الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




البحر الرائق - ابن نجيم المصري ج 3

البحر الرائق

ابن نجيم المصري ج 3


[ 1 ]

البحر الرائق كنز الدقائق (في فروع الحنفية) للشيخ الامام أبى البركات عبد الله بن أحمد بن محمود المعروف بحافظ الدين النسقى المتوفى سنة 710 ه‍ والشرح البحر الرائق للامام العلامة الشيخ زين بن إبراهيم بم محمد المعروف بابن نجيم المصرى المحنفى المتوفى سنة 910 ه‍ ومعه الحواشى المسماة منحة الخالق على البحر الرائق للعلامة الشيخ محمد امى عابدين بن عمر عابدين بن عبد العزيز المعروف بابن عابدين الدمشقي الحنفي المتوفى سنة 1252 ه‍ ضبطه وخرج آياته وأحاديثه الشيخ زكريا عميرات تنبيه وضعنا متن كنز الدقائق في أعلى الصفهانى أسفل منه مباشرة زمن البحر الرائق ووضعنا في أسفل الصفهات حواشى الشيخ ابن عبابدين الجزء الثالث منشورات محمد على بيضون دار كتب العلمية بيروت - لبنان

[ 2 ]

جميع الحقوق محفوظة جميع حقوق الملكية الادبية والفقية محفوظ لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملا أو مجزا أو تسجليه على أشرطة كاسيت أو إخاله على الكمبيوتر أو برمجته على السطوانا ضوئية إلا بموافقة الناشر خطيا: الطبعة الاولى 1418 ه‍ - 1997 م‍ دار الكتب العلمية بيروت - لبنان العنوان: رمل الظريف شارع البحترى بناية ملكارت تلفون وفاكس: 264398 - 266135 - 602123 (961 1): صندوق بريد: 9424 - 11 بيروت لبنان

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم باب الجنايات لما كانت الجناية من العوارض أخرها. [ تع ] وهي في اللغة ما تجنيه من شر أي تحدثه تسمية بالمصدر من جنى عليه شرا، وهو عام إلا أنه خص بما يحرم من الفعل، وأصله من جني الثمر وهو أخذه من الشجر [ / تع ]. [ تع ] وفي الشرع اسم لفعل محرم شرعا، سواء حل بمال أو نفس [ / تع ] إلا أن الفقهاء خصوه بالجناية على الفعل في النفس والاطراف، وخصوا الفعل في المال باسم الغصب، والمراد هنا خاص وهو ما يكون حرمته بسبب الاحرام أو الحرم، وحاصل الاول أنه الطيب ولبس المخيط وتغطية الرأس أو الوجه وإزالة الشعر من البدن وقص الاظفار والجماع صورة ومعنى أو معنى فقط وترك واجب من واجبات الحج والتعرض للصيد، وحاصل الثاني التعرض لصيد الحرم وشجره فبدأ بالاول من الاول فقال: (تجب شاة إن طيب محرم عضوا وإلا تصدق أو خضب رأسه بحناء أو ادهن بزيت) لان الجناية تتكامل بتكامل الارتفاق وذلك في العضو الكامل فيترتب عليه كمال الموجب وتتقاصر الجناية فيما دونه فوجبت الصدقة. وقال محمد: يجب بقدره من الدم اعتبارا للجزء بالكل، فإن كان ذلك يبلغ نصف العضو تجب عليه الصدقة قدر نصف قيمة الشاة، وإن كان يبلغ ربعا يجب عليه الصدقة قدر ربع قيمة الشاة، وعلى هذا القياس، واختاره الامام الاسبيجابي مقتصرا عليه من غير نقل خلاف، ثم ما اختاره أصحاب المتون من أن الكثير هو العضو والقليل ما دونه هو ما صرح به الامام محمد عن الامام في بعض المواضع، وقد أشار في بعض المواضع إلى أن الدم يجب بالتطيب الكثير والصدقة بالقليل ولم يذكر العضو وما دونه، ففهم من ذلك الفقيه أبو جعفر الهندواني أن الكثرة تعتبر في نفس الطيب لا في العضو، فلو كان كثيرا مثل كفين من ماء

[ 4 ]

الورد وكف من الغالية والمسك بقدر ما يستكثره الناس فإنه يكون كثيرا وإن كان قليلا في نفسه والقليل ما يستقله الناس وإن كان في نفسه كثيرا وكف من ماء الورد يكون قليلا. ووفق بعضهم بين القولين وصححه في المحيط وغيره. وقال في فتح القدير: إن التوفيق هو التوفيق بأن الطيب إن كان قليلا فالعبرة للعضو لا للطيب، فإن طيب عضوا كاملا لزمه دم، وإن كان أقل فصدقة، وإن كان الطيب كثيرا فالعبرة للطيب لا للعضو حتى لو طيب به ربع عضو يلزمه دم وفيما دونه صدقة، ونظيره ما قاله محمد في تقدير النجاسة الكثيرة: اعتبر المساحة في النجاسة الرقيقة واعتبر الوزن في النجاسة الكثيفة اه‍. ما في المحيط. وحاصله أن ما في المتون محمول على ما إذا كان الطيب قليلا، أما إذا كان كثيرا فلا اعتبار بالعضو، ولا يخفى أن ما ذكره محمد من اعتبار العضو صريح، وما ذكره من الكثرة إشارة يمكن حملها على المصرح به فيتحد القولان ويترجح ما في المتون من اعتبار العضو وهو كالرأس والساق والفخذ واليد. وفي المبسوط والمحيط: إذا خضبت المرأة كفها بحناء يجب عليها دم قال: وجعل الكف عضوا كاملا. وحقيقة التطيب أن يلزق ببدنه أو ثوبه طيبا، وما زاده في فتح القدير من فراشه فراجع إليهما. والطيب جسم له رائحة طيبة مستلذة كالزعفران والبنفسج والياسمين والغالية والريحان والورد والورس والعصفر، ولا فرق بين أن يلتزق بثوبه عينه أو رائحته فلذا صرحوا أنه لو بخر ثوبه بالبخور فتعلق به كثير فعليه دم، وإن كان قليلا فصدقة لانه انتفاع بالطيب بخلاف ما إذا دخل بيتا قد أجمر فيه فعلق بثيابه رائحة فلا شئ عليه لانه غير منتفع بعينه. ولا بأس أن يجلس في حانوت عطار، ولا فرق أيضا بين أن يقصده أولا ولذا قال في

[ 5 ]

المبسوط: وإن استلم الركن فأصاب فمه أو يده خلوف كثير فعليه دم وإن كان قليلا فصدقة. وفي المجمع: ونوجبه في الناسي لا الصبي ونعكس في شمه وأكل كثيره موجب له، وفي قليله صدقة بقدره اه‍. فعلم أن مفهوم شرطه أنه لو شم الطيب فإنه لا يلزمه شئ وإن كان مكروها كما لو توسد ثوبا مصبوغا بالزعفران، وما ذكره المصنف قاصر على الطيب الملتزق بالبدن، وأما الملتزق بالثياب فلم يمكن اعتبار العضو فيه فيعتبر فيه كثرة الطيب وقلته وهو مرجح بقول الهندواني المتقدم فإنه يعم البدن والثوب ولا يجوز له أن يمسك مسكا في طرف إزاره. وفي فتح القدير: وكان المرجع في الفرق بين القليل والكثير العرف إن كان وإلا فما يقع عند المبتلى. وما في المجرد إن كان في ثوبه شبر في شبر فمكث عليه يوما يطعم نصف صاع من بر، وإن كان أقل من يوم فصدقة يفيد التنصيص على أن الشبر في الشبر داخل في حد القليل وعلى تقدير الطيب في الثوب بالزمان بخلاف تطييب العضو فإنه لا يعتبر فيه الزمان حتى لو غسله من ساعته فالدم واجب كما في فتح القدير، ولذا أطلقه في المتن. قيد بكونه تطيب وهو محرم لانه لو تطيب قبل الاحرام ثم انتقل بعده من مكان إلى آخر من بدنه فإنه لا شئ عليه اتفاقا. وإذا وجب الجزاء بالتطيب فلا بد من إزالته من بدنه أو ثوبه لانه معصية فلا بد من الاقلاع عنها. وذبح الهدى لا يبيح بقاءه فلو لم يزله بعدما كفر له اختلفوا

[ 6 ]

في وجوب دم آخر لبقائه، وأظهر القولين الوجوب لان ابتداءه كان محظورا فيكون لبقائه حكم ابتدائه والرواية توافقه وهي ما في المبتغى عن محمد: إذا مس طيبا كثيرا فأراق له دما ثم ترك الطيب على حاله يجب عليه لتركه دم آخر، ولا يشبه هذا الذي تطيب قبل أن يحرم ثم أحرم وترك الطيب لانه لم يكن محظورا واختاره في المحيط. وفي فتح القدير: وقد علم من بيانه حكم العضو وما دونه أن ما زاد عليه فهو كالعضو كما صرحوا به. ثم إنما تجب كفارة واحدة بتطييب كل البدن إذا كان في مجلس واحد فإن كان في مجالس فلكل طيب كفارة كفر للاول أولا عندهما. وقال محمد: عليه كفارة واحدة ما لم يكفر للاول. وإن داوى قرحة بدواء فيه طيب ثم خرجت قرحة أخرى فداواها مع الاولى فليس عليه إلا كفارة ما لم تبرأ الاولى. ولو كان الطيب في أعضاء متفرقة يجمع ذلك، فإن بلغ عضوا كاملا فعليه دم وإلا فصدقة. وفي المحيط: اكتحل بكحل ليس فيه طيب فلا بأس به، وإن كان فيه طيب فعليه صدقة إلا أن يكون مرارا كثيرة فدم. والمراد بالمرار المرتان فأكثر كما صرح به قاضيخان في فتاواه وقال: لو جعل الملح الذي فيه طيب في طعام قد طبخ وتغير وأكله لا شئ عليه وإن لم يطبخ وريحه يوجد منه يكره ذلك ولا شئ عليه، ولو جعل الزعفران في الملح فإن كان الزعفران غالبا فعليه كفارة، وإن كان الملح غالبا لا كفارة عليه اه‍. وأشار بقوله شاة إلى أن سبع البدنة لا يكفي في هذا الباب بخلاف دم الشكر، ولو

[ 7 ]

قال المصنف عضوه بالاضافة كان أولى لما في الفتاوى الظهيرية: وإذا ألبس المحرم محرما أو حلالا مخيطا أو طيبه بطيب فلا شئ عليه بالاجماع، وكذلك إذا قتل قملة على غيره اه‍. وقوله: أو خضب رأسه معطوف على طيب. وإنما صرح بالحناء مع دخولها تحت الطيب لقوله عليه السلام الحناء طيب للاختلاف. وإنما اقتصر على الرأس ولم يذكر اللحية كما وقع في الاصل ليفيد أن الرأس بانفرادها مضمونة وأن الواو بمعنى أو في عبارة الاصل بدليل الاقتصار على الرأس في الجامع الصغير. ولما كان مصرحا فيما يأتي بأن تغطية الرأس موجبة للدم لم يقيد الحناء بأن تكون مائعة، فإن كانت ملبدة ففيه دمان دم للتطييب مطلقا ودم للتغطية إن دام يوما وليلة وغطى الكل أو الربع، فلو كان التلبيد بغير الحناء لزمه دم أيضا. والتلبيد أن يأخذ شيئا من الخطمي والآس والصمغ فيجعله في أصول الشعر ليتلبد، وما ذكره رشيد الدين في مناسكه وحسن أن يلبد رأسه قبل الاحرام مشكل لانه لا يجوز استصحابه التغطية الكائنة قبل الاحرام بخلاف الطيب. كذا في فتح القدير. ويشكل عليه ما في الصحيحين عن ابن عمر أن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت من عمرتك؟ قال: إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر. فلا فرق بين التلبيد والطيب فإن كلا منهما محظور بعد الاحرام. وجاز استصحاب الطيب الكائن قبل الاحرام بالسنة فكذلك التلبيد قبله بالسنة. وقيد الخضاب بالرأس لان المحرمة لو خضبت

[ 8 ]

يدها أو كفها فعليها دم إن كان كثيرا فاحشا، وإن كان قليلا فعليها صدقة كما ذكره الاسبيجابي وغيره بخلاف خضاب الرأس بالحناء فإنه موجب للدم مطلقا. وأما خضاب اللحية فوقع في الهداية أن كلا من الرأس واللحية مضمون ولم يقل بالدم، وزاد الشارح أن كلا منهما مضمون بالدم وهو سهو منه لان اللحية مضمونة بالصدقة كما في معراج الدراية معزيا للمبسوط، وقيد بالحناء لانه لو خضب بالوسمة فليس عليه دم ولكن إن خاف أن يقتل الهوام أطعم شيئا لان فيه معنى الجناية من هذا الوجه ولكنه غير متكامل فيلزمه الصدقة كما في المبسوط. والوسمة - بسكون السين وكسرها وهو الافصح - شجر يخضب بورقه. وفي الهداية: وعن أبي يوسف إذا خضب رأسه بالوسمة لاجل المعالجة من الصداع فعليه الجزاء باعتبار أنه يغلف رأسه وهذا صحيح اه‍. يعني ينبغي أن لا يكون فيه خلاف لان التغطية موجبة بالاتفاق غير أنها للعلاج فلهذا ذكر الجزاء ولم يذكر الدم. والحناء منون في عبارة المصنف لانه فعال لا فعلاء ليمنع صرفه ألف التأنيث. وقوله: أو ادهن بزيت معطوف على قوله طيب أطلقه فشمل ما إذا كان مطبوخا أو غير مطبوخ، مطيبا أو غير مطيب، ولم يقيده بالكثير لما علم من تقييده في الطيب لانه إذا فرق في الطيب بين العضو وما دونه فالزيت أولى لانه لا خلاف في الطيب، وفي الزيت الذي ليس بمطيب ولا مطبوخ خلافهما فقالا: يجب فيه صدقة لان الجناية فيه قاصرة لانه من الاطعمة إلا أن فيه ارتفاقا لمعنى قتل الهوام وإزالة الشعث. وقال الامام: يجب دم لانه أصل

[ 9 ]

الطيب باعتبار أنه يلقى فيه الانوار كالورد والبنفسج فيصير نفسه طيبا ولا يخلو عن نوع طيب ويقتل الهوام ويلين الشعر ويزيل التفث والشعث. وأراد بالزيت دهن الزيتون والسمسم وهو المسمى بالشيرج فخرج بقية الادهان كالشحم والسمن، وقيد بالادهان لانه لو أكله أو داوى به شقوق رجليه أو أقطر في أذنه لا يجب دم ولا صدقة بخلاف المسك والعنبر والغالية والكافور ونحوها حيث يلزم الجزاء بالاستعمال على وجه التداوي لكنه يتخير إذا كان لعذر كما سيأتي، وكذا إذا أكل الكثير من الطيب وهو ما يلتزق بأكثر فمه فعليه الدم. قال في فتح القدير: وهذه تشهد لعدم اعتبار العضو مطلقا في لزوم الدم بل ذاك إذا لم يبلغ مبلغ الكثرة في نفسه على ما قدمناه، وقد قدمنا عن قاضيخان أنه لو خلط الطيب بطعام من غير طبخ فالعبرة للغالب، فإن كان الطيب مغلوبا فلا شئ أصلا، زاد بعضهم إلا أنه يكره إذا كان رائحته توجد فيه، وإن كان غالبا فهو كالخالص، وهكذا في المحيط وغيره. وقالوا: ولو خلطه بمشروب وهو غالب ففيه الدم، وإن كان مغلوبا فصدقة إلا أن يشرب مرارا فدم، فإن كان للتداوي خير. وينبغي أن يسوي بين المأكول والمشروب المخلوط كل منهما بطيب مغلوب، إما بعدم شئ أصلا كما هو الحكم في المأكول أو بوجوب الصدقة فيهما كما هو الحكم في المشروب. وما فرق به في المحيط من أن الطيب مما يقصد شربه فإذا خلطه بمشروب لم يصر تبعا لمشروب. وما فرق به في المحيط من أن الطيب مما يقصد شربه فإذا خلط بمشروب لم يصر تبعا لمشروب مثله إلا أن يكون المشروب غالبا كما لو خلط اللبن بالماء فشربه الصبي تثبت حرمة الرضاع إلا أن يكون الماء غالبا بخلاف أكله فإنه ليس مما يقصد عادة، فإذا خلط بالطعام صار تبعا للطعام وسقط حكمه، ففيه نظر من وجهين: الاول أن من الطيب ما يقصد أكلا إذا كان من المأكولات للمعنى القائم به وهو الطيبية إما مداواة أو تنعما منفردا أو مخلوطا كما يقصد شربا. الثاني أن القصد من هذا الباب ليس بشرط لان

[ 10 ]

الناسي والعامد والجاهل سواء. وذكر الحلبي في مناسكه أني لم أرهم تعرضوا بماذا تعتبر الغلبة وظهر لي أنه إن وجد في المخالط رائحة الطيب كما قبل الخلط وحس الذوق السليم بطعمه فيه حسا ظاهرا فهو غالب وإلا فهو مغلوب لان المناط كثرة الاجزاء. ثم قال: لم أرهم تعرضوا في هذه المسألة في التفصيل أيضا بين القليل والكثير كما في مسألة أكل الطيب وحده وأنه بإثباته فيها أيضا لجدير. ويقال: إن كان الطيب غالبا وأكل منه أو شرب كثيرا فعليه الكفارة وإلا فصدقة، وإن كان مغلوبا وأكل منه أو شرب كثيرا فصدقة وإلا فلا شئ عليه. ولعل الكثير ما يعده العارف العدل الذي لا يشوبه شره ونحوه كثيرا والقليل ما عداه ثم قال: ولا شئ في أكل ما يتخذ من الحلواء المبخرة بالعود ونحوه، وإنما يكره إذا كانت رائحته توجد منه بخلاف الحلواء المسمى بالقاووت المضاف إلى أجزائها الماورد والمسك، فإن في أكل الكثير دما والقليل صدقة والله سبحانه وتعالى أعلم بحقائق الاحوال. قوله: (أو لبس مخيطا أو غطى رأسه يوما وإلا تصدق) معطوف على طيب بيان للثاني والثالث من النوع الاول، وجمع بينهما لان الحكم فيهما واحد من حيث التقدير بالزمان، فإن قوله يوما راجع إلى اللبس والتغطية، وكذا قوله وإلا تصدق أي وإن كان لبس المخيط وتغطية الرأس أقل من يوم لزمه صدقة لما علم أن كمال العقوبة بكمال الجناية وهو بكمال الارتفاق وهو بالدوام لان المقصود من كل منهما دفع الحر والبرد واليوم يشتمل عليهما

[ 11 ]

فوجب الدم والجناية قاصرة فيما دونه فوجبت الصدقة. والتحقيق أن تغطية الرأس من جملة لبس المخيط فهي جناية واحدة لما سيأتي أنه لو لبس القميص والعمامة يلزمه دم واحد، عللوا بأن الجناية واحدة. وحقيقة لبس المخيط أن يحصل بواسطة الخياطة اشتمال على البدن واستمساك فلذا لو ارتدى بالقميص أو اتشح أو ائتزر بالسراويل فلا بأس به لانه لم يلبسه لبس المخيط لعدم الاشتمال، وكذا لو أدخل منكبيه في القباء ولم يدخل يديه في الكمين ولم يزره لعدم الاشتمال، أما إذا أدخل يديه أو زره فهو لبس المخيط لوجودهما بخلاف الرداء فإنه إذا اتزر به لا ينبغي أن يعقده بحبل أو غيره، ومع هذا لو فعل لا شئ عليه لانه لم يلبسه لبس المخيط لعدم الاشتمال. أطلق في اللبس فشمل ما إذا أحدث اللبس بعد الاحرام أو أحرم وهو لابسه فدام على ذلك بخلاف انتفاعه بعد الاحرام بالطيب السابق عليه قبله للنص ولولاه لاوجبنا فيه أيضا. وشمل ما إذا كان ناسيا أو عامدا عالما أو جاهلا مختارا أو مكرها فيجب الجزاء على النائم لو غطى إنسان رأسه لان الارتفاق حصل له وعدم الاختيار أسقط الاثم عنه كالنائم المنقلب على شئ أتلفه. وشمل ما إذا لبس ثوبا واحدا أو جمع اللباس كله القميص والعمامة والخفين ولذا لم يقل لبس ثوبا كغيره، وبين المصنف حكم اليوم وما دونه ولم يذكر حكم الزائد عليه ليفيد أنه كاليوم، فلو لبس المخيط ودام عليه أياما أو كان ينزعه ليلا ويعاوده نهارا أو عكسه يلزمه دم واحد ما لم يعزم على الترك عند النزع، فإن عزم عليه ثم لبس تعدد الجزاء كفر للاول أولا وفي الثاني خلاف محمد ولو لبس يوما فأراق دما ثم داوم على لبسه يوما آخر كان عليه دم آخر بلا خلاف لان للدوام فيه حكم الابتداء. وفي

[ 12 ]

الفتاوى الظهيرية: وعندي المودع إذا لبس قميص الوديعة بغير إذن المودع فنزعه بالليل للنوم فسرق القميص في الليل، فإن كان من قصده أن يلبس القميص من الغد لا يعد هذا ترك الخلاف والعود إلى الوفاق حتى يضمن، وإن كان من قصده أن لا يلبس القميص من الغد كان هذا ترك الخلاف حتى لا يضمن. فالحاصل أن اللبس شئ واحد ما لم يتركه ويعزم على الترك اه‍. واعلم أن ما ذكرناه من إيجاب الجزاء إذا لبس جميع المخيط محله ما إذا لم يتعدد سبب اللبس فإن تعدد كما إذا اضطر إلى لبس ثوب فلبس ثوبين فإن لبسهما على موضع الضرورة فعليه كفارة واحدة يتخير فيها، وإن لبسهما على موضع الضرورة وغيره لزمه كفارتان يتخير فيما للضرورة فقط. ومن صور تعدد اللبس واتحاده ما إذا كان به مثلا حمى يحتاج إلى اللبس

[ 13 ]

لها ويستغنى عنه في وقت زوالها فإن عليه كفارة واحدة وإن تعدد اللبس ما لم تزل عنه، فإن زالت وأصابه مرض آخر أو حمى غيرها فعليه كفارتان كفر للاولى أولا خلافا لمحمد في الثاني. وكذا إذا حصره عدو فاحتاج إلى اللبس للقتال أياما يلبسها إذا خرج إليه وينزعها إذا رجع فعليه كفارة واحدة ما لم يذهب هذا العدو، فإن ذهب وجاء عدو غيره لزمه كفارة أخرى. والاصل في جنس هذه المسائل أنه ينظر إلى اتحاد الجهة واختلافها لا إلى صورة اللبس كيف كانت، ولو لبس لضرورة فزالت فدام بعدها يوما ويومين فما دام في شك من زوال الضرورة فليس عليه إلا كفارة واحدة، وإن تيقن زوالها كان عليه كفارة أخرى لا يتخير فيها. هكذا ذكروا. وذكر الحلبي في مناسكه أن مقتضاه أنه إذا لبس شيئا من المخيط لدفع برد ثم صار ينزع ويلبس كذلك ثم زال ذلك البرد ثم أصابه برد آخر غير الاول عرف ذلك بوجه من الوجوه المفيدة لمعرفته فلبس لذلك أنه يجب عليه كفارتان اه‍. وشمل كلامه أيضا ما إذا لم يجد غير المخيط فلذا قال في المجمع: ولو لم يجد إلا السراويل فلبسه ولم يفتقه نوجبه أي الدم. وأطلق في التغطية فانصرفت إلى الكامل وهو ما يغطى به عادة كالقلنسوة والعمامة فخرج ما لا يغطى به عادة كالطست والاجانة والعدل فلا شئ عليه. وعلى هذا يفرع ما في الظهيرية: ما لو دخل المحرم تحت ستر الكعبة وإن كان يصيب وجهه ورأسه فهو مكروه لا شئ عليه وإلا فلا بأس به، وظاهر ما في المتون يقتضي أنه لا بد من تغطية جميع الرأس في لزوم الدم، وما رأيته رواية ولهذا لم يصرحوا بحكم ما دونها وإنما المنقول عن الاصل اعتبار الربع ومشى عليه كثير واختاره في الظهيرية مقتصرا عليه، وعزاه في الهداية إلى أنه عن أبي حنيفة، وعن محمد اعتبار الاكثر وهو مروي عن أبي يوسف أيضا كما اعتبر أكثر اليوم في لزوم الدم، واختاره في فتح القدير من جهة الدراية. فالحاصل أن الربع راجح رواية والاكثر

[ 14 ]

راجح دراية باعتبار أن تكامل الجناية لا يحصل بما دون الاكثر بخلاف حلق ربع الرأس فإنه معتاد. ويتفرع على هذا ما لو عصب رأسه بعصابة فعلى اعتبار الربع إن أخذت قدره من الرأس لزمه دم، وإن كان أقل فصدقة. فما في المبسوط والظهيرية من أنه لو عصب رأسه يوما فعليه صدقة، محمول على ما إذا لم تأخذ قدر الربع أو مفرع على اعتبار الاكثر. وأراد بالرأس عضوا يحرم تغطيته على المحرم فدخل الوجه، فلو غطى ربعه لزمه دم رجلا كان أو امرأة، وخرج ما لا يحرم تغطيته فلا شئ عليه لو عصب موضعا آخر من جسده ولو كثر لكنه يكره من غير عذر كعقد الازار وتخليل الرداء، ولا بأس بأن يغطي أذنيه وقفاه ومن لحيته ما هو أسفل من الذقن بخلاف فيه وعارضه وذقنه، ولا بأس بأن يضع يده على أنفه دون ثوب. وبين المصنف حكم اليوم وما دونه فأفاد أن الليلة كاليوم كما صرح به في غاية البيان والمحيط لان الارتفاق الكامل الحاصل في اليوم حاصل في الليلة وأن ما دونها كما دونه. وأطلق في وجوب الصدقة فيما دون اليوم فشمل الساعة الواحدة وما دونها خلافا لما في خزانة الاكمل أنه في ساعة واحدة نصف صاع وفي أقل من ساعة قبضة من بر ولما روي عن محمد أن في لبس بعض اليوم قسطه من الدم كثلث اليوم فيه ثلث الدم وفي نصفه نصفه. ومن الغريب ما في فتاوى الظهيرية هنا فإن لبس ما لا يحل له لبسه من غير ضرورة أراق لذلك دما فإن لم يجد صام ثلاثة أيام اه‍. فإن الصوم لا مدخل له في وجوب الجناية بل يكون الدم في ذمته إلى الميسرة وإنما يدخل الصوم فيما إذا فعل شيئا للعذر كما سيأتي. قوله: (أو حلق ربع رأسه أو لحيته وإلا تصدق كالحالق أو رقبته أو إبطيه أو أحدهما أو محجمة) معطوف على طيب، وقوله أو لحيته بالجر معطوف على رأسه أي حلق ربع لحيته، وقوله وإلا أي وإن كان حلق أقل من ربع الرأس أو أقل من ربع اللحية يلزمه صدقة كما يلزم المحرم إذا حلق رأس غيره وقوله أو رقبته وما عطف عليه معطوف على الربع أي يجب الدم بحلق المحرم رقبته كلها أو بحلق إبطيه أو أحدهما أو بحلق محاجمه. والمحجمة هنا بالفتح موضع المحجة من العنق، والمحجة بالكسر قارورة الحجام، وكذا المحجم بطرح الهاء. وقولهم يجب غسل المحاجم يعني مواضع الحجامة من البدن. كذا في المغرب. وإنما

[ 15 ]

كان حلق ربع الرأس أو ربع اللحية موجبا للدم لتكامل الجناية بتكامل الارتفاق لان بعض الناس يعتاده بخلاف تطييب ربع العضو فإن الجناية فيه قاصرة، وكذا تغطية ربع الرأس على قول من اعتبر الاكثر. وإذا حلق أقل من الربع فيهما تقاصرت الجناية فوجبت الصدقة، واعتبار الربع في الحلق رواية الجامع الصغير اعتمدها المشايخ، وأما رواية الاصل فاعتبار الثلث. وفي المحيط: وعند أبي حنيفة يجب الدم بحلق الاكثر اه‍. وأراد المصنف بالحلق الازالة سواء كان بالموسى أو بغيره، وسواء كان مختارا أولا، فلو أزاله بالنورة أو نتف لحيته واحترق شعره بخبزة أو مسه بيده فسقط فهو كالحلق كما في المحيط وغيره بخلاف ما إذا تناثر شعره بالمرض أو النار فلا شئ عليه لانه ليس للزينة وإنما هو شين. كذا في المحيط أيضا. وأطلق في وجوب الصدقة فيما إذا حلق أقل من ربع الرأس أو اللحية فشمل ما إذا بقي شئ بعد الحلق أولا، فكذا لو كان أصلع على ناصيته أقل من ربع الرأس فإنما فيه صدقة، وكذا لو حلق كل رأسه وما عليه أقل من ربع شعره كما أطلق وجوب الدم بحلق الربع، فلذا لو كان على رأسه قدر ربع شعره لو كان شعر رأسه كاملا ففيه دم. قال في فتح القدير: وعلى هذا يجئ مثله فيمن بلغت لحيته الغاية في الخفة وعلم من إيجابه الدم بحلق أحد الابطين أو الابطين أن جناية الحلق واحدة وإن تعددت في البدن، فلذا لو حلق رأسه ولحيته وإبطيه بل كل بدنه في مجلس واحد فدم واحد بشرطين: الاول أن لا يكون كفر للاول، فلو أراق دما لحلق رأسه ثم حلق لحيته لزمه آخر. الثاني أن يتحد المجلس فإذا اختلف المجلس فلكل مجلس موجب جنايته إن تعدد المحل كما ذكرنا، وإن اتحد فدم واحد.

[ 16 ]

وإن اختلف المجلس كما إذا حلق الرأس في مجالس وخالف محمد فيما إذا تعدد المحل فألحقه بما إذا اتحد، وظاهر قول المصنف وإلا تصدق أن في إزالته لشعر الرأس أو اللحية إذا كان أقل من الربع نصف صاع ولو كان شعرة واحدة فإنهم قالوا: كل صدقة في الاحرام غير مقدرة فهي نصف صاع من بر إلا ما يجب بقتل القملة والجرادة كما أن واجب الدم يتأدى بالشاة في جميع المواضع إلا في موضعين: من طاف للزيارة جنبا أو حائضا أو نفساء، ومن جامع بعد الوقوف بعرفة قبل الطواف فإنه بدنة. كذا في الهداية وغيرها لكن ذكر قاضيخان في فتاواه أنه إن نتف من رأسه أو من أنفه أو لحيته شعرات فلكل شعرة كف من طعام. وفي خزانة الاكمل: في خصلة نصف صاع. فظهر بهذا أن في كلام المصنف اشتباها لانه لم يبين الصدقة ولم يفصلها. وأطلق في لزوم الصدقة على الحالق فشمل ما إذا كان محرما، سواء كان المحلوق محرما أولا أو حلالا والمحلوق رأسه محرم، ولا يرد عليه ما إذا كانا حلالين لانه ليس بجناية منهما وكلامه فيما يكون جناية. وإنما لزمه الصدقة فقط لقصور جنايته لانه ينتفع بإزالة شعر غيره انتفاعا قليلا بخلاف المحلوق، وإنما صار جناية من الحالق الحلال باعتبار أن شعر المحرم

[ 17 ]

استحق الامن وقد أزاله عنه فكان جانيا. وإذا كان المحلوق رأسه مكرها وجب الدم عليه ولا رجوع له على الحالق عندنا كذا في المحيط. وظاهر كلامه أنه لا بد من حلق جميع الرقبة والابط والمحجمة في لزوم الدم بكل منهم، فلو بقي من الرقبة أو الابط شئ لا يلزمه دم وإن كان قليلا ولهذا قال الاسبيجابي: ولو حلق من أحد الابطين أكثره وجبت الصدقة. فعلى هذا فما صرح به من المحيط من أن الاكثر من الرقبة كالكل في لزوم الدم وأن الاصل أن كل عضو له نظير في البدن لا يقوم أكثره مقام كله، وكل عضو لا نظير له في البدن كالرقبة يقوم أكثره مقام كله. وما في فتاوى قاضيخان من أن في الابط إذا كان كثير الشعر يعتبر فيه الربع لوجوب الدم وإلا فالاكثر، ضعيف لانه لم يقيد أحد حلق ربع غير اللحية والرأس فليس فيه ارتفاق كامل، ولهذا قال الشارح: ثم الربع من هذه الاعضاء لا يعتبر بالكل لان العادة لم تجر في هذه الاعضاء بالاقتصار على البعض فلا يكون حلق البعض ارتفاقا كاملا حتى لو حلق أكثر الابط لا يجب عليه إلا صدقة بخلاف الرأس واللحية ا ه‍. فالمذهب ما في الكتاب من اعتبار الربع في الرأس واللحية والكل في غيرها في لزوم الدم. وأراد بالرقبة وما عطف عليها ما عدا الرأس واللحية كالصدر والساق والعانة كالرقبة لكن في فتاوى قاضيخان: وفي حلق العانة دم إن كان الشعر كثيرا ه‍. فشرط كثرة الشعرة فصار الحاصل أن فيما عدا الرأس واللحية إن حلق عضوا كاملا فعليه دم، وإن كان أقل فعليه صدقة. وفي المبسوط: ومتى حلق عضوا مقصودا بالحلق فعليه دم، وإن حلق ما ليس بمقصود فصدقة ثم قال: ومما ليس بمقصود حلق الصدر والساق ورجحه في فتح القدير، ودفع ما في الهداية من أنه مقصود بطريق التنور بأن القصد إلى حلقهما إنما هو في ضمن غيرهما إذ ليست العادة تنوير الساق وحده بل تنوير المجموع من الصلب إلى القدم فكان بعض المقصود بالحلق، فالحق أن يجب كل منهما الصدقة ا ه‍. فعلى هذا فالتقييد بالرقبة وما عطف عليه للاحتراز عن الصدر والساق بما ليس بمقصود. وأطلق في المحجمة وهو مقيد بما إذا كان الحلق لهذا الموضع وسيلة إلى الحجامة، فلو حلقها ولم يحتجم لزمه صدقة لانه غير مقصود كما في فتح

[ 18 ]

القدير. وفي فتح القدير: واعلم أنه يجمع المتفرق في الحلق كما في الطيب وفي الهداية ذكر في الابطين الحلق هنا وفي الاصل النتف وهو السنة. وفي النهاية: وأما العانة فالسنة فيها الحلق لما جاء في الحديث عشر من السنة منها الاستحداد (1) وتفسيره حلق العانة بالحديد. قوله: (وفي أخذ شاربه حكومة عدل) مخالف لما أفاده أولا بقوله وإلا تصدق فإن الشارب بعض اللحية وهو إذا كان أقل من الربع ففيه الصدقة ومبني على ضعيف وهو قول محمد في تطييب بعض العضو حيث قال: يجب بقدره من الدم، وأما المذهب فوجوب الصدقة. فالحاصل كما في المحيط أن في حلق الشارب ثلاثة أقوال: المذهب وجوب الصدقة كما ذكره في الكافي للحاكم الشهيد الذي هو جمع كلام محمد وصححه في غاية البيان والمبسوط لانه تبع للحية وهو قليل لانه عضو صغير، وسواء حلقه كله أو بعضه. والقول الثاني ما ذكره في الكتاب تبعا لما في الهداية أنه ينظر إلى الشارب كم يكون من ربع اللحية فيلزمه من الصدقة بقدره حتى لو كان مثل ربع ربعها لزمه ربع قيمة الشاة أو ثمنها فثمنها. وفي فتح القدير: والواجب أن ينظر إلى نسبة المأخوذ من ربع اللحية معتبرا معها الشارب كما يفيده ما في المبسوط من كون الشارب طرفا من اللحية هو معها عضوا واحد لا أنه ينسب إلى ربع اللحية غير معتبر الشارب معها، فعلى هذا إنما يجب ربع قيمة الشاة إذا بلغ المأخوذ من الشارب ربع المجموع من اللحية مع الشارب لا دونه ا ه‍. القول الثالث لزوم الدم يحلقه لانه مقصود بالحلق يفعله الصوفية وغيرهم، وقد ظن صاحب الهداية من تعبير محمد في الجامع الصغير هنا بالاخذ أن السنة قص الشارب لا حلقه ردا على الطحاوي القائل بسنية الحلق

[ 19 ]

وليس كما ظن لان محمدا لم يقصد هنا بيان السنة وإنما قصد بيان حكم هذه الجناية بإزالة الشعر بأي طريق كان، ولهذا ذكر الحلق في الابط. واختار في الهداية سنية النتف لا الحلق ولان الاخذ أعم من الحلق لان الحلق أخذ وليس القص متبادرا من الاخذ والوارد في الصحيحين أحفوا الشوارب واعفوا اللحى وهو المبالغة في القطع، فبأي شئ حصل حصل المقصود غير أنه بالحلق بالموسى أيسر منه بالقصة فلذا قال الطحاوي: الحلق أحسن من القص وقد يكون مثله بسبب بعض الآلات الخاصة بقص الشارب، وأما ذكر القص في بعض الاحاديث فالمراد منه المبالغة في الاستئصال. وبما قررناه اندفع ما في البدائع من أن الصحيح أن السنة فيه القص وإعفاء اللحية تركها حتى تكث وتكثر والسنة قدر القبضة فما زاد قطعه. قوله: (وفي شارب حلال أو قلم أظفاره طعام) أي يجب طعام على محرم أخذ شارب حلال أو قلم أظفاره لان إزالته عن غيره ارتفاق لكنه قاصر فوجبت الصدقة أو لانه أزال الامن عن الشعر المستحق له، ثم المصنف تبع صاحب الهداية في جمعه بين الشارب وتقليم الاظفار في وجوب الطعام ولم يذكر الصدقة، وقد تعقبه في غاية البيان بأنه إن أراد بالطعام

[ 20 ]

ما يعم القليل والكثير فهو غير صحيح بالنسبة إلى تقليم الاظفار لان المنصوص عليه في الرواية أن المحرم إذا قص أظافير حلال فإنه يجب عليه صدقة وهي نصف صاع، وإن أراد به الصدقة التي هي نصف صاع التي هي المراد عند إطلاقهم الصدقة في هذا الباب فلا يصح أيضا لان المحرم إذا حلق شاربه وجبت عليه الصدقة، فإذا حلق شارب غيره أطعم ما شاء كسرة خبز أو كفامن طعام لقصور الجناية، وقد وقع التعبير بإطعام شئ وجوبا للمسألتين في الجامع الصغير لكنه أتى بمن التبعيضية في تقليم الاظفار فقال في المحرم يأخذ من شارب الحلال أو يقص من أظفاره يطعم ما شاء، فسلم من الاعتراض فيكون المراد بما شاء العموم ا ه‍. وأشار في فتح القدير إلى جوابه بأن المنقول في الاصل وكافي الحاكم أن المحرم إذا حلق رأس حلال تصدق بشئ، وإذا حلق رأس محرم فعليه صدقة، وأن الجواب في قص الاظفار كالجواب في الحلق ا ه‍. فقوله في غاية البيان أن المحرم إذا قص أظافير حلال وجبت عليه الصدقة المعينة نصا معارض بالمنصوص عليه في ظاهر الرواية من التصدق بشئ وهو يعم القليل والكثير بدليل مقابلته بما إذا حلق رأس محرم، فحينئذ المراد بالطعام في عبارة الهداية ما يعم القليل والكثير وهو صحيح بالنسبة إلى الشارب والاظفار كلها. وبهذا علم أن التقييد بالحلال ليخرج ما إذا قص المحرم أظافير محرم آخر فإنه يجب عليه الصدقة المعينة، وظاهر ما في غاية البيان يقتضي أنه إذا حلق شارب غيره محرما كان أو حلالا فإنه يطعم ما شاء، فليس الحلال قيدا بالنسبة إلى الشارب كما لا يخفى. وعلم أيضا أن قوله فيما مضى كالحالق فيه اشتباه بالنسبة إلى المحلوق رأسه فإنه إن كان محرما فالتشبيه تام، وإن كان حلالا فلا يتم لان الواجب إطعام شئ لا الصدقة المعينة. قوله: (أو قص أظفار يديه ورجليه بمجلس أو يدا أو رجلا وإلا تصدق كخمسة متفرقة) معطوف على طيب أول الباب فيلزمه دم بالقص لانه من المحظورات لما فيه من قضاء التفث وإزالة ما ينمو من البدن، فإذا قلمها كلها فهو ارتفاق كامل، وكذا إذا قص يدا أو رجلا إقامة للربع مقام الكل كما في الحلق، وإن لم يقص يدا كاملة ولا رجلا كاملة فعليه

[ 21 ]

صدقة لتقاصر الجناية. قيد بالمجلس لانه لو قص الكل في مجالس في كل مجلس عضو لزمه أربعة دماء لان الغالب في هذه الكفارة معنى العبادة فيتقيد التداخل باتحاد المجلس كما في آية السجدة، سواء كفر للاولى أولا، وفي الاول خلاف محمد. وقيد التداخل بكونه من جنس واحد لانه لو قلم أظافير يده وحلق ربع رأسه وطيب عضوا فإنه يلزمه لكل جناية دم، سواء اتحد المجلس أو اختلف اتفاقا. وقيد بكون المحل مختلفا لانه لو كان متحدا كما إذا حلق الرأس في أربع مرات فإنه لا تتعدد الكفارة اتفاقا، اتحد المجلس أو اختلف. وفيد بكونها كفارة في الاحرام لان كفارة الفطر في رمضان كما إذا أفسد أياما من رمضان تتعدد إن كفر للاول وإن لم يكفر فكفارة واحدة اتفاقا لانها شرعت للزجر، فالغالب فيها معنى العقوبة وهذه شرعت لجبر النقصان. وفي قوله وإلا تصدق اشتباه لانه يقتضي أن يلزمه صدقة واحدة فيما إذا لم يقص يدا كاملة أو رجلا كاملة وليس كذلك، بل يلزمه لكل ظفر قصه نصف صاع من بر حتى لو قص ستة عشر ظفرا من كل عضو أربعة فعليه لكل ظفر طعام مسكين إلا أن يبلغ ذلك دما فحينئذ ينقص ما شاء. كذا في المبسوط. وإنما صرح بالخمسة المتفرقة مع أنها فهمت مما ذكره لدفع قول محمد المنقول في المجمع أن الخمسة المتفرقة كطرف كامل فيجب دم فأفاد أن في كل ظفر من الخمسة صدقة كما قررناه قوله: (ولا شئ بأخذ ظفر منكسر) لانه لا ينمو بعد الانكسار فأشبه اليابس من أشجار الحرم. قيد بالانكسار لانه لو أصابه أذى في كفه فقص أظافيره فعليه أي الكفارات شاء. كذا في غاية البيان. وأطلقه فشمل ما إذا كان قد انكسر بعد الاحرام فأخذه أو كان منكسرا قبله فأخذه بعده وهو أولى مما في الهداية كما لا يخفي، وأولى مما في الخانية من قوله ولو انكسر ظفر المحرم وصار بحال لا يثبت فأخذه فلا شئ عليه لان العلة المذكورة تشمل الكل. وفي فتح القدير: وكلما يفعله العبد المحرم مما فيه الدم عينا أو الصدقة عينا فعليه ذلك إذا عتق لا في الحال ولا يبدل

[ 22 ]

بالصوم قوله: (وإن تطيب أو لبس أو حلق بعذر ذبح شاة أو تصدق بثلاثة أصوع على ستة أو صام ثلاثة أيام) لقوله تعالى * (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) * (البقرة: 169) وكلمة أو للتخيير وقد فسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ذكرنا. والآية نزلت في المعذور وهو كعب بن عجرة الذي أذاه هو أم رأسه فأبيح له الحلق كما في صحيح البخاري. وهي وإن نزلت في حلق الرأس لكن قيس الطيب واللبس والقص عليه لوجود الجامع وهو المرض أو الاذى. كذا في غاية البيان. وظاهر النهاية أنه إلحاق له بطريق الدلالة لانه في معنى المنصوص عليه وهو الاولى لما عرف في الاصول أن ما ثبت بخلاف القياس فغيره عليه لا يقاس فهو كإلحاق الاكل والشرب بالجماع في كفارة الفطر في رمضان. وفسر العذر المبيح كما ذكره قاضيخان في فتاواه بخوف الهلاك من البرد والمرض أو لبس السلاح للقتال. وهكذا في الظهيرية وفتح القدير، ولعل المراد بالخوف الظن لا مجرد الوهم فإذا غلب على ظنه هلاكه أو مرضه من البرد جاز له تغطية رأسه مثلا أو ستر بدنه بالمخيط لكن بشرط أن لا يتعدى موضع الضرورة فيغطى رأسه بالقلنسوة فقط إن اندفعت الضرورة بها، وحينئذ فلف العمامة عليها حرام موجب للدم أو الصدقة كما قدمناه. وكذا إذا اندفعت الضرورة بلبس جبة فلبس جبتين فإنه يكون آثما إلا أنه لا دم عليه حيث كان اللبس على موضع الضرورة إنما يلزمه كفارة مخيرة كما قدمنا. ذكره الامام ابن أمير حاج الحلبي في مناسكه فليحفظ هذا فإن كثيرا من المحرمين يغفل عنه كما شاهدناه. فالحاصل أنه لا إثم عليه

[ 23 ]

إذا كان لعذر ويأثم إذا كان لغيره وصرحوا بالحرمة، ولم أر لهم صريحا هل ذبح الدم أو التصدق مكفر لهذا الاثم مزيل له من غير توبة أو لا بد منها معه. وينبغي أن يكون مبنيا على الاختلاف في الحدود هل هي كفارات لاهلها أو لا، وهل يخرج الحج عن أن يكون مبرورا بارتكاب هذه الجناية وإن كفر عنها أولا، الظاهر بحثا لا نقلا أنه لا يخرج والله أعلم بحقيقة الحال. وقيد بالعذر لانه لو فعل شيئا منها لغيره لزمه دم أو صدقة معينة ولا يجزئه غيره كما صرح به الامام الاسبيجابي. وبهذا ظهر ضعف ما قدمناه عن الظهيرية من أنه إن لم يقدر على

[ 24 ]

الدم يصوم ثلاثة أيام ولم أره لغيرها. وإنما لم يقيد المصنف ذبح الشاة بالحرم مع أنه مقيد به اتفاقا لما سنبينه في باب الهدى أن الكل مختص بالحرم، فإن ذبح في غيره لا يجزئه عن الذبح إلا إذا تصدق بلحمه على ستة مساكين على كل واحد منهم قدر قيمة نصف صاع من حنطة فإنه يجوز بدلا عن الاطعام. كذا ذكره الاسبيجابي ولا يختص بزمان اتفاقا. وأشار بقوله ذبح إلى أنه يخرج عن العهدة بالذبح حتى لو هلك المذبوح بعده أو سرق فإنه لا شئ عليه بخلاف ما إذا سرق وهو حي فإنه يلزمه غيره، ومقتضاه جواز الاكل منه كهدي المتعة والقران والاضحية لكن الواقع لزوم التصدق بجميع لحمه كما سيأتي في بابه لانه كفارة. فالحاصل أن له جهتين: جهة الاراقة وجهة التصدق، فللاولى لا يجب غيره إذا سرق مذبوحا، وللثانية يتصدق بلحمه ولا يأكل منه. كذا في فتح القدير. وأطلق في التصدق والصوم فأفاد أن له التصدق في غير الحرم وفيه على غير أهله. قال في المحيط: والتصدق على فقراء مكة أفضل. وإنما لم يتقيد بالحرم لاطلاق النص بخلاف الذبح لان النسك في اللغة الدم المهراق بمكة، ويقال للمذبوح لوجه الله تعالى، ويقال لكل عبادة ومنه قوله تعالى * (إن صلاتي ونسكي) * (الانعام: 126) كما في المغرب. وأشار المصنف بلفظ التصدق الموافق للفظ الصدقة المذكورة في الآية إلى أن طعام الاباحة لا يكفي لان التصدق ينبئ عن التمليك لقوله تعالى * (خذ من أموالهم صدقة) * (التوبة: 103) وحكى خلافا في المجمع بين أبي يوسف ومحمد، فعند أبي يوسف تكفي الاباحة، وعند محمد لا بد من التمليك. ورجح في غاية البيان قول أبي يوسف بأن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الصدقة بالاطعام هنا فكان ككفارة اليمين. وتعقبه في فتح القدير بأن الحديث ليس مفسرا لمجمل بل مبين للمراد بالاطعام وهو حديث مشهور علمت به الامة فجازت الزيادة به. ثم المذكور في الآية الصدقة وتحقق حقيقتها بالتمليك فيجب أن يحمل في الحديث الاطعام على الاطعام الذي هو الصدقة وإلا كان معارضا، وغاية الامر أنه يعتبر بالاسم الاعم انتهى. فالحاصل ترجيح قول محمد رحمه الله ولهذا قيل إن قول أبي حنيفة رحمه الله كقوله كما في الظهيرية لكن ذكر الاسبيجابي أن أبا

[ 25 ]

حنيفة مع أبي يوسف رحمهما الله. وأفاد المصنف بإطلاقه أن الصوم يجوز متفرقا ومتتابعا كما صرح به الاسبيجابي. والاصوع على وزن أرجل جمع صاع، وظاهر كلامهم أنه لا بد من التصدق على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع حتى لو تصدق بالثلاثة على أقل من ستة أو على أكثر منها بها فإنه لا يجوز لان العدد منصوص عليه في الحديث، وينبغي على القول بجواز الاباحة أنه لو غدى مسكينا واحدا وعشاه ستة أيام يجوز أخذا من مسألة الكفارات والله سبحانه وتعالى أعلم. فصل قدم النوع السابق على هذا لانه كالمقدمة له إذ الطيب وإزالة الشعر والظفر مهيجات للشهوة لما يعطيه من الرائحة والزينة قوله: (ولا شئ عليه إن نظر إلى فرج امرأة بشهوة فأمنى) لان المحرم هو الجماع ولم يوجد فصار كما لو تفكر فأمنى، وعلم منه أنه لو احتلم فأمنى لا شئ عليه بالاولى، وبإطلاقه أنه لا فرق بين زوجته والاجنبية وإن كان محرما قوله: (وتجب شاة إن قبل أو لمس بشهوة) أطلقه فشمل ما إذا لم ينزل وهو موافق لما في المبسوط حيث صرح بوجوب الدم وإن لم ينزل، واختاره في الهداية مخالفا لما في الجامع الصغير من اشتراط الانزال، وصححه قاضي خان في شرحه ليكون جماعا من وجه فإن المحرم هو الجماع صورة ومعنى أو معنى فقط وهو بالانزال. وعلل في النهاية وغيرها لوجوب الدم بأن الجماع فيما دون الفرج من جملة الرفث فكان منهيا عنه بسبب الاحرام وبالاقدام عليه يصير مرتكبا محظور إحرامه، وتعقبهم في فتح القدير بأن الالزام إن كان للنهي فليس كل نهي يوجب كالرفث، وإن كان للرفث فكذلك إذ أصله الكلام بحضرتهن وليس موجبا شيئا

[ 26 ]

انتهى. وقد يقال: إن إيجاب الدم إنما هو لكونه ارتكب ما هو حرام بسبب الاحرام فقط وليس ذكر الجماع بحضرة النساء منهيا عنه لاجل الاحرام فقط بل منهي عنه مطلقا وإن كان في الاحرام أشد، وبهذا يظهر ترجيح إطلاق الكتاب لان الدواعي محرمة لاجل الاحرام مطلقا فيجب الدم مطلقا. وإنما لم يفسد الحج بالدواعي مع الانزال كما فسد بها الصوم لان فساده تعلق بالجماع حقيقة بالنص والجماع معنى دونه فلم يلحق به، وأما فساد الصوم فمعلق بقضاء الشهوة وقد وجد. وفي المحيط: محرم عبث بذكره فلا شئ عليه وإن أنزل فعليه دم لانه وجد قضاء الشهوة بالمس كما لو مس امرأة فأنزل، ولو أتى بهيمة فأنزل لم يفسد حجه وعليه دم كما لو جامع فيما دون الفرج، وإن لم ينزل فلا شئ عليه. قوله: (أو أفسد حجه بجماع في أحد السبيلين قبل الوقوف بعرفة) معطوف على قبل قبل أي تجب شاة لما ورد عن الصحابة من الفساد به ووجوب الهدي وأدناه شاة، ويقوم الشرك في البدنة مقامها كما صرح به في غاية البيان. وما اختاره المصنف من الفساد بالجماع في الدبر هو أصح الروايتين عن أبي حنيفة كقولهما لكمال الجناية كما في فتح القدير. ومراده من آدمية، وأما وطئ البهيمة فلا يفسد مطلقا لقصوره. وأطلق في الجماع فشمل ما إذا أنزل أو لم ينزل، أولج ذكره كله أو بقدر الحشفة. وفي معراج الدراية: ولو استدخلت ذكر الحمار أو ذكرا مقطوعا يفسد حجها بالاجماع، ولو لف ذكره بخرقة وأدخله إن وجد حرارة الفرج واللذة يفسد وإلا فلا انتهى. وشمل ما إذا كان عامدا أو ناسيا، عالما أو جاهلا، مختارا أو مكرها، رجلا أو امرأة، ولا رجوع له على المكره كما ذكره الاسبيجابي. وحكى في فتح القدير خلافا بين ابن شجاع والقاضي أبي حازم في رجوع المرأة بالدم إذا أكرهها الزوج على الجماع فقال الاول لا، وقال الثاني نعم، ولم أر قولا في رجوعها بمؤنة حجها. وشمل الحر والعبد لكن في العبد يلزمه الهدي وقضاء الحج بعد العتق سوى حجة الاسلام، وكل ما

[ 27 ]

يجب فيه المال يؤاخذ به بعد عتقه بخلاف ما فيه الصوم فإنه يؤاخذ به للحال. ولا يجوز إطعام المولى عنه إلا في الاحصار فإن المولى يبعث عنه ليحل هو فإذا اعتق فعليه حجة وعمرة. وشمل الوطئ الحلال والحرام ووطئ المكلف وغيره كما صرح به في المحيط، وصرح الولوالجي بأن الصبي والمعتوه يفسد حجهما بالجماع لكن لا دم عليهما، وفي مناسك ابن الضياء: وإذا جامع الصبي حتى فسد حجه لا يلزمه شئ انتهى. وبهذا ظهر ضعف ما في فتح القدير من قوله: ولو كان الزوج صبيا يجامع مثله فسد حجها دونه، ولو كانت هي صبية أو مجنونة انعكس الحكم انتهى. فإن هذا حكم تعلق بعين الجماع وبالعذر لا ينعدم الجماع فلا ينعدم الحكم المتعلق به، وإنما لم يلزمهما حكم الفساد لما فيه من الضرر، ويؤيده أن المفسد للصلاة والصوم لا فرق فيه بين المكلف وغيره فكذلك الحج. وشمل ما إذا تعدد الجماع فإنه يلزمه دم واحد إن كان المجلس متحدا، سواء كان لامرأة أو نسوة، أما إذا تعدد المجلس ولم يقصد به رفض الحجة الفاسدة لزمه دم آخر عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ولو نوى بالجماع الثاني رفض الفاسدة لا يلزمه بالثاني شئ. كذا في فتاوى قاضيخان مع أن نية الرفض باطلة لانه لا يخرج عنه إلا بالاعمال لكن لما كانت المحظورات مستندة إلى قصد واحد وهو تعجيل الاحلال كانت متحدة فكفاه دم واحد، ولهذا نص في ظاهر الرواية أن المحرم إذا جامع النساء ورفض إحرامه وأقام يصنع ما يصنعه الحلال من الجماع والطيب وقتل الصيد عليه أن يعود كما كان حراما ويلزمه دم واحد كما ذكره في المبسوط.

[ 28 ]

قوله: (ويمضي ويقضي ولم يفترقا فيه) أي ويجب المضي في أفعال الحج بعد إفساده كما يمضي فيه وهو صحيح ويلزمه قضاؤه من قابل، سواء كانت حجة الاسلام أولا، لانه قد أدى الافعال مع وصف الفساد، والمستحق عليه أداؤها بوصف الصحة. وفي فتاوى قاضي خان: ويجتنب في الفاسدة ما يجتنب في الجائزة، وقد ظن بعض أهل عصرنا أن الحج إذا فسد لا يفسد الاحرام ولهذا قالوا: إن الاحرام باق فيقضي فيه وليس كما ظن بل فسد

[ 29 ]

الاحرام كالحج وقد صرحوا بفساده في مواضع عديدة في هذا الفصل. ومعنى بقائه عدم الخروج عنه بغير الافعال، ومعنى الافتراق الذي ليس بواجب أن يأخذ كل واحد منهما في طريق غير طريق صاحبه، وإنما لم يجب لان الجامع بينهما وهو النكاح قائم فلا معنى للافتراق قبل الاحرام لاباحة الوقوع، ولا بعده لانهما يتذاكران ما لحقهما من المشقة الشديدة بسبب لذة صغيرة فيزدادان ندما وتحرزا لكنة مستحب إذا خاف الوقاع كما في المحيط وغيره قوله: (وبدنة لو بعده ولا فساد) أي يجب بدنة لو جامع بعد الوقوف بعرفة قبل الحلق ولا يفسد حجه للحديث من وقف بعرفة فقد تم حجه أي أمن من فساده لبقاء الركن الثاني وهو الطواف. ووجوب البدنة مروي عن ابن عباس، والاثر فيه كالخبر. أطلقه فشمل ما إذا جامع مرة أو مرارا إن اتحد المجلس، وأما إذا اختلف فبدنة للاول وشاة للثاني في قولهما. وقال محمد: إن ذبح للاول فيجب للثاني شاة وإلا فلا. ذكره الاسبيجابي، وعلل له في المبسوط بأنه دخل إحرامه نقصان بالجماع الاول وبالجماع الثاني صادف إحراما ناقصا فيكفيه شاة. قوله: (أو جامع بعد الحلق) معطوف على قوله أول الفصل قبل أي يجب شاة إن جامع بعد الحلق قبل الطواف لقصور الجناية لوجود الحل الاول بالحلق. ثم اعلم أن أصحاب المتون على ما ذكره المصنف من التفصيل فيما إذا جامع بعد الوقوف، فإن كان قبل الحلق فالواجب بدنة، وإن كان بعده فالواجب شاة. ومشى جماعة من المشايخ كصاحب المبسوط والبدائع والاسبيجابي على وجوب البدنة مطلقا. وقال في فتح القدير: إنه الاوجه لان إيجابها ليس إلا بقول ابن عباس والمروي عنه ظاهره فيما بعد الحلق. ثم المعنى يساعده وذلك لان وجوبها قبل الحلق ليس إلا للجناية على الاحرام، ومعلوم أن الوطئ ليس جناية عليه إلا باعتبار تحريمه لاعتبار تحريمه لغيره، فليس الطيب جناية على الاحرام باعتبار تحريمه الجماع أو الحلق بل باعتبار تحريمه للطيب، وكذا كل جناية على الاحرام ليست جناية عليه إلا باعتبار تحريمه لها لا لغيرها فيجب أن يستوي ما قبل الحلق وما بعده في حق الوطئ لان الذي به كان جناية قبله بعينه ثابت بعده، والزائل لم يكن الوطئ جناية باعتباره لا جرم أن المذكور في ظاهر الرواية إطلاق لزوم البدنة بعد الوقوف من غير تفصيل بين كونه قبل الحلق أو بعده

[ 30 ]

انتهى. ويرد عليه أنهم اتفقوا أنه لو جامع مرة ثانية بعد الوقوف قبل الحلق فإنه لا يجب بدنة وإنما تجب شاة مع أن وجوبها للجماع الاول ليس إلا باعتبار حرمته عليه وهو بعينه موجود في كل جماع أتى به قبل الطواف، فتعين أن ينظر إلى أن البدنة لا تجب إلا إذا كملت الجناية وكمالها بمصادفتها إحراما كاملا. فالجماع في المرة الثانية صادف إحراما ناقصا فلم تجب البدنة، وكذا الجماع بعد الحلق صادف إحراما ناقصا لخروجه عنه في حق غير النساء. وهذا الباب - أعني باب الجنايات على الاحرام - ينظر فيه إلى كمال الجناية وقصورها ليجب الجزاء بقدره كما تقدم من تطييب العضو وما دونه ومن لبس المخيط يوما أو أقل إلى غير ذلك لا إلى تحريم الفعل فقط. فالحاصل أن مسائلهم شاهدة بأن الجناية إن كملت تغلظ الجزاء كما في لبس المخيط يوما أو أقل إلى غير ذلك لا إلى تحريم الفعل فقط وإن قصرت خف الجزاء، فالاوجه ما في المتون والله سبحانه وتعالى أعلم. ولم يذكر المصنف حكم القارن إذا جامع وحكمه أنه إن كان قبل الوقوف بعرفة وطواف العمرة فسد حجه وعمرته ولزمه دمان وقضاؤهما وسقط عنه دم القران، وإن كان بعد طواف العمرة أو أكثره قبل الوقوف فسد الحج فقط ولزمه دمان أيضا وقضاء الحج فقط وسقط عنه دم القران، وإن كان بعد الطواف والوقوف قبل طواف الزيارة لم يفسدا وعليه بدنة للحج وشاة للعمرة إن كان قبل الحلق اتفاقا. واختلفوا فيما إذا كان بعد الحلق في موضعين: الاول في وجوب البدنة للحج أو الشاة وقدمناه. والثاني في وجوب شاة للعمرة، فالذي اختاره صاحب المبسوط والبدائع والاسبيجابي أنه يجب شاة للعمرة، والذي اختاره الوبري أنه لا يجب شئ لاجل العمرة لانه خرج من إحرامها بالحلق. وبقي إحرام الحج في حق النساء واستشكله الشارح بأنه إذا بقي محرما بالحج فكذا في العمرة ورده في فتح القدير بأن إحرام العمرة لم يعهد بحيث يتحلل منه بالحلق من غير النساء ويبقى في حقهن، بل إذا حلق بعد أفعالها حل بالنسبة إلى كل ما حرم عليه وإنما عهد ذلك في إحرام الحج. فإذا ضم إحرام الحج إلى إحرام العمرة استمر كل على ما عهد له في الشرع فينطوي بالحلق إحرام العمرة بالكلية فالصواب ما عن الوبري ا ه‍. قوله: (أو في العمرة قبل أن يطوف لها الاكثر وتفسد ويمضي ويقضي) أي لو جامع في إحرام العمرة قبل أن يطوف أربعة أشواط لزمه شاة وفسدت عمرته كما لو جامع في

[ 31 ]

الحج قبل الوقوف بجامع حصوله قبل إدراك الركن فيهما ويمضي في فاسدها كما يمضي في صحيحها ويلزمه قضاؤها قوله: (أو بعد طواف الاكثر ولا فساد) أي لو جامع بعد ما طاف أربعة أشواط لزمه شاة ولا تفسد عمرته لانه أتى بالركن فصار كالجماع بعد الوقوف. وإنما لم تجب بدنة كما في الحج إظهارا للتفاوت بين الفرض والسنة. كذا في الهداية وغيرها. وقد يقال: إنه يتم في حجة الاسلام، أما في غيرها فلا فرق بين الحج والعمرة لان كلا منهما نفل قبل الشروع واجب بعده اللهم إلا أن يقال: نفل الحج أقوى من نفل العمرة. والفرق بينهما بأن الجماع في الحج بعد الوقوف يكون قبل أداء بقية أركان الحج لانه بقي الطواف وهو ركن فتغلظت الجناية فتغلظ الجزاء بخلافه بعد طواف الاكثر في العمرة فإنه لم يبق عليه إلا الواجبات لا يصح لانه يقتضي وجوب البدنة لو جامع قبل طواف الاكثر وليس كذلك. وشمل قوله بعد طواف الاكثر ما إذا طاف الباقي وسعى بين الصفا والمروة أولا لكن بشرط أن يكون قبل الحلق وتركه للعلم به لان بالحلق يخرج عن إحرامها بالكلية بخلاف إحرام الحج، ولما بين المصنف حكم المفرد بالحج والمفرد بالعمرة علم منه حكم القارن والمتمتع قوله: (وجماع الناسي كالعامد) يعني في جميع ما ذكرنا من أحكام الجنايات فيفسد حجه لو جامع ناسيا قبل الوقوف. وحاصل ما ذكره الاصوليون أن النسيان لا ينافي الوجوب لكمال العقل وليس عذرا في حقوق العباد. وفي حقوق الله تعالى عذر في سقوط الاثم، أما الحكم فإن كان مع مذكر ولا داعي إليه كأكل المصلي وجناية المحرم لم يسقط بتقصيره بخلاف سلامه في القعدة، وإن كان ليس مع مذكر مع داع إليه سقط كأكل الصائم، وإن لم يكن معهما فكذلك بالاولى كترك الذابح التسمية انتهى. وقد قدمنا أن الجاهل والعالم والمختار والمكره والنائم والمستيقظ سواء لحصول الارتفاق قوله: (أو طاف للركن محدثا) أي يلزمه شاة لترك الطهارة لانه أدخل نقصا في الركن فصار كترك شوط منه. وظاهر كلام غاية البيان أن الدم واجب اتفاقا، أما على القول بوجوبها وهو الاصح فظاهر، وأما على القول بسنيتها فلانه لا يمتنع أن تكون سنة ويجب بتركها الكفارة ولهذا قال محمد فيمن أفاض من عرفة قبل الامام يجب عليه دم لانه ترك سنة الدفع ا ه‍. وبهذا علم أن الخلف لفظي لا ثمرة له. وإنما كانت الطهارة واجبة لما ثبت في الصحيحين عن عائشة أنها حاضت فقال لها عليه السلام: اقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت. رتب منع الطواف على انتفاء الطهارة وهذا حكم وسبب، وظاهره أن الحكم يتعلق بالسبب فيكون المنع لعدم الطهارة لا لعدم دخول المسجد.

[ 32 ]

وإنما لم يكن شرطا كما قال الشافعي لانه يلزمه تقييد مطلق القطعي وهو * (وليطوفوا) * (الحج: 29) بخبر الواحد وهو نسخ عندنا فلا يجوز كما عرف في الاصول. وأما قوله عليه السلام الطواف بالبيت صلاة فالمراد به التشبيه في الثواب. قيد بالحدث لانه لو طاف وعلى ثوبه نجاسة أكثر من قدر الدرهم فإنه لا يلزمه شئ لكنه يكره لادخال النجاسة المسجد، ولم ينص في ظاهر الرواية إلا على الثوب والتعليل يفيد عدم الفرق بين الثوب والبدن. وما في الظهيرية من أن نجاسة الثوب كله فيه الدم لا أصل له في الرواية فلا يعول عليه. وأشار إلى أنه لو طاف منكشف العورة قدر ما لا تجوز الصلاة معه فإنه يلزمه دم لترك الواجب وهو ستر العورة كما صرح به في الظهيرية، ودليل الوجوب قوله عليه السلام إلا لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان بناء على أن خبر الواحد يفيد الوجوب عندنا. وقيد بالركن وهو الاكثر لانه لو طاف أقله محدثا ولم يعد وجب عليه لكل شوط نصف صاع من حنطة إلا إذا بلغت قيمته دما فإنه ينقص منه ما شاء. كذا في غاية البيان. قوله: (وبدنة لو جنبا ويعيد) أي يجب بدنة لو طاف للركن جنبا. كذا روي عن ابن عباس. ولان الجناية أغلظ فيجب جبر نقصانها في البدنة إظهارا للتفاوت بينهما والحيض والنفاس كالجنابة. قيد بالركن وهو الاكثر لانه لو طاف الاقل جنبا ولم يعد وجب عليه شاة، فإن أعاده وجبت عليه صدقة لتأخير الاقل من طواف الزيارة لكل شوط نصف صاع. وقوله ويعيد راجع إلى الطواف محدثا أو جنبا، ولم يذكر صفة الاعادة للاختلاف، وصحح في الهداية أنها واجبة في الطواف جنبا مستحبة في الطواف محدثا للفحش في الاول والقصور في الثاني، فإن أعاده فلا دم عليه فيهما مطلقا لجبر النقصان الحاصل بالاعادة إلا أنه إن أعاده وقد

[ 33 ]

طاف جنبا بعد أيام النحر لزمه دم للتأخير عند أبي حنيفة. وبهذا علم أن الواو في قوله ويعيد بمعنى أو لان الواجب بمعنى شيئين إما لزوم الشاة أو الاعادة والاعادة هي الاصل ما دام بمكة ليكون الجابر من جنس المجبور فهي أفضل من الدم، وأما إذا رجع إلى أهله ففي الحدث الاصغر اتفقوا أن بعث الشاة أفضل من الرجوع، واختلفوا في الحدث الاكبر فاختار في الهداية أن العود إلى الاعادة أفضل لما ذكرنا، واختار في المحيط أن بعث الدم أفضل لان الطواف الاول وقع معتدا به وفيه منفعة للفقراء، وإذا عاد للاول يرجع بإحرام جديد بناء على أنه حل في حق النساء بطواف الزيارة جنبا وهو آفاقي يريد مكة فلا بد له من إحرام بحج أو عمرة، فإذا أحرم بعمرة يبدأ بها، فإذا فرغ منها يطوف للزيارة ويلزمه دم لتأخير طواف الزيارة عن وقته. وفهم الرازي من ذلك أن الطواف الثاني معتد به وأن الاول قد انفسخ، وذهب الكرخي إلى أن الاول معتبر في فصل الجناية كما في فصل الحدث اتفاقا، وصححه صاحب الايضاح إذ لا شك في وقع الاول معتدا به حتى حل به النساء، واستدل له بما في

[ 34 ]

الاصل: لو طاف لعمرته محدثا أو جنبا في رمضان وحج من عامه لم يكن متمتعا إن أعاده في شوال أو لم يعده، وقوله في فتح القدير. وإنما وجب الدم لترك الواجب لان الواجب الاعادة في أيام النحر فإذا مضت ترك واجبا، والظاهر أن الخلف لفظي لا ثمرة له لان الدم واجب اتفاقا وإن اختلف التخريج قوله: (وصدقة لو محدثا للقدوم) أي يجب عليه صدقة لو طاف للقدوم محدثا لانه دخله نقص بترك الطهارة فينجبر بالصدقة إظهارا لدنو رتبته عن الواجب بإيجاب الله تعالى وهو طواف الزيارة، وأشار إلى أن كل طواف هو تطوع فهو كذلك. وقيد بالحدث لانه لو طاف للقدوم جنبا لزمه الاعادة ودم إن لم يعد لان النقص فيه متغلظ فتلزمه الاعادة احتياطا. وقال محمد: ليس عليه أن يعيد طواف التحية لانه سنة وإن أعاد فهو أفضل. كذا في المحيط وبهذا ظهر بطلان ما في غاية البيان معزيا إلى الاسبيجابي من أنه لا شئ عليه لو طاف للقاء محدثا أو جنبا لانه يقتضي عدم وجوب الطهارة للطواف ولان طواف التطوع إذا شرع فيه صار واجبا بالشروع ثم يدخله النقص بترك الطهارة فيه، غاية الامر أن وجوبه ليس بإيجابه تعالى ابتداء فأظهرنا التفاوت في الحط من الدم إلى الصدقة فيما إذا طافه محدثا، ومن البدنة إلى الشاة فيما إذا طافه جنبا. وظاهر كلامهم يقتضي وجوب الشاة فيما إذا طاف للتطوع جنبا، وذكر في غاية البيان أنه إن طاف للقدوم محدثا وسعى ورمل عقبه فهو جائز والافضل أن يعيدهما عقب طواف الزيارة، وإن طاف له جنبا وسعى ورمل عقبه فإنه لا يعتد به ويجب عليه السعي عقب طواف الزيارة ويرمل فيه. قوله: (والصدر) بالجر عطف على القدوم فتجب صدقة لو طاف محدثا، ودم لو جنبا، فقد سووا بين طواف القدوم وبين طواف الصدر مع أن الاول سنة والثانية واجب. وأجاب

[ 35 ]

عنه في الهداية بأن طواف القدوم يصير واجبا أيضا بالشروع وأقره الشارحون وقد يقال: إن ما وجب ابتداء قبل الشروع أقوى مما وجب بالشروع فينبغي عدم المساواة. قيد بترك الطهارة للطواف لان السعي محدثا أو جنبا لا يوجب شيئا، سواء كان سعي عمرة أو حج، لانه عبادة تؤدى لا في المسجد الحرام. والاصل أن كل عبادة تؤدى لا في المسجد في أحكام المناسك فالطهارة ليست بواجبة لها كالسعي والوقوف بعرفة والمزدلفة ورمي الجمار بخلاف الطواف فإنه عبادة تؤدى في المسجد فكانت الطهارة واجبة فيه. كذا في الفتاوى الظهيرية قوله: (أو ترك أقل طواف الركن ولو ترك أكثره بقي محرما) أي يجب دم بترك شوط أو شوطين أو ثلاثة من طواف الزيارة، ولو ترك أربعة منه فإنه محرم في حق النساء بناء على أن الركن عندنا أكثر السبعة وهو أربعة أشواط على الصحيح كما قدمناه. وإنما أقيم الاكثر مقام الكل لان الشرع أقام الاكثر في الحج مقام الكل في وقوع الامن عن الفوات احتياطا بقوله من وقف بعرفة فقد تم حجه. وقد قلنا من جامع بعد الوقوف لا يفسد وبعد الرمي لا يفسد بالاجماع، ولو حلق أكثر الرأس صار متحللا فلما كان الامر على هذا الوجه للتيسير جرينا على هذا الاصل فأقمنا الاكثر مقام الكل فباب التحلل وما يجري مجراه صيانة لهذه العبادة عن الفوات وتحقيقا للامر يعني أن الطواف أحد سببي التحلل فلما أقيم الاكثر مقام الكل في أحد السببين وهو الحلق بالاجماع أقيم في السبب الآخر وهو الطواف أيضا. كذا في النهاية. وتعقبه في فتح القدير بأن إقامة الاكثر في تمام العبادة إنما هو في حق حكم خاص وهو أمن الفساد والفوات ليس غير ولذا لم يحكم بأن ترك ما بقي أعني الطواف يتم معه الحج وهو مورد ذلك النص فلا يلزم جواز إقامة أكثر كل جزء منه مقام تمام ذلك الجزء وترك باقيه كما لم يجز ذلك في نفس مورد النص أعني الحج فلا ينبغي التعويل على هذا الحكم والله أعلم، بل الذي ندين به أن لا يجزئ أقل من السبعة ولا يجبر بعضه بشئ غير أنا نستمر معهم في التقرير على

[ 36 ]

أصلهم ا ه‍. وهذا من أبحاثه المخالفة لاهل المذهب قاطبة لكن لم يجب عن تمسكهم بحلق أكثر الرأس في أنه يفيد التحلل بالاجماع فإقامتنا الاكثر في الطواف لاجل التحلل مستفاد من دلالة الاجماع المذكور، إنما لزمه الدم بترك الاقل لانه أدخل نقصا في طوافه فصار كما لو طافه محدثا، وأشار بالترك إلى أن الدم إنما يجب إذا لم يأت بما تركه، أما إذا أتم الباقي فليس عليه شئ إن كان الاتمام في أيام النحر، أما بعدها فيلزمه صدقة عند أبي حنيفة لكل شوط نصف صاع من بر خلافا لهما، فإن رجع إلى أهله بعث شاة لما بقي من طواف الزيارة وشاة أخرى لترك طواف الصدر. وهذا لان بعث الشاة لترك الاقل من طواف الزيارة لا يتصور إلا إذا لم يكن طاف للصدر لانه إذا طاف للصدر انتقل منه إلى طواف الزيارة ما يكمله ثم ينظر إلى الباقي من طواف الصدر إن كان أقله لزمه صدقة وإلا فدم. ولو كان طاف للصدر في آخر أيام التشريق وقد ترك من طواف الزيارة أكثره كمله من الصدر ولزمه دمان في قول أبي حنيفة: دم لتأخيره ذلك ودم آخر لترك أكثر الصدر، وإن ترك أقله لزمه للتأخير دم وصدقة للمتروك من الصدر مع ذلك الدم. وجملته كما ذكره الحاكم الشهيد في الكافي أن عليه في ترك الاقل من طواف الزيادة دما، وفي تأخير الاقل صدقة، وفي ترك الاكثر من طواف الصدر دم، وفي ترك أقله صدقة. وفي فتح القدير: ومبني هذا النقل ما تقدم من أن طواف الزيارة ركن عبادة والنية ليست شرطا لكل ركن إلا ما يستقل عبادة بنفسه فشرط له نية أصل الطواف دون التعيين، فلو طاف في وقته ينوي النذر أو النفل وقع عنه كما لو نوى بالسجدة من الظهر النفل لغت ووقعت عن الركن وإن توالي الاشواط ليس بشرط لصحة الطواف كمن خرج من الطواف لتجديد وضوء ثم رجع بنى.

[ 37 ]

قوله: (أو ترك أكثر الصدر أو طافه جنبا وصدقة بترك أقله) أي يجب الدم ولما كان طواف الصدر واجبا وجب بترك كله أو أكثره دم، وبترك أقله صدقة لكل شوط نصف صاع من بر تفرقة بين الاكثر والاقل بخلاف الاقل من طواف الزيارة والعمرة حيث يجب دم بتركه لانه طواف ركن فكان أقوى من الواجب، وقد قدمنا حكم ما إذا طاف للصدر جنبا لكن في عبارته قصور حيث لم يبين حكم طواف القدوم جنبا، وعبارة المجمع أولى وهي: وإن طاف للقدوم أو للصدر محدثا وجبت صدقة، وجنبا دم، فأفاد أنه لا فرق بينهما في الحدثين. وأشار بالترك إلى أنه لو أتى بما تركه فإنه لا يلزمه شئ مطلقا لانه ليس بمؤقت، وفي الهداية ويؤمر بالاعادة ما دام بمكة إقامة للواجب في وقته قوله: (أو طاف للركن محدثا وللصدر طاهرا في آخر أيام التشريق ودمان لو طاف للركن جنبا) أي تجب شاة في الاولى وشاتان في الثانية. أما في الاولى فهي بسبب الحدث ولم ينقل طواف الصدر إلى الزيارة لانه لا فائدة في النقل لانه لو نقل يجب عليه الدم لترك طواف الصدر إجماعا إن كان رجع إلى أهله، سواء طاف للصدر في أيام النحر أو لا. قيد بقوله في آخر أيام التشريق لانه لو طاف للصدر في أيام النحر ولم يرجع إلى أهله فإنه ينقل طواف الصدر إلى طواف الزيارة لان في النقل فائدة وهو سقوط الدم لاجل الحدث ثم يطوف للصدر ولا شئ عليه بخلاف ما إذا طاف للصدر في آخر أيام التشريق ولم يرجع إلى أهله حيث لا ينقل عند أبي حنيفة لانه لا

[ 38 ]

فائدة في النقل لوجوب دم بالتأخير على تقديره خلافا لهما. وأما في الثانية فلان في النقل فائدة وهي سقوط البدنة فيجب دم لتأخيره عن أيام النحر عنده، ودم لترك طواف الصدر إن رجع إلى أهله وإن كان بمكة فإنه يطوف للصدر ولا يلزمه إلا دم واحد للتأخير، فإن كان طاف للصدر في أيام النحر فإنه ينقل إلى طواف الزيارة ثم يطوف للصدر ولا شئ عليه أصلا. قيد بكون الطواف الثاني للصدر لانه لو أعاده بعد أيام النحر، فإن كان في الحدث الاصغر لا يلزمه شئ لان بعد الاعادة لا يبقى إلا شبهة النقصان، وفي الحدث الاكبر يلزمه دم عند أبي حنيفة للتأخير. كذا في الهداية. وتعقبه في غاية البيان بأنه سهو لان الرواية مسطورة في شرح الطحاوي أنه يلزمه الدم إذا أعاده بعد أيام النحر للتأخير، سواء كان بسبب الحدث أو الجنابة ا ه‍. وهكذا في المحيط سوى بين الحدثين وهذا قصور نظر من صاحب الغاية لان في المسألة ثلاث روايات، فما في الهداية رواية عن أبي حنيفة ذكرها الامام الولوالجي في فتاواه وصدر بها واعتمدها، وما في شرح الطحاوي والمحيط رواية ثانية، وذكر الولوالجي أيضا رواية ثالثة عن أبي حنيفة أن عليه الصدقة في الحدث الاصغر، ووجهها بأنه أخر الجبر عن وقت الطواف فيبقى نوع نقص لكن نقصان التأخير دون نقصان ترك القضاء والواجب بترك القضاء هو الدم فكان الواجب بتأخير القضاء هو الصدقة ا ه‍. قوله: (أو طاف لعمرته وسعى محدثا ولم يعد) أي تجب شاة لتركه الواجب وهو الطهارة. قيد بقوله ولم يعد لانه لو أعاد الطواف ظاهرا فإنه لا يلزمه شئ لارتفاع النقصان

[ 39 ]

بالاعادة، ولا يؤمر بالعود إذا رجع إلى أهله لوقوع التحلل بأداء الركن مع الحلق والنقصان يسير، وما دام بمكة يعيد الطواف لانه الاصل والافضل أن يعيد السعي لانه تبع للطواف، وإن لم يعده فلا شئ عليه وهو الصحيح لان الطهارة ليست بشرط في السعي وقد وقع عقب طواف معتد به وإعادته لجبر النقصان كوجوب الدم لا لانفساخ الاول. ولو قال المصنف محدثا أو جنبا لكان أولى لانه لا فرق بين الحدثين في طواف العمرة كما في المحيط وغيره، والقياس أنه لا يكتفي بالشاة فيما إذا طاف لعمرته جنبا لان حكم الجناية أغلظ من الحدث كما في طواف الزيارة لكن اكتفى بها استحسانا لان طواف الزيارة فوق طواف العمرة. وإيجاب أغلظ الدماء وهو البدنة في طواف الزيارة كان لمعنيين: وكادة الطواف وغلظ أمر الجنابة، فإذا وجد أحد المعنيين دون الثاني تعذر إيجاب أغلظ الدماء فاقتصرنا على الشاة. كذا في غاية البيان. وفي المحيط: ولو طاف القارن طوافين وسعى سعيين محدثا أعاد طواف العمرة قبل يوم النحر ولا شئ عليه للجبر بجنسه في وقته، فإن لم يعد حتى طلع فجر يوم النحر لزمه دم لطواف العمرة محدثا وقد فات وقت القضاء ويرمل في طواف الزيارة يوم النحر ويسعى بعده استحبابا ليحصل الرمل والسعي عقب طواف كامل، وإن لم يعد فلا شئ عليه لانه سعى عقب طواف معتد به إذ الحدث الاصغر لا يمنع الاعتداد، وفي الجنابة إن لم يعد فعليه للسعي وكذا الحائض ا ه‍. فالحاصل أن قولهم إن المعتمر يعيد الطواف محله ما إذا لم يكن قارنا، أما في القارن إذا دخل يوم النحر فلا إعادة، وعلل له محمد كما نقله ابن بدار في شرح الجامع الصغير بأنه لو أعاده لانتقضت عمرته لانه يصير رافضا لها بالوقوف وقد تأكدت فلا يمكن استدراك النقص بجنسه فيجبر بالدم. قال ابن سماعة فقلت لمحمد: إنك قلت في الاصل إن القارن لو طاف لها أربعة أشواط وسعى ولم يطف لحجته حتى وقف إنه يتم طواف العمرة يوم النحر ولا شئ عليه فقد أوجبت الاتمام وما أوجبت الدم. قال محمد: لان هناك قدم شيئا على شئ، وهنا الفساد وجد في جميع الطواف فإن لم نجوز وأبطلنا طوافه لرفضنا عمرته بمنزلة من لم يطف ا ه‍. وقيد بكون طواف العمرة كله محدثا والاكثر كالكل لانه لو طاف أقله محدثا وجب عليه لكل شوط نصف صاع من حنطة إلا إذا بلغت قيمته دما فينقص منه ما شاء، ولو طاف أقله جنبا وجب عليه دم وتجب الاعادة في

[ 40 ]

الحدثين كما في الظهيرية. وينبغي أن يكون هذا على الضعيف، أما على الصحيح من أن الاعادة فيما إذا طاف للركن محدثا، إنما هي مستحبة، ففي طواف العمرة أولى. ولم يذكر المصنف حكم ما إذا ترك الاقل من طواف العمرة وصرح في الظهيرية بلزوم الدم، ولهذا لو طاف للعمرة في جوف الحجر ولم يعد حتى رجع إلى أهله لزمه دم لانه ترك من الطواف ربعه لان الحجر ربع البيت، وإذا كان ذلك في طواف العمرة ففي طواف الفرض أولى. وأما في الطواف الواجب إذا دخل في جوف الحجر فإنه ينبغي أن تجب فيه الصدقة. كذا ذكر الشارح. ولا ينبغي التعبير بينبغي لان المصنف في المختصر قد صرح بلزوم الصدقة بترك الاقل من طواف الصدر، وينبغي أن لا فرق بين الطواف الواجب والتطوع في لزوم الصدقة لما أن الطواف وراء الحطيم واجب في كل طواف. قوله: (أو ترك السعي أو أفاض من عرفات قيل الامام أو ترك الوقوف بمزدلفة أو رمى الجمار كلها أو رمى يوم) أي تجب شاة بترك واجب من واجبات الحج وقد ذكرناها كلها في أول الكتاب. أراد بالترك الترك لغير عذر، أما إذا ترك واجبا لعذر فإنه لا شئ عليه كما صرح به في البدائع في ترك السعي أنه إن تركه لعذر فلا شئ عليه، وإن بغير عذر لزمه دم لان هذا حكم ترك الوجوب في هذا الباب، أصله طواف الصدر حيث سقط عن الحائض بالحديث، وصرح في الهداية بأن في ترك الوقوف بمزدلفة بغير عذر رد ما لا لعذر، وصرح الولوالجي في فتاواه بأنه لو سعى راكبا من غير عذر لزمه دم إن لم يعده لان المشي واجب وترك الواجب من غير عذر يوجب الدم، ولو أعاده بعد ما حل وجامع لم يلزمه دم لان السعي غير مؤقت في نفسه إنما الشرط أن يأتي به بعد الطواف وقد وجد ا ه‍. وكذا لو أتى به بعد ما رجع إلى أهله وعاد إلى مكة لكنه يعود بإحرام جديد. كذا ذكره الاسبيجابي. وقيد بتركه لانه لو ترك ثلاثة أشواط أطعم لكل شوط نصف صاع إلا أن يبلغ دما فينقص منه ما شاء وترك أكثره كترك كله، وقد قدمنا أن من الواجبات في السعي الابتداء بالصفا فلو بدأ بالمروة لزمه دم. وأراد بالافاضة قبل الامام الدفع من عرفات قبل غروب الشمس، سواء كان مع الامام أو وحده، وسواء كان الامام أو غيره، لما أن استدامة الوقوف إلى غروب الشمس

[ 41 ]

واجبة حتى لو أبطأ الامام بالدفع يجوز للناس الدفع قبله. وهذا الواجب إنما هو في حق من وقف نهارا، أما إن وقف ليلا فلا شئ عليه اتفاقا لان الجزء الاول من وقوفه اعتبر ركنا والجزء الثاني اعتبر واجبا. كذا في غاية البيان: فإن دفع قبل الغروب ثم عاد إن عاد بعد الغروب ففيه روايتان، ظاهر الرواية عدم السقوط والصحيح السقوط لانه استدرك المتروك. كذا في غاية البيان. وإن عاد قبل الغروب ففيه اختلاف والقول بالسقوط أظهر خصوصا على التصحيح السابق بل أولى، وقد قدمنا أن وقت الوقوف بمزدلفة من طلوع الفجر وآخر طلوع الشمس فالوقوف في غير وقته كتركه. وإنما وجب دم واحد بترك الجمار في الايام كلها لان الجنس متحد كما في الحلق، والترك إنما يتحقق بغروب الشمس من آخر أيام الرمي وهو الرابع لانه لم يعرف قربة إلا فيها وما دامت الايام باقية فالاعادة ممكنه فيرميها على التأليف. ثم بتأخيرها يجب الدم عند أبي حنيفة خلافا لهما، وإن ترك رمي يوم فعليه دم ولو يوم النحر لانه نسك تام. قيد برمي يوم لانه لو ترك إحدى الجمار الثلاث فعليه صدقة لان الكل نسك واحد في يوم فكان المتروك أقل فيلزمه لكل حصاة نصف صاع من بر أو صاع من تمر أو صاع من شعير إلا أن يبلغ دما فينقص ما شاء إلا أن يكون المتروك أكثر من النصف بأن يترك أحد عشر من واحد وعشرين فحينئذ يلزمه الدم لان للاكثر حكم الكل. وذكر الاسبيجابي أنه إن أخر رمي جمرة العقبة إلى اليوم الثاني لزمه دم، وإن أخر رميها في اليوم الثاني إلى الثالث أو في اليوم الثالث إلى الرابع ورمى الجمرتين لزمه صدقة لانها في اليوم الاول كل الرمي في ذلك اليوم وفي غيره ثلث الرمي فيكون مؤخرا للاقل، ولو لم يرم الجمرتين لزمه دم لتأخير الاكثر، وعندهما لا شئ عليه للتأخير أصلا. قوله: (أو أخر الحلق أو طواف الركن) أي تجب شاة بتأخير النسك عن زمانه فإن الحلق وطواف الزيارة مؤقتان بأيام النحر، فإذا أخرهما عن أيام النحر ترك واجبا فيلزمه دم، وكذا بتأخير الرمي عن وقته كما قدمناه. وهذا عند أبي حنيفة، وعندهما لا شئ عليه لحديث الصحيحين لم أشعر حلقت قبل أن أذبح قال: افعل ولا حرج. وقال آخر: نحرت قبل أن أرمي قال: افعل ولا حرج. فما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شئ قدم أو أخر إلا قال افعل ولا حرج. وله أن التأخير عن المكان يوجب الدم فيما إذا جاوز الميقات غير محرم فكذا

[ 42 ]

التأخير عن الزمان قياسا، والجامع كون التأخير نقصانا. والمراد بالحرج المنفي الاثم بدليل أنه قال لم أشعر فعذرهم لعدم العلم بالمناسك قبل ذلك، وقوله عليه السلام خذوا عني مناسككم يفيد الوجوب. وعلى هذا الاختلاف إذا قدم نسكا على نسك قال في معراج الدراية: اعلم أن ما يفعل في أيام النحر أربعة أشياء: الرمي والنحر والحلق والطواف. وهذا الترتيب واجب عند أبي حنيفة ومالك وأحمد ا ه‍. لاثر ابن مسعود أو ابن عباس: من قدم نسكا على نسك لزمه دم. وظاهره أنه إذا قدم الطواف على الحلق يلزمه دم عنده. وقد نص في المعراج في مسألة حلق القارن قبل الذبح أنه إذا قدم الطواف على الحلق لا يلزمه شئ. فالحاصل أنه إن حلق قبل الرمي لزمه دم مطلقا. وإن ذبح قبل الرمي لزمه دم إن كان قارنا أو متمتعا لا إن كان مفردا لان أفعاله ثلاثة. الرمي والحلق والطواف. وأما ذبحه فليس بواجب فلا يضره تقديمه وتأخيره، وعندهما لا يلزمه شئ بتقديم نسك على نسك للحديث السابق إلا أنه مسئ. نص عليه في المبسوط قيد بحلق الحج وطوافه لان حلق العمرة وطوافها ليسا بمؤقتين بالزمان فلا يلزمه بتأخيرهما شئ وكذا طواف الصدر. وقيد بالطواف لانه لا يلزمه بتأخير السعي شئ لعدم توقيته بزمان. قوله: (أو حلق في الحل) أي تجب شاة بتأخير النسك عن مكانه كما إذا خرج من الحرم وحلق رأسه، سواء كان الحلق للحج أو اللعمرة عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: لا شئ عليه لان النبي عليه السلام وأصحابه أحصروا بالحديبية وحلقوا في غير

[ 43 ]

الحرم، ولهما القياس على الذبح وبعض الحديبية من الحرم فلعلهم حلقوا فيه مع أن المحصر لا حلق عليه وإن فعل فحسن كما في المحيط وغيره. وقوله عليه السلام خذوا عني مناسككم فالحاصل أن الحلق يتوقت بالمكان والزمان عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف لا يتوقت بهما، وعند محمد يتوقت بالمكان دون الزمان، وعند زفر على عكسه، وهذا الخلاف في التوقيت في حق التضمين بالدم أما لا يتوقت في حق التحلل بالاتفاق قوله: (ودمان لو حلق القارن قبل الذبح) أي يجب دمان عند أبي حنيفة بتقديم القارن أو المتمتع الحلق على الذبح، وعندهما يلزمه دم واحد، وقد نص ضابط المذهب محمد بن الحسن في الجامع الصغير على أن أحد الدمين دم القران والآخر لتأخير النسك عن وقته، وأن عندهما يلزم دم القران فقط لكن وقع لكثير من المشايخ اشتباه بسبب ذكر الدمين في باب الجناية فإن الظاهر من العبارات أن الدمين لاجل الجناية وإلا كان ذكر الدم الواحد كافيا للعلم بدم القران من بابه، ومنهم صاحب الهداية فإنه قال: فعليه دمان عند أبي حنيفة: دم بالحلق في غير أوانه لان أوانه بعد الذبح، ودم لتأخير الذبح عن الحلق. وعندهما يجب دم واحد وهو الاول ولا يجب بسبب التأخير شئ ا ه‍. فجعل الدمين للجناية فنسبه في غاية البيان إلى التخبيط وإلى التناقض فإنه جعل في باب القران أحدهما للشكر والآخر للجناية، ونسبه في فتح القدير إلى أنه سهو من القلم لانه لو وجب ذلك لزم في كل تقديم نسك على نسك دمان لانه لا ينفك عن الامرين ولا قائل به، ولوجب في حلق القارن قبل الذبح ثلاثة دماء في تفريع من يقول إن إحرام عمرته انتهى بالوقوف، وفي تفريع من لا يراه كما قدمناه خمسة دماء لانه جناية على إحرامين والتقديم والتأخير جنايتان ففيهما أربعة دماء ودم القران ا ه‍. وهكذا في النهاية والعناية ولم أر جوابا عنه، وظهر لي أنه لا تخبيط ولا سهو من صاحب الهداية لما أن في

[ 44 ]

المسألة اختلافا، فما في الهداية مبني على قول بعضهم إنه يلزمه دم بالحلق في غير أوانه، إجماعا كما صرح به في معراج الدراية وغيرها ويجب دم القران إجماعا. ووقع الاختلاف بينهم في الدم الثالث فههنا مشى على هذا القول. وأما قوله قريبا وقالا لا شئ عليه في الوجهين وذكر منه ما إذا حلق قبل الذبح فهو بناء على أصل الرواية المنقولة في الجامع الصغير عنهما أو معناه لا شئ عليه عندهما بسبب التأخير، وأما بسبب الجناية فيقولان بوجوب الدم، وبهذا اندفع ما في العناية. وأما التناقض الذي ذكره صاحب الغاية فممنوع لان ما ذكره في باب القران من لزوم دم واحد لو حلق قبل الذبح فإنما هو لمن عجز عن الهدي كما هو صورة المسألة فلم يكن جانيا بالحلق في غير أوانه لان الشارع أباح له التحلل بالحلق، وإنما قدم نسكا على نسك فقط فلزمه دم. وأما ما ذكره هنا من لزوم دمين لو حلق قبل الذبح فإنما هو لكونه جناية لان الحلق لا يحل له قبل

[ 45 ]

الذبح لقدرته عليه فكان جانيا مؤخرا فلزمه دمان، وأما إلزام أن ذلك يوجب دمين فيما إذا قدم نسكا على نسك لانه لا ينفك عن الامرين ولم يقل به أبو حنيفة فممنوع أيضا لان الحلق قبل الذبح لا يحل فكان جناية على الاحرام بخلاف الذبح قبل الرمي فإنه ليس بجناية لانه مباح مشروع في نفسه، وإنما لم يكن نسكا كاملا إذا قدمه فكيف يوجب دما وليس بجناية وإنما يجب دم واحد باعتبار التقديم، وبهذا يعلم أنه لو حلق قبل الرمي فهو كما لو حلق قبل الذبح بالاولى. وأما قوله لوجب ثلاثة دماء فنلتزمه لانه على هذا القول يلزمه ثلاثة دماء، دمان للجناية ودم القران. وأما لزوم خمسة دماء فممنوع على كل قول لان جناية القارن إنما تكون مضمونة بدمين فيما على المفرد فيه دم. والمفرد لو حلق قبل الذبح لا يلزمه شئ فلا يتضاعف الغرم على القارن. هكذا أجاب في العناية. وأجاب في غاية البيان بأن التضاعف على القارن إنما يكون فيما إذا أدخل نقصا في إحرام عمرته، أما فيما لا يوجب نقصا فيه فلا يجب إلا دم واحد كما قدمناه فإنه قد أتى بركنها وواجبها، ولهذا إذا أفاض القارن قبل الامام أو طاف للزيارة جنبا أو محدثا لا يلزمه إلا دم واحد لانه لا تعلق للعمرة بالوقوف وطواف الزيارة، وعلى تقدير أن يكون جناية القارن مضمونة بدمين مطلقا فإنه يلزمه أربعة دماء لا خمسة لان حلقه قبل أوانه جناية توجب دمين وتقديم النسك على النسك يوجب دما واحدا ودم القران، ويمكن أن يتعدد دم القران ولا يمكن أن يتعدد دم التقديم باعتبار أنه جناية لان الجناية على الحلق قبل أوانه وقد وجب فيها دمان فلا يجب شئ آخر. هذا ما ظهر لي في توجيه كلام الهداية لكن المذهب خلافه كما قدمناه والله أعلم.

[ 46 ]

فصل إن قتل محرم صيد أو دل عليه من قتله فعليه الجزاء لقوله تعالى * (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) * (المائدة: 5) الآية. ولحديث أبي قتاده السابق الدال على تحريم الاشارة والامر فألحقت بالقتل استحسانا باعتبار تفويت الامن وارتكاب محظور إحرامه وليس زيادة على الكتاب بخبر الواحد لان الكتاب إنما نص على القتل وتخصيص الشئ بالذكر لا ينفي الحكم عما عداه. وحقيقة الصيد حيوان ممتنع متوحش بأصل الخلقة، سواء كان بقوائمه أو بجناحه، فدخل الظبي المستأنس وإن كانت ذكاته بالذبح. وخرج البعير والشاة إذا استوحشا وإن كانت ذكاتهما بالعقر لان المنظور إليه في الصيدية أصل الخلقة وفي الذكاة الامكان وعدمه، وخرج الكلب والنسور مطلقا، أهليا كان أو وحشيا، وإنما لم يذكر المصنف تعريفه لانه علم من

[ 47 ]

إباحته بعد ذلك الشاة والبقر وما عطف عليه فعلم أن الصيد هو ما ذكر. ثم هو على نوعين: بري وبحري. فالبري ما يكون توالده في البر ولا عبرة بالمثوى أي المكان، والمائي ما يكون توالده في الماء ولو كان مثواه في البر لان التوالد أصل والكينونة بعد عارض، فكلب الماء والضفدع مائي. وأطلق قاضيخان في الضفدع وقيده في فتح القدير بالمائي لاخراج الضفدع البري قال: ومثله السرطان والتمساح والسلحفاة. والمائي حلال للمحرم والبري حرام للآية * (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) * (المائدة: 96) وهو بعمومه متناول لما يؤكل منه وما لا يؤكل، فيجوز للمحرم اصطياد الكل وهو الصحيح كما في المحيط والبدائع وغيرهما. وبه يظهر ضعف ما في مناسك الكرماني من أنه لا يحل إلا ما يؤكل وهو السمك خاصة، فالمراد بالصيد في المختصر صيد البر إلا ما يستثنيه بعد ذلك من الذئب والغراب والحدأة وبقبة السباع. أما الذئب والغراب والحدأة فلا شئ في قتلها أصلا، وأما بقية السباع ففيها تفصيل نذكره، وليس هذا الحكم المذكور هنا يشملها. وأما بقية الفواسق فليست بصيود فلا حاجة إلى استثنائها. وأطلق في الصيد فشمل ما يؤكل وما لا يؤكل حتى الخنزير كما في المحيط وفيه: طير البحر لا يحل قتله لان مبيضه ومفرخه في الماء ويعيش في البر والبحر فكان صيد البر من وجه فلا يجوز للمحرم. وشمل الصيد المملوك وغيره فإذا قتل المحرم صيدا مملوكا لزمه قيمتان: قيمة لمالكه وجزاؤه حقا لله تعالى، كذا ذكره في المحيط في مسألة الهبة. وأطلق في القتل فشمل ما إذا كان عن اضطرار

[ 48 ]

أو اختيار كما سيأتي، وشمل ما إذا كان مباشرة أو بتسبب لكن في المباشرة لا يشترط التعدي، فلو انقلب نائم على صيد فقتله يجب عليه الجزاء كما في المحيط وغيره، وأما التسبب فلا بد من التعدي فلو نصب شبكة للصيد أو حفر بئرا للصيد فعطب ضمن لانه متعد، ولو نصب فسطاطا لنفسه فتعقل به فمات أو حفر حفيرة للماء أو لحيوان مباح قتله كالذئب فعطب فيها لا شئ عليه، وكذا لو أرسل كلبه إلى حيوان مباح فأخذ ما يحرم أو أرسل إلى صيد في الحل وهو حلال فجاوز إلى الحرم فقتل صيدا لا شئ عليه لانه غير متعد في السبب بخلاف ما لو رمى إلى فهد في الحل فأصابه في الحرم عليه الجزاء لانه مباشرة ولا يشترط فيها التعدي حتى لو رمى إلى صيد فتعدى إلى آخر فقتلهما ضمن قيمتهما، وكذا لو ضرب بالسهم فوقع على بيض أو فرخ فأتلفهما ضمنهما. وعلى هذا فما في المحيط من أن أربعة نزلوا بيتا بمكة ثم خرجوا إلى منى فأمروا أحدهم أن يغلق الباب وفيه حمام وغيرها فلما رجعوا وجدوها ماتت عطشا فعلى كل واحد منهم جزاؤها لان الآمرين جمع آمر تسببوا بالامر والمغلق بالاغلاق انتهى. محمول على ما إذا علموا بالطيور في البيت لانه لا يكون تعديا إلا به وإلا فلا شئ عليهم لفقد شرط التسبب وأراد بالدلالة الاعانة على قتله، سواء كانت دلالة حقيقية بالاعدام بمكانه وهو غائب أولا.

[ 49 ]

وشرطوا في وجوب الجزاء على الدال المحرم خمسة شروط، وإن كان آثما مطلقا: أن يتصل القتل بدلالته فلا شئ على الدال لو لم يقتل المدلول، وإن لا يكون المدلول عالما بمكان الصيد، وأن يصدقه في الدلالة، وأن يبقى الدال محرما إلى أن يقتله المدلول، وأن لا ينفلت الصيد لانه إذا انفلت صار كأنه جرحه ثم اندمل. فتفرع على الشرط الثالث ما في المحيط لو أخبر المحرم بالصيد فلم يره حتى أخبره محرم آخر فإن كذب الاول لم يكن عليه جزاء، وإن لم يكذبه ولم يصدقه فعلى كل واحد منهما جزاء كامل لانه بخبر الاول وقع العلم بمكان الصيد غالبا، وبالثاني استفاد علم اليقين فكان لكل واحد منهما دلالة على الصيد. وإن أرسل محرم إلى محرم فقال إن فلانا يقول لك إن في هذا الموضع صيدا فذهب فقتله فعلى الرسول والمرسل والقاتل الجزاء لان الدلالة وجدت منهما. وظهر بالشرط الثاني ضعف ما في المحيط معزيا إلى المنتقى من أنه لو قال خذ أحد هذين وهو يراهما فقتلهما كان على الدال جزاء واحد، وإن كان لا يراهما فعليه جزاءان ا ه‍. لانه إذا كان يراهما كان عالما بمكانهما وقد شرطوا عدم العلم بمكانه ولهذا لم يذكروا هنا الاشارة كما ذكروها في باب الاحرام لانها خاصة بالحاضر، وشرط وجوب الجزاء عدم العلم بالمكان. فالحاصل أن الاشارة والدلالة سواء في منع المحرم

[ 50 ]

منهما لكن الدلالة موجبة للجزاء بشروطها. والاشارة لا توجب الجزاء اللهم إلا أن يقال إن الامر بالاخذ ليس من قبيل الدلالة فيوجب الجزاء مطلقا، ويدل عليه ما في فتح القدير وغيره: لو أمر المحرم غيره بأخذ صيد فأمر المأمور آخر فالجزاء على الآمر الثاني لانه لم يمتثل أمر الاول لانه لم يأتمر بالامر بخلاف ما لو دل الاول على الصيد وأمره فأمر الثاني ثالثا بالقتل حيث يجب الجزاء على الثلاثة، وكذا الارسال كما ذكرناه آنفا فقد فرقوا بين الامر المجرد والامر مع الدلالة. ودخل تحت الاعانة ما ذكره في المحيط: محرم رأى صيدا في موضع لا يقدر عليه فدله محرم آخر على الطريق إليه أو رأى صيدا دخل غارا فلم يعرف باب الغار فدله محرم آخر على بابه فذهب إليه فقتله، فعلى الدال الجزاء أيضا لانه حين دله على الطريق والباب كأنه دله على الصيد. وكذلك محرم رأى صيدا في موضع لا يقدر عليه إلا أن يرميه بشئ فدله محرم على قوس ونشاب أو دفع ذلك إليه فرماه فقتله. فعلى كل واحد جزاء كامل ا ه‍. مع أنه في هذه المسائل مشاهد للصيد فعلم أن الدلالة إذا فقد شرط منها لا يمتنع وجوب الجزاء بسبب الاعانة. واختلفوا في إعارة السكين أو القوس أو النشاب هل هي إعادة موجبة للجزاء على المعير، فصريح عبارة الاصل أنه لا جزاء على صاحب السكين وإن كان مكروها فحمله أكثر المشايخ على ما إذا كان مع القاتل سلاح. أما إذا لم يكن معه ما يقتل به فالجزاء واجب لان التمكن بإعارته، وجزم به في المحيط وإليه أشار في السير. وصحح السرخسي في مبسوطه أنه لا جزاء على المعير على كل حال لان الاعارة ليست إتلافا حقيقة ولا حكما بخلاف الدلالة فإنها إتلاف معنى، والظاهر ما عليه الاكثر من التفصيل لما ثبت في صحيح

[ 51 ]

مسلم من حديث أبي قتادة هل أعنتم، ولا شك أن إعارة السكين إعانة عليه. ثم اعلم أن هذا الجزاء كفارة وبدل عندنا، أما كونه كفارة فلوجود سببها وهو الجناية على الاحرام بارتكاب محظور إحرامه ولهذا قال * (أو كفارة طعام مساكين) * (المائدة: 95) وأما كونه بدلا فلوجود سببه وهو إتلاف صيد متقوم ولهذا اعتبرت المماثلة بين المقتول والجزاء، ولهذا ذكر المصنف آخر الباب أنه لو اجتمع محرمان في قتل صيد تعدد الجزاء لان الواجب كفارة في حق الجاني وجب جزاء على فعله وفعل كل واحد جناية على حدة بخلاف الحلالين كما سيأتي. ثم اعلم أيضا أن الجزاء بتعدد المقتول إلا إذا قصد به التحلل ورفض إحرامه كما صرح به في الاصل فقال: اصطاد المحرم صيدا كثيرا على قصد الاحلال والرفض لاحرامه فعليه لذلك كله دم لانه قاصد إلى تعجيل الاحلال إلى الجناى على الاحرام وتعجيل الاحلال يوجب دما واحدا كما في المحصر. كذا في المبسوط. وقد يقال: لا يصح القياس لما أن تعجيل الاحلال في المحصر مشروع بخلافه هنا ولهذا كان قصده باطلا ولا يرتفض به الاحرام فوجوده وعدمه سواء. قوله: (وهو قيمة الصيد بتقويم عدلين في مقتله أو أقرب موضع منه فيشتري بها هديا وذبحه إن بلغت هديا أو طعاما وتصدق به كالفطرة أو صام عن طعام كل مسكين يوما) أي الحزاء ما ذكر لقوله تعالى * (ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذو اعدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره) * (المائدة: 95) اطلق المصنف ولم يقيد بالعمد كما في الآية لانه لا فرق بين الناسي والعامد كإتلاف الامول لان هذا الجزاء ليس كفارة محضة كما قدمنا. والتقييد به في الآية لاجل الوعيد المذكور في آخرها لا لوجوب الجزاء، لان الآية نزلت في حق من تعدى كما ذكره القاضي البيضاوي. وأشار بذكر القيمة فقط إلى أنها المراد بالمثل في الآية وهو المثل معنى لا المثل صورة ومعنى، وإنما لم يعمل بالكامل كما قال محمد والشافعي فإنهما أوجبا النظير فيما

[ 52 ]

له نظير لان المعهود في الشرع في القيميات المثل معنى فإنه لو أتلف بقرة لانسان مثلا لا يلزمه بقرة مثلها اتفاقا لان المثل معنى مراد بالاجماع فيما لا نظير له وهو مجاز فلا يراد المعنى الحقيقي وهو المثل صورة ومعنى لعدم جواز الجمع بين الحقيقة والمجاز، وكذلك في قوله تعالى * (فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) * (البقرة: 194) أريد المثل معنى وهو القيمة، وأما رد العين فثابت بالسنة أو لما في حملنا على المثل معنى من التعميم لشموله ماله نظير له وما لا نظير له، وإذا حمل على المثل الكامل كانت الآية قاصرة على ماله نظير. وعلى هذا فكلمة من النعم بيان لما وهو المقتول لا للمثل. والنعم كما يطلق على الاهلي يطلق على الوحشي كما قاله أبو عبيدة والاصمعي، وأراد بقيمة الصيد قيمة لحمه. قال الكرماني في مناسكه: يقوم الصيد لحما عندنا. وقال زفر: يجب قيمته بالغة ما بلغت. وفائدة الخلاف لو قتل بازيا معلما فعندنا تجب قيمته لحما، وعنده تجب قيمته معلما. وفي الاختيار: وإذا كان المراد من الجزاء القيمة يقوم العد لان اللحم لا الحيوان، والمراد أنه يقوم من حيث الذات لا من حيث الصفة لانها أمر عارض ولو كانت الصفة بأمر خلقي كما إذا كان طيرا يصوت فازدادت قيمته لذلك ففي اعتبار ذلك في الجزاء روايتان، ورجح في البدائع اعتبارها بخلاف ما إذا أتلف شيئا مملوكا فإن القيمة تعتبر من حيث الذات والصفات إلا إذا كان الوصف لمحرم من اللهو كقيمة الديك لنقاره والكبش لنطاحه فإنها لا تعتبر كالجارية المغنية. وليس مرادهم أنه يقوم لحمه بعد قتله وإنما يقوم وهو حي باعتبار ذاته بدليل أن مالا يؤكل لحمه لا يصح أن يقوم لحمه بعد قتله إذ ليس له قيمة وإنما يقوم باعتبار جلده وكونه صيدا حيا ينتفع به، وليس مرادهم إهدار صفة الصيد بالكلية لما أنهم اتفقوا على أنه لو قتل صيدا حسنا مليحا له زيادة قيمة تجب قيمته على تلك الصفة كما لو قتل حمامة مطوقة أو فاختة مطوقة كما صرح به في البدائع. وإنما المراد إهدار ما كان بصنع العباد. وأراد بالعدل من له معرفة وبصارة بقيمة الصيد لا العدل في باب الشهادة، وقيد بالعدلين لان العدل الواحد لا يكفي لظاهر

[ 53 ]

النص وصححه في شرح الدرر. وفي الهداية قالوا: والواحد يكفي والمثنى أولى لانه أحوط وأبعد من الغلط كما في حقوق العباد، وقيل يعتبر المثنى ههنا بالنص ا ه‍. وفي فتح القدير: والذين لم يوجبوه حملوا العدد في الآية على الاولوية لان المقصود زيادة الاحكام والاتقان، والظاهر الوجوب وقصد الاحكام والاتقان لا ينافيه بل قد يكون داعيته ا ه‍. وينبغي أن يكتفي بالقاتل إذا كان له معرفة بالقيمة وأن يحمل ذكر الحكمين على الاولوية على قول من يكتفي بالواحد لكنه يتوقف على نقل ولم أره. وكلمه أو في قوله أو أقرب المواضع للتوزيع لا للتخيير يعني أن الحكمين يقومانه في مكان قتله إن كان يباع فيه، وفي أقرب المواضع إلى مكان قتله كالبرية. ولا بد من اعتبار المكان ومن اعتبار زمان قتله لاختلاف القيم باختلاف الامكنة والازمنة. والضمير في قوله فيشتري راجع إلى القاتل فأفاد أنه بعد تقويم الحكمين الخيار للقاتل بين الاشياء الثلاثة، ولا خيار للحكمين لان التخيير شرع رفقا بمن عليه فيكون الخيار إليه كما في كفارة اليمين، وليس في الآية دلالة على اختيارهما لان قوله أو كفارة أو عدل بالرفع عطفا على جزاء وليس منصوبا عطفا على هديا فاقتضى أن لا خيار لهما في الاطعام والصيام فلزم أن لا خيار لهما في الهدي لعدم القائل بالفصل كما في العناية، أو لان هديا

[ 54 ]

حال من ضمير به وهي حال مقدرة أي صائرا هديا به. وذلك في نفس الامر بواسطة الشراء بها أو بغير ذلك، وكون الحال مقدرة كثير. وهو وإن لم يلزم على تقدير المخالف فيها يلزم على تقديره في وصفها وهو بالغ الكعبة فإنه لا يصح حكمهما بالهدي موصوفا ببلوغه إلى الكعبة حال حكمهما به على التحقيق، بل المراد يحكمان به مقدرا بلوغه، فلزوم التقدير ثابت غير أنه يختلف محله على الوجهين. ثم على كل تقدير لا دلالة للآية على أن الاختيار للحكمين بل الظاهر منها أنه إلى من عليه فإن مرجع ضمير المحذوف من الخبر أو متعلق المبتدأ إليه أعني ما قررناه من قولنا فالواجب عليه أو فعليه. كذا في فتح القدير. وأشار بقوله هديا إلى أنه لو اختار الهدي يذبحه إلا بالحرم لصريح قوله بالغ الكعبة مع أن الهدي ما يهدى من النعم إلى الحرم، وقول الفقهاء لو قال إن فعلت كذا فثوبي هذا هدي أو إن لبست من غزلك فهو هدي مجاز عن الصدقة بقرينة التقييد بالثوب والغزل والكلام في مطلق الهدي، فلو ذبحه في الحل لا يجزئه عن الهدي بل عن الاطعام فيشترط أن يعطي لك فقير قدر قيمة نصف صاع حنطة أو صاع من غيرها إن كانت قيمة اللحم مثل قيمة المقتول وإلا فيكمل. وأشار بقوله إن بلغت هديا إلى أنه إذا وقع الاختيار على الهدي يهدي ما يجزئ في الاضحية حتى لو لم تبلغ قيمة المقتول إلا عناقا أو حملا يقوم بالاطعام أو الصوم لا بالهدي ولا يتصور التكفير بالهدي إلا أن تبلغ قيمته جذعا عظيما من الضأن أو ثنيا من غيره لان مطلق الهدي في الشرع ينصرف إلى ما يبلغ ذلك السن لانه المعهود في إطلاق هدي

[ 55 ]

المتعة والقران والاضحية، وإنما يراد به غير ما ذكرنا مجازا بقرينة التقييد كما قدمناه. وأفاد بقوله ذبحه إلى أن المراد التقرب إلى الله تعالى بالاراقة، فلهذا لو سرق بعد الذبح أجزأه، ولو تصدق بالهدي حيا لا يجزئه. وأما التصدق بلحم القربان فواجب عند الامكان، فلو أتلفه بعد الذبح ضمنه فيتصدق بقيمته ولا ينعدم الاجزاء به. وكذا لو أكل بعضه فإنه يغرم قيمة ما أكل. ويجوز أن يتصدق بجميع اللحم على مسكين واحد، وكذا ما يغرمه من قيمة أكله. وأطلق في الطعام والصوم فدل على أنهما يجوزان في الحل والحرم ومتفرقا ومتتابعا لاطلاق النص فيهما. وأشار بقوله كالفطرة إلى أنه يطعم كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو شعير، وليس له أن يطعم واحدا أقل منه، وله أن يطعم أكثر تبرعا حتى لا يحتسب الزيادة من القيمة كيلا ينتقص عدد المساكين. هكذا ذكره ههنا وقد حققنا في باب صدقة الفطر أنه يجوز أن يفرق نصف الصاع على مساكين على المذهب وأن القائل بالمنع الكرخي فينبغي أن يكون كذلك هنا خصوصا، والنص هنا مطلق فيجري على إطلاقه لكن لا يجوز أن يعطي لمسكين واحد كالفطرة لان العدد منصوص عليه، وإلى أنه يجوز التصدق على الذمي كالمسلم كما هو الحكم في المشبه به والمسلم أحب، وإلى أنه لا يجوز أن يتصدق بجزاء الصيد على أصله وإن علا، وفرعه وإن سفل، وزوجته وزوجها كما هو الحكم في كل صدقة واجبة كما أسلفناه في باب المصرف. وصرحوا هنا بأنه لا يجوز التصدق بشئ من جزاء الصيد على من لا تقبل شهادته له، وما ذكرناه أولى لكن يرد على المصنف أن الاباحة تكفي في جزاء الصيد في الاطعام كالتمليك كما صرح به الامام الاسبيجابي، ولا يكفي في الفطرة. وأشار أيضا بقوله كالفطرة إلى أن دفع القيمة جائز فيدفع لكل مسكين قيمة نصف صاع من بر، ولا

[ 56 ]

يجوز النقص عنها كما في العين كما صرحوا به في مسألة ذبح الهدي في الحل فإنه يجزئه باعتبار القيمة كما قدمناه. قوله: (ولو فضل أقل من نصف صاع تصدق به أو صام يوما) لان الواجب عليه مراعاة المقدار وعدد المساكين وقد عجز عن مراعاة المقدار فسقط، وقدر على مراعاة العدد فلزمه ما قدر عليه بخلاف كفارة اليمين لانها مقدرة بإطعام عشرة مساكين، كل مسكين نصف صاع لا يزيد ولا ينقص. أما القيمة هنا تزيد وتنقص فيخير إن شاء تصدق به على مسكين وإن شاء صام يوما كاملا لان الصوم أقل من يوم غير مشروع. وأشار إلى أن الواجب لو كان دون طعام مسكين بأن قتل يربوعا أو عصفورا فهو مخير أيضا، وإلى أنه يجوز الجمع بين الصوم والاطعام بخلاف كفارة اليمين. والفرق أن في كفارة الصيد الصوم أصل كالاطعام حتى يجوز الصوم مع القدرة على الاطعام فجاز الجمع بينهما وإكمال أحدهما بالآخر، وأما في كفارة اليمين فالصوم بدل عن التكفير بالمال حتى لا يجوز المصير إليه مع القدرة على المال فلا يجوز الجمع بين الاصل والبدل للتنافي. وشمل كلامه ما إذا كان هذا الفاضل من جنس ما فعله أولا حتى لو اختار الهدي وفضل من القيمة ما لا يبلغ هديا فهو مخير في الفضل أيضا. وعلى هذا لو بلغت قيمته هديين إن شاء ذبحهما، وإن شاء تصدق بالطعام، وإن شاء صام عن كل نصف صاع يوما، وإن شاء ذبح أحدهما وأطعم وصام عما بقي فيجمع بين الانواع الثلاثة أو يتصدق بالقيمة من الدراهم أو الدنانير. وذكر الولوالجي في فتاواه أن المعتبر في الطعام قيمة الصيد، وفي الصوم قيمة الطعام، وهكذا في البدائع قوله: (وإن جرحه أو قطع عضوه أو نتف شعره ضمن ما نقص) اعتبارا للبعض بالكل كما في حقوق العباد. أفاد بمقابلة الجرح للقتل المتقدم أنه لم يمت من هذا الجرح لانه لو مات منه

[ 57 ]

وجب كمال القيمة، فإن غاب ولم يعلم موته ولا حياته فالقياس أن يضمن النقصان للشك في سبب الكمال كالصيد المملوك إذا جرحه وغاب، والاستحسان أن يلزمه جميع القيمة احتياطا كمن أخذ صيدا من الحرم ثم أرسله ولا يدري أدخل الحرم أم لا فإنه تجب قيمته لان جزاء الصيد يسلك به مسلك العبادة من وجه. كذا في المحيط. وأطلق في ضمانه النقصان بسبب الجرح فشمل ما إذا برئ منه فإنه لا يسقط الجزاء ببرئه لان الجزاء يجب بإتلاف جزء من الصيد، وبالاندمال لا يتبين أن الاتلاف لم يكن بخلاف ما إذا جرح آدميا فاندملت جراحته فلم يبق لها أثر أنه لا ضمان عليه لان الضمان هناك إنما يجب لاجل الشين وقد ارتفع. كذا في البدائع، وفي المحيط خلافه فإنه قال: وإن برئ منه ولم يبق له أثر لا يضمن لان سبب الضمان قد زال فيزول الضمان كما في الصيد المملوك ا ه‍. والظاهر الاول لما تقدم من الفرق بين جزاء الصيد والصيد المملوك في مسألة ما إذا غاب بعد الجرح، وعلى هذا لو قلع سن ظبي أو نتف ريش صيد فنبت أو ضرب عين صيد فابيضت ثم ذهب البياض فلا شئ عليه عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف عليه صدقة الالم. وأشار بكون الجراحة جناية مستقلة إلى أنه لو جرح صيدا فكفر ثم قتله كفر أخرى لانهما جنايتان، وإلى أنه لو لم يكفر حتى قتله لزمه كفارة بالقتل ونقصان بالجراحة كما في المحيط. وفي الولوالجية: لو جرح صيدا ثم كفر عنه ثم مات أجزأته الكفارة التي أداها لانه أدى بعد وجود سبب الوجوب. وفي المحيط معزيا إلى الجامع: محرم بعمرة جرح صيدا جرحا لا يستهلكه ثم أضاف إليها حجة ثم جرحه أيضا فمات من الكل فعليه للعمرة قيمته صحيحا وقيمته للحج وبه الجرح الاول، ولو حل من العمرة ثم أحرم بالحجة ثم جرحه الثانية فعليه للعمرة قيمته وبه الجرح

[ 58 ]

الثاني وللحج قيمته وبه الجرح الاول، ولو كان حين أحل من العمرة قرن بحجة وعمرة ثم جرح الصيد فمات ضمن للعمرة القيمة وبه الجرح الثاني، وضمن للقران قيمتيوبه الجرح الاول، ولو كان الجرح الاول استهلاكا غرم للاحرام الاول قيمته صحيحا وللقران قيمتين وبه الجرح الاول ا ه‍. وفي مناسك الكرماني: ولو ضرب صيدا فرض وانتقصت قيمته أو ازدادت ثم مات كان عليه أكثر القيمتين من قيمته وقت الجرح أو وقت الموت. قوله: (وتجب القيمة بنتف ريشه وقطع قوائمه وحلبه وكسر بيضه وخروج فرخ ميت به) أما نتف ريشه وقطع قوائمه فلانه فوت عليه الامن بتفويت آلة الامتناع فصار كأنه قتله فلزمه قيمة كاملة، وأما حلبه فلان اللبن من أجزائه فيكون معتبرا بكله فيجب عليه ضمان ما أتلف وهو قيمة اللبن، وأما كسر بيضه فلانه أصل الصيد وله عرضية أن يصير صيدا فنزل منزلة الصيد احتياطا وهو مروي عن علي وابن عباس رضي الله عنهما فوجب عليه قيمة البيض، وأما إذا خرج فرخ ميت بسبب الكسر فالقياس أن لا يغرم سوى قيمة البيضة لان حياة الفرخ غير معلوم. وجه الاستحسان أن البيض معد ليخرج منه الفرخ الحي والكسر قبل أوانه سبب لموته فيحال به عليه احتياطا فتجب قيمته حيا كما صرح به. والريش جمع الريشة وهو الجناح، والقوائم الارجل، وأطلق في كسر بيضه. وقيده في الهداية بأن لا يكون فاسدا لانه لو كسر بيضة مذرة لا شئ عليه لان ضمانها ليس لذاتها بل لعرضية الصيد وهو مفقود في الفاسدة، وبهذا انتفى قول الكرماني: إذا كسر بيضة نعامة مذرة وجب الجزاء لان لقشرها قيمة، وإن كانت غيرها نعامة لا يجب شئ، وذلك لان المحرم بالاحرام ليس منهيا عن التعرض للقشر بل للصيد فقط وليس للمذرة عرضية الصيدية. كذا في فتح القدير. وفي البدائع: ولو شوى بيضا أو جرادا فضمنه لا يحرم أكله، ولو أكله أو غيره حلالا كان أو

[ 59 ]

حراما لا يلزمه شئ. وعلل له في المحيط بأنه لا يفتقر إلى الذكاة فلا يصير ميتة، ولهذا يباح أكل البيض قبل الشئ. وأفاد بمسألة خروج الفرخ أنه لو ضرب بطن ظبية فألقيت جنينا ميتا فإنه يضمن قيمته حيا، فإن ماتت الام ضمن قيمتها أيضا بخلاف جنين المرأة إذا خرج ميتا لا يلزم الضارب شيئا لانه في حكم النفس في جزاء الصيد احيتاطا وفي حقوق العباد في حكم الجزء لان غرامات الاموال لا تبتنى على الاحتياط. كذا في النهاية. وقيد بقوله به لانه لو علم موته بغير الكسر فلا ضمان عليه للفرخ لانعدام الامانة، ولا للبيض لعدم العرضية، وإذا ضمن الفرخ لا يجب في البيض شئ لان ما ضمانه لاجله قد ضمنه. وأشار بخروج الفرخ إلى أنه لو نفر صيدا عن بيضة ففسد أنه يضمن إحالة للفساد عليه لانه السبب الظاهر كما لو أخذ بيضة الصيد فدفنها تحت دجاجة ففسدت، ولو لم تفسد وخرج منها فرخ وطار فلا شئ عليه. قوله: (ولا شئ بقتل غراب وحدأة وذئب وحية وعقرب وفأرة وكلب عقور وبعوض ونمل وبرغوث وقراد وسلحفاة) أما الفواسق وهي السبعة المذكورة هنا فلما في صحيح ا لبخاري خمس من الدواب لا حرج على من قتلهن: الغراب والحدأة والفأرة والعقرب والكلب العقور (1) وزاد في سنن أبي داود الحية والسبع العادي وفي رواية الطحاوي الذئب فلذا ذكر المصنف سبعة، ومعنى الفسق فيهن خبثهن وكثرة الضرر فيهن، وهو حديث مشهور فلذا خص به الكتاب القطعي. كذا في النهاية. وأطلق المصنف في نفي شئ بقتلها فأفاد أنه لا فرق بين أن يكون محرما أو حلالا في الحرم. وأطلق في الغراب فشمل

[ 60 ]

الغراب بأنواعه الثلاثة، وما في الهداية من قوله والمراد بالغراب الذي يأكل الجيف أو يخلط لانه يبتدئ بالاذى، أما العقعق غير مستثنى لانه لا يسمى غرابا ولا يبتدئ بالاذى ففيه نظر لانه دائما يقع على دبر الدابة كما في غاية البيان. وسوى المصنف بين الذئب والكلب العقور وهو رواية الكرخي واختارها في الهداية لان الذئب يبتدئ بالاذى غالبا والغالب كالمتحقق، ولانه ذكر في بعض الروايات، وفرق بينهما الامام الطحاوي فلم يجعل الذئب من الفواسق. وأطلق في الفأرة فشملت الاهلية والوحشية. وقيد الكلب بالعقور اتباعا للحديث مع أن العقور وغيره سواء، أهليا كان أو وحشيا، لان غير العقور ليس بصيد فلا يجب الجزاء به كما صرح به قاضيخان في فتاواه، واختاره في الهداية. وفي السنور البري روايتان. ثم اعلم أن الكلام إنما هو في وجوب الجزاء بقتله. وأما حل القتل فما لا يؤذي لا يحل قتله فالكلب الاهلي إذا لم يكن مؤذيا لا يحل قتله لان الامر بقتل الكلاب نسخ فقيد القتل بوجوب الايذاء، وأما البعوض وما كان مثله من هوام الارض فلانها ليست بصيود أصلا وإن كان بعضها يبتدئ بالاذى كالبرغوث، ودخل الزنبور والسرطان والذباب والبق والقنافذ والخنافس والوزغ والحلمة وصياح الليل وابن عرس، وينبغي أن يكون العقرب والفأرة من هذا القسم لان حد الصيد لا يوجد فيهما. والبعوض من صغار البق الواحدة بعوضة بالهاء واشتقاقها من البعض لانها كبعض البقة قال الله تعالى * (مثلا ما بعوضة) * (البقرة: 26) كذا في ضياء الحلوم. وفيه: الحدأة بكسر الحاء طائره معروف والجمع الحدأ، وأما الحدأة بفتح الحاء فأس ينقر بها الحجارة لها رأسان. والذئب بالهمزة معروف وجمعه أذوب وأذواب ذاب وذؤبان، قيل اشتقاقه من تذاءبت الريح إذا جاءت من كل وجه وهو من أسماء الرجال أيضا، ويصغر ذويب. والسلحفاة بضم الحاء وفتح الفاء واحدة السلاحف من خلق الماء، ويقال أيضا

[ 61 ]

سلحفية بالياء، والفأرة بالهمزة واحدة الفأر وجمعه فيران. قوله: (وبقتل قملة وجرادة تصدق بما شاء) أما وجوب الصدقة بقتل القملة فلانها متولدة من النفث الذي على البدن والمحرم ممنوع من إزالته بمنزلة إزالة الشعر حتى لو قتل ما على الارض من القمل فإنه لا شئ عليه، أو قتلها من بدن غيره فكذلك كما في الظهيرية وغيرها. وفي المحيط: ويكره قتل القملة وما تصدق به فهو خير منها. أطلق في قتل القملة فشمل ما إذا كان مباشرة أو تسببا لكن يشترط في الثاني القصد كما قدمناه فعليه الجزاء لو وضع ثيابه في الشمس ليقتل حر الشمس القمل كالصيد ولا شئ عليه لو لم يقصد ذلك كما لو غسل ثوبه فمات القمل. كذا في غاية البيان. وقد علم من كلامه أن القمل كالصيد فأفاد أن الدلالة موجبة فيها، فلو أشار المحرم إلى قملة على بدنه فقتلها الحلال وجب الجزاء. وعلم من التعليل أن إلقاء القملة كالقتل لان الموجب إزالتها عن البدن لا خصوص القتل كما صرح به الاسبيجابي وغيره. وأراد بالقملة القليل منه لان الكثير منه جزاء قتله صدقة معينة وهي نصف صاع لا التصدق بما شاء، وظاهر كلام الاسبيجابي أن ما زاد على الثلاث كثير، وكلام قاضيخان أن العشر فما فوقها كثير، واقتصر شراح الهداية على الاول فكان هو المذهب. وأما وجوبها بقتل الجرادة فلان الجراد من صيد البر فإن الصيد ما لا يمكن أخذه إلا بحيلة ويقصده الآخذ. وقال عمر رضي الله عنه: تمرة خير من جرادة فأوجبها على من قتل جرادة

[ 62 ]

كما رواه مالك في الموطأ وتبعه أصحاب المذاهب. أما ما في سنن أبي داود والترمذي عن أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة أو غزوة فاستقبلنا رجل من جراد فجعلنا نضربه بأسيافنا وقسينا فقال صلى الله عليه وسلم: كلوه فإنه من صيد البحر. فقد أجاب النووي رحمه الله في شرح المهذب بأن الحفاظ اتفقوا على تضعيفه لضعف أبي المهزم وهو بضم الميم وكسر الزاى وفتح الهاء بينهما، واسمه يزيد بن سفيان. وفي رواية لابي داود عن أبي رافع عن أبي هريرة قال البيهقي وغيره: ميمون غير معروف ا ه‍. فليس هنا حديث ثابت فثبت أنه من صيد البر بإيجاب عمر الجزاء فيه بحضرة الصحابة، وقد روى البيهقي بسند صحيح عن ابن عباس أنه قال في الجراد قبضة من طعام. ولم أر من تكلم على الفرق بين الجراد القليل والكثير كالقمل، وينبغي أن يكون كالقمل ففي الثلاث وما دونها يتصدق بما شاء، وفي الاربع فأكثر يتصدق بنصف صاع، وفي المحيط: مملوك أصاب جرادة في إحرامه إن صام يوما فقد زاد وإن شاء جمعها حتى تصير عدة جرادات فيصوم يوما ا ه‍. وينبغي أن يكون القمل كذلك في حق العبد لما علم أن العبد لا يكفر إلا بالصوم. ثم أطلق المصنف رحمه الله في الصدقة لانه لم يذكر في ظاهر الرواية مقدارها، وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة أنه يطعم في الواحدة كسرة وفي الاثنين أو الثلاثة قبضة من الطعام، وفي الاكثر نصف صاع. كذا ذكره الاسبيجابي. قوله: (ولا يجاوز عن شاة بقتل السبع وإن صال لا شئ بقتله بخلاف المضطر) لان السبع صيد وليس هو من الفواسق لانه لا يبتدئ بالاذى حتى لو ابتدأ بالاذى كان منها فلا يجب بقتله شئ وهو معنى قوله صال أي وثب بخلاف الذئب فإنه من الفواسق لانه ينتهب

[ 63 ]

الغنم، وأراد بالسبع كل حيوان لا يؤكل لحمه مما ليس من الفواسق السبعة والحشرات، سواء كان سبعا أولا ولو خنزيرا أو قردا أو فيلا كما في المجمع. والسبع اسم لكل مختطف منتهب جارح قاتل عاد عادة فإذا وجب الجزاء بقتله لا يجاوز به شاة لان كثرة قيمته إما لما فيه من معنى المحاربة وهو خارج عن معنى الصيدية، أو لما فيه من الايذاء وهو لا تقوم له شرعا فبقى اعتبار الجلد واللحم على تقدير كونه مأكولا وذلك لا يزيد على قيمة الشاة غالبا لان الحم الشاة خير من لحم السبع. وقيد بالسبع لان الجمل إذا صال على إنسان فقتله وجب عليه قيمته بالغة ما بلغت، والفرق بينهما أن الاذن في مسألة السبع بقتله حاصل من صاحب الحق وهو الشارع. أما في مسألة الجمل فلم يحصل الاذن من صاحبه، وأورد عليه العبد إذا صال بالسيف على إنسان فقتله المصول عليه فإنه لا يضمنه مع أنه لا إذن له أيضا من مالكه. وأجيب بأن العبد مضمون في الاصل حقا لنفسه بالآدمية لا للمولى لانه مكلف كسائر المكلفين، ألا ترى أنه لو ارتد أو قتل يقتل وإذا كان مضمونا لنفسه سقط هذا الضمان بمبيح جاء من قبله وهو المصال به ومالية المولى فيه، إن كانت متقومة مضمونة له نهى تبع لضمان النفس فيسقط التبع في ضمن سقوط الاصل. أطلق في عدم وجوب شئ إذا صال فشمل ما إذا أمكنه دفعه بغير سلاح أو لا، وذكر في المحيط أنه إذا أمكنه دفعه بغير السلاح فقتله فعليه الجزاء، وقيد قاضيخان السبع بكونه غير مملوك لانه لو كان مملوكا وجبت قيمته بالغة بلغت يعني عليه قيمتان إذا كان محرما قيمة لمالكه مطلقا وقيمة لله تعالى لا تجاوز قيمة شاة كما أسلفناه. ومعنى قوله بخلاف المضطر أن المحرم إذا اضطر إلى أكل الصيد للمخمصة فذبحه وأكله فإنه يجب الجزاء عليه لان الاذن مقيد بالكفارة بالنص في قوله تعالى * (فمن كان منكم

[ 64 ]

مريضا أو به أذى من رأسه ففدية) * (البقرة: 196) الآية. فدل على أن الضرورة لا تسقط الكفارة، وأراد بالشاة هنا أدنى ما يجزئ في الهدية والاضحية وهو الجذع من الضأن قوله: (وللمحرم ذبح شاة وبقرة وبعير ودجاجة وبط أهلي) لانها ليست بصيود وعليه إجماع الامة. وقيد البط بالاهلي وهو الذي يكون في المساكن والحياض لانه ألوف بأصل الخلقة احترازا عن الذي يطير فإنه صيد فيجب الجزاء بقتله. قال الشارح: فينبغي أن تكون الجواميس على هذا التفصيل فإنه في بلاد السودان وحشي ولا يعرف منه مستأنس عندهم ا ه‍. وفي المجمع: ولو نزى ظبي على شاة يلحق ولدها بها يعني فلا يجب بقتل الولد جزاء لان الام هي الاصل قوله: (وعليه الجزاء بذبح حمام مسرول وظبي مستأنس) لما قدمناه أن العبرة للتوحش بأصل الخلقة ولا عبرة للعارض والحمام متوحش بأصل الخلقة ممتنع بطيرانه وإن كان بطئ النهوض والاستئناس عارض، واشتراط ذكاة الاختيار لا يدل على أنه ليس بصيد لان ذلك كان للعجز وقد زال بالقدرة عليه، وفي المغرب: حمام مسرول في رجليه ريش كأنه سروايل. وإنما قيد به مع أن الحكم في الحمام مطلقا كذلك لما أن فيه خلاف مالك وليفهم غيره بالاولى. قوله: (ولو ذبح محرم صيدا حرم) أي فهو ميتة لان الذكاة فعل مشروع وهذا فعل حرام فلا يكون ذكاة كذبيحة المجوسي فأفاد أنه يحرم على المحرم والحلال. وأشار إلى أن الحلال لو ذبح صيد الحرم فإنه يكون ميتة أيضا كما في غاية البيان. وأطلقه فشمل ما إذا كان المحرم الذابح مضطرا أو لا، واختلفت العبارات فيما إذا اضطر المحرم هل يذبح الصيد فيأكله أو يأكل الميتة ففي المبسوط: إنه يتناول من الصيد ويؤدي الجزاء ولا يأكل الميتة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف لان حرمة الميتة أغلظ لان حرمة الصيد ترتقع بالخروج من الاحرام أو الحرم فهي مؤقتة به بخلاف حرمة الميتة فعليه أن يقصد أخف الحرمتين دون أغلظهما،

[ 65 ]

والصيد وإن كان محظور الاحرام لكن عند الضرورة يرتفع الحظر فيقتله ويأكل منه ويؤدي ا لجزاء ا ه‍. والمراد بالقتل الذبح. وفي فتاوى قاضيخان: المحرم إذا اضطر إلى مينة وصيد فالميتة أولى من قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف والحسن: يذبح الصيد، ولو كان الصيد مذبوحا فالصيد أولى عند الكل. ولو وجد لحم صيد آدمي كان ذبح الصيد أولى، ولو وجد صيدا وكلبا فالكلب أولى لان في الصيد ارتكاب المحظورين، وعن محمد الصيد أولى من لحم الخنزير ا ه‍. والذي يظهر ترجيح ما في الفتاوى لما أن في أكل الصيد ارتكاب حرمتين الاكل والقتل وفي أكل الميتة ارتكاب حرمة واحدة وهي الاكل، وكون الحرمة ترتفع لا يوجب التخفيف ولهذا قال في المجمع: والميتة أولى من الصيد للمضطر ويجيزه له مكفرا. وذكر في المحيط أن رواية تقديم الميتك‍ رواية المنتفي، وذكر الشارح أنه لو وجد صيدا حيا ومال مسلم يأكل الصيد لا مال المسلم لان الصيد حرام حقا لله تعالى والمال حرام حقا للعبد فكان الترجيح لحق العبد لافتقاره. وفي فتاوى قاضيخان: وعن بعض أصحابنا من وجد طعام الغير لا يباح له الميتة، وهكذا عن ابن سماعه وبشر أن الغصب أولى من الميتة وبه أخذ الطحاوي. وقال الكرخي: هو بالخيار ا ه‍ قوله: (وغرم بأكله لا محرم آخر) للفرق بينهما وهي أن حرمته على الذابح من جهتين: كونه ميتة وتناوله محظورا إحرامه لان إحرامه هو الذي أخرج الصيد عن الحلية والذابح عن الاهلية في حق الذكاة فأضيفت حرمة التناول إلى إحرامه فوجبت عليه قيمة ما أكله، وأما المحرم الآخر فإنما هي حرام عليه من جهة واحدة وهو كونه ميتة فلم يتناول محظور إحرامه، ولا شئ عليه بأكل الميتة سوى التوبة والاستغفار، وبهذا اندفع قولهما بعدم الفرق قياسا على أكل الميتة. أطلقه فشمل ما إذا أكل منه قبل أداء الجزاء أو بعده لكن إن كان قبله دخل ضمان ما أكل في ضمان الصيد فلا يجب له شئ بانفراده. وقيد بأكل المحرم لان الحلال لو ذبح صيدا في الحرم فأدى جزاءه ثم أكل منه لا

[ 66 ]

شئ عليه اتفاقا لان وجوب الجزاء لفوات إلا من الثابت بالحرم للصيد لا للحمه. وقيد بأكله أي أكل لحمه لان مأكول المحرم لو كان بيض، صيد بعد ما كسره وأدى جزاءه لا شئ عليه اتفاقا كما قدمناه عن المحيط لان وجوب الجزاء فيه باعتبار أنه أصل الصيد وبعد الكسر انعدم هذا المعنى. وفي فتح القدير: ويكره بيعه فإن باعه جاز ويجعل ثمنه في الفداء إن شاء، وكذا شجر الحرم واللبن ا ه‍. وأشار إلى أن مأكوله لو كان لحم جزاء الصيد فإنه يضمن قيمة ما أكل بالاولى وهو متفق عليه. وقد قدمناه. وأراد بالاكل الانتفاع بلحمه فشمل ما إذا أطعمه لكلابه فإنه يضمن قيمته. وفي المحيط: محرم وهب لمحرم صيدا فأكله قال أبو حنيفة: على الآكل ثلاثة أجزية: قيمة للذبح وقيمة للاكل المحظور وقيمة للواهب لان الهبة كانت فاسدة وعلى الواهب قيمته. وقال محمد: على الآكل قيمتان قيمة للواهب وقيمة للذبح ولا شئ للاكل عنده ا ه‍. وهو صريح في لزوم قيمتين على المحرم بقتل الصيد المملوك كما ذكرناه أول الفصل. قوله: (وحل له لحم ما صاده حلال وذبحه إن لم يدل عليه وإن لم يأمره بصيده) لحديث أبي قتادة الثابت في الصحيحين حين اصطاد وهو حلال حمارا وحشيا وأتى به لمن كان محرما من الصحابة فإنهم لما سألوه عليه السلام لم يجب بحله لهم حتى سألهم عن موانع الحل أكانت موجودة أم لا فقال عليه السلام: هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ قالوا: لا. فقال: كلوا إذا، فدل على حله للمحرم ولو صاده الحلال لاجله لانه لو كان من الموانع أن يصاد لهم لنظمه في سلك ما يسأل عنه منها. قيد بعدم الدلالة والامر لانه لو وجد أحدهما من المحرم للحلال فإنه يحرم على المحرم أكله على ما هو المختار وفيه روايتان، وذكر الطحاوي تحريمه. وقال الجرجاني: لا يحرم. وغلطه القدوري واعتمد رواية الطحاوي، وظاهر ما في غاية البيان أن الروايتين في حرمة الصيد على الحلال بدلالة المحرم مع أن ظاهر الكتب أن الدلالة من المحرم محرمة عليه للصيد لا على الصائد الحلال. ثم اعلم أن عطفهم

[ 67 ]

الامر على الدلالة هنا يفيد أنه غيرها وهو مؤيد لما قدمناه أول الفصل فراجعه قوله: (وبذبح الحلال صيد الحرم قيمة يتصدق بها لا صوم) أي وتجب قيمة بذبح صيد الحرم ويلزمه التصدق بها ولا يجزئه الصوم لان الصيد استحق الامن بسبب الحرم للحديث الصحيح ولا ينفر صيدها فأفاد حرمة التنفير فالقتل أولى. وانعقد الاجماع على وجوب الجزاء بقتله فيتصدق بقيمته على الفقراء ولا يجزئه الصوم لان الضمان فيه باعتبار المحل وهو الصيد فصار كغرامة الاموال بخلاف المحرم فإن الضمان ثمة جزاء الفعل لاجزاء المحل والصوم يصلح له لانه كفارة له ولصريح النص أو عدل ذلك صياما وإنما اقتصر المصنف على نفي الصوم ليفيد أن الهدي جائز وهو ظاهر الرواية لانه فعل مثل ما جنى لان جنايته كانت بالاراقة وقد أتى بمثل ما فعل، وفي رواية الحسن لا تجزئه الاراقة، وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا كانت قيمة المذبوح قبل الذبح أقل من قيمة الصيد، فعلى ظاهر الرواية تكفيه الاراقة، وعلى رواية الحسن يتصدق بتمام القيمة، وفيما إذا سرق المذبوح فعلى الظاهر لا يجب أن يقيم غيره مقامه. وعلى رواية الحسن تجب الاقامة. وإنما قيد بالحلال ليفيد أن حكم المحرم في صيد الحرم كحكم الحلال بالاولى، والقياس أن يلزمه جزاءان لوجود الجناية في الاحرام والحرم، وفي الاستحسان يلزمه جزاء واحد لان حرمة الاحرام أقوى لتحريمه القتل في الحل والحرم فاعتبر الاقوى وأضيفت الحرمة إليه عند تعذر الجمع بينهما ولهذا وجب الجزاء به لا لنفسه. وأما شجر الحرم وحشيشه فهما فيه سواء لانه ليس من محظورات الاحرام، والظاهر أنه قيد احترازي

[ 68 ]

لان المحرم تلزمه قيمة يخير فيها بين الهدي والاطعام والصوم كما صرح به في النهاية في صيد المحرم في الحرم. وقيد بذبح الحلال لانه لو دل إنسانا على صيد الحرم فإنه لا يلزمه شئ ولو كان المدلول محرما، والفرق بين دلالة المحرم ودلالة الحلال أن المحرم التزم ترك التعرض بالاحرام فلما دل ترك ما التزمه فضمن كالمودع إذا دل السارق على الوديعة ولا التزام من الحلال فلا ضمان بها كالاجنبي إذا دل السارق على مال إنسان. والتحقيق أن الضمان على المحرم جزاء الفعل والدلالة فعل وعلى الحلال في صيد الحرم جزاء المحل، وفي الدلالة لم يتصل بالمحل شئ وليس مقصوده تقييد الضمان بالذبح فقط لانه سيصرح آخر الفصل أن من أخرج ظبية الحرم فإنه يضمنها. وقال في المحيط: ومن أخرج صيدا من الحرم يرده إلى مأمنه فإن أرسله في الحل ضمنه لانه أزال أمنه بالاخراج فما لم يعده إلى مأمنه بإرساله في الحرم لا يبرأ عن الضمان ا ه‍. فعلم أن المراد بالذبح إتلافه حقيقة أو حكما، ولا فرق في الاتلاف بين المباشرة والتسبب بشرط أن يكون التسبب عدوانا كما قدمناه في صيد المحرم ولهذا قال في المحيط هنا: ولو أدخل المحرم بازيا فأرسله فقتل حمام الحرم لم يضمن لانه أقام واجبا وما قصد الاصطياد فلم يكن متعديا في السبب بل كان مأمورا به فلا يضمن انتهى. فعلم بهذا أن صيد الحرم يضمن بالمباشرة وبالتسبب ووضع اليد حتى لو وضع يده على صيد الحرم فتلف بآفة سماوية فإنه يكون ضامنا كما سيأتي صريحا في الكتاب. والصيد يضمن على المحرم بهذه الثلاثة أيضا ويزاد عليها رابع وهو الاعانة على قتله حتى لو أحرم وفي يده حقيقة صيد فلم يرسله حتى هلك بآفة سماوية لزمه جزاؤه كما صرح به في فتح القدير، ولم أر من صرح بحكم جزء صيد الحرم كبيضه ولبنه ولعله لفهمه من صيد الحرم فإنه لا شك أن الجزء معتبر بالكل. فإذا كسر بيض صيد الحرم أو جرحه ضمن. ثم رأيت التصريح في المحيط بأن جراحته مضمونة فقال: حلال جرح صيدا في الحرم فزادت قيمته من شعر أو بدن ثم مات من الجراحة فعليه ما نقصته الجراحة وقيمته يوم مات وتمام تفاريعه فيه. وأطلق المصنف في صيد الحرم فشمل ما إذا كان الصيد في الحرم والصائد في الحل أو عكسه وقد صرحوا به. قال في المحيط: ثم الصيد إنما يصير آمنا بثلاثة أشياء: بإحرام الصائد وبدخول الصيد الحرم وبدخول الصائد في الحرم، وفي الاخير خلاف زفر ونحن نقول: إن الداخل للحرم يحرم عليه الاصطياد مطلقا كما يحرم بالاحرام. والعبرة لقوائم الصيد لا لرأسه حتى لو كان بعض قوائمه في الحل

[ 69 ]

ورأسه في الحرم فلا شئ عليه في قتله ولا يشترط أن تكون جميع قوائمه في الحرم حتى لو كان بعض قوائمه في الحرم وبعضها في الحل وجب الجزاء بقتله لتغليب الخطر على الاباحة، ولهذا لو كان الصيد ملقى على الارض في الحل ورأسه في الحرم وجب الجزاء بقتله لانه ليس بقائم في الحل وبعضه في الحرم. وبما ذكرنا علم أنه لو رمى إلى صيد من الحل في الحل غير أن ممر السهم في الحرم فإنه لا شئ عليه، وكذلك حكم الكلب والبازي إذا أرسلهما كما صرح به الاسبيجابي. وهل المعتبر حالة الرامي أو الاصابة؟ ففي فتاوى قاضيخان: لو رمى صيدا في الحل فنفر الصيد ووقع السهم في الحرم قال محمد عليه الجزاء في قول أبي حنيفة فيما أعلم ا ه‍. وذكر في المبسوط مثله في آخر المناسك، وذكر في موضع آخر أنه لا يلزمه الجزاء لانه في الرمي غير مرتكب للنهي ولكن لا يحل تناول ذلك الصيد، وهذه المسألة المستثناة من أصل أبي حنيفة فإن عنده المعتبر حالة الرمي إلا في هذه المسألة خاصة فإنه يعتبر في حل التناول حالة الاصابة احتياطا لان الحل يحصل بالذكاة، وإنما يكون ذلك عند الاصابة وعلى هذا إرسال الكلب ا ه‍. وقد اختلف كلامه لكن ذكر في البدائع أنه لا جزاء

[ 70 ]

عليه قياسا، وفي الاستحسان عليه الجزاء فيحمل الاختلاف على القياس والاستحسان. وفي فتاوي الولوالجي: لا يجب الجزاء ويكره أكله ا ه‍. وبما ذكرنا علم أن الصيد لو كان على أغصان شجرة متدلية في الحرم وأصل الشجرة في الحل فإن قتله عليه الجزاء لان المعتبر في الصيد مكانه لا أصله، وفي حرمة قطع الشجرة العبرة للاصل لا للاغصان لان الاغصان تبع للشجرة وليس الصيد تبعا لها وهكذا في المحيط وغيره. وليس المراد من كون الصيد في الحرم أن يكون في أرضه لانه لا يشترط الكون في الارض لانه لو كان طائرا في الحرم وليس في الارض فإنه من صيد الحرم لانه دخله وقد قال تعالى * (ومن دخله كان آمنا) * (آل عمران: 97) وهواء الحرم كالحرم. وأما مسألة ما إذا رمى حلال إلى صيد فأحرم ثم أصابه أو عكسه فصرحوا في آخر الجنايات بأن المعتبر وقت الرمي. وهنا فروع لم أرها صريحا في كلام أئمتنا وإن أمكن استخراجها منه منها: لو نفر صيدا فهلك في حال هربه ونفاره، وينبغي أن يكون ضامنا ولا يخرج عن العهدة حتى يسكن. ومنها لو صاح على صيد فمات من صياحه يضمن وينبغي أن يقاس على ما إذا صاح على صبي فمات. ومنها ما لو رمى إلى صيد فنفذ فيه السهم فأصاب صيدا آخر فقتلهما فينبغي أن يلزمه جزاءان لان العمد والخطأ في هذا الباب سواء وهم قد صرحوا به في صيد الحرم ومنها إذا حفر بئرا فهلك فيها صيد الحرم وينبغي أنه إذا كان في ملكه أو موات لا ضمان وإلا ضمن بناء على أن التسبب يشترط فيه التعدي للماء لا يضمن، وإن كان للاصطياد يضمن. ومنها لو جرح الحلال صيدا في الحل ثم دخل الصيد الحرم فجرحه فمات منها وينبغي أن يلزمه قيمته مجروحا كما تقدم في صيد الحرم. ومنها لو أمسك صيدا في الحل وله فرخ في

[ 71 ]

الحرم فمات الفرخ وينبغي أن يكون ضامنا للفرخ لانه من صيد الحرم وقد تسبب في موته إن قلنا إن إمساكه عن فرخه معصية. ومنها لو وقف على غصن في الحل وأصل الشجرة في الحرم ورمى إلى صيد في الحل أو كان الغصن في الحرم والشجرة والصيد في الحل، وينبغي أن يكون الواقف على الغصن حكمه كحكم الطائر إذا كان على الغصن فلا ضمان في الاولى وضمن في الثانية، ومنها إذا أدخل شيئا من الجوارح فأتلفت شيئا لا بصنعه وينبغي أنه إن لم يرسله فأتلف ضمن، وأما إذا أرسله فقد قدمنا عن المحيط عدم الضمان. ومنها لو رأى حلال جالس في الحرم صيدا في الحل هل يحل له أن يعد وإليه ليقتله في الحل، وقد قدمنا أن الصيد يصير آمنا بواحد من ثلاثة، وقد يقال لما خرج من الحر لم يبق واحد من الثلاثة فحل له، ويجاب بأن الكلام في حل سعيه في الحرم مع أن المقصود بالسعي أمن. وفي الفتاوى الظهيرية وغيرها: ومقدار الحرم من قبل المشرق ستة أميال، ومن الجانب الثاني اثنا عشر ميلا، ومن الجانب الثالث ثمانية عشر ميلا، ومن الجانب الرابع أربعة وعشرون ميلا، هكذا قال الفقيه أبو جعفر، وهذا شئ لا يعرف قياسا وإنما يعرف نقلا. قال الصدر الشهيد: فيما قاله نظر فإن من الجانب الثاني ميقات العمرة وهو التنعيم وهذا قريب من ثلاثة أميال ا ه‍. وذكر الامام النووي في شرح المهذب أن حده من جهة المدينة دون التنعيم على ثلاثة أميال من مكة، ومن طريق اليمن على سبعة أميال من مكة، ومن طريق الطائف على عرفات من بطن نمرة على سبعة أميال، ومن طريق العراق على ثنية جبل بالمقطع على سبعة أميال، ومن طريق الجعرانة في شعب أبي عبد الله بن خالد على تسعة أميال، ومن طريق جدة على عشرة أميال من مكة، وأن عليه علامات منصوبة في جميع جوانبه نصبها إبراهيم الخليل عليه السلام وكان جبريل يريه مواضعها، ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتجديدها ثم عمر ثم عثمان ثم معاوية رضي الله عنهم وهي إلى الآن بينة وقد جمعها القاضي أبو الفضل النويري فقال: وللحرم التحديد من أرض طيبة ثلاثة أميال إذا رمت إتقانه

[ 72 ]

وسبعة أميال عراق وطائف وجدة عشر ثم تسع جعرانه ومن يمن سبع بتقديم سينهاوقد كملت فاشكر لربك إحسانه واختلف العلماء في أن مكة مع حرمها هل صارت حرما آمنا بسؤال إبراهيم عليه السلام أم كانت قبله كذلك؟ والاصح أنها ما زالت محرمة من حين خلق الله السموات والارض ا ه‍. ثم اعلم أنه ليس للمدينة حرم عندنا فيجوز الاصطياد فيها وقطع أشجارها وقد وردت أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرها صريحة في تحريم المدينة كمكة وأولها أصحابنا بأن المراد بالتحريم التعظيم، ويرده ما ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إني حرمت المدينة ما بين لابتيها لا تقطع أغصانها ولا يصاد صيدها (1) فهو صريح في أن لها حرما كمكة فلا يجوز قطع شجرها ولا الاصطياد فيها والاحسن الاستدلال بحديث أنس الثابت في الصحيحين أنه كان له أخ صغير يقال له أبو عمير وكان له نغير يلعب به فمات النغير فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يا أبا عمير ما فعل النغير؟ ولو كان للمدينة حرم لكان إرساله واجبا عليه ولانكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في إمساكه ولا يمازحه. وأجاب في المحيط عن الاحاديث الصحيحة في أن لها حرما أنها من أخبار الآحاد فيما تعم به البلوى لان الشجر للمدينة أمر تعم به البلوى وخبر الواحد إذا ورد فيما تعم به البلوى لا يقبل إذ لو كان صحيحا لاشتهر نقله فيما عم به البلوى ا ه‍. قوله: (ومن دخل الحرم بصيد أرسله) أي فعليه أن يطلقه لانه لما حصل في الحرم وجب ترك التعرض لحرمة الحرم إذ هو صار من صيد الحرم فاستحق الامن. أراد به ما إذا دخل به وهو ممسك له بيده الجارحة لانه سيصرح بأنه إذا أحرم وفي بيته أو في قفصه صيد لا يرسله فكذلك إذا دخل الحرم ومعه صيد في قفصه لا في يده لا يرسله لانه لا فرق بينهما. فالحاصل أن من أحرم وفي يده صيد حقيقة أو دخل الحرم كذلك وجب إرساله وإن كان في بيته أو قفصه لا يجب إرساله فيهما فنبه بمسألة دخول الحرم هنا على مسألة المحرم، ونبه بمسألة المحرم الآتية على مسألة الحرم، وعمم الداخل ليشمل الحلال والمحرم. وليس المراد من إرساله تسييبه لان تسييب الدابة حرام بل يطلقه على

[ 73 ]

وجه لا يضيع ولا يخرج عن ملكه بهذا الارسال حتى لو خرج إلى الحل فله أن يمسكه، ولو أخذه إنسان يسترده. وأطلق في الصيد فشمل ما إذا كان من الجوارح أولا، فلو دخل الحرم ومعه بازي فأرسله فقتل حمام الحرم فإنه لا شئ عليه لانه فعل ما هو الواجب عليه وقد قدمناه. قوله: (فإن باعه رد البيع إن بقي وإن فات فعليه الجزاء) لان البيع لم يجز لما فيه من التعرض للصيد وذلك حرام ولزمه الجزاء بفوته لتفويت الامن المستحق. وأشار بقوله رد البيع إلى أنه فاسد لا باطل. وأطلق في بيعه فشمل ما إذا باعه في الحرم أو بعد ما أخرجه إلى الحل لانه صار بالادخال من صيد الحرم فلا يحل إخراجه إلى الحل بعد ذلك. وقيد بكون الصيد داخل الحرم لانه لو كان في الحل والمتبايعان في الحرم فإن البيع صحيح عند أبي حنيفة، ومنعه محمد قياسا على منع رميه من الحرم إلى صيد في الحل كما قدمناه. وفرق الامام بأن البيع ليس بتعرض له حسا بل حكما وليس هو بأبلغ من أمره بذبح هذا الصيد بخلاف ما لو رماه من الحرم للاتصال الحسي. هذا ما ذكر الشارحون وفي المحيط خلافه فإن قال:

[ 74 ]

لو أخرج ظبية من الحرم فباعها أو ذبحها أو أكلها جاز البيع والاكل، ويكره لانه مال مملوك لانه قيام يده على الصيد وهما في الحل يفيد الملك له في الصيد كما لو أثبت اليد عليه ابتداء إلا أن لله تعالى فيه حقوقا ورده إلى الحرم لكن حق الله تعالى في العين لا يمنع جواز البيع كبيع مال الذكاة والاضحية ا ه‍. فقوله في المختصر فإن باعه أي الصيد وهو في الحرم لا مطلقا قوله (ومن أحرم وفي بيته أو قفصه صيد لا يرسله) أي لا يجب إطلاقه لان الصحابة كانوا يحرمون وفي بيوتهم صيود ودواجن ولم ينقل عنهم إرسالها وبذلك جرت العادة الفاشية وهي من إحدى الحجج، ولان الواجب عدم التعرض وهو ليس بمتعرض من جهته لانه محفوظ بالبيت والقفص لا به غير أنه في ملكه، ولو أرسله في مفازة فهو على ملكة فلا يعتبر ببقاء الملك. أطلقه فشمل ما إذا كان القفص في يده لانه في القفص لا في يده بدليل جواز أخذ المصحف بغلافه للمحدث، وقيل يلزمه إرساله على وجه لا يضيع بأن يرسله في بيت أو يودعه عند إنسان بناء على كونه في يده بدليل أنه يصير غاصبا له بغصب القفص. وقيد بكونه في بيته أو قفصه لانه لو كان بيده الجارحة لزمه إرساله اتفاقا، فلو هلك وهو في يده لزمه الجزاء وإن كان مالكا له للجناية على الاحرام بإمساكه. وفي المغرب: شاة داجن ألفت البيوت. وعن الكرخي: الدواجن خلاف السائمة ا ه‍. فالمراد بالصيد نحو الصقر والشاهين وبالدواجن نحو الغزالة قوله: (ولو أخذ حلال صيد فأحرم ضمن مرسله) يعني عند الامام. وقالا: لا يضمن لان المرسل آمر بالمعروف ناه عن المنكر وما على المحسنين من سبيل. وله أنه ملك الصيد بالاخذ ملكا محترما فلا يبطل احترامه بإحرامه وقد أتلفه المرسل فيضمنه والواجب عليه ترك التعرض، ويمكنه ذلك بأن يخليه في بيته فإذا قطع يده عنه كان متعديا. قال في

[ 75 ]

الهداية: ونظيره الاختلاف في كسر المعازف ا ه‍. وهو يقتضي أن يفتى بقولهما هنا لان الفتوى على قولهما في عدم الضمان بكسر المعازف ا ه‍. وهي آلات اللهو كالطنبور. أطلق في الارسال فشمل ما إذا أرسله من يده الحقيقية أو الحكمية أي من بيته لكن يضمنه في الثاني اتفاقا. كذا في شرح ابن الملك للمجمع قوله: (ولو أخذه محرم لا يضمن) أي لا يضمن مرسله من يده اتفاقا لانه لم يملكه بالاخذ لان المحرم لا يملك الصيد بسبب من الاسباب لانه محرم عليه فصار كالخمر والخنزير. كذا قالوا: ومقتضاه أنه لو باعه المحرم فبيعه غير منعقد أصلا، وقد صرح في المحيط بفساد البيع. والمراد من قولهم المحرم لا يملك الصيد بسبب من الاسباب الاختيارية كالشراء والهبة والصدقة والوصية، وأما السبب الجبري فيملكه به كما إذا ورث من قريبه صيدا كما صرح به في المحيط. وأشار إلى أنه لو أرسله المحرم فأخذه حلال ثم حل مرسله فإنه يأخذه مرسله في الصورة الاولى ممن هو في يده لانه لم يخرج عن ملكه ولا يأخذه في الثانية لانه لم يكن مالكا أصلا قوله: (فإن قتله محرم آخر ضمنا ورجع آخذه على قاتله) لوجود الجناية منهما الآخذ بالاخذ والقاتل بالقتل فلزم كل واحد منهما جزاء كامل، ورجع الآخذ على القاتل بما غرم لان أداء الضمان يوجب ثبوت الملك في المضمون بالاخذ السابق وقد تعذر إظهاره في عين الصيد فأظهرناه في بدله لانه قائم مقام الملك في حق الرجوع ببدله كمن غصب مدبرا وقتله إنسان في يده يرجع بما ضمن على القاتل وإن لم يملك المدبر فكذا هذا، بل أولى لان المدبر لا يملك بسبب ما والمحرم يملك الصيد بسبب الارث كما قدمناه. وإنما قيد بكون القاتل محرما آخر لقوله ضمنا فإن القاتل لو كان حلالا فإن كان الصيد في الحرم لزمه الجزاء، وإن كان من صيد الحل ضمان عليه بالقتل لكن يرجع عليه الآخذ بما ضمن، فالرجوع لا فرق فيه بين المحرم والحلال. وفي المحيط: ولو كان القاتل نصرانيا أو صبيا فلا جزاء عليه لله تعالى ويرجع عليه الآخذ بقيمته لانه يلزمه حقوق العباد دون حقوق الله تعالى. وقيد بكون القاتل آدميا فإنه لو قتله بهيمة إنسان فإن الجزاء على الآخذ وحده ولا رجوع للآخذ على أحد كما ذكره الاسبيجابي. وأطلق في الرجوع فشمل ما إذا كان الآخذ كفر بالصوم فيرجع الآخذ بالقيمة مطلقا وهو ظاهر ما

[ 76 ]

في النهاية لكن صرح في المحيط عن المنتقى أنه إن كفر بالصوم فلا رجوع له لانه لم يغرم شيئا ا ه‍. وجزم به الشارح واختاره في فتح القدير. قوله: (فإن قطع حشيش الحرم أو شجر غير مملوك ولا مما ينبته الناس ضمن قيمته إلا فيما جف) لحديث الصحيحين لا يختلي خلاها ولا يعضد شوكها والخلا بالقصر الحشيش واختلاؤه قطعه، والعضد قطع الشجر من باب ضرب. كذا في المغرب. وفي فتح القدير: الخلا هم الرطب من الكلا والشجر اسم للقائم الذي بحيث ينمو فإذا جف فهو حطب. وقد ذكر النووي عن أهل اللغة أن العشب والخلا اسم للرطب، والحشيش اسم لليابس، وأن الفقهاء يطلقون الحشيش على الرطب واليابس مجازا، وسمي الرطب حشيشا باعتبار ما يؤول إليه ا ه‍. فقد أفاد الحديث أن المحرم هو المنسوب إلى الحرم والنسبة إليه على الكمال عند عدم النسبة إلى غيره. قيد بكونه غير مملوك لانه لو قطع ما أنبته الناس فإنه لا يضمن للحرم بل يضمن قيمته لمالكه، وقيد بقوله مما لا ينبته الناس لانه لو قطع ما نبت بنفسه وهو من جنس ما ينبته الناس فإنه لا ضمان عليه لانه إنما نبت ببذر وقع فيفصار كما إذا علم أنه أنبته الناس ولهذا يحل قطع الشجر المثمر لانه أقيم كو نه مثمرا مقام إنبات الناس لان إنبات الناس في الغالب للثمر. وقال في المحيط وغيره: ولو نبت شجر أم غيلان بأرض رجل فقطعه آخر لزمه قيمتان قيمة للشرع وقيمة للمالك كالصيد المملوك في الحرم أو الاحرام ا ه‍. وهي واردة على المصنف فالمراد من قوله أو شجرا غير مملوك الشجر الذي لم ينبته أحد، سواء كان مملوكا أولا، ولذا لم يذكر الملك في أكثر الكتب إنما ذكروا ما لم ينبته الناس. فالحاصل أن النابت في الحرم إما أذخرا وغيره، فالاول سيستثنيه، والثاني على ثلاثة إما أن يجف أو

[ 77 ]

ينكسر أو ليس واحدا منهما، وقد استثنى ما جف أي يبس ويلحق به المنكسر، وأما ما ليس واحدا منهما فهو على قسمين: إما أن يكون أنبته الناس أو لا، والاول لا شئ فيه سواء كان من جنس ما ينبته الناس أو لا، والثاني إن كان من جنس ما ينبته الناس فلا شئ عليه وإلا ففيه الجزاء فما فيه الجزاء هو ما نبت بنفسه وليس من جنس ما أنبته الناس ولا منكسرا ولا جافا ولا أذخرا. وفي المحيط: ولو قطع شجرة في الحرم فغرم قيمتها ثم غرسها مكانها ثم نبتت ثم قلعها ثانيا فلا شئ عليه لانه ملكها بالضمان. وأشار بقوله ضمن قيمته إلى أنه لا مدخل للصوم هنا كصيد الحرم. وأطلق في القاطع فشمل الحلال والمحرم، وقيد بالقطع لانه ليس في المقلوع ضمان. ذكره ابن بندار في شرح الجامع. وأشار بالضمان أيضا إلى أنه يملكه بأداء الضمان كما في حقوق العباد، ويكره الانتفاع به بعد القطع بيعا وغيره لانه لو أبيح ذلك لتطرق الناس إليه ولم يبق فيه شجر. كذا قالوا وهو يدل على أن الكراهة تحريمية. وفي المحيط: ولو باعه جاز للمشتري الانتفاع به لان إباحة الانتفاع للقاطع تؤدي إلى استئصال شجر الحرم وفي حق المشتري لا، لان تناوله بعد انقطاع النماء ا ه‍. وفي شرح المجمع: وبخلاف الصيد فإن بيعه لا يجوز وإن أدى قيمته ا ه‍. فالحاصل أن شجر الحرم يملك بأداء القيمة وصيد الحرم لا يملك أصلا، وأشار بعدم الضمان فيما جف إلى أنه يحل الانتفاع به لانه حطب. ثم اعلم أن قولهم لو نبت الشجر بأرض رجل ملكه إنما يتصور على قولهما، أما على قول أبي حنيفة لا يتصور لانه لا يتحقق عنده تملك أرض الحرم بل هي سوائب عنده. كذا في فتح القدير. وأراد بالسوائب الاوقاف وإلا فلا سائبة في الاسلام. وصرح في الهداية بأن قولهما رواية عن الامام. وفي غاية البيان قال محمد في أم غيلان نبتت في الحرم في أرض رجل: ليس لصاحبه قطعه ولو قطعه فعليه لعنة الله تعالى ا ه‍. وقد قدمنا أن العبرة لاصل الشجرة لا لاغصانها لكن قال في الاجناس: الاغصان تابعة لاصلها وذلك على ثلاثة أقسام: أحدها أن يكون أصلها في الحرم والاغصان في الحل فعلى قاطع أغصانها القيمة، والثاني أن يكون أصلها في الحل وأغصانها في الحرم لا ضمان على القاطع في أصلها وأغصانها، والثالث بعض أصلها في الحل وبعضه في الحرم فعلى القاطع الضمان سواء كان الغصن من جانب الحل أو من جانب الحرم ا ه‍.

[ 78 ]

قوله: (وحرم رعى حشيش الحرم وقطعه إلا الاذخر) لاطلاق الحديث ولا يختلي خلاها لانه لا فرق بين القطع بالمناجل والمشافر. والمنجل ما يحصد به الزرع، والمشفر للبعير كالحجلة من الفرس والشفة من الانسان. وجوز أبو يوسف رعيه لمكان الحرج في حق الزائرين والمقيمين، وأجابا بمنع الحرج لان الحمل من الحل متيسر ولئن كان فيه حرج فلا يعتبر لان الحرج إنما يعتبر في موضع لا نص عليه وأما مع النص بخلافه فلا. وأما الاذخر فهو نبت معروف بمكة وقد استثناه عليه الصلاة والسلام بالتماس العباس كما عرف في الصحيح، وذكر في البدائع ثلاثة أوجه: الاول أنه عليه الصلاة والسلام كان في قلبه هذا الاستثناء إلا أن العباس سبقه فأظهر النبي صلى الله عليه وسلم بلسانه ما كان في قلبه. الثاني يحتمل أن الله تعالى أمره أن يخبر بتحريم كل خلا مكة إلا ما يستثنيه العباس وذلك غير ممتنع. الثالث يحتمل أنه عليه الصلاة والسلام عمم المنع فلما سأله العباس جاءه جبريل برخصة الاذخر فاستثناه، وهو استثناء صورة تخصيص معنى والتخصيص المتراخي عن العام نسخ عندنا، والنسخ قبل التمكن من الفعل بعد التمكن من الاعتقاد جائز عندنا ا ه‍. وقيد بالحشيش لان الكماة من الحرم يجوز أخذها لانها ليست من نبات الارض وإنما هي مودعة فيها ولانها لا تنمو ولا تبقى فأشبهت اليابس من النبات. وأشار المصنف بذكر صيد الحرم وشجره وحشيشه إلى أنه لا بأس بإخراج حجارة الحرم وترابه إلى الحل لانه يجوز استعماله في الحرم ففي الحل أولى. كذا في المحيط وغيره. وكذلك يجوز نقل ماء زمزم إلى سائر البلاد للعلة المذكورة، وأما ثياب الكعبة فنقل أئمتنا أنه لا يجوز بيعها ولا شراؤها لكن الواقع الآن أن الامام أذن في إعطائها لبني شيبه عند التجديد وللامام ذلك، فأئمتنا إنما منعوا من بيعها لانها مال بيت المال ولا

[ 79 ]

شك أن التصرف فيه للامام فحيث جعله عطاء لقوم مخصوصين فإن البيع جائز. وهكذا اختاره الامام النووي في شرح المهذب فقال: إن الامر فيها إلى الامام يصرفها في بعض مصارف بيت المال بيعا وعطاء لما رواه الازرقي أن عمر رضي الله عنه كان ينزع كسوة البيت كل سنة فيقسمها على الحاج، ولانه لو لم يجز التصرف في كسوتها لتلفت بطول الزمان قال ابن عباس وعائشة: تباع كسوتها ويجعل ثمنها في سبيل الله والمساكين وابن السبيل. ولا بأس أن يلبس كسوتها من صارت إليه من حائض وجنب وغيرهما. ثم قال النووي: لا يجوز أخذ شئ من طيب الكعبة لا للتبرك ولا لغيره، ومن أخذ شيئا منه لزمه رده إليها فإن أراد التبرك أتى بطيب من عنده فمسحها به ثم أخذه ا ه‍. قوله: (وكل شئ على المفرد به دم فعلى القارن دمان) أي دم لحجته ودم لعمرته لانه محرم بإحرامين عندنا على ما قدمناه وقد جنى عليهما وليس إحرام الحج أقوى من إحرام العمرة حتى يستتبعه كما قلنا في المحرم إذا قتل صيد الحرم أنه يلزمه جزاء واحد للاحرام لانه أقوى لان الاحرامين سواء لانه يحرم بكل واحد منهما ما يحرم بالآخر، والتفاوت إنما هو في أداء الافعال. والتحقيق أن التعدد إنما هو بسبب إدخال النقص على العبادتين بسب الجناية، وأراد بوجوب الدم على المفرد ما كان بسبب الجناية على الاحرام بفعل شئ من محظوراته لا مطلقا فإن المفرد إذا ترك واجبا من واجبات الحج لزمه دم، وإذا تركه القارن لا يتعدد الدم عليه لانه ليس جناية على الاحرام. وأراد بالدم الكفارة سواء كانت دما أو صدقة، فإذا فعل القارن ما يلزم المفرد به صدقة لزمه صدقتان كما صرح به الولوالجي في فتاواه. وسواء كانت كفارة جناية أو كفارة ضرورة، فإذا لبس أو غطى رأسه للضرورة تعددت الكفارة. وأراد بالقارن من كان محرما بإحرامين قارنا كان أو متمتعا ساق الهدي فإنا قدمنا أن المتمتع إذا ساق الهدي لا يخرج عن إحرام العمرة إلا بالحلق يوم النحر، وسيأتي في باب إضافة الاحرام إلى

[ 80 ]

الاحرام أن من جمع بين حجتين وجنى جناية قبل الشروع في الاعمال فإنه يلزمه دمان عند أبي حنيفة لانه محرم بإحرامين كالقارن. وأطلق في لزوم الدمين فشمل ما إذا كان قبل الوقوف بعرفة أو بعده، ولا خلاف فيما قبله، وأما فيما بعده فقد قدمنا اختلاف المشايخ في أن إحرام العمرة في حق القارن ينتهي بالوقوف أولا، فمن قال بانتهائه لا يقول بالتعدد، ومن قال ببقائه قال به. وذكر شيخ الاسلام أن وجوب الدمين على القارن إذا كانت الجناية قبل الوقوف في الجماع وغيره، أما بعد الوقوف ففي الجماع يجب دمان، وفي سائر المحظورات دم واحد ا ه‍. وقد قدمنا أن المذهب بقاء إحرام عمرة القارن بعد الطواف إلى الحلق فيلزمه بالجناية بعد الوقوف دمان، سواء كان جماعا أو قتل صيد أو غيرهما، وقدمنا أن الصواب أنه ينتهي بالحلق حتى في حق النساء حتى لو جامع القارن بعد الحلق لا يلزمه لاجل العمرة شئ، فما في الاجناس كما نقله في غاية البيان من أن القارن إذا قتل صيدا بعد الوقوف يلزمه دم واحد ففرع على قول من قال بانتهاء إحرام العمرة بالوقوف وقد علمت ضعفه قوله: (إلا أن يجاوز الميقات غير محرم) استثناء منقطع لانه ليس داخلا فيما قبله لان صدر الكلام إنما هو فيما لزم المفرد بسبب الجناية على إحرامه والمجاوز بغير إحرام لم يكن محرما ليخرج لانه يلزمه دم، سواء أحرم بعد ذلك بحج أو عمرة أو بهما أو لم يحرم أصلا فلا حاجة إلى استثنائه في كلامهم لكن على تقدير أن يحرم بعد المجاوزة فقد أدخل نقصا في إحرامه وهو ترك جزء منه بين الميقات والموضع الذي أحرم فيه، فتوهم زفر أنه إذا أحرم قارنا أنه أدخل هذا النقص على الاحرامين فأوجب دمين. وقلنا: إن الواحب عليه عند دخول الميقات أحد النسكين فإذا جاوزه بغير إحرام ثم أحرم بهما فقد أدخل النقص على ما لزمه وهو أحدهما فلزمه جزاء واحد. وأورد في غاية البيان على اقتصارهم في الاستنثناء على هذه المسألة مسائل منها: أن القارن إذا أفاض قبل الامام يجب عليه دم واحد كالمفرد. ومنها إذا طاف طواف الزيارة جنبا أو محدثا وقد رجع إلى أهله يجب عليه دم واحد. ومنها أن القارن إذا وقف بعرفة ثم قتل صيدا فعليه قيمة واحدة كما في الاجناس. ومنها إذا حلق قبل أن يذبح فإنه يلزمه دم واحد. ومنها أن القارن إذا قطع شجر الحرم فإنه يلزمه قيمة واحدة كالمفرد ا ه‍. فالحاصل أن

[ 81 ]

المستثنى عدة مسائل لا مسألة واحدة، والتحقيق أنه لا استثناء أصلا. أما مسألة الكتاب فقد قدمنا أنه استثناء منقطع، وأما مسألة الافاضة فإنما وجب دم بسبب ترك واجب من واجبات الحج وليس هو جناية على الاحرام كما قدمناه، ولا خصوصية لهذا الواجب بل كل واجب من واجبات الخ فإنه لا تعلق للعمرة به. وأما مسألة الطواف جنبا فإنما وجب دم واحد لترك واجب من واجبات الطواف لا للجناية على الاحرام، ولهذا لو طاف جنبا وهو غير محرم فإنه يلزمه دم وإن كان الدم متنوعا إلى بدنة وشاة نظرا إلى كمال الجناية وخفتها. وأما مسألة قتل الصيد بعد الوقوف فالمذهب لزوم دمين، وما في الاجناس ضعيف كما قدمناه. وأما مسألة الحلق قبل الذبح فإنه لا يلزم المفرد به شئ لان الذبح ليس بواجب عليه، وهم إنما أوجبوا التعدد على القارن فيما يلزم المفرد به كفارة وليس على المفرد به شئ فلا يتعدد الدم على القارن. وأما مسألة قطع شجر الحرم فهو من باب الغرامات لا تعلق للاحرام به بخلاف صيد الحرم إذا قتله القارن فإنه يلزمه قيمتان كما صرح به الاسبيجابي وغيره لانها جناية على الاحرام وهو متعدد كما قدمنا أن أقوى الحرمتين تستتبع أدناهما والاحرام أقوى فكان وجوب القيمة بسبب الاحرام فقط لا بسبب الحرم، وإنما ينظر إلى الحرم إذا كان القاتل حلالا والله سبحانه الموفق. وذكر في النهاية صورة يجب فيها القارن دمان لاجل المجاوزة وهي ما إذا جاوز فأحرم بحج ثم دخل مكة فأحرم بعمرة ولم يعد إلى الحل محرما وهي غير واردة عليهم لان أحد الدمين للمجاوزة وهو الاول والثاني لتركه ميقات العمرة لانه لما دخل مكة التحق بأهلها وميقاتهم في العمرة الحل. قوله: (ولو قتل المحرمان صيدا تعدد الجزاء ولو حلالان لا) أي لا يتعدد الجزاء بقتل صيد الحرم لما قدمنا أن الضمان في حق المحرم جزاء الفعل وهو متعدد وفي صيد الحرم جزاء المحل وهو ليس بمتعدد كرجلين قتلا رجلا خطأ يجب عليهما دية واحدة لانها بدل المحل، وعلى كل واحد منهما كفارة لانها جزاء الفعل. أشار المصنف إلى أنه لو اشترك محرم وحلال في قتل صيد الحرم فعلى المحرم جميع القيمة وعلى الحلال نصفها لما أن الضمان يتبعض في حق الحلال، وإلى أنه لو كانوا أكثر من اثنين في صيد الحرم قسم الضمان على عددهم، وإني أنه لو اشترك مع الحلال من لا يجب عليه الجزاء من كافر أو صبي وجب على الحلال بقدر ما يخصه من القيمة إذا قسمت على العدد. وفي الجامع الكبير: لو أخذ حلال صيد الحرم فقتله نصراني أو صبي أو بهيمة في يده فعلى الحلال قيمته ولا شئ على النصراني والصبي، ويرجع الحلال بما ضمن عليهما لانه لولا قتلهما لتمكن الحلال من إرساله. وذكر الاسبيجابي أنه لو

[ 82 ]

اشترك حلال ومفرد وقارن في قتل صيد الحرم فعلى الحلال ثلث الجزاء، وعلى المفرد جزاء كامل، وعلى القارن جزاءان ا ه‍. ولم يبين المصنف الجزاء الذي يجب على الحلالين بقتل صيد الحرم مع أن فيه تفصيلا وهو أنهما إن ضرباه ضربة واحدة فمات كان على كل واحد منهما نصف قيمته صحيحا، وإن ضربه كل واحد منهما ضربة فإن وقعا معا فإنه يجب على كل واحد منهما ما نقصته جراحته، ثم يجب على كل واحد منهما نصف قيمته مجروحا بجراحتين لان عند اتحاد فعلهما جميع الصيد صار متلفا بفعلهما فضمن كل نصف الجزاء، وعند الاختلاف الجزء الذي تلف بضربة كل هو المختص بإتلافه فعليه جزاؤه والباقي متلف بفعلهما فعليهما ضمانه. وإن كان الضارب له حلالا ومحرما كذلك ضمن كل واحد ما نقصته جراحته ثم يضمن الحلال نصف قيمته مضروبا بالضربتين، وعلى المحرم قيمته مضروبا بالضربتين ولو لم يقعا معا بأن جرحه الحلال أولا ثم ثنى المحرم ضمن الحلال ما انتقص بجرحه صحيحا ونصف قيمته وبه الجراحتان لان النقصان حصل بالجرح وهو صحيح والهلاك حصل بأثر الفعل وهو منقوص بالجراحتين وعلى المحرم قيمته وبه الجرح الاول لانه حين جرح كان منقوصا بالجرح الاول. ولو قطع حلال يد صيد ثم فقأ محرم عينه ثم جرحه قارن فمات فعلى الحلال قيمته كاملة لانه استهلكه معنى وهو صحيح لانه فوت عليه جنس المنفعة، وعلى الثاني قيمته وبه الجرح الاول لانه استهلكه معنى، وعلى القارن قيمتان وبه الجنايات لانه أتلفه حقيقة بأثر الفعل وهو منقوص بهما، وتمام تفاريعه في المحيط قوله: (ويبطل بيع المحرم صيد أو شراؤه) لان بيعه حيا تعرض للصيد بفوات الامن وبيعه بعد ما قتله بيع ميتة. كذا علله في الهداية. والظاهر من الصيد هو الحي، وأما الميتة فمعلوم بطلان بيعها. وأشار إلى أنه لو هلك في يد المشتري فإنه لا ضمان عليه للبائع إذا كان اصطاده البائع وهو محرم لانه لم يملكه. وإن كان قد اصطاده وهو حلال ثم أحرم فباعه فإن المشتري يضمن له قيمته، وأما الجزاء فعلى كل واحد جزاء كامل لان البائع جنى بالبيع والمشتري بالشراء

[ 83 ]

والاخذ. وإنما كان البيع باطلا ولم يكن فاسدا لان الصيد في حق المحرم محرم العين بقوله تعالى * (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) * (المائدة: 96) أضاف التحريم إلى العين فأفاد سقوط التقوم في حقه كالخمر في حق المسلم. وحاصله إخراج العين عن المحلية لسائر التصرفات فيكون التصرف فيها عبثا فيكون قبيحا لعينه فيبطل، سواء كانا محرمين أو أحدهما، ولهذا أطلقه المصنف فإنه أفاد أن بيع المحرم باطل ولو كان المشتري حلالا، وأن شراء باطل وإن كان البائع حلالا. وأما الجزاء فإنما يكون على المحرم حتى لو كان البائع حلالا والمشتري محرم لزم المشتري فقط، وعلى هذا كل تصرف فإن وهب صيدا فإن كانا محرمين لزم كل واحد جزاء، وإن كان أحدهما محرما لزمه فقط ولو تبايعا صيدا في الحل ثم أحرما أو أحدهما ثم وجد المشتري به عيبا رجع بالنقصان وليس له الرد. وعلى هذا لو غصب حلال صيد حلال ثم أحرم الغاصب والصيد في يده لزمه إرساله وضمان قيمته للمغصوب منه، فلو لم يفعل ودفعه إلى المغصوب منه حتى برئ من الضمان له كان عليه الجزاء وقد أساء وهذا لغز، يقال غاصب يجب عليه عدم الرد بل إذا فعل يجب به الضمان. فلو أحرم المغصوب منه ثم دفعه إليه فعلى كل واحد منهما الجزاء. قوله: (ومن أخرج ظبية الحرم فولدت فاتا ضمنهما فإن أدى جزاءها فولدت لا يضمن الولد) لان الصيد بعد الاخراج من الحرم بقي مستحق إلا من شرعا ولهذا وجب رده إلى مأمنه، وهذه صفة شرعية فتسري إلى الولد، فإن أدى جزاءها ثم ولدت ليس عليه جزاء الولد لان بعد أداء الجزاء لم تبق آمنة لان وصول الخلف كوصول الاصل، ولهذا يملكها الذي أخرجها بعد أداء الجزاء، ولهذا لو ذبحها لم تكن ميتة لكنه مكروه - كذا قالوا - وقد بحث فيه المحقق في فتح القدير فقال: والذي يقتضيه النظر أن أداء الجزاء إن كان حال القدرة على إعادة مأمنها بالرد إلى المأمن لا يقع كفارة ولا يحل بعده التعرض له بل حرمة التعرض إليها قائمة، وإن كان حال العجز عنه بأن هربت في الحل بعد ما أخرجها إليه خرج به عن عهدتها فلا يضمن ما يحدث بعد التكفير من أولادها وله أن يصطادها، وهذا لان

[ 84 ]

المتوجه قبل العجز عن تأمينها إنما هو خطاب الرد إلى المأمن ولا يزال متوجها ما كان قادرا لان سقوط الامر إنما هو بفعل المأمور به ما لم يعجز ولم يوجه، فإذا عجز توجد خطاب الجزاء، وقد صرح بأن الاخذ ليس سببا للضمان بل القتل بالنص فالتكفير قبله واقع قبل السبب فلا يقع إلا نفلا، فإذا ماتت بعد أداء هذا الجزاء لزم الجزاء لانه الآن تعلق خطاب الجزاء. هذا الذي أدين الله به وأقول: يكره اصطيادها إذا أدى الجزاء بعد الهرب ثم ظفر بها بشبهة كون دوام العجز شرط إجزاء الكفارة إلا إذا اصطادها ليردها إلى الحرم ا ه‍. وقد يقال: إنه لا يخلو إما أن يكون المخرج محرما أو حلالا، فإن كان محرما فلا شك أن سبب الضمان قد وجد وهو التعرض للصيد فإن الآية وإن أفادت حرمة القتل أفادت السنة حرمة التعرض قتلا أو غيره، ولهذا وجب الضمان بالدلالة وليست قتلا وقد صرحوا كما قدمناه بأن المحرم إذا جرح صيدا فكفر ثم مات فإنه لا يلزمه كفارة أخرى لانه أدى بعد السبب وليس قتلا، وإن كان المخرج حلالا فالنص الحديثي أفاد حرمة التنفير كما قدمناه بقوله ولا ينفر صيدها ولم يخص القتل. والمراد من التنفير التعرض له فإنه حرام كالقتل وإن كان لا يجب عليه بالدلالة شئ فإذا أخرجها فقد اتصل فعله بها فوجد سبب الضمان فجاز التكفير، فإذا أدى الجزاء ملكها ملكا خبيثا ولهذا قالوا: يكره أكلها. وهي عند إطلاقهم منصرفة إلى الكراهة التحريمية فدل أنه يجب ردها إلى الحرم بعد أداء الجزاء، ولو كان القتل عينا سببا للجزاء لم يجب الجزاء بإخراجها وعدم قدرته على ردها إلى الحرم بهربها، فالظاهر ما ذهب إليه أئمتنا. وأشار المصنف رحمه الله تعالى بحكم الزيادة المنفصلة إلى الزيادة المتصلة كالسمن والشعر فإن أخرج حلال ظبية الحرم فازدادت قيمتها من بدن أو شعر ثم ماتت، فإن لم يؤد جزاءها قبل موتها فالزيادة مضمونة، وإن أدى جزاءها قبل موتها فهي غير مضمونة لانه انعدم أثر الفعل بالتكفير حتى لو أنشأ الفعل فيها لم يضمن. ولو أخرجها من الحرم فباعها أو ذبحها أو أكلها جاز البيع والاكل ويكره، وحكم الزيادة عند المشتري قبل التكفير وبعده على ما ذكرناه قبل الشراء. كذا في المحيط. وهو كما قدمناه يفيد أن الاخراج من الحرم لما كان سببا للضمان كان سببا للملك ولو لم يؤد الجزاء. والظبية الانثى من الظباء والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب.

[ 85 ]

باب مجاوزة الميقات بغير إحرام وصله بما قبله لانه جناية أيضا لكن ما سبق جناية بعد الاحرام وهذه قبله. والميقات مشترك بين الزمان والمكان بخلاف الوقت فإنه خاص بالزمان، والمراد به هنا الميقات المكاني بدليل المجاوزة، وقد قدمنا أنه لا يجوز مجاوزة آخر المواقيت إلا محرما، فإذا جاوزه بلا إحرام لزمه دم أحد النسكين إما حج أو عمرة لان مجاوزة الميقات بنية دخول الحرم بمنزلة إيجاب الاحرام على نفسه. ولو قال لله علي أن أحرم لزمه إما حج أو عمرة، فكذلك إذا وجب بالفعل كما إذا افتتح صلاة التطوع ثم أفسدها وجب عليه قضاء ركعتين كما لو أوجبها بالقول قوله: (من جاوز الميقات غير محرم ثم عاد محرما ملبيا أو جاوز ثم أحرم بعمرة ثم أفسد وقضى بطل الدم) أي من جاوز آخر المواقيت بغير إحرام ثم عاد إليه وهو محرم ولبى فيه فقد سقط عنه الدم الذي لزمه بالمجاوزة بغير إحرام لان قد تدارك ما فاته. أطلق الاحرام فشمل إحرام الحج فرضا كان أو نفلا وإحرام العمرة. وأشار إلى أنه لو عاد بغير إحرام ثم أحرم منه فإنه يسقط الدم بالاولى لانه أنشأ التلبية الواجبة عند ابتداء الاحرام، ولهذا كان السقوط متفقا عليه. وقيد بكونه ملبيا في الميقات لانه لو عاد محرما ولم يلب في الميقات فإنه لا يسقط الدم عنه وهو قول الامام لانه لا يكون متداركا لما فاته إلا بها، وعندهما يسقط الدم مطلقا كما لو أحرم من دوبرة أهله ومر بالمواقيت ساكتا فإنه لا شئ عليه اتفاقا. وجوابه أن الاحرام من دوبرة أهله هو العزيمة وقد أتى به فإذا ترخص بالتأخير إلى الميقات وجب عليه قضاء حقه بإنشاء التلبية. وأشار إلى أنه لو عاد محرما ولم يلب فيه لكن لبى بعدما جاوزه ثم رجع ومر به ساكتا فإنه يسقط عنه بالاولى لانه فوق الواجب عليه في تعظيم البيت. وأطلق في العود فشمل ما إذا عاد إلى الميقات الذي جاوزه غير محرم أو إلى غيره أقرب أو أبعد لان المواقيت كلها سواء في حق الاحرام، والاولى أن يحرم من وقته. كذا في المحيط. وقيدنا بكونه جاوز آخر المواقيت لما قدمناه في باب الاحرام أنه لا يجب إلا عند آخرها، ويجوز مجاوزة ميقاته بغير إحرام إذا كان بعده ميقات آخر. وترك المصنف قيدا لابد منه وهو أن يكون العود إلى الميقات قبل الشروع في الاعمال، فلو عاد إليه بعد ما طاف شوطا لا يسقط

[ 86 ]

عنه الدم اتفاقا، وكذا بعد الوقوف بعرفة من غير طواف لان ما شرع فيه وقع معتدا به فلا يعود إلى حكم الابتداء بالعود إلى الميقات، وما في الهداية من التقييد باستلام الحجر مع الطواف فليس احترازيا بل الطواف يؤكد الدم من غير استلام كما نبه عليه في العناية، ولم يذكر المصنف أن العود أفضل أو تركه. وفي المحيط: إن خاف فوت الحج إذا عاد فإنه لا يعود ويمضي في إحرامه، وإن لم يخف فوته عاد لان الحج فرض والاحرام من الميقات واجب وترك الواجب أهون من ترك الفرض اه‍. فاستفيد منه أنه لا تفصيل في العمرة وأنه يعود لانها لا تفوت أصلا. وبما قررناه علم أنه لا حاجة إلى قوله أو جاوز ثم أحرم إلى آخره لدخوله تحت قوله ثم عاد محرما ملبيا لانه لا فرق كما علمت بين إحرام الحج والعمرة أداء أو قضاء وإن كان أفردها لاجل أن زفر يخالف فيها فهو مخالف أيضا فيما قبلها خصوصا أنه موهم غير المراد فإنه لم يشترط العود إلى الميقات في القضاء ولا بد منه للسقوط. وقيد بالعمرة وليس احترازيا بل إذا فسد الحج ثم قضاه بأن عاد إلى الميقات فالحكم كذلك من سقوط الدم.

[ 87 ]

قوله: (فلو دخل كوفى البستان لحاجة له دخول مكة بغير إحرام ووقته البستان) لانه لم يقصد أولا دخول مكة وإنما قصد البستان فصار بمنزلة أهله حين دخله وللبستاني أن يدخل مكة بغير إحرام للحاجة فكذلك له. والمراد بقوله ووقته البستان جميع الحل الذي بينه وبين الحرم قالوا: وهذه حيلة الآفاقي إذا أراد أن يدخل مكة بغير إحرام فينوي أن يدخل خليصا مثلا فله مجاوزة رابغ الذي هو ميقات الشامي والمصري المحاذي للجحفة ولم أر أن هذا القصد لا بد منه حين خروجه من بيته أولا، والذي يظهر هو الاول فإنه لا شك أن الآفاقي يريد دخول الحل الذي بين الميقات والحرم وليس ذلك كافيا فلا بد من وجود قصد مكان مخصوص من الحل الداخل الميقات حين يخرج من بيته وإلا فالظاهر قول أبي يوسف أنه إذا نوى إقامة خمسة عشر يوما في البستان فله دخول مكة بلا إحرام وإلا فلا، لكن ظاهر المذهب الاطلاق.

[ 88 ]

قوله: (ومن دخل مكة بلا إحرام ثم حج عما عليه في عامة ذلك صح عن دخول مكة بلا إحرام وإن تحولت السنة لا) لانه تلافي المتروك في وقته لان الواجب عليه تعظيم هذه البقعة بالاحرام كما إذا أتاها بحجة الاسلام في الابتداء بخلاف ما إذا تحولت السنة لانه صار دينا في ذمته فلا يتأدى إلا بإحرام مقصود كما في الاعتكاف المنذور فإنه يتأدى بصوم رمضان من هذه السنة دون العام الثاني. فإن قلت: سلمنا أن الحجة بتحول السنة تصير دينا ولكن لا نسلم أن العمرة تصير دينا لانها غير مؤقتة قلت: لا شك أن العمرة يكره تركها إلى آخر أيام النحر والتشريق فإذا أخرها إلى وقت يكره صار كالمفوت لها فصارت دينا. كذا في غاية البيان. وفي فتح القدير: ولقائل أن يقول لافرق بين سنة المجاوزة وسنة أخرى فإن مقتضى الدليل إذا دخلها بلا إحرام ليس إلا وجوب الاحرام بأحد النسكين فقط ففي أي وقت فعل ذلك يقع أداء إذ الدليل لم يوجب ذلك في سنة معينة ليصير بفواتها دينا يقضى، فهما أحرم من الميقات بنسك عليه تأدى هذا الواجب في ضمنه، وعلى هذا إذا تكرر الدخول بلا إحرام منه ينبغي أن لا يحتاج إلى التعيين وإن كانت أسبابا متعددة الاشخاص دون النوع كما قلنا فيمن عليه يومان من رمضان ينوي مجرد قضاء ما عليه ولم يعين الاول ولا غيره جاز، وكذا لو كانا من رمضانين على الاصح، وكذا نقول إذا رجع مرارا فأحرم كل مرة بنسك حتى أتى على عدد دخلاته خرج عن عهدة ما عليه اه‍. يشير إلى رد ما ذكره الاسبيجابي من أنه لو جاوز الميقات قاصدا مكة بلا إحرام مرارا فإنه يجب عليه لكل مرة إما حجة أو عمرة، ولو خرج من عامة ذلك لى الميقات فأحرم بحجة الاسلام أو غيرها فإنه يسقط عنه ما وجب عنه لاجل المجاوزة الاخيرة ولا يسقط عنه ما وجب لاجل مجاوزته قبلها لان الواجب قبل الاخيرة صار دينا فلا يسقط إلا بتعيين النية اه‍. وأطلق المصنف الحج فشمل حجة الاسلام والحجة المنذورة ويلحق به العمرة المنذورة، فلو قال ثم أحرم عما عليه في عامة ذلك لكان أولى ليشمل كل إحرام واجب حجا أو عمرة، أداء أو قضاء أو في المحيط: وإذا جاوز العبد

[ 89 ]

الميقات بغير إحرام ثم أذن له مولاه أن يحرم فأحرم لزمه دم الوقت إذا أعتق لانه من أهل الاحرام فلزمه الاحرام من الميقات، وأما الكافر إذا دخل مكة بغير إحرام ثم أسلم فإنه لا يلزمه شئ كالصبي إذا جاوزه بغير إحرام ثم بلغ لعدم أهلية الوجوب. ثم اعلم أنه لا خصوصية للآفاقي في وجوب الدم بترك الاحرام من الميقات، بل المكي كذلك حتى لو أحرم المكي بالعمرة من الحرم فإنه يلزمه دم كما صرح به في المحيط، وكذا لو أحرم المكي من الحل بالحج فإنه يلزمه دم، وتتأتى التفاريع المتقدمة في الآفاقي من عوده محرما ملبيا والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. باب إضافة الاحرام إلى الاحرام لما كان ذلك جناية في بعض الصور أو رده عقيب الجنايات قوله: (مكي طاف شوطا لعمرة فأحرم بحج رفضه وعليه حج وعمرة ودم لرفضه فلو مضى عليهما صح وعليه دم) بيان لحكم الجمع بين الحج والعمرة من المكي فإنه كما قدمناه منهي عن الجمع بينهما، فإذا أدخل إحرام الحج على إحرام العمرة بعد الشروع فيها فقد ارتكب المنهي فوجب عليه الخروج عنه

[ 90 ]

فقالا: رفض العمرة أولى لانها أدنى حالا وأقل أعمالا وأيسر قضاء لكونها غير مؤقتة. وقال الامام الاعظم: رفض الحج أولى. ولهذا قال في المختصر رفضه أي الحج لان إحرام العمرة قد تأكد بأداء شئ من أعمالها وإحرام الحج لم يتأكد ورفض غير المتأكد أيسر، ولان في رفض العمرة والحالة هذه إبطال العمل وفي رفض الحج امتناعا عنه. قيد بالمكي لان الآفاقي إذا أحرم بالحج بعد فعل أقل أشواط العمرة كان قارنا بلا إساءة كما لو لم يطف أصلا وإن كان بعد فعل الاكثر كان متمتعا إن كان في أشهر الحج. وقيد بالشوط وأراد به أقل الاشواط ولو ثلاثة لانه لو أتى بالاكثر ففي الهداية وشروحها أنه يرفض الحج بلا خلاف لان للاكثر حكم الكل فيتعذر رفضها. وفي المبسوط: إنه لا يرفض واحدا منهما كما لو فرغ منها وعليه دم لمكان النقص بالجمع بينهما فلذا لا يأكل منه، وجعله الاسبيجابي ظاهر الرواية، ونقل عن أبي يوسف أن رفض الحج أفضل واختاره الفقيه أبو الليث وقاضيخان في فتاواه ثم قال: ويمضي في عمرته ثم يقضي الحجة من عامة ذلك إن بقي وقته اه‍. ولم يذكر في ظاهر الرواية أنه إذا رفض الحج يلزمه دم وقضاء عمرة مع الحج كما أوجبه أبو حنيفة فيما لو طاف الاقل. كذا ذكره الاسبيجابي. ولو لم يطف للعمرة أصلا فإنه يرفضها اتفاقا ويقضيها وعليه دم لرفضها كما لو قرن المكي فإنه يرفض العمرة ويمضي في الحج. وأطلق في الطواف فشمل ما إذا كان في أشهر الحج أو لا كما في المبسوط، وأشار إلى أنه لو أحرم أولا بالحج وطاف له شوطا ثم أحرم بالعمرة فإنه يرفضها اتفاقا ويقضيها وعليه دم لرفضها كما لو لم يطف، وسيأتي أنه إن مضى عليهما وجب عليه دم. وقد ظهر بما قررناه أولا أن رفض الحج في مسألة الكتاب إنما هو مستحب وليس بواجب حتى إذا رفض العمرة صح، ولهذا قال في الهداية: وعليه دم بالرفض أيهما رفضه لانه تحلل قبل أوانه لتعذر المضي فيه فكان في معنى المحصر إلا أن في رفض العمرة قضاءها لا غير، وفي رفض الحج قضاؤه وعمرة لانه في معنى فائت الحج اه‍. ولم يذكر بماذا يكون رافضا وينبغي أن يكون الرفض بالفعل بأن يحلق مثلا بعد الفراغ من أعمال العمرة، ولا يكتفى بالقول أو بالنية لانه جعله في الهداية تحللا وهو لا يكون إلا بفعل شئ من محظورات الاحرام. وقال الولوالجي في فتاواه: وتحليل الرجل لامرأته أن ينهاها ويصنع بها أدنى ما يحرم عليه بالاحرام ولا يكون التحليل بالنهي ولا بقوله قد حللتك لان التحليل شرع بالفعل دون القول اه‍. بخلاف ما إذا أحرم بحجتين فإن رفض أحدهما بشروعه في الاعمال على ظاهر الرواية كما سيأتي من غير تحليل لانه لا يمكن المضي فيهما وهنا يمكن المضي فيهما فإنه إن مضى عليهما أجزأه لانه أدى أفعالهما كما التزمهما غير أنه منهي عنه والنهي لا يمنع تحقق الفعل على ما عرف من أصلنا، وعليه دم لجمعه بينهما لانه تمكن النقص في عمله لارتكابه المنهي عنه، وهو في حق المكي دم جبر، وفي حق الآفاقي دم شكر. وأطلق في قوله وعليه حجة وعمرة ودم وهو كذلك

[ 91 ]

في وجوب الدم، وأما في وجوب العمرة فمقيد بما إذا لم يحج من سنته، أما إذا حج من سنته فلا عمرة عليه لان وجوب العمرة مع الحج إنما هو لكونه في معنى فائت الحج، وإذا حج من سنته فليس في معناه كالمحصر إذا تحلل ثم حج في تلك السنة لا تجب العمرة عليه بخلاف ما إذا تحولت السنة. ووقع في نسخة الزيلعي الشارح أنه أبدل العمرة بالدم فقال: إذا حج من سنته ينبغي أن لا يجب عليه الدم. وهو سبق قلم كما لا يخفى. والرفض الترك وهو من بابي طلب وضرب. كذا في المغرب. قوله: (ومن أحرم بحج ثم بآخر يوم النحر فإن حلق في الاول لزمه الآخر ولا دم وإلا لزم وعليه دم قصر أو لا ومن فرغ من عمرته إلا التقصير فأحرم بأخرى لزمه دم) بيان للجمع بين إحرامين لشيئين متحدين، وصرح في الهداية بأنه بدعة، وإفراط في غاية البيان فقال: إن الجمع بين الاحرامين لحجتين أو لعمرتين حرام لانه بدعة اه‍. وهو سهو لما في المحيط: والجمع بين إحرامي الحج لا يكره في ظاهر الرواية لان في العمرة إنما كره الجمع بين الاحرامين لانه يصير جامعا بينهما في الفعل لانه يؤديهما في سنة واحدة، وفي الحج لا يصير جامعا بينهما في الاداء في سنة واحدة فلا يكره اه‍. فإذا أحرم بحجة ووقف بعرفات ثم أحرم بأخرى يوم النحر فإن الثانية تلزمه مطلقا لامكان الاداء لان الاحرام الثاني إنما يرتفض لتعذر الاداء ولا تعذر هنا في الاداء لان إحرامه انصرف إلى حجة في السنة القابلة، فإن كان الاحرام الثاني بعد الحلق للاول فلا دم عليه لانه أحرم بالثانية بعد التحلل من الاولى فلم يكن جامعا، وإن كان قبل الحلق لزمه دم عند أبي حنيفة مطلقا لانه إن حلق للاولى فقد جنى على إحرام الثانية، وإن كان نسكا في إحرام الاولى وإن لم يحلق فقد أخر النسك عن وقته وهما يخصان الوجوب بما إذا حلق لانهما لا يوجبان بالتأخير شيئا. وبهذا علم أن المراد بالتقصير في قوله قصر أولا الحلق وإنما اختاره اتباعا للجامع الصغير كما في غاية البيان، أو ليصير الحكم جاريا في المرأة لان التقصير عام في الرجل والمرأة كما في

[ 92 ]

العناية. وإنما لزم الدم فيما إذا أحرم بعمرة بعد أفعال الاولى قبل الحلق لانه جمع بينهما، وقد تقدم أنه مكروه في العمرتين دون الحجتين فلذا فرق في المختصر بين الحج والعمرة فأوجب في العمرة دما للجمع بين العمرتين ولم يوجبه في الحج لانه لو أوجبه لاوجب دمين فيما إذا أحرم بالثاني قبل الحلق للاول دم لما ذكرناه سابقا ودم للجمع، وبه قال بعض المشايخ اتباعا لرواية الاصل، وما في المختصر اتباع للجامع الصغير فإنه أوجب دما واحدا للحج، وقد علمت فيما سبق عن المحيط أن الفرق بينهما ظاهر الرواية، وتعقبه في فتح القدير بأنه لا يتم لان كونه يتمكن من أداء العمرة الثانية لا يوجب الجمع فعلا فاستويا، فالاوجه أنه ليس فيه إلا رواية الوجوب اه‍. وقيد بكونه أحرم للثاني يوم النحر لانه لو أحرم بالثاني بعرفات ليلا أو نهارا أرفض الثانيى وعليه دم للرفض، وعمرة وحجة من قابل عندهما لانه كفائت الحج، وعند محمد لا يصح التزامه الثانية. ثم عند أبي يوسف ارتفض كما انعقد، وعند أبي حنيفة ارتفض بوقوفه بعرفة. كذا في المحيط وهو ظاهر فيما إذا أحرم بالثاني يوم عرفة أو ليلة النحر ولم يكن وقف نهارا، وأما إذا أحرم ليلة النحر بعدما وقف نهارا فينبغي أن يرتفض عند أبي حنيفة بالوقوف بالمزدلفة لا بعرفة لانه سابق وسبب الترك إنما يكون متأخرا. وقيد بتراخي إحرام الثانية عن الاول لانه إن أحرم بهما معا أو على التعاقب لزماه عندهما، وعند محمد في المعية يلزمه إحداهما وفي التعاقب الاولى فقط، وإذا لزماه عندهما ارتفضت إحداهما ويثبت حكم الرفض. واختلفا في وقت الرفض، فعند أبي يوسف عقب صيرورته محرما بلا مهلة، وعند أبي حنيفة إذا شرع في الاعمال، وقيل إذا توجه سائرا، ونص في

[ 93 ]

المبسوط على أنه ظاهر الرواية لانه لا تنافي بين الاحرامين وإنما التنافي بين الاداءين. وثمرة الاختلاف فيما إذا جنى قبل الشروع فعليه دمان للجناية على إحرامين، ولو قتل صيدا لزمه قيمتان ودم عند أبي يوسف لارتفاض إحداهما قبلها، وإذا رفض إحداهما الزمه دم للرفض ويمضي في الاخرى ويقضي حجة وعمرة لاجل التي رفضها. وإذا أحصر قبل أن يصير إلى مكة بعث بهديين عند الامام، وبواحد عندهما، أما عند أبي يوسف فلانه صار رافضا لاحداهما، وأما عند محمد فلانه لم يلزمه إلا أحدهما، فإذا لم يحج في تلك السنة لزمه عمرتان وحجتان لانه فاته حجتان في هذه السنة. وقيد بكون إحرام العمرة الثانية بعد الفراغ من العمرة الاولى إلا التقصير لانه لو كان بعد التقصير فلا شئ عليه، وإن كانا معا أو على التعاقب فالحكم كما تقدم في الحجتين من لزومهما عندهما خلافا لمحمد، ومن ارتفاع أحدهما بالشروع في عمل الاخرى عند الامام خلافا لابي يوسف ووجوب القضاء ودم للرفض وإن كان قبل الفراغ بعد ما طاف للاولى شوطا رفض الثانية وعليه دم الرفض والقضاء، وكذا لو طاف الكل قبل أن يسعى، فإن كان فرغ إلا الحلق لم يرفض شيئا وعليه دم الجمع وهي مسألة المختصر، فإن حلق للاولى لزمدم آخر للجناية على الثانية، ولو كان جامع في الاول قبل أن يطوف فأفسدها ثم أدخل الثانية يرفضها ويمضي في الاولى حتى يتمها لان الفاسد معتبر بالصحيح في وجوب الاتمام. وإن نوى رفض الاولى والعمل في الثانية لم يكن عليه إلا الاولى، ومن أحرم لا ينوي شيئا فطاف ثلاثة فأقل ثم أهل بعمرة رفضها لان الاولى تعينت عمرة حين أخذ في الطواف فحين أهل بعمرة أخرى صار جامعا بين عمرتين فلهذا يرفض الثانية. قوله: (ومن أحرم يحج ثم بعمرة ثم وقف بعرفات فقد رفض عمرته وإن توجه إليها لا) أي لا يصير رافضا لانه يصير قارنا بالجمع بين الحج والعمرة لانه مشروع في حق الآفاقي والكلام فيه لكنه مسئ بتقديم إحرام الحج على إحرام العمرة كما قدمناه في بابه، وقد تعذر عليه أداء العمرة بالوقوف إذ هي مبنية على الحج غير مشروعة، وقد تقدم الفرق بين الوقوف والتوجه. وإنما قلنا إن العمرة تحتمل الرفض لما روي عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: وامشطي رأسك وارفضي عمرتك. والمراد بقوله ثم

[ 94 ]

بعمرة أنه أحرم بالعمرة ولم يأت بأكثر أشواطها حتى وقف بعرفات فالاتيان بالاقل كالعدم قوله: (فلو طاف للحج ثم أحرم بعمرة ومضى عليهما يجب دم) يعني لجمعه بينهما لان الجمع بينهما مشروع فصح الاحرام بهما، وأراد بهذا الطواف طواف القدوم وهو سنة فإن لم يأت بما هو ركن يمكنه أن يأتي بأفعال العمرة ثم بأفعال الحج، فلهذا لو مضى عليهما جاز ولزمه دم للجمع وهو دم كفارة وجبر حتى لا يأكل منه لانه خالف السنة في هذا الجمع، وصححه في الهداية. وقول المصنف: (وتدب رفضها) أي العمرة يدل على أنه دم شكر وهو دم القران كما اختاره شمس الائمة السرخسي، فإن محمدا قال في الجامع الصغير: وأحب إلي أن يرفض العمرة. فدل على أنه دم شكر فإنه لم يببن أفعال العمرة على أفعال الحج لان ما أتى به إنما هو سنة فيمكنه بناء أفعال الحج على أفعال العمرة فلا موجب للجبر. واختاره في فتح القدير وقواه بأن طواف القدوم ليس من سنن نفس الحج بل هو سنة قدوم المسجد الحرام كركعتي التحية لغيره من المساجد، ولذا سقط بطواف آخر من مشروعات الوقت وأطال الكلام فيه. قيد بالطواف بأنه لو لم يطف لم يستحب رفضها فإذا رفضها يقضيها لصحة الشروع فيها وعليه دم لرفضها قوله: (وإن أهل بعمرة يوم النحر لزمته ولزمه الرفض والدم والقضاء) لصحة الشروع مع الكراهة التحريمية فلزمت للاول ولزم الترك تخلصا من الاثم، وإن رفضها لزمه دم للتحلل منها بغير أفعالها، ووجب القضاء لانه ثمرة اللزوم. وأراد بيوم النحر اليوم الذي تكره العمرة فيه وهو يوم النحر وأيام التشريق، وأطلقه فشمل ما إذا كان قبل الحلق أو بعده قبل طواف الزيارة أو بعده، واختاره في الهداية وصححه الشارح لانه بعد الحلق والطواف بقي عليه من واجبات الحج كالرمي وطواف الصدر وسنة المبيت، وقد كرهت العمرة في هذه الايام أيضا فيصير بانيا أفعال العمرة على أفعال الحج بلا ريب وهو مكروه قوله: (فإن مضى عليها صح ويجب دم) لان الكراهة لمعنى في غيرها وهو كونه مشغولا بأداء بقية أفعال الحج في هذه الايام فيجب تخليص الوقت له تعظيما وهو لا يعدم المشروعية لكن يلزمه الدم كفارة للجمع بين الاحرامين أو للجمع بين الافعال الباقية فهو دم جبر لا يؤكل منه كالاول قوله: (ومن فاته الحج فأحرم بعمرة أو حجة رفضها) لان فائت الحج يتحلل بأفعال العمرة من غير أن ينقلب إحرامه

[ 95 ]

إحرام العمرة فيصير جامعا بين العمرتين من حيث الافعال فلزمه الرفض كما لو أحرم بهما أو جامعا بين حجتين إحراما فعليه أن يرفض الثانية كما لو أحرم بحجتين ولزمه القضاء لصحة الشروع ودم للرفض بالتحلل قبل أوانه، وقد شبهوا فائت الحج بالمسبوق فإنه مقتد تحريمة حتى لا يجوز اقتداء الغير به، ومنفرد أداء حتى تلزمه القراءة والله تعالى أعلم. باب الاحصار هو والفوات من العوارض النادرة فأخرهما وقدم الاحصار لانه وقع له عليه السلام دون الفوات. واختلف في معناه اللغوي، فقيل الاحصار للمرض والحصر للعدو وعليه فقوله تعالى * (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى) * (البقرة: 196) لبيان حكم المرض وألحق به الحصر بالعدو دلالة بالاولى لان منع العدو حسي لا يتمكن معه من المضي بخلافه مع المرض إذ يمكن بالمحمل والمركب. والاكثر على أن الاحصار هو المنع، سواء كان من خوف أو مرض أو عجز أو عدو، واختاره في الكشاف. وفي المغرب: الحصر المنع من باب طلب يقال أحصر الحاج إذا منعه خوف أو مرض من الوصول لاتمام حجته أو عمرته، وإذا منعه سلطان أو مانع قاهر في حبس أو مدينة قيل حصر. هذا هو المشهور. وفي الشريعة هو منع الوقوف والطواف. قوله: (لمن أحصر بعدو أو مرض أن يبعث شاة تذبح عنه فيتحلل) لما تلونا من الآية. وأفاد بذكر اللام دون على أنه لو صبر ورجع إلى أهله بغير تحلل إلى أن يزول الخوف فإنه جائز، فإن أدرك الحج وإلا تحلل بالعمرة، فالتحلل بذبح الهدي إنما هو للضرورة حتى لا يمتد إحرامه فيشق عليه كما ذكره الشارح، فما وقع في المبسوط من التعبير به على في غير محله. وأشار بذكر العدو والمرض إلى كل منع فيكون محصرا بهلاك النفقة وموت محرم المرأة أو زوجها في الطريق. وشرط في التجنيس عدم القدرة على المشي فيما إذا سرقت النفقة فإن قدر عليه فليس بمحصر. وعلله في المبسوط بأنه لا يبعد أن لا يلزمه المشي في الابتداء ويلزمه بعد الشروع كما لا تلزمه حجة التطوع ابتداء ويلزمه الاتمام إذا شرع فيها.

[ 96 ]

وجعل في المحيط ما في التجنيس قول محمد. وقال أبو يوسف: إن قدر على المشي في الحال وخاف أن يعجز جاز له التحلل، ومن الاحصار ما إذا أحرمت المرأة بغير زوج أو محرم فلا تحل إلا بالدم لان المنع الشرعي آكد من المنع الحسي، ومنه ما إذا أحرمت للتطوع بغير إذن الزوج لكن للزوج أن يحللها بغير الهدي بأن يصنع بها أدنى ما يحرم على المحرم كقص ظفر. واختلفوا في كراهة تحليلها بالجماع وذكر القولين في المحيط من غير ترجيح، وينبغي ترجيح الكراهة لتصريحهم بالكراهة في إجازة نكاح الفضولي بالجماع وداوعيه وعليه هدي الاحصار وقضاء حجة وعمرة إن لم تحج في هذه السنة وإلا فالحج كاف، ولا تحتاج إلى نية القضاء لانه لزمها حجة هذه السنة وأنها متعينة فلا تفتقر إلى النية المتعينة. ومنه ما إذا أحرم العبد بغير إذن مولاه وللمولى أن يحلله بغير هدي وعلى العبد هدي وقضاء حجة وعمرة بعد العتق، وإن أحرم بإذنه كره له أن يحلله وصح لان اللزوم لم يظهر في حق السيد لان منافعه مملوكة للسيد وبالاذن صار معيرا منافعه وللمعير أن يسترد ما أعار بخلاف المنكوحة إذا أحرمت بإذن الزوج فإنه ليس له أن يحللها لان منافعها مملوكة لها حقيقة، وإنما للزوج فيها حق وقد أسقط حقه بالاذن، وأما إذا أحرم العبد بأذن المولى ثم أحصر بعدو أو مرض اختلفوا، فاختار في المحيط وفتاوى قاضيخان أنه لا يجب دم الاحصار على المولى وإنما يجب على العبد بعد الاعتاق. واختار الاسبيجابي وجوبه على المولى بمنزلة النفقة، وذكر القولين في معراج الدراية، وينبغي ترجيح الاول لما أنه عارض لم يلتزمه المولى بخلاف النفقة. وإنما كان الواجب الشاة لان المنصوص عليه هو ما استيسر من الهدي وأدناه شاة، وليس المراد به بعث الشاة بعينها لان

[ 97 ]

ذلك قد يتعذر بل له أن يبعث بقيمتها حتى يشتري بها شاة فتذبح في الحرم. وأفاد باقتصاره على بعث الشاة أنه لو لم يجد ما يذبح لا يقوم الصوم أو الاطعام مقامه بل يبقى محرما إلى أن يجد أو يطوف ويسعى بين الصفا والمروة ويحلق كما في الخانية وغيرها. وأفاد بالفاء التي للتعقيب في قوله فيتحلل إلى أنه لا يتحلل إلا بالذبح ولهذا قالوا: إنه يواعد من يبعثه بأن يذبحها في يوم معين، فلو ظن أنه ذبح هديه ففعل ما يفعله الحلال ثم ظهر أنه لم يذبح كان عليه ما على الذي ارتكب محظورات إحرامه لبقاء إحرامه. كذا في النهاية. وأفاد بذكر التحلل بعد الذبح إلى أنه لا حلق عليه ولا تقصير وهو قول أبي حنيفة ومحمد وإن حلق فحسن. وقال أبو يوسف: عليه أن يحلق وإن لم يحلق فلا شئ عليه. وأطلقه في الهداية فشمل ما إذا أحصر في الحل أو الحرم، وقيده المصنف في الكافي بما إذا أحصر في الحل، أما إذا أحصر في الحرم فيحلق اتفاقا. وينبغي أن لا خلاف فإنهما قالا بأنه حسن، وهو قال باستحبابه ولم يقل بوجوبه بدليل أنه قال: وإن لم يفعل فلا شئ عليه كما في الخبازية ومعراج الدراية قوله: (ولو قارنا بعث دمين) أي لو كان المحصر قارنا فإنه يبعث دما لعمرته ودما لحجته لانه محرم بهما. أطلقه فأفاد أنه لا يحتاج إلى تعيين الذي للعمرة والذي للحج كما في المبسوط، وأفاد أنه لو بعث بهدي واحد ليتحلل عن أحدهما ويبقى في الآخر لم يتحلل عن واحد منهما لان التحلل منهما لم يشرع إلا في حالة واحدة، فلو تحلل عن أحدهما دون الآخر يكون فيه تغيير للمشروع، ولو بعث بثمن هديين فلم يوجد بذلك بمكة إلا هدي واحد فذبح عنه فإنه لا يتحلل لا عنهما ولا عن أحدهما. وأشار إلى أنه لو أحرم بعمرتين أو بحجتين ثم أحصر قبل السير فإنه يتحلل بذبح هديين في الحرم بخلاف ما إذا أحصر بع السير فإنه يصير رافضا لاحدهما به كما قدمناه في الباب السابق. وأشار بالاكتفاء بالبعث في المفرد والقارن إلى أنه إذا بعث الهدي إن شار رجع وإن شاء أقام إذ لا فائدة في الاقامة قوله: (ويتوقت بالحرم لا بيوم النحر) يعني فيجوز ذبحه في أي وقت شاء لاطلاق قوله تعالى * (فما استيسر من الهدي) * (البقرة: 196) من غير تقييد بالزمان. وأما تقييده بالمكان فبقوله تعالى * (ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدى محله) * (البقرة: 196) أي مكانه وهو الحرم فكان حجة عليهما في قياس الزمان على المكان، فلو ذبح في الحل فحل على ظن الذبح في الحرم فهو محرم كما كان، ولا يحل

[ 98 ]

حتى يذبح في الحرم وعليه الدم لتناول محظورات إحرامه. كذا ذكره الاسبيجابي. أطلقه فشمل إحرام الحج وإحرام العمرة لكن لا خلاف أن المحصر بالعمرة لا يتوقت ذبحه باليوم، وفي المحيط جعل المواعدة المتقدمة إنما يحتاج إليها على قول أبي حنيفة لان دم الاحصار عنده لا يتوقت باليوم فلا يصير وقت الاحلال معلوما للمحصر من غير مواعدة ولا يحتاج إليها عندهما لان دم الاحصار موقت عندهما بيوم النحر فكان وقت الاحلال معلوما اه‍. وفيه نظر، لانه موقت عندهما بأيام النحر لا باليوم الاول فيحتاج إلى المواعدة لتعيين اليوم الاول أو الثاني أو الثالث، وقد يقال يمكنه الصبر إلى مضي الايام الثلاثة فلا يحتاج إليها قوله: (وعلى المحصر بالحج إن تحلل حجة وعمرة وعلى المعتمر عمرة وعلى القارن حجة وعمرتان) بيان لحكم المحصر المآلي فإن له حكمين حاليا ومآليا، فما تقدم من بعث الشاة حكم الحالي والقضاء إذا تحلل وزال الاحصار حكمه المآلي، فإن كان مفردا بالحج فإن حج من سنته فإن لا يلزمه شئ وإلا لزمه قضاؤها وعمرة أخرى لانه فائت الحج. أطلقه فشمل ما إذا كان الحج فرضا أو نفلا شرع فيه، وشمل ما إذا قرن في القضاء أو أفردهما فإنه مخير لانه التزم الاصل لا الوصف. وأما نية القضاء فإن كان بحج نفل وتحولت السنة فهي شرط، وإن كان بحجة الاسلام فلا ينوي القضاء بل حجة الاسلام. وإنما لزم القارن عمرة ثانية لانه فائت الحج فلذا لو حج من سنته وأتى بهما فإنه لا يلزمه عمرة أخرى. وأطلقه أيضا فأفاد أن له في القضاء القران وإفراد كل واحد من الثلاثة لما قدمناه. هكذا صرحوا به هنا، وممن صرح به صاحب المبسوط والمحيط والولوالجي والمحقق ابن الهمام، ويرد عليه ما قالوه في هذا الباب من أنه إذا زال الاحصار إنما لم يجب عليه أن يأتي بالعمرة التي وجبت عليه بالشروع في القران لانه غير قادر على أدائها على الوجه الذي التزمه، وهو أن تكون أفعال الحج مرتبة عليها وبفوات الحج يفوت ذلك فإن هذا يقتضي أن ليس له الافراد وأن القران واجب في القضاء ويناقضه ما قالوه في باب الفوات من أن القارن إذا فاته الحج أدى عمرته من سنته وأدى الحج من سنة أخرى لانها لا تفوت، ولا شك أن المحصر فائت الحج إذا لم يدركه في سنته، والحق هو الاول لان بالشروع التزم أصل القربة لا

[ 99 ]

صفتها وهو القران كما لو شرع في التطوع قائما لا يلزمه القيام عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى قوله: (فإن بعث ثم زال الاحصار وقدر على الهدى والحج توجه وإلا لا) أي إن لم يقدر عليهما لا يلزمه التوجه وهي رباعية، فإن قدر عليهما لزمه التوجه إلى الحج وليس له التحلل بالهدي لانه بدل عن إدراك الحج وقد قدر على الاصل قبل حصول المقصود من البدل، وإن لم يقدر عليهما لا يلزمه التوجه وهو ظاهر، وإن توجه ليتحلل بأفعال العمرة جاز لانه هو الاصل في التحلل وفيه فائدة وهو سقوط العمرة في القضاء وإن كان قارنا فله أن يأتي بالعمرة لما قدمناه من أنه مخير بين القران والافراد في القضاء. والثالث أن يدرك الهدي دون الحج فيتحلل، والرابع عكسه فيتحلل أيضا صيانة لما له عن الضياع والافضل التوجه. وذكر في الهداية أن هذا التقسيم لا يستقيم على قولهما في المحصر بالحج لان دم الاحصار عندهما يتوقت بيوم النحر فمن يدرك الحج يدرك الهدي، وإنما يستقيم على قول أبي حنيفة، وفي المحصر بالعمرة يستقيم بالاتفاق لعدم توقت الدم بيوم النحر. وذكر في الجوهرة أنه يستقيم على الاجماع كما إذا أحصر بعرفة وأمرهم بالذبح قبل طلوع الفجر يوم النحر فزال الاحصار قبل الفجر بحيث يدرك الحج دون الهدي لان الذبح بمنى اه‍. وجوابه أن الاحصار بعرفة ليس بإحصار لما سيأتي، فلو أحصر بمكان قريب من عرفة لاستقام. وفي المحيط: لو بعث المحصر هديا ثم زال الاحصار وحدث آخر ونوى أن يكون عن الثاني جاز وحل به، وإن لم ينو حتى نحر لم يجز كمن وكل في كفارة يمين فكفر الموكل ثم حنث في يمين آخر فنوى أن يكون ما في يد الوكيل كفارة الثانية فإنه يجوز، وإن لم ينو حتى تصدق المأمور لا. وكذا لو بعث هديا جزاء صيد ثم أحصر فنوى أن يكون للاحصار، ولو قلد بدنة وأوجبها تطوعا ثم أحصر فنوى أن يكون لاحصاره جاز وعليه بدنة مكان ما أوجب. وقال أبو يوسف: لا يجزئه إلا عن التطوع لانها صارت كالوقف وخرجت عن ملكه عنده فلا يملك صرفها إلى غير تلك الجهة اه‍. قوله: (ولا إحصار بعدما وقف بعرفة) لانه لا يتصور الفوات بعده فأمن منه،

[ 100 ]

وإنما تحقق الاحصار في العمرة وإن كانت لا تفوت للزوم الضرر بامتداد الاحرام فوق ما التزمه، وأما المحصر في الحج بعد الوقوف فيمكنه التحلل بالحلق يوم النحر في غير النساء فلا ضرورة إلى التحلل بالدم. ثم إن دام الاحصار حتى مضت أيام التشريق فعليه لترك الوقوف بالمزدلفة دم، ولترك الجمار دم، ولتأخير الحلق دم، ولتأخير الطواف دم في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: ليس عليه لتأخير الحلق والطواف شئ. كذا في الكافي للحاكم الشهيد، وقد قدمنا عن البدائع وغيره أن واجب الحج إذا تركه بعذر لا شئ عليه حتى لو ترك الوقوف بالمزدلفة خوف الزحام لا شئ عليه كما لا شئ على الحائض بترك طواف الصدر فلا شك أن الاحصار عذر فلا شئ عليه بترك الواجبات للعذر مع أنه منقول في الحاكم كما رأيت وهو جمع كلام محمد في كتبه الستة التي هي ظاهر الرواية. وقد ظهر لي أن كلامهم هنا محمول على الاحصار بسبب العدو لا مطلقا فإنه إذا كان بالمرض فهو سماوي يكون عذرا في ترك الواجبات، وإن كان من قبل العباد فإنه لا يكون عذرا في إسقاط حق الله تعالى كما قالوه في باب التيمم أن العدو إذا أسروا حتى صلى بالتيمم فإنه يعيدها بالوضوء إذا أطلق لانه من قبل العباد. ثم اختلفوا في تحلل المحصر بعد الوقوف، قيل لا يتحلل في مكانه ويدل عليه عبارة الاصل حيث قال: وهو حرام كما هو حتى يطوف الزيارة. وهو يدل على تأخير الحلق على أن يفعله في الحرم. وقيل يتحلل في مكانه ويدل عليه عبارة الجامع الصغير حيث قال: وهو محرم على النساء حتى يطوف طواف الزيارة. قال العتابي: وهو الاظهر. كذا في غاية البيان قوله: (ومن منع بمكة عن الركنين فهو محصر وإلا لا) أي وإن قدر على أحدهما فليس بمحصر لانه إذا منع عنهما في الحرم فقد تعذر عليه الاتمام فصار كما إذا أحصر في الحل، وإذا قدر على الطواف فلان فائت الحج يتحلل به والدم بدل عنه في التحلل، وأما إن قدر على الوقوف فلما بينا. وقد قيل في المسألة خلاف بين أبي حنيفة وأبي

[ 101 ]

يوسف، والصحيح ما تقدم من التفصيل. كذا في النهاية. وهو إشارة إلى رد ما في المحيط حيث جعل ما في المختصر من التفصيل رواية النوادر وأن ظاهر الرواية أن الاحصار بمكة عنهما ليس بإحصار لانه نادر ولا عبرة به. باب الفوات قوله (من فاته الحج بفوت الوقوف بعرفة فليحل بعمرة وعليه الحج من قابل بلا دم) بيان لاحكام أربعة: الاول أن فوات الحج لا يكون إلا بفوت الوقوف بعرفة بمضي وقته. الثاني أنه إذا فاته يجب عليه أن يخرج منه بأفعال العمرة. الثالث لزوم القضاء سواء كان ما شرع فيه حجة الاسلام أو نذرا أو تطوعا، ولا خلاف بين الامة في هذه الثلاثة فدليلها الاجماع. والرابع عدم لزوم الدم لحديث الدارقطني المفيد لذلك لكنه ضعيف لكن تعددت طرقه فصار حسنا. وأشار بقوله فليحل بعمرة إلى وجوبها كما صرح به في البدائع، وإلى أنه يطوف ويسعى ثم يحلق أو يقصر، وإلى أن إحرامه لا ينقلب إحرام عمرة بل يخرج عن إحرام الحج بأفعال العمرة وهو قولهما خلافا لابي يوسف، ويشهد لهما أن القارن إذا فاته

[ 102 ]

الحج أدى عمرته لانها لا تفوت ثم أتى بعمرة أخرى لفوات الحج ثم يحلق ولا دم عليه لانه للجمع بين النسكين ولم يوجد، فلو انقلب إحرامه عمرة لصار جامعا بين إحرام عمرتين وأدائهما في وقت واحد وهو لا يجوز، ويشهد لهما أنه لو مكث حراما حتى دخل أشهر الحج من قابل فتحلل بعمل العمرة ثم حج من عامة ذلك لم يكن متمتعا، فلو انقلب إحرامه عمرة كان متمتعا كمن أحرم للعمرة في رمضان فطاف لها في شوال. كذا في المبسوط. ويشهد لابي يوسف أن فائت الحج لو أقام حراما حتى يجح مع الناس من قابل بذلك الاحرام لا يجزئه من حجته، فلو بقي أصل إحرامه لاجزأه. وأجاب عنه في المبسوط بأنه وإن بقي الاصل لكن تعين عليه الخروج بأعمال العمرة فلا يبطل هذا التعيين بتحول السنة مع أن إحرامه انعقد لاداء الحج في السنة الاولى، فلو صح آداء الحج به في السنة الثانية تغير موجب ذلك العقد بفعله وليس إليه تغيير موجب عقد الاحرام. وذكر في المحيط أن فائدة الخلاف تظهر فيما إذا فاته الحج فأهل بحجة أخرى غير الاولى صحت وبرفض الاخرى عند أبي حنيفة وعند محمد لا تصح، وعند أبي يوسف يمضي في الاخرى لان عنده إحرام الاولى انقلب للعمرة وهذا محرم بالعمرة وقد أضاف إليها حجة، وعنده لما بقي إحرامه فإذا أحرم بحجة أخرى يرفضها لئلا يكون جامعا بين إحرامي حج وعليه دم وعمرة وحجتان من قابل. فإن كان نوى بالثانية قضاء الفائتة فهي هي وعليه القضاء لانه باق في إحرام الحج، فإذا نوى به القضاء يصير ناويا للاحرام القائم فلا تصح نيته ولا يصير محرما بإحرام آخر. وأطلق في فوت الحج فشمل الحج الفاسد والصحيح، فلو أهل بحج ثم أفسده بالجماع قبل الوقوف ثم فاته الحج فعليه دم للجماع ويحل بالعمرة لان الفاسد معتبر بالصحيح، وكذا لو انعقد فاسدا كما إذا أحرم مجامعا فإنه ملحق بالصحيح. وقول صاحب الهداية لان الاحرام بعد ما انعقد صحيحا لا يخرج عنه إلا بأداء أحد النسكين، محمول على اللازم للاحتراز عن غير اللازم ليخرج به العبد والزوجة إذا أحرما بغير إذن لا ما قابل الصحيح وهو الفاسد وليخرج به ما إذا أدخل حجة على عمرة أو على عمرة فإنه ليس بلازم، ولذا وجب الرفض ولا يرد عليه المحصر فإن إحرامه لازم مع أنه يخرج عنه بغير الافعال لانه عارض لا بطريق الوضع قوله: (ولا فوت لعمرة) لعدم توقيتها بالاجماع قوله: (وهي طواف وسعي) أي أفعال العمرة طواف بالبيت سبعة أشواط وسعي بين الصفا والمروة. وليس مراده بيان ماهيتها لان ركنها الطواف

[ 103 ]

فقط. وأما السعي فواجب. وإنما لم يصرح بوجوبه فيها للعلم به من الحج لان السعي فيه واجب ففي العمرة أولى. ولم يذكر الاحرام لانه شرط في النسكين حجا كان أو عمرة، ولم يذكر الحلق لانه محل مخرج منها وهو من واجباتها كما في فتاوى قاضيخان. وهي في اللغة بمعنى الزيارة، يقال اعتمر فلان فلانا إذا زاره. وفي المغرب: إن أصلها القصد إلى مكان عامر ثم غلب على القصد إلى مكان مخصوص. قوله: (وتصح في السنة وتكره يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق) لما قدمنا أنها لا تتوقت. وقد اعتمر صلى الله عليه وسلم أربع عمر: في ذي القعدة إلا الذي اعتمر مع حجته كما في صحيح البخاري، ثم المراد بالاربعة إحرامه بهن، فأما ما تم له منها فثلاث: الاولى عمرة الحديبية سنة ست فأحصر بها فنحر الهدي بها وحلق هو وأصحابه ورجع إلى المدينة. الثانية عمرة القضاء في العام المقبل وهي قضاء عن الحديبية. هذا مذهب أبي حنيفة، وذهب مالك إلى أنها مستأنفة لا قضاء عنها، وتسمية الصحابة وجميع السلف إياها بعمرة القضاء ظاهر في خلافه، وعدم نقل أنه عليه السلام أمر الذين كانوا معه بالقضاء لا يفيد بل المفيد له نقل العدم لا عدم النقل. نعم هو مما يؤنس به في عدم الوقوع لان الظاهر أنه لو كان لنقل لكن ذلك إنما يعتبر لو لم يكن من الثابت ما يوجب القضاء في مثله على العموم فيجب الحكم بعلمهم به وقضائها من غير تعيين طريق علمي. الثالثة عمرته التي قرن مع حجته على قولنا أو التي تمتع بها إلى الحج على قول القائلين أنه حج متمتعا، أو التي اعتمرها في سفره ذلك على قول القائلين بأنه أفرد واعتمر. ولا عبرة بالقول الرابع الرابعة عمرته من الجعرانة. كذا في فتح القدير. وأطلق في المختصر الكراهة فانصرفت الكراهة إلى كراهة التحريم لانها المحمل عند إطلاقها، ويدل عليه ما عن عائشة رضي الله عنها قالت: حلت العمرة في السنة كلها إلا أربعة أيام: يوم عرفة ويوم النحر ويومان بعد ذلك. وعن ابن عباس أنها خمسة، وذكر ثلاثة أيام التشريق. وأطلق في كراهتها يوم عرفة فشمل ما قبل الزوال وما بعده وهو المذهب خلافا لما عن أبي يوسف أنها لا تكره قبل الزوال، وأفاد بالاقتصار على الخمسة لانها لا تكره في أشهر الحج وهو الصحيح عند أهل العلم كما في غاية البيان، ولا فرق بين المكي والافاقي، واختلفوا في فضل أوقاتها فبالنظر إلى فعله عليه السلام فأشهر الحج أفضل، وبالنظر إلى قوله فرمضان

[ 104 ]

أفضل للحديث الصحيح عمرة في رمضان تعدل حجة (1). وقد وقع في الينابيع هنا غلط فاجتنبه وهو أنه قال: تكره العمرة في خمسة أيام وذكر منها يوم الفطر بدل يوم عرفة كما نبه عليه في غاية السروجي. وفي فتاوى قاضيخان تكره العمرة في خمسة أيام لغير القارن ا ه‍. وهو تقييد حسن وينبغي أن يكون راجعا إلى يوم عرفة لا إلى الخمسة كما لا يخفى وأن يلحق المتمتع بالقارن. قوله: (وهي سنة) أي العمرة سنة مؤكدة وهو الصحيح في المذهب، وقيل بوجوبها وصححه في الجوهرة واختاره في البدائع وقال: إنه مذهب أصحابنا. ومنهم من أطلق اسم السنة وهذا لا ينافي الوجوب ا ه‍. والظاهر من الرواية ما في المختصر فإن محمدا نص في كتاب الحجر أن العمرة تطوع وليس بينهما كبير فرق كما قدمناه مرارا. واستدل لها في غاية البيان بما رواه الترمذي وصححه عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العمرة أواجبة هي؟ قال: لا، وأن تعتمروا هو أفضل. وأما قوله تعالى * (وأتموا الحج والعمرة لله) * (البقرة: 196) فالاتمام بعد الشروع ولا كلام لنافيه لان الشروع ملزم وكلامنا فيما قبل الشروع. والمراد أنها سنة في العمرة مرة واحدة فمن أتى بها مرة فقد أقام السنة غير مقيد بوقت غير ما ثبت النهي عنها فيه إلا أنها في رمضان أفضل. هذا إذا أفردها فلا ينافيه أن القران أفضل لان ذلك أمر يرجع إلى الحج لا العمرة. فالحاصل أن من أراد الاتيان بالعمرة على وجه أفضل فيها ففي رمضان أو الحج على وجه أفضل فبأن يقرن معه عمرة، ثم اعلم أن للعمرة معنى لغويا

[ 105 ]

ومعنى شرعيا وسببا وركنا وشرائط وجوب وشرائط صحة وواجبات وسننا وآدابا ومفسدا كالحج، وقد بينا معناها وركنها وواجباتها. وأما سببها فالبيت، وشرائط وجوبها وصحتها ما هو شرائط الحج إلا الوقت، وأما سننها وآدابها فما هو سنن الحج وآدابه إلى الفراغ من السعي، وأما مفسدها فالجماع قبل طواف الاكثر من السبعة. كذا في البدائع وغيره. وقد قدمنا أنه ليس لها طواف الصدر. وقال الحسن بن زياد: يجب عليه. باب الحج عن الغير لما كان الحج عن الغير كالتبع أخره، والاصل فيه أن الانسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة أو صوما أو صدقة أو قراءة قرآن أو ذكرا أو طوافا أو حجا أو عمرة أو غير ذلك عند أصحابنا للكتاب والسنة. أما الكتاب فلقوله تعالى * (وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا) * (الاسراء: 24) وإخباره تعالى عن ملائكته بقوله * (ويستغفرون للذين آمنوا) * (غافر: 7) وساق عبارتهم بقوله تعالى * (ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك) * إلى قوله * (وقهم السيئات) * (غافر: 9) وأما السنة فأحاديث كثيرة منها ما في الصحيحين حين ضحى بالكبشين فجعل أحدهما عن أمته وهو مشهور تجوز الزيادة به على الكتاب. ومنها ما رواه أبو داود اقرؤوا على موتاكم سورة يس (1). وحينئذ فتعين. أن لا يكون قوله تعالى * (وأن ليس للانسان إلا ما سعى) * (النجم: 39) عى ظاهره وفيه تأويلات أقربها ما اختاره المحقق ابن الهمام أنها مقيدة بما يهبه العامل يعني ليس للانسان من سعي غيره نصيب إلا إذا وهبه له فحينئذ يكون له، وأما قوله عليه السلام لا يصوم أحد عن أحد ولا يصلي أحد عن أحد (2) فهو في حق الخروج عن العهدة لا في حق الثواب فإن من صام أو صلى أو تصدق وجعل ثوابه لغيره من الاموات والاحياء جاز ويصل ثوابها إليهم عند أهل

[ 106 ]

السنة والجماعة. كذا في البدائع. وبهذا علم أنه لا فرق بين أن يكون المجعول له ميتا أو حيا، والظاهر أنه لا فرق بين أن ينوي به عند الفعل للغير أو يفعله لنفسه، ثم بعد ذلك يجعل ثوابه لغيره لاطلاق كلامه، ولم أر حكم من أخذ شيئا من الدنيا ليجعل شيئا من عبادته

[ 107 ]

للمعطى، وينبغي أن لا يصح ذلك. وظاهر إطلاقهم يقتضي أنه لا فرق بين الفر ض والنفل، فإذا صلى فريضة وجعل ثوابها لغيره فإنه يصح لكن لا يعود الفرض في ذمته لان عدم الثواب لا يستلزم عدم السقوط عن ذمته ولم أره منقولا قوله: (النيابة تجري في العبادات المالية عند العجز والقدرة ولم تجز في البدنية بحال وفي المركب منهما تجري عند العجز فقط) بيان لانقسام العبادة إلى ثلاثة أقسام: مالية محضة كالزكاة وصدقة الفطر والاعتاق والاطعام والكسوة في الكفارات والعشر والنفقات، سواء كانت عبادة محضة أو عبادة فيها معنى المؤنة أو مؤنة فيها معنى العبادة كما عرف في الاصول. وبدنية محضة كالصلاة والصوم والاعتكاف وقراءة القرآن والاذكار والجهاد. ومركبة من البدن والمال كالحج. والاصل فيه أن المقصود من التكاليف الابتلاء والمشقة وهي في البدنية بإتعاب النفس والجوارح بالافعال المخصوصة، وبفعل نائبه لا تتحقق المشقة على نفسه فلم تجز النيابة مطلقا لا عند العجز ولا عند القدرة، وفي المالية بتنقيص المال المحبوب للنفس بإيصاله إلى الفقير وهو موجود بفعل النائب. وكان مقتضى القياس أن لا تجري النيابة في الحج لتضمنه للمشقتين البدنية والمالية والاولى لا يكتفى فيها بالنائب لكنه تعالى رخص في إسقاطه بتحمل المشقة الاخرى أعني إخراج المال عند العجز المستمر إلى الموت رحمة وفضلا بأن تدفع نفقة الحج إلى من يحج عنه بخلاف حالة القدرة لم يعذر لان تركه فيها ليس إلا بمجرد إيثار رحمة نفسه على أمر ربه، وهو بهذا يستحق

[ 108 ]

العقاب لا التخفيف في طريق الاسقاط. وإذا جازت النيابة في المالية مطلقا فالعبرة لنية الموكل لا لنية الوكيل، وسواء نوى الموكل وقت الدفع إلى الوكيل أو وقت دفع الوكيل إلى الفقراء أو فيما بينهما، ولهذا قال في الفتاوى الظهيرية من فصل مصارف الزكاة: رجل دفع إلى رجل دراهم ليتصدق بها على الفقراء تطوعا فلم يتصدق المأمور حتى نوى الآمر عن الزكاة من غير أن يتلفظ به، ثم تصدق المأمور جاز عن الزكاة، وكذا لو أمره أن يعتق عبدا تطوعا نوى الآمر عن الكفارة قبل إعتاق المأمور عن التطوع ا ه‍. ولهذا لا تعتبر أهليه النائب حتى لو وكل المسلم ذميا في دفع الزكاة جاز كما في كشف الاسرار شرح أصول فخر الاسلام. قوله: (والشرط العجز الدائم إلى وقت الموت) أي الشرط في جواز النيابة في المركب عجز المستنيب عجزا مستمرا إلى موته لان الحج فرض العمر فحيث تعلق به خطابه لقيام مشروط وجب عليه أن يقوم بنفسه في أول سني الامكان، فإذا أخر أثم وتقرر القيام بنفسه في ذمته في مدة عمره، وإن كان غير متصف بالشروط، فإذا عجز عن ذلك في مدة عمره رخص له الاستنابة رحمة وفضلا فحيث قدر عليه وقتا من عمره بعد ما استنابه فيه لعجز لحقه ظهر انتفاء شرط الرخصة. ثم ظاهر ما في المختصر أنه لا فرق بين أن يكون المرض يرجى زواله أو لا يرجى زواله كالزمانة والعمى، فلو أحج الزمن أو الاعمى ثم صح وأبصر لزمه أن يحج بنفسه، وبسبب هذا صرح المحقق في فتح القدير به وليس بصحيح، بل الحق التفصيل، فإن كان مرضا يرجى زواله فأحج فالامر مراعى، فإن استمر العجز إلى الموت سقط الفرض عنه وإلا فلا. وإن كان مرضا لا يرجى زواله كالعمى فأحج غيره سقط الفرض عنه، سواء استمر ذلك العذر أو زال. صرح به في المحيط وفتاوى قاضيخان والمبسوط، وصرح في معراج الدراية بأنه إذا حج الاعمى غيره ثم زال العمى لا يبطل الاحجاج ا ه‍. وقيد بالعجز الدائم لانه لو أحج وهو صحيح ثم عجز واستمر لا يجزئه لفقد الشرط، ويشكل عليه ما في التجنيس وفتاوى قاضيخان وغيرهما أنه لو قال لله علي ثلاثون حجة فأحج ثلاثين نفسا في سنة واحدة إن مات قبل أن يجئ وقت الحج جاز عن الكل لانه لم تعرف قدرته بنفسه عند مجئ وقت الحج، وإن جاء وقت الحج وهو يقدر بطلبت حجته لانه

[ 109 ]

يقدر بنفسه عليها فانعدم الشرط فيها وعلى هذا كل سنة تجئ ا ه‍. وينبغي أن يراد بوقت الحج وقت الوقوف بعرفة يعني إن جاء يوم عرفة وهو ميت أجزأه الكل، وإن كان حيا بطلت واحدة وتوقف الامر في الباقي. وليس المراد بوقت الحج أشهر الحج لان الاحجاج يكون في أشهر الحج فلا يتأتى التفصيل، وإن كان المكان بعيدا فأحج قبل الاشهر فهو قاصر الافادة عما إذا كان قريبا فأحج في الاشهر الحرم فالاولى ما قلناه. ووجه إشكاله على ما سبق أن وقت الاحجاج كان صحيحا فإذا مات قبل وقته أجزأه، وقد تقدم أنه إذا أحج وهو صحيح ثم عجز لا يجزئه، ودفعه بأن المراد بعجزه بعد الاحجاج العجز بعد فراغ النائب عن الحج بأن كان وقت الوقوف صحيحا فلا مخالفة كما لا يخفى. وعلى هذا المرأة إذا لم تجد محرما لا تخرج إلى الحج إلى أن تبلغ الوقت الذي تعجز عن الحج فحينئذ تبعث من يحج عنها، أما قبل ذلك فلا يجوز لتوهم وجود المحرم، فإن بعثت رجلا، إن دام عدم المحرم إلا أن ماتت فذلك جائز كالمريض إذا أحج عنه رجلا ودام المرض إلى أن مات. وأطلق في العجز فشمل ما إذا كان سماويا أو بصنع العباد فلو أحج وهو في السجن فإذا مات فيه أجزأه وإن خلص منه لا. وإن أحج لعدو بينه وبين مكة إن أقام العدو على الطريق حتى مات أجزأه وإن لم يقم لا يجزئه. كذا في التجنيس. وذكر في البدائع: وأما شرائط جواز النيابة فمنها أن يكون المحجوج عنه عاجزا عن الاداء بنفسه وله مال فلا يجوز إحجاج الصحيح غنيا كان أو فقيرا، لان المال من شرائط الوجوب. ومنها العجز المستدام إلى الموت. ومنها الامر بالحج فلا يجوز حج الغير عنه بغير أمره إلا الوارث يحج عن مورثه فإنه يجزئه إن شاء الله تعالى لوجود الامر دلالة. ومنها نية المحجوج عنه عند الاحرام. ومنها أن يكون حد المأمور بمال المحجوج عنه فإن تطوع الحاج عنه بمال نفسه لم يجز عنه حتى يحج بماله، وكذا إذا أوصى أن يحج بماله فمات فتطوع عنه وارثه بمال نفسه لان الفرض تعلق بماله، فإذا لم يحج بماله لم يسقط عنه الفرض. ومنها الحج راكبا حتى لو أمره بالحج فحج ماشيا يضمن النفقة ويحج عنه راكبا لان

[ 110 ]

المفروض عليه هو الحج راكبا فينصرف مطلق الامر بالحج إليه، فإذا حج ماشيا فقد خالف فيضمن ا ه‍. وفي فتح القدير: واعلم أن شرط الاجزاء كون أكثر النفقة من مال الآمر، فإن أنفق الاكثر أو الكل من مال نفسه وفي المال المدفوع إليه وفاء بحجه رجع به فيه إذ قد يبتلى بالانفاق من مال نفسه لبعث الحاجة ولا يكون المال حاضرا فيجوز ذلك كالوصي والوكيل يشتري لليتيم ويعطي الثمن من مال نفسه فإنه يرجع به في مال اليتيم ا ه‍. وبهذا علم أن اشتراطهم أن تكون النفقة من مال الآمر للاحتراز عن التبرع لا مطلقا. قوله: (وإنما شرط عجز المنوب للحج الفرض لا النفل) لجواز الابانة مع القدرة في حج النفل لان المقصود منه الثواب فإذا كان له تركه أصلا فله تحمل مشقة المال بالاولى. أطلقه فشمل حجة الاسلام والحجة المنذورة، وأشار به إلى أنه لو أحج عنه وهو صحيح حجة الاسلام أو كان مريضا ثم صح بطل وصف الفرضية لفقد شرطه وهو العجز وبقي أصل الحج تطوعا للآمر لا أنه فاسد أصلا. صرح به الاسبيجابي والسرخسي وعلاء الدين البخاري في الكشف ولم يحكوا فيه خلافا، فعلى هذا بين الصلاة والحج فرق على قول محمد فإنه يقول فيها إذا بطل وصفها بطل أصلها ولم ينقل عنه في الحج في ذلك لما أن باب الحج أوسع فلهذا يمضي في فساده كما يمضي في صحيحه. وأشار المصنف بجريان النيابة في الحج عند العجز في الفرض ومطلقا في النفل أن أصل الحج يقع للآمر لحديث الخثعمية وهي أسماء بنت عميس من المهاجرات وهو أنها قالت: يا رسول الله إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: نعم. متفق عليه. فقد أطلق كونه عنه وقولهما أفأحج عنه فيه روايتان فتح الهمزة وضم الحاء أي أنا أحرم عنه بنفسي وأؤدي الافعال. وهذا هو المشهور من الرواية. وروي بضم الهمزة وكسر الحاء أي آمر أحد أن يحج عنه. ذكره الهندي في شرح المغني وهو ظاهر الرواية عن أصحابنا كما في الهداية، وظاهر المذهب كما في المبسوط وهو الصحيح كما في كثير من الكتب. وذهب عامة المتأخرين كما في الكشف إلى أن الحج يقع عن المأمور وللآمر ثواب النفقة قالوا: وهو رواية عن محمد. وهو اختلاف لا ثمرة له لانهم اتفقوا أن الفرض يسقط عن الآمر ولا يسقط عن المأمور وأنه لا بد من أن ينويه عن الآمر وهو دليل المذهب، وأنه يشترط أهلية النائب لصحة الافعال حتى لو أمر ذميا لا يجوز وهو دليل الضعيف، ولم أر من صرح بالثمرة. وقد يقال

[ 111 ]

إنها تظهر فيمن حلف أن لا يحج فعلى المذهب إذا حج عن غيره لا يحنث، وعلى الضعيف يحنث إلا أن يقال إن العرف أنه قد حج وإن وقع عن غيره فيحنث اتفاقا. قوله: (ومن حج عن آمريه ضمن النفقة) لان كل واحد منهما أمره بأن يخلص النفقة له من غير اشتراك ولا يمكنه إيقاعه عن أحدهما لعدم الاولوية فيقع عن المأمور نفلا، ولا يجزئه

[ 112 ]

عن حجة الاسلام ويضمن النفقة إن أنفق من مالهما لانه صرف نفقة الآمر إلى حج نفسه. أطلق في الآمرين فشمل الابوين وسيأتي إخراجهما، وقيد بالامر بهما لانه لو أحرم عنهما بغير أمرهما فله أن يجعله عن أحدهما لانه متبرع بجعل ثواب عمله لاحدهما أولهما فبقي على خياره بعد وقوعه سببا لثوابه، وأشار بالضمان إلى أنه لا يمكنه بأن يجعله عن أحدهما بعد ذلك، وقيد بكونه أحرم عنهما معا لانه لو أحرم عن أحدهما غير عين فالامر موقوف، فإن عين أحدهما قبل الطواف والوقوف انصرف إليه وإلا انصرف إلى نفسه، ولا يكون مخالفا بمجرد الاحرام المذكور لان كلا أمره بحجة وأحدهما صالح لكل منهما صادق عليه ولا منافاة بين العام والخاص، ولا يمكن أن يصير للمأمور لانه نص على إخراجها عن نفسه بجعلها لاحد الآمرين فلا ينصرف إليه إلا إذا وجد أحد الامرين اللذين ذكرناهما ولم يتحقق بعد، فإذا شرع في الاعمال قبل التعيين تعينت له لان الاعمال لا تقع لغير معين ثم ليس في وسعه أن يحولها إلى غيره وإنما جعل له الشرع ذلك إلى الثواب، ولولا الشرع لم يحكم به في الثواب أيضا. ولو أحرم بحجة من غير تعيين فإنه يصح التعيين بعده لاحدهما بالاولى، وذكر في الكافي أنه ينبغي أن يكون مجمعا عليه لعدم المخالفة. ولو أحرم مبهما من غير تعيين ما أحرم

[ 113 ]

به لآمر معين فإنه يجوز بلا خلاف وهو أظهر من الكل فصور الابهام أربعة: في واحدة يكون مخالفا وهي مسألة الكتاب منطوقا. وفي الثلاثة لا يكون مخالفا وهي أن يكون الابهام إما في الآمر أو في النسك أو فيهما، ولو أهل المأمور بالحج بحجتين أحداهما عن نفسه والاخرى عن الآمر ثم رفض التي أهل بها عن نفسه تكون الباقية عن الآمر كأنه أهل بها وحدها. وأشار المصنف إلى أن المأمور في كل موضع يصير مخالفا فإنه يضمن النفقة، فمنها ما إذا أمره بالافراد بحجة أو عمرة فقرن فهو ضامن للنفقة عنده خلافا لهما، ومنها ما إذا أمره بالحج فاعتمر ثم حج من مكة لانه مأمور بحج ميقاتي وما أتى به مكي بخلاف ما إذا أمره بالعمرة فاعتمر ثم حج عن نفسه لم يكن مخالفا والنفقة في مدة إقامته للحج في ماله لانه أقام في منفعة نفسه بخلاف ما إذا حج أولا ثم اعتمر للآمر فإنه يكون مخالفا لانه جعل المسافة للحج وأنه لم يؤمر به وإن كانت الحجة أفضل من العمرة لانه خلاف من حيث الجنس كالوكيل بالبيع بألف درهم إذا باع بألف دينار. كذا في المحيط. وفي فتح القدير: والحاج عن غيره إن شاء قال لبيك عن فلان وإن شاء اكتفى بالنية عنه، وليس للمأمور أن يأمر غيره بما أمر به عن الآمر وإن مرض في الطريق إلا أن يكون وقت الدفع قيل له اصنع ما شئت، فحينئذ له أن يأمر غيره به وإن كان صحيحا، فلو أحج رجلا فحج ثم أقام بمكة جاز لان الفرض صار مؤدى والافضل أن يحج ثم يعود إلى أهله ا ه‍. ثم اعلم أن النفقة ما يكفيه لذهابه وإيابه وأنه لا يخلو إما أن يكون المحجوج عنه حيا أو

[ 114 ]

ميتا، فإن كان حيا فإنه يعطيه بقدر ما يكفيه كما ذكرنا، فإن أعطاه زائدا على كفايته فلا يحل للمأمور ما زاد بل يجب عليه رده إلى صاحبه إلا إذا قال وكلتك أن تهب الفضل من نفسك وتقبضه لنفسك، فإن كان على موت قال والباقي مني لك وصية، وإن كان قد أوصى بأن يحج عنه ثم مات، فإما أن يعين قدرا أو لا، فإن عين قدرا اتبع ما عينه حتى لا يجوز النقص عنه إذا كان يخرج من الثلث كما سيأتي تفصيله قريبا في مسألة الوصية، ولهذا قال في المحيط: رجل مات وترك ابنين وأوصى بأن يحج عنه بثلاثمائة وترك تسعمائة فأنكر أحدهما وأقر الآخر. وأخذ كل واحد منهما نصف المال، ثم إن المقر دفع مائة وخمسين يحج بها عن الميت، ثم أقر الآخر إن أحج يأمر القاضي يأخذ المقر من الجاحد خمسة وسبعين درهما لانه جاز الحج عن الميت بمائة وخمسين وبقي مائة وخمسون ميراثا لهما فيكون لكل واحد نصفه، وإن أحج بغير أمر القاضي فإنه يحج مرة أخرى بثلاثمائة لانه لم يجز الحج عن الميت لانه أمره بثلاثمائة ا ه‍. ومع التعيين المذكور لا يحل للمأمور المذكور ما فضل بل يرده على ورثته، ولهذا قالوا: لو أوصى بأن يعطى بعيره هذا رجلا ليحج عنه فدفع إلى رجل فأكراه الرجل فأنفق الكراء على نفسه في الطريق وحج ماشيا جاز عن الميت استحسانا وإن خالف أمره. وصححه في المحيط. وقال أصحاب الفتاوى: هو المختار لانه لما ملك أن يملك رقبتها بالبيع ويحج بالثمن استحسانا هو المختار فلان يملك أن يملك منفعتها بالاجارة ويحج ببدل المنفعة كان أولى لانه لو لم يظهر في الآخرة أنه يملك ذلك يكون الكراء له لانه غاصب والحج له فيتضرر الميت ثم يرد البعير إلى ورثة الميت لانه ملك المورث اه‍. وهذه المسألة خرجت عن الاصل للضرورة فإن الاصل أن المأمور بالحج راكبا إذا حج ماشيا فإنه يكون مخالفا وإن لم يعين الموصي قدرا فإن الورثة يحجون عنه من الثلث بقدر الكفاية. ولهذا قال الولوالجي في فتاواه: رجل مات وأوصى أن يحج عنه ولم يقدر فيه مالا، فالوصي إن أعطى إلى رجل ليحج عنه في محمل احتاج إلى ألف ومائتين، وإن حج راكبا لا في محمل يكفيه الالف وكل ذلك يخرج من الثلث يجب أقلهما لانه هو المتيقن ا ه‍. فالحاصل أن المأمور لا يكون مالكا لما أخذه من النفقة بل يتصرف فيه على ملك المحجوج عنه حيا كان أو ميتا، معينا كان القدر أو غير معين، ولا يحل له الفضل إلا بالشرط المتقدم. سواء كان الفضل كثيرا أو يسيرا كيسير من الزاد كما صرح به في الفتاوى الظهيرية، وينبغي أن تكون كذلك الحجة المشروطة من جهة الواقف كما شرط سليمان باشا بوقفه بمصر قدرا معينا لمن يحج عنه كل سنة فإنه يتبع شرطه، ولا يحل للمأمور ما فضل منه بل يجب رده إلى الوقف. وهذا كله إذا أوصى بأن يحج عنه، أما إذا قال أحجوا فلانا حجة ولم يقل عني ولم يسم

[ 115 ]

كم يعطي فإنه يعطي قدر ما يحج به ويكون ملكا له وإن شاء حج به وإن شاء لم يحج وهو وصية كما في المبسوط وغيره. فإذا عرف ذلك فللمأمور بالحج أن ينفق على نفسه بالمعروف ذاهبا وآيبا ومقيما من غير تبذير ولا تقتير في طعامه وشرابه وثيابه وركوبه وما لا بد له منه من محمل وقربة وأدوات السفر، فلو توطن بمكة بعد الفراغ فإن كان لانتظار القافلة فنفقته في مال الميت وإلا فمن مال نفسه. وما ذكره أكثر المشايخ من أنه إذا توطن خمسة عشر يوما فنفقته عليه، فمحمول على ما إذا كان لغير عذر وهو عدم خروج القافلة، وكذا ما ذكره بعضهم من اعتبار الثلاث. وإذا صارت النفقة عليه بعد خروجها ثم بدا له أن يرجع رجعت نفقته في مال الميت لانه كان استحق نفقة الرجوع. في مال الميت وهو كالناشزة، إذا عادت إلى المنزل والمضارب إذا أقام في بلد أو بلدة أخرى خمسة عشر يوما لحاجة نفسه. وفي البدائع: هذا إذا لم يتخذ مكة دارا، فإما إذا اتخذها دارا ثم عاد لا تعود النفقة بلا خلاف. وإن أقام بها من غير نية الاقامة قالوا: إن كانت الاقامة معتادة لم تسقط، وإن زاد على المعتاد سقطت، ولو تعجل إلى مكة فهي في مال نفسه إلى أن يدخل عشر ذي الحجة فتصير في مال الآمر. ولو سلك طريقا أبعد من المعتاد إن كان مما سلكه الناس ففي مال الآمر وإلا ففي ماله، وله أن ينفق على نفسه نفقة مثله من طعام ومنه اللحم والكسوة ومنه ثوابا إحرامه وأجرة من يخدمه إن كان ممن يخدم، وليس له أن ينفق ما فيه ترفيه كدهن السراج والادهان والتدواي والاحتجام وأجرة الحمام والحلاق إلا أن يوسع عليه. واختار في المحيط والخانية أن يعطي أجرة الحمام والحارس، وصرح الولوالجي بأنه المختار وقالوا: له أن يشتري حمارا يركبه. وذكر الولوالجي بأنه مكروه والجمل أفضل لان النفقة فيه أكثر. وليس له أن يدعو أحدا إلى طعامه ولا يتصدق به ولا يقرض أحدا ولا يصرف الدراهم بالدنانير ولا يشتري بها ماء لوضوئه، ولو اتجر في المال ثم حج بمثله فالاصح أنها عن الميت. ويتصدق بالربح كما لو خلطها بدراهمه حتى صار ضامنا ثم حج بمثلها. وله أن يخلط الدراهم للنفقة مع الرفقة للعرف. كذا في المحيط. قوله: (ودم الاحصار على الآمر ودم القران ودم الجناية عل المأمور) لان الآمر هو الذي أدخله في هذه العهدة فعليه خلاصه. وأراد من الآمر المحجوج عنه فشمل الميت فإن دم الاحصار من ماله ثم قيل هو من ثلث ماله لانه صلة كالزكاة وغيرها، وقيل من جميع المال لانه وجب حقا للمأمور فصار دينا. كذا في الهداية. وإذا تحلل المأمور المحصر بذبح الهدي فعليه الحج من قابل بمال نفسه ولا يكون ضامنا للنفقة كفائت الحج لعدم المخالفة، وعليه

[ 116 ]

الحج من قابل بمال نفسه. كذا قالوا: ولم يصرحوا بأنه في الاحصار والفوات إذا قضى الحج هل يكون عن الآمر أو يقع للمأمور: وإذا كان للآمر فهل يجبر على الحج من قابل بمال نفسه. وإنما وجب دم القران على المأمور باعتبار أنه وجب شكرا لما وفقه الله تعالى من الجمع بين النسكين والمأمور هو المختص بهذه النعمة لان حقيقة الفعل منه وإن كان الحج يقع عن الآمر لانه وقوع شرعي، ووجوب دم الشكر مسبب عن الفعل الحقيقي الصادر من المأمور. وأطلق في القران فشمل ما إذا أمره واحد بالقران فقرن، أو أمره واحد بالحج وآخر بالعمرة وأذنا له في القران، وبقي صورتان يكون بالقران فيهما مخالفا: إحداهما ما إذا لم يأذنا له بالقران فقرن عنهما ضمن نفقتهما. الثانية ما إذا أمره الحج مفردا فقرن فإنه يكون ضامنا للنفقة لا لان الافراد أفضل من القران بل لانه أمره بإفراد سفر له وقد خالف، وفي الثانية خلافهما، هما يقولان هو خلاف إلى خير، وهو يقول إنه لم يأمره بالعمرة ولا ولاية لاحد في إيقاع نسك عن غيره بغير أمره فصار كما لو أمره بالافراد فتمتع فإنه يكون مخالفا اتفاقا.

[ 117 ]

وأراد بالقران دم الجمع بين النسكين قرانا كان أو تمتعا كما صرح به غاية البيان لكن بالاذن المتقدم. وأطلق في دم الجناية فشمل دم الجماع ودم جزاء الصيد ودم الحلق ودم لبس المخيط والطيب ودم المجاوزة بغير إحرام، وإنما وجب على المأمور وحده باعتبار أنه تعلق بجنايته لكن في الجناية بالجماع تفصيل إن كان قبل الوقوف ضمن جميع النفقة لانه صار مخالفا بالافساد، وإن بعده فلا ضمان والدم على المأمور على كل حال. وإذا فسد حجه لزمه الحج من قابل بمال نفسه وفيه ما تقدم من التردد في وقوعه عن الآمر. ولو أتم الحج إلا طواف الزيارة فرجع ولم يطفه فهو حرام على النساء ويعود بنفقة نفسه ويقضي ما بقي عليه لانه جان في هذه الصورة، أما لو مات بعد الوقوف قبل الطواف جاز عن الآمر لانه أدى الركن الاعظم. كذا قالوا، وقد قدمنا في أول كتاب الحج فيه بحثا وأعظمية أمرها إنما هو للامن من الافساد بعده لا لانه يكفي فيجب على الآمر الاحجاج. وفي فتح القدير: وأما دم رفض النسك ولا يتحقق ذلك إذا تحقق إلا في مال الحاج ولا يبعد لو فرض أنه أمره بحجتين معا ففعل حتى ارتفضت إحداهما كونه على الآمر ولم أره والله سبحانه أعلم ا ه‍. ولو اختلف المأمور والورثة أو الوصي فقال وقد أنفق من مال الميت منعت من الحج وكذبه الآخر لا يصدق ويضمن إلا أن يكون أمرا ظاهرا يشهد على صدقه لان سبب الضمان قد ظهر فلا يصدق في دفعه إلا بظاهر يدل على صدقه. ولو اختلفا فقال حججت وكذبه الآمر كان القول للمأمور مع يمينه لانه يدعي الخروج عن عهدة ما هو أمانة في يده ولا تقبل بينة الوارث أو الوصي أنه كان يوم النحر بالبلد لانها شهادة على النفي إلا أن يقيما على إقراره أنه لم يحج، أما لو كان الحاج مديونا للميت أمره أن يحج بماله عليه، وباقي المسألة بحالها فإنه لا يصدق إلا ببينة لانه يدعي قضاء الدين. هكذا في كثير من الكتب. وفي خزانة الاكمل: القول له مع يمينه إلا أن يكون للورثة مطالب بدين الميت فإنه لا يصدق في حق غريم الميت إلا بالحجة والقواعد تشهد للاول فكان عليه المعول.

[ 118 ]

قوله: (فإن مات في طريقه يحج عنه من منزله بثلث ما بقي) هذه العبارة تحتمل شيئين: الاول أن يكون فاعل مات المأمور بالحج فمعنى المسألة أن الوصي إذا أحج رجلا عن الميت فمات الرجل في الطريق فإنه يحج عن الميت الموصي من منزله بثلث ما بقي من المال كله، وعلى هذا الوجه اقتصر الشارحون مع ما فيه من التعقيد في الضمائر فإن ضمير مات يرجع إلى المأمور، وضمير عنه ومنزله يرجع إلى الموصي. الثاني أن يكون فاعل مات هو الموصي فيتحد مرجع الضمائر وهو صحيح فإنه إذا مات بعدما خرج حاجا وأوصى بالحج فإنه يحج عنه من منزله بثلث تركته، ويصدق عليه أنه بثلث ما بقي أي بعد الانفاق في الطريق. فالحاصل أن الآمر إما أن يكون حيا وقت الاحجاج أو ميتا، فإن كان حيا ومات المأمور في الطريق فإنه يحج إنسانا آخر من منزله على كل حال لانه حي يرجع إليه، ولهذا لو أمر إنسانا بأن يحج عنه ودفع له مالا فلم تبلغ النفقة من بلده لم يحج عنه من حيث تبلغ كالميت لانه يمكن الرجوع إليه فيحصل الاستدراك بخلاف الميت. كذا في الولوالجية. وإن كان ميتا وأوصى بأن بحج عنه فلا يخلو إما أن يكون قدم خرج حاجا بنفسه ومات في الطريق أو لا، وفي كل منهما لا يخلو إما أأطلق الوصية أو عين المال والمكان، فإن أوصى بأن يحج عنه وأطلق يحج عنه من ثلث ماله لانه بمنزلة التبرعات، فإن بلغ ثلثه أن يحج عنه من بلده وجب الاحجاج من بلده لان الواجب عليه الحج من بلده الذي يسكنه، وكذا إن خرج لغير الحج ومات في الطريق وأوصى. وأما إذا خرج للحج ومات في الطريق وأوصى فإنه يحج عنه من بلده عند أبي حنيفة. وقالا: يحج من حيث مات. وعلى هذا الخلاف المأمور في الحج إذا مات في الطريق فإنه يحج عن الموصي من منزله بثلث ما بقي من التركة، وكذا لو مات الثاني أو الثالث إلى أن لا يبقى شئ يمكن أن يحج بثلثه عند أبي حنيفة. وإن كان

[ 119 ]

للموصي أوطان حج عنه من أقرب أوطانه إلى مكة لانه متيقن به، وإن لم يكن له وطن فمن حيث مات. فلو مات مكي بالكوفة وأوصى بحجة حج عنه من مكة وإن أوصى بالقران قرن من الكوفة لانه لا يصح من مكة، فإن أحج عنه الوصي من غير وطنه مع ما يمكن الاحجاج من وطنه من ثلث ماله فإن الوصي يكون ضامنا ويكون الحج له ويحج عن الميت ثانيا إلا إذا كان المكان الذي أحج منه قريبا إلى وطنه من حيث يبلغ إليه ويرجع إلى الوطن قبل الليل، فحينئذ لا يكون ضامنا مخالفا. هذا كله إن بلغ ثلث ماله، فإن لم يبلغ الاحجاج من بلده حج عنه من بلده حج عنه من حيث يبلغ استحسانا، وإن بلغ الثلث أن يحج عنه راكبا فأحج عنه ماشيا لم يجز، وإن لم يبلغ إلا ماشيا من بلده قال محمد: يحج عنه من حيث بلغ راكبا. وعن أبي حنيفة أنه مخير بين أن يحج عنه من بلده ماشيا أو راكبا من حيث تبلغ. هذا إذا أطلق، وأما إذا عين مكانا اتبع لان الاحجاج لا يجب بدون الوصية فيجب بمقدارها. وهذا كله إذا كان الثلث يكفي لحجة واحدة، فإن كان يكفي لحجج فهو على ثلاثة أقسام: إما أن يعين حجة واحدة أو يطلق أو يطلق أو يعين في كل سنة حجة، ففي الاول يحج عنه واحدة وما فضل فهو لورثته، وفي الثاني خير الوصي إن شاء أحج عنه في كل سنة حجة وإن شاء أحج عنه في سنة واحدة حججا وهو الافضل لانه تعجيل تنفيذ الوصية لانه ربما هلك المال، وفي الثالث كالثاني ولم يذكر في الاصل لان شرط التفريق لا يفيد فصار كالاطلاق كما لو أمر الموصي رجلا بالحج في هذه السنة فأخره المأمور إلى القابل فإه يجوز عن الميت، ولا يضمن النفقة لان ذكر السنة للاستعجال لا للتقييد. ولو أوصى بأن يحج عنه بثلث ماله أو أطلق فهلكت النفقة في يد المأمور، قال أبو حنيفة: يحج عنه بثلث ماله. وقال أبو يوسف: بما بقي من ثلث ماله. وأبطله محمد. وهذا كله إذا لم يعين الموصي قدرا فإن عين قدرا من المال فإن بلغ ذلك أن يحج عنه من بلده وجب وإلا فمن حيث يبلغ ولو عين أكثر من الثلث يحج عنه بالثلث من حيث يبلغ بخلاف الوصية بشراء عبد بأكثر من الثلث وإعتاقه عنه فإنها باطلة لان في العتق لا يجوز النقصان عن المسمى. كذا في المحيط وغيره. وذكر الولوالجي في فتاواه: لو أوصى بأن يحج عنه من ثلث ماله ولم يقل حجة حج عنه من جميع الثلث لانه أوصى بصرف جميع الثلث إلى الحج لان كلمة من للتمييز عن أصل المال. ولو دفع الوصي الدراهم إلى رجل ليحج عن الميت فأراد أن يسترد كان له ذلك ما لم يحرم لان المال أمانة في يده، فإن استرده فنفقته إلى

[ 120 ]

بلده على من تكون إن استرد بخيانة ظهرت منه فالنفقة في ماله خاصة، وإن استرد لا بخيانة ولا تهمة فالنفقة على الوصي في ماله خاصة، وإن استرد لضعف رأي فيه أو لجهله بأمور المناسك فأراد الدفع إلى أصلح منه فنفقته في مال الميت لانه استرد لمنفعة الميت اه‍. وفي فتح القدير: لو أوصى أن يحج عنه ولم يزد على ذلك كان للوصي أن يحج بنفسه إلا أن يكون وارثا، وإن دفعه إلى وارث ليحج فإنه لا يجوز إلا أن تجيز الورثة وهم كبار لان هذا كالتبرع بالمال فلا يصح للوارث إلا بإجازة الباقين، ولو قال الميت للوصي ادفع المال لمن يحج عني لم يجز له أن يحج بنفسه مطلقا. وفي الظهيرية: ولو كان ثلث ماله قدر ما لا يمكن الاحجاج عنه بطلت الوصية. وفي التجنيس: رجل أوصى بأن يحج عنه فحج عنه ابنه ليرجع في التركة فإنه يجوز كالدين إذا قضاه من مال نفسه، ولو حج على أن لا يرجع فإنه لا يجوز عن الميت لانه لم يصحل مقصود الميت وهو ثواب الانفاق، وعلى هذا الزكاة والكفارة، ومثله لو قضى عنه دينه متطوعا جاز لان الحج عن الكبير العاجز بغير أمره لا يجوز وقضاء الدين بغير أمره في حالة الحياة يجوز، فكذا بعد الموت رجل مات وعليه حجة الاسلام فحج عنه رجل بإذنه ولم ينو فرضا ولا نفلا فإنه يجوز عن حجة الاسلام، ولو نوى تطوعا لا يجوز عن حجة الاسلام اه‍. وفي عمدة الفتاوى للصدر الشهيد: لو قال حجوا من ثلثي حجتين يكتفي بواحدة والباقي للورثة إن فضل اه‍. وهو مشكل على ما تقدم من المحيط والولوالجية وهو مبني على الفرق بين أن يوصي من الثلث وبين أن يوصي بجميع الثلث. وذكر في آخر العمدة من الوصايا: لو أوصى بأن يحج عنه بالالف من ماله فأحج الوصي من مال نفسه ليرجع ليس له ذلك لان الوصية باللفظ فيعتبر لفظ الموصي وهو أضاف المال إلى نفسه فلا يبدل اه‍. وفي العدة: امرأة تركت مهرها على الزوج ليحج بها وحج بها فعليه المهر لانه بمنزلة الرشوة وهي حرام اه‍. وذكر الاسبيجابي أنه لا يجوز الاستئجار على الحج ولا على شئ من الطاعات، فلو استؤجر على الحج ودفع إليه الاجر فحج عن الميت فإنه يجوز عن

[ 121 ]

الميت وله من الاجر مقدار نفقة الطريق في الذهاب والمجئ ويرد الفضل على الورثة لانه لا يجوز الاستئجار عليه، ولا يحل له أن يأخذ الفضل لنفسه إلا إذا تبرع الورثة به وهم من أهل التبرع، أو أوصى الميت بأن الفضل للحاج. وقال بعض مشايخنا: لا تجوز هذه الوصية لان الموصى له مجهول إلا أن الاول أصح لان الموصى له يصير معروفا بالحج كما لو أوصى بشراء عبد بغير عينه ويعتق ويعطى له مائة درهم فإنها جائزة. وقال بعضهم: لا تجوز اه‍. وأراد المصنف بموته في الطريق موته قبل الوقوف بعرفة ولو كان بمكة. وفي المحيط: ولو دفع إلى رجل مالا ليحج به عنه فأهل يحجة ثم مات الآمر فللورثة أن يأخذوا ما بقي من المال معه ويضمنونه ما أنفق منه بعد موته ولا يشبه الورثة الآمر في هذا لان نفقة الحج كنفقة ذوي الارحام فتبطل بالموت ويرجع المال إلى الورثة اه‍. قوله: (ومن أهل بحج عن أبويه فعين صح) لانه جعل الثوا ب للغير وهو لا يحصل إلا

[ 122 ]

بعد الاداء فالنية قبله لهما لغو، فإذا فرغ وجعله لاحدهما أولهما فإنه يجوز بخلاف ما إذا أهل عن آمريه ثم عين لما تقدم أنه صار مخالفا. وبهذا علم أن التعيين بعد الابهام ليس بشرط وإنما ذكره ليعلم منه حكم عدم التعيين بالاولى لانه بعد أن جعله لهما يملك صرفه عن أحدهما فلان يبقيه لهما أولى. وبهذا علم أن الاجنبي كالوارث في هذا فإن من تبرع عن أجنبيين بالحج فهو كالولد عن الابوين لان المجعول إنما هو الثواب فله أن يجعله لمن شاء. وعلم أيضا أنه في الوارث المتبرع من غير وصية، أما إذا أوصى بحجة الفرض فتبرع الوارث بالحج فقد قدمنا أنه لا يجوز. وإن لم يوص فتبرع الوارث إما بالحج بنفسه أو بالاحجاج عنه رجلا فقد قال أبو حنيفة: يجزئه إن شاء الله تعالى لحديث الخثعمية فإنه شبهه بدين العباد وفيه لو قضى الوارث من غير وصية يجزئه فكذا هذا. وفي المبسوط: فإن قيل فقد أطلق أبو حنيفة الجواب في كثير من الاحكام الثابتة بخبر الواحد ولم يقيده بالمشيئة قلنا: إن خبر الواحد يوجب العمل فيما طريقه العمل فأطلق الجواب فيه، فأما سقوط حجة الاسلام عن الميت بأداء الورثة طريقه العلم فإنه أمر بينه وبين ربه تعالى فلهذا قيد الجواب بالاستثناء اه‍. وذكر الولوالجي أن قوله إن شاء الله تعالى على القبول لا على الجواز لانه شبهه بقضاء الدين، ومن تبرع بقضاء دين رجل كان صاحب الدين بالخيار إن شاء قبل وإن شاء لم يقبل فكذا في باب الحج اه‍. ثم اعلم أن حج الولد عن والده ووالدته مندوب للاحاديث كما في فتح القدير، ثم المصنف رحمه الله تعالى لم يقيد الحاج عن الغير بشئ ليفيد أنه يجوز إحجاج الضرورة وهو

[ 123 ]

الذي لم يحج أولا عن نفسه لكنه مكروه كما صرحوا به. واختار في فتح القدير أنها كراهة تحريم للنهي الوارد في ذلك. وفي البدائع: يكره إحجاج المرأة والعبد والصرورة والافضل إحجاج الحر العالم بالمناسك الذي حج عن نفسه، وهو يدل على أنها كراهة تنزيه وإلا قال: ويجب إحجاج الحر إلى آخره والحق أنها تنزيهية على الآمر تحريمية على الصرورة المأمور الذي اجتمعت فيه شروط الحج ولم يحج عن نفسه لانه آثم بالتأخير والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب

[ 124 ]

باب الهدي هو في اللغة ما يهدى إلى الحرم من شاة أو بقرة أو بعير، الواحد هدية كما يقال جدي في جدية السرج. ويقال هدي بالتشديد على فعيل الواحدة هدية كمطية ومطي ومطايا. كذا في المغرب قوله: (أدناه شاة وهو إبل وبقر وغنم) يفيد أن له أعلى وهو كذلك فإنه الافضل الابل والادنى الشاة والبقر وسط. وقد فسر ابن عباس رضي الله عنهما ما استيسر من الهدي بالشاة، وأراد بالابل والبقر والغنم بيان أنواع ما يهدى إلى الحرم، فالهدي لغة وشرعا واحد لا أن تلك الانواع تسمى هديا من غير إهداء إلى الحرم، وحنيئذ فإطلاق الهدي على غير الانواع الثلاثة في كلام الفقهاء في باب الايمان والنذور مجاز. ثم الواحد من النعم يكون هديا بجعله صريحا هديا أو دلالة، وهي إما بالنية أو بسوق بدنة إلى مكة وإن لم ينو استحسانا لان نية الهدي ثابتة عرفا لان سوق البدنة إلى مكة في العرف يكون للهدي لا للركوب والتجارة. كذا في المحيط. وأراد به السوق بعد التقليد لا مجرد السوق، وأفاد ببيان الادنى أنه لو قال لله علي أن أهدي ولا نية له فإنه يلزمه شاة لانها الاقل، وإن عين شيئا لزمه، فإن كان مما يراق دمه ففيه ثلاث روايات: في رواية أبي سليمان يجوز أن يهدي بقيمته لان إيجاب العبد معتبر بإيجاب الله تعالى وما أوجبه الله تعالى في جزاء الصيد يتأدى بالقيمة فكذا ما أوجبه العبد، وفي رواية أبي حفص أجزأه أن يهدي مثله لانه في معناه، وفي رواية ابن سماعة لا يجوز أن يهدي قيمته لانه أوجب شيئين: الاراقة والتصدق، فلا يجوز الاقتصار على التصدق كما في هدي المتعة والقران بخلاف جزاء الصيد لانه كما أوجب الهدي أوجب غيره وهو الاطعام، وهنا الناذر ما أوجب إلا الهدي فتعين. ولو بعث بقيمته فاشترى بمكة مثله وذبحه جاز. قال الحاكم في المختصر: ويحتمل أن يكون هذا تأويل رواية أبي سليمان. ومن نذر شاة فأهدى جزورا فقد أحسن وليس هذا من القيمة لثبوت الاراقة في البدل الاعلى كالاصل وقالوا: إذا قال لله علي أن أهدي شاتين فأهدي شاة تساوي شاتين قيمة لم يجزه وهي مرجحة لرواية ابن سماعة فكان هو المذهب. وإن كان المنذور شيئا لا يراق دمه فإن كان

[ 125 ]

منقولا تصدق بعينه أو بقيمته، وإن كان عقارا تصدق بقيمته، ولا يتعين التصدق به في الحرم ولا على فقراء مكة لان الهدي فيه مجاز عن التصدق. ثم اعلم أنه إذا ألحق بلفظ الهدي ما يبطله لا يلزمه شئ كما لو قال هذه الشاة هدي إلى الحرم أو إلى المسجد الحرام عند أبي حنيفة لان اسم الهدي إنما يوجب باعتبار اضمار مكة بدلالة العرف، فإذا صرح بالحرم أو المسجد تعذر هذا الاضمار إذ قد صرح بمراده. قوله: (وما جاز في الضحايا جاز في الهدايا) يعني فيجوز الثني من الابل والبقر والغنم ولا يجوز الجذع إلا من الضأن لانه قربة تعلقت بإراقة الدم كالاضحية فيتخصصان بمحل واحد. والثني من الغنم ما تم له سنة، ومن البقر ما تم له سنتان، ومن الابل ما تم له خمس. واختلف في الجذع من الضأن فجزم في المبسوط أنه ابن سبعة أشهر عند الفقهاء وستة في اللغة. وفي غاية البيان: إنه ما تم له ثمانية أشهر وشرط أن يكون عظيم الجثة، أما إن كان صغيرا فلا بد من تمام السنة. وأفاد أنه يجوز الاشتراك في بدنه كما في الاضحية بشرط إرادة الكل القربة وإن اختلفت أجناسهم من دم متعة وإحصار وجزاء صيد وغير ذلك، ولو كان الكل من جنس واحد كان أحب بأن اشتري بدنة لمتعة مثلا ناويا إن يشترك فيها ستة أو يشتريها بغير نية الهدي ثم يشترك فيه ستة وينوا الهدي أو يشتروها معا في الابتداء وهو الافضل. وأما إذا اشتراها للهدي من غير نية الشركة ليس له الاشتراك فيها لانه يصير بيعا لانها كلها صارت واجبة بعضها بإيجاب الشرع وما زاد بإيجابه، وإذا كان أحد الشركاء كافرا أو مريدا اللحم دون الهدي لم يجزهم، وإذا مات أحد الشركاء فرضى وارثه أن ينحرها عن الميت معهم أجزأهم استحسانا لان المقصود هو التصدق، وأي الشركاء نحرها يوم النحر أجزأ الكل، وأشار إلى أنه لا بد من السلامة عن العيوب كما في الاضحية فهو مطرد منعكس أي فما لا يجوز في الضحايا لا يجوز في الهدايا، فعبارة الهداية أولى وهي:

[ 126 ]

ولا يجوز في الهدايا إلا ما جاز في الضحايا فإنه لا يلزم من الاطراد الانعكاس، ألا ترى إلى قولهم وما جاز أن يكون ثمنا في البيع جاز أن يكون أجرة في الاجارة لم يلزم انعكاسه لفساده لجواز جعل المنافع المختلفة أجرة لا ثمنا قوله: (والشاة تجوز في كل شئ إلا في طواف الركن جنبا ووطئ بعد الوقوف) يعني أن كل موضع ذكر فيه الدم من كتاب الحج تجزئ فيه الشاة إلا فيما ذكره، وليس مراده التعميم فإن من نذر بدنة أو جزورا لا تجزئه الشاة وإنما لزمت البدنة فيما إذا طاف جنبا لان الجنابة أغلظ فيجب جبر نقصانها بالبدنة إظهارا للتفاوت بين الاصغر والاكبر. ويلحق به ما إذا طافت حائضا أو نفساء وليس موضعا ثالثا كما في فتح القدير، لان المعنى الموجب للتغليظ واحد ووجبت في الجماع بعد الوقوف لانه أعلى أنواع الارتفاقات فيتغلظ موجبه. وأطلق فشمل ما بعد الحلق وقد أسلفنا فيه اختلافا، والراجح وجوب الشاة بعده، فالمراد هنا الوطئ بعد الوقوف قبل الحلق والطواف. قوله: (ويأكل من هدى التطوع والمتعة والقران فقط) أي يجوز له الاكل ويستحب للاتباع الفعلي الثابت في حجة الوداع على ما رواه مسلم من أنه عليه السلام نحر ثلاثا وستين بدنة بيده ونحر علي ما بقي من المائة، ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها، ولانه دم النسك فيجوز منه الاكل كالاضحية. وأشار بكلمة من إلى أنه يأكل البعض منه، والمستحب أن يفعل كما في الاضحية وهو أن يتصدق بالثلث ويطعم الاغنياء الثلث ويأكل ويدخر الثلث. وأفاد بقوله هدي التطوع أنه بلغ الحرم، أما إذا ذبحه قبل بلوغه فليس بهدي فلم يدخل تحت عبارته ليحتاج إلى الاستثناء فلهذا لا يأكل منه. والفرق بينهما إنه إذا بلغ الحرم فالقربة فيه بالاراقة وقد حصلت والاكل بعد

[ 127 ]

حصولها، وإذا لم يبلغ فهي بالتصدق والاكل ينافيه. وأفاد بقوله فقط أنه لا يجوز الاكل من بقية الهدايا كدماء الكفارات كلها والنذور وهدي الاحصار، وكذا ما ليس بهدي كالتطوع إذا لم يبلغ الحرم، وكذا لا يجوز للاغنياء لان دم النذر دم صدقة، وكذا دم الكفارات لانه وجب تكفيرا للذنب، وكذا دم الاحصار لوجود التحلل والخروج من الاحرام قبل أوانه. قال في البدائع: وكل دم يجوز له أن يأكل منه لا يجب عليه التصدق بلحمه بعد الذبح لانه لو وجب عليه التصدق به لما جاز له أكله لما فيه من إبطال حق الفقراء، وكل دم لا يجوز له الاكل منه يجب عليه التصدق بعد الذبح لانه إذا لم يجزأ كله ولا يتصدق به يؤدي إلى إضاعة المال. ولو هلك المذبوح بعد الذبح لا ضمان عليه في النوعين لانه لا صنع له في الهلاك، وإن استهلكه بعد الذبح فإن كان مما يجب عليه التصدق به يضمن قيمته فيتصدق بها لانه تعلق به حق الفقراء فبالاستهلاك تعدي على حقهم، وإن كان مما لا يجب التصدق به لا يضمن شيئا. ولو باع اللحم جاز بيعه في النوعين لان ملكه قائم إلا أن فيما لا يجوز له أكله ويجب عليه التصدق به يتصدق بثمنه لانه ثمن مبيع واجب التصدق اه‍. وهكذا نقله عنه في فتح القدير باختصار مع أنه قدم أنه ليس له بيع شئ من لحوم الهدايا وإن كان مما يجوز له الاكل منه، فإن باع شيئا أو أعطى الجزار أجره منه فعليه أن يتصدق بقيمته اه‍. وقد يقال في التوفيق

[ 128 ]

بينهما إنه إن باع مما لا يجوز أكله وجب التصدق بالثمن ولا ينظر إلى القيمة، وإن باع مما لا يجوز له أكله وجب التصدق بالقيمة ولا ينظر إلى الثمن، وأن المراد بالجواز في كلام البدائع الصحة لا الحل. وفي فتح القدير: ولو أكل مما لا يحل له الاكل منه ضمن ما أكل، وبه قال الشافعي وأحمد. وقال مالك: لو أكل لقمة ضمن كله. قوله: (وخص ذبح هدى المتعة والقران بيوم النحر فقط والكل بالحرم لا بفقيره) بيان لكون الهدي موقتا بالمكان، سواء كان دم شكر أو جناية لما تقدم أنه اسم لما يهدى من النعم إلى الحرم. وأما توقيته بالزمان فمخصوص بهدي المتعة والقران، وأما بقية الهدايا فلا تتقيد بزمان. وأفاد أن هدي التطوع إذا بلغ الحرم لا يتقيد بزمان وهو الصحيح، وإن كان ذبحه يوم النحر أفضل كما ذكره الشارح خلافا للقدوري. وأراد المصنف بيوم النحر وقته وهو الايام الثلاثة، وأراد بالاختصاص الاختصاص من حيث الوجوب على قول أبي حنيفة وإلا لو ذبح بعد أيام النحر أجزأ إلا أنه تارك للواجب وقبلها لا يجزئ بالاجماع، وعلى قولهما كذلك في القبلية وكونه فيها هو السنة عندهما حتى لو ذبح بعد التحلل بالحلق لا شئ عليه، وعنده عليه دم. ودخل تحت قوله والكل بالحرم الهدي المنذور بخلاف البدنة المنذورة فإنها لا تتقيد بالحرم عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: لا يجوز ذبحها في غير الحرم قياسا على الهدي المنذور والفرق ظاهر. واتفقوا على أنه لو نذر نحر جزور أو بقرة فإنه لا يتقيد بالحرم، ولو نذر بدنة من شعائر الله أو نوى أن تنحر بمكة تقيد بالحرم اتفاقا. كذا في المحيط. وقوله لا بفقيره بيان لجواز التصدق على فقراء غير الحرم بلحم الهدي لاطلاق الدلائل لكن التصدق على فقراء مكة أفضل كما في البدائع معزيا إلى الاصل قوله: (ولا يجب التعريف بالهدى) لان الهدي ينبئ عن النقل إلى مكان التقرب بإراقة الدم فيه لا عن التعريف فلا يجب وهو الذهاب به إلى عرفات أو التشهير بالتقليد والاشعار ولم يذكر استحبابه لان فيه تفصيلا، فما كان دم شكر استحب تعريفه، وما كان دم كفارة استحب إخفاؤه وستره لان سببها الجناية كقضاء الصلاة يستحب إخفاؤه، ولم يذكر المصنف سنن الذبح والنحر هنا لما سيصرح

[ 129 ]

به في باب الذبائح والاضحية قوله: (ويتصدق بجلاله وخطامه ولم يعط أجرة الجزار منه) أي الهدي. والجلال جمع الجل وهو ما يلبس على الدابة، والخطام هو الزمام وهو ما يجعل في أنف البعير لحديث البخاري مرفوعا أن عليا رضي الله عنه أمره عليه السلام أن يقوم على بدنه وأن يقسم بدنه كلها لحومها وجلودها وجلالها ولا يعطي في جزارتها شيئا. وهي بضم الجيم كراء عمل الجزار. وأفاد أنه إن أعطاه منها أجرته ضمنه لاتلاف اللحم أو معاوضته. وقيد بالاجر لانه لو تصدق بشئ من لحمها عليه سوى أجرته جاز لانه أهل للصدقة عليه قوله: (ولا بركبه بلا ضرورة) لانه جعله خالصا لوجه الله تعالى فلا ينتفع بشئ منه. وصرح في المحيط بأن ركوبه لغير حاجة حرام، وينبغي أن يكون مكروها كراهة تحريم لان الدليل ليس قطعيا. وأشار إلى أنه لا يحمل عليها أيضا وإلى أنه لو ركبها أو حمل عليها فنقصت فعليه ضمان ما نقص ويتصدق به على الفقراء دون الاغنياء لان جواز الانتفاع بها للاغنياء معلق ببلوغ المحل. وأطلقه فشمل ما يجوز الاكل منه وما لا يجوز، وإنما جاز له حالة الضرورة لما رواه صاحب السنن مرفوعا اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرا وفي الصحيح اركبها ويلك في الثانية أو الثالثة حين رآه مضطرا إلى ركوبها. وفي جامع الترمذي ويحك أو ويلك. وفي البدائع: ويحك كلمة ترحم وويلك كلمة تهدد. وعلل الامام الناصحي في الجمع بين وقفي هلال والخصاف بأن البدنة باقية على ملك صاحبها فيجوز الانتفاع بها عند الضرورة، ولهذا لو مات قبل أن تبلغ كانت ميراثا اه‍. وظاهر كلامهم أنها إن نقصت بركوبه لضرورة فإنه لا ضمان عليه. قوله: (ولا يحلبه) أي الهدي لانه جزؤه فلا يجوز له ولا لغيره من الاغنياء فإن حلبه

[ 130 ]

وانتفع به أو دفع إلى الغني ضمنه لوجود التعدي منه كما لو فعل ذلك بوبره أو صوفه. وفي المحيط: ضمن قيمته فجعل اللبن قيميا. وفي غاية البيان: ضمن مثله أو قيمته وإن لم ينتفع به بعد الحلب تصدق به على الفقراء. وأشار إلى أنها لو ولدت فإنه يتصدق به أو يذبحه معها فإن استهلكه ضمن قيمته، وإن باعه تصدق بثمنه، وإن اشترى بها هديا فحسن قوله: (وينضح ضرعها بالنقاخ) أي يرش بالماء البارد حتى يتقلص. والنقاح بالنون المضمومة والقاف والخاء المعجمة الماء العذب الذي ينقخ الفؤاد ببرده. كذا في الصحاح والمغرب. وفي المصباح المنير: ينضح من بابي ضرب ونفع، فعلى هذا تكسر ضاده وتفتح. قالوا: هذا إذا كان قريبا من وقت الذبح، وإن كان بعيدا يحلبها ويتصدق بلبنها كيلا يضربها ذلك: (وإن عطب واجب أو تعيب أقام غيره مقامه والمعيب له) لان الواجب في الذمة فلا يسقط عنه حتى يذبح في محله. والمراد بالعطب هنا الهلاك وهو من باب علم فهو كما لو عزل دراهم الزكاة فهلكت قبل الصرف إلى الفقراء فإنه يلزمه إخراجها ثانيا. والمراد من العيب هنا ما يكون مانعا من الاضحية فهو كهلاكه. وإنما كان المعيب له لانه عينه إلى جهة وقد بطلت فبقي على ملكه. وهل يدخل تحت الواجب هنا ما لو نذر شاة معينة فهلكت فإنه يلزمه غيرها أو لا لكون الواجب في العين لا في الذمة قوله: (ولو تطوعا نحره وصبغ نعله بدمه وضرب به صفحته ولم يأكله غني) أي ولو كان المعطوب أو المتعيب تطوعا نحره وصبغ قلادته بدمه، فالمراد من العطب هنا القرب من الهلاك لا الهلاك. وفائدة هذا الفعل أن يعلم الناس أنه هدي فيأكل منه الفقراء دون الاغنياء، وهذا لان الاذن في تناوله معلق بشرط بلوغه محله فينبغي أي لا يحل قبل ذلك أصلا إلا أن التصدق على الفقراء أفضل من أن يتركه لحما للسباع وفيه نوع تقرب والتقرب هو المقصود قوله: (وتقلد بدنة التطوع والمتعة والقران فقط) لانه دم نسك وفي التقليد إظهاره وتشهيره فيليق به. وأفاد بقوله فقط أنه لا يقلد دم الاحصار ولا دم الجنايات لان سببها الجناية والستر أليق بها ودم الاحصار جابر فيلحق بجنسها، ولو قلده لا يضره. كذا في المبسوط. وقيد بالبدنة لانه لا يسن تقليد الشاة ولا تقلد عادة. ودخل تحت التطوع المنذور لانه لما كان بإيجاب العبد كان تطوعا أي ليس بإيجاب الشارع ابتداء فلذا ذكر في المحيط أنه يقلد دم النذر لانه دم نسك وعبادة. فإن قلت: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قلد هدايا الاحصار قلت: جوابه أنه كان قلدها للمتعة فلما أحصر بقيت كما كانت فبعثت إلى مكة على

[ 131 ]

حالها. كذا في غاية البيان. ولم يذكر وقت التقليد لان فيه تفصيلا فإن بعثه يقلده من بلده وإن كان معه فمن حيث يحرم هو السنة. مسائل منثورة ثابتة في بعض النسخ دون بعض وقد جرت عادة المصنفين أنهم يذكرون في آخر الكتاب ما شذ وندر من المسائل في الابواب السالفة في فصل على حدة تكثيرا للفوائد ويقولون في أوله مسائل منثورة أو مسائل متفرقة أو مسائل شتى أو مسائل لم تدخل في الابواب أو فروع قوله: (ولو شهدوا بوقوفهم قبل يومه تقبل وبعده لا) أي لو شهدوا بعدما وقف الناس بعرفة أنهم وقفوا يوم التروية قبلت شهادتهم، ولو شهدوا أنهم وقفوا يوم النحر لا تقبل. والقياس أن لا يجزئهم اعتبارا بما إذا وقفوا يوم التروية، وهذا لانه عبادة تختص بزمان ومكان فلا تقع عبادة دونهما. وقد ذكر في الهداية للاستحسان وجهين: الاول أنها لا تقبل لكونها على النفي. الثاني أنها تقبل لكن لا يستلزم عدم صحة الوقوف لان هذا النوع من الاشتباه مما يغلب ولا يمكن التحرز عنه فلو لم يحكم بالجواز بعد الاجتهاد لزم الحرج الشديد المنفي شرعا وهو حكمة قوله عليه السلام وعرفتكم يوم تعرفون أي وقت الوقوف بعرفة عند الله تعالى اليوم الذي يقف فيه الناس عن اجتهاد ورأى أنه يوم عرفة. وذكر في معراج الدراية أن الوجه الثاني هو الاصح ورجحه في فتح القدير بدفع الاول لانها قامت على الاثبات حقيقة وهو رؤية الهلال في ليلة قبل رؤية أهل الموقف فليست شهادة على النفي، وإذا كانت هذه الشهادة لا يثبت بها عدم صحة الوقوف فلا فائدة في سماعها للامام فلا يسمعها لان سماعها يشهرها بين عامة الناس من أهل الموقف فيكثر القيل والقال وتثور الفتنة وتتكدر قلوب المسلمين بالشك في صحة حجهم بعد طول عنائهم، فإذا جاؤوا ليشهدوا يقول لهم انصرفوا فلا تسمع هذه الشهادة قد تم حج الناس. وكذا حج الشهود، ولو وقفوا وحدهم لم يجزهم وعليهم إعادة الوقوف مع الامام للحديث السابق، وكذا إذا أخر الامام الوقوف بمعنى يسوغ فيه الاجتهاد لم يجز وقوف من وقف قبله. واستشكل المحقق في فتح القدير تصوير قبول الشهادة في المسألة الاولى لانه لا شك أن وقوفهم يوم التروية على أنه التاسع لا يعارضه

[ 132 ]

شهادة من شهد أنه الثامن لان اعتقاد الثامن إنما يكون بناء على أن أول ذي الحجة ثبت بإكمال عدة ذي القعدة واعتقاده التاسع بناء على أنه رؤي قبل الثلاثين من ذي القعدة، فهذه شهادة على الاثبات والقائلون أنه الثامن حاصل ما عندهم نفي محض وهو أنهم لم يروه ليلة الثلاثين من ذي القعدة ورآه الذين شهدوا فهي شهادة لا معارض لها اه‍. فحاصله أن الشهادة على خلاف ما وقف الناس لا يثبت بها شئ مطلقا، سواء كان قبله أو بعده. وهو إنما يتم أن لو انحصر التصوير فيما ذكره بل صورته لو وقف الامام بالناس ظنا منه أنه يوم التاسع من غير أن يثبت عنده رؤية الهلال فشهد قوم أنه اليوم الثامن فقد تبين خطأ ظنه والتدارك ممكن فهي شهادة لا معارض لها. ولهذا قال في المحيط: لو وقفوا يوم التروية على ظن أنه يوم عرفة لم يجزهم. وبهذا التقرير علم أن المسألة تحتاج إلى تفصيل ولا بدع فيه بل هو متعين. وقد بقي هنا مسألة ثالثة وهي ما إذا شهدوا يوم التروية والناس بمنى أن هذا اليوم يوم عرفة ينظر، فإن أمكن الامام أن يقف مع الناس أو أكثرهم نهارا قبلت شهادتهم قياسا واستحسانا للتمكن من الوقوف، فإن لم يقفوا عشية فاتهم الحج، وإن أمكنه أن يقف معهم ليلا لا نهارا فكذلك استحسانا، وإن لم يمكنه أن يقف ليلا مع أكثرهم لا تقبل شهادتهم ويأمرهم أن يقفوا من الغد استحسانا، والشهود في هذا كغيرهم كما قدمناه. وفي الفتاوى الظهيرية: ولا ينبغي للامام أن يقبل في هذا شهادة الواحد والاثنين ونحو ذلك قوله: (ولو ترك الجمرة الاولى في اليوم الثاني رمى الثلاث أو الاولى فقط) بيان لكون الترتيب في الجمار الثلاث في اليوم الثاني ليس بشرط ولا واجب وإنما هو سنة ولهذا قدم قوله رمى الثلاث لمراعاة الترتيب المسنون لان كل جمرة قربة قائمة بنفسها لا تعلق لها بغيرها وليس بعضها تابعا لبعض بخلاف السعي قبل الطواف أو الطواف قبل الوقوف فإنه شرع مرتبا على وجه اللزوم فلم يدخل وقته، ولولا ورود النص في قضاء الفوائت بالترتيب قلنا لا يلزم فيها أيضا لان كل صلاة عبادة مستقله، وبخلاف البداءة بالمروة لان البداءة من الصفا ثبت بالنص وهو قوله عليه السلام ابدؤوا بما بدأ الله به بصيغة الامر بخلاف الترتيب في الجمار الثلاث فإنه ثبت بالفعل وهو لا يفيد أكثر من السنة. قوله: (ومن أوجب حجا ماشيا لا يركب حتى يطوف للركن) أي بأن نذر الحج ماشيا وفيه إشارة إلى وجوب المشي لان عبارة المختصر عبارة الجامع الصغير وهي كلام المجتهد أعني أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه على ما نقله محمد عنه فيه وهو إخبار المجتهد وإخباره

[ 133 ]

معتبر بإخبار الشرع لانه نائبه في بيان الاحكام كما في المعراج. وفي الاصل أي المبسوط: لمحمد أيضا خيره بين الركوب والمشي، وعن أبي حنيفة أنه كره المشي فيكون الركوب أفضل. وصحح ما في الجامع الصغير قاضيخان في شرحه واختاره فخر الاسلام معللا بأنه التزم القربة بصفة الكمال. وإنما قلنا إن المشي أكمل لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من حج ماشيا كتب له بكل خطوة حسنة من حسنات الحرم. قيل: وما حسنات الحرم؟ قال: واحدة بسبعمائة. وإنما رخص الشرع في الركوب دفعا للحرج. قال في غاية البيان: ولا يرد عليه ما أورد في النوازل عن أبي حنيفة أن الحج راكبا أفضل لان ذلك لمعنى آخر وهو أن المشي يسئ خلقه وربما يقع في المنازعة والجدال المنهي عنه وإلا فالاجر على قدر التعب والتعب في المشي أكثر اه‍. لا يقال لا نظير للمشئ في الواجبات ومن شرط صحة النذر أن يكون من جنس المنذور واجبا لانا نقول: بل له نظير وهو مشي المكي الذي لا يجد الراحلة وهو قادر على المشئ فإنه يجب عليه أن يحج ماشيا ونفس الطواف أيضا، ولم يذكر المصنف محل وجوب ابتداء المشي لان محمدا رحمه الله لم يذكره فلذا اختلف المشايخ فيه على ثلاثة أقوال: قيل من بيته وهو الاصح كذا في فتح القدير وغيره لانه المراد عرفا، وقيل من الميقات، وقيل من أي موضع يحرم منه واختاره فخر الاسلام والامام العتابي وصححه في غاية البيان لانه نذر بالحج والحج ابتداؤه الاحرام وانتهاؤه طواف الزيارة فيلزمه بقدر ما التزم. ولا عبرة بالعرف مع وجود اللفظ بخلاف الوصية بالحج فإنه يحج عنه من بيته لان الوصية تنصرف إلى الفرض في الاصل، ولهذا يحج عنه راكبا لا ماشيا والمعول عليه هو التصحيح الاول، ويدل عليه من الرواية ما عن أبي حنيفة لو أن بغداديا قال إن كلمت فلانا فعلي أن أحج ماشيا فلقيه بالكوفة فكلمه فعليه أن يمشي من بغداد. وقوله لا عبرة بالعرف مع وجود اللفظ ممنوع بل المعتبر في النذور والايمان العرف لا اللفظ كما عرف في محله. وفي فتح القدير: ولو أحرم من بيته فالاتفاق على أن يمشي من بيته وإنما ينتهي وجوب المشي بطواف الزيارة لان به ينتهي الاحرام، وأما طواف الصدر فللتوديع وليس بأصل في الحج حتى لا يجب على من لا يودع. وأفاد بقوله لا يركب أنه لو ركب لزمه الجزاء لترك الواجب فإذا ترك في الكل أو في الاكثر يلزمه الدم، وفي الاقل يلزمه التصدق بقدره من قيمة الشاة الوسط، ومقتضى الاصل أن لا يخرج عن عهدة النذر إذا ركب كما لو نذر الصوم متتابعا فقطع التتابع ولكن ثبت ذلك نصا في الحج فوجب العمل به وهو ما عن ابن عباس أن أخت عقبة نذرت أن تحج ماشية فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تركب وتهدي دما. رواه أبو داود. وهو محمول على

[ 134 ]

عجزها عن المشي بدليل الرواية الاخرى وأنها لا تطيق. وأطلق في الايجاب فشمل ما إذا كان منجزا أو معلقا وما إذا قال لله علي أو علي حجة ماشيا، ولو قال علي المشي إلى بيت الله الحرام ولم يذكر حجا ولا عمرة لزمه أحد النسكين استحسانا، فإن جعله عمرة مشى حتى يحلق إلا إذا نوى به المشي إلى مسجد المدينة أو مسجد بيت المقدس أو مسجد من المساجد فإنه لا يلزمه شئ. وقوله على المشي إلى مكة أو الكعبة كقوله إلى بيت الله ولو قال علي المشي إلى الحرم أو المسجد الحرام فإنه لا شئ عليه عند أبي حنيفة لعدم العرف بالتزام النسك به. وقالا: يلزمه النسك احتياطا. واتفقوا على أنه لا لزوم لو قال إلى الصفا أو المروة أو مقام إبراهيم أو إلى أستار الكعبة أو باب ها أو ميزابها أو عرفات أو المزدلفة أو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، أو ذكر مك ان المشي غيره كقوله علي الذهاب إلى بيت الله أو الخروج. ثم الحج المنذور يسقط بحجة الاسلام عند أبي حنيفة خلافا لمحمد، فإذا نذر الحج ولم يكن حج ثم حج وأطلق كان عن حجة الاسلام وسقط عنه ما التزمه بالنذر لان نذره منصرف إليه، وإن كان قد حج ثم نذر ثم حج فلا بد من تعيين الحج عن النذر وإلا وقع تطوعا كما حرره في فتح القدير. ومن نذر أن يحج في سنة كذا فحج قبلها جاز عند أبي يوسف خلافا لمحمد، وقول أبي يوسف أقيس بما قدمناه في نذر الصوم. قوله: (ولو اشترى محرمة حللها وجامعها) لان منافعها مستحقة للمولى فيجوز له تحليلها بغير هدي غير أن البائع يكره تحليله لا خلاف الوعد حيث وجد منه الاذن والمشتري لم يوجد منه الاذن فلا يكره تحليله. قيد بكونها محرمة لانها لو كانت منكوحة فليس للمشتري فسخ النكاح لانه قائم مقام البائع وهو ليس له الفسخ بعد الاذن. وأطلق في إحرامها فشمل ما إذا كان بإذن البائع أولا. وأشار بعطف الجماع على التحليل إلى أنه يحللها بغير الجماع كقص ظفر وشعر وهو أولى من التحليل بالجماع لانه أعظم مخطورات الاحرام حتى تعلق به الفساد فلا يفعله تعظيما لامر الحج، ولا يقع التحليل بقوله حللتك بل بفعله أو بفعلها بأمره كالامتشاط بأمره. وأشار إلى أن للمشتري أن يحلل العبد المحرم لما قد مناه، وإذا كان له منعهما وتحليلهما ليس له الرد بالعيب. وإلى أن الحرة لو أحرمت بحج نفل ثم تزوجت فللزوج أن يحللها عندنا بخلاف ما إذا أحرمت بالفرض فليس له أن يحللها إن كان لها محرم، فإن لم يكن لها فله منعها، فإن أحرمت فهي محصرة لحق الشرع فلذا إذا أراد الزوج تحليلها لا تتحلل إلا بالهدي بخلاف ما إذا أحرمت بنفل بلا إذن له أن يحللها، ولا يتأخر تحليله إياها إلى ذبح الهدي كما قدمناه في باب الاحصار. ولو أذن لامرأته في حج النفل فليس له أن يرجع فيه لملكها منافعها، وكذا المكاتبة بخلاف الامة. وفي فتح القدير: ولو جامع زوجته أو

[ 135 ]

أمته المحرمة ولا يعلم بإحرامها لم يكن تحليلا وفسد حجها، وإن علمه كان تحليلا. ولو حللها ثم بدا له أن يأذن لها فأذن لها فأحرمت بالحج ولو بعد ما جامعها من عامها ذلك لم يكن عليها عمرة ولا نية القضاء ولو أذن لها بعد مضي السنة كان عليها عمرة مع الحج، ولو حللها فأحرمت فحللها فأحرمت هكذا مرارا ثم حجت من عامها أجزأها عن كل التحللات بتلك الحجة الواحدة ولم لم تحج إلا من قابل كان عليها لكل تحليل عمرة والله سبحانه وتعالى أعلم.

[ 136 ]

كتاب النكاح ذكره بعد العبادات لانه أقرب إليها حتى كان الاشتغال به أفضل من التخلي لنوافل العبادات. وقدم على الجهاد لاشتماله على المصالح الدينية والدنيوية وأمر المناسبة سهل. واختلف في معناه لغة على أربعة أقوال: فقيل مشترك بين الوطئ والعقد وهو ظاهر ما في الصحاح فإنه قال: النكاح الوطئ، وقد يكون العقد تقول نكحتها ونكحت هي أي تزوجت وهي ناكح في بني فلان أي ذات زوج، والمراد بالمشترك اللفظي. وقيل حقيقة في العقد مجاز في الوطئ، ونسبه الاصوليون إلى الشافعي في بحث متى أمكن العمل بالحقيقة سقط المجاز. وقيل بالعكس وعليه مشايخنا صرحوا به كما في فتح القدير، وجزم به في المغرب، وذكر الاصوليون أن ثمرة الاختلاف بيننا وبين الشافعي تظهر في حرمة موطوءة الاب من الزنا أخذا من قوله تعالى * (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) * فلما كان حقيقة في العقد عنده لم تحرم موطوءته من الزنا، ولما كان حقيقة في الوطئ عندنا الشامل للوطئ الحلال والحرام حرمت عندنا وحرمت معقودة الاب بغير وطئ بالاجماع. وتفرع على أصلنا ما لو قال لامرأته إن نكحتك فأنت طالق فإنه للوطئ، فلو أبانها ثم تزوجها لم يحنث. ولا يرد علينا ما لو قال لاجنبية ذلك فإنه للعقد لتعذر الوطئ شرعا فكانت حقيقة مهجورة كما في الكشف. ولذا لو قال ذلك لمن لا تحل له أبدا بأن قال إن نكحتك فعبدي حر انصرف إلى النكاح الفساد كما في المحيط.، وقيل حقيقة في الضم صرح به مشايخنا أيضا لكن قال في فتح القدير: إنه لا منافاة بين كلامهم لان الوطئ من أفراد الضم والموضوع للاعم حقيقة في كل من أفراده

[ 137 ]

كإنسان في زيد فهو من قبيل المشترك المعنوي إلى آخر ما ذكره وهو مردود، فإن الوطئ مغاير للضم ولذا قال في المغرب: وقولهم النكاح الضم مجاز كإطلاقه على العقد إلا أن إطلاقه على الضم من باب تسمية المسبب باسم السبب، وإطلاقه على العقد بالعكس. ومما يدل على مغايرة القولين أن صاحب المحيط ذكر أنه حقيقة في الضم الشامل للوطئ والعقد باعتبار ضم الايجاب إلى القبول فهو حقيقة في العقد أيضا، وعلى القول الثالث مجاز فيه. وصحح في المجتبى ما في المغرب كما في التبيين، ورجح في غاية البيان الاول بأن الاصل في الكلام الحقيقة والمشترك مستعمل في الموضوع الاصلي دون المجاز ا ه‍. وهو غفلة عما في الاصول فإن الاصح أنه إذا دار لفظ بين الاشتراك والمجاز فالمجاز أولى لانه أبلغ وأغلب، والاشتراك يخل بالتفاهم ويحتاج إلى قرينتين كما ذكره النسفي في شرح المنار. وقال في البدائع: إنه الحق والمتحقق الاستعمال في كل من هذه المعاني الثلاثة لكن الشأن في تعيين المعنى الحقيقي له. وأما معناه شرعا ففي فتح القدير: حيث أطلق في الكتاب والسنة مجردا عن القرائن فهو للوطئ فقد تساوى المعنى اللغوي والشرعي ولذا قال قاضيخان: إنه في اللغة والشرع حقيقة في الوطئ مجاز في العقد. وأما ما ذكره المصنف وغيره من أنه اسم للعقد الخاص فهو معناه في اصطلاح الفقهاء ولذا قال في المجتبى: إنه في عرف الفقهاء العقد. فقول من قال إنه في الشرع اسم للعقد الخاص كما في التبيين محمول على أن المراد أنه في عرف الفقهاء وهم أهل الشرع فلا مخالفة. وسبب مشروعيته مع أن الاصل في النكاح الخطر وإباحته للضرورة كما في الكشف تعلق بقاء العالم به المقدر في العلم الازلي على الوجه الاكمل وإلا فيمكن بقاء

[ 138 ]

النوع بالوطئ على غير الوجه المشروع لكنه مستلزم للتظالم والسفك وضياع الانساب بخلافه على الوجه المشروع. وشرطه نوعان: عام في تنفيذ كل تصرف دائر بين النفع والضرر، وخاص. فالاول الاهلية بالعقل والبلوغ. قال في فتح القدير: وينبغي أن يزاد في الولي لا في الزوج والزوجة ولا في متولي العقد فإن تزويج الصغير والصغيرة جائز، وتوكيل الصبي الذي يعقل العقد ويقصده جائز في البيع عندنا فصحته هنا أولى لانه محض سفير، وأما الحرية فشرط النفاذ بلا إذن أحد ا ه‍. وضم الزيلعي الحرية إلى العقل والبلوغ في الشرط العالم، والتحقيق أن التمييز شرط في متولي العقد للانعقاد أصيلا كان أو لم يكن، فلم ينعقد النكاح بمباشرة المجنون والصبي الذي لا يقعل. وأما البلوغ والحرية فشرط النفاذ في متولي العقد لنفسه لا لغيره فتوقف عقد الصبي العاقل والعبد على إجازة الولي والمولى. وأما المحلية فقال في فتح القدير: إنها من الشروط العامة وتختلف بحسب الاشياء والاحكام كمحلية المبيع للبيع والانثى للنكاح ا ه‍. والاولى أن يقال: إن محلية الانثى المحققة من بنات آدم ليست من المحرمات. وفي العناية: محله امرأة لم يمنع من نكاحها مانع شرعي فخرج الذكر للذكر والخنثى مطلقا والجنية للانسى وما كان من النساء محرما على التأبيد كالمحارم ولذا قال في التبيين من كتاب الخنثى: لو زوجه أبوه أو مولاه امرأة أو رجلا لا يحكم بصحته حتى يتبين حاله أنه رجل أو امرأة، فإذا ظهر أنه خلاف ما زوج به تبين أن العقد كان صحيحا وإلا فباطل لعدم مصادفة المحل، وكذا إذا زوج الخنثى من خنثى آخر لا يحكم بصحة النكاح حتى يظهر أن أحدهما ذكر والآخر أنثى ا ه‍. وفي القنية: لا يجوز التزويج بجنية، وأجازه الحسن البصري بشهود، وذكر أهل الاصول أن النهي عن نكاح المحارم مجاز عن النفي فكان نسخا لعدم محله. وصرح كثير من الفقهاء بعدم محلية المحارم للنكاح. وجزم به في غاية البيان لكن يشكل عليه إسقاط أبي حنيفة الحد عمن وطئ محرمه بعد العقد عليها فإنها إذا لم تكن محلا لمن تبق شبهة بالعقد. والجواب أنها لم تخرج عن المحلية للنكاح أصلا بدليل حل تزوجها لمن لم يكن محرما لها، فأبو حنيفة نظر إلى هذا، وهما نظرا إلى خروجها عن المحلية بالنسبة إلى الواطئ وهو الظاهر فلذا قال في الخلاصة: الفتوى على قولهما وسيأتي تمامه في محله إن شاء الله تعالى. والثاني -

[ 139 ]

أعني الشرط الخاص للانعقاد - سماع اثنين بوصف خاص للايجاب والقبول. زاد في المحيط وكون المرأة من المحللات وقد علمت ما فيه. وركنه الايجاب والقبول حقيقة أو حكما كاللفظ القائم مقامهما من متولي الطرفين شرعا. وحكمه حل استمتاع كل منهما بالآخر على الوجه المأذون فيه شرعا، وحرمة المصاهرة وملك كل واحد منهما بعض الاشياء على الآخر مما سيرد عليك. كذا في فتح القدير. وقد ذكر أحكامه في البدائع في فصل على حدة فقال: منها حل الوطئ لا في الحيض والنفاس والاحرام وفي الظهار قبل التكفير. ووجوبه قضاء مرة واحدة وديانة فيما زاد عليها، وقيل يجب قضاء أيضا. ومنها حل النظر والمس من رأسها إلى قدمها إلا لمانع، ومنها ملك المنفعة وهو اختصاص الزوج بمنافع بضعها وسائر أعضائها استمتاعا، ومنها ملك الحبس والقيد وهو صيرورتها ممنوعة عن الخروج والبروز، ومنها وجوب المهر عليه، ومنها وجوب النفقة والكسوة، ومنها حرمة المصاهرة، ومنها الارث من الجانبين، ومنها وجوب العدل بين النساء في حقوقهن، ومنها وجوب طاعته عليها إذا دعاها إلى الفراش، ومنها ولاية تأديبها إذا لم تطعه بأن نشزت، ومنها استحباب معاشرتها بالمعروف وعليه حمل الامر في قوله تعالى * (وعاشروهن بالمعروف) * (النساء: 19) وهو مستحب لها أيضا والمعاشرة بالمعروف الاحسان قولا وفعلا وخلقا إلى آخر ما في البدائع. ومن أحكامه أن لا يصح تعليقه بالشرط لكن قال في التتمة: تزوج امرأة إن شاءت أو قال إن شاء زيد فأبطل صاحب المشيئة مشيئته في المجلس فالنكاح جائز لان المشيئة، إذا بطلت في المجلس صار نكاحا بغير مشيئة كما قالوا في السلم إذا أبطل الخيار في المجلس جاز السلم، ولو بدأ الزوج فقال تزوجتك إن شئت ثم قبلت المرأة من غير شرط تم النكاح ولا يحتاج إلى إبطال المشيئة بعد ذلك، ولو قال تزوجتك بألف درهم إن رضي فلان اليوم، فإن كان فلان حاضرا فقال قد رضيت جاز النكاح استحسانا، وإن كان غير حاضر لم يجز، وليس هذا كقوله قد تزوجتك ولفلان الرضا لان هذا قول قد وجب وشرط خيار، والاول لم يوجب وجعل الايجاب مخاطرة. ولو قال تزوجتك اليوم على أن لك المشيئة اليوم إلى الليل فالنكاح جائز والشرط باطل كشرط الخيار ا ه‍. هكذا في البزازية لكن قال قبله: لو قالت زوجت نفسي منك إن رضي أبي لا يصح لانه علقه بالخطر ا ه‍. وقياس ما تقدم أن الاب إن كان حاضرا في المجلس ورضي الجواز.

[ 140 ]

ثم رأيته في الظهيرية وفي البزازية: خطب بنت رجل لابنه فقال أبوها زوجتها قبلك من فلان فكذبه أبو الابن فقال إن لم أكن زوجتها من فلان فقد زوجتها من ابنك وقبل أبو الابن ثم علم كذبه. انعقد لان التعليق بالوجود تحقيق ا ه‍. وفي المجتبى: زوجت نفسي منك بعد انقضاء عدتي فقبل لا يصح كالتعليق، وإضافته إلى وقت لا يصح وصفته فرض وواجب وسنة وحرام ومكروه ومباح. أما الاول فبأن يخاف الوقوع في الزنا لو لم يتزوج بحيث لا يمكنه الاحتراز عنه إلا به لان ما لا يتوصل إلى ترك الحرام إلا به يكون فرضا.، وأما الثاني فبأن يخافه لا بالحيثية المذكورة إذ ليس الخوف مطلقا مستلزما بلوغه إلى عدم التمكن. وبه يحصل التوفيق بين قول من عبر بالافتراض وبين من عبر بالوجوب، وكل من هذين القسمين مشروط بشرطين: الاول ملك المهر والنفقة فليس من خافه إذا كان عاجزا عنهما آثما بتركه كما في البدائع. الثاني عدم خوف الجور فإن تعارض خوف الوقوع في الزنا لو لم يتزوج وخوف الجور لو تزوج قدم الثاني فلا افتراض بل مكروه كما أفاده في فتح القدير. ولعله لان الجور معصية متعلقة بالعباد والمنع من الزنا من حقوق الله تعالى، وحق العبد مقدم عند التعارض لاحتياجه وغنى المولى تعالى. وأما الثالث فعند الاعتدال وسيأتي بيانه. وأما الرابع فبأن يخاف الجور بحيث لا يمكنه الاحتراز عنه لانه إنما شرع لمصلحة من تحصين النفس وتحصيل الثواب وبالجور يأثم ويرتكب المحرمات فتنعدم المصالح لرجحان هذه المفاسد. وأما الخامس فبأن يخافه لا بالحيثية المذكورة وهي كراهة تحريم، ومن أطلق الكراهة عند خوف الجور فراده القسم الثاني من القسمين. وأما السادس فبأن يخاف العجز عن الايفاء بمواجبه. كذا في المجتبى يعني في المستقبل. وأما محاسنه فكثيرة ودلائله شهيرة. قوله: (هو عقد يرد على ملك المتعة قصدا) أي النكاح عند الفقهاء. والمراد بالعقد

[ 141 ]

مطلقا نكاحا كان أو غيره مجموع إيجاب أحد المتكلمين مع قبول الآخر، سواء كان باللفظين المشهورين من زوجت وتزوجت أو غيرهما مما سيذكر، أو كلام الواحد القائم مقامهما أعني متولي الطرفين. وقول الورشكي إنه معنى يحل المحل فيتغير به حال المحل وزوجت وتزوجت آلة انعقاده، إطلاق له على حكمه فإن المعنى الذي يتغير به حال المحل من الحل والحرمة هو حكم العقد، وقد صرح بإخراج اللفظين عن مسماه، وهو اصطلاح آخر غير مشهور. كذا في فتح القدير. وملك المتعة عبارة عن ملك الانتفاع والوطئ كما في الكشف. ومعنى وروده عليه إفادته له شرعا، فلو قال يفيد ملك المتعة أو يثبت به ملك المتعة قصدا لكان أظهر، والمراد أنه عقد يفيد حكمه بحسب وضع الشرع. والمراد بالملك الحل لا الملك

[ 142 ]

الشرعي لان المنكوحة لو وطئت بشبهة فمهرها لها، ولو ملك الانتفاع ببضعها حقيقة لكان بدله له. وذكر في البدائع أن من أحكامه ملك المتعة وهو اختصاص الزوج بمنافع بضعها وسائر أعضائها استمتاعا أو ملك الذات والنفس في حق التمتع على اختلاف مشايخنا في ذلك. واحترز بقوله قصدا عما يفيد الحل ضمنا كما إذا ثبت في ضمن ملك الرقبة كشراء الجارية للتسري فإنه موضوع شرعا لملك الرقبة وملك المتعة ثابت ضمنا وإن قصده المشتري، وإنما لم يكن ملك المتعة مقصودا لملك الرقبة في الشراء أو نحوه لتخلفه عنه في شراء محرمه نسبا ورضاعا والامة المجوسية قوله: (وهو سنة وعند التوقان واجب) بيان لصفته، أما الاول فالمراد به السنة المؤكدة على الاصح وهو محمل من أطلق الاستحباب وكثيرا ما يتساهل في إطلاق المستحب على السنة. كذا في فتح القدير. وصرح في المحيط أيضا بأنها مؤكدة ومقتضاه الاثم لو لم يتزوج لان الصحيح أن ترك المؤكدة مؤثم كما علم في الصلاة. وأفاد بذكر وجوبه حالة التوقان أن محل الاول حالة الاعتدال كما في المجمع والمراد بها حالة القدرة على الوطئ والمهر والنفقة مع عدم الخوف من الزنا والجور وترك الفرائض والسنن، فلو لم يقدر على واحد من الثلاثة أو خاف واحدا من الثلاثة فليس معتدلا فلا يكون سنة في حقه كما أفاده في البدائع. ودليل السنية حالة الاعتدال الاقتداء بحاله صلى الله عليه وسلم في نفسه ورده على من أراد من أمته التخلي للعبادة كما في الصحيحين ردا بليغا بقوله فمن رغب عن سنتي فليس مني كما أوضحه في فتح القدير. والتوقان مصدر تاقت نفسه إلى كذا إذا اشتاقت من باب طلب. كذا في المغرب. والمراد به أن يخاف منه الوقوع في الزنا لو لم يتزوج إذ لا يلزم من الاشتياق إلى الجماع الخوف المذكور. وأراد بالواجب اللازم فيشمل الفرض والواجب الاصطلاحي فإنا قدمنا أنه فرض وواجب. ولم يذكر أنه حرام أو مكروه كما في المجمع لان الجور حرام بالنسبة إلى كل شخص وليس هو مختصا بالنكاح حتى يجعل من أحكامه وصفته.

[ 143 ]

والجور الظلم يقال جار أي ظلم. وأفاد بالسنية أن الاشتغال به أفضل من التخلي لنوافل العبادات ولذا قال في المجمع: وتفضله على التخلي للنوافل. واستدل له في البدائع بوجوه: الاول أن السنن مقدمة على النوافل بالاجماع. الثاني أنه أوعد على ترك السنة ولا وعيد على ترك النوافل. الثالث أنه فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وواظب عليه وثبت عليه بحيث لم يخل عنه بل كان يزيد عليه، ولو كان التخلي للنوافل أفضل لفعله. وإذا ثبت أفضليته في حقه ثبتت في حق أمته لان الاصل في الشرائع هو العموم والخصوص بدليل. والرابع أنه سبب موصل إلى ما هو مفضل على النوافل لانه سبب لصيانة النفس عن الفاحشة ولصيانة نفسها عن الهلاك بالنفقة والسكنى واللباس ولحصول الولد الموحد. وأما مدحه تعالى يحيى عليه السلام بكونه سيدا وحصورا وهو من لا يأتي النساء مع القدرة فهو في شريعتهم لا في شريعتنا ا ه‍. وأشار المصنف بكونه سنة أو واجبا إلى استحباب مباشرة عقد النكاح في المسجد لكونه عبادة، وصرحوا باستحبابه يوم الجمعة، واختلفوا في كراهية الزفاف والمختار أنه لا يكره إلا إذا اشتمل على مفسدة دينية. وروى الترمذي عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدفوف (1) كذا في فتح القدير. وفي الذخيرة: ضرب الدف في العرس مختلف فيه ومحله ما لا جلاجل له أما ماله جلاجل فمكروه، وكذا اختلفوا في الغناء في العرس والوليمة فمنهم من قال بعدم كراهته كضرب الدف ا ه‍. وفي فتاوى العلامي: من أراد أن يتزوج ندب له أن يستدين له فإن الله تعالى ضامن له الاداء فلا يخاف الفقر إذا كان من نيته التحصين والتعفف، ويتزوج امرأة صالحة معروفة النسب والحسب والديانة فإن العرق نزاع، ويجتنب المرأة الحسناء في منبت السوء، ولا يتزوج امرأة لحسبها وعزها ومالها وجمالها فإن تزوجها لذلك لا يزداد به إلا ذلا وفقرا ودناءة. ويتزوج من هي فوقه في الخلق والادب والورع والجمال ودونه في العز والحرفة والحسب والمال والسن والقامة فإن ذلك أيسر من الحقارة والفتنة. ويختار أيسر النساء خطبة ومؤنة. ونكاح البكر أحسن للحديث عليكم بالابكار فإنهم أعذب أفواها وأنقى أرحاما وأرض باليسير (2) ولا يتزوج طويلة مهزولة ولا قصيرة ذميمة، ولا مكثرة ولا سيئة الخلق ولا ذات الولد ولا مسنة للحديث سوداء ولود خير من حسناء عقيم ولا يتزوج الامة مع طول الحرة ولا حرة بغير إذن وليها لعدم الجواز عند البعض. ولا زانية. والمرأة تختار الزوج الدين الحسن الجواد الموسر ولا تتزوج فاسقا، ولا يزوج ابنته الشابة شيخا كبيرا ولا رجلا ذميما ويزوجها كفؤا، فإذا خطبها الكفؤ لا يؤخرها، وهو كل مسلم تقي. وتحلية البنات

[ 144 ]

بالحلي والحلل ليرغب فيهن الرجال سنة، ونظره إلى مخطوبته قبل النكاح سنة فإنه داعية للالفة. ولا يخطب مخطوبة غيره لانه جفاء وخيانة، وتمامه في الفصل الخامس والثلاثين منها. وفي المجتبى: يستحب أن يكون النكاح ظاهرا وأن يكون قبله خطبة وأن يكون عقده في يوم الجمعة وأن يتولى عقده ولي رشيد وأن يكون بشهود عدول منها. قوله: (وينعقد بإيجاب وقبول وضعا للمضي أو أحدهما) أي ينعقد النكاح أي ذلك العقد الخاص ينعقد بالايجاب والقبول حتى يتم حقيقة في الوجود. والانعقاد هو ارتباط أحد الكلامين بالآخر على وجه يسمى باعتباره عقدا شرعا ويستعقب الاحكام بالشرائط الآتية. كذا قرره الكمال هنا. وقرر في كتاب البيع ما يفيد أن المراد هنا من الانعقاد الثبوت وأن الضمير يعود إلى النكاح باعتبار حكمه، فالمعنى يثبت حكم النكاح بالايجاب والقبول. ومقصوده في البابين تحقيق أن الايجاب مع القبول عين العقد لا غيره كما يفهم من ظاهر العبارة. والحق أن العقد مجموع ثلاثة: الايجاب والقبول والارتباط الشرعي، فلم يكن الايجاب والقبول عين العقد لان جزء الشئ ليس عينه وسيأتي تمامه في البيع إن شاء الله تعالى. والايجاب لغة الاثبات، واصطلاحا هنا اللفظ الصادر أولا من أحد المتخاطبين مع صلاحية اللفظ لذلك، رجلا كان وامرأة. والقبول اللفظ الصادر ثانيا من أحدهما الصالح لذلك مطلقا، فما وقع في المعراج وغيره من أنه لو قدم القبول على الايجاب بأن قال تزوجت ابنتك فقال زوجتكها فإنه ينعقد غير صحيح إذ لا يتصور تقديمه، بل قوله تزوجت ابنتك إيجاب والثاني قبول. وهل يكون القبول بالفعل كالقبول باللفظ كما في البيع؟ قال في البزازية: أجاب صاحب البداية في امرأة زوجت نفسها بألف من رجل عند الشهود فلم يقل الزوج شيئا لكن أعطاها المهر في المجلس أنه يكون قبولا. وأنكره صاحب المحيط وقال: لا ما لم يقل بلسانه قبلت بخلاف البيع لانه ينعقد بالتعاطي، والنكاح لخطره لا ينعقد حتى يتوقف على الشهود بخلاف إجازة نكاح الفضولي بالفعل لوجود القول ثمة ا ه‍. وهل يكون القبول بالطلاق؟ قال في الخانية من تعليق الطلاق: امرأة قالت لاجنبي زوجت نفسي منك فقال الرجل فأنت طالق طلقت، ولو قال أنت طالق لا تطلق، ولا يكون هذا الكلام قبولا للنكاح لان هذا الكلام إخبار أما في المسألة الاولى جعل طلاقها جزاء لنكاحها وطلاقها لا يكون جزاء لنكاحها إلا بالقبول فيكون كلامه قبولا للنكاح ثم يقع الطلاق بعده ا ه‍. فقد ساوى النكاح البيع فإنه لو قال بعتك هذا العبد بكذا فقال فهو حر عتق، ولو قال بدون الفاء لا وهذا بخلاف الاقرار. قال في البزازية: قالت أنا امرأتك فقال لها أنت طالق يكون إقرارا

[ 145 ]

بالنكاح وتطلق هي لاقتضائه النكاح وضعا، ولو قال ما أنت لي بزوجة وأنت طالق لا يكون إقرارا لقيام القرينة المتقدمة على أنه ما أراد بالطلاق حقيقته ا ه‍. أطلق في اللفظين فشمل اللفظين حكما وهو اللفظ الصادر من متولي الطرفين شرعا، وشمل ما ليس بعربي من الالفاظ وما لم يذكر معهما المفعولان أو أحدهما بعد دلالة المقام والمقدمات لان الحذف لدليل كائن في كل لسان. وإنما اختير لفظ الماضي لان واضع اللغة لم يضع للانشاء لفظا خاصا وإنما عرف الانشاء بالشرع، واختيار لفظ الماضي لدلالته على التحقيق والثبوت دون المستبقل. وقوله أو أحدهما بيان لانعقاده بلفظين: أحدهما ماض والآخر مستقبل كقوله زوجني ابنتك فقال زوجتك وهو صريح في أن المستقبل إيجاب، وقد صرح به قاضيخان في فتاواه حيث قال: ولفظه الامر في النكاح إيجاب، وكذا الطلاق والخلع والكفالة والهبة إلى آخر ما ذكره، وكذا في الخلاصة. وذهب صاحب الهداية والمجمع إلى أن الامر ليس بإيجاب وإنما هو توكيل، وقوله زوجتك قائم مقام اللفظين بخلافه في البيع لما عرف أن الواحد في النكاح يتولى الطرفين بخلاف البيع وهو توكيل ضمني فلا ينافيه اقتصاره على المجلس، فقد علمت اختلاف المشايخ في أن الامر إيجاب أو توكيل فما في المختصر على أحد القولين فاندفع ما اعترض به منلا خسر ومن أن صاحب الكنز خالف الكتب فلم يتنبه لما في الهداية، فالمعترض غفل عن القول الآخر حفظ شيئا وغابت عنه أشياء مع أن الراجح كونه إيجابا لان الايجاب ليس إلا اللفظ المفيد، قصد تحقيق المعنى أولا، وهو صادق على لفظة الامر فليكن إيجابا، ويستغنى عما أورد أنه توكيل من أنه لو كان توكيلا لما اقتصر على المجلس. كذا رجحه الكمال، لكن يرد عليه ما لو قال الوكيل بالنكاح هب ابنتك لفلان فقال الاب وهبت فإنه لا ينعقد النكاح ما لم يقل الوكيل بعده قبلت. كذا في الخلاصة معللا بأن الوكيل لا يملك التوكيل ولم يذكر خلافا. وفي الظهيرية: لو قال هب ابنتك لابني فقال وهبت لم يصح ما لم يقل أبو الصغير قبلت.

[ 146 ]

وفي التتمة: لو قال هب ابنتك لفلان فقال الاب وهبت ما لم يقل الوكيل قبلت لا يصح، وإذا قال قبلت فإن قال لفلان صح النكاح للموكل، وإن قال مطلقا قبلت يجب أن يصح أيضا للموكل، وهذا يدل على أن من قال بعد ما جرى بينهما كلام بعت هذا العبد بألف درهم وقال الآخر اشتريت يصح وإن لم يقل البائع بعت منك ا ه‍. وما في الظهيرية مشكل لان للاب أن يوكل في نكاح ابنه فلو كان الامر إيجابا لم يتوقف على القبول إلا أن يقال إنه مفرع على القول بأنه توكيل لا إيجاب، وحينئذ تظهر ثمرة الاختلاف بين القولين لكنه متوقف على النقل. وصرح في فتح القدير بأنه على أن الامر توكيل يكون تمام العقد بالمجيب وعلى القول بأن الامر إيجاب يكون تمام العقد قائما بهما ا ه‍. فعلى هذا لا يشترط سماع الشاهدين للامر على القول الاول لانه لا يشترط الاشهاد على التوكيل ويشترط على القول الثاني كما لا يخفى، وظاهر ما في المعراج أن زوجني وإن كان توكيلا لكن لما لم يعمل زوجت بدونه نزل منزلة شطر العقد، فعلى هذا يشترط سماع الشاهدين للفظة الامر أيضا على القول بأنها توكيل

[ 147 ]

أيضا. ثم رأيت في الفتاوى الظهيرية ما يدل على أنه لا يشترط سماع الشهود للفظ الامر قال في النكاح بالكتابة سواء قال زوجي نفسك مني فبلغها الكتاب فقالت زوجت أو كتب تزوجتك وبلغها الكتاب فقالت زوجت نفسي منك لكن في الوجه الاول لا يشترط إعلامها الشهود، وفي الوجه الثاني يشترط ا ه‍. وإنما جعل الامر إيجابا في النكاح على أحد القولين ولم يجعل في البيع إيجابا اتفاقا لانه لا مساومة في النكاح لانه لا يكون إلا بعد مقدمات ومراجعات غالبا فكان للتحقيق بخلاف البيع لا يتقدمه ما ذكر فكان الامر فيه للمساومة كما ذكره الكمال في البيوع، وبه اندفع ما ذكره في النكاح كمالا يخفى. هذا مع أن المصنف لم يصرح بالمستقبل وإنما ذكر أنه ينعقد بلفظين أحدهما ماض وسكت عن الآخر لشموله الحال والمستقبل ومنه الامر وقد علمته، وأما المضارع فإن كان مبدوءا بالهمزة نحو أتزوجك فتقول زوجته نفسي فإنه ينعقد. علله في المحيط بأنه وإن كان حقيقة في الاستقبال إلا أنه يحتمل الحال كما في كلمة الشهادة وقد أراد به التحقيق والحال لا المساومة بدلالة الخطبة والمقدمات بخلاف البيع ا ه‍. ولا حاجة إليه لان الاصح أن المضارع موضوع للحال وعليه تتفرع الاحكام كما في قوله كل مملوك أملكه فهو حر فإنه يعتق ما في ملكه في الحال لا ما يملكه بعد إلا بالنية لما ذكرنا. وإن كان مبدوءا بالتاء نحو تزوجني بنتك فقال فعلت ينعقد به إن لم يقصد به الاستيعاد لانه يتحقق فيه هذا الاحتمال بخلاف الاول لانه لا يستخبر نفسه عن الوعد، وإذا كان المقصود هو المعنى لا اللفظ لو صرح بالاستفهام اعتبر فهم الحال كما ذكره الاسبيجابي لو قال هل أعطيتنها فقال أعطيتك إن كان المجلس للوعد فوعد وإن كان للعقد فنكاح. وفي فتح القدير: والانعقاد بقوله أنا متزوجك ينبغي أن يكون كالمضارع المبدوء بالهمزة سواء. وشمل كلام المصنف ما في النوازل لو قال زوجيني نفسك فقالت بالسمع

[ 148 ]

والطاعة، وما إذا قال كوني امرأتي فقبلت كما في فتح القدير. وفي الظهيرية: لو قال أبو الصغيرة لابي الصغير زوجت ابنتي ولم يزد عليه شيئا فقال أبو الصغير قبلت يقع النكاح للاب هو الصحيح. ويجب أن يحتاط فيه فيقول قبلت لابني. وهذه المسألة تدل على أن من قال لآخر بعد ما جرى بينهما مقدمات البيع بعت هذا العبد وقال الآخر اشتريت يصح وإن لم يقل بعت منك والخلع على هذا ا ه‍. ولم يذكر المصنف شرائط الايجاب والقبول فمنها اتحاد المجلس إذا كان الشخصان حاضرين فلو اختلف المجلس لم ينعقد، فلو أوجب أحدهما فقام الآخر أو اشتغل بعمل آخر بطل الايجاب لان شرط الارتباط اتحاد الزمان فجعل المجلس جامعا تيسيرا. وأما الفور فليس من شرطه فلو عقدا وهما يمشيان ويسيران على الدابة لا يجوز، وإن كانا على سفينة سائرة جاز وسيأتي تمامه في البيع إن شاء الله تعالى. ومنها أن لا يخالف القبول الايجاب فلو أوجب بكذا فقال قبلت النكاح ولا أقبل آالمهر لا يصح وإن كان المال فيه تبعا كما في الظهيرية بخلاف ما لو قالت زوجت نفسي منك بألف فقال قبلت بألفين فإن يصح والمهر ألف إلا إن قبلت الزيادة في المجلس فهو ألفان على المفتي به كما في التجنيس، وبخلاف ما لو قال تزوجتك بألف فقالت قبلت بخمسمائة فإنه صحيح ويجعل كأنها قبلت الالف وحطت عنه خمسمائة كما في الذخيرة. وفي الظهيرية: لو قالت لرجل زوجت نفسي منك بألف فقال الرجل قبلت قبل أن تنطق المرأة بالتسمية لا ينعقد النكاح ما لم يقل الزوج قبلت بعد التسمية. ومنها سماع كل منهما كلام صاحبه لان عدم سماع أحدهما كلام صاحبه بمنزلة غيبته كما في الوقاية. وقيد المصنف انعقاده باللفظ لانه لا ينعقد بالكتابة من الحاضرين فلو كتب تزوجتك فكتبت قبلت لم ينعقد، وأما من الغائب فكالخطاب، وكذا الرسول فيشترك سماع الشهود قراءة الكتاب وكلام الرسول. وفي المحيط: الفرق بين الكتاب والخطاب أن في الخطاب لو قال قبلت في مجلس آخر لم يجز، وفي الكتاب يجوز لان الكلام كما وجد تلاشى فلم يتصل الايجاب بالقبول في مجلس آخر، فأما الكتاب فقائم في مجلس آخر وقراءته بمنزلة خطاب الحاضر فاتصل الايجاب بالقبول فصح ا ه‍. ثم اعلم أن الشرط سماع الشهود قراءة الكتاب مع قبولها أو حكايتها ما في الكتاب لهم، فلو قالت إن فلانا كتب إلي يخطبني فاشهدوا أني قد زوجت نفسي منه صح النكاح، وتمامه في الفصل السابع عشر في النكاح بالكتابة من الخلاصة، وقيد بالايجاب

[ 149 ]

والقبول لانه لا ينعقد بالاقرار فلو قال بحضرة الشهود هي امرأتي وأنا زوجها وقالت هو زوجي وأنا امرأته لم ينعقد النكاح لان الاقرار إظهار لما هو ثابت وليس بإنشاء. ونقل قاضيخان عن ابن الفضل انعقاده به مقتصرا عليه والمختار الاول كما في الواقعات والخلاصة. وصحح في الذخيرة أن الاقرار إن كان بمحضر الشهود صح النكاح وجعل إنشاء وإلا فلا. ومن شروط الركن أن يضيف النكاح إلى كلها أو ما يعبر به عن الكل كالرأس والرقبة بخلاف اليد والرجل كما عرف في الطلاف وقالوا: الاصح أنه لو أضاف الطلاق إلى ظهرها وبطنها لا يقع. كذا العتق، فلو أضاف النكاح إلى ظهرها أو بطنها ذكر الحلواني قال مشايخنا: الاشبه من مذهب أصحابنا أنه ينعقد النكاح. وذكر ركن الاسلام والسرخسي ما يدل على أنه لا ينعقد النكاح. كذا في الذخيرة. ولو قال تزوجت نصفك فالاصح عدم الصحة كما في الخانية، وقولهم إن ذكر بعض ما لا يتجزى كذكر كله كطلاق نصفها يقتضي الصحة. وقد ذكر في المبسوط في موضع جوازه إلا أن يقال: إن الفروج يحتاط فيها فلا يكفي ذكر البعض لاجتماع ما يوجب الحل والحرمة في ذات واحدة فترجح الحرمة. كذا في الخانية. ومنها أن لا تكون المنكوحة مجهولة فلو زوجه

[ 150 ]

بنته ولم يسمها وله بنتان لم يصح للجهالة بخلاف ما إذا كان له بنت واحدة إلا إذا سماها بغير اسمها ولم يشر إليها فإنه لا يصح كما في التجنيس. فلو كان له بنتان كبرى واسمها عائشة وصغرى واسمها فاطمة فأراد تزويج الكبرى فغلط فسماها فاطمة انعقد على الصغرى، فلو قال فاطمة الكبرى لم ينعقد لعدم وجودها. وفي الذخيرة: إذا كان للمزوج ابنة واحدة وللقابل ابن واحد فقال زوجت ابنتي من ابنك يجوز النكاح، وإذا كان للمزوج ابنة واحدة وللقابل ابنان إن سمى القابل الابن باسمه صح النكاح للابن المسمى، وكذلك إذا لم يسمه، واقتصر على قوله قبلت يجوز النكاح ويجعل قوله قبلت جوابا فيتقيد بالايجاب. ولو ذكر القابل الابن إلا أنه لم يسمه باسمه بأن قال قبلت لابني لا يصح لانه لا يمكن أن يجعل جوابا لانه زاد عليه، ولو كان للمرأة اسمان تزوج بما عرفت به. وفي الظهيرية: والاصح عندي أن يجمع بين الاسمين، وسيأتي حكم ما إذا كانت حاضرة منتقبة. وفي الخانية: لو وكلت امرأة رجلا بأن يزوجها فزوجها وغلط في اسم أبيها لا ينعقد النكاح إذا كانت غائبة ا ه‍. ولم يشترط المصنف الفهم قال في التجنيس: ولو عقدا عقد النكاح بلفظ لا يفهمان كونه نكاحا هل ينعقد اختلف المشايخ فيه قال بعضهم: ينعقد لان النكاح لا يشترط فيه القصد ا ه‍. يعني بدليل صحته مع الهزل وظاهره ترجيحه ولم يشترط أيضا تمييز الرجل من المرأة وقت العقد للاختلاف لما في النوازل في صغيرين قال أبو أحدهما زوجت بنتي هذه من ابنك

[ 151 ]

هذا وقبل ثم ظهر الجارية غلاما والغلام جارية جاز ذلك. وقال العتابي: لا يجوز. وفي القنية: زوجت وتزوجت يصلح من الجانبين. قوله: (وإنما يصح بلفظ النكاح والتزويج وما وضع لتمليك العين في الحال) بيان لانحصار اللفظين فيما ذكر، أما انعقاده بلفظ النكاح والتزويج فلا خلاف فيه، وما انعقاده بما وضع لتمليك الاعيان فمذهبنا لان التمليك سبب لملك المتعة في محلها بواسطة ملك الرقبة وهو الثابت بالنكاح، فأطلق اسم السبب كالهبة وأريد المسبب وهو ملك المتعة وإن كان ملك المتعة قصديا في النكاح ضمنيا في التمليك، وإنما لم يصح التمليك بلفظ النكاح لما تقرر في الاصول أن استعارة السبب للمسبب جائزة مطلقا وعكسه لا يجوز إلا بشرط الاختصاص من الجانبين، ولذا صح التجوز بلفظ العتق عن الطلاق دون عكسه. والخلو ص في قوله تعالى * (خالصة لك) * (الاحزاب: 50) إنما هو في عدم المهر لا في الانعقاد بلفظ الهبة كما عرف في الخلافيات فينعقد النكاح بلفظ الهبة والعطية والصدقة والملك والتمليك والجعل والبيع والشراء على الاصح. وأما بلفظ السلم فإن جعلت المرأة رأس مال السلم فإنه ينعقد إجماعا، وإن جعلت مسلما فيها ففيه اختلاف، قيل لا ينعقد لان السلم في الحيوان لا يصح، وقيل ينعقد لانه يثبت به ملك الرقبة والسلم في الحيوان ينعقد حتى لو اتصل به القبض فإنه يفيد ملك الرقبه ملكا فاسدا وليس كل ما يفسد الحقيقي يفسد مجازيه. ورجحه في فتح القدير وهو مقتضى ما في المتون. وفي الصرف روايتان وقولان. قيل لا ينعقد به لانه وضع لاثبات ملك ما لا يتعين من النقد والمعقود عليه هنا متعين، وقيل ينعقد به لانه يثبت به ملك العين في الجملة وينبغي ترجيحه لدخوله تحت الكلية التي في المختصر، وكذا في انعقاده بلفظ القرض قولان أصحهما عدم الانعقاد كما في الكشف والولوالجية، وفي الفتاوى الصيرفيه الاصح الانعقاد اه‍. وينبغي اعتماده لما أنه يفيد ملك العين للحال، وكذا في انعقاده بلفظ الصلح قولان وجزم في غاية البيان بعدمه لانه موضوع للحطيطة وإسقاط الحق، وكذا في

[ 152 ]

انعقادة بلفظ الرهن قولان أصحهما عدم الانعقاد كما في الولوالجية وهو ظاهر لانه لا يفيد الملك أصلا. قيد بما وضع للتمليك احترازا عما لا يفيده فلا ينعقد بلفظ الفداء كما لو قالت فديت نفسي منك فقبل كما في الخانية. والابراء والفسخ والاقالة والخلع والكتابة والتمتع والاباحة والاحلال والرضى والاجازة - بالزاي - والوديعة لانها لا تفيد الملك أصلا. وقيد بتمليك العين احترازا عما يفيد ملك المنفعة فقط كالعارية فلا ينعقد بها على الصحيح وأما بلفظ الاجارة فإن جعلت المرأة أجرة فينعقد اتفاقا لانه يفيد ملك العين للحال في الجملة بأن شرط الحلول أو عجلت، وأما إذا لم تجعل أجرة كقوله أجرتك ابنتي بكذا فالصحيح أنه لا ينعقد لانها لا تفيد ملك العين ولان بينهما مضادة لان التأبيد من شرائطه والتأقيت من شرائطها، واحترازا عما يفيد تمليك بعض العين كلفظ الشركة فإنه لا ينعقد به كما في الظهيرية. وقيد بقوله في الحال احترازا عن لفظ الوصية فإنه لا ينعقد النكاح به لانها تمليك مضاف إلى ما بعد الموت. كذا أطلق الشارحون، وقيده في الولوالجية والظهيرية بما إذا أطلق أو أضاف إلى ما بعد الموت، أما إذا قال أوصيت ببضع ابنتي للحال بألف درهم فقبل الآخر انعقد النكاح لانه صار مجازا عن التمليك والمعتمد الاطلاق لان الوصية مجاز عن التمليك فلو انعقد بها لكان مجازا عن النكاح والمجاز لا مجاز له كما في العناية من البيع. وفي المبسوط: في كل موضع لم ينعقد بهذه الالفاظ فإنه يثبت الشبهة فيسقط الحد لو وطئ ويجب الاقل من المسمى ومن مهر المثل عند الدخول اه‍. ثم اعلم إنما وقع الاختلاف في العارية والاجارة وإن كانا لا يفيدان ملك العين قطعا لان ذلك الاصل مختلف فيه فقد روى الحسن عن الامام أن كل شئ يملك به شئ ينعقد به النكاح وهذه تدل على الانعقاد بهما، وروى ابن رستم عن الامام كل لفظ يملك به الرقاب ينعقد به النكاح. وهذه تدل على عدمه فيهما كما في الذخيرة، وإنما اعتمد المشايخ رواية ابن رستم لانها محكمة، ورواية الحسن محتملة، فحمل المحتمل على الحكم. ولم يقيد المصنف اللفظ المفيد لملك العين بالنية ولا بالقرينة وفيه اختلاف ففي التبيين لا تشترط النية مع ذكر المهر، وفي المبسوط لا تشترط مطلقا، وفي فتح القدير المختار أنه لا بد من فهم الشاهدين مقصودهما، وفي البدائع ولو أضاف الهبة إلى الامة بأن قال لرجل وهبت أمتي هذه منك فإن

[ 153 ]

كان الحال يدل على النكاح من إحضار الشهود وتسمية المهر مؤجلا ومعجلا ونحو ذلك ينصرف إلى النكاح، وإن لم يكن الحال دليلا على النكاح، فإن نوى النكاح وصدقه الموهوب له فكذلك وينصرف إلى النكاح بقرينة النية، وإن لم ينو ينصرف إلى ملك الرقبة اه‍. فلم يشترط مع النية فهم الشهود ولا بد منه كما قدمناه بخلاف ما إذا أضيفت الهبة إلى الحرة فإنه ينعقد من غير هذه القرينة لان عدم قبول المحل للمعنى الحقيقي وهو الملك للحرة يوجب الحمل على المجازي فهو القرينة فيكتفي بها الشهود حتى لو قامت قرينة على عدمه لا ينعقد به كما في الخانية وغيرها: لو طلب من امرأة الزنا فقالت وهبت نفسي منك فقال الرجل قبلت لا يكون نكاحا وهو بمنزلة قول أبي البنت وهبتها منك لتخدمك فقال قبلت لا يكون نكاحا اه‍. قال في الفتاوى: إلا إذا أراد به النكاح. فالحاصل أن النكاح ينعقد بالهبة إذا كان على وجه النكاح. وفي الظهيرية: لو قالت المرأة وهبت نفسي لك فقال الرجل أخذت قالوا لا يكون نكاحا صحيحا، وإنما استعيرت الهبة للنكاح وإن كانت لا تفيد الملك إلا بالقبض لانها سبب موضوع للملك وإنما تأخر القبض لضعف السبب لتعريه عن العوض، وينعدم ذلك الضعف إذا استعملت في النكاح لان العوض يجب بنفسه. كذا في النهاية. ويرد على المصنف ألفاظ ينعقد بها النكاح غير الثلاثة منها: الكون لما في الذخيرة وغيرها: لو قال لامرأة كوني امرأتي بكذا فقبلت انعقد بخلاف ما لو قالت المرأة أكون زوجة لك فقال نعم لا يصح كما في الظهيرية. ومنها ما في الخانية لو قالت المرأة عرستك نفسي فقال قبلت انعقد، وذكره في الظهيرية بلفظ أعرستك. ومنها لفظ الرجعة فقد صرح في الواقعات والخانية وكثير أنه ينعقد النكاح إذا قال للاجنبية راجعتك فقبلت كما لو قال للمبانة راجعتك، لكن شرط في الخانية أن يذكر المال وإن لم يذكر مالا قالوا: لا يكون نكاحا. وشرط في التجنيس ذكر المال ونية الزوج، وفرق بعضهم بين الاجنبية والمبانة فينعقد به في المبانة دون الاجنبية، واستحسنه في فتح القدير. وفي الخانية: وكذا لو قالت المبانة لزوجها رددت نفسي عليك فهو بمنزلة الرجعة ينعقد به النكاح كما في الذخيرة. ومنها ارفعها واذهب بها حيث شئت لما في الخانية: لو قال زوج

[ 154 ]

ابنتك مني على كذا فقال أبوها بمحضر من الشهود ارفعها واذهب بها حيث شئت قال ابن الفضل: يكون نكاحا. وجزم في الولوالجية بعدمه لاحتماله الوعد. ومنها ما في الخانية: لو قال أبو الصغير اشهدوا أني قد زوجت ابنة أحمد يريد به أبا الصغيرة من ابني فلان بمهر كذا وقال لابيها أليس هكذا؟ فقال أبوها هكذا ولم يزيدا على ذلك قالوا: الاولى أن يجدد النكاح وإن لم يجدد أجاز اه‍. ومنها ما في الخانية أيضا: لقال رجل جئتك خاطبا ابنتك فقال الاب ملكتك كان نكاحا. وفي الولوالجية: لو قال لها خطبتك إلى نفسي على ألف درهم فقالت قد زوجتك نفسي فهو نكاح جائز لانه يراد به الايجاب، وأما ما روي عن محمد لو قال أخطبك على ألف فقالت قد فعلت لم ينعقد حتى يقول الزوج قبلت فقد قال في المحيط والظهيرية: إنه محمول على ما إذا لم يرد به الحال. وفي الظهيرية: رجل أرسل رجلا أن يخطب امرأة بعينها فزوجها الرسول إياه جاز لان الخطبة جعلت نكاحا إذا صدرت من الآمر فيكون الامر بها أمرا بالنكاح. ويشكل عليه ما في الفتاوى الصيرفية معزيا إلى السرخسي أن من قال إن خطبت فلانة أو قال كل امرأة خطبتها فهي طالق أن يمينه لا ينعقد لان الخطبة عند العقد وهي تسبق العقد فلا يكون هذا اللفظ مضيفا الطلاق إلى الملك. ووقع في بعض النسخ إن خطبت فلانة وتزوجتها فهي طالق ثلاثا فأجاب على نحو ما ذكرنا فقال: إذا خطبها ثم تزوجها لا تطلق وهذا غلط، لان مع حرف الواو تصير الخطبة مع الزوج شرطا واحدا كما في قوله إن أكلت وشربت وأشباه ذلك فلا تنحل اليمين بالخطبة وحدها، فإذا تزوجها بعد ذلك تنحل اليمين وهي في نكاحه فتطلق اه‍. وذكر الولوالجي: إن تزوجت فلانة أو خطبتها فهي طالق فخطبها

[ 155 ]

وتزوجها لم تطلق لانه حين خطبها حنث لوجود الشرط فحين تزوجها تزوجها واليمين غير باقية اه‍. ومنها ما في الخلاصة: لو قال صرت لي أو صرت لك فإنه نكاح عند القبول وقد قيل بخلافه اه‍. ومنها ما في التتارخانية: لو قال لها يا عروسي فقالت لبيك انعقد لكن في الصيرفية أنه خلاف ظاهر الرواية. ومنها بالسمع والطاعة لو قال زوجي نفسك مني فقال بالسمع والطاعة فهو نكاح كما في الخلاصة. ومنها ما في الذخيرة: لو قال ثبت حقي في منافع بضعك بألف فقالت نعم صح النكاح اه‍. والجواب أن العبرة في العقود للمعاني حتى في النكاح كما صرحوا به وهذه الالفاظ تؤدي معنى النكاح وهذا مما ظهر لي من فضله تعالى. قوله: (عند حرين أو حر وحرتين عاقلين بالغين مسلمين ولو فاسقين أو محدودين أو أعميين أو ابني العاقدين) متعلق بينعقد بيان للشرط الخاص به وهو الاشهاد فلم يصح بغير شهود لحديث الترمذي البغايا اللاتي ينكحن أنفسهن من غير بينة (1) ولما رواه محمد بن الحسن مرفوعا لا نكاح إلا بشهود فكان شرطا ولذا قال في مآل الفتاوى: لو تزوج بغير شهود ثم أخبر الشهود على وجه الخبر لا يجوز إلا أن يجدد عقدا بحضرتهم اه‍. وفي الخانية والخلاصة: لو تزوج بشهادة الله ورسوله لا ينعقد ويكفر لاعتقاده أن النبي يعلم الغيب. وصرح في المبسوط بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان مخصوصا بالنكاح بغير شهود ولا يشترط الاعلان مع

[ 156 ]

الشهود لما في التبيين أن النكاح بحضور الشاهدين يخرج عن أن يكون سرا ويحصل بحضورهما الاعلان اه‍. ويستثنى منه مسألة اليمين لما في عدة الفتاوى: إذا حلف ليتزوجن سرا فتزوج بثلاثة شهود يحنث وبالشاهدين لا يحنث اه‍. وأفاد المصنف أن الشهادة تشترط في الموقوف عند العقد لا عند الاجازة كما في المحيط، وأن الحضور كاف لتعبيره بكلمة عند فلا يشترط السماع وفيه خلاف، ففي الخانية وعامة المشايخ شرطوا السماع، والقائل بعدمه القاضي الامام علي السغدي اه‍. وثمرة الاختلاف تظهر في النائمين والاصمين فعلى قول العامة لا ينعقد النكاح بحضورهما، وعلى قول السغدي ينعقد، وصحح قاضيخان في شرحه أنه لا ينعقد بحضرة الاصمين وجزم بأنه لا ينعقد بحضرة النائمين، وجزم في فتاواه بأنه لا ينعقد بحضرة النائمين إذ لم يسمعا كلامهما، فثبت بهذا أن الاصح ما عليه العامة كما صرح به في التجنيس إذا المقصود من الحضور السماع، فقول الزيلعي ينعقد بحضرة النائمين على الاصح ولا ينعقد بحضرة الاصمين على المختار ضعيف بل لا فرق بينهما في عدم الانعقاد على الاصح لعدم السماع، ولقد أنصف المحقق الكمال حيث قال: ولقد أبعد عن الفقه وعن الحكمة الشرعية من جوزه بحضرة النائمين اه‍. واختلف في اشتراط سماع الشاهدين معا فنقل في الذخيرة روايتين عن أبي يوسف وجزم في الخانية بأنه شرط فكان هو المذهب، فلو سمعا كلامهما متفرقين لم يجز ولو اتحد المجلس، فلو كان أحدهما أصم فسمع صاحب السمع ولم يسمع الاصم حتى صاح صاحبه في أذنه أو غيره لا يجوز النكاح حتى يكون السماع معا. كذا في الذخيرة. واختلف أيضا في فهم الشاهدين كلامهما فجزم في التبيين بأنه لو عقد بحضرة هنديين لم يفهما كلامهما لم يجز وصححه في الجوهرة. وقال في الظهيرية: والظاهر أنه يشترط فهم أنه نكاح. واختاره في الخانية فكان هو المذهب. فالحاصل أنه يشترط سماعهما معا مع الفهم على الاصح لكن في الخلاصة: إذا تزوج امرأة بالعربية والزوج والمرأة يحسنان العربية والشهود لا يعرفون العربية اختلف المشايخ فيه،

[ 157 ]

والاصح أنه ينعقد اه‍. فقد اختلف التصحيح في اشتراط الفهم، وفي الخلاصة وغيرها ينعقد بحضرة السكارى إذا فهمو النكاح وإن لم يذكروا بعد الصحو، وينبغي أن لا يشترط فهمهم على القول بعدم اشتراطه إلا أن يقال: إنه عند عدم الفهم ملحق بالمجنون في حق هذا الحكم لعدم التمييز. ولا بد من تمييز المنكوحة عند الشاهدين لتنتفي الجهالة، فإن كانت حاضرة متنقبة كفى الاشارة إليها والاحتياط كشف وجهها، فإن لم يروا شخصها وسمعوا كلامها من البيت إن كانت المرأة في البيت وحدها جاز النكاح لزوال الجهالة، وإن كان معها امرأة أخرى لا يجوز لعدم زوالها. وكذا إذا وكلت بالتزويج فهو على هذا التفصيل، وإن كانت غائبة ولم يسمعوا كلامها بأن عقد لها وكيلها فإن كان الشهود يعرفونها كفى ذكر اسمها إذا علموا أنه أرادها، وإن لم يعرفوها لا بد من ذكر اسمها واسم أبيها وجدها. وجوز الخصاف النكاح مطلقا حتى لو وكلته فقال بحضرتهما زوجت نفسي من موكلتي أو من امرأة جعلت أمرها بيدي فإنه يصح عنده. قال قاضيخان: والخصاف كان كبيرا في العلم يجوز الاقتداء به وذكر الحاكم الشهيد في المنتقى كما قال الخصاف اه‍. وفي الخلاصة: إذا زوجها أخوها فقال زوجت أختي ولم يسمها جاز إن كانت له أخت واحدة، فإن كان له أختان فسماها جاز. وأفاد المصنف أن انعقاد النكاح بكتاب أحدهما يشترط فيه سماع الشاهدين قراءة الكتاب مع قبول الآخر كما قدمناه لكن في الظهيرية: وفي النكاح سواء كتب زوجي نفسك مني فبلغها الكتاب فقالت زوجت أو كتب تزوجتك وبلغها الكتاب فقالت زوجت نفسي جاز، لكن في الوجه الاول لا يشترط إعلامها الشهود، وفي الوجه الثاني يشترط اه‍. فقولهم يشترط حضورهما وقت قراءة الكتاب ليس على إطلاقه وهو مبني على أن صيغة الامر توكيل،

[ 158 ]

فقولها زوجت نفسي منه قائم مقام الايجاب والقبول. فاكتفي بسماعه ولا يشترط الاشهاد على التوكيل، وأما على قول من جعل الامر إيجابا فلا بد من سماع قراءة الكتاب كما لا يخفى. وشرط في الشهود أربعة: الحرية والعقل والبلوغ والاسلام. فلا ينعقد بحضرة العبيد والمجانين والصبيان والكفار في نكاح المسلمين لانه لا ولاية لهؤلاء، ولا فرق في العبد بين القن والمدبر والمكاتب، فلو أعتق العبيد أو بلغ الصبيان بعد التحمل ثم شهدوا إن كان معهم غيرهم وقت العقد ممن ينعقد بحضورهم جازت شهادتهم لانهم أهل للتحمل وقد انعقد العقد بغيرهم وإلا فلا كما في الخلاصة وغيرها. ولم يشترط المصنف نطق الشاهدين لانه ينعقد بحضرة الاخرس إذا كان يسمع كما في الخلاصة. والاصل في هذا الباب أن كل من صلح أن يكون وليا في النكاح بولاية نفسه صلح أن يكون شاهدا فيه فخرج المكاتب فإنه وإن ملك تزويج أمته لكنه بولاية مستفادة من جهة المولى لا بولاية نفسه. ثم النكاح له حكمان: حكم الاظهار وحكم الانعقاد. فحكم الانعقاد على ما ذكرنا، وأما حكم الاظهار فإنما يكون عند التجاحد فلا يقبل في الاظهار إلا شهادة من تقبل شهادته في سائر الاحكام. كذا في شرح الطحاوي. فلذا انعقد بحضور الفاسقين والاعميين والمحدودين في قذف وإن لم يتوبا وابني العاقدين وإن لم يقبل أداؤهم عند القاضي كانعقاده بحضرة العدوين. وفي البدائع: إن الاشهاد في النكاح لدفع تهمة الزنا لا لصيانة العقد عند الجحود والانكار، والتهمة تندفع بالحضور من غير قبول على أن معنى الصيانة تحصل بسبب حضورهما وإن كان لا تقبل شهادتهما لان النكاح يظهر ويشتهر بحضورهما، فإذا ظهر واشتهر تقبل الشهادة فيه بالتسامع فتحصل الصيانة اه‍. وظاهره أن من لا تقبل شهادته إذا انعقد بحضوره ثم أخبر به من تقبل شهادته جاز له الشهادة به بالتسامع فليحفظ هذا. وفي فتاوى النسفي: للقاضي أن يبعث إلى شفعوي ليبطل العقد إذا كان بشهادة الفاسق، وللحنفي أن يفعل ذلك، وكذا لو كان بغير ولي فطلقها ثلاثا فبعث إلى شافعي يزوجها منه بغير محلل ثم يقضي

[ 159 ]

بالصحة، وبطلان النكاح الاول يجوز إذا لم يأخذ القاضي الكاتب والمكتوب إليه شيئا، ولا يظهر بهذا حرمة الوطئ السابق ولا شبهة ولا خبث في الولد، كذا في الخلاصة. ثم قال الامام ظهير الدين المرغيناني: لا يجوز الرجوع إلى شافعي المذهب إلا في اليمين المضافة أما لو فعلوا فقضى ينفذ اه‍. وصورة التزويج بحضرة ابنيهما أن تقع الفرقة بين الزوجين ثم يعقدا بحضور ابنيهما، ولو تجاحدا لا تقبل شهادة ابنيهما مطلقا لانه لا يخلو عن شهادتهما لاصلهما، فلو كانا ابنيه وحده تقبل شهادتهما عليه لا له، ولو كانا ابنيها وحدها قبلت عليها لا لها، ولو كان أحدهما ابنها والآخر ابنه لم تقبل أصلا. ومن زوج بنته بشهادة ابنيه ثم تجاحد الزوجان، فإن كان الاب مع الجاحد منهما أيهما كان تقبل شهادتهما لانها شهادة عليه، وإن كان الاب مع المدعي منهما أيهما كان لم تقبل شهادتهما عند أبي يوسف. وقال محمد: تقبل. فأبو يوسف نظر إلى الدعوى والانكار، ومحمد نظر إلى المنفعة وعدمها. وهنا لا منفعة للاب. قال في البدائع: والصحيح نظر محمد لان المانع من القبول التهمة وأنها تنشأ عن النفع، وكذلك على هذا الاختلاف فيما إذا قال رجل لعبده إذا كلمك زيد فأنت حر، ثم قال العبد كلمني زيد وأنكر المولى فشهد للعبد ابنا زيد أن أباهما قد كلمه والمولى ينكر، تقبل عند محمد، ادعى زيد الكلام أو لا، لعدم منفعته، وعند أبي يوسف: إن كان زيد يدعي الكلام لا تقبل، وإن كان لا يدعي تقبل. وكذا على هذا الاختلاف فيمن توكل عن غيره في عقد ثم شهد ابنا الوكيل على العقد فإن كان حقوق العقد لا ترجع إلى العاقد تقبل عند محمد مطلقا لعدم المنفعة، وعند أبي يوسف إن كان يدعي لا تقبل وإن كان ينكر تقبل اه‍. ولو زوج بنته وأنكرت الرضا فشهد أخواها وهما ابناه لم تقبل في قولهم لان الرضا شرط الجواز فكان فيه تنفيذ قول الاب مقصودا فتكون شهادة له. كذا في المحيط. وجعل في الظهيرية قول الامام في المسألة الاولى كأبي يوسف. ولو كانت البنت صغيرة لا تقبل اتفاقا إلا إذا كان الاب جاحدا والآخر مدعيا فمقبولة كما في فتح القدير. وفي الظهيرية: ولو زوج الموليان أمتهما ثم شهدا بطلاقها فإن ادعت الامة لا تقبل إجماعا، وإن أنكرت فعند أبي يوسف تقبل، وعند محمد لا تقبل اه‍. وفي الولوالجية: شهد عليه بنوه أنه طلق أمهم ثلاثا وهو يجحد، فإن كانت الام تدعي فهي باطلة، وإن كانت تجحد فهي جائزة، ذكره في الفصل الرابع من القضاء. وذكر في الطلاق أن الشهادة لضرة أمه كالشهادة لامه وقيدنا الاشهاد بأنه خاص بالنكاح لما ذكره الاسبيجابي بقوله: وأما سائر العقود فتنفذ بغير شهود ولكن الاشهاد عليه مستحب للآية اه‍. وذكر في الواقعات أن الاشهاد واجب في المداينات، وأما لكتابة فقال في المحيط من

[ 160 ]

باب العتق: ويستحب للعبد أن يكتب للعتق كتابا ويشهد عليه شهودا توثيقا وصيانة عن التجاحد كما في المداينة بخلاف سائر التجارات لانه مما يكثر وقوعها فالكتابة فيها تؤدي إلى الحرج ولا كذلك العتق اه‍. وينبغي أن يكون النكاح كالعتق لانه لا حرج فيها. قوله: (وصح تزوج مسلم ذمية عند ذميين) بيان لكون اشتراط إسلام الشاهد إنما هو إذا كانا مسلمين، أما إذا كانت ذمية فلا عندهما. وقال محمد: لا يجوز لان السماع في النكاح شهادة ولا شهادة للكافر على المسلم فكأنهما لم يسمعا كلام المسلم. ولهما أن الشهادة شرطت في النكاح على اعتبار إثبات الملك لوروده على محل ذي خطر لا على اعتبار وجوب المهر إذ لا شهادة تشترط في لزوم المال وهما شاهدان عليها بخلاف ما إذا لم يسمعا كلامه لان العقد ينعقد بكلاميهما والشهادة شرط على العقد، أطلق في الذميين فشمل ما إذا كانا موافقين لها في الملة أو مخالفين. كذا في البدائع. وقيد بصحة العقد لان أداءهما عند القاضي عند إنكار المسلم غير صحيح إجماعا وعند إنكارها مقبول عندهما مطلقا، وعند محمد إن قالا كان معنا مسلمان وقت العقد قبل وإلا فلا. وكذا إذا أسلما وأديا فعلى هذا الخلاف. كذا في شرح الطحاوي. وعن محمد لا تقبل شهادتهما مطلقا. قال في البدائع: وهو الصحيح من مذهبه لانها قامت على إثبات فعل المسلم على نكاح فاسد. فروع: شهد نصرانيان بإسلام نصراني فجحد لا تقبل، وعلى نصرانية تقبل. شهد نصرانيان على كافر بأجرة لمسلم تقبل لا في عكسه. شهد نصرانيان باستحقاق ما اشت رى نصراني من مسلم لنصراني لا تقبل خلافا لابي يوسف. قوله: (ومن أمر رجلا أن يزوج صغيرته فزوجها عند رجل والاب حاضر صح وإلا

[ 161 ]

فلا) لان الاب يجعل مباشرا للعقد باتحاد المجلس ليكون الوكيل سفيرا ومعبرا فبقي المزوج شاهدا، وإن كان الاب غائبا لم يجز لان المجلس مختلف فلا يمكن أن يجعل الاب مباشرا وهذا هو المعتمد خلافا لما في النهاية من إمكان جعل الاب شاهدا من غير نقل عبارة الوكيل إليه، ولم أر من نبه على ثمرة هذا الاختلاف، وقد ظهر لي أن ثمرته في موضعين: الاول أن وكيل الاب لو كان امرأة فعلى المعتمد لا ينعقد بحضور رجل بل لا بد من امرأة أخرى، وعلى ما في النهاية ينعقد. ولو كان الآمر بتزويج الصغيرة أمها انعكس الحكم الثاني لو شهد الاب بالنكاح بعد بلوغها وهي تنكر، فعلى طريقة ما في النهاية ينبغي أن تقبل لانه شاهد لا مزوج، وعلى المعتمد لا تقبل لانه مزوج. ولو كان الآمر الاخ أو العم فشهد لها أو عليها فعلى ما في النهاية تقبل، وعلى المعتمد لا تقبل فليتأمل. وعبارة النقاية هنا أخصر وأفود حيث قال: والوكيل شاهد إن حضر موكله كالولي إن حضرت موليته بالغة اه‍. ولانه لا فرق بين أن يكون المأمور رجلا أو امرأة، فإن كان رجلا اشترط أن يكون معه رجل آخر أو امرأتان، وإن كان امرأة اشترط أن يكون معها رجلان أو رجل وامرأة. وبه علم أن قوله عند رجل ليس بقيد لان المرأتين كذلك. وقيد بكون المولية بالغة لانها لو كانت صغيرة لا يكون الولي شاهدا لان العقد لا يمكن نقله إليها. وعلى هذا فلا حاجة إلى قوله كالولي لانه في هذه الحالة وكيل فدخل تحت الاول. وقيد بحضرة موكله لانه لو وكل المولى رجلا في تزويج عبده فزوجه الوكيل بشهادة واحد والعبد حاضر لم يجز لان العقد لم ينتقل إليه لعدم التوكيل من جهته، وإن أذن لعبده أن يتزوج فتزوج بشهادة المولى ورجل آخر فالصواب أنه يجوز ويكون المولى شاهدا لان العبد يتصرف بأهلية نفسه والاذن فك الحجر وليس بتوكيل.

[ 162 ]

وصححه في فتح القدير. ولو زوج المولى عبده البالغ امرأة بحضرة رجل واحد والعبد حاضر صح لان المولى يخرج من أن يكون مباشرا فينتقل إلى العبد والمولى يصلح أن يكون شاهدا، وإن كان العبد غائبا لم يجز. وقال المرغيناني: لا يجوز فكان في المسألة روايتان.، ورجح في فتح القدير عدم الجواز لان مباشرة السيد ليس فكا للحجر عنهما في التزوج مطلقا، والاصح في مسألة وكيله. ثم إذا وقع التجاحد بين الزوجين في هذه المسائل فللمباشر أن يشهد وتقبل شهادته إذا لم يذكر أنه عقده بل قال هذه امرأته بعقد صحيح ونحوه، وإن بين لا تقبل شهادته على فعل نفسه. واختلفوا فيما إذا قال هذه امرأته ولم يشهد بالعقد، والصواب أنها تقبل ولا حاجة إلى إثبات العقد، فقد حكي عن أبي القاسم الصفار أن من تولى نكاح امرأة من رجل وقد مات الزوج والورثة ينكرون هل يجوز للذي تولى العقد أن يشهد؟ قال: نعم. وينبغي أن يذكر العقد لا غير فيقول هذه منكوحته وكذلك قالوا في الاخوين إذا زوجا أختهما ثم أرادا أن يشهدا على النكاح ينبغي أن يقولا هذه منكوحته. كذا في الذخيرة. وفي الفتاوى: بعث أقواما للخطبة فزوجها الاب بحضرتهم فالصحيح الصحة وعليه الفتوى لانه لا ضرورة في جعل الكل خاطبين فيجعل المتكلم فقط والباقي شهود. كذا في فتح القدير. وفي الخلاصة: المختار عدم الجواز. وفي المحيط: واختار الصدر الشهيد الجواز اه‍. والله تعالى أعلم. فصل في المحرمات شروع في بيان شرط النكاح أيضا فإن منه كون المرأة محلله لتصير محلا له. وأفرد بفصل على حدة لكثرة شعبه. واختلف الاصوليون في إضافة التحريم إلى الاعيان فقيل مجاز

[ 163 ]

والمحرم حقيقة الفعل، ورجحوا أنه حقيقة. وانتفاء محلية المرأة للنكاح شرعا بأسباب تسعة: الاول المحرمات بالنسب وهن فروعه وأصوله وفروع أبويه وإن نزلوا وفروع أجداده وجداته إذا انفصلوا ببطن واحد. الثاني المحرمات بالمصاهرة وهن فروع نسائه المدخول بهن وأصولهن وحلائل فروعه وحلائل أصوله. والثالث المحرمات بالرضاع وأنواعهن كالنسب. والرابع حرمة الجمع بين المحارم وحرمة الجمع بين الاجنبيات كالجمع بين الخمس. والخامس حرمة التقديم وهو تقديم الحرة على الامة جعله في النهاية والمحيط قسما على حدة، وأدخله الزيلعي في حرمة الجمع فقال: وحرمة الجمع بين الحرة والامة والحرة متقدمة وهو الانسب. والسادس المحرمة لحق الغير كمنكوحة الغير ومعتدته والحامل بثابت النسب. والسابع المحرمة لعدم دين سماوي كالمجوسية والمشركة. والثامن المحرمة للتنافي كنكاح السيدة مملوكها. والتاسع لم يذكره الزيلعي وكثير وهو المحرمة بالطلقات الثلاث. ذكره في المحيط والنهاية. وقد ذكر المصنف في هذا الفصل سبعة منها، وذكر المحرمة بالطلقات الثلاث في فصل من تحل به المطلقة ثلاثا من الرجعة ولم يصرح بالحرمة لحق الغير لظهوره قوله: (حرم تزوج أمه وبنته وإن بعدتا) لقوله تعالى * (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم) * (النساء: 23) واختلف في توجيه حرمة الجدات وبنات البنات، فقيل بوضع اللفظ وحقيقته لان الام في اللغة الاصل، والبنت الفرع، فيكون الاسم حينئذ من قبيل المشكك. وقيل بمجازه لا أنه جمع بين الحقيقة والمجاز بل بعموم المجاز فيراد بالام الاصل أيضا وبالبنت الفرع فيدخلان في عمومه، والمعرف لارادة ذلك في النص الاجماع على حرمتهن. وقيل بدلالة النص المحرم للعمات والخالات وبنات الاخ والاخت، ففي الاول لان الاشقاء منهن أولاد الجدات فتحريم الجدات وهن أقرب أولى، وفي الثاني لان بنات الاولاد أقرب من بنات الاخوة وكل من التوجيهات صحيح. ودخل في البنت بنته من الزنا فتحرم عليه بصريح النص المذكور لانها بنته لغة، والخطاب إنما هو باللغة العربية ما لم يثبت نقل كلفظ الصلاة ونحوه فيصير منقولا شرعا. وكذا أخته من الزنا وبنت أخيه وبنت أخته أو ابنه منه بأن زنى أبوه أو أخوه أو أخته أو ابنه

[ 164 ]

فأولدوا بنتا فإنها تحرم على الاخ والعم والخال والجد. وصورته في هذه المسائل أن يزني ببكر. ويمسكها حتى تلد بنتا كما في فتح القدير من بحث أن الزنا يوجب المصاهرة ودخل بنت الملاعنة أيضا فلها حكم البنت هنا، فلولا عن فنفى القاضي نسبها من الرجل وألحقها بالام لا يجوز للرجل أن يتزوجها لانه بسبيل من أن يكذب نفسه ويدعيها فيثبت نسبها منه. كذا في فتح القدير. وقد قدمنا في باب المصرف عن المعراج أن ولد أم الولد الذي نفاه لا يجوز دفع الزكاة إليه، ومقتضاه ثبوت البنتية فيما يبنى على الاحتياط فلا يجوز لولده أن يتزوجها لانها أخته احتياطا ويتوقف على نقل. ويمكن أن يقال في بنت الملاعنة إنها تحرم باعتبار أنها ربيبة وقد دخل بأمها لا لما تكلفه في الفتح كما لا يخفى. قوله: (وأخته وبنتها وبنت أخيه وعمته وخالته) للنص الصريح ودخل فيه الاخوات المتفرقات وبناتهن وبنات الاخوة المتفرقين والعمات والخالات المتفرقات لان الاسم يشمل الكل، وكذا يدخل في العمات والخالات أولاد الاجداد والجدات وإن علوا، وكذا عمة جده وخالته وعمة جدته وخالاتها لاب وأم أو لاب أو لام، وذلك كله بالاجماع. وفي الخانية: وعمة العمة لاب وأم كذلك، وأما عمة العمة لاب لا تحرم اه‍. وفي المحيط: وأما عمة العمة فإن كانت العمة القربى عمة لاب وأم أو لاب فعمة العمة حرام لان القربى إذا كانت أخت أبيه لاب وأم أو لاب فإن عمتها تكون أخت جده أب الاب وأخت أب الاب حرام لانها عمته، وإن كان القربى عمة لام فعمة العمة لا تحرم عليه لان أبا العمة يكون زوج أم أبيه فعمتها تكون أخت زوج الجدة أم الاب وأخت زوج الام لا تحرم فأخت زوج الجدة أولى

[ 165 ]

أن لا تحرم، وأما خالة الخالة فإن كانت الخالة القربى خالة لاب وأم أو لام فخالتها تحرم عليه، فإن كانت القربى خالة لاب فخالتها لا تحرم عليه لان أم الخالة القربى تكون امرأة الجد أبي الام لا أم أمه وأختها تكون أخت امرأة أبي الام وأخت امرأة الجد لا تحرم عليه اه‍. وكما يحرم على الرجل أن يتزوج بمن ذكر يحرم على المرأة التزوج بنظير من ذكر. وعبارة النقاية أولى وهي: وحرم أصله أي التزوج ذكرا كان أو أنثى، وفرعه وفرع أصله القريب وصلبية أصله البعيد قوله: (وأم امرأته) بيان لما ثبت بالمصاهرة لقوله تعالى * (وأمهات نسائكم) * (النساء: 23) أطلقه فلا فرق بين كون امرأته مدخولا بها أو لا، وهو مجمع عليه عند الائمة الاربعة، وتوضيحه في الكشاف. ويدخل في لفظ الامهات جداتها من قبل أبيها وأمها وإن علون. وقيد بالمرأة فانصرف إلى النكاح الصحيح فإن تزوجها فاسدا فلا تحرم أمها بمجرد العقد بل بالوطئ أو ما يقوم مقامه من المس بشهوة والنظر بشهوة لان الاضافة لا تثبت إلا بالعقد الصحيح، وإن كانت أمته فلا تحرم أمها إلا بالوطئ أو دواعيه لان لفظ النساء إذا أضيف إلى الازواج كان المراد منه الحرائر كما في الظهار والايلاء قوله: (وبنتها أن دخل بها) لقوله تعالى * (وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم) * (النساء: 23) قال في الكشاف: فإن قلت ما معنى دخلتم بهن؟ قلت: هو كناية عن الجماع كقولهم بنى عليها وضرب عليها الحجاب. وذكر الحجر في الآية خرج مخرج العادة أو ذكر للتشنيع عليهم لا لتعلق الحكم به نحو أضعاف مضاعفة في قوله تعالى * (لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة) * (آل عمران: 130) اه‍ وتفسير الحجر أن تزف البنت مع الام إلى بيت زوج الام، وأما إذا كانت البنت مع الاب لم تكن في حجر زوج الام. وفي المغرب: حجر الانسان بالفتح والكسر حضنه وهو ما دون إبطه إلى الكشح. ثم قالوا: فلان في حجر فلان أي في كنفه ومنعته كما في الآية اه‍. وأما بنات الربيبة وبنات أبنائها وإن سفلن فتثبت حرمتهن بالاجماع وبما ذكرنا أولا. وفي الكشاف: واللمس ونحوه يقوم مقام الدخول عند أبي حنيفة. وفي

[ 166 ]

التبيين: ويدخل في قوله وربائبكم بنات الربيبة والربيب لان الاسم يشملهن بخلاف حلائل الابناء والآباء لان الاسم خاص بهن فلا يتناول غيرهن اه‍. يعني فلا تحرم بنت زوجة الابن ولا بنت ابن زوجة الابن ولا بنت زوجة الاب ولا بنت ابن زوجة الاب. قوله: (وامرأة أبيه وابنه وإن بعدا) أما حليلة الاب فبقوله تعالى * (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) * (النساء: 22) فتحرم بمجرد العقد عليها والآية المذكورة استدل بها المشايخ كصاحب النهاية وغيره على ثبوت حرمة المصاهرة بالزنا بناء على إرادة الوطئ بالنكاح، فإن أريد به حرمة امرأة الاب والجد ما يطابقها من إرادة الوطئ قصر عن إفادة تمام الحكم المطلوب حيث قال: ولا بامرأة أبيه. وتصدق امرأة الاب بعقده عليها وإلا لم يفد الحكم في ذلك المحل. وإنما يصح على اعتبار لفظ النكاح في نكاح الآباء في معنى مجازي يعم العقد والوطئ ولك النظر في تعيينه ويحتاج إلى دليل يوجب اعتبارها في المجازي، وليس لك أن تقول ثبتت حرمة الموطوءة بالآية والمعقود عليها بلا وطئ بالاجماع لانه إذا كان الحكم الحرمة بمجرد العقد ولفظ الدليل صالح له كان مرادا منه بلا شبهة فإن الاجماع تابع للنص أو القياس عن أحدهما يكون ولو كان عن علم ضروري يخلق لهم يثبت بذلك أن ذلك الحكم مراد من كلام الشارع إذا احتمله. كذا في فتح القدير. وقول الزيلعي إن الآية تتناول منكوحة الاب وطأ وعقدا صحيحا وإن كان فيه جمع بين الحقيقة والمجاز لانه نفي، وفي النفي يجوز الجمع بينهما كما يجوز في المشترك أن يعم جميع معانيه في النفي اه‍. ضعيف في الاصول والصحيح أنه لا يجوز الجمع بينهما لا في النفي ولا في الاثبات ولا عموم للمشترك مطلقا. قال الاكمل في التقرير: والحق أن النفي لما اقتضاه الاثبات فإن اقتضى الاثبات الجمع بين المعنيين فالنفي كذلك وإلا فلا. وأما مسألة اليمين المذكورة في المبسوط: حلف لا يكلم مولاك وله أعلون وأسفلون أيهم كلم حنث. فليس باعتبار عموم المشترك في النفي كما توهمه

[ 167 ]

البعض وإنما هو لان حقيقة الكلام متروكة بدلالة اليمين إلى مجاز يعمهما وهو أن يكون الموالي من تعلق به عتق وهو بعمومه يتناول الاعلى والاسفل اه‍. لكن اختار المحقق في التحرير أنه يعم في النفي لانه نكرة في النفي والمنفي ما سمي باللفظ وتمام تحقيقة في الاصول. فالحاصل أن الاولى أن النكاح في الآية للعقد كما هو المجمع عليه، ويستدل لثبوت حرمة المصاهرة بالوطئ الحرام بدليل آخر. وفي المحيط: رجل له جارية فقال قد وطئتها لا تحل لابنه، وإن كانت في غير ملكه فقال قد وطئتها يحل لابنه أن يكذبه ويطأها لان الظاهر يشهد له. ولو اشترى جارية من ميراث أبيه يسعه أن يطأها حتى يعلم أن الاب وطئها تزوج امرأة على أنها بكر فلما أراد مجامعتها وجدها مفتضة قال لها من افتضك؟ فقالت: أبوك. إن صدقها الزوج بانت منه ولا مهر لها، وإن كذبها فهي امرأته اه‍. وأما حليلة الابن فبقوله تعالى * (وحلائل أبنائكم الذي من أصلابكم) * (النساء: 23) فإن اعتبرت الحليلة من حلول الفراش أو حل الازار تناولت الموطوءة بملك اليمين أو شبهة أو زنى فيحرم الكل على الآباء وهو الحكم الثابت عندنا، ولا يتناول المعقود عليها للابن أو بنيه وإن سفلوا قبل الوطئ، والفرض أنها بمجرد العقد تحرم على الآباء وذلك باعتباره من الحل - بكسر الحاء - وقد قام الدليل على حرمة المزني بها للابن على الاب فيجب اعتباره في أعم من الحل والحل. ثم يراد بالابناء الفروع فتحرم حليلة الابن السافل على الجد الاعلى، وكذا حليلة ابن البنت وإن سفل، وكما تحرم حليلة الابن من النسب تحرم حليلة الابن من الرضاع. وذكر الاصلاب في الآية لاسقاط حليلة الابن المتبني. كذا في فتح القدير. والظاهر أن الحليلة الزوجة كما في المغرب فتحرم زوجة الابن على الاب مطلقا بالآية، وأما حرمة من وطئها ممن ليس بزوجة فبدليل آخر، وكونها من حلول الفراش لا يقتضي تناولها للموطوءة بملك اليمين وغيره بل لا بد من قيد الزوجية، فإن صاحب المغرب فسرها بالزوجة ثم قال: لانها تحل زوجها في فراش. قوله: (والكل رضاعا) بيان للنوع الثالث وهو أن ما يحرم بالنسب والصهرية يحرم بالرضاع للآية والحديث حتى لو أرضعت امرأة صبيا حرم عليه زوجة زوج الظئر الذي نزل لبنها منه لانها امرأة أبيه من الرضاعة، ويحرم على زوج الظئر امرأة هذا الصبي لانها امرأة ابنه من الرضاعة. وفي شرح الوقاية: وهذا يشمل عدة أقسام كبنت الاخت مثلا تشمل البنت الرضاعية للاخت النسبية

[ 168 ]

والبنت النسبية للاخت الرضاعية والبنت الرضاعية للاخت الرضاعية ا ه‍. ولم يستثن المصنف هنا شيئا واستثنى في كتاب الرضاع أم أخيه وأخت ابنه، وسيأتي إن شاء الله تعالى أنه لا حاجة إليه عند المحققين لان المعنى الذي لاجله حرم في النسب لم يكن موجودا فيهما واستثنى بعضهم إحدى وعشرين صورة وجمعها في قوله: يفارق النسب الارضاع في صور كأم نافلة أو جدة الولد وأم عم وأخت ابن وأم أخ وأم خال وعمة ابن اعتمد لان كل واحد من هذه السبع إما أن يكون المضاف رضاعيا والمضاف إليه نسبيا أو عكسه، أو كل منهما رضاعيا فيجوز له نكاح أم أخيه رضاعا، سواء كانت الام رضاعية وحدها أو نسبية وحدها أو كل منهما رضاعيا وكذا في بقية الصور قوله: (والجمع بين الاختين نكاحا ووطئا بملك يمين) بيان للنوع الرابع وهو الجمع بين المحارم، أما الاول فلقوله تعالى * (وإن تجمعوا بين الاختين) * (النساء: 23) وأما الثاني فللحديث من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمعن ماءه في رحم أختين وليس حرمة الجمع بينهما لقطع الرحم لما في المبسوط. ولا يجمع الرجل بين أختين من الرضاعة ولا بين امرأة وابنة أختها أو ابنة أخيها، وكذلك كل امرأة ذات محرم منها من الرضاعة للاصل الذي بينا أن كل امرأتين لو كانت إحداهما ذكرا والاخرى أنثى لم يجز للذكر أن يتزوج الانثى فإنه يحرم الجمع بينهما بالقياس على حرمة الجمع بين الاختين فكذلك من الرضاعة. وتبين بهذا أن حرمة هذا الجمع ليس لقطيعة الرحم فإنه ليس بين الرضيعين رحم وحرمة الجمع بينهما ثابتة ا ه‍. وسيأتي حديث يرده فلو قدموا حرمة الجمع على قولهم والكل رضاعا لكان أولى كما لا يخفى، وتفرع على عدم الفرق بين الاختين نسبا ورضاعا أنه لو كان له زوجتان رضيعتان أرضعتهما أجنبية فسد نكاحهما، والمراد بالنكاح في المختصر العقد. وقوله بملك يمين متعلق بالوطئ فأفاد أنه يجوز الجمع بينهما ملكا بدون الوطئ قوله: (فلو تزوج أخت أمته الموطوءة لم يطأ واحدة منهما حتى يبيعها) بيان لشيئين: أحدهما صحة نكاح الاخت مع كون أختها موطوءة له بملك اليمين لصدوره من أهله مضافا إلى محله وأورد عليه أن المنكوحة موطوءة حكما باعترافكم فيصير بالنكاح جامعا وطئا حكما وهو باطل، وجوابه أن لزوم الجمع بينهما وطئا حكما ليس بلازم لان بيده إزالته فلا يضر بالصحة ويمنع من الوطئ بعدها لقيامه إذا ذاك. أطلق في الاخت

[ 169 ]

المتزوجة فشمل ما إذا كانت أمة أو حرة. ثانيهما حرمة وطئ واحدة منهما حتى يبيعها لانه لو جامع المنكوحة يصير جامعا بينهما وطئا حقيقة، ولو جامع المملوكة يصير جامعا بينهما حقيقة وحكما. والمراد بالبيع أنه يحرم الموطوءة على نفسه بسبب من الاسباب فحينئذ يطأ المنكوحة لعدم الجمع كالبيع كلا أو بعضا والتزويج الصحيح والهبة مع التسليم والاعتاق كلا أو بعضا والكتابة، وأما التزويج الفاسد فلا عبرة به إلا إذا دخل بها فتحرم يحنئذ الموطوءة لوجوب العدة عليها فتحل حينئذ المنكوحة. وكذا المراد بالتزويج في المختصر النكاح الصحيح فلو تزوج الاخت نكاحا فاسدا لم تحرم عليه أمته الموطوءة إلا إذا دخل بالمنكوحة فحينئذ تحرم الموطوءة لوجود الجمع بينهما حقيقة ولا يؤثر الاحرام والحيض والنفاس والصوم، وكذا الرهن والاجارة والتدبير لان فرجها لا يحرم بهذه الاسباب. كذا في التبيين من فصل الاستبراء، وإذا عادت الموطوءة إلى ملكه بعد الاخراج، سواء كان بفسخ أو بشراء جديد لم يحل وطئ واحدة منهما حتى يحرم الامة على نفسه بسبب كما كان أولا. وأطلق في الامة فشمل أم الولد كما في غاية البيان، وقيد بكونها موطوءة لانه لو لم يكن وطئها جاز له وطئ المنكوحة لان المرقوقة ليست بموطوءة حكما فلم يصر جامعا بينهما وطأ لا حقيقة ولا حكما. وأشار المصنف إلى أنه لو تزوج جارية ولم يطأها حتى ملك أختها فليس له أن يطأ المشتراة لان المنكوحة موطوءة حكما، وإلى أنه لو ملك أختين له أن يطأ إحداهما فإذا وطئ إحداهما ليس له وطئ الاخرى بعد ذلك، وإلى أنه لو ملك جارية فوطئها ثم ملك أختها كان له أن يطأ الاولى وليس له وطئ الاخرى ما لم يحرم فرج الاولى على نفسه، ولو وطئها أثم ثم لا يحل له وطئ واحدة منهما حتى يحرم الاخرى بسبب. قوله: (ولو تزوج أختين في عقدين ولم يدر الاول فرق بينه وبينهما) لان نكاح إحداهما باطل بيقين ولا وجه إلى التعيين لعدم الاولوية ولا إلى التنفيذ مع التجهيل لعدم الفائدة أو للضرر فتعين التفريق وطولب بالفرق بين هذا وبين ما إذا طلق إحدى نسائه بعينها ونسيها حيث يؤمر بالتعيين ولا يفارق الكل. وأجيب بإمكانه هناك لا هنا لان نكاحهن كان متيقن

[ 170 ]

الثبوت فله أن يدعي نكح من شاء بعينه منهن تمسكا بما كان متيقنا ولم يثبت هنا نكاح واحدة منهما بعينها، فدعواه حينئذ تمسك بما لم يتحقق ثبوت. ومعنى فرق بينه وبينهما أنه يفترض عليها مفارقتهما، ولو علم القاضي بذلك وجب عليه أن يفرق بينهما دفعا للمعصية بقدر الامكان كما في المحيط، ولم يذكر في المختصر أن هذا التفريق طلاق أو فسخ. وفي فتح القدير: والظاهر أنه طلاق حتى ينقص من طلاق كل منهما طلقة لو تزوجها بعد ذلك فإن وقع قبل الدخول فله أن يتزوج أيتهما شاء للحال أو بعده فليس له التزوج بواحدة منهما حتى تنقضي عدتهما، وإن انقضت عدة إحداهما دون الاخرى فله تزو التي لم تنقض عدتها دون الاخرى كيلا يصير جامعا، وإن وقع بعده بإحداهما فله أن يتزوجها في الحال دون الاخرى فإن عدتها تمنع من تزوج أختها ا ه‍. وقيد بكونه تزوجهما في عقدين إذ لو كانا في عقد واحد بطلا يقينا، وقيده في المحيط بأن لا تكون إحداهما مشغولة بنكاح الغير أو عدته، فإن كانت كذلك صح نكاح الفارغة لعدم تحقق الجمع بينهما كما لو تزوجت امرأة زوجين في عقد واحد وأحدهما متزوج بأربع نسوة فإنها تكون زوجة للآخر لانه لم يتحقق الجمع بين رجلين إذا كانت هي لا تحل لاحدهما ا ه‍. فإذا كانا في عقد واحد فرق بينها وبينهما أيضا فإن كان قبل الدخول فلا مهر لهما ولا عدة عليهما، وإن دخل بهما وجب لكل الاقل من المسمى ومن مهر المثل كما هو حكم النكاح الفاسد وعليهما العدة. وقيده بعدم علم العقد الاول إذ لو علم فهو الصحيح والثاني باطل وله وطئ الاولى إلا أن يطأ الثانية فتحرم الاولى إلى انقضاء عدة الثانية كما لو وطئ أخت امرأته بشبهة حيث تحرم امرأته ما لم تنقض عدة ذات الشبهة. وفي الدراية عن الكامل: لو زنى بإحدى الاختين لا يقرب الاخرى حتى تحيض الاخرى حيضة. واستشكله في فتح القدير ولم يبينه، ووجهه أنه لا اعتبار لماء الزاني ولذا لو زنت امرأة رجل لم تحرم عليه وجاز له وطؤها عقب الزنا. ولو قال المصنف ولو تزوج أختين قي عقدين معا أو لم يدر الاول فرق بينه وبينهما لكان أفود لما في الذخيرة معزيا

[ 171 ]

إلى الجامع: لو وكل رجل رجلا أن يزوجه امرأة ووكل رجلا آخر بمثل ذلك فزوجه كل واحد منهما امرأة وهما أختان من الرضاع ووقع العقدان منهما معا فهما باطلان لان عبارة الوكيل في باب النكاح منقولة إلى الموكل، فإذا خرج الكلامان معا صار كأن الموكل خاطبهما بالنكاح، فلو لم يوكلهما وإنما كانا فضوليين ووقعا معا فللزوج أن يجيز نكاح إحداهما، ولو خرج إيجاب الاختين معا بأن قالت كل واحدة منهما لرجل واحد زوجت نفسي منك بكذا وخرج الكلام منهما معا فقبل الزوج نكاح إحداهما فهو جائز لعدم الجمع من الزوج، وأما من الاختين فلان كل واحدة زوجت نفسها على حدة ولا ولاية لاحداهما على صاحبتها حتى ينقل كلام كل إلى الاخرى. ولو بدأ الزوج فقال تزوجتكما كل واحدة منكما بألف فقالت إحداهما رضيت وأبت الاخرى فنكاحها باطل لوجود الجمع في الخطاب بينهما في إحدى شطري العقد وأنه كاف للفساد، ألا ترى أن رجلا لو قال لخمس نسوة قد تزوجتكن على ألف فقالت إحداهما رضيت لا يجوز نكاحهن لوجود الجمع من جانب الزوج فعلم به أن الجمع في إحدى شطري العقد يوجب الفساد كالجمع في شطري العقد ا ه‍. مع بعض اختصار منه. قوله: (ولهما نصف المهر) لانه وجب للاولى منهما وانعدمت الاولوية للجهل بالاولية فيصرف إليهما. أطلقه وهو مقيد بأربعة قيود كما قالوا: الاول أن يكون المهر مسمى في العقد فلو لم يكن مسمى وجبت متعة واحدة لهما بدل نصف المهر وتركه اعتمادا على ما يصرح به في باب المهر. الثاني أن يكون مهراهما متساويين إذ لو كانا مختلفين يقضى لكل واحدة منهما بربع مهرها ولا حاجة إلى التقييد به لانه لم يقل ولهما نصف المهر على السواء

[ 172 ]

حتى يرد عليه ذلك. الثالث أن يكون قبل الدخول إذ لو كانت الفرقة بعد الدخول يجب لكل واحدة المهر كاملا لانه استقر بالدخول فلا يسقط منه شئ، ولا حاجة إلى التقييد به لان نصف المهر حكم الفرقة قبل الدخول مع أنه مشكل بل إذا كان بعد الدخول فإنه يقضى بمهر كامل وعقر كامل، ويجب حمله على ما إذا اتحد المسمى لهما قدرا وجنسا، أما إذا اختلفا فيتعذر إيجاب عقر إذ ليست إحداهما أولى بجعلها ذات العقد من الاخرى لانه فرع الحكم بأنها الموطوءة في النكاح الفاسد. الرابع أن تدعي كل واحدة منهما أنها الاولى ولا بينة لهما، أما إذا قالتا لا ندري أي النكاحين أول لا يقضى لهما بشئ لان المقضى له مجهول وهو يمنع صحة القضاء كمن قال لرجلين لاحدهما على ألف لا يقضى لاحدهما بشئ إلا أن يصطلحا بأن يتفقا على أخذ نصف المهر منه فيقضى لهما به، وهذا القيد الرابع زاده أبو جعفر الهندواني، فظاهر الهداية تضعيفه لكنه حسن يندفع به قول أبي يوسف أنه لا شئ لهما لجهالة المقضى له، والمروي عن محمد من وجوب مهل كامل لهما لاقرار الزوج بجواز نكاح إحداهما أبعد لاستلزامه إيجاب الشئ مع تحقق عدم لزومه فإن إيجاب كماله حكم الموت أو الدخول حقيقة أو حكما وهو مفقود. وفي التبيين: وكل ما ذكرنا من الاحكام بين الاختين فهو الحكم بين كل من لا يجوز جمعه من المحارم. قوله: (وبين امرأتين أية فرضت ذكر أحرم النكاح) أي حرم الجمع بين امرأتين إذا كانتا بحيث لو قدرت إحداهما ذكرا حرم النكاح بينهما أيتهما كانت المقدرة ذكرا كالجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها، والجمع بين الام والبنت نسبا أو رضاعا لحديث مسلم لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا على ابنة أخيها ولا على ابنة أختها (1) وهذا مشهور يجوز تخصيص عموم الكتاب * (وأحل لكم ما وراء ذلكم) * (النساء: 24) به ويدل على اعتبار الاصل المذكور ما ثبت في الحديث برواية الطبراني وهو قوله فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم ولرواية أبي داود: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة على قرابتها مخافة القطيعة. فأوجب تعدي الحكم المذكور إلى كل قرابة يفرض وصلها وهو ما تضمنه الاصل

[ 173 ]

المذكور فيتخرج عليه حرمة الجمع بين عمتين وخالتين، وذلك أن يتزوج كل من الرجلين أم الآخر فيولد لكل منهما بنت فتكون كل من البنتين عمة للاخرى، أو يتزوج كل من رجلين بنت الآخر ويولدلهما بنتان فكل من البنتين خالة للاخرى. وبما قرر علم أن العلة خوف القطيعة، وظهر به ضعف ما قدمناه عن المبسوط من أن العلة ليس ذلك إذ لا قرابة بين الاختين رضاعا. وجوابه أن حرمة الجمع بينهما للحديث يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. والمراد بالحرمة في قوله حرم النكاح الحرمة المؤبدة، أما المؤقتة فلا تمنع ولذا لو تزوج أمة ثم سيدتها فإنه يجوز كما في الجامع والزيادات لانها حرمة مؤقتة بزوال ملك اليمين. وقيل: لا يجوز تزوج السيدة عليها نظرا إلى مطلق الحرمة كما في القنية. وقيد بقوله أية فرضت لانه لو جاز نكاح إحداهما على تقدير مثل المرأة وبنت زوجها أو امرأة ابنها فإنه يجوز الجمع بينهما عند الائمة الاربعة، وقد جمع عبد الله بن جعفر بين زوجة علي وبنته ولم ينكر عليه أحد. وبيانه أنه لو فرضت بنت الزوج ذكرا بأن كان ابن الزوج لم يجز له أن يتزوج بها لانها موطوءة أبيه، ولو فرضت المرأة ذكرا لجاز له أن يتزوج ببنت الزوج لانها بنت رجل أجنبي، وكذلك بين المرأة وامرأة ابنها فإن المرأة لو فرضت ذكرا لحرم عليه التزوج بامرأة ابنه، ولو فرضت امرأة الابن ذكرا لجاز له التزوج بالمرأة لانه أجنبي عنها. قالوا: ولا بأس أن يتزوج الرجل امرأة ويتزوج ابنه أمها أو بنتها لانه لا مانع وقد تزوج محمد بن الحنفية امرأة وزوج ابنه بنتها. قوله: (والزنا واللمس والنظر بشهوة يوجب حرمة المصاهرة) وقال الشافعي: الزنا لا يوجب حرمة المصاهرة لانها نعمة فلا تنال بالمحظور. ولنا أن الوطئ سبب الجزئية بواسطة الولد حتى يضاف إلى كل واحد منهما كملا فيصير أصولها وفروعها كأصوله وفروعه وكذلك على العكس والاستمتاع بالجزء حرام إلا في موضع الضرورة وهي الموطوءة والوطئ محرم من حيث إنه سبب الولد لا من حيث إنه زنا، واللمس والنظر سب داع إلى الوطئ فيقام مقامه

[ 174 ]

في موضع الاحتياط. كذا في الهداية. ولم يستدل بقوله تعالى * (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم) * (النساء: 22) كما فعل الشارحون لما قدمنا أنه لا يصلح الاستدلال به. أراد بالزنا الوطئ الحرام وإنما قيد به لانه محل الخلاف، أما لو وطئ المنكوحة نكاحا فاسدا أو المشتراة فاسدا أو الجارية المشتركة أو المكاتبة أو المظاهر منها أو الامة المجوسية أو زوجته الحائض أو النفساء أو كان محرما أو صائما فإنه يثبت حرمة المصاهرة اتفاقا. وبه علم أن الاعتبار لعين الوطئ لا لكونه حلالا أو حراما، وليفيد أنه لا بد أن تكون المرأة حية لانه لو وطئ الميتة فإنه لا تثبت حرمة المصاهرة كما في الخانية، وليفيد أنه لا بد أن يكون في القبل لانه لو وطئ المرأة في

[ 175 ]

الدبر فإنه لا يثبت حرمة المصاهرة وهو الاصح، لانه ليس بمحل الحرث فلا يفضي إلى الولد كما في الذخيرة، وسواء كان بصبي أو امرأة كما في غاية البيان، وعليه الفتوى كما في الواقعات. ولانه لو وطئها فأفضاها لا تحرم عليه أمها لعدم تيقن كونه في الفرج إلا إذا حبلت وعلم كونه منه، وأورد عليهما أن الوطئ في المسألتين حقه أن يكون سببا للحرمة كالمس بشهوة سبب لها بل الموجود فيهما أقوى منه. وأجيب بأن العلة هي الوطئ السبب للولد وثبوت الحرمة بالمس ليس إلا لكونه سببا لهذا الوطئ ولم يتحقق في الصورتين، وليفيد أنه لا بد أن يكون بغير حائل يمنع وصول الحرارة فلو جامعها بخرقة على ذكره لا تثبت الحرمة كما في الخلاصة، وليفيد أن الموطوءة لا بد أن تكون مشتهاة حالا أو ماضيا لان الزنا وطئ مكلف في قبل مشتهاة خال عن الملك وشبهته، فلو جامع صغيرة لا تشتهى لا تثبت الحرمة. وعن أبي يوسف ثبوتها قياسا على العجوز الشوهاء، ولهما أن العلة وطئ سبب للولد وهو منتف في الصغيرة التي لا تشتهى بخلاف الكبيرة لجواز وقوعه كما وقع لابراهيم وزكريا عليهما السلام. قال في فتح القدير: وله أن يقول الامكان العقلي ثابت فيهما والعادي منتف عنهما فتساويا، والقصتان على خلاف العادة لا توجب الثبوت العادي ولا يخرجان العادة عن النفي ا ه‍. وقد يقال إنها دخلت تحت حكم الاشتهاء فلا تخرج عنه بالكبر ولا كذلك الصغيرة

[ 176 ]

وليس حكم البقاء كالابتداء وفي الخانية: وقال الفقيه أبو الليث ما دون تسع سنين لا تكون مشتهاة وعليه الفتوى ا ه‍. فأفاد أنه لا فرق بين أن تكون سمينة أو لا ولذا قال في المعراج: بنت خمس لا تكون مشتهاة اتفاقا، وبنت تسع فصاعدا مشتهاة اتفاقا، وفيما بين الخمس والتسع اختلاف الرواية والمشايخ والاصح أنها لا تبثت الحرمة. وفي فتح القدير: وكذا تشترط الشهوة في الذكر حتى لو جامع ابن أربع سنين زوجة أبيه لا تثبت الحرمة. وفي الذخيرة خلافه وظاهر الاول أنه يعتبر فيه السن المذكور لها وهو تسع سنين، وكما يشترط كونها مشتهاة لثبوت الحرمة في الزنا فكذلك لثبوتها في الوطئ الحلال لما في الاجناس: لو تزوج صغيرة لا تشتهى فدخل بها وطلقها وانقضت عدتها وتزوجت بآخر جاز له تزوج بنتها. وأطلق في اللمس والنظر بشهوة فأفاد أنه لا فرق بين العمد والخطأ والنسيان والاكراه حتى لو أيقظ زوجته ليجامعها فوصلت يده إلى بنته منها فقرصها بشهوة وهي ممن تشتهى يظن أنها أمها حرمت عليه الام حرمة مؤبدة. ولك أن تصورها من جانبها بأن أيقظته هي لذلك فقرصت ابنه من غيرها. كذا في فتح القدير. وأطلق في اللمس فشمل كل موضع من بدنها. وفي الخانية: لو مس شعر امرأة عن شهوة قالوا: لا تثبت حرمة المصاهرة. وذكر في الكيسانيات أنها تثبت ا ه‍. وينبغي ترجيح الثاني لان الشعر من بدنها من وجه دون وجه كما قدمناه في الغسل فتثبت الحرمة احتياطا كحرمة النظر إليه من الاجنبية، ولذا جزم في المحيط بثبوتها. وفصل في الخلاصة فما على الرأس كالبدن بخلاف المسترسل. وانصرف اللمس إلى

[ 177 ]

أي موضع من البدن بغير حائل، وأما إذا كان بحائل فإن وصلت حرارة البدن إلى يده تثبت الحرمة وإلا فلا. كذا في أكثر الكتب. فما في الذخيرة من أن الشيخ الامام ظهير الدين يفتي بالحرمة في القبلة على الفم والذقن والخد والرأس وإن كان على المقنعة محمول على ما إذا كانت المقنعة رقيقة تصل الحرارة معها كما قدمناه. وقيد يكون اللمس عن شهوة لانه لو كان عن غير شهوة لم يوجب الحرمة. والمراهق كالبالغ ووجود الشهوة من أحدهما كاف فإن ادعتها وأنكرها فهو مصدق إلا أن يقوم إليها منتشرا فيعانقها لانه دليل الشهوة كما في الخانية. وزاد في الخلاصة في عدم تصديقه أن يأخذ ثديها أو يركب معها وتقبل الشهادة على الاقرار بالمس بشهوة وعلى الاقرار بالتقبيل بشهوة. وهل تقبل الشهادة على نفس اللمس والتقبيل عن شهوة؟ اختلف المشايخ فيه قال بعضهم لا تقبل واختاره ابن الفضل لانها أمر باطن لا يوقف عليها عادة، وقيل تقبل وإليه مال الامام علي البزدوي، وكذا ذكر محمد في نكاح الجامع لان الشهوة مما يوقف عليها في الجملة، إما بتحرك العضو أو بآثار أخر ممن لا يتحرك عضوه. كذا في الذخيرة. والمختار القبول كما في التجنيس. وفي فتح القدير: وثبوت الحرمة بلمسها مشروط بأن يصدقها ويقع في أكبر رأيه صدقها، وعلى هذا ينبغي أن يقال في مسه إياها لا تحرم على أبيه وابنه إلا أن يصدقها أو يغلب على ظنه صدقها، ثم رأيت عن أبي يوسف ما يفيد ذلك ا ه‍. وأطلق في اشتراط الشهوة في اللمس فأفاد أنه لا فرق بين التقبيل على الفم وبين غيره. وفي الجوهرة: لو مس أو قبل وقال لم أشته صدق إلا إذا كان اللمس على الفرج والتقبيل في الفم ا ه‍. ورجحه في فتح القدير قال: إلا أنه يتراءى على هذا أن الخد ملحق بالفم. وفي الول والجية:

[ 178 ]

إذا قبل أم امرأته أو امرأة أجنبية يفتى بالحرمة ما لم يتبين أنه قبل بغير شهوة لان الاصل في التقبيل هو الشهوة بخلاف المس ا ه‍. وكذا في الذخيرة إلا أنه قال: وظاهر ما أطلق في بيوع العيون يدل على أنه يصدق في القبلة سواء كانت على الفم أو على موضع آخر ا ه‍. وأطلق في النظر بشهوة للاختلاف في محله، فعند أبي يوسف النظر إلى منابت الشعر يكفي. وقال محمد: لا تثبت حتى ينظر إلى الشق. وعن أبي يوسف لا بد أن ينظر إلى الفرج الداخل ولن يتحقق ذلك إلا إذا كانت متكئة. واختاره في الهداية وصححه في المحيط والذخيرة، وفي الخانية وعليه الفتوى، وفي فتح القدير وهو ظاهر الرواية لان هذا حكم تعلق بالفرج والداخل فرج من كل وجه والخارج فرج من وجه، وأن الاحتراز عن الفرج الخارج متعذر فسقط اعتباره. ولا يقال إنه إذا تردد فالاحتياط القول بثبوتها لان هذا الحكم وهو التحريم بالمس والنظر ثبوته بالاحتياط فلا يجب الاحتياط في الاحتياط لكن صحح في الخلاصة النظر إلى موضع الشق عن شهوة فهو تصحيح لقول محمد السابق. وظاهر ما في الذخيرة وغيرها أنهم اتفقوا على أن النظر بشهوة إلى سائر أعضائها لا عبرة به ما عدا الفرج، وحينئذ فإطلاق المصنف في محل التقييد كما لا يخفى. والعبرة لوجود الشهوة عند المس والنظر حتى لو وجدا بغير شهوة ثم اشتهى بعد الترك لا تتعلق به حرمة. والنظر من وراء الزجاج يوجب حرمة المصاهرة بخلاف المرأة لانه لم ير فرجها وإنما رأى عكس فرجها، وكذا لو وقف على الشط فنظر إلى الماء فرأى فرجها لا يوجب الحرمة، ولو كانت هي في الماء فرأى فرجها تثبت الحرمة. ولم يذكر المصنف حد الشهوة للاختلاف فقيل لا بد أن تنتشر آلته إذا لم تكن منتشرة أو تزداد انتشارا إن كانت منتشرة. وقيل حدها أن يشتهي بقلبه إن لم يكن مشتهيا أو يزداد إن كان مشتهيا، ولا يشترط تحرك الآلة وصححه في المحيط والتحفة، وفي غاية البيان وعليه الاعتماد وصحح الاول في الهداية. وفائدة الاختلاف كما في الذخيرة تظهر في الشيخ الكبير والعنين والذي ماتت شهوته فعلى القول الاول لا تثبت الحرمة وعلى الثاني تثبت فقد اختلف التصحيح لكن في الخلاصة وبه يفتى أي بما في الهداية فكان هو المذهب، لكن ظاهر ما في التجنيس وفتح القدير أن ميل القلب كاف في الشيخ والعنين اتفاقا وأن محل الاختلاف فيمن يتأتى منه الانتشار إذ مال بقلبه ولم تنتشر آلته وهو أحسن مما في الذخيرة كما لا يخفى.

[ 179 ]

وأطلق المصنف ولم يقيد المس والنظر بشهوة بغير الانزال للاختلاف فيما إذا أنزل فقيل يوجب الحرمة. وفي الهداية: والصحيح أنه لا يوجبها لانه بالانزال تبين أنه غير مفض إلى الوطئ. وفي غاية البيان: وعليه الفتوى. فقد أطلق المصنف أيضا في محل التقييد، وأطلق في اللامس والملموس ليفيد أنه لا فرق بين الرجل والمرأة، فلو مست المرأة عضوا من أعضاء الرجل بشهوة أو نظرت إلى ذكره بشهوة تثبت الحرمة. وأطلق فيهما أيضا فشمل المس والنظر المباحين والمحرمين، وأراد بحرمة المصاهرة الحرمات الاربع: حرمة المرأة على أصول الزاني وفروعه نسبا ورضاعا، وحرمة أصولها وفروعها على الزاني نسبا ورضاعا كما في الوطئ الحلال ويحل لاصول الزاني وفروعه أصول المزني بها وفروعها. ولو قال المصنف توجب المحرمية لكان أولى لما في الخانية: وإذا فجر الرجل بامرأة ثم تاب يكون محرما لابنتها لانه حرم عليه نكاح ابنتها على التأبيد، وهذا دليل على أن المحرمية تثبت بالوطئ الحرام وبما تثبت به حرمة المصاهرة ا ه‍. وفي كشف الاسرار من بحث النهي: وبعض أصحابنا قالوا حرمة المصاهرة تثبت بطريق العقوبة كما يثبت حرمان الارث في حق القاتل عقوبة، والاصل فيه قوله تعالى * (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم) * (النساء: 160) وعلى هذا الطريق يقولون المحرمية لا تثبت حتى لا تباح الخلوة والمسافرة، ولكن هذا فاسد فإن التعليل لتعدية حكم النص لا لاثبات حكم أخر سوى المنصوص عليه فإن ابتداء الحكم لا يجوز إثباته بالتعليل والمنصوص به حرمة ثابتة بطريق الكرامة فإنما يجوز التعليل لتعدية تلك الحرمة لا لاثبات حرمة أخرى. كذا في المبسوط. قلت: وإنما اختار بعض مشايخنا هذا الطريق لان هذه الحرمة لما كانت بطريق الاحتياط كان الاحتياط في إثبات حرمة المناكحة والمسافرة والخلوة جميعا كما قالوا فيما إذا كان الرضاع ثابتا غير مشهور لا تحل المناكحة ولا الخلوة والمسافرة للاحتياط ا ه‍ كلامه. وفي الخلاصة: قيل لرجل ما فعلت بأم امرأتك؟ قال: جامعتها ثبتت الحرمة ولا يصدق أنه كذب وإن كانوا هازلين، والاصرار ليس بشرط في الاقرار لحرمة المصاهرة ا ه‍. وهذا عند القاضي، وأما فيما بينه وبين الله تعالى إن كان كاذبا فيما أقر لم تثبت الحرمة كما في التجنيس، وإذا أقره بجماع أمها قبل التزوج لا يصدق في حقها فيجب كمال المهر المسمى إن كان بعد الدخول، ونصفه إن كان قبله كما في التجنيس

[ 180 ]

أيضا. فإن قلت: لو قال هذه أمي رضاعا ثم رجع وتزوجها صح فما الفرق بينهما؟ أجاب عنه في التجنيس بأنه في مسألتنا أخبر عن فعله وهو الجماع والخطأ فيه نادر فلم يصدق، وهنا أخبر عن فعل غيره وهو الارضاع فله الرجوع، والتناقض فيه معفو كالمكاتب إذا ادعى العتق قبل الكتابة والمختلعة إذا دعت الطلاق قبل الخلع يصدقان بإقامة البينة. قوله: (وحرم تزوج أخت معتدته) لان أثر النكاح قائم فلو جاز تزوج أختها لزم الجمع بين الاختين فلا يجوز. أطلقه فشمل المعتدة عن طلاق رجعي أو بائن أو عن إعتاق أم ولد خلافا لهما، أو عن تفريق بعد نكاح فاسدة، وشمل الاخت نسبا ورضاعا. وأشار إلى حرمة تزوج محارمها في عدتها مطلقا كعمتها وخالتها وإلى أن من طلق الاربع لا يجوز له أن يتزوج امرأة قبل انقضاء عدتهن، فإن انقضت عدة الكل معا جاز له تزوج أربع وإن واحدة فواحدة، وله تزوج أربع سوى أم ولده المعتدة منه بعد عتقها. وإذا أخبر عن مطلقته أنها أخبرته بانقضاء عدتها فإن كانت المدة لا تحتمل لا يصح نكاح أختها إلا أن يفسره بإسقاط مستبين الخلق وإن احتملت حل نكاح أختها، ولو كذبته المخبر عنها فإن أخبر وهو صحيح وكذبته ثم مات فالميراث للثانية ولو كان طلاق الاولى رجعيا وإن كان مريضا فللاولى فقط. ولزوج المرتدة اللاحقة بدار الحرب تزوج أختها وأربع سواها قبل عدتها كموتها وعودها مسلمة لا يبطل نكاح أختها لو بعده ولا يمنع منه لو قبله. وفي المعراج: لو كانت إحدى الاربع في دار الحرب فطلقها لا تحل له الخامسة إلا بعد خمس سنين لاحتمال أن تكون حاملا فيبقى حملها خمس سنين، فلو طلقها بعد خروجها بسنة انتظر أربعا فإذا كان احتمال الحمل يمنع فهو موجود في دار الاسلام أيضا ا ه‍. وهو مشكل قوله: (وأمته وسيدته) أي وحرم تزوج أمته وسيدته لان النكاح ما شرع إلا مثمرا ثمرات مشتركة بين المتناكحين والمملوكية تنافي المالكية فيمتنع وقوع الثمرة على الشركة. وظاهر كلامهم أنه يستحق العقوبة بالعقد على أمته لانه عقد فاسد باشره لغير فائدة لكن في المضمرات: المراد به في أحكام النكاح من ثبوت المهر في ذمة

[ 181 ]

المولى وبقاء النكاح بعد الاعتاق ووقوع الطلاق عليها وغير ذلك، أما إذا تزوجها متنزها عن وطئها حراما على سبيل الاحتمال فهو حسن لاحتمال أن تكون حرة أو معتقة الغير أو محلوفا عليها بعتقها وقد حنث الحالف وكثيرا ما يقع لا سيما إن تداولتها الايدي ا ه‍. أطلق في أمته فشمل ما لو كان له فيها جزء وكذا في سيدته لو كانت تملك سهما منه. قوله: (والمجوسية والوثنية) أي وحرم تزوجهما على المسلم، أما المجوسية فلقوله عليه السلام سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم (1) أي اسلكوا بهم طريقتهم يعني عاملوهم معاملتهم في إعطاء الامان بأخذ الجزية منهم. كذا في المغرب. وأما الوثنية فلقوله تعالى * (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) * (البقرة: 221) والمراد بالمجوس عبدة النار، وذكر الكتابية بعدها دليل على أن المجوس لا كتاب لهم. وقد نقل في المبسوط عن علي رضي الله عنه إباحة نكاح المجوسية بناء على أن لهم كتابا إلا أن ملكهم واقع أخته ولم ينكر عليه فرفع كتابهم فنسوه وليس هذا الكلام بشئ لان المنع من نكاحهم لكونهم عبدة النار فهم داخلون في المشركين، فكونهم كان لهم كتاب أولا لا أثر له وعليه إجماع الائمة الاربعة كالاجماع على حرمة الوثنية وهي المشركة. وفي غاية البيان: هي التي تعبد الوثن أي الصنم والنص عام يدخل تحته سائر المشركات. وفي فتح القدير: ويدخل في عبدة الاوثان عبدة الشمس والنجوم والصور التي استحسنوها والمعطلة والزنادقة والباطنية والاباحية. وفي شرح الوجيز: وكل مذهب يكفر به معتقده فهو يحرم نكاحها لان اسم المشرك يتناولهم جميعا ا ه‍. وينبغي أن من اعتقد مذهبا يكفر به إن كان قبل تقدم الاعتقاد الصحيح فهو مشرك، وإن طرأ عليه فهو مرتد كما لا يخفى. وقال الرستغفني: لا تجوز المناكحة بين أهل السنة والاعتزال. وقال الفضل: لا يجوز بين من قال أنا مؤمن إن شاء الله تعالى لانه كافر، ومقتضاه منع مناكحة الشافعية واختلف فيها هكذا، قيل يجوز، وقيل يتزوج بنتهم ولا يزوجهم بنته. وعلله في البزازية بقوله تنزيلا لهم منزلة أهل الكتاب. وقد قدمنا في باب الوتر والنوافل إيضاح هذه المسألة وأن القول بتكفير من قال أنا مؤمن إن شاء الله غلط

[ 182 ]

ويجب حمل كلامهم على من يقول ذلك شاكا في إيمانه والشافعية لا يقولون به فتجوز المناكحة بين الحنفية والشافعية بلا شبهة. وأما المعتزلة فمقتضى الوجه حل مناكحتهم لان الحق عدم تكفير أهل القبلة كما قدمنا نقله عن الائمة في باب الامامة. وأفاد بحرمة نكاحهما حرمة وطئهما أيضا بملك اليمين خلافا لسعيد بن المسيب وجماعة لورود الاطلاق في سبايا العرب كأوطاس وغيرها وهن مشركات، وعامة العلماء منعوا من ذلك لللآية، فإما إن يراد بالنكاح الوطئ أو كل منه ومن العقد بناء على أنه مشترك في سياق النفي أو خاص في الضم وهو ظاهر في الامرين ويمكن كون سبايا أوطاس أسلمن. وقيدنا بالمسلم لما في الخانية: وتحل المجوسية والوثنية لكل كافر إلا المرتد ا ه‍. يعني يجوز تزوج اليهودي نصرانية أو مجوسية وعكسه جائز لانهم أهل ملة واحدة من حيث الكفر وإن اختلفت نحلهم. قوله: (وحل تزوج الكتابية) لقوله تعالى * (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب) * (المائدة: 5) أي العفائف عن الزنا بيانا للندب لا أن العفة فيهن شرط. وعن ابن عمر أنها لا تحل لانها مشركة لانهم يعبدون المسيح وعزيرا، وحمل المحصنات في الآية على من أسلم منهن. وللجمهور أن المشرك ليس من أهل الكتاب للعطف في قوله تعالى * (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين) * (البينة: 1) والعطف يقتضي المغايرة. وفي قوله تعالى * (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا) * (المائدة: 82) وفي التبيين: ثم كل من يعتقد دينا سماويا وله كتاب منزل كصحف إبراهيم وشيث وزبور داود فهو من أهل الكتاب فتجوز مناكحتهم وأكل ذبائحهم خلافا للشافعي فيما عدا اليهود والنصارى والحجة عليه ما تلونا. وفي فتح القدير: الكتابي من يؤمن بنبي ويقر بكتاب والسامرية من اليهود. أطلق المصنف الكتابية هنا وقيدها في المستصفى بقوله: قالوا هذا يعني الحل إذا لم يعتقد المسيح إلها، أما إذا اعتقده فلا. ويوافقه ما في مبسوط شيخ الاسلام: ويجب أن لا يأكلوا ذبائح أهل الكتاب إذا اعتقدوا أن المسيح إله وأن عزيرا إله، ولا يتزوجوا نساءهم. قيل: وعليه الفتوى ولكن بالنظر إلى الدلائل ينبغي أنه يجوز الاكل والتزوج ا ه‍. وحاصله أن المذهب الاطلاق لما ذكره شمس الائمة في المبسوط من أن ذبيحة النصراني حلال مطلقا، سواء قال بثالث ثلاثة أولا لاطلاق الكتاب هنا والدليل. ورجحه في فتح القدير بأن القائل بذلك طائفتان من اليهود والنصارى انقرضوا لا كلهم مع أن مطلق لفظ المشرك إذا ذكر في لسان أهل الشرع لا ينصرف إلى أهل الكتاب وإن صح لغة في طائفة أو طوائف لما عهد من إرادته به من عبد مع الله غيره ممن لا يدعي اتباع نبي وكتاب إلى آخر ما ذكره. وفي معراج الدراية: اختلف العلماء في أن لفظ المشرك يتناول أهل الكتاب، والاصح أن اسم المشرك مطلقا لا يتناوله للعطف في الآية. ثم المشرك ثلاثة: مشرك ظاهرا وباطنا كعبدة الاوثان، ومشرك باطنا لا ظاهرا كالمنافقين، ومشرك معنى كأهل الكتاب. ففي قوله * (سبحانه وتعالى

[ 183 ]

عما يشركون) * (يونس: 18) المراد مطلق الشرك، وكذا في قوله تعالى * (إن الله لا يغفر أن يشرك به) * (النساء: 116) فيتناول جميع الكفار. وفي قوله * (ولا تنحكوا المشركات) * (البقرة: 221) المراد به المشرك ظاهرا وباطنا وهو الوثني فلا يتناول أهل الكتاب والمنافقين ا ه‍. وأطلقه أيضا فشمل الكتابية الحرة والائمة، واتفق الامة الاربعة على حل الحرة واختلفوا في حل الامة كما سيأتي. هذا والاولى أن لا يتزوج كتابية ولا يأكل ذبائحهم إلا لضرورة. وفي المحيط: يكره تزوج الكتابية الحربية لان الانسان لا يأمن أن يكون بينهما ولد فينشأ على طبائع أهل الحرب ويتخلق بأخلاقهم فلا يستطيع المسلم قلعه عن تلك العادة ا ه‍. والظاهر أنها كراهة تنزية لان التحريمية لا بد لها من نهي أو ما في معناه لانها في رتبة الواجب. وفي الخانية: تزوج الحربية مكروه فإن خرج بها إلى دار الاسلام بقي النكاح ا ه‍. وأشار المصنف إلى أنه يحل وطئ الكتابية بملك اليمين وسيأتي أن الكتابية إذا تمجست فإنه ينفسخ نكاحها من المسلم بخلاف اليهودية إذا تنصرت أو عكسه. وذكر الاسبيجابي أن للمسلم منع الذمية إذا تزوجها من الخروج إلى الكنائس والبيع وليس له إجبارها على الغسل من الحيض والجناية. وفي الخانية من فصل الجزية من السير: مسلم له امرأة ذمية ليس له أن يمنعها من شرب الخمر لان شرب الخمر حلال عندها وله أن يمنعها عن اتخاذ الخمر في المنزل ا ه‍. وهو مشكل لانه وإن كان حلالا عندها لكن رائحتها تضره فله منعها كمنع المسلمة من أكل الثوم والبصل ولذا قال الكركي في الفيض قبيل باب التيمم: إن المسلم له أن يمنع زوجته الذمية من شرب الخمر كالمسلمة لو أكلت الثوم والبصل وكان زوجها يكره ذلك له أن يمنعها ا ه‍. وهذا هو الحق كما لا يخفى. قوله: (والصابئة) أي وحل تزوجها. أطلقه وقيده في الهداية بقوله: إن كانوا يؤمنون بدين نبي ويقرون بكتاب الله لانهم من أهل الكتاب وإن كانوا يعبدون الكواكب ولا كتاب لهم لم تجز مناكحتهم لانهم مشركون، والخلاف المنقول فيه محمول على اشتباه مذهبهم فكل أجاب على ما وقع عنده وعلى هذا حل ذبيحتهم ا ه‍. وصححه أيضا في غاية البيان وغيره من أنه لا خلاف بينهم في الحقيقة لكن ظاهر الهداية أن منع مناكحتهم مقيد بقيدين: عبادة الكواكب وعدم الكتاب. فلو كانوا يعبدون الكواكب ولهم كتاب تجوز مناكحتهم وهو قول بعض المشايخ زعموا أن عبادة الكواكب لا تخرجهم عن كونهم أهل الكتاب، والصحيح أنهم إن كانوا يعبدونها حقيقة فليسوا أهل كتاب، وإن كانوا يعظمونها كتعظيم المسلمين للكعبة فهم

[ 184 ]

أهل كتاب كذا في المجتبى. وفي الكشاف: إنهم قوم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة من صبأ إذا خرج من الدين. قوله: (والمحرمة ولو محرما) أي حل تزوجها ولو كان الزوج محرما لحديث الجماعة عن ابن عباس أنه عليه السلام تزوج ميمونة وهو محرم. زاد البخاري وبنى بها وهو حلال وماتت بسرف وأما ما رواه يزيد بن الاصم من أنه تزوجها وهو حلال فلم يقو قوة هذا فإنه مما اتفق عليه الستة، وحديث يزيد لم يخرجه البخاري ولا النسائي، وأيضا لا يقاوم بابن عباس حفظا وإتقانا، وقد أطال في فتح القدير في وجوه ترجحه، وذكر واترجيحه في الاصول من باب البيان في تعارض النفي والاثبات. وأما ما رواه الجماعة إلا البخاري أنه عليه السلام قال المحرم لا ينكح ولا ينكح (1) فحمله المشايخ على الوطئ في الجملة الاولى فالمنهي الرجل، وعلى التمكين منه في الجملة الثانية فالمنهي المرأة والتذكير باعتبار الشخص وكلمة لا فيه جاز أن تكون ناهية ودخولها على المسند للغائب جائز عند المحققين وإن كان غيره أكثر، وجاز أن تكون نافية. وفي النهاية والمعراج: إن المعنى الثانية لا يمكن المرأة من نفسه لتطأه كما هو فعل البعض فجعل التذكير على حقيقته وأن المنهي الرجل فيهما، والياء مفتوحة في الجملة الاولى مضمومة في الثانية مع كسر الكاف نفيا للانكاح، ومن فتح الكاف من الثانية فقد صحف. وجوز في فتح القدير حمل النكاح فيه على العقد ويكون النهي فيه للكراهية جمعا بين الدلائل، وذلك لان المحرم في شغل عن مباشرة عقود الانكحة لانه يوجب شغل قلبه وهو محمل قوله ولا يخطب ولا يلزم كونه عليه السلام باشره لعدم شغل قلبه بخلافنا ا ه‍. وحمل في غاية البيان قوله ولا يخطب على النهي عن التماس الوطئ توفيقا بين الاحاديث. قوله: (والامة ولو كتابية) أي حل تزوجها خلافا للشافعي، وأصله التقييد بالوصف والشرط في قوله تعالى * (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات) * (النساء: 25) والخلاف مبني على مسألة أصولية هي أن مفهوم الشرط والوصف هل يكون معتبرا ينتفي الحكم بانتفائه؟ فقال الشافعي: نعم. وقلنا: لا فصار الحل ثابتا فيها بالعمومات مثل قوله * (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) * (النساء:

[ 185 ]

3) * (وأحل لكم ما وراء ذلكم) * (النساء: 24) فلذلك جوزنا نكاح الامة مع طول الحرة ونكاح الامة الكتابية وتمامه في الاصول. وعلى تقدير اعتبار مفهومهما فمقتضاهما عدم الاباحة الثابتة عند وجود القيد المبيح وعدم الاباحة أعم من ثبوت الحرمة أو الكراهة ولا دلالة للاعم على الاخص بخصوصه فيجوز ثبوت الكراهة عند عدم الضرورة وعند وجود طول الحرة كما يجوز ثبوت الحرمة على السواء والكراهة أقل فتعينت فقلنا بها. وبالكراهة صرح في البدائع، كذا في فتح القدير. وقد يقال مقتضاهما عدم الحل لا عدم الاباحة وعدم الحل مدعاه، والظاهر أن الكراهة في كلام البدائع تنزيهية فلم يخرج عن المباح بالكلية وإن كان الترك راجحا على الفعل. نعم عدم الاباحة أعم من الحرام والمكروه تحريما، والظاهر من كلام الفقهاء أن المباح عندهم ما أذن الشارع في فعله لا ما استوى فعله وتركه كما هو في الاصول، والخلف لفظي كما عرف في بحث الامر من البدائع وغيره قوله: (والحرة على الامة لا عكسه) أي حل إدخال الحرة على الامة ولا يحل إدخال الامة على الحرة المتزوجة بنكاح صحيح للحديث لا تنكح الامة على الحرة وتنكح الحرة على الامة وهو بإطلاقه حجة على الشافعي في تجويز ذلك للعبد، وعلى مالك في تجويزه برضا الحرة، ولان للرق أثرا في تنصيف النعمة على ما نقرره في الطلاق إن شاء الله تعالى: فيثبت به حل المحلية في حالة الانفراد دون حالة الانضمام، وتمامه في فتح القدير. وفي المحيط: ولا يجوز نكاح الامة على الحرة ولا معها ويجوز نكاح الحرة على الامة ومعها، ولو تزوج أمة بغير إذن مولاها ولم يدخل بها ثم تزوج حرة ثم أجاز المولى لم يجز لان نكاح الامة ارتفع بنكاح الحرة لان الملك والحل إنما يثبت عند الاجازة فكان للاجازة حكم إنشاء العقد في حق الحكم فيصير متزوجا أمة على حرة، ولو تزوج ابنتها وهي حرة قبل الاجازة جاز لان النكاح الموقوف عدم في حق المحل فلا يمنع نكاح غيرها ا ه‍. قيد بالنكاح لانه يجوز له مراجعة الامة على الحرة لان الملك فيها باق. ذكره الزيلعي في الرجعة. وفي المحيط: ولو تزوج أربعا من الاماء وخمسا من الحرائر في عقد صح نكاح الاماء لان التزوج بالخمس باطل فلم يتحقق الجمع فصح نكاح الاماء ا ه‍. قوله: (ولو في عدة الحرة) أي لا يحل إدخال الامة في عدة الحرة. أطلقه فأفاد أنه لا فرق أن تكون العدة عن طلاق رجعي أو بائن، ولا خلاف في المنع في الاول لان المطلقة رجعيا زوجة، وفي الثاني خلاف قالا: لا يحرم لان هذا ليس بتزوج عليها وهو المحرم ولهذا لو حلف أن لا يتزوج عليها لم يحنث بهذا بخلاف تزوج الاخت في عدة الاخت من طلاق

[ 186 ]

بائن فإنه لا يجوز إجماعا. والفرق لهما أن الممنوع في تلك الجمع وقد وجد وهنا الممنوع الادخال عليها لتنقيصها إلا الجمع والادخال للتنقيص ليس بموجود في المبانة. وقال الامام: إنه حرام لان نكاح الحرة باق من وجه لبقاء بعض الاحكام فبقي المنع احتياطا بخلاف اليمين لان المقصود أن لا يدخل غيرها في قسمها. كذا في الهداية. وظاهره أنه لو حلف لا يتزوج عليها فطلقها رجيعا ثم تزوج وهي في العدة لا يحنث أيضا لانه لا قسم لها كالمبانة. ذكره في البدائع لكن علله في فتح القدير بأن العرف لا يسمى متزوجا عليها بعد الابانة وهو يفيد الحنث في الرجعي وهو الظاهر، لان النكاح قائم فيه من كل وجه. أطلق في الامة فشمل المدبرة وأم الولد والمكاتبة لانها كما في الصحاح خلاف الحرة، وقيدنا نكاح الحرة بالصحيح لان نكاحها الفاسد ولو في العدة والمعتدة عن وطئ بشبهة لا يمنع نكاح الامة لعدم اعتباره. قوله: (وأربع من الحرائر والاماء) أي وحل تزوج أربع لا أكثر لقوله تعالى * (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) * (النساء: 3) اتفق عليه الائمة الاربعة وجمهور المسلمين، ولا اعتبار بخلاف الروافض، ولا حاجة إلى الاطالة في الرد عليهم. قال القاضي البيضاوي: مثنى وثلاث ورباع معدولة عن أعداد مكررة هي ثنتين ثنتين، وثلاث ثلاث، وأربع أربع، وهي غير منصرفة للعدل والصفة فإنها بنيت صفات وإن كانت أصولها لم تبين لها. وقيل: لتكرار العدل فإنها معدولة باعتبار الصيغة والتكرير منصوبة على الحال من فاعل طاب، ومعناها الاذن لكل ناكح يريد الجمع أن ينكح ما شاء من العدد المذكورين متفقين ومختلفين كقوله: اقتسموا هذه البدرة درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة، ولو أفرد كان المعنى تجويز الجمع بين هذه الاعداد دون التوزيع، ولو ذكرت ب‍ " أو " لذهب تجويز الاختلاف في العدد ا ه‍. وفي فتح القدير: وحاصل الحال أن حل الواحدة كان معلوما وهذه الآية لبيان حل الزائد عليها إلى حد معين مع بيان التخيير بين الجمع والتفريق في ذلك. وإنما كان العدد في الآية مانعا من الزيادة وإن كان من حيث هو عدد لا يمنعها لوقوعه حالا قيدا في الاحلال. قيد بالتزوج لان له التسري بما شاء من الاماء لاطلاق قوله تعالى * (أو ما ملكت أيمانكم) * (النساء: 3) وفي الفتاوى: رجل له أربع نسوة وألف جارية وأراد أن يشتري جارية أخرى فلامه رجل يخاف عليه الكفر ا ه‍. ولم أر حكم ما إذا أراد أن يتزوج على امرأته الاخرى فلامه رجل وينبغي أن لا يخاف عليه الكفر لما أن في تزوج الجمع من النساء مشقة شديدة بسبب وجوب العدل بينهن، ولذا قال تعالى * (فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة) *

[ 187 ]

(النساء: 3) بخلاف الجمع من السراري فإنه لا قسم بينهن مع أنهم قالوا: إذا ترك التزوج على امرأته كيلا يدخل الغم على زوجته التي عنده كان مأجورا مع أنه لا ينبغي اللوم على شئ من ذلك لقوله تعالى * (والذين هم لفروجه حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين) * (المؤمنون: 5) قوله: (واثنتين للعبد) أي رجل تزوج اثنتين له حرتين كانتا أو أمتين، ولا يجوز أكثر منه في النكاح لاجماع الصحابة، ولان الرق منصف نعمة وعقوبة. أطلق في العبد فشمل المدبر والمكاتب، وقيد بالتزوج لانه لا يحل له التسري ولا أن يسريه مولاه. ولا يملك المكاتب والعبد شيئا إلا الطلاق. ذكره الاسبيجابي. وحاصله أن الحل منحصر في عقد النكاح وملك اليمين ولم يكن الثاني للعبد لانه لا يملك وإن ملك فانحصر حله في عقد النكاح. قوله (وحبلى من زنا لا من غيره) أي وحل تزويح الحبلى من الزنا ولا يجوز تزوج الحبلى من غير الزنا. أما الاول فهو قولهما. وقال أبو يوسف: هو فاسد قياسا على الثاني وهي الحبلى من غيره، فإن تزوجها لا يصح إجماعا لحرمة الحمل، وهذا الحمل محترم لانه لا حناية منه ولهذا لم يجر إسقاطه. ولهما أنهما من المحللات بالنص وحرمة الوطئ كيلا لا يسقي ماءه زرع غيره والامتناع في ثابت النسب لحق صاحب الماء ولا حرمة للزاني. ومحل الخلاف تزوج غير الزاني، أما تزوج الزاني لها فجائز اتفاقا وتستحق النفقة عند الكل ويحل وطؤها عند الكل كما في النهاية. وقيد بالتزوج لان وطأها حرام اتفاقا للحديث من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يستقين ماءه زرع غيره (1) فإن قيل: فم الرحم ينسد بالحبل فكيف يكون سقى زرع غيره؟ قلنا: شعره ينبت من ماء الغير. كذا في المعراج. وحكم الدواعي على قولهما كالوطئ كما في النهاية. وذكر التمرتاشي أنها لا نفقة لها، وقيل لها ذلك والاول أوجه لان المانع من الوطئ من جهتها بخلاف الحيض فإنه سماوي. كذا في فتح القدير. وأطلق في قوله لا من غيره فشمل الحامل من حربي كالمهاجرة والمسبية، وروي عن أبي حنيفة صحة العقد كالحامل من الزنا، وصحح الشارح المنع وهو المعتمد. وفي فتح القدير: إنه ظاهر المذهب. وشمل أم الولد فلو زوج أم ولده وهي حامل منه فالنكاح باطل لانها فراش لمولاها حيث يثبت نسب ولدها منه من غير دعوى، فلو صح النكاح لحصل الجمع بين الفراشين إلا أنه غير متأكد حتى ينتفي الولد بالنفي من غير لعان فلا يعتبر ما لم يتصل به الحمل. كذا في

[ 188 ]

الهداية. وظاهره أن المولى اعترف بأن الحمل منه لانه قال وهي حامل منه فلذا لم يكن تزويجه إياها نفيا للولد دلالة لان الصريح بخلافه. فلو لم يعترف به وزوجها وهي حامل ينبغي أن يجوز النكاح ويكون نفيا دلالة فإن النسب كما ينتفى بالصريح ينتفي بالدلالة بدليل مسألة الامة جاءت بأولاد ثلاثة فادعى المولى أكبرهم حيث يثبت نسبه وينتفي نسب غيره بدلالة اقتصاره على البعض كما في فتح القدير. قوله: (والموطوءة بملك) أي حل تزوج من وطئها المولى بملك يمين لانها ليست بفراش لمولاها لانها لو جاءت بولد لا يثبت نسبه من غير دعوى فلا يلزم الجمع بين الفراشين، وأفاد أنه يحل له وطؤها من غير استبراء وهو قولهما. وقال محمد: لا أحب أن ى طأها حتى يستبرئها لانه احتمل الشغل بماء المولى فوجب التنزه كما في الشراء. ولهما أن الحكم بجواز النكاح أمارة الفراغ فلا يؤمر بالاستبراء لا استحبابا ولا وجوبا بخلاف الشراء لانه يجوز مع الشغل. كذا في الهداية. وذكر في النهاية أنه لا خلاف بينهم في الحاصل فإن أبا حنيفة قال: للزوج أن يطأها بغير استبراء واجب ولم يقل لا يستحب. ومحمد لم يقل أيضا هو واجب ولكنه قال: لا أحب له أن يطأها ا ه‍. وفيه نظر لان ما في الهداية من قوله لا يؤمر به لا استحبابا ولا وجوبا يأبى هذا الحمل ولم يذكر المصنف استبراء المولى. وفي الهداية: عليه أن يستبرئها صيانة لمائه. وظاهره الوجوب، وحمله في النهاية والمعراج على الاستحباب دون الحتم. وفي الذخيرة: وإذا أراد الرجل أن يزوج أمته من إنسان وقد كان يطؤها بعض مشايخنا قالوا: يستحب له أن يستبرئها بحيضة ثم يزوجها كما لو أراد بيعا. والصحيح أنه ههنا يجب الاستبراء وإليه مال شمس الائمة السرخسي ا ه‍. وقد جعل الوجوب في الحاوي الحصيري قول محمد. أطلق في الموطوءة بالملك فشمل أم الولد ما لم تكن حبلى منه كما قدمناه قوله: (أو زنا) أي وحل تزوج الموطوءة بالزنا أي الزانية لو رأى امرأة تزني فتزوجها جاز وللزوج أن يطأها بغير استبراء. وقال محمد: لا أحب له أن يطأها من غير استبراء. وهذا صريح في جواز تزوج الزانية. وأما قوله تعالى * (والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين) * (النور: 3) فمنسوخ بقوله تعالى * (فانكحوا ما طاب لكم) * (النساء: 3) على ما قيل بدليل الحديث أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن امرأتي لا تدفع يد لامس فقال عليه السلام: طلقها. فقال: إني أحبها وهي جميلة. فقال عليه السلام: استمتع بها. وفي المجتبى من آخر الحظر والاباحة لا يجب على الزوج تطليق الفاجرة ولا عليها تسريح الفاجر إلا إذا خافا أن لا يقيما حدود الله فلا بأس أن

[ 189 ]

يتفرقا ا ه‍ قوله: (والمضمومة إلى محرمة) أي وحل نكاح امرأة محللة ضمت إلى امرأة محرمة كأن عقد على امرأتين إحداهما محرمة أو ذات زوج أو وثنية بخلاف ما إذا جمع بين حر وعبد في البيع حيث لا يصح في العبد لان قبول العقد في الحر شرط فاسد في بيع العبد وهنا المبطل يخص المحرمة والنكاح لا يبطل بالشرط الفاسد. قوله: (والمسمى لها) أي جميع المسمى للمحللة المضمومة إلى محرمة عند أبي حنيفة نظرا إلى أن ضم المحرمة في عقد النكاح لغو كضم الجدار لعدم المحلية والانقسام من حكم المساواة في الدخول في العقد، ولم يجبت الحد بوطئ المحرمة لان سقوطه من حكم صورة العقد لا من حكم انعقاده، فليس قوله بعدم الانقسام بناء على أن عدم الدخول في العقد مناف لقوله بسقوط الحد لوجود صورة العقد كما قد توهم كما لا يخفى. وعندهما يقسم على مهر مثليهما كان يكون المسمى ألفا ومهر مثل المحرمة ألفان والمحللة ألف فيلزم ثلاث مائة وثلاث وثلاثون وثلث درهم للمحللة ويسقط الباقي نظرا إلى أن المسمى قوبل بالبضعين فينقسم عليهما كما لو جمع بين عبدين فإذا أحدهما مدبر، وكما إذا خاطب امرأتين بالنكاح بألف فأجابت إحداهما دون الاخرى. وأجيب عن الاول بأن المدبر محل في الجملة لكونه مالا فدخل تحت الانعقاد فانقسم بخلاف المحرمة لعدم المحلية أصلا. وعن الثاني بأنهما استويا في الدخول تحت الايجاب للمحلية فانقسم المهر عليهما فترجح قوله على قولهما. وأراد على قوله ما لو دخل بالمحرمة فإن فيه روايتين: في رواية الزيادات يلزمه مهر مثلها لا يجاوز به حصتها من المسمى ومقتضاه الدخول في العقد وإلا لوجب مهر المثل بالغا ما بلغ، وجوابه أن المنع من المجاوزة على ما خصها من المسمى يحصل بمجرد التسمية ورضاها بالقدر المسمى لا بانعقاد العقد عليها ودخولها تحته وذلك موجود في المحرمة. وفي رواية أخرى يجب مهر المثل بالغا ما بلغ وهو الاصح كما في المبسوط، ومقتضاه الدخول في العقد وقد قال بعدمه وهو يقتضي أجنبيتها عنه فلا يجب مهر المثل لانه فرع الدخول في عقد فاسد، وجوابه أن وجوبه بالعذر الذي وجب به درء الحد وهو صورة العقد وأورد على قولهما أيضا كيف وجب لها حصتها من الالف بالدخول وهو حكم دخولها في العقد، ثم يجب الحد ولا يجتمع الحد والمهر ولا مخلص إلا يتخصيصهما الدعوى فيجب الحد لانتفاء شبهة الحل والمهر للانقسام بالدخول في العقد قوله: (وبطل نكاح المتعة والموقت) وفرق بينهما في النهاية والمعراج بأن يذكر في الموقت لفظ النكاح أو التزويج مع التوقيت، وفي المتعة لفظ أتمتع بك أو أستمتع. وفي العناية بفرق آخر أن الموقت يكون بحضرة الشهود ويذكر فيه مدة معينة

[ 190 ]

بخلاف المتعة فإنه لو قال أتمتع بك ولم يذكر مدة كان متعة. والتحقيق ما في فتح القدير أن معنى المتعة عقد على امرأة لا يراد به مقاصد عقد النكاح من القرار للولد وتربيته بل إما إلى مدة معينة ينتهي العقد بانتهائها أو غير معينة بمعنى بقاء العقد ما دام معها إلى أن ينصرف عنها فيدخل فيه بمادة المتعة والنكاح الموقت أيضا فيكون من أفراد المتعة وإن عقد بلفظ التزويج وأحضر الشهود إلى آخر ما ذكره. وقد نقل في الهداية إجماع الصحابة على حرمته وأنها كانت مباحة ثم نسخت. وفي صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم كنت أذنت لكم في الاستمتاع بالنساء وقد حرم الله ذلك إلى يوم القيامة (1) والاحاديث في ذلك كثيرة شهيرة، وما نقل عن ابن عباس من إباحتها فقد صح رجوعه. وما في الهداية من نسبته إلى مالك فغلط كما ذكره الشارحون، فحينئذ كان زفر القائل بإباحة الموقت محجوجا بالاجماع لما علمت أن الموقت من أفراد المتعة. قالوا: ثلاثة أشياء نسخت مرتين: المتعة ولحوم الحمر الاهلية والتوجه إلى بيت المقدس. أطلق في الموقت فشمل المدة الطويلة أيضا كأن يتزوجها إلى مائتي سنة وهو ظاهر المذهب وهو الصحيح كما في المعراج، لان التأقيت هو المعين لجهة المتعة. وشمل المدة المجهولة أيضا. وقيد بالموقت لانه لو تزوجها على أن يطلقها بعد شهر، فإنه جائز لان اشتراط القاطع يدل على انعقاده مؤبدا وبطل الشرط كما في القنية. ولو تزوجها وفي نيته أن يقعد معها مدة نواها فالنكاح صحيح لان التوقيت إنما يكون باللفظ. قالوا: ولا بأس بتزوج النهاريات وهو أن يتزوجها ليقعد معها نهارا دون الليل. وينبغي أن لا يكون هذا الشرط لازما عليها ولها أن تطلب المبيت عندها ليلا لما عرف في باب القسم. قوله: (وله وطئ امرأة ادعت أنه تزوجها وقضى بنكاحها مبينة ولم يكن تزوجها) وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: ليس له وطؤها لان القاضي أخطأ الحجة إذ الشهود كذبة فصار كما إذا ظهر أنهم عبيد أو كفار. ولابي حنيفة أن الشهود صدقة عنده وهو الحجة لتعذر الوقوف على حقيقة الصدق بخلاف الكفر والرق لان الوقوف عليهما متيسر، فإذا ابتنى القضاء على الحجة وأمكن تنفيذه باطنا بتقديم النكاح نفذ قطعا للمنازعة بخلاف الاملاك المرسلة لان في

[ 191 ]

الاسباب تزاحما فلا إمكان، وهذه المسألة فرد من أفراد المسألة الآتية في كتاب القضاء وهي أن القضاء ينفذ بشهادة الزور ظاهرا وباطنا في العقود والفسوخ، وكما يجوز له وطؤها يجوز لها تمكينه منه. وكذا لو ادعى عليها النكاح فحكمه كذلك، وكذا لو قضى بالطلاق بشهادة الزور مع علمها حل لها التزوج بآخر بعد العدة وحل للشاهد تزوجها وحرمت على الاول. وعند أبي يوسف: لا تحل للاول ولا للثاني، وعند محمد تحل للاول ما لم يدخل بها الثاني، فإذا دخل بها حرمت عليه لوجوب العدة كالمنكوحة. إذا وطئت بشبهة. وأشار بقوله وقضى بنكاحها إلى اشتراط أن تكون محللا للانشاء حتى لو كانت ذات زوج أو في عدة غيره أو مطلقه منه ثلاثا لا ينفذ قضاؤه لانه لا يقدر على الانشاء في هذه الحالة. واختلفوا في اشتراط حضور الشهود عند قوله قضيت فشرطه جماعة للنفاد باطنا عنده، وذكر المصنف في الكافي أنه أخذ به عامة المشايخ، وقيل لا يشترط لان العقد ثبت مقتضى صحة قضائه في الباطن وما ثبت مقتضى صحة الغير لا يثبت بشرائطه كالبيع في قوله أعتق عبدك عني بألف. وذكر في فتح القدير أن الاوجه عدم الاشتراط ويدل عليه إطلاق المتون. وذكر الفقيه أبو الليث أن الفتوى على قولهما في أصل المسألة أعني عدم النفاذ باطنا فيما ذكر. وفي فتح القدير والنهاية: وقول أبي حنيفة أوجه، وقد استدل له بدلالة الاجماع على أن من اشترى جارية ثم ادعى فسخ بيعها كذبا وبرهن فقضى به حل للبائع وطؤها واستخدامها مع علمه بكذب دعوى المشتري مع أنه يمكنه التخلص بالعتق وإن كان فيه إتلاف ماله فإنه ابتلي بأمرين فعليه أن يختار أهونهما وذلك ما يسلم له فيه دينه ا ه‍. ولا يخفى أنه لا يلزم من القول بحل الوطئ عدم إثمه فإنه أثم بسبب إقدامه على الدعوى الباطلة وإن كان لا إثم عليه بسبب الوطئ، والحق في الهداية بالعقود والفسوخ العتق والنسب، وقد وقعت لطيفة هي أن بعض المغاربة بحث مع الاكمل بأنه يمكن قطع المنازعة بالطلاق. فأجابه الاكمل ما تريد بالطلاق الطلاق المشروع أو غيره لا عبرة بغيره والمشروع يستلزم المطلوب إذ لا يتحقق إلا في نكاح صحيح وتعقبه تلميذه عمر قارئ الهداية بأنه جواب غير صحيح لان له أن يريد غير المشروع ليكون طريقا إلى قطع المنازعة وإن لم يكن في نفسه صحيحا. وتعقبهما تلميذه ابن الهمام بأن الحق

[ 192 ]

التفصيل وهو أن الطلاق المذكور يصلح سببا لقطع المنازعة إن كانت هي المدعية إذا يمكنه ذلك، وأما إذا كان هو المدعي فلا يمكنها التخلص منه فلم يكن لقطع المنازعة سبب إلا النفاذ باطنا أن الحكم أعم من دعواها أو دعواه، ولذا صرح المصنف إذا كانت هي المدعية ليفيد أنه يحل له وطؤها وإن أمكنه طلاقها ليفيد أنه لا عبرة بالطلاق كما هو المذهب والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. باب الاولياء والاكفاء شروع في بيان ما ليس بشرط لصحة النكاح عندنا وهو الولي. وله معنى لغوي وفقهي وأصولي. فالولي في اللغة خلاف العدو، والولاية بالكسر السلطان والولاية النصرة. وقال سيبوية: الولاية بالفتح المصدر، والولاية بالكسر الاسم مثل الامارة والنقابة لانه اسم لما توليته وقمت به، فإذا أرادوا المصدر فتحوا. كذا في الصحاح. وفي الفقه: البالغ العاقل الوارث، فخرج الصبي والمعتوه والكافر على المسلمة. وفي أصول الدين هو العارف بالله تعالى وبأسمائه وصفاته حسبما يمكن، المواظب على الطاعات، المجتنب عن المعاصي، الغى المنهمك في الشهوات واللذات كما في شرح العقائد، والولاية في الفقه تنفيذ القول على الغير شاء أو أبى وهي في النكاح نوعان: ولاية ندب واستحباب وهي الولاية على العاقلة البالغة بكرا كانت أو ثيبا، وولاية إجبار وهي الولاية على الصغيرة بكرا كانت أو ثيبا، وكذا الكبيرة المعتوهة والمرقوقة. وتثبت الولاية بأسباب أربعة: بالقرابة والملك والولاء والامامة. والاكفاء جمع كف ء وهو النظير كما في المغرب وسيأتي بيانه. قوله: (نفذ نكاح حرة مكلفة بلا ولي) لانها تصرفت في خالص حقها وهي من أهله

[ 193 ]

لكونها عاقلة بالغة، ولهذا كان لها التصرف في المال ولها اختيار الازواج. وإنما يطالب الولي بالتزويج كيلا تنسب إلى الوقاحة، ولذا كان المستحب في حقها تفويض الامر إليه. والاصل هنا أن كل من يجوز تصرفه في ماله بولاية نفسه يجوز نكاحه على نفسه، وكل من لا يجوز تصرفه في ماله بولاية نفسه لا يجوز نكاحه على نفسه. ويدل عليه قوله تعالى * (حتى تنكح) * (البقرة: 230) أضاف النكاح إليها. ومن السنة حديث مسلم الايم أحق بنفسها من وليها (1) وهي من لا زوج لها بكرا كانت أو ثيبا. فأفاد أن فيه حقين: حقه وهمباشرته عقد النكاح برضاها وقد جعلها أحق منه ولن تكون أحق إلا إذا زوجت نفسها بغير رضاه، وأما ما رواه الترمذي وحسنه أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل (2) وما رواه أبو داود لا نكاح إلا بولي (3) فضعيفان أو مختلف في صحتهما فلن يعارضا المتفق على صحته، أو الاول محمول على الامة والصغيرة والمعتوهة أو على غير الكف ء، والثاني محمول على نفي الكمال، أو هي ولية نفسها. وفائدته نفي نكاح من لا ولاية له كالكافر للمسلمة والمعتوهة والامة، كل ذلك لدفع التعار ض مع أن الحديث الاول حجة على من لم يعتبر عبارة النساء في النكاح فإن مفهومه أنها إذا نكحت بإذن وليها فنكاحها صحيح وهم لا يقولون به. وأما قوله تعالى * (ولا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن) * (البقرة: 232) فالمراد بالعضل المنع حسا بأن يحبسها في بيت ويمنعها من أن تتزوج كما في المبسوط إن كان نهيا للاولياء لا المنع عن العقد بدليل أن ينكحن حيث أضاف العقد إليهن وإن كان نهيا للازواج المطلقين عن المنع عن التزوج بعد العدة كما في المعراج بدليل أنه قال في أول الآية * (وإذا طلقتم النساء) * (البقرة: 232) فلم يكن حجة أصلا. قيده بالحرة احترازا عن الامة والمدبرة والمكاتبة وأم الولد فإنه لا يجوز نكاحهن إلا بإذن المولى. وقيده بالمكلفة احترازا عن الصغيرة والمجنونة فإنه لا ينعقد نكاحهما إلا بالولي. وأطلقها فشمل البكر والثيب، وأطلق فشمل الكف ء وغيره. وهذا ظاهر الرواية عن أبي حنيفة وصاحبيه لكن للولي الاعتراض في غير الكف ء، وما روي

[ 194 ]

عنهما بخلافه فقد صح رجوعهما إليه. وروى الحسن عن الامام أنه إن كان الزوج كفئا نفذ نكاحها وإلا فلم ينعقد أصلا. وفي المعراج معزيا إلى قاضيخان وغيره: والمختار للفتوى في زماننا رواية الحسن. وفي الكافي والذخيرة: وبقوله أخذ كثير من المشايخ لانه ليس كل قاض يعدل ولا كل ولي يحسن المرافعة، والجثوبين يدي القاضي مذلة. فسد الباب بالقول بعدم الانعقاد أصلا. قال صدر الاسلام: لو زوجت المطلقة ثلاثا نفسها من غير كف ء ودخل بها الزوج ثم طلقها لا تحل للزوج الاول على ما هو المختار. وفي الحقائق: هذا مما يجب حفظه لكثرة وقوعه. وفي فتح القدير: فإن المحلل في الغالب يكون غير كف ء، وأما لو باشر الولي عقد المحلل فإنها تحل للاول ا ه‍. وسيأتي في الكفاءة أن كثيرا من المشايخ أفتوا بظاهر الرواية. وهذا كله إذا كان لها أولياء، أما إذا لم يكن لها ولي فهو صحيح مطلقا اتفاقا. ولا يخفى أنه لا يشترط مباشرة الولي للعقد لان رضاه بالزوج كاف لكن لو قال الولي رضيت بتزوجها من غير كف ء ولم يعلم بالزوج عينا هل يكفي صارت حادثة للفتوى، وينبغي أن لا يكفي لان الرضا بالمجهول لا يصح كما ذكره قاضيخان في فتاواه في مسألة ما إذا استأذنها الولي ولم يسم الزوج فقال: لان الرضا بالمجهول لا يتحقق. ولم أره منقولا صريحا وسيأتي تمامه في الكفاءة إن شاء الله تعالى. قوله: (ولا تجبر بكر بالغة على النكاح) أي لا ينفذ عقد الولي عليها بغير رضاها عندنا خلافا للشافعي. له الاعتبار بالصغيرة وهذا لانها جاهلة بأمر النكاح لعدم التجربة ولهذا يقبض الاب صداقها بغير أمرها. ولنا أنها حرة مخاطبة فلا يكون للغير عليها ولاية والولاية على الصغيرة لقصور عقلها وقد كمل بالبلوغ بدليل توجه الخطاب فصار كالغلام وكالتصرف في المال، وإنما يملك الاب قبض الصداق برضاها دلالة فيبرأ الزوج بالدفع إليه ولهذا لا يملك مع نهيها. والجد كالاب كما في الخانية، وزاد في جوامع الفقه القاضي وجعله كالاب. وفي المبسوط بخلاف سائر الاولياء ليس لهم حق قبض مهرها بدون أمرها لانه معبر، وكما لا تتوجه المطالبة عليه بتسليم المعقود عليه لا يكون إليه قبض البدل وبخلاف سائر الديون فإن لاب لا يملك قبضها كما في المحتبى. وهذا كله إذا قبض الاب المسمى. قال

[ 195 ]

في الظهيرية: رجل تزوج امرأة بكرا بالغة على مهر مسمى ودفع إلى أبيها مهرها ضيعة فلما بلغها الخبر قالت لا أرضى بما فعل الاب ينظر، إن كان في بلدة لم يجر التعارف بدفع الضيعة في المهر لم يجز لان هذا شراء والبلوغ قاطع للولاية، وإن كان في بلدة جرى التعارف بذلك جاز لان هذا قبض للمهر، وإن كانت البنت صغيرة فأخذ الاب مكان المهر ضيعة لا تساوي المهر، فإن كان في بلد جرى التعارف بذلك جاز وإلا فلا ا ه‍. زاد في الذخيرة: وعليه الفتوى. وفيها أيضا: وليس للاب قبض ما وهبه أو أهداه الزوج للبكر البالغة قبل الدخول حتى لو قبضها بغير إذنها كان للزوج الاسترداد ا ه‍. وأما قبض مهر الصغيرة فللاب والجد والوصي دون سائر الاولياء ولو أما، فلو دفعه إلى أمها فإن وصية برئ وإلا خيرت بعد بلوغها بين أخذها منه أو منها، وله أن يرجع على الام إن أخذت منه البنت كما في المحيط وغيره. وللاب والجد المطالبة به وإن كانت صغيرة لا يستمتع بها بخلاف النفقة، والقاضي كالاب إلا إذا زفت، وليس لاحد قبض مهر الثيب البالغة فلو اختلف الاب والزوج في الدخول فالقول للاب ويحلف على نفي العلم إن لم تعترف المرأة به، وله تحليفها أيضا على أنه لم يدخل بها كما في الذخيرة. وإقرار الاب بقبض الصداق عند إنكارها وعدم البينة غير مقبول إن كانت وقته ثيبا بالغة وإلا فقبول وإقراره أنه قبضه وهي صغيرة مع إنكارها وعدم البينة غير البيان غير مقبل وإن كانت وقته بالغة وإلا فمقبول ترجع على الزوج، وليس للزوج أن يرجع على الاب إلا إذا شرط براءته من الصداق وقت القبض. كما في فتح القدير وغيره. وفي الذخيرة: والحكم بين الوكيل والمدين ورب الدين في مثل هذا نظير الحكم فيما بين الاب والمرأة والزوج ا ه‍. وفي المحيط: رجل قبض مهر ابنته من الزوج ثم ادعى عليه الرد ثانيا إن كانت المرأة بكرا لم يصدق إلا ببينة لان له حق القبض وليس له حق الرد، وإن كانت ثيبا

[ 196 ]

صدق لانه ليس له حق القبض فإذا قبض بأمر الزوج كان أمانة للزوج عنده فيصدق في رد الامانة عليه كالمودع إذا قال رددت الوديعة ا ه‍. وفي الذخيرة: للاب المخاصمة مع الزوج في مهر البكر البالغة كما له أن يقبضه، ولا يشترط إحضار المرأة للاستيفاء عندنا خلافا لزفر. فإن قال الزوج للقاضي مر الاب فليقبض المهر مني وليسلم الجارية إلي فإن القاضي يقول له اقبض المهر وادفعها إليه، فإن امتنع الاب من ذلك ليس على الزوج دفعه إليه، ولو قال الاب ليست في منزلي ولا أعرف مكانها فليس على الزوج دفعه أيضا، وإن قال الاب هي في منزلي وإنما أقبض المهر وأجهزها به وأسلمها إليه فالقاضي يأمر الزوج بالدفع إليه فإنه طلب الزوج كفيلا بالمهر فالقاضي يأمر الاب بكفيل بالمهر، فإذا أتى بكفيل أمر الزوج بدفع المهر، فإن سلم البنت إليه برئ الكفيل، وإن عجز عن ذلك توصل الزوج إلى حقه بالكفيل فيعتدل النظر من الجانبين، وهكذا كان يقول أبو يوسف أولا ثم رجع وقال: القاضي يأمر الاب أن يجعل المرأة مهيأة للتسليم ويحضرها ويأمر الزوج بدفع المهر والاب بتسليم البنت فيكون دفع الزوج المهر عند تسليمها نفسها إلى الزوج لان النظر لا يحصل للزوج بالكفالة لانه لا يصل إلى المرأة لا محالة بالكفالة، وإنما النظر في تسليم المهر بحضرتها. قال الخصاف: وهذا أحسن القولين ا ه‍. وفي الخلاصة: الاب إذا جعل بعض مهر البنت آجلا والبعض عاجلا ووهب البعض كما هو المعهود ثم قال إن لم تجز البنت الهبة فقد ضمنت من مالي أن أؤدي قدر الهبة لا يصح هذا الضمان ا ه‍. قوله: (وإن استأذنها الولي فسكتت أو ضحكت أو زوجها فبلغها الخبر فسكتت فهو إذن) لقوله عليه الصلاة والسلام البكر تستأمر في نفسها فإن سكتت فقد رضيت ولان حيثية الرضا فيه راجحة لانها تستحي عن إظهار الرغبة لا عن الرد، والضحك أدل على الرضا من السكوت. والاصل أن سكوت البكر للاستئمار وكالة وللعقد إجازة كما ذكره الاسبيجابي، فالاذن في عبارة المختصر مشترك بين الوكالة والاجازة، ففي المسألة الاولى توكيل، وفي الثانية إجازة. ويتفرع على كونه توكيلا أن الولي لو استأذنها في رجل معين فقالت يصلح أو سكتت ثم لما خرج قالت لا أرضى ولم يعلم الولي بعدم رضاها فزوجها فهو صحيح كما في الظهيرية، لان الوكيل لا ينعزل حتى يعلم. وليس السكوت إذنا حقيقيا لما في الخانية من الايمان: إذا حلفت أن لا تأذن في تزويجها فسكتت عند الاستئمار لا تحنث ا ه‍. والمراد بالولي من له ولاية استحباب لان الكلام في البالغة العاقلة فيفيد أنه ليس لها ولي

[ 197 ]

أقرب منه لانه حينئذ له الولاية المذكورة، فلو استأذنها من غيره أقرب منه فلا يكون سكوتها إذنا، ولا بد من النطق لان الابعد مع الاقرب كالاجنبي كما ذكره الاسبيجابي، ولهذه النكتة عبر بالولي دون القريب. ودخل تحت الولي القاضي لان له ولاية الاستحباب في نكاحها ولذا قال في الخانية: والقاضي عند عدم الاولياء بمنزلة الولي في ذلك ا ه‍. فيكفي سكوتها. ودخل أيضا المولى في نكاح المعتقة إذا كانت بكرا بالغة كما في القنية: ولو زوجها وليان متساويان كل واحد منهما من رجل فأجازتهما معا بطلا لعدم الاولوية، وإن سكتت بقيا موقوفين حتى تجيز أحدهما بالقول أو بالفعل وهو ظاهر الجواب كما في البدائع. وحكم رسول الولي كالولي لانه قائم مقامه فيكفي سكوتها. واختاره أكثر المتأخرين كما في الذخيرة. والمراد بالسكوت ما كان عن اختيار لما في الخانية: لو أخذها العطاس أو السعال حين أخبرت فلما ذهب الغطاس أو السعال قالت لا أرضى صح ردها، وكذا لو أخذ فمها ثم ترك فقالت لا أرضى لان ذلك السكوت كان عن اضطرار. وأطلقه فشمل ما إذا كانت عالمة بحكمه أو جاهلة، وشمل ما إذا استأذنها لنفسه لما في الجوامع: لو استأذن بنت عمه لنفسه وهي بكر بالغة فسكتت فزوجها من نفسه جاز لانه صار وكيلا بسكوتها ا ه‍. وقيد بالسكوت لانها لو ردته ارتد، وقولها لا أريد الزوج أو لا أريد فلانا سواء في أنه رد، سواء كان قبل التزويج أو بعده، وهو المختار كما في الذخيرة: ولو قالت بعد الاستئمار غيره أولى منه فليس بإذن وهو إجازة بعد العقد. كما فيها أيضا. وفرقوا بينهما بأنه يحتمل الاذن وعدمه فقبل النكاح لم يكن النكاح فلا يجوز بالشك، وبعد النكاح كان فلا يبطل بالشك. كذا في الظهيرية وهو مشكل، لانه لا يكون نكاحا إلا بعد الصحة وهو بعد الاذن فالظاهر أنه ليس بإذن فيهما، وقولها ذلك إليك إذن مطلقا بخلاف قولها أنت أعلم أو أنت بالمصلحة أخبر وبالاحسن أعلم

[ 198 ]

كما في فتح القدير. وأراد بالسكوت السكوت عن الرد لا مطلق السكوت لانه لو بلغها الخبر فتكلمت بكلام أجنبي فهو سكوت هنا فيكون إجازة، فلو قالت الحمد لله اخترت نفسي أو قالت هو دباغ لا أريده فهذا كلام واحد فكان ردا. كذا في الظهيرية. وأطلق في الضحك فشمل التبسم وهو الصحيح كما في القدير. ولا يرد عليه ما إذا ضحكت مستهزئة فإنه لا يكون إذنا وعليه الفتوى. وضحك الاستهزاء لا يخفى على من يحضره لان الضحك إنما جعل إذنا لدلالته على الرضا فإذا لم يدل على الرضا لم يكن إذنا. وأطلق في الاستئذان فانصرف إلى الكامل وهو بأن يسمى لها الزوج على وجه يقع لها به المعرفة ويسمى لها المهر، أما الاول فلا بد منه لتظهر رغبتها فيه من رغبتها عنه، فلو قال أزوجك من رجل فسكتت لا يكون إذنا، فلو سمى فلانا أو فلانا فسكتت فله أن يزوجها من أيهما شاء، وكذا لو سمى جماعة مجملا فإن كانوا يحصون فهو رضا نحو من جيراني أو بني عمي وهم كذلك، وإن كانوا لا يحصون نحو من بني تميم فليس برضا كما في المحيط. وهذا كله إذا لم تفوض الامر إليه، أما أذا قالت أنا راضية بما تفعله أنت بعد قوله إن أقواما يخطبونك أو زوجني ممن تختاره ونحوه فهو استئذان صحيح كما في الظهيرية، وليس له بهذه المقالة أن يزوجها من رجل ردت نكاحه أولا لان المراد بهذا العموم غيره كالتوكيل بتزويج امرأة ليس للوكيل أن يزوجه مطلقته إذا كان الزوج قد شكا منها للوكيل وأعلمه بطلاقها كما في الظهيرية. وأما الثاني ففيه ثلاثة أقوال مصححة: قيل لا يشترط ذكر المهر في الاستئذان لان للنكاح صحة بدونه وصححه في الهداية، وقيل يشترط ذكره لان رغبتها تختلف باختلاف الصداق في القلة والكثرة وهو قول المتأخرين من مشايخنا كما في الذخيرة. وفي فتح القدير: إنه الاوجه. وتفرع عليه أنه لو لم يذكر المهر لها قالوا: إن وهبها من رجل نفذ نكاحه لانها رضت بنكاح لا تسمية فيه، والنكاح بلفظ الهبة يوجب مهر المثل. وإن زوجها بمهر مسمى لا ينعقد نكاح الولي لانها ما رضيت بتسمية الولي فلا ينعقد نكاح الولي إلا بإجازة مستقلة. كذا في الخانية وغيرها وهو مشكل، لان مقتضى الاشتراط أن لا يصح الاستئذان إذا لم يذكره فلم يصح قولهما أنها رضيت بنكاح لا تسمية فيه فسكوتها إنما هو لعلمها بعدم صحة الاستئذان. وقيل إن كان المزوج أبا أو جدا لا يشترط ذكر المهر عند

[ 199 ]

الاستئذان، وإن كان غيرهما يشترط. وصححه في الكافي والمعراج وكأنه سهو وقع من قائله لان التفرقة بين الاب والجد وبين غيرهما إنما هو في تزويج الصغيرة بحكم الجبر، والكلام إنما هو في الكبيرة التي وجب مشاورتها. والاب في ذلك كالاجنبي لا يفعل شيئا إلا برضاها فقد اختلف الترجيح فيها، والمذهب الاول لما في الذخيرة أن إشارة كتب محمد تدل عليه. ولم يذكر المصنف البكاء للاختلاف فيه والصحيح المختار للفتوى أنها إن بكت بلا صوت فهو إذن لانه حزن على مفارقة أهلها، وإن كان بصوت فليس بإذن لانه دليل السخط والكراهة غالبا لكن في المعراج: البكاء وإن كان دليل السخط لكنه ليس برد حتى لو رضيت بعده ينفذ العقد، ولو قالت لا أرضى ثم رضيت بعده لا يصح النكاح ا ه‍. وبهذا تبين أن قول الوقاية والبكاء بلا صوت إذن ومعه رد ليس بصحيح إلا أن يؤول أن معناه ومعه ليس بإذن لانه دليل السخط. وفي فتح القدير: والمعول عليه اعتبار قرائن الاحوال في البكاء والضحك فإن تعارضت أو أشكل احتيط اه‍. وقدم المصنف مسألة الاستئذان قبل العقد لانه السنة. قال في المحيط: والسنة أن يستأمر البكر وليها قبل النكاح بأن يقول إن فلانا يخطبك أو يذكرك فسكتت وإن زوجها بغير استئمار فقد أخطأ السنة وتوقف على رضاها اه‍. وهو محمل النهي في حديث مسلم لا تنكح الايم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن. قالوا: يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت. فهو لبيان السنة للاتفاق على أنها لو صرحت بالرضا بعد العقد نطقا فإنه يجوز. وأراد ببلوغها الخبر علمها بالنكاح فدخل فيه ما لو زوجها الولي وهي حاضرة فسكتت فإنه إجازة على الصحيح، وعلمها به يكون بإخبار وليها أو رسوله مطلقا أو فضولي عدل أو اثنين مستورين عند أبي حنيفة ولا يكفي إخبار واحد غير عدل ولها نظائر ستأتي في كتاب القضاء من مسائل شتى، ولا بد في التبليغ من تسمية الزوج

[ 200 ]

لها على وجه تقع به المعرفة لها كما قدمناه في الاستئذان. وأما تسمية المهر فعلى الخلاف المتقدم، وفرع في التبيين على عدم الاشتراط أنه إن سماه يشترط أن يكون وافرا وهو مهر المثل حتى لا يكون السكوت رضا بدونه. واختلف فيما إذا زوجها غير كف ء فبلغها فسكتت فقالا: لا يكون رضا. وقيل في قول أبي حنيفة يكون رضا إن كان المزوج أبا أو جدا وإن كان غيرهما فلا، كما في الخانية أخذا من مسألة الصغيرة المزوجة من غير كف ء. ولم يذكر المصنف ما إذا ضحكت بعد بلوغها الخبر مع أنه كضحكها عند الاستئذان لها كما في غاية البيان اكتفاء بذكره أولا. ولو قال المصنف ولو استأذنها الولي أو زوجها فعلمت به فسكتت أو ضحكت فهو إذن لكان أولى، والبكاء عند التزويج كهو عند الاستئذان. وأطلق سكوتها بعد بلوغها الخبر فشمل ما إذا استأذنها في معين فردت ثم زوجها منه فسكتت فإنه إجازة على الصحيح بخلاف ما لو بلغها العقد فردت ثم قالت رضيت حيث لا يجوز لان العقد بطل بالرد، ولذا استحسنوا التجديد عند الزفاف فيما إذا زوج قبل الاستئذان إذ غالب حالهن إظهار النفرة عند فجأة السماع. وفي فتح القدير: والاوجه عدم الصحة لان ذلك الرد الصريح لا ينزل عن تضعيف كون ذلك السكوت دلالة الرضا، ولو كانت قالت قد كنت قلت لا أريده ولم تزد على هذا لا يجوز النكاح للاخبار بأنها على امتناعها اه‍. وأشار المصنف بالسكوت عند بلوغ الخبر إلى أنه لو مكنته من نفسها أو طالبته بالمهر والنفقة يكون رضا لان الدلالة تعمل عمل الصريح. كذا في غاية البيان. وقيد بقوله أو زوجها لان الولي لو تزوجها كابن العم إذا تزوج بنت عمه البكر البالغة بغير إذنها فبلغها الخبر فسكتت لا يكون رضا لان ابن العم كان أصيلا في نفسه فضوليا في جانب المرأة فلم يتم العقد في قول أبي حنيفة ومحمد فلا يعمل الرضا، ولو استأمرها في التزويج من نفسه فسكتت ثم زوجها من نفسه جاز إجماعا. كذا في الخانية. وأطلق في البكر فشمل ما إذا كانت تزوجت قبل ذلك وطلقت قبل زوال البكارة ولذا قال في الظهيرية: وإذا فرق القاضي بين امرأة العنين وبين العنين وجبت عليها العدة وتزوج كما تزوج الابكار. نص عليه في الاصل. وشمل ما إذا خاصمت الازواج في المهر وفيه خلاف. قال في الظهيرية: والبكر إذا خاصمت الازواج في المهر قبل لا تستنطق، وقيل تستنطق لان علة وضع النطق الحياء والحياء زائل عنها اه‍. وينبغي ترجيح الاول لان العبرة في المنصوص عليه لعين النص لا لمعناه وهي بكر فيكتفى بسكوتها، وإن لم يكن عندها حياء كأبكار زماننا فإن الغالب فيهن عدم الحياء. وقد يجاب عنه بأنها علة منصوص عليها لا مستنبطة والمنصوص عليها يتعلق الحكم بها وجودا

[ 201 ]

وعدما كالطواف في الهرة ولذا كان سؤر الهرة الوحشية نجسا لفقد الطواف كما عرف في الاصول. ولا بد أن يكون سكوتها بعد بلوغها الخبر في حياة الزوج وإلا فليس بإجازة لان شرطها قيام العقد وقد بطل بموته كما في الفتاوى. وذكر في الخانية: رجل زوج ابنته البالغة ولم يعلم الرضا والرد حتى مات زوجها فقالت ورثته إنها زوجت بغير أمرها ولم تعلم بالنكاح ولم ترض فلا ميراث لها وإن قالت هي زوجني أبي بأمري كان القول قولها ولها الميراث وعليها العدة، وإن قالت زوجني أبي بغير أمري فبلغني الخبر فرضيت فلا مهر لها ولا ميراث لانها أقرت أن العقد وقع غير تام فإذا ادعت النفاذ بعد ذلك لا يقبل قولها لمكان التهمة اه‍. وأشار المصنف إلى أن السكوت إذا دل على الرضا فإنه يقوم مقام القول وقد ذكروا مسائل أقيم فيها السكوت مقام التصريح: الاولى سكوت البكر عند الاستئمار. الثانية سكوتها عند بلوغها الخبر. الثالثة سكوتها عند قبض الاب أو الجد المهر. كذا قالوا، ولا ينبغي إدخاله فيما نحن فيه لان له أن يقبض المهر في غيبتها حتى لو ردت عند بلوغها الخبر بقبضه لا تملك ذلك، نعم لها نهيه عنه قبل القبض كما قدمناه. الرابعة سكوت المالك عند قبض الموهوب له أو المتصدق عليه العين بحضرته. الخامسة في البيع ولو فاسدا إذا قبضه المشتري بمرأى من البائع فسكت صح وسقط حق الحبس بالثمن. السادسة إذا اشترى العبد بحضرة مولاه فسكت كان إذنا في غير الاول. السابعة الصبي إذا اشترى أو باع بمرأى من وليه فسكت فهو إذن له. الثامنة المشتري بالخيار إذا رأى العبد يبيع ويشتري فسكت سقط خياره. التاسعة سيد العبد المأسور إذا رآه يباع فسكت بطل حقه في أخذه بالقيمة. العاشرة إذا سكت الاب ولم ينف الولد مدة التهنئة لزمه فلا ينتقي بعد. الحادية عشرة السكوت عقيب شق رجل زقه حتى سال ما فيه لا يضمن الشاق ما سال. الثانية عشرة سكوته عقب حلفه على أن لا أسكن فلانا وفلان ساكن فيحنث. الثالثة عشرة السكوت عقيب قول رجل واضع غيره على أن يظهرا بيع تلجئة ثم قال بدا لي جعله بيعا نافذا بمسمع من الآخر ثم عقدا كان نافذا. الرابعة عشرة يصير مودعا بسكوته عقيب وضع رجل متاعه عنده وهو ينظر. الخامسة عشر الشفيع إذا بلغه البيع فسكت كان تسليما. السادسة عشر مجهول النسب إذا بيع فسكت كان إقرارا بالرق. السابعة عشر يكون وكيلا بسكوته عقب الامر ببيع المتاع. الثامنة عشر إذا رأى ملكا له يباع ولو عقارا فسكت حتى قبضه المشتري سقط دعواه فيه لكن شرط في فتح القدير لسقوط دعواه أن يقبض المشتري ويتصرف فيه أزمانا وهو ساكت بخلاف السكوت عند مجرد البيع. التاسعة عشر في الوقف على فلان إذا سكت جاز وإن رده بطل. كذا في الخلاصة من الاقرار وفيه خلاف ذكره في التبيين من آخر الكتاب أيضا. وفي فتح القدير: والاستقراء يفيد عدم الحصر وهذه

[ 202 ]

المشهورة لا المحصورة اه‍. ولذا زدت عليه مسألة الوقف، ويزاد أيضا الصغيرة إذا زوجها غير الاب والجد فبلغت بكرا فسكتت ساعة بطل خيارها وهي العشرون، وهي في المجتبى. ويزاد أيضا ما في المحيط: رجل زوج رجلا بغير أمره فهناه القوم وقبل التهنئة فهو رضا لان قبول التهنئة دليل الاجازة وهي الحادية والعشرون. قوله: (وإن استأذنها غير الولي فلا بد من القول كالثيب) أي فلا يكفي السكوت لانه لقلة الالتفات إلى كلامه فلم يقع دلالة على الرضا، ولو وقع فهو محتمل والاكتفاء بمثله للحاجة ولا حاجة في غير الاولياء بخلاف ما إذا كان المستأمر رسول الولي لانه قائم مقامه، وكذلك الثيب لا يكتفي بسكوتها لان النطق لا يعد عيبا وقل الحياء بالممارسة فلا مانع من النطق في حقها. واستدل له في الهداية بقوله عليه الصلاة والسلام والثيب تشاور (1)

[ 203 ]

ووجهه أن المشاورة لا تكون إلا بالقول وخرج عن حقيقته في البكر بقرينة آخر الحديث وإذنها صماتها ولم يوجد مثلها في الثيب. وبه اندفع ما ذكره في التبيين. والمراد بالثيب هنا البالغة إذ الصغيرة لا تستأذن ولا يشترط رضاها كما في المعراج. وأورد في التبيين أيضا على اشتراط القول أن الرضا بالقول لا يشترط في حق الثيب أيضا بل رضاها هنا يتحقق تارة بالقول كقولها رضيت وقبلت وأحسنت وأصبحت أو بارك الله لنا ولك ونحوها، وتارة

[ 204 ]

بالدلالة كطلب مهرها ونفقتها أو تمكينها من الوطئ وقبول التهنئة والضحك بالسرور من غير استهزاء، فثبت بهذا أنه لا فرق بينهما في اشتراط الاستئذان والرضا وأن رضاهما قد يكون صريحا وقد يكون دلالة غير أن سكوت البكر رضا دلالة لحيائها دون الثيب لان حياءها قد قل بالممارسة فلا يدل على الرضا اه‍. ورده في فتح القدير بأن الحق أن الكل من قبيل القول إلا التمكين فيثبت بدلالة نص إلزام القول لانه فوق القول اه‍. وفيه نظر لان قبول التهنئة ليس بقول وإنما هو سكوت ولذا جعلوه من مسائل السكوت وليس هو فوق القول، وأما الضحك فذكر في فتح القدير أولا أنه كالسكوت لا يكفي وسلم هنا أنه يكفي وجعله من قبيل القول لانه حروف. ودخل تحت غير الولي الولي الابعد مع الاقرب لما قدمنا من أن المراد بالولي من له ولاية الاستحباب وليس للابعد مع وجود الاقرب ذلك فهو غيولي، وكذا لو كان الاب كافرا أو عبدا أو مكاتبا فهو غير ولي، فحينئذ لا حاجة إلى جعلها مسألتين كما في الهداية: إحداهما إذا استأذنها غير الولي. والثانية أن يستأذنها ولي غيره أولى منه لدخول الثانية تحت الاولى. وفي المحيط والظهيرية: والثيب إذا قبلت الهدية فليس برضا، ولو أكلت من طعامه أو خدمته كما كانت فليس برضا دلالة زاد في الظهيرية: ولو خلابها برضاها هل يكون إجازة؟ لا رواية لهذه المسألة. قال رحمه الله: وعندي أن هذه إجازة وقد قدمنا أن رسول الولي كهو. وأما وكيله فقال في القنية: لو وكل رجلا في تزويجها قبل الاستئمار ثم استأمرها الوكيل بذكر الزوج وقدر المهر فسكتت فزوجها جاز، وسكوت البكر عند العلم بنكاح وكيل الاب كسكوتها عند نكاح الاب اه‍. وفيها قبله: استأمر البكر فسكتت فوكل من يزوجها ممن سماه جاز إن عرفت الزوج والمهر اه‍. وهو مشكل لانها لما سكتت عند استئمار فقد صار الولي وكيلا عنها كما قدمناه، وليس للوكيل أن يوكل إلا بإذن أو به اعمل برأيك كما سيأتي في المختصر، فمقتضاه عدم الجواز أو تخصيص مسألة الوكالة بغير الولي ولاية استحباب وإن كان وكيلا في الحقيقة. وفد فرع في القنية على كونه وكيلا بالسكوت ما لو استأمرها في نكاح رجل بعينه فسكتت أو أذنت ثم جرى على لسان الزوج قبل الزفاف ما وقع به الفرقة فليس له أن يزوجها منه بحكم ذلك الاذن لانه انتهى بالعقد اه‍. فلو زوجها

[ 205 ]

ولم يبلغها الطلاق ولا التزويج الثاني فمكنته من نفسها هل يكون إجازة لعقد الولي الذي هو كالفضولي فيه؟ الظاهر أنه لا يكون إجازة لانه إنما جعل إجازة لدلالته على الرضا وهو فرع علمها بعقد الثاني ولم أره منقولا. قوله: (ومن زالت بكارتها بوثبة أو حيضة أو جراحة أو تعنيس أو زنا فهي بكر) أي من زالت عذرتها وهي الجلدة التي على المحل بما ذكر فهي بكر حكما، أما في غير الزنا فهي بكر حقيقة أيضا بالاتفاق ولذا تدخل في الوصية لابكار بني فلان، ولان مصيبها أول مصيب لها، ومنه الباكورة والبكرة ولانها تستحي لعدم الممارسة. وفي الظهيرية: البكر اسم لامرأة لم تجامع بنكاح ولا غيره، قيل هذا قولهما، وأما عند أبي حنيفة بالفجور لا يزول اسم البكارة ولهذا تزوج عنده مثل ما تزوج الابكار إلا أن الصحيح أن هذا قول الكل لان في باب النكاح الحكم ينبني على الحياء وأنه لا يزول بهذا الطريق اه‍. وحاصل كلامهم أن الزائل في هذه المسائل العذرة لا البكارة فكانت بكرا حقيقة وحكما فاكتفي بسكوتها عند الاستئذان وبلوغ الخبر، ولا يرد عليه ما لو اشترى جارية على أنها بكر فوجدها زائلة العذرة فإنه يردها على بائعها وإن لم يجامعها أحد لان المتعارف من اشتراط بكارتها اشتراط صفة العذرة، وأما إذا زالت عذرتها بالزنا فاتفقوا على أنها ليست بكرا على الصحيح كما نقلناه عن الظهيرية، ولذا لو أوصى لابكار بني فلان لا تدخل، ولثيبات بني فلان تدخل في الوصية. ويردها المشتري الشارط بكارتها فهي ثيب حقيقة لان مصيبها عائد إليها، ومنه المثوبة للثواب العائد جزاء عمله، والمثابة للبيت الذي يعود الناس إليه في كل عام، والتثويب العود إلى الاعلام بعد الاعلام فجريا على هذا الاصل في تزويجها فقالا: لا بد من القول ولا يكتفى بسكوتها لانها ثيب. وخرج الامام عن هذا الاصل فقال: إن اشتهر حالها بأن خرجت وأقيم عليها الحد أو صار الزنا عادة لها فلا بد من القول على الصحيح كما. في المعراج، أو كان وطأ بشبهة أو بنكاح فاسد فكما قالا، لان الشارع أظهره في غير الزنا حيث علق به أحكاما، وإن لم يشتهر زناها فإنه يكتفي بسكوتها لان الناس عرفوها بكرا فيعيبونها بالنطق فتمتنع عنه فيكتفي بسكوتها كيلا يتعطل عليها مصالحها، وقد ندب الشارع إلى ستر الزنا فكانت بكرا شرعا. والوثبة النطة وفي النهاية: الوثبة الوثوب. والتعنيس طول المكث من غير تزويج. وأشار المصنف رحمه الله إلى أن البكر لو خلا بها زوجها ثم طلقها قبل الدخول فإنها تزوج

[ 206 ]

ثانيا كبكر لم تتزوج أصلا فيكتفى بسكوتها وإن وجبت عليها العدة لانها بكر حقيقة. قوله: (والقول لها أن اختلفا في السكوت) أي لو قال الزوج بلغك النكاح فسكت وقالت رددت ولا بينة لهما ولم يكن دخل بها، فالقول قولها. وقال زفر: القول قوله لان السكوت أصل والرد عار ض فصار كالمشروط له الخيار إذا ادعى الرد بعد مضي المدة. ونحن نقول: إنه يدعي لزوم العقد وملك البضع والمرأة تدفعه فكانت منكرة كالمودع إذا ادعى رد الوديعة بخلاف مسألة الخيار لان اللزوم قد ظهر بمضي المدة، ولم يذكر المصنف أن عليها اليمين للاختلاف فعند الامام لا يمين عليها، وعندهما عليها اليمين وعليه الفتوى كما سيأتي في الدعوى في الاشياء الستة. وذكر في الغاية معزيا إلى فتاوى الناصحى أن رجلا لو ادعى على الاب أنه زوجه ابنته الصغيرة فأنكر الاب يحلف عند أبي حنيفة وفي الكبيرة لا يحلف عنده اعتبارا بالاقرار فيهما اه‍. واستشكله في التبيين بأنه مشكل جدا على قوله لان امتناع اليمين عنده لامتناع البدل لا لامتناع الاقرار، ألا ترى أن المرأة لو أقرت لرجل بالنكاح نفذ إقرارها ومع هذا لا تحلف ولا شبهة أن يكون هذا قولهما اه‍. وقد صرح العمادي في الفصل السادس عشر بأنه قولهما فقط فقد ظهر بحثه منقولا. قيدنا بعدم البينة لان أيهما أقام البينة قبلت بينته وليست بينة السكوت ببينة نفي لانه وجودي لانه عبارة عن ضم الشفتين، ويلزم منه عدم الكلام كما في المعراج أو هو نفي يحيط به علم الشاهد فيقبل كما لو ادعت أن زوجها تكلم بمهو ردة في مجلس فأقامها على عدم التكلم فيه تقبل، وكذا إذا قالت الشهود كناعندها ولم نسمعها تتكلم ثبت سكوتها كما في الجامع، وإن أقاماها فبينتها أولى لاثبات الزيادة أعني الرد فإنه زائد على السكوت. وقيد بكونه ادعى سكوتها لانه لو ادعى

[ 207 ]

إجازتها النكاح حين أخبرت أو رضاها وأقاما البينة فبينته أولى على ما في الخانية لاستوائهما في الاثبات وزيادة بينته بإثبات اللزوم. وفي الخلاصة نقلا من أدب القاضي للخصاف في هذه المسألة أن بينتها أولى فتحصل في هذه الصورة اختلاف المشايخ، ولعل وجه ما في الخلاصة أن الشهادة بالاجازة أو الرضا لا يلزم منها كونها بأمر زائد على السكوت. وقيدنا الصورة بأن تقول بلغني النكاح فرددت لانها لو قالت بلغني النكاح يوم كذا فرددت وقال الزوج لا بل سكت فإن القول قوله، نظيره إذا قال الشفيع طلبت الشفعة حين علمت وقال المشتري ما طلبت حين علمت فالقول قول الشفيع، ولو قال الشفيع علمت منذ كذا وطلبت وقال المشتري ما طلبت فالقول قول المشتري. والفرق أنه إذا قال الشفيع طلبت حين علمت فعلمه عند القاضي ظهر للحال وقد وجد منه الطلب للحال فكان القول قوله، أما إذا قال علمت منذ كذا ثبت عند القاضي بإقراره وطلبه منذ كذا لم يظهر فيحتاج إلى الاثبات. كذا في الولوالجية، وذكرها في الذخيرة. لكن فرق بين بداية المرأة وبين بداية الزوج فقال: لو قال الزوج بلغك الخبر وسكت وقالت المرأة بلغني يوم كذا فرددت فالقول قول المرأة، وبمثله لو قالت المرأة بلغني الخبر يوم كذا فرددت وقال الزوج لا بل سكت فالقول قول الزوج اه‍. وقيد بالبكر البالغة فإن الضمير عائد إليها احترازا عن الصغيرة التي زوجها غير الاب والجد إذا قالت بعد البلوغ كنت رددت حين بلغني الخبر وكذبها الزوج فإن القول قوله، لان الملك ثابت عليها فهي بما قالت تريد إبطال الملك الثابت عليها فكانت مدعية صورة فلا يقبل منها إسناد الفسخ حتى لو قالت عند القاضي أدركت الآن وفسخت صح. وقيل لمحمد: كيف يصح وهو كذب وإنما أدركت قبل هذا الوقت؟ فقال: لا تصدق بالاسناد فجاز لها أن تكذب كيلا يبطل حقها. وأشار المصنف رحمه الله إلى أن الاختلاف لو كان في البلوغ فإن القول لها كما في الولوالجية: رجل زوج وليته فردت النكاح فادعى الزوج أنها صغيرة وادعت هي أنها بالغة فالقول لها إن كانت مراهقة لانها إذا كانت مراهقة كان المخبر به يحتمل الثبوت فيقبل خبرها لانها منكرة وقوع الملك عليها اه‍. وفي الذخيرة: إذا زوج الرجل ابنته فقالت أنا بالغة والنكاح لم يصح وقال الاب لا بل هي صغيرة فالقول لها إن كانت مراهقة، وقيل له والاول أصح. وعلى هذا إذا باع الرجل ضياع ابنه فقال الابن أنا بالغ وقال المشتري

[ 208 ]

والاب إنه صغير فالقول للابن لانه ينكر زوال ملكه، وقد قيل بخلافه والاول أصح اه‍. وقيدنا بعدم الدخول بها لانه لو كان دخل بها طوعا فإنها لا تصدق في دعوى الرد بخلاف ما إذا كان كرها فإنها تصدق. كذا في الخانية وصححه الولوالجي. وأشار المصنف رحمه الله إلى أن الرجل لو زوج ابنه البالغ امرأة ومات الابن فقال أبو الزوج كان النكاح بغير إذن الابن ومات قبل الاجازة فقالت المرأة لا بل أجاز ثم مات، فإن قياس مسألة الكتاب أن القول قول الاب لانهما اتفقا أن العقد وقع غير لازم فالمرأة تدعي اللزوم والاب ينكر حتى لو كانت المرأة قالت كان النكاح بإذن الابن كان القول قولها. ذكرها في الذخيرة. وذكر أولا أن الصدر الشهيد قال: القول قولها والبينة بينة الاب ثم قال: وقياس مسألة الكتاب أن القول قول الاب ثم قال: وهكذا كتبت في المحيط في أصل المتفرقات أن القول قول الاب اه‍. وإلى أن سيد العبد لو قال إن لم تدخل الدار اليوم فأنت حر ومضى اليوم وقال العبد لم أدخل وكذبه المولى فإن القول قول المولى عندنا، وعند زفر للعبد. قال في فتح القدير: إنها نظير مسألة العبد إذ ليس كون أحدهما بعينه مبني الخلاف بأولى من القلب بل الخلاف فيهما معا ابتدائي اه‍. وإلى أنه لا يقبل قول وليها عليها بالرضا لانه يقر عليها بثبوت الملك وإقراره عليها بالنكاح بعد بلوغها غير صحيح. كذا في الفتح وينبغي أن لا تقبل شهادته لو شهد مع آخر بالرضا لكونه ساعيا في إتمام ما صدر منه فهو متهم ولم أره منقولا. قوله: (وللولي انكاح الصغير والصغيرة والولي العصبة بترتيب الارث) ومالك يخالفنا في غير الاب الشافعي يخالفنا في غير الاب والجد وفي الثيب الصغيرة أيضا. وجه قول مالك أن الولاية على الحرة باعتبار الحاجة ولا حاجة لانعدام الشهوة إلا أن ولاية الاب ثبتت نصا بخلاف القياس، والجد ليس في معناه فلا يلحق به. قلنا: لا بل هو موافق للقياس لان النكاح يتضمن المصالح ولا تتوفر إلا بين المتكافئين عادة ولا يتفق الكف ء في كل زمان فأثبتنا الولاية في حالة الصغر بكرا كانت أو ثيبا إحرازا للكف ء. والقرابة داعية إلى النظر كما في الاب والجد وما فيه من القصور أظهرناه في سلب ولاية الالزام بخلاف التصرف في المال لانه يتكرر فلا يمكن تدارك الخلل، وتمامه في الهداية وشروحها.

[ 209 ]

والحاصل أن علة ثبوت الولاية على الصغيرة عند الشافعي البكارة، وعندنا عدم العقل أو نقصانه وهذا أولى لانه المؤثر في ثبوت الولاية في ما لها إجماعا، وكذا في حق الغلام في ماله ونفسه، وكذا في حق المجنونة إجماعا، ولا تأثير لكونها ثيبا أو بكرا فكذا الصغيرة. وأشار المصنف إلى أن للولي إنكاح المجنون والمجنونة إذا كان الجنون مطبقا فالمراد أن للولي إنكاح غير المكلفة جبرا. قال في الولوالجية: الرجل إذا كان يجن ويفيق هل يثبت للغير ولاية عليه في حال جنونه؟ إن كان يجن يوما أو يومين أو أقل من ذلك لا تثبت لانه لا يمكن الاحتراز عنه. وفي الخانية: رجل زوج ابنه البالغ بغير إذنه فجن الابن قبل الاجازة قالوا: ينبغي للاب أن يقول أجزت النكاح على ابني لان الاب يملك إنشاء النكاح عليه بعد الجنون فيملك إجازته اه‍. وقيد المصنف بالانكاح لان الولي إذا أقر بالنكاح على الصغيرة لم يجز إلا بشهود أو بتصديقها بعد البلوغ عند أبي حنيفة رضي الله عنه. وقالا: يصدق. وكذلك لو أقر المولى على عبده والوكيل على موكله ثم الولي على من يقيم بينة الاقرار عند أبي حنيفة. قالوا: القاضي ينصب خصما عن الصغير حتى ينكر فتقام البينة على المنكر كما إذا أقر الاب باستيفاء بدل الكتابة من عبد ابنه الصغير لا يصدق إلا ببينة، فالقاضي ينصب خصما عن الصغير فتقام عليه البينة. كذا في المحيط. وهذه المسألة على قول الامام مخرجة من قولهم إن من ملك الانشاء ملك الاقرار به كالوصي والمراجع والمولى والوكيل بالبيع. كذا في الجامع الصغير للصدر الشهيد مع أن صاحب المبسوط قال: وأصل كلامهم يشكل بإقرار الوصي بالاستدانة على اليتيم فإنه لا يكون صحيحا وإن كان هو يملك إنشاء الاستدانة اه‍.

[ 210 ]

وفسر المصنف رحمه الله الولي بالعصبة وسيأتي في الفرائض أنه من أخذ الكل إذا انفرد والباقي مع ذي سهم وهو عند الاطلاق منصرف إلى العصبة بنفسه وهو ذكر يتصل بلا توسط أنثى أي يتصل إلى غير المكلف، ولا يقال هنا إلى الميت فلا يرد العصبة بالغير كالبنت تصير عصبة بالابن فلا ولاية لها على أمها المجنونة، وكذا لا يرد العصبة مع الغير كالاخوات مع البنات. وأفاد بقوله بترتيب الارث أن الاحق الابن وابنه وإن سفل ولا يتأتى إلا في المعتوهة على قولهما خلافا لمحمد كما سيأتي. ثم الاب ثم الجد أبوه ثم الاخ الشقيثم لاب. وذكر الكرخي أن الاخ والجد يشتركان في الولاية عندهما، وعند أبي حنيفة يقدم الجد كما هو الخلاف في الميراث، والاصح أن الجد أولى بالتزويج اتفاقا، وأما الاخ لام فليس منهم. ثم ابن الاخ الشقيق ثم ابن الاخ لاب ثم العم الشقيق ثم لاب ثم ابن العم الشقيق ثم ابن العم لاب ثم أعمام الاب كذلك الشقيق ثم لاب ثم أبناء عم الاب الشقيق ثم أبناؤه لاب ثم عم الجد الشقيق ثم عم الجد لاب ثم أبناء عم الجد الشقيق ثم أبناؤه لاب وإن سفلوا. كل هؤلاء تثبت لهم ولاية الاجبار على البنت والذكر في حال صغرهما وحال كبرهما إذا جنا. ثم المعتق وإن كان امرأة ثم بنوه وإن سفلوا ثم عصبته من النسب على ترتيب عصبات النسب. كذا في فتح القدير وغيره. وفي الظهيرية: والجارية بين اثنين إذا جاءت بولد فادعياه حيث يثبت النسب من كل واحد منهما ينفرد كل واحد منهما بالتزويج. ثم إذا اجتمع في الصغير والصغيرة وليان في الدرجة على السواء فزوج أحدهما جاز أجاز الاول أو فسخ بخلاف الجارية إذا كانت بين اثنين فزوجها أحدهما لا يجوز إلا بإجازة الآخر، فإن زوج كل واحد من الوليين رجلا على حدة فالاول يجوز والآخر لا يجوز، وإن وقعا معا ساعة واحدة لا يجوز كلاهما ولا واحد منهما، وإن كان أحدهما قبل الآخر ولا يدري السابق من اللاحق فكذلك لا يجوز لانه لو جاز جاز بالتحري والتحري في الفروج حرام. هذا إذا كان في الدرجة سواء، وأما إذا كان أحدهما أقرب من الآخر فلا ولاية للابعد مع الاقرب إلا إذا غاب غيبة منقطعة فنكاح الابعد يجوز إذا وقع قبل عقد الاقرب. كذا ذكره الاسبيجابي. وفي المحيط وغيره: وإذا زوج غير الاب والجد الصغيرة فالاحتياط أن يعقد مرتين، مرة بمهر مسمى ومرة بغير تسمية لامرين: أحدهما لو كان في التسمية نقصان لا يصح النكاح الاول فيصح النكاح الثاني بمهر المثل. والثاني لو كان الزوج حلف بطلاق كل امرأة يتزوجها ينعقد الثاني وتحل، وإن كان أبا أو جدا فكذلك عندهما للوجه الثاني. واختلفوا في وقت الدخول

[ 211 ]

بالصغيرة، فقيل لا يدخل بها ما لم تبلغ، وقيل يدخل بها إذا بلغت تسع سنين، وقيل إن كانت سمينة جسيمة تطيق الجماع يدخل بها وإلا فلا، وكذا اختلفوا في وقت ختان الصبي على الاقوال الثلاثة، وقيل يختن إذا بلغ عشرا اه‍. وفي الخلاصة: وأكثر المشايخ على أنه لا اعتبار للسن فيهما وإنما المعتبر الطاقة. وفي الظهيرية: صغيرة زوجها وليها من كف ء ثم قال لست أنا بولي لا يصدق ولكن ينظر إن كانت ولايته ظاهرة جاز النكاح وإلا فلا اه‍. وفي الخلاصة: صغيرة زوجت فذهبت إلى بيت زوجها بدون أخذ المهر فلمن هو أحق بإمساكها قبل التزويج أن يمنعها حتى يأخذ من له حق أخذ جميع المهر، وغير الاب إذا زوج الصغيرة وسلمها إلى الزوج قبل قبض جميع الصداق فالتسليم فاسد وترد إلى بيتها. قال رحمه الله: هذا في عرفهم، أما في مما زماننا فتسليم جميع الصداق ليس بلازم والاب إذا سلم البنت إليه قبل القبض له أن يمنعها بخلاف ما لو باع مال الصغير وسلم قبل قبض الثمن فإنه لا يسترد اه‍. والفرق أن حقوق النقد في الاموال راجعة إليه بخلاف النكاح ولذا ملك الابراء عن الثمن ويضمن ولا يصح الابراء عن المهر من الولي. قوله: (ولهما خيار الفسخ بالبلوغ في غير الاب والجد بشرط القضاء) أي للصغير والصغيرة إذا بلغا وقد زوجا أن يفسخا عقد النكاح الصادر من ولي غير أب ولا جد بشرط قضاء القاضي بالفرقة. وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله. وقال أبو يوسف رحمه الله: لا خيار لهما اعتبارا بالاب والجد. ولهما أن قرابة الاخ ناقصة والنقصان يشعر بقصور الشفقة فيتطرق الخلل إلى المقاصد والتدارك يعلم بخيار الادراك بخلاف ما إذا زوجهما الاب والجد فإنه لا خيار لهما بعد بلوغهما لانهما كاملا الرأي وافرا الشفقة فيلزم العقد بمباشرتهما كما إذا باشراه برضاهما بعد البلوغ. وإنما شرط فيه القضاء بخلاف خيار العتق لان الفسخ ههنا لدفع ضرر خفي وهو تمكن الخلل ولهذا يشمل الذكر والانثى فجعل إلزاما في حق الآخر فيفتقر إلى القضاء، وخيار العتق لدفع ضرر جلي وهو زيادة الملك عليها ولهذا يختص بالانثى فاعتبر دفعا والدفع لا يفتقر إلى القضاء. أطلق الخيار لهما فشمل الذميين والمسلمين كما في المحيط، وشمل ما إذا زوجت الصغيرة نفسها فأجاز الولي فإن لها الخيار إذا بلغت لان الجواز ثبت بإجازة الولي فالتحق بنكاح باشره الولي. كذا في المحيط. وأشار المصنف إلى أن المجنون والمجنونة كالصغير والصغيرة لهما الخيار إذا عقلا في تزويج غير الاب والجد ولا خيار لهما فيهما. وأشار إلى أنه لا خيار لهما في تزويج الابن بالاولى لانه مقدم على الاب في التزويج،

[ 212 ]

وأفاد أن الكلام في الحر لان ولاية الاب إنما هي عليه، وأما الصغير والصغيرة المرقوقان إذا زوجهما المولى ثم أعتقهما ثم بلغا فإنه لا يثبت لهما خيار البلوغ لكمال ولاية المولى فهو أقوى من الاب والجد، ولان خيار العتق يغني عنه حتى لو أعتق أمته الصغيرة أولا ثم زوجها ثم بلغت فإن لها خيار البلوغ كما ذكره الاسبيجابي، وهو داخل في غير الاب والجد. فلو قال المصنف وللمولى عليه خيار الفسخ بالبلوغ في غير الاب والجد والابن والمولى لكان أولى وأشمل. ويدخل تحت غير الاب والجد الام والقاضي على الاصح لان ولايتهما متأخرة عن ولاية الاخ والعم فإذا ثبت الخيار في الحاجب ففي المحجوب أولى. وإنما عبر بالفسخ ليفيد أن هذه الفرقة فسخ لاطلاق فلا ينقص عدده لانه يصح من الانثى ولا طلاق إليها، وكذا بخيار العتق لما بيناه، وكذا الفرقة بعدم الكفاءة أو نقصان المهر فسخ بخلاف خيار المخيرة لان الزوج هو الذي ملكها وهو مالك للطلاق. وفي التبيين: ولا يقال النكاح لا يحتمل الفسخ فلا يستقيم جعله فسخا لانا نقول: المعنى بقولنا لا يحتمل الفسخ بعد التمام وهو النكاح الصحيح النافذ اللازم، وأما قبل التمام فيحتمل الفسخ وتزويج الاخ والعم صحيح نافذ لكنه غير لازم فيقبل الفسخ اه‍. ويرد عليه ارتداد أحدهما فإنه فسخ اتفاقا وهو بعد التمام وكذا إباؤها عن الاسلام بعد إسلامه فإنه فسخ اتفاقا وهو بعد التمام، وكذا ملك أحد الزوجين صاحبه فالحق أن يقبل الفسخ مطلقا إذا وجد ما يقتضيه شرعا. وفي فتح القدير: وهل يقع الطلاق في العدة إذا كانت هذه الفرقة بعد الدخول أي الصريح أو لا؟ لكل وجه والاوجه الوقوع اه‍. والظاهر عدم الوقوع لما في النهاية من باب نكاح أهل الشرك معزيا إلى المحيط الاصل أن المعتدة بعدة الطلاق يلحقها طلاق آخر في

[ 213 ]

العدة، والمعتدة بعدة الفسخ لا يلحقها طلاق آخر في العدة. وذكر في خصوص مسألتنا أنه لا يقع، وأما حكم المهر فإن كانت الفرقة بعد الدخول ولو حكما وجب تمامه، وإن كانت قبله فلا مهر لها، فإن كانت منها فظاهر لانها جاءت من قبلها، وإن كانت منه فسقوطه هو فائدة الخيار له وإلا فلا فائدة في إثباته له إذ هو مالك للطلاق. قال في الاختيار: وليس لنا فرقة جاءت من قبل الزوج قبل الدخول ولا مهر عليه إلا في هذه اه‍. وهذا الحصر غير صحيح لما في الذخيرة من الفصل السادس والعشرين في المتفرقات قبيل كتاب النفقات: حر تزوج مكاتبة بإذن سيدها على جارية بعينها فلم تقبض المكاتبة الجارية حتى زوجتها من زوجها على مائة درهم جاز النكاحان، فإن طلق الزوج المكاتبة إولا ثم طلق الامة وقع الطلاق على المكاتبة ولا يقع على الامة لان بطلاق المكاتبة تتنصف الامة وعاد نصفها إلى الزوج بنفس الطلاق فيفسد نكاح الامة قبل ورود الطلاق عليها فلم يعمل طلاقها، ويبطل جميع مهر الامة عن الزوج مع أنها فرقة جاءت من قبل الزوج قبل الدخول بها لان الفرقة إذا كانت من قبل الزوج إنما لا تسقط كل المهر إذا كان طلاقا، وأما إذا كانت الفرقة من قبله قبل الدخول وكانت فسخا من كل وجه توجب سقوكل الصداق كالصغير إذا بلغ. وأيضا لو اشترى منكوحته قبل الدخول بها فإنه يسقط كل الصداق مع أن الفرقة جاءت من قبله لان فساد النكاح حكم تعلق بالملك، وكل حكم تعلق بالملك فإنه يحال على قبول المشتري لا على إيجاب البائع، وإنما سقط كل الصداق لانه فسخ من كل وجه اه‍. بلفظه. ويرد على صاحب الذخيرة إذا ارتد الزوج قبل الدخول فإنها فرقة هي فسخ من كل وجه مع أنه لم يسقط كل

[ 214 ]

المهر بل يجب نصفه، فالحق أن لا يجعل لهذه المسألة ضابط بل يحكم في كل فرد بما أفاده الدليل. ثم اعلم أن الفرقة ثلاث عشرة فرقة: سبع منها تحتاج إلى القضاء، وست لا تحتاج. أما الاولى فالفرقة بالجب، والفرقة بالعنة، والفرقة بخيار البلوغ، والفرقة بعدم الكفاءة، والفرقة بنقصان المهر، والفرقة بإباء الزوج عن الاسلام، والفرقة باللعان. وإنما توقفت على القضاء لانها تنبني على سبب خفي لان الكفاءة شئ لا يعرف بالحس وأسبابها مختلفة وكذا بنقصان مهر المثل، وخيار البلوغ مبني على قصور الشفقة وهو أمر باطن والاباء ربما يوجد وربما لا يوجد وكذا البقية. وأما الثانية فالفرقة بخيار العتق، والفرقة بالايلاء، والفرقة بالرد، والفرقة بتباين الدارين، والفرقة بملك أحد الزوجين صاحبه، والفرقة في النكاح الفاسد. وإنما لم تتوقف هذه الست على القضاء لانها تبتني على سبب جلي. ثم قال الامام المحبوبي في التنقيح: كل فرقة جاءت من قبل المرأة لا بسبب من قبل الزوج فهي فرقة بغير طلاق كالردة من جهة المرأة وخيار البلوغ وخيار العتاقة وعدم الكفاءة، وكل فرقة جاءت من قبل الزوج فهي طلاق كالايلاء والجب والعنة، ولا يلزم على هذا ردة الزوج على قول أبي حنيفة وأبي يوسف لان بالردة ينتفي الملك فينتفي الحل الذي هو من لوازم الملك فإنما حصلت الفرقة بالتنافي والتضاد لا بوجود المباشرة من الزوج بخلاف الاباء من جهة الزوج حيث يكون طلاقا عند أبي حنيفة ومحمد لانه لا تنافي بدليل أن الملك يبقى بعدم الاباء فلهذا افترقا اه‍. قوله: (ويبطل بسكوتها إن علمت بكرا لا بسكوته ما لم يقل رضيت ولو دلالة) أي ويبطل خيار البلوغ بسكوت من بلغت إلى آخره اعتبارا لهذه الحالة بحالة ابتداء النكاح، وسكوت البكر في الابتداء إذن بخلاف سكوت الثيب والغلام. وأراد بالعلم العلم بأصل النكاح لانه لا تتمكن من التصرف إلا به والولي ينفرد به فعذرت، ولا يشترط العلم بأن لها خيار البلوغ لانها تتفرغ لمعرفة أحكام الشرع والدار دار العلم فلم تعذر بالجهل بخلاف المعتقة لان الامة لا تتفرغ لمعرفتها فتعذر بالجهل بثبوت الخيار. واستفيد من بطلانه بسكوتها أنه لا يمتد إلى آخر المجلس، وعلى هذا قالوا: ينبغي أن يبطل مع رؤية الدم فإن رأته ليلا تطلب بلسانها فتقول فسخت نكاحي وتشهد إذا أصبحت وتقول رأيت الدم الآن. وقيل لمحمد: كيف يصح وهو كذب وإنما أدركت قبل هذا؟ فقال: لا تصدق في الاسناد فجاز لها أن تكذب كيلا يبطل حقها. ثم إذا اختارت وأشهدت ولم تتقدم إلى القاضي الشهر والشهرين

[ 215 ]

فهي على خيارها كخيار العيب. وما في التبيين من أنها لو بعثت خادمها حين حاضت للشهود فلم تقدر عليهم وهي في مكان منقطع لزمها ولم تعذر، محمول على ما إذا لم تفسخ بلسانها حتى فعلت وما فيه أيضا. وفي الذخيرة من أنها لو سألت عن اسم الزوج أو عن المهر أو سلمت على الشهود بطل خيارها، تعسف لا دليل عليه، وغاية الامر كون هذه الحالة كحالة ابتداء النكاح. ولو سألت البكر عن اسم الزوج لا ينفذ عليها وكذا عن المهر وإن كان عدم ذكره لها لا يبطل كون سكوتها رضا على الخلاف فإن ذلك إذا لم تسأ عنه لظهور أنها راضية بكل مهر والسؤال يفيد نفي ظهوره في ذلك وإنما يتوقف رضاها على معرفة كميته، وكذا السلام على القادم لا يدل على الرضا، كيف وإنما أرسلت لغرض الاشهاد على الفسخ. كذا في فتح القدير وفيه بحث، لان بطلان هذا الخيار ليس متوقفا على ما يدل على الرضا لان ذلك إنما هو في حق الثيب والغلام، وأما في حق البكر فيبطل بمجرد السكوت، ولا شك أن الاشتغال بالسلام فوق السكوت، وإذا اجتمع خيارا البلوغ والشفعة تقول أطلب الحقين ثم تبتدئ في التفسير بخيار البلوغ. وقيد بالبكر لانها لو كانت ثيبا كما لو دخل بها الزوج قبل البلوغ أو كانت ثيبا وقت العقد فإنه لا يبطل بسكوتها فهي كالغلام لا بد من الرضا بالقول أو بفعل دال عليه.

[ 216 ]

وحاصله أن وقت خيارهما العمر لان سببه عدم الرضا فيبقى إلى أن يوجد ما يدل على الرضا. على هذا تظافرت كلمتهم كما في غاية البيان، فما نقل عن الطحاوي حيث قال: خيار المدركة يبطل بالسكوت إذا كانت بكرا، وإن كانت ثيبا لم يبطل به، وكذا إذا كان الخيار للزوج لا يبطل إلا بصريح الابطال أو يجئ منه دليل على إبطال الخيار كما إذا اشتغلت بشئ آخر وأعرضت عن الاختيار بوجه من الوجوه، مشكل إذ يقتضي أن الاشتغال بعمل آخر يبطله، وهذا تقييد بالمجلس ضرورة إذ تبدله حقيقة أو حكما يستلزمه ظاهرا. وفي الجوامع: وإن كانت ثيبا حين بلغها أو كان غلاما لم يبطل بالسكوت وإن أقامت معه أياما إلا أن ترضى بلسانها أو يوجد ما يدل على الرضا من الوطئ أو التمكين منه طوعا أو المطالبة بالمهر أو النفقة. وفيه: لو قالت كنت مكرهة في التمكين صدقت ولا يبطل خيارها. وفي الخلاصة: لو أكلت من طعامه أو خدمته فهي على خيارها، لا يقال كون القول لها في دعوى الاكراه في التمكين مشكل لان الظاهر يصدقها. كذا في فتح القدير. ولا إشكال في عبارة شرح الطحاوي لان مراده من الاشتغال بشئ آخر عمل يدل على الرضا بالنكاح كالتمكين ونحوه لا مطلق العمل كما يدل عليه سياق كلامه، بل قد صرح بأن خيار البلوغ في حق الثيب والغلام لا يبطل بالقيام عن المجلس وإلا فينبغي أن يحمل على ما ذكرناه ليوافق غيره. وفي الجوامع: إذا بلغ الغلام فقال فسخت ينوي الطلاق فهي طالق بائن وإن نوى الثلاث فثلاث وهذا حسن لان لفظ الفسخ يصلح كناية عن الطلاق. ثم قال في فتح القدير: وتقبل شهادة الموليين على اختيار أمتهما التي زوجاها نفسها إذا أعتقاها وتقبل شهادة العاصبين المزوجين بعد البلوغ أنها اختارت نفسها لان سبب الرد قد انقطع في الاولى بالعتق ولم ينقطع في الثانية إذ هو النسب وهو باق ا ه‍. وقد علم أن خيار البلوغ يخالف خيار العتق في مسائل منها: اشتراط القضاء والثاني أن خيار المعتقة لا يبطل بالسكوت بل يمتد إلى آخر المجلس كما في

[ 217 ]

المخيرة بخلاف خيار البلوغ في حق البكر. والثالث أن خيار العتق يثبت للانثى فقط بخلاف خيار البلوغ يثبت لهما. والرابع أن الجهل بخيار البلوغ ليس بعذر بخلافه في خيار العتق. والخامس أن خيار العتق يبطل بالقيام عن المجلس كالمخيرة وخيار البلوغ في حق الثيب والغلام لا يبطل به. كذا في غاية البيان. وأفاد المصنف بقوله ولو دلالة أن دفع المهر رضا كما في الهداية، وحمله في فتح القدير على ما إذا كان قبل الدخول، أما إذا كان دخل بها قبل بلوغه ينبغي أن لا يكون دفع المهر بعد بلوغه رضا لانه لا بد منه أقام أو فسخ ا ه‍. قوله: (ونوارثا قبل الفسخ) صادق بصورتين: إحداهما ما إذا مات أحدهما قبل البلوغ. ثانيهما ما إذا مات بعد البلوغ قبل التفريق فإن الآخر يرثه لان أصل العقد صحيح والملك الثابت به قد انتهى بالموت بخلاف مباشرة الفضولي إذا مات أحد الزوجين قبل الاجازة لان النكاح ثمة موقوف فيبطل بالموت، وههنا نافذ فيتقرر به. أشار المصنف رحمه الله إلى أنه يحل للزوج وطؤها قبل الفسخ لما ذكرنا، وإلى أنها لو بلغت واختارت نفسها والزوج غائب لا يفرق بينهما ما لم يحضر الغائب ولو كان زوجها صبيا لا ينتظر كبره ويفرق بينهما بحضرة والده أو وصيه إن لم يأتيا بما يدفعها. كذا في أحكام الصغار قوله: (ولا ولاية لصغير وعبد ومجنون) لانه لا ولاية لهم على أنفسهم فأولى أن لا يثبت على غيرهم، ولان هذه ولاية نظرية ولا نظر في التفويض إلى هؤلاء. أطلق في العبد فشمل المكاتب فلا ولاية له على ولده كذا في المحيط. لكن للمكاتب ولاية في تزويج أمته كما عرف. وأراد بالمجنون المطبق وهو شهر وعليه الفتوى. وفي فتح القدير: لا يحتاج إلى تقييده به لانه لا يزوج حال جنونه مطبقا أو غير مطبق، ويزوج حالة إفاقته عن جنون مطبق أو غير مطبق، لكن المعنى أنه إذا كان مطبقا تسلب ولايته فتزوج ولا ينتظر إفاقته، وغير المطبق الولاية ثابتة له فلا تزوج وتنتظر إفاقته كالنائم. ومقتضى النظر أن الكف ء الخاطب إن فات بانتظار إفاقته تزوج وإن لم يكن مطبقا وإلا انتظر على ما اختاره المتأخرون في غيبة الولي الاقرب ا ه‍ قوله: (ولا لكافر على مسلم) لقوله تعالى * (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) * (النساء: 141) ولهذا لا تقبل شهادته عليه ولا يتوارثان. قيد بالمسلم لان للكافر ولاية على ولده الكافر لقوله تعالى * (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض) * (الانفال: 73) ولهذا تقبل شهادتهم على بعضهم

[ 218 ]

ويجري بينهما التوارث، وكما لا تثبت الولاية لكافر على مسلم كذلك لا تثبت لمسلم على كافرة أعني ولاية التزويج بالقرابة وولاية التصرف في المال قالوا: وينبغي أن يقال إلا أن يكون المسلم سيد أمة كافرة أو سلطانا. قال السروجي: لم أر هذا الاستثناء في كتب أصحابنا وإنما هو منسوب إلى الشافعي ومالك. قال في المعراج: وينبغي أن يكون مرادا ورأيت في موضع معزوا إلى المبسوط: الولاية بالسبب العام تثبت للمسلم على الكافر كولاية السلطنة والشهادة فقد ذكر معنى ذلك الاستثناء ا ه‍. وقيد بالكفر لان الفسق لا يسلب الاهلية عندنا على المشهور وهو المذكور في المنظومة، وعن الشافعي اختلاف فيه، أما المستور فله الولاية بلا خلاف، فما في الجوامع أن الاب إذا كان فاسقا للقاضي أن يزوج الصغيرة من كف ء غير معروف. نعم إذا كان متهتكا لا ينفذ تزويجه إياها بنقص عن مهر المثل ومن غير كف ء وسيأتي هذا. كذا في فتح القدير. قوله: (وإن لم يكن عصبة فالولاية للام ثم للاخت لاب وأم ثم لاب ثم لولد الام ثم لذوي الارحام ثم للحاكم) وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وعندهما ليس لغير العصبات من الاقارب ولاية وإنما الولاية للحاكم بعد العصبات لحديث الانكاح إلى العصبات، ولابي حنيفة رضي الله عنه أن الولاية نظرية والنظر يتحقق بالتفويض إلى من هو المختص بالقرابة الباعثة على الشفقة. وقد اختلفوا في قول أبي يوسف، ففي الهداية الاشهر أنه مع محمد، وفي الكافي الجمهور أنه مع أبي حنيفة، وفي التبيين والجوهرة والمجتبى والذخيرة الاصح أنه مع أبي حنيفة، وفي تهذيب القلانسي وروى ابن زياد عن أبي حنيفة وهو قولهما لا يليه إلا العصبات وعليه الفتوى ا ه‍. وهو غريب لمخالفته المتون الموضوعة لبيان الفتوى، ولم يذكر

[ 219 ]

المصنف بعد الام البنت لانه خاص بالمجنون والمجنونة فبعد الام البنت ثم بنت الابن ثم بنت ابن الابن ثم بنت بنت البنت. وأطلق في ولد الام فشمل الذكر والانثى، وذكر الشارح أن بعد ولد الام ولده. وأفاده المصنف رحمه الله بتقديم الام على الاخت تضعيف ما نقله في المستصفي عن شيخ الاسلام خواهر زاده رحمه الله، ونقله في التجنيس عن عمد النسفي رحمه الله من أن الاخت الشقيقة أولى من الام لانها من قبل الاب، ووجه ضعف أن الام أقرب منها. وصرح في الخلاصة بأنه يفتي بتقديم الام على الاخت، وسيأتي في آخر المختصر أن ذا الرحم قريب ليس بذي سهم ولا عصبة وأن ترتيبهم كترتيب العصبات، فتقدم العمات ثم الاخوال ثم الخالات ثم بنات الاعمام ثم بنات العمات كترتيب الارث وهو قول الاكثر. وظاهر كلام المصنف أن الجد الفاسد مؤخر عن الاخت لانه من ذوي الارحام، وذكر المصنف في المستصفى أن الجد الفاسد أولى من الاخت عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف الولاية لهما كما في الميراث. وفي فتح القدير: وقياس ما صح في الجد والاخ من تقدم الجد تقدم الجد الفاسد على الاخت ا ه‍. فثبت بهذا أن المذهب أن الجد الفاسد بعد الام قبل الاخت. وفي القنية: أم الاب أولى في التزويج من الام. وأطلق في نفي العصبة فشمل العصبة النسبية والسببية فمولى العتاقة ثم عصبته على الترتيب السابق يقدمان على الام، ولم يذكر المصنف مولى الموالاة وهو الذي أسلم أبو الصغير على يديه ووالاه قالوا: إن آخر الاولياء مقدم على القاضي لان هذا العقد يفيد الخلافة في الارث فيفيد في الانكاح كالعصبات. وأطلق في الحاكم فشمل الامام والقاضي لكن قالوا: إن القاضي إنما يملك ذلك إذا كان ذلك في عهده ومنشوره، فإن لم يكن ذلك في عهده لم يكن وليا. كذا في الظهيرية وغيرها. وفي المجتبى ما يفيد أن لنائب القاضي ولاية التزويج حيث كان القاضي كتب له في

[ 220 ]

منشوره ذلك فإنه قال: ثم السلطان ثم القاضي ونوابه إذا اشترط في عهده تزويج الصغار والصغائر وإلا فلا ا ه‍. بناء على هذا الشرط إنما هو في حق القاضي دون نوابه، ويحتمل أن يكون شرطا فيهما، فإذا كتب في منشور قاضي القضاة فإن كان ذلك في عهد نائبه منه ملكه النائب وإلا فلا، ولم أر فيه منقولا صريحا. وفي الظهيرية: فإن زوجها القاضي ولم يأذن له السلطان ثم أذن له بذلك فأجاز القاضي ذلك جاز استحسانا، وفي غاية البيان: ولو زوج القاضي الصغيرة من ابنه كان باطلا. وكذا إذا باع مال اليتيم من نفسه لا يجوز لانه حكم وحكمه لنفسه لا يجوز، ولو اشترى من وصي اليتيم يجوز وإن كان القاضي أقامه وصيا لانه نائب عن الميت لا عن القاضي ا ه‍. وعلله في فتح القدير بأنه كالوكيل لا يجوز عقده لابنه

[ 221 ]

قال: والالحاق بالوكيل يكفي للحكم مستغن عن جعل فعله حكما مع انتفاء شرطه ا ه‍. وفي الفوائد الناجية معزيا إلى فتاوى سمرقند: سئل القاضي بديع الدين عن صغيرة زوجت نفسها ولا ولي لها ولا قاضي في ذلك الموضع قال: يتوقف وينفذ بإجازتها بعد بلوغها ا ه‍. مع أنهم قالوا: كل عقد لا مجيز له حال صدوره فهو باطل لا يتوقف، ولعل التوقف فيه باعتبار أن مجيزه السلطان كما لا يخفى. وفي النوازل والذخيرة: امرأة جاءت إلى قاض فقالت له أريد أن أتزوج ولا ولي لي فللقاضي أن يأذن لها في النكاح كما لو علم أن لها وليا. وما نقل فيه من إقامتها البينة خلاف المشهور، وما نقل من قول إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة يقول لها القاضي إن لم تكوني قرشية ولا عربية ولا ذات بعل ولا معتدة فقد أذنت لك، فالظاهر أن الشرطين الاولين محمولان على رواية عدم الجواز من غير الكف ء، وأما الشرط الثالث فمعلوم الاشتراط. كذا في فتح القدير. والظاهر أن الشرطين الاولين إنما هو عند كذبها بأن كان لها ولي، أما إن كانت صادقة في عدم الولي فليسا بشرطين على جميع الروايات. وأشار المصنف إلى أن وصي الصغير والصغيرة إذا لم يكن قريبا ولا حاكما فإنه ليس له ولاية التزويج، سواء كان أوصى إليه الاب في ذلك أو لم يوص. وروى هشام عن أبي حنيفة إن أوصى إليه الاب جاز له. كذا في الخانية والظهيرية. وبه علم أن ما في التبيين من أنه ليس له ذلك إلا أن يفوض إليه الموصي ذلك رواية هشام وهي ضعيفة، واستثنى في فتح القدير ما إذا كان الموصي عين رجلا في حياته للتزويج فيزوجها الوصي كما لو وكل في حياته بتزويجها ا ه‍. وفيه نظر لانه إن زوجها من المعين قبل موت الموصي فليس الكلام فيه

[ 222 ]

لانه ليس بوصي وإنما هو وكيل، وإن كان بعد موته فقد بطلت الوكالة بموته وانقطعت ولايته فانتقلت الولاية للحاكم عند عدم قريب. وفي الظهيرية: ومن يعول صغيرا أو صغيرة لا يملك تزويجهما. قوله: (وللابعد التزويج بغيبة الاقرب مسافة القصر) أي ثلاثة أيام فصاعدا لان هذه ولاية نظرية وليس من النظر التفويض إلى من لا ينتفع برأيه ففوضناه إلى الابعد وهو مقدم على الحاكم كما إذا مات الاقرب. واختلف في حد الغيبة فذهب أكثر المتأخرين إلى أنها مقدرة بمسافة القصر لانه ليس لاقصاها غاية فاعتبر بأدنى مدة السفر، واختاره المصنف وعليه الفتوى كما في التبيين. واختار أكثر المشايخ كما في النهاية أنها مقدرة بفوت الكف ء الخاطب باستطلاع رأيه، وصححه ابن الفضل، وفي الهداية: وهذا أقرب إلى الفقه لانه لا نظر في إبقاء ولايته حينئذ. وفي المجتبى والمبسوط والذخيرة: وهو الاصح. وفي الخلاصة: وبه كان يفتي الشيخ الامام الاستاذ. وفي فتح القدير: ولا تعارض بين أكثر المتأخرين وأكثر المشايخ ا ه‍. وهنا أقوال أخر لكنها ضعيفة. والحاصل أن التصحيح قد اختلف والاحسن الافتاء بما عليه أكثر المشايخ، وعليه فرع قاضيخان في شرحه أنه لو كان مختفيا بالمدينة بحيث لا يوقف عليه تكون غيبة منقطعة، وهذا حسن لانه النظر. ويتفرع على ما في المختصر أنه لا يزوج

[ 223 ]

الابعد إذا كان الاقرب بالمدينة مختفيا. وأشار المصنف بعدم ذكر سلب ولاية الاقرب إلى أنها باقية مع الغيبة حتى لو زوجها الاقرب حيث هو اختلفوا فيه، والظاهر هو الجواز. كذا في الخانية والظهيرية. ولو زوجا معا أو لا يدري السابق من اللاحق فهو باطل. كذا ذكره الاسبيجابي. وقيد بالغيبة لان الاقرب إذا عضلها يثبت للابعد ولاية التزويج بالاجماع. كذا في الخلاصة. وبه اندفع ما ذكره السروجي من أنه تثبت للقاضي: وقيد بالتزويج لانه ليس للابعد التصرف في المال وهو للاقرب لان رأيه منتفع به في مالها بأن ينقل إليه ليتصرف في مالها. كذا في المحيط. قالوا: وإذا خطبها كف ء وعضلها الولي تثبت الولاية للقاضي نيابة عن العاضل فله التزويج وإن لم يكن في منشوره لكن ما المراد بالعضل؟ فيحتمل أن يمتنع من تزويجها مطلقا، ويحتمل أن يكون أعم من الاول ومن أن يمتنع من تزويجها من هذا الخاطب الكف ء ليزوجها من كف ء غيره وهو الظاهر ولم أره صريحا قوله: (ولا يبطل بعوده) أي لا

[ 224 ]

يبطل تزويج الابعد بعود الاقرب لانه عقد صدر عن ولاية تامة، فالضمير في لا يبطل عائد إلى التزويج. وما في التبيين من عوده إلى ولاية الابعد فبعيد عن النظم والمعنى لان ولايته تبطل بعود الاقرب في المستقبل فالاحسن ما قلنا. قوله: (وولى المجنونة الابن لا الاب) أي في النكاح. وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: أبوها لانه أوفر شفقة من الابن. ولهما: أن الابن هم المقدم في العصوبة وهذه الولاية مبنية عليها ولا معتبر بزياد الشفقة كأبي الام مع بعض العصبات. وأخذ الطحاوي بقول محمد كما في غاية البيان. والتقييد بالمجنونة اتفاقي لان الحكم في المجنون إذا كان له أب وابن كذلك، والافضل أن يأمر الابن الاب بالنكاح حتى يجوز بلا خلاف. ذكره الاسبيجابي. وحكم ابن الابن وإن سفل كالابن في تقديمه على الاب كما في الخانية. وأطلق في المجنون فشمل الاصلي والعارض خلافا لزفر في الثاني، وقيدنا بالنكاح لان التصرف في المال للاب بالاتفاق كما في تهذيب القلانسي، وقد قدمنا حكم الصلاة في

[ 225 ]

الجنائز، وقد قدمنا قريبا أن المجنون والمجنونة البالغين إذا زوجهما الابن ثم أفاقا فإنه لا خيار لهما لانه مقدم على الاب والجد ولا خيار لهما في تزويجهما فالابن أولى. فصل في الاكفاء جمع كف ء بمعنى النظير لغة، والمراد هنا المماثلة بين الزوجين في خصوص أمور، أو كون المرأة أدنى وهي معتبرة في النكاح لان المصالح إنما تنتظم بين المتكافئين عادة لان الشريفة تأبى أن تكون مستفرشة للخسيس بخلاف جانبها لان الزوج مستفرش فلا يغيظه دناءة الفراش ومن الغريب ما في الظهيرية والكفاءة في النساء للرجال غير معتبرة عند أبي حنيفة خلافا لهما ا ه‍. وذكره في المحيط وعزاه إلى الجامع الصغير لكن في الخبازية الصحيح أنها غير معتبرة من جانبها عند الكل ا ه‍. وهو حق الولي لا حقها فلذا ذكر الولوالجي في فتاواه: امرأة زوجت نفسها من رجل ولم تعلم أنه حر أو عبد فإذا هو عبد مأذون في النكاح فليس لها الخيار وللاولياء الخيار، وإن زوجها الاولياء برضاها ولم يعلموا أنه عبد أو حر ثم علموا لا خيار لاحدهم. هذا إذا لم يخبر الزوج أنه حر وقت العقد. أما إذا أخبر الزوج أنه حرو باقي المسألة على حالها كان لهم الخيار، ودلت المسألة على أن المرأة إذا زوجت نفسها من

[ 226 ]

رجل ولم تشترط الكفاءة ولم تعلم أنه كف ء أم لا ثم علمت أنه غير كف ء لا خيار لها، وكذلك الاولياء لو زوجوها برضاها ولم يعلموا بعدم الكفاءة ثم علموا لا خيار لهم وهذه مسألة عجيبة. أما إذا شرطوا فأخبرهم بالكفاءة فزوجوها على ذلك ثم ظهر أنه غير كف ء كان لهم الخيار لانه إذا لم يشترط الكفاءة كان عدم الرضا بعدم الكفاءة من الولي. ومنها ثابتا من وجه دون وجه لما ذكرنا أن حال الزوج محتمل بين أن يكون كفؤا وبين أن لا يكون كفؤا، والنص إنما أثبت حق الفسخ بسبب عدم الكفاءة حال عدم الرضا بعدم الكفاءة من كل وجه فلا يثبت حال وجود الرضا بعدم الكفاءة من وجه ا ه‍. وفي الظهيرية: ولو انتسب الزوج لها نسبا غير نسبه فإن ظهر دونه وهو ليس بكف ء فحق الفسخ ثابت للكل، وإن كان كفؤا فحق الفسخ لها دون الاولياء، وإن كان ما ظهر فوق ما أخبر فلا فسخ لاحد، وعن أبي يوسف أن لها الفسخ لانها عسى تعجز عن المقام معه ا ه‍. وفي الذخيرة: إذا تزوج امرأة على أنه فلان بن فلان فإذا هو أخوه أو عمه فلها الخيار ا ه‍. قوله: (من نكحت غير كف ء فرق الولي) لما ذكرناه وهذا ظاهر في انعقاده صحيحا وهو ظاهر الرواية عن الثلاثة فتبقى أحكامه من إرث وطلاق، وقدمنا أنه يشترط في هذه الفرقة قضاء القاضي، فلو قال المصنف فرق القاضي بينهما بطلب الولي لكان أظهر. وقدمنا أنها لا تكون طلاقا وأن المفتي به رواية الحسن عن الامام من عدم الانعقاد أصلا، إذا كان لها ولي لم يرض به قبل العقد فلا يفيد الرضا بعده، فلو قال المصنف من نكحت غير كف ء بغير رضا الولي لكان أولى. وأما تمكينها من الوطئ فعلى المفتى به هو حرام كما يحرم عليه الوطئ لعدم انعقاده، وأما على ظاهر الرواية ففي الولوالجية أن لها أن تمنع نفسها ا ه‍. ولا تمكنه من الوطئ حتى يرضى الولي. هكذا اختار الفقيه أبو الليث وإن كان هذا خلاف ظاهر الجواب لان من حجة المرأة أن تقول إنما تزوجت بك رجاء أن يجيز الولي والولي عسى يخاصم فيفرق بيننا فيصير هذا وطئا بشبهة ا ه‍. وفي الخلاصة: وكثير من مشايخنا أفتوا بظاهر الرواية أنها ليس لها أن تمنع نفسها ا ه‍. وهذا يدل على أكثيرا من المشايخ أفتوا بانعقاده فقد اختلف الافتاء. وأطلق في الولي فانصرف الى الكامل وهو ا لعصبة كما قيده به في الخانية لا من له ولاية النكاح عليها لكانت صغيرة فلا يدخل ذوو الارحام في هذا الحكم ولا الام ولا الاخت. كذا في فتح القدير. وفي الخلاصة والخانية: والذي يلي المرافعة هو المحارم وعند بعضهم المحارم وغيرهم سواء وهو الاصح ا ه‍. يعني لا فرق في العصبة بين أن يكون

[ 227 ]

محرما أو لا كما ذكره الولوالجي أنه المختار. وشمل كلامه ما إذا تزوجت غير كف ء بغير رضا الولي بعد ما زوجها الولي أولا منه برضاها وفارقته. فللولي التفريق لان الرضا بالاول لا يكون رضا بالثاني. وشمل ما إذا كانت مجهولة النسب فتزوجت رجلا ثم ادعاها رجل من قريش وأثبت القاضي نسبها منه وجعلها بنتا له وزوجها حجام فلهذا الاب أن يفرق بينها وبين زوجها ولو لم يكن ذلك لكن أقرت بالرق لرجل لم يكن لمولاها أن يبطل النكاح بينهما. كذا في الذخيرة. وفيها أيضا: لو زوج أمة له صغيرة رجلا ثم ادعى أنها بنته ثبت لنسب والنكاح على حاله إن كان الزوج كفؤا وإن لم يكن كفؤا فهو في القياس لازم، ولو باعها ثم ادعى المشتري أنها بنته فكذلك اه‍. وإذا فرق القاضي بينهما فإن كان بعد الدخول فلها المسمى وعليها العدة ولها النفقة فيها، والخلوة الصحيحة كالدخول. وإن كان قبلهما فلا مهر لها لان الفرقة ليست من قبله. هكذا في الخانية وهو تفريع على انعقاده، وأما على المفتى به فينبغي أن يجب الاقل من المسمى ومن مهر المثل وأن لا نفقة لها في هذه العدة كما لا يخفى. وفي الخانية: وإن زوجها الولي غير كف ء ودخل بها ثم بانت منه بالطلاق ثم زوجت نفسها هذا الزوج بغير ولي ثم فرق القاضي بينهما قبل الدخول كان على الزوج كل المهر الثاني وعليها عدة في المستقبل في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: لا مهر على الزوج وعليها بقية العدة الاولى، وذكر لها نظائر تأتي في كتاب العدة، وينبغي أن يكون تفريعا على ظاهر الرواية، أما على المفتي به فإنه لا يجب المهر الثاني بالاتفاق لانه نكاح فاسد كما صرح به في الخانية فيما إذا كان النكاح الثاني فاسدا. وقيد بالنكاح لان له المراجعة إذا طلقها رجعيا بعد ما زوجها الولي غير كف ء برضاها. كذا في الذخيرة. قوله: (ورضا البعض كالكل) أي ورضا بعض الاولياء المستويين في الدرجة كرضا كلهم حتى لا يتعرض أحد منهم بعد ذلك. وقال أبو يوسف: لا يكون كالكل كما إذا أسقط أحد الدائنين حقه من المشترك.، ولهما: إنه حق واحد لا يتجزأ لانه ثبت بسبب لا يتجزأ فيثبت لكل على الكمال كولاية الامان. قيدنا بالاستواء احترازا عما إذا رضي الابعد فإن للاقرب الاعتراض. كذا في فتح القدير وغيره. وقيد بالرضا لان التصديق بأنه كف ء من البعض لا يسقط حق من أنكرها. قال في المبسوط: لو ادعى أحد الاولياء أن الزوج كف ء وأثبت الآخر أنه ليس بكف ء يكون له أن يطالبه بالتفريق لان المصدق ينكر سبب الوجوب

[ 228 ]

وإنكار سبب وجوب الشئ لا يكون إسقاطا له ا ه‍. وفي الفوائد التاجية: أقام وليها شاهدين بعدم الكفاءة أو أقام زوجها بالكفاءة قال: لا يشترط لفظ الشهادة لانه إخبار ذكره عن القاضي بديع الدين في الشهادة. وأطلق في الرضا فشمل ما إذا رضي بعضهم به قبل العقد أو رضي به بعده كما في القنية، وقد قدمنا بحثا في أنه لو قال لها قبل العقد رضيت بتزوجك من غير كف ء ولم يعين أحدا أو قال رضيت به بعد العقد ولم يعرفه أنه ينبغي أن لا يكون رضا معتبرا لما صرح به في الخانية وغيرها من أن الرضا بالمجهول لا يتحقق قوله: (وقبض المهر ونحوه رضا) لانه تقرير لحكم العقد وأراد بنحوه كل فعل دل على الرضا. وأطلق في قبض المهر فشمل ما إذا جهزها به أولا، أما إن جهزها به فهو رضا اتفاقا، وإن لم يجهزا ففيه اختلاف المشايخ. والصحيح أنه رضا كما في الذخيرة، ودخل في نحوه ما إذا خاصم الزوج في نفقتها وتقرير مهرها عليه بوكالة منها كان ذلك منه رضا وتسليما للعقد استحسانا. وهذا إذا كان عدم الكفاءة ثابتا عند القاضي قبل مخاصمة الولي إياه، فأما إذا لم يكن عدم الكفاءة ثابتا عند القاضي قبل مخاصمة الولي إياه لا يكون رضا بالنكاح قياسا واستحسانا. كذا في الذخيرة قوله: (لا السكوت) أي لا يكون سكوت الولي رضا لانه محتمل فلا يجعل رضا إلا في مواضع مخصوصة ليس هذا منها. أطلقه فشمل ما إذا ولدت فله حق الفسخ بعد الولادة كما في مبسوط شيخ الاسلام، وكما في المعراج، لكن قيده الشارحون بعدم الولادة، فلو ولدت فليس له حق الفسخ، وظاهر كلامهم أنه المذهب الصحيح ولذا اختاره في الخلاصة وكأنه للضرر الحاصل بالفسخ، وينبغي أن يكون الحبل الظاهر كالولادة. وشمل ما إذا طالت المدة كما في الخلاصة. وذكر في الذخيرة: امرأة تحت رجل هو ليس بكف ء لها فخاصمه أخوها في ذلك وأبوها غائب غيبة منقطعة أو خاصمه ولي آخر غيره أولى منه وهو غائب عنه غيبة منقطعة فادعى الزوج أن الولي الاولى زوجه، يؤمر بإقامة البينة وإلا فرق بينهما، فإن أقام بينة على ذلك قبلت بينته وأجزتها على الاولى يعني الاول الذي هو أولى لان هذا خصم ا ه‍. قوله: (الكفاءة تعتبر نسبا فقريش أكفاء والعرب أكفاء وحرية وإسلاما وأبوان فيهما كالآباء وديانة ومالا وحرفة) لان هذه الاشياء يقع بها التفاخر فيما بينهم فلا بد من اعتبارها. وتعتبر الكفاءة عند ابتداء العقد وزوالها بعد ذلك لا يضر، ولذا قال في الظهرية: ولو تزوجها وهو كف ء لها ثم صار فاجرا داعرا لا يفسخ النكاح ا ه‍. وقد ذكر المصنف اعتبارها في ستة أشياء: الاولى النسب وهو معروف، وأما العرب فهم خلاف العجم وأحدهما عربي،

[ 229 ]

والاعراب أهل البادية وأحدهم أعرابي، وجمع الاعراب أعاريب، وقيل العرب جمع عربة بالهاء وهي النفس. والعربي أيضا المنسوب إلى العرب قال تعالى * (قرآنا عربيا) * (يوسف: 2) كذا في ضياء الحلوم. وفيه: التقرش الاكتساب، والتقرش التجمع وبذلك سميت قريش لاجتماعهم بمكة، وتقرش الرجل إذا انتسب إلى قريش ا ه‍. ثم القرشيان من جمعهما أب هو النضر بن كنانة فمن دونه، ومن لم ينسب إلا لاب فوقه فهو عربي غير قرشي. والنضر هو الجد الثاني عشر للنبي صلى الله عليه وسلم فإنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة ابن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. اقتصر البخاري في نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدنان. والائمة الاربعة الخلفاء رضي الله عنهم أجمعين كلهم من قريش لانتسابهم إلى النضر فن دونه، وليس فيهم هاشمي إلى علي رضي الله عنه فإن الجد الاول للنبي صلى الله عليه وسلم جده فإنه علي بن أبي طالب بن عبد المطلب فهو من أولاد هاشم. وأما أبو بكر الصديق رضي الله عنه فإنه يجتمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجد السادس وهو مرة فإنه عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة. وأما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه يجتمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجد السابع وهو كعب فإنه عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن وراح بن عدى بن كعب ورياح بكسر الراء وبالياء تحتها نقطتان. وأما عثمان رضي الله عنه فيجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في الجد الثالث وهو عبد مناف فإنه عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. وبهذا استدل المشايخ على أنه لا يعتبر التفاضل فيما بين قريش وهو المراد بقوله فقريش أكفاء حتى لو تزوجت هاشمية قرشيا غير هاشمي لم يرد عقدها، وإن تزوجت عربيا غير قرشي لهم رده كتزويج العربية عجميا. ووجه الاستدلال أن النبي صلى الله عليه وسلم زوج بنته من عثمان وهو أموي لا هاشمي، وزوج علي رضي الله عنه بنته أم كلثوم من عمر وكان عدويا لا هاشميا، فاندفع بذلك قول محمد من أنه تعتبر الزيادة بالخلافة حتى لا يكافئ أهل بيت الخلافة غيرهم من القرشيين، هذا إن قصد به عدم المكافأة لا إن قصد به تسكين الفتنة.

[ 230 ]

وأفاد المصنف أن غير العربي لا يكافئ العربي وإن كان حسيبا أو عالما لكن ذكر قاضيخان في جامعه قالوا: الحسيب يكون كفئا للنسيب فالعالم العجمي يكون كفئا للجاهل العربي والعلوية لان شرف العلم فوق شرف النسب والحسب مكارم الاخلاق في المحيط عن صدر الاسلام: الحسيب الذي له جاه وحشمة ومنصب. وفي الينابيع: الاصح أنه ليس كفئا للعلوية. وأصل ما ذكره المشايخ من ذلك ما روي عن أبي يوسف أن الذي أسلم بنفسه أو أعتق إذا أحرز من الفضائل ما يقابل نسب الآخر كان كفئا له. كذا في فتح القدير. وكله تفقهات المشايخ، وظاهر الرواية أن العجمي لا يكون كفئا للعربية مطلقا. قال في المبسوط: أفضل الناس نسبا بنو هاشم ثم قريش ثم العرب لما روي عن محمد بن علي عليه السلام أن الله اختار من الناس العرب ومن العرب قريشا واختار منهم بني هاشم واختارني من بني

[ 231 ]

هاشم ا ه‍. ولم يذكر المصنف الموالي لان المراد بالمولى هنا ما ليس بعربي وإن لم يمسه رق لان العجم لما ضلوا أنسابهم كان التفاخر بينهم في الدين كما في الفتح، أو لان بلادهم فتحت عنوة بأيدي العرب فكان للعرب استرقاقهم فإذا تركوهم أحرارا فكأنهم أعتقوهم. والمولي هم المعتقون كما في التبيين، أو لانهم نصروا العرب على قتل الكفار من أهل الحرب. والناصر يسمى مولى قال تعالى * (وإن الكافرين لا مولى لهم) * (محمد: 11) كما في غاية البيان. والحاصل أن النسب المعتبر هنا خاص بالعرب. وأما العجم فلا يعتبر في حقهم ولذا كان بعضهم كفئا لبعض. وأما معتق العربي فهو ليس بكف ء لمعتق العجمي كما سيأتي في الحرية. وأطلق المصنف في العرب فأفاد أن بني باهلة كف ء لبقية العرب غير قريش. وفي الهداية: وبنو باهلة ليسوا بأكفاء لعامة العرب لانهم معروفون بالخساسة ا ه‍. قالوا: لانهم كانوا يستخرجون النفي من عظام الموتى ويطبخون العظام ويأخذون الدسومات منها ويأكلون بقية الطعام مرة ثانية. ورده في فتح القدير بأنه لا يخلو من نظر فإن النص لم يفصل مع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أعلم بقبائل العرب وأخلاقهم. وقد أطلق في قوله العرب بعضهم كفاء لبعض وليس كل باهلي كذلك بل فيهم الاجواد. وكون فصيلة منهم أو بطن صعاليك فعلوا ذلك لا يسري في حق الكل ا ه‍. فالحق الاطلاق. وباهلة في الاصل اسم امرأة من همدان والتأنيث للقبيلة، سواء كان في الاصل اسم رجل أو اسم امرأة. كذا في الصحاح. وقال في الديوان: الباهلة قبيلة من قبيلة القيس. وفي القاموس: باهلة قوم. وأما الثاني والثالث - أعني الحرية والاسلام - فهما معتبران في حق العجم لانهم يفتخرون بهما دون النسب، وهذا لان الكفر عيب، وكذا الرق لانه أثره، والحرية والاسلام زوال العيب فيفتخر بهما دون النسب فلا يكون من أسلم بنفسه كفئا لمن لها أب في الاسلام، ولا يكون من له أب واحد كفئا لمن لها أبوان في الاسلام، ومن له أبوان في الاسلام كف ء لمن لها آباء كثيرة فيه وهو المراد بقوله وأبوان فيهما كالآباء أي في الاسلام والحرية وهي نظير الاسلام فيما ذكرنا فلا يكون العبد كفئا لحرة الاصل. وكذا المعتق، لا يكون كفئا لحرة أصلية، والمعتق أبوه لا يكون كفئا لمن له أبوان في الحرية. كذا في المعراج. وظاهره أن العبد كف ء للمعتقة وفيه تأمل. وفي المجتبى: معتقة الشريف لا يكافئها معتق الوضيع. وفي التجنيس: لو كان أبوها معتقا وأمها حرة الاصل لا يكافئها المعتق لان فيه أثر

[ 232 ]

الرق وهو الولاء، والمرأة لما كانت أمها حرة الاصل كانت هي حرة الاصل. وفي فتح القدير: واعلم أنه لا يبعد كون من أسلم بنفسه كفئا لمن عتق بنفسه اه‍. قيدنا اعتبارهما في حق العجم لما في التبيين وغيره أن أبا حنيفة وصاحبيه اتفقوا أن الاسلام لا يكون معتبرا في حق العرب لانهم لا يتفاخرون به وإنما يتفاخرون بالنسب اه‍. فعلى هذا لو تزوج عربي له أب كافر بعربية لها آباء في الاسلام فهو كف ء، وأما الحرية فهي لازمة للعرب لانه لا يجوز استرقاقهم، فعلى هذا فالنسب معتبر في حق العرب فقط، وأما الحرية والاسلام فمعتبران في العرب والعجم بالنسبة إلى الزوج، وأما بالنسبة إلى أبيه وجده فالحرية معتبرة في حق الكل أيضا، وأما الاسلام فمعتبر في العجم فقط. وفي القنية: رجل ارتد والعياذ بالله ثم أسلم فهو كف ء لمن لم يجر عليها ردة اه‍. وأما الرابع وهو الديانة ففسرها في غاية البيان بالتقوى والزهد والصلاح، وإنما لم يقل والدين لانه بمعنى الاسلام فيلزم التكرار. وإن أريد بالاول إسلام الآباء وهنا إسلام الزوج لم يصح لان إسلام الزوج ليس من الكفاءة وإنما هو شرط جواز النكاح. واعتبار التقوى فيها قول أبي حنيفة وأبي يوسف وهو الصحيح لانه من أعلى المفاخر، والمرأة تعير بفسق الزوج فوق ما تعير بضعة نسبه. وقال محمد: لا تعتبر لانه من أمور الآخرة فلا تبتنى أحكام الدنيا عليه إلا إذا كان يصفع ويسخر منه أو يخرج إلى الاسواق سكران ويلعب به الصبيان لانه مستخف به. كذا في الهداية. وفي فتح القدير معزيا إلى المحيط إن الفتوى على قول محمد ولعله المحيط لبرهاني فإنه لم أجده في المحيط الرضوي وهو موافق لما صححه في المبسوط من أنها لا تعتبر عند أبي حنيفة وتصحيح الهداية معارض له، فالافتاء بما في المتون أولى فلا يكون الفاسق كفئا للصالحة بنت الصالحين، سواء كان معلنا

[ 233 ]

بالفسق أو لا كما في الذخيرة. ووقع لي تردد فيما إذا كانت صالحة دون أبيها أو كان أبوها صالحا دونها هل يكون الفاسق كفئا لها أو لا؟ فظاهر كلام الشارحين أن العبرة لصلاح أبيها وجدها فإنهم قالوا: لا يكون الفاسق كفئا للصالحة بنت الصالحين واعتبر في المجمع صلاحها فقال: فلا يكون الفاسق كفئا للصالحة. وفي الخانية: لا يكون الفاسق كفئا للصالحة بنت الصالحين فاعتبر صلاح الكل. والظاهر أن الصلاح منها أو من آبائها كاف لعدم كون الفاسق كفئا لها ولم أره صريحا. وظاهر كلامهم أن التقوى معتبرة في حق العرب والعجم فلا يكون العربي الفاسق كفئا للصالحة، عربية كانت أو عجمية وأما الخامس فالمال أطلقه فأفاد أنه لا بد من التساوي فيه وهو قول أبي بكر الاسكاف. قال في النوازل عنه: إذا ان للرجل عشرة آلاف درهم يريد أن يتزوج امرأة لها مائة ألف وأخوها لا يرضى بذلك قال: لاخيها أن يمنعها من ذلك ولا يكون كفئا. وجعله في المجتبى قول أبي حنيفة. وقيده في الهداية بأن يكون مالكا للمهر والنفقة وهذا هو المعتبر في ظاهر الرواية حتى إن من لا يمكلهما أولا يملك أحدهما لا يكون كفئا لان المهر بدل البضع فلا بد إيفائه، وبالنفقة قوام الازدواج ودوامه. والمراد بالمهر قدر ما تعارفوا تعجيله لان ما وراءه مؤجل عرفا اه‍. وصححه في التبيين. ودخل في النفقة الكسوة كما في المعراج والعناية. وذكر الولوالجي: رجل ملك ألف درهم فتزوج امرأة بألف درهم وعليه دين ألف درهم ومهر مثلها ألف جاز النكاح وهذا الرجل كف ء لها وإن كانت الكفاءة بالقدرة على المهر

[ 234 ]

لان هذا الرجل قادر على المهر فإنه يقضي أي الدينين شاء بذلك اه‍. واختلفوا في قدر النفقة، فقيل يعتبر نفقة ستة أشهر، وقيل نفقة شهر وصححه في التجنيس. وفي المجتبى: والصحيح أنه إذا كان قادرا على النفقة على طريق الكسب كان كفئا اه‍. فقد اختلف التصحيح وتصحيح المجتبى أظهر كما لا يخفى. وفي الذخيرة: إذا كان يجد نفقتها ولا يجد نفقة نفسه يكون كفئا، وإن لم يجد نفقتها لا يكون كفأ وإن كانت فقيرة. ولو كانت الزوجة صغيرة لا تطيق الجماع فهو كف ء وإن لم يقدر على النفقة لانه لا نفقة لها. وفي المجتبى: والصبي كف ء بغنى أبيه وهو الاصح اه‍. يعني بالنسبة إلى المهر، وأما في النفقة فلا يعد غنيا بغنى أبيه لان العادة أن الآباء يتحملون المهر عن الابناء ولا يتحملون النفقة. كذا في الذخيرة والواقعات. وفي التبيين: وقيل إن كان ذا جاه كالسلطان والعالم يكون كفئا وإن لم يملك إلا النفقة لان الخلل ينجبر به ومن ثم قالوا: الفقيه العجمي يكون كفئا للعربي الجاهل اه‍. وظاهر كلامهم أن القدرة على المهر والنفقة لا بد منه في كل زوج عربيا كان أو عجميا لكل امرأة ولو كانت فقيرة بنت فقراء كما صرح به في الواقعات معللا بأن المهر والنفقة عليه فيعتبر هذا الوصف في حقه اه‍. ففي إدخال القدرة عليهما في الكفاءة إشكال لان الكفاءة المماثلة، وهذا شرط في حق الزوج فقط لكن قدمنا أنها شرعا المماثلة أو كون المرأة أدنى. وأما السادس فالكفاءة في الحرفة - بالكسر - وهي كما في ضياء الحلوم بكسر الحاء وسكون الراء اسم من الاحتراف وهو الاكتساب بالصناعة والتجارة. وقال في موضع آخر: الصناعة الحرفة اه‍. والظاهر أن الحرفة أعم من الصناعة لانها العلم الحاصل من التمرن على العمل ولذا عبر المصنف بالحرفة دون الصناعة، لكن قال في القاموس: الحرفة بالكسر الطعمة والصناعة يرتزق منها وكل ما اشتغل الانسان به وهي تسمى صنعة وحرفة لانه ينحرف إليها اه‍. فأفاد أنهما سواء. وقد حقق في غاية البيان أن اعتبار الكفاءة في الصنائع هو ظاهر الرواية عن أبي حنيفة وصاحبيه

[ 235 ]

لان الناس يتفاخرون بشرف الحرف ويتعيرون بدناءتها وهي وإن أمكن تركها يبقى عارها كما في المجتبى. وفي الذخيرة معزيا إلى أبي هريرة رضي الله عنه: الناس بعضهم أكفاء لبعض إلا حائكا أو حجاما - وفي رواية - أو دباغا. قال مشايخنا: ورابعهم الكناس فواحد من هؤلاء الاربعة لا يكون كفئا للصيرفي والجوهري وعليه الفتوى. وبعد هذا المروي عن أبي يوسف أن الحرف متى تقاربت لا يعتبر التفاوت وتثبت الكفاءة، فالحائك يكون كفئا للحجام، والدباغ يكون كفئا للكناس، والصفار يكون كفئا للحداد، والعطار يكون كفئا للبزاز. قال شمس الائمة الحلواني: وعليه الفتوى اه‍. فالمفتي به مخالفا لما في المختصر لان حقيقة الكفاءة في الصنائع لا تتحقق إلى بكونهما من صنعة واحدة إلا أن التقارب بمنزلة المماثلة فلا مخالفة. وفي فتح القدير: والحائك يكون كفئا للعطار بالاسكندرية لما هناك من حسن اعتبارها وعدم عدها نقصا ألبتة اللهم إلا أن يقترن بها خساسة غيرها اه‍. وينبغي أن يكون صاحب الوظائف في الاوقاف كفئا لبنت التاجر في مصر إلا أن تكون وظيفة دنيئة عرفا كسواق وفراش ووقاد وبواب، وتكون الوظائف من الحرف لانها صارت طريقا للاكتساب في مصر كالصنائع اه‍. وينبغي أن من له وظيفة تدريس أو نظر يكون كفئا لبنت الامير بمصر. وفي القنية: الحائك لا يكون كفئا لبنت الدهقان وإن كان معسرا، أو قيل هو كف ء اه‍. وفي المغرب: غلب اسم الدهقان على من له عقار كثيرة. وفي المجتبى: وهنا جنس أخس من الكل وهو الذي يخدم الظلمة يدعى شاكريا وتابعا وإن كان صاحب مروءة ومال فظلمه خساسة اه‍. وفي الظهيرية: والشاكرية لا يكون كفئا لاحد إلا لامثالهم وهم الذين يتبعون هؤلاء المترفين. هكذا قاله شمس الائمة الحلواني اه‍. ولا يخفى أن الظاهر اعتبار هذه الكفاءة بين الزوج وأبيها وأن الظاهر اعتبارها وقت التزوج، فلو كان دباغا أولا ثم صار تاجرا ثم تزوج بنت تاجر أصلي ينبغي أن يكون كفئا لكن ما تقدم من أن الصنعة وإن أمكن تركها يبقى عارها يخالفه كما لا يخفى. وقد أشار المصنف باقتصاره على الامور الستة إلى أنه لا يعتبر غيرها فلا عبرة بالجمال كما في الخانية، ولا يعتبر فيها العقل فالمجنون كف ء للعاقلة وفيه

[ 236 ]

اختلاف بين المشايخ كما في الذخيرة، ولا عبرة بالبلد فالقروي كف ء للمدني كما في فتح القدير. فعلى هذا التاجر في القرى يكون كفئا لبنت التاجر في المصر للتقارب. ولا تعتبر الكفاءة عندنا في السلامة من العيوب التي يفسخ بها البيع كالجذام والجنون والبرص والبخر والدفر كما سيأتي، ولا تعتبر الكفاءة بين أهل الذمة، فلو زوجت نفسها فقال وليها ليس هذا كفئا لم يفرق بل هم أكفاء بعضهم لبعض. قال في الاصل: إلا أن يكون نسبا مشهورا كبنت ملك من ملوكهم خدعها حائك أو سائس فإنه يفرق بينهم لا لعدم الكفاءة بل لتسكين الفتنة والقاضي مأمور بتسكينها بينهم كما بين المسلمين. قوله: (ولو نقصت عن مهر مثلها للولي أن يفرق بينهم أو يتم المهر) يعني عند أبي حنيفة. وقالا: ليس له ذلك لان ما زاد عن العشرة حقها ومن أسقط حقه لا يعترض عليه كما في الابراء بعد التسمية. ولابي حنيفة أن الاولياء يفتخرون بغلاء المهر ويتعيرون بنقصانها فأشبه الكفاءة بخلاف الابراء بعد التسمية لانه لا يعير به، فحاصله أن في المهر حقوقا ثلاثة: أحدها حق الشرع وهو أن لا يكون أقل من عشرة دراهم أو ما يساويها والثاني حق الاولياء وهو أن لا يكون أقل من مهر المثل. والثالث حق المرأة وهو كونه ملكا لها. ثم حق الشرع والاولياء مراعى وقت الثبوت فقط فلا حق لهما حالة البقاء. وأفاد بقوله للولي أن يفرق أن الولي لو فرق بينهما قبل الدخول فلا مهر لها وإن كان بعده فلها المسمى، وكذا إذا مات أحدهما قبل التفريق فليس لهم المطالبة بالتكميل لان الثابت لهم ليس إلا أن يفسخ أو يكمل، فإذا امتنع هنا عن تكميل المهر لا يمكن الفسخ، وإن طلقها الزوج قبل تفريق الولي قبل الدخول فلها نصف المسمى كما في الميحط. والمراد من الولي هنا العصبة وإن لم يكن محرما على المختار كما قدمناه في الكفاءة فخرج القريب الذي ليس بعصبة، وخرج القاضي فلذا قال في الذخيرة من كتاب الحجر المحجور عليها: إذا تزوجت بأقل من مهر مثلها ليس للقاضي الاعتراض عليها لان الحجر في المال لا في النفس اه‍. قوله: (ولو زوج طفله غير كف ء أو بغبن فاحش صح ولم يجز ذلك لغير الاب والجد) يعني لو زوج الاب الصاحي ولده الصغير أمة أو بنته الصغيرة عبدا أو زوجه وزاد على مهر المثل زيادة فاحشة أو زوجها ونقص عن مهر مثلها نقصانا فاحشا فهو صحيح من الاب والجد دون غيرهما عند أبي حنيفة، ولم يصح العقد عندهما على الاصح لان الولاية مقيدة بشرط

[ 237 ]

النظر فعند فواته يبطل العقد، وله أن الحكم يدار على دليل النظر وهو قر ب القرابة وفي النكاح مقاصد تربو على المهر والكفاءة. قيد بالغبن الفاحش لان الغبن اليسير في المهر معفو اتفاقا. كذا في غاية البيان. وقيد بالنكاح لان في التصرفات المالية كالبيع والشراء والاجارة والاستئجار والصلح في دعوى المال لا يملك الاب والجد بغبن فاحش بالاجماع لان المقصود المال وقد حصل النقصان فيه بلا جابر فلم يجز، وفي النكاح وجد الجابر وهو ما قلنا من المقاصد. وأطلق في الاب والجد وقيده الشارحون وغيرهم بأن لا يكون معروفا بسوء الاختيار حتى لو كان معروفا بذلك مجانة وفسقا فالعقد باطل على الصحيح. قال في فتح القدير: ومن زوج ابنته الصغيرة القابلة للتخلق بالخير والشر ممن يعلم أنه شرير فاسق فهو ظاهر سوء اختياره ولان ترك النظر هنا مقطوع به فلا يعارضه ظهور إرادة مصلحة تفوت ذلك نظرا إلى شفقة الابوة اه‍. فظاهر كلامهم أن الاب إذا كان معروفا بسوء الاختيار لم يصح عقده بأقل من مهر المثل، ولا بأكثر في الصغير بغبن فاحش، ولا من غير الكف ء فيهما، سواء كان عدم الكفاءة بسبب الفسق أو لا، حتى لو زوج بنته من فقير أو محترف حرفة دنيئة ولم يكن كفئا فالعقد باطل، فقصر المحقق ابن الهمام كلامهم على الفاسد مما لا

[ 238 ]

ينبغي. وذكر أصحاب الفتاوى أن الاب إذا زوج بنته الصغيرة ممن ينكر أنه يشرب المسكر فإذا هو مدمن له وقالت بعدما كبرت لا أرضى بالنكاح، إن لم يكن يعرفه الاب بشربه وكان غلبة أهل بيته صالحين فالنكاح باطل اتفاقا لانه إنما زوج على ظن أنه كف ء اه‍. وهو يفيد أن الاب لو عرفه بشربه فالنكاح نافذ، ولا شك أن هذا منه سوء اختيار بيقين لكن لم يلزم من تحققه كون الاب معروفا للناس به فقد يتصف به في نفس الامر ولا يشتهر به، فلا منافاة بين ما ذكروه كما لا يخفى. وفرق بين علمه وعدمه في الذخيرة بأنه إذا كان عالما بأنه ليس بكف ء علم أنه تأمل غاية التأمل وعرف هذا العقد مصلحة في حقها أما ههنا ظنه كفئا فالظاهر أنه لا يتأمل اه‍. وقد وقع في أكثر الفتاوى في هذه المسألة أن النكاح باطل فظاهره أنه لم ينعقد. وفي الظهيرية: يفرق بينهما ولم يقل إنه باطل وهو الحق، ولذا قال في الذخيرة في قولهم فالنكاح باطل أي يبطل. ثم اعلم أنه لا خصوصية لما إذا علمه فاسقا وإنما المراد أنه إذا زوجه بناء على أنه كف ء فإذا هو ليس بكف ء فإنه باطل، ولذا قال في القنية: زوج بنته الصغيرة من رجل ظنه حر الاصل وكان معتقا فهو باطل بالاتفاق. وقيد بتزويجه طفله لانه لو

[ 239 ]

زوج أمة طقله بغبن فاحش فإنه لا يجوز اتفاقا لانه إضاعة ما لهما لان المهر ملكهما ولا مقصود آخر باطن يصرف النظر إليه كما في فتح القدير. والمراد بعدم الجواز في قوله لم يجز ذلك لغيرهما عدم الصحة وعليه ابتنى الفرع المعروف. ولو زوج العم الصغيرة حرة الجد من معتق الجد فكبرت وأجازت لا يصح لانه لم يكن العقد موقوفا إذ لا مجيز له فإن العم ونحوه لا يصح منهم التزويج لغير الكف ء، ولذا ذكر في الخانية وغيرها أن غير الاب والجد إذا زوج الصغيرة فالاحوط أن يزوجها مرتين، مرة بمهر مسمى ومرة بغير التسمية لانه لو كان في التسمية نقصان فاحش ولم يصح النكاح الاول يصح الثاني اه‍. ولا فرق بين الصغير والصغيرة في هذا المعنى فالتخصيص بالصغيرة مما لا ينبغي وليس للتزويج من غير كف ء حيلة كما لا يخفى. وقيد بتزويج الاب أي بنفسه لانه لا يجوز لوكيل الاب أن يزوج بنته الصغيرة بأقل من مهر مثلها. كذا في القنية. وينبغي استثناء القليل الذي يتساهل فيه كما لا يخفى. وقيدنا الاب بكونه صاحيا لان السكران إذا قصر في مهر ابنته بما لا يتغابن الناس فيه فإنه لا يجوز إجماعا، والصاحي يجوز لان الظاهر من حال السكران أنه لا يتأمل إذ ليس له رأي كامل فيبقي النقصان ضررا محضا، والظاهر من حال الصاحي أنه يتأمل. كذا في الذخيرة. وكذا السكران إذا زوج من غير الكف ء كما في الخانية. وبه علم أن المراد بالاب من ليس بسكران ولا عرف بسوء الاختيار. وأطلق في غير الكف ء فشمل ما إذا زوجها من مملوك نفسه فعندهما لم يصح كما في الذخيرة. وقيد بالطفل لان الاب لو زوج الكبيرة من مملوكه برضاها فهو جائز اتفاقا، ولا خصوصية للاب بل كل ولي كذلك إن لم يكن لها غيره أقرب منه لم يرض به قبل العقد. والطفل الصبي ويقع على الذكر والانثى والجماعة يقال طفلة وأطفال اه‍.

[ 240 ]

فصل حاصله بعض مسائل الوكيل والفضولي وتأخيرهما عن الولي ظاهر لان ولايته أصلية قوله: (لابن العم أن يزوج بنت عمه من نفسه وللوكيل أن يزوج موكلته من نفسه) لان الوكيل في النكاح معبر وسفير والتمانع في الحقوق دون التعبير ولا ترجع الحقوق إليه بخلاف البيع لانه مباشر حتى رجعت الحقوق إليه، وروى البخاري أن عبد الرحمن بن عوف قال لام حكيم بنة فارض: أتجعلين أمرك إلي؟ قالت: نعم. قال: تزوجتك. فعقده بلفظ واحد. وعن عقبة بن عامر أنه عليه السلام قال لرجل: أترضى أن أزوجك فلانة؟ قال: نعم. وقال للمرأة: أترضين أن أزوجك فلانا؟ قالت: نعم. فزوج أحدهما صاحبه وكان ممن شهد الحديبية. رواه أبو داود. فما في الغاية من أن قولهم إنه سفير ومعبر لم يسلم من النقض فإن الوكيل لو زوج موكلته على عبد نفسه يطالب بتسلميه سهو فإنه لم يلزمه بمجرد العقد وإنما لزمه بالتزامه حيث جعله مهرا وأضاف العقد إليه. والمرا ببنت العم الصغيرة فيكون ابن العم أصيلا من جانب ووليا من جانب، ولا يراد بها الكبيرة هنا لانها لو وكلته فهو وكيل داخل في المسألة الثانية وإلا فهو فضولي سيأتي بطلانه إن لم يقبل عنها أحد ولو أجازته بعده. والمراد بالوكيل الوكيل في أن يزوجها من نفسه لما في المحيط: لو وكلته بتزويجها من رجل فزوجها من نفسه لم يجز لانها أمرته بالتزويج من رجل نكرة وهو معرفة بالخطاب والمعرفة لا تدخل تحت النكرة. وفي الولوالجية: لو قالت المرأة زوج نفسي ممن شئت لا يملك أن يزوجها من نفسه فرق بين هذا وبين ما إذا أوصى بثلث ماله فقال للموصى له ضع ثلث مالي حيث شئت كان للموصى له أن يضع عند نفسه، والفرق أن الزوج مجهول وجهالة الزوج تمنع صحة الشرط وصار كالمسكوت عنه بخلاف الوصية لان الجهالة لا تمنع صحة الوصية فيعتبر التفويض مطلقا اه‍. فلو وكلته أن يتصرف في أمورها لا

[ 241 ]

يملك تزويجها من نفسه بالاولى كما في الخانية، والوكالة كما تثبت بالصريح تثبت بالسكوت ولذا قال في الظهيرية: لو قال ابن العم الكبير إني أريد أن أزوجك من نفسي فسكتت فزوجها من نفسه جاز اه‍. ولم يقيدها بالبكر وقيدها بالبكر في غاية البيان وغيره، والظاهر أنه خاص بالولي كما سبق بيانه. وأطلق في الوكالة به فأفاد أنه لا يشترط الاشهاد عندها للصحة وإنما لخوف الانكار، ولم يبين كيف يزوجها الوكيل من نفسه وأنه هل يشترط أن يعرفها الشهود للاختلاف، فذكر الخصاف أنه لا يشترط معرفتها ولا ذكر اسمها ونسبها للشهود حتى لو قال تزوجت المرأة التي جعلت أمرها إلي على صداق كذا عندهم صح، والمختار في المذهب خلافه وإن كان الخصاف كبيرا في العلم يقتدى به. قال الولوالجي في فتاواه: امرأة وكلت رجلا أن يزوجها من نفسه فذهب الوكيل وقال اشهدوا أني قد تزوجت فلانة ولم تعرف الشهود فلانة لا يجوز النكاح ما لم يذكر اسمها واسم أبيها وجدها لانها غائبة والغائبة لا تعرف إلا بالنسبة، ألا ترى أنه لو قال تزوجت امرأة وكلتني بالنكاح لا يجوز. وإن كانت حاضرة متنقبة ولا يعرفها الشهود فقال اشهدوا أني تزوجت هذه المرأة فقالت المرأة زوجت نفسي منه جاز وهو المختار لانها حاضرة والحاضرة تعرف بالاشارة، فإذا أرادوا الاحتياط يكشف وجهها حتى يعرفها الشهود أو يذكر اسمها واسم أبيها واسم جدها حتى يكون متفقا عليه فيقع الامن من أن يرفع إلى قاض يرى قول من لا يجوز وهو نصير بن يحيى فيبطل النكاح. هذا كله إذا كان الشهود لا يعرفون المرأة، أما إذا كانوا يعرفونها وهي غائبة فذكر اسمها لا غير جاز النكاح إذا عرف الشهود أنه أراد به المرأة التي عرفوها لان المقصود من النسبة التعريف وقد حصل باسمها اه‍. وقد وقع في كثير من الفتاوى: والاحتياط كشف وجهها أو ذكر اسمها بكلمة أو والصواب بالواو كما في عمدة الفتاوى للصدر الشهيد لان الاحتياط الجمع بينهما لا أحدهما. وفي الخانية: رجل أرسل رجلا ليخطب له امرأة يعينها فذهب الرسول وزوجها إياه جاز لانه أمره بالخطبة وتمام الخطبة بالعقد اه‍. ويشترط للزوم عقد الوكيل موافقته في المهر المسمى فلذا قال في الخانية: لو وكله في أن يزوجه فلانة بألف درهم فزوجها إياه بألفين، إن أجاز الزوج جاز، وإن رد بطل النكاح، وإن لم يعلم الزوج بذلك حتى دخل بها فالخيار باق

[ 242 ]

إن أجاز كان عليه المسمى لا غير، وإن رد بطل النكاح فيجب مهر المثل إن كان أقل من المسمى وإلا يجب المسمى، وإن لم يرض الزوج بالزيادة فقال الوكيل أنا أغرم الزيادة وألزمكما النكاح لم يكن له ذلك. ثم قال: امرأة وكلت رجلا ليزوجها بأربعمائة درهم فزوجها الوكيل وأقامت مع الزوج سنة ثم زعم الزوج أن الوكيل زوجها منه بدينار وصدقة الوكيل في ذلك، فلو كان الزوج مقرا أن المرأة لم توكله بدينار كانت المرأة بالخيار إن شاءت أجازت النكاح بدينار وليس لها غير ذلك، وإن شاءت ردت النكاح ولها عليه مهر مثلها بالغا ما بلغ بخلاف ما تقدم لان ثمة المرأة رضيت بالمسمى، فإذا بطل النكاح ووجب العقر بالدخول لا يزاد على ما رضيت، أما هنا المرأة ما رضيت بالمسمى في العقد فكان لها مهر المثل بالغا ما بلغ، وليس لها نفقة العدة، وإن كان الزوج يدعي التوكيل بدينار وهي تنكر كان القول قولها مع اليمين وهذا أمر يحتاط فيه، وينبغي أن يشهد على أمرها وتجيزه بعد العقد إذا خالف أمرها، وكذا الولي إذا كانت بالغة يفعل ما يفعله الوكيل اه‍. قوله: (ونكاح العبد والامة بغير إذن السيد موقوف كنكاح الفضولي) شروع في بيان الفضولي وبعض أحكامه، وهو من يتصرف لغيره بغير ولاية ولا وكالة أو لنفسه وليس أهلا له. وإنما زدناه ليدخل نكاح العبد بغير إذن إن قلنا إنه فضولي وإلا فهو ملحق به في أحكامه. والفضولي جمع فضل غلب في الاشتغال بما لا يعنيه وما لا ولاية له فيه، فقول بعض الجهلة لمن يأمر بالمعروف أنت فضولي يخشى عليه الكفر، وصفته أنه عقد صحيح غير نافذ، والاصل أن كل عقد صدر من الفضولي وله مجيز انعقد موقوفا على الاجازة. وقال الشافعي: تصرفات الفضولي كلها باطلة لان العقد وضع لحكمه والفضولي لا يقدر على إثبات الحكم فيلغو. ولنا أن ركن التصرف صدر من أهله مضافا إلى محله ولا ضرر في انعقاده فينعقد موقوفا حتى إذا رأى المصلحة فيه ينفذه، وقد يتراخى حكم العقد عن العقد. وفسر المجيز في النهاية بقابل يقبل الايجاب، سواء كان فضوليا أو وكيلا أو أصيلا، فإن كان له مجيز حالة العقد توقف وإلا بطل بيانه: الصبي إذا باع ما له أو اشترى أو تزوج أو زوج أمته أو كاتب عبده أو نحوه يتوقف على إجازة الولي في حالة الصغر، فلو بلغ قبل أن يجيزه الولي فأجازه بنفسه نفذ لانها كانت متوقفة ولا ينفذ بمجرد بلوغه، ولو طلق الصبي امرأته أو خلعها أو أعتق عبده على مال أو دونه أو وهب أو تصدق أو زوج عبده أو باع ما له بمحاباة فاحشة أو اشترى بأكثر من القيمة بما لا يتغابن فيه أو غير ذلك مما لو فعله وليه لا ينفذ كانت هذه

[ 243 ]

الصور باطلة غير متوقفة ولو أجازها بعد البلوغ لعدم المجيز وقت العقد إلا إذا كانت لفظ الاجازة يصلح لابتداء العقد فيصح على وجه الانشاء كأن يقول بعد البلوغ أوقعت ذلك الطلاق والعتاق اه‍. قال في فتح القدير: وهذا يوجب أن يفسر المجيز هنا بمن يقدر على إمضاء العقد لا بالقابل مطلقا ولا بالولي إذ لا توقف في هذه الصور وإن قبل فضولي آخر أو ولي لعدم قدرة الولي على إمضائها اه‍. ومن الباطل لكونه لا مجيز له تزويجه أمة وتحته حرة أو أخت امرأته أو خامسة أو صغيرة في دار الحرب إذا لم يكن سلطان ولا قاض، وأما كفالة المكاتب وتوكيله بعتق عبده ووصيته بعين من ماله فصحيح إذا أجاز بعد عتقه إلا في الاول فبغير إجازة لما عرف في التبيين. ودخل تحت تعريف الفضولي ما لو علق طلاق زوجة غيره بشرط فهو موقوف، فإن أجاز الزوج تعلق فتطلق بوجود الشرط، ولو وجد قبلها لم تطلق عندها إلا إذا وجد ثانيا بعدها. كما في فتح القدير. ولذا قلنا من يتصرف ولم نقل من يعقد عقدا ولذا فسر في فتح القدير المجيز بمن يقدر على الامضاء لا بالقابل إذ ليس في اليمين قابل. وفي التجنيس: حر تزوج عشر نسوة بغير إذنهن فبلغهن الخبر فأجزن جميعا جاز نكاح التاسعة والعاشرة لانه لما تزوج الخامسة كان رد النكاح الاربع، فلما تزوج التاسعة كان رد النكاح الاربع الاخر فبقي نكاح التاسعة والعاشرة موقوفا على إجازتهما اه‍. وفي الخانية: عبد تزوج امرأة بغير إذن المولى ثم امرأة ثم امرأة فبلغ المولى فأجاز الكل، فإن لم يكن دخل بهن جاز نكاح الثالثة لان الاقدام على نكاح الثالثة فسخ لنكاح الاولى والثانية فيتوقف نكاح الثالثة فينفذ بإجازة المولى، وإن كان دخل بهن لا يصح نكاحهن لان الاقدام على نكاح الثالثة في عدة الاولى والثانية لم يصح فلم يكن فسخا لما قبلها فلا تصح إجازة المولى كما لو تزوجهن في عدة واحدة اه‍. وهذا يوجب تقييد ما في التجنيس أيضا. وقوله موقوف أي على الاجازة فلو تزوج بغير إذن السيد ثم أذن السيد لا ينفذ لان الاذن ليس بإجازة فلا بد من إجازة العبد

[ 244 ]

العاقد وإن صدر العقد منه كما في التجنيس. وتثبت الاجازة لنكاح الفضولي بالقول والفعل، فمن الاول أجزت ونحوه، وكذا نعم ما صنعت وبارك الله لنا وأحسنت وأصبت وطلقها إلا إذا قال المولى لعبده كما سيأتي في بابه. ومن الثاني قبول المهر بخلاف قبول الهدية. وقولها لا يعجبني هذا المهر ليس ردا فلها الاجازة. ومن أحكام الفضولي أنه يملك فسخ ما عقده في بعض الصور دون بعض كما ذكره أصحاب الفتاوى. قال في الظهيرية: والفضولي في باب النكاح لا يملك الرجوع قبل الاجازة والوكيل في النكاح الموقوف يملك الرجوع قولا أو فعلا بيانه: رجل وكل رجلا بأن يزوجه امرأة فزوجه امرأة بالغة بغير إذنها أو زوجها أبوها فلم يبلغها حتى نقض الوكيل النكاح قولا أو فعلا بأن يزوجه أختها صح ولو كان فضوليا، والمسألة بحالها لا يملك. وروي عن أبي يوسف في قوله الاول أن الفضولي يملك الرجوع أيضا، والفضولي في باب البيع يملك الرجوع بالاجماع لان الرجوع فرار عن العهدة في باب البيع بخلاف النكاح، وفي وجه الوكيل يملك الفسخ قولا لا فعلا بأن وكله بأن يزوجه امرأة بعينها فزوجها بغير رضاها ملك الوكيل نقضه قولا لانه وكيل فيه، ولا يملك نقضه فعلا حتى لو زوجه أختها لا ينقض نكاح الاولى لانه فضولي في نكاح الثانية، وفي وجه يملك الفسخ فعلا لا قولا نحو أن يوكل رجلا بأن يزوجه فأجاز الوكيل نكاحا باشره قبل ذلك صح استحسانا، ولا يملك نقض هذا النكاح قولا لانه كان فضوليا حين عقده، ويملك نقضه فعلا بأن يزوجه أختها من غير رضاها لانه وكيل في العقد الثاني اه‍. فحاصله أن كل عقد صدر من الفضولي في النكاح فإنه لا يملك نقضه قولا ولا فعلا لانه لا عهدة عليه ليتخلص منها إلا إذا صار وكيلا بعده فله نقضه فعلا لضرورة امتثال ما وكل فيه، وإنما ملك الوكيل في الموقوف الفسخ مع أنه لا عهدة عليه أيضا لتنجيز مراد الموكل فإنه لم يحصل مقصوده بالموقوف، فللوكيل الانتقال عنه إلى غيره. وإنما لم يجز له الفسخ فعلا في المسألة الثانية لان الموكل بتزوجها معينة فحيث زوجها له انتهت وكالته فلم يملك تزويجا آخر، ولذا كان فضوليا في الثاني. وتفرع على الاصل المذكور ما لو زوج فضولي رجل خمس نسوة في عقد متفرقة فللزوج أن يختار أربعا منهن ويفارق الاخرى بخلاف ما لو تزوج الرجل خمس نسوة في عقد متفرقة بغير رضاهن لان إقدامه على نكاح الخامسة يتضمن نقض نكاح الاربع دلالة بخلاف الفضولي لا يملك النقض لا صريحا ولا دلالة. كذا في الظهيرية. ومن أحكامه أيضا أن العقد النافذ من جانب إذا طرأ على غير نافذ الجانبين يرفعه، ولو طرأ موقوف على نافذ من أحد الجانبين لا يرفعه، ولو طرأ نافذ من أحد الجانبين على نافذ من جانبه يرفعه بيانه: رجل وكل رجلا بأن يزوجه امرأة بألف فزوجها إياه على خمسين دينارا بإذنها أو بغير إذنها ثم زوجها بألف ينفسخ الاول، ولو زوجها الوكيل إياه بألف درهم بغير إذنها ثم زوجها إياه بخمسين بغير إذنها يبقي الاول، فإن إجازته جاز ويبطل الثاني لان الاول

[ 245 ]

كان نافذا من وجه. كذا في الظهيرية أيضا. ثم اعلم أن إجازة نكاح الفضولي صحيحة بعد موت العاقد الفضولي بخلاف إجازة بيعه بعد موته. ذكره الزيلعي في بيع الفضولي. فعلى هذا يشترط قيام المعقود له وأحد العاقدين لنفسه فقط بخلاف البيع فإنه يشترط قيام أربعة مع الثمن إن كان عرضا. قوله: (ولا يتوقف شطر العقد على قبول ناكح غائب) أي لا يتوقف الايجاب على قبول من كان غائبا عن المجلس بل يبطل ولا يلحقه إجازة، وهذا بالاتفاق كما لو أوجب أحد المتعاقدين فلم يقبل الآخر في المجلس فإنه يبطل الايجاب لا نعلم فيه خلافا. ولا فرق في هذا بين البيع والنكاح وغيرهما من العقود فقوله ناكح ليس بقيد احترازي. ثم اختلفوا في أن ما يقوم بالفضولي عقد تام فيصح أن يتولى الطرفين أو شطره فلا يتوقف، فعند أبي حنيفة ومحمد شطر فيبطل، وعند أبي يوسف عقد تام فيتوقف لانه لو كان مأمورا من الجانبين ينفذ فإذا كان فضوليا يتوقف فصار كالخلع والطلاق والاعتاق على مال. ولهما أن الموجود شطر العقد لانه شطر حالة الحضرة فكذا عند الغيبة وشطر العقد لا يتوقف على ما وراء المجلس كما في البيع بخلاف المأمور من الجانبين لانه ينتقل كلامه إلى العاقدين، وما يجري بين الفضوليين عقد تام فكذا الخلع واختاره لانه يمين من جانبه حتى يلزم فيتم به فتفرع على هذا الاصل ست صور: ثلاث اتفاقية وهي قول الرجل تزوجت فلانة، أو المرأة تزوجت فلانا، أو الفضولي زوجت فلانا من فلانة، وقيل آخر في الثلاث فالعقد متوقف لحصول الشطرين. وثلاثة خلافية هي هذه إذا لم يقبل أحد فلا تقوم عبارة الفضولي مقام عبارتين، سواء تكلم بكلام واحد أو بكلامين حتى لو قال زوجت فلانا وقبلت عنه لم يتوقف على قولهما وهو الحق خلافا لما ذكر في الحواشي لاتفاق أهل المذهب في نقل قولهما على أن الفضولي الواحد لا يتولى الطرفين وهو مطلق، ولو عبر به المصنف لكان أولى. وحاصل متولي الطرفين بالقسمة العقلية عشرة: واحد منها مستحيل وهو الاصيل من الجانبين، وأربعة هي من منطوق المتن على الخلاف: الفضولي من الجانبين، والفضولي من جانب الوكيل من جانب، والفضولي من جانب الاصيل من جانب، والفضولي من جانب الولي من جانب، فعندهما لا يتوقف كما قدمناه. والخمسة الباقية مستفادة من مفهوم المتن وهي نافذة بالاتفاق: الوكيل من الجانبين، والولي من الجانبين، والاصيل من جانب الولي من جانب، والوكيل من جانب الاصيل من

[ 246 ]

جانب، والولي من جانب الوكيل من جانب. ثم إذا تولى الطرفين في هذه المسائل الخمس فقوله زوجت فلانة من نفسي يتضمن الشطرين فلا يحتاج إلى القبول بعده، وكذا ولي الصغيرين القاضي وغيره، والوكيل من الجانبين يقول زوجت فلانة من فلان. وقال شيخ الاسلام خواهر زاده: وهذا إذا ذكر لفظا هو أصيل فيه، أما إذا ذكر لفظا هو نائب فيه فلا يكفي، فإن قال تزوجت فلانة كفى، وإن قال زوجتها من نفسي لا يكفي لانه نائب فيه. وعبارة الهداية صريحة في نفي هذا الاشتراط وصرح بنفيه في التجنيس أيضا في علامة غريب الرواية والفتاوى الصغرى قال: رجل زوج بنت أخيه من ابن أخيه فقال زوجت فلانة من فلان يكفي ولا يحتاج أن يقول قبلت، وكذا كل من يتولى طرفي العقد إذا أتى بأحد شطري الايجاب يكفيه ولا يحتاج إلى الشطر الآخر لان اللفظ الواحد يقع دليلا من الجانبين. كذا في فتح القيدر. قوله: (والمأمور بنكاح امرأة مخالف بامرأتين) لانه لا وجه إلى تنفيذهما للمخالفة ولا إلى التنفيذ في أحدهما غير عين للجهالة ولا إلى التعيين لعدم الاولوية فتعين التفريق عند عدم الاجازة وهو مراد صاحب الهداية بدليل أنه قال في صدر المسألة: لم تلزمه واحدة منهما. فكان كلامه مستقيما فاندفع به ما ذكره الشارح من عدم استقامته، ولذا عبر المصنف بالمخالفة ليفيد عدم النفاذ وأنه عقد فضولي فإن أجاز نكاحهما أو إحداهما نفذ فيه بالامر بواحدة لانه لو أمره يزوجه امرأتين في عقدة فزوجه واحدة جاز إلا أذا قال لا تزوجني إلا امرأتين في عقدة واحدة فحينئذ لا يجوز. كذا في غاية البيان. ومثله ما في المحيط: لو أمره أن يزوجه امرأتين في عقدة فزوجهما في عقدتين جاز، ولو قال لا تزوجني امرأتين إلا في عقدتين فزوجهما في عقدة لا يجوز، والفرق أن في الاول أثبت الوكالة حالة الجمع ولم ينف الوكالة حال التفرد نصا بل سكت عنه والتنصيص على الجمع لا يدل على نفي ما عداه، وفي العقد الثاني نفي الوكالة حالة التفرد والنفي مفيد لان فائدته في الجمع أكثر لما فيه من تعجيل مقصوده فلا بد من مراعاة النفي فلم يصر وكيلا حالة الانفراد اه‍. وهذا بخلاف البيع لو أمره أن يشتري ثوبين في صفقة لا يملك التفريق لان الثياب إذا اشتريت جملة تؤخذ بأرخص مما تشترى على التفاريق فاعتبر قوله فيه فأما ههنا بخلافه. كذا في النهاية. وفي الخانية: لو

[ 247 ]

وكله أن يزوجه فلانة أو فلانة فأيتهما زوجه جاز ولا يبطل التوكيل بهذه الجهالة، وإنه زوجهما جميعا في عقدة واحدة لم يجز واحدة منهما كما لوكل رجلا أن يزوجه امرأة فزوجه امرأتين في عقدة واحدة لم يجز اه‍. وقيد بكون المرأة منكرة أخذا من التنكير لانه لو عينها فزوجها وأخرى معها تلزمه المعينة. وقيد في الهداية نكاح المرأتين بأن يكون في عقد واحد لانه لو زوجهما في عقدتين تلزمه الاولى ونكاح الثانية موقوف على الاجازة لانه فضولي فيه، ولذا قال في المختصر بامرأتين ولم يقل بعقدين، وفرعوا على أن التنصيص على الشئ لا ينفي الحكم عما عداه لو قال زوج ابنتي هذه رجلا يرجع إلى علم ودين بمشورة فلان فزوجها رجلا على هذه الصفة من غير مشورة فإنه يجوز كما في الخانية، وأما إذا قال له بع عبدي هذا بشهود أو بمحضر فلان فباعه بغير شهود أو بغير محضر فلان فإنه يجوز بخلاف ما إذا قال لا تبعه إلا بشهود فباعه بغير شهود فإنه لا يجوز كما في الظهيرية قوله: (لا بأمة) أي لا يكون المأمور بنكاح امرأة مخالفا بنكاح أمة لغيره فينفذ على الموكل عند أبي حنيفة رجوعا إلى إطلاق اللفظ وعدم التهمة. وقالا: لا يجوز أن يزوجه كفئا لان المطلق ينصرف إلى المتعارف وهو التزوج بالاكفاء. قلنا: العرف مشترك أو هو عرف عملي فلا يصح مقيدا، وذكر في الوكالة أن اعتبار الكفاءة في هذا استحسان عندهما لان كل واحد لا يعجز عن التزوج بمطلق الزوجة فكانت الاستعانة في التزوج بالكف ء. كذا في الهداية. وظاهره ترجيح قولهما لان الاستحسان مقدم على القياس إلا في مسائل معدودة ليس هذا منها، ولذا قال الاسبيجابي: قولهما أحسن للفتوى واختاره أبو الليث. وفي فتح القدير: والحق أن قول أبي حنيفة ليس قياسا لانه أخذ بنفس اللفظ المنصوص فكان النظر في أي الاستحسانين أولى اه‍. قيد بكونه أمره بنكاح امرأة ولم يصفها لانه لو وكله بتزويج حرة فزوجه أمة أو عكسه لم يجز، ولو زوجه في عسكه مدبرة أو أم ولد أو مكاتبة جاز. وأطلق في الآمر فشمل الامير وغيره، ووضعها في الهداية في الامير ليفيد أن غيره بالاولى. وقيد بكون الآمر رجلا لانها لو وكلته في تزويجها ولم تعين فزوجها غير كف ء كان مخالفا على قول أبي حنيفة أيضا على الاصح كما في الخانية لاعتبارها من جهة الرجال، وإن كان كفئا إلا أنه أعمى أو مقعد أو صبي أو معتوه فهو جائز، وكذا لو كان خصيا أو عنينا وإن كان لها التفريق بعد ذلك. وأفاد المصنف أن الامر المطلق يجري على إطلاقه ولا يجوز تقييده إلا بدليل، وإن العرف المشترك لا يصح مخصصا فالوكيل بتزويج امرأة ليس مخالفا لو زوجه عمياء أو شوهاء لها لعاب سائل

[ 248 ]

وعقل زائل وشق مائل أو شلاء أو رتقاء أو صغيرة لا يجامع مثلها أو كتابية أو امرأة حلف بطلاقها أو زوجه امرأة على أكثر من مهر مثلها ولو بغبن فاحش عند الامام، أو زوجها رجلا بأقل من مهر مثلها كذلك، أو امرأة كان الموكل آلي منها أو في عدة الموكل والاصل أن الوكيل إذا خالف إلى خير أو كان خلافه كلا خلاف نفذ عقده كما لو أمره بعمياء فزوجه بصيرة، وليس منه ما إذا أمره بالفاسد فزوجه صحيحا بل لا يجوز لعدم الوكالة بالنكاح أصلا. وأما العدة بعد الدخول فيه وثبوت النسب فليس حكما له بل للوطئ إذ لم يتمحض زنا بخلاف أمره بالبيع الفاسد له البيع صحيحا. وليس منه أيضا ما إذا وكله بألف فلم ترض المرأة حتى زادها الوكيل ثوبا من مال نفسه فإنه موقوف على إجازة الزوج لكونه ضررا على تقدير استحقاق الثوب أو هلاكه قبل التسليم فإنها ترجع بقيمته على الزوج لا الوكيل - كما في الذخيرة - وللزوج الخيار. وإذا دخل بها قبل العلم فإن اختار التفريق فكالنكاح الفساد. وليس منه أيضا ما إذا أمره ببيضاء فزوجه سوداء أو على القلب، أو من قبيلة كذا فزوجه من أخرى فإنه غير نافذ، وقيدنا بكون الامة لغيره لانه لو زوجه أمة نفسه ولو مكاتبته - كما في المحيط - فإنه لا ينفذ للتهمة كما لو زوجه بنته فإن كانت صغيرة لا يجوز اتفاقا، وكذا موليته كبنت أخيه الصغيرة، وإن كانت كبيرة فكذلك عنده خلافا لهما. ولو زوجه أخته الكبيرة برضاها جاز اتفاقا، والوكيل من قبل المرأة إذا زوجها من أبيه أو ابنه لا يجوز في قول أبي حنيفة، وفي كل موضع لا ينفذ فعل الوكيل فالعقد موقوف على إجازة الموكل، وحكم الرسول كحكم الوكيل في جميع ما ذكرنا، وضمانهما المهر صحيح. وإنكار المرسل والموكل الرسالة والوكالة بعد الضمان ولا بينة لا يسقط الضمان عنهما فيجب نصف المهر، وتوكيل المرأة المتزوجة بالتزويج إذا طلقت وانقضت عدتها صحيح كتوكيلة أن يزوجه فلانة وهي

[ 249 ]

متزوجة فطلقت وحلت فزوجها فإنه صحيح. وإذا زوج الوكيل موكله زوجة الغير أو معتدته أو أم امرأته ودخل بها الموكل غير عالم ولزمه المهر فلا ضمان على الوكيل كما في الخانية. وفي الذخيرة: الوكيل بتزويج امرأة إذا زوجه امرأة على عبد للوكيل أو عرض له فهو نافذ ولزم الوكيل تسليمه، وإذا سلم لا يرجع على الزوج بشئ، ولو كان مكان النكاح خلعا يرجع على المرأة بما أدى، ولو زوجه الوكيل امرأة بألف من ماله بأن قال زوجتك هذه المرأة بألف من مالي أو بألفي هذه جاز والمال على الزوج ولا يطالب الوكيل بالالف المشار إليه لعدم تعينها في المعاوضات وتمامه فيها. وفي المحيط: ولو زوجه على عبد الزوج جاز استحسانا وعلى الزوج قيمة عبده لا تسليم عينه والله تعالى أعلم. باب المهر هو حكم العقد فيتعقبه في الوجود فعقبه في البيان ليحاذي بتحقيقه الوجودي تحقيقه التعليمي. وفي الغاية: له أسام: المهر والنحلة والصداق والعقر والعطية والاجرة والصدقة والعلائق والحباء. قوله: (صح النكاح بلا ذكره) لان النكاح عقد انضمام وازدواج لغة فيتم بالزوجين، ثم المهر واجب شرعا إبانة لشرف المحل فلا يحتاج إلى ذكره لصحة النكاح، وكذا إذا تزوجها بشرط أن لا مهر لها لما بيناه. واستدل له في غاية البيان بقوله تعالى * (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن) * (البقرة: 226) فقد حكم بصحة الطلاق مع عدم التسمية ولا يكون الطلاق إلا في النكاح الصحيح، فعلم أن ترك التسمية لا يمنع صحة النكاح. وذكر الاكمل والكمال أنه لا خلاف لاحد في صحته بلا ذكر المهر قوله: (وأقله عشرة دراهم) أي أقل المهر شرعا للحديث لا مهر أقل من عشرة دراهم وهو وإن كان ضعيفا فقد تعددت طرقه، والمنقول في الاصول أن الضعيف إذا تعددت طرقه فإنه يصير حسنا إذا كان ضعفه بغير الفسق، ولانه حق الشرع وجوبا إظهارا لشرف المحل فيقدر بماله خطر وهو العشرة استدلالا بنصاب السرقة. أطلق الدراهم فشمل

[ 250 ]

المصكوك وغيره، فلو سمى عشرة تبرا أو عرضا قيمته عشرة تبرا لا مضروبة صح، وإنما تشترط المصكوكة في نصاب السرقة للقطع تقليلا لوجود الحد. وشمل الدين والعين فلو تزوجها على عشرة دين له على فلان صحت التسمية لان الدين مال، فإن شاءت أخذته من الزوج وإن شاءت ممن عليه الدين. كذا في المحيط. زاد في الخانية: ويؤاخذ الزوح حتى يوكلها بقبض الدين من المديون ا ه‍. فقد جعلوا الدين مالا هنا وأدخلوه تحت قوله تعالى * (إن تبتغوا بأموالكم) * (النساء: 24) ولم يجعلوه مالا في الزكاة فلم يجز الدين عن العين ولا في الايمان، فلو حلف لا مال له وله دين على موسر لا يحنث. وشمل الدية أيضا ولذا قال في الظهيرية: ولو تزوجها على ما وجب له من الدية على عاقلتها فلا شئ لها على عاقلتها لانها مؤدية عنهم. وفي المحيط: لو تزوجها على عيب عبد اشتراه منها جاز لانها لما تزوجت على عيبه صارت مقرة بحصة العيب لان النكاح لا بد له من مهر فيكون نكاحا بمال، فإن كانت قيمة العيب عشرة فهو مهرها وإلا يكمل عشرة ا ه‍. ومراد المصنف أن أقله عشرة أو ما يقوم مقامها بالقيمة، واختلف في وقت القيمة فظاهر الرواية أن الاعتبار وقت العقد ولا اعتبار ليوم القبض، فلو كانت قيمته يوم العقد عشرة وصارت يوم التسليم ثمانية فليس لها إلا هو، ولو كان على عكسه لها العرض المسمى ودرهمان. ولا فرق في ذلك بين الثوب والمكيل والموزون لان ما جعل مهرا لم يتغير في نفسه وإنما التغيير في رغبات الناس. كذا في البدائع. وفي المحيط: ولو تزوجها على ثوب وقيمته عشرة فقبضته وقيمته عشرون وطلقها قبل الدخول والخلوة والثوب مستهلك ردت عشرة لانه إنما دخل في ضمانها بالقبض فتعتبر قيمته يوم القبض ا ه‍. فالحاصل أن الاعتبار ليوم العقد في حق التسمية وليوم القبض في حق دخوله في ضمانها. وفي الذخيرة: النكاح إذا أضيف إلى دراهم عين لا يتعلق بعينها وإنما يتعلق بمثلها دينا في الذمة، وإذا أضيف إلى دراهم دين في ذمة المرأة تتعلق بعينها ولا يتعلق بمثلها دينا في الذمة لان المهر عوض من وجه من حيث إنه ملك بمقابلة شئ صلة من وجه من حيث إنه لا مالية لما يقابله من كل وجه حتى يجب الحيوان دينا في الذمة في النكاح والدراهم تتعين في الصلات لا في المعاوضات فعلمنا بحقيقة المعاوضة إذا أضيف إلى الدراهم العين فتعلق بمثلها، وعلمنا بمعنى الصلة إذا أضيف إلى الدين فتعلق بعينها عملا بالشبهين. وفائدة الاول لو تزوجها أحد الدائنين على حصته من دين لهما عليها فليس للساكت مشاركته

[ 251 ]

لتعلقه بعين الحصة، وفائدة الثاني لو تزوجها أحدهما على دراهم مطلقة بقدر حصته من الدين وصار قصاصا فلشريكه أن يأخذ منه نصفها لتعلقه بمثلها، والدين إذا كان على غير المرأة فهو كالعين يتعلق النكاح بمثله لانه لو تعلق بالعين لكان تمليك الدين من غير من عليه الدين بخلاف ما إذا كان عليها، وفائدته أنها مخيرة إن شاءت أخذت من الزوج وإن شاءت من العاقلة ا ه‍. والاخير مخالف لما قدمناه عن الظهيرية، ويمكن التوفيق بأن ما في الذخيرة مصور بأنه تزوجها على أرش له على عاقلتها وأمرها بقبض ذلك، وما في الظهيرية خال عن الآمر بالقبض، وقد علم أنه لو تزوجها على دراهم وأشار إليها فله إمساكها ودفع مثلها، ولو دفع الدراهم إليها ثم طلقها قبل الدخول لا يتعين عليها رد عين نصفها وإنما يتعين رد مثلها كما في جامع الفصولين، وفرع عليه ما إذا كان المهر ألفا دفعه إليها وحال الحول ووجبت الزكاة عليها ثم طلقها قبل الدخول فإنه لا يسقط عنها زكاة النصف لانه لما لم يتعين رد العين كان بمنزلة دين حادث ا ه‍. ومن أحكام المهر أنه يصبح تأجيله إلى وقت مجهول كالحصاد والدياس وهو الصحيح، ولو تزوجها بألف درهم على أن ينقد ما تيسر له والبقية إلى سنة كان الالف كله إى سنة إلا أن تقيم المرأة البينة أنه تيسر له منها شئ أو كله فتأخده. كذا في الظهيرية. قوله: (فإن سماها أو دونها فلها عشرة بالوطئ أو بالموت) لان بالدخول يتحقق تسليم المبدل وبه يتأكد البدل وبالموت ينتهي النكاح نهايته والشئ بانتهائه يتقرر ويتأكد فيتقرر بجميع مواجبه، وسيأتي أن الخلوة كالوطئ فحاصله أن المهر يجب بالعقد ويتأكد بإحدى معان ثلاث،

[ 252 ]

وينبغي أن يزاد رابع وهو وجوب العدة عليها منه كما سيأتي في العدة لو طلقها بائنا بعد الدخول ثم تزوجها ثانيا في العدة وجب كمال المهر الثاني بدون الخلوة والدخول لان وجوب العدة عليها فوق الخلوة، وينبغي أن يزاد خامس وهو ما لو أزال بكارتها بحجر ونحوه فإن لها كمال المهر كما صرحوا به بخلاف ما إذا أزالها بدفعة فإنه يجب النصف لو طلقها قبل الدخول. ولو دفعها أجنبي فزالت بكارتها وطلقت قبل الدخول وجب نصف المسمى على الزوج وعلى الاجنبي نصف صداق مثلها، وإنما لم يجب مهر المثل إذا سمى دون العشرة كما

[ 253 ]

قال زفر لان فساد هذه التسمية لحق الشرع وقد صار مقضيا بالعشرة، فأما ما يرجع إلى حقها فقد رضيت بالعشرة لرضاها بما دونها، ولا معتبر بانعدام التسمية لانها قد ترضى بالتمليك من غير عوض تكرما ولا ترضى فيه بالعوض اليسير، وقد علم حكم الاكثر بالاولى لان التقدير في المهر يمنع النقصان فقط. وفي المحيط. والظهيرية: لو تزوجها على ألفين ألف منها لله تعالى أو للخاطب أو لولدي أو لفلان فالمهر ألف لان هذا استثناء، في كلام واحد. وفي الظهيرية: لو تزوجها على غنم بعينها أن أصوافها لي كان له الصوف استحسانا ولو تزوجها على جارية حبلى على أن ما في بطنها تكون له الجارية وما في بطنها لها ا ه‍. وكأنه لان الحمل كجزئها فلم يصح استثناؤه. وفي الولوالجية والخانية: لو تزوجها على ألف درهم من نقد البلد فكسدت وصار النقد غيرها كان على الزوج قيمة تلك الدراهم يوم كسدت هو المختار، ولو كان مكان النكاح بيعا فسد البيع لان الكساد بمنزلة الهلاك وهلاك البدل يوجب فساد البيع بخلاف النكاح ا ه‍. قوله: (وبالطلاق قبل الدخول يتنصف) أي المسمى لقوله تعالى * (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن) * () الآية. والاقيسة متعارضة ففيه تفويت الزوج الملك على نفسه باختيار، وفيه عود المعقود عليه إليها سالما فكان المرجع فيه النص. كذا في الهداية وهو بيان للواقع لانه جواب سؤال مقدر كما فهمه الشارحون، وتمامه في فتح القدير. وشمل الدخول الخلوة لما في المجتبى: ولو يذكر الخلوة مع أنها شرط لما أن اسم الدخول يشملها لانها دخول حكما ا ه‍. وظاهر قوله ينتصف أن النصف يعود إلى ملك الزوج. وأطلقه وفيه تفصيل، فإن كان المهر لم يسلمه إليها عاد إلى ملك الزوج نصفه بمجرد الطلاق، وإن كان مقبوضا لها فإنه لا يبطل ملك المرأة في النصف إلا بقضاء أو رضا لان الطلاق قبل الدخول أوجب فساد سبب ملكها في النصف، وفساد السبب في الابتداء لا يمنع ثبوت ملكها بالقبض، فأولى أن لا يمنع بقاءه، فلو أعتق الزوج العبد المهر المقبوض بعد الطلاق قبله لم ينفذ في شئ منه،

[ 254 ]

ولو قضى القاضي بعد ذلك يعود نصفه إلى ملكه لانه عتق سبق ملكه فلم ينفذ ونفذ عتق المرأة في الكل، وكذا بيعها وهبتها لبقاء ملكها في الكل قبل القضاء والرضا. وإذا نفذ تصرفها فقد تعذر عليها رد النصف بعد وجوبه فتضمن نصف قيمته للزوج يوم قبضت، ولو وطئت الجارية بشبهة فحكم العقر حكم الزيادة المنفصلة المتولدة من الاصل كالارش لانه بدل من جزء من عينها فإن المستوفى بالوطئ في حكم العين. وفي الظهيرية: ولو زاد المهر زيادة منفصلة كالولد والثمر والارش والعقر قبل القبض فكلها تتنصف بالطلاق قبل الدخول، وبعد القبض لا تتنصف وعليها نصف قيمة الاصل يوم قبضت، وكذلك لو ارتدت - والعياذ بالله تعالى - أو قبلت ابن الزوج وإن كانت بدل المنافع كالكسب والغلة والموهوب للمهر فهي للمرأة وليست بمهر عند أبي حنيفة، وعندهما يتنصف مع الاصل. وكذلك على هذا كسب المبيع قبل القبض ولو آجره الزوج فالاجرة له ولزمه التصدق بها والزيادة المتصلة قبل القبض تتنصف بالاجماع، وبعد القبض تتنصف عند محمد خلافا لهما، والزيادة المنفصلة بعد القبض إذا هلكت يتنصف الاصل دون الزيادة. ولو استولد الزوج الجارية الممهورة قبل القبض وادعى نسب الولد ثم طلقها قبل الدخول تتنصف الجارية والولد لان العلوق وجد في ملك الغير فلم تصح الدعوة، وذكر في كتاب الدعوى أنه يثبت النسب وتصير الجارية أم ولد له لانه عاد إليه قديم ملكه وعتق نصف الولد بإقراره لانه جزء منه ويسعى الولد في نصف قيمته للمرأة على الروايتين جميعا. ثم اعلم أن حاصل الزيادة في المهر أنها إذا حدثت بعد قبض المرأة ثم طلقها قبل الدخول فإنها لا تتنصف، سواء كانت متصلة متولدة أو منفصلة متولدة أولا إلا متصلة متولدة عند محمد، وأما إذا حدثت قبل القبض فإن المتولدة تتنصف متصلة أو منفصلة، وغير المتولدة لا تتنصف، وفي خيار العيب الزيادة المتولدة متصلة أو منفصلة غير متولدة فإنها لا تمنع الرد به، والمتصلة غير المتولدة والمنفصلة المتولدة يمنعان الرد به، وفي البيع الفاسد كل زيادة فإنها لا تمنع الاسترداد والفسخ إلا زيادة متصلة غير متولدة، وفي باب الرجوع في الهبة فإن الزيادة المتصلة متولدة أو غير متولدة مانعة من الرجوع والمنفصلة متولدة أو لا غير مانعة، وفي باب الغصب لا يمنع من رد العين إلا الزيادة المتصلة الغير المتولدة التي لا يمكن فصل المغصوب عنها، فلتحفظ هذه المواضع فإنها نفيسة. وأما المتصلة الغير المتولدة كالصبغ في مسألة الزيادة في المهر فخارجة عن البحث. واعلم بأن الاوصاف لا تفرد بالعقد ولا تفرد بضمان العقد، والاتلاف يرد على الاوصاف فأمكن إظهار حكم الاتلاف فيها فنقول: إذا حدث في المهر عيب سماوي إن شاءت أخذته ناقصا بلا غرمه النقصان، وإن شاءت أخذت

[ 255 ]

قيمته يوم العقد، وإن حدث بفعل الزوج فإن شاءت أخذت وقيمة النقصان، وإن شاءت أخذت قيمته يوم العقد، وإن حدث بفعل الزوج صارت قابضة، وإن حدث بفعل أجنبي فإن شاءت أخذته وقيمة النقصان من الاجنبي، وإن شاءت أخذته قيمته من الزوج ولا حق لها في النقصان. وإن حدث بفعل المهر فكالآفة السماوية في رواية، وفي ظاهر الرواية هو كحكم جناية الزوج، والحدوث بفعل المهر أن يكون المهر عبدا فقطع يده أو فقأ عينه، وإذا قبضت المهر فتعيب بفعلها أو بآفة سماوية أو بفعل المهر قبل الطلاق أو بعده قبل الحكم بالرد فإن شاء الزوج أخذ نصفه ولا يضمنها النقصان، وإن شاء ضمنها نصف قيمته صحيحا يوم القبض، وإن كان ذلك بعد الطلاق والحكم بالرد فللزوج أن يأخذه ونصف الارش، وإن تعيب بفعل الاجنبي يضمنها نصف القيمة لا غير، وإن تعيب بفعل الزوج فهو بالخيار كما في الاجنبي. كذا في الظهيرية. فصار حاصل وجوه النقصان عشرين، لانه إما أن يكون بآفة سماوية أو بفعله أو بفعلها أو بفعل المهر أو بفعل الاجنبي، وكل من الخمسة على أربعة لانه إما أن يكون في يد الزوج أو في يدها قبل الطلاق أو في يدها بعده قبل الحكم بالرد أو بعده بعد الحكم وأحكامها مذكورة، كما أن حاصل وجوه الزيادة ثمانية لانها إما أن تكون متصلة متولدة أو لا، أو منفصلة متولدة أو لا، وكل منها إما أن تكون في يده أو في يدها والاحكام مذكورة إلا حكم المتصلة الغير المتولدة كالصبغ لظهور أنها لا تتنصف، وينبغي أن تكون وجوه النقصان خمسة وعشرين، فإن النقصان في يد الزوج أعم من أن يكون قبل الطلاق أو بعده فهي خمسة في خمسة. وإذا ولدت الجارية الممهورة في يد الزوج فهلكا ثم طلقها قبل الدخول بها أخذت نصف قيمة الام لا غير، وإن قتلهما الزوج فإن شاءت ضمنته نصف قيمة الام يوم العقد، وإن شاءت ضمنت عاقلته نصف قيمتها، وتضمن العاقلة نصف قيمة الولد يوم القتل ولا يضمن الزوج نقصان الولادة إلا أن يكون فاحشا. ولو تزوجها على زرع بقل فاستحصد الزرع في يدها ثم طلقها قبل الدخول بها فلا سبيل للزوج على الزرع، ولو تزوجها على عشرين شاة عجفاء فحملت في يدها ودر اللبن في ضروعها ثم طلقها قبل الدخول بها يأخذ الزوج نصفها، ولو تزوجها على أرض قراح على أنها ثلاثون جريبا فإذا هي عشرون إن شاءت أخذت القراح ناقصا لا غير، وإن شاءت أخذت قيمته ثلاثين جريبا مثل هذه الارض، ولو تزوجها على نخل صغار فطالت وكبرت في يدها ثم طلقها قبل الدخول بها فلها نصفها. نص عليها في المنتفى. قال رحمه الله: وعندي هذا محمول على قول محمد لان المذهب عنده أن الزيادة المتصلة لا تمنع التنصيف ا ه‍. ما في الظهيرية بحروفه. وينبغي

[ 256 ]

أن تكون مسألة الشاة كمسألة النخل محمولة على قول محمد، وظاهر ما في المختصر أن بالطلاق قبل الدخول يسقط نصف المهر ويبقى النصف وهو قول المحققين. وقيل يسقط كله ويجب نصف المهر بطريق المتعة، واختاره في الهداية في باب الرجوع عن الشهادات. قال في الجوهرة: وفائدته أنه لو تزوجها على مائة درهم ورهنها بها رهنا ثم طلقها، فعلى القول الاول لها إمساك الرهن، وعلى الثاني لا ا ه‍. وفي البدائع: ضعف القول بسقوط الكل. ثم إيجاب النصف بأنه لا فائدة فيه وأن طريق أصحابنا هو الاول. وذكر الاختلاف بين أبي يوسف ومحمد في الرهن، فعند محمد هو رهن بها، وعند أبي يوسف لا. وفي القنية: افترقا فقالت افترقنا بعد الدخول. وقال الزوج قبل الدخول فالقول قولها لانها تنكر سقوط نصف المهر ا ه‍. وفيها أيضا: لو تبرع بالمهر عن الزوج ثم طلقها قبل الدخول أو جاءت الفرقة من قبلها يعود نصف المهر في الاول والكل في الثاني إلى ملك الزوج بخلاف المتبرع بقضاء الدين إذا ارتفع السبب يعود إلى ملك القاضي إن كان بغير أمره، وتمامه فيها من كتاب المداينات. قوله: (وإن لم يسمه أو نفاه فلها مهر مثلها إن وطئ أو مات عنها) لما روي في السنن والجامع الترمذي عن عبد الله بن مسعود في رجل تزوج امرأة فمات عنها ولم يدخل بها ولم يفرض لها الصداق فقال لها الصداق كاملا وعليها العدة ولها الميراث فقال معقل بن سنان: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم لله قضى به في تزويج بنت واشق. قال الترمذي: هو حسن صحيح. ولانه حق الشرع وجوبا وإنما يصير حقها في حالة البقاء فتملك الابراء دون النفي ومن صوره ما إذا تزوجها على ألف على أن ترد إليه ألفا لان الالف بمقابلة مثلها فبقي النكاح بلا تسمية كما في المحيط. ومنها ما إذا تزوجها على عبدها، وليس منها ما إذا تزوجها على عبد الغير فإنه إذا لم يجز مالكه وجبت قيمته. ومنها ما في القنية: قالت زوجت نفسي منك بخمسين دينارا وأبرأتك من الخمسين فقال قبلت ينعقد بمهر المثل لعدم التسمية. ومنها ما فيها: تزوجتك بمهر جائز في الشرع وجب مهر المثل ولا ينصرف إلى العشرة لان مهر المثل جائز شرعا أيضا، وفي المعراج لها العشرة. ومنها ما إذا تزوجها على حكمها أو حكمه أو حكم رجل آخر أو على ما في بطن جاريتي أو أغنامي كما في فتح القدير. ومنها ما في الظهيرية: لو تزوجها على أن يهب الزوج لابيها ألف درهم كان لها مهر المثل. وهب لابيها ألفا أو لم يهب، فإن وهب كان له أن يرجع في الهبة. ومنها ما فيها أيضا: لو تزوجها على دراهم كان لها مهر المثل ولا يشبه الخلع. ومنها تسمية المحرم. ومنها تسمية المجهولة جهالة

[ 257 ]

فاحشة كما سيأتي كما إذا تزوجها على ما يكسبه العام أو يرثه كما في البدائع. ومنها تسمية ما لا يصلح مهرا كتأخير الدين عنها سنة والتأخير باطل كما في الظهيرية، أو أبرئ فلان من الدين فيجب مهر المثل كما في الخانية، وليس منها ما إذا تزوجها على حجة فإن لها قيمة حجة وسط لا مهر المثل كما في الظهيرية. وفسر في المعراج الوسط بركوب الراحلة. وليس منها ما إذا تزوجها على عتق أخيها عنها فإنه لا شئ لها لثبوت الملك لها اقتضاء في الاخ بخلاف ما إذا تزوجها على عتق أخيها أو طلاق ضرتها فإنه يجب مهر المثل لانهما ليسا بمال، وتمامه في المحيط. ثم اعلم أن وجوب مهر المثل بتمامه عند عدم التسمية مشروط بأن لا يشترط الزوج عليها شيئا لما في الولوالجية والمحيط: لو تزوجها على أن تدفع إليه هذا العبد يقسم مهرها على قيمة العبد وعلى مهر مثلها لان المرأة بذلت البضع والعبد بإزاء مهر مثلها، والبدل ينقسم على قدر قيمة المبدل، فما أصاب قيمة العبد فالبيع فيه فاسد لانها باعته بشئ مجهول والباقي يصير مهرا ا ه‍. ويخالفه ما نقلاه أيضا: لو قال لامرأة أتزوجك على أن تعطيني عبدك هذا فقبلت جاز النكاح بمهر المثل ولا شئ له من العبد فيحتاج إلى الفرق. وقد يقال: إن في الثانية لم يجعل العبد مبيعا بل هبة فلا ينقسم مهر المثل على العبد وعلى مهر المثل بدليل أنه ذكر الاعطاء والعطية الهبة، وفي الاولى جعل العبد مبيعا فانقسم مهر المثل بدليل أنه ذكر الدفع لا الاعطاء. وأما إذا تزوجها على ألف على أن تدفع إليه هذا العبد فقال في المحيط: صح النكاح والبيع لان البيع مشروط في النكاح، فأما النكاح غير مشروط في البيع فثبت البيع ضمنا للنكاح. ولو قال في المختصر أو مات أحدهما لكان أولى لان موتها كموته كما في التبيين. وليس من صور عدم التسمية ما لو تزوجت بمثل مهر أمها والزوج لا يعلم مقدار مهر أمها فإنه جائز بمقدار مهر أمها، ولو طلقها الزوج قبل الدخول بها فلها نصف ذلك وللزوج الخيار إذا علم مقدار مهر أمها كما لو اشترى بوزن هذا الحجر ذهبا ثم علم بوزنه ولا خيار للمرأة. كذا في الذخيرة. وليس منها ما إذا افترقا وبقي عليه عشرة دنانير من المهر ثم تزوجها بتلك العشر فإن المصرح به في القنية أنه تزوج بمثل العشرة فيكون المهر عشرة أخرى غير عشرة الدين. قوله: (والمتعة إن طلقها الوطئ) أي لها المتعة إن لم يسم شيئا وطلقها قبل الوطئ والخلوة لقوله تعالى * (ومتعوهن على الموسع قدره) * () الآية. ثم هذه المتعة واجبة رجوعا إلى الامر، ولا يكون لفظ المحسنين قرينة صارفة إلى الندب لان المحسن أعم من

[ 258 ]

المتطوع والقائم بالواجب أيضا فلا ينافي الوجوب مع ما انضم إليه من لفظ حقا وعلى وفي الاسرارى للدبوسي قال علماؤنا: والمتعة بعد الطلاق قبل الدخول في نكاح لا تسمية فيه تجب خلفا عن مهر المثل الذي كان واجبا به قبل الطلاق بدلا عن الملك الواقع بالعقد للرجل على المرأة في الحالين جميعا ا ه‍. ثم اعلم أن المتعة إنما تجب في موضع لم تصبح التسمية من كل وجه، أما إذا صحت من وجه دون وجه فإنه لا تجب المتعة وإن وجب مهر المثل بالدخول كما إذا تزوجها على ألف درهم وكرامتها أو على ألف وعلى أن يهدي لها هدية، فإنه إذا طلقها قبل الدخو كان لها نصف الالف لا المتعة مع أنه لو دخل بها وجب مهر المثل لا ينقص من الالف - كما في غاية البيان - لان المسمى لم يفسد من كل وجه لانه على تقدير كرامتها والاهداء يوجب الالف لا مهر المثل. قيد بالطلاق والمراد منه فرقة جاءت من قبله ولم يشاركه صاحب المهر في سببها، طلاقا كانت أو فسخا كالطلاق والفرقة بالايلاء واللعان والجب والعنة وردته وإبائه الاسلام وتقبيله ابنتها أو أمها بشهوة للاحتراز عن فرقة جاءت من قبلها قبل الدخول فإنه لا متعة لها، لا وجوبا ولا استحبابا كما في فتح القدير. كما لا يجب نصف المسمى لو كان موجودا كردتها وإبائها الاسلام وتقبيلها ابنه بشهوة والرضاع وخيار البلوغ والعتق وعدم الكفاءة، وقيدنا بأنه لم يشاركه في سبيها للاحتراز عما إذا اشترى منكوحته من المولى أو اشتراها وكيله منه فإن مالك المهر يشارك الزوج في السبب وهو الملك فلذا لا تجب المتعة ولا نصف المسمى بخلاف ما لو باعها المولى من رجل ثم اشتراها الزوج منه فإنها واجبة كما في التبيين. قوله: (وهي درع وخمار وملحفة) وهو مروي عن عائشة وابن عباس رضي الله عنهما. ودرع المرأة بالدال المهملة ما تلبسه فوق القميص وهو مذكر، والخمار ما تغطي به المرأة رأسها، والملحفة هي الملاءة وهي ما تلتحف به المرأة. كذا في المغرب. ولم يذكر في الذخيرة

[ 259 ]

الدرع وإنما ذكر القيمص وهو الظاهر. وفي المعراج قال فخر الاسلام: هذا في ديارهم أما في ديارنا تلبس أكثر من ذلك فيزاد على هذا إزار ومكعب ا ه‍. وفي البدائع: ولو أعطاها قيمة الاثواب دراهم أو دنانير تجبر على القبول لان الاثواب ما وجبت لعينها بل من حيث إنها مال كالشاة في خمس من الابل في باب الزكاة ا ه‍. ولم يذكر المصنف اعتبارها بحاله أو بحالها للاختلاف فالكرخي اعتبر حالها. واختاره القدوري، فإن كانت سفلة فمن الكرباس، وإن كانت وسطة فمن القز، وإن كانت مرتفعة الحال فمن الابريسم فإنها بدل بضعها فتعتبر بحالها، والامام السرخسي اعتبار حاله وصححه في الهداية عملا بقوله تعالى * (على الموسع قدره وعلى المقتر قدره) * (البقرة: 236) لكن ليس على إطلاقه قالوا: فلا تزاد على نصف مهر مثلها لان الحق عند التسمية آكد وأثبت منه عند عدم التسمية. ثم عندها لا يزاد على نصف المسمى فلان لا يزاد عند عدمها على نصف مهر المثل أولى. ولا تنقص المتعة عن خمسة دراهم لانها تجب على طريق العوض وأقل عوض ثبت في النكاح نصف عشرة فلا بد في المتعة من ملاحظة هذين الامرين، فليس ملاحظة الامرين مناقضا للقول باعتبار حاله كما في فتح القدير، ودعواه بأن الملاحظة المذكورة صريحة في اعتبار حالها ممنوعة لانها لو كانت غنية قيمة متعتها مائة درهم والزوج فقير يناسبه أن تكون المتعة في حقه عشرين درهما فعلى من اعتبر حاله الواجب عشرون، وعلى من اعتبر حالها الواجب المائة. نعم لو كان غنيا وحاله يقتضي مائة وهي فقيرة متعتها عشرون فحينئذ لا يزاد على العشرين لا باعتبار حالها بل لما ذكرناه، والامام الخصاف اعتبر حالهما قالوا: وهو أشبه بالفقه. وصححه الولوالجي لان في اعتبار حالة تسوية بين الشريفة والخسيسة وهو منكر بين الناس فقد اختلف الترجيح، والارجح قول الخصاف لان الولوالجي في فتاواه صححه وقال: وعليه الفتوى. كما أفتوا به في النفقة، وظاهر كلامهم أن ملاحظة الامرين على جميع الاقوال معتبرة فلا يزاد على نصف مهر المثل ولا ينقص عن خمسة دراهم كما هو صريح الاصل والمبسوط. وفي فتح القدير وإطلاق الذخيرة: كونها وسطا لا بغاية الجودة ولا بغاية الرداءة لا يوافق رأيا من الثلاثة الاعتبار بحاله أو حالها أو حالهما ا ه‍. ولعله سهو لان اعتبار الوسط موافق للاقوال كلما لانه على قول من اعتبر حالها وكانت فقيرة مثلا فإنه يجب لها الكرباس الوسط لا الجيد ولا الردئ، وفي

[ 260 ]

المتوسطة قز وسط، وفي المرتفعة إبريسم وسط. وعلى قول من اعتبر حاله وكان فقيرا يجب لها الكرباس الوسط، وإن كان متوسطا فقز وسط، وإن كان غنيا فإبريسم وسط. على قول من اعتبر حالهما فإن كانا فقيرين فالواجب كرباس وسط، وإن كانا غنيين فالواجب إبريسم وسط، وإن كان أحدهما غنيا والآخر فقيرا فالواجب قز وسط، فقد علمت أن الوسط معتبر على كل تقدير، وفي الظهيرية: الكفيل بمهر المثل لا يكون كفيلا بالمتعة الواجبة والرهن بمهر المثل القياس أن لا يصير رهنا بالمتعة حتى لا يحبس بها وهو قول أبي يوسف، وفي الاستحسان يصير رهنا بالمتعة حتى يحبس بها وهو قول أبي يوسف الاول وهو قول محمد وهي من المسائل الثلاث التي رجع أبو يوسف من الاستحسان إلى القياس لقوة وجه القياس. والثانية إذا تلا آية السجدة في ركعة ثم أعادها في الركعة الثانية القياس أن تكفيه سجدة واحدة وهو قول أبي يوسف الآخر، وفي الاستحسان تلزمه أخرى وهو قول أبي يوسف الاول وهو قول محمد. والثالثة العبد إذا جنى جناية فيما دون النفس يخير المولى بين الدفع والفداء فإن اختار الفداء ثم مات المجني عليه فالقياس أن يخير المولى ثانيا وهو قول أبي يوسف الآخر، وفي الاستحسان أن لا يخير وهو قوله الاول وهو قول محمد اه‍. قوله: (وما فرض بعد العقد أو زيد لا يتنصف) أي بالطلاق قبل الدخول أما ما فرض بعد العقد فلان هذا الفرض تعيين للواجب بالعقد وهو مهر المثل بدليل أنه لا شفعة للشفيع لو فرض لها دارا بعد العقد بخلاف ما لو دفع لها الدار بدلا عن المسمى في العقد فإن له الشفعة لانه بيع بدليل أنها لو طلقت قبل الدخول ترد نصف المسمى لا نصف الدار وذلك لا يتنصف، فكذا ما نزل منزلته. والمراد بقوله تعال * (فنصف ما فرضتم) * (البقرة: 237) المفروض في العقد إذ هو الفرض المتعارف. أطلقه فشمل ما إذا كان الفرض بعد العقد بتراضيهما أو بفرض القاضي فإن لها أن ترفعه إلى القاضي ليفرض لها إذا لم يكن فرض لها في العقد. كذا في فتح القدير. وقد يقال: إن فرض القاضي المذكور إذا لم يكن برضاه فهو

[ 261 ]

متوقف على النظر فيمن يماثلها في الاوصاف الآتية من نساء أبيها، ويثبت عند ذلك بالبينة كما سيأتي فهو قضاء بمهر المثل لا طريق لفرضه جبرا إلا به كما لا يخفى. وأما ما زيد على المسمى فإنما لا يتنصف لما ذكرنا أن التنصيف يختص بالمفروض في العقد، ودل وضع المسألة على جواز الزيادة في المهر بعد العقد وهي لازمة له بشرط قبولها في المجلس على الاصح كما في الظهيرية، أو قبول وليها إن كانت صغيرة ولو لم تقبل كما في أنفع الوسائل، واستدلوا لجوازها بقوله تعالى * (ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة) * (النساء: 24) فإنه يتناول ما تراضوا على إلحاقه وإسقاطه، ولا يلزم كون الشئ بدل ملكه إلا لو قلنا بعدم الالتحاق ونحن نقول بالتحاقه بأصل العقد. ومن فروع الزيادة على المهر لو راجع المطلقة رجعيا على ألف فإن قبلت لزمت وإلا فلا، ومن فروعها لو وهبت مهرها من زوجها ثم إن الزوج أشهد أن لها عليه كذا في مهرها تكلموا فيه، والمختار عند الفقيه أبي الليث أن إقراره جائز إذا قبلت، ووجهه في التجنيس بوجوب تصحيح التصرف ما أمكن وقد أمكن بأن يجعل كأنه زاد على المهر. وفي القنية: جدد للحلال نكاحا بمهر يلزم إن جدده لاجل الزيادة لا احتياطا ا ه‍. وفي الظهيرية تزوجها بألف ثم جدد النكاح بألفين، المختار عندنا أن لا تلزمه الالف الثانية لانها ليست بزيادة لفظا ولو ثبتت الزيادة إنما تثبت في حق ضمن النكاح فإذا لم يصح النكاح لم يصح ما في ضمنه ا ه‍. وفي القنية: قال بعد المهر جعلت ألف درهم مهرك لا يلزم ا ه‍. فالحاصل أنهم اتفقوا على أن النكاح بعد النكاح لا يصح وإنما الاختلاف في لزوم المهر. وفي البزازية من الصلح: الصلح بعد الصلح باطل وكذا الصلح بعد الشراء والشراء بعد الشراء فالثاني أحق ا ه‍. وقيد في جامع الفصولين والقنية الاخيرة بأن يكون الثمن الثاني أكثر من الاول أو أقل لينفسخ العقد الاول، فإن كان بمثل الاول فالاول أحق لعدم الفائدة. وفي الولوالجية: امرأة قالت لرجل زوجتك نفسي على ألف درهم فقال الزوج قبلت النكاح على ألفين جاز النكاح لانه أجاب بما خاطبته وزيادة، فإن قالت المرأة قبل أن يتفرقا قبلت الالفين فعلى الزوج ألفا درهم لانها قبلت الزيادة، وإن لم تقبل المرأة حتى تفرقا جاز النكاح على ألف. وهذا يجب أن يكون قول أبي يوسف ومحمد بناء على أن في الالفين ألفا وزيادة وعليه الفتوى ا ه‍. بلفظه.

[ 262 ]

وبما نقلناه علم أنه لا يشترط في صحتها لفظ الزيادة. وأشار بقوله زيد إلى أنه معلوم فلو قال زدتك في مهرك ولم يعين لم تصح الزيادة للجهالة كما في الواقعات. وأطلق في صحة الزيادة فأفاد أنها صحيحة بلا شهود كما في القنية، وشمل الزيادة بعد هبة المهر والابراء منه، وشمل ما إذا كانت الزيادة من جنس المهر أو من غير جنسه كما في أنفع الوسائل، وشمل ما إذا زاد بعد موتها فإنها صحيحة إذا قبلت الورثة عند أبي حنيفة خلافا لهما كما في التبيين من البيوع، وشمل ما إذا كان بعد الطلاق الرجعي قبل انقضاء العدة وأما بعد انقضاء العدة في الرجعي وبعد الطلاق البائن فلم أر فيه نقلا. قال في أنفع الوسائل: وقياس الزيادة بعد موتها أن تصح فيهما عند أبي حنيفة بل بالطريق الاولى لان في الموت انقطع النكاح وفات محل التمليك وبعد الطلاق قابل، وما ذكر في إكراه شيخ الاسلام من أن الزيادة في المهر بعد الفرقة باطلة هكذا روى بشر عن أبي يوسف قال: إذا طلق امرأته ثلاثا قبل الدخول بها أو بعده ثم زاده في المهر لم تصح الزيادة، محمول على أنه قول أبي يوسف وحده لا على قول أبي حنيفة لان أبا يوسف خالفه في الزيادة بعد موت المرأة فيكون قد مشى على أصله ا ه‍. وأما الزيادة بعد عتقها فذكر في التبيين في زيادة المبيع والثمن أنه لو زوج أمته ثم أعتقها ثم زاد الزوج على مهرها بعد العتق تكون الزيادة للمولى لانها تلتحق بأصل العقد ا ه‍. ويوافقه ما

[ 263 ]

في المحيط من آخر باب نكاح الاماء: قال الزوج للمعتقة لك خمسون درهما على أن تختاريني لزم العقد ولا شئ لها لانه لا يصح أخذ العوض عنه، ولو قال اختاريني ولك خمسون درهما زيادة على صداقك صحت وتجب الزيادة للمولى لانه وجب بدلا عن البضع لانه زيد على الصداق والمال يصلح عوضا عن البضع فيلتحق بأصل العقد ا ه‍. ويخالفه ما في المحيط أيضا من باب خيار العتق والبلوغ: رجل زوج أمته من رجل ثم أعتقها ثم زاد الزوج في المهر فالزيادة لها ولا أجبر الزوج على دفع الزيادة للمرأة، وكذلك إن باعها فالزيادة للمشتري ولا أجبره على دفع الزيادة إليه لانها بمنزلة الهبة ا ه‍. وهو ضعيف لانه رواية المنتقى ولمخالفته الاصل الممهد وهو الالتحاق بأصل العقد. وفي التلخيص وشرحه: لو قال زدتك في صداقك كذا على أن تختاريني ففعلت بطل خيارها وتكون الزيادة للمولى للالتحاق كالزيادة بعد موت البائع، إذا قبل الوارث تكون للميت حتى تقضي منها ديونه وتنفذ وصاياه بخلاف تعليق الزيادة بدخول الدار حيث لا يصح ولا يجب شئ لانها معتبرة بأصل العقد ا ه‍. وقيد بزيادة المهر لان زيادة المنكوحة لا تجوز كما إذا زوجه أمة ثم زاده أخرى لان الشرع ما ورد بتمليك الزيادة المتولدة في المملوكة بالنكاح تبعا للمنكوحة بخلاف البيع كما سيأتي في بابه. قوله: (وصح حطها) أي حط المرأة من مهرها لان المهر في حالة البقاء حقها والحط يلاقيه حالة البقاء. والحط في اللغة الاسقاط كما في المغرب، أطلقه فشمل حط الكل أو البعض، وشمل ما إذا قبل الزوج أو لم يقبل بخلاف الزيادة فإنه لا بد في صحتها من قبولها في المجلس كما قدمناه. وقيد في البدائع الابراء عن المهر بأن يكون دينا أي دراهم أو دنانير، وظاهره أن حط المهر العين لا يصح لان الحط لا يصح في الاعيان. وفي أنفع الوسائل: الظاهر أن الحط يرتد بالرد وإن لم يتوقف على القبول كهبة الدين ممن عليه الدين إذا رد ولم أر فيه نقلا صريحا ا ه‍. وقد ظفرت بالنقل صريحا من فضل الله ولله الحمد والمنة. ذكر في

[ 264 ]

القنية من كتاب المداينات من باب الابراء من المهر: قالت لزوجها أبرأتك ولم يقل الزوج قبلت أو كان غائبا فقالت أبرأت زوجي يبرأ إلا إذا رده ا ه‍. بلفظه. وقيد بحطها لان حط أبيها غير صحيح فإن كانت صغيرة فهو باطل وإن كانت كبيرة توقف على إجازتها، فإن ضمنه الاب إن لم تجزه البنت فالضمان باطل كما قدمنا نقله عن الخلاصة في باب الاولياء. ولا بد في صحة حطها من الرضا حتى لو كانت مكرهة لم يصح ولذا قال في الخلاصة من كتاب الهبة: إذا خوف امرأته بضرب حتى وهبت مهرها لا يصح إن كان قادرا على الضرب ا ه‍. وفي القنية من الاكراه: تزوج امرأة سرا وأراد أن تبرأه من المهر فدخل عليها أصدقاؤه وقالوا لها إما أن تبرئيه من لمهر وإلا قلنا للشحنة كذا وكذا فيسود وجهك فأبرأته خوفا من ذلك فهو إكراه ولا يبرأ، ولو لم يقولوا فيسود وجهك والمسألة بحالها فليس بإكراه ا ه‍. ولو اختلفا في الكراهية والطوع ولا بينة فالقول لمدعي الاكراه، ولو أقاما البينة فبينة الطواعية أولى كما في القنية في نظيره من الدعوى. وفي الخلاصة: قال لمطلقته لا أتزوجك ما لم تهبيني مالك على من المهر فوهبت مهرها على أن يتزوجها ثم إن الزوج أبى أن يتزوجها فالمهر باق على الزوج تزوج أو لم يتزوج، ولو قال لامرأته أبرئيني من مهرك حتى أهب لك كذا فوهبت مهرها وأبى الزوج أن يهب لها ما وعد يعود المهر. ذكره في النكاح. وفيها من الهبة: لو قالت لزوجها وهبت مهري منك على أن كل امرأة تتزوجها تجعل أمرها بيدي إن لم يقبل الزوج الهبة لا تصح الهبة، وقد ذكرنا الجواب المختار أنها تصح من غير قبول وإن قبل إن يجعل أمرها بيدها فالهبة ماضية، وإن لم يجعل فكذلك عند البعض، والمختار أن المهر يعود. وعلى هذا لو قالت وهبت مهري منك على أن لا تظلمني أو على أن تجح بي أو على أن تهب لي كذا وإن لم يكن هذا شرطا في الهبة لا يعود المهر ا ه‍. وهو مشكل لان تعليق الابراء بالشرط باطل. وفيها من النكاح: لو أحالت إنسانا على الزوج على أن يؤدي من المهر ثم وهبت المهر من الزوج لا يصح وهي الحيلة لمن أرادت أن تهب المهر ولا يصح، ولو وهبت مهرها من أبيها ووكلته بالقبض يصح ا ه‍. وفي القنية: وله ثلاث حيل غير هذه: إحداها شراء شئ ملفوف من زوجها بالمهر قبل الهبة. والثانية صلح إنسان معها عن المهر بشئ ملفوف قبل الهبة. والثالثة هبة المرأة المهر لابن صغير لها قبل الهبة. كذا في كتاب المداينات.

[ 265 ]

وفي التجنيس: وهبت المهر لابنها الصغير وقبل الاب فالمختار أنها لا تصح لانها هبة غير مقبوضة ا ه‍. وفيها: قالت لزوجها إن كان يهمك المهر فقد أبرأتك يبرأ في الحال وليس بتعليق، ولو طلق امرأته ثلاثا ولم تعلم به ثم قال لها إن لم تبرئيني من المهر فأنت طالق ثلاثا فأبرأته وقبل يبرأ. وقال أبو حامد: يبرأ قبل أو لم يقبل. ولو قالت الصداق الذي لي على زوجي ملك فلان بن فلان لا حق لي فيه وصدقها المقر له ثم أبرأت زوجها عنه يبرأ، ولو قالت المهر الذي لي على زوجي لوالدي لا يصح إقرارها به ا ه‍. وفي كتاب النكاح منها: اختلفا في هبة المهر فقالت وهبته لك بشرط أن لا تطلقني وقال بغير شرط فالقول قولها ا ه‍. وذكر في الدعوى: لو أقاما البينة فبينة المرأة أولى، وقيل بينة الزوج أولى، ولا بد في صحة حطها من أن لا تكون مريضة مرض الموت لما عرف في إبراء الوارث. وفي الخلاصة من المهر: وهبت مهرها من الزوج وماتت ثم اختلفت ورثتها مع ازوج قالت الورثة كانت الهبة في مرض الموت وقال الزوج كانت في الصحة فالقول قول الزوج لانه ينكر المهر ا ه‍. وفي القنية من كتاب الهبة: وهبت مهرها من زوجها في مرض موتها ومات زوجها قبلها فلا دعوى لها لصحة الابراء ما لم تمت، فإذا ماتت منه فلورثتها دعوى مهرها ا ه‍. وفيها أيضا من باب البينتين المتضادتين: أقام الزوج بينة أنها أبرأته من الصداق حال صحتها وأقام الورثة بينة أنها أبرأته في مرض موتها فبينة الصحة أولى، وقيل بينة الوارث أولى ا ه‍. والراجح الاول. وفيها أيضا من الهبة: أبرأه عن الدين ليصلح مهمه عند السلطان لا يبرأ وهو رشوة، ولو أبى الاضطجاع عند امرأته فقال لها أبرئيني من المهر فأضطجع معك فأبرأته، قيل يبرأ لان الابراء للتودد الداعي في الجماع وقال عليه السلام تهادوا تحابوا بخلاف الابراء في الاول لانه مقصور على إصلاح المهم وإصلاح المهم مستحق عليه ديانة وبذل المال فيما هو مستحق عليه حد الرشوة ا ه‍. وفيها من كتاب الدعوى: امرأة ماتت فطلب زوجها من ورثتها براءته من المهر فأبوا فأعطى المهر ثم ظهر له بينة أن امرأته أبرأته في حال الصحة ولم يعلم الزوج بذلك فله أن يرجع بما أعطى من المهر ديانة فهذا يشير إلى أنه لا يرجع عليهم قضاء ا ه‍. وفيها من باب البينتين المتضادتين: أقامت المرأة بينة على المهر على أن زوجها كان مقرا بذلك إلى يومنا هذا وأقام الزوج البينة أنها أبرأته من هذا المهر الذي تدعي فبينة البراءة أولى، وكذا في الدين ا ه‍. ويشترط في صحة إبرائها عن المهر علمها بمعناها لما في التجنيس: لو قال لها قولي وهبت مهري منك فقالت المرأة ذلك وهي لا تحسن العربية لا يصح، فرق بين هذا وبين العتق والطلاق حيث يقعان، والفرق أن الرضا شرط جواز الهبة وليس بشرط لجواز العتق والطلاق ا ه‍. وأشار

[ 266 ]

المصنف إلى أنه لو تزوجها بمائة دينار على أن تحط عنه خمسين منها فقبلت فهو صحيح بالاولى كما في الخانية. قوله: (والخلوة بلا مرض أحدهما وحيض ونفاس وإحرام وصوم فرض كالوطئ) بيان للسبب الثالث المكمل للمهر وهي الخلوة الصحيحة لانها سلمت المبدل حيث رفعت الموانع وذلك وسعها فيتأكد حقها في البدل اعتبارا بالبيع، وقد حكى الطحاوي إجماع الصحابة عليه، ويدل عليه حديث الدارقطني من كشف خمار امرأة أو نظر إليها وجب الصداق، دخل أو لم يدخل وحينئذ فالمراد بالمس في قوله تعالى * (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن) * (البقرة: 237) الخلوة إطلاقا لاسم المسبب على السبب إذا لمس مسبب عن الخلوة عادة ويكون كما له بالجماع بحضرة الناس بالاجماع لا بالآية. ومن فروع لزوم المهر بالخلوة لو زنى بامرأة فتزوجها وهو على بطنها فعليه مهران: مهر بالزنا لانه سقط الحد بالتزوج قبل تمام الزنا، والمهر المسمى بالنكاح لان هذا يزيد على الخلوة. وقد شرط المصنف في إقامتها مقام الوطئ شروطا ترجع إلى أربعة أشياء: الخلوة الحقيقية، وعدم مانع حسي، وعدم مانع طبعي، وعدم مانع شرعي من الوطئ. فالاول للاحتراز عما إذا كان هناك ثالث فليست بخلوة، سواء كان ذلك الثالث بصيرا أو أعمى أو يقظانا أو نائما بالغا أو صبيا يعقل. وفصل في المبتغى في الاعمى فإن لم يقف على حاله تصح وإن كان أصم إن كان نهارا لا تصح وإن كان ليلا تصح ا ه‍. وشمل الثالث زوجته الاخرى وهو المذهب بناء على كراهة وطئها بحضرة ضرتها. واختلف في الجارية على أقوال، قيل لا تمنع مطلقا ولو كانت جارية لغيرهما، وقيل جاريتها تمنع بخلاف جاريته والمختار أن جاريتها لا تمنع كجاريته كما في الخلاصة وعليه الفتوى كما في المبتغى، وجزم الامام السرخسي في المبسوط بأن كلا منهما يمنع وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه لانه يمتنع من غشيانها بين يدي أمته طبعا ا ه‍. وشمل الثالث الكلب إن كان عقورا مطلقا وإن لم يكن عقورا فكذلك إن كان لها، وإن كان له صحت الخلوة. وخرج من الثالث الصبي الذي لا يعقل والمجنون والمغمى عليه. والمراد بالذي يعقل هنا ما يمكنه أن يعبر ما يكون بينهما كما في الخانية وللاحتراز عن مكان لا يصلح للخلوة، والصالح لها أن يأمنا فيه اطلاع غيرهما عليهما كالدار والبيت ولو لم يكن له سقف، وكذا الخيمة في المفازة والمحل الذي عليه قبة مضروبة، وكذا البستان الذي له باب وأغلق فلا تصح في المسجد والطريق الاعظم والحمام وسطح الدار من غير ساتر والبستان الذي ليس له باب وإن لم يكن هناك أحد، واختلف في البيت إذا كان بابه مفتوحا أو طوابقه بحيث لو نظر إنسان رآهما ففي

[ 267 ]

مجموع النوازل: إن كان لا يدخل عليهما أحد إلا بإذن فهي خلوة. واختار في الذخيرة أنه مانع وهو الظاهر. ويصح أن تكون هذه الفروع داخلة في المانع الحسي لان وجود ثالث وعدم صلاحية المكان مانع حسي كما في الاسرار. وأشار بالمرض إلى المانع الحسي وعممه بعدم الفرق بين مرضه ومرضها. وأطلقه فأفاد أن مطلق المرض مانع وهو كذلك في مرضه، وأما في مرضها فلا بد أن يكون مرضا يمنع الجماع أو يلحقه به ضرر وهو الصحيح لان مرضه لا يعرى عن تكسر وفتور عادة. ومن المانع الحسي الرتق والقرن والعفل والشعر داخل الفرج المانع من جماعها، فالقرن في الفرج مانع يمنع من سلوك الذكر فيه، إما غدة غليظة أو لحم أو عظم وامرأة رتقاء بها ذلك. كذا في المغرب. وامرأة رتقاء بينة الرتق إذا لم يكن لها خرق إلا المبال. وضبط القرن في شرح المجمع بسكون الراء، والرتق بفتح التاء، والعفل شئ مدور يخرج بالفرج ومنه صغرها بحيث لا تطيق الجماع، وليس له أن يدخل بها قبل أن تطيقه، وقدر بالبلوغ، وقيل بالتسع والاولى عدم التقدير كما قدمناه. فلو قال الزوج تطيقه وأراد الدخول وأنكر الاب فالقاضي يريها النساء ولم يعتبر السن. كذا في الخلاصة. وفي خلوة الصغير الذي لا يقدر على الجماع قولان، وجزم قاضيخان بعدم الصحة فكان هو المعتمد ولذا قيد في الذخيرة بالمراهق وسيأتي الكلام على الخصي ونحوه. وأشار بالحيض والنفاس إلى المانع الطبعي وهو شرعي أيضا ولا يخفى أنه عند عدم درور الدم ليس مانعا طبعا مع أنه مانع شرعا لان الطهر المتخلل بين الدمين في المدة حيض ونفاس، والظاهر أنه لا يوجد لنا مانع طبعي إلا وهو شرعي فلو اكتفوا بالمانع الشرعي عنه لكان أولى. وأشار بالاحرام والصوم إلى المانع الشرعي، أما الاحرام فأطلقه فشمل الاحرام بحج فرض أو نفل أو بعمرة. وعلله في الهداية وغيرها بأنه يلزم من الوطئ معه الدم وفساد النسك والقضاء، فظاهره أنه لو خلا بها بعد الوقوف بعرفة فإنها صحيحة للامن من الفساد مع أن الجواب مطلق وهو الظاهر للحرمة شرعا. وأما الصوم فقيده المصنف بصوم الفرض للاحتراز عن صوم التطوع لانه لا يمنع صحة الخلوة وإن كان واجبا بالشروع لان وجوبه لضرورة صيانة المؤدى فلا يظهر في حق غيره مع أن الافطار فيه بغير عذر جائز في رواية.

[ 268 ]

وشمل صوم الفرض قضاء رمضان والكفارات والمنذور فإنها تمنع صحة الخلوة وهو قول البعض، والصحيح أنه لا يمنع صحتها لانها لا كفارة في إفسادها، فلو قال المصنف وصوم رمضان أي أداء كما في المجمع لكان أولى لانه الصحيح، أو قال والصوم اختيار القول البعض لامكن لانه لا فرق عند البعض بين صوم التطوع والفرض في أنه يمنع صحتها كالاحرام، فتقييده بصوم الفرض ليس على قول من الاقوال. وينبغي أن يكون صوم الفرض ولو منذورا يمنع صحة الخلوة اتفاقا لانه يحرم إفساده وإن كان لا كفارة فيه فهو مانع شرعي. وأما الصلاة فقالوا: فرضها كفرض الصوم ونفلها كنفله. كذا في الهداية. وعلله في غاية البيان بأنه لا يأثم بترك النافلة وهو الصحيح فلا يكون مانعا بخلاف صلاة الفرض فإنه

[ 269 ]

يأثم بتركها ا ه‍. وفيه نظر لانه ليس الكلام في الترك وإنما هو في الافساد، ولا شك أن إفساد الصلاة لغير عذر حرام فرضا كانت أونفلا، فينبغي أن يكون مطلق الصلاة مانعا مع أنهم قالوا: إن الصلاة الواجبة كالنفلا تمنع صحة الخلوة كما في شرح النقاية مع أنه يأثم بتركها، وأغرب منه ما في المحيط أن صلاة التطوع لا تمنع صحتها إلا الاربع قبل الظهر فإنها تمنع صحة الخلوة لانها سنة مؤكدة فلا يجوز تركها بمثل هذا العذر ا ه‍. فإنه يقتضي عدم الفرق بين السنن المؤكدة ويقتضي أن الواجبة تمنع صحتها بالاولى. ومن المانع الشرعي أن يكون طلاقها معلقا بخلوتها، فلو قال لها إن خلوت بك فأنت طالق فخلا بها طلقت فيجب نصف المهر لحرمة وطئها. كذا في الواقعات. زاد في البزازية والخلاصة بأنه لا تجب العدة في هذا الطلاق لانه لا يتمكن من الوطئ وسيأتي وجوبها في الخلوة الفاسدة على الصحيح فتجب العدة في هذه الصورة احتياطا. وصورها في المبتغى بالمعجمة بأن قال إن تزوجت فلانة فخلوت بها فهي طالق فتزوجها وخلا بها كان لها نصف المسمى. ومن المانع الشرعي أن لا يعرفها حين دخلت عليه أو حين دخل عليها على الاصح لانها إنما تقام مقام الوطئ إذا تحقق بالخلوة التسليم والتمكين وذا لا يحصل إلا بالمعرفة. كذا في المحيط. ويصدق في أنه لم يعرفها. كذا في الخانية. ولو عرفها هو ولم تعرفه هي تصح الخلوة كذا في التبيين ولعل الفرق أنه متمكن من وطئها إذا عرفها ولم تعرفه بخلاف عكسه فإنه يحرم عليه وطؤها. وفي الخانية: الكافر إذا خلي بامرأته بعدما أسلمت

[ 270 ]

صحت الخلوة، ولو أسلم الكافر وامرأته مشركة فخلا بها لا تصح الخلوة اه‍. ولعل الفرق مبني على أن الكافر غير مخاطب بالفروع فكان متمكنا من وطئ المسلمة بخلاف وطئ المسلم المشركة. وفي الخلاصة: ولو دخلت عليه وهو نائم صحت علم أو لم يعلم ا ه‍. وهو مشكل لانه لم يتمكن مع النوم من وطئها كما إذا لم يعرفها لكن أقاموه مقام اليقظان هنا، وينبغي أن يكون من المانع الشرعي كونه مظاهرا منها فلو ظاهر منها ثم خلا بها قبل التكفير لم تصح لحرمة وطئها عليه، ويدل عليه أن الامام الدبوسي في الاسرار فسر المانع الشرعي بما يحرم عليه معه جماعها. وأطلق في إقامتها مقام الوطئ في الاحكام فأفاد أنه يكمل لها المسمى وإن قالت لم يطأني كما في الخانية، ولو لم تمكنه من الوطئ في الخلوة ففيه اختلاف المتأخرين. كذا في الذخيرة. وقياس وجوب النفقة أن تصح الخلوة كما لا يخفى. واختار الطرطوسي تفقها من عنده أنها إن كانت بكرا صحت الخلوة لانها لا توطأ إلا كرها، وإن كانت ثيبا لم تصح لعدم تسليم البضع اختيارا وكانت راضية بإسقاط حقها بخلاف البكر فإنها تستحي، وأفاد أنها كالوطئ في الاحكام لكن هي كالوطئ في أحكام دون أحكام فأقاموها مقامه في حق كمال المهر وثبوت النسب ووجوب العدة والنفقة والسكنى في هذه العدة وحرمة نكاح أختها وأربع سواها وحرمة نكاح الامة في قياس قول أبي حنيفة ومراعاة وقت الطلاق في حقها. كذا ذكروا، وينبغي أن لا يذكر ثبوت النسب من أحكام الخلوة القائمة مقام الوطئ لانها من أحكام العقد وإن لم توجد خلوة أصلا كما صرح به في المبسوط، وكذا النفقة والسكنى وحرمة نكاح الاخت ونحوها فإنها من أحكام العدة، فذكرها يغني عنها. هذا ما فهمته ثم بعد مدة رأيت في جامع الفصولين نقلا عن أدب القاضي للخصاف أنها قائمة مقام الوطئ في حق تكميل المهر ووجوب العدة ولم تقم مقامه في بقية الاحكام ا ه‍. وهذا هو التحقيق ولم

[ 271 ]

يقيموها مقامه في حق الاحصاء إن تصادقا على عدم الدخول وإن أقرا به لزمهما حكم الاحصاء، وإن أقر به أحدهما صدق في حق نفسه دون صاحبه كما في المبسوط، وفي حرمة البنات وحلها للاول والميراث حتى لو أبانها ثم مات في عدتها لم ترثه كما في المجتبى، وفي الرجعة فلا يصير مراجعا بالخلوة ولا رجعة له بعد الطلاق الصريح بعد الخلوة، وأما في حق وقوع طلاق آخر ففيه روايتان، والاقرب إلى الصواب الوقوع لان الاحكام لما اختلفت يجب القول بالوقوع. كذا في الذخيرة وجعلها في المجتبى كالوطئ في حق التزويج فإنها تزوج كما تزوج الثيب وهو ضعيف لما قدمنا من أنها تزوج بعدها كالابكار إذا قالت لم يدخل بي. وفي غاية البيان: إذا خلا بها في النكاح الموقوف تكون إجازة لان الخلوة بالاجنبية حرام. وقال بعظهم: نفس الخلوة لا تكون إجازة ا ه‍. وزاد في المجتبى في عدم كونها كالوطئ في منعها نفسها للمهر، ولا ينبغي إدخاله هنا لانه لو وطئها حقيقة فلها منعه بعده عند أبي حنيفة، نعم يتأتى على قولهما كما لا يخفى. وفي المجتبى: الموت أقيم مقام الدخول في حكم العدة والمهر وفيما سواهما كالعدم. وفي شرح الناصحي: فإن ماتت الام قبل أن يدخل بها فابنتها له حلال ا ه‍. قوله: (ولو مجبوبا أو عنينا أو خصيا) أي الخلوة بلا الموانع المذكورة كالوطئ، ولو كان الزوج مجبوبا أو نحوه فلها كمال المهر بعد الطلاق والخلوة عند أبي حنيفة. وقالا: كذلك في الخصي والعنين وفي المجبوب عليه النصف لانه أعجز من المريض بخلاف العنين لان الحكم أدير على سلامة الآلة. ولابي حنيفة أن المستحق عليها التسليم في حق السحق وقد أتت به. والحاصل أن الخلوة الصحيحة عنده هي التمكين من الوطئ بأقصى ما في وسعها. فإن قلت: يلزم على هذا أن توجب الخلوة بالرتقاء كمال المهر إذ ليس هنا تسليم غيره قلنا: إن الرتق قد يزول فكان هذا التسليم منتظرا غيره فلم يجب كمال المهر لعدم التسليم كاملا. كذا في غاية البيان. والجب القطع ومنه المجبوب الخصي الذي استؤصل ذكره وخصيتاه، وقد جب جبا وخصاه نزع خصيتيه بخصيه خصاء على فعال والاخصاء في معناه خطأ. وأما الخصي على

[ 272 ]

فعل فقياس وإن لم نسمعه، والمفعول خصي على فعيل، والجمع خصيان. كذا في المغرب. وفي الغاية: الظاهر أن قطع الخصيتين ليس بشرط في المجبوب ولذا اقتصر الاسبيجابي على قطع الذكر. وأشار المصنف إلى صحة خلوة الخنثى بالاولى وإلى أن نسب الولد يثبت من المجبوب وهو بالاجماع. كذا في البدائع. وذكر التمرتاشي: إن علم أنه ينزل يثبت وإن علم خلافه فلا وعليها العدة والاولى أحسن، وعلم القاضي أنه ينزل أولا ربما يتعذر أن يتعسر. كذا في فتح القدير قوله: (وتجب العدة فيها) أي تجب العدة على المطلقة بعد الخلوة احتياطا، وإنما أفرد هذا الحكم مع أنه معلوم من جعلها كالوطئ لان هذا الحكم لا يخص الصحيحة بل حكم الخلوة ولو فاسدة احتياطا استحسانا لتوهم الشغل. والعدة حق الشرع والولد لاجل النسب فلا تصدق في إبطال حق الغير بخلاف المهر لانه مال لا يحتاط في إيجابه. وذكر القدوري في شرحه أن المانع إن كان شرعيا تجب العدة لثبوت التمكن حقيقة، وإن كان حقيقيا كالمرض والصغر لا يجب لانعدام التمكن حقيقة. واختاره قاضيخان في فتاواه لكن في فتح القدير: إلا أن الاوجه على هذا أن يختص الصغير بغير القادر والمرض بالمدنف لثبوت التمكن حقيقة في غيرهما ا ه‍. والمذهب وجوب العدة مطلقا لانه نص محمد في الجامع الصغير، وظاهره أنها واجبة قضاء وديانة. وفي المجتبى: وذكر العتابي تكلم مشايخنا في العدة الواجبة بالخلوة الصحيحة أنها واجبة طاهرا: أما على الحقيقة فقيل لو تزوجت وهي متيقنة بعدم الدخول حل لها ديانة لا قضاء اه‍. وفي المجتبى: والخلوة الصحيحة في النكاح الفاسد لا توجب العدة قوله: (وتستحب المتعة لكل مطلقة إلا للمفوضة قبل الوطئ) وهي بكسر الواو من فوضت أمرها إلى وليها وزوجها بلا مهر، وبفتحها من فوضها وليها إلى الزوج بلا مهر فإن المتعة لها واجبة على زوجها كسائر ديونها كما ذكره الاسبيجابي، فالمراد بالواجب هنا اللازم. وأخرج الواجب عن أن يكون مستحبا بناء على الاصطلاح، وشمل كلامه. من طلقها قبل الدخول وقد سمى لها مهرا فإنها مستحبة على ما في المبسوط والمحيط والمختصر، وعلى رواية التأويلات وصاحب التيسير وصاحب الكشاف

[ 273 ]

وصاحب المختلف، وعلى ما في بعض نسخ القدوري لا تكون مستحبة لها حكما للطلاق، ولو كانت مستحبة كان لمعنى آخر كما في قوله في عيد الفطر ولا يكبر في طريق المصلي عند أبي حنيفة أي حكما للعيد ولكن لو كبر لانه ذكر الله تعالى يجوز ويستحب. كذا في غاية البيان. وحاصله أنه ليس المراد من نفي المستحب هنا أن لا ثواب في فعله بل فيه ثواب اتفاقا لانه إحسان وبر لها، وإنما محل الاختلاف أن هذا المستحب حكم من أحكام الطلاق أولا، وقد قدمنا أن الفرقة إذا كانت من قبلها قبل الدخول فإنه لا يستحب لها المتعة أيضا لانها جانية.. قوله: (ويجب مهر المثل في الشغار) لانه سمى ما لا يصح صداقا فيصح العقد ويجب مهر المثل كما إذا سمى خمرا أو خنزيرا. والشغار في اللغة الخلوة يقال شغر الكلب إذا رفع إحدى رجليه ليبول، وبلدة شاغرة إذا كانت خالية من السلطان. وأما في الاصطلاح فتزويجه موليته على أن يزوجه الآخر موليته ليكون أحد العقدين عوضا عن الآخر، سواء كانت المولية بنتا أو أختا أو أمة، سمي به لخلوه عن المهر. وإنما قيدنا بأن يكون أحدهما صداقا عن الآخر لانه لو لم يكن كذلك بأن قال زوجتك بنتي على أن تزوجني بنتك ولم يزد عليه فقبل الآخر فإنه لا يكون شغارا اصطلاحا وإن كان الحكم وجوب مهر المثل. وكذا لو قال أحدهما على أن يكون بضع بنتي صداقا لبنتك ولم يقبل الآخر بل زوجه بنته ولم يجعلها صداقا فليس بشغار وإن وجب مهر المثل حتى كان العقد صحيحا اتفاقا. وأما حديث الكتب الستة مرفوعا من النهي عن نكاح الشغار فقد قلنا به لانه إنما نهى عنه لخلوه عن المه وقد أوجبنا فيه مهر المثل فلم يبق شغارا. قيد بالشغار لانه لو زوج ابنته من رجل على مهر مسمى على أن يزوجه الآخر ابنته على مهر مسمى، فإن زوجه فلكل واحد منهما ما سمى لها من المهر، وإن لم يزوجه الآخر كان للمزوجة تمام مهر مثلها لان رضاها بدون مهر المثل باعتبار منفعة مشروطة لابيها. كذا في المبسوط قوله: (وخدمة زوج حر للامهات) أي يجب مهر المثل إذا تزوج حر امرأة وجعل خدمته لها سنة مثلا صداقها. وقال محمد: لها قيمة خدمته سنة لان المسمى مال إلا أنه عجز عن التسليم لمكان المناقضة فصار كالمتزوج على عبد الغير. ولهما أن الخدمة

[ 274 ]

ليست بمال لما فيه من قلب الموضوع إذا لا تستحق فيه بحال فصار كتسمية الخمر والخنزير. وهذا لان تقومه بالعقد للضرورة فإذا لم يجب تسليمه بالعقد لم يظهر تقومه فيبقى الحكم على الاصل وهو مهر المثل. أطلق في الخدمة فشمل رعي غنمها وزراعة أرضها وهي رواية الاصل كما في الخانية، وذكر في المبسوط فيه روايتين، وذكر في المعراج أن الاصح رواية الاصل وهو وجوب مهر المثل لكن يشكل عليه أنهم لم يجعلوا رعي الغنم والزراعة خدمة في مسألة استئجار الابن أباه فقالوا: لو استأجر أباه للخدمة لا يجوز، ولو استأجره للرعي والزراعة يصح فمقتضاه ترجيح الصحة في جلعه صداقا وكون الاوجه الصحة لقص الله تعالى قصة شعيب وموسى من غير بيان نفيه في شرعنا إنما يلزم لو كانت الغنم ملك البنت دون شعيب وهو منتف. وقيد بخدمة الزوج لانه لو تزوجها على خدمة حر آخر فالصحيح صحته وترجع على الزوج بقيمة خدمته كما في المحيط. وهذا يشير إلى أنه لا يخدمها، فإما لانه أجنبي فلا يؤمن الانكشاف عليها مع مخالطته للخدمة، وإما أن يكون مراده إذا كان بغير أمر ذلك الحر ولم يجزه، وظاهر ما في الهداية أنه إذا وقع برضاه يجب عليه تسليم خدمته كما لو تزوج على عبد الغير برضا مولاه حيث يجب على المولى تسليمه. وقيد بالحر لما سيأتي صريحا، وقيد بالخدمة لانه لو تزوجها على منافع سائر الاعيان من سكنى داره وخدمة عبده وركوب دابته والحمل عليها وزراعة أرضه ونحو ذلك من منافع الاعيان مدة معلومة صحت التسمية لان هذه المنافع أموال، أو ألحقت بالاموال شرعا في سائر العقود لمكان الحاجة والحاجة في النكاح متحققة، وإمكان الدفع بالتسليم ثابت بتسليم محالها إذ ليس فيه استخدام المرأة زوجها فجعلت أموالا، وألحقت بالاعيان فصحت تسميتها. كذا في البدائع. والمراد بزراعة أرضه أن تزرع أرضه ببذرها وليس له شئ من الخارج، وأما إذا شرط له شئ من الخارج فإن التسمية تفسد، قال في المجمع من كتاب المزارعة: لو تزوج على أن تزرع هي أرضه بالنصف ببذرها صح وفسدت فيجعل مهرها نصف أجر مثل الارض، وربعه إن طلقها

[ 275 ]

قبل الدخول وأوجب مهر المثل لا يزاد على أجر مثل الارض والمتعة في الطلاق قبله، وإن كان هو العامل في أرضها ببذرها يجعل مهرها نصف أجر مثل عمله لا مهر المثل، أو على أن تزرع هي ببذره، أو هو أرضها ببذره وجب مهر المثل اه‍ وقد وقع في شرحه هنا لابن الملك خلل في التوجيه فاجتنبه. وفي الخانية: ولو تزوج امرأة على جارية على أن له خدمتها ما عاش أو ما في بطنها له كانت الجارية وخدمتها وما في بطنها للمرأة إن كان مهر مثلها مثل قيمة الخادم أو أكثر، وإن كان مهر مثلها أقل من قيمة الخادم كان لها مهر المثل إلا أن يسلم الزوج الخادم إليها باختياره. قوله: (وتعليم القرآن) أي يجب مهر المثل إذا جعل الصداق تعليم القرآن لان المشروع إنما هو الابتغاء بالمال والتعليم ليس بمال، وكذا المنافع على أصلنا، ولان التعليم عبادة فلا يصلح أن يكون صداقا، ولان قوله تعالى * (فنصف ما فرضتم) * (البقرة: 237) يدل على أنه لا بد أن يكون المفروض مما له نصف حتى يمكنه أن يرجع عليها بنصفه إذا طلقها قبل الدخول بعد القبض ولا يمكن ذلك في التعليم، وأما قوله صلى الله عليه وسلم زوجتكها بما معك من القرآن فليست الباء متعينة للعوض لجواز أن تكون للسببية أو للتعليل أي لاجل أنك من أهل القرآن، أو المراد ببركة ما معك منه فلا يصلح دليلا، وسيأتي إن شاء الله تعالى في كتاب الاجارات أن الفتوى اليوم على جواز الاستئجار لتعليم القرآن والفقه فينبغي أن يصح تسميته مهرا لان ما جاز أخذ الاجر في مقابلته من المنافع جاز تسميته صداقا كما قدمناه نقله عن البدائع، ولهذا ذكر في فتح القدير هنا أنه لما جوز الشافعي أخذ الاجر على تعليم القرآن صحح تسميته صداقا، فكذا نقول: يلزم على المفتى به صحة تسميته صداقا ولم أر أحدا تعرض له والله الموفق للصواب. وأشار المصنف إلى أنه لو أعتق أمة وجعل عتقها صداقها فإن التسمية لا تصح لان العتق ليس بمال، فإن تزوجته فلها مهر المثل، وإن أبت لا تجبر وعليها قيمتها للمولى، وكذا أم الولد لكن لا قيمة عليها له عند آبائها، ولو قالت لعبدها أعتقتك على أن تتزوجني بألف فقبل عتق وعليه قيمته لها إن أبى أن يتزوجها وإلا قسم الالف على قيمة نفسه وعلى مهر مثلها، فما أصاب الرقبة فهو قيمته، وما أصاب المهر فهو مهرها يتنصف بالطلاق قبل الدخول. وأشار المصنف إلى أنه لو تزوجها على أن يحج بها وجب مهر المثل لكن فرق في الخانية بين أن يتزوجها على أن يحج بها وبين أن يتزوجها على حجة فأوجب في

[ 276 ]

الاول مهر المثل وفي الثاني قيمة حجة وسط قوله: (ولها خدمته لو عبدا) يعني لو تزوج عبد حرة على خدمته لها سنة بإذن مولاه صحت التسمية ويخدمها سنة لانه لما خدمها بإذن المولى صار كأنه يخدم مولاه حقيقة، ولان خدمة العبد لزوجته ليست بحرام إذ ليس له شرف الحرية ولهذا سلبت عنه عامة الكرامات الثابتة للاحرار، فكذا هذا. كذا في غاية البيان. وصرح الولوالجي في فتاواه بأن استخدام الزوج لا يجوز لما فيه من الاستهانة. وصرح قاضيخان في شرح الجامع الصغير بأن خدمة الزوج لها حرام لانها توجب الاهانة ا ه‍. وفي البدائع: إن استخدام الحرة زوجها الحر حرام لكونه استهانة وإذلالا ا ه‍. وحاصله أنه يحرم عليها الاستخدام ويحرم عليه الخدمة لها، وظاهر المختصر أن المرأة حرة لانه جعل الخدمة لها. وأما لو تزوج عبد أمة على خدمته سنة لمولاها فإنه صحيح بالاولى ويخدم المولى. وينبغي أنه لو تزوجها على أن يخدمها أن لا تصح التسمية أصلا ولم أرهما صريحا قوله: (ولو قبضت ألف المهر ووهبته له فطلقها قبل الوطئ رجع عليها بالنصف) لانه لم يصل إليه بالهبة عين ما يستوجبه لان الدراهم والدنانير لا يتعينان في العقود والفسوخ، ولذا لو سمى لها دراهم وأشار إليها له أن يحبسها ويدفع مثلها جنسا ونوعا وقدرا وصفة. كذا في البدائع. ولا يلزمها رد عين ما أخذت بالطلاق قبل الدخول، ولذا قال الولوالجي في فتاواه من باب الزكاة: ولو تزوج رجل امرأة على ألف درهم وقبضت وحال الحول ثم طلقها قبل الدخول بها زكت الالف كلها لانه وجب في ذمتها مثل نفس المقبوض لا عين المقبوض، والدين بعد الحول لا يسقط الواجب، ولو كانت سائمة غير الاثمان زكت نصفها لانه استحق نصفها من غير اختيارها فصار كالهلاك، ولا يزكي الزوج شيئا لان ملك الزوج الآن عاد في النصف ا ه‍. وأشار المصنف إلى أن حكم المكيل والموزون إذا لم يكن معينا حكم النقد لعدم التعيين، وأما المعين منه فكالعرض. وفي البدائع: وإن كان تبرا أو نقرة ذهبا أو فضة فهو كالعرض في رواية فيجبر على تسليم العين، وفي رواية كالمضروب فلا يجبر. قوله: (فإن لم تقبض الالف أو قبضت النصف ووهبت الالف أو وهبت العرض المهر قبل القبض أو بعده فطلقت قبل الوطئ لم يرجع عليها بشئ) بيان لمفهوم المسألة المقتدمة وهي ثلاثة مسائل: الاولى إذا لم تقبض شيئا من المهر ثم وهبته كله له ثم طلقها قبل الدخول فإنه لا رجوع له عليها بشئ، وفي القياس يرجع عليها بنصف الصداق وهو قول زفر لانه سلم له بالابراء فلا تبرأ عما يستحقه بالطلاق. ووجه الاستحسان أنه وصل إليه عين ما يستحقه بالطلاق قبل الدخول وهو براءة ذمته عن نصف المهر، ولا يبالي باختلاف السبب عند حصول المقصود وله نظائر، منها ما في معراج الدراية: الغاصب إذا وهب المغصوب

[ 277 ]

للمغصوب منه، ومثله ما إذا قال إنك غصبت مني ألف درهم فقال المدعى عليه بل استقرضتها ا ه‍. وتمامه في التلخيص. ومنها ما إذا باع بيعا فاسدا وقبض المشتري المبيع ثم وهبه للبائع لا يضمن قيمته لحصول المقصود بخلاف ما لو وصل المبيع إليه من جهة غير المشتري حيث لا يبرأ من الضمان لانه لم يصل إليه من الجهة المستحقة. ومنها ما إذا اشترى جارية بعبد ثم وهب الجارية من مشتري العبد ثم استحق العبد من يده فإنه لا يرجع على المشتري للجارية بقيمتها استحسانا. ومنها مريض وهب جارية من إنسان لا مال له غيرها وسلم الجارية إليه ثم وهب الموهوب له الجارية من المريض ثم مات من مرضه فإنه لا يضمن الموهوب له قيمة ثلثي الجارية للورثة استحسانا بخلاف ما لو وهب المريض لاحد بنيه عبدا ثم وهبه الاخ لاخيه ثم مات الاب فإنه يرجع على أخيه الواهب بنصف قيمة العبد لانه ما وصل إليه من جهة أبيه. ومنها المرتهن إذا أبرأ الراهن عن الدين ثم هلك الرهن في يد المرتهن لا يضمن. ومنها المسلم إليه إذا وهب رأس المال وهو عرض من رب السلم ثم تقايلا السلم لا يعزم المسلم إليه شيئا استحسانا، ويلزمه قيمته قياسا وهو قول زفر. كذا في المحيط. ويرد على هذا الاصل أعني أنه لا اعتبار لاختلاف السبب إذا حصل المقصود ما ذكره في التبيين من باب التحالف: لو قال بعتني هذه الجارية فأنكر فقال ما بعتكها وإنما زوجتكها فإنه لا يجوز له أن يطأها لاختلاف الحكم فإن حكم ملك اليمين خلاف حكم الزوجية ا ه‍. إلا أن يقال: إنه ليس من قبيل حصول المقصود لان المقصود منهما مختلف، وينبغي أن يكون داخلا تحت الاصل المذكور ما إذا أقر له هي بألف من ثمن متاع فقال المقر له هي غصب قال الزيلعي من باب التحالف: إنه يؤمر بالدفع إليه لاتحاد الحكم. وفي تلخيص الجامع من باب الاقرار بما يكون قصاصا: قال: أودعتني هذه الالف فقال بل لي ألف قرض فقد رد لان العين غير الدين إلا أن يتصادقا لان المقر كالمبتدئ، ولو قال أقرضتكها أخذ الالف لان التكاذب في الزوال. ولو قال غصبتك أخذ ألفا لان موجبه الضمان فاتفقا على الدين واختلفا في الجهة فلغت، وكذا لو أقر بالقرض وهو ادعى الثمن ا ه‍. وفي المعراج: فإن قيل يلزم على هذا ما إذا اشترى عبدا بألف ثم حط البائع عشر الثمن ثم وجد به عيبا ينقص عشر الثمن حيث يرجع بنقصان العيب، وإن حصل له هذا بالحط قلنا موجب العيب سقوط بعض الثمن وهذا لا يحصل له بالحط لان المحطوط خرج عن كونه ثمنا ا ه‍. المسألة الثانية ما إذا قبضت النصف ثم وهبت الكل المقبوض وغيره ثم طلقها قبل الدخول بها فإنه لا يرجع واحد منهما على صاحبه بشئ عند أبي حنيفة. وقالا: يرجع عليها بنصف ما قبضت اعتبارا للبعض بالكل لان الحط يلتحق بأصل العقد. وله أن مقصوده سلامة النصف بالطلاق وقد حصل والحط لا يلتحق بأصل العقد في النكاح كالزيادة، ولذا لا تتنصف الزيادة مع الاصل اتفاقا. هكذا في الهداية وغاية البيان والتبيين وكثير من الكتب. واستشكله في فتح القدير بأن التحاق

[ 278 ]

الزيادة بأصل العقد هو الدافع لقول المانعين لها لو صحت كان ملكه عوضا عن ملكه فإذا لم تلتحق بقي إبطالهم بلا جواب، فالحق أنها تلتحق كما يعطيه كلام غير واحد من المشايخ، وإنما لا تتنصف لان الانتصاف خاص بالمفوض في نفس العقد حقيقة كما قدمناه ا ه‍. وحاصله أنه تناقض كلامهم فصرحوا هنا بعدم الالتحاق وفي مسألة زيادة المهر بالالتحاق فرجح المحقق ما صرحوا به في المسألة السابقة وأبطل كلامهم هنا. والحق أن كلامهم في الموضعين صحيح لان قولهم هناك بالالتحاق إنما هو من وجه دون وجه لتصريحهم بأنها لو حطت من المهر حتى صار الباقي أقل من عشرة فإنه لا يضر، ولو التحق الحط بأصل العقد من كل وجه للزم تكميلها ولوجب مهر المثل لو حطت الكل كأنه لم يسم شيئا، وقولهم هنا بعدمه إنما هو من وجه دون وجه عملا في كل موضع بما يناسبه فروعي جانب الالتحاق لتصحيح الزيادة حتى لا يكون ملكه عوضا عن ملكه للنص المفيد لصحتها كما أسلفناه، وروعي جانب عدمه هنا لانه لا داعي إليه لان المقصود سلامة النصف للزوج وقد حصل فلا ضرورة إلى القول بالالتحاق الذي هو خلاف الاصل لانه مغير للعقد والله الموفق للصواب. وقوله ووهبت الالف عائد إلى المسألتين مع أن هبة الالف ليس بقيد في الثانية لانها لو وهبت النصف الذي في ذمته فالحكم كذلك من أنه لا رجوع له عليها عنده خلافا لهما. وقيد بقبض النصف للاحتراز عما إذا قبضت أكثر من النصف ووهبت الباقي فإنها ترد عليه ما زاد على النصف عنده كما لو قبضت ستمائة ووهبت أربعمائة فإنه يرجع بمائة. وعندهما يرجع بنصف المقبوض فترد ثلثمائة كما في غاية البيان. ولو وهبته مائتين رجع بثلاث مائة تتميما للنصف كما في النهاية، وأما إذا قبضت أقل من النصف ووهبت الباقي فهو معلوم بالاولى فعلم أن التقييد بالنصف للاحتراز عن الاكثر لا عن الاقل، وحكم المثلى الغير المعين حكم النقد هنا أيضا. المسألة الثالثة لو كان المهر عرضا فوهبته له ثم طلقها قبله فإنه لا رجوع له بشئ عليها، سواء كانت الهبة قبل القبض أو بعده، لانه وصل إليه عين حقه لتعينه في الفسخ كتعينه في العقد، ولهذا لم يكن لكل واحد منهما دفع شئ آخر. وأشار بقوله العرض المهر إلى أنه لم يتعيب لانها لو وهبته له بعدما تعيب بعيب فاحش ثم طلقها قبله فإنه يرجع عليها بنصف قيمة العرض يوم قبضت لانه لما تعيب فاحشا صار كأنها

[ 279 ]

وهبته عينا أخرى غير المهر كما في التبيين. وظاهره أن العيب اليسير كالعدم لما سيأتي أن العيب اليسير في المهر متحمل. وأطلق في العرض فشمل المعين وما في الذمة بخلاف المثليات فإن ما في الذمة منها ليس حكمه كالعرض، والمعين منها كالعرض وهو من خصوص النكاح فإن العرض فيه يثبت في الذمة لان المال فيه ليس بمقصود فيجري فيه التسامح بجلاف البيع، وتمثيلهم هنا له بالحيوان المراد به هنا الفرس والحمار ونحوهما لا مطلق الحيوان فإن التسمية تفسد كما سيأتي. وقيد بالهبة لانها لو باعت عرض الصداق من الزوج ثم طلقها قبله فإنه يرجع عليها بالنصف. كذا في غاية البيان ولم يبين أنه يرجع عليها بنصف قيمته أو بنصف الثمن المدفوع، والظاهر الاول. وقيد بهبة المرأة للزوج لانها لو وهبت العرض لاجنبي بعد قبضه ثم وهبه الاجنبي من الزوج. ثم طلقها قبل الدخول بها رجع عليها بنصف الصداق، العين والدين في ذلك سواء، لانه لم يسلم له النصف من جهتها. كذا في المبسوط. وقيد بهبة جميع العرض لانها لو وهبت له أقل من النصف وقبضت الباقي فإنها ترد ما زاد على النصف، ولو وهبت له أكثره أو النصف فلا رجوع له. ومما يناسب مسألة هبة المرأة العرض المهر ما في الظهيرية: لو وهبت المرأة العين الممهورة للزوج ثم استحقت فإنها نرجع عليها بقيمتها ا ه‍. لانه بالاستحقاق بطلت الهبة وقد تزوجها على عين مملوكة لغيره، وقد ظهر لي هنا أن هذه المسألة أعني ما إذا طلقها قبل الدخول بعدما وهبته على ستين وجها لان المهر إما ذهب أو فضة أو مثلي غيرهما أو قيمي، فالاول على عشرين وجها لان الموهوب إما الكل أو النصف، وكل منهما إما أن يكون قبل القبض أو بعد القبض أو بعد قبض النصف أو أقل منه أو أكثر منه فهي عشرة، وكل منها إما أن يكون معينا أو تبرا فهي عشرون، والعشرة الاولى في المثلي، وكل منها إما أن يكون معينا أو لا، وكذا في القيمي، والاحكام مذكورة فليتأمل. قوله: (ولو نكحها بألف على أن لا يخرجها أو على أن لا يتزوج عليها أو على ألف إن أقام بها وعلى ألفين إن أخرجها فإن وفي وأقام فلها الالف وإلا فمهر المثل) بيان لمسألتين: الاولى ضابطها أن يسمي لها قدرا ومهرا مثلها أكثر منه ويشترط منفعة لها أو لابيها أو لذي رحم محرم منها، فإن وفى بما شرط فلها المسمى لانه صلح مهرا وقد تم رضاها به وإلا فمهر المثل لانه سمى مالها فيه نفع، فعند فواته ينعدم رضاها بالمسمى فيكمل مهر مثلها كما إذا شرط أنه لا يخرجها من البلد أو لا يتزوج عليها أو أن يكرمها ولا يكلفها الاعمال الشاقة أو

[ 280 ]

أن يهدي لها هدية أو أن يطلق ضرتها أو على أن يعتق أخاها أو على أن يزوج أباها ابنته. وعلله في المحيط بأنها تنتفع بما لاخيها وابنها فصارت كالمنفعة المشروطة لها ا ه‍. ولا بد أن يكون بصيغة المضارع في العتق والطلاق ليكون وعدا إن وفى به فبها وإلا لا يلزمه الاعتاق والتطليق ويكمل لها مهر المثل، أما إذا شرطه بالمصدر كما إذا تزوجها على ألف وعتق أخيها أو طلاق ضرتها عتق الاخ وطلقت المرأة بنفس النكاح ولا يتوقف على أن يوقعهما وللمرأة المسمى فقط. وأما ولاء الاخ فإن قال الزوج وعتق أخيها عنها فهو لها لانها المعتقة لتقدم الملك لها ويصير العبد من جملة المهر المسمى وإن لم يقل الزوج عنها فهو المعتق والولاء له والطلاق الواقع رجعي لانه قوبل بالبضع وهو ليس بمتقوم، وتقومه بالعقد لضرورة التملك فلا يعدوها فلم يظهر في حق الطلاق الواقع على الضرة فبقي طلاقا بغير بدل فكان رجعيا كما لو قال مولى المنكوحة للزوج طلقها على أن أزوجك أمتي الاخرى ففعل طلقت رجعية ولا شئ له إن لم يزوجه لان البضع عند خروجه لا قيمة له كما في المحيط. قيد بكون المنفعة المشروطة لها لانه لو شرط مع المسمى منفعة لاجنبي ولم يوف فليس لها إلا المسمى، لانها ليست بمنفعة مقصودة لاحد المتعاقدين. كذا في المحيط. ولا يخفى أن حكم ما إذا شرط مع المسمى ما يضرها كالتزوج عليها أنه ليس لها إلا المسمى مطلقا بالاولى. وقيدنا بأن يكون مهر مثلها أكثر من المسمى لان المسمى لو كان مثل مهر المثل أو أكثر منه ولم يوف بما وعد فليس لها إلا المسمى. كذا في غاية البيان. وأشار بما ذكره إلى أن المنفعة المشروطة لها مما يباح لها الانتفاع به لانه لو شرط لها ومع المسمى ما لا يباح الانتفاع به شرعا كالخمر والخنزير، فإن كان المسمى عشرة فصاعدا وجب لها وبطل الحرام ولا يكمل مهر المثل لان المسلم لا ينتفع بالحرام فلا يجب عوض بفواته. كذا في غاية البيان. ثم اعلم أن صاحب الهداية ذكر أن من هذه المسألة أعني مسألة شرط المنفعة مع المسمى ما إذا شرط الكرامة والهدية مع الالف، فظاهره أنه إن وفى فلها المسمى وإلا فلها مهر المثل كما صرح به في غاية البيان في مسألة ما إذا ظهر أحد العبدين حرا مع أن الهدية والكرامة مجهولتان ولا يمكن الوفاء بالمجهول، والظاهر أنها ليست داخلة في هذه المسألة،

[ 281 ]

وإنما التسمية فاسدة فيجب مهر المثل ولذا قال الولوالجي في فتاواه وصاحب المحيط: لو تزوجها على ألف وكرامتها أو على أن يهدي لها هدية فلها مهر مثلها لا ينقص من الالف لان الكرامة والهدية مجهولة القدر، وهذه الجهالة أكثر من جهالة مهر المثل فيصار إلى مهر المثل، فإذا طلقها قبل الدخول بها فلها نصف الالف لان ما زاد على الالف يثبت عل اعتبار مهر المثل ومهر المثل لا يتنصف ا ه‍. وقيد بكونه شرط لها منفعة ولم يشترط عليها رد شئ فلو تزوجها على ألف وعلى أن يطلق امرأته فلانة وعلى أن ترد عليه عبدا فقد بذلت البضع والعبد

[ 282 ]

والزوج بذل الالف وشرط الطلاق فينقسم الالف على مهر مثلها وعلى قيمة العبد، فإذا كانا سواء صار نصف الالف ثمنا للعبد ونصفها صداقا لها، فإذا طلقها قبل أن يدخل بها فلها نصف ذلك، وإن دخل بها نظر إن كان مهر مثلها خمسمائة أو أقل فليس لها إلا ذلك، وإن كان أكثر، فإن وفى بالشرط فليس لها إلا الخمسمائة، وإن أبى أن يطلق فلها كمال مهر المثل، وتمامه في المحيط والمبسوط. وقد علم أن وجوب مهر المثل إنما هو عند الدخول، أما إن طلقها قبله فلها نصف المسمى وبطل شرط المنفعة لها ولذا قال في المبسوط: يجوز أن يصار إلى مهر المثل قبل الطلاق ولا يصار إلى المنفعة بعد الطلاق كما إذا تزوجها على ألف وكرامتها ا ه‍. وقد يقال: إن هذه المسألة على وجوه ثلاثة: لان الشرط إما أن يكون نافعا لها أو لاجنبي أو ضارا، وكل منها إما أن يكون الوفاء حاصلا بمجرد النكاح أو متوقفا على فعل الزوج فهي ستة، وكل من الستة إما أن يكون مهر المثل أكثر من المسمى أو أقل أو مساويا، وكل من الثمانية عشر إما أن يكون قبل الدخول أو بعده، وكل من الستة والثلاثين إما أن يباح الانتفاع بالشرط أو لا، وكل من الاثنين والسبعين إما أن يشترط عليها رد شئ إليه أو لا، وكل من المائة والاربعة والاربعين إما أن يحصل الوفاء بالشرط أو لا فهي مائتان وثمانية وثمانون فليتأمل. الثانية حاصلها أن يسمي لها مهرا على تقدير وآخر على تقدير آخر كأن يتزوجها على ألف إن أقام بها أو إن لا يتسرى أو أن يطلق ضرتها أو إن كانت مولاة أو إن كانت أعجمية أو ثيبا وعلى ألفين إن كان أضدادها، فإن وفى بالشرط أو كانت أعجمية ونحوه فلها الالف وإلا فمهر المثل لا يزاد على ألفين ولا ينقص عن الالف عند أبي حنيفة، وكذا إن قدم شرط الالفين يصح المذكور عنده، فحاصله أن الشرط الاول صحيح عنده، والثاني فاسد. وقالا: الشرطان جائزان حتى كان لها الالف إن أقام بها والالفان إن أخرجها. وقال زفر: الشرطان جميعا فاسدان. وأصل المسألة في الاجارات في قوله إن خطته اليوم فلك درهم وإن خطته غدا فلك نصف درهم فعند الامام اليوم للتعجيل والغد للاضافة، وعندهما اليوم للتوقيت والغد للاضافة، وعند زفر اليوم للتعجيل والغد للترفيه

[ 283 ]

والتيسير، وتمامه في المحيط من الاجارات، واعلم أن قولهم هنا بصحة التسمية الاولى فقط بناء على أنها منجزة لا يتم إلا في قوله على ألف إن أقام، وأما على نحو ألف إن طلق ضرتها وعلى ألفين إن لم يطلق فعلى العكس لان المنجز الآن عدم الطلاق فينبغي فساد الاولى وصحة الثانية. وأما في نحو إن كانت مولاة فلم يعلم أيهما المنجز من المعلق وحاصل دليله هنا أن إحدى التسميتين منجزة والاخرى معلقة فلا يجتمع في الحال تسميتان، فإذا أخرجها فقد اجتمعا فيفسدان. وهذا لان المعلق لا يوجد قبل شرطه والمنجز لا ينعدم بوجود المعلق فيتحقق الاجتماع عند وجود الشرط لا قبله، وأورد عليه طلب الفرق بين هذا وبين ما إذا تزوجها على ألف إن كانت قبيحة وعلى ألفين إن كانت جميلة حيث يصح الشرطان اتفاقا، ففرق بينهما في الغاية بأن الخطر في مسألة الكتاب دخل على التسمية الثانية لان الزوج لا يعرف هل يخرجها أو لا، ولا مخاطرة في تلك المسألة لان المرأة على صفة واحدة لكن الزوج لا يعرف ذلك وجهالته لا توجب خطرا. ورده في التبيين بأنه يرد عليه أنه إذا تزوجها على ألفين إن كانت حرة الاصل، وعلى ألف إن كانت مولاة، أو على ألفين إن كانت له امرأة، وعلى ألف إن لم يكن له امرأة لانه لا مخاطرة هنا ولكن جهل الحال. وارتضاه في فتح القدير ثم قال: والاولى أن تجعل مسألة القبيحة والجميلة على الخلاف فقد نص في نوادر ابن سماعة عن محمد على الخلاف فيها ا ه‍. وقد أخذ هذه الرواية من المجتبى. وقد يقال في الفرق: إن المرأة وإن كانت في الكل على صفة واحدة لكن الجهالة قوية في الحرية أصالة وعدمها ونحوها لانها ليست أمرا مشاهدا بل إذا وقع فيه التنازع احتاج إلى الاثبات فكان فيه مخاطرة معنى بخلاف الجمال والقبح فإنه أمر مشاهد فيها فجهالته يسيرة لزوالها بلا مشقة فنزلت منزلة العدم، فلذا صحح أبو حنيفة التسميتين كما نقله الامام الدبوسي رحمه الله وصاحب

[ 284 ]

المحيط، وكذا ذكر الاتفاق الامام الولوالجي في فتاواه وغيره وارتضاه في غاية البيان، فما في نوادر ابن سماعة من الخلاف ضعيف. ثم اعلم أن دليل الامام المذكور هنا لا يشمل ما ذكره من أن طلق ضرتها ونحوه كما لا يخفى. وقوله وإلا فمهر المثل عائد إلى المسألتين أي إن لم يوف بما شرط لها في المسألة الاولى ولم يقم بها في الثانية فالواجب مهر المثل. لكن قد علمت أنه في الثانية لا يزاد على التسمية الثانية لرضاها بها، ولا ينقص عن التسمية الاولى لرضاه بها. وأشار بوجوب مهر المثل إلى أنه لو طلقها قبل الدخول فلها نصف المسمى أولا، سواء وفى بشرطه أو لا، لان مهر المثل لا يتنصف. قوله: (ولو نكحها على هذا العبد أو على هذا الالف حكم مهر المثل) أي جعل مهر المثل حكما فيما إذا تزوجها على أحد شيئين مختلفين قيمة لان التسمية فاسدة عند أبي حنيفة. وقالا: لها الاقل لان المصير إلى مهر المثل لتعذر إيجاب المسمى وقد أمكن إيجاب الاقل لتيقنه. وله أن الموجب الاصلي مهر المثل إذ هو الاعدل والعدول عنه عند صحة التسمية وقد فسدت لمكان الجهالة. ورجح قولهما في التحرير بأن لزوم الموجب الاصلي عند عدم تسميته ممكنة فالخلاف مبني على أن مهر المثل أصل عنده والمسمى خلف عنه، وعندهما على العكس. كذا في غاية البيان معزيا إلى الجامع الكبير، فما في فتح القدير من التردد في نقل ذلك عنهم لا محل له، ومعنى التحكيم أن مهر المثل إن وافق أحدهما وجب، وإن كان بينهما فمهر المثل، وإن نقص عن الاقل فلها الاقل لرضاه به، وإن زاد على الاكثر فلها الاكثر فقط لرضاها به. وفي الخانية: لو أعتقت المرأة أوكسهما قبل الطلاق إن كان مهر مثلها مثل الاوكس أو أقل جاز عتقها في الاوكس، وإن أعتقت الا رفع وكان مهر مثلها أكثر من قيمته جاز عتقها، وإن كان أقل منها لم يجز، ولا يجوز عتقها في الا رفع بعد الطلاق قبل الدخول على كل حال

[ 285 ]

ويجوز في الاوكس. وأشار بالتحكيم إلى اختلاف الشيئين، فلو كانا سواء فلا تحكيم ولها الخيار في أخذ أيهما شاءت، ولا فرق في الاختلاف بين أن يكون في القدر أو في الوصف. فشمل ما إذا تزوجها على ألف حالة أو مؤجلة إلى سنة، فإن كان مهر مثلها ألفا أو أكثر فلها الحالة وإلا فالمؤجلة، وعندهما المؤجلة لانها الاقل. وإن تزوجها على ألف حالة أو ألفين إلى سنة ومهر مثلها كالاكثر فالخيار لها، وإن كان كالاقل فالخيار له، وإن كان بينهما يجب مهر المثل، وعندهما الخيار له لوجوب الاقل عندهما. وقيدنا الشيئين بالاختلاف لانهما لو كانا سواء من حيث القيمة صحت التسمية اتفاقا. كذا في فتح القدير. وقيدنا الاختلاف بين الشيئين من حيث القيمة لافادة أنه لا يشترط الاختلاف جنسا فيدخل تحته ما إذا نكحها على هذا العبد أو هذا العبد أو على هذا الالف أو الالفين. وأشار المصنف باقتصاره على كلمة أو بدون تخيير إلى أنه لو كان فيه خيار لاحدهما كأن يقول على أنها بالخيار تأخذ أيهما شاءت أو على أني بالخيار أعطيك أيهما شئت فإنه يصح كذلك اتفاقا لانتفاء المنازعة، وإلى أنه لو طلقها قبل الدخول فإنه يحكم متعة مثلها لانها الاصل فيه كمهر المثل قبل الطلاق ونصف الاقل يزيد عليها في العادة فوجب لاعترافه بالزيادة كما صرح به في الهداية. وظاهره أن نصف الاقل لو كان أقل من المتعة فالواجب المتعة، وقد صرح به قاضيخان في فتاواه، فما في غاية البيان من أن لها نصف الاقل اتفاقا ليس على إطلاقه. وأشرنا إلى أنه لا فرق بين كلمة أو ولفظ أحدهما فلو قال تزوجتك على أحد هذين فالحكم كذلك كما صرح به في المحيط، ولذا ذكر في الجامع الكبير أن من تزوج امرأة على أحد مهرين مختلفين يقضي بمهر المثل عنده إلى آخره. وقيد بالنكاح لان في الخلع على أحد شيئين مختلفين أو الاعتاق عليه يجب الاقل اتفاقا وهو حجتهما في مسألتنا، وفرق الامام أنه ليس له موجب أصلي يصار إليه عند فساد التسمية فوجب الاقل. كذا في الهداية وشروحها. وفي فتاوى قاضيخان: ولو كان هذا في الخلع تعطيه أيهما شاءت المرأة وهو قول أبي حنيفة ا ه‍. وهو مخالف للاول لانه قد يكون لها غرض في إمساك الاقل قيمة فتدفع الاعلى وهي تريد خلافه، وإن كان الغالب أنها تدفع الاقل، وكذا في الاقرار بأحد شيئين كألف أو ألفين فالواجب الاقل اتفاقا لما ذكرناه. قوله: (وعلى فرس أو حمار يجب الوسط أو قيمته) أي لو نكحها على فرس أو نكحها على حمار وحاصله أنه سمى جنس الحيوان دون نوعه. كذا في التبيين. وفي الهداية: معنى المسألة أن يسمي جنس الحيوان دون الوصف. وفي الولوالجية: الحاصل أن جهالة الجنس

[ 286 ]

والقدر مانعة وجهالة النوع والوصف لا ا ه‍. وإنما صحت التسمية مع هذه الجهالة لان النكاح معاوضة مال بغير مال فجعلنا التزام المال ابتداء حتى لا يفسد بأصل الجهالة كالدية والاقارير، وشرطنا أن يكون المسمى مالا وسطه معلوم رعاية للجانبين وذلك عند إعلام الجنس لانه يشتمل على الجيد والردئ والوسط ذو حظ منهما بخلاف جهالة الجنس لانه لا واسطة لاختلاف معاني الاجناس، وبخلاف البيع لان مبناه على المضايقة والمماكسة أما النكاح فمبناه على المسامحة. وإنما يتخير الزوج لان الوسط لا يعرف إلا بالقيمة فصارت أصلا في حق الايفاء والعبد أصل تسمية فيتخير بينهما. والاوسط من العبيد في زماننا الادنى التركي، والارفع الهندي. كذا في الذخيرة. وفي البدائع: الجيد عندهم هو الرومي، والوسط السندي، والردئ الهندي. وأما عندنا فالجيد هو التركي، والوسط الرومي، والردئ الهندي ا ه‍. والاوسط في القاهرة في زماننا العبد الحبشي، والاعلى الابيض، والردئ الاسود. وتعتبر قيمة الوسط على قدر غلاء السعر والرخص عندهما وهو الصحيح. كذا في الذخيرة: أي عند أبي يوسف ومحمد، وأما أبو حنيفة فقد قدره بحسب زمنه قيد بكونه لم يضفه إلى نفسه لانه لو أضافه إلى نفسه كما إذا قال تزوجتك على عبدي أو على ثوبي أو قالت المرأة اختلعت نفسي منك على عبدي ثم أتى بالقيمة لا تجبر على القبول لان الاضافة إلى نفسه من أسباب التعريف كالاشارة، وهذا بخلافها في الوصية فإن من أوصى لانسان بعشرة من رقيقه وله رقيق فهلكوا واستفاد رقيقا آخر لا تبطل الوصية، ولو التحقت الاضافة بالاشارة لبطلت الوصية كما لو أشار إلى الرقيق فهلكوا فإنها تبطل لان الاضافة بمنزلة الاشارة من وجه من حيث إن كل واحدة وضعت للتعريف إلا أنها بمنزلة الاطلاق من وجه من حيث إنها لا تقطع الشركة من كل وجه والعمل بالشبهين متعذر في جميع العقود فعملنا بشبه الاشارة في الامان والنكاح والخلع، وبشبه الاطلاق في الوصية عملا بهما بقدر الامكان. كذا في الذخيرة. وبهذا علم أنه لا يسوى بين المشار إليه وبين المضاف هنا من كل وجه لان المشار إليه ليس فيه شركة أصلا فلذا تملكه المرأة بمجرد القبول إن كان ملكا للزوج، وأما في المضاف فلا تملكه المرأة بمجرد القبول حتى يعينه الزوج، فما في فتح القدير من التسوية بينهما في هذا الحكم غير صحيح، ويشكل على ما في الذخيرة ما في الخانية: لو قال أتزوجك على ناقة من

[ 287 ]

إبلي هذه قال أبو حنيفة: لها مهر مثلها. وقال أبو يوسف: يعطيها ناقة من إبله ما شاء ا ه‍. فإن الناقة كالعبد فينبغي أن تصح التسمية كما لا يخفى. وذكر في البدائع الجمل مع العبد وأنه تصح تسميته، ولا فرق بين الجمل والناقة إلا أن يقال إنها مجهولة. ولا يمكن إيجاب الوسط مع التقييد بقوله من إبلي هذه فالمفسد للتسمية قوله من إبلي لا مطلق ذكر الناقة، ويدل عليه ما في المعراج أنه لو تزوجها على ناقة من هذه الابل بل وجب مهر المثل فالاشارة والاضافة فيه سواء، وإن لم يكن المشار إليه في ملكه فلها المطالبة بشرائه، فإن عجز عن شرائه لزمه قيمته. وحاصله أن العرض المعين والمثلي كذلك تملكه المرأة قبل القبض لتعينه إلا النقدين فلا تملكه إلا بالقبض، وكذا غير المعين من الاولين. ومن أحكام العرض المهر أنه يثبت فيه خيار رؤية لان فائدته فسخ العقد بالرد وهو لا يقبله، وأما خيار العيب فإن كان العيب يسيرا فلا ترده به، وإن كان فاحشا فلها رده. هكذا أطلقه كثير واستثنى في فتاوى قاضيخان المكيل والموزون فإنها ترده باليسير والفاحش. وفي المبسوط: كل عيب ينقص من المالية مقدار مالا يدخل تحت تقويم المقومين في الاسواق فهو فاحش، وإن كان ينقص بقدر ما يدخل بين تقويم المتقومين فهو يسير ا ه‍. وقيد المصنف بالفرس ونحوه لانه لو تزوجها على قيمة هذا الفرس أو على قيمة هذا العبد وجب مهر المثل لانه سمى مجهول الجنس. كذا في الخانية. ففرق بين القيمة ابتداء وبقاء لانه يتسامح في البقاء ما لا يتسامح في الابتداء. وأشار المصنف إلى أنه لو تزوجها على أربعمائة دينار على أن يعطيها بكل مائة خادما فإنه يجوز الشرط ولها أربع من الخدم الاوساط. كما في الخانية. بالاولى. وإن عين الخدم في هذه المسألة فهو صحيح كما في الخانية بالاولى. قوله: (وعلى ثوب أو خمر أو خنزير أو على هذا الخل فإذا هو خمر أو على هذا العبد فإذا هو حر يجب مهر المثل) بيان لثلاثة مسائل الحكم فيها واحد وهو وجوب مهر المثل لفساد التسمية الاولى إذا كان المسمى مجهول الجنس كالثوب لان الاثواب أجناس شتى كالحيوان والدابة فليس البعض أولى من البعض بالارادة فصارت الجهالة فاحشة. وقد فسر في غاية البيان الجنس بالنوع ولا حاجة إليه لان الجنس عند الفقهاء وهو المقول على كثيرين مختلفين

[ 288 ]

بالاحكام كإنسان، والنوع هو المقول على كثيرين متفقين بالاحكام كرجل، ولا شك أن الثوب تحته الكتان والقطن والحرير والاحكام مختلفة، فإن الثوب الحرير لا يحل لبسه وغيره يحل فهو جنس عندهم، وكذا الحيوان تحته الفرس والحمار وغيرهما، وأما الدار فتحتها ما يختلف اختلافا فاحشا بالبلدان والمحال والسعة والضيق وكثرة المرافق وقلتها فتكون هذه الجهالة أفحش من جهالة مهر المثل، فمهر المثل أولى وهو الضابط هنا سوا كان مجهول الجنس أو مجهول النوع. وأما البيت فذكروا أن تسميته صحيحة كفرس وحمار، وقد بحث فيه المحقق ابن الهمام بأنه في عرفنا ليس خاصا بما يبات فيه بل يقال لمجموع المنزل والدار فينبغي أن يجب بتسميته مهر المثل كالدار. وذكر في البدائع أنه لو تزوجها على بيت فلها بيت وسط مما يجهز به النساء وهو بيت الثوب لا البيت المبني فينصرف إلى فراش البيت في أهل الامصار، وفي أهل البادية إلى بيت الشعر ا ه‍. وبه اندفع ما بحثه ابن الهمام لانهم ما أرادوا به المبنى. وفي معراج الدراية: وفي عرفنا يراد بالبيت المبنى الذي من المدر يبات فيه فلا يصلح مهرا إذا لم يكن معينا ا ه‍. قيد بالثوب من غير بيان نوعه لانه لو زاد عليه فقال هروي أو مروي صحت التسمية ويجب الوسط أو قيمته ويخير الزوج كما قدمناه، وكذا إذا بالغ في وصف الثوب في ظاهر الرواية لانها ليست من ذوات الامثال بدليل أنه لو استهلكها لا يضمن المثل. قال محمد: وأصل هذا أن كل ما جاز السلم فيه فلها أن لا تأخذ إلا المسمى، وما لم يجز فيه السلم كان للزوج أن يعطيها القيمة. والسلم في الثياب جائز إذا كانت مؤجلة ولا يجوز بدون الاجل فله أن يعطيها القيمة إلا في المكبل والموزون لها أن لا تأخذ القيمة وإن لم تكن مؤجلة لان المكيل والموزون يصلح مهرا وثمنا من غير ذكر الاجل، أما الثوب الموصوف وإن صلح مهرا إلا أن الثوب يتعين بالتعيين فكان بمنزلة العبد. ومن تزوج امرأة على عبد بغير عينه كان

[ 289 ]

له أن يعطي القيمة. كذا في الخانية. فالحاصل أن المكيل والموزون غير النقد إذا سمى جنسه وصفته صار كالمشار إليه العرض، وإن لم يسم صفته فهو كالفرس والحمار، وفي الخانية: لو تزوجها على عشرة دراهم وثوب ولم يصفه كان لها عشرة دراهم، ولو طلقها قبل الدخول بها كان لها خمسة دراهم إلا أن تكون متعتها أكثر من ذلك ا ه‍. وبهذا علم أن وجوب مهر المثل فيما إذا سمى مجهول الجنس إنما هو فيما إذا لم يكن معه مسمى معلوم لكن ينبغي على هذا أن لا ينظر إلى المتعة أصلا لان المسمى هنا عشرة فقط وذكر الثوب لغو بدليل أنه لم يكمل لها مهر المثل قبل الطلاق. وفي الظهيرية: لو تزوجها على دراهم كان لها مهر المثل ولا يشبه هذا الخلع ا ه‍. وبهذا علم أن جهالة القدر كجهالة الجنس. وفي الخانية: لو تزوجها على أقل من ألف درهم ومهر مثلها ألفان كان لها ألف درهم لان النقصان عن الالف لم يصح لمكان الجهالة فصار كأنه تزوجها على ألف. وإن كان مهر مثلها أقل من عشرة قال محمد: لها عشرة دراهم اه‍. وفي البدائع لو تزوجها على بيت وخادم ووصف الوسط من كل واحد منهما ثم صالحت من ذلك زوجها على أقل من قيمة الوسط ستين دينارا أو سبعين دينارا جاز الصلح لانه إسقاط للبعض ويجوز ذلك بالنقد والنسيئة، فإن صالحته على أكثر من قيمة الوسط فالفضل باطل لكون القيمة واجبة بالعقد. المسألة الثانية تسمية المحرم كما إذا تزوج مسلم مسلمة على خمر أو خنزير فإنه يبطل التسمية لانه ليس بمال في حق المسلم كما في الهداية، أو مال غير متقوم كما في البدائع فوجب مهر المثل. وأشار إلى عدم صحتها على الميتة والدم بالاولى لانه ليس بمال عند أحد أصلا. وقيد في الهداية بأن يكون الزوج مسلما، وقيد في البدائع بإسلامهما، والظاهر الاول أنه لو تزوج مسلم ذمية على خمر لم تصح التسمية لانه لا يمكن إيجابها على المسلم. وقيد بكون المسمى هو المحرم فقط لانه لو سمى لها عشرة دراهم ورطلا من خمر فلها المسمى ولا يكمل مهر المثل. كذا في المحيط. وأشار المصنف إلى صحة النكاح لان شرط قبول الخمر شرط فاسد فيصح النكاح ويلغو الشرط بخلاف البيع لانه يبطل بالشروط الفاسدة. المسألة الثالثة أن يسمي ما يصلح مهرا ويشير إلى ما لا يصلح مهرا كما إذا تزوجها على هذا العبد فإذا هو حر، أو على هذه الشاة الذكية فإذا هي ميتة، أو على هذا الدن الخل فإذا هو خمر، فالتسمية فاسدة في جميع

[ 290 ]

ذلك ولها مهر المثل في قول أبي حنيفة، وفي قول أبي يوسف تصح التسمية في الكل وعليه في الحر قيمة الحر لو كان عبدا، وفي الشاة قيمة الشاة لو كانت ذكية، وفي الخمر مثل ذلك الدن من خل وسط، ومحمد فرق فوافق الامام في الحر والميتة، وأبا يوسف في الخمر. والتحقيق أنه لا خلاف بينهم وأن المعتبر المشار إليه إن كان المسمى من جنسه وإن كان من خلاف جنسه فالمسمى. قال المصنف في الكافي: إن هذه المسائل مبنية على أصل وهو أن الاشارة والتسمية إذا اجتمعتا والمشار إليه من خلاف جنس المسمى فالعبرة للتسمية لانها تعرف الماهية والاشارة تعرف الصورة فكان اعتبار التسمية أولى لان المعاني أحق بالاعتبار، وإن كان المشار إليه من جنس المسمى إلا أنهما اختلفا وصفا فالعبرة للاشارة، والشأن في التخريج على هذا الاصل فأبو يوسف يقول الحر مع العبدوالخل مع الخمر جنسان مختلفان في حق الصداق لان أحدهما مال متقوم يصلح صداقا والآخر فالحكم حينئذ للمسمى وكأن الاشارة تبين وصفه، ومحمد يقول: العبد مع الحر جنس واحد إذ معنى الذات لا يفرق، وأما الخل مع الخمر فجنسان أبو حنيفة يقول: لا تأخذ الذاتان حكم الجنسين إلا بتبدل الصورة والمعنى لان كل موجود من الحوادث موجود بهما، وصورة الخل والخمر والحر والعبد واحدة فاتحد الجنس فالعبرة للاشارة والمشار إليه غير صالح فوجب مه المثل ا ه‍. وارتضاه في فتح القدير وقال: وغاية الامر أن يكون مسمى الخمر خلا والحر عبدا تجوزا، وذلك لا يمنع تعلق الحكم بالمراد كما لو قال لامرأته هذه الكلبة طالق، ولعبده هذا الحمار حر، تطلق ويعتق. فظهر أن لا اختلاف بينهم في الاصل بل في اختلاف الجنس واتحاده، فلزم إنما ذكره في بعض شروح الفقه من أن الجنس عند الفقهاء المقول على كثيرين مختلفين بالاحكام إنما هو على قول أبي يوسف، وعند محمد المختلفين بالمقاصد، وعلى قول أبي حنيفة هو المقول على متحدي الصورة والمعنى. ثم لا يخفى أن اللائق كون لجواب على قول أبي يوسف وجوب القيمة أو عبد وسط لان إلغاء الاشارة واعتبار المسمى يوجب كون الحاصل أنه تزوجها على عبد وحكمه ما قلنا ا ه‍. وفي الاسرار أن أبا يوسف ومحمدا اعتبرا المعنى وأبو حنيفة اعتبر الصورة وآل الامر إلى أن الذات الواحدة تلحق بجنسين إذا اختلفت صورة ومعنى، والذاتان قد يلحقان بجنس واحد إذا اتفقا صورة ومعنى فلا ينسب غير أن إلى واحد إلا باتحاد الصورة والمعنى ولا الواحد إلى الغيرين إلا باختلاف الصورة والمعنى، وكلامنا في ذات واحدة لان الوصفين اللذين اختلفا فيهما يتعاقبان على ذات واحدة على ما بيناه

[ 291 ]

ولا ينسب الواحد إلى غيرين مختلفين إلا باختلاف الصورة والمعنى ولم يوجد اختلاف الصورة ا ه‍. وقوله في فتح القدير إن اللائق إلى آخره ممنوع لان أبا يوسف ما ألغى الاشارة بالكلية وإنما ألغاها من وجه دون وجه كما ذكره الزيلعي، والدليل عليه ما في الاسرار أنه في العبد المطلق إذا أتى به بها تجبر على القبول كما لو أتاها بالقيمة، وفي هذه المسألة لو أتاها بعبد وسط لا تجبر عند أبي يوسف ا ه‍. وفي البدائع ما يقتضي أن هذه التسمية لا تكون من قبيل المجاز فإنه قال: وحقيقة الفقة لابي حنيفة أن هذا حر سمي عبدا وتسمية الحر عبدا باطل لانه كذب فالتحقت التسمية بالعدم وبقيت الاشارة والمشار إليه لا يصلح مهرا ا ه‍. وذكر في فتح القدير أيضا من البيوع أن الجنس عند الفقهاء ليس إلا المقول على كثيرين لا يتفاوت الغرض منها فاحشا فالجنسان ما يتفاوت منها فاحشا من غير اعتبار للذات ا ه‍. وقال في باب الربا: إن اختلاف الجنس يعرف باختلاف الاسم والمقصود فالحنطة جنس والشعير جنس آخر. وأما اعتراضه على ما في بعض الشروح ففيه نظر أيضا في بحث الخاص فإنهم جعلوا إنسانا من قبيل خصوص الجنس لانه مقول على كثيرين مختلفين بالاحكام كالذكر والانثى وجعلوا رجلا من قبيل خصوص النوع وأنه المقول على كثيرين متفقين في الاحكام فأورد عليه الحر والعبد والعاقل والمجنون فإنهم داخلون تحت رجل وأحكامهم مختلفة، فأجابوا بأن اختلاف الاحكام بالعرض لا بالاصالة بخلاف الذكر والانثى فإن اختلاف أحكامهما بالاصالة، فقوله إن الحر والعبد جنس واحد معناه أنهما داخلان تحت شئ واحد وهو رجل، وكذا الخل والخمر داخلان تحت ماء العصير فرجل بالنسبة إلى الحر والعبد جنس لهما وإن كان نوعا لانسان، والحر مثلا نوع بالنسبة إلى زيد وعمرو مثلا، وقول أبي يوسف إن الحر والعبد جنسان ليس معناه الجنس المصطلح عليه وإنما أبو يوسف نظر إلى أن لفظ حر تحته أشخاص هي زيد وعمرو وبكر وغيرها، ولفظ عبد كذلك فجعلهما جنسين بهذا الاعتبار. والحاصل أن أبا حنيفة حكم باتحاد الجنس فيهما نظرا إلى دخولهما تحت شئ وهو رجل، وأبو يوسف حكم بالاختلاف نظرا إلى أن كلا منهما مقول على أشخاص كثيرة فلم يريد والجنس المصطلح عليه لانهم لو أرادوه لم يصح كلامهم لان كلا من الحر والعبد ليسا جنسا وإنما هو نوع النوع وهو رجل. وأما قوله إن اللائق على قول أبي يوسف إلى آخره فهو ما نقله القدوري عن أبي يوسف كما ذكره في الذخيرة فتجده موافقا لاحدى الروايتين عنه، أما على رواية الاصل فأجاب عنه الزيلعي بقوله: وإنما لم تجب قيمة عبد وسط لاعتباره الاشارة من وجه ا ه‍.

[ 292 ]

وقيد المصنف بكون المشار إليه حرا لانه لو كان تزوجها على هذا العبد فإذا هو مدبر أو مكاتب أو أم ولد والمرأة تعلم بحال العبد أو لم تعلم كان لها قيم العبد. كذا في الخانية. مع أن المشار إليه لا يصلح مهرا لكن لما لم يخرج عن المالية بالكلية صحت التسمية واعتبر المسمى. وفيها أيضا: لو سمى خلا وأشار إلى طلافلها مثل الدن من الخل وكأنه لما ذكرناه. والطلا والمثلث كما في المغرب. وقيد بكون المسمى حلالا والمشار إليه حراما إذ لو كان على عكسه كما إذا تزوجها على هذا الحر فإذا هو عبد فإن لها العبد المشار إليه في الاصح كما في المجمع والخانية والبدائع، لانه عند اتحاد الجنس العبرة للمشار إليه وهو مال متقوم، ومحمد أوجب مهر المثل لانه صار كالهازل بالتسمية. وقيد بكون المشار إليه حراما لانهما لو كانا حلالين وهما مختلفان كما إذا تزوجها على هذا الدن من الخل فإذا هو زيت قال في الذخيرة: إن لها مثل ذلك الدن خلا لانها أموال بخلاف ما تقدم، ولو تزوجها على هذا العبد فإذا هي جارية، أو على هذا الثوب المروي فإذا هو قوهي، فإن عليه عبدا بقيمة الجارية وثوبا مرويا بقيمة القوهي لما ذكرناه ا ه‍. وفي الخانية: إذا كانا حلالين فلها مثل ذلك المسمى وهو يقتضي وجوب عبد وسط أو قيمته ولا ينظر إلى قيمة الجارية، فصار الحاصل أن القسمة رباعية لانهما إما أن يكونا حرامين أو حلالين أو أحدهما حراما والآخر حلالا فيجب مهر المثل فيما إذا كانا حرامين، أو المشار إليه حراما وتصح التسمية في الاخرين. ومسألة ما إذا كانا حرامين مذكورة في الخانية أيضا. وفيها أيضا لو تزوجها على هذا الزق السمن فإذا لا شئ فيه كان لها مثل ذلك الزق سمنا إن كان يساوي عشرة، وإن تزوجها على ما في الزق من السمن فإذا لا شئ فيه كان لها مهر المثل، وكذا لو كان في الزق شئ آخر خلاف الجنس. ولو قال تزوجتك على الشاة التي في هذا البيت فإذا في البيت خنزير أو ليس فيه شئ كان لها شاة وسط وتبطل الاشارة ا ه‍. وكأن الفرق بين مسألتي الزق أن في المسألة الاولى لم يجعل المسمى ما فيه وإنما جعله قدر ما يملا الظرف المشار إليه، وفي الثانية جعل

[ 293 ]

المسمى السمن الذي هو فيه وليس فيه شئ فصار كأنه لم يسم شيئا فوجب مهر المثل. وأما مسألة الشاة التي في هذا البيت فليست من قبيل ما اجتمع فيه الاشارة والتسمية وإنما حاصلها أنه سمى شاة وصفها بوصف وهو كونها في بيت خاص فإذا لم توجد في البيت بطل الوصف وبقي الموصوف وهو مطلق الشاة فوجب شاة وسط. أو نقول: اجتمع الاشارة والتسمية والجنس مختلف لتبدل الصورة والمعنى فيتعلق العقد بالمسمى وهو مال. وفي البدائع: لو تزوجها على هذا الدن الخمر وقيمة الطرف عشرة دراهم فصاعدا ففيه روايتان عن محمد في رواية لها الدن لا غير لان المسمى شيئان: الخمر والظرف، فليغو تسمية الخمر وبقي الظرف كما لو تزوجها على خل وخمر فلها الخل لا غير. وفي رواية لها مهر المثل لان الظرف لا يقصد بالعقد عادة فإذا بطلت في المقصود بطلت في التبع ا ه‍. وأشار المصنف بوجوب مهر المثل عينا إلى أن المشار إليه لو كان حرا حربيا فاسترق وملكه هذا الزوج فإنه لا يلزمه تسليمه. ونقل في الاسرار أنه متفق عليه وكذلك الخمر بعينها لو تخللت لم يجب تسليمها وإنما عليه تسليم مثلها خلا في قولهما لان المشار إليه لم يكن مالا حين سمى ففسدت التسمية في حق ما ليس بمال فلا يستحق تسليمه بالتسمية تبعا لوصفه ا ه‍. قوله: (وإذا أمهر عبدين وأحدهما حر فمهرها العبد) يعني عند أبي حنيفة إذا ساوى عشرة دراهم وإلا كمل لها العشرة لانه مسمى ووجوب المسمى وإن قل يمنع وجوب مهر المثل. وقال أبو يوسف: لها العبد وقيمة الحر لو كان عبدا لانه أطمعها سلامة العبدين وعجز عن تسليم أحدهما فتجب قيمته. وقال محمد وهو رواية عن أبي حنيفة: لها العبد الباقي وتمام مهر مثلها إن كان مهر مثلها أكثر من العبد لانهما لو كانا حرين يجب تمام مهر المثل عنده، فإذا كان أحدهما عبدا يجب العبد وتمام مهر المثل. والاختلاف هنا فرع على قولهم السابق، والفرق لابي حنيفة بين هذا وبين ما إذا سمى لها وشرط معه منفعة ولم يوف حيث يجب مهر المثل لانها إنما رضيت بالمسمى على تقدير حصول المنفعة فعند عدم الوفاء بها لم تكن راضية بالمسمى أصلا، وأما هنا فقد رضيت بكل واحد من العبدين ثم لما ظهر أحدهمحرا لم يجب مهر المثل لان وجوب المسمى في أحدهما لوجود رضاها فيه منع ذلك كذا في غاية البيان. وقد يقال: إنها إنما رضيت بكل واحد على أنه بعض المهر لا كله، فإذا ظهر أنه كل المهر لم تكن راضية به فينبغي وجوب مهر المثل. وقد يجاب عنه كما في فتح القدير بأنها هنا مقصرة

[ 294 ]

في الفحص عن حال المسميين فإنه مما يعلم بالفحص بخلاف تلك المسائل لان عدم الاخراج وطلاق الضرة إنما يعلم بعد ذلك فكانت هنا ملتزمة للضرر معنى لسوء ظنها. وأراد المصنف بالعبدين الشيئين الحلالين، وأراد بالحران يكون أحدهما حراما فدخل فيه ما إذا تزوجها على هذا العبد وهذا البيت فإذا العبد حر، أو على مذبوحتين فإذا أحدهما ميتة كما في شرح الطحاوي. وقيد بأن يكون أحدهما حرا إذ لو استحق أحدهما فلها الباقي وقيمة المستحق، ولو استحقا جميعا فلها قيمتهما وهذا بالاجماع. كذا في شرح الطحاوي بخلاف ما إذا استحق نصف الدار الممهورة فإن لها الخيار إن شاءت أخذت الباقي ونصف القيمة وإن شاءت أخذت كل القيمة، فإذا طلقها قبل الدخول بها فليس لها إلا النصف الباقي، ولو تزوج امرأة على أبيها عتق فإن استحق الاب ثم ملكه الزوج قبل القضاء بالقيمة لها لم يكن لها إلا الاب، ولو ملكه الزوج بعد القضاء بالقيمة لها فليس لها أن تأخذ الاب لبطلان حقها من العين إلى القيمة بالقضاء. وإذا ملكه الزوج في الفصل الاول لا تملكه المرأة إلا بالقضاء أو بتسليم الزوج إليها، ويجوز تصرف الزوج فيه قبل القضاء للمرأة أو التسليم إليها. كذا في الظهيرية. وللاحتراز عما إذا وجدت المسمى أزيد أو أنقص قال في الظهيرية والمحيط: لو تزوجها على هذه الاثواب العشرة فإذا هي أحد عشر قال محمد: يعطيها عشرة منها أيتها شاء. وقال أبو حنيفة: إن كان مهر مثلها مثل أجود العشرة أو زيادة فلها أجود العشرة وهو الاصح وعليه الفتوى. ولو وجدت الثياب تسعة قال محمد: لها تسعة وتمام مهر مثلها إن كان أكثر من قيمة التسعة. وقال أبو حنيفة: لها التسعة لا غير وهو بمنزلة ما لو تزوج امرأة على هذين العبدين فإذا أحدهما حر. ولو تزوجها على هذه الاثواب العشرة الهروية فإذا هي تسعة فلها تسعة وثوب آخر هروي وسط بالاجماع. والفرق أن في الاولى ذكر الثياب مطلقة والثوب المطلق مما لا يجب مهرا إذا لم يكن مشارا إليه والثوب العاشر لم يكن مشارا إليه فلا يجب، وفي الثانية ذكر الثياب موصوفة بكونها هروية والثوب الهروي يصلح مهرا وإن لم يكن معينا ا ه‍. وقد بسطه في فتح القدير. قوله: (وفي النكاح الفاسد إنما يجب مهر المثل بالوطئ) لان المهر فيه لا يجب بمجرد العقد لفساده وإنما يجب باستيفاء منافع البضع، وكذا بعد الخلوة لان الخلوة فيه لا يثبت بها التمكن فهي غير صحيحة كالخلوة بالحائض فلا تقام مقام الوطئ، وهذا معنى قول المشايخ الخلوة الصحيحة في النكاح الفاسد كالخلوة الفاسدة في النكاح الصحيح كذا في الجوهرة وفيه مسامحة لفاسد الخلوة. والمراد بالنكاح الفاسد النكاح الذي لم تجتمع شرائطه كتزوج

[ 295 ]

الاختين معا والنكاح بغير شهود، ونكاح الاخت في عدة الاخت، ونكاح المعتدة، والخامسة في عدة الرابعة والامة على الحرة، ويجب على القاضي التفريق بينهما كيلا يلزم ارتكاب المحظور اغترارا بصوره العقد كما في غاية البيان. وذكر في المحيط من باب نكاح الكافر: ولو تزوج ذمي مسلمة فرق بينهما لانه وقع فاسدا ا ه‍. فظاهره أنهما لا يحدان وأن النسب يثبت فيه والعدة وإن دخل بها، وإنما وجب المهر في الفاسد بالوطئ عملا بحديث السنن أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ثلاث مرات. فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها فصار أصلا للمهر في كل نكاح فاسد بعد حملنا له على الصغيرة والامة كما قدمناه. وفي الظهيرية: باع جارية بيعا فاسدا وقبضها المشتري ثم تزوجها البائع لم يجز ا ه‍. ولو وطئها الظاهر أن لا مهر عليه فإن المشتري لو وطئ الجارية المبيعة فاسدا يجب المهر عليه في أصح الروايتين كما في الظهيرية. وأشار بمهر المثل إلى أن المسمى فيه ليس بمعتبر من كل وجه ولذا قال في الظهيرية: ولو تزوج امرأة على خادم بعينها نكاحا فاسدا ودفع الخادم إليها فأعتقها قبل الدخول فالعتق باطل وإن أعتقها بعد الدخول فالعتق جائز ا ه‍. وهكذا في الخانية، وظاهره أنه لو لم يدفعها إليها فالعتق باطل مطلقا وهو الظاهر لانه بالدفع تعين لمهر المثل في المدفوع وحكم الدخول في النكاح الموقوف كالدخول في الفاسد فيسقط الحد ويثبت النسب ويجب الاقل من المسمى ومن مهر المثل. وما في الاختيار من كتاب العدة أنه لا تجب العدة في النكاح الموقوف قبل الاجازة لان النسب لا يثبت فيه غير صحيح لما ذكرناه. وذكره الشارح الزيلعي في شرح قوله ويثبت النسب والعدة. وأفاد المصنف بإطلاقه أنه لا يجب بالجماع فيه ولو تكرر إلا مهر واحد ولا يتكرر المهر بتكرر الوطئ، والاصل فيه أن الوطئ متى حصل عقيب شبهة الملك مرارا لم يجب إلا مهر واحد لان الوطئ الثاني صادف ملكه كالوطئ في النكاح الفاسد، وكما لو وطئ جارية ابنه أو جارية مكاتبه أو وطئ منكوحته ثم بان أنه حلف بطلاقها أو وطئ جارية ثم استحقت، ومتى حصل الوطئ عقيب شبهة الاشتباه مرارا فإنه يجب بكل وطئ مه على حدة لان كل وطئ صادف ملك الغير كوطئ الابن جارية أبيه أو أمه أو جارية امرأته مرارا وقد ادعى الشبهة فعليه لكل وطئ

[ 296 ]

مهر، ومنه وطئ الجارية المشتركة مررا فعليه لكل وطئ نصف مهر. ولو وطئ مكاتبة بينه وبين غيره فعليه في نصفه نصف مهر واحد وعليه في نصف شريكه بكل وطئ نصف مهر، وذلك كله للمكاتبة. الكل في الظهيرية. وفي الخلاصة: لو وطئ المعتدة عن طلاق ثلاث وادعى الشبهة يلزمه مهر واحد أم بكل وطئ مهر، قيل إن كانت الطلقات الثلاث جملة فظن أنها لم تقع فهو ظن في موضعه فيلزمه مهر واحد وإن ظن أنها تقع لكن ظن أن وطئها حلال فهو ظن في غير موضعه فيلزمه بكل وطئ مهر ا ه‍. وأطلقه فشمل البالغ والصبي لكن في الظهيرية والمحيط عن محمد: صبي جامع امرأة بشبهة نكاح فلا مهر عليه. قال في المحيط: لان الولي لا يملك النكاح الفاسد في حقه وإلا الاذن له فيه فسقط اعتبار قوله فصار كأنه وطئ في حق نفسه من غير شبهة عقد وتجب العدة عليها لان فعلها جائز في حق نفسها. وذكر قبله: لو جامع مجنون أو صبي امرأة نائمة إن كانت ثيبا فلا مهر عليه، وإن كانت بكرا وافتضها فعليه المهر ا ه‍. وينبغي أن يلزمه المهر في الحالين حيث كانت نائمة لانه مؤاخذ بأفعاله ولا يسقط حقها إلا بالتمكين ولم يوجد ا ه‍. وأراد بالموطئ الجماع في القبل لانه لو وطئها في الدبر في النكاح الفاسد لا يلزمه شئ من المهر لانه ليس بمحل النسل كما في الخلاصة والقنية، فلا يجب بالمس والتقبيل بشهوة شئ بالاولى كما صرحوا به أيضا. وأفاد بالتقييد بالوطئ أن النكاح الفاسد لا حكم له قبل الدخول حتى لو تزوج امرأة نكاحا فاسدا بأن مس أمها بشهوة فتزوجها ثم تركها له أن يتزوج الام. كذا في الخلاصة. وفي البزازية: والخلع في النكاح الفاسد لا يسقط المهر لانه ليس بخلع ا ه‍. ومفهومه أنه لا يجب البدل عليها لو شرط بالاولى، وإذا ادعت فساده وهو صحته فالقول له وعلى عكسه فرق بينهما وعليها العدة ولها نصف المهر إن لم يدخل، والكل إن دخل. كذا في الخانية. وينبغي أن يستثنى منه ما ذكره الحاكم الشهيد في الكافي من أنه لو ادعى أحدهما أن النكاح كان في

[ 297 ]

صغره فالقول قوله ولا نكاح بينهما ولا مهر لها إن لم يكن دخل بها قبل الادراك. وفي فتح القدير: لا يصير محصنا بهذا الدخول، وأجمعت الامة أنه لا يكون محصنا في العقد الصحيح إلا بالدخول. وفي الخلاصة: التصرفات الفاسدة عشرة: النكاح الفاسد وقد علمت حكمه. الثاني البيع الفاسد مضمون فيه المبيع. الثالث الاجارة الفسادة والواجب أجر المثل والعين أمانة في يد المستأجر. الرابع الرهن الفاسد وهو رهن المشاع وللراهن نقضه ولو هلك في يد المرتهن هلك أمانة عند الكرخي، وفي الجامع الكبير ما يدل على أنه كالرهن الجائز. الخامس الصلح الفاسد لكل نقضه. السادس القرض الفاسد وهو بالحيوان أو ما كان متفاوتا ومع هذا لو استقرض وباع صح البيع. السابع الهبة الفاسدة وأنها مضمونة بالقيمة يوم القبض ولا تفيد الملك الثامن المضاربة الفسادة والمال أمانة في يد المضارب. التاسع الكتابة الفاسدة والواجب فيها الاكثر من المسمى ومن القيمة. والعاشر المزارعة الفاسدة والخارج منها لصاحب البذر وعليه مثل أجرة العامل إن كانت الارض لرب البذر ويطيب له، وإن كان البذر من العامل فعليه أجرة مثل الارض والخارج له. ا ه‍.

[ 298 ]

قوله: (ولم يزد على المسمى) أي لم يزد مهر المثل على المسمى لانها لم تسم الزيادة فكانت راضية للحط مسقطة حقها في الزيارة إلى تمامه حيث لم تسم تمامه لا لاجل أن التسمية صحيحة من وجه لان الحق أنها فاسدة من كل وجه لوقوعها في عقد فاسد، ولهذا لو كان مهر المثل أقل من المسمى وجب مهر المثل فقط. وفي الظهيرية: ولو زوج أحد الموليين أمته ودخل بها الزوج فللآخر النقض، فإن نقض فله نصف مهر المثل وللمزوج الاقل من نصف مهر المثل ومن نصف المسمى ا ه‍. فعلى هذا يعطى هذا العقد حكم الفاسد بالنسبة إلى المزوج وحكم العدم بالنسبة إلى غيره. وأشار إلى أن المسمى معلوم ولذا لا يزاد عليه فلو كان المسمى مجهولا وجب مهر المثل بالغا ما بلغ اتفاقا كما إذا لم يكن فيه تسمية أصلا، وظاهر كلامهم أن مهر المثل لو كان أقل من العشرة فليس لها إلا مهر المثل بخلاف النكاح الصحيح إذا وجب فيه مهر المثل فإنه لا ينقص عن عشرة. وفي الخانية: لو تزوج محرمه لاحد عليه في قول أبي حنيفة وعليه مهر مثلها بالغا ما بلغ ا ه‍. فإن كان النكاح باطلا فظاهر، وإن كان فاسدا فهي مستثناة، وقد نقل الاختلاف في جامع الفصولين فقيل باطل عنده وسقوط الحد لشبهة الاشتباه، وقيل فاسد وسقطوه لشبهة

[ 299 ]

العقد ا ه‍. ولم يذكر للاختلاف ثمرة قوله: (ويثبت النسب) أي نسب المولود في النكاح الفاسد لان النسب مما يحتاط في إثباته إحياء للولد فيترتب على الثابت من وجه. أطلقه فأفاد أنه يثبت بغير دعوة كما في القنية، وتعتبر مدة النسب وهي ستة أشهر من وقت الدخول عند محمد وعليه الفتوى لان النكاح الفاسد ليس بداع إليه والاقامة باعتباره. كذا في الهداية. وعند أبي حنيفة وأبي يوسف ابتداء المدة من وقت العقد قياسا على الصحيح. والمشايخ أفتوا بقول محمد لبعد قولهما لعدم صحة القياس المذكور. وفائدة الاختلاف تظهر فيما إذا أتت بولد لستة أشهر من وقت العقد ولاقل منها من وقت الدخول فإنه لا يثبت نسبه على المفتى به، فتقدير مدة النسب بالمدة المذكورة إنما هو للاحتراز عن الاقل لا عن ما زاد عن أكثر مدة الحمل لانها لو جاءت بالولد لاكثر من سنتين من وقت العقد فقط لما ذكرنا من أن اعتبار وقت العقد أو الدخول إنما هو لنفي الاقل فقط، واندفع ما في الغاية من قياس النسب على العدة وأن الاحوط أن يكون ابتداء مدة النسب من وقت التفريق كالعدة لما علمت من المسألة التي يثبت فيها النسب قبل التفريق فكيف يعتبر به، واندفع به ما في فتح القدير من أنه يعتبر

[ 300 ]

ابتداؤها من وقت التفريق إذا وقعت فرقة وما لم تقع فمن وقت النكاح أو الدخول على الخلاف لانه يرد عليه ما إذا أتت به بعد التفريق لاكثر من ستة أشهر من وقت العقد أو الدخول ولاقل منها من وقت التفريق فإنه يثبت نسبه. ومقتضى ما في الفتح خلافه، والدليل على ما حققناه أنهم جعلوا مدة النسب ستة أشهر في النكاح الصحيح من وقت العقد أيضا وليس هو قطعا إلا للاحتراز عن الاقل لا عن الاكثر فكذلك لك هنا والله سبحانه وتعالى أعلم. قوله: (والعدة) أي وتثبت العدة فيه وجوبا بعد الوطئ في النكاح الفاسد لا الخلوة. كما في القنية إلحاقا للشبهة بالحقيقة في موضع الاحتياط، ولو اختلفا في الدخول فالقول له فلا يثبت شئ من هذه الاحكام كما في الذخيرة، ولم يبين المصنف ابتداءها للاختلاف فيه والصحيح أنه من وقت التفريق لا من آخر الوطآت لانها تجب باعتبار شبهة النكاح ورفعها بالتفريق كالطلاق في النكاح الصحيح، ولا إحداد عليها في هذه العدة ولا نفقة لها فيها لان وجوبها باعتبار الملك الثابت بالنكاح وهو منتف هنا. والمراد بالعدة هنا عدة الطلاق، وأما عدة الوفاة فلا تجب عليها من النكاح الفاسد، ولو كانت هذه المرأة الموطوءة أخت امرأته حرمت عليه امرأته إلى انقضاء عدتها. كذا في فتح القدير. وظاهر كلامهم أن ابتداءها من وقت التفريق قضاء وديانة. وفي فتح القدير: ويجب أن يكون هذا في القضاء، أما فيما بينها وبين الله تعالى إذا علمت أنها حاضت بعد آخر وطئ ثلاثا ينبغي أن يحل لها التزوج فيما بينها وبين الله تعالى على قياس ما قدمنا من نقل العتابي ا ه‍. ومحله فيما إذا فرق بينهما، أما إذا حاضت ثلاثة حيض من آخر الوطآت ولم يفارقها فليس لها التزوج اتفاقا كما أشار إليه في غاية البيان، وظاهر كلام الزيلعي يوهم خلافه. والتفريق في النكاح الفاسد إما بتفريق القاضي أو بمتاركة الزوج، ولا يتحقق الطلاق في النكاح الفاسد بل هو متاركة فيه ولا تحقق للمتاركة إلا بالقول إن كانت مدخولا بها كقوله تاركتك أو تاركتها أو خليت سبيلك أو خليت سبيلها أو خليتها. وأما غير المدخول بها فتحقق المتاركة بالقول وبالترك عند بعضهم وهو تركها عل قصد أن لا يعود إليها، وعند البعض لا تكون المتاركة إلا بالقول

[ 301 ]

فيهما حتى لو تركها ومضى على عدتها سنون لم يكن لها أن تتزوج بآخر. وإنكار الزوج النكاح إن كان بحضرتها فهو متاركة وإلا فلا كإنكار الوكيل الوكالة، وأما علم غير المتارك بالمتاركة فنقل في القنية قولين مصححين: الاول أنه شرط لصحة المتاركة هو الصحيح حتى لو لم يعلمها لا تنقضي عدتها. ثانيهما أن علم المرأة في المتاركة ليس بشرط في الاصح كما في الصحيح ا ه‍. وينبغي ترجيح الثاني، ولهذا اقتصر عليه الزيلعي. وظاهر كلامهم أن المتاركة لا تكون من المرأة أصلا كما قيده الزيلعي بالزوج لكن في القنية أن لكل واحد منهما أن يستبد بفسخه قبل الدخول بالاجماع وبعد الدخول مختلف فيه. وفي الذخيرة: ولكل واحد من الزوجين فسخ هذا النكاح بغير محضر من صاحبه عند بعض المشايخ. وعند بعضهم إن لم يدخل بها فكذلك، وإن دخل بها فليس لواحد منهما حق الفسخ إلا بمحضر من صاحبه ا ه‍. وهكذا في الخلاصة. وهذا يدل على أن للمرأة فسخه بمحضر الزوج اتفاقا، ولا شك أن الفسخ متاركة إلا أن يفرق بينهما وهو بعيد والله سبحانه وتعالى أعلم. ومن أحكام العقد الفاسد أنه لا يحد بوطئها قبل التفريق للشبهة ويحد إذا

[ 302 ]

وطئها بعد التفريق. كذا في البدائع وغيره، وظاهره أنه لا فرق فيه بين أن يكون في العدة أو لا ولم أره صريحا. قوله: (ومهر مثلها يعتبر بقوم أبيها إذا استويا سنا وجمالا ومالا وبلدا وعصرا وعقلا ودينا وبكارة) بيان لشيئين: أحدهما أن الاعتبار لقوم الاب في مهر المثل لقول ابن مسعود رضي الله عنه لها مهر مثل نسائها وهن أقارب الاب، ولان الانسان من جنس قوم أبيه وقيمة الشئ إنما تعرف بالنظر في قيمة جنسه، ولا يعتبر بأمها وخالتها، إذا لم يكونا من قبيلتها لما بينا. ثانيهما أنه لا بد من الاستواء في الاوصاف المذكورة لان المهر يختلف باختلاف هذه الاوصاف. وكذا يختلف باختلاف الدار والعصر أي الزمان، وقد ذكر المصنف ثمانية أشياء. وأراد بالسن الصغر أو الكبر، وأطلق في اعتبار الجمال والمال، وقيل لا يعتبر الجمال في بيت الحسب والشرف وإنما يعتبر ذلك في أوساط الناس إذ الرغبة فيهن للجمال بخلاف بيت الشرف. وفي فتح القدير: وهذا جيد ا ه‍. والظاهر اعتباره مطلقا. وأراد بالدين التقوى كما ذكره العيني، وزاد في التبيين على هذه الثمانية أربعة وهي: العلم والادب وكمال الخلق وأن لا يكون لها ولد. وزاد المشايخ بأنه يعتبر حال الزوج أيضا. وفسره في فتح القدير بأن يكون زوج هذه كأزواج أمثالها من نسائها في المال والحسب وعدمهما ا ه‍. وينبغي أن لا يختص بهذين الشيئين لان للجمال والبلد والعصر والعقل والتقوى والسن مدخلا من جهة الزوج أيضا فينبغي اعتبارها في حقه أيضا لان الشاب يتزوج بأرخص من الشيخ، وكذا المتقي بأرخص من الفاسق. وأشار بقوله ما لا إلى أن الكلام إنما هو في الحرة ولذا قال في شرح الطحاوي والمجتبى: مهر مثل الامة على قدر الرغبة فيها. وعن الاوزاعي: ثلث قيمتها. ثم اعلم أن اعتبار مهر المثل بما ذكر حكم كل نكاح صحيح لا تسمية فيه أصلا أو سمى فيه ما هو مجهول أو ما لا يحل شرعا كما قدمنا تفاصيله، وحكم كل نكاح فاسد بعد الوطئ سمى فيه مهر أو لا، وأما المواضع التي يجب فيها المهر بسبب الوطئ بشبهة فليس المراد بالمهر فيها مهر المثل المذكور هنا لما في الخلاصة بعد ذكر المواضع

[ 303 ]

التي يجب فيها المهر بالوطئ عن شبهة قال: والمراد من المهر العقر وتفسير العقر الواجب بالوطئ في بعض المواضع ما قال الشيخ نجم الدين: سألت القاضي الامام الاسبيجابي عن ذلك بالفتوى فكتب هو العقر أنه ينظر بكم تستأجر للزنا لو كان حلالا يجب ذلك القدر. وكذا نقل عن مشايخنا شرب الاصل للامام السرخسي ا ه‍. وظاهره أنه لا فرق فيه بين الحرة والامة، ويخالفه ما في المحيط: لو زفت إليه غير امرأته فوطئها لزمه مهر مثلها ا ه‍. إلا أن يحمل على العقر المذكور في الخلاصة توفيقا، ولم أر حكم ما إذا ساوت المرأة امرأتين من أقارب أبيها في جميع الاوصاف المعتبرة مع اختلاف مهرهما قلة وكثرة، هل يعتبر بالمهر الاقل أو الاكثر؟ وينبغي أن كل مهر اعتبره القاضي وحكم به فإنه يصح لقلة التفاوت. وفي الخلاصة: يعتبر بأخواتها وعمامتها وبناتهن فإن لم يكن لها أخت ولا عمة فبنت الاخت لاب وأم وبنت العم ا ه‍. وظاهره أن بنت الاخت وبنت العم مؤخران عما ذكره فيتفرع عليه أنه لو كان لها أخت وبنت عم قد ساوتهما في الاوصاف المذكورة أنه لا يعتبر بنت العم مع وجود الاخت، وظاهر كلامهم خلافه. وفي الخلاصة: يشترط أن يكون المخبر بمهر المثل رجلين. أو رجلا وامرأتين، ويشترط لفظ الشهادة فإن لم يوجد على ذلك شهود عدول فالقول قول الزوج مع يمينه ا ه‍. وظاهره أنه لا يصح القضاء بمهر المثل بدون الشهادة أو الاقرار من الزوج، ويخالفه ما في المحيط قال: فإن فرض القاضي أو الزوج بعد العقد جاز

[ 304 ]

لانه يجري ذلك مجرى التقدير لما وجب بالعقد من مهر المثل، زاد أو نقص، لان الزيادة على الواجب صحيحة والحط عنه جائز ا ه‍. وفي الذخيرة أن الاعتبار لهذه الاوصاف وقت التزوج، وفي الصيرفية: مات في غربة وخلف زوجتين غريبتين تدعيان المهر ولا بينة لهما قال: كم مهر مثلهما وليس لهما أخوات في الغربة؟ قال: يحكم بجمالهما بكم ينكح مثلهن. فقيل له يختلف بالبلدان قال: إن وجد في بلدهما يسأل وإلا فلا يعطى لهما شئ. قوله: (فإن لم يوجد فمن الاجانب) شامل لمسألتين: إحداهما إذا لم يكن لها أحد من قوم أبيها. الثانية إذا كان لها أقارب منهم لكن لم يوجد فيهم من يماثلها في الاوصاف المذكورة كلها أو بعضها، وفي كل منهما يعتبر مهرها بأجنبية موصوفة بذلك. وفي الخلاصة: فإن لم تكن مثلها في قرابتها ينظر في قبيلة أخرى مثلها أي مثل قبيلة أبيها. كذا فسر الضمير في مثلها في فتح القدير، والاولى أن يرجع إلى المرأة ليكون موافقا لما في المختصر من الاعتبار بالاجنبيات مطلقا سواء كانت من قبيلة مماثلة لقبيلة أبيها أو لا. وعن أبي حنيفة لا يعتبر بالاجنبيات. قال في فتح القدير: ويجب حمله على ما إذا كان لها أقارب وإلا امتنع القضاء بمهر المثل ا ه‍. وقد قدمنا أن القضاء بمهر المثل لم ينحصر في النظر إلى

[ 305 ]

من يماثلها من النساء بل لو فرض لها القاضي شيئا من غير ذلك صح كما في المحيط. فالمروي من أنه لا يعتبر بالاجنبيات صحيح مطلقا، ويفرض القاضي لها المهر فلم يلزم منه امتناع القضاء به لو أجرى على عمومه. قوله: (وصح ضمان الولي المهر) لانه من أهل الالتزام وقد أضافه إلى ما يقبله فيصح، والمراد به أنه في الصحة، أما في مرض الموت فلا لانه تبرع لوارثه في مرض موته، وكذلك كل دين ضمنه عن وارثه أو لوارثه كما في الذخيرة. وأما إذا لم يكن وارثا له فالضمان في مرض الموت من الثلث كما صرحوا به في ضمان الاجنبي. وأطلق في الولي فشمل ولي المرأة وولي الزوج الصغيرين والكبيرين، أما ولي الزوج الكبير فهو وكيل عنه كالاجنبي وولايته عليه ولاية استحباب، وحكم ضمان مهره كحكم ضمان الاجنبي، فإن ضمن عنه بإذنه رجع وإلا فلا كما في فتح القدير. وأما إن كان صغيرا بأن زوج ابنه وضمن للمرأة مهرها فلان الولي سفير ومعبر فيه وليس بمباشر بخلاف ما إذا اشترى له شيئا ثم ضمن عنه الثمن للبائع حيث لا يصح ضمانه لانه أصيل فيه فيلزمه الثمن، ضمن أو لم يضمن. ولا بد في صحته من قبول المرأة - كما في الذخيرة - كغيره من الكفالات، والمجانين كالصبيان في ذلك. كذا في الخانية. واستفيد من صحة الضمان أن لها مطالبة الولي ومطالبة الزوج إذا بلغ لا قبله لانه ليس من أهله، وأنه لو أدى الاب من مال نفسه فإنه لا رجوع له على الصغير لان الكفيل لا رجوع له إلا بالامر ولم يوجد، لكن ذكر في الذخيرة أنه إن شرط الرجوع في أصل الضمان فله الرجوع كأنه كالاذن من البالغ في الكفالة. وفي فتاوى الولوالجي: لا رجوع له إلا إذا أشهد عند الاداء أنه يؤدي ليرجع عليه. وفي فتح القدير: ولا يخفى أن هذا - أعني عدم الرجوع إذا لم يشهد - مقيد بما إذا لم يكن للصغير مال ا ه‍. وفي البزازية أنه إذا أشهد عند الاداء أنه أدى ليرجع رجع وإن لم يشهد عند الضمان ا ه‍. والحاصل أن الاشهاد عند الاداء أو الضمان شرط الرجوع. وفي غاية البيان: لو أدى الاب من مال نفسه فالقياس أن يرجع

[ 306 ]

لان غير الاب لو ضمن بإذن الاب وأدى يرجع في مال الصغير، فكذا الاب لان قيام ولاوية الاب عليه في الصغر بمنزلة أمره بعد البلوغ، وفي الاستحسان لا رجوع له لا الآباء يتحملون المهور عن أبنائهم عادة ولا يطمعون في الرجوع، والثابت بالعرف كالثابث بالنص إلا إذا شرط الرجوع في أصل الضمان فحينئذ يرجع لان الصريح يفوق الدلالة أعني دلالة العرف بخلاف الوصي إذا أدى المهر عن الصغير بحكم الضمان يرجع لان التبرع من الوصي لا يوجد عادة فصار كبقية الاولياء غير الاب. والحاصل أن عدم الرجوع مخصوص بالاب، واستفيد من صحة الضمان أيضا أن الاب لو مات قبل الاداء فللمرأة الاستيفاء من تركة الاب لان الكفالة بالمال لا تبطل بموت الكفيل. وإذا استوفت قال في المبسوط: رجع سائر الورثة بذلك في نصيب الابن أو عليه إن كان قبض نصيبه ولم يذكر فيه خلافا. وذكر الولوالجي أن أبا يوسف قال: إن الاب متبرع ولا يرجع هو ولا وارثه بعد موته على الابن بشئ، وحكم الاستيفاء في مرض الموت كالاستيفاء بعد الموت من أن الورثة يرجعون عليه كما في غاية البيان. واستفيد من القول بصحة الضمان أيضا أنه لو لم يضمن الاب مهر ابنه الصغير لا يطالب به ولو كان عاقدا لانه لو لزمه بلا ضمان لم يكن للضمان فائدة، ولما في المعراج: لو زوج ابنه الصغير لا يثبت المهر في ذمة الاب بل يثبت في ذمة الابن عندنا، سواء كان الابن موسرا أو معسرا. ذكره في المنظومة وشرحها معللا بأن النكاح لا ينفك عن لزوم المال إنما ينفك عن إيفاء المهر في الحال فلم يكن من ضرورة الاقدام على تزويجه ضمان المهر عنه، وهذا هو المعول عليه كما في فتح القدير. وبه اندفع ما في شرح الطحاوي من أن للمرأة مطالبة أب الصغير بمهرها ضمن أو لم يضمن ا ه‍. وجوابه أن كلام شارح الطحاوي محمول على ما إذا كان للصغير مال فإن لها مطالبة الاب بغير ضمان ليؤدي من مال الصغير، والدليل على هذا الحمل أن صاحب المعراج نقل أولا ما في شرح الطحاوي ثم بعد أسطر ذكر ما ذكرناه عنه من عدم لزوم المهر على الاب بلا ضمان، لكن قيده بالابن الفقير فتعين أن يكون الاول في الابن الغني. وبه اندفع ما في فتح القدير وفي الذخيرة إذا اشترى لابنه الصغير شيئا آخر سوى الطعام والكسوة ونقد الثمن من مال نفسه فإنه يرجع على الصغير بذلك وإن لم يشترط الرجوع لانه لا عرف أن الآباء

[ 307 ]

يتحملون الثمن عن الابناء ا ه‍. وفي الخلاصة: لو كبر الابن ثم أدى الاب، إن أشهد يرجع، وإن لم يشهد لا، ولو كان على الاب دين للصغير فأدى مهر امرأته ولم يشهد ثم قال بعد ذلك إنما أديت مهره عن دينه الذي علي صدق ا ه‍. وفي البزازية: إذا أعطى الاب أرضا في مهر امرأته ثم مات الاب قبل قبض المرأة لا تكون الارض لها لانها هبة من الاب لم تتم بالتسليم، فإن ضمن المهر وأدى الارض عنه ثم مات قبل التسليم كانت الارض للمرأة لانه بيع فلا يبطل بالموت. وأما ضمان ولي المرأة المهر عن زوجها فلا يخلو إما أن تكون كبيرة أو صغيرة، فإن كانت كبيرة فظاهر لانه كالاجنبي إذا ضمن لها المهر ويثبت لها الخيار إن شاءت طالبته وإن شاءت طالبت زوجها إن كان كبيرا وهي أهل للمطالبة ويرجع الولي بعد الاداء على الزوج إن ضمن بأمره، سواء كانت الكبيرة عاقلة أو مجنونة. وأما إذا كانت صغيرة زوجها الاب وضمن مهرها فإنما صح لانه سفير ومعبر لا ترجع الحقوق إليه وإنما ملك قبض مهر الصغيرة بحكم الابوة لا باعتبار أنه عاقد، ولهذا لا يملكه بعد بلوغها إلا برضاها صريحا أو دلالة بأن تسكت وهي بكر بخلاف ما إذا باع مال الصغير وضمن الثمن عن المشتري فإنه لا يصح لانه أصيل فيه حتى ترجع الحقوق عليه، ويصح إبراؤه من الثمن عندهما خلافا لابي يوسف لكنه يضمنه للولد لتعديه بالابراء ويملك قبض الثمن بعد بلوغه، فلو صح الضمان لصار ضامنا لنفسه وبهذا علم أن قوله: (وتطالب زوجها أو وليها) مخصوص بما إذا كان الضامن وليها مع أن الحكم أعم فلو قال وتطالب زوجها أو الولي الضامن لكان أولى ليشمل ما إذا كان الضامن وليه. وقول الشارح الزيلعي في الصورة الثانية فالمطالبة إلى ولي الزوج مكان وليها غير صحيح لان المطالبة عليه لا إليه، وجعل إلى بمعنى على هنا مجازا بعيد كما لا يخفى، ولا بد من تقييد الزوج بالبلوغ لانه ليس لها مطالبة الصغير بل وليها فقط، ولا بد من تقييد صحة ضمانه لها من قبولها أو قبول قابل في المجلس لان الموجود شطر فلا يتوقف على ما وراء المجلس في المذهب كما في البزازية، وظاهره أنه لا فرق بين الصغيرة والكبيرة. وإطلاقهم صحة ضمانة مهر الصغيرة يقتضي أن لا يشترط قبول أحد في المجلس وأن إيجابه يكون مقام القبول عنها. ولا بد من التقييد بصحة وليها إذ ضمانه في مرضه باطل لما قدمنا من أن الضمان في مرض

[ 308 ]

الموت للوارث أو عنه باطل، وينبغي تقييده بما إذا كانت موليته وارثته، وأما إذا لم تكن وارثته كما إذا كانت بنت عمه مثلا وله وارث يحجبها فالضمان صحيح مطلقا كما لا يخفى، ويكون من الثلث كما قدمناه. وأشار بصحة ضمان الولي إلى صحة ضمان الرسول في النكاح والوكيل بالاولى، فلو ضمن الرسول المهر ثم جحد الزوج الرسالة اختلف المشايخ فيما يلزم الرسول، وصح في المحيط أن المرأة، إذا طلبت التفريق من القاضي وفرق بينها وبين الزوج كان لها على الرسول نصف المهر، وإن لم تطلب التفريق كان لها جميع المهر. ولو زوجه الوكيل على ألف من ماله أو على هذه الالف لم يلزمه شئ، ولو ضمن المهر لزمه، فإن كان بغير إذن الزوج فلا رجوع له بخلاف الوكيل بالخلع فإنه إذا ضمن البدل عنها رجع به عليها، وإن لم تأمره بالضمان لانصراف التوكيل إلى الامر بالضمان لصحة الخلع بلا توكيل منها بخلاف النكاح فإنه لا يصح بلا توكيل منها فانصرف الامر إليه. ولو زوجه الوكيل امرأة على عرضه جاز، فإن هلك في يد الوكيل رجعت بقيمته على الزوج وفي الخلع ترجع على الوكيل، والكل من المحيط. قوله: (ولها منعه من الوطئ والاخراج للمهر وإن وطئها) أي للمرأة منع نفسها من وطئ الزوج وإخراجها من بلدها حتى يوفيها مهرها، إن كانت قد سلمت نفسها للوطئ فوطئها لتعين حقها في البدل كما تعين حق الزوج في المبدل فصار كالبيع. كذا في الهداية. وأورد عليه في فتح القدير بأن هذا التحليل لا يصح إلا في الصداق الدين، أما العين كما لو تزوجها على عبد بعينه فلا لانها بالعقد ملكته وتعين حقها فيه حتى ملكت عتقه ا ه‍. وقد قالوا في بيع المقايضة: يقال لهما سلما معا، ويمكن أن يكون هنا كذلك فلها المنع قبله، وما في فتح القدير من أن مثله لا يتأتي في النكاح إذا كان المهر عبدا معينا مثلا ولا في معية الخلوة لاطلاق الجواب بأن لها الامتناع إلى أن تقبض ا ه‍. ففيه نظر، لان المراد بالتسليم هنا التخلية برفع الموانع وهو ممكن في العبد أيضا بأن يخلى بينها وبين بشروط التخلية، وتخلي بينها

[ 309 ]

وبين نفسها برفع الموانع منها ويكونا سواء، وهذا قبل الاطلاع على النقل. ثم رأيت في المحيط: وإن كان المهر عينا فإنهما يتقابضان كما في بيع المقايضة ا ه‍. وبهذا سقط ما في فتح القدير. أشار المصنف بمنعها له مما ذكر إلى أنه لا يمنعها من أن تخرج في حوائجها والزيارة بغير إذنه قبل قبض، المهر لانها غير محبوسة لحقه بخلاف ما بعد إيفائه لانها محبوسة له، وإلى أن للاب أن يسافر بابنته البكر ولو كانت بالغة قبل إيفاء المهر وبعده لا كما في فتح القدير، وإلى أن لا يحل له وطؤها على كره منها قبل إيفائه. قال في المحيط من النفقة: وهل يحل للزوج أن يطأها على كره منها؟ إن كان الامتناع لا لطلب المهر يحل لانها ظالمة، وإن كان لطلب المهر لا يحل عند أبي حنيفة، وعندهما يحل ا ه‍. وأطلق في الاخراج فشمل الاخراج من بيتها ومن بلدها فليس له ذلك. وتفسير الاخراج بالمسافرة بها كما في الهداية مما لا ينبغي لانه يوهم أن له إخراجها من بيتها إلى بيت آخر في مصرها. وأطلق في المهر وفيه تفصيل، وحاصله أنه إما أن يصرحا بحلوله أو بتعجيله أو بتأجيله كله أو بحلول بعضه وتأجيل بعضه أو يسكتا، فإن شرطا حلوله أو تعجيله كله فلها الامتناع حتى تستوفيه كله والحلول والتعجيل مترادفان، ولا اعتبار بالعرف إذا جاء الصريح بخلافه. وكذا إذا شرطا حلول البعض فلها الامتناع حتى تقبض المشروط فقط. وأما إذا شرط تأجيل الكل فليس لها الامتناع أصلا لانها أسقطت حقها بالتأجيل كما في البيع. وعن أبي يوسف أن لها الامتناع استحسانا لانه لما طلب تأجيله كله فقد رضي بإسقاط حقه في الاستمتاع.

[ 310 ]

قال الولوالجي: وبقول أبي يوسف يفتى استحسانا بخلاف البيع ا ه‍. ولان العادة جارية بتأخير الدخول عند تأخير جميع المهر. وفي الخلاصة أن الاستاذ ظهير الدين كان يفتي بأنه ليس له الامتناع، والصدر الشهيد كان يفتي بأن لها ذلك ا ه‍. فقد اختلفت الفتوى. وفي معراج الدراية: إذا كان المهر مؤجلا ثم حل الاجل فليس لها الامتناع عند أبي حنيفة، ولم أر حكم ما إذا كان الاجل سنة مثلا فلم تسلم نفسها حتى مضى الاجل هل يصير حالا أو لا بد من سنة بعد التسليم كما قال أبو حنيفة في البيع، فإن قيس النكاح على البيع صح لانهم اعتبروه به هنا. وفي المحيط وغيره: لو أحالت المرأة رجلا على زوجها بالمهر فلها الامتناع إلى أن يقبض المحتال لان غريمها بمنزلة وكليلها، وإن أحالها الزوج بمهرها ليس لها الامتناع، وهذا إذا كان الاجل معلوما، فإن كان مجهولا، فإن كانت جهالة متقاربة كالحصاد والدياس ونحو ذلك فهو كالمعلوم، وهذه على وجوه: إما أن يصرح بحلول كله أو تعجيله أو حلول بعضه وتأجيل بعضه أو تأجيل كله أجلا معلوما أو مجهولا أو متقاربا أو متفاحشا فهي سبعة، وكل منها إما بشرط الدخول قبل القبض أو لا. فهي أربعة عشر، وكل منها إما أن يكون المنع قبل التسليم أو بعده فهي ثمانية وعشرون على الصحيح كما في الظهيرية بخلاف البيع فإنه لا يجوز بهذا الشرط. وإن كانت متفاحشة كإلى الميسرة أو إلى هبوب الريح أو إلى أن تمطر السماء فالاجل لا يثبت ويجب المهر حالا. كذا في غاية البيان. وظاهره أن التأجيل إلى الطلاق أو الموت متفاحش فيجب المال حالا بمقتضى إطلاق العقد، والظاهر خلافه لجريان العرف بالتأجيل به، وذكر في الخلاصة والبزازية اختلافا فيه وصحح أنه صحيح. وحكم التأجيل بعد العقد كحكمه فيه كما في فتح القدير أيضا. وهذا كله إذا لم يشترط الدخول قبل حلول الاجل، فلو شرطه ورضيت ليس لها الامتناع اتفاقا كما في الفتح أيضا. وفي الخلاصة: وبالطلاق يتعجل المؤجل ولو راجعها لا يتأجل ا ه‍. يعني إذا كان التأجيل إلى الطلاق، أما إذا كان التأجيل إلى مدة معينة لا يتعجل بالطلاق كما يقع في ديار مصر في بعض الانكحة أنهم يجعلون بعضها حالا وبعضه مؤجلا إلى الطلاق أو إلى الموت، وبعضه منجما في كل سنة قدر معين، فإذا طلقها تعجل البعض المؤجل لا المنجم لانها تأخذه بعد الطلاق على نجومه كما تأخذه قبل الطلاق على نجومه، وذكر قولين في الفتاوى الصيرفية في

[ 311 ]

كونه بتعجل المؤجل بالطلاق الرجعي مطلقا أو إلى انقضاء العدة. وجزم في القنية بأنه لا يحل إلى انقضاء العدة قال: وهو قول عامة مشايخنا. وفي الصيرفية: لو ارتدت ولحقت بدار الحرب ثم أسلمت وتزوجها، المختار أنه لا يطالب بالمهر المؤجل إلى الطلاق ا ه‍. ووجهه أن الردة فسخ وليست بطلاق، وأما إذا سكتا عن وصفه فهو حال بمقتضى إطلاق العقد فالقياس على البيع يقتضي أن لها الامتناع قبل قبضه لكن العرف صرفه عن ذلك، فإن كان عرف في تعجيل بعضه وتأجير باقيه إلى الموت أو الميسرة أو الطلاق فليس لها الامتناع إلا إلى تسليم ذلك بتمامه ولو بقي درهم. قال في فتاوى قاضيخان: فإن لم يبينوا قدر المعجل ينظر إلى المرأة وإلى المهر أنه كم يكون المعجل لمثل هذه المرأة من مثل هذا المهر فيعجل ذلك، ولا يتقدر بالربع والخمس بل يعتبر المتعارف فإن الثابت عرفا كالثابت شرطا ا ه‍. وفي الصيرفية: الفتوى على اعتبار عرف بلدهما من غير اعتبار الثلث أو النصف كما روي، فما في غاية البيان من إطلاق قوله فإن كان يعني المهر بشرط التعجيل أو مسكوتا عنه يجب حالا ولها أن تمنع نفسها حتى يعطيها المهر، إنما هو على ظاهر الرواية، وأما على المفتى به فالمعتبر في المسكوت عنه العرف، وبه سقط ما في فتح القدير وفي القاسمية إذا تزوجها على مائة مثلا على حكم الحلول على أن يعطيها قبل الدخول أربعين والباقي على حكمه فلها المطالبة بالباقي قبل الطلاق أو الموت، ولها الامتناع حتى تقبضه. وقول الزيلعي ليس لها أن تحبس نفسها فيما تعورف تأجيله ولو كان حالا أنه ولو كان حالا بمقتضى العقد فإن العرف يقضي به، وبقية كلامه يدل عليه وهو قوله: فإذا نصا على تعجيل جميع المهر إلى آخره لان شرط التعجيل مرادف لشرط الحلول حكما لان في كل منهما لها المطالبة متى شاءت ولو كان معناه، ولو كان حالا بالشرط لناقض قوله وإن نصا على التعجيل فهو على ما شرطا وليس في اشتراط تعجيل البعض مع النص على حلول الجميع دليل على تأخير الباقي إلى الطلاق أو الموت بوجه من وجوه الدلالات، والذي عليه العادة في مثل هذا التأخير إلى اختيار المطالبة. وقال الزاهدي: وصار تأخير الصداق إلى الموت أو الطلاق بخوارزم عادة مأثورة وشريعة معروفة عندهم اه‍. وعرف خوارزم فيما لا نص فيه على تعجيل ولا تأجيل وهو خلاف

[ 312 ]

الواقع في مملكة مصر والشام وما وإلا هما من البلاد اه‍ ما في القاسمية. وفي الصيرفية: تزوجها وسمى لها المعجل مائة وسكت عن المؤجل ثم طلقها قبل الدخول فلها نصف المسمى وينبغي أن تجب لها المتعة اه‍. وأطلق في قوله فإن وطئها فشمل ما إذا وطئها مكرهة كانت أو صغيرة أو برضاها وهي كبيرة، ولا خلاف فيما إذا كانت مكرهة أو صبية أو مجنونة فإنه لا يسقط حقها في الحبس، وأما إذا وطئها أو خلا بها برضاها ففيه خلاف. قال أبو حنيفة: لها أن تمنع نفسها. وخالفاه لان المعقود عليه كله صار مسلما إليه بالوطأة الواحدة وبالخلوة، ولهذا يتأكد بها جميع المهر فلم يبق لها حق الحبس كالبائع إذا سلم المبيع. وله أنها منعت منه ما قابل البدل لان كل وطأة تصرف في البضع المحترم فلا يعرى عن العوض إبانة لخطره، والتأكد بالواحدة لجهالة ما وارءها فلا يصلح مزاحما للمعلوم. ثم إذا وجد آخر وصار معلوما تحققت المزاحمة وصار المهر مقابلا بالكل كالعبد إذا جنى جناية يدفع كله بها، ثم إذا جنى جناية أخرى وأخرى يدفع بجميعها ويبتنى على هذا الاختلاف استحقاق النفقة بعد الامتناع، فعنده تستحقها وليست بناشزة، وعندهما لا تستحقها وهي ناشزة. كذا قالوا. وينبغي أن لا تكون ناشزة على قولهما إذا منعته من الوطئ وهي في بيته لانه ليس بنشوز منها بعد أخذ المهر كما صرحوا به في النفقات. وفي شرح الجامع الصغير للبزدوي: كان أبو القاسم الصفار يفتي في المنع بقول أبي يوسف ومحمد، وفي السفر بقول أبي حنيفة. ثم قال: وهذا حسن في الفتيا يعني بعد الدخول لا تمنع نفسها ولو منعت لا نفقة لها كما هو مذهبهما، ولا يسافر بها ولها الامتناع منه لطلب المهر ولها النفقة كما هو مذهبه. كذا في غاية البيان. وقيد بقوله للمهر لانه ليس لها الامتناع منهما بعد قبضه، ولا فرق بين أن يطلب انتقالها إلى منزله في المصر أو إلى بلد أخرى، أما الاول فليس لها الامتناع منه اتفاقا وسيأتي في النفقات بيان البيت الشرعي وأنه يسكنها بين جيران صالحين وأنه يلزمه مؤنسة لها كما في الفتاوى السراجية. وفي المحيط: لو وجدت المرأة المهر المقبوض زيوفا أو ستوقة أو اشترت منه بالمهر شيئا فاستحق المبيع بعد القبض فليس لها أن تمنع نفسها عند أبي يوسف لان عنده لو سلمت نفسها من غير قبض لم يكن لها حق المنع فكذا هذا وليس هذا كالبيع اه‍. ولم يذكر قول الامام. وأما الثاني فإن نقلها من مصر إلى قرية أو من قرية إلى مصر أو من قرية إلى قرية، فظاهر ما ذكره المصنف في الكافي أن له ذلك اتفاقا لانه لا تتحقق الغربة فيه. وعلله أبو القاسم الصفار بأنه تبوئة وليس بسفر. وذكر في القنية اختلافا في نقلها من المصر إلى الرستاق فعزا إلى

[ 313 ]

كتب أنه ليس له ذلك ثم عزا إلى غيرها أن له ذلك قال: وهو الصواب اه‍. وأما إذا طلب انتقالها من مصرها إلى مصر أخرى فظاهر الرواية كما في الخانية والولوالجية أن ليس لها الامتناع لقوله تعالى * (اسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم) * (الطلاق: 6) وليس في ظاهر الرواية تفصيل بين أن يكون مأمونا عليها أو لا. واختلفوا في المفتى به فذكر في جامع الفصولين أن الفتوى على أنه له أن يسافر بها إذا أوفاها المعجل اه‍. فهذا إفتاء بظاهر الرواية، وأفتى أبو القاسم الصفار وتبعه الفقيه أبو الليث بأنه ليس له أن يسافر بها مطلقا بغير رضاها لفساد الزمان لانها لا تأمن على نفسها في منزلها فكيف إذا خرجت؟ وصرح في المختار بأنه لا يسافر بها وعليه الفتوى، وفي المحيط وهو المختار. وما في فصول الاستروشني معزيا إلى ظهير الدين المرغيناني من أن الاخذ بقول الله تعالى أولى من الاخذ بقول الفقيه فقد رده في غاية البيان بأن قول الفقيه ليس منافيا لقول الله تعالى لان النص معلول بعدم الاضرار ألا ترى إلى سياق الآية وهو قوله تعالى * (ولا تضاروهن) * (الطلاق: 6) وفي إخراجها إلى غير بلدها إضرار بها فلا يجوز اه‍. وذكر الولوالجي أن جواب ظاهر الرواية كان في زمانهم، أما في زماننا لا يملك الزوج ذلك فجعله من باب اختلاف الحكم باختلاف العصر والزمان كما قالوا في مسألة الاستئجار على الطاعات. وأفتى بعضهم بأنه إذا أوفاها المعجل والمؤجل وكان مأمونا يسافر بها وإلا فلا، لان التأجيل إنما يثبت بحكم العرف فلعلها إنما رضيت بالتأجيل لاجل إمساكها في بلدها، أما إذا أخرجها إلى دار الغربة فلا. قال صاحب المجمع في شرحه: وبه يفتى اه‍. فقد اختلف الافتاء والاحسن الافتاء بقول الفقيهين من غير تفصيل، واختاره كثير من المشايخ كما في الكافي وعليه الفتوى وعليه عمل القضاة في زماننا كما في أنفع الوسائل. وأشار المصنف بقوله ولها منعه إلى أنها بالغة، فلو كانت

[ 314 ]

صغيرة فللولي المنع المذكور حتى يقبض مهرها، وتسليمها نفسها غير صحيح فللولي استردادها، وليس لغير الاب والجد أن يسلمها إلى الزوج قبل أن يقبض الصداق من له ولاية قبضه، فإن سلمها فهو فاسد وترد إلى بيتها كما في التجنيس وغيره. قوله: (وإن اختلفا في قدر المهر حكم مهر المثل) أي اختلف الزوجان في قدره بأن ادعى ألفا وهي ألفين وليس لاحدهما بينة فإنه يجعل مهر المثل حكما، فإن كان مهر المثل ألفا أو أقل فالقول قوله مع يمينه بالله ما تزوجتها على ألفين، فإن حلف لزمه ما أقر به تسمية، وإن نكل لزمه ما ادعت المرأة على أنه مسمى لاقراره أو بذله بالنكول، وإن كان ألفين أو أكثر فالقول قولها مع اليمين بالله ما تزوجته بألف كما في الولوالجية، أو بالله ما رضيت بألف كما في شرح الطحاوي، فإن نكلت فلها ما أقر به الزوج تسمية لاقرارها به، وإن حلفت فلها جميع ما ادعت بقدر ما أقر به الزوج على أنه مسمى لاتفاقهما عليه، والزائد بحكم أنه مهر المثل لا باليمين حتى يتخير فيه الزوج بين الدراهم والدنانير. وإن كان مهر مثلها أقل مما قالت وأكثر مما قال تحالفا، وأيهما نكل لزمه دعوى صاحبه. وما وقع في النهاية من أن الزوج إذا نكل لزمه ألف وخمسمائة كأنه غلط من الناسخ، وإن حلفا وجب مهر المثل بقدر ما أقر به الزوج يجب على أنه مسمى والزائد بحكم مهر المثل حتى يتخير فيه بين دفع الدراهم والدنانير بخلاف الاول. وهذا قول أبي حنيفة ومحمد أعني تحكيم مهر المثل وبناء الامر عليه، وأبو يوسف لا يحكمه ويجعل القول قول الزوج مع يمينه إلا أن يأتي بشئ مستنكر لان المرأة مدعية للزيادة وهو ينكرها. ولهما أن القول في الدعاوى قول من يشهد له الظاهر والظاهر شاهد لمن يشهد له مهر المثل لانه هو الموجب الاصلي في باب النكاح: وصار كالصباغ مع رب الثوب إذا اختلفا في مقدار الاجر تحكم قيمة الصبغ. واختلفا في تفسير المستنكر عنده، فقيل هو المستنكر عرفا ما لا يتعارف مهرا لها وصححه في الهداية والبدائع وشرح الجامع الصغير لقاضيخان، وذكر أنه مروي عنه، وقيل هو المستنكر شرعا وهو أن يدعي تزوجها على أقل من عشرة دراهم وهو مروي عنه كما في البدائع وصححه القاضي الاسبيجابي، وذكر الوبري أنه أشبه بالصواب لانه ذكر في

[ 315 ]

كتاب الرجوع عن الشهادة لو ادعى أنه تزوجها على مائة وهي تدعي أنه تزوجها على ألف ومهر مثلها ألف وأقام البينة ثم رجع الشهود لا يضمنون عند أبي يوسف لانه لولا الشهادة كان القول قوله، ولم يجعل المائة مستنكرا في حقها، واختاره في فتح القدير. وعبارة الجامع الصغير: إلا أن يأتي بشئ قليل. وفي غاية البيان: ولفظ الجامع الصغير أبين اه‍. مع أن الاحتمال موجود فيها أيضا لانه يحتمل أن يكون المراد بالقليل ما قل شرعا أو عرفا فساوت التعبير بالمستنكر المذكور في غيره. وظاهر كلام المصنف هنا أن تحكيم مهر المثل معتبر قبل التحالف وهو مبني على تخريج أبي بكر الرازي، وحاصله أن التحالف على تخريجه في فصل واحد وهو ما إذا خالف مهر المثل قولهما، وأما إذا وافق قول أحدهما فالقول قوله وهو المذكور في الجامع الصغير لانه لا حاجة إليه مع شهادة الظاهر. وذكر المصنف في باب التحالف من كتاب الدعوى أنهما يتحالفان ثم يحكم مهر المثل وهو على تخريج الكرخي وصححه في المبسوط والمحيط. وحاصله وجوب التحالف في الفصول الثلاثة أعني ما إذا وافق مهر المثل قوله أو قولها أو خالفهما، فإذا تحالفا قضى بقوله لو كان مهر المثل كما قال، وبقولها لو كان كما قالت، وبمهر المثل لو كان بينهما لان مهر المثل لا يصار إليه إلا عند سقوط التسمية وهي لا تسقط إلا بالتحالف، والظاهر لا يكون حجة على الغير، ولم أر من صحح تخريج الرازي فكان المذهب تخريج الكرخي، فيحمل كلام المصنف هنا عليه ليطابق ما صرح به في بابه. ولم يذكر المصنف في الموضعين بمن يبدأ في التحالف للاختلاف فذكر في غاية البيان أنه يقرع بينهما يعني استحبابا لانه لا رجحان لاحدهما على الآخر. واختار في الظهيرية والولوالجية وشرح الطحاوي وكثير أنه يبدأ بيمين الزوج لان أول التسليمين عليه فيكون أول اليمينين عليه كتقديم المشتري على البائع في التحالف. والخلاف في الاولوية حتى لو بدأ بأيهما كان جائزا كما في فتح القدير. وقيدنا بعدم إقامة البينة لانه لو قامت لاحدهما بينة قضى ببينته، وإنما سكت عنه المصنف هنا لانه صرح به في بابه وعبارته: وإن اختلفا في المهر قضى لمن برهن، وإن برهنا فللمرأة، وإن عجزا تحالفا إلى آخره إلا أن قوله وإن برهنا فللمرأة شامل لما إذا كان مهر المثل شاهدا له أو لها أو بينهما، وفي الاول البينة بينتها لانها تثبت أمرا زائدا، وأما في الثاني ففيه اختلاف ذكره في البدائع. قال

[ 316 ]

بعضهم: يقضى ببينتها أيضا لانها أظهرت شيئا لم يكن ظاهرا بتصادقهما، وأما الظهور بشهادة مهر المثل فلا اعتبار به لما قدمنا أنه لا يكون حجة على الغير. وقال بعضهم: يقضى ببينة الزوج لان بينته تظهر حط الالف عن مهر المثل وبينتها لا تظهر شيئا لان الالفين كانت ظاهرة بشهادة مهر المثل، وهذا القول جزم به الزيلعي في باب التحالف وفي هذا الموضع. وأما في الثالث وهو ما إذا كان بينهما فالصحيح أنهما يتهاتران لاستوائهما في الدعوى والاثبات ثم يجب مهر المثل كله فيتخير فيه الزوج بين دفع الدراهم والدنانير بخلاف التحالف لان بينة كل واحد منهما تنفي تسمية صاحبه فخلا العقد عن التسمية فيجب مهر المثل ولا كذلك التحالف لان وجوب قدر ما يقربه الزوج بحكم الاتفاق والزائد بحكم مهر المثل. هكذا ذكره الكرماتي. وذكر قاضيخان أنه يجب قدر ما اتفقا عليه على أنه مسمى والزائد على أنه مهر المثل كما في التحالف، والظاهر الاول كما لا يخفى. وفي المحيط وقال محمد: رجل أقام بينة على أنه تزوج هذه المرأة