الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




البحر الرائق - ابن نجيم المصري ج 2

البحر الرائق

ابن نجيم المصري ج 2


[ 1 ]

البحر الرائق شرح كنز الدقائق (في فروع الحنفية) للشيخ الامام ابي البركات عبد الله بن احمد بن محمود المعروف بحافظ الدين النسفي المتوفي سنة. 71 ه‍ والشرح (البحر الرائق)

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها يفسد الصلاة التكلم والدعاء بما يشبه كلامنا والانين والتاوه وارتفاع بكائه من باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها لما كان سبق الحدث عارضا سماويا والمفسدات عارضا كسبيا قدم ذاك وآخر هذا، والفساد والبطلان في العبادات سواء. قوله: (يفسد الصلاة التكلم) لحديث مسلم إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شئ من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن (1). وفي رواية البيهقي إنما هي وما لا يصلح فيها مباشرته يفسدها مطلقا كالاكل والشرب. والمكروه غير صالح من وجه دون وجه والنص يقتضي انتفاء الصلاح مطلقا، أطلقه فشمل العمد والنسيان والخطأ والقليل والكثير لا صلاح صلاته أو لا، عالما بالتحريم أو لا، ولهذا عبر بالتكلم دون الكلام ليشمل الكلمة الواحدة كما عبر بها في المجمع لان التكلم هو النطق. يقال تكلم بكلام وتكلم كلاما. كذا

[ 4 ]

في ضياء الحلوم. وسواء أسمع غيره أو لا، وإن لم يسمع نفسه وصحح الحروف فعلى قول لكرخي تفسد، وحكي عن الامام محمد بن الفضل عدمه والاختلاف فيه نظير الاختلاف فيما إذا قرأ في صلاته ولم يسمع نفسه هل تجوز صلاته، وقد بيناه. كذا في الذخيرة. وفي المحيط: النفخ المسموع المهجى مفسد عندهما خلافا لابي يوسف. لهما أن الكلام اسم لحروف منظومة مسموعة من مخرج الكلام لان الافهام بهذا يقع وأدنى ما يقع به انتظام الحروف حرفان اه‍. وينبغي أن يقال: إن أدناه حرفان أو حرف مفهم ك‍ " ع أمرا وكذا ق فإن فساد الصلاة بهما ظاهر. وشمل الكلام في النوم وهو قول كثير من المشايخ وهو المختار، واختار فخر الاسلام وغيره أنها لا تفسد، وأما ما رواه الحاكم وصححه إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه (1) فهو من باب المقتضى ولا عموم له لانه ضروري فوجب تقديره على وجه يصح والاجماع منعقد على أن رفع الاثم مراد فلا يراد غيره وإلا لزم تعميمه وهو في غير محل الضرورة. ولقائل أن يقول: إن حديث ذي اليدين الثابت في صحيح مسلم فإنه تكلم في الصلاة حين سلم النبي صلى الله عليه وسلم على رأس الركعتين ساهيا وتكلم بعض الصحابة والنبي صلى الله عليه وسلم فكان حجة للجمهور بأن كلام الناسي ومن يظن أنه ليس فيها لا يفسدها. فإن أجيب بأن حديث ذي اليدين منسوخ كان في الابتداء حين كان الكلام فيها مباحا فممنوع لانه رواية أبي هريرة وهو متأخر الاسلام. وإن أجيب بجواز أن يرويه عن غيره ولم يكن حاضرا فغير صحيح لما في صحيح مسلم عنه بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وساق الواقعة وهو صريح في حضوره ولم أر عنه جوابا شافيا. وأراد من التكلم التكلم لغير ضرورة لما سيأتي أنه لو عطس أو تجشأ فحصل منه كلام لا تفسد لتعذر الاحتراز عنه كما في المحيط. ودخل في التكلم المذكور قراءة التوراة والانجيل والزبور فإنه يفسد كما في

[ 5 ]

المجتبي. وقال في الاصل: لم يجزه. وفي جامع الكرخي فسدت. وعن أبي يوسف إن أشبه التسبيح جاز. قوله: (والدعاء بما يشبه كلامنا) أفرده وإن دخل في التكلم لان الشافعي لا يفسدها بالدعاء. وينبغي أن يتعلق قوله بما يشبه كلامنا بالتكلم والدعاء. وقد قدمنا بأن الدعاء بما يشبه كلامنا هو ما أمكن سؤاله من العباد كاللهم اطعمني أو اقض ديني وارزقني فلانة على الصحيح، وما استحال طلبه من العباد فليس من كلامنا مثل العافية والمغفرة والرزق، سواء كان لنفسه أو لغيره ولو لاخيه على الصحيح كما في المحيط. وفي الظهيرية: ولو قال أل ثم قال الحمد لله أو لم يقل لا تفسد صلاته. وقال المرغيناني: إن أنصاف الكلمة مثل كل الكلمة تفسد صلاته، ثم ذكر ضابطا للدعاء بما يشبه كلامنا فقال: الحاصل أنه إذا دعا بما جاء في الصلاة أو في القرآن أو في المأثور لا تفسد صلاته، وإن لم يكن في القرآن أو في المأثور ولا يستحيل سؤاله تفسد، وإن كان يستحيل سؤاله لا تفسد اه‍. ويشكل عليه اللهم اغفر لعمي أو خالي فإنه نقل أنها تفسد اتفاقا كما قدمناه قوله: (والانين والتاوه وارتفاع بكائه من وجع أو مصيبة لا من ذكر جنة أو نار) أي

[ 6 ]

يفسدها، أما الانين فهو أن يقول أه كما في الكافي، والتأوه هو أن يقول أوه ويقال أوه الرجل تأويها وتأوه تأوها إذا قال أوه. وقال في المغرب: وهي كلمة توجع. ورجل أواه كثير التأوه. وذكر العلامة الحلبي في شرح المنية أن فيها ثلاث عشرة لغة فالهمزة مفتوحة في سائرها، ثم قد تمد وقد لا تمدمع تشديد الواو المفتوحة وسكون الهاء فهاتان لغتان، ولا تمد مع تشديد الواو المكسورة وسكون الهاء وكسرها فهاتان أخريان، ومع سكون الواو وكسر الهاء فهذه خامسة، ومع تشديد الواو مفتوحة ومكسورة بلا هاء فهاتان سادسة وسابعة، وأو على مثال أو العاطفة فهذه ثامنة، وتمد لكن يليها هاء ساكنة ومكسورة بلا واو فهاتان تاسعة وعاشرة، والحادية عشرة والثانية عشرة أو ياه بمد الهمزة وعدمه وفتح الواو المشدودة يليها ياء مثناة ثم ألف ثم هاء ساكنة، والثالثة عشرة آو وه بمد الهمزة وضم الواو الاولى وسكون الثانية بعدها هاء ساكنة، وحينئذ فتسمية آه أنيناوأوه تأوها اصطلاح اه‍. يعني لا لغة لان من لغات التأوه آه وهي العاشرة، وأما ارتفاع البكاء فهو أن يحصل به حروف وقوله من وجع أو مصيبة قيد للثلاثة، وقوله لامن ذكر جنة أو نار عائد إلى الكل أيضا. فالحاصل أنها إن كانت من ذكر الجنة أو النار فهو دال على زيادة الخشوع، ولو صرح بهما فقال اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار لم تفسد صلاته. وإن كان من وجع أو مصيبة فهو دال على إظهارهما فكأنه قال إني مصاب والدلالة تعمل عمل الصريح إذا لم يكن هناك صريح يخالفها. وهذا كله عندهما، وعن أبي يوسف أن قوله آه لا يفسد في الحالين وأوه يفسد، وقيل الاصل عنده أن الكلمة إذا اشتملت على حرفين وهما زائدان أو أحدهما لا تفسد، وإن كانتا أصليتين تفسد وحروف الزوائد مجموعة في قولنا أمان وتسهيل. ونعني بالزوائد أن الكلمة لو زيد فيها حرف لكان من هذه الحروف لا أن هذه الحروف زوائد أين ما وقعت. قال في الهداية: وقول أبي يوسف لا يقوى لان كلام الناس في متفاهمهم أي

[ 7 ]

أهل العرف يتبع وجود حروف الهجاء وإفهام المعنى، ويتحقق ذلك في حروف كلها زوائد اه‍. وتعقبه الشارحون بأن أبا يوسف إنما يجعل حروف الزوائد كأن لم تكن إذا قلت لا إذا كثرت. وأجاب عنه في فتح القدير بأنه أراد بالجمع الاثنين فصاعدا. وجعل في الظهيرية محل الخلاف فيما إذا أمكن الامتناع عنه أما ما لا يمكن الامتناع عنه فلا يفسد عند الكل كالمريض إذا لم يملك نفسه من الانين والتأوه لانه حينئذ كالعطاس والجشأ إذا حصل بهما حروف قيد بالانين ونحوه فإنه لو استعطف كلبا أو هرة أو ساق حمارا لم تفسد صلاته لانه صوت لا هجاء له. وقيد بارتفاع بكائه لانه لو خرج دمعه من غير صوت لا تفسد صلاته بلا خلاف في كل حال. كذا في شرح الجامع الصغير لقاضيخان. والتأفيف كالانين كأف وتف. ثم أف اسم فعل لا تضجر، وقيل لتضجرت، وسواء أراد به تنقية موضع سجوده أو أراد به التأفيف فإن الصلاة تفسد عندهما مطلقا. وقال أبو يوسف بعدمه، لكن في المجتبى: الصحيح أن خلافه إنما هو في المخفف وفي المشدد تفسد عندهم ويعارضه ما في الخلاصة أن الاصل عنده أن في الحرفين لا تفسد صلاته، وفي أربعة أحرف تفسد، وفي ثلاثة أحرف اختلف المشايخ فيها والاصح أنها لا تفسد اه‍. وبما فيها اندفع ما اعترض به الشارحون على الهداية في قوله ويتحقق ذلك في حروف كلها زوائد كما لا يخفى. وفي الخانية: ولو لدغته عقرب أو أصابه وجع فقال بسم الله قال الشيخ الامام أبو بكر محمد بن الفضل: تفسد صلاته ويكون بمنزلة الانين. وهكذا روي عن أبي حنيفة. وقيل لا تفسد لانه ليس من كلام الناس. وفي النصاب: وعليه الفتوى. وجزم به في الظهيرية، وكذا لو قال يا رب كما في الذخيرة. وفي الظهيرية: ولو وسوسه الشيطان فقال لا حول ولا قوة إلا بالله إن كان ذلك لامر الآخرة لا تفسد وإن كان لامر الدنيا تفسد خلافا لابي يوسف. ولو عوذ نفسه بشئ من القرآن للحمى ونحوها تفسد عندهم قوله: اه‍. بخلاف التعوذ لدفع الوسوسة لا تفسد مطلقا كما في القنية (والتنحنح بلا عذر) وهو أن يقول أح بالفتح والضم والعذر وصف يطرأ على المكلف يناسب التسهيل عليه، فإن كان التنحنح لعذر فإنه لا يبطل الصلاة بلا خلاف وإن حصل

[ 8 ]

به حروف لانه جاء من قبل من له الحق فجعل عفوا، وإن كان من غير عذر ولا غرض صحيح فهو مفسد عندهما خلافا لابي يوسف في الحرفين، وإن كان بغير عذر لكن لغرض صحيح كتحسين صوته للقراءة أو للاعلام أنه في الصلاة أو ليهدي إمامه عند خطائه ففيه اختلاف، فظاهر الكتاب والظهيرية اختيار الفساد لكن الصحيح عدمه لان ما للقراءة ملحق بها كما في فتح القدير وغيره. فلو قال بلا عذر وغرض صحيح لكان أولى إلا أن يستعمل العذر فيما هو أعم من المضطر إليه. قيدنا بأن يظهر له حروف لانه لو لم يظهر له حروف مهجاة فإنه لا يفسدها اتفاقا لكنه مكروه وهو محمل قول من قال إن التنحنح قصدا واختيارا مكروه لانه عبث لعروه عن الفائدة. وقيد بالتنحنح لانه لو تثاءب فحصل منه صوت أو عطس فحصل منه صوت مع الحروف لا تفسد صلاته. كذا في الظهيرية. ثم قال: التنحنح في الصلاة إن لم يكن مسموعا لا تفسد، وإن كان مسموعا يفسد. ظن بعض مشايخنا أن المسموع ما يكون مهجى. نحو أف وتف وغير المسموع ما لا يكون مهجى إلى هذا مال شمس الائمة الحلواني. وبعض مشايخنا لم يشترطوا وإليه مال الشيخ الامام خواهر زاده حتى قيل: إذا قال في صلاته ما يساق به الحمار لا تفسد إذا لم يحصل به الحروف اه‍. واختار الاول صاحب الخلاصة وذكر أنه إذا لم يفسد فهو مكروه قوله: (وجواب عاطس بيرحمك الله) أي يفسدها لانه من كلام الناس ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لقائله وهو معاوية بن الحكم أن صلاتنا هذه لا يصح فيها شئ من كلام الناس فجعل التشميت منه قيد بكونه جوابا لانه لو قال العاطس لنفسه يرحمك الله يا نفسي لا تفسد لانه لما لم يكن خطابا لغيره لم يعتبر من كلام الناس كما إذا قال يرحمني الله. وقيد بقوله يرحمك الله لانه لو قال العاطس أو السامع الحمد لله لا تفسد لانه لم يتعارف جوابا وإن قصده وفيه اختلاف المشايخ، ومحله عند إرادة الجواب، أما إذا لم يرده بل قاله رجاء الثواب لا تفسد بالاتفاق. كذا في غاية البيان. ومحله أيضا عند عدم إرادة التفهيم فلو أراده تفسد صلاة السامع القائل الحمد لله لانه تعليم للغير من غير حاجة كما في منية المصلي وشرحها. وأشار المصنف بالجواب إلى أن المصلي لو عطس فقال له رجل يرحمك الله فقال العاطس آمين تفسد صلاة. ولهذا قال في الظهيرية. رجلان يصليان فعطس أحدهما فقال رجل خارج الصلاة يرحمك الله فقالا جميعا آمين تفسد صلاته

[ 9 ]

العاطس ولا تفسد صلاة الآخر لانه لم يدع له اه‍. أي لم يجبه ويشكل عليه ما في الذخيرة إذا أمن المصلي لدعاء رجل ليس في الصلاة تفسد صلاته اه‍. وهو يفيد فساد صلاة المؤمن الذي ليس بعاطس وليس ببعيد كما لا يخفى. وأشار إلى أن المصلي إذا سمع الاذان فقال مثل ما يقول المؤذن، إن أراد جوابه تفسد وإلا فلا. وإن لم تكن له نية تفسد لان الظاهر أنه أراد به الاجابة، وكذلك إذا سمع اسم النبي صلى الله عليه وسلم فصلى عليه فهذا إجابة فتفسد، وإن صلى عليه ولم يسمع اسمه لا تفسد. ولو قال لبيك سيدي حين قرأ * (يا أيها الذين آمنوا) * ففيه قولان والاحسن أن لا يفعل. كذا في المحيط وفي الذخيرة معزيا إلى نوادر بشر عن أبي يوسف أنه إذا عطس الرجل في الصلاة حمد الله، فإن كان وحده فإن شاء أسر به وحرك لسانه، وإن شاء أعلن، وإن كان خلف إمام أسر به وحرك لسانه، ثم رجع أبو يوسف وقال: لا يحرك لسانه مطلقا اه‍. وهو متعين ولهذا قال في الخلاصة: وينبغي أن يقول في نفسه والاحسن هو السكوت. وفي القنية: مسجد كبير يجهر المؤذن فيه بالتكبيرات فدخل فيه رجل نادى المؤذن أن يجهر بالتكبير فرفع الامام للحال وجهر المؤذن بالتكبير، فإن قصد جوابه فسدت صلاته، وكذا لو قال عند ختم الامام قراءته صدق الله وصدق الرسول، وكذا إذا ذكر في تشهده الشهادتين عند ذكر المؤذن الشهادتين تفسد إن قصد الاجابة اه‍..

[ 10 ]

قوله: (وفتحه على غير إمامه) أي يفسدها لانه تعليم وتعلم لغير حاجة. قيد به لانه لو فتح على إمامه فلا فساد لانه تعلق به إصلاح صلاته، أما إن كان الامام لم يقرأ الفرض فظاهر، وأما إن كان قرأ ففيه اختلاف، والصحيح عدم الفساد لانه لو لم يفتح ربما يجري على لسانه ما يكون مفسدا فكان فيه إصلاح صلاته. ولاطلاق ما روي عن علي رضي الله عنه إذا استطعمكم الامام فأطعموه واستطعامه سكوته. ولهذا لو فتح على إمامه بعدما انتقل إلى آية أخرى لا تفسد صلاته وهو قول عامة المشايخ لاطلاق المرخص. وفي المحيط ما يفيد أنه المذهب فإن فيه وذكر في الاصل والجامع الصغير أنه إذا فتح على إمامه يجوز مطلقا لان الفتح وإن كان تعليما ولكن التعليم ليس بعمل كثير وأنه تلاوة حقيقة فلا يكون مفسدا وإن لم يكن محتاجا إليه. وصحح في الظهيرية أنه لا تفسد صلاة الفاتح على كل حال وتفسد صلاة الامام إذا أخذ من الفاتح بعدما انتقل إلى آية أخرى. وصحح المصنف في الكافي أنه لا تفسد صلاة الامام أيضا، فصار الحاصل أن الصحيح من المذهب أن الفتح على إمامه لا يوجب فساد صلاة أحد، لا الفاتح ولا الآخذ مطلقا في كل حال. ثم قيل: ينوي الفاتح بالفتح على إمامه التلاوة، والصحيح أنه ينوي الفتح دون القراءة لان قراءة المقتدي منهي عنها والفتح على إمامه غير منهي عنه. قالوا: يكره للمقتدي أن يفتح على إمامه من ساعته، وكذا يكره للامام أن يلجئهم إليه بأن يقف ساكتا بعد الحصر أو يكرر الآية بل يركع إذا جاء أوانه أو ينتقل إلى آية أخرى لم يلزم من وصلها ما يفسد الصلاة أو ينتقل إلى سورة أخرى كما في المحيط. واختلفت الرواية في وقت أوان الركوع ففي بعضها اعتبر أوانه المستحب، وفي بعضها اعتبر فرض القراءة يعني إذا قرأ مقدار ما تجوز به الصلاة ركع. كذا في السراج الوهاج. وأراد من الفتح على غير إمامه تلقينه على قصد التعليم، أما إن قصد قراءة القرآن فلا تفسد عند الكل. كذا في الخلاصة وغيرها. وأطلق في الفتح المذكور فشمل ما إذا تكرر منه أو كان مرة واحدة وهو الاصح لانه لما اعتبر كلاما جعل نفسه قاطعا من غير فصل بين القليل والكثير كما في الجامع الصغير. وفصل في البدائع بأنه إن فتح بعد استفتاح فصلاته تفسد بمرة واحدة، وإن كان من غير استفتاح فلا تفسد بمرة واحدة وإنما تفسد بالتكرار اه‍. وهو خلاف المذهب كما سمعت، وشمل ما إذا كان المفتوح عليه مصليا أو لا. وأشار المصنف إلى أنه لو أخذ المصلي

[ 11 ]

غير الامام بفتح من فتح عليه فإن صلاته تفسد كما في الخلاصة. ثم اعلم أن هذا كله على قول أبي حنيفة ومحمد، وأما على قول أبي يوسف فلا تفسد صلاة الفاتح مطلقا لانه قرآن فلا يتغير بقصد القارئ عنده. وفي القنية: ارتج على الامام ففتح عليه من ليس في صلاته وتذكر فإذا أخذ في التلاوة قبل تمام الفتح لم تفسد وإلا فتفسد لان تذكره يضاف إلى الفتح، وفتح المراهق كالبالغ. ولو سمعه المؤتم ممن ليس في الصلاة ففتحه على إمامه يجب أن تبطل صلاة الكل لان التلقين من خارج اه‍. قوله: (والجواب بلا إله إلا الله) أي يفسدها عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: لا يكون مفسدا لانه ثناء بصيغته فلا يتغير بعزيمته. ولهما أنه أخرج الكلام مخرج الجواب وهو يحتمله فيجعل جوابا كتشميت العاطس. وليس مقصود المصنف خصوص الجواب بهذه الكلمة بل كل كلمة هي ذكر أو قرآن قصد بها الجواب فهي على الخلاف كما إذا أخبر بخبر يسره فقال الحمد لله، أو بأمر عجيب فقال سبحان الله. ثم نص المشايخ على أشياء موجبة للفساد باتفاقهم وهو ما لو كان بين يدي المصلي كتاب موضوع وعنده رجل اسمه يحيى فقال * (يا يحيى خذ الكتاب بقوة) * (مريم: 12) أو رجل اسمه موسى وبيده عصا فقال له * (وما تلك بيمينك يا موسى) * (طه: 17) أو كان في السفينة وابنه خارجها فقال * (يا بني اركب معنا) * (هود: 42) أو طرق عليه الباب أو نودي من خارجه فقال * (ومن دخله كان آمنا) * (آل عمران: 97) وأراد بهذه الالفاظ الخطاب لانه لا يشكل على أحد أنه متكلم لا قارئ وهي مؤيدة لما قالاه واردة على أبي يوسف، ومما أورد على أبي يوسف الفتح على غير إمامه فإنه مفسد عنده وهو قرآن. كذا في فتح القدير. وأجاب عنه في غاية البيان بأن الفساد عنده فيه لامر آخر وهو التعليم والايراد مدفوع من أصله لان أبا يوسف لا يقول بالفساد بالفتح على غير إمامه كما ذكرها لزيلعي

[ 12 ]

وغيره. ثم اختلف المشايخ فيما إذا أخبر بخبر يسوءه فاسترجع لذلك بأن قال * (إنا لله وإنا إليه راجعون) * مريدا بذلك الجواب، وصحح في الهداية والكافي الفساد عندهما خلافا لابي يوسف. وقال بعض المشايخ: إنه مفسد اتفاقا، ونسبه في غاية البيان إلى عامة المشايخ. وقال قاضيخان: إنه الظاهر. ولعل الفرق على قوله أن الاسترجاع لاظهار المصيبة وما شرعت الصلاة لاجله والتحميد لاظهار الشكر والصلاة شرعت لاجله. وحكم لا حول ولا قوة إلا بالله كالاسترجاع كما هو في منية المصلي. وقدمنا أنه لو قالها لدفع الوسوسة لامر الدنيا تفسد ولامر الآخرة لا تفسد. ثم أطلق المصنف الجواب بلا إله إلا الله وقيده في الكافي بصورة بأن قيل بين يديه أمع الله إله اخر فقال لاإله إلا الله والظاهر عدم التقييد بهذه الصورة في فتاوى قاضيخان أنه لو أخبر بخبر يهوله فقال لا إله إلا الله أو الله أكبر وأراد الجواب فسدت. ومما ألحق بالجواب ما في المجتبي: لو سج أو هلل يريد زجرا عن فعل أو أمرا به فسدت عندهما. وقيد بالجواب لانه لو أراد به إعلامه أنه في الصلاة كما إذا استأذن على المصلي إنسان فسبح وأراد به إعلامه أنه في الصلاة لم يقطع صلاته، وكذا لو عرض للامام شئ فسبح المأموم لا بأس به لان المقصود به إصلاح الصلاة فسقط حكم الكلام عند الحاجة إلى الاصلاح. ولا يسبح للامام إذا قام إلى الاخريين لانه لا يجوز له الرجوع إذا كان إلى القيام أقرب فلم يكن التسبيح مفيدا. كذا في البدائع وينبغي فساد الصلاة به لان القياس فسادها به عند قصد الاعلام، وإنما ترك للحديث الصحيح من نابه شئ في صلاته فليسبح (1) فللحاجة لم يعمل بالقياس، فعند عدمها يبقى الامر على أصل القياس. ثم رأيته في المجتبي قال: ولو قام إلى الثالثة في الظهر قبل أن يقعد فقال المقتدي سبحان الله، قيل لا تفسد. وعن الكرخي: تفسد عندهما اه‍. وقد قدمنا حكم ما

[ 13 ]

إذا أجاب المؤذن أو صلى على النبي صلى الله عليه وسلم. ولو لعن الشيطان في الصلاة عند قراءة ذكره لا تفسد. وفي الخانية والظهيرية: ولو قرأ الامام آية الترغيب أو الترهيب فقال المقتدي صدق الله وبلغت رسله فقد أساء ولا تفسد صلاته اه‍. وهو مشكل لانه جواب لامامه، ولهذا قال في المبتغى بالمعجمة: ولو سمع المصلي من مصل آخر * (ولا الضالين) * (الفاتحة: 7) فقال آمين لا تفسد، وقيل تفسد وعليه المتأخرون. وكذا بقوله عند ختم الامام قراءته صدق الله وصدق الرسول اه‍. وفي المجتبى: ولو لبى الحاج تفسد صلاته. ولو قال المصلي في أيام التشريق الله أكبر لا تفسد، ولو أذن في الصلاة وأراد به الاذان فسدت صلاته. وقال أبو يوسف: لا تفسد حتى يقول حي على الصلاة حي على الفلاح ولو جرى على لسانه نعم إن كان هذا الرجل يعتاد في كلامه نعم تفسد صلاته، وإن لم يكن عادة له لا تفسد لان هذه الكلمة في القرآن فتجعل منه. ثم اعلم أنه وقع في المجتبي وقيل لا تفسد في قولهم أي لا تفسد الصلاة بشئ من الاذكار المتقدمة إذا قصد بها الجواب في قول أبي حنيفة وصاحبيه، ولا يخفى أنه خلاف المشهور المنقول متونا وشروحا وفتاوي، لكن ذكر في الفتاوي الظهيرية في بعض المواضع أنه لو أجاب بالقول بأن يخبر بخبر يسره فقال الحمد لله رب العالمين أو بخبر يسوءه فقال إنا لله وإنا إليه راجعون تفسد صلاته والاصح أنه لا تفسد صلاته اه‍. وهو تصحيح مخالف للمشهور. قوله: (والسلام ورده) لانه من كلام الناس. أطلقه فشمل العمد والسهو كما صرح به في الخلاصة. وشمل ما إذا قال السلام فقط من غير أن يقول عليكم كما في الخلاصة أيضا. وفي الهداية ما يخالفه فإنه قال بخلاف السلام ساهيا لانه من الاذكار فيعتبر ذكرا في حالة النسيان وكلاما في حالة التعمد لما فيه من كاف الخطاب اه‍. وتبعه الشارحون. وهكذا قيد صدر الشريعة السلام بالعمد ولم يقيد الرد به. قال الشمنى: لان رد السلام مفسد، عمدا كان أو سهوا، لان رد

[ 14 ]

السلام ليس من الاذكار بل هو كلام وخطاب والكلام مفسد مطلقا اه‍. وهكذا قيد السلام بالعمد في المجمع ولم أر من وفق بين العبارات، وقد ظهر لي أن المراد بالسلام المفسد مطلقا أن يكون لمخاطب حاضر فهذا لا فرق فيه بين العمد والنسيان أي نسيان كونه في الصلاة، وأن المراد بالسلام المفسد حالة العمد فقط أن لا يكون لمخاطب حاضر كما قالوا: لو سلم على رأس الركعتين في الرباعية ساهيا، فإن صلاته لا تفسد. وكذا لو سلم المسبوق مع الامام. ثم بعد ذلك رأيت التصريح به في البدائع أن السلام على إنسان مبطل مطلقا، وأما السلام وهو الخروج من الصلاة فإنه مفسد إن كان عمدا والله الموفق. وفي القنية سلم قائما على ظن أنه أتم الصلاة ثم علم أنه لم يتم فسدت، وقيل يبنى لانه سلم في غير محله بخلاف القعود وصلاه الجنازة اه‍. وهو مقيد لاطلاقهم بما إذا كان السلام حالة القعود. وفيها: سلم المسبوق ساهيا ودعا بدعاء كان عادته أعاد، ولو قال استغفر الله وهو عادته لا يعيد. ولو قال المسبوق بعد الترويحة سبحان الله إلى آخره كما هو المعتاد ينبغي أن لا تفسد قرأ المسبوق الفاتحة بعد سلام الامام على المحتاج ناسيا فسدت اه‍. ثم هذا كله إذا سلم أورد بلسانه، أما إذا رد السلام بيده ففي الفتاوى الظهيرية والخلاصة وغيرهما ولو سلم إنسان على المصلي وأشار إلى رد السلام برأسه أو بيده أو بأصبعه لا تفسد صلاته، ولو طلب إنسان من المصلي شيئا فأومأ برأسه أو قيل له أجيد هذا فأومأ برأسه بلا أو بنعم لا تفسد صلاته اه‍. وفي المجمع: لو رد السلام بلسانه أو بيده فسدت، ومن العجب أن العلامة ابن أمير حاج الحلبي مع سعة إطلاعه قال: إن بعض من ليس من أهل المذهب قد عزا إلى أبي حنيفة أن الصلاة تفسد بالرد باليد وأنه لم يعرف أن أحدا من أهل المذهب نقل الفساد في رد السلام باليد وإنما يذكرون عدم الفساد من غير حكاية خلاف في المذهب فيه، بل وصريح كلام الطحاوي في

[ 15 ]

شرح الآثار يفيد أن عدم الفساد قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وكأن هذا القائل فهم من نفي الرد بالاشارة الفساد على تقديره كما هو كذلك في الرد بالنطق لكن الثبت ما ذكرنا اه‍. فإن صاحب المجمع من أهل المذهب المتأخرين، والحق ما ذكره العلامة الحلبي أن الفساد ليس بثابت في المذهب وإنما استنبطه بعض المشايخ في فرع نقله من الظهيرية والخلاصة وغيرهما أنه لو صافح المصلي إنسانا بنية السلام فسدت صلاته. ونقل الزاهدي بعد نقله عن حسام الائمة المودني أنه قال: فعلى هذا تفسد أيضا إذا رد بالاشارة لانه كالتسليم باليد. وكذا نكره البقالي وقال: عند أبي يوسف لا تفسد اه‍. ويدل لعدم كونه مفسدا ما ثبت في سنن أبي داود وصححه الترمذي عنابن عمر قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى قباء فصلى فيه قال فجاءته الانصار فسلموا عليه وهو يصلي فقلت لبلال: كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يرد السلام عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال: يقول هكذا وبسط كفه وبسط جعفر بن عون كفه وجعل بطنه أسفل وجعل ظهره إلى فوق. وما عن صهيب: مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسلمت عليه فرد علي إشارة ولا أعلمه قال الاشارة بأصبعه. رواه أبو داود والترمذي وحسنه. فإن قلت: إنها تقضي عدم الكراهة وقد صرحوا كما في منية المصلي وغيرها بكراهة السلام على المصلي ورده بالاشارة أجاب العلامة الحلبي بأنها كراهة تنزيهة وفعله عليه السلام لها إنما كان تعليما للجواز فلا يوصف بالكراهة، وقد أطال رحمه الله الكلام هنا إطالة حسنة كما هو دأبه. وحينئذ فيحتاج إلى الفرق بين المصافحة والرد باليد وقد علل

[ 16 ]

الولوالجي لفسادها بالمصافحة بأنها سلام وهو مفسد. وعلل الزيلعي بأنها كلام معنى ويرد عليه أن الرد بالاشارة كلام معنى، فالظاهر استواء حكمهما وهو عدم الفساد للاحاديث الواردة في ذلك. ثم اعلم أنه يكره السلام على المصلي والقارئ والجالس للقضاء أو البحث في الفقه أو التخلي، ولو سلم عليهم لا يجب عليهم الرد لانه في غير محله. كذا ذكر الشارح. وصرح في فتح القدير من باب الاذان أن السلام على المتغوط حرام ولا يخفى ما فيه إذ الدليل ليس بقطعي والله سبحانه أعلم. قوله: (وافتتاح العصر أو التطوع لا الظهر بعد ركعة الظهر) أي يفسدها انتقاله من صلاة إلى أخرى مغايرة للاولى، فقوله بعد ركعة الظهر ظرف للافتتاح وصورتها: صلى ركعة من الظهر ثم افتتح العصر أو التطوع بتكبيرة فقد أفسد الظهر. وتفسير المسألة أن لا يكون صاحب ترتيب بأن بطل عنه بضيق الوقت أو بكثرة الفوائت، فإن كان صاحب ترتيب فالمنتقل إلى العصر متطوع عند أبي حنيفة وأبي يوسف لانه لا يلزم من بطلان الوصف بطلان الاصل عندهما، وإن انتقل إلى عصر سابق على الظهر فقد انتقض وصف الفرضية قبل الدخول في العصر للترتيب فإنما انتقل عن تطوع لا فرض. كذا في الكافي. وإنما بطل ظهره لانه صح شروعه في غيره لانه نوى تحصيل ما ليس بحاصل فيخرج عنه ضرورة لمنافاة بينهما، فمناط الخروج عن الاولى صحة الشروع في المغاير ولو من وجه، فلذا لو كان منفردا

[ 17 ]

في فرض فكبر ينوي الاقتداء أو النفل أو الواجب أو شرع في جنازة فجئ بأخرى فكبر ينويهما أو الثانية يصير مستأنفا على الثانية فقط بخلاف ما إذا لم ينو شيئا، ولو كان مقتديا فكبر للانفراد يفسد ما أدى قبله ويصير مفتتحا ما أداه ثانيا. وقوله لا الظهر يعني لو صلى ركعة من الظهر فكبر ينوي الاستئناف للظهر بعينها فلا يفسد ما أداه فيحتسب بتلك الركعة حتى لو لم يقعد فيما بقي القعدة الاخيرة باعتبارها فسدت الصلاة فلغت النية الثانية، وتفرع عليه ما ذكره الولوالجي إذا صلى الظهر أربعا فلما سلم تذكر أنه ترك سجدة منها ساهيا ثم قام واستقبل الصلاة وصلى أربعا وسلم وذهب فسد ظهره لان نية دخوله في الظهر ثانيا وقع لغوا، فإذا صلى ركعة فقد خلط المكتوبة بالنافلة قبل الفراغ من المكتوبة اه‍. ومعلوم أن هذا إذا لم يتلفظ بلسانه، فإن قال نويت أن أصلي إلى آخره فسدت الاولى وصار مستأنفا للمنوي ثانيا مطلقا لان الكلام مفسد. وقيد بالصلاة لانه لو صام قضاء رمضان وأمسك بعد الفجر ثم نوى بعده نفلا لم يخرج عنه بنية النفل لان الفرض والنفل في الصلاة جنسان مختلفان لارجحان لاحدهما على الآخر في التحريمة وهما في الصوم والزكاة جنس واحد. كذا في المحيط. قوله: (وقراءته من مصحف) أي يفسدها عند أبي حنيفة. وقالا: هي تامة لانها عبادة انضافت إلى عبادة إلا أنه يكره لانه تشبه بصنيع أهل الكتاب. ولابي حنيفة وجهان: أحدهما أن حمل المصحف والنظر فيه وتقليب الاوراق عمل كثير. الثاني أنه تلقن من المصحف فصار كما إذا تلقن من غيره. وعلى هذا الثاني لا فرق بين الموضوع والمحمول عنده، وعلى الاول يفترقان. وصحح المصنف في الكافي الثاني وقال: إنها تفسد بكل حال تبعا لما صححه شمس وعلى الائمة السرخسي. وربما يستدل لابي حنيفة كما ذكره العلامة الحلبي بما أخرجه ابن أبي داود عن ابن عباس قال: نهانا أمير المؤمنين أن نؤم الناس في المصحف فإن الاصل كون النهي يقتضي الفساد، وأراد بالمصحف المكتوب فيه شئ من القرآن فإن الصحيح أنه لو قرأ من

[ 18 ]

المحراب فسدت كما هو مقتضى الوجه الثاني كما صرحوا به. وأطلقه فشمل القليل والكثير وما إذا لم يكن حافظا أو حافظا للقرآن وهو إطلاق الجامع الصغير، وذهب بعضهم إلى أنه إنما تفسد إذا قرأ آية وبعضهم إذا قرأ الفاتحة. وقال الرازي: قول أبي حنيفة محمول على من لم يحفظ القرآن ولا يمكنه أن يقرأ إلا من مصحف، فأما الحافظ فلا تفسد صلاته في قولهم جميعا وتبعه على ذلك السرخسي في جامعة الصغير على ما في النهاية وأبو نصر الصفار على ما في الذخيرة معللا بأن هذه القراءة مضافة إلى حفظه لا إلى تلقنه من المصحف، وجزم به في فتح القدير والنهاية والتبيين وهو أوجه كمالا يخفى. وفي الظهيرية: ثم لم يذكر في الكتاب أنه إذا لم يكن قادرا إلا على القراءة من المصحف فصلى بغير قراءة هل تجوز والاصح أنها لا تجوز ا ه‍. ويخالفه ما في النهاية نقلا عن مبسوط شيخ الاسلام وكان الشيخ الامام أبو بكر محمد بن الفضل يقول في التعليل لابي حنيفة أجمعنا على أن الرجل إذا كان يمكنه أن يقرأ من المصحف ولا يمكنه أن يقرأ على ظهر قلبه أنه لو صلى بغير قراءة أنه يجزئه، ولو كانت القراءة من المصحف جائزة لما أبيحت الصلاة بغير قراءة ولكن الظاهر أنهما لا يسلمان هذه المسألة وبه قال بعض المشايخ ا ه‍. والظاهر أن ما في الظهيرية متفرع على أن علة الفساد حمله والعمل الكثير فإذا لم يحفظ شيئا على ظهر قلبه يمكنه أن يقرأ من المصحف وهو موضوع فليس أميا لتجوز صلاته بغير قراءة، وما ذكره الامام الفضلي متفرع على الصحيح من أن علة الفساد تلقنه ولو كان موضوعا فحينئذ لا قدرة له على القراءة فكان أميا، وبهذا ظهر أن تصحيح الظهيرية مفرع على الضعيف. وأطلق في المصلي فشمل الامام والمنفرد، فما في الهداية من تقييده بالامام اتفاقي كما في غاية البيان. ثم اعلم أن التشبيه بأهل الكتاب لا يكره في كل شئ فإنا نأكل ونشرب كما يفعلون، إنما الحرام هو التشبه فيما كان مذموما وفيما يقصد به التشبيه. كذا ذكرهما قاضيخان في شرح الجامع الصغير فعلى هذا لو لم يقصد التشبه لا يكره عندهما.

[ 19 ]

قوله: (والاكل والشرب) أي يفسدانها لان كل واحد منهما عمل كثير وليس من أعمال الصلاة ولا ضرورة إليه. وعلل قاضيخان وجه كونه كثيرا بقوله: لانه عمل اليد والفم واللسان. قال العلامة الحلبي: وهو مشكل بالنسبة إلى ما لو أخذ من خارج سمسمة فابتلعها أو وقع في فيه قطرة مطر فابتلعها فإنهم نصوا على فساد الصلاة في كل من هذه الصور مطلقا ا ه‍. أطلقه فشمل العمد والنسيان لان حالة الصلاة مذكرة فلا يعفى النسيان بخلاف الصوم فإنه لا مذكر فيه. وشمل القليل والكثير ولهذا فسره في الحاوي بقدر ما يصل إلى الحلق، وقيده الشارح بما يفسد الصوم وما لا يفسد الصوم لا يبطل الصلاة ا ه‍. وهو ممنوع كليا فإنه لو ابتلع شيئا بين أسنانه وكان قدر الحمصة لا تفسد صلاته وفي الصوم يفسد. وفرق بينهما الولوالجي وصاحب المحيبأن فساد الصلاة معلق بعمل كثير ولم يوجد بخلاف فساد الصوم فإنه معلق بوصول المغذي إلى جوفه لكن في البدائع والخلاصة أنه لا فرق بين فساد الصلاة والصوم في قدر الحمصة. وفي الظهيرية: لو ابتلع دما خرج من بين أسنانه لم تفسد صلاته إذا لم يكن مل ء الفم ا ه‍. وقالوا في باب الصوم: لو خرج من بين أسنانه دم ودخل حلقه وهو صائم إن كان الغلبة للدم أو كانا سواء فطره لان له حكم الخارج، وإن كانت الغلبة للبراق لا يضره كما في الوضوء فقد فرقوا بين الصلاة والصوم. وفي الظهيرية: لو قاء أقل من مل ء الفم فعاد إلى جوفه وهو لا يملك إمساكه لم تفسد صلاته، وإن أعاده إلى جوفه وهو قادر على أن يمجه يجب أن يكون على قياس الصوم عند أبي يوسف لا تفسد، وعند محمد تفسد. وإن تقيأ في صلاته إن كان أقل من مل ء الفم لا تفسد، وإن كان مل ء الفم تفسد صلاته ا ه‍. وفي المحيط وغيره: ولو مضغ العلك كثيرا فسدت، وكذا لو كان في فمه إهليلجة فلاكها فإن دخل في حلقه منها شئ يسير من غير أن يلوكها لا تفسد وإن كثر ذلك فسدت. وفي الخلاصة: ولو أكل شيئا من الحلاوة وابتلع عينها فدخل في الصلاة فوجد حلاوتها في فيه وابتلعها لا تفسد صلاته. ولو دخل الفانيد أو السكر في فيه ولم يمضغه لكن يصلي والحلاوة تصل إلى جوفه تفسد صلاته ا ه‍. وأشار بالاكل والشرب إلى أن كل عمل كثير فهو مفسد، واتفقوا على أن الكثير مفسد والقليل لا لامكان الاحتراز عن الكثير دون القليل فإن في الحي حركات من الطبع وليست من الصلاة، فلو اعتبر العمل مفسدا مطلقا لزم الحرج في إقامة صحتها وهو مدفوع بالنص.

[ 20 ]

ثم اختلفوا فيما يعين الكثرة والقلة على أقوال: أحدها ما اختاره العامة كما في الخلاصة والخانية أن كل عمل لا يشك الناظر أنه ليس في الصلاة فهو كثير، وكل عمل يشتبه على الناظر أن عامله في الصلاة فهو قليل. قال في البدائع: وهذا أصح. وتابعه الشارح والولوالجي. وقال في المحيط: إنه الاحسن. وقالالصدر الشهيد: إنه الصواب. وذكر العلامة الحلبي أن الظاهر أن مرادهم بالناظر من ليس عنده علم بشروع المصلي في الصلاة فحينئذ إذا رآه على هذا العمل وتيقن أنه ليس في الصلاة فهو عمل كثير، وإن شك فهو قليل. ثانيها أن ما يقام باليدين عادة كثير وإن فعله بيد واحدة كالتعمم ولبس القميص وشد السراويل والرمي عن القوس وما يقام بيد واحدة قليل، ولو فعله باليدين كنزع القميص وحل السراويل ولبس القلنسوة ونزعها ونزع اللجام وما أشبه ذلك. كذا ذكره الشارح ولم يقيد في الخلاصة والخانية ما يقام باليدين بالعرف، وقيد في الخانية ما يقام بيد واحدة بما إذا لم يتكرر والمراد بالتكرر ثلاث متواليات لما في الخلاصة: وإن حك ثلاثا في ركن واحد تفسد صلاته. هذا إذا رفع يده في كل مرة، أما إذا لم يرففي كل مرة فلا تفسد لانه حك واحد ا ه‍. وهو تقييد غريب وتفصيل عجيب ينبغي حفظ لكن في الظهيرية معزيا إلى الصدر الشهيد حسام الدين: لو حك موضعا من جسده ثلا ث مرات بدفعة واحدة تفسد صلاته ا ه‍. ولم أر من صحح القول الثاني في تحديد العمل وقد يقال إنه غير صحيح وإنه لو مضغ العلك في صلاته فسدت صلاته. كذا ذكره محمد كما في البدائع، لان الناظر إليه من بعيد لا يشك أنه في غير الصلاة وليس فيه استعمال اليد رأسا فضلا عن استعمال اليدين، وكذا الاكل والشرب يعمل بيد واحدة وهو مبطل اتفاقا، وكذا قولهم لو دهن رأسه أو سرح شعره سواء كان شعر رأسه أو لحيته تفسد صلاته، لا يتخرج على أن العمل الكثير ما يقام باليدين لان دهن الرأس وتسريح الشعر عادة يكون بيد واحدة إلا أن يريد بالدهن تناوله القارورة وصب الدهن منها بيده الاخرى وهو كذلك فإن في المحيط قال: ولو صب الدهن على رأسه

[ 21 ]

بيد واحدة لا تفسد، وتعليل الولوالجي بأن تسريح الشعر يفعل باليدين ممنوع. وأما قولهم ولو حملت صبيا فأرضعته تفسد فهو على سائر التفاسير لكن ما في الخلاصة والخانية: المرأة إذا أرضعت ولدها تفسد صلاتها لانها صارت مرضعة، فشمل ما إذا حمل إليها فدفعت إليه الثدي فرضعها، وأما إذا ارتضع من ثديها وهي كارهة ففي الظهيرية والخلاصة والخانية إن مص ثلاثا فسدت وإن لم ينزل اللبن، فإن كان مصة أو مصتين فإن نزل لبن فسدت وإلا فلا. وفي المنية والمحيط: إن خرج اللبن فسدت وإلا فلا من غير تقييد بعدد. وصححه في معراج الدراية. وأما قولهم لو ضرب إنسانا بيد واحدة أو بسوط تفسد كما في المحيط والخلاصة والظهيرية والمنية فلا يتفرع على ما يقام باليدين على الصحيح لكن في الظهيرية لو ضرب دابته مرة أو مرتين لا تفسد وإن ضربها ثلاثا في ركعة واحدة تفسد. قال رضي الله عنه: وعندي إذا ضرب مرة واحدة وسكن ثم ضرب مرة أخرى وسكن ثم ضرب مرة أخرى لا تفسد صلاته كما قلنا في المشي ا ه‍. وهذا يصلح أن يتفرع على القولين، وأما اعتبارهم المرات الثلاث في الحك كما قدمناه عن الخلاصة فالظاهر تفريعه على قول من فسر العمل الكثير بما تكرر ثلاثا وهو القول الثالث لا على القولين الاولين، وأما قولهم لو قتل القملة مرارا إن قتل قتلا متداركا تفسد، وإن كان بين القتلات فرجة لا تفسد فيصلح تفريعه على الاقوال كلها. وإما قولهم لو قبل المصلي امرأته بشهوة أو بغير شهوة أو مسها بشهوة فسدت ينبغي تفريعه على القول الاصح، وكذا على قول من فسر العمل الكثير بما يستفحشه المصلي. وأما على اعتبار ما يفعل باليدين أو بما تكرر ثلاثا فلا وهو مما يضعفهما كما لا يخفى. كذا لو جامعها فيما دون الفرج من غير إنزال بخلاف النظر إلى فرجها بشهوة فإنه لا يفسد على المختار كما في الخلاصة. وأما قولهم كما في الخانية والخلاصة لو كانت المرأة هي المصلية دونه فقبلها فسدت بشهوة أو بغير شهوة ولو كان هو المصلي فقبلته ولم يشتهها فصلاته تامة فمشكل، إذ ليس من المصلي فعل في الصورتين فمقتضاه عدم الفساد فيهما، فإن جعلنا تمكينه من الفعل بمنزلة فعله اقتضى الفساد فيهما وهو الظاهر على اعتبار أن العمل الكثير ما لو نظر إليه الناظر لتيقن أنه ليس في الصلاة أو ما استفحشه المصلي لكن في شرح الزاهدي: ولو قبل المصلية لا

[ 22 ]

تفسد صلاتها. وقالابو جعفر: إن كان بشهوة فسدت ا ه‍. وهو مخالف لما في الخلاصة والخانية فسدت لتقبيله وتقبيلها. وفي منية المصلي: المشي في الصلاة إذا كان مستقبل القبلة لا يفسد إذا لم يكن متلاحقا ولم يخرج من المسجد وفي الفضاء ما لم يخرج عن الصفوف. هذا كله إذا لم يستدبر القبلة، وأما إذا استدبرها فسدت. وفي الظهيرية: المختار في المشي أنه إذا كثر أفسدها. وأما قولهم كما في منية المصلي لو أخذ حجرا فرمى به تفسد ولو كان معه حجر فرمى به لا تفسد وقد أساء، فظاهره التفريع على الصحيح لا على تفسيره بما يقام باليدين. وأما قولهم كما في الخلاصة وغيرها لو كتب قدر ثلاث كلمات تفسد وإن كان أقل لا، فالظاهر تفريعه على أن الكثير ما يستكثره المبتلي به أو أنه ما تكرر ثلاثا متواليات. وأما على الصحيح فالظاهر أن الفساد لا يتوقف على كتابة ثلاث كلمات بل يحصل الفساد بكتابة كلمة واحدة مستبينة على الارض ونحوها، وقد يشهد بذلك إطلاق ما في المحيط قال محمد: لو كتب في صلاته على شئ فسدت وإن كتب على شئ لا يرى لا تفسد لانه لا يسمى كتابة. وأما قولهم كما في الذخيرة لو حرك رجلا لا على الدوام لا تفسد وإن حرك رجليه تفسد فمشكل، لان الظاهر أن تحريك اليدين في الصلاة لا يبطلها حتى يلحق بهما تحريك الرجلين، فالاوجه قول بعضهم أنه إن حرك رجلية قليلا لا تفسد وإن كان كثيرا فسدت كما في الذخيرة أيضا، ولعله مفوض إلى ما يعده العرف قليلا أو كثيرا. وفي الظهيرية: إذا تخمرت المرأة فسدت صلاتها، ولو أغلق الباب لا تفسد، وإن فتح

[ 23 ]

الباب المغلق تفسد، وإن نزع القميص لا تفسد وللبس تفسد، ولو شد السراويل تفسد ولو فتح لا تفسد، ومن أخذ عنان دابته أو مقودها وهو نجس إن كان موضع قبضه نجسا لم يجز، وإن كان النجس موضعا آخر جاز، وإن كان يتحرك بتحركه هو المختار وإن جذبته الدابة حتى أزالته عن موضع سجوده تفسد. ولو آذاه حر الشمس فتحول إلى الظل خطوة أو خطوتين لا تفسد وقيل في الثلا ث كذلك والاول أصح. ولو رفع رجل المصلي عن مكانه ثم وضعه من غير أن يحوله عن القبلة لا تفسد، ولو وضعه على الدابة تفسد. ولو زر قميصا أو قباء فسدت لا إن حله، وإن ألجم دابة فسدت لا إن خلعه، ولو لبس خفية فسدت لا إن تنعل أو خلع نعليه كما لو تقلد سيفا أو نزعه أو وضع الفتيلة في مسرجة أو تروح بمروحة أو بكمه أو سوى من عمامته كورا أو كورين أو لبس قلنسوة أو بيضة. والحاصل أن فروعهم في هذا الباب قد اختلفت ولم تتفرع كلها على قول واحد بل بعضها على قول وبعضها على غير كما يظهر للمتأمل، والظاهر أن أكثرها تفريعات المشايخ لم تكن منقولة عن الامام الاعظم ولهذا جعل الاختلاف في حد العمل الكثير والقليل في التجنيس إنما هو بين المشايخ، وقد ذكرنا من الاقوال أربعة وذكروا قولا خامسا وهو أن العمل الكثير ما يكون

[ 24 ]

مقصودا للفاعل بأن أفرد له مجلسا على حدة، ولقد صدق من قال كثرة المقالات تؤذن بكثرة الجهالات، ولقد صدق صاحب الفتاوي الظهيرية حيث قال في الفصل الثالث في قراءة القرآن: إن كل ما لم يرو عن أبي حنيفة فيه قول بقي كذلك مضطربا إلى يوم القيامة كما حكي عن أبي يوسف أنه كان يضطرب في بعض المسائل وكان يقول: كل مسألة ليس لشيخنا فيها قول فنحن فيها هكذا اه‍. وإلى هنا تبين أن المفسد للصلاة كلام الناس مطلقا والعمل الكثير، ومن المفسد الموت والارتداد بالقلب والجنون والاغماء وكل حدث عمد، وما أوجب الغسل كالاحتلام والحيض ومحاذاة المرأة بشروطه وترك ركن من غير قضاء أو شرط لغير عذر. وأما استخلاف القارئ للامي والفتح على غير إمامه فداخل تحت العمل الكثير، وأما ترك القعدة الاخيرة مع التقييد بالسجدة، وقدرة المومي على الركوع والسجود، وتذكر صاحب الترتيب الفائتة فيها، وطلوع الشمس في الفجر، ودخول وقت العصر في الجمعة ونظائرها، فمما يفسد وصف الفرضية لا أصل الصلاة، وأما فسادها بتقدم الامام أمام المصلي أو طرحه في صف النساء أو في مكان نجس أو سقوط الثوب عن عورته مع التعمد مطلقا ومع أداء ركن إن لم يتعمد علم أو لم يعلم، ومع المكث قدره إن لم يؤد عند أبي حنيفة ومحمد كما في الظهيرية فراجع إلى فوت الشرط كما لا يخفى. قوله: (ولو نظر إلى مكتوب وفهمه أو أكل ما بين أسنانه أو مر مار في موضع سجوده لا تفسد وإن أثم) أما الاول فلان الفساد إنما يتعلق في مثله بالقراءة وبالنظر مع الفهم لم تحصل، وصحح المصنف في الكافي أنه متفق عليه بخلاف من حلف لا يقرأ كتاب فلان فنظر إليه وفهمه فإنه يحنث عنه محمد لان المقصود فيه الفهم والوقوف على سره. أطلق المكتوب فشمل ما هو قرآن وغيره لكن في القرآن لا تفسد إجماعا بالاتفاق كما في النهاية، وشمل ما إذا استفهم أو لا، لكن إذا لم يكن مستفهما لا تفسد بالاجماع، وإن كان مستفهما ففي المنية تفسد عند محمد والصحيح عدمه اتفاقا لعدم الفعل منه ولشبهة الاختلاف قالوا: ينبغي للفقيه أن لا يضع جز تعليقه بين يديه في الصلاة لانه ربما يقع بصره على ما في الجزء فيفهم ذلك فيدخل فيه شبهة الاختلاف ا ه‍. وعبر في النهاية بالوجوب على الفقيه أن لا يضع لكن قد علمت أن شبهة الاختلاف فيما إذا كان مستفهما، وأما إذا لم يكن مستفهما فلا يعلل بما ذكر لعدم الاختلاف فيه بل لاشتغال قلبه به إذا خاف من وضعه بين يديه اشتغاله بالنظر إليه ولم يذكروا كراهة النظر إلى المكتوب متعمدا، وفي منية المصلي ما يقتضيها فإنه قال: ولو أنشأ شعرا أو خطبة ولم يتكلم بلسانه لا تفسد وقد أساء، وعلل الاساءة شارحها

[ 25 ]

باشتغالة بما ليس من أعمال الصلاة من غير ضرورة قال ثم ينبغي أن يكون عليه سجود السهو إذا أشغله ذلك عن أداء ركن أو واجب سهوا ا ه‍. وبهذا علم أن ترك الخشوع لا يخل بالصحة بل بالكمال ولذا قال في الخلاصة والخانية أذا تفكر في صلاته فتذكر شعرا أو خطبة فقرأهما بقلبه ولم يتكلم بلسانه لا تفسد صلاته اه‍. وأما الثاني وهو أكله ما بين أسنانه فلانه عمل قليل، أطلقه فشمل ما إذا كان قدر الحمصة كما قدمناه عن المحيط والوالجية من الفرق بين الصلاة والصوم. وفي البدائع: إن كان دون الحمصة لم يضره وإن كان قدر الحمصة فصاعدا فسدت صلاته، وهكذا في شرح الطحاوي. وقال بعضهم: لا تفسد صلاته بما دون مل ء الفم وعليه مشي في الخلاصة حيث قال: وقال الامام خواهر زاده: ولو أكل بعض اللقمة وبقي البعض في فيه حتى شرع في الصلاة وابتلع الباقي لا تفسد صلاته ما لم يكن مل ء الفم. فهذه ثلاثة أقوال في هذه المسألة كما ترى والشأن فيما هو الراجح منها وهو ينبني على معرفة العمل الكثير وفيه اختلاف كما سبق، وينبغي أن يكون محل الاختلاف فيما إذا ابتلع ما بين أسنانه من غير مضغ، أما إذا مضغه كثيرا فلا خلاف في فسادها كما قدمناه في مضغ العلك، وعلى هذا فلو عبر المصنف بالابتلاع كما في الخلاصة والمحيط والولوالجية وكثير دون الاكل لكان أولى. ثم إذا كان ابتلاع ما بين أسنانه غير مفسد بشرطه على الخلاف

[ 26 ]

فهو مكروه كما صرح به في منية المصلي لانه ليس من أعمال الصلاة ولا ضرورة فيه فكان مكروها وإن كان قليلا. وأما الثالث وهو مرور المار في موضع سجود المصلي فإنما لا يفسدها عند عامة العلماء، سواء كان المار امرأة أو حمارا أو كلبا أو غيرها لحديث الصحيحين عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي وأنا معترضة بين يديه فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي فإذا قام بسطتهما والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح، ولقوله عليه السلام لا يقطع الصلاة مرور شئ وادرؤوا ما استطعتم فإنما هو شيطان لكن ضعفه النووي. وفي فتح القدير: والذي يظهر أنه لا ينزل عن الحسن لانه يروي من عدة طرق. ثم الكلام في هذه المسألة في سبعة عشرة موضعا: الاول ما ذكره في الكتاب من عدم الفساد. الثاني أن المار آثم للحديث لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه من الوزر لوقف أربعين خير له من أن يمر بين يديه (1) قال الراوي: لا أدري أربعين عاما أو شهرا أو يوما. وأخرجه البزار وقال: أربعين خريفا. وروى ابن ماجه وصححه ابن حبان عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو يعلم أحدكم ما له في أن يمر بين يد أخيه معترضا في الصلاة كان لان يقيم مائة عام خير له من الخطوة التي خطى. وبهذا علم أن الكراهة تحريمية لتصريحهم بالاثم وهو المراد بقوله وإن أثم المار بين يديه. الثالث في الموضع الذي يكره المرور فيه وفيه اختلاف، واختار المصنف أنه موضع سجوده، وصححه في الكافي لان هذا القدر من المكان حقه وفي تحريم ما وراءه تصييق على المارة وهو يفيد أن المراد بموضع سجوده موضع صلاته وهو من قدمه إلى موضع سجوده كما صرح به الشارح وهو مختار صاحب الهداية وشمس الائمة السرخسي وقاضيخان، وفي المحيط إنه الاحسن لان ذلك القدر موضع صلاته دون ما وراءه. وذكر التمرتاشي أن الاصح أنه إن كان بحال لو صلى صلاة خاشع لا يقع بصره على المار فلا يكره المرور نحو أن يكون منتهى بصره في قيامه إلى موضع سجوده، وفي ركوعه إلى صدور قدميه. وفي سجوده إلى أرنبة أنفه، وفي قعوده إلى حجره، وفي سلامه إلى منكبيه، واختاره فخر الاسلام فإنه قال: إذا صلى راميا

[ 27 ]

ببصره إلى موضع سجوده فلم يقع عليه بصره لم يكره وهذا حسن. وفي البدائع وقال بعضهم: قدر ما يقع بصره على المار لو صلى بخشوع وفيما وراء ذلك لا يكره وهو الاصح، ورجحه في النهاية بأنه أشبه إلى الصواب لان المصلي إذا صلى بخشوع وفيما وراء ذلك لا يكره وهو الاصح. ورجحه في النهاية بأنه أشبه إلى الصواب لان المصلي إذا صلى على الدكان وحاذ أعضاء المار أعضاءه فإن المرور أسفل الدكان مكروه وهو ليس بموضع سجود المصلي فهي واردة على من اعتبر موضع السجود، فما اختاره فخر الاسلام يمشي في كل الصور كما هو دأبه في اختياراته، وأقره عليه في فتح القدير. ووفق بينهما في العناية بأن المراد بموضع السجود الموضع القريب من موضع السجود فيؤل إلى ما اختاره فخر الاسلام بدليل أن صاحب الهداية بعد اعتباره موضع السجود شرط عدم الحائل كالاسطوانة، ولا يتصور أن يكون الحائل بينه وبين موضع سجوده وبدليل أنه صرح بمسألة المرور أسفل الدكان ا ه‍. وهو تكلف. والذي يظهر للعبد الضعيف أن الراجح ما في الهداية وأنه لا يرد عليه شئ مما ذكر لان مسألة الدكان إنما ترد عليه نقضا لو سكت عنها. وأما إذا صرح بها فلا فكأنه قال: العبرة بموضع السجود إن لم يكن يصلي علدكان، فأما إذا كان يصلي عليها فالعبرة للمحاذاة كما هو ظاهر عبارته لمن تأملها. وإنما شرط عدم الحائل لانه يتصور وجود الحائل. في موضع السجود كأن يصلي قريبا من جدار بالايماء للمرض بحيث لو لم يكن الجدار لكان موضعه موضع السجود فلا منافاة كما

[ 28 ]

في العناية، أو أن اشتراط عدم الحائل إنما هو بيان لمحل الخلاف فإن المرور وراء الحائل ليس بمكروه اتفاقا كما هو ظاهر عبارتهم لاشرط في المرور في موضع السجود. ومما يضعف تصحيح النهاية أنه يقتضي أن الموضع الذي يكره المرور فيه مختلف يكون في حالة القيام مخالفا لحالة الركوع وفي حالة الجلوس مخالفا للكل فيقتضي أنه لو مر إنسان بين يديه في موضع سجوده وهو جالس لا يكره لان بصره لا يقع عليه حالة كونه خاشعا، ولو مر في ذلك لم يمر في ذلك الموضع بعينه وهو قائم يكره لان بصره يقع عليه حالة خشوعه، وأنه لو مر داخل موضع سجوده وهو راكع لا يكره لان بصره لا يقع عليه حالة خشوعه، وأنه لو مر عن يمينه وهو يسلم بحيث يقع بصره عليه خاشعا يكره، وهذا كله بعيد عن المذهب لعدم انضباطه كما لا يخفى. والاختلاف في موضع المرور إنما هو منشأ بين المشايخ لعدم ذكره في الكتاب لمحمد بن الحسن كما في البدائع وحيث لم ينص صاحب المذهب على شئ فالترجيح لما في الهداية لانضباطه، وهو بإطلاقه يشمل الصحراء والمسجد وفي المسجد اختلاف، ففي الخلاصة: وإذا كان في المسجد لا ينبغي لاحد أن يمر بينه وبين حائط القبلة. وصحح في المحيط أنه لو مر عن بعد في المسجد فالاصح أنه لا يكره، وكذا صححه فخر الاسلام كما في غاية البيان. وذكر قاضيخان في شرحه أن المسجد إذا كان كبيرا فحكمه حكم الصحراء. وفي الذخيرة من الفصل التاسع: إن كان المسجد صغيرا يكره في أي موضع يمر وإليه أشار محمد في الاصل فإنه قال في الامام إذا فرغ من صلاته: فإن كانت صلاة لا تطوع بعدها فهو بالخيار إن شاء انحرف عن يمينه أو شماله وإن شاء قام وذهب وإن شاء استقبل الناس

[ 29 ]

بوجهه إذا لم يكن بحذائه رجل يصلي، ولم يفصل بين ما إذا كان المصلي في الصف الاول أو في الصف الاخير وهذا هو ظاهر المذهب لانه إذا كان وجهه مقابل وجه الامام في حال قيامه يكره ذلك وإن كان بينهما صفوف. ووجه الاستدلال بهذه المسألة أن محمدا جعل جلوس الامام في محرابه وهو مستقبل له بمنزلة جلوسة بين يديه وموضع سجوده، وكذا مرور المار في أي موضع يكون من المسجد بمنزلة مروره بين يديه وفي موضع سجوده، وإن كان المسجد كبيرا بمنزلة الجامع قال بعضهم: هو بمنزلة المسجد الصغير فيكره المرور في جميع الاماكن. وقال بعضهم: هو بمنزلة الصحراء ا ه‍. وبهذا علم أن ما صححه في الذخيرة في الفصل الرابع أن بقاع المسجد في ذلك كله على السواء إنما هو في المسجد الصغير، ورجح في فتح القدير أنه لا فرق بين المسجد وغيره فإن المؤثم المرور بين يديه وكون ذلك البيت برمته اعتبر بقعة واحدة في حق بعض الاحكام لا يستلزم تغيير الامر الحسي من المرور من بعيد فيجعل البعيد قريبا ا ه‍. فحاصل المذهب على الصحيح أن الموضع الذي يكره المرور فيه هو أمام المصلي في مسجد صغير وموضع سجوده في مسجد كبير أو في الصحراء أو أسفل من الدكان أمام المصلي لو كان يصلي عليها بشرط محاذاة أعضاء المار أعضاءه. قال في النهاية:

[ 30 ]

إنما شرط هذا فإنه لو صلى على الدكان والدكان مثل قامة الرجل وهو سترة فلا يأثم المار وكذا السطح والسرير وكل مرتفع، ومن مشايخنا من حده بقدر السترة وهو ذراع وهو غلط، لانه لو كان كذلك لما كره مرور الراكب. وإن استتر بظهر إنسان جالس كان سترة، وإن كان قائما اختلفوا فيه، وإن استتر بدابة فلا بأس به وقالوا: حيلة الراكب إذا أراد أن يمر ينزل فيصير وراء الدابة ويمرا فتصير الدابة سترة ولا يأثم. وكذا لو مر رجلان متحاذيان فإن كراهة المرور وإثمه يلحق الذي يلي المصلي ا ه‍. الرابع أنه ينبغي لمن يصلي في الصحراء أن يتخذ أمامه سترة لما رواه الحاكم وأحمد وغيرهما عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لله إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة ولا يدع أحدا يمر بين يديه (1) وفي الصحيحين عن ابن عمر أيضا: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه فيصلي إليها والناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر. وفي منية المصلي: وتكره الصلاة في الصحراء من غير سترة إذا خاف المرور بين يديه. وينبغي أن تكون كراهة تحريم لمخالفة الامر المذكور لكن في البدائع: والمستحب لمن يصلي في الصحراء أن ينصب شيئا ويستتر فأفاد أن الكراهة تنزيهية فحينئذ كان الامر للندب لكنه يحتاج إلى صارف عن الحقيقة. قال العلامة الحلبي في شرح المنية: إنما قيد بقوله في الصحراء لانها المحل الذي يقع فيه المرور غالبا وإلا فالظاهر كراهة ترك السترة فيما يخاف فيه المرور أي موضع كان. الخامس أن المستحب أن يكون مقدارها ذراعا فصاعدا لحديث مسلم عن

[ 31 ]

عائشة سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سترة المصلي فقال: بقدر مؤخرة الرحل. ومؤخرة بضم الميم وهمزة ساكنة وكسر الخاء المعجمة العود الذي في آخر الرحل من كور البعير، وفسرها عطاء بأنها ذراع فما فوقه كما أخرجه أبو داود. السادس اختلفوا في مقدار غلظها ففي الهداية: وينبغي أن تكون في غلظ الاصبع لان ما دونه لا يبدو للناظر وكأن مستنده ما رواه الحاكم مرفوعا استتروا في صلاتكم ولو بسهم ويشكل عليه ما رواه الحاكم عنأبي هريرة مرفوعا يجزئ من السترة قدر مؤخرة الرحل ولو بدقة شعرة ولهذا جعل بيان الغلظ في البدائع قولا ضعيفا وأنه لا اعتبار بالعرض وظاهره أنه المذهب. السابع أن من السنة غرزها إن أمكن. الثامن أن في استنان وضعها عند تعذر غرزها اختلافا فاختار في الهداية أنه لا عبرة بالالقاء، وعزاه في غاية البيان إلي أبحنيفة ومحمد وصححه جماعة منهم قاضيخان في شرح الجامع الصغير معللا بأنه لا يفيد المقصود. وقيل: يسن الالقاء ونقله القدوري عن أبي يوسف، ثم قيل يضعه طولا لا عرضا ليكون على مثال الغرز. التاسع أن السنة القرب منها لحديث أبي داود مرفوعا إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة وليدن منها (1) وذكر العلامة الحلبي أن السنة أن لا يزيد ما بينه وبينها على ثلاثة أذرع. العاشر أن السنة أن يجعلها على أحد حاجبيه لحديث أبي داود عن المقداد بن الاسود قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى عود أو شجرة إلا جعله على حاجبه الايمن أو الايسر ولا يصمد إليه صمدا. أي لا يقابله مستويا مستقيما بل كان يميل عنه. كذا في المغرب. الحادي عشر أن سترة الامام تجزئ عن أصحابه كما هو ظاهر الاحاديث الثابتة في الصحيحين من الاقتصار على سترته صلى الله عليه وسلم. وقد اختلف العلماء في أن سترة الامام هل هي بنفسها سترة للقوم وله أو هي سترة له خاصة وهو سترة لمن خلفه، فظاهر كلام أئمتنا الاول ولهذا قال في الهداية: وسترة الامام سترة للقوم. الثاني عشر أنه لا بأس بالمرور وراء السترة كما دل عليه حديث ابن عباس الثابت في الصحيحين من مروره وراء السترة ولم ينكر عليه. الثالث عشر أنه إذا لم يجد ما يتخذه سترة فهل ينوب الخط بين يديه منابها ففيه روايتان: الاولى أنه ليس بمسنون ومشى عليه كثير من المشايخ واختاره في الهداية لانه لا يحصل المقصود به إذ لا يظهر من بعيد، والثانية عن محمد أنه يخط لحديث أبي داود فإن لم يكن معه عصا فليخط خطا وأجاب عنه في البدائع بأنه شاذ فيما تعم به البلوى وصرح النووي بضعفه وتعقب بتصحيح أحمد وابن حبان وغيرهما له كما ذكره العلامة الحلبي وجزم به المحقق في فتح القدير وقال: إن السنة

[ 32 ]

أولى بالاتباع مع أنه يظهر في الجملة إذ المقصود جمع الخاطر بربط الخيال به كيلا ينتشر. الرابع عشر في بيان كيفيته، فمنهم من قال يخط بين يديه عرضا مثل الهلال، ومنهم من قال يخطه بين يديه طولا، وذكر النووي أنه المختار ليصير شبه ظل السترة. الخامس عشر درء المار بين يديه قالوا: ويدرؤه إن لم يكن سترة أو مر بينه وبينها للاحاديث الواردة، وهو بالاشارة باليد أو بالرأس أو بالعين أو بالتسبيح، وزاد الولوالجي أنه يكون برفع الصوت بقراءة القرآن، وينبغي أن يكون محله في الصلاة الجهرية فيما يجهر فيه منها. وفي الهداية: ويكره الجمع بين التسبيح والاشارة لان بأحدهما كفاية. قالوا: هذا في حق الرجال، أما النساء فإنهن يصفقن للحديث. وكيفيته أن تضرب بظهور أصابع اليمنى على صفحة الكف من اليسرى ولان في صوتهن فتنة فكره لهن التسبيح. كذا في غاية البيان. السادس عشر أن ترك الدرء أفضل لما في البدائع. ومن المشايخ من قال: إن الدرء رخصة والافضل أن لا يدرأ لانه ليس من أعمال الصلاة، وكذا رواه الماتريدي عن أبي حنيفة. والامر بالدرء في الحديث لبيان الرخصة كالامر بقتل الاسودين ا ه‍. وذكر الشارح عن السرخسي أن الامر بالمقاتلة محمول على الابتداء حين كان العمل فيها مباحا، وفي غاية البيان معنى المقاتلة الدفع العنيف. السابع عشر أنه لا بأس بترك السترة إذا أمن المرور ولم يواجه الطريق لان اتخاذ السترة للحجاب عن المار ولا حاجة بها عند عدم المار. روي عن محمد أنه تركه في طريق الحجاز غير مرة. وقال العلامة الحلبي: ويظهر أن الاولى اتخاذها في هذا الحال وإن لم يكره الترك لمقصود آخر وهو كف بصره عما وراءها وجمع خاطره بربط الخيال بها ا ه‍. وقيدوا بقولهم ولم يواجه الطريق لان الصلاة في الطريق أي في طريق العامة مكروهة، وعلله في

[ 33 ]

المحيط بما يفيد أنها كراهة تحريم بقوله: لان فيه منع الناس عن المرور والطريق حق الناس أعد للمرور فيه فلا يجوز شغله بما ليس له حق الشغل. وإذا ابتلي بين الصلاة في الطريق وبين أرض غيره، فإن كانت مزروعة فالافضل أن يصلي في الطريق لان له حقا في الطريق ولا حق له في الارض، وإن تكن مزروعة وإن كانت لمسلم يصلي فيها فإن الظاهر أنه يرضى به لانه إذا بلغه يسر بذلك لانه أحرز أجرا من غير اكتساب منه وفي الطريق لا إذن لان الطريق حق المسلم والكافر وإن كانت لكافر يصلي على الطريق لانه لا يرضى به ا ه‍. قوله: (وكره عبثه بثوبه وبدنه) شروع في بيان المكروهات بعد بيان المفسدات لان كلا منهما من العوارض إلا أنه قدم المفسد لقوته. والمكروه في هذا الباب نوعان: أحدهما ما كره تحريما وهو المحمل عند إطلاقهم الكراهة كما ذكره في فتح القدير من كتاب الزكاة وذكر أنه في رتبة الواجب لا يثبت إلا بما يثبت به الواجب يعني بالنهي الظني الثبوت فإن الواجب يثبت بالامر الظني الثبوت. ثانيهما المكروه تنزيها ومرجعه إلى ما تركه أولى وكثيرا ما يطلقونه كما ذكره العلامة الحلبي في مسألة مسح العرق فحينئذ إذ ذكروا مكروها فلا بد من النظر في دليله، فإن كان نهيا ظنيا يحكم بكراهة التحريم إلا لصارف للنهي عن التحريم إلى الندب، فإن لم يكن الدليل نهيا بل كان مفيدا للترك الغير الجازم فهي تنزيهية. واختلف في تفسير العبث فذكر الكردري أنه فعل فيه غرض ليس بشرعي والسفه ما لا غرض فيه أصلا،

[ 34 ]

والمذكور في شرح الهداية وغيرها أن العبث الفعل لغرض غير صحيح حتى قال في النهاية: وحاصله أن كل عمل هو مفيد للمصلي فلا بأس بأن يأتي به، أصله ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم عرق في صلاة فسلت العرق عن جبينه أي مسحه لانه كان يؤذيه فكان مفيدا. وفي زمن الصيف كان إذا قام من السجود نفض ثوبه يمنة أو يسرة لانه كان مفيدا كيلا يبقى صورة، فأما ما ليس بمفيد فهو العبث اه‍. وتعقبه العلامة الحلبي بأنه إذا كان يكره رفع الثوب كيلا يتترب وأنه قد وقع الخلاف في أنه يكره مسح التراب عن جبهته في الصلاة وأنه قد وقع الندب إلى تتريب الوجه في السجود فضلا عن الثوب فكون نفض الثوب عن التراب عملا مفيدا وأنه لا بأس به مطلقا فيه نظر ظاهر، وأما أنه لا بأس بسلت العرق في الصلاة فهو قول بعض المشايخ واختاره في الخانية وغيرها. وفي منية المصلي: ويكره أن يمسح عرقه أو التراب عن جبهته في أثناء الصلاة أو في التشهد قبل السلام، ووفق بينهما بأن المراد بالعرق الممسوح عرق لم تدعه حاجة إلمسحه وبالكراهة الكراهة التنزيهية فحينئذ لا منافاة بينها وبين قولهم لا بأس لان تركه أولى، ويحمل فعله صلى الله عليه وسلم إن ثبت على أن به حاجة إلى مسحه أو بيانا للجواز ا ه‍. وفي الخانية: ولا بأس بأن يمسح جبهته من التراب أو الحشيش بعد الفراغ من الصلاة وقبله إذا كان يضره ذلك ويشغله عن الصلاة، وإذا كان لا يضره ذلك يكره في وسط الصلاة ولا يكره قبل التشهد والسلام ا ه‍. وصححه في المحيط وهو مع ما قدمناه من تعريف العبث يدل على أن الحك بيده في بدنه إنما يكون عبثا إذا كان لغير حاجة، أما إذا أكله شئ في بدنه ضره وأشغله فلا بأس بحكه ولا يكون من العبث. ثم ذكر الشارحون أنهم إنما قدموا مسألة العبث لانها كلية وغيرها نوعية لان تقليب الحصى والفرقعة والتخصر من أنواع العبث والكلي مقدم على النوعي. وتعقبه في العناية بأن العبث بالثوب لا يشمل ما بعده من تقليب الحصى وغيره بل إنما قدموه لانه أكثر وقوعا ا ه‍. وقد يقال: إن الشامل للتقليب وغيره العبث بالبدن ولا يتم ما قاله إلا لو اقتصروا على العبث بالثوب. ثم إن كراهة العبث تحريمية لما أخرجه القضاعي في مسند الشهاب مرسلا عن يحيى بن أبي كثير عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله كره لكم ثلاثا العبث في الصلاة والرفث في الصيام والضحك في المقابر وعلله في الهداية بأن العبث خارج الصلاة حرام فما ظنك في الصلاة ا ه‍. وأراد به كراهة التحريم وأورد عليه في غاية البيان بأنه إذا كان حراما ينبغي أن يكون مفسدا كالقهقهة،

[ 35 ]

وأجاب بأن فساد القهقهة لا باعتبار حرمتها بل باعتبار أنها تنقض الطهارة وهي شرط ولهذا لا يفسدها النظر إلى الاجنبية وإن كان حراما إلا إذا كثر العبث فحينئذ يفسدها لكونه عملا كثيرا. وفي الغاية للسروجي قوله ولان العبث خارج الصلاة حرام فيه نظر لان العبث خارجها بثوبه أو بدنه خلاف الاولى ولا يحرم والحديث قيد بكونه في الصلاة ا ه‍. قوله: (وقلب الحصى إلا للسجود مرة) أي كره قلبه لغير ضرورة لما أخرج في الكتب الستة عن معيقيب أنه صلى الله عليه وسلم قال لا تمسح الحصى وأنت تصلي فإن كنت لا بد فاعلا فواحدة وعن أبي ذر أنه قال: سألت خليلي عن كل شئ حتى سألته عن تسوية الحصى في الصلاة فقال: يا أبا ذر مرة أو ذر. ولانه نوع عبث، أما إذا كان لا يمكنه السجو عليه فيسويه مرة لان فيه إصلاح صلاته. كذا في الهداية. يعني فيه تحصيل السجود على الوجه المطلوب شرعا وهو يفيد أن تسويته مرة لهذا الغرض أولى من تركها. وصرح في البدائع بأن التسوية مرة رخصة وأن الترك أولى لانه أقرب إلى الخشوع. وفي النهاية والخلاصة: إن الترك أحب إلي مستدلا في النهاية بما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الروايات وإن تركتها فهو خير لك من مائة ناقة سوداء الحدقة تكون لك (2) اه‍. فالحاصل أن التسوية لغرض صحيح مرة هل هي رخصة أو عزيمة وقد تعارض فيها جهتان، فبالنظر إلى أن التسوية مقتضية للسجود على الوجه المسنون كانت التسوية عزيمة، وبالنظر إلى أن تركها أقرب إلى الخشوع كان تركها عزيمة، والظاهر من الاحاديث الثاني ويرجحه أن الحكم إذا تردد بين سنة وبدعة كان ترك البدعة راجحا على فعل السنة مع أنه قد كان يمكنه التسوية قبل الشروع في الصلاة وتقييد المصنف بالمرة هو ظاهر الرواية والزيادة عليها مكروهة، وقيل يسويها مرتين. ذكره في منية المصلي قوله: (وفرقعة الاصابع) وهو غمزها أو مدها حتى تصوت. ونقل في الدراية الاجماع على كراهتها فيها، ومن السنة ما رواه ابن ماجه مرفوعا لا تفرقع أصابعك وأنت تصلي (3) لكنه معلول بالحارث. وروى أحمد عن سهل بن معاذ رفعه الضاحك في الصلاة والملتفت والمفرقع أصابعه بمنزلة واحدة (4) ولعل

[ 36 ]

المراد التساوي في المعصية وإلا فالضحك مبطل لها. وينبغي أن تكون كراهة الفرقعة تحريمية للنهي الوارد في ذلك ولانها من أفراد العبث بخلاف الفرقعة خارج الصلاة لغير حاجة ولو لاراحة المفاصل فإنها تنزيهية على القول بالكراهة كما في المجتبي أنه كرهها كثير من الناس لانها من الشيطان بالحديث اه‍. لكن لما لم يكن فيها خارجها نهي لم تكن تحريمية كما أسلفناه قريبا، والحق في المجتبي المنتظر للصلاة والماشي إليها بمن في الصلاة في كراهتها وروى في ذلك حديثا أنه نهى أن يفرقع الرجل أصابعه وهو جالس في المسجد ينتظر الصلاة. وفي رواية وهو يمشي إليها. وأشار المصنف إلى كراهة تشبيك الاصابع وهو أن يدخل إحدى أصابع يديه بين أصابع الاخرى في الصلاة كما صرح به في المحيط وغيره لما روى أحمد وأبو داود وغيرهما مرفوعا إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج عامدا إلى المسجد فلا يشبك بين يديه فإنه في الصلاة (1) ونقل في الدراية إجماع العلماء على كراهته فيها. ثم يظهر أيضا أنها تحريمية للنهي المذكور وظاهره الكراهة أيضا حالة السعي إلى الصلاة فإذا كان منتظرا لها بالاولى. وذكر العلامة الحلبي أنه لم يقف على حكمه خارج الصلاة لمشايخنا، والظاهر أنه في غير هذين الموضعين لا للعبث ليس بمكروه ولو لاراحة الاصابع وإن كان على سبيل العبث يكره تنزيها اه‍. وقد قدمنا عن الهداية أن العبث خارج الصلاة حرام وحملناه على كراهة التحريم فينبغي أن يكون العبث خارجها لغير حاجة كذلك قوله: (والتخصر) وهو وضع اليد على الخاصرة وهي ما فوق الطفطفة والشراسيف - كذا في المغرب - لنهيه صلى الله عليه وسلم عنه كما في سنن أبي داود. وهذا التفسير هو الصحيح وبه قال الجمهور من أهل اللغة والفقود الحديث ورد مفسرا هكذا عن ابن عمر كما في السنن. وحكمته أنه في الصلاة راحة أهل النار كما رواه ابن حبان في صحيحه. قال ابن حبان: يعني فعل اليهود والنصار في صلاتهم وهم أهل النار لا أن لهم راحة في النار أو أنه فعل المتكبرين ولا يليق بالصلاة، أو أنه فعل الشيطان حتى قيل إن إبليس اهبط من الجنة لذلك فلهذا قال في المبسوط والمجتبى: ويكره التخصر خارج الصلاة أيضا. والذي يظهر أنها تحريمية فيها للنهي المذكور. وقد فسر التخصر بغير هذا أيضا منها أن يتوكأ في الصلاة

[ 37 ]

على عصا، ومنها أن يختصر السورة فيقرأ من أولها آية أو آيتين، ومنها أن يختصرها فيقرأ آخرها، ومنها أن يحذف آية السجدة، ومنها أن يختصر صلاته فلا يتم حدودها، ولا شك في كراهة الاتكاء في الفرض لغير ضرورة كما صرحوا به لا في النفل على الاصح كما في المجتبي، وأما الاختصار في القراءة فإن أخل بواجب بأن نقص عن ثلاث آيات مع الفاتحة كان مكروها كراهة تحريم لترك بعض الواجب إلا فلا. وقد صرح أصحاب الفتاوى بأن الصحيح أنه لا تكره القراءة من آخر السورة وقد صرحوا بكراهة قراءة السورة وترك آية السجدة في بابها، وأما اختصار الصلاة بحيث لا يتم حدودها فإن لزم منه ترك واجب كره تحريما وإن أخل بسنة كره تنزيها. هذا ما تقتضية القواعد والله سبحانه الموفق للصواب. قوله (والالتفات) لما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد. وروى الترمذي وصححه عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم إياك والالتفات في الصلاة فإن الالتفات في الصلاة هلكة، فإن كان لا بد ففي التطوع لا في الفريضة (2). ثم المذكور في عامة الكتب إن الالتفات المكروه هو تحويل وجهه عن القبلة، وممن صرح به صاحب البدائع والنهاية والغاية والتبيين وفتح القدير والمجتبي والكافي وشرح المجمع، وقيده في الغاية بأن يكون لغير عذر، أما تحويل الوجه لعذر فغير مكروه. وينبغي أن تكون تحريمية كما هو ظاهر الاحاديث قالوا: وإنما كره لغير عذر لانه انحراف عن القبلة ببعض بدنه ولو انحرف عنها بجميع بدنه فسدت، فإن انحرف ببعض بدنه كره كالعمل القليل فإنه مكروه لان كثيره مفسد ويدل لعدم فسادها بهذا الالتفا ت قوله في الحديث يختلسها الشيطان من صلاة العبد فإنه سماها صلاة معه. وإنما لم يكره للعذر لحديث مسلم عن جابر: اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلينا وراءه وهو قاعد فالتفت إلينا فرآنا قياما فأشار إلينا فقعدنا. وقد صرحوا بأن التفات البصر يمنة ويسرة من غير تحويل الوجه أصلا غير مكروه مطلقا والاولى تركه لغير حاجة، والظاهر أن فعله عليه السلام إياه كان لحاجة تفقد أحوال المقتدين به مع ما فيه من بيان الجواز وإلا فهو كان ينظر من خلفه كما ينظر أمامه كما في الصحيحين. وقد خالف صاحب

[ 38 ]

الخلاصة عامة الكتب في الالتفات المكروه فجعله مفسدا وعبارته: ولو حول المصلي وجهه عن القبلة من غير عذر فسدت. وكذا في الخانيوجعل فيها الالتفات المكروه أن يحول بعض وجهه عن القبلة والاشبه ما في عامة الكتب من أن الالتفات المكروه أعم من تحويل جميع الوجه أو بعضه. وذكر في منية المصلي أن كراهة الالتفات بالوجه فيما إذا استقبل من ساعته يعني فلو لم يستقبل من ساعته فسدت وكأنه جمع بين ما في الفتاوى وبين ما في عامة الكتب بحمل ما في الفتاوى على ما إذا لم يستقبل من ساعته، وحمل ما في العامة على ما إذا استقبل من ساعته وكأنه ناظر إلى أنه إذا لم يستقبل من ساعته صار عملا كثيرا فأفسدها، وإذا استقبل من ساعته كان عملا قليلا فكره وهو بعيد فإن الاستدامة على هذا القليل لا يجعله كثيرا وإنما كثيره تحويل صدره، وقد صرحوا بالفساد عند تحويل الصدر. ولا بد من تقييده بعدم العذر كما في منية المصلي لتصريحهم كما سبق بأنه لو ظن أنه أحدث فاستدبر القبلة ثم علم أنه لم يحدث قبل الخروج من المسجد لا تبطل، ومقتضى القواعد المذهبية اشتراط أن يؤدي ركنا وهو مستدبر لما صرحوا به من أن انكشاف العورة إنما يفسدها إذا لم يستتر من ساعته حتى أدى ركنا أما إذا سترها قبل أداء الركن فلا، فكذا استقبال القبلة بجامع الشرطية والمكث قدر أداء الركن فيه خلاف بين أبي يوسف ومحمد، فأبو يوسف لا يجعله كأداء الركن، ومحمد جعله كما عرف. وذكر الشارح أنه يكره رفع بصره إلى السماء لقوله عليه السلام ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، لينتهن أو لتخطفن أبصارهم (1) وفي التجنيس: ويكره أن يميل أصابع يديه ورجليه عن القبلة لانه مأمور بتوجيهها قال عليه السلام فليوجه من أعضائه إلى القبلة ما استطاع.

[ 39 ]

قوله (والاقعاء) لنهيه صلى الله عليه وسلم عن عقبة الشيطان كما في الصحيحين وهو الاقعاء ولما في مسند أحمد عن أبي هريرة: نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثلاثة: عن نقرة كنقرة الديك وإقعاء كإقعاء الكلب والتفات كالتفات الثعلب. شبه من يسرع في الركوع والسجود ويخفف فيهما بالديك الذي يلتقط الحبة كما في النهاية، وهي كراهة تحريم للنهي المذكور كما أسلفناه من الاصل. ثم اختلفوا في الاقعاء المذكور في الحديث. فصحح صاحب الهداية وعامتهم أنه أن يضع أليتيه على الارض وينصب ركبتيه نصبا كما هو قول الطحاوي. وزاد كثير ويضع يديه على الارض، وزاد بعضهم أن يضم ركبتيه إلى صدره لان إقعاء الكلب يكون بهذه الصفة إلا أن إقعاء الكلب يكون في نصب اليدين وإقعاء الآدمي في نصب الركبتين إلى صدره. وذهب الكرخي إلى أنه أن ينصب قدميه ويقعد على عقبيه واضعا يديه على الارض وهو عقب الشيطان الذي نهى عنه في الحديث والكل مكروه لان فيه ترك الجلسة المسنونة. كذا في البدائع وغاية البيان والمجتبي. زاد في فتح القدير أن قوله الصحيح أي كون هذا هو المراد في الحديث لا أن ما قاله الكرخي غير مكروه بل يكره ذلك أيضا اه‍. والعقبة بضم العين وسكون القاف، والعقب بفتح العين وكسر القاف بمعنى الاقعاء. كذا في المغرب. وفي فتح القدير: وأما ما روى مسلم عن طاوس قلت لابن عباس في الاقعاء على القدمين فقال: هي السنة. فقلت: إنا نراه جفاء بالرجل. فقال: بل هي سنة نبيك صلى الله عليه وسلم. وما روى البيهقي عن ابن عمر وابن الزبير أنهم كانوا يقعون فالجواب المحقق عنه أن الاقعاء على ضربين: أحدهما مستحب أن يضع أليتيه على عقبيه وركبتاه في الارض وهو المروي عن العبادلة، والنهي أن يضع أليتيه ويديه على الارض وينصب ساقييه اه‍. وهو مخالف لما ذكره هو وغيره أن الاقعاء بنوعيه مكروه، والحق أن هذا الجواب ليس لائمتنا وإنما هو جواب البيهقي والنووي وغيرهما بناء على أن مستحب عند الشافعي لانك قد علمت كراهته عندنا بنوعيه. ويمكن الجواب عنه

[ 40 ]

إما بحمله على حالة العذر إن ثبت في بعض رواياته أنه كان في الصلاة أو بحمله على كونه خارج الصلاة إن لم يثبت، أو لان المانع والمبيح إذا تعارضا ولم يعلم التاريخ كان الترجيح للمانع. وقد فسر صاحب المغرب عقب الشيطان بالاقعاء عند الكرخي فكان مانعا، وينبغي أن تكون كراهته تنزيهية بخلاف النوع المتفق على كراهته قوله (وافترش ذراعيه) لما في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها: وكان - يعني النبي صلى الله عليه وسلم - ينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع. وافتراشهما إلقاؤهما على الارض كما في المغرب. قيل: وإنما نهى عن ذلك لانها صفة الكسلان والتهاون بحاله مع ما فيه من التشبه بالسباع والكلاب، والظاهر أنها

[ 41 ]

تحريمية للنهي المذكور من غير صارف قوله (ورد السلام بيده) أي بالاشارة وقد قدمناه في بيان المفسدات فراجعه. قوله (والتربع بلا عذر) لان فيه ترك سنة القعود في الصلاة. كذا علل به في الهداية وغيرها، وما قيل في وجه الكراهة أنه جلوس الجبابرة ليس بصحيح لانه عليه السلام كان جل قعوده في غير الصلاة مع أصحابه التربع، وكذا عمر رضي الله عنه. كذا ذكره المصنف وغيره. وتعليلهم بأن فيه ترك السنة يفيد أنه مكروه تنزيها إذ ليس فيه نهي خاص ليكون فيه تحريما. وقيد بكونه بلا عذر لانه ليس بمكروه تنزيها مع العذرلان الواجب يترك مع العذر فالسنة أولى. وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عبد الله أنه كان يرى عبد الله بن عمر يتربع في الصلاة إذا جلس ففعلته وأنا يومئذ حديث السن فنهاني عبد الله بن عمر وقال: إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني اليسرى فقلت: إنك تفعل ذلك؟ فقال: إن رجلي لا يحملاني. وعليه يحمل ما في صحيح ابن حبان عن عائشة: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي متربعا. أو تعليما للجواز. ثم الجلوس متربعا معروف وإنما سمي بالتربع لان صاحب هذه الجلسة قد ربع نفسه كما يربع الشئ إذا جعل أربعا والاربع هنا الساقان والفخذان ربعها بمعنى أدخل بعضها تحت بعض قوله (وعقص شعره) أي عقص شعر الرأس فيها بمعنى أن يفعل ذلك قبل الدخول فيها ثم يدخل كذلك لما روى أصحاب الكتب الستة عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال أمرت أن أسجد على سبعة وأن لا أكف شعرا ولا ثوبا (1) وفي العقص كفه ما رواه مسلم عن كريب أن ابن عباس رأى عبد الله بن الحر ث يصلي ورأسه معقوص من ورائه فجعل يحله فلما انصرف قال: مالك ولرأسي؟ قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنما مثل هذا مثل الذي يصلي وهو مكتوف (2) ولهذا قال العلماء: حكمة النهي عنه أن الشعر يسجد معه. والظاهر أن الكراهة تحريمية للنهي المذكور بلا صارف، ولا فرق فيه بين أن يتعمده للصلاة أولا وهو في اللغة جمع الشعر على الرأس، وقيل ليه وإدخال أطرافه في أصواله. كذا في المغرب. واختلف الفقهاء فيه على أقوال: فقيل أن يجمعه وسط رأسه ثم يشده، وقيل أن يلف ذوائبه حول رأسه كما يفعله النساء، وقيل أن يجمعه من قبل القفا ويمسكه بخيط أو

[ 42 ]

خرقة وكل ذلك مكروه. كذا في غاية البيان. وفي الظهيرية: ويكره الاعتجار وهو لف العمامة حول رأسه وإبداء الهامة كما يفعله الشطار اه‍. وفي المحيط: ويكره الاعتجار لانه عليه السلام نهى عنه وهو أن يكور عمامته ويترك وسط رأسه مكشوفا كهيئة الاشرار. وقيل: أن يتنقب بعمامته فيغطي أنفه كمعجز النساء إما لاجل الحر أو البرد أو للتكبر وهو مكروه لقول ابن عباس: لا يغطي الرجل وهو يصلي اه‍. وفي المغرب: وتفسير من قال هو أن يلف العمامة على رأسه ويبدي الهامة أقرب لانه مأخوذ من معجر المرأة وهو ثوب كالعصابة تلفه المرأة على استدارة رأسها اه‍. والمعجر على وزن منبر وعلل كراهة الاعتجار الامام الولوالجي بأنه تشبه بأهل الكتاب قال: وهو مكروه خارج الصلاة ففيها أولى قوله (وكف ثوبه) للحديث السابق سواء كان من بين يديه أو من خلفه عند الانحطاط للسجود. والكف هو الضم والجمع ولان فيه ترك سنة اليد، وذكر في المغرب عن بعضهم أن الائتزار فوق القميص من الكف اه‍. فعلى هذا يكره أن يصلي مشدود الوسط فوق القميص ونحوه أيضا وقد صرح به في العتابية معلللا بأنه صنيع أهل الكتاب لكن في الخلاصة أنه لا يكره. كذا في شرح منية المصلي. ويدخل أيضا في كف الثوب تشمير كميه كما في فتح القدير وظاهره الاطلاق وفي الخلاصة ومنية المصلي قيد الكراهة بأن يكون رافعا كميه إلى المرفقين وظاهره أنه لا يكره إذا كان يرفعهما إلى ما دونهما والظاهر الاطلاق لصدق كف الثوب على الكل. وذكر في المجتبى في كراهة تشمير الكمين قولين، وذكر في القنية أن القول بإمساك الكمين أحوط ولا يخفي ما فيه. وفي مذهب مالك تفصيل قد كنت رأيته لائمتنا في بعض الفتاوى ولم يحضرني تعيينها الآن وهو أنه يكره إن كان للصلاة لا إذا كان لاجل شغل ثم حضرته الصلاة فصلى وهو على تلك الهيئة ومن كف الثوب رفعه كيلا يتترب كما في منية المصلي، وقيل لا بأس بصونه عن التراب كما في المجتبى. قوله (وسدله) لنهيه عليه السلام عنه كما أخرجه أبو داود والحاكم وصححه. يقال سدل الثوب سدلا من باب طلب إذا أرسله من غير أن يضم جانبه. وقيل: هو أن يلقيه على رأسه ويرخيه على منكبيه وأسدل خطأ. كذا في المغرب. وذكر في البدائع أن الكرخي فسره بأن يجعل ثوبه على رأسه أو على كتفيه ويرسل أطرافه من جوانبه إذا لم يكن عليه سراويل.

[ 43 ]

وعن أبي حنيفة أنه يكره السدل على القميص وعلى الازار وقال: لانه صنيع أهل الكتاب. فإن كان السدل بدون السراويل فكراهته لاحتمال كشف العورة عند الركوع، وإن كان مع الازار فكراهته لاجل التشبه بأهل الكتاب فهو مكروه مطلقا، سواء كان للخيلاء أو لغيره للنهي من غير فصل اه‍. وفي فتح القدير أن السدل يصدق على أن يكون المنديل مرسلا من كتفيه كما يعتاده كثير فينبغي لمن على عنقه منديل أن يضعه عند الصلاة، ويصدق أيضا على لبس القباء من غير إدخال اليدين في كميه وقد صرح بالكراهة فيه اه‍. وكذا صرح في النهاية بإدخال القباء المذكور في السدل وعزاه إلى مبسوط شيخ الاسلام والخلاصة لكن الذي في خلاصة الفتاوى: المصلي إذا كان لابسا شقة أو فرجيه ولم يدخل يديه اختلف المتأخرون في الكراهة والمختار أنه لا يكره اه‍. وظاهر ما في فتح القدير أن الشد الذي يعتاد وضعه على الكتفين إذا أرسل طرفا على صدره وطرفا على ظهره لا يخرج عن الكراهية فإنه عين الوضع، وظاهر كلامهم يقتضي أنه لا فرق بين أن يكون الثوب محفوظا من الوقوع أو لا، فعلى هذا يكره في الطيلسان الذي يجعل على الرأس، وقد صرح به في شرح الوقاية وصرح العلامة الحلبي بأن محل كراهة السدل عند عدم العذر، وأما عند العذر فلا كراهة وأنه إن كان للتكبر فهو مكروه مطلقا. واختلف المشايخ في كراهة السدل خارج الصلاة كما في الدراية وصحح في القنية من باب الكراهية أنه لا يكره. ومن المكروه اشتمال الصماء لما رواه أبو داود عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان لاحدكم ثوبان فليصل فيهما فإن لم يكن إلا ثوب فليتزر به ولا يشتمل اشتمال اليهود (1) اه‍. واشتمال اليهود هو الصماء وهو إدارة الثوب على الجسد من غير إخراج اليد، سمي بها لعدم منفذ يخرج يده منها كالصخرة الصماء، وفسرها في المحيط بأن يجمع طرفي ثوبه ويخرجهما تحت إحدى يديه على أحد كتفيه اه‍. وقيده في البدائع بأن لا يكون عليه سراويل. وإنما كره لانه لا يؤمن انكشاف العورة، ومحمد رحمه الله فصل بين الاضطباع ولبسة الصماء فقال: إنما تكره الصماء إذا لم يكن عليه إزار فإن كان عليه إزار فهو اضطباع لان يدخل طرفي ثوبه تحت إحدى ضبعيه وهو مكروه لانه لبس أهل الكبر اه‍.

[ 44 ]

وفي الخلاصة وغيرها: لا بأس أن يصلي الرجل في ثوب واحد متوشحا به جميع بدنه ويؤم كذلك، والمستحب أن يصلي الرجل في ثلاثة أثواب: قميص وإزار وعمامة. أما لو صلى في ثوب واحد متوشحا به جميع بدنه كإزار الميت تجوز صلاته من غير كراهة. وتفسيره ما يجعله القصار في المقصرة. وإن صلى في إزار واحد يجوز ويكره، وكذا في السراويل فقط لغير عذر، وكذا مكشوف الرأس للتهاون والتكاسل لا للخشوع. وفسر في الذخيرة التوشيح أن يكون الثوب طويلا يتوشح به فيجعل بعضه على رأسه وبعضه على منكبيه وعلى كل موضع من بدنه، وذكر في شرح منية المصلي أن ستر المنكبين في الصلاة مستحب يكره تركه تنزيها عند أصحابنا، وفسره في المغرب بأن يدخله تحت يده اليمنى ويلقيه على منكبه الايسر كما يفعله المحرم اه‍. وفسره ابن السكيت بأن يأخذ طرف الثوب الذي ألقاه على منكبه الايمن من تحت يده اليسرى ويأخذ طرفه الذي ألقاه على الايسر من تحت يده اليمنى ثم يعقدهما على صدره، وقد ثبت في الصحيحين عن عمر بن أبي سلمة أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في ثوب واحد في بيت أم سلمة قد ألقى طرفيه على عاتقه، وفي لفظ مشتملا به واضعا طرفيه على عاتقيه، وفي لفظ مخالفا بين طرفيه، وفي حديث جابر متوشحا به، والالفاظ كلها بمعنى واحد كما ذكره النووي في شرح مسلم. ومن المكروه التلثم وتغطية الانف والوجه في الصلاة لانه يشبه فعل المجوس حال عبادتهم النيران. كذا ذكره الشارح لكن التلثم هو تغطية الانف والوجه كما في المحيط. وفي الخلاصة: ولو ستر قدميه في السجدة يكره. قوله (والتثاؤب) وهو التنفس الذي ينفتح منه الفم لدفع البخارات وهو ينشأ من امتلاء المعدة وثقل البدن لما في الصحيحين عن أبي هريرة إن النبي صلى الله عليه وسلم قال التثاؤب من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع (1) والادب أن يكظمه ما استطاع أي يرده ويحبسه لما روينا، فإن لم يقد فليضع يده أو كمه على فيه، ووضع اليد ثابت في صحيح مسلم ووضع

[ 45 ]

الكم قياس عليه. وصرح في الخلاصة بأنه إن أمكنه عند التثاؤب أن يأخذ شفتيه بسنه فلم يفعل وغطفاه بيده أو بثوبه يكره. كذا روي عن أبي حنيفة اه‍. ووجهه أن تغطية الفم منهي عنها في الصلاة لما رواه أبو داود وغيره وإنما أبيحت للضرورة ولا ضرورة إذا أمكنه الدفع، ثم إذا وضع يده على فيه يضع ظهر يده. كذا في مختارات النوازل. قال العلامة الحلبي: وهل يفعل ذلك بيده اليمنى أو اليسرى لم أقف عليه مسطورا لمشايخنا أه‍. وهو عجيب مع كثرة مطالعته للمجتبى ونقله عنه وقد صرح بأنه يغطي فاه بيمينه في القيام وفي غيره بيساره ومن المكروه التمطي لانه من التكاسل قوله (وتغميض عينيه) لما رواه ابن عدي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يغمض عينيه إلا أن في سنده من ضعف. والكراهة مروية عن مجاهد وقتادة. وعلله في البدائع بأن السنة أن يرمي بصره إلى موضع سجوده وفي التغميض ترك هذه السنة، ولان كل عضو وطرف ذو حظ من هذه العبادة فكذا العين اه‍. وظاهر كلامهم أن لا يغمض في السجود وقد قال جماعة من الصوفية نفعنا الله بهم: يفتح عينيه في السجود لانهما يسجدان. وينبغي أن تكون الكراهة تنزيهية إذا كالغير ضرورة ولا مصلحة، أما لو خاف فوات خشوع بسبب رؤية ما يفرق الخاطر فلا يكره غمضهما بسبب ذلك بل ربما يكون أولى لانه حينئذ لكمال الخشوع قوله (وقيام الامام لا سجوده في الطاق) أي المحراب لان قيامه فيه يشبه صنيع أهل الكتاب بخلاف سجوده فيه وقيامه خارجه. هكذا علل به في الهداية وهو أحد الطريقين للمشايخ، وأصله أن محمدا صرح بالكراهة في الجامع الصغير ولم يفصل، فاختلف المشايخ في سببها فقيل كونه يصير ممتازا عنهم في المكان لانه في معنى بيت آخر وذلك صنيع أهل الكتاب. واقتصر عليه في الهداية واختاره الامام السرخسي وقال: إنه الاوجه. وقيل: اشتباه حاله على من على يمينه ويساره، فعلى الطريقة الاولى يكره مطلقا، وعلى الثانية لا يكره عند عدم الاشتباه. وفي فتح القدير: ولا يخفي أن امتياز الامام مقرر مطلوب في الشرع في حق المكان حتى كان التقدم واجبا عليه وغاية ما هنا كونه في خصوص مكان ولا أثر لذلك لانه يحاذي وسط الصف وهو المطلوب إذ قيامه في غير محاذاته مكروه وغايته اتفاق الملتين في بعض الاحكام، ولا بدع فيه على أن أهل الكتاب إنما

[ 46 ]

يخصون الامام بالمكان المرتفع على ما قيل فلا تشبه اه‍. وقد يقال إن امتياز الامام المطلوب في الشرع حاصل بتقدمه من غير أن يقف في مكان آخر، فمتى أمكن تمييزه من غير تشبه بأهل الكتاب تعين، فحينئذ وقوفه في المحرا ب تشبه بأهل الكتاب لغير حاجة فكره مطلقا ولهذا قال الولوالجي في فتاواه وصاحب التجنيس: إذا ضاق المسجد بمن خلف الامام على القوم لا بأس بأن يقوم الامام في الطاق لانه تعذر الامر عليه، وإن لم يضق المسجد بمن خلف الامام لا ينبغي للامام أن يقوم في الطاق لانه يشبه تباين المكانين اه‍. يعني وحقيقة اختلاف المكان تمنع الجواز فشبهة الاختلاف توجب الكراهة وهو وإن كان المحراب من المسجد كما هي العادة المستمرة فصورته وهيئته اقتضت شبهة الاختلاف. فالحاصل أن مقتضى ظاهر الرواية كراهة قيامه في المحراب مطلقا، سواء اشتبه حال الامام أو لا، وسواء كان المحراب من المسجد أم لا. وإنما لم يكره سجوده في المحراب إذا كان قدماه خارجه لان العبرة للقدم في مكان الصلاة حتى تشترط طهارته رواية واحدة بخلاف مكان السجود إذ فيه روايتان. وكذا لو حلف لا يدخل دار فلان يحنث بوضع القدمين وإن كان باقي بدنه خارجها، والصيد إذا كان رجلاه في الحرم ورأسه خارج منه فهو صيد الحرم ففيه الجزاء. قوله (وانفراد الامام على الدكان وعكسه) أما الاول فلحديث الحاكم مرفوعا: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقوم الامام فوق ويبقى الناس خلفه. وعللوه بأنه تشبه بأهل الكتاب فإنهم يتخذون لامامهم دكانا. أطلقه فشمل ما إذا كان الدكان قدر قامة الرجل أو دون ذلك وهو ظاهر الرواية. وصححه في البدائع لاطلاق النهي وقيده الطحاوي بقدر القامة ونفى الكراهة فيما دونه. وقال قاضيخان في شرح الجامع الصغير: إنه مقدر بذراع اعتبارا بالسترة وعليه

[ 47 ]

الاعتماد، وفي غاية البيان وهو الصحيح، وفي فتح القدير وهو المختار لكن قال: الاوجه الاطلاق وهو ميقع به الامتياز لان الموجب وهو شبه الازدراء يتحقق فيه غير مقتصر على قدر الذراع اه‍. فالحاصل أن التصحيح قد اختلف والاولى العمل بظاهر الرواية وإطلاق الحديث، وأما عكسه وهو انفراد القوم على الدكان بأن يكون الامام أسفل فهو مكروه أيضا في ظاهر الرواية. وروى الطحاوي عن أصحابنا أنه لا يكره لان الموجب للكراهة التشبه بأهل الكتاب ولا تشبه هنا لان مكان إمامهم لا يكون أسفل وجواب ظاهر الرواية أقرب إلى الصواب لان كراهة كون المكان أرفع كان معلولا بعلتين: التشبه بأهل الكتاب ووجود بعض المفسد وهو اختلاف المكان، وههنا وجدت إحدى العلتين وهي وجود بعض المخالفة. كذا في البدائع. ومن المشايخ من علل الكراهة في الثانية بما في ذلك من شبه الازدراء بالامام ولعله أولى، وعلى ما ذكره الطحاوي من عدم الكراهة مشى قاضيخان في فتاواه وعزاه إلى النوادر وقال: وعليه عامة المشايخ اه‍. وهذا كله عند عدم العذر، أما عند العذر كما في الجمعة والعيدين فإن القوم يقومون على الرفوف والامام على الارض ولم يكره ذلك لضيق المكان. كذا في النهاية. وذكر في شرح منية المصلي: وهل يدخل في الحاجة في حق الامام إرادة تعليم المأمومين أعمال الصلاة وفي حق المأمومين إرادة تبليغ انتقالات الامام عند اتساع المكان وكثرة المصلين؟ فعند الشافعي نعم قيل وهو رواية عن أبي حنيفة اه‍. قيد بالانفراد لانه لو قام بعض القوم مع الامام قيل يكره والاصح أنه لا يكره وبه جرت العادة في جوامع المسلمين في أغلب الامصار. كذا في المحيط. وذكر في البدائع أن من اعتبر معنى التشبه قال لا يكره وهو قياس رواية الطحاوي لزوال معنى التشبه لان أهل الكتاب لا يشاركون الامام في المكان، ومن اعتبر وجود بعض المفسد قال يكره وهو قياس ظاهر الرواية لوجود بعض المخالفة في المكان اه‍. وفيه نظر لا يخفى قوله (ولبس ثوب فيه تصاوير) لانه يشبه حامل الصنم فيكره. وفي الخلاصة: وتكره التصاوير على الثوب صلى فيه أو لم يصل اه‍. وهذه

[ 48 ]

الكراهة تحريميه، وظاهر كلام النووي في شرح مسلم الاجماع على تحريم تصويره صورة الحيوان فإنه قال قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صور الحيوان حرام شديد التحريم وهو من الكبائر لانه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور في الاحاديث يعني مثل ما في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون يقال لهم أحيوا ما خلقتم (1) ثم قال: وسواء صنعه لما يمتهن أو لغيره فصنعته حرام على كل حال لان فيه مضاهاة لخلق الله تعالى وسواء كان في ثوب أو بساط أو درهم ودينار وفلس وإناء وحائط وغيرها اه‍. فينبغي أن يكون حراما لا مكروها إن ثبت الاجماع أو قطعية الدليل لتواتره. قيد بالثوب لانها لو كانت في يده وهو يصلي لا تكره لانه مستور بثياب، وكذا لو كان على خاتمه. كذا في الخلاصة. وفي المحيط: رجل في يديه تصاوير وهو يؤم الناس لا تكره إمامته لانها مستورة بالثياب فصار كصورة في نقش خاتم وهو غير مستبين اه‍. وهو يفيد أن المستبين في الخاتم تكره الصلاة معه ويفيد أنه لا يكره أن يصلي ومعه صرة أو كيس فيه دنانير أو دراهم فيها صور صغار لاستتارها، ويفيد أنه لو كان فوق الثوب الذي فيه صورة ثوب ساتر له فإنه لا يكره أن يصلي فيه لاستتارها بالثوب الآخر والله سبحانه أعلم. قوله (وأن يكون فوق رأسه أو بين يديه أو بحذائه صورة) لحديث الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم لتدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة وفي المغرب: الصورة عام في كل ما يصور مشبها بخلق الله تعالى من ذوات الروح وغيرها، وقولهم ويكره التصاوير المراد بها التماثيل اه‍. فالحاصل أن الصورة عام والتماثيل خاص والمراد هنا الخاص فإن غير ذي الروح لا يكره كالشجر لما سيأتي والمراد بحذائه يمينه ويساره ولم يذكر ما إذا كانت خلفه للاختلاف، ففي رواية الاصل لا يكره لانه لا يشبه العبادة، وصرح في الجامع الصغير بالكراهة ومشى عليه في الخلاصة وبأنها إذا كانت في موضع قيامه أو جلوسه لا يكره لانها استهانة بها، وكذلك على الوسادة إن كانت قائمة يكره لانه تعظيم لها إن كانت مفروشة لا تكره. كذا في المحيط. قالوا: وأشدها كراهة ما يكون على القبلة أمام المصلي، والذي يليه ما يكون فوق رأسه،

[ 49 ]

والذي يليه ما يكون عن يمينه ويساره على الحائط، والذي يليه ما يكون خلفه على الحائط أو الستر. وإنما لتكره الصلاة في بيت فيه صورة مهانة على بساط يوطأ أو مرفقة يتكأ عليها مع عموم الحديث من أن الملائكة لا تدخله وهو علة الكراهة لان شر البقاع بقعة لا تدخلها الملائكة لوجود مخصص وهو ما في صحيح ابن حبان: استأذن جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادخل. فقال: كيف أدخل وفي بيتك ستر فيه تصاوير فإن كنت لا بد فاعلا فاقطع رؤوسها أو قطعها وسائد أو اجعلها بسطا. وفي البخاري في كتاب المظالم عن عائشة رضي الله عنها أنها اتخذت على سهوة لها سترا فيه تماثيل فهتكه النبي صلى الله عليه وسلم قالت: فاتخذت منه نمرقتين فكانتا في البيت نجلس عليهما، زاد أحمد في مسنده: ولقد رأيته متكئا على أحدهما وفيه صورة. والسهوة كالصفة تكون بين البيت، وقيل بيت صغير كالخزانة. والنمرقة بكسر النون وسادة صغيرة والوسادة المخدة لكنه يقتضي عدم كراهة الصلاة على بساط فيه صورة وإن كانت في موضع السجود لان ذلك ليس بمانع من دخول الملائكة كما أفادته النصوص المخصصة وإن علل بالتشبه بعبادة الاصنام فممنوع فإنهم لا يسجدون عليها وإنما ينصبونها ويتوجهون إليها إلا أن يقال: إن فيها صورة التشبه بعبادتها حال القيام والركوع وفيه تعظيم لها إن سجد عليها، ولهذا أطلق الكراهة في الاصل فيما إذا كان على البساط المصلى عليه صورة لان الذي يصلي عليه معظم فوضع الصورة فيه تعظيم لها بخلاف البساط الذي ليس بمصلى، وتقدم عن الجامع الصغير التقييد بموضع السجود فينبغي أن يحمل إطلاق الاصل عليه، وإنها إذا كانت تحت قدميه لا يكره اتفاقا. وفي الخلاصة: ولا بأس بإن يصلي على بساط فيه تصاوير لكن لا يسجد عليها ثم قال: ثم التمثال إن كان على وسادة أو بساط لا بأس باستعمالهما وإن كان يكره اتخاذهما. ثم اعلم أن العلماء اختلفوا فيما إذا كانت

[ 50 ]

الصورة على الدراهة والدنانير هل تمنع الملائكة من دخول البيت بسببها، فذهبالقاضي عياض إلى أنهم لا يمتنعون وأن الاحاديث مخصصة، وذهب النووي إلى القول بالعموم. ثم المراد بالملائكة المذكورين ملائكة الرحمة لا الحفظة لانهم لا يفارقونه إلا في خلوته بأهله وعند الخلاء. قوله (إلا أن تكون صغيرة) لان الصغار جدا لا تعبد فليس لها حكم الوثن فلا تكره في البيت، والكراهة إنما كانت باعتبار شبه العبادة. كذا قالوا، وقد عرفت ما فيه. والمراد بالصغيرة التي لا تبدو للناظر على بعد والكبيرة التي تبدو للناظر على بعد. كذا في فتح القدير. ونقل في النهاية أنه كان على خاتم أبي موسى ذبابتان وأنه لما وجد خاتم دانيال عليه السلام في عهد عمر رضي الله عنه وجد عليه أسد ولبوة بينهما صبي يلحسانه، وذلك أن بختنصر قيل له يولد مولود يكون هلاكك على يديه فجعل يقتل من يولد، فلما ولدت أم دانيال ألقته في غيضرجاء أن يسلم فقيض الله له أسدا يحفظه ولبوة ترضعه فنقشه بمرأى منه ليتذكر نعم الله عليه، ودفعه عمر إلى أبي موسى الاشعري وكان لابن عباس كانون محفوف بصور صغار اه‍. وفي الخلاصة من كتاب الكراهة: رجل صلى ومعه دراهم وفيها تماثيل ملك لا بأس به لصغرها اه‍. قوله (أو مقطوع الرأس) أي سواء كان من الاصل أو كان لها رأس ومحي، وسواء كان القطع بخيط خيط على جميع الرأس حتى لم يبق لها أثر أو يطليه بمغرة ونحوها أو بنحته أو بغسله. وإنما لم يكره لانه لا تعبد بدون الرأس عادة ولما رواه أحمد عن علي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فقال: أيكم ينطلق إلى المدينة فلا يدع بها وثنا إلا كسره ولا قبرا إلا سواه ولا صورة إلا لطخها اه‍. وأما ما قطع الرأس عن الجسد بخيط مع بقاء الرأس على حاله فلا ينفي الكراهة لان من الطيور ما هو مطوق فلا يتحقق القطع بذلك ولهذا فسر في الهداية المقطوع بمحو الرأس. كذا في النهاية. قيد بالرأس لانه لا اعتبار بإزالة الحاجبين أو العينين لانها تعبد بدونها، وكذا لا اعتبار بقطع اليدين أو الرجلين. وفي الخلاصة: وكذا لو محى وجه الصورة فهو كقطع الرأس قوله (أو لغير ذي روح) لما تقدم أنه ليس بتمثال ولما في الصحيحين عن سعيد بن أبي الحسن قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني رجل أصور هذه الصور فأفتني فيها فقال له: ادن مني. فدنا ثم قال له: ادن مني. فدنا حتى وضع يده على رأسه وقال: أنبئك بمسمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوكل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفسا فتعذبه في جهنم (1) قال ابن عباس: فإن

[ 51 ]

كنت لا بد فاعلا فاصنع الشجر وما لا نفس له اه‍. ولا فرق في الشجر بين المثمر وغيره وهو مذهب العلماء كافة إلا مجاهدا فإنه كره المثمر. وفي الخلاصة ولو رأى صورة في بيت غيره يجوز له محوها وتغييرها. وفي النهاية عن محمد في الاجير لتصوير تماثيل الرجال أو ليزخرفها والاصباغ من المستأجر قال: لا أجر له لان عمله معصية. وفي التفاريق: هدم بيتا مصورا بالاصباغ ضمن قيمة البيت والاصباغ غير مصور اه‍. قوله: (وعد الآي والتسبيح) أي ويكره عد الآيات من القرآن والتسبيح وكذا السور لانه ليس من أعمال الصلاة. أطلقه فشمل العد في الفرائض والنوافل جميعا باتفاق أصحابنا في ظاهر الرواية، وروي عنهما في غير ظاهر الرواية أن العد باليد لا بأس به، كذا في العناية وغيرها لكن في الكافي: وقالا لا بأس به فجزم به عنهما وعلل لهما بأن المصلي يضطر إلى ذلك لمراعاة سنة القراءة والعمل بما جاءت به السنة في صلاة التسبيح، وقال عليه السلام لنسوة سألنه عن التسبيح: أعددنه بالانامل فإنهن مسؤولات مستنطقات يوم القيامة. وقوله في الهداية قلنا يمكنه أن يعد ذلك قبل الشروع إنما يأتي هذا في الآي دون التسبيحات ا ه‍. قالوا: ومحل الاختلاف هو العد باليد كما وقع التقييد به في الهداية، سواء كان بأصابعه أو بخيط يمسكه، أما الغمز برؤوس الاصابع أو الحفظ بالقلب فهو غير مكروه اتفاقا والعد باللسان مفسد اتفاقا. وقيد بالآي والتسبيح لان عد الناس وغيرهم مكروه اتفاقا. كذا في غاية البيان. وقيد بالصلاة لانا لعد خارج الصلاة لا يكره على الصحيح كما ذكره المصنف في المستصفى لانه أسكن للقلب وأجلب للنشاط ولما رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم قال صحيح الاسناد عن سعد بن أبي وقاص أنه دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة وبين يديها نوى أو حصى تسبح به فقال: أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا أو أفضل فقال: سبحان الله عدد ما خلق في السماء، وسبحان الله عدد ما خلق في الارض، وسبحان الله عدد ما بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق، والحمد لله مثل ذلك، والله أكبر مثل ذلك، ولا إله إلا الله مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك. فلم ينهها عن ذلك

[ 52 ]

وإنما أرشدها إلى ما هو أيسر وأفضل ولو كان مكروها لبين لها ذلك. ثم هذا الحديث ونحوه مما يشهد بأنه لا بأس باتخاذ السبحة المعروفة لاحصاء عدد الاذكار إذ لا تزيد السبحة على مضمون هذا الحديث إلا بضم النوى ونحوه في خيط، ومثل هذا لا يظهر تأثيره في المنع فلا جرم أن نقل اتخاذها والعمل بها عن جماعة من الصوفية الاخيار وغيرهم اللهم إلا إذا ترتب عليها رياء وسمعة فلا كلام لنا فيه. وهذا الحديث أيضا يشهد لافضلية هذا الذكر المخصوص على ذكر مجرد عن هذه الصيغة ولو تكرر يسيرا. ثم اعلم أن العلامة الحلبي ذكر أن كراهة العد باليد في الصلاة تنزيهية وظاهر النهاية أنها تحريمية فإنه قال: والصحيح أنه لا يباح العد أصلا لانه ليس في الكتاب فصل بين الفرض والنفل وقد يصير العد عملا كثيرا فيوجب فساد الصلاة وما روي في الاحاديث من قرأ في الصلاة كذا وكذا مرة قل هو الله أحد وكذا كذا تسبيحة فتلك الاحاديث لم يصححها الثقات، أما صلاة التسبيح فقد أوردها الثقات وهي صلاة مباركة فيها ثواب عظيم ومنافع كثيرة فإنه يقدر أن يحفظ بالقلب وإن احتاج يعد بالانامل حتى لا يصير عملا كثيرا ا ه‍. ثم صلاة التسبيح هذه ما رواها عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس بن عبد المطلب: يا عباس يا عماه إلا أعطيك ألا أمنحك ألا أحبوك ألا أفعل بك عشر خصال إذا أنت فعلت ذلك غفر الله لك ذنبك أوله وآخره، قديمه وحديثه، خطأه وعمده، صغيره وكبيره، سره وعلانيته. عشر خصال أن تصلي أربع ركعات تقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة، فإذا فرغت من القراءة في أول ركعة فقل وأنت قائم سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر خمس عشرة مرة، ثم تركع فتقول وأنت راكع عشرا، ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولها عشرا، ثم تهوي ساجدا فتقولها وأنت ساجد عشرا، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشرا، ثم تسجد الثانية فتقولها عشرا، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشرا فذلك خمس وسبعون في كل ركعة تفعل ذلك في أربع ركعات، إن استطعت أن تصليها في كل يوم مرة فافعل، فإن لم تستطع ففي كل جمعة مرة، فإن لم تفعل ففي كل شهر مرة، فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة، فإن لم

[ 53 ]

تفعل ففي عمرك مرة. رواه أبو داود وابن ماجه والطبراني وقال في آخره: فلو كانت ذنوبك مثل زبد البحر أو رمل عالج غفر الله لك. قال الحافظ عبد العظيم المنذري: وقد روي هذا الحديث من طرق كثيرة عن جماعة من الصحابة وأمثلها حديث عكرمة هذا وقد صححه جماعة ا ه‍. وذكر فخر الاسلام في شرح الجامع الصغير قال مشايخنا: إن احتاج المرء إلى العد يعد إشارة لا إفصاحا ويعمل بقولهما في المضطر ا ه‍. قوله: (لا قتل الحية والعقرب) أي لا يكره قتلهما لحديث الصحيحين اقتلوا الاسودين في الصلاة الحية والعقرب (1) وفي صحيح مسلم مرفوعا أمر عليه الصلاة والسلام بقتل الكلب العقور والحية والعقرب في الصلاة. وأقل مراتب الامر الاباحة. وفي شرح منية المصلي: ويستحب قتل العقرب بالنعل اليسرى إن أمكن لحديث أبي داود كذلك، ولا بأس بقياس الحية على العقرب في هذا ا ه‍. أطلقه فشمل جميع أنواع الحيات وصححه في الهداية لاطلاق الحديث وجميع المواضع. وفي المحيط قالوا: وينبغي أن لا تقتل الحية البيضاء التي تمشي مستوية لانها جان لقوله عليه السلام اقتلوا ذا الطفيتين والابتر وإياكم والحية البيضاء فإنها من الجن (2). وقال الطحاوي: لا بأس بقتل الكل لان النبي صلى الله عليه وسلم عهد مع الجن أن لا يدخلوا بيوت أمته وإذا دخلوا لم يظهرولهم فإذا دخلوا فقد نقضوا العهد فلا ذمة لهم. والاولى هو الاعذار والانذار فيقاارجع بإذن الله فإن أبى قتله ا ه‍. يعني الانذار في غير الصلاة. وفي النهاية معزيا إلى صدر الاسلام: والصحيح من الجواب أن يحتاط في قتل الحيات حتى لا يقتل جنيا فإنهم يؤذونه أذاء كثيرا بل إذا رأى حية وشك أنه جني يقول له خل طريق المسلمين ومر، فإن مرت تركه فإن واحدا من إخواني هو أكبر سنا مني قتل حية

[ 54 ]

كبيرة بسيف في دار لنا فضربه الجن حتى جعلوه زمنا كان لا يتحرك رجلاه قريبا من الشهر ثم عالجناه وداويناه بإرضاء الجن حتى تركوه فزال ما به وهذا مما عاينته بعيني ا ه‍. وأطلق في القتل فشمل ما إذا كان بعمل كثير. قال السرخسي: وهو الاظهر لان هذا عمل رخص فيه للمصلي كالمشي بعد الحدث والاستقاء من البئر والتوضؤ ا ه‍. وتعقبه في النهاية بأنه مخالف لما عليه عامة رواية شروح الجامع الصغير ورواية مبسوط شيخ الاسلام فإنهم لم يبيحوا العمل الكثير في قتلها ا ه‍. وتعقبه أيضا في فتح القدير بأنه يقضي أن الاستقاء غير مفسد في سبق الحدث وقد تقدم خلافه وبحثه بأنه لا يفسد للرخصة بالنص يستلزم مثله في علاج المار إذا كثر فإنه أيضا مأمور به بالنص كما قدمناه لكنه مفسد عندهم، فما هو جوابه عن علاج المار هو جوابنا في قتل الحية. ثم الحق فيما يظهر الفساد وقولهم الامر بالقتال لا يستلزم بقاء الصحة على نهج ما قالوه من الفساد في صلاة الخوف إذا قاتلوا في الصلاة بل أثره في رفع الاثم بمباشرة المفسد في الصلاة بعد أن كان حراما صحيح ا ه‍. وفي النهاية معزيا إلى الجامع الصغير البرهاني: إنما يباح قتلها في الصلاة إذا مرت بين يديه وخاف أن تؤذيه وإلا فيكره. وقيد بالحية والعقرب لان في قتل القملة والبرغوث اختلافا قال في الظهيرية: فإن أخذ قملة في الصلاة كره له أن يقتلها لكن يدفنها تحت الحصى وهو قول أبي حنيفة، وروي عنه إذا أخذ قملة أو برغوثا فقتله أو دفنه فقد أساء، وعن محمد إنه يقتلها وقتلها أحب إلى من دفنها وأي ذلك فعل فلا بأس به. وقال أبو يوسف: يكره كلاهما في الصلاة ا ه‍. وذكر في شرح منية المصلي أن دفنهما مكروه في المسجد في غير الصلاة. وأن الحاصل أنه يكره التعرض لكل منهما بالاخذ فضلا عن القتل أو الدفن عند عدم تعرضهما له بالاذى، وأما عند تعرضهما له بالاذى فإن كان خارج المسجد فلا بأس حينئذ بالاخذ والقتل أو الدفن بعد أن لا يكون ذلك بعمل كثير فإن كان خارج المسجد فلا بأس حينئذ بالاخذ والقتل أو الدفن بعد أن لا يكون ذلك بعمل كثير فإنه كما روي عن ابن مسعود من دفنها روي عن أنس أنهم كانوا يقتلون القنل والبراغيث في الصلاة، ولعل أبا حنيفة إنما اختار الدفن على القتل لما فيه من النزاهة عن إصابة دمهما ليد القاتل أو ثوبه في هذه الحالة وإن كان ذلك معفوا عنه، وأن ابن مسعود فعل أحسن الجائزين. وإن كان في المسجد فلا بأس بالقتل بالشرط المذكور ولا يطرحها في المسجد بطريق الدفن ولا غيره إلا إذا غلب على ظنه أنه يظفر

[ 55 ]

بها بعد الفراغ من الصلاة، وبهذا التفصيل يحصل الجمع بين ما عنأبي حنيفة من أنه يدفنها في الصلاة وبين ما عنه أنه لو دفنها في المسجد فقد أساء ا ه‍. قوله: (والصلاة إلى ظهر قاعد يتحدث) أي لا تكره. كذا في الجامع الصغير. وفي رواية الحسن عن أبي حينفة: يكره له أن يصلي وقبله نيام أو قوم يتحدثون لما أخرجه البزار عن ابن عباس مرفوعا: نهيت أن أصلي إلى النيام والمحدثين. وأجيب بأنه محمول في النائمين على ما إذا خاف ظهور صوت منهم يضحكه ويخجل النائم إذا انتبه، وفي المحدثين على ما إذا كان لهم أصوات يخاف منها التغليط أو شغل البال، ونحن نقول بالكراهة في هذا ثم يعارض الحديث المذكور في النائمين ويقدم عليه لقوته ما في الصحيحين عن عائشة قالت: كان رسوالله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الليل كلها وأنا معترضة بينه وبين القبلة، فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترت. وإنما قيد بقوله يتحدث ليفيد عدم الكراهة إلى ظهر من لا يتحدث بالاولى ولعله متفق عليه وقد كان يفعله ابن عمر إذا لم يجد سارية يقول لنافع: ول ظهرك. وأفاد كلامهم هنا أنه لا كراهة على المتحدث ولهذا نقل الشارح عن الصحابة رضي الله عنهم أن بعضهم كانوا يقرؤون القرآن وبعضهم يتذاكرون العلم والمواعظ وبعضهم يصلون ولم ينههم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ولو كان مكروها لنهاهم ا ه‍. وقيد بالظهر لان الصلاة إلى وجه أحد مكروهة كما في الجامع الصغير. قال في المنية: والاستقبال إلى المصلي مكروه، سواء كان المصلي في الصف الاول أو في الصف الاخير ولهذا قال في الذخيرة: يكره للامام أن يستقبل المصلي وإن كان بينهما صفوف، وهذا هو ظاهر المذهب ذكره في الفصل الرابع من كتاب الصلاة. والحاصل أن استقبال المصلي إلى وجه الانسان مكروه واستقبال الانسان وجه المصلي مكروه فالكراهة من الجانبين. قالالعلامة الحلبي: وقد صرحوا بأنه لو صلى إلى وجه

[ 56 ]

إنسان وبينهما ثالث ظهره إلى وجه المصلي لم يكره قوله: (وإلى مصحف أو سيف معلق) أي لا يكره أن يصلي وأمامه مصحف أو سيف، سواء كان معلقا أو بين يديه. أما المصحف فلان في تقديمه تعظيمه وتعظيمه عبادة والاستخفاف به كفر فانضمت هذه العبادة إلى عبادة أخرى فلا كراهة، ومن قال بالكراهة إذا كان معلقا معللا بأنه تشبه بأهل الكتاب مردود لان أهل الكتاب يفعلونه للقراءة منه وليس كلا منا فيه. وأما السيف فلانه سلاح ولا يكره التوجه إليه فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي للعنزة وهي سلاح قوله: (أو شمع أو سراج) لانهما لا يعبدان والكراهة باعتبارها وإنما يعبدها المجوس إذا كانت في الكانون وفيها الجمر أو في التنور فلا يكره التوجه إليها على غير هذا الوجه، وذكر في غاية البيان اختلاف المشايخ في التوجه إلى الشمع أو السراج والمختار أنه لا يكره ا ه‍. وينبغي أن يكون عدم الكراهة متفقا عليه فيما إذا كان الشمع على جانبيه كما هو المعتاد في مصر المحروسة في ليالي رمضان للتراويح. قال ابن قتيبة في أدب الكاتب في باب ما جاء فيه لغتان: استعمل الناس أضعفهما الشمع بالسكون والاوجه فتح الميم ا ه‍.. قوله: (وعلى بساط فيه تصاوير إن لم يسجد عليها) أي لا يكره. والتقييد المذكور بناء على ما في الجامع الصغير وقد قدمنا مفهومه وما في الاصل فلا حاجة إلى إعادته. ثم اعلم أن المصنف لم يستوف ذكر المكروهات في الصلاة فمنها أن كل سنة تركها فهو مكروه تنزيها كما صرح به في منية المصلي من قوله: ويكره وضع اليدين على الارض قبل الركبتين إذا سجد ورفعهما قبلهما إذا قام إلا من عذر، وأن يرفع رأسه أو ينكسه في الركوع، وأن يجهر بالتسمية والتأمين، وأن لا يضع يديه في موضعهما إلا من عذر، وأن يترك التسبيحات في الركوع والسجود، وأن ينقص من ثلاث تسبيحات في الركوع والسجود، وأن يأتي يأتي بالاذكار

[ 57 ]

المشروعة في الانتقالات بعد تمام الانتقال وفيه خللان: تركها في موضعها وتحصيلها في غير موضعها. ذكره في مواضع متفرقة من مكروهات الصلاة. وحاصله أن السنة إذا كانت مؤكدة قوية لا يبعد أن يكون تركها مكروها كراهة تحريم كترك الواجب فإنه كذلك، وإن كانت غير مؤكدة فتركها مكروه تنزيها كما في هذه الامثلة، وإن كان ذلك الشئ مستحبا أو مندوبا وليس بسنة كما هو على اصطلاحنا فينبغي أن لا يكون تركه مكروها أصلا كما صرحوا به من أنه يستحب يوم الاضحى أن لا يأكل أولا إلا من أضحيته. قالوا: ولو أكل من غيرها فليس بمكروه فلم يلزم من ترك المستحب ثبوت كراهته إلا أنه يشكل عليه ما قالوه من أن المكروه تنزيها مرجعه إلى خلاف الاولى، ولا شك أن ترك المستحب خلاف الاولى. ومنها ما في الخلاصة والولوالجية: ولا ينبغي أن يقرأ في كل ركعة آخر سورة على حدة فإنه مكروه عند الاكثر وينبغي أن يقرأ في الركعتين آخر سورة واحدة وهو أفضل من السورة إن كان الآخر أكثر آية ا ه‍. وصحح قاضيخان في شرح الجامع الصغير عدم الكراهة وإن كان الافضل خلافه. ومنها الانتقال من آية من سورة إلى آية أخرى من سورة أخرى أو آية من هذه السورة بينهما آيات، وكذا الجمع بين السورتين بينهما سور أو سورة واحدة في ركعة واحدة مكروه وفي الركعتين إن كان بينهما سور لا يكره، وإن كان بينهما سورة واحدة قال بعضهم يكره، وقال بعضهم إن كانت السورة طويلة لا يكره كما إذا كانت بينهما سورتان قصيرتان. ومنها أن يقرأ في ركعة أخرى سورة وفي ركعة أخرى سورة فوق تلك السورة أو فعل ذلك في ركعة فهو مكروه، وإن وقع هذا من غير قصد بأن قرأ في الركعة الاولى قل أعود برب الناس يقرأ في الركعة الثانية هذه السورة أيضا. وهذا كله في الفرائض، أما في النوافل لا يكره كذا في الخلاصة. ومنها ما إذا افتتح سورة وقصده سورة أخرى فلما قرأ آية أو آيتين أراد أن يترك تلك السورة ويفتتح التي أرادها يكره، وكذا لو قرأ أقل من آية وإن كان حرفا. ومنها أن يصلي في ثياب البذلة والمهنة واحتج له في الذخيرة بأنه روي عن عمر رضي الله

[ 58 ]

عنه أنه رأى رجلا فعل ذلك فقال: أرأيتك لو كنت أرسلتك إلى بع‍ ض الناس أكنت تمر في ثيابك هذه؟ فقال لا. فقال عمر: الله أحق أن يتزين له. وروى البيهقي عنه صلى الله عليه وسلم إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه فإن الله أحق من أن يتزين له. والظاهر أنها تنزيهية. وفسر ثياب البذلة في شرح الوقاية بميلبسه في بيته ولا يذهب به إلى الاكابر. ومنها أن يحمل صبيا في صلاته، وأما حملصلى الله عليه وسلم أمامة بنت زينب في الصلاة فأجيب عنه بوجوه. منها: أنه منسوخ بقوله أن في الصلاة لشغلا. وقد أطال الكلام فيهالعلامة الحلبي. ومنها أن يضع في فيه دراهم أو دنانير بحيث لا تمنعه عن القراءة وإن منعه عن أداء الحروف لا يجوز كما في الخلاصة وغيرها. ومنها أن يتم القراءة في الركوع كما في منية المصلي وفي موضع آخر أن يقرأ في غير حالة القيام. ومنها أن يقوم خلف الصف وحده مقتديا بالامام إلا إذا لم يجد فرجة، وكذا يكره للمنفرد أن يقوم في خلال الصفوف فيصلي فيخالفهم في القيام والقعود. ومنها أنه تكره الصلاة في معاطن الابل والمزبلة والمجزرة والمغتسل والحمام والمقبرة وعلى سطح الكعبة، وذكر في الفتاوي إذا غسل موضعا في الحمام ليس فيه تمثال وصلي فيه لا بأس به، وكذا في المقبرة إذا كان فيها موضع آخر أعد للصلاة وليس فيه قبر ولا نجاسة. ومنها أنه يكره للامام أن يعجلهم عن إكمال السنة. ومنها ويكره أن يمكث في مكانه بعد ما سلم في صلى بعدها سنة إلا قدر ما يقول اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والاكرام، به ورد الاثر كما في منية المصلي. ومنها أن يدخل في الصلاة وقد أخذه غائط أو بول وإن كان الاهتمام يشغله يقطعها وإن مضى عليها أجزأه وقد أساء، وكذا إن أخذه بعد

[ 59 ]

الافتتاح والاصل فيه ما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الاخبثان (1) وجعل الشارح مدافعة الريح كالاخبثين وأن الحديث محمول على الكراهية ونفي الفضيلة حتى لو ضاق الوقت بحيث لو اشتغل بالوضوء يفوته يصلي لان مع الاداء الكراهية أولى من القضاء. ومنها أن كل عمل قليل لغير عذر فهو مكروه كما لو تروح على نفسه بمروحة أو كمه والله سبحانه وتعالى أعلم. فصل لما فرغ من بيان الكراهة في الصلاة شرع في بيانها خارجها مما هو من توابعها قوله: (كره استقبال القبلة بالفرج في الخلاء واستدبارها) والخلاء بالمد بيت التغوط وأما بالقصر فهو النبت. والكراهة تحريمية لما أخرجه الستة عنه صلى الله عليه وسلم إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا (3) ولهذا كان الاصح من الروايتين كراهة الاستدبار كالاستقبال، وهو بإطلاقه يتناول الفضاء والبنيان. وفي فتح القدير: ولو نسي فجلس مستقبلا فذكر يستحب له الانحراف بقدر ما يمكنه لما أخرجه الطبري مرفوعا من جلس يبول قبالة القبلة فذكر فانحرف عنها إجلالا لها لم يقم من مجلسه حتى يغفر له وكما يكره للبالغ ذلك يكره له أن يمسك الصبي نحوها ليبول. وقالوا: يكره أن يمد رجليه في النوم وغيره إلى القبلة أو المصحف أو كتب الفقة إلا أن تكون على مكان مرتفع عن المحاذاة ا ه‍. قوله: (وغلق باب المسجد) لانه يشبه المنع من الصلاة قال تعالى * (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه) * (البقرة: 114) والاغلاق يشبه المنع فيكره. قال في الهداية: وقيل لا بأس به إذا خيف على متاع المسجد ا ه‍. وهو أحسن من التقييد بزماننا كما في عبارة بعضهم فالمدار خشية الضرر على المسجد، فإن ثبت في زماننا في جميع الاوقات ثبت كذلك إلا في

[ 60 ]

أوقات الصلاة أو لا فلا أو في بعضها ففي بعضها. كذا في فتح القدير. وفي العناية: والتدبير في الغلق لاهل المحلة فإنهم إذا اجتمعوا على رجل وجعلوه متوليا بغير أمر القاضي يكون متوليا اه‍. وفي النهاية: وكان المتقدمون يكرهون شد المصاحف واتخاذ المشدة لها كيلا يكون ذلك في صورة المنع من قراءة القرآن، فهذا مثله أو فوقه لان المصحف ملك لصاحبه والمسجد ليس بملك لاحد ا ه‍. ومن هنا يعلم جهل بعض مدرسي زماننا من منعهم من يدرس في مسجد تقرر في تدريسه أو كراهتهم لذلك زاعمين الاختصاص بها دون غيرهم حتى سمعت من بعضهم أنه يضيفها إلى نفسه ويقول هذه مدرستي أو لا تدرس في مدرستي، وأعجب من ذلك أنه إذا غضب على شخص يمنعه من دخول المسجد خصوصا بسبب أمر دنيوي، وهذا كله جهل عظيم ولا يبعد أن يكون كبيرة فقد قال الله تعالى * (وإن المساجد لله) * (الجن: 18) وما تلوناه من الآية السابقة فلا يجوز لاحد مطلقا أن يمنع مؤمنا من عبادة يأتي بها في المسجد لان المسجد ما بني إلا لها من صلاة واعتكاف وذكر شرعي وتعليم علم وتعلمه وقراءة قرآن. ولا يتعين مكان مخصوص لاحد حتى لو كان للمدرس موضع من المسجد يدرس فيه فسبقه غيره إليه ليس له إزعاجه وإقامته منه فقد قال الامام الزاهدي في فتاويه المسماة بالقنية معزيا إلى فتاوي العصر: له في المسجد موضع معين يواظب عليه وقد شغله غيره قال الاوزاعي: له أن يزعجه وليس له ذلك عندنا ا ه‍. ومن الفروع الدالة على أن مدرس المسجد كغيره ما قاله في القنية أيضا: ليس للمدرس في المسجد أن يجعل من بيته بابا إلى المسجد وإن فعل أدى ضمان نقصان الجدار إن وقع فيه ا ه‍. وأعجب من ذلك أن بعض مدرسي الاروام يعتقد في المسجد الذي له مدرس أنه مدرسة وليس بمسجد حتى ينتهك حرمته بالمشي فيه بنعله المتنجس مع تصريح الواقف بجعله مسجدا، وسيأتي شروط المسجد إن شاء الله تعالى في كتاب الوقف. قوله: (والوطئ فوقه والبول والتخلي) أي وكره الوطئ فوق المسجد وكذا البول والتغوط لان سطح المسجد له حكم المسجد حتى يصح الاقتداء منه بمن تحته، ولا يبطل الاعتكاف بالصعود إليه ولا يحل للجنب الوقوف عليه. والمراد بالكراهة كراهة التحريم وصرح الشارح بأن الوطئ فيه حرام لقوله تعالى * (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) * (البقرة: 187) وذكر في فتح القدير أن الحق أنها كراهة تحريم لان الآية ظنية الدلالة لانها محتملة كون التحريم للاعتكاف أو للمسجد وبمثلها لا يثبت التحريم ولان تطهيره واجب لقوله تعالى * (أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود) * (البقرة: 125) ولما أخرجه المنذري مرفوعا جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وبيعكم وشراءكم ورفع أصواتكم وسل سيوفكم وإقامة حدودكم وجمروها في الجمع واجعلوا على أبوابها المطاهر (1) ا ه‍. واختلف المشايخ في كراهية إخراج

[ 61 ]

الريح في المسجد. وأشار المصنف إلى أنه لا يجوز ادخال النجاسة المسجد وهو مصرح به فلذا ذكر العلامة قاسم في بعض فتاويه أن قولهم إن الدهن المتنجس يجوز الاستصباح به مقيد بغير المساجد فإنه لا يجوز الاستصباح به في المسجد لما ذكرنا، ولهذا قال في التجنيس: وينبغي لمن أراد أن يدخل المسجد أن يتعاهد النعل والخف عن النجاسة ثم يدخل فيه احترازا عن تلويث المسجد. وقد قيل: دخول المسجد متنعلا من سوء الادب وكان إبراهيم النخعي يكره خلع النعلين ويرى الصلاة معها أفضل لحديث خلع النعال. وعن علي رضي الله عنه أن كان له زوجان من نعل إذا توضأ انتعل بأحدهما إلى باب المسجد ثم يخلعه وينتعل بالآخر ويدخل المسجد إلى موضع صلاته ولهذا قالوا: إن الصلاة مع النعال والخفاف الطاهرة أقرب إلى حسن الادب ا ه‍. وفي الخلاصة وغيرها: ويكره الوضوء والمضمضمة في المسجد إلا أن يكون موضع فيه اتخذ للوضوء ولا يصلي فيه. زاد في التجنيس: لو سبقه الحدث وقت الخطبة يوم الجمعة فإن وجد الطريق انصرف وتوضأ وإن لم يمكنه الخروج يجلس ولا يتخطى رقاب الناس، فإن وجد ماء في المسجد وضع ثوبه بين يديه حتى يقع الماء عليه ويتوضأ بحيث لا ينجس المسجد ويستعمل الماء على التقدير، ثم بعد خروجه من المسجد يغسل ثوبه وهذا حسن جدا. ويكره مسح الرجل من الطين والردغة بإسطوانة المسجد أو بحائط من حيطان المسجد لان حكمه حكم المسجد، وإن مسح ببردي المسجد أو بقطعة حصير ملقاة فيه لا بأس به لان حكمه ليس حكم المسجد ولا له حرمة المسجد وهكذا قالوا: إن الاولى أن لا يفعل. وإن مسح بتراب في المسجد فإن كان مجموعا لا بأس به، وإن كان التراب منبسطا يكره هو المختار وإليه ذهب أبو القاسم الصفار لان له حكم الارض فكان من المسجد. وإن مسح بخشبة موضوعة في المسجد فلا بأس به لانه ليس لهذه الخشبة حكم المسجد فلا يكون لها حرمة المسجد، وكذا إذا مسح بحشيش مجتمع أو حصير مخرق لا بأس به لانه لا حرمة له إنما الحرمة للمسجد ا ه‍. ولكون المسجد يصان عن القاذورات ولو كانت طاهرة يكره البصاق فيه ولا يلقى لا فوق البواري ولا تحتها للحديث المعروف إن المسجد لينزوي من النخامة كما ينزوي الجلد من النار ويأخذ النخامة بكمه أو بشئ من ثيابه، فإن اضطر إلى ذلك كان البصاق فوق البواري خيرا من البصاق تحتها لان البواري ليست من المسجد حقيقة ولها حكم المسجد، فإذا ابتلي ببليتين يختار أهونهما، فإن لم يكن فيها بوار يدفنها في التراب ولا يدعها على وجه الارض وقالوا: إذا نزح الماء النجس من البئر كره له أن يبل به الطين فيطين به المسجد على قول من اعتبر نجاسة الطين. وفي الظهيرية

[ 62 ]

وغيرها: ويكره غر س الاشجار في المسجد لانه يشبه البيعة إلا أن يكون به نفع للمسجد كأن يكون ذا نز أو اسطوانية لا تستقر فيغرس ليجذب عروق الاشجار ذلك النز فحينئذ يجوز وإلا فلا وإنمجوز مشايخنا في المسجد الجامع ببخارى لما فيه من الحاجة. قالوا: ولا يتخذ في المسجد بئر ماء لانه يخل حرمة المسجد فإنه يدخله الجنب والحائض، وإن حفر فهو ضامن بما حفر إلا أن ما كان قديما فيترك كبئر زمزم في المسجد الحرام. ولا بأس برمي عش الخفاش والحمام لان فيه تنقية المسجد من زرقها. وقالوا: ولا يجوز أن تعمل فيه الصنائع لانه مخلص لله تعالى فلا يكون محلا لغير العبادة غير أنهم قالوا في الخياط: إذا جلس فيه لمصلحته من دفع الصبيان وصيانة المسجد لا بأس به للضرورة ولا يدق الثوب عند طيه دقا عنيفا. والذي يكتب إن كان بأجر يكره وإن كان بغير أجر لا يكره. قال في فتح القدير: هذا إذا كتب القرآن والعلم لانه في عبادة، أما هؤلاء المكتبون الذين يجتمع عندهم الصبيان واللغط فلا، ولو لم يكن لغط لانهم في صناعة لا عبادة إذ هم يقصدون الاجارة ليس هو لله بل للارتزاق ومعلم الصبيان القرآن كالكاتب إن كان لاجر لا وحسبة لا بأس به ا ه‍. وفي الخلاصة: رجل يمر في المسجد ويتخذه طريقا إن كان لغير عذر لا يجوز وبعذر يجوز، ثم إذا جاز يصلي كل يوم تحية المسجد مرة ا ه‍. وفي القنية: يعتاد المرور في الجامع يأثم ويفسق ولو دخل المسجد للمرور فلما توسطه ندم، قيل يخرج من باب غير الذي قصده، وقيل يصلي ثم يتخير في الخروج، وقيل إن كان محدثا يخرج من حيث دخل إعداما لماجنى ويكره تخصيص مكان في المسجد لنفسه لانه يخل بالخشوع. أعظم المساجد حرمة المسجد الحرام ثم مسجد المدينة ثم مسجد بيت المقدس ثم الجوامع ثم مساجد المحال ثم مساجد الشوارع فإنها أخف مرتبة حتى لا يعتكف فيها أحد إذا لم يكن لها إمام معلوم ومؤذن، ثم مساجد البيوت فإنه لا يجوز حتى الاعتكاف فيها إلا للنساء. وإذا قسم أهل المحلة المسجد وضربوا فيه حائطا ولكل منهم إمام على حدة ومؤذنهم واحد لا بأس به، والاولى أن يكون لكل طائفة مؤذن كما يجوز لاهل المحلة أن يجعلوا المسجد الواحد مسجدين فلهم أن يجعلوا المسجدين واحدا لاقامة الجماعات إما للتدريس أو للتذكير فلا، لانه ما بنى له وإن جاز فيه ولا يجوز التعليم في دكان في فناء المسجد عند أبي حنيفة وعندهما يجوز إذا لم يضر بالعامة ا ه‍. ما في القنية. ولا يخفى أن المسجد الجامع تدبيره وعمارته وإصلاحه للامام أو نائبه كما صرحوا به في كتاب القسامة، فللامام أو نائبه أن يجعل الجامع

[ 63 ]

مسجدين بضرب حائط ونحوه كالاهل المحلة. ولا بد أن نذكر أحكام تحية المسجد فنقول: هي على حذف مضاف أي تحية رب المسجد لان المقصود منها التقرب إلى الله تعالى لا إلى المسجد لان الانسان إذا دخل بيت الملك فإنما يحيي الملك لا بيته. كذا ذكره العلامة الحلبي. وقد حكى الاجماع على سنيتها غير أن أصحابنا يكرهونها في الاوقات المكروهة تقديما لعموم الحاظر على عموم المبيح، وقد قدمنا أنه إذا تكرر دخوله في كل يوم فإنه يكفيه ركعتان لها في اليوم. وذكره في الغاية أنها لا تسقط بالجلوس عند أصحابنا فإنه قال في الحاكم إذا دخل المسجد للحكم فهو بالخيار عندنا إن شاء صلى تحية المسجد عند دخوله وإن شاء صلاها عند انصرافه فلم تسقط بالجلوس لانها لتعظيم المسجد وحرمته ففي أي وقت صلاها حصل المقصود من ذلك ا ه‍. وفي الظهيرية: ثم اختلفوا في صلاة التحية أنه يجلس ثم يقوم ويصلي أو يصلي قبل أن يجلس. قال بعضهم: يجلس ثم يقوم. وعامة العلماء قالوا: يصلي كما يدخل المسجد ا ه‍. قلت: ويشهد لقول العامة وهو الصحيح كما في القنية ما في الصحيحين عن أبي قتادة الانصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين (1) وإنما قلنا بعدم سقوطها بالجلوس لما أخرجه ابن حبان في صحيحه عن أبي ذر قال: دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وحده فقال: يا أبا ذر إن للمسجد تحية وإن تحيته ركعتان فقم فاركعهما فقمت فركعتهما ا ه‍. وقد قالوا: إن كل صلاة صلاها عند دخوله فرضا أو سنة فإنها تقوم مقام التحية بلا نية كما في البدائع وغيره، فلو نوى التحية الفرض فظاهر ما في المحيط وغيره أنه يصح عندهما، وعند محمد لا يكون داخلا في الصلاة فإنهم قالوا: لو نوى الدخول في الظهر والتطوع فإنه يجوز عن الفرض عند أبي يوسف وهو رواية عن أبي حنيفة، وعن محمد لا يكون داخلا. وصرح في الظهيرية بكراهة الحديث أي كلام الناس في المسجد لكن قيده بأن يجلس لاجله. وفي فتح القدير: الكلام المباح فيه مكروه يأكل الحسنات، وينبغي تقييده بما في الظهيرية. أما إن جلس للعبادة ثم بعدها تكلم فلا. وأما النوم في المسجد فاختلف المشايخ فيه. وفي التجنيس: الاشبه بما تقدم من المسائل أنه يكره لانه ما أعد لذلك وإنما بني لاقامة الصلاة، وأما الجلوس في المسجد للمصيبة فمكروه لانه لم يبن له. وعن الفقيه أبي الليث أنه لا بأس به لان النبي صلى الله عليه وسلم حين بلغه قتل جعفر وزيد بن حارثة جلس في المسجد والناس يأتونه ويعزونه، والمفتي به أنه

[ 64 ]

لا يلازم غريمه في المسجد لان المسجد بني لذكر الله تعالى. ويجوز الجلوس في المسجد لغير الصلاة، ولا بأس به للقضاء كالتدريس والفتوى ا ه‍. وسيأتي إن شاء الله تعالى بقية أحكام المسجد في الوقف والكراهية والجنايات ومسألة الذهاب إلى الاقدم أو إلى مسجد حيه أو إلى من كان إمامه أصلح مذكورة في الخلاصة وغيرها بتفاريعها. قوله: (لا فوق بيت فيه مسجد) أي لا يكره ما ذكر في بيت فيه أو فوقه في ذلك البيت مسجد وهو مكان في البيت أعد للصلاة فإنه لم يأخذ حكم المسجد وإن كان يستحب للانسان، رجلا كان أو امرأة، أن يتخذ في داره مكانا خاليا لصلاته وبه أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه. واختلفوا في مصلى الجنازة والعيد فصحح في المحيط في مصلى الجنائز أنه ليس له حكم المسجد أصلا، وصحح في مصلى العيد كذلك إلا في حق جواز الاقتداء وإن لم تتصل الصفوف. وفي النهاية وغيرها: والمختار للفتوى في المسجد الذي اتخذ لصلاة الجنازة والعيد أنه مسجد في حق جواز الاقتداء وإن انفصل الصفوف رفقا بالناس، وفيما عدا ذلك ليس له حكم المسجد ا ه‍. وظاهر ما في النهاية أنه يجوز الوطئ والبول والتخلي في مصلي الجنائز والعيد، ولا يخفى ما فيه فإن الباني لم يعده لذلك فينبغي أن لا، تجوز هذه الثلاثة وإن حكمنا بكونه غير مسجد، وإنما تظهر فائدته في بقية الاحكام التي ذكرناها ومن حل دخوله للجنب والحائض. قوله: (ولانقشه بالجص وماء الذهب) أي ولا يكره نقش المسجد وهو المذكور في الجامع الصغبلفظ لا بأس به. وقيل يكره للحديث إن من اشراط الساعة تزيين المساجد وقيل مستحب لانه من عمارته وقد مدح الله فاعلها بقوله * (إنما يعمر مساجد الله) * (التوبة:

[ 65 ]

18) وأصحابنا قالوا بالجواز من غير كراهة ولا استحباب لان مسجد رسول الله كان مسقفا من جريد النخل وكان يكف إذا جاء المطر وكان كذلك إلى زمن عثمان ثم رفعه عثمان وبناه وبسط فيه الحصى كما هو اليوم كذلك. ومحل الاختلاف في غير نقش المحراب، أما نقشه فهو مكروه لانه يلهي المصلي كما في فتح القدير وغيره. قال المصنف في الكافي: وهذا إذا فعل من مال نفسه أما المتولي فإنما يفعل من مال الوقف ما يحكم البناء دون النقش، فلو فعل ضمن حينئذ لما فيه من تضييع المال، فإن اجتمعت أموال المساجد وخاف الضياع بطمع الظلمة فيها لا بأس به حينئذ ا ه‍. وصرح في الغاية أن جعل البياض فوق السواد للنقاء موجب لضمان المتولي، ولا يخفى أن محله ما إذا لم يكن الواقف فعل مثل ذلك، أما إن كان كذلك فله البياض لقولهم في عمارة الوقف أنه يعمر كما كان. وقيد بكونه للنقاء إذ لو قصد به أحكام البناء فإنه لا يضمن، وقيدوا بالمسجد إذ نقش غيره موجبللضمان إلا إذا كان مكانا معدا للاستغلال تزيد الاجرة به فلا بأس به. وأرادوا من المسجد داخله لقول صاحب النهاية: ولان من تزيينه ترغيب الناس في الاعتكاف والجلوس في المسجد لانتظار الصلاة وذلك حسن ا ه‍. فيفيد أن تزيين خارجه مكروه، وأما من مال الوقف فلا شك أنه لا يجوز للمتولي فعله مطلقا لعدم الفائدة فيه خصوصا إذا قصد به حرمان أرباب الوظائف كما شاهدناه في زماننا من دهنهم الحيطان الخارجة، وسيأتي إن شاء الله تعالى بأتم من هذا في كتاب الوقف. وفي النهاية: وليس بمستحسن كتابة القرآن على المحاريب والجدران لما يخاف من سقوط الكتابة وأن توطأ. وفي جامع النسفي: مصلى أو بساط فيه أسماء الله تعالى يكره بسطوت استعماله في شئ، وكذا لو كان عليه الملك لا غير أو الالف واللام وحدها، وكذا يكره إخراجه عن ملكه إذا لم يأمن من استعمال الغير فالواجب أن يوضع في أعلى موضع لا يوضع فوقه شئ، وكذا يكره كتابة الرقاع وإلصاقها في الابواب لما فيه من الاهانة ا ه‍. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. باب الوتر والنوافل لا خفاء في حسن تأخيرهما عن الفرائض. والوتر في اللغة خلاف الشفع وأوتر صلى

[ 66 ]

الوتر. كذا في المغرب. وهو في الشرع صلاة مخصوصة وهي ثلاث ركعات بعد العشاء، والنفل في اللغة الزيادة وفي الشريعة زيادة عبادة شرعت لنا لا علينا، ووجوه اشتقاقه يدل على الزيادة ولهذا يسمى ولد الولد نافلة لانه زيادة على الولد الصلبي وتسمى الغنيمة نفلا لانها زيادة على أصل المال قوله: (الوتر واجب) وهذا آخر أقوالابي حنيفة وهو الصحيح. كذا في المحيط. والاصح كما في الخانية وهو الظاهر من مذهبه كذا في المبسوط وروي عنه أنه فرض وعنه أنه سنة. ووفق المشايخ بينهما بأنه فرض عملا، واجب اعتقادا، سنة ثبوتا ودليلا. وأما عندهما فسنة عملا واعتقادا ودليلا لكن سنة مؤكدة آكد من سائر السنن المؤقتة كما في البدائع لظهور أثر السنن فيحيث لا يؤذن له ولم يثبت عندهما دليل الوجوب فنفياه. وأما استدلاله في الهداية لهما بأنه لا يكفر جاحده لا يفيد إذ إثبات اللازم لا يستلزم إثبات الملزوم المعين إلا إذا ساواه وهو هنا أعم، وإن عدم الاكفار بالجحد لازم الوجوب كما هو لازم السنة والمدعي الوجوب لا الفرض، وأما الامام فثبت عنده دليل الوجوب وهو الحديث وأحسن ما يعين منه ما رواه أبو داود مرفوعا الوتر حق فمن لم يوتر فليس مني، الوتر حق فمن لم يوتر فليس مني، الوتر حق فمن لم يوتر فليس مني رواه الحاكم وصححه. وما رواه مسلم مرفوعا أوتر وأقبل أن تصبحوا والامر للوجوب. وأما ما في الصحيحين من أنه عليه السلام أو تر على بعيره فواقعة حال لا عموم لها فيجوز كونه كان للعذر والاتفاق على أن الفرض يصلي على الدابة لعذر الطين والمرض ونحوه أو أنه كان قبل وجوبه لان وجوبه لم يقارن وجوب الخمس بل متأخر، وقد روي أنه عليه السلام كان ينزل للوتر. وأما حديث الاعرابي حين قال له هل علي غيرها أي الصلوت الخمس فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا إلا أن تطوع. فلا يدل على عدم وجوب الوتر كما زعمه النووي في شرح مسلم لانه كان في

[ 67 ]

أول الاسلام ثم وجب الوتر بعده بدليل أنه سأله عن العبادة المالية فأخبره بالزكاة فقال هل علي غيرها؟ فقال: لا. كما ذكر في الصلاة مع أن صدقة الفطر فرض عندهم بدليله فما هو جوابهم عنها فهو جوابنا عنه، ولا يلزم من القول بوجوبه الزيادة على الفرائض الخمس القطعية لانليس بفرض قطعي. وذكر في البدائع حكاية هي أن يوسف بن خالد السمي كان من أعيان فقهاء البصرة فسأل أبا حنيفة عنه فقال: إنه واجب. فقال له: كفرت يا أبا حنيفة ظنا منه أنه يقول إنه فريضة. فقال أبو حنيفة: أيهولني إكفارك إياي وأنا أعرف الفرق بين الفرض والواجب كفرق ما بين السماء والارض، ثم بين له الفرق بينهما فاعتذر إليه وجلس عنده للتعلم اه‍. وفي المحيط: لا يجوز الوتر قاعدا مع القدرة على القيام ولا على راحلته من غير عذر لان عنده الوتر واجب وأداء الواجبات والفرائض على الراحلة من غير عذر لا يجوز، وعندهما وإن كان سنة لكن صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتنفل على راحلته من غير عذر في الليل وإذا بلغ الوتر نزل فيوتر على الارض اه‍. فأفاد أنه لا يجوز قاعدا وراكبا من غير عذر باتفاق أبي حنيفة وصاحبيه. وصرح في الهداية بأنه يجب قضاؤه إذا فاته بالاجماع وصححه في التجنيس، وعلل له في المحيط بقوله: أما عنده فلانه واجب، وأما عندهما فلقوله عليه السلام من نام عن وتر أو نسيه فليصله إذا ذكره (1) اه‍. وصرح في الكافي بأن وجوب قضائه ظاهر الرواية عنهما، وروي عنهما عدمه وسيأتي أنه لا يصلي خلف النفل اتفاقا، فظهر بهذا أنه لا فرق بين قوله بوجوبه وبين قولهما بسنيته من جهة الاحكام فإن السنة المؤكدة بمنزلة الواجب إلا في فساد الصبح بتذكره وفي قضائه بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس. قال في التجنيس: عند أبي حنيفة يقضيه بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس وبعد صلاة العصر لانه واجب عنده فيجوز قضاؤه فيه كقضاء سائر الفرائض، وعندهما لا لانه سنة عندهما ا ه‍. لكن تعقب صاحب الهداية في فتح القدير بأنه سنة عندهما فوجوب القضاء محل النزاع، وقد علمت دفعه بما في المحيط. وفي الظهيرية والولوالجية والتجنيس وغيرهما: أهل قرية اجتمعوا على ترك الوتر أدبهم الامام وحبسهم فإن لم يمتنعوا قاتلهم، وإن امتنعوا عن أداء السنن فجواب أئمة

[ 68 ]

بخارى بأن الامام يقاتلهم كما يقاتلهم على ترك الفرائض لما روي عن عبد الله بن المبارك أنه قال: لو أن أهل بلدة أنكرو سنة السواك لقاتلتهم كما نقاتل المرتدين اه‍. وفي العمدة: اجتمع قوم على ترك الاذان يؤدبهم الامام وعلى ترك السنن يقاتلهم. زاد في الخلاصة بأن هذا إذا تركها جفاء لكن رآها حقا فإن لم يرها حقا يكفر. وذكر في التحقيق لصاحب الكشف أن الواجب نوعان: واجب في قوة الفرض في العمل كالوتر عند أبي حنيفة حتى منع تذكره صحة الفجر كتذكر العشاء، وواجب دون الفرض في العمل فوق السنة كتعيين الفاتحة حتى وجب سجود السهو بتركه ولكن لا تفسد الصلاة اه‍. وفي البدائع أن وجوبه لا يختص بالبعض دون البعض بل يعم الناس أجمع من الحر والعبد والذكر والانثى إن كان أهلا للوجوب لعموم الدلائل. قوله (وهو ثلاث ركعات بتسليمة) أي الوتر لما رواه الحاكم وصححه وقال على شرطهما عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بثلاث لا يسلم إلا في آخرهن. قيل للحسن: إن ابن عمر كان يسلم في الركعتين من الوتر فقال: كان عمر أفقه منه وكان ينهض في الثانية بالتكبير اه‍. ونقله الطحاوي عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما قوله صلى الله عليه وسلم صلاة الليل مثنى مثنى وإذا خشي الصبح صلى واحدة فأوترت له ما صلى (2) فليس فيه دلالة على أن الوتر واحدة بتحريمة مستأنفة ليحتاج إلى الاشتغال بجوابه إذا يحتمل كلا من ذلك ومن كونه إذا خشي الصبح صلى واحدة متصلة ومع الاحتمال لا يقاوم الصرائح الواردة، وقد روى الامام أبو حنيفة بسنده أنه عليه السلام كان يقرأ في الاولى سبح اسم ربك الاعلى، وفي الثانية قل يا أيها الكافرون، وفي الثالثة قل هو الله أحد. وما وقع في السنن وغيرها من زياد المعوذتين أنكرها الامام أحمد وابن معين ولم يخترها أكثر أهل العلم كما ذكره الترمذي. كذا في شرح منية المصلي. وصحح الشارح الزيلعي أنه لا يجوز اقتداء الحنفي بمن يسلم من الركعتين في الوتر وجوزه أبو بكر الرازي ويصلي معه بقية الوتر لان

[ 69 ]

إمامه لم يخرج بسلامه عنده وهو مجتهد فيه كما لو اقتدى بإمام قد رعف. واشتراط المشايخ لصحة اقتداء الحنفي في الوتر بالشافعي أن لا يفصله على الصحيح مفيد لصحته إذا لم يفصله اتفاقا، ويخالفه ما ذكره في الارشاد من أنه لا يجوز الاقتداء في الوتر بالشافعي بإجماع أصحابنا لانه اقتداء المفترض بالمنتفل فإنه يفيد عدم الصحة فصل أو وصل فلذا قال بعده: والاول أصح مشيرا إلى أن عدم الصحة إنما هو عند الفصل لا مطلقا معللا بأن اعتقاد الوجوب ليس بواجب على الحنفي اه‍. فمراده من الاول هو قوله في شروط الاقتداء بالشافعي ولا يقطع وتره بالسلام هو الصحيح، ويشهد للشارح ما في السراج الوهاج أن الاقتداء به في العيدين صحيح ولم يرد فيه خلاف مع أنه سنة عند الشافعي وواجب عندنا، وما نقله أصحاب الفتاوى عن ابن الفضل أن اقتداء الحنفي في الوتر بمن يرى أنه سنة كاليوسفي صحيح لان كلا يحتاج إلى نية الوتر فلم تختلف نيتهما فأهدر اختلاف الاعتقاد في صفة الصلاة واعتبر مجرد اتحاد النية. واستشكله في فتح القدير بما ذكره في التجنيس وغيره من أن الفرض لا يتأدى بنية النفل ويجوز عكسه، فعلى هذا ينبغي أن لا يجوز وتر الحنفي اقتداء وتر الشافعي بناء على أنه لم يصح شروعه في الوتر لانه بنيته إياه إنما نوى النفل الذي هو الوتر فلا يتأدى الواجب بنية النفل، وحينئذ فالاقتداء به فيه بناء على المعدوم في زعم المقتدي. نعم يكن أن يقال: لو لم يخطر بخاطره عند النية صفة من السنة أو غيرها بل مجرد الوتر ينتفي المانع فيجوز لكن إطلاق مسألة التجنيس يقتضة أنه لا يجوز وإن لم يخطر بخاطره نفلية وفرضية بعد أن كان المتقرر في اعتقاده نفليته وهو غير بعيد للمتأمل اه‍..

[ 70 ]

وحاصلة ترجيح ما في الارشاد وتضعيف تصحيح الزيلعي، وما في الفتاوى عن ابن الفضل وليس فيما ذكره دليل عليه لان ما في التجنيس وغيره إنما هو في الفرض القطعي والوتر ليس بفرض قطعي إنما هو واجب ظني ثبت بالسنة فلا يلزم اعتقاد وجوبه للاختلاف فيه فلم يلزم في صحته تعيين وجوببل تعيين كونه وترا، بل صرح في المحيط والبدائع بأنه ينوي صلاة الوتر والعيديد فقط. وصرح بعض المشايخ كما في شرح منية المصلي بأنه لا ينوي في الوتر أنه واجب للاختلاف في وجوبه، فظهر بهذا أن المذهب الصحيح صحة الاقتداء بالشافعي في الوتر إن لم يسلم على رأس الركعتين وعدمها إن سلم والله الموفق للصواب. ثم اعلم أن قوله في فتح القدير لكن إطلاق مسألة التجنيس يقتضي إلى آخره غفلة عما ذكره صاحب التجنيس في باب الوتر منه ولفظه: إذا اقتدى في الوتر بمن يراه سنة وهو يراه واجبا ينظر إن كان نوى الوتر وهو يراه سنة أو تطوعا جاز الاقتداء بمنزلة من صلى الظهر خلف آخر وهو يرى أن الركوع سنة أو تطوع، وإن كان افتتح الوتر بنية التطوع أو بنية السنية لا يصح الاقتداء لانه يصير اقتداء المفترض بالمنتفل. كذا ذكره الامام الرستغفني. هذا والذي ينبغي أن يفهم من قولهم إنه لا ينوي أنه واجب أنه لا يلزمه تعيين الوجوب لا أن المراد منعه من أن ينوي وجوبه لانه لا يخلو إما أن يكون حنفيا أو غيره، فإن كان حنفيا فينبغي أن ينويه ليطابق اعتقاده، وإن كان غيره فلا تضره تلك النية فإن من المعلوم أن انتفاء الوصف لا يوجب انتفاء الاصل فيبقى الاصل وهو صلاة الوتر هنا وقد كان يخرج به عن العهدة. قوله (وقنت في ثالثته قبل الركوع ابدا) لما أخرجه النسائي عن أبي بن كعب أنه عليه الصلاة والسلام كان يقنت قبل الركوع. وما في حديث أنس من أنه عليه السلام قنت بعد الركوع فالمراد منه أن ذلك كان شهرا منه فقط بدليل ما في الصحيح عن عاصم الاحول

[ 71 ]

سألت أنسا عن القنوت في الصلاة قال: نعم. قلت: أكان قبل الركوع أو بعده؟ قال: قبله. قلت: فإن فلانا أخبرني عنك أنك قلت بعده قال: كذب إنما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الركوع شهرا. وظاهر الاحاديث يدل على القنوت في جميع السنة، وأما ما رواه أبو داود أن عمر رضي الله عنه جمع الناس على أبي بن كعب فكان يصلي بهم عشرين ليلة من الشهر - يعني رمضان - ولا يقنت بهم إلا في النصف الثاني فإذا كان العشر الاواخر تخلف فصلى في بيته، فلا يدل على تخصيصه بالنصف الثاني من رمضان لان القنوت فيه يحتمل أن يكون طول القيام فإنه يقال عليه كما يقال على الدعاء وترجح الاول لتخصيص النصف الاخير بزيادة الاجتهاد فليس هو المتنازع فيه. والكلام في القنوت في خمسة مواضع: في صفته ومحل أدائه ومقداره ودعائه وحكمه إذا فات. أما الاول فقد ذكره المصنف في باب صفة الصلاة من الواجبات وهو مذهب أبي حنيفة وعندهما سنة كالوتر، ويشهد للوجوب قوله صلى الله عليه وسلم للحسن حين علمه القنوت، اجعل هذا في وترك. والامر للوجوب لكنه تعقبه في فتح القدير بأنه لم يثبت، ومنهم من حاول الاستدلال

[ 72 ]

بالمواظبة المفادة من الاحاديث وهو متوقف على كونها غير مقرونة بالترك مرة لكن مطلق المواظبة أعم من المقرونة به أحيانا وغير المقرونة ولا دلالة للاعم على الاخص وإلا لوجبت بهذه الكلمات عينا أو كانت أولى من غيرها لكن المتقرر عندهم الدعاء المعروف اللهم إنا نستعينك كما سيأتي اه‍. وأطلقه فشمل الاداء والقضاء فلذا قالوا: ومن يقضي الصلوات والاوتار يقنت في الاوتار احتياطا. وعلله الولوالجي في فتاواه بأنه إن كان عليه الوتر كان عليه القنوت وإن لم يكن عليه الوتر فالقنوت يكون في التطوع والقنوت في التطوع لا يضر اه‍. وهو يقتضي أن قضاءه ليس لكونه لم يؤد حقيقة بل احتياطا وليس هو بمستحب. قال في مآل الفتاوى: ولما لم يفته شئ من الصلوات وأحب أن يقضي جميع الصلوات التي صلاها متداركا لا يستحب لذلك إذا كان غالب ظنه فساد ما صلى ورد النهي عنه صلى الله عليه وسلم. وما حكي عن أبي حنيفة أنه قضى صلاة عمره فإن صح النقل فنقول كان يصلي المغرب والوتر أربع ركعات بثلاث قعدات اه‍. وفي التجنيس: شك في الوتر وهو في حالة القيام أنفي الثانية أم في الثالثة يتم تلك الركعة ويقنت فيها لجواز أنها الثالثة، ثم يقعد فيقوم فيضيف إليها ركعة أخرى ويقنت فيها أيضا، وهو المختار. فرق بين هذا وبين المسبوق بركعتين في الوتر في شهر رمضان إذا قنت مع الامام في الركعة الاخيرة من صلاة الامام حيث لا يقنت في الركعة الاخيرة إذا قام إلى القضاء في قولهم جميعا. والفرق أن تكرار القنوت في موضعه ليس بمشروع وههنا أحدهما في موضعوالآخر ليس في موضعه فجاز، فأما المسبوق فهو مأمور بأن يقنت مع الامام فصار ذلك موضعا له، فلو أتى بالثاني كان ذلك تكرارا للقنوت في موضعه اه‍. وفي المحيط معزيا إلى الاجناس: لو شك أنه في الاولى أو في الثانية أو في الثالثة فإنه

[ 73 ]

يقنت في الركعة التي هو فيها ثم يقعد ثم يقوم فيصلي ركعتين بقعدتين ويقنت فيهما احتياطا. وفي قول آخر: لا يقنت في الكل أصلا لان القنوت في الركعة الثانية والاولى بدعة وترك السنة أسهل من الاتيان بالبدعة والاول أصح لان القنوت واجب، وما تردد بين الواجب والبدعة يأتي به احتياطا اه‍. وفي الذخيرة: إن قنت في الاولى أو في الثانية ساهيا لم يقنت في الثالثة لانه لا يتكرر في الصلاة الواحدة اه‍. وفيه نظر لانه إذا كان مع الشك في كونه في محله يعيده ليقع في محله كما قدمناه فمع اليقين بكونه في غير محله أولى أن يعيده كما لو قعد بعد الاولى ساهيا لا يمنعه أن يقعد بعد الثانية، ولعل ما في الذخيرة مبني على القول الضعيف القائل بأنه لا يقنت في الكل أصلا كما لا يخفي. وأما الثاني فقد ذكرناه. وأما مقداره فقد ذكر الكرخي أن مقدار القيام في القنوت مقدار سورة إذا السماء انشقت وكذا ذكر في الاصل لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ في القنوت اللهم إنا نستعينك اللهم اهدنا وكلاهما على مقدار هذه السورة. وروي أنه عليه السلام كان لا يطول في دعاء القنوت. كذا في البدائع. وأما دعاؤه فليس فيه دعاء مؤقت. كذا ذكر الكرخي في كتاب الصلاة لانه روي عن الصحابة أدعية مختلفة في حال القنوت، ولان المؤقت من الدعاء يذهب بالرقة كما روي عن محمد فيبعد عن الاجابة، ولانه لا يؤقت في القراءة لشئ من الصلوات ففي دعاء القنوت، أولى. وقال بعض مشايخنا: المراد من قوله ليس فيه دعاء مؤقت ما سوى اللهم إنا نستعينك لان الصحابة

[ 74 ]

اتفقوا عليه فالاولى أن يقرأه ولو قرأ غيره جاز، ولو قرأ معه غيره كان حسنا والاولى أن يقرأ بعده ما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن على قنوته اللهم اهدني فيمن هديت إلى آخره. وقال بعضهم: الافضل من الوتر أن يكون فيه دعاء مؤقت لان الامام ربما يكون جاهلا فيأتي بدعاء يشبه كلام الناس فتفسد صلاته، وما روي عن محمد من أن التوقيت في الدعاء يذهب برقة القلب، محمول على أدعية المناسك دون الصلاة. كذا في البدائع. ورجح في شرح منية المصلي قول الطائفة الثانية لما ذكروا وتبركا بالمأثور الوارد به الاخبار وتوارثه الخلف عن السلف في سائر الاعصار اه‍. لكن ذكر الاسبيجابي أن ظاهر الرواية عدم توقيته. ثم إن الدعاء المشهور عند أبي حنيفة: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونتوكل عليك ونثني عليك الخير كله، نشكرك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك بالكفار ملحق. لكن في المقدمة الغزنوية إن عذابك الجد. ولم يذكره في الحاوي القدسي إلا أنه أسقط الواو من نخلع. والظاهر ثبوتهما. أما إثبات الجد ففي مراسيل أبي داود. وأما إثبات الواو في ونخلع ففي رواية الطحاوي والبيهقي، وبه اندفع ما ذكره الشمني في شرح النقاية أنه لا يقول الجد واتفقوا على أنه بكسر الجيم بمعنى الحق. واختلفوا في ملحق وصحح الاسبيجابي كسر الحاء بمعنى لاحق بهم، وقيل بفتحها، ونص الجوهري على أنه صواب. وأما نحفد فهو بفتح النون وكسر الفاء وبالدال المهملة من الحفد بمعنى السرعة ويجوز ضم النون. يقال حفد بمعنى أسرع وأحفد لغة فيه حكاها ابن مالك في فعل وافعل. وصرح قاضيخان في فتاواه بأنه لو قرأها بالذال المعجمة بطلت صلاته، ولعله لانها كلمة مهملة لا معنى لها. ثم اعلم أن المشايخ اختلفوا في حقيقة القنوت الذي هو واجب عنده فنقل في المجتبى عن شرح المؤذني القنوت طول القيام دون الدعاء، وعن أبي عمرو لا أعرف من القنوت إلا طول القيام وبه فسر قوله تعالى * (أمن هو قانت آناء الليل) * (الزمر: 9) وعن الفتاوى الصغرى: القنوت في الوتر هو الدعاء دون القيام اه‍. وينبغي تصحيحه ومن لا يحسن القنوت بالعربية أو لا يحفظه ففيه ثلاثة أقوال مختارة: قيل يقول يا رب ثلاث مرات ثم يركع، وقيل يقول اللهم اغفر لي ثلاث مرات، وقيل اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي

[ 75 ]

الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. والظاهر أن الاختلاف في الافضلية لا في الجواز وإن الاخير أفضل لشموله، وإن التقييد بمن لا يحسن العربية ليس بشرط بل يجوز لمن يعرف الدعاء المعروف أن يقتصر على واحد مما ذكر لما علمت أن ظاهر الرواية عدم توقيته. وأما حكمه إذا فات محله فنقول: إذا نسي القنوت حتى ركع ثم تذكر، فإن كان بعد رفع الرأس من الركوع لا يعود وسقط عنه القنوت، وإن تذكره في الركوع فكذلك في ظاهر الرواية كما في البدائع وصححه في الخانية. وعن أبي يوسف أنه يعود إلى القنوت لشبهه بالقرآن كما لو ترك الفاتحة أو السورة فتذكرها في الركوع أو بعد رفع الرأس منه فإنه يعود وينتقض ركوعه. والفرق على ظاهر الرواية أن نقض الركوع في المقيس عليه لاكماله لانه يتكامل بقراءة الفاتحة والسورة لكونه لا يعتبر بدون القراءة أصلا، وفي المقيس ليس نقضه لاكماله لانه لا قنوت في سائر الصلوات والركوع معتبر بدونه، فلو نقض لكان نقض الفرض للواجب كذا في البدائع. فإن عاد إلى القيام وقنت ولم يعد الركوع لم تفسد صلاته لان ركوعه قائم لم يرتفض بخلاف المقيس عليه لان بعوده صارت قراءة الكل فرضا، والترتيب بين القراءة والركوع فرض، فارتفض ركوعه فلو لم يركع بطلت، فلو ركع وأدركه رجل في الركوع الثاني كان مدركا لتلك الركعة. وإنما لم يشرع القنوت في الركوع مثل تكبيرات العيد إذا تذكرها في حال الركوع حيث يكبر فيه لانه لم يشرع إلا في محض القيام غير معقول ا لمعنى فلا يتعدى إلى ما هو قيام من وجه دون وجه وهو الركوع، وأما تكبيرات العيد فلم تختص بمحض القيام لان تكبيرة الركوع يؤتى بها في حال الانحطاط وهي محسوبة من تكبيرات العيد بإجماع الصحابة، فإذا جاز أداء واحدة منها في غير محض القيام من غير عذر جاز أداء الباقي مع قيام العذر بالاولى. ولم يقيد المصنف القنوت بالمخافتة للاختلاف

[ 76 ]

فيه. قال في الذخيرة: استحسنوا الجهر في بلاد العجم للامام ليتعلموا كما جهرعمر رضي الله عنه بالثناء حين قدم عليه وفد العراق. ونص في الهداية على أن المختار المخافتة، وفي المحيط على أنه الاصح، وفي البدائع واختار مشايخنا بما وراء النهر الاخفاء في دعاء القنوت في حق الامام والقوم جميعا لقوله تعالى * (ادعوا ربكم تضرعا وخفية) * (الاعراف: 55) وقول النبي صلى الله عليه وسلم خير الدعاء الخفي وهو مروي في صحيح ابن حبان. وفصل بعضهم بين أن يكون القوم لا يعلمونه فالافضل للامام الجهر ليتعلموا وإلا فالاخفاء أفضل كما في الذخيرة، ومن اختار الجهر به اختار أن يكون دون جهر القراءة كما في منية المصلي. قوله (وقرأ في كل ركعة منه فاتحة الكتاب وسورة) بيان لمخالفته للفرائض فيقرأ في كل ركعة منه حتما، ونقل في الهداية أنه بالاجماع. وفي التجنيس: لو ترك القراءة في الركعة الثالثة منه لم يجز في قولهم جميعا اه‍. أما عندهما فلانه نفل وفي النفل تجب القراءة في الكل، وكذا على قول أبي حنيفة لان الوتر عنده واجب يحتمل أنه نفل ولكن يترجح جهة الفرضية بدليل فيه شبهة فكان الاحتياط فيه وجوب القراءة في الكل، وقد قدمنا من فعله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ في الركعة الاولى سبح اسم ربك الاعلى وفي الثانية قل يا أيها الكافرون وفي الثالثة قل هو الله أحد. فالحاصل أن قراءة آية في كل ركعة منه فرض وتعيين الفاتحة مع قراءة ثلاث آيات في كل ركعة واجب والسور الثلاث فيه سنة لكن ذكر في النهاية أنه لا ينبغي أن يقرأ سورة متعينة على الدوام لان الفرض هو مطلق القراءة بقوله تعالى * (فاقرؤوا ما تيسر من القرآن) * (المزمل: 20) والتعيين على الدوام يفضي إلى أن يعتقد بعض الناس أنه واجب وأنه لا يجوز غيره لكن لو قرأ بما ورد به الآثار

[ 77 ]

أحيانا يكون حسنا، ولكن لا يواظب لما ذكرنا اه‍. وقد يقال: إنهم رجحوا جهة النفلية فيه احتياطا في القراءة فينبغي أن لا يقضي في الوقت المكروه كما بعد طلوع الفجر وبعد صلاة العصر احتياطا لجهة النفلية لان النفل فيه ممنوع، وقد قدمنا عن التجنيس خلافه وفيه: والوتر بمنزلة النفل في حق القراءة إلا أنه يشبه المغرب من حيث إنه لو استتم قائما في الثالثة قبل القعود ثم تذكر لا يعود لانها صلاة واحدة، وفي النفل يعود لانه كل شفع صلاة على حدة اه‍. وفي المجتبى: ولا تجب القعدة الاولى في الوتر. وفي الامتحان: صلى الوتر ولم يقعد في الثانية ناسيا ثم تذكر في الركوع لا يعود وإن عاد لا ينتقض ركوعه اه‍. ولا يخفى مفيه لان القعدة الاولى واجبة في الفرض والنفل والوتر ذو شبه لهما فوجبت القعدة الاولى فيه، وقد تقدم أنه يرفع يديه عند تكبيرة القنوت كما يرفعهما عند الافتتاح. وفي النهاية معزيا إلى محمد بن الحنفية قال: الدعاء أربعة: دعاء رغبة ودعاء رهبة ودعاء تضرع ودعاء خفية. ففي دعاء الرغبة يجعل بطون كفيه نحو السماء، وفي دعاء الرهبة يجعل ظهر كفيه إلى وجهه كالمستغيث من الشئ، وفي دعاء التضرع يعقد الخنصر والبنصر ويحلق بالابهام والوسطى ويشير بالسبابة، ودعاء الخفية ما يفعله المرء في نفسه. ولم يذكر المصنف الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت للاختلاف فيها، واختار الفقيه أبو الليث أن الاولى الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم لان القنوت دعاء والاولى في الدعاء أن يكون مشتملا عليها. وذهب أبو القاسم الصفار إلى أنه لا يصلي فيه لانه ليس موضعها ومشى عليه في الخلاصة، ولما رواه الطبراني عن علي كل دعاء

[ 78 ]

محجوب حتى يصلي على محمد وفي الواقعات: ويستحب في كل دعاء أن تكون فيه الصلاة على النبي اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد اه‍. وهو يقتضي أنه يصلي عليه في القنوت بهذه الصيغة وهو الاولى. ومن الغريب ما في المجتبي: لو صلى على النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت لا يصلي في القعدة الاخيرة، وكذا لو صلى عليه في القعدة الاولى سهوا لا يصلي عليه في القعدة الاخيرة ولا يصلي في القنوت اه‍.. قوله (ولا يقنت في غيره) أي في غير الوتر لما رواه الامام أبو حنيفة عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقنت في الفجر قط إلا شهرا واحدا لم ير قبل ذلك ولا بعده، وإنمقنت في ذلك الشهر يدعو على أناس من المشركين، وكذا في الصحيحين أنه عليه الصلاة والسلام قنت شهرا يدعو على قوم من العرب ثم تركه. وقد أطال المحقق ابن الهمام هنا في الكلام معالشافعي كما هو دأبه ولسنا بصدده. وفي شرح النقاية معزية إلى الغاية: وإن نزل بالمسلمين نازلة قنت الامام في صلاة الجهر. وهو قول الثوري وأحمد. وقال جمهور أهل الحديث: القنوت عند النوازل مشروع في الصلوات كلها اه‍. قوله (ويتبع المؤتم قانت الوتر) وقال محمد: لا يأتي به المأموم بل يؤمن لان للقنوت شبهة القرآن لاختلاف الصحابة في قوله اللهم إنا نستعينك أنه من القرآن أو لا فأورث شبهة وهو لا يقرأ، حقيقة القرآن فكذا ما له شبهه، والمختار ما في الكتاب كما في المحيط وغيره وصححوه لانه دعاء حقيقة كسائر الادعية والثناء والتشهد والتسبيحات، وظاهر الرواية أنه لا يكره قراءته للجنب لانه ليس بقرآن وعليه الفتوى كما في الولوالجية قوله (لا الفجر) أي لا يتبع المؤتم الامام القانت

[ 79 ]

في صلاة الفجر، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: يتابعه لانه تبع للامام والقنوت مجتهد فيه. ولهما أنه منسوخ فصار كما لو كبر خمسا في الجنازة حيث لا يتابعه في الخامسة، وإذا لم يتابعه فيه فقيل يقعد تحقيقا للمخالفة لان الساكت شريك الداعي بدليل مشاركة الامام في القراءة وإذا قعد فقد ت المشاركة. ولا يقال كيف يقعد تحقيقا للمخالفة وهي مفسدة للصلاة لان المخالفة فيمهوا من الاركان والشرائط مفسدة لا في غيرها. قال في الهداية: والاظهر وقوفه ساكت. وصححه قاضيخان وغيره لان فعل الامام يشتمل على مشروع وغيره، فما كان مشروعا يتبعه فيه، وما كان غير مشروع لا يتبعه. كذا في العناية. وقد يقال: إن طول القيام بعد رفع الرأس من الركوع ليس بمشروع فلا يتابعه فيه. قال في الهداية: ودلت المسألة على جواز الاقتداء بالشفعوية. وإذا علم المقتدي منه ما يزعم به فساد صلاته كالفصد وغيره لا يجزئه اه‍. ووجه دلالتها أنه لو لم يصح الاقتداء به لم يصح اختلاف علمائنا في أنه يسكت أو يتابعه، ووقع في بعض نسخها بالشافعية وهو الصواب لما عرف من وجوب حذف ياء النسب إذا نسب إلى ما هي فيه ووضع الياء الثانية مكانها حتى تتحد الصورة قبل النسبة الثانية وبعدها والتمييز حينئذ من خارج، فالياء المشددة فيه ياء النسبة لا آخر الكلمة ككرسي. وذكر في النهاية بنو شافع من بني المطلب ابن عبد مناف منهم الامام الشافعي الفقيه رحمه الله، ومن قال في نسبته الشفعوي فهو عامي وحقه أن يقال بالشافعي المذهب. فحاصله أن صاحب الهداية جوز الاقتداء بالشافعي بشرط أن لا يعلم المقتدي منه ما يمنع صحة صلاته في رأي المقتدي كالفصد ونحوه وعدد مواضع عدم صحة الاقتداء به في العناية وغاية البيان بقوله كما إذا لم يتوضأ من

[ 80 ]

الفصد والخارج من غير السبيلين، وكما إذا كان شاكا في إيمانه بقوله أنا مؤمن إن شاء الله أو متوضئا من القلتين أو يرفع يديه عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع أو لم يغسل ثوبه من المني ولم يفركه أو انحرف عن القبلة إلى اليسار أو صلى الوتر بتسليمتين أو اقتصر على ركعة أو لم يوتر أصلا أو قهقه في الصلاة ولم يتوضأ أو صلى فرض الوقت مرة ثم أم القوم فيه. زاد في النهاية وأن لا يراعي الترتيب في الفوائت وأن لا يمسح ربع رأسه. وزاد قاضيخان وأن يكون متعصبا. والكل ظاهر ما عدا خمسة أشياء: الاول مسألة التوضؤ من القلتين فإنه صحيح عندنا إذا لم يقع في الماء نجاسة ولم يختلط بمستعمل مساو له أو أكثر فلا بد أن يقيد قولهم بالقلتين المتنجس ماؤهما أو المستعمل بالشرط المذكور لا مطلقا. الثاني مسألة رفع اليدين من وجهين: الاول أن الفساد برفع اليدين عند الركوع وعند رفع الرأس منه رواية شاذة، رواها مكحول النسفي عن أبي حنيفة وليس بصحيحة رواية ودراية، لان المختار في العمل الكثير المفسد لها ما لورآه شخص من بعيد ظنه ليس في الصلاة لا ما يقام باليدين، ولان وضع هذه المسألة يدل على جواز الاقتداء بالشافعي وبقائه إلى وقت القنوت حتى اختلفوا هل يتابعه فيه أو لا - كما في الهداية - مع وجود رفع اليدين في الركعات الثلاث. الثاني أن الفساد عند الركوع لا يقتضي عدم صحة الاقتداء من الابتداء مع أن عروض البطلان غير مقطوع به حتى يجعل كالمتحقق عند الشروع لان الرفع جائز الترك عندهم لسنيته. الثالث مسألة الانحراف عن القبلة إلى اليسار لان الانحراف المانع عندنا أن يجاوز المشارق إلى المغارب كما نقله في فتح القدير في استقبال القبلة، والشافعية لا ينحرفون هذا الانحراف. الرابع مسألة التعصب وهو تعصب لان التعصب على تقدير وجوده منهم إنما يوجب الفسق لا الكفر والفسق لا يمنع صحة الاقتداء، والظاهر من الشارطين لعدمه أنه يوجب الكفر لكونه في الدين وهو بعيد كما لا يخفى. الخامس مسألة الاستثناء في الايمان. فاعلم أن عبارتهم قد اختلفت في هذه المسألة، فذهب طائفة من الحنفية إلى تكفير من قال أنا مؤمن إن شاء الله ولم يقيدوه بأن يكون شاكا في إيمانه، ومنهم الاتقاني في غاية البيان. وصرح في روضة العلماء بأن قوله إن شاء الله يرفع إيمانه فيبقى بلا إيمان فلا يجوز الاقتداء به. وذكر في الفتاو الظهيرية من المواعظ أن معاذ بن جبل سئل عمن يستثنى في الايمان فقال: إن الله تبارك وتعالى ذكر في كتابه ثلاثة أصناف قال تعالى في موضع * (أولئك هم المؤمنون حقا) * (الانفال: 40) وقال في موضع آخر * (أولئك هم الكافرون حقا) * (النساء: 151) وقال في

[ 81 ]

موضع آخر * (مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء) * (النساء: 143) فمن قال بالاستثناء في الايمان فهو من جملة المذبذبين اه‍. وفي الخلاصة والبزازية من كتاب النكاح عن الامام أبي بكر محمد بن الفضل: من قال أنا مؤمن إن شاء الله فهو كافر لا تجوز المناكحة معه. قال الشيخ أبو حفص في فوائده: لا ينبغي للحنفي أن يزوج بنته من رجل شفعوي المذهب. وهكذا قال بعض مشايخنا ولكن يتزوج بنتهم. زاد في البزازية تنزيلا لهم منزلة أهل الكتاب اه‍. وذهب طائفة إلى تكفير من شك منهم في إيمانه بقوله أنا مؤمن إن شاء الله على وجه الشك مطلقا وهو الحق لانه لا مسلم يشك في إيمانه. وقول الطائفة الاولى أنه يكفر غلط لانه لا خلاف بين العلماء في أنه لا يقال أنا مؤمن إن شاء الله للشك في ثبوته للحال بل ثبوته في الحال مجزوم به كما نقله المحقق ابن الهمام في المسايرة، وإنما محل الاختلاف في جوازه لقصد إيمان الموافاة، فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى منعه وعليه الاكثرون، وأجازه كثير من العلماء منهم الشافعي وأصحابه لان بقاءه إلى الوفاة عليه وهو المسمى بإيمان الموافاة غير معلوم، ولما كان ذلك هو المعتبر في النجاة كان هو الملحوظ عند المتكلم في ربطه بالمشيئة وهو أمر مستقبل، فالاستثناء فيه اتباع لقوله تعالى * (ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله) * (الكهف: 23) وقال أئمة الحنفية: لما كان ظاهر التركيب الاخبار بقيام الايمان به في الحال مع اقتران كلمة الاستثناء به كان تركه أبعد عن التهمة فكان تركه واجبا، وأما من علم قصده فربما تعتاد النفس التردد لكثرة إشعارها بترددها في ثبوت الايمان واستمراره وهذه مفسدة إذ قد يجر إلى وجوده آخر الحياة الاعتياد خصوصا والشيطان منقطع مجرد نفسه لسبيل لا شغل له سواك فيجب ترك المؤدي إلى هذه المفسدة اه‍. فالحاصل أنه لا فائدة في هذا الشرط وهو قول الطائفة الثانية أن لا يكون شاكا في إيمانه إذ لا مسلم يشك فيه، وأما التكفير بمطلق الاستثناء فقد علمت غلطه وأقبح من ذلك من منع منا كحتهم وليس هو إلا محض تعصب نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، خصوصا قد نقل الامام السبكي في رسالة ألفها في هذه المسألة: أن القول بدخول الاستثناء في الايمان هو قول أكثر السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم والشافعية والمالكية والحنابلة ومن المتكلمين الاشعرية والكلابية قال: وهو قول سفيان الثوري اه‍. فالقول بتكفير هؤلاء من أقبح الاشياء. ثم اعلم أنه قد صرح في النهاية والعناية وغيرهما بكراهة الاقتداء بالشافعي إذا لم يعلم حاله حتى صرح في النهاية بأنه إذا علم منه مرة عدم الوضوء من الحجامة ثم غاب عنه ثم رآه يصلي فالصحيح جواز الاقتداء به مع الكراهة، فصار الحاصل أن الاقتداء بالشافعي على ثلاثة أقسام: الاول أن يعلم منه الاحتياط في

[ 82 ]

مذهب الحنفي فلا كراهة في الاقتداء به. الثاني أن يعلم منه عدمه فلا صحة لكن اختلفوا هل يشترط أن يعلم منه عدمه في خصوص ما يقتدى به أو في الجملة، صحح في النهاية الاول وغيره اختار الثاني. وفي فتاوى الزاهدي: إذا رآه احتجم ثم غاب فالاصح أنه يصح الاقتداء به لانه يجوز أن يتوضأ احتياطا وحسن الظن به أولى. الثالث أن لا يعلم شيئا فالكراهة ولا خصوصية

[ 83 ]

لمذهب الشافعي بل إذا صلى حنفي خلف مخالف لمذهبه فالحكم كذلك، وظاهر الهداية أن الاعتبار لاعتقاد المقتدي ولا اعتبار لاعتقاد الامام حتى لو شاهد الحنفي إمامه الشافعي مس امرأة ولم يتوضأ ثم اقتدى به فإن أكثر مشايخنا قالوا يجوز وهو الاصح كما في فتح القدير وغيره. وقال الهندواني وجماعة: لا يجوز ورجحه في النهاية بأنه أقيس لما أن زعم الامام أن صلاته ليست بصلاة فكان الاقتداء حينئذ بناء الموجود على المعدوم في زعم الامام وهو الاصل فلا يصح الاقتداء اه‍. ورد بأن المقتدي يرى جوازها والمعتبر في حقه رأى نفسه لا غيره. وأيضا ينبغي حمل حال الامام على التقليد لابي حنيفة حملا لحال المسلم على الصلاح ما أمكن فيتحد اعتقادهما وإلا لزم منه تعمد الدخول في الصلاة بغير طهارة على اعتقاده وهو حرام إلا أن تفرض المسألة أن المأموم علم به والامام لم يعلم بذلك كما ذكره الشارح فيقتصر على الجواب الاول. قوله: (والسنة قبل الفجر وبعد الظهر والمغرب والعشاء ركعتان وقبل الظهر والجمعة وبعدها أربع) شروع في بيان النوافل بعد ذكر الواجب فذكر أنها نوعان: سنة ومندوب. فالاول في كل يوم ما عدا الجمعة ثنتا عشرة ركعة، وفي يوم الجمعة أربع عشرة ركعة، والاصل فيه ما رواه الترمذي وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثابر على ثنتي عشرة ركعة من السنة بنى الله له بيتا في الجنة وذكرها كما في الكتاب. وروى مسلم أنه عليه الصلاة والسلام كان يصليها، وبدأ المصنف بسنة الفجر لانها أقوى السنن باتفاق الروايات لما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على شئ من النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر. وفي لفظ لمسلم ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها (1) وفي أوسط الطبراني عنها أيضا: لم أره ترك الركعتين قبل صلاة الفجر في

[ 84 ]

سفر ولا حضر ولا صحة ولا سقم. وقد ذكروا ما يدل على وجوبها قال في الخلاصة: أجمعوا أن ركعتي الفجر قاعدا من غير عذر لا يجوز. كذا روى الحسن عن أبي حنيفة ا ه‍. وفي النهاية قال مشايخنا: العالم إذا صار مرجعا في الفتاوى يجوز له ترك سائر السنن لحاجة الناس إلى فتواه إلا سنة الفجر ا ه‍. وفي المضمرات معزيا إلى العتابي: من أنكر سنة الفجر يخشى عليه الكفر. وفي الخلاصة: الظاهر من الجواب أن السنة لا تقضي إلا سنة الفجر. ومما يدل على وجوبها ما في سنن أبي داود عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تدعوا ركعتي الفجر ولو طردتكم الخيل (2) فقد وجدت المواظب عليها بما قدمناه والنهي عن تركها لكن المنقول في أكثر الكتب أنها سنة مؤكدة، وإن قلنا إنها بمعنى الواجب هنا لم يصح لانها تتأدى بمطلق النية. قال في التجنيس: رجل صلى ركعتين تطوعا وهو يظن أن الفجر لم يطلع فإذا الفجر طالع يجزئه عن ركعتي الفجر هو الصحيح لان السنة تطوع فتتأدى بنية التطوع ا ه‍. لكن في الخلاصة: الاصح أنها لا تنوب وهو يدل على الوجوب. وفيها أيضا عن

[ 85 ]

متفرقات شمس الائمة الحلواني: رجل صلى أربع ركعات في الليل فتبين أن الركعتين الآخرتين بعد طلوع الفجر تحتسب عن ركعتي الفجر عندهما وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة قال وبه يفتي ا ه‍. ورده في التجنيس بأن الاصح أنها لا تنوب عن ركعتي الفجر كما إذا صلى الظهر ستا وقد قعد على رأس الرابعة فإنه لا تنوب الركعتان عن ركعتي السنة في الصحيح من الجواب كذا هذا. وهذا لان السنة ما واظب النبي صلى الله عليه وسلم عليها ومواظبته عليه السلام كانت بتحريمة مبتدأة. وفي الخلاصة: والسنة في ركعتي الفجر ثلاث: أحدها أن يقرأ في الركعة الاولى قل يا أيها الكافرون وفي الثانية الاخلاص. والثانية أن يأتي بهما أول الوقت. والثالثة أن يأتي بهما في بيته وإلافعلى باب المسجد وإلا ففي المسجد الشتوي إن كان الامام في الصيفي أو عكسه إن كايرجو إدراكه، وإن كان المسجد واحدا يأتي بهما في ناحية من المسجد ولا يصليهما مخالطا للصف مخالفا للجماعة، فإن فعل ذلك يكره أشد الكراهة ولا يطول القراءة فيهما، ولو تذكر في الفجر أنه لم يصل ركعتي الفجر لم يقطع ا ه‍. وذكر الولوالجي: إمام يصلي الفجر في المسجد الداخل فجاء رجل يصلي الفجر في المسجد الخارج اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم يكره، وقال بعضهم لا يكره لان ذلك كله كمكان واحد بدليل جواز الاقتداء لمن كان في المسجد الخارج بمن كان في المسجد الداخل، وإذا اختلف المشايخ فالاحتياط أن لا يفعل ا ه‍. وفي القنية: إذا لم يسع وقت الفجر إلا الوتر والفجر أو السنة والفجر فإنه يوتر ويترك السنة عند أبي حنيفة، وعندهما السنة أولى من الوتر ا ه‍. وفي المحيط: ولو صلى ركعتي الفجر مرتين بعد الطلوع فالسنة آخرهما لانه أقرب إلى المكتوبة ولم يتخلل بينهما صلاة والسنة ما تؤدي متصلا بالمكتوبة ا ه‍. وفي القنية: واختلف

[ 86 ]

في آكد السنن بعد سنة الفجر، فقيل الاربع قبل الظهر والركعتان بعده والركعتان بعد المغرب كلها سواء، والاصح أن الاربع قبل الظهر آكد ا ه‍. وهكذا صححه في العناية والنهاية لان فيها وعيدا معروفا قال عليه الصلاة والسلام من ترك أربعا قبل الظهر لم تنله شفاعتي. وفي التجنيس والنوازل والمحيط: رجل ترك سنن الصلوات الخمس إن لم ير السنن حقا فقد كفر لانه ترك استخفافا، وإن رأى حقا منهم من قال لا يأثم والصحيح أنه يأثم لانه جاء الوعيد بالترك ا ه‍. وتعقبه في فتح القدير بأن الاثم منوط بترك الواجب وقد قال صلى الله عليه وسلم للذي قال والذي بعثك بالحق لا أزيد على ذلك شيئا: أفلح أن صدق ا ه‍. ويجاب عنه بأن السنة المؤكدة بمنزلة الواجب في الاثم بالترك كما صرحوا به كثيرا. وصرح به في المحيط هنا وأنه لا يجوز ترك السنن المؤكدة ولصلى وحده وهو أحوط ا ه‍. وبأن حديث الاعرابي كان متقدما وقد شرع بعده أشياء كالوتر فجاز أن تكون السنن المؤكدة كذلك لما قدمنا أنه لم يذكر له صدقة الفطر، وقد اتفقوا على أنه يأثم بتركها. وفي النهاية: ذكر الحلواني أنه لا بأس بأن يقرأ بين الفريضة والسنة الاوراد. وفي شرح الشهيد: القيام إلى السنة متصلا بالفرض مسنون. وفي الشافي: كان عليه الصلاة والسلام إذا سلم يمكث قدر ما يقول اللهم أنت السلام ومنك السلام وإليك يعود السلام تباركت يا ذا الجلال والاكرام. وكذلك عن البقالي ولم يمر بي لو تكلم بعد الفريضة هل تسقط السنة، قيل تسقط وقيل لا تسقط ولكن ثوابه أنقص من ثوابه قبل التكلم ا ه‍. وفي القنية: الكلام بعد الفرض لا يسقط السنة ولكن ينقص ثوابه وكل عمل ينافي التحريمة أيضا وهو الاصح اه‍. وفي الخلاصة: لو صلى ركعتي الفجر أو الاربع قبل الظهر واشتغل بالبيع والشراء أو الاكل فإنه يعيد السنة، أما بأكل لقمة أو شربة لا تبطل السنة ا ه‍. وفي المجتبي وفي الاربع قبل الظهر والجمعة وبعدها لا يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في القعدة الاولى ولا يستفتح إذا قام إلى الثالثة بخلاف سائر ذوات

[ 87 ]

الاربع من النوافل ا ه‍. وصحح في فتاواه أنه لا يأتي بهما في الكل لانها صلاة واحدة ا ه‍. ولا يخفى ما فيه فالظاهر الاول، والدليل على استنان الاربع قبل الجمعة ما رواه مسلم مرفوعا من كان مصليا قبل الجمعة فليصل أربعا مع ما رواه ابن ماجه عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يركع من قبل الجمعة أربعا لا يفصل في شئ منهن. وعلى استنان الاربع بعدها ما في صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعا إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعا (1) وفي رواية إذا صليتم بعد الجمعة فصلوا أربعا وذكر في البدائع إنه ظاهر الرواية. وعن أبي يوسف أنه ينبغي أن يصلي أربعا ثم ركعتين. وذكر محمد في كتاب الاعتكاف أن المعتكف يمكث في المسجد الجامع مقدار ما يصلي أربعا أو ستا ا ه‍. وفي الذخيرة والتجنيس: وكثير من مشايخنا على قولابي يوسف. وفي منية المصلي: والافضل عندنا أن يصلي أربعا ثم ركعتين. وفي القنية: صلى الفريضة وجاء الطعام فإن ذهب حلاوة الطعام أو بعضها يتناول ثم يأتي بالسنة، وإن خاف الوقت يأتي بالسنة ثم يتناول الطعام، ولو نذر بالسنن وأتى بالمنذور به فهو السنة. وقال تاج الدين أبو صاحب المحيط: لا يكون آتيا بالسنة لانه لما التزمها صارت أخرى فلا تنوب مناب السنة، ولو أخر السنة بعد الفرض ثم أداها في آخر الوقت لا تكون سنة وقيل تكون سنة ا ه‍. والافضل في السنن أداؤها في المنزل إلا التراويح، وقيل إن الفضيلة لا تختص بوجه دون وجه وهو الاصح لكن كل ما كاأبعد من الرياء وأجمع للخشوع والاخلاص فهو أفضل. كذا في النهاية. وفي الخلاصة فسنة المغرب: إن خاف لو رجع إلى بيته شغله شأن آخر يأتي بها في المسجد وإن كان لا يخاف صلاها في المنزل، وكذا في سائر السنن حتى الجمعة والوتر في البيت أفضل ا ه‍. قوله: (وندب الاربع قبل العصر والعشاء وبعدها والست بعد المغرب) بيان للمندوب

[ 88 ]

من النوافل. أما الاربع قبل العصر فلما رواه الترمذي وحسنه عن علي رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي قبل العصر أربع ركعات يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقربين ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين. وروى أبو داود عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل العصر ركعتين، فلذا خيره في الاصل بين الاربع وبين الركعتين، والافضل الاربع. وإنما لم تكن الركعتان سنة راتبة لانها ثابتة بيقين ويكون الاربع مستحبا لانه لم يذكر في حديث عائشة رضي الله عنها للعصر سنة راتبة أصلا كما في البدائع فلذا لم يجعل له سنة، وأما الاربع قبل العشاء فذكروا في بيانه أنه لم يثبت أن التطوع بها من السنن الراتبة فكان حسنا لان العشاء نظير الظهر في أنه يجوز التطوع قبلها وبعدها كذا في البدائع. ولم ينقلوا حديثا فيه بخصوصه لاستحبابه، وأما الاربع بعدها ففي سنن أبي داود عن شريح بن هاني قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ما صلى العشاء قط فدخل بيتي إلا صلى فيه أربع ركعات أو ست ركعات. قال في فتح القدير: الذي يقتضيه النظر كون الاربع بعد العشاء سنة لنقل

[ 89 ]

المواظبة عليها في أبي داود فإنه نص في مواظبته على الاربع دون الست للمتأمل ا ه‍. وقد يقال: إنما لم تكن الاربع سنة لما في الصحيحين عن ابن عمر قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين بعد الجمعة. وحدثتني حفصة بنت عمران النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي ركعتين خفيفتين بعد ما يطلع الفجر ا ه‍. فهو معارض لنقل المواظبة على الاربع فلذا لم تكن سنة. وأما الستة بعد المغرب فلما روى ابن عمر رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم قال من صلى بعد المغرب ست ركعات كتب من الاوابين وتلا قوله تعالى * (إنه كان للاوابين غفورا) * (الاسراء: 25) وذكر في التجنيس أنه يستحب أن يصلي الست بثلاث تسليمات. ولم يذكر المصنف من المندوبات الاربع بعد الظهر. وصرح باستحبابها جماعة من المشايخ لحديث أبي داود والترمذي والنسائي. وحكى في فتح القدير اختلافا بين أهل عصره في مسألتين: الاولى هل السنة المؤكدة محسوبة من المستحب في الاربع بعد الظهر وبعد العشاء وفي الست بعد المغرب أو لا. الثانية على تقدير الاول هل يؤدي الكل بتسليمة واحدة أو بتسلمتين. واختار الاول فيهما وأطال الكلام

[ 90 ]

فيه إطالة حسنة كما هو دأبه، وظاهره أنه لم يطلع عليه في كلام من تقدمه. ولم يذكر المصنف من المندوبات صلاة الضحى للاختلاف فيها فقيل لا تستحب لما في صحيح البخاري من إنكار ابن عمر لها، وقيل مستحبة لما في صحيح مسلم عن عائشة أنه عليه السلام كان يصلي الضحى أربع ركعات ويزيد ما شاء، وهذا هو الراجح ولا يخالفه ما في الصحيحين عنها ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي سبحة الضحى قط وإني لاسبحها لاحتمال أنها أخبرت في النفي عن رؤيتها ومشاهدتها وفي الاثبات عن خبره عليه السلام أو خبر غيره عنه أو أنها أنكرتها مواظبة وإعلانا. ويدل لذلك كله قولها وإني لاسبحها. وفي رواية الموطأ وإني لاستحبها من الاستحباب وهو أظهر في المراد. وظاهر ما في المنية يدل على أن أقلها ركعتان وأكثرها ثنتا عشرة ركعة لما رواه الطبراني في الكبير عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى ركعتين لم يكتب من الغافلين، ومن صلى أربعا كتب من العابدين، ومن صلى ستا كفي ذلك اليوم، ومن صلى ثمانيا كتبه الله من القانتين، ومن صلى اثنتي عشرة ركعة بنى الله له بيتا في الجنة، وما من يوم وليلة إلا ولله من يمن به على عباده وصدقة. وما من الله على أحد من

[ 91 ]

عباده أفضل من أن يلهمه ذكره قال المنذري: ورواته ثقات. ولم أر بيان أول وقتها وآخره لمشايخنا هنا ولعلهم تركوه للعلم به وهو أنه من ارتفاع الشمس إلى زوالها كما لا يخفى. ثم رأيت صاحب البدائع صرح به في كتاب الايمان فيما إذا حلف ليكلمنه الضحى فقال إنه من الساعة التي تحل فيها الصلاة إلى الزوال وهو وقت صلاة الضحى ا ه‍. ومن المندوبات تحية المسجد وقد قدمناها في أحكام المسجد قبيل باب الوتر، وصرح في الخلاصة باستحبابها وأنها ركعتان. ومن المندوبات ركعتان عقيب الوضوء كما في شرح النقاية والتبيين. ومن المندوبات صلاة الاستخارة وقد أفصحت السنة ببيانها، فعن جابر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الامور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: إذا هم أحدكم بالامر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الامر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال عاجل أمري وآجله فقدر لي ويسره لي ثم بارك فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الامر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال عاجله فاصرفه عني واصرفني عنه وقدر لي الخير حيث كان ثم رضني

[ 92 ]

به. قال: ويسمى حاجته. رواه البخاري وغيره. ومن المندوبات صلاة الحاجة وهي ركعتان كما ذكره في شرح منية المصلي مع ما قبله من الاستخارة والاحاديث بها مذكورة في الترغيب والترهب. ومن المندوبات صلاة الليل حثت السنة الشريفة عليها كثيرا وأفادت أن لفاعلها أجرا كبيرا فمنها ما في صحيح مسلم مرفوعا أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل وروى ابن خزيمة مرفوعا عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم وقربة إلى ربكم ومكفرة للسيئات ومنهاة عن الاثم (2) وروى الطبراني مرفوعا لا بد من صلاة بليل ولو حلب شاة وما كان بعد صلاة العشاء فهو من الليل ا ه‍. وهو يفيد أن هذه السنة تحصل بالتنفل بعد صلاة العشاء قبل النوم وقد تردد في فتح القدير في صلاة التهجد أهي سنة في حقنا أم تطوع وأطال الكلام على وجه التحقيق كما هو دأبه وأوسع منه ما ذكره في أواخر شرح منية المصلي. ومن المندوبات إحياء ليالي

[ 93 ]

العشر من رمضان وليلتي العيدين وليالي عشر ذي الحجة وليلة النصف من شعبان كما وردت به الاحاديث، وذكرها في الترغيب والترهيب مفصلة. والمراد بإحياء الليل قيامه وظاهره الاستيعاب ويجوز أن يراد غالبه. ويكره الاجتماع على إحياء ليلة من هذه الليالي في المساجد قال في الحاوي القدسي: ولا يصلي تطوع بجماعة غير التراويح، وما روي من الصلوات في الاوقات الشريفة كليلة القدر وليلة النصف من شعبان وليلتي العيد وعرفة والجمعة وغيرها تصلى فرادى انتهى. ومن هنا يعلم كراهة الاجتماع على صلاة الرغائب التي تفعل في رجب في أول ليلة جمعة منه وأنها بدعة، وما يحتاله أهل الروم من نذرها لتخرج عن النفل والكراهة فباطل، وقد أوضحه العلامة الحلبي وأطال فيه إطالة حسنة كما هو دأبه وفي الفتاوي البزازية. قوله: (وكره الزيادة على أربع في نفل النهار وعلى ثمان ليلا) أي بتسليمة والاصل فيه أن النوافل شرعت توابع للفرائض والتبع لا يخالف الاصل فلو زيدت على الاربع في النهاية لخالفت الفرائض، وهذا هو القياس في الليل إلا أن الزيادة على الاربع إلى الثماني عرفناه بالنص وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي بالليل خمس ركعات، سبع ركعات، تسع ركعات، إحدى عشرة ركعة، ثلاث عشرة ركعة، والثلاث من كل واحد من هذه الاعداد الوتر وركعتان سنة الفجر فيبقى ركعتان وأربع وست وثمان فيجوز إلى هذا القدر بتسليمة واحدة من غير كراهة. واختلف المشايخ في الزيادة على الثماني بتسليمة واحدة مع اختلاف التصحيح فصحح الامام السرخسي عدم الكراهة معللا بأن فيه وصل العبادة بالعبادة وهو

[ 94 ]

أفضل. ورده في البدائع بأنه يشكل بالزيادة على الاربع في النهار قال: والصحيح أنه يكره لانه لم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم انتهى. وفي منية المصلي أن الزيادة المذكورة مكروهة بالاجماع أي بإجماع أبي حنيفة وصاحبيه وبه يضعف قول السرخسي، وصحح في الخلاصة ما ذهب إليه السرخسي ويشهد له ما في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها في حديث طويل إنه كان يصلي تسع ركعات لا يجلس فيهن إلا في الثامنة فيذكر الله تعالى ويحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم فيصلي التاسعة ثم يقعد فيذكر الله تعالى ويحمده ويدعوه ثم يسلم تسليما يسمعنا إلا أن هذا يقتضي عدم جواز القعود فيها أصلا إلا بعد الثامنة وجواز التنفل بالوتر من الركعات وكلمتهم على وجوب القعدة على رأس الركعتين من النفل مطلقا، وإنما الخلاف في الفساد بتركها وعلى كراهة التنفل بالوتر من الركعات، ومن العجب ما ذكره الطحاوي من رده استدلالهم على إباحة الثماني بتسليمة واحدة بما ثبت عن عائشة من رواية الزهري أنه كان يسلم من كل اثنتين منهن ولم نجد عنه من فعله ولا من قوله أنه أباح أن يصلي في الليل بتكبيرة أكثر من ركعتين وبذلك نأخذ وهو أصح القولين في ذلك انتهى. وذكر في غاية البيان أن الحق ما قاله الطحاوي لان استدلالهم استدلال بالمحتمل فلا يكون حجة، وهذا لانه يحتمل أنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي أربع ركعات فرض العشاء وأربع ركعات سنة العشاء وثلاث ركعات الوتر فيكون المجموع إحدى عشرة ركعة، وليس في حديث عائشة قيد التطوع حتى يدل على إباحة الثماني على أن عائشة في رواية الزهري عن عروة فسرت الاجمال وأزالت الاحتمال فلم يدل على إباحة ثماني ركعات بتسليمة انتهى. لان ما ذكرناه عن

[ 95 ]

صحيح مسلم صريح فرد كلام الطحاوي ومن تبعه لان الثماني كانت نفلا بتسليمة واحدة. قوله: (والافضل فيهما الرباع) أي الافضل في الليل والنهار أربع ركعات بتسليمة واحدة عند أبي حنيفة. وقالا: في الليل ركعتان لحديث الصحيحين عن أبي عمر أن رجلا قال: يا رسول الله كيف صلاة الليل؟ قال: مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة. ولابي حنيفة ما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: ما كان يزيد رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا. وما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان عليه الصلاة والسلام يصلي الضحى أربعا ولا يفصل بينهن بسلام. وما تقدم من حديث أبي أيوب وغيره في سنة الظهر والجمعة. ثم الجواب عن دليلهما كما أفاده المحقق في فتح القدير مختصرا أن مقتضى لفظ الحديث إما مثنى في حق الفضيلة بالنسبة إلى

[ 96 ]

الاربع أو في حق الاباحة بالنسبة إلى الفرد وترجيح أحدهما بمرجح وفعله صلى الله عليه وسلم ورد على كلا النحوين لكن عقلنا زيادة فضيلة الاربع لانها أكثر مشقة على النفس بسبب طول تقييدها في مقام الخدمة، ورأيناه صلى الله عليه وسلم قال: إنما أجرك على قدر نصبك فحكمنا بأن المراد الثاني لا واحدة أو ثلاث ولهذا ذكر في زيادات الزيارات أن من نذر أن يصلي أربعا بتسليمة فصلاها بتسليمتين لم يجزه، ولو نذر أن يصلي أربعا بتسلمتين فصلاها بتسليمة واحدة جاز عن نذره، وفي المحيط: وإنما اخترنا في التراويح مثنى مثنى لانها تؤدى بالجماعة وأداؤها على الناس مثنى مثنى أخف وأيسر. قوله: (وطول القيام أحب من كثرة السجود) أي أفضل من عدد الركعات. وقد اختلف النقل عن محمد في هذه المسألة فنقل الطحاوي عنه في شرح الآثار كما في الكتاب وصححه في البدائع ونسب ما قابله إلى الشافعي، ووجهه ما رواه مسلم عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أفضل الصلاة طول القنوت والمراد بالقنوت القيام بدليل ما رواه أحمد وأبو داود مرفوعا أي الصلاة أفضل قال عليه الصلاة والسلام: طول القيام. ولان ذكره القراءة وذكر الركوع والسجود التسبيح. ونقل عنه في المجتبي أن كثرة

[ 97 ]

الركوع والسجود أفضل لقوله عليه الصلاة والسلام للسائل كما في صحيح مسلم عليك بكثرة السجود ولآخر أعني على نفسك بكثرة السجود، وقوله عليه الصلاة والسلام أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ولان السجود غاية التواضع والعبودية، ولتعارض الادلة توقف الامام أحمد في هذه المسألة ولم يحكم فيها بشئ، وفصل الامام أبو يوسف كما في المجتبي والبدائع فقال: إذا كان له ورد في الليل بقراءة من القرآن فالافضل أن يكثر عدد الركعات وإلا فطول القيام أفضل لان القيام في الاول لا يختلف ويضم إليه زيادة الركوع والسجود انتهى. والذي ظهر للعبد الضعيف أن كثرة الركعات أفضل من طول القيام لان القيام إنما شرع وسيلة إلى الركوع والسجود كما صرحوا به في صلاة المريض من أنه لو قدر على القيام ولم يقدر على الركوع والسجود سقط عنه القيام مع قدرته عليه لعجزه عما هو المقصود فلا تكون الوسيلة أفضل من المقصود. وأما لزومه لكثرة القراءة فلا يفيد الافضلية أيضا لان القراءة ركن زائد كما صرحوا به مع الاختلاف في أصل ركنيتها بخلاف الركوع والسجود أجمعوا على ركنيتهما وأصالتهما كما قدمناه مع تخلف القيام عن القراءة في الفرض فيما زاد على الركعتين، فترجح هذا القول بما ذكرنا بعد تعارض الدلائل المتقدمة. قوله: (والقراءة فرض في ركعتي الفرض) أي فرض عملي كما في السراج الوهاج للاختلاف فيه بين العلماء، ولم يقيد الركعتين بالاوليين لان تعيينهما للقراءة ليس بفرض وإنما هو واجب على المشهور في المذهب، وصرح به المصنف في عد الواجبا ت وصحح في البدائع أن محلها الركعتان الاوليان عينا في الصلاة الرباعية. وقال بعضها: ركعتان منها غير

[ 98 ]

عين مع اتفاقهم على أنه لو قرأ في الاخريين فقط فإنها صحيحة وأنه يجب عليه سجود السهو إن كان ساهيا على كلا القولين المذكورين، ففائدة الاختلاف إنما هو في سبب سجود السهو، فعلى ما صححه سببه تغيير الفرض عن محله وتكون قراءته في الاخريين قضاء عن قراءته في الاوليين، وعلى قول البعض سببه ترك الواجب وقراءته في الاخريين أداء لا قضاء والامر سهل. وما في غاية البيان من أن تعيين القراءة في الاوليين أفضل إن شاء قرأ فيهما وإن شاء قرأ في الاخريين أو في إحدى الاوليين وإحدى الاخريين ضعيف لتصريح الجم الغفير بالوجوب في الاوليين لا بالافضلية. وإنما كانت فرضا في ركعتين لقوله تعالى * (فاقرؤوا ما تيسر من القرآن) * (المزمل: 20) وهو لا يقتضي التكرار فكان مؤداه افتراضها في ركعة إلا أن

[ 99 ]

الثانية اعتبرت شرعا كالاولى، فإيجاب القراءة فيها إيجاب فيهما دلالة. وأما قوله عليه السلام في حديث المسئ صلاته ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم قال في آخره ثم افعل ذلك في صلاتك كلها فلا يثبت به الفرض لان القطعي لا يثبت بالظني. وإنما لم تكن القراءة في الاخريين واجبة في الفرض كما هو الصحيح من المذهب مع وجود الامر المذكور المقضي للوجوب لوجود صارف له عنه وهو قول الصحابة على خلافه كما رواه ابن أبي شيبة عن على وابن مسعود قال: اقرأ في الاوليين وسبح في الاخريين لكن ذكر المحقق في فتح القدير أنه لا يصلح صارفا إلا إذا لم يرد عن غيرهما من الصحابة خلاف وإلا فاختلافهم في الوجوب لا يصرف دليل الوجو ب عنه، فالاحوط رواية الحسن رحمه الله بالوجوب في الاخريين انتهى. وقد يقال: إن مقتضاه لزوم قراءة ما تيسر في الاخريين وجوبا لا تعيين الفاتحة كما هو رواية الحسفليس موافقا لكل من الروايتين. وفي القنية: لم يقرأ في الاوليين وقرأ في الاخريين الفاتحة في الصلاة على قصد الثناء والدعاء لا يجزئه انتهى. مع أن المنقول في التجنيس أنه إذا قرأ الفاتحة في الصلاة على قصد الثناء جازت صلاته لانه وجدت القراءة في محلها فلا يتغير حكمها بقصده، وهكذا في الظهيرية. ثم ذكر بعده ما في القنية عن شمس الائمة الحلواني ووجهه أن القراءة ليست في محلها فتغيرت بقصده كما يشير إليه تعليله في التجنيس قوله: (وكل النفل والوتر) أي القراءة فرض في جميع ركعات النفل والوتر، أما النفل فلان كل شفع منه صلاة على حدة والقيام إلى الثالثة كتحريمة مبتدأة ولهذا لا يجب بالتحريمة الاولى إلا ركعتان في المشهور عن أصحابنا، ولهذا قالوا: يستفتح في الثالثة. وأما الوتر فللاحتياط كذا في الهداية. وزاد في فتح القدير ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في كل قعدة، وقياسه أن يتعوذ في كل شفع انتهى. إلا أنه لا يتم لانه لا يشمل السنة الرباعية المؤكدة كسنة الظهر القبلية فإن القراءة فرض في جميع ركعاتها مع أن القيام إلى الثالثة ليس كتحريمة مبتدأة بل هي صلاة واحدة ولهذا لا يستفتح في الشفع الثاني ولا يصلي في القعدة الاولى ولا يبطل خيارها بقيامها

[ 100 ]

فيها إلى الشفع الثاني، وإن أريد بالنفل في كلامهم ما ليس سنة مؤكدة لم يتم أيضا لخلوه عن إفادة حكم القراءة في السنة المؤكدة. وإنما لم تكن القعدة على رأس كل شفع فرضا كما هو قول محمد وهو القياس لانها فرض للخروج من الصلاة فإذا قام إلى الثالثة تبين أن ما قبلها لم يكن أوان الخروج من الصلاة فلم تبق القعدة فريضة بخلاف القراءة فإنها ركن مقصود بنفسه فإذا تركه تفسد صلاته. قوله (ولزم النفل بالشروع ولو عند الغروب والطلوع) بيان لما وجب على العبد من الصلاة بالتزامه وهو نوعان: ما وجب بالقول وهي النذر، وما وجب بالفعل وهو الشروع في النفل فنبدأ به تبعا للكتاب فنقول: إن إبطال العمل حرام بالنص * (ولا تبطلوا أعمالكم) * (محمد: 33) فيلزمه الاتمالان الاحتراز عن إبطال العمل فيما لا يحتمل الوصف بالتجزي لا يكون إلا بالاتمام لا المؤدى وقع قربة بدليل أنه لو مات بعد القدر المؤدى يصير مثابا، وقد اتفق أصحابنا على لزوم القضاء في إفساد الصلاة والصوم، سواء كان بعذر كالحيض في خلالهما أو بغير عذر، وأنه يحل الافساد لعذر فيهما وأنه لا يحل الافساد في الصلاة لغير عذر. واختلفوا في إباحته في الصوم لغير عذر ففي ظاهر الرواية لا يباح، وفي رواية المنتقي يباح كما سيأتي في الصوم. وقوله ولو عند الغروب بيان لكونه لازما له إذا شرع في وقت مكروه وهو ظاهر الرواية، فإذا أفسده لزمه قضاؤه بخلاف الصوم إذا شرع في وقت مكروه فإنه لا قضاء عليه بالافساد، وسيأتي الفرق إن شاء الله تعالى في الصوم. وفي البدائع: وعندنا الافضل أن يقطعها وإن أتم فقد أساء ولاقضاء عليه لانه أداها كما وجبت، فإذا قطعها لزمه القضاء انتهى. وينبغي أن يكوالقطع واجبا خروجا عن المكروه تحريما وليس بإبطال للعمل لانه إبطال ليؤديه على وجه أكمل فلا يعد إبطالا، ولو قضاه

[ 101 ]

في وقت مكروه آخر أجزأه لانها وجبت ناقصة وأداها كما وجبت فيجوز كما لو أتمها في ذلك الوقت. أطلق الشروع فانصرف إلى الصحيح فلو لم يكن صحيحا لاقضاء عليه كما لو شرع في صلاة أمي متطوعا أو في صلاة امرأة أو جنب أو محدث كما في البدائع وانصرف إلى القصدي، فالشروع في الصلاة المظنونة غير موجب والمراد بالشروع هو الدخول فيها بتكبيرة الافتتاح أو بالقيام إلى الشفع الثاني بعد الفراغ من الاول صحيحا، فإذا أفسد الشفع الثاني لزمه قضاؤه فقط و لا يسري إلى الاول لما تقدم أن كل شفع منه صلاة على حدة إلا إذا صلى ثلاث ركعات بقعدة واحدة فإن الاصح أنه لا يجوز وفسد الشفع الاول لان ما اتصل به القعدة وهي الركعة الاخيرة فسدت لان التنفل بالركعة الواحدة غير مشروع فيفسد ما قبلها. كذا في البدائع. ثم هذا النفل إذا صار لازما بالشروع لا يخرج عن أصل النفلية ولهذا لو اقتدى متطوعا بإمام مفترض ثم قطعه ثم اقتدى به ولم ينو القضاء فإنه يخرج عن العهدة، ولو نوى تطوعا آخر ذكر في الاصل أنه ينوب عما لزمه بالافساد وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وذكر في زيادات الزيادات أنه لا ينوب كما في البدائع أيضا. وأما ما يجب بالقول وهو النذر ففي القنية: أداء النفل بعد النذر أفضل من أدائه بدون النذر. ثم نقل أنه لو أراد أن يصلي نوافل قيل ينذرها ثم يصليها، وقيل يصليها كما هي انتهى. ويشكل عليه ما رواه مسلم في صحيحه من النهي عن النذر وهو مرجح لقول من قال لا ينذرها لكن بعضهم حمل النهي على النذر المعلق على شرط لانه يصير حصول الشرط كالعوض للعبادة فلم يكن مخلصا. ووجه من قال بنذرها وإن كانت تصير واجبة بالشروع أن الشروع في النذر يكون واجبا فيحصل له ثواب الواجب به بخلاف النفل، والاحسن عند العبد الضعيف أنه لا ينذرها خروجا عن عهدة النهي بيقين. ثم المنذور قسمان: منجز ومعلق. فالمنجز يلزم الوفاء به إن كان عبادة مقصودة بنفسها

[ 102 ]

ومن جنسها واجب فيحرم عليه الوفاء بنذر معصية، ولا يلزمه بنذر مباح من أكل وشرب ولبس وجماع وطلاق ولا بنذر ما ليس بعبادة مقصودة كنذر الوضوء لكل صلاة، وكذا لو نذر سجدة التلاوة خلافا لما في القنية من أنها تلزمه بخلاف ما إذا قال سجدة لا تلزمه، ولا بنذر ما ليس من جنسه واجب كعيادة المريض وتشييع الجنازة. قال في البدائع: ومن شروطه أن يكون قربة مقصودة فلا يصح النذر بعيادة المرضى وتشييع الجنائز والوضوء والاغتسال ودخول المسجد ومس المصحف والاذان وبناء الرباطات والمساجد وغير ذلك وإن كانت قربا لانها غير مقصودة. فلو قال لله علي أن أصلي أو أصلي صلاة أو علي صلاة لزمه ركعتان، وكذا لو قال لله علي أن أصلي يوما لزمه ركعتان كما في القنية، فلو نذر صلوات شهر فعليه صلوات شهر كالمفروضات مع الوتر دون السنن لكنه يصلي الوتر والمغرب أربعا. ولو نذر أن يصلي ركعة لزمه ركعتان أو ثلاثا فأربع لان ذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله كما عرف. ولو نذر نصف ركعة لزمه ركعتان عند أبي يوسف وهو المختار كما في الخلاصة والتجنيس، ولو نذر أن يصلي الظهر ثمانيا أو أن يزكي النصاب عشرا أو حجة الاسلام مرتين لا يلزمه الزائد لانه التزام غير المشروع فهو نذر بمعصية كما لو نذصلاة بغير وضوء لانها ليست بعبادة بخلاف ما لو نذرها بغير قراءة أو عريانا فإنها تلزمه بقراءة مستورا على المختار لانها بغير قراءة عبادة كصلاة المأموم والامي وبغير ثوب لعادمه. والظاهر أن مرادهم بغير وضوء بغير طهارة أصلا تجوزا بالخاص عن العام ليكون المشروع الاصلي في مثله هو الخاص وإلا فالصلاة بغير وضوء مشروعة بالتيمم عند العجز عن استعمال الماء. وينبغي أن يلزم النذر بالصلاة بغير طهارة على قول أبي يوسف كما قال به بغير وضوء لانه يقول بمشروعيتها لفاقد الطهورين كما عرف، وكأنه لنذرته لم يفرغ عليه. وفي شرح المجمع لمصنفه: لو قال صلاة بطهارة بلا طهارة يلزمه بطهارة اتفاقا.

[ 103 ]

وأما المعلق فظاهر الرواية أنه يلزمه الوفاء به عند وجود الشرط كما في الظهيرية. واختار المحققون أنه إن كان معلقا على شرط يريد كونه لجلب منفعة أو دفع مضرة كإن شفى الله مريضي أو مات عدوي فلله علي صوم أو صدقة أو صلاة لا يجزئه إلا فعل عينه، وإن كان معلقا على شرط لا يريد كونه كإن دخلت الدار أو كلمت فلانا كان مخيرا بين الوفاء به وبين كفارة اليمين، وصححه في الهداية وقال: إن أبا حنيفة رجع عن غيره. وكذا في الظهيرية وبه كان يفتى إسماعيل الزاهد. ثم في المعلق لا يجوز تعجيله قبل وجود الشرط بخلاف المضاف كأن نذر أن يصلي في غد فصلى اليوم فإنه يجوز عندهما خلافا لمحمد، والفرق أن المعلق لا ينعقد سببا في الحال بل عند الشرط والمضاف ينعقد في الحال كما عرف في الاصول وأوضحناه في لب الاصول. ولو عين مكانا فصلى فيما هو أشرف منه أو دونه جاز خلافا لزفر في الثاني. وذكر في المصفى أن أقوى الاماكن المسجد الحرام ثم مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ثم مسجد بيت المقدس ثم الجامع ثم مسجد الحي ثم البيت. وذكر في الغاية بعد مسجد بيت المقدس مسجد قباء ثم الاقدم فالاقدم ثم الاعظم. وذكر النووي أن هذه الفضيلة مختصة بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان في زمانه دون ما زيد فيه بعده، فعلى هذا تكون الصلاة في مسجد بيت المقدس أفضل من الصلاة في تلك الزيادة إلا أن يكون فناء هذا المسجد في حكمه في الفضيلة تشريفا له وهي كانت من فنائه قبل أن تجعل منه والله أعلم بالصواب. وفي عدة المفتي للصدر الشهيد: مريض قال إن شفاني الله تعالى على أن أقدر فأصلي ركعة فلله علي أن أتصدق بدرهم هكذا إلى أربعة دراهم، فقدر على أربع ركعات يجب عليه التصديق بعشرة دراهم انتهى. ووجهه أنه يلزمه بالركعة الاولى درهم وبالثانية درهمان وبالثالثة ثلاثة وبالرابعة أربعة فالجملة عشرة دراهم. وفي القنية: أوج‍ ب على نفسه صلاة في وقت بعينه يتعين ولو فات يقضيها كالصوم، ولو نذر أن يصلي أربعا بتسليمة يصلي في التشهد ويستفتح إذا قام إلى الثالثة اه‍.

[ 104 ]

قوله (وقضى ركعتين لو نوى أربعا وأفسده بعد القعود الاول أو قبله) يعني فيلزمه الشفع الثاني إن أفسده بعد القعود الاول والشروع في الثاني، والشفع الاول فقط إن أفسده قبل القعود بناء على أنه لا يلزمه بتحريمة النفل أكثر من الركعتين وإن نوى أكثر بل منهما وهو ظاهر الرواية عن أصحابنا إلا بعارض الاقتداء. وصحح في الخلاصة رجوع أبي يوسف إلى قولهما فهو باتفاقهم لان الوجوب بسبب الشروع لم يثبت وضعا بل لصيانة المؤدى وهو حاصل بتمام الركعتين فلا تلزم الزيادة بلا ضرورة. قيد بقوله نوى أربعا لأنه لو شرع في النفل ولم ينو لا يلزمه إلا ركعتان اتفاقا. وقيد بالشروع لانه لنذر صلاة ونوى أربعا لزمه أربع بلا خلاف كما في الخلاصة لان سبب الوجوب فيه هو النذر بصيغته وضعا. وأطلق في النفل فشمل السنة المؤكدة كسنة الظهر فلا يجب بالشروع فيها إلا ركعتان حتى لو قطعها قضى ركعتين في ظاهر الرواية عن أصحابنا لانها نفل، وعلى قول أبي يوسف يقضي أربعا في التطوع ففي السنة أولى. ومن المشايخ من اختار قوله في السنة المؤكدة لانها صلاة واحدة بدليل الاحكام من أنه لا يستفتح في الشفع الثاني، ولو أخبر الشفيع بالبيع فانتقل إلى الشفع الثاني لا تبطل شفعته وكذا المخيرة وتمنع صحة الخلوة. وظاهر ما في فتح القدير والتبيين والبدائع الاتفاق على هذه الاحكام، وينبغي أن تختص بقول أبي يوسف وتنعكس على ما هو ظاهر الرواية لكن ذكر في شرح منية المصلي أن هذه الاحكام مسلمة عند أهل المذهب فلذا اختار ابن الفضل قول أبي يوسف ونص صاحب النصاب على أنه الاصح حيث قال: وإن قطع سنة الظهر على رأس الركعتين أو الثالثة وشرع في الفرض لزمه قضاء الاربع وهو الاصح لانه بالشروع صار بمنزلة الفرض انتهى. وقيدنا بقولنا إلا بعارض الاقتداء لان المتطوع لو اقتدى بمصلي الظهر ثم قطعها فإنه يقضي أربعا، سواء اقتدى به في أولها أو في القعدة الاخيرة لانه بالاقتداء التزم صلاة الامام وهي أربع. كذا في البدائع. وقيد بقوله بعد القعود لانه لو صلى ثلاث ركعات ولم يقعد وأفسدها لزمه أربع ركعات على الصحيح كما قدمناه، وقد ذكره في شرح منية المصليي بحثا وهو منقول في البدائع كما سلف. فقولهم إن كل شفع في النفل صلاة على حدة مقيد بما إذا قعد على رأس الركعتين وإلا فالكل صلاة واحدة بمنزلة الفرض فإذا أفسده لزمه الكل قوله (أو لم يقرأ فيهن شيئا أو قرأ في الاوليين

[ 105 ]

أو الاخريين) أي قضى ركعتين في هذه المسائل الثلاث وهي من المسائل المعروفة بالثمانية، والاصل فيها أن الشفع الاول متى فسد بترك القراءة تبقى التحريمة عند أبي يوسف لان القراءة ركن زائد، ألا ترى أن للصلاة وجودا بدونها غير أنه لا صحة للاداء إلا بها وفساد الاداء لا يزيد على تركه فلا تبطل التحريمة. وعند محمد متى فسد الشفع الاول لا تبقى التحريمة فلا يصح الشروع في الشفع الثاني لان القراءة فرض في كل من الركعتين، فكما يفسد الشفع بترك القراءة فيهما يفسد بتركها في إحداهما، وإذا فسدت الافعال لم تبق التحريمة لانها تعقد للافعال وقد فسدت. وعند الامام أبي حنيفة إن فسد الشفع الاول بترك القراءة فيهما بطلت التحريمة فلا يصح الشروع في الشفع الثاني، وإن فسد بترك القراءة في إحداهما بقيت التحريمة فصح الشروع في الشفع الثاني إلا أن القياس ما قاله محمد لكن فسادها بترك القراءة في ركعة واحدة مجتهد فيه لان الحسن البصري كان يقول بجوازها بوجود القراءة في ركعة واحدة وقوله وإن كان فاسد الكن انما عرفنا فساده بدليل اجتهادي غير موجب على اليقين، بل يجوز أن يكون الصحيح قوله غير أنا عرفنا صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهب إليه بغالب الرأي فلم يحكم ببطلان التحريمة الثانية بيقين بالشك. وإذا عرف هذا فنقول: إذا ترك القراءة في الاربع قضى الركعتين الاوليين فقط عندهما لبطلان التحريمة خلافا لابي يوسف لبقائها عنده فيقضي الشفعين، وإن ترك القراءة في الاخريين فقد أفسدهما فقط فيلزمه قضاؤهما إجماعا. وإذا ترك القراءة في الاوليين فقط لزمه قضاؤهما فقط إجماعا لفسادهما ولم يصح الشروع في الشفع الثاني عندهما حتى لو قهقه فيه لا تنتقض طهارته، وعند أبي يوسف قد صح ولم يفسد لوجود القراءة فيه. وأشار المصنف بهذه الثلات إلى ثلاث أخرى أيضا فتصير المسائل ستا من الثمانية إحداها لو قرأ في الاوليين وإحدى الاخريين فعليه قضاء الاخريين إجماعا. ثانيها لو قرأ في الاخريين وإحدى الاوليين فعليه قضاء الاوليين اجماعا. ثالثها لوقرأ في إحدى الاخريين لا غير لزمه قضاء الاوليين عندهما، وعند أبي يوسف يقضي أربعة، وقد قدمنا أن فساد الشفع الثاني يسري إلى الاول إذا لم يقعد بينهما، فقوله أو قرأ في الاوليين مقيد بما إذا قعد على رأس الركعتين وإلا فعليه قضاء الاربع كما في العناية. وفي البدائع: هذا كله إذا قعد بين الشفعين قدر التشهد، فأما إذا لم يقعد تفسد صلاته عند محمد

[ 106 ]

بترك القعدة فلا تتأتى هذه التفريعات عنده انتهى. ثم اعلم أن هذه المسائل الست تسع من حيث التصوير لان الرابعة صادقة بصورتين ما إذا ترك في الركعة الثالثة أو ترك في الركعة الرابعة، والخامسة صادقة بصورتين أيضا ما ترك في الركعة الاولى أو ترك في الثانية، والسادسة صادقة بصورتين أيضا ما إذا قرأ في الثالثة أو قرأ في الرابعة، فالمسائل التي يجب فيها ركعتان تسع في التحقيق، فإن هذه المسائل وإن اشتهرت بالثمانية لكن هي في التحقيق خمسة عشر، تسع منها يلزم فيها ركعتان، وست منها يلزم فيها أربع أشار إليها بقوله. (وأربعا لو قرأ في إحدى الاوليين وإحدى الاخريين) وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف على رواية محمد لبقاء التحريمة عندهما لما عرف في الاصل السابق، وعند محمد عليه قضاء الاوليين لا غير لان التحريمة قد ارتفعت عنده. قال في الهداية: وقد أنكر أبو يوسف هذه الرواية عنه وقال: رويت لك عن أبي حنيفة أنه يلزمه قضاء ركعتين ومحمد لم يرجع عن روايته عنه انتهى. وقال فخر الاسلام: واعتمد مشايخنا رواية محمد، ويحتمل أن يكون ما حكى أبو يوسف من قول أبي حنيفة قياسا، وما ذكره محمد استحسانا ذكر القياس والاستحسان في الاصل ولم يذكره في الجامع الصغير انتهى. وذكر قاضيخان في شرح الجامع الصغير أن ما رواه محمد هو ظاهر الرواية عن أبي حنيفة. وفي فتح القدير: واعتمد المشايخ رواية محمد مع تصريحهم في الاصول بأن تكذيب الفرع الاصل يسقط الرواية إذا كان صريحا، والعبارة المذكورة في الكتاب وغيره عن أبي يوسف من مثل الصريح على ما يعرف في ذلك الموضع فليكن لا بناء على أنه رواية بل تفريع صحيح على أصلابي

[ 107 ]

حنيفة وإلا فهو مشكل انتهى. وبما ذكرناه عن قاضيخان ارتفع الاشكال لتصريحه بأنها ظاهر الرواية كأنه لثبوتها بالسماع لمحمد من أبي حنيفة لا بواسطة أبي يوسف فلذا اعتمدها المشايخ. وفي غاية البيان معزيا إلفخر الاسلام: كان أبو يوسف يتوقع من محمد أن يروي كتابا عنه فصنف محمد هذا الكتاب أي الجامع الصغير وأسنده عن أبي يوسف إلى أبي حنيفة، فلما عرض على أبي يوسف استحسنه وقال: حفظ أبو عبد الله إلا مسائل خطأه في روايتها عنه فلما بلغ ذلك محمدا قال: حفظتها ونسي وهي ست مسائل مذكورة في شرح الجامع الصغير انتهى ولم يبينها. وذكر العلامة السراج الهندي في شرح المغني فقال: الاولى مسألة ترك القراءة وقد علمتها. الثانية مستحاضة توضأت بعد طلوع الشمس تصلي حتى يخرج وقت الظهر قال أبو يوسف: إنما رويت لك حتى يدخل وقت الظهر. الثالثة المشتري من الغاصب إذا أعتق ثم أجاز المالك البيع نفذ العتق قال: إنما رويت لك أنه لا ينفد. الرابعة المهاجرة لا عدة عليها ويجوز نكاحها إلا أن تكون حبلى فحينئذ لا يجوز نكاحها قال: إنما رويت لك أنه يجوز نكاحها ولكن لا يقربها زوجها حتى تضع الحمل. الخامسة عبد بين اثنين قتل مولى لهما فعفا أحدهما بطل الدم كله عند أبي حنيفة، وقالا يدفع ربعه إلى شريكه أو يفديه بربع الدية،

[ 108 ]

وقال أبو يوسف: إنما حكيت لك عن أبي حنيفة كقولنا إنما الاختلاف الذي رويته في عبد قتل مولاه عمدا وله ابنان فعفا أحدهما إلا أن محمدا ذكر الاختلاف فيهما، وذكر قول نفسه مع أبي يوسف في الاولى. السادسة رجل مات وترك ابنا له وعبدا لا غير فادعى العبد أن الميت كان أعتقه في صحته وادعى رجل على الميت ألف دينار وقيمة العبد ألف، فقال الابن صدقتما يسعى العبد في قيمته وهو حر ويأخذها الغريم بدينه. وقال أبو يوسف: إنما رويت لك ما دام يسعى في قيمته أنه عبد انتهى. وأشار المصنف بهذه المسألة إلى مسألة أخرى تمام الثمانية وهي ما إذا قرأ (في إحدى الاوليين) لا غير فإنه يلزمه قضاء أربع عندهما، وعند محمد ركعتان. وفي التحقيق هي إشارة إلى خمسة أخرى فمسائل لزوم الاربع ست تمام الخمسة عشر فإن مسألة الكتاب أعني ما إذا قرأ في إحدى الاوليين وإحدى الاخريين صادقة بأربع صور، لان إحدى الاوليين صادقة بصورتين ما إذا قرأ في الاولى فقط أو في الثانية فقط، وإحدى الاخريين لا غير صادقة بصورتين ما إذا قرأ في الثالثة فقط أو في الرابعة فقط. ومسألة ما إذا قرأ في إحدى الاوليين لا غير صادقة بصورتين ما إذا قرأ في الاولى فقط أو في الثانية فقط، فصار الحاصل أن مسائل ترك القراءة خمسة عشر كما قدمناه وقد ذكرها في العناية مجملة وقال: فعليك بتمييز المتداخلة بالتفتيش في الاقسام قد يسر الله تعالى ذلك للعبد الضعيف مفصلة مميزة فلله الحمد والمنة. وفي البدائع: ولو كان خلفه رجل اقتدى به فحكمه حكم إمامه يقضي ما يقضي إمامه لان صلاة المقتدي متعلقة بصلاة الامام صحة وفسادا، ولو تكلم المقتدي وقد أتم الامام الاربع فإن تكلم قبل قعود الامام فعليه قضاء الاوليين فقط لانه لم يلتزم الشفع الاخير، وإن تكلم بعد قعوده قبل قيامه إلى الثالثة لا شئ عليه، وأما إذا قام إلى الثالثة ثم تكلم المقتدي لم تذكر في الاصل، وذكر عصام أن عليه قضاء أربع، وخصه أبو المعين بقولهما أما عند محمد فيلزمه قضاء الاخير لا غير انتهى. وفي المحيط: ولو اقتدى به في الاخريين وصلاهما مع الامام قضى الاوليين لانه بالاقتداء التزم ما لزم الامام قوله (ولا يصلي بعد صلاة مثلها) هذا لفظ الحديث كما في كتب الفقه وجعله في فتح القدير وغاية البيان أثرا عن عمر رضي الله عنه. وقال عبد الله بن مسعود: لا يصلي على إثر صلاة مثلها. وهذا الحديث خص منه البعض لانه يصلي سنة الفجر ثم الفرض وهما مثلان، وكذا يصلي سنة الظهر أربعا ثم يصلي الفرض أربعا، ثم يصلي الفرض أربعا، وكذا يصلي الظهر ركعتين في السفر ثم يصلي السنة ركعتين، فلما لم يمكن

[ 109 ]

إجراؤه على العموم وجب حمله على أخص الخصوص كما هو الحكم، في العام إذا لم يمكن العمل بعمومه. فقال محمد في الجامع الصغير: المراد منه أن لا يصلي بعد أداء الظهر نافلة ركعتان بقراءة وركعتان بغير قراءة يعني لا تصلي النافلة كذلك حتى لا تكون مثلا للفرض بل يقرأ في جميع ركعات النفل. قال قاضيخان في شرح الجامع الصغير: ولو حمل على النهي عن تكرار الجماعة في المسجد أو على النهي عن قضاء الفرائض مخافة الخلل في المؤدي كان حسنا فإن ذلك مكروه انتهى. واستدل في فتح القدير للاول بما في أبي داود عن سليمان ابن يسار قال: أتيت ابن عمر على البلاط وهم يصلون قلت: ألا تصلي معهم؟ قال: قد صليت إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تصلوا صلاة في يوم مرتين. وروى مالك في الموطأ حدثنا نافع أن رجلا سأل ابن عمر فقال: إني أصلي في بيتي ثم أدرك الصلاة مع الامام أفأصلي معه؟ فقال ابن عمر: نعم. فقال: أيتهما أجعل صلاتي؟ فقالا بن عمر: ليس ذلك إليك إنمذلك إلى الله يجعل أيتهما شاء. فهذا من ابن عمر دليل على أن الذي روي عن سليمان بن يسار عنه إنما أراد كلتاهما على وجه الفرض أو إذا صلى في جماعة فلا يعيد وفيه نفي لقول الشافعية انتهى. فالحاصل أن تكرار الصلاة إن كان مع الجماعة في المسجد على هيئته الاولى مكروه وإلا فإن كان في وقت يكره التنفل بعد الفرض فمكروه كما بعد الصبح والعصر، وإلا فإن كان لخلل في المؤدى، فإن كان ذلك الخلل محققا إما بترك واجب أو بارتكاب مكروه فغير مكروه بل واجب كما قدمناه مرارا. وصرح به في الذخيرة وقال: إنه لا يتناوله النهي، وإن كان ذلك الخلل غير محقق بل نشأ عن وسوسة فهو مكروه. وفي مآل الفتاوى: ولو لم يفته شئ من الصلوات وأحب أن يقضي جميع الصلوات التي صلاها متداركا لا يستحب له ذلك إلا إذا كان غالب ظنه فساد ما صلى لورود النهي عنه صلى الله عليه وسلم، وما حكي عن أبي حنيفة أنه قضى صلاة عمره فإن صح النقل فنقول: كان يصلي المغرب والوتر أربع ركعات بثلاث قعدات انتهى. وذكر في النهاية أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى الفجر ضحى النهار بعد ليلة التعريس قال له أصحابه من الغد: ألا نعيد صلاة الامس؟ فقال: إن الله ينهاكم عن الربا أفيقبله منكم؟ كذا ذكره فخر الاسلام. وبما قررناه ظهر أن ذكر المصنف في المختصر لفظ الحديث مع أن عمومه ليس بمراد مما لا ينبغي.

[ 110 ]

قوله (ويتنفل قاعدا مع قدرته على القيام ابتداء وبناء) بيان أيضا لما خلف فيه النفل الفرائض والواجبات وهو جوازه بالقعود مع القدرة على القيام، وقد حكي فيه إجماع العلماء. وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى كان يصلي كثيرا من صلاته وهو جالس. وروى البخاري عن عمران بن الحصين مرفوعا من صلى قائما فهو أفضل ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم (1) وقد ذكر الجمهور كما نقلهالنووي أنه محمول على صلاة النفل قاعدا مع القدرة على القيام، وأما إذا صلاه مع عجزه فلا ينقص ثوابه عن ثوابه قائما، وأما الفرض فلا يصح قاعدا مع القدرة على القيام ويأثم ويكفر إن استحله، وإن صلى قاعدا لعجزه أو مضطجعا لعجزه فثوابه كثوابه اه‍. وتعقبه الاكمل في شرح المشارق بأنه ورد في بعض رواياته ومن صلى نائما - أي مضطجعا - فله نصف أجر القاعد (2) ولا يمكن حمله على النفل مع القدرة إذ لا يصح مضطجعا اللهم إلا أن يحكم بشذوذ هذه الرواية. وفي النهاية: انعقد الاجماع على أن صلاة القاعد لعذر بعجزه عن القيام مساوية لصلاة القائم في الفضيلة والاجر انتهى. وفيه نظر لما نقله النووي عن بعضهم أنه على

[ 111 ]

النصف من صلاة القائم مع العذر، وعليه حمل الحديث فلا إجماع إلا أن يريد به إجماع أئمتنا. وذكر في المجتبي بعد ما نقل الحديث قالوا: وهذا في حق القادر، أما العاجز فصلاته بإيماء أفضل من صلاة القائم الراكع الساجد لانه جهد المقل انتهى. ولا يخفى ما فيه بل الظاهر المساواة كما في النهاية وقد عدمن خصائصه صلى الله عليه وسلم أن نافلته قاعدا مع القدرة على القيام كنافلته قائما تشريفا له صلى الله عليه وسلم، ويشهد له ما في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر وقال: حدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن صلاة الرجل قاعدا نصف الصلاة. قال: فأتيته فوجدته يصلي قاعدا فوضعت يدي على رأسه فقال: ما لك يا عبد الله بن عمرو؟ قلت: حدثت يا رسول الله أنك قلت صلاة الرجل قاعدا على نصف الصلاة وأنت تصلي قاعدا قال: أجل ولكني لست كأحد منكم انتهى. أطلق في التنفل فشمل السنة المؤكدة والتراويح لكن ذكرقاضيخان في فتاواه من باب التراويح الاصح أن سنة الفجر لا يجوز أداؤها قاعدا من غير عذر، والتراويح يجوز أداؤها قاعدا من غير عذر، والفرق أن سنة الفجر مؤكدة لا خلاف فيها والتراويح في التأكيد دونها انتهى. وقد نقلناه في سنة الفجر في موضعها من رواية الحسن وهكذا صححه حسام الدين ثم قال: الصحيح أنه لا يستحب في التراويح لمخالفته للتوارث وعمل السلف وهذا كله في الابتداء. وأما قوله وبناء بأن شرع فيه قائما ثم قعد من غير عذر فهو قول أبي حنيفة. وهذا استحسان، وعندهما لا يجزئه وهو قياس لان الشروع معتبر بالنذر، وله أنه لم يباشر القيام فيما بقي ولما باشر صحة بدونه بخلاف النذر لانه التزمه نصا حتى لو لم ينص على القيام لا يلزمه القيام عند بعضهم كما لو نذر صلاة لانه في النفل وصف زائد فلا يلزمه إلا شرط. وعند البعض يلزمه القيام لان إيجاب العبد معتبر بإيجاب الله وأينما أوجبها الله تعالى أوجبها قائما، والصحيح الاول كالتتابع في الصوم. كذا في المحيط وغاية البيان.

[ 112 ]

ورجح الثاني في فتح القدير بحثا بأن الصلاة عبارة عن القيام والقراءة إلى آخرها فهو الركن الاصلي غير أنه يجوز تركه إلى القعود رخصة في النفل فلا ينصرف المطلق إلا إليه. قيدنا بكونه شرع قائما ثم قعد لانه لو كان على عكسه فإنه يجوز اتفاقا وهو فعله صلى الله عليه وسلم كما روت عائشة أنه كان يفتتح التطوع قاعدا فيقرأ ورده حتى إذا بقي عشر آيات ونحوها قام إلى آخره، وهكذا كان يفعل في الركعة الثانية. وذكر في التجنيس أن الافضل أن يقوم فيقرأ شيئا ثم يركع ليكون موافقا للسنة، ولو لم يقرأ ولكنه استوى قائما ثم ركع جاز، وإن لم يستو قائما وركع لا يجزئه لانه لا يكون ركوعا قائما ولا ركوعا قاعدا انتهى. وليس هو بناء القوي على الضعيف لان القعود والقيام في النفل سواء، والفرق لمحمد بين هذا وبين قوله ببطلان صلاة المريض إذا قدر على القيام في أثناء صلاته أن تحريمة المتطوع لم تنعقد للقعود ألبتة بل للقيام لانه أصل هو قادر عليه، ثم جاز له شرعا تركه بخلاف المريض لانه لم يقدر على القيام فما انعقد إلا للمقدور وهو القعود. ولم يذكر المصنف كيفية القعود في النفل للاختلاف فيه، ففي الذخيرة والنهاية أنه في التشهد يقعد كما يقعد في سائر الصلوات إجماعا، سواء كان بعذر أو بغيره. أما حالة القراءة فعن أبي حنيفة تخييره بين القعود والتربع والاحتباء، ونقله الكرخي عن محمد. وعن أبي يوسف: يحتبي. وعنهما: يتربع. ثم قال أبو يوسف: محل القعدة عند السجود. وقال محمد: عند الركوع. وعن زفر إنه يقعد في جميع الصلاة كما في التشهد. قال الفقيه أبو الليث: وعليه الفتوى واختاره الامام السرخسي لانه المعهود شرعا في الصلاة، واختار الامام خواهر زاده الاحتباء لان عامة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر العمر كان محتبيا ولانه يكون أكثر توجيها لاعضائه إلى القبلة لان الساقين يكونان متوجهين كما يكون حالة القيام اه‍. وتفسير الاحتباء أن ينصب ركبتيه ويجمع يديه عند ساقيه. كذا في غاية البيان. وذكر في الخلاصة عن أبي حنيفة فيه ثلاث روايات فحينئذ فالافتاء على إحدى الروايات ولا حاجة إلى أن تضاف إلى زفر كما يخفى. وقيد بالتنفل قاعدا لان المتنفل مضطجعا لا يجوز عند عدم العذر كما سبق، والشروع وهو منحن قريبا من الركوع لا يصح أيضا في التنفل كما يشير إليه كلام التجنيس السابق وصرح به في موضع من شرح منية المصلي.

[ 113 ]

قوله (وراكبا خارج المصر موميا إلى أي جهة توجهت دابته) أي يتنفل راكبا لحديث الصحيحين عن ابن عمر: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي النوافل على راحلته في كل وجه يومئ إيماء ولكنه يخفض السجدة من الركعتين. أطلقه فشمل ما إذا كان مسافرا أو مقيما خرج إلى بعض النواحي لحاجة وصححه في النهاية، وما إذا قدر على النزول أو لا. وقيد بخارج المصر لانه لا يجوز التنفل عليها في المصر. وقال أبو يوسف: لا بأس به. وقال محمد: يجوز ويكره كذا في الخلاصة. واختلفوا في حد خارج المصر والاصح أنه تجوز في كل موضع يجوز للمسافر أن يقصر فيه كما ذكره في الظهيرية وغيرها. وأشا بقوله توجهت دابته دون أن يقول وجه دابته إليها إلى أن محل جوازها عليها ما إذا كانت واقفة أو سارت بنفسها، أما إذا كانت تسير بتسيير صاحبها فلا تجوز الصلاعليها لا فرضا ولا نفلا كما في الخلاصة. وإلى أنه لا يشترط استقبال القبلة في الابتداء لانه لما جاز الصلاة إلى غير جهة الكعبة جاز الافتتاح إلى غير جهتها. كذا في غاية البيان. وإلى أنه إذا صلى إلى غير ما توجهت به دابته لا يجوز لعدم الضرورة إلى ذلك. كذا في السراج الوهاج. ولم يشترط المصنف طهارة الدابة لانها ليست بشرط على قول الاكثر، سواء كانت على السراج أو على الركابين أو الدابة لان فيها ضرورة فيسقط اعتبارها. وصرح في المحيط والكافي بأنه الاصح، وفي الخلاصة بأنه ظاهر المذهب من غير تفصيل، وعلله في البدائع بأنه لما سقط اعتبار الاركان الاصيلة فلان يسقط شرط طهارة المكان أولى. وقيد بالنفل لان الفرض والواجب بأنواعه لا يجوز على الدابة من غير عذر من الوتر والمنذور وما لزمه بالمشروع والافساد وصلاة الجنازة والسجدة التي تليت على الارض لعدم لزوم الحرج في النزول ولا بلزمه الاعادة إذا استطاع النزول كما في الظهيرية

[ 114 ]

وغيرها. ومن الاعذار أن يخاف اللص أو السبع على نفسه أو ماله ولم يقف له رفقاؤه، وكذا إذا كانت الدابة جموحا لا يقدر على ركوبها إلا بمعين أو هو شيخ كبير لا يجد من يركبه، ومن الاعذار الطين والمطر بشرط أن يكون بحال يغيب وجهه في الطين، أما إذا لم يكن كذلك والارض ندية فإنه يصلي هناك كما في الخلاصة. والظاهر أن اعتبار المعين هنا إنما هو على قولهما لما عرف أن أبا حنيفة لا يعتبر قدرة الغير. وفي فتاوى قاضيخان والظهيرية: الرجل إذا حمل امرأته من القرية إلى المصر كان لها أن تصلي على الدابة في الطريق إذا كانت لا تقدر على الركوب والنزول انتهى. والظاهر منه أنها لا تقدر بنفسها من غير معين حتى إذا قدرت على الركوب والنزول بمحرمها أو زوجها فإنه لا يجب عليها ذلك، ويجوز لها صلاة الفرض على الدابة لان أبا حنيفة يجعل قدرة الانسان بغيره كقدرته بنفسه، لكن ذكر في منية المصلي أنه إذا لم يكن معها محرم فإنه تجوز صلاتها على الدابة إذا لم تقدر على النزول، والظاهر أن اشتراط عدم المحرم معها مفرع على قولهما فقط، ولم أرحكم ما إذا كان راكبا مع امرأته أو أمه كما وقع للفقير مع أمه في سفر الحج ولم تقدر المرأة على النزول والركوب، أيجوز للرجل المعادل لها أن يصلي الفرض على الدابة كما يجوز للمرأة إذا كان لا يتمكن من النزول وحده لميل المحمل بنزوله وحده، وينبغي أن يكون له ذلك كما لا يخفى. وأطلق في الدابة فشمل جميع الدواب وقيد به لانه لا تجوز صلاة الماشي بالاجماع. كذا في المجتبى. وأطلق في النفل فشمل السنن المؤكدة. قال في الهداية: وللسنن الرواتب نوافل. وعن أبي حنيفة أنه ينزل لسنة الفجر لانها آكد من سائرها انتهى. بل روي عنه أنها واجبة. وعلى هذا أداؤها قاعدا كما أسلفناه، وقد قدمنا أنه ينزل للوتر اتفاقا بينه وبينهما. وأطلق في الركوب خارج المصر فشمل ما إذا كان خارجه ابتداء وانتهاء إلى سلامه أو ابتداء فقط لما في الخلاصة ولو افتتحها خارج المصر ثم دخل المصر أتم على الدابة. وقال كثير من أصحابنا: ينزويتمها على الارض انتهى. وفي الظهيرية:

[ 115 ]

وإذا صلى على الدابة في محمل وهو يقد على النزول لا يجوز له أن يصلي على الدابة إذا كانت الدابة واقفة إلا أن يكون المحمل على عيدان على الارض، أما الصلاة على العجلة إن كان طرف العجلة على الدابة وهي تسير أو لا تسير فهي صلاة على الدابة تجوز في حالة العذر ولا تجوز في غير حالة العذر، وإن لم يكن طرف العجلة على الدابة جاز وهو بمنزلة الصلاة على السرير انتهى. وهذا كله في الفرض، أما في النفل فيجوز على المحمل والعجلة مطلقا كما لا يخفى. وفي الخلاصة: وكيفية الصلاة على الدابة أن يصلي بالايماء ويجعل السجود أخفض من الركوع من غير أن يضع رأسه على شئ سائرة أو واقفة دابته ويصلون فرادى، فإن صلوا بجماعة فصلاة الامام تامة وصلاة القوم فاسدة. وعن محمد يجوز إذا كان البعض بجنب البعض انتهى. وفي الظهيرية: رجلان في محمل واحد فاقتدى أحدهما بالآخر في التطوع أجزأهما، وهذا لا يشكل إذا كانا في شق واحد، وإذا كانا في شقين اختلف المشايخ، قال بعضهم: إذا كان أحد الشقين مربوطا بالآخر يجوز، وإذا لم يكن مربوطا لا يجوز. وقال بعضهم: يجوز كيفما كان إذا كانا على دابة واحدة كما لو كانا على الارض اه‍. وفي منية المصلي: ولو سجد على شئ وضع عنده أو على سرجه لا يجوز لان الصلاة على الدابة شرعت بالايماء اه‍. وينبغي حمله على ما إذ لم يكن بحيث يخفض رأسه وإلا فقد صرحوا في صلاة المريض أنه لا يرفع إلى وجهه شئ يسجد عليه، فإن فعل وهم يخفض رأسه أجزأه لوجود الايماء وإن وضع ذلك على جبهت لا يجزئه لانعدامه. كذا في الهداية وغيرها. قوله (وبني بنزوله لا بعكسه) أي إذا افتتح النفل راكبا ثم نزل بنى، ولا يبنى إذا افتتحه نازلا ثم ركب لان إحرام الراكب العقد مجوزا للركوع والسجود لقدرته على النزول فإذا أتى بهما صح، وإحرام النازل انعقد موجبا للركوع والسجود فلا يقدر على ترك ما لزمه من غير عذر. وعن أبي يوسف أنه يستقبل إذا نزل أيضا، وكذا عند محمد إذا نزل بعدما صلى ركعة،

[ 116 ]

والاصح هو الظاهر. كذا في الهداية. وقوله من غير عذر بيان للواقع لا للاحتراز عن العذر فإن المنقول في الخانية أن المصلي إذا ركب الدابة فسدت صلاته. ورد في غاية البيان تعليل من فرق بينهما بأن النزول عمل قليل والركوب عمل كثير بأنه ممنوع لانه لو رفع المصلي ووضع على السرج لا يبني مع أن العمل لم يوجد فضلا عن العمل الكثير والفرق الصحيح ما في الهداية اه‍. وأورد في النهاية أن القول بالبناء فيما إذا نزل يؤدي إلى بناء القوي على الضعيف وذلك لا يجوز كالمريض إذا صلى بعض صلاته بالايماء ثم قدر على الاركان لا يجوز له البناء تحرزا عما قلنا. وأجاب بأن الايماء من المريض دون الايماء من الراكب لان الايماء من المريض بدل عن الاركان والايماء من الراكب ليس ببدل عنها لان البدل في العبادا ت اسم لما يصار إليه عند عجز غيره والمريض أعجزه مرضه عن الاركان فكان الايماء بدلا عنها والراكب لم يعجزه الركوب عن الاركان لانه يملك الانتصاب على الركابين فيكون ذلك منه قياما، وكذلك يمكنه أن يخر راكعا وساجدا، ومع هذا أطلق الشارع في الايماء فلا يكون الايماء بدلا فكان قويا في نفسه فلا يؤدي إلى بناء القوي على الضعيف. وفرق في المحيط بوجه آخر هو أن في المريض ليس له أن يفتتح الصلاة بالايماء مع القدرة على الركوع والسجود فلذلك إذا قدر على ذلك في خلال صلاته لا يبني، أما الراكب هنا له أن يفتتح الصلاة بالايماء على الدابة مع القدرة فالنزول لا يمنعه من البناء. قال في النهاية قلت: وعلى هذا الفرق يجب أن لا يبنى في المكتوبة فيما إذا افتتحها راكبا ثم نزل لانه ليس له أن يفتتحها بالايماء على الدابة عند القدرة فلذلك قيد المسألة في الهداية بالتطوع. وذكر الامام الاسبيجابي أن استقبال المريض فيما إذا صح في خلال صلاته إنما كان في المكتوبة ولا رواية عنهم في التطوع في حق المريض، فاحتمل أن المريض لا يستقبل أيضا في التطوع فحينئذ لا يحتاج إلى الفرق، ويحتمل أنه يستقبل بخلاف الراكب والفرق ما بيناه اه‍.. قوله: (وسن في رمضان عشرون ركعة بعد العشاء قبل الوتر وبعده بجماعة والختم مرة بجلسة بعد كل أربع بقدرها) بيان لصلاة التراويح وإنما لم يذكرها مع السنن المؤكدة قبل النوافل المطلقة لكثرة شعبها ولاختصاصها بحكم من بين سائر السنن والنوافل وهو الاداء بجماعة. والتراويح جمع ترويحة وهي في الاصل مصد بمعنى الاستراحة سميت به الاربع ركعات المخصوصة لاستلزامها استراحة بعدها كما هي السنة فيها. وصرح المصنف بأنها سنة وصححه صاحب الهداية والظهيرية، وذكر في الخلاصة أن المشايخ اختلفوا في كونها سنة وانقطع الاختلاف برواية الحسن عن أبي حنيفة أنها سنة. وذكر في الاختيار أن أبا يوسف

[ 117 ]

سأل أبا حنيفة عنها وما فعله عمر فقال: التراويح سنة مؤكدة. ولم يتخرجه عمر من تلقاء نفسه ولم يكن فيه مبتدعا ولم يأمر به إلا عن أصل لديه وعهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: ولا ينافيه قول القدوري أنها مستحبة كما فهمه في الهداية عنه لانه إنما قال يستحب أن يجتمع الناس وهو يدل على أن الاجتماع مستحب، وليس فيه دلالة على أن التراويح مستحبة. كذا في العناية. وفي شرح منية المصلي: وحكى غير واحد الاجماع على سنيتها. وقد سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وندبنا إليها وأقامها في بعض الليالي ثم تركها خشية أن تكتب على أمته كما ثبت ذلك في الصحيحين وغيرهما، ثم وقعت المواظبة عليها في أثناء خلافة عمر رضي الله عنه ووافقه على ذلك عامة الصحابة رضي الله عنهم كما ورد ذلك في السنن، ثم ما زال الناس من ذلك الصدر إلى يومنا هذا على إقامتها من غير نكير وكيف لا وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ (1) كما رواه أبو داود. وأطلقه فشمل الرجال والنساء كما صرح به في الخانية والظهيرية. وقوله عشرون ركعة بيان لكميتها وهو قول الجمهور لما في الموطأ عن يزيد بن رومان قال: كان الناس يقومون في زمن عمر بن الخطاب بثلاث وعشرين ركعة. وعليه عمل الناس شرقا وغربا لكن ذكر المحقق في فتح القدير ما حاصله أن الدليل يقتضي أن تكون السنة من العشرين ما فعله صلى الله عليه وسلم منها ثم تركه خشية أن تكتب علينا والباقي مستحب، وقد ثبت أن ذلك كان إحدى عشرة ركعة بالوتر كما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة، فإذن يكون المسنون على أصول مشايخنا ثمانية منها والمستحب اثنا عشر انتهى. وذكر العلامة الحلبي أن الحكمة في كونها عشرين أن السنن شرعت مكملات للواجبات وهي عشرون بالوتر فكانت التراويح كذلك لتقع المساواة بين المكمل والمكمل انتهى. وأراد بالعشرين أن تكون بعشر تسليمات كما هو المتوارث يسلم على رأس كل ركعتين، فلو صلى الامام أربعا بتسليمة ولم يقعد في الثانية

[ 118 ]

فأظهر الروايتين عن أبي حنيفة وأبي يوسف عدم الفساد. ثم اختلفوا هل تنوب عن تسليمة أو تسليمتين، قال ابو الليث: تنوب عن تسليمتين. وقال أبوجعفوابن الفضل: تنوب عن واحدة وهو الصحيح. كذا في الظهيرية والخانية، وفي المجتبي وعليه الفتوى. ولو قعد على رأس الركعتين فالصحيح أنه يجوز عن تسليمتين وهو قول العامة. وفي منية المصلي: إذا شكوا أنهم صلوا تسع تسليمات أو عشر تسليمات ففيه اختلاف والصحيح أنهم يصلون بتسليمة أخرى فرادى. ولو سلم الامام على رأس ركعة ساهيا في الشفع الاول ثم صلى ما بقي على وجهها قال مشايخ بخاري: يقضي الشفع الاول لا غير. وقال مشايخ سمرقند: عليه قضاء الكل. وهذا إذا لم يفعل بعد السلام المذكور شيئا مما يفسد الصلاة من أكل أو شرب أو كلام، أما إذا فعل شيئا من ذلك فليس عليه إلا قضاء الشفع الاول لا غير كما في الذخيرة والخلاصة وغيرهما. وفي المحيط: لو صلى التراويح كلها بتسليمة واحدة وقد قعد على رأس كل ركعتين فالاصح أنه يجوز عن الكل لانه قد أكمل الصلاة ولم يخل بشئ من الاركان إلا أنه جمع المتفرق واستدام التحريمة فكان أولى بالجواز لانه أشق وأتعب للبدن انتهى. وظاهره أنه لا يكره، وقد صرح بعدم الكراهة في منية المصلي، ولا يخفى ما فيه لمخالفته المتوارث مع تصريحهم بكراهة الزيادة على ثمان في مطلق التطوع ليلا فلان يكره هنا أولى، فلهذا نقل العلامة الحلبي أن في النصاب وخزانة الفتاوي

[ 119 ]

الصحيح أنه لو تعمد ذلك يكره، فلو لم يقعد إلا في آخرها فقد علمت أن الصحيح أنه يجزئه عن تسليمة واحدة فيما لو صلى أربعا بتسليمة فكذلك هنا. وقوله بعد العشاء قبل الوتر وبعده بيان لوقتها وفيه ثلاثة أقوال: الاول ما اختاره اسمعيل الزاهدي وجماعة من بخاري أن الليل كله وقت لها قبل العشاء وبعده وقبل الوتر وبعده لانها قيام الليل ولم أر من صححه. الثاني ما قاله عامة مشايخ بخاري: وقتها ما بين العشاء إلى الوتر. وصححه في الخلاصة ورجحه في غاية البيان بأن الحديث ورد كذلك، وكان أبي رضي الله عنه يصلي بهم التراويح كذلك. الثالث ما اختاره المصنف وعزاه في الكافي إلى الجمهور وصححه في الهداية والخانية والمحيط لانها نوافل سنت بعد العشاء. وثمرة الاختلاف تظهر فيما لو صلاها قبل العشاء، فعلى القول الاول هي صلاة التراويح، وعلى الاخيرين لا. وفيما إذا صلاها بعد الوتر فعلى الثاني لا، وعلى الثالث نعم هي صلاة التراويح، وتظهر فيما إذا فاتته ترويحة أو ترويحتان ولو اشتغل بها يفوته الوتر بالجماعة، فعلى الاولى يشتغل بالوتر ثم يصلي ما فاته من التراويح، وعلى الثاني يشتغل بالترويحة الفائتة لانه لا يمكنه الاتيان بعد الوتر. كذا في الخلاصة. وينبغي أن يكون الثالث كالثاني كما لا يخفى ولو فاتته ترويحة وخاف لو اشتغل بها تفوته متابعة الامام فمتابعة الامام أولى. وقد اختلفوا فيما لو تذكر تسليمة بعد الوتر، فقيل لا يصلون بجماعة، وقيل يصلون بها كما في منية المصلي. وينبغي أن يكون مفرعا على القول الثاني والثالث. وفى فتاوى قاضيخان: ويستحب تأخير التراويح إلى ثلث الليل والافضل استيعاب أكثر الليل بالتراويح، فإن أخروها إلى ما بعد نصف الليل فالصحيح أنه لا بأس به. وإذا فاتت التراويح لا تقضى بجماعة والاصح أنها لا تقضى أصلا، فإن قضاها وحده كان نفلا مستحبا لا تروايح كسنة المغرب والعشاء.

[ 120 ]

قوله بجماعة متعلق بسن بيان لكون الجماعة سنة فيها وفيها ثلاثة أقوال: الاول ما اختاره المصنف أنه سنة على الاعيان حتى إن من صلى التراويح منفردا فقد أساء لتركه السنة، وإن صليت في المساجد وبه كان يفتي ظهير الدين المرغيناني لصلاته عليه السلام إياها بالجماعة وبيان العذر في تركها. الثاني ما اختاره الطحاوي في مختصره حيث قال: يستحب أن يصلي التراويح في بيته إلا أن يكون فقيها عظيما يقتدي به فيكون في حضوره ترغيب لغيره وفي امتناعه تقليل الجماعة مستدلا بحديث أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة (1) وهو رواية عن أبي يوسف كما في الكافي. الثالث ما صححه في المحيط والخانية واختاره في الهداية وهو قول أكثر المشايخ على ما في الذخيرة وقول الجمهور على ما في الكافي أن إقامتها بالجماعة سنة على الكفاية حتى لو ترك أهل المسجد كلهم الجماعة فقد أساؤوا وأثموا. وإن أقيمت التراويح بالجماعة في المسجد وتخلف عنها أفراد الناس وصلى في بيته لم يكن مسيئا لان أفراد الصحابة يروى عنهم التخلف كابن عمر على ما رواه الطحاوي. والجواب عن دليل الطحاوي أن قيام رمضان مستثنى من الحديث لفعله صلى الله عليه وسلم إياه في المسجد ثم فعل الخلفاء الراشدين بعده إذ لا يختار المفضول ويجمعون عليه. وأما من تخلف من الصحابة فإما لعذر أو لانه أفضل في اجتهاده وهو معارض بما هو أولى منه وهو اتفاق الجم الغفير على خلافه. فالحاصل أن القول الاول والثالث اتفقا على أفضليتها وإنما الكلام في الاساءة بالترك من البعض. وأطلق المصنف في الجماعة ولم يقيدها بالمسجد لما في الكافي والصحيح أن للجماعة في بيته فضيلة وللجماعة في المسجد فضيلة أخرى فهو حاز إحدى الفضيلتين وترك الفضيلة الاخرى انتهى. وفي الخلاصة: إذا صلى الترويحة الواحدة إمامان كل إمام ركعتين اختلف المشايخ والصحيح أنه لا يستحب ولكن كل ترويحة يؤديها إمام واحد إمام يصلي التراويح في مسجدين كل مسجد على وجه الكمال لا يجوز لانه لا يتكرر، ولو اقتدى بالامام في التراويح وهو قد صلى مرة لا بأس به ويكون هذا اقتداء المتطوع بمن يصلي السنة، ولو صلوا التراويح ثم أرادوا أن يصلوا ثانيا يصلون فرادى انتهى. وقوله والختم مرة معطوف على عشرون بيان لسنة القراءة فيها وفيه اختلاف، والجمهور على أن السنة الختم مرة فلا يترك لكسل القوم، ويختم في الليلة السابع والعشرين لكثرة الاخبار أنها ليلة القدر، ومرتين فضيلة،

[ 121 ]

وثلاث مرات في كل عشر مرة أفضل. كذا في الكافي. وذكر في المحيط والاختيار أن الافضل أن يقرأ فيها مقدار ما لا يؤدي إلى تنفير القوم في زماننا لان تكثير الجمع أفضل من تطويل القراءة. وفي المجتبي: والمتأخرون كانوا يفتون في زماننا بثلاث آيات قصار أو آية طويلة حتى لا يمل القوم ولا يلزم تعطيلها وهذا حسن، فإن الحسن روى عنأبي حنيفة أنه إن قرأ في المكتوبة بعد الفاتحة ثلاث آيات فقد أحسن ولم يسئ هذا في المكتوبة فما ظنك في غيرها ا ه‍. وفي التجنيس: ثم بعضهم اعتادوا قراءة قل هو الله أحد في كل ركعة وبعضهم اختاروا قراءة سورة الفيل إلى آخر القرآن وهذا حسن لانه لا يشتبه عليه عدد الركعات ولا يشتغل قلبه بحفظها فيتفرغ للتدبر والتفكر ا ه‍. وصرح في الهداية بأن أكثر المشايخ على أن السنة فيها الختم. وفي مختارا ت النوازل أنه يقرأ في كل ركعة عشر آيات وهو الصحيح لان السنة فيها الختم لان جميع عدد الركعات في جميع الشهر ستمائة ركعة وجيمع آيات القرآن ستة آلاف ا ه‍. ونص في الخانية على أنه الصحيح. وفي فتح القدير وغيره: وإذا كان إمام مسجد حيه لا يختم فله أن يترك إلى غيره. فالحاصل أن المصحح في المذهب أن الختم سنة لكن لا يلزم منه عدم تركه إذا لزم منه تنفير القوم وتعطيل كثير من المساجد خصوصا في زماننا، فالظاهر اختيار الاخف على القوم كما تفعله الائمة في زماننا من بداءتهم بقراءة سورة التكاثر في الركعة الاولى وبقراءتهم سورة الاخلاص في الثانية إلى أن تكون قراءتهم في الركعة التاسعة عشرة سورة تبت وفي العشرين سورة الاخلاص وليس فيه كراهة في الشفع الاولى من الترويحة الاخيرة بسبب الفصل بين الركعتين بسورة واحدة لانه خاص بالفرائض كما هو ظاهر الخلاصة وغيرها إلا أنه قد زاد بعض الائمة من فعلها على هذا الوجه منكرات من هذرمة القراءة وعدم الطمأنينة في الركوع والسجود وفيما بينهما وفيما بين السجدتين مع اشتمالها على ترك الثناء والتعوذ والبسملة في أول كل شفع وترك الاستراحة فيما بين كل ترويحتين. وفي الخلاصة: والافضل التعديل في القراءة بين التسليمات كذا روي عن أبي حنيفة، فإن فضل البعض على البعض في القراءة لا بأس به. أما التسليمة الواحدة إن فضل الثانية على الاولى لا شك أنه لا يستحب، وإن فضل الاولى على الثانية على الخلاف في الفرض. الامام إذا فرغ من التشهد في التراويح إن علم أن الزيادة على قدر التشهد لا تثقل يأتي بالدعوات، وإن علم أنها تثقل يقتصر على الصلاة لان الصلاة فرض عند الشافعي فيحتاط ا ه‍. وعلله في فتح القدير بأن الصلاة فرض أو سنة ولا تترك السنن للجماعات

[ 122 ]

كالتسبيحات ا ه‍. وقوله بجلسة متعلق بسن بيان لكونه سنة فيها، وتعقبه الشارح بأنه مستحب لا سنة. وصرح في الهداية باستحبابه بين الترويحتين وبين الخامسة وبين الوتر لعادة أهل الحرمين، واستحسن البعض الاستراحة على خمس تسليمات وليس بصحيح ا ه‍. وفي الكافي: والاستراحة على خمس تسليمات تكره عند الجمهور لانه خلاف عمل أهل الحرمين ا ه‍. وذكر العلامة الحلبي: ويعرف من هذا كراهة ترك الاستراحة مقدار ترويحة على رأس سائر الاشفاع كما هو شأن أكثر أئمة أهل زماننا في البلاد الشامية والمصرية بطريق أولى ا ه‍. ولا يخفى ما فيه لان الاستراحة لم توجد أصلا في مسألة الكافي إلا على خمس تسليمات مع أنها ليست محل الاستراحة، ولهذا قال الامام حسام الدين في تأليف له خاص بالتراويح: الاستراحة على خمس تسليمات لا تستحب على قول الاكثر وهذا هو الصحيح فإن الصحيح أنه لا يستحب إلا عند تمام كل ترويحة وهي خمس ترويحات ا ه‍. بخلاف فعل الائمة فإن الاستراحة قد وجدت وإن لم تكن تامة فكيف تكون مكروهة بالاولى وقد قالوا: إنهم مخيرون في حالة الجلوس إن شاؤا سبحوا وإن شاؤا قرؤا القرآن وإن شاؤا صلوا أربع ركعات فرادى وإن شاؤا قعدوا ساكتين، وأهل مكة يطوفون أسبوعا ويصلون ركعتين، وأهل المدينة يصلون أربع ركعات فرادى. وبهذا علم أنه لو قال بانتظار بعد كل ترويحة بدل قوله بجلسة لكان أولى. وفي الخانية: يكره للمقتدي أن يقعد في التراويح فإذا أراد الامام أن يركع يقوم لان فيه إظهار التكاسل في الصلاة والتشبه بالمنافقين قال تعالى * (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى) * (النساء: 142) ا ه‍. قوله: (ويوتر بجماعة في رمضان فقط) أي على وجه الاستحباب وعليه إجماع المسلمين كما في الهداية. واختلفوا في الافضل ففي الخانية الصحيح أن أداء الوتر بجماعة في رمضان أفضل لانعمر رضي الله عنه كان يؤمهم في الوتر. وفي

[ 123 ]

النهاية: اختار علماؤنا أن يوتر في منزله لا بجماعة لان الصحابة لم يجتمعوا على الوتر بجماعة في رمضان كما اجتمعوا على التراويح لان عمر كان يؤمهم فيه في رمضان وأبي بن كعب كان لا يؤمهم ا ه‍. ورجح الاول في فتح القدير بأنه صلى الله عليه وسلم كان أوتر بهم ثم بين العذر في تأخره عن مثل ما صنع فيما مضى فالوتر كالتراويح، فكما أن الجماعة فيها سنة فكذلك في الوتر، ولو صلوا الوتر بجماعة في غير رمضان فهو صحيح مكروه كالتطوع في غير رمضان بجماعة، وقيده في الكافي بأن يكون على سبيل التداعي، أما لو اقتدى واحد بواحد أو اثنان بواحد لا يكره، وإذا اقتدى ثلاثة بواحد اختلفوا فيه، وإن اقتدى أربعة بواحد كره اتفاقا ه‍. وفي القنية: صلى العشاء وحده فله أن يصلي التراويح مع الامام، ولو تركوا الجماعة في الفرض ليس لهم أن يصلوا التراويح جماعة لانها تبع للجماعة، ولو لم يصل التراويح جماعة مع الامام فله أن يصلي الوتر معه. ثم ذكر بعده أنه لو صلى التراويح مع غيره له أن يصلي الوتر معه هو الصحيح ا ه‍. ومن رام الزيادة على ما ذكرناه من أحكام التراويح فعليه بمؤلف خاص بها للامام الاجل حسام الدين قد اطلعت عليه والله الموفق للصواب. باب ادراك الفريضة حقيقة هذا الباب مسائل شتى تتعلق بالفرائض في الاداء الكامل وكله مسائل الجامع قوله: (صلي ركعة من الظهر فأقيم شفعا ويقتدي) لان الاصل أن نقض العبادة قصدا بلا عذر

[ 124 ]

حرام لقوله تعالى * (ولا تبطلوا أعمالكم) * (محمد: 33) ولافضائه إلى السفه خصوصا إذا كانت فرضا، وأن النقض للاكمال إكمال معنى فيجوز كنقض المسجد للاصلاح، وكنقض الظهر للجمعة، وكمن أصاب جبهته شوك في سجوده فرفع ثم وضع لم يجعل سجدتين، وللجماعة مزية على الصلاة منفردا بالحديث فجاز نقض الصلاة منفردا لاحراز الجماعة، ولكن هذا إذا لتثبت شبهة الفراغ من صلاته منفردا فإن ثبتت شبهته لا ينقضها لان العبادة بعد ما فرغ منها لا تقبل البطلان إلا بالردة فنقول: إن صلى ركعة من الظهر يضم إليها أخرى ثم يسلم ويدخل مع القوم لانه يمكنه إحراز الجماعة مع إحراز النفل بإضافة ركعة أخرى إليها إذ التطوع شرع شفعا لا وترا، ومتى أمكن إدراك العبادتين لا يصار إلى إبطال أحدهما، وقد صرح الكل هنا بأنه إنما يضم ركعة أخرى صيانة للمؤدى عن البطلان وهو صريح فيمن صلى ركعة فقط فهي باطلة لا أنها صحيحة مكروهة كما توهمه بعض حنفية عصرنا. فإن قيل: لو ضم تفوته تكبيرة الافتتاح قلنا: ذلك أيسر من إبطال العمل إذ صيانته عن البطلان واجبة وادراكها فضيلة وجاز الابطال لما هو سنة لانه إكمال معنى كما قدمناه والمعاني أحق بالاعتبار من الصور كمن تذكر في الركوع السورة فإنه يرفضه لاجلها مع أنها واجبة وهو فرض لان في رفضه إقامته على أكمل الوجوه فصار حسنا مع أنه إبطال للوصف فقط، وقول محمد بطلان الوصف يستلزم بطلان الاصل هو فيما إذا لم يتمكن من إخراج نفسه عن العهدة بالمضي كما إذا قيد خامسة الظهر بسجدة ولم يكن قعد الاخيرة، أما إذا كان متمكنا من المضي لكن أذن له الشرع في عدمه فلا يبطل أصلها بل تبقى نفلا إذا ضم الثانية أراد بالظهر الفرض الرباعي وأراد بالاقامة شروع الامام في موضع هو فيه لا إقامة المؤذن لانه لا يقطع صلاته إذا أقام المؤذن وإن لم يقيد بالسجدة بل يتمها ركعتين كما في غاية البيان وغيره. ولو أقيمت في المسجد وهو في البيت أو كان في مسجد فأقيمت في مسجد آخر لا يقطعها مطلقا كما ذكره الشارح وغيره. وقيد بالركعة التي تتم بالسجدة لانه لو لم يقيد الاولى بالسجدة فإنه يقطع ويشرع مع الامام وهو الصحيح لانه بمحل الرفض والقطع للاكمال. كذا في الهداية. وفي المحيط والكافي هو الاشبه. وقيد بالفرض لانه لو كان في النفل لا يقطع مطلقا وإنما يتمه

[ 125 ]

ركعتين. واختلفوا في السنة قبل الظهر أو الجمعة إذا أقيمت أو خطب الامام فالصحيح أنه يتمها أربعا كما صرح به الولوالجي وصاحب المبتغى والمحيط ثم الشمني لانها صلاة واحدة وليس القطع للاكمال بل للابطال صورة ومعنى. وقيل يقطع على رأس الركعتين، ورجحه في فتح القدير بحثا بأنه يتمكن من قضائها بعد الفرض ولا إبطال في التسليم على الركعتين فلا يفوت فرض الاستماع والاداء على الوجه الاكمل بلا سبب ا ه‍. والظاهر ما صححه المشايخ لانه لا شك أن في التسليم على رأس الركعتين إبطال وصف السنية لا لاكمالها، وتقدم أنه لا يجوز ويشهد لهم إثبات أحكام الصلاة الواحدة للاربع من عدم الاستفتاح والتعوذ في الشفع الثاني إلى غير ذلك كما قدمناه، وأراد من الظهر الظهر المؤدى لانه لو شرع في قضاء الفوائت ثم أقيمت لا يقطع كالنفل والمنذورة كالفائتة. كذا في الخلاصة، وقيدنا بكون الابطال حراما لغير عذر لانه لو كان لعذر فإنه جائز كالمرأة إذا فار قدرها والمسافر إذا ندت دابته أو خاف فوت درهم من ماله بل قد يكون واجبا كالقطع لانجاء غريق. وفي فتاوى الولوالجي: المصلي إذا دعاه أحد أبويه فلا يجيبه ما لم يفرغ من صلاته إلا أن يستغيث به لان قطع الصلاة لا يجوز إلا لضرورة، وكذلك الاجنبي إذا خاف أن يسقط من سطح أو تحرقه النار أو يغرقه الماء وجب عليه أن يقطع الصلاة. هذا إذا كان في الفرض، فأما في النوافل إذا ناداه أحد أبويه إن علم أنه في الصلاة وناداه لا بأس به أن لا يجيبه، وإن لم يعلم يجيبه ا ه‍. ومن العذر ما إذا شرع في نفل فحضرت جنازة خاف إن لم يقطعها تفوته فإنه

[ 126 ]

يقطعها ويصلي عليها لانه لا يتمكن من المصلحتين معا، وقطع النفل معقب للقضاء بخلاف الجنازة لو اختار تفويتها كان لا إلى خلف. كذا في فتح القدير. قوله: (ولو صلى ثلاثا يتم ويقتدي متطوعا) لان للاكثر حكم الكل فلا يحتمل النقض وإنما يقتدي متطوعا لان الفرض لا يتكرر في وقت واحد. وصرح في الحاوي القدسي أن ما يؤدي مع الامام نافلة يدرك بها فضيلة الجماعة ولا يرد عليه العصر فإنه لا يقتدي بعدها لما علم من باب الاوقات المكروهة، ولهذا قيد بالظهر قيد بالثلاث لانه لو كان في الثالثة ولم يقيدها بالسجدة فإنه يقطعها لانه بمحل الرفض ويتخير ان شاء عاد وقعد وسلم وإن شاء كبر قائما ينوي الدخول في صلاة الامام. كذا في الهداية. وفي المحيط: الاصح أنه يقطع قائما بتسليمة واحدة لان القعود مشروط للتحلل وهذا قطع وليس بتحلل فإن التحلل عن الظهر لا يكون على رأس الركعتين وتكفيه تسليمة واحدة للقطع ا ه‍. وهكذا صححه في غاية البيان معزيا إلى فخر الاسلام، واختلفوا فيما إذا عاد هل يعيد التشهد؟ قيل نعم لان الاول لم يكن قعود ختم، وقيل يكفيه ذلك التشهد لانه لما قعد ارتفض ذلك القيام فكأنه لم يقم وأورد على قوله ويقتدي متطوعا أن التطوع بجماعة مكروه خارج رمضان. وأجيب بنعم إذا كان الامام والقوم متطوعين، أما إذا أدى الامام الفرض والقوم النفل فلا لقوله عليه الصلاة والسلام للرجلين: إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما صلاة قوم فصليا معهم واجعلا

[ 127 ]

صلاتكما معهم سبحة. أي نافلة كذا في الكافي قوله: (فإن صلى ركعة من الفجر أو المغرب فأقيم يقطع ويقتدي) لانه لو أضاف إليها أخرى لفاتته الجماعة لوجود الفراغ حقيقة في الفجر أو شبهه في المغرب لان للاكثر حكم الكل. وشمل كلامه ما إذا قام إلى الثانية ولم يقيدها بالسجدة، وقيد بالركعة احترازا عما إذا قيد الثانية بسجدة فإنه لا يقطعها ويتمها ولا يشرع مع الامام لكراهة النفل بعد الفجر، وكذا بعد المغرب في ظاهر الرواية. علله في الكافي بأنه إن وافق إمامه خالف السنة بالتنفل بالثلاث، وإن وافق السنة فجعلها أربعا خالف إمامه وكل ذلك بدعة، فإن شرع أتمها أربعا لانه أحوط إذ فيه زيادة الركعة وموافقة السنة أحق لان مخالفة الامام مشروعة في الجملة كالمسبوق فيما يقضي والمقتدي إذا اقتدى بالمسافر ومخالفة السنة لم تشرع أصلا. كذا في الكافي. وعلله في الهداية بأن التنفل بالثلاث مكروه، وفي غاية البيان أنه بدعة، وفي شرح الجامع الصغير لقاضيخان أنه حرام، والظاهر ما في الهداية. ويراد بالكراهة التحريمية لان المشايخ يستدلون بأنه عليه السلام نهى عن البتيراء كما في غاية البيان وهو من قبيل ظني الثبوت قطعي الدلالة فيفيد كراهة التحريم على أصولنا. ولو سلم مع الامام فعن بشر لا يلزمه شئ، وقيل فسدت ويقضي أربعا لانه التزم بالاقتداء ثلاثا فيلزمه أربع كما لو نذر ثلاثا، وإذا أتمها أربعا يصلي ركعويقعد لان الاولى من الصلاة ثانية صلاته ولو تركها جازت في الاستحسان لا القياس. ولو صلى الامام أربعا ساهيا بعد ما قعد على رأس الثلاث وقد اقتدى به الرجل متطوعا قال ابن الفضل: تفسد صلاة المقتدي لان الرابعة وجبت على المقتدي بالشروع، وعلى الامام بالقيام إليها فصار كرجل أوجب على نفسه أربع ركعات بالنذر فاقتدي فيهن بغيره لا تجوز صلاة المقتدي. كذا هذا كذا في فتح القدير. قال في الخلاصة: المختار فساد صلاة المقتدي قعد الامام على رأس الثالثة أو لم يقعد ا ه‍. قوله: (وكره خروجه من مسجد أذن فيه حتى يصلي وإن صلى لا إلا في الظهر والعشاء إن شرع في الاقامة) لحديث ابن ماجه من أدرك الاذان في المسجد ثم خرج لم يخرج لحاجة وهو لا يريد الرجوع فهو منافق (1) وأخرجه الجماعة إلا البخاري عن أبي الشعثاء قال: كنا مع أبي هريرة في المسجد فخرج رجل حين أذن المؤذن للعصر قال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم. والموقوف في مثله كالمرفوع، وهذا لا يدل على أن الكراهة تحريمية وهي المحمل

[ 128 ]

عند إطلاقها كما قدمناه. واستثنى المشايخ منها ما إذا كان ينتظم به أمر جماعة أخرى بأن كان مؤذنا أو إماما في مسجد تتفرق الجماعة بغيبته فإنه يخرج بعد النداء لانه ترك صورة تكميل معنى والعبرة للمعنى. زاد في النهاية أو يكون خرج ليصلي في مسجد حيه مع الجماعة فلا بأس به مطلقا من غير قيد بالامام والمؤذن ا ه‍. ولا يخفى ما فيه إذ خروجه مكروه تحريما والصلاة في مسجد حيه مندوبة فلا يرتكب المكروه لاجل المندوب ولا دليل يدل على تقييدها بما ذكره وأطلقه المصنف فشمل ما أذن فيه وهو داخله أو دخل بعد الاذان، والظاهر أن مرادهم من الاذان فيه هو دخول الوقت وهو داخله، سواء أذن فيه أو في غيره كما أن الظاهر من الخروج من غير صلاة عدم الصلاة مع الجماعة، وسواء خرج أو كان ماكثا في المسجد من غير صلاة كما نشاهده في زماننا من بعض الفسقة حتى لو كانت الجماعة يؤخرون لدخول الوقت المستحب كالصبح مثلا فخرج إنسان من المسجد بعد دخول الوقت ثم رجع وصلى مع الجماعة ينبغي أن لا يكون مكروها، ولم أره كله منقولا. وقوله وإن صلى لا أي وإن صلى الفرض وحده لا يكره خروجه قبل أن يصلي مع الجماعة لانه قد أجاب داعي الله مرة فلا يجب عليه ثانيا. والظاهر أن مرادهم عدم كراهة الخروج لا عدمها مطلقا لان من صلى وحده فقد ارتكب المكروه وهو ترك الجماعة لانها على الصحيح إما سنة مؤكدة أو واجبة، ولم أر من نبه عليه. واستثنى المصنف الظهر والعشاء عند الشروع في الاقامة فإنه يكره لمن صلى وحده أن يخرج قبل الصلاة مع الجماعة لانه يتهم بمخالفة الجماعة عيانا والنفل بعد هاتين الصلاتين ليس بمكروه، وأما في الفجر والعصر فلا يكره له الخروج لكراهة التنفل بعدهما، وأما في المغرب فلما فيه من التنفل بالثلاث أو مخالفة الامام إن أتمها أربعا وكل منهما مكروه كما سبق. ولم يذكر المصنف حكم المكث في المسجد بلا صلاة، أما في موضع لا يكره التنفل فالكراهة ظاهرة، وأما في موضع يكره التنفل فذكر في المحيط أنه

[ 129 ]

في العصر والمغرب والفجر يخرج لكراهة التطوع بعدها، وإن مكث وإن لم يدخل معهم يكره لان مخالفة الجماعة وزر عظيم ا ه‍. قوله: (ومن خاف فوت الفجر أن أدى سنته أيتم وتركها وإلا لا) لان الاصل أن سنة الفجر لها فضيلة عظيمة قال عليه الصلاة والسلام ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها (1) وكذا ما قدمناه، وكذا للجماعة بالاحاديث المتقدمة، فإذتعارضا عمل بها بقدر الامكان وإن لم يمكن بأن خشي فوت الركعتين أحرز أحقهما وهي الجماعة لورود الوعد والوعيد في الجماعات، والسنة وإن ورد الوعد فيها لم يرد الوعيد بتركها، ولان ثواب الجماعة أعظم لانها مكملة ذاتية والسنة مكملة خارجية والذاتية أقوى. وشمل كلامه ما إذا كان يرجوا إدراكه في التشهد فإنه يأتي بالسنة، وظاهر ما في الجامع الصغير حيث قال: إن خاف أن تفوته الركعتان دخل مع الامام أن لا يأتي بالسنة. وفي الخلاصة ظاهر المذهب أنه يدخل مع الامام، ورجحه في البدائع بأن للاكثر حكم الكل فكأن الكل قد فاته فيقدم الجماعة. ونقل في الكافي والمحيط أنه يأتي بها عندهما خلافا لمحمد لان إدراك القعدة عندهما كإدراك ركعة في الجمعة خلافا له، وقد جعل المصنف لسنة الفجر حكمين، أما الفعل إن لم يخف فوت الجماعة وهو المراد بفوت الفجر بقرينة قوله أيتم، وأما الترك إن خاف فوت الجماعة فاندفع ما ذكره الفقيه

[ 130 ]

إسماعيل الزاهد من أنه ينبغي أن يفتتح ركعتي الفجر ثم يقطعهما ويدخل مع الامام حتى تلزمه بالشروع فيتمكن من القضاء بعد الفجر وهو مردود من وجهين: أحدهما ما ذكره الامام السرخسي أن ما وجب بالشروع لا يكون أقوى مما وجب بالنذر وقد نص محمد أن المنذورة لا تؤدى بعد الفجر قبل طلوع الشمس. ثانيهما ما ذكره قاضيخان في شرح الجامع الصغير أن المشايخ نكروا عليه ذلك لان هذا أمر بافتتاح الصلاة على قصد أن يقطع ولا يتم وأنه غير مستحسن. ثم إن هنا قيدا تركه المصنف في قوله وإلا لا وهو أن يجد مكانا عند باب المسجد يصلي السنة فيه، فإن لم يجد فينبغي أن لا يصلي السنة لان ترك المكروه مقدم على فعل السنة. كذا في فتح القدير وهو متفرع على أحد القولين لما في المحيط: ولو صلاهما في المسجد الخارج والامام يصلي في المسجد الداخل قيل لا يكره لانه لا يتصور بصورة المخالفة للقوم لاختلاف المكان حقيقة، وقيل يكره لان ذلك كله كمكان واحد فإذا اختلف المشايخ فيه كان الافضل أن لا يفعل ا ه‍. فالحاصل أن حكم المصلي نافلة أو سنة لا يخلوا ما أن يكون قبل شروع الامام في الفرض أو بعده، فإن كان الاول لا يخلوا ما أن يكون وقت إقامة المؤذن أو قبله، فإن كان قبل إقامة المؤذن فله أن يأتي بهما في أي موضع أراد من المسجد أو غيره إلا في الطريق كما قدمناه، وإن كان وقت إقامة المؤذن ففي البدائع إذا دخل المسجد للصلاة وقد كان المؤذن أخذ في الاقامة يكره له التطوع، سواء كان ركعتي الفجر أو غيرهما، لانه يتهم بأنه لا يرى صلاة الجماعة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم ا ه‍. وبحث العلامة الحلبي بأن هذا الظن يزول عنه في ثاني الحال إذا شوهد شروعه فيها بعد فراغه من السنة، وقد نص محمد في كتاب الصلاة من الاصل في المؤذن يأخذ في الاقامة أيكره أن يتطوع؟ قال: نعم إلا ركعتي الفجر. واختلف المشايخ في فهمه، فمنهم من قال موضوعها فيما إذا انتهى إلى الامام وقد سبقه بالتكبير فيأتي بركعتي الفجر وعامتهم على الاطلاق سواء وصل إلى الامام بعد شروعه أو قبله في الاقامة كما ذكره فخر

[ 131 ]

الاسلام ا ه‍. يعني فما في البدائع من التعميم لركعتي الفجر ليس على قول العامة ويشهد له ما في الحاوي القدسي والمحيط: ولا يتطوع إذا أخذ المؤذن في الاقامة إلا ركعتي الفجر ا ه‍. إلا أنه قد يقال: إن ما يوقع في التهمة لا يرتكب وإن ارتفعت بعده كما ورد عن علي: إياك وما يسبق إلى القلوب إنكاره وإن كان عندك اعتذاره. وإن كان الثاني فيكره له أن يشتغل بنفل أو سنة مؤكدة إلا سنة الفجر على التفصيل السابق. ثم السنة في السنن أن يأتي بها في بيته أو عند باب المسجد وإن لم يمكن ففي المسجد الخارج وإن كان المسجد واحدا فخلف الاسطوانة ونحو ذلك، أو في آخر المسجد بعيدا عن الصفوف في ناحية منه. وتكره في موضعين: الاول أن يصليها مخالطا للصف مخالفا للجماعة. الثاني أن يكون خلف الصف من غير حائل بينه وبين الصف، والاول أشد كراهة من الثاني. وأما السنن التي بعد الفرائض فالافضل فعلها في المنزل إلا إذا خاف الاشتغال عنها لو ذهب إلى البيت فيأتي بها في المسجد في أي مكان منه ولو في مكان صلى فيه فرضه، والاولى أن يتنحى خطوة. ويكره للامام أن يصلي في مكان صلى فيه فرضه. كذا في الكافي وغيره. قوله: (ولم تقض إلا تبعا) أي لم تقض سنة الفجر إلا إذا فاتت مع الفرض فتقضي تبعا للفرض، سواء قضاها مع الجماعة أو وحده لان الاصل في السنة أن لا تقضى لاختصاص القضاء بالواجب. والحديث ورد في قضائها تبعا للفرض في غداة ليلة التعريس فبقي ما وراءه على الاصل، فأفاد المصنف أنها لا تقضى قبل طلوع الشمس أصلا ولا بعد الطلوع إذا كان قد أدى الفرض. وشمل كلامه ما إذا قضاهما بعد الزوال أو قبله ولا خلاف في الثاني. واختلف المشايخ في الاول على قولهم والصحيح كما في غاية البيان أنها لا تقضى تبعا لان

[ 132 ]

النص ورد بقضائها في الوقت المهمل بخلاف القياس، وما ورد على خلاف القياس فغيره عليه لا يقاس وهي واردة على المصنف، فلو قال ولم تقض إلا تبعا قبل الزوال لكان أولى. وقيد بسنة الفجر لان سائر السنن لا تقضى بعد الوقت لا تبعا ولا مقصودا. واختلف المشايخ في قضائها تبعا للفرض في الوقت والظاهر قضاؤها وأنها سنة لاختلاف الشيخين في قضاء الاربع قبل الظهر قبل الركعتين أو بعدهما كما سيأتي قوله: (وقضى التي قبل الظهر في وقته قبل شفعه) بيان لشيئين: أحدهما القضاء والثاني محله. أما الاول ففيه اختلاف والصحيح أنها تقتضي كما ذكره قاضيخان في شرحه مستدلا بما عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم تعالى كان إذا فاتته الاربع قبل الظهر قضاهن بعده. وظاهر كلام المصنف أنها سنة لا نفل مطلق، وذكر قاضيخان أنه إذا قضاها فهي لا تكون سنة عند أبي حنيفة، وعندهما سنة، وتبعه الشارح، وتعقبه في فتح القدير بأنه من تصرف المصنفين فإن المذكور من وضع المسألة الاتفاق على قضاء الاربع، وإنما الاختلاف في تقديمها أو تأخيرها والاتفاق على أنها تقضى اتفاق على وقوعها سنة إلى آخر ما ذكره. وأما الثاني فاختلف فيه النقل عن الشيخين فذكر في الجامع الصغير للحسامي أن أبا يوسف يقدم الركعتين ومحمد يؤخرهما. وفي المنظومة وشروحها على العكس. وفي غاية البيان: ويحتمل أن يكون عن كل واحد من الامامين روايتان. ورجح في فتح القدير تقديم الركعتين لان الاربع فاتت عن الموضع المسنون فلا يفوت الركعتين عن موضعهما قصدا بلا ضرورة ا ه‍. وحكم الاربع قبل الجمعة كالاربع قبل الظهر كما لا يخفى. قوله: (ولم يصل

[ 133 ]

الظهر جماعة بإدراك ركعة) لما في الجامع الكبير: إذا قال عبده حر إن صلى الظهر بجماعة فسبق ببعضها لم يحنث. وهو شامل لما إذا سبق بركعة أو بأكثر. وذكر قاضيخان في شرحه أن الظاهر الجواب أنه إذا فاتته ركعة مع الامام وصلى الثلاث معه لا يحنث لانه لم يصل الكل مع الامام، فلو قال المصنف بإدراك بعضها لكان أولى لكن ذكر الامام السرخسي أنه يحنث لان للاكثر حكم الكل، ولا يحنث إذا صلى ركعتين فقط اتفاقا كما لا يخفى. أما على الاولى فظاهر، وأما على قول السرخسي فلانه ليس بأكثر حتى يقام مقام الكل. ومما يضعف قول السرخسي ما اتفقوا عليه في باب الايمان أنه لو حلف لا يأكل هذا الرغيف لا يحنث إلا بأكل كله فإن الاكثر لا يقام مقام الكل لكن في الخلاصة من كتاب الايمان: لو حلف لا يقرأ سورة فقرأها إلا حرفا حنث ولو قرأها إلا آية طويلة لا يحنث. قوله: (بل أدرك فضلها) أي فضل الجماعة لان من أدرك آخر الشئ فقد أدركه، ولحديث الصحيح من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة (1) وهو مجمع عليه. وإنما

[ 134 ]

خص محمدا بالذكر في الهداية لان الشبهة وردت على قوله إن مدرك الامام في التشهد في صلاة الجمعة لا يكون مدركا للجمعة، فكان مقتضى قوله أن لا يدرك فضيلة الجماعة في هذه المسألة لانه مدرك للاقل فأزال الوهم بذكر محمد. وذكر في الكافي وغيره أنه لو قال عبده حر إن أدرك الظهر فإنه يحنث بإدراك ركعة لان إدراك الشئ بإدراك آخره يقال أدركت أيامه أي آخرها، وفي الخلاصة من كتاب الايمان من الفصل الحادي عشر: لو قال عبده حر إن أدرك الظهر مع الامام فأدرك الامام في التشهد ودخل في صلاته فإنه يحنث ا ه‍. فعلم أن إدراك الركعة ليس بشرط، فلو قال المصنف بل يكون مدركا لها لكان أولى ليشمل الثواب والحنث في اليمين المذكورة. وفي غاية البيان: إن المسبوق يكون مدركا لثواب الجماعة لكن لا يكون ثوابه مثل ثواب من أدرك أول الصلاة مع الامام لفوات التكبيرة الاولى ا ه‍. وقد صرح الاصوليون بأن فعل المسبوق أداء قاصر بخلاف المدرك فإنه أداء كامل، وأما اللاحق فصرحوا بأن ما يقضيه بعد فراغ الامام أداء شبيه بالقضاء، فظاهر كلام الشارح أن اللاحق كالمدرك لكونه خلف الامام حكما ولهذا لا يقرأ ا ه‍. فيقضتي أن يحنث في يمينه لو حلف لا يصلي بجماعة ولوفاته مع الامام الاكثر، فظاهر كلامهم أن من أدرك الامام في التشهد فقد أدرك فضلها قوله: (وتطوع قبل الفرض أن أمن فوت الوقت وإلا لا) أي وإن لم يأمن لا يتطوع لان صلاة التطوع عند ضيق الوقت حرام لتفويتها الفرض، وإن لم يضق الوقت فله أن يتطوع. فإن كانت سنة مؤكدة ولم تفته الجماعة فإنه يسن في حقه الاتيان بها باتفاق المشايخ، وإن فاتته الجماعة ففيه اختلاف والصحيح أنه يسن الاتيان بها كما ذكره قاضيخان في شرحه

[ 135 ]

لكونها مكملات للفرائض وإن لم تكن مؤكدة، فإن كان من المستحبات يستحب الاتيان بها وإلا فهو مخير قوله: (وإن أدرك إمامه راكعا فكبر ووقف حتى رفع رأسه لم يدرك الركعة) خلافا لزفر. هو يقول أدرك الامام فيما له حكم القيام، ولنا أن الشرط هو المشاركة في أفعال الصلاة ولم يوجد لا في القيام ولا في الركوع. وذكر قاضيخان أن ثمرة الخلاف تظهر في أن هذا عنده لاحق في هذه الركعة حتى يأتي بها قبل فراغ الامام، وعندنا هو مسبوق بها حتى يأتي بها بعد فراغ الامام، وأجمعوا أنه لو انتهى إلى الامام وهو قائم فكبر ولم يركع مع الامام حتى ركع الامام ثم ركع أنه يصير مدركا لتلك الركعة، وأجمعوا أنه لو اقتدى به في قومة الركوع لم يصر مدركا لتلك الركعة ا ه‍. وفي المصفي: وهذا إذا أمكنه الركوع، أما إذا لم يمكنه لا يعتد به عند زفر أيضا. وفي حيرة الفقهاء: إما افتتح الصلاة فلما ركع ورفع رأسه من الركوع ظن أنه لم يقرأ السورة فرجع وقرأ. ثم علم أنه كان قرأ السورة فجاء رجل ودخل معه في الصلاة ثم ركع ثانيا فإن هذا المسبوق يصير داخلا في الصلاة لكن عليه أن يقضي ركعة لان الركوع الاول كان فرضا تاما والآخر نفلا فصار كأن المسبوق لم يدرك الركوع من هذه الركعة ا ه‍. وفي فتح القدير: ومدرك الامام في الركوع لا يحتاج إلى تكبيرتين خلافا لبعضهم، ولو نوى بتلك التكبيرة الواحدة الركوع لا الافتتاح جاز ولغت نيته ا ه‍. ثم اعلم أنه إذا لم يكن مدركا للركعة فإنه يجب عليه أن يتابع الامام في السجدتين وإن لم يحتسبا له كما لو اقتدى بالامام بعد ما رفع الامام رأسه من الركوع. صرح قاضيخان في فتاواه بأن عليه المتابعة في السجدتين وإن لم يحتسبا له، وصرح به في العمدة. وصرح في الذخيرة بأن المتابعة فيهما واجبة ومقتضاه أنه لو تركهما لا تفسد صلاته، وقد توقفنا في ذلك مدة حتى رأيت في التجنيس معزيا إلى فتاوى أئمة سمرقند أنه لا تفسد لو ترك وعبارته: رجل انتهى إلى الامام وقد سجد سجدة فكبر ونوى الاقتداء به ومكث قائما حتى قام الامام ولم يتابعه في السجدة

[ 136 ]

ثم تابعه في بقية الصلاة، فلما فرغ الامام قام وقضى ما سبق به تجوز الصلاة إلا أنه يصلي تلك الركعة الفائتة بسجدتيها بعد فراغ الامام وإن كانت المتابعة حين يشرع واجبة في تلك السجدة ا ه‍. قوله: (ولو ركع مقتد فأدركه إمامه فيه صح) وقالزفر: لا يجزئه لان ما أتى به قبل الامام غير معتد به فكذا ما يبنيه عليه. ولنا أن الشرط هو المشاركة في جزء واحد كما في الطرف الاول. قيد يكون إمامه شاركه فيه لان المقتدي لو رفع رأسه قبل أن يركع الامام فإنه لا يصح اتفاقا لعدم المشاركة فيه والمتابعة، وأراد بالركوع كل ركن سبقه المأموم به. وقيده في الذخيره بأن يركع المقتدي بعد فراغ الامام من القراءة، أما لو ركع قبل أن يأخذ الامام في القراءة ثم قرأ الامام وركع والرجل راكع فأدركه في الركوع لا يجزئه عن الركوع لانه ركع قبل أوانه. ولو ركع بعد ما قرأ الامام ثلاث آيات ثم أتم القراءة وأدركه جاء، ولو ركع الامام بعد ما قرأ الفاتحة ونسي السورة فرفع المقتدي معه ثم عاد الامام إلى السورة ثم ركع والمقتدي على ركوعه الاول أجزأه الركوع. ولو تذكر الامام في ركوعه في الركعة الثالثة أنه ترك سجدة من الركعة الثانية فاستوى الامام فسجد للثانية وأعاد التشهد ثم قام وركع للثالثة والرجل على حاله راكع لم يجز المقتدي ذلك الركوع والوجه ظاهر ا ه‍. وذكر المصنف في الكافي في مسألة الكتاب أنه يصح، ويكره لقوله عليه الصلاة والسلام لا تبادروني بالركوع والسجود (1) وقوله عليه السلام أما يخشى الذي يركع قبل الامام ويرفع أن يحول الله رأسه رأس حمار (2) ا ه‍. وهو يفيد أنها كراهة تحريم للنهي المذكور. وفي الخلاصة: المقتدي إذا

[ 137 ]

أتى بالركوع والسجود قبل الامام هذه على خمسة أوجه: إما أن يأتي بهما قبله أو بعده أو بالركوع قبله وسجد معه أو بالركوع معه وسجد قبله أو أتى بهما قبله ويدركه الامام في آخر الركعات، فإن أتبالركوع والسجود قبل الامام في كلها يجب عليه قضاء ركعة بلا قراءة ويتم صلاته، وإذا ركع معه وسجد قبله يجب عليه قضاء ركعتين وإذا ركع قبله وسجد معه يقضي أربعا بلا قراءة، وإذا ركع بعد الامام وسجد بعده جازت صلاته ا ه‍. ووجهه في فتح القدير بأن مدرك أول صلاة الامام لاحق وهو يقضي قبل فراغ الامام، ففي الصورة الاولى فاتته الركعة الاولى فركوعه وسجوده في الثانية قضاء عن الاولى، وفي الثالثة عن الثانية، وفي الرابعة عن الثالثة، ويقضي بعد الامام ركعة بغير قراءة لانه لاحق، وفي الثانية تلتحق سجدتاه في الثانية بركوعه في الاولى لانه كان معتبرا ويلغوا ركوعه في الثانية لوقوعه عقب ركوعه الاول بلا سجود. بقي عليه ركعة ثم ركوعه في الثالثة مع الامام معتبر ويلتحق به سجوده في رابعة الامام فيصير عليه الثانية والرابعة فيقضي ركعتين وقضاء الاربع في الثالثة ظاهر ا ه‍. وفي الخلاصة: المقتدي إذا رفع رأسه من السجدة قبل الامام وأطال الامام السجدة فظن المقتدي أن الامام في السجدة الثانية فسجد ثانيا والامام في السجدة الاولى إن نوى متابعة الامام أو نوى السجدة التي فيها الامام أو نوى السجدة الاولى جاز وإن نوى

[ 138 ]

السجدة الثانية وكان الامام في الاولى فرفع الامام رأسه من السجدة وانحط للثانية فقبل أن يضع الامام جبهته على الارض للسجدة رفع المقتدي من الثانية لا تجوز سجدة المقتدي وكان عليه إعادة تلك السجدة ولو لم يعد تفسد صلاته ا ه‍. والله أعلم. باب قضاء الفوائت لما كان القضاء فرع الاداء أخره. وقد قسم الاصوليون المأمور به إلى أداء وإعادة وقضاء، فالاداء ابتداء فعل الواجب في وقته المقيد به سواء كان ذلك الوقت العمر أو غيره. وإنما لم نقل إنه فعل الواجب كما قال غيرنا لانه لا يشترط فعله كله في وقته ليكون أداء لان وجود التحريمة في الوقت كاف لكون الفعل أداء. والاعادة فعل مثله في وقته لخلل غير

[ 139 ]

الفساد وعدم صحة الشروع وهو المراد بقولهم كل صلاة أديت مع كراهة التحريم فسبيلها الاعادة فكانت واجبة فلذا دخلت في أقسام المأمور به. والقضاء له تعريفان: أحدهما على المذهب الصحيح من أن القضاء يج‍ ب بما يجب به الاداء هو فعل الواجب بعد وقته وإن عرف بما يشمل غير الواجب من السنن التي تقضى فيبدل الواجب بالعبادة، فيقال هو فعل العبادة بعد وقتها ولا يكون خارجا عن المقسم لان المندوب مأمور به أيضا بقوله تعالى * (وافعلوا

[ 140 ]

الخير) * (الحج: 77) لكنه مجاز فلهذا لم يدخله أكثرهم في تعريفه. وإطلاق القضاء في عبارة الفقهاء على ما ليس بواجب مجاز كما وقع في عبارة المختصر حيث قال: وقضى التي قبل الظهر. وكذا إطلاق الفقهاء القضاء للحج بعد فساده مجاز إذ ليس له وقت يصير بخروجه قضاء. ثانيهما على القول المرجوح من أن القضاء يجب بسبب جديد فهو تسليم مثل الواجب ومن زاد عليه بالامر كصاحب المنار فقد تناقض كلامه لان المفعول بعد الوقت عين الواجب بالامر لا مثله إذ المستفاد من الامر طلب شيئين: الفعل وكونه في وقته، فإذا عجز عن الثاني لفواته بقي الامر مقتضيا للاول فتصريحه بالمثل مقتض لكونه بسبب جديد، وتصريحه بالامر مقتض لكونه عينه. وتمام تحقيقه في كتابنا المسمى بلب الاصول مختصر تحرير الاصول: ولم يظهر للاختلاف المذكور في سبب القضاء أثر كما يعلمه من طالع كتب الاصول. وفي كشف الاسرار أن المثلية في القضاء في حق إزالة المأثم لا في إحراز الفضيلة ا ه‍. والظاهر أن المراد بالمأثم ترك الصلاة فلا يعاقب عليها إذا قضاها، وأما إثم تأخيرها عن الوقت الذي هو كبيرة فباق لا يزول بالقضاء المجرد عن التوبة بل لا بد منها هذا. ويجوز تأخير الصلاة عن وقتها لعذر كما قال الولوالجي في فتاواه القائلة إذا اشتغلت بالصلاة تخاف أن يموت الولد لا بأس بأن تؤخر الصلاة وتقبل على الولد لان تأخير الصلاة عن الوقت يجوز بعذر ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخر الصلاة عن وقتها يوم الخندق، وكذا المسافر إذا خاف من اللصوص وقطاع الطريق جاز لهم أن يؤخروا الوقتية لانه بعذر ا ه‍. وفي المجتبي: الاصح أن تأخير الفوائت لعذر السعي على العيال. وفي الحوائج: يجوز. قيل: وإن وجب على الفور يباح له التأخير. وعن أبي جعفر: سجدة التلاوة والنذر المطلق وقضاء رمضان موسع. وضيق الحلواني والعامري ا ه‍. وذكر الولوالجي من الصوم أن قضاء الصوم على التراخي وقضاء الصلاة على الفور إلا لعذر. قوله: (والترتيب بين الفائتة والوقتية وبين الفوائت مستحق) مفيد لشيئين: أحدهما بالعبارة والآخر بالاقتضاء. أما الثانفهو لزوم قضاء الفائتة فالاصل فيه أن كل صلاة فاتت

[ 141 ]

عن الوقت بعد ثبوت وجوبهفيه فإنه يلزم قضاؤها، سواء تركها عمدا أو سهوا أو بسبب نوم، وسواء كانت الفوائت كثيرة أو قليلة فلا قضاء على مجنون حالة جنونه ما فاته في حالة عقله كملا قضاء عليه في حالة عقله لما فاته حالة جنونه، ولا على مرتد ما فاته زمن ردته، ولا على مسلم أسلم في دار الحرب ولم يصل مدة لجهله بوجوبها، ولا على مغمى عليه أو مريض عجز عن الايماء ما فاته في تلك الحالة وزادت الفوائت على يوم وليلة. ومن حكمه أن الفائتة تقضى على الصفة التي فاتت عنه إلا لعذر وضرورة فيقضي المسافر في السفر ما فاته في الحضر من الفرض الرباعي أربعا والمقيم في الاقامة ما فاته في السفر منها ركعتين كما سيأتي في آخر صلاة المسافر. وقد قالوا: إنما تقضى الصلوات الخمس والوتر على قول أبي حنيفة وصلاة العيد إذا فاتت مع الناس على تفصيل يأتي في بابها. وسنة الفجر تبعا للفرض قبل الزوال والقضاء فرض في الفرض واجب في الواجب سنة في السنة. ثم ليس للقضاء وقت معين بل جميع أوقات العمر وقت له إلا ثلاثة: وقت طلوع الشمس ووقت الزوال ووقت الغروب فإنه لا تجوز الصلاة في هذه الاوقات لما مر في محله. وأما الاول وهو الترتيب بين الفائتة والوقتية وبين الفوائت فهو واجب عندنا يفوت الجواز بفوته فهو شرط كما صرح به في المحيط لكنه ليس بشرط حقيقة لان بتركه لا تفوت الصحة أصلا بل الامر موقوف كما سيأتي، ولو كان شرطا لم يسقط بالنسيان كغيره من الشروط، ولما لم يكن واجبا اصطلاحيا ولا فرضا لعدم قطعية الدليل ولا شرطا كذلك من كل وجه أبهم أمره فعبر بالاستحقاق. والدليل على وجوبه ما في الصحيحين من حديث جابر أنعمر بن الخطاب شغل بسبب كفار قريش يوم الخندق وقال: يا رسول الله ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب فقال عليه الصلاة والسلام: والله ما صليتها قال: فنزلنا بطحان فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوضأنا فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر بعد ما غربت الشمس، وصلينا بعدها المغرب. ولو كان الترتيب مستحبا لما أخر عليه الصلاة والسلام لاجله المغرب التي تأخيرها مكروه بناء على أن الكراهة للتحريم فلا ترتكب لفعل مستحب. وبناء على أن التأخير قدر أربع ركعات مكروه لكن لا دليل على كونه واجبا يفوت الجواز بفوته، وقد أطال فيه المحقق في فتح القدير إطالة حسنة كما هو دأبه، وغرضنا في هذا الكتاب تحرير المذهب في الاحكام لا تحرير الدلائل. وأما الترتيب بين الفوائت فلما رواه أحمد وغيره من أنه عليه الصلاة

[ 142 ]

والسلام شغل عن أربع صلوات يوم الخندق فقضاهن مرتبة وقال في حديث آخر صلوا كما رأيتموني أصلي فدل على الوجوب. قيد بالفائتة لان غير الفائتة لا يقضى ولهذا قال في الظهيرية والخلاصة: رجل يقضي صلوات عمره مع أنه لم يفته شئ منها احتياطا قال بعضهم يكره، وقال بعضهم لا يكره لانه أخذ بالاحتياط لكنه لا يقضي بعد صلاة الفجر ولا بعد صلاة العصر ويقرأ في الركعات كلها الفاتحة مع السورة ا ه‍. وقد قدمنا عن مآل الفتاوي أنه يصلي المغرب أربعا بثلا ث قعدات وكذا الوتر، وذكر في القنية قولين فيها وأن الاعادة أحسن إذا كان فيها اختلاف المجتهدين، وقد قدمنا أن الاعادة فعل مثله في وقته لخلل غير الفساد وعدم صحة الشروع، وظاهره أن بخروج الوقت لا إعادة ويتمكن الخلل فيها مع أن قولهم كل صلاة أديت مع الكراهة فسبيلها الاعادة وجوبا مطلق. وفي القنية ما يفيد التقييد بالوقت فإنه قال: إذا لم يتم ركوعه ولا سجوده يؤمر بالاعادة في الوقت لا بعده ثم رقم رقما آخر أن الاعادة أولى في الحالتين ا ه‍. فعلى القولين لا وجوب بعد الوقت. فالحاصل أن من ترك واجبا من واجباتها أو ارتكب مكروها تحريميا لزمه وجوبا أن يعيد في الوقت فإن خرج الوقت بلا إعادة أثم ولا يجب جبر النقصان بعد الوقت، فلو فعل

[ 143 ]

فهو أفضل ولهذا حمل صاحب القنية قولهم بكراهة قضاء صلاة عمره مرة ثانية على ما إذا لم يكن فيها شبهة الخلاف ولم تكن مؤداة على وجه الكراهة. وفي التجنيس وغيره: رجل فاتته صلاة من يوم واحد ولا يدري أي صلاة هي يعيد صلاة يوم وليلة لان صلاة يوم كانت واجبة بيقين فلا يخرج عن عهدة الواجب بالشك، وإذا شك في صلاة أنه صلاها أم لا، فإن كان في الوقت فعليه أن يعيد لان سبب الوجوب قائم وإنما لا يعمل هذا السبب بشرط الاداء قبله وفيه شك، وإن خرج الوقت ثم شك فلا شئ عليه لان سبب الوجوب قد فات. وإنما يجب القضاء بشرط عدم الاداء قبله وفيه شك، وإن شك في نقصان الصلاة أنه ترك ركعة فإن لم يفرغ من الصلاة فعليه إتمامها ويقعد في كل ركعة، وإن شك بعد ما فرغ وسلم لا شئ عليه لما قلنا ا ه‍. وذكر في الخلاصة في مسألة الشك في الصلاة هل صلاها أو لا وكان في الوقت لو كان الشك في صلاة العصر يقرأ في الركعة الاولى والثالثة ولا يقرأ في الثانية والرابعة ا ه‍. وكان وجهه أن التنفل بعد صلاة العصر مكروه فإن قرأ في الكل أو

[ 144 ]

في الاوليين كان متنفلا بالاربع أو بالاوليين على تقدير أنه صلى الفرض أو لا. وإذا ترك القراءة في ركعة من كل شفع تمحض للفرض على تقدير أنه لم يصل أو للفساد على تقدير أنه صلى الفرض أو لا فلم يكن متنفلا على كل تقدير لكن مقتضاه أن يقول يقرأ في كل شفع من الشفعين في ركعة ويترك القراءة في ركعة من كل شفع من غير تعيين الاولى والثانية للقراءة لان القراءة في الفرض في ركعتين غير عين كما سبق تقريره. وقد يقال: إن التنفل المكروه هو القصدي وهذا ليس كذلك فلا يكون مكروها كما لا يخفى، فيقرأ في الاوليين أو في الكل. وفي الحاوي القدسي: لو شك في إتمام صلاته فأخبره عدلان أنك لا تتم أعاد وبقول الواحد لا تجب الاعادة ا ه‍. وفيه بحث لان خبر الواحد العدل مقبول في الديانات اللهم إلا أن يقال: إن فيه إلزاما من كل وجه فشابه حقوق العباد. وقيده في المحيط بالامام وعلله بأنها شهادة لان حكمه يلزم الغير دون المخبر وشهادة الفرد لا تقبل ا ه‍. فيفيد أنه لو لم يكن إماما فقول الواحد مقبوفإطلاق الحاوي ليس بالحاوي. وفي الحاوي أيضا: لو تذكر أنه ترك القراءة في ركعة من صلاة يوم وليلة قضى الفجر والوتر ا ه‍. ووجهه أن ترك القراءة في ركعة واحدة لا يبطلها في سائر الصلوات إلا الفجر والوتر، وينبغي تقييده بأن لا يكون مسافرا، أما لو كان مسافرا فينبغي أن يعيد صلاة يوم وليلة كما لا يخفى. وفي المحيط: رجل صلى شهرا ثم تذكر أنه ترك عشر سجدات من هذه الصلوات يقضي صلوا ت عشرة أيام لجواز أنه ترك كل سجدة في يوم ا ه‍. وتوضيحه أن العشر سجدات تجعل مفرقة على عشر صلوات احتياطا فصار كأنه ترك صلاة من صلوات كل يوم وإذا ترك صلاة ولم يدر تعينها يقضي صلاة يوم كامل فلزمه قضاء عشرة الايام. وفي القنية: صبي بلغ وقت الفجر ولم يصل الفجر وصلى الظهر مع تذكره يجوز ولا يجب الترتيب بهذا القدر ا ه‍. وهو إن صح يكون مخصصا للمتون وفي صحته نظر عندي لانه بالبلوغ صار مكلفا اللهم إلا أن يكون جاهلا به فيعذر لقرب عهده من زمن الصبا. قوله: (ويسقط بضيق الوقت) أي يسقط الترتيب المستحق بضيق وقت المكتوبة لانه وقت للوقتين بالكتاب ووقت للفائتة بخبر الواحد وهو قوله عليه الصلاة والسلام من نام عن

[ 145 ]

صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها (1) والكتاب مقدم على خبر الواحد فلو قدم الفائتة في هذه الحالة ولم يكن وقت كراهة فهي صحيحة لان النهي عن تقديمها لمعنى في غيرها وهو لزوم تفويت الوقتية وهو لا يعدم المشروعية. واختلف في المراد بالنهي هنا فقيل نهى الشارح لان الامر بالشئ نهي عن ضده، وقيل نهي الاجماع لاجماعهم على أنه لا يقدم الفائتة وهو الاصح. كذا في المعراج. وإنما قلنا صحيحة ولم نقل جائزة لان هذا الفعل حرام كما لو اشتغل بالنافلة عند ضيق الوقت يحكم بصحتها مع الاثم، وتفسير ضيق الوقت أن يكون الباقي منه لا يسعهما معا عند الشروع في نفس الامر لا بحسب ظنه حتى لو ظن ضيقه فصلى الوقتية فلما فرغ ظهر أن فيه سعة بطل ما أداه. وفي المجتبي: ومن عليه العشاء فظن ضيق وقت الفجر فصلاها وفي الوقت سعة يكررها إلى أن تطلع الشمس وفرضه ما يلي الطلوع وما قبله تطوع، ولو كان فيه سعة عند الشروع فشرع في الوقتية وأطال القراءة فلما فرغ ضاق الوقت بطل ما أداه. واختلفوا فيما إذا كان الباقي منه يسع بعض الفوائت فقط، فظاهر كلامهم ترجيح أنه لا تجوز الوقتية ما لم يقض ذلك البعض. وفي المجتبى خلافه فإنه قال: ولو فاتته أربع والوقت لا يسع إلا الفائتتين والوقتية فالاصح أنه تجوز الوقتية ا ه‍. وظاهر كلام المصنف اعتبار أصل الوقت في الضيق لا الوقت المستحب، ولم يذكر في ظاهر الرواية ولذا وقع الاختلاف فيه بين المشايخ، ونسب الطحاوي الاول إلى أبي حنيفة وأبي يوسف، والثاني إلى محمد كما في الذخيرة، وثمرته تظهر فيما لو تذكر في وقت العصر أنه لم يصل الظهر وعلم أنه لو اشتغل بالظهر يقع قبل التغير ويقل العصر أو بعضها فيه، فعلى الاول يصلي الظهر ثم العصر، وعلى الثاني يصلي العصر ثم الظهر بعد الغروب. واختار الاول قاضيخان في شرح الجامع الصغير وذكره بصيغة عندنا. وفي المبسوط: وأكثر مشايخنا على أنه يلزمه مراعاة الترتيب هاهنا عند علمائنا الثلاثة، وصحح في المحيط الثاني فقال: والاصح أنه يسقط الترتيب لما فيه من تغيير حكم الكتاب وهو نقصان الوقتية بخبر الواحد وذلك لا يجوز ا ه‍. فعلى هذا المراد يسقط بضيق الوقت المستحب ورجحه في الظهيرية بما في المنتقى من أنه إذا افتتح العصر في أول وقتها وهو ناس للظهر ثم احمرت

[ 146 ]

الشمس ثم ذكر الظهر مضى في العصر قال: فهذا نص على أن العبرة للوقت المستحب ا ه‍. فحينئذ انقطع اختلاف المشايخ لان المسألة حيث لم تذكر في ظاهر الرواية وثبتت في رواية أخرى تعين المصير إليها. وفي المجتبى: إن لم يمكنه أداء الوقتية إلا مع التخفيف في قصر القراءة والافعال فيرتب ويقتصر على أقل ما تجوز به الصلاة. قوله: (والنسيان) أي ويسقط الترتيب بالنسيان وهو عدم تذكر الشئ وقت حاجته وهو عذر سماوي مسقط للتكليف لانه ليس في وسعه، ولان الوقت وقت للفائتة بالتذكر وما لم يتذكر لا يكون وقتا لها. ومما ألحق بالنسيان الظن فليس مسقطا رابعا كما قد يتوهم فهو قسمان: معتبر وغير معتبر. واختلفت عباراتهم فيه ففي كشف الاسرار شرح أصول فخر الاسلام أن الظن إنما يكون معتبرا إذا كان الرجل مجتهدا قد ظهر عنده أن مراعاة الترتيب

[ 147 ]

ليست بفرض فهو دليل شرعي كالنسيان، وأما إذا كان الرجل مجتهدا قد ظهر عنده أن مراعاة الترتيب ليست بفرض فهو دليل شرعي كالنسيان، فأما إذا كان ذاكرا وهو غير مجتهد فمجرد ظنه ليس بدليل شرعي فلا يعتبر ا ه‍. فجعل المعتبر ظن المجتهد لا غيره، وذكر شارحو الهداية كصاحب النهاية وفتح القدير أن فساد الصلاة إن كان قويا كعدم الطهارة استتبع الصلاة التي بعده، وإن كان ضعيفا كعدم الترتيب لا يستتبع وفرعوا على ذلك فرعين: أحدهما لو صلى الظهر بغير طهارة ثم صلى العصر ذاكرا لها وجب عليه إعادة العصر لان فساد الظهر قوي لعدم الطهارة فأوجب فساد العصر وإن ظن عدم وجوب الترتيب. ثانيهما لو صلى هذه الظهر بعد هذه العصر ولم يعد العصر حتصلى المغرب ذاكرا لها فالمغرب صحيحة إذا ظن عدم وجوب الترتيب لان فساد العصر ضعيف لقول بعض الائمة بعدمه فلا يستتبع فساد المغرب. وذكر الامام الاسبيجابي له أصلا فقال: إذا صلى وهو ذاكر للفائتة وهو يرى أنه يجزئه فإنه ينظر إن كانت الفائتة وجب إعادتها بالاجماع أعاد التي صلى وهو ذاكر لها، وإن كان عليه الاعادة عندنا. وفي قول بعض العلماء ليس عليه وهو يرى أن ذلك يجزئه فلا إعادة عليه وذكر الفرعين المذكورين. وعلل في شرح المجمع للمصنف للفرع الثاني بأن المانع من الجواز كون الفائتة متروكة بيقين فلم يتناولها النص المقتضى لمراعاة الترتيب لاختصاصه بالمتروك بيقين، والحق أن المجتهد لا كلام فيه أصلا وإن ظنه معتبر مطلقا، سواء كانت تلك الفائتة وجب إعادتها بالاجماع أو لا، إذ لا يلزمه اجتهاد أبي حنيفة ولا غيره وإن كان مقلدا فإن كان مقلدا لابي حنيفة فلا عبرة برأيه المخالف لمذهب إمامه

[ 148 ]

فيلزمه إعادة المغرب أيضا، وإن كان مقلدا للشافعي فلا يلزمه إعادة العصر أيضا، وإن كان عاميا ليس له مذهب معين فمذهبه فتوى مفتيه كما صرحوا به، فإن أفتاه حنفي أعاد العصر والمغرب، وإن أفتاه شافعي فلا يعيدهما ولا عبرة برأيه، وإن لم يستفت أحدا وصادف الصحة على مذهب مجتهد أجزأه ولا إعادة عليه، ويدل عليه ما ذكره في الخلاصة معزيا إلى الفتاوي الصغرى: رجل يرى التيمم إلى الرسغ والوتر ركعة ثم رأى التيمم إلى المرفق والوتر ثلاثا لا يعيدما صلى، وإن فعل عن جهل من غير أن يسأل أحدا ثم سأل فأمر بالثلاث يعيد ما صلشفعوي المذهب إذا صار حنفيا وقد فاتته صلوات في وقت كان شفعويا، ثم أراد أن يقضيها في الوقت الذي صار حنفيا

[ 149 ]

يقضي على مذهب أبي حنيفة ا ه‍. وفي المجتبى: من جهل فرضية الترتيب لا يجب عليه كالناسي وهو قول جماعة من أئمة بلخ. وفي القدوري الكبير: ترك الظهر وصلى العصر ذاكرا حتى فسد ثم قضى الظهر وصلى المغرب قبل إعادة العصر صح مغربه، ولو علم أن عليه إعادة العصر لم تجز مغربه، ولم يفصل في الاصل بين ما إذا كان عالما أو جاهلا. قال رحمه الله: وهذا معنى قولهم الفاسد لا يوجب الترتيب. هذا ما ظهر للعبد الضعيف، هذا وقد ذكر في المحيط معزيا إلى النوادر: لو صلى الظهر على ظن أنه متوضئ ثم توضأ وصلى العصر ثم تبين يعيد الظهر خاصة لانه بمنزلة الناسي في حق الظهر فلم يلزمه مراعاة الترتيب ا ه‍. وليس بمخالف لما قدمناه عنهم لان فيما قدمناه كان وقت العصر ذاكرا أنه صلى الظهر بغير طهارة، وفي مسألة النوادر التذكر حصل بعد أداء العصر. قوله (وصيرورتها ستا) أي ويسقط الترتيب بصيرورة الفوائت ست صلوات لدخولها في حد الكثرة المفضية للحرج لو قلنا بوجوبه والكثرة بالدخول في حد التكرار وهو أن تكون الفوائت ستا وهو الصحيح، وبه اندفع ما روي عن محمد أن المعتبر دخول السادسة، واندفع ما في السراج الوهاج وغاية البييان وكثير أن المعتبر دخول وقت السابعة لتصير الفوائت ستا إذ لا يتوقف صيرورتها ستا على دخول السابعة كما لو ترك صلاة يوم كامل وفجر اليوم الثاني فإن الفوائت صارت ستة بطلوع الشمس في اليوم الثاني ولم يدخل وقت السابعة، وقد يقال لما كان فائدة السقوط صحة الوقتية وهي لا تكون إلا بدخول وقت السابعة اعتبر وقت السابعة. وجوابه أن فائدة السقوط لم تنحصر فيما ذكر لانه بدخول وقت السابعة لا يجب عليه الترتيب فيما بين الفوائت أيضا كما سيأتي، وعبارة المصنف أولى من عبارة الهداية والقدورى حيث قالا: إلا أن نزيد الفوائت على ست صلوات استثناء من قوله رتبها في القضاء لما يلزم من ظاهرها من كون الفوائت سبعا على ما في فتح القدير، أو تسعا على ما في النهاية. وإن أجاب عنه في غاية البيان بأن المراد بالفوائت الاوقات مجازا للاشتباه مع ما قدمناه من عدم اشتراط دخول وقت السابعة. وصرح في المحيط بأن ظاهر الرواية أن الترتييب يسقط بصيرورة الفوائت ستا موفقا لما في المختصر

[ 150 ]

وصححه في الكافي، وبه اندفع ما صححه الشارح الزيلعي من أن المعتبر في سقوط الترتيب أن تبلغ الاقات المتخللة منذ فاتته ستة أوقات وإن أدما بعدها في أوقاتها، ولهذا ذكر في الفتاوى الظهيرية: لو تذكر فائتة بعد شهر تجوز الوقتية مع تذكر الفائتة إلا إذا كانت الفوائت ستا. وقال الصدر الشهيد حسام الدين في واقعاته: إنه يجوز أه‍. وفي التجنيس: إن الجواز مختار الطحاوي والفقيه أبي الليث وبه نأخذ لان المتخلل بينهما أكثر من ست صلوات اه‍. وفي الولواجية: وهو المختار عند المشايخ وهو موافق لتصحيح الشارح. وحاصله أنهم اختلفوا هل المعتبر صيرورة الفوائت ستا في نفسها لو كانت متفرقة أو كون الاوقات المتخللة ستا، وثمرته تظهر فيما ذكرنا من الفروع. والظاهر اعتماد ما وافق المتون من اعتبار صيرورة الفوائت ستا حقيقة، وما ذكره الشارح الزيلعي ثمرة للخلاف المذكور من أنه لو ترك ثلاث صلوات مثلا الظهر من يوم والعصر من يوم والمغرب من يوم ولا يدري أيتها أولى، فعلى اعتبار الاوقات سقط الترتيب لان المتخلل بين الفوائت كثيرة فيصلي ثلاثا فقط، وعلى اعتبار الفوائت في نفسها لا يسقط فيصلي سبع صلوات والاول أصح اه‍. فغير صحيح لوجهين: الاول أنه لا يتصور على قول أبي حنيفة كون المتخللات ست فوائت لان مذهبه أن الوقتية المؤداة مع تذكر الفائتة تفسد فسادا موقوفا إلى أن يصلي

[ 151 ]

كمال خمس وقتيات، فإن لم يعد شيئا منها حتى دخل وقت السادس صارت كلها صحيحة كما سيأتي. فقوله وقيل يعتبر أن تبلغ الفوائت ستا ولو كانت متفرقة غير متصور على قوله فلا يبنى عليه شئ. الثاني أن اختلاف المشايخ في لزوم السبع أو الثلاث ليس مبنيا على ما ذكر وإنما هو مبني على أن العبرة في سقوط الترتيب لتحقق فوت الست حقيقة أو معنى، فمن أوجب السبع نظر إلى الاول لانه لم يفته إلا ثلاث فلم يسقط الترتيب فيعيد ما صلى أولا، ومن اقتصر على الثلاث نظر إلى الثاني لان بإيجاب السبع بإيجاب الترتيب تصير الفوائت كسبع معنى، فإذا كان الترتيب يسقط بست فأولى أن يسقط بسبع. فالحاصل أنا لو قلنا بوجوب الترتيب للزمه قضاء سبع وهي كسبع فوائت فلذا أسقطنا الترتيب، وقول من أسقطه أوجه لان المعنى الذي لاجله سقط الترتيب بالست وهو الدخول في حد الكثرة المقتضية للحرج موجود في إيجاب سبع بعينه، واقتصر عليه في التجنيس من غير حكاية خلاف ثم ذكر بعده الخلاف وقال: إن السقوط هو مختارنا وغيره لا يعتمد عليه. وذكر الولوالجي أن من أوجب الترتيب فيه لا اعتماد عليه لانه قد زاد على يوم وليلة فلا يبقى الترتيب واجبا اه‍. وصححه في الحقائق معللا بأن إعادة ثلاث صلوات في وقت الوقتية لاجل الترتيب مستقيم، أما إيجاب سبع صلوات في وقت واحد لا يستقيم لتضمنه تفويت الوقتية اه‍. يعني أنه مظنة تفويت الوقتية. فالحاصل أنه لا يلزمه إلا قضاء ما تركه من غير إعادة شئ على المذهب الصحيح إذا كانت الفوائت ثلاثا أو أكثر فيلزمه قضاء ثلاث في الفرع المذكور، ولو ترك مع ذلك عشاء من يوم آخر لزمه أربع، ولو ترك صبحا آخر لزمه خمس ولا يعيد شيئا مما صلاه وعلى القول الضعيف، ففي المسألة الاولى يصلي سبعا لانه إما أن يصلي ظهرا بين عصرين أو عصرا بين ظهرين لاحتمال أن يكون ما صلاه أولا هو الآخر فيعيده ثم يصلي المغرب ثم يعيد ما صلاه أولا لاحتمال كون المغرب أولا، وفي المسألة الثانية يقضي خمس عشرة صلاة السبعة الاولى كما ذكرنا ثم يصلي بعدها العشاء ثم يعيد السبعة الاولى لاحتمال أن تكون العشاء هي الاولى، وفي المسألة الثالثة يقضي إحدى وثلاثين صلاة الخمسة عشر الاولى ثم يصلي الفجر ثم يعيد

[ 152 ]

الخمسة عشر لاحتمال أن يكون الفجر هي الاولى. وإنما قيدنا بكون الفائت ثلاثة فأكثر لانه لو فاتته صلاتان الظهر من يوم والعصر من يوم ولا يدري الاول فعند أبي حنيفة يلزمه قضاء ثلاث صلوات وهو إما ظهر بين عصرين أو عصر بين ظهرين لان المتروك أولا إن كان هو المؤدى أولا فالاخير نفل وإلا فالاول نفل. وقالا: لا يلزمه إلا صلاتان إلحاقا له بالناسي فيسقط الترتيب. وأبو حنيفة ألحقه بناسي التعيين وهو من فاته صلاة لم يدر ما هي ولم يقع تحريه على شي يعيد صلاة يوم وليلة بجامع تحقق طريق يخرج بها عن العهدة بيقين فيجب سلوكها، وهذا الوجه يصرح بإيجاب الترتيب في القضاء عنده فيجب الطريق التي يعينها إلا كما قيل إنه مستحب عندهم فلا خلاف بينهم. وفي فتاوى قاضيخان أن الفتوى على قولهما كأنه تخفيفا على الناس لكسلهم وإلا فدليلهما لا يترجح على دليله، وقد ذكر في آخر الحاوي القدسي أنه إذا اختلف أبو حنيفة وصاحباه فالاصح أن الاعتبار لقوة الدليل. فالحاصل أن الاصح المفتى به أنه لا يلزمه القضاء إلا بقدر ما ترك، سواء كان المتروك صلاتين أو أكثر، وقد أفاد كلام المصنف أن الفوائت إذا كثرت سقط الترتيب فيما بين الفوائت نفسها كما سقط بينها وبين الوقتية، وقد صرح به في الهداية وجزم به في المحيط، وعلله في غاية البيان بأن الكثرة إذا كانت مسقطة للترتيب في غيرها كانت مسقطة له في نفسها بالطريق الاولى لان العلة إذا كان لها أثر في غير محلها فلان يكون لها أثر في محلها أولى اه‍. ونص الزاهدي على أنه الاصح وبهذا اندفع ما في الظهيرية والخانية من أن الفوائت لو كثرت وأراد أن يقضيها فإنه يراعي الترتيب في القضاء، وتفسير ذلك أنه إذا قضى فائتة ثم فائتة فإن كان بين الاولى والثانية فوائت ست يجوز له قضاء الثانية، وإن كانت أقل من ست لا يجوز قضاء الثانية ما لم يقض ما قبلها. وقيل في الفوائت إذا كثرت سقط الترتيب حتى لو قضى ثلاثين فجرا ثم قضى ثلاثين ظهرا ثم قضى ثلاثين عصرا جاز اه‍. وأفاد كلامه أيضا أنه لا فرق بين الفوائت القديمة والحديثة حتى لو ترك صلاة شهر فسقا ثم أقبل على الصلاة ثم ترك فائتة حادثة فإن الوقتية جائزة مع تذكر الفائتة الحادثة لانضمامها إلى الفوائت القديمة وهي كثيرة فلم يجب الترتيب، ولان بالحديثة ازدادت الكثرة فيتأكد السقوط، ولانه لو اشتغل بهذه الفائتة لكان ترجيحا بلا مرجح، ولو اشتغل بالكل تفوت الوقتية فتعين ما ذكرنا. وقال بعضهم: إن المسقط الفوائت الحديثة، وأما القديمة فلا تسقط ويجعل الماضي كأن لم يكن زجرا له عن التهاون بالصلوات فلا تجوز الوقتية مع تذكرها وصححه في معراج الدراية معزيا إلى المحيط للصدر الشهيد، وفي التجنيس وعليه الفتوى، وذكر في المجتبى أن الاول أصح، وفي الكافي والمعراج وعليه الفتوى فقد اختلف

[ 153 ]

التصحيح والفتوى كما رأيت والعمل بما وافق إطلاق المتون أولى خصوصا أن على القول الثاني يؤدي إلى التهاون لا إلى زجره عنه، فإن من اعتاد تفويت الصلوات لو أفتى بعدم الجواز يفوت أخرى ثم وثم حتى تبلغ الحديثة حد الكثرة كما في الكافي. قوله (ولم يعد بعودها إلى القلة) أي لم يعد وجوب الترتيب بعود الفوائت إلى القلة بسبب القضاء بعد سقوطه بكثرتها كما إذا ترك رجل صلاة شهر مثلا ثم قضاها إلا صلاة ثم صلى الوقتية ذاكرا لها فإنها صحيحة لان الساقط قد تلاشى فلا يحتمل العود كالماء القليل إذا تنجس فدخل عليه الماء الجاري حتى كثر وسال ثم عاد إلى القلة لا يعود نجسا. واختاره الامام السرخسي والامام البزدوي حيث قالا: ومتى سقط الترتيب لم يعد في أصح الروايتين. وصححه أيضا في الكافي والمحيط، وفي معراج الدراية وغيره وعليه الفتوى. وقيل يعود الترتيب وليس هو من قبيل عود الساقط بل من قبيل زوال المانع كحق الحضانة إذا ثبت للام ثم تزوجت ثم ارتفعت الزوجية فإنه يعود لها. واختاره في الهداية قال: إنه الاظهر مستدلا بما روي عن محمد فيمن ترك صلاة يوم وليلة وجعل يقضي من الغد مع كل وقتية فائتة فالفوائت جائزة على كل حال والوقتيات فاسدة إن قدمها لدخول الفوائت في حد القلة وإن أخرها فكذلك إلا العشاء الاخيرة لانه لا فائتة عليه في ظنه حال أدائها اه‍. ورده في الكافي والتبيين بأنه لا دلالة فيه لان الترتيب لو سقط لجازت الوقتية التي بدأ بها ولان الترتيب إنما يسقط بخروج وقت السادسة ولم يخرج هنا ولا يمكن حمله على ما روي عن محمد أن الترتيب يسقط بدخول وقت السادسة لان حكمه بفساد الوقتية التي بدأ بها يمنع من ذلك إذ لو كان مراده على تلك الرواية لما فسدت التي بدأ بها أول مرة لسقوط الترتيب عنده. وذكره في فتح القدير وارتضاه ورده الشيخ قاسم في حاشيته على الزيلعي بأنه مبني على ما روي عن محمد فقد نص جماعة من محققي المشايخ على أن من أصل محمد أنه إذا دخل وقت السادسة سقط الترتيب إلا أن سقوطه يتقرر بخروج وقت السادسة فإذا أدى وقتية توقف جوازها على قضاء الفائتة وعدمه، فإذا قضى دخلت الفوائت في حد القلة فبطلت الوقتية لانها أديت عند ذكر الفائتة ولذا صرح في رواية ابن سماعه عن محمد في تعليل ذلك بقوله لانه كلما فائتة عادت الفوائت أربعا وفسدت الوقتية إلا العشاء فإنه صلاها. وعنده أن جميع ما

[ 154 ]

عليه قد قضاه فأشبه الناسي اه‍. وما أجيب به في المعراج من أن المسألة مفروضة فيمن مد الوقتية التي شرع فيها إلى آخر الوقت ثم قضى الفائتة بعد خروج الوقت، ولا بد أن يكون الشروع في سعة الوقت إذلو كان عند الضيق لكانت الوقتية صحيحة رد بقوله في الكتاب صلى مع كل فائتة وقتية ومع للقرآن. وذكر في فتح القدير: ولا يخفى أن إبطال الدليل المعين لا يستلزم بطلان المدلول فكيف بالاستشها. وحاصله بطلان أن يكون ذلك نصا عن محمد في المسألة فليكن كذلك فهو غير منصوص عليه من المتقدمين لكن الوجه يساعده بجعله من قبيل انتهاء الحكم بانتهاء علته، وذلك أن سقوط الترتيب كان بعلة الكثرة المفضية إلى الحرج أو أنها مظنة تفويب الوقتية، فلما قلت زالت العلة فعاد الحكم الذي كان قبل كحق الحضانة اه‍. وفيه نظر لانا قد نقلنا عن الامامين السرخسي والبزدوي كما في غاية البيان أنه متى سقط الترتيب لم يعد في أصح الروايتين. وفي المحيط: لم يعد في أصح الروايات فكيف يقال إنه غير منصوص عليه من المتقدمين وهو أصح الروايات عن المتقدمين إذا الروايات إنما هي منسوبة إليهم لا إلى المشايخ، وليس هو من قبيل زوال المانع في التحقيق لان المقتضى

[ 155 ]

للترتيب مع كثرة الفوائت ليس بموجود أصلا ولذا اتفقت كلمتهم متونا وشروحا على أن الترتيب يسقط بثلاثة أشياء، فصرح الكل بالسقوط والساقط لا يعود اتفاقا بخلاف حق الحضانة فإن المقتضى لها موجود مع التزوج لانه القرابة المحرمية مع صغر الولد وقد منع التزوج من عمل المقتضى، فإذا زال التزوج زال المانع فعمل المقتضى عمله، فالفارق بين البابين وجود المقتضى وعدمه، ولذا كان الاصح في مسألة المني إذا فرك من الثوب ثم أصابه ماء وأخواتها عدم عود النجاسة كما ذكرنا. ولو قال المصنف ولم يعد بزوالها ليكون الضمير راجعا إلى الثلاثة أعني ضيق الوقت والنسيان وصيرورتها ستا لكان أولى لان الحكم كذلك فيها. قال في المجتبي: ولو سقط الترتيب لضيق الوقت ثم خرج الوقت لا يعود على الاصح حتى لو خرج في خلال الوقتية لا تفسد على الاصح وهو مؤد على الاصح لا قاض، واقتداء المسافر بعد غروب الشمس في العصر بمقيم شرع فيه في الوقت لا يصح، وك‍ ذا لو سقط مع النسيان ثم تذكر لا يعود. ولو نسي الظهر وافتتح العصر ثم ذكره عند احمرار الشمس يمضي لضيق الوقت، وكذا لو غربت، وكذا لو افتتحها عند الاصفرار ذاكرا ثم غربت اه‍. وقوله واقتداء المسافر ينتجه كونه مؤديا كما لا يخفى. والذي ظهر للعبد الضعيف أن ما ذكره في المجتبي من عدم عوده بالتذكر خطأ لان كلمتهم اتفقت عند ذكر المسائل الاثني عشرية السابقة أنه لو تذكر فائتة وهو يصلي فإن كان قبل القعود قدر التشهد بطلت صلاته اتفاقا، وإن كان بعد القعود بطلت عنده، وعندهما لا تبطل. فقد حكموا بعوده بالتذكر ولهذا قال في معراج الدراية والنهاية: إنه لو سقط بالنسيان وضيق الوقت فإنه يعود بالتذكر وسعة الوقت بالاتفاق اه‍. ولذا والله أعلم اقتصر في المختصر على عدم العود بقلة الفوائت وإن حمل ما في المجتبي على تذكره بعد الفراغ من الصلاة فيكون محل الخلاف الترتيب بين الفائتة والوقتية في المستقبل لا فيما صلاه

[ 156 ]

حالة النسيان وتذكر قبل الفراغ فبعيد مخالف لسياق كلامه في ضيق الوقت لتصريحه فيه بعدم العود. ولو خرج في خلاله بقي ههنا كلام وهو أنه بعد أن حكم باستحقاق الترتيب بين الفائتة والوقتية وبين الفوائت حكم بسقوطه بثلاثة أشياء فشمل النوعين، وقد قدمنا أن سقوطه بكثرة الفوائت يشمل النوعين، وأما بالنسيان فالظاهر شموله لهما، وأما بضيق الوقت فهو خاص بالترتيب بين الفائتة والوقتية، وأما الترتيب فيما بين الفوائت فلا يسقط به حتى لو قدم المتأخرة من الفوائت عند ضيق الوقت لا يجوز لانه ليس بمسقط حقيقة، وإنما قدمت الوقتية عند العجز عن الجمع بينهما لقوتها مع بقاء الترتيب كما ذكره الشارح. قوله (فلو صلى فرضا ذاكرا فائتة ولو وترا فسد فرضه موقوفا) أي فساد هذا الفرض موقوف على قضاء الفائتة قبل أن تصير الفوائت كثيرة مع الفائتة فإن قضاها قبله فسد هذا الفرض وما صلاه بعده متذكرا، وإن لم يقضها حتى صارت الفوائت مع الفائتة ست صلوات فما صلاه متذكرا لها صحيح. قال في المبسوط: هذه المسألة هي التي يقال واحدة تصحح خمسا وواحدة تفسد خمسا فالواحدة المصححة للخمس هي السادسة قبل قضاء المتروكة، والواحدة المفسدة للخمس هي المتروكة تقضى قبل السادسة اه‍. وهذا عند أبي حنيفة، وعندهما الفساد متحتم لا يزول وهو القياس لان سقوط الترتيب حكم والكثرة علة له فإنما يثبت الحكم إذا ثبتت العلة في حق ما بعدها فأما فحق نفسها فلا. وهذا لان العلة ما تحل بالمحل فيتغير لحلوله المحل فلا يجوز أن يكون نفس العلة محلا للعلة للاستحالة. ولابي حنيفة أن الحكم مع العلة يقترنان لما عرف في الاصول والكثرة صفة هذا المجموع وحكمها سقوط الترتيب فإذا ثبت صفة الكثرة بوجود الاخيرة استندت الصفة إلى أولها بحكمها فيجوز

[ 157 ]

الكل كمرض الموت لما ثبت له هذا الوصف استند إليه بحكمه، ولهذا لو أعادها بلا ترتيب جازت عندهما أيضا، وهذا لان المانع من الجواز قلتها وقد زالت فيزول المنع. وفي العناية: لا يقال كل واحدة من آحادها جزؤها متقدمة عليها فكيف يكون معلولا لها لانها جزؤها من حيث الوجود ولا كلام فيه وإنما الكلام من حيث الجواز وذلك متأخر لانه لم يكن ثابتا لكل واحدة منها قبل الكثرة ولا يمتنع أن يتوقف حكم على أمر حتى يتبين حاله كتعجيل الزكاة إلى الفقير يتوقف كونها فرضا على تمام الحول والنصاب نام، فإن تم على نمائه كان فرضا وإلا نفل. وكون المغرب في طريق مزدلفة فرضا على عدم إعادتها قبل الفجر فإن أعادها كانت نفلا. والظهر يوم الجمعة على عدم شهودها فإن شهدها إ كانت نفلا. وصحة صلاة المعذور إذا انقطع العذر فيها على عوده في الوقت الثاني فإن لم يعد فسدت وإلا صحت. وكون الزائد على العادة حيضا على عدم مجاوزة العشرة فإن جاوزت فاستحاضة وإلا حيض. وصحة الصلاة التي صلتها صاحبة العادة فيما إذا انقطع دمها دون العادة فاغتسلت وصلت على عدم العود فإن عادت ففاسدة وإلا فصحيحة. ثم اعلم أن المذكور في الهداية وشروحها كالنهاية والعناية وغاية البيان، وكذا في الكافي والتبيين وأكثر الكتب أن انقلاب الكل جائزا موقوف على أداء ست صلوات. وعبارة الهداية: ثم العصر تفسد فسادا موقوفا حتى لو صلى ست صلوات ولم يعد الظهر انقلب الكل جائزا. والصواب أن يقال: حتى لو صلى خمس صلوات وخرج وقت الخامسة من غير قضاء الفائتة انقلب الكل جائزا لان الكثرة المسقطة بصيرورة الفوائت ستا فإذا صلى خمسا وخرج وقت الخامسة صارت الصلوات ستا بالفائتة المتروكة أولا، وعلى ما صوره يقتضي أن تصير

[ 158 ]

الصلوات سبعا وليس بصحيح. وقد ذكره في فتح القدير بحثا ثم أطلعني الله عليه بفضله منقولا في المجتبى وعبارته: ثم اعلم أن فساد الصلاة بترك الترتيب موقوف عند أبي حنيفة، فإن كثرت وصارت الفواسد مع الفائتة ستا ظهر صحتها وإلا فلا اه‍. ولقد أحسن رحمه الله وأجاد هنا كما هو دأبه في التحقيق ونقل الغرائب وعلى هذا، فقول صاحب المبسوط أن الواحدة المصححة للخمس هي السادسة قبل قضاء المتروكة غير صحيح لان المصحح للخمس خروج وقت الخامسة كما علمت. وأطلق المصنف التوقف فشمل ما إذا ظن وجوب الترتيب أو ظن عدمه وتعليلهم أيضا يرشد إليه فما في شرح المجمع المصنف معزيا إلى المحيط أن عدم وجوب الاعادة عنده إذا لم يعلم من فاتته الصلاة وجوب الترتيب وفساد صلاته بدونه، أما إذا علم فعليه إعادة الكل اتفاقا لان العبد مكلف بما عنده ضعيف. وعلله في فتح القدير بأن التعليل المذكور يقطع بإطلاق الجواب ظن عدم الوجوب أولا وقيد بفساد الفرضية لانه لا يبطل أصل الصلاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد يبطل لان التحريمة عقدت للفرض فإذا بطلت الفرضية بطلت التحريمة أصلا، ولهما أنها عقدت لاصل الصلاة بوصف الفرضية فلم يكن من ضرورة بطلان الوصف بطلان الاصل. كذا في الهداية، وفائدته تظهر في انتقاض الطهارة بالقهقهة. كذا في الغاية. وأطلق في التذكر ولم يقيده بالعلم لما في الولوالجية: رجل دخل في صلاة الظهر ثم شك

[ 159 ]

في صلاة الفجر أنه صلاها أم لا، فلما فرغ من صلاته تيقن أنه لم يصل الفجر يصلي الفجر ثم يعيد الظهر لانه لما تحقق ظنه صار كأنه في الابتداء متيقن كالمسافر إذا تيمم وصلى ثم رأى سرابا في صلاته ثم ظهر بعد فراغه من الصلاة أنه كان ماء يتوضأ ويعيد الصلاة كذا ههنا اه‍. وفي المحيط: رجل لم يصل الفجر وصلى بعدها أربع صلوات من يوم شهرا قيل لا تجزئه الصلوات الاربعة في اليوم الاول وتجزئه في اليوم الثاني لسقوط الترتيب عنه لكثرة الفوائت، ولا تجزئه في اليوم الثالث لكثرة الترتيب، وهكذا يجري فمن كل عشرة صلوات ستة صلوات فاسدة وأربعة منها جائزة. وكذا لو صلى الفجر شهرا ولم يصل سائر الصلوات يجزئه خمس عشرة صلاة من الفجر لا يجزئه غيرها. وقيل: إنه يجزئه الصلوات الاربعة في كل يوم إلا في اليوم الاول ويجزئه كل فجر إلا الفجر في اليوم الثاني لانه صلى الفجر الثاني وعليه أربع صلوا ت فلم يجزه لقلة الفوائت، وبعد ذلك كثرت الفوائت فسقط الترتيب والترتيب متسقط لا يعود اه‍. واقتصر على القول الاول في التجنيس وقال: إنه يؤيد قول من لا يعتبر الفوائت القديمة في إسقاط الترتيب، وقد أجاب الامام حسام الدين في نظيره في الفصل الذي قبله بخلاف هذا اه‍. فالمفتي به هو القول الثاني كما لا يخفى. وقوله ولو وترا بيان لقول أبي حنيفة لان عنده الوتر فرض عملي فوجب الترتيب بينه وبين الوقتية حتى لو صلى الفجر ذاكرا للوتر فسد فجره عنده موقوفا كما تقدم، وعندهما لا يفسد لان الوتر سنة ولا ترتيب بين الفرائض والسنن حتى لو تذكر فائتة في تطوعه لم يفسد تطوعه لانه عرف واجبا في الفرض بخلاف القياس فلا يلحق به غيره. تتمة: ترك الصلاة عمدا كسلا يضرب ويحبس حتى يصليها ولا يقتل وإذا جحد واستخف وجوبها يقتل. وفي الكافي: ومن قضى الفوائت ينوي أول ظهر لله عليه أو آخر ظهر لله عليه احتياطا ولو لم يقل الاول والآخر وقال نويت الظهر الفائتة جاز. وفي الخلاصة: غلام احتلم بعدما صلى العشاء ولم يستيقظ حتى طلع الفجر ليس عليه قضاء العشاء، والمختار أن عليه قضاء العشاء. وإذا استيقظ قبل الطلوع عليه قضاء العشاء بالاجماع

[ 160 ]

وهي واقعة محمد بن الحسن سألها أبا حنيفة فأجابه بما ذكرنا فأعاد العشاء. إذا فاتت صلاة عن وقتها ينبغي أن يقضيها في بيته ولا يقضيها في المسجد. إذا مات الرجل وعليه صلوات فائتة وأوصى بأن يعطى كفارة صلاته يعطى لكل صلاة نصف صاع من بر، وللوتر نصف صاع، ولصوم يوم نصف صاع وإنما يعطى من ثلث ماله، وإن لم يترك مالا تستقرض ورثته نصف صاع ويدفع إلى المسكين ثم يتصدق المسكين على بعض ورثته ثم يتصدق ثم وثم حتى يتم لكل صلاة ما ذكرنا، ولو قضاها ورثته بأمره لا يجوز وفي الحج يجوز اه‍. وفي الظهيرية اتفق المشايخ على تنفيذ هذه الوصية من ثلث ماله، واختلفوا هل يقوم الاطعام مقام الصلاة، قال محمد بن مقاتل ومحمد بن سملة: يقوم. وقال البلخي: لا يقوم. ولا رواية في سجدة التلاوة أنه يجب أولا. ولو أعطى فقيرا واحدا جملة جاز بخلاف كفارة اليمين، ولو أعطى عن

[ 161 ]

خمس صلوات تسعة أمناء فقيرا ومنا فقيرا آخر قال أبو بكر الاسكاف: يجوز ذلك كله. وقال أبو القاسم: وهو اختيار الفقيه أبي الليث يجوز عن أربع صلوات دون الخامسة لانه متفرق، ولا يجوز أن يعطى كل مسكين أقل من نصف صاع في كفارة اليمين فكذلك هذا. فالحاصل أن كفارة الصلاة تفارق كفارة اليمين في حق أنه لا يشترط فيها العدد وتوافقها من حيث إنه لو أدى أقل من نصف صاع إلى فقير واحد لا يجوز اه‍ والله أعلم. باب سجود السهو لما فرغ من ذكر الاداء والقضاء شرع في بيان ما يكون جابر النقصان يقع فيهما. كذا في العناية. والاولى أن يقال: لما فرغ من ذكر الصلاة نفلها وفرضها أداء وقضاء شرع فيما يكون جابرا لنقصان يقع فيها فإن سجود السهو في مطلق الصلاة ولا يختص بالفرائض. وهذه الاضافة من باب إضافة الحكم إلى السبب وهي الاصل في الاضافات لان الاضافة للاختصاص وأقوى وجوه الاختصاص اختصاص المسبب بالسبب. وذكر في التحرير أنه لا فرق في اللغة بين النسيان والسهو وهو عدم الاستحضار في وقت الحاجة. وفرق بينهما في السراج الوهاج بأن النسيان عزوب الشئ عن النفس بعد حضوره، والسهو قد يكون عما كان الانسان عالما به وعما لا يكون عالما به. وظاهر كلام الجم الغفير أنه لا يجب السجود في العمد وإنما تجب الاعادة إذا ترك واجبا عمدا جبرا لنقصانه. وذكر الولوالجي في فتاواه أن الواجب إذ تركه عمدا لا ينجبر بسجدتي السهو لانهما عرفتا جابرتين بالشرع والشرع ورد حالة السهو وجعلهما مثلا لهذا الفائت لا فوقه، لان الشئ لا يجبر بما فوقه والنقصان المتمكن بترك الواجب عامدا فوق النقصان المتمكن بتركه ساهيا، وهذا الجابر إذا كان مثلا للفائت سهوا كان أدون من الفائت عمدا والشئ لا يجبر بما هو دونه اه‍. وحاصله أن الملاءمة بين السبب والمسبب شرط والعمد جناية محضة والسجدة عبادة فلا تصلح سببا لها، وهذا بإطلاقه يفيد أنه لا فرق بين واجب وواجب. فما في المجتبى من أنه لا سجود في

[ 162 ]

تركه عمدا إلا في مسألتين ذكره فخر الاسلام البديعي إذا ترك القعدة الاولى عمدا أو شك في بعض أفعال صلاته فتفكر عمدا حتى شغله ذلك عن ركن قلت له: كيف يجب سجود السهو بالعمد؟ قال: ذلك سجود العذر لا سجود السهو اه‍. وما في الينابيع عن الناطفي: لا يجب سجود السهو في العمد إلا في موضعين: الا وتأخير إحدى سجدتي الركعة الاولى إلى آخر الصلاة، والثاني ترك القعدة الاولى اه‍ فتحصل أنها ثلاثة مواضع مشكل. ولعلهم نظروا إلى أن هذه الواجبات الثلاثة أدنى الواجبات فصلح أن يجيرها سجود السهو حالة العمد، أما القعدة الاولى فللاختلاف في وجوبها بل قد أطلق أكثر مشايخنا عليها اسم السنة كما قدمناه، وكذا الثاني والثالث لم يكن لهما دليل صريح في الوجوب. قوله (يجب بعد السلام سجدتان بتشهد وتسليم بترك واجب وإن تكرر) بيان لاحكام: الاول وجوب سجدتي السهو وهو ظاهر الرواية لانه شرع لرفع نقص تمكن في الصلاة ورفع ذلك واجب. وذكر القدوري أنه سنة كذا في المحيط. وصحح في الهداية وغيرها الوجوب لانها تجب لجبر نقصان تمكن في العبادة فتكون واجبة كالدماء في الحج، ويشهد له من السنة ما ورد في الاحاديث الصحيحة من الامر بالسجود. والاصل في الامر أن يكون للوجوب ومواظبة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على ذلك. وفي معراج الدراية: إنما جبر النقصان في باب الحج بالدم وفي باب الصلاة بالسجود لان الاصل أن الجبر من جنس الكسر وللمال مدخل في باب الحج فيجبر نقصانه بالدم ولا مدخل للمال في باب الصلاة فيجبر النقصان بالسجدة اه‍.

[ 163 ]

وظاهر كلامهم أنه إذا لم يسجد فإنه يأثم بترك الواجب ولترك سجود السهو. ثم اعلم أن الوجوب مقيد بما إذا كان الوقت صالحا حتى إن من عليه السهو في صلاة الصبح إذا لم يسجد حتى طلعت الشمس بعد السلام الاول سقط عنه السجود، وكذا إذا سها في قضاء الفائتة فلم يسجد حتى احمرت، وكذا في الجمعة إذا خرج وقتها، وكل ما يمنع البناء إذا وجد بعد السلام يسقط السهو. الثاني محله المسنون بعد السلام سواء كان السهو بإدخال زيادة في الصلاة أو نقصان منها، وعند الشافعي قبله فيهما، وعند ما لك قبله في النقصان وبعده في الزيادة، وألزمه أبو يوسف فيما إذا كان عنهما فتحير وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه سجد قبل السلام وصح أنه سجد بعده فتعارضت روايتا فعله فرجعنا إلى قوله المروي في سنن أبي داود أنه عليه الصلاة والسلام قال لكل سهو سجدتان بعد السلام. وفي صحيح البخاري في باب التوجه نحو القبلة حيث كان في حديث قال فيه إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم ليسلم ثم ليسجد سجدتين فهذا تشريع عام قولي بعد السلام عن سهو الشك والتحري ولا قائل بالفصل بينه وبين تحقق الزيادة والنقص، وهذا الخلاف في الاولوية حتى لو سجد قبل السلام لا يعيده لانه لو أعاد يتكرر وأنه خلاف الاجماع وذلك كان مجتهدا فيه. وروي عن أصحابنا أنه لا يجزئه ويعيده. كذا في المحيط. وفي غاية البيان: إن الجواز ظاهر الرواية. وفي التجنيس: لو كان الامام يرى سجدتي السهو وقبل السلام والمأموم بعد السلام، قال بعضهم: يتابع الامام لان حرمة الصلاة باقية فيترك رأيه برأي الامام تحقيقا للمتابعة. وقال بعضهم: لا يتابع ولو تابعه لا إعادة عليه اه‍. وكأن القول الاول مبني على ظاهر الرواية، والثاني على غيرها كما لا يخفى. وذكر الفقيه أبو الليث في الخزانة أنه قبل السلام مكروه والظاهر أنها كراهة تنزيه. وعلل في الهداية لكونه بعد السلام أن سجود السهو مما لا يتكرر فيؤخر عن السلام حتى

[ 164 ]

لو سها عن السلام ينجبر به. وصور في غاية البيان السهو عن السلام بأن قام إلى الخامسة مثلا ساهيا يلزمه سجود السهو لتأخير السلام. وصوره الاسبيجابي وصاحب التجنيس بما إذا بقي قاعدا على ظن أنه سلم ثم تبين أنه لم يسلم فإنه يسلم ويسجد للسهو ولكون سجود السهو لا يتكرر لو شك في السهو فإنه يتحرى ولا يسجد لهذا السهو. وحكى أن محمد بن الحسن قال للكسائي ابن خالته: لم لا تشتغل بالفقه؟ فقال: من أحكم علما فذلك يهديه إلى سائر العلوم. فقال محمد رحمه الله: أنا ألقي عليك شيئا من مسائل الفقه فتخرج جوابه من النحو فقال: هات. قال: فما تقول فيمن سها في سجود السهو فتفكر ساعة فقال: لا سجود عليه. فقال: من أي باب من النحو خرجت هذا الجواب؟ فقال: من باب أن المصغر لا يصغر، فتحير من فطنته. وأطلق المصنف في السلام فانصرف إلى المعهود في الصلاة وهو تسليمتان كما هو في الحديث، وصححه في الظهيرية والهداية، وذكر في التجنيس أنه المختار، وعلل علي البزدوي فقال: لم يجن ملك الشمال حتى تترك السلام عليه. وعزاه في البدائع إلى عامتهم، واختار فخر الاسلام أنه يسجد بعد التسليمة الاولى ويكون تلقاء وجهه لا ينحرف. وذكر في المحيط أنه الاصوب لان الاول للتحليل والثاني للتحية وهذا السلام للتحليل لا للتحية فكان ضم الثاني إلى الاول عبثا. واختاره المصنف في الكافي وقال: إن عليه الجمهور وإليه أشار في الاصل وهو الصواب، فقد تعارض النقل عن الجمهور. وهناك قولان آخران: أحدهما أنه يسلم عن يمينه فقط وصححه في المجتبى. ثانيهما لو سلم التسليمتين سقط عنه سجود السهو لانه بمنزلة الكلام حكاه الشارح عن خواهر زاده فقد اختلف التصحيح فيها. والذي ينبغي الاعتماد عليه تصحيح المجتبي أنه يسلم عن يمينه فقط لان السلام عن اليمين معهود

[ 165 ]

وبه يحصل التحليل فلا حاجة إلى غيره. الثالث فيما يفعله بين السجدتين فذكر أنه التشهد والسلام والظاهر وجوبهما كما صرح به في المجتبي ولما في الحاوي القدسي أن كل قعدة في الصلاة غير الاخيرة فهي واجبة ولم يذكر تكبير السجود وتسبيحه ثلاثا للعلم به وكل منهما مسنون كما في المحيط وغيره. وأشار بالتشهد والسلام إلى أن التشهد والسلام في القعود الاخير قد ارتفعا بالسجود، وإنما لم يرفع السجود القعود لانه أقوى من السجود لفرضيته ولذا قال في التجنيس: ولو سجدهما ولم يقعد لم تفسد صلاته لان القعود ليس بركن. واتفقوا على أنه في السجدة الصلبية لو تذكرها بعد قعوده فسجدها فإن القعود قد ارتفض فيقعد للفرض لان السجدة الصلبية أقوى من القعدة، وفيما إذا تذكر سجدة تلاوة فسجدها روايتان أصحهما أنها كالصلبية لانها أثر القراءة وهي ركن فأخذت حكمها. وعليه تفريع ما في عمدة الفتاوى: إذا سلم الامام وتفرق القوم ثم تذكر في مكانه أن عليه سجدة التلاوة يسجد ويقعد قدر التشهد، فإن لم يقعد فسدت صلاة الامام وصلاة القوم تامة لان ارتفاض القعدة في حق الامام ثبت بعد انقطاع المتابعة اه‍. ولم يذكر حكم الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في القعدتين والادعية للاختلاف، فصحح في البدائع والهداية أنه يأتي بالصلاة والدعاء في قعدة السهو لان الدعاء موضعه آخر الصلاة ونسبة الاول إلى عامة المشايخ بما وراء النهر. وقال فخر الاسلام: إنه اختيار عامة أهل النظر من مشايخنا وهو المختار عندنا. واختار الطحاوي أنه يأتي بهما فيهما، وذكر قاضيخان وظهير الدين أنه الاحوط وجزم بهه في منية المصلي في الصلاة ونقل الاختلاف في الدعاء. وقيل: إنه يأتي بهما في الاول فقط وصححه الشارح معزيا إلى المفيد لانها للختم. الرابع سببه ترك واجب من واجبات الصلاة الاصلية سهوا وهو المراد بقوله بترك واجب لا كل واجب بدليل ما سنذكره من أنه لو ترك ترتيب السور لا يلزمه شئ مع كونه واجبا وهو أجمع ما قيل فيه، وصححه في الهداية وأكثر

[ 166 ]

الكتب. وما في القدوري من قوله أو ترك فعلا مسنونا أراد به فعلا واجبا ثبت وجوبه بالسنة. وقد عدها المصنف في باب صفة الصلاة اثني عشر واجبا: الاول قراءة الفاتحة فإن تركها في إحدى الاوليين أو أكثرها وجب عليه السجود، وإن ترك أقلها لا يجب لان للاكثر حكم الكل. كذا في المحيط. وسواء كان إماما أو منفردا. كذا في التجنيس. وفي المجتبي: إذا ترك من الفاتحة آية وجب عليه السجود وإن تركها في الاخريين لا يجب إن كان في الفرض، وإن كان في النفل أو الوتر وجب عليه لوجوبها في الكل، وقد قدمنا أنه لو تركها في الاوليين لا يقضيها في الاخريين في ظاهر الرواية بخلاف السورة وبينا الفرق. الثاني ضم سورة إلى الفاتحة وقد قدمنا أن المراد بها ثلاث آيات قصار أو آية طويلة فلو لم يقرأ شيئا مع الفاتحة أو قرأ آية قصيرة لزمه السجود. كذا ذكره الشارح، وظاهره أنه لو ضم إلى الفاتحة آيتين قصيرتين وترك آية فإنه لا سهو عليه لان للاكثر حكم الكل كما قالوا في الفاتحة، بل أولى لان وجوب الفاتحة آكد للاختلاف بين العلماء في ركنيتها لكن في الظهيرية: لقرأ الفاتحة وآيتين فخر راكعا ساهيا ثم تذكر فعاد وأتم ثلاث آيات فعليه سجود السهو، وفي المحيط: ولو ترك السورة فذكرها قبل السجود عاد وقرأها. وكذا لو ترك الفاتحة فذكرها قبل السجود قرأها ويعيد السورة لانها تقع فرضا بالقراءة بخلاف لو تذكر القنوت في الركوع فإنه لا يعيد، ومتى عاد في الكل فإنه يعيد ركوعه لارتفاضه. وفي الخلاصة: ويسجد للسهو فيما إذا عاد أو لم يعد إلى القراءة، وقد قدمنا في ذكر الواجبات أنه يجب تقديم الفاتحة على السورة وأنه يجب أن لا يؤخر السورة عن قراءة الفاتحة فكذا لو بدأ بالسورة ثم تذكر يبدأ بالفاتحة ثم يقرأ السورة ويسجد للسهو وإن قرأ من السورة حرفا. كذا في المجتبي. وقيده في فتح القدير بأن يكون مقدار ما يتأدى به ركن عن قراءة الفاتحة، ولو قرأ الفاتحة مرتين يجب عليه السجود لتأخير السورة. كذا في الذخيرة وغيرها. وذكر قاضيخان وجماعة أنها إن قرأها مرتين على الولاء وجب السجود وإن فصل بينهما بالسورة لا يجب وصححه الزاهدي للزوم تأخير السورة في الاول لا في الثاني إذ ليس الركوع واجبا بأثر السورة فإنه لو جمع بين سورتين بعد الفاتحة لم يمتنع ولا يجب عليه شئ‌بفعل مثل ذلك في

[ 167 ]

الاخريين لانهما محل القراءة وهي ليست بواجبة فيهما وقراءة أكثر الفاتحة ثم إعادتها كقراءتها مرتين كما في الظهيرية. ولو ضم السورة إلى الفاتحة في الاخريين لا سهو عليه في الاصح. وفي التجنيس: لو قرأ سورة ثم قرأ في الثانية سورة قبلها ساهيا لا يجب عليه السجود لان مراعاة ترتيب السور من واجبات نظم القرآن لا من واجبات الصلاة فتركها لا يوجب سجود السهو. الثالث تعيين القراءة في الاوليين، فلو قرأ في الاخريين أو في إحدى الاوليين وإحدى الاخريين ساهيا لزمه السجود وهو خاص بالفرض، أما في النفل والوتر فلا بد من القراءة في الكل، واختلفوا في قراءته في الاخريين هل هي قضاء عن الاوليين أو أداء، فذكر القدوري أنها أداء لان الفرض هو القراءة في ركعتين غير عين. وقال غيره: إنه قضاء استدلالا بعدم صحة اقتداء المسافر بالمقيم بعد خروج الوقت وإن لم يكن الامام قرأ في الشفع الاول، ولو كانت في الاخريين أداء لجاز لانه يكون اقتداء المفترض بالمفترض في حق القراءة فلما لم يجز علم أنها قضاء وإن الاخريين خلت عن القراءة وبوجوب القراءة على مسبوق أدرك إمامه في الاخريين ولم يكن قرأ في الاوليين. كذا في البدائع. الرابع رعاية الترتيب في فعل مكرر فلو ترك سجدة من ركعة فتذكرها في آخر صلاة سجدها وسجد للسهو لترك الترتيب فيه وليس عليه إعادة ما قبلها، وكذا لو قدم الركوع على القراءة لزمه السجود لكن لا يعتد بالركوع فيفترض إعادته بعد القراءة. وفي المجتبي: وفي تأخير سجدة التلاوة روايتان، وجزم في التجنيس بعدم الوجوب لان سجدة التلاوة ليس بواجب أصلي في الصلاة. الخامس تعديل الاركان وهو الطمأنينة في الركوع والسجود، وقد اختلف في

[ 168 ]

وجوب السجود بتركه بناء على أنه واجب أو سنة، والمذهب الوجوب ولزوم السجود بتركه ساهيا، وصححه في البدائع. قال في التجنيس: وهذا التفريع على قول أبي حنيفة ومحمد لان تعديل الاركان فرض عند أبي يوسف. السادس القعود الاول وكذا كل قعدة ليست أخيرة سواء كان في الفرض أو في النفل فإنه يلزمه سجود السهو بتركها ساهيا. السابع التشهد فإنه يجب سجود السهو بتركه ولو قليلا في ظاهر الرواية لانه ذكر واحد منظوم فترك بعضه كترك كله ولا فرق بين القعدة الاولى أو الثانية، ولهذا قال في الظهيرية: لو ترك قراءة التشهد ساهيا في القعدة الاولى أو الثانية وتذكر بعد السلام يلزمه سجود السهو، وعن أبي يوسف لا يلزمه قالوا: إن كان المصلي إماما يأخذ بقول أبي يوسف، وإن لم يكن إماما يأخذ بقول محمد. وفي فتح القدير: ثم قد لا يتحقق ترك التشهد على وجه يوجب السجود إلا في الاول، أما في التشهد الثاني فإنه لو تذكره بعد السلام يقرأ ثم يسلم ثم يسجد فإن تذكره بعد شئ يقطع البناء لم يتصور إيجاب السجود، ومن فروع هذا أنه لو اشتغل بعد السلام والتذكر به فلما قرأ بعضه سلم قبل تمامه فسدت صلاته عند أبي يوسف لان بعوده إلى قراءة التشهد ارتفض قعوده، فإذا سلم قبل إتمامه فقد سلم قبل قعوده قدر التشهد، وعند محمد تجوز صلاته لان قعوده ما ارتفض أصلا لان محل قراءة التشهد القعدة فلا ضرورة إلى رفضها وعليه الفتوى ا ه‍. وظاهره أنه لو تذكره بعد السلام ولم يقرأ لا يسجد للسهو وبتركه لانه لما تذكره وأمكنه فعله ولم يفعله صار كأنه تركه عمدا فلا يلزمه السجود وإنما يكون مسيئا، ولو وجب عليه السجود لتحقق وجوبه بتركه. وعلى هذا تصير كلية أن من ترك واجبا سهوا وأمكنه فعله بعد تذكره فلم يفعله لا سجود عليه كمن تركه عمدا وفي الهداية: ثم ذكر التشهد يحتمل القعدة الاولى والثانية

[ 169 ]

والقراءة فيهما وكل ذلك واجب وفيها سجدة هو الصحيح، واعترض عليه بالقعدة الاخيرة فإنها فرض لا واجب. فأجاب في المعراج بأن المراد غيرها إذا لتخصيص شائع بقرينة ذكره لها سابقا أنها فرض، وما أجاب به في غاية البيان من حمل الترك فيها على تأخيرها فاسد لانه أراد حقيقة الترك في غيرها، فلو أراد التأخير فيها لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، وكذا لو أراد بالواجب حينئذ الفرض فيها والواجب الاصطلاحي في غيرها وهو جمع كذلك. كذا في الغاية. ورده في الكافي بأن الممنوع اجتماعهما مرادين بلفظ واحد وهو لم يتعرض للارادة بل قال: يحتمل هذا وذاك ولا فساد كاحتمال القرء الحيض والطهر كما في المجتبي وغيره. وما في النهاية من أن الاوجه فيه أن يحمل على رواية الحسن عن أبي حنيفة بأنه تجوز الصلاة بدون القعدة الاخيرة ليس بأوجه لانها رواية ضعيفة جدا لانهم نقلوا الاجماع على فرضيتها كما قدمناه، والظاهر أنه سهو وقع من صاحب الهداية. الثامن لفظ السلام ولا يتصور إيجاب السجود بتركه لانه بعد القعود الاخير إذا لم يأت بمناف فإنه يسلم، وإن أتى بمناف فلا سجود ولهذا قال في التجنيس: والسهو عن السلام يوجب سجودا السهو والسهو عنه أن يطيل القعدة ويقع عنده أنه خرج من الصلاة ثم يعلم ذلك فيسلم ويسجد لانه أخر واجبا أو ركنا على اختلاف الاصلين ا ه‍. وإنما يتصور إيجابه بتأخيره كما قدمناه وذكرنا في باب صفة الصلاة أن الواجب منه التسليمة الاولى وهي السلام دون عليكم ورحمة الله. وفي البدائع: إنه لو سلم عن يساره أولا لا سهو عليه لانه ترك السنة. وفي الظهيرية: وإذا سلم الرجل عن يمينه وسها عن التسليمة الاخرى فما دام في المسجد يأتي بالاخرى وإن استدبر القبلة، وعامة المشايخ على أنه لا يأتي متى استدبر القبلة ا ه‍. التاسع قنوت الوتر وقدمنا أنه لا يختص بدعاء وأنه لا يعود إليه لو ركع على الصحيح كما في المجتبي وغيره، فحينئذ يتحقق تركه بالركوع وأنه سنة عندهما كالوتر فالوجوب بتركه إنما هو قوله فقط. وفي فتح القدير: ولو قرأ القنوت في الثالثة ونسي قراءة الفاتحة أو السورة أو كليهما فتذكر بعد ما ركع قام وقرأ وأعاد القنوت والركوع لانه رجع إلى محله قبله ويسجد للسهو بخلاف ما لو نسي سجدة التلاوة ومحلها فتذكرها في الركوع أو السجود أو القعود فإنه ينحط لها ثم يعود إلى ما كان فيه فيعيده استحبابا ا ه‍. ومما ألحق به تكبيره وجزم الشارح بوجوب السجود بتركها. وذكر في الظهيرية أنه لو ترك تكبيرة القنوت فإنه لا رواية لهذا، وقيل يجب سجود السهو اعتبارا بتكبيرات العيد، وقيل لا يجب ا ه‍. وينبغي ترجيح عدم الوجوب لانه الاصل ولا دليل عليه بخلاف تكبيرات العيد فإن دليل الوجوب المواظبة مع قوله تعالى * (ويذكروا اسم الله في أيام

[ 170 ]

معلومات) * (الحج: 28) العاشر تكبيرات العيدين. قال في البدائع: إذا تركها أو نقص منها أو زاد عليها أو أتى بها في غير موضعها فإنه يجب عليه السجود، وذكر في كشف الاسرار أن الامام إذا سها عن التكبيرات حتى ركع فإنه يعود إلى القيام لانه قادر على حقيقة الاداء فلا يعمل بشبهه بخلاف المسبوق إذا أدرك الامام في الركوع فإنه يأتي بالتكبيرات في الركوع لانه عجز عن حقيقته فيعمل بشبهه ا ه‍. ومما ألحق بها تكبيرة الركوع الثاني من صلاة العيد فإنه يجب سجود السهو بتركها لانها واجبة تبع التكبيرات العيد بخلاف تكبيرة الركوع الاول لانها ليست ملحقة بها. ذكره الشار وصاحب المجتبى. وفي البدائع: ولو نسي التكبير في أيام التشريق لا سهو عليه لانه لم يترك واجبا من واجبات الصلاة. الحادي عشر والثاني عشر الجهر الامام فيما يجهر فيه والمخافتة مطلقا فيما يخافت فيه، واختلفت الرواية في المقدار والاصح قدر ما تجوز به الصلاة في الفصلين لان اليسير من الجهر والاخفاء لا يمكن الاحتراز عنه، وعن الكثير يمكن وما تصح به الصلاة كثير غير أن ذلك عنده آية واحدة، وعندهم ثلاث آيات. وهذا في حق الامام دون المنفرد لان الجهر والمخافتة من خصائص الجماعة. كذا في الهداية. وذكر قاضيخان في فتاواه أن ظاهر الرواية وجوب السجود على الامام إذا جهر فيما يخافت أو خافت فيما يجهر قل ذلك أو كثر، وكذا في الظهيرية والذخيرة، زاد في الخلاصة وعليه اعتماد شمس الائمة الحلواني لا على رواية النوادر. وفي الظهيرية: وروى أبو سليمان أن المنفرد إذا ظن إنه إمام فجهركما يجهر الامام يلزمه سجود السهو ا ه‍. وهو مبني على وجوب المخافتة عليه وهو رواية الاصل وهو الصحيح كما في البدائع. وفي العناية: إن

[ 171 ]

ظاهر الرواية أن الاخفاء ليس بواجب عليه، وذكر الولوالجي أنه إذا جهر فيما يخافت فيه يجب سجدة السهو قل أو كثر، وإذا خافت فيما يجهر به لا يجب ما لم يكن قدر ما يتعلق به وجوب الصلاة على الاختلاف الذي مر وهذا أصح ا ه‍. فقد اختلف الترجيح على ثلاثة أقوال، وينبغي عدم العدول عن ظاهر الرواية الذي نقله الثقات من أصحاب الفتاوي كما لا يخفى. وذكر في الخلاصة أنه لو سمع رجلا أو رجلين لا يكون جهرا والجهر أن يسمع الكل ا ه‍. وصرحوا بأنه إذا جهر سهوا بشئ من الادعية والاثنية ولو تشهدا فإنه لا يجب عليه السجود. قال العلامة الحلبي: ولا يعرى القول بذلك في التشهد من تأمل ا ه‍. وقد اقتصر

[ 172 ]

المصنف على هذه الواجبات في باب صفة الصلاة وبقي واجب آخر وهو عدم تأخير الفرض والواجب وعدم تغييرهما وعليه تفرع مسائل منها: لو ركع ركوعين أو سجد ثلاثا في ركعة لزمه السجود لتأخير الفرض وهو السجود في الاول والقيام في الثاني، وكذا لو قعد في محل القيام أو قام في محل القعود المفروض. وإنما قيدنا بالمفروض لانه لو قام في محل الواجب فقد لزمه السجود لترك الواجب لا لتأخيره، وكذا لو قرأ آية في الركوع أو السجود أو القومة فعليه السهو كما في الظهيرية وغيرها. وعلله في المحيط بتأخير ركن أو واجب عليه، وكذا لو قرأها في القعود إن بدأ بالقراءة وإن بدأ بالتشهد ثم قرأها فلا سهو عليه كما في المحيط. وفي البدائع: لو قرأ القرآن في ركوعه أو في سجوده لا سهو عليه لانه ثناء وهذه الاركان مواضع الثناء ا ه‍. ولا يخفى ما فيه فالظاهر الاول. ومنها لو كرر الفاتحة في الاوليين فعليه السهو لتأخير السورة، ومنها لو تشهد في قيامه بعد الفاتحة لزمه السجود وقبلها لا على الاصح لتأخير الواجب في الاول وهو السورة، وفي الثاني محل الثناء وهو منه. وفي الظهيرية: لو تشهد في القيام إن كان في الركعة الاولى لا يلزمه شئ، وإن كان في الثانية اختلف المشايخ فيه والصحيح أنه لا يجب ا ه‍. فقد اختلف التصحيح والظاهر الاول المنقول في التبيين وغيره. ومنها لو كرر التشهد في القعدة الاولى فعليه السهو ولتأخير القيام وكذا لو صلى على النبي صلى الله عليه وسلم فيها لتأخيره. واختلفوا في قدره والاصح وجوبه باللهم صل على محمد وإن لم يقل وعلى آله. وذكر في البدائع أنه يجب عليه السجود عنده، وعندهما لا يجب لانه لو وجب لوجب لجبر النقصان ولا يعقل نقصان في الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو حنيفة رحمه الله يقول: لا يجب عليه بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بل بتأخير الفرض وهو القيام إلا أن التأخير حصل بالصلاة فيجب عليه من حيث أنها تأخير لا من حيث أنها صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ا ه‍. وقد حكي في المناقب أن أبا حنيفة رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال له: كيف أوجبت على من صلى علي سجود السهو فأجابه بكونه صلى عليك ساهيا فاستحسنه منه. ولو كرر التشهد

[ 173 ]

في القعدة الاخيرة فلا سهو عليه. وفي شرح الطحاوي لم يفصل وقال: لا سهو عليه فيهما. كذا في الخلاصة. ومنها إذا شك في صلاته فتفكر حتى استيقن ولا يخلو إما أن يشك في شئ من هذه الصلاة أو في صلاة قبلها وكل على وجهين: أما إن طال تفكره بأن كان مقدار ما يمكنه أن يؤدي فيه ركنا من أركان الصلاة أو لم يطل، وإن لم يطل فلا سهو عليه سواء كان تفكره بسبب شك في هذه الصلاة أو في غيرها لان الفكر القليل لا يمكن الاحتراز عنه فكان عفوا دفعا للحرج. وإن طال تفكره، فإن كان في غير هذه الصلاة فلا سهو عليه. وإن كان فيها فعليه السهو استحسانا لتأخير الاركان عن أوقاتها فتمكن النقصان فيها بخلاف ما إذا شك في صلاة أخرى وهو في هذه الصلاة لان الموجب للسهو في هذه الصلاة سهو هذه الصلاة لا سهو صلاة أخرى. كذا في البدائع. وفي الذخيرة: هذا إذا كان التفكر يمنعه عن التسبيح، إما إذا كان يسبح أو يقرأ ويتفكر فلا سهو عليه. وفي الظهيرية: ولو سبقه الحدث فذهب ليتوضأ فشك أنه صلى ثلاثا أو أربعا وشغله ذلك عن وضوئه ساعة ثم استيقن فأتم وضوءه فعليه السهو لانه في حرمة الصلاة، فكان الشك في هذه الحالة بمنزلة الشك في حالة الاداء. وإذا قعد في صلاته قدر التشهد ثم شك في شئ من صلاته أنه صلى ثلاثا أو أربعا حتى شغله ذلك عن التسليم ثم استيقن وأتم صلاته فعليه السهو ا ه‍. فالاحسن أن يفسر طول التفكر بأن يشغله عن مقدار أداء ركن أو واجب ليدخل السلام كما في المحيط قيد بترك

[ 174 ]

الواجب لانه لا يجب بترك سنة كالثناء والتعوذ والتسمية وتكبيرات الركوع والسجود وتسبيحاتها ورفع اليدين في تكبيرة الافتتاح وتكبيرات العيدين والتأمين والتسميع والتحميد. كذا في المحيط والخلاصة. وجزم الشارح بوجوب السجود بترك التسمية مصدرا به ثم قال: وقيل لا يجب. وكذا في المجتبي، وصرح في القنية بأن الصحيح وجوب التسمية في كل ركعة، وتبعه العلامة ابن وهبان في منظومته وكله مخالف لظاهر المذهب المذكور في المتون والشروح والفتاوي من أنها سنة لا واجب فلا يجب بتركها شئ. ولو ترك فرضا فإنه لاينجبر بالسجود بل تبطل الصلاة أصلا. وفي البدائع: وأما بيان أن المتروك ساهيا هل يقضي أو لا فنقول: إنه يقضي إن أمكنه التدارك بالقضاء، سواء كان من الافعال أو الاذكار. وإن لم يمكن فإن كان المتروك فرضا فسدت، وإن كان واجبا لا تفسد ولكنه ينقص ويدخل في حد الكراهة، فإذا ترك سجدة صلبية من ركعة قضاها في آخرها إذا تذكر ولا تلزمه إعادة ما بعدها، وإذا كانا سجدتين قضاهما ويبدأ بالاولى ث‍ بالثانية لان القضاء على حسب الاداء، ولو كانت إحداهما سجدة تلاوة وتركها من الاولى والاخرى صلبية تركها من الثانية يراعى الترتيب أيضا فيبدأ بالتلاوية عند عامة العلماء. ولو كان المتروك ركوعا فلا يتصور فيه القضاء، وكذا إذا ترك سجدتين من ركعة لانه لا يعتد بالسجود قبل الركوع لعدم مصادفته محله، فلو قرأ وسجدولم يركع ثم قام فقرأ وركع وسجد فهذا قد صلى ركعة ولا يكون هذا الركوع قضاء عن الاول، وكذا لو قرأ وركع ولم يسجد ثم رفع رأسه فقرأ ولم يركع ثم سجد فهذا قد صلركعة ولا يكون هذا السجود قضاء عن الاول، وكذا إذا قرأ وركع ثم رفع رأسه وقرأ وركع وسجد وإنما صلى ركعة، والصحيح أن المعتبر الركوع الاول لكونه صادف محله فوقع الثاني مكررا. وكذا إذا قرأ ولم يركع وسجد ثم قام فقرأ وركع ولم يسجد ثم قام فقرأ ولم يركع وسجد فإنما صلى ركعة، وأما الاذكار فإذا ترك القراءة في الاوليين قضاها في الاخريين، وقد تقدم حكم ترك الفاتحة أو السورة في الاوليين. وإذا ترك التشهد في القعدة الاخيرة ثم قام فتذكر عاد وتشهد إذا لم يقيد بالسجدة بخلافه في الاولى كما سيأتي مفصلا. الخامس أنه لا يتكرر الوجوب بترك أكثر من واجب حتى لو ترك جميع واجبات الصلاة

[ 175 ]

ساهيا فإنه لا يلزمه أكثر من سجدتين لانه تأخر عن زمان العلة وهو وقت وقوع السهو مع أن الاحكام الشرعية لا تؤخر عن عللها، فعلم أنه لا يتكرر إذ الشرع لم يرد به، وسيأتي أن المسبوق يتابع إمامه في سجود السهو، ثم إذا قام إلى القضاء وسها فإنه يسجد ثانيا فقد تكرر سجود السهو. وأجاب عنه في البدائع بأن التكرار في صلاة واحدة غير مشروع وهما صلاتان حكما وإن كانت التحريمة واحدة لان المسبوق فيما يقضي كالمنفرد، ونظيره المقيم إذا اقتدى بالمسافر فسها الامام يتابعه المقيم في السهو وإن كان المقيم ربما يسهو في إتمام صلاته، وعلى تقدير السهو يسجد في أصح الروايتين لكن لما كان منفردا في ذلك كان صلاتين حكما ا ه‍. وعلله في المحيط بأن السجدة المتقدمة لا ترفع النقصان المتأخر، فأما السجدة المتأخرة فإنها ترفع النقصان المتقدم، ولا يشكل عليه ما في عمدة الفتاوي للصدر الشهيد وخزانة الفقه لابي الليث من أن التشهد يقع في صلاة واحدة عشر مرات وصورته: رجل أدرك الامام في التشهد الاول من المغرب وتشهد معه ثم يتشهد معه في الثانية وكان على الامام سهو فتشهد معه في الثالثة، ثم ذكر الامام أن عليه سجدة التلاوة فإنه يسجد معه ويتشهد معه الرابعة ثم يسجد للسهو ويتشهد معه الخامسة، فإذا سلم الامام فإنه يقوم إلى قضاء ما سبق به فيصلي ركعة ويتشهد السادسة، فإذا صلى ركعة أخرى يتشهد السابعة وكان قد سها فيما يقضي فيسجد ويتشهد الثامنة، ثم تذكر أنه قرأ آية السجدة في قضائه فإنه يسجد ويتشهد التاسعة ثم يسجد للسهو ويتشهد للعاشرة ا ه‍. مع أنه قد تكرر السجود للسهو في صلاة واحدة حقيقة وحكما وهي صلاة الامام والمسبوق بسبب السجدة الخامسة فيهما، وأما التشهد الرابع فلكونه بسبب سجود التلاوة ارتفع تشهد القعدة لا أن لسجود التلاوة تشهدا لان سجود التلاوة رفع ما كان قبله من التشهد والقعود وسجود السهو فكأنه لم يسجد للسهو، فلذا يسجد آخرا كما لو سجد للسهو ثم نوى الاقامة حتى صار فرضه أربعا فإنه يعيد سجود السهو. وفي الظهيرية: إذا سها الامام ثم سها خليفته سجد الثاني سجدتين وكفاه. قوله: (وبسهو إمامه لا بسهوه) معطوف على قوله بترك واجب فأفاد أن السجود له سببان: إما ترك الواجب أو سهو إمامه فإنه يجب عليه متابعته إذا سجد لانه عليه الصلاة والسلام سجد له وتبعه القوم ولانه تبع لامامه فيلزمه حكم فعله كالمفسد ونية الاقامة. أطلقه فشمل ما إذا كان مقتديا به وقت السهو أو لم يكن وما إذا سجد سجدة واحدة ثم اقتدى به فإنه يتابعه في الاخرى ولا يقضي الاولى كما لا يقضيهما لو اقتدى به بعد ما سجدهما لانه حين دخل في تحريمة الامام كان النقص قد انجبر بالسجدتين أو بإحداهما، ولا يعقل وجوب

[ 176 ]

جابر من غير نقص. وقيد بأن يكون الامام سجد لانه لو سقط عن الامام بسبب من الاسباب بأن تكلم أو أحدث متعمدا أو خرج من المسجد فإنه يسقط عن المقتدي بخلاف تكبير التشريق حيث يأتي به المؤتم وإن تركه الامام لكونه لا يؤدي في حرمتها. وشمل كلامه المدرك والمسبوق واللاحق فإنه يلزمهم بسهو إمامهم لكن اللاحق لا يتابع الامام في سجود السهو إذا انتبه في حال اشتغال الامام بسجود السهو أو جاء إليه من الوضوء في هذه الحالة، وإنما يبدأ بقضاء ما فاته ثم يسجد في آخر صلاته، والمسبوق والمقيم خلف المسافر يتابعان الامام في سجود السهو ثم يشتغلان بالاتمام. والفرق أن اللاحق التزم متابعة الامام فيما اقتدى به على نحو ما يصلي الامام وأنه اقتدى به في جميع الصلاة فيتابعه في جميعها على نحو ما أدى الامام والامام أدى الاول فالاول وسجد لسهوه في آخر صلاته، فكذا اللاحق، فأما المسبوق فقد التزم بالاقتداء متابعته بقدر ما هو صلاة الامام وقد أدرك هذا القدر فيتابعه فيه ثم ينفرد، وكذا المقيم المقتدي بالمسافر فلو كان مسبوقا بثلاث ولاحقا بركعة فسجد إمامه للسهو فإنه يقضي ركعة بغير قراءة لانه لا ح‍، ويتشهد ويسجد للسهو لان ذلك موضع سجود الامام، ثم يصلي ركعة بقراءة ويقعد لانها ثانية صلاته، ولو كان على العكس سجد للسهو بعد الثالثة. كذا في المحيط. ولسجد اللاحق مع الامام للسهو ولم يجزه لانه في غير أوانه في حقه فعليه أن يعيد إذا فرغ من قضاء ما عليه ولكن لا تفسد صلاته لانه ما زاد إلا سجدتين بخلاف المسبوق إذا تابع الامام في سجود السهو ثم تبين أنه لم يكن على الامام سهو حيث تفسد صلاة المسبوق لكونه اقتدى في موضع الانفراد لا لزيادة السجدتين ولم يوجد في اللاحق لانه مقتد في جميع ما يؤدي. كذا في البدائع. وفصل في المحيط بين أن يعلم أنه ليس على إمامه سهو فيفسد، وبين أن لا يعلم أنه لم يكن عليه فلا يفسد لان كثيرا ما يقع لجهلة الائمة فسقط اعتبار المفسد هنا للضرورة ا ه‍. ولو لم يتابع المسبوق إمامه وقام إلى قضاء ما سبق به فإنه يسجد في آخر صلاته استحسانا لان التحريمة متحدة فجعل كأنها صلاة واحدة. ولو سها فيما يقضي ولم يسجد لسهو إمامه كفاه سجدتان، ولو سجد مع الامام ثم سها فيما يقضي فعليه السهو ثانيا لما مر أن ذلك أداء السهو في صلاتين حكما فلم يكن تكرارا. ثم المسبوق إنما يتابع الامام في السهو لا في السلام فيسجد معه ويتشهد، فإذا سلم الامام قام إلى القضاء، فإن سلم فإن كان عامدا فسدت وإلا فلا ولا سجود عليه إن سلم قبل الامام أو معه، وإن سلم بعده لزمه لكونه منفردا حينئذ. وعلى هذا لو أحدث الامام بعد السلام قبل السجود فاستخلف مسبوقا وارتكب خلاف الاولى وتقدم ينبغي أن يستخلف مدركا ليسجد بهم ويسجد هو معهم، وإن لم يسجد مع خليفته سجد في آخر صلاته، فإن لم يجد المسبوق مدركا وكانوا كلهم مسبوقين قاموا وقضوا ما سبقوا به فرادى، ثم إذا فرغوا يسجدون. ولو قام المسبوق إلى قضاء ما سبق

[ 177 ]

به بعد ما سلم الامام ثم تذكر الامام أن عليه سجود السهو قبل أن يقيد المسبوق ركعة بسجدة فعليه أن يرفض ذلك ويعود إلى متابعة الامام، ثم إذا سلم الامام قام إلى قضاء ما سبق به ولا يعتد بما فعل من القيام والقراءة والركوع، ولو لم يعد إلى الامام ومضى على صلاته يجوز ويسجد للسهو بعد ما فرغ من القضاء استحسانا. ولو تذكر الامام أن عليه سجدتي السهو بعد ما قيد المسبوق ركعته بسجدة فإنه لا يعود إلى الامام ولا يتابعه في سجود السهو، ولو تابعه فيها تفسد صلاته لزيادة ركعة، وقد ذكرنا بقية مسائل المسبوق في باب الحدث في الصلاة. ولو سها الامام في صلاة الخوف سجد للسهو وتابعه فيها الطائفة الثانية، وأما الطائفة الاولى وإنما يسجدون بعد الفراغ من الاتمام لان الثانية بمنزلة المسبوقين والاولى بمنزلة اللاحقين. وإنما لم يلزم المأموم سهو نفسه لانه لو سجد وحده كان مخالفا لامامه إن سجد قبل السلام وإن أخره إلى ما بعد سلام الامام يخرج من الصلاة بسلام الامام لانه سلام عمد ممن لا سهو عليه، ولو تابعه الامام ينقلب التبع أصلا. وشمل كلامه المدرك واللاحق فإنه مقتد في جميع صلاته بدليل أنه لا قراءة عليه فلا سجود لو سهفيما يقضيه مطلقا، وأما المقيم إذا اقتدى بالمسافر ثم قام لاتمام صلاته وسها فذكر الكرخي أنه كاللاحق فلا سجود عليه بدليل أنه لا يقرأ، وذكر في الاصل أنه يلزمه السجود وصححه في البدائع لانه إنما اقتدى بالامام بقدر صلاة الامام، فإذا انقضت صلاة الامام صارت منفردا فيما وراء ذلك. وإنما لا يقرأ فيما يتم لان القراءة فرض في الاوليين وقد قرأ الامام فيهما، وشمل المسبوق فيما يؤديه مع الامام، وأما فيما يقضيه فهو كالمنفرد كما تقدم. وعليه يفرع ما إذا سلم

[ 178 ]

ساهيا، فإن كان قبل الامام أو معه فلا سهو، وإن كان بعده فعليه كما ذكرناه. وفي المحيط وغيره: وينبغي للمسبوق أن يمكث ساعة بعد فراغ الامام ثم يقوم لجواز أن يكون على الامام سهو. قوله: (وإن سها عن القعود الاول وهو إليه أقرب عاد وإلا لا) أي إلى القعود لان الاصل أن ما يقرب من الشئ يأخذ حكمه كفناء المصر وحريم البئر، فإن كان أقرب إلى القعود بأن رفع أليتيه من الارض وركبتاه عليها أو ما لم ينتصب النصف الاسفل. وصححه في الكافي فكأنه لم يقم أصلا، فإن كان إلى القيام أقرب فكأنه قد قاوهو فرض قد تلبس به فلا يجوز رفضه لاجل واجب وهو القعدة. وهذا التفصيل مروي عن ابي يوسف واختاره مشايخ بخارى وارتضاه أصحاب المتون. وفي الكافي: واستحسن مشايخنا روايته. وذكر في المبسوط أن ظاهر الرواية إذا لم يستتم قائما يعود وإذا استتم قائما لا يعود لانه جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام من الثانية إلى الثالثة قبل أن يقعد فسبحوا به فعاد، روي أنه لم يعد وكان بعد ما استتم قائما، وهذا لانه لما استتم قائما اشتغل بفرض القيام فلا يترك ا ه‍. وصححه الشارح. وفي فتح القدير أنه ظاهر المذهب. والتوفيق بين الفعلين المرويين بالحمل على حالتي القرب من القيام وعدمه ليس بأولى منه بالحمل على الاستواء وعدمه. ثم لو عاد في موضع وجوب عدمه اختلفوا في فساد صلاته، فصحح الشارح الفساد لتكامل الجنابة برفض الفرض بعد الشروع فيه لاجل ما ليس بفرض. وفي المبتغى بالغين المعجمة: إنه غلط لانه ليس بترك وإنما هو تأخير كما لو سها عن السورة فركع فإنه يرفض الركوع ويعود إلى القيام ويقرأ لاجل الواجب، وكما لوسها عن القنوت فركع فإنه لو عاد وقنت لا تفسد على الاصح. وقد يقال: إنه لو عاوقرأ السورة صارت السورة فرضا فقد عاد من فرض إلى فرض، والقنوت له شبهة القرآنية على ما قيل إنه كان قرآنا فنسخ فقد عاد إلى ما فيه شبهة

[ 179 ]

القرآنية، أو عاد إلى فرض وهو القيام فإن كل ركن طوله فإنه يقع فرضا كله. وفي فتح القدير: وفي النفس من التصحيح شئ وذلك أن غاية الامر في الرجوع إلى القعدة الاولى أن تكون زيادة قيام ما في الصلاة وهو وإن كان لا يحل فهو بالصحة لا يخل لما عرف أن زيادة ما دون ركعة لا يفسد إلا أن يفرق باقتران هذه الزيادة بالرفض لكن قد يقال: المستحق لزوم الاثم أيضا بالرفض، أما الفساد فلم يظهر وجه استلزامه إياه فترجح بهذا البحث القول المقابل للمصحح ا ه‍. فظاهره أنه لم يطلع على تصحيح آخر، وقد ذكر في المجتبي ومعراج الدراية أنه لو عاد بعد الانتصاب مخطئا قيل يتشهد لنقضه القيام والصحيح أنه لا يتشهد ويقوم ولا ينتقض قيامه بقعود لم يؤمر به كمن نقص الركوع بسورة أخرى لا ينتقض ركوعه ا ه‍. فقد اختلف التصحيح كما رأيت، والحق عدم الفساد ولا يلزم سجدة التلاوة فإنه يترك الفرض لاجلها وهي واجبة لان ذلك ثبت بالنص على خلاف القياس. وأراد بالقعود الاول القعود في صلاة الفرض رباعيا كان أو ثلاثيا، وكذا في صلاة الوتر كما في المحيط. أما في النفل إذا قام إلى الثالثة من غير قعدة فإنه يعود ولو استتم قائما ما لم يقيدها بسجدة. كذا في السرا الوهاج. وحكى فيه خلافا في المحيط قيل لا يعود لانه صار كالفرض، وقيل يعود ما لم يقيدها بالسجدة لان كل شفع صلاة على حدة في حق القراءة فأمرناه بالعود إلى القعدة احتياطا، ومتى عاد تبين أن القعدة وقعت فرضا فيكون رفض الفرض لمكان الفرض فيجوز ا ه‍. وهذا كله في حق الامام والمنفرد، وأما المأموم إذا قام ساهيا فإنه يعود ويقعد لان القعود فرض عليه بحكم المتابعة. إليه أشار في السراج الوهاج فإنه قال: إذا تشهد الامام وقام من القعدة الاولى إلى الثالثة فنسي بعض من خلفه التشهد حتى قاموا جميعا، فعلى من لم يتشهد أن يعود ويتشهد ثم يتبع إمامه وإن خاف أن تفوته الركعة الثالثة لانه تبع لامامه فيلزمه

[ 180 ]

أن يتشهد بطريق المتابعة. وهذا بخلاف المنفرد لان التشهد الاول في حقه سنة، وبعد ما اشتغل بفرض القيام لا يعود إلى السنة وههنا التشهد فرض عليه بحكم المتابعة ا ه‍. وكذا في القنية: ففي القعود أولى وظاهره أنه لو لم يعد تبطل صلاته لترك الفرض. وفي المجمع: ولو نام لاحق سها إمامه عن القعدة الاولى فاستيقظ بعد الفراغ أمرناه بترك القعدة ا ه‍. وفي آخر فتاوى الولوالجي من مسائل متفرقة: مريض يصلي بالايماء فلما بلغ حالة التشهد فظن أنه حالة القيام فاشتغل بالقراءة ثم تذكر أنه حالة التشهد، فلا يخلو إما إن كان التشهد الاول أو التشهد الثاني، فإن كان التشهد الاول فحالة القراءة تنوب عن القيام فلا يعود إلى التشهد ويتم الصلاة، وإن كان التشهد الثاني رجع إلى التشهد ويتم الصلاة، وكذلك الجواب في الصحيح إذا قام قبل أن يتشهد ا ه‍. قوله: (ويسجد للسهو) خاص بقوله وإلا لا كما صححه المصنف في الكافي تبعا لصاحب الهداية لترك الواجب. وأما إذا كان إلى القعود أقرب وعاد فلا سجود عليه كما إذا لم يقم لان الشرع لم يعتبره قياما وإلا لم يطلق له القعود فكان معتبرا قعودا أو انتقالا للضرورة، وهذا الاعتبار ينافيه اعتبار التأخير المستتبع لوجوب السجود. وفي الخلاصة: وفي رواية إذا قام على ركبتيه لينهض يقعد وعليه السهو ويستوي فيه القعدة الاولى والثانية وعليه الاعتماد، وإن رفع أليتيه عن الارض وركبتاه على الارض ولم يرفعهما لا سهو عليه. كذا روي عن أبي يوسف. وفي الاجناس: عليه السهو ويستوي في ذلك القعدة الاولى والاخيرة ا ه‍. فالحاصل على هذا المعتمد أنه إن كان إلى القعود أقرب فإنه يعود مطلقا، فإنه رفع ركبتيه من الارض لزمه السجود وإلا فلا وهو مخالف للتصحيح السابق في بعضه. وفي الولوالجية:

[ 181 ]

المختار وجوب السجود لانه بقدر ما اشتغل بالقيام صار مؤخرا واجبا وجب وصله بما قبله من الركن فصار تاركا للواجب فيجب عليه سجدتا السهو ا ه‍. فاختلف الترجيح على أقوال ثلاثة والاكثر على الاول قوله: (وإن سها عن الاخير عاد ما لم يسجد) لان فيه إصلاح صلاته فأمكنه ذلك لان ما دون الركعة بمحل الرفض. أراد بالاخير القعود المفروض ليشمل الفرض الرباعي والثلاثي والثنائي فإن قعوده ليس متعددا إلا أن يقال إنه يسمى أخيرا باعتبار أنه آخر الصلاة لا باعتبار أنه مسبوق بمثله. أطلقه فشمل ما إذا لم يقعد أصلا أو جلس جلسة خفيفة أقل من قدر التشهد وإذا عاد احتسب له الجلسة الخفيفية حتى لو كان كلا الجلستين مقدار التشهد ثم تكلم بعده جازت صلاته كما قدمناه في باب صفة الصلاة عن الولوالجية قوله: (وسجد للسهو) لتأخيره فرضا وهو القعود الاخير. وعلله في الهداية بأنه أخر واجبا فقالوا: أراد به الواجب القطعي وهو الفرض وهو أولى مما في العناية من تفسير بإصابة لفظ السلام لانه لم يؤخره عن محله لان محله بعد القعود ولم يقعد وإنما أخر القعود والاولى أن يقال: أراد به الواجب الذي يفوت الجواز بفوته إذ ليس دليلها قطعيا. قوله (فإن سجد بطل فرضه برفعه) لان استحكم شروعه في النافلة قبل إكمال أركان المكتوبة ومن ضرورته خروجه عن الفرض، وهذا لان الركعة بسجدة واحدة صلاة حقيقة حتى بحنث في يمينه لا يصلي. وقوله برفعه أي برفع الوجه عن الارض إشارة إلى أن

[ 182 ]

المختار الفتوى أنه لا يبطل بوضع الجهة كما هو مروي عن أبي يوسف لان تمام الشئ بآخره وآخر السجدة الرفع إذ الشئ إنما ينتهي بضده، ولهذا لو سجد قبل إمامه فأدركه إمامه فيه جاز ولو تمت بالوضع لما جاز لان كل ركن أداه قبل إمامه لا يجوز، ولانه لو تم قبل الرفع لم ينقضه الحدث لكن الاتفاق على لزوم إعادة كل ركن وجد فيه سبق الحد ث بقيد البناء. وثمرة الاختلاف فيما إذا أحدث في السجود فانصرف وتوضأ ثم تذكر أنه لم يقعد في الرابعة. قال أبو يوسف: لا يعود إلى القعود وبطل فرضه. وقال محمد: يعود ويتم فرضه. قالوا: أخبر أبو يوسف بجواب محمد فقال: زه صلاة فسد ت يصلحها الحدث وهذا معنى ما يسأله العامة أي صلاة يصلحها الحدث فهي هذه الصلاة على قول محمد. وزه كلمة استعجاب وإنما قالها أبو يوسف تهكما. وقيل: الصواب بالضم والزاي ليست بخالصة. كذا في المغرب. وفي فتح القدير: وهذا أعني صحة البناء بسبب سبق الحدث إذا لم يتذكر في ذلك السجود أنه ترك سجدة صلبية من صلاته فإن تذكر ذلك فسدت اتفاقا اه‍. ولا يخفى ما فيه بل لا يصح هذا التقييد لانه إذا سبقه الحدث وهو ساجد لم يخلط النفل بالفرض قبل إكماله عند محمد، سواء تذكر أن عليه سجدة صلبية أو لا، إذ لا فرق بين أن يكون عليه ركن واحد أو ركنان. وعبارة الخلاصة أولى وهي: ولو قيد الخامسة بالسجدة فتذكر أنه ترك سجدة صلبية من صلاته لا تنصرف هذه السجدة إليها لما أنه تشترط النية في السجدة وصلاته فاسدة اه‍. وإذا بطل فرض الامام برفعة بطل فرض المأموم سواء كان قعد أو لا، ولذا ذكرقاضيخان في فتاواه: ولو أن الامام لم يقعد على رأس الرابعة وقام إلى الخامسة ساهيا وتشهد المقتدي وسلم

[ 183 ]

قبل أن يقيد الامام الخامسة بالسجدة ثم قيدها بالسجدة فسدت صلاتهم جميعا اه‍. وسواء كان المأموم مسبوقا أو مدركا كما في الظهيرية. وإذا لم يبطل فرض الامام بعوده قبل السجود لم يبطل فرض المأموم وإن سجد لما في المحيط: لو صلى إمام ولم يقعد في الرابعة من الظهر وقام إلى الخامسة فركع وتابعه القوم ثم عاد الامام إلى القعدة ولم يعلم القوم حتى سجد واسجدة لا تفسد صلاتهم لانهم لما عاد الامام إلى القعدة ارتفض ركوعه فيرتفض ركوع القوم أيضا تبعا له لانه بناء عليه فبقي لهم زيادة سجدة وذلك لا يفسد الصلاة اه‍. وهذا مما يلغزبه فيقال: مصل ترك القعدة الاخيرة وقيد الخامسة بسجدة ولم تبطل صلاته، ومصل قعد ولم يعتبر قعودة وبطلت بتركه. وقيد بقوله ولم يعلم القوم لما في المجتبي أنه لو عاد الامام إلى القعود قبل السجود وسجد المقتدي عمدا تفسد وفي السهو خلاف، والاحوط الاعادة اه‍. وفي فتح القدير: ولا يخفى عدم متابعتهم له فيما إذا قام قبل القعدة وإذا عاد لا يعيد والتشهد. قوله (فصارت نفلا فيضم إليها سادسة) لما سبق مرارا من أنه لا يلزم من بطلان الوصف بطلان الاصل عندهما خلافا لمحمد فيضم سادسة لا التنفل بالوتر غير مشروع ولو لم يضم فلا شئ عليه لانه ظان وشروعه ليس بملزم. وإذا اقتدى به إنسان في الخامسة ثم أفسدها فعلى قول محمد لا يتصور القضاء، وعندهما يقضي ستا لشروعة في تحريمة الست بخلاف ما إذا عاد الامام قبل السجدة فإنه يقضي أربعا. ثم صرح المصنف في الوافي بأن ضم السادسة مندوب وتركه في المختصر للاختلاف. وفي عبارة القدوري تبعا لرواية الاصل إشارة إلى الوجوب فإنه قال: وكان عليه أن يضم إليها ركعة سادسة. ووجهه في فتح القدير بعدم جواز التنفل بالوتر. وفي المبسوط: وأحب إلي أن يشفع الخامسة لان النفل شرع شفعا لا وترا. كذا في البدائع. والاظهر الندب لان عدم جواز التنفل بالوتر إنما هو عند القصد، أما عند عدمه فلا ولهذا لا يلزمه شئ لو قطعه. وفي السراج الوهاج: إن ضم السادسة في سائر الصلوات إلا في العصر فإنه لا يضم إليها لانه يكون تطوعا قبل المغرب وذلك مكروه، وفي قاضيخان إلا الفجر فإنه لا يضيف إليها لان التنفل قبلها وبعدها مكروه اه‍. وسيأتي أن

[ 184 ]

الصحيح أنه لو قعد على رأس الرابعة وقام إلى الخامسة وقيدها بسجدة فإنه يضم سادسة ولو كان في الاوقات المكروهة فينبغي أن لا يكره هنا أيضا على الصحيح إذ لا فرق بينهما، ولم يذكر المصنف سجود السهود لان الاصح عدمه لان النقصان بالفساد لا ينجبر بالسجود. ثم اعلم أنه لا فرق في عدم البطلان عند العود قبل السجود والبطلان إن قيد بالسجود بين العمد والسهو ولذا قال في الخلاصة: فإن قام إلى الخامسة عمدا أيضا لا تفسد ما لم يقيد الخامسة بالسجدة عندنا. ثم اعلم أيضا أن البطلان بالتقييد بالسجدة أعم من أن يكون قد قرأ في الركعة الخامسة أو لا كما في الخلاصة، وقد يقال: إن المفسد خلط النفل بالفرض قبل إكماله والركعة بلا قراءة في النفل غير صحيحة فلم يوجد الخلط فكان زيادة ما دون الركعة وهو ليس بمفسد قوله: (وإن قعد في الرابعة ثم قام عاد وسلم) لان التسليم في حالة القيام غير مشروع وأمكنه الاقامة على وجهه بالقعود لان ما دون الركعة بمحل الرفض، ثم إذا عاد لا يعيد التشهد، وكذا لو نام قاعدا. وقالالناطفي: يعيد ثم قيل القوم يتبعونه فإن عاد عادوا معه وإن مضى في النافلة اتبعوه لان صلاتهم تمت بالقعدة، والصحيح أنهم لا يتبعونه لانه لا اتباع في البدعة فإن عاد قبل تقييد الخامسة بالسجدة اتبعوه بالسلام فإن قيد سلموا في الحال. قوله: (وإن سجد للخامسة تم فرضه وضم إليه سادسة) أي لم يفسد فرضه بسجوده كما فسفيما إذا لم يقعد. هذا ا هو المراد بالتمام وإلا فصلاته ناقصة كما سيأتي. وإنما لم يفسد لان الباقي إصابة لفظ السلام وهي واجبة وإنما يضم إليها أخرى لتصير الركعتان له نفلا للنهي عن الركعة الواحدة، وإذا ضم فإنه يتشهد ويسلم ثم يسجد للسهو كما سيأتي ثم لا ينوبان عن سنة الظهر وهو الصحيح لان المواظبة عليهما إنما كانت بتحريمة مبتدأه. أطلق في الضم فشمل ما إذا كان في وقت مكروه كما بعد الفجر والعصر لان التطوع إنما يكره

[ 185 ]

فيهما إذا كان عن اختيار أما إذا لم يكن عن اختيار فلا وعليه الاعتماد. وكذا في الخانية وهو الصحيح. كذا في التبيين وعليه الفتوى. كذا في المجتبى لكن اختلف في الضم في غير وقت الكراهة قيل بالوجوب وقيل بالاستحباب كما قدمناه. وأما في وقت الكراهة فقيل بالكراهة والمعتمد المصحح أنه لا بأس به كما عبروا به بمعنى أن الاولى تركه فظاهره أنه لم يقل أحد بوجوبه ولا باستحبابه. وفرق الشارح بين الفجر والعصر فصحح أنه لا يكره في العصر وجزم بالكراهة في الصبح وفيه نظر، إذ لا فرق بين الفجر والعصر فكما صحح عدمها في العصر لزمه تصحيح عدمها في الفجر ولذا سوى بينهما في فتح القدير وقال: والنهي عن التنفل القصدي بعدهما ولذا إذا تطوع من آخر الليل فلما صلى ركعة طلع الفجر الاول أن يتمها ثم يصلي ركعتي الفجر لانه لم يتنفل بأكثر من ركعتي الفجر قصدا اه‍. وصرح في التجنيس بأن الفتوى على رواية هشام من عدم الفرق بين الصبح والعصر في عدم كراهة الضم وإن لم يتم الركعتين نفلا فلا شئ عليه كما قدمناه. وفي المحيط: وإن شرع معه رجل في الخامسة يصلي ركعتين عند أبي يوسف وعند محمد ستا بناءا على أن إحرام الفرض انقطع بالانتقال إلى النفل عند أبي يوسف لان من ضرورة الانتقال إلى النفل انقطاع الفرض فلم يصح شارعا إلا في هذا الشفع، وعند محمد لم ينقطع إحرام الفرض وهو الاصح لانه صار شارعا في النفل من غير تكبيرة جديدة، ولو انقطعت التحريمة لاحتاج إلى تكبيرة جديدة لان الاحرام الجديد لا ينعقد إلا بتكبيرة جديدة، ولما بقيت التحريمة صار شارعا في الكل. ولو قطع المقتدي هذا النفل قال محمد: لا شئ عليه لانها غير مضمونة على الامام فلا تصير مضمونة على المقتدي. وقال ابو يوسف: يلزمه قضاء ركعتين وهو الاصح لان النفل مضمون في الاصل وإنما لم يصر مضمونا على الامام هنا لعارض وهو شروعه فيه ساهيا، وقد انعدم هذا العارض في حق المقتدي فبقيت صلاة الامام مضمونة في حق المقتدي بخلاف اقتداء البالغ بالصبي في النوافل فلا يصح عند عامة المشايخ لان التطوع إنما لم يصر مضمونا على الصبا بأمر أصلي وهو الصبى فلا يمكن أن يجعل معدوما في حق المقتدي فبقي بمنزلة اقتداء المفترض بالمتنفل اه‍. فالحاصل أن المصحح قول محمد في كونه يصلي ستا وقول أبي يوسف في لزوم

[ 186 ]

ركعتين لو أفسدها. وفي السراج الوهاج: وعليه الفتوى. وقد قدمنا أنه إذا اقتدى به في الخامسة ولم يكن قعد الامام قدر التشهد ولم يعد فإنه يلزمه الست، والفرق بين المسألتين أن في المسألة الاولى التزم صلاة الامام وهي ست ركعات نفلا والشروع في النفل لا يوجب أكثر من ركعتين إلا بالاقتداء، وههنا الامام لم يكن متنفلا إلا بركعتين فلزم المأموم ركعتان. وفي السراج الوهاج: إذا قعد في الرابعة قدر التشهد وقام إلى الخامسة ساهيا واقتدى به رجل لا يصح اقتداؤه ولو عاد إلى القعدة لانه لما قام إلى الخامسة فقد شرع في النفل فكان اقتداء المفترض بالمتنفل ولو لم يقعد مقدار التشهد صح الاقتداء لانه لم يخرج من الفرض قبل أن يقيدها بسجدة اه‍.. قوله (وسجد للسهو) الظاهر رجوعه إلى كل من المسألتين، فإن كانت الاولى وهي ما إذا عاد وسلم فظاهر لانه آخر الواجب وهو السلام، وكذا إذا شك في صلاته فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا فاشتغل بفكره حتى آخر السلام لزمه السهو، وإن كانت الثانية وهي ما إذا لم يعد حتى سجد ففيه ثلاثة أقوال، فعند أبي يوسف سبب سجوده النقصان المتمكن في النفل بالدخول فيه لا على الوجه المسنون لانه لا وجه لان يجب لجبر نقصان في الفرض لانه قد انتقل منه إلى النفل، ومن سها في صلاة لا يجب عليه أن يسجد في أخرى، وعند محمد هو لجبر نقصان تمكن بالدخول فيه في الفرض بترك الواجب وهو السلام. وصحح الماتريدي أنه جابر للنقص المتمكن في الاحرام فينجبر النقص المتمكن في الفرض والنفل جميعا واختاره في الهداية قوله ولو سجد للسهو في شفع التطوع لم يبن شفعا آخر عليه) لان السجود يبطل لوقوعه في وسط الصلاة وهو غير مشروع إلا على سبيل المتابعة، وظاهر كلامهم أنه يكره البناء كراهة تحريم لتصريحهم بأنه غير مشروع. وفي فتح القدير: الحاصل أن نقض الواجب

[ 187 ]

وإبطاله لا يجوز لا إذا استلزم تصحيحه نقض ما هو فوقه اه‍. وإنما قال لم يبن ولم يقل لم يصح البناء لان البناء صحيح وإن كان مكروها لبقاء التحريمة. واختلفوا في إعادة سجود السهو والمختار إعادته لان ما أتى به من السجود وقع في وسط الصلاة فلا يعتد به كالمسافر إذا نوى الاقامة بعدما سجد للسهو ويلزم الاربع ويعيد السجود. قيد بشفع التطوع لانه لو كان مسافرا فسجد للسهو وثم نوى الاقامة فله ذلك لانه لو لم يبن وقد لزم الاتمام بنية الاقامة بطلت صلاته، وفي البناء نقض الواجب ونقض الواجب أدنى فيتحمل دفعا للاعلى لكن يرد على التقييد بشفع التطوع أنه لو صلى فرضا تاما وسجد للسهو وثم أراد أن يبني نفلا عليه ليس له ذلك لما تقدم، فلو قال فلو سجد في صلاة لم يبن صلاة عليها إلا في المسافر لكان أولى ولذا لم يقيد في الخلاصة بالتطوع وإنما قال:: وإذا صلى ركعتين وسها فيها فسجد لسهوه بعد السلام ثم أراد أن يبني عليها ركعتين لم يكن له ذلك بخلاف المسافر إلا أن يقال: إن الحكم في الفرض يكون بالاولى لانه يكره البناء على تحريمته، سواء كان سجد للسهو أو لا بخلاف شفع التطوع قوله (ولو سلم الساهي فاقتدى به غيره فإن سجد صح وإلا لا) وقال محمد: هو صحيح، سجد الامام أو لم يسجد، لان عنده سلام من عليه السهو ولا يخرجه عن الصلاة أصلا لانها وجبت جبرا للنقصان فلا بد أن يكون في إحرام الصلاة. وعندهما يخرجه على سبيل التوقف لانه محلل في نفس وإنما لا يعمل لحاجته إلى أداء السجدة فلا تظهر دونها ولا حاجة على اعتبار عدم العود. ويظهر الاختلاف في صحة الاقتداء وفي انتقاض

[ 188 ]

الطهارة بالقهقهة وتغيير الفرض بنية الاقامة في هذه الحالة. كذا في الهداية وغيرها. وظاهره أن الطهارة تنتقض عنده بالقهقهة مطلقا، وعندهما إن عاد إلى السجود انتقضت وإلا فلا كما صرح به في غاية البيان وهو غلط، فإنه لا تفصيل فيه بين السجود وعدمه عندهما لان القهقهة أوجبت سقوط سجود السهو عند الكل لفوات حرمة الصلاة لانها كلام، وإنما الحكم هو النقض عنده وعدمه عندهما كما صرح به في المحيط وشرح الطحاوي، وظاهره أيضا أنه لو نوى الاقامة فالامر موقوف عندهما إن سجد لزمه الاتمام وإلا فلا، وعند محمد يتم مطلقا وقد صرح به في غاية البيان وهو غلط أيضا فإن الحكم فيه إذا نوى الاقامة قبل

[ 189 ]

السجود أنه لا يتغير فرضه عندهما ويسقط عند سجود السهو لانه لو سجد فقد عاد إلى حرمة الصلاة فيتغير فرضه أربعا فيقع سجوده في خلال الصلاة فلا يعتد به فلا فائدة في الاشتغال به، وعنده يتمها أربعا ويسجد في آخر صلاته. كذا في المحيط. وذكر في معراج الدراية أن عندهما لا يتغير فرضه، سواء سجد للسهو أو لا، لانه لو تغير قبل السجود لصحت النية قبل السجود ولو صحت لوقعت السجدة في وسط الصلاة فصار كأنه لم يسجد أصلا، فلو الصحت لصحت بلا سجود ولا وجه له عندهما لانه يحصل بعد الخروج فلا يتغير فرضه اه‍. وقيدنا بكونه نوى الاقامة قبل السجود لانه لو نواها بعدما سجد سجدة أو سجدتين تغير فرضه اتفاقا ويسجد في آخرها للسهو لان النية صادفت حرمة الصلاة فصار مقيما. كذا في المحيط. وما في غاية البيان من أن ثمرة الاختلاف تظهر في مسألة رابعة وهي ما إذا اقتدى به إنسان في هذه الحالة ثم وجد منه ما ينافي الصلاة قصدا هل يقضي أم لا، فعند محمد يقضي سجد الامام أو لم يسجد لصحة الاقتداء، وعندهما لا يقضي لعدم صحة الاقتداء، فليست مسألة رابعة بل متفرعة على مسألة المتن وهي صحة الاقتداء فإنه إن صح الاقتداء أو أفسدها لزمه القضاء وإلا فلا. وجعل في الخلاصة ثمرة الاختلاف تظهر أيضا في الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والادعية، فعند محمد يأتي بهما في القعدة الاخيرة وهي قعدة سجود السهو لانها قعدة الختم عنده، وعندهما يأتي بهما في قعدة الصلاة لانه لما عاد إلى السجود تبين أنه لم يكن خارجا فكان الاولى قعدة الختم.

[ 190 ]

قوله (وسجد للسهو وإن سلم للقطع) رفع لايهام التخيير بين السجود وعدمه من قوله فإن سجد صح وإلا لا، فأفاد أن السجود واجب وإن قصد بسلامه قطع صلاته لان هذا السلام غير قاطع لحرمة الصلاة، أما عند محمد فظاهر لانه لا يخرجه عن حرمتها أصلا عنده، وأما عندهما فلا يخرجه خروجا باتا لا ينقطع الاحرام مطلقا، فلما نوى القطع تكون نيته مبدلة للمشروع فلغت كنية الابانة بصريح الطلاق، وكنية الظهر ستا بخلاف ما إذا نوى الكفر فإنه يحكم بكفره لزوال الاعتقاد. قيد بسجود السهو لانه لو سلم وهو ذاكر للسجدة الصلبية تفسد صلاته، والفرق أن سجود السهو يؤتى به في حرمة الصلاة وهي باقية، والصلبية يؤتى بها في حقيقتها وقد بطلت بالسلام العمد. وففتح القدير: واعلم أن ما قدمناه من قولنا أن سلام من عليه السهو لا يخرجه عن حرمة الصلاة لا يستلزم وقوعه قاطعا وإلا لم يعد إلى حرمتها، بل الحاصل من هذا أنه إذا وقع في محله كان محللا مخرجا وبعد ذلك فإن لم يكن عليه شئ مما يجب وقوعه في حرمة الصلاة كان قاطعا مع ذلك، وإن كان فإن سلم ذاكرا له وهو من الواجبات فقد قطع وتقرر النقص وتعذر جبره إلا أن يكون ذلك الواجب نفس سجود السهو، وإن كان ركنا فسدت، وإن سلم غير ذاكر. أن عليه شيئا لم يصر خارجا وعلى هذا تجري الفروع اه‍. وأما إذا سلم وعليه سجدة التلاوة فقد ذكر في الخلاصة وغيرها: ولو سلم وعليه سجدة التلاوة وسجدتا السهو إن سلم وهو غير ذاكر لهما أو ذاكر للسهو خاصة فإن سلامه لا يكون قاطعا للصلاة ويسجد للتلاوة أولا ثم يتشهد ويسلم ثم يسجد للسهو وإن سلم وهو ذاكر لهما أو ذاكر للتلاوة خاصة فإن سلامه يكون قاطعا وسقطت عنه التلاوة والسهو، وإن سلم وعليه سجدة صلبية وسجدتا السهو إن سلم وهو غير ذاكر لهما أو ذاكر للسهو فإن سلامه لا يكون قاطعا وسجد للصلبية ويتشهد ويسلم ثم يسجد للسهو، وإن سلم وهو ذاكر لهما أو ذاكر للصلبية خاصة فإن سلامه يكون قاطعا وفسد ت صلاته، ولو سلم وعليه السجدة الصلبية والتلاوة والسهو إن سلم وهو غير ذاكر للكل أو ذاكر للسهو لا يكون سلامه قاطعا ويسجد للاول فالاول إن كانت سجدة التلاوة

[ 191 ]

أولا فإنه يسجدها. وإن كانت الصلبية أولا فإنه يسجدها ثم يتشهد بعدها وسلم ثم يسجد سجدتي السهو. وإن كان ذاكرا للصلبية أو التلاوة أو لهما فسدت صلاته وصار سلامه قاطعا للصلاة لانه سلام سهو في حق أحدهما وسلام عمد في حق الآخر وسلام السهو لا يخروسلام العمد يخرج فترجح جانب الخروج احتياطا. ولو سلم وعليه السهو والتكبير والتلبية بأن كان محرما وهو في أيام التشريق فإنه لا يسقط عنه ذلك كله سواء كان ذاكرا للكل أو ساهيا للكل اه‍. وبهذا علم أن قوله وسجد للسهو وإن سلم للقطع مقيد بما إذا لم يكن عليه سجدة صلبية أو سجدة تلاوة متذكرا لها، فإن كانت صلبية فسدت الصلاة، وإن كانت تلاوة لم تفسد وسقط عنه سجود السهو كما سقط عنه سجود التلاوة، وفي نفسي من سقوط سجود السهو شئ لان التلاوة إنما سقطت لكون الصلاة خارجها وقد صار خارجا. وأما سجود السهو شئ لان التلاوة إنما سقطت لكون الصلاتية لا تقضى خارجها وقد صار خارجا. وأما سجود السهو فإنه لا يؤدى في نفس الصلاة وإنما يؤدي في حرمتها، وقد علل في فتح القدير لسقوطهما بامتناع البناء بسبب الانقطاع إلا إذا تذكر أنه لم يتشهد فإنه يتشهد ويسجد للتلاوة وصلاته تامة اه‍. وعلل لسقوطها في البدائع بأنه سلام عمد صار به خارجا من الصلاة اه‍. ولعله لما صار قاطعا بالنسبة إلى التلاوة صار قاطعا لسجود السهو بطريق التبعية بخلاف ما إذا لم يكن عليه تلاوية ولا صلبية فإنه لم يجعل قاطعا بالنسة إلى شئ. وفي الولوالجية: ولوسها فسلم ثم قام فكبر ودخل في صلاة أخرى فرضا كان أو نفلا لا يجب عليه سجود السهلان التحريمة الاولى قد انقطعت وهذه تحريمة قد استؤنفت، فالنقصان الذي حصل في التحريمة الاولى لا يمكن جبره بفعله في التحريمة الاخرى.

[ 192 ]

قوله (وإن شك أنه كصلى أول مرة استأنف وإن كثر تحري وإلا أخذ بالاقل) لقوله عليه الصلاة والسلام إذا شك أحدكم في صلاته فليستقبل بحمله على ما إذا كان أول شك عرض له توفيقا بينه وبين ما في الصحيح مرفوعا إذا شك أحدكم فليتحر الصواب فليتم عليه (1) بحمله على ما إذا كان الشك يعرض له كثيرا، وبين ما رواه الترمذي مرفوعا إذا سها أحدكم في صلاته فلم يدر واحدة صلى أو اثنتين فليبن على واحدة، وإن لم يدر ثنتين صلى أو ثلاثا فليبن على ثنتين، فإن لم يدر ثلاثا صلى أو أربعا فليبن على ثلاث وليسجد سجدتين قبل أن يسلم (2) وصححه بحمله على ما إذا لم يكن له ظن فإنه يبني على الاقل، ويساعد هذا الجمع المعنى وهو أنه قادر على إسقاط ما عليه دون حرج لان الحرج بإلزام الاستقبال إنما يلزم عند كثرة عروض الشك له وصار كما إذا شك أنه صلى أولا والوقت باق يلزمه الصلاة لقدرته على حكم الظاهر، وحمل عدم الفساد الذي تظافر عليه الحديثان الآخران على ما إذا كان يكثر منه للزوم الحرج بتقدير الالزام وهو منتف شرعا بالنافي فوجب أن حكمه بالعمل بما يقع عليه التحري قيد بالشك في الصلاة لانه لو شك في أركان الحج ذكر الجصاص أنه يتحرى كما في الصلاة. وقال عاممشايخنا: يؤدي ثانيا لان تكرار الركن والزيادة عليه لا تفسد الحج وزيادة الركعة تفسد الصلاة فكان التحري في باب الصلاة أحوط. كذا في المحيط. وفي البدائع: إنه يبني في الحج على الاقل في ظاهر الرواية، وأفاد كلامه أن الشك كان قبل الفراغ منها فلو شك بعد الفراغ منها أنه صلى ثلاثا أو أربعا لا شئ عليه، ويجعل كأنه صلى أربعا حملا لامره على الصلاح. كذا في المحيط. والمراد بالفراغ منها الفراغ من أركانها، سواء كان قبل السلام أو بعده. كذا في الخلاصة. واستثنى في فتح القدير ما إذا وقع الشك في التعيين ليس غير بأن تذكر بعد الفراغ أنه ترك فرضا وشك في تعيينه قالوا: يسجد سجدة واحدة ثم يقعد ثم يقوم فيصلي ركعة بسجدتين ثم يقعد ثم يسجد للسهو وإلى آخره. ولا حاجة إلى هذا الاستثناء لان كلامنا في الشك بعد الفراغ، وهذا قد تذكر ترك ركن يقينا إنما وقع الشك في تعيينه. نعم يستثنى منه ما ذكره في الخلاصة من أنه

[ 193 ]

لو أخبره رجل عدل بعد السلام أنك صليت الظهر ثلاثا وشك في صدقه وكذبه فإنه يعيد احتياطا لان الشك في صدقة شك في الصلاة بخلاف من إذا كان عنده أنه صلى أربعا فإنه لا يلتفت إلى قول المخبر، وكذا لو وقع الاختلاف بين الامام والقوم إن كان الامام على يقين لا يعيد وإلا أعاد بقولهم. ولو اختلف القوم قال بعضهم صلى ثلاثا، وقال بعضهم صلى أربعا والامام مع أحد الفريقين يؤخذ بقول الامام وإن كان معه واحد، فإن أعاد الامام الصلاة وأعاد القوم معه مقتدين به صح اقتداؤهم لانه إن كان الامام صادقا يكون هذا اقتداء المتنفل بالمتنفل، وإن كان كاذبا يكون اقتداء المفترض بالمفترض إلى آخر ما في الخلاصة. وقيد بكون الشك في العدد بتعبيره بكلمة كم لان مصلي الظهر إذا صلى ركعة بنية الظهر ثم شك في الثانية أنه في العصر ثم شك في الثالثة أنه في التطوع ثم شك في الرابعة أنه في الظهر قالوا: يكون في الظهر والشك ليس بشئ. ولو تذكر مصلي العصر أنه ترك سجدة ولا يدري أنه تركها من صلاة الظهر أو من صلاة العصر الذي هو فيها فإنه يتحرى فإن لم يقع تحريه على شئ يتم العصر ويسجد سجدة واحدة لاحتمال أنه تركها من العصر ثم يعيد الظهر احتياطا ثم يعيد العصر، فإن لم يعد فلا شئ عليه. واختلفوا في معنى قولهم أول مرة فأكثر مشايخنا كما في الخلاصة والخانية والظهيرية على أن معناه أول ما وقع له في عمره يعني لم يكن سها في صلاة قط بعد بلوغه كما ذكره الشارح. وذهب الامام السرخسي إلى أن معناه أن السهو ليس بعادة له لا أنه لم يسه قط. وقال فخر الاسلام: أي في هذه الصلاة. واختارها بن الفضل كما في الظهيرية وكلاهما قريب. كذا في غاية البيان. وفائدة الخلاف بين العبارات أنه إذا سها في صلاته أول مرة واستقبله ثم وقف سنين ثم سها على قول شمس الائمة يستأنف لانه لم يكن من عادته وإنما حصل له مرة واحدة والعادة إنما هي من المعاودة، وعلى العبارتين الاخريين يجتهد في ذلك. كذا في السراج الوهاج وفيه نظر، بل يستأنف على عبارة السرخسي وفخر الاسلام، ويتحرى على قول الاكثر فقط لانه أول سهو وقع له في تلك الصلاة فيستأنف على قول فخر الاسلام كما لا يخفى. وهذا الاختلاف يفسر قولهم وإن كثر تحرى. فعلى قول الاكثر المراد بالكثرة مرتان بعد بلوغه، وعلى قول فخر الاسلام مرتان في صلاة واحدة. وفي المجتبى: وقيل مرتين في سنته، ولعله

[ 194 ]

على قول السرخسي. وأشار المصنف إلى أنه لو شك في بعض وضوئه وهو أول ما عرض له غسل ذلك الموضع وإن كان يعرض له كثيرا لا يلتفت إليه. كذا في معراج الدراية. وفي المجتبى والمبتغي: ومن شك أنه كبر للافتتاح أولا، أو هل أحدث أو لا، أو هل أصابت النجاسة ثوبه أو لا، أو مسح رأسه أم لا، استقبل إن كان أول مرة وإلا فلا اه‍. بخلاف ما لو شك أن هذه تكبيرة الافتتاح أو القنوت فإنه لا يصير شارعا لانه لا يثبت له شروع بعد الجعل للقنوت ولا يعلم أنه نوى ليكون للافتتاح. والمراد بالاستقبال الخروج من الصلاة بعمل مناف لها والدخول في صلاة أخرى والاستقبال بالسلام قاعدا أولى لانه عرف محللا دون الكلام ومجرد النية لغو لا يخرج بها من الصلاة. كذا قالوا وظاهره أنه لا بد من عمل فلو لم يأت بمناف وأكملها على غالب ظنه لم تبطل إلا أنها تكون نفلا ولزمه أداء الفرض لو كانت الصلاة التي شك فيها فرضا، فلو كانت نفلا ينبغي أن يلزمه قضاؤه وإن أكملها لوجوب الاستئناف، ولم أر هذا التفريع منقولا إلا أن قول الشارح وغيره أن الاستقبال لا يتصور إلا بالخروج عن الاولى وذلك بعمل مناف يدل على عدم بطلانها بمجرد الشك كما لا يخفى. والتحري طلب الاخرى وهو ما يكون أكبر رأيه عليه، وعبروا عنه تارة بالظن وتارة بغالب الظن، وذكروا أن الشك تساوي الامرين، والظن رجحان جهة الصواب، والوهم رجحان جهة الخطأ، فإن لم يترجح عنده شئ بعد الطلب فإنه يبني على الاقل فيجعلها واحدة لو شك أنها ثانية، وثانية لو شك أنها ثالثه، وثالثة لو شك أنها رابعة. وعند البناء على الاقل يقعد في كل موضع يتوهم أنه محل قعود فرضا كان القعود أو واجبا كيلا يصير تاركا فرض القعدة أو واجبها، فإن وقع في رباعي أنها الاولى أو الثانية يجعلها الاولى ثم يقعد ثم يقوم فيصلي ركعة أخرى ويقعد ثم يقوم فيصلي ركعة أخرى ويقعد ثم يقوم فيصلي ركعة أخرى فيأتي بأربع قعدات، قعدتان مفروضتان وهي الثالثة والرابعة، وقعدتان واجبتان لكن اقتصر في الهداية على قوله: يقعد في كل

[ 195 ]

موضع يتوهم أنه أخر صلاته كيلا يصير تاركا فرض القعدة. فنسبه في فتح القدير إلى القصور والعذر له أن قعوده في موضع يتوهم أنه محل القعود الواجب ليس متفقا عليه بل فيه اختلاف المشايخ كما نقله في المجتبي، فلعل ما في الهداية مبني على أحد القولين وإن كان الظاهر خلافه وهو القعود مطلقا. وظاهر كلامهم يدل على أن القعود في كل موضع يتوهم أنه آخر صلاته فرض، ولو شك أنها الثانية أو الثالثة أتمها وقعد ثم قام فصلى أخرى وقعد ثم الرابعة وقعد، ولو شك في صلاة الفجر وهو في القيام أنها الثالثة أو الاولى لا يتم ركعته بل يقعد قدر التشهد ويرفض القيام ثم يقوم فيصلي ركعتين ويقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة ثم يتشهد ثم يسجد للسهو. وإن شك وهو ساجد فإن شك أنها الاولى أو الثانية فإنه يمضي فيها سواء شك في السجدة الاولى أو الثانية لانها إن كانت الاولى لزمه المضي فيها، وإن كانت الثانية يلزمه تكميلها. وإذا رفع رأسه من السجدة الثانية يقعد قدر التشهد ثم يقوم فيصلي ركعة، ولو شك في صلاة الفجر في سجوده أنه صلى ركعتين أو ثلاثا إن كان في السجدة الاولى أمكنه إصلاح صلاته لانه إن كان صلى ركعتين كان عليه إتمام هذه الركعة لانها ثانية فيجوز، وإن كانت ثالثة من وجه لا تفسد صلاته عند محمد لانه كما تذكر في السجدة الاولى ارتفعت تلك السجدة وصارت كأنها لم تكن كما لو سبقه الحدث في السجدة الاولى في الركعة الخامسة وهي مسألة زه، وإن كان هذا الشك في السجدة الثانية فسدت صلاته. ولو شك في الفجر أنها ثانية أم ثالثة ولم يقع تحريه على شئ وكان قائما يقعد في الحال ثم يقوم ويصلي ركعة ويقعد، وإن كان قاعدا والمسألة بحالها يتحرى إن وقع تحريه أنها ثانية مضى على صلاته، وإن وقع تحريه أنها ثالثة يتحرى في القعدات، إن وقع تحريه أنه لم يقعد على رأس الركعتين فسدت صلاته، وإن لم يقع تحريه على شئ فسدت صلاته أيضا. وكذا في ذوا ت الاربع إذا شك أنها الرابعة أو الخامسة، ولو شك أنها ثالثة أو خامسة. فعلى مذكرنا في الفجر فيعود إلى القعدة ثم يصلي ركعة أخرى ويتشهد ثم يقوم فيصلي ركعة أخرى ويقعد ويسجد للسهو.

[ 196 ]

ولو شك الوتر وهو قائم أنها ثانيته أم ثالثته يتم تلك الركعة ويقنت فيها ويقعد ثم يقوم فيصلي ركعة أخرى ويقنت فيها أيضا هو المختار إلى هنا عبارة الخلاصة. ولم يذكر المصنف رحمه الله سجود السهو في مسائل الشك تبعا لما في الهداية وهو مما لا ينبغي إغفاله فإنه يجب السجود في جميع صور الشك، سواء عمل بالتحري أو بنى على الاقل. كذا في فتح القدير. وترك المحقق قيدا لا بد منه مما لا ينبغي إغفاله وهو أن يشغله الشك قدر أداء ركن ولم يشتغل حالة الشك بقراءة ولا تسبيح كما قدمناه أول الباب لكن ذكر في السراج الوهاج أن في فصل البناء على الاقل يسجد للسهو، وفي فصل البناء على غلبة الظن إن شغله تفكره مقدار أداء الركن وجب السهو وإلا فلا اه‍. وكأنه في فصل البناء على الاقل حصل النقص مطلقا باحتمال الزيادة فلا بد من جابر، وفي الفصل الثاني النقصان بطول التفكر لا بمطلقه قوله (وإن توهم مصلى الظهر أنه أتمها فسلم ثم علم أنه صلى ركعتين أتمها وسجد للسهو) لانه عليه السلام فعل كذلك في حديث ذي اليدين ولان السلام ساهيا لا يبطل الصلاة لكونه دعاء من وجه قيد به لانه لو سلم على ظن أنه مسافر أو على ظن أنها الجمعة أو كان قريب العهد بالاسلام فظن أن فرض الظهر ركعتان أو كان في صلاة العشاء فظن أنها التراويح فسلم أو سلم ذاكرا أن عليه ركنا فإن صلاته تبطل لانه سلم عامدا. وفي المجتبي: ولو سلم المصلي عمدا قبل التمام قيل تفسد وقيل لا تفسد حتى يقصد به خطاب آدمي اه‍. فينبغي أن لا تفسد في هذه المسائل على القول الثاني. ومراده من قوله ثم علم أنه صلى ركعتين العلم بعدم تمامها ليدخل فيه ما إذا علم أنه ترك سجدة صلبية أو تلاوية بعد السلام، وحكمه أنه إن كان في المسجد ولم يتكلم وجب أن يأتي به وإن انصرف عن القبلة لان سلامه لم يخرجه عن الصلاة حتى لو اقتدى به إنسان بعد هذا السلام صار داخلا فإن سجد سجد معه وإن لم يسجد فسدت صلاته إذا كان المتروك صلبية، وفسدت صلاة الداخل بفسادها بعد صحة الاقتداء ووجب القضاء على الداخل حتى لو دخل في فرض رباعي مثلا يلزمه قضاء الاربع إن كان الامام مقيما، وركعتين إن كان مسافرا وإن كان في الصحراء فانصرف إن جاوز الصفوف خلفه أو يمنة أو يسرة فسدت في الصلبية وتقرر النقص وعدم الجبر في التلاوة، وإن مشى إمامه لم يذكر في ظاهر الرواية، وحكمه إن كان له سترة بني ما لم يجاوزها، وإن لم يكن له سترة فقيل إن مشى قدر الصفوف خلفه عاد أو أكثر امتنع وهو مروي عن أبي يوسف اعتبارا لاحد الجانبين بالآخر. وقيل: إن جاوز موضع سجوده لا يعود وهو الاصح لان ذلك القدر في حكم خروجه من المسجد فكان مانعا من الاقتداء. كذا في فتح

[ 197 ]

القدير. وذكر في التجنيس: إذا سلم الرجل في صلاة الفجر وعليه سجود السهو فسجد ثم تكلم ثم تذكر أنه ترك سجدة صلبية إن تركها من الركعة الاولى فسدت صلاته لانها صارت دينا في ذمته فصارت قضاء وانعدمت نية القضاء، وإن تركها من الركعة الثانية لا تفسد إلا رواية عن أبي يوسف لانها لم تصر دينا في ذمته فنابت سجدتا السهو عن الصلبية ولو كانت المسألة بحالها إلا أنه لما سلم للفجر تذكر أن عليه سجدة التلاوة فسجد لها ثم تذكر أن عليه سجدة صلبية فصلاته فاسدة في الوجهين لان سجدة التلاوة دين عليه فانصرف نيته إلى قضاء الدين فلا تنصرف السجدة إلى غير القضاء اه‍. وفي الظهيرية: وإذا سلم ساهيا وعليه سجدة فإن كان سجدة تلاوة يأتي بها وفي ارتفاض القعدة روايتان، والاصح رواية الارتفاض، وإن كانت صلبية يأتي بها وترتفض القعدة اه‍. وفي التجنيس: إذا صلى رجل من المغرب ركعتين وقعد قدر التشهد فزعم أنه أتمها فسلم ثم قام فكبر ينوي الدخول في سنة المغرب ثم تذكر أنه لم يصل المغرب وقد سجد للسنة أولا فصلاة المغرب فاسدة لانه كبر ونوى الشروع في صلاة أخرى فيكون ناقلا من الفرض إلى النفل قبل إتمامها، وأما إذا سلم ثم تذكر أنه لم يتم فحسب أن صلاته قد فسدت وقام وكبر للمغرب ثانيا وصلى ثلاثا إن صلى ركعة وقعد قدر التشهد أجزأه المغرب الاول لان نية المغرب ثانيا لا تصح، بقي مجرد التكبير وذا لا يخرجه عن الصلاة اه‍. ومسائل السجدات معلومة في كتب الفتاوى وغيرها فلا نطيل بذكرها والله سبحانة وتعالى أعلم بالصواب. باب صلاة المريض ذكرها عقب سجود السهو لانها من العوارض السماوية، والاول أعم موقعا لشموله المريض والصحيح فكانت الحاجة إلى بيانه أمس فقدمه. وتصور مفهوم المرض ضروري إذ لا

[ 198 ]

شك أن فهم المراد من لفظ المرض أجلى من فهمه من قولنا معنى يزول بحلوله في بدن الحي اعتدال الطبائع الاربع، بل ذلك يجري مجرى التعريف بالاخفى. وعرفه في كشف الاسرار بأنه حالة للبدن خارجة عن المجرى الطبيعي، والاضافة فيه من باب إضافة الفعل إلى فاعله كقيام زيد أو إلى محله كتحريك الخشب قوله: (تعذر عليه القيام أو خاف زيادة المرض صلى قاعدا يركع ويسجد) لقوله تعالى * (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم) * (آل عمران: 191) قال ابن مسعود وجابر وابن عمر: الآية نزلت في الصلاة أي قياما إن قدروا، وقعودا إن عجزوا عنه، وعلى جنوبهم إن عجزوا عن القعود. ولحديث عمران بن حصين أخرجه الجماعة إلا مسلما قال: كانت بي بواسير فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فقال صلى الله عليه وسلم: صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنبك. زاد النسائي: فإن لم تستطع فمستلقيا * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) *. ثم المصنف رحمه الله أراد بالتعذر التعذر الحقيقي بحيث لو قام سقط بدليل أنه عطف عليه التعذر الحكمي وهو خوف زيادة المرض. واختلفوا في التعذر فقيل ما يبيح الافطار، وقيل التيمم، وقيل بحيث لو قام سقط، وقيل ما يعجزه عن القيام بحوائجه، والاصح أن يلحقه ضرر بالقيام. كذا في النهاية والمجتبي وغيرهما. وإذا كان التعذر أعم من الحقيقي والحكمي فلا حاجة إلى جعل التعذر بمعنى التعسر وأنهم لا يريدون به عدم الامكان كما في الذخيرة. وفي المجتبى: حد المرض المسقط للقيام والجمعة والمبيح للافطار والتيمم زيادة العلة أو امتداد المرض أو اشتداده أو يجد به وجعا ا ه‍. قيد بتعذر القيام أي جميعه لانه لو قدر عليه متكئا أو متعمدا على عصا أو حائظ لا يجزئه إلا كذلك خصوصا على قولهما فإنهما يجعلان قدرة الغير قدرة له. قال الهندواني: إذا قدر على بعض القيا يقوم ذلك ولو قدر آية أو تكبيرة ثم يقعد وإن لم يفعل ذلك خفت أن تفسد صلاته. هذا هو المذهب ولا يروى عن أصحابنا خلافه. وكذا إذا عجز عن القعود وقدر على الاتكاء والاستناد إلى إنسان أو إلى حائط أو إلى وسادة لا يجزئه إلا كذلك، ولو

[ 199 ]

استلقى لا يجزئه. ودخل تحت العجز الحكمي ما لو صام رمضان صلى قاعدا وإن أفطر صلى قائما يصوم ويصلي قاعدا، وما لو عجز عن السجود وقدر على القيام فإنه لا يجب عليه القيام. وما لو صلى قائما سلس بوله ولو صلى قاعدا لا فإنه يصلي قاعدا بخلاف ما لو كان لو قام أو قعد سال بوله ولو استلقى لا فإنه يصلي قاعدا ولا يستلقي لانها مستلقيا لا تجوز عند الاختيار بحال كما لا تجوز مع الحدث فاستويا، وتمامه في المحيط: وما لو كان في بطنها ولد فأخرجت إحدى يديه وتخاف خروج الوقت تصلي بحيث لا يلحق الولد ضرر لان الجمع بين حق الله وحق الولد ممكن كما في التجنيس، وما لو خاف من العدوان صلى قائما أو كان في خباء لا يستطيع أن يقيم صلبه فيه وإن خرج لم يستطع أن يصلي من الطين والمطر أنه يصلي قاعدا ومن به أدنى علة وهو في طريق فخاف إن نزل عن المحمل للصلاة بقي في الطريق فإنه يجوز أن يصلي الفرائض على محمله، وكذا المريض الراكب إذا لم يقدر على النزول ولا على من ينزله بخلاف ما لو قدر على من ينزله. واختلف المشايخ فيما إذا كان يستطيع القيام لو صلى فبيته ولو خرج إلى الجماعة يعجز عن القيام، والاصح أنه يخرج إلى الجماعة ويصلن قاعدا. كذا في الولوالجية وقدمنا في باب صفة الصلاة أن الفتوى على خلافه. قوله: (وموميا إن تعذر) أي يصلي موميا وهو قاعد إن تعذر الركوع والسجود لما قدمناه، ولان الطاعة بحسب الطاقة. وفي المجتبى: وقد كان كيفية الايماء بالركوع والسجود مشتبها على أنه يكفيه بعض الانحناء أم أقصى ما يمكنه إلى أن ظفرت بحمد الله على الرواية وهو ما ذكره شمس الائمة الحلواني أن المومي إذا خفض رأسه للركوع شيئا ثم للسجود جاز، ولو وضع بين يديه وسائد وألصق جبهته عليها ووجد أدنى الانحناء جاز عن الايماء وإلا فلا. ومثله في تحفة الفقهاء وذكر أبو بكر إذا كان بجبهته وأنفه عذر يصلي بالايماء ولا يلزمه تقريب الجبهة إلى الارض بأقصى ما يمكنه وهذا نص في بابه ا ه‍. ثم إذا صلى المريض قاعدا بركوع وسجود أو بإيماء كيفيقعد، أما في حال التشهد فإنه يجلس كما يجلس للتشهد بالاجماع، وأما في حالة القراءة وحال الركوع روي عن أبي حنيفة أنه يجلس كيف شاء من غير كراهة إن شامحتبيا وإن شاء متربعا وإن شاء على ركبتيه كما في التشهد. وقالزفر: يفترش رجله اليسرى في جميع صلاته. والصحيح ما روي عن أبي حنيفة لان عذر المرض أسقط عنه الاركان فلان يسقط عن الهيئات أولى. كذا في البدائع. وفي الخلاصة والتجنيس والولوالجية: الفتوى على قول زفر لان ذلك أيسر على المريض ولا يخفى ما فيه، بل الايسر

[ 200 ]

عدم التقييد بكيفية من الكيفيات والمذهب الاول. وفي الخلاصة: وإن لم يقدر على السجود من جرح أو خوف أو مرض فالكل سواء. ومن صلى وبجبهته جرح لا يستطيع السجود عليه لم يجزه الايماء وعليه أن يسجد على أنفه وإن لم يسجد على أنفه لم يجزه. ثم قال: وفي الزيادات: رجل بحلقه جراح لا يقدر على السجود ويقدر على غيره من الافعال فإنه يصلي قاعدا بالايماء ا ه‍. وبهذا ظهر أن تعذر أحدهما كا ف للايماء بهما. وفي البدائع: إن الركوع يسقط عمن يسقط عنه السجود وإن كان قادرا على الركوع ا ه‍. ولم أر حكم ما إذا تعذر الركوع دون السجود وكأنه غير واقع وفي القنية: أخذته شقيقة لا يمكنه السجود يومئ قوله: (وجعل سجوده أخفض) أي أخفض من ركوعه لانه قائم مقامهما فأخذ حكمهما، وعن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في صلاة المريض: إن لم يستطع أن يسجد أومأ وجعل سجوده أخفض من ركوعه. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من لم يقدر على السجود فليجعل سجوده ركوعا وركوعه إيماء والركوع أخفض من الايماء كذا في البدائع. وظاهره كغيره أنه يلزمه جعل السجود أخفض من الركوع حتى لو سواهما لا يصح ويدل عليه أيضا ما سيأتي قوله: (ولا يرفع إلى وجهه شيئا يسجد عليه فإن فعل وهو يخفض رأسه صح وإلا لا) أي وإن لم يخفض رأسه لم يجز لان الفرض في حقه الايماء ولم يوجد فإن لم يخفض فهو حرام لبطلان الصلاة المنهي عنه بقوله تعالى * (ولا تبطلوا أعمالكم) * (محمد: 33) وأما نفس الرفع المذكور فمكروه، وصرح به في البدائع وغيره لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على مريض يعوده فوجده يصل كذلك فقال: إن قدرت أن تسجد على الارض فاسجد وإلا فأوم برأسك. وروي أن عبد الله بن مسعود دخل على أخيه يعوده فوجده يصلي ويرفع إليه عود فيسجد عليه فنزع ذلك من يد من كان في يده وقال: هذا شئ عرض لكم الشيطان أوم بسجودك. وروي أن ابن عمر رأى ذلك من مريض فقال: أتتخذون مع الله آلهة؟ ا ه‍. واستدل للكراهة في المحيط بنهيه عليه السلام عنه وهو يدل على كراهة التحريم. وأراد بخفض الرأس خفضها للركوع ثم للسجود أخفض من الركوع حتى لو سوى لم يصح كما ذكره الولوالجي في

[ 201 ]

فتاواه. ولو رفع المريض شيئا يسجد عليه ولم يقدر على الارض لم يجز إلا أن يخفض برأسه لسجوده أكثر من ركوعه ثم يلزقه بجبينه فيجوز لانه لما عجز عن السجود وجب عليه الايماء والسجود على الشئ المرفوع ليس بالايماء إلا إذا حرك رأسه فيجوز لوجود الايماء لا لوجود السجود على ذلك الشئ ا ه‍. وصححه في الخلاصة. قيد بكوفرضه الايماء لعجزه عن السجود إذ لو كان قادرا على الركوع والسجود فرفع إليه شئ‌فسجد عليه قالوا: إن كان إلى السجود أقرب منه إلى القعود جاز وإلا فلا. كذا في المحيط. وفي السراج الوهاج: ثم إذا وجد الايماء فهو مصل بالايماء على الاصح لا بالسجود حتى لا يجوز اقتداء من يركع ويسجد به. قوله: (وإن تعذر القعود أومأ مستلقيا أو على جنبه) لان الطاعة بحسب الاستطاعة. والتخيير بين الاستلقاء على القفا والاضطجاع على الجنب جواب الكتب المشهورة كالهداية وشروحها. وفي القنية: مريض اضطجع على جنبه وصلى وهو قادر على الاستلقاء، وقيل يجوز والاظهر أنه لا يجوز. وإن تعذر الاستلقاء يضطجع على شقه الايمن أو الايسر ووجهه إلى القبلة ا ه‍. وهذا الاظهر خفي والاظهر الجواز. وقدم المصنف الاستلقاء لبيان الافضل وهو جواب المشهور من الروايات. وعن أبي حنيفة أن الافضل أن يصلي على شقه الايمن. وبه أخذ الشافعي لحديث عمران بن حصين السابق، وللتصريح به في الآية، ولان استقبال القبلة يحصل به، ولهذا يوضع في اللحد هكذا ليكون مستقبلا للقبلة. فأما المستلقي يكون مستقبل السماء وإنما يستقبل القبلة رجلاه فقط ولنا ما روي عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال

[ 202 ]

في المريض: إن لم يستطع قاعدا فعلى القفا يومئ إيماء، ولان التوجه إلى القبلة بالقدر الممكن فرض وذلك في الاستلقاء لان الايماء هو تحريك الرأس فإذا صلى مستلقيا يقع إيماؤه إلى القبلة، وإذا صلى على الجنب يقع منحرفا عنها ولا يجوز الانحراف عنها من غير ضرورة. وقيل: إن المرض الذي كان بعمران باسور فكان لا يستطيع أن يستلقي على قفاه. والمراد في الآية الاضطجاع يقال فلان وضع جنبه إذا نام وإن كان مستلقيا بخلاف الوضع في اللحد لانه ليس على الميت فعل يجب توجيهه إلى القبلة ليوضع مستلقيا فكان الاستقبال في الوضع على الجنب. وأطلق في تعذر العقود فشمل التعذر الحكمي كما لو قدر على القعود ولكن بزغ الماء من عينيه فأمره الطبيب أن يستلقي أياما على ظهره ونهاه عن القعود والسجود أجزأه أن يستلقي ويصلي بالايماء لان حرمة الاعضاء كحرمة النفس. كذا في البدائع. وفي الخلاصة: وإذا لم يقدر على القعود صلى مضطجعا على قفاه متوجها نحو القبلة ورأسه إلى المشرق ورجلاه إلى المغرب. وفي المجتبى: وينبغي للمستلقي أينصب ركبتيه إن قدر حتى لا يمد رجليه إلى القبلة. وفي العناية: يجعل وسادة تحت رأسه حتى يكون شبه القاعد ليتمكن من الايماء بالركوع والسجود لان حقيقة الاستلقاء تمنع الاصحاء عن الايماء فكيف بالمرضى؟ واقتصار المصنف على بيان البدل للاركان الثلاثة أعني القيام والركوع والسجود إشارة إلى أن القراءة لا بدل لها عند العجز عنها فيصلي بغير القراءة وفي المجتبى: قيل في الامي والاخرس يجب تحريك الشفة واللسان كتلبية الحج، وقيل لا يجب وإذا لم يعرف إلا قوله الحمد لله يأتي به في كل ركعة ولا يكررها بخلاف التحيات في التشهد فإنه يكررها قدر التشهد لكون القعود مقدرا ا ه‍. وأشار بسقوط الاركان عند العجز إلى سقوط الشرائط عند العجز عنها بالاولى، فلو كان وجه المريض إلى غير القبلة ولم يقدر على التحويل إليها بنفسه ولا بغيره يصلي كذلك لانه ليس في وسعه إلا ذلك، ولا إعادة عليه بعد البرء في ظاهر الجواب لان العجز عن تحصيل الشرائط لا يكون فوق العجز عن تحصيل الاركان وثمة لا تجب الاعادة فههنا أولى. كذا في البدائع. وفي الخلاصة: فإن وجد أحدا يحوله فلم يأمره وصلى إلى غير القبلة جاز عند أبي حنيفة بناء على أن الاستطاعة بقوة الغير ليست بثابتة عنده، وعلى هذا لو صلى على فراش نجس ووجد أحدا يحوله إلى مكان طاهر ثم قال مريض مجروح تحته ثياب نجسة، إن كان بحال لا يبسط تحته شئ‌إلا تنجس من ساعته له أن يصلي على حاله، وكذا لو لم يتنجس الثاني إلا أنه يزدا مرضه له أن يصلي فيه ا ه‍. وفي الولوالجيه: المريض إذا كان لا يمكنه

[ 203 ]

الوضوء أو التيمم وله جارية فعليها أن توضئه لانها مملوكة وطاعة المالك واجبة إذا عرى عن المعصية، وإذا كان له امرأة لا يجب عليها أن توضئه لان هذا ليس من حقوق النكاح إلا إذا تبرعت فهو إعانة على البر. والعبد المريض إذا كان لا يستطيع أن يتوضأ يجب على مولاه أن يوضئه بخلاف المرأة المريضة حيث لا يجب على الزوج أن يتعاهدها لان المعاهدة إصلاح الملك وإصلاح الملك على المالك، وأما المرأة حرة فكا إصلاحها عليها ا ه‍. وفي التجنيس: قال أبو حنيفة في متوضئ لا يقدر على مكان طاهوقد حضرت الصلاة صلى بالايماء ثم يعيد ما صلى بالايماء قضاء لحق الوقت بالتشبه وإنما يعيد لان العذر جاء من قبل العبد. وقال محمد: لا يصلي الماشي وهو يمشي ولا السابح وهو يسبح في البحر ولا السائف وهو يضرب بالسيف لان هذه الافعال منافية للصلاة، ولهذا شغل النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاته يوم الخندق لاجل القتال ثم قال: الغريق في البحر إذا حضرته الصلاة إن وجد ما يتعلق به أو كان ماهرا في السباحة بحيث يمكنه الصلاة بالايماء من غير أن يحتاج فيه إلى عمل كثير افترض عليه أداء الصلاة لانه قادر، ولو لم يجد ما يتعلق به ولم يكن ماهرا في السباحة يعذر بالتأخير إلى أن يخرج لانه غير قادر على أداء الصلاة ا ه‍. وفي القنية: مريض لا يمكنه الصلاة إلا بأصوات مثل أوه ونحوه يجب عليه أن يصلي ولو اعتقل لسانه يوما وليلة فصلى صلاة الاخرس ثم انطلق لسانه لا تلزمه الاعادة. قوله: (وإلا أخرت) أي وإن لم يقدر على الايماء برأسه أخرت الصلاة إلى القدرة. وفي الهداية: وقوله أخرت عنه إشارة إلى أنه لا تسقط الصلاة عنه، وإن كان العجز أكثر من يوم وليلة إذا كان مفيقا هو الصحيح لانه يفهم مضمون الخطاب بخلاف المغمى عليه ا ه‍. وذهب شيخ الاسلام وقاضيخان وقاضي غنى إلى أن الصحيح هو السقوط عند الكثرة لا القلة. وفي الظهيرية: وهو ظاهر الرواية وعليه الفتوى. وفي الخلاصة: وهو المختار لان مجرد العقل لا يكفي لتوجه الخطاب. وصححه في البدائع وجزم به الولوالجي وصاحب التجنيس مخالفا لما في الهداية، واختاره المصنف في الكافي وصححه في الينابيع ورجحه في فتح القدير بالقياس على المغمى عليه ا ه‍. وعلى هذا فمعنى قوله عليه السلام فالله أحق بقبول العذر أي عذر السقوط، وعلى ما اختاره صاحب الهداية معناه بقبول عذر التأخير. كذا في معراج الدراية. واستشهد قاضيخان بما ذكره محمد فيمن قطعت يداه من المرفقين ورجلاه من الساقين لا صلاة عليه، فثبت أن مجرد العقل لا يكفي لتوجه الخطاب. ورده في

[ 204 ]

التبيين بأنه لا دليل فيه على السقوط لان هناك العجز متصل بالموت وكلامنا فيما إذا صح المريض حتى لو مات المريض أيضا من ذلك الوجه ولم يقدر على الصلاة لا يجب عليه القضاء حتى لا يلزمه الايصاء به فصار كالمسافر والمريض إذا أفطر في رمضان وماتا قبل الاقامة والصحة ا ه‍. ثم اعلم أن ظاهر ما في بعض الكتب يوهم أن في المسألة ثلاثة أقوال: عدم السقوط مطلقا والسقوط مطلقا والتفصيل وليس كذلك، فإن الفوائت إذا كانت صلاة يوم وليلة أو أقل فعليه القضاء بالاجماع كما في البدائع. وغاية البيان إنما محل الاختلاف فيما إذا كثرت وزادت على يوم وليلة فليس فيها إلا قولان، ولانقاضيخان صحح التفصيل في الفتاوى وصاحب الهداية صحح عدم السقوط مطلقا فيما إذا برأ من مرضه، أما إذا مات منه فإنه يلقى الله ولا شئ عليه اتفاقا ينبغي أن يقال: إن محله إذا لم يقدر في مرضه على الايماء بالرأس، إما إن قدر عليه بعد عجزه فإنه يلزمه القضاء، وإن كان القضاء يجب موسعا لتظهر فائدته في الايصاء بالاطعام عنه. وفي السراج الوهاج: إن هذه المسألة على أربعة أوجه: إن دام به المرض أكثر من يوم وليلة وهو لا يعقل لا يقضي إجماعا، وإن كان أقل من يوم وليلة أو يوما وليلة وهو يعقل قضى إجماعا، وإن كان أكثر وهو يعقل أو أقل وهو لا يعقل فهو محل الاختلاف، وفي القنية ولا فدية في الصلاة حالة الحياة بخلاف الصوم. ولو كان يشتبه

[ 205 ]

على المريض أعداد الركعات أو السجدات لنعاس يلحقه لا يلزمه الاداء، ولو أداها بتلقين غيره ينبغي أن يجزئه ا ه‍. قوله: (ولم يوم بعينه وقلبه وحاجبه) وقال زفر: يومئ بحاجبه فإن عجز فبعينيه فإن عجز فبقلبه. وقال الشافعي: بعينيه وقلبه. وقالالحسن: بحاجبيه وقلبه ويعيد إذا صح. والصحيح مذهبنا لحديث عمران وابن عمر فإن لم يستطع الايماء برأسه فالله أحق بقبول العذر منه، ولان فرض السجود تعلق بالرأس دون العين والقلب والحاجب فلا ينقل إليها كاليد واعتبارا بالصوم والحج حيث لا ينتقلان إلى القلب بالعجز. وفي فتاوى قاضيخان: المريض إذا عجز عن الايماء فحرك رأسه عن أبي حنيفة أنه قال: تجوز صلاته. وقال الشيخ الامام أبو بكر محمد بن الفضل: لا يجوز لانه لم يوجد منه الفعل ا ه‍. فعلى هذا حقيقة الايماء إنما هي طأطأة الرأس قوله: (وإن تعذر الركوع والسجود لا القيام أومأ قاعدا) لان ركنية القيام للتوصل به إلى السجدة لما فيها من نهاية التعظيم وإذا كان لا يتعقبه السجود لا يكون ركنا فيتخير، والافضل هو الايماء قاعدا لانه أشبه بالسجود، ولا ترد صلاة الجنازة حيث لم يلزمه ثمة سقوط القيام بسبب سقوط السجود لان صلاة الجنازة ليست بصلاة حقيقة بل هي دعاء. وفي المجتبى: وإن أومأ بالسجود قائما لم يجزه وهذا أحسن وأقيس كما لو أومأ بالركوع جالسا لا يصح على الاصح ا ه‍. والظاهر من المذهب جواز الايماء بهما قائما وقاعدا كما لا يخفى. وذكر الولوالجي في فتاواه: رجل به جرح إن صلى بالايماء قائما لا يسيل جرحه وإن ركع وسجد يسيل جرحه يصلي قائما ويومئ للركوع ثم يجلس ويومئ للسجود ليكون أداء الصلاة مع الطهارة، فإن لم يفعل كذلك وصلى قائما هكذا يومئ إيماء

[ 206 ]

لا تجوز صلاته لان الايماء للسجود جالسا أقرب إلى حقيقة السجود ا ه‍. وأومأ بالهمز كذا في السراج الوهاج قوله: (ولو مرض في صلاته يتم بما قدر) يعني قاعدا يركع ويسجد أو مومئا إن تعذر أو مستلقيا إن لم يقدر لانه بناء الادنى على الاعلى فصار كالاقتداء وهذا هو المشهور. وعن أبي يوسف أنه إذا صار إلى حالة الايماء يستقبل الصلاة لان تحريمته انعقدت موجبة للركوع والسجود فلا تجوز بدونهما، ووجه المشهور أنه إذا بنى كان بعض الصلاة كاملا وبعضها ناقصا وإذا استقبل كانت كلها ناقصة فلان يؤدي بعضها كاملا أولى وهو الصحيح قوله: (ولو صلى قاعدا يركع ويسجد فصح بني ولو كان موميا لا أي لو كان يصلي بالايماء فصح لا يبني لانه لا يجوز اقتداء الراكع بالمومئ فكذا البناء، ويجوز اقتداء القائم بالقاعد الذي يركع ويسجد خلافا لمحمد كما سبق. قيد بكونه صلى بالايماء لانه لو كان افتتحها بالايماء ثم قدر قبل أن يركع ويسجد بالايماء جاز له أن يتمها لانه لم يؤد ركنا بالايماء وإنما هو مجرد تحريمة فلا يكون بناء القوي على الضعيف. وأشار إلى أنه لو كان يومئ مضطجعا ثم قدر على القعود ولم يقدر على الركوع والسجود فإنه يستأنف وهو المختار لان حالة القعود أقوى فلا يجوز بناؤه على الضعيف. قوله: (وللمتطوع أن يتكئ على شئ إن أعيا) أي تعب لانه عذر أطلق في الشئ فشمل العصا والحائط. وأشار إلى أن له أن يقعد أيضا عند أبي حنيفة، وعندهما لا يجوز له القعود إلا إذا عجز لما مر من قبل وقيد بقوله إن أعيا لان الاتكاء مكروه بغير عذر لانه إساءة في الادب وفيه اختلاف المشايخ والصحيح كراهته من غير عذر وعدم كراهة القعود من غير عذر عنده قوله: (ولو صلى في فلك قاعدا بلا عذر صح) يعني صلى فرضا قاعدا بلا عذر صحت عند أبي حنيفة وقد أساء كما في البدائع. وقالا: لا يجزئه إلا من علة لان القيام مقدور عليه فلا يترك، وله أن الغالب فيها دوران الرأس وهو كالمحقق الآن أن القيام أفضل لانه أبعد عن شبهة الخلاف والخروج أفضل إن أمكنه لانه أمكن لقلبه والخلاف في غير المربوطة والمربوطة كالشط هو الصحيح. كذا في الهداية وهو مقيد بالمربوطة بالشط، أما إذا كانت مربوطة في لجة البحر فالاصح إن كان الريح يحركها شديدا فهي كالسائرة وإلا فكالواقفة. ثم ظاهر الهداية والنهاية والاختيار جواز الصلاة في المربوطة في الشط مطلقا. وفي الايضاح: فإن كانت موقوفة في الشط وهي على قرار الارض

[ 207 ]

فصلى قائما جاز لانها إذا استقرت على الارض فحكمها حكم الارض، فإن كانت مربوطة ويمكنه الخروج لم تجز الصلاة فيها لانها إذا لم تستقر فهي كالدابة بخلاف ما إذا استقرت فإنها حينئذ كالسرير. واختاره في المحيط والبدائع. وفي الخلاصة: وأجمعوا أنه لو كان بحالة يدور رأسه لو قام تجوز الصلاة فيها قاعدا وأراد بالصلاة قاعدا أن تكون بركوع وسجود لانها لو كانت بالايماء لا تجوز اتفاقا لانه لا عذر. وأطلقها فشمل ما إذا كان منفردا أو بجماعة فلو اقتدى به رجل في سفينة أخرى، فإن كانت السفينتان مقرونتين جاز لانهما بالاقتران صارتا كشئ واحد، وإن كانتا منفصلتين لم يجز لان تخلل ما بينهما بمنزلة النهر وذلك يمنع صحة الاقتداء. وإن كان الامام في سفينة والمقتدون على الجد والسفينة واقفة. فإن كان بينه وبينهم طريق أو مقدار نهر عظيم لم يصح اقتداؤهم به لان الطريق ومثل هذا النهر يمنعان صحة الاقتداء. ومن وقف على أطلال السفينة يقتدي بالامام في السفينة صح اقتداؤه إلا أن يكون أمام الامام لان السفينة كالبيت واقتداء الواقف على السطح بمن هو في البيت صحيح إذا لم يكن أمام الامام، ولا يخفى عليه حاله كذا ههنا. كذا في البدائع. وقيد بترك القيام لانه لو ترك استقبال وجهه إلى القبلة وهو قادر عليه لا يجزئه في قولهم جميعا فعليهم أن يستقبلوا بوجههم القبلة كلما دارت السفينة يحول وجهه إليها. كذا في الاسبيجابي. قوله: (ومن جن أو أغمي عليه خمس صلوات قضى ولو أكثر لا) وهذا استحسان، والقياس أن لا قضاء عليه إذا استوعب الاغماء وقت صلاة كاملة لتحقق العجز. وجه الاستحسان أن المدة إذا طالت كثرت الفوائت فيحرج في الاداء وإذا قصرت قلت: فلا حرج والكثير أن يزيد على يوم وليلة لانه يدخل في حد التكرار والجنون كالاغماء على الصحيح. وفي تحرير الاصول: الجنون ينافي شرط العبادات وهي النية فلا تجب مع الممتد منه مطلقا للحرج وما لا يمتد طارئا جعل كالنوم من حيث إنه عارض يمنع فهم الخطاب زال قبل الامتداد ولانه لا ينفي أصل الوجوب إذ هو بالذمة وهي له حتى ورث وملك وكان أهلا للثواب كأن نوى صوم الغد فجن فيه ممسكا كله صح فلا يقضي لو أفاق بعده ا ه‍. قيد بالجنون والاغماء لان النوم لا يسقط مطلقا حتى لو نام أكثر من يوم وليلة يقضي لان النوم مما لا يمتد يوما وليلة غالبا فلا يحرج في القضاء بخلاف الاغماء لان مما يمتد عادة. وقيده

[ 208 ]

بدوام الاغماء لانه إذا كان يفيق فيها فإنه ينظر، فإن كان لافاقته وقت معلوم مثل أن يخف عنه المرض عند الصبح مثلا فيفيق قليلا ثم يعاوده فيغمى عليه تعتبر هذه الافاقة فيبطل ما قبلها محكم الاغماء إذا كان أقل من يوم وليلة، وإن لم يكن لافاقته وقت معلوم لكنه يفيق بغتة فيتكلم بكلام الاصحاء ثم يغمى عليه فلا عبرة بهذه الافاقة. أطلق في الاغماء والجنون فشمل ما إذا كان بسبب فزع من سبع أو خوف من عدو فلا يجب القضاء إذا امتد إجماعا لان الخوف بسبب ضعف قلبه وهو مرض إلا أنه يرد عليه ما إذا زال عقله بالخمر أو أغمي عليه بسبب شرب البنج أو الدواء فإنه لا يسقط عنه القضاء في الاول وإن طال اتفاقا لانه حصل بما هو معصية فلا يوجب التخفيف، ولهذا يقع طلاقه ولا يسقط أيضا في الثاني عند أبي حنيفة لان النص ورد في إغماء حصل بآفة سماوية فلا يكون واردا في إغماء حصل بصنع العباد لان العذر إذا جاء من جهة غير من له الحق لا يسقط الحق. وقال محمد: يسقط القضاء إذا كثر لانه إنما حصل بما هو مباح. كذا في المحيط. وشمل ما إذا كان الجنون أصليا كما إذا بلغ مجنونا وزال وهو قول محمد، فالعارض والاصلي عنده سواء في سقوط القضاء إذا كثر وعدمه إذا قل. وقالابو يوسف: الاصلي كالصبا فلا قضاء مطلقا. كذا في السراج الوهاج. وقيد بالصلاة في تسوية الجنون بالاغماء لان بينهما فرقا في الصوم فإنه إذا أغمي عليه قبل شهر رمضان حتى مضى رمضان كله ثم أفاق فإنه يلزمه قضاء شهر رمضان، فلو جن قبل رمضان وأفاق بعد ما مضي شهر رمضان لا يلزمه قضاء الصوم كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وظاهر كلامه أن الاكثرية من حيث الصلوات فإن الاكثر من خمس صلوات ست فأكثر وهو قول محمد ورواية عن أبي حنيفة وهو الاصح، وعند أبي يوسف وهو رواية عنه أيضا العبرة للزيادة من حيث الساعات، وفائدته تظهر فيما إذا أغمي عليه قبل الزوال فأفاق من الغد بعد الزوال، فعند أبي يوسف لا يجب القضاء، وعند محمد يجب إذا أفاق قبل خروج وقت الظهر والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

[ 209 ]

باب سجود التلاوة كان من حق هذا الباب أن يقترن بسجود السهو لان كلا منهما سجدة لكن لما كان صلاة المريض بعارض سماوي كالسهو وألحقتها المناسبة به فتأخر سجوالتلاوة ضرورة، وهو من قبيل إضافة الحكم إلى سببه. وإنما لم يقل سجود التلاوة والسماع بيانا للسببين لان السماع سبب أيضا لما أن التلاوة لما كانت سببا للسماع أيضا كان ذكرها مشتملا على السماع من وجه فاكتفي به. وفي إضافة السجود إلى التلاوة إشارة إلى أنه إذا كتبها أو تهجاها لا يجب عليه سجود ولا تفسد الصلاة بالهجاء لانه موجود في القرآن، وشرائطها شرائط الصلاة إلا التحريمة لانها لتوحيد الافعال المختلفة ولم يوجد. وركنها وضع الجبهة على الارض أو ما يقوم مقامه من الركوع كما سيأتي، أو من الايماء للمريض أو كان راكبا على الدابة في السفر وتلاها أو سمعها، والقياس أن لا يجزئه الايماء على الراحلة لانها واجبة فلا يجوز أداؤها على الراحلة من غير عذر لكنهم استحسنوه لان التلاوة أمر دائم بمنزلة التطوع فكان في اشتراط النزول له حرج بخلاف الفرض والمنذور. وما وجب من السجدة على الارض لا يجوز على الدابة، وما وجب على الدابة يجوز على الارض لان ما وجب على الارض وجبت تامة فلا تسقط بالايماء، ولو تلاها على الدابة فنزل ثم ركب فأداها بالايماء جاز. ويفسدها ما يفسد الصلاة من الحدث العمد والكلام والقهقهة وعليه إعادتها كما لو وجدت في سجدة الصلاة، وقيل هذا على قول محمد لان العبرة عنده لتمام الركن وهو الرفع ولم يحصل بعده، فأما عند أبي يوسف فقد حصل قبل هذه العوارض والعبرة عنده للوضع فينبغي أن لا يفسدها. وفي

[ 210 ]

الخانية: إنها تفسد على ظاهر الجواب اتفاقا إلا أنه لا وضوء عليه في القهقهة، وكذا محاذاة المرأة لا تفسدها كما في صلاة الجنازة، ولو نام فيها لا تنتقض طهارته كالصلبية على الصحيح وسيأتي بقية أحكامها. قوله: (تجب بأربع عشرة آية) أي تجب سجدة التلاوة بسبب تلاوة آية من أربع عشرة آية في أربع عشرة سورة وهي الاعراف في آخرها، والرعد، والنحل، وبني اسرائيل، ومريم، والاولى من الحج. والفرقان، والنمل، وألم تنزيل، وص، وحم السجدة، والنجم، والانشقاق، والعلق. هكذا كتب في مصحف عثمان وهو المعتمد فهي أربع في النصف الاول وعشر في النصف الآخر. وإنما كانت واجبة لقوله عليه الصلاة والسلام السجدة على من سمعها (1) وعلى للالزام. ولما رواه مسلم عن أبي هريرة في الايمان يرفعه إذا قرأ ابن آدم السجدة اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فامتنعت فلي النار (1) والاصل أن الحكيم إذا حكى عن غير الحكيم كلاما ولم يعقبه بالانكار كان دليل صحته. فهذا ظاهر في الوجوب مع أن آي السجدة تفيده أيضا لانها ثلاثة أقسام: قسم فيه الامر الصريح به، وقسم تضمن حكاية استنكاف الكفرة حيث امرو به وقسم فيه حكاية فعل الانبياء السجود. وكل من الامتثال والاقتداء ومخالفة الكفرة واجب إلا أن يدل دليل في معين على عدم لزومه لكن دلالتها فيه ظنية فكان الثابت الوجوب لا الفرض، والاتفاق على أن ثبوتها على المكلفين مقيد بالتلاوة لا مطلقا فلزم كذلك. ثم هي واجبة على التراخي إن لم تكن صلاتية لان دلائل الوجوب مطلقة عن تعيين الوقت فيجب في

[ 211 ]

جزء من الوقت غير عين ويتعين ذلك بتعيينه فعلا. وإنما يتضيق عليه الوجوب في آخر عمره كما في سائر الواجبات الموسعة، وأما المتلوة في الصلاة فإنها تجب على سبيل التضييق لقيام دليل التضييق وهو أنها وجبت بما هو من أفعال الصلاة وهو القراءة فالتحقت بأقوالها وصارت جزءا من أجزائها، ولهذا قلنا: إذا تلا آية السجدة ولم يسجد ولم يركع حتى طالت القراءة ثم ركع ونوى السجدة لم تجز، وكذا إذا نواها في السجدة الصلبية لانها صارت دينا والدين يقضي بماله لا بما عليه. وأما بيان من تجب عليه فكل من كان أهلا لوجوب الصلاة عليه إما أداء أو قضاء فهو من أهل وجوب السجدة عليه ومن لا فلا، لان السجدة جزء من أجزاء الصلاة فيشترط لوجوبها أهلية وجوب الصلاة من الاسلام والعقل والبلوغ والطهارة من الحيض والنفاس حتى لا تجب على كافر وصبي ومجنون وحائض ونفساء، قرؤا أو سمعوا. وتجب على المحدث والجنب، وكذا تجب على السامع بتلاوة هؤلاء إلا المجنون لعدم أهليته لانعدام التمييز كالسماع من الصدى. كذا في البدائع. والصدى ما يعارض الصوت في الاماكن الخالية، وفي القنية: ولا يجب على المحتضر الايصاء بسجدة التلاوة، وقيل يجب ولا تجب نية التعيين في السجدات اه‍. وفي التجنيس: وهل يكره تأخيرها عن وقت القراءة ذكر في بعض المواضع أنه إذا قرأها في الصلاة فتأخيرها مكروه، وإن قرأها خارج الصلاة لا يكره تأخيرها، وذكر الطحاوي أن تأخيرها مكروه مطلقا وهو الاصح ا ه‍. وهي كراهة تنزيهية في غير الصلاتية لانها لو كانت تحريمية لكان وجوبها على الفور وليس كذلك.

[ 212 ]

قوله: (منها أولى الحج وص) ذكرهما للاختلاف فيهما فقد نفى الشافعي السجود في ص ولم يخص الاولى من الحج بل قال: إن الثانية منها أيضا فهي عنده أيضا أربع عشرة آية. ونفى مالك السجود في المفصل، وبيان الحجج معلوم في المطولات ولسنا إلا بصدد تحرير المذهب غالبا. وفي التجنيس: التالي والسامع ينظر كل واحد منهما إلى اعتقاد نفسه كالسجدة الثانية في سورة الحج ليس بموضع السجود عندنا، وعند الشافعي هو موضع السجدة لان السامع ليس بتابع للتالي تحقيقا حتى يلزمه العمل برأيه لان لا شركة بينهما ا ه‍. ثم في سورة حم السجدة عندنا السجدة عند قوله * (وهم لا يسأمون) * (فصلت: 38) وهو مذهب عبد الله بن عباس ووائل بن حجر، وعند الشافعي عند قوله * (إن كنتم إياه تعبدون) * (فصلت: 37) وهو مذهب علي ومروي عن ابن مسعود وابن عمر. ورجح أئمتنا الاول أخذا بالاحتياط عند اختلاف مذاهب الصحابة فإن السجدة لو وجبت عند قوله تعبدون فالتأخير إلى قوله لا يسأمون لا يضر ويخرج عن الواجب، ولو وجبت عند قوله * (لا يسأمون) * لكانت السجدة المؤداة قبله حاصلة قبل وجوبها ووجود سبب وجوبها فيوجب نقصانا في الصلاة لو كانت صلاتية ولا نقص فيما قلنا أصلا، وهذا هو أمارة التبحر في الفقه. كذا في البدائع. قوله: (على من تلا ولو إماما أو سمع ولو غير قاصد أو مؤتما لا بتلاوته) بيان لسببها وهو أحد ثلاثة: التلاوة ولو لم يوجد السماع كتلاوة الاصم والسماع بتلاوة وغيره، والاقتداء بإمام تلاها وإن لم يسمع المأموم تبعا لامامه بأن قرأ الامام سرا أو لم يكن حاضرا عند القراءة واقتدى به قبل أن يسجد لها، ولذا قالوا: إن الابكم إذا رأى قوما يسجدون لا يجب عليه السجود لانه لم يقرأ ولم يسمع. والمصنف جعل المؤتم معطوفا على غير قاصد فأفاد أن المؤتم يلزمه بسماعه وليس كذلك، وإنما يلزمه باقتدائه وإن لم يسمع، فلو قال المصنف أو اقتدى معطوفا على تلا لكان أولى كما لا يخفي. فقد قال في المجتبى: الموجب لها أحد ثلاثة: التلاوة والسماع والائتمام وإنما قال ولو إماما لما أن المنقول في البدائع أنه يكره للامام أن يتلو آية السجدة في صلاة يخافت فيها بالقراءة فإنه لا ينفك عن مكروه من ترك السجدة إن لم يسجد أو التلبيس على القوم إن سجد ا ه‍. وكذا لا ينبغي أن لا يقرأها في الجمعة والعيدين لما ذكرنا كما في السراج الوهاج فربما يتوهم من ذلك عدم وجوبها على الامام فصرح به نفيا له، وقد قدمنا شرائط الوجوب على التالي والسامع. وصحح المصنف في الكافي أن السبب

[ 213 ]

في حق السامع التلاوة والسماع شرط وسنحققه من بعد إن شاء الله تعالى. وأطلق في التلاوة والسماع فشمل ما إذا كانت التلاوة بالعربية أالفارسية وهو في التالي بالاتفاق فهم أو لم يفهم، وفي السامع عند أبي حنيفة بعد أن أخبر أنها آية السجدة، وعندهما إن كان السامع يعلم أنه يقرأ القرآن فعليه السجدة وإلا فلا. وفي البدائع: وهذا غير سديد لانهما إن جعلا الفارسية قرآنا لزم الوجوب مطلقا كالعربية، وإن لم يجعلاها قرآنا لم يجب وإن فهم. وأطلق في السماع فشمل السامع ممن تجب عليه الصلاة أو لا إلا المجنون كما قدمناه، وكذا الطير على المختار وإن سمعها من نائم اختلفوا فيه، والصحيح هو الوجوب. كذا في الخانية. وفي شرح المجمع: لو قرأها السكران تجب عليه وعلى من سمعها منه لان عقله اعتبر ثابتا زجرا له. وأفاد بقوله لا بتلاوته أنه لا يجب على المأموم بتلاوته ولا على السامع منه، وأطلقه فشمل عدم السجود في الصلاة وبعد الفراغ عندهما. وقال محمد: يسجدونها إذا فرغوا لان السبب قد تقرر ولا مانع بخلاف حالة الصلاة لانه يؤدي إلى خلاف موضوع الامامة لو تابعه الامام أو التلاوة لو تابعه المؤثم. ولهما: المقتدي محجور عن القراءة لنفاذ تصرف الامام عليه وتصرف المحجور لا حكم له بخلاف الجنب والحائض لانهما منهيان عن القراءة إلا أنه لا يجب على الحائض بتلاوتها كما لا يجب بسماعها لانعدام أهلية الصلاة بخلاف الجنب. وشمل أيضا من سمعها من المؤتم وليس في الصلاة وهو قول البعض، وصحح في الهداية الوجوب لان الحجر ثبت في حقهم فلا يعدوهم. وتعقبه في غاية البيان بأنه لما علم أن هذا الشخص محجور عليه وجب عليه أن يقول بعدم وجوب السجود على السامع خارج الصلاة لانه قد ثبت من أصولنا أن تصرف المحجور لا حكم له ا ه‍. وهو مردود لان تصرف المحجور لغيره صحيح كالصبي إذ حجر عليه يظهر في حقه لا في حق غيره حتى يصح تصرفه لغيره. وذكر الشارح: ولو تلا آية السجدة في الركوع أو السجود أو

[ 214 ]

التشهد لا يلزم السجود للحجر عن القراءة فيه قال المرغيناني، وعندي أنها تجب وتتأدي فيه ا ه‍. وذكر في المجتبى في الفرق بين الجنب والحائض وبين المقتدي أن القدر الذي يجب به السجدة مباح لهما على الاصح دون المقتدي. قوله (ولو سمعها المصلي من غيره سجد بعد الصلاة) لتحقق سببها وهو السماع. قيد بقوله بعد الصلاة لانه لا يسجدها فيها لانها ليست بصلاتية لان سماعه هذه السجدة ليس من أفعال الصلاة فيكون إدخالها فيها منهيا عنه لان المصلي عند اشتغاله بسجدة التلاوة كان مأمورا بإتمام ركن هو فيه أو بانتقال إلى ركن آخر فيكون منهيا عن هذه السجدة. فإن قيل: يجب أن يسجدها قبل الفراغ لان سبب الوجوب السماع وهو وجد في الصلاة. قلنا: نعم وجد فيها لكنه حصل بناء على التلاوة والتلاوة حصلت خارج الصلاة فتؤدى خارجها. قوله (ولو سجد فيها أعادها لا الصلاة) أي أعاد السجدة ولا يلزمه إعادة الصلاة لانها ناقصة للنهي فلا يتأدى بها الكامل، وهذا لان حكم هذه التلاوة مؤخر إلى ما بعد الفراغ عن الصلاة فلا تصير سببا إلا بعده فلا يجوز تقديمه على سببه بخلاف ما لو تلاها في الاوقات المكروهة حيث يجوز أداؤها فيها وإن كانت ناقصة لتحقق السبب للحال. ومحل إعادتها ما إذا لم يقرأها المصلي السامع غير المؤتم، وأما إن قرأها وسجد لها فيها فإنه لا إعادة عليه، أما إن كانت تلاوتها سابقة على سماعها فهو ظاهر الرواية لان التلاوة الاولى من أفعال صلاته والثانية لا، فحصلت الثانية تكرارا للاولى من حيث الاصل والاولى باقية فجعل وصف الاولى للثانية فصارت من الصلاة فيكتفي بسجدة واحدة. وإن سمعها أولا من أجنبي ثم تلاها المصلي وسجد لها فيها ففيه روايتان، وجزم في السراج الوهاج بأنه لا يعيدها. ولو تلاها وسجد لها

[ 215 ]

ثم أحدث فذهب وتوضأ ثم عاد إلى مكانه وبنى على صلاته ثم قرأ ذلك الاجنبي تلك الآية، فعلى هذا المصلي أن يسجدها إذا فرغ من صلاته لانه تحول عن مكانه فسمع الثانية بعدما تبدل المجلس. فرق بين هذا وبين ما إذا قرأ آية سجدة ثم سبقه الحدث فذهب وتوضأ ثم جاء وقرأ مرة أخرى لا تلزمه سجدة وإن قرأ الثانية بعدما تبدل المكان، والفرق أن في المسألة الاولى المكان قد تبدل حقيقة وحكما، أما الحقيقة فظاهر، وأما الحكم فلان السماع ليس من أفعالها بخلاف الثانية. وتمامه في البدائع. وإنما لم يعد الصلاة لان زيادة ما دون الركعة لا يفسدها. وقيده في التجنيس والمجتبى والولوالجية بأن لا يتابع المصلي السامع القارئ فإن سجد القارئ فتابعه المصلي فيها فسدت صلاته للمتابعة ولا تجزئه السجدة عما سمع اه‍. وقد قدمنا أن زيادة سجدة واحدة بنية المتابعة لغير إمامه مبطلة لصلاته. وفي النوادر: ولو قرأ الامام السجدة فظن القوم أنه ركع فبعضهم ركع وبعضهم ركع وسجد سجدة وبعضهم ركع وسجد سجدتين، فمن ركع ولم يسجد يرفض ركوعه ويسجد للتلاوة، ومن ركع وسجد فصلاته تامة وسجدته تجزئه عن سجدة التلاوة، ومن ركع وسجد سجدتين فصلاته فاسدة لانه انفرد بركعة واحدة تامة اه‍. وذكر في الخلاصة في مسألة الكتاب لا تفسد صلاته هو الصحيح بناء على أن زيادة سجدة واحدة ساهيا أو سجدتين لا تفسد صلاته بالاجماع، وإن كان عمدا فكذلك. وإن ذكر في الجامع الصغير أنه يفسد عند محمد وذلك ليس بصحيح. ذكره الصدر الشهيد في المبسوط اه‍. قوله (ولو سمع من إمام فأتم به قبل أن يسجد سجد معه وبعده لا) أي لو ائتم به بعد أن سجدها الامام لا يسجدها لانه في الاول تابع له فيسجد معه وإن لم يسمع، وفي الثاني صار مدركا لها بإدراك تلك الركعة كمن أدرك الامام في ركوع ثالثة الوتر فإنه لا يقنت فيما يأتي به بعد فراغ الامام. قيد بقوله سجد معه لان الامام لو لم يسجد لا يسجد المأموم وإن سمعها لانه إن سجدها في الصلاة وحده صار مخالف إمامه، وإن سجد بعد الفراغ وهي صلاتية لا تقضى خارجها. وأطلق في قوله وبعده لا فشمل ما إذا دخل معه في الركعة الثانية وفيه اختلاف، وظاهر الهداية يقتضي أن يسجد لها بعد الفراغ لانه لما لم يدرك ركعه التلاوة لم يصر مدركا لها وليست صلاتية فيقضي خارجها، وقيل هي صلاتية فلا تقضى خارجها قوله (وإن لم يقتد سجدها) لتقرر السبب في حقه وعدم المانع. قوله (ولم تقض الصلاتية خارجها) أي خارج الصلاة لان السجد المتلوة في الصلاة أفضل من غيرها لان قراءة القرآن في الصلاة أفضل منها في غيرهما فلم يجز أداؤها خارج الصلاة لان الكامل لا يتأدى بالناقص. وهذا إذا لم تفسد الصلاة، أما إن تلاها في الصلاة ولم يسجد ثم فسدت الصلاة فعليه السجدة خارجها لانها لما فسدت بقي مجرد تلاوة فلم تكن صلاتية، ولو أداها فيها ثم فسدت لا يعيد السجدة لان بالمفسد لا يفسد جميع أجزاء الصلاة

[ 216 ]

وإنما يفسد الجزء المقارن فيمتنع البناء عليه. كذا في القنية. ويستثنى من فسادها ما إذا فسدت بالحيض. قال في الخلاصة: المرأة إذا قرأت آية السجدة في صلاتها فلم تسجد حتى حاضت تسقط عنها السجدة. وفي فتح القدير: ثم صواب النسبة فيه صلوية برد ألفه واوا وحذف التاء وإذ كانوا قد حذفوها في نسبة المذكر إلى المؤنث كنسبة الرجل إلى بصرة مثلا فقالوا بصري لا بصرتي كيلا يجتمع تاءان في نسبة المؤنث فيقولون بصرتية فكيف بنسبة المؤنث إلى المؤنث اه‍. وفي العناية: إنه خطأ مستعمل وهو عند الفقهاء خير من صواب نادر انتهى. ثم مقتضى قواعدهم أنه إذا لم يسجد في الصلاة حتى فرغ فإنه يأثم لانه لم يؤد الواجب ولم يمكن قضاؤها لما ذكرنا، وهذا متن الواجبات الذي إذا فات وقته تقرر الاثم على المكلف والمخرج له عنه التوبة كسائر الذنوب، وإياك أن تفهم من قولهم بسقوطها عدم الاثم فإنه خطأ فاحش كما رأيت بعضهم يقع فيه. ثم رأيت بعد ذلك التصريح به في البدائع قال: وإذا لم يسجد لم يبق عليه إلا الاثم، ومحل سقوطها ما إذا لم يركع لصلاته ولم يسجد لها صلبية، أما إن ركع أو سجد صلبية فإنه ينوب عنها إذا كان على الفور ولم يذكره المصنف رحمه الله. وحاصله على ما ذهب إليه الاصوليون أن الركوع ينوب عن سجدة التلاوة قياسا لما فيه من معنى الخضوع ولا ينوب استحسانا لانه خلاف المأمور به. وقدم القياس هنا على الاستحسان لقوة أثره الباطن وعكسه في المجتبى فقال: تلاها وركع للتلاوة مكان السجود يجزئه قياسا لا استحسانا، والاصح أنه يجزئه استحسانا لا قياسا وبه قال علماؤنا اه‍. ووجه الاصح أن القياس لا يقتضي عدم جوازه لانه الامر الظاهر بالسجود والركوع خلاف السجود، ولكن الحق الاول لتصريح محمد به فإنه قال في الكتاب: فإن أراد أن يركع بالسجدة نفسها هل يجزئه ذلك قال: أما في القياس فالركوع في ذلك والسجدة سواء لان كل ذلك صلاة، وأما في الاستحسان فينبغي له أن يسجد وبالقياس نأخذ اه‍. وحاصله على ما ذكره الفقهاء كما في البدائع ملخصا أن المتلوة خارج الصلاة تؤدى على نعت سجدات الصلاة والمتلوة في الصلاة الافضل أن يسجد لها ثم إذا سجد وقام يكره له أن يركع كما رفع رأسه، سواء كان آية السجدة في وسط السورة أو عند ختمها. وبقي بعدها إلى الختم قدر آيتين أو ثلاث فينبغي أن يقرأ ثم يركع فينظر إن كانت الآية في الوسط فإنه ينبغي أن يختمها ثم يركع، وإن كانت

[ 217 ]

عند الختم فينبغي أن يقرأ آيات من سورة أخرى ثم يركع، وإن كان بقي إلى الختم قدر آيتين أو ثلاث كما في بني إسرائيل * (وإذا السماء انشقت) * ينبغي أن يقرأ بقية السورة ثم يركع، فإن وصل إليها سورة أخرى فهو أفضل، ولو لم يسجد وإنما ركع ذكر في الاصل أن القياس أنهما سواء، والاستحسان أنه لا يجزئه وبالقياس نأخذ. والتفاوت ما بينهما أن ما ظهر من المعاني فقياس وما خفي فاستحسان ولا ترجيح في الخفي لخفائه ولا للظاهر لظهوره فيرجع إلى طلب الرجحان إلى ما اقترن بهما من المعاني، فمتى قوي الخفي أخذوا به، ومتى قوي الظاهر أخذوا به، وههنا قوي دليل القياس فأخذوا به لما روي عن ابن مسعود وابن عمر أنهما أجازا أن يركع عن السجود في الصلاة ولم يرد عن غيرهما خلافه فكان كالاجماع. ثم اختلفوا في محل القياس والاستحسان، فذكر العامة أنه في إقامة الركوع مقام السجدة في الصلاة. وقال بعضهما: إنه خارج الصلاة بأن تلاها في غير الصلاة فركع وليس هذا بسديد بل لا يجزئه ذلك قياسا واستحسانا، لان الركوع خارج الصلاة لم يجعل قربة فلا ينوب مناب القربة. وعن محمد بن سلمة أن السجدة الصلبية هي التي تقوم مقام سجدة التلاوة لا الركوع. ويرده ما صرح به محمد في الكتاب كما أسلفناه. ولو لم يركع حتى طالت القراءة لم يجز وإن نواه عن السجدة، وكذا السجدة الصلبية لا تنوب عنها إذا طالت القراءة لانها صارت دينا لوجوبها مضيقا والدين يقضي بما له لا بما عليه، والركوع والسجود عليه فلا يتأدى به الدين. وإذا لم تطل القراءة لا يحتاج الركوع أو السجدة الصلبية في إقامتهما عن سجود التلاوة إلى النية فالفرض ينوب عن تحية المسجد وإن لم ينو، ومن المشايخ من قال: يحتاج إلى النية. وذكر الاسبيجابي أنه لو لم توجد النية منه عند الركوع لا يجزئه، ولو نوى في الركوع فيه قولان، ولو نوى بعد رفع الرأس منه لا يجوز بالاجماع، وأكثر المشايخ لم يقدروا لطول القراءة شيئا فكان الظاهر أنهم فوضوا ذلك إلى رأي المجتهد. وبعضهم قالوا: إن قرأ آية أو آيتيلم تطل، وإن قرأ ثلاثا طالت وصارت بمحل القضاء، والظاهر أن الثلاثة لا تعدم الفور اه‍. واختار قاضيخان أن الركوع خارج الصلاة ينوب عنها. وفي المجتبى: وإنما ينوب الركوع عنها بشرطين: أحدهما النية، والثاني أن لا يتخلل بين التلاوة والركوع ثلاث آيات إلا إذا كانت الآيات الثلاث من آخر السورة ك‍ " بني إسرائيل * (وإذا السماء انشقت) * اه‍. واختلف فيما إذا ركع على الفور للصلاة وسجد هل المجزئ عن سجدة التلاوة الركوع أو

[ 218 ]

السجود؟ فقيل الركوع لانه أقرب، وقيل السجود لان الركوع بدون النية لا يجزئ وفي السجود اختلاف، وفائدته تظهر فيما إذا تلا الفاتحة وعشرين آية مثلا آخرها آية السجدة وركع عقبها ثم رفع رأسه وقرأ عشر آيات مثلا ثم سجد ولم يكن نواها في الركوع يجب عليه سجدة التلاوة على حدة، أما إذا سجد عقب الركوع فإنه خرج عن العهدة لا محالة في ظاهر الرواية نواها في الركوع أولم ينو اه‍. وفي القنية: ولو نواها في الركوع عقب التلاوة ولم ينوها المقتدي لا ينوب عنه ويسجد إذا سلم الامام ويعيد القعدة ولو تركها تفسد صلاته اه‍. ثم قال: السجود أولى من الركوع لها في صلاة الجهر دون المخافته. وقيد المصنف بكونها لا تقضى خارجها لانه لو أخرها من ركعة إلى ركعة فإنها تقضى ما دام في الصلاة لان الصلاة واحدة لكن لا يلزم جواز التأخير، بل المراد الاجزاء لما في البدائع من أنها واجبة على الفور وأنه إذا أخرها حتى طالت القراءة تصير قضاء ويأثم لان هذه السجدة صارت من أفعال الصلاة ملحقة بنفس التلاوة، ولذا فعلت فيها مع أنها ليست من أصل الصلاة بل زائدة بخلاف غير الصلاتية فإنها واجبة على التراخي على ما هو المختار اه‍.

[ 219 ]

قوله (ولو تلاها خارح الصلاة فسجد وأعادها فيها) أي أعاد تلاوتها في الصلاة (سجد أخرى) لان الصلاتية أقوى فلا تكون تبعا للاضعف قوله (وإن لم يسجد أولا كفته واحدة) وهي صلاتية تنوب عنها وعن الخارجية لان المجلس متحد والصلاتية أقوى فصارت الاولى تبعا لها، فلو لم يسجد في الصلاة سقطتا لان الخارجية أخذت حكم الصلاتية فسقطت تبعا لها. أراد بالاكتفاء أن يكون بشرط اتحاد المجلس فإن تبدل مجلس التلاوة مع مجلس الصلاة فلكل سجدة. وإنما أفردها بالذكر مع دخولها تحت قوله كمن كررها في مجلس لا في مجلسين لمخالفتها لها في أنه إذا سجد للخارجية لا تكفي عن الصلاتية بخلاف ما إذا لم تكن صلاتية وسجد للاولى ثم أعادها فإن السجدة السابقة تكفي. والحاصل أنه يجب التداخل في هذه على وجه تكون الثانية مستتبعة للاولى إن لم يسجد للاولى لان اتحاد المجلس يوجب التداخل، وكون الثانية قوية منع من جعل الاولى مستتبعة إذ استتباع الضعيف للقوي عكس المعقول ونقض للاصول فوجب التداخل على الوجه المذكور. وأشار إلى أنه لو تلاها المصلي بعدما سمعها من غيره مرة أو مرارا تكفيه سجدة واحدة. وقيد بكون الاولى تلاها خارج الصلاة لانه لو قرأها في الصلاة أولا ثم سلم فأعادها في مكانه ذكر في كتاب الصلاة أنه يلزمه أخرى لان المتلوة في الصلاة لا وجود لها لا حقيقة ولا حكما، والموجود هو الذي يستتبع دون المعدوم بخلاف ما إذا كانت الاولى خارجة فإنها باقية بعد

[ 220 ]

التلاوة حكما. وذكر في النوادر أنه لا يلزمه. ووفق الزاهد السرخسي بينهما بحمل الاولى على ما إذا أعادها بعد الكلام، وحمل الثاني على ما إذا كان قبله، فلو لم يسجدها في الصلاة حتى سجدها الآن قال في الاصل: أجزأه ههنا وهو محمول على ما إذا أعادها بعد السلام قبل الكلام لانه لم يخرج عن حرمة الصلاة فكأنه كررها في الصلاة وسجد إذ لا يستقيم هذا الجواب فيما إذا أعادها بعد الكلام لان الصلاتية قد سقطت عنه بالكلام. كذا في البدائع وصحح التوفيق في المحيط، وهذا يفيد أن الصلاتية تقضى بعد السلام قبل أن يتكلم وإن لم يأت بمناف لحرمتها فينبغي أن يقيد قولهم الصلاتية لا تقضى خارجها بهذا وأن يراد بالخارج الخارج عن حرمتها. قوله (كمن كررها في مجلس لا في مجلسين) فإنه يكفيه واحدة في الاول دون الثاني والاصل فيه ما روي أن جبريل عليه السلام كان ينزل بالوحي فيقرأ آية السجدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله كان يسمع ويتلقن ثم يقرأ على أصحابه وكان لا يسجد إلا مرة واحدة، وهو مروي عن عدة من الصحابة ولان المجلس جامع المتفرقات ولان في إيجاب السجدة لكل تلاوة حرجا خصوصا للمعلمين والمتعلمين وهو منفي بالنص. قيد بسجدة التلاوة لان الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بأن سمعه أو ذكره في مجلس واحد مرارا فيها اختلاف، فبعضهم قاسها عليها، وبعضهم منعه وأوجبها لكل مرة لانه من حقوق العباد ولا تداخل فيها وهو جفاء له كما ورد في الحديث وقدمنا ترجيحه. وأما تشميت من عطس في مجلس واحد مرارا فأوجبه بعضهم كل مرة والصحيح أنه إن زاد على الثلاث لا يشمت لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال للعاطس في مجلسه بعد الثلاث قم فانتثر فإنك مزكوم. وفي المجتبى: ولا خلاف في وجوب تعظيم اسمه تعالى عند ذكره في كل مرة، وأطلقه فشمل ما إذا تلا مرارا ثم سجد وما إذا تلا وسجد ثم تلا بعده مرارا في مجلس واحد وهو تداخل في السبب دون الحكم ومعناه أن يجعل التلاوة المتعددة كتلاوة واحدة تكون الواحدة منها سببا والباقي تبع لها وهو أليق بالعبادات إذ السبب متى تحقق لا يجوز ترك حكمه، ولهذا يحكم بوجوبها في موضع الاحتياط حتى تبرأ ذمته بيقين، والتداخل في الحكم أليق في العقوبات لانها شرعت للزجر فهو ينزجر بواحدة فيحصل المقصود فلا حاجة إلى الثانية. والفرق بينهما أن التداخل في السبب ينوب فيه الواحدة عما قبلها وعما بعدها، وفي التداخل في الحكم لا تنوب إلا عما قبلها حتى لو زنا ثم زنا في المجلس يحد ثانيا بخلاف حد القذف إذا أقيم مرة ثم قذفه مرارا

[ 221 ]

لم يحد لان العار قد اندفع بالاول لظهور كذبه. وقيد بكون الآية واحدة لان من قرأ القرآن كله في مجلس واحد لزمه أربع عشرة سجدة لان المجلس لا يجعل الكلما ت المختلفة الجنس بمنزلة كلام واحد كمن أقر لانسان بألف درهم ولآخر بمائه دينار ولعبده بالعتق لا يجعل المجلس الواحد الكل إقرارا واحدا، وكذا الحرج منتف. وأطلق في المجلس فشمل ما إذا طال فإنه لا يتبدل به حتى لو تلاها في الجامع في زاوية ثم تلاها في زاوية أخرى لا يجب عليه إلا سجدة واحدة، وكذلك حكم السماع، وكذلك البيت والمحمل والسفينة في حكم التلاوة والسماع، سواء كانت السفينة واقفة أو جارية، وكذلك لا يختلف بمجرد القيام ولا بخطوة وخطوتين وكلمة أو كلمتين ولا بلقمة أو لقمتين بخلاف ما إذا كان كثيرا وبخلاف ما إذا نام مضطجعا أو باع ونحوه فإنه يتبدل المجلس، وكذا لو أرضعت صبيا. وكل عمل يعلم أنه قطع للمجلس بخلاف التسبيح ونحوه فإنه ليس بقاطع كالنوم قاعدا. وفي الدوس وتسدية الثوب ورحا الطحن والانتقال من غصن إلى غصن والسبح في نهر أو حوض يتكرر على الاصح، ولو كررها راكبا على الدابة وهي تسير يتكرر إلا إذا كان في الصلاة لان الصلاة جامعة للاماكن إذ الحكم بصحة الصلاة دليل اتحاد المكان. قالوا: إذا كان معه غلام يمشي وهو في الصلاة راكبا وكررها تكرر الوجوب على الغلام دون الراكب. وهذا إذا كان في ركعة واحدة، وأما إذا كان كررها في ركعتين فالقياس أن تكفيه واحدة وهو قول أبي يوسف الاخير، وفي الاستحسان أن يلزمه لكل تلاوة سجدة وهو قول أبي يوسف الاول وهو قول محمد. وهذه المسائل الثلاث التي رجع فيها أبو يوسف عن الاستحسان إلى القياس: إحداها هذه، والثانية أن الرهن بمهر المثل لا يكون رهنا بالمتعة قياسا وهو قول أبي يوسف الاخير، وفي الاستحسان أن يكون رهنا بها وهو قوله الاول وقول

[ 222 ]

محمد. والثالثة إذا جنى العبد جناية فيما دون النفس واختار المولى الفداء ثم مات المجني عليه، القياس أن يخير المولى ثانيا وهو قوله الاخير وفي الاستحسان لا يخير وهو قوله الاول وقول محمد. وعلى هذا الخلاف إذا صلى على الارض وقرأ آية السجدة في ركعتين لو سمعها المصلي الراكب من رجل ثم سارت الدابة ثم سمعها ثانيا عليه سجدتان هو الصحيح لانها ليست بصلاتية، ولو سارت الدابة ثم نزل فتلاها أخرى يلزمه أخرى. كذا في المحيط. وفي فتح القدير: واعلم أن تكرار الوجوب في التسدية بناء على المعتاد في بلادهم من أنها أن يغرس الحائك خشبات يسوي فيها السدى ذاهبا وآيبا، أما على ما هي ببلاد الاسكندرية وغيرها بأن يديرها على دائرة عظمي وهو جالس في مكان واحد فلا يتكرر الوجوب اه‍. فالحاصل أن اختلاف المجلس حقيقي باختلاف المكان وحكمي باختلاف الفعل، ولو تبدل مجلس السامع دون التالي تكرر الوجوب على السامع واختلفوا في عكسه والاصح أنه لا يتكرر على الساملان السبب في حقه التلاوة والسماع شرط يتكرر الوجوب عليه لان الحكم يضاف إلى السبب لا الشرط. وإنما تكرر الوجوب عليه في المسألة الاولى مع اتحاد مجلس السبب لان الشرع أبطل تعدد التلاوة المتكررة في حق التالي حكما لاتحاد مجلسه لا حقيقة فلم يظهر ذلك في حق السامع فاعتبرت حقيقة التعدد فتكرر الوجوب، فعلى هذا يتكرر على السامع، إما بتبدل مجلسه أو بتبدل مجلس التالي. وفي القنية: تلا آية السجدة ويريد أن يكررها للتعليم في المجلس فالاولى أن يبادر فيسجد ثم يكرر اه‍. وقد يقال: إن الاولى أن يكررها ثم يسجد آخرا لما أن بعضهم قال: إن التداخل في الحكم لا في السبب حتى لو سجد للاولى ثم أعادها لزمته أخرى كحد الشر ب والزنا. نقله في المجتبي. فالاحتياط على هذا التأخير كما لا يخفى. وفي القنية أيضا: ولو صليا على الدابة فقرأ أحدهما آية السجدة في الصلاة مرة والآخر في صلاته مرتين وسمع كلاهما من صاحبه، فعلى من تلاها مرتين سجدة واحدة خارج الصلاة وعلى صاحبه سجدتان اه‍. وقد يقال: بل الواجب على من تلاها مرتين سجدتان أيضا صلاتية بتلاوته

[ 223 ]

وخارجية بتلاوة صاحبه. ثم رأيته بحمد الله تعالى في فتاوى قاضيخان أن على كل منهما سجدتين صلاتية بتلاوته وخارجية بسماعه من صاحبه، وأطال الكلام في بيانه فراجعه. قوله (وكيفيته أن يسجد بشرائط الصلاة بين تكبيرتين بلا رفع يد وتشهد وتسليم) أي وكيفية السجود وقدمنا أنه يستثنى من شرائط الصلاة التحريمة. والمراد بالتكبيرتين تكبيرة الوضع وتكبيرة الرفع وكل منهما سنة كما صححه في البدائع لحديث أبي داود في السنن من فعله عليه الصلاة والسلام كذلك. وإنما لا يرفع يديه عند التكبيرة لان هذا التكبير مفعول لاجل الانحطاط لا للتحريمة كما في سجود الصلاة، وكذا التكبير للرفع كما في سجود الصلاة وهو المروي من فعله عليه السلام وابن مسعود من بعده. وإنما لا يتشهد ولا يسلم لانه للتحليل وهو يستدعي سبق التحريمة وهي معدومة. واختلفوا فيما يقوله في هذه السجدة، والاصح أنه يقول سبحان ربي الاعلى ثلاثا كسجدة الصلاة ولا ينقص منها. وينبغي أن لا يكون ما صحح على عمومه فإن كانت السجدة في الصلاة، فإن كانت فريضة قال سبحان ربي الاعلى أو نفلا قال ما شاء مما ورد كسجد وجهي للذي خلقه إلى آخره. وقوله اللهم اكتب لي بها عندك أجرا، وضع عني بها وزرا، واجعلها لي عندك ذخرا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود وإن كان خارج الصلاة قال: كلما أثر من ذلك. كذا في فتح القدير. ومما يستحب لادائها أن يقوم فيسجد لان الخرور سقوط من القيام والقرآن ورد به وهو مروي عن عائشة رضي الله عنها وإن لم يفعل لم يضره. وما وقع في السراج الوهاج من أنه إذا كان قاعدا لا يقوم لها، فخلاف المذهب. وفي المضمرات: يستحب أن يقوم ويسجد ويقوم بعد رفع الرأس من السجدة ولا يقعد اه‍. والثاني غريب. وأفاد في القنية أنه يقوم لها وإن كانت كثيره وأراد أن يسجدها مترادفة، ومن المستحب أن يتقدم التالي ويصف القوم

[ 224 ]

خلفه فيسجدون، ويستحب أن لا يرفع القوم رؤوسهم قبله وليس هو اقتداء حقيقة لانه لو فسدت سجد: الامام بسبب لا يتعدى إليهم. وفي المجتبى معزيا إلى شيخ الاسلام: لا يؤمر التالي بالتقديم ولا بالصف ولكنه يسجد ويسجدون معه حيث كانوا وكيف كانوا. وذكر أبو بكر أن المرأة تصلح إماما للرجل فيها اه‍. وفي السراج الوهاج: ثم إذا أراد السجود ينويها بقلبه ويقول بلسانه أسجد لله سجدة التلاوة الله أكبر كما يقول أصلي لله تعالى صلاة كذا. قوله (وكره أن يقرأ سورة ويدع آية السجدة لا عكسه) لانه يشبه الاستنكا ف عنها عمدا في الاول وفي الثاني مبادرا لها. قال محمد: وأحب إلى أن يقرأ قبلها آية أو آيتين. وذكر قاضيخان إن قرأ معها آية أو آيتين فهو أحب وهذا أعم من الاول لصدقه بما إذا قرأ بعدها آية أو آيتين بخلاف الاول، وعلله بقوله دفعا لوهم التفضيل أي تفضيل آي السجدة على غيرها إذ الكل من حيث إنه كلام الله تعالى في رتبة وإن كان لبعضها بسبب اشتماله على ذكر صفات الحق جل جلاله زيادة فضيلة باعتبار المذكور لا باعتباره من حيث هو قرآن. وفى الكافي: قيل من قرأ آي السجدة كلها في مجلس واحد وسجد لكل منها كفاه الله ما أهمه. وما ذكر في البدائع في كراهة ترك آية السجدة من سورة يقرأها لان فيه قطعا لنظم القرآن وتغييرا لتأليفه واتباع النظم والتأليف مأمور به قال الله تعالى * (فإذا قرأناه فاتبع قرآنه) * (القيامة: 18) أي تأليفه فكان التغيير مكروها يقتضي كراهة ذلك. كذا في فتح القدير. وأقول: وإن كان ذلك مقتضاه لكن صرح بعده في البدائع بخلافه فقال: ولو قرأ آية السجدة من بين

[ 225 ]

السور لم يضره ذلك لانها من القرآن، وقراءة ما هو من القرآن طاعة كقراءة سورة من بين السور. وقيده قاضيخان بأن يكون في غير الصلاة فظاهر أنه لو كان في الصلاة كره فهو مقيد لقوله لا عكسه. ثم قال في البدائع: ولو قرأ آية السجدة وعنده ناس فإن كانوا متوضئين متأهبين للسجدة قرأها جهرا، وإن كانوا غير متأهبين ينبغي أن يخفض قراءته لانه لو جهر بها لصار موجبا عليهم شيئا ربما يتكاسلون عن أدائه فيقعون في المعصية اه‍. وذكر الشارح: ولو قرأ آية السجدة إلا الحرف الذي في آخرها لا يسجد، ولو قرأ الحرف الذي يسجد فيه وحده لا يسجد إلا أن يقرأ أكثر آية السجدة بحرف السجدة. وفي مختصر البحر: لو قرأ وسجد وسكت ولم يقرأ واقترب تلزمه السجدة اه‍. وفي فتاوى قاضيخان: رجل سمع آية السجدة من قوم من كل واحد منهم حرفا ليس عليه أن يسجد لانه لم يسمعها من تال والله سبحانه أعلم وبعباده أرحم. باب المسافر أي باب صلاة المسافر لان الكلام في أبواب الصلاة، ولا شك أن السفر عارض مكتسب كالتلاوة إلا أن التلاوة عارض هو عبادة في نفسه إلا بعارض بخلاف السفر إلا بعارض فلذا أخر هذا الباب عن ذاك. والسفر لغة قطع المسافة من غير تقدير بمدة لانه عبارة

[ 226 ]

عن الظهور، ولهذا حمل أصحابنا رحمهم الله قوله صلى الله عليه وسلم ليس على الفقير والمسافر أضحية على الخروج من بلد أو قرية حتى سقط الاضحية بذلك القدر. كذا في المجتبيى. وذكر في غاية البيان والسراج الوهاج أن من الاحكام التي تغيرت بالسفر الشرعي سقوط الاضحية وجعله كالقصر، وظاهره أنها لا تسقط إلا بالسفر الشرعي وسيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى في محله. والاضافة في صلاة المسافر إضافة الشئ إلى شرطه والفعل إلى فاعله قوله (من جاوز بيوت مصره مريدا سيرا وسطا ثلاثة أيام في بر أو بحر أو جبل قصر الفرض الرباعي) بيان للموضع الذي يبتدأ فيه القصر ولشرط القصر ومدته وحكمه. أما الاول فهو مجاوزة بيوت المصر لما صح عنه عليه السلام أنه قصر العصر بذي الخليفة. وعن علي أنه خرج من البصرة فصلى الظهر أربعا ثم قال: إنا لو جاوزنا هذا الخص لصلينا ركعتين. والخص بالخاء المعجمة والصاد المهملة بيت من قصب. كذا ضبطه في السراج الوهاج. ويدخل في بيوت المصر ربضه وهو ما حول المدينة من بيوت ومساكن، ويقال لحرم المسجد ربض أيضا. وظاهر كلام المصنف أنه لا يشترط مجاوزة القرية المتصلة بربض المصر وفيه اختلاف، وظاهر المجتبى ترجيح عدم الاشتراط وهو الذي يفيده كلام أصحاب المتون كالهداية أيضا. وجزم في فتح القدير بالاشتراط واعترض به على الهداية وصحح قاضيخان في فتاواه أنه لا بد من مجاوزة القرية المتصلة بربض المصر بخلاف القرية المتصلة بفناء المصر فإنه يعتبر مجاوزة الفناء لا القرية. ولم يذكر المصنف مجاوزة الفناء للاختلاف، وفصل قاضيخان في فتاواه فقال: إن كان بينه وبين المصر أقل من قدر غلوة ولم يكن بينهما مزرعة يعتبر مجاوزة الفناء أيضا، وإن كانت بينهما مزرعة أو كانت المسافة بينه وبين المصر قدر غلوة يعتبر مجاوزة عمران المصر اه‍. وأطلق في المجاوزة فانصرفت من الجانب الذي خرج منه ولا يعتبر مجاوزة محلة بحذائه من الجانب الآخر، فإن كانت في الجانب الذي خرج منه محلة منفصلة عن المصر وفي القديم كانت متصلة بالمصر لا يقصر الصلاة حتى يجاوز تلك المحلة. كذا في الخلاصة. وذكر في المجتبى أن قدر الغلوة ثلثمائة ذراع إلى أربعمائة وهو الاصح. وفي المحيط: وكذا إذا عاد من سفره إلى مصر لم يتم حتى يدخل العمران. وأما الثاني فهو أن يقصد مسيرة ثلاثة أيام فلو طاف الدنيا من غير قصد إلى قطع مسيرة

[ 227 ]

ثلاثة أيام لا يترخص، وعلى هذا قالوا: أمير خرج مع جيشه في طلب العدو ولم يعلم أين يدركهم فإنهم يصلون صلاة الاقامة في الذهاب وإن طالت المدة، وكذلك المكث في ذلك الموضع، أما في الرجوع فإن كانت مدة سفر قصروا وعلى اعتبار القصد تفرع في صبي ونصراني خرجا قاصدين مسيرة ثلاثة أيام ففي أثنائها بلغ الصبي وأسلم الكافر، يقصر الذي أسلم فيما بقي ويتم الذي بلغ لعدم صحة القصد والنية من الصبي حين أنشأ السفر بخلاف النصراني والباقي بعد صحة النية أقل من ثلاثة أيام وسيأتي أيضا. وإنما اكتفى بالنية في الاقامة واشترط العمل معها في السفر لما أن في السفر الحاجة إلى الفعل وهو لا يكفيه مجرد النية ما لم يقارنها عمل من ركوب أو مشي كالصائم إذا نوى الافطار لا يكون مفطرا ما لم يفطر، وفي الاقامة الحاجة إلى ترك الفعل وفي الترك يكفي مجرد النية كعبد التجارة إذا نواه للخدمة. وأشار المصنف إلى أن النية لا بد أن تكون قبل الصلاة ولذا قال في التجنيس: إذا افتتح الصلاة في السفينة حال إقامته في طرف البحر فنقلها الريح وهو في السفينة ونوى السفر يتم صلاة المقيم عند أبي يوسف خلافا لمحمد لانه اجتمع في هذه الصلاة ما يوجب الاربع وما يمنع فرجحنا ما يوجب الاربع احتياطا اه‍. وفيه أيضا: ومن حمل غيره ليذهب معه والمحمول لا يدري أين يذهب معه فإنه يتم الصلاة حتى يسير ثلاثا لانه لم يظهر المغير، وإذا سار ثلاثا فحينئذ قصر لانه وجب عليه القصر من حين حمله، ولو كان صلى ركعتين من يوم حمل وسار به مسيرة ثلاثة أيام فإن صلاته تجزئه، وإن سار به أقل من مسيرة ثلاثة أيام أعاد كل صلاة صلاها ركعتين لانه تبين أنه صلى صلاة المسافرين وهو مقيم وفي الوجه الاول تبين أنه مسافر اه‍. ففي هذه المسألة يكون مسافرا بغير قصد وهو غير مشكل لما سيأتي أن الاعتبار بنية المتبوع لا التابع. وأما التقدير بثلاثة أيام فهو ظاهر المذهب وهو الصحيح لاشارة قوله صلى الله عليه وسلم يمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام (1) عم الرخصة الجنس ومن ضرورته عموم التقدير وتمام تحقيقه في فتح القدير. والمراد باليوم النهار دون الليل لان الليل

[ 228 ]

للاستراحة فلا يعتبر، والمراد ثلاثة أيام من أقصر أيام السنة. وهل يشترط سفر كل يوم إلى الليل؟ اختلفوا فيه والصحيح أنه لا يشترط حتى لو بكر في اليوم الاول ومشى إلى الزوال ثم في اليوم الثاني كذلك، ثم في اليوم الثالث كذلك فإنه يصير مسافرا لان المسافر لا بد له من النزول لاستراحة نفسه ودابته فلا يشترط أن يسافر من الفجر إلى الفجر لان الآدمي لا يطيق ذلك، وكذلك الدواب فألحقت مدة الاستراحة بمدة السفر لاجل الضرورة. كذا في السراج الوهاج. وبه اندفع ما في فتح القدير لان أقل اليوم إذا كان ملحقا بأكثره للضرورة لم يكن فيه مخالفة للحديث المفيد للثلاثة كما أن الليل للاستراحة وهو مذكور في الحديث. وأشار المصنف إلى أنه لا اعتبار بالفراسخ وهو الصحيح لان الطريق لو كان وعرا بحيث يقطع في ثلاثة أيام أقل من خمسة عشر فرسخا قصر بالنص، وعلى التقدير بها لا يقصر فيعارض النص فلا يعتبر سوى سير الثلاثة. وفي النهاية: الفتوى على اعتبار ثمانية عشر فرسخا. وفي المجتبى: فتوى أكثر أئمة خوارزم على خمسة عشر فرسخا اه‍. وأنا أتعجب من فتواهم في هذا وأمثاله بما يخالف مذهب الامام خصوصا المخالف للنص الصريح. وفي فتاوى قاضيخان: الرجل إذا قصد بلدة وإلى مقصده طريقان أحدهما مسيرة ثلاثة أيام ولياليها والآخر دونها فسلك الطريق الابعد كان مسافرا عندنا ا ه‍ وإن سلك الاقصر يتم وهذا جواب واقعة الملاحين بخوارزم فإن من الجرجانية إلى مدانق اثني عشر فرسخا في البر، وفي جيحون أكثر من عشرين فرسخا، فجاز لركاب السفينة والملاحين القصر والافطار فيه صاعدا ومنحدرا. كذا في المجتبى. وذكر الاسبيجابي المقيم إذا قصد مصرا من الامصار وهو ما دون مسيرة ثلاثة أيام لا يكون مسافرا، ولو أنه خرج من ذلك المصر الذي قصد إلى مصر آخر وهو أيضا أقل من ثلاثة أيام فإنه لا يكون مسافرا، وإن طاف آفاق الدنيا على هذا السبيل لا يكون مسافرا اه‍. وفي السراج الوهاج: إذا

[ 229 ]

كانت المسافة ثلاثة أيام بالسير المعتاد فسار إليها على البريد سيرا مسرعا أو على الفرس جريا حثيثا فوصل في يومين قصر اه‍. والمراد بسير البر والجبل أن يكون بالابل ومشي الاقدام، والمراد بالابل إبل القافلة دون البريد. وأما السير في البحر فيعتبر ما يليق بحاله وهو أن يكون مسافة ثلاثة فيه إذا كانت تلك الرياح معتدلة، وإن كانت تلك المسافة بحيث تقطع في البر في يوم كما في الجبل يعتبر كونها من طريق الجبل بالسير الوسط ثلاثة أيام، وإن كانت تقطع من طريق السهل بيوم فالحاصل أن تعتبر المدة من أي طريق أخذ فيه، ولهذا عمم المصنف رحمه الله. وخرج سير البقر بجر العجلة ونحوه لانه أبطأ السير كما أن أسرعه سير الفرس والبريد والوسط ما ذكرنا وفي البدائع: ثم يعتبر في كل ذلك السير المعتاد فيه وذلك معلوم عند الناس فيرجع إليهم عند الاشتباه. وأما الثالث أعني حكم السفر فهو تغيير بعض الاحكام فذكر المصنف منها قصر الصلاة والمراد وجوب قصرها حتى لو أتم فإنه آثم عاص لان الفرض عندنا من ذوات الاربع ركعتان في حقه لا غير، ومن مشايخنا من لقب المسألة بأن القصر عندنا عزيمة والاكمال رخصة. قال في البدائع: وهذا التلقيب على أصلنا خطأ لان الركعتين في حقه ليستا قصرا حقيقة عندنا بل هما تمام فرض المسافر والاكمال ليس رخصة في حقه بل إساءة ومخالفة للسنة، ولان الرخصة اسم لما تغير عن الحكم الاصلي بعارض إلى تخفيف ويسر ولم يوجد معنى التغيير في حق المسافر رأسا إذ الصلاة في الاصل فرضت ركعتين في حق المقيم والمسافر ثم زيدت ركعتين في حق المقيم كما روته عائشة رضي الله عنها فانعدم معنى التغيير في حقه أصلا، وفي حق المقيم وجد التغيير لكن إلى الغلظ والشدة لا إلى السهولة واليسر، والرخصة تنبئ عن ذلك فلم يكن رخصة حقيقة في حق المقيم أيضا، ولو سمى فإنما هو مجاز لوجود بعض معاني الحقيقة وهو التغيير اه‍. فعلى هذا لو قال في جواب الشرط صلى الفرض الرباعي ركعتين لكان أولى. وقيد بالفرض لانه لا قصر في الوتر والسنن. واختلفوا في ترك السنن في السفر، فقيل الافضل هو الترك ترخيصا، وقيل الفعل تقربا. وقال الهندواني: الفعل حال النزول والترك حال السير،

[ 230 ]

وقيل يصلي سنة الفجر خاصة، وقيل سنة المغرب أيضا. وفي التجنيس: والمختار أنه إن كان حال أمن وقرار يأتي بها لانها شرعت مكملات والمسافر إليه محتاج، وإن كان حال خوف لا يأتي بها لانه ترك بعذر اه‍. وقيد بالرباعي لانه لا قصر في الفرض الثنائي والثلاثي فالركعات المفروضة حال الاقامة سبعة عشر، وحال السفر إحدى عشر. وفي عمدة الفتاوى للصدر الشهيد: إذا قال لنسائه من لم يدر منكن كم ركعة فرض يوم وليلة فهي طالق فقالت إحداهن عشرون ركعة والاخرى سبع عشرة ركعة والاخرى خمسة عشرة والاخرى إحدى عشر، لا تطلق واحدة منهن. أما السبع عشرة لا يشكل، ومن قالت عشرون ركعة فقد ضمت الوتر إليها، ومن قالت خمس عشرة فيوم الجمعة، ومن قالت إحدى عشرة ففرض المسافر اه‍. أطلق الارادة فشملت إرادة الكافر. قال في الخلاصة: صبي ونصراني خرجا إلى سفر مسيرة ثلاثة أيام ولياليها فلما سارا يومين أسلم النصراني وبلغ الصبي، فالنصراني يقصر الصلاة فيما بقي من سفره، والصبي يتم الصلاة بناء على أن نية الكافر معتبرة وهو المختار، والامام الجليل الفضلي سوى بينهما يعني كلاهما يتمان الصلاة اه‍.. قوله: (فلو أتم وقعد في الثانية صح وإلا لا) أي وإن لم يقعد على رأس الركعتين لم يصح فرضه لانه إذا قعد فقد تم فرضه وصارت الاخريان له نفلا كالفجر وصار آثما لتأخير السلام، وإن ليقعد فقد خلط النفل بالفرض قبل إكماله. وأشار إلى أنه لا بد أن يقرأ في الاوليين فلو ترك فيهما أو في إحداهما وقرأ في الاخريين لم يصح فرضه. وهذا كله إن لم ينو الاقامة، فإن نواها قال الاسبيجابي: لو صلى المسافر ركعتين وقرأ فيهما وتشهد ثم نوى الاقامة قبل التسليم أو بعد ما قام إلى الثالثة قبل أن يقيدها بسجدة فإنه يتحول فرضه إلى الاربع إلا أنه يعيد القيام والركوع لانه فعله بنية التطوع فلا ينوب عن الفرض وهو مخير في القراءة، فلو قيدها بسجدة ثم نواها لم يتحول فرضه ويضيف إليها أخرى، ولو أفسدها لا شئ عليه. ولو لم يتشهد وقام إلى الثالثة ثم نوى الاقامة تحول فرضه أربعا اتفاقا، فإن لم يقم صلبه عاد إلى التشهد، وإن أقامه يعود وهو مخير في القراءة. ولو قام إلى الثالثة ثم نوى قبل السجدة تحول الفرض ويعيد القيام والركوع، ولو قيد بالسجدة فقد تأكد الفساد فيضيف أخرى فتكون الاربع تطوعا على قولهما خلافا لمحمد، فعنده لا تنقلب بعد الفساد تطوعا. ولو ترك القراءة وأتى بالتشهد ثم نوى الاقامة قبل أن يسلم أو قام إلى الثالثة ثم نوى الاقامة قبل أن يقيدها بالسجدة فإنه يتحول إلى الاربع ويقرأ في الاخريين قضاء عن الاوليين، ولو قيد الثالثة بسجدة ثم نوى فسدت اتفاقا ويضيف رابعة لتكون تطوعا عندهما ا ه‍. قوله: (حتى يدخل مصره أو ينوي الاقامة نصف شهر في بلد أو قرية) متعلق بقوله قصر أي قصر إلى غاية دخول المصر أو نية الاقامة في موضع صالح للمدة المذكورة فلا يقصر. أطلق في

[ 231 ]

دخول مصره فشمل ما إذا نوى الاقامة به أولا، وشمل ما إذا كان في الصلاة كما إذا سبقه حدث وليس عنده ماء فدخله للماء إلا اللاحق إذا أحدث ودخل مصره ليتوضأ لا يلزمه الاتمام ولا يصير مقيما بدخوله المصر. كذا في الفتاوى الظهيرية. وشمل ما إذا كان سار ثلاثة أيام أو أقل لكن المذكور في الشرح أنه يتم إذا سار أقل بمجرد العزم على الرجوع وإن لم يدخل مصره لانه نقض للسفر قبل الاستحكام إذ هو يحتمل النقض. قال في فتح القدير: وقياسه أن لا يحل فطره في رمضان إذا كان بينه وبين بلده يومان. وفي المجتبى: لا يبطل السفر إلا بنية الاقامة أو دخول الوطن أو الرجوع قبل الثلاثة ا ه‍. والمذكور في الخانية والظهيرية وغيرهما أنه إذا رجع لحاجة نسيها ثم تذكرها، فإن كان له وطن أصلي يصير مقيما بمجرد العزم على الرجوع، وإن لم يكن له وطن أصلي يقصر ا ه‍. والذي يظهر أنه لا بد من دخول المصر مطلقا لان العلة مفارقة البيوت قاصدا مسيرة ثلاثة أيام لا استكمال سفر ثلاثة أيام بدليل ثبوت حكم السفر بمجرد ذلك فقد تمت العلة لحكم السفر فيثبت حكمه ما لم تثبت علة حكم الاقامة. وروى البخاري تعليقا أن عليا خرج فقصر وهو يرى البيوت فلما رجع قيل له: هذه الكوفة قال: لا حتى ندخلها، يريد أنه صلى ركعتين والكوفة بمرأى منهم فقيل له إلى آخره. وقيد بنية الاقامة لانه لو دخل بلدا ولم ينو أنه يقيم فيها خمسة عشر يوما وإنما يقول غدا أخرج أو بعد غد أخرج حتى بقي على ذلك سنين قصر. وفي المجتبى: والنية إنما تؤثر بخمس شرائط: أحدها ترك السير حتى لو نوى الاقامة وهو يسير لم يصح. وثانيها صلاحية الموضع حتى لو أقام في بحر أو جزيرة لم تصح. واتحاد الموضع والمدة والاستقلال بالرأي ا ه‍. وأطلق النية فشمل الحكمية كما لو وصل الحاج إلى الشام وعلم أن القافلة إنما تخرج بعد خمسة عشر يوما وعزم أن لا يخرج إلا معهم لا يقصر لانه كناوي الاقامة. كذا في المحيط. وشمل ما إذا نواها في خلال الصلاة في الوقت فإنه يتم، سواء كان في أولها أو وسطها أو في آخرها، وسواء كان منفردا أو مقتديا أو مدركا أو مسبوقا. أما اللاحق إذا أدرك أول الصلاة والامام مسافر فأحدث أو نام فانتبه بعد فراغ الامام ونوى الاقامة لم يتم لان اللاحق في الحكم كأنه خلف الامام، فإذا فرغ الامام فقد استحكم الفرض فلا يتغير في

[ 232 ]

حق الامام فكذا في حق اللاحق. ولو نواها بعد ما صلى ركعة ثم خرج الوقت فإنه يتحول فرضه إلى الاربع، ولو خرج الوقت وهو في الصلاة فنوى الاقامة فإنه لا يتحول فرضه إلى الاربع في حق تلك الصلاة. كذا في الخلاصة. وقيد بنصف شهر لان نية إقامة ما دونها لا توجب الاتمام لما روي عن ابن عباس وابن عمر أنهما قدراها بذلك والاثر في المقدرات كالخبر، وأقام صلى الله عليه وسلم بمكة مع أصحابه سبعة أيام وهو يقصر، وقيد بالبلد والقرية لان نية الاقامة لا تصح في غيرهما فلا تصح في مفازة ولا جزيرة ولا بحر ولا سفينة. وفي الخانية والظهيرية والخلاصة: ثم نية الاقامة لا تصح إلا في موضع الاقامة ممن يتمكن من الاقامة، وموضع الاقامة العمران والبيوت المتخذة من الحجر والمدر والخشب لا الخيام والاخبية والوبر ا ه‍. وقيد الشارحون اشتراط صلاحية الموضع بأن يكون سار ثلاثة أيام فصاعدا، أما إذا لم يسر ثلاثة أيام فلا يشترط أن تكون الاقامة في بلد أو قرية بتصح ولو في المفازة وفيه من البحث ما قدمناه. وقول المصنف حتى يدخل مصره أولى من قول صاحب المجمع إلى أن يدخل وطنه لان الوطن مكان الانسان ومحله كما في المغرب، وليس الاتمام متوقفا على دخوله بل على دخول مصره، وإن لم يدخل وطنه ويصير المصر مصرا للانسان بكونه ولد فيه. واختلفوا فيما إذا دخل المسافر مصرا وتزوج بها والظاهر أنه يصير مقيما لحديث عمر رضي الله عنه ولقوله عليه الصلاة والسلام من تزوج في بلدة فهو منها والمسافرة تصير مقيمة بنفس التزوج عندهم. كذا في القنية. قوله: (لا بمكة ومنى) أي لو نوى الاقامة بمكة خمسة عشر يوما فإنه لايتم الصلاة لان الاقامة لا تكون في مكانين إذ لو جازت في مكانين لجازت في أماكن فيؤدي إلى أن السفر لا يتحقق لان إقامة المسافر في المراحل لو جمعت كانت خمسة عشر يوما أو أكثر إلا إذا نوى أن يقيم بالليل في أحدهما فيصير مقيما بدخوله فيه لان إقامة المرء تضاف إلى مبيته. يقال فلان يسكن في حارة، كذا وإن كان بالنهار في الاسواق ثم بالخروج إلى الموضع الآخر لا يصير مسافرا. وذكر في كتاب المناسك أن الحاج إذا دخل مكة في أيام العشر ونوى الاقامة نصف شهر لا يصح لانه لا بد له من الخروج إلى عرفات فلا يتحقق الشرط. وقيل: كان

[ 233 ]

سبب تفقه عيسى بن أبان هذه المسألة وذلك أنه كان مشغولا بطلب الحديث قال: فدخلت مكة في أول العشر من ذي الحجة مع صاحب لي وعزمت على الاقامة شهرا وجعلت أتم الصلاة، فلقيني بعض أصحاب أبي حنيفة فقال: أخطأت فإنك تخرج إلى منى وعرفات، فلما رجعت من منى بدا لصاحبي أن يخرج وعزمت على أن أصاحبه وجعلت أقصر الصلاة فقال لي صاحب أبي حنيفة: أخطأت فإنك مقيم بمكة فما لم تخرج منها لا تصير مسافرا فقلت: أخطأت في مسألة في موضعين فرحلت إلى مجلس محمد واشتغلت بالفقه. قال في البدائع: وإنما أوردنا هذه الحكاية ليعلم مبلغ العلم فيصير مبعثة للطلبة على طلبه. قيد بالمصرين ومراده موضعان صالحان للاقامة لا فرق بين المصرين أو القريتين أو المصر والقرية للاحتراز عن نية الاقامة في موضعين من مصر واحد أو قرية واحدة فإنها صحيحة لانهما متحدان حكما، ألا ترى أنه لو خرج إليه مسافرا لم يقصر قوله: (وقصر إنوى أقل منها أو لم ينو وبقي سنين) أي أقل من نصف شهر وقد قدمنا تقريره قوله: (أو نوى عسكر ذلك بأرض

[ 234 ]

الحرب وإن حاصروا مصر أو حاصروا أهل البغي في دارنا في غيره) معطوف على قوله نوى أقل منه أي وقصر إن نوى عسكر نصف شهر بأرض الحرب، ولا فرق بين أن يكون العسكر مشغولين بالقتال أو المحاصرة، ولا فرق في المحاصرة بين أن تكون للمدينة أو للحصن بعد أن دخلوا المدينة، ولا فرق بين أن يكون العسكر في أرض الحرب أو أرض الاسلام مع أهل البغي في غير المصر لان نية الاقامة في دار الحرب أو البغي لا تصح لان حالهم يخالف عزيمتهم للتردد بين القرار والفرار، ولهذا قال أصحابنا في تاجر دخل مدينة لحاجة ونوى أن يقيم خمسة عشيوما لقضاء تلك الحاجة لا يصير مقيما لانه متردد بين أن يقضي حاجته فيرجع، وبين أن لا يقضي فيقيم فلا تكون نيته مستقرة كنية العسكر في دار الحرب. وهذا الفصل حجة على من يقول من أراد الخروج إلى مكان ويريد أن يترخص ترخص السفر ينوي مكانا أبعد منه وهذا غلط. كذا ذكر التمرتاشي ا ه‍. كذا في معراج الدراية. وعلى هذا واقعة الفتوى وهي أن إنسانا يحلف بالطلاق أنه يسافر في هذا الشهر فينوي مسيرة ثلاثة أيام ويقصد مكانا قريبا فهذا لم يكن مخلصا له لتعارض نيته إذ الاولى ليست بنية أصلا. وأطلق في العسكر فشمل ما إذا كانت الشوكة لهم وقيد به لان من دخل دار الحرب بأمان فنوى إقامة نصف شهر فيها فإنه يتم أربعا لان أهل الحرب لا يتعرضون له لاجل الامان. كذا في النهاية. وأشار إلى أن الاسير لو انفلت من أيدي الكفار وتوطن في

[ 235 ]

غار ونوى الاقامة خمسة عشر يوما لم يصر مقيما كما لو علم أهل الحرب بإسلامه فهرب منهم يريد السفر ثلاثة أيام ولياليها لم تعتبر نيته. كذا في الخلاصة. وفي فتاوى قاضيخان: وحكم الاسير في دار الحرب حكم العبد لا تعتبر نيته والرجل الذي يبعث إليه الوالي أو الخليفة ليؤتى به إليه فهو بمنزلة الاسير. وفي التجنيس: عسكر المسلمين إذا دخلوا دار الحرب وغلبوا في مدينة إن اتخذوها دارا يتمون الصلاة، وإن لم يتخذوها دارا ولكن أرادوا والاقامة بها شهرا أو أكثر فإنهم يقصرون لانها في الوجه الثاني بقيت دار حرب وهم محاربون فيها وفي الوجه الاول لا ا ه‍. قوله: (بخلاف أهل الاخبية) حيث تصح منهم نية الاقامة في الاصح وإن كانوا في المفازة لان الاقامة أصل فلا تبطل بالانتقال من مرعى إلى آخر إلا إذا ارتحلوا عن موضع إقامتهم في الصيف وقصدوا موضع إقامتهم في الشتاء وبينهما مسيرة ثلاثة أيام فإنهم يصيرون مسافرين في الطريق. وظاهر كلام البدائع أن أهل الاخبية مقيمون لا يحتاجون إلى نية الاقامة فإنه جعل المفاوز لهم كالامصار والقرى لاهلها، ولان الاقامة للرجل أصل والسفر عارض وهم لا ينوون السفر وإنما ينتقلون من ماء إلى ماء وم‍ مرعى إلى آخر ا ه‍. والاخبية جمع خباء البيت من صوف أو وبر. فإن كان من الشعر فليس بخباء. كذا في ضياء الحلوم. وفي المغرب: الخباء الخيمة من الصوف ا ه‍. والمراد هنا الاعم لما في البدائع من التسوية بين من يسكن في بيت صوف أو بيت شعر. وقيد بأهل الاخبية لان غيرهم من المسافرين لو نوى الاقامة معهم فعن أبي يوسف روايتان، وعند أبي حنيفة لا يصيرون مقيمين وهو الصحيح، كذا في البدائع. وفي المجتبى: والملاح مسافر إلا عند الحسن وسفينته أيضا ليست بوطن قوله: (ولو اقتدى مسافر بمقيم في الوقت صح وأتم) لانه يتغير فرضه إلى الاربع للتبعية كما

[ 236 ]

تتغير نية الاقامة لاتصال المغير بالسبب وهو الوقت وفرض المسافر قابل للتغير حال قيام الوقت كنية الاقامة فيه، وإذا كان التغيير لضرورة الاقتداء فلو أفسده صلى ركعتين لزواله بخلاف ما لو اقتدى بالمقيم في فرضه ينوي النفل حيث يصلي أربعا إذا أفسده لانه التزم أداء صلاة الامام وهنا لم يقصد سوى إسقاط فرضه غير أنه تغير ضرورة متابعته. ويستثنى من مسألة الكتاب ما لو اقتدى المقيم بالمسافر فأحدث الامام فاستخلف المقيم فإنه لا يتغير فرضه إلى الاربع مع أنه صار مقتديا بالخليفة المقيم لانه لما كان المؤتم خليفة عن المسافر كان المسافر كأنه الامام فيأخذ الخليفة صفة الاول حتى لو لم يقعد على رأس الركعتين فسدت صلاة الكل. ثم في اقتداء المسافر بالمقيم إذا لم يجلس الامام قدر التشهد في الركعتين عامدا أو ساهيا وتابعه المسافر فقد قيل تفسد صلاة المسافر، وقيل لا تفسد. كذا في السراج الوهاج. والفتوى على عدم الفساد لان صلاته صارت أربعا بالتبعية. كذا في التجنيس وصححه في القنية. وأشار المصنف إلى أن الامام المسافر لو نوى الاقامة لزم المأموم المسافر الاتمام وإن لم ينو للتبعية، فلو أم المسافر مسافرين ومقيمين فلما صلى ركعتين وتشهد فقبل أن يسلم تكلم واحد من المسافرين أو قام فذهب ثم نوى الامام الاقامة فإنه يتحول فرضه وفرض المسافرين الذين لم يتكلموا إلى الاربع وصلاة من تكلم تامة، فلو تكلم بعد نية الامام الاقامة فسدت صلاته ولزمه صلاة المسافر ركعتين. ذكره الاسبيجابي. قوله: (وبعده لا) أي بعد خروج الوقت لا يصح اقتداء المسافر بالمقيم لان فرضه لا يتغير بعد الوقت لانقضاء السبب كما لا يتغير بنية الاقامة فيكون اقتداء المفترض بالتنفل في حق القعدة أو القراءة أو التحريمة. كذا ذكر الشارح. والمذكور في الهداية وغيرها في حق القعدة أو القراءة، ولم أر من ذكر التحريمة غير الشارح والحدادي، وتوضيحه أن المسافر إذا اقتدى بالمقيم أول الصلاة فإن القعدة تصير فرضا في حق المأموم وغير فرض في حق الامام وهو المراد بالنفل في عبارتهم لانه ما قابل الفرض فيدخل فيه الواجب فإن القعدة الاولى واجبة. وإن اقتدى به في الشفع الثاني وكان الامام قد قرأ في الشفع الاول فالقراءة في الشفع الثاني نافلة في حق الامام فرض في حق المأموم، فإن كان الامام صلى الشفع الاول بغير قراءة واقتدى به في الشفع الثاني ففيه روايتان كما في البدائع. ومقتضى المتون عدم الصحة مطلقا،

[ 237 ]

ومقتضى التعليل في هذه المسألة الصحلانه ليس اقتداء المفترض بالمتنفل لا في حق القعدة ولا القراءة، وأما التحريمة فهي لا تكون إلا فرضا ولم يظهر قول الحدادي لان تحريمة الامام اشتملت على الفرض لا غير. وأجاب في المحيط عما إذا لم يقرأ في الاوليين وقرأ في الاخريين بأن القراءة في الاخريين قضاء عن الاوليين والقضاء يلتحق بمحله فلا يبقى للاخريين قراءة ا ه‍. يعني فلا يصح مطلقا وقيد في السراج الوهاج عدم صحة الاقتداء بعد الوقت بقيدين: الاول أن تكون فائتة في حق الامام والمأموم. الثاني أن تكون الصلاة رباعية، أما إذا كانت ثنائية أو ثلاثية أو كانت فائتة في حق الامام مؤداة في حق المأموم كما إذا كان المأموم يرى قولابي حنيفة في الظهر والامام يرى قولهما وقول الشافعي فإنه يجوز دخوله معه في الظهر بعد المثل قبل المثلين فإنها صحيحة ا ه‍. وهو تقييد حسن لكن الاولى أن يكون الشرط كونها فائتة في حق المأموم فقط، سواء كانت فائتة في حق الامام أو لا بأن صلى ركعة من الظهر مثلا أو ركعتين ثم خرج الوقت فاقتدى به مسافر لان الظهر فائتة في حق المسافر لا في حق المقيم. والقيد الاول مفهوم من قوله صح وأتم فإنه يفيد أن الكلام في الرباعية الذي يظهر فيها القصر والاتمام بل لا حاجة إليه أصلا لان السفر مؤثر في الرباعي فقط. وقيد بكون الاقتداء بعد خروج الوقت لانه لو اقتدى به في الوقت ثم خرج الوقت قبل الفراغ من الصلاة تبطل صلاته ولا يبطل اقتداؤه به لانه لما صح اقتداؤه به وصار تبعا له صار حكمه حكم المقيمين، وإنما يتأكد وجوب الركعتين بخروج الوقت في حق المسافر. ولو نام خلف الامام حتى خرج الوقت ثم انتبه أتمها أربعا، ولو تكلم بعد خروج الوقت أو قبل خروجه يصلي ركعتين عندنا. كذا في البدائع. قوله: (وبعكسه صح فيهما) وهو اقتداء المقيم بالمسافر فهو صحيح في الوقت وبعده لان صلاة المسافر في الحالين واحدة والقعدة فرض في حقه غير فرض في حق المقتدي، وبناء الضعيف على القوي جائز وقد أم النبي صلى الله عليه وسلم وهو مسافر أهل مكة وقال: أتموا صلاتكم

[ 238 ]

فإنا قوم سفر. وهو جمع سافر كركب جمع راكب. ويستحب أن يقول ذلك بعد السلام كل مسافر صلى بمقيم لاحتمال أن خلفه لا يعرف حاله ولا يتيسر له الاجتماع بالامام قبل ذهابه فيحكم حينئذ بفساد صلاة نفسه بناء على ظن إقامة الامام ثم إفساده بسلامه على رأس الركعتين، وهذا محمل ما في الفتاوى إذا اقتدى بالامام لا يدري أمسافر هو أم مقيم لا يصح لان العلم بحال الامام شرط الاداء بجماعة ا ه‍. لا أنه شرط في الابتداء لما في المبسوط: رجل صلى الظهر بالقوم بقرية أو مصر ركعتين وهم لا يدرون أمسافر هو أم مقيم فصلاتهم فاسدة، سواء كانوا مقيمين أم مسافرين، لان الظاهر من حال من في موضع الاقامة أنه مقيم والبناء على الظاهر واجب حتى يتبين خلافه، فإن سألوه فأخبرهم أنه مسافر جازت صلاتهم ا ه‍. وفي القنية: وإن كان خارج المصر لا تفسد ويجوز الاخذ بالظاهر في مثله. وإنما كان قول الامام ذلك مستحبا لانه لم يتعين معرفا صحة سلامه لهم فإنه ينبغي أن يتموا ثم يسألوه فتحصل المعرفة. واختلفوا هل يقوله بعد التسليمة الاولى أو بعد التسليمتين؟ الاصح الثاني كذا في السراج الوهاج. ولو قام المقتدي المقيم قبل سلام الامام فنوى الامام الاقامة قبل سجوده رفض ذلك وتابع الامام، فإن لم يفعل وسجد فسدت لانه ما لم يسجد لم يستحكم خروجه عن صلاة الامام قبل سلام الامام وقد بقي ركعتان على الامام بواسطة التغير فوجب عليه الاقتداء فيهما، فإذا انفرد فسدت بخلاف ما لو نوى الامام بعد ما سجد المقتدى فإنه يتم منفردا، فلو رفض وتابع فسدت لاقتدائه حيث وجب الانفراد. كذا في فتح القدير. وفي الخانية والخلاصة: مسافر أم قوما مقيمين فلما صلى ركعتين نوى الاقامة لا لتحقيق الاقامة بل ليتم صلاة المقيمين لا يصير مقيما ولا ينقلب فرضه أربعا ا ه‍. وفي العمدة: مسافر سبقه الحدث فقدم مقيما يتم صلاة الامام ويتأخر ويقدم مسافرا يسلم ثم يتم المقيم صلاته. وفي الخلاصة: مسافر أم مسافرين فأحدث فقدم مسافرا آخر فنوى الثاني الاقامة لا يجب على القوم أن يصلوا أربعا ا ه‍. وفي الهداية: وإذا صلى المسافر بالمقيم ركعتين سلم وأتم المقيمون صلاتهم لان المقتدي التزم الموافقة في الركعتين فينفرد في الباقي كالمسبوق إلا أن أنه لا يقرأ في الاصح لانه مقتد تحريمة لا فعلا والفرض صار مؤدى فيتركها احتياطا بخلاف المسبوق لانه أدرك قراءة نافلة فلم يتأد الفرض فكان الاتيان أولى ا ه‍. وفي الخانية: لا قراءة عليهم

[ 239 ]

فيما يقضون ولا سهو عليهم إذا سهوا ولا يقتدي أحدهم بالآخر ا ه‍. فلو اقتدى أحدهم بالآخر فسدت صلاة المقتدي لانه اقتدى في موضع يجب عليهم الانفراد وصلاة الامام تامة. كذا في البدائع. وفي القنية: اقتدى مقيم بمسافر فترك القعدة مع إمامه فسدت فالقعدتان فرض في حقه، وقيل لا تفسد وهي نفل في حق المقتدي ا ه‍. قوله: (ويبطل الوطن الاصلي بمثله لا السفر ووطن الاقامة بمثله والسفر والاصلي) لان الشئ يبطل بما هو مثله لا بما هو دونه فلا يصلح مبطلا له: وروي أن عثمان رضي الله عنه كان حاجا يصلي بعرفات أربعا فاتبعوه فاعتذر وقال: إني تأهلت بمكة وقال النبي صلى الله عليه وسلم من تأهل ببلدة فهو منها والوطن الاصلي هو وطن الانسان في بلدته أو بلدة أخرى اتخذها دارا وتوطن بها مع أهله وولده وليس من قصده الارتحال عنها بل التعيش بها، وهذا الوطن يبطل بمثله لا غير وهو أن يتوطن في بلدة أخرى وينقل الاهل إليها فيخرج الاول من أن يكون وطنا أصليا حتى لو دخله مسافرا لا يتم. قيدنا بكونه انتقل عن الاول بأهله لانه لو لم ينتقل بهم ولكنه استحدث أهلا في بلدة أخرى فإن الاول لم يبطل ويتم فيهما. وقيد بقوله بمثله لانه لو باع داره ونقل عياله وخرج يريد أن يتوطن بلدة أخرى ثم بدا له أن لا يتوطن ما قصده أولا ويتوطن بلدة غيرها فمر ببلده الاول فإنه يصلي أربعا لانه لم يتوطن غيره. وفي المحيط: ولو كان له أهل بالكوفة وأهل بالبصرة فمات أهله بالبصرة وبقي له دور وعقار بالبصرة، قيل البصرة لا تبقى وطنا له لانها إنما كانت وطنا بالاهل لا بالعقار، ألا ترى أنه لو تأهل ببلدة لم يكن له فيها عقار صارت وطنا له. وقيل: تبقى وطنا للانها كانت وطنا له بالاهل والدار جميعا، فبزوال أحدهما لا يرتفع الوطن كوطن الاقامة تبقى ببقاء الثقل وإن أقام بموضع آخر ا ه‍. وفي المجتبى: نقل القولين فيما إذا نقل أهله ومتاعه وبقي له دور وعقار ثم قال: وهذا جواب واقعة ابتلينا بها وكثير من المسلمين المتوطنين في البلاد ولهم دور وعقار في القرى البعيدة منها يصيفون بها بأهلهم ومتاعهم فلا بد من حفظها أنهما وطنان له لا يبطل أحدهما بالآخر. وقوله لا السفر أي لا يبطل الاصلي بالسفر حتى يصير مقيما بالعود إليه من غير نية الاقامة، وكذا لا يبطل بوطن الاقامة. وأما وطن الاقامة فهو الوطن الذي يقصد المسافر الاقامة فيه وهو صالح لها نصف شهر وهو ينتقض بواحد من ثلاثة: بالاصلي لانه فوقه، وبمثله وبالسفر لانه ضده.

[ 240 ]

أطلقه فأفاد أن تقديم السفر ليس بشرط لثبوت الوطن الاصلي ووطن الاقامة فالاصلي بالاجماع ووطن الاقامة فيه روايتان، ظاهر الرواية أنه ليس بشرط، وفي أخرى عن محمد إنما يصير الوطن وطن إقامة بشرط أن يتقدمه سفر ويكون بينه وبين ما صار إليه منه مدة سفر حتى لو خرج من مصره لا لقصد السفر فوصل إلى قرية ونوى الاقامة بها خمسة عشر يوما لا تصير تلك القرية وطن الاقامة وإن كان بينهما مدة سفر لعدم تقدم السفر. وكذا إذا قصد مسيرة سفر وخرج فلما وصل إلى قرية مسيرتها من وطنه دون مدة السفر نوى الاقامة بها خمسة عشر يوما لا يصير مقيما ولا تصير تلك القرية وطن الاقامة مثاله: قاهري خرج إلي بلبيس فنوى الاقامة بها نصف شهر ثم خرج منها، فإن قصد مسيرة ثلاثة أيام وسافر بطل وطنه ببلبيس حتى لو مر به في العود لا يتم، وإن لم يقصد ذلك وخرج إلى الصالحية فإن نوى الاقامة بها نصف شهر أتم بها وبطل وطنه ببلبيس حتى لو عاد إليه مسافرا لا يتم، وإن لم ينو الاقامة بها

[ 241 ]

لم يبطل وطنه ببلبيس حتى يتم إذا دخله، وإن عاد إلى مصر بطل الوطنان حتى لو عاد إليهما في سفرة أخرى لا يتم إذا لم ينو الاقامة. ولم يذكر المصنف رحمه الله وطن السكنى وهو المكان الذي ينوى أن يقيم فيه أقل من خمسة عشر يوما تبعا للمحققين قالوا: لانه لا فائدة فيه لانه يبقى فيه مسافرا على حاله فصار وجوده كعدمه. وذكر الشارح أن عامتهم على أنه يفيد في رجل خرج من مصره إلى قرية لحاجة ولم يقصد السفر ونوى أن يقيم فيها أقل من خمسة عشر يوما فإنه يتم فيها لانه مقيم ثم خرج من القرية لا للسفر ثم بدا له أن يسافر قبل أن يدخل مصره وقبل أن يقيم ليلة في موضع آخر فسافر فإنه يقصر، ولو مر بتلك القرية ودخلها أتم لانه لم يوجد ما يبطله مما هو فوقه أو مثله ا ه‍. وصحح في السراج الوهاج وشرح المجمع عدم اعتباره وقول الشارح لو مر بها أتم لا يصح لان السفر باق لم يوجد ما يبطله وهو مبطل لوطن السكنى على تقدير اعتباره لان السفر يبطل وطن الاقامة فكيف لا يبطل وطن السكنى، فقوله لانه لم يوجد ما يبطله ممنوع. قوله: (وفائتة السفر والحضر تقضي ركعتين وأربعا) لف ونشر مرتب أي فائتة السفر تقضى ركعتين وفائتة الحضر تقضى أربعا لان القضاء بحسب الاداء بخلاف ما لو فاتته في

[ 242 ]

المرض في حالة لا يقدر على الركوع والسجود حيث يقضيها في الصحة راكعا وساجدا أو فاتته في الصحة حيث يقضيها في المرض بالايماء لان الواجب هناك الركوع والسجود إلا أنهما يسقطان عنه بالعجز، فإذا قدر أتى بهما بخلاف ما نحن فيه فإن الواجب على المسافر ركعتان كصلاة الفجر وعلى المقيم أربع فلا يتغير بعد الاستقرار. قوله: (والمعتبر فيه آخر الوقت) أي المعتبر في وجوب الاربع أو الركعتين عند عدم الاداء في أول الوقت الجزء الاخير من الوقت وهو قدر ما يسع التحريمة، فإن كان فيه مقيما وجب عليه أربع، وإن كان مسافرا فركعتان لانه المعتبر في السببية عند عدم الاداء في أول الوقت، إن أدى آخره وإلا فكل الوقت هو السبب ليثبت الواجب عليه بصفة الكمال. وفائدة إضافته إلى الجزء الاخير اعتبار حال المكلف فيه، فلو بلغ صبي أو أسلم كافرا وأفاق مجنون أو طهرت الحائض أو النفساء في آخر الوقت بعد مضي الاكثر تجب عليهم الصلاة، ولو كان الصبي قد صلاها في أوله، وبعكسه لو جن أو حاضت أو نفست فيه لم يجب لفقد الاهلية عند وجود السبب. وفائدة إضافته إلى الكل عند خلوه عن الاداء أنه لا يجوز قضاء عصر اليوم وقت التغير في اليوم الآتي، ولو كان السبب هو الجزء الاخير لجاز. وتمام تحقيقه في كتابنا المسمى بلب الاصول مختصر تحرير الاصول، وسيأتي في الجمعة أن المعتبر أول الوقت في وجوبها. واعتبر زفر رحمه الله تعالى في السببية الجزء الذي يلزمه الشروع فيه، واختاره القدوري كما في البدائع لان الوقت جعل سببا ليؤدي فيه فإذا تأخر عن أول الوقت وبقي مقدار ما يسع الركعتين يجعل سببا فيتغير فرضه، وإن لم يبق مقدار ذلك كان السبب أول الوقت وهو كان مقيما حينئذ إلا أنه يشكل عليه ما إذا أقام المسافر في آخر جزء من الوقت فإن عليه أربع ركعات اتفاقا. كذا في المصفى. فيحتاج زفر إلى الفرق. قيدنا بعدم الاداء أول الوقت لانه لو صلى صلاة السفر أول الوقت ثم أقام في الوقت لا يتغير فرضه. كذا في الخانية. وذكر في الخلاصة: رجل صلى الظهر في منزله وهو مقيم ثم خرج إلى السفر وصلى العصر في سفره في ذلك اليوم ثم تذكر أنه ترك شيئا في منزله فرجع إلى منزله لاجل ذلك، ثم

[ 243 ]

تذكر أنه صلى الظهر والعصر بغير وضوء قالوا: يجب عليه أن يصلي الظهر ركعتين والعصر أربعا، ولو صلى الظهر والعصر وهو مقيم ثم سافر قبل غروب الشمس والمسألة بحالها يصلي الظهر أربعا والعصر ركعتين ا ه‍. قيد بالصلاة لان المعتبر في الصوم أول جزء من اليوم حتى لو أسلم بعد طلوع الفجر لا يلزمه صوم ذلك اليوم لكونه معيارا. قوله: (والعاصي كغيره) أي في الترخص برخص المسافر لاطلاق النصوص ولان السفر الموجب للرخص ليس بمعصية إنما هو فيما جاوره كخروجه عاقا لوالديه أو عاصيا على الامام أو آبقا من مولاه أو خرجت المرأة بلا محرم أو في العدة أو قاطعا للطريق وقد تكون بعده كما إذا خرج للحج أو للجهاد ثم قطع الطريق. والقبح المجاور لا يعدم المشروعية أصلا كالصلاة في الارض المغصوبة والبيع وقت النداء فصلح السفر مناطا للرخصة قوله: (وتعتبر نية الاقامة والسفر من الاصل دون التبع أي المرأة والعبد والجندي) تفسير للتبع لان الاصل هو المتمكن من الاقامة والسفر دون التبع لكن لا يلزم التبع الاتمام إلا بعد علمه بنية المتبوع كما في توجه الخطاب الشرعي وعزل الوكيل. وقيل: يلزمه كالعزل الحكمي وهو أحوط كما في فتح القدير وهو ظاهر الرواية كما في الخلاصة، والاول أصح لان في لزوم الحكم قبل العلم حرجا وضررا وهو مدفوع شرعا بخلاف الوكيل فإنه غير ملجأ إلى البيع فإن له أن لا يبيع فيمكنه دفع الضرر بالامتناع عن البيع، فإذا باع بناء على ظاهر أمره ولحقه ضرر كان الضرر ناشئا من جهته من وجه ومن جهة الموكل من وجه فيصح العزل حكما لا قصدا، وههنا التبع مأمور بقصر صلاته منهي عن إتمامها فكان مضطرا، فلو صار فرضه أربعا بإقامة الاصل وهو لا يشعر به لحقه ضرر عظيم من جهة غيره بكل وجه وأنه منفي. كذا في المحيط وشرح الطحاوي. وعلى هذا فما في الخلاصة من أن العبد إذا أم مولاه في السفر فنوى المولى الاقامة صحت حتى لو سلم العبد على رأس الركعتين كان عليهما إعادة تلك الصلاة ا ه‍. وكذا العبد إذا كان مع مولاه في السفر فباعه من مقيم والعبد كان في الصلاة ينقلب فرضه أربعا حتى لو سلم على رأس الركعتين كان عليه إعادة تلك الصلاة ا ه‍. مبني على غير الصحيح أن فرض عدم علم العبد أو على الكل إن علم أطلق في تبعية المرأة والجندي، وقيدوه بأن تستوفي المرأة مهرها المعجل وإلا فلا تكون تبعا فالعبرة بنيتها لان لها أن تحبس نفسها عن الزوج للمعجل دون المؤجل ولا تسكن حيث يسكن هو، وبأن يكون الجندي يرزق من بيت المال، فإن كان رزقه في ماله فالعبرة لنيته لان له أن يذهب حيث شاء لطلب الرزق. وأطلق في العبد فشمل القن والمدبر وأم الولد، وأما المكاتب فينبغي أن لا يكون تبعا لان له السفر بغير إذن المولى فلا يلزمه طاعته. وليس مراد

[ 244 ]

المصنف قصر التبع على هؤلاء الثلاثة بل هو كل من كان تبعا لانسان ويلزمه طاعته فيدخل الاجير مع مستأجره، والمحمول مع حامله، والغريم مع صاحب الدين إن كان معسرا مفلسا فإن كان مليا فالنية إليه لانه يمكنه قضاء الدين فيقيم في أي موضع شاء. وأما الاعمى مع قائده فإن كان القائد أجيرا فالعبرة لنية الاعمى. وإن كان متطوعا في قيادة تعتبر نيته. والعبد بين شريكين إذا سافر معهما ثم نوى أحدهما الاقامة قيل لا يصير العبد مقيما لوقوع الشك في صيرورته مقيما فيبقى مسافرا. وقيل يصير مقيما ترجيحا لنية الاقامة احتياطا لامر العبادة. كذا في المحيط. ومحله ما إذا لم يكن بينهما مهايأة، فإن كان بينهما مهايأة في الخدمة فإن العبد يصلي صلاة الاقامة، وإذا خدم المولى الذي لم ينو الاقامة يصلي صلاة السفر. وفي نسخة القاضي الامام: العبد إذا خرج مع مولاه ولا يعلم سير المولى فإنه يسأله إن أخبره أن مسيره مدة السفر صلى صلاة المسافرين، وإن كان دون ذلك صلى صلاة الاقامة، وإن لم يخبره بذلك إن كان مقيما قيل ذلك صلى صلاة الاقامة، وإن كان مسافرا قبل صلى صلاة المسافرين. كذا في الخلاصة. وفي القنية: مسافر ومقيم اشتريا عبدا الاصح أن العبد يصلي صلاة المقيم. ودخل تحت الجندي الامير مع الخليفة كما في الخلاصة وفيها: وعلى هذا الحجاج إذا وصلوا بغداد شهر رمضان ولم ينو والاقامة صلوا صلاة المقيمين ا ه‍. وظاهره أن الحجاج تبع لامير القافلة وليس كذلك، ولا ينبغي إدخاله في هذا المبحث بل علته أنهم لما علموا أن القافلة لا تخرج إلا بعد خمسة عشر يوما نزل ذلك منزلة نيتهم الاقامة نصف شهر كما علل به في التجنيس. وفي المحيط: مسلم أسره العدو إن كان مسيرة العدو ثلاثة أيام يقصر، وإن كان دون ذلك يتم، وإن لم يعلم يسأل كما مر في العبد، ولو دخل مسافر مصرا فأخذه غريمه فحبسه، فإن كان معسرا قصر لانه لم ينو الاقامة ولا يحل للطالب حبسه، وإن كان موسرا، إن عزم أن يقضي دينه أو لم يعزم شيئا قصر، وإن عزم واعتقد أن لا يقضيه أتم والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. باب صلاة الجمعة مناسبته مع ما قبله تنصيف الصلاة لعارض إلا أن التنصيف هنا في خاص من الصلاة وهو الظهر، وفيما قبله في كل رباعية وتقديم العام هو الوجه، ولسنا نعني أن الجمعة

[ 245 ]

تنصيف الظهر بعينه بل هي فرض ابتداء نسبته النصف منها. وهي فريضة محكمة بالكتاب والسنة والاجماع يكفر جاحدها. وقد أطال المحقق في فتح القدير في بيان دلائلها ثم قال: وإنما أكثرنا فيه نوعا من الاكثار لما نسمع عن بعض الجهلة أنهم ينسبون إلى مذهب الحنفية عدم افتراضها، ومنشأ غلطهم ما سيأتي من قول القدوري: ومن صلى الظهر في منزله يوم الجمعة ولا عذر له كره وجازت صلاته. وإنما أراد حرم عليه وصحت الظهر فالحرمة لترك الفرض وصحه الظهر لما سنذكره، وقصرح أصحابنا بأنها فرض آكد من الظهر وبإكفار جاحدها ا ه‍. أقول: وقد كثر ذلك من جهلة زماننا أيضا ومنشأ جهلهم صلاة الاربع بعد الجمعة بنية الظهر، وإنما وضعه بعض المتأخرين عند الشك في صحة الجمعة بسبب رواية عدم تعددها في مصر واحد وليست هذه الرواية بالمختارة، وليس هذا القول - أعني اختيار صلاة الاربع بعدها - مرويا عن أبي حنيفة وصاحبيه حتى وقع لي أني أفتيت مرارا بعدم صلاتها خوفا على اعتقاد الجهلة بأنها الفرض وأن الجمعة ليست بفرض، وسنوضحه من بعد إن شاء الله تعالى. وأما شرائطها فنوعان: شرائط صحة وشرائط وجوب، فالاول ستة كما ذكره المصنف: المصر والسلطان والوقت والخطبة والجماعة والاذان العام. والثاني ستة أيضا كما سيأتي وهي بضم الميم وإسكانها وفتحها حكى ذلك الفراء والواحدي من الاجتماع كالفرقة من الافتراق أضيف إليها اليوم والصلاة ثم كثر الاستعمال حتى حذف منها المضاف وجمعت فقيل جمعات وجمع. كذا في المغرب. وكان يوم الجمعة في الجاهلية يسمى عروبة بفتح العين المهملة وضم الراء وبالباء الموحدة، وأول من سماها يوم الجمعة كعب بن لؤي، ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أقام يوم الاثنين والثلاثاء والاربعاء والخميس في بني عمرو بن عوف وأسس مسجدهم ثم خرج من عندهم فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي - وادي راتونا - فكانت أول جمعة صلاها عليه الصلاة والسلام بالمدينة. قوله (شرط أدائها المصر) أي شرط صحتها أن تؤدى في مصر حتى لا تصح في قرية ولا مفازة لقول علي رضي الله عنه: لا جمعة ولا تشريق ولا صلاة فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع أو في مدينة عظيمة. رواه ابن أبي شيبة وصححه ابن خرم، وكفى بقوله قدوة وإماما. وإذا لم تصح في غير المصر فلا تجب على غير أهله. وفي الخلاصة: القروي إذا دخل المصر يوم الجمعة إن نوى أن يمكث فيه يوم الجمعة لزمته الجمعة، وإن نوى الخروج من ذلك المصر من يومه قبل دخول وقت الصلاة لا تلزمه وبعد دخول وقت الجمعة تلزمه. قال

[ 246 ]

الفقيه: إن نوى الخروج من يومه ذلك وإن كان بعد دخول وقت الجمعة لا تلزمه المصري إذا أراد أن يسافر يوم الجمعة لا بأس به إذا خرج من العمران قبل خروج وقت الظهر لان الجمعة إنما تجب في آخر الوقت وهو مسافر في آخر الوقت، والمسافر إذا قدم المصر يوم الجمعة على عزم أن لا يخرج يوم الجمعة لا تلزمه الجمعة ما لم ينو الاقامة خمسة عشر يوما اه‍. قوله (وهو كل موضع له أمير وقاض ينفذ الاحكام ويقيم الحدود) أي حد المصر المذكور هو ظاهر المذهب كما ذكره الامام السرخسي. زاد في الخلاصة: ويشترط المفتي إذا لم يكن القاضي أو الوالي مفتيا. وأسقط في الظهيرية الامير فقال: المصر في ظاهر الرواية أن يكون فيه مفت وقاض يقيم الحدود وينفذ الاحكام وبلغت أبنيته أبنية منى اه‍. واحترز المصنف بقوله ويقيم الحدود عن المحكم والمرأة إذا كانت قاضية فإنهما لا يقيمان الحدود وإن نفذ الاحكام، واكتفى بذكر الحدود عن القصاص لان من ملك إقامتها ملكه. كذا في فتح القدير وظاهره أن البلدة إذا كان قاضيها أو أميرها امرأة لا يكون مصرا فلا تصح إقامة الجمعة فيها والظاهر خلافه. قال في البدائع: وأما المرأة والصبي العاقل فلا تصح منهما إقامة الجمعة لانهما لا يصلحان للامامة في سائر الصلوات ففي الجمعة أولى إلا أن المرأة إذا كانت سلطانا فأمرت رجلا صالحا للامامة حتى يصلي بهم الجمعة جاز لان المرأة تصلح سلطانا أو قاضية في الجملة فتصح إنابتها اه‍. وفي حد المصر أقوال كثيرة اختاروا منها قولين: أحدهما ما في المختصر. ثانيهما ماعزوه لابي حنيفة أنه بلدة كبيرة فيها سكك وأسواق ولها رساتيق وفيها وال يقدر على انصاف المظلوم من الظالم بحشمة وعلمه أو علم غيره والناس يرجعون إليه في الحوادث. قال في البدائع: وهو الاصح وتبعه الشارح وهو أخص ما في المختصر. وفي

[ 247 ]

المجتبى وعن أبي يوسف أنه ما إذا اجتمعوا في أكبر مساجدهم للصلوات الخمس لم يسعهم وعليه فتوى أكثر الفقهاء. وقال أبو شجاع: هذا أحسن ما قيل فيه. وفي الولوالجية: وهو الصحيح. وفي الخلاصة: الخليفة إذا سافر وهو في القرى ليس له أن يجمع بالناس ولو مر بمصر من أمصار ولايته فجمع بها وهو مسافر جاز. قوله (أو مصلاه) أي مصلى المصر لانه من توابعه فكان في حكمه والحكم غير مقصور على المصلي بل يجوز في جميع أقنية المصر لانها بمنزلة المصر في حوائج أهله. والفناء في اللغة سعة أمام البيوت، وقيل ما امتد من جوانبه. كذا في المغرب. واختلفوا فيما يكون من توابع المصر في حق وجوب الجمعة على أهله، فاختار في الخلاصة والخانية أنه الموضع المعد لمصالح المصر متصل به ومن كان مقيما في عمران المصر وأطرافه وليس بين ذلك الموضع وبين عمران المصر فرجة فعليه الجمعة، ولو كان بين ذلك الموضع وبين عمران المصر فرجة من مزارع أو مراع كالقلع ببخارى لا جمعة على أهل ذلك الموضع وإن سمعوا النداء، والغلوة والميل والاميال ليس بشرط اه‍. واختار في البدائع ما قاله بعضهم أنه إن أمكنه أن يحضر الجمعة ويبيت بأهله من غير تكلف تجب عليه الجمعة وإلا فلا قال: وهذا أحسن اه‍. واختار في المحيط اعتبار الميلين فقال: وعن أبي يوسف في

[ 248 ]

المنتقى: لو خرج الامام عن المصر مع أهله لحاجة مقدار ميل أو ميلين فحضرت الجمعة جاز أن يصلي بهم الجمعة وعليه الفتوى، لان فناء المصر بمنزلته فيما هو من حوائج أهله وأداء الجمعة منها اه‍. وذكر الولوالجي في فتاواه أن المختار للفتوى قدر الفرسخ لانه أسهل على العامة وهو ثلاثة أميال اه‍. وذكر في المضمرات وقال الشيخ الامام الاجل حسام الدين: يجب على أهل المواضع القريبة إلى البلد التي هي توابع العمران الذين يسمعون الاذان على المنارة بأعلى الصوت وهو الصحيح لزوما وإيجابا اه‍. فقد اختلف التصحيح والفتوى كما رأيت، ولعل الاحوط ما في البدائع فكان أولى. وذكر في غاية البيان أن فناء المصر ملحق به في وجوب الجمعة لا في إتمام الصلاة بدليل أنه يقصر الصلاة فيه ذهابا وإيابا. وفي المضمرات معزيا إلى فتاوى الحجة: وجوب الجمعة على ثلاثة أقسام: فرض على البعض، وواجب على البعض، وسنة على البعض. أما الفرض فعلى الامصار، وأما الواجب فعلى نواحيها، وأما السنة فعلى القرى الكبيرة والمستجمعة للشرائط اه‍. وفيه نظر لانها فرض على من هو من توابع الامصار لا يجوز التخلف عنها، وأما القرى فإن أراد الصلاة فيها فغير صحيحة على المذهب، وإن أراد تكلفهم وذهابهم إلى المصر فممكن لكنه بعيد، وأغرب من هذا ما في القنية من أنه يلزم حضور الجمعة في القرى ويعمل بقول علي رضي الله عنه: إياك وما يسبق إلى القلوب إنكاره وإن كان عندك اعتذاره، فليس كل سامع نكرا تطيق أن تسمعه عذرا اه‍. فالمذهب عدم صحتها في القرى فضلا عن لزومها. وفي التجنيس: ولا تجب الجمعة على أهل القرى وإن كانوا قريبا من المصر لان الجمعة إنما تجب على أهل الامصار اه‍. وفي فتح القدير: وقد وقع الشك في بعض قرى مصر مما ليس فيها وال وقاض نازلان بها بل لها قاض يسمى قاضي الناحية وهو قاضي يولى الكورة بأسرها فيأتي القرية أحيانا فيفصل ما اجتمع فيها من التعلقات وينصرف ووال كذلك هل هو مصر نظرا إلى أن لها واليا أو لا نظرا إلى عدمهما بها، والذي يظهر اعتبار كونهما مقيمين بها وإلا لم تكن

[ 249 ]

قرية أصلا إذ كل قرية مشمولة بحكم. وقد يفرق بين قرية لا يأتيها حاكم يفصل بها الخصومات حتى يحتاجون إلى دخول المصرفي كل حادثة يفصلها، وبين ما يأتيها فيفصل فيها، وإذا اشتبه على الانسان ذلك فينبغي أن يصلي أربعا بعد الجمعة وينوي بها آخر فرض أدركت وقته ولم أؤد بعد، فإن لم تصح الجمعة وقعت ظهره وإن صحت كانت نفلا اه‍. وفي القنية: مصلي الجمعة في الرستاق لا ينوي الفرض بل ينوي صلاة الامام ويصلي الظهر وأيهما قدم جاز اه‍. قوله (ومنى مصر لا عرفات) فتجوز الجمعة بمنى ولا تجوز بعرفات: أما الاول فهو قولهما. وقال محمد: لا تجوز بمنى كعرفات. واختلفوا في بناء الخلاف فقيل منى على أنها من توابع مكة عندهما خلافا له وهذا غير سديد، لان بينهما أربع فراسخ وتقدير التوابع للمصرية غير صحيح، والصحيح أنه مبني على أنها تتمصر في أيام الموسم عندهما لان لها بناء وتنقل إليها الاسواق ويحضرها وال وقاض بخلاف عرفات لانها مفازة فلا تتمصر باجتماع الناس وحضرة السلطان. أطلق المصنف فشمل ما إذا كان المصلي بها الجمعة الخليفة أو أمير الحجاز أو أمير العراق أو أمير مكة أو أمير الموسم مقيما كان أو مسافرا، وقد أخرجوا منه أمير الموسم وهو الذي أمر بتسوية أمور الحجاج لا غير فإنه لا يجوز له إقامتها، سواء كان مقيما أو مسافرا إلا إذا كان مأذونا من جهة أمير العراق أو أمير مكة. وقيل: إن كان مقيما يجوز وإن كان مسافرا لا يجوز والصحيح هو الاول. كذا في البدائع. وشمل التجميع بها في غير أيام الموسم. وفي المحيط: قيل إنما تجوز الجمعة عندهما بمنى في أيام الموسم لا في غيرها، وقيل تجوز في جميع الايام لان منى من فناء مكة اه‍. وقد علمت فساد كونها من فناء مكة فترجح تخصيص جوازها بأيام الموسم وأنها تصير مصرا في تلك الايام وقرية في غيرها. قال في فتح القدير: وهذا يفيد أن الاولى في قرى مصر أن لا تصح فيها إلا حال حضور المتولي فإذا حضر صحت وإذا ظعن امتنعت اه‍. وفي التجنيس: ولو نزل الخليفة أو والي العراق في المنازل التي في طريق مكة كالتغلبية ونحوها جمع لانها قرى تتمصر بمكان الحج

[ 250 ]

فصار كمنى. وأطلق في عرفات فشمل ما إذا كان الخليفة حاضرا بالاجماع. كذا في البدائع. وإنما لا تقام صلاة العيد بمنى اتفاقا للتخفيف لا لكونها ليست مصرا قوله (وتؤدى في مصر في مواضع) أي يصح أداء الجمعة في مصر واحد بمواضع كثيرة وهو قول أبي حنيفة ومحمد وهو الاصح، لان في الاجتماع في موضع واحد في مدينة كبيرة حرجا بينا وهو مدفوع. كذا ذكر الشارح. وذكر الامام السرخسي أن الصحيح من مذهب أبي حنيفة جواز إقامتها في مصر واحد في مسجدين وأكثر، وبه نأخذ لاطلاق لا جمعة إلا في مصر شرط المصر فقط. وفي فتح القدير: الاصح الجواز مطلقا خصوصا إذا كان مصرا كبيرا كمصر فإن في إلزام اتحاد الموضع حرجا بينا لا ستدعائه تطويل المسافة على الاكثر. وذكر في باب الامامة أن الفتوى على جواز التعدد مطلقا. وبما ذكرناه اندفع ما في البدائع من أن ظاهر الرواية جوازها في موضعين ولا يجوز في أكثر من ذلك وعليه الاعتماد اه‍. فإن المذهب الجواز مطلقا. وإذا علمت ذلك فما في القنية: ولما ابتلي أهل مرو بإقامة الجمعتين بها مع اختلاف العلماء في جوازهما، ففي قول أبي يوسف والشافعي ومن تابعهما باطلتان إن وقعتا معا وإلا فجمعة المسبوقين باطلة أمر أئمتهم بأداء الاربع بعد الجمعة حتما احتياطا، ثم اختلفوا في نيتها والاحسن أن ينوي آخر ظهر عليه، والاحوط أن يقول، نويت آخر ظهرأدركت وقته ولم أصله بعد لان ظهر يومه إنما يجب عليه بآخر الوقت في ظاهر المذهب. ثم اختلفوا في القراءة فقيل يقرأ الفاتحة والسورة في الاربع، وقيل في الاوليين كالظهر وهو اختياري، والمختار عندي أن يحكم فيها رأيه. واختلفوا أنه هل يجب مراعاة الترتيب في الاربع بعد الجمعة بمرور العصر حسب اختلافهم في نيته، واختلفوا في سبق الجمعة بماذا يعتبر إذا اجتمعا في مصر واحد فقيل بالشروع، وقيل بالفراغ وقيل بهما والاول أصح اه‍. مبني كله على القول الضعيف المخالف للمذهب فليس الاحتياط في فعلها لانه العمل بأقوى الدليلين، وقد علمت أن مقتضى الدليل هو الاطلاق، وأما ما استدل به من يمنع التعدد من أنها

[ 251 ]

سميت جمعة لاستدعائها الجماعات فهي جامعة لها فلا يفيده لانه حاصل مع التعدد، ولهذا قال العلامة ابن جرباش في النجعة في تعداد الجمعة: لا يقال إن القول بالاجتماع المطلق قول بالاحتياط وهو متعين في مثله ليخرج به المكلف عن عهدة ما كلف به بيقين لان الاجتماع أخص من مطلق الاجتماع، ووجود الاخص يستلزم وجود الاعم من غير عكس، ولان الاحتياط هو العمل بأقوى الدليلين ولم يوجد دليل عدم جواز التعدد بل قضية الضرورة عدم اشتراطه، وقد قال الله تعالى * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) * (البقرة: 286) وقال تعالى * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * (الحج: 78) اه‍. بلفظه مع ما لزم من فعلها

[ 252 ]

في زماننا من المفسدة العظيمة، وهو اعتقاد الجهلة أن الجمعة ليست بفرض لما يشاهدون من صلاة الظهر فيظنون أنها الفرض، وأن الجمعة ليست بفرض فيتكاسلون عن أداء الجمعة فكان الاحتياط في تركها، وعلى تقدير فعلها ممن لا يخاف عليه مفسدة منها فالاولى أن تكون في بيته خفية خوفا من مفسدة فعلها والله سبحانه الموفق للصواب. قوله (والسلطان أو نائبه) معطوف على المصر. والسلطان هو الوالي الذي لا والي فوقه. وإنما كان شرطا للصحة لانها تقام بجمع عظيم وقد تقع المنازعة في التقديم والتقدم وقد تقع في غيره فلا بد منه تتميما لامره، ودخل تحت النائب العبد إذا قلد عمل ناحية فصلى بهم الجمعة جاز. ولا تجوز إلا نكحة بتزويجه ولا قضائه، ودخل القاضي والشرطي لكن قال في الخلاصة: وليس للقاضي أن يصلي الجمعة بالناس إذا لم يؤمر به، ويجوز لصاحب الشرط وإن لم يؤمر به وهذا في عرفهم اه‍. وفيها: والي مصر مات ولم يبلغ الخليفة موته حتى مضت بهم جمع فإن صلى بهم خليفة الميت أو صاحب الشرط أو القاضي أجزأهم، ولو اجتمعت العامة على تقديم رجل لم يأمره القاضي ولا خليفة الميت لم يجز ولم تكن جمعة، ولو لم يكن ثمة قاض ولا خليفة الميت فاجتمع العامة على تقديم رجل جاز للضرورة، ولو مات الخليفة وله ولاة وأمراء على أشياء من أمور المسلمين كانوا على ولايتهم يقيمون الجمع اه‍. وأطلق في السلطان فشمل العادل والجائز والمتغلب ولهذا قال في الخلاصة: والمتغلب الذي لا عهد له أي لا منشور له إن كان سيرته فيما بين الرعية سيرة الامراء ويحكم فيما بينهم بحكم الولاية تجوز الجمعة بحضرته اه‍. والعبرة لاهلية النائب وقت الصلاة لا وقت الاستنابة حتى لو أمر الصبي أو الذمي وفوض إليهما الجمعة قبل يوم الجمعة فبلغ الصبي وأسلم الذمي كان لهما أن يصليا الجمعة، ولا ينافيه ما كره في الخلاصة قبله النصراني إذا مر على مصر ثم أسلم ليس له أن يصلي الجمعة بالناس حتى يؤمر بعد الاسلام، وكذا الصبي إذا أمر ثم أدرك، وكذا لو استقضي صبي أو نصراني ثم أدرك الصبي وأسلم النصراني لم يجز حكمهما اه‍. لانه في الاول فوض إليه أمر الجمعة صريحا، وفي الثاني لا، وظاهر ما في الخانية أن الفرق إنما هو قول بعض المشايخ وأن الراجح عدم الفرق لان التفويض وقع باطلا، فعلى هذا المعتبر أهليته وقت الاستنابة ولا خفاء في أن من فوض إليه أمر العامة في مصر فإن له أن يقيم الجمعة وإن لم يفوضها إليه السلطان صريحا كما في الخلاصة من أن من فوض إليه أمر العامة من

[ 253 ]

أصحاب السلطان فإن له إقامتها، ولا يخفى أن له الاستنابة كتولية خطيب في جامع كما هو الواقع في الامصار وهذا متفق عليه، وإنما وقع الاشتباه في أن الخطيب المقرر من جهة الحاكم هل له أن يستنيب من غير ضرورة؟ فصرح منلا خسرو في شرح الدرر والغرر بأن الخطيب ليس له الاستنابة إلا أن يفوض إليه ذلك، وهذا مما يجب حفظه والناس عنه غافلون اه‍. وقد عمل بذلك بعض القضاة في زماننا حتى أخرج خطيبا من وظيفته بسبب استنابته من غير إذن. وفي النجعة في تعداد الجمعة للعلامة ابن جرباش أحد شيوخ مشايخي: إن أذن السلطان أو نائبه إنما هو شرط لاقامتها عند بناء المسجد، ثم بعد ذلك لا يشترط الاذن لكل خطيب، فإذا قرر الناظر خطيبا في مسجد فله إقامتها بنفسه وبنائبه وأن الاذن منسحب لكل من خطب وعبارته. والحاصل أن حق التقدم في إمامة الجمعة حق الخليفة إلا أنه لا يقدر على إقامة هذا الحق ينفسه في كل الامصار فيقيمها غيره بنيابته، فالسابق في هذه النيابة في كل بلدة الامير الذي ولي على تلك البلدة ثم الشرطي ثم القاضي ثم الذي ولاه قاضي القضاة. وفي العتابية عن ابن المبارك: الشرطي أولى من القاضي. وفي الخانية: الامام إذا أحدث بعدما صلى ركعة من الجمعة فتقدم واحد من القوم لا بتقديم أحد لا تجوز صلاتهم خلفه، وإن قدمه واحد من جماعة السلطان ممن فوض إليه أمر العامة يجوز. وإذ قد عرفت هذا فيتمشى عليه ما يقع في زماننا هذا من استئذان السلطان في إقامة الجمعة فيما يستجد من الجوامع فإن أذنه بإقامتها في ذلك الموضع لربه مصحح لاذن رب الجامع لمن يقيمه خطيبا ولاذن ذلك الخطيب لمن عساه أن يستنيبه، ولا يكون ذلك إذنا لمجهول ليقع فاسدا على ما توهمه البعض لانه لا بد أن يسأل السلطان في ذلك شخص معين

[ 254 ]

بالضرورة لنفسه أو لغيره، فبروز الاذن يكون على وجه التعيين لا محالة لان الاذن إن كان للسائل فظاهر، وإن كان لغيره، فكذلك لان إذنه يقع إذنا للمسؤول له وهو معلوم عند السائل معين له، بل للامام أيضا لان السائل يجري ذكره عنده بما يصحح السؤال له وهو كاف في صحة الاذن فإن مثل ذلك كاف في تولية القضاة والولاة، ألا ترى أن شخصا نائبا عن الامام أو قريبا غائبا عن حضرته لو وصف له بأوصاف حميدة فولاه حال غيبته عنه صح ولا يشترط معرفة شخصه في صحة توليته له، فما بالك بما نحن فيه؟ وإذا صح الاذن أعطي لمن أذن له حكم الوالي والقاضي في صحة الاقامة منه وممن يأذن له لان المصحح لصحتها ممن سوى الامام من الامام والشرطيين والقضاة إنما هو إقامة الامام لهم وإذنه المحصل لدفع الفتنة الذي هو السبب الداعي لاشتراط الامام في صحة إقامة الجمعة، وهو حاصل فيما ذكرنا فلا التفات لمتعنت والله سبحانه وتعالى أعلم اه‍. كلامه. وهو كلام حسن لكنه لم يستند فيه إلى نقل عن المشايخ وظاهر كلامهم يدل عليه. قال الولوالجي ففتاواه: الامام إذا خطب فأمر من لم يشهد الخطبة أن يجمع بهم فأمر ذلك الرجل من شهد الخطبة فجمع بهم، جاز لان الذي لم يشهد الخطبة من أهل الصلاة فصح التفويض إليه لكنه عجز لفقد شرط الصلاة وهو سماع الخطبة فملك التفويض إلى الغير، ولو جمع هو ولم يأمر لغيره لا يجوز بخلاف ما لو شرع في الصلاة ثم استخلف من لم يشهد الخطبة فإنه يجوز، وكذلك إن تكلم هذا المقدم فاستقبل بهم جاز لانه إنما يؤدي الصلاة بالتحريمة الاولى اه‍. ووجه الدلالة أن الامام إن كان المراد به نائب الوالي وهو الخطيب فقد جوز له الاستنابة في إقامة الجمعة ولم يقيده بالحدث ولا بالعذر، وجوز لنائبه أن يستنيب مع أنه لم يفوض إليه ذلك صريحا. وإن كان المراد بالامام الوالي فقد جوز لنائبه أن يستنيب وكل منهما يدل على جواز الاستنابة للخطيب من غير إذن. وقال في الهداية من باب القضاء: وليس للقاضي أن يستخلف على القضاء إلا أن يفوض إليه ذلك بخلاف المأمور بإقامة الجمعة حيث له أن يستخلف لانه على شرف الفوات لتوقته فكان الامر به إذنا بالاستخلاف دلالة ولا كذلك القضاء. اه‍. فقد جوز للمأمور بإقامتها الاستنابة ولم يقيد بالعذر، فدل على جوازها مطلقا. وأما تقييد الشارح الزيلعي الاستخلاف بأن يكون أحدث فلا دليل عليه، والظاهر من عباراتهم الاطلاق. وذكر في البدائع أن كل من ملك إقامة صلاة الجمعة فإنه يملك إقامة غيره مقامه اه‍. وهو

[ 255 ]

صريح في جواز الاستنابة للخطيب مطلقا أو كالصريح فيه. وأيضا ليس الحدث قبل الصلاة من الضروريات لامكان أن يذهب الخطيب للوضوء ثم يأتي فيصلي، وقد اتفقت كلمتهم على أن له الاستخلاف بشرط أن يكون النائب شهد الخطبة ليكون كأن النائب خطب بنفسه، ولم يقيدوا وبإذن الحاكم فدل على ما قلنا. وفي فتاوى الولوالجي: إذا أحدث الامام فقال لواحد فيهم اخطب ولا تصل بهم فذهب ولم يجئ أجزأه أن يخطب ويصلي بهم لانه نهاه عن الصلاة لكي يأتي فيصلي بهم، فإذا لم يأت كان هذا تفويض الصلاة إليه. وقد وقع لبعض قضاة العساكر في زماننا بالقاهرة أنه كان يرى بأنه لا يصح تقريره في وظيفة الخطابة وإنما يقرر فيها الحاكم وهو المسمى بالباشا، ولعله استند في ذلك إلى ما قدمناه عن الخلاصة من أن القاضي لا يقيمها إلا بإذن. لكن قال في الظهيرية بعد نقل ما في الخلاصة: وعن أبي يوسف أنه قال: أما اليوم فالقاضي يصلي بهم الجمعة لان الخلفاء يأمرون القضاء أن يجمعوا بالناس لكن قيل أراد بهذا قاضي القضاة الذي يقال له قاضي قضاة الشرق والغرب كأبي يوسف في وقته، أما في زماننا فالقاضي وصاحب الشرط لا يوليان ذلك اه‍. فالحاصل أن السلطان إذا ولى إنسانا قاضي القضاة بمصر فإن له أن يولي الخطباء ولا يتوقف على إذن كما أن له أن يستخلف للقضاء وإن لم يؤذن له مع أن القاضي ليس له الاستخلاف إلا بإذن السلطان لان توليته قاضي إذن بذلك دلالة كما صرح به في فتح القدير من باب القضاء، لكن ذكر في التجنيس أن في إقامة الجمعة للقاضي روايتين، وبرواية المنع يفتي في ديارنا إذا لم يؤمر به ولم يكتب في منشوره. وأشار المصنف رحمه الله تعالى إلى أن الامام إذا منع أهل المصر أن يجمعوا لم يجمعوا كما أن له أن يمصر موضعا كان له أن ينهاهم. قال الفقيه أبو جعفر: هذا إذا نهاهم مجتهدا بسبب من الاسباب وأراد أن يخرج ذلك المصر من أن يكون مصرا، أما إذا نهاهم متعنتا أو إضرارا بهم فلهم أن يجمعوا على رجل يصلي بهم الجمعة. ولو أن إماما مصر مصرا ثم نفر الناس عنه لخوف عدو أو ما أشبه ذلك ثم عادوا إليه فإنهم لا يجمعوا إلا بإذن مستأنف من الامام. كذا في الخلاصة. ودل كلامهم أن النائب إذا عزل قبل الشروع في الصلاة ليس له إقامتها لانه لم

[ 256 ]

يبق نائبا لكن شرطوا أن يأتيه الكتاب بعزله أو يقدم عليه الامير الثاني، فإن وجد أحدهما فصلاته باطلة، فإن صلى صاحب شرط جاز لان عمالهم على حالهم حتى يعزلوا. كذا في الخلاصة. وبه علم أن الباشا بمصر إذا عزل فالخطباء على حالهم ولا يحتاجون إلى إذن جديد من الثاني إلا إذا عزلهم. وقيدنا بكونه علم العزل قبل الشروع لانه لو شرع ثم حضر وال آخر فإنه يمضي في صلاته كرجل أمره الامام أن يصلي بالناس الجمعة ثم حجر عليه وهو في الصلاة لا يعمل حجره لان شروعه صح إن حجر عليه قبل الشروع عمل حجره. قوله (ووقت الظهر) أي شرط صحتها أن تؤدى في وقت الظهر فلا تصح قبله ولا بعده لان شرعية الجمعة مقام الظهر على خلاف القياس لانه سقوط أربع بركعتين فتراعى الخصوصيات التي ورد الشرع بها مما لم يثبت دليل على نفي اشتراطها، ولم يصلها عليه السلام خارج الوقت في عمره ولا بدون الخطبة فيه فيثبت اشتراطهما وكون الخطبة في الوقت بخلاف ما قام الدليل على عدم اشتراطه ككونها خطبتين بينهما جلسة إلى غير ذلك مما هو مسنون أو واجب كما سيأتي بيانه قوله (فتبطل بخروجه) أي صلاة الجمعة بخروج وقت الظهر ولو بعد القعود قدر التشهد لفوات شرطها فلا يبني الظهر لاختلاف الصلاتين قدرا وحالا واسما. أطلقه فشمل كل مصل لها ولهذا قال في المحيط: لو نام خلف الامام في الجمعة ولم ينتبه حتى خرج الوقت فسدت صلاته لانه لو أتم لصار قاضيا وقضاء الجمعة في غير وقتها لا يجوز، ولو انتبه في الوقت لم تفسد لانه صار مؤديا للجمعة في وقتها اه‍. وفي تهذيب القلانسي من باب المواقيت: وفي الجمعة لو خرج وقت الظهر تنقلب تطوعا عند أبي حنيفة وعندهما يبطل أصلا اه‍. ولا يخفى مخالفة أبي يوسف أصله هنا فإنه موافق للامام في أنه إذا بطل الوصف لا تبطل الاصل. وفي السراج الوهاج معزيا إلى النوادر: إمام صلى بالناس الجمعة فدخل معه رجل في الصلاة فزحمه الناس فلم يستطع الركوع والسجود حتى فرغ الامام ودخل وقت العصر، فإنه يتم الجمعة بغير قراءة بخلاف ما لو كان في الفجر والمسألة بحالها ثم طلعت الشمس حيث تفسد صلاته لعدم مصادفة الوقت، وينبغي أن يكون ما في النوادر ضعيفا لان ما في المحيط يخالفه لانه لا فرق في اللاحق بين أن يكون عذره النوم أو الزحمة قوله (والخطبة قبلها) أي وشرط صحتها الخطبة وكونها قبل الصلاة لما قدمناه من أن النبي صلى الله عليه وسلم ما صلاها دون الخطبة. ونقل في فتح القدير الاجماع على اشتراط نفس الخطبة ولانها شرط وشرط الشئ سابق عليه، ولو قال فيه أي في وقت الظهر لكان أولى لانه شرط حتى لو خطب قبله وصلى فيه لم تصح. وشرط الشارح أن يكون بحضرة جماعة تنعقد بهم

[ 257 ]

الجمعة وإن كانوا صما أو نياما، وظاهره أنه لا يكفي لوقوعها الشرط حضور واحد. وفي الخلاصة ما يخالفه فإنه قال: لو خطب وحده ولم يحضره أحد لا يجوز. وفي الاصل قال: فيه روايتان. ولو حضر واحد أو اثنان وخطب وصلى بالثلاثة جاز، ولو خطب بحضرة النساء لم يجز إن كن وحدهن انتهى. وفي فتح القدير: المعتمد أنه لو خطب وحده فإنه يجوز أخذا من قولهم يشترط عنده في التسبيحة والتحميدة أن يقال على قصد الخطبة، فلو حمد لعطاس لا يجزئ عن الواجب انتهى. وفيه نظر ظاهر لانه لا يدل على ما ذكره بشئ من أنواع الدلالات كما لا يخفى. وصحح في الظهيرية أنه لو خطب وحده فإنه لا يجوز. وفي المضمرات معزيا إلى الزاد: وهل تقوم الخطبة مقام الركعتين؟ اختلف المشايخ منهم من قال تقوم ولهذا لا تجوز إلا بعد دخول الوقت، ومنهم من قال لا تقوم وهو الاصح لانه لا يشترط لها سائر شروط الصلاة من استقبال القبلة والطهارة وغير ذلك انتهى. وفي البدائع: ثم هي وإن كانت قائمة مقام الركعتين شرط وليست بركن لان صلاة الجمعة لا تقام بالخطبة فلم تكن من أركانها اه‍. وفي فتح القدير: واعلم أن الخطبة شرط الانعقاد في حق من ينشئ التحريمة للجمعة لا في حق كل من صلاها، واشتراط حضور الواحد أو الجمع ليتحقق معنى الخطبة لانها من النسبيا ت فعن هذا قالوا: لو أحدث الامام فقدم من لم يشهدها جاز أن يصلي بهم الجمعة لانه بان تحريمته على تلك التحريمة المنشأة، فالخطبة شرط انعقاد الجمعة في حق من ينشئ التحريمة فقط، ألا ترى إلى صحتها من المقتدين الذين لم يشهدوا الخطبة؟ فعلى هذا كان القياس فيما لو أفسد هذا الخليفة أن لا يجوز أن يستقبل بهم الجمعة لكنهم استحسنوا جواز استقباله لهم لانه لما قام مقام الاول التحق به حكما، فلو فسد الاول استقبل بهم فكذلك الثاني، فلو كان الاول أحدث قبل الشروع فقدم من لم يشهد الخطبة لا يجوز اه‍. ولم يشترط المصنف أنه يصلي عقب الخطبة بلا تراخ، ففيه أشار إلى أنه ليس بشرط فلذا قالوا: إن الخطبة تعاد على وجه الاولوية لو تذكر الامام فائتة في صلاة الجمعة ولو كانت الوتر حتى فسدت

[ 258 ]

الجمعة لذلك فاشتغل بقضائها، وكذا لو كان أفسد الجمعة فاحتاج إلى إعادتها أو افتتح التطوع بعد الخطبة وإن لم يعد الخطبة أجزأه، وكذا إذا خطب جنبا. كذا في فتح القدير. ولم يفرق بين الفصل القليل والكثير، وفرق بينهما في الخلاصة فقال: ولو خطب محدثا أو جنبا ثم توضأ أو اغتسل وصلى جاز، ولو خطب ثم رجع إلى بيته فتغدى أو جامع واغتسل ثم جاء استقبل الخطبة، وكذا في المحيط معللا بأن الاول من أعمال الصلاة بخلاف الثاني فإن ظاهره أن الاستقبال في الثاني لازم وإلا فلا فرق بين الكل. وقد صرح في السراج الوهاج بلزوم الاستئناف وبطلان الخطبة وهذا هو الظاهر لانه إذا طال الفصل لم يبق خطبة للجمعة بخلاف ما إذا قل، وقد علم من تفاريعهم أنه لا يشترط في الامام أن يكون هو الخطيب، وقد صرح في الخلاصة بأنه لو خطب صبي بإذن السلطان وصلى الجمعة رجل بالغ يجوز. قوله (وسن خطبتان بجلسة بينهما وطهارة قائما) كما روي عن أبي حنيفة أنه قال: ينبغي أن يخطب خطبة خفيفة يفتتح بحمد الله تعالى ويثني عليه ويتشهد ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويعظ ويذكر ويقرأ سورة ثم يجلس جلسة خفيفة، ثم يقوم فيخطب خطبة أخرى يحمد الله تعالى ويثني عليه ويتشهد ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو للمؤمنين والمؤمنات كما في البدائع. وقد علم من هذا أنه لا يعظ في الثانية ولهذا قال في التجنيس: إن الثانية كالاولى إلا أنه يدعو للمسلمين مكان الوعظ، وظاهره أنه يسن قراءة آية في الثانية كالاولى. والحاصل كما في المجتبي أن الكلام في الخطبة في أربعة مواضع: في الخطبة والخطيب والمستمع وشهود الخطبة. أما الخطبة فتشتمل على فرض وسنة، فأما الفرض فشيئان: الوقت وذكر الله تعالى، وأما سننها فخمس عشرة: أحدها الطهارة حتى كرهت للمحدث والجنب. وقال أبو يوسف: لا يجوز. وثانيها القيام. وثالثها استقبال القوم بوجهه. ورابعها قال أبو يوسف في الجوامع: التعوذ في نفسه قبل الخطبة. وخامسها أن يسمع القوم الخطبة فإن لم يسمع أجزأه. وسادسها ماروى الحسن عن أبي عن أبي حنيفة أنه يخطب خطبة خفيفة وهي تشتمل على عشرة: أحدها البداءة بحمد الله. وثانيها الثناء عليه بما هو أهله. وثالثها الشهادتان. ورابعها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. وخامسها العظة والتذكير. وسادسها قراءة القرآن وتاركها مسئ وروي أنه صلى الله عليه وسلم قرأ فيها سورة العصر ومرة أخرى * (لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة

[ 259 ]

أصحاب الجنة هم الفائزون) * (الحشر: 20) وأخرى * (ونادوا يا مالك) * (الزخرف: 77) وسابعها الجلوس بين الخطبتين. وثامنها أن يعيد في الخطبة الثانية الحمد لله والثناء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. تاسعها أن يزيد فيها الدعاء للمؤمنين والمؤمنات. وعاشر ها تخفيف الخطبتين بقدر سورة من طوال المفصل ويكره التطويل، وأما الخطيب فيشترط فيه أن يتأهل للامامة في الجمعة. والسنة في حقه الطهارة والقيام والاستقبال بوجهه للقوم وترك السلام من خروجه إلى دخوله في الصلاة وترك الكلام. وقال الشافعي: إذا استوى على المنبر سلم على القوم، وقوله صلى الله عليه وسلم إذا خرج الامام فلا صلاة ولا كلام يبطل ذلك. وأما المستمع فيستقبل الامام إذا بدأ بالخطبة وينصت ولا يتكلم ولا يرد السلام ولا يشمت ولا يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم. وقالا: يصلي السامع في نفسه، وفي جواز قراءة القرآن وذكر الفقه والنظر فيه لمن يستمع الخطبة اختلاف المشايخ. ويكره لمستمع الخطبة ما يكره في الصلاة كالاكل والشرب والعبث والالتفات، وأما التخطي فمكروه عند أبي حنيفة. وقالا: إنما يكره بعد خروج الامام. وقال الرازي: إنما يجوز قبله إذا لم يؤذ أحدا فأما تخطي السؤال فمكروه في جميع الاحوال بالاجماع وأما شهود الخطبة فشرط في حق الامام دون المأموم اه‍. ما في المجتبي. وأطلق المصنف في الجلسة ولم يبين قدرها للاختلاف، فعند الطحاوي مقدار ما يمس موضع جلوسه من المنبر، وفي ظاهر الرواية مقدار ثلاث آيات كما في التجنيس وغيره، ومن الغريب ما ذكره في السراج الوهاج أنه يستحب للامام إذا صعد المنبر وأقبل على الناس أن يسلم عليهم لانه استدبرهم في صعوده اه‍. ومن المستحب أن يرفع الخطيب صوته كما في السراج الوهاج، ومنه أن يكون الجهر في الثانية دون الاولى كما في شرح الطحاوي وفي التجنيس: وينبغي أن تكون الخطبة الثانية الحمد لله نحمده ونستعينه إلى آخره. لان هذا هو الثانية التي كان يخطب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الخلفاء الراشدين مستحسن، بذلك جرى التوارث ويذكر العمين اه‍. ثم قولهم إن السنة في المستمع استقبال الامام مخالف لما عليه عمل الناس من استقبال المستمع للقبلة، ولهذا قال في التجنيس: والرسم في زماننا أن القوم يستقبلون القبلة قال: لانهم لو استقبلوا الامام لخرجوا في تسوية الصفوف بعد فراغه لكثرة الزحام. وجزم في الخلاصة بأنه يستحب استقباله إن كان أمام الامام، فإن كان عن يمين الامام أو عن يساره قريبا من الامام ينحرف إلى الامام مستعدا للسماع. ومن السنة أن يكون الخطيب على منبر اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي المضمرات معزيا إلى روضة العلماء: الحكمة في أن الخطيب يتقلد سيفا ما قد سمعت الفقيه أبا الحسن الرستغفني يقول: كل بلدة فتحت عنوة بالسيف يخطب الخطيب على منبرها متقلدا بالسيف يريهم أنها فتحت بالسيف فإذا رجعتم عن الاسلام فذلك السيف باق في أيدي المسلمين نقاتلك به حتى ترجعوا إلى الاسلام، وكل بلدة أسلم أهلها طوعا يخطبون فيها بلا سيف ومدينة النبي صلى الله عليه وسلم فتحت بالقرآن فيخطب

[ 260 ]

الخطيب بلا سيف وتكون تلك البلدة عشرية. ومكة فتحت بالسيف فيخطب مع السيف اه‍. وهذا مفيد لكونه يتقلد بالسيف لا أنه يمسكه بيده كما هو المتعارف مع أن ظاهر ما في الخلاصة كراهة ذلك فإنه قال: ويكره أن يخطب متكئا على قوس أو عصا لكن قال في الحاوي القدسي: إذا فرغ المؤذنون قام الامام والسيف بيساره وهو متكئ عليه اه‍. وهو صريح فيه إلا أن يفرق بين السيف وغيره. وفي المجتبى: ويخطب بالسيف في البلدة التي فتحت بالسيف. وفي السراج الوهاج: وأما الدعاء للسلطان في الخطبة فلا يستحب لما روي أن عطاء سئل عن ذلك فقال: إنه محدث وإنما كانت الخطبة تذكيرا. وفي الخلاصة وغيرها: الدنو من الامام أفضل من التباعد على الصحيح، ومنهم من اختار التباعد حتى لا يسمع مدح الظلمة في الخطبة، ولهذا اختار بعضهم أن الخطيب ما دام في الحمد والمواعظ فعليهم الاستماع فإذا أخذ في مدح الظلمة والثناء عليهم فلا بأس بالكلام حينئذ. وحكى في الظهيرية والخانية عن إبراهيم النخعي وإبراهيم بن مهاجر أنهما كانا يتكلمان وقت الخطبة، فقيل لابراهيم النخعي في ذلك فقال: إني صليت الظهر في داري ثم رحت إلى الجمعة ثقية ولذلك تأويلان: أحدهما أن الناس كانوا في ذلك الزمان فريقين: فريق منهم لا يصلي الجمعة لانه كان لا يرى الجائر سلطانا وسلطانهم يومئذ كان جائرا فإنهم كانوا لا يصلون الجمعة من أجل ذلك، وكان فريق منهم يترك الجمعة لان السلطان كان يؤخر الجمعة عن وقتها في ذلك الزمان فكانوا يأتون الظهر في دارهم ثم يصلون مع الامام ويجعلونها سبحة أي نافلة اه‍. وقد سمعت في زماننا أن بعضهم يترك الجمعة متأولا بالتأويل الاول وهو فاسد لان فاعله مجتهد رأى ذلك. وأما المقلد لابي حنيفة فحرام عليه ذلك لان مذهب إمامه أن الجائر سلطان كما قدمناه. وفي أول التجنيس معزيا إلى الفقيهأبي الليث: ينبغي أيكون في مجلس الواعظ الخوف والرجاء ولا يجعل كله خوفا ولا كله رجاء لانه ور النهي عن ذلك، ولان الاول يفضي إلى القنوط، والثاني إلى الامن فيجمع بينهما. وقال الامام أبو بكر الرستغفني: يجب أن يتكلم في الرحمة والرجاء لقوله عليه الصلاة والسلام يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا (1) ولان من رجع إلى الباب بالكرامة يكون أثبت اه‍. وفي القنية قال أبو يوسف في الجامع: ينبغي للخطيب إذا صعد المنبر أن يتعوذ بالله في نفسه قبل الخطبة اه‍. وفي ضياء الحلوم مختصر شمس العلوم: خطب على المنبر خطبة - بضم الخاء - وخطب المرأة خطبة بكسر الخاء. قال الله تعالى * (من خطبة النساء)

[ 261 ]

* (البقرة: 235) وفي الحديث لا يخطبن أحدكم على خطبة أخيه (2) اه‍. وفي الحاوي القدسي: والسنة أن يكون جلوس الامام في مخدعه عن يمين المنبر فإن لم يكن ففي جهته أو ناحيته، وتكره صلاته في المحراب قبل الخطبة، وليلبسن السواد اقتداء بالخلفاء وللتوارث في الاعصار والامصار اه‍. ولم أر فيما عندي من كتب أئمتنا حكم المرقي الذي يخرج الخطيب من مخدعه ويقرأ الآية كما هو المعهود هل هو مسنون أم لا. وفي البدائع: ويكره للخطيب أن يتكلم في حال خطبته إلا إذا كان أمرا بمعروف فلا يكره لكونه منها. وفي خزانة الفقه لابي الليث: الخطب ثمان: خطبة الجمعة، وخطبة عيد الفطر، وخطبة عيد الاضحى، وخطبة النكاح، وخطبة الاستسقاء في قول أبي يوسف ومحمد، وثلاث خطب في الحج واحدة منها بلا جلسة بمكة قبل يوم التروية بعد الظهر، والثاني بعرفات قبل الظهر يجلس فيها جلسة خفيفة، والثالثة بعد يوم التحر بيوم في منى يخطب خطبة واحدة بعد الظهر فيبدأ في ثلاث خطب منها بالتحميد وهي خطبة الجمعة والاستسقاء وخطبة النكاح، وفي خمس يبدأ بالتكبير وهي خطبة عيد الفطر والاضحى وثلاث خطب الحج إلا أن الخطبة التي بمكة وعرفة يبدأ فيها بالتكبير ثم بالتلبية ثم بالخطبة اه‍.. قوله: (وكفت تحميدة أو تم ليلة أو تسبيحة) أي وكفى في الخطبة المفروضة مطلق ذكر الله تعالى على وجه القصد عند أبي حنيفة لاطلاقه في الآية الشريفة. وقالا: الشرط أن يأتي بكلام يسمى خطبة في العرف. وأقله قدر التشهد إلى عبده ورسوله تقييدا له بالمتعارف كما قالاه في القراءة. وأبو حنيفة عمل بالقاطع والظني فقال بافتراض مطلق الذكر للآية وباستنان الخطبة المتعارفة لفعله عليه الصلاة والسلام تنزيلا للمشروعات على حسب أدلتها، ويؤيده قصة عثمان المذكورة في كتب الفقه وهي أنه لما خطب في أول جمعة ولي الخلافة صعد المنبر فقال: الحمد لله فارتج عليه فقال: إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا وأنتم

[ 262 ]

إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال، وستأتيكم الخطب بعد وأستغفر الله لي ولكم ونزل وصلى بهم. ولم ينكر عليه أحد منهم فكان إجماعا. وارتج بالتخفيف على الاصح أي استغلق عليه الخطبة فلم يقدر على إتمامها كذا في المغرب. ومراد عثمان بقوله إنكم إلى إمام إلى آخره أن الخلفاء الذين يأتون بعد الخلفاء الراشدين تكون على كثرة المقال مع قبح الفعال فأنا وإن لم أكن قوالا مثلهم فأنا على الخير دون الشر، فأما أن يريد بهذا القول تفضيل نفسه على الشيخين فلا. كذا في النهاية: قيدنا الخطبة بالمفروضة لان المسنونة لا يكفي فيها مطلقه بل لا بد أن يأتي بما قدمناه. وقيدنا بالقصد لانه لو عطس على المنبر فقال الحمد لله على عطاسه لا ينوب عن الخطبة عند أبي حنيفة أيضا كما في التسمية على الذبيحة، وعن أبي حنيفة في رواية أخرى أنه يجزئه، والفرق على هذه الرواية وهو أن المأمور به في الخطبة الذكر مطلقا لقوله تعالى * (فاسعوا إلى ذكر الله) * (الجمعة: 9) وقد وجد، وفي باب الذبيحة المأمور الذكر عليه وذلك بأن يقصده والاول أصح. كذا في التجنيس قوله: (والجماعة وهم ثلاثة) أي شرط أن يصلي مع الامام ثلاثة فأكثر لاجماع العلماء على أنه لا بد فيها من الجماعة كما في البدائع. وإنما اختلفوا في مقدارها فما ذكره المصنف قولابي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: اثنان سوى الامام لانهما مع الامام ثلاثة وهي جمع مطلق ولهذا يتقدمهما الامام ويصطفان خلفه. ولهما: إن الجمع المطلق شرط انعقاد الجمعة في حق كل واحد منهم وشرط جواز صلاة كل واحد منهم ينبغي أن يكون سواه، فيحصل هذا الشرط ثم يصلي ولا يحصل هذا الشرط إلا إذا كان سوى الإمام ثلاثة إذ لو كان مع الإمام اثنان لم يوجد في حق كل واحد منهم بخلاف سائر الصلوات لان الجماعة فيها ليست بشرط. كذا في البدائع. أطلق الثلاثة فشمل العبيد والمسافرين والمرضى والاميين والخرسى لصلاحيتهم للامامة في الجمعة، أما لكل واحد أو لمن هو مثل حالهم في الامي والاخرس فصلحا أن يقتديا بمن فوقهما. كذا في المحيط. ولا يرد عليه النساء والصبيان فإن الجمعة لا تصح بهم وحدهم لعدم صلاحيتهم للامامة فيها بحال لان النساء خرجن بالتاء في ثلاثة أي ثلاثة رجال، وكذا الصبي لانه ليس برجل كامل والمطلق ينصرف إلى الكامل. وشمل ثلاثة غير الثلاثة الذين حضروا الخطبة لما في التجنيس وغيره: إذا خطب بحضره جماعة ثم نفروا وجاء آخرون لم يشهدوا الخطبة فصلى بهم الجمعة أجزأهم.

[ 263 ]

قوله: (فإن نفروقبل سجوده بطلت) بيان لكون الجماعة شرط انعقاد الاداء لا شرط انعقاد التحريمة عند أبي حنيفة، وعندهما شرط انعقاد التحريمة. وفائدته أنهم لو نفروا بعد التحريمة قبل تقييد الركعة بالسجدة فسدت الجمعة ويستقبل الظهر عنده، وعندهما يتم الجمعة لانها شرط انعقاد التحريمة في حق المقتدي فكذا في حق الامام. والجامع أن تحريمة الجمعة. إذا صحت صح بناء الجمعة عليها، ولهذا لو أدركه إنسان في التشهد صلى الجمعة عنده وهو قول أبي يوسف إلا أن محمدا تركه هنا لما سيأتي، ولابي حنيفة أن الجماعة في حق الامام لو جعلت شرط انعقاد التحريمة لادى إلى الحرج لان تحريمته حينئذ لا تنعقد بدون مشاركة الجماعة إياه فيها، وذا لا يحصل إلا أن تقع تكبيراتهم مقارنة لتكبيرة الامام وأنه مما يتعذر مراعاته. وبالاجماع ليس بشرط فإنهم لو كانوا حضروا وكبر الامام ثم كبروا صح تكبيره وصار شارعا في الصلاة وصحت مشاركتهم إياه فلم يجعل شرط انعقاد التحريمة لعدم الامكان فجعلت شرط انعقاد الاداء وهو بتقييد الركعة بالسجدة لان الاداء فعل والحاجة إلى كون الفعل أداء للصلاة وفعل الصلاة هو القيام والقراءة والركوع والسجود، ولهذا لو حلف لا يصلي فما لم يقيد الركعة بسجدة لا يحنث، فإذا لم يقيدها لم يوجد الاداء فلم ينعقد فشرط دوام مشاركة الجماعة الامام إلى الفراغ عن الاداء، ولا معتبر ببقاء النسوان والصبيان ولا بما دون الثلاث من الرجال لان الجمعة لا تنعقد بهم. فلو قال فإن نفر واحد منهم لكان أولى. قيد بقوله قبل سجوده أي الامام لانهم لو نفروا بعد سجوده فإنها لا تبطل عندنا خلافا لزفر، بناء على أنها عنده شرط بقائها منعقدة إلى آخر الصلاة كالطهارة وستر العورة. وعندنا ليست بشرط للبقاء لما عرف في البدائع ومن فروع المسألة ما لو أحرم الامام ولم يحرموا حتى قرأ وركع فأحرموا بعد ما ركع، فإن أدركوه في الركوع صحت الجمعة لوجود المشاركة في الركعة الاولى وإلا فلا لعدمها، بخلاف المسبوق فإنه تبع للامام فيكتفي بالانعقاد في حق الاصل لكونه بانيا على صلاته. ولا يخفى أن مراد المصنف أنهم نفروا قبل سجوده ولم يعودوا قبل سجوده وإلا فلو نفروا قبله وعادوا إليه قبله فلا فساد كما في الخلاصة. وفيها: وإذا كبر الامام ومعه قوم متوضئون فلم يكبروا معه حتى أحدثوا ثم جاء آخرون وذهب الاولون جاز استحسانا، ولو كانوا محدثين فكبر ثم جاء آخرون استقبل التكبير ا ه‍. قوله: (والاذن العام)

[ 264 ]

أي شرط صحتها الاداء على سبيل الاشتهار حتى لو أن أميرا أغلق أبواب الحصن وصلى فيه بأهله وعسكره صلاة الجمعة لا تجوز. كذا في الخلاصة. وفي المحيط: فإن فتح باب قصره وأذن للناس بالدخول جاز ويكره لانه لم يقض حق المسجد الجامع، وعللوا الاول بأنها من شعائر الاسلام وخصائص الدين فيجب إقامتها على سبيل الاشتهار. وفي المجتبى: فانظر إلى السلطان يحتاج إلى العامة في دينه ودنياه احتياج العامة إليه فلو أمر إنسانا يجمع بهم في الجامع وهو في مسجد آخر جاز لاهل الجامع دون أهل المسجد إلا إذا علم الناس بذلك ا ه‍. ولم يذكر صاحب الهداية هذا الشرط لانه غير مذكور في ظاهر الرواية وإنما هو رواية النوادر كما في البدائع. قوله: (وشرط وجوبها الاقامة والذكورة والصحة والحرية وسلامة العينين والرجلين) فلا تجب على مسافر ولا على امرأة ولا مريض ولا عبد ولا أعمى ولا مقعد، لان المسافر يحرج في الحضور وكذا المريض والاعمى والعبد مشغول بخدمة المولى والمرأة بخدمة الزوج فعذروا دفعا للحرج والضرر. ولم أر حكم الاعمى إذا كان مقيما بالجامع الذي تصلى فيه الجمعة وأقيمت وهو حاضر هي تجب عليه لعدم الحرج أو لا، وإنما لم يذكر العقل والبلوغ والاسلام لانها شرط كل تكليف فلا حاجة إلى ذكرها هنا كما في الخلاصة. وأما الشيخ الكبير الذي ضعف فهو ملحق بالمريض فلا يجب عليه. وفي فتح القدير: والمطر الشديد والاختفاء من السلطان الظالم مسقط. فلو قال المصنف وشرط وجوبها الاقامة والذكورة والصحة والحرية ووجود البصر والقدرة على المشي وعدم الحبس والخوف والمطر الشديد لكان أشمل. وأشار المصنف باشتراط الحرية إلى عدم وجوبها على المكاتب والمأذون والعبد الذي حضر مع مولاه باب المسجد لحفظ الدابة ولم يخل بالحفظ، والعبد الذي يؤدي الضريبة لفقد الشرط لكن هل له صلاتها بغير إذن المولى. قال في التجنيس: وإذا أراد العبد أن يخرج إلى الجمعة أو إلى العيدين بغير إذن مولاه إن كان يعلم أن مولاه يرضى بذلك جاز وإلا فلا يحل له الخروج بغير إذنه لان الحق له في ذلك، ولو رآه فسكت حل له الخروج إليها لان السكوت بمنزلة الرضى. وعن محمد في العبد يسوق دابة مولاه إلى الجامع فإنه يشتغل بالحفظ ولا يصلي

[ 265 ]

الجمعة لانه لم يوجد الرضا بأداء الجمعة، والاصح أن له ذلك إذا كان لا يخل بحق المولى في إمساك دابته ا ه‍. وفي السراج الوهاج: فإن أذن للعبد مولاه وجب عليه الحضور. وقال بعضهم: يتخير وصحح الوجوب على المكاتب ومعتق البعض ولا يخفى ما فيه. وجزم في الظهيرية في العبد الذي أذن له مولاه بالتخيير وهو أليق بالقواعد فأشار باشتراط سلامة العينين إلى عدم وجوبها على الاعمى مطلقا، أما إذا لم يجد قائدا فمجمع عليه وإن وجده إما بطريق التبرع أو الاجارة أو معه مال يستأجره به فكذلك عند أبي حنيفة، وعندهما تجب عليه. وأشار باقتصاره على هذه الشروط إلى أنها لا تسقط عن الاجير. وفي الخلاصة: وللمستأجر منع الاجير عن حضور الجمعة وهذا قول الامام أبي حفص. وقال الامام أبو علي الدقاق: ليس له أن يمنعه لكن تسقط عنه الاجرة بقدر اشتغاله بذلك إن كان بعيدا، وإن كان قريبا لا يحط عنه شئ، وإن كان بعيدا واشتغل قدر ربع النهار حط عنه ربع الاجرة، فإن قال الاجير حط عني الربع بمقدار اشتغالي بالصلاة لم يكن له ذلك ا ه‍. وظاهر المتون يشهد للدقاق، ولا حاجة إلى ذكر سلامة العينين والرجلين لدخولهما تحت الصحة كما وقع في كثير من الكتب مع أن ظاهر العبارة مشكل لانه يقتضي أن إحداهما لو لم تسلم فإنه لا تجب عليه صلاة الجمعة مع أن الامر بخلافه لانه ليس بأعمى ولا بمقعد، فلو قال ووجود البصر والقدرة على المشي لكان أولى إلا أن يقال: إن الالف واللام إذا دخلت على المثنى أبطلت معنى التثنية كالجمع فصار بمعنى المفرد. وألحق بالمريض الممرض. وفي السراج الوهاج: الاصح أنه إن بقي المريض ضائعا بخروجه لم يجب عليه. وفي التجنيس: الرجل إذا أراد السفر يوم الجمعة لا بأس به إذا خرج من العمران قبل خروج وقت الظهر لان الوجوب بآخر الوقت وآخر الوقت هو مسافر فلم يجب عليه صلاة الجمعة. قال رضي الله عنه: وحكي عن شمس الائمة الحلواني أنه كان يقول لي: في هذه المسألة إشكال وهو أن اعتبار آخر الوقت إنما يكون فيما ينفرد بأدائه وهو سائر الصلوات، فأما الجمعة لا ينفرد هو بأدائها وإنما يؤديها الامام

[ 266 ]

والناس فينبغي أن يعتبر وقت أدائهم حتى إذا كان لا يخرج من المصر قبل أداء الناس ينبغي أن يلزمه شهود الجمعة ا ه‍. قوله: (ومن لا جمعة عليه أن أداها جاز عن فرض الوقت) لانهم تحملوه فصاروا كالمسافر إذا صام. وأشار بقوله جاز عن الفرض إلى أنهم أهل التكليف فلا يرد عليه الصبي والمجنون وإن دخلا تحت قوله ومن لا جمعة عليه ولهذا فصل في البدائع فيمن لا جمعة عليه فقال: إن كان صبيا وصلاها فهي تطوع له، وإن كان مجنونا فلا صلاة له أصلا. وأما من كان أهلا للوجوب كالمريض والمسافر والمرأة والعبد يجزئهم ويسقط عنهم الظهر. قيد بالجمعة لان من لا حج عليه إذا أدى الحج فإن كان لفقد المال فإن الحج يسقط عنه حتى لو أيسر بعده فإنه لا حج عليه لما ذكرنا، وإن كان لعدم أهليته كالعبد إن أدى الحج مع مولاه فإنه لا يحكم بجوازه فرضا حتى يؤاخذ بحجة الاسلام بعد حريته. والفرق أن المنع من الجمعة كان نظرا للمولى والنظر ههنا في الحكم بالجواز لانا لو لم نجوز وقد تعطلت منافعه على المولى لوجب عليه الظهر فتتعطل عليه منافعه ثانيا فينقلب النظر ضررا، وذا ليس بحكمة فتبين في الآخرة أن النظر في الحكم بالجواز فصار مأذونا دلالة كالعبد المحجور عليه إذا أجر نفسه أنه لا يجوز، ولو سلم من العمل يجوز ويجب عليه كمال الاجرة لما ذكرنا. كذا هذا بخلاف الحج فإن هناك لا يتبين أن النظر للمولى في الحكم بالجواز لا يؤاخذ للحال بشئ آخر إذا لم يحكم بجوازه بل يخاطب بحجة الاسلام بعد الحركة فلا يتعطل على المولى منافعه. كذا في البدائع. ولم أر نفلا صريحا هل الافضل لمن لا جمعة عليه صلاة الجمعة أو صلاة الظهر، لكن ظاهر الهداية والعناية وغاية البيان أن الافضل لهم صلاة الجمعة لانهم ذكروا أن صلاة الظهر لهم يوم الجمعة رخصة فدل أن العزيمة صلاة الجمعة، وينبغي أن يستثنى منه المرأة، فإن صلاتها في بيتها أفضل والله سبحانه وتعالى أعلم. قوله: (وللمسافر والعبد والمريض أن يؤم فيها) أي في الجمعة. وقال زفر: لا يجزئه لانه لا فرض عليه فأشبه الصبي والمرأة. ولنا أن هذه رخصة فإذا حضروا تقع فرضا على ما بينا، أما أداء الصبي فمسلوب الاهلية والمرأة لا تصلح لامامه الرجال قوله: (وتنعقد بهم) أي الجمعة بالمسافر والعبد والمريض للاشارة إلى رد قول الشافعي أن هؤلاء تصح إمامتهم لكن لا يعتد بهم في العدد الذي تنعقد بهم الجمعة، وذلك لانهم لما صلحوا للامامة فلان يصلحوا للاقتداء أولى. كذا في العناية. قوله: (ومن لا عذر له لو صلى الظهر قبلها كره) أي حرم قطعا. وإنما ذكر الكراهة اتباعا للقدوري مع أنه مما لا ينبغي فإنه أوقع بعض الجهلة في ضلالة من اعتقاد جواز تركها،

[ 267 ]

وقد قدمنا أن من أنكر فريضتها فهو كافر بالله تعالى. قال في فتح القدير: لا بد من كون المراد حرم عليه ذلك وصحت الظهر لان ترك الفرض القطعي باتفاقهم الذي هو آكد من الظهر، فكيف لا يكون مرتكبا محرما غير أن الظهر تقع صحيحة ا ه‍. فالحاصل أن فرض الوقت هو الظهر عندنا بدلالة الاجماع على أن بخروج الوقت يصلي الظهر بنية القضاء، فلو لم يكن أصل فرض الوقت الظهر لما نوى القضاء. ثم هو مأمور بإسقاطه والاتيان بالجمعة. وعند زفر: فرض الوقت هو الجمعة، وفائدة الاختلاف تظهر في ثلاثة: أحدها في هذه المسألة. ثانيها لو نوى فرض الوقت يصير شارعا في الظهر عندنا، وعنده في الجمعة. ثالثها لو تذكر فائتة عليه وكان لو اشتغل بالقضاء تفوته الجمعة دون الظهر فإنه يقضي ويصلي الظهر بعده عندنا، وعنده يصلي الجمعة، ولو كان بحال تفوته الظهر والجمعة لا يقضيها اتفاقا. كذا في أكثر الكتب. وفي المحيط ذكر ثلاثة أقوال عندهما فرض الوقت الظهر لكن العبد مأمور بإسقاطه عنه بأداء الجمعة، وعند محمد: الفرض هو الجمعة وله أن يسقط بالظهر رخصة، وروي عنه الفرض أحدهما لا بعينه ويتعين ذلك بأدائه، وعند زفر والشافعي: الفرض هو الجمعة والظهر بدل عنها في حق المعذور ا ه‍. وقد ظهر للعبد الضعيف صحة كلاما لقدوري ومن تبعه في التعبير بالكراهة لان صلاة الظهر قبل أداء الجمعة من الامام ليست مفوتة للجمعة حتى تكون حراما إنما المفوت لها عدم سعيه، فإن سعيه بعصلاة الظهر إليها فرض كما صرحوا به، فإن لم يسع فقد فوتها فحرم عليه ذلك. وأما الصلاة فإنها مكروهة فقط باعتبار أنها قد تكون سببا للتفويت باعتبار اعتماده عليها وهم إنما حكموا على صلاة الظهر بالكراهة ولم يقل أحد أن ترك الجمعة بغير عذر مكروه حتى يلزم ما ذكر من الايقاع في جهالة. فقوله في فتح القدير لانه ترك الفرض القطعي ممنوع لما علمت أنه لا يلزم من صلاة الظهر ترك الفرض والله سبحانه الموفق للصواب. قيد بقوله قبلها لانه لو صلى الظهر في منزله بعد ما صلى الامام الجمعة يجوز اتفاقا بلا كراهة. كذا في غاية البيان. مع أنه قد فوت الجمعة فنفس الصلاة غير مكروهة وتفويت الجمعة حرام وهو مؤيد لما قلنا. وقيد بقوله لا عذر له لان المعذور إذا صلى الظهر قبل الامام فلا كراهة اتفاقا. قوله: (فإن سعى إليها بطل) أي الظهر المؤدى عند أبي حنيفة بمجرد السعي إليها لانه

[ 268 ]

مأمور بعد صلاة الظهر ينقضها بالذهاب إلى الجمعة، فالذهاب إليها شروع في طريق نقضها المأمور به فيحكم بنقضها به احتياطا لترك المعصية. وقالا: لا تبطل حتى يدخل مع الامام. واختلفوا في معنى السعي إليها والمختار أنه الانفصال عن داره حتى لا يبطل قبله على المختار لان السعي الرافض لها هو السعي إليها على الخصوص، ومثل ذلك السعي إنما يكون بعد خروجه من باب داره، والمراد من السعي المشي لا الاسراع فيه، وإنما عبروا به اتباعا للآية. وقيد بقوله سعى لانه لو كان جالسا في المسجد بعد ما صلى الظهر فإنه لا يبطل حتى يشرع مع الامام اتفاقا. كذا في الحقائق. وقيد بقوله إليها لانه لو خرج لحاجة أو خرج لحاجة أو خرج وقد فرغ الامام لم يبطل ظهره إجماعا، فالبطلان به مقيد بما إذا كان يرجو إدراكها بأن خرج والامام فيها أو لم يكن شرع. وأطلق فشمل ما إذا لم يدركها لبعد المسافة مع كون الامام فيها وقت الخروج أو لم يكن شرع وهو قول البلخيين. قال في السراج الوهاج: وهو الصحيح لانه توجه إليها وهي لم تفت بعد حتى لو كان بيته قريبا من المسجد وسمع الجماعة في الركعة الثانية وتوجه إليها وهي لم تفت بعد حتى لو كان بيته قريبا من المسجد وسمع الجماعة في الركعة الثانية وتوجه بعد ما صلى الظهر في منزله بطل الظهر على الاصح أيضا لما ذكرنا. وفي النهاية: إذا توجه إليها قبل أن يصليها الامام ثم إن الامام لم يصلها لعذر أو لغيره اختلفوا في بطلان ظهره، والصحيح أنها لا تبطل، وكذا لو توجه إليها والامام والناس فيها إلا أنهم خرجوا منها قبل إتمامها لنائبة فالصحيح أنه لا يبطل ظهره. ثم اعلم أن الضمير المستتر في قوله سعى يعود إلى مصلي الظهر لا إلى من عذر له ليكون أفود وأشمل فإنه لا فرق بين المعذور وغيره في بطلان ظهره بسعيه كما في غاية البيان والسراج الوهاج، لكن التعليل المذكور أولا لا يشمله لان المعذور ليس بمأمور بالسعي إليها مطلقا، فكيف يبطل به؟ فينبغي أن لا يبطل الظهر بالسعي ولا بشروعه في صلاة الجمعة لان الفرض قد سقط عنه ولم يكن مأمورا بنقضه فتكون الجمعة نفلا منه كما قاله به زفر والشافعي، وظاهر ما في المحيط أن ظهره إنما يبطل بحضوره الجمعة لا بمجرد سعيه كما في غير المعذور هو أخف إشكالا.

[ 269 ]

وأسند المصنف البطلان إلى الظهر ليفيد أن أصل الصلاة لم يبطل فينقلب نفلا كما في السراج الوهاج. وذكر في الظهيرية والخلاصة الرستاقي إذا سعى يوم الجمعة إلى مصر يريد به إقامة الجمعة وإقامه حوائج نفسه في المصر ومعظ مقصوده إقامة الجمعة ينال ثواب السعي إلى الجمعة وإن كان قصده إقامة الحوائج لا غير أو كان معظم مقصوده إقامة الحوائج لا ينال ثواب السعي إلى الجمعة ا ه‍. وبهذا يعلم أن من شرك في عبادته فإن العبرة للاغلب. وقيد بسعي المصلي لان المأموم لو لم يسع إليها وسعى إمامه فإنه لا يبطل ظهر المأموم وإن بطل ظهر إمامه لان بطلانه في حق الامام بعد الفراغ فلا يضر المأموم كما صرح به في المحيط. قوله: (وكره للمعذور والمسجون أداء الظهر بجماعة في العصر) لان المعذور قد يقتدي به غيره فيؤدي إلى تركها، وما علل به في الهداية أولا بقوله لما فيه من الاخلال بالجمعة إذ هي جامعة للجماعات مبني على عدم جواز تعددها في مصر واحد وهو خلاف المنصوص عليه رواية ودراية. قيد بالمصر لان الجماعة غير مكروهة في حق أهل السواد لانه لا جمعة عليهم، وأفاد بالكراهة أن الصلاة صحيحة لاستجماع شرائطها، وفي فتاوي الولوالجي: قوم لا يجب عليهم أن يحضروا الجمعة لبعد الموضع صلوا الظهر جماعة لانه لا يؤدي إلى تقليل الجماعة في الجمعة ا ه‍. فإن كانوا في السواد فظاهر، وإن كانوا في المصر فهي مستثناة من كلام المصنف، ولو حذف المصنف المعذور والمسجون لكان أولى فإن أداء الظهر بجماعة مكروه يوم الجمعة مطلقا. قال في الظهيرية: جماعة فاتتهم الجمعة في المصر فإنهم يصلون الظهر بغير آذان ولا إقامة ولا جماعة ا ه‍. وذكر الولوالجي: ولا يصلي يوم الجمعة جماعة في مصر ولا يؤذن ولا يقيم في سجن وغيره لصلاة، ولو زاد أداؤه منفردا قبل صلاة الامام لكان أولى لما في الخلاصة: ويستحب للمريض أن يؤخر الصلاة إلى أن يفرغ الامام من صلاة الجمعة وإن لم يؤخره يكره هو الصحيح ا ه‍. ولعله إما لاحتمال أن يقتدي به غيره فيؤدي إلى تركها أو يعافى فيحضرها. وقد اقتصر في المجتبى على الثاني. وإنما صرح بالمسجون مدخوله في المعذور للاختلاف في أهل السجن فإن السراج الوهاج أن المسجونين إن كانوا ظلمة قدروا على إرضاء الخصوم، وإن كانوا مظلومين أمكنهم الاستغاثة وكان عليه حضور الجمعة. وقيد بالجماعة لما في التفاريق أن المعذور يصلي الظهر بأذان، وإقامة وإن كان لا تستحب الجماعة، وقيد بالظهر لان في غيرها لا بأس أن يصلوا جماعة. وأشار المصنف إلى أن المساجد تغلق يوم الجمعة إلا الجامع لئلا يجتمع

[ 270 ]

فيها جماعة. كذا في السراج الوهاج. وظاهر كلامهم أن الكراهة في مسألة الكتاب تحريمية لان الجماعة مؤدية إلى الحرام وما أدى إليه فهو مكروه تحريما قوله: (ومن أدركها في التشهد أو في سجود السهو أتم جمعة) يعني عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: إن أدرك معه أكثر الركعة الثانية بني عليها الجمعة، وإن أدرك أقلها بنى عليها الظهر لانه جمعة من وجه ظهر من وجه لفوات بعض الشرائط في حقه فيصلي أربعا اعتبارا للظهر، ويقعد لا محالة على رأس الركعتين اعتبارا للجمعة، ويقرأ في الاخريين لاحتمال النفلية. ولهما: إنه مدرك للجمعة في هذه الحالة حتى تشترط نية الجمعة وهي ركعتان ولا وجه لما ذكر لانهما مختلفان لا ينبني أحدهما على تحريمة الآخر، ووجود الشرائط في حق الامام يجعل موجودا في حق المسبوق. وأشار المصنف رحمه الله إلى أنه لا بد أن ينوي الجمعة دون الظهر حتى لو نوى الظهر لم يصح اقتداؤه. كذا في المبسوط. وفي المضمرات: إنه مجمع عليه. وأشار أيضا إلى أن الامام يسجد للسهو في الجمعة والعيدين، والمختار عند المتأخرين أن لا يسجد في الجمعة والعيدين لتوهم الزيادة من الجهال. كذا في السراج الوهاج وغيره. ثم إذا قام هذا المسبوق إلى قضائه كان مخيرا في القراءة إن شاء جهر وإن شاخافت. كذا في السراج الوهاج أيضا. وفي المجتبى: ولو زحمه الناس فلم يستطع السجود فوقف حتى سلم الامام فهو لاحق يمضي في صلاته بغير قراءة ا ه‍. وقيد بالجمعة لان من أدرك الامام في صلاة العيد في التشهد فإنه يتم العيد اتفاقا. كذا في فتح القدير من صلاة العيد. وذكر في السراج أن عند محمد لم يصر مدركا للعيد. وفي الظهيرية معزيا إلى المنتفى: مسافر أدرك الامام يوم الجمعة في التشهد يصلي أربعا بالتكبير الذي دخل فيه ا ه‍. وهو مخصص لما في المتون مقتض لحملها على ما إذا كانت الجمعة واجبة على المسبوق أما إذا لم تكن واجبة فإنه يتم ظهرا. قوله: (وإذا خرج الامام فلا صلاة ولا كلام) لما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن علي وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم: كانوا يكرهون الصلاة والكلام بعد خروج الامام. وقول الصحابي حجة ولان الكلام يمتد طبعا فيخل بالاستماع والصلاة قد تستلزمه أيضا. وبه اندفع قولهما إنه لا بأس بالكلام إذا خرج قبل أن يخطب وإذا نزل قبل أن يكبر. وأجمعوا أن الخروج قاطع للصلاة. وفي العيون: المراد إجابة المؤذن، أما غيره من الكلام فيكره إجماعا. كذا في السراج الوهاج. وفسر الشارح الخروج بالصعود على المنبر وهكذا في المضمرات. وذكر في السراج الوهاج يعني خرج من المقصورة وظهر عليهم، وقيل صعد المنبر فإن لم يكن في المسجد مقصورة يخرج منها لم يتركوا القراءة والذكر إلا إذا قام الامام إلى

[ 271 ]

الخطبة ا ه‍. وفي شرح المجمع: عبارة الخروج واردة على عادة العرب من أنهم يتخذون للامام مكانا خاليا تعظيما لشأنه، فيخرج منه حين أراد الصعود هكذا شاهدناه في ديارهم، والقاطع في ديارنا يكون قيام الامام للصعود ا ه‍. فالحاصل أن الامام إن كان في خلوة فالقاطع انفصاله عنها وظهوره للناس وإلا فقيامه للصعود. وأطلق في الصلاة فشمل السنة وتحية المسجد ويدل عليه الحديث إذا قلت لصاحبك والامام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت (1 فإنه يفيد بطريق الدلالة منعهما بالاولى لان المنع من الامر بالمعروف وهو أعلى من السنة وتحية المسجد. وما في صحيح مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم إذا جاء أحدكم والامام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما (2) فمحمول على ما قبل تحريم الكلام فيها دفعا للمعارضة. وجوابهم بحمله على ما إذا أمسك عن الخطبة حتى يفرغ من صلاته كما أجابوا به في واقعة سليك الغطفاني، فغير مناسب لمذهب الامام لما علمت أنه يمنع الصلاة بمجرد خروجه قبل الخطبة إلى أن يفرغ من الصلاة. وفي فتح القدير: ولو خرج وهو في السنة يقطع على ركعتين ا ه‍. وهو قول ضعيف وعزاه قاضيخان إلى النوادر قال: فإذا قطع يلزمه أربع ركعات والصحيح خلافه كما في المحيط. قال الولوالجي في فتاواه: إذا شرع في الاربع قبل الجمعة ثم افتتح الخطبة أو الاربع قبل الظهر ثم أقيمت هل يقطع على رأس الركعتين؟ تكلموا فيه والصحيح أنه يتم ولا يقطع لانها بمنزلة صلاة واحدة واجبة ا ه‍. وكذا في المبتغى بالغين المعجمة. ولا يرد عليه قضاء فائتة لم يسقط الترتيب بينها وبين الوقتية فإنها لا تكره كما في السراج الوهاج لانه أطلق فيها ما قدمه أن الترتيب واجب بمعنى الشرط. وأطلق في منع الكلام فشمل الخطيب. قال في البدائع: ويكره للخطيب أن يتكلم في حال الخطبة إلا إذا كان أمرا بمعروف فلا يكره لما روي أن عمر كان يخطب يوم الجمعة فدخل عليه عثمان فقال له: أية ساعة هذه؟ فقال له: ما زدت حين سمعت النداء يا أمير المؤمنين على أن توضأت فقال:

[ 272 ]

والوضوء أيضا، وقد علمت أن رسول الله أمر بالاغتسال ا ه‍. فاستفيد منه أنه لا يسلم إذا صعد المنبر. وروي أنه يسلم كما في السراج الوهاج. وشمل التسبيح والذكر والقراءة وفي النهاية: اختلف المشايخ على قولابي حنيفة، قال بعضهم: إنما كان يكره ما كان من كلام الناس. أما التسبيح ونحوه فلا. وقال بعضهم: كل ذلك مكروه والاول أصح ا ه‍. وكذا في العناية وذكر الشارح أن الاحوط الانصات ا ه‍. ويجب أن يكون محل الاختلاف قبل شروعه في الخطبة ويدل عليه قوله على قول أبي حنيفة: وأما وقت الخطبة فالكلام مكروه تحريما ولو كان أمرا بمعروف أو تسبيحا أو غيره كما صرح به في الخلاصة وغيرها. وزاد فيها أن ما يحرم في الصلاة يحرم في الخطبة من أكل وشرب وكلام. وهذا إن كان قريبا، فإن كان بعيدا فقد تقدم من المصنف أن النائي كالقريب وهو الاحوط في المحيط وهو الاصح. وأما دراسة الفقه والنظر في كتب الفقه ففيه اختلاف. وعن أبي يوسف أنه كان ينطر في كتابه ويصححه وقت الخطبة ولو لم يتكلم لكن أشار بيده أو بعينه حين رأى منكرا، الصحيح أنه لا بأس به، وشمل تشميت العاطس ورد السلام. وعن أبي يوسف: لا يكره الرد وهو خلاف المذهب. واختلفوا في الحمد إذا عطس السامع، وصححوا أنه يرد في نفسه لكن ذكر الولوالجي أن الاصوب أنه لا يجب فيهما لانه يختل الانصات وأنه مأمور به، وعليه الفتوى. وكذا اختلفوا في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند سماع اسمه، والصواب أنه يصلي في نفسه كما في فتح القدير. ولا يرد على المصنف لو رأى رجلا عند بئر فخاف وقوعه فيها أو رأى عقربا تدب إلى إنسان فإنه يجوز له أن يحذره وقت الخطبة لان ذلك يجب لحق آدمي وهو محتاج إليه والانصات لحق الله تعالى ومبناه على المسامحة كما في السراج الوهاج. وفي المجتبى: الاستماع إلى خطبة النكاح والختم وسائر الخطب واجب والاصح الاستماع إلى الخطبة من أولها إلى آخرها وإن كان فيها ذكر الولاة ا ه‍. ثم اعلم أن ما تعورف من أن المرقى للخطيب يقرأ الحديث النبوي وأن المؤذنين يؤمنون عند الدعاء ويدعون للصحابة بالرضى وللسلطان بالنصر إلى غير ذلك، فكله حرام

[ 273 ]

على مقتضى مذهب أبي حنيفة رحمه الله، وأغرب منه أن المرقي ينهى عن الامر بالمعروف بمقتضى الحديث الذي يقرأه ثم يقول أنصتوا رحمكم الله، ولم أر نقلا في وضع هذا المرقي في كتب أئمتنا. قوله: (ويجب السعي وترك البيع بالاذان الاول) لقوله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) * (الجمعة: 9) وإنما اعتبر الاذان الاول لحصول الاعلام به، ومعلوم أنه بعد الزوال إذ الاذان قبله ليس بأذان، وهذا القول هو الصحيح في المذهب. وقيل: العبرة للاذان الثاني الذي يكون بين يدي المنبر لانه لم يكن في زمنه عليه الصلاة والسلام إلا هو وهو ضعيف لانه لو اعتبر في وجوب السعي لم يتمكن من السنة القبلية ومن الاستماع بل ربما يخشى عليه فوات الجمعة. وفي صحيح البخاري مسندا إلى السائب بن يزيد قال: كان النداء ليوم الجمعة أوله إذا جلس الامام على المنبر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء. قال البخاري: الزوراء موضع بالسوق بالمدينة. وفي فتح القدير: وقد تعلق بما ذكرنا بعض من نفى أن للجمعة سنة فإنه من المعلوم أنه كان عليه السلام إذا رقي المنبر أخذ بلال في الاذان فإذا أكمله أخذ عليه السلام في الخطبة فمتى كانوا يصلون السنة؟ ومن ظن أنهم إذا فرغ من الاذان قاموا فركعوا فهو من أجهل الناس، وهذا مدفوع بأن خروجه عليه السلام كان بعد الزوال بالضرورة فيجوز كونه بعد ما كان يصلي الاربع، ويجب الحكم بوقوع هذا المجوز لما قدمناه من عموم أنه كان عليه السلام يصلي إذا زالت الشمس أربعا، وكذا يجب في حقهم لانهم أيضا يعلمون الزوال كالمؤذن بل ربما يعلمونه بدخول الوقت ليؤذن ا ه‍. والمراد من البيع ما يشغل عن السعي إليها حتى لو اشتغل بعمل آخر سوى البيع فهو مكروه أيضا. كذا في السراج الوهاج. وأشار بعطف ترك البيع على السعي إلى أنه لو باع أو اشترى حالة

[ 274 ]

السعي فهو مكروه أيضا. وصرح في السراج الوهاج بعدمها إذا لم يشغله وصرح بالوجوب ليفيد أن الاشتغال بعمل آخر مكروه كراهة تحريم لانه في رتبته ويصح إطلاق اسم الحرام عليه كما وقع في الهداية. وبه اندفع ما في غاية البيان من أن فيه نظرا لان البيع وقت الاذان جائز لكنه مكروه فإن المراد بالجواز الصحة لا الحل، وبه اندفع أيضا ما ذكره القاضي الاسبيجابي من أن البيع وقت النداء مكروه للآية ولو فعل كان جائزا، والامر بالسعي من الله تعالى على الندب والاستحباب لا على الحتم والايجا ب ا ه‍. فإنه يفيد أن الكراهة تنزيهية وليس كذلك بل تحريمية اتفاقا ولهذا وجب فسخه لو وقع. وأيضا قوله إن الامر بالسعي للندب غير صحيح لانهم استدلوا به على فرضية صلاة الجمعة فعلم أنه للوجوب. وقول الاكمل في شرح المنار أن الكراهة تنزيهية مردود لما علمت. وإنما لم يقل ويفترض السعي مع أنه فرض للاختلاف في وقته هل هو الاذان الاول أو الثاني أو العبرة لدخول الوقت. وفي المضمرات: والذي يبيع ويشتري في المسجد أو على باب المسجد أعظم إثما وأثقل وزرا. قوله: (فإذا جلس على المنبر أذن بين يديه وأقيم بعد تمام الخطبة) بذلك جرى التوارث، والضمير في قوله بين يديه عائد إلى الخطيب الجالس. وفي القدوري: بين يديه المنبر وهو مجاز إطلاقا لاسم المحل على الحال كما في السراج الوهاج، فأطلق اسم المنبر على الخطيب. وفي كثير من الكتب: لو سمع النداء وقت الاكل يتركه إذا خاف فوت الجمعة كخروج وقت المكتوبات بخلاف الجماعة في سائر الصلوات. وفي المحيط وغيره: ويستحب لمن حضر الجمعة أن يدهن ويمس طيبا إن جده، ويلبس أحسن ثيابه ويغتسل ويجلس في الصف الاول لان الصلاة فيه أفضل. ثم تكلموا في الصف الاول قيل هو خلف الامام في المقصورة،

[ 275 ]

وقيل ما يلي المقصورة وبه أخذ الفقيه أبو الليث لانه يمنع العامة عن الدخول في المقصورة فلا تتوصل العامة إلى نيل فضيلة الصف الاول، ومن مات يوم الجمعة يرجى له فضل. وفي البدائع: وينبغي للامام أن يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة مقدار ما يقرأ في صلاة الظهر، ولو قرأ في الاولى بسورة الجمعة، وفي الثانية بسورة المنافقين أو في الاولى بسبح اسم ربك الاعلى، وفي الثانية بسورة هل أتاك حديث الغاشية فحسن تبركا بفعله عليه السلام ولكن يواظب على قراءتها بل يقرأ غيرها في بعض الاوقات كيلا يؤدي إلى هجر الباقي ولا يظنه العامة حتما. وفي الخلاصة: ولا يحل للرجل أن يعطى سؤال المساجد. هكذا ذكر في الفتاوى. قال الصدر الشهيد: المختار أن السائل إذا كان لا يمر بين يدي المصلي ولا يتخطى رقاب الناس ولا يسأل الحافا ويسأل لامر لا بد له منه لا بأس بالسؤال والاعطاء، وإذا حضر الرجل الجامع وهو ملآن إن تخطى يؤذي الناس لم يتخط وإن كان لا يؤذي أحدا بأن كان لا يطأ ثوبا ولا جسدا فلا بأس بأن يتخطى ويدنو من الامام. وعن أصحابنا بأنه لا بأس بالتخطي ما لم يأخذ الامام في الخطبة والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. باب العيدين أي صلاة العيدين. ولا خفاء في وجه المناسبة وسمي به لما أن لله سبحانه وتعالى فيه

[ 276 ]

عوائد الاحسان إلى عباده، أو لانه يعود ويتكرر، أو لانه يعود بالفرح والسرور، أو تفاؤلا بعوده على من أدركه كما سميت القافلة قافلة تفاؤلا بقفولها أي برجوعها. وجمعه أعياد وكان حقه أعواد لانه من العود ولكن جمع بالياء للزومها في الواحد أو للفرق بينه وبين عود الخشب فإنه يجمع على عيدان وعود اللهو فإنه يجمع على أعواد كما في العيني. وكانت صلاة عيد الفطر في السنة الاولى من الهجرة كما رواه أبو داود مسندا إلى أنس رضي الله عنه قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قد أيدلكم بهما خيرا منهما يوم الاضحى ويوم الفطر قوله: (تجب صلاة العيد على من تجب عليه الجمعة بشرائطها سوى الخطبة) تصريح بوجوبها وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة وهو الاصح كما في الهداية والمختار كما في الخلاصة وهو قول الاكثرين كما في المجتبى، ويدل عليه من جهة الرواية قول محمد في الاصل: ولا يصلي نافلة في جماعة إلا قيام رمضان وصلاة الكسوف فإنه لم يستثن العيد فعلم أنه ليس من النوافل. ومن جهة الدليل مواظبته صلى الله عليه وسلم عليها من غير ترك. وفي رواية أخرى أنها سنة لقول محمد في الجامع الصغير في العيدين يجتمعان في يوم واحد قال: يشهدهما جميعا ولا يترك واحدا منهما. والاولى منهما سنة والاخرى فريضة. قال في غاية البيان: وهذا أظهر ولم يعلله وهو كذلك لوجهين: أحدهما أن الجامع الصغير صنفة بعد الاصل فما فيه هو المعول عليه. وثانيهما أنه صرح بالسنة بخلاف ما في الاصل، والظاهر أنه لا خلاف في الحقيقة لان المراد من السنة السنة المؤكدة بدليل قوله ولا يترك واحدا منهما، وكما صرح به في المبسوط، وقد ذكرنا مرارا أنها بمنزلة الواجب عندنا ولهذا كان

[ 277 ]

الاصح أنه يأثم بترك المؤكدة كالواجب وفي المجتبى: الاصح أنها سنة مؤكدة وأفاد أن جميع شرائط الجمعة وجوبا وصحة شرائط للعيد إلا الخطبة فإنها ليست بشرط حتى لو لم يخطب أصلا صح وأساء لترك السنة، ولو قدمها على الصلاة صحت وأساء ولا تعاد الصلاة وبه اندفع ما في السراج الوهاج من أن المملوك تجب عليه العيد إذا أذن له مولاه ولا تجب عليه الجمعة لان الجمعة لهبدل وهو الظهر وليس كذلك العيد فإنه لا بدل له لان منافعه لا تصير مملوكة له بالاذن، فحاله بعد الاذن كحاله قبله. وفي القنية: صلاة العيد في الرساتيق تكره كراهة تحريم ا ه‍. لانه اشتغال بما لا يصح لان المصر شرط الصحة. قوله (وندب يوم الفطر أن يطعم ويغتسل ويستاك ويتطيب ويلبس أحسن ثيابه) اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم. ويستحب كون ذلك المطعوم حلوا لما روى البخاري: كان عليه الصلاة والسلام لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات ويأكلهن وترا. وأما ما يفعله الناس في زماننا من جمع التمر مع اللبن والفطر عليه فليس له أصل في السنة، وظاهر كلامهم تقديم الاحسن من الثياب في الجمعة والعيدين وإن لم يكن أبيض والدليل دال عليه فقد روى البيهقي أنه عليه الصلاة والسلام كان يلبس يوم العيد بردة حمراء. وفي فتح القدير: واعلم أن الحلة الحمراء عبارة عن ثوبين من اليمن فيهما خطوط حمر وخضر لا أنها أحمر بحت فليكن محمل البردة أحدهما اه‍. بدليل نهيه عليه السلام عن لبس الاحمر كما رواه أبو داود. والقول مقدم على الفعل والحاظر مقدم على المبيح لو تعارضا، فكيف إذا لم يتعارضا بالحمل المذكور. وزاد في الحاوي القدسي أن من المستحبات التزين وأن يظهر فرحا وبشاشة ويكثر من الصدقة حسب طاقته وقدرته. وزاد في القنية استحباب التختم والتبكير وهو سرعة الانتباه والابتكار وهو المسارعة إلى المصلى وصلاة الغداة في مسجد حيه والخروج إلى المصلى ماشيا والرجوع في طريق آخر والتهنئة بقوله تقبل الله منا ومنكم لا تنكر. وفي المجتبى: فإن قلت عد الغسل ههنا مستحبا وفي الطهارة سنة قلت: للاختلاف فيه والصحيح أنه سنة، وسماه مستحبا لاشتمال السنة على المستحب وعد سائر المستحبات المذكورة هنا في بعض الكتب سنة اه‍. قوله (ويؤدي صدقة الفطر) معطوف على يطعم فيقتضي أن يكون الاداء مندوبا وهو كذلك لان الكلام كله قبل الخروج إلى المصلى

[ 278 ]

فلصدقة الفطر أحوال: أحدها قبل دخول يوم العيد وهو جائز. ثانيها يومه قبل الخروج إلى المصلى فلصدقة الفطر أحوال: أحدها قبل دخول يوم العيد وهو جائز. ثانيها يومه قبل الخروج وهو مستحب. ثالثها يومه بعد الصلاة وهو جائز. رابعها بعد يوم الفطر وهو صحيح ويأتم بالتأخير إلا أنه يرتفع بالاداء كمن أخر الحج بعد القدرة فإنه يأثم، ثم يزول بالاداء كما سيأتي. وإنما استحب الاداء قبله للحديث من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات (1) ولقوله عليه الصلاة والسلام أغنوهم في هذا اليوم عن المسألة ولان المستحب أن يأكل قبل الخروج إلى المصلى فيقدم للفقير ليأكل قبلها فيتفرغ قبله للصلاة قوله (ثم يتوجه إلى المصلى) ضبطه في غاية البيان بالرفع وقال لا بالنصب، ولم يبين وجهه. ووجهه أن التوجه واجب وليس بمستحب ولهذا أتى بأسلوب آخر وهو العطف بثم. وفي السراج الوهاج: المستحب أن يتوجه ماشيا ولا يركب في الرجوع لان النبي صلى الله عليه وسلم ما ركب في عيد ولا جنازة. ولا بأس أن يركب في الرجوع لانه غير قاصد إلى قربة. وفي التجنيس: والخروج إلى الجبانة سنة لصلاة العيد وإن كان يسعهم المسجد الجامع عند عامة المشايخ هو الصحيح اه‍. وفي المغرب: الجبانة المصلى العام في الصحراء. وعلى هذا فيجوز أن يكون منصوبا عطفا على يطعم لان التوجه إلى المصلي مندوب كما أفاده في التجنيس، فإن كانت صلاة العيد واجبة حتى لو صلى العيد في الجامع ولم يتوجه إلى المصلى فقد ترك السنة وإنما أتى بثم لافادة أن التوجه متراخ عن جميع الافعال السابقة. وفي الخلاصة: ولا يخرج المنبر إلى الجبانة يوم العيد، واختلف المشايخ في بناء المنبر في الجبانة، قال بعضهم يكره، وقال بعضهم لا يكره، وفي نسخة الامام خواهر زاده هذا حسن في زماننا، وعن أبي حنيفة أنه لا بأس به اه‍. قوله (غير مكبر ومتنفل قبلها) أي قبل صلاة العيد. أما الاول فظاهر كلامه أنه لا يكبر يوم الفطر قبل صلاة العيد لا جهرا ولا سرا وأنه لافرق بين التكبير في البيت أو في الطريق أو في المصلي قبل الصلاة لكن أفاد بعد ذلك أن أحكام الاضحى كالفطر إلا أنه يكبر في الطريق جهرا، فصار معنى كلامه هنا أنه لا يكبر في الطريق جهرا. وفي غاية البيان: المراد من نفي التكبير بصفة الجهر لان التكبير خير موضوع لا خلاف في جوازه بصفة الاخفاء اه‍. وفي الخلاصة: ما يخالفه قال: ولا يكبر يوم الفطر. وعندهما يكبر ويخافت وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة، والاصح ما ذكرنا أنه لا يكبر في عيد الفطر اه‍. فأفاد أن الخلاف

[ 279 ]

في أصله لا في صفته وأن الاتفاق على عدم الجهرية. ورده في فتح القدير بأنه ليس بشئ إذ لا يمنع من ذكر الله بسائر الالفاظ في شئ من الاوقات بل من إيقاعه على وجه البدعة فقال أبو حنيفة: رفع الصوت بالذكر بدعة ويخالف الامر من قوله تعالى * (واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول) * (الاعراف: 205) فيقتصر على مورد الشرع، وقد ورد به في الاضحى وهو قوله تعالى * (واذكروا الله في أيام معدودات) * (البقرة: 203) جاء في التفسير أن المراد التكبير في هذه الايام اه‍. وهو مردود لان صاحب الخلاصة أعلم بالخلاف منه ولان ذكر الله تعالى إذ قصد به التخصيص بوقت دون وقت أو بشئ دون شئ لم يكن مشروعا حيث لم يرد الشرع به لانه خلاف المشروع، وكلامهم إنما هو فيما إذا خص يوم الفطر بالتكبير ولهذقال في غاية البيان من باب المهر عند ذكر المتعة: وقوله ولا يكبر في طريق المصلى عند أبي حنيفة أي حكما للعيد ولكن لو كبر لانه ذكر الله تعالى يجوز ويستحب اه‍. فالحاصل أن الجهر بالتكبير بدعة في كل وقت إلا في المواضع المستثناة. وصرح قاضيخان في فتاواه بكراهة الذكر جهرا وتبعه على ذلك صاحب المستصفى. وفي الفتاوى العلامية: وتمنع الصوفية من رفع الصوت والصفق. وصرح بحرمتها لعيني في شرح التحفة وشنع على من يفعله مدعيا أنه من الصوفية، واستثنى من ذلك في القنية ما يفعله الائمة في زماننا فقال: إمام يعتاد في كل غداة مع جماعته قراءة آية الكرسي وآخر البقرة وشهد الله ونحوه جهرا لا بأس به والافضل الاخفاء. ثم قال: التكبير جهرا في غير أيام التشريق لا يسن إلا بإزاء العدو أو اللصوص. وقاس عليه بعضهم الحريق والمخاوف كلها ثم رقم برقم آخر قاص وعنده جمع كثير يرفعون أصواتهم بالتهليل والتسبيح جملة لا بأس به والاخفاء أفضل، ولو اجتمعوا في ذكر الله والتسبيح والتهليل يخفون والاخفاء أفضل عند الفزع في السفينة أو ملاعبتهم بالسيوف، وكذا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم اه‍. وأما التكبير خفيه فإن قصد أن يكون لاجل يوم الفطر فهو مكروه أيضا وإلا فهو مستحب ولو كان يوم الفطر. وأما الثاني وهو التنفل قبلها فهو مكروه، وأطلقه فشمل ما إذا كان في المصلى أو في البيت، ولا خلاف فيما إذا كان المصلى. واختلفوا فيما إذا تنفل في البيت فعامتهم على الكراهة وهو الاصح كما في غاية البيان. وقيد بقوله قبلها لان التنفل بعدها فيه تفصيل، فإن كان في

[ 280 ]

المصلي فمكروه عند العامة، وإن كان في البيت فلا. ودليل الكراهة ما في الكتب الستة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج فصلى بهم العيد لم يصل قبلها ولا بعدها. وهذا النفي بعدها محمول على ما إاذ كان في المصلى لحديث ابن ماجه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلي قبل العيد شيئا فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين اه‍. قال في فتاوى قاضيخان والخلاصة: والافضل أن يصلي أربع ركعات بعدها. وأطلقه فشمل صلاة الضحى وشمل من يصلي صلاة العيد إماما كان أو غيره ومن لم يصلها كما في السراج الوهاج ولهذا قال في الخلاصة: النساء إذا أردن أن يصلين صلاة الضحى يوم العيد صلين بعدما يصلي الامام في الجبانة اه‍. وهذا كله إنما هو بحسب حاالانسان، وأما العوام فلا يمنعون من تكبير قبلها. قال ابو جعفر: لا ينبغي أن يمنع العامة من ذلك لقلة رغبتهم في الخيرات اه‍. وكذا في التنفل قبلها. قال في التجنيس: سئل شمس الائمة الحلواني أن كسالى العوام يصلون الفجر عند طلوع الشمس أفنزجرهم عن ذلك؟ قال: لا لانهم إذا منعوا عن ذلك تركوها أصلا وأداؤها مع تجويز أهل الحديث لها أولى من تركها أصلا اه‍. قوله (ووقتها من ارتفاع الشمس إلى زوالها) أما الابتداء فلانه عليه الصلاة والسلام كان يصلي العيد والشمس على قيد رمح أو رمحين، وهو بكسر القاف بمعنى قدر. وأما الانتهاء فلما في السنة أن ركبا جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشهدون أنهم رأوا الهلال بالامس فأمرهم أن يفطروا إذا أصبحوا يغدون إلى مصلاهم، ولو جاز فعلها بعد الزوال لم يكن للتأخير إلى الغد معنى. واستفيد منه أنها لا تصح قبل ارتفاع الشمس بمعنى لا تكون صلاة عيد بل نفل محرم. ولو زالت الشمس وهو في أثنائها فسدت كما في الجمعة صرح به في السراج الوهاج. وعلى هذا فينبغي إدخاله في المسائل الاثني عشرية لما أنها كالجمعة وقد أغفلوها عن ذكرها. ويستحب تعجيل صلاة الاضحى لتعجيل الاضاحي. وفي المجتبى: ويستحب أن يكون خروجه بعد ارتفاع قدر رمح حتى لا يحتاج إلى انتظار القوم، وفي عيد الفطر يؤخر الخروج قليلا. كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن حزم: عجل الاضحى وأخر الفطر. قيل: ليؤدي الفطرة ويعجل الاضحية. قوله (ويصلى ركعتين مثنيا قبل الزوائد) أما كونها ركعتين فمتفق عليه، وأما كون الثناء قبل التكبيرات فلانه شرع أول الصلاة فيقدم عليها في ظاهر الرواية كما يقدم على سائر الافعال والاذكار قوله (وهي ثلاث في كل ركعة) أي الزوائد

[ 281 ]

ثلاث تكبيرا ت في كل ركعة وهو قول ابن مسعود رضي الله عنه وبه أخذ أئمتنا أبو حنيفة وصاحباه. وأما ما في الخلاصة وعن أبي يوسف كما قال ابن عباس رضي الله عنهما خمس في الاولى وخمس في الثانية أو أربع على اختلاف الروايات والائمة في زماننا يكبرون عل مذهب ابن عباس لان الخلفاء شرطوا عليهم ذلك اه‍. فليس مذهبا لابي يوسف وإنما فعله امتثالا لامر هرون الرشيد. قال في السراج الوهاج: لما انتقلت الولاية إلى بني العباس أمروا الناس بالعمل في التكبيرات بقول جدهم وكتبوا ذلك في مناشيرهم. وهذا تأويل ما روي عن أبي يوسف أنه قدم بغداد فصلى بالناس صلاة العيد وخلفه هرون الرشيد فكبر تكبير ابن عباس، فيحتمل أن هرون أمره أن يكبر تكبير جده ففعله امتثالا لامره، وأما مذهبه فهو على تكبير ابن مسعود رضي الله عنه لان التكبير ورفع الايدي خلاف المعهود فكان الاخذ فيه بالاقل أولى اه‍. وكذا هو مروي عن محمد. قال في الظهيرية: إنهما فعلا ذلك امتثالا لامر الخليفة لا مذهبا ولا اعتقادا. وذكر في المجتبى: ثم يأخذ بأي هذه التكبيرات شاء، وفي رواية عن أبي يويسف ومحمد قال في الموطأ بعد ذكر الروايات: فما أخذت به فحسن، ولو كان فيها ناسخ، ومنسوخ لكان محمد بن الحسن أولى بمعرفته لقدمه في علم الحديث والفقه. وقيل: الآخر ناسخ للاول والصحيح ما قلناه والاخذ بتكبيرات ابن مسعود أولى اه‍. وبهذا ظهر أن الخلاف في الاولوية. وفي المحيط: ولو كبر الامام أكثر من تكبير ابن مسعود اتبعه ما لم يكبر أكثر مما جاء به الآثار لانه مولى عليه فيلزمه العمل برأي الامام وذلك إلى ستة عشر، فإن زاد لا يلزمه متابعته لانه مخطئ بيقين. ولو سمع التكبيرات من المكبرين يأتي بالكل احتياطا وإن كثر لاحتمال الغلط من المكبرين ولهذا قيل: ينوي بكل تكبيرة الافتتاح لاحتمال

[ 282 ]

التقدم على الامام في كل تكبيرة اه‍. ثم قال: الاصل أن المنفرد يتبع رأي نفسه في التكبيرات والمقتدي يتبع رأي إمامه، ومن أدرك الامام راكعا في صلاة العيد فخشي أن يرفع رأسه يركع ويكبر في ركوعه عندهما خلافا لابي يوسف، ولو أدركه في القيام فلم يكبر حتى ركع لا يكبر في الركوع على الصحيح كما لو ركع الامام قبل أن يكبر فإن الامام لا يكبر في الركوع ولا يعود إلى القيام ليكبر في ظاهر الرواية، ومن فاتته أول الصلاة مع الامام يكبر في الحال ويكبر برأي نفسه. قوله (ويوالى بين القراءتين) اقتداء بابن مسعود رضي الله عنه ولتكون التكبيرات مجتمعة لانها من أعلام الشريعة، ولذلك وجب الجهر بها. والجمع يحقق معنى الشعائر والاعلام هذا إلا أن في الركعة الاولى تخللت الزوائد بين تكبيرة الافتتاح وتكبيرة الركوع فوجب الضم إلى تكبيرة الافتتاح أولى لانها سابقة، وفي الركعة الثانية الاصل فيه تكبيرة الركوع لا غيره فوجب الضم إليها ضرورة. كذا في المحيط والهداية. والظاهر أن المراد بالوجوب في عبارتهما الثبوت لا المصطلح عليه لان الموالاة بينهما مستحبة لما تقدم من أن الخلاف في الاولوية. ثم المسبوق بركعة إذا قام إلى القضاء فإنه يقرأ ثم يكبر لانه لو بدأ بالتكبير يصير مواليا بين التكبيرات ولم يقل به أحد من الصحابة. ولو بدأ بالقراءة يصير فعله موافقا لقول علي فكان أولى. كذا في المحيط وهو مخصص لقولهم إن المسبوق يقضي أول صلاته في حق الاذكار ويكبر المسبوق على رأي نفسه بخلاف اللاحق فإنه يكبر على رأي إمامه لانه خلف الامام حكما. كذا في السراج الوهاج وفي المجتبى: الاصل أن من قدم المؤخر أو أخر المقدم ساهيا أو اجتهادا فإن كان لم يفرغ مما دخل فيه يعيد وإن فرغ لا يعود اه‍. وفي المحيط: إن بدأ الامام بالقراءة سهوا ثم تذكر، فإن فرغ من قراءة الفاتحة والسورة يمضي في صلاته، وإن لم يقرأ إلا الفاتحة كبر وأعاد القراءة لزوما لان القراءة إذا لم تتم كان امتناعا عن الاتمام رفضا للفرض. ولو تحول رأيه بعدما صلى ركعة وكبر بالقول الثاني، فإن تحول إلى قول ابن عباس بعدما كبر بقول ابن مسعود وقرأ إن لم يفرغ من القراءة يكبر ما بقي من تكبيرات ابن عباس ويعيد القراءة، وإن فرغ من القراءة كبر ما بقي ولا يعيد القراءة قوله (ويرفع يديه في الزوائد) توضيح لما أبهمه سابقا بقوله: ولا يرفع الايدي إلا في فقعس صمعج. فإن العين الاولى للاشارة إلى العيدين فبين هنا أنه خاص بالزوائد دون تكبيرة الركوع فإن تكبيرتي الركوع لما ألحقت بالزوائد في كونهما واجبتين حتى يجب السهو بتركهما ساهيا كما صرح به في

[ 283 ]

السراج الوهاج، ربما توهم أنهما التحقنا بهما في الرفع أيضا فنص على أنه خاص بالزوائد. وعن أبي يوسف: لا يرفع يديه فيها وهو ضعيف، ويستثنى منه ما إذا كبر راكعا لكونه مسبوقا كما قدمناه فإنه لا يرفع يديه كما ذكره الاسبيجابي. وقيل: يرفع يديه. وأشار المصنف إلى أنه يسكت بين كل تكبيرتين لانه ليس بينهما ذكر مسنون عندنا، ولهذا يرسل يديه عندنا وقدره مقدار ثلاث تسبيحات لزوال الاشتباه. وذكر في المبسوط أن هذا التقدير ليس بلازم بل يختلف بكثرة الزحام وقلته لان المقصود إزالة الاشتباه، ولم يذكر هنا الجهر بالقراءة لما علم سابقا في فضل القراءة ويقرأ فيهما كما يقرأ في الجمعة. وفي الظهيرية: لو صلى خلف إمام لا يرى رفع اليدين عند تكبيرات الزوائد يرفع يديه ولا يوافق الامام في الترك اه‍. قوله (ويخطب بعدها خطبتين) اقتداء بفعله عليه الصلاة والسلام بخلاف الجمعة فإنه يخطب قبلها لان الخطبة فيها شرط والشرط متقدم أو مقارن وفي العيد ليست بشرط، ولهذا إذا خطب قبلها صح وكره لانه خالف السنة كما لو تركها أصلا. وفي المجتبى: ويبدأ بالتحميد في خطبة الجمعة وخطبة الاستسقاء وخطبة النكاح، ويبدأ بالتكبيرات في خطبة العيدين، ويستحب أن يستفتح الاولى بتسع تكبيرات تترى، والثانية بسبع. قال عبد الله بن عتبة بن مسعود: هو من السنة. ويكبر قبل أن ينزل من المنبر أربع عشرة اه‍. ويجب السكوت والاستماع في خطبة العيدين وخطبة الموسم كذا في المجتبى قوله (ويعلم الناس فيها أحكام صدقة الفطر) لانها شرعت لاجله. وقال في السراج الوهاج: وأحكامها خمسة: على من تجب ولمن تجب ومتى تجب وكم تجب ومم تجب. أما على من تجب فعلى الحر المسلم المالك للنصاب، وأما لمن تجب فللفقراء والمساكين، وأما متى تجب فبطلوع الفجر، وأما كم تجب فنصف صاع من برأ وصاع من تمر أو شعير أو زبيب، وأما مم تجب فمن أربعة أشياء المذكورة وأما ما سواها فبالقيمة قوله (ولم تقض إن فاتت مع الامام) لان الصلاة بهذه الصفة لم تعرف قربة إلا بشرائط لا تتم بالمنفرد فمراده نفي صلاتها وحده وإلا فإذا فاتت مع إمام وأمكنه أن يذهب إلى إمام آخر فإنه يذهب إليه لانه يجوز تعدادها في مصر واحد في موضعين وأكثر اتفاقا إنما الخلاف في الجمعة. وأطلقه فشمل ما إذا كان في الوقت أو خرج الوقت وما إذا لم يدخل مع الامام أصلا أو دخل معه وأفسدها فلا

[ 284 ]

قضاء عليه أصلا. وقال أبو يوسف: إذا أفسدها بعد الشروع يقضي لان الشروع في الايجاب كالنذر. كذا في المحيط. ولا يخفى أنه إذا لم يلزمه القضاء فالاثم عليه لترك الواجب من غير عذر كالسجدة الصلاتية إذا لم يسجد لها حتى فرغ من صلاته. وفي البدائع: وأما حكمها إذا فسدت أو فاتت فكل ما يفسد سائر الصلوات والجمعة يفسدها من خروج الوقت ولو بعد القعود وفوت الجماعة على التفصيل والاختلاف المذكور في الجمعة غير أنها إن فسدت بنحو حدث عمد يستقبلها، وإن فسدت بخروج الوقت سقطت ولا يقضيها عندنا كالجمعة ولكنه يصلي أربعا مثل صلاة الضحى إن شاء لانها إذا فاتته لا يمكن تداركها بالقضاء لفقد الشرائط، فلو صلى مثل الضحى لنيل الثواب كان حسنا وهو مروي عن ابن مسعود. قوله (وتؤخر بعذر إلى الغد فقط) لان الاصل فيها أن لا تقضى لكن ورد الحديث بتأخيرها إلى الغد للعذر فبقي ما عداه على الاصل فلا تؤخر إلى الغد بغير عذر ولا إلى ما بعده بعذر. ولما قدم أن انتهاء وقته زوال الشمس من اليوم الاول لم يحتج إلى التقييد هنا، فالعبارة الجيدة وتؤخر بعذر إلى الزوال من الغد فقط. ولم يذكر في الكتب المعتبرة اختلاف في هذا، وذكر في المجتبى عن الطحاوي في شرح الآثار أن هذا قول أبي يوسف. وقال أبو حنيفة: إن فاتت في اليوم الاول لم تقض. لابي يوسف حديث أنس قال: أخبرني عمومتي من الانصار أن الهلال خفي على الناس في آخر ليلة من شهر رمضان فأصبحوا صياما فشهدوا عند النبي صلى الله عليه وسلم بعد الزوال أنهم رأوا الهلال في الليلة الماضية فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالفطر فأفطروا، وخرج بهم من الغد فصلى بهم جواز النحر وحرمة الصوم، وفيما عداه جرينا على الاصل. قال الطحاوي في حديث أنس ليخرجوا لعيدهم من الغد وليس فيه أنه صلى صلاة العيد بهم فيحتمل أن يكون خروجهم لاظهار سواد المسلمين وإرهابا لعدوهم اه‍. قوله (وهي أحكام الاضحى) أي الاحكام المذكورة لعيد الفطر ثابتة لعيد الاضحى صفة وشرطا ووقتا ومندوبا لاستوائهما دليلا. واستثنى المصنف رحمه الله من ذلك فقال (لكن هنا يؤخر الاكل) للاتباع فيهما وهو مستحب، ولا يلزم من ترك المستحب ثبوت الكراهة إذ لا بد لها من دليل خاص فلذا كان المختار عدم كراهة الاكل قبل الصلاة. وأطلقه فشمل من لا يضحي، وقيل إنه لا يستحب التأخير في حقه، وشمل من كان في المصر ومن كان في

[ 285 ]

السواد. وقيده في غاية البيان بأن هذا في حق المصري، أما القروي فإنه يذوق من حين أصبح ولا يمسك كما في عيد الفطر لان الاضاحي تذبح في القرى من الصباح قوله (ويكبر في الطريق جهرا) للاتباع أيضا وظاهره أنه ليس بمستحب في البيت وفي المصلى. وفي المحيط: ويكبر في حال خروجه إلى المصلى جهرا فإذا انتهى إلى المصلى يترك. وفي رواية لا يقطعها ما لم يفتتح الامام الصلاة لانه وقت التكبير فإنه يكبر عقب الصلاة جهرا ويسن الجهر التكبير إظهارا للشعائر اه‍. وجزم في البدائع بالاولى وعمل الناس في المساجد على الرواية الثانية قوله (ويعلم الاضحية وتكبير التشريق في الخطبة) لانها شرعت لتعليم أحكام الوقت، هكذا ذكروا مع أن تكبير التشريق يحتاج إلى تعليمه قبل يوم عرفة ليتعلموه يوم عرفة فإنه ابتداؤه فينبغي للخطيب أن يعلمهم أحكامه في الجمعة التي قبل عيد الاضحى كما أنه ينبغي له أن يعلمهم أحكام صدقة الفطر في الجمعة التي قبل عيد الفطر ليتعلموها ويخرجوها قبل الخروج إلى المصلى، ولم أره منقولا والعلم أمانة في عنق العلماء ويستفاد من كلامهم أن الخطيب إذا رأى بهم حاجة إلى معرفة بعض الاحكام فإنه يعلمهم إياها في خطبة الجمعة خصوصا في زماننا من كثرة الجهل وقلة العلم فينبغي أن يعلمهم أحكام الصلاة كما لا يخفى قوله (وتؤخر بعذر إلى ثلاثة أيام) لانها موقتة بوقت الاضحية فتجوز ما دام وقتها باقيا ولا تجوز بعد خروجه لانها لا تقضى. قيد بالعذر لان تأخيرها لغير عذر عن اليوم الاول مكروه بخلاف تأخير عيد الفطر لغير عذر فإنه لا يجوز ولا يصلي بعده، فالتقييد بالعذر هنا لنفي الكراهة وفي عيد الفطر للصحة. كذا في أكثر الكتب المعتمدة. وفي المجتبى: وإنما قيده بالعذر لانه لو تركها في اليوم الاول بغير عذر لم يصلها بعد. كذا في صلاة الجلابي وهو من جملة غرائبه رحمه الله قوله (والتعريف ليس بشئ) وهو في اللغة الوقوف بعرفات والمراد

[ 286 ]

به هنا وقوف الناس يوم عرفة في غير عرفات تشبها بالواقفين بها. واختلف في معنى هذا اللفظ، ففي فتح القدير أن ظاهره أنه مطلوب الاجتناب فيكون مكروها، وفي النهاية ليس بشئ يتعلق به الثواب وهو يصدق على الاباحة، وفي غاية البيان أي ليس بشئ في حكم الوقوف لقول محمد في الاصل دم السمك ليس بشئ في حكم الدماء، وهذا لانه شئ حقيقة لكونه موجودا إلا أنه لما لم يكن معتبرا نفي عنه اسم الشئ. وإنما لم يعتبر تعريفهم لان الوقوف لما كان عبادة مخصوصة بمكان لم يجز فعله إلا في ذلك المكان كالطواف وغيره، ألا ترى أنه لا يجوز الطواف حول سائر البيوت تشبها بالطواف حول الكعبة اه‍. وظاهره أن الكراهة تحريمية. وفي الذخيرة من كتاب الحظر والاباحة: التضحية بالديك أو بالدجاج في أيام الاضحية ممن لا أضحية عليه لعسرته بطريق التشبيه بالمضحين مكروه لان هذا من رسوم المجوس اه‍.. قوله (وسن بعد فجر عرفة إلى ثمان مرة الله أكبر إلى آخره بشرط إقامة ومصر ومكتوبة وجماعة مستحبة) بيان لتكبير التشريق والاضافة فيه بيانية أي التكبير الذي هو التشريق فإن التكبير لا يسمى تشريقا إلا إذا كان بتلك الالفاظ في شئ من الايام المخصوصة فهو حينئذ متفرع على قول الكل، وبهذا اندفع ما في غاية البيان من أن هذه الاضافة وقعت على قولهما لانه لا تكبير في أيام التشريق عند أبي حنيفة اه‍. فإن التكبير في هذا الوقت الخاص يسمى تشرقا فإذا صار علما عليه خرج من إفادته معناه الاصلي من تشريق اللحم مع أنه إن روعي هذا المعنى لم يكن متفرعا على قول أحد لانهم اتفقوا على تكبير التشريق في يوم عرفة وليس المعنى موجودا فيه، وما في الحقائق من أنه إنما أضيف إلى التشريق مع أنه يؤتى به في غيرها لما أن أكثره في أيام التشريق وللاكثر حكم الكل يؤل إلى أنه على قولهما كمالا يخفي. وعلى هذا فما في الخلاصة والبدائع من أن أيام النحر ثلاثة وأيام التشريق ثلاثة ويمضي ذلك كله في أربعة أيام العاشر من ذي الحجة للنحر خاصة والثالث عشر للتشريق خاصة واليومان فيما بينهما للنحر والتشريق جميعا اه‍. فبيان للواقع من أفعال الناس من أنهم يشرقون اللحم في أيام مخصوصة لا بيان لتكبير التشريق لاتفاقهم على أن اليوم الاول من أيام النحر يكبر فيه. ثم صرح في البدائع بأن التشريق في اللغة كما يطلق على القاء لحوم الاضاحي بالمشرقة يطلق

[ 287 ]

على رفع الصوت بالتكبير. قاله لنضر بن شميل. ولذا استدل أبو حنيفة على اشتراط المصر لوجوب التكبير بقول علي: لا جمعة ولا تشريق ولا فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع. فحينئذ ظهر أن الاضافة فيه على وقول الكل. ثم سماه في الكتاب سنة تبعا للكرخي مع أنه واجب على الاصح كما في غاية البيان للامر في قوله تعالى * (واذكروا الله في أيام معدودات) * (البقرة: 203) ولقوله تعالى * (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات) * (الحج: 28) على القول بأن كلا منهما أيام التشريق. وقيل: المعدودات أيام التشريق والمعلومات أيام العشر. وقيل: المعلومات يوم النحر ويومان بعده والمعدودات أيام لتشريق لانه أمر في المعدودات أيان التشريق لانه أمر في المعدودات بالذكر مطلقا، وفي المعلومات الذكر على ما رزقهم من بهيمة الانعام وهي الذبائح ومطلق الامر للوجوب. وإطلاق اسم السنة على الواجب جائز لان السنة عبارة عن الطريق المرضية أو السيرة الحسنة وكل واجب هذا صفته. كذا في البدائع. ولا يخفى أنه مجاز عرفا فيحتاج إلى قرينة وإلا انصرف إلى المعنى الحقيقي وهي في كلام المصنف قوله بعده: وبالاقتداء يجب على المرأة والمسافر. فصرح بالوجوب بالاقتداء ولولا أنه واجب لما وجب بالاقتداء. وقد يقال: إن الامر في الآية يفيد الافتراض لانه قطعي فلا بد له من صارف منه إلى الوجوب، والحق كما قدمنا مرارا أن السنة المؤكدة والواجب متساويات في الرتبة فلذا تارة يصرحون في الشئ بأنه سنة ويصرحون فيه بعينه بأنه واجب لعدم التفاوت في استحقاق الاثم بتركه وبين وقته فأفاد أن أوله عقب فجر يوم عرفة، فالمراد ببعد عقب في

[ 288 ]

عبارته ولا خلاف فيه، وأفاد آخره بقوله إلى ثمان أي مع ثمان صلوات فلذا لم يقل ثمانية وهي من الغايات التي تدخل في المغيا. كذا في المصفي. وهذا عند أبي حنيفة فالتكبير عنده عقب ثمان صلوات فينتهي بالتكبير عقب العصر يوم النحر، وعندهما ينتهي بالتكبير عقب العصر من آخر أيام التشريق وهي ثلاث وعشرون صلاة وهو قول عمر وعلي ورجحاه لانه الاكثر وهو الاحوط في العبادات. ورجح أبو حنيفة قول ابن مسعود لان الجهر بالتكبير بدعة فكان الاخذ بالاقل أولى احتياطا، وقد ذكروا في مسائل السجدات أن ما تردد بين بدعة وواجب فإنه يؤتى به احتياطا، وما تردد بين بدعة وسنة يترك احتياطا كما في المحيط وغيره، وهو يقتضي ترجيح قولهما ولهذا ذكر الاسبيجابي وغيره أن الفتوى على قولهما. وفي الخلاصة: وعليه عمل الناس اليوم. وفي المجتبي: والعمل والفتوى في عامة الامصار وكافة الاعصار على قولهما. وهذا بناء على أنه إذا اختلف أبو حنيفة وصاحباه فالاصح أن العبرة بقوة الدليل كما في آخر الحاوي القدسي وهو مبني على أن قولهما في كل مسألة مروي عنه أيضا كما ذكره في الحاوي أيضا، وإلا فكيف يفتى بغير قول صاحب المذهب! وبه اندفع ما ذكره في فتح القدير من ترجيح قوله هنا ورد فتوى المشايخ بقولهما إلا أن يريدوا إلا أن يريد بالواجب المذكور في باب السجدات الفرض. ويلتزم أن ما تردد بين بدعة وواجب اصطلاحي فإنه يترك كالسنة فيترجح قوله وفي قوله مرة إشارة إلى رد ما نقل عن الشافعي أنه يكرر التكبير ثلاثا. وقول الله أكبر إلى آخره بيان لالفاظه وهو: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد. وقد ذكر الفقهاء أنه مأثور عن الخليل عليه السلام. وأصله أن جبريل عليه السلام لما جاء بالفداء خاف العجلة على ابراهيم فقال: الله أكبر الله أكبر. فلما رآه إبراهيم عليه السلام قال لا إله إلا الله والله أكبر. فلما علم اسماعيل الفداء قال اسمعيل: الله أكبر ولله الحمد. كذا في غاية البيان. وكثير من الكتب ولم يثبت عند المحدثين كما في فتح القدير، وقد صرحوا بأن الذبيح اسمعيل وفيه اختلاف بين السلف والخلف، فطائفة قالوا به وطائفة قالوا به وطائفة قالوا بأنه اسحق والحنفية مائلون إلى الاول، ورجحه الامام أبو الليث السمر قندي في البستان بأنه أشبه بالكتاب والسنة، فأما الكتاب فقوله تعالى * (وفديناه بذبح عظيم) * (الصادفات: 107) ثم قال بعد قصة الذبح * (وبشرناه باسحق) * (الصافات: 112) الآية. وأما الخبر فما روي عنه عليه السلام أنا ابن الذبيحين يعني أباه عبد الله واسمعيل. واتفقت الامة أنه كان من ولد إسمعيل. وقال أهل التوراة: مكتوب في التوراة أنه كان اسحق فإن صح ذلك فيها آمنا به اه‍. وأما محل أدائه فدبر الصلاة وفورها من غير أن يتخلل ما يقطع حرمة الصلاة حتى لو ضحك قهقهة أو أحدث متعمدا

[ 289 ]

أو تكلم عامدا أو ساهيا أو خرج من المسجد أو جاوز الصفو ف في الصحراء لا يكبر لان التكبير من خصائص الصلاة حيث لا يؤتى به إلا عقب الصلاة فيراعي لاتيانه حرمتها وهذه العوارض تقطع حرمتها، ولو صرف وجهه عن القبلة ولم يخرج من المسجد ولم يجاوز الصفوف أو سبقه الحدث يكبر لان حرمة الصلاة باقية والاصل أن كل ما يقطع البناء يقطع التكبير وما لا فلا. وإذا سبقه الحدث فإن شاء ذهب وتوضأ ورجع فكبر، وإن شاء كبر من غير تطهير لانه لا يؤدي في تحريمة الصلاة فلا يشترط له الطهارة قال الامام السرخسي والاصح عندي أنه كبر ولا يخرج من المسجد للطهارة لان التكبير لما لم يفتقر إلى الطهارة كان خروجه مع عدم الحاجة قاطعا لفور الصلاة فلا يمكنه التكبير بعد ذلك فيكبر للحال جزما. كذا في البدائع. وشرط الاقامة احترازا عن المسافر فلا تكبير عليه، ولو صلى المسافرون في المصر جماعة على الاصح كما في البدائع. وقيد بالمصر احترازا عن أهل القرى، وقيد بالمكتوبة احترازا عن الواجب كصلاة الوتر والعيدين وعن النافلة فلا تكبير عقبها. وفي المجتبي: والبلخيون يكبرون عقب صلاة العيد لانها تؤدي بجماعة فأشبه الجمعة اه‍. وفي مبسوط أبي الليث: ولو كبر على أثر صلاة العيد لا بأس به لان المسلمين توارثوا هكذا فوجب أن يتبع توارث المسلمين اه‍. وفي الظهيرية عن الفقيه أبي جعفر قال سمعت أن مشايخنا كانوا يرون الكبير في الاسژاق في الايام العشر وفي المجتبى: لا تمنع العامة عنه وبه نأخذ وتدخل الجمعة في المكتوبة كما في المحيط. وأراد بالمكتوبة الصلاة المفروضة من الصلوات الخمس فلا تكبير عقب صلاة الجنازة وإن كانت مكتوبة. وقيد بالجماعة فلا تكبير على المنفرد، وقيد بكونها مستحبة احترازا عن جماعة النساء والعراة، ولم يشترط الحرية لانها ليست بشرط على الاصح حتى لو أم العبد قوما وجب عليه وعليهم التكبير. وذكر الشارح أن الحاصل أن شروطه شروط الجمعة غير الخطبة والسلطان والحرية في رواية وهو الاصح اه‍. وليس بصحيح إذ ليس الوقت والاذن العام من شروطه، وهذا كله عند أبي حنيفة أخذا من قول علي لا جمعة ولا تشريق ولا فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع فإن المراد بالتشريق التكبير كما قدمناه لان تشريق اللحم لا يختص بمكان دون مكان.

[ 290 ]

وأما عندهما فهو واجب على كل من يصلي المكتوبة لانه تبع لها فيجب على المسافر والمرأة والقروي. قال في السراج الوهاج والجوهرة: والفتوى على قولهما في هذا أيضا. فالحاصل أن الفتوى على قولهما في آخر وقته وفيمن يجب عليه. وأطلق المصنف في التكبير عقب هذه الصلوات فشمل الاداء والقضاء وهي رباعية لا تكبير في ثلاثة منها: الاولى فاتته في غير أيام التشريق فقضاها فيها. ثانيها فاتته في هذه الايام فقضاها في غير هذه الايام. ثالثها فاتته في هذه الايام فقضاها فيها من السنة القابلة لا تكبير في الاوليين اتفاقا. وفي الثالثة خلاف أبي يوسف والصحيح ظاهر الرواية. والتكبير إنما هو في الرابعة وهي ما إذا فاتته في هذه الايام فقضاها فيها من هذه السنة فإنه يكبر لقيام وقته كالاضحية، ثم الذي يؤدي عقب الصلاة ثلاثة أشياء: سجود السهو وتكبير التشريق والتلبية إلا أن السهو يؤدي في تحريمة الصلاة حتى صح الاقتداء بالساهي بعد سلامه والتكبير يؤدي في حرمتها لا في تحريمتها حتى لم يصح الاقتداء بالامام بعد السلام قبل التكبير والتلبية لا تؤدى في شئ منها، ولذا قال في الخلاصة: ويبدأ الامام بسجود السهو ثم بالتكبير ثم بالتلبية إن كان محرما. وفي فتاوى الولوالجي: لو بدى بالتلبية سقط السجود والتكبير ولما لم يكن مؤدى في تحريمتها لو تركه الامام فعلى القوم أن يأتوا به كسامع السجدة مع تاليها بخلاف ما إذا لم يسجد لامام للسهو فإنهم لا يسجدون. قال يعقوب: صليت بهم المغرب يوم عرفة فسهوت أن أكبر بهم فكبر بهم أبو حنيفة رحمه الله. وقد استنبط من هذه الواقعة أشياء منها هذه المسألة، ومنها أن تعظيم الاستاذ في إطاعته لا فيما يظنه طاعة لان أبا يوسف تقدم بأمر أبي حنيفة، ومنها أنه ينبغي للاستاذ إذا تفرس في بعض أصحابه الخير أن يقدمه ويعظمه عند الناس حتى يعظموه، ومنها أن التلميذ لا ينبغي أن ينسى حرمة أستاذه وإن قدمه أستاذه وعظمه، ألا ترى أن أبا يوسف شغله ذلك عن التكبير حتى سها قوله (وبالاقتداء يجب على المرأة والمسافر) أي باقتدائهما بمن يجب عليه بجب عليهما بطريق التبعية. والمرأة تخافت بالتكبير لان صوتها عورة، وكذا يجب على المسبوق لانه مقتد تحريمة لكن لا يكبر مع الامام ويكبر بعدما قضى ما فاته، وفي الاصل: ولو تابعه لا تفسد صلاته وفي التلبية تفسد. كذا في الخلاصة والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.

[ 291 ]

باب صلاة الكسوف مناسبته للعيد هو أن كلا منهما يؤدي بالجماعة نهارا بغير أذان ولا إقامة. وأخرها عن العيد لان صلاة العيد واجبة على الاصح. يقال كسفت الشمس تكسف كسوفا وكسفها الله كسفا يتعدى ولا يتعدى. قال جرير يرثي عمر بن عبد العزيز: الشمس طالعة ليست بكاسفة تبكي عليك نجوم الليل والقمرا أي ليست تكسف ضوء النجوم مع طلوعها لقلة ضوئها وبكائها عليك ولاجل ذلك لم يظهر لها نور، فعلى هذا انتصب قوله نجوم على المفعول به والقمر معطوف عليه، وتمامه في السراج الوهاج. ومنهم من جعل الكسوف للشمس والقمر، ومنهم من جعل الكسوف للشمس والخسوف للقمر. والاصل في صلاة الكسوف حديث البخاري إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد من الناس ولكنهما آيتان من آيات الله فإذا رأيتموها فصلوا (1) وفي رواية فادعوا قوله: (يصلي ركعتين كالنفل إمام الجمعة) بيان لمقدارها ولصفة أدائها. أما مقدارها فذكر أنها ركعتان وهو بيان لاقلها، ولذا قال في المجتبي: إن شاؤا صلوها ركعتين أو أربعا أو أكثر كل ركعتين بتسليمه أو كل أربع. وأما صفة أدائها فهي صفة أداء النفل من أن كل ركعة بركوع واحد وسجدتين ومن أنه لا أذان له ولا إقامة ولا خطبة وينادي الصلاة جامعة ليجتمعوا إن لم يكونوا اجتمعوا، ومن أنها لا تصلى في الاوقات المكروهة، ومن أنه لا يكره تطويل القيام والركوع والسجود والادعية والاذكار الذي هو من خصائص النوافل. واحترز بقوله كالنفل عن قول أبي يوسف فإنه قال: كهيئة صلاة العيد. وتقييده بإمام الجمعة بيان للمستحب. قال القاضي الاسبيجابي: ويستحب في كسوف الشمس ثلاثة أشياء: الامام والوقت والموضع. إما الامام فالسلطان أو القاضي ومن له ولاية إقامة الجمعة والعيدين، وأما الوقت فهو الذي يباح فيه التطوع والموضع الذي يصلي فيه صلاة العيد أو المسجد الجامع ولو صلوا في موضع آخر أجزأهم ولكن الاول أفضل، ولو صلوا وحدانا في منازلهم جاز ويكره أن يجمع في كل ناحية اه‍. وبه اندفع ما في السراج الوهاج أن في ذكر الامام إشارة إلى

[ 292 ]

أنه لا بدمن شرائط الجمعة وهو كذلك إلا الخطبة اه‍. لكن جعله الوقت من المستحبات لا يصح لانه لا تجوز الصلاة في الاوقات المكروهة ولم يبين المصنف رحمه الله صفتها من الوجوب والسنية. وقد ذكر في البدائع قولين وذكر محمد في الاصل ما يدل على عدم الوجوب فإنه قال: ولا تصلى نافلة في جماعة إلا قيام رمضان، وصلاة الكسوف استثناها من النافلة، والمستثنى من جنس المستثنى منه فدل على كونها نافلة، لكن مطلق الامر في قوله عليه الصلاة والسلام فصلوا يدل على الوجوب إلا لصارف. وماقد يتوهم من أنه ذكره مع قوله وادعوا فإن الدعاء ليس بواجب اجماعا فكذا الصلا غير صحيح لان القرآن في النظم لا يوجب القرآن في الحكم. قوله: (بلا جهر) تصريح بما علم من قوله كالنفل لان النفل النهاري لا يكون جهرا لدفع قولهما من الجهر لحديث ابن عباس: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الكسوف فقام بنا قياما طويلا نحوا من سورة البقرة، ولو جهر لما احتيج إلى الحزر، وقد تركنا الدلائل الكثيرة في هذا الباب والكلام مع الشافعي والصاحبين روما للاختصار. قال في المجتبي: وأما قدر القراءة فيها فروي أنه عليه السلام قام في الركعة الاولى بقدر سورة البقرة، وفي الثانية بقدر سورة آل عمران، فإن طول القراءة خفف الدعاء أو على العكس اه‍. قوله: (وخطبة) أي بلا خطبة لانه عليه الصلاة والسلام أمر بها ولم يبين الخطبة، وما ورد من خطبته يوم مات ابراهيم وكسفت الشمس فإنما كان للرد على من قال إنها كسفت لموته لا لانها مشروعة له، ولذا خطب بعد الانجلاء ولو كانت سنة له لخطب قبله كالصلاة الدعاء قوله: (ثم يدعو حتى تنجلي الشمس) أي يدعو الامام والناس معه حتى تنجلي الشمس للحديث المتقدم. أطلقه فأفاد أن الداعي مخير إن شاء دعا جالسا مستقبل القبلة وإن شاء دعا قائما يستقبل الناس بوجهه. قال الحلواني: وهذا أحسن، ولو قام ودعا معتمدا على عصا أو قو س كان أيضا حسنا. وأفاد بكلمة ثم أن السنة تأخير الدعاء عن الصلاة لانه هو السنة في الادعية. وفي المحيط: ولا يصعد الامام على المنبر للدعاء ولا يخرج قوله: (وإلا صلوها فرادي) أي إن لم يحضر إمام الجمعة صلى الناس فرادى تحرزا عن الفتنة إذ هي تقام بجمع عظيم. وروي عن أبي حنيفة أن لكل إمام مسجد أن يصلي بجماعة والصحيح ظاهر الرواية لان أداء هذه

[ 293 ]

الصلوات بالجماعة عرف بإقامة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنما يقيمها الآن من هو قائم مقامه، فإن لم يقمها الامام صلى الناس فرادى إن شاؤا ركعتين وإن شاؤا أربعا والاربع أفضل، ثم إن شاؤا طولوا القراءة وإن شاؤا قصروا واشنغلوا بالدعاء حتى تنجلي الشمس. كذا في البدائع قوله: (كالخسوف والظلمة والريح والفزع) أي حيث يصلي الناس فرادى لانه قد خسف القمر في عهده عليه السلام مرارا ولم ينقل أنه جمع الناس له، ولان الجمع فيه متعسر كالزلازل والصواعق وانتشار الكواكب والضوء الهائل بالليل والثلج والامطار الدائمة وعموم الامراض والخوف الغالب من العدو ونحو ذلك من الافزاع والاهوال، لان ذلك كله من الآيات المخوفة والله تعالى يخوف عباده ليتركوا المعاصي ويرجعوا إلى الطاعة التي فيها فوزهم وخلاصهم، وأقرب أحوال العبد في الرجوع إلى ربه الصلاة. وذكر في البدائع أنهم يصلون في منازلهم. وفي المجتبي: وقيل الجماعة جائزة عندنا لكنه ليست بسنة والله أعلم.. باب الاستسقاء هو طلب السقيا من الله تعالى بالثناء عليه والفزع إليه والاستغفار، وقد ثبت ذلك بالكتاب والسنة والاجماع. أما الكتاب فقوله تعالى حكاية عن نوح عليه السلام حين أجهد قومه القحط والجدب * (فقلت استغفروا ربكم كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا) * (نوح: 10) وأما السنة فصح في الآثار الكثيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى مرارا وكذا الخلفاء بعده والامة بعده والامة أجمعت عليه خلفا عن سلف من غير نكير قوله: (له صلاة لا بجماعة) عند أبي حنيفة بيان لكونها مشروعة في حق المنفرد وإن لجماعة ليست بمشروعة لها ولم يبين

[ 294 ]

صفتها وقد اختلف فيها، والظاهر ما في الكتاب من أنها جائزة وليست بسنة. وقالا: يصلي الامام ركعتين لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فيه ركعتين كصلاة العيد. قلنا: فعله مرة وتركه أخرى فلم يكن سنة كذا في الهداية قوله: (ودعاء واستغفار) أي للاستسقاء دعاء واستغفار لما تلونا قوله: (لا قلب رداء) أي ليس فيه قلب رداء لانه دعاء فيعتبر بسائر الادعية، ولا فرق بين الامام والقوم. وقالا: يقلب الامام رداءه واختاره القدوري وهو أن يجعل الايمن على الايسر والايسر على الايمن ليقلب الله تعالى الحال من الجدب إلى الخصب، ومن العسر إلى اليسر. وقيل: أن يجعل أعلاه أسفل. وفي المدور: يعتبر اليمين واليسار قوله: (وإنما يخرجون ثلاثة أيام) يعني متتابعات ويخرجون مشاة في ثياب خلف غسيلة أو مرقعة متذلليين متواضعين خاشعين لله تعالى ناكسي رؤسهم، ويقدمون الصدقة في كل يوم قبل خروجهم ويجددون التوبة ويستغفرون للمسلمين ويتواضعون بينهم ويستسقون بالضعفة والشيوخ. وفي المجتبي: والاولى أن يخرج الامام بالناس وإن امتنع وقال اخرجوا جاز، وإن خرجوا بغير إذنه جاز. ولا يخرج في الاستسقاء منبر بل يقوم الامام والقوم قعود فإن أخرجو المنبر جاز لحديث عائشة رضي الله عنها أنه أخرج المنبر لاستسقائه صلى الله عليه وسلم، وقيد بالخروج ثلاثة أيام لانه لم ينقل أكثر منها قوله: (لا يحضر أهل الذمة الاستسقاء) لنهي عمر رضي الله عنه ولان المقصود هو الدعاء قال تعالى * (وما دعاء الكافرين إلا في ضلال) * (الرعد: 14) وفي فتاوي قاضيخان:

[ 295 ]

اختلفوا في أنه هل يجوز أن يقال يستجاب دعاء الكافرين ولم يرجح، وذكر الولوالجي أن الفتوى على أنه يجوز أن يقال يستجاب دعاؤه ا ه‍. وأطلق المصنف الخروج للاستسقاء واستثنى في فتح القدير مكة وبيت المقدس فيجتمعون في المسجد ولم يستثن مسجد المدينة لعله لضيقه وإلا فهو أفضل من بيت المقدس والله تعالى أعلم. باب الخوف أي صلاته. ووجه المناسبة أن شرعية كل منهما لعارض خوف. وقدم الاستسقاء لان العارض هناك انقطاع المطر وهو سماوي وهنا اختياري وهو الجهاد الذي سببه كفر الكافر قوله: (إن اشتد من عدو أو سبع وقف الامام طائفة بإزاء العدو وصلى بطائفة ركعة وركعتين لو مقيما مضت هذه إلى العدو وجاءت تلك فصلى بهم ما بقي وسلم وذهبوا إليهم وجاءت الاولى وأتموا بلا قراءة وسلموا ثم الاخرى وأتموا بقراءة) هكذا صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر، وهناك كيفيات أخرى معلومة في الخلافيات. وذكر في المجتبي أن الكل جائز وإنما الخلاف في الاولى. وفي العناية: ليس الاشتداد شرطا عند عامة مشايخنا. قال في التحفة: سبب جواز صلاة الخوف نفس قرب العدو من غير ذكر الخوف والاشتداد شرطا عند عامة مشايخنا. قال في التحفة: سبب جواز صلاة الخوف نفس قرب العدو من غير ذكر الخوف والاشتداد. قال فخر الاسلام في مبسوطة: المراد بالخوف عند البعض حضرة العدو لا حقيقة الخو ف لان

[ 296 ]

حضرة العدو وأقيمت مقام الخوف على ما عرف في أصلنا في تعليق الرخصة بنفس السفر لا حقيقة المشقة، لان السفر سبب المشقة فأقيم مقامها، فكذا حضرة العذو هنا سبب الخوف فأقيم مقامه حقيقة الخوف ا ه‍. وفي فتح القدير: واعلم أن صلاة الخوف على الصفة المذكورة إنما تلزم إذا تنازع القوم في الصلاة، أما إذا لم يتنازعوا فالافضل أن يصلي بإحدى الطائفتين تمام الصلاة ويصلي بالطائفة الاخرى إمام آخر تمامها ا ه‍. وذكر الاسبيجابي أن من انصرف منهم إلى وجه العدو راكبا فإنه لا يجوز، سواء كان انصرافه من القبلة إلى العدو وعكسه وإنما تتم الطائفة الاولى بلا قراءة لانهم لاحقون ولذا لو حاذتهم امرأة فسدت صلاتهم، والثانية بقراءة لانهم مسبوقون ولذا لو حاذتهم امرأة لا تفسد صلاتهم، ويدخل تحته المقيم خلف المسافر حتى يقضي ثلاث ركعات بلا قراءة إن كان من الطائفة الاولى، وبقراءة إن كان من الثانية. والمسبوق إن أدرك ركعة من الشفع الاول فهو من الطائفة الاولى وإلا فهو من الثانية. وأطلق في الصلاة فشمل كل صلاة تؤدي بجماعة كالصلوات الخمس ومنها الجمعة وكذا العيد، وفي المجتبي: ويسجد للسهو في صلاة الخوف لعموم الحديث ويتابعه من خلفه ويسجد اللاحق في آخر صلاته. قوله: (وصلى في المغرب بالاولى ركعتين وبالثانية ركعة) لان الركعتين شطر في المغرب ولهذا شرع القعود عقبيهما ولان الواحد لا يتجزى فكانت الطائفة الاولى أولى بها للسبق، فإذا ترجحت عند التعارض لزم اعتباره، ومسائل خطأ الامام وتفاريعهم تركناها عمدا للاستغناء عنها قوله: (ومن قاتل بطلت صلاته) لانه عمل كثير مفسد للصلاة وهو مراده بالمقاتلة وإلا فلو قاتل بعمل قليل كالرمية لا تفسد كما علم في مفسدات الصلاة. واستدل في المجتبي بحديث المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم شغل عن أربع صلوات يوم الخندق فصلاهن من بعد ما مضي من الليل، ولو جاز مع القتال لما أخرهن عن وقتهن ا ه‍. وأشار المصنف إلى أن السابح في البحر إذا لم يمكنه أن يرسل أعضاءه ساعة فإنه لا يصلي فإن صلى لا تصح، وإن أمكنه ذلك فإنه يصلي بالايماء. كذا في المجتبي قوله: (فإذا اشتد الخوف صلوا ركبانا فرادي بالايماء إلى أي جهة قدروا) لقوله تعالى * (فإن خفتم فرجا لا أو ركبانا) * (البقرة: 239) والتوجه إلى القبلة للضرورة. أراد بالاشتداد أن لا يتهيأ لهم النزول عن الدابة كما في غاية البيان. قيد بقوله فرادي لانه لا يجوز بجماعة لعدم الاتحاد في المكان إلا إذا كان راكبا مع الامام على دابة واحدة فإنه يجوز اقتداء المتأخر منهما بالمتقدم اتفاقا. ويرد على المصنف ما إذا صلى راكبا في المصر فإنه لا يجوز إلا أن يقال: إنه معلوم مما قدمه من أن التطوع لا يجوز في المصر راكبا فكذا الفرض للضرورة. وقيد بالركوب لانه لا يجوز ماشيا في غير المصر لان المشي

[ 297 ]

عمل كثير مفسد للصلاة كالغريق السابح كما قدمناه. وفي المحيط: والراكب إن كان طالبا لا يجوز صلاته على الدابة لعدم ضرورة الخوف في حقه وإن كان مطلوبا فلا بأس أن يصلي وهو سائر لان السير فعل الدابة حقيقة وإنما أضيفت إليه معنى بتسييره، فإذا جاء العذر انقطعت الاضافة إليبخلاف ما لو صلى وهو يمشي حيث لا يجوز لان المشي فعله حقيقة وهو مناف للصلاة ا. قوله: (ولم تجر بلا حضور عدو) لعدم الضرورة حتى لو رأو سوادا فظنوا أنه عدو فصلوا صلاة الخوف ثم بأن أنه ليس بعد وأعادوها لما قلنا إلا إذا بان لهم قبل أن يتجاوز الصفوف فإن لهم أن يبنوا استحسانا، وهذا كله في حق القوم، وأما الامام فصلاته جائزة بكل حال لعدم المفسد في حقه والله أعلم.

[ 298 ]

كتاب الجنائز جمع جنازة وهي بالكسر السرير، وبالفتح الميت. وقيل: هما لفتان كذا في المغرب. ومناسبته لما قبله أن الخوف والقتال يفضي إلى الموت، أو لما فرغ من بيان الصلاة حال الحياة شرع في بيانها حال الموت، وأخر الصلاة في الكعبة ليكون ختم كتاب الصلاة بما يتبرك بها حالا ومكانا. وصفتها أنها فرض كفاية بالاجماع حتى لا يسع للكل تركها كالجهاد. وسبب وجوبها الميت المسلم لانها شرعت قضاء لحقه ولهذا تضاف إليه فيقال صلاة الجنازة - بالفتح - بمعنى الميت. وركنها التكبيرات والقيام لان كل تكبيرة منها قائمة مقام ركعة. وشرطها على الخصوص اثنان: كونه مسلما وكونه مغسولا. كذا في المحيط. ويزاد على الشرطين كونه أمام المصلي كما صرحوا به. وسننها التحميد والثناء والدعاء، وما ذكروه منها من كونه مكفنا بثلاثة أثواب أو بثيابه في الشهيد فهو تساهل كما في فتح القدير إذ ليس الكفن من سنن الصلاة قوله: (ولي المحتضر القبلة على يمينه) أي وجه وجه من حضره الموت فالمحتضر من قرب من الموت، علامته أن يسترخي قدماه فلا ينتصبان وينعو أنفه وينخسف صدغاه وتمتد جلده الخصية لان الخصية تتعلق بالموت وتتدلى جلدتها. ولا يمتنع حضور الجنب والحائض وقت الاحتضار وإنما يوجه إلى القبلة على يمينه لانه السنة المنقولة، واختار مشايخنا بما وراء النهر الاستلقاء على ظهره وقدماه إلى القبلة لانه أيسر لخروج الروح. وتعقبه في فتح القدير وغيره بأنه لم يذكر فيه وجه ولم يعرف إلا نقلا والله أعلم بالايسر منهما ولكنه أيسر لتغميضه وشد لحيته وأمنع من تقوس أعضائه، ثم إذا ألقي على القفا يرفع رأسه قليلا ليصير وجهه إلى القبلة دون السماء ا ه‍. وفي المبتغي بالمعجمة: والاصح أنه يوضع كما تيسر لاختلا ف المواضع والاماكن ا ه‍. وهذا كله إذا لم يشق عليه، فإذا شق عليه ترك على حاله

[ 299 ]

كذا في المجتبي. وذكر في المحيط الاضطجاع للمريض أنواع أحدها في حالة الصلاة وهوأن يستلقي على قفاه، والثاني إذا قرب من الموت يضجع على الايمن واختير الاستلقاء، والثالث في حالة الصلاة على الميت يضجع على قفاه معترضا للقبلة. والرابع في اللحد يضجع على شقه الايمن ووجهه إلى القبلة هكذا توارثت السنة ا ه‍. وفي معراج الدراية: والمرجوم لا يوجه ا ه‍. قوله: (ولقن الشهادة) بأن يقال عنده لا إله إلا الله محمد رسول الله ولا يؤمر بها للحديث الصحيح من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة (1) وهو تحريض على التلقين بها عند الموت فيفيد الاستحباب، وحينئذ فلا حاجة إلى الاستدلال بالحديث الآخر لقنوا موتاكم قول لا إله إلا الله (2) فإن حقيقته التلقين بعد الموت وقد اختلفوا فيه. وقولهم إنه مجاز تسمية للشئ باسم ما يؤل إليه قول لا دليل عليه لان الاصل الحقيقة، وقد أطال المحقق في فتح القدير في رده. وفي المجتبي: وإذا قالها مرة كفاه ولا يكثر عليه ما لم يتكلم بعد ذلك، ولما أكثر على ابن المبارك عن الوفاة قال: إذا قلت ذلك مرة فأنا على ذلك ما لم أتكلم لان الغرض من التلقين أن يكون لا إله إلا الله آخر قوله ا ه‍. وفي القنية: اشتد مرضه ودنا موته فالواجب على إخوانه وأصدقائه أن يلقنوه الشهادة ا ه‍. وينبغي أن يكون مستحبا كما قدمناه لان الامر في الحديث لم يكن على حقيقته بل استعمل في مجازه فلم يكن قطعي الدلالة فلم يفد الوجوب. قالوا: إذا ظهر منه كلمات توجب الكفر لا يحكم بكفره. ويعامل معاملة موتى المسلمين حملا على أنه في حال زوال عقله، ولذا اختار بعض المشايخ أن يذهب عقله قبل موته لهذا الخوف، وبعضهم اختاروا قيامه حال الموت، وقد اعتاد الناس قراء يس عند المحتضر وسيأتي. قوله: (فإن مات شد لحياه وغمض عيناه) بذلك جري التوارث ثم فيه تحسينه فيستحسن وتقدم في الوضوء أن اللحي بفتح اللام منبت اللحية من الانسان أو العظم الذي عليه الاسنان. وعن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أبي سلمة بعد الوفاة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال: إن الروح إذا قبض تبعه البصر ثم قال: اللهم اغفر لابي سلمة وارفع

[ 300 ]

درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين وافسح له في قبره ونور له فيه. قال في المجتبي: وينبغي أن يحفظه كل مسلم فيدعو به عند الحاجة. وفي النتف: يصنع بالمحتضر عشرة أشياء: يوجه إلى القبلة على قفاه أو يمينه، ويمد أعضاؤه، ويغمض عيناه، ويقرأ عنده سورة يس، ويحضر عنده من الطبيب، ويلقن لا إله إلا الله، ويخرج من عنده الحائض والنفساء والجنب، ويوضع على بطنه سيف لئلا ينتفخ، ويقرأ عنده القرآن إلى أن يرفع ا ه‍. أي إلى أن يرفع روحه. وفي التبيين: ويقول مغمضه بسم الله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم، اللهم يسر عليه أمره وسهل عليه ما بعده وأسعده بلقائك واجعل ما خرج إليه خيرا مما خرج عنه. وفي المحيط: وليسرع في جهازه لقوله عليه الصلاة والسلام عجلوا بموتاكم فإن بك خيرا الف قدمتموه إليه، وإن يك شرا فبعدا لاهل النار (1) قوله: (ووضع على سرير مجمر وترا) لئلا يعتريه الارضي ندواة ولينصب عنه الماء عند غسله، وفي التجمير تعظيمه وإزالة الرائحة الكريهة والوتر أحب إلى الله من غيره. وكيفيته أن يدار بالمجمرة حول السرير مرة أو ثلاثا أو خمسا ولا يزاد عليها. كذا في التبيين. وفي النهاية والكافي وفتح القدير: أو سبعا ولا يزاد عليه. وفي الظهيرية: وكيفيته الوضع عند بعض أصحابنا الوضع طولا كما في حالة المرض إذا أراد الصلاة بإيماء، ومنهم من اختار الوضع عرضا كما يوضع في القبر والاصح أنه يوضع كما تيسر ا ه‍. وظاهر كلامه أن السرير يجمر قبل وضعه عليه وأنه يوضع عليه كمامات ولا يؤخر إلى وقت الغسل. وفي الغاية: يفعل

[ 301 ]

هذا عند إرادة غسله إخفاء للرائحة الكريهة. وقال القدوري: إذا أرادوا غسله وضعوه على سريره والاول أشبه لما ذكرنا. وفي التبيين: وتكره قراءة القرآن عنده إلى أن يغسل. وفي المغرب: جمر ثوبه وأجمره بخره. قوله: (وستر عورته) إقامة لواجب الستر ولان النظر إليها حرام كما في عورة الحي. وأطلق العورة فشملت الخفيفة والغليظة وصححه في التبيين وغاية البيان، وصحح في الهداية والمجتبي أنها العورة الغليظة تيسيرا ولبطلان الشهوة، وجعله في الكافي والظهيرية ظاهر الرواية. وفي المحيط: ويغسل عورته تحت الخرقة بعد أن يلف على يده خرقة لتصير الخرقة حائلة بين يده وبين العورة لان اللمس حرام كالنظر قوله: (وجرد) أي من ثيابه ليمكنهم التنظيف وتغسيله عليه الصلاة والسلام في قميصه خصوصية له. قالوا: يجرد كما مات لان الثياب تحمى فيسرع إليه التغيير قوله: (ووضئ بلا مضمضة ولا استنشاق) لان الوضوء سنة الاغتسال غير أن إخراج الماء متعذر فيتركان. وفي الظهيرية: ومن العلماء من قال يجعل الغاسل خرقة في أصبعه يمسح بها أسنانه ولهاته ولثته ويدخل في منخريه أيضا ا ه‍. وفي المجتبي: وعليه العمل اليوم. وظاهر كلام المصنف أن الغاسل يمسح رأس الميت في الوضوء

[ 302 ]

وهو ظاهر الرواية كالجنب، وفي رواية لا فيهما لكنه لا يؤخر غسل رجليه في هذا الوضوء ولا يبدأ بغسل يديه بل بوجهه فخالف الجنب فيهما كذا في المحيط. ولم يذكر الاستنجاء للاختلاف فيه فعندهما يستنجي، وعند أبي يوسف لا. وأطلقه فشمل البالغ والصبي إلا أن الصبي الذي لا يعقل الصلاة لا يوضأ لانه لم يكبحيث يصلي قوله: (وصب عليه ماء مغلي بسدر أو حرض) مبالغة في التنظيف لان تسخين الماء كذلك مما يزيد في تحقيق المطلوب فكان مطلوبا شرعا. وما يظن مانعوهو كون سخونته توجب انحلال ما في الباطن فيكثر الخارج هو عندنا داع لا مانع لا المقصود يتم إذ يحصل باستفراغ ما في الباطن تمام النظافة والامان من تلويث الكفن عند حركة الحاملين له، فعندنا الماء الحار أفضل على كل حال. والحرض اشنان غير مطحون والمغلي من الاغلاء لا من الغلي والغليان لانه لازم. كذا في المعراج قوله: وإلا فالقراح) أي إن لم يتيسر ما ذكره فيصب عليه الماء الخالص لان المقصود هو الطهارة ويحصل به قوله: (وغسل رأسه ولحيته بالخطمي) لانه أبلغ في استخلاص الوسخ وإن لم يكن فبالصابون ونحوه لانه يعمل عمله. هذا إذا كان في رأسه شعر اعتبارا بحالة الحياة. والخطمي بكسر الخاء نبت يغسل به الرأس كما في الصحاح. ونقل القاضي عياض في تنبيهاته الفتح لا غير والمراد به خطمي العراق قوله: (واضجع على يساره فيغسل حتى يصل الماء إلى ما يلي التخت منه ثم على يمينه كذلك) لان السنة هي البداءة من الميامن والمراد بما يلي التخت منه الجنب المتصل بالتخت، والتخت بالخاء المعجمة لا بالحاء المهملة لان بالحاء المهملة يوهم أن غسل ما يلي التخت من الجنب لا الجنب المتصل بالتخت، أما بالخاء المعجمة يفهم الجنب المتصل.، كذا في معراج الدراية، وبه اندفع ما ذكره العيني من جواز الوجهين. قوله: (ثم اجلس مسندا إليه ومسح بطنه رفيقا وما خرج منه غسله) تنظيفا له. ثم اعلم أن المصنف ذكر غسله مرتين: الاولى بقوله وأضجع على يساره فيغسل الثانية بقوله ثم علي يمينه كذلك، ولم يذكر الغسلة الثالثة تمام السنة. قال في المحيط بعد إقعاده: ثم

[ 303 ]

يضجعه على شقه الايسر ويغسله لان التثليث مسنون في غسل الحي فكذا في غسل الميت، وما قيل من أنه ذكرها بقوله وصب عليه ماء مغلي فغير صحيح لانها ليست غسلة من الثلاث بدليل قوله بعد وغسل رأسه ولحيته بالخطمي " فإن السنة أن يبدأ يغسلهما قبل الغسلة الاولى وإنما هو كلام إجمالي لبيان كيفية الماء، والحاصل أن السنة أنه إذا فرغ من وضوئه غسل رأسه ولحيته بالخطمي من غير تسريح ثم يضجعه على شقه الايسر ويغسله وهذه مرة، ثم على الايمن كذلك وهذه ثانية، ثم يقعده ويمسح بطنه كما ذكره ثم يضجعه على الايسر فيصب الماء عليه وهذه ثالثة، لكن ذكر خواهر زاده أن المرة الاولى بالماء القراح، والثانية بالماء المغلي فيه سدد أو حرض، والثالثة بالماء الذي فيه الكافور. ولم يفصل صاحب الهداية في مياه الغسلات بين القراح وغيره وهو ظاهر كلام الحاكم. وفي فتح القدير: والاولى أن يغسل الاوليان بالسدر ولم يذكر المصنف كمية الصبات. وفي المجتبي: يصب الماء عليه عند كل إضجاع ثلاث مرات وإن زاد على الثلاث جاز قوله: (ولم يعد غسله) لان الغسل عرفناه بالنص وقد حصل مرة، وكذا لا تجب إعادة وضوئه لان الخارج من قبل أو دبر أو غيرهما ليس بحدث لان الموت حدث كالخارج فلما لم يؤثر الموت في الوضوء وهو موجود لم يؤثر الخارج. وضبط في معراج الدراية الغسل هنبالضم، وفي العناية يجوز فيه الضم والفتح. وذكر في السراج الوهاج من بحث الطهارة أنه بفتح الغين كغسل الثوب قال: والضابط أنك إذا أضفت إلى المغسول فتحت، وإذا أضيفت إلى غير المغسول ضممت قوله: (ونشف في ثوب) كيلا يبتل أكفانه. وفي الولواجية: المنديل الذي يمسح به الميت بعد الغسل كالمنديل الذي يمسح به الحي ا ه‍. يعني أنه طاهر قوله: (وجعل الحنوط على رأسه ولحيته) لان التطيب سنة. وذكر الرازي أن هذا الجعل مستحب. والحنوط عطر مركب من أشياء طيبة ولا بأس بسائر الطيب غير الزعفران والورس اعتبارا بالحياة، وقد ورد النهي عن المزعفر للرجال وبهذا يعلم جهل من يجعل الزعفران في الكفن عند رأس الميت في زماننا قوله: (والكافور على مساجده) زيادة في تكرمتها وصيانة للميت عن سرعة الفساد وهي موضع سجوده جمع مسجد بالفتح لا غير كذا في المغرب. واختلف فيها فذكر السرخسي أنها الجبهة والانف

[ 304 ]

واليدان والركبتان والقدمان. وذكره القدوري في شرح الكرخي أنها الجبهة واليدان والركبتان ولم يذكر الانف والقدمين. كذا في غاية البيان. ولم يذكر المصنف في الغسل استعمال القطن لانه لم يرد في الروايات الظاهرة. وعن أبي حنيفة أنه يجعل القطن المحلوج في منخريه وفمه. وقال بعضهم: في صماخيه. وقال بعضهم: في دبره أيضا. قال في الظهيرية: واستقبحه عامة المشايخ. قوله: (ولا يسرح شعره ولحيته ولا يقص ظفره وشعره) لانها للزينة وقد استغنى عنها، والظاهر أن هذا الصنيع لا يجوز. قال في القنية: أما التزين بعد موتها والامتشاط وقطع الشعر لا يجوز والطيب يجوز والاصح أنه يجوز للزوج أن يراها. وفي المجتبي: ولا بأس بتقبيل الميت. وذكر اللحية مع الشعر من باب عطف الجزء على الكل اهتماما بمنع تسريحها، وليس هو من قبيل التكرار كما توهمه الشارح. وفي الظهيرية: ولو تكسر ظفر الميت فلا بأس بأن يؤخذ، روي ذلك عن أبي حنيفة وأبي يوسف ا ه‍. ولم يذكر المصنف صفة الغسل ومن يغسل والغاسل وحكم الميت قبله وبعده. أما الاول فهو من فروض الكفاية كالصلاة عليه وتجهيزه ودفنه حتى لو اجتمع أهل بلدة على تركها قوتلوا، ولو صلوا عليه قبل الغسل أعادوا الصلاة. وكذا إذا ذكر قبل أن يهال عليه التراب ينزع اللبن ويخرج ويغسل ويصلي عليه، وإن أهالوه لم ينبش ولم تعد الصلاة عليه، ولو بقي منه عضو فذكروه بعد الصلاة والتكفين يغسل ذلك العضو ويعاد، فإن بقي أصبع ونحوه بعد التكفين لا يغسل. وقال محمد: يغسل على كل حال كذا في المجتبي. وفي القنية: وجد رأس آدمي لا يغسل ولا يصلى عليه ولو غسل صار الماء مستعملا، ولو مات في بيته فقالت الورثة لا نرضى بغسله فيه ليس لهم ذلك لان غسلة في بيته من حوائجه وهي مقدمة على الورثة ا ه‍. وفي الظهيرية: والافضل أن يغسل الميت مجانا فإن ابتغى الغاسل الاجر فهو على وجهين: إن كان هناك غيره يجوز أخذ الاجر وإلا فلا. واختلفوا في استئجار الخياط لخياطة الكفن وأجرة الحاملين والحفار والدفان من رأس المال اه‍. وفي الخانية: إذا جرى الماء على الميت أو أصابه المطر عن أبي يوسف أنه لا ينوب عن الغسل لانا أمرنا بالغسل وجريان الماء وإصابة المطر ليس بغسل. والغريق يغسل ثلاثا عند أبي يوسف. وعن محمد: إذا نوى الغسل عند الاخراج من الماء يغسل مرتين وإن لم ينو يغسل ثلاثا، وفي رواية يغسل مرة واحدة ا ه‍. وفي فتح القدير: الظاهر اشتراط النية فيه لاسقاط وجوبه عن المكلف لا لتحصيل طهارته هو وشرط صحة الصلاة عليه ا ه‍. وفي فتاوي قاضيخان: ميت غسله أهله بغير نية أجزأهم ذلك ا ه‍. واختاره في الغاية

[ 305 ]

والاسبيجابي لان غسل الحي لا يشترط له النية فكذا غسل الميت. وإما الثاني فالموتى ضربان: من يغسل ومن لا يغسل. والاول ضربان: من يغسل ليصلى عليه ومن يغسل لا للصلاة. فالاول من مات بعد الولادة وله حكم الاسلام، والثاني الجنين الميت على ما سيأتي، وكذا الكافر غير الحربي إذا مات وله ولي مسلم كما سيأتي. والثاني ضربان: من لا يغسل إهانة وعقوبة كقتلى أهل البغي والحرب وقطا الطريق، وضرب لا يغسل إكراما وفضيلة كالشهداء. ولو اختلط موتى المسلمين بموتى الكفار يغسلون إن كان المسلمون أكثر وإلا فلا. ومن لا يدري أمسلم أم كافر إن كان عليه سيما المسلمين أو في بقاع ديار الاسلام يغسل وإلا فلا. ولو وجد الاكثر من الميت أو النصف مع الرأس غسل وصلى عليه وإلا فلا. وأما الغاسل فمن شرطه أن يحل له النظر إلى المغسول فلا يغسل الرجل المرأة ولا المرأة الرجل والمجبوب والخصي فأما الخنثى المشكل المراهق إذا مات ففيه اختلاف والظاهر أنه ييمم وإذا ماتت المرأة في السفر بين الرجال ييممها ذو رحم محرم منها، وإن لم يكن لف الاجنبي على يديه خرقة ثم ييممها، وإن كانت أمة ييممها الاجنبي بغير ثوب، وكذا إذا مات رجل بين النساء تيممه ذات رحم محرم منه أو زوجته أو أمته بغير ثوب وغيرهن بثوب،

[ 306 ]

والصبي الذي لا يشتهي والصبية كذلك غلسهما الرجال والنساء، ولا يغسل الرجل زوجته والزوجة تغسل زوجها دخل بها أو لا بشرط بقاء الزوجية عند الغسل حتى لو كانت مبانة بالطلاق وهي في العدة أو محرمة بردة أو رضاع أو مصاهرة لم تغسله، ولم يغسل المولى أم ولده وكذا مدبرته ومكاتبته، وكذا على العكس في المشهور عن أبي حنيفة. الكل في المجتبي. وفي الواقعات: رجل له امرأتان قال إحداكما طالق ثلاثا بعد الدخول بهما ثم مات قبل أن يبين فليس لواحدة منهما أن تغسله لجواز أن كل واحدة منهما مطلقة، ولهما الميراث وعليهما عدة الطلاق والوفاة. ولو مات عن امرأته وهي مجوسية لم تغسله لانه كان لا يحل له المس حال حياته فكذا بعد وفاته بخلاف التي ظاهر منها لان الحل قائم، فإن أسلمت قبل أن يغسل غسلته اعتبارا بحالة الحياة. وكذا لو مات عن امرأته وأختها منه في عدته لم تغسله فإن انقضت عدتها قبل أن يغسل غسلته لما قلنا ا ه‍. وفي الولوالجية: إذا ارتدت المنكوحة بعد موته أو قبلت ابنه لا تغسله، وكذا إذا وطئت بالشبهة لان هذه الاشياء تنافي النكاح وتحرم المس. وفيها: إذا كان مع النساء رجل من أهل الذمة أو مع الرجال امرأة ذمية يعلمان الغسل لان السنة تتأدى بغسله ولكن لا يهتدي إلى السنة فيعلم. وفي المحيط: لو مات عنها وهي حامل فوضعت لا تغسله لانقضاء عدتها. وفي المجتبي: وأما ما يستحب للغاسل فالاولى أن يكون أقرب الناس إلى الميت، فإن لم يعلم الغسل فأهل الامانة والورع للحديث، فإن كان الغاسل جنبا أو حائضا أو كافرا جاز، واليهودية والنصرانية كالمسلمة في غسل زوجها لكنه أقبح، وليس على من غسل ميتا غسل ولا وضوء ا ه‍. وأما حكمه قبله ففيه اختلاف، فقيل: أنه محدث وهو سبب وجوبه لنجاسة حلت به، وإنما وجب غسل جميع الجسد لعدم الحرج. وقيل: ينجس بالموت واقتصر عليه في المحيط مستدلا بأنه لو وقع في الماء القليل قبل الغسل نجسه، ولو صلى وهو حامل للميت لا يجوز فيجب تطهيره بالغسل شرعا كرامة له وشرفا ا ه‍. وصححه في الكافي ونسبه في البدائع إلى عامة المشايخ. قال في فتح القدير:

[ 307 ]

وقد روي في حديث أبي هريرة سبحان الله إن الميت لا ينجس حيا ولا ميتا (1) فإن صحت وجب ترجيح أنها للحدث ا ه‍. واتفقوا أن حكمه بعده إن كان مسلما الطهارة ولذا يصلي عليه، فما يتوهم من أن الحنفية إنما منعوا من الصلاة عليه في المسجد لاجل نجساته خطأ، واتفقوا على أن الكافر لا يطهر بالغسل وأنه لا تصح صلاة حامله بعده. قوله: (وكفنه سنة أزار وقميص ولفافة) لحديث البخاري: كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية. وسحول بفتح السين قرية باليمن. والازرار واللفافة من القرن إلى القدم. والقرن هنا بمعنى الشعر، واللفافة هي الرداء طولا. وفي بعض نسخ المختار أن الازار من المنكب إلى القدم هذا ما ذكروه وبحث فيه في فتح القدير بأنه ينبغي أن يكون إزار الميت كإزار الحي من السرة إلى الركبة لانه عليه السلام أعطي اللاتي غسلن ابنته حقوة وهي في الاصل معقد الازار ثم سمي به الازار للمجاورة. والقميص من المنكب إلى القدم بلا دخاريص لانها تفعل في قميص الحي ليتسع أسفله للمشي، وبلا جيب ولا كمين ولا يكف أطرافه، ولو كففي قميص قطع جيبه ولبته كذا في التبيين. والمراد بالجيب الشق

[ 308 ]

النازل على الصدر. وفي العناية: التكفين في ثلاثة أثواب هو السنة وذلك لا ينافي أن يكون أصل التكفين واجبا. ولم يذكر المصنف العمامة لما في المجتبي: وتكره العمامة في الاصح. وفي فتح القدير: واستحسنها بعضهم لما روي عن ابن عمر أنه كان يعممه ويجعل العذبة على وجهه ا ه‍. وفي الظهيرية: استحسنها بعضهم للعلماء والاشراف فقط. وأشار المصنف إلى أنه لا يزاد للرجل على ثلاثة وصرح في المجتبي بكراهتها. واستثني في روضة الزندوستي ما إذا أوصى بأن يكفن في أربعة أو خمسة فإنه يجوز بخلاف ما إذا أوصى أن يكفن في ثوبين فإنه يكفن في ثلاثة، ولو أوصى بأن يكفن بألف درهم كفن كفنا وسطا ا ه‍. ولم يبين لون الاكفان لجواز كل لون لكن أحبها البياض، ولم يبين جنسها لجواز الكل لا مالا يجوز لبسه حال الحياة كالحرير للرجال، وقد قالوا في باب الشهيد: إنه ينزع عنه الفرو والحشو معللين بأنه ليس من جنس الكفن فظاهره أنه لا يجوز التكفين به إلا أن يقال: ليس من جنسه المسنون وهو الظاهر لان المقصود من الكفن ستره وهو حاصل بهما. وفي المجتبي: والجديد والخلق فيه سواء بعد أن يكون نظيفا من الوسخ والحدث. قال ابن المبارك: أحب إلى أن يكفن في ثيابه التي كان يصلي فيها ا ه‍. وفي الظهيرية: ويكفن الميت كفن مثله وتفسيره أن ينظر إلى ثيابه في حال حياته لخروج الجمعة والعيدين فذلك كفن مثله. وتحسن الاكفان للحديث حسنوا أكفان الموتى لانهم يتزاورون فيما بينهم ويتفاخرون بحسن أكفانهم ا ه‍. قوله: (وكفاية إزار ولفافة) لقوله عليه الصلاة والسلام في المحرم الذي وقصته ناقته كفنوه في ثوبين. واختلف فيهما فقيل قميص ولفافة وصحح الشارح ما في الكتاب ولم يبين وجهه، وينبغي عدم التخصيص بالازار واللفافة لاكفن الكفاية معتبر بأدنى ما يلبسه الرجل في حياته من غير كراهة وهو ثوبان كما علل به في البدائع. قالوا: ويكره أن يكفن في ثوب واحد حالة الاختيار لان في حال حياته تجوز صلاته في ثوب واحد مع الكراهة. وقالوا: إذا كان بالمال قلة وبالورثة كثرة فكفن الكفاية أولى وعلى القلب كفن السنة أولى، ومقتضاه أنه لو كان عليه ثلاثة أثواب وليس له غيرها وعليه دين

[ 309 ]

أن يباح واحد منهما للدين لان الثالث ليس بواجب حتى ترك للورثة عند كثرتهم، فالذين أولى مع أنهم صرحوا كما في الخلاصة بأنه لا يباع شئ منها للدين كما في حالة الحياة إذا أفلس وله ثلاثة أثواب وهو لابسها ولا ينزع عنه شئ ليباع. قوله: (وضرورة ما يوجد) ثابت في أكثر النسخ وقد شرح عليه مسكين وباكير وغيرهما ولم يثبت في نسخة الزيلعي فأنكرها، واستدل له بحديث مصعب بن عمير لم يوجد له شئ يكفي فيه إلا ثمرة فكانت إذا وضعت على رأسه بدت رجلاه. وإذا وضعت على رجليه خرج رأسه فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تغطي رأسه ويجعل على رجليه شئ من الاذخر، وهذا دليل على أن ستر العورة وحدها لا يكفي. كذا في التبيين قوله: (ولف من يساره ثم يمينه) أي لف الكفن من يسار الميت ثم يمينه. وكيفيته أن تبسط اللفافة أولا ثم الازار فوقها ويوضع الميت عليهما مقمصا، ثم يعطف عليه الازار وحده من قبل اليسار ثم من قبل اليمين ليكون الايمن فوق الايسر ثم اللفافة كدلك. وفي البدائع: فإن كان الازار طويلا حتى يعطف على رأسه وسائر جسده فهو أولى قوله: (وعقدان أن خيف انتشاره) صيانة عن الكشف قوله: (وكفنها سنة درع وإزار ولفافة وخمار وخرقة تربط ثدياها) لحديث أم عطية أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطي اللواتي غسلن ابنته خمسة أثواب. واختلف في اسمها ففي مسلم أنها زينب، وفي أبي داود أنها أم كلثوم. وذكر بعضهم القميص لها ولم يذكر الدرع وهو الاولى للاختلاف في الدرع. قال في المغرب: درع المرأة ما تلبسه فوق القميص وهو مذكر. وعن الحلواني: ما جيبه إلى الصدر

[ 310 ]

والقميص ما شقه إلى المنكب، ولم أجده أنا في كتب اللغة ا ه‍. واختلف في عرض الخرقة فقيل ما بين الثدي إلى السرة، وقيل مابين الثدي إلى الركبة كيلا ينتشر الكفن بالفخدين وقت المشي قوله: (وكفاية إزار ولفافة وخمار) اعتبارا بلبسها حال حياتها من غير كراهة، ويكره أقل من ذلك. وفي الخلاصة: كفن الكفاية لها ثلاثة أثواب قميص وإزار ولفافة فلم يذكر الخمار. وفي الفتح القدير: وما في الكتاب من عد الخمار أولى لكن لم يعين في الهداية ما عدا الخمار بل قال ثوبان وخمار ففسرهما في فتح القدير بالقميص واللفافة فهو مخالف لما في المتن، والظاهر كما قدمناه عدم التعيين بل إما قميص وإزار أو إزاران لان المقصود ستر جميع البدن وهو حاصل بالكل لكن جعلهما إزارين زيادة في ستر الرأس والعنق كما لا يخفى. قال في التبيين: وما دون الثلاثة كفن الضرورة في حقها قوله: (وتلبس الدرع أولا ثم يجعل شعرها ضفيرتين على صدرها ثم الخمار فوقتحت اللفافة ثم يعطف الازار ثم اللفافة) كما ذكرنا. ثم الخرقة فوق الاكفان. وفي الجوهرة: توضع الخرقة تحت اللفافة وفوق الازار والقميص وهو الظاهر. قوله: (وتجمر الاكفان أولا وترا) لانه عليه السلام أمر بإجمار أكفان امرأته والمراد به التطيب قبل أن يدرج فيها الميت. وجميع ما يجمر فيه الميت ثلاث مواضع: عند خروج روحه لازالة الرائحة الكريهة، وعند غسله، وعند تكفينه. ولا يجمر خلفه ولا في القبر. وفي المجتبي: يحتمل أن يريد بالتجمير جمعها وترا قبل الغسل. يقال أجمر كذا إذا جمعه، ويحتمل أن

[ 311 ]

يريد التطيب بعود يحرق في مجمرة. وصرح في البدائع بأنه لا يزيد في تجميرها على خمس. وفي المجتبي: المكفنون اثنا عشر: الرجل والمرأة وقد تقدما، والثالث المراهق المشتهي وهو كالبالغ، والرابع المراهقة التي تشتهي وهي كالمرأة، والخامس الصبي الذي لم يراهق فيكفن في خرقتين إزار ورداء وإن كفن في واحد أجزأ، والسادس الصبية التي لم تراهق فعن محمد كفنها ثلاثة وهذا أكثر، والسابع السقط فيلف ولا يكفن كالعضو من الميت، والثامن الخنثى المشكل فيكفن كتكفين الجارية وينعش ويسجي قبره، والتاسع الشهيد وسيأتي، والعاشر المحرم وهو كالحلال عندنا، والحادي عشر المنبوش الطري فيكفن كالذي لم يدفن، والثاني عشر المنبوش المتفسخ فيكفن في ثوب واحد ا ه‍. ولم يذكر المصنف من يجب عليه الكفن وهو من ماله إن كان له مال يقدم على الدين والوصية والارث إلى قدر السنة ما لم يتعلق بعين ماله حق الغير كالرهن والمبيع قبل القبض، والعبد الجاني، فلو نبش عليه وسرق كفنه وقد قسم الميراث أجبر القاضي الورثة على أن يكفنوه من الميراث وإن كان عليه دين، فإن لم يكن قبض الغرماء بدأ بالكفن لانه بقي على ملك الميت، والكفن مقدم على الدين، وإن كانوا قبضوا لا يسترد منهم لانه زال ملك الميت بخلاف الميراث لان ملك الوارث عين ملك المورث حكما ولهذا يرد عليه بالعيب فصار ملك المورث قائما ببقاء خلفه. واستثنى أبو يوسف الزوجة. فإن كفنها على زوجها لكن اختلفت العبارات في تحرير مذهبأبي يوسف، ففي فتاوي قاضيخان والخلاصة والظهيرية وعلى قول أبي يوسف يجب الكفن على الزوج وإن تركت مالا وعليه الفتوى ا ه‍. وكذا في المجتبي وزاد: ولا رواية فيها عنأبي حنيفة. وفي المحيط والتجنيس والواقعات وشرح المجمع للمصنف: إذا لم يكن لها مال فكفنها على الزوج عند أبي يوسف وعليه الفتوى لانه لو لم يجب عليه لوجوب على الاجانب. وهو بيت المال كان أوبى بإيجاب الكسوة عليه مال خيانتها فرجح على سائر الاجانب وقال محمد: يجب تجهيزها في بيت المال. وقيد شارح المجمع بيسار الزوج عند أبي يوسف فظاهره أنه إذا كان لها مال فكفنها في مالها اتفاقا، والظاهر ترجيح ما في الفتاوي

[ 312 ]

الخانية لانه ككسوتها والكسوة واجبة عليه، غنية كانت أو فقيرة، غنيا كان أو فقيرا. وصححها لولوالجي في فتاواه من النفقات فإن لم يكن للميت مال فكفنه على من تجب عليه نفقته وكسوته في حياته. وكفن العبد على سيده، والمرهون على الراهن، والمبيع في يد البائع عليه، فإن لم يكن له من تجب النفقة عليه فكفنه في بيت المال، فإن لم يكن فعلى المسلمين تكفينه، فإن لم يقدر واسألوا الناس ليكفنوه بخلاف الحي إذا لم يجد ثوبا يصلي فيه ليس على الناس أن يسألوا له ثوبا، والفرق أن الحي يقدر على السؤال بنفسه والميت عاجز، وإن سألوا له وفضل من الكفن شئ يرد إلى المتصدق، وإن لم يعلم يتصدق به على الفقراء اعتبارا بكسوته. كذا في المجتبي. وفي التجنيس والواقعات: إذا لم يعلم المتصدق يكفن به مثله من أهل الحاجة وإن لم يتيسر يصرف إلى الفقراء. وفيهما: لو كفن ميتا من ماله ثم وجد الكفن فله أن يأخذه وهو أحق به لان الميت لم يملكه. وفيهما: حي عريان وميت ومعهما ثوب واحد فإن كان للحي فله لبسه ولا يكفن به الميت لانه محتاج إليه، وإن كان ملك الميت والحي وارثه يكفن به الميت ولا يلبسه لان الكفن مقدم على الميراث، وإذا تعدد من وجبت النفقة عليه على ما يعرف في النفقات فالكفن عليهم على قدر ميراثهم كما كانت النفقة واجبة عليهم، ولو مات معتق شخص ولم يترك شيئا وله خالة موسرة يؤمر معتقه بتكفينه. وقال محمد: على خالته. وفي الخانية: من لا يجبر على النفقة في حياته كأولاد الاعمام والعمات والاخوال والخالات لا يجبر على الكفن. زاد في الظهيرية: وإن كان وارثا. وفي البدائع: ولا يجب على المرأة كفن زوجها بالاجماع كما لا يجب عليها كسوته في الحياة. وفي القنية: ولو مات ولا شئ له وجب كفنه على ورثته فكفنه الحاضر من مال نفسه ليرجع على الغائب منهم بحصتهم ليس له الرجوع إذا أنفق عليه بغير إذن القاضي قال محمد رحمه الله: كالعبد أو الزرع أو النخل بين شريكين أنفق أحدهما عليه ليرجع على الغائب لا يرجع إذا فعله بغير إذن القاضي ا ه‍.

[ 313 ]

فصل السلطان أحق بصلاته يعني إذا حضر لان في التقدم عليه استخفافا به، ولما مات الحسن قدم الحسين سعيد بن العاص وقال: لولا السنة ما قدمتك. أطلق في السلطان وأراد به من له سلطنه أي حكم ولاية على العامة، سواء كان الخليفة أو غيره، فيقدم الخليفة إن حضر ثم نائب المصر ثم القاضي ثم صاحب الشرط ثم خليفته ثم خليفة القاضي. وهذا ما نقله الفقيه أبو جعفر، والامام الفضلي إنما نقل تقديم السلطان وهو الخليفة فقط وأما من عداه فليس له التقدم على الاولياء إلا برضاهم. قال في الظهيرية والخانية: إنه قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر ا ه‍. فعلى هذا فالمراد من السلطان في المختصر هو الوالي الذي لا والي فوقه لكن المذكور في المحيط والبدائع والتبيين والمجمع وشرحه التفصيل المتقدم عن أبي جعفر واقتصر عليه في فتح القدير وصرح في الخلاصة بأنه المختار فكان هو المذهب. وقدم أبو يوسف الولي مطلقا وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، وما في الاصل من أن إمام الحي أولى بها فمحمول على ما إذا لم يحضر السلطان ولا من يقوم مقامه توفيقا بينهما لان السلطان قل ما يحضر الجنائز. كذا في

[ 314 ]

البدائع وغيره ومعنى الاحقية وجوب تقديمه قوله: (وهي فرض كفاية) أي الصلاة عليه للاجماع على افتراضها وكونها على الكفاية، وما ورد في بعض العبارات من أنها واجبة فالمراد الافتراض، وقد صرح في القنية والفوائد التاجية بكفر من أنكر فرضيتها لانه أنكر الاجماع ا ه‍. وهل يصح النذر بها صرحوا بأنه لا يصح النذر بالتكفين ولا بتشييع الجنازة لعدم القربة المقصودة ولا شك أن صلاة الجنازة قربة مقصودة. قوله: (وشرطها إسلام الميت وطهارته) فلا تصح على الكافر للآية * (ولاتصل على أحد منهم مات أبدا) * ولا تصح على من لم يغسل لانه له حكم الامام من وجه لا من كل وجه. وهذا الشرط عند الامكان فلو دفن بلا غسل ولم يمكن إخراجه إلا بالنبش صلى على قبره بلا غسل للضرورة بخلاف ما إذا لم يهل عليه التراب بعد فإنه يخرج ويغسل. ولو صلى عليه بلا غسل جهلا مثلا ولا يخرج إلا بالنبش تعاد لفساد الاولى، وقيل تنقلب الاولى صحيحة عند تحقق العجز فلا تعاد. وفي المحيط: ولو لف في كفنه وقد بقي عضو منه لم يصبه الماء ينقض الكفن ويغسل ثم يصلى عليه، ولو بقي أصبواحدة ونحوها ينقض الكفن عند محمد ويغسل، وعندهما لا ينقض الكفن لانه لا يتيقن بعدم وصول الماء إليه فعليه أسرع إليه الجفاف لقلته فلا يحل نقض الكفن بالشك لانه لا يحل نقضه إلا بعذر بخلاف العضو لانه لا يسرع إليه الجفاف. ولو صلى الامام بلا طهارة أعادوا لانه لا صحة لها بدون الطهارة فإذا لم تصح صلاة الامام لم تصح صلاة القوم. ولو كان الامام على طهارة والقوم على غيرها لا تعاد لان صلاة الامام صحت فلو أعادوا تتكرر الصلاة وأنه لا يجوز، وبهذا تبين أنه لا تجب صلاة الجماعة فيها ا ه‍. وزاد في فتح القدير وغيره شرطا ثالثا في الميت وهو وضعه أمام المصلى فلا تجوز على غائب ولا على حاضر محمول على دابة أو غيرها ولا موضوع متقدم عليه المصلى لانه كالامام من وجه دون وجه لصحة الصلاة على الصبي،

[ 315 ]

وأما صلاته على النجاشي فإما لانه رفع له عليه الصلاة والسلام سريره حتى رآه بحضرته فتكون صلاة من خلفه على ميت يراه الامام وبحضرته دون المأمومين وهذا غير مانع من الاقتداء، وإما أن يكون مخصوصا بالنجاشي وقد أثبت كلا منهما بالدليل في فتح القدير. وأجاب في البدائع بثالث وهو أنها الادعاء لا الصلاة المخصوصة وهذه الشرائط في الميت. وأما شرائطها بالنظر إلى المصلي فشرائط الصلاة الكاملة من الطهارة الحقيقة والحكمية واستقبال القبلة وستر العورة والنية، وقدمنا حكم ما لو ظهر المصلي محدثا. وقيد المصنف بطهارة الميت احترازا عن طهارة مكانه. قال في الفوائد الناجية: إن كان على جنازة لا شك أنه يجوز وإن كان بغير جنازة لا رواية لهذا، وينبغي أن يجوز لان طهارة مكان الميت ليس بشرط لانه ليس بمؤد، ومنهم من علل بأن كفنه يصير حائلا بينه وبين الارض لانه ليس بلابس بل هو ملبوس فيكون حائلا ا ه‍. وفي القنية: الطهارة من النجاسة في الثوب والبدن والمكان وستر العورة شرط في حق الامام والميت جميعا. وقد قدمنا في باب شروط الصلاة أنه لو قام على النجاسة وفي رجليه نعلان لم يجز، ولو افترش نعليه وقام عليهما جازت. وبهذا يعلم ما يفعل في زماننا من القيام على النعلين في صلاة الجنازة لكن لا بد من طهارة النعلين كما لا يخفى. وأما أركانها ففي فتح القدير أن الذي يفهم من كلامهم أنها الدعاء والقيام والتكبير لقولهم إن حقيقتها هو الدعاء والمقصود منها، ولو صلى عليها قاعدا من غير عذر لا يجوز. وقالوا: كل تكبيرة بمنزلة ركعة. وقالوا: يقدم الثناء والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لانه سنة الدعاء، ولا يخفي أن التكبيرة الاولى شرط لانها تكبيرة الاحرام ا ه‍. وفيه نظر لان المصرح به بخلافه. قال في المحيط: وأما ركنها فالتكبيرات والقيام، وأما سننها فالتحميد والثناء والدعاء فيها ا ه‍. فقد صرح بأن الدعاء سنة وقولهم في المسبوق يقضي التكبير نسقا بغير دعاء يدل عليه ولا نسلم أن التكبيرة الاولى شرط بل الاربع أركان. قال في المحيط: كبر على جنازة فجئ بأخرى أتمها واستقبل الصلاة على الاخرى لانه لو نواها للاخرى أيضا يصير مكبرا ثلاثا وأنه لا يجوز، وإن زاد على الاربع لا يجوز لان الزيادة على الاربع لا تتأدى بتحريمة واحدة. وفي الغاية للسروجي: فإن قلت التكبيرة الاولى للاحرام وهي شرط وقد تقدم أنه يجوز بناء الصلاة

[ 316 ]

على التحريمة الاولى لكونها غير ركن. قيل له: التكبيرات الاربع في صلاة الجنازة قائمة مقام الاربع ركعات بخلاف المكتوبة وصلاة النافلة ا ه‍. وأما ما يفسدها فما أفسد الصلاة أفسدها إلا لمحاذاة. كذا في البدائع. وتكره في الاوقات المكروهة، وقد تقدم ولو أمت امرأة فيها تأدت الصلاة، ولو أحدث الاما فاستخلف غيره فيها جاز هو الصحيح. كذا في الظهيرية. قوله: (ثم أمام الحي) أي الجماعة لانه رضيه في حال حياته، وظاهره أن تقديمه واجب لانه عطفه على ما تقديمه واجب وهو السلطان مع تصريحهم بأن تقديمه مستحب بخلاف السلطان. قال في غاية البيان: وإنما قالوا تقديمه مستحب لان في التقدم عليه لا يلزم إفساد أمر العامة بخلاف التقدم على السلطان حيث يلزم ذلك فلذا وجب تقديمه ا ه‍. وفي شرح المجمع للمصنف: إنما يستحب تقديم إمام مسجد حيه على الولي إذا كان أفضل من الولي. ذكره في الفتاوي ا ه‍. وهو قيد حسن وكذا في المجتبي: وفي جوامع الفقه أمام المسجد الجامع أولى من إمام الحي ا ه‍. وهذا يدل على أن المراد بإمام الحي إمام المسجد الخاص للمحلة. وقد وقع الاشتباه في إمام المصلي المبنية لصلاة الاموات في الامصار فإن الباني يشرط لها إماما خاصا ويجعل له معلوما من وقفه فهل هو مقدم على الولي إلحاقا له بإمام الحي أو لا، مع القطع بأنه ليس بإمام الحي لتعليلهم إياه بأن الميت رضي بالصلاة خلفه حال حياته وهذا خاص بإمام مسجد محلته، والذي ظهر لي أنه إن كان مقررا من جهة القاضي فهو كنائبه، وإن كان المقرر له الناظر فهو كالاجنبي قوله: (ثم الولي) لانه أقرب الناس إليه والولاية له في الحقيقة كما في غسله وتكفينه، وإنما يقدم السلطان عليه إذا حضر كيلا يكون ازدراءبه. ثم الترتيب في الاولياء كترتيب العصبات في الانكاح لكن إذا اجتمع أبو الميت وابنه كان الاب أولى بالاتفاق على الاصح لان للاب فضيلة على الابن وزيادة سن، والفضيلة والزيادة تعتبر ترجيحا في استحقاق الامامة كما في سائر الصلوات. كذا في البدائع. فلو كان الاب جاهلا والابن عالما ينبغي تقديم الابن كما في سائر الصلوات إلا أن يقال: إن صفة العلم لا توجب التقديم في صلاة الجنازة لعدم احتياطها للعلم ويعتبر الاسن فيها

[ 317 ]

فالاخوان لاب وأم أسنهما أولى، فإن أراد الاسن أن يقدم أحدا كان للاصغر أن يمنع، فإن قدم كل واحد منهما رجلا آخر فالذي قدمه الاسن أولى، وكذلك الابنان على هذا وكذلك أبناء العم، فإن كان الاخ الاصغر لاب وأم والاكبر لاب فالاصغر أولى كما في الميراث، فإن قدم الاصغر جدا فليس للاكبر أن يمنعه، فإن كان الاخ لاب وأم غائبا وكتب لانسان ليتقدم فللاخ لاب أن يمنعه، وحد الغيبة أن لا يقدر على أن يقدم ويدرك الصلاة ولا ينتظر الناس قدومه. والمريض في المصر بمنزلة الصحيح يقدم من شاء وليس للابعد منعه. ولو ماتت امرأة ولها أ ب وابن بالغ عاقل وزوج فالاب أحق بها ثم الابن، إن كان من غير الزوج، فإن كان منفالزوج أحق من الولد. ولو مات ابن وله أب وأبواب فالولاية لابيه ولكنه يقدم أباه جد الميت تعظيما له، وكذا المكاتب إذا مات عبده ومولاه حاضرا فالولاية للمكاتب لكنه يقدم مولاه احتراما. ومولى العبد أحق بالصلاة عليه من ابنه الحر على المفتي به لبقاء ملكه حكما، وكذا المكاتب إذا مات عن غير وفاء فإن ترك وفاء، فإن أديت كتابته أو كان المال حاضرا لا يخاف عليه التوى والتلف فالابن أحق وإلا فالمولى. وسائر القرابات أولى من الزوج، وكذا مولى العتاقة وابنه ومولى الموالات لان الزوجية انقطعت بينهما بالموت. وفي المجتبي: والجار أحق من غيره. قوله: (وله أن يأذن لغيره) أي للولي الاذن في صلاة الجنازة وهو يحتمل شيئين: أحدهما الاذن في التقدم لانه حقه فيملك إبطاله وقدمنا أن محله ما إذا لم يكن هناك ولي غيره أو كان وهو بعيد، أما إذا كانا وليين مستويين فأذن أحدهما أجنبيا فللآخر أن يمنعه. ثانيهما أن يأذن للناس في الانصراف بعد الصلاة قبل الدفن لانه لا ينبغي لهم أن ينصرفوا إلا بإذنه، وذكر الشارح معنى آخر وهو الاعلام بموته ليصلوا عليه لا سيما إذا كان الميت يتبرك به، وكره بعضهم أن ينادي عليه في الازقة والاسواق لانه نعي أهل الجاهلية وهو مكروه، والاصح أنه لا يكره لان فيه تكثير الجماعة من المصلين عليه المستغفرين له وتحريض الناس على الطهارة والاعتبار به والاستعداد، وليس ذلك نعي أهل الجاهلية، وإنما كانوا يبعثون إلى القبائل ينعون مع ضجيج وبكاء وعويل وتعديد وهو مكروه بالاجماع ا ه‍. وهي كراهة تحريم

[ 318 ]

للحديث المتفق عليه ليس منا من ضرب الخدرد وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية (1) وقال عليه السلام لعن الله الحالقة والصالقة والشاقة (2) والصالقة التي ترفع صوتها بالمصيبة ولا بأس بإرسال الدمع والبكاء من غير نياحة قوله: (فإن صلى عليه غير الولي والسلطان أعاد الولي) لان الحق له. والمراد من السلطان من له حق التقدم على الولي فإن الكلام فيما إذا تقدم على الولي من ليس له حق التقدم فليس للولي الاعادة إذا صلى القاضي أو نائبه أو إمام الحي لما في الخلاصة والولوالجية والظهيرية والتجنيس والواقعات: ولو صلى رجل والولي خلفه ولم يرض به إن صلى معه لا يعيد لانه صلى مرة وإن لم يتابعه، فإن كان المصلي السلطان أو الامام الاعظم في البلدة أو القاضي أو الوالي على البلدة أو إمام حي ليس له أن يعيد لانهم أولى بالصلاة منه وإن كان غيره فله الاعادة ا ه‍. وأشار المصنف إلى أن الموصى له بالتقدم ليس بمقدم على الولي لان الوصية باطلة على المفتي به، وصرح بذلك أصحاب الفتاوي قالوا: ولو أعادها الولي ليس لمن صلى عليها أن يصلي مع الولي مرة أخرى. وظاهر كلامهم أن الولي إذا لم يعد فلا إثم على أحد لما أن الفرض وهو قضاء حق الميت قد تأدى بصلاة الاجنبي، والاعادة إنما هي لاجل حقه لا لاسقاط الفرض، هذا أولى مما في غاية البيان من أن حكم الصلاة التي صليت بلا إذن الولي موقوف إن أعاد الولي تبين أن الفرض ما صلى الولي، وإن لم يعد سقط الفرض بالاولى ا ه‍. فإنه يقتضي أن لمن صلى أولا أن يصلي مع الولي وليس كذلك، وبما ذكرناه عن الفتاوي المذكورة ظهر ضعف ما في غاية البيان من أن إمام الحي إذا صلى بلا إذن الولي فإن للولي الاعادة وإنما لم يعد إذا صلى السلطان لخوف الازدراء به، وقد صرح في المجمع وشرحه بأن إمام الحي كالسلطان في عدم إعادة الولي. قوله: (ولم يصل غيره بعده) أي بعد ما صلى الولي لان الفرض قد تأدى بالاولى والتنفل بها غير مشروع إلا لمن له الحق وهو الولي عند تقدم الاجنبي إن قلنا إن إعادة الولي نفل وإلا فلا استثناء، وقد اختلف المشايخ في إعادة من هو مقدم على الولي إذا صلى الولي كالسلطان والقاضي، فذهب صاحب النهاية والعناية إلا أن المراد بالغير من ليس به تقدم على الولي، أما من كان مقدما على الولي فله الاعادة بعد صلاة الولي لان إذا كان له الاعادة إذا صلى غيره مع أنه أدنى فالسلطان والقاضي لهما الاعادة بالطريق الاولى وهو مصرح به في رواية

[ 319 ]

النوادر. ويشهد له ما في الفتاوي وفي السراج الوهاج قوله: فإن صلى الولي عليه لم يجز أن يصلي أحد بعده يعني سلطانا كان أو غيره، ففيه دلالة على تقديم حق الولي من حيث إنه جوز له الاعادة ولم يجوز للسلطان إذا صلى الولي فافهم ذلك ا ه‍. وكذا ذكر المصنف في المستصفي. وقد ظهر للعبد الضعيف أن الاول محمول على ما إذا تقدم الولي مع وجود من هو مقدم عليه لانه حيث حضر فالحق له فكانت صلاة الولي تعديا، والثاني محمول على ما إذا لم يحضر غير الولي فصلى الولي. ثم جاء المقدم عليه فليس له الاعادة لان الفرض قد سقط بصلاة من له ولايتها والله سبحانه وتعالى أعلم. ثم رأيت بعد ذلك في المجتبي ما يفيده قال: فإن صلى عليه الولي لم يجز أن يصلي عليه أحد بعده، وهذا إذا كان حق الصلاة له بأن لم يحضر السلطان، وأما إذا حضر وصلى عليه الولي يعيد السلطان ا ه‍ قوله: (فإن دفن بلا صلاة صلى على قبره ما لم يتفسخ) لان النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر امرأة من الانصار. أطلقه فشمل ما

[ 320 ]

إذا كان مدفونا بعد الغسل أو قبله كما قدمناه وهو رواية ابن سماعة عن محمد لكن صحح في غاية البيان معزيا إلى القدوري وصاحب التحفة أنه لا يصلي على قبره لان الصلاة بدون الغسل ليست بمشروعة ولا يؤمر بالغسل لتضمنه أمرا حراما وهو نبش القبر فسقطت الصلاة ا ه‍. وقيد بالدفن لانه لو وضع في قبره ولم يهل عليه التراب فإنه يخرج ويصلي عليه كما قدمناه، وقيد بعدم التفسخ لانه لا يصلي عليه بعد التفسخ لان الصلاة شرعت على بدن الميت فإذا تفسخ لم يبق بدنه قائما. ولم يقيد المصنف بمدة لان الصحيح أن ذلك جائز إلى أن يغلب على الظن تفسخه، والمعتبر فيه أكبر الرأي على الصحيح من غير تقدير بمدة. كذا في شرح المجمع وغيره، وظاهره أنه لو شك في تفسيخه يصلي عليه، والمذكور في غاية البيان أنه لو شك لا يصلي عليه. رواه ابن رستم عن محمد ا ه‍. وإنما كان هذا هو الاصح لانه يختلف باختلاف الاوقات في الحر والبرد، وباختلاف حال الميت في السمن والهزال، وباختلاف الامكنة فيحكم فيه غالب الرأي. فإن قيل: روي عنه عليه السلام أنه صلى على شهداء أحد بعد ثمانين سنة. فالجواب أن معناه - والله أعلم - أنه دعا لهم. قال الله تعالى * (وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم) * (التوبة: 103) والصلاة في الآية بمنزلة الدعاء. وقيل: إنهم لم تتفرق أعضاؤهم فإن معاوية لما أراد أن يحولهم وجد كما دفنوا فتركهم. كذا في البدائع. وحكم صلاة من لا ولاية له كعدم الصلاة أصلا فيصلي على قبره ما لم يتمزق. كذا في المجتبي. قوله: وهي أربع تكبيرات بثناء بعد الاولى وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الثانية ودعاء بعد الثالثة وتسليمتين بعد الرابعة) لما روي عليه الصلاة والسلام صلى على النجاشي فكبر أربع تكبيرات وثبت عليها حتى توفي فنسخت ما قبلها. والبداءة بالثناء ثم الصلاة سنة الدعاء لانه

[ 321 ]

أرجى للقبول، ولم يعين المصنف الثناء وروي الحسن أنه دعاء الاستفتاح. والمراد بالصلاة الصلاة عليه في التشهد وهو الاولى كما في فتح القدير، ولم يذكر القراءة لانها لم تثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي المحيط والتجنيس: ولو قرأ الفاتحة فيها بنية الدعاء فلا بأس به وإن قرأها بنية القراءة لا يجوز لانها محل الدعاء دون القراءة ا ه‍. ولم يعين المصنف الدعاء لانه لا توقيت فيه سوى أنه بأمور الآخرة، وإن دعا بالمأثور فما أحسنه وأبلغه. ومن المأثور حديث عوف بمالك أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة فحفظت من دعائه اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الابيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا من زوجه، وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار. قال عوف: حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت. رواه مسلم. وقيد بقوله بعد الثالثة لانه لا يدعو بعد التسليم كما في الخلاصة. وعن الفضلي: لا بأس به. ومن لا يحسن الدعاء يقول: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات. كذا في المجتبي. ولم يبين المدعو له لانه يدعو لنفسه أولا لان دعاء المغفور له أقرب إلى الاجابة. ثم يدعو للميت وللمؤمنين والمؤمنات لانه المقصد منها وهو لا يقضي ركنية الدعاء كما توهمه في فتح القدير لان نفس التكبيرات رحمة للميت وإن لم يدع له. وأشار بقوله وتسليمتين بعد الرابعة إلى أنه لا شئ بعدها غيرهما وهو ظاهر المذهب. وقيل: يقول اللهم آتنا في الدنيا حسنة إلى آخره. وقيل: ربنا لا تزغ قلوبنا إلى آخره. وقيل: بخير بين السكوت والدعاء ولم يبين المنوي بالتسليمتين للاختلاف ففي التبيين وفتح القدير ينوي بهما الميت مع القوم، وفي الظهيرية ولا ينوي الامام الميت في تسليمتي الجنازة بل ينوي عن يمينه في التسليمة الاولى، ومن عن يساره في التسليمة الثانية ا ه‍. وهو الظاهر لان

[ 322 ]

الميت لا يخاطب بالسلام عليه حتى ينوي به إذا ليس أهلا له. وقد تقدم في كيفية الصلاة أنه لا ترفع الايدي في صلاة الجنازة سوى تكبيرة الافتتاح وهو ظاهر الرواية، وكثير من أئمة بلخ اختاروا رفع اليد في تكبيرة فيها، وكان نصير بن يحيى يرفع تارة ولا يرفع أخرى. ولا يجهر بما يقرأ عقب كل تكبيرة لانه ذكر والسنة فيه المخافتة كذا في البدائع. وفيه وهل يرفع صوته بالتسليم لم يتعرض له في ظاهر الرواية، وذكر الحسن بن زياد أنه لا يرفع لانه للاعلام ولا حاجة له لان التسليم مشروع عقب التكبير بلا فصل ولكن العمل في زماننا على خلافه ا ه‍. وفي الفوائد التاجية: إذا سلم على ظن أنه أتم التكبير ثم علم أنه لم يتم فإنه يبني لانه سلم في محله وهو القيام فيكون معذورا وفي الظهيرية وغيرها: رجل كبر على جنازة فجئ

[ 323 ]

بجنازة أخرى فكبر ينويه ونوى أن لا يكبر على الاولى فقد خرج من الاولى إلى صلاة الثانية، وإن كبر الثانية ينوي بها عليهما لم يكن خارجا. وعن أبي يوسف: إذا كبر ينوي به التطوع وصلاة الجنازة جاز عن التطوع ا ه‍. قوله: (فلو كبر الامام خمسا لم يتبع) لانه منسوخ ولا متابعة فيه ولم يتبين ماذا يصنع، وعن أبي حنيفة روايتان: في رواية يسلم للحال ولا ينتظر تحقيقا للمخالفة، وفي رواية يمكث حتى يسلم معه إذا سلم ليكون متابعا فيما تجب فيه المتابعة وبه يفتي. كذا في الواقعات. ورجحه في فتح القدير بأن البقاء في حرمة الصلاة بعد فراغها ليس بخطأ مطلقا إنما الخطأ في المتابعة في الخامسة، وفبعض المواضع إنما لا يتابعه في الزوائد على الاربعة إذا سمع من الامام أما إذا لم يسمع إلا من المبلغ فيتابعه وهذا حسن وهو قياس ما ذكروه في تكبيرات العيدين اه‍. وذكر ابن الملك في شرح المجمع قالوا: وينوي الافتتاح عند كل تكبيرة لجواز أن تكبيرة الامام للافتتاح الآن وأخطأ المنادي. وقيد بتكبيرات الجنازة لان الامام في العيد لو زاد على ثلاث فأنه يتبع لانه مجتهد فيها حتى لو تجوز الامام في التكبير حد الاجتهاد لا يتابع أيضا. كذا في شرح المجمع قوله: (ولا يستغفر لصبي ولا لمجنون ويقول اللهم اجعله لنا فرطا واجعله لنا أجرا وذخرا واجعله لنا شافعا ومشفعا) كذا ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولانه لا ذنب لهما. والفرط بفتحتين الذي يتقدم الانسان من

[ 324 ]

ولده، يقال اللهم اجعله لنا فرطا أي أجرا متقدما، والفرط الفارط وهو الذي يسبق الوراد إلى الماء، وفي الحديث أنا فرطكم على الحوض أي أتقدمكم إليه. كذا في ضياء الحلوم. والانسب هو المعني الثاني هنا كما اقتصر عليه في غاية البيان لئلا يلزم التكرار في قوله واجعله لنا أجرا. والذخر بضم الذال وسكون الخاء الذخيرة، والمشفع بفتح الفاء مقبول الشفاعة. وذكر اليميني في شرح الشهاب في بحث إنما الاعمال بالنيات أن الثواب هو الحاصل بأصول الشرع والحاصل بالمكملات يسمى أجرا لان الثواب لغة بدل العين والاجر بدل المنفعة فالمنفعة تابعة للعين، وقد يطلق الاجر ويراد به الثواب وبالعكس ا ه‍. ولم أر من صرح بأنه يدعو لسيد العبد الميت وينبغي أن يدعو له فيها كما يدعو للميت. قوله: (وينتظر المسبوق ليكبر معه لا من كان حاضرا في حالة التحريمة) أي وينتظر المسبوق في صلاة الجنازة تكبير الامام ليكبر مع الامام للافتتاح فلو كبر الامام تكبيرة أو تكبيرتين لا يكبر الآتي حتى يكبر الاخرى بعد حضوره عند أبي حنيفة ومحمد. قال أبو يوسف: يكبر حين يحضر لان الاولى للافتتاح والمسبوق يأتي به، ولهما: إن كل تكبيرة قائمة مقام ركعة والمسبوق لا يبتدئ بما فاته إذ هو منسوخ، كذا في الهداية. وهو مفيد لما ذكرناه أن التكبيرات الاربع أركان وليست الاولى شرطا كما توهمه في فتح القدير، إلا أن يكون على قول أبي يوسف كما لا يخفي. ولو كبر كماحضر ولم ينتظر لا تفسد عندهما لكن ما أداه غير معتبر كذا في الخلاصة، وأشار المصنف إلى أنه لو أدرك الامام بعد ما كبر الرابعة فاتته الصلاة

[ 325 ]

على قولهما خلافا لابي يوسف، وأفاد أنه لو جاء بعد التكبيرة الاولى فإنه يكبر بعد سلام الامام عندهما خلافا لابي يوسف، ثم عندهما يقضي ما فاته بغير دعاء لانه لو قضى الدعاء رفع الميت فيفوت له التكبير، وإذا رفع الميت قطع التكبير لان الصلاة على الميت ولا ميت يتصور. وفي الظهيرية: ولو رفعت بالايدي ولم توضع على الاكتاف ذكر في ظاهر الرواية أنه لا يأتي وإنما لا ينتظر من كان حاضرا حالة التحريمة اتفاقا لانه بمنزلة المدرك، ألا ترى أنه لو كبر تكبيرة الافتتاح بعد الامام يقع أداء لا قضاء. أطلقه فشمل ما إذا كبر الامام للثانية أو لم يكبر فإن لم يكبر الامام الثانية كبر الحاضر للاولى للحال، وإن لم يكبر الحاضر حتى كبر الامام الثانية كبر معه الثانية وقضى الاولى للحال. كذا في المجتبي. وكذا أن لم يكبر في الثانية والثالثة والرابعة يكبر ويقضي ما فاته للحال. قال في المحيط: ولو كبر الامام أربعا والرجل حاضر فإنه يكبر ما لم يسلم الامام ويقضي الثلاث. وهذا قول أبي يوسف وعليه الفتوى وقد روى الحسن أنه لا يكبر وقد فاتته ا ه‍. فما في الحقائق من أن الفتوى على قول

[ 326 ]

أبي يوسف إنما هو في مسألة الحاضر لا في مسألة المسبوق. وقد يقال: إن الرجل إذا كان حاضرا ولم يكبر حتى كبر الامام اثنين أو ثلاثا فلا شك أنه مسبوق كما لو كان حاضرا وقد صلى الامام ركعة أو ركعتين فإنه مسبوق، وحضوره من غير فعل لا يجعله مدركا فينبغي أن يكون كالمسألة الاولى. وأن يكون الفرق بين الحاضر وغيره إنما هو في التكبيرة الاولى فقط كما لا يخفي. وفي الواقعات: وإن لم يكبر الحاضر حتى كبر الامام ثنتين كبر الثانية منهما ولم يكبر الاولى حتى يسلم الامام لان الاولى ذهب محلها فكان قضاء والمسبوق لا يشتغل بالقضاء قبل فراغ الامام ا ه‍. وهو مخالف لما ذكرناه عن المجتبي من أنه يكبر الاولى للحال قضاء، وما في الواقعات أولى. قيد بالمسبوق لان اللاحق فيها كاللاحق في سائر الصلوات كذا في المجتبي. وذكر في الواقعات: لو كبر مع الامام التكبيرة الاولى ولم يكبر الثانية والثالثة يكبرهما أولا ثم يكبر مع الامام ما بقي ا ه‍. وهو معنى ما في المجتبي في اللاحق.

[ 327 ]

قوله: (ويقوم من الرجل والمرأة بحذاء الصدر) لانه موضع القلب وفيه نور الايمان فيكون القيام عنده إشارة إلى الشفاعة لايمانه، وهذا ظاهر الرواية وهو بيان الاستحباب حتى لو وقف في غيره أجزأه. كذا في كافي الحاكم. وما في الصحيحين أنه عليه الصلاة والسلام صلى على امرأة ماتت في نفاسها فقام وسطها لا ينافي كونه الصدر بل الصدر وسط باعتبار توسط الاعضاء إذ فوقه يداه ورأسه وتحته بطنه وفخذاه، ويحتمل أنه وقف كما قلنا إلا أنه مال إلى العورة في حقها فظن الراوي ذلك لتقارب المحلين. كذا في فتح القدير قوله: (ولم يصلوا ركبانا) لانها صلاة من وجه لوجود التحريمة فلا يجوز تركه القيام من غير عذر احتياطا. وما في غاية البيان من أنها ليست بأكثر من القيام فإذا ترك القيام انعدمت أصلا فلم يجز تركه فيه نظر، لانه يقتضي أن ركنها القيام فقط وهو غير صحيح، قيدنا بكونه بغير عذر لانه لو تعذر النزول لطين ومطر جاز الركوب فيها، وأشار إلى أنها لا تجوز قاعدا مع القدرة على القيام. ولو كان ولي الميت مريضا فصلى قاعدا وصلى الناس خلفه قياما ما أجزأهم في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: يجزئ الامام ولا يجزئ المأموم بناء على اقتداء القائم بالقاعد. قوله (ولا في مسجد) لحديث أبي داود مرفوعا من صلى على ميت في المسجد فلا أجر له وفي رواية فلا شئ له أطلقه فشمل ما إذا كان الميت والقوم في المسجد، أو كان الميت خارج المسجد والقوم في المسجد أو كان الامام مع بعض القوم خارج المسجد والقوم الباقون في المسجد أو الميت في المسجد والامام والقوم خارج المسجد وهو المختار خلافا لما أورده النسفي. كذا في الخلاصة. وهذا الاطلاق في الكراهة بناء على أن المسجد إنما بني للصلاة المكتوبة وتوابعها من النوافل والذكر وتدريس العلم. وقيل: لا يكره إذا كان الميت خارج المسجد وهو مبني على أن الكراهة لاحتمال توليث المسجد والاول هو الاوفق لاطلاق الحديث كذا في فتح القدير. فما في غاية البيان والعناية من أن الميت وبعض القوم إذا كانا خارج المسجد والباقون فيه لا كراهة اتفاقا ممنوع. وقد يقال: إن الحديث يحتمل ثلاثة أشياء: أن يكون الظرف وهو قوله في مسجد ظرفا للصلاة والميت وحينئذ فللكراهة شرطان: كون الصلاة في المسجد وكون الميت فيه، فإذا فقد أحدهما فلا كراهة. الثاني أن يكون ظرفا للصلاة فقط فلا يكره إذا كان الميت في المسجد والقوم كلهم خارجه. الثالث أن يكون ظرفا للميت فقط

[ 328 ]

وحينئذ حيث كان خارجه فلا كراهة، وما اختاروه كما نقلناه لم يوافق واحدا من الاحتمالات الثلاثة لانهم قالوا بالكراهة إذا وجد أحدهما في المسجد المصلي أو الميت كما قال في المجتبي وتكره سواء كان الميت والقوم في المسجد أو أحدهما. ولعل وجهه أنه لما لم يكن دليل على واحد من الاحتمالات بعينه قالوا بالكراهة بوجود أحدهما أيا كان، وظاهر كلام المصنف أن الكراهة تحريمية لانه عطفه على ما لا يجوز من الصلاة راكبا وهي إحدى الروايتين مع أن فيه إيهاما لان في المعطوف عليه لم تصح الصلاة أصلا وفي المعطوف هنا صحيحة، والاخرى أنها تنزيهية ورجحه في فتح القدير بأن الحديث ليس نهيا غير مصروف ولا قرن الفعل بوعيد بظني بل سلب الاجر وسلب الاجر لا يستلزم ثبوت استحقاق العقاب لجواز الاباحة. ثم قرر تقريرا حاصله أنه لا خلاف بيننا وبين الشافعي على هذه الرواية لانه يقول بالجواز في المسجد لكن الافضل خارجه وهو معنى كراهة التنزيه وبه يحصل الجمع بين الاحاديث اه‍. لكن تترجح كراهة التحريم بالرواية الاخرى التي رواها الطيالسي كما في الفتاوى القاسمية: من صلى على ميت في المسجد فلا صلاة له. ولم يقيد المصنف كصاحب المجمع المسجد بالجماعة كما قيده في الهداية لعدم الحاجة إليه لانهم يحترزون به عن المسجد المبني لصلاة الجنازة فإنها لا تكره فيه مع أن الصحيح أنه ليس بمسجد لانه ما أعد للصلاة حقيقة لان صلاة الجنازة ليست بصلاة حقيقة وحاجة الناس ماسة إلى أنه لم يكن مسجدا توسعة للامر عليهم. واختلفوا أيضا في مصلى العيدين أنه هل هو مسجد، والصحيح أنه مسجد في حق جواز الاقتداء وإن لم تتصل الصفوف لانه أعد للصلاة حقيقة لافي حرمة دخول الجنب والحائض. كذا في المحيط وغيره. واعلم أن ظاهر الحديث وكلامهم أنه لا أجر أصلا لمن صلى عليها في المسجد ولا يلزم منه عدم سقوط الفرض لعدم الملازمة بينهما. ولم يذكر المصنف رحمه الله ما إذا اجتمعت الجنائز للصلاة قالوا: الامام بالخيار إن شاء صلى عليهم دفعة واحدة وإن شاء صلى على كل جنازة صلاة على حدة، فإن أراد الثاني فالأفضل أن يقدم

[ 329 ]

الأفضل فالأفضل فإن لم يفعل فلا بأس به. وأمن كيفية وضعها فإن كان الجنس متحدا فإن شاؤا واجعلوها صفا واحدا كما يصطفون في حال حياتهم عند الصلاة، وإن شاؤا وضعوا واحدا بعد واحد مما يلي القبلة ليقوم الامام بحذاء الكل. هذا جواب ظاهر الرواية، وفي رواية الحسن أن الثاني أولى من الاول. وإذا وضعوا واحدا بعد واحد ينبغي أن يكون الافضل مما يلي الامام، ثم إن وضع رأس كل واحد بحذاء رأس صاحبه فحسن وإن وضع رأس كل واحد عند منكب الاول فحسن، وإن اختلف الجنس وضع الرجل بين يدي الامام، ثم الصبي وراءه ثم الخنثى ثم المرأة ثم الصبية. والافضل أن يجعل الحر مما يلي الامام ويقدم على العبد ولو كان الحر صبيا كما في الظهيرية وإن كان عبدا أو امرأة حرة فالعبد يوضع مما يلي الامام والمرأة خلفه. وفي فتح القدير: ولو اجتمعوا في قبر واحد فوضعهم على عكس هذا الافضل فالافضل إلى القبلة، وفي الرجلين يعدم أكبرهما سنا وقرآنا وعلما كما فعله عليه السلام في قتلى أحد من المسلمين اه‍. وفي البدائع: ولو كان رجل وامرأة قدم الرجل مما يلي لاقبلة والمرأة خلفه اعتبارا بحال الحياة، ولو اجتمع رجل وامرأة وصبي وخنثى وصبية دفن الرجل مما يلي القبلة ثم الصبي خلفه ثم الخنثى ثم الصبية لانهم هكذا يصطفون خلف الامام حالة الحياة وهكذا توضع جنائزهم عند الصلاة فكذا في القبر فكذا في القبر اه‍. وهو سهو في قوله وهكذا توضع جنائزهم لما ذكرنا أنه على عكسه. قوله (ومن استهل صلى عليه وإلا لا) استهلال الصبي في اللغة أن يرفع صوته بالبكاء عند ولادته، وقول من قال هو أن يقع حيا تدريس كذا في المغرب. وضبطه في العناية بأنه بالبناء للفاعل. وفي الشرع أن يكون منه ما يدل علحياته من رفع صوت أن حركة عضو

[ 330 ]

ولو أن يطرف بعينه. وذكر المصنف أن حكمه الصلا عليه ويلزم أن يغسل وأن يرث ويورث وأن يسمى وإن لم يبق بعده حيا لاكرامه لانه من بنى آدم، ويجوز أن يكون له مال يحتاج أبوه إلى أن يذكر اسمه عند الدعوى به. ولم يقيد المصنف بوجود الحياة فيه إلى أن يخرج أكثره ولا بد منه لما في المحيط قال أبو حنيفة: إذا خرج بعض الولد وتحرك ثم مات فإن كان خرج أكثره صلي عليه، وإن كان أقله لم يصل عليه اه‍. وفي آخر المبتغى بالمعجمة: الولد إذا خرج رأسه وهو ويصيح ثم مات قبل أن يخرج لم يرث ولم يصل عليه ما لم يخرج أكثر بدنه حيا، فإن كان ذبحه رجل حال ما يخرج رأسه فعليه الغرة، وإن قطع أذنه وخرج حيا ثم ما ت فعليه الدية اه‍. وفي المجتبي والبدائع: اختلف في الاستهلال فعنأبي حنيفة لا يقبل فيه إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين لان الصياح والحركة يطلع عليها الرجال. وقالا: يقبل قول النساء فيه إلا الام فلا يقبل قولها في الميراث اجماعا لانها متهمة بجرها المغنم إلى نفسها. وإنما قبل قول النساء عندهما لان هذا المشهد لا يشهده الرجال، وقول القابلة مقبول في حق الصلاة في قولهم وأمه كالقابلة كما في البدائع، لكن قيد بالعدالة فقال: لان خبر الواحد في الديانات مقبول إذا كان عدلا اه‍. ولما كانت الحركة دليل الحياة قالوا: الحبلى إذا ماتت وفي بطنها ولد يضطرب يشق بطنها ويخرج الولد لا يسع إلا ذلك. كذا في الظهيرية. وأفاد بقوله وإلا لا أنه إذا لم يستهل لا يصلى عليه ويلزم منه أن لا يغسل ولا يرث ولا يورث ولا يسمى. واتفقوا على ما عدا الغسل والتسمية، واختلفوا فيهما فظاهر الرواية عدمهما، وروى الطحاوي فعلهما، وفي الهداية أنه المختار لانه نفس من وجه. وفي شرح المجمع للمصنف: إذا وضع المولود سقطا تام الخلقة قال أبو يوسف: يغسل اكراما لبني آدم. وقالا: يدرج في خرقة والصحيح قول أبو يوسف وإذا لم يكن تام الحلق لا يغسل اجماعا اه‍. وبهذا ظهر ضعف ما في فتح القدير والخلاصة من أن السقط الذي لم تتم خلقة أعضائه المختار أنه يغسل اه‍. لما سمعت من الاجماع على عدم غسله

[ 331 ]

ولعله سبق نظرهما إلى الذي تم خلقه أو سهو من الكتاب. ثم اعلم أن قولهم هنا بأن من ولد ميتا لا يرث ولا يورث ليس على إطلاقه لما في آخر الفتاوى الظهيرية من المقطعات: ومتى انفصل الحمل ميتا إنما لا يرث إذا انفصل بنفسه، فأما إذا فصل فهو من جملة الورثة بيانه: إذا ضرب إنسان بطنها فألقت جنينا ميتا فهذا الجنين من جملة الورثة لان الشارع أوجب على الضارب الغرة ووجوب الضمان بالجناية على الحي دون الميت، فإذا حكمنا بحياته كان له الميراث ويورث عنه نصيبه كما يورث عنه بدل نفس وهو الغرة اه‍. وهكذا في آخر المبسوط من ميراث الحمل. وفي المبتغى: السقط الذي لم تتم أعضاؤه هل يحشر؟ قيل: إذا نفخ فيه الروح يحشر وإلا فلا. وقيل: إذا استبان بعض خلقه يحشر اه‍. وفي الظهيرية: والذي يقتضيه مذهب علمائنا أنه إذا استبان بعض خلقه فإنه يحشر وهو قول الشعبي وابن سيرين اه‍. قوله (كصبي سئ مع أحد أبويه) أي لا يصلى عليه لانه تبع لهما للحديث كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه إلى آخره. وتقدم في غسل الجنابة معنى الفطر وأفاد بقوله (إلا أن يسلم أحدهما) أنه يصلي عليه لاسلامه تبعا للمسلم منهما لانه يتبع خيرهما دينا وأفاد بقوله (أو هو) أنه يصلى عليه إذا أسلم وأبواه كافران لصحة إسلامه عندنا. وأطلقه وقيده في الهداية بأن يعقل الاسلام. واختلف في تفسيره، فقيل أن يعقل المنافع والمضار وأن الاسلام هدى واتبعه خير له. ذكره في العناية. وفسره في فتح القدير بأن يعقل صفة الاسلام وهو ما في الحديث أن تؤمن بالله أي بوجوده وبربوبيته لكل شئ وملائكته أي بوجود ملائكته وكتبه أي إنزالها ورسله أي إرسالهم إليهم عليهم السلام واليوم الآخر أي البعث بعد الموت والقدر خيره وشر من الله تعالى. وهذا دليل أن مجرد قوله لا إله إلا الله

[ 332 ]

لا يوجب الحكم بالاسلام ما لم يؤمن بما ذكرنا. وعلى هذا قالوا: لو اشترى جارية أو تزوج امرأة فاستوصفها صفة الاسلام فلم تعرفه لا تكون مسلمة. والمراد من عدم المعرفة ليس ما يظهر من التوقف في جواب ما الايمان ما الاسلام كما يكون من بعض العوام لقصورهم في التعبير بل قيام الجهل بذلك بالباطن مثلا بأن البعث هل يوجد أو لا، وأن الرسل وإنزال الكتب عليهم كان أو لا، لا يكون في اعتقاده اعتقاد طرف الاثبات للجهل البسيط فعن ذلك قالت لا أعرفه، وقل ما يكون ذلك لمن نشأ في دار الاسلام فإنا نسمع ممن قد يقول في جواب ما قلنا لا أعرف وهو من التوحيد والاقرار والخوف من النار وطلب الجنة بمكان، بل وذكر ما يصلح استدلالا في أثناء أحوالهم وتكلمهم على التصريح ما يصرح باعتقاد هذه الامور وكانوا يظنون أن جواب هذه الاشياء إنما يكوبكلام خاص منظوم وعبارة عالية خاصة فيحجمون عن الجواب اه‍. فعلى هذا فينبغي ألا يسأل العامي والمرأة على هذا الوجه بأن يقال ما الايمان، وإنما يذكر حقيقة الايمان وما يجب الايمان به بحضرتهما، ثم يقال له هل أنت مصدق بهذا فإذا قال نعم كان ذلك كافيا. وأفاد بقوله. قوله (أو لم يسب أحدهما معه) أنه يصلى عليه إذا دخل دار الاسلام ولم يكن معه أحد أبويه تبعا لدار الاسلام. وفي التبيين: أي إذا لم يسب مع الصبي أحد أبويه فحينئذ يصلى عليه تبعا للسابي أو الدار اه‍. فجعل كلام المصنف شاملا لتبعية السابي ولتبعية الدار، والظاهر أنه لم يتعرض لتبعية السابي فإن السبي في اللغة الاسر والسبي الاسرى المحمولون من بلد إلى بلد

[ 333 ]

كما في ضياء الحلوم، وفائدة تبعية السابي إنما تظهر في دار الحرب بأن وقع صبي في سهم رجل ومات الصبي في دار الحرب فإنه يصلي عليه تبعا للسابي. وظاهر ما في ضياء الحلوم أنه لا بد من الحمل من دار الحرب إلى دار الاسلام حتى يسمى سبيا. وففتح القدير: واختلف بعد تبعية الولادة فالذي في الهداية تبعية الدار، وفي المحيط عند عدم أحد الابوين يكون تبعا لصاحب اليد وعند عدم صاحب اليد يكون تبعا للدار ولعله أولى، فإن من وقع في سهمه صبي من الغنيمة في دار الحرب فمات يصلى عليه ويجعل مسلما تبعا لصاحب اليد اه‍. وفيه نظر لان تبعية اليد عند عدم الكوفي دار الاسلام متفق عليه فلا يصلح مرجحا لما في المحيط من تقدم تبعية اليد على الدار. فالحاصل أن الاتفاق على التبعية بالجهات الثلاث، وإنما محل الاختلاف في تقديم الدار على اليد، فصاحب الهداية وقاضيخان وجمع على تقديم الدار على اليد، فصاحب الهداية وقاضيخان وجمع على تقديم الدار على اليد وهو الاوجه لما نقله في كشف الاسرار شرح أصول فخر الاسلام أنه لو سرق ذمي صبيا وأخرجه إلى دار الاسلام ومات الصبي فإنه يصلى عليه ويصير مسلما بتبعية الدار ولا يعتبر الاخذ حتى وجب تخليصه من يده اه‍. ولم يحك فيه خلافا وهي واردة على ما في المحيط فإن مقتضاه أن لا يصلى عليه تقديما لتبعية اليد على الدار إلا أن يكون على الخلاف. وأطلق المصنف في الصبي ولم يقيده بغير العاقل، وقيده المحقق ابن الهمام في تحريره بغير العاقل قال: وإن كان عاقلا استقل بإسلامه فلا يرتد بردة من أسلم منهما اه‍. وهو ظاهر كلام الزيلعي فإنه علل تبعية اليد بأن الصغير الذي لا يعبر عن نفسه بمنزلة المتاع، وعزاه إلى شرح الزيادات فظاهر هما أن لو سبي صبي عاقل مع أحد أبويه الكافر فإنه لا يكون كافرا تبعا لابيه الكافر ويكون مسلما تبعا للدار. ويحتاج إلى صريح النقل وكلامهم يدل على خلافه فإنهم جعلوا

[ 334 ]

الولد تابعا لابويه إلى البلوغ ولا تزول التبعية إلى البلوغ. نعم تزول التبعية إذا اعتقد دينا غير دين أبويه إذا عقل الاديان فحينئذ صار مستقلا. وفي الظهيرية: وإذا ارتد الزوجان والمرأة حامل فوضعت المرأة الولد ثم مات الولد لا يصلى عليه وحكم الصلاة عليه يخالف حكم الميراث اه‍. ثم اعلم أن المراد بالتبعية التبعية في أحكام الدنيا لا في العقبى فلا يحكم بأن أطفالهم من أهل النار ألبتة بل فيه خلاف، قيل يكونون خدم الجنة، وقيل إن كانوا قالوا بلى يوم أخذ العهد عن اعتقاد ففي الجنة وإلا ففي النار. وعن محمد أنه قال فيهم: إني أعلم أن الله لا يعذب أحدا بغير ذنب وهذا ينفي التفصيل، وتوقف فيهم أبو حنيفة كذا في فتح القدير. وفي القنية: صبي سبي مع أبيه ثم مات أبوه في دار الاسلام ثم مات الصبي لا يصلى عليه لتقرر التبعية بالموت اه‍. وحكم المجنون البالغ في هذه الاحكام كحكم الصبي العاقل فيكون فيه الاوجه الثلاثة في التبعية كما صرح به الاصوليون. قوله (ويغسل ولي مسلم الكافر ويكفنه ويدفنه) بذلك أمر علي رضي الله عنه أن يفعل بأبيه حين مات، وهذه عبارة معيبة غير محررة. أما الاول فلان المسلم ليس بولي الكافر، وما في العناية من أنه أراد به القريب فغير مفيد لان المؤاخذة على نفس التعبير به بعد إرادة القريب به. وأطلقه فشمل ذوي الارحام كالاخت والخال والخالة. وأما الثاني فلانه أطلق في الغسل والتكفين والدفن فينصرف إلى ما قدمه من تجهير المسلم وليس كذلك، وإنما يغسل غسل الثوب النجس من غير وضوء ولا بداءة بالميامن ولا يكون الغسل طهارة له حتى لو حمله إنسان وصلى لم تجز صلاته، ويلف في خرقة بلا اعتبار عدد ولا حنوط ولا كافور ويحفر له حفرة من غير مراعاة سنة اللحد. ولانه أطلق في الكافر وهو مقيد بغير المرتد، وأما المرتد فلا يغسل ولا يكفن وإنما يلقى في حفرة كالكلب ولا يدفع إلى من انتقل إلى دينهم كما في

[ 335 ]

فتح القدير، ولانه أطلق جواب المسألة وهو مقيد بما إذا لم يكن له قريب كافر فإن كان خلي بينه وبينهم ويتبع الجنازة من بعيد. وقيد المصنف بالولي المسلم لان المسلم إذا مات وله قريب كافر فإن الكافر لا يتولى تجهيزه وإنما يفعله المسلمون، ويكره أن يدخل الكافر في قبر قرابته المسلم ليدفنه، وما استدل به الزيلعي على أن الكافر يمكن من تجهير قريبه المسلم من قول القدوري إذا مات مسلم ولم يوجد رجل يغسله يعلم النساء الكافر، فاستدلال غير صحيح لان كلامنا فيما إذا وجد المسلمون ودليله فيما إذا لم يوجد من الرجال أحد، فلو قال ويغسل ويكفن ويدفن المسلم قريبه الكافر الاصلي عند الاحتياج من غير مراعاة السنة لكان أولى قوله (ويؤخذ سريره بقوائمة الاربع) بذلك وردت السنة وفيه تكثير الجماعة وزيادة الاكرام والصيانة ويرفعونه أخذا باليد لا وضعا على العنق كما تحمل الامتعة. وفي مختصر الكرخي: ويكره أن يحمل بين عمودي السرير من مقدمه أو مؤخره لان السنة فيه التربيع، ويكره حمله على الظهر والدابة. وذكر الاسبيجابي أالصبي الرضيع أو الفطيم أو فوق ذلك قليلا إذا مات فلا بأس بأن يحمله رجل واحد على يديه ويتداوله الناس بالحمل على أيديهم، ولا بأس بأن يحملها على يديه وهو راكب وإن كان كبيرا يحمل على الجنازة اه‍. قوله (ويعجل به بلا خبب) وهو بمعجمة مفتوحة وموحدتين ضرب من العدو، وقيل هو كالرمل وحد التعجيل المسنون أن يسرع به بحيث لا يضطرب الميت على الجنازة للحديث أسرعوا بالجنازة فإن كانت صالحة قربتموها إلى الخير، وإن كانت غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم والافضل أن يعجل بتجهيزه كله من حين يموت ولو مشوا به بالخبب كره لانه ازدراء بالموت وإضرار بالمتبعين. وفي القنية: ولو جهز الميت صبيحة يوم الجمعة يكره تأخير الصلاة ودفنه ليصلي عليه الجمع العظيم بعد صلاة الجمعة، ولو جهز خافوا فوت الجمعة بسبب دفنه يؤخر الدفن. وتقدم صلاة العيد على صلاة الجنازة، وتقدم صلاة الجنازة على الخطبة، والقياس أن تقدم على صلاة العيد لكنه قدم صلاة العيد مخافة التشويش وكيلا يظنها من في أخريات الصفوف أنها صلاة العيد اه‍. قوله (وجلوس قبل وضعها) أي بلا جلوس لمتبعها قبل وضعها لانه قد تقع الحاجة إلى التعاون والقيام أمكن منه فكان الجلوس قبله مكروها، ولان الجنازة متبوعة وهم أتباع والتبع لا يقعد قبل قعود الاصل. قيد بقوله قبل وضعها لانهم يجلسون إذا وضعت عن أعناق الرجال ويكره القيام بعد وضعها كما في الخانية والعناية، وفي المحيط خلافه. قال:

[ 336 ]

والافضل أن لا يجلسوا ما لم يسووا عليه التراب لما روي أنه عليه الصلاة والسلام كان يقوم حتى يسوى عليه التراب، ولان في القيام إظهار العناية بأمر الميت وأنه مستحب اه‍. والاولى لما في البدائع: فأما بعد الوضع فلا بأس بالجلوس لما روي عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يجلس حتى يوضع الميت في اللحد فكان قائما مع أصحابه على رأس قبر فقال يهودي: هكذا نصنع بموتانا. فجلس صلى الله عليه وسلم وقال لاصحابه: خالفوهم اه‍. أي في القيام فلذاكره. وقيدنا بمتبعها لان من لم يرد اتباعها ومرت عليه فالمختار أنه لا يقوم لها لما روي عن علي رضي الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بالقيام في الجنازة ثم جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس بهذا اللفظ لاحمد رحمه الله، وصحح في الظهيرية أن من في المصلى لا يقوم لها إذا رآها قبل أن توضع. قوله (ومشى قدامها) أي بلا مشي لمتبعها أمامها لان المشي خلفها أفضل عندنا للاحاديث الواردة باتباع الجنائز، وقد نقل فعل السلف على الوجهين والترجيح بالمعنى، فالشافعي يقول هم شفعاء والشفيع يتقدم ليمهد المقصود، ونحن نقول هم مشيعون فيتأخرون والشفيع المتقدم هو الذي لا يستصحب المشفوع له في الشفاعة وما نحن فيه بخلافه، بل قد ثبت شرعا الزام تقديمه حالة الشفاعة له أعني حالة الصلاة فثبت شرعا عدم اعتبار ما اعتبره. قالوا: ويجوز المشي أمامها إلا أن يتباعد عنها أو يتقدم الكل فيكره ولا يمشي عن يمينها ولا عن شمالها. وذكر الاسبيجابي: ولا بأس بأن يذهب إلى صلاة الجنازة راكبا غير أنه يكره له التقدم أمام الجنازة بخلاف الماشي اه‍. وبهذا يضعف ما نقله ابن الملك في شرح المجمع معزيا إلى أبي يوسف فقال: رأيت أبا حنيفة يتقدم الجنازة وهو راكب ثم قعد حتى تأتيه. كذا في النوادر اه‍. وفي الظهيرية: والمشي فيها أفضل من الركوب كصلاة الجمعة. وفي الغاية: اتباع الجنائز أفضل من النوافل إذا كان لجوار أو قرابة أو صلاح مشهور وإلا فالنوافل أفضل. وينبغي لمن تبع جنازة أن يطيل الصمت ويكره رفع الصوت بالذكر وقراءة القرآن وغيرهما في الجنازة، والكراهة فيها كراهة تحريم في فتاوى العصر وعند مجد الائمة التركماني. وقال علاء الدين الناصري: ترك الاولى اه‍. وفي الظهيرية: فإن أراد أن يذكر الله يذكره في نفسه لقوله تعالى * (أنه لا يحب المعتدين) * (الاعراف: 55) أي الجاهرين بالدعاء. وعن ابراهيم أنه كان يكره أن يقول الرجل وهو يمشي معها استغفروا له غفر الله لكم. وفي البدائع: ولا ينبغي أن يرجع من

[ 337 ]

يتبع جنازة حتى يصلي لان الاتباع كان للصلاة عليها فلا يرجع قبل حصول المقصود. ولا ينبغي للنساء أن يخرجن في الجنازة لان النبي صلى الله عليه وسلم نهاهن عن ذلك وقال إنصرفن مأزورات غير مأجورات ويكره النوح والصياح في الجنازة ومنزل الميت للنهي عنه، فإما البكاء فلا بأس به. وإن كان مع الجنازة نائحة أو صائحة زجرت، فإن لم تنزجر فلا بأس بأن تتبع الجنازة ولا يمتنع لاجلها لان الاتباع سنة فلا تترك ببدعة من غيره اه‍. وفي المجتبي قال البقالي: إذا استمع إلى باكية ليلين فلا بأس إذا أما الوقوع في الفتنة لاستماعه من غيره اه‍. وفي المجتبي قال البقالي: إذا استمع إلباكية ليلين فلا بأس إذا أمن الوقوع في الفتنة لاستماعه عليه الصلاة والسلام لبواكلة حمزة. ولا تتبع بنار في مجمرة ولا سمع ولا بأس بمرثية الميت، شعرا كان أو غيره. والتعزية للمصاب سنة للحديث من عزى مصابا فله مثل أجره قال البالقي: لا بأس بالجلوس للعزاء ثلاثة أيام في بيت أو مسجد وقد جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قتل جعفر وزيد بن حارثة والناس يأتون ويعزونه. والتعزية في اليوم الاول أفضل والجلوس في المسجد ثلاثة أيام للتعزية مكروه وفي غيره جاءت الرخصة ثلاثة أيام للرجال وتركه أحسن ويكره للمعزي أن يعزي ثانيا اه‍. وهي كما في التبين أن يقول: أعظم الله أجرك وأحسن عزاك وغفر لميتك. ولا بأس بالجلوس إليها ثلاثا من غير ارتكاب محظور من فرش البسط والاطعمة من أهل البيت لانها تتخذ عند السرور ولا بأس بأن يتخذ لاهل الميت طعام اه‍. وفي الخانية: وإن اتخذ ولي الميت طعاما للفقراء كان حسنا إذا كانوا بالغين، وإن كان في الورثة صغير لم يتخذ ذلك من التركة اه‍. وفي الظهيرية: ويكره الجلوس على باب الدار للتعزية لانه عمل أهل الجاهلية وقد نهي عنه، وما يصنع في بلاد العجم من فرش البسط والقيام على قوارع الطرق من أقبح القبائح اه‍. وفي التجنيس: ويكره الافراط في مدح الميت عند جنازته لان الجاهلية كانوا يذكرون في ذلك ما هو شبه المحال، وفيه قال عليه الصلاة والسلام من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا (2) اه‍. وفي القنية عن شداد: أكره التعزية عند القبر ذكره في المجرد اه‍. وفي الظهيرية: وهل يعذب الميت ببكاء أهله عليه؟ فقال بعضهم: يعذب لقول عليه الصلاة والسلام إن الميت ليعذب ببكاء أهله (3) وقال عامة

[ 338 ]

العلماء: لا يعذب لقوله تعالى * (ولا تزر وازرة وزر أخرى) * (الانعام، 164) وتأويل الحديث أنهم في ذلك الزمان كانوا يوصون بالنوح عليهم فقال عليه الصلاة والسلام ذلك اه‍. قوله (وضع مقدمها على يمينه ثم مؤخرها ثم مقدمها على يسارك ثممؤخرها) بيان لاكمال السنة في حملها عند كثرة الحاملين إذا تناوبو في حملها. وقوله ثم مؤخرها أي على يمينك. وقوله ثانيا ثم مؤخرها أي على يسارك. وهذا لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيامن في كل شئ وإذا حمل هكذا حصلت البداءة بيمين الحامل ويمين الميت وإنما بدأ بلايمن المقدم دون المؤخر لان المقدم أول الجنازة والبداءة بالشئ إنما يكون من أوله، ثم يضع مؤخرها الايمن على يمينه لانه لو وضع مقدمها الايسر على يساره لاحتاج إلى المشي أمامها والمشي خلفها أفضل، ولانه لو فعل ذلك أو وضع مؤخرها الايسر على يساره تقدم الايسر على الايمن. وإنما يضع مقدمها الايسر على يساره لانه لو فعل هكذا يقع الفراغ خلف الجنازة فيمشي خلفها وهو أفضل لذلك كان كمال السنة كما وصفنا اه‍. وينبغي أن يحمل من كل جانب عشر خطوات للحديث من حمل جنازة أربعين خطوة كفرت أربعين كبيرة كذا في البدائع. وذكر الاسبيحابي: وفي حالة المشي بالجنازة يقدم الرأس، وإذا نزلوا به المصلي فإنه يوضع عرضا للقبلة. والمقدم بفتح الدال وكسرها والكسر أفصح كذا في الغاية. وكذا المؤخر. وفي ضياء الحلوم: المقدم بضم الميم وفتح الدال مشددة نقيض المؤخر، يقال ضرب مقدم وجهه وهو الناصية اه‍. قوله (ويحفر القبر ويلحد) لحديث صاحب السنن مرفوعا للحد لنا والشق لغيرنا يقال لحدت الميت وألحدت له لغتان وللحد بفتح اللام وضمها - كذا في الغاية - وهو أن يحفر القبر بتمامه ثم يحفر في جانب القبلة صغيرة يوضع فيها الميت. ويجعل ذلك كالبيت المسقف والشق أن يحفر صغيرة في وسط الفبر يوضع فيها الميت. واستحسنوا الشق فيما إذا كانت الارض رخوة لتعذر اللحد، وإن تعذر اللحد فلا بأس بتابوت يتخذ للميت لكن السنة أن يفرش فيه التراب. كذا في غاية البيان. ولا فرق بين أن يكون التابوت من حجر أو حديد كذا في التبيين. وذكر الظهيرية معزيا إلى السرخسي في الجامع الصغير أنه لا يجوز أن تطرح المضربة في القبر، وما روي عن عائشة فغير مشهور ولا يؤخذ به اه‍. واختلفوا في عمق القبر فقيل قدر نصف القامة، وقيل إلى الصدر وإن زادوا فحسن. وفي المحيط وغيره: ومن مات في السفينة يغسل ويكفن ويصلى عليه ويرمى في البحر اه‍. وهو مقيد بما إذا لم يكن

[ 339 ]

البر إليه قريبا كما في فتح القدير. وفي الواقعات: لا ينبغي أن يدفن الميت في الدار وإن كان صغيرا لان هذه السنة كانت للانبياء قوله (ويدخل من قبل القبلة) وهو أن توضع الجنازة في جانب القبلة من القبر ويحمل الميت منه فيوضع في اللحد فيكون الآخذ له مستقبل القبلة حال الاخذ، واختار الشافعي السل وهو أن توضع الجنازة على يمين ويجعل رجلا الميت إلى القبر طولا، ثم يؤخذ برجليه وتدخل رجلاه في القبر ويذهب به إلى أن تصير رجلاه إلى موضعهما ويدخل رأسه القبر، واضطربت الروايات في إدخاله عليه الصلاة والسلام ورجحنا الاول لان جانب القبلة معظم فيستحب الادخال منه. قوله (ويقول واضعه باسم الله وعلى ملة رسول الله) كذا ورد في الحديث. وقال السرخسي: أي بسم الله وضعناك وعلى ملرسول الله سملناك. وزاد في الظهيرية: بالله وفي الله. وزاد في البدائع: وفسبيل الله. ثم قال الماتريدي: وليس هذا بدعاء للميت لانه إذا مات على ملة رسول الله لم يجز أن تبدل عليه الحالة، وإن مات على غير ذلك لم يبدل إلى ملة رسول الله ولكن المؤمنين شهداء الله في الارض يشهدون بوفاته على الملة. وعلى هذا جرت السنة. ولا يضر وتر دخل القبر أم شفع واختار الشافعي الوتر اعتبارا بعدد الكفن والغسل والاجمار. ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دفن أدخله العباس والفضل بن العباس وعلي وصهيب. كذا في البدائع. وذو الرحم المحرم أولى بإدخال المرأة القبر، وكذا الرحم غير الرحم غير المحرم أولى من الاجنبي، فإن لم يكن فلا بأس للاجانب وضعها ولا يحتاج إلى النساء للوضع قوله (ووجه إلى القبلة) بذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكون على شقة الايمن كما قدمناه. وفي الظهيرية: وإذا دفن الميت مستدبر القبلة وأهالوا التراب عليه فإنه لا ينبش ليجعل مستقبل القبلة، ولو بقي فيه متاع لانسان فلا بأس بالنبش لاخراج المتاع، وروي أن المغيرة بن شعبة سقط خاتمه في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فما زال بالصحابة حتى رفع اللبن وأخذ خاتمه وقبل بين عيني رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم كان يفتخر بذلك ويقول: أنا أحدثكم برسول الله صلى الله عليه وسلم قوله وتحل العقدة لوقوع الامن عن الانتشار قوله (ويسوى اللبن عليه والقصب) لانه جعل على قبره عليه الصلاة والسلام اللبن وطن من قصب، واللبن واحده لبنة على وزن كلمة ما يتخذ من الطين، والطن بضم الطاء الحزمة. واختلف في المنسوج من القصب وما ينسج من البردي يكره في قولهم لانه للتزيين. كذا في المجتبي قوله (لا الآجر والخشب) لانهما لاحكام البناء والقبر موضع البلاء ولان بالآجر أثر النار فيكره تفاؤلا كذا في الهداية. فعلى الاول يسوى بين الحجر والآجر، وعلى الثاني يفرق بينهما كذا في الغاية. وأورد الامام حميد الدين الضرير على التعليل الثاني أن الماء يسخن بالنار ومع ذلك يجوز استعماله فعلم أن أثر النار لا يضر.

[ 340 ]

وأجاب عنه في غاية البيان بالفرق لان أثر النار في الآجر محسوس بالمشاهدة وفي الماء ليس بمشاهد. أطلق المصنف في منعهما وقيده الامام السرخسي بأن لا يكون الغالب على الاراضي النز والرخاوة فإن كان فلا بأس بهما كاتخاذ تابوت من حديد لهذا. وقيده في شرح المجمع بأن يكون حوله، وأما لو كان فوقه لا يكره لانه يكون عصمة من السبع اه‍. وفي المغرب: الآجر الطين المطبوخ قوله (ويسجى قبرها لا قبره) لان مبني حالهن على الستر والرجال على الكشف إلا أن يكون المطر أو ثلج. في المغرب: سجى الميت بثوب ستره قوله (ويهال التراب) سترا له. ويكره أن يزاد على التراب الذي أخرج من القبر لان الزيادة عليه بمنزلة البناء، ويستحب أن يحثى عليه التراب. ولا بأس برش الماء على القبر لانه تسوية له، وعن أبي يوسف كراهته لانه يشبه التطيين قوله (ويسنم القبر ولا يربع) لانه عليه الصلاة والسلام نهى عن تربيع القبور ومن شاهد قبر النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أنه مسنم. في المغرب: قبر مسنم مرتفع غير مسطح ويسنم قدر شبر. وقيل: قدر أربع أصابع. وما ورد في الصحيح من حديث علي أن لا أدع قبرا مشرفا الاسويته فمحمول على ما زاد على التسنيم. وصرح في الظهيرية بوجوب التسنيم، وفي المجتبي باستحبابه. قوله (ولا يجصص) لحديث جابر: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه، وأن يكتب عليه وأن يوطأ. والتجصيص طلي البناء بالجص بالكسر والفتح كذا في المغرب. وفي الخلاصة: ولا يجصص القبر ولا يطين ولا يرفع عليه بناء. قالوا: أراد به السفط الذي يجعل في ديارنا على القبر. وقال في الفتاوى: اليوم اعتادوا السفط ولا بأس بالتطين اه‍. وفي الظهيرية: ولو وضع عليه شئ من الاشجار أو كتب عليه شئ فلا بأس به عند البعض اه‍. والحديث المتقدم يمنع الكتابة فليكن المعول عليه لكن فصل في المحيط فقال: وإن احتيج إلى الكتابة حتى لا يذهب الاثر ولا يمتهن فلا بأس به،

[ 341 ]

فأما الكتابة من غير عذر فلا اه‍. وفي المجتبي: ويكره أن يطأ القبر أو يجلس أو ينام عليه أو يقض عليه حاجة من بول أو غائط أو يصلى عليه أو إليه، ثم المشي عليه يكره وعلى التابوت يجوز عند بعضهم كالمشي على السقف اه‍. وفي الخلاصة: ولو وجد طريقا في المقبرة وهو يظن أنه طريق أحدثوه لا يمشي في ذلك وإن لم يقع ذلك في ضميره لا بأس بأن يمشي فيه اه‍. وفي فتح القدير: ويكره الجلوس على القبر ووطؤه حينئذ فما تصنعه الناس ممن دفنت أقاربه ثم دفنت حواليهم حلق من وطئ تلك القبور إلى أن يصل إلى قبر قريبه مكروه اه‍. وفي المحيط وغيره: ولا يدفن اثنان وثلاثة في قبر واحد إلا عند الحاجة يوضع الرجل مما يلي القبلة ثم خلفه الغلام ثم خلفه الخنثى ثم خلفه المرأة، ويجعل بين كل ميتين حاجزا من التراب ليصير في حكم قبرين. هكذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم في شهداء أحد وقال: قدموا أكثرهم قرآنا اه‍. وفي فتح القدير: ويكره الدفن في الاماكن التي تسمى فساقي اه‍. وهي من وجوه: الاول عدم اللحد. الثاني دفن الجماعة في قبر واحد لغير ضرورة. الثالث اختلاط الرجال بالنساء من غير حاجز كما هو الواقع في كثير منها. الرابع تجصيصها والبناء عليها. وفي البدائع قال أبو حنيفة رحمه الله: ولا ينبغي أن يصلى على ميت بين القبور وكان علي وابن عباس يكرهان ذلك فإن صلوا أجزأهم اه‍. قوله (ولا يخرج من القبر إن أن تكون الارض مغصوبة) أي بعدما أهيل التراب عليه لا يجوز إخراجه لغير ضرورة للنهي الوارد عن نبشه وصرحوا بحرمته. وأشار بكون الارض مغصوبة إلى أنه يجوز نبشه لحق الآدمي كما إذا سقط فيها متاعه أو كفن بثوب مغصوب أو دفن في ملك الغير أو دفن معه مال إحياء لحق المحتاج قد أباح النبي صلى الله عليه وسلم نبش قبر أبي رعال لعصا من ذهب معه. كذا في المجتبي. قالوا، ولو كان المال درهما. ودخل فيه ما إذا أخذها الشفيع فإنه ينبش أيضا لحقه كما في فتح القدير. وذكر في التبيين أن صاحب الارض مخير إن شاء أخرجه منها وإن شاء ساواه مع الارض وانتفع بها زراعة أو غيرها. وأفاد كلام المصنف أنه لو وضع لغير القبلة أو على شقة الايسر أو جعل رأسه في موضع رجليه أو دفن بلا غسل وأهيل عليه التراب فإنه لا ينبش. قال في البدائع: لان النبش حرام حقا لله تعالى. وفي فتح القدير: واتفقت كلمة المشايخ في امرأة دفن ابنها وهي غائبة في غير بلدها فلم تصبر وأرادت نقله أنه لا يسعها ذلك، فتجويز شواذ بعض المتأخرين لا يلتفت إليه اه‍. وأطلق المصنف فشمل ما إذا بعدت المدة أو قصرت كما في الفتاوى. ولم يتكلم المصنف على نقل الميت من مكان إلى آخر قبل دفنه قال في الواقعات والتجنيس: القتيل

[ 342 ]

أو الميت يستحب لهما أن يدفنا في المكان الذي قتل أو مات فيه في مقابر أولئك القوم ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها زارت قبر أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما وكان مات بالشام وحمل من هناك فقالت: لو كان الامر فيك بيدي ما نقلتك ولدفنتك حيث مت. لكن مع هذا إذا نقل ميلا أو ميلين ونحو ذلك فلا بأس، وإن نقل من بلد إلى بلد فلا إثم فيه لانه روي أن يعقوب صلوات الله عليه مات بمصر فحمل إلى أرض الشام، وموسى عليه السلام حمل تابوت يوسف عليه السلام بعدما أتى عليه زمان إلى أرض الشام من مصر ليكون عظامه مع عظام آبائه، وسعد بن أبي وقاص مات في ضيعة على أربعة فراسخ من المدينة فحمل على أعناق الرجال إلى المدينة اه‍. وفي التبيين: ولو بلي الميت وصار ترابا جاز دفن غيره في قبره وزرعه والبناء عليه اه‍. وفي الواقعات: عظام اليهود لها حرمة إذا وجدت في قبورهم كحرمة عظام المسلمين حتى لا تكسر لان الذملما حرم ايذاؤه في حياته لذمته فتجب صيانة نفسه عن الكسر بعد موته اه‍. ولم يتكلم المصنف رحمه الله على زيارة القبور ولا بأس ببيانه تكميلا للفائدة. قال في البدائع: ولا بأس بزيارة القبور والدعاء للاموات إن كانوا مؤمنين من غير وطئ القبور لقوله صلى الله عليه وسلم إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ولعمل الامة من لدن الرسول صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا اه‍. وصرح في المجتبي بأنها مندوبة. وقيل: تحرم على النساء، والاصح أن الرخصة ثابتة لهما. وكان صلى الله عليه وسلم يعلم السلام على الموتى السلام عليكم أيها الدار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أنتم لنا فرط ونحن

[ 343 ]

لكم تبع فنسأل الله العافية. ولا بأس بقراءة القرآن عند القبور وربما تكون أفضل من غيره، ويجوز أن يخفف الله عن أهل القبور شيأ من عذاب القبر أو يقطعه عند دعاء القارئ وتلاوته، وفيه ورد آثار من دخل المقابر فقرأ سورة يس خفف الله عنهم يومئذ وكان له بعدد من فيها حسنات اه‍. وفي فتح القدير: ويكره عند القبر كلما لم يعهد من السنة والمعهود منها ليس إلا زيارتها والدعاء عندها قائما كما كان يفعل صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى البقيع اه‍. وفي الخلاصة: ويكره قطع الحطب والحشيش من المقبرة إلا إذا كان يابسا ولا يستحب قطع الحشيش الرطب اه‍. وذكر في الظهيرية مسألة السؤال في القبوو وليست فقهية وإنما هي كلامية فلذا تركناها والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. باب الشهيد إنما بوب له مع أن المقتول ميت بأجله عند أهل السنة لاختصاصه بالفضيلة فكان إفراده كإفراد جبريل مع الملائكة. وهو فعيل بمعنى مفعول لان الملائكة يشهدون موته إكراما له فكان مشهودا أو لانه مشهود له بالجنة أو بمعنى فاعل لانه حي عند الله حاضر قوله: (هو من قتله أهل الحرب أو البغي أو قطاع الطريق أو وجد في المعركة وبه أثر أو قتله مسلم ظلما ولم يجب بقتله دية) بيان لشرائطه. قيد بكونه مقتولا لانه لو مات حتف أنفه أو تردي من وضع أو احترق بالنار أو مات تحت هدم أو غرق لا يكون شهيدا أي في حكم الدنيا وإلا فقد شهد رسول لله صلى الله عليه وسلم للغريق وللحريق والمبطون والغريب بأنهم شهداء فينالون ثواب الشهداء كذا في البدائع. وفي التجنيس: رجل قصد العدو ليضربه فأخطأ فأصاب نفسه فمات، يغسل لانه ما صار مقتولا بفعل مضاف إلى العدو ولكنه شهيد فيما ينال من الثواب في الآخرة لانه قصد العدو لا نفسه ا ه‍. وأطلق في قتله فشمل القتل مباشرة أو تسببا لان

[ 344 ]

موته مضاف إليهم حتى لو أوطؤا دابتهم مسلما أو انفردوا دابة مسلم فرمته أو رموه من السور أو ألقوا عليه حائطا أو رموا بنار فأحرقوا سفنهم أو ما أشبه ذلك من الاسباب كان شهيدا، ولو انفلتت دابة مشرك ليس عليها أحد فوطئت مسلما أو رمي مسلم إلى الكفار فأصاب مسلما، أو نفرت دابة مسلم من سواد الكفار أو نفر المسلمون منهم فالجؤهم إلى خندق أو نار أو نحوه، أو جعلوا حولهم الشوك فمشى عليها مسلم فما ت بذلك لم يكن شهيدا خلافا لابي يوسف لان فعله يقطع النسبة إليهم، وكذا فعل الدابة دون حامل وإنما لم يكن جعل الشوك حولهم تسبيبا لان ما قصد به القتل فهو تسبيبي وما لا فلا، وهم أنما قصدوا به الدفع لا القتل. وأراد بمن المسلم فإن الكافر ليس بشهيد، وأراد بالاثر هنا ما يكون علامة على القتل كالجرح وسيلان الدم من عينيه أو أذنه لا ماء يسيل من أنفه أو ذكره أو دبره فإن كان يسيل من فيه فإن ارتقى من الجوف وكان صافيا كان علامة على القتل، وإن نزل من الرأس أو كان جامدا فلا. وفي البدائع: إن أثر الضرب والخنق كأثر الجرح. وقيدنا بكونه في المعركة وهي موضع الحرب لانه لو وجد في عسكر المسلمين قتيل قبل لقاء العدو فليس بشهيد لانه ليس قتيل العدو ولهذا تجب فيه القسامة والدية بخلاف ما إذا كان بعد لقائهم فإنه قتيلهم ظاهرا كذا في البدائع، وإنما لم يكتف بقوله أو قتله مسلم ظلما عن ذكر أهل البغي وقطاع الطريق مع كونهم مسلمين قتلوا ظلما لان قتيل أهل البغي وقطاع الطريق لا يشترط أن يكون قتله بحديدة بل بكل آلة سلاحا كان أو غيره مباشرة أو تسبيبا كقتيل أهل الحرب. قال في معراج الدراية: لانه لما كان القتال مع أهل البغي وقطاع الطريق مأمورا به ألحق بقتال أهل الحرب فعمت الآلة كما عمت هناك ا ه‍. بخلاف قتل غيرهم فإنه يشترط أن يكون بحديدة كما سنذكره. وقيد بقوله ظلما لان من قتله مسلم حقا كالمقتول بحد أو قصاص أو عدا على قوم فقتلوه فليس بشهيد، وكذا لو مات في حد أو تغرير أو غيره. وقيد بقوله ولم يجب بقتله دية لان من قتله مسلم ظلما خطأ أو عمدا بالمثقل أو غيره فليس بشهيد لوجوب الدية بقتله، وكذا لو وجد مذبوحا ولم يعلم قاتله كما سيأتي، وكذا لو وجد في محلة مقتولة ولم يعلم قاتله فإن لا يدري أقتل ظالما أو مظلوما عمدا أو خطأ. وفي المجتبي: وإذا

[ 345 ]

التقت سريتان من المسلمين وكل واحدة ترى أنهم مشركون فأجلوا عن قتلي من الفريقين قال محمد: لا دية على أحد ولا كفارة لانهم يدافعون عن أنفسهم ولم يذكر حكم الغسل، ويجب أن يغسلوا لان قاتلهم لم يظلمهم ا ه‍. واحترز بقوله بقتله أي بسببه عما إذا وجبت الدية بالصلح أو بقتل الاب ابنه أو شخصا آخر ووارثه ابنه، فالمقتول شهيد لان نفس القتل لم يوجب الدية بل يوجب القصاص وإنما سقط للصلح أللشبهة. وإنما كان المال عوضا مانعا ولم يكن وجوب القصاص عوضا مانعا لان القصاص للميت من وجه وللوارث من وجه آخر وهي تشفي الصدور وللمصلحة العامة وهما في شرعيته من حياة الانفس فلم يكن عوضا مطلقا فلا تبطل الشهادة بالشك. كذا في شرح المجمع للمصنف. وذكر في المجتبي والبدائع أن الشرائط ست: العقل والبلوغ والقتل ظلما وأنه لا يجب به عوض مالي والطهارة عن الجنابة وعدم الارتثاث ا ه‍. وإنما لم يذكر المصنف بقيتها لما سيصرح به من مفهوماتها لكن بقي من قتل مدافعا عن نفسه أو عن ماله أو عن أهل الذمة من غير أن يكون القاتل واحد من الثلاث في الكتاب، فإن المقتول شهيد كما صرح به في المحيط وعطفه على الثلاثة وجعله سببا رابعا ولا يمكن دخوله تحت قوله أو قتله مسلم ظلما لان المدافع المذكور شهيد بأي الة بحديدة أو حجر أو خشب كما صرح به في المحيط ومقتول المسلم لا يكون شهيدا إلا إذا قتل بحديدة كما قدمناه. ومن هنا يظهر أن عبارة المجمع هنا لم تكن محررة فإنه لم يفصل في مقتول المسلم ظلما بل أدخل الباغي وقاطع الطريق تحت المسلم وجعل حكم مقتولهم واحدا وليس بصحيح. وإن أراد بالمسلم ما عداهما فليس في عبارته استيفاء للشهيد ويرد على الكل ما قتله ذمي ظلما فإنه في حكم المسلم هنا كما صرح به ابن الملك في شرح المجمع قال: والمكابرون في المصر ليلا بمنزلة قطاع الطريق ا ه‍. والبغي في عبارة المختصر مجرور وقطاع الطريق مرفوع. قوله: (فيكفن ويصلى عليه بلا غسل) بيان لحكمه. أما عدم الغسل فلحديث السنن أنه عليه الصلاة والسلام أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم. وما علل به الحسن البصري لعدم الغسل بأنهم كانوا جرحى فقد قال السرخسي: أنه ليس بصحيح لانه لو كان عدم الغسل باعتبار الجراحة لكان التيمم مشروعا. وأما الصلاة فلصلاته عليه السلام على حمزة وغيره يوم أحد ولحديث البخاري أنه صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين. وما قيل من أنهم

[ 346 ]

أحياء والحي لا يصلى عليه فمدفوع بأنه حكم أخروي لا دنيوي بدليل ثبوت أحكام الموتى لهم من قسمة تركاتهم وبينونة نسائهم إلى غير ذلك. وما قيل من أنها للاستغفار وهم مغفور لهم فمنتقض بالنبي والصبي كما في الهداية. وما في فتح القدير من أنه لو اقتصر على النبي لكان أولى فإن الدعاء في الصلاة على الصبي لابويه فمدفوع من أن كلامه في نفس الصلاة لا في المدعو له، ولان الصبي ليس بمستغن عن الرحمة فنفس الصلاة عليه رحمه له ونفس الدعاء الوارد لابويه دعاء له لانه إذا كان فرطا لابويه فقد تقدمهما في الخير لا سيما وقد قالوا: إن حسنات الصبي له لا لابويه ولهما ثواب التعليم قوله: (ويدفن بدمه وثيابه إلا ما ليس من الكفن ويزاد وينقص) بيان لحكم آخر له. وأشار إلى أنه يكره أن ينزع عنه جميع ثيابه ويجدد الكفن ذكره الاسبيجابي. وقالوا: ما ليس من جنس الكفن الفرو والحشو والقلنسوة والسلاح والخف وقدمنا فيه كلاما. واختلفوا في معنى قولهم يزاد وينقص ففي غاية البيان وغيرها: يزاد إن كان ما عليه ناقصا عن كفن السنة، وينقص إن كان ما عليه زائدا على كفن السنة. وفي معراج الدراية: وبه استدل المشايخ على جواز الزيادة في الكفن على الثلاث. وفيه: ويجعل الحنوط للشهيد كالميت قوله: (ويغسل إن قتل جنبا أو صبيا) بيان لشرطين آخرين للشهادة الاول الطهارة من الجنابة، الثاني التكليف. أما الاول فهو قوله: وقالا: الجنب شهيد لان ما وجب بالجنابة سقط بالموت. وله: إن الشهاد عرفت مانعة غير رافعة فلا ترفع الجنابة وقد صح أن حنظلة لما استشهد جنبا غسلته الملائكة. وعلى هذا الخلاف الحائض والنفساء إذا طهرتا وكذا فبل الانقطاع في الصحيح من الرواية كذا في الهداية. وفي معراج الدراية: وإنما لم يعد النبي صلى صلى الله عليه وسلم غسل حنظلة لان الواجب تأدى بدليل قصة آدم عليه السلام ولم تعد أولاده غسله وهو الجواب عن قولهما لو كان واجبا لوجب على بني آدم ولما اكتفى به إذا لواجب نفس الغسل، فأما الغاسل يجوز من كان كما في قصة آدم ا ه‍. وفيه أن هذا الغسل عنده للجنابة لا

[ 347 ]

للموت. قيد بقوله جنبا لانه لو قتل محدثا حدثا أصغر فإنه لا يغسل، والفرق بين الحدثين عنده هو أن سقوط غسل أعضاء الوضوء لمعنى ضروري لان الموت لا يخلو عن حدث قبله لعدم خلوه من زوال العقل فكانت الشهادة رافعة له ضرورة ولا ضرورة في الجنابة لان الموت يخلو عنها فلا تكون رافعة في حقها. وفي الخبازيه: هذا الجواب في النفساء مجري على إطلاقه لان أقل النفاس لا حد له، أما في الحائض فمصورة فيما إذا استمر بها الدم ثلاثة أيام ثم قتلت قبل الانقطاع أو بعده، أما لو رأت يوما أو يومين دما وقتلت لا تغسل بالاجماع ذكره التمرتاشي لعدم كونها حائضا ا ه‍. وأما الثاني فعلى الخلاف أيضا لهما. إن الصبي أحق بهذه الكرامات. وله: إن السيف كفي عن الغسل في حق شهداء أحد بوصف كونه مطهرة ولا ذنب للصبي فلم يكن في معناهم، فعلى هذا الخلاف المجنون. وقد يقال: ينبغي تخصيصه بمجنون بلغ مجنونا أما من بلغ عاقلا ثم جن فهو محتاج إلى ما يطهر إذ ذنوبه الماضية لم تسقط عنه بجنونه إلا أن يقال: إن المجنون إذا استمر على جنونه حتمات لم يؤاخذ بما مضي لانه لا قدرة له على التوبة ولم أر نقلا في هذا الحكم. قوله: (أو ارتث بأن أكل أو شرب أو نام أو تداوى أو مضي وقت الصلاة وهو يعقل أو نقل من المعركة أو أوصى) بيان للشرط السادس وهو عدم الارتثاث وهو في اللغة من الرث وهو الشئ البالي، وسمي به مرتثا لانه قد صار خلقا في حكم الشهادة. وقيل: مأخوذ من الترثيث وهو الجريح. وفي مجمل اللغة: رتث فلان أي حمل من المعركة رثيثا أي جريحا. وحاصله في الشرع أن ينال بعد مرافق الحياة فبطلت شهادته في حكم الدنيا فيغسل وهو شهيد في حكم الآخرة فينال الثواب الموعود للشهداء. وذكر في البدائع أن المرتث في الشرع من خرج عن صفة القتلى وصار إلى حال الدنيا بأن جري عليه شئ من أحكامها أو وصل إليه شئ من منافعها ا ه‍. وهو أضبط مما تقدم. أطلق في الاكل والشرب والنوم والتداوي فشمل القليل والكثير، وأطلق في مضي الوقت فشمل ما إذا كان قادرا على الاداء أو لا لضعف بدنه لا لزوال عقله. وقيده في التبيين بأن يقدر على أدائها حتى يجب القضاء

[ 348 ]

بتركها. ورده في فتح القدير بقوله: الله أعلم بصحته. وفيه إفادة أنه إذا لم يقدر على الاداء لا يجب القضاء، فإن أراد إذا لم يقدر للضعف مع حضور العقل فكونه يسقط به القضاء قول طائفة والمختار هو ظاهر كلامه في باب صلاة المريض أنه لا يسقط، وإن أراد لغيبة العقل فالمغمى عليه يقضي ما لم يزد على صلاة يوم وليلة فمتى يسقط القضاء مطلقا لعدم قدرة الاداء من الجريح ا ه‍. وقد يقال: إن مراده الاول وكون عدم القدرة للضعف لا يسقط القضاء على لا لصحيح هو فيما إذا قدر بعده، أما إذا مات على حاله فلا إثم لعدم القدرة عليها بالايماء. وقيد بقوله وهو يعقل لانه لو مضي الوقت وهو لا يعقل لا يغسل، وإن زاد على يوم وليلة أو نقل من المعركة لعدم الانتفاع بحياته، فلو أخر وهو يعقل وجعله قيدا في الكل لكان أولى كما أنه لا بد من استثناء من نقل من المعركة خوفا من أن تطأه الخيل فإنه لا يغسل لانه ما نال شيئا من الراحة كما في الهداية، وتعقبه في غاية البيان بأنا لا نسلم أن الحمل من المصرع ليس بنيل راحة ا ه‍. وصرح في البدائع بأن النقل من المعركة يزيده ضعفا ويوجب حدوث آلام لم تحدث لولا النقل والموت يحصل عقب ترادف الآلام فيكون النقل مشاركا للجراحة في إثارة الموت فلم يمت بسبب الجراحة يقينا فلذا لم يسقط الغسل بالشك ا ه‍. فالارتثاث فيه ليس للراحة بل لما ذكره. وأطلق في النقل فشمل ما إذا وصل إلى بيته حيا أو مات على الايدي كما في البدائع. وأشار إلى أنه لو قام من مكانه إلى مكان آخر فإنه يكون مرتثا بالاولى كما في البدائع، وإلى أنه لو باع أو ابتاع فهو مرتث، وأطلق في الوصية فشملت ما كان بأمور الدنيا وبأمور الآخرة وفيه اختلاف معروف، والاظهر أنه لا خلاف فجواب أبي يوسف بأنه يكون مرتثا فيما إذا كان بأمور الدنيا، وجواب محمد بعدمه فيما إذا كان بأمور الآخرة لان الوصية بأمور الدنيا من أمر الاحياء فقد أصابه مرافق الحياة فنقص معنى الشهادة، فأما الوصية بأمور الآخرة من أمور الموتى وصنيع من أيس من نفسه فيوصي بما يكفن به ويخلص رقبته ويبرد جلدته من النار ويدخر لنفسه ذخيرة الآخرة كما في وصية سعد بن الربيع لما بلغه سلامة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الحمد لله على سلامته الآن طابت نفسي للموت اقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم مني السلام واقرأ الانصار مني السلام وقل لهم: لا عذر لكم عند الله أن قتل محمد وفيكم عين تطرف. كذا في المحيط. وشمل الوصية بكلام قليل أو كثير كما في غاية البيان، واستثنى في الخانية الوصية بكلمتين وقالوا: إذا تكلم فإن كان طويلا كان مرتثا وإلا فلا. ويمكن حمله على كلام ليس بوصية توفيقا بينهما، لكن ذكر أبو بكر الرازي أنه لو أكثر من كلامه في الوصية فطال غسل لان الوصية بشئ من أمر الميت فإذا طالت أشبهت

[ 349 ]

أمور الدنيا. كذا في غاية البيان. ومن الارتثاث ما إذا أواه فسطاط أو خيمة كذا في الهداية. يعنى وهو في مكانه وإلا فهي مسألة النقل من المعركة. وفي التبيين: وهذا كله إذا وجد بعد انقضاء الحرب، وأما قبل انقضائها فلا يكون مرتثا بشئ مما ذكرنا ا ه‍. قوله: (أو قتل في المصر ولم يعلم أنه قتل بحديدة ظلما) أي مظلوما لان الواجب فيه القسامة والدية فخف أثر الظلم. قيد بالمصر لانه لو وجد في مفازة ليس بقربها عمران لا تجب فيه قسامة ولادية فلا يغسل لو وجد به أثر القتل. كذا في معراج الدراية. فالمراد بالمصر العمران وما بقربه مصرا كان أو قرية. وقيد بكونه لم يعلم أنه قتل بحديدة لانه لو علم ذلك بأن وجد مذبوحا فإن علم قاتله فهو شهيد لوجوب القصاص، وإن لم يعلم قاتله فلا لعدم وجوبه. فقوله ظلما داخل تحت النفي يعني لم يعلم أنه قتل مظلوما بحديدة فكان فيه شيآن: أحدهما عدم العلم بكونه قتل بحديدة. ثانيهما عدم العلم بكونه مظلوما بأن لم يعلم قاتله لانه إذا لم يعلم قاتله لم يتحقق كونه مظلوما، وأما إذا علم فقد تحقق كونه مظلوما فلا يكون كلام المصنف مخلا بشئ كما قد يتوهم. وحاصل المسألة أن من قتل بغير المحدد وعلم قاتله أولا فإنه ليس بشهيد عند أبي حنيفة أصلا، سواء كان بالمثقل أو بغيره لوجوب الدية، ومن قتل بالمحدد ولم يعلم قاتله فليس بشهيد لوجوب الدية والاقتصار على وجوب الدية في التعليل أولى مما قدمناه من ضم القسامة كما في الهداية، لانه يرد عليه المقتول في الجامع أو الشارع الاعظم فإنه ليس بشهيد حيث لم يعلم قاتله وليس فيه قسامة وإنما تجب الدية في بيت المال فقط، فلو قيل أقتل في العمران بغير المحدد مطلقا أو بالحدد ولم يعلم قاتله لشمل الكل لكن قد علم حكم ما إذا قتل بغير المحدد مطلقا من أول الباب. وفي البدائع: لو قتل في المصر بغير المحدد لا يكون شهيدا وإن كان في المفازة كان شهيدا لانه يوجب القتل بحكم قطع الطريق لا المال. ولو نزل عليه اللصوص ليلا في المصر فقتل بسلاح أو غيره أو قتله قطاع الطريق خارج المصر بسلاح أو غيره فهو شهيد لان القتيل لم يخلف في هذه المواضع بدلا هو مال ا ه‍. وبهذا يعلم أن من قتله اللصوص في بيته ولم يعلم له قاتل معين منهم لعدم وجودهم فإنه لا قسامة ولا دية على أحد لانهما لا يجبان إلا إذا لم يعلم القاتل، وهنا قد علم أن قاتله اللصوص وإن لم يثبت عليهم لفرارهم فليحفظ هذا فإن الناس عنه غافلون قوله: (أو قتل بحد أو قود) أي يغسل لانه صح أنه عليه الصلاة والسلام غسل ماعزا ولانه بذل نفسه لحق واجب عليه فلم يكن في معنى شهداء أحد قوله: (لا لبغي وقطع طريق) أي

[ 350 ]

لا يغسل من قتل للبغي أو قطع الطريق وإذا لم يغسلا لم يصل عليهما لان عليا رضي الله عنه لم يصل على البغاة ولم ينكر عليه فكان إجماعا، وقطاع الطريق بمنزلتهم. أطلقه فشمل ما إذا قتلوا في حال الحرب أو أخذوا وقتلوا بعده كذا روي عن محمد. وفرق الصدر الشهيد بينهما فوافق في الاول وقال بالصلاة في الثاني. قال في التبيين: وهذا تفصيل حسن أخذ به الكبار من المشايخ والمعنى فيه أن القتل في الثاني جدا وقصاص في قاطع الطريق، وفي البغاة لكسر شوكتهم فنزل منزلته لعود منفعته إلى العامة. وهذا التفصيل ربما يشير إليه قوله لبغي فإن من قتل بعد الحرب لم يقتل لبغي وإنما قتل قصاصا. وألحق بقاطع الطريق المكابرون في المصر بالسلاح ليلا كذا في غاية البيان. والخناق الذي خنق غير مرة كذا في الاسبيجابي. وحكم أهل العصبية كحكم البغاة. ومن قتل أحد أبويه لا يصلى عليه إهانة له كذا في التبيين. ولم يذكر المصنف حكم قاتل نفسه عمدا للاختلاف فعندهما يصلي عليه وهو الاصح لانه فاسق غير ساع في الارض بالفساد. كذا في النهاية. وقال أبو يوسف: لا يصلى عليه وهو الاصح لانه باغ على نفسه كذا في غاية البيان معزيا إلى القاضي علي السغدي فقد اختلف التصحيح كما ترى لكن تأيد قول أبي يوسف بما في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة قال: أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه ا ه‍. وفي فتاوي قاضيخان قريبا من كتاب الوقف: رجلان أحدهما قتل نفسه والآخر قتل غيره كان قاتل نفسه أعظم وزرا وإثما ا ه‍. قيدنا بكونه قتل نفسه عمدا لانه لو قتلها خطأ فإنه يغسل ويصلي عليه اتفاقا. باب الصلاة في الكعبة ختم كتاب الصلاة بما يتبرك به حالا ومكانا وأولاه للشهيد لانه معدول به عن سائر الصلوات لجواز جعل الظهر فيها إلى ظهر الامام قوله: (صح فرض ونفل فيها وفوقها) لانه صلى الله عليه وسلم صلى في جوف الكعبة يوم الفتح ولانها صلاة استجمعت شرائطها لوجود استقبال القبلة لان استيعابها ليس بشرط، وإنما جازت فوقها لان الكعبة هي العرصة والهواء إلى عنان السماء عندنا دون البناء لانه ينقل، ألا ترى أنه لو صلى على أبي قبيس جاز ولا بناء بين يديه

[ 351 ]

إلا أنه يكره لما فيه من ترك التعظيم وقد ورد النهي عنه. وفي الغاية: الكعبة هي البناء المرتفع مأخوذ من الارتفاع والنتو ومنه الكاعب. فكيف يقال الكعبة هي العرصة والصواب القبلة هي العرصة كما ذكره صاحب المحيط والوبري وفي المجتبي: وقد رفع البناء في عهد ابن الزبير ليبني على قواعد الخليل، وفي عهد الحجاج كذلك ليعيدها إلى الحالة الاولى والناس يصلون والاحرار والعبيد والرجال والنساء في ذلك سواء قوله: (ومن جعل ظهره إلى ظهر الامام فيها صح) لانه متوجه إلى القبلة ولا يعتقد إمامه على الخطأ بخلاف مسألة التحري قوله: (وإلى وجهه لا) أي لو جعل ظهره إلى وجه إمامه لا يصح لتقدمه على إمامه، وسكت عما إذا جعل وجهه إلى وجه الامام لانه صحيح لما قدمناه لكنه مكروه بلا حائل لانه يشبه عبادة الصورة، وعما إذا جعل وجهه إلى جوانب الامام وهو جائز بلا كراهة فهي أربعة، تصح بلا كراهة في صورتين ومعها في صورة ولا تصح في أخرى قوله: (وإن حلقواحولها صح لمن هو أقرب إليها إن لم يكن في جانبه) لانه متأخر حكما لان التقدم والتأخر لا يظهر إلا عند اتحاد الجهة، فمن كان وجهه إلى الجهة التي توجه الامام إليها وهو عن يمينه أو يساره وتقدم عليه بأن كان أقرب إلى الحائط من الامام فهو غير صحيح لتقدمه فهو في معنى من جعل ظهره إلى وجه الامام، ولو قام الامام في الكعبة وتحلق المقتدون حولها جاز إذا كان الباب مفتوحا لانه كقيامه في المحراب في غيرها من المساجد، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.

[ 352 ]

كتاب الزكاة ذكر الزكاة بعد الصلاة لانهما مقترنان في كتاب الله تعالى في اثنين وثمانين آية، وهذا يدل على أن التعاقب بينهما في غاية الوكادة والنهاية كما في المناقب البزازية. وهي لغة الطهارة. قال في ضياء الحلوم: سميت زكاة المال زكاة لانها تزكي المال أي تطهره قال تعالى * (خيرا منه زكاة) * (الكهف: 81) وقيل: سميت زكاة لان المال يزكو بها أي ينمو ويكثر. ثم ذكر فعل بالفتح يقال زكاء الماء زيادته ونماؤه، وزكا أيضا إذا طهر، ثم ذكر في باب التفعيل زكى المال أدى زكاته وزكاه أخذ زكاته ا ه‍. وفي الغاية: أنها في اللغة بمعنى النماء وبمعنى الطهارة وبمعنى البركة. يقال زكت البقعة أي بورك فيها، وبمعنى المدح يقال زكى نفسه، وبمعنى الثناء الجميل يقال زكى الشاهد، وفي اصطلاح الفقهاء ما ذكره المصنف قوله: (هي تمليك المال من فقير مسلم غيرها هاشمي ولا مولاه بشرط قطع المنفعة عن المملك كل وجه الله تعالى) لقوله تعالى * (وآتوا الزكاة) * (البقرة: 43) والايتاء هو التمليك ومراده تمليك جزء من ماله وهو ربع العشر أو ما يقوم مقامه، وإنما كانت اسما للفعل عند المحققين وهو الاصح لانها توصف بالوجوب وهو من صفات الافعال دون الاعيان، والمراد من إيتاء الزكاة إخراجها من العدم إلى الوجود كما في قوله * (أقيموا الصلاة) * (البقرة: 43) كذا في المعراج، ويؤيده أن موضوع الفقه كما قدمناه فعل المكلف. وفي الشرع هي المال المؤدي لانه تعالى قال وآتوا الزكاة ولا يصح الايتاء إلا للعين. كذا في العناية. وأورد الشارح على هذا الحد الكفارة إذا ملكت لان التمليك بالوصف المذكور موجود فيها ولو قال تمليك المال على وجه لا بد له منه لانفصل عنها لان الزكاة يجب فيها تمليك المال ا ه‍. وجوابه أن قوله من فقير

[ 353 ]

مسلم خرج مخرج الشروط والاسلام ليس بشرط في أخذ الكفارة كما سيأتي. وأيضا ليس الجواز في الكفارة باعتبار التمليك بل باعتبار أن الشرط فيها التمكين الشامل للتمليك والاباحة، والمال كما صرح به أهل الاصول ما يتمول ويدخر للحاجة وهو خاص بالاعيان فخرج تمليك المنافع. قال في الكشف الكبير في بحث القدرة الميسرة: الزكاة لا تتأدى إلا بتمليك عين متقومة حتى لو أسكن الفقير داره سنة بنية الزكاة لا يجزئه لان المنفعة ليست بعين متقومة ا ه‍. وهذا على إحدى الطريقتين، وأما على الاخرى من أن المنفعة مال فهو عند الاطلاق منصرف إلى العين. وقيد بالتمليك احترازا عن الاباحة ولهذا ذكر الولوالجي وغيره أنه لو عال يتيما فجعل يكسوه ويطعمه وجعله من زكاة ماله فالكسوة تجوز لوجود ركنه وهو التمليك، وأما الاطعام إن دفع الطعام إليه بيده يجوز أيضا لهذه العلة، وإن كان لم يدفع إليه ويأكل اليتيم لم يجز لانعدام الركن وهو التمليك، ولم يشترط قبض الفقير لان التمليك في التبرعات لا يحصل إلا به. واحترز بالفقير الموصوف بما ذكر عن الغني والكافر والهاشمي ومولاه والمراد عند العلم بحالهم كما سيأتي في المصرف. ولم يسترط البلوغ والعقل لانهما ليس بشرط لان تمليك الصبي صحيح لكن إن لم يكن عاقلا فإنه يقبض عنه وصيه أو أبوه أو من يعوله قريبا أو أجنبيا أو الملتقط كما في الولوالجية، وإن كان عاقلا فقبض من ذكر كذا قبضه بنفسه. والمراد أن يعقل القبض بأن لا يرمي به ولا يخدع عنه والدفع إلى المعتوه يجزئ كذا في فتح القدير. وحكم المجنون المطبق معلوم من حكم الصبي الذي لا يعقل. ولا يشترط الحرية لان الدفع إلى غير الحر جائز كما سيأتي في بيان المصرف. وأفاد بقوله بشرط أن الدفع إلى أصوله وإن علوا وإلى فروعه وإن سفلوا وإلى زوجته وزوجها وإلى مكاتبه ليس بزكاة كما سيأتي مبينا. وأشار إلى أن الدفع إلى كل قريب ليس بأصل ولا فرع جائز وهو مقيد بما في الولوالجية: رجل يعول أخته أو أخاه أو عمه فأراد أن يعطيه الزكاة فإن لم يفرض القاضي عليه النفقة جاز لان التمليك بصفة القربة يتحقق من كل وجه، وإن فرض عليه النفقة لزمانته إن لم يحتسب من نفقتهم جاز، وإن كان يحتسب لا يجوز لان هذا أداء الواجب عن واجب آخر ا ه‍. وقوله لله تعالى بيان لشرط آخر وهو النية وهي شرط بالاجماع في العبادات كلها المقاصد. قوله: (شرط وجوبها العقل والبلوغ والاسلام والحرية) أي شرط افتراضها لانها فريضة محكمة قطعية أجمع العلماء على تكفير جاحدها ودليله القرآن. وما في البدائع من أنه الكتاب والسنة والاجماع والمعقول رده في الغاية بأن السنة لا يثبت بها الفرض إلا أن تكون متواترة أو

[ 354 ]

مشهورة، والسنة الواردة أخبار أحاد صحاح وبها يثبت الوجوب دون الفرض والعقل لا يثبت به شئ من الاحكام الشرعية، وإن أراد بالمعقول المقاييس المستنبطة من الكتاب والسنة فلا يثبت بها الفرضية ا ه‍. وجوابه أنهم في مثله يجعلونه مؤكدا للقرآن القطعي لا مثبتا وهو كثير في كلامهم كإطلاق الواجب على الفرض وهو إما مجاز في العرف بعلاقة المشترك من لزوم استحقاق العقاب بتركه عدل عن الحقيقة وهو الفر ض إليه بسبب أن بعض مقاديرها وكيفياتها تثبت بأخبار الآحاد، أو حقيقة على ما قال بعضهم أن الواجب نوعان: قطعي وظني. فعلى هذا يكون اسم الواجب من قبيل المشكك اسما أعم وهو حقيقة في كل نوع، وقد أسلفنا شيئا منه في أول الطهارة وخرج المجنون والصبي فلا زكاة في مالهما كما لا صلاة عليهما للحديث المعروف رفع القلم عن ثلاث. وأما إيجاب النفقات والغرامات في مالهما فلانهما من حقوق العباد لعدم التوقف على النية، وأما إيجاب العشر والخراج وصدقة الفطر فلانها ليست عبادة محضة لما عرف في الاصول وقد قدمنا في نقض الوضوء حكم المعتوه في العبادات والاختلاف فيه. وخرج الكافر لعدم خطابه بالفروع سواء كان أصليا أو مرتدا، فلو أسلم المرتد لا يخاطب بشئ من العبادات أيام ردته، ثم كما هو شرط للوجوب شرط لبقاء الزكاة عندنا حتى لو ارتد بعد وجوبها سقطت كما في الموت. كذا في معراج الدراية. وقيد بالحرية احترازا عن العبد والمدبر وأم الولد والمكاتب والمستسعي عند أبي حنيفة لعدم الملك أصلا فيما عدا المكاتب والمستسعي ولعدم تمامه فيهما، ولو حذف الحرية واستغني عنها بالملك إذ العبد لا ملك له وزاد في الملك قيد التمام وهو المملوك رقبة ويدا ليخرج المكاتب والمشتري قبل القبض كما سيأتي لكان أو جزوأتم. وعندهما: المستسعي حر مديون فإن ملك بعد قضاء سعايته ما يبلغ نصابا كاملا تجب الزكاة وإلا فلا. وفي البدائع: والجنون نوعان: أصلي وعارض. أما الاصلي وهو أن يبلغ مجنونا فلا خلاف بين أصحابنا أنه يمنع انعقاد الحول على النصاب حتى لا يجب عليه زكاة ما مضى من الاحوال بعد الافاقة، وإنما يعتبر ابتداء الحول من وقت الافاقة كالصبي إذا بلغ يعتبر ابتداء الحول من قوت البلوغ. وأما الطارئ فإن دام سنة

[ 355 ]

كاملة فهو في حكم الاصلي، وإن كان في بعض السنة ثم أفاق فعن محمد وجوبها وإن أفاق ساعة، وعنه إن أفاق أكثر السنة وجبت وإلا فلا ا ه‍. وظاهر الرواية قول محمد كما في الهداية وغيرها والمغمى عليه كالصحيح كما في المجتبي. قوله: (وملك نصاب حولي فارغ عن الدين وحوائجه الاصلية نام ولو تقديرا) لانه عليه الصلاة والسلام قدر السبب به، وقد جعله المصنف شرطا للوجوب مع قولهم إن سببها ملك مال معد مرصد للنماء والزيادة فاضل عن الحاجة - كذا في المحيط وغيره - لما أن السبب والشرط قد اشتركا في أن كلامنهما يضاف إليه الوجود لا على وجه التأثير فخرج العلة. ويتميز السبب عن الشربإضافة الوجوب إليه أيضا دون الشرط كما عرف في الاصول. وأطلق الملك فانصرف إلى الكامل وهو المملوك رقبة ويدا فلا يجب على المشتري فيما اشتراه للتجارة قبل القبض، ولا على المولى في عبده المعد للتجارة إذا أبق لعدم اليد، ولا المغصوب ولا المجحود إذا عاد إلى صاحبه. كذا في غاية البيان. ولا يلزم عليه ابن السبيل لان يد نائبه كيده كذا في معراج الدراية. ومن موانع الوجوب الرهن إذا كان في يد المرتهن لعدم ملك اليد بخلاف العشر حيث يجب فيه كذا في العناية. وأما كسب العبد المأذون فإن كان عليه

[ 356 ]

دين محيط فلا زكاة فيه على أحد بالاتفاق وإلا فكسبه لمولاه، وعلى المولى زكاته إذا تم الحول نص عليه في المبسوط والبدائع والمعراج، وهو بإطلاقه يتناول ما إذا تم الحول وهو في يد العبد لكن قال في المحيط: وإن لم يكن عليه دين ففيه الزكاة ويزكي المولى متى أخذه من العبد. ذكره محمد في نوادر الزكاة. وقيل: ينبغي أن يلزمه الاداء قبل الاخد لانه مال مملوك للمولى كالوديعة، والاصح أنه لا يلزمه الاداء قبل الاخذ لانه مال تجرد عن يد المولى لان يد العبد يد أصالة عن نفسه لا يد نيابة عن المولى بدليل أنه يملك التصرف فيه إثباتا، وإزالة فلم تكن يد المولى ثابتة عليه حقيقة ولا حكما فلا يلزمه الاداء ما لم يصل إليه كالديون ولا كذلك الوديعة ا ه‍. وفي المحيط معزيا إلى الجامع: رجل له ألف درهم لا مال له غيرها استأجر بها دارا عشر سنين لكل سنة مائة، فدفع الالف ولم يسكنها حتى مضت السنون والدار في يد الآجر زكي الآجر في السنة الاولى عن تسعمائة وفي الثانية عن ثمان مائة إلا زكاة السنة الاولى، ثم يسقط لكل سنة زكاة مائة أخرى وما وجب عليه بالسنين الماضية لانه ملك الالف بالتعجيل كلها، فإذا لم يسلم الدار إليه سنة انقضت الاجارة في العشر لانه استهلك المعقود عليه قبل التسليم فزال عن ملكه مائة وصار مصروفا إلى الدين. وكذلك في كل حول انتقض مائة ويصير مائة دينا عليه ويرفع ذلك من النصاب. ثم عند أبي حنيفة يزكي للسنة الثانية سبعمائة وستين، وعندهما سبعمائة وسبعة وسبعون ونصف لانه لا زكاة في الكسور عنده، وعندهما فيه زكاة، ولا زكاة على المستأجر في السنة الاولى والثانية لنقصان نصابه في الاولى ولعدم تمام الحول في الثانية، ويزكي في الثالثة ثلثمائة لانه استفاد مائة أخرى ثم يزكي لكل سنة مائة أخرى وما استفاد قبلها إلا أنه يرفع عنه زكاة السنين الماضية ا ه‍. والمراد بكونه حوليا أن يتم الحول عليه وهو في ملكه لقوله عليه الصلاة والسلام لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول (1) قال في الغاية: سمي حولا لان الاحوال تحول فيه. وفي القنية: العبرة في الزكاة للحول القمري. وفي الخانية: رجل تزوج امرأة على ألف ودفع إليها ولم يعلم أنها أمة فحال الحول عندها، ثم علم أنها كانت أمة زوجت نفسها بغير إذن المولى ورد الالف على الزوج، روي عن أبي يوسف أنه لا زكاة على واحد منهما. وكذلك الرجل إذا حلق لحية إنسان فقضي عليه بالدية ودفع الدية إليه وحال الحول ثم نبتت لحيته وردت الدية، لا زكاة على واحد منهما.

[ 357 ]

وكذلك رجل أقر لرجل بدين ألف درهم ودفع الالف إليه ثم تصادقا بعد الحول أنه لم يكن عليه دين، لا زكاة على واحد منهما. وكذلك رجل وهب لرجل ألفا ودفع الالف إليه ثم رجع في الهبة بعد الحول بقضاء أو بغير قضاء واسترد الالف لا زكاة على واحدة منهما ا ه‍. وظاهره عدم وجوب الزكاة من الابتداء وهو مشكل في حق من كانت في يده وملكه وحال الحول عليه، فالظاهر أن هذا بمنزلة هلاك المال بعد الوجوب وهو مسقط كما في الولوالجية، وإلا فتحتاج المتون إلى إصلاح كما لا يخفى. وفي الخانية أيضا: رجل اشتري عبدا للتجارة يساوي مائتي درهم ونقد الثمن ولم يقبض العبد حتى حال الحول فمات العبد عند البائع، وكان على بائع العبد زكاة المائتين وكذلك على المشتري أما على البائع فلانه ملك الثمن وحال الحول عليه عنده، وأما على المشتري فلان العبد كان للتجارة وبموته عند البائع انفسخ البيع والمشتري أخذ عوض العبد مائتي درهم، فإن كانت قيمة العبد مائة كان على البائع زكاة المائتين لانه ملك الثمن ومضى عليه الحول عنده وبانفساخ البيع لحقه دين بعد الحول فلا تسقط عنه زكاة المائتين، ولا زكاة على المشتري لان الثمن زال عن ملكه إلى البائع فلم يملك المائتي حولا كاملا، وبانفساخ البيع استفاد المائتين بعد الحول فلا تجب عليه الزكاة ا ه‍. وشرط فراغة عن الدين لانه معه مشغول بحاجته الاصلية فاعتبر معدوما كالماء المستحق بالعطش، ولان الزكاة تحل مع ثبوت يده على ماله فلم تجب عليه الزكاة كالمكاتب، ولان الدين يوجب نقصان الملك ولذا يأخذه الغريم إذا كان من جنس دينه من غير قضاء ولا رضا. أطلقه فشمل الحال والمؤجل ولو صداق زوجته المؤجل إلى الطلاق أو الموت. وقيل: المهر المؤجل لا يمنع لانه غير مطالب به عادة بخلاف المعجل. قيل: إن كان الزوج على عزم الاداء منع وإلا فلا، لانه لا يعد دينا كذا في غاية البيان ونفقة المرأة إذا صارت دينا على الزوج إما بالصلح أو بالقضاء ونفقة الاقارب إذا صارت دينا عليه إما بالصلح أو بالقضاء عليه يمنع. كذا في معراج الدراية. وقيد نفقة الاقارب في البدائع بقيد آخر وهو قليل المدة فإن المدة إذا كانت طويلة فإنها تسقط ولا تصير دينا. وشمل كلامه كل دين. وفي الهداية: والمراد دين له مطالب من جهة العبا حتى لا يمنع دين النذر والكفارة ودين الزكاة مانع حال بقاء النصاب لانه ينتقص به النصاب، وكذا بعد الاستهلاك خلافا لزفر فيهما، ولابي يوسف في الثاني لان له مطالبا وهو الامام في السوائم ونوابه في أموال التجارة كان الملاك نوابه ا ه‍. وكذا لا يمنع دين صدقة الفطر ووجوب الحج وهدي المتعة والاضحية. وفي معراج الدراية: ودين النذر لا يمنع ومتى استحق بجهة الزكاة بطل النذر

[ 358 ]

فيه بيانه: له مائتا درهم نذر بأن يتصدق بمائة منها وحال الحول سقط النذر بقدر درهمين ونصف ويتصدق للنذر بسبعة وتسعين ونصف، ولو تصدق بمائة منها للنذر يقع درهمان ونصف عن الزكاة لانه متعين بتعيين الله تعالى فلا يبطل بتعيينه لغيره. ولو نذر بمائة مطلقة لزمته لان محل المنذور به الذمة، فلو تصدق بمائة منها للنذر يقع درهمان ونصف للزكاة ويتصدق بمثلها عن النذر ا ه‍. فلو كان له نصاب حال عليه حولان ولم يزكيه فيهما لا زكاة عليه في الحول الثاني، ولو كان له خمس وعشرون من الابل لم يزكها حولين كان عليه في الحول الاول بنت مخاض وللحول الثاني أربع شياه، ولو كان له نصاب حال عليه الحول فلم يزكه ثم استهلكه ثم استفاد غيره وحال على النصاب المستفاد الحول لا زكاة فيه لاشتغال خمسة منه بدين المستهلك بخلاف ما لو كان الاول لم يستهلك بل هلك فإنه يجب في المستفاد لسقوط زكاة الاول بالهلاك، وبخلاف ما لو استهلك قبل الحول حيث لا يجب شئ. ومن فروعه ما إذا باع نصاب السائمة قبل الحول بيوم بسائمة مثلها أو من جنس آخر أو بدراهم يريد به الفرار من الصدقة أو لا يريد لا يجب عليه الزكاة في البدل إلا بحول جديد أو يكون له ما يضمه إليه في صورة الدراهم. وهذا بناء على أن استبداله السائمة بغيرها مطلقا استهلاك بخلاف غير السائمة. كذا في فتح القدير. وفي البدائع: وقالوا دين الخراج يمنع وجوب الزكاة لانه يطالبه به، وكذا إذا صار العشر دينا في الذمة بأن أتلف الطعام العشري صاحبه، فأما وجوب العشر فلا يمنع لانه متعلق بالطعام وهو ليس من مال التجارة، وذكر الشارح وغيره إن كان للمديون نصب يصرف الدين إلى الايسر قضاء فيصرف إلى الدراهم والدنانير ثم إلى عروض التجارة ثم إلى السوائم، فإن كانت أجناسا صرف إلى أقلها حتى لو كان له أربعون من الغنم وثلاثون من البقر وخمس من الابل صرف إلى الغنم أو إلى الابل دون البقر لان التبيع فوق الشاة، فإن استويا خير كأربعين من الغنم وخمس من الابل. وقيل: يصرف إلى الغنم لتجب الزكاة في الإبل في العام القابل. هكذا أطلقوا. وقيده في المبسوط بأن يحضر المصدق أي الساعي فإن لم يحضره فالخيار الى صاحب المال إن شاء صرف الدين إلى السائمة لان في حق صاحب المال هما سواء ا ه. وفي المحيط وإما الدين المعترض في خلال الحول فانه يمنع وجوب الزكاة بمنزلة هلاكه عند محمد وعند أبي يوسف لا يمنع بمنزلة نقصانه ا ه. وتقديمهم قول محمد يشعر بترجيحه وهو كذلك كما لا يفي وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا أبرأه فعند محمد يستأنف حولا جديدا لا عند أبي يوسف كما في

[ 359 ]

المحيط أيضا وأما الحادث بعد الحول فال يسقط الزكاة اتفاقا كذا في الخانية وغيرها. على هذا من ضمن دركا في بيع فاستحق المبيع بعد الحول لم تسقط الزكاة لان الدين إنما وجب عليه عند الاستحقاق كذا في غاية البيان. وشمل كلامه الدين بطريق الاصالة وبطريق الاصالة وبطريق الكفالة ولذا قال في المحيط: لو استقرض ألفا فكفل عنه عشرة ولكل ألف في بيته وحال الحول فلا زكاة على واحد منهم لشغله بدين الكفالة لانه له أن يأخذ من أيهم شاء بخلاف ما إذا كان له ألف وغصب ألفا وغصبها منه آخر له ألف وحال الحول على مال الغاصبين ثم أبرأهما فانه يزكي الغاصب الاول الفه والغاصبب الثاني لا لان الغاصب الاول لو ضمكن يرجع على الثاني والثاني لو ضمن لا يرجع على الاول فكان قرار الضمان عليه فصار الدين عليه مانعا ا ه. وظاهره أنه لو لم يبرئهما لا يكون الحكم كذلك وفي فتح القدير وغيره: لا يخرج عن ملك النصاب المذكور ما ملك بسبب خبيث ولذا قالوا: لو أن سلطانا غصب مالا وخلطة صار ملكا له حتى وجبت عليه الزكاة وورث عنه على قول أبي حنيفة لان خلط دراهمه بدراهم غيره عنده استهلاك أما على قولهما فلا يضمن فلا يثبت الملك لانه فرع أرفق بالناس إذ قل ما يخلو مال مشترك فإنما يورث حصة الميت منه. وفي الولواجية: وقوله أرفق بالناس إذ قل ما يخلو مال عن غصب ا ه. هكذا ذكروا وهو مشكل لانه وإن كان ملكه عند أبي حنيفة بالخلط فهو مشغول بالدين والشرط الفراغ عنه فينبغي أن لا تجب الزكاة فيه على قوله أيضا ولذا شرط

[ 360 ]

وبه صرح في شرح المنظومة ويجب عليه تفريغ ذمته برده إلى أربابه إن علموا والا إلى الفقراء قوله: (وهو قيد حسن الخ) قال في النهر: وينبغي أن يقيد بما إذا لم يكن له مال غيره يوفي منه الكل أو البغض فإن كان زكي ما قد رعلى وفائه. ثم رأيته في الحواشي السعدية قال: محمل ما ذكروه ما أذا كان له مال غير ما استهلكه بالخلط يفضل عنه فلا يحيط الدين بماله وهذا طب ما فهمته ولله تعالى. المنة ا ه. قلت: وقد رأيت ما يفيده في الفصل العاشر من التتارخانيه حيث ال عن فتاوى الحجة. ومن ملك أموالا غير طيبة أو غصب أموالا وخلطها ملكها بالخلط ملكها بالخلط ويصير ضامنا وان لم يكن له سواها نصاب فلا زكاة عليه في تلك الاموال وإن بلغت نصابا لانه مديون ومال المديون لا ينعقد سببا لوجوب الزكاة عندنا ا ه. وذكر في الشرنبلالية مثل ما في السعدية وبالجملة فوجوب الزكاة عليه مقيد بما إذا أبرأه الغرماء أو بما إذا كان له مال يوفي دينه وإلا فلا وبه يندفع الاشكال لكن لا بد أن يكون معه نصاب زائد على ما يوفي دينه لان ما مشغولا بالدين لا زكاة فيه وإنما يزكي ما زاد عليه إذا بلغ نصابا كما تفيده عبارة السعدية خلافا لما يوهمه كلام النهر. وعلى هذ فلم تجب عليه زكاة ما غصبه بل زكاة ماله الزائد عليه ففي هذا لاجواب نظر فتدبر. لا يقال قد يحمل على ما إذا كان له مال آخر من غير جنس مال الزكاة كدور السكنى وثياب البدن ونحوها فإذا كان له من ذلك ما يساوي ما عليه تلزمه الزكاة لان ما عليه مما غصبه وخلطه صار ملكه وله جهة وفاء مما ذكر لانا نقول: ما كان من الحوائج الاصلية لا يصير به غنيا فلو كان مديونا بما يساوي حوائجه الاصلية وقلنا بوجوب الزكاة في ذلك الدين لزم إيجاب الزكاة على الفقير الذي يحل له أخذ الزكاة ولان المرح به أن الدين يصرف إلى مال الزكاة حتى لو كان عليه دين وله مال الزكاة وغيره يصرف الدين إلى مال الزكاة ولو من غير جنسه خلافا لزفر حتى لو تزوج امرأة على خادم بغير عينه وله مائتا درهم وخادم يصرف الدين إلى المائتين دون الخادم خلافا لزفر صرح بذلك في البدائع فلا يمكن الحمل المذكور تأمل وقد يجاب عن أصل الاشكال كما أفاده شيخنا حفظه الله تعالى بأن ما غصبه السلطان وخلطه بماله إن كان أصحابه معلومين فلا كلام في وجوب ضمائه لهم وعدم وجوب الزكاة عليه بقدره قبل أداء ضمانه وإن كانوا غير معلومين أي لا هم ولا ورثنهم فعلى زكاته لانه صار ملكه بالخلط وهو وإن كانت ذمته مشغولة بقدره لكن هذا دين ليس له مطالب من جهة العباد في الدنيا فلا يمنع وجوب الزكاة قلت: لكن سيذكر المؤلف في أواخر فصل ذكاة الغنم عن المبسوط أن الظلمة بمنزلة الغارمين والفقراء حتى قال محمد بن سلمة: يجوز دفع الصدقد لوالي خراسان. ذكر قاضيحان في الجامع الصغير: لو أوصى بثلث ماله للفقراء فدفع إلى السلطان الجائر سقط ا ه‍. فكونه فقيرا يجوز دفع الصدقة إليه ينافي وجوب الزكاة عليه. نعم سيأتي في باب المصرف

[ 361 ]

ثم تصدق بها وله ألف درهم ثم تم الحول على ألفه زكاها استحسانا لان الالف المتصدق بها لم تصر دينا عليه في الحال لجواز أن يجيز صاحبها التصدق اه‍. وشرطفراغه عن الحاجة الاصلية لان المال المشغول بها كالمعدوم، وفسرها في شرح المجمة لابن الملك بما يدفع الهلاك عن الانسان تحقيقا أو تقديرا، فالثاني كالدين والاول كالنفقة ودور السكني وآلات الحرب والثياب المحتاج إليها لدفع الحر أو البرد وكآلات الحرفة وأثاث المنزل ودواب الركوب وكتب العلم لاهلها، فإذا كان له دراهم مستحقة ليصرفها إلى تلك الحوائج صارت كالمعدومة كما أن الماء المستحق لصرفه إلى العطش كان كالمعدوم وجاز عنده التيمم اه‍. فقد صرح بأن من معه دراهم وأمسكها بنية صرفها إلى حاجته الاصلية لا تجب الزكاة إذا حال الحول وهي عنده، ويخالفه ما في معراج الدراية في فصل زكاة العروض أن الزكاة تجب في النقد كيفما أمسكه للنماء أو المنفقة اه‍. وكذا في البدائع في بحث النماء التقديري: وما آلات الحرفة الصابون والحرض للغسال لا للبقال بخلاف العصفر والزعفران للصباغ والدهن والعفص للدباغ فإنها واجبة فيه لان المأخوذ فيه بمقابلة العين وقوارير العطارين ولجم الخيل والحمير المشتراة للتجارة ومقاودها وجلالها إن كان من غرض المشتري بيعها بها ففيها الزكاة وإلا فلا. كذا في فتح القدير. وما في النهاية من أن التقييد بالاهل في الكتب ليس بمفيد مما أنه إن لم يكن من أهلها وليست هي للتجارة لا تجب فيها الزكاة وإن كثرت لعدم النماء، وإنما يفيد ذكر الاهل في حق مصرف الزكاة فإذا كانت له كتب تساوي مائتي درهم وهو محتاج إليها للتدريس وغيره يجوز صرف الزكاة إليه، وأما إذا كان لا يحتاج إليها وهي تساوي مائتي درهم لا يجوز صرف الزكاة إليه اه‍. فغير مفيد لان كلامهم في بيان ما هو من الحوائج الاصلية ولا شك أن الكتب لغير الاهل ليست منها وهو تقييد مفيد كما لا يخفى. وشرط أن يكون النصاب ناميا والنماء في اللغة بالمد الزيادة والقصر بالهمز خطأ.

[ 362 ]

يقال نما المال ينمي نماء وينمو نموا وأنماه الله كذا في المغرب. وفي الشرع هو نوعان: حقيقي وتقديري. فالحقيقي الزيادة بالتوالد والتناسل والتجارات، والتقدير تمكنه من الزيادة بكون المال في يده أو يد نائبه، فلا زكاة على من لم يتمكن منها في ماله كمال الضمار، وهو في اللغة الغائب الذي لا يرجى فإذا رجي فليس بضمار. وأصله الاضمار وهو التغيب والاخفاء ومنه أضمر في قلبه شيأ. وفي الشرع كل مال غير مقدور الانتفاع به مع قيام أصل الملك. كذا في البدائع. فما في فتح القدير من أن مهر المرأة التي تبين أنها أمة، ودية اللحية التي تنبت بعد حقها، والمال المتصادق على عدم وجوبه، والهبة التي رجع فيها بعد الحول من جملة مال الضمار، فغير صحيح مطلقا لان الذي كان في يده المال في الحول كان متمكنا من الانتفاع به فلم يكن ضمارا في حقه، وكذا من لم يكن في يده إذ لا ملك له ظاهرا في الحول وإنما الحق في التعليل ما قدمناه عن الولوالجي من أنه بمنزلة الهالك بعد الوجوب، ومال الضمار هو الدين المجحود والمغصوب إذا لم يكن عليهما بينة فإن كان عليهما بينة وجبت الزكاة إلا في غصب السائمة فإنه ليس على صاحبها الزكاة، وإن كان الغاصب مقرا. كذا في الخانية. وفيها أيضا من باب المصرف: الدين المجحود إنما لا يكون نصابا إذا حلفه القاضي وحلف، أما قبل ذلك يكون نصابا حتى لو قبض منه أربعين درهما يلزمه أداء الزكاة اه‍. وعن محمد: لا تجب الزكاة وإن كان له بينة لان البينة قد لا تقبل والقاضي قد لا يعدل وقد لا يظهر بالخصومة بين يديه لمانع فيكون في حكم الهالك. وصححه في التحفة كذا في غاية البيان، وصححه في الخانية أيضا وعزاه إلى السرخسي. ومنه المفقود والآبق والمأخوذ مصادرة والمال الساقط في البحر والمدفون في الصحراء المنسي مكانه، فلو صار في يده بعد ذلك فلا بد له من حول

[ 363 ]

جديد لعدم الشرط وهو النمو، وأما المدفوفي حرز ولو دار غيره إذا نسيه فليس منه فيكون نصابا. واختلف المشايخ في المدفون في أرض مملوكة أو كرم، فقيل بالوجوب لامكان الوصول، وقيل لا لانها غير حرز. وأما إذا أودعه ونسي المودع قالوا: إن كان المودع من الاجانب فهو ضمار وإن كان من معارفه وجبت الزكاة لتفريطه بالنسيان في غير محله. وقيدنا الدين بالمجحود لانه لو كان على مقر ملي أو معسر تجب الزكاة لامكان الوصول إليه ابتداء أو بواسطة التحصيل، ولو كان على مقر مفلس فهو نصاب عند أبي حنيفة لان تفليس القاضي لا يصح عنده، وعند محمد لا يجب لتحقق الافلاس عنده بالتفليس، وأبو يوسف مع محمد في تحقق الافلاس ومع أبي حنيفة في حكم الزكاة رعاية لجانب الفقراء. كذا في الهداية. فأفاد أنه إذا قبض الدين زكاه لما مضى. قال في فتح القدير: وهو غير جار على إطلاقه بل ذلك في بعض أنواع الدين ولتوضح ذلك فنقول: قسم أبو حنيفة الدين على ثلاثة أقسام: قوي وهو بدل القرض ومال التجارة، ومتوسط وهو بدل ما ليس للتجارة كثمن ثياب البذلة وعبد الخدمة ودار السكني، وضعيف وهو بدل ما ليس بمال كالمهر والوصية وبدل الخلع والصلح عن دم العمد والدية وبدل الكتابة والسعاية. ففي القوي تجب الزكاة إذا حال الحول ويتراخى القضاء إلى أن يقبض أربعين درهما ففيها درهم، وكذا فيما زاد بحسابه. وفي المتوسط لا تجب ما لم يقبض نصابا ويعتبر لما مضى من الحول في صحيح الرواية. وفي الضعيف لا تجب ما لم يقبض نصابا ويحول الحول بعد القبض عليه وثمن السائمة كثمن عبد الخدمة. ولو ورث دينا على رجل فهو كالدين الوسط،

[ 364 ]

وروي أنه كالضعيف. وعندهما الديون كلها سواء تجب الزكاة قبل القبض، وكلما قبض شيأ زكاة قل أو كثر إلا دين الكتابة والسعاية. وفي رواية أخرجا الدية أيضا قبل الحكم بها وأرش الجراحة لانها ليست بدين على الحقيقة فلذا لا تصح الكفالة ببدل الكتابة، ولا يؤخذ من تركة من مات من العاقلة الدية لان وجوبها بطريق الصلة إلا أن يقول الاصل إن المسببات تختلف بحسب اختلاف الاسباب. ولو آجر عبده أو داره بنصاب إن لم يكونا للتجارة لا تجب ما لم يحل الحول بعد القبض في قوله، وإن كان للتجارة كان حكمه كالقوي لان أجرة مال التجارة كثمن مال التجارة في صحيح الرواية اه‍. وفي الولوالجية: وأما إذا أعتق أحد الشريكين عبدا مشتركا واختار المولى تضمين المعتق إن كان العبد للتجارة فحكمه حكم دين الوسط هو الصحيح، وإن كان العبد للخدمة فكذلك أيضا، وإن اختار استسعاء العبد فحكمه حكم الدين الضعيف اه‍. ومقتضى الاول أن العبد إذا كان للتجارة فحكم هذا الدين حكم الدين القوي وقد صرح

[ 365 ]

به في المحيط إلا أن الصحيح خلافه كما علمت ولعله ليس بلالا من كل وجه بدليل أن المولى مخير. ثم قال الولوالجي: وهذا كله إذا لم يكن عنده مال آخر للتجارة، فأما إذا كان عنده مال آخر للتجارة يصير المقبوض من الدين الضعيف مضموما إلى ما عنده فتجب فيها الزكاة وإن لم يبلغ نصابا، وكذا في المحيط وفيه: ولو كان له مائتا درهم دين فاستفاد في خلال الحول مائة درهم فإنه يضم المستفاد إلى الدين في حوله بالاجماع وإذا تم الحول على الدين لا يلزمه الاداء من المستفاد ما لم يقبض أربعين درهما. وعندهما: يلزمه وإن لم يقبض منه شيأ. وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا مات من عليه مفلسا سقط عنه زكاة المستفاد عنده لانه جعل مضموما إلى الدين تبعا له فسقط بسقوطه، وعندهما تجب لانه بالضم صار كالموجود في ابتداء الحول فعليه زكاة العين دون الدين اه‍. وقدمنا أن المبيع قبل القبض لا تجب زكاته على المشتري. وذكر في المحيط في بيان أقسام الدين أن المبيع قبل القبض قيل لا يكون نصابا لان الملك فيه ناقص بافتقاد اليد، والصحيح أنه يكون نصابا لانه عوض عن مال كانت يده ثابتة عليه وقد أمكنه احتواء اليد على العوض فتعتبر يده باقية على النصاب باعتبار التمكن شرعا اه‍. فعلى هذا قولهم لا تجب الزكاة معناه قبل قبضة، وأما بعد قبضه فتجب زكاته فيما مضى كالدين القوي. وفي المحيط: رجل وهب دينا له على رجل ووكل بقبضه فلم يقبضه حتى وجبت فيه الزكاة، فالزكاة على الواهب لان قبض الموهوب له كقبض صاحب المال اه‍. ثم اعلم أن هذا كله فيما إذا لم يبرئ صاحب الدين منه، أما إذا أبرأ المديون منه بعد الحول فإنه لا

[ 366 ]

زكاة عليه فيه، سواء كان ثمن مبيع أو قرضا أو غير ذلك. صرح به قاضيخان في فتاواه، لكن قيده في المحيط يكون المديون معسرا، أما لو كان موسرا فهو استهلاك وهو تقييد حسن يجب حفظه. وذكر في القنية أن فيه روايتين. ولم يبين المصنف رحمه الله ما يكون محلا للنماء التقديري من الاموال. وحاصله أنها قسمان: خلقي وفعلي. فالخلقي الذهب والفضة لانها تصلح للانتفاع بأعيانها في دفع الحوائج الاصلية فلا حاجة إلى الاعداد من العبد للتجارة بالنية إذا النية للتعيين وهي متعينة للتجارة بأصل الخلقة فتجب الزكاة فيها، نوى التجارة أو لم ينو أصلا أو نوى النفقة. والفعلي ما سواهما فإنما يكون الاعداد فيها للتجارة بالنية إذا كانت عروضا، وكذا في المواشي لا بد فيها من نية الاسامة لانها كما تصلح للدر والنسل تصلح للحمل وللركو ب. ثم نية التجارة والاسامة لا تعتبر ما لم تتصل بفعل التجارة والاسامة، ثم نية التجارة قد تكون صريحا وقد تكون دلالة، فالصريح أن ينوي عند عقد التجارة أن يكون المملوك به للتجارة، سواء كان ذلك العقد شراء أو إجارة، وسواء كان ذلك الثمن من النقود أو من العروض، فلو نوى أن يكون للبذلة لا يكون للتجارة، وإن كان الثمن من النقود فخرج ما ملكه بغير عقد كالميراث فلا تصح فيه نية التجارة إذا كان من غير النقود إلا إذا تصرف فيه، فحينئذ تجب الزكاة. كذا في شرح المجمع للمصنف. وفي الخانية: ولو ورث سائمة كان عليه الزكاة إذا حال الحول، نوى أو لم ينو. وخرج أيضا ما إذا دخل من أرضه حنطة تبلغ قيمتها قيمة نصاب ونوى أن يمسكها ويبيعها فأمسكها حولا لا تجب فيها الزكاة كما في الميراث، وكذا لو اشترى بدرا للتجارة وزرعها في أرض عشر استأجرها كان فيها العشر لا غير كما لم اشترى أرض خراج أو عشر للتجارة لم يكن عليه زكاة التجارة وخرج وزرعها في أرض عشر استأجرها كان فيها العشر لا غير كما لو اشترى أرض خراج أو عشر للتجارة لم يكن عليه زكاة التجارة إنما عليه حق الارض من العشر أو الخراج. وخرج ما ملكه بعقد ليس فيه مبادلة أصلا كالهبة والوصية والصدقة أو ملكه بعقد هو مبادلة مال بغير مال كالمهر بدل الخلع والصلح عن دم العمد وبدل العتق فإنه لا تصح فيه نية التجارة وهو الاصح لان التجارة كسب المال ببدل هو مال والقبول هنا اكتساب المال بغير بدل أصلا فلم يكن من باب التجارة فلم تكن النية مقارنة لعمل التجارة. كذا صححه في

[ 367 ]

البدائع. وقيدنا ببدل الصلح عن دم العمد لان العبد للتجارة إذا قتله عبد خطأ ودفع به فإن المدفوع يكون للتجارة. كذا في الخانية. ولو استقرض عروضا ونوى أن تكون للتجارة اختلف المشايخ، والظاهر أنها تكون للتجارة وإليه أشار في الجامع كما في البدائع. ولو اشترى عروضا للبذلة والمهنة ثم نوى أن تكون للتجارة بعد ذلك لا تصير للتجارة ما لم يبعها فيكون بدلها للتجارة لان التجارة عمل فلا تتم بمجرد النية بخلاف ما إذا كان للتجارة فنوى أن تكون للبذلة خرج عن التجارة بالنية وإن لم يستعمله لانها ترك العمل فتتم بها. قال الشارح الزيلعي: ونظيره المقيم والصائم والكافر والعلوفة والسائمة حيث لا يكون مسافرا ولا مفطرا ولا مسلما ولا سائمة ولا علوفة بمجرد النية ويكون مقيما وصائما وكافرا بالنية اه‍. فقد سوى بين العلوفة والسائمة. والمنقول في النهاية وفتح القدير أن العلوفة لا تصير سائمة بمجرد النية، والسائمة تصير علوفة بمجردها، وقد ظهر لي التوفيق بينهما أن كلام الشارح محمول على ما إذا نوى أن تكون السائمة علوفة وهي في المرعي. ولم يخرجها بعد فأنها بهذه النية لا تكون علوفة بل لا بد من العمل وهو إفراجها في المرعى ولم يرد بالعمل أن يعلفها، وكلام غيره محمول على ما إذا نوى أن تكون علوفة بعد إخراجها من المرعى، وهذا التوفيق يدل عليه ما في النهاية في

[ 368 ]

تعريف السائمة فليراجع. وأما الدلالة فهي أن يشتري عينا من الاعيان بعرض التجارة أو يؤاجر داره التي للتجارة بعرض من العروض فيصير للتجارة وإن لم ينو التجارة صريحا لكن ذكر في البدائع الاختلاف في بدل منافع عين معدة للتجارة، ففي كتاب الزكاة من الاصل أنه للتجارة بلا نية، وفي الجامع ما يدل على التوقف على النية فكان في المسألة روايتان، ومشايخ بلخ كانوا يصححون رواية الجامع لان العين وإن كانت للتجارة لكن قد يقصد ببدل منافعها المنفعة فيؤاجر الدابة لينفق عليها والدار للعمارة فلا تصير للتجارة مع التردد إلا بالنية اه‍. ثم اعلم أنه يستثني من اشتراط نية التجارة للوجوب ما يشتريه المضارب فإنه يكون للتجارة وإن لم ينوها أو نوى الشراء للنفقة حتى لو اشترى عبيدا بمال المضاربة ثم اشترى لهم كسوة وطعاما للنفقة كان الكل للتجارة وتجب الزكاة في الكل لانه لا يملك إلا الشراء للتجارة بمالها وإن نص على النفقة بخلاف المالك إذا اشترى عبيدا للتجارة ثم اشترى لهم طعاما وثيابا للنفقة فإنه لا يكون للتجارة لانه يملك الشراء لغير التجارة. كذا في البدائع. ويدخل في نية التجارة ما يشتريه الصباغ بنية أن يصبغ به للناس بالاجرة فإنه يكون للتجارة بهذه النية. وضابطه أن ما يبقى أثره في العين فهو مال التجارة، وما لا يبقى أثره فيها فليس منه كصابون الغسال كما قدمنا. ولم يذكر المصنف من شرائط الوجوب العلم به حقيقة أو حكما بالكون في دار الاسلام كما في البدائع لانه شرط لكل عبادة، وقد يقال: إنه ذكر الشروط العامة هنا كالاسلام والتكليف فينبغي ذكره أيضا اه‍. قوله (وشرط أدائها نية مقارنة للاداء أو لعزل ما وجب أو تصدق بكله) بيان لشرط الصحة فإن شرائطها ثلاثة أنواع: شرائط وجوب وهي ما ذكره إلا الحول فإنه من شروط وجوب الاداء بدليل جواز التعجيل قبله بعد وجود السبب، وأما النية فهي شرط الصحة لكل عبادة كما قدمناه وقد علمت من قوله أولا لله تعالى لكن المراد هنا بيان تفاصيلها. والاصل اقترانها بالاداء كسائر العبادات إلا أن الدفع يتفرق فيحرج باستحضار النية عند كل دفع فاكتفى بوجودها حالة العزل دفعا للحرج. وإنما سقطت عنه بلا نية فيما إذا تصدق بجميع النصاب لان الواجب جزء منه وقد وصل إلى مستحقه، وإنما تشترط النية لدفع المزاحم فلما أدى الكل زالت المزاحمة. أطلق المقارنة فشمل المقارنة الحقيقية وهو ظاهر، والحكمية كما إذا دفع بلا نية ثم حضرته النية والمال قائم في يد الفقير فإنه يجزئه وهو بخلاف ما إذا نوى بعد هلاكه، وكما إذا وكل رجلا بدفع زكاة ماله ونوى المالك عند الدفع إلى الوكيل فدفع الوكيل بلا نية فإنه يجزئه لان المعتبر نية الآمر لانه المؤدي حقيقة، ولو دفعها إلى ذمي ليدفعها إلى

[ 369 ]

الفقراء جاز لوجود النية من الآمر. ولو أدى زكاة غيره بغير أمره فبلغه فأجاز لم يجز لانها وجدت نفاذا على المتصدق لانها ملكه ولم يصر نائبا عن غيره فنفذت عليه. ولو تصدق عنه بأمره جاز ويرجع بما دفع عند أبي يوسف وإن لم يشترط الرجوع كالامر بقضاء الدين، وعند محمد لا رجوع له إلا بالشرط. وتمامه في الخانية: ولو أعطاه دراهم ليتصدق بها تطوعا فلم يتصدق بها حتى نوى الآمر أن تكون زكاته ثم تصدق بها أجزأه، وكذا لو قال تصدق بها عن كفارة يميني ثم نوى عن زكاة ماله. وفي الفتاوى: رجلان دفع كل واحد منهما زكاة ماله إلى رجل ليؤدي عنه فخلط مالهما ثم تصدق ضمن الوكيل، وكذا لو كان في يد رجل أوقاف مختلفة فخلط إنزال الاوقاف، وكذلك البياع والسمسار والطحان إلا في موضع يكون الطحان مأذونا بالخلط عرفا انتهى. وبه يعلم حكم من يجمع للفقراء، ومحله ما إذا لم يوكلوه فإن كان وكيلا من جانب الفقراء أيضا فلا ضمان عليه، فإذا ضمن في صورة الخلط لا تسقط الزكاة عن أربابها، فإذا أدى صار مؤديا مال نفسه. كذا في التجنيس. ولو لم يخلط الجابي فإنه يجوز دفع من أعطى قبل أن تبلغ الدراهم مائتين ولا يجوز لمن أعطى بعدما بلغت نصابا إن كان الفقير وكل الجابي وعلم المعطى ببلوغه نصابا، فإن لم يكن الجابي وكيل الفقير جاز مطلقا، وإن لم يعلم المعطى ببلوغه نصابا جاز في قول أبي حنيفة ومحمد. كذا في الظهيرية. وللوكيل بدفع الزكاة أن يدفعها إلى ولد نفسه كبيرا كان أو صغيرا وإلى امرأته إذا كانوا محاويج ولا يجوز أن يمسك لنفسه شيأ اه‍. إلا إذا قال ضعها حيث شئت فله أن يمسكها لنفسه. كذا في الولوالجية. وأشار المصنف إلى أنه لا يخرج بعزل ما وجب عن العهدة بل لا بد من الاداء إلى الفقير لما في الخانية: لو أفرز من النصاب خمسة ثم ضاعت لا تسقط عنه الزكاة. ولو مات بعد إفرازها كانت الخمسة ميراثا عنه اه‍. بخلاف ما إذا ضاعت في يد الساعي لان يده كيد الفقراء. كذا في المحيط. وفي التجنيس: لو عزل الرجل زكاة ماله ووضعه في ناحية من بيته فسرقها منه سارق لم تقطع يده للشبهة، وقد ذكر في كتاب السرقة من هذا الكتاب أنه يقطع السارق غنيا كان أو فقيرا اه‍ بلفظه. وإلى أنه لو أخر الزكاة ليس للفقير أن يطالبه ولا أن يأخذ ماله بغير علمه وإن أخذ كان لصاحب المال أن يسترده إن كان قائما ويضمنه إن كان هالكا، فإن لم يكن في قرابة من عليه الزكاة أو في قبيلته أحوج من هذا الرجل فكذلك ليس له أن يأخذها له، وإن أخذ كان ضامنا في الحكم، أما فيما بينه وبين الله تعالى يرجى أن يحل له الاخذ. كذا في الخانية أيضا. وإلى أنه لو مات من عليه الزكاة لا تؤخذ من تركته لفقد شرط صحتها وهو النية إلا إذا أوصى بها فتعتبر من الثلث كسائر التبرعات وإلى أنه لو امتنع من أدائها فالساعي لا يأخذ منه كرها، ولو أخذ لا يقع عن الزكاة لكونها بلا اختيار ولكن يجبره بالحبس ليؤدي بنفسه لان الاكراه لا يسلب الاختيار بل الطواعية فيتحقق الاداء عن اختيار. كذا في المحيط. وفي مختصر الطحاوي: ومن امتنع عن أداء زكاة ماله

[ 370 ]

وأخذها الامام كرها منه فوضعها في أهلها أجزأه لان للامام ولاية أخذ الصدقات فقام أخذه مقام دفع المالك اه‍. وفي القنية: فيه إشكال لان النية فيها شرط ولم توجد منه اه‍. وفي المجمع: ولا نأخذها من سائمة امتنع ربها من أدائها بغير رضاه بل نأمره ليؤديها اختيارا اه‍. والمفتى به التفصيل إن كان في الاموال الظاهرة فإنه يسقط الفرض عن أربابها بأخذ السلطان أو نائبه لان ولاية الاخذ له فبعد ذلك إن لم يضع السلطان موضعها لا يبطل أخذه عنه، وإن كان في الاموال الباطنة فإنه لا يسقط الفرض لانه ليس للسلطان ولاية أخذ زكاة الاموال الباطنة فلم يصح أخذه. كذا في التجنيس والواقعات والولوالجية. وقيد بالتصدق بالكل لانه لو تصدق ببعض النصاب بلا نية اتفقوا أنه لا يسقط زكاة كله، واختلفوا زكاة في سقوط ما تصدق به فقال محمد بسقوطه، وقال أبو يوسف عليه زكاة كله إلا إذا كان الموهوب مائة وستة وتسعين فحينئذ. تسقط كذا في المبتغى بالغين المعجمة. وأطلق في التصدق بالكل فشمل العين والدين فلو كان له على فقير دين فأبرأه عنه سقط زكاته عنه، نوى الزكاة أولم ينو لما قدمناه، ولو أبرأه عن البعض سقط زكاة ذلك البعض ولا تسقط عنه زكاالباقي ولو نوى به الاداء عن الباقي يصير عينا بالقبض فيصير مؤديا الدين عن العين، والاصل فيه أن أداء العين عن العين وعن الدين يجوز، وأداء الدين عن العين وعن دين سيقبض لا يجوز، وأداء الدين عن دين لا يقبض يجوز. كذا في شرح الطحاوي. وحيلة الجواز أن يعطى المديون الفقير خمسة زكاة ثم يأخذه منه قضاء عن دينه كذا في المحيط ولو أمر فقيرا يقبض دين له على اخر نواه عن زكاة عين عنده جاز لان الفقير يقبض عينا فكان عينا عن عين. كذا في الولوالجية. وقيدنا بكون من عليه الدين فقيرا لانه لو كان غنيا فوهبه بعد الحول ففيه روايتان، أصحهما الضمان كما في المحيط وقد قدمناه. وشمل أيضا ما إذا لم ينو شيأ أصلا أو نوى غير الزكاة وهو الصحيح فيما إذا نوى التطوع، أما إذا تصدق بكله ناويا النذر أو واجبا آخر فإنه يقع عما نوى ويضمن قدر الواجب. كذا في التبيين. وفي شرح الطحاوي: لو وجبت الزكاة في مائتي درهم فأدى خمسة ونوى ذلك تطوعا سقطت عنه زكاة الخمسة وهي ثمن درهم ولا تسقط عنه زكاة الباقي اه‍. وينبغي أن يكون مفرعا على قول محمد كما لا يخفى. ولم يشترط المصنف رحمه الله علم الآخذ بما يأخذه أنه زكاة للاشارة إلى أنه ليس بشرط وفيه اختلاف، والاصح كما في المبتغى والقنية أن من أعطى مسكينا دراهم وسماها هبة أو قرضا ونوى الزكاة فإنها تجزئه، ولم يشترط أيضا الدفع من عين

[ 371 ]

مال الزكاة لما قدمناه من أنه لو أمر إنسانا بالدفع عنه أجزأه لكن اختلف فيما إذا دفع من مال آخر خبيث. وظاهر القنية ترجيح الاجزاء استدلالا بقولهم: مسلم له خمر فوكل ذميا فباعها من ذمي فللمسلم أن يصرف هذا الثمن إلى الفقراء من زكاة ماله اه‍. وفي الخانية: إذا هلكت الوديعة عند المودع فدفع القيمة إلى صاحبها وهو فقير لدفع الخصومة يريد به الزكاة لا يجزئه اه‍. وفي القنية: عليه زكاة ودين أيضا والمال يفي بأحدهما يقضي دين الغريم ثم يؤدي حق الكريم اه‍. وفي الظهيرية: له خمس من الابل وأربعون شاة فأدى شاة لا ينوي عن أحدهما صرفها إلى أيهما شاء كما لو كفر عن ظهار امرأتين بتحرير رقبة كان له أن يجعل عن أيتهما شاء اه‍. وفي فتح القدير: والافضل في الزكاة الاعلان بخلاف صدقة التطوع. وفي الولوالجية: إذا أدى خمسة دراهم ونوى الزكاة والتطوع جميعا يقع عن الزكاة عند أبي يوسف، وعند محمد عن النفل لان نية النفل عارض نية الفرض فبقي مطلق النية، لابي يوسف أن نية الفرض أقوى فلا يعارضها نية النفل اه‍. وأطلق في عزل ما وجب فشمل ما إذا عزل كل ما وجب أو بعضه. وفي الخانية من باب الاضحية: للوكيل بدفع الزكاة أن يوكل بلا إذن ولا يتوقف. وفي القنية من باب الوكالة بأداء الزكاة: لو أمره أن يتصدق بدينار على فقير معين فدفعها إلى فقير آخر لا يضمن. ثم رقم برقم آخر أنه في الزكاة يضمن وله التعين اه‍. والقواعد تشهد للاول لانهم قالوا: لو قال لله علي أن أتصدق بهذا الدينار على فلان فله أن يتصدق على غيره. وفي الواقعات: ولو شك رجل في الزكاة فلم يدرا زكى أم لا فإنه يعيد. فرق بين هذا وبين ما إذا شك في الصلاة بعد ذهاب الوقت أصلاها أم لا، والفرق أن العمر كله وقت لاداء الزكاة فصار هذا بمنزلة شك وقع في أداء الصلاة أنه أدى أم لا وهو في وقتها ولو كان كذلك يعيد اه‍. ووقعت حادثة هي أن من شك هل أدى جميع ما عليه من الزكاة أم لا بأن كان يؤدي متفرقا ولا يضبطه هل يلزمه إعادتها، ومقتضى مذكرنا لزوم

[ 372 ]

الاعادة حيث لم يغلب على ظنه دفع قدر معين لانه ثابت في ذمته بيقين فلا يخرج عن العهدة بالشك والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. باب صدقة السوائم أي زكاتها قالوا: حيث أطلقت الصدقة في الكتاب العزيز فالمراد بها الزكاة. وبدأ أكثرهم ببيان السوائم اقتداء بكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها كانت مفتتحة بها ولكونها أعز أموال العرب. والسوائم جمع سائمة ولها معنيان: لغوي وفقهي. قال في المغرب، سامت الماشية رعت سوما وأسامها صاحبها أسامة، والسائمة عن الاصمعي كل إبل ترسل ترعي ولا تعلف في الاهل اه‍. وفي ضياء الحلوم: السائمة المال الراعي قوله (هي التي تكتفي بالرعي في أكثر السنة) بيان للسائمة بالمعنى الفقهي لان اسم السائمة لا يزول بالعلف اليسير ولانه لا يمكن الاحتراز عنه. قيد بالاكثر لافادة أنه لو علفها نصف الحول فإنها لا تكون سائمة فلا زكاة فيها لوقوع الشك في السبب لان المال إنما صار سببا بوصف الاسامة فلا يجب الحكم مع الشك. اعترض في النهاية بأن مرادهم تفسير السائمة التي فيها الحكم المذكور فهي تعريف بالاعم إذ بقي قيد كون ذلك لغرض النسل والدر والتسمين وإلا فيشمل الاسامة لغرض الحمل والركوب وليس فيها زكاة وأقره عليه في فتح القدير. وقد يجاب بأنهم إنما تركوا القيد لتصريحهم بعد ذلك بأن ما كان للحمل والركوب فإنه لا شئ فيه، وصرحوا أيضا بأن العروض إذا كانت للتجارة يجب فيها زكاة التجارة وقالوا: إن العرض خلاف النقد فيدخل فيه الحيوانات. وحاصله أنه إن أسامها للحمل أو للركوب فلا زكاة أصلا، أو للتجارة ففيها زكاة التجارة، أو للدر والنسل ففيها الزكاة المذكورة في هذا الباب. وفي المحيط: ولو اشتراها للتجارة ثم جعلها سائمة يعتبر الحول من وقت الجعل لان حوزكاة التجارة يبطل بجعلها للسوم لان زكاة السوائم وزكاة التجارة مختلفان قدرا وسببا فلا يبني حول أحدهما على الآخر اه‍. فإن قلت: قد اقتصر الزيلعي وغيره على أن المراد بها التي تسام للدر والنسل فيفيد أنها لو كانت كلها ذكورا لا تجب الزكاة فيها، والمصرح به في البدائع والمحيط أنه لا فرق بين

[ 373 ]

كونها كلها إناثا أو كونها كلها ذكورا أو بعضها ذكورا وبعضها إناثا. قلت: المقصود من هذا الشرط نفي كون الأسامة للحمل والركوب أو للتجارة لا اشتراط أن تكون للدر والنسل، ولذا زاد في المحيط ان تسام لقصد الدر والنسل والزيادة والسمن، فالذكور فقط تسام للزيادة والسمن لكن في البدائع: لو أسامها للحم لا زكاة فيها كالحمل والركوب. وفي القنية: له إبل عوامل يعمل بها في السنة أربعة أشهر ويسمنها في الباقي ينبغي أن لا يجب فيها الزكاة اه‍. والرعي مصدر رعت الماشية الكلا والرعي بالكسر الكلا نفسه. كذا في المغرب. والمناسب هنا ضبطه بالفتح لان السائمة في الفقه هي التي ترعى ولا تعلففي الاهل لقصد الدر والنسل كما في فتح القدير، فلو حمل الكلا إليها في البيت تكون سائمة فلو ضبط الرعي في كلامهم هنا بالكسر لكانت سائم، ولا بد أن يكون الكلا الذي ترعاه مباحا كما قيده الشمني به لان الكلا في اللغة كل ما رعت الدواب من الرطب واليابس فيدخل فيه غير المباح. قوله (ويجب في خمس وعشرين ابلا بنت مخاض وفيما دونه في كل خمس شاة وفي ست وثلاثين بنت لبون وفي ست وأربعين حقة وفي احدى وستين جذعة وفي ست وسبعين بنتا لبون وفي احدى وتسعين حقتان إلى مائة وعشرين) بهذا اشتهرت كتب الصدقات من رسول الله صلى الله عليه وسلم. والابليس لها واحد من لفظها والنسبة إليها إبلي بفتح الباء كقولهم في النسبة إلى سلمة سلمي بالفتح لتوالي الكسرات مع الياء. والمخاض النوق الحوامل، وابن المخاض هو الفصيل الذي حملت أمه قبل ابن اللبون بسنة، وكذلك بنت المخاض. والمخاض أيضا وجع الولادة قال تعالى

[ 374 ]

* (فأجاها المخاض إلى جذع النخلة) * (مريم: 23) وشاة لبون ذات لبن، وابن اللبون الذي استكمل سنتين ودخل في الثالثة، والحق من الابل ما استكمل ثلاث سنين ودخل في الرابعة، والحقة الانثى والجمع حقاق، والجذع من البهائم قيل الثني إلا أنه من الابل في السنة الخامسة والانثى جذعة. هذا في اللغة. وفي الشريعة والمراد ببنت المخاض ما تم لها سنة، وبنت اللبون ما تم لها سنتان، وبالحقة ما تم لها ثلاث، وبالجذعة ما تم لها أربع. ذكر الزيلعي في فصل المحرمات من النكاح أن قيد كونها بنت مخاض أو بنت لبون خرج مخرج العادة لا مخرج الشرط فالمراد السن لا أن تكون أمها مخاضا أو لبونا اه‍. واقتصر الفقهاء على هذه الاسنان الاربعة لان ما عداها لا مدخل لها في الزكاة كالثني والسديس والباذل تيسيرا على أرباب الاموال بخلاف الاضحية فإنها لا تجوبهذه الاسنان لانه لا يجوز فيها إلا الثني ولا يجوز الجذع إلا من الضأن وقالوا: هذه الاسنان الاربعة نهاية الابل في الحسن والدر والنسل والقوة وما زاد عليه فهو رجوع كالكبر والهرم. والاصل في هذا الباب أنه توقيفي، وما في المبسوط مما يفيد أنه معقول المعنى فإنه قال: إن إيجاب الشاة في خمسة من الابل لان المأمور به ربع العشر بقوله عليه الصلاة والسلام هاتوا ربع عشر أموالكم والشاة تقرب من ربع عشر فإن الشاة كانت تقوم بخمسة دراهم هناك وابنة مخاض بأربعين درهما فإيجاب الشاة في الخمس كإيجابها في المائتين من الدراهم ففيه نظر، لانه قد ورد في الحديث أن من وجب عليه سن فلم يوجد عنده فإنه يضع العشرة موضع الشاة عند عدمها وهو مصرح بخلافه. وقيد المصنف السن الواجب في الابل بالاناث لانه لا يجوز فيها دفع الذكور كبن المخاض إلا بطريق القيمة للاناث إلا فيما دون خمس وعشرين من الابل فإنه يجوز الذكور كابن المخاض إلا بطريق القيمة للاناث إلا فيما دون خمس وعشرين من الابل فإنه يجوز الذكر والانثى لان النص ورد باسم الشاة فإنها تقع على الذكر والانثى بخلاف البقر والغنم فإنه يجوز في السن الواجب فيهما الذكور والاناث كما سيصرح به من التبيع والمسن. وفي البدائع: ولا يجوز في الصدقة إلا ما يجوز الاضحية. وأطلق فيه الابل فشمل الذكور والاناث كما قدمناه لان الشرع ورد بنصابها باسم الابل والبقر والغنم، واسم الجنس يتناول جميع الانواع بأي صفة كانت كاسم

[ 375 ]

الحيوان، وسواء كان متولدا من الاهليين أو من أهلي ووحشي بعد أن كان الام أهلية كالمتولد من الشاة والظبي إذا كان أمه شاة، والمتولد من البقر الاهلي والوحشي إذا كان أمه أهلية فتجب الزكاة فيه. كذا في البدائع. وشمل الصغار والكبار لكن بشرط أن لا يكون الكل صغارا لما سيصرح به بعد ذلك فالصغار تبع للكبار عند الاختلاط. وشمل الاعمى والمريض والاعرج في العدد ولا يؤخذ في الصدقة كما في الولوالجية، وشمل السمان والعجاف لكن قالوا: إذا كان له خمس من الابل مهازيل وجب فيها شاة بقدرهن، ومعرفة ذلك أن ينظر إلى الشاة الوسط كم هي من بنت المخاض الوسط، فإن كانت قيمة بنت مخاض وسط خمسين وقيمة الشاة الوسط عشرة تبين أن الشاة الوسط خمس بنت مخاض فوجب في المهازيل شاة قيمتها قيمة خمس واحدة منها، وإن كان سدسها فسدس، وعلى هذا قياسه. وإن كان لا يبلغ قيمة كلها قيمة بنت مخاض وسط ينظر إلى قيمة أعلاهن فيجب فيها من الزكاة قدر خمس أعلاهن، فإن كانت قيمة أعلاهن عشرين فخمسه أربعة فيجب فيها شاة تساوي أربعة دراهم، وإن كانت قيمة أعلاهن ثلاثين فخمسه ستة دراهم لانه لاوجه لا يجاب الشاة الوسط لانه لعل قيمتها تبلغ قيمة واحدة من العجاف أو تربو عليها فيؤدي إلى الاحجاف بأرباب الاموال فأوجبنا شاة بقدرهم ليعتدل النظر من الجانبين، وكذا في العشرة منها يجب شاتان بقدرهم إلى خمس وعشرين فيجب واحدة من أفضلهن، وتمام تفريعات زكاة العجاف في الزيادات والمحيط وغيرها. قوله: (ثم في كل خمس شاة إلى مائة وخمس وأربعين ففيها حقتان وبنت مخاض وفي مائة وخمسين ثلاث حقاق ثم في كل خمس شاة وفي مائة وخمس وسبعين ثلاث حقاق وبنت مخاض وفي مائة وست وثمانين ثلاث حقاق وبنت لبون وفي مائة وست وتسعين أربع حقاق إلى مائتين ثم تستأنف أبدا كما بعد مائة وخمسين) كما ورد ذلك في كتاب عمرو بن جزم. وفي المبسوط وفتاوي قاضيخان: إذا صارت مائتين فهو مخير إن شاء أدى فيها أربع حقاق في كل خمسين حقة، وإن شاء أدى خمس بنات لبون في كل أربعين بنت لبون. وفي معراج الدراية: إن له الخيار فيما إذا كانت مائة وستا وتسعين إن شاء أدى أربع حقاق وإن شاء صبر

[ 376 ]

لتكمل مائتين فيخير بينها وبين خمس بنات لبون. وإنما قيد في الاستئناف بقوله كما بعد مائة وخمسين ليفيد أنه ليس كالاستئناف الذي بعد المائة والعشرين. والفرق بينهما أن في الاستئناف الثاني إيجاب ليفيد أنه ليس كالاستئناف الذي بعد المائة والعشرين، والفرق بينهما أن في الاستئناف الثاني إيجاب بنت لبون، وفي الاستئناف الاول لم يكن لانعدام نصابه، وأن الواجب في الاستئناف الاول تغير من الخمس إلى الخمس إلى أن تستأنف الفريضة، وفي الاستئناف الثاني لم يكن كذلك، فازداد على المائتين خمس ففيها شاة مع الاربع حقاق أو الخمس بنات لبون، وفي عشر شاتان معها، وفي خمسة عشر ثلاث شياه معها، وفي عشرين أربع معها، فإذا بلغت مائتين وخمسا وعشرين ففيها بنت مخاض معها إلى ست وثلاثين فبنت لبون معها إلى ست وأربعين ومائتين ففيها خمس حقاق إلى مائتين وخمسين، ثم تستأنف كذلك ففي مائتين وست وتسعين ست حقاق إلى ثلثمائة وهكذا قوله: (والبخت كالعراب) لان اسم الابل يتناولهما واختلافهما في النوع لا يخرجهما من الجنس. والبخت جمع بختى وهو الذي تولد من العربي والعجمي منسوب إلى بخت نصر. والعراب عربي للبهائم وللاناسي عرب ففرقوا بينهما في الجمع. والعرب هم الذين استوطنوا المدن والقرى العربية والاعراب أهل البدو واختلف في نسبتهم، فالاصح أنهم نسبوا إلى عربة بفتحتين وهي من تهامة لان أباهم اسمعيل عليه السلام نشأ بها. كذا في المغرب والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. باب صدقة البقر قدمت على الغنم لقربها من الابل في الضخامة حتى يشملها اسم البدنة. وفي المغرب: بقر بطنه شقه من باب طلب. والباقور والابقور والبقر سواء، وفي التكملة عن قطرب الباقورة البقر ا ه‍. والبقر جنس واحده بقرة ذكرا كان أو أثنى كالتمر والتمرة فالتاء للوحدة لا للتأنيث، وفي ضياء الحلوم: الباقر جماعة البقر مع رعائها قوله: (في ثلاثين بقرا تبيع ذو سنة أو تبيعة وفي أربعين مسن ذو سنتين أو مسنة وفيما زاد بحسابه إلى ستين ففيها تبيعان وفي سبعين مسنة وتبيع وفي ثمانين مسنتان فالفرض يتغير في كل عشر من تبيع إلى

[ 377 ]

مسنة) بهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا حين بعثه إلى اليمن ولا خلاف فيما في المختصر إلا في قوله وفيما زاد على الاربعين فبحسابه ففيه روايات عن الامام، فما في المختصر رواية عن أبي يوسف عنه فيجب في الزائد إذا كان واحدة جزء من أربعين جزأ من مسنة، وروى الحسن عنه أنلا شئ فيما زاد إلى خمسين ففي الخمسين مسنة وربع مسنة أو ثلث تبيع وروى أسد بن عمرو عنه أن لا شئ في الزيادة إلى ستين وهو قولهما، وظاهر الرواية ما في المختصر كذا في غاية البيان لكن في المحيط رواية أسد أعدل الاقوال. وفي جامع الفقه: قولهما هو المختار وذكر الاسبيجابي أن الفتوى على قولهما كما ذكره العلامة قاسم في تصحيحه على القدوري. وسمي الحولي من أولاد البقر بالتبيع لانه يتبع أمه بعد. والمسن من البقر والشاء ما تم له سنتان، ومن الابل ما دخل في السنة الثامنة. ثم لا يتعين الانوثة في هذا الباب ولا في الغنم بخلاف الابل لانها لا تعد فضلا فيهما بخلاف الابل وفي المحيط معزيا إلى الزيادات: له أربعون من البقر عجافا فعليه مسنة بقدرهن. ومعرفة ذلك أن ينظر إلى قيمة التبيع الوسط وقيمة المسنة الوسط، فإن كانت قيمة التبيع أربعين وقيمة المسنة خمسين تبين أن المسنة مثل تبيع وربع تبيع فعليه واحدة من أفضلهن وربع التي تليها، وإنت كان قيمة أفضلهن ثلاثين وقيمة التي تليها عشرين فعليه مسنة قيمتها خمسة وثلاثون وعلى هذا تجري المسائل اه‍ قوله: (والجاموس كالبقر) لان اسم البقر يتناولهما إذ هو نوع منه فيكمل نصاب البقر به وتجب فيه زكاتها، وعند الاختلاط تؤخذ الزكاة من أغلبها إن كان بعضها أكثر من بعض، وإن لم يكن فيأخذ أعلى الادنى وأدنى الاعلى. ولا يرد عليه ما إذا حلف لا يأكل لحم البقر فأكله فإنه لا يحنث كما في الهداية، لان أوهام الناسلا تسبق إليه في ديارنا لقلته. وفي فتاوي قاضيخان من فصل الاكل من الايمان قال بعضهم: لو حلف لا يأكل البقر فأكل لحم الجاموس حنث. ولو حلف أن لا يأكل لحم الجاموس فأكل لحم البقر لا يحنث وهذا أصح، وينبغي أن لا يحنث في الفصلين للعرف ا ه‍. فعلى هذا التصحيح كان التشبيه في قوله كالجاموس عاما في الايمان أيضا ويوافقه ما في المحيط: والجواميس بمنزلة البقر، ولهذا لو حلف لا يشتري بقرا فاشترى جاموسا يحنث بخلاف البقر الوحشي لانه ملحق بخلاف الجنس كالحمار الوحشي وإن ألفت فيما بيننا لا يلتحق بالاهلي حكما حتى يبقى حلال الاكل فكذا البقر الوحشي ا ه‍. والحق ما في الهداية وفي التبيين. وقوله والجاموس كالبقر ليس بجيد لانه يوهم أنه ليس ببقر ا ه‍. وجوابه أنه لما كان في العرف ليس ببقر كان ذلك كافيا في التغاير المقتضي لصح التشبيه، وعبارة الولوالجي أحسن وهي: والجواميس من البقر لانها نوع منه والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.

[ 378 ]

فصل في الغنم سميت (به لانه ليس لها آلة الدفاع فكانت غنيمة لكل طالب قوله: (في أربعين شاة شاة وفي مائة وإحدى وعشرين شاتان وفي مائتين وواحدة ثلاث شياه وفي أربعمائة أربع شياه ثم في كل مائة شاة شاة) بالاجماع وقدمنا أن الشاة تشمل الذكر والانثى. وفي المحيط: والمتولد بين الغنم والظباء يعتبر فيه الام، فإن كانت غنما وجبت فيها الزكاة ويكمل به النصاب وإلا فلا. وفي الولوالجية: لو كان لرجل مائة وعشرون شاة حتى وجبت فيها شاة ليس للساعي أن يفرقها فيجعلها أربعين أربعين فيأخذ ثلاث شياه لان باتحاد الملك صار الكل نصابا، ولو كان بين رجلين أربعون شاة حتى لم يجب على كل واحد منها الزكاة ليس للساعي أن يجمعها ويجعلها نصابا ويأخذ الزكاة منها لان ملك كل واحد منهما قاصر على النصاب ا ه‍. وفي العجاف إن كانت شاة وسط تعينت وإلا واحدة من أفضلها، فإن كانت نصابين أو ثلاثة كمائة وإحدى وعشرين أو مائتين وواحدة وفيها عدد الواجب وسط تعينت هي أو قيمتها، وإن بعضه تعين هو وكمل من أفضلها بقية الواجب فتجب الواحدة الوسط واحدة أو اثنتان عجفا وأن يحسب ما يكون الواجب والموجود، وتمامه في الزيادات قوله: (والمعز كالضأن) لان النص ورد باسم الشاة والغنم وهو شامل لهما فكانا جنسا واحدا. وفي فتح القدير: والضأن والمعز سواء أي في تكميل النصاب لا في أداء الواجب ا ه‍. وفي المعراج الضأن جمع ضائن كركب جمع راكب من ذوات الصوف والضأن اسم للذكر، والنعجة للانثى، والمعزذات الشعر اسم للانثى واسمن الذكر التيس قوله: (ويؤخذ الثني في زكاته لا الجذع) لقول علي رضي الله عنه: لا يجزئ في الزكاة إلا الثني فصاعدا. أو أطلقه فشمل الضأن والمعز ولا خلاف أنه لا يؤخذ في المعز إلا الثني كما ذكره قاضيخان. واختلف في الضأن، فما في المختصر ظاهر الرواية ويقابله جواز الجذع وهو قولهما قياسا على الاضحية وهو ممتنع لان جواز التضحية به عرف نصا فلا يلحق به غيره والثني ما تم له سنة. واختلف في الجذع ففي الهداية أنه ما أتى عليه أكثرها، وذكر الناطفي أنه ماتم له ثمانية أشهر، وذكر

[ 379 ]

الزعفراني أنه ما تم له سبعة أشهر وذكر الاقطع. قال الفقهاء: الجذع من الغنم ماله ستة أشهر ا ه‍. وهو الظاهر وحاصله أن الجذع من الغنم عند الفقهاء ابن نصف سنة، ومن البقر ابن سنة، ومن الابل ابن أربع سنين، والثني عندهم ما تم له سنة من الغنم، ومن البقر ابن سنتين من الابل ابن خمسة، والمذكور في التبيين من كتاب الاضحية أن الثني من الضأن والمعز سواء وهو ماتم له سنة، ولم أرسن الجذع من المعز عند الفقهاء وإنما نقلوه عن الازهري أن الجذع من المعز ما تم له سنة. قوله: (ولا شئ في الخيل) اختيار لقولهما لحديث البخاري مرفوعا ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة (1) ولا يريد عليه أن فيها زكاة التجارة إذا كانت لها اتفاقا لان كلامه في زكاة السوائم لا مطلق الزكاة، وأما عند أبي حنيفة فلا يخلوا إما إن تكون سائمة أو علوفة، وكل منهما لا يخلو إما أن تكون للتجارة أولا، فإن كانت للتجارة وجبت فيها زكاة التجارة سائمة كانت أو علوفة لانها من العروض، وإن لم تكن للتجارة فلا يخلو إما أن تكون للحمل والركوب أو لا، فإن كانت للحمل والركوب فلا شئ فيها مطلقا، وإن كانت لغيرهما فإما أن تكون سائمة أو علوفة، فإن كانت علوفة فلا شئ فيها، وإن كانت سائمة للدر والنسل فلا يخلو فإن كانت ذكورا وإناثا فلا يخلوا، فإن كانت من أفراس العرب فصاحبها بالخير إن شاء أعطى عن كل فرس دينارا وإن شاء قومها وأعطى عن كل مائتين خمسة دراهم وهو مأثور عن عمر رضي الله عنه كما في الهداية. وإن لم تكن من أفراس العرب فإنها تقوم ويؤدي عن كل مائتين خمسة دراهم، والفرق أن أفراس العرب لا تتفاوت تفاوتا فاحشا بخلاف غيرها كما في الخانية. وإن كانت ذكورا فقط أو إناثا، فقط فعنه روايتان المشهور منهما عدم الوجوب، لانها غير معدة للاستنماء لان معنى النسل لا يحصل منها ومعنى السمن فيها غير معتبر لانه غير مأكول اللحم. كذا في المحيط وصححه في البدائع. وفي التبيين: الاشبه أن تجب في الاناث لانها تتناسل بالفحل المستعار ولا تجب في الذكور لعدم النماء. ورجح قوله شمس الائمة وصاحب التحفة وتبعهما في فتح القدير وذكر في الخانية أن الفتوى على قولهما، وأجمعوا أن الامام لا يأخذ منهم صدقة الخيل جبرا ا ه‍. واختلف المشايخ على قوله في اشتراط نصابلها والصحيح أنه لا يشترط لعدم النقل بالتقدير قوله: (ولا في الحمير والبغال لقوله عليه السلام لم ينزل على فيهما شئ والمقادير ثبتت سماعا إلا أن تكون للتجارة لان الزكاة حينئذ تتعلق بالمالية كسائر أموال التجارة.

[ 380 ]

قوله: (ولا في الحملان والفصلان والعجاجيل) الحملان بضم الحاء، وفي الديوان بكسرها جمع حمل بفتحتين ولد الشاة، والفصلان جمع فصيل ولد الناقة قبل أن يصير ابن مخاض، والعجاجيل جمع عجول بمعنى عجل ولد البقرة، وعدم الوجوب في الصغار من السوائم قولهما. وقال أبو يوسف: تجب واحدة منها. وفي المحيط: تكلموا في صورة المسألة فإنها مشكلة لان الزكاة لا تجب بدون مضي الحول وبعد الحول لم تبق صغارا، قيل: إن صورتها أن الحول هل ينعقد على هذه الصغار بأن ملكها في أول الحول ثم تم الحول عليها هل تجب الزكاة فيها وإن لم تبق صغارا، وقيل: صورتها إذا كانت لها أمهات فمضت ستة أشهر فولدت أولادا ثم ماتت الامهات وبقيت الاولاد ثم تم الحول عليها وهي صغار هل تجب الزكاة فيها أم لا وهو الاصح، لابي يوسف أنا لو أوجبا فيها ما يجب في المسان كما قال زفر أجحفنا بأرباب الاموال، ولو أوجبنا فيها شاة أضررنا بالفقراء فأوجبنا واحدة منها استدلالا بالمهازيل فإن نقصان الوصف لما أثر في تخفيف الواجب لا في أسقاطه فكذلك في إسقاطه السن، والصحيح قول أبحنيفة لان النص أوجب للزكاة أسنانا مرتبة ولا مدخل للقياس في ذلك وهو مفقود في الصغار ا ه‍. وفي معراج الدراية: إنها مصورة فيما إذا كان له خمس وعشرون من النوق قال: وإنما لم تصور خمسة لان أبا يوسف أوجب واحدة منها وذلك لا يتصور في أقل من خمس وعشرين. وهذا الخلاف فيما إذا لم يكن مع الصغار كبير، فأما إذا كان فتجب بالاجماع حتى لو كان مع تسع وثلاثين حملا مسن تجب ويؤخذ المسن وكذلك في الابل والبقر ا ه‍. وفي غاية البيان معزيا إلى الزيادات: رجل له تسعة وثلاثون حملا ومسنة واحدة، فإن كانت المسنة وسطا أخذت، وإن كانت جيدة لم تؤخذ ويؤدي صاحب المال شاة وسطا، وإن كانت دون الوسط لم يجب إلا هذه، فإن هلكت الكبيرة بعد الحول بطل الواجب كله عند أبي حنيفة ومحمد لان الصغار كانت تبعا للكبار عندهما، وعند أبي يوسف يجب في الباقي تسعة وثلاثون جزأ من أربعين جزأ من حمل لان الفضل على الحمل إنما وجب باعتبار الكبيرة فبطل بهلاكها، وإذا هلك الكل إلا الكبيرة فإن فيها جزأ من أربعين جزأ من شاة مسنة. وكذلك رجل له أربعة وعشرون فصيلا وبنت مخاض سمينة أو وسط وكذلك تسعة وعشرون عجولا وفيها مسنة أو تبيعه، ثم الاصل الذي يعتبر في حال اختلاط الصغار والكبار أن يكون العدد الواجب في الكبار موجودا كما إذا كان له مسنتان ومائة وتسعة عشر حملا فإنه يجب مسنتان في قولهما، أما إذا كان له مسنة ومائة وعشرون حملا يجب مسنة واحدة عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف تجب مسنة وحمل، وكذلك

[ 381 ]

تسعة وخمسون عجولا وتبيع حيث يؤخذا لتبيع فحسب عندهما لانه ليس فيها ما يجزئ في الوجوب غيره. وقال أبو يوسف: يؤخذ التبيع وعجل معه وتمامه في شرح الزيادات لقاضيخان. قوله: (ولا في العلوفة والعوامل) للحديث ليس في الحوامل والعوامل والعلوفة صدقة ولان السبب هو المال النامي ودليله الاسامة أو الاعداد للتجارة ولم يوجد، ولان في العلوفة تتراكم المؤنة فينعدم النماء معنى، والمراد بنفي الزكاة عن العلوفة زكاة السائمة لانها لو كانت للتجارة وجبت فيها زكاة التجارة، والمراد بنفيها عن العوامل التعميم. والعلوفة بفتح العين ما يعلق من الغنم وغيرها الواحد والجمع سواء، العلوفة بالضم جمع علف يقال علفت الدابة ولا يقال أعلفتها والدابة معلوفة وعليف. كذا في غاية البيان. وقدمنا عن القنية أنه لو كان له إبل عوامل يعمل بها في السنة أربعة أشهر ويسمنها في الباقي ينبغي أن لا تجب فيها الزكاة. قوله: (ولا في العفو) أي لا زكاة في العفو وهو لغة مشترك بين أفضل المال وأفضل المرعى، والمعروف والاعطاء من غير مسألة والفاضل عن النفقة والمكان الذي لم يوطأ، والصفح والاعراض عن عقوبة المذنب. وشرعا ما بين النصب كالاربعة الزائدة على الخمسة من الابل إلى العشر، وكالعشرة الزائدة على خمس وعشرين من الابل، فعند أبي حنيفة وأبي يوسف الزكاة في النصاب لا في العفو، وعند محمد وزفر فيهما حتى لو هلك العفو وبقي النصاب يبقى كل الواجب عند الاولين ويسقط بقدره عند الاخرين، فلو كان له تسع من الابل أو مائة وعشرون من الغنم فهلك بعد الحول من الابل أربعة من الغنم ثمانون لم يسقط شئ من الزكاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد وزفر يسقط في الاول أربعة أتساع شاة وفي الثانية ثلثا شاة. وفي الهداية وغيرها: إن الهلاك يصرف بعد العفو إلى النصاب الاخير ثم إلى الذي يليه إلى أن ينتهي عند الامام لان الاصل هو النصاب الاول وما زاد عليه تابع، وعند أبي يوسف يصرف إلى العفو أولا ثم إلى النصب شائعا. وفي المحيط: إن هذه رواية ضعيفة عن أبي يوسف وظاهر الرواية عنه كقول إمامه. وتظهر فائدته فيما إذا كان له مائة وإحدى وعشرون شاة فهلك إحدى وثمانون بقي من الواجب شاة عند الامام، وعند الثلاثة يجب أربعون جزأ من مائة وإحدى وعشرين جزأ من شاتين. ولو هلك شاة فقط بقي من الواجب شاة عنده، وعند الثلاثة يسقط جزء واحد من مائة وإحدى وعشرين جزأ من شاتين ويبقى الباقي، وإذا كان له أربعون من الابل فهلك نصفها بعد الحول فعند الامام الواجب أربع شياه، وعند أبي يوسف عشرون جزأ من ستة وثلاثين جزأ من بنت اللبون، وعند محمد نصف بنت لبون. ولو هلك عشرة من خمس وعشرين فعنده الواجب ثلاث شياه، وعند الثلاثة ثلاثة أخماس بنت المخاض. وفي غاية البيان. ينبغي لك أن تعلم أن العفو

[ 382 ]

عند أبي حنيفة في جميع الاموال وعندهما لا يتصور العفو إلا في السوائم لان ما زاد على مائتي درهم لا عفو فيه عندهما ا ه‍. قوله: (ولا الهالك بعد الوجوب) أي لا شئ في الهالك بعد الوجوب فإن هلك المال كله سقط الواجب كله وإن بعضه فبحسابه. وقال الشافعي: يضمن إذا هلك بعد التمكن من الاداء وهو مبني على أن الزكاة تجب في العين أو في الذمة، فعندنا تجب في العين وهو المشهور من قول الشافعي، وفي قول له تجب في الذمة والعين مرتهنة بها. كذا في غاية البيان. ثم الظواهر تؤيد ما قلنا مثل قوله عليه الصلاة والسلام هاتوا ربع العشر من كل أربعين درهما درهم. أطلقه فشمل ما إذا تمكن من الاداء وفرط في التأخير حتى هلك وما إذا منع الامام أو الساعي بعد الطلب حتى هلك، وفي الثاني خلاف وعامتهم على السقوط وهو الصحيح لانه لم يفوت بهذا المنع ملكا على أحد ولا يدا فصار كما لو طلب واحد من الفقراء، ورجحه في فتح القدير بأنه الاشبه بالفقه لان الساعي وإن تعين لكن للمالك رأي في اختيار محل الاداء بين العين والقيمة، ثم القيمة شائعة في محال كثيرة والرأي يستدعي زمانا فالحبس لذلك ا ه‍. وقيد بالهلاك لانه لو استهلكه بعد الحول لا تسقط عنه لوجود التعدي، واختلف فيما لو حبس السائمة للعلف أو للماء حتى هلكت، قيل هو استهلاك فيضمن، وقيل لا يضمن كالوديعة إذا منعها لذلك حتى هلكت لم يضمن. كذا في المعراج. وقدمنا أن الابراء عن الدين بعد الحول مطلقا ليس باستهلاك فلا زكاة فيه. وفي الخانية: واستبدال مال التجارة بمال التجارة ليس باستهلاك وبغير مال التجارة استهلاك، واستبدال

[ 383 ]

مال السائمة بالسائمة استهلاك وإقراض النصاب بعد الحول ليس باستهلا ك، وإن نوى المال على المستقرض، وكذا لو أعار ثوب التجارة بعد الحول ا ه‍. وإنما كان بيع السائمة استهلاكا مطلقا لان الوجوب فيها متعلق بالصورة والمعنى فبيعها يكون استهلاكا لا استبدالا، فإذا باعها، فإن كان المصدق حاضرا فهو بالخيار إن شاء أخذ قيمة الواجب من البائع وتم البيع في الكل وإن شاء أخذ الواجب من العين المشتراة وبطل البيع في القدر المأخوذ، وإن لم يكن حاضرا وقت البيع وحضر بعد التفرق عن المجلس فإنه لا يأخذه من المشتري وإنما يأخذ قيمة الواجب من البائع. ولو باع طعاما وجب فيه العشر فالمصدق بالخيار إن شاء أخذ من البائع وإن شاء من المشتري، سواء حضر قبل الافتراق أو بعده لانه تعلق العشر بالعين أكثر من تعلق الزكاة بها، ألا ترى أن العشر لا يعتبر فيه المالك بخلاف الزكاة، كذا في البدائع. وفي معراج الدراية: ولو استبدل السائمة بجنسها ينقطع حكم الحول لان وجوب الزكاة في السائمة باعتبار عينها، وفي غيرها باعتبار ماليتها، فالعين الثانية في السائمة غير الاولى لفوات متعلق الوجوب بخلاف العروض لان إخراج مال الزكاة عن ملكه بغير عوض كالهبة باقية مع الاستبدال ا ه‍. وقيدوا بالاستبدال لان إخراج مال الزكاة عن ملكه بغير عوض كالهبة من غير الفقير والوصية أو بعوض ليسبمال بأن تزوج امرأة أو صالح به عن دم العمد أو اختلعت به المرأة فهو استهلاك فيضمن به الزكاة، وقولهم أن استبدال مال التجارة بمثله ليس باستهلاك يستثنى منه ما إذا جابى بما لا يتغابن الناس في مثله فإنه يضمن قدر زكاة المحاباة ويكون دينا في ذمته، وزكاة ما بقي تتحول إلى العين تبقى ببقائها كما في البدائع. فإذا صار مستهلكا بالهبة

[ 384 ]

بعد الحول فإذا رجع بقضاء أو غيره لا شئ عليه لو هلكت عنده بعده لان الرجوع فسخ من الاصل والنقود تتعين في مثله فعاد إليه قديم ملكه ثم هلك فلا ضمان، ولو رجع بعدما حال الحول عند الموهوب له فكذلك خلافا لزفر فيما لو كان بغير قضاء فإنه يقول: يجب على الموهوب له فإنه مختار فكان تمليكا. قلنا: بل غير مختار لانه لو امتنع عن الرد أجبر كذا في فتح القدير. وقولهم إن الرجوع فسخ من الاصل ليس على إطلاقه فقد صرحوا في الهبة أن الواهب لا يملك الزوائد المنفصلة برجوعه. وفي الظهيرية: ولو وهب النصاب ثم استفاد مالا في خلال الحول ثم رجع في الهبة يستأنف الحول في المستفاد من حين استفاده، فهذه المسألة تدل على أن الرجوع في الهبة ليس فسخا للهبة من الاصل إذ لو كان فسخا لما وجب استئناف في المستفاد من وقت الاستفادة ا ه‍. بلفظه. ثم اعلم أنه لو وهب النصاب في خلال الحول ثم تم الحول عند الموهوب له ثم رجع الواهب بقضاء أو غيره فلا زكاة على واحد منهما كما في الخانية، وهي من حيل إسقاط الزكاة قبل الوجوب كما لا يخفى. وفي المعراج: ولو حال الحول على مائتي درهم ثم ورث مثلها فخلطه بها وهلك النصف سقط نصف الزكاة لان أحدهما لبس بتابع للآخر بخلاف ما لو ربح بعد الحول مائتين ثم هلك نصف الكل مختلطا لم يسقط شئ لان الربح تبع فيصرف الهلاك إليه كالعفو، وعندهما لا يتصور العفو في غير السوائم ا ه‍. وسوى في المحيط بين الارث والربح عندهما في عدم السقوط، وعند محمد يسقط نصفها وتمام تفاريعها فيه. وفي المعراج: ولو باع السوائم قبل تمام الحول بيوم فرارا عن الوجوب قال محمد: يكره. وقال أبو يوسف: لا يكره وهو الاصح. ولو باعها للنفقة لا يكره بالاجماع، ولو احتال لاسقاط الواجب يكره بالاجماع، ولو فر من الوجوب بخلا لا تأثيما يكره بالاجماع ا ه‍. قوله: (ولو وجب سن ولم يوجد دفع أعلى منها وأخذ الفضل أو دونها ورد الفضل أو دفع القيمة) بيان لمسألتين: الاولى لو وجب عليه سن كبنت مخاض مثلا ولم يكن عنده فصاحب المال مخير إن شاء دفع الاعلى واسترد الفضل أو الادنى ورد الفضل فقد جعل الخيار للمالك دون الساعي فيهما، وقد صرح به في المبسوط وقال: ليس للساعي إذا عين المالك

[ 385 ]

سنا أن يأبى ذلك في الصورتين. واستثنى في الهداية من ذلك ما إذا أراد المالك دفع الاعلى وأخذ الفضل من الساعي فإنه لا إجبار على الساعي لانه شراء فحينئذ لم يكن للمالك خيرا في هذه الصورة. وتبعه في التبيين، وتعقبه في غاية البيان بأن الزكاة وجبت بطريق اليسر فإذا كان للساعي ولاية الامتناع من قبول الاعلى يلزم العسر وفي ذلك العود على الموضوع بالنقض فلا يجوز وأيضا فيه خلاف السنة لان من لزمه الحقة تقبل منه الجذعة إذا لم تكن عنده حقه، وكذلك من لزمه بنت لبون وعنده حقه يقبل منه الحقة ويعطي المصدق عشرين درهما أو شاتين كما في صحيح البخاري، وهو دليلنا على دفع القيمة في الزكاة وهي في المسألة الثانية، وتقدير الفضل بالعشرين أو الشاتين بناء على الغالب لا أنه تقدير لازم ا ه‍. وأما قولهم إنه شراء ولا إجبار فيه فممنوع لانه ليس شراء حقيقيا ولم يلزم من الاجبار ضرر بالساعي لانه عامل لغيره، فالظاهر المختصر من أن الخيار للمالك فيهما لكن ذكر محمد في الاصل أن الخيار للمصدق أي الساعي، ورده في النهاية والمعراج بأن الصواب خلافه، وذكر في البدائع أن الخيار لصاحب المال دون المصدق إلا في فصل واحد وهو ما إذا أراد صاحب المال أن يدفع بعض العين لاجل الواجب فالمصدق بالخيار بين أن لا يأخذ وبين أن يأخذ بأن كان الواجب بنت لبون فأراد أن يدفع بعض الحقة بطريق القيمة، فالمصدق إن شاء قبل وإن شاء لم يقبل لما فيه من تشقيص العين والتشقيص في الاعيان عيب فكان له أن لا يقبل ا ه‍. وتعقبه الزيلعي بأنه غير مستقيم لوجهين: أحدهما أنه مع العيب يساوي قدر الواجب وهو المعتبر في الباب، والثاني أن فيه إجبار المصدق على شراء الزائد ا ه‍. وقد قدمنا

[ 386 ]

أن جبره على شراء الزائد مستقيم، ولا يخفي أن في التشقيص إضرارا بالفقراء فلم يملك رب المال ذلك فاستقام ما في البدائع، ولكن قيد المصنف الخيار المذكور بين الامور الثلاثة بعدم وجود السن الواجب كما في أكثر الكتب وهو قيد اتفاقي لان الخيار ثابت مع وجود السن الواجب، ولذا قال في المعراج: وظن بعض أصحابنا أن أداء القيمة بدل عن الواجب حتى لقب المسألة بالابدال وليس كذلك فإن المصير إلى البدل لا يجوز إلا عند عدم الاصل وأداء القيمة مع وجود المنصوص عليه جائز عندنا ا ه‍. وفي البدائع: اختلف أصحابنا، فعند الامام الواجب فيما عدا السوائم جزء من النصاب معنى لا صورة، وعندهما صورة ومعنى لكن يجوز إقامة غيره مقامه معنى. واختلف في السوائم على قوله، فقيل هي كغيرها، وقيل الواجب المنصوص عليه من حيث المعنى، وعندهما الواجب المنصو ص عليه صورة ومعنى لكن يجوز إقامة غيره مقامه معنى ويبتني على هذا الاصل مسائل الجامع له مائتا قفيز حنطة للتجارة تساوي مائتي درهم ولا مال له غيرها، فإن أدى من عينها يؤدي خمسة أقفزة بلا خلاف، وإن أدى قيمتها فعنده تعتبر القيمة يوم الوجوب في الزيادة والنقصان، وعندهما في الفصلين يعتبر يوم الاداء. واختلف على قوله في السوائم فقيل يوم الوجوب، وقيل يوم الاداء حسب الاختلاف السابق وتمامه فيه. وفي المحيط: يعتبر في قيمة السوائم يوم الاداء بالاجماع وهو الاصح، وذكر في الجامع: لو فسدت الحنطة بما أصابها حتى صارت قيمتها مائة فإنه يؤدي درهمين ونصفا بلا خلاف إذا اختار القيمة لانه هلك جزء من العين فسقط ما تعلق به من الواجب، وإن زادت في نفسها قيمة فالعبرة ليوم الوجوب ا ه‍. وفي الهداية: ويجوز دفع القيمة في الزكاة والكفارة وصدقة الفطر والعشر والنذر ا ه‍. وفي فتح القدير: لو أدى ثلاث شياه سمان عن أربع وسط أو بعض بنت لبون عن بنت مخاض جاز لان المنصوص عليه الوسط فلم يكن الاعلى داخلا في النص والجودة معتبرة في غير الربويات فتقوم مقام الشاة الرابعة بخلاف ما لو كان مثليا بأن أدى أربعة أقفزة جيدة عن خمسة وسط وهي تساويها لا يجوز، أو كسوة بأن أدى ثوبا يعدل ثوبين لم يجز إلا عن ثوب واحد، أو نذر أن يهدي شاتين أو يعتق عبدين وسطين فأهدي شاة أو أعتق عبدا يساوي كل منهما وسطين لا يجوز. أما الاول فلان الجودة غير معتبرة عند المقابلة بجنسها فلا تقوم الجودة مقام القفيز الخامس، وأما الثاني فلان المنصوص عليه مطلق الثوب في الكفارة لا بقيد الوسط فكان الاعلى وغيره داخلا تحت النص، وأما الثالث فلان القربة في الاراقة والتحرير وقد التزم إراقتين وتحريرين فلا يخرج عن

[ 387 ]

العهدة بواجد: بخلاف النذر بالتصدق بأن نذر أن يتصدق بشاتين وسطين فتصدق بشاة بقدرهما جاز لان المقصود إغناء الفقير، وبه تحصل القربة وهو يحصل بالقيمة. وعلى ما قلنا لو نذر أن يتصدق بقفيز دقل فتصدق بنصفه جيدا يساوي تمامه لا يجزئه لان الجودة لا قيمة لها هنا للربوية وللمقابلة بالجنس بخلاف جنس آخر لو تصدق بنصف قفيز منه يساويه جاز ا ه‍. قيد المصنف بالزكاة لانه لا يجوز دفع القيمة في الضحايا والهدايا والعتق، لان معنى القربة إراقة الدم وذلك لا يتقوم، وكذلك الاعتاق لان معنى القربة فيه إتلاف الملك ونفي الرق وذلك لا يتقوم. كذا في غاية البيان. ولا يخفى أنه مقيد ببقاء أيام النحر، وأما بعدها فيجوز دفع القيمة كما عرف في الاضحية. والسن هي المعروفة والمراد بها هنا ذات سن إطلاقا للبعض على الكل أو سمي بها صاحبها كما سمي المسنة من النوق بالناب لان السن مما يستدل به على عمر الدواب. ووقع هنا إطلاق المصدق على الساعي وهو مشتبه برب المال، والفرق بينهما أنه إن كان بالصاد المخففة والدال المشددة المكسورة فهو بمعنى آخذ الصدقة، وإن كان بالصاد المشددة والدال المكسورة المشددة فهو المعطي لها. قوله: (ويؤخذ الوسط) أي في الزكاة لقوله عليه الصلاة والسلام لا تأخذوا من حزرا ت أموال الناس - أي كرائمها - وخذوا من حواشي أموالهم أي من أوساطها ولان فيه نظرمن الجانبين. كذا في الهداية. والخررات جمع حزرة بتقديم الزاي المنقوطة على الراء المهملة. وفي الخانية ولا تؤخذو الربا والاكولة والماخض وفحل الغنم لانها من الكرائم وقد نهينا عن أخذ الكرائم، ولا تؤخذ الهرم ولا ذات عوار إلا أن يشاء المصدق ا ه‍. والاكولة الشاة السمينة التي أعدت للاكل، والربا بضم الراء المشددة وتشديد الباء مقصورة وهي التي تريي ولدها. كذا في المغرب. والماخض التي في بطنها ولد. وقد أطال فيه في البدائع وذكر أنه ليس للساعي أخذ الادون وهو مخالف لما في الخانية. وفي فتح القدير: إن الادلة تقتضي أن لا يجب في الاخذ من العجاف التي ليس فيها وسط اعتبار أعلاها وأفضلها وقد قدمنا عنهم خلافها في صدقة السوائم ا ه‍. وفي المعراج: وذكر الحاكم الجليل في المنتقى الوسط أعلى الادون وأدون الاعلى. وقيل: إذا كان عشرون من الضأن وعشرون من المعز يأخذ الوسط ومعرفته أن يقوم الوسط من المعز والضأن فتؤخذ شاة تساوي نصف قيمة كل واحد منهما مثلا الوسط من المعز تساوي عشرة دراهم والوسط من الضأن عشرين فتؤخذ شاة قيمتها خمسة عشر اه‍. وكذا في البدائع وفيه: ولو كان له خمس من الابل كلها بنات مخاض أوكلها بنات لبون أو حقاق أو جذاع ففيها شاة وسط. وفي الفتاوي الظهيرية: إذا كان لرجل

[ 388 ]

نخيل تمر جيد برني ودقل قال أبو حنيفة: يؤخذ من كل نخلة حصتها من العشر. وقال محمد: يؤخذ من الوسط إذا كانت أصنافا ثلاثة جيد ووسط وردئ ا ه‍. وهذا يقتضي أن أخذ الوسط إنما هو فيما إذا اشتمل المال على جيد ووسط وردئ أو على صنفين منهما، أما لو كان المال كله جيدا كأربعين شاة أكولة فإنه يجب واحدة من الكرائم لا شاة وسط عند الامام خلافا لمحمد كما لا يخفي. قوله: (ويضم مستفاد من جنس نصاب إليه) لان النبي صلى الله عليه وسلم أوجب في خمس وعشرين من الابل بنت مخاض إلى خمس وثلاثين، فإذا زادت واحدة ففيها بنت لبون من غير فصل بين الزيادة في أول الحول أو في أثنائه، ولانه عند المجانسة يتعسر التمييز فيعسر اعتبار الحول لكل مستفاد وما شرط الحول إلا للتيسير، والمراد بالضم أن تجب الزكاة في الفائدة عند تمام الحول على الاصل. قيد بالجنس لان المستفاد من خلاف جنسه كالابل مع الشياه لا تضم لانه لا يؤدي إلى التعسير لانه لا ينعقد الحول عليه ما لم يبلغ نصابا، ثم كل ما يستفيده من هذا الجنس يضمه إليه. وقيد بالنصاب لانه لو كان النصاب ناقصا وكمل مع المستفاد فإن الحول ينعقد عليه عند الكمال. كذا في الاسبيجابي، بخلاف ما لو كان له نصاب في أول الحول فهلك بعضه في أثناء الحول فاستفاد تمام النصاب أو أكثر يضم أيضا عندنا لان نقصان النصاب في أثناء الحول لا يقطع حكم الحول فصار المستفاد مع النقصان كالمستفاد مع كماله. كذا في غاية البيان. وأطلق في المستفاد فشمل المستفاد بميراث أو هبة أو شراء أو وصية وسيأتي أن أحد النقدين يضم إلى الآخر، وأن العروض للتجارة تضم إلى النقدين للجنسية باعتبار قيمتها. وفي المحيط: لو كان له مائتا درهم دين فاستفاد في خلال الحول مائة درهم فإنه يضم المستفاد إلى الدين في حوله بالاجماع، وإذا تم الحول على الدين فعند أبي حنيفة لا يلزمه الاداء من المستفاد ما لم يقبض أربعين درهما، وعندهما يلزمه وإن لم يقبض من الدين شيئا. وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا مات من عليه مفلسا سقط عنه زكاة المستفاد عنده وعندهما يجب ا ه‍. وأشار بقوله إليه أي إلى النصاب إلى أنه لا بد من بقاء النصاب المضموم إليه ولذا قال في المحيط: ولو وهب له ألف ثم استفاد ألفا قبل الحول ثم رجع الواهب في الهبة بقضاء قاض فلا زكاة عليه في الالف الفائدة حتى يمضي حول من حين ملكها لانه بطل حول الاصل وهو الموهوب فيبطل في حق التبع ا ه‍. وفي المبسوط: ولو ضاع المال الاول فإنه يستقبل الحول على المستفاد منه منذ ملكه فإن وجد درهما من دراهم الاول قبل الحول بيوم ضمه إلى ما عنده فيزكي الكل لان بالضياع لا ينعدم أصل الملك وإنما تنعدم يده وتصرفه، فإذا ارتفع ذلك قبل كمال الحول كان كأن الضياع لم يكن ا ه‍. ولا يخفى أن الضم المذكور عند عدم مانع، أما إذا وجد مانع منه فلا ضم ولذا قال في المحيط: ولا يضم أثمان الابل والبقر والغنم المزكاة إلى ما عنده من النصاب من جنسه عند أبي حنيفة لان في الضم

[ 389 ]

تحقيق الثني في الصدقة لان الثني إيجاب الزكاة مرتين على مالك واحد في مال واحد في حول واحد، وأنه منفي لقوله عليه الصلاة والسلام لا ثني في الصدقة. وعندهما يضم، ولو جعل السائمة علوفة بعدما زكاها ثم باعها يضم ثمنها إلى ما عنده لخروجها عن مال الزكاة فصار كمال آخر فلم يؤد إلى الثني، وكذا لو جعل العبد المؤدي زكاته للخدمة ثم باعه يضم ثمنه إلى ما عنده، ولو أدى صدقة الفطر عن عبد الخدمة أو أدى عشر طعامه ثم باعه ضم ثمنه إلى ما عنده لان ليس ببدل مال أديت الفطرة عنه لان الفطرة إنما تجب بسبب رأس يمونه ويلي عليه دون المالية، ألا ترى أنها تجب عن أولاده الاحرار والثمن بدل المالية، والعشر إنما يجب بسبب أرض نامية لا بالخارج فلم يثبت الاتحاد حتى لو باع الارض النامية يضم ثمنها إلى ما عنده عند أبي حنيفة. ومن عنده نصابان من جنس واحد أحدهما ثمن إبل مزكاة فاستفاد نصابا من جنسها فإنه يضم إلى أقربهما حولا لانهما استويا في علة الضم، وترجح أحدهما باعتبار القرب لكونه أنفع للفقراء، ولو كان المستفاد ربحا أو ولدا ضمه إلى أصله، وإن كان أبعد حولا لانه يرجح باعتبار التفرع والتولد لانتبع وحكم التبع لا يقطع عن الاصل، ولو أدى زكاة الدراهم ثم اشترى بها سائمة وعند من جنسها سائمة لم يضمها إليه لانها بدل مال أديت الزكاة عنه ا ه‍. قوله: (ولو أخذ العشر والخراج والزكاة بغاة لم يؤخذ أخرى) أي لم يؤخذ مرة أخرى لان الامام لم يحمهم والجباية بالحماية. قال في الهداية: وأفتوا بأن يعيدوها دون الخراج لانهم مصارف الخراج لكونهم مقاتلة والزكاة مصرفها الفقراء ولا يصرفونها إليهم، وقيل: إذا نوي بالدفع التصدق عليهم سقط عنه، وكذا الدفع إلى كل جائز لانهم بما عليهم من التبعات فقراء والاول أحوط ا ه‍. أطلق في الزكاة فشمل الاموال الظاهرة والباطنة ولذا قال في المبسوط: الاصح أن أرباب الاموال إذا نووا عند الدفع إلى الظلمة التصدق عليهم سقط عنهم جميع ذلك، وكذا جميع ما يؤخذ من الرجل من الجنايات والمصادرات لان ما بأيديهم أموال المسلمين وما عليهم من التبعات فوق مالهم فهم بمنزلة الغارمين والفقراء حتى قال محمد بن سلمة: يجوز دفع الصدقة لعلي بن عيسى بن ماهان وإلى خراسان وكان أميرا ببلخ وجبت عليه كفارة يمين فسأل فأفتوه بالصيام فجعل يبكي ويقول لحشمه إنهم يقولون لي ما عليك من التبعات فوق مالك من المال فكفارتك كفارة يمين من لا يملك شيئا. قال في فتح القدير: وعلى هذا لو أوصى بثلث ماله الفقراء فدفع إلى السلطان الجائز سقط، ذكره قاضيخان في الجامع الصغير. وعلى هذا فإنكارهم على يحيى بن يحيى تلميذ مالك حيث أفتي بعض ملوك المغاربة

[ 390 ]

في كفارة عليه بالصوم غير لازم وتعليلهم بأنه اعتبار للمناسب المعلوم الالغاء غير لازم لجواز أن يكون للاعتبار الذي ذكرناه من فقرهم لا لكونه أشق عليه من الاعتاق ليكون هو المناسب المعلوم الالغاء وكونهم لهم مال وما أخذوه وخلطوه به وذلك استهلاك إذا كان لا يمكن تمييزه عنه عند أبي حنيفة فيملكه ويجب عليه الضمان حتى قالوا: تجب عليهم فيه الزكاة ويورث عنهم غير ضائر لاشتغال ذمتهم بمثله والمديون بقدر ما في يده فقير ا ه‍. وظاهر ما صححه السرخسي أنه لا فرق بين الاموال الظاهرة والباطنة، وصحح الولوالجي عدم الجواز في الاموال الباطنة قال: وبه يفتي لانه ليس للسلطان ولاية الزكاة في الاموال الباطنة فلم يصح الاخذ اه‍. وفي الظهيرية: الافضل لصاحب المال الظاهر أن يؤدي الزكاة إلى الفقراء بنفسه لان هؤلاء لا يضعون الزكاة مواضعها، فأما الخراج فإنهم يضعونه مواضعه لان موضع الخراج المقاتلة وهو لا مقاتلة ا ه‍. وفي التبيين: واشتراط أخذهم الخراج ونحوه وقع اتفاقا حتى لو لم يأخذوا منه سنين وهو عندهم لم يؤخذ منهم شئ أيضا لما ذكرناا ه‍. والضمير في قوله وهو عندهم عائد إلى وجب عليه الخراج ونحوه، وضمير الجماعة في عندهم عائد إلى البغاة أي ومن وجب عليه عند البغاة، وأطلق فمن وجب عليه الخراج فشمل الذمي كالمسلم، وأشار المصنف إلى أن الحربي لو أسلم في دار الحرب وأقام فيها سنين ثم خرج إلينا لم يأخذ منه الامام الزكاة لعدم الحماية ونفتيه بأدائها إن كان عالما بوجوبها وإلا فلا زكاة عليه لان الخطاب لم يبلغه وهو شرط الوجوب. قوله (ولو عجل ذو نصاب لسنين أو لنصب صح) أما الاول فلانه أدى بعد سبب الوجوب فيجوز لسنة ولسنين كما إذا كفر بعد الجرح وأما الثاني فلان النصاب الاول هو الاصل في السببية والزائد عليه تابع له. قيد بقوله ذو نصاب لانه لو عجل قبل أن يملك تمامه ثم تم الحول على النصاب لا يجوز وفيه شرطان آخران: أن لا ينقطع النصاب في أثناء الحول، وأن يكون كاملا في آخره. فتفرع على الاول أنه لو عجل ومعه نصاب ثم هلك كله

[ 391 ]

ثم استفاد فتم الحول على النصاب لم يجز المعجل بخلاف ما إذا بقي في يده منه شئ، وعلى الثاني ما لو عجل شاة عن أربعين وحال الحول وعنده تسعة وثلاثون، فإن كان صرفها إلى الفقراء فالمعجل نفل بخلاف ما إذا أدى بعد الحول إلى الفقير وانتقص النصاب بأدائه فإن الزكاة واجبة، وإن كانت قائمة في يد الساعي فالصحيح وقوعها زكاة فلا يستردها لان الدفع إلى المصدق لا يزيل ملكه عن المدفوع، ولا فرق بين السوائم والنقود في هذا، ولا فرق بين أن تكون الزكاة في يد الساعي حقيقة أو استهلكها أو أنفقها على نفسه قرضا أو أخذها الساعي من عمالته لانه كقيام العين حكما بخلاف ما إذا صرفها الساعي إلى الفقراء أو إلى نفسه وهو فقير فإنه كصرفها بنفسه فلا يجوز المعجل كما لو ضاعت من يد الساعي قبل الحول ووجدها بعده فلا زكاة وللمالك أن يستردها فلو لم يستردها حتى دفعها الساعي إلى الفقراء لم يضمن إلا أن كان المالك نهاه. ثم اعلم أن وقوعها زكاة فيما إذا أخذها الساعي من عمالته إنما هو في غير السوائم، أما في السوائم فلا تقع زكاة لنقصان النصاب ويستردها المالك ويضمن الساعي قيمتها لو باعها ويكون الثمن له. وإنما كان كذلك في السائمة لانها لما خرجت عن ملك المعجل بذلك السبب فحين تم الحول يصير ضامنا بالقيمة والسائمة لا يكمل نصابها بالدين بخلاف نصاب الدراهم لانه يكمل بالدين. وهذا كله إذا لم يستفد قدر ما عجل ولم ينتقص ما عنده، فإن استفاده صار المؤدي زكاة في الوجوه كلها من وقت التعجيل وإلا يلزم هنا كون الدين زكاة عن العين في بعض الوجوه ولا يجب عليه زكاة المستفاد، وإن انتقص ما فيده فلا تجب في الوجوه كلها فيسترد إن كان في يد الساعي وإن استهلكها إو أكله قرضا أو بجهة العمالة ضمن. ولو تصدق بها على الفقراء أو نفسه وهو فقير لا يضمن الا أن تصدق بها بعد الحول فيضمن عنده، علم بالنقصان أو لم يعلم. وعندهما: إعلم وإن كان نهاه ضمن عند الكل، وأما الفقير فلا رجوع عليه في شئ من الصور لانه وقع صدقة تطوعا لو لم يجز المعجل عنها. والحاصل أن وجوه هذه المسألة ثلاثة وكل وجه على سبعة لان المعجل إما أن يكون في يد الساعي أو استهلكه أو أنفقه على نفسقرضا أو عمالة أو صدقة أو صرفه إلى الفقراء أو ضاع من يد الساعي قبل الحول فهي إحدى وعشرون، وقد علم أحكامها وبسطه في شرح الزيادات لقاضيخان. والمسألة الثانية - أعني ما إذا عجل لنصب بعد ملك نصاب واحد - مقيدة بما إذا ملك ما عجل عنه في سنة التعجيل، فلو كان عنده مائتا درهم فعجل زكاة ألف، فإن إستفاد مالا أو ربح حتى صارت ألفا ثم تم الحول وعنده ألف فإنه يجوز التعجيل

[ 392 ]

وسقط عنه زكاة الالف، وإن تم الحول ولم يستفد شيئا ثم استفاد فالمعجل لا يجزئ عن زكاتها، فإذا تم الحول من حين الاستفادة كان عليه أن يزكي. صرح به في المبسوط وأفاده الاسبيجابي والكاكي والسغناقي وغيرهم. وبهذا ظهر ما في فتاوى قاضيخان من أنه لو كان له خمس من الابل الحوامل يعني الحبالى فعجل شاتين عنها وعما في بطنها ثم تتجت خمسا قبل الحول أجزأه ما عجل، وإن عجل عما تحمل في السنة الثانية لا يجوز اه‍. لانه لما عجل عما تحمله في الثانية لم يوجد المعجل عنه في سنة التعجيل ففقد الشرط فلم يجز عنا تحمله في الثانية وهو المراد من نفي الجواز. وليس المراد نفي الجواز مطلقا لظهور أنه يقع عما في ملكة وقت التعجيل في الحول الثاني فهو تعجيل زكاة ما في ملكه لسنتين لان التعيين في الجنس الواحد لغو، وكذا لو كان له ألف درهم بيض وألف سود فعجل خمسة وعشرين عن البيض فهلكت البيض قبل تمام الحول ثم تم لا زكاة عليه في السود ويكون المخرج عنها، وكذا عكسه. وكذا لو عجل عن الدنانير وله دراهم ثم هلكت الدنانير كان ما عجل عن الدراهم باعتبار القيمة وكذا عكسه. قيدنا بالهلاك لانه لو عجل عن أحد المالين ثم استحق المال الذي عجل عنه قبل الحول لم يكن المعجل عن الباقي، وكذا لو استحق بعد الحول لان في الاستحقاق عجل عما لم يملكه فبطل تعجيله. كذا في فتاوى قاضيخان. وبما ذكرناه اندفع ما في فتح القدير من الاعتراض على الفرع الاول المنقول من الفتاوى كما لا يخفى. وقيدنا بكون الجنس متحدا لانه لو كان خمس من الابل وأربعون من الغنم فعجل شاة عن أحد الصنفين ثم هلك لا يكون عن الآخر ولو كان له عين ودين فعجل عن العين فهلكت قبل الحول جاز عن الدين، وإن هلكت بعده لا يقع عنه والدراهم والدنانير وعروض التجارة جنس واحد بدليل الضم كما قدمناه وصرح به في المحيط هنا، وفي الولوالجية وغيرها: رجل عنده أربعمائة درهم فظن أن عنده خمسمائة درهم فأدى زكاة خمسمائة فله أن يحتسب الزيادة للسنة الثانية لانه أمكن أن تجعل الزيادة تعجيلا اه‍. فقولنا فيما مضى يشترط أن يملك ما عجل عنه في حوله يستثنى منه ما إذا عجل غلطا عن شئ يظن أنه في ملكه. ثم اعلم أنه لو عجل زكاة ماله فأيسر الفقير قبل تمام الحول أو مات أو ارتد جاز عن الزكاة لانه كان مصرفا وقت الصرف فصح الاداء إليه فلا ينتقض بهذه العوارض. كذا في الولوالجية. وأشار المصنف بجواز التعجيل بعد ملك النصاب إلى جواز تعجيل عشر زرعه بعد النبات قبل الادراك أو عشر الثمر بعد الخروج قبل البلوغ لانه تعجيل بعد وجود السبب، وبعدم جوازه قبل ملك النصاب إلى عدم جواز تعجيل العشر قبل الزرع أو قبل الغرس. واختلف في تعجيله قبل النبات بعد الزرع أو بعدما غرس الشجر قبل خروج الثمرة، فعند محمد لا يجوز لان التعجيل للحادث لا للبذر ولم يحدث شئ،

[ 393 ]

وجوزه أبو يوسف لان السبب الارض النامية وبعد الزراعة صارت نامية، ورده محمد بأن السبب الارض النامية بحقيقة النماء فيكون التعجيل قبلها واقعا قبل السبب فلا يجوز. كذا في الولوالجية. ولا يخفى أن الافضل لصاحب المال عدم التعجيل للاختلاف في التعجيل عند العلماء ولم أره منقولا والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. باب زكاة المال ما تقدم أيضا زكاة مال لان المال كما روي عن محمد: كل ما يتملكه الناس من نقد وعروض وحيوان وغير ذلك إلا أن في عرفنا يتبادر من اسم المال النقد والعروض. وقدم الفضة على الذهب في بعض المصنفات اقتداء بكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله (يجب في مائتي درهم وعشرين مثقالا ربع العشر) وهو خمسة دراهم في المأتين، ونصف مثقال في العشرين. والعشر بالضم أحد الاجزاء العشرة. وإنما وجب ربع العشر لحديث مسلم ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة والاوقية أربعون رهما كما رواه الدار قطني. ولحديث علي وغيره في الذهب. وعبر المصنف بالوجوب تبعا للقدوري في قوله الزكاة واجبة قالوا: لان بعض مقاديرها وكيفياتها ثبتت بأخبار الآحاد، وقد صرح السيد نكر كان في شرح المنار أن مقادير الزكوات ثبتت بالتواتر كنقل القرآن واعداد الركعات وهذا يقتضي كفر جاحد المقدار في الزكوات. قيد بالنصاب لان ما دونه لا زكاة فيه ولو كان نقصانا يسيرا يدخل بين الوزنين

[ 394 ]

لانه وقع الشك في كمال النصاب فلا يحكم بكماله مع الشك. كذا في البدائع قوله (ولو تبرا أو حليا) بيان لعدم الفرق بين المصكوك وغيره كالمهر الشرعي. وفي غير الذهب والفضة لا تجب الزكاة ما لم تبلغ قيمته نصابا مصكوكا من أحدهما لان لزومها مبني على المتقوم، والعرف أن تقوم بالمصكوك، وكذا نصاب السرقة احتيالا للدك. قال في ضياء الحلوم: التبر الذهب والفضة قبل أن يصاغا ويعملا. وحلى المرأة معروفة وجمعه حلى وحلى بضم الحاء وكسرها قال تعالى * (من حليهم) * (الاعراف: 148) يقرأ بالواحد والجمع بضم الحاء وكسرها اه‍. والمراد بالحلي هنا ما تتحلى به المرأة من ذهب أو فضة، ولا يدخل الجوهر واللؤلؤ بخلافه في الايمان فإنه ما تتحلى به المرأة مطلقا فتحنث بلبس اللؤلؤ أو الجوهر في حلفها لا تتحلى ولو لم يكن مرصعا على المفتى به. ودليل وجوب الزكاة في الحلي أحاديث في السنن منها قوله عليه الصلاة والسلام لعائشة لما تزينت له بالفتخات: أتؤديين زكاتهن؟ قالت: لا. قال: هو حسبك من النار. والفتخات جمع فتخة وهي الخاتم الذي لا فص له. وفي المعراج: وأما حكم الزكاة في الحلي والاواني يختلفبين أداء الزكاة لا من عينها وبين أدائها من قيمتها مثلا. له إناء فضة وزنه مائتان وقيمته ثلثمائة فلو زكى من عينه زكى ربع عشره ولو أدى من قيمته، فعند محمد يعدل إلى خلاف جنسه وهو الذهب لان الجودة معتبرة، أما عند أبي حنيفة لو أدى خمسة من غير الاناء سقطت عنه الزكاة لان الحكم مقصور على الوزن، فلو أدى من الذهب ما يبلغ قيمته خمسة دراهم من غير الاناء لم يجز في قولهم جميعا لان الجودة متقومة عند المقابلة بخلاف الجنس فإن أدى القيمة وقعت عن القدر المستحق. كذا في الايضاح. وفي البدائع: تجب الزكاة في الذهب والفضة مضروبا أو تبرا أو حليا مصوغا أو حلية سيف أو منطقة أو لجام أو سرج أو الكواكب في المصاحف، والاواني وغيرها إذا كانت تخلص عن الاذابة سواء كان يمسكها للتجارة أو للنفقة أو للتجمل أولم ينو شيأ اه‍. قوله (ثم في كل خمس بحسابه) بضم الخاء المعجمة أحد الاجزاء الخمسة وهو أربعون من المائتين وأربعة مثاقيل من العشرين دينارا، فيجب في الاول درهم، وفي الثاني قيراطان. أفاد المصنف أنه لا شئ فيما نقص عن الخمس فالعفو من الفضة بعد النصاب تسعة

[ 395 ]

وثلاثون، فإذا ملك نصابا وتسعة وسبعين درهما فعليه ستة والباقي عفو، وهكذا ما بين الخمس إلى الخمس عفو في الذهب. وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: يجب فيما زاد بحسابه من غير عفو لقوله عليه الصلاة والسلام وفيمزاد على المائتين فبحسابه وله قوله عليه السلام في حديث معاذ لا تأخذ من الكسور شيأ وقوله في حديث عمرو بن حزم ليس فميا دون الاربعين صدقة ولان الحرج مدفوع، وفي ايجاب الكسور ذلك لتعذر الوقوف. وفي المعراج: معنى الحديث الاول لا تأخذ من الشئ الذي يكون المأخوذ منه كسورا فسماه كسورا باعتبار ما يجب فيه، وقيل من زائدة وفيه نوع تأمل اه‍. ومما ينبني على هذا الخلاف لو كان له مائتان وخمسة دراهم مضى عليها عامان عنده عليه عشرة، وعندهما خمسة لان وجب عليه في العام الاول خمسة وثم فبقي السالم من الدين في العام الثاني مائتان إلا ثمن درهم فلا تجب فيه الزكاة، وعنده لا زكاة في الكسور فيبقى السالم مائتين ففيها خمسة أخرى. كذفي فتح القدير. ويبتنى على الخلاف أيضا الهلاك بعد الحول إن هلك عشرون من مائتي درهم يقي فيها ربعة دراهم عنده، وعندهما أربعة ونصف. كذا في المعراج. وذكر في المحيط: ولا يضم إحدى الزيادتين إلى الاخرى ليتم أربعين درهما أو أربعة مثاقيل عند أبي حنيفة لانه لا تجب الزكاة في الكسور عنده، وعندهما يضم لانها تجب في الكسور قوله (والمعتبر وزنهما أداء ووجوبا) أما الاول وهو اعتبار الوزن في الاداء فهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال زفر: تعتبر القيمة. وقال محمد: يعتبر الانفع للفقراء حتى لو أدى عن خسمة دراهم جياد خمسة زيوفا قيمتها أربعة جياد جاز عند الامامين خلافا لمحمد وزفر، ولو أدى أربعة جيدة قيمتها خمسة ردية عن خمسة ردية لا يجوز إلا عند زفر، ولو كان إبريق فضة وزنه مائتان وقيمته بصياغته ثلاثمائة إن أدى من العين يؤدي ربع عشره وهو خمسة قيمتها سبعة

[ 396 ]

ونصف، وإن أدى خمسة قيمتها خمسة جاز عندهما. وقال محمد وزفر: لا يجوز إلا أن يؤدي الفضل فلو أدى من خلاف جنسه تعتبر القيمة بالاجماع. وأما الثاني وهو اعتبار الوزن في حق الوجوب دون العدد والقيمة فمجمع عليه حتى لو كان له إبريق فضة وزنها مائة وخمسون وقيمتها مائتان فلا زكاة فيها وكذا الذهب. وفي البدائع: ولو كانت الفضة مشتركة بين اثنين، فإن كان يبلغ نصيب كل واحد مقدار النصاب تجب الزكاة وإلا فلا، ويعتبر في حال الشركة ما يعتبر في حال الانفراد. قوله (وفي الدراهم وزن سبعة وهو أن تكون العشرة منها وزن سبعة مثاقيل) والمثقال وهو الدينار عشرون قيراطا والدرهم أربعة عشر قيراطا والقيراط خمس شعيرات أي المعتبر في الدراهم إلى آخره، والاصل فيه أن الدراهم كانت مختلفة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وفي زمن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما على ثلاث مراتب: فبعضها كان عشرين قيراطا مثل الدينار، وبعضها كان اثني عشر قيراطا ثلاثة أخماس الدينار، وبعضها عشرة قراريط نصف الدينار. فالاول وزن عشرة من الدنانير، والثاني وزن ستة أي كل عشرة منه وزن ستة من الدنانير، والثالث وزن خمسة أي كل عشرة منه وزن خمسة من الدنانير، فوقع التنازع بين الناس في الايفاء والاستيفاء فأخذ عمر من كل نوع درهما فخلطه فجعله ثلاثة دراهم متساويه، فخرج كل درهم أربعة عشر قيراطا فبقي العمل عليه إلى يومنا هذا في كل شئ في الزكاة ونصاب السرقة والمهر وتقدير الديات. وذكر في المغرب أن هذا الجمع والضرب كان في عهد بني أمية. وذكر المرغيناني أن الدرهم كان شبيه النواة وصار مدورا على عهد عمر فكتبوا عليه وعلى الدينار لا إله إلا الله محمد رسول الله وزاد ناصر الدولة ابن حمدان صلى الله عليه وسلم. وفي الغاية: إن درهم مصر أربعة وستون حبة وهو أكبر من درهم الزكاة فالنصاب منه مائة وثمانون درهما وحبتان. وتعقبه في فتح القدير بأن فيه نظرا على ما اعتبروه في درهم الزكاة لانه إن أراد بالحبة الشعيرة فدرهم الزكاة سبعون شعيرة إذا كان العشرة وزن سبعة مثاقيل والمثقال مائة شعيرة فهو إذن أصغر لا أكبر، وإن أراد بالحبة أنه شعيرتان كما وقع تفسيرها في

[ 397 ]

تعريف السجا وندي فهو خلاف الواقع إذا الواقع أن درهم مصر لا يزيد على أربعة وستين شعيرة لان كل ربع منه مقدر بأربع خرانيب والخرنوبة مقدرة بأربع قمحات وسط اه‍. وذكر الولوالجي أن الزكاة تجب في الغطارفة إذا كانت مائتين لانها اليوم من دراهم الناس وإن لم تكن من دراهم الناس في الزمن الاول. وإنما يعتبر في كل زمان عادة أهل ذلك الزمان، ألا ترى أن مقدار المائتين لوجوب الزكاة من الفضة إنما تعتبر بوزن سبعة وإن كان مقدار المائتين في الزكاة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان بوزن خمسة وفي زمن عمر رضي الله عنه بوزن ستة، فيعتبر دراهم أهل كل بلد بوزنهم ودنانير كل بلد بوزنهم وإن كان الوزن يتفاوت اه‍. وكذا في الخلاصة وعن ابن الفضل أنه كان يوجبفي كل مائتي درهم بخارية خمسة متهاوبة أخذ السرخسي واختاره في المجتبى وجمع النوازل والعيون والمعراج والخانية. وذكره في فتح القدير غير أنه قال بعده: إلا أني أقول: ينبغي أن يقيد بما إذا كانت لهم دراهم لا تنقص عن أقل ما كان وزنا في زمنه عليه السلام وهي ما تكون العشرة وزن خمسة لانها أقل ما قدر النصاب بمائتين منها حتى لا تجب في المائتين من الدراهم المسعودية الكائنة بمكة مثلا وإن كانت دراهم قوم وكأنه أعمل إطلاق الدراهم والاواقي في الموجود ما يمكن أن يوجد ويستحدث. قوله (وغالب الورق ورق لا عكسه) يعني أن الدراهم إذا كانت مغشوشة، فإن كان الغالب هو الفضة فهي كالدراهم الخالصة لان الغش فيها مستهلك لا فرق في ذلك بين الزيوف والنبهرجة، وما غلب فضته على غشه تناوله اسم الدراهم مطلقا والشرع أوجب باسم الدراهم، فإن غلب الغش فليس كالفضة كالستوقة فينظر إن كانت رائجة أو نوى التجارة اعتبرت قيمتها، فإن بلغت نصابا من أدنى الدراهم التي تجب فيها الزكاة وهي التي غلبت فضتها وجبت فيها الزكاة وإلا فلا. وإن لم تكن أثمانا رائجة ولا منوية للتجارة فلا زكاة فيها إلا أن يكون ما فيها من الفضة يبلغ مائتي درهم بأن كانت كثيرة ويتخلص من الغش لان الصفر لا تجب الزكاة فيها إلا بنية التجارة والفضة لا يشترط فيها نية التجارة، فإن كان ما فيها لا يتخلص فلا شئ عليه لان الفضة فيه قد هلكت. كذا في كثير من الكتب. وفي غاية البيان: الظاهر أن خلوص الفضة من الدراهم ليس بشرط، بل المعتبر أن تكون في الدراهم فضة بقدر النصاب. فأما الغطارفة فقيل: يجب في كل مائتين منها خمسة منها عددا لانها من أعز الاثمان والنقود عندهم. وقال السلف: ينظر إن كانت أثمانا رائجة أو سلعا للتجارة تجب الزكاة في قيمتها كالفلوس، وإن لم تكن للتجارة فلا زكاة فيها لان ما فيها من

[ 398 ]

الفضة مستهلك لغلبة النحاس عليها فكانت كالستوقة. وفي البدائع: وقول السلف أصح وحكم الذهب المغشوش كالفضة المغشوشة. وقيد المصنف بالغالب لان الغش والفضة لو استويا ففيه اختلاف. واختار في الخانية والخلاصة الوجوب احتياطا. وفي معراج الدراية: وكذا لا تباع إلا وزنا. وفي المجتبى: المفهوم من كتاب للصرف أن للمساوي حكم الذهب والفضة، ومما ذكر في الزكاة أنه لا يكون له حكم الذهب والفضة. وقيدنا المخالط للورق بأن يكون غشالانه لو كان ذهبا فإن كانت الفضة مغلوبة فكله ذهب لانه أعز وأغلى قيمة، وإن كانت الفضة غالبة فإن بلغ الذهب نصابه ففيه زكاة الذهب، وإن بلغت الفضة نصابها فزكاة الفضة. وفي المغرب: الغطر يفية كانت من أعز النقود ببخارى منسوبة إلى غطريف بن عطاء الكندي أمير خراسان أيام الرشيد. قوله (وفي عروض تجارة بلغت نصاب ورق أو ذهب) معطوف على قوله أول الباب في مائتي درهم أي يجب ربع العشر في عروض التجارة إذا بلغت نصابا من أحدهما وهي جمع عرض لكنه بفتح الراء حطام الدنيا كما في المغرب لكنه ليس بمناسب هنا لانه يدخل فيه النقدان، فالصواب أن يكون جمع عرض بسكونها وهو كما في ضياء الحلوم ما ليس بنقد. وفي الصحاح: العرض بسكون الراء المتاع وكل شئ فهو عرض سوى الدراهم والدنانير اه‍. فيدخل الحيوان ولا يرد عليه ما أسيم من الحيوانات للدر والنسل لظهور أن المراد غيره لتقدم ذكر زكاة السوائم. والعرض بالضم الجانب منه ومنه أوصى بعرض ما له أي جانب منه بلا تعيين، والعرض بكسر العين ما يحمد الرجل ويذم عند وجوده وعدمه. كذا في معراج الدراية. قيد بكونها للتجارة لانها لو كانت للغلة فلا زكاة فيها لانها ليست للمبايعة. ولو اشترى عبدا لخدمة ناويا بيعه إن وجد ربحا لا زكاة فيه، ولا يرد عليه ما إذا كان في العررض مانع من نية التجارة كأن اشترى أرض خراج ناويا للتجارة أو اشترى أرض عشر وزرعها فإنها لا تكون للتجارة لما يلزم عليه من الثني كما قدمناه، وجواب منلا خسرو بأن الارض ليست من العروض بناء على تفسير أبي عبيد إياها بما لا يدخله كيل ولا وزن ولا

[ 399 ]

يكون عقارا ولا حيوانا مردود، لما علمت أن الصواب تفسيرها هنا بما ليس بنقد ولذا لا يرد على المصنف ما لو اشترى بذرا للتجارة وزرعه فإنه لا زكاة فيه وإنما يجب العشر فيه لان بذره في الارض أبطل كونه للتجارة لان مجرد كونه نوى الخدمة في عبد التجارة أسقط وجوب الزكاة فلان يسقط التصرف الاقوى أولى. وكذا لو لم يزرعه ففيه الزكاة وبهذا سقط اعتبار الزيلعي كما لا يخفى. واعلم أن نية التجارة في الاصل تعتبر ثابتة في بدله وأن لم يتحقق شخصها فيه وهو ما قوبض به مال التجارة فإنيكون للتجارة بلا نية لان حكم البدل حكم الاصل، وكذا لو كان العبد للتجارة فقتله عبد خطأ ودفع به فإن المدفوع يكون للتجارة بخلاف القتل عمدا، وأجرة دار التجارة وعبد التجارة بمنزلة ثمن مال التجارة في الصحيح من الرواية. كذا في الخانية. وذكر في الكافي: ولو ابتاع مضارب عبدا وثوبا له وطعاما وحمولة وجبت الزكاة في الكل وإن قصد غير التجارة لانه لا يملك الشراء إلا للتجارة بخلاف رب المال حيث لا يزكى الثوب والحمولة لانه يملك الشراء لغير التجارة اه‍. وفي فتح القدير: ويحمل عدم تزكية الثوب لرب المال ما دام لم يقصد بيعه معه فإنه ذكر في فتاوى قاضيخان: النخاس إذا باع دواب للبيع واشترى لها جلالا ومقاود، فإن كان لا يدفع ذلك مع الدابة إلى المشتري لا زكاة فيها، وإن كان يدفعها معها وجب فيها، وكذا العطار إذا اشترى قوارير اه‍. وقد يفرق بأن ثوب العبد يدخل في بيعه بلا ذكر تبعا حتى لا يكون له قسط من الثمن فلم يكن مقصودا أصلا فوجوده كعدمه بخلاف جل الدواب والقوارير فإنه مبيع قصدا، ولذا لم يدخل في البيع بلا ذكر. وإنما قال نصاب ورق ولم يقل نصاب فضة لان الورق - بكسر الراء - اسم للمضروب من الفضة كما في المغرب. ولا بد أن تبلغ العروض قيمة نصاب من الفضة المضروبة كما في الذخيرة والخانية، لان لزومها مبني على التقوم، والعرف أن تقوم بالمصكوك كما قدمناه. وأشار بقوله ورق أو ذهب إلى أنه مخير أن شاء قومها بالفضة وإن شاء بالذهب لان الثمنين في تقدير قيم الاشياء بهما سواء. وفي النهاية: لو كان تقويمه بأحد النقدين يتم النصاب وبالآخر فإنه يقومه بما يتم به النصاب بالاتفاق اه‍. وفي الخلاصة أيضا ما يفيد الاتفاق على هذا وكل منهما ممنوع فقد قال في الظهيرية: رجل له عبد للتجارة أن قوم بالدراهم لا تجب فيه الزكاة، وإن قوم بالدنانير تجب، فعند أبي حنيفة يقوم بما تجب فيه الزكاة دفعا لحاجة الفقير وسدا لخلته. وقال أبو يوسف: يقوم بما اشترى فإن اشتراه بغير النقدين

[ 400 ]

يقوم بالنقد الغالب اه‍. فالحاصل أن المذهب تخييره إلا إذا كان لا يبلغ بأحدهما نصابا تعين التقويم بما يبلغ نصابا وهو مراد من قال يقوم بالانفع ولذا قال في الهداية: وتفسير الانقع أن يقومها بما يبلغ نصابا ويقوم العرض بالمصر الذي هو فيه حتى لو بعث عبدا للتجارة في بلد آخر يقوم في ذلك الذي فيه العبد، إن كان في مفازة تعتبر قيمته في أقرب الامصار إلى ذلك الموضع. كذا في فتح القدير وهو أولى مما في التبيين من أنه إذا كان في المفازة يقوم في المصر الذي يصير إليه ثم عند أبي حنيفة تعتبر القيمة يوم الوجوب، وعندهما يوم الاداء وتمامه في فتح القدير. قوله (ونقصان النصاب في الحول لا يضران كمل في طرفيه) لانه يشق اعتبار الكمال في أثنائه أما لابد منه في ابتدائه للانعقاد وتحقيق الغناء وفي انتهائه للوجوب ولا كذلك فيما بين ذلك لانه حالة البقاء. قيد بنقصان النصاب أي قدره لان زوال وصفه كهلاك الكل كما إذا جعل السائمة علوفة لان العلوفة ليست من مال الزكاة، أما بعد فوات بعض النصاب بقي بعض المحل صالحا لبقاء الحول وشرط الكمال في الطرفين لنقصانه في الحول لان نقصانه بعد الحول من حيث القيمة لا يسقط شيأ من الزكاة عند أبي حنيفة، وعندهما عليه زكاة ما بقي. كذا في الخلاصة. وذكر في المجتبى الدين في خلال الحول لا يقطع حكم الحول وإن كان مستغرقا. وقال زفر: يقطع اه‍. ومن فروع المسألة إذا كان له غنما للتجارة تساوي نصابا فماتت قبل الحول فسلخها ودبغ جلدها فتم الحول كان عليه فيها الزكاة إن بلغت نصابا، ولو كان له عصير للتجارة فتخمر قبل الحول ثم صار خلا فتم الحول لا زكاة فيها قالوا: لان في الاول الصوف الذي على الجلد متقوم فيبقى الحول لبقائه، وفي الثاني بطل تقوم الكل بالخمرية فهلك كل المال إلا أنه يخالف ما روى ابن سماعة عن محمد: اشترى عصيرا قميته مائتا درهم فتخمر بعد أربعة أشهر، فلما مضى سبعة أشهر أو ثمانية أشهر إلا يوما صار خلا يساوي مائتي درهم فتمت السنة، كان عليه الزكاة لانه عاد للتجارة كما كان. كذا في الخانية. قوله (وتضم قيمة العروض إلى الثمنين والذهب إلى الفضة قيمة) أما الاول فلان

[ 401 ]

الوجوب في الكل باعتبار التجارة وإن افترقت جهة الاعداد، وأما الثاني فللمجانسة من حيث الثمنية ومن هذا الوجه صار سببا. وضم إحدى النقدين إلى الآخر قيمة مذهب الامام، وعندهما الضم بالاجزاء وهو رواية عنه حتى إن من كان له مائة درهم وخمسة مثاقيل ذهب تبلغ قيمتها مائة درهم فعليه الزكاة عنده خلافا لهما. هما يقولان: المعتبر فيهما القدر دون القيمة حتى لا تجب الزكاة في مصوغ وزنه أقل من مائتين وقيمته فوقهما. وهو يقول: الضم للمجانسة وهي تحقق باعتبار القيمة دون الصورة فيضم بها. وفي المحيط: لو كان له مائة درهم وعشرة دنانير قيمتها أقل من مائة تجب الزكاة عندهما. واختلفوا على قوله والصحيح الوجوب لانه إن لم يمكن تكميل نصاب الدراهم باعتبار قيمة الدنانير أمكن تكميل نصاب الدنانير باعتبار قيمة الدراهم لان قيمتها تبلغ عشرة دنانير فتكمل احتياطا لايجاب الزكاة اه‍. وبهذا ظهر بحث الزيلعي منقولا وعشرة دنانير ظنا منه أن إيجاب الزكاة في هذه المسألة على الصحيح لتكامل الاجزاء لا باعتبار القيمة وليس كما ظن، بل الايجاب باعتبار القيمة كما أفاده تعليل المحيط، فإن حاصله اعتبار القيمة من جهة كل من النقدين لا من جهة أحدهما عينا فإنه إن لم يتم النصاب باعتبار قيمة الذهب بالفضة يتم باعتبار القيمة كما أفاده تعليل المحيط، فإن حاصله اعتبار القيمة من جهة كل من النقدين لا من جهة أحدهما عينا فإنه إن لم يتم النصاب باعتبار قيمة الذهب بالفضة يتم باعتبار قيمة الفضة بالذهب، فكيف يكون تعليلا لعدم اعتبار القيمة مطلقا عند تكامل الاجزاء مع أنه يرد عليه لو زادت قيمة أحدهما ولم ينتقص قيمة الآخر كمائة درهم وعشرة دنانير تساوي مائة وثمانين، فإن مقتضى كلامه من عدم اعتبار القيمة عند تكامل الاجزاء أن لا يلزمه إلا خمسة. والظاهر لزوم سبعة اعتبارا للقيمة أخذا من دليله من أن الضم ليس إلا للمجانسة، وإنما هي باعتبار المعنى وهو القيمة لا باعتبار الصورة. وقد صرح به في

[ 402 ]

المحيط فقال: لو كان له مائة درهم وعشرة دنانير قيمتها مائة وأربعون، فعند أبي حنيفة تجب ستة دراهم، وعندهما هو نصاب تام نصفه ذهب ونصفه فضة فيجب في كل نصف ربع عشره وفيه أيضا: لو كان له ماثة وخمسون درهما وخسمة دنانير قيمتها خمسون تجب الزكاة بالاجماع، ولو كان له ابريق فضة وزنه مائة وقيمته لصناعته مائتان لا تجب الزكاة باعتبار القيمة لان الجودة والصنعة في أموال الربا لا قيمة لها عند انفرادها ولا عند المقابلة بجنسها اه‍. وفي المعراج: لو كان له مائة وخمسون درهما وخمسة دنانير وقيمة الدنانير لا تساوي خمسين درهما تجب الزكاة على قولهما. واختلف المشايخ على قوله قال بعضهم: لا تجب لان الضم باعتبار القيمة عنده ويضم الأقل إلى الأكثر لأن الأقل تابع للأكثر فلا يكمل النصاب به. وقال الفقيه أبو جعفر: تجب على قوله وهو الصحيح ويضم الأكثر إلى الاقل اه‍. وهو دليل على أنه لا اعتبار بتكامل الاجزاء عنده وإنما يضم أحد النقدين إلى الآخر قيمة، ولا فرق بين ضم الاقل إلى الاكثر أو عكسه. باب العاشر أخره عما قبله لتمحض ما قبله زكاة بخلاف ما يأخذه العاشر كما سيأتي. وهو فاعل من عشرته أعشره عشرا بالضم، والمراد هنا ما يدور اسم العشر في متعلق أخذه فإنه إنما يأخذ العشر من الحربي لا المسلم والذمي، أو تسمية للشئ باعتبار بعض أحواله وهو أخذه العشر من الحربي من المسلم والذمي والادوار مركب فيتعسر التلفظ والعشر منفرد فلا يتعسر قوله (هو من نصبه الامام ليأخذ الصدقات من التجار) أي من نصبه الامام على الطريق ليأخذ الصدقات من التجار المارين بأموالهم عليه. قالوا: وإنما ينصب ليأمن التجار من اللصوص ويحميهم منهم فيستفاد منه أنه لا بد أن يكون قادرا على الحماية لان الجباية بالحماية ولذا قال في الغاية: ويشترط في العامل أن يكون حرامسلما غير هاشمي، فلا يصح أن يكون عبدا لعدم الولاية، ولا يصح أن يكون كافرا لانه لا يلي على المسلم بالآية، ولا يصح

[ 403 ]

أن يكون مسلما هاشميا لان فيها شبهة الزكاة اه‍. بلفظه. وبه يعلم حكم تولية اليهود في زمان على بعض الاعمال ولا شك في حرمة ذلك أيضا. قيدنا بكونه نصب على الطريق للاحتراز عن الساعي وهو الذي يسعى في القبائل ليأخذ صدقة المواشي في أماكنها. والمصدق بتخفيف الصاد وتشديد الدال اسم جنس لهما كذا في البدائع. وحاصله أن مال الزكاة نوعان: ظاهر وهو المواشي والمال الذي يمر به التاجر على العاشر، وباطن وهو الذهب والفضة وأموال التجارة في مواضعها. أما الظاهر فللامام ونوابه وهم المصدقون من السعاة والعشار ولاية الاخذ للآية * (خذ من أموالهم صدقة) * (التوبة: 103 خ ولجعله للعاملين عليها حقا فلو لم يكن للامام مطالبتهم لم يكن له وجه، ولما اشتهر من بعثه عليه الصلاة والسلام للقبائل لاخذ الزكاة وكذا الخلفاء بعده حتى قاتل الصديق ما نعي الزكاة، ولا شك أن السوائم تحتاج إلى الحماية لانها تكون في البراري بحماية السلطان وغيرها من الاموال إذا أخرجه في السفر احتاج إلى الحماية بخلاف الاموال الباطنة إذا لم يخرجها مالكها من المصر لفقد هذا المعنى. وفي البدائع: وشرط ولاية الاخذ وجود الحماية من الامام فلا شئ لو غلب الخوارج على مصر أو قرية وأخذوا منهم الصدقات ومنها وجوب الزكاة لان المأخوذ زكاة فيراعي شرائطها كلها، ومنها ظهور المال وحضور المالك فلو حضر وأخبر بما في بيته أو حضر ماله مع مستبضع نحوه فلا أخذ. وفي التبيين: إن هذا العمل مشروع وما ورد من ذم العشار محمول على من يأخذ أموال الناس ظلما كما تفعله الظلمة اليوم. روى أن عمر أراد أن يستعمل أنس بن مالك على هذا العمل فقال له: أتستعملني على المكس من عملك؟ فقال: ألا ترضى أن أقلدك ما قلدنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم اه‍. وفي الخانية قسم الجبايات: والمؤن بين الناس على السوية يكون مأجورا اه‍. قوله (فمن قال لم يتم الحول أو علي دين أو أديت أنا أو إلى عاشر آخر وحلف صدق إلا في السوائم في دفعه بنفسه) أما الاول والثاني فلانكاره الوجوب وقدمنا أن شرط ولاية الاخذ وجود الزكاة، فكل ما وجوده مسقط فالحكم كذلك إذا ادعاه. والمراد بنفي تمام الحول نفيه عما في يده وما في بيته لانه لو كان في بيته مال آخر قد حال عليه الحول وما مر به لم يحل عليه الحول واتحد الجنس فإن العاشر لا يلتفت إليه لوجوب الضم في متحد الجنس إلا لمانع كما قدمناه. وقيد في المعراج الدين بدين العباد وقدمنا أن منه دين الزكاة. وأطلق المصنف

[ 404 ]

في الدين فشمل المستغرق للماء والمنقص للنصا ب وهو الحق، وبه اندفع ما في غاية البيان من التقييد بالمحيط لما له، واندفع ما في الخبازية من أن العاشر يسأله عن قدر الدين على الاصح فإن أخبره بما يستغرق النصاب يصدقه وإلا لا يصدقه اه‍. لان المنقص له مانع من الوجوب فلا فرق كما في المعراج. وأشار المصنف إلى أن المار إذا قال ليس في هذا المال صدقة فإنه يصدق مع يمينه - كما في المبسوط - وإن لم يبين سبب النفي. وفيه أيضا: إذا أخبر التاجر العاشر أن متاعه مروي أو هروي واتهمه العاشر فيه وفيه ضرر عليه حلفه وأخذ منه الصدقة على قوله لانه ليس له ولاية إلا ضرار به، وقد نقل عن عمر أنه قال لعماله: ولا تفتشوا على الناس متاعهم. وأما الثالث فلانه ادعى وضع الامانة موضعها ومراده إذا كان في تلك السنة عاشر آخر وإلا فلا يصدق لظهور كذبة بيقين. ومراده أيضا ما إذا أدى بنفسه في المصر إلى الفقراء لان الاداء كان مفوضا إليه فيه وولاية الاخذ بالمرور لدخوله تحت الحماية لانه لو ادعى الاداء بنفسه إليهم بعد الخروج من المصر لا يقبل. وإنما لا يصدق في قوله أديت بنفسي صدقة السوائم إلى الفقراء في المصر لان حق الاخذ للسلطان فلا يملك إبطاله بخلاف الاموال الباطنة. ثم قيل: الزكاة هو الاول والثاني سياسة. وقيل: هو الثاني والاول ينقلب نفلا هو الصحيح كذا في الهداية. وظاهر قوله ينقلب نفلا أنه لو لم يأخذ منه الامام لعلمه بأدائه إلى الفقراء فإن ذمته تبرأ ديانة وفيه اختلاف المشايخ كما في المعراج. وفي جامع أبي اليسر: لو أجاز الامام إعطاءه لم يكن به بأس لانه إذا أذن له الامام في الابتداء أن يعطي إلى الفقراء بنفسه جاز فكذا إذا أجاز بعد الاعطاء اه‍. وإنما حلف وإن كانت العبادات يصدق فيها بلا تحليف لتعلق حق العبد وهو العاشر في الاخذ وهو يدعي عليه معنى لو أقر به لزمه فيحلف لرجاء النكول بخلاف حد القذف لان القضاء بالنكول متعذر في الحدود على ما عرف، وبخلاف الصلاة والصوم لانه لا مكذب له فيها، فاندفع قول أبي يوسف أنه لا يحلف لانها عبادة. وأشار المصنف بالاكتفاء بالحلف إلى أنه لا يشترط إخراج البراءة فيما إذا ادعى الدفع إلى عاشر آخر تبعا للجامع الصغير لان الخط يشبه الخط فلم يعتبر علامة وهو ظاهر الرواية كما في البدائع. وشرطه في الاصل لانه ادعى ولصدق دعواه علامة فيجب إبرازها. وفي المعراج: ثم على قول من يشترط إخراج البراءة هل يشترط اليمين معها فقد اختلف فيه.

[ 405 ]

وفي البدائع: إذا أتى بالبراءة على خلاف اسم ذلك المصدق فإنه يقبل قوله مع يمينه على جواب ظاهر الرواية لان البراءة ليست بشرط فكان الاتيان بها والعدم بمنزلة واحدة اه‍. وقد يقال: إنه دليل كذبه فهو نظير ما لو ذكر الحد الرابع وغلط فيه فإنه لا تسمع الدعوى وإن جاز تركه إلا أن يقال: إنها عبادة بخلاف حقوق العباد المحضة. وفي المحيط: حلف أنه أدى الصدقة إلى مصدق آخر وظهر كذبه آخذه بها إن ظهر بعد سنين لان حق الاخذ ثابت فلا يسقط باليمين الكاذبة اه‍. قوله (وكل شئ صدق فيه المسلم صدق فيه الذمي) لان ما يؤخذ منهم ضعف ما يؤخذ من المسلم فيراعى فيه شرائط الزكاة تحقيقا للتضعيف. وفي التبيين: لا يمكن إجراؤه على عمومه فإن ما يؤخذ من الذمي جزية وفي الجزية لا يصدق إذا قال أديتها أنا لان فقراء أهل الذمة ليسوا بمصارف لهذا الحق وليس له ولاية الصرف إلى مستحقه وهو مصالح المسلمين اه‍. وقولهم ما يؤخذ من الذمي جزية أي حكمه حكمها من كونه يصرف مصارفها لا أنه جزية حتى لا تسقط جزية رأسه في تلك السنة. نص عليه الاسبيجابي. واستثنى في البدائع نصارى بني تغلب لان عمر صالحهم من الجزية على الصدقة المضاعفة فإذا أخذ العاشر منهم ذلك سقطت الجزية اه‍. قوله (لا الحربي إلا في أم ولده) أي لا يصدق الحربي في شئ إلا في جارية في يده قال هي أم ولدي فإنه يصدق، وكذا في الجواري لان الاخذ منه بطريق الحماية لا زكاة ولا ضعفها فلا يراعي فيه الشروط المتقدمة، ولذا كان الاولى أن يقال: لا يلتفت إلى كلامه أو لا يترك الاخذ منه إذا ادعى شيأ مما ذكرناه دون أن يقال ولا بصدق لانه لو كان صادقا بأن ثبت صدقه ببينة عادلة من المسلمين المسافرين معه من دار الحرب أخذ منه. كذا في فتح القدير ويستثنى من العموم ما إذا قال الحربي أديت إلى عاشر آخر وثمة عاشر آخر فإنه لا يؤخذ منه ثانيا لانه يؤدي إلى الاستئصال. جزم به منلا شيخ في شرح الدرر. وذكره في الغاية بلفظ: ينبغي أن لا يؤخذ منه ثانيا. وتبعه في التبيين. وأشار باستثناء

[ 406 ]

أم الولد إلى أنه لو قال في حق غلام معه هذا ولدي فإنه يصح ولا يعشر لان النسب يثبت في دار الحرب كما يثبت في دار الاسلام، وأمومية الولد تبع للنسب. وقيده في المحيط بأن كان يولد مثله لانه لو كان لا يولد مثله لمثله فإنه يعتق عليه عند أبي حنيفة ويعشر لانه إقرار بالعتق فلا يصدق في حق غيره اه‍. وقيد بأم الولد لانه لو أقر بتدبير عبده لا يصدق لان التدبير لا يصح في دار الحرب. كذا في المعراج. وفي النهاية: لو مر بجلود الميتة فإن كانوا يدينون أنها مال أخذ منها وإلا فلا اه‍. والحاصل أنه لا يؤخذ إلا من مال قوله (وأخذ منا ربع العشر ومن الذمي ضعفه ومن الحربي العشر بشرط نصاب وأخذهم منا) بذلك أمر عمر رضي الله عنه سعاته وقدمنا أن المأخوذ من المسلم زكاة ومن الذمي صدقة مضاعفة تصرف مصارف الجزية وليست بجزية حقيقة، ومن الحربي بطريق الحماية وتصرف مصارف الجزية كما في غاية البيان. ويصح أن يتعلق قوله بشرط نصاب بالثلاثة وهو متفق عليه في المسلم والذمي، وأما في الحربي فظاهر المختصر أنه إذا مر بأقل منه لا يؤخذ منه. وفي الجامع الصغير: وإن مر حربي بخمسين درهما لم يؤخذ منه شئ إلا أن يكونوا يأخذون منا من مثلهم لان الاخذ بطريق المجازاة. وفي كتاب الزكاة: لا نأخذ من القليل وإن كانوا يأخذون منا لان القليل لم يزل عفوا وهو للنفقة عادة فأخذهم منا من مثله ظلم وخيانة ولا متابعة عليه، والاصل فيه أنه متى عرفنا ما يأخذون منا أخذ منهم مثلة لان عمر أمر بذلك، وإن لم نعرف أخذ منهم العشر لقول عمر رضي الله عنه: فإن أعياكم فالعشر. وإن كانوا يأخذون الكل نأخذ منهم الجميع إلا قدر ما يوصله إلى مأمنه في الصحيح، وإن لم يأخذوا منا لا نأخذ منهم ليستمروا عليه ولانا أحق بالمكارم وهو المراد بقوله: وأخذهم منا لانه بطريق المجازاة. كذا في التبيين. وفي كافي الحاكم: إن العاشر لا يأخذ العشر من مال الصبي الحربي إلا أن يكونوا يأخذون من أموال صبياننا شيأ اه‍.

[ 407 ]

قوله: (ولم يثمن في حول بلا عود) أي بلا عود إلى دار الحرب لان الاخذ في كل مرة يؤدي إلى الاستئصال بخلاف ما إذا عاد ثم خرج إلينا لان ما يؤخذ منه بطريق الامان وقد استفاده في كل مرة. وفي المحيط: ولو عاد الحربي إلى دار الحرب ولم يعلم به العاشر ثم خرج ثانيا لم يأخذه بما مضى لان ممضى سقط لانقطاع الولاية ولو مر المسلم والطمي على العاشر ولم يعلم بها ثم علم في الحول الثاني يؤخذ منهما لان الوجوب قد ثبت والمسقط لم يوجد ا ه‍. قوله: (وعشر الخمر لا الخنزير) أي أخذ نصف عشر قيمة الخمر من الذمي وعشر قيمته من الحربي لا أنه يؤخذ العشر بتمامه منهما، ولا أن المأخوذ من عين الخمر لان المسلم منهي عن اقترابها. ووجه الفرق بين الخمر والخنزير على الظاهر أن القيمة في ذوات القيم لها حكم العين والخنزير منها، وفي ذوات الامثال ليس لها هذا الحكم والخمر منها، ولان حق الاخذ منها للحماية والمسلم يحمي خمر نفسه للتخليل فكذا يحمها على غيره ولا يحمي خنزير نفسه بل يجب تسييبه بالاسلام فكذا لا يحميه على غيره، وسيأتي في آخر باب المهر ما أورد على التعليل الاول وجوابه. وفي الغاية: تعريف قيمة الخمر بقول فاسقين تابا أو ذميين أسلما. وفي الكافي: يعرف ذلك بالرجوع إلى أهل الذمة ا ه‍. قيدنا بخمر الذمي والحربي لان العاشر لا يأخذ من المسلم إذا مر بالخمر اتفاقا. كذا في الفوائد. وقيد المسألة في المبسوط: والاقطع بأن يمر الذمي بالخمر والخنزير للتجارة ويشهد له قول عمر: ولو هم بيعها وخذوا العشر من أثمانها. وفي المعراج: قوله مر ذمي بخمر وخنزير أي مر بهما بنية التجارة وهما يساويان مائتي درهم لما ذكرنا من رعاية الشروط في حقه ا ه‍. وجلود الميتة كالخمر فإنه كان مالا في الابتداء ويصير مالا في الانتهاء بالدبغ قوله: (وما في بيته) معطوف على الخنزير أي لا يعشر المال الذي في بيته لما قدمنا أن من شروطه مروره بالمال عليه فيلزمه الزكاة فيما بينه وبين الله تعالى. قوله: (والبضاعة) أي لا يأخذ من مال البضاعة شيئا لان الوكيل ليس بنائب عنه في أداء الزكاة. وفي المغرب: البضاعة قطعة من المال. وفي الاصطلاح ما يدفعه المالك لانسان يبيع فيه ويتجر ليكون الربح كله للمالك ولا شئ للعامل قوله: (ومال المضاربة وكسب المأذون) أي لا يأخذ العشر من المضارب والمأذون لانه لا ملك لهما ولا نيابة من المالك وهذا هو الصحيح في الثلاثة، ولو كان في المضاربة ربح عشر حصة المضارب إن بلغت نصابا بالملك نصيبه من الربح، ولو كان مولى المأذون معه يؤخذ منه لان المال له إلا إذا كان على العبد دين محيط بماله ورقبته لانعدام الملك عنده وللشغل عندهما

[ 408 ]

قوله: (وثنى أن عشر الخوارج) أي أخذ منه ثانيا إن مر على عاشر الخوارج فعشروه لان التقصير من جهته حيث مر عليهم بخلاف ما إذا ظهروا على مصر أو قرية كما قدمناه. باب الركاز هو المعدن أو الكنز لان كلا منهما مركوز في الارض وإن اختلف الراكز، وشئ راكز ثابت. كذا في المغرب. فظاهره أنه حقيقة فيهما مشتركا معنويا وليس خالصا بالدفين ولو دار الامر فيه بين كونه مجازا فيه أو متواطئا إذ لا شك في صحة إطلاقه على المعدن كان التواطؤ متعينا. وبه اندفع ما في غاية البيان والبدائع من أن الركاز حقيقة في المعدن لانه خلق فيها مركبا وفي الكنز مجاز بالمجاورة، وفي المغرب: عدن بالمكان أقام به ومنه المعدن لما خلقه الله تعالى في الارض من الذهب والفضة لان الناس يقيمون فيه الصيف والشتاء. وقيل: لاثبات الله فيه جوهرهما وإثباته، إياه في الارض حتى عدن فيها أي ثبت ا ه‍. قوله: (خمس معدن نقد ونحو حديد في أرض خراج أو عشر) لقوله عليه الصلاة والسلام وفي الركاز الخمس (1) وهو من الركز فانطلق على المعدن ولانه كان في أيدي الكفرة وحوته أيدينا غلبة فكان غنيمة وفي الغنيمة الخمس إلا أن للغانمين يدا حكمية لثبوتها على الظاهر، وأما الحقيقة فللواجد فاعتبرنا الحكمية في حق الخمس، والحقيقة في حق الاربعة الاخماس حتى كانت للواجد والنقد الذهب والفضة ونحو الحديد كل جامد ينطبع بالنار كالرصاص والنحاس والصفر، وقيد به احترازا عن المائعات كالقار والنفط والملح، وعن الجامد الذي لا ينطبع كالجص والنورة والجواهر كالياقوت والفيروزج والزمرد فلا شئ‌فيها. وأطلق في الواحد فشمل الحر والعبد والمسلم والذمي والبالغ والصبي والذكر والانثى كما في المحيط. وأما الحربي المستأمن إذا عمل بغير إذن الامام لم يكن له شئ لانه لا حق له في الغنيمة، وإن عمل بإذن فله ما شرط لانه

[ 409 ]

استعمله فيه، وإذا عمل رجلان في طلب الركاز وأصابه أحدهما يكون للواجد لانه عليه الصلاة والسلام جعل أربعة أخماسه للواجد. وإذا استأجر للعمل في المعدن فالمصاب للمستأجر لانهم يعملون له. وعن أبي يوسف: لو وجد ركازا فباعه بعوض فالخمس على الذي في يده الركاز ويرجع على البائع بخمس الثمن. كذا في المحيط: وفي المبسوط: ومن أصاب ركازا وسعه أن يتصدق بخمسه على المساكين فإذا اطلع الامام على ذلك أمضى له ما صنع لان الخمس حق الفقراء وقد أوصله إلى مستحقه وهو في إصابة الركاز غير محتاج إلى الحماية فهو كزكاة الاموال الباطنة ا ه‍. وفي البدائع: ويجوز دفع الخمس إلى الوالدين والمولودين الفقراء كما في الغنائم، ويجوز للواجد أن يصرفه إلى نفسه إذا كان محتاجا ولا تغنيه الاربعة الاخماس بأن كان دون المائتين، أما إذا بلغ مائتين فإنه لا يجوز له تناول الخمس ا ه‍. وهو دليل على وجوب الخمس مع فقر الواجد وجواز صرفه لنفسه، ويقال ينبغي أن لا يجب الخمس مع الفقر كاللقطة لانا نقول: إن النص عام فيتناوله. كذا في المعراج. وقيد بكونه في أرض خراج أو عشر ليخرج الدار فإنه لا شئ فيها لكن ورد عليه الارض التي لا وظيفة فيها كالمفازة إذ يقتضي أنه لا شئ في المأخوذ منها وليس كذلك، فالصواب أن لا يجعل ذلك القصد الاحتراز بل للتنصيص على أن وظيفتهما المستمرة لا تمنع الاخذ مما يوجد فيها. كذا في فتح القدير. وفي المغرب: خمس القوم إذا أخذ خمس أموالهم من باب طلب اه‍. واستشهد له في ضياء الحلوم بقول عدي بن حاتم الطائي: ربعت في الجاهلية وخمست في الاسلام. والخمس بضمتين وقد تسكن الميم وبه قرئ في قوله تعالى * (فأن لله خمسه) * (الانفال: 41) ا ه‍ فعلم أن قوله في المختصر خمس بتخفيف الميم لانه متعد فجاز بناء المفعول منه، وبه اندفع قول من قرأه خمس - بتشديد الميم - ظنا منه أن المخفف لازم لما علمت أن المخفف متعد وأنه من باب طلب.

[ 410 ]

قوله: (لا داره وأرضه) أي لا خمس في معدن وجده في داره أو أرضه فاتفقوا على أن الاربعة الاخماس للمالك، سواء وجده هو أو غيره، لانه من توابع الارض بدليل دخوله في البيع بغير تسمية فيكون من أجزائها. واختلفوا في وجوب الخمس، قال أبو حنيفة: لا خمس في الدار والبيت والمنزل والحانوت مسلما كان المالك أو ذميا كما في المحيط، وفي الارض عنه روايتان اختار المصنف أنها كالدار. وقالا: يجب الخمس لاطلاق الدليل، وله أنه من أجزاء الارض مركب فيها ولا مؤنة في سائر الاجزاء فكذا في هذا الجزء لان الجزء لا يخالف الجملة بخلاف الكنز فإنه غير مركب فيها. والفرق بين الارض والدار على إحدى الروايتين. وهي رواية الجامع الصغير. أن الدار ملكت خالية عن المؤن دون الارض ولذا وجب العشر أو الخراج في الارض دون الدار فكذا هذه المؤنة حتى قالوا: لو كان في الدار نخلة تطرح كل سنة أكرارا من الثمار لا يجب فيه شئ لما قلنا بخلاف الارض. وفي البدائع: هذا كله إذا وجد في دار الاسلام، فأما إذا وجده في دار الحرب فإن وجده في أرض غير مملوكه فهو له ولاخمس فيه كما في الكنز وأورد على كون المعدن من أجزاء الارض جواز التيمم به وليس بجائز، وأجاب في المعراج بأنه من أجزائها وليس من جنسها كالخشب قوله: (وكنز) بالرفع عطف على معدن أي وخمس كنز وهو دفين الجاهلية فيكون الخمس لبيت المال، وله أن يصرفه إلى نفسه إن كان فقيرا كما قدمناه في المعدن، ووجوب الخمس اتفاقا لعموم الحديث وفي الركاز الخمس كما قدمناه قوله: (وباقيه للمختط له) أي الاخماس الاربعة للذي ملكه الامام البقعة أول الفتح، وإن كان ميتا فلورثته إن عرفوا وإلا فهو لاقصى مالك للارض أو لورثته. كذا في البدائع. وقيل: يوضع في بيت المال ورجحه في فتح القدير.

[ 411 ]

وفي التحفة: جعله لبيت المال إن لم يعرف الاقصى وورثته وهذا كله عندهما. وقال أبو يوسف: إن الباقي للواجد كالمعدن لان الاستحقاق بتمام الحيازة وهي منه. ولهما: إن يد المختط له سبقت إليه وهي يد الخصوص فيملك به ما في الباطن وإن كانت على الظاهر كما إذا اصطاد سمكة في بطنها درة ثم بالبيع لم تخرج عن ملكه لانه مودع فيها بخلاف المعد لانه من أجزائها فينتقل إلى المشتري. ومحل الخلاف فيما إذا لم يدعه مالك الارض، فإن ادعى أنه ملكه فالقول قوله اتفاقا. كذا في المعراج. أطلق في الكنز فشمل النقد وغيره من السلاح والآلات وأثاث المنازل والفصوص والقماش لانها كانت ملكا للكفارة فحوته أيدينا قهرا فصارت غنيمة. وقيدناه بدفين الجاهلية بأن كان نقشه صنما أو اسم ملوكهم المعروفين للاحتراز عن دفين أهل الاسلام كالمكتوب عليه كلمة الشهادة أو نقش آخر معروف للمسلمين فهو لقطة لان مال المسلمين لا يغنم وحكمها معروف، وإن اشتبه الضرب عليهم فهو جاهلي في ظاهر المذهب لانه الاصل، وقيل يجعل إسلاميا في زماننا لتقادم العهد. وأشار بقوله للمختط له إلى أنه وجده في أرض مملوكه لانه لو وجده في أرض غير مملوكة كالجبال والمفازة فهو كالمعدن يجب خمسه وباقيه للواجد، مطلقا حرا كان أو عبدا كما ذكرناه. وفي المغرب: الخطة المكان المختط لبناء دار أو غير ذلك في العمارات. وفي المعراج: إنما قالوا للمختط له لان الامام إذا أراد قسمه الاراضي يخط لكل واحد من الغانمين ويجعل تلك الناحية له. قوله: (وزئبق) أي خمس الزئبق عند أبي حنيفة ومحمد، وعن أبي يوسف لا شئ فيه لانه مائع ينبع من الارض كالقير، ولهما أنه ينطبع مع غيره فإنه حجر يطبخ فيسيل منه الزئبق فأشبه الرصاص وهو بكسر الباء بعد الهمزة الساكنة. كذا في المغرب. وقيل: هو حيوان لانه ذو حس يتحرك بالارادة ولهذا يقتل. كذا في المعراج. وفي فتح القدير: إنه بالياء وقد تهمز، ومنهم حينئذ من يكسر الموحدة بعد الهمزة مثل زيبر الثوب وهو ما يعلو جديدة من الوبرة لاخذه لا على وجه القهر والغلبة قوله: (لا ركاز دار حرب) أي لا يخمس ركاز في دار الحرب لانه ليس بغنيمة لاخذه لا على وجه القهر والغلبة لانعدام غلبة المسلمين عليه. أطلق في الركاز فشمل الكنز والمعدن. والقدوري وضع المسألة في الكنز ليبين حكم المعدن بالاولى لعدم الاختلاف فيه بخلاف الكنز فإن شيخ الاسلام أوجب الخمس فيه كما في المعراج. وأطلق في دار الحرب فشمل ما إذا وجده في أرض غير مملوكة أو في مملوكة لهم لكن إذا كانت غير مملوكة فالكل له، سواء دخل بأمان أو لا، لان حكم الامان يظهر في المملوك لا

[ 412 ]

في المباح، وإن كانت مملوكة لبعضهم فإن دخل بأمان رده إلى صاحبها لحرمة أموالهم عليه بغير الرضا، فإن لم يرده إليه ملكه ملكا خبيثا فسبيله التصدق به، فلو باعه صح لقيامه ملكه لكن لا يطيب للمشتري بخلاف بيع المشتري شراء فاسدا لان الفساد يرتفع ببيعه لامتناع فسخه حينئذ، وإن دخل بغير أمان حل له. ويستثنى من إطلاق المصنف ما إذا دخل جماعة ذو ومنعة دار الحر ب وظفروا بشئ من كنوزهم فإنه يجب فيه الخمس لكونه غنيمة لحصول الاخذ على طريق القهر والغلبة قوله: (وفيروزج ولؤلؤ وعنبر) أي لا تخمس هذه الاشياء، أما الاول فلانه حجر مضئ يوجد في الجبال وقد ورد في الحديث لا خمس في الحجر ونحوه الياقوت والجواهر كما قدمناه من كل جامع لا ينطبع. أطلقه وهو مقيد بما إذا أخذها من معدنها، أما إذا وجدت كنزا وهي دفين الجاهلية ففيه الخمس لانه لا يشترط في الكنز إلا المالية لكونه غنيمة. وأما الثاني فالمراد به كل حلية تستخرج من البحر حتى الذهب والفضة فيه بأن كانت كنزا في قعر البحر وهذا عندهما. وقال أبو يوسف: يجب في جميع ما يخرج من البحر لانه مما تحويه يد الملوك. ولهما: إن قعر البحر لا يرد عليه قهر أحد فانعدمت اليد وهي شرط الوجوب. فالحاصل أن الكنز لا تفصيل فيه بل يجب فيه الخمس كيفما كان، سواء كان من جنس الارض أو لم يكن بعدأن كان مالا متقوما، وأما المعدن فثلاثة أنواع كما قدمناه أول الباب، واللؤلؤ مطر الربيع يقع في الصدف فيصير لؤلؤا، والصدف حيوان يخلق فيه اللؤلؤ. والعنبر حشيش ينبت في البحر أو خثي دابة في البحر والله سبحانه أعلم. باب العشر هو واحد الاجزاء العشرة والكلام فيه في مواضع: في بيان فريضته وكيفيتها وسببها وشرائطها وقدر المفروض ووقته وصفته وركنه وشرائطه وما يسقطه. أما الاول فثابت بالكتاب قوله تعالى * (وآتوا حقه يوم حصاده) * (الانعام: 141) على قول عامة أهل التأويل هو العشر أو نصفه. وبالسنة ما سقته السماء ففيه العشر وما سقي بغرب أو دالية ففيه نصف العشر (1) وبالاجماع. وأما الكيفية فما تقدم في الزكاة أنه على الفور أو التراخي. وأما سببها

[ 413 ]

فالارض النامية بالخارج حقيقبخلاف الخراج فإن سببه الارض النامية حقيقة أو تقديرا بالتمكين، فلو تمكن وليزرع وجب الخراج دون العشر، ولو أصاب الزرع آفة لم يجبا، وقدمنا حكم تعجيل العشر وأنه على ثلاثة أوجه في مسألة تعجيل الزكاة. وأما شرائطها فنوعان: شرالاهلية وشرط المحلية. فالاول نوعان: أحدهما الاسلام وأنه شرط ابتداء هذا الحق فلا يبتدأ إلا على مسلم بلا خلاف، وأما كونه يتحول إلى الكافر فسيأتي مفصلا. والثاني العلم بالفرضية وهو عام في كل عبادة أيضا.، وأما العقل والبلوغ فليسا من شرائط الوجوب حتى يجب العشر في أرض الصبي والمجنون لان فيه معنى المؤنة، ولهذا جاز للامام أن يأخذه جبرا ويسقط عن صاحب الارض إلا أنه لا ثواب له إلا إذا أدى اختيارا، ولذا لو مات من عليه العشر والطعام قائم يؤخذ منه بخلاف الزكاة، وكذا ملك الارض ليس بشرط للوجوب لوجوبه في الارض الموقوفة. ويجب في أرض المأذون والمكاتب ويجب على المؤجر عنده، وعندهما على المستأجر كالمستعير ويسقط عن المؤجر بهلاكه قبل الحصاد لا بعده، وفي المزارعة على قولهما فالعشر عليهما بالحصة، وعلى قوله على رب الارض لكن يجب في حصته في عينه وفي حصة المزارع يكون دينا في ذمته، وفي الارض المغصوبة على الغاصب إن لم تنقصها الزراعة، وإن نقصتها فعلى رب الارض عنده، وعندهما في الخارج. ولو كانت الارض خراجية فخراجها على رب الارض في الوجوه كلها بالاجماع إلا في الغصب إذا لم تنقصها الزراعة فخراجها على الغاصب، وإن نقصتها فعلى رب الارض. كذا في البدائع وغيره. وفي الخلاصة والظهيرية: إن الخراج إنما يكون على الغاصب إذا كان جاحدا ولا بينة للمالك وزرعها الغاصب، أما إذا كان مقرا أو للمالك بينة عادلة ولم تنقصها الزراعة فالخراج على رب الارض ا ه‍. وأما شرائط المحلية فإن تكون عشرية فلا عشر في الخارج من أرض الخراج لانهما لا يجتمعان، وسيأتي بيان العشرية ووجود الخارج وأن يكون الخارج منها مما يقصد بزراعته نماء الارض فلا عشر في الحطب ونحوه، وسيأتي بيان قدره. وأما وقته فوقت خروج الزرع وظهور الثمر عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف وقت الادراك، وعند محمد عند التنقية والجذاذ، وأما ركنه فالتمليك كالزكاة، وشرائط الاداء ما قدمناه في الزكاة. وأما ما يسقطه فهلاك الخارج من غير صنعه وبهلاك البعض يسقط بقدره وإن استهلكه غير المالك أخذ الضمان منه وأدى عشره، وإن استهلكه المالك ضمن عشره وصار دينا في ذمته. ومنها الردة، ومنها موت المالك من غير وصية إذا كان قد استهلكه. كذا في البدائع مختصرا.

[ 414 ]

قوله: (يجب في عسل أرض العشر ومسقي سماء وسبح بلا شرط نصاب وبقاء إلا الحطب والقصب والحشيش) أي يجب العشر فيما ذكر أما في العسل فللحديث في العسل والعشر ولان النحل يتناول من الانوار والثمار وفيهما العشرة فكذا فيما يتولد منهما بخلاف دوالقز لانه يتناول الاوراق ولا عشر فيها. أطلقه فتناول القليل والكثير وهو مذهب الامام، وقدر أبو يوسف نصابه بخمسة أوسق، وعن محمد بخسمة أفراق كل فرق ستة وثلاثون رطلا. قيد بأرض العشر لان العسل إذا كان في أرض الخراج فلا شئ فيه لما ذكر أن وجوب العشر فيه لكونه بمنزلة الثمر ولا شئ في ثمار أرض الخراج لامتناع وجوب العشر والخراج في أرض واحدة. وفي المعراج: وقول محمد لا شئ فيه أي في العسل ولكن الخراج يجب باعتبار التمكن من الاستنزال ا ه‍. وفي المبسوط: إن صاحب الارض يملك العسل الذي في أرضه وإن لم يتخذها لذلك حتى له أن يأخذه ممن أخذه من أرضه بخلاف الطير إذا فرخ في أرض رجل فجاء رجل وأخذه فهو للآخذ لان الطير لا يفرخ في موضع ليترك فيه بل ليطير فلم يصر صاحب الارض محرزا للفرخ بملكه ا ه‍. ولو وجد العسل في المفازة أو الجبل ففيه اختلاف، فعندهما يجب العشر. وقال أبو يوسف: لا شئ فيه لان الارض ليست بمملوكة. ولهما: إن المقصود من ملكها النماء وقد حصل، وعلى هذا كل ما يوجد في الجبال من الثمار والجوز، وبهذا علم أن التقييد بأرض العشر للاحتراز عن أرض الخراج فقط، فلو قال يجب في عسل أرض غير الخراج لكان أولى. وأما وجوبه فيما

[ 415 ]

سقي بالمطر أو بالسيح كماء النيل فمتفق عليه للادلة السابقة، وأما قوله بلا شرط نصاب وبقاء فمذهب الامام وشرطاهما فصار الخلاف في موضعين: لهما في الاول قوله عليه الصلاة والسلام ليس في حب ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أو سق (1) رواه مسلم. وله إطلاق الآية * (مما أخرجنا لكم من الارض) * (البقرة: 267) والحديث فيما سقت السماء العشر (2) وتأويل مرويهما أن المنقى زكاة التجارة لانهم كانوا يتبايعون بالاوساق وقيمة الوسق أربعون درهما، أو تعارض الخاص والعام فقدم العام لانه أحوط. ولهما في الثاني الحديث ليس في الخضراوات صدقة (3). وله التمسك بالعمومات. وإنما استثنى الثلاثة لانه لا يقصد بها استغلال الارض غالبا حتى لو استغل بها أرضه وجب العشر، وعلى هذا كل ما لا يقصد به استغلال الارض لا يجب فيه العشر مثل السعف والتبن، وكذا كل حب لا يصلح للزراعة كبزر البطيخ والقثاء لكونها غير مقصودة في نفسها، وكذا لا عشر فيما هو تابع للارض كالنحل والاشجار لانه بمنزلة جزء الارض لانه يتبعها في البيع، وكذا كل ما يخرج من الشجر كالصمغ والقطران لانه لا يقصد به الاستغلال، ويجب في العصفر والكتان وبزره لان كل واحد منها مقصود فيه. ثم اختلفا فيما لا يوسق كالزعفران والقطن فاعتبر أبو يوسف قيمة أدنى ما يوسق كالذرة. واعتبر محمد خمسة أعداد من أعلى ما يقدر به نوعه فاعتبر في القطن خمسة أحمال كل حمثلاث مائة من، وفي الزعفران خمسة أمناء، ولو كان الخارج نوعين يضم أحدهما إلى الآخر لتكميل النصاب إذا اتحد الجنس، وإن كانا جنسين كل واحد أقل من خمسة أوسق فإنه لا يضم. ونصاب القصب السكر على قول أبي يوسف أن تبلغ قيمته قيمة خمسة أوسق من أدنى ما يوسق وعند محمد نصاب السكر خمسة أمناء، فإذا بلغ القصب قدرا يخرج منه خمسة أمناء

[ 416 ]

سكر وجب فيه العشر على قوله، وينبغي أن يكون نصاب القصب عنده خمسة أطنان كما في عرف ديارنا. قوله: (ونصفه في مسقي غرب ودالية) أي ويجب نصف العشر فيما سقي بآلة للحديث. والغرب دلو عظيم، والدالية دولاب عظيم تديره البقر. وإن سقي بعض السنة بآلة والبعض بغيرها فالمعتبر أكثرها كما مر في السائمة والعلوفة، وإن استويا يجب نصف العشر نظرا للفقراء كما في السائمة، وظاهر الغاية وجوب ثلاثة أرباع العشر قوله: (ولا ترفع المؤن) أي لا تحسب أجرة العمال ونفقة البقر وكري الانهار وأجرة الحافظ وغير ذلك لان النبي صلى الله عليه وسلم حكم بتفاوت الواجب لتفاوت المؤنة فلا معنى لرفعها. أطلقه فشمل ما فيه العشر وما فيه نصفه فيجب إخراج الواجب من جميع ما أخرجته الارض عشرا أو نصفا إلا أن ما تكلفه يأخذه بلا عشر أو نصفه ثم يخرج الواجب من الباقي كما توهمه بعض الناس قوله: (وضعفه في أرض عشرية لتغلبي وإن أسلم أو ابتاعها منه مسلم أو ذمي) أي يجب عشران في أرض إلى آخره وفيه ثلاث مسائل: الاولى الارض العشرية إذا اشتراها تغلبي فالمذهب تضعيفه عليه لاجماع الصحابة. الثانية إذا أسلم التغلبي فالتضعيف باق عليه لان التضعيف صار وظيفة الارض فيبقي بعد إسلامه كالخراج. الثالثة إذا اشتراها منه مسلم أو ذمي فكذلك لانها انتقلت إليه بوظيفتها كالخراج، فإن المسلم أهل للبقاء عليه وإن لم يكن أهلا لابتدائه، ورد الواجب أبو يوسف في المسألتين إلى عشر واحد لزوال الداعي إلى التضعيف قوله: (وخراج أن اشتري ذمي أرضا عشرية من مسلم) أي يجب الخراج لان في العشر معنى العبادة والكفر ينافيها ولا وجه إلى التضعيف لان الكلام في غير التغلبي بخلاف الخراج لانه عقوبة والاسلام لا ينافيها كالرق، وبه اندفع قول أبي يوسف من تضعيف العشر عليه وقول محمد ببقاء العشر. وحاصل هذه المسائل أن الارض إما عشرية أو خراجية أو تضعيفية، والمشترون مسلم وذمي وتغلبي، فالمسلم إذا اشتري العشرية أو الخراجية بقيت على حالها، أو التضعيفية فكذلك عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: ترجع إلى عشر واحد، فإذا اشترى التغلبي الخراجية بقيت خراجية أو التضعيفية فهي تضعيفية أو العشرية من مسلم ضوعف عليه العشر عندهما خلافا لمحمد، وإذا اشترى ذمي غير تغلبي خراجية أو تضعيفية بقيت على حالها أو عشرية صارت خراجية إن استقرت في ملكه عنده، ولم يشترط في المختصر لوجوب الخراج، وشرطه في الهداية لان

[ 417 ]

الخراج لا يجب إلا بالتمكن من الزراعة وذلك بالقبض قوله: (وعشران أخذها بالشفعة أورد على البائع للفساد) أما الاول فلتحول الصفقة إلى الشفيع كأنه اشتراها من المسلم، وأما الثاني فلانه بالرد والفسخ جعل البيع كأنه لم يكن لان حق المسلم وهو البائع لم ينقطع بهذا البيع لكونه مستحق الرد. وأشار بقوله للفساد إلى كل موضع كان الرد فيه فسخا كالرد بخيار الشرط والرؤية مطلقا والرد بخيار العيب إن كان بقضاء، وأما بغير قضاء فهي خراجية على حالها كالاقالة لانها فسخ في حق المتعاقدين بيع جديد في حق ثالث فصار شراء من الذمي فتنتقل إلى المسلم بوظيفتها فاستفيد من وضع المسألة أن للذمي أن يردها بعيب قديم ولا يكون وجوب الخراج عليها عيبا حادثا لانه يرتفع بالفسخ بالقضاء فلا يمنع الرد. قوله: (وإن جعل مسلم داره بستانا فمؤنته تدور مع مائه) يعني فإن سقاه بماء العشر فهو عشري، وإن سقاه بماء الخراج فهو خراجي، وإن سقاه مرة من ماء العشر ومرة من ماء الخراج فعليه العشر لانه أحق بالعشر من الخراج. كذا في غاية البيان. واستشكل العتابي وجوب الخراج على المسلم ابتداء حتى نقل في غاية البيان أن الامام السرخسي ذكر في كتاب الجامع أن عليه العشر بكل حال لانه أحق بالعشر من الخراج وهو الاظهر ا ه‍. وجوابه أن الممنوع وضع الخراج عليه ابتداء جبرا، أما باختياره فيجوز وقد اختاره هنا حيث سقاه بماء الخراج فهو كما إذا أحيا أرضا ميتة بإذن الامام وسقاها بماء الخراج فإنه يجب عليه الخراج والبستان يحوط عليها حائط وفيها أشجار متفرقة. كذا في المعراج. قيد بجعلها بستانا لانه لو لم يجعلها بستانا وفيها نخل تغل أكرارا لا شئ فيها، وأما الذمي فإن الخراج واجب عليه مطلقا ولا يعتبر الماء وهو المراد بقوله قوله: (بخلاف الذمي) لانه أهل له لا للعشر قوله: (وداره حر) لان عمر رضي الله عنه جعل المساكن عفوا وعليه إجماع الصحابة وكذا المقابر، وتقييده في الهداية بالمجوسي ليفيد النفي في غيره من أهل الكتاب بالدلالة لان المجوسي أبعد

[ 418 ]

عن الاسلام لحرمة مناكحته وذبائحه قوله: (كعين قير ونفط في أرض عشر ولو في أرض خراج يجب الخراج) لانه ليس من أنزال الارض وإنما هو عين فوارة كعين المافلا عشر ولا خراج إن لم يكن وراء موضع القير والنفط أرض فارغة صالحة للزراعة، وأما إذا كان وراءه موضع صالح للزراعة فلا يجب شئ إن كان في أرض العشر لان العشر لا يكفي فيه التمكن من الزراعة بل لا بد من حقيقة الخارج، وأما إن كان في أرض خراج وجب الخراج لانه يكفي لوجوبه التمكن من الزراعة وقد حصل وهو المراد بما في المختصر. والقير هو الزفت ويقال القار. والنفط بالفتح والكسر وهو أفصح دهيعلو الماء وفي معراج الدراية: ولا يمسح موضع القير في رواية ابن سماعة عن محمدلان موضعه لا يصلح للزراعة. وقال بعض مشايخنا: يمسح لان موضع القير تبع للارض فيمسح معه تبعا وإن كان لا يصلح للزراعة كأرض في بعض جوانبها سبخة فإنها تمسح مع الارض ويوضع الخراج فيها لكونها تابعة لما يصلح للزراعة ا ه‍. وظاهر المختصر يدل على قول البعض فإنه أوجب الخراج مطلقا، ولم يذكر المصنف الفرق بين الارض الخراجية والعشرية فالارض العشرية أرض العرب كلها. قال محمد: هي من العذيب إلى مكة وعدن أبين إلى أقصى حجر باليمن بمهرة. وذكر الكرخي أنها أرض الحجاز وتهامة واليمن ومكة والطائف والبرية، ومنها الارض التي أسلم أهلها طوعا أو فتحت قهرا وقسمت بين الغانمين. وأما الارض الخراجية فما فتحت قهرا وتركت في أيدي أربابها وأرض نصارى بني تغلب. والموات التي أحياها ذمي مطلقا أو مسلم وسقاها بماء الخراج، وماء الخراج هو ماء الانهار الصغار التي حفرها الاعاجم مميدخل تحت الايدي وماء العيون والقنوات المستنبطة من مال بيت المال. وماء العشر هو ماء السماء والآبار والعيون والانهار العظام التي لا تدخل تحت الايدي كسيحون وجيحون ودجلة والفرات والنيل لعدم إثبات يد عليها وعن أبي يوسف أنها خراجية لامكان إثبات اليد عليها بشد السفن بعضها على بعض حتى تصير شبه القنطرة. كذا في البدائع وغيرها والله أعلم.

[ 419 ]

باب المصرف هو في اللغة المعدل قال تعالى * (ولم يجدوا عنها مصرفا) * (الكهف: 53) كذا في ضياء الحلوم. ولم يقيده في الكتاب بمصرف الزكاة ليتناول الزكاة والعشر وخمس المعادن مما قدمه كما أشير إليه في النهاية. وينبغي إخراج خمس المعادن لان مصرفه الغنائم كما صرح به الاسبيجابي وغيره. وقد ذكر الاصناف السبعة وسكت عن المؤلفة قلوبهم للاشارة إلى السقوط للاجماع الصحابي وهو من قبيل انتهاء الحكم لانتهاء علته الغائية التي كان لاجلها الدفع فإن الدفع كان للاعزاز وقد أعز الله الاسلام وأغنى عنهم، واختار في العناية أنه ليس من باب النسخ لان الاعزاز الآن في عدم الدفع فهو تقرير لما كان لا نسخ. وتعقبه في فتح القدير بأن هذا لا ينفي النسخ لان الاباحة الدفع إليهم حكم شرعي كان ثابتا وقد ارتفع وهم كانوا ثلاثة أقسام: قسم كان الاعطاء ليتألفهم على الاسلام، وقسم كان يعطيهم لدفع شرهم، وقسم أسلموا وفيهم ضعف فكان يتألفهم ليثبتوا ولا يقال إن نسخ الكتاب بالاجماع لا يجوز لان الناسخ دليل الاجماع لا هو بناء على أنه لا إجماع إلا عن مستند، فإن ظهر وإلا وجب الحكم بأنه ثابت على أن الآية التي ذكرها عمر رضي الله عنه تصلح لذلك وهو قوله تعالى * (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) * (الكهف: 29) قوله: (هو الفقير والمسكين وهو أسوأ حالا من الفقير) أي المصرف الفقير والمسكين، والمسكين أدنى حالا. وفرق بينهما في الهداية وغيرها بأن الفقير من له أدنى شئ، والمسكين من لا شئ له، وقيل على العكس ولكل وجه والاول هو الاصح وهو المذهب. كذا في الكافي. والاولى أن يفسر الفقير بمن له ما دون النصاب كما في النقاية أخذا من قولهم يجوز دفع الزكاة إلى من يملك ما دون النصاب أو قدر نصاب غير نام وهو مستغرق في الحاجة. ولا خلاف في أنهما صنفان هو الصحيح لان العطف في الآية يقتضي المغايرة، وإنما الخلاف في أنهما صنفان أو صنف واحد في غير الزكاة كالوصية والوقف والنذر فقال أبو حنيفة بالاول وهو الصحيح كما في غاية البيان، وأبو يوسف بالثاني، فلو أوصي بثلث ماله لفلان وللفقراء والمساكين

[ 420 ]

فعلى الصحيح لفلان ثلث الثلث، وعلى غيره نصف الثلث، وإنما جاز صرف الزكاة إلى صنف واحد لمعنى لا يوجد في الوصية وهو دفع الحاجة وذا يحصل بالصرف إلى صنف واحد والوصية ما شرعت لدفع حاجة الموصى له فإنها تجوز للغني أيضا، وقد يكون للموصي أغراض كثيرة لا يوقف عليها فلا يمكن تعليل نص كلامه فيجري على ظاهر لفظه من غير اعتبار المعنى. كذا في البدائع. ولهذا لو أوصى بثلث ماله للاصناف السبعة فصرف إلى صنف واحد لا يجوز، وقيل يجوز. كذا في المحيط. وفي الخانية: والذي له دين مؤجل على إنسان إذا احتيج إلى النفقة يجوز له أن يأخذ من الزكاة قدر كفايته إلى حلول الاجل، وإن كان الدين غير مؤجل، فإن كان من عليه الدين معسرا يجوز له أخذ الزكاة في أصح الاقاويل لانه بمنزلة ابن السبيل، وإن كان المديون موسرا معترفا لا يحل له أخذ الزكاة، وكذا إذا كان جاحدا وله عليه بينة عادلة، وإن لم تكن بينة عادلة لا يحل له أخذ الزكاة ما لم يرفع الامر إلى القاضي فيحلفه، فإذا حلف بعد ذلك يحل له أخذ الزكاة ا ه‍. والمراد من الدين ما يبلغ نصابا كما لا يخفى. وفي فتح القدير: ولو دفع إلى فقيرة لها مهر دين على زوجها يبلغ نصابا وهو موسر بحيث لو طلبت أعطاها لا يجوز، وإن كان بحيث لا يعطي لو طلبت جاز ا ه‍. وهو مقيد لعموم ما في الخانية: والمراد من المهر ما تعورف تعجيله لان ما تعورف تأجيله فهو دين مؤجل لا يمنع أخذ الزكاة ويكون في الاول عدم إعطائه بمنزلة إعساره، ويفرق بينه وبين سائر الديون بأن رفع الزوج للقاضي مما لا ينبغي للمرأة بخلاف غيره. لكن في البزازية: وإن كان موسرا والمعجل قدر النصاب لا يجوز عندهما وبه يفتى للاحتياط، وعند الامام يجوز مطلقا وسيأتي بيان النصب الثلاثة آخر الباب إن شاء الله تعالى. قوله: (والعامل) تقدم تفسيره في باب العاشر. وعبر بالعامل دون العاشر ليشمل الساعي أيضا، وقدمنا الفرق بينهما فيعطى ما يكفيه وأعوانه بالوسط مدة ذهابهم وإيابهم ما دام المال باقيا إلا إذا استغرقت كفايته الزكاة فلا يزاد على النصف لان التنصيف عين الانصاف قيدنا بالوسط لانه لا يجوز له أن يتبع شهوته في المأكل والمشرب والملبس لانها حرام لكونها إسرافا محضا، وعلى الامام أن يبعث من يرضى بالوسط من غير إسراف ولا تقتير. كذا في غاية البيان، وفي البزازية: المصدق إذا أخذ عمالته قبل الوجوب أو القاضي استوفى رزقه قبل المدة جاز، والافضل عدم التعجيل لاحتمال أن لا يعيش إلى المدة ا ه‍. وقيدنا ببقاء المال

[ 421 ]

لانه لو أخذ الصدقة وضاعت في يده بطلت عمالته ولا يعطى من بيت المال شيئا. كذا في الاجناس عن الزيادات. وما يأخذه العامل صدقة فلا تحل العمالة لهاشمي لشرفه كما سيأتي، وإنما حلت للغني مع حرمة الصدقة عليه لانه فرغ نفسه لهذا العمل فيحتاج إلى الكفاية والغني لا يمنع من تناولها عند الحاجة كابن السبيل. كذا في البدائع. والتحقيق أن فيه شبها بالاجرة وشبها بالصدقة فللاول يحل للغني ولا يعطى لو هلك المال أو أرداها صاحب المال إلى الامام، وللثاني لا يحل للهاشمي. ويسقط الواجب عن أرباب الاموال لو هلك المال في يده لان يده كيد الامام وهو نائب عن الفقراء ولا تكون مقدرة. وفي النهاية: رجل من بني هاشم استعمل على الصدقة فأجري له منها رزق فإنه لا ينبغي له أن يأخذ من ذلك، وإن عمل فيها ورزق من غيرها فلا بأس بذلك ا ه‍. وهو يفيد صحة توليته وأن أخذه منها مكروه لا حرام. ومن أحكام العامل ما ذكره في البزازية أن العامل إذا ترك الخراج على المزارع بدون علم السلطان يحل له لو مصرفا كالسلطان إذا ترك الخراج له قوله: (والمكاتب) أي يعان المكاتب في فك رقبته وهو المراد بقوله تعالى * (وفي الرقاب) * (البقرة: 177) هو منقول عن الحسن البصري وغيره في تفسيره الطبري. وأطلقه فشمل ما إذا كان مولاه فقيرا أو غنيا. وهل ما يدفع للمكاتب منها يكون ملكا له أو لا؟ فالذي في بعض التفاسير أنه لا يملك. قال القاضي البيضاوي: والعدول عن اللام إلى في للدلالة على أن الاستحقاق للجهة لا للرقاب. وقيل: للايذان بأنهم أحق بها ا ه‍. وقال الطيبي في حاشية الكشاف: إنما عدل عن اللام إلى في في الاربعة الاخيرة لان الاربعة الاولى ملاك لما عسى أن يدفع إليهم. والاربعة الاخيرة لا يملكون ما يدفع إليهم إنما يصرف المال في مصالح تتعلق بهم لان التعدية بفي مقدر بالصرف، فمال الرقاب يملكه السادة والمكاتبون لا يحصل في أيديهم شئ، والغارمون بصرف نصيبهم لارباب الديون، وكذلك في سبيل الله تعالى وابن السبيل مندرج في سبيل الله، وأفرد بالذكر تنبيها على خصوصية وهو مجرد عن الحرفين جميعا أي اللام وفي وعطفه على اللام ممكن وفي أقرب ا ه‍. فقد صرح بأن الاربعة الاخيرة لا يملكون شيئا، ويستفاد منه أنهم ليس لهم صرف المال في غير الجهة التي أخذوا لاجلها. وفي البدائع: وإنما جاز دفع الزكاة إلى المكاتب لان الدفع إليه تمليك وهو ظاهر في أن الملك يقع للمكاتب فبقية الاربعة بالطريقة الاولى لكن بقي هل لهم على هذا الصرف إلى غير الجهة.

[ 422 ]

وفي المحيط: وقد قالوا إنه لا يجوز لمكاتب هاشمي لان الملك يقع للمولى من وجه والشبهة ملحقة بالحقيقة في حقهم ا ه‍. وفي شرح المجمع: وإن عجز المكاتب يحل لمولاه وإن كان غنيا، وعلى هذا الفقير إذا استغنى وابن السبيل إذا وصل إلى ماله. قوله: (والمديون) أطلقه كالقدوري وقيده في الكافي بأن لا يملك نصابا فاضلا عن دينه لانه المراد بالغارم في الآية وهو في اللغة من عليه دين ولا يجد قضاء كما ذكره القتبي. وإنما لم يقيده المصنف لان الفقر شرط في الاصناف كلها إلا العامل وابن السبيل إذا كان له في وطنه مال بمنزلة الفقير. وفي الفتاوي الظهيرية: والدفع إلى من عليه الدين أولى من الدفع إلى الفقير قوله: ومنقطع الغزاة) هو المراد بقوله تعالى * (وفي سبيل الله) * (التوبة: 60) وهو اختيار منه لقول أبي يوسف، وعند محمد منقطع الحاج، وقيل: طلبة العلم، واقتصر عليه في الفتاوي الظهيرية، وفسره في البدائع بجميع القرب فيدخل فيه كل من سعى في طاعة الله تعالى وسبيل الخيرات إذا كان محتاجا ا ه‍. ولا يخفى أن قيد الفقير لا بد منه على الوجوه كلها فحينئذ لا تظهر ثمرته في الزكاة وإنما تظهر في الوصايا والاوقاف كما تقدم نظيره في الفقراء والمساكن قوله: (وابن السبيل) هو المنقطع عن ماله لبعده عنه، والسبيل الطريق فكل من يكون مسافرا يسمى ابن السبيل وهو غني بمكانه حتى تجب الزكاة في ماله، ويؤمر بالاداء إذا وصلت إليه يده وهو فقير يدا حتى تصرف إليه الصدقة في الحال لحاجته، كذا في الكافي. فإن قلت: منقطع الغزاة أو الحج إن لم يكن في وطنه مال فهو فقير وإلا فهو ابن السبيل، فكيف تكون الاقسام سبعة؟ قلت: هو فقير إلا أنه زاد عليه بالانقطاع في عبادة الله تعالى فكان مغايرا للفقير المطلق الخالي عن هذا القيد. كذا في النهاية. وفي الظهيرية: الاستقراض لابن السبيل خير من قبول الصدقة. وفي فتح القدير: ولا يحل له أن يأخذ أكثر من حاجته وألحق به كل من هو غائب عن ماله وإن كان في بلده ولا يقدر عليه إلا به. وفي المحيط: وإن كان تاجرا له دين على الناس لا يقدر على أخذه ولا يجد شيئا يحل له أخذ الزكاة لانه فقير

[ 423 ]

يدا كابن السبيل ا ه‍. وهو أولى من جعله غارما كما في فتح القدير، وقد قدمنا في بحث الفقير تفصيلا له فراجعه قوله: (فيدفع إلى كلهم أو إلى صنف) لان المراد بالآية بيان الاصناف التي يجوز الدفع إليهم لا تعيين الدفع لهم، ويدل له من الكتاب قوله تعالى * (وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم) * (البقرة: 271) ومن السنة أنه عليه الصلاة والسلام أتاه مال من الصدقة فجعله في صنف واحد وهم المؤلفة قلوبهم، ثم أتاه مال آخر فجعله في الغارمين، ولم يصرح في الكتاب بجواز الاقتصار على شخص واحد من صنف واحد، ولا شك فيه عندنا لان الجمع المعرف باللام مجاز عن الجنس، ولهذا لحلف لا يتزوج النساء ولا يشتري العبيد يحنث بالواحد، فالمعنى في الآية أن جنس الزكاة لجنس الفقير فيجوز الصرف إلى واحد لان الاستغراق ليس بمستقيم إذ يصير المعنى أن كل صدقة لكل فقير ولا يرد خالعني على ما في يدي من الدراهم ولا شئ في يدها فإنه يلزمها ثلاثة. ولو حلف لا يكلمه الايام أو الشهور يقع على العشرة عنده، وعلى الاسبوع والسنة عندهما لانه أمكن العهد فلا يحمل على الجنس، فالحاصل أن حمل الجمع على الجنس مجاز، وعلى العهد أو الاستغراق حقيقة، ولا مسوغ للخلف إلا عند تعذر الاصل، وعلى هذا تنصف الموصى به لزيد والفقراء كالوصية لزيد وفقير. قوله (لا إلى ذمي) أي لا تدفع إلى ذمي لحديث معاذ خذها من أغنيائهم وردها في فقرائهم لا لان التنصيص على الشئ ينفي الحكم عماعداه بل للامر بردها إلى فقراء المسلمين، فالصرف إلى غيرهم ترك للامر وحديث معاذ مشهور تجوز الزيادة به على الكتاب، ولئن كان خبر واحد فالعام خص منه البعض بالدليل القطعي وهو الفقير الحربي بالآية وأصوله وفروعه بالاجماع فيخص الباقي بخبر الواحد كما عرف في الاصول قوله (وصح غيرها) أي وصح دفع غير الزكاة إلى الذمي واجبا كان أو تطوعا كصدقة الفطر والكفارات والمنذور لقوله تعالى * (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين) * (الممتحنة: 8) الآية. وخصت الزكاة بحديث معاذ وفيه خلافأبي يوسف، ولا يرد عليه العشر لان مصرفه

[ 424 ]

مصرف الزكاة كما قدمناه فلا يدفع إلى ذمي، والصرف في الكل إلى فقراء المسلمين. فرضا كانت أو واجبة أو تطوعا لا أحب. وقيد بالذمي لان جميع الصدقات تجوز للحربي اتفاقا كما في غاية البيان لقوله تعالى * (إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين) * (الممتحنة: 9) وأطلقه فشمل المستأمن وقد صرح به في النهاية قوله (وبناء مسجد وتكفين ميت وقضاء دينه وشراءقن يعتق) بالجر بالعطف على ذمي والضمير في دينه للميت، وعدم الجواز لانعدام التمليك الذي هو الركن في الاربعة لان الكفن على ملك المتبرع حتى لو افترس الميت السبع كان الكفن للمتبرع لا لورثة الميت، وقضاء دين الغير لا يقتضي التمليك من ذلك الغير الحي فالميت أولى بدليل أنه لو قضى دين غيره ثم تصادق الدائن والمديون على عدمه رجع المتبرع على الدائن لا على المديون والاعتاق إسقاط لا تمليك. قيد بقضاء دين الميت لانه لو قضى دين الحي إن قضاه بغير أمره يكون متبرعا ولا يجزئه عن الزكاة، وإن قضاه بأمره جاز ويكون القابض كالوكيل له في قبض الصدقة. كذا في غاية البيان. وقيده في النهاية بأن يكون المديون فقير اولا بد منه، ويستفاد منه أن رجوع المتبرع بقضاء الدين عند التصادق على الدائن محمول على ما إذا كان بغير أمر المديون أما إذا كان بأمره فهو تمليك منه فلا رجوع عند التصادق بأنه لادين على الدائن وإنما يرجع على المديون، وهو بعمومه يتناول ما لو دفعه ناويا الزكاة، وينبغي أن لا رجوع فيها كما بحثه المحقق في فتح القدير فليراجع. والحيلة في الجواز في هذه الاربعة أن يتصدق بمقدار زكاته على فقير ثم يأمره بعد ذلك بالصرف إلى هذه الوجوه فيكون لصاحب المال ثواب الزكاة وللفقير ثواب هذه القرب. كذا في المحيط. وأشار المصنف إلى أنه لو أطعم يتيما بنيتها لا يجزئه لعدم التمليك إلا إذا دفع له الطعام كالكسوة إذا كان يعقل القبض وإلا فلا ولو دفع الصغير إلى وليه كذا في الخانية. والمراد بالعقل هنا أن لا يرمي به ولا يخدع عنه.

[ 425 ]

قوله (وأصله وإن علا وفرعه وإن سفل) بالجر أي لا يجوز الدفع إلى أبيه وجده وإن علا ولا إلى ولده وولد ولده وإن سفل لان المنفعة لم تنقطع عن المملك من كل وجه كما قدمه في تعريف الزكاة لان الواجب عليه الاخراج عن ملكه رقبة ومنفعة ولم يوجد في الاصول والفروع الاخراج عن ملكه منفعة وإن وجد رقبة وفي عبده وجد الاخراج منفعة لا رقبة. كذا في المستصفى. وفيه إشارة إلى أن هذا الحكم لا يخص الزكاة بل كل صدقة واجبة لا يجوز دفعها لهم كأحد الزوجين كالكفارات وصدقة الفطر والنذور. وقيد بأصله وفرعه لان من سواهم من القرابة يجوز الدفع لهم وهو أولى لما فيه من الصلة مع الصدقة كالاخوة والاخوات والاعمام والعمات والاخوال والخالات الفقراء، ولهذا قال في الفتاوى الظهيرية: ويبدأ في الصدقات بالاقار ب ثم الموالي ثم الجيران. وذكر في موضع آخر معزيا إلى أبي حفص الكبير: لا تقبل صدقة الرجل وقرابته محاويج فيسد حاجتهم. وفي المحيط: لو دفع إلى أخته ولها مهر على زوجها الموسر يبلغ نصابا يجوز عند أبي حنيفة، ولا يحل عندهما وبه يفتى احتياطا. ولو دفع زكاته إلى من نفقته واجبة عليه من القرايب جاز إذا لم يحتسبها من النفقة. وفي القنية: دفع زكاته في مرض موته إلى أخيه ثم مات وهو وارثه وقعت موقعها ثم رقم بأنه لا يصح كمن أوصى بالحج ليس للوصي أن يدفعه إلى قريب الميت لانه وصية كذا هذا، ثم رقم بأنه يصح لكن للورثة الرد باعتبار أنه وصية اه‍. والذي يظهر ترجيح الاول. وأطلق في فرعه فشمل ثابت النسب منه وغيره إذا كان مخلوقا من مائه فلا يدفع إلى المخلوق من مائه بالزنا ولا إلى ولد أم ولده الذي نفاه، وخرج ولد المنعي إليها زوجها إذا تزوجت ثم جاء الاول حيا، فإن على قول أبي حنيفة المرجوع عنه الاولاد للاول ومع هذا يجوز دفع زكاة الاول إليهم وتجوز شهادتهم له. كذا في معراج الدراية لعدم الفرعية ظاهرا، أو على هذا فينبغي على هذا القول أن لا يجوز للثاني دفع الزكاة إليهم لوجود الفرعية حقيقة وإن لم يثبت النسب منه لكن المنقول الفتاوى الولوالجية أنه يجوز للثاني الدفع إليهم وتجوز شهادتهم له على قول الامام، وروي رجوعه وعليه الفتوى. وعليه فللاول الدفع إليهم دون الثاني، وعلم من تعليل المسألة بعدم انقطاع المنفعة عن المملك أن خمس المعادن يجوز صرفه إلى الاصول والفروع وأحد الزوجين لان له أن يحبس الخمس لنفسه إذا كانت الاربعة الاخماس لا تغنيه فأولى أن يجوز لغيره لانه أبعد من نفس. كذا ذكر الاسبيجابي. وقيد بالصدقة بالواجبة لان صدقة التطوع الاولى دفعها إلى الاصول والفروع. كذا في البدائع قوله (وزوجته وزوجها) أي لا يجوز الدفع لزوجته ولا دفع المرأة لزوجها لما قدمناه من عدم قطع المنفعة عنه من كل وجه وفي دفعها له خلافهما لقوله عليه الصلاة والسلام لك أجران أجر الصدقة وأجر الصلة قاله لامرأة ابن مسعود وقد سألته عن التصدق عليه. قلنا: هو محمول على

[ 426 ]

النافلة. كذا في الهداية أطلق الزوجة من وجه فلا يجوز الوضع إلى مقتده من بائن ولو بثلاث كذا في المعراج. واعلم أن في شهادة أحد الزوجين لصاحب تعتبر الزوجية وقت الاداء، وفي الرجوع في الهبة وقت الهبة، وفي الوصية وقت الموت، وفي الاقرار لها في مرض موته الاعتبار لوقت الاقرار، وفي الحدود يعتبر كلا الطرفين حتى لو سرق من مرأته ثم أبانها أو من أجنبية ثم تزوجها ثم اختصما لم يقطع. كذا في النهاية. وفي فتاوى قاضيخان من الشهادات ما يدل على أن العبرة فيها لوقت الحكم وسيأتي إن شاء الله تعالى. وفي الظهيرية: رجل دفع زكاة ماله إلى رجل وأمره بالاداء فأعطى الوكيل ولد نفسه الكبير أو الصغير أو امرأته وهم محاويج جاز ولا يمسك لنفسه شيأ، ولو أن صاحب المال قال له ضعه حيث شئت له أن يمسك لنفسه اه‍. قوله (وعبده ومكاتبه ومدبره وأم ولده ومعتق البعض) أي لا يجوز الدفع إلى هؤلاء لعدم التمليك أصلا في غير المكاتب ولعدم تمامه فيه لان له حقا في كسب مكاتبه، ولذا لو تزوج بأمة مكاتبه لم يجز بمنزلة تزوجه بأمة نفسه ومعتق البعض كالمكاتب، وإذا كان معتق البعض لغيره فقد قدم أن الدفع لمكاتب الغير هو المراد بالرقاب فلا يرد عليه هنا. وهذا إذا كان العبد كله لمعتق بعضه، فلو كان بين اثنين فأعتق أحدهما حصته وهو معسر واختار الساكت الاستسعاء، فللمعتق الدفع لانه مكاتب لشريكه وليس للساكت الدفع لانه مكاتبه. وهذا إذا كان الشريك أجنبيا، فإن كان ولده فلا، لان الدفع لمكاتب الولد غير جائز كالدفع لابنه وإن كان المعتق موسرا واختار الساكت تضمينه فللساكت الدفع للعبد لانه أجنبي عنه، وليس للمعتق الدفع إذا اختار استسعاءه لانه مكاتبه لما أنه بالضمان مخير بين إعتاق الباقي أو الاستسعاء. قوله (وغني يملك نصابا) أي لا يجوز الدفع له لحديث معاذا المشهور خذها من أغنيائهم وردها في فقرائهم. أطلقه فشمل النصاب النامي السالم من الدين الفاضل عن الحوائج الاصلية الموجب لكل واجب مالي والنصاب الذي ليس بنام الفارع عما ذكر الموجب لثلاثة: صدقه الفطر والاضحية ونفقة القريب، فإن كلا منهما محرم لاخذ الزكاة، ولا يرد عليه الغني بقوت يومه فإنه لا يملك نصابا وتسمية الشارحين له نصابا وجعلهم النصب ثلاثة مجاز لما في الصحاح: النصاب من المال القدر الذي يجب فيه الزكاة إذا بلغه نحو مائتي درهم وخمس من الابل إذ ليس قوت اليوم مقدرا لكن في ضياء الحلوم: نصاب كل شئ أصله، ومنه النصاب المعتبر في وجوب الزكاة وهو يقتضي إطلاق النصاب عليه حقيقة إذ قوت اليوم

[ 427 ]

أصل تحريم السؤال. وقيدنا بكونه فارغا عن الحوائج الاصلية لانه لو كان مستغرقا بها حلت له فتحل لمن ملك كتبا تساوي نصابا وهو من أهلها للحاجة لا إن زادت على قدرها أو كان جاهلا، والفقيه غني بكتبه ولو كان محتاجا إليها لقضاء دينه فيجب بيعها كما في القنية من باب الحبس من القضاء، ويحل لمن له دور وحوانيت تساوي نصبا وهو محتاج لغلتها لنفقته ونفقة عياله على خلاف فيه، ولمن عنده طعام سنة تساوي نصابا لعياله على ما هو الظاهر بخلاف قضاء الدين فإنه يجب عليه بيع قوته إلا قوت يومه كما في القنية من الحبس. وحلت لمن له نصاب وعليه دين مستغرق أو منقص للنصاب وحلت لمن له كسوة الشتاء لا يحتاج إليها في الصيف، وللمزارع إذا كان له ثوران لا إن زاد وبلغ نصابا، ولا تحل لمن له دار تساوي نصبا والفاضل عن سكناه يبلغ نصابا. وقيد بملك النصاب لان من ملك ما دونه يحل له أخذها إذا كان قيمته لا تبلغ نصابا ولو كان صحيحا مكتسبا، قيدنا به لانه لو كان تسعة عشر دينارا تساوي ثلاث مائة درهم لا تحل له الزكاة. كذا في المحيط عن محمد. وفي الفتاوى الظهيرية خلافه قال: وقال هشام سألت محمدا عن رجل له تسعة عشر دينارا تساوي ثلاث مائة درهم، هل يسعه أن يأخذ؟ قال: نعم ولا يجب عليه صدقة فطره. وقيد بالزكاة لان النفل يجوز للغني كما للهاشمي، وأما بقية الصدقات المفروضة والواجبة كالعشر والكفارات والنذور وصدقة الفطر فلا يجوز صرفها للغني لعموم قوله عليه الصلاة والسلام لا تحل صدقة لغتي خرج النفل منها لان الصدقة على الغني هبة. كذا في البدائع. وأما صدقة الوقف فيجوز صرفها إلى الاغنياء إن سماهم الواقف وإلا فلا لانها من الصدقة الواجبة. كذا في البدائع أيضا. وفرعوا على منع دفع الزكاة للغني ما لو دفع قوم زكاتهم إلى من يجمعها لفقير فاجتمع عند الآخذ أكثر من مائتين، فإن كان جمعه له بأمره قالوا كل من دفع قبل أن يبلغ ما في يد الجابي مائتين جازت زكاته، ومن دفع بعده لا يجوز إلا أن يكون الفقير مديونا فيعتبر هذا التفصيل في مائتين تفضل بعد دينه، فإن كان بغير أمره جاز الكل مطلقا لانه في الاول هو وكيل عن الفقير فما اجتمع عنده يملكه، وفي الثاني وكيل الدافعين فما اجتمع عنده ملكهم. كذا في فتح القدير. وللغني أن يشتري الصدقة الواجبة من الفقير ويأكلها، وكذا لو وهبها له لما علم أن تبدل الملك كتبدل العين، فلو أباحها له ولم يملكها منه ذكر أبو المعين النسفي أنه لا يحل تناوله للغني. وقال خواهر زاده: يحل. كذا في الفوائد بالتاجية. والذي يظهر ترجيح الاول لان الاباحة لو كانت كافية لما قال عليه الصلاة والسلام في واقعة بريرة هو لها صدقة ولنا هدية كما لا يخفى إلا أن يقال بالفرق بين الهاشمي والغني، وإن قيل به فصحيح لما تقدأن الشبهة في حق الهاشمي كالحقيقة بدليل منع

[ 428 ]

الهاشمي من العمالة بخلاف الغني. ودخل تحت النصاب النامي المذكور أولا الخمس من الابل السائمة، فإن ملكها أو نصابا من السوائم من أي مال كان لا يجوز دفع الزكاة له، سواء كان يساوي مائتي درهم أو لا، وقد صرح به شراح الهداية عند قوله من أي مال كان. وفي معراج الدراية: قوله ويجوز دفعها إلى من يملك أقل من ذلك ولكنه لا يطيب للآخذ لانه لا يلزم من جواز الدفع جواز الاخذ كظن الغني فقيرا اه‍. وهو غير صحيح لان المصرح به في غاية البيان وغيرها أنه يجوز أخذها لمن ملك أقل من النصاب كما يجوز دفعها، نعم الاولى عدم الاخذ لمن له سداد من عيش كما صرح به في البدائع. قوله (وعبده وطفله) أي لا يجوز دفع الزكاة وما ألحق بها لعبد الغني وولده الصغير لان الملك في العبد يقع لمولاه وهو ليس بمصرف. كذا في الكافي. فأفاد أن المراد بالعبد غير

[ 429 ]

المديون المستغرق لما في يده ورقبته، أما هو فيجوز دفعها له لعدم ملك المولى إكسابه في هذه الحالة عند الامام لما عرف خلافا لهما. وأطلق العبد فشمل القن والمدبر وأم الولد والزمن الذي ليس في عيال مولاه ولم يجد شيأ أو كان مولاه غائبا خلافا لما روي عنأبي يوسف في الاخير واختاره في الذخيرة لانه لا ينفي وقوع الملك لمولاه بهذا العارض. وقد يجاب بأنه عند غيبة مولاه الغني وعدم قدرته على الكسب لا ينزل عن حال ابن السبيل. كذا في فتح القدير. وقد يقال: إن الملك هنا يقع للمولى وهو ليس بمصرف، وأما ابن السبيل فمصرف فالاولى الاطلاق كما هو المذهب، وقد تقدم أن الدفع إلى مكاتب الغني جائز، وإنما منع من الدفع لطفل الغني لانه يعد غنيا بغناء أبيه. كذا قالوا، وهو يفيد أن الدفع لولد الغنية جائز إذ لا يعد غنيا بغناء أمه ولو لم يكن له أب، وقد صرح به في القنية. وأطلق الطفل فشمل الذكر والانثى ومن هو في عيال الاب أو لا على الصحيح لوجود العلة، وقيد بالطفل لان الدفع لولد الغني إذا كان كبيرا جائز مطلقا، وقيد بعبده وطفله لان الدفع إلى أب الغني وزوجته جائز سواء فرض لها نفقة أو لا. قوله (وبنى هاشم ومواليهم) أي لا يجوز الدفع لهم لحديث البخاري نحن أهل بيت لا ثحل لنا الصدقة (1) ولحديث أبي داود مولى القوم من أنفسهم وإنا لا تحل لنا الصدقة. (2) أطلق في بني هاشم فشمل من كان ناصرا للنبي صلى الله عليه وسلم ومن لم يكن ناصرا له منهم كولد أبي لهب، فيدخل من أسلم منهم في حرمة الصدقة لكونه هاشميا فإن تحريم الصدقة حكم يختص بالقرابة من بني هاشم لا بالنصرة. كذا في غاية البيان. وقيده المصنف في الكافي تبعا

[ 430 ]

لما في الهداية وشروحها بآل علي وعباس وجعفر وعقيل وحرث بن عبد المطلب، ومشى عليه الشارح الزيلعي والمحقق في فتح القدير وصرحا بإخراج أبي لهب وأولاده من هذا الحكم لان حرمة الصدقة لبني هاشم كرامة من الله تعالى لهم ولذريتهم حيث نصروه عليه الصلاة والسلام في جاهليتهم وإسلامهم، وأبو لهب كان حريصا على أذى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يستحقها بنوه، واختاره المصنف في المستصفى وروي حديثا لا قرابة بيني وبين أبي لهب. ونص في البدائع على أنالكرخي قيد بني هاشم بالخمسة من بني هاشم فكان المذهب التقييد لان الامام الكرخي ممن هو أعلم بمذهب أصحابنا. وقيد ببني هاشم لان بني المطلب تحل لهم الصدقة وليسوا كبني هاشم وإن استووا في القرابة لان عبد مناف جد النبي صلى الله عليه وسلم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، ولعبد مناف أربعة بنين: هاشم والمطلب ونوفل وعبد شمس. والخمسة المذكورون من ببني هاشم لان العباس والحرث عمان للنبي صلى الله عليه وسلم، وجعفر وعقيل أخوان لعلي بن أبي طالب وهو عم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان لابي طالب أربعة من الاولاد: ولد له طالب فمات ولم يعقب وكان بينه وبين عقيل عشر سنين، وبين عقيل وجعفر عشر سنين، وبين جعفر وعلي عشر سنين، وأمهم فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف. كذا في غاية البيان وجمهرة النسب. وقال المصنف في الكافي: وهذا في الواجبات كالزكاة والنذر والعشر والكفارة، أما التطوع والوقف فيجوز الصرف إليهم لان المؤدي في الواجب يطهر نفسه بإسقاط الفرض فيتدنس المؤدي كالماء المستعمل، وفي النفل تبرع بما ليس عليه فلا يتدنس به المؤدى كمن تبرد بالماء اه‍. وإنما لم تلحق صدقة التطوع لهم بالوضوء على الوضوء فيتدنس به المؤدى لان الاصل يقتضي عدمه. وإنما قلتا به في الماء للنص الوارد الوضوء على الوضوء نور على نور إذ ازدياد النور يقتضي زوال الظلمة بقدره لا محالة. كذا في النهاية مختصرا. وفيها عن العتابى: إن النفل جائز لهم بالاجماع كالنفل للغني. وتبعه صاحب المعراج واختاره في المحيط مقتصرا عليه وعزاه إلى النوادر، ومشى عليه الاقطع في شرح القدوري، واختاره في غاية البيان ولم ينقل غيره شارح المجمع فكان هو المذهب. وأثبت الشارح الزيلعي الخلاف في التطوع على وجه يشعر بترجيح الحرمة، وقواه المحقق في فتح القدير من جهة الدليل لاطلاقه. وقد سوى المصنف في الكافي بين التطوع والوقف كما سمعت، وهكذا في المحيط. وفي شرح الطحاوي وغيره: إن الحل مقيد بما إذا سماهم، أما إذا لم يسمهم فلا، لانها صدقة واجبة. ورده المحقق في فتح القدير بأن صدقة الوقف كالنفل لانه متبرع بتصدقه بالوقف إذ لا إيقاف واجب، وكان منشأ الغلط وجوب دفعها على الناظر وبذلك لم تصر صدقة واجبة على المالك، بل غاية الامر أنه وجوب اتباع شرط الواقف على الناظر اه‍. وفيه نظر إذا لايقاف قد يكون واجبا كما إذا كان منذورا كان

[ 431 ]

قال إن قدم أبي فعلي أن أقف هذه الدار. صرح المحقق نفسه في كتاب الوقف بذلك وأورد سؤالا: كيف يلزم النذر به وليس من جنسه واجب؟ وأجاب بأنه يجب على الامام أن يقف مسجدا من بيت المال للمسلمين وإن لم يكن في بيت المال شئ فعلى المسلمين. وفي الفتاوى الظهيرية من كتاب الزكاة من فصل النذر: رجل سقط منه شئ فقال إن وجدته فلله علي أن أقف أرضي هذه على أبناء السبيل فوجده كان عليه الوفاء به، فإن وقف أرضه على من يجوز له صرف الزكاة إليه من الاقارب والاجناب جاز اه‍. وأطلق الحكم في بني هاشم ولك يقيده بزمان ولا يستحض للاشارة إلى رد رواية أبي عصمة عن الامام أنه يجوز الدفع إلى بني هاشم في زمانه لان عوضها وهو خمس الخمس لم يصل إليهم لاهمال الناس أمر الغنائم وإيصالها إلى مستحقها، وإذا لم يصل إليهم العوض عادوا إلى المعوض، وللاشارة إلى رد الرواية بأن الهاشمي يجوز له أن يدفع زكاته إلى هاشمي مثله لان ظاهر الرواية المنع مطلقا. وقيد بمولى الهاشمي لان مولى الغني يجوز الدفع إليه لان الغني أهل لها لكن الغني مانع ولا مانع في حق المولى. والحديث ليس على عمومه أعني مولى القوم من أنفسهم ولهذا قال الاسبيجابي في تفسيره، يعني في حل الصدقة وحرمتها وإلا فمولى القوم ليس منهم من جميع الوجوه، ألا ترى أنه ليس بكفؤ لهم وأن مولى المسلم إذا كان كافرا تؤخذ منه الجزية، وإن كان مولى التغلبي تؤخذ منه الجزية لا المضاعفة اه‍. وفي آخر مبسوط الامام السرخسي من كتاب الكسب: وتكلم الناس في حق سائر الانبياء عليهم الصلاة والسلام، أتحل لهم الصدقة أم لا؟ فمنهم من يقول ما كان يحل أخذ الصدقة لسئر الانبياء أيضا ولكن كانت تحل لقرابتهم ثم أن الله تعالى أكرم نبينا ثان حرم على قرابته إظهارا ولكن كانت تحل لقراباتهم، ثم إن الله تعالى أكرم نبينا بأن حرم الصدقة على قرابت إظهارا لفضيلته، وقيل بل كانت الصدقة تحل لسائر الانبياء وهذه خصوصية لنبينا عليه أفضل الصلاة والسلام. قوله (ولو دفع بتحر فبان أنه غني أو هاشمي أو كافر أو أبوه أو ابنه صح ولو عبده أو مكاتبه لا) لحديث البخاري لك ما نويت يا زيد ولك ما أخذت يا معن حين دفعها زيد إلى ولده معن. وليس المراد بالتحري الاجتهاد بل غلبة الظن بأنه مصرف بعد الشك في كونه

[ 432 ]

مصرفا. وإنما قلنا هذا لانه لو دفع باجتهاد بدون ظن أو بغير اجتهاد أصلا أو بظن أنه بعد الشك ليس بمصرف ثم تبين المانع فإنه لا يجزئه، وكذا لو لم يتبين شئ فهو على الفساد حتى يتبين أنه مصرف. ولو دفع إلى من يظن أنه ليس بمصرف ثم تبين أنه مصرف يجزئه، والفرق بين هذا وبين من صلى باجتهاد إلى جهة يظن أنها ليست القبلة حيث لا تجزئه الصلاة وإن ظهر أنها القبلة بل قال الامام يخشى عليه الكفر، أن الصلاة الفرض لغير القبلة معصية والمعصية لا تنقلب طاعة، ودفع المال إلى غير الفقير قربة يثاب عليها. وقيدنا بكونه بعد الشك لانه لو دفعهما ولم يخطر بباله أنه مصرف أم لا فهو على الجواز إلا إذا تبين أنه غير مصرف لان الظاهر أنه صرف الصدقة إلى محلها حيث نوى الزكاة عند الدفع، والظاهر لا يبطل إلا باليقين حتى لو شك فيه بعد ذلك ولم يظهر له شئ لا تلزمه الاعادة لان الظاهر الاول لا يبطل بالشك، وليس له أن يسترد ما دفعه إذا تبين أنه ليس بمصرف ووقع تطوعا. كذا في البدائع. واختلف المشايخ في كونه يطيب للفقير وعلى القول بأنه لا يطيب، قيل يتصدق به لخبثه، وقيل يرده على الدافع. كذا في معراج الدراية. وأطلق الكافر فشمل الذمي والحربي وقد صرح بهما في المبتغى بالمعجمة. وفي المحيط: إذا ظهر أنه حربي فيه روايتان والفرق على إحداهما أنه لم توجد صفة القربة أصلا، والحق المنع فقد قال في غاية البيان معزيا إلى التحفة: وأجمعوا أنه إذا ظهر أنه حربي ولو مستأمنا لا يجوز، وكذا في معراج الدراية

[ 433 ]

معللا بأن صلته لا تكون برا شرعا ولذا لم يجز التطوع إليه فلم يقع قربة. ولا يخفى أن أحد الزوجين كالاصول والفروع وأن المدبر وأم الولد داخلان تحت العبد، والمستسعى كالمكاتب عنده، وعندهما حر مديون. كذا في البدائع. وقيد بالزكاة لانه لو أوصى بثلث ماله للفقراء فأعطاهم الوصي ثم تبين أنهم أغنياء لم يجز وهو ضامن بالاتفاق لان الزكاة حق الله تعالى فاعتبر فيها الوسع، والوصية حق العباد فاعتبر فيها الحقيقة، ألا ترى أن النائم إذا أتلف شيأ يضمن ولا يأثم. كذا في معراج الدراية. وقياسه أن الوصي بشراء دار ليوقفها إذا اشترى ونقد الثمن ثم ظهر أنها وقف الغير وضاع الثمن أن يضمن الوصي وهي واقعة في زماننا، ولانه لو اختلط أواني طاهرة بنجسة أو ثياب كذلك وكانت الغلبة للطاهر فتحرى فيها ثم تبين خطؤه يعيد الصلاة، أو قضى القاضي باجتهاده ثم ظهر نص بخلافه بطل قضاؤه وهو الذي قاس عليه أبو يوسف مسألة الكتاب، والفرق لهما إن العلم بالثوب الطاهر والماء الطاهر والنص ممكن فلم يأت بالمأمور به. قيدنا بكون الغلبة للطاهر لان الغلبة لو كانت للنجس أو استويا لا يتحرى بل يتيمم. كذا في المعراج. وفي النهاية جعل هذا الحكم مختصا بالاواني، أما الثياب النجسة إذا اختلطت بالطاهرة فإنه يتحرى مطلقا ولو كانت النجسة أكثر أو مساوية، وتبعه في فتح القدير، وقد أخذاه من مبسوط السرخسي من كتاب التحري. وفرق بينهما بأن الضرورة لا تتحقق في الاواني لان

[ 434 ]

التراب طهور له بدل عند العجز عن الماء الطاهر فلا يضطر إلى التحري للوضوء عند غلبة النجاسة لما أمكنه إقامة الفرض بالبدل حتى لو تحققت الضرورة للشرب عند العطش وعدم الماء الطاهر يجوز التحري للشرب في مسألة الثياب الضرورة مست للتحري لانه ليس للستر بدل يتوصل به إلى إقامة الفرض، يوضحه أن في مسألة الاواني لو كانت كلها نجسة لا يؤمر بالتوضؤ بها، ولو فعل لا تجوز صلاته، فكذا إذا كانت الغلبة له. وفي مسألة الثياب وإن كانت الكل نجسة يؤمر بالصلاة في بعضها، فكذا إذا كانت الغلبة لها. ثم اعلم أن التحري يجري في مسائل منها الزكاة كما قدمناه، ومنها القبلة وقد تقدم في الصلاة، ومنها مسائل المساليخ المختلطة بالميتة ففي حالة الاضطرار للاكل يجوز التحري في الفصول كلها، وفي حالة الاختيار لا يجوز التحري إلا إذا كان الحلال غالبا. ومنها مسألة الزيت إذا اختلط بودك الميتة فإن كان المحرم غالبا أو مساو فإنه لا يجوز الانتفاع به أصلا للاكل ولا غيره، وإن كان الحلال غالبا ففي حالة الاضطرار يجوز الاكل والانتفاع به، وفي حالة الاختيار يحرم الاكل وتناوله ويجوز الانتفاع به من حيث الاستصباح ودبغ الجلود. ومنها مسألة الموتى إذا اختلط موتى المسلمين بموتى الكفار، فإن كانت الغلبة لموتي المسلمين فإنه يصلي عليهم ويدفنون في مقابر المسلمين، وإن غلب موتى الكفار أو تساويا لا يصلى على أحد منهم إلا من يعلم أنه مسلم بالعلامة، وفي ظاهر الرواية يدفنون في مقابر المشركين. ومنها مسألتا الاواني المختلطة والثياب المختلطة وقد تقدمتا، وأما التحري في الفروج فلا يجوز بحال حتى لو أعتق واحدة من جواريه بعينها ثم نسيها لم يسعه التحري للوطئ ولا للبيع، ومن أراد معرفة الدلائل والفرق بين المسائل وزيادة التعريفات في مسائل التحري فعليه بكتاب التحري من المبسوط أول الجزء الرابع. واعلم أن التحري في اللغة الطلب والابتغاء وهو والتوخي سواء إلا أن لفظ التوخي يستعمل في المعاملات والتحري في العبادات. وفي الشريعة: طلب الشئ بغالب الرأي عند تعذر الوقوف على حقيقته، وهو غير الشك والظن، فالشك أن يستوي طرفا العلم والجهل والظن ترجح أحدهما من غير دليل، والتحري ترجح أحدهما بغالب الرأي وهو دليل يتوصل به إلى طرف العلم وإن كان لا يتوصل به ما يوجب حقيقة العلم. ويلحق بالتحري في مسألة الزكاة ما لو كان المدفوع إليه جالسا في صف الفقراء يصنع صنيعهم أو كان عليه زي الفقراء أو سأله فأعطاه، فهذه الاسباب بمنزلة التحري. كذا في المبسوط أيضا يعني أنه لو ظهر أنه غني لا إعادة عليه.

[ 435 ]

قوله (وكره الاغناء وندب عن السؤال) أي كره أن يدفع إلى فقير ما يصير به غنيا وندب الاغناء عن سؤال الناس. وإنما صح الاغناء لان الغني حكم الاداء فيتعقبه لكن يكره لقرب الغني منه كمن صلى وبقربه نجاسة. كذا في الهداية. وفي فتح القدير: وقوله فيتعقبه صريح في تعقبحكم العلة إياها في الخارج ولم يتعقبه. وتعقبه في النهاية والمعراج بأنه ليسبمستقيم على الاصح من مذهبنا من أن حكم العلة الحقيقة لا يجوز تأخره عنها بل هما كالاستطاعة مع الفعل يقترنان. وأجابا بأن معنى قوله أن الغنى حكم الاداء أي حكمه حكم الاداء أي حكمه حكم الاداء لان الاداء علة الملك والملك علة الغني فكان الغنى مضافا إلى الاداء بواسطة الملك كالاعتاق في شراء القريب فكان للاداء شبهة السبب الحقيقي، والسبب الحقيقي مقدم على الحكم حقيقة، وما يشبه السبب من العلل له شبهة التقدم اه‍. وإنما عممنا في المدفوع ولم نقيده بمائتي درهم لانه لو كان له مائة وتسعة وتسعون درهما فتصدق عليه بدرهمين قال أبو يوسف: يأخذوا واحدا ويرد واحدا. كذا في الفتاوى الظهيرية. وإنما قيدنا بقولنا يصير غنيا لانه لو دفع مائتي درهم فأكثر لمديون لا يفضل له بعد دينه نصاب لا يكره، وكذا لو كان معيلا إذا وزع المأخوذ على عياله لم يصب كلا منهم نصاب. وأطلق في استحباب الاغناء عن السؤال ولم يقيده بأداء قوت يومه كما وقع في غاية البيان لان الاوجه النظر إلى ما يقتضيه الاحوال في كل فقير من عيال وحاجة أخرى كدين وثوب وغير ذلك، والحديث وارد في صدقة الفطر. كذا في فتح القدير. وقال فخر الاسلام: من أراد أن يتصدق بدرهم فاشترى به فلوسا ففرقها فقد قصر أمر الصدقة لان الجمع كان أولى من التفريق قوله (وكره نقلها إلى بلد آخر لغير قريب وأحوج) أما الصحة فلاطلاق قوله تعالى * (إنما الصدقات للفقراء)

[ 436 ]

* (التوبة: 60) من غير قيد بالمكان، وأما حديث معاذ المشهور خذها من أغنيائهم وردها في فقرائهم (1) فلا ينفي الصحة لان الضمير راجع إلى فقراء المسلمين لا إلى أهل اليمن، أو لانه ورد لبيان أنه عليه الصلاة والسلام لا طمع له في الصدقات، ولانه صبح عنه أنه كان يقول لاهل اليمن ائتوني بخميس أو لبيس - وهما الصغار من الثياب - آخذه منكم في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم وخير لاصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن كان في زمنه فهو تقرير، وإن كان في زمن أبي بكر فذاك إجماع لسكوتهم عنه، وعدم الكراهة في نقلها للقريب للجمع بين أجري الصدقة والصلة وللاحوج لان المقصود منها سد خلة المحتاج، فمن كان أحوج كان أولى. وليس عدم الكراهة منحصرا في هاتين لانه لو نقلها إلى فقير في بلد آخر أورع وأصلح كما فعل معاذ رضي الله عنه لا يكره، ولهذا قيل: التصدق على العالم الفقير أفضل. كذا في المعراج. ولا يكره نقلها من دار الحرب إلى فقراء دار الاسلام ولهذا ذكر في نوادر المبسوط: رجل مكث في دار الحرب سنين فعليه زكاة ماله الذي خلف ههنا وما استفاده في دار الحرب لكن تصرف زكاة الكل إلى فقراء المسلمين الذين في دار الاسلام لان فقراءهم أفضل من فقراء دار الحرب اه‍. وكذا ألا يكره نقل الزكاة المعجلة مطلقا ولهذا قال في الخلاصة: لا يكره أن ينقل زكاة ماله المعجلة قبل الحول لفقير غير أحوج ومديون اه‍. فاستثنى على هذا ستة. هذا والمعتبر في الزكاة مكان المال في الروايات كلها، وفي صدقة الفطر مكان الرأس المخرج عنه في الصحيح مراعاة لايجاب الحكم في محل وجود سببه. كذا في فتح القدير. وصحح في المحيط أنه في صدقة الفطر يؤدي حيث هوولا يعتبر مكان الرأس من العبد والولد لان الواجب في ذمة المولى حتى لو هلك العبد لم يسقط عنه فاختلف التصحيح كما ترى فوجب الفحص عن ظاهر الرواية والرجوع إليها. والمنقول في النهاية معزيا إلى المبسوط أن العبرة لمكان من تجب عليه لا بمكان المخرج عنه موافقا لتصحيح المحيط فكان هو المذهب ولهذا اختاره قاضيخان في فتاواه مقتصرا عليه، وحكى الخلاف في البدائع فعن محمد يؤدي عن عبيده حيث هو وهو الاصح. وعند أبي يوسف حيث هم، وحكى القاضي في شرح مختصر الطحاوي أن أبا حنيفة مع أبي يوسف. قوله (ولا يسأل من له قوت يومه) أي لا يحل سؤال قوت يومه لمن له قوت يومه لحديث

[ 437 ]

الطحاوي من سأل الناس عن ظهر غنى فإنه يستكثر من جمر جهنم. قلت: يا رسول الله وما ظهر غنى؟ قال: أن يعلم أن عند أهله ما يغديهم وما يعشيهم (2) قيدنا بسؤال القوت لان سؤال الكسوة المحتاج إليها لا يكره وفيدنا بالسؤال لان الاخذ لمن ملك أقل من نصاب جائز بلا سؤال كما قدمناه وقبد بمن له القوت لان السؤال لمن لاقوت يومه له جائز ولا يرد عليه القوى المكتسب فإنه لا يحا سؤال القوت له إذا لم يكن له قوت يومه لانه قادر بصحته واكتسابه على قوت اليوم فكأنه مالك له. واستثنى من ذلك في غاية البيان الغازي فإن طلب الصدقة جائز له وإن كان قويا مكتسبا لاشتغاله بالجهاد عن الكسب اه‍. وينبغي أن يلحق به طالب العلم لاشتغله عن الكسب بالعلم ولهذا قالوا: إن نفقته على أبيه وإن كان صحيحا مكتسبا كما لو كان زمنا. وإذا حرم السؤال عليه إذا ملك قوت يومه فهل يحرم الاعطاء له إذا علم حاله؟ قال الشيخ أكمل الدين في شرح المشارق: وأما الدفع إلى مثل ذلك السائل عالما بحاله فحكمه في القياس أن يأثم بذلك لانه إعانة على الحرام لكنه يجعل هبة وبالهبة للغني أو لمن لا يكون محتاجا إليه لا يكون آثما اه‍. ويلزم عليه أن الصدقة على من ملك قوت يومه فقط تكون هبة حتى يثبت فيها أحكام الهبة من صحة الرجوع فإنهم قالوا: الصدقة على الغني هبة فله الرجوع بخلافها على الفقير وهو بعيد. فإن الظاهر أن مرادهم بالغني من ملك نصابا لكن يمكن دفع القياس المذكور بأن الدفع ليس إعانة على الحرام لان الحرمة في الابتداء إنما هي بالسؤال وهو متقدم على الدفع ولا يكون الدفع إعانة إلا لو كان الاخذ هو المحرم فقط فليتأمل والله تعالى أعلم. باب صدقة الفطر لما كان لها مناسبة بالزكاة لكونها عبادة مالية، وبالصوم لان شرط وجوبها الفطر بعد الصوم، ذكرها بينهما. والصدقة العطية التي يراد بها المثوبة عنده تعالى، وسميت بها لانها تظهر صدق رغبة الرجل في تلك المثوبة كالصداق يظهر به صدق رغبة الزوج في المرأة. والفطر

[ 438 ]

لفظ اسلامي اصطلح عليه الفقهاء كأنه من الفطرة بمعنى الخلقة، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بها في السنة التي فرض فيها رمضان قبل أن تفرض زكاة المال، وكان يخطب قبل الفطر بيومين يأمر بإخراجها. كذا في شرح النقاية. والكلام هاهنا في كيفيتها وكميتها وشرطها وحكمها وسببها وركنها ووقت وجوبها ووقت الاستحباب. فالاول أنها واجبة كما في الكتاب وأراد به الوجوب المصطلح عليه عندنا وإن كان ورد في السنة لفظ: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر لان معناه أمر أمر إيجاب والامر الثابت بظني إنما يفيد الوجوب. والاجماع المنعقد على وجوبها ليس قطعيا ليكون الثابت الفرض لانه لم ينقل تواترا ولهذا قالوا: أمن أنكر وجوبها لا يكفر. واختلفوا هل هي على الفور أو التراخي؟ فقيل تجب وجوبا مضيقا في يوم الفطر عينا، وقيل تجب موسعا في العمر كالزكاة، وصححه في البدائع معللا بأن الامر بأدائها مطلق عن الوقت فلا تضييق إلا في

[ 439 ]

آخر العمر. ورده المحقق في تحرير الاصول بأنه من قبيل المقيد بالوقت لا المطلق لقوله عليه الصلاة والسلام أغنوهم في هذا اليوم عن المسألة فبعده قضاء، فالراجح القول الاول. وأما بيان كميتها وشرطها وسببها ووقتها فسيأتي مفصلا. وأما ركنها فهو نفس الاداء إلى المصرف فهي التمليك كالزكاة فلا تتأدى بطعام الاباحة، وأما حكمها فهو الخروج عن عهدة الواجب في الدنيا ووصول الثواب في الآخرة، والاضافة فيها من إضافة الشئ إلى شرطه وهو مجاز لان الحقيقة إضافة الحكم إلى سببه وهو الرأس بدليل التعدد بتعدد الرأس. وجعلوها في الاصول عبادة فيها معنى المؤنة لانها وجبت بسبب الغير كما تجب مؤنته، ولذا لم يشترط لها كمال الاهلية فوجبت في مال الصبي والمجنون خلافا لمحمد، بخلاف العشر فإنه مؤنة فيها معنى العبادة لان المؤنة ما به بقاء الشئ وبقاء الارض في أيدينا به والعبادة لتعلقه بالنماء، وإذا كانت الارض الاصل كانت المؤنة غالبة وللعبادة لا يبتدأ الكافر به ولا يبقى عليه خلافا لمحمد كما تقدم. قوله: (تجب على حر مسلم ذي نصاب فضل عن مسكنه وثيابه وأثاثه وفرسه وسلاحه وعبيده) لان العبد لا يملك وإن ملك فكيف يملك؟ ورواية علي في بعض الروايات بمعنى عن والكافر ليس من أهل العبادة فلا تجب. ولو كان له عبد مسلم أو ولد مسلم وهي وجبت لاغناء الفقير للحديث أغنوهم في هذا اليوم عن المسألة والاغناء من غير الغني لا يكون. والغنى الشرعي مقدر بالنصاب، وشرط أن يكون فاضلا عن حوائجه الاصلية لان المستحق بالحاجة كالمعدوم كالماء المستحق للعطش فخرج النصاب المشغول بالدين. ولما كان حوائج عياله الاصلية كحوائجه لم يذكرها فإنه لا بد أن يكون النصاب فاضلا عن حوائجه وحوائج عياله كما صرح به في الفتاوي الظهيرية، ولم يقيد النصاب بالنمو كما في الزكاة لما قدمناه، ولانها وجبت بقدرة ممكنة لا ميسرة، ولهذا لو هلك المال بعد الوجوب لا يسقط بخلاف الزكاة كما عرف في الاصول. ولم يقيد بالبلوغ والعقل لما قدمناه فيجب على الولي أو

[ 440 ]

الوصي، إخراجها من مال الصبي والجنون حتى لو لم يخرجها وجب الاداء بعد البلوغ. كذا في البدائع. وكما يخرج الولي من ماله عنه يخرج عن عبيده للخدمة كذا في الفتاوي الظهيرية. وأشار بعد النصاب من الشروط إلى أنه ليس سببا فأفاد أنه لو عجل صدقة الفطر قبل ملك النصاب ثم ملك صح لان السبب هو الرأس - كذا في البزازية - إلا إذا كان الاب مجنونا فقيرا فإن صدقة فطره واجبة على ابنه. كذا في الاختيار. وكذا الولد الكبير إذا كان مجنونا فإن صدقة فطره على أبيه، سواء بلغ مجنونا أو جن بعد بلوغه خلافا لما عن محمد في الثاني. وخرج الاقارب ولو في عياله، وإذا أدى عن الزوجة والولد الكبير بغير اذنهما جاز، وظاهر الظهيرية أنه لو أدى عمن في عياله بغير أمره جاز مطلقا بغير تقييد بالزوجة والولد. قوله: (عن نفسه وطفله الفقير وعبده لخدمته ومدبره وأم ولده لا عن زوجته وولده الكبير ومكاتبه أو عبده أو عبيد لهما) شروع في بيان السبب وهو رأسه وما كان في معناه ممن يمونه ويلي عليه ولاية كاملة مطلقة للحديث أدوا عمن تمونون وما بعد عن يكون سببا لما قبلها. وزيدت الولاية للاجماع على أنلو مات صغيرا أجنبيا لله تعالى لم يجب أن يخرج عنه لعدم الولاية، ولان الائمة الثلاثة قالوا بوجوبها عن الابوين المعسرين، وعن الولد الكبير في أحد قولي الشافعي، ولا ولاية عليهم، فزيادة الولاية لم يدل عليها نص ولم يقع عليها إجماع. كذا قاله بعض المتأخرين. ويمكن أن يقال: إن نفقة الفقير واجبة على الامام في بيت المال ولا تجب صدقة فطره إجماعا، وليس ذلك إلا لعدم الولاية وفيه بحث، ولان المراد أدوا على من يلزمكم مؤنته كما صرح به المحقق نفسه في تقرير عدم لزومها عن العبد المكاتب والمستسعي والمشترك وفيه بحث، لان المراد أدوا عمن تلزمكم مؤنته كولده الصغير أو العبيد فخرج الصغير الاجنبي إذ أمانه لعدم الوجوب لا لعدم الولاية. كذا في فتح القدير. وخرجت الزوجة والولد الكبير لعدم الولاية، وكذا الاصول والاقارب، وخرج العبد المشترك أو العبيد لعدم كمال الولاية والمؤنة، وخرج ولد الولد فإن صدقة فطره لا تجب على جده عند

[ 441 ]

عدم أبيه أو فقره على ظاهر الرواية لعدم الولاية المطلقة فإن ولايته ناقصة لانتقالها إليه من الاب فصارت كولاية الوصي، وتعقبه في فتح القدير بالفرق بين الجد والوصي لوجوب النفقة على الجد دون الوصي فلم يبق إلا مجرد انتقال الولاية، ولا أثر له بالفرق بين الجد والوصي كمشتري العبد، ولا مخلص إلا بترجيح رواية الحسن أن على الجد صدقة فطرهم، وهذه مسائل يخالف فيها الجد الاب في ظاهر الرواية. ولا يخالف في رواية الحسن هذه والتبعية في الاسلام وجر الولاء والوصية لقرابة فلان ا ه‍. وقد يجاب عنه بأن انتقال الولاية له أثر في عدم الوجوب للقصور لانها لا تثبت إلا بشرط عدم الاب، ولانسلم أن ولاية المشتري انتقلت له من البائع بل انقطعت ولاية البائع بالبيع وثبت للمشتري ولاية مطلقة غير منتقلة بحكم الشرع له بذلك كأنه ملكه من الابتداء. واختار رواية الحسن في الاختيار. وأطلق الطفل فشمل الذكر والانثى للعلة المذكورة وهو وجوب نفقته عليه وثبوت الولاية الكاملة عليه له، فاستفيد منه أن البنت الصغيرة إذا زوجت وسلمت إلى الزوج ثم جاء يوم الفطر لا يجب على الاب صدقة فطرها لعدم المؤنة عليه لها كما صرح به في الخلاصة. وشمل الولد بين الابوين فإن على كل واحد منهما صدقة تامة. كذا في الفتاوي الظهيرية. وقيد الطفل بالفقر لان الطفل الغني بملك نصاب تجب صدقة فطره في ماله كما قدمناه كنفقته، وقيد العبد بكونه للخدمة لانه لو كان للتجارة لا تجب صدقة فطره لانه يؤدي إلى الثني وهو تعدد الوجوب المالي في مال واحد، فلذا لم تجب عن عبيد عبده، ولو كان غير مديون لكونهم للتجارة. كذا في النهاية. وفي القنية: له عبد للتجارة لا يساوي نصابا وليس له مال الزكاة سواه لا تجب صدقة فطرة العبد وإن لم يؤد إلى الثني، لان سبب وجوب الزكاة فيه موجود

[ 442 ]

والمعتبر سبب الحكم لا الحكم ا ه‍. وأطلقه فشمل المديون والمستأجر والمرهون إذا كان عنده وفاء بالدين، والعبد الجاني عمدا كان أو خطأ، والعبد المنذور بالتصدق به، والعبد المعلق عتقه بمجئ يوم الفطر، والعبد الموصي برقبته لانسان وبخدمته لآخر فإنها على الموصى له بالرقبة بخلاف النفقة فإنها على الموصى له بالخدمة. كذا في الفتاوي الظهيرية. وأشار بقوله عبده لخدمته إلى أنه لا يخرج عن عبده الآبق ولا عن المغصوب المجحود إلا بعد عوده فيلزمه لما مضي ولا عن عبده المأسور لانه خارج عن يده وتصرفه فأشبه المكاتب، ولا عن خادمه بإجارة أو إعارة، ولا عن الحيوانات سوى الرقيق، ولا عن الحمل، وإلى أنه ليس في رقيق الاخماس ورقيق القوام مثل زمزم، ورقيق الفئ والسبي ورقيق الغنيمة والاسرى قبل القسمة صدقة إذ ليس لهم مالك معين. كذا في البدائع. قوله: (ويتوقف لو مبيعا بخيار) أي يتوقف وجوب صدقة الفطر لو مر يوم الفطر والمبيع فيه خيار فمن استقر الملك له فهو عليه لان الملك والولاية موقوفان فكذا ما يبتني عليهما. أطلق الخيار فشمل ما إذا كان الخيار للبائع أو للمشتري أو لهما، وقيد بوجوب الصدقة لان النفقة تجب على من كان الملك له وقت الوجوب لانها لا تحتمل التوقف لانها تجب لحاجة المملوك للحال، فلو جعلناها موقوفة لمات المملوك جوعا فاعتبرنا الملك فيها للحال ضرورة. كذا في الكافي. ولا يخفي أن الخيار إذا كان للمشتري فعند الامام خرج المبيع عن ملك البائع ولم يدخل في ملك المشتري، ومع ذلك فالنفقة واجبة على المشتري إجماعا كما صرح به في الجوهرة شرح القدوري من خيار الشرط لم يعلله، ولعل وجهه أن المشتري لما ملك التصرف فيه إجماعا كانت نفقته عليه بخلاف البائع لا يملك التصرف. وأشار إلى أن وجوب زكاة مال التجارة متوقف أيضا بأن اشتراه للتجارة بشرط الخيار فتم الحول في مدة الخيار، فعندنا يضم إلى من يصير له أن كان عنده نصاب فيزكيه مع نصابه وإلى أنه لو لم يكن في البيع خيرا ولم يقبضه المشتري حتى مر يوم الفطر فالامر موقوف، فإن قبضه المشتري فالفطرة عليه وإلا، فإن رده على البائع بخيار عيب أو رؤية بقضاء أو بغير قضاء فعلى البائع لانه عاد إليه قديم ملكه منتفعا به، وإلا بأن مات قبل قبضه فلا صدقة على واحد منهما لقصور ملك المشتري وعوده إلى البائع غير منتفع به فكان كالآبق بل أشد. وفي الفتاوي

[ 443 ]

الظهيرية: وفي الموقوف إن أجاز المالك البيع بعد يوم الفطر فعلى المجيز والعبد المشتري شراء فاسدا إذا مر عليه يوم الفطر في يد المشتري، فالصدقة على البائع إذا رده، وإن لم يرده ولكن باعه المشتري أو أعتقه فالصدقة على المشتري والعبد المجهول مهرا إن كان بعينه تجب الصدقة على المرأة قبضته أو لم تقبضه لانها ملكته بنفس العقد، ولهذا جاز تصرفها قبل القبض، فإن طلقها قبل الدخول بها ثم يوم الفطر إن لم يكن المهر مقبوضا فلا صدقة على أحد، وإن كان مقبوضا فكذلك عند أبي حنيفة، وعندهما تجب عليها، وفي الاصل لا صدقة في عبد المهر في يد الزوج ا ه‍. ما في الظهيرية بلفظه. قوله: (نصف صاع من برا ودقيقه أو سويقه أو زبيب أو صاع تمر أو شعير وهو ثمانية أرطال) بدل من الضمير في تجب أي تجب صدقة الفطر وهي نصف صاع إلى آخره لحديث الصحيحين: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر على الذكر والانثى والحر والمملوك صاعا من تمر أو صاعا من شعير. فعدل الناس به مدين من حنطة والكلام مع المخالفين في المسألة طويل قد استوفاه المحقق في فتح القدير. وفي جعله دقيق البروسويقه كالبر إشارة إلى أن دقيق الشعير وسويقه كهو كما صرح به في الكافي وأفاد أنه لا اعتبار للقيمة في الدقيق والسويق كأصلهما لان المنصوص عليه لا تعتبر فيه القيمة بخلاف غيره حتى لو أدى نصف صاع من تمر قيمته صاع من برأ وأكثر لا يجوز لكن صرح المصنف في الكافي بأن الاولى اعتبار القدر والقيمة في الدقيق والسويق وإن نص على الدقيق في بعض الاخبار إلا أنه ليس بمشهور، فالاحتياط فيما قلنا وهو أن يعطى نصف صاع دقيق حنطة أو صاع دقيق شعير يساويان نصف صاع بر وصاع شعير لا أقل من نصف يساوي نصف صاع من بر أو أقل من صاع يساوي صاع شعير، ولا نصف لا يساوي نصف صاع برأ وصاع لا يساوي صاع شعير. كذا في فتح القدير. وقيد بالدقيق والسويق لان الصحيح في الخبزانه لا يجوز إلا باعتبار القيمة لعدم ورود النص به فكان كالزكاة وكالذرة وغيرها من الحبوب التي لم يرد بها النص، وكالاقط وجعله الزبيب كالبر رواية الجامع الصغير، وجعلاه كالتمر وهو رواية عن أبي حنيفة وصححها أبو اليسر، ورجحها المحقق في فتح القدير من جهة الدليل وفي شرح النقاية، والاولى أن يراعى في الزبيب القدر والقيمة. والضمير في قوله وهو عائد إلى الصاع وتقديره بما ذكر مذهب أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: خمسة أرطال وثلث وبه قال الائمة الثلاثة، ومنهم من رفع الخلاف بينهم فإن أبا يوسف لما حرره وجده خمسة وثلثا برطل أهل المدينة وهو أكبر من رطل أهل بغداد لانه ثلاثون إستارا والبغدادي عشرون، وإذا قابلت ثمانية بالبغدادي بخمسة وثلث بالمدني وجدتها سواء وهو الاشبه لان محمدا لم يذكر في المسألة خلاف أبي يوسف ولو كان لذكره على المعتاد وهو أعرف بمذهبه. ورده في الينابيع

[ 444 ]

بأن الصحيح أن الاختلاف بينهم ثابت بالحقيقة والاستار - بكسر الهمزة - أربعة مثاقيل ونصف. كذا في شرح الوقاية. وفي تقديره الصاع بالارطال دليل أنه يعتبر نصف صاع أو صاع من حيث الوزن لا من حيث الكيل وهو مذهب أبي حنيفة وعن محمد يعتبر كيلا لان النص جاء بالصاع وهو اسم للمكيال حتى لو وزن أربعة أرطال فدفعها إلى الفقير لا يجزئه لجواز كون الحنطة ثقيلة لا تبلغ نصف صاع وإن وزنت أربعة أرطال. كذا قالوا، لكن قولهم في تقدير الصاع أنه يعتبر بما لا يختلف كيله ووزنه وهو بالعدس والماش فما وسع ثمانية أرطال أو خمسة وثلثا من ذلك فهو الصاع كما صرح به في الخانية يقتضي رفع الخلاف المذكور في تقدير الصاع كيلا ووزنا. كذا في فتح القدير. وفي الفتاوي الظهيرية: ولو أدى منوين من الحنطة بالوزن لا يجوز عند أبي حنيفة إلا كيلا وهو قول محمد إلا أن يتيقن أنه يبلغ نصف صاع. وقال أبو يوسف: يجوز ا ه‍. وهو مخالف لما نقل من الخلاف أولا. وفيها أيضا: ويجوز نصف صاع من تمر ومثله من شعير ولا يجوز نصف صاع من التمر ومدمن الحنطة، جوزه في الكفارة وذكر الامام الزندوستي في نظمه: فإن أدى نصف صاع من شعير ونصف صاع من تمر أو نصف صاع تمر ومنا واحدا من الحنطة أو نصف صاع شعير وربع صاع حنطة جاز عندنا خلافا للشافعي فإن عنده لا يجوز إلا إذا كان الكل من جنس واحد ا ه‍. وأطلق المصنف نصف الصاع والصاع ولم يقيده بالجيد لانه لو أدى نصف صاع ردئ جاز، وإن أدى عفينا أو به عيب أدى النقصان، وإن أدى قيمة الردئ أدى الفضل. كذا في الفتاوي الظهيرية. ولم يتعرض المصنف لافضلية العين أو القيمة فقيل بالاول، وقيل بالثاني والفتوى عليه لانه أدفع لحاجة الفقير. كذا في الظهيرية. واختار الاول في الخانية إذا كانوا في موضع يشترون الاشياء بالحنطة كالدراهم. (صبح يوم الفطر فمن مات قبله أو أسلم أو ولد بعده لا تجب) بيان لوقت وجوب أدائها وهو منصوب على أنه ظرف ليجب أول الباب، وعند الشافعي بغروب الشمس من اليوم الاخير من رمضان. ومبني الخلاف على أن قول ابن عمر في الحديث السابق - فرض رسول الله صلى الله عليوسلم صدقة الفطر - المراد به الفطر المعتاد في سائر الشهر فيكون الوجوب بالغروب أو الفطر الذي ليس بمعتاد فيكون الوجوب بطلوع الفجر. ورجحنا الثاني

[ 445 ]

لانه لو كان الفطر المعتاد لسائر الشهر لوجب ثلاثون فطرة فكان المراد صدقة يوم الفطر ويدل عليه الحديث صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون (1) أي وقت فطركم يوم تفطرون كذا في البدائع. ولم يتعرض في الكتاب لوقت الاستحباب وصرح به في كافيه فقال: ويستحب أن يخرج الناس الفطرة قبل الخروج إلى المصلي يعني بعد طلوع الفجر من يوم العيد لحديث الحاكم كان يأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرج صدفة الفطر قبل الصلاة وكان يقسمها قبل أن ينصرف إلى المصلي ويقول: أغنوهم عن الطوف في هذا اليوم قوله: (وصح لو قدم أو أخر) أي صح أداؤها إذا قدمه على يوم الفطر أو أخره، أما التقديم فلكونه بعد السبب إذ هو الرأس، وأما الفطر فشرط الوجوب كما قدمناه ولهذا قالوا: لو قال لعبده إذ جاء يوم الفطر فأنت حر فجاء يوم الفطر عتق العبد. ويجب على المولى صدقة فطرة قبل العتق بلا فصل لان المشروط متعقب عن الشرط في الوجود لا مقارن بخلاف العلة فإن المعلول يقارنها، وكذا لو كان للتجارة يجب على المولى زكاة التجارة إذ تم الحول بانفجار الصبح من يوم الفطر ونظيرهما ما لو قال لعبده إن بعتك فأنت حر حيث يصح البيع - كذا في النهاية - فصار كتقديم الزكاة على الحول بعد ملك النصاب بمعنى أنه لا فارق لا أنه قياس فاندفع به فما في فتح القدير من أن حكم الاصل على خلاف القياس فلا يقاس لكنه وجد فيه دليل وهو حديث البخاري وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو بيومين. وأطلق في التقديم فشمل ما إذا دخل رمضان وقبله. وصححه المصنف في الكافي وفي الهداية والتبيين وشروح الهداية. وفي فتاوي قاضيخان: وقال خلف بن أيوب يجوز التعجيل إذا دخل رمضان. وهكذا ذكره الاما محمد بن الفضل وهو الصحيح. في فتاوي الظهيرية: والصحيح أنه يجوز تعجيلها إذ دخل شهر رمضان وهو اختيار الشيخ الامام أبي بكر محمد بن الفضل وعليه الفتوى اه‍ فقد اختلف التصحيح كما ترى لكن تأيد التقييد بدخول رمضان بأن الفتوى عليه فليكن العمل عليه، وسبب هذا الاختلاف أن مسألة التعجيل على يوم الفطر لم تذكر في ظاهر الرواية كما صرح به في البدائع لكن صحح هو أنه يجوز التعجيل مطلقا كما في الهداية، وأما التأخير فلانها قربة مالية فلا تسقط بعد الوجوب إلا بالاداء كالزكاة حتى لو مات ولده الصغير أو مملوكه يوم الفطر لا يسقط عنه أو افتقر بعد ذلكفكذلك. وفي أي وقت أدى كان مؤديا لا قاضيا كما في سائر الواجبات الموسعة. كذا في البدائع. وقد تقدم أن التحقيق أنه بعد اليوم

[ 446 ]

الاول لا مؤد لانه من قبيل المقيد بالوقت بقوله صلى الله عليه وسلم أغنوهم في هذا اليوم عن المسألة ومقتضاه أنه يأثم بتأخيره عن اليوم الاول على القول بأنه مقيد، وعلى أنه مطلق فلا اثم ولهذا قال في الفتاوي الظهيرية: ولا يكره التأخير. ولم يتعرض في الكتاب لجواز تفريق صدقة شخص على مساكين، وظاهر ما في التبيين وفتح القدير أن المذهب المنع وأن القائل بالجواز إنما هو الكرخي. وصرح الولوالجي وقاضيخان وصاحب المحيط والبدائع بالجواز من غير ذكر خلاف فكان هو المذهب كجواز تفريق الزكاة. وأما الحديث المأمور فيه بالاغناء فيفيد الاولوية. وقد نقل في التبيين الجواز من غير ذكر خلاف في باب الظهار، وأما دفع صدقة جماعة إلى مسكين واحد فلا خلاف في جوازه. فروع: المرأة إذا أمرها زوجها بأداء صدقة الفطر فخلطت حنطته بحنطتها بغير إذن الزوج ودفعت إلى الفقير جاز عنها لا عن الزوج عند أبي حنيفة خلافا لهما، وهي محمولة على قولهما إذا أجاز الزوج. كذا في الفتاوي الظهيرية. وعلله في حيرة الفقهاء بأنها لما خلطت بغير إذنه صارت مستهلكة لحصته لان الخلط استهلاك عنده يقطع حق صاحبه عن العين، وفي قولهما لا يقطع وتجوز عنه لهذه العلة. وفي البدائع: ولا يبعث الامام على صدقة الفطر ساعيا لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يبعث. وذكر الزندوستى أن الافضل صرف الزكاتين يعني زكاة المال وصدقة الفطر إلى أحد هؤلاء السبعة الاول أخوته الفقراء وأخواته ثم إلى أولاد إخوته وأخواته المسلمين ثم إلى أعمامه الفقراء ثم إلى أخواله وخالاته وسائر ذوي أرحامه الفقراء ثم إلى جيرانه ثم إلى أهل مسكنه ثم إلى أهل مصره. وقال الشيخ الامام أبو حفص الكبير البخاري: لا تقبل صدقة الرجل وقرابته محاويج حتى يبدأ بهم فيسد حاجتهم ثم أعطى في غير قرابته إن أحب. كذا في الفتاوي الظهيرية. وفي الولوالجية: وصدقة الفطر كالزكاة في المصارف ا ه‍. وينبغي أن يستثنى الذمي كما سبق في المصرف. وفي عمدة الفتاوي، للصدر الشهيد: ولو دفع صدقة فطره إلى زوجة عبده جاز وإن كانت نفقتها عليه ا ه‍. والله أعلم.

[ 447 ]

كتاب الصوم أخره عن الزكاة وإن كان عبادة بدنية مقدمة على المالية لقرانها بالصلاة في آيات كثيرة، وذكر محمد رحمه الله الصوم عقب الصلاة في الجامع الكبير والصغير نظرا لما قلنا. وهو في اللغة ترك الانسان الاكل وإمساكه عنه ثم جعل عبارة عن هذه العبادة المخصوصة. ومن مجازه صام الفرس على آريه إذا لم يعتلف. ومنه قول النابغة خيل صيام كذا في المغرب. وفي الشرع ما سيذكره المصنف ولو قال كتاب الصيام لكان أولى لما في الفتاوي الظهيرية: لو قال لله علي صوم فعليه صوم يوم واحد، ولو قال فعلي صيام عليه صيام ثلاثة أيام كما في قوله تعالى * (ففدية من صيام) * (البقرة: 196) ا ه‍. وركنه حقيقته الشرعية التي هي الامساك المخصوص، وسببه مختلف ففي المنذور النذر ولذا قلنا: لو نذر صوم شهر بعينه كرجب أو يوما بعينه فصام غيره أجزأ عن المنذور لانه تعجيل بعد وجود السبب وفيه خلاف محمد كما في المجمع. وصوم الكفارا ت سببه ما يضاف إليه من الحنث والقتل والظهار والفطر، وسبب رمضان شهود جزء من الشهر اتفاقا لكن اختلفوا فذهب السرخسي إلى أن السبب مطلق شهود الشهر حتى استوى في السببية الايام والليالي. وذهب الدبوسي وفخر الاسلام وأبو اليسر إلى أن السبب الايام دون الليالي أي الجزء الذي لا يتجزأ من كل يوم سبب لصوم ذلك

[ 448 ]

اليوم فيجب صوم جميع الايام مقارنا إياه، وثمرة الخلاف تظهر فيمن أفاق في أول ليلة من الشهر ثم جن قبل أن يصبح ومضى الشهر وهو مجنون ثم أفاق، فعلى قول السرخسي يلزمه القضاء ولو لم يتقرر السبب في حقه بما شهد من الشهر حال إفاقته لم يلزمه، وعلى قول غيره لا يلزمه القضاء، وصححه السراج الهندي في شرح المغني لان الليل ليس بمحل للصوم فكان الجنون والافاقة فيه سواء، وعلى هذا الخلاف لو أفاق ليلة في وسط الشهر ثم أصبح مجنونا، وكذا لو أفاق في آخر يوم من رمضان بعد الزوال، وجمع في الهداية بين القولين بأنه لا منافاة فشهود جزء منه سبب لكله ثم كل يوم سبب وجوب أدائه. غاية الامر أنه تكرر سبب وجوب صوم اليوم باعتبار خصوصه ودخوله فضمن غيره كذا في فتح القدير والذي يظهر أن صاحب الهداية يختار غير قول السرخسي لان السرخسي يقول كل يوم مع ليلته سبب للوجوب لا اليوم وحده وتمام تقريره في الاصول. وشرائطه ثلاثة: شرط وجوب وهو الاسلام والبلوغ والعقل كذا في النهاية وفتح القدير. وفي غاية البيان ذكر الاولين ثم قال: ولا يشترط العقل لا للوجوب ولا للاداء ولهذا إذا جن في بعض الشهر ثم أفاق يلزمه القضاء بخلاف استيعاب الشهر حيث لا يلزمه القضاء للحرج، واختاره صاحب الكشف فقال: إن المجنون أهل للوجوب إلا أن الشرع أسقط عنه عند تضاعف الواجبات دفعا للحرج واعتبر الحرج في حق الصوم باستغراق الجنون جميع الشهر ا ه‍. وفي البدائع، وأما العقل فهل هو من شرائط الوجوب، وكذا الافاقة واليقظة. قال عامة مشايخنا: ليست من شرائط الوجوب بل من شرائط وجوب الاداء مستدلين بوجوب القضاء على المغمي عليه والنائم بعد الافاقة والانتباه بعد مضي بعض الشهر

[ 449 ]

أو كله، وكذا المجنون إذا أفاق في بعض الشهر. وقال بعض أهل التحقق من مشايخ ما وراء النهر: إنه شرط الوجوب. وعندهم لا فرق بينه وبين وجوب الاداء وأجابوا عما استدل به العامة بأن وجوب القضاء لا يستدعي سابقة الوجوب لا محالة وإنما يستدعي فوت العبادة عن وقتها والقدرة على القضاء من غير حرج، وهكذا وقع الاختلاف في الطهارة عن الحيض والنفاس، فذهب أهل التحقيق إلى أنها شرط الوجوب فلا وجوب على الحائض والنفساء وقضاء الصوم لا يستدعي سابقة الوجوب كما تقدم، وعند العامة ليست بشرط وإنما الطهارة عنهما شرط الاداء وتمامه في البدائع ولعله لا ثمرة له. والنوع الثاني من الشرائط شرط وجوب الاداء وهو الصحة والاقامة، والثالث شرط صحته وهو الاسلام والطهارة عن الحيض والنفاس والنية. كذا في البدائع. واقتصر في فتح القدير على ما عدا الاول لان الكافر لا نية له فخرج باشتراطها، ولم يجعلوا العقل، والاقامة شرطين للصحة لان من نوي الصوم من الليل ثم جن في النهار أو أغمي عليه يصح صومه في ذلك اليوم، وإنما لم يصح في اليوم الثاني لعدم النية لانها من المجنون والمغمى عليه لا تتصور لا لعدم أهلية الاداء، وأما البلوغ فليس من شرط الصحة لصحته من الصبي العاقل ولهذا يثاب عليه. كذا في البدائع. وزاد في فتح القدير العلم بالوجوب أو الكون في دار الاسلام لان الحربي إذا أسلم في دار الحرب ولم يعلم بفرضية رمضان ثم علم ليس عليه قضاء ما مضى. وزاد في النهاية على شرائط الصحة الوقت القابل ليخرج الليل. وفيه بحث لان التعليق بالنهار داخل في مفهوم الصوم لا قيد له ولهذا كان التحقيق في الاصول أن القضاء والنذر المطلق وصوم الكفارة من قبيل المطلق عن الوقت لا من المقيد به كما ذهب إليه فخر الاسلام، وحكمه سقوط الواجب ونيل ثوابه إن كان صوما لازما وإلا فالثاني. كذا في فتح القدير وفيه بحث، لان صوم الايام المنهية لا ثواب فيه فالاولى أن يقال: وإلا فالثاني إن لم يكن منهيا عنه وإلا فالصحة فقط. وأقسامه فرض وواجب ومسنون ومندوب ونفل ومكروه تنزيها وتحريما، فالاول رمضان وقضاؤه والكفارات، والواجب المنذور، والمسنون عاشوراء مع التاسع، والمندوب صوم ثلاثة من كل شهر ويندب فيها كونها الايام البيض، وكل صوم ثبت بالسنة طلبه

[ 450 ]

والوعد عليه كصوم داود عليه الصلاة والسلام وعلى سائر الانبياء، والنفل ما سوى ذلك مما لم يثبت كراهته، والمكروه تنزيها عاشوراء مفردا عن التاسع ونحو يوم المهرجان، وتحريما أيام التشريق العيدين. كذا في فتح القدير. واستثنى في عمدة الفتاوي من كراهة صوم يوم النيروز والمهرجان أن يصوم يوما قبله فلا يكره كما في يوم الشك، والاظهر أن يضم المنذور بقسميه إلى المفروض كما اختاره في البدائع والمجمع ورجحه في فتح القدير للاجماع على لزومه، وأن يجعل قسم الواجب صوم التطوع بعد الشروع فيه وصوم قضائه عند الافساد وصوم الاعتكاف. كذا في البدائع أيضا. وبما ذكره المحقق اندفع ما في البدائع من قوله وعندنا يكره الصوم في يومي العيد وأيام التشريق والمستحب هو الافطار فإنه يفيد أن الصوم فيها مكروه تنزيها وليس بصحيح لان الافطار واجب متحتم ولهذا صرح في المجمع بحرمة الصوم فيها، وينبغي أن يكون كل صوم رغب فيه الشارع صلى الله عليه وسلم بخصوصه يكون مستحبا وما سواه يكون مندوبا مما لم تثبت كراهيته لا نفلا لان الشارع قد رغب في مطلق الصوم فترتب على فعله الثواب بخلاف النفلة المقابلة للندبية فإن ظاهره يقتضي عدم الثواب

[ 451 ]

فيه وإلا فهو مندوب كما لا يخفى. ومن المكروه صوم يوم الشك على ما سنذكره إن شاء الله تعالى، ومنه صوم الوصال، وقد فسره أبو يوسف ومحمد بصوم يومين لا فطر بينهما، ومنه صوم يوعرفة للحاج إن أضعفه، ومنه صوم يوم السبت بانفراده للتشبه باليهود بخلاف صوم يوم الجمعة فإن صومه بانفراده مستحب عند العامة كالاثنين والخميس وكره الكل بعضهم، ومنه صوم الصمت بأن يمسك عن الطعام والكلام جميعا. كذا في البدائع. ومنه أيضا صوم ستة من شوال عند أبي حنيفة متفرقا كان أو متتابعا، وعن أبي يوسف كراهته متتابعا لا متفرقا لكن عامة المتأخرين لم يروا به بأسا. ثم اعلم أن الصيامات اللازمة فرضا ثلاثة عشر، سبعة منها يجب فيها التتابع وهي: رمضان وكفارة القتل وكفارة الظهار وكفارة اليمين وكفارة الافطار في رمضان والنذر المعين وصوم اليمين المعين. وستة لا يجب فيها التتابع وهي: قضاء رمضان وصوم المتعة وصوم كفارة الحلق وصوم جزاء الصيد وصوم النذر المطلق وصوم اليمين بأن قال والله لاصومن شهرا. ثم أذا أفطر يوما يجب فيه التتابع هل يلزمه الاستقبال أو لا فنقول: كل صوم يؤمر فيه بالتتابع لاجل الفعل وهو الصوم يكون التتابع شرطا فيه، وكل صوم يؤمر فيه بالتتابع لاجل أن الوقت مفوت ذلك يسقط التتابع، وإن بقي الفعل واجب القضاء فالاول كصوم كفارة القتل والظهار واليمين والافطار ويلحق به النذر المطلق إذا ذكر التتابع فيه أو نواه، والثاني كرمضان والنذر المعين واليمين بصوم يوم معين. كذا ذكره صاحب البدائع والاسبيجابي منتصرا، ومحاسنه كثيرة منها شكر النعمة التي هي المفطرات الثلاثة لان بضدها تتبين الاشياء، ومنها أنه وسيلة إلى التقوى لانها إذا انقادت إلى الامتناع عن الحلال طمعا في مرضاته تعالى فالاولى أن تنقاد للامتناع عن الحرام وإليه الاشارة بقوله تعالى * (لعلكم تتقون) * (البقرة: 183) ومنها كسر الشهوة الداعية إلى المعاصي، ومنها الاتصاف بصفة الملائكة الروحانية، ومنها علمه بحال الفقراء ليرحمهم فيطعمهم، ومنها موافقته لهم

[ 452 ]

قوله: (هو ترك الاكل والشرب والجماع من الصبح إلى الغروب بنية من أهله) أي الصوم في الشرع الامساك عن المفطرات الثلاث حقيقة أو حكما في وقت مخصوص من شخص مخصوص مع النية، وإنما فسرنا الترك بالامساك المذكور في كلام القدوري ليكون فعل المكلف لانه لا تكليف إلا بفعل حتى قالوا: إن المكلف به في النهي كف النفس لا ترك الفعل لانه لا تكليف إلا بمقدور والمعدوم غير مقدور لان تفسير القادبمن إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل لا وإن شاء ترك، وتمامه في تحرير الاصول وقلنا حقيقة وحكما ليدخل من أفطر ناسيا فإنه ممسك حكما، واختص الصوم باليوم لتعذر الوصال المنهي عنه وكونه على خلاف العادة وعليه مبنى العبادة إذ ترك الاكل بالليل معتاد، واشترطت النية لتمييز العبادة عن العادة كما سيأتي. وأراد بالاهل من اجتمعت فيه شروط الصحة وتقدم أنها ثلاثة فخرج الكافر والحائض والنفساء، والمراد باشتراط الطهارة عن الحيض والنفاس اشتراط عدمهما لا أن يكون المراد منها الاغتسال. كذا في النهاية. والمراد بترك الاكل ترك إدخال شئ بطنه أعم من كونه مأكولا أولا لما سيأتي من إبطاله بإدخال نحو الحديد، ولا يرد ما وصل إلى الدماغ فإنه مفطر كما سيأتي لما أن بين الدماغ والجوف منفذا فما وصل إلى الدماغ وصل إلى الجوف كما صرح به في البدائع على ما سيأتي. وفي البزازية: استنشف وصل الماء إلى فمه ولم يصل إلى دماغه لا يفسد صومه. قوله: (وصح صوم رمضان والنذر المعين والنفل بنية من الليل إلى ما قبل نصف النهار) شروع في بيان النية التي هي شرط الصحة لكل صوم، وعرفها في المحيط بأن يعرف بقلبه أنه صوم. ووقتها بعد الغروب ولا يجوز قبله والتسحر نية كذا في الظهيرية. ولم يتكلم على فرضية رمضان لما أنها من الاعتقادات لا لفقه لثبوتها بالقطعي المتأيد بالاجماع ولهذا يحكم بكفر جاحده. وكانت فرضيته بعد ما صرفت القبلة إلى الكعبة بشهر في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من الهجرة وهو في الاصل من رمض إذا احترق سمي به لان الذنوب تحترق فيه، وهو غير منصرف للعلمية والالف والنون. قال الجوهري: يجمع على ارمضا ورمضانات. وقال الفراء: يجمع على رماضين كسلاطين وشياطين. وقالابن الانباري: رماض جمع رمضان. وتقدم حكم النذر أنه فرض على الاظهر، والمراد بالنفل ما عدا

[ 453 ]

الفرض، والواجب أعم من أن يكون سنة أو مندوبا أو مكروها. وأشار إلى أنه لو نوى عند الغروب لا تصح نيته لانه قبل الوقت كما قدمناه. وفي فتاوي الظهيرية: ولو نوى أن يتسحر في آخر الليل ثم يصبح صائما لم تصح هذه النية كما لو نوى بعد العصر صوم الغد ا ه‍. واستدل الطحاوي لعدم اشتراط التبييت في رمضان بحديث الصحيحين في يوم عاشوراء من أكل فليمسك بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم (1) وكان صومه فرضا حتى فرض رمضان فصار سنة ففيه دليل على أن من تعين عليه صوم يوم ولم ينوه ليلا تجزئه النية نهارا فوجب حمل حديث السنن الاربعة لا صيام لمن لم ينو الصيام من الليل (2) على نفي الكمال لان الافضل في كل صوم أن ينوي وقت طلوع الفجر إن أمكنه أو من الليل كما في البدائع، أو على أن المراد لم ينو كون الصوم من الليل فيكون الجار وهو من الليل متعلقا بصيام الثاني لا ينوي، فحاصله لا صيام لمن لم يقصد أنه صائم من الليل أي من آخر أجزائه فيكون نفيا لصحة الصوم من حين نوى من النهار، وعلى تقدير كونه لنفي الصحة وجب أن يخص عمومه بما روينا عندهم، وعندنا لو كان قطعيا خص بعضه خصص به بعض فكيف وقد اجتمع فيه عدم الظنية والتخصيص إذ قد خصص منه النفل بحديث مسلم عن عائشة: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: هل عندكم شئ؟ فقلنا: لا. فقال: إني إذا صائم. فالحاصل أن صوم عاشوراء أصل وألحق به صوم رمضان والمنذور المعين في حكمه وهو عدم النية من الليلة ومقتضاه إلحاق كل صوم واجب به لكن القياس إنما يصلح مخصصا للخبر لا ناسخا، ولو جرينا على تمام لازم هذه القياس لكان ناسخا لحديث السنن إذ لم يبق تحته شئ حينئذ فوجب أن يحاذي به مورد النص وهو الواجب المعين من رمضان، ونظيره من النذر المعين. ولا يمكن أن يلغي قيد التعيين في مورد النص الذي رويناه فإنه حينئذ يكون إبطالا لحكم لفظ بلالفظ بنص فيه. وإنما اختص اعتبارها بوجودها في أكثر النهار لان ما رويناه من حديث الصحيحين واقعة حال لا عموم لها في جميع أجزاء النهار، واحتمل كون إجازة الصوم في تلك الواقعة لوجود النية فيها في أكثره، واحتمل كونها للتجويز في النهار مطلقا،

[ 454 ]

في الواجب فقلنا بالأول لأنه أحوط خصوصا ومعنا نص السنن بمنعها من النهار مطلقا وعضده المعين وهو أن للاكثر من الشئ الواحد حكم الكل وإنما اختص بالصوم دون الحج والصلاة فإن قران النية فيهما شرط حقيقة أو حكما كالمتقدمة بفاصل لان الصوم ركن واحد ممتد فبالوجود في آخره يعتبر قيامها في كله بخلافهما فإنهما أركان فيشترط قرانها بالعقد على أدائها وإلا خلت بعض الاركان عنها فلم يقع ذلك الركن عبادة. واعتبر المصنف النية إلى ما قبل نصف النهار ليكون أكثر اليوم منويا، ولهذا عبر في الوافي بنية أكثره وهي أولى لما أن النهار يطلق في اللغة على زمن أوله طلوع الشمس كما في النهاية وغيرها لكن هو في الشرع واليوم سواء من طلوع الفجر. وفي غاية البيان: جعل أوله من طلوع الفجر لغة وفقها، وعلى كل حال فهي أولى من عبارة القدوري ومختصر الكرخي والطحاوي ما بينه وبين الزوال لان ساعة الزوال نصف النهار من طلوع الشمس ووقت الصوم من طلوع الفجر. كذا في المبسوط. والظاهر أن الاختلاف في العبارة لا في الحكم. وفي الفتاوي الظهيرية: الصائم المتطوع إذا ارتد عن الاسلام ثم رجع إلى الاسلام قبل الزوال ونوى الصوم - قال زفر - لا يكون صائما ولا قضاء عليه إن أفطر. وقال أبو يوسف: يكون صائما وعليه القضاء إذا أفطر. وذكر بعده: وعلى هذا الخلاف إذا أسلم النصراني في غير رمضان قبل الزوال ونوى التطوع كان صائما عند أبي يوسف خلافا لزفر. وأطلق المصنف فأفاد أنه لا فرق بين الصحيح والمريض والمقيم والمسافر لانه لا تفصيل فيما ذكرنا من الدليل. وقال زفر: لا يجوز الصوم للمسافر والمريض إلا بنية من الليل لان الاداء غير مستحق عليهما فصار كالقضاء. ورد بأنه من باب التغليظ والمناسب لهما التخفيف. وفي فتاوي قاضيخان، مريض أو مسافر لم ينو الصوم من الليل في شهر رمضان ثم نوى بعد طلوع الفجر قال أبو يوسف: يجزئهما وبه أخذ الحسن. قال صاحب الكشف الكبير: فهذا يشير إلى أن عند أبي حنيفة ومحمد لا يجزئهما ا ه‍. وهذه الاشارة مدفوعة بصريح المنقول من أن عندنا لا فرق كما ذكره في المبسوط والنهاية والولوالجية وغيرها. قوله: (وبمطلق النية ونية النفل) أي صح صوم رمضان وما معه بمطلق النية وبنية النفل، أما في رمضان فلان الشارع عينه لفرض الصوم فانتفى شرعية غيره من الصيام فيه

[ 455 ]

فلم يشترط له نية التعيين فصك بنية صوم مباين له كالنفل والكفارات بناء على لغو الجهة التي عينها فيبقى الصوم المطلق، وبمطلق النية يصح صومه كالاخص نحو زيد يصاب بالاعم كيا إنسان، وجمهور العلماء على خلافه. قال في التحرير: وهو الحق لان نفي شرعية غيره إنما توجب صحته لو نواه، ونفي صحة ما نواه من الغير لا يوجب وجود نية ما يصح وهو يصرح بقوله لم أرده بل لو ثبت لكان جبرا ولا جبر في العبادات. وقولهم الاخص يصاب بالاعم إنما يصح إذا أراد الاخص بالاعم ولو أراده لارتفع الخلاف، وأعجب من هذا ما روي عن زفرأن التعيين شرعا يوجب الاصابة بلا نية ا ه‍. وقد يقال بأنه نوي أصل الصوم ووصفة والوقت لا يقبل الوصف فلغت نية الوصف وبقيت نية الاصل إذ ليس من ضرورة بطلان الوصف بطلان الاصل، والاعراض إن ثبت فإنما هو في ضمن نية النفل أو القضاء وقد لغت بالاتفاق فيلغو ما في ضمنها، ولا يلزم الجبر لان معنى القربة في أصل الصوم يتحقق لبقاء الاختيار للعبد فيه ولا يتحقق في الصفة إذ لا اختيار له فيها فلا يتصور منه إبدال هذا الوصف بوصف آخر في هذا الزمان فيسقط اعتبار نية الصفة فعلم أنه لا يلزم الجبر إلا لو قلنا بوقوع الصوم من غير نية أصلا. وما ألزمنا به الشافعي هنا من لزوم الجبر لزمه في الحج فإنه صححه فرضا بنية النفل فما هو جوابه فهو جوابنا. وأما في النذر المعين فلانه معتبر بإيجاب الله تعالى، وإنما قال وبنية النفل ولم يقل وبنية مباينة لما أن النفل لا يصح بنية واجب آخر بل يقع عما نوى، ولما أن المنذور المعين لا يصح بنية واجب آخر بل يقع عما نوي بخلاف رمضان. والفرق بينهما أن التعيين إنما جعل بولاية الناذر وله إبطال صلاحية ماله وهو النفل لا ما عليه وهو القضاء ونحوه رمضان متعين بتعيين الشارع وليس له ولاية

[ 456 ]

إبطال صلاحيته لغير من الصيام لكن بقي عليه إفادة صحة رمضان بنية واجب آخر، ويمكن أن يكون ذكر نية النفل إشارة إليه بجامع إلغاء الجهة لتعيينة. وإذا وقع عما نوي فهل يلزمه قضاء المنذور المعين لا ذكر لها في ظاهر الرواية، والاصح وجوب القضاء. كذا في الفتاوي الظهيرية. ولا يرد عليه المسافر فإنه لو نوى واجبا آخر في رمضان يصح عند أبي حنيفة ويقع عما نوى لاثبات الشارع الترخص له وهو في الميل إلى الاخف وهو في صوم الواجب المغاير لانه في ذمته وفرض الوقت لا يكون في ذمته إلا إذا أدرك عدة من أيام أخر. وفي النفل عنه روايتان، أصحهما عدم صحة ما نوي ووقوعه عن فرض الوقت لان فائدة النفل الثواب وهو في فرض الوقت أكثر كما لو أطلق النية. كذا في التقرير. فعلم بهذا أن المسافر يصح صومه عن رمضان بمطلق النية وبنية النفل على الاصح فيهما مع وجود الروايتين فيهما فلهذا لم يستثنه في المختصر، وأما المريض إذا نوى واجبا آخر أو نفلا ففيه ثلاثة أقوال، فقيل يقع عن رمضان لانه لما صام التحق بالصحيح واختاره فخر الاسلام وشمس الائمة وجمع وصححه صاحب المجمع، وقيل يقع عما نوى كالمسافر واختاره صاحب الهداية وأكثر المشايخ، وقيل بأنه ظاهر الرواية، وينبغي أن يقع عن رمضان في النفل على الصحيح كالمسافر على ما قدمناه، وقيل بالتفصيل بين أن يضره الصوم فتتعلق الرخصة بخوف الزيادة فيصير كالمسافر يقع عما نوي، وبين أن لا يضره الصوم كفساد الهضم فتتعلق الرخصة بحقيقته فيقع عن فرض الوقت واختاره صاحب الكشف وتبعه المحقق في فتح القدير والتحرير. وتعقبه الاكمل في التقرير بأن المعلوم أن المريض الذي لا يضره الصوم غير مرخص له

[ 457 ]

الفطر عند أئمة الفقه كما شهدت كتبهم بذلك فمن لا يضره الصوم صحيح وليس الكلام فيه. ثم اعلم أنه وقع في عبارة القوم أصولا وفروعا أن رمضان يصح مع الخطأ في الوصف، فذهب جماعة من المشايخ إلى أن مسألة نية الصوم النفل في رمضان من الصحيح المقيم إنما هي مصورة في يوم الشك بأن شرع بهذه النية ثم ظهر أنه من رمضان حتى يكون هذا الظن معفوا، فأما لو وجدت في غيره يخشى عليه الكفر لانه ظن أن الامر بالامساك المعين يتأدى بغيره وبمثل هذ الظن يخشى عليه الكفر. كذا في التقرير. وفي النهاية ما يرده فإنه قال في دليل الشافعي: إنه لو اعتقد المشروع في هذا الوقت أنه نفل يكفر. وقال في رده إنه لما لغا نية النفل لم تتحقق نية الاعراض وبه يبطل قوله أنه لو اعتقد فيه أنه نفل يكفر ا ه‍. والحاصل أنه لا ملازمة بين نية النفل واعتقاد عدم الفرضية أو ظنه فقد يكون معتقدا للفرضية ومع ذلك نوى النفل فلا يكون بنية النفل كافرا إلا إذا انضم إليها اعتقاد النفلية، وكذا لا يخشى عليه الكفر إلا إذا انضم إليها الظن المذكور والله سبحانه وتعالى أعلم. ثم اعلم أن أبا حنيفة جرى على أصله في المواضع كلها من أن الاصل ينفك عن الوصف فلهذا قال: إذا بطلت صفة الفرضية في الصلاة لا يبطل أصلها، وإذا بطلت الصفة في الصوم بقي أصله، وإذا قال لها أنت طالق كيف شئت وقع أصل الطلاق وكان الوصف مفوضا إليها. وهما قالا في هذه المسألة بأن ما لا يقبل الاشار من الامور الشرعية فحاله ووصفه بمنزلة أصله فيتعلق الاصل بتعلقه فخالفا هذا الاصل في الصوم. وخالفه أبو يوسف في الصلاة لانه موافق لابي حنيفة فيها وجرى عليه محمد في الصلاة فإنه قال ببطلان الاصل إذا بطل الوصف فيها، وقد فرق بعضهم لمحمد بين الصوم والصلاة، ورده الاكمل في تقريره وقال في بحث: كيف أن أصلهما المذكور ليس بصحيح لان صحته تستلزم انتفاء الفاسد على مذهبنا واللازم باطل لان الاحكام عندنا تنقسم إلى جائز وفاسد وباطل بيان الملازمة أن الربا مثلا وسائر العقودات مشروعة بأصلها غير مشروعة بوصفها بالاتفاق وهي مما لا يقبل الاشارة. فلو كان ما ذكرناه صحيحا لكان الاصل فيه مثل الوصف والوصف غير مشروع، وما كان غير مشروع بحسب الاصل والوصف فهو باطل اتفاقا لا فاسد، أو كان الوصف مثل الاصل والاصل مشروع فكان الربا جائزا لا فاسدا وهو باطل إجماعا ا ه‍. قوله: (وما بقي لم يجز إلا بنية معينة مبيتة) أي ما بقي من الصيام وهو قضاء رمضان والكفارات وجزاء الصيد والحلق والمتعة والنذر المطلق لا يصح بمطلق النية ولا بنية مباينة، ولا بد فيه من التعيين لعدم تعين الوقت له، ولا بد فيه أيضا من النية من الليل أو ما هو في

[ 458 ]

حكمه وهو المقارنة لطلوع الفجر بل هو الاصل لان الواجب قران النية بالصوم لا تقديمها، وإنما جاز التقديم للضرورة. ومن فروع لزوم التبييت في غير المعين لو نوي القضاء نهارا فلم يصح هل يقع عن النفل، في فتاوي النسفي نعم ولو أفطر يلزما القضاء. قيل هذا إذا علم أن صومه عن القضاء لم يصح بنية من النهار، أما إذا لم يعلم فلا يلزم بالشروع كما في المظنون. كذا في فتح القدير. والذي يظهر ترجيح الاطلاق فإن الجهل بالاحكام في دار الاسلام ليس بمعتبر خصوصا أن هذه المسألة - أعني عدم جواز القضاء بنية نهارا - متفق عليها فيما يظهر فليس كالمظنون، ولا يخفى أن قضاء النفل بعد إفساده وقضاء المنذور المعين داخل تحت قوله وما بقي. ثم اعلم أن النية من الليل كافية في كل صوم بشرط عدم الرجوع عنها حتى لو نوي ليلا أن يصوم غدا ثم عزم في الليل على الفطر لم يصبح صائما، فلو أفطر لا شئ عليه إن لم يكن رمضان ولو مضي عليه لا يجزئه لان تلك النية انتقضت بالرجوع ولو نوى الصائم الفطر لم يفطر حتى يأكل، وكذا لو نوى التكلم في الصلاة. كذا في الظهيرية. ولو قانويت صوم غد إن شاء الله تعالى، فعن الحلواني يجوز استحسانا لان المشيئة إنما تبطل اللفظ والنية فعل القلب وصححه في فتاوي الظهيرية. واعلم أنه يتفرع على كيفية النية ووقتها مسألة الاسير في دار الحرب إذا اشتبه عليه رمضان فتحرى وصا شهرا عن رمضان فلا يخلو، إما أن يوافق أو لا بالتقديم أو بالتأخير، فإن وافق جاز، وإن تقدم لم يجز، وإن تأخر فإن وافق شوالا لا يجوز بشرط موافقة الشهرين في العدد وتعيين النية وتبييتها ولا يشترط نية القضاء في الصحيح فإن كان كل منهما كاملا قضى يوما واحدا لاجل يوم الفطر، وإن كان رمضان كاملا وشوال ناقصا قضي يومين يوما لاجل يوم العيد ويوما لاجل النقصان وعلى العكس لا شئ عليه. وإن وافق صومه هلال ذي الحجة، فإن كان رمضان كاملا وذو الحجة كاملا قضي أربعة أيام يوم النحر وأيام التشريق، وإن كان رمضان كاملا وذو الحجة ناقصا قضي خمسة أيام على عكسه قضي ثلاثة أيام، وإن وافق صومه شهرا آخر سوى هذين الشهرين، فإن كان الشهران كاملين أو ناقصين أو كان رمضان ناقصا والآخر كاملا فلا شئ عليه، وعلى عكسه قضي يوما ولو صام بالتحري سنين كثيرة ثم تبين أنه صام في كل سنة قبل شهر

[ 459 ]

رمضان فهل يجوز صومه في الثانية عن الاولى وفي الثالثة عن الثانية وفي الرابعة عن الثالثة؟ قيل يجوز، وقيل لا يجوز. كذا في البدائع مختصرا. وصحح في المحيط أنه إن نوى صوم رمضان مبهما يجوز عن القضاء، وإن نوى عن السنة الثانية مفسرا لا يجوز، وقد علم من هذا أن من فاته رمضان وكان ناقصا يلزمه قضاؤه بعدد الايام لاشهر كامل، ولهذا قال في البدائع: قالوا فيمن أفطر شهرا بعذر ثلاثين يوما ثم قضى شهرا بالهلال فكان تسعة وعشرين أن عليه قضاء يوم آخر لان المعتبر عدد الايام التي أفطر فيها دون الهلال لان القضاء على قدر الفائت، ولو صام أهل مصر تسعة وعشرين وأفطروا للرؤية وفيهم مريض لم يصم، فإن علم ما صام أهل مصره فعليه قضاء تسعة وعشرين يوما، وإن لم يعلم صام ثلاثين يوما لانه الاصل والنقصان عارض ا ه‍. وفي عدة الفتاوي: لو قال لله علي صوم شوال وذي القعدة وذي الحجة فصامهن بالرؤية وكان هلال ذي القعدة وذي الحجة ثلاثين وشوال تسعة وعشرين فعليه صوم خمسة أيام الفطر والاضحية وأيا التشريق، ولو قال لله علي صوم ثلاثة أشهر فصامهن فعليه قضاء تسعة أيام لانه أشار إلى غائب فيلزم لكل شهر ثلاثون ا ه‍. وبما ذكرنا علم من يراجع فتح القدير أنه لم يستوف الاقسام كلها. قوله: (ويثبت رمضان برؤية هلاله أو بعد شعبان ثلاثين يوما) لحديث الصحيحين صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته، وفإن غم عليك فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما (1). والوجه في إثبات الرمضانية والعيد أن يدعي عند القاضي بوكالة رجل معلقة بدخول رمضان بقبض دين فيقر الخصم بالوكالة وينكر دخول رمضان فيشهد الشهود بذلك فيقضي

[ 460 ]

القاضي عليه بالمال فيثبت مجئ رمضان لان إثبات مجئ رمضان لا يدخل تحت الحكم حتى لو أخبر رجل عدل القاضي بمجئ رمضان يقبل ويأمر الناس بالصوم يعني في يوم الغيم، ولا يشترط لفظ الشهادة وشرائط القضاء، أما في العيد فيشترط لفظ الشهادة وهو يدخل تحت الحكم لانه من حقوق العباد. كذا في الخلاصة من كتاب الشهادات. وبهذا علم أن عبارة المصنف في الوافي أولى وأوجز وهي: ويصام برؤية الهلال أو اكمال شعبان لان الصوم لا يتوقف على الثبوت، وليس يلزم من رؤيته ثبوته لما تقدم أن مجرد مجيئه لا يدخل تحت الحكم ولم يتعرض لوجوب التماسه ولا شك في وجوبه على الناس وجوب كفاية. وينبغي في كلام بعضهم بمعناه ووقته ليلة الثلاثين ولهذا قال في الاختيار: يجب التماسه في اليوم التاسع والعشرين وقت الغروب، وقول بعضهم في التاسع والعشرين تساهل. نعم لو رؤي في التاسع والعشرين بعد الزوال كان كرؤيته ليلة الثلاثين اتفاقا، وإنما الخلاف في رؤيته قبل الزوال يوم الثلاثين، فعند أبي حنيفة ومحمد هو للمستقبلة، وعند أبي يوسف هو للماضية والمختار قولهما لكن لو أفطر والكفارة عليهم لانهم أفطروا بتأويل. ذكره قاضيخان. وفي الفتاوي الظهيرية: وتكره الاشارة عند رؤية الهلال تحرزا عن التشبه بأهل الجاهلية. وأشار المصنف إلى أنه لا عبرة بقول المنجمين. قال في غاية البيان: ومن قال يرجع فيه إلى قولهم فقد خالف الشرع لانه روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال من أتي كاهنا أو

[ 461 ]

منجما فصدقه بما قال فهو كافر بما أنزل على محمد (1). قوله: (ولا يصام يوم الشك إلا تطوعا) وهو استواء طرفي الادراك من النفي والاثبات، وموجبه هنا أحد أمرين، إما أن يغم عليهم هلال رمضان أو هلال شعبان فأكملت عدته ولم ير هلال رمضان لان الشهر ليس الظاهر فيه أن يكون ثلاثين بل يكون تسعة وعشرين كما يكون ثلاثين فيستوي هاتان الحالتان بالنسبة إليه كما يعطيه الحديث المعروف في الشهر فاستوى الحال حينئذ في الثلاثين أنه من المنسلخ أو المستهل إذا كان غيم فيكون مشكوكا بخلاف ما إذا لم يكن لانه لو كان من المستهل لرؤي عند الترائي فلما لم ير كان غيم فيكون مشكوكا بخلاف ما إذا لم يكن لانه لو كان من المستهل لرأي عند الترائي، فلما لم ير كان الظاهر أن المنسلخ ثلاثون فيكون هذا اليوم منه غير مشكوك في ذلك. كذا ذكروا وقد قدمنا عن البدائع أن كونه ثلاثين هو الاصل والنقصان عارض، ولهذا وجب على المريض

[ 462 ]

الذي أفطر رمضان قضاء ثلاثين يوما إذا لم يعلم صوم أهل بلده فلو كان على السواء لم يلزم الزائد بالشك لان ظهور كونه كاملا إنما هو عند الصحو، أما عند الغيم فلا إلا أن يقال الاصل الصحو والغيم عارض ولا عبرة به قبل تحققه، وهم إنما ذكروا التساوي عند تحقق الغيم ولم يتعرض لصفة صوم غير التطوع ولا لصفته من الاباحة والاستحباب، أما صوم غير التطوع فإن جزم بكونه عن رمضان كان مكروها كراهة تحريم للتشبه بأهل الكتاب لانهم زادوا في صومهم، وعليه حمل حديث النهي عن التقدم بصوم يوم أو يومين وفي استحبابه، إن وافق صوما كان يعتاده على الاصح ويجزئه إن بان أنه من رمضان لما تقدم وإلا فهو تطوع غير مضمون بالافساد لانه في معنى المظنون، وإن جزم بكونه عن واجب آخر فهو مكروه كراهة تنزيه التي مرجعها خلاف الاولى لان النهي عن التقدم خاص بصوم رمضان لكن كره لصورة النهي المحمول على رمضان، فإن ظهر أنه من رمضان أجزأه عنه لما عرف أن كان مقيما وإلا أجزأه عن الذي نواه كما لو ظهر أنه من شعبان على الاصح. وإن جزم التطوع فلا كلام في عدم كراهته وإنما الخلاف في استحبابه إن لم يوافق صومه، والافضل أن يتلوم ولا يأكل ولا ينوي الصوم ما لم يتقارب انتصاف النهار، فإن تقارب ولم يتبين الحال اختلفوا فيه، فقيل الافضل صومه، وقيل فطره، وعامة المشايخ على أنه ينبغي للقضاة والمفتين أن يصوموا تطوعا ويفتوا بذلك خاصتهم ويفتوا العامة بالافطار، وكان محمد بن سلمة وأبو نصر يقولان: الفطر أحوط لانهم أجمعوا أنه لا إثم عليه لو أفطر. واختلفوا في الصوم قال بعضهم: يكره ويأثم كذا في الفتاوي الظهيرية: وقولهم يصوم القاضي والمفتي، المراد أنه يصوم من تمكن من ضبط نفسه عن الاضجاع عن النية وملاحظة كونه عن الفرض إن كان غدمن رمضان ولهذا قالوا: ويفتوا بالصوم خاصتهم. وأما إذا ردد فإن كان في أصلها كان نوى أن يصوم غدا عن رمضان إن كان رمضان وإلا فليس بصائم وهذه غير صحيحة فليس بصائم. وفي الفتاوي الظهيرية: وعن محمد ينبغي أن يعزم ليلة يوم الشك على أنه إن كان غد من رمضان فهو صائم عن رمضان، وإن لم يكن من رمضان فليس بصائم وهذا مذهب أصحابنا ا ه‍. وإن ردد في وصفها فله صورتان: أحدهما ما إذا نوي أن يصوم عن رمضان إن كان غد منه وإلا فعن واجب آخر وهو مكروه لتردده بين مكروهين، فإن ظهر أنه من

[ 463 ]

رمضان أجزأه عنه وإلا كان تطوعا غير مضمون بالافساد ولا يكون عن الواجب لعدم الجزم به. والثانية إذا نوي أن يصوم عن رمضان إن كان منه وإلا فتطوع فهو مكروه لنية الفرض من وجه، فإن ظهر أنه منه أجزأه وإلا فتطوع غير مضمون لدخول الاسقاط في عزيمته من وجه، ولم يتعرض المصنف لصوم ما قبله. وصرح في الكافي بأنه إن وافق يوم الشك صوما كان يصومه فالصوم أفضل، وكذا إن صام كله أو نصفه أو ثلاثة من أخره، ولم يقيد بكون صوم الثلاثة عادة. وصرح في التحفة بكراهة الصوم قبل رمضان بيوم أو يومين لمن ليس له عادة لقوله عليه السلام لا تتقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يوافق صوما كان يصومه أحدكم (1) وإنما كره خوفا من أن يظن أنه زيادة على رمضان إذا اعتادوا ذلك. فالحاصل أن من له عادة فلا كراهة في حقه مطلقا، ومن ليس له عادة فلا كراهة في التقدم بثلاثة فأكثر ويكره في اليوم واليومين. وأما صوم الشك فلا يكره بنية التطوع مطلقا. قوله: (ومن رأى هلال رمضان أو الفطر ورد قوله صام فإن أفطر قضى فقط) لقوله تعالى في هلال رمضان * (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) * (البقرة: 185) وهذا قد شهده. والحديث في هلال الفطر صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون والناس لم يفطروا في

[ 464 ]

هذا اليوم فوجب عليه موافقتهم، ولان تفرده مع شدة حرص الناس على طلبه دليل غلطه. وإنما لم تجب الكفارة فيما إذا رأى هلال رمضان ولم يصم لان القاضي رد شهادته بدليل شرعي وهو تهمة الغلط فأورث شبهة وهذه الكفارة تندرئ بالشبهات لانها ألحقت بالعقوبات باعتبار أن معنى العقوبة فيها أغلب بدليل عدم وجوبها على المعذور والمخطئ بخلاف بقية الكفارات فإنه اجتمع فيها معنى العبادة والعقوبة والعبادة أغلب كما عرف في تحرير الاصول. قيد بقوله ورد قوله أي ورد القاضي إخباره احترازا عما إذا أفطر قبل أن يرد القاضي شهادته فإنه لا رواية فيه عن المتقدمين. واختلف المشايخ في وجوب الكفارة، وصحح في المحيط عدم وجوبها ورجحه في غاية البيان باعتبار أنه يوم مختلف في وجوب صومه فإن الحسن وابن سيرين وعطاء قالوا بأنه لا يصومه إلا مع الامام. واحترازا عما إذا قبل الامام شهادته وهو فاسق وأمر الناس بالصوم فأفطر هو أو واحد من أهل بلده لزمته الكفارة وبه قال عامة المشايخ خلافا للفقيه أبي جعفر لانه صوم يوم الناس، فلو كان عدلا ينبغي أن لا يكون في وجوب الكفارة خلاف لان وجه النفي كونه ممن لا يجوز القضاء بشهادته وهو منتف. كذا في فتح القدير. وأفاد أن التفرد بالرؤية من غير ثبوت عند الحاكم موجب لاسقاط الكفارة فدخل ما إذا رآه الحاكم وحده ولم يصم فإنه لا كفارة عليه، ولهذا قالوا: لا ينبغي للامام إذا رآه وحده أن يأمر الناس بالصوم، وكذا في الفطر بل حكمه حكم غيره فليس له أن يخرج إلى العيد برؤيته وحده وله أن يصوم وحده إذا رآه والوالي إذا أخبر صديقه صام إن صدقه ولا يفطر وإن أفطر لا كفار عليه، كذا في البزازية. وفي فتاوي قاضيخان. ومن رأى هلال رمضان في الرستاق وليس هناك وآل وقاض، فإن كان ثقة يصوم الناس بقوله، وفي الفطر إن أخبر عدلان برؤية الهلال لا بأس بأن يفطروا ا ه‍. وأشار بوجوب صومه إذا رأى هلال الفطر وحده إلى أن المنفرد برؤية هلال رمضان إذا صام وأكمل ثلاثين يوما لم يفطر إلا مع الامام لان الوجوب علته الاحتياط والاحتياط بعد ذلك في تأخير الافطار، ولو أفطر لا كفارة عليه اعتبارا للحقيقة التي عنده، وأطلق في الرائي فشمل من لا تقبل شهادته ومن تقبل. كذا في الفتاوي الظهيرية. وأشار إلى رد قول الفقيه أبي جعفر من أن معنى قول الامام أبي حنيفة فيما إذا رأى هلال الفطر لا يفطر لا يأكل ولا يشرب ولكن ينبغي أن يفسد صوم ذلك اليوم ولا يتقرب به إلى الله تعالى لانه يوم عيد عنده، وإلى رد ما

[ 465 ]

قاله بعض مشايخنا من أنه إذا أيقن برؤية هلال الفطر أفطر لكن يأكل سرا. كذا في الفتاوي الظهيرية. وفيها أيضا: وإذا صام أهل مصر بغير رؤية ورجل برؤية فنقص له يوم جاز. قوله: (وقبل بعلة خبر عدل ولو قنا أو أنثى لرمضان وحرين أو حرو حرتين للفطر) لان صوم رمضان أمر ديني فأشبه رواية الاخبار ولهذا لا يختص بلفظ الشهادة خلافا لشيخ الاسلام. ولا يشترط الدعوى لكن قال في الفتاوي الظهيرية أنه قولهما، أما على قول الامام أبي حنيفة فينبغي أن يشترط الدعوى، أما في شهادة الفطر والاضحى فيشترط لفظ الشهادة وتشترط العدالة في الكل لان قول الفاسق في الديانات التي يمكن تلقيها من العدول غيره مقبول كالهلال ورواية الاخبار ولو تعدد كفاسقين فأكثر. كذا في الولوالجية بخلاف ما يتيسر تلقيه منهم حيث يتحرى في خبر الفاسق كالاخبار بطهارة الماء ونجاسته وحل الطعام وحرمته، وبخلاف الهدية والوكالة وما لا إلزام فيه من المعاملات حيث يقبل خبره بدون التحري للزوم الضرورة ولا دليل سواه فوجب قبوله مطلقا. وحقيقة العدالة ملكة تحمل على ملازمة التقوى والمروأة والشرط أدناها وهو ترك الكبائر والاصرار على الصغائر وما يخل بالمروأة كما عرف تحقيقه في تعريف الاصول، فلزم أن يكون مسلما عاقلا بالغا، وأما الحرية والبصر وعدم الحد في قذف وعدم الولاء والعداوة فمختص بالشهادة. وعن أبي حنيفة نفى رواية المحدود والظاهر خلافه لقبول رواية أبي بكرة بعد ما تاب وكان قد حد في قذف، وأما مجهول الحال وهو المستور فعن أبي حنيفة قبوله، وظاهر الرواية عدمه لان المراد بالعدل في ظاهر الرواية من ثبتت عدالته وأن الحكم بقوله فرع ثبوتها ولا ثبوت في المستور، وما ذكره الطحاوي من عدم اشتراط العدالة فمحمول على قبول المستور الذي هو إحدى الروايتين، وصحح البزازي في فتاواه قبول المستور وهو خلاف ظاهر الرواية كما علمت، أما مع تبين الفسق فلا قائل به عندنا، وفرعوا عليه ما لو شهدوا في تاسع عشرين رمضان أنهم رأوا هلال رمضان قبل صومهم بيوم إن كانوا في هذا المصر لا تقبل شهادتهم لانهم تركوا الحسبة، وإن جاؤوا من خارج قبلت. وفي البزازية: الفاسق إذا رآه وحده يشهد لان القاضي ربما يقبل شهادته لكن القاضي يرده ا ه‍. وأما هلال الفطر فلانه تعلق به نفع العباد وهو الفطر فأشبه سائر حقوقهم فيشترط فيه ما يشترط في سائر حقوقهم من العد الوالحرية والعدد وعدم الحد في قذف ولفظ الشهادة والدعوى على خلاف فيه إن أمكن ذلك وإلا فقد تقدم

[ 466 ]

أنهم لو كانوا في بلدة لا قاضي فيها ولا وال فإن الناس يصومون بقول الثقة ويفطرون بإخبار عدلين للضرورة. وأطلقه فشمل ما لو كان المخبر من مصر أو جاء من خارجه وهو ظاهر الرواية خلافا للامام الفضلي حيث قال: إنما يقبل الواحد العدل إذا فسر وقال رأيته خارج البلد في الصحراء أو يقول رأيته في البلدة من بين خلل السحاب، أما بدون هذا التفسير فلا يقبل، كذا في الظهيرية. وأشار إلى أنه يقبل في هلال رمضان شهادة واحد عدل على شهادة واحد عدل بخلاف الشهادة على الشهادة في سائر الاحكام حيث لا تقبل ما لم يشهد على شهادة رجل واحد رجلان أو رجوامرأتان لما ذكرنا أنه من باب الاخبار لا من باب الشهادة. كذا في البدائع، وكذا تقبل فيه شهادة العبد على العبد كذا في البزازية، وكذا شهادة المرأة على المرأة كذا في الظهيرية. وإلى أنهم لو صاموا بشهادة واحدة وغم هلال شوال فإنهم لا يفطرون فتثبت الرمضانية بشهادته لا الفطر خلافا لما روي عند محمد أنهم يفطرون وصححه في غاية البيان. وأما إذا صاموا بشهادة اثنين فإنهم يفطرون اتفاقا كذا في البدائع. وحكى البزازي فيه خلافا والعلة غيم أو غبار أو نحوهما هنا. وفي الاصول الخارج المتعلق بالحكم المؤثر فيه،

[ 467 ]

وأشار إلى أن الجارية المخدرة إذا رأت هلال رمضان وبالسماء علة وجب عليها أن تخرج في ليلتها وتشهد بغير إذن مواليها كما صرح به البزازي. واعلم أن ما كان من باب الديانات فإنه يكتفي فيه بخبر الواحد العدل كهلال رمضان، وما كان من حقوق العباد وفيه إلزام محض كالبيوع والاملاك فشرطه العدد والعدالة ولفظ الشهادة مع باقي شروطها، ومنه الفطر إلا أن يكون الملزم به غير مسلم فلا يشترط في الشاهد الاسلام وإلا ما لا يطلع عليه الرجال كالبكارة والولادة والعيوب في العورة فلا عدد ولا ذكورة، وما لا إلزام فيه كالاخبار بالوكالات والمضاربات والاذن في التجارة والرسالات في الهدايا والشركات فلا شرط سوى التمييز مع تصديق القلب، وما كان فيه إلزام من وجه كعزل الوكيل وحجز المأذون وفسخ الشركة والمضاربة فالرسول والوكيل فيها كما قبله عندهما. وشرط الامام عدالته أو العدد كما عرف في تحرير الاصول. وفي البزازية: وقعت في بخارى سنة إحدى وسبعين وسبعمائة أن الناس صاموا يوم الاربعاء فجاء اثنان أو ثلاثة يوم الاربعاء التاسع والعشرين وأخبروا أنهم رأوا ليلة الثلاثاء وهذا الاربعاء يوفي الثلاثين. اتفقت الاجوبة أن بالسماء علة عيدوا يوم الخميس وإلا لا صاموا ثمانية وعشرين بلا رؤية ثم رأوا هلال الفطر إن أكملوا عدة شعبان ثلاثين وقد كانوا رأوا هلال شعبان قضوا يوما، وإن صاموا تسعا وعشرين لا قضاء عليهم أصلا فإن كانوا أتموا شعبان من غير رؤية هلاله أيضا قضوا يومين ا ه‍..

[ 468 ]

قوله: (وإلا فجمع عظيم) أي وإن لم يكن بالسماء علة فيهما يشترط أن يكون فيهما الشهود جمعا كثيرا يقع العلم بخبرهم أي علم غالب الظن لا اليقين لان التفرد من بين الجم الغفير بالرؤية مع توجههم طالبين لما توجه هو إليه مع فرض عدم المانع وسلامة الابصار وإن تفاوتت الابصار في الحدة ظاهر في غلطه قياسا على تفرد ناقل زيادة من بين سائر أهل مجلس مشاركين له في السماع فإنها ترد وإن كان ثقة مع أن التفاوت في حدة السمع واقع أيضا كما هو في الابصار مع أنه لا نسبة لمشاركته في السماع بمشاركته في الترائي كثرة، والزيادة المقبولة ما علم فيه تعدد المجالس أو جهل فيه الحال من الاتحاد والتعدد. كذا في فتح القدير وغيره. وبهذا اندفع تشنيع المتعصبين في زماننا على مذهبنا حيث زعموا أن عدم قبول الاثنين لا دليل له وهو مردود لان القياس حيث لاسمع أحد الادلة الشرعية والقياس المذكور صحيح لوجود ركنه وشرائطه، ولم يردوا بالتفرد تفرد الواحد وإلا لافاد قبول الاثنين وهو منتف، بل المراد تفرد من لم يقع العلم بخبرهم من بين أضعافهم من الخلائق وهذا هو ظاهر الرواية. وروي الحسن عن أبي حنيفة أنه يقبل فيه شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، سواء كان بالسماء علة أو لم يكن كما روي عنه في هلال رمضان. كذا في البدائع. ولم أر من رجحها من المشايخ. وينبغي العمل عليها في زمانا لان الناس تكاسلت عن ترائي الاهلة فانتفي قولهم مع توجههم طالبين لما توجه هو إليه فكان التفرد غير ظاهر في الغلط، ولهذا وقع في زمانا في سنة خمس وخمسين وتسعمائة أن أهل مصر افترقوا فرقتين، فمنهم من صام ومنهم من لم يصم. وهكذا وقع لهم في الفطر بسبب أن جمعا قليلا شهدوا عند قاضي القضاة

[ 469 ]

الحنفي ولم يكن بالسماء علة فلم يقبلهم فصاموا وتبعهم جمع كثير على الصوم وأمروا الناس بالفطر، وهكذا في هلال الفطر حتى إن بعض المشايخ الشافعية صلى العيد بجماعة دون غالب أهل البلدة وأنكر عليه ذلك لمخالفة الامام ولم يقدر الجمع الكثير في ظاهر الرواية بشئ فروي عن أبي يوسف أنه قدره بعدد القسامة خمسين رجلا، وعن خلف بن أيوب خمسمائة ببلخ قليل، وقيل ينبغي أن يكون من كل مسجد جماعة واحد واثنان، وعن محمد أنه يفوض مقدار القلة والكثرة إلى رأي الامام. كذا في البدائع. وفي فتح القدير: والحق ما روي عن محمد وأبي يوسف أيضا أن العبرة لتواتر الخبر ومجيئه من كل جانب. وفي الفتاوي الظهيرية: وإن كانت السماء مصحبة لا تقبل شهادة الواحد في ظاهر الرواية بل يشترط العدد، واختلفوا في تقديره ا ه‍. فظاهره أن ظاهر الرواية لا يشترط الجمع العظيم وإنما يشترط العدد وهو يصدق على اثنين فكان مرجحا لرواية الحسن اتي اخترناها آنفا، ويدل على ذلك أيضا ما في الفتاوي الولوالجية: وإن كانت السماء مصحية لا تقبل شهادة الواحد، وعن أبي حنيفة أنه يقبل لانه اجتمع في هذه الشهادة ما يوجب القبول وهو العدالة والاسلام وما يوجب الرد وهو مخالفة الظاهر فرجح ما يوجب القبول احتياطا لانه إذا صام يوما من شعبان كان خيرا من أن يفطر يوما من رمضان. وجه ظاهر الرواية أنه اجتمع ما يوجب القبول وما يوجب الرد فرجح جانب الرد لان الفطر في رمضان من كل وجه جائز

[ 470 ]

بعذر كما في المريض والمسافر، وصوم رمضان قبل رمضان لا يجوز بعذر من الاعذار فكان المصير إلى ما يجوز بعذر أولى. ثم إذا لم تقبل شهادة الواحد واحتيج إلى زيادة العدد عن أبي حنيفة أنه تقبل شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، وعن أبي يوسف أنه لا يقبل ما لم يشهد على ذلك جمع عظيم وذلك مقدر بعدد القسامة، وعن خلف بن أيوب خمسمائة ببلخ قليل، وعن أبي حفص الكبير أنه شرط الوفا، وعن محمد ما استكثره الحاكم فهو كثير وما استقله فهو قليل. هذا إذا كان الذي شهد بذلك في المصر، أما إذا جاء من مكان آخر خارج المصر فإنه تقبل شهادته إذا كان عدلا ثقة لانه يتيقن في الرؤية في الصحاري ما لم يتيقن في الامصار لما فيها من كثرة الغبار، وكذا إذا كان في المصر في موضع مرتفع وهلال الفطر إذا كانت السماء مصحية كهلال رمضان ا ه‍. فهذا يدل على ترجيح رواية الحسن وأن ظاهر الرواية اعتبار العدد لا الجمع الكثير لكن فرقه بين من كان بالمصر وخارجه وبين المكان المرتفع وغيره قول الطحاوي: أما ظاهر الرواية فلا يقبل فيه خبر الواحد مطلقا كما في غاية البيان وفتح القدير قوله: (والاضحى كالفطر) أي هلال ذي الحجة كهلال شوال فلا يثبت بالغيم إلا برجلين أو رجل وامرأتين، وأما حالة الصحو فالكل سواء لا بد من زيادة العدد على ما قدمناه، وإنما كان كهلاله دون رمضان لانه تعلق به حق العباد وهو التوسع بلحوم الاضاحي. وذكر في النوادر عن أبي حنيفة أنه كرمضان لانه تعلق به أمر ديني وهو وجوب الاضحية، والاول ظاهر المذهب كذا في الخلاصة. وهو ظاهر الرواية وهو الاصح كذا في الهداية وشروحها والتبيين. وصحح الثاني صاحب التحفة فاختلف التصحيح لكن تأيد الاول بأنه المذهب ولم يتعرض لحكم بقية الاهلية التسعة. وذكر الامام الاسبيجابي في شرح مختصر الطحاوي الكبير: وأما في هلال الفطر والاضحى وغيرهما من الاهلة فإنه لا يقبل فه إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين عدول أحرار غير محدودين كما في سائر الاحكام ا ه‍.

[ 471 ]

قوله: (ولا عبرة باختلاف المطالع) فإذا رآأهل بلدة ولم يره أهل بلدة أخرى وجب عليهم أن يصوموا برؤية أولئك إذا ثبت عندهم بطريق موجب ويلزم أهل المشرق برؤية أهل المغرب. وقيل يعتبر فلا يلزمهم برؤية غيرهم إذا اختلف المطلع وهو الاشبه. كذا في التبيين، والاول ظاهر الرواية وهو الاحوط. كذا في فتح القدير وظاهر المذهب وعليه الفتوى كذا في الخلاصة أطلقه فشمل ما إذا كان بينهما تفاوت بحيث يختلف المطلع أولا، وقيدنا بالثبوت المذكور لانه لو شهد جماعة أن أهل بلد كذا رأوا هلال رمضان قبلكم بيوم فصاموا وهذا اليوم

[ 472 ]

ثلاثون بحسابهم ولم يروا هؤلاء الهلال. لا يباح فطر غد ولا تترك التراويح هذه الليلة لان هذه الجماعة لم يشهدوا بالرؤية ولا على شهادة غيرهم وإنما حكوا رؤية غيرهم، ولو شهدوا أن قاضي بلد كذا شهد عنده اثنان برؤية الهلال في ليلة كذا وقضي بشهادتهما جاز لهذا القاضي أن يحكم بشهادتهما لان قضاء القاضي حجة وقد شهدوا به، وأما ما استدل به الشارح على اعتبار اختلاف المطالع من واقعة الفضل مع عبد الله بن عباس حين أخبره أنه رأى الهلال بالشام ليلة الجمعة ورآه الناس وصاموا وصام معاوية فلم يعتبره وإنما اعتبر ما رآه أهل المدينة ليلة السبت، فلا دليل فيه لانه لم يشهد على شهادة غيره ولا على حكم الحاكم، ولئن سلم فلانه لم يأت بلفظ الشهادة، ولئن سلم فهو واحد لا يثبت بشهادته وجوب القضاء على القاضي. والمطالع جمع مطلع - بكسر اللام - موضع الطلوع. كذا في ضياء الحلوم. باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده الفساد والبطلان في العبادات بمعنى واحد وهو عدم الصحة، وهي عند الفقهاء اندفاع وجوب القضاء بالاتيان بالشرائط والاركان، وقد يظن أن الصحة والفساد في العبادات من أحكام الشرع الوضعية وقد أنكر ذلك. وإنما حكمنا به عقلي على ما عرف في تحرير الاصول بخلافهما في المعاملات فإن ترتب أثر المعاملة مطلوب التفاسخ شرعا هو الفساد، وغير

[ 473 ]

مطلوب التفاسخ هو الصحة، وعدم ترتب الاثر أصلا هو البطلان قوله (فإن أكل الصائم أو شرب أو جامع ناسيا إلى آخره) لحديث الجماعة إلا النسائي من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه (1) والمراد بالصوم الشرعي لا اللغوي الذي هو مطلق الامساك للاتفاق على أن الحمل على المفهوم الشرعي حيث أمكن في لفظ الشارع واجب خصوصا قدورد في صحيح ابن حبان ولا قضاء عليك وعند البزار فلا يفطر. وألحق الجماع به دلالللاستواء في الركنية لا قياسا فاندفع به القياس المقتضي للفطر لفوات الركن. وحقيقة النسيان عدم استحضار الشئ وقت حاجته قالوا: وليس عذرا في حقوق العباد وفي حقوقه تعالى عذر في سقوط الاثم، أما الحكم فإن كان مع مذكر ولا داعي إليه كأكل المصلي لم يسقط لتقصيره بخلاف سلامه في القعدة فإنه ساقط لوجود الداعي، وإن لم يكن مع مذكر وله داع كأكل الصائم سقط، وإن لم يكن معه مذكر ولا داع فأولى بالسقوط كترك الذابح التسمية. وخرج ما إذا أكل ناسيا فذكره إنسان بالصوم ولم يتذكر فأكل فسد صومه في الصحيح خلافا لبعضهم - كذا في الظهيرية - لانه أخبر بأن هذا الاكل حرام عليه، وخبر الواحد في الديانات مقبول فكان يجب أن يلتفت إلى تأمل الحال لوجود المذكر. والاولى أن لا يذكره إن كان شيخا لان ما يفعله الصائم ليس بمعصية فالسكوت عنه ليس

[ 474 ]

بمعصية، ولان الشيخوخة مظنة المرحمة. وإن كان شابا يقوى على الصوم يكره أن لا يخبره، والظاهر أنها تحريمية لان الولوالجي قال: يلزمه أن يخبره ويكره تركه. أطلقه فشمل الفرض والنفل ولو بدأ بالجماع ناسيا فتذكر إن نزع من ساعته لم يفطر، وإن دام على ذلك حتى أنزل فعليه القضاء ثم قيل لا كفارة عليه، وقيل هذا إذا لم يحرك نفسه بعد التذكر حتى أنزل فإن حرك نفسه بعده فعليه الكفارة كما لو نزع ثم أدخل. ولو جامع عامدا قبل الفجر وطلع وجب النزع في الحال فإن حرك نفسه فهو على هذا نظير ما قالوا لو أولج ثم قال لها إن جامعتك فأنت طالق أو حرة إن نزع أو لم ينزع ولم يتحرك حتى أنزل لم تطلق ولا تعتق، وإن حرك نفسه طلقت وعتقت ويصير مراجعا بالحركة الثانية ويجب للامة العقر ولا حد عليهما. كذا في فتح القدير. وفي الفتاوى الظهيرية: رجل أصبح يوم الشك متلوما ثم أكل ناسيا ثم ظهر أنه من رمضان ونوى صوما ذكر في الفتاوى أنه لا يجوز. وفي البقالي: النسيان قبل النية كما بعدها وصححه في القنية. قيد بالناسي لانه لو كان مخطئا أو مكرها فعليه القضاء خلافا للشافعي فإنه يعتبر بالناسي. ولنا أنه لا يغلب وجوده وعذر النسيان غالب، ولان النسيان من قبل من له الحق، وإلا كراه من قبل غيره فيفترقان كالمقيد والمريض العاجز عن الاداء بالرأس في قضاء الصلاة حيث يقضي المقيد لا المريض. وأما حديث رفع عن أمتي الخطأ فهو من باب الاقتضاء وقد أريد الحكم الاخروي فلا حاجة إلى إرادة الدنيوي إذ هو لا عموم

[ 475 ]

له كما عرف في الاصول. وحقيقة الخطأ أن يقصد بالفعل غير المحل الذي يقصد به الجناية كالمضمضة تسري إلى الحلق، والفرق بين صورة الخطأ والنسيان هنا أن المخطئ ذاكر للصوم وغير قاصد للشرب والناسي عكسه. كذا في غاية البيان. وقد يكون المخطئ غير ذاكر للصوم وغير قاصد للشرب لكنه في حكم الناسي هنا كما في النهاية. والمؤاخذة بالخطأ جائزة عندنا خلافا للمعتزلة وتمامه في تحرير الاصول. ومما ألحق بالمكره النائم إذا صب في حلقه ما يفطر، وكذا النائمة إذا جامعها زوجها ولم تنتبه. وفي الفتاوى الظهيرية: لو أن رجلا رمى إلى رجل حبة عنب فدخلت حلقه وهو ذاكر لصومه يفسد صومه، وما عن نصير بن يحيى فيمن اغتسل ودخل الماء في حلقه لم يفسد اه‍. خلاف المذهب. وفي فتاوى قاضيخان: النائم إذا شر ب فسد صومه وليس هو كالناسي لان النائم ذاهب العقل وإذا ذبح لم تؤكل ذبيحته وتؤكد ذبيحة من نسي التسمية. قوله (أو احتلم أو أنزل بنظر) أي لا يفطر لحديث السنن لا يفطر من قاء ولا من احتلم ولا من احتجم ولانه لم يوجد الجماع صورة لعدم الايلاج حقيقة ولا معنى لعدم الانزال عن شهوة المباشرة، ولهذا ذكر الولوالجي في فتاواه بأن من جامع في رمضان قبل الصبح قلما خشى أخرج فانزل بعد الصبح لا يفسد صومه وهو بمنزله الاحتلام لوجود صورة الجماع معنى. قالوا: الصائم إذا عالج ذكره حتى أمني يجب عليه القضاء وهو المختار. كذا في التجنيس والولوالجية، وبه قال عامة المشايخ. كذا في النهاية. واختار أبو بكر الاسكاف أنه لا يفسد وصححه في غاية البيان بصيغة: الاصح عندي قول أبي بكر لعدم الصورة والمعنى وهو مردود، لان المباشر المأخوذة في معنى الجماع أعم من كونها مباشرة الغير أولا بأن يراد مباشرة هي سبب الانزال، سواء كان ما بوشر مما يشتهي عادة أو لا، ولهذا أفطر بالانزال في فرج البهيمة والميتة وليسا مما يشتهي عادة. وأما ما نقل عن أبي بكر من عدم الافطار بالانزال في البهيمة فقال الفقيه أبو الليث: إن هذا القول زلة منه. وهل يحل الاستمناء بالكف خارج رمضان؟ إن أراد الشهوة لا يحل لقوله عليه السلام ناكح اليد ملعون وإن أراد تسكين الشهوة يرجى أن لا يكون عليه

[ 476 ]

وبال. كذا في الولوالجية. وظاهره أنه في رمضان لا يحل مطلقا. أطلق في النظر فشمل ما إذا نظر إلى وجهها أو فرجها، كرر النظر أو لا. وقيد به لانه لو قبلها بشهوة فأنزل فسد صومه لوجود معنى الجماع بخلاف ما إذا لم ينزل حيث لا يفسد لعدم المنافي صورة ومعنى وهو محمل قوله أو قبل بخلاف الرجعة والمصاهرة لان الحكم هناك أدبر على السبب على ما يأتي إن شاء الله تعالى واللمس والمباشرة والمصافحة والمعانقة كالقبلة ولا كفارة عليه لانها تفتقر إلى كمال الجناية لما بينا أن الغالب فيها العقوبة لان الكفارة لجبر الفائت وهو قد حصل فكانت زاجرة فقط ولهذا تندرئ بالشبهات. ولا بأس بالقبلة إذا أمن على نفسه الجماع والانزال، ويكره إذا لم يأمن لان عينه ليس بمفطر ربما يصير فطرا بعاقبته، فإن أمن اعتبر عينه وأبيح له، وإن لم يأمن اعتبر عاقبته ويكره له والمباشرة كالقبلة في ظاهر الرواية. وعن محمد أنه كره المباشرة الفاحشة، واختار في فتح القدير رواية محمد لانها سبب غالب للانزال، وجزم بالكراهة من غير ذكر خلاف الولوالجي في فتاواه، ويشهد للتفصيل المذكور في القبلة الحديث من ترخيصه للشيخ ونهيه الشاب والتقبيل الفاحش كالمباشرة الفاحشة وهو أن يمضغ شفتيها. كذا في معراج الدراية. وقيدنا بكونه قبلها لانها لو قبلته ووجدت لذة الانزال ولم تر بللا فسد صومها عند أبي يوسف خلافا لمحمد، وكذا في وجوب الغسل كذا في المعراج. والمراد باللمس اللمس بلا حائل فإن مسها وراء الثياب فأمنى فإن وجد حرارة جلدها فسد وإلا فلا. ولو مست زوجها فأنزل لم يفسد صومه، وقيل إن تكلف له فسد كذا في المعراج أيضا. وفي الذخيرة: ولو مس فرج بهيمة فأنزل لا يفسد صومه بالاتفاق. وفي الفتاوى الظهيرية: فإن عملت المرأتان عمل الرجال من الجماع في رمضان إن أنزلتا فعليهما القضاء، وإن لم ينزلا فلا غسل ولا قضاء. وأشار إلى أنه لو أصبح جنبا لا يضره كذا في المحيط. قوله (أو ادهن أو احتجم أو اكتحل أو قبل) أي لا يفطر لان الادهان غير مناف للصوم لعدم وجود المفطر صورة ومعنى، والداخل من المسام لا من المسالك فلا ينافيه كما لو اغتسل بالماء البارد ووجد برده في كبده. وإنما كره أبو حنيفة الدخول في الماء والتلفف بالثوب المبلول لما فيه من إظهار الضجر في إقامة العبادة لا لانه قريب من الافطار. كذا في فتح القدير. وقال أبو يوسف: لا يكره ذلك. كذا في المعراج. وكذا لاحتجام غير مناف

[ 477 ]

أيضا ولما روينا من الحديث وهو مكروه للصائم إذا كان يضعفه عن الصوم، أما إذا كان لا يخافه فلا بأس. كذا في غاية البيان وكذا الاكتحال وأطلقه فأفاد أنه لا فرق بين أن يجد طعمه في حلقه أو لا، وكذا لو بزق فوجد لونه في الاصح لان الموجود في حلقه أثره لا عينه كما لو ذاق شيأ، وكذا لو صب في عينه لبن أو دواء مع الدهن فوجد طعمه أو مرارته في حلقه لا يفسد صومه. كذا في الظهيرية. وفي الولوالجية والظهيرية: ولو مص الهليلج وجعل يمضغها فدخل البزاق حلقه ولا يدخل عينها في جوفه لا يفسد صومه، فإن فعل هذا بالفانيد أو السكر يلزمه القضاء والكفارة. وفي مآل الفتاوى: لو أفطر على الحلاوة فوجد طعمها في فمه في الصلاة لا تفسد صلاته، وأما القبلة فقد تقدم الكلام عليه قوله (أو دخل حلقه غبار أو ذباب وهو ذاكر لصومه) يعني لا يفطر لان الذباب لا يستطاع الامتناع عنه فشابه الدخان والغبار لدخولهما من الانف إذا طبق الفم. قيد بما ذكر لانه لو وصل لحلقه دموعه أو عرقه أو دم رعافه أو مطر أو ثلج فسد صومه لتيسر طبق الفم وفتحه أحيانا مع الاحتراز عن الدخول، وإن ابتلعه متعمدا لزمته الكفارة. واعتبار الوصول إلى الحلق في الدمع ونحوه مذكور في فتاوى قاضيخان وهو أولى مما في الخزانة من تقييد الفساد بوجدان الملوحة في الاكثر من قطرتين ونفى الفساد في القطرة والقطرتين لان القطرة يجد ملوحتها فلا معول عليه، والتعليل في المطر بما ذكرنا أولى مما في الهداية والتبيين من التعليل بإمكان أن تأويه خيمة أو سقف فإنه يقتضي أن المسافر الذي لا يجد ما يأويه ليس حكمه كغيره وليس كذلك. وفي الفتاوى الظهيرية: وإذا نزل الدموع من عينيه إلى فمه فابتلعها يجب القضاء بلا كفارة. وفي متفرقات الفقيه أبي جعفر: إن تلذذ بابتلاع الدموع يجب القضاء مع الكفارة وغبار الطاحونة كالدخان. وفي الولوالجية: الدم إذا خرج من الاسنان ودخل الحلق إن كانت الغلبة للبزاق لا يفسد صومه، وإن كانت للدم فسد، وكذا إن استويا احتياطا ثم قال: الصائم إذا دخل المخاط أنفه من رأسه ثم استشمه ودخل حلقه على تعمد منه لا شئ عليه لانه بمنزلة ريقه إلا أن يجعله على كفه ثم يبتلعه فيكون عليه القضاء. وفي الظهيرية: وكذا المخاط والبزاق يخرج من فيه أو أنفه فاستشمه واستنشقه لا يفسد صومه. وفي فتح القدير: لو ابتلع ريق غيره أفطرو لا كفارة عليه، وليس على

[ 478 ]

إطلاقه فسيأتي في آخر الكتاب في مسائل شتى أنه لو ابتلع بزاق غيره كفر لو صديقه وإلا لا وأقره عليه الشارح الزيلعي. قوله (أو أكل ما بين أسنانه) أي لا يفطر لانه قليل لا يمكن الاحتراز عنه فجعل بمنزلة الريق، ولم يقيده المصنف بالقلة مع أن الكثير مفسد موجب للقضاء دون الكفارة عند أبي يوسف خلافا لزفر لما أن الكثير لا يبقى بين الاسنان، وهو مقدار الحمصة على رأي الصدر الشهيد، أو ما يمكن أن يبتلعه من غير ريق على ما اختاره الدبوسي واستحسنه ابن الهمام وما دونه قليل. وأطلقه فشمل ما إذا ابتلعه أو مضغه وسواء قصد ابتلاعه أو لا كما في غاية البيان. وقيد بأكله لانه لو أخرجه ثم ابتلعه فسد صومه كما لو ابتلع سمسمة أو حبة حنطة من خارج لكن تكلموا في وجوب الكفارة والمختار الوجوب كذا في فتاوى قاضيخان. وهو الصحيح كذا في المحيط بخلاف ما لو مضغها حيث لا يفسد لانها تتلاشى إلا إذا كان قدر الحمصة فإن صومه يفسد وفي الكافي في السمسمة قال إن مضغها لا يفسد إلا أن وجد طعمها في حلقه. قال في فتح القدير: وهذا حسن جدا فليكن الاصل في كقليل مضغه. وصرح في المحيط بما في الكافي. وفي الفتاوى الظهيرية: روي عن محمد أنه خرج على أصحابه يوما وسألهم عن هذه المسألة فقال: ماذا تقولون في صائم رمضان إذا ابتلع سمسمة واحدة كما هي أيفطر؟ قالوا: لا. قال: أرأيتم لو أكل كفا من سمسم واحدة بعد واحدة وابتلع كما هي؟ قالوا: نعم وعليه الكفارة. قال: بالاولى أم بالاخيرة؟ قالوا: لا بل بالاولى. قال الحاكم الامام محمد بن يوسف: فعلى قياس هذه الرواية يجب القضاء مع الكفارة إذا ابتلعها كما هي اه‍. وتقدم أن وجوب الكفارة هو المختار. وذكر قبلها: وإذا ابتلع حبة العنب إن مضغها قضى وكفر، وإن ابتلعها كما هي إن لم يكن معها تفروقها فعليه القضاء والكفارة بالاتفاق، وإن كان معها تفروقها قال عامة العلماء: عليه القضاء مع الكفارة. وقال أبو سهيل: لا كفارة عليه وهو الصحيح لانها لا تؤكل مع ذلك عادة. وأراد بالتفروق هاهنا ما يلتزق بالعنقود من حب العنب وثقبته مسدودة به. وإن ابتلع تفاحة روى هشام عن محمد أن عليه الكفارة ثم ما يفسد الصوم فإنه يفسد الصلاة وهو قدر الحمصة. وفي البزازية: أكل

[ 479 ]

بعض لقمة وبقي البعض بين أسنانه فشرع فيها وابتلع الباقي لا تبطل الصلاة ما لم تبلع مل ء الفم وقدر الحمصة لا يفسد الصلاة بخلا ف الصوم قوله (أو قاء وعاد لم يفطر) لحديث السنن من ذرعه القئ وهو صائم فليس عليه القضاء وإن استقاء فليقض (1). وإنما ذكر العود ليفيد أن مجرد القئ بلا عود لا يفطر بالاولى. وأطلقه فشمل ما إذا ملاء الفم أو لا، وفيما إذا عاد ملا الفم خلاف أبي يوسف والصحيح قول محمد لعدم وجود الصنع ولعدم وجود صورة الفطر وهو الابتلاع وكذا معناه لانه لا يتغذى به بل النفس تعافه. قوله (وإن أعاده أو استقاء أو ابتلع حصاة أو حديد اقضي فقط) أي أعاد القئ أو قاء عامدا وابتلع ما لا يتغذى به ولا يتداوى به عادة فسد صومه ولزمه القضاء ولا كفارة عليه. وأطلق في الاعادة فشمل ما إذا لم يملا الفم وهو قول محمد لوجود الصنع. وقال أبو يوسف: لا يفسد لعدم الخروج شرعا وهو المختار فلا بد من التقييد بمل ء الفم. وأطلق في الاستقاء فشمل ما إذا لم يملا الفم وهو قول محمد، ولا يفطر عند أبي يوسف وهو المختار لكن ذكر المصنف في كافيه أن ظاهر الرواية كقول محمد. وإنما لم يقيد الاستقاء بالعمد كما في الهداية لم قدمه أن النسيان لا يفطر، وما في غاية البيان أن ذكر العمد مع الاستقاء تأكيد لانه لا يكون إلا مع العمد مردود، لان العمد يخرج النسيان أي متعمد الفطرة لا متعمدا للقئ. فالحاصل أن صور المسائل اثنا عشر لانه لا يخلو إما إن ذرعه القئ أو استقاء، وكل منهما لا

[ 480 ]

يخلو إما أن يملا الفم أو لا، وكل من الاربعة إما أن عاد بنفسه أو أعاده أو خرج ولم يعده ولا عاد بنفسه وأن صومه لا يفسد على الاصح في الجميع إلا في مسألتين: في الاعادة بشرط مل ء الفم، وفي الاستقاء بشرط مل ء الفم، وأن وضوأه ينتقض إلا فيما إذا لم يملا الفم، وأما الصلاة ففي الظهيرية منها: لوقاء أقل من مل ء الفم لم تفسد صلاته، وإن أعاده إلى جوفه يجب أن يكون على قيا س الصوم عند أبو يوسف لا تفسد، وعن محمد تفسد، وإن تقيأ في صلاته إن كان أقل من مل ء الفم لا تفسد صلاته، وإن كان مل ء الفم تفسد صلاته اه‍. وفي الخلاصة من فصل الحدث في الصلاة: فلو قاء أن كان من غير قصده يبني إذا لم يتكلم، وإن تقيأ لا يبني. وهذا إذا كان مل ء الفم، فإن كان أقل من ذلك لا تفسد صلاته فلا حاجة إلى البناء اه‍. وأطلق في أنواع القئ والاستقاء فشمل ما إذا استقاء بلغما مل ء الفم وهو قول أبي يوسف، وعند أبي حنيفة ومحمد لا يفسد صومه بناء على الاختلاف في انتقاض الطهارة، وقول أبي يوسف هنا أحسن، وقولهما في عدم النقض به أحسن لان الفطر إنما أنيط بما يدخل أو بالقئ عمدا من غير نظر إلى طهارة ونجاسة فلا فرق بين البلغم وغيره بخلاف نقض الطهارة. كذا في فتح القدير. وتعبيري بالاستقاء في البلغم أولى مما في الشرح وغيره من التعبير بالقئ كما لا يخفى. ولو استقاء مرارا من مجلس مل ء فيه لزمه القضاء، إن

[ 481 ]

كان في مجالس أو غدوة ثم نصف النهار ثم عشية لا يلزمه. كذا في خزانة الاكمل. وتعبيري بالاستقاء أولى من التعبير بالقئ كما في الشرح. وينبغي أن يعتبر عند محمد اتحاد السبب لا المجلس كما في نقض الوضوء وأن يكون هو الصحيح كما في النقيض، وينبغي أن يكون ما في الخزانة مفرعا على قول أبي يوسف، أما على قول محمد فإنه يبطل صومه بالمرة الاولى. وأما إذا ابتلع ما لا يتغذى به ولا يتداوى به كالحصاة والحديد فلوجود صورة الفطر ولا كفارة لعدم معناه وهو إيصال ما فيه نفع البدن إلى الجوف فقصرت الجناية وهي لا تجب إلا بكمالها فانتفت. وفي القنية: أفطر في رمضان مرة بعد أخرى بتراب أو مدر لاجل المعصية فعليه الكفارة زجرا له، وكتب غيره نعم الفتوى على ذلك وبه أفتى أئمة الامصار. وإنما عبر بالابتلاع دون الاكل لانه عبارة عن إيصال ما يتأتى فيه المضغ وهولا يتأتى في الحصاة، وكذا كل ما لا يتغذى به ولا يتداوى به كالحجر والتراب والدقيق على الاصح والارز والعجين والملح إلا إذا اعتاد أكله وحده، ولا في النواة والقطن والكاغد والسفرپ جل إذا لم يدرك ولا وهو مطبوخ، ولا في ابتلاع الجوزة الرطبة، ويجب لو مضغها أو مضغ اليابسة لا إن ابتلعها، وكذا يابس اللوز والبندق والفستق إن ابتلعه لا يجب، وإن مضغه وجبت كما يجب في ابتلاع اللوزة الرطبة لانها تؤكل كما هي بخلاف الجوزة، وابتلاع التفاحة كاللوزة والرمانة والبيضة كالجوزة، وفي ابتلاع البطيخة الصغيرة والخوخة الصغيرة والهليلجة روي عن محمد وجوب الكفارة، وتجب بأكل اللحم النئ وإن

[ 482 ]

كان ميتة منتنا لا أن دود فلا تجب. واختلف في الشحم واختار أبو الليث الوجوب وصححه في الظهيرية، فلو كان قديدا وجب بلا خلاف. وتجب بأكل الحنطة وقضمها لا إن مضغ قمحة للتلاشي، ولا تجب بأكل الشعير إلا إذا كان مقليا. كذا في الظهيرية. وتجب بالطين الارمني وكذا بغيره على من يعتاد أكله كالمسمى بالطفل لا على من لا يعتاده، ولا بأكل الدم في ظاهر الرواية. وإن أكل ورق الشجر، فإن كان مما يؤكل كورق الكرم فعليه القضاء والكفارة، وإن كان مما لا يؤكل كورق الكرم إذا عظم فعليه القضاء دون الكفارة. ولو أكل قشور الرمان بشحمتها أو ابتلع رمانة فلا كفارة، وهو محمول على ما إذا أكل مع القشرة. ولو أكل قشر البطيخ إن كان يابسا وكان بحال يتقذر منه فلا كفارة، وإن كان طريا لا يتقذر منه فعليه الكفارة، وإن أكل كافورا أو مسكا أو زعفرانا فعليه الكفارة، وإذا أكل لقمة كانت في فيه وقت السحر وهو ذاكر لصومه لا رواية لها في الاصول. قال أبو حفص الكبير: إن كانت لقمة غيره لا كفارة عليه، وإن كانت لقمته فابتلعها من غير أن يخرجها من فمه فعليه الكفارة هو الصحيح، وإن أخرجها إن بردت فلا كفارة لانها صارت مستقذرة، وإن لم تبرد وجبت لانها قد تخرج لاجل الحرارة ثم تدخل ثانيا. كذا في الظهيرية. قوله (ومن جامع أو جومع أو أكل أو شرب عمدا غذاء أو دواء قضى وكفر ككفارة الظهار) أما القضاء فلاستدراك المصلحة الفائتة، وأما الكفارة فلتكامل الجناية. أطلقه فشمل ما إذا لم ينزل لان الانزال شبع لان قضاء الشهوة يتحقق دونه وقد وجب الحد بدونه وهو عقوبة محضة فما فيه معنى العبادة أولى. وشمل الجماع في الدبر كالقبل وهو الصحيح والمختار أنه بالاتفاق. كذا ذكره الولوالجي لتكامل الجناية لقضاء الشهوة، وإنما ادعى أبو حنيفة النقصان في معنى الزنا من حيث عدم فساد الفراش به ولا عبرة به في إيجاب الكفارة. وأشار بقوله أو جومع ليفيد بعد التنصيص على الوجوب على المفعول به الطائع، امرأة أو رجلا، إلى أن

[ 483 ]

المحل لا بد أن يكون مشتهى على الكمال فلا تجب الكفارة لو جامع بهيمة أو ميتة ولو أنزل كما في الظهيرية، وأما الصغيرة التي لا تشتهى فظاهر ما في شرح المجمع لابن الملك وجوب الكفارة بوطئها، وروي عن أبي حنيفة عدم الوجوب مع أنهم صرحوا في الغسل بأنه لا يجب بوطئها إلا بالانزال كالبهيمة، وجعلوا المحل ليس مشتهى على الكمال ومقتضاه عدم وجوب الكفارة مطلقا. وفي القنية: فأما إتيان الصغيرة التي لا تشتهى فلا رواية فيه، واختلفوا في وجوب الكفارة. وقيد بالعمد لاخراج المخطئ والمكره فإنه وإن فسد صومهما لا تلزمهما الكفارة ولو حصلت الطواعية في وسط الجماع بعدما كان ابتداؤه بالاكراه لانها إنما حصلت بعد الافطار كما في الظهيرية. قال في الاختيار: إلا إذا كان الاكراه منها فإنها تجب عليهما. وفي الفتاوى الظهيرية: المرأة إذا أكرهت زوجها في رمضان على الجماع فجامعها مكرها فالاصح أنه لا تجب الكفارة عليه لانه مكره في ذلك وعليه الفتوى. وأشار بقوله أكل أو شرب إلى أنه لا بد من وصوله إلى المسلك المعتاد إذ لو وصل من غيره فلا كفارة كما سنذكره. وأشار ربما سيأتي من قوله كأكله عمدا بعد أكله ناسيا من عدم وجوب الكفارة إلى أن الكفارة لا تجب إلا بإفساد صوم تام قطعا حتى لو صام يوما من رمضان ونوى قبل الزوال ثم أفطر لا يلزمه الكفارة عند أبي حنيفة خلافا لهما، لان في هذا الصوم شبهة. وعلى قياس هذا لصام يوما من رمضان بمطلق النية ثم أفطر ينبغي أن لا تلزمه الكفارة لمكان الشبهة. كذا في الظهيرية. ولو أخبر بأن الفجر لم يطلع فأكل ثم ظهر خلافه لا كفارة مطلقا

[ 484 ]

وبه أخذ أكثر المشايخ. ولو أخبر بطلوعه فقال إذا لم أكن صائما آكل حتى أشبع ثم ظهر أن أكله الاول قبل طلوع الفجر وأكله الآخر بعد الطلوع، فإن كان المخبر جماعة وصدقهم لا كفارة، وإن كان المخبر واحدا فعليه الكفارة، عدلا كان أو غير عدل، لان شهادة الفرد في مثل هذا لا تقبل. كذا في الظهيرية. وإذا أفطرت على ظن أنه يوم حيضها فلم تحض، إلا ظهر وجوب الكفارة كما لو أفطر على ظن أنه يوم مرضه أو أفطر بعد إكراهه على السفر قبل أن يخرج ثم عفي عنه، أو شرب بعدما قدم ليقتل ثم عفي عنه ولم يقتل. ومما يسقطها حيضها أو نفاسها بعد إفطارها في ذلك اليوم، وكذا مرضها وكذا مرضه بعد إفطاره عمدا بخلاف ما إذا جرح نفسه بعد إفطاره عمدا فإنها لا تسقط على الصحيح كما لو سافر بعد إفطاره عمدا - كذا في الظهيرية - بخلاف ما لو أصبح مقيما صائما ثم سافر فأفطر فإنها تسقط لان الاصل أنه إذا صار في آخر النهار على صفة لو كان عليها في أول اليوم يباح له الفطر تسقط عنه الكفارة كذا في فتاوى قاضيخان ولو جامع مرارا في أيام من رمضان واحد ولم يكفر كان عليه كفارة واحد لانها شرعت للزجر وهو يحصل بواحدة، فلو جامع وكفر ثم جامع مرة أخرى فعليه كفارة أخرى في ظاهر الرواية للعلم بأن الزجر لم يحصل بالاول. ولو جامع في رمضانين فعليه كفارتان وإن لم يكفر للاولى في ظاهر الرواية وهو الصحيح. كذا في الجوهرة، وقال محمد: عليه واحدة. قال في الاسرار: وعليه الاعتماد. وكذا في البزازية. ولو أفطر في يوم فأعتق ثم في آخر فأعتق ثم كذلك ثم استحقت الرقبة الاولى أو الثانية لا شئ عليه لان المتأخر يجزئه، ولو استحقت الثالثة فعليه إعتاق واحدة لان ما تقدم لا يجزئ عما تأخر، ولو استحقت الثانية أيضا فعليه واحدة للثاني والثالث، وكذا لو استحقت الاولى تنزيلا للمستحق منزلة المعدوم. ولو استحقت الاولى والثالثة دون الثانية أعتق واحدة للثالث لان الثانية كفت عن الاولى، والاصل أن الثاني يجزئ عما قبله لا عما بعده. كذا في فتح القدير والبدائع. وأفاد بالتشبيه أن هذه الكفارة مرتبة فالواجب العتق فإن لم يجد فعليه صيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فاطعام ستين مسكينا لحديث الاعرابي المروي في الكتب الستة. فلو

[ 485 ]

أفطر يوما في خلال المدة بطل ما قبله ولزمه الاستقبال، سواء أفطر لعذر أو لا. وكذا في كفارة القتل والظهار للنص على التتابع إلا لعذر الحيض لانهالا تجد شهرين عادة لا تحيض فيهما لكنها إذا تطهرت تصل بما مضى، فإن لم تصل استقبلت. كذا في الولوالجية. وكذا صوم كفارة اليمين متتابع فهي أربعة بخلاف قضاء رمضان وصوم المتعة وكفارة الحلق وكفارة جزاء الصيد فإنه غير متتابع، والاصل. أن كل كفارة شرع فيها عتق فإن صومه متتابع، وما لم يشرع فيها عتق فهو مخير. كذا في النهاية وإذا وجب عليه قضاء يومين من رمضان واحد ينوي أول يوم وجب عليه وإن لم ينو جاز، وإن كانا من رمضانين ينوي قضاء رمضان الاول، فإن لم ينو ذلك اختلف المشايخ فيه والصحيح الاجزاء. ولو صام الفقير إحدى وستين يوما للكفارة ولم يعين اليوم للقضاء جاز ذلك - كذا ذكره الفقيه أبو الليث - وصار كأنه نوى القضاء في اليوم الاول وستين يوما عن الكفارة. كذا في الفتاوى الظهيرية. وعلله في التجنيس بأن الغالب أن الذي يصوم القضاء والكفارة يبدأ بالقضاء وفيه إشكال للمحقق مذكور في فتح القدير. ولو نوى قضاء رمضان والتطوع كان عن القضاء في قول أبي يوسف خلافا لمحمد فإن عنده يصير شارعا في التطوع بخلاف الصلاة فإنه إذا نوى التطوع والفرض لا يصير شارعا في الصلاة أصلا عنده. ولو نوى قضاء رمضان وكفارة الظهار كان عن القضاء استحسانا، وفي القياس يكون تطوعا وهو قول محمد. كذا في الفتاوى الظهيريرة. وفي الفتاوى البزازية: من أكل نهارا في رمضان عيانا عمدا شهرة يقتل لانه دليل الاستحلال اه‍. واعلم أن هذا الذنب - أعني ذنب الافطار عمدا - لا يرتفع بالتوبة بل لا بد من التكفير ولهذا قال في الهداية: وبإيجاب الاعتاق عرف أن التوبة غير مكفرة لهذه الجناية. وتبعه الشارحون، وشبهه في غاية البيان بجناية السرقة والزنا حيث لا يرتفعان بمجرد التوبة بل يرتفعان بالحد، وهذا يقتضي أن المراد بعدم الارتفاع عدمه ظاهرا، أما فيما بينه وبين ربه فيرتفع بالتوبة بدون تكفير لان حد الزنا يرتفع فيما بينه وبين الله بالتوبة كما صرحوا به. وأما القاضي بعد ما رفع الزاني إليه لا يقبل منه التوبة بل يقيم الحد عليه، وقد صرح الشيخ زكريا

[ 486 ]

من الشافعية في شرح المنهج بارتفاعه بدون تكفير فيما بينه وبين الله تعالى. وعبر بمن المفيدة للعموم في قوله من جامع أو جومع ليفيد أنه لافرق في الحكم وهو وجوب الكفارة بين الذكر والانثى والحر والعبد ولهذا البزازية بالوجوب على الجارية فيم لو أخبرت سيدها بعد طلوع الفجر عالمة بطلوعه فجامعها مع عدم الوجوب عليه، وكذا لا فرق بين السلطان وغيره ولهذا قال في البزازية: إذا لزم الكفارة على السلطان وهو موسر بما له الحلال وليس عليه تبعة لاحد يفتي بإعتاق الرقبة. وقال أبو نصر محمد ابن سلام: يفتى بصيام شهرين لان المقصود من الكفارة الانزجار ويسهل عليه إفطار شهر واعتاق رقبة فلا يحصل الزجر. قوله (ولا كفارة بالانزال فيما دون الفرج) أي في غير القبل والدبر كالفخذ والابط والبطن لانعدام الجماع صورة وفسد صومه لوجوده معنى كما قدمناه في المباشرة والتقبيل وعمل المرأتين كذلك كما قدمناه. وفي المغرب: الفرج قبل الرجل والمرأة باتفاق أهل اللغة، وقوله القبل والدبر كلهما فرج يعني في الحكم اه‍ بلفظه. يعني لا في اللغة قوله (وبافساد صوم غير رمضان) أي لا كفارة في إفساد صوم غير أداء رمضان لان الافطار في رمضان أبلغ في الجناية لهتك حرمة الشهر فلا يلحق به غيره لا قياسا إذا هو ممتنع لكونه على خلاف القياس، ولا دلالة لان إفساد غيره ليس في معناه، ولزوم إفساد الحج النفل والقضاء بالجماع ليس إلحاقا بإفساد الحج الفرض بل هو ثابت ابتداء لعموم نص القضاء والاجماع. قوله: (وإذا احتقن أو استعط أو أقطر في اذنه أو داوى جائفة أو آمة بدواء ووصل إلى جوفة أو دماغه أفطر) لقوله عليه السلام الفطر مما دخل وليس مما خرج رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده وهو مخصوص بحديث الاستقاء، أو الفطر فيه باعتبار أنه يعود شئ وإن قل حتى لا يحس به. كذا في فتح القدير. فإن قلت: ظاهره أن الخارج لا يبطل الصوم أصلا إلا في الاستقاء، والحصر ممنوع لان الحيض والنفاس كل منهما يفسد الصوم كما صرح به في البدائع. قلت: لا يرد لان إفسادهما الصوم باعتبار منافاتهما الاهلية له شرعا على خلاف القياس يإجماع الصحابة بخلاف الجنون والاغماء بعد النية لا يفسدان الصوم لانهما لا ينافيان أهلية الاداء وإنما ينافيان النية. كذا في البدائع. والرواية بالفتح في احتقن واستعط أي وضع الحقنة في الدبر وصب السعوط وهو الدواء في الانف، وبالضم في أفطر. والجائفة اسم لجراحة وصلت إلى الجوف، والآمة الجراحة وصلت إلى أم الدماغ. وأطلق في الاقطار في

[ 487 ]

الاذن فشمل الماء والدهن وهو في الدهن بلا خلاف، أما الماء فاختار الهداية عدم الافطار به، سواء دخل بنفسه أو أدخله. وصرح الولوالجي بأنه لا يفسد صومه مطلقا على المختار معللا بأنه لم يوجد الفطر صورة ولا معنى، لانه مما لا يتعلق به صلاح البدن بوصوله إلى الدماغ. وجعل السعوط كالاقطار في الاذن وصححه في المحيط. وفي فتاوى قاضيخان أنه إن خاض الماء فدخل أذنه لا يفسد، وإن صب الماء في أذنه فالصحيح أنه يفسد لانه وصل إلى الجوف بفعله، ورجحه المحقق في فتح القدير. وبهذا يعلم حكم الغسل وهو صائم إذا دخل الماء في أذنه وفي عمدة الفتاوى للصدر الشهيد فلو دخل الماء في الغسل أنفه أو أذنه ووصل إلى الدماغ لا شئ‌عليه اه‍. ولو شد الطعام بخيط وأرسله في حلقه وطرف الخيط في يده لا يفسد الصوم إلا إذا انفصل. وذكر الولوالجي أن الصائم إذا استقصى في الاستنجاء حتى بلغ مبلغ المحقنة فهذا أقل ما يكون ولو كان يفسد صومه والاستقصاء لا يفعل لانه يورث داء عظيما. وفي الظهيرية: ولو أدخل خشبة أو نحوها وطرفا منها بيده لم يفسد صومه. قال في البدائع: وهذا يدل على أن استقرار الداخل في الجوف شرط لفساد الصوم، وكذا لو أدخل أصبعه في أسته أو أدخلت المرأة في فرجها هو المختار إلا إذا كانت الاصبع مبتلة بالماء أو الدهن فحينئذ يفسد لوصول الماء أو الدهن. وقيل: إن المرأة إذا حشت الفرج الداخل فسد صومها، والصائم إذا أصابه سهم وخرج من الجانب الآخر لم يفسد صومه ولو بقي النصل في جوفه يفسد صومه اه‍. وفي شرح الجامع الصغير لقاضيخان: وإن بقي الرمح في جوفه اختلفوا فيه والصحيح أنه لا يفسد لانه لم يوجد منه الفعل ولم يصل إليه ما فيه صلاحه. وذكر الولوالجي: وأما الوجور في الفم فإنه يفسد صومه لانه وصل إلى جوف البدن ما هو مصلح للبدن فكان أكلا معنى لكن لا تلزمه الكفارة لانعدام الاكل صورة. وعن أبي يوسف في السعوط والوجور الكفارة، ولو استعط ليلا فخرج نهارا لا يفطر. وأطلق الدواء فشمل الرطب واليابس لان العبرة للوصول لا لكونه رطبا أو يابسا، وإنما شرطه القدوري لان الرطب هو الذيصل إلى الجوف عادة حتى لو علم أن الرطب لم يصل لم يفسد، ولو علم أن اليابس وصل فسد صومه. كذا في العناية لكن بقي ما إذا لم يعلم يقينا أحدهما وكان رطبا فعند أبي حنيفة يفطر للوصول عادة. وقالا: لا

[ 488 ]

لعدم العلم به فلا يفطر بالشك بخلا ف ما إذا كان يابسا ولم يعلم فلا فطر اتفاقا. كذا في فتح القدير: وقوله إلى جوفه عائد إلى الجائفة، وقوله إلى دماغه عائد إلى الآمة. وفي التحقيق أن بين الجوفين منفذا أصليا، فما وصل إلى جوف الرأس يصل إلى جوف البطن. كذا في النهاية والبدائع. ولهذا لو استعط ليلا ووصل إلى الرأس ثم خرج نهارا لا يفسد كما قدمناه، وعلله في البدائع بأنه لما خرج علم أنه لم يصل إلى الجوف أو لم يستقر فيه. قوله (وإن أقطر في احليله لا) أي لا يفطر. أطلقه فشمل الماء والدهن، وهذا عندهما خلافا لابي يوسف وهو مبني على أنه هل بين المثانة والجوف منفذ أم لا وهو ليس باختلاف فيه على التحقيق فقالا: لا. ووصول البول من المعدة إلى المثانة بالترشح وما يخرج رشحا لا يعود رشحا كالجرة إذا سد رأسها والقي في الحوض يخرج منها الماء ولا يدخل فيها ذكره الولوالجي وقال: نعم. قال في الهداية: وهذا ليس من باب الفقه لانه متعلق بالطب. والخلاف فيما إذا وصل إلى المثانة، أما ما دام في قصبة الذكر فلا يفسد صومه اتفاقا كذا في الخلاصة. وعارض به في فتح القدير ما في خزانة الاكمل لو حشا ذكره بقطنة فغيبها أنه يفسد كاحتشائها وأطال فيه. وصحح في التحفة قول أبي يوسف ومحمد وهو رواية عن أبي حنيفة لكن رجح الشيخ قاسم في تصحيحه ظاهر الرواية. وقيد بالاحليل الذي هو مخرج البول من الذكر لان الاقطار في قبل المرأة يفسد الصوم بلا خلاف على الصحيح. كذا في غاية البيان. وفي الولوالجية أنه يفسد بالاجماع. وعلله في فتح القدير بأنه شبيه بالحقنة. وفي شرالمجمع لابن فرشته: الاحليل مخرج البول ومخرج اللبن من الثدي قوله (وكره ذوق شئ

[ 489 ]

ومضغه بلا عذر) لما فيه من تعريض الصوم للفساد ولا يفسد صومه لعدم الفطر صورة ومعنى. قيد بوله بلا عذر لان الذوق بعذر لا يكره كما قال في الخانية فيمن كان زوجها سئ الخلق أو سيدها لا بأس بأن تذوق بلسانها. وليس من الاعذار الذوق عند الشراء ليعرف الجيد من الردئ بل يكره كما ذكره في الولوالجي وتبعه في فتح القدير. وفي المحيط: يجوز أن يقال لا بأس به كي لا يغبن. والمضغ بعذر بأن لم تجد المرأة من يمضغ لصبيها الطعام من حائض أو نفساء أو غيرهما ممن لا يصوم ولم تجد طبيخا ولبنا حليبا لا بأس به للضرورة، ألا ترى أنه يجوز لها الافطار إذا خافت على الولد فالمضغ أولى. وأطلق في الصوم فشمل الفرض والنفل وقد قالوا: إن الكراهة في الفرض، أما في الصوم التطوع فلا يكره الذوق والمضغ فيه لان الافطار فيه مباح للعذر وغيره على رواية الحسن. كذا في التجنيس. وتبعه في النهاية وفتح القدير وغيرهما وفيه بحث لان المذهب أن الافطار في التطوع لا يحل من غير عذر فما كان تعريضا له عليه يكره لان كلا منا عند عدم العذر، وأما على رواية الحسن فمسلم وسيأتي أنها شاذة. قوله: (ومضغ العلك) أي ويكره مضغه في ظاهر الرواية لما فيه من تعريض الصوم على الفساد ولانه يتهم بالافطار. أطلقه فأفاد أنه لا فرق بين علك وعلك في أنه لا يفطر، وإنما يكره وهو ظاهر الرواية. كذا في غاية البيان. والمتأخرون قيدوه بأن يكون أبيض وقد مضغه غيره، أما إذا لم يمضغه غيره أو كان الاسود مطلقا يفطره لانه إذا لم يمضغه غيره يتفتت فيتجاوز شئ منه حلقه، وإذا مضغه غيره لا يتتفت إلا أن الاسود يذوب بالمضغ، فأما الابيض لا يذو ب، وإطلاق محمد يدل على أن الكل سواء. كذا ذكره الولوالجي في فتاواه، واختار المحقق كلام المتأخرين لان إطلاق محمد محمول عليه للقطع بأنه معلل بعدم الوصول فإذا فرض في بعض العلك معرفة الوصول منه عادة وجب الحكم فيه بالفساد لانه كالمتيقن ا ه‍. وقال فخر الاسلام: وعموم ما قال محمد في الجامع الصغير إشارة إلى أنه لا يكره العلك لغير الصائم ولكن يستحب للرجال تركه إلا لعذر مثل أن يكون في فمه بخر ا ه‍. وأما في حق النساء فالمستحب لهن فعله لانه سواكهن. وفي فتح القدير: والاولى الكراهة للرجال إلا لحاجة لان الدليل أعني التشبه يقتضيها في حقهم خاليا عن المعارض. وفي

[ 490 ]

الفتاوي الظهيرية: صائم عمل عمل الابريسم فأخد الابريسم في فيه فخرجت خضرة الصبغ أو صفرته أو حمرته واختلطت بالريق فاخضر الريق أو اصفر أو احمر فابتلعه وهو ذاكر صومه فسد صومه. وفي المحيط: عن أبي حنيفة أنه يكره للصائم المضمضة والاستنشاق لغير الوضوء، ولا بأس به للوضوء، وكره الاغتسال وصب الماء على الرأس والاستنقاع في الماء والتلفف بالثوب المبلول لانه إظهار الضجر عن العبادة. وقال أبو يوسف: لا يكره وهو الاظهر لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم صب على رأسه ماء من شدة الحر وهو صائم ولان فيه إظهار ضعف بنيته وعجز بشريته فإن الانسان خلق ضعيفا لا إظهار الضجر. قوله: (لا كحل ودهن شارب) أي لا يكره. يجوز أن تكون الفاء منهما مفتوحة فيكونان مصدرين من كحل عينيه كحلا ودهن رأسه دهنا إذا طلاة بالدهن، ويجوز أن يكون مضموما ويكون معناه ولا بأس باستعمال الكحل والدهن. كذا في العناية. وفي غاية البيان: الرواية بفتح الكاف والدال. وإنما لم يكرها لما أنه نوع ارتفاق وليس من محظور الصوم وقد ندب صلى الله عليه وسلم إلى الاكتحال يوم عاشوراء وإلى الصوم فيه، ولا بأس بالاكتحال للرجال إذا قصدوا به التداوي دون الزينة. ويستحسن دهن الشارب إذا لم يكن من قصده الزينة لانه يعمل عمل الخضاب، ولا يفعل لتطويل اللحية إذا كانت بقدر المسنون وهو القبضة. كذا في الهداية. وكان ابن عمر يقبض على لحيته فيقطع ما زاد على الكف. رواه أبو داود في سننه. وما في الصحيحين عن ابن عمر عنه عليه الصلاة والسلام أحفوا الشوارب واعفوا اللحى (1) فمحمول على إعفائها من أن يأخذ غالبها أو كلها كما هو فعل مجوس الاعاجم من حلق لحاهم فيقع بذلك الجميع بين الروايات، وأما الاخذ منها وهي دون ذلك لم يفعل بعض المغازية والمخنثة من الرجال فلم يبحه أحد. كذا في فتح القدير: وقد صرح في النهاية بوجوب قطع ما زاد على القبضة بالضم ومقتضاه الاثم بتركه. واعلم أنه لا تلازم بين قصد الجمال وقصد الزينة فالقصد الاول لدفع الشيف وإقامة ما به الوقار وإطهار النعمة لا فخرا وهو أثر أد ب النفس وشهامتها، والثاني أثر ضعفها وقالوا بالخضاب وردت السنة ولم يكن لقصد الزينة ثم بعد ذلك إن حصلت زينة فقد حصلت في ضمن قصد مطلوب فلا يضره إذا ليكن ملتفتا إليه. كذا في فتح القدير. ولهذا قال الولوالجي في فتاواه: لبس الثياب الجميلة مباح إذا كان لا يتكبر لان التكبر حرام وتفسيره

[ 491 ]

أن يكون معها كما كان قبلها ا ه‍ قوله: (وسواك وقبلة أن أمن) أي لا يكرهان، وقد تقدم حكم القبلة، وأما السواك فلا بأس به للصائم. أطلقه فشمل الرطب واليابس والمبلول وغيره وقبل الزوال وبعده لعموم قوله صلى الله عليه وسلم لولا أن أشق على أمتي لامرتهم بالسواك عند كل وضوء وعند كل صلاة لتناوله الظهر والعصر والمغرب، وقد تقدم أحكامه في سنن الطهارة فارجع إليها. ولم يتعرض لسنة السواك للصائم ولا شك فيه كغير الصائم صرح به النهاية والله أعلم. فصل في العوارض اعلم أن لفساد الصوم أحكاما بعضها يعم الصيامات كلها، وبعضها يخص البعض دون البعض، فالذي يعم الكل الاثم إذا أفسده بغير عذر لانه أبطل عمله من غير عذر وإبطال العمل من غير عذر حرام لقوله تعالى * (ولا تبطلوا أعمالكم) * (محمد: 33) على ما سيأتي في صوم التطوع، وإن كان بعذر لا يأثم. وإذا اختلف الحكم بالعذر فلا بد من معرفة الاعذار المسقطة للاثم والمؤاخذة فلهذا ذكرها في فصل على حدة. كذا في مختصر البدائع. وأخرها حرية بالتأخير. والعوارض جمع عارض وهو في اللغة كل ما استقبلك قال الله تعالى * (عارض ممطرنا) * (الاحقاف: 24) وهو السحاب الذي يستقبلك. والعارض الناب أيضا، والعارضان شقا الفم، والعارض الخد يقال أخذ من عارضيه من الشعر، وعرض له عارض أي آفة من كبر أو من مرض. كذا في ضياء الحلوم مختصر شمس العلوم. وهي هنا ثمانية: المرض والسفر والاكراه والجبل والرضاع والجوع والعطش وكبر السن. كذا في البدائع.

[ 492 ]

قوله: (لمن خاف زيادة المرض الفطر) لقوله تعالى * (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) * (البقرة: 184) فإنه أباح الفطر مريض لكن القطع بأن شرعية الفطر فيه إنما هو لدفع الحرج وتحقق الربح منوط بزيادة المرض، أو إبطاء البرء أو إفساد عضو، ثم معرفة ذلك باجتهاد المريض والاجتهاد غير مجرد الوهم بل هو غلبة الظن عن أمارة أو تجربة أو بإخبار طبيب مسلم غير ظاهر الفسق. وقيل عدالته شرط فلو برأ من المرض لكن الضعف باق وخاف أن يمرض سأل عنه القاضي الامام فقال: الخوف ليس بشئ. كذا في فتح القدير: وفي التبيين: والصحيح الذي يخشى أن يمرض بالصوم فهو كالمريض، ومراده بالخشية غلبة الظن كما أراد المصنف بالخوف إياها. وأطلق الخوف ابن الملك في شرح الجمع وأراد الوهم حيث قال: لو خاف من المرض لا يفطر. وفي فتح القدير: الامة إذا ضعفت عن العمل وخشيت الهلاك بالصوم جاز لها الفطر، وكذا الذي ذهب به متوكل السلطان إلى العمارة في الايام الحارة والعمل الحثيث إذا خشى الهلاك أو نقصان العقل. وقالوا: الغازي إذا كان يعلم يقينا أنه يقاتل العدو في شهر رمضان ويخاف الضعف إن لم يفطر يفطر قبل الحرب، ومسافرا كان أو مقيما. وفي الفتاوي الظهيرية والولوالجية: للامة أن تمتنع من امتثال أمر المولى. إذا كان ذلك يعجزها عن إقامة الفرائض لانها مبقاة على أصل الحرية في حق الفرائض. أطلق في المرض فشمل ما إذا مرض قبل طلوع الفجر أو بعده بعد ما شرع بخلاف السفر فإنه ليس بعذر في اليوم الذي أنشأ السفر فيه ولا يحل له الافطار وهو عذر في سائر الايام. كذا في الظهيرية. وأشار باللام إلى أنه مخير بين الصوم والفطر لكن الفطر

[ 493 ]

رخصة والصوم عزيمة فكان أفضل إلا إذا خاف الهلاك فالافطار واجب. كذا في البدائع. وفي الظهيرية: رجل لو صام في شهر رمضان لا يمكنه أن يصلي قائما وإذا أفطر يمكنه أن يصلي قائما فإنه يصوم ويصلي قاعدا جمعا بين العبادتين. في الخلاصة: لو كان له نوبة حمى فأكل قبل أن تظهر يعني في يوم النوبة لا بأس، فإن لم يحم فيه كان عليه الكفارة كما لو أفطرت على ظن أنه يوم حيضها فلم تحض كان عليها الكفارة لوجود الافطار في يوم ليس فيه شبهة الاباحة. وهذا إذا أفطر بعد ما نوي الصوم وشرع فيه، أما لو لم ينو كان عليه القضاء دون الكفارة. كذا في فتاوي قاضيخان. وفي الظهيرية: رضيع مبطون يخاف موته من هذا الدواء وزعم الاطباء أن الظئر إذا شربت دواء كذا برئ الصغير وتماثل وتحتاج الظئر إلى أن تشرب ذلك نهارا في رمضان قيل: لها ذلك إذا قال ذلك الاطباء الحذاق. كذلك الرجل إذا لدغته حية فأفطر بشرب الدواء قالوا: إن كان ذلك ينفعه فلا بأس به. أطلق في الكتاب الاطباء الحذاق قال رضي الله عنه: وعندي هذا محمول على الطبيب المسلم دون الكافر كمسلم شرع في الصلاة بالتيمم فوعدله كافر إعطاء الماء فإنه لا يقطع الصلاة لعل غرضه إفساد الصلاة عليه فكذلك في الصوم ا ه‍. وفيه إشارة إلى أن المريض يجوز له أن يستطب بالكافر فيما عدا إبطال العبادة لما أنه علل قبول قوله باحتمال أن يكون غرضه إفساد العبادة لا بأن استعماله في الطب لا يجوز. وفي القنية: لا يجوز للخباز أن يخبز خبزا يوصله إلى ضعف مبيح للفطر بل يخبز نصف النهار ويستريح في النصف، قيل له: لا يكفيه أجرته أو ربحه فقال: هو كاذب وهو باطل بأقصر أيام الشتاء.

[ 494 ]

قوله: (وللمسافر وصومه أحب إن لم يضره) أي جاز للمسافر الفطر لان السفر لا يعرا عن المشقة فجعل نفسه عذرا بخلاف المرض لانه قد يخفف بالصوم فشرط كونه مفضيا إلى الحرج، وإنما كان الصوم أفضل إن لم يضره لقوله تعالى * (وإن تصوموا خير لكم) * (البقرة: 184) ولان رمضان أفضل الوقتين فكأن فيه الاداء أولى. ولا يرد علينا القصر في الصلوات فإنه واجب حتى يأثم بالاتمام لان القصر هو العزيمة وتسميتهم له رخصة إسقاط مجاز، وقول صاحب غاية البيان أن القصر أفضل تسامح. ولو قال المصنف وصومهما أحب إن لم يضرهما لكان أولى لشموله. قيد بقوله إن لم يضره لان الصوم إن ضره بأن شق عليه فالفطر أفضل لقوله عليه الصلاة والسلام ليس من البر والصيام في السفر (1) قاله لرجل صائم يصب عليه الماء. وفي المحيط: ولو أراد المسافر أيقيم في مصر أو يدخل مصره كره

[ 495 ]

له أن يفطر لانه اجتمع في اليوم المبيح وهو السفر والمحرم وهو الاقامة فرجحنا المحرم احتياطا. وصرح في الخلاصة بكراهة الصوم إن أجهده. وأطلق الضرر ولم يقيده بضرر بدنه لانه لو لم يضره الصوم لكن كان رفقاؤه أو عامتهم مفطرين والنفقة مشتركة بينهم فالافطار أفضل - كذا في الخلاصة والظهيرية - لان ضرر المال كضرر البدن. وأشار إلى أن إنشاء السفر في شهر رمضان جائز لاطلاق النص خلافا لعلي وابن عباس كذا في المحيط. وفي الولوالجية: والسفر الذي يبيح الفطر هو الذي يبيح القصر لان كلاهما قد ثبتت رخصته. وأطلق السفر فشمل سفر الطاعة والمعصية لما عرف، وأراد بالضرر الضرر الذي ليس فيه خوف الهلاك لان ما فيه خوف الهلاك بسبب الصوم فالافطار في مثله واجب لا أنه أفضل. كذا في البدائة. ومنه ما إذا أكره المريض والمسافر فإن الافطار واجب ولا يسعه الصوم حتى لا امتنع من الافطار فقتل يأثم كالاكراه على أكل الميتة بخلاف ما إذا كان صحيحا مقيمفأكره بقتل نفسه فإنه يرخص له الفطر والصوم أفضل حتى لو امتنع من الافطار حتى قتل يثاب عليه لان الوجوب ثابت حالة الاكراه وأثر الرخصة بالاكراه في سقوط الاثبالترك لا في سقوط الواجب كالاكراه على الكفر. كذا في البدائع. وقيدنا بكونه أكره بقتل نفسه لانه لو قيل له لتفطرن أو لاقتلن ولدك فإنه لا يباح له الفطر كقوله لتشربن الخمر أو لاقتلن ولدك فصار كتهديده بالحبس. كذا في النهاية. وفي فتاوي قاضيخان: المسافر إذا تذكر شيئا قد نسيه في منزله فدخل فأفطر ثم خرج - قال عليه الكفارة قياسا لانه مقيم عند الاكل حيث رفض سفره بالعود إلى منزله وبالقياس نأخذ ا ه‍. قوله: (ولا قضاء إن ماتا عليهما) أي ولا قضاء على المريض والمسافر إذا ماتا قبل الصحة والاقامة لانهما لم يدركا عدة من أيام أخر فلم يوجد شرط وجوب الاداء فلم يلزم القضاء. قيد به لانه لو صح المريض أو أقام المسافر ولم يقض حتى مات لزمه الايصاء بقدره

[ 496 ]

وهو مصرح به في بعض نسخ المتن لوجود الادراك بهذا المقدار. وذكر الطحاوي أن هذا قول محمد، وعندهما يلزمه قضاء الكل، وغلطه القدوري وتبعه في الهداية قال: والصحيح أنه لا يلزمه إلا بقدره عند الكل. وإنما الخلاف في النذر بأن يقول المريض لله علي صوم هذا الشهر فصح يوما ثم مات يلزمه قضاء جميع الشهر عندهما، وعند محمد قضاء ما صح فيه. والفرق لهما أن النذر سبب فظهر الوجوب في حق الخلف، وفي هذه المسألة السبب إدراك العدة فيتقدر بقدر ما أدرك فيه. وإنما لم يلزمه القضاء قبل الصحة ليظهر في الايصاء لانه معلق بالصحة وإن لم يذكر أداة التعليق تصحيحا لتصرف المكلف ما أمكن فينزل عن الصحة. وأجاب عنه في غاية البيان بأن الجماعة الذين أنكروا والخلاف نشؤوا بعد الطحاوي بكثير من الزمان باعتبار أن الخلاف لم يبلغهم وهو ليس بحجة عليه لان جهل الانسان لا يعتبر حجة على غيره، وقد ذكره بعد ما ثبت عنده وهو ممن لا يتهم لاوصافه الجميلة. والحاصل أن الصحيح لو نذر صوم شهر معين ثم مات قبل مجئ الشهر لا يلزمه شئ بلا خلاف، وإن مات بعد ما صح يوما يلزمه الايصاء بالجميع عندهما، وعند محمد بقدر ما صح. وفصل

[ 497 ]

الطحاوي فقال: إن لم يصم اليوم الذي صح فيه لزمه الكل، وإن صامه لا يلزمه شئ كالمريض في رمضان إذا صح يوما فصامه ثم مات لا يلزمه شئ اتفاقا لانه بالصوم تعين أنه لا يصح فيه قضاء يوم آخر بخلاف ما إذا لم يصمه حيث لا يلزمه الكل كما قدمناه على قول الطحاوي، لان ما قدر فيه صالح لقضاء اليوم الاول والوسط والاخير فلما قدر على قضاء البعض فكأنه قدر على قضاء الكل إليه إشار في البدائع وغاية البيان. وفي الولوالجية: ولو أوجب على نفسه اعتكاف شهر وهو مريض ثم مات قبل أن يصح لم يجب عليه لانه لم يجب عليه أداء الاصل فلا يجب أداء البدل، ولو أوجب على نفسه اعتكاف شهر وهو صحيح فعاش عشرة أيام ثم مات أطعم عنه الشهر كله لان الاعتكاف مما لا يتجزى. قوله: (ويطعم وليهما لكل يوم كالفطرة بوصية) أي يطعم ولي المريض والمسافر عنهما عن كل يوم أدركاه كصدقة الفطر إذا أوصيا به لانهما لما عجزا عن الصوم الذي هو في ذمتهما التحقا بالشيخ الفاني دلالة لاقياسا فوجب عليهما إلايصاء بقدر ما أدركا فيه عدة من أيام أخركما في الهداية. ولو قال ويطعم ولي من مات وعليه قضاء رمضان لكان أشمل لان

[ 498 ]

هذا الحكم لا يخص المريض والمسافر ولا من أفطر لعذر بل يدخل فيه من أفطر متعمدا ووجب القضاء عليه، بل أراد بالولي من له ولاية التصرف في ماله بعد موته فيدخل وصيهما، وأراد بتشبيهه بالفطرة كالكفارة التشبيه من جهة المقدار بأن يطعم عن صوم كل يوم نصف صاع من بر أو زبيب أو صاعا من تمر أو شعير لا التشبيه مطلقا لان الاباحة كافية هنا، ولهذا عبر بالاطعام دون الايتاء دون صدقة الفطر فإن الركن فيها التمليك ولا تكفي الاباحة. وقيد بالوصية لانه لو لم يأمر لا يلزم الورثة شئ كالزكاة لانها من حقوق الله تعالى، ولا بد فيها من الايصاء ليتحقق الاختيار إلا إذا مات قبل أن يؤدي العشر فإنه يؤخذ من تركته من غير إيصاء لشدة تعلق العشر بالعين. كذا في البدائع من كتاب الزكاة في مسألة إذا باع صاحب المال ماله قبل أداء الزكاة، ومع ذلك لو تبرع الورثة أجزأه إن شاء الله تعالى. وكذا كفارة اليمين والقتل إذا تبرع الوارث بالاطعام والكسوة يجوز، ولا يجوز التبرع بالاعتاق لما فيه من إلزام الولاء للميت بغير رضاه. وأشار بالوصية إلى أنه معتبر من ثلث ماله صرح به قاضيخان في فتاواه، وإلى أن الصلاة كالصوم بجامع أنهما من حقوقه تعالى بل أولى لكونها

[ 499 ]

أهم ويؤدي عن كل وتر نصف صاع لانه فرض عند الامام. كذا في غاية البيان. ويعتبر كل صلاة بصوم يوم على الصحيح وإلى أن سائر حقوقه تعالى كذلك، ماليا كان أو بدنيا. وعبادة محضة أو فيه معنى المؤنة كصدقة الفطر، أو عكسه كالعشر، أو مؤنة محضة كالنفقات، أو فيه معنى العقوبة كالكفارات. وإلى أن الولي لا يصوم عنه ولا يصلي لحديث النسائي لا يصوم أحد عن أحد ولا يصلي أحد عن أحد وقيدنا بكونهما أدركا عدة من أيام أخر إذ لو ماتا قبله لا يجب عليهما الايصاء لما قدمناه لكن لو أوصيناه صحت وصيتهما لان صحتها لا تتوقف على الوجوب. كذا في البدائع. وأشار أيضا إلى أنه لو أوجب على نفسه الاعتكاف ثم مات أطعم عنه لكل يوم نصف صاع من حنطة لانه وقع الياس عن أدائه فوقع القضاء بالاطعام كالصوم في الصلاة. كذا ذكره الولوالجي في فتاويه. فالحاصل أنما كان عبادة بدنية فإن الوصي يطعم عنه بعد موته عن كل واجب كصدقة الفطر، وما كان عبادة مالية كالزكاة فإنه يخرج عنه القدر الواجب عليه، وما كان مركبا منهما كالحج فإنه يحج عنه رجلا من مال الميت. قوله: (وقضيا ما قدرا بلا شرط ولاء) أي لا يشترط التتابع في القضاء لاطلاق قوله تعالى * (فعدة من أيام أخر) * (البقرة: 184) والذي في قراءة أبي * (فعدة من أيام أخر متتابعه) * غير مشهور لا يزاد بمثله بخلاف قراءة ابن مسعود في كفارة اليمين فإنها مشهورة فيزاد. كذا في النهاية والكافي. لكن المستحب التتابع. وأشار بإطلاقه إلى أن القضاء على التراخي لان الامر فيه مطلق وهو على التراخي كما عرف في الاصول. ومعنى التراخي عدم تعين الزمن الاول للفعل ففي أي وقت شرع فيه كان ممتثولا إثم عليه بالتأخير، ويتضيق عليه الوجوب في آخر عمره في زمان يتمكن فيه من الاداء قبل موته ولهذا قال أصحابنا: إنه لا يكره لمن عليه قضاء رمضان أن يصوم متطوعا ولو كان الوجوب على الفور يكره له التطوع قبل القضاء لانه يكره له تأخير الواجب عن وقته المضيق، ولهذا إذا أخر قضاء رمضان حتى دخل آخر فلا فدية عليه لكونها تجب خلفا عن الصوم عند العجز ولم يوجد لقدرته على القضاء ولهذا قال قوله: (فإذا جاء رمضان آخر قدم الاداء على القضاء) لانه في وقته وهو لا يقبل غيره ويصوم القضاء بعده، وهذا بخلاف قضاء الصلوات فإنها على الفور ولا يباح التأخير إلا بعذر. ذكره الولوالجي قوله: (وللحامل والمرضع إذا خافتا على الولد أو النفس) أي لهما الفطر دفعا للحرج ولقوله صلى الله عليه وسلم إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة وعن الحامل والمرضع

[ 500 ]

الصوم (1) قيد بالخوف بمعنى غلبة الظن بتجربة أو إخبار طبيب حاذق مسلم كما في الفتاوي الظهيرية على ما قدمناه، لانها لو لم تخف لا يرخص لها الفطر. وإنما لا يجوز إفطاره بسبب خوف هلاك ابنه في الاكراه لان العذر في الاكراه جاء من قبل من ليس له الحق فلا يعذر لصيانة نفس غيره بخلاف الحامل والمرضع، وهناك فرق آخر مذكور في النهاية. وأطلق المرضع ولم يقيدها ليفيد أنه لا فرق بين الام والظئر، أما الظئر فلان الارضاع واجب عليها بالعقد، وأما الام فلوجوبه ديانة مطلقا وقضاء إذا كان الاب معسرا أو كان الولد لا يرضع من غيرها، وبهذا اندفع ما في الذخيرة من أن المراد بالمرضع الظئر لا الام فإن الاب يستأجر غيرها. وإنما قال إذا خافتا على الولد، ولم يقل كالقدوري إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما لانه لا يشمل المستأجر إذ لا ولد لها. كذا قيل، وقد قيل إنه ولدها من الرضاع لان المفرد المضاف يعم، سواء كان مضافا لمفرد أو غيره كما صرحوا به، فيشمل الولد الذي ولدته والذي أرضعته لانه ولدها شرعا وإن كان ولدها مجازا لغة. والواو في قوله والمرضع بمعنى أو لان هذا الحكم ثابت لكل واحد منهما على الانفراد. كذا في النهاية. والحامل هي التي في بطنها ولد، والمرضع هي التي لها اللبن. ولا يجوز إدخال التاء في أحدهما كما في حائض وطالق لان ذلك من الصفات الثابتة لا الحادثة إلا إذا أريد الحدوث فإنه يجوز إدخال التاء بأن يقال حائضة الآن وغدا. كذا في غاية البيان. ولم أر من صرح بأن الحامل والمرضع إذا ماتا قبل أن يزول خوفهما على الولد أو على أنفسهما أنه لا يلزمهما القضاء كالمريض والمسافر لكن صرح في البدائع بأن للقضاء شرائط منها: القدرة على القضاء وهو بعمومه يتناول الحامل والمرضع فعلى هذا إذا زال الخوف أياما لزمهما بقدره، بل ولا

[ 501 ]

خصوصية فإن كل من أفطر لعذر ومات قبل زواله لا يلزمه شئ فيدخل المكره والاقسام الثمانية المتقدمة. قوله: (للشيخ الفاني وهو يفد فقط) أي له الفطر وعليه الفدية وليست على غيره من المريض والمسافر والحامل والمرضع لعدم ورود نص فيهم، ووروده في الشيخ الفاني وهو الذي كل يوم في نقص إلى أن يموت وسمي به إما لانه قرب من الفناء أو لانه فنيت قوته، وإنما لزمته باعتبار شهوده للشهر حتى لو تحمل المشقة وصام كان مؤديا، وإنما أبيح له الفطر لاجل الحرج وعذره ليس بعرض الزوال حتى يصار إلى القضاء فوجب الفدية لكل يوم نصف صاع من بر أو زبيب أو صاعا من تمر أو شعير كصدقة الفطر لكن يجوز هنا طعام الاباحة أكلتان مشبعتان بخلاف صدقة الفطر كما قدمناه. كذا في فتح القدير وفتاوي قاضيخان. وفي معراج الدراية: ولا يجوز في الفدية الاباحة لانها تنبي عن تمليك اه‍. وهو مخالف لما قدمناه، ويحمل ما في المعراج على الفدية في الحج. ولو قد على الصوم يبطل حكم الفداء لان شرط الخلفية استمرار العجز في الصوم، وإنما قيدنا به ليخرج المتيمم إذا قدر على الماء لا تبطل الصلوات المؤداة بالتيمم لان خلفية التيمم مشروط بمجرد العجز عن الماء لا بقيد دوامه، وكذا خلفية الاشهر عن الاقراء في الاعتداد مشروط بانقطاع الدم من سن اليأس لا بشرط دوامه حتى لا تبطل الانكحة الماضية بعود الدم على ما قدمناه في الحيض. وفي الكافي: وشرط الخلفية استمرار العجز كما في اليمين وفي صوم دم المتعة وغيرها قد تخلف لقيام الدليل اه‍ وأشار المصنف فيما سبق من أن المسافر إذا لم يدرك عدة فلا شئ عليه إذا مات إلا أن الشيخ الفاني لو كان مسافرا فمات قبل الاقامة لا يجب عليه الايصاء بالفدية لان يخالف غيره في التخفيف لا في التغليظ، لكن ذكره الشارحون بصيغة قيل ينبغي ألا يجب مع أن الاولى الجزم به لاستفادته مما ذكرناه ولعلها ليست صريحة في كلام أه‍ المذهب فلم يجزموا بها، ولان الفدية لا تجوز إلا عن صوم هو أصل بنفسه لا بدل عن غيره فجازت عن رمضان وقضائه والنذر حتى لو نذر صوم الابد فضعف عن الصوم لاشتغاله بالمعيشة له أن يطعم ويفطر لانه استيقن أن لا يقدر على قضائه، وإن لم يقدر على الاطعام لعسرته يستغفر الله تعالى، وإن لم يقدر لشدة الحر كان له أن يفطر ويقضيه في الشتاء إذا لم يكن نذر الابد. ولو نذر صوما معينا فلم يصم حتى صار فانيا جازت له الفدية، ولو وجبت عليه كفارة يمين أو قتل فلم يجد ما يكفر به وهو شيخ كبير عاجز عن الصوم أو لم يصم حتى صار شيخا كبيرا لا

[ 502 ]

تجوز له الفدية لان الصوم هنا بدل عن غيره ولذا لا يجوز المصير إلى الصوم إلا عند العجز عما يكفر به من المال كذا في فتح القدير. وفي فتاوي قاضيخان وغاية البيان: وكذا لو حلق رأسه وهمحرم عن أذى ولم يجد نسكا يذبحه ولا ثلاثة آصع حنطة يفرقها على ستة مساكين وهو فالا يستطيع الصيام فأطعم عن الصيام لم يجز لانه بدل. وفي القنية: ولو تصدق الشيخ الفاني بالليل عن صوم الفدية يجزئه. وفي فتاوي أبي حفص الكبير: إن شاء أعطى الفدية في أول رمضان بمرة وإن شاء أعطاها في آخره بمرة. وعن أبي يوسف: لو أعطي نصف صاع من برعن عن يوم واحد لمساكين يجوز. قالالحسن: وبه نأخذ وإن أعطى مسكينا عن يومين فعن أبي يوسف روايتان. وعند أبي حنيفة لا يجزئه كالاطعام في كفارة اليمين. وفي الفتاوي الظهيرية: استشهادا لكون البدل لا بدل له. وذكر الصدر الشهيد إذا كان جميع رأسه مجروحا فربط الجبيرة لم يجب عليه أن يمسح هنا أصل منصوص عليه لا بدل عن غيره ا ه‍. قوله: (وللمتطوع بغير عذر في رواية ويقضي) أي له الفطر بعذر وبغيره، وإذا أفطر قضى إن كان نفلا قصديا وهذه الرواية عن ابي يوسف، وظاهر الرواية أنه ليس له الفطر إلا من عذر. وصححه في المحيط. وإنما اقتصر على هذه الرواية لانها أرجح من جهة الدليل ولهذا اختارها المحقق في فتح القدير وقال: إن الادلة تظافرت عليها وهي أوجه. ثم اختلف المشايخ على ظاهر الرواية هل الضيافة عذر أو لا؟ قيل نعم، وقيل لا، وقيل عذر قبل الزوال لا بعده إلا إذا كان في عدم الفطر بعده عقوق لاحد الوالدين لا غيرهما حتى لو حلف عليه رجل بالطلاق الثلاث ليفطرن لا يفطر. وقيل: إن كان صاحب الطعام يرضى بمجرد حضوره وإن لم يأكل لا يباح الفطر، وإن كان يتأذى بذلك يفطر. كذا في فتح القدير. ولم يصحح شيئا كما ترى. وفي الكافي: والاظهر أنها عذر. وصحح قاضيخان في شرح الجامع الصغير من أحكام الخلوة أن الضيافة عذر. وفي الفتاوي الظهيرية قالوا: والصحيح من المذهب أنه ينظر في ذلك إن كان صاحب الدعوة ممن يرضى بمجرد حضوره ولا يتأذى بترك الافطار لا يفطر. وقال شمس الائمة الحلواني: أحسن ما قيل في هذا الباب أنه إن كان يثق من نفسه القضاء يفطر دفعا للاذى عن أخيه المسلم، وإن كان لا يثق لا يفطر وإن كان في ترك الافطار أذى أخيه المسلم. وفي مسألة اليمين يجب أن يكون الجواب على هذا التفصيل ا ه‍. وفي موضع آخر منها: وإن كان صائما عن قضاء رمضان يكره له أن يفطر لان له حكم رمضان ا ه‍. ولهذا لا يفطر لو حلف رجل بالطلاق ليفطرن كذا في المحيط. وفي النهاية: الاظهر أن الضيافة عذر. وفي البزازية: لو حلف بطلاق امرأته إن لم يفطر أن نفلا أفطر وإن قضاء لا والاعتماد على أنه يفطر فيهما ولا يحنثه، وإذا قلنا بأن الضيافة عذر في التطوع تكون عذرا في حق الضيف والمضيف. كذا في شرح الوقاية. وأطلق في قضاء التطوع فشمل ما إذا كان فطره

[ 503 ]

عن قصد أو لا بأن عرض الحيض للصائمة المتطوعة في أصح الروايتين. كذا في النهاية. وقيدنا النفل بكونه قصديا لانه لو شرع على ظن أنه عليه ثم علم أنه لا شئ عليه كان متطوعا والاحسن أن يتمه، فإن أفطر لا قضاء عليه. كذا في المحيط وغيره. وقيده صاحب الهداية في التجنيس بأن لا يمضي عليه ساعة من حين ظهر بأن لا شئ عليه فإن مضى ساعة ثم أفطر فعليه القضاء لانه لما مضى عليه ساعة صار كأنه نوى في هذه الساعة، فإن كان قبل الزوال صار شارعا في صوم التطوع فيجب عليه ثم قال: إذا نوى الصوم للقضاء بعد طلوع الفجر حتى لا تصبح نيته عن القضاء يصير صائما، وإن أفطر يلزمه القضاء كما إذا نوى التطوع ابتداء وهذه ترد إشكالا على مسألة المظنون ا ه‍. وقد تقدم الكلام عليه عند قوله وما بقي لم يجز إلا بنية معينة. وفي البدائع: إذا شرع في صوم الكفارة ثم أيسر في خلاله لا قضاء عليه. وفي الفتاوي الظهيرية: ويكره للعبد أو للاجير أو للمرأة أن يتطوع بالصوم إلا أن يأذن من له حق فيه ومن له الحق له أن يفطره. وفي الولوالجية: وابنة الرجل وقرابته تتطوع بدون إذنه لانه لا يفوت حقه ا ه‍. وقيد في المحيط والولوالجية كراهة صوم المرأة بأن يضر بالزوج، أما إذا كان لا يضره بأن كان صائما أو مريضا فلها أن تصوم وليس له منعها لانه ليس فيه إبطال حقه بخلاف العبد والمدبر وأم الولد والامة فإنه ليس لهم الصوم بغير إذن المولى وإن لم يضر به لان منافعهم مملوكة للمولى بخلاف المرأة فإن منافعها غير مملوكة للزوج وإنما له حق الاستمتاع بها. وتقضي المرأة إذا أذن لها الزوج أو بانت منه، ويقضي العبد إذا أذن له المولى أو أعتق. وقيد كراهة صوم الاجير أيضا بكون الصوم يضر بالمستأجر في الخدمة فإن كان لا يضر فله أن يصوم بغير إذنه ا ه‍. وفي البزازية قالوا: يباح الفطر لاجل المرأة أي لا يمنع صوم النفل صحة الخلوة. وفي النظم: الافضل أن يفطر للضيافة ولا يقول أنا صائم لئلا يقف على سرأحد. وفي فتاوي قاضيخان: لا يصوم المملوك تطوعا إلا بإذن المولى إلا إذا كان غائبا ولا ضرر له في ذلك ا ه‍. وهو خلاف ما في المحيط. وإن أحرمت المرأة تطوعا بغير إذن الزوج قالوا: له أن يحللها. والاجير إذا كان يضره الخدمة وكذا في الصلوات. كذا في فتاوي قاضيخان. فالحاصل أن الصوم والحج والصلاة سواء، والاظهر من هذا كله إطلاق ما في الظهيرية في المرأة والعبد لان الصوم يضر ببدن المرأة ويهز لها وإن لم يكن الزوج الآن يطؤها والعبد منافعه مملوكة للمولى فليس له الصوم مطلقا

[ 504 ]

بغير إذنه. ولو كان المولى غائبا فإنه لم يكن مبقي على أصل الحرية في العبادات إلا في الفرائض، وأما في النوافل فلا. وفي القنية: وللزوج أن يمنع زوجته عن كل ما كان الايجاب من جهتها كالتطوع والنذر واليمين دون ما كان من جهته تعالى كقضاء رمضان، وكذا العبد إلا إذا ظاهر من امرأته لا يمنعه من كفارة الظهار بالصوم لتعلق حق المرأة به. ثم اعلم أن افساد الصوم أو الصلاة بعد الشروع فيها مكروه - نص عليه في غاية البيان - وليس بحرام لان الدليل ليس قطعي الدلالة كما أوضحه في فتح القدير. قوله: (ولو بلغ أو أسلم كافر أمسك يومه ولم يقض شيئا) فالامساك قضاء لحق الوقت بالتشبه وعدم القضاء لعدم وجوب الصوم عليهما فيه. وأطلق الامساك ولم يبين صفته للاختلاف فيه، والاصح الوجوب لموافقته للدليل وهو ما ثبت من أمره عليه الصلاة والسلام بالامساك لمن أكل في يوم عاشوراء حين كان واجبا. وأطلق في عدم القضاء فشمل ما إذا أفطرا في ذلك اليوم أو صاماه، وسواء كان قبل الزوال أو بعده، لان الصوم لا يتجزى وجوبا كما لا يتجزى آداء، وأهلية الوجوب منعدمة في أوله فلا يجب. وقيد بالصوم لانه لو بلغ أو أسلم في أثناء وقت الصلاة أو في آخره وجبت عليه اتفاقا وهو قياس زفر، وفرق أئمتنا بين الصوم والصلاة بأن السبب في الصلاة الجزء المتصل بالاداء فوجدت الاهلية عنده، وفي الصوم الجزء الاول هو السبب والاهلية معدومة عند. قال في فتح القدير: وعلى هذا فقولهم في الاصول الواجب المؤقت قد يكون الوقت فيه سببا للمؤدي وظرفا له كوقت الصلاة أو سببا ومعيارا وهو ما يقع فيه مقدرا به كوقت الصوم تساهل، إذ يقتضي أن السبب ثمام الوقت فيهما وقد بان خلافه، ثم على ما بان من تحقيق المراد قد يقال: يلزم أن لا يجب الامساك في نفس الجزء الاول من اليوم لانه هو السبب للوجوب والالزام سبق الوجوب على السبب للزوم تقدم السبب فالايجاب فيه يستدعي سببا سابقا والفرض خلافه، ولو لم يستلزم ذلك لزم كون ما ذكروه في وقت الصلوات من أن السببية تضاف إلى الجزء الاول فإن لم يؤد عقيبه انتقلت إلى ما يلي ابتداء الشروع، فإن لم يشرع إلى الجزء الاخير تقررت السببية فيه واعتبر حال المكلف عنده تكلف مستغني عنه إذ لا داعي لجعله ما يليه دون ما يقع فيه ا ه‍. وقد يقال: إن قولهم يقتضي أن السبب تمام الوقت مسلم لو سكتوا وهم قد صرحوا بأنه لا يمكن جعل كل الوقت سببا في الصلاة، وذكروا أن السببية تنتقل من جزء إلى جزء. وقوله ثم على ما بان إلى آخره فيه بحث، أما على اختيار شمس الائمة السرخسي من أن السببية لليالي والايام فقد وجد السبب بالليلة فالامساك إنما وجب في الجزء الاول باعتبار سبق

[ 505 ]

السبب عليه وهو الليل، وأما على اختيار غيره من أن السببية خاصبالايام وأن الليالي لا دخل لها في السببية، فلان لزوم تقدم السبب إنما هو عند الامكان، أما عند عدم الامكان فلا والصوم منه لان وقته معيار له مقدر به يزيد بزيادته وينقص بنقصانه فلا يمكن أن يكون الجزء الاول خاليا عن الصوم ليكون سببا متقدما، ولا يمكن أن يكون ما قبله سببا لعدم الصلاحية فلزم فيه مقارنة السبب للمسبب، وقد صرح بأن السبب في الصوم مقارن للمسبب صاحب كشف الاسرار شرح أصول فخر الاسلام البزدوي بخلاف وقت الصلاة فإنه ظرف فأمكن تقدم السبب على الحكم حتى لو لم يمكن بأن شرع في الجزء الاول سقط اشتراط تقدم السبب وجوزت المقارنة إذ لا يمكن جعل ما قبل بالوقت سببا. وذكر بعض المتأخرين من الاصوليين أن السبب في الصوم اليوم الكامل لا الجزء منه، ولا شك في المقارنة على هذا. وأشار المصنف بالمسألتين إلى أصل وهو أن كل من صار في آخر النهار بصفة لو كان في أول النهار عليها للزمه الصوم فعليه الامساك كالحائض والنفساء تطهر بعد طلوع الفجر أو معه، والمجنون يفيق، والمريض يبرأ، والمسافر يقدم بعد الزوال أو الاكل. والذي أفطر عمدا أو خطأ أو مكرها أو أكل يوم الشك ثم استبان أنه من رمضان أو أفطر وهو يرى أن الشمس قد غربت أو تسحر بعد الفجر ولم يعلم ومن لم يكن على تلك الصفة لم يجب الامساك كما في حالة الحيض والنفاس. ثم قيل: الحائض تأكل سرا لا جهرا، وقيل تأكل سرا وجهرا، وللمريض والمسافر الاكل جهرا. كذا في النهاية. وغير في فتح القدير عبارة هذا الاصل فقال: كل من تحقق بصفة في أثناء النهار أو قارن ابتداء وجودها طلوع الفجر وتلك الصفة بحيث لو كانت قبله واستمرت معه وجب عليه الصوم فإنه يجب عليه الامساك تشبها. قال: وقلنا كل من تحقق ولم نقل من صار بصفة إلى آخره يعني كما في النهاية يشمل من أكل عمدا في نهار رمضان لان الصيرورة للتحول ولو لامتناع ما يليه ولا يتحقق المفاد بهما فيه اه‍. والحاصل أن من أكل عمدا في نهار رمضان لم يدخل تحت عبارة النهاية باعتبار أنه لم يتجدد له حالة بعد فطره لم يكن عليها قبله وكلمة صار تفيد التحول من حالة إلى أخرى بخلاف تحقق، ولا يخفى أن ما هرب منه وقع فيه لانه وإن غير صار إلى تحقق أتى بكلمة لو المفيدة لامتناع ما يليه المفيدة أن الصفة لم تكن موجودة أول اليوم فلا يشمل كلامه من أكل عمدا فليتأمل. فظهر من هذا أن من كان أهلا للصوم في أوله كمن أكل عمدا لا يدخل تحت الضابط أصلا على كل منهما، وإنما أدرجوه في هذا الاصل وإن لم يدخل تحته باعتبار أن حكمه وجوب الامساك تشبها فهو مثله لان غرضهم بيان الاحكام. وعبارة البدائع أولى وهي: أما وجوب الامساك تشبها بالصائمين فكل من كان له عذر في

[ 506 ]

صوم رمضان في أول النهار مانع من الوجوب أو مبيح للفطر ثم زال عذره وصار بحال لو كان عليه في أول النهار لوجب عليه الصوم لا يباح له الفطر كالصبي إذا بلغ، والكافر إذا أسلم، والمجنون إذا أفاق، والحائض إذا طهرت، والمسافر إذا قدم، وكذا كل من وجب عليه الصوم لوجود سبب الوجوب والاهلية ثم تعذر عليه المضي بأن أفطر متعمدا أو أصبح يوم الشك مفطرا ثم تبين أنه من رمضان أو تسحر على ظن أن الفجر لم يطلع ثم تبين أنه طالع، فإنه يجب عليه الامساك تشبها. فقد جعل لوجوب الامساك أصلين، وجعل بعض الفروع مخرجة على أصل وبعضها على آخر فلا إيراد أصلا والله الموفق. وفي الفتاوى الظهيرية: صبي بلغ قبل الزوال ونصراني أسلم ونويا الصوم قبل الزوال لا يجوز صومهما عن الفرض غير أن الصبي يكون صائما عن التطوع بخلاف الكافر لفقد الاهلية في حقه. وعن أبي يوسف: إن الصبي يجوز صومه عن الفرض. وقيل: جوابه في الكافر كذلك. إليه أشار في المنتقي. ثم في ظاهر الرواية فرق بين هذا وبين المجنون إذا أفاق في نهار رمضان قبل الزوال ولم يكن أكل شيأ ونوى الصوم جاز عن الفرض لان الجنون إذا لم يستوعب كان بمنزلة المرض والمرض لا ينافي وجوب الصوم بخلاف الصبي والكفر والحيض لانها منافية للصوم اه‍. قوله (ولو نوى المسافر الافطار ثم قدم ونوى الصوم في وقته صح) إن نوى قبل انتصاف النهار لان السفر لا ينافي أهلية الوجوب ولا صحة الشروع. أطلق الصوم فشمل الفرض الذي لا يشترط فيه التبييت والنفل وحيث أفاد صحة صوم الفرض لزم عليه صومه إن كان في رمضان لزوال المرخص في وقت النية، ألا ترى أنه لو كان مقيما في أول اليوم ثم سافر لا يباح له الفطر ترجيحا لجانب الاقامة فهذا أولى إأنه إذا أفطر في المسألتين لا كفارة عليه لقيام شبهة المبيح، وكذا لو نوى المسافر الصوم ليلا وأصبح من غير أن ينقض عزيمته قبل الفجر ثم أصبح صائما لا يحل فطره في ذلك اليوم ولو أفطر لا كفارة عليه. وأشار إلى أنه لو لم ينو الافطار وإنما قدم قبل الزوال والاكل فالحكم كذلك بالاولى لان الحكم إذا كان الصحة مع نية المنافي فمع عدمها أولى، ولان نية الافطار لا عبرة بها حتى لو نوى الصائم الفطر ولم يفطر لا يكون مفطرا، وكذا لو نوى التكلم في الصلاة ولم يتكلم لا تفسد صلاته كما في الظهيرية قوله (ويقضي باغماء سوى يوم حدث في ليلته) لانه نوع مرض يضعف لقوى ولا يزيل الحجى فيصير عذرا في التأخير لا في الاسقاط. وإنما لا

[ 507 ]

يقضي اليوم الاول لوجود الصوم فيه وهو الامساك المقرون بالنية إذ الظاهر وجودها منه، ويقضي ما بعده لانعدام النية. ولا فرق بين أن يحدث الاغماء في الليل أو في النهار في أنه لا يقضي اليوم الاول، وإنما ذكر المصنف حدوثه في ليلته ليعلم حكم ما إذا حدث في اليوم بالاولى لوجود الامساك وهو ليس بمغمى عليه. وأشار إلى أن الاغماء لو كان في شعبان قضاه كله لعدم النية، وإلى أنه لو كان متهتكا يعتاد الاكل في رمضان أو مسافرا قضاه كله لعدم ما يدل على وجود النية قوله (وبجنون غير ممتد) أي يقضيه إذا فاته بجنون غير ممتد وهو أن لا يستوعب الشهر، والممتد هو أن يستوعب الشهر، وهو مسقط للحرج بخلاف ما دونه لان السبب قد وجد وهو الشهر والاهلية بالذمة. وفي الوجوب فائدة وهو صيرورته مطلوبا على وجه لا يحرج في أدائه بخلاف المستوعب فإنه يحرج في أدائه فلا فائدة فيه، الاغماء لا يستوعب الشهر عادة فلا حرج وإلا كان ربما يموت فإنه لا يأكل ولا يشرب، أطلقه فشمل الجنون الاصلي والعارض وهو ظاهر الرواية، وعن محمد أنه فرق بينهما لانه إذا بلغ مجنونا التحق بالصبي فانعدم الخطاب بخلاف ما إذا بلغ عاقلا ثم جن وهذا مختار بعض المتأخرين. ودخل تحت غير الممتد ما إذا أفاق آخر يوم من رمضان، سواء كان قبل الزوال أو بعده، فإنه يلزمه قضاء جميع الشهر خلافا لما في غاية البيان عن حميد الدين الضرير أنه قال: إذا أفاق بعد الزوال في آخر يوم من رمضان لا يلزمه شئ. وصححه في النهاية والظهيرية لان الصوم لا يصح فيه كالليل. اعلم أن الجنون ينافي النية التي هي شرط العبادات فلا يجب مع الممتد منه مطلقا للحرج وما لا يمتد جعل كالنوم لان الجنون لا ينفي أصل الوجوب إذ هو بالذمة وهي ثابتة له باعتبار آدميته حتورث وملك وكان أهلا للثواب كأن نوى صوم الغد بعد غروب الشمس فجن فيه ممسكا كله صح فلا يقضي لو أفاق بعده وصح إسلامه تبعا، وإذا كان المسقط الحرج لزم اختلاف الامتداد المسقط فقدر في الصلاة بالزيادة على يوم وليلة عندهما، وعند محمد وصيرورة الصلاة ستا وهو أقيس لكنهما أقاما الوقت مقام الواجب كما في

[ 508 ]

المستحاضة، وفي الصوم باستغراق الشهر ليله ونهاره، وفي الزكاة باستغراق الحول، وأبو يوسف جعل أكثره ككله. وأما الصغير فقبل أن يعقل كالجنون الممتد فإذا عقل تأهل للاداء دون الوجوب إلا الايمان، وأما النائم فلكون النوم موجبا للعجز لزم تأخير خطاب الاداء لا أصل الواجوب ولذا وجب القضاء إذا زال بعد الوقت. ولما كان لا يمتد غالبا لم يسقط به شئ من العبادات لعدم الحرج والاغماء فوقه، فإن امتد في الصلوات بأن زاد على يوم وليلة جعل عذرا مسقطا لها دفعا للحرج لكونه غالبا ولم يجعل عذرا في الصوم لان امتداده شهرا نادر فلم يكن في إيجابه حرج وبهذا ظهر أن الاعذار أربعة: صبا وجنون وإغماء ونوم. وقد علم أحكامها والله الموفق للصواب. قوله (وبامساك بلا نية صوم وفطر) أي يجب القضاء لان المستحق هو الامساك بجهة العبادة ولا عبادة إلا بالنية، وأما هبة النصاب من الفقير فإنها تسقط الزكاة بدون نيتها باعتبار وجود نية القربة. وفي غاية البيان: وقد مر أن المغمى عليه لا يقضي اليوم الذي حدث الاغماء في ليلته لوجود النية منه ظاهرا فلا بد من التأويل لهذه المسألة. وتأويلها أن يكون مريضا أو مسافرا لا ينوي شيأ أو متهتكا اعتاد الاكل في رمضان فلم يكن حاله دليلا على عزيمة الصوم اه‍. وكذا في النهاية. ورده في فتح القدير بأنه تكلف مستغنى عنه لان الكلام عند عدم النية ابتداء لا بأمر يوجب النسيان ولا شك أنه أدرى بحاله بخلاف من أغمي عليه فأن الاغماء قد يوجب نسيانه حال نفسه بعد الافاقة فبنى الامر فيه على الظاهر من حاله وهي وجود النية. وأشار بوجب القضاء فقط إلى عدم وجوب الكفارة لو أكل لانه غير صائم، وهذا عند أبي حنيفة، وعندهما كذلك إن أكل بعد الزوال، وإن أكل قبل الزوال تجب الكفارة لانه فوت إمكان التحصيل فصار كغاصب الغاصب قوله (ولو قدم مسافر أو طهرت حائض أو تسحر يظنه ليلا والفجر طالع أو أفطر كذلك والشمس حية أمسك يومه وقضى ولم يكفر كأكله عمدا بعد أكله ناسيا ونائمة ومجنونة وطئتا) لما قدمنا أن كل من صار أهلا للزوم ولم يكن كذلك في أول اليوم فإنه يجب عليه الامساك لانه وجب قضاء لحق الوقت لانه وقت معظم. وإنما وجب القضاء على المسافر والحائض لما تقدم أن أصل الوجوب ثابت عليهما، وإنما المتأخر وجوب الاداء بخلاف الصبي إذا بلغ والكافر إذا أسلم فإنه وإن وجب عليهما الامساك أيضا لم يجب القضاء لعدم الوجوب في حقهما أول الجزء من اليوم كما بيناه، وكذا لو تسحر وهو يظن بقاء الليل فبان خلافه أو أفطر ظانا زوال اليوم فبان خلافه وجب الامساك قضاء لحق الوقت بالقدر الممكن أو

[ 509 ]

نفيا للتهمة ووجب القضاء أيضا لانه حق مضمون بالمثل كما في المريض والمسافر، ولا كفارة في هاتين أيضا لان الجناية قاصرة وهي جناية عدم التثبت إلى أن يستيقن لا جناية الافطار لانه لم يقصد، ولهذا صرحوا بعدم الاثم عليه كما قالوا في القتل الخطأ لا إثم فيه، والمراد إثم القتل وصرح بأن فيه إثم ترك العزيمة والمبالغة في التثبت حالة الرمي. كذا في فتح القدير. أراد بالظن في قوله ظنه ليلا التردد في بقاء الليل وعدمه، سواء ترجح عنده شئ أو لا، فيدخل الشك فإن الحكم فيه لو ظهر طلوع الفجر عدم وجوب الكفارة كما لو ظن، والافضل له أن لا يتسحر مع الشك. وأراد بقوله والفجر طالع تيقن الطلوع لما في الفتاوى الظهيرية: ولو شك في ليلة مقمرة أو متغيمة في طلوع الفجر يدع الاكل والشرب لقوله عليه الصلاة والسلام دع ما يريبك إلى ما لا يريبك (1) ولو غلب على ظنه أنه أكل بعد طلوع الفجر لا قضاء عليه ما لم يخبره رجل عدل في أشهر الرواية. وذكر البقالي في كتاب الصلاة إذا غلب على ظنه أنه أحدث فلا وضوء عليه اه‍. وقيد بقوله والفجر طالع لانه لو ظن أو شك فتسحر ثم لم يتبين له شئ لم يفسد صومه لان الاصل بقاء الليل فلا يخرج بالشك. وقوله ليلا ليس بقيد لانه لو ظن الطلوع وأكل مع ذلك ثم تبين صحة ظنه فعليه القضاء ولا كفارة لانه بنى الامر على الاصل فلم تكمل الجناية، فلو قال ظنه ليلا أو نهارا لكان أولى وليس له أن يأكل لان غلبة الظن تعمل عمل اليقين، وإن أكل ولم يتبين له شئ قيل يقضيه احتياطا وصححه في غاية البيان ناقلا عن التحفة، وعلى ظاهر الرواية قيل لا قضاء عليه وصححه في الايضاح لان اليقين لا يزال إلا بمثله والليل أصل ثابت بيقين، وللمحقق في فتح القدير بحث فيه حسن حاصله أن المتيقن به

[ 510 ]

دخول الليل في الوجود، وأما الحكم ببقائه فهو ظني لان القول بالاستصحاب والامارة التي بحيث توجب عدم ظن بقاء الليل دليل ظني فتعارض دليلان ظنيان في قيام الليل وعدمه فيتها تران فيعمل الاصل وهي الليل وتمامه فيه. وأراد بالظن في قوله أو أفطر كذلك غلبة الظن لانه لو كان شاكا تجب الكفارة. كذا في المستصفى. ونقل في شرح الطحاوي فيه اختلافا بين المشايخ. وإن لم يتبين له شئ فعليه القضاء. وفي التبيين في وجوب الكفارة روايتان وإن تبين أنه أكل قبل الغروب وجبت الكفارة. وقيد بكونه ظن وجود المبيح لانه لو ظن قيام المحرم كأن ظن أن الشمس لم تغرب فأكل فعليه القضاء والكفارة إذا لم يتبين له شئ أو تبين أنه أكل قبل الغروب، وإن تبين أنه أكل بالليل فلا شئ عليه في جيمع ما ذكرنا. كذا في التبين. وفي البدائع ما يخالفه ولفظه: وإن كان غالب رأيه أنها لم تغرب فلا شك في وجوب القضاء عليه. واختلف المشايخ في وجوب الكفارة، فقال بعضهم تجب، وقال بعضهم لا تجب وهو الصحيح لان احتمال الغروب قائم فكانت الشبهة ثابتة وهذه الكفارة لا تجب مع الشبهة. فحاصله أنه إما أن يظن أو يشك، فإن ظن فلا يخلو إما أن يظن وجود المبيح أو قيام المحرم، فإن كان الاول فلا يخلو إما أن لا يتبين له شئ أو يتبين صحة ما ظنه أو بطلانه، وكل من الثلاثة إما أن يكون في ابتداء الصوم أو انتهائه فهي ستة. وإن شك أيضا فهي اثنا عشر في وجود المبيح، ومثلها في قيام المحرم فهي أربعة وعشرون، وقد علم أحكامها من المتن منطوقا ومفهوما فليتأمل. وأشار إلى أن التسحر ثابت واختلف فيه، فقيل مستحب، وقيل سنة واختار الاول في الظهيرية، والثاني في البدائع مقتصرا كل منهما عليه، ودليله حديث

[ 511 ]

الجماعة إلا أبا داود تسحروا فإن في السحور بركة (1) والسحور ما يؤكل في السحر وهو السدس الاخير من الليل. وقوله في السحور هو على حذف مضاف تقديره في أكل السحور بركة بناء على ضبطه بضم السين جمع سحر، فأما على فتحها وهو الاعرف في الرواية فهو اسم للمأكول في السحر كالوضوء بالفتح ما يتوضأ به. وقيل: يتعين الضم لان البركة ونيل الثوب إنما يحصل بالفعل لا بنفس المأكول. كذا في فتح القدير. ومحل الاستحباب ما إذا يتيقن بقاء الليل أو غلب على ظنه، أما إذا شك فالافضل أن لا يتسحر تحرزا عن المحرم ولم يجب عليه ذلك، ولو أكل فصومه تام لان الاصل هو الليل. كذا في الهداية. وفي الفتاوى الظهيرية: وإذا تسحر ثم ظهر أن الفجر طالع أثم وقضى اه‍. وهو بإطلاقه يتناول ما إذا غلب على ظنه بقاؤه فتسحر ثم تبين خلافه فإنه يأثم. وفي البدائع: وهل يكره الاكل مع الشك؟ روى هشام عن أبي يوسف أنه يكره، وروى ابن سماعة عن محمد أنه لا يكره، والصحيح قول أبي يوسف. وعن الهندواني أنه إذا ظهر علامات الطلوع من ضرب الدبادب والاذان يكره وإلا فلا، ولا تعويل على ذلك لانه مما يتقدم ويتأخر اه‍. والسنة في السحور التأخير لان معنى الاستعانة فيه أبلغ، وكذا تعجيل الفطر كذا في البدائع. والتعجيل المستحب التعجيل قبل اشتباك النجوم ذكره قاضيخان في شرح الجامع الصغير. ولم أر صريحا في كلامهم أن الماء وحده يكون محصلا لسنة السحور، وظاهر الحديث يفيده وهو ما رواه أحمد

[ 512 ]

عن أبي سعيد مسندا السحور كله بركة فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين (1) والبركة في الحديث لغة الزيادة والنماء، والزيادة فيه على وجوه: زيادة في القوة على أداء الصوم، وزيادة في إباحة الاكل واشرب وزيادة على الاوقات التي يستجاب فيها الدعاء كذا اذكره الكلاباذي وبينها في غاية البيان. وفي البزازية: ويستحب تعجيل الافطار إلا في يوم غيم، ولا يفطر ما لم يغلب على ظنه غروب الشمس وإن أذن المؤذن اه‍. وذكر قبله: شهداأنها غربت وآخران بأنها لم تغرب وأفطر ثم بان عدم الغروب قضى ولا كفارة عليبالاتفاق. شهدا على طلوع الفجر وآخر أن على عدم الطلوع فأكل ثم بان الطلوع قضى وكفر وفاقا لان البينات للاثبات لا للنفي حتى قبل شهادة المثبت لا النافي. ولوواحد على طلوعه وآخر أن على عدمه لا كفارة عليه. دخلوا عليه وهو يتسحر فقالوا إنه طالع فصدقهم فقال إذن أنا مفطر لا صائم، ثم دام على الاكل ثم بان أنه ما كان طالعا في أول الاكل وطالعا وقت الاكل الثاني قالالنسفي الحاكم: لا كفارة عليه لعدم نية الصوم، وإن كان المخبر واحدا عليه الكفارة لان خبر الواحد عدلا أولا في مثل هذا لا يقبل اه‍. وإنما لم تجب الكفارة بإفطاره عمدا بعد أكله أو شربه أو جماعه ناسيا لانه ظن في موضع الاشتباه بالنظير وهو الاكل عمدا لان الاكل مضاد للصوم ساهيا أو عامدا فأورث شبهة. وكذا فيه شبهة اختلاف العلماء فإن مالكا يقول بفساد قوم من أكل ناسيا زأطلقه فنشمل ما إذا علم بأنه لا يفطر بأن بلغه الحديث أم الفتوى أولا وهو قولابي حنيفة وهو الصحيح لان العلماء اختلفوا في قبول الحديث فإن فقهاء المدينة كما لك وغيره لم يقبلوه فصار شبهة لان قول الشافعي إذا كان موافقا للقياس يكون شبهة كقول الصحابي، وكذا لو ذرعه القئ فظن أنه يفطره فأفطر لا كفارة عليه لوجود شبهة الاشتباه بالنظير، فإن القئ والاستقاء متشابهان لان مخرجهما من الفم. وكذا لو احتلم للتشابه في قضاء الشهوة، وإن علم أن ذلك لا يفطره فعليه الكفارة لانه لم توجد شبهة الاشتباه ولا شبهة الاختلاف. وقيد بالنسيان لانه لو احتجم أو اغتاب فظن أنه يفطره ثم أكل إن لم يستفت فقيها ولا بلغه الخبر فعليه الكفارة لانه مجرد جهل وأنه ليس بعذر في دار الاسلام، وإن استفتى فقيها لا كفارة عليه لان العامي يجب عليه تقليد العالم إذا كان يعتمد على فتواه فكان معذورا فيما صنع، وإن كان المفتي مخطئا فيما أفتى وإن لم يستفت ولكن بلغه الخبر وهو قوله عليه الصلاة والسلام أفطر الحاجم والمحجوم (1) وقوله صلى الله عليه وسلم الغيبة تفطر الصائم ولم يعرف النسخ ولا تأويله فلا كفارة عليه عندهما لان ظاهر الحديث

[ 513 ]

واجب العمل به خلافا لابي يوسف لانه ليس للعامي العمل بالحديث لعدم علمه بالناسخ والمنسوخ. ولو لمس امرأة وقبلها بشهوة أو اكتحل فظن أن ذلك يفطره ثم أفطر فعليه الكفارة إلا إذا استفتى فقيها فأفتاه بالفطر أو بلغه خبر فيه. ولو نوى الصوم قبل الزوال ثم أفطر لم تلزمه الكفارة عند أبي حنيفة خلافا لهما. كذا في المحيط. وقد علم من هذا أن مذهب العامي فتوى مفتيه من غير تقييد بمذهب، ولهذا قال في فتح القدير: الحكم في حق العامي فتوى مفتيه. وفي البدائع: ولدهن شاربه فظن أنه أفطر فأكل عمدا فعليه الكفارة وإن استفتى فقيها أو تأول حديثلان هذا مما لا يشتبه وكذا لو اغتاب اه‍. وفي التبيين أن عليه عامة المشايخ وهي في الغيبة مخالف لما في المحيط، والظاهر ترجيح ما في المحيط للشبهة. وفي النهاية: ويشترط أن يكون المفتي ممن يؤخذ منه الفقه ويعتمد على فتواه في البلدة وحينئذ تصير فتواه شبهة ولا معتبر بغيره. وأما النائمة أو المجنونة إذا أكلتا بعدما جومعتا فلا كفارة عليهما لان الفساد حصل بالجماع قبل الاكل كالمخطئ ولا كفارة لعدم الجناية فالاكل بعده ليس بافساد وصورتها في النائمة ظاهر. وفي المجنونة بأن نوت الصوم ثم جنت بالنهار وهي صائمة فجامعها إنسان فإن الجنون لا ينافي الصوم إنما ينافي شرطه أعني النية وقد وجد في حال الافاقة فلا يجب قضاء ذلك اليوم إذا

[ 514 ]

أفاقت، فإذا جومعت قضته لطرو المفسد على صوم صحيح، وبهذا اندفع ما قيل إنها كانت في الاصل المجبورة أي المكرهة فصحفها الكاتب إلى المجنونة لامكان توجيهها كما ذكرناه والله سبحانه وتعالى أعلم. فصل. عقد لبيان ما يوجبه العبد على نفسه بعدما ذكر ما أوجبه الله تعالى عليه قوله (ومن نذر صوم يوم النحر أفطر وقضى) لانه نذر بصوم مشروع والنهي لغيره وهو ترك إجابة دعوة الله تعالى فيصح نذره لكن يفطر احترازا عن المعصية المجاورة ثم يقضي إسقاطا للواجب وإن صام فيه يخرج عن العهدة لانه أداه كما التزم. وأشار بصوم يوم النحر إلى كل صوم كره تحريما، وبالصوم إلى الاعتكاف، فلو نذر اعتكاف يوم النحر صح ولزمه الفطر والقضاء، فإن اعتكف فيه بالصوم صح كما في الولوالجية. وأراد بقوله أفطر على وجه الوجوب خروجا عن المعصية. وقوله في النهاية الافضل الفطر تساهل. وأطلق فشمل ما إذا قال لله علي صوم غد فوافق يوم النحر أو صرح فقال لله علي صوم يوم النحر وهو ظاهر الرواية لا فرق بين أن يصرح بذكر المنهي عنه أو لا. كذا في الكشف وغيره. واعلم بأنهم صرحوا بأن شرط لزوم النذر ثلاث يكون المنذور لبس بمعصية وكونه من جنسه واجب وكون الواجب مقصود النفسية قالوا فخرج بالاول النطر بالمعصية والثاني بمعصية المريض والثالث ما كان مقصودا لغيره حتى لو نذر الوضوء لكل صلاة لم يلزم، وكذا لو نذر سجدة التلاوة. وفي الواقعات: ولو نذر تكفين ميت لم يلزم لانه ليس بقربة مقصودة كالوضوء مع تصريحهم بصحة النذر بيوم النحر ولزومه، فعلم أنهم أرادوا باشتراط كونه ليس بمعصية كون المعصية باعتبار نفسه حتى لا ينفك شئ من أفراد الجنس عنها، وحينئذ لا يلزم لكنه ينعقد للكفارة حيث تعذر عليه الفعل ولهذا قالوا: لو أضاف النذر إلى سائر المعاصي كقوله لله علا أن أقتل فلانا كان يمينا ولزمته الكفارة بالحنث فلو فعل نفس المنذور عصى وانحل النذر كالحلف بالمعصية ينعقذ للكفارة، فلو فعل المعصية المحلوف عليها سقطت وأثم بخلاف ما إذا كان نذرا بطاعة كالحج والصلاة والصدقة فإن اليمين لا تلزم بنفس النذر إلا بالنية وهو الظاهر عن أبي حنيفة وبه يفتى. وصرح في النهاية بأن النذر لا يصح إلا بشروط ثلاثة في الاصل إلا إذا قام الدليل على خلافه: إحداها أن يكون الواجب من جنسه شرعا. والثاني أن يكون مقصودا لا

[ 515 ]

وسيلة. والثالث أن لا يكون واجبا عليه في الحال أو في ثاني الحال، فلذا لا يصح النذر بصلاة الظهر وغيرها من المفروضات لانعدام الشرط الثالث اه‍. فعلى هذا فالشرائط أربعة إلا أن يقال: إن النذر بصلاة الظهر ونحوها خرج بالشرط الاول إذ قولهم من جنسه واجب يفيد أن المنذور غير الواجب من جنسه وههنا عينه ولكن لا بد من رابع وهو أن لا يكون مستحيل الكون، فلو نذر صوم أمس أو اعتكاف شهر مضى لم يصح نذره كما في الولوالجية. وقيد بقوله إلا إذا قام الدليل على خلافه لانه لو قام الدليل على الوجوب من غير الشروط المذكورة يجب كالنذر بالحج ماشيا والاعتكاف وإعتاق الرقبة مع أن الحج بصفة المشي غير واجب، وكذا الاعتكاف، وكذا نفس الاعتاق من غير مباشرة سبب موجب للاعتاق. كذا في النهاية وفيه نظر، لان النذر بالحج ماشيا من جنسه واجب لان أهل مكة ومن حولها لا يشترط في حقهم الراحلة بل يجب المشي على كل من قدر منهم على المشي كما صرح به في التبيين في آخر الحج. وأما الاعتكاف وهو اللبث في مكان من جنسه واجب وهو القعدة الاخيرة في الصلاة، وأما الاعتاق فلا شك أن من جنسه واجبا وهو الاعتاق في الكفارة، وأما كونه من غير سبب فليس بمراد. قوله (وإن نوى يمينا كفر أيضا) أي مع القضاء تجب كفارة اليمين إذا أفطر وهذه المسألة على وجوه ستة: إن لم ينو شيأ، أو نوى النذر لا غير، أو نوى النذر ونوى أن لا يكون نذرا لانه نذر بصيغته كيف وقد قرره بعزيمته، وإن نوى اليمين ونوى أن لا يكون نذرا يكون يمينا محتمل كلامه وقد عينه ونفي غيره، وإن نواهما يكون نذرا ويمينا عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف يكون نذرا، ولو نوى اليمين فكذلك عندهما، وعند أبي يوسف يكون يمينا. لابي يوسف إن النذر فيه حقيقة واليمين مجاز حتى لا يتوقف الاول على النية ويتوقف الثاني فلا ينتظمهما لفظ واحد، ثم المجاز يتعين بنيته وعند نيتهما تترجح الحقيقة. ولهما أنها لا تنافي بين الجهتين لانهما يقضيان الوجوب إلا أن النذر يقتضيه لعينه واليمين لغيره فجمعنا بينهما عملا بالدليلين كما جمعنا بين جهتي التبرع والمعاوضة في الهبة بشرط العوض. كذا في الهداية، وتعقبه في فتح القدير بلزوم التنافي من جهة أخرى وهو أن الوجوب الذي يقتضيه اليمين وجوب يلزم

[ 516 ]

بترك متعلقه الكفارة والوجوب الذي هو موجب النذر ليس يلزم بترك متعلقه ذلك وتنافي اللوازم أقل ما يقتضي التغاير فلا بد أن لا يراد بلفظ واحد. واختار شمس الائمة السرخسي في الجواب أنه أريد بلفظ اليمين لله وأريد النذر به علي أن أصوم كذا وجواب القسم حينئذ محذوف مدلول عليه بذكر المنذور أي كأنه قال لله لاصومن وعلي أن أصوم. وعلى هذا لا يراد أن بنحو علي أن أصوم وتمامه في تحرير الاصول. وذكر المصنف في كافية بأنهما لما اشتركا في نفس الايجاب فإذا نوى اليمين يراد بهما الايجاب فيكون عملا بعموم المجاز لا جمعا بين الحقيقة والمجاز. وذكر الولوالجي في فتاواه: لو قال لله علي أن أصوم كل خميس فأفطر خميسا كفر عن يمينه إن أراد يمينا، ثم إذا أفطر خميسا آخر لم يكفر لان اليمين واحدة فإذا حنث فيها مرة لم يحنث مرة أخرى اه‍. قوله (ولو نذر صوم هذه السنة أفطر أياما منهية وهي يوما العيد وأيام التشريق وقضاها) لان النذر بالسنة المعينة نذر بهذه الايام لانها لا تخلو عنها والنذر بالايام المنهية صحيح مع الحرمة عندنا فكان قوله أفطر للايجاب كما قدمناه وبه صرح المصنف في كافيه، وقد وقع صاحب النهاية بالاولوية في التساهل أيضا كما قدمناه. ورتب قضاءها على إفطاره فيها ليفيد أنه لو صامها لا قضاء عليه لانه أداه كما التزمه كما قدمناه. م وأشار إلى أن المرأة لو نذرت صوم هذه السنة فإنها تقضي مع هذه الايام أيام حيضها لان السنة قد تخلو عن الحيض فصح الايجاب، وإلى أنها لو نذرت صوم الغد فوافق حيضها فإنها تقضيه بخلاف ما لو قالت لله علي صوم يوم حيضي لا قضاء لعدم صحته لاضافتة إلى غير محله بخلاف ما إذا قال لله علي صوم يوم النحر فإنه يقضيه إذا أفطر كما تقدم أنه ظاهر الرواية. والفرق أن الحيض وصف للمرأة لا وصف لليوم، وقد ثبت بالاجماع أن طهارتها شرط لادائه، فلما علقت النذر بصفة لا تبقي معها أهلا للاداء لم يصح لانه لا يصح إلا من الاهل كقوله لله علي أن أصوم يوم آكل. كذا في الكشف الكبير. وأشار إلى أنه لا يلزمه قضاء رمضان الذي صامه لانه لا يصح التزامه بالنذر لان صومه مستحق عليه بجهة أخرى، وإلى أنه لو لم يعين هذه السنة وإنما شرط التتابع فهو كما لو عينها فيقضي الايام الخمسة دون شهر رمضان لان المتابعة لا تعرى عنها لكن يقضيها في هذا الفصل موصولة تحقيقا للتتابع بقدر الامكان. وأطلق قضاء لزوم الايام المنهية فشمل ما إذا نذر بعد هذه الايام المنهية بأن نذر بعد أيام التشريق صو هذه السنة. وحمله في الغاية على ما إذا نذر قبل عيد الفطر، أما إذا قال في شوال لله علي صوم هذه السنة لا يلزمه قضاء يوم الفطر، وكذا لو قال بعد أيام التشريق لا يلزمه قضاء يومي العيدين وأيام التشريق بل يلزمه صيام ما بقي من السنة اه‍. ويدل على هذا الحمل قوله أفطر

[ 517 ]

أياما منهية إذ لا يتصور الفطر بعد المضي لكن قال الشارح الزيلعي: هذا سهو وقع من صاحب الغاية لان قوله هذه السنة عبارة عن اثني عشر شهرا من وقت النذر إلى وقت النذر، وهذه المدة لا تخلو عن هذه الايام فلا يحتاج إلى الحمل فيكون نذرا بها. ورده المحقق في فتح القدير وقال: إن هذا سهو وقع من الزيلعي لان المسألة كما هي في الغاية منقولة في الخلاصة وفتاوى قاضيخان في هذه السنة وهذا الشهر، ولان كل سنة عربية معينة عبارة عن مدة معينة لها مبتدأ ومختتم خاصان عند العرب مبدؤها المحرم وآخرها ذو الحجة. فإذا قال هذه فإنهما يفيد الاشارة إلى التي هو فيها، فحقيقة كلامه أنه نذر بالمدة المستقبلة إلى آخر ذي الحجة، والمدة الماضية التي مبدؤها المحرم إلى وقت التكلم فيلغو في حق الماضي كما يلغو في قوله لله علي صوم أمس. وهذا فرع يناسب هذا لو قال لله علي صوم أمس اليوم أو اليوم أمس لزمه صوم اليوم، ولو قال غداهذا اليوم أو هذا اليوم غدا لزمه صوم أول الوقتين تفوه به، ولو قال شهرا لزمه شهر كامل، ولو قال الشهر وجب بقية الشهر الذي هو فيه لان ذكر الشهر معرفا فينصرف إلى المعهود بالحضور، فإن نوى شهرا فهو على ما نوى لانه محتمل كلامه. ذكره في التجنيس وفيه تأييد لما في الغاية أيضا ا ه‍. ويؤيده ما في الفتاوى الظهيرية أيضا. ولو قال لله علي أن أصوم الشهر فعليه صوم بقية الشهر الذي هو فيه. وما في الفتاوى الولوالجي لو قال لله علي أن أصوم الشهر وجب عليه بقية الشهر الذي هو فيه لانه ذكر الشهر معرفا فينصرف إليه وإن نوى شهرا كاملا فهو كما نوى لانه نوى ما يحتمله اه‍. ويمكن حمل ما في الغاية على ما إذا لم ينو، وحمل ما ذكره الزيلعي على ما إذا نوى توفيقا وإن كان بعيدا. وبهذا ظهر أن ما ذكره في فتح القدير من كونه يلغو فيما مضى كما يلغو في قوله لله علي صوم أمس ليس بقوي لانه لو كان لغوا لما لزمه بنيته، ولا يصح تشبيهه بصوم الامس لانه لو نوى به صوم اليوم لا يصح ولا يلزمه لانه ليس محتمل كلامه كما لا يخفي. ويدل له ما في الفتاوى الظهيرية: ولو نذر صوم غد ونوى كل ما دار غد لا تصح نيته لان النية إنما تعمل في الملفوظ، ولو قال صوم يوم ونوى كلما

[ 518 ]

دار يوم صحت نيته وكذا يوم الخميس اه‍. وفي موضع آخر منها: ولو نذر بصوم شهر قد مضى لا يجب عليه وإن لم يعلم بمضيه لان المنذور به مستحيل الكون. وصرح الزيلعي في الاقالة بأن اللفظ لا يحتمل ضده. وقيد بكون السنة معينة لانها لو كانت منكرة فإن شرط التتابع فكالمعينة كما قدمناه وإلا فلا، فلا تدخل هذه الايام الخمسة ولا شهر رمضان وإنما يلزمه قدر السنة، فإذا صام سنة لزمه قضاء خمسة وثلاثين يوما لان صومه في هذه الخمسة ناقص فلا يجزئه عن الكامل، وشهر رمضان لا يكون إلا عنه فيجب القضاء بقدره. وينبغي أن يصل ذلك بما مضى، وإن لم يصل ذكر في بعض المواضع أنه لم يخرج عن العهدة وهذا غلط والصحيح أنه يخرج. كذا في فتاوى الولوالجي. وأطلقه فشمل ما إذا قصد ما تلفظ به أو لا، ولهذا ذكر الولوالجي في فتاواه: رجل أراد أن يقول لله علي صوم يوم فجرى على لسانه صوم شهر كان عليه صوم شهر، وكذا إذا أراد شيأ فجرى على لسانه الطلاق أو العتاق أو النذر لزمه ذلك لقوله عليه السلام ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: الطلاق والعتاق والنكاح (1) والنذر في معنى الطلاق والعتاق لانه لا يحتمل الفسخ بعد وقوعه اه‍. وفي الفتاوي الظهيرية: ولو نذر صوم يوم الاثنين أو الخميس فصام ذلك مرة كفاه إلا أن ينوي الابد، ولو أوجب صوم هذا اليوم شهرا أصام ما تكرر منه في ثلاثين يوما يعني إن كان ذلك اليوم يوم الخميس يصوم كل خميس حتى يمضي شهر فيكون الواجب صوم أربعة أيام أو خمسة أيام، وكذلك لو قال لله علي أن أصوم يوم الاثنين سنة. ولو قال لله علي يوما ويوما لزمه صوم يوم إلا أن ينوي الابد كما إذ قال لامرأته أنت طالق يوما ويوما لا. ولو قال لله علي أن أصوم كذا كذا يوما يلزمه صوم أحد عشر يوما وهذا مشكل، وكذا ينبغي أن يلزمه اثنا عشر لان كذا اسم عدد بدليل أنه لو قال لفلان علي كذا درهما يلزمه درهمان وقد جمع بين عددين ليس بينهما حرف العطف وأقله اثنا

[ 519 ]

عشر، ولو قال كذا وكذا يلزمه أحد وعشرون، ولو قال بضعة عشر يلزمه ثلاثة عشر، وسيأتي أجناس هذا في كتاب الاقرار. ولو قال لله علي أن أصوم جمعة، إن أراد بها أيام الجمعة أو لم تكن له نية يلزمه صوم سبعة أيام وإن أراد بها يوم الجمعة يلزمه يوم الجمعة لانه نوى حقيقة كلامه كما لو حلف أن لا يكلم فلانا يوما وأراد به بياض النهار صدق قضاء، ولو قال جمع هذا الشهر فعليه أن يصوم كل يوم جمعة تمر في هذا الشهر. قال شمس الائمة السرخسي: هذا هو الاصح، ولو قال صوم أيام الجمعة فعليه صوم سبعة أيام، ولو قال لله علي أن أصوم السبت ثمانية أيام لزمه صوم سبتين، ولو قال لله علي أن أصوم السبت سبعة أيام لزمه صوم سبعة أسبات لان السبت في سبعة أيام لا يتكرر فحمل كلامه على عدد الاسبات بخلاف الثمانية لان السبت فيها يتكرر، ولو أوجب على نفسه صوما متتابعا فصامه متفرقا لم يجز، وعلى عكسه جاز. ولو قال لله علي أن أصوم يوم الذي يقدم فيه فلان فقدم فيه فلان بعدما أكل أو كانت الناذرة امرأة فحاضت لا يجب شئ في قول محمد وعلى قياس قول أبي حنيفة يجب القضاء. ولو قدم بعد الزوال لا يلزمه شئ في قول محمد ولا رواية فيه عن غيره. ولو قال لله علي أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان شكرا لله تعالى وأراد به اليمين فقدم فلان في يوم من رمضان كان عليه كفارة اليمين ولا قضاء عليه لانه لم يوجد شرط البر وهو الصوم بنية الشكر، ولو قدم فلان قبل أن ينوي صوم رمضان فنوى به عن الشكر ولا ينوي به عن رمضان بر في يمينه لوجود شرط البر وهو الصوم بنية الشكر وأجزأه عن رمضان كما لو صام رمضان بنية التطوع وليس عليه قضاؤه. ولو قال لله علي مثل شهر رمضان، فإن أراد مثله في الوجوب فله أن يفرق، وإن أراد به في التتابع فعليه أن يتابع وإن لم يكن له نية فله أن يصوم متفرقا لانه محتمل لهما فكان له الخيار. ولو قال لله علي أن أصوم عشرة أيام متتابعات فصام خمسة عشر يوما وأفطر يوما لا يدري أن يوم الافطار من الخمسة أو من العشرة فإنه يصوم خمسة أيام أخر متتابعات فيوجد عشرة متتابعة. ولو قال لله علي صوم نصف يوم لا يصح بخلاف نصف ركعة حيث يصح عند محمد، ونصف حج لا يصح. ولو نذر صوم شهرين متتابعين من يوم قدوم فلان فقدم في شعبان بنى بعد رمضان كما في الحيض. ولو قال إن عوفيت صمت كذا لم يجب عليه حتى يقول لله علي وهذا قياس، وفي الاستحسان يجب، فإن لم يكن تعليق لا يجب عليه قياسا ولا استحسانا نظيره ما إذا قال أنا أحج لا شئ عليه. ولو قال إن فعلت كذا فأنا أحج ففعل يلزمه ذلك.

[ 520 ]

ولو قال لله علي صوم آخر يوم من أول الشهر وأول يوم من آخر الشهر لزمه الخامس عشر والسادس عشر. الكل من الظهيرية والولوالجية والخانية وزاد الولوالجي فروعا وبعضها في الخانية وهي: ولو قال لله علي أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان أبدا فقدم فلان ليلا لم يجب عليه شئ لان اليوم إذا قرن به ما يختص بالنهار كالصوم يراد به بياض النهار، وإذا كان كذلك لم يوجد الوقت الذي أوجب فيه الصوم وهو النهار ولو قدم يوما قبل الزوال ولم يأكل صامه وإن قدم قبل الزوال وأكل فيه أو بعد الزوال ولم يأكل فيه صام ذلك اليوم في المستقبل ولا يصوم يومه ذلك لان المضاف إلى الوقت عند وجود الوقت كالمرسل، ولو أرسل كان الجواب هكذا. ولو نذر صوما في رجب أو صلاة فيه جاز عنه قبله في قول أبي يوسف لانه إضافة خلافا لمحمد. وإن كان معلقا بالشرط بأن قال إذا جاء شهر رجب فعلي أن أصوم لا يجوز قبله لان المعلق بالشرط لا يكون سببا قبل الشرط، ويجوز تعجيل الصدقة المضافة إلى وقت كالزكاة. ولو قال لله علي صوم هذا الشهر يوما لزمه صوم ذلك الشهر بعينه متى شاء موسعا عليه إلى أن يموت لان الشهر لا يتصور أن يكون يوما حقيقة وهو بياض النهار فحمل على الوقت فصار كما لو قال لله علي أن أصوم هذا الشهر وقتا من الاوقات. ولو قال لله علي صيام أيام ولا نية له كان عليه صيام عشرة أيام عند أبي حنيفة، وعندهما سبعة أيام. ولو قال لله علي صيام أيام لزمه صوم ثلاثة لانه جمع قليل، ولو قال صيام الشهور فعشرة، وقالا صيام اثنى عشر شهرا. ولو قال لله علصيام السين لزمه صيام الدهر إلا أن ينوي ثلاثا فيكون ما نوى ولو قال لله علي صيام الزمن والحين ولا نية له كان على ستة أشهر. والزمن مثل الحين في العرف ولا عللابي حنيفة بصيام دهر إذا نذره. وقالا: على ستة أشهر. الكل من الولوالجي. وفي الكافي: لا يختص نذر غير معلق بزمان ومكان ودرهم وفقير اه‍. وقد قدمنا أن النذر لا يصح بالمعصية للحديث لا نذر في معصية الله تعالى فقال الشيخ قاسم في شرح الدرر: وأما النذر الذي ينذره أكثر العوام على ما هو مشاهد كأن يكون لانسان غائب أو مريض أو له حاجة ضرورية فيأتي بعض الصلحاء فيجعل ستره على رأسه فيقول يا سيدي فلان إن رد غائبي أو عوفي مريضي أو قضيت حاجتي فلك من الذهب كذا أو من الفضة كذا أو من الطعام كذا أو من الماء كذا أو من الشمع كذا أو من الزيت كذا، فهذا النذر باطل بالاجماع لوجوه منها: أنه نذر مخلوق والنذر للمخلوق لا يجوز لانه عبادة والعبادة لا تكون للمخلوق. ومنها أن المنذور له ميت والميت لا يملك. ومنها إن ظن أن الميت يتصرف في الامور دون الله تعالى واعتقاده ذلك كفر اللهم إلا أن قايا الله إني نذرت

[ 521 ]

لك إن شفيت مريضي أو رددت غائبي أو قضيت حاجتي أن أطعم الفقراء الذين بباب السيدة نفيسة أو الفقراء الذين بباب الامام الشافعي أو الامام الليث أو أشتري حصرا لمساجدهم أو زيتا لوقودها أو دراهم لمن يقوم بشعائرها إلى غير ذلك مما يكون فيه نفع للفقراء والنذر لله عزوجل. وذكر الشيخ إنما هو محل لصرف النذر لمستحقيه القاطنين برباطه أو مسجده أو جامعه فيجوز بهذا الاعتبار إذ مصرف النذر الفقراء وقد وجد المصرف، ولا يجوز أن يصرف ذلك لغني غير محتاج ولا لشريف منصب لانه لا يحل له الاخذ ما لم يكن محتاجا فقيرا، ولا لذي النسب لاجل نسبه ما لم يكن فقيرا، ولا لذي علم لاجل علمه ما لم يكن فقيرا. ولم يثبت في الشرع جواز الصرف للاغنياء للاجماع على حرمة النذر للمخلوق ولا ينعقد ولا تشتغل الذمة به ولانه حرام بل سحت. ولا يجوز لخادم الشيخ أخذه ولا أكله ولا التصرف فيه بوجه من الوجوه إلا أن يكون فقيرا أو له عيال فقراء عاجزون عن الكسب وهم مضطرون فيأخذونه على سبيل الصدقة المبتدأة، فأخذه أيضا مكروه ما لم يقصد به الناذر التقرب إلى الله تعالى وصرفه إلى الفقراء ويقطع النظر عن نذر الشيخ، فإذا علمت هذا فما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت وغيرها وينقل إلى ضرائح الاولياء تقربا إليهم فحرام بإجماع المسلمين ما لم يقصدوا بصرفها للفقراء الاحياء قولا واحدا اه‍. قوله: (ولا قضاء إن شرع فيها فأفطر) أي إن شرع في صوم الايام المنهية ثم أفسده فلا قضاء عليه، وعن أبي يوسف ومحمد في النوادر أن عليه القضاء لان الشروع ملزم كالنذر وصار كالشروع في الصلاة في الوقت المكروه، والفرق لابي حنيفة وهو ظاهر الرواية أن بنفس الشروع في الصوم يسمى صائما حتى يحنث به الحالف على الصوم فيصير مرتكبا للنهي فيجب إبطاله ولا تجب صيانته، ووجوب القضاء يبتني عليه ولا يصير مرتكبا للنهي بنفس النذر وهو الموجب، ولا بنفس الشروع في الصلاة حتى يتم ركعة ولهذا لا يحنث له الحالف على الصلاة فيجب صيانة المؤدي فيكون مضمونا بالقضاء. وعن أبي حنيفة أنه لا يجب القضاء في فصل الصلاة أيضا والاظهر هو الاول. كذا في الهداية. وتعقب في فتح القدير والتحرير بأنه يقتضي أنه لو قطع بعد السجدة لا يجب قضاؤها والجواب مطلق في الوجوب. وحينئذ فالوجه أن لا يصح الشروع لانتفاء فائدته من الاداء والقضاء ولا مخلص إلا بجعل الكراهة

[ 522 ]

تنزيهية ا ه‍. ولنا مخلص مع جعلها تحريمية كما هو المذهب بأن يقال: لما شرع في الصلاة لم يكن مرتكبا للمنهي عنه فوجب عليه المضي وحرم القطع بقوله تعالى * (ولا تبطلوا أعمالكم) * (محمد: 33) فلما قيدها بسجدة حرم عليه المضي فتعارض محرمان ومع أحدهما وجوب فتقدم حرمة القطع والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. باب الاعتكاف ذكره بعد الصوم لما أنه من شرطه كما سيأتي، والشرط يقدم على المشروط. وهو لغة افتعال من عكف إذا دام من باب طلب، وعكفه حبسه ومنه * (والهدي معكوفا) * (الفتح: 25) وسمي به هذا النوع من العبادة لانه إقامة في المسجد مع شرائط. كذا في المغرب وفي الصحاح: الاعتكاف الاحتباس. وفي النهاية إنه متعد فمصدره العكف، ولازم فمصدره العكوف. فالمعتدي بمعنى الحبس والمنع ومنه قوله تعالى * (والهدى معكوفا) * (الفتح: 25) ومنه الاعتكاف في المسجد. وأما اللازم فهو الاقبال على الشئ بطريق المواظبة ومنه قوله تعالى * (يعكفون على أصنام لهم) * () وشرعا اللبث في المسجد مع نيته، فالركن هو اللبث. والكون في المسجد والنية شرطان للصحة، وأما الصوم فيأتي. ومنها الاسلام والعقل والطهارة عن الجنابة والحيض والنفاس، وأما البلوغ فليس بشرط حتى يصح اعتكاف الصبي العاقل كالصوم، وكذا الذكورة والحرية فيصح من المرأة والعبد بإذن الزوج والمولى ولو نذرا فلمن له الاذن المنع ويقضيانه بعد زوال الولاية بالطلاق البائن والعتق، وأما المكاتب فليس للمولى منعه ولو تطوعا، ولو أذن لها به لم يكن له رجوع لكونه ملكها منافع الاستمتاع بها وهي من أهل الملك بخلاف المملوك لانه ليس من أهله وقد أعاره منافعه وللمعير الرجوع لكنه يكره لخلف الوعد. كذا في البدائع وفيه بحث، لانه لا حاجة إلى التصريح بالاسلام والعقل لما أنهما علما من اشتراط النية لان الكافر والمجنون ليسا بأهل لها. وأما الطهارة من الجنابة فينبغي أن تكون شرطا للجواز بمعنى الحل كالصوم لا للصحة كما صرح به. وأما

[ 523 ]

صفته فالسنية كما ذكره على كلام فيه يأتي، وأما سببه فالنذر إن كان واجبا والنشاط الداعي إلى طلب الثواب إن كان تطوعا، وأما حكمه فسقوط الواجب ونيل الثواب إن كان واجبا، والثاني فقط إن كان نفلا وسيأتي ما يفسده ويكره فيه ويحرم ويندب ومحاسنه كثيرة لان فيه تفريغ القلب عن أمور الدنيا وتسليم النفس إلى المولى والتحصن بحصن حصين وملازمة بيت رب كريم فهو كمن احتاج إلى عظيم فلازمه حتى قضي مآربه فهو يلازم بيت ربه ليغفر له. كذا في الكافي. وفي الاختيار: وهو من أشرف الاعمال إذا كان عن إخلاص. قوله: (سن لبث في مسجد بصوم ونية) أي ونية اللبث الذي هو الاعتكاف. وقد أشار المصنف إلى صفته وركنه وشرائطه. أما الاول فهو السنية وهكذا في كثير من الكتب، وفي القدوري الاعتكاف مستحب، وصحح في الهداية أنه سنة مؤكدة، وذكر الشارح أن الحق انقسامه إلى ثلاثة أقسام: واجب وهو المنذور، وسنة وهو في العشر الاخير من رمضان، ومستحب وهو في غيره من الازمنة. وتبعه المحقق في فتح القدير، والاظهر أنه سنة في الاصل كما اقتصر عليه في المتن تبعا لما صرح به في البدائع وهي مؤكدة وغير مؤكدة. وأطلق عليها الاستحباب لانها بمعناه، وأما الواجب فهو بعارض النذر. وفي البدائع إنه يجب بالشروع أيضا، ولا يخفي أنه مفرع على ضعيف وهو اشتراط زمن للتطوع، وأما على المذهب من أن أقل النفل ساعة فلا، والدليل على تأكده في العشر الاخير مواظبته عليه السلام عليه فيه كما في الصحيحين ولهذا قال الزهري: عجبا للناس كيف تركوا الاعتكاف وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل الشئ ويتركه ولم يترك الاعتكاف منذ دخل المدينة إلى أن مات. فهذه المواظبة المقرونة بعدم الترك مرة لما اقترنت بعدم الانكار على من لم يفعله من الصحابة كانت دليل السنية وإلا كانت دليل الوجوب. كذا في فتح القدير. ولا يخفى أن المواظبة قد اقترنت

[ 524 ]

بالترك وهو ما يفيده الحديث من أنه اعتكف العشر الاخير من رمضان فرأى خياما وقبابا مضروبة فقال: لمن هذا؟ قال: لعائشة وهذا لحفصة وهذا لسودة، فغضب وقال: أترون البر بهذا فأمر بأن تنزع قبته فنزعت ولم يعتكف فيه ثم قضي في شوال. وقد يقال: إن الترك هنا لعذر كما صرح به الفتاوي الظهيرية وقد قدمنا في المواظبة كلاما حسنا في سنن الوضوء فارجع إليه. ولا فرق في المنذور بين المنجز والمعلق. وأشار باللبث إلى ركنه، وبالمسجد والصوم والنية إلى شرائطه لكن ذكره الصوم معها لا ينبغي لانه لا يمكن حمله على المنذور لتصريحه بالسنية، ولا على غيره لتصريحه بعد أن أقله نفلا ساعة فلزم أن الصوم ليس من شرطه. فإن قلت: يمكن حمله على الاعتكاف المسنون سنة مؤكدة وهو العشر الاخير من رمضان فإن الصوم من شرطه حتى لو اعتكفه من غير صوم لمرض أو سفر ينبغي أن لا يصح. قلت: لا يمكن لتصريحهم بأن الصوم إنما هو شرط في المنذور فقط دون غيره، وفرعوا عليه بأنه لو نذر اعتكاف ليلة لم يصح لان الصوم من شرطه والليل ليس بمحل له، ولو نوى اليوم معها لم يصح. كذا في الظهيرية. عن أبي يوسف: إن نوى ليلة بيومها لزمه ولم يذكر محمد هذا التفصيل. ولو قال لله علي أن أعتكف ليلا ونهارا لزمه أن يعتكف ليلا ونهارا وإن لم يكن الليل محلا للصوم لان الليل يدخل فيه تبعا، ولا يشترط للتبع ما يشترط للاصل ولو نذر اعتكاف يوم قد أكل فيه لم يصح ولم يلزمه شئ لانه لا يصح بدون الصوم، وسيأتي بقية تفاريع النذر. ومن تفريعاته هنا أنه لو أصبح صائما متطوعا أو غيرنا وللصوم ثم قال لله علي أن أعتكف هذا اليوم لا يصح وإن كان في وقت تصح فيه نية الصوم لعدم استيفاء النهار، وتمامه في فتح القدير: وفي الفتاوي الظهيرية: ولو قال علي أن أعتكف

[ 525 ]

شهرا بغير صوم فعليه أن يعتكف ويصوم وقد علم من كون الصوم شرطا أنه يراعي وجوده لا إيجاده للمشروط له قصدا فلو نذر اعتكاف شهر رمضان لزمه وأجزأه صوم رمضان عن صوم الاعتكاف، وإن لم يعتكف قضى شهرا بصوم مقصود لعود شرطه إلى الكمال، ولا يجوز اعتكافه في رمضان آخر ويجوز في قضاء رمضان الاول والمسألة معروفة في الاصول في بحث الامر. قوله: (وأقله نفلا ساعة) لقول محمد في الاصل: إذا دخل المسجد بنية الاعتكاف فهو معتكف ما أقام تارك له إذا خرج فكان ظاهر الرواية، واستنبط المشايخ منه أن الصوم ليس من شرطه على ظاهر الرواية لان مبني النفل على المسامحة حتى جازت صلاته قاعدا أو راكبا مع قدرته على الركوب والنزول. ونظر فيه المحقق في فتح القدير بأنه لا يمتنع عند العقل القول بصحة اعتكاف ساعة مع اشتراط الصوم له وإن كان الصوم لا يكون أقل من يوم. وحاصله أن من أراد أن يعتكف فليصم، سواء كان يريد اعتكاف يوم أو دونه، ولا مانع من اعتبار شرط يكون أطول من مشروطه ومن ادعاه فهو بلا دليل، فهذا الاستنباط غير صحيح بلا موجب فالاعتكاف لا يقدر شرعا بكمية لا تصح دونها كالصوم بل كل جزء منه لا يفتقر في كونه عبادة إلى الجزء الآخر ولم يستلزم تقدير شرطه تقديره ا ه‍. ولا يخفى أن ما ادعاه أمر عقلي مسلم، وبهذا لا يندفع ما صرح به المشايخ الثقات من أن ظاهر الرواية أن الصوم ليس من شرطه، وممن صرح به صاحب المبسوط وشرح الطحاوي وفتاوي قاضيخان والذخيرة والفتاوي الظهيرية والكافي للمصنف والبدائع والنهاية وغاية البيان والتبيين

[ 526 ]

وغيرهم، والكل مصرحون بأن ظاهر الرواية أن الصوم ليس من شرطه لكن وقع لصاحب المبسوط أنه قال: وفي ظاهر الرواية يجوز النفل من الاعتكاف من غير صوم فإنه قال في الكتاب: إذا دخل المسجد بنية الاعتكاف فهو معتكف ما أقام تارك له إذا خرج، وظاهره أن مستند ظاهر الرواية ما ذكره في الكتاب. ولا يمتنع أن يكون مستنده صريحا آخر بل هو الظاهر لنقل الثقات، وعبارة البدائع: وأما اعتكاف التطوع فالصوم ليس بشرط لجوازه في ظاهر الرواية، وروي الحسن أنه شرط، واختلاف الرواية فيه مبني على اختلاف الرواية في اعتكاف التطوع أنه مقدر بيوم أو غير مقدر. ذكر محمد في الاصل أنه غير مقدر فلم يكن الصوم شرطا لان الصوم مقدر بيوم إذ صوم بعض اليوم ليس بمشروع فلا يصلح شرطا لما ليس بمقدر ا ه‍. وهي تفيد أن ظاهر الرواية مروي لا مستنبط، وأشار إلى أنه لو شرع في النفل ثم قطعه لا يلزمه القضاء في ظاهر الرواية لانه غير مقدر فلم يكن قطعه إبطالا، وقد ذكروا في الحيض أن الساعة اسم لقطعة من الزمن عند الفقهاء ولا يختص بخمسة عشر درجة كما يقوله أهل الميقات فكذا هنا. وأطلق في المسجد فأفاد أن الاعتكاف يصح في كل مسجد وصححه في غاية البيان لاطلاق قوله تعالى * (وأنتم عاكفون في المساجد) * (البقرة: 187) وصحح قاضيخان في فتاواه أنه يصح في كل مسجد له أذان وإقامة. واختار في الهداية أنه لا يصح إلا في مسجد الجماعة، وعن أبي يوسف تخصيصه بالواجب أما في النفل فيجوز في غير مسجد الجماعة. ذكره في النهاية. وصحح في فتح القدير عن بعض المشايخ ما روي عن أبي حنيفة أن كل مسجد له إمام ومؤذن معلوم ويصلي فيه الخمس بالجماعة يصح الاعتكاف فيه. وفي الكافي: أراد به أبو حنيفة غير الجامع فإن الجامع يجوز الاعتكاف فيه وإن لم يصلوا فيه الصلوات كلها. ويوافقه ما في غاية البيان عن الفتاوي: يجوز الاعتكاف في الجامع وإن لم يصلوا فيه بالجماعة. وهذا كله لبيان الصحة، وأما الافضل فإن يكون في المسجد الحرام ثم في مسجد المدينة وهو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم مسجد بيت المقدس، ثم مسجد الجامع ثم المساجد العظام التي كثر أهلها. كذا في البدائع وشرح الطحاوي. وظاهره أن المجاورة بمكة ليس بمكروه، والمروي عن أبي حنيفة الكراهة، وعلى قولهما لا بأس به

[ 527 ]

وهو الافضل. قال في النهاية: وعليه عمل الناس اليوم إلا أن يقال: إن مرادهم الاعتكاف فيه في أيام الموسم فلا يدل على المسألة. قوله: (والمرأة تعتكف في مسجد بيتها) يريد به الموضع المعد للصلاة لانه أستر لها. قيد به لانها لو اعتكفت في غير موضع صلاتها من بيتها، سواء كان لها موضع معد أو لا، لا يصح اعتكافها. وأشار بقوله تعتكف دون أن يقول يجب عليها إلى أن اعتكافها في مسجد بيتها أفضل فأفاد أن اعتكافها في مسجد الجماعة جائز وهو مكروه، ذكره قاضيخان وصححه في النهاية: وظاهر ما في غاية البيان أن ظاهر الرواية عدم الصحة. وفي البدائع أن اعتكافها في مسجد الجماعة صحيح بلا خلاف بين أصحابنا، والمذكور في الاصل محمول على نفي الفضيلة لا نفي الجواز. وأشار بجعله كالمسجد إلا أنها لو خرجت منه ولو إلى بيتها بطل اعتكافها إن كان واجبا وانتهى إن كان نفلا. والفرق بينهما أنها تثاب في الثاني دون الاول وهكذا في الرجل. وفي الفتاوي الظهيرية: ولو نذرت المرأة اعتكاف شهر فحاضت تقضي أيام حيضها متصلا بالشهر وإلا استقبلت، وقد تقدم أنها لا تعتكف إلا بإذن زوجها إن كان لها زوج ولو واجبا. وفي المحيط: ولو أذن لها في الاعتكاف فأرادت أن تعتكف متتابعا فللزوج أن يأمرها بالتفريق لانه لم يأذن. لها في الاعتكاف متتابعا لا نصا ولا دلالة، ولو أذن لها في اعتكاف شهر أو صوم شهر بعينه فاعتكفت أو صامت فيه متتابعا ليس له منعها لانه أذن لها في التتابع ضرورة أنه متتابع وقوعا. قوله: (ولا يخرج منه إلا لحاجة شرعية كالجمعة أو طبيعية كالبول والغائط) أي لا يخرج المعتكف اعتكافا واجبا من مسجده إلا لضرورة مطلقة لحديث عائشة: كان عليه السلام لا يخرج من معتكفه إلا لحاجة الانسان ولانه معلوم وقوعها، ولا بد من الخروج في بعضها فيصير الخروج لها مستثنى، ولا يمكث بعد فراغه من الطهور لان ما ثبت بالضرورة يتقدر بقدرها، وأما الجمعة فإنها من أهم حوائجه وهي معلومة وقوعها ويخرج حين تزول الشمس لان الخطاب يتوجه بعده، وإن كان منزله بعيدا عنه يخرج في وقت يمكنه إدراكها وصلاة أربع قبلها، وركعتان تحية المسجد يحكم في ذلك رأيه أن يجتهد في خروجه على إدراك سماع الجمعة لان السنة إنما تصلي قبل خروج الخطيب. كذا قالوا مع تصريحهم بأنه إذا شرع في الفريضة حين دخل المسجد أجزأه عن تحية المسجد لان التحية تحصل بذلك فلا حاجة إلى تحية

[ 528 ]

غيرها في تحقيقها وكذا السنة. فما قالوه هنا من صلاة التحية ضعيف ويصلي بعدها السنة أربعا على قوله، وستا على قولهما. ولو أقام في الجامع أكثر من ذلك لم يفسد اعتكافه لانه موضع الاعتكاف إلا أنه يكره لانه التزم أداءه في مسجد واحد فلا يتمه في مسجدين من غير ضرورة، وقد ظهر بما ذكروه أن الاربع التي تصلى بعد الجمعة وينوي بها آخر ظهر عليه لا أصل لها في المذهب لانهم نصوا هنا على أن المعتكف لا يصلي إلا السنة البعدية فقط، ولان من اختارها من المتأخرين فإنما اختارها للشك في أن جمعته سابقة أولا بناء على عدم جواز تعددها في مصر واحد، وقد نص الامام شمس الائمة السرخسي على أن الصحيح من مذهب أبي حنيفة جواز إقامتها في مصر واحد في مسجدين فأكثر - قال - وبه نأخذ. وفي فتح القدير وهو الاصح فلا ينبغي الافتاء بها في زماننا لما أنهم تطرقوا منها إلى التكاسل عن الجمعة بل ربما وقع عندهم أن الجمعة ليست فرضا وإن الظهر كاف، ولا خفاء في كفر من اعتقد ذلك فلذلك نبهت عليها مرارا. قيدنا يكون الاعتكاف واجبا لانه لو كان نفلا فله الخروج لانه منه له لا مبطل كما قدمناه، ومراده يمنع الخروج الحرمة يعني يحرم على المعتكف الخروج ليلا أو نهارا. وصرح بالحرمة صاحب المحيط وأفاد أنه لا يخرج لعيادة المريض وصلاة الجنازة لعدم الضرورة المطلقة للخروج. كذا في غاية البيان. وفي المحيط: ولو أحرم المعتكف بحجة أو عمرة أقام في اعتكافه إلى أن يفرغ منه ثم يمضي في إحرامه لانه أمكنه إقامة الامرين، فإن خاف فوت

[ 529 ]

الحج يدع الاعتكاف ويحج ثم يستقبل الاعتكاف لان الحج أهم من الاعتكاف لانه يفوت بمضي يوم عرفة وإدراكه في سنة أخرى موهوم، وإنما يستقبله لان هذا الخروج وإن وجب شرعا فإنما وجب بعقده وإيجابه. وعقده لم يكن معلوم الوقوع فلا يصير مستثنى عن الاعتكاف. وأشار إلى أنه لو خرج لحاجة الانسان ثم ذهب لعيادة المريض أو لصلاة الجنازة من غير أن يكون لذلك قصد فإنه جائز بخلاف ما إذا خرج لحاجة الانسان ومكث بعد فراغه أنه ينتقض اعتكافه عند أبي حنيفة، قل أو كثر، وعندهما لا ينتقض ما لم يكن أكثر من نصف يوم. كذا في البدائع. قوله: (فإن خرج ساعة بلا عذر فسد) لوجود المنافي. أطلقه فشمل القليل والكثير وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: لا يفسد إلا بأكثر من نصف يوم وهو الاستحسان لان في القليل ضرورة - كذا في الهداية - وهو يقتضي ترجيح قولهما. ورجح المحقق في فتح القدير قوله لان الضرورة التي يناط بها التخفيف اللازمة أو الغالبة وليس هنا كذلك، وأراد بالعذر ما يغلب وقوعه كالمواضع التي قدمها وإلا لو أريد مطلقه لكان الخروج ناسيا أو مكرها غير مفسد لكونه عذرا شرعيا وليس كذلك بل هو مفسد كما صرحوا به. وبما قررناه ظهر القول بفساده فيما إذا خرج لانهدام المسجد أو لتفرق أهله أو أخرجه ظالم أو خاف على متاعه كما في فتاوي قاضيخان والظهيرية خلافا للشارح الزيلعي أو خرج لجنازة وإن تعينت عليه أو لنفير عام أو لاداء شهادة أو لعذر المرض أو لانقاذ غريق أو حريق، ففرق الشارح هنا بين هذه المسائل حيث جعل بعضها مفسدا والبعض لا، تبعا لصاحب البدائع مما لا ينبغي. نعم الكل عذر مسقط للاثم بل قد يجب عليه الافساد إذا تعينت عليه صلاة الجنازة أو أداء الشهادة بأن كان ينوي حقه إن لم يشهد أولا نجاء غريق ونحوه، والدليل على ما ذكره القاضي ما ذكره الحاكم في كافيه بقوله: فأما في قولابي حنيفة فاعتكافه فاسد إذا خرج ساعة لغير غائط أو بول أو جمعة ا ه‍. فكان مفسرا للعذر المسقط للفساد. وفي فتاوي قاضيخان والولوالجي: وصعود المئذنة إن كان بابها في المسجد لا يفسد الاعتكاف، وإن كان الباب خارج المسجد فكذلك في ظاهر الرواية. قال بعضهم: هذا في المؤذن لان خروجه للاذان يكون مستثنى عن الايجاب، أما في غير المؤذن فيفسد الاعتكاف، والصحيح أن هذا قول الكل في حق الكل لانه خرج لاقامة سنة الصلاة وسنتها تقام في موضعها فلا تعتبر خارجا ا ه‍. وفي

[ 530 ]

التبيين: ولو كانت المرأة معتكفة في المسجد فطلقت لها أن ترجع إلى بيتها وتبني على اعتكافها ا ه‍. وينبغي أن يكون مفسدا على ما اختاره القاضي لانه لا يغلب وقوعه، وأراد بالخروج انفصال قدميه احترازا عما إذا خرج رأسه إلى داره فإنه لا يفسد اعتكافه لانه ليس بخروج، إلا ترى أنه لو حلف أنه لا يخرج من الدار ففعل ذلك لا يحنث. كذا في البدائع. وقد علمت أن الفساد لا يتصور إلا في الواجب وإذا فسد وجب عليه القضاء بالصوم عند القدرة جبرا لما فاته إلا في الردة خاصة غير أن المنذور به إن كان اعتكاف شهر بعينه يقضي قدر ما فسد لا غير، ولا يلزمه الاستقبال كالصوم المنذور بشهر بعينه إذا أفطر يوما وجب قضاؤه ولا يلزمه الاستقبال كما في صوم رمضان، وإن كان اعتكاف شهر بغير عينه يلزمه الاستقبال لانه لزمه متتابعا فيراعي فيه صفة التتابع، وسواء فسبصنعه بغير عذر كالخروج والجماع والاكل والشرب في النهار إلا الردة. أو فسد بصنعه لعذر كما إذا مرض فاحتاج إلى الخروج فخرج أو بغير صنعه رأسا كالحيض والجنون والاغماء الطويل. والقياس في الجنون الطويل أن يسقط القضاء كما في صوم رمضان إلا أن في الاستحسان يقضي لانه لا حرج في قضاء الاعتكاف. كذا في البدائع. وبهذ علم أن مفسداته عى ثلاثة أقسام، ولا يفسد الاعتكاف سباب ولا جدال ولا سكر في الليل. قوله: (وأكله وشربه ونومه ومبايعته فيه) يعني يفعل المعتكف هذه الاشياء في المسجد، فإن خرج لاجلها بطل اعتكافه لانه لا ضرورة إلى الخروج حيث جازت فيه. وفي الفتاوي الظهيرية: وقيل يخرج بعد الغروب للاكل والشرب ا ه‍. وينبغي حمله على ما إذا لم يجد من يأتي له به فحينئذ يكون من الحوائج الضرورة كالبول والغائط. وأراد بالمبايعة البيع والشراء وهو الايجاب والقبول، وأشار بالمبايعة إلى كل عقد احتاج إليه فله أن يتزوج ويراجع كما في البدائع. وأطلق المبايعة فشملت ما إذا كانت للتجارة، وقيده في الذخيرة بما لا بد له منه كالطعام، أما إذا أراد أن يتخذ ذلك متجرا فإنه مكروه وإن لم يحضر السلعة واختاره قاضيخان في فتاواه ورجحه الشارح لانه منقطع إلى الله تعالى فلا ينبغي له أن يشتغل بأمور الدنيا. وقيد بالمعتكف لان غيره يكره له البيع مطلقا لنهيه عليه السلام عن البيع والشراء في المسجد، وكذا كره فيه التعليم والكتابة والخياطة بأجر. وكل شئ يكره فيه كره في سطحه. واستثنى البزازي من كراهة التعليم بأجر فيه أن يكون لضرورة الحراسة ويكره لغيره النوم فيه. وقيل: إذا كان غريبا فلا بأس أن ينام فيه. كذا في فتح القدير. والاكل والشرب كالنوم. وفي البدائع: وإن غسل المعتكف رأسه في المسجد فلا بأس به إذا لم يلوث بالماء المستعمل، فإن كان بحيث يتلوث المسجد يمنع منه لان تنظيف المسجد واجب، ولو توضأ في المسجد في

[ 531 ]

إناء فهو على هذا التفصيل ا ه‍. بخلاف غير المعتكف فإنه يكره له التوضؤ في المسجد ولو في إناء إلا أن يكون موضعا اتخذ لذلك لا يصلي فيه. وفي فتح القدير خصال لا تنبغي في المسجد لا يتخذ طلايقا، ولا يشهر فيه سلاح، ولا ينبض فيه بقوس، ولا ينثر فيه نبل، ولا يمر فيه بلحم ني، ولا يضرب فيه حد، ولا يتخذ سوقا (1) رواه ابن ماجه في سنته عنه عليه السلام قوله: (وكره إحضار المبيع والصمت والتكلم إلا بخير) أما الاول فلان المسجد محرز عن حقوق العباد وفيه شغله بها ولهذا قالوا: لا يجوز غرس الاشجار فيه. والظاهر أن الكراهة تحريمية لانها محل إطلاقهم كما صرح به المحقق في فتح القدير أول الزكاة، ودل تعليلهم أن المبيع لو كان لا يشغل البقعة لا يكره إحضاره كدراهم ودنانير يسيرة أو كتاب ونحوه. وأفاد الاطلاق أن إحضار الطعام المبيع الذي يشتريه ليأكله مكروه، وينبغي عدم كراهته كما لا يخفي. وأما الثاني وهو الصمت فالمراد به ترك التحدث مع الناس من غير عذر وقد ورد النهي عنه. وقالوا: إن صوم الصمت من فعل المجوس لعنهم الله تعالى. وخصه الامام حميد الدين الضرير بما إذا اعتقده قربة، أما إذا لم يعتقده قربة فلا يكره للحديث من صمت نجا. وأما الثالث وهو أنه لا يتكلم إلا بخير فلقوله تعالى * (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن) * (الاسراء: 53) وهو بعمومه يقتضي أن لا يتكلم خارج المسجد إلا بخير فالمسجد أولى. كذا في غاية البيان. وفي التبيين: وأما التكلم بغير خير فإنه يكره لغير المعتكف فما ظنك للمعتكف ا ه‍. وظاهره أن المراد بالخير هنا ما لا إثم فيه فيشمل المباح وبغير الخير ما فيه إثم، والاولى تفسيره بما فيه ثواب يعني أنه يكره للمعتكف أن يتكلم بالمباح بخلاف غيره ولهذا قالوا: الكلام المباح في المسجد مكروه يأكل الحسنات كما تأكل

[ 532 ]

النار الحطب. صرح به فتح القدير قبيل باب الوتر لكن قال الاسبيجابي: ولا بأس أن يتحدث بما لا إثم فيه. وقال في الهداية: لكنه يتجانب ما يكون مأثما. والظاهر ما ذكرناه كما لا يخفي قالوا: ويلازم قراءة القرآن والحديث والعلم والتدريس وسير النبي صلى الله عليه وسلم وقصص الانبياء وحكايات الصالحين وكتابة أمور الدين. قوله: (ويحرم الوطئ ودواعيه) لقوله تعالى * (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) * (البقرة: 187) لان المباشرة تصدق على الوطئ ودواعيه فيفيد تحريم كل فرد من أفراد المباشرة جماع أو غيره لانه في سياق النهي فيفيد العموم. والمراد بدواعيه المسن والقبلة وهو كالحج والاستبراء والظهار لما حرم الوطئ لها حرم دواعيه لان حرمة الوطئ ثبتت بصريح النية ففويت فتعدت إلى الدواعي. أما في الحج فلقوله تعالى * (فلا رفث) * (البقرة: 197) وأما في الاستبراء فللحديث لا تنكح الحيالى حتى يضعن ولا الحالى حتى يستبرئن بحيضه. وأما في الظهار فلقوله تعالى * (من قبل أن يتماسا) * (المجادلة: 3) بخلاف الحيض والصوم حيث لا تحرم الدواعي فيهما لان حرمة الوطئ لم تثبت بصريح النهي. ولكثرة الوقوع فلو حرم الدواعي لزم الحرج وهو مدفوع، ولان النص في الحيض معلول بعلة الاذى وهو لا يوجد في الدواع. قوله: (ويبطل بوطئه) لانه محذور بالنص فكان مفسدا له. أطلقه فشمل ما إذا كان عامدا أو ناسيا نهارا أو ليلا أنزل أو لا بخلاف الصوم إذا كان ناسيا. والفرق أن حالة المعتكف مذكرة كحالة الاحرام والصلاة وحالة الصائم غير مذكرة، وقيد بالوطئ لان الجماع فيما دون الفرج أو التقبيل، أو اللمس لا يفسد إلا إذا أنزل وأن أمنى بالتفكر أو النظر لا يفسد اعتكافه، وإن أكل أو شرب ليلا لم يفسد اعتكافه، وإن أكل نهارا فإن عامدا فسد لفساد الصوم، وإن ناسيا لا لبقاء الصوم، والاصل أن ما كان من مخطورات الاعتكاف وهو ما منع عنه لاجل الاعتكاف لا لاجل الصوم لا يختلف فيه العمد والسهو والنهار والليل كالجماع والخروج، وما كان من محضورات الصوم وهو مانع عنه لاجل الصوم يختلف فيه العمد والسهو والنهار والليل كالاكل والشرب. كذا في البدائع قوله: (ولزمه الليالي بنذر اعتكاف أيام) كقوله بلسانه لله علي أن أعتكف ثلاثة أيام أو ثلاثين يوما لان ذكر الايام على سبيل الجمع يتناول ما بإزائها من الليالي. يقال ما رأيتك منذ أيام والمراد بلياليها. وأشار إلى أنه يلزمه الايام بنذر اعتكاف الليالي لان ذكر أحد العددين على طريق الجمع ينتظم ما بإزائه من العدد الآخر لقصة زكريا عليه السلام فإنه قال الله تعالى * (قال آيتك لا تكلم

[ 533 ]

الناس ثلاثة أيام إلا رمزا) * (آل عمران: 41) وقال في آية أخرى * (قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سويا) * (مريم: 10) والقصة واحدة. والرمز الاشارة باليد أو بالرأس أو بغيرهما وهذا عند نيتهما أو عدم النية، أما لو نوى في الايام النهار خاصة صجت نيته لانه نوحقيقة كلامه بخلاف ما إذا نوى بالايام الليالي خاصة حيث لم تعمل نيته، ولزمه الليالي والنهار لانه نوى ما لا يحتمله كلامه. كذا في البدائع كما إذا أنذر أن يعتكف شهرا ونوى النهار خاصة أو الليل خاصة لا تصح نيته لان الشهر اسم لعدد مقدر مشتمل على الايام والليالي فلا يحتمل ما دونه إلا أن يصرح ويقول شهرا بالنهار لزمه كما قال، أو يستثني ويقول إلا الليالي لان الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا فكأنه قال ثلاثين نهارا. ولو نذر ثلاثين ليلة ونوي الليالي خاصة صح لانه نوى الحقيقة. ولا يلزمه شئ لان الليالي ليست محلا للصوم. كذا الكافي. وكذا في لو نذر أن يعتكف شهرا واستثنى الايام لا يجب عليه شئ لان الباقي الليالي المجردة، ولا يصح فيها لمنافاتها شرطه وهو الصوم. كذا في فتح القدير. قيدنا كونه نذر بلسانه لان مجرد نية القلب لا يلزمه بها شئ. قوله: (وليلتان بنذر يومين) يعني لزمه اعتكاف ليلتين مع يوميهما إذا نذر اعتكاف يومين لان المثنى كالجمع. فحاصله أنه إما أن يأتي بلفظ المفرد أو المثنى أو المجموع، وكل منهما إما أن يكون اليوم أو الليل فهي ستة، وكل منها إما أن ينوي الحقيقة أو المجاز أو ينويهما أو لم تكن له نية فهي أربعة وعشرون، وقد تقدم حكم المجموع والمثنى بأقسامهما، بقي حكم المفرد فإن قال لله علي أن أعتكف يوما لزمه فقط، سواء نواه فقط أو لم تكن له نية، ولا يدخل ليلته ويدخل المسجد قبل الفجر ويخرج بعد الغروب، فإن نوى الليلة معه لزماه، ولو نذر اعتكاف ليلة لم يصح، سواء كان نواها فقط أو لم تكن له نية، فإن نوى اليوم معها لم يصح كما قدمناه عن الظهيرية. وفي فتاوي قاضيخان: لو نذر اعتكاف ليلة ونوى

[ 534 ]

اليوم لزمه الاعتكاف، وإن لم ينوي يلزمه شئ، ولا معارضة لما في الكتابين لان ما في الظهيرية إنما هو أنه نوي اليوم معها وهنا نوى بالليلة اليوم فليتأمل. وفي الكافي: ومتى دخل في اعتكافه الليل أو النهار فابتداؤه من الليل لان الاصل أن كل ليلة تتبع اليوم الذي بعدها ألا ترى أنه يصلي التراويح في أول ليلة من رمضان ولا يفعل ذلك في أول ليلة من شوال. وفي فتاوي الولوالجي من كتاب الاضحية: الليلة في كل وقت تبع لنهار يأتي إلا في أيام الاضحى تبع لنهار ما مضي رفقا بالناس ا ه‍. وفي المحيط من كتاب الحج: والليالي كلها تابعة للايام المستقبلة لا للايام الماضية إلا في الحج فإنها في حكم الايام الماضية، فليلة عرفة تابعة ليوم التروية، وليلة النحر تابعة ليوم عرفة اه‍. فتحصل أنها تبع لما يأتي إلا في ثلاثة مواضع، وإما قوله تعالى * (ولا الليل سابق النهار) * (يس: 40) فقال الامام فخر الدين الرازي في تفسيره: إن سلطان الليل وهو القمر ليس يسبق الشمس وهي سلطان النهار. وقيل: تفسيره الليل لايدخل وقت النهار. وأطال الكلام في بيان الوجه الاول فراجعه. فعلى هذا إذا ذكر المثني أو المجموع يدخل المسجد قبل الغروب ويخرج بعد الغروب من آخر يوم نذره كما صرح بهقاضيخان في فتاواه، وصرح بأنه إذا قال أياما يبدأ بالنهار فيدخل المسجد قبل طلوع الفجر ا ه‍. فعلى هذا لا يدخل الليل في نذر الايام إلا إذا ذكر له عددا معينا كما لا يخفى. ثم الاصل أنه متى دخل في اعتكافه الليل والنهار فإنه يلزمه متتابعا ولا يجزيه لو فرق، ومتى لم يدخل الليل جاز له التفرق كالتتابع، فإذا انذر اعتكاف شهر لزمه شهر بالايام والليالي متتابعا في ظاهر الرواية بخلاف ما إذا نذر أن يصوم شهرا لا يلزمه التتابع. كذا في البدائع وفتاوي قاضيخان.

[ 535 ]

وفي الخلاصة من الايمان من الجنس الثالث في النذر: ولو قال لله علي صوم شهر، إن قال صوم شهر بعينه كرجب يجب عليه التتابع، ولو أفطر يوما لا يلزمه الاستقبال كما في رمضان. وإنما يلزمه القضاء. وإن قال لله علي صوم شهر ولم يعين، إن قال متتابعا لزمه متتابعا، وإن أطلق لا يلزمه التتابع، وفي الاعتكاف يلزمه بصفة التتبع في المعين وغير المعين. ثم في الصوم والاعتكاف إن أفسد يوما إن كان شهرا معينا لا يلزمه الاستقبال وإن كان غير معين لزمه ا ه‍. يعني لزمه الاستقبال في الصوم إن ذكر التتابع وفي الاعتكاف مطلقا، وعلل له في المبسوط بأن إيجاب العبد معتبر بإيجاب الله تعالى، وما أوجب الله متتابعا إذا أفطر فيه يوما لزمه الاستقبال كصوم الظهار والقتل، والاطلاق في الاعتكاف كالتصريح بالتتابع بخلاف الاطلاق في نذر الصوم. والفرق بينهما أن الاعتكاف يدوم بالليل والنهار فكان متصل الاجزاء، وما كان متصل الاجزاء لا يجوز تفريقه إلا بالتنصيص عليه بخلاف الصوم فإنه لا يوجد ليلا فكان متفرقا وما كان متفرقا في نفسه لا يجب الوصل فيه إلا بالتنصيص اه‍. وأطلق في النذر فشمل ما إذا نذر اعتكاف يوم العيد فإنه منعقد، ويجب عليه قضاؤه في وقت آخر لان الاعتكاف لا يصح إلا بالصوم والصوم فيه حرام، وكفر عن يمينه أن أراد يمينا لفوات البر، وإن اعتكف فيه أجزأه وقد أساء كما في الصوم. كذا في فتاوي الولوالجي وغيرها. وقد علم مما قدمناه في الصوم أنه لو نذر اعتكاف يوم أو شهر معين فاعتكف قبله يجوز لما أن التعجيل بعد وجود السبب جائز وقد صرحوا به هنا وذكروا فيه خلافا. وينبغي أن لا يكون فيه خلاف كما ذكرناه، وكذا يلغو تعيين المكان كما إذا نذر الاعتكاف بالمسجد الحرام فاعتكف في غيره فإنه يجوز. وفي الفتاوي الظهيرية: ولو نذر اعتكاف شهر ثم عاش عشرة أيام ثم مات أطعم عنه عن جميع الشهر. وفي الكافي: وليلة القدر في رمضان دائرة لكنها تتقدم وتتأخر، وعندهما تكون في رمضان ولا تتقدم ولا تتأخر حتى لو قال لعبده أنت حر ليلة القدر، فإن قال قبل دخول رمضان عتق إذا انسلخ الشهر، وإن قال بعد مضي ليلة منه لم يعتق حتى ينسلخ رمضان من العام القابل عنده لجواز أنها كانت في الشهر الماضي في الليلة الاولى، وفي الشهر الآتي في الليلة الاخيرة، وعندهما إذا مضى ليلة منه في العام القابل عتق لانها لا تتقدم ولا تتأخر. وفي المحيط: الفتوى على قول

[ 536 ]

أبي حنيفة لكن قيده بما إذا كان الحالف فقيها يعرف الاختلاف، وإن كان عاميا فليلة القدر ليلة السابع والعشرين وجعل مذهبهما أنها في النصف الاخير من رمضان، فخالف ما في الكافي. وذكر في فتاوي قاضيخان أن المشهور عن أبي حنيفة أنها تدور في السنة وقد تكون في رمضان وقد تكون في غيره. وفي فتح القدير: وأجاب أبو حنيفة عن الادلة المفيدة لكونها في العشر الاواخر بأن المراد بذلك الرمضان الذي كان عليه الصلاة والسلام التمسها فيه، والسياقات تدل عليه لمن تأمل طرق الاحاديث وألفاظها كقوله إن الذي تطلب أمامك وإنما كان يطلب ليلة القدمن تلك السنة. ومن علاماتها أنها بلجة ساكنة لا حارة ولا قارة، تطلع الشمس صبحيتها بلا شعاع كأنها طست. كذا قالوا، وإنما أخفيت ليجتهد في طلبها فينال بذلك أجر المجتهدين في العبادة كما أخفى سبحانه الساعة ليكونوا على وجل من قيامها بغتة والله سبحانه وتعالى أعلم.

[ 537 ]

كتاب الحج لما كان مركبا من المال والبدن وكان واجبا في العمر مرة أخره ولمراعاة ترتيب حديث الصحيحين بني الاسلام على خمس وختم بالحج، وفي رواية ختم بالصوم وعليها اعتمد البخاري في تقديم الحج على الصوم. وهو في اللغة - بفتح الحاء وكسرها وبهما قرئ في التنزيل - القصد إلى معظم لا مطلق القصد كما ظنه الشارح وجعله كالتيمم وفي الفقه ما ذكره بقوله قوله: (هو زيارة مكان مخصوص في زمان مخصوص بفعل مخصوص) والمراد بالزيارة الطواف والوقوف، والمراد بالمكا المخصوص البيت الشريف والجبل المسمى بعرفات، والمراد بالزمان المخصوص في الطواف من طلوع الفجر يوم النحر إلى آخر العمر، وفي الوقوف زوال الشمس يوم عرفة إلى طلوع الفجر يوم النحر. وبهذا التقرير ظهر أن الحج اسم لافعال مخصوصة من الطواف الفرض والوقوف في وقتهما محرما بنية الحج سابقا كما سيأتي أن الاحرام شرط. واندفع به ما قرره الشارح من فهم كلام المصنف على أنه في الشريعة جعل لقصد خاص من زيادة وصف فإن المصنف لم يتعرض للقصد. وإنما عرفه بالزيارة وهي فعل

[ 538 ]

لا قصد بدليل ما في عمدة الفتاوي: إذا حلف ليزورن فلانا غدا فذهب ولم يؤذن له يحنث ولو لم يستأذن ورجع يحنث ا ه‍. فلا بد من الذهاب مع الاستئذان، وسلم من بحث المحقق ابن الهمام على المشايخ من أن التعريف بالقصد الخاص تعريف له بشرطه وليوافق تعريف بقية العبادات فإن الصلاة اسم لافعال مخصوصة هي القيام والقراءة والركوع والسجود، والصوم اسم للامساك الخاص، والزكاة اسم للايتاء المخصوص فليكن الحج اسما لافعال مخصوصة. ولا يراد بالزيارة زيارة البيت فقط فإنه حينئذ يصير الحج اسما للطواف فقط وليس كذلك فإن ركنه شيآن: الطواف بالبيت والوقوف بعرفة بالشرط السابق، ويشكل عليه ما قالوا: إن المأمور بالحج إذا مات بعد الوقوف بعرفة قبل طواف الزيارة فإنه يكون مجزئا بخلاف ما إذا رجع قبله فإنه لا وجود للحج إلا بوجود ركنيه ولم يوجدا فينبغي أن لا يجزئ الآمر، سواء مات المأمور أو رجع، وسببه البيت لانه يضاف إليه ولهذا لم يتكرر الحج عن المكلف، وشرائطه ثلاثة: شرائط وجوب، وشرائط وجوب أداء، وشرائط صحة، فالاولى ثمانية على

[ 539 ]

الاصح: الاسلام والعقل والبلوغ والحرية والوقت والقدرة على الزاد والقدرة على الراحلة والعلم بكون الحج فرضا، وقد ذكر المصنف منها ستة وترك الاول والاخير والعذر له كغيره أنهما شرطان لكل عبادة، وقد يقال كذلك العقل والبلوغ والعلم المذكور يثبت لمن في دار الاسلام بمجرد الوجود فيها، سواء علم بالفرضية أو لم يعلم. ولا فرق في ذلك بين أن يكون نشأ على الاسلام فيها أو لا فيكون ذلك علما حكميا، ولمن في دار الحرب بإخبار رجلين أو رجل وامرأتين ولو مستورين أو واحد عدل، وعندهما لا تشترط العدالة والبلوغ والحرية فيه وفي نظائره الخمسة كما عرف أصولا وفروعا، والثانية خمسة على الاصح: صحة البدن وزوال الموانع الحسية عن الذهاب إلى الحج وأمن الطريق وعدم قيام العدة في حق المرأة وخروج الزوج أو المحرم معها. والثالثة أعني شرائط الصحة أربعة: الاحرام بالحج والوقت المخصوص والمكان المخصوص والاسلام. ومنهم من ذكر بدل الاحرام النية، وهذا أولى لاستلزامه النية وغيرها. وواجباته أعني التي يلزم بترك واحد منها دم إنشاء الاحرام من الميقات. ومد الوقوف بعرفة

[ 540 ]

إلى الغروب، والوقوف بالمزدلفة فيما بين طلوع فجر يوم النحر إلى طلوع الشمس، والحلق أو التقصير، والسعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط، وكونه بعد طواف معتد به، ورمي الجمار، وبداية الطواف من الحجر الاسود والتيامن فيه، والمشي فيه لمن ليس له عذر يمنعه منه، والطهارة فيه من الحدث الاصغر والاكبر، وستر العورة. وأقل الاشواط السبعة وهي ثلاثة، وبداية السعي بين الصفا والمروة من الصفا والمشي فيه لمن ليس له عذر، وذبح الشاة للقارن أو المتمتع، وصلاة ركعتين لكل أسبوع، وطواف الصدر، والترتيب بين الرمي والحلق والذبح يوم النحر، وتوقيت الحلق بالمكان وتوقيته بالزمان، وفعل طواف الافاضة في أيام النحر، وما عدا هذه المذكورات مما سيأتي بيانه مفصلا سنن وآداب. وأما محظوراته فنوعان: ما يفعله في نفسه وهو الجماع وإزالة الشعر وقلم الاظفار والتطيب وتغطية الرأس والوجه ولبس المخيط. وما يفعله في غيره وهو حلق رأس الغير والتعرض للصيد في الحل والحرم، وأما قطع شجر الحرم فلا ينبغي عده مما نحن فيه كما في النهاية، فإن حرمته لا تتعلق بالحج ولا بالاحرام. كذا في فتح القدير. وقد يقال: إنه كصيد الحرم وقد عده من محظوراته فلا بدع في أن يكون حراما بجهتين كما لا يخفى. ولمن أراد الحج مهمات ينبغي الاعتناء بها وهي: البداية بالتوبة بشروطها من رد المظالم إلى أهلها عند الامكان، وقضاء ما قصر في فعله من العبادات، والندم على تفريطه في ذلك، والعزم على عدم العود إلى مثل ذلك، والاستحلال من ذوي الخصومات والمعاملات، وتحصيل رضا من يكره السفر بغير رضاه. وفي الخلاصة معزيا إلى العيون: إذا أراد الابن أن يخرج إلى الحج وأبوه كاره لذلك إن كان الاب مستغنيا عن خدمته فلا بأس به، وإن كان محتاجا يكره، وكذا الام. وفي السير الكبير: إذا لم يخف عليه الضعف فلا بأس به، وكذا إن كرهت خروجه زوجته ومن عليه نفقته، وإن لم يكن عليه نفقته فلا بأس به مطلقا. وفي النوازل: إن كان الابن أمرد صبيح الوجه للاب أن يمنعه عن الخروج حتى يلتحي، وإن كان الطريق مخوفا لا يخرج وإن لم يكن أمرد ا ه‍. وفي فتح القدير: والاجداد والجدات كالابوين عند فقدهما، ويكره الخروج للغزو والحج لمديون وإن لم يكن له مال يقضي به إلا أن يأذن الغريم، فإن كان بالدين كفيل بإذنه لا يخرج إلا بإذنهما وإن بغير أذنه فبإذن الطالب وحده ا ه‍. وهذا كله في حج الفرض، أما فحج النفل فطاعة الوالدين أولى مطلقا كما صرح به في الملتقط ويشاور ذا رأي في

[ 541 ]

سفره في ذلك الوقت لا في نفس الحج فإنه خير، وكذا يستخير الله في ذلك. ويجتهد في تحصيل نفقة حلال فإنه لا يقبل بالنفقة الحرام كما ورد في الحديث مع أنه يسقط الفرض عنه معها وإن كانت مغصوبة، ولا تنافي بين سقوطه وعدم قبوله فلا يثاب لعدم القبول، ولا يعاقب في الآخرة عقاب تارك الحج. ولا بد له من رفيق صالح يذكره إذا نسي ويصبره إذا جزع ويعينه إذا عجز، وكونه من الاجانب أولى من الاقارب عند بعض الصالحين تبعدا من ساحة القطعية. ويرى المكاري ما يحمله ولا يحمل أكثر منه إلا بإذنه، وقد ذكر عن بعض السلف، ويقال إنه الشافعي وقيل ابن المبارك، وقيل ابن القاسم صاحب الامام مالك أنه دفع إليه مطالعة ليحملها إلى إنسان فامتنع من حملها بدون إذن المكاري لكونه لم يشارطه على ذلك ورعا من فاعله. وكذا يحترز من تحميلها فوق ما تطيق ومن تقليل علفها المعتاد بلا ضرورة ولو مملوكة له. وفي إجارة الخلاصة: حمل البعير مائتان وأربعون منا، وحمل الحمار مائة وخمسون منا. قالوا: ولا يشارك في الزاد واجتماع الرفقة كل يوم على طعام أحدهم أحل. وينبغي أن يستثنى ما إذا علمت المسامحة بينهما فله المشاركة وإلا وشارك فالاستحلال من الشركاه مخلص. وتجريد السفر عن التجارة أحسن، ولو اتجر لا ينقص ثوابه كالغازي إذا اتجر كما ذكره الشارح في السير. وأما عن الرياء والسمعة والفخر ظاهرا أو باطنا ففرض وخلط التجارة بهذا القسم كما في فتح القدير مما لا ينبغي. وأما الركوب في المحمل فكرهه بعضهم خوفا مما ذكرنا، ولم يكره بعضهم إذا تجرد عن ذلك ففي التحقيق لا اختلاف وركوب الجمل أفضل، ويكره الحج على الحمار والظاهر أنها تنزيهية بدليل أفضلية ما قابله، والمشي أفضل من الركوب لمن يطيقه ولا يسئ

[ 542 ]

خلقه، وأما حج النبي صلى الله عليه وسلم راكبا فلانه كان القدوة فكانت الحاجة ماسة إلى ظهوره ليراه الناس وسيأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى في محله. ولا يماكس في شراء الادوات والزاد، ويستحب أن يجعل خروجه يوم الخميس أو يوم الاثنين ويفعل ما ذكره العلماء في آداب السفر. قوله: (فرض مرة على الفور) أي فرض الحج في العمرة مرة واحدة في أول سني الامكان. والفور في اللغة من فور القدر غليانها، وفعل ذلك من فوره أي من وجهه ذلك وهو من فور القدر قبل أن تسكن قال الله تعالى * (من فورهم هذا) * (آل عمران: 125) ولم يذكر المصنف فرضيته قصدا لانها من المسائل الاعتقادية فليست من مسائل الفقه لان مسائلة ظنية، وإنما ذكره توطئة لما بعده ودليله القرآني * (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) * (آل عمران: 97) والسنة كثيرة. أما كونه لا يتعدد فلان سببه وهو البيت كذلك، وأما تكرر وجوب الزكاة مع اتحاد المال فلان سببه هو النامي تقديرا وتقدير النماء دائر مع حولان الحول إذا كان المال معدا للاستنماء في الزمان المستقبل، وتقدير النماء الثابت في هذا الحول غير تقدير النماء في حول آخر، فالمال مع هذا النماء غير المجموع منه ومن النماء الآخر فيتعدد حكما كتعدد الوجوب بتعدد النصاب، ولرواية أحمد مرفوعا الحج مرة فمن زاد فهو تطوع (1). وأما كونه على الفور فهو قولابي يوسف وأصح الروايتين عن أبي حنيفة، وعند محمد يجب على التراخي والتعجيل أفضل. كذا في الخلاصة. وتحقيقه أن الامر إنما هو طلب المأمور به ولا دلالة له على الفور ولا على التراخي فأخذ به محمد وقواه بأنه عليه السلام حج سنة عشر وفرضية الحج كانت سنة تسع فبعث أبا بكر حج بالناس فيها ولم يحج هو إلى القابلة. وأما أبو حنيفة وأبو يوسف فقا: الاحتياط في تعيين أول سني الامكان لان الحج له وقت معين في السنة والموت في سنة غير نادر فتأخيره بعد التمكن في وقته تعريض له على الفوات فلا يجوز، وبهذ حصل الجواب عن تأخيره عليه الصلاة والسلام إذ لا يتحقق في حقه تعريض الفوات وهو الموجب للفور لانه كان يعلم أنه يعيش حتى يحج ويعلم الناس مناسكهم تكميلا للتبليغ. وبهذا التقرير علم أن الفورية ظنية لان دليل الاحتياط ظني ومقتضاه الوجوب فإذا أخره وأداه بعد ذلك وقع أداء ويأثم بالتأخير لترك الواجب، وثمرة الاختلاف تظهر فيما إذا أخره فعلى الصحيح يأثم ويصير فاسقا مردود الشهادة، وعلى قول

[ 543 ]

محمد لا، وينبغي أن لا يصير فاسقا من أول سنة على المذهب الصحيح بل لا بد أن يتوالى عليه سنون لان التأخير في هذه الحالة صغير لانه مكروه تحريما ولا يصير فاسقا بارتكابها مرة بل لا بد من الاصرار عليها، وإذا حج في آخر عمره ارتفع الاثم اتفاقا قال الشارح: ولو مات ولم يحج أثم بالاجماع ولا يخفى ما فيه فإن المشايخ اختلفوا على قول محمد، فقيل يأثم مطلقا، وقيل لا يأثم مطلقا، وقيل: إن خاف الفوات بأن ظهرت له مخائل الموت في قلبه فأخره حتى مات أثم، وإن فجأة الموت لا يأثم، وينبغي اعتماد القول الاول وتضعيف القول الثاني لانه حينئذ يفوت القول بفرضية الحج لان فائدتها الاثم عند عدم الفعل، سواء كان مضيقا أو موسعا اللهم إلا إن يقال: فائدتها على هذا القول وجوب الايصاء عليه قبيل موته فإذا لم يوص يأثم لترك هذ الواجب لا لترك الحج. وعلم من قوله فرض مرة أن ما زاد عليها فهو تطوع ويشهد له الحديث السابق. وعند الشافعية أن الحج لا يوصف بالنفلية بل المرة الاولى فرض عين وما زاد ففرض كفاية لان من فروض الكفاية أن يحج البيت كل عام ولم أره لائمتنا بل صرحوا بالنفلية فقالوا: حج النفل أفضل من الصدقة، ولا يخفى أنه إذا

[ 544 ]

نذر الحج فإنه يصير فرضا أيضا. ومن فروعه ما في الخلاصة: رجل قال لله علي مائة حجة لزمته كلها، ولو قال أنا أحج لا حج عليه، ولو قال إذا دخلت الدار فأنا أحج يلزمه عند الشرط، ولو قال المريض إن عافاني الله تعالى من مرضي هذا فعلي حجة فبرئ لزمته حجة وإن لم يقل علي حجة لله لان الحجة لا تكون إلا لله، ولو برأ وحج جاز عن حجة الاسلام، ولو نوى غير حجة الاسلام صحت نيته ا ه‍. وظاهره أنه ينصرف إلى حجة الاسلام من غير نيته، وينبغي أن ينصرف إلى غير حجة الاسلام بغير نية، إلا أن ينويها، وقد صرح به الشارح الزيلعي في كتاب الاضحية لكن علل المحقق ابن الهمام لما في الخلاصة بأن الغالب أن يريد به المريض الذي فرط في الفرض حتى مرض، وقد قدمنا أن الحج يتصف بالحرمة إذا كان المال حراما ويمكن أن يقال: إنه يكون واجبا وهو ما إذا جاوز الميقات بغير إحرام فإنهم قالوا: يجب عليه أحد النسكين إما الحج أو العمرة، فإذا اختار الحج فإنه يتصف بالوجوب وقد قدمنا أنه يتصف بالكراهة وهو حجة بغير إذن أبويه بشرطه أو بغير إذن صاحب الدين، فتحرر من هذا أنه يكون فرضا وواجبا ونفلا وحراما ومكروها، والظاهر أنه لا يتصف بالاباحة لانه عبادة وضعا. قوله: (بشرط حريوبلوغ وعقل وصحة وقدرة زاد وراحلة فضل عن مسكنه وعما لا بد منه ونفقة ذهابه وإيابه وعياله) فلا حج على عبد ولو مدبرا أو أم ولد أو مكاتبا أو مبعضا أو مأذونا له في الحج ولو كان بمكة لعدم ملكه بخلاف الصوم والصلاة لان الحج لا يتأتى إلا بالمال غالبا بخلافهما، ولفوات حق المولى في مدة طويلة وحق العبد مقدم بإذن الشرع والمولى، وإن أذنه فقد أعاره منافعه. والحج لا يجب بقدرة عارية ولا على صبي ولا مجنون

[ 545 ]

وفي المعتوه خلاف في الاصول فذهب المصنف تبعا لفخر الاسلام إلى أنه يوضع عنه الخطاب كالصبي فلا يجب عليه شئ من العبادات، وذهب الدبوسي في التقويم إلى أنه مخاطب بالعبادات احتياطا. والمراد بالصحة صحة الجوارح فلا يجب أداء الحج على مقعد ولا على زمن ولا مفلوج ولا مقطوع الرجلين ولا على المريض، والشيخ الذي لا يثبت بنفسه على الراحلة والاعمى والمجبوس والخائف من السلطان الذي يمنع الناس من الخروج إلى الحج ولا يجب عليهم الحج بأنفسهم ولا الاحجاج عنهم إن قدروا على ذلك. هذا ظاهر المذهب عن أبي حنيفة وهو رواية عنهما، وظاهر الرواية عنهما أنه يجب عليهم الاحجاج فإن أحجوا أجزأهم

[ 546 ]

ما دام العجز مستمرا بهم، فإن زال فعليهم الاعادة بأنفسهم. وظاهر ما في التحفة اختياره فإنه اقتصر عليه، وكذا الاسبيجابي وقواه المحق في فتح القدير ومشي على أن الصحة من شرائط وجوب الاداء. فالحاصل أنها من شرائط الوجوب عنده، ومن شرائط وجوب الاداء عندهما، وفائدة الخلاف تظهر في وجوب الاحجاج كما ذكرنا وفي وجوب الايصاء، ومحل الخلاف فيما إذا لم يقدر على الحج وهو صحيح أما إن قدر عليه وهو صحيح ثم زالت الصحة قبل أن يخرج إلى الحج فإنه يتقرر دينا في ذمته فيجب عليه الاحجاج اتفاقا، أما إن خرج فمات في الطريق فإنه لا يجب عليه الايصاء بالحج لانه لم يؤخر بعد الايجاب. كذا في التجنيس. ولا فرق في الاعمى بين أن يجد قائدا أو لا هو المشهور عن أبي حنيفة، لان القادر بقدرة غيره ليس بقادر. ولو تكلف هؤلاء الحج بأنفسهم سقط عنهم حتى لو صحوا بعد ذلك لا يجب عليهم الاداء لان سقوط الوجوب عنهم لدفع الحرج فإذا تحملوه وقع عن حجة الاسلام كالفقير إذا حج، وأما القدرة على الزاد والراحة فالفقهاء على أنه من شرط الوجوب فلا وجوب أصلا يتعلق بالفقير لاشتراط الاستطاعة في آية الحج وفسرت بهما، والذي عليه أهل الاصول ومنهم صاحب التوضيح تبعا لفخر الاسلام أن القدرة الممكنة كالزاد والراحلة للحج شرط وجوب الاداء لا شرط الوجوب لان الوجوب جبري لا صنع للعبد فيه، وليس فيه تكليف لانه طلب إيقاع الفعل من العبونفس الوجوب ليس كذلك، إلا ترى أن صوم المريض والمسافر واجب ولا تكليف عليهما، وكذا الزكاة قبل الحول، وقد ظهر للعبد الضعيف أن الفقهاء إنما لم يوافقوا الاصوليين على ذلك لما أنه لا فائدة في جعله شرط وجوب الاداء لان فائدة الفرق بينهما هو لزوم الايصاء عند الموت وعدمه والفقير لا يتأتى فيه ذلك

[ 547 ]

فلهذا جعلوا القدرة من شرائط أصل الوجوب، ولم أر من نبه على هذا. وقول المحقق في فتح القدير واعلم أن القدرة على الزاد والراحة شرط الوجوب لا نعلم عن أحد خلافه مراده عن أحد من الفقهاء وإلا فقد علمت أن الاصوليين على خلافه وعلى ما ذكره الاصوليون فلا يتأتى بحثه المذكور في الفقير كما لا يخفى. وأطلق في الزاد فأفاد أنه يعتبر في حق كل إنسان ما يصح به بدنه والناس متفاوتون من ذلك، والراحلة في اللغة المركب من الابل ذكرا كان أو أنثى وهي فاعلة بمعنى مفعولة، وفيه إشارة إلى أنه لو قدر على غير الراحة من بغل أو حمار فإنه لا يجب عليه ولم أره صريحا، وإنما صرحوا بالكراهة. ويعتبر

[ 548 ]

في حق كل إنسان ما يبلغه فمن قدر على رأس زاملة - وهو المسمى في عرفنا راكب مقتب - وأمكنه السفر عليه وجب وإلا بأن كان مترفها فلا بد أن يقدر على شق محمل وهو المسمى في عرفنا محارة أو موهية، وإن أمكنه أن يكتري عقبة لا يجب عليه لانه غير قادر على الراحلة في جميع الطريق وهو الشرط، سواء كان قادرا على المشي أو لا، والعقبة أن يكتري اثنان راحلة يتعقبان عليها يركب أحدهما مرحلة والآخر مرحلة وشق المحمل جانبه لان للمحمل جانبين ويكفي للراكب أحد جانبيه، وقد رأيت في كتب الشافعية أن من الشرائط أن يجد له من يركب في الجانب الآخر وهو المسمى بالمعادل، فإن لم يجد لا يجب الحج عليه ولم أره لائمتنا، ولعلهم إنما لم يذكروه لما أنه ليس بشرط لامكان أن يضع زاده وقربته وأمتعته في الجانب الآخر، وقد وقع لي ذلك في الحجة الثانية في الرجعة لم أجد معادلا يصلح لي ففعلت ذلك لكن حصل لي نوع مشقة حين يقل الماء والزاد والله أعلم بحقيقة الحال. ثم القدرة على الزاد لا تثبت إلا بالملك لا بالاباحة، والقدرة على الراحلة لا تثبت إلا بالملك أو الاجارة لا بالعارية والاباحة، فلو بذل الابن لابيه الطاعة وأباح له الزاد والراحلة لا يجب عليه الحج، وكذا لو وهب له مال ليحج به لا يجب عليه القبول لان شرائط أصل الوجوب لا يجب عليه تحصيلها عند عدمها. ثم اشتراط القدرة على الزاد عام في حق كل أحد حتى أهل مكة، وأما القدرة على الراحلة فشرط في حق غير المكي وأما هو فلا. ومن حولها كأهلها لانه لا يلحقهم مشقة فأشبه السعي إلى الجمعة، أما إذا كان لا يستطيع المشي أصلا فلا بد منه في حق الكل. وفي قوله وما لا بد منه إشارة إلى أن المسكن لا بد أن

[ 549 ]

يكون محتاجا إليه للسكنى فلا تثبت الاستطاعة بدار يسكنها وعبد يستخدمه وثياب يلبسها ومتاع يحتاج إليه، وتثبت الاستطاعة بدار لا يسكنها وعبد لا يستخدمه فعليه أن يبيعه ويحج بخلاف ما إذا كان سكنه وهو كبير يفضل عنه حتى يمكنه بيعه والاكتفاء بما دونه ببعض ثمنه ويحج بالفضل فإنه لا يجب بيعه لذلك كما لا يجب بيع مسكنه والاقتصار على السكني بالاجارة اتفاقا بل إن باع واشترى قدر حاجته وحج بالفضل كان أفضل، ولو لم يكن له مسكن ولا خادم وعنده مال يبلغ ثمن ذلك ولا يبقى بعده قدر ما يحج به فإنه لا يجب عليه الحج لان هذا المال مشغول بالحاجة الاصلية إليه أشار في الخلاصة، وأشار بقوله وما لا بد منه إلى أنه لا بد أن يفضل له مال بقدر رأس مال التجارة بعد الحج إكان تاجرا، وكذا الدهقان والمزارع، أما المحترف فلا كذا في الخلاصة، ورأس المال يختلف باختلاف الناس، والمراد بالعيال من تلزمه نفقته قال الشارح: ويعتبر في نفقته ونفقة عياله الوسط من غير تبذير

[ 550 ]

ولا تقتير، وقد يقال: اعتبار الوسط في نفقة الزوجة مخالف للمفتي فيها فإن الفتوى اعتبار حالهما والوسط إنما يعتبر فيما إذا كان أحدهما غنيا والآخر فقيرا كما سيأتي في باب النفقات إن شاء الله تعالى. وأشار بقوله نفقة ذهابه وإيابه إلى أنه ليس من الشرط قدرته على نفقته ونفقة عياله بعد عوده وهو ظاهر الرواية، وقيل لا بد من زيادة نفقته يوم، وقيل شهر، والاول عن أبي حنيفة، والثاني عن أبي يوسف. ودخل تحت نفقة عياله سكناهم ونفقتهم وكسوتهم فإن النفقة تشمل الطعام والكسوة والسكنى وقد قدمنا أن من الشرائط الوقت أعني أن يكون مالكا لما ذكر في أشهر الحج حتى لو ملك ما به الاستطاعة قبلها كان في سعة من صرفها إلى غيره، وأفاد هذا قيدا في صيرورته دينا إذا افتقر هو أن يكون مالكا في أشهر الحج فلم يحج والاولى أن يقال: إذا كان قادرا وقت خروج أهل بلده إن كانوا يخرجون قبل أشهر الحج لبعد المسافة أو كان قادرا في أشهر الحج إن كانوا يخرجون فيها ولم يحج حتى افتقر تقرر دينا، وإن ملك في غيرها وصرفها إلى غيره لا شئ عليه. كذا في فتح القدير. قوله: (وأمن طريق) أي وبشرط أمن طريق يعني وقت خروج أهل بلده وإن كان مخيفا في غيره. وحقيقة أمن الطريق أن يكون الغالب فيه السلامة كما اختاره الفقيه أبو الليث وعليه الاعتماد، وما أفتى به أبو بكر الرازي من سقوط الحج عن أهل بغداد، وقول أبي بكر الاسكاف لا أقول الحج فريضية في زماننا قاله سنة ست وعشرين وثلثمائة، وقول الثلجي ليس على أهل خراسان حج مذ كذا وكذا سنة كان وقت غلبة النهب والخوف في الطريق، فلا يعارض ما ذكرنا. وما قاله الصفار من أني لا أرى الحج فرضا من حين خرجت القرامطة وما علل به في الفتاوي الظهيرية بأن الحاج لا يتوصل إلى الحج إلا بالرشوة للقرامطة وغيرهم فتكون الطاعة سببا للمعصية مردود بأن هذا لم يكن من شأنهم لانهم طائفة من الخوارج كانوا يستحلون قتل المسلمين وأخذ أموالهم وكانوا يغلبون على أماكن ويترصدون للحاج، وعلى تقدير أخذهم الرشوة فالاثم في مثله على الآخذ لا المعطي على ما عرف من تقسيم الرشوة في كتاب القضاء، ولا يترك الفرض لمعصية عاص. قال في فتح القدير: والذي يظهر أن يعتبر

[ 551 ]

مع غلبة السلامة عدم غلبة الخوف حتى إذا غلب الخوف على القلوب من المحاربين لوقوع النهب والغلبة منهم مرارا وسمعوا أن طائفة تعرضت للطريق ولها شوكة والناس يستضعفون أنفسهم عنهم لا يجب. واختلف في سقوطه إذا لم يكن بد من ركوب البحر، فقيل البحر يمنع الوجوب. وقال الكرماني: إن كان الغالب في البحر السلامة من موضع جرت العادة بركوبه يجب وإلا فلا وهو الاصح. وسيحون وجيحون والفرات والنيل أنهار لا بحار كما في الحديث سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة. قوله: (ومحرم أو زوج لامرأة في سفر) أي وبشرط محرم إلى أخره لما في الصحيحين لا تسافر امرأة ثلاثا إلا ومعها محرم (1) وزاد مسلم في رواية أو زوج. وروي البزازلا تحج امرأة إلا ومعها محرم فقال رجل: يا رسول الله أني كتبت في غزوة وامرأتي حاجة قال: ارجع فحج معها فأفاد هذا كله أن النسوة الثقات لا تكفي قياسا على المهاجرة والمأسورة لانه قياس مع النص مع وجود الفارق فإن الوجود في المهاجرة والمأسورة ليس سفرا لانها لا تقصد مكانا معينا بل النجاة خوفا من الفتنة حتى لو وجدت مأمنا كعسكر المسلمين وجب أن تقر، ولانه يخاف عليها الفتنة وتزاد بانضمام غيرها إليها ولهذا تحرم الخلوة بالاجنبية وإن كان معها غيرها من النساء، والمحرم من لا يجوز له مناكحتها على التأبيد بقرابة أو رضاع أو مصاهرة، أطلقه

[ 552 ]

فشمل المسلم والذمي والحر والعبد ولا يرد عليه المجوسي الذي يعتقد إباحة نكاحها والمسلم القريب إذا لم يكن مأمونا والصبي الذي لم يحتلم والمجنون لان المقصود من المحرم الحفظ والصيانة لها وهو مفقود في هؤلاء الاربعة، ولم أر من شرط في الزوج شروط المحرم، وينبغي أنه لا فرق لان الزوج إذا لم يكن مأمونا أو كان صبيا أو مجنونا لم يوجد منه ما هو المقصود كما ذكرنا، وعبارة المجمع أولى وهي: ويشترط في حج المرأة من سفر زوج أو محرم بالغ عاقل غير مجوسي ولا فاسق مع النفقة عليه. وأطلق المرأة فشمل الشابة والعجوز لاطلاق النصوص. والمرأة هي البالغة لان الكلام فيمن يجب عليه الحج فلذا قالوا في الصبية التي لم تبلغ حد الشهوة تسافر بلا محرم فإن بلغتها لا تسافر إلا به. والمراد خطاب وليها بأن يمنعها من السفر فإن لم يكن لها ولي فلا تستصحب في السفر لا أن المراد أنها يحرم عليها لانها غير مكلفة حتى تبلغ وبلوغها حد الشهوة لا يستلزمه. وقيد بالسفر وهو ثلاثة أيام بلياليها لانه يباح لها الخروج إلى ما دون ذلك لحاجة بغير محرم، وأشار بعدم اشتراط رضا الزوج إلى أنه ليس له منعها عن حجة الاسلام إذا وجدت محرما لان حقه لا يظهر في الفرائض بخلاف حج التطوع والمنذور. وأشار المصنف إلى أن أمن الطريق والمحرم من شرائط الوجوب لانه عطفه على ما قبله وهو أحد القولين، وقيل شرط

[ 553 ]

وجوب الاداء، وثمرة الاختلاف تظهر في وجوب الوصية وفي وجوب نفقة المحرم وراحلته إذا أبى أن يحج معها إلا بهما وفي وجوب التزوج عليها ليحج معها إن لم تجد محرما، فمن قال هو شرط الوجوب قال لا يجب عليها شئ من ذلك لان شرط الوجوب لا يجب تحصيله، ولهذا لو ملك المال كان له الامتناع من القبول حتى لا يجب عليه الحج، وكذا لو أبيح له. ومن قال إنه شرط وجوب الاداء وجب جميع ذلك، ورجح المحقق في فتح القدير أنهما مع الصحة شروط وجوب أداء بأن هذه العبادة تجري فيها النيابة عند العجر لا مطلقا توسطا بين المالية المحضة والبدنية المحضة لتوسطها بينهما، والوجوب أمر دائر مع فائدته فيثبت مع قدرة المال ليظهر أثره في الاحجاج والايصاء، واعلم أن الاختلاف في وجوب الايصاء إذا مات قبل أمن الطريق، فإن مات بعد حصول الامن فالاتفاق على الوجوب. وأشار باشتراط المحرم أو الزوج إلى أن عدم العدة في حقها شرط أيضا بجامع حرمة السفر عليها أي عدة كانت والعبرة لوجوبها وقت خروج أهل بلدها، وعن ابن مسعود أنه رد المعتدات من النجف بفتحتين مكان لا يعلوه الماء مستطيل فإن لزمتها العدة في السفر فسيأتي في محله إن شاء الله تعالى. قوله: (فلو أحرم صبي أو عبد فبلغ أو عتق فمضي لم يجز عن فرضه) لان الاحرام انعقد للنفل فلا ينقلب للفرض وهو وإن كان شرطا عندنا لكنه شبيه بالركن من حيث إمكان اتصال الاداء به فاعتبرنا الشبه فيما نحن فيه احتياطا. وفي إسناد الاحرام إلى الصبي دليل على صحته منه وهو محمول على ما إذا كان يعقله، فإن كان لا يعقله فأحرم عنه أبوه صار محرما

[ 554 ]

فينبغي أن يجرده قبله ويلبسه إزارا ورداء، ولما كان الصبي غير مخاطب كان إحرامه غير لازم ولذا لو أحصر وتحلل لا دم عليه ولا جزاء ولا قضاء، ولو جدده بعد بلوغه قبل الوقوف ونوى الفرض أجزأه لانه يمكنه الخروج عنه لعدم اللزوم بخلاف العبد لا يمكنه الخروج عنه للزوم، فلو جدده بعد عتقه لا يصح والكافر والجنون كالصبي فلو حج كافر أو مجنون فأفاق زأسلم فجدد الاحرام أجزأهما قيل: وهذا دليل أن الكافر إذا حج لا يحكم بإسلامه بخلاف الصلاة بجماعة. كذا في فتح القدير وفيه بحث من وجهين: الاول كيف يتصور إحرام المجنون فإنه لا يتصور منه إحرام بنفسه وكون وليه أحرم عنه يحتاج إلى نقل صريح يفيد أن المجنون البالغ كالصبي في هذا. الثاني أن هذا لا يدل على أن الكافر إذا حج لا يحكم بإسلامه لان في هذه

[ 555 ]

المسألة لم يوجد الحج منه إنما وجد الاحرام فقط لانه لو وقف بعرفة لم يكن موضوع المسألة ولم يكن للتجديد فائدة، فالحاصل أنه لا يكون مسلما إلا بالاحرام والوقوف وشهود المناسك فلا منافاة بين الفرعين كما لا يخفي. وفي الذخيرة عن النوادر: البالغ إذا جن بعد الاحرام ثم ارتكب شيئا من محظورات الاحرام فإن فيه الكفارة فرقا بينه وبين الصبي. قوله (ومواقيت الاحرام ذو الحليفة وذات عرق والجحفة وقرن ويلملم لاهلها ولمن مر بها) أي الامكنة التي لا يتجاوزها الآفاقي إلا محرما خمسة، فالميقات مشترك بين الوقت المعين والمكان المعين والمراد هنا الثاني وسيأتي الاول. وذو الحليفة - بضم الحاء المهملة وبالفاء - بينه وبين مكة نحو عشر مراحل أو تسع، وبينه وبين المدينة ستة أميال كما ذكره النووي، وقيل سبعة كما ذكره القاضي عياض، ميقات أهل المدينة وهو أبعد المواقيت وبهذا المكان آبار تسميه العوام آبار علي قيل لان علي بن أبي طالب رضي الله عنه قاتل الجن في بعض تلك الآبار وهو كذب من قائله كما ذكره الحلبي في مناسكه. وذات عرق بكسر العين وسكون الراء لجميع أهل المشرق وهي بين المشرق والمغرب من مكة، قيل وبينها وبين مكة مرحلتان. والجحفة بضم الجيم وسكون الحاء المهملة واسمها في الاصل مهيعة نزل بها سيل جحف أهلها أي استأصلهم فسميت جحفة. قال النووي: بينها وبين مكة ثلاث مراحل وهي قرية بين المغرب والشمال من مكة من طريق تبوك وهي طريق أهل الشام ونواحيها اليوم، وهي ميقات أهل مصر والمغرب والشام. وقرن بفتح القاف وسكون الراء وهو جبل مطل على عرفات بينه وبين مكة نحو مرحلتين. وفي الصحاح إنه بفتح الراء وإويسا القرني منسوب إليه ورد بأنه بسكون الراء وأن أويسا منسوب إلى قبيلة يقال لها بنو قرن بطن من مراد وهو ميقات أهل نجد. وأما يلملم

[ 556 ]

فهو ميقات أهل اليمن وهو مكان جنوبي مكة وهو جبل من جبال تهامة على مرحلتين من مكة. فهذا هو المراد بقوله لاهلها وهذه المواقيت ما عدا ذات عرق ثابتة في الصحيحين وذات عرق في صحيح مسلم وسنن أبي داود. وقوله ولمن مر بها يعني من غير أهلها وقد أفاد أنه لا يجوز مجاوزة الجميع إلا محرما فلا يجب على المدني أن يحرم من ميقاته وإن كان هو الافضل وإنما يجب عليه أن يحرم من آخرها عندنا، ويعلم منه أن الشامي إذا مر على ذي الحليفة في ذهابه لا يلزمه الاحرام منه بالطريق الاولى وإنما يجب عليه أن يحرم من الجحفة كالمصري لكن قيل أن الجحفة قذهبت أعلامها ولم يبق بها إلا رسوم خفية لا يكاد يعرفها إلا سكان بعض البوادي. ولهذا والله أعلم اختار الناس الاحرام من المكان المسمى برابض، وبعضهم يجعله بالغين احتياطا لانه قبل الجحفة بنصف مرحلة أو قريب من ذلك وقد قالوا: ومن كان في برا وبحرا لا يمر بواحد من هذه المواقيت المذكورة فعليه أن يحرم إذا حاذى آخرها ويعرف بالاجتهاد وعليه أن يجتهد،

[ 557 ]

فإذا لم يكن بحيث يحاذي فعلى مرحلتين الى مكة. ولعل مرادهم بالمحاذاة المحاذاة القريبة من الميقات وإلا فآخر المواقيت باعتبار المحاذاة قرن المنازل. ذكر لي بعض أهل العلم من الشافعية المقيمين بمكة في الحجة الرابعة للعبد الضعيف أن المحاذاة حاصلة في هذا الميقات فينبغي على مذهب الحنيفة أن لا يلزم الاحرام من رابغ بل من خليص القرية المعروفة فإنه حينئذ يكون محاذيا لآخر المواقيت وهو قرن فأجبته بجوابين: الاول أن احرام المصري والشامي لم يكن بالمحاذاة وإنما هو بالمرور على الجحفة وإن لم تكن معروفة وإحرامهم قبلها احتياطا، والمحاذاة إنما تعتبر عند عدم المرور على المواقيت. الثاني أن مرادهم المحاذاة القريبة ومحاذاة القريبة ومحاذاة المارين لقرن بعيدة لان بينهم وبينه بعض جبال والله أعلم بحقيقة الحال. أطلق في الاحرام فشمل إحرام الحج واحرام العمرة لانه لا فرق بينهما في حق الآفاقي، وشمل ما إذا كان قاصدا عند المجاوزة الحج أو العمرة أو التجارة أو القتال أو غير ذلك بعد أن يكون قد قصد دخول مكة لان الاحرام لتعظيم هذه البقعة الشريفة فاستوى فيه الكل، وأما دخوله صلى الله عليه وسلم مكة بغير إحرام يوم الفتح فكان مختصا بتلك الساعة بدليل قوله صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم مكة حرام لم تحل لاحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار ثم عادت حراما (1) يعني الدخول بغير إحرام لاجماع المسلمين على حل الدخول بعده عليه الصلاة والسلام للقتال. وقيدنا بقصد مكة لان الآفاقي إذا قصد موضعا من الحل كخليص يجوز له أن يتجاوز الميقات غير محرم وإذا وصل إليه التحق بأهله، ومن كان داخل الميقات فله أن يدخل مكة بغير إحرام إذا لم يقصد الحج أو العمرة وهي الحيلة لمن أراد أن يدخل مكة بغير احرام. وينبغي أن لا تجوز هذه الحيلة للمأمور

[ 558 ]

بالحج لانه حينئذ لم يكن سفره للحج ولانه مأمور بحجة آفاقية، وإذا دخل مكة بغير إحرام صارت حجته مكية فكان مخالفا، وهذه المسألة يكثر وقوعها فيمن يسافر في البحر الملح وهو مأمور بالحج ويكون ذلك في وسط السنة فهل له أن يقصد البندر المعروف بجدة ليدخل مكة بغير إحرام حتى لا يطول الاحرام عليه لو أحرم بالحج فإن المأمور بالحج ليس له أن يحرم بالعمرة. قوله (وصح تقديمه عليها عكسه) أي جاز تقديم الاحرام على المواقيت ولا يجوز تأخيره عنها. أما الاول فلقوله تعالى * (وأتموا الحج والعمرة لله) * وفسرت الصحابة الاتمام بأن يحر بها من دويرة أهله ومن الاماكن القاصية. وقال عليه السلام من أهل من المسجد الاقصى بحجة أو بعمرة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر رواه الامام أحمد. ولم يتكلم المصنف على أفضلية التقديم وعدمها لما أن فيه تفصيلا ذكره في الكافي وهو أن التقديم أفضل إذا كان يملك نفسه أن لا يقع في محظور لان المشقة فيه أكثر فكان أكثر ثوابا لان الاجر بقدر

[ 559 ]

التعب بخلاف التقديم على الاشهر. أجمعوا على أنه مكروه من غير تفصيل بين خوف الوقوع في محظور أو لا كما أطلقه في المجمع. ومن فصل كصاحب الظهيرية قياسا على الميقات المكاني فقد أخطأ، وإنما كره مطلقا قبل الميقات الزماني شبهه بالركن وإن كان شرطا فيراعى مقتضى ذلك الشبه احتياطا ولو كان ركنا حقيقة لم يصح قبل أشهر الحج فإن كان شبيها به كره قبلها لشبهة وقربه من عدم الصحة ولشبه الركن لم يجز لفائت الحج استدامة الاحرام ليقضي به من قابل. وأما الثاني فلقوله عليه السلام لا يجاوز أحد الميقات إلا محرما وفائدة التاقيت بالمواقيت الخمسة المنع من التأخير قوله (ولداخلها الحل) أي الحل ميقات من كان دلل المواقيت، وهو بكسر الحاء المواضع التي بين المواقيت والحرم، ولا فرق بين أن يكون في نفس الميقات أو بعده كما نص عليه محمد في كتبه. وقول المحقق في فتح القدير المتبادر من هذه العبارة أن يكون بعد المواقيت غير مسلم بل المتبادر منها من كان فيها نفسها وهو غير مقصود للمصنفين، وإنما المقصود الاطلاق كما ذكرنا. وإنما كان الحل ميقاته لان خارج الحرم كله كمكان واحد في حقه والحرم حد في حقه كالميقات للآفاقي فلا يدخل الحرم عند قصد النسك إلا محرما، وأما عند عدم هذا القصد فله الدخول بغير إحرام للحاجة والضرورة

[ 560 ]

كالمكي إذا خرج من الحرم لحاجة أن يدخل مكة بغير إحرام بشرط أن لا يكون جاوز الميقات كالآفاقي، فإن جاوزه فليس له أن يدخل مكة من غير إحرام لانه صار آفاقيا قوله (وللمكي الحرم للحج والح للعمرة) أي ميقات المكي إذا أراد الحج الحرم فإن أحرم له من الحل لزمه دم وإذا أراد العمرة الحل، فإذا أحرم بها من الحرم لزمه دم لانه ترك ميقاته فيهما وهو مجمع عليه. والمراد بالمكي من كان داخل الحرم سواء كأنه بمكة أو لا، وسواء كان من أهلها أو لا، وبه يعلم أن المراد بداخل المواقيت من كان ساكنا في الحل والله سبحانه أعلم. باب الاحرام أحرم الرجل إذا دخل في حرمة لا تنتهك من ذمة وغيرها، وأحرم للحج لانه يحرم عليه ما يحل لغيره من الصيد والنساء ونحو ذلك، وأحرم الرجل إذا دخل في الحرم أو دخل في الشهر الحرام، وأحرمه لغة في حرمه العطية أي منعه. كذا في ضياء الحلوم مختصر شمس العلوم. وهو في الشريعة نية النسك من حج أو عمرة مع الذكر أو الخصوصية على ما سيأتي. وهو شرط صحة النسك كتكبيرة الافتتاح في الصلاة فالصلاة والحج لهما تحريم وتحليل بخلاف الصوم والزكاة لكن الحج أقوى من غيره من وجهين: الاول أنه إذا تم الاحرام للحج أو للعمرة لا يخرج عنه إلا بعمل النسك الذي أحرم به وإن أفسده إلا في الفوات فيعمل العمرة وإلا الاحصار فبذبح الهدي. الثاني أنه لا بد من قضائه مطلقا ولو كان مظنونا، فلو أحرم بالحج على ظن أنه عليه ثم ظهر خلافه وجب عليه المضي فيه والقضاء إن أبطله بخلاف المظنون في الصلاة فإنه لا قضاء لو أفسده قوله (وإذا أردت أن تحرم فتوضأ والغسل أفضل) قد تقدم دليله في الغسل وهو للنظافة لا للطهارة

[ 561 ]

فيستحب في حق الحائض أو النفساء والصبي لما روي أن أبا بكر رضي الله عنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أسماء قد نفست فقال: مرها فلتغتسل وتحرم بالحج. ولهذا لا يشرع التيمم له عند العجز عن الماء. قال الشارح: بخلاف الجمعة والعيدين يعني أن الغسل فيهما للطهارة لا للتنظيف ولهذا يشرع التيمم لهما عند العجز وفيه نظر، لان التيمم لم يشرع لهما عند العجز إذا كان طاهرا عن الجنابة ونحوها والكلام فيه لانه ملوث ومغير لكن جعل طهارة ضرورة أداء الصلاة ولا ضرورة فيهما ولهذا سوى المصنف في الكافي بين الاحرام وبين الجمعة والعيدين. وأشار المصنف إلى أنه يستحب لمن أراده كمال التنظيف من قص الاظفار والشارب وحلق الابطين والعانة والرأس لمن اعتاده من الرجال أو أراده وإلا فتسريحه وإزالة الشعث والوسخ عنه وعن بدنه بغسله بالخطمي والاشنان ونحوهما، ومن المستحب عند إرادته جماع زوجته أو جاريته إن كانت معه ولا مانع من الجماع فإنه من السنة قوله (والبس إزارا ورداء جديدين أو غسيلين) لانه عليه السلام لبسهما هو وأصحابه

[ 562 ]

كما رواه مسلم، ولانه ممنوع عن لبس المخيط. ولا بد من ستر العورة ودفع الحر والبرد وذلك فيما عيناه مالازار من السرة إلى ما تحت الركبة يذكر ويؤنث كما في ضياء الحلوم والرداء على الظهر والكتفين والصدر ويشده فوق السرة وإن غرز طرفيه في إزاره فلا بأس به، ولو خلله بخلال أو مسلة أو شده على نفسه بحبل أساء ولا شئ عليه. وماا في الكتاب بيان للسنة وإلا فساتر العورة كاف كما في المجمع. وأشار بتقديم الجديد إلى أفضليته، وكونه أبيض أفضل من غيره كالتكفين، وفي عدم غسل الثوب العتيق ترك للمستحب ولا يخفى أن هذا في حق الرجل قوله (وتطيب) أي يسن له استعمال الطيب في بدنه قبيل الاحرام. أطلقه فشمل ما تبقى عينه بعده كالمسك والغالية وما لا تبقى لحديث عائشة في الصحيحين: كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لاحرامه قبل أن يحرم. وفي لفظ لهما: كأني أنظر إلى وبيض الطيب في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم لاحرامه قبل أن يحرم. في لفظ لمسلم: كأني أنظر إلى وبيض المسك وهو البريق واللمعان. وكرهه محمد بما تبقى عينه والحديث حجة عليه. وقيدنا بالبدن إذ لا يجوز التطيب في الثوب بما تبقى عينه على قول الكل على أحد الروايتين عنهما قالوا: وبه نأخذ. والفرق لهما بينهما أنه اعتبر في البدن تابعا على لاصح والمتصل بالثوب منفصل عنه فلم يعتبر تابعا، والمقصود من استنانة حصول الارتفاق به حالة المنع منه كالسحور للصوم وهو يحصل بما في البدن فأغنى عن تجويزه في الثوب إذ لم يقصد كمال الارتفاق حالة الاحرام لان الحاج الشعث التفل، وظاهر ما في الفتاوى الظهيرية أن ما عن محمد رواية ضعيفة وأن مشهور مذهبه كمذهبهما.

[ 563 ]

قوله (وصل ركعتين) أي على وجه السنية بعد اللبس والتطيب لانه عليه السلام صلاهما كما في الصحيحين ولا يصليهما في الوقت المكروه وتجزئه المكتوبة كتحية المسجد ثم ينوي بقلبه الدخول في الحج ويقول بلسانه مطالقا لجنانه: اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني لاني محتاج في أداء أركانه إلى تحمل المشقة فيطلب التيسير والقبول اقتداء بالخليل وولده عليهما السلام حيث قالا: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم. ولم يؤمر بمثل هذا الدعاء عند إرادة الصلاة لان سؤال التيسير يكون في العسير لا في اليسير وأداؤها يسير عادة. كذا في الكافي، وقدمنا ما فيه من الخلاف في بحث نية الصلاة قوله (ولب دبر الصلاة تنوي بها الحج) أي لب عقبها ناويا بالتلبية الحج. والدبر بضم الباء وسكونها آخر الشئ. كذا في الصحاح. وإنما يلبي لما صح عنه عليه السلام من تلبيته بعد الصلاة. وفي قوله تنوي بها أشارة إلى أن ما ذكره المشايخ من أنه يقول اللهم إني أريد الحج إلى آخره ليس محصلا للنية ولهذا قال في فتح القدير: ولم نعلم أن أحدا من الرواة لنسكه روى أنه سمعه عليه السلام يقول نويت العمرة ولا الحج ولهذا قال مشايخنا: إن الذكر باللسان حسن ليطابق القلب. وعلى قياس ما قدمناه في نية الصلاة إنما يحسن إذا لم تجتمع عزيمته وإلا فلا، فالحاصل أن التلفظ باللسان بالنية بدعة مطلقا في جميع العبادات وفي بعض النسخ وقل اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني ولب. وقوله تنوي الحج بيان للاكمل وإلا فيصح الحج بمطلق النية. وإذا أبهم الاحرام بأن لم يعين ما أحرم به جاز

[ 564 ]

وعليه التعيين قبل أن يشرع في الافعال والاصل حديث علي رضي الله عنه حين قدم من اليمن فقال: أهللت بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجازه، فإن لم يعين وطاف شوطا كان للعمرة، وكذا إذا أحصر قبل الافعال فتحلل بدم تعين للعمرة حتى يجب عليه قضاؤها لاقضاء حجة، وكذا إذا جامع فأفسد وجب عليه المضي في عمرة. قال في الظهيرية ولم يذكر في الكتاب أن حجة الاسلام تتأدى بنية التطوع اه‍. والمنقول في الاصول أنها لا تتأدى بنية النفل وتتأدى بمطلق النية نظرا إلى أن الوقت له فيه شبهة المعيارية وشبهة الظرفية فالاول للثاني والثاني للاول. قوله (وهي لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك) هكذا روى أصحاب الكتب الستة تلبيته صلى الله عليه وسلم، ولفظها مصدر مثنى تثنية يراد بها التكثير وهو ملزوم النصب والاضافة والناصب له من غير لفظه تقديره أجبت إجابتك إجابة بعد إجابة إلى ما لا نهاية له، وكأنه من ألب بالمكان إذا أقام فهو مصدر محذوف الزوائد والقياس الباب، ومفرد لبيك لب. واختلف في الداعي فقيل هو الله تعالى، وقيل إبراهيم الخليل عليه السلام، ورجحه المصنف في الكافي وقال: إنه الاظهر. وقيل رسولنا صلى الله عليه وسلم. واختلف في همز إن الحمد بعد الاتفاق على جواز الكسر والفتح واختار في الهداية أن الاوجه الكسر على استئناف الثناء وتكون التلبية للذات. وقال الكسائي: الفتح أحسن على أنه تعليل للتلبيه أي لبيك لان الحمد. ورجح الاول في فتح القدير بأن تعليق الاجابة التي لا نهاية لها بالذات أولى منه باعتبار صفة هذا وإن كان استئناف الثناء لا يتعين مع الكسر لجواز كونه تعليلا مستأنفا كما في قولك علم ابنك العلم أن العلم نافعه قال تعالى * (وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم) * (التوبة: 103) وهذا مقرر في مسالك العلة من علم الاصول لكن لما جاز فيه كل منهما يحمل على الاول لاولويته ولاكثريته بخلاف الفتح ليس فيه سوى أنه تعليل قوله

[ 565 ]

(وزد فيها ولا تنقص) أي في التلبية ولا تنقص منها والزيادة مثل لبيك وسعديك والخير بيديك والرغباء إليك والعمل لبيك إله الخلق غفار الذنوب لبيك ذا النعمة والفضل الحسن، لبيك عدد التراب لبيك إن العيش عيش الآخرة كما ورد ذلك عن عدة من الصحابة. وصرح المصنف في الكافي بأن الزيادة حسنة التكرار، وصرح الحلبي في مناسكه باستحبابها عندنا. وأما النقص فقال المصنف إنه لا يجوز. وقال ابن الملك في شرح المجمع: إنه مكروه اتفاقا. والظاهر أنها كراهة تنزيهية لما أن التلبيية إنما هي سنة فإن الشرط إنما هو ذكر الله تعالى فارسيا كان أو عربيا هو المشهور عن أصحابنا. وخصوص التلبية سنة فإذا تركها أصلا ارتكب كراهة تنزيهية فإذا نقص عنها فكذلك بالاولى، فقول المصنف لا يجوز فيه نظر ظاهر، وقول من قال إن التلبية شرط مراده ذكر يقصد به التعظيم لا خصوصها. قيدنا بالزيادة في التلبية لان الزيادة في الاذان غير مشروعة لانه للاعلام ولا يحصل بغير المتعارف، وفي التشهد في الصلاة إن كان الاول فليست بمشروعة كتكراره لانه في وسط الصلاة فيقتصر فيه على الوارد، وإن كان الاخير فهي مشروعة لانه محل الذكر والثناء قوله (فإذا لبيت ناويا فقد أحرمت) أفاأنه لا يكون محرما إلا بهما فإذا أتى بهما فقد دخل في حرمات مخصوصة فهما عين الاحرام شرعا. وذكر حسام الدين الشهيد أنه يصير شارعا بالنية لكن عند التلبية لا بالتلبية كما يصير شارعا في الصلاة بالنية لكن عند التكبير لا بالتكبير ولا يصير شارعا بالنية وحدها قياسا على الصلاة، وروي عن أبي يوسف أن النية تكفي قياسا على الصوم بجامع أنهما عبادة كف عن المحظورات، وقياسنا أولى لانه التزام أفعال كالصلاة لا مجرد كف بل التزام الكف شرط فكان بالصلاة أشبه. والمراد بالتلبية شرطمن خصوصيات النسك، سواء كان تلبية أو ذكر يقصد به التعظيم أو سوق الهدي أو تقليد البدن كما ذكره المصنف في المستصفى. وذكر الاسبيجابي أنه لو ساق هديا قاصدا إلى مكة صار محرما بالسوق، نوى

[ 566 ]

الاحرام أولم ينو شيأ، وسيأتي تفاصيله إن شاء الله تعالى. ثم إذا أحرم صلى على النبي صلى الله عليه وسلم عقب إحرامه سرا وهكذا يفعل عقب التلبية ودعا بما شاء من الادعية وإن تبرك بالمأثور فهو حسن قوله (فاتق الرفث والفسوق والجدال) للآية الكريمة * (فلا رفت ولا فسوق ولا جدال في الحج) * (البقرة: 197) وهذا نهي بصيغة النفي وهو آكد ما يكون من النهي كأنه قيل فلا يكونن رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وهذا لانه لو بقي أخبار التطرق الخلف في كلام الله تعالى لصدور هذه الاشياء من البعض فيكون المراد بالنفي وجوب انتفائها وإنها حقيقة بأن لا تكون. كذا في الكافي. والرفث الجماع لقوله تعالى * (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) * (البقرة: 187) وقيل الكلام الفاحش لانه من دواعيه فيحرم كالجماع إلا أن ابن عباس يقول: إنما يكون الكلام الفاحش رفثا بحضرة النساء حتى روي أنه كان ينشد في إحرامه: وهن يمشين بنا هميساإن يصدق الطيرننك لميسا فقيل له: أترفث وأنت محرم؟ فقال: إنما الرفث بحضرة النساء. والضمير في هن للابل والهميس صوت نقل أخفافها، وقيل المشي الخفي. ولميس اسم جارية والمعنى نفعل بها ما نريد إن صدق الفال. والفسوق المعاصي وهو منهي عنه في الاحرام وغيره إلا أنه في الاحرام أشد كلبس الحرير في الصلاة. والتطريب في قراءة القرآن، والجدال الخصومة مع الرفقاء والخدم والمكارين، ومن ذكر من الشارحين أن المراد به مجادلة المشركين بتقديم وقت الحج وتأخيره أو التفاخر بذكر آبائهم حتى أفضى ذلك إلى القتال فإنه يناسب تفسير الجدال في الآية لا الجدال في كلام الفقهاء فلهذا اقتصرنا على الاول وفي المحيط: إذا رفث يفسد حجه وإذا فسق أو جادل لا لان الجماع من محظورات الاحرام اه‍. ولا يخفى أنه مقيد بما قبل الوقوف بعرفة وإلا فلا فساد في الكل.

[ 567 ]

قوله: (وقتل الصيد والاشارة إليه والدلالة عليه) أي فاثق إذا أحرمت التعرض لصيد البر. قال المصنف في المستصفى: أريد بالصيد هاهنا المصيدإذ لو أريد به المصدر وهو الاصطياد لما صح إسناد القتل إليه وحرمة قتله ثابتة بالقرآن وحرمة الاشارة والدلالة بحديث أبي قتادة كما سيأتي، والفرق بين الاشارة والدلالة أن الاشارة تقتضي الحضرة والدلالة تقتضي الغيبة قوله: (ولبس القميص والسراويل والعمامة والقلنسوة والقباء والخفين إلا أن لا تجد النعلين فاقطعهما أسفل من الكعبين والثوب المصبوغ بورس أو زعفران أو عصفر إلا أن يكون غسيلا لا ينفض) كما دل عليه حديث الصحيحين. والسراويل أعجمية والجمع سراويلات منصرف في أحد استعماليه ويؤنث، والقباء المد على وزن فعال بالفتحة والورس صبغ أصفر يؤتى به من اليمن. واختلف في قولهم لا ينفض فقيل لا يفوح، وقيل لا يتناثر والثاني غير صحيح لان العبرة للطيب لا للتناثر ألا ترى أنه لو كان ثوبا مصبوغا له رائحة طيبة ولا يتناثر منه شئ فإن المحرم يمنع منه. كذا في المستصفى. والمراد بلبس القباء أن يدخل منكبيه ويديه في كميه لانه لو لم يدخل يديه في كميه فإنه يجوز عندنا خلافا لزفر. كذا في غاية البيان. والكعب هنا المفصل الذي في وسط القدم عند معقد الشراك فميا روى هشام عن محمد بخلافه في الوضوء فإنه العظم الناتئ أي المرتفع، ولم يعين في الحديث أحدهما لكن لما كان الكعب يطلق عليه، وعلى الثاني حمله عليه احتياطا. كذا في فتح القدير. أي حمل الكعب في الاحرام على المفصل المذكور لاجل الاحتياط لان الاحوط فيما كان أكثر كشفا وهو قيما قلنا. فالحاصل أنه يجوز لبس كل شئ في رجله لا يغط الكعب الذي في وسط القدم، سرموزه كان أو مداسا أو غير ذلك. ويدخل في لبس القميص ليس الزردة والبرنس، وخرج باللبس الارتداء بالقيمص ونحوه لانه ليس بلبس. وذكر الحلبي في مناسكه

[ 568 ]

أن ضابطه لبس كل شئ معمول على قدر البدن أو بعضه بحيث يحيط به بخياطة أو تلزيق بعضه ببعض أو غيرهما ويستمسك عليه بنفس لبسمثله إلا المكعب. ويدخل في الخفين الجوز بأن ولم أر من صرح بما إذا كان قادرا على النعلين فهل له أن يقطع الخفين أسفل من الكعبين، والظاهر من الحديث وكلامهم أنه لا يجوز لا يحل لما فيه من إتلاف ما له لغير ضرورة قوله: (وستر الوجه والرأس) أي واجتنب تغطيتهما لحديث الاعرابي الذي وقصته ناقته لا تخمروا رأسه ولا وجهه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا. واعلم أن أئمتنا استدلوا بهذا الحديث على حرمة تغطية الوجه على المحرم الحي المفهوم من التعليل ولم يعملوا بمنطوقه في حق الميت المحرم فإن حكمه عندنا كسائر الاموات في تغطية الوجه والرأس، والشافعية عملوا به فيما إذا مات المحرم ولم يعملوا به في حالة الحياة. وأجا ب في غاية البيان عن أئمتنا بأنهم إنما لم يعملوا به في الموت لانه معارض بحديث إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث والاحرام عمل فهو منقطع فيغطى العضوان ولهذا لا يبنى المأمور بالحج على إحرام الميت اتفاقا، وهو يدل على انقطاعه بالموت والاعرابي مخصوص من ذلك بأخبار النبي صلى الله عليه وسلم

[ 569 ]

ببقاء إحرامه وهو في غيره مفقود فقلنا بانقطاعه بالموت، ولان المرأة لا تغطي وجهها إجماعا مع أنها عورة مستورة وفي كشفه فتنة لالزجل وجهه للاحرام أولى والمراد بستر الرأس تغطيتها بما يغطى به عادة كالثوب احترازا عن شئ لا يغطي به عادة كالعد والطبق والاجانة، ولا فرق بين ستر الكل والبعض والعصابة ولهذا ذكر قاضيخان في فتاواه أنه لا يغطي فاه ولا ذقنه ولا عارضه ولا بأس بأن يضع يديه على أنفه قوله: (وغسلهما بالخطمي) أي وليجتنب غسل رأسه ولحيته بالخطمي واللحية لما كانت في الوجه. أعاد الضمير عليها وإن لم يتقدم لها ذكر ووجوب اجتنابه متفق عليه لكن يجب عليه دم إذا لم يجتنبه عنده لانه نوع طيب وعندهما صدقة لانه يقتل الهوام ويلين الشعر وليس بطيب، وهذا الاختلاف راجع إلى تفسيره وليس باختلاف حقيقة كالاختلاف في الصابئة والافطار بالاقطار في الاحليل. والخطمي بكسر الخاء نبت يغسل به الرأس، وقيد بالخطمي لانه لو غسل رأسه بالحرض والصابون لا شئ عليه باتفاقهم قوله: (ومس الطيب) أي واجتنبه مطلقا في الثوب والبدن لقوله عليه السلام الخاج الشعث التفل وهو بكسر العين مغبر الرأس، والتفل بكسر الفاء تارك الطيب، وهو في اللغة نقيض الخبث، وفي الشريعة وهو جسم له رائحة طيبة كالزعفران والبنفسج والياسمين والغالية والورد والورس والعصفر والحناء، ولم يذكر المصنف هنا الدهن كما في الوافي، إما أنه أصل الطيب فدخل تحته، وإما للاختلاف كما سيأتي في باب الجنايات قوله: (وحلق رأسه وقص شعره وظفره) أي واجتنب هذه الاشياء لقوله تعالى * (ولا تحلقوا رؤسكم) * (البقرة: 196) والقص في معناه فثبت دلالة. والمراد إزالة الشعر كيفما كان حلقا وقصا ونتفا وتنورا وإحراقا من أي مكان كان من الرأس والبدن مباشرة أو تمكينا لكن قال الحلبي في مناسكه: ويستثنى منه قلع الشعر النابت في العين فقد ذكر بعض مشايخنا أنه لا شئ فيه عندنا. قوله: (لا الاغتسال ودخول الحمام) أي لا يتقيهما لما روى مسلم أنه صلى الله عليه وسلم اغتسل وهو محرم قوله: (والاستظلال بالبيت والمحمل) أي لا يجتنبه. والمحمل بفتح الميم الاولى وكسر الثانية أو عكسه، وهو مقيد بما إذا لم يصب رأسه ولا وجهه فلو أصاب أحدهما يكره كما لو حمل ثيابا على رأسه فإنه يلزمه الجزاء بخلاف ما إذا حمل نحو الطبق أو الاجانة والعدل المشغول قوله: (وشد الهميان في وسطه) أي لا يجتنبه وهو بالكسر ما يجعل فيه الدراهم ويشد على الحقو. أطلقه فشمل ما إذا كان فيه نفقته أو نفقة غيره لانه ليس بلبس مخيط ولا في معناه. وأشار إلى أنه لا يكره شد المنطقة والسيف والسلاح والتختم بالخاتم. ومما لا يكره

[ 570 ]

له أيضا الاكتحال بغير المطيب وأن يختتن ويفتصد ويقلع ضرسه ويجبر الكسر ويحتجم وأن يحك رأسه وبدنه غير أنه إن خاف سقوط شئ من شعره بسبب ذلك حكه برفق وإن لم يخف من ذلك فلا بأس بالحك الشديد قوله: (وأكثر من التلبية متى صليت أو علوت شرفا أو هبطت واديا أو لقيت ركبا وبالاسحار رافعا صوتك) أي أكثر منها على وجه الاستحباب عند اختلاف الاحوال كتكبير الصلاة عند الانتقال. أطلق الصلاة فشمل فرضها وواجبها ونفلها وهو ظاهر الرواية، وخصها الطحاوي بالمكتوبات قياسا على تكبيرات التشريق كما ذكره الاسبيجابي. وعلوت شرفا أي صعدت مكانا مرتفعا، وقيل بضم الشين جمع شرفة. والركب جمع راكب كتجر جمع تاجر، والسحر السدس الاخير من الليل. وصرح في المحيط بأن الزيادة منها على المرة الواحدة سنة حتى تلزمه الاساءة بتركها. قال في فتح القدير: فظهر أن التلبية فرض وسنة ومندوب. ويستحب أن يكررها كلما أخذ فيها ثلاث مرات ويأتي بها على الولاء ولا يقطعها بكلام، ولو رد السلام في خلالها جاز لكن يكره لغير السلام عليه في حالة التلبية. وإذا رأى شيأ يعجبه قال لبيك إن العيش عيش الآخرة، وتقدم أنه يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم عقب تلبيته سرا ويسأل الله الجنة ويتعوذ من النار ورفع الصوت بها سنة إلا أنه لا يجهد نفسه كما يفعله العوام.

[ 571 ]

قوله: (وابدأ بالمسجد بدخول مكة) الباء الاولى باء التعدية وهو إيصال معنى متعلقها بمدخولها، والثانية للسببية، وعبادة أصله أولى وهي: إذا دخل مكة بدأ بالمسجد الحرام لانه أولى شئ فعله عليه السلام وكذا الخلفاء بعده، وقد قدمنا في كتاب الطهارة أن من الاغتسالات المسنونة الاغتسال لدخولها وهو للنظافة فيستحب للحائض والنفساء. ولم يقيد دخول مكة بزمن خاص فأفاد أنه لا يضره ليلا دخلها أو نهارا لانه عليه السلام دخلها نهارا في حجته وليلا في عمرته فهما سواء في عدم الكراهة، وما روي عن ابن عمر أنه كان ينهى عن الدخول ليلا فليس تقريرا للسنة بل شفقة على الحاج من السراق، وأما المستحب فالدخول نهارا كما في الخانية. ويستحب أن يدخل مكة من باب المعلا ليكون مستقبلا في دخوله باب البيت تعظيما، وإذا خرج فمن السفلى. ولا يخفى أن تقديم الرجل اليمنى سنة دخول المساجد كلها، ويستحب أن يكون ملبيا في دخوله حتى يأتي باب بني شيبة فيدخل المسجد الحرام منه لانه عليه السلام دخل منه وهو المسمى بباب السلام متواضعا خاشعا ملبيا ملاحظا جلالة البقعة مع التلطف بالمزاحم قوله: (وكبر وهلل تلقاء البيت) أي مواجها له لحديث جابر أنه عليه السلام كبر ثلاثا وقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، فالمراد من التكبير الله أكبر أي من هذه الكعبة المعظمة. كذا في غاية البيان. والاولى أي من كل ما سواه ومن التهليل لا إله إلا الله، ولم يذكر المصنف الدعاء عند مشاهدة البيت وهكذا في المتون وهي غفلة عما لا يغفل عنه فإن الدعاء عندها مستجاب، ومحمد رحمه الله لم يعين في الاصل لمشاهد الحج شيأ من الدعوات لان التوقيت يذهب بالرقة وإن تبرك بالمنقول منها فحسن. كذا في الهداية. وفي الولوالجية من فصل القراءة: للمصلي ينبغي

[ 572 ]

أن يدعو في الصلاة بدعاء محفوظ لا بما يحضره لانه يخاف أن يجري على لسانه ما يشبه كلام الناس فتفسد صلاته، فأما في غير الصلاة فينبغي أن يدعو بما يحضره ولا يستظهر الدعاء لان حفظ الدعاء يمنعه عن الرقة اه‍. وقد ذكر في المناقب أن أبا حنيفة أوصى رجلا يريد السفر إلى مكة بأن يدعو الله عند مشاهدة البيت باستجابة دعائه فإن استجيبت هذه الدعوة صار مستجاب الدعوة وفي فتح القدير ومن أهم الادعية طلب ب الجنة بلا حساب والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هنا من أهم الاذكار كما ذكر الحلبي في مناسكه. قوله: (ثم استقبل الحجر مكبرا مهللا مستلما بلا إيذاء) لفعله عليه السلام كذلك ولنهي عمر عن المزاحمة ولان الاستلام سنة والكف عن الايذاء واجب فالاتيان بالواجب متعين. والاستلام أن يضع يديه على الحجر الاسود ويقبله لفعله عليه السلام الثابت في الصحيحين، وإن لم يقدر وضع يديه وقبلهما أو إحداهما، فإن لم يقدر أمس الحجر شيئا كالعرجون ونحوه وقبله لرواية مسلم، وإن عجز عن ذلك للزحمة استقبله ورفع يديه حذاء أذنيه وجعل باطنهما نحو الحجر مشيرا بهما إليه وظاهرهما نحو وجهه. وهكذا المأثور وإن أمكنه أن يسجد على الحجر

[ 573 ]

فعل لفعله عليه السلام والفاروق بعده، وقول القوام الكاكي الاولى أن لا يسجد عندنا ضعيف. وهذا التقبيل المسنون إنما يكون بوضع الشفتين من غير تصويت كما ذكره الحلبي في مناسكه، وقد أشار إلى أنه لا يبدأ بالصلاة لان تحية البيت الطواف فإن كان حلالا فيطوف طواف التحية، وإن كان محرما بالحج فطواف القدوم وهو أيضا تحية إلا أنه خص بهذه الاضافة. وإن دخل في يوم النحر بعد الوقوف فطواف الفرض يغني كصلاة الفرض تغني عن تحية المسجد أو بالعمرة فطواف العمرة. ولا يسن في حقه طواف القدوم واستثنى علماؤنا من ذلك ما إذا دخل في وقت منع الناس من الطواف أو كان عليه فائتة مكتوبة أو خاف خروج الوقت للمكتوبة أو الوتر أو سنة راتبة أو فوت الجماعة في المكتوبة فإنه يقدم الصلاة على الطواف في هذه المسائل ثم يطوف. وفي قوله الحجر دون أن يصفه بالسواد إشارة إلى أنه حين أخرج من الجنة كان أبيض من اللبن وإنما أسود بمس المشركين والعصاة. كذا في المحيط. قوله: (وطف مضطبعا وراء الحطيم عن يمينك مما يلي الباب سبعة أشواط) لفعله عليه السلام كذلك لما رواه أبو داود وهو أن يدخل ثوبه تحت يده اليمنى ويلقه على عاتقه الايسر. يقال اضطبع بثوبه وتأبط به، وقولهم اضطبع رداءه سهو وإنما الصواب بردائه. كذا في المغرب. وهو سنة مأخوذ من الضبع وهو العضد لانه يبقى مكشوفا، وينبغي أن يفعله قبل الشروع في الطواف بقليل. وأما إدخال الحطيم في طوافه فهو واجب لان الحطيم ثبت

[ 574 ]

كونه من البيت بخير الواحد حتى لو تركه يؤمر بإعادة الطواف من الاصل أو إعادته على الحطيم ما دام بمكة ولو لم يعد لزمه دم، ولو استقبل الحطيم وحده لا تجوز صلاته لان فرضية التوجه ثبتت بنص الكتاب فلا تتأدى بما ثبت بخير الواحد احتياطا. وله ثلاث أسام: حطيم وحظيرة وحجر. وهو اسم لموضع متصل بالبيت من الجانب الغربي بينه وبين البيت فرجة، وسمي به لانه حطم من البيت أي كسر فعيل بمعنى مفعول كالقتيل بمعنى المقتول، أو لان من دعا على من ظلمه فيه حطمه الله كما جاء في الحديث فهو بمعنى فاعل. كذا في كشف الاسرار. وليس كله من البيت بل مقدار ستة أذرع من البيت برواية مسلم عن عائشة. وفي غاية البيان أن فيه قبر هاجر واسماعيل عليهما السلام. وأما أخذه عن يمينه مما يلي الباب فهو واجب أيضا حتى لو طاف منكوسا صح وأثم لتركه الواجب، ويجب إعادته ما دام بمكة فإن رجع قبل إعادته فعليه دم والحكمة في كونه يجعل البيت عن يساره أن الطائف بالبيت مؤتم به والواحد مع الامام يكون الامام على يساره، وقيلان القلب في الجانب الايسر، وقيل ليكون الباب في أول طوافه لقوله تعالى * (واتوا البيوت من أبوابها) * (البقرة: 189) وأشار بقوله مما يلي الباب أن الافتتاح من الحجر الاسود واجب لانه عليه السلام لم يتركه قط، وقيل شرط حتى لو افتتح من غيره لا يجزئه لان الامر بالطواف في الآية مجمل في حق الابتداء فالتحق فعله عليه السلام بيانا له. كذا في فتح القدير هنا. وفي باب الجنايات ذكر أن ظاهر الروايات أنه سنة، وذكر في المحيط أنه سنة عند عامة المشايخ حتى لو افتتح من غير

[ 575 ]

الحجر جاز ويكره. وذكر محمد في الرقيات أنه لم يجز ذلك القدر وعليه الاعادة وإليه أشار في الاصل فقد جعل البداية منه فرضا ا ه‍. والاوجه الوجوب للمواظبة والافتراض بعيد عن الاصول للزوم الزيادة على القطعي بخبر الواحد، ولعل صاحب المحيط أراد بالسنة السنة المؤكدة التي بمعنى الواجب وتكون الكراهة تحريمية. ولما كان الابتداء من الحجر واجبا كان الابتداء من الطواف من الجهة التي فيها الركن اليماني قريبا من الحجر الاسود متعينا ليكن مارا بجميع بدنه على جميع الحجر الاسود وكثير من العوام شاهدناهم يبتدؤن الطواف وبعض الحجر خارج عن طوافهم فاحذره. وقوله سبعة أشواط بيان للواجب لا للفرض في الطواف فإنا قدمنا أن أقل الاشواط السبعة واجبة تجبر بالدم فالركن أكثر الاشواط. واختلف

[ 576 ]

فيه فقيل أربعة أشواط وهو الصحيح نص عليه محمد في المبسوط، وذكر الجرجاني أنه ثلاثة أشواط وثلثا شوط، وخالف المحقق ابن الهمام أهل المذهب وجزم بأن السبعة ركن فإنه لا يجزئ أقل منها وأن هذا ليس من قبيل ما يقام فيه الاكثر مقام الكل، وأطال الكلام فيه في الجنايات، وهذا التقدير أعني السبعة مانع للنقصان اتفاقا. واختلفوا في منعه للزيادة حتى لو طاف ثامنا وعلم أنه ثامن اختلفوا فيه والصحيح أنه يلزمه إتمام الاسبوع لانه شرع فيه ملتزما بخلاف ما إذا ظن أنه سابع ثم تبين له أنه ثامن فإنه لا يلزمه الاتمام لانه شرع فيه مسقطا لا ملتزما كالعبادة المظنونة. كذا في المحيط. وبهذا علم أن الطواف خالف الحج فإنه إذا شرع فيه مسقطا يلزمه إتمامه بخلاف بقية العبادات. والاشواط جمع شوط وهو جري مرة إلى الغاية. كذا في المغرب. وفي الخانية من الحجر إلى الحجر شوط. واعلم أن مكان الطواف داخل المسجد الحرام حتى لو طاف بالبيت من وراء زمزم أو من وراء السواري جاز، ومن خارج المسجد لا يجوز وعليه أن يعيد لانه لا يمكنه الطواف ملاصقا لحائط البيت فلا بدمن حد فاصل بين القريب والبعيد فجعلنا الفاصل حائط المسجد لانه في حكم بقعة واحدة، فإذا طاف خارج المسجد فقد طاف بالمسجد لا بالبيت لان حيطان المسجد تحول بينه وبين البيت. كذا في المحيط. وقد علمت مما قدمناه من واجبات الحج أن الطهارة فيه من الحدثين واجب، وكذا ستر العورة، فلو طاف مكشوف العورة قدر ما لا تجوز الصلاة معه لزمه دم. كذا في الظهيرية. وأما الطهارة من الخبث فمن

[ 577 ]

السنة لا يلزمه بتركها شئ كما صرح به في المحيط وغيره لكن صرح في الفتاوي الظهيرية بأنه لو طاف طواف الزيادة في ثوب كله نجس فهذا وما لو طاف عريانا سواء، فإن كان من الثوب قدر ما يواري عورته طاهرا والباقي نجسا جاز طوافه ولا شئ عليه. وأطلق الطواف فأفاد أنه لا يكره في الاوقات التي تكره الصلاة فيها لان الطواف ليس بصلاة حقيقة ولهذا أبيح الكلام فيه كما ورد في الحديث ولا تبطله المحاذاة وقالوا: لا بأس بأن يفتي في الطواف ويشرب ويفعل ما يحتاج إليه لكن يكره إنشاد الشعر فيه والحديث لغير حاجة والبيع، وأما قراءة القرآن فيه فمباحة في نفسه ولا يرفع بها صوته كما في المحيط. والمعروف في الطواف إنما هو مجرد ذكر الله روي ابن ماجه عن أبي هريرة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول من طاف بالبيت سبعا ولم يتكلم إلا بسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قولة إلا بالله محيت عنه عشر سيأت، وكتبت له عشر حسنات، ورفع له بها عشر درجات (1) وفي المحيط: لو خرج من طوافه إلى جنازة أو مكتوبة أو تجديد وضوء ثم عاد بني. قوله: (ترمل في الثلاثة الاول فقط) بيان للسنة أي في الاشواط الثلاثة الاول دون غيرها فأفاد أنه من الحجر لحديث ابن عمر وابن عباس في حجة الوداع المروي في الصحيحين ردا على من قال إنه ينتهي إلى الركن اليماني. واعلم أن الاصل زوال الحكم عند زوال العلة لان الحكم ملزوم لوجود العلة ووجود الملزوم بدون اللازم محال: وقول من قال إن علة الرمل في الطواف زالت وبقي الحكم ممنوع فإن النبي صلى الله عليه وسلم رمل في حجة الوداع تذكيرا لنعمة الامن بعد الخوف ليشكر عليها فقد أمر الله بذكر نعمه في مواضع من كتابه. وما أمرنا بذكرها إلا لنشكرها. ويجوز أن يثبت الحكم بعلل متبادلة فحين غلبة المشركين كانت علة الرمل إيهام المشركين قوة المؤمنين، وعند زوال ذلك تكون علته تذكير نعمة الامن كما أن علة الرق في الاصل استنكاف الكافر عن عبادة ربه ثم صار علته حكم الشرع بربه وإن أسلم وكالخراج فإنه يثبت في الابتداء بطريق العقوبة ولهذا لا يبدأ به على المسلم ثم صار علته حكم الشرع بذلك حتى لو اشترى المسلم أرض خراج لزمه عليه الخراج. كذا ذكره المحقق

[ 578 ]

أكمل الدين في شرح البزدوي من بحث القدرة الميسرة. وقد رد المحقق ابن الهمام في باب العشر والخراج كون الحكم ملزوما لوجود العلة في العلل الشرعية لان العلل الشرعية أمارات على الحكم لا مؤثرات فيجوز بقاء الحكم بعد زوال علته وإنما ذلك في العلل العقلية. وأشار بقوله بعد ذلك ثم أخرج إلى الصفا إلى أنه لا يرمل إلا في طواف بعده سعي، فلو أراد تأخير السعي إلى طواف الزيارة لا يرمل في طواف القدوم، وذكر الشارح معزيا إلى الغاية إذا كان قارنا لم يرمل في طواف القدوم إن كان رمل في طواف العمرة. وأشار بقوله فقط إلى أنه لو ترك الرمل في الشوط الاول لا يرمل إلا في الشوطين بعده، وبنسيانه في الثلاثة الاول لا يرمل في الباقي لان ترك الرمل في الاربعة سنة، فلو رمل فيها لكان تاركا للسنتين وكان ترك أحدهما أسهل، فإن زاحمه الناس في الرمل وقف، فإذا وجد مسلكا رمل لانه لا بدل له فيقف حتى يقيمه على الوجه المسنون بخلاف استلام الحجر لان الاستقبال بدل له. وفي الولوالجية: ولو رمل في الكل لم يلزمه شئ ا ه‍. وينبغي أن يكره تنزيها لمخالفة السنة. والرمل كما في الهداية أن يهز في مشيته الكتفين كالمبارز يتبختر بين الصفين، وقيل هو إسراع مع تقارب الخطا دون الوثوب والعدو. وهو في اللغة كما في ضياء الحلوم بفتح الفاء والعين الهرولة. وفي فتح القدير: وهو بقرب البيت أفضل فإن لم يقدر فهو في البعد من البيت أفضل من الطواف بلا رمل مع القرب منه. قوله: (واستلم الحجر كلما مررت به إن استطعت) أي من غير إيذاء لحديث البخاري أنه عليه السلام طاف على بعير كلما أتى إلى الركن أشار بشئ في يده وكبر. وفي المغرب: استلم الحجر تناوله بيده أو بالقبلة أو مسحه بالكف من السلمة بفتح السين وكسر اللام وهي

[ 579 ]

الحجر، أفاد أن استلام الحجر بين كل شوطين سنة كما صرح به في غاية البيان. وذكر في المحيط والولوالجي في فتاواه أن الاستلام في الابتداء والانتهاء سنة وفيما بين ذلك أدب. ولم يذكر المصنف استلام غير الحجر لانه لا يستلم الركن العراقي والشامي، وأما اليماني فيستحب أن يستلمه ولا يقبله، وعند محمد هو سنة وتقبيله مثل الحجر الاسود والدلائل تشهد له فإن ابن عمر قال: لم أر النبي صلى الله عليه وسلم يمس من الاركان إلا اليمانيين كما في الصحيحين. وعن ابن عباس أنه عليه السلام كان يقبل الركن اليماني ويضع يده عليه. رواه الدارقطني. وعنه عليه السلام إذا استلم الركن اليماني قبله رواه البخاري في تاريخه. وعن ابن عمر أنه قال: ما تركت استلام هذين الركنين الركن اليماني والحجر الاسود منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمهما. رواه مسلم وأبو داود. وقد علمت أن استلام الحجر والركن اليماني يعم التقبيل فقد دل على سنية استلامه، وأظهر منه ما رواه أحمد وأبو داود عن ابن عمر أنه عليه السلام لا يدع أن يستلم الحجر والركن اليماني في كل طوافه، فإنه صريح في المواظبة الدالة على السنية. واعلم أنه قد صرح في غاية البيان أنه لا يجوز استلام غير الركنين وهو تساهل فإنه ليس فيه ما يدل على التحريم، وإنما هو مكروه كراهة التنزيه. والحكمة في عدم استلامهما أنهما ليسا من أركان البيت حقيقة لان بعض الحطيم من البيت فيكون الركنان إذن وسط البيت، وأن الاصل في النسبة إلى اليمن والشام يمني وشامي ثم حذفوا إحدى

[ 580 ]

يائي النسبة وعوضوا منها ألفا فقالوا اليماني والشآمي بالتخفيف وبعضهم يشدده كما في الصحاح قوله: (واختم الطواف به وبركعتين في المقام أو حيث تيسر من المسجد) أما ختم الطواف بالاستلام فهو سنة لفعله عليه السلام كذلك في حجة الوداع، وأما صلاة ركعتي الطواف بعد كل أسبوع فواجبة على الصحيح لما ثبت في حديث جابر الطويل أنه عليه السلام لما انتهى إلى مقام ابراهيم عليه السلام قرأ * (واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى) * (البقرة: 125) فنبه بالتلاوة قبل الصلاة على أن صلاته هذه امتثالا لهذا الامر والامر للوجوب إلا أن استفادة ذلك

[ 581 ]

من التنبيه وهو ظني فكان الثابت الوجوب، ويلزمه حكمنا بمواظبته عليه السلام من غير ترك إذ لا يجوز عليه ترك الواجب. ويكره وصل الاسابيع عند أبي حنيفة ومحمد خلافا لابي يوسف وهي كراهة تحريم لاستلزامها ترك الواجب، ويتفرع على الكراهة أنه لو نسيهما فلم يتذكر إلا بعد أن شرع في طواف آخر إن كان قبل إتمام شوط رفضه وبعد إتمامه لا، ولو طاف بصبي لا يصلي ركعتي الطواف عنه. كذا في فتح القدير. وقيد بعضهم قول أبي يوسف بأن ينصرف عن وتر. والمراد بالمقام مقام ابراهيم وهي حجارة يقوم عليها عند نزوله وركوبه من الابل حين يأتي إلى زيارة هاجر وولدها اسمعيل. كذا ذكر المصنف في المستصفي. وذكر القاضي في تفسيره أنه الحجر الذي فيه أثر قدميه والموضع الذي كان فيه حين قام عليه ودعا الناس إلى الحج، وقيل مقام ابراهيم الحرم كله. وقول المصنف من المسجد بيان للفضيلة وإلا فحيث أراد بعد الرجوع إلى أهله لانها على التراخي ما لم يرد أن يطوف أسبوعا آخر فتكون على الفور لما قدمنا من كراهة وصل الاسابيع، وقد تقدم في الاوقات المكروهة أنه لا يصليهما فيها فحمل قولهما يكره وصل الاسابيع إنما هو في وقت لا يكره التطوع فيه ولم أر نقلا فيما إذا وصل الاسابيع في وقت الكراهة ثم زال وقتها أنه يكره الطواف قبل الصلاة لكل أسبوع ركعتين. وينبغي أن يكون مكروها لما أن الاسابيع في هذه الحالة صارت كأسبوع واحد. وفي الفتاوي الظهيرية: يقرأ في الركعة الاولى * (قل يا أيها الكافرون) * وفي الثانية * (قل هو الله أحد) * تبركا بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن قرأ غير ذلك جاز، وإذا فرغ من صلاته يدعو للمؤمنين والمؤمنات قوله: (للقدوم وهو سنة لغير المكي) أي طف هذا الطواف لاجل

[ 582 ]

القدوم، وهذا الطواف سنة للآفاقي دون المكي لانه كتحية المسجد لا يسن للجالس فيه، هكذا ذكروا وليس هذا كتحية المسجد من كل وجه فإن الفرض أو السنة تغني عن تحية المسجد بخلاف طواف القدوم لما سيأتي من أن القارن يطوف للعمرة أولا ثم يطوف للقدوم ثانيا ولا يكفيه الاول، ولم يذكر المصنف الشرب من ماء زمزم بعد ختم الطواف وإنما ذكره بعد الفراغ من أفعال الحج، وكذا إتيان الملتزم والتشبث به، وكذا العود إلى الحجر الاسود قبل السعي، والكل مستحب لكن الاخير مشروط بإرادة السعي حتى لو لم يرده لم يعد إلى الحجر بعد ركعتي الطواف كما في الولوالجية. قوله: (ثم أخرج إلى الصفا وقم عليه مستقبل البيت مكبرا مهللا مصليا على النبي صلى الله عليه وسلم داعيا ربك بحاجتك) لما ثبت في حديث جابر الطويل، وقد قدمنا أن هذا السعي واجب وليس بركن للحديث اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي قاله عليه السلام حين كان يطوف بين الصفا والمروة، فإنه ظني وبمثله لا يثبت الركن لانه إنما يثبت عندنا بدليل مقطوع، فما في الهداية من تأويله بمعنى كتب استحبابا فمناف لمطلوبه لانه الوجوب وجميع السبعة الاشواط واجب لا الاكثر فقط فإنهم قالوا في باب الجنايات: لو ترك أكثر الاشواط لزمه دم وإن ترك الاقل لزمه صدقة فدل على وجوب الكل إذ لو كان الواجب الاكثر لم يلزمه في الاقل شئ. أشار بثم إلى تراخي السعي عن الطواف، فلو سعي ثم طاف أعاده لان السعي تبع ولا يجوز تقدم التبع على الاصل. كذا ذكر الولوالجي. وصرح في المحيط بأن تقديم الطواف شرط لصحة السعي. وبهذا علم أن تأخير السعي عن الطواف واجب وإلى أن

[ 583 ]

السعي لا يجب بعد الطواف فورا بل لو أتى به بعد زمان ولو طويلا لا شئ عليه، والسنة الاتصال به كالطهارة فصح سعي الحائض والجنب، وكذا الصعود عليه مع ما بعده سنة حتى يكره لا يصعد عليهما، كما في المحيط، وقد قدمنا أن المشي فيه واجب حتى لو سعى راكبا من غير عذر لزمه دم. ولم يذكر أي باب يخرج منه إلى الصفا لانه مخير لان المقصود يحصل به، وإنما خرج عليه السلام من باب بني مخزوم المسمى الآن بباب الصفا لانه أقرب الابواب إليه فكان اتفاقا لا قصدا فلم يكن سنة. ولم يذكر رفع اليدين في هذا الدعاء وهو مندوب حذو منكبيه جاعلا باطنهما إلى السماء. ثم اعلم أن أصل الصفا في اللغة الحجر الاملس وهو والمروة جبلان معروفان بمكة، وكان الصفا مذكرا لان آدم عليه السلام وقف عليه فسمي به، ووقفت حواء على المروة فسميت باسم المرأة فأنث لذلك. كذا ذكر القرطبي في تفسيره. وفي التحفة: الافضل للحاج أن لا يسعى بعد طواف القدوم لان السعي واجب لا يليق أن يكون تبعا للسنة بل يؤخره إلى طواف الزيارة لانه ركن واللائق للواجب أن يكون

[ 584 ]

تبعا للفرض قوله: (ثم اهبط نحو المروة ساعيا بين الميلين الاخضرين وافعل عليها فعلك على الصفا) أي على المروة من الصعود والتكبير والتهليل والصلاة والدعاء، والكل سنة حتى لو ترك الهرولة بين الميلين لا شئ عليه، وهما شيآن على شكل الميلين منحوتان من نفس جدار المسجد الحرام إلا أنهما منفصلان عنه، وهما علامتان لموضع الهرولة في ممر بطن الوادي بين الصفا والمروة. كذا في المغرب قوله: (وطف بينهما سبعة أشواط تبدأ بالصفا وتختم بالمروة) كما صح في حديث جابر الطويل. وقوله تبدأ بالصفا بيان للواجب حتى لو بدأ بالمروة لا يعتد بالاول هو الصحيح لمخالفة الامر وهو قوله عليه السلام ابدؤا بما بدأ الله به (1). وإشارة إلى أن الذهاب إلى المروة شوط والعود منها إلى الصفا شوط آخر وهو الصحيح لما صح في حديث جابر أنه قال: فلما كان آخر طوافه على المروة. ولو كان من الصفا إلى الصفا شوطا لكان آخر طوافه الصفا. ونقل الشارح عن الطحاوي أن الذهاب من الصفا إلى المروة

[ 585 ]

والرجوع منها إلى الصفا شوط قياسا على الطواف فإنه من الحجر إلى الحجر شوط. وفي الفتاوي الظهيرية ما يخالفه فإنه قال: لا خلاف بين أصحابنا أن الذهاب من الصفا إلى المروة شوط محسوب من الاشواط السبعة، فأما الرجوع من المروة إلى الصفا هل هو شوط آخر؟ قال الطحاوي: لا يعتبر الرجوع من المروة إلى الصفا شوطا آخر والصحيح أنه شوط آخر ا ه‍. وفرق المحقق ابن الهمام بين الطوافين بالفرق لغة بين طاف كذا وكذا سبعا الصادق بالتردد من كل من الغايتين إلى الاخرى سبعا وبين طاف بكذا فإن حقيقته متوقفة على أن يشمل بالطواف ذلك الشئ، فإذا قال طاف به سبعا كان بتكرير تعميمه بالطواف سبعا فمن هنا افترق الحال بين الطواف بالبيت حيث لزم في شوطه كونه من المبدأ إلى المبدأ والطواف

[ 586 ]

بين الصفا والمروة حيث لم يستلزم ذلك ا ه‍. ولم يذكر صلاة ركعتين بعد السعي ختما له وهي مستحبة لفعله عليه السلام لذلك لما رواه أحمد. قوله: (ثم أقم بمكة حراما لانك محرم بالحج) فلا يجوز له التحلل حتى يأتي بأفعاله فأفاد أن فسخ الحج إلى العمرة لا يجوز، وما في الصحيحين من أنه عليه السلام أمر بذلك أصحابه إلا من ساق منهم الهدي فهو مخصوص بهم لما في صحيح مسلم عن أبي ذر أن المتعة كانت لاصحاب محمد خاصة، وفي بعض الشروح أنها كانت مشروعة على العموم ثم نسخت كمتعة النكاح، أو معارض بما في الصحيحين أيضا أن من أهل بالحج أو بالحج والعمرة لم يحلوا إلى يوم النحر قوله: (فطف بالبيت كلما بدا لك) أي ظهر لك لحديث الطحاوي وغيره الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله قد أحل لكم المنطق (1) والصلاة خير موضوع فكذا الطواف إلا أنه لا يسعى لكونه يتكرر لا وجوبا ولا نفلا، وكذا الرمل. ويجب أن يصلي لكل أسبوع ركعتين كما قدمناه فالطواف التطوع أفضل للغرباء من صلاة التطوع، ولاهل مكة الصلاة أفضل منه. هكذا أطلقه كثير وينبغي تقييده بزمن الموسم وإلا فالطواف أفضل من الصلاة مكيا كان أو غريبا، وينبغي أن يكون قريبا من البيت في طوافه إذا لم يؤذ به

[ 587 ]

أحدا. والافضل للمرأة أن تكون في حاشية المطاف ويكون طوافه وراء الشاذر وإن كي لا يكون بعض طوافه بالبيت بناء على أنه منه. وقال الكرماني: الشاذر وإن ليس عندنا من البيت، وعند الشافعي منه حتى لا يجوز الطواف عليه وهو تلك الزيادة الملصقة بالبيت من الحجر الاسود إلى فرجة الحجر، قيل بقي منه حين عمرته قريش وضيقته. وفي التجنيس: الذكر أفضل من القراءة في الطواف. وفي فتح القدير معزيا لكافي الحاكم: يكره أن يرفع صوته بالقراءة فيه ولا بأس بقراءته في نفسه. ولم يذكر المصنف دخول البيت وهو مستحب إذا لم يؤذ أحدا كذا قالوا يعني لا نفسه ولا غيره. وقليل أن يوجد هذا الشرط في زمن الموسم كما شاهدناه. ويستحب أن يصلي فيه اقتداء به عليه السلام، وينبغي أن يقصد مصلاه عليه السلام وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا دخل مشى قبل وجهه ويجعل الباب قبل ظهره حتى يكون بينه وبين الجدار الذي قبل وجهه قريب من ثلاثة أذرع. ثم يصلي ويلزم الادب ما استطاع بظاهره وباطنه ولا يرفع بصره إلى السقف، فإذا صلى إلى الجدار يضع خده عليه ويستغفر ويحمد ثم يأتي الاركان فيحمد ويهلل ويسبح ويكبر ويسأل الله تعالى ما شاء. قوله: (ثم اخطب قبل يوم التروية بيوم وعلم فيها المناسك) يعني في اليوم السابع من الحجة بعد صلاة الظهر خطبة واحدة لا جلوس فيها، ويوم التروية هو يوم الثامن سمي به لان الناس يرون إبلهم فيه لاجل يوم عرفة، وقيل لان ابراهيم عليه السلام رأى في تلك الليلة في منامه أن يذبح ولده بأمر ربه فلما أصبح روى في النهار كله أي تفكر أن ما رآه

[ 588 ]

من الله تعالى فيأتمره أو لا فلا. وظاهر كلام المغرب تعينه فإنه قال: والاصل الهمزة وأخذها من الرؤية خطأ ومن الري منظور فيه. وأراد بالمناسك الخروج إلى منى وإلى عرفة والصلاة فيها والوقوف والافاضة وهذه أول الخطب الثلاث التي في الحج، ويبدأ في الكل بالتكبير ثم بالتلبية ثم بالتحميد كابتدائه في خطبة العيدين، ويبدأ بالتحميد في ثلاث خطب وهي خطبة الجمع والاستسقاء والنكاح. كذا في المبتغى قوله: (ثم رح يوم التروية إلى منى) وهي قرية فيها ثلاث سكك بينها وبين مكة فرسخ وهي من الحرم، والغالب عليه التذكير والصرف وقد يكتب بالالف. كذا في المغرب. أطلقه فأفاد أنه يجوز التوجه إليها في أي وقت شاء من اليوم. واختلف في المستحب على ثلاثة أقوال أصحها أنه يخرج إليها بعد ما طلعت الشمس لما ثبت من فعله عليه السلام كذلك في حديث جابر الطويل وابن عمر مع اتفاق الرواة أنه صلى الظهر بمنى، والبيتوتة بها سنة والاقامة بها مندوبة. كذا في المحيط. ولو لم يخرج من مكة إلا يوم عرفة أجزأه أيضا ولكنه أساء لترك السنة، وأفاد أنه لا فرق بين أن يكون يوم التروية يوم الجمعة أو لا فله الخروج إليها يوم الجمعة قبل الزوال وأما بعده فلا يخرج ما لم يصلها كما إذا أراد أن يسافر يوم الجمعة من مصره. وينبغي أن لا يترك التلبية في الاحوال كلها حال الاقامة بمكة داخل المسجد الحرام وخارجه إلى حال كونه في الطواف ويلبي عند الخروج إلى منى ويدعو بما شاء، ويستحب أن ينزل بالقرب من مسجد الخيف قوله: (ثم إلى عرفات بعد صلاة الفجر يوم عرفة) وهي علم للموقف وهي منونة لا غير ويقال لها عرفة أيضا، ويوم عرفة التاسع من ذي الحجة وسمي به لان ابراهيم عليه السلام عرف أن الحكم من الله فيه أو لان جبريل عرفه المناسك فيه أو لان آدم وحواء تعارفا فيه بعد الهبوط إلى الارض وهذا بيان الافضل حتى لو ذهب قبل طلوع الفجر إليها جاز كما يفعله الحجاج في زماننا فإن أكثرهم لا

[ 589 ]

يبيت بمنى لتوهم الضرر من السراق. ويستحب أن يسير على طريق ضب ويعود على طريق المأزمين اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم كما في العيدين، وينزل مع الناس حيث شاء وبقرب الجبل أفضل والبعد عن الناس في هذا المكان تجبر والحال حال تضرع ومسكنة أو اضرار بنفسه أو متاعة أو تضيق على المارة إن كان بالطريق، والسنة أن ينزل الامام بنمرة وتزول النبي صلى الله على وسلم بها لا نزاع فيه. كذا في فتح القدير قوله: (ثم اخطب) يعني خطبتين بعد الزوال والآذان قبل الصلاة يجلس بينهما كما في الجمعة للاتباع. وإنما أطلقه لافادة أنها جائزة قبل الزوال واكتفى بما ذكره في الاولى من تعليم المناسك عن أن يقول ويعلم الناس فيها المناسك التي هي إلى الخطبة الثالثة وهي الوقوف بعرفة والمزدلفة والافاضة منهما ورمي جمرة العقبة يوم النحر والذبح والحلق وطواف الزيارة. ولما كان الاطلاق مصروفا إلى المعهود دل أنه إذا صعد الامام المنبر وجلس أذن المؤذن وهو ظاهر المذهب وهو الصحيح للاتباع الثابت عنه عليه السلام. قوله: (ثم صل بعد الزوال الظهر والعصر بأذان وإقامتين بشرط الامام والاحرام) لما ثبت من حديث جابر من الجمع بينهما كذلك فيؤذن للظهر ثم يقيم له ثم يقيم للعصر لانها تؤدى قبل وقتها المعتاد فتفرد بالاقامة للاعلام. وأشار بذكر العصر بعد الظهر إلى أنه لا يصلي سنة الظهر البعديه وهو الصحيح كما في التصحيح فبالاولى أن لا ينتقل بينهما، فلو فعل كره وأعاد الاذان للعصر لانقطاع فوره فصار كالاشتغال بينهما بفعل آخر. وفي اقتصاره في بيان

[ 590 ]

شرط الجمع على ما ذكر دليل على أن الخطبة ليست من شرطه بخلاف الجمعة وعلى أن الجماعة ليست من شرطه حتى لو لحق الناس الفزع بعرفات فصلى الامام وحده الصلاتين فإنه يجوز بالاجماع على الصحيح. كذا في الوجيز. وفي البدائع: ولا يلزم عليه ما إذا سبق الامام الحدث في صلاة الظهر فاستخلف رجلا وذهب الامام ليتوضأ فصلى الخليفة الظهر والعصر ثم جاء الامام أنه لا يجوز له أن يصلي العصر إلا في وقتها لان عدم الجواز هناك ليس لعدم الجماعة بل لعدم الامام لانه خرج عن أن يكون إماما وصار كواحد من المؤتمين أو يقال: الجماعة شرط الجمع عند أبي حنيفة لكن في حق غير الامام لا في حق الامام ا ه‍. فما في النقاية والجوهرة والمجمع من اشتراط الجماعة ضعيف. ولو أحدث بعد الخطبة قبل أن يشرع في الصلاة فاستخلف من لم يشهد الخطبة جاز ويجمع بين الصلاتين بخلاف الجمعة، وذكر

[ 591 ]

الامام والاحرام بالتعريف للاشارة إلى تعيينهما فالمراد بالامام الامام الاعظم أو نائبه مقيما كان أو مسافرا، فلا يجوز الجمع مع إمام غيرهما. ولو مات الامام وهو الخليفة جمع نائبه أو صاحب شرطه لان النواب لا ينعزلون بموت الخليفة والاصلي كل واحد منهما في وقتها، والمراد بالاحرام إحرام الحج حتى لو كان محرما بالعمرة يصلي في وقته عنده، وهذان الشرطان لا بد منهما في كل من الصلاتين لا في العصر وحدها حتى لو كان محرما بالعمرة في الظهر محرما بالحج في العصر لا يجوز له الجمع عنده كما لو لم يكن محرما في الظهر. وأطلق في وقت الاحرام فأفاد أنه لا فرق بين أن يكون محرما قبل الزوال أو بعده وهو الصحيح لان المقصود حصوله عند أداء الصلاتين، ولا يشترط الامام لجميع أداء الظهر حتى لو أدرك جزأ منه معه جاز له الجمع. كذا في المحيط. وهذا كله مذهب الامام، وعندهما لا يشترط إلا الاحرام عند العصر وهو رواية فجور للمنفرد الجمع. وفي قوله صلى الظهر إشارة إلى الصحيحة فلو صلاها ثم تبين فساد الظهر أعادهما جميعا لان الفاسد عدم شرعا، وذكر في معراج الدراية أنه يؤخر هذا الجمع إلى آخر وقت الظهر، وفي المحيط لا يجهر بالقراءة فيهما قوله: (ثم إلى الموقف وقف بقرب الجبل) أي ثم رح والمراد بالجبل جبل الرحمة.

[ 592 ]

قوله (وعرفات كلها موقف إلا بطن عرنة) لحديث البخاري عرفات كلها موقف وارتفعوا عن بطن عرنة، والمزدلفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن محسر. وشعاب مكة كلها منحر (1) وفي المغرب: عرنة واد بحذاء عرفات وبتصغيرها سميت عرينة ينسب إليها العرنيون. وذكر القرطبي في تفسيره أنها بفتح الراء وضمها بغربي مسجد عرفة حتى لو قال بعض العلماء: إن الجدار الغربي من مسجد عرفة لو سقط سقط في بطن عرنة. وحكي الباجي عن ابن حبيب أن عرفة في الحل وعرنة في الحرم قوله: (حامدا مكبرا مهللا ملبيا مصليا داعيا) أي قف حامدا إلى آخره لحديث مالك وغيره أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شئ قدير وكان عليه السلام يجتهد في الدعاء في هذا الموقف حتى روى عنه أنه عليه السلام دعا عشية عرفة لامته بالمغفرة فاستجيب له إلا في الدماء والمظالم ثم أعاالدعاء بالمزدلفة فأجيب حتى الدماء والمظالم. خرجه ابن ماجه

[ 593 ]

وهو ضعيف بالعباس بن مرادس فإنه منكر الحديث ساقط الاحتجاج كما ذكره الحفاظ لكن له شواهد كثيرة، فمنها ما رواه أحمد بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: كان فلان ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة فجعل الفتى يلاحظ النساء وينظر إليهن فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ابن أخي إن هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره غفله. ومنها ما رواه البخاري مرفوعا من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ومنها ما رواه مسلم في صحيحه مرفوعا إن الاسلام يهدم ما كان قبله، وإن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وإن الحج يهدم ما كان قبله (1) ومنها ما رواه مالك في الموطأ مرفوعا ما رؤي الشيطان يوما هو أصغر ولا أدحر ولا أغيظ منه في يوم عرفة وما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله تعالى عن الذنوب العظام إلا ما رؤي يوم بدر فإنه رأي جبريل يزع الملائكة (2) فإنها تقتضي تكفير الصغائر والكبائر ولو كانت من حقوق العباد لكن ذكر الاكمل في شرح المشارق أن الاسلام يهدم ما كان قبله أن المقصود أن الذنوب السالفة تحبط بالاسلام والهجرة والحج صغيره كانت أو كبيرة، وتتناول حقوق الله وحقوق العباد بالنسبة إلى الحربي حتى لو أسلم لا يطالب بشئ منها حتى لو كان قتل وأخذ المال وأحرزه بدار الحرب ثم أسلم لا يؤاخذ بشئ من ذلك، وعلى هذا كان الاسلام كافيا في تحصيل مراده ولكن ذكر صلى الله عليه وسلم الهجرة والحج تأكيدا في بشارته وترغيبا في مبايعته فإن الهجرة والحج لا يكفران المظالم ولا يقطع فيهما بمحو الكبائر وإنما يكفران الصغائر. ويجوز أن يقال: والكبائر التي ليست من حقوق العباد أيضا كالاسلام من أهل الذمة وحينئذ لا يشك أن ذكرهما كان للتأكيد ا ه‍. وهكذا ذكر الامام الطيبي في شرح هذا الحديث وقال: إن الشارحين اتفقوا عليه. وهكذا ذكر الامام النووي والقرطبي في شرح مسلم. وذكر القاضي عياض أن أهل السنة أجمعوا على أن الكبائر لا يكفرها إلا التوبة. فالحاصل أن المسألة ظنية وأن الحج لا يقطع فيه بتكفير الكبائر من حقوق الله تعالى فضلا عن حقوق العباد. وأن قلنا بالتكفير للكل فليس معناه كما يتوهمه كثير من الناس أن الدين يسقط عنه وكذا قضاء الصلوات والصيامات والزكاة إذ لم يقل أحد بذلك، وإنما المراد

[ 594 ]

أن إثم مطل الدين وتأخيره يسقط ثم بعد الوقوف بعرفة إذا مطل صار آثما الآن، وكذا إثم تأخير الصلاة عن أوقاتها يرتفع بالحج لا القضاء ثم بعد الوقوف بعرفة يطالب بالقضاء فإن لم يفعل كان آثما على القول بغوريته، وكذا البقية على هذا القياس. وبالجملة فلم يقل أحد بمقتضى عموم الاحاديث الواردة في الحج كما لا يخفي. وأشار بقوله ملبيا إلى الرد على من قال يقطعها إذا وقف. ثم اعلم أن الوقوف ركن من أركان الحج كما قدمناه وهو أعظم أركانه للحديث الصحيح الحج عرفة وشرطه شيآن: أحدهما كونه في أرض عرفات. الثاني أن يكون في وقته كما سيأتي بيانه. وليس القيام من شرطه ولا من واجباته حتى لو كان جالسا جاز لان الوقوف المفروض هو الكينونة فيه، وكذا النية ليس من شرطه، وواجبه الامتداد إلى الغروب. وأما سننه فالاغتسال للوقوف والخطبتان والجمع بين الصلاتين وتعجيل الوقوف عقيبهما وأن يكون مفطرا لكونه أعون على الدعاء، وأن يكون متوضئا لكونه أكمل،

[ 595 ]

وأن يقف على راحلته، وأن يكون مستقبل القبلة، وأن يكون وراء الامام بالقرب منه، وأن يكون حاضر القلب فارغا من الامور الشاغلة عن الدعاء فينبغي أن يجتنب في موقفه طريق القوافل وغيرهم لئلا ينزعج بهم، وأن يقف عند الصخرات السود موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن تعذر عليه يقف بقرب منه بحسب الامكان، وأما ما اشتهر عن العوام من الاعتناء بالوقوف على جبل الرحمة الذي هو بوسط عرفات وترجيحهم له على غيره فخطأ ظاهر ومخالف للسنة ولم يذكر أحد ممن يعتد به في صعود هذا الجبل فضيلة تختص به بل له حكم سائر أراضي عرفات غير موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه أفضل إلا الطبري والماوردي في الحاوي فإنهما قالا باستحباب قصد هذا الجبل الذي يقال له جبل الدعاء. قال: وهو موقف الانبياء. وما قالاه لا أصل له ولم يرد فيه حديث صحيح ولا ضعيف. كذا ذكر النووي في شرح المهذب. ومن السنة أن يكثر من الدعاء والتكبير والتهليل والتلبية والاستغفار وقراءة القرآن والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وليحذر كل الحذر من التقصير في شئ من هذا فإن هذا اليوم لا يمكن تداركه. ويكثر من التلفظ بالتوبة من جميع المخالفات مع الندم بالقلب، وأن يكثر البكاء مع الذكر

[ 596 ]

فهناك تسكب العبرات وتستقال العثرات وترتجى الطلبات وإنه لمجمع عظيم وموقف جسيم يجتمع فيه خيار عباد الله الصالحين وأوليائه المخلصين وهو أعظم مجامع الدنيا، وقد قيل إذا وافق يوم عرفة يوم جمعة غفر لكل أهل الموقف وأنه أفضل من سبعين حجة في غير يوم جمعة كما ورد في الحديث. وليحذر كل الحذر من المخاصمة والمشاتمة والمنافرة والكلام القبيح بل ومن المباح أيضا في مثل هذا اليوم. قوله: (ثم إلى مزدلفة بعد الغروب) أي ثم رح كما ثبت في صحيح مسلم من فعله عليه السلام، وهذا بيان للواجب حتى لو دفع قبل الغروب وجاوز حدود عرفة لزمه دم. وأشار إلى أن الامام لو أبطأ لدفع بعد الغروب. فإن الناس يدفعون لانه لا موافقة في مخالفة السنة، ولو مكث بعد الغروب وبعد دفع الامام وإن كان قليلا لخوف الزحام فلا بأس به، وإن كان كثيرا كان مسيئا لمخالفة السنة، والافضل أن يمشي على هينته وإذا وجد فرجة أسرع، ويستحب أن يدخل مزدلفة ماشيا وأن يكبر ويهلل ويحمد ويلبي ساعة فساعة قوله: (وانزل بقرب جبل قزح) يعني المشعر الحرام وهو غير منصرف للعدل والعلمية كعمر من قزح الشئ ارتفع يقال إنه كانون آدم عليه السلام وهو موقف الامام كما رواه أبو داود. ولا ينبغي النزول على الطريق ولا الانفراد عن الناس فينزل عن يمينه أو يساره، ويستحب أن يقف وراء الامام كالوقوف بعرفة قوله: (وصل بالناس العشائين بإذان وإقامة) أي المغرب والعشاء جمع تأخير لرواية مسلم عن ابن عمر أنه عليه السلام أذن للمغرب بجمع فأقام ثم صلى العشاء بالاقامة الاولى. وأشار إلى أنه لا تطوع بين الصلاتين ولو سنة مؤكدة على

[ 597 ]

الصحيح ولو تطوع بينهما أعاد الاقامة كما لو اشتغل بينهما بعمل آخر: وفي الهداية: وكان ينبغي أن يعاد الاذان كما في الجمع الاول إلا أنا اكتفينا بإعادة الاقامة لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى المغرب بمزدلفة ثم تعشى ثم أفرد الاقامة بالعشاء، وإلى أن هذا الجمع لا يختص بالمسافر لانه جمع بسبب النسك فيجوز لاهل مكة ومزدلفة ومنى وغيرهم، وإلى أن هذا الجمع لا يشترط فيه الامام كما شرط في الجمع المتقدم لان العشاء تقع أداء في وقتها والمغرب قضاء، والافضل أن يصليهما مع الامام بجماعة. وينبغي أن يصلي الفرض قبل حط رحله بل ينيخ جماله ويعقلها، وهذه ليلة جمعت شرف المكان والزمان فينبغي أن يجتهد في إحيائها بالصلاة والتلاوة والذكر والتضرع قوله: (ولم تجز المغرب في الطريق) أي لم تحل صلاة المغرب قبل الوصول إلى مزدلفة للحديث الصلاة أمامك قاله حين قيل لا الصلاة يا رسول الله وهو في طريق مزدلفة أي وقتها. فدل كلامه أنها لا تحل بعرفات بالطريق الاولى. وأشار إلى أن العشاء لا تحل بالطريق الاولى وإن كان بعد دخول وقتها لان صاحبة الوقت وهي المغرب إذا كانت لا تحل به فغيرها أولى. ولما كان وقت هاتين الصلاتين وقت العشاء علم أنه لو خاف طلوع الفجر جاز أن يصليهما في الطريق لانه لو لم يصليهما لصارتا قضاء وإذا لم يحل له أداؤهما بالطريق فإذا صلاهما أو إحداهما فقد ارتكب كراهة التحريم فكل صلاة أديت معها وجب إعادتها فيجب إعادتهما ما لم يطلع الفجر، فإن طلع سقطت الاعادة لان الاعادة للجمع بينهما

[ 598 ]

في وقت العشاء وقد خرج. وفي الفتاوي الظهيرية: ثم ههنا مسألة لا بد من معرفتها وهو أنه لو قدم العشاء على المغرب بمزدلفة يصلي المغرب ثم العشاء، فإن لم يعد العشاء حتى انفجر الصبح عاد العشاء إلى الجواز، وهذا كما قال أبو حنيفة فيمن ترك صلاة الظهر ثم صلى بعدها خمسا وهو ذاكر للمتروكة لم يجز، فإن صلى السادسة عاد إلى الجواز. واعلم أن المشايخ صرحوا في كتبهم بعدم الجواز وهو يوهم عدم الصحة وليس بمراد بل المراد عدم الحل ولهذا صرحوا بالاعادة. ولو كانت باطلة لكان أداء إن كان في الوقت وقضاء إن كان خارجه، ولو صرحوا بعدم الحل لزال الاشتباه. وحاصل دليلهم المقتضي لعدم الحل أنه ظني مفيد تأخير وقت المغرب في خصوص هذه الليلة ليتوصل إلى الجمع بمزدلفة، فعلمنا بمقتضاه ما لم يلزم

[ 599 ]

تقديم على الدليل القاطع وهو الدليل الموجب للمحافظة على الوقت، فقبل طلوع الفجر لم يلزم تقديمه على القطعي، وبعده انتفي إمكان تدارك هذا الواجب وتقرر المأثم إذ لو وجبت الاعادة بعده كان حقيقته عدم الصحة فيما هو مؤقت قطعا وفيه التقديم الممتنع. وفي فتح القدير: وقد يقال بوجوب الاعادة مطلقا لانه أداها قبل وقتها الثابت بالحديث، فتعليله بأنه للجمع فإذا مات سقطت الاعادة تخصيص للنص بالمعنى المستنبط منه، ومرجعه إلى تقديم المعنى على النص وكلمتهم على أن العبرة في المنصوص عليه لعين النص لا لمعنى النص لا يقال لو أجريناه على إطلاقه أدى إلى تقديم الظني على القطعي لانا نقول ذلك لو قلنا بافتراض ذلك لكنا نحكم بالاجزاء ونوجب إعادة ما وقع مجزئا شرعا مطلقا ولا بدع في ذلك فهو نظير وجوب إعادة صلاة أديت مع كراهة التحريم حيث نحكم بإجزائها ويجب إعادتها مطلقا ا ه‍. وفي المحيط: لو صلاهما بعد ما جاوز المزدلفة جاز ا ه‍ قوله: (ثم صل الفجر بغلس) لرواية ابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم صلاها يومئذ بغلس. وهو في اللغة آخر الليل والمراد هنا بعد طلوع الفجر بقليل للحاجة إلى الوقوف بالمزدلفة.

[ 600 ]

قوله (ثم قف مكبرا مهللا ملبيا مصليا على النبي صلى الله عليه وسلم داعيا ربك بحاجتك وقف على جبل قزح إن أمكنك وإلا فبقرب منه) بيان للسنة، فلو وقف قبل الصلاة أجزأه، ووقته من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وقدمنا أنه واجب. وصرح في الهداية بسقوطه للعذر بأن يكون به ضعف أو علة أو كانت امرأة تخاف الزحام لا شئ عليه، وسيأتي في الجنايات أن هذا لا يخص هذا الواجب بل كل واجب إذا تركه للعذر لا شئ عليه. ولم يقيد في المحيط خوف الزحام بالمرأة بل أطلقه فشمل الرجل لو مر قبل الوقت لخوفه لا شئ عليه، ولو مر بها من غير أن يقف جاز كالوقوف بعرفة، ولو مر في جزء من أجزاء المزدلفة جاز. كذا في المعراج. واختلف في جبل قزح فقيل هو المشعر الحرام، وقيل المشعر جميع المزدلفة. ولم يذكر البيتوتة بمزدلفة وهي سنة لا شئ عليه لو تركها كما لو وقف بعد ما أفاض الامام قبل الشمس لان البيتوتة شرعت للتأهب للوقوف ولم تشرع نسكا قوله: (وهي موقف إلا بطن محسر) أي المزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر، وهو بضم الميم المهملة وكسر السين المهملة المشددة وبالراء، وسمي بذلك لان فيل أصحاب الفيل حسر فيه أي عي وكل. ووادي محسر موضع فاصل بين منى ومزدلفة ليس من واحدة منهما. قال الازرقي: إن وادي محسر خمسمائة ذراع وخمس وأربعون ذراعا، وأما مزدلفة فإنها كلها من الحرم سميت بذلك من التزلف والازدلاف وهو التقرب لان الحجاج يتقربون منها، وحدها مابين وادي محسر ومأزمي عرفة ويدخل فيها جميع تلك الشعاب والجبال الداخلة في الحد المذكور. وظاهر كلام المصنف كغيره أن بطن محسر ليس مكان الوقوف كبطن عرنة في عرفات فلو وقف

[ 601 ]

فيهما فقط لا يجوز كما لوقف في منى، سواء قلنا إن عرنة ومحسرا من عرفة ومزدلفة أو لا. ووقع في البدائع: وأما مكانه يعني الوقوف بمزدلفة فجزء من أجزاء مزدلفة إلا أنه لا ينبغي له أن ينزل في وادي محسر، ولو وقف به أجزأه مع الكراهة وذكر مثله في بطن عرنة. قال في فتح القدير: وما ذكره في البدائع غير مشهور من كلام الاصحاب بل الذي يقتضيه كلامهم عدم الاجزاء وهو الذي يقتضيه النظر لانهما ليسا من مسمى المكانين والاستثناء منقطع قوله: (ثم إلى منى بعد ما أسفر جدا) أي ثم رح وفسر الاسفار بأن تدفع بحيث لم يبق إلى طلوع الشمس إلا مقدار ما يصلي ركعتين كما في المحيط. وفي الظهيرية: وينبغي أن يكثر من الذكر والصلاة عليه السلام والدعاء وهو ذاهب فإذا بلغ بطن محسر أسرع إن كان ماشيا وحرك دابته إن كان راكبا قدر رمية حجر لانه عليه السلام فعل ذلك. قوله: (فارم جمرة العقبة من بطن الوادي بسبع حصيات كحصى الخذف) أي المكان المسمى بذلك. والجمار هي الصغار من الحجارة جمع جمرة وبها سموا المواضع التي ترمي جمارا وجمرات لما بينهما من الملابسة، وقيل لتجمع ما هنالك من الحصى من تجمر القوم إذا تجمعوا، وجمر شعره إذا جمعه على قفاه. والخذف بالخاء والذال المعجمتين أن ترمي بحصاة أو نواة أو نحوها تأخذه بين سبابتيك، وقيل أن تضع طرف الابهام على طرف السبابة وفعله من باب ضرب. كذا في المغرب. وصحح الولوالجي القول الثاني لانه أكثر إهانة للشيطان وهذا بيان للسنة، فلو رمى كيف أراد جاز، ولو رمي من فوق العقبة أجزأه وكان مخالفا للسنة. قيد بالرمي لانه لو وضعها وضعا لم يجز لترك الواجب والطرح رمي إلى قدميه فيكون مجزئا إلا أنه مخالف للسنة. ومقدار الرمي أن يكون بين الرامي وموضع السقوط خمسة أذرع. كذا في

[ 602 ]

الهداية. وفي الظهيرية: يجب أن يكون بينهما هذا القدر فلو رماها فوقعت قريبا من الجمرة يكفيه، ولو وقعت بعيدا لم يجزه لانه لم يعرف قربة إلا في مكان مخصوص والقريب عفو. ولو وقعت الحصاة على ظهر رجل أو على محمل وثبتت عليه كان عليه إعادتها، وإذا سقطت عن المحمل أو عن ظهر الرجل في سننها ذلك أجزأه. وأشار بقوله كحصى الخذف إلى أنه لو رمى بسبع حصيات جملة واحدة فإنه يكون عن واحدة لان المنصوص عليه تفرق الافعال والتقييد بالسبع لمنع النقص لا لمنع الزيادة فإنه لو رماها بأكثر من السبع لم يضره. والتقييد

[ 603 ]

بالحصى لبيان الاكمل وإلا فيجوز الرمي بكل ما كان من جنس الارض كالحجر والمدر وما يجوز التيمم به ولو كفا من تراب.، ولا يجوز بالخشب والعنبر واللؤلؤ والجواهر والذهب والفضة، إما لانها ليست من جنس الارض أو لانها نثار وليست برمي أو لانه إعزاز لا إهانة، وكذا التقييد بحصى الخذف لبيان الاكمل فإنه لو رماها بأكبر منه جاز لحصول المقصود غير أنه لا يرمي بالكبار من الحجارة كيلا يتأذى به غيره، ولو رمى صح وكره. ولم يبين الموضع المأخوذ منه الحصا لانه يجوز أخذه من أي موضع شاء فليأخذها من مزدلفة أو من قارعة الطريق، ويكره من عند الجمرة تنزيها لانه حصى من لم يقبل حجة فإنه من قبل حجه رفع حصاه كما ورد في الحديث. ولم يشترط طهارة الحجارة لانه يجوز الرمي بالحجر النجس

[ 604 ]

والافضل غسلها. وفي مناسك الحصيري: جرى التوارث بحمل الحصى من جبل على الطريق فيحمل منه سبعين حصاة قال: وفي مناسك الكرماني يدفع من المزدلفة بسبع حصيات، وقال قوم بسبعين حصاة وليس مذهبنا ا ه‍. كذا في معراج الدراية. وففتح القدير: ويكره أن يلتقط حجرا واحدا فيكسره سبعين حجرا صغيرا كما يفعله كثمن الناس اليوم. ولم يبين وقته وله أوقات أربعة: وقت الجواز ووقت الاستحباب ووقت الاباحة ووقت الكراهة، فالاول ابتداؤه من طلوع الفجر يوم النحر وانتهاؤه إذا طلع الفجر من اليوم الثاني حتى لو أخره حتى طلع الفجر في اليوم الثاني لزمه دم عند أبي حنيفة خلافا لهما، ولو رمى

[ 605 ]

قبل طلوع فجر يوم النحر لم يصح اتفاقا. والثاني من طلوع الشمس إلى الزوال. والثالث من الزوال إلى الغروب، والرابع قبل طلوع الشمس وبعد الغروب. كذا في المحيط وغيره. وجعل في الفتاوي الظهيرية الوقت المباح من المكروه فهي ثلاثة عنده، والاكثرون على الاول. قوله: (وكبر بكل حصاة) أي مع كل حصة من السبعة بيان للافضل فلو لم يذكر الله أصلا أو هلل أو سبح أجزأه، ولم يذكر الدعاء آخره لان السنة أن لا يقف عندها كما سيشير إليه في رمي الجمار الثلاث، وضابطه أن كل جمرة بعدها جمرة فإنه يقف بعدها للدعاء لانه في أثناء العبادة، وكل جمرة ليس بعدها جمرة ترمى في يومه لا يقف عندها لانه خرج من العبادة. كذا في الظهيرية وهو مشكل فإن الدعاء بعد الخروج من العبادة مستحب كما في الصلاة والصوم إذا خرج منهما فالاولى الاستدلال بفعله عليه السلام كذلك وإن لم تظهر له حكمة، وقد يقال هي كون الوقوف يقع في جمرة العقبة في الطريق فيوجب قطع سلوكها على الناس وشدة ازدحام الواقفين والمارين ويفضي ذلك إلى ضرر عظيم بخلافه في باقي الجمرات فإنه لا يقع في نفس الطريق بل بمعزل عنه قوله: (واقطع التلبية بأولها) أي مع أول حصاة ترميها لحديث الصحيحين: لم يزل عليه السلام يلبي حتى رمي جمرة العقبة. ولا فرق بين المفرد والمتمتع والقارن. وقيد بالمحرم بالحج لان المعتمر يقطع التلبية إذا استلم الحجر لان الطواف ركن في العمرة فيقطع التلبية قبل الشروع فيها، وقيد بكونه مدركا للحج بإدراك الوقوف بعرفة لان فائت الحج إذا تحلل بالعمرة يقطع التلبية حين يأخذ في الطواف لان العمرة واجبة عليه فصار كالمعتمر، والمحصر يقطعها إذا ذبح هديه لان الذبح للتحلل، والقارن إذا كان فائت الحج يقطع حين يأخذ في الطواف الثاني لانه يتحلل بعده. وأشار

[ 606 ]

بالرمي إلى أنه يقطعها إذا فعل واحدا من الامور الاربعة التي تفعل في الحج يوم النحر فيقطعها إن حلق قبل الرمي أو طاف الزيارة قبل الرمي والذبح والحلق أو ذبح قبل الرمي دم التمتع أو القران ومضي وقت الرمي المستحب كفعله فيقطعها إذا لم يرم جمرة العقبة حتى زالت الشمس. كذا في المحيط قوله: (ثم اذبح) أي على وجه الافضلية لان الكلام في المفرد وهو ليس بواجب عليه وإنما يجب على القارن والمتمتع، وأما الاضحية فإن كان مسافرا فلا أضحية عليه وإلا فعليه كالمكي، وقد ثبت في حديث جابر الطويل أنه عليه السلام ذبح بيده ثلاثا وستين بدنه وأمر عليا فذبح ما بقي وأشركه في هديه ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها ثم ركب إلى البيت فصلى بمكة الظهر. قال ابن حبان: والحكمة في أنه صلى الله عليه وسلم نحر ثلاثا وستين بدنة أنه كان له يومئذ ثلاث وستون سنة فينحر لكل سنة بدنة. قوله: (ثم احلق أو اقصر والحلق أحب) بيان للواجب والمراد بالحلق إزالة شعرربع الرأس إن أمكن وإلا بان كان أقرع فيجري الموسى على رأسه إن أمكن وأحب على المختار وإلا بأن كان على رأسه قروح لا يمكن إمرار الموسى عليه ولا يصل إلى تقصير فقط سقط هذا الواجب وحل كمن حلقها. والاحسن أن يؤخر الاحلال إلى آخر الوقت من ايام النحر، ولو أمكنه الحلق لكن لم يجد آلة ولا من يحلقها فليس بعذر وليس له الاحلال لان إصابة الآلة مرجو في كل ساعة ولا كذلك برء القورح واندمالها. والازالة لا تختص بالموسى بل بأي آلة كانت أو بالنورة، والمستحب الحلق بالموسى لا السنة وردت به. والمراد بالتقصير أن يأخذ الرجل أو المرأة من رؤوس شعر ربع الرأس مقدار الانملة كذا ذكر الشارح. ومراده أن يأخذ من كل شعرة مقدار الانملة كما صرح به في المحيط. وفي البدائع قالوا: يجب أن يزيد في التقصير على قدر الانملة حتى يستوفي قدر الانملة من كل شعرة برأسه لان أطراف الشعر غير متساو عادة. قال الحلبي في مناسكه: وهو حسن. والانملة بفتح الهمزة والميم وضم الميم لغة مشهورة ومن خطأ راويها فقد أخطأ واحدة الانامل. ثم التخيير بين الحلق والتقصير إنما هو عند عدم العذر فلو تعذر الحلق لعارض تعين التقصير أو التقصير تعين الحلق كأن لبده بصمغ فلا يعمل فيه المقراض، وإنما كان الحلق أفضل لدعائه عليه السلام للمحلقين بالرحمة ثنتين أو ثلاثا وفي الثالثة أو الرابعة للمقصرين بها. ويستحب حلق الكل للاتباع. ولم يذكر سنن الحلق لانه لا يخص الحلق في الحج لان أصل الحلق في كل جمعة مستحب كما صرح به في القنية، ويعتبر في سنته البداءة باليمين للحالق لا المحلوق فيبدأ بشقه الايسر،

[ 607 ]

ومقتضي النص البداءة بيمين الرأس لما في الصحيحين أنه عليه السلام قال للحلاق خذ وأشار إلى الجانب الايمن ثم الايسر ثم جعل يعطي الناس. وفي فتح القدير: إنه هو الصواب وهو خلاف ما ذكر في المذهب. ويستحب دفن شعره والدعاء عند الحلق وبعد الفراغ مع التكبير وإن رمى الشعر فلا بأس به وكره إلقاؤه في الكنيف والمغتسل. كذا في فتاوي العلامي. ويستحب له أن يقص أظفاره وشواربه بعد الحلق للاتباع ولا يأخذ من لحيته شيئا لانه مثلة ولو فعل يلزمه شئ قوله: (وحل لك غير النساء) أي بالحلق أي فحل التطيب لحديث الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرمه حين أحرم ولحله حين أحل قبل أن يطوف بالبيت. وحرم الدواعي كالوطئ أفاد أنه ليس قبل الحلق تحليل لشئ مما كان حلالا بالاحرام ويدل عليه ما في المبسوط. فالحاصل أن في الحج إحلالين: أحدهما بالحلق، والثاني بالطواف. وما في الهداية وغيرها من أن الرمي ليس من أسباب التحلل عندنا يخالفه ما في فتاوي قاضيخان ولفظه: وبعد الرمي قبل الحلق يحل له كل شئ إلا الطيب والنساء. وعن أبي يوسف يحل له الطيب أيضا وإن كان لا يحل له النساء، والصحيح ما قلنا لان الطيب داع إلى الجماع وإنما عرفنا حل الطيب بعد الحلق قبل طواف الزيارة بالاثر ا ه‍. وينبغي أن يحكم بضعف ما في الفتاوي لما قدمنا ولما في المحيط ولفظه: ولو أبيح له التحلل فغسل رأسه بالخطمي وقلم ظفره قبل الحلق فعليه دم لان الاحرام باق لانه لا يحل إلا بالحلق فقد جنى عليه، وقد ذكر الطحاوي لا دم عليه عند أبي يوسف ومحمد

[ 608 ]

لانه أبيح له التحلل فيقع به التحلل ا ه‍. فلو كان التحلل بالرمي حاصلا في غير الطيب والنساء لم يلزمه دم بتقليم الاظفار وتخريجه على قول الطحاوي عندهما بعيد كما لا يخفى. قوله: (ثم إلى مكة يوم النحر أو غدا أو بعده فطف للركن سبعة أشواط بلا رمل وسعي أن قدمتهما وإلا فعلا) أي ثم رح في واحد من هذه الايام الثلاثة لاداء الركن الثاني من ركني الحج، وقد قدمنا أن الركن أكثرها وهو أربعة أشواط على الصحيح وما زاد عليها واجب ينجبر بالدم. وأول وقت صحته إذا طلع الفجر يوم النحر ولو قبل الرمي والحلق وليس له وقت آخر تفوت الصحة بفوته بل وقته العمر، وأما الواجب فهو فعله في يوم من الايام الثلاثة عند أبي حنيفة حتى لو أخره عنها مع الامكان لزمه دم، وأفضلها أولها كالاضحية وقد ورد في الحديث أنه عليه السلاطاف بعد صلاة الظهر يوم النحر للركن وأفاد أنه مخير في تقديم الرمل والسعي إذ طاف

[ 609 ]

للقدوم وفي تأخيرهما لطواف الركن وأنهما لا يتكرران في الحج، ولم يتكلم على الافضلية وقالوا: الافضل تأخيرهما لطواف الركن ليصيرا تبعا للفرض دون السنة قوله: (وحل لك النساء) يعني بالحلق السابق لا بالطواف لان الحلق هو المحلل دون الطواف غير أنه آخر عمله في حق النساء إلى ما بعد الطواف، فإذا طاف عمل الحلق عمله كالطلاق الرجعي آخر عمله إلى انقضاء العدة لحاجته إلى الاسترداد فإذا انقضت عمل الطلاق عمله فبانت به، والدليل على ذلك أنه لو لم يحلق حتى طاف بالبيت لم يحل له شئ حتى يحلق. كذا ذكر الشارح وغيره، وهكذا صرح في فتح القدير أنه لا يخرج من الاحرام إلا بالحلق فأفاد أنه لو ترك الحلق أصلا وقلم ظفره أو غطى رأسه قاصدا التحلل من الاحرام كان ذلك جناية موجبة للجزاء وحل النساء موقوف على الركن منها وهي أربعة فقط قوله: (وكره تأخيره عن أيام النحر) أي تأخير الطواف كراهة تحريم لترك الواجب وهو أداؤه فيها، وأشار به إلى ما رد ذكره القدوري في شرحه من أن آخره آخر أيام التشريق، ولو قال وكره تأخيرهما عن أيام انحر لكان أولى ليفيد حكم الحلق كالطواف ومحل الكراهة ولزوم الدم بالتأخير إنما هو عند الامكان كما في المحيط أن الحائض إذا طهرت في آخر أيام النحر فإن أمكنها الطواف قبل الغروب ولم تفعل فعليها دم للتأخير، وإن لم يمكنها طواف أربعة أشواط فلا شئ عليها، ولو حاضت بعدما قدرت على الطواف فلم تطف حتى مضى الوقت لزمها الدم لانها مقصرة بتفريطها، وفي الظهيرية وليالي أيام النحر منها. قوله: (ثم إلى منى فارم الجمار الثلاث في ثاني النحر بعد الزوال بادئا بما يلي المسجد بما يليها ثم بجمرة العقبة وقف عند كل رمي بعده رمي ثم غدا كذلك ثم بعده كذلك إن

[ 610 ]

مكثت) أي ثم رح إلى منى فارم الجمار اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر البيتوتة بمنى لانها ليست بواجبة لان المقصود الرمي لكن هي سنة حتى قال الاسبيجابي: ولا يبيت بمكة ولا بالطريق ويكره أن يبيت في غير أيام منى. وأشار بقوله بعد الزوال إلى أول وقته في ثاني النحر وثالثة حتى لو رمى قبل الزوال لا يجوز، ولم يذكر آخره وهو ممتد إلى طلوع الشمس من الغد فلو رمى ليلا صح وكره. كذا في المحيط. فظهر أن له وقتين وقتا لصحة ووقتا لكراهة بخلاف الرمي في اليوم الاول فإن له أربعة أوقات كما بيناه، وما في الفتاوي الظهيرية من أاليوم الثاني من أيام التشريق كاليوم الاول ولو أراد أن ينفر في هذا اليوم له أن يرمي قبل الزوال وإنما لا يجوز قبل الزوال لمن لا يريد النفر، فمحمول على غير ظاهر الرواية فإن ظاهر الرواية أنه لا يدخل وقته في اليومين إلا بعد الزوال مطلقا، وفي المحيط: ولو أخر رمي الجمار كلها إلى اليوم الرابع رماها على التأليف لان أيام التشريق كلها وقت رمي فيقضي مرتبا كالمسنون وعليه دم واحد عند أبي حنيفة لان الجنايات اجتمعت من جنس واحد فيتعلق بها كفارة واحدة، ولو تركها حتى غابت الشمس في آخر أيام التشريق يسقط

[ 611 ]

الرمي لانقضاء وقته وعليه دم واحد اتفاقا ا ه‍. فظهر بهذا أن للرمي وقت أداء ووقت قضاء، وأفاد بقوله بادئا إلى آخر إلى الترتيب بين الجمار الثلاث وهو ثابت من فعله عليه السلام ولم يبين أنه واجب أو سنة وفيه اختلاف، ففي الظهيرية فإن غير هذا الترتيب فبدأ في اليوم الثاني بجمرة العقبة فرماها ثم بالوسطى ثم بالتي تلي مسجد الخيف بمنى وهو بعد في يومه أعاد الجمرة الوسطى وجمرة العقبة ليأتي بها مرتبا مسنونا. وعلل في المحيط بأن الترتيب مسنون قال: وإن لم يعد أجزأه لان رمي كل جمرة قربة تامة بنفسها وليست بتابعة للبعض فلا يتعلق جوازها بتقديم البعض دون البعض كالطوا ف قبل الرمي يقع معتدا به، وإذا كان مسنونا فإن رمى كل جمرة بثلاث أتم الاولى بأربع ثم أعاد الوسطى بسبع ثم العقبة بسبع لانه رمى من الاولى أقلها والاقل لا يقوم مقام الكل فلا عبرة به فكأنه أتى بهما قبل الاولى أصلا فيعيدهما، فإن رمى كل واحدة بأربع أتم كل واحدة بثلاث لانه أتى بالاكثر من الاولى وللاكثر حكم الكل فكأنه رمى الثانية والثالثة بعد الاولى، وإن استقبل رميها كان أفضل ليكون إتيانه له على الوجه المسنون. وعن محمد لو رمى الجمار الثلاث فإذا في يده أربع حصيات لا يدري من أيتهن هي يرمهن عن الاولى ويستقبل الجمرتين الباقيتين لاحتمال أنها من الاولى فلم يجز رمي الاخريين، ولو كن ثلاثا أعاد على كل جمرة واحدة، ولو كانت حصاة أو حصاتين أعاد كل واحدة ويجزئه لانه رمي كل واحدة بأكثرها فوقع معتدا به ولكن لم يقع مسنونا ا ه‍. ما في المحيط وهو صريح في الخلاف وفي اختيار السنية واعتمده المحقق ابن

[ 612 ]

الهمام. وقال في المجمع: ويسقط الترتيب في الرمي. وأفاد بقوله إن مكثت أنه مخير في اليوم الثالث بين النفر والاقامة للرمي في اليوم الرابع، والاقامة أفضل اتباعا لفعله عليه السلام كذلك وأن الاقامة لطلوع الفجر يوم الرابع موجبة للرمي فيه وبإطلاقه أنه لا فرق بين المكي والافاقي في هذه الاحكام لعموم قوله تعالى * (فمن تعجل في يومين فلا اثم عليه ومن تأخر فلا اثم عليه لمن اتقى) * البقرة: 203) وهو كالمسافر مخير بين الصوم والفطر والصوم أفضل وقد قدمناه معني قوله وقف عند كل رمي بعده رمي في بحث رمي جمرة العقبة فراجعه. وينبغي أن يحمد الله تعالى ويثني عليه ويصلي على نبيه صلى الله عليه وسلم ويدعو الله بحاجته ويجعل باطن كفيه إلى السماء في رفع يديه وأن يستغفر لابويه وأقاربه ومعارفه للحديث اللهم اغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج. وفي فتح القدير: ومن كان مريضا لا يستطيع الرمي يوضع في يده ويرمي بها أو يرمي عنه غيره، وكذا المغمي عليه، ولو رمى بحصاتين إحداهما لنفسه والاخرى للآخر جاز ويكره. ولا ينبغي أن يترك الجماعة مع الامام بمسجد الخيف، ويكثر من الصلاة فيه أمام المنارة عند الاحجار ا ه‍. وقد قدمنا أن المرأة لو تركت الوقوف بالمزدلفة لاجل الزحام لا يلزمها شئ فينبغي أنها لو تركت الرمي له لا يلزمها شئ والله سبحانه أعلم. قوله: (ولو رميت في اليوم الرابع قبل الزوال صح) يعني عند أبي حنيفة اقتداء بابن عباس وقياسا على الترك. وقالا: لا يجوز اعتبارا بسائر الايام. قيد بالرابع احترازا عن الثاني والثالث فإنه لا يجوز قبل الزوال اتفاقا لوجوب اتباع المنقول عنه عليه السلام لعدم المعقول فلم يظهر أثر تخفيف فيها بتجويز الترك بالتقديم. وفي المحيط: وأما وقت الرمي في اليوم الرابع فعند أبي حنيفة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس إلا أن ما قبل الزوال وقت مكروه وما بعده مسنون ا ه‍. فعلم أنه قبل الزوال صحيح مكروه عنده قوله: (وكل رمي بعده رمي فارمه ماشيا وإلا فراكبا) بيان للافضل واختيار لقول أبي يوسف على ما حكاه في الظهيرية عن ابراهيم بن الجراح قال: دخلت على أبي يوسف فوجدته مغمى عليه ففتح عينه فرآني فقال: يا

[ 613 ]

ابراهيم أيما أفضل للحاج أن يرمي راجلا أو راكبا؟ فقلت: راجلا. فخطأني ثم قلت: راكبا فخطأني ثم قال: ما كان يوقف عندها فالافضل أن يرميها راجلا. وما لا يوقف عندها فالافضل أن يرميها راكبا. قال: فخرجت من عنده فما بلغت الباب حتى سمعت صراخ النساء أنه قد توفي إلى رحمة الله تعالى، فلو كان شئ أفضل من مذاكرة العلم لاشتغل به في هذه الحالة لان هذه الحالة حالة الندامة والحسرة ا ه‍. وأما قول أبي حنيفة ومحمد فعلى ما في فتاوي قاضيخان أن الرمي كله راكبا أفضل في قول أبي حنيفة ومحمد، وعلى ما في فتاوي الظهيرية أن الرمي كله ماشيا أفضل فإن ركب إليها فلا بأس به يعني عندهما لانه حكي قول أبي يوسف بعده، فتحصل أن في هذه المسألة ثلاثة أقوال. ورجح في فتح القدير ما في الظهيرية لان أداءها ماشيا أقرب إلى التواضع والخشوع وخصوصا في هذا الزمان فإن عامة المسلمين في جميع الرمي فلا يؤمن من الاذى بالركوب بينهم بالزحمة. ورميه عليه السلام راكبا إنما هو ليظهر فعله ليقتدي به كطوافه راكبا ا ه‍. ولو قيل بأنه ماشيا أفضل إلا في رمي جمرة العقبة في اليوم الاخير فهو راكبا أفضل لكان له وجه باعتبار أنه ذاهب إلى مكة في هذه الساعة كما هو العادة وغالب الناس راكب فلا إيذاء في ركوبه مع تحصيل فضيلة الاتباع له صلى الله عليه وسلم قوله: (ويكره أن تقدم ثقلك إلى مكة وتقيم بمنى للرمي) لاثر ابن أبي شيبة عن ابن عمر رضي الله عنه من قدم ثقله قبل النفر فلا حج له وأراد نفي الكمال ولانه يوجب شغل قلبه وهو في العبادة فيكره، والظاهر أنها تنزيهية. والثقل متاع المسافر وحشمه وهو بفتحتين وجمعه أثقال. وأشار إلى أنه يكره ترك أمتعته بمكة والذهاب إلى عرفات بالطريق الاولى لانها العبادة المقصودة بخلاف الرمي، وينبغي أن يكون محل الكراهة في المسألتين عند عدم الامن عليها بمكة أما أن أمن فلا لعدم شغل القلب قوله: (ثم إلى المحصب) أي ثم رح إليه وهو بضم الميم وفتح المهملتين وهو الابطح موضع ذات حصى بين منى ومكة وليست المقبرة منه وكانت الكفار اجتمعوا فيه وتحالفوا على إضرار رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل عليه السلام فيه إراءة لهم لطيف صنع الله به وتكريمه بنصرته فصار ذلك سنة كالرمل في الطواف. وعبارة المجمع

[ 614 ]

أولى من عبارة المصنف حيث قال: ثم ينزل بالمحصب فإن الرواح إليه لا يستلزم النزول فيه. وفي فتاوي قاضيخان: وينزل بالمحصب ساعة. وفي فتح القدير: ويصلي فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويهجع هجعة ثم يدخل مكة ا ه‍. فحاصله أن النزول به ساعة محصل لاصل السنة وأما الكمال فما ذكره الكمال. قوله: (فطف للصدر سبعة أشواط وهو واجب إلا على أهل مكة) وله خمسة أسام ما في الكتاب لانه يصدر عنه أي يرجع والصدر الرجوع، وطواف الوداع لانه يودع البيت به، وطواف الافاضة لانه لاجله يفيض إلى البيت من مني، وطواف آخر عهد بالبيت لانه لا طواف بعده طواف الواجب. واختلف في المراد بالصدر الذي هو الرجوع فعندنا هو الرجوع عن أفعال الحج، وعند الشافعي هو الرجوع إلى أهله ويبتني عليه أنه لو طاف للصدر ثم أقام بمكة لشغل لم تلزمه الاعادة عندنا خلافا له، والصحيح قولنا لان الاضافة للاختصاص وهو إما باعتبار أن الصدر سبب أو شرط وكل منهما سابق على الحكم وهو بما قلنا، وعلى قوله يكون متأخرا عن الحكم والفراغ عن الافعال يسمى صدورا ورجوعا عنها إلى الحالة التي كانت من قبل. ولم يبين وقته وله وقتان: وقت الجواز ووقت الاستحباب، فالاول أوله بعد طواف الزيارة إذا كان على عزم السفر حتى لو طاف كذلك ثم أطال الاقامة بمكة وله سنة ولم ينو الاقامة بها ولم يتخذها دارا جاز طوافه وأما آخره فليس بموقت ما دام مقيما حتى لو أقام عاما لا ينوي الاقامة فله أن يطوف ويقع أداء، والثاني أن يوقعة عند إرادة السفر حتى روي عن أبي حنيفة أنه لو طافه ثم أقام إلى العشاء فأحب إلى أن يطوف طوافا آخر ليكون توديع البيت آخر مورده. كذا في المحيط. ولم يشترط المصنف له نية معينة فأفاد أنه لو طاف بعد ما حل النفر ونوي التطوع أجزأه عن الصدر كما لو طاف بنية التطوع في أيام النحر وقع عن الفرض. وأفاد ببيان صفته أنه لو نفر ولم يطف يجب عليه أن يرجع فيطوفه لكن قالوا: ما لم يجاوز المواقيت فإن جاوزها لم يجب الرجوع عينا بل إما أن يمضي وعليه دم، وإما أن يرجع فيرجع بإحرام جديد لان الميقات لا يجاوز بلا إحرام فيحرم بعمرة، فإذا رجع ابتدأ بطواف العمرة ثم يطوف للصدر ولا شئ عليه لتأخيره وقالوا: الاولى أن لا يرجع ويريق دما لانه أنفع للفقراء وأيسر عليه لما فيه من دفع ضرر التزام الاحرام ومشقة الطريق. والدليل على وجوبه من السنة أحاديث أصرحها ما في صحيح مسلم: كانوا ينصرفون في كل وجه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ينصرفن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت. وأراد بأهل مكة من اتخذ مكة أو داخل المواقيت دارا فلا طواف صدر على من كان داخل

[ 615 ]

المواقيت، وكذا الآفاقي الذي اتخذ مكة دارا ثم بداله الخروج. وقيد في البدائع بأن ينوي الاقامة بها قبل أن يحل النفر الاول، وأما إن نواه بعده لا يسقط عنه في قول أبي حنيفة خلافا لابي يوسف ا ه‍. والظاهر الاطلاق، وحكي الخلاف في المجمع بين أبي يوسف ومحمد. والمراد بالنفر الاول والرجوع إلى مكة في اليوم الثالث من أيام النحر، وكذا لا طواف صدر على مكي إذا أراد الخروج منها. وقيد بالمحرم بالحج باعبتار أن الكلام فيه لان المعتمر ليس عليه طواف الصدر، وقيد بكونه أدرك الحج فإن فائت الحج ليس عليه طواف الصدر لان العود مستحق عليه ولانه كالمعتمر. وأشار إلى أنه لا سعي عليه ولا رمل في هذا الطواف لعدم ذكرهما، ولم يستثني الحائض والنفساء مع أهل مكة في سقوطه عنهم لما سيصرح به في باب التمتع. ولما علم أن واجبات الحج تسقط بالعذر وقد صرح قاضيخان في فتاواه بسقوط طواف الصدر بالعذر والحيض والنفاس عذر ولهذا قال في المحيط: لو طهرت الحائض قبل أن تخرج من مكة يلزمها طواف الصدر وإن جاوزت بيوت مكة مسيرة سفر وطهرت فليس عليها العود، وكذا لو انقطع دمها فلم تغتسل ولم يذهب وقت الصلاة حتى خرجت من مكة لم يلزمها العود لانه لم يثبت لها أحكام الطاهرات وقت الطواف، وإن خرجت وهي حائض ثم اغتسلت ثم رجعت إلى مكة قبل أن تجاوز المواقيت فعليها الطواف، وإن جاوزت فلا تعود إلا بإحرام جديد. وأشار بطواف الصدر إلى الرجوع إلى أهله وعدم المجاورة بمكة ولهذا قال في المجمع بعده: ثم يعود إلى أهله والمجاورة بها مكروهة يعني عند أبي حنيفة، وعندهما لا

[ 616 ]

تكره لقوله تعالى * (إن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود) * (البقرة: 125) والمجاورة هي العكوف وله أن المجاورة في العادة تفضي إلى الاخلال بإجلال بيت الله لكثرة المشاهدة. والعكوف في الآية بمعنى اللبث دون المجاورة وقد قرر في فتح القدير فيها كلاما حسنا فراجعه قوله: (ثم اشرب من زمزم والتزم الملتزم وتشبت بالاستار والتصق بالجدار) بيان للمستحب، وقدم الشرب من ماء زمزم على غيره لان المختار تقديمه كما ذكره الشارح. واختار في فتح القدير تأخيره عن التزام الملتزم وتقبيل العتبة، وكيفيته أن يأتي زمزم فيستقي بنفسه الماء ويشربه مستقبل القبلة ويتضلع منه ويتنفس مرات ويرفع بصره في كل مرة وينظر إلى البيت ويمسح به وجهه ورأسه وجسده ويصب عليه إن تيسر، والملتزم ما بين الركن والباب كما رواه البيهقي حديثا مرفوعا. والتشبث التعلق والمراد بالاستار أستار الكعبة إن كانت قريبة بحيثينالها وإلا وضع يديه فوق رأسه مبسوطتين على الجدار قائمتين ويجتهد في إخراج الدمع من عينه. ولم يذكر المصنف أنه يمشي القهقري وذكره في المجمع لكن يفعله

[ 617 ]

على وجه لا يحصل منه صدم أو وطئ لاحد وهو باك متحسر على فراق البيت الشريف وبصره ملاحظ له حتى يخرج من المسجد. وفي رسالة الحسن البصري التي أرسلها إلى أهل مكة أن الدعاء هناك يستجاب في خمسة عشر موضعا: في الطواف وعند الملتزم وتحت الميزاب وفي البيت وعند زمزم وخلف المقام وعلى الصفا وعلى المروة وفي السعي وفي عرفات وفي مزدلفة وفي مني وعند الجمرات الثلاث. وزاد غيره وعند رؤية البيت وفي الحطيم لكن الثاني هو تحت الميزاب فهو ستة عشر موضعا.

[ 618 ]

فصل قوله: (ومن لم يدخل مكة ووقف بعرفة سقط عنه طواف القدوم) مجاز عن عدم سنيته في حقه فإن حقيقة السقوط لا تكون إلا في اللازم إما لانه ما شرع إلا في ابتداء الافعال فلا يكون سنة عند التأخر ولا شئ عليه بتركه لانه سنة، وإما لان طواف الزيارة أغنى عنه كالفرض يغني عن تحية المسجد ولذا لم يكن للعمرة طواف قدوم لان طوافها أغنى عنه. قيد بطواف القدوم لان القارن إذا لم يدخل مكة ووقف بعرفة فإنه صار رافضا لعمرته فيلزمه دم لرفضها وقضاؤها كما سيأتي في آخر القران قوله: (ومن وقف بعرفة ساعة من الزوال إلى فجر النحر فقد تم حجه ولو جاهلا أو نائما أو مغمى عليه) لانه عليه السلام وقف بعد الزوال وقال من أدرك عرفة بليل فقد أدرك الحج فكان فعله بيانا لاول وقته، وقوله بيانا لآخره. والمراد بالساعة الساعة العرفية وهو اليسير من الزمان وهو المحمل عند إطلاق الفقهاء لا الساعة عند المنجمين كما بيناه في الحيض، والمراد بتمام الحج بالوقوف في الحديث وعبارتهم الامن من البطلان لا حقيقته إذ بقي الركن الثاني وهو الطواف. وأفاد أن النية ليست بشرط لصحة الوقوف وقيد به لان الطواف لا بد له من النية حتى لو طاف هاربا من عدو لا يصح، والفرق بينهما أن الطواف عبادة مقصودة ولهذا يتنفل به فلا بد من اشتراط

[ 619 ]

أصل النية وإن كان غير محتاج إلى تعيينه حتى إن المحرم لو طاف يوم النحر ونوى به النذر يجزيه عن طواف الزيارة عما وجب عليه. وأما الوقوف فليس بعبادة مقصودة ولهذا لا ينتقل به فوجود النية في أصل العبادة وهو الاحرام يغني عن اشتراطه في الوقوف مع أن الوقوف أعظم الركنين لكن باعتبار الامن على البطلان عند فعله لا من كل وجه. قوله: (ولو أهل عنه رفيقه باغمائه جاز) أي أحرم. أطلقه فشمل ما إذ كان أمره بأن يحرم عنه عجزه أو لا، والاول متفق عليه، وفي الثاني خلاف أبي يوسف ومحمد بناء على أن المراففة أمر به دلالة عند العجز عند أبي حنيفة، وعندهما إنما تراد المرافقة لامر السفر لا غير ويتفرع على ثبوت الاذن دلالة مسائل ذكرها في جامع الفصولين منها مسألة الحج، ومنها ذبح شاة قصاب شدها للذبح لا ضمان عليه لا لو لم يشدها، ومنها ذبح أضحية غيره في أيامها بلا إذنه. وذكرها في أكثر الكتب مطلقة وقيدت في بعضها بما إذا أضجعها للذبح، ومنها وضع القدر على كانون وفيه اللحم ووضع الحطب تحتها فوقد النار رجل وطبخ لا ضمان عليه، ومنها جعل بره في دورق وربط الحمار فساقه رجل حتى طحنه، ومنها سقط حمل في الطريق فحمل بلا إذن ربه فتلفت الدابة، ومنها رفع جرة نفسه فأعانه آخر على الرفع فانكسرت، ومنها مزارع زرع الارض ببذر ربها ولم ينبت حتى سقاها ربها بلا أمره فالخارج بينهما لانه لما هيئت للسقي والتربية صار مستعينا بكل ما قام به دلالة، وكذا لو سقاها أجنبي والمسألة بحالها. ومنها من أحضر فعلة لهدم دار فهدم آخر بلا إذن لا يضمن استحسانا والاصل في جنسها أن كل عمل لا يتفاوت فيه الناس تثبت الاستعانة فيه بكل أحد دلالة، وكل عمل يتفاوت فيه الناس لا تثبت الاستعانة فيه بكل أحد كما لو ذبح شاة وعلقها للسلخ فسلخها رجل بلا إذنه ضمن ا ه‍. وقد قدمنا أن الاحرام هو النية مع التلبية فإذا نوى الرفيق ولبى صار المغمى عليه محرما لا الرفيق ولذا يجوز للرفيق بعده أن يحرم عن نفسه ويصح منه عن المغمى عليه ولو كان محرما لنفسه. ولا يلزم النائب التجرد عن المخيط لاجل إحرامه عن المغمى عليه، ولو أحرم عن نفسه وعن رفيقه وارتكب محظور إحرامه لزمه جزاء واحد بخلاف القارن يلزمه جزاآن لانه محرم بإحرامين، وشمل ما إذا أحرم عنه بحجة أو عمرة أو بهما من الميقات أو بمكة ولم أره صريحا. والمراد بالرفيق واحد من أهل القافلة سواء كان مخالطا له أو لا كما قالوا فيما إذا خاف عطش رفيقه في التيمم أنه الواحد من القافلة كما

[ 620 ]

صرح به الحدادي في السراج الوهاج، فحينئذ ذكر الرفيق في عبارتهم هنا لبيان الواقع لكن ذكر في المحيط أنه لو أحرم عنه غير رفيقه على قول أبي حنيفة قيل يجوز، وقيل لا يجوز ولم يرجح، ورجح في فتح القدير الجواز لان هذا من باب الاعانة لا الولاية ودلالة الاعانة قائمة عند كل من علم قصده رفيقا كان أو لا، وأصله أن الاحرام شرط عندنا اتفاقا كالوضوء وستر العورة وإن كان له شبه بالركن فجازت النيابة فيه بعد وجود نية العبادة منه عند خروجه من بلده، وإنما اختلفوا في هذه المسألة بناء على أن المرافقة تكون أمرا به دلالة عند العجز أو لا ا ه‍. ويرجحه أيضا أن المسائل التي ذكرنا أن الاذن ثابت فيها دلالة لم تختص بواحد معين بل الناس كلهم فيها على السواء، وأشار إلى أنه لو استمر مغمى عليه إلى وقت أداء الافعال فأدى عنه رفيقه فإنه يجوز وإن لم يشهد به المشاهد ولم يطف به، وصححه صاحب المبسوط لان هذه العبادة مما تجزئ فيها النيابة عند العجز كما في استنابة الزمن غير أنه إن أفاق قبل الافعال تبين أن عجزه كان في الاحرام فقط فصحت النيابة فيه ثم يجري هو على موجبه، وإن لم يفق تحقق عجزه عن الكل غير أنه لا يلزم الرفيق بفعل المحظور شئ بخلاف النائب في الحج عن الميت لانه يتوقع إفاقته في كل ساعة فنقلنا الاحرام إليه بخلاف الميت. وقيد بكونه أغمي عليه قبل الاحرام إذ لو أغمي عليه بعد الاحرام فلا بد من أن يشهد به الرفيق المناسك عند أصحابنا جميعا على ما ذكره فخر الاسلام لانه هو الفاعل وقد سبقت النية منه، ويشترط نيتهم

[ 621 ]

الطواف إذا حملوه كما يشترط نيته. وقيدنا بالاغماء لان المريض الذي لا يستطيع الطواف إذا طاف به رفيقه وهو نائم إن كان بأمره جاز لان فعل المأمور كفعل الآمر وإلا فلا. كذا في المحيط. فظهر أن النائم يشترط صريح الاذن منه بخلاف المغمى عليه وأنه يشترط نية الحامل للطواف إن كان المحمول مغمى عليه حتى لو حمله وطاف به طالبا الغريم لم يجزه بخلاف النائم لا تشترط نية الحامل له للطواف لان نية الاحرام منه كافية كما صرح به في المحيط وفيه بحث، فإن الطواف لا بد له من أصل النية ولا يكفي نية الاحرام له كما قدمناه فينبغي أنه لا بد من نية الحامل في المسألتين اللهم إلا أن يقال: إن نية الاحرام لا تكفي للطواف عند القدرة عليها وأما النائم فلا قدرة له عليها. وذكر في المحيط أن استئجار المريض من يحمله ويطوف به صحيح وله الاجرة إذا طاف به، وأن المريض الذي لا يستطيع الرمي توضع الحصاة في كفه ليرمي به أو يرمي عنه غيره بأمره، ودل كلامه أن للاب أن يحرم عن ولده الصغير والمجنون ويقضي المناسك كلها بالاولى، ولو ترك رمي الجمار أو الوقوف بالمزدلفة لا يلزمه شئ. كذا في المحيط. وذكر الاسبيجابي: ومن طيف به محمولا أجزأه ذلك الطواف عن الحامل والمحمول جميعا، وسواء نوى الحامل الطواف عن نفسه وعن المحمول أو لم ينو، أو كان للحامل طواف العمرة وللمحمول طواف الحج أو للحامل طواف الحج وللمحمول طواف العمرة أو يكون الحامل ليس بمحرم والمحمول عما أوجبه إحرامه، وإن طيف به لغير علة طواف العمرة أو الزيارة وجب عليه الاعادة أو الد ا ه‍. قوله: (والمرأة كالرجل غير أنها تكشف وجهها لا رأسها ولا تلبي جهرا ولا ترمل ولا تسعى بين الميلين ولا تحلق رأسها ولكن تقصر وتلبس المخيط) لان أوامر الشرع عامة جميع المكلفين ما لم يقم دليل على الخصوص وإنما لا تكشف رأسها لانه عورة بخلاف وجهها فاشتركا في كشف الوجه وانفردت بتغطية الرأس، ولما كان كشف وجهها خفيا لان المتبادر

[ 622 ]

إلى الفهم أنها لا تكشفه لما أنه محل الفتنة نص عليه وإن كانا سواء فيه. ولما قدم في باب الاحرام أن الرجل يكشف وجهه ورأسه لم يتوهم هنا من عبارته اختصاصها بكشف الوجه، والمراد بكشف الوجه عدم مماسة شئ له فلذا يكره لها أن تلبس البرقع لان ذلك يماس وجهها. كذا في المبسوط. ولو أرخت شيئا على وجهها وجافته لا بأس به كذا ذكر الاسبيجابي لكن في فتح القدير أنه يستحب. وقد جعلوا لذلك أعوادا كالقبة توضع على الوجه وتستدل من فوقها الثوب. وفي فتاوي قاضيخان: ودلت المسألة على أنها لا تكشف وجهها للاجانب من غير ضرورة ا ه‍. وهو يدل على أن هذا الارخاء عند الامكان ووجود الاجانب واجب عليها إن كان المراد لا يحل أن تكشف، فمحمل الاستحباب عند عدمهم وعلى أنه عند عدم الامكان فالواجب على الاجانب غض البصر لكن قالالنووي في شرح مسلم قبيل كتاب السلام في قوله سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة فأمرني أن أصرف بصري قال العلماء وفي هذا حجة أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها وإنما ذلك سنة مستحبة لها ويجب على الرجال غض البصر عنها إلا لغرض شرعي ا ه‍. وظاهره نقل الاجماع فيكون معنى ما في الفتاوى لا ينبغي كشفها وإنما لا تجهر بالتلبية لما أن صوتها يؤدي إلى الفتنة على الصحيح أو عورة على ما قيل كما حققناه في شروط الصلاة، وإنما لا رمل ولا سعي لها لما أنه يخل بالستر أو لان أصل المشروعية لاظهار الجلد وهو للرجال.

[ 623 ]

وأشار إلى أنها لا تضطبع لانه سنة الرمل، وإنما لا تحلق لكونه مثلة كحلق اللحية. وأطلق في التقصير فأفاد أنها كالرجل فيه خلافا لما قيل إنه لا يتقدر في حقها بالربع بخلاف الرجل، وإنما تلبس المخيط لما أنها عورة. وأشار بعد الرمل إلى أنها لا تستلم الحجر إذا كان هناك جمع لانها ممنوعة عن مماسة الرجال بخلاف ما إذا لم يكن لعدم المانع. وأشار بلبس المخيط إلى لبس الخفين والقفازين، ما ذكره الشارح من أنها لا تحج إلا بمحرم بخلاف الرجل ليس مما نحن فيه لان هذا لا يختص بالحج بل هو حكم كل سفر ومن أنها تترك طواف الصدر بعذر الحيض فليس منه أيضا لان الحيض غير ممكن من الرجل حتى تخالفه في أحكامه، وكذا ما ذكره الاسبيجابي من أنه لا يجب عليها بتأخير طواف الزيارة عن أيام النحر لاجل الحيض والنفاس شئ. قالوا: والخنثى المشكل في جميع ما ذكرنا كالمرأة احتياطا ولا يخلوا بامرأة ولا برجل لانه يحتمل أن يكون ذكرا ويحتمل أن يكون أنثى (قوله: ومن قلد بدنة تطوع أو نذر أو جزاء صيد أو نحوه فتوجه معها يريد الحج فقد أحرم) بيان لما يقوم مقام التلبية لان المقصود من التلبية إظهار الاجابة للدعوة وهو حاصل بتقليد الهدي. قيد بكونه محرما بثلاثة: التقليد والتوجه وإرادة النسك. فأفاد أن التقليد وحده لا يكفي، وكذا أخواه، وكذا لو تقلد وساق ولم ينو لا يكون محرما، فما ذكره الاسبيجابي من أنه لو قلدها وساقها قاصدا إلى مكة صار محرما بالسوق نوى الاحرام أو لم ينو، مخالف لما عليه العامة فلا يعول عليه كذا في فتح القدير. وقد يقال: إن قصد مكة منه نية فلا يحتاج معه إلى نية أخرى فلا مخالفة منه لما عليه العامة. وأراد بجزاء الصيد جزاء صيد عليه في حجة سابقة فقلده في السنة الثانية أو جزاء صيد الحرم، وأفاد بقوله أو نحوه إلى أن هذا الحكم لا يختص بشئ بل المراد أنه قلد بدنه مطلقة. والتقليد أن يعلق على عنق بدنته قطعة نعل أو شراك نعلي أو عورة مزادة أو لحاء شجر أو نحو ذلك مما يكون علامة على أنه هدي، والمعنى بالتقليد إفادة أنه عن قريب يصير جلده كذا اللحاء والنعل في اليبوسة لاراقة دمه، وكان في الاصل يفعل ذلك كيلا تهاج عن الورود والكلا ولترد إذا ضلت للعلم بأنه هدي. وذكر الشارح أنه لو أشترك جماعة في بدنة فقلدها أحدهم صاروا محرمين إن كان ذلك بأمر البقية وساروا معها.

[ 624 ]

قوله: (فإن بعث بها ثم توجه إليها لا يصير محرما حتى يلحقها إلا في بدنة المتعة) لفقد أحد الشروط الثلاثة وهو السوق في الابتداء فإذا أدركها اقترنت نيته بفعل ما هو من خصائصها إلا في هدي هو من خصائص الحج وضعا وهو هدي المتعة والقران فإنه لا يحتاج فيه إلى الادراك والمتعة تشمل التمتع العرفي والقران لان المذكور في الآية إنما هو التمتع بقوله تعالى * (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) * (البقرة: 196) إلى آخره فهو دليلهما فلذا اقتصر المصنف على المتعة. ولما كان التمتع لا يكون قبل أشهر الحج لم يقيد البعث بأشهر الحج فاستغنى عن تقييد النهاية، ثم المصنف تبعا للجامع الصغير شرط اللحوق فقط ولم يشترط السوق معه وشرطهما في المبسوط، والظاهر الاول لان فعل الوكيل بحضرة الموكل كفعل الموكل. كذا علل به في فتح القدير. وقد يقال: لا يحتاج إليه لانه يصير محرما باللحوق وإن لم يسقها أحد، وهذا التعليل إنما هو على قول من يشترط السوق مع اللحوق. وأفاد المصنف أنه لا بد من التوجه إلى بدنة المتعة ولا يكفي البعث قوله: (وإن جللها أو أشعرها أو قلد شاة لم يكن محرما) يعني وإن ساقها لانه ليس من خصائص الحج فلم يقم مقام التلبية شئ لان التجليل لدفع الاذى عنها. والاشعار مكروه عند أبي حنيفة أن يطعن من الجانب الايسر في السنام فيسيل الدم فلا يكون من النسك، وعندهما وإن كان حسنا فقد يفعل للمعالجة بخلاف التقليد فإنه يختص بالهدي ولذا كان التقليد أحب من التجليل لانه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتجليل حسن للاتباع ويستحب التصديق به، وأما تقليد الشاة فغير متعارف وليس بسنة أيضا فلا يقوم مقامها. وقد علم مما قرره المصنف أنه لا يكون محرما بمجرد النية من غير تلبية أو ما يقوم مقامها وهو المذهب، وعن أبي يوسف أنه يكتفي بالنية ولا خلاف أن التلبية وحدها لا تكفي بلا نية قوله: (والبدن من الابل والبقر) يعني لغة وشرعا. قال الجوهري: البدنة ناقة أو بقرة وقال النووي: إنه قول أكثر أهل اللغة فإذا طلب من المكلف بدنة خرج عن العهدة بالبقرة كالناقة، وأما حديث الرواح يوم الجمعة وعطفه البقرة على البدنة فمحمول على أنه أراد بالاعم بعض الافراد وهو الجزور لا كل ما يصدق عليه لانه لو كانت البدنة اسما للجزور فقط للزم النقل عن المعنى اللغوي

[ 625 ]

وهو خلاف الاصل. فالحاصل أالعطف في الحديث يقتضي المغايرة بينهما ظاهرا ولزوم النقل عن المعنى اللغوي على تقديره خلاف الاصل، فالظاهر عدمه فتعارضا فرجحنا ما ذهبنا إليه لما ثبت في حديث جابر: كنا ننحر البدنة عن سبعة فقيل: والبقرة؟ فقال: وهل هي إلا من البدن. ذكره مسلم في صحيحه. وثمرة الاختلاف تظهر فيما إذا التزم بدنة فإن نوي شيئا فهو على ما نوى لان المنوي إذا كان من محتملات كلامه فهو كالمصرح به وإن لم يكن له نية فعليه بقرة أو جزور فينحرها حيث شاء في قولهما خلافا لابي يوسف فإنه يقيسه على الهدي وهو يختص بمكة اتفاقا، وهما قاساه على ما إذا التزم جزورا فإنه لا يختص بمكة اتفاقا. كذا في المبسوط والله أعلم. باب القرآن هو مصدر قرن من باب نصر وفعال يجئ مصدرا من الثلاثي كلباس وهو الجمع بين شيئين: يقاقرنت البعيرين إذا جمعت بينهما بحبل وسيأتي معناه شرعا. ثم اعلم أن المحرمين أربعة: مفرد بالحج إن أحرم به مفردا أو مفرد بالعمرة إن أحرم بها في غير أشهر الحج وطاف لها كذلك حج من عامه أو لا أو طاف فيها ولم يحج من عامه أو أحرم بها في أشهر الحج وطاف كذلك ولم يحج من عامه أو حج وألم بينهما بأهله إلماما صحيحا، ومتمتع إن أتى بأكثر أشواط العمرة في أشهر الحج بعد ما أحرم بها فقط مطلقا ثم حج من عامه من غير أن يلم بأهله إلماما صحيحا، وقارن إن أحرم بهما معا أو أدخل إحرام الحج على إحرام العمرة قبل أن يطوف لها أكثر الاشواط أو أدخل إحرام العمرة إلى إحرام الحج قبل أن يطوف للقدوم ولو شوطا. ولا إساءة في القسمين الاولين وهو قارن مسئ في الثالث، وأما الاحرام المبهم كان يحرم بنسك مبهم ثم يصرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة أولهما، والاحرام المعلق كأن يحرم بإحرام كإحرام زيد فليس خارجا عن الاربعة كما لا يخفى قوله: (هو أفضل ثم التمتع ثم الافراد) بيان لامرين: الاول جواز الثلاثة وهو مجمع عليه إلا ما ثبت في الصحيحين عن عمر وعن عثمان رضي الله عنهما أنهما كان ينهيان عن التمتع. وحمله العلماء على نهي التنزيه حملا

[ 626 ]

للناس على ما هو الافضل لا أنهما يعتقدان بطلانه مع عملهما بالآية الشريفة، وحمله على أن المراد به فسخ الحج إلى العمرة ضعيف لان سياق الحديث في الصحيح يقتضي خلافه وهو ثابت بالكتاب والسنة أيضا، أما الاول فقوله تعالى * (ولله على الناس حج البيت) * (آل عمران: 97) دليل الافراد، وقوله * (وأتموا الحج والعمرة لله) * (البقرة: 196) دليل القران، وقوله * (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) * (البقرة: 196) دليل التمتع، وأما الثاني فما في الصحيحين من حديث عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج وعمرة ومنا من أهل بالحج وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج. وفي رواية لمسلم: منا من أهل بالحج مفردا ومنا من قرن ومنا من تمتع. الثاني تفضيل القران ثم الافراد وفضل مالك والشافعي الافراد، وفضل أحمد التمتع، وأصله الاختلاف في حجته صلى الله عليه وسلم وقد أكثر الناس الكلام فيها وأوسعهم نفسا في ذلك الامام الطحاوي فإنه تكلم في ذلك زيادة على ألف ورقة. وقد قال الامام الشافعي رحمه الله تعالى: ليس على شئ من الاختلاف أيسر من هذا وإن كان الغلط فيه قبيحا من جهة أنه مباح يعني لما كانت الثلاثة مباحة لم يكن في الاختلاف تغيير حكم لما كانت حجة واحدة ولم يتفقوا على نقلها كان اختلافهم قبيحا منهم، فما يرجح أنه عليه السلام كان قارنا ما رواه علي في الصحيحين، وأنس في الصحيحين بروايات كثيرة، وعمران بن الحصين في صحيح مسلم، وعمر بن الخطاب في صحيح البخاري وأبي داود والنسائي، وحفصة في الصحيحين، وأبو موسى الاشعري في الصحيحين، مما يرجح أنه عليه السلام كان مفردا ما ثبت في الصحيح من رواية جابر وابن عمر وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم، ومما يرجح أنه كان متمتعا ما

[ 627 ]

ثبت عن ابن عمر وعاشة في الصحيحين، وعن ابن عباس فيما رواه الترمذي وحسنه، وعن عمران بن الحصين في الصحيحين، وجمع أئمتنا بين الروايات بأن سبب رواية الافراد سماع من رأى تلبيته بالحج وحده، ورواية التمتع سماع من سمعه، يلبي بالعمرة، ورواية القران سماع من سمعه يلبي بهما. وهذا لانه لا مانع من إفراد ذكر نسك في التلبية وعدم ذكر شئ أصلا وجهة أخرى مع نية القران فهو نظير سبب الاختلاف في تلبيته عليه السلام أكانت دبر الصلاة أو عند استواء ناقته أو حين علا على البيداء فروى كل بحسب ما سمع، ومما يرجح القران أن من روى الافراد روي التمتع فتناقض بخلاف من روي التمتع وهو بلغة القرآن الكريم وعرف الصحابة أعم من القران. وترجح الفرد المسمى بالقران في الاصطلاح بما في الصحيح عن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق يقول: أتاني الليلة آت من ربي عزوجل فقال: صل في هذا الوادي المبارك ركعتين وقل عمرة في حجة. ولا بد له من امتثال ما أمر به في مقامه الذي هو وحي ولائمتنا ترجيحات كثيرة. وقال النووي في شرح المهذب: والصواب الذي نعتقده أنه صلى الله عليه وسلم أحرم بالحج أولا مفردا ثم أدخل عليه العمرة فصار قارنا، وإدخال العمرة على الحج جائز على أحد القولين عندنا، وعلى الاصح لا يجوز لنا وجاز للنبي صلى الله عليه وسلم تلك السنة للحاجة وأمر به في قوله لبيك عمرة وحجة، فمن روى أنه كان مفردا اعتمد أول الاحرام، ومن روي أنه كان قارنا اعتمد آخره، ومن روى أنه كان متمتعا أراد التمتع اللغوي وهو الانتفاع بأن كفاه عن النسكين فعل واحد، ويؤيده أنه عليه السلام لم يعتمر تلك السنة عمرة مفردة لا قبل الحج ولا بعده، وقد قدمنا أن القران أفضل من إفراد الحج من غير عمرة بلا خلاف ولو جعلت حجته عليه السلام مفردة لزم أن لا يكون اعتمر تلك السنة ولم يقل أحد أن الحج وحده أفضل من القران ا ه‍. وبهذا تبين صحة ما في النهاية من أن محل الاختلاف بيننا وبين الشافعي إنما هو أن إفراد كل نسك بإحرام في سنة واحدة أفضل، أو الجمع بينهما بإحرام واحد أفضل، وأنه لم يقل أحد بتفضيل الحج وحده على القران، وتبين به بطلان ما ذكره الشارح هنا ردا على صاحب النهاية. وما روي عن محمد إنه قال حجة كوفية وعمرة كوفية أفضل عندي من القران فليس بموافق لمذهب الشافعي في تفضيل الافراد فإنه يفضل الافراد سواء أتى بنسكين في سفرة

[ 628 ]

واحدة أو في سفرتين، ومحمد إنما فضل الافراد إذا اشتمل على سفرين، وبهذا اندفع ما ذكره الشارح من لزوم موافقة محمد للشافعي. قوله: (وهو أن يهل بالعمرة والحج من الميقات ويقول اللهم أني أريد العمرة والحج فيسرهما لي وتقبلهما مني) أي القران أن يلبي بالنسكين مع النية حقيقة أو حكما من غير مكة وما كان من حكمها، وأنما عبر بالاهلال للاشارة إلى أن رفع الصوت بها مستحب. وأراد بالميقات ما ذكرنا وإنما ذكره للاشارة إلى أن القارن لا يكون إلا آفاقيا وهو أحسن مما ذكره الشارح من أنه قيد اتفاقي فإنه لو أحرم بهما من دوبرة أهلة أو بعد الخروج قبل الميقات أو داخله فإنه يكون قارنا. وقلنا حقيقة أو حكما ليدخل ما إذا أحرم بالعمرة ثم أحرم بالحج قبل أن يطوف لها الاكثر أو أحرم بالحج ثم أحرم بالعمرة قبل أن يطوف له وإن كان مسيئا في الثاني كما قدمناه لوجود الجمع بينهما في الاحرام حكما. والمراد من قوله ويقول النية لا التلفظ أن عطفه على يهل فيكون منصوبا من تمام الحد، وإن رفع كان ابتداء كلام بيانا للسنة فإن السنة للقارن التلفظ بها وتقديم العمرة في الذكر مستحب لان الواو للترتيب، ولم يشترط المصنف وقوع الاحرام في أشهر الحج أو طواف العمرة فيها كما هو شرط في التمتع لما روي عن محمد أنه لو طاف لعمرته في رمضان فهو قارن ولا دم عليه إن لم يطف لعمرته في أشهر الحج فتوهم بعضهم في هذه الرواية الفرق بين القران والتمتع فيه وليس كما توهموا فإن القران في هذه الرواية بمعنى الجمع لا القران الشرعي المصطلح عليه بدليل أنه نفى لازم القرن بالمعنى الشرعي

[ 629 ]

وهو لزوم الدم شكرا ونفي اللازم الشرعي نفي للملزوم الشرعي. والحاصل أن النسك المستعقب للدم شكرا هو ما تحقق فيه فعل المشروع المرتفق به الناسخ لما كان في الجاهلية وذلك بفعل العمرة في أشهر الحج، فإن كان مع الجمع في الاحرام قبل أكثر طواف العمرة فهو المسمى بالقران وإلا فهو التمتع بالمعنى العرفي وكلاهما التمتع بالاطلاق القرأني وعرف الصحابة وهوفي الحقيقة اطلاقه اللغة للحصول الرفق به هذا كله على أصول المذهب. كذا في فتح القدير قوله: (ويطوف ويسعى لها ثم يحج كما مر) يعني يأتي بأفعال العمرة أولا من الطواف والسعي بين الصفا والمروة والرمل في الاشواط الثلاثة والسعي بين الميلين الاخضرين وصلاة ركعتي الطواف ثم يأتي بأفعال الحج كلها ثانيا فيبدأ بطواف القدوم ويسعى بعده إن شاء، وهذا الترتيب أعني تقديم العمرة في أفعال الحج واجب لقوله تعالى * (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) * جعل الحج غاية وهو شامل للقران والتمتع كما قدمناه فأفاد أنه لو طاف أولا لحجته وسعى لها ثم طاف لعمرته وسعى لها فطوافه الاول وسعيه يكون للعمرة ونيته لغو، ولم يذكر الحلق للعمرة لانه لا يتخلل بينهما بالحلق فلو حلق كان جناية على الاحرامين، أما على إحرام الحج فظاهر لان أوان التحلل فيه يوم النحر، وأما على إحرام العمرة فكذلك لان أوان تحلل القارن يوم النحر كما صرح به الامام محمد. قال الشارح: ويؤيده أن المتمتع إذا ساق الهدي وفرغ من أفعال العمرة وحلق يجب عليه الدم ولا

[ 630 ]

يتحلل بذلك من عمرته بل يكون جناية على إحرامها مع أنه ليس محرما بالحج فهذا أولى. قوله (فإن طاف لهما طوافين وسعى سعيين جاز وأساء) بأن طاف للعمرة والحج أربعة عشر شوطا وسعي كذلك. وأراد بالواو معنى ثم أو الفاء لان المسألة مفروضة فيما إذا أتى بالسعي بعد الطوافين ولا يفهم هذا من الواو لانها لمطلق الجمع ولهذا أتى في الجامع الصغير بثم واختلفوا في ثاني الطوافين في قولهم طاف طوافين فذهب صاحب الهداية والشارحون تبعا للمبسوط إلى أنه طواف القدوم ولهذا قال في الهداية: وقد أساء بتأخير سعي العمرة وتقديم طواف التحية عليه ولا يلزمه شئ، أما عندهما فظاهر لان التقديم والتأخير في المناسك لا يوجب الدم عندهما، وعنده طواف التحية سنة وتركه لا يوجب الدم فتقديمه أولى والسعي بتأخيره بالاشتغال بعمل آخر لا يوجب الدم فكذا بالاشتغال بالطواف ا ه‍. وذهب صاحب غاية البيان إلى أن المراد بأحدهما طواف العمرة وبالآخر طواف الزيارة بأن أتى بطواف العمرة ثم اشتغل بالوقوف ثم طاف للزيادة يوم النحر ثم سعي أربعة عشر شوطا بدليل قولهم في جواب المسألة يجزئه والمجزئ عبارة عما يكون كافيا في الخروج عن عهدة الفرض، ولا يحصل الاجزاء بترك الفرض والاتيان بالسنة وبدليل قولهم إن القارن يطوف طوافين ويسعد سعيين عندنا ليس المراد بهما إلا طواف العمرة وطواف الزيارة قوله: (وإذا رمي يوم النحر ذبح شاة أو بدنة أو سبعها) لقوله تعالى * (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) * والتمتع يشمل القران العرفي والتمتع العرفي كما قدمناه. قيد بالذبح بعد الرمي لان الذبح قبله لا يجوز لوجوب الترتيب ولم يقيد الذبح بالمحبة كما قيده بها في ذبح المفرد لما أنه واجب على القارن والمتمتع. وأطلق البدنة فشملت البعير والبقرة والسبع جزء من سبعة أجزاء، وإنما كان مجزئا لحديث الصحيحين عن جابر: حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحرنا البعير عن سبعة والبقرة عن سبعة. وأشار بالتخيير بين البدنة وسبعها

[ 631 ]

إلى أنه دم عبادة لادم جناية فيأكل منه كما سيأتي، وسيأتي في الاضحية أنه لا بد أن يكون الكل مريدا للقربة وإن اختلفت جهة القربة فلو أراد أحد السبعة لحما لاهله لا يجزئهم، واستدل له بعض شارحي المصابيح بقوله صلى الله عليه وسلم أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه (1) وما في المبتغى: ولو بعث القارن بثمن هديين فلم يوجد بذلك بمكة إلا هدي واحد فبذبحه لا يتحلل عن الاحرامين ولا عن أحدهما ا ه‍. محمول على هدي الاحصار لان التحلل موقوف عليه لا على ذبح دم الشكر. وفي الظهيرية والخانية: والاشتراك في البقرة أفضل من الشاة، والجزور أفضل من البقرة كما في الاضحية فإن كان القارن ساق الهدي مع نفسه كان أفضل. قوله: (وصام العاجز عنه ثلاثة أيام آخرها يوم عرفة وسبعة إذا فرغ ولو بمكة) أي صام العاجز عن الهدي لقوله تعالى * (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك

[ 632 ]

عشرة كاملة) * (البقرة: 196) والعبرة لايام النحر في العجز والقدرة، وكذا لو قدر على الهدي قبل أن يكمل صوم الثلاثة أيام أو بعد ما أكمل قبل أن يحلق ويحل وهو في أيام الذبح بطل صومه ولا يحل إلا بالهدي، ولو وجد الهدي بعد ما حلق وحل قبل أن يصوم السبعة صح صومه ولا يجب عليه ذبح الهدي، ولو صام ثلاثة أيام ولم يحلق ولم يحل حتى مضت أيام الذبح ثم وجد الهدي فصومه ماض ولا شئ عليه. كذا ذكر الاسبيجابي. ويدل على أنه لو صام في وقته مع وجود الهدي ينظر، فإن بقي إلى يوم النحر لم يجزه للقدرة على الاصل، وإن

[ 633 ]

هلك قبل الذبح جاز للعجز عن الاصل فكان المعتبر وقت التحلل. كذا في فتح القدير. وقوله آخرها يوم عرفة بيان للافضل وإلا فوقته وقت الحج بعد الاحرام بالعمرة لان المراد بالحج في الآية وقته لان نفسه لا يصلح ظرفا. وإنما كان الافضل التأخير لان الصوم بدل عن الهدي فيستحب تأخيره إلى آخر وقته رجاء أن يقدر على الاصل. كذا في الهداية. وأشار بقوله إذا فرغ إلى أن المراد بالرجوع في الآية الفراغ من أعمال الحج مجازا إذا الفراغ سبب للرجوع إلى أهله، وقد عمل الشافعي بالحقيقة فلم يجوز صومها بمكة ويشهد له حديث البخاري مرفوعا وسبعة إذا رجعتم إلى أهليكم وإنما عدل أئمتنا عن الحقيقة إلى المجاز لفرع مجمع عليه وهو أنه لو لم يكن له وطن أصلا ليرجع إليه بل مستمر على السياحة وجب عليه صومها بهذا النص ولا يتحقق في حقه سوى الرجوع عن الاعمال، وكذا لو رجع إلى مكة غير قاصد للاقامة بها حتى تحقق رجوعه إلى غير أهله ووطنه ثم بدا له أن يتخذها وطنا كان له أن يصوم بها مع أنه لم يتحقق منه الرجوع إلى وطنه. كذا في فتح القدير. وأراد بالفراغ من أعمال الحج فرضا وواجبا وهو بمضي أيام التشريق لان اليوم الثالث منها يوم للرمي الواجب على من أقام به حتى طلع الفجر فيفيد أنه لو صام السبعة وبعضها من أيام التشريق فإنه لا يجوز ولما قدمه في بحث الصوم من النهي عن الصوم فيها مطلقا فلذا لم يقيد ههنا.

[ 634 ]

قوله: (فإن لم يصم إلى يوم النحر تعين الدم) أي إن لم يصم الثلاثة حتى دخل يوم النحر ليجزه الصوم أصلا وصار الدم متعينا لان الصوم بدل وإلابدال لا تنصب إلا شرعا والنص خصه بوقت الحج وجواز الدم على الاصل، وعن ابن عمر أنه أمر في مثله بذبح الشاة فلو لم يقدر على الهدي تحلل وعليه دمان: دم التمتع ودم التحلل قبل الهدي. كذا في الهداية هنا. وقال فيما يأتي في آخر الجنايات: فإن حلق القارن قبل أن يذبح فعليه دمان عند أبي حنيفة دم بالحلق في غير أوانه لان أوانه بعد الذبح، ودم بتأخير الذبح عن الحلق. وعندهما يجب عليه دم واحد وهو الاول فنسبه صاحب غاية البيان إلى التخليط لكونه جعل أحد الدمين هنا دم الشكر والآخر دم الجناية وهو صواب، وفيما يأتي أثبت عند أبي حنيفة دمين آخرين سوى دم الشكر، ونسبه في فتح القدير أيضا في باب الجنايات إلى السهو وليس كما قالا بل كلامه صواب في الموضعين فهنا لما لم يكن جانيا بالتأخير لانه لعجزه لم يلزمه لاجله دم ولزمه دم للحلق في غير أوانه، وفي باب الجنايات لما كان جانيا بحلقه قبل الذبح لزمه دمان كما قرره، ولم يذكر دم الشكر لانه قدمه في باب القران وليس الكلام إلا في الجناية وسيأتي تمامه هناك بأزيد من هذا إن شاء الله تعالى قوله: (وإن لم يدخل مكة ووقف بعرفة فعليه دم لرفض العمرة وقضاؤها) يعني إن لم يأت القارن بالعمرة حتى أتى بالوقوف فعليه دم لترك العمرة لانه تعذر عليه أداؤها لانه يصير بانيا أفعال العمرة على أفعال الحج، وذلك خلاف المشروع فعدم دخول مكة كناية عن عدم طواف العمرة لان الدخول وعدمه سواء إذا لم يطف لها. والمراد أكثر أشواطه حتى لو طاف لها أربعة أشواط ثم وقف بعرفة

[ 635 ]

فإنه لا يصير رافضا لها إذ قد أتبركنها ولم يبق إلا واجباتها من الاقل والسعي ويأتي بها يوم النحر وهو قارن على حاله بخلاف ما إذا طاف الاقل ثم وقف فإنه كالعدم فيصير رافضا. والمراد بعدم الطواف للعمرة عدم الطواف أصلا فإنه لو طاف طوافا ما ولو قصد به طواف القدوم للحج فإنه ينصرف إلى طواف العمرة ولم يكن رافضا لها بالوقوف لان الاصل أن المأتي به من جنس ما هو متلبس به في وقت يصلح له ينصرف إلى ما هو متلبس به، وعن هذا قلنا لو طاف وسعى للحج ثم طاف وسعى للعمرة كان الاول لها والثاني له ولا شئ عليه كمن سجد في الصلاة بعد الركوع ينوي سجدة تلاوة انصرف إلى سجدة الصلاة. ولم يقيد الوقوف بعرفة بكونه بعد الزوال كما وقع في كافي الحاكم لانه لا حاجة إليه لان الوقوف قبل وقته لا اعتبار به، وقيد بالوقوف لانه يكون رافضا لها بمجرد التوجه إلى عرفات هو الصحيح. والفرق بينه وبين مصلي الظهر يوم الجمعة إذا توجه إليها أن الامر هناك بالتوجه متوجه بعد أداء الظهر، والتوجه في القران والتمتع منهي عنه قبل أداء العمرة فافترقا. وأطلق في رفضها فشمل ما إذا قصده أو لا، وأشار به إلى سقوط دم القران عنه لعدمه وإنما وجب دم لرفضها لان كل من تحلل بغير طواف يجب عليه دم كالمحصر ووجب قضاؤها لان الشروع ملزم كالنذر والله أعلم. باب التمتع أخره عن القران لتأخره عنه رتبة كما قدمه. وهو في اللغة من المتاع أو المتعة وهو

[ 636 ]

الانتفاع أو النفع وفي الشريعة ما ذكره بقوله: (وهو أن يحرم بعمرة من الميقات فيطوف لها ويسعى ويحلق أو يقصر وقد حل منها ويقطع التلبية بأول الطواف ثم يحرم بالحج يوم التروية من الحرم ويحج) فقوله من الميقات للاحتراز عن مكة فإنه ليس لاهلها تمتع ولا قران لا للاحتراز عن دوبرة أهله أو غيرها كما بيناه في القرآن، ولم يقيد إحرامها بأشهر الحج لانه ليس بشرط لكن أداء أكثر طوافها فيها شرط، فلو طاف الاقل في رمضان مثلا ثم طاف الباقي في شوال ثم حج من عامه كان متمتعا. وإنما لم يقيد الطواف به لما يصرح به في هذا الباب. وإنما ذكر الحلق لبيان تمام أفعال العمرة لا لانه شرط في التمتع لانه مخير بينه وبين بقائه محرما بها إلى أن يدخل إحرام الحج ولا يرد عليه المتمتع الذي ساق الهدي فإنه لا يجوز له الحلق للعمرة حتى لو حلق لها لزمه دم لان سوق الهدي عارض منعه من التحلل على خلاف الاصل. وفي قوله ثم يحرم بالحج دلالة على تراخي إحرامه عن أفعالها فخرج القران، ولم يقيد الحج بأن يكون من عامه للعلم به لان معنى التمتع الترفق بأداء النسكين في سفرة واحدة ولا يشترط أن يكون من عام الاحرام العمرة بل من عام فعلها حتى لو أحرم بعمرة في رمضان وأقام على إحرامه إلى شوال من العام القابل ثم طاف لعمرته من القابل ثم حج من عامه ذلك كان متمتعا بخلاف من وجب عليه أن يتحلل من الحج بعمرة كفائت الحج فأخر إلى قابل فتحلل بها في شوال وحج من عامه ذلك لا يكون متمتعا لانه ما أتى بأفعالها عن إحرام عمرة بل للتحلل عن إحرام الحج فلم تقع هذه الافعال معتدا بها عن العمرة فلم يكن متمتعا. وقوله يوم التروية بيان للجواز وإلا فالافضل أن يكون قبله للمسارعة إلى الخير، وقوله من الحرم بيان للميقات المكاني لاهل مكة ولم يقيد بعدم الالمام بأهله فيما بينهما إلماما صحيحا لما يصرح به قريبا. وحاصله أنه إن ألم بينهما بأهله إلماما صحيحا بطل تمتعه وإلا فلا، والصحيح منه أن لا يكون العود مستحقا عليه يقال ألم بأهله

[ 637 ]

نزل وهو يزور إلماما أي غبا. كذا في المغرب. وإنما يقطع التلبية فيها بأوله لما صححه أبو داود عن ابن عباس أنه عليه السلام كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر. ولم يذكر طواف القدوم لانه ليس على المتمتع طواف قدوم كذا في المبتغي. أي لا يكون مسنونا في حقه بخلاف القارن لان المتمتع حين قدومه محرم بالعمرة فقط وليس لها طواف قدوم ولا صدر، والحكمة فيه أن المعتمر متمكن من أدائها حين وصل إلى البيت، وأما الحاج فغير متمكن من طواف الزيارة لعدم وقته فسن له طواف القدوم إلى أن يجئ وقته، والطواف ركن معظم في العمرة فلا يتكرر في الصدر كالوقوف للحج لا يتكرر كذا في النهاية. وفي قوله ويحج دلالة على أنه يسعى للحج ويرمل في طوافه والذي أتى به أولا إنما هو عن العمرة فإن سعي المتمتع ورمفي طوافه بعد إحرامه بالحج لا يعيدها في طواف الزيارة لانهما لا يتكرران قوله: ويذبح فإن عجز فقد مر) أي في باب القران فإن حكمهما واحد قوله: (فإن صام ثلاثة أيام من شوال فاعتمر لم يجزه عن الثلاثة) لان سبب وجوبه التمتع وهو في هذه الحالة غير متمتع فلا يجوز اداؤه قبل سببه قوله: (وصح لو بعد ما أحرم بها قبل أن يطوف) أي صح صوم الثلاثة بعد ما أحرم بالعمرة قبل الطواف لانه أداء بعد السبب لان سببه اتمتع بالمعنى اللغوي وهو الترفق لترتيبه على التمتع بالنص ومأخذ الاشتقاق علة للمترتب، والعمرة في أشهر الحج هي السبب فيه لانها التي بها يتحقق الترفق الذي كان ممنوعا في الجاهلية وهو معنى التمتع، ولما لم يمكنه الخروج عن إحرامها بلا فعل نزل الاحرام منزلتها فلذا جاز بعد إحرامها قبل الفراغ منها. قيد بصوم الثلاثة لان صوم السبعة لا يجوز إلا بعد الفراغ وإن كان السبب فيهما واحدا لان الله تعالى فصل بينهما فجعل الثلاثة في الحج أي في وقته والسبعة بعد الفراغ. وقيد

[ 638 ]

بكون الصوم في شوال أي في أشهر الحج لان الصوم قبل أشهر الحج لا يجوز، سواء كان بعد ما أحرم للعمرة في أشهر الحج أو لا، وقد تقدم أن الافضل تأخير صومها إلى السابع من ذي الحجة لرجاء القدرة على الاصل وهو الهدي قوله: (فإن أراد سوق الهدي أحرم وساق وقلد بدنته بمزادة أو نعل ولا يشعر) بيان لافضل التمتع اقتداء برسول اللهصلى الله عليه وسلم. والواو في قوله وساق بمعنى ثم لان الافضل أن لا يحرم بالسوق والتوجه بل يحرم بالتلبية والنية ثم يسوق، وأفاد بالتقليد أنه أفضل من التجليل وبالسوق أنه أفضل من القود إلا إذا كانت لاتنساق فيقودها. والضمير في قوله أراد عائد إلى المتمتع بمعنى مريده، والمراد بالاحرام إحرام العمرة، وقيد بالبدنة لان الشاة لا يسن تقليدها. والاشعار في اللغة الاعلام بأن البدنة هدي والمراد هنا أن يشق سنامها من الجانب الايمن. كذا في شرح الاقطع. وفي الهداية قالوا: والاشبه هو الايسر وهو مكروه عند أبي حنيفة، حسن عندهما للاتباع الثابت في صحيح مسلم وغيره، وأجيب لابي حنيفة بأنه مثلة وقد نهي عنه فتعارضا فرجحنا المنع لانه قول وهو مقدم على الفعل أو نهي وهو مقدم على المبيح، ورد بأنه ليس منها لانها ما يكون تشويها كقطع الانف والاذنين فليس كل جرح مثلة ولانه نهي عنها في أول الاسلام وفعل الاشعار في حجة الوداع. فلو كان منها لم يفعله وبأن إشعاره عليه السلام لصيانة الهدي لان المشركين لا يمتنعون عن تعرضه إلا به. وقال الطحاوي: إنما كره أبو حنيفة الاشعار المحدث الذي يفعل على وجه المبالغة ويخاف منه السراية إلى الموت لا مطلق الاشعار، واختاره في غاية البيان وصححه وفي فتح القدير أنه الاولى قوله: (ولا يتحلل بعد عمرته) لان سوق الهدي يمنعه من التحلل لحديث البخاري: أني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر. وقد قدمنا أنه لو حلق رأسه بعد الفراغ من عمرته وقد كان ساق الهدي لزمه دم، ومقتضاه أنه

[ 639 ]

يلزمه موجب كل جناية على الاحرام كأنه محرم. والحاصل أن لسوق الهدي تأخيرا في إثبات الاحرام ابتداء فكان له أثر في استدامة الاحرام أيضا بل الاولى لان البقاء أسهل. كذا في النهاية قوله: (ويحرم بالحج يوم التروية وقبله أحب) لما ذكرناه في متمتع لا يسوق الهدي، وإنما ذكر يوم التروية لان الافعال بعد ذلك تتعقب الاحرام قوله: (فإذا حلق يوم النحر حل من إحراميه) أي من إحرامي الحج والعمرة وهو تصريح ببقاء إحرام العمرة بعد الوقوف بعرفة إلى الحلق، وأورد عليه في النهاية القارن إذا قتل صيدا بعد الوقوف بعرفة لا يلزم قيمتان، وأجاب بأإحرام العمرة قد انتهى بالوقوف في حق سائر الاحكام وإنما يبقى في حق التحلل لا غير كأحكام الحج تنتهي بالحلق في يوم النحر ولا يبقى إلا في حق النساء خاصة، واستبعده الشارح الزيلعي وهو المراد عند إطلاق الشارح في هذا الكتاب بأن القارن إذا جامع بعد الوقوف يجب عليه بدنة للحج والعمرة شاة وبعد الحلق قبل الطواف شاتان ا ه‍. لكن صاحب النهاية لم يجزم به إنما عزاه إلى شيخ الاسلام في مبسوطه وهو اختياره، وأكثر عبارات الاصحاب كما قال الشارح. وفي فتح القدير: وهو الظاهر إذ قضاء الاعمال يمنع بقاء الاحرام والوجوب إنما هو باعتبار أنه جناية على الاحرام لا على الاعمال، والفرع المنقول في الجماع يدل على ما قلنا. وقد تناقض كلام شيخ الاسلام فإنه أوجب في

[ 640 ]

جماع القارن بعد الوقوف شاتين فلا يخلو من أن يكون إحرام العمرة بعد الوقوف الجناية عليه شيئا أو لا، فإن أوجبت لزم شمل الوجوب وإلا فشمول العدم. فالحاصل أن المذهب بقاء إحرام العمرة إلى الحلق ويحل منه في كل شئ حتى في حق النساء إذا كان متمتعا ساق الهدي لان المانع له من التحلل سوقه وقد زال بذبحه، وفي القارن يحل منه في كل شئ إلا في النساء كإحرام الحج، وهذا هو الفرق بين المتمتع الذي ساق الهدي وبين القارن وإلا فلا فرق بينهما بعد الاحرام بالحج على الصحيح كما ذكرنا. وفي المحيط: قارن طاف لعمرته ثم حل فعليه دمان ولا يحل من عمرته بالحلق، ولو أحرم بعمرة فطاف لها ثم أضاف حجة ثم حلق يحل من عمرته ولا شئ عليه لانه بمنزلة من أحرم بالحجة بعد ما حلق من العمرة قوله: (ولا تمتع ولا قران لمكي ومن حولها) لقوله تعالى * (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) * (البقرة: 196) بناء على عود اسم الاشارة إلى التمتع لا إلى الهدي بقرينة وصلها باللام وهي تستعمل فيما لنا أن نفعله بخلاف الهدي فإنه علينا، فلو كان مرادا لقيل ذلك على من لم يكن ولكونها اسم إشارة للبعيد والتمتع أبعد من الهدي. ثم ظاهر الكتب متونا وشروحا وفتاوي أنه لا يصح منهم تمتع ولا قران لقولهم: وإذا عاد المتمتع إلى

[ 641 ]

أهله ولم يكن ساق الهدي بطل تمتعه. قال في غاية البيان: ولهذا قلنا لم يصح تمتع المكي لوجود الالمام الصحيح، ومقتضاه أنه لو أحرم بعمرة في أشهر الحج وحل منها ثم أحرم بحج فإنه لا يلزمه دم، لكن صرح في التحفة بأنه يصح تمتعهم وقرانهم فإنه نقل في غاية البيان عنها أنهم لو تمتعوا جاز وأساؤا ويجب علهيم دم الجبر، وهكذا ذكر الاسبيجابي ثم قال: ولا يباح لهم الاكل من ذلك الدم ولا يجزئهم الصوم إن كانوا معسرين فتعين أن يكون المراد بالنفي في قولهم لا تمتع ولا قران لمكي نفي الحل لا نفي الصحة ولذا وجب دم جبر لو فعلوا هو فرع الصحة، واشتراطهم عدم الالمام فيما بينهما إنما هو للتمتع المنتهض سببا للثواب المترتب عليه وجوب دم الشكر. فالحاصل أن المكي إذا أحرم بعمرة في أشهر الحج فإن كان من نيته الحج من عامه فإنه يكون آثما لانه عين التمتع المنهي عنه لهم، فإن حج من عامه لزمه دم جناية لا دم شكر، وإن لم يكن من نيته الحج من عامه ولم يحج فإنه لا يكون آثما بالاعتمار في أشهر الحج لانهم وغيرهم سواء في رخصة الاعتمار في أشهر الحج. وما

[ 642 ]

في البدائع من أن الاعتمار في أشهر الحج للمكي معصية محمول على ما إذا حج من عامه وإذا قرن فإنه يكون آثما أيضا ويلزمه دم جناية. وفي الهداية: بخلاف المكي إذا خرج إلى الكوفة وقرن حيث تصح لان عمرته وحجته ميقاتيتان فصار بمنزلة الآفاقي. قال الشارحون: قيد بالقران لانه لو تمتع فإنه لا يصح ويلزمه دم جناية لوجود الالمام الصحيح بينهما فقد فرقوا بين التمتع والقران فشرطوا في التمتع عدم الالمام دون القران، ومقتضى الدليل أنه لا فرق بينهما في هذا الشرط وأن المكي يأثم إذا أحرم من الميقات بهما أو بالعمرة في أشهر الحج ثم حج من عامة لان التمتع المذكور في الآية يعمهما كما قدمناه وإيجابهما عدم الجناية على المكي إذ خرج إلى الميقات وتمتع مقتضى لوجوب الدم على الآفاقي إذا تمتع وقد ألم بينهما إلماما صحيحا ولم يصرحوا به. وإنما قالوا بطل تمتعه والمراد بمن حولها من كان داخل المواقيت فإنهم بمنزلة أهل مكة وإن كان بينهم وبين مكة مسيرة سفر لانهم في حكم حاضري المسجد الحرام. وفي النهاية: وأما القران من المكي فيكره ويلزمه الرفض والعمرة له في أشهر الحج لا تكره ولكن

[ 643 ]

لا يدرك فضيلة التمتع لان الالمام قطع تمتعه ا ه‍. ولم يبين المرفوض وبينه في المحيط فقال: مكي أحرم بعمرة وحجة رفض العمرة ومضي في الحجة وعليه عمرة ودم، فإن مضي العمرة لزمه دم لجمعه بينهما فإنه لا يجوز له الجمع، فإذا جمع فقد احتمل وزرا فارتكب محظورا فلزم دم كفارة. ثم لا بد من رفض أحدهما خروجا عن المعصية فرفص العمرة أولى، فإن طاف لعمرته ثلاثة أشواط ثم أحرم بالحج رفض الحج عند أبي حنيفة لانه امتناع وهو أسهل من الابطال، وعندهما يرفض العمرة، ولو طاف لها أربعة أشواط ثم أحرم بالحج أتمهما وعليه دم لارتكابه المنهي عنه ا ه‍. وفيها أيضا: وذكر الامام المحبوبي أن هذا المكي الذي خرج إلى الكوفة وقرن إنما يبيح قرانة إذا خرج من الميقات قبل دخول أشهر الحج، فأما إذا دخل أشهر الحج وهو بمكة ثم قدم الكوفة ثم عاد وأحرم بها من الميقات لم يكن قارنا لانه لما دخل أشهر الحج وهو بمكة صار ممنوعا من القران شرعا فلا يتغير ذلك بخروحه من الميقات. وتعقبه في فتح القدير بأن الظاهر الاطلاق لان كل من حل بمكان صار من أهله مطلقا قوله: (فإن عاد المتمتع إلى بلده بعد العمرة ولم يسق الهدي بطل تمتعه وإن ساق لا) أي لا يبطل يعني إذا حج من عامه لا يلزمه دم الشكر في الاول ويلزمه في الثاني، ومحمد رحمه الله تعالى أبطل التمتع

[ 644 ]

فيهما لانه أداهما بسفرتين والمتمتع من يؤديهما بسفرة واحدة، وهما جعلا استحقاق العود كعدمه فإنه بالهدى استدام إحرام العمرة إلى أن يحرم بالحج ويحل منهما. وظاهر كلامهم أن سوق الهدي يمنعه من التحلل وأنه التزام لاحرام الحج من عامة لكن في فتح القدير أنه لو بدا له بعد العمرة أن لا يحج من عامه لا يؤاخذ بذلك فإنه لم يحرم بالحج بعد، وإذا ذبح الهدي أو أمر بذبحه يقع تطوعا ا ه‍. وذكر الشارح أيضا في دليل محمد لكون العود غير مستحق عليه أنه لو بعث هديه لينحر عنه ولم يحج كان له ذلك، فقولهما إن العود مستحق عليه بسوق الهدي معناه إذا أراد المتعة لا مطلقا. وفي المحيط: فإن ذبح الهدي ورجع إلى أهله فله أن لا يحج لانه لم يوجد منه في حق الحج إلا مجرد النية وبمجردها لا يلزمه الحج، فإذا نوي أن لا يحج ارتفعت نية الحج فصار كأنه لم ينو في الابتداء، وإن أراد أن ينحر هديه ويحل ولا يرجع إلى أهله ويحج من عامه ذلك لم يكن له ذلك لانه مقيم على عزم التمتع فيمنعه الهدي من الاحلال، فإن فعله ثم رجع إلى أهله ثم حج لا شئ عليه لانه غير متمتع. ولو حل بمكة ونحر هدية ثم حج قبل أن يرجع إلى أهله لزمه دم لتمتعه لانه لم يلم بأهله فيما بين النسكين وعليه دم آخر لانه حل قبل يوم النحر ا ه‍. فالحاصل أنه إذا ساق الهدي لا يخلوا ما أن يتركه إلى يوم النحر أو لا، فإن تركه إليه فتمتعه صحيح ولا شئ عليه غيره، سواء عاد إلى أهله أو لا، وإن تعجل ذبحه، فأما إن رجع إلى أهله أو لا، فإن رجع إلى أهله فلا شئ عليه مطلقا سواء حج من عامه أو لا، وإن لم يرجع إليهم فإن لم يحج من عامه فلا شئ عليه، وإن حج منه لزمه دمان دم المتعة ودم الحل قبل أوانه. ورجح في فتح القدير مذهب الشافعي في أن عدم الالمام بينهما ليس بشرط في التمتع فلا يبطل تمتعه بعوده إلى أهله، سواء ساالهدي أو لا، لان الآية إنما منعت التمتع لمن كان حاضر المسجد الحرام لا لاجل إلمامهم بأهلهم بينهما بل لتيسر العمرة لهم في كل وقت بخلاف الغير. قيد بقوله بعد العمرة لانه لو عاد بعد ما طاف لها الاقل لا يبطل تمتعه لان العود مستحق عليه لانه ألم بأهله محرما بخلاف ما إذا طاف الاكثر. ودخل في قوله بعد العمرة الحلق فلا بد للبطلان منه لانه من واجباتها وبه التحلل، فلو عاد بعد طوافها قبل الحلق ثم حج من عامه قبل أن يحلق في أهله فهو متمتع لان العود مستحق عليه عند من جعل الحرشرط جواز الحلق وهو أبو حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف إن لم يكن مستحقا فهو مستحب. كذا في البدائع وغيره قوله: (ومن طاف أقل أشواط العمرة قبل أشهر الحج وأتمها فيها كان متمتعا وبعكسه لا) أي لو طاف أكثر أشواطها قبلها وأتمها فيها لا يكون متمتعا لان للاكثر حكم الكل. قال الامام

[ 645 ]

ألا قطع: فصار ذلك أصلا في أن كل ما يتعلق بالاحرام من الافعال فحكم أكثره حكم جميعه في باب الجواز ومنع ورود الفساد عليه. وأشار إلى أنه لا يشترط وجود إحرامها في أشهر الحج لان المعتبر إنما هو الطواف. وفي المحيط: ولو طاف كله في رمضان جنب أو محدث ثم أعاده في شوال لم يكن متمتعا لان طواف المحدث لا يرتفض بالاعادة فلم تقع العمرة والحج في أشهر الحج، وكذلك طواف الجنب على رواية الكرخي فكان الفرض هو الاول ولم يوجفي أشهر الحج، وعلى قول غيره يرتفع الاول بالاعادة لكن تعلق بهذا الطواف في رمضان المنع عن العمرة لهذا السفر بدليل أنه لو أتم هذه العمرة ثم ابتدأ إحرام العمرة في أشهر الحج ثم اعتمر عمرة جديدة وحج من عامة لم يكن متمتعا فلا يرتفض هذا الطواف الاول بالاعادة بخلاف طواف الزيارة لانه لا يتعلق به منع عن شئ حتى ينتقض بالاعادة ا ه‍. وعلم من هذا أن الاعتمار في سنة قبل أشهر الحج مانع من التمتع في سننه، سواء أتى بعمرة أخرى في أشهر الحج أو لا. وإنما اختصت المتعة بأفعال العمرة في أشهر الحج لان أشهر الحج كان متعينا للحج قبل الاسلام فأدخل الله العمرة فيها إسقاطا للسفر الجديد عن الغرباء فكان اجتماعهما في وقت واحد في سفرواحد رخصة وتمتعا. وفي فتح القدير: وهل يشترط في القران أيضا أن يفعل أكثر أشواط العمرة في أشهر الحج؟ ذكر في المحيط أنه

[ 646 ]

لا يشترط وكأنه مستند في ذلك إلى ما قدمناه عن محمد وقدمنا جوابه في باب القران قوله: (وهي شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة) أي أشهر الحج المرادة في قوله تعالى * (الحج أشهر معلومات) * (البقرة: 197) وهو مروي عن العباد له الثلاثة، ورواه البخاري في صحيحه عن ابن عمر، فالمراد حينئذ من الجمع شهران وبعض الثالث، وذكر في الكشاف: فإن قلت فكيف كان الشهران وبعض الثالث أشهرا؟ قلت: اسم الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد بدليل قوله تعالى * (فقد صغت قلوبكما) * (التحريم: 4) فلا سؤال فيه إذن، وإنما يكون موضعا للسؤال لو قيل ثلاثة أشهر معلومات ا ه‍. وما في غاية البيان من أنه عام مخصوص ففيه نظر لان أخص الخصوص في العام إذا كان جمعا ثلاثة لا يجوز التخصيص بعده فالاولى ما ذكره في الكشاف. وفائدة التوقيت بهذه الاشهر أن شيئا من أفعال الحج لا يجوز إلا فيها حتى إذا صام المتمتع أو القارن ثلاثة أيام قبل أشهر الحج لا يجوز، وكذا السعي بين الصفا والمروة عقب طواف القدوم لا يجوز إلا في أشهر الحج، وأنه لا يكره الاحرام بالحج فيه مع أنه يكره الاحرام بالحج في غير أشهر الحج، وأنه لو أحرم بعمرة يوم النحر فأتي بأفعالها ثم أحرم من يومه ذلك بالحج وبقي محرما إلى قابل فحج كان متمتعا. قال في فتح القدير: وهذ يعكر على ما تقدم، ويوجب أن يضع مكان قولهم وحج من عامة ذلك في تصوير التمتع وأحرم بالحج من عامة ذلك ا ه‍. وسيأتي في باب إضافة الاحرام إلى الاحرام أنه لو أحرم بعمرة يوم النحر وجب عليه الرفض والتحلل لارتكابه النهي فينبغي أن لا يكون متمتعا لانه مكي وعمرته وحجته مكية والتمتع من عمرته ميقاتية وحجته مكية. والقعدة بالكسر والفتح

[ 647 ]

ولم يسمع في الحجة إلا الكسر قوله: (وصح الاحرام به قبلها وكره) أي صح الاحرام بالحج قبل أشهر الحج مع الكراهة بناء على أنه شرط وليس بركن لعدم اتصال الافعال به فجاز تقديمه على الزمان كالتقديم على المكان وكالطهارة للصلاة بخلاف تحريمتها فإنه لا يجوز تقديمها على الوقت وإن كانت شرطا عندنا لما أن الافعال متصلة بها لقوله تعالى * (وذكر اسم ربه فصلى) * (الاعلى: 15) لان الفاء للوصل والتعقيب بلا تراخ. وإنما كره للطول المفضي إلى الوقوع في محظوره أو على أنه شرط شبيه بالركن، ولذا أذا أعتق العبد بعد ما أحرم لا يتمكن عن أن يخرج عن ذلك الاحرام للفرض فالصحة للشرط والكراهة للشبه، وأطلقوا الكراهة فهي تحريمية لانها المرادة عند إطلاقهم لها قوله: (ولو اعتمر كوفي فيها وأقام بمكة أو بصرة وحج صح تمتعه) أراد بالكوفي الآفاقي الذي يشرع له التمتع والقران كما أن المراد بالبصرة مكان لاهل التمتع والقران، سواء كان البصرة أو غيرها. أما إذا أقام بمكة أو خارجها داخل المواقيت فلان عمرته آفاقية وحجته مكية فلذا كان متمتعا اتفاقا، وأما إذا خرج إلى مكان لاهله التمتع وليس وطنه فلان السفرة الاولى قائمة ما لم يعد إلى وطنه وقد اجتمع له نسكان فيها فوجب دم التمتع. ثم اختلف الطحاوي والجصاص فنقل الطحاوي أن هذا قول الامام وأن قول صاحبيه بطلان التمتع لما أن نسكه هذان ميقاتيان ولا بد فيه أن تكون حجته مكية، ونقل الجصاص أنه متمتع اتفاقا. قال فخر الاسلام: إنه الصواب. وقوى الاول الشارح. وأطلق في إقامة مكة أو بصرة فشمل ما إذا اتخذهما دارا أولا كما صرح به الاسبيجابي والكيساني، فما في الهداية من التقييد باتخادهما دارا اتفاقي. وقيد بكونه اعتمر في

[ 648 ]

أشهر الحج إذ لو اعتمر قبلها لا يكون متمتعا اتفاقا، وقيد بالكوفي لان المكي لا تمتع له اتفاقا، وقيد بكونه رجع إلى غير وطنه لانه لو رجع إلى وطنه بطل تمتعه اتفاقا إذا لم يكن ساق الهدي، وعبارة المجمع وخرج إلى البصرة أولى من التعبير بالاقامة بها لان الحكم عند الامام لا يختلف بين أن يقيم بها خمسة عشر يوما أو لا، والاول محل الخلاف وفي الثاني يكون متمتعا اتفاقا. كذا في المصفي قوله: (ولو أفسدها فأقام بمكة وقضي وحج لا إلا أن يعود إلى أهله) أ لو أفسد الكوفي عمرته فأقام بمكة وقضي العمرة من عامه لا يكون متمتعا إلا أن يرجع إلى وطنه بعد الخروج عن إحرام الفاسدة ثم يعود محرما من الميقات بعمرة ثم يحمن عامه فإنه يكون متمتعا، أما الاول فلان سفره انتهى بالفساد فلما قضاها صار ت عمرته مكية ولا تمتع لاهل مكة، وأما الثاني فلان عمرته ميقاتية وحجته مكية فصار متمتعا ولا يضره كون العمرة قضاء عما أفسده إن كان قضاء. وفي قوله إلا أن يعود إلى أهله دلالة على أن المراد بالاقامة بمكة الاقامة بمكان غير وطنه سواء كان مكة أو غيرها ولا خلاف فيما إذا أفام بمكة وأما إذا أقام بغيرها فهو مذهب الامام يكون متمتعا لانه إنشاء سفر فهو كالعود إلى وطنه، وله أن سفره الاول باق ما لم يعد إلى وطنه وقد انتهى بالفاسد، وهذه المسألة أيدت نقل الطحاوي، وقيده في المبسوط بأن يجاوز المواقيت في أشهر الحج، أما إذا جاوزها قبلها ثم أهل بعمرة فيها كان متمتعا عند الامام أيضا لانه بمجاوزة الميقات صار في حكم من لم يدخل مكة إن كان في أشهر الحج فلانه لما دخلت وهو داخل المواقيت حرم عليه التمتع كما هو حرام على أهل مكة فلا تنقطع هذه الحرمة بخروجه من المواقيت بعد ذلك كالمكي قوله: (وأيهما أفسد مضي فيه ولا دم عليه) يعني الكوفي إذا قدم بعمرة ثم حج من عامه ذلك فأي النسكين أفسده مضي فيه لانه لا يمكنه الخروج عن عهدة الاحرام إلا بالافعال، ولا يجب عليه دم التمتع لانه لم ينتفع بأداء نسكين صحيحين في سفر واحد وهو السبب فوجوبه، وهذا هو المراد بنفي الدم في عبارته وإلا فمن أفسد حجه لزمه دم قوله: (ولو تمتع وضحى لم يجزه عن المتعة) لانه أتى بغير الواجب لان الواجب دم التمتع، وأما الاضحية فليست بواجبة عليه لانه مسافر. أطلقه فشمل الرجل والمرأة، وإنما وضع محمد المسألة في المرأة إما لانها واقعة امرأة، وإما لان هذا إنما يشتبه على المرأة لان الجهل فيها أغلب فإذا لم يجز عن المتعة، فإن كان تحلل بناء على جهله لزمه دمان دم

[ 649 ]

التمتع ودم التحلل قبل أوانه وإلا فدم التمتع. وقد استفيد من هذا أن دم التمتع يحتاج إلى النية، وقد يقال إنه ليس فوق طواف الركن ولا مثله وقد قدمنا أنه لو نوي به التطوع أجزأه عن الركن فينبغي أن يكون الدم كذلك بل أولى قوله: (ولو حاضت عند الاحرام أتت بغير الطواف) لقوله عليه السلام لعائشة حين حاضت بسرف افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري (1) فأفا أن طوافها حرام وهو من وجهين: دخولها المسجد وترك واجب الطهارة، فإن الطهارة واجبة في الطواف فلا يحل لها أن تطوف حتى تطهر، فإن طافت كانت عاصية مستحقة لعقاب الله ولزمها الاعادة، فإن لم تعد كان عليها بدنة وتم حجها قوله: (ولو عند الصدر تركته كمن أقام بمكة) يعني ولا شئ عليها لانه واجب يسقط بالعذر والحيض والنفاس عذر، وكذا إذا أخرت طواف الزيارة إلى وقت طهرها فإنه لا يجب عليها شئ للعذر وقد قدمنا ذلك كله في طواف الصدر. وأطلق في سقوطه عمن أقام بمكة فشمل ما إذا أقام بعد ما حل النفر الاول أو كان في أشهر الحج فلانه لما دخلت وهو داخل المواقيت حرم عليه التمتع كما هو حرام على أهل مكة فلا تنقطع هذه الحرمة بخروجه من المواقيت بعد ذلك كالمكي قوله: (وأيهما أفسد مضي فيه ولا دم عليه) يعني الكوفي إذا قدم بعمرة ثم حج من عامه ذلك فأي النسكين أفسده مضي فيه لانه لا يمكنه الخروج عن عهدة الاحرام إلا بالافعال، ولا يجب عليه دم التمتع لانه لم ينتفع بأداء نسكين صحيحين في سفر واحد وهو السبب فوجوبه، وهذا هو المراد بنفي الدم في عبارته وإلا فمن أفسد حجه لزمه دم قوله: (ولو تمتع وضحى لم يجزه عن المتعة) لانه أتى بغير الواجب لان الواجب دم التمتع، وأما الاضحية فليست بواجبة عليه لانه مسافر. أطلقه فشمل الرجل والمرأة، وإنما وضع محمد المسألة في المرأة إما لانها واقعة امرأة، وإما لان هذا إنما يشتبه على المرأة لان الجهل فيها أغلب فإذا لم يجز عن المتعة، فإن كان تحلل بناء على جهله لزمه دمان دم

[ 649 ]

التمتع ودم التحلل قبل أوانه وإلا فدم التمتع. وقد استفيد من هذا أن دم التمتع يحتاج إلى النية، وقد يقال إنه ليس فوق طواف الركن ولا مثله وقد قدمنا أنه لو نوي به التطوع أجزأه عن الركن فينبغي أن يكون الدم كذلك بل أولى قوله: (ولو حاضت عند الاحرام أتت بغير الطواف) لقوله عليه السلام لعائشة حين حاضت بسرف افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري (1) فأفا أن طوافها حرام وهو من وجهين: دخولها المسجد وترك واجب الطهارة، فإن الطهارة واجبة في الطواف فلا يحل لها أن تطوف حتى تطهر، فإن طافت كانت عاصية مستحقة لعقاب الله ولزمها الاعادة، فإن لم تعد كان عليها بدنة وتم حجها قوله: (ولو عند الصدر تركته كمن أقام بمكة) يعني ولا شئ عليها لانه واجب يسقط بالعذر والحيض والنفاس عذر، وكذا إذا أخرت طواف الزيارة إلى وقت طهرها فإنه لا يجب عليها شئ للعذر وقد قدمنا ذلك كله في طواف الصدر. وأطلق في سقوطه عمن أقام بمكة فشمل ما إذا أقام بعد ما حل النفر الاول أو لا وفيه اختلاف، وقد قدمناه هناك والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. تم الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث وأوله باب الجنايات

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية