإن نوى تلك الليلة لا تنعقد اليمين عند أبي حنيفة ومحمد فرعا لمسألة الكوز. ومنها قال إن نمت هذه الليلة في هذه الدار فامرأته كذا وقد انفجر الصبح وهو لا يعلم لا يحنث في يمينه لان شرط الحنث وهو النوم في الليلة الماضية لا يتصور فصار كأنه قال إن صمت أمس فامرأته طالق لا يحنث في يمينه. ومنها ما لو قال إن لم أبت الليلة في هذه الدار والمسألة بحالها فكذلك في قولهما. ومنها لو غاب الرجل عن داره ساعة ثم رجع فظن أن المرأة غائبة عن الدار فقال إن لم آت بامرأتي إلى داري الليلة فهي طالق ثلاثا فلما أصبح قالت المرأة كنت في هذه الدار لم يحنث عند أبي حنيفة ومحمد لان اليمين لم تنعقد، وإن قالت كنت غائبة، فإن صدقها الزوج طلقت لان الزوج أقر بالطلاق. ومنها ما لو قال إن لم تردي الدينار الذي أخذتيه من كيسي فأنت طالق فإذا الدينار في كيسه

[ 556 ]

لم تطلق لان البر هنا لم يتصور فلم تنعقد اليمين فلا يترتب الحنث بمنزلة مسألة الكوز. ومنها قوم حلفهم السلطان على أن يؤدو اخراج تلك البلدة إلى وقت معلوم فأدى الخراج كله لكن بعضهم بغير أمر الباقين أو أدى الخراج كله رجل واحد غيرهم بغير أمرهم لم يحنثوا في قول أبي حنيفة ومحمد لانه لما أدى واحد منهم أو غيرهم لم يبق الخراج عليهم فلا يتصور شرط البر فتبطل اليمين عندهما لانها مؤقتة بوقت، الكل في الواقعات. وقد قدمنا شيئا من مسائل هذا النوع في تعليق الطلاق عند قوله وزوال الملك بعد اليمين لا يبطلها. قوله: (حلف ليصعدن السماء أو ليقلبن هذا الحجر ذهبا حنث للحال) يعني عندنا وقال زفر: لا تنعقد لانه مستحيل عادة فأشبه المستحيل حقيقة. ولنا أن البر متصور حقيقة - بكسر الواو - أي ممكن لان الصعود إلى السماء ممكن حقيقة ألا ترى أن الملائكة يصعدونها، وكذا تحول الحجر ذهبا بتحويل الله تعالى بجعله صفة الحجرية صفة الذهبية أو بإعدام الاجراء الحجرية وإبدالها بأجزاء ذهبية، فالتحويل في الاول أظهر وهو ممكن عند المتكلمين على ما هو الحق، وإذا كان متصورا تنعقد اليمين موجبة لحلفة ثم يحنث بحكم العجز الثابث عادة كما إذا مات الحالف فإنه يحنث مع احتمال إعادة الحياة، وبخلاف مسألة الكوز لان شرب الماء الذي في الكوز وقت الحلف ولا ماء فيه لا يتصور فلم تنعقد. قيد بكون اليمين مطلقة لانها لو كانت مؤقتة فإنه لا يحنث حتى يمضي ذلك الوقت حتى لو مات قبله لا كفارة عليه إذ لا

[ 557 ]

حنث وهو المختار. وقيد بالفعل لانه لو حلف على الترك بأن قال إن تركت مس السماء فعبدي حر لم تنعقد يمينه لان الترك لا يتصور في غير المقدور قوله: (لا يكلمه فناداه وهو نائم فأيقظه أو إلا بإذنه فإذن له ولم يعلم حنث) لانه في المسألة الاولى كلمه وقد وصل إلى سمعه، وقد شرط المصنف أن يوقظه وهي رواية المبسوط وعليه مشايخنا وهو المختار لانه إذا لم ينتبه كان كما إذا ناداه من بعيد وهو بحيث لا يسمع صوته لا يحنث. ولم يشترطه القدوري كما إذا ناداه وهو بحيث يسمع لكنه لم يفهم لتغافله وهي من المسائل التي جعل النائم فيها كالمستيقط وهي خمس وعشرون ذكرناها في باب التيمم. وصحح الامام السرخسي الحنث، وإن لم يوقظه لما ذكره محمد في السير الكبير: إذا نادى المسلم أهل الحرب بالامان من موضع يسمعون صوته إلا أنهم لا يسمعون لشغلهم بالحرب فهو أمان ا ه‍. وقد فرق بأن الامان يحتاط في إثباته. وقيد بكونه نائما لانه لو كان مستيقظا حنث إن كان بحيث يسمع صوته إن أصغى إليه إذنه، وإن لم يسمع لعارض أمر كان مشغولا به أو كان أصم وإن كان لا يسمع صوته لو أصغى إليه إذنه لشدة البعد لا يحنث، كذا في الذخيرة. وفيها: لا يحنث حتى يكلمه بكلام مستأنف بعد اليمين منقطع عنها لا متصل بها، فلو قال موصولا إن كلمتك

[ 558 ]

فأنت طالق فاذهبي أو اخرجي أو قومي أو شتمها أو زجر متصلا لا يحنث لان هذا من تمام الكلام الاول فلا يكون مرادا باليمين إلا أن يريد به كلاما مستأنفا. وفي المنتفى: لو قال فاذهبي أو واذهبي لا تطلق، ولو قال اذهبي طلقت لانه منقطع عن اليمين. وفي نوادر ابن سماعة عن محمد: لا أكلمك يوما أو غدا حنث لانه كلمه اليوم بقوله أو غدا ا ه‍. وتعقبه في فتح القدير بأنه لا شك في عدم صحته لانه كلام واحد فإنه إذا أراد أن يحلف على أحد الامرين لا يقال إلا كذلك. وعلى هذا إذا قال لآخر إذا ابتدأتك بكلام فعبدي حر فالتقيا فسلم كل على الآخر معا لا يحنث وانحلت يمينه لعدم تصور أن يكلمه بعد ذلك ابتداء، ولو قال لها أن ابتدأتك بكلام وقالت له هي كذلك لا يحنث إذا كلمها لانه لم يبتدئها ولا يحنث بعد ذلك لعدم تصور ابتدائها، ولو حلف لا يكلمه فسلم على قوم هو فيهم حنث إلا أن يقصده فيصدق ديانة لا قضاء، أما لو قال السلام عليكم إلا على واحد صدق قضاء عندنا، ولو سلم من الصلاة فإن كان إماما قيل إن كان المحلوف عليه عن يمينه لا يحنث، وإن كان عن يساره حنث لان الاولى واقعة في الصلاة فلا يحنث بها بخلاف الثانية. وقيل لا يحنث بهما لانهما في الصلاة من وجه. وكذا عن محمد أنه لا يحنث بهما وهو الصحيح. ولو دق علي الباب فقال من حنث ولو ناداه المحلوف عليه فقال لبيك أو لبى حنث، ولو كلمه الحالف بكلام لم يفهمه المحلوف عليه ففيه روايتان. ولو أراد أن يأمر بشئ فقال وقد مر المحلوف عليه يا حائط اسمع افعل كيت وكيت فسمعه المحلوف عليه فسمعه المحلو ف عليه وفهمه لا يحنث لما روي أن عبد الرحمن بن عوف حلف لا يكلم عثمان فكان إذا مر به يقول يا حائط اصنع كذا كذا ويا حائط كان كذا. ولو قال لامرأته إن شكوت مني إلى أخيك فأنت طالق فجاء أخوها وعندها صبي لا يعقل فقالت

[ 559 ]

المرأة أن زوجي فعل بي كذا وكذا وخاطبت الصبي بذلك حتى سمع أخوها لا تطلق لانها ما شكت إليه لانها لم تخاطبه. ولو قال إن شكوت بين يدي أخيك قال في الكتاب: هذا أشد يريد به أنه يخاف عليه أن يحنث. والظاهر أنه لا يحنث لانه يراد في العرف بالشكاية بين يديه الشكاية إليه، كذا في الواقعات. ولو حلف لا يتكلم فناول امرأته شيئا فقال ها حنث، ولو جاءه كافر يريد الاسلام فبين صفة الاسلام مسمعا له ولا يوجه إليه لم يحنث. وفي المحيط: لو سبح الحالف للمحلوف عليه للسهو أو فتح عليه القراءة وهو مقتد لم يحنث، وخارج الصلاة يحنث، ولو كتب إليه كتابا أو أرسل إليه رسولا لا يحنث لانه لا يسمى كلاما عرفا خلافا لمالك وأحمد واستدلالهم بقوله تعالى * (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا) * إلى قوله * (أو يرسل رسولا) * [ الشورى: 15 ] أجيب عنه بأن مبنى الايمان على العرف: واعلم أن الكلام لا يكون إلا باللسان فلا يكون بالاشارة ولا بالكتابة، والاخبار والاقرار والبشارة تكون بالكتابة لا بالاشارة، والايماء والاظهار والافشاء والاعلام يكون بالاشارة أيضا فإن نوى في ذلك كله أي في الاظهار والافشاء والاعلام والاخبار كونه بالكلام والكتابة دون الاشارة دين فيما بينه وبين الله تعالى. ولو حلف لا يحدثه لا يحنث إلا أنه يشافهه، وكذا لا يكلمه يقتصر على المشافهة. ولو قال لا أبشره فكتب إليه حنث. وفي قوله إن أخبرتني أن فلانا قدم ونحوه يحنث بالصدق والكذب، ولو قال بقدومه ونحوه فعلى الصدق خاصة، وكذا إن أعلمتني وكذا البشارة ومثله إن كتبت إلى أن فلانا قدم فكتب قبل قدومه فوصل إليه الكتاب حنث، سواء وصل إليه قبل قدومه أو بعده، بخلاف إن كتبت إلي بقدومه لا يحنث حتى يكتب بقدومه الواقع، وذكر هشام عن محمد سألني هرون الرشيد عمن حلف لا يكتب إلى فلان فأمر من يكتب إليه بإيماء أو إشارة هل يحنث؟ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين إذا كان مثلك. قال السرخسي: وهذا صحيح لان السلطان لا يكتب بنفسه وإنما يأمر به ومن عادتهم الامر بالايماء والاشارة. ولو حلف لا يقرأ كتاب فلان فنظر فيه حتى فهمه لا يحنث عند أبي يوسف، ويحنث عند محمد لان المقصود الوقوف على ما فيه لا عين التلفظ به. ولو حلف لا يكلم فلانا وفلانا لم يحنث بكلام أحدهما إلا أن ينوي كلا منهما فيحنث بكلام أحدهما وعليه

[ 560 ]

الفتوى وإن ذكر خلافه في بعض المواضع، كذا في فتح القدير. ولو قال لا أبلغك شيئا فكتب إليه حنث، ولو قال لا أذكرك شيئا فهو على المواجهة ولا يحنث بالكتابة، ولو قال لا أظهر سرك ولا أفشي أبدا فإن صرح إلى رجل واحد وذكره فقد أفشى سره، وكذلك يحنث بالكتابة والرسالة إلى إنسان، كذا في المحيط. وفي الواقعات: حلف أن لا يكذب فسأله إنسان عن أمر فحرك رأسه بالكذب لا يحنث ما لم يتكلم لان الكذب تكلم بكلام هو كذب. ابن بين زيد وعمر وحلف رجل لا يكلم ابن زيد وحلف الآخر لا يكلم ابن عمر وفكلما هذا الابن حنثا لان كل واحد كلم ابن من سمى: إن كلمت امرأة فعبدي حر فكلم صبية لم يحنث. ولو قال إن تزوجت امرأة فتتزوج صبية حنث لان الصبا مانع من هجران الكلام فلا تراد الصبية في اليمين المعقودة على الكلام عادة ولا كذلك التزوج ا ه‍. وفي الظهيرية: حلف لا يكلم امرأته فدخل داره وليس فيها غيرها فقال من وضع هذا حنث ولو كان معها غيرها لا يحنث. ولو قال ليت شعري من وضع هذا لا يحنث لانه استفهم نفسه. ولو قرأ الحالف كتابا على المحلوف عليه والمحلوف عليه يكتب إن قصد الحالف املاء المحلوف عليه قالوا يخاف عليه الحنث ا ه‍. وفي السراجية عن محمد بن الحسن أنه سأل حال صغره أبا حنيفة فيمن قال لآخر والله لا أكلمك ثلاث مرات فقال أبو حنيفة: ثم ماذا؟ فتبسم محمد رحمه الله وقال: انظر حسنا يا شيخ فنكس أبو حنيفة ثم رفع رأسه فقال: حنث مرتين. فقال له محمد: أحسنت. فقال أبو حنيفة: لا أدري أي الكلمتين أوجع لي قوله انظر حسنا أو أحسنت ا ه‍. وأما المسألة الثانية وهي ما إذا حلف لا يكلمه إلا بإذنه فأذن له ولم يعلم بالاذن حتى كلمه فلان. الاذن مشتق من الاذان الذي هو الاعلام أو من الوقوع في الاذن وكل ذلك لا يتحقق إلا بالسماع. وقال أبو يوسف: لا يحنث لان الاذن هو الاطلاق وأنه يتم بالاذن كالرضا. قلنا: الرضا من أعمال القلب ولا كذلك الاذن على ما مر ولا يخالفه ما في التتمة والفتاوي الصغرى إذا أذن المولى لعبده والعبد لا يعلم لا يصح الاذن حتى إذا علم يصير مأذونا لان الاذن يثبت موقوفا على العلم فليس ل