البحر الرائق شرح كنز الدقائق (في فروع الحنفية) للشيخ الامام أبي البركات عبد الله بن أحمد بن محمود المعروف بحافظ الدين النسفي المتوفى سنة 710 ه والشرح " البحر الرائق " للام العلامة الشيخ زين الدين بنابراهيم بن محمد المعروف بابن نجيم المصرى الحنفي المتوفى سنة 970 ه ومعه الحواشي المسماة منحة الخالق على البحر الرائق للعلامة الشيخ محمد أمين عابدين بن عمر عابدين بن عبد العزيز المعروف بابن عابدين الدمشقي الحنفي المتوفى سنة 1252 ه ضبطه وخرج آياته وأحاديثه الشيخ زكريا عميرات تنبيه وضعنا متن كنز الدقائق في أعلى الصفحات، ووضعنا اسفل منه مباشرة نص " البحر الرائق " ووضعنا في أسفل الصفحات حواشي الشيخ ابن عابدين الجزء الاول منشورات محمد علي بيضون
دار الكتب العلمية بيروت - لبنان
[ 4 ]
الطبعة الاولى 1418 ه - 1997 م دار الكتب العلمية بيروت - لبنان
[ 5 ]
بسم الله الرحمن الرحيم ترجمة صاحب البحر هو الامام العلامة الشيخ زين بن ابراهيم بن محمد بن محمد بن محمد بن بكر الشهير بابن نجيم - اسم لبعض أجداده - العلامة الفاضل الذي لم تكتحل بمثله عين الاواخر والاوائل اشتغل ودأب وتفرد وتفنن وأفتى ودرس وساعده الحظ في حياته وبعد وفاته ورزق الحظ في سائر مؤلفاته ومصنفاته، فما كتب ورقة إلا وأتعب الناس في تحصيلها. ولد بالقاسرة سنة ست وعشرين وتسعمائة، وأخذ عن علمائها وتفقه بالشيخ أمين الدين بن عبد العال الحنفي والشيخ أبي الفيض السلمي والشيخ شرف الدين البلقيني وشيخ الاسلام أحمد بن يونس الشهير بابن الشلبي، (أخذ علوم العربية والعقلية عن جماعة كثيرين منهم: الشيخ العلامة نور الدين الديلمي المالكي والشيخ العلامة شقير المغربي، وانتفع به خلق كثير منهم: أخوه العلامة عمر صاحب النهر، والعلامة محمد الغزي التمر تاشي صاحب المنح، والشيخ محمد العلمي سبط ابن أبي شريف المقدسي الاصل الشامي السكن، وعبد الغفار مفتى القدس، وذكره العارف عبد الوهاب الشعراني في طبقاته وذكر أنه كان عالما زاهدا أجمع فقراء الصوفية على أدبه وجلالته وما تخلف عن الاذعان له إلا من عنده حسد أو
جهل بمقامه. وكان له ذوق في حل مشكلات القوم وله الاعتقاد العظيم في طائفة القوم، وأخذ الطريق عن الشيخ العارف بالله تعالى سليمان الخضيرى، قال الشيخ عبد الوهاب: صحبته عشر سنين فما رأيت عليه شيئا يشينه في دينه، وحججت معه في سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة فرأيته على خلق عظيم مع جيرانه وغلمانه ذهابا وإيابا مع أن السفر يسفر عن أخلاق الرجال، ولقد شاورني في ترك التدريس والاقبال على طريق الفقراء الصوفية فقلت له: لا تدخل في الطريق إلا بعد تضلعك من علوم الشريعة، فأجابني إلى ذلك أسأل الله تعالى أن يزيده علما وعملا صالحا ويحشرنا في زمرته مع العلماء العاملين والائمة المجتهدين تحت لواء سيد المرسلين، ولمولانا المترجم " الاشباه والنظائر " " والبحر الرائق " " ومختصر التحرير " " وشرح المنار " " والفوائد الزينية " والرسائل الزينية " التي رتبها ابن بنته محمد، وأما تعاليقه على هوامش الكتب وحواشيها وكتابته على أسئلة المستفتين الاوراق التي سودها بالمباحث الرائقة فشئ لا يمكن حصره، ولو لا معاجلة الاجل قبل بلوغ الامل
[ 6 ]
لكان في الفقة وأصوله وفي سائر الفنون أعجوبة الدهر، توفي سنة سبعين وتسعمائة وقال تلميذة العلمي: إن وفاته كانت في سنة تسع، بتقديم التاء - وستين وتسعمائة، وإن ولادته كانت سنة ست وعشرين وتسعمائة، ودفن بالقرب من السيدة سكينة رحم الله تعالى روحه ونور ضريحه آمين، كذا في شرح الاشباه والنظائر لشيخنا العلامة المحقق هبة الله أفندي البعلي التاجي رحمه الله تعالى، قال الشيخ العلامة قطب الدين الحنفي: أنشدني من لفظه مولانا الشيخ نور الدين أبو الحسن الخطيب الحنفي شيخ المدرسة الاشرفية أنه شافه المرحوم الشيخ زين بن نجيم رحمه الله تعالى بهذه الابيات بديهة وقد أجاد فقال: ذو الفضل زين الدين حاز من التقى * * والعلم ما عجز الورى عن حصره لا سيما الفقه الشريف فإنه * * يمليكه بكماله من صدره وإذا نظرت إلى الشروح بأسرها * * فترى الجميع كنقطة في بحره
ونقل من خط الشيخ الفهامة سري الدين الصائغ الحنفي ما صورته: أنشدني منصور البلسي الحنفي لنفسه: على الكنز في الفقه الشروح كثيرة * * بحار تفيد الطالبين لاليا ولكن بهذا البحر صارت سواقيا * * ومن ورد البحر استقل السواقيا
[ 7 ]
ترجمة صاحب حاشية البحر السيد محمد أمين الشهير بابن عابدين رحمه الله وهو وإن كان كبير القدر شهير الذكر لا تستقصى مناقبه في مجلدات، غير أننا أحببنا أن لا يفوتنا التبرك بذكر شئ من سيرته لانه عند ذكر الصالحين تنزل الرحمات فنقول: هو العلامة المتقن والامام المتفنن، السيد محمد أمين عابدين ابن السيد الشريف عمر عابدين، ينتهي نسبه الشريف إلى الامام جعفر الصادق بن محمد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وقد استوفى ذكر أجداده الكرام مع طرف صالح من مرضي سيرته وكريم خليقته وذكر مؤلفاته وسني حالااته، ولده المرحوم العلامة السيد محمد علاء الدين في أول كتابه " قرة عيون الاخيار لتكملة رد المختار على الدر المختار ". ومجمل القول في المترجم المذكور أنه رحمه الله كان ممن يتذكر به سيرة السلف الصالحين من وفور العلم وكثرة التفنن ومتانة الدين، فبعد غوره في العلوم تشهد به مؤلفاته الشهيرة وما تحويه من ثاقب إفهامه واقتداره على حل العويصات وكشف المدلهمات الكثيرة، فله رحمه الله من التآليف: " رد المحتار على الدر المختار " " والعقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية " وحاشية على " البيضاوي " وحاشية على " المطول " وحاشية على " شرح الملتقى " وحاشية على " النهر " إلا أنهما لم يجردا، وهذا الحاشية التي على البحر، وله مجموعة في الادب ونحو الثلاثين رسالة وغير ذلك، وكان حسن الاخلاق والسمات مقسما زمنه الشريف على أنواع الطاعات، وربما استغرق ليله أجمع بقراءة القرآن والبكاء، ولا يدع وقتا من أوقاته من غير طهارة، وكان كثير التصدق، بعيدا عن الشبهات، لا يأكل إلا من مال تجارته، وكان مهابا
مطاع الكلمة، وبالجملة فأخلاقه الشريفة لا تنحصر، ولد رحمه الله سنة 1198 ومات رحمه الله ضحوة يوم الاربعاء الحادي والعشرين من ربيع الثاني سنة 1252، عن أربع وخمسين سنة تقريبا بدمشق الشام ودفن بمقبرتها بباب الصغير، لا زالت عليه سحائب الرحمات تمطر ولا برحت دار الخلد له فيها المقام الاشهر، ثم إن هذه الحاشية قد ازدادت حلية بتنميق العلامة الامام والفهامة الهمام، فريد عصره ووحيد دهره، المرحوم السيد أحمد عابدين ابن عم المؤلف لها بخطه الكريم وتحريره لها بالقراءة وإمعان الفكر وإدمان النظر المستقيم. وعند الشروع في الطبع سمح خاطر ورثته متع الله الوجود بدوامهم وأدام على المسلمين بركة أنفاسهم ومنافع علومهم، بإعطاء تلك الحاشية مع شرح البحر الذي تحلت غرره بخط المؤلف بهذا الحشاية ليكون الطبع والتصحيح على تلك الخطوط الزاهية، فجزى الله ذلك الصنيع خيرا ومنحهم رضا ووقاهم ضيرا آمين.
[ 9 ]
الحمد لله الذي دبر الانام بتدبيره القوي، وقدر الاحكام بتقديره الحنفي وهدى عباده إلى الرشاد، وأنطقهم بأسنة حداد، وجعل مصالح معاشهم بالعقول محوطة، ومناجح معادلهم بالعلم منوطة، فضل نبيه بالعلم تفضيلا، وأنزل عليه القرآن تنزيلا، صلى الله عليه وعلى آله كنوز الهدى وعلى أصحابه بدور الدجي. أما بعد، فأن أشرف العلوم وأعلاها وأوفقها وأوفاها، علم الفقه والفتوى وبه صلاح الدنيا والعقبى فمن شمر لتحصيله ذيله، وأدرع نهاره وليله، فاز بالسعادة الآجله والسيادة العاجلة والاحاديث في أفضليته على سائر العلوم كثيرة والدلائل عليها شهيرة لا سيما وهو المراد بالحكمة في القرآن على قول المحققين للفرقان وقد قال في ز الخلاصة إن النظر في كتب أصحابنا من غير سماع أفضل من قيام الليل وقال إن تعلم الفقه أفضل من تعلم باقي القرآن وجميع الفقه لا بد منه ا ه. وإن كنز الدقائق للامام حافظ الدين النسفي أحسن مختصر صنف في فقه الائمة الحنفية وقد وضعواله شروحا وأحسنها " التبيين " للامام
الزيعلي لكنه قد أطال من ذكر الخلافيات ولم يفصح عن منطوقه ومفهومه وقد كنت مشتغلا به من ابتداء حالي معتنيا بمفهوماته فأحببت أن أضع عليه شرحا يفصح عن منطوقه
[ 10 ]
ومفهومه ويرد فروع الفتاوى والشروح إليها مع تفاريع كثيرة وتحريرات شريفة وها أنا أبين لك الكتب التي أخذت منها من شروح وفتاوى وغيرها فمن الشروح: شرح الجامع الصغير لقاضي خان وشرحه للبرهاني والمبسوط وشرح الكافي الحاكم وشرح مختصر الطحاوي للامام الاسبيجابي والهداية وشروحها من غاية البيان والنهاية والعناية ومعراج الدراية والخبازية وفتح القدير والكافي شرح الوافي والتبيين والسراج الوهاج والجوهرة والمجتبى والاقطع والينابيع وشرح المجمع للمصنف ولابن الملك والعيني وشرح الوقاية وشرح النقابة للشمني والمستصفى والمصفى وشرح منية المصلي لابن أمير حاج ومن الفتاوى: المحيط والذخيرة والبدائع والزيادات لقاضي خان وفتاواه المشهورة والظهيرية والولوالجية والخلاصة والبزازية والواقعات للحسامي والعمدة والعدة للصدر الشهيد ومآل الفتاوى وملتقط الفتاوى وحيرة الفقهاء والحاوي القدسي القنية والسراجية والقاسمية والتجنيس والعلامية وتصحيح القدوري وغير ذلك مع مراجعة كتب الاصول واللغة وغير ذلك ومن تردد في شئ مما ذكرته في هذا الشرح فليرجع إلى هذه الكتب وسميته بالبحر الرائق شرح كنوز الدقائق وأسأل الله تعالى أن ينفع به كما نفع بأصله وأن يجعله خالصا بلوجهه الكريم وأن يثيبنا عليه بفضله وكرمه إنه على ما يشاء قدير وبالاجابة جدير ولا بأس بذكر تعريفه لما في البديع لابن الساعاتي حق على من حاول علما أن يتصوره بحده أو
[ 11 ]
رسمه ويعرف موضوعه وغايته واستمداده - قالوا - ليكون الطالب له على بصيرة فالفقه لعة الفهم وتقول منه فقه الرجل بالكسرة، وفلان لا يفقه وأفققهتك الشئ ثم خص به علم الشريعة والعالم به فقيه وفقه بالضم فقاهة وفقهه الله وتفقه إذا تعاطى ذلك وفاقهته إذا
باحثته في العلم كذا في الصحاح وحاصله أن الفقه اللغوي مكسور القاف في الماضي والاصطلاحي مضموما فيه كما صرح به الكرماني وفي ضياء الحلوم الفقه العلم بالشئ ثم خص بعلم الشريعة وفقه بالكسر معنى الشئ فقها وفقها وفقهانا إذا علمه وفقه بالضم فقاهة إذا صار فقيها ا ه. وفي المغرب فقه المعنى فهمه وأفهمه غيره ا ه. واصطلاحا على ما ذكره النسفي في شرح المنار تبعا للاصوليين العلم بالاحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية بالاستدلال أطلقوا العلم على الفقه مع كونه ظنيا لان أدلته ظنية لانه لما كان ظن المجتهد الذي يجب عليه وعلى مقلديه العمل بمقتضاه كان لقوته بهذا الاعتبار قريبا من العلم فعبر به عنه تجوزا وتعقب بأن فيه ارتكاب مجاز دون قرينة فالاولى ما في التحرير من ذكر التصديق الشامل للعلم والاحكام جمع محلي باللام فإما أن يحمل على
[ 12 ]
الاستغراق أو على الجنس المتناول للكل والبعض الذي أقله ثلاثة منها لا بعينه ذكره السيد في حاشية العضد. وفيه أن المراد بالاحكام المجموع، ومعنى العلم بها التهيؤ لذلك ورده في التوضيح بأن التهيؤ البعيد حاصل لغير الفقه والقريب غير مضبوط إذ لا يعرف أي قدر من الاستعداد يقال له التهيؤ القريب وأجاب عنه في التلويح بأنه مضبوط لانه ملكة يقتدر بها على إدراك جزيئات الاحكام وإطلاق العلم عليها شائع. وفي التحرير والمراد بالملكة أدنى ما تحقق به الاهلية وهو مضبوط ا ه. واختلف في المراد من الحكم هنا، فاختار السيد في حاشيته أنه التصديق ورده في التلويح بأنه علم لانه إدراك أن النسبة واقعة أو ليست بواقعة فيقتضي أن الفقه علم بالعلوم الشرعية وليس كذلك بل المراد به النسبة التامة بين الامرين التي العلم بها تصديق ويغيرها تصور اه. ويمكن الجواب بأن مراده من التصديق القضية صرح المولى سعد في حاشية العضد بأنه كما يطلق على الادراك يطلق على القضية. والمحققون على أنه لا يراد بالحكم هنا خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرا لانه يكون ذكر الشرعية والعملية تكرارا.
[ 13 ]
وخرج بقيد الاحكام العلم بالذوات والصفات والافعال وخرج بقيد الشرعية الاحكام الماأخوذة من العقل كالعلم بأن حادث أو من الحس كالعلم بأن النار محرقة أو من الوضع والاصطلاح كالعلم بأن الفاعل مرفوع. وكذا في التلويح. وظاهره أن الحكم في مثل قولنا النار محرقة ليس عقليا ويمكن أن يجعل من العقلي بناء على أن الادراك في الحواس إنما هو للعقل بواسطة الحواس. وخرج بقيد العملية الاحكام الشرعية الاعتقادية ككون الاجماع حجة والايمان واجبا، ولذا لم يكن العلم بوجوب الصلاة والصوم ونحو ذلك مما اشتهر كونه من الدين بالضرورة فقها اصطلاحا، وأورد عليه أنه إن أريد بالعمل عمل الجوارح فالتعريف غير جامع إذ يخرج عنه العلم بوجوب النية ئتحريم الرياء والحسد ونحو ذلك وإن أريد به ما يعم عمل القلب وعمل الجوارح فالتعريف غير مانع إذ يدخل فيه جميع الاعتقادات التي هي أصول الدين وأجسب عنه باختيار الشق الثاني ولا يدخل الاعتقادات إذ المراد بالعملية المتعلقة بكيفية عمل فالتعلق في النية ونحوها بكيفية عمل قلبي، والتعلق في الاعتقادات بحصول العلم وتحقيق الفرق بين فعل القلب كقصده إلى الشئ أو تمنيه حصول
[ 14 ]
الشئ وزواله وبين التصديق القائم بالقلب الذي هو تجل وانكشاف يحصل عقب قيام الدليل لا فعل للنفس هو أن القصد نوع من الارادة والتصديق نوع من العلم والوجدان كاف في الفرق نعم يعتبر في الايمان مع التصديق الذي هو التجلي والانكشاف إذعان واستسلام بالقلب لقبول الاوامر والنواهي فتسمية التصديق الذي هو الاعتقاد فعلا بهذا الاعتبار وقد عدل بعضهم عن ذكر العملية إلى الفرعية فلم يتوجه الايراد أصلا. وقوله من أدلتها متعلق بالعلم أي العلم الحاصل من الادلة وبه خرج علم المقلد وليسس متعلقا بالاحكام إذا لو تعلق بها لم يخرج علم المقلد لانه علم بالاحكام الحاصلة من أدلتها التفصيلية وإن لم يكن علم المقلد حاصلا عن الادلة. ومعنى حصول العلم من الدليل أنه ينظر في الدليل الحكم لكنه لم
فعلم المقلد وإن كان مستندا إلى قول المجتهد المستند إلى علمه المستند إلى دليل الحكم لكنه لم يحصل من النظر في الدليل. كذا في التلويح وبه اندفع ما ذكره الكمال بن أبي شريف من أن
[ 15 ]
قوله من أدلتها للبيان لا للاحتراز إذ لا اكتساب إلا من دليل ا ه. واختلف في قيد التفصيلية فذكر جماعة منهم المحقق في التلويح أنه للاحتراز عن علم الخلافي لان العلم بوجوب الشئ لوجود المقتضى أو بعدم وجوبه لوجود النافي ليس من الفقه، وغلطهم المحقق في التحرير بقوله: وقولهم التفصيلية تصريح بلازم وإخراج الخلاف به غلط، ووضحه الكمال بأن قولهم إنما قولهم إنما يصح إذا قلنا إن الخلافي يستفيد علما بثبوت الوجوب أو انتفائه من مجرد تسليمه من الفقه وجود المقتضى أو النافي إجمالا وأنه يمكنه بمجرد ذلك حفظه عن إبطال الخصم والحق أنه لا يستفيد علما ولا يمكنه الحفظ المذكور حتى يتعين المقتى أو أنه ليس إخراجا لعلم الخلافي فهو تصريح بلازم اه. واختلف أيضا في قيد الاستدلال فذهب ابن الحاجب إلى أنه للاحتراز عن العلم الحاصل بالضرورة كعلم جبريل والرسول صلى الله عليه وسلم فإنه لا يسمى فقها اصطلاحا وحقق في التلويح بأنه لا حاجة إليه فإن حصول العلم عن الدليل مشعر بالاستدلال إذ لا معنى لذلك إلا أن يكون العلم مأخوذا من الدليل فخرج ما كان بالضرورة بقوله من أدلتها فهو للتصريح بما علم التزاما أو لدفع الوهم أو للبيان دون الاحتراز ومثله شائع في التعريفا اه. ولم يذكر علم الله تعالى لانه لا يوصف بضرورة ولا استدلال فلو قال إنه للاحتراز عن العلم الذي لم يحصل بالاستدلال لكان مخرجا لعلم الله تعالى أيضا. واختلف في علم النبي عليه الصلاة والسلام الحاصل عن اجتهاد هل يسمى فقها؟ والظاهر أنه باعتبار أنه دليل شرعي للحكم لا يسمى فقها، وباعتبار حصوله عن دليل شرعي يصح أن يسمى فقها اصطلاحا. وبما قررناه ظهر أن الاولى الاقتصار على الفقه العلم بالاحكام الشرعية
[ 16 ]
الفرعية عن أدلتها ويصح تعريفه بنفس الاحكام المذكور لما ذكره السيد في حواشيه أن أسماء العلوم كالاصول والفقه والنحو يطلق كل منها تارة بإزاء معلومات مخصوصة كقولنا زيد يعلم النحو أي يعلم تلك المعلومات المعينة، وتارة يإزاء إدراك تلك المعلمات وهكذا في التحرير وعرفه في التقويم يأنه اسم لضرب علم أصيب باستنباط المعنى وضد الفقيه صاحب الظاهر وهو الذي يعمل بظاهر النصوص من غير تأمل في معانيها ولا يرى القياس حجة ا ه. وظاهره أن ماكان من الاحكام له دليل صريح ليس من الفقه لانه لم يصب بالاستنباط وهو بعيد ولذا أطلقوا في قولهم من أدلتها ليشمل القياس وغيره من الدلائل الاربعة وعرفه الامتام الاعظم بأنه معرفة النفس ما لها وما عليها لكنه يتناول الاعتقاديات كوجوب الايمان والوجدانيات أي الاخلاق الباطنة والملكات النفسانية والعمليات كالصلاة والصوم والبيع فمعرفة ما لها وما عليها من الاعتقاديات علم الكلام ومعرفة ما لها وما عليها من الوجدانيات أي الاخلاق والتصوف كالزهد والبصبر والرضا وحضور القلب في الصلاة ونحو ذلك ومعرفة ما لهتا وما عليها من العمليات هي الفقه المصطلح فإن أردت بالفقه هذا المصطلح زدت عملا على قوله ما لها وما عليها وإن أردت علم ما يشتمل عل الاقسام الثلاثة لم تزد وأبو حنيفة رضي الله عنه إنما لم يزد لانه أراد الشمول أي أطلق العلم على العلم بما لها وما عليها سواء كان من الاعتقاديات أو الوجدانيات أو العمليات ومن ثم سمى الكلام فقها أكبر كذا في التوضيح وذكر العلامة خسرو أن الملكات النفسانية ليس من الفقه لاعتبار ذاتها وأما باعتبار آثارها التابعة لها من أفعال الجوارح فهي من الفقه ا ه. هذا كله معنى الفقه عند الاصوليين وأما معناه الحقيقي له عند أهل الحقيقة فما ذكره الحسن البصري كما نقله أصحاب الفنتاوى في باب الطلاق ومنهم الوالوالجي بقوله هل رأيت فقيها قط؟ إنما الفقيه المعرض عن الدنيا الزاهد في الآخرة البصير بعيوب نفسه. وأما
معناه عند الفقهاء فذكر صاحب الروض أنه لو وقف على الفقهاء فمن حصل في علم الفقه شيئا وإن قل أو المتفقهة فالمشتغل به ا ه. وفي الحاوي القدسي اعلم أن معنى الفقه في اللغة الوقوف والاطلاع وفي الشريعة والوقوف الخاص وهو الوقوف على معاني النصوص
[ 17 ]
وإشاراتها ودلالاتها ومضمراتها ومقتضياتها والفقيه اسم للواقف عليها ويسمى حافظ مسائل الفقه الثابتة بها فقيها مجازا الحفظ ما ثبت بالفقه ا ه. ثم قال ثم العلم أول ما يحصل للقلب لا يخلو عن نوع اضطراب لحكم الابتداء فإذا دامت الرؤية زال الاضطراب فصار معرفة لزيادة الصحبة ثم تتنوع هذه المعرفة نوعين معرفة الظاهر دون المعنى الباطن والباطن الذي هو الحكمة وبها يلتذ القلب إذا صار معقولا له فجرى منه مجرى الطبيعة فهذا هو الفقه ولهذا قال أبو يوسف مرضت مرضا شديدا حتى نسيت كل شئ سوى الفقه فإنه صار لي كالطبع ا ه. وقال في موضع آخر الفقه قوة تصحيح المنقول وتارجيح المعقول فالحاصل أن الفقه في الاصول علم الاحكام من دلائلها كما تقدم فليس الفقيه إلا المجتهد عندهم وإطلاقه عل المقلد الحافظ للمسائل مجاز وهو حقيقة في عرف الفقهاء بدليل انصراف الوقف والوصية للفقهاء إليهم وأقله ثلاثة أحكام في المنتقى. وذكر في التحرير أن الشائع اطلاقه على من يحفظ الفروع مطلقا يعني سواء كانت بدلائلها أو لا. وأما موضوعه ففعل المكلف من حيث إنه مكلف لانه يبحث فيه عما يعرض لفعله من حل وحرمة ووجوب وندب والمراد بالمكلف البالغ العاقل، ففعل غير المكلف ليس من موضوعه وضمان المتلفات ونفقة الزوجات إنما المخاطب بها الولي لا الضبي والمجنون كما يخاطب صاحب البهيمه بضمان ما أتلفته حيث فرط في حفضها لتنزيل فعلها في هذه الحالة بمنزلة فعله. وأما صحة عبادة الضبي كصلاته وصومه المصاب عليها فهي عقليه من باب ربط الاحكام بالاسباب ولذا لم يكن مخاطبا بها بل ليعتادها فلا يتركها بعد بلوغه إن شاء الله تعالى وقيدنا بحيثية التكليف لان فعل المكلف لا من حيث التكليف لى موضوعه كفعله
من حيث إنه مخلوق الله تعالى ولا يرد عليه الفعل المباح أو المندوب لعدم التكليف فيهما لان اعتبار حيثية التكليف أعم من أن تكون بحسب الثبوت كما في الوجوب والتحريم أو بحسب السلب كما في بقية الاحكام فإن تجويز الفعل والترك يرفع الكلفة عن العبد وفي الحاوي القدسي: وأفعال العبادة توصف بالحل والحرمة والحسن والقبح فيقال فعل حلال أو حرام أو حسن أو قبيح وأما وصف حكم الله بها كقول القائل الحلال والحرام والحسن وابلقبيح حكم الله تعالى فهو ببطريق فعل بطريق المجاز توسعا في العبارة وإطلاقا لاسم المفعلو على الفعل وهذا لان الله تعالى له فعل واحد لكنه اختلف تسمياته باعتبار الاضافة إلى وصف المفعول فإن كتان وصف المفعول كونه حادثا سمي إحداثا وإن كان حيا سمي إحياء وإن كان ميتا سمي إماته وإن كان واجبا سمي إيجابا وإن كان حلالا سمي تحليلا وإن كان حراما سمي
[ 18 ]
تحريما ونحوها وهذا بناء على مسألة التكوين والمكون أنهما غير أن عندنا ا ه. وأما استمداده فمن الاصول الاربعة الكتاب والسنة والاجماع والقياس المستنبط من هذه الثلاثة وأما شريعة من قبلنا فتابعة للكتاب، وأما أقوال الصحابة فتابعة للسنة وأما تعامل الناس فتابع للاجماع وأما التحري واستصحاب الحال فتابعان للقياس وأما غايته فالفوز بسعادة الدارين والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
[ 19 ]
كتاب الطهارة اعلم أن مدار أمور الدين متعلق بالاعتقادات والعبادات والمعاملات والمزاجر والآداب، فالاعتقادات خمسة أنواع: الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والعبادات خمسة: الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد. والمعاملات خمسة: المعاوضات المالية والمناكحات والمخاصمات والامانات والتركات. والمزاجر خمسة: مزجرة قتل النفس، ومزجرة أخذ المال، ومزجرة هتك الستر، ومزجرة هتك العرض، ومزجرة قطع البيضة.
والآداب أربعة: الاخلاق والشيم الحسنة والسياسات والمعاشرات، فالعبادات والمعاملات والمزاجر من قبيل ما نحن بصدده دون القسمين الآخرين. وقدم في سائر كتب الفقه العبادات على المعاملات والمزاجر لكونها أهم من غيرها، ثم الصلاة قدمت على غيرها لانها تالية الايمان وثابتة بالنص والخبر كقوله تعالى * (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة) * (البقرة: 3) وكحديث بني الاسلام على خمس (1). ثم قدمت الطهارة هنا على الصلاة لانها شرطها والشرط مقدم على المشروط طبعا فيقدم وضعا، وخصها بالبداءة دون سائر الشروط لانها أهم من غيرها لانها لا تسقط بعذر من الاعذار. كذا في المستصفى وغيره. وتعليلهم للاهمية بعدم
[ 20 ]
السقوط أصلا لا يخصها لان النية كذلك كما صرح به الزيلعي في آخر نكاح الرقيق، فالاولى أن يزاد بأنها من الشرائط اللازمة للصلاة في كل أوقاتها وهي من خصائص الصلاة، فتخرج النية لانه لا يشترط استصحابها لكل ركن من أركانها وليست من خصائصها بل من خصائص العبادات كلها. ثم كتاب الطهارة مركب إضافي لا بد من معرفة جزأيه ولو من وجه، فالكتاب لغة مصدر كتاب كتابة وكتبه وكتابا بمعنى الكتب وهو جمع الحروف، وسمي به المفعول للمبالغة تقول كتبت البغلة إذا جمعت بين رحمها بحلقة أو سير، وكتبت القربة إذا خرزتها كتبا. والكتبة بالضم الخرزة والجمع كتب بفتح التاء. والكتيبة الجيش المجتمع، وتكتبت الخيل أي تجمعت. وسميت الكتابة كتابة لانها جمع الحروف والكلمات وجمعه كتب بضمتين وكتب بسكون التاء ومدار التركيب على الجمع. قال في المغرب: وقولهم سمي هذا العقد مكاتبة لانه ضم حرية اليد إلى حرية الرقبة، أو لانه جمع بين نجمين فصاعدا ضعيف جدا وإنما الصحيح إن كلا منهما كتب على نفسه أمرا هذا الوفاء وهذا الآداء انتهى. وإنما كان التعليل بالجمع بين النجمين ضعيفا لانه ليس بلازم فيها لجوازها حالة، وضعف الوجه الاول ظاهر لانه بالكتابة قبل الاداء لم تحصل حرية الرقبة فلم يصح الجمع بهذا المعنى. وفي الاصطلاح جمع المسائل المستقلة، فخرج جمع الحروف والكلمات التي ليست
بمسائل، وخرج الباب والفصل لعدم استقلالهما لدخولهما تحت كتاب، وشمل ما كان نوعا واحدا من المسائل ككتاب اللقطة، أو أنواعا ككتاب البيوع. ولا حاجة إلى أن يقال اعتبرت مستقلة ليدخل ما كان تبعا لغيره ولم يكن مستقلا بل اعتبر مستقلا ككتاب الطهارة كما في العناية لان المراد بالاستقلال عدم توقف تصور المسائل على شئ قبلها ولا شئ بعدها. وكتاب الطهارة كذلك لا الاصالة، وعدم التبعية والتقييد بالمسائل الفقهية كما في العناية لخصوص المقام لا أنه قيد احترازي، وما في السراج الوهاج من أنه في الشرع للشمل والاحاطة فغير صحيح إذ ليس هو هنا وضعا شرعيا وإنما هو وضع عرفي إلا أن يراد أنه في
[ 21 ]
عرف أهل الشرع وهو بعيد، ويبعده أيضا أن ظاهره أنه لا يكون كتابا إلا إذا أحاط بمسائل ما أضيف إليه وشملها والواقع خلافه، فالظاهر ما ذكرناه، والطهارة بفتح الطاء الفعل لغة وهي النظافة، وبكسرها الآلة، وبضمها فضل ما يتطهر به، واصطلاحا زوال الحدث أو الخبث، والحدث مانعية شرعية قائمة بالاعضاء إلى غاية استعمال المزيل وهو طبعي كالماء، وشرعي كالتراب، والخبث عين مستقذرة شرعا وكلمة أو في الحد ليست لمنع الجمع فلا يفسد بها الحد. وقول بعضهم إنها إزالة الحدث أو الخبث غير جامع لخروج الزوال بدون الازالة كما إذا وقع المطر على أعضاء الوضوء من غير قصد فإنه طهارة وليس بإزالة لعدم الصنع منه، ولا يرد الوضوء على الوضوء فإنه طهارة بدون الزوال المذكور باعتبار إزالة الآثام الحاصلة لان تسميته طهارة مجاز والتعريف للحقيقة. وعرفها في السراج الوهاج بما يدخله فقال: إيصال مطهر إلى محل يجب تطهيره أو يندب، ولو عبر بالوصول لكان أولى لما ذكرنا في الازالة مع ما فيه من لزوم الدور وهو توقف مطهر على الطهارة وهي عليه لانه بعض التعريف. وفي البدائع ما يفيد أن تعرفها بالزوال المذكور توسع ومجاز فقال: الطهارة لغة وشرعا هي النظافة، والتطهير التنظيف وهو إثبات النظافة في المحل فإنها صفة تحدث ساعة فساعة، وإنما يمتنع حدوثها بوجود ضدها وهو القذر فإذا أزال القذر أي امتنع حدوثه بإزالة
العين القذرة تحدث النظافة فكان زوال القذر من باب زوال المانع من حدوث الطهارة لا أن يكون طهارة، وإنما سمي طهارة توسعا لحدوث الطهارة عند زواله. وأما سبب وجوبها فقيل الحدث والخبث ونسبه الاصوليون إلى أهل الطرد قالوا للدوران وجودا وعدما، وعزاه في السراج الوهاج إليهم. وفي الخلاصة أنه أخذ به الامام السرخسي في الاصل ويبعد صحته عنه لانه مردود بأن الدوران وجودا غير موجود لانه قد يوجد الحدث ولا يجب الوضوء قبل دخول الوقت. كذا في غاية البيان. وقد يدفع بأنه يجب به الوضوء وجوبا موسعا إلى القيام إلى الصلاة لما نقله السراج الوهاج من أنه لا يأثم بالتأخير عن الحدث بالاجماع، وهكذا في الغسل على ما نبينه فيه إن شاء الله تعالى. فحينئذ لم يتخلف الدوران، ورد أيضا بأنهما ينقضانها فكيف يوجبانها؟ ودفعه في فتح القدير وغيره بأنهما ينقضان ما كان ويوجبان ما سيكون فلا منافاة، وأجاب عنه العلامة السير امي بأن الحدث
[ 22 ]
مفض إلى الوجوب والوجوب إلى الوجود والمفضي إلى المفضي إلى الشئ مفض إلى ذلك الشئ فالحدث مفض إلى وجود الطهارة، ووجودها مفض إلى زوال الحدث فالحدث مفض إلى زوال نفسه ا ه. وفي فتح القدير: والاولى أن يقال: السببية إنما تثبت بدليل الجعل لا بمجرد التجويز وهو مفقود ا ه. وقد يدفع بأنه موجود لما رواه في الكشف الكبير عنه عليه الصلاة والسلام لا وضوء إلا عن حدث وحرف عن يدل على السببية كقوله أدوا عمن تمونون ولذا كان الرأس بوصف المؤنة والولاية سببا لوجوب صدقة الفطر. ويمكن أن يجاب عنه بأن الدليل لما دل على عدم صلاحية الحدث للسببية كان دخول عن على الحدث باعتبار أنه شبيه بالسبب بالنظر إلى التوقف والتكرر دليل السببية عند الصلاحية وهي منتفية فلا تدل. وقيل سببها إقامة الصلاة فهو وإن صححه في الخلاصة فقد نسبه في العناية إلى أهل الظاهر، وصرح في غاية البيان بفساده لصحة الاكتفاء بوضوء واحد لصلوات ما دام متطهرا. وقد يدفع بأن الاقامة سبب بشرط الحدث فلا يلزم ما ذكر خصوصا أنه ظاهر الآية. وقيل سببها
إرادة الصلاة وهو وإن صححه في الكشف وغيره مردود بأن مقتضاه أنه إذا أراد الصلاة ولم يتوضأ أثم ولو لم يصل، والواقع خلافه لانه لم يقل به أحد كما أشار إليه في فتح القدير. وقد يدفع بما ذكره الزيلعي في باب الظهار بأنه إذا أراد الصلاة وجبت عليه الطهارة فإذا رجع وترك التنفل سقطت الطهارة لان وجوبها لاجلها وفي العناية سببها وجوب الصلاة لا وجودها لان وجودها مشروط بها فكان متأخرا عنها والمتأخر لا يكون سببا للمتقدم ا ه. يعني الاصل أن يكون وجودها هو السبب بدليل الاضافة نحو طهارة الصلاة وهي عندهم من إمارة السببية لكن منع مانع من ذلك، وظاهره أنه بدخول الوقت تجب الطهارة لكنه وجوب موسع كوجوب الصلاة فإذا ضاق الوقت صار الوجوب فيهما مضيقا وحينئذ فلا حاجة إلى جعل سببها وجوب أداء الصلاة كما في فتح القدير، لما علمت أن أصل الوجوب كاف للسببية إلا أنه مشكل لعدم شموله سبب الطهارة للصلاة النافلة إذ لا وجوب هنا ليكون
[ 23 ]
سببا للطهارة فليس فيه إلا الارادة، فالظاهر أن السبب هو الارادة في الفرض والنفل ويسقط وجوبها بها بترك إرادة الصلاة، أو هو الارادة المستلحقة للشروع فلا يرد ما ذكر عليها. وأركانها في الحدث الاصغر غسل الاعضاء الثلاثة ومسح ربع الرأس، وفي الاكبر غسل جميع البدن، وفي النجاسة الحقيقية المرئية إزالة عينها، وفي غير المرئية غسل محلها ثلاثا والعصر في كل مرة إن كان مما ينعصر، والتجفيف في كل ما لا ينعصر. وحكمها استباحة ما لا يحل إلا بها ولم يذكروا أن من حكمها الثواب لانه ليس بلازم فيها لتوقفه على النية وهي ليست شرطا فيها، وآلتها الماء والتراب والملحق بهما، وأنواعها كثيرة ستأتي مفصلة ومحاسنها شهيرة. وأما شرائطها فذكر العلامة الحلبي في شرح منية المصلي أنه لم يطلع عليها صريحة في كلام الاصحاب وإنما تؤخذ من كلامهم وهي تنقسم إلى شروط وجوب وشروط صحة. فالاولى تسعة: الاسلام والعقل والبلوغ ووجود الحدث ووجود الماء المطلق الطهور الكافي والقدرة على استعماله وعدم الحيض وعدم النفاس وتنجيز خطاب المكلف كضيق الوقت. والثانية أربعة:
مباشرة الماء المطلق الطهور لجميع الاعضاء، وانقطاع الحيض، وانقطاع النفاس، وعدم التلبس في حالة التطهير، بما ينقضه في حق غير المعذور بذلك ا ه. والاضافة فيه بمعنى اللام كما لا يخفى وجعلها بمعنى من بعيد لان ضابطها كما في التسهيل صحة تقديرها مع صحة الاخبار عن الاول بالثاني كخاتم فضة وهو مفقود هنا إذ لا يصح أن يقال الكتاب طهارة. قوله: (فرض الوضوء غسل وجهه) قدمه على الغسل لان الحاجة إليه أكثر، ولان محله
[ 24 ]
جزء من محل الغسل أو لتقديمه عليه في القرآن، أو في تعليم جبريل للنبي عليه الصلاة والسلام. واختلف في الفرض لغة ففي الصحاح: الفرض الحز في الشئ، والفرض جنس من التمر، والفرض ما أوجبه الله، سمي بذلك لان له معالم وحدودا اه. وفي التلويح: المشهور أنه حقيقة في القطع والايجاب. وذهب الاصوليون إلى أنه حقيقة في التقدير مجاز في غيره لان اللفظ إذا دار بين الاشتراك والمجاز فالمجاز أولى. يقال فرض القاضي النفقة إذا قدرها اه. وأما في الاصطلاح ففي التحرير: الفرض ما قطع بلزومه من فرض قطع اه. وهو بمعنى قولهم ما لزم فعله بدليل قطعي. وعرفه في الكافي بما يفوت الجواز بفوته وهو يشمل كل فرض بخلاف الاول إذ يخرج عنه المقدار في مسح الرأس فإنه فرض مع أنه ثبت بظني لكنه تعريف بالحكم موجب للدور. وفي العناية: إن المفروض في مسح الرأس قطعي لان خبر الواحد إذا لحق بيانا للمجمل كان الحكم بعده مضافا إلى المجمل دون البيان والمجمل من الكتاب والكتاب دليل قطعي اه. وهو ينبني على أن الآية مجملة وسيأتي تضعيفه. والظاهر من كلامهم في الاصول والفروع أن المفروض على نوعين: قطعي وظني. هو في قوة القطعي في العمل بحيث يفوت الجواز بفوته فالمقدر في مسح الرأس من قبيل الثاني، وعند الاطلاق ينصرف إلى الاول لكماله. والفارق بين الظني القوي المثبت للفرض وبين
[ 25 ]
الظني المثبت للواجب اصطلاحا خصوص المقام. وليس إكفار جاحد الفرض لازما له وإنما
هو حكم الفرض القطعي المعلوم من الدين بالضرورة، وذكر في العناية: لا نسلم انتفاء اللازم في مقدار المسح لان الجاحد من لا يكون مؤولا وموجب الاقل أو الاستيعاب مؤول يعتمد شبهة قوية وقوة الشبهة تمنع التكفير من الجانبين، ألا ترى أن أهل البدع لم يكفروا بما منعوا مما دل عليه الدليل القطعي في نظر أهل السنة لتأويلهم اه. وأما غسل المرافق والكعبين ففرضيته بالاجماع كما سنحققه، وكذا القعدة الاخيرة لا بفعله في الاول وخبر الواحد في الثاني، ولا بما قيل في الغاية كما قد يتوهم. وذكر في النهاية أنه يجوز أن يكون الفرض في مقدار المسح بمعنى الواجب لالتقائهما في معنى اللزوم، وتعقب بأنه مخالف لما اتفق عليه الاصحاب إذ لا واجب في الوضوء، وقد يدفع بأن الذي وقع الاتفاق عليه هو الواجب الذي لا يفوت الجواز بفوته فلا مخالفة بل يحصل بتركه النقصان، والكلام هنا في الواجب الذي يفوت الجواز بفوته فلا مخالفة. والفرض بمعنى المفروض والاضافة فيه بيانية إذ الفرض قد يكون من غيره، والوضوء مأخوذ من الوضاءة وهي النظافة والحسن وقد وضؤ يوضؤ وضاءة فهو وضئ. كذا في طلبة الطلبة. وفي المغرب: إنه بالضم المصدر وبالفتح الماء الذي يتوضأ به اه. وفي الاصطلاح الشرعي: غسل الاعضاء الثلاثة ومسح ربع الرأس. والغسل بفتح الغين إزالة الوسخ عن الشئ ونحوه بإجراء الماء عليه لغة، وبالضم اسم من الاغتسال وهو تمام غسل الجسد واسم للماء الذي يغتسل به، وبالكسر ما يغسل به الرأس من خطمي وغيره. واختلف في معناه الشرعي فقال أبو حنيفة ومحمد: هو الاسالة مع التقاطر ولو قطرة حتى لو لم يسل الماء بأن استعمله استعمال الدهن لم يجز في ظاهر الرواية، وكذا لو توضأ
[ 26 ]
بالثلج ولم يقطر منه شئ لم يجز. وعن خلف بن أيوب أنه قال: ينبغي للمتوضئ في الشتاء أن يبل أعضاءه بالماء شبه الدهن ثم يسيل الماء عليها لان الماء يتجافى عن الاعضاء في الشتاء. كذا في البدائع. وعن أبي يوسف: هو مجرد بل المحل بالماء سال أو لم يسل، ثم على القولين الدلك ليس من مفهومه وإنما هو مندوب. وذكر في الخلاصة أنه سنة وحده إمرار اليد على
الاعضاء المغسولة. والضمير في وجهه عائد إلى المتوضئ المستفاد من الوضوء. قوله: (وهو من قصاص الشعر إلى أسفل الذقن وإلى شحمتي الاذن) أي الوجه وقصاص الشعر مقطعه ومنتهى منبته من مقدم الرأس أو حواليه، وهو مثلث القاف والضم أعلاها. وفي الصحاح: ذقن الانسان مجتمع لحييه اه. واللحي منبت اللحية من الانسان وغيره والنسبة إليه لحوى وهما لحيان وثلاثة ألح على أفعل إلا أنهم كسروا الحاء لتسلم الياء والكثير لحى على فعول. وفي المغرب: اللحى العظم الذي عليه الاسنان اه. وهذا الحد للوجه مروي في غير رواية الاصول ولم يذكر حده في ظاهر الرواية. قال في البدائع: وهذا تحديد صحيح لانه تحديد الشئ بما ينبئ عنه اللفظ لغة لان الوجه اسم لما يواجه به الانسان أو ما يواجه إليه في العادة والمواجهة تقع بهذا المحدود فوجب غسله قبل نبات الشعر، فإذا نبت الشعر يسقط غسل ما تحته عند عامة العلماء كثيفا كان الشعر أو خفيفا لان ما تحته خرج أن يكون وجها لانه لا يواجه إليه، وكذلك لا يجب إيصال الماء إلى ما تحت شعر الحاجبين والشارب اه. والمراد بالخفيفة التي لا ترى بشرتها، أما التي ترى بشرتها فإنه يجب إيصال الماء
[ 27 ]
إلى ما تحتها. كذا في فتح القدير. وعلى هذا ينبغي أن يحمل قول من قال أنه يجب إيصال الماء إلى ما تحت شعر الشارب على ما إذا كان بحيث يبدو منابت الشعر، وقد جعله في التجنيس من الآداب، وصرح الولوالجي في باب الكراهية على أن المفتى به أنه لا يجب إيصال الماء إلى ما تحته كالحاجبين. وأما الشفة فقيل تبع للفم. وقال أبو جعفر: ما انكتم عند انضمامه فهو تبع له وما ظهر فللوجه وصححه في الخلاصة. وذكر في المجتبى: لا تغسل العين بالماء ولا بأس بغسل الوجه مغمضا عينيه. وقال الفقيه أحمد بن ابراهيم: إن غمض عينيه شديدا لا يجوز ولو رمدت عينه فرمصت يجب إيصال الماء تحت الرمص إن بقي خارجا بتغميض العين وإلا فلا. وفي المغرب: الرمص ما جمد من الوسخ في الموق والموق مؤخر العين والماق مقدمها اه. وفي المجتبى: ولا يدخل في حد الوجه النزعتان وهو ما انحسر من الشعر من جانبي الجبهة إلى
الرأس لانه من الرأس اه. والنزعة بالفتح وأفاد المصنف أن البياض الذي بين العذار والاذن من الوجه فيجب غسله وهو ظاهر المذهب كما ذكره الحلواني وهو الصحيح وعليه أكثر مشايخنا كما ذكره الطحاوي وهو الصحيح من المذهب كما ذكره السرخسي. وعن أبي يوسف عدمه كذا في البدائع، وظاهره أن مذهبه بخلافه. وفي تبيين الحقائق أن قوله من قصاص الشعر خرج مخرج الغالب وإلا فحد الوجه في الطول من مبدأ سطح الجبهة إلى منتهى اللحيين، كان عليه شعر أو لم يكن اه. لانه يرد عليه الاغم والاصلع لان الاغم الذي على جبهته شعر لا يكفي غسله من قصاص شعره، والاصلع الذي انحسر شعره إلى وسط رأسه لا يجب عليه أن يغسله من قصاص شعره على الاصح كما في الخلاصه. وصرح في المجتبى بالخلاف فيه فقيل إن قل فمن الوجه، وإن كثر فمن الرأس، والصحيح أنه من الرأس حتى جاز المسح عليه، وفي المغرب: عذار اللحية جانباها وشحمة الاذن مالان منها. قوله: (ويديه بمرفقيه) أي مع مرفقيه فالباء للمصاحبة بمعنى مع نحو اهبط بسلام أي معه. والفرق بين استعمالها بمعنى مع وبين مع أن مع لابتداء المصاحبة والباء لاستدامتها. كذا ذكره ابن الملك في بحث القياس. والمرفق بكسر الميم وفتح الفاء وفيه العكس اسم لملتقي العظمين، عظم العضد وعظم الذراع. وأشار المصنف إلى أن إلى في الآية بمعنى مع وهو مردود لانهم قالوا: إن اليد من رؤوس الاصابع للمنكب، فإذا كانت إلى بمعنى
[ 28 ]
مع وجب الغسل إلى المنكب لانه كاغسل القميص وكمه، وغايته أنه كإفراد فرد من العام إذ هو تنصيص على بعض متعلق الحكم بتعليق عين ذلك الحكم وذلك لا يخرج غيره ولو أخرج كان بمفهوم اللقب وهو ليس بحجة، وما في المحيط من أنه لما كان المرفق ملتقى العظمين ولا يمكن التمييز بينهما فلما وجب غسل الذراع ولا يمكن تحديده وجب غسل المرفق احتياطا مردود، لانه لم يتعلق الامر بغسل الذراع ليجب غسل ما لازمه وإنما تعلق الامر بغسل اليد إلى المرفق وما بعد إلى لما لم يدخل لم يدخل جزاهما الملتقيان. وما في البدائع من أنه لما احتمل
الدخول واحتمل الخروج صار مجملا وفعله عليه السلام بيان للمجمل، مردود بأن عدم دلالة اللفظ لا يوجب الاجمال والاصل براءة الذمة، وإنما يوجب الدلالة المشتبهة فبقي مجرد فعله دليل السنة. وما في غاية البيان من أنها قد تدخل وقد لا تدخل فتدخل احتياطا مردود، لان الحكم إذا توقف على الدليل لا يجب مع عدمه والاحتياط العمل بأقوى الدليلين وهو فرع تجاذ بهما وهو منتف. وما في الهداية وغيرها من أنه غاية لمقدر وتقديره اغسلوا أيديكم مسقطين إلى المرافق مردود، لان الظاهر تعلقه باغسلوا وتعلقه بمقدر خلاف الظاهر بلا ملجئ مع أن المقصود منه الاسقاط وهو لا يوجبه عما فوق المرفق بل عما قبله باللفظ، إذ يحتمل أسقطوا من المنكب إلى المرفق أو من رؤوس الاصابع إلى المرفق فلم يتعين الاول كما لا يخفى. وفرقهم بين غاية الاسقاط وبين غاية المد بأن صدر الكلام إن كان متناولا لما بعد إلى فهي للاسقاط كمسئلتنا، وإلا فهي للمد نحو * (أتموا الصيام إلى الليل) * (البقرة: 187) ليس بمطرد لانتقاضه
[ 29 ]
بالغاية في اليمين، فإن ظاهر الرواية عدم الدخول كما إذا حلف لا يكلمه إلى عشرة أيام لا يدخل العاشر مع تناول الصدر له كما في جامع الفصولين، وكذلك رأس السمكة في قوله والله لا آكل السمكة إلى رأسها فإنها لا تدخل مع التناول المذكور. وما ذكره المحققون - ومنهم الزمخشري والتفتازاني - من أن إلى تفيد معنى الغاية مطلقا فأما دخولها في الحكم وخروجها عنه فأمر يدور مع الدليل، فما فيه دليل الخروج قوله تعالى * (فنظرة إلى ميسرة) * ومما فيه دليل الدخول آية الاسراء للعلم بأنه لا يسرى به إلى المسجد الاقصى من غير أن يدخله، وما نحن فيه لا دليل فيه على أحد الامرين فقالوا بدخولهما احتياطا إذ لم يرو عنه قط صلى الله عليه وسلم ترك غسلهما فلا يفيد الافتراض لان الفعل لا يفيده وتقدم منع الاحتياط. والحق أن شيئا مما ذكروه لا يدل على الافتراض فالاولى الاستدلال بالاجماع على فرضيتهما. قال الامام الشافعي رضي الله عنه في الام: لا نعلم مخالفا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء. وهذا منه حكاية للاجماع. قال في فتح الباري بعد نقله عنه: فعلى هذا فزفر محجوج بالاجماع
قبله، وكذا من قال ذلك من أهل الظاهر بعده، ولم يثبت ذلك عن مالك صريحا وإنما حكى عنه أشهب كلاما محتملا. وحكم الكعبين كالمرفقين. وإذا كان في أظفاره درن أو طين أو عجين أو المرأة تضع الحناء جاز في القروي والمدني وهو صحيح وعليه الفتوى. ولو لصق بأصل ظفره طين يابس وبقي قدر رأس إبرة من موضع الغسل لم يجز، وإذا كان في أصبعه خاتم إن كان ضيقا فالمختار أنه يجب نزعه أو تحريكه بحيث يصل الماء إلى ما تحته. ولو قطعت يده أو رجله فلم يبق من المرفق والكعب شئ سقط الغسل ولو بقي وجب، ولو طالت أظفاره حتى خرجت عن رؤوس الاصابع وجب غسلها بلا خلاف. ولو خلق له يدان على المنكب فالتامة هي الاصلية يجب غسلها والاخرى زائدة، فما حاذى منها محل الفرض وجب غسله، وما لا
[ 30 ]
فلا يجب بل يندب غسله، وكذا يجب غسل ما كان مركبا على اليد من الاصبع الزائدة والكف الزائدة والسلعة، وكذا يجب إيصال الماء إلى ما بين الاصابع إذا لم تكن ملتحمة. قوله: (ورجليه بكعبيه) أي مع كعبيه كما تقدم. والكعبان هما العظمان الناشزان من جانبي القدم أي المرتفعان. كذا في المغرب وصححه في الهداية وغيرها. وروى هشام عن محمد أنه في ظهر القدم عند معقد الشراك قالوا: هو سهو من هشام لان محمدا إنما قال ذلك في المحرم إذا لم يجد النعلين حيث يقطع خفيه أسفل من الكعبين وأشار محمد بيده إلى موضع القطع فنقله هشام إلى الطهارة. ويرد على هشام من جهة المعنى أيضا بأن ما يوجد من خلق الانسان فإن تثنيته بعبارة الجمع كقوله تعالى * (فقد صغت قلوبكما) * (التحريم: 4) أي قلبا كما، وما كان اثنين من خلقه فتثنيته بلفظها، ولو كان كما زعمه هشام لقيل الكعاب كالمرافق. كذا في المبسوط وغيره. وقد يقال أنه غير متعين لجواز أن يعتبر الكعبان بالنسبة إلى ما للمرء من جنس الرجل وهو اثنان لا بالنظر إلى كل رجل وحدها، فالاولى الرد عليه من اللغة والسنة، أما اللغة فقد صرح في الصحاح بأنه العظم الناشز كما ذكرناه قال: وأنكر الاصمعي قول الناس أنه في ظهر القدم اه. قالوا: الكعب في كلام العرب مأخوذ من العلو
ومنه سميت الكعبة لارتفاعها. وأما السنة فما رواه أبو داود مرفوعا والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم. قال: فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه وركبته بركبة صاحبه وكعبه بكعبه. وما وقع في الشروح من أنه كان ينبغي غسل يد واحدة ورجل واحدة لان مقابلة الجمع بالجمع تقتضي انقسام الآحاد على الآحاد، والجواب بأن وجوب واحدة بالعبارة والاخرى بالدلالة طائل تحته بعد انعقاد الاجماع القطعي على افتراضهما بحيث صار معلوما من الدين بالضرورة، ومن البحث في إلى وفي القراءتين في الارجل فإن الاجماع انعقد على غسلهما، ولا اعتبار بخلاف الروافض فلذا تركنا ما قرروه هنا، والزائد على الرجلين كالزائد على اليدين كما صرح به في المجتبى، ولو قال ورجليه بكعبيه أو مسح على خفيه لكان أولى. قوله: (ومسح ربع رأسه) هو في اللغة إمرار اليد على الشئ، واصطلاحا إصابة اليد المبتلة العضو ولو ببلل باق بعد غسل لا بعد مسح. والآلة لم تقصد إلا للايصال إلى المحل فإذا
[ 31 ]
أصابه من المطر قدر الفرض أجزأه، ولو مسح ببلل في يده أخذه من عضو آخر لم يجز مطلقا. وفي مقدار الفرض روايات أصحها رواية ودراية ما في المختصر، أما الاول فلاتفاق المتون عليها ولنقل المتقدمين لها كأبي الحسن الكرخي وأبي جعفر الطحاوي ورواية الناصية غيرها لان الناصية أقل من ربع الرأس. وأما الدراية فاختلف في توجيهها، ففي الهداية أن الكتاب مجمل وأن حديث المغيرة من مسحه عليه السلام بناصيته التحق بيانا له وهو مردود بأوجه: الوجه الاول أنه لا إجمال فيها لانه إن لم يكن في مثله عرف يصحح إرادة البعض أفاد مسح مسماه وهو الكل أو كان أفاد بعضا مطلقا ويحصل في ضمن الاستيعاب وغيره فلا إجمال. كذا في التحرير. وما في البدائع من تقرير الاجمال بأنها احتملت الباء للصلة والالصاق والتبعيض ولا دليل على تعيين بعضها، مدفوع بأن معناها عند المحققين الالصاق لانه المعنى المجمع عليه بخلاف غيره فإنه لم يثبته المحققون، فإن التبعيض ليس معنى أصليا
بل يحصل في ضمن الالصاق. كذا في فتح القدير. وقال في التحرير: واعلم أن طائفة من المتأخرين ادعوا التبعيض في نحو شربن بماء البحر وابن جني يقول في سر الصناعة: لا نعرفه لاصحابنا. والحاصل أنه ضعيف للخلاف القوي ولان الالصاق المجمع عليه لها ممكن فيثبت التبعيض اتفاقيا لعدم استيعاب الملصق لا مدلولا اه. الثاني أن الباء المتنازع فيها موجودة في حديث المغيرة فهي مجملة على ما ادعوه، فكيف تبين المجمل فيعود النزاع في الحديث أيضا. الثالث إن جعل حديث المغيرة مبينا للآية موقوف على إثبات أن هذا الوضوء أول وضوئه عليه السلام بعد نزول الآية لانه لو لم يكن كذلك لزم تأخير البيان عن وقت
[ 32 ]
الحاجة وهو غير جائز اتفاقا ولم يثبت ذلك، وإذ لو ثبت لنقل، ولئن كان كذلك فلا ينتفي التأخير بالنسبة إلى الذين لم يحضروا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا الظاهر أن جميع المسلمين لم يكونوا حضورا في تلك السباطة وإلا لنقل لانها حادثة تعم بها البلوى فعلم به أنه لا إجمال في الآية. الرابع أن الناصية ليست قدر الربع بدليل أن صاحب البدائع وغيره نقلوا عن أبي حنيفة روايتين في رواية المفروض مقدار الناصية وفي رواية الربع وذكر الاسبيجاني رواية مقدار الناصية ثم قال: هذا إذا كانت الناصية تبلغ ربع الرأس، وإذا كانت الناصية لا تبلغ الربع لا يجوز، فدل على تغايرهما. وفي ضياء الحلوم: الناصية مقدم الرأس. وفي شرح الارشاد: الناصية ما بين النزعتين من الشعر وهي دون الربع. واختار المحققون كصدر الشريعة وابن الساعاتي في البديع وابن الهمام أن الباء للالصاق والفعل الذي هو المسح قد تعدى إلى الآلة وهي اليد لان الباء إذا دخلت في الآلة تعدى الفعل إلى كل الممسوح كمسحت رأس اليتيم بيدي، أو على المحل تعدى الفعل إلى الآلة، والتقدير وامسحوا أيديكم برؤوسكم فيقتضي استيعاب اليد دون الرأس واستيعابها ملصقة بالرأس لا تستغرق غالبا سوى ربعه فتعين مرادا من الآية وهو المطلوب، والاستيعاب في التيمم لم يكن بالآية بل بالسنة كما صرح به في البدائع وغيره. وأما رواية ثلاث أصابع بقدر ذكر في البدائع أنها رواية
الاصول، وفي غاية البيان أنها ظاهر الرواية، وفي معراج الدراية أنها ظاهر المذهب واختيار عامة المحققين من أصحابنا وصححها في شرح القدوري. وقال في الظهيرية: وعليها الفتوى، ووجهوها بأن الواجب الصاق اليد والاصابع أصلها والثلاث أكثرها وللاكثر حكم الكل ومع ذلك فهي غير المنصور رواية ودراية، أما الاول فلنقل المتقدمين رواية الربع كما ذكرناه، وأما الثاني فلان المقدمة الاخيرة في حيز المنع لانه من قبيل للقدر الشرعي بواسطة تعدى الفعل إلى تمام اليد فإنه به يتقدر قدرها من الرأس وفيه يعتبر عين قدر. كذا في فتح القدير وعزاها في النهاية إلى محمد وعزا رواية الربع إليهما وهو الحق. ولو وضع ثلاث أصابع ولم يمدها جاز على رواية الثلاث الربع، ولو مسح بثلاث أصابع منصوبة غير موضوعة
[ 33 ]
لم يجز. وينبغي أن يكون اتفاقا ولو مدها حتى بلغ القدر المفروض لم يجز عند أصحابنا خلافا لزفر، وكذا بأصبع أو أصبعين. ولو مسح بأصبع واحدة ثلاث مرات وأعادها إلى الماء في كل مرة جاز في رواية محمد، أما عندهما فلا يجوز. ولو مسح بأطراف أصابعه والماء متقاطر جاز وإن لم يكن متقاطرا لا يجوز لان الماء إذا كان متقاطرا فالماء ينزل من أصابعه إلى أطرافها، فإذا مده صار كأنه أخذ ماء جديدا كذا في المحيط. وذكر في الخلاصة: ولو مسح بأطراف أصابعه يجوز، سواء كان الماء متقاطرا أو لا وهو الصحيح. وفي البدائع: ولو مسح بأصبع واحدة بطنها وبظهرها وبجانبها لم يذكر في ظاهر الرواية واختلف المشايخ، قال بعضهم: لا يجوز. وقال بعضهم: يجوز وهو الصحيح لان ذلك في معنى المسح بثلاث أصابع اه. ولا يخفى أنه لا يجوز على المذهب من اعتبار الربع، وأما ما في شرح المجمع لابن الملك من أنه لا يجوز اتفاقا في الاصح ففيه نظر، نعم صرح بالتصحيح من غير ذكر الاتفاق شمس الائمة السرخسي ثم صاحب الخلاصة ومنية المفتي. ولو أدخل رأسه الاناء أو خفه أو جبيرته وهو محدث قال أبو يوسف: يجزئه ولا يصير الماء مستعملا، سواء نوى أو لم ينو. وقال محمد: إن لم ينو يجزئه ولا يصير مستعملا. وإن نوى المسح اختلف المشايخ على قوله، قال
بعضهم لا يجزئه ويصير الماء مستعملا، والصحيح أنه يجوز ولا يصير الماء مستعملا. كذا في البدائع. فعلم بهذا أن ما في المجمع من الخلاف في هذه المسألة على غير الصحيح بل الصحيح أن لا خلاف، وعلم أيضا أنه لا فرق بين الرأس والخف والجبيرة خلافا لما ذكره ابن الملك. ومحل المسح على الشعر الذي فوق الاذنين لا ما تحتهما كذا في الخلاصة، والمسح على شعر الرأس ليس بدلا عن المسح على البشرة لانه يجوز مع القدرة على المسح على البشرة ولو كان بدلا لم يجز اه. قوله: (ولحيته) بالجر عطف على رأسه يعني وربع لحيته. وإنما عيناه لما صرح به
[ 34 ]
المصنف في الكافي وإن جاز فيه وجه آخر وهو العطف على الربع ليفيد مسح الجميع. وهنا روايات في المفروض في اللحية مع الاتفاق على عدم جوب وإيصال الماء إلى ما تحت اللحية من بشرة الوجه: فروي مسح ربعها واختاره المصنف وعبر عنه في الكافي بقوله ولنا وروي مسح كلها، وروي مسح ما يلاقي البشرة وصححه قاضي خان في شرح الجامع الصغير وتبعه في المجمع، وروي مسح الثلث، وروي عدم وجوب شئ، والصحيح وجوب غسلها بمعنى افتراضه كما صرح به في السراج الوهاج وعليه الفتوى كما في الظهيرية. وفي البدائع أن ما عدا هذه الرواية مرجوع عنه، والعجب من أصحاب المتون في ذكر المرجوع عنه وترك المرجوع إليه المصحح المفتى به مع دخولها في حد الوجه المتقدم كما ذكره في فتح القدير. وهذا كله في الكثة، أما الخفيفة التي ترى بشرتها فيجب إيصال الماء إلى ما تحتها، وهذا كله في غير المسترسل، وأما المسترسل فلا يجب غسله ولا مسحه لكن ذكر في منية المصلي أنه سنة. ولو أمر الماء على شعر الذقن ثم حلقه لا يجب عليه غسل الذقن كالرأس. وظاهر كلامهم أن المراد باللحية الشعر النابت على الخدين من عذار وعارض والذقن. وفي شرح الارشاد: اللحية الشعر النابت بمجتمع اللحيين، والعارض ما بينهما وبين العذار وهو القدر المحاذي للاذن يتصل من الاعلى بالصدغ ومن الاسفل بالعارض. ولما فرغ المصنف من
فرائض الوضوء شرع في بيان سننه إشارة إلى أن الوضوء لا واجب فيه لما أن ثبوت الحكم بقدر دليله والدليل المثبت له هو ما كان ظني الثبوت قطعي الدلالة وما كان بمنزلته كأخبار الآحاد التي مفهومها قطعي الدلالة ولم يوجد في الوضوء، ولا ينافيه ما في الخلاصة من أن الوضوء ثلاثة أنواع: فرض وهو الوضوء لصلاة الفريضة وصلاة الجنازة وسجدة التلاوة، وواجب وهو الوضوء للطواف بالبيت، ومندوب وهو الوضوء للنوم وعن الغيبة والكذب
[ 35 ]
وإنشاد الشعر ومن القهقهة والوضوء على الوضوء لغسل الميت اه. لان هذا حكم على نفس الوضوء بأنه واجب لا أن فيه واجبا. وظاهر تقييده بصلاة الفريضة أن الوضوء للنافلة ليس بفرض وإن كان شرطا، والظاهر أنه فرض عند إرادتها الجازمة كما سبق تقريره في بيان السبب، ومراده من الوضوء للنوم الوضوء عند إرادة النوم فإنه مستحب، وأما الوضوء من النوم الناقض ففرض. قوله: (وسنته) أي الوضوء. هي لغة الطريقة المعتادة ولو سيئة، واصطلاحا الطريقة المسلوكة في الدين. كذا في العناية وفيه نظر لشموله الفرض والواجب فزاد في الكشف من غير افتراض ولا وجوب وفيه نظر لشموله المستحب والمندوب، فالاولى أن يقال: هي الطريقة المسلوكة في الدين من غير لزوم على سبيل المواظبة ليخرج غير المحدود. وما في غاية
[ 36 ]
البيان من أنها ما في فعله ثواب وفي تركه عتاب لا عقاب فهو تعريف بالحكم، وما في شرح النقاية من أنها ما ثبت بقوله أو فعله وليس بواجب ولا مستحب ففيه نظر لشموله المباح، وما في فتح القدير وغيره من أنها ما واظب النبي صلى الله عليه وسلم عليه مع الترك أحيانا فمنتقض بالفرض فإن القيام في الصلاة مثلا حصلت المواظبة عليه مع الترك أحيانا لعذر المرض، فلذا زاد في التحرير أن يكون الترك أحيانا بلا عذر ليلزم كونه بلا وجوب، وظاهره أن المواظبة بلا ترك أصلا لا تفيد السنية بل الوجوب، وظاهر الهداية يخالفه فإنه في الاستدلال على سنية
المضمضة والاستنشاق. قال. لانه عليه السلام فعلهما على المواظبة، وكذا استدلالهم على سنية الاعتكاف في العشر الاخير من رمضان بأنه عليه السلام واظب على الاعتكاف في العشر الاخير من رمضان حتى توفاه الله تعالى كما في الصحيحين، يفيد أنها تفيد السنية مطلقا، ولذا قال في فتح القدير: فهذه المواظبة المقرونة بعدم الترك مرة لما اقترنت بعدم الانكار على من لم يفعله من الصحابة كانت دليل السنية وإلا كانت تكون دليل الوجوب انتهى. والذي ظهر للعبد الضعيف أن السنة ما واظب النبي صلى الله عليه وسلم لكن إن كانت لا مع الترك. فهي دليل السنة المؤكدة، وإن كانت مع الترك أحيانا فهي دليل غير المؤكدة، وإن اقترنت بالانكار على من لم يفعله فهي دليل الوجوب فافهم هذا فإن به يحصل التوفيق. وفي بعض النسخ وسننه بالجمع ونكته جمعها وأفراد الفرض الاشارة إلى أن الفروض وإن كثرت في حكم شئ واحد بدليل فساد البعض بترك البعض بخلاف السنن إذ لا يبطل بعضها بترك بعضها. والاضافة هنا بمعنى اللام كما لا يخفى، وجعلها المصنف في المستصفى من إضافة الشئ إلى محله لان الطهارة محل لهذه السنن، وفي النهاية أنها بمعنى من وفيه ما تقدم في كتاب الطهارة. قوله: (غسل يديه إلى رسغيه ابتداء) يعني غسل اليد ين ثلاثا إلى رسغيه في ابتداء الوضوء سنة. والرسغ منتهى الكف عند المفصل. وفي ضياء الحلوم: الرسغ بالغين المعجمة موصل الكف في الذراع والقدم في الساق. اعلم أن في غسل اليدين ابتداء ثلاثة أقوال: قيل إنه فرض وتقديمه سنة واختاره في فتح القدير والمعراج والخبازية وإليه يشير قول محمد في الاصل بعد غسل الوجه ثم يغسل ذراعيه ولم يقل يديه فلا يجب غسلهما ثانيا. وقيل إنه
[ 37 ]
سنة تنوب عن الفرض كالفاتحة فإنها واجبة تنوب عن الفرض واختاره في الكافي. وقال السرخسي: إنه سنة لا ينوب عن الفرض فيعيد غسلهما ظاهرهما وباطنهما قال: وهو الاصح عندي. واستشكله في الذخيرة بأن المقصود هو التطهير فبأي طريق حصل حصل المقصود،
وظاهر كلام المشايخ أن المذهب الاول. واختلف في أن غسلهما قبل الاستنجاء أو بعده، فقيل سنة قبله فقط، وقيل بعده فقط، وقيل قبله وبعده وإليه ذهب الاكثر كما صرح به في المجتبى، وصححه قاضي خان في الفتاوى وفي النهاية. ويستدل له بأن جميع من حكى وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم غسل اليدين، وأما سنيته قبله فيما رواه الجماعة من حديث ميمونة في صفة غسله وفيه أنها حكت غسل اليدين قبل الاستنجاء وحكمته قبله المبالغة في إزالة رائحة ما يصيبهما وأورد أن المصاب اليد اليسرى فينبغي الاقتصار عليها وتخصيصه بما إذا تغوط. وأجيب بما في الاصول من أن الحكمة تراعى في الجنس ولا يلزم وجودها في كل فرد. ثم أعلم أن الابتداء بغسل اليدين واجب إذا كانت النجاسة محققة فيهما وسنة عند ابتداء الوضوء كما ذكرنا، وسنة مؤكدة عند توهم النجاسة كما استيقظ من النوم، فعلم بهذا أن قيد الاستيقاظ الواقع في الهداية وغيرها اتفاقي لان من حكى وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم كحمران مولى عثمان بن عفان وغيره قدم فيه البداءة بغسل اليدين من غير تقييد بكونه عن نوم، وعلل له في الهداية بأن اليدين آلة التطهير فيبدأ بتنظيفهما وأورد عليه بأن هذا يقتضي الوجوب، لانه ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب. وأجيب بأن هنا مانعا من القول بالوجوب وهو طهارتهما حقيقة وحكما فكأن الغسل إلى الرسغين لانه يكفي في حصول المقصود وهو تنظيف الآلة. وعلم بما قررناه أيضا أن ما في شرح المجمع من أن السنة في غسل اليدين للمستيقظ مقيدة بأن يكون نام غير مستنج أو كان على بدنه نجاسة حتى لو لم يكن كذلك لا يسن في حقه ضعيف، أو المراد نفي السنة المؤكدة لا أصلها. وكيفية غسلهما كما ذكر في الشروح أنه إن كان الاناء صغيرا بحيث يمكن رفعه لا يدخل يده فيه بل يرفعه
[ 38 ]
بشماله ويصبه على كفه اليمنى ويغسلها ثلاثا، ثم يأخذ الاناء بيمينه ويصبه على كفه اليسرى ويغسلها ثلاثا. وإن كان الاناء كبيرا لا يمكن رفعه، فإن كان معه أناء صغير يفعل كما ذكرنا، وإن لم يكن يدخل أصابع يده اليسرى مضمومة في الاناء ويصب على كفه اليمنى ثم
يدخل اليمنى في الاناء ويغسل اليسرى. وعلله في المحيط بأن الجمع بين اليدين في كل مرة غير مسنون، وتعقبه العلامة الحلبي بأن الجمع سنة كما تفيده الاحاديث. والظاهر أن تقديم اليمنى على اليسرى لاجل التيامن لا لما في المحيط كما لا يخفى. قالوا ولا يدخل الكف حتى لو أدخله صار الماء مستعملا كما صرح به في المبتغى. ومعناه صار الماء الملاقي للكف مستعملا إذا انفصل لا جميع ماء الاناء كما سنحققه في بحث المستعمل. وقالوا: يكره إدخال اليد في الاناء قبل الغسل للحديث وهي كراهة تنزيه، لان النهي فيه مصروف عن التحريم بقوله فإنه لا يدري أين باتت يده فالنهي محمول على الاناء الصغير أو الكبير إذا كان معه إناء صغير، فلا يدخل اليد فيه أصلا، وفي الكبير على إدخال الكف. كذا في المستصفى وغيره مع أن المنقول في الخانية أن المحدث أو الجنب إذا أدخل يده في الاناء للاغتراف وليس عليها نجاسة لا يفسد الماء، وكذا إذا وقع الكوز في الجب فأدخل يده إلى المرفق لا يصير الماء مستعملا. وفي شرح الاقطع: يكره الوضوء بالماء الذي أدخل المستيقظ يده فيه لاحتمال النجاسة كما يكره الوضوء بالماء الذي أدخل الصبي يده فيه. وفي المضمرات: إذا لم يكن معه ما يغترف به ويداه نجستان فإنه يأمر غيره أن يغترف بيديه ليصب على يديه ليغسلهما، وإن لم يجد يرسل في الماء منديلا ويأخذ طرفه بيده ثم يخرج من البئر فيغسل اليد بقطراته ثم يغسل اليد الاخرى، أو يأخذ الثوب بأسنانه فيغسل يديه بالماء الذي يتقاطر ثلاثا، فإن لم يجد يرفع الماء بفمه فيغسل يديه فإن لم يقدر فإنه يتيمم ويصلي ولا إعادة عليه اه. وفي مسألة رفع الماء بفيه اختلاف، والصحيح أنه يصير مستعملا وهو مزيل للخبث.
[ 39 ]
قوله: (كالتسمية) أي كما أن التسمية سنة في الابتداء مطلقا كذلك غسل اليدين سنة في الابتداء مطلقا أعني سواء كان الوضوء عن نوم أو غيره ولفظها المنقول عن السلف كما في النهاية أو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الخبازية بسم الله العظيم والحمد لله على دين الاسلام. وعن الوبري يتعوذ ثم يبسمل. وذكر الزاهدي أنه إن جمع بين ما تقدم والبسملة
فحسن. وفي المحيط: السنة مطلق الذكر كالحمد لله أو لا إله إلا الله. وما ذكره المصنف من أنها سنة مختار القدوري. وفي الهداية: الاصح أنها مستحبة. قيل وهو ظاهر الرواية. ويسمي قبل الاستنجاء وبعده هو الصحيح إلا مع الانكشاف وفي موضع النجاسة كذا في الخانية. وقد استدل لوجوب التسمية بحديث أبي داود لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه وهو وإن ضعف ارتقى إلى الحسن بكثرة طرقه. وأجاب عنه الطحاوي في شرح الآثار بمعارضته لما في الصحيحين أنه عليه السلام لم يرد السلام حين سلم عليه رجل حتى أقبل على الجدار فتيمم ثم رد السلام، وما رواه أبو داود وغيره من حديث المهاجرين قنفد لما سلم على النبي عليه السلام وهو يتوضأ فلم يرد عليه، فلما فرغ قال: إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت على غير وضوء. فهذه تفيد عدم ذكره عليه السلام اسمه تعالى على غير طهارة، ومقتضاه انتفاؤه في أول الوضوء فيحمل الاول على نفي الفضيلة جمعا بين الاحاديث وتعقبه في معراج الدراية وشرح المجمع بأنه يلزم منه أن لا تكون التسمية أفضل في ابتداء الوضوء، وأن يكون وضوءه عليه السلام خاليا عن التسمية. ولا يجوز نسبة ترك الافضل له عليه السلام وقد يدفع بأنه يجوز ترك الافضل له تعليما للجواز كوضوئه مرة مرة تعليما لجوازه وهو واجب عليه وهو أعلى من المستحب، لكن يمكن الجمع بين الاحاديث بأن التسمية من لوازم إكماله فكان ذكرها من تمامه والذاكر لها قبل الوضوء مضطر إلى ذكرها لاقامة هذه السنة المكملة للفرض فخصت من عموم الذكر، ومطلق الذكر ليس من ضروريات الوضوء. والمستحب أن لا يطلق اللسان به إلا على طهارة، ويدخل في التخصيص الاذكار المنقولة على
[ 40 ]
أعضاء الوضوء لكونها من مكملاته. كذا في معراج الدراية وهو مبني على أن المراد به نفي الفضيلة وهو ظاهر في نفي الجواز لكنه خبر واحد لا يزاد به على الكتاب فمقتضاه الوجوب إلا لصارف، فذكر بعضهم أن الصارف قوله عليه السلام من توضأ وسمى الله تعالى كان طهورا لجميع أعضائه، ومن توضأ ولم يسم الله كان طهورا لاعضاء وضوئه فإنه يقتضي
وجود الوضوء بلا تسمية وهو مردود من ثلاثة أوجه: الاول ضعف الحديث كما بينه في فتح القدير. الثاني أن ترك الواجب لا ينفي الوجود وإنما يوجب النقصان فقط. الثالث أنه يقتضي تجزي الطهارة وهي غير متجزئة عندنا. كذا في المعراج، ورده الاكمل في تقريره بأن من توضأ وغسل بعض أعضاء وضوئه كانت الطهارة مقتصرة على ما غسل، نعم بدن الانسان باعتبار ما يخرج منه غير متجز. وقيل الصارف عدم حكاية عثمان وعلي لها لما حكيا وضوأه عليه السلام، ورده في فتح القدير بأن عدم النقل لا ينفي الوجود فكيف بعد الثبوت بوجه آخر؟ ألا ترى أنهما لم ينقلا التخليل والسواك؟ ولا شك أنهما سنتان. وذكر في المبسوط أن الصارف هو عدم تعليمها للاعرابي لما علمه الوضوء، ورده في فتح القدير بأن حديث الاعرابي وإن حسنه الترمذي ضعفه ابن القطان قال: فأدى النظر إلى وجوبها غير أن صحة الوضوء لا تتوقف عليها لان الركن إنما يثبت بالقاطع ولا يلزم الزيادة على الكتاب بخبر الواحد إلا لو قلنا بالافتراض. وقد أجاب عن قولهم لا واجب في الوضوء لما حاصله أن هذا الحديث لما كان ظني الثبوت قطعي الدلالة ولم يصرفه صارف أفاد الوجوب ولا مانع منه، وقول من قال إنه ظني الدلالة ممنوع بأنه إن أريد بظنيها مشتركها فما نحن فيه ليس منه فإن الظاهر أن النفي متسلط على الوضوء والحكم الذي هو الصحة ونفي الكمال احتمال، وإن أريد بظنيها ما فيه احتمال ولو مرجوحا فلا نسلم أنه لا يثبت به الوجوب لان الظن واجب الاتباع وإن كان فيه احتمال. ولقائل أن يقول: إن قوله عدم النقل لا ينفي الوجود إلى آخره لا يتم في الواجب إذ لا يجوز في التعليم ترك شئ من الواجبات، فلو كانت التسمية واجبة لذكراها للحاجة إلى بيانها بخلاف السنن فكان هذا صارفا سالما عن الرد.
[ 41 ]
ومرادهم من ظني الدلالة مشتركها كما صرح به الاصوليون، ولا شك أنه مشترك شرعي أطلق تارة وأريد به نفي الحقيقة نحو لا صلاة لحائض إلا بخمار (1) ولا نكاح إلا بشهود، وأطلق تارة مرادا به نفي الكمال نحو لا صلاة للعبد الآبق ولا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد
فتعين نفي الحقيقة في الاول بالاجماع، وفي الثاني لانه مشهور تلقته الامة بالقبول، فتجوز الزيادة بمثله على النصوص المطلقة فكانت الشهادة شرطا فعند عدم المرجح لاحد المعنيين كان الحديث ظنيا وبه تثبت السنة ومنه حديث التسمية، والعجب من الكمال بن الهمام أنه في هذا الموضع لفي ظنية الدلالة عن حديث التسمية بمعنى مشتركها وأثبتها له في باب شروط الصلاة بأبلغ وجوه الاثبات بأن قال: ولا شك في ذلك لان احتمال نفي الكمال قائم. فالحق ما عليه علماؤنا من أنها مستحبة، كيف وقد قال الامام أحمد: لا أعلم فيها حديثا ثابتا والله تعالى أعلم. ولو نسي التسمية في ابتداء الوضوء ثم ذكرها في خلاله فسمى لا تحصل السنة بخلاف نحوه في الاكل. كذا في التبيين معللا بأن الوضوء عمل واحد بخلاف الاكل فإن كل لقمة فعل مبتدأ اه. ولهذا ذكر في الخانية: لو قال كلما أكلت اللحم فلله علي أن أتصدق بدرهم فعليه بكل لقمة درهم لان كل لقمة أكل. لكن قال المحقق ابن الهمام: هو إنما يستلزم في الاكل تحصيل السنة في الباقي لا استدراك ما فات اه. وظاهره مع ما قبله أنه إذا نسي التسمية فإتيانه بها وعدمه سواء، مع أن ظاهر ما في السراج الوهاج أن الاتيان بها مطلوب ولفظة: فإن نسي التسمية في أول الطهارة أتى بها إذا ذكرها قبل الفراغ حتى لا يخلو الوضوء منها. قوله (والسواك) أي استعماله لانه اسم للخشبة. كذا في الشروح. ولا حاجة إليه لان السواك يأتي بمعنى المصدر أيضا كما ذكره ابن فارس في كتابه المسمى بمقياس اللغة، ولهذا قال في فتح القدير: أي الاستياك. والجمع سوك ككتاب وكتب ويجوز رفعه وجره وهو
[ 42 ]
الاظهر ليفيد أن الابتداء به سنة أيضا. واستدل في الكافي للسنية بأنه عليه السلام واظب عليه مع الترك، وتعقبه في فتح القدير بأنه لم تعلم المواظبة منه على الوضوء. وأما ما ورد من أفضلية الصلاة التي بسواك على غيرها فيدل على الاستحباب وهو الحق، ولذا صحح الشارح وغيره الاستحباب. واختلف في وقته، ففي النهاية وفتح القدير أنه عند المضمضة، وفي البدائع والمجتبى قبل الوضوء، والاكثر على الاول وهو الاولى لانه الاكمل في الانقاء. وليس
هو من خصائص الوضوء بل يستحب في مواضع لاصفرار السن وتغير الرائحة والقيام من النوم والقيام إلى الصلاة وأول ما يدخل البيت وعند اجتماع الناس وعند قراءة القرآن. كذا في فتح القدير وغيره. لكن قولهم يستحب عند القيام إلى الصلاة ينافي ما نقلوه من أنه عندنا للوضوء لا للصلاة خلافا للشافعي. وعلله السراج الهندي في شرح الهداية بأنه إذا استاك للصلاة بما يخرج منه دم وهو نجس بالاجماع وإن لم يكن ناقضا عند الشافعي. وقالوا: فائدة الخلاف تظهر فيمن صلى بوضوء واحد صلوات يكفيه السواك للوضوء عندنا، وعند الشافعي يستاك لكل صلاة. وكيفيته أن يستاك أعالي الاسنان وأسافلها والحنك ويبتدئ من الجانب الايمن، وأقله ثلاث في الاعالي وثلاث في الاسافل بثلاث مياه. واستحب أن يكون لينا من غير عقد في غلط الاصبع وطول شبر من الاشجار المرة المعروفة. ويستاك عرضا لا طولا لانه يخرج لحم الاسنان. وقال الغزنوي: يستاك طولا وعرضا والاكثر على الاول. ويستحب إمساكه باليد اليمنى. والسنة في كيفية أخذه أن تجعل الخنصر من يمينك أسفل السواك تحته
[ 43 ]
والبنصر والوسطى والسبابة فوقه واجعل الابهام أسفل رأسه تحته كما وراه ابن مسعود، ولا يقبض القبضة على السواك فإن ذلك يورث الباسور، ويبدأ بالاسنان العليا من الجانب الايمن ثم الايسر ثم السفلى كذلك، كذا في شرح منية المصلي. وتقوم الاصبع أو الخرقة الخشنة مقامه عند فقده أو عدم أسنانه في تحصيل الثواب لا عند وجوده. والافضل أن يبدأ بالسبابة اليسرى ثم باليمنى، والعلك يقوم مقامه للمرأة لكون المواظبة عليه تضعف أسنانها فيستحب لها فعله، ومنافعه كثيرة منها أنه يرضي الرب ويسخط الشيطان ومن خشي من السواك القئ تركه. ويكره أن يستاك مضطجعا فإنه يورث كبر الطحال. كذا في السراج الوهاج. قوله (وغسل فمه وأنفه) عدل عن المضمضة والاستنشاق المذكورين في أصله الوافي للاختصار، وما في الشرح من أن الغسل يشعر بالاستيعاب فكان أولى فيه نظر، فإن المضمضة كذلك فإنها اصطلاحا استيعاب الماء جميع الفم كما في الخلاصة. وفي اللغة
التحريك والاستنشاق لغة من النشق وهو جذب الماء ونحوه بريح الانف إلى داخله، واصطلاحا إيصال الماء إلى مارن الانف. كذا في الخلاصة. والمارن مالان من الانف. والمبالغة سنة فيهما أيضا كذا في الوافي لحديث أصحاب السنن الاربعة بالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائما وهي في المضمضة بالغرغرة وفي الاستنشاق بالاستنثار كذا في الكافي. والاستنثاء دفع الماء ونحوه للخروج من الانف، وقد وافقه في فتح القدير على الاول. وقال في الثاني: كما في الخلاصة إلى ما اشتد من الانف. وفي الخلاصة: هي في المضمضة أن يصل إلى رأس الحلق. وقال شمس الائمة: هي في المضمضة أن يدير الماء في فيه من جانب إلى جانب، والاولى ما في فتح القدير ذكره بعضهم. ولو تمضمض وابتلع الماء ولم يمجه أجزأه لان المج ليس من حقيقتها، والافضل أن يلقيه لانه ماء مستعمل. وفي الظهيرية: وإذا أخذ الماء بكفه فمضمض ببعضه واستنشق بالباقي جاز وبخلاف ذلك لا يجوز. وفي المجتبى: لو رفع الماء من كف واحدة للمضمضة جاز وللاستنشاق لا يجوز
[ 44 ]
لصيرورة الماء مستعملا، ولا يخفى أن نفي الجواز في المسألتين بمعنى نفي الاجزاء في تحصيل السنة لا بمعنى الحرمة لما أن أصلهما سنة، أو تحمل على المضمضة والاستنشاق في الغسل الواجب، وقالوا: المضمضة والاستنشاق سنتان مشتملتان على سنن منها تقديم المضمضة على الاستنشاق بالاجماع، ومنها التثليث في حق كل واحد بالاجماع، وأخذ ماء جديد في التثليث سنة عندنا وعند الشافعي بماء واحد، وأخذ ماء جديد لكل واحد منهما سنة عندنا، وعند الشافعي لهما ماء واحد، وإزالة المخاط باليد اليسرى. كذا في المعراج. وفي البدائع والمبسوط: وفعلهما باليمين سنة. وفي المنية أنه يستنشق باليسرى. وفي المعراج: ترك التكرار لا يكره مع الامكان. قال أستاذنا: يتبين من هذا أن من عنده ماء يكفي للغسل مرة مع المضمضة والاستنشاق أو ثلاثا بدونهما يغسل مرة معهما. وفي السراج: إنهما سنتان مؤكدتان، فإن ترك المضمضة والاستنشاق أثم على الصحيح ا ه. ولا يخفى أن الاثم منوط
بترك الواجب، ويمكن الجواب مما قالوه من أن السنة المؤكدة في قوة الواجب ودليل سنيتهما المواظبة كما في الهداية. وفي غاية البيان يعني مع الترك أحيانا وإلا كانتا واجبتين. وقد علمت مما قدمناه أن المواظبة من غير ترك لا تفيد الوجوب وجميع من حكى وضوءه عليه السلام اثنان وعشرون صحابيا كلهم ذكروهما فيه كما في فتح القدير. وفي نسخة شرح عليها مسكين غسل فمه وأنفه بمياه وقال: قوله بمياه متعلق بكل واحد والذي في الوافي غسل فمه بمياه وأنفه بمياه وهو أولى مما في الكنز ليدل على تجديد الماء في كل منهما، وقد جاء مصرحا به في حديث الطبراني من قوله فمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا يأخذ لكل مرة ماء جديدا ورواه أبو داود وسكت فكان حجة. وما ورد مما ظاهره المخالفة فمحمول على الموافقة كما في فتح القدير. وفي السراج الوهاج: ولو تمضمض ثلاثا من غرفة واحدة لم يصر آتيا
[ 45 ]
بالسنة. وذكر الصيرفي أنه يصير آتيا بالسنة ا ه. ولا يخفى أنه يكون آتيا بسنة المضمضة لا بسنة كونها ثلاثا بمياه فالنفي والاثبات في القولين بالاعتبارين فلا اختلاف. قوله (وتخليل لحيته وأصابعه) أما تخليل اللحية وهو تفريق الشعر من جهة الاسفل إلى فوق لغير المحرم فسنة على الاصح، وقيده في السراج الوهاج بأن يكون بماء متقاطر في تخليل الاصابع ولم يقيده في تخليل اللحية. وهل هو قول أبي يوسف وحده أو معه محمد؟ قولان ذكرهما في المعراج وصحح في خير مطلوب أن محمدا مع أبي يوسف. وعند أبي حنيفة مستحب لعدم ثبوت المواظبة ولان السنة إكمال الفرض في محله وداخل اللحية ليس بمحل الفرض لعدم وجوب إيصال الماء إلى الشعر. وجه الاصح ما رواه أبو داود عن أنس: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذ توضأ أخذ كفا من ماء تحت حنكه فخلل به لحيته وقال: بهذا أمرني ربي وسكت عنه. وكذا المنذري بعده وهو مغن عن نقل صريح المواظبة لان أمره حامل عليها. وقولهم داخل اللحية ليس بمحل الفرض ممنوع بعد ثبوت الحديث الصحيح بخلافه، وما أورد عليه من أن المضمضة والاستنشاق سنتان مع أنهما ليستا في محل الفرض أجيب عنه بأنهما في
الوجه وهو محل الفرض إذ لهما حكم الخارج من وجه، ولان الكلام في سنة تكون تبعا للفرض بقرينة المقام وإلا يخرج عنه بعض السنن كالنية والتسمية كما لا يخفى. وإنما لم يكن التخليل واجبا بالامر في أمرني ربي وخللوا أصابعكم الآتي لوجود الصارف وهو تعليم الاعرابي والاخبار التي حكى فيها وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن التخليل لم يذكر فيها، وما في النهاية من أنا لو قلنا بالوجوب لزم الزيادة على النص بخبر الواحد فيه كلام إذ لا يلزم إلا لو قلنا بالافتراض. وما في الكافي من أنا لو قلنا بالوجوب في الوضوء لساوى التبع الاصل ضعيف، ولانه لا مانع منه إذا اقتضاه الدليل لان ثبوت الحكم بقدر دليله. ولانه قد ظهر عدم المساواة في حكم آخر وهو كونه لا يلزم بالنذر بخلاف الصلاة وأما تخليل الاصابع فهو إدخال بعضها في بعض بماء متقاطر ويقوم مقامه الادخال في الماء، ولو لم يكن جاريا فسنة اتفاقا أعني أصابع اليدين والرجلين لما في السنن الاربعة في حديث لقيط ابن صبرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأت فأسبغ الوضوء وخلل بين الاصابع قال الترمذي حديث
[ 46 ]
حسن صحيح. وتقدم الصارف له عن الوجوب. وكذا ما رواه الدارقطني خللوا أصابعكم لا يتخللها الله بالنار يوم القيامة لانه ليس فيه الوعيد على الترك حتى يفيد الوجوب لان منطوقه أن تخليل الاصابع في الوضوء يراد لعدم تخللها نار جهنم وهو لا يستلزم أن عدم التخليل في الوضوء يستلزم تخلل النار إلا لو كان تخليل الاصابع في الوضوء علة مساوية لعدم تخليلها بالنار وهو منتف بأنه قد يوجد التخليل بالنار مع تخليل الاصابع، فحينئذ لا حاجة إلى ما ذكر في شروح الهداية من أن الوعيد مصروف إلى ما إذا لم يصل الماء إلى ما بين الاصابع إذ قد علمت أنه لا وعيد في الحديث هذا مع أن ما قالوه لا يتم لانه إذا لم يصل يكون الغسل فرضا وليس التخليل غسلا كما لا يخفى هذا مع أن حديث الدارقطني ضعيف كما في فتح القدير. وفي الظهيرية: والتخليل إنما يكون بعد التثليث لانه سنة التثليث. ثم قيل: الاولى في أصابع اليدين أن يكون تخليلها بالتشبيك، وصفته في الرجلين أن يخلل
بخنصر يده اليسرى خنصر رجله اليمنى ويختم بخنصر رجله اليسرى. كذلك ورد الخبر. كذا في معراج الدراية وغيره وتعقبه في فتح القدير بقوله والله أعلم به، ومثله فيما يظهر أمر اتفاقي لا سنة مقصودة ا ه. لكن ورد بعض هذه الكيفية فيما رواه ابن ماجه عن المستورد بن شداد قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ فخلل أصابع رجليه بخنصره. وأما كونه بخنصر يده اليسرى وبكونه من أسفل فالله أعلم به. ويشكل كونه بخنصر اليسرى أن هذا من الطهارة المستحب في فعلها أن تكون باليمين، ولعل الحكمة في كونها بالخنصر كونها أدق الاصابع فهي بالتخليل أنسب. كذا في شرح المنية. وقولهم من أسفل إلى فوق يحتمل شيئين: أحدهما أنه يبدأ من أسفل الاصابع إلى فوق من ظهر القدم. ثانيهما أن يكون المراد من أسفل الاصبع من باطن القدم كما جزم به في السراج الوهاج والاول أقرب. وفي المعراج عن شيخه العلامة في قوله عليه السلام خللوا الحديث دليل على أن وظيفة الرجل الغسل لا المسح فكان حجة على الروافض ا ه. قوله (وتثليث الغسل) أي تكراره ثلاثا سنة لكن الاولى فرض والثنتان سنتان مؤكدتان
[ 47 ]
على الصحيح كذا في السراج واختاره في المبسوط، والاولى أن يقال إنهما سنة مؤكدة لا توصف الثانية وحدها أو الثالثة وحدها بالسنية إلا مع ملاحظة الاخرى. والسنة تكرار الغسلات المستوعيات لا الغرفات، وإن اكتفى بالمرة الواحدة قيل يأثم لانه ترك السنة المشهورة، وقيل لا يأثم لانه قد أتى بما أمره به ربه كذا في الظهيرية، ولا يخفى ترجيح الثاني لقولهم والوعيد في الحديث لعدم رؤيته الثلاث سنة، فلو كان الاثم يحصل بالترك لما احتيج إلى حمل الحديث على ما ذكروا. وقيل: إن اعتاد يكره وإلا فلا واختاره في الخلاصة. وقد ذكروا دليل السنة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة وقال هذا وضوء من لا يقبل الله الصلاة إلا به، وتوضأ مرتين مرتين وقال هذا وضوء من يضاعف الله له الاجر مرتين، وتوضأ ثلاثا ثلاثا وقال هذا وضوئي ووضوء الانبياء من قبلي، فمن زاد على هذا أو نقص فقد تعدى
وظلم. فأما صدره إلى قوله فمن زاد فرواه الدارقطني، وأما عجزه من قوله فمن زاد إلى آخره فرواه ابن ماجه والنسائي، وقوله توضأ مرة أي غسل كل عضو مرة، والمراد بالقبول الجواز بمعنى الصحة. وإنما قلنا هذا لما عرف أن القبول لا يلازم الصحة لان الصحة تعتمد وجود الشرائط والاركان والقبول يعتمد صدق العزيمة وخلوصها. وله شرائط كثيرة لقوله تعالى * (إنما يتقبل الله من المتقين) * (المائدة: 27). واختلف في معنى قوله فمن زاد على هذا على أقوال، فقيل على الحد المحدود وهو مردود له عليه الصلاة والسلام من استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل والحديث في المصابيح. وإطالة الغرة تكون بالزيادة على الحد المحدود. وقيل على أعضاء الوضوء، وقيل الزيادة على العدد والنقص عنه، والصحيح أنه محمول على الاعتقاد دون نفس الفعل حتى لو زاد أو نقص واعتقد أن الثلاث سنة لا يلحقه الوعيد كذا في البدائع واقتصر عليه في الهداية. وعلى الاقوال كلها لو زاد لطمأنينة القلب
[ 48 ]
عند الشك أو بنية وضوء آخر بعد الفراغ من الاول فلا بأس به لانه نور على نور، وكذا إن نقص لحاجة لا بأس به كذا في المبسوط وأكثر شروح الهداية وفيه كلام، لانهم قد صرحوا بأن تكرار الوضوء في مجلس واحد لا يستحب بل يكره لما فيه من الاسراف في الماء كما في السراج الوهاج. فكيف يدعي الاتفاق كما في الخلاصة على عدم الكراهة لو نوى وضوءا آخر حين فرغ من الاول اللهم إلا أن يحمل على ما إذا اختلف المجلس وهو بعيد كما لا يخفى، وفي الحديث لف ونشر لان التعدي يرجع إلى الزيادة والظلم إلى النقصان كذا في غاية البيان. وقيد المصنف بالغسل احترازا عن المسح فإنه لا يسن تثليثه كذا في فتح القدير. وإذا كان غير مسنون فهل يكره؟ فالمذكور في المحيط والبدائع أنه يكره، وفي الخلاصة أنه بدعة، وقيل لا بأس به، وفي فتاوى قاضيخان: وعندنا لو مسح ثلاث مرات بثلاث مياه لا يكره ولكن لا يكون سنة ولا أدبا ا ه. وهو الاولى كما لا يخفى إذ لا دليل على الكراهة وسيأتي تمامه. قوله (ونيته) أي ونية المتوضئ رفع الحدث أو إقامة الصلاة هذا هو مراد المصنف كما
أفصح عنه في الكافي فلا حاجة حينئذ إلى ما ذكره الزيلعي كما لا يخفى. واستفيد منه أن نية
[ 49 ]
الطهارة لا تكفي في تحصيل السنة كأنه والله أعمل لانها متنوعة إلى إزالة الحدث أو الخبث فلم ينو خصوص الطهارة الصغرى. فعلى هذا لو نوى الوضوء فإنه يكون محصلا لها لان الوضوء رفع الحدث سواء، لان حقيقة الوضوء رفع الحدث كما حققناه أولا. وعلى هذا فيصبح عود الضمير إلى الوضوء وسقط به كلام الزيلعي أيضا كما لا يخفى مع أن الوضوء أخص من رفع الحدث لانه يشمل الغسل، فعلى هذا نية الوضوء أولى. قالوا: المعتبر قصد رفع الحدث أو إقامة الصلاة كما ذكر أو استباحتها أو امتثال الامر كما في المعراج، ولا يتأتي الاخير قبل دخول الوقت إذ ليس مأمورا به إلا أن يقال إن الوضوء لا يكون نفلا لانه شرط للصلاة وشرطها فرض ولا يخفى ما فيه. وهي لغة عزم القلب على الشئ، واصطلاحا كما في التلويح قصد الطاعة والتقرب إلى الله تعالى في إيجاد الفعل. واعترض عليه بأن هذا إنما يستقيم في العبادات المترتب عليها الثواب دون المنهيات المترتب عليها العقاب، فالصواب أن تفسر النية بتوجه القلب نحو إيجاد الفعل وتركه موافقا لغرض من جلب نفع أو دفع ضر حالا أو مآلا ا ه. وقد يقال: إن هذا الاعتراض مبني على أن المكلف به في النهي ليس هو الكف الذي هو الانتهاء وهو قول البعض والراجح في الاصول أنه لا تكليف إلا بفعل فهو في النهي كفه النفس فحينئذ دخل في إيجاد الفعل. وفي الصحاح: العزم إرادة الفعل والقطع عليه والقصد إتيان الشئ. وذكر اليمني في شرح الشهاب ثم النية معنى وراء العلم فهي نوع إرادة كالقصد والعزيمة، والهم والحب والود فالكل اسم للارادة الحادثة لكن العزم اسم
[ 50 ]
للمتقدم على الفعل، والقصد اسم للمقترن بالفعل، والنية اسم للمقترن بالفعل مع دخوله تحت العلم بالمنوي، وهذا لان الفعل لا يوجد بدون الارادة فإذا قام الرجل من قعوده لا بد وأن يكون مريدا للقيام وإن لم تعمل إرادته القيام، وقد يركع الرجل ويسجد ذاهلا عن معرفة
إرادة الركوع والسجود. ويستحيل وجودهما بدون الارادة بالكلية لان الارادة صنو القدرة وإنما المفقود العلم لا غير، ولذا قلنا للمكره إرادة. وإن كانت فاسدة بمقابلة إرادة المكره لكن قد تذكر النية مقام العزيمة كما في قولنا ونوى الصوم بالليل أي عزم عليه وأطال فيه فليراجع لاشتماله على فوائد كثيرة. ثم اعلم أن النية في غير التوضؤ بسؤر الحمار وبنبيذ التمر سنة مؤكدة على الصحيح وليست بشرط في كون الوضوء مفتاحا للصلاة. ووقتها عند غسل الوجه ومحلها القلب والتلفظ بها مستحب كذا في السراج الوهاج. وأما النية في التوضؤ بسؤر الحمار أو بنبيذ التمر فشرط كذا في شرح الجمع والنقاية معزيين إلى الكفاية قيدنا بقولنا في كونه مفتاحا لانها شرط في كونه سببا للثواب على الاصح، وقيل يثاب بغير نية، ثم استدل الشافعي على اشتراطها فيه بالحديث المشهور المتفق على صحته إنما الاعمال بالنية ووجهه أن المراد بالاعمال العبادات لان كثيرا من الاعمال تعتبر شرعا بلا نية فيكون المراد إنما صحة العبادات بالنية والوضوء عبادة لانها فعل ما يرضي الرب وهو كذلك فصار كالتيمم. ولنا على ما ذكره الاصوليون أن حقيقة هذا التركيب متروكة بدلالة محل الكلام لان كلمة إنما للحصر وقد دخلت على المعرف بلام الاستغراق، وذلك يقتضي أن لا يوجد عمل بلا نية ولا يمكن حمله على العموم لان كثيرا من الاعمال يوجد بلا نية فصار مجازا عن حكمه، فالتقدير حكم الاعمال بالنيات من إطلاق اسم السبب على المسبب، أو من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. والحكم نوعان مختلفان أحدهما أخروي وهو الثواب والاثم وهو بناء على صدق العزيمة وعدمه، والثاني دنيوي وهو الجواز والفساد وهو بناء على وجود الاركان والشرائط وعدمها، ولما اختلف الحكمان صار الاسم بعد كونه مجازا مشتركا. ويكفي في تصحيحه ما هو المتفق عليه وهو الحكم الاخروي ولا دليل على ما اختلف فيه فلا يصلح تقديره حجة علينا فاندفع بهذا التقرير ما أورده في الكشف وشرح المغني وشرح المنار من أن قولهم أن الحكم مشترك ولا عموم له ممنوع بل هذا في المشترك
[ 51 ]
اللفظي، أما المشترك المعنوي فله عموم كالشئ والحكم منه فيتناول الكل باعتبار المعنى الاعم إذ تفسير الحكم الاثر الثابت بالشئ ا ه. مع أن الاكمل في تقريره أجاب عنه بأن هذا إنما يستقيم أن لو كان الحكم مقولا عليهما بالتواطؤ وهو ممنوع، لان الجواز والفساد وإن كانا أثرين ثابتين بالاعمال موجبين لها لكن الثواب والعقاب ليسا كذلك على المذهب الصحيح ا ه. يعني لتخلفهما في الاول بعدم القبول مع الصحة، وفي الثاني بالعفو من الله تعالى. والمراد بالاعمال ما يشمل على القلب فيدخل فيه كف النفس بالنهي فإنه عمل، ولا ترد النية لانها خارجة لمعنى يخصها وهو لزوم التسلسل لكن اعتبار النية للتروك إنما هو لحصول الثواب لا للخروج عن عهدة النهي، لان مناط الوعيد بالعقاب في النهي هو فعل المنهي، فمجرد تركه كاف في انتفاء الوعيد، ومناط الثواب في المنهي كف النفس عنه وهو عمل مندرج في الحديث، وعلى هذا ففرق الشافعية بين الوضوء وإزالة النجاسة بأن الوضوء فعل فيفتقر إلى النية، وطهارة النجاسة من باب التروك فلا تفتقر إلى النية كترك الزنا ضعيف، فإن التكليف أبدا لا يقع إلا بالفعل الذي هو مقدور المكلف لا بعدم الفعل الذي هو غير مقدور وجوده قبل التكليف كما عرف في مقتضى النهي أنه كف النفس عن الفعل لا عدم الفعل والترك ليس بفعل، ولهذا لا يثاب المكلف على التروك إلا إذا ترك قاصدا، فلا يثاب على ترك الزنا إلا إذا كف نفسه عند قصدا لا إذا اشتغل عنه بفعل آخر كالنوم والعبادة وتركه بلا قصد فلا فرق بين الفعل والترك الموجبين للثواب والعقاب.
[ 52 ]
وقوله إن الوضوء عبادة والعبادة لا تصح إلا بالنية سلمناه لانه لا يقع عبادة بدونها عندنا وليس الكلام في هذا بل في أنه إذا لم ينو حتى لم يقع عبادة سببا للثواب فهل يقع الشرط المعتبر للصلاة حتى تصح به أو لا؟ ليس في الحديث دلالة على نفيه ولا إثباته فقلنا نعم لان الشرط مقصود التحصيل لغيره لا لذاته فكيف حصل حصل المقصود وصار كستر العورة وباقي شروط الصلاة لا يفتقر اعتبارها إلى أن تنوي، فمن ادعى أن الشرط وضوء هو
عبادة فعليه البيان بخلاف التيمم لان التراب لم يعتبر شرعا مطهرا إلا للصلاة وتوابعها لا في نفسه فكان التطهير به تعبدا محضا وفيه يحتاج إلى النية، وقياس الوضوء على التيمم ضعيف لان شرط صحة القياس أن لا يكون الاصل متأخرا والتيمم شرع بعد الهجرة والوضوء قبلها إلا إن قصد به الاستدلال بمعنى لما شرع التيمم بشرط النية ظهر وجوبها في الوضوء فهو بمعنى لا فارق فليس الجواب إلا بإثبات الفارق المتقدم، وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم الاعرابي الوضوء ولم يبين له النية فلو كانت شرطا لبينها له. وقد علم مما قدمناه أن الوضوء يقع عبادة فقول بعضهم إنه ليس بعبادة محمول على ما إذا لم ينو أو مراده نفي العبادة المقصودة كما صرح به في الكافي وغيره، وبهذا اندفع ما ذكره النووي من الرد على من نفي العبادة عن الوضوء متمسكا بحديث مسلم الطهور شطر الايمان (1). واعلم أن المذكور في الاصول أن الغسل والمسح في آية الوضوء خاصان وهو لا يحتمل البيان، فاشتراط النية في الوضوء زيادة على النص بخبر الواحد لو دل عليها وهو لا يجوز فأورد العقده الاخيرة فإنها فرض بخبر الواحد، فأجيب بأن الصلاة مجملة في حق ما تتم به إذ لم يعرف بأن إتمامها بأي شئ يقع فاحتاج إلى البيان وقد بين بالحديث، فالفرض ثبت بالكتاب والحديث التحق به بيانا لمجمله فأورد أنه ينبغي أن يلتحق خبر الفاتحة كذلك، فأجيب بأنه لا إجمال في أمر القراءة بل هو خاص. وأورد أيضا أنه ينبغي عدم اشتراط النية في العبادات لما ذكر أجيب بأنها فرض فيها لا بالحديث المذكور بل بقوله تعالى * (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) * (البينة: 5) فإنه جعل الاخلاص الذي هو عبارة عن النية حالا للعابدين والاحوال شروط، ومن هنا نشأ
[ 53 ]
إشكال على من استدل به على اشتراطها في العبادات كصاحب الهداية مع قولهم في الاصول إن حديث إنما الاعمال بالنيات من قبل ظني الثبوت والدلالة يفيد السنية والاستحباب، وسيأتي تمامه في محله إن شاء الله تعالى. قوله (ومسح كل رأسه مرة) أي مرة مستوعبة لما روى الترمذي في جامعه أن عليا
رضي الله تعالى عنه توضأ وغسل أعضاءه ثلاثا ومسح رأسه مرة وقال: هذا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي الهداية: والذي يروى عنه من التثليث فمحمول عليه بماء واحد وهو مشروع على ما روى الحسن عن أبي حنيفة ا ه. ولان التكرار في الغسل لاجل المبالغة في التنظيف ولا يحصل ذلك بالمسح فلا يفيد التكرار فصار كمسح الخف والجبيرة والتيمم، وما قلناه أولى لانه قياس الممسوح على الممسوح، وما قال الشافعي قياس الممسوح على المغسول. وفي العناية: فإن قيل قد صار البلل مستعملا بالمرة الاولى فكيف يسن إمراره ثانيا وثالثا؟ أجيب بأنه يأخذ حكم الاستعمال لاقامة فرض آخر لاقامة السنة لانها تبع للفرض، ألا ترى أن الاستيعاب يسن بماء واحد؟ وقال الزيلعي: تكلموا في كيفية المسح والاظهر أن يضع كفيه وأصابعه على مقدم رأسه ويمدهما إلى القفا على وجه يستوعب جميع الرأس ثم يمسح أذنيه بأصبعيه، ولا يكون الماء مستعملا بهذا لان الاستيعاب بماء واحد لا يكون إلا بهذا الطريق. وما قاله بعضهم من أنه يجافي كفيه تحرزا عن الاستعمال لا يفيد لانه لا بد من الوضع والمد، فإن كان مستعملا بالوضع الاول فكذا بالثاني فلا يفيد تأخيره ا ه. قوله (وأذنيه بمائه) أي بماء الرأس. وفي المجتبى: يمسحهما بالسبابتين داخلهما وبالابهامين خارجهما وهو المختار كذا في المعراج. وعن الحلواني وشيخ الاسلام: يدخل الخنصر في أذنيه ويحركهما. واستدل المشايخ بالحديث الاذنان من الرأس يمسحان بما
[ 54 ]
يمسح به الرأس وتمام تقريره في غاية البيان، واستدل في فتح القدير بفعله عليه الصلاة والسلام أنه أخذ غرفة فمسح بها رأسه وأذنيه على ما رواه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم. وأما ما روي أنه عليه السلام أخذ لاذنيه ماء جديدا فيجب حمله على أنه لفناء البلة قبل الاستيعاب توفيقا بينهما مع أنه لو أخذ ماء جديدا من غير فناء البلة كان حسنا كذا في شرح مسكين، فاستفيد منه أن الخلاف بيننا وبين الشافعي في أنه إذا لم يأخذ ماء جديدا أو مسح بالبلة الباقية هل يكون مقيما للسنة؟ فعندنا نعم، وعنده لا، أما لو أخذ ماء جديدا مع بقاء
البلة فإنه يكون مقيما للسنة اتفاقا. قوله (والترتيب المنصوص) أي كما ذكر في النص كذا في أصله الوافي. وهو سنة مؤكدة عندنا على الصحيح ويكون مسيئا بتركه، وعند الشافعي فرض. ومنهم من بنى الخلاف على الاختلاف في معنى الواو وليس بصحيح، فإن الصحيح عندنا وعنده كما هو قول الاكثر أن الواو لمطلق الجمع ولا تفيد الترتيب، ومن زعم من أئمتنا بأنها له لمسائل استدل بها فقد أجيب عنها في الاصول، ومن زعم من الشافعية أنه له فقد ضعفه النووي في شرح المهذب فلم يوجد دليل بالافتراض فنفاه أئمتنا، وقد علم من فعله عليه الصلاة والسلام فقالوا بسنيته. وأما ما استدل به النووي بأن الله تعالى ذكر ممسوحا بين مغسولات والاصل جمع المتجانسة على نسق واحد ثم عطف غيرها لا يخرج عن ذلك إلا لفائدة وهي هنا وجوب الترتيب، فقد أجيب عنه بأن الفائدة التنبيه على وجوب الاقتصاد في صب الماء على الارجل لما أنها مظنة الاسراف كما في الكشاف وغيره، وقد روى البخاري كما في التوشيح وأبو داود كما في السراج الوهاج أنه عليه الصلاة والسلام تيمم فبدأ بذراعيه قبل وجهه، فما ثبت عدم الترتيب في التيمم ثبت في الوضوء لان الخلاف فيهما واحد. وأما ما استدل به الشارحون للشافعي من أن الله تعالى عقب القيام بغسل الوجه بالفاء وهي للترتيب بلا خلاف ومتى وجب تقديم الوجه تعين الترتيب إذ لا قائل بالترتيب في البعض، وما أجابوا به من أن الفاء إنما تفيد ترتيب غسل الاعضاء على القيام إلى الصلاة لا ترتيب بعضها على بعض فقد قال النووي: إنه استدلال باطل عن الشافعي، وكأن قائله حصل له ذهول واشتباه فاخترعه. وأما ما استدل به الزيلعي عن الشافعي من الحديث لا يقبل الله صلاة أمرئ حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل يديه ثم يغسل وجهه ثم يغسل ذراعيه فقد اعترف النووي بضعفه فلا حاجة إلى الاشتغال بجوابه. وأما ما استدل في المعراج وغيره من أنه صلى الله عليه وسلم نسي مسح
[ 55 ]
رأسه ثم تذكر فمسحها ولم يعد غسل رجليه فقد قال النووي: إنه ضعيف لا يعرف.
والحاصل أنه لا حاجة إلى إقامة الدليل على عدم الافتراض لانه الاصل ومدعيه مطالب به. قوله (والولاء) بكسر الواو وهو التتابع في الافعال من غير أن يتخللها جفاف عضو مع اعتدال الهواء كذا في تقرير الاكمل وغيره، وفي السراج مع اعتدال الهواء والبدن بغير عذر. وأما إذا كان لعذر بأن فرغ ماء الوضوء أو انقلب الاناء فذهب لطلب الماء وما أشبهه فلا بأس بالتفريق على الصحيح، وكذا إذا فرق في الغسل والتيمم ا ه. وظاهر الاول أن العضو الاول إذا جف بعد ما غسل الثاني فإنه ليس بولاء، وذكر الزيلعي وغيره أن الولاء غسل العضو الثاني قبل جفاف الاول، وهو يقتضي أنه ولاء وهو الاولى. وفي المعراج عن الحلواني تجفيف الاعضاء قبل غسل القدمين بالمنديل لا يفعل لان فيه ترك الولاء، ولا بأس بأن يمسح بالمنديل. واستدل في المعراج على عدم فرضية الولاء بأن ابن عمر رضي الله عنهما توضأ في السوق فغسل وجهه ويديه ومسح برأسه ثم دعي إلى جنازة فدخل المسجد ثم مسح على خفيه ا ه. قال النووي في شرح المهذب: وهو أثر صحيح رواه مالك عن نافع عن ابن عمر والاستدلال به حسن فإن ابن عمر فعله بحضرة حاضري الجنازة ولم ينكر عليه. قوله (ومستحبه التيامن) أي مستحب الوضوء البداءة باليمين في غسل الاعضاء، وهو في اللغة الشئ المحبوب ضد المكروه، وعند الفقهاء هو ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم مرة وتركه أخرى، والمندوب ما فعله مرة أو مرتين وتركه تعليما للجواز كذا في شرح النقاية. ويرد عليه ما رغب فيه ولم يفعله وما جعله تعريفا للمستحب جعله في المحيط تعريفا للمندوب، فالاولى ما عليه الاصوليون من عدن الفرق بين المستحب والمندوب، وأن ما واظب عليه صلى الله عليه وسلم مع ترك ما بلا عذر سنة، وما لم يواظب عليه مندوب ومستحب وإن لم يفعله بعد ما رغب فيه كذا في التحرير، وحكمه الثواب على الفعل وعدم اللوام على الترك. وإنما كان التيامن مستحبا لما في الكتب الستة عن عائشة رضي الله عنها كان صلى الله عليه وسلم يحب التيامن في كل شئ حتى في طهوره وتنعله وترجله وشأنه كله. والمحبوبية لا تستلزم المواظبة لان جميع المستحبات محبوبة له، ومعلوم أنه لم يواظب على كلها وإلا لم تكن مستحبة بل مسنونة لكن أخرج أبو داود وابن
ماجه عنه صلى الله عليه وسلم إذا توضأتم فابدؤوا بميامنكم (1) وغير واحد من حكي وضوءه صلى الله عليه وسلم صرحوا
[ 56 ]
بتقديم اليمنى على اليسرى، وذلك يفيد المواظبة لانهم إنما يحكون وضوءه الذي هو عادته فيكون سنة وبمثله تثبت سنية الاستيعاب لانهم كذلك حكوا المسح كذا في فتح القدير، لكن المواظبة لا تفيد السنية إلا إذا كانت على سبيل العبادة، وأما إذا كانت على سبيل العادة فتفيد الاستحباب والندب لا السنية كلبس الثوب والاكل باليمين، ومواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على التيامن كانت من قبيل الثاني فلا تفيد السنية كذا في شرح الوقاية. وكذا قال في السراج الوهاج: إن البداءة باليمنى فضيلة على الاصح. وقيدنا بقولنا في غسل الاعضاء تبعا لصدر الشريعة وغيره احترازا عن الممسوح فإنه لا يستحب تقديم اليمنى فيه كمسح الاذنين لان مسحهما معا أسهل كالحدين وليس في أعضاء الوضوء عضوان لا يستحب تقديم الايمن منهما إلا الاذنين، فإن كان الرجل اقطع لا يمكنه مسحهما معا فإنه يبتدئ باليمنى وبالخد الايمن كذا في السراج الوهاج. قوله (ومسح رقبته) يعني بظهر اليدين لعدم استعمال بلتهما وقد اختلف فيه، فقيل بدعة وقيل سنة وهو قول الفقية أبي جعفر وبه أخذ كثير من العلماء كذا في شرح مسكين. وفي الخلاصة: الصحيح أنه أدب وهو بمعنى المستحب كما قدمناه. وأما مسح الحلقوم فبدعة، واستدل في فتح القدير على استحباب مسح الرقبة أنه عليه السلام مسح ظاهر رقبته مع مسح الرأس فاندفع به قول من زعم أنه بدعة. وليس مراده حصر مستحبه فيما ذكر لان له مستحبات كثيرة وعبر عنها بعضهم بمندوباته وقدمنا عدم الفرق بينهما. فالذي في فتح القدير أن المندوبات نيف وعشرون: ترك الاسراف، والتقتير، وكلام الناس، والاستعانة - وعن الوبري لا بأس بصب الخادم كان صلى الله عليه وسلم يصب الماء عليه - والتمسح بخرقة يمسح بها موضع الاستنجاء، ونزع خاتم عليه اسمه تعالى أو اسم نبيه حال الاستنجاء، وكون آنيته من
[ 57 ]
خزف، وأن يغسل عروة الابريق ثلاثا، ووضعه على يساره وإن كان إناء يغترف منه فعن يمينه، ووضع يده حالة الغسل على عروته لا رأسه، والتأهب بالوضوء قبل الوقت، وذكر الشهادتين عند كل عضو، واستقبال القبلة في الوضوء، واستصحاب النية في جميع أفعاله، وتعاهد موقيه وما تحت الخاتم، والذكر المحفوظ عند كل عضو، وأن لا يلطم وجهه بالماء، وإمرار اليد على الاعضاء المغسولة، والتأني، والدلك خصوصا في الشتاء، وتجاوز حدود الوجه واليدين والرجلين ليستيقن غسلهما، وقول سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين الخ، وأن يشرب فضل وضوئه مستقبلا قائما - قيل وإن شاء قاعدا - وصلاة ركعتين عقيية، ومل ء آنيته استعدادا وحفظ ثيابه من التقاطر، والامتخاط بالشمال عند الاستنشاق ويكره باليمين، وكذا إلقاء البزاق في الماء، والزيادة على ثلاث في غسل الاعضاء وبالماء المشمس ا ه. وهنا تنبيهات: الاول: أن الاسراف هو الاستعمال فوق الحاجة الشرعية وإن كان شط نهر، وقد ذكر قاضيخان تركه من السنن ولعله الاوجه. فعلى كونه مندوبا لا يكون الاسراف مكروها، وعلى كونه سنة يكون مكروها تنزيها، وصرح الزيلعي بكراهته. وفي المبتغي: إنه من المنهيات فتكون تحريمية. وقد ذكر المحقق آخر أن الزيادة على ثلاث مكروهة وهي من الاسراف. وهذا إذا كان ماء نهر أو مملوكا له، فإن كان ماء موقوفا على من يتطهر أو يتوضأ حرمت الزيادة والسرف بلا خلاف، وماء المدارس من هذا القبيل لانه إنما يوقف ويساق لمن
[ 58 ]
يتوضأ الوضوء الشرعي كذا في شرح منية المصلي. وقد علمت فيما قدمناه إن الزيادة على الثلاث لطمأنينة القلب أو بنية وضوء آخر لا بأس به فينبغي تقييد ما أطلقوه هنا. الثاني أن ترك كلام الناس لا يكون أدبا إلا إذا لم يكن لحاجة، فإن دعت إليه حاجة يخاف فوقها بتركه لم يكن في الكلام ترك الادب كما في شرح المنية. الثالث أن التأهب بالوضوء قبل الوقت مقيد بغير صاحب العذر، وفي شرح المنية وعندي أنه من آداب الصلاة لا الوضوء لانه
مقصود لفعل الصلاة. الرابع أن الزيلعي صرح بأن لطم الوجه بالماء مكروه فيكون تركه سنة لا أدبا. الخامس أن ذكره الدلك بعد ذكره إمرار اليد على الاعضاء تكرار لان الدلك كما في شرح المنية إمرار اليد على الاعضاء المغسولة ينبغي أن يزاد مع الاتكاء. السادس أنه ذكر الدلك من المندوبات وفي الخلاصة أنه سنة عندنا. السابع أنه ذكر منها مل ء آنيته استعدادا وينبغي تقييده بما إذا لم يكن الوضوء من النهر أو الحوض لان الوضوء منه أيسر من الوضوء من الاناء. الثامن أن الادعية المذكورة في كتب الفقه قال النووي: لا أصل لها، والذي ثبت الشهادة بعد الفراغ من الوضوء وأقره عليه السراج الهندي في التوشيح. التاسع أن منها غسل ما تحت الحاجبين والشارب لعدم الحرج. العاشر أن صلاة الركعتين بعد الوضوء إنما تندب إذا لم يكن وقت كراهة. الحادي عشر أن منها الجمع بين نية القلب وفعل اللسان كما في المعراج. الثاني عشر أن لا يتوضأ في المواضع النجسة لان لماء الوضوء حرمة كذا في المضمرات. الثالث عشر منها أن يبدأ في غسل الوجه من أعلاه وفي مسح الرأس بمقدمه وفي اليد والرجل بأطراف الاصابع كما في المعراج. الرابع عشر منها إدخال خنصرية في صماخ أذنيه. الخامس عشر أن منها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في كل عضو كما في التبيين. قوله (وينقضه خروج نجس منه) أي وينقض الوضوء خروج نجس من المتوضئ. والنجس بفتحتين اصطلاحا عين النجاسة، وبكسر الجيم ما لا يكون طاهرا. وفي اللغة: لا فرق بينهما كما في شرح الوقاية، وظاهره أنه بالكسر أعم فيصح ضبطه في المختصر بالكسر
[ 59 ]
والفتح كما لا يخفى. والنقض في الجسم فك تأليفه. وفي غيره إخراجه عن إفادة ما هو المقصود منه كإستباحة الصلاة في الوضوء،. وأفاد بقوله خروج نجس أن الناقض خروجه لا عينه وعلل له في الكافي بأن الخروج علة الانتقاض وهي عبارة عن المعنى، وعلل شراح الهداية بأنها لو كانت نفسها ناقضة لما حصلت طهارة لشخص أصلا لان تحت كل جلدة دما لكن قال في فتح القدير: الظاهر أن الناقض النجس الخارج وبينه بما حاصله أن الناقض هو
المؤثر للنقض والضد هو المؤثر في رفع ضده، وصفة النجاسة الرافعة للطهارة إنما هي قائمة بالخارج فالعلة للنقض هي النجاسة بشرط الخروج، وتأيد هذا بظاهر الحديث ما الحدث؟ قال: ما يخرج من السبيلين. فالعلة النجاسة والخروج علة العلة، وإضافة الحكم إلى العلة أولى من إضافته إلى علة العلة، فاندفع بهذا ما قالوا من لزوم عدم حصول طهارة لشخص على تقدير إضافة النقض إلى النجاسة إذ لا يلزم إلا لو قلنا بأن الخروج ليس شرطا في عمل العلة ولا علة العلة. وشمل كلامه جميع النواقض الحقيقية وهو مجمل وهو قسمان: خارج من السبيلين وخارج من غيرهما. فالاول ناقض مطلقا فتنقض الدودة الخارجة من الدبر والذكر والفرج كذا في الخانية. وفي السراج: إنه بالاجماع. فما في التبيين من أن الدودة الخارجة من فرجها على الخلاف ففيه نظر، وعلل في البدائع بكون الدودة ناقضة أنها نجسة لتولدها من النجاسة، وذكر الاسبيجابي أن فيها طريقتين: إحداهما ما ذكرناه، والثانية أن الناقض ما عليها واختاره الزيلعي وهو في الحصاة مسلم. ولا يرد على المصنف الريح الخارجة من الذكر وفرج المرأة فإنها لا تنقض الوضوء على الصحيح لان الخارج منهما اختلاج وليس بريح خارجة. ولو سلم فليست بمنبعثة عن محل النجاسة والريح لا ينقض إلا لذلك لا لان عينها نجسة لان الصحيح أن عينها طاهرة حتى لو لبس سراويل مبتلة أو ابتل من أليتيه الموضع الذي يمر به الريح فخرج الريح لا يتنجس وهو قول العامة. وما نقل عن الحلواني من أنه كان لا يصلي بسراويله فورع منه كذا قالوا، فاندفع بهذا ما ذكره مسكين في شرحه من أن كلام المصنف ليس على عمومه كما لا يخفى. ودخل أيضا ما لو أدخل أصبعه في دبره ولم يغيبها فإنه تعتبر فيه البلة والرائحة وهو الصحيح لانه ليس بداخل من كل وجه كذا في شرح قاضيخان.
[ 60 ]
واستفيد منه أنه إذا غيبه نقض مطلقا، وكذا الذباب إذا طار ودخل في الدبر وخرج من غير بلة لا ينقض، وكذا المحقنة إذا أدخلها ثم أخرجها إن لم يكن عليها بلة لا تنقض والاحوط أن يتوضأ كذا في منية المصلي. وفي الخانية: وإذا أقطر في إحليله دهنا ثم عاد فلا وضوء
عليه بخلاف ما إذا احتقن بدهن ثم عاد ا ه. والفرق بينهما إن في الثاني اختلط الدهن بالنجاسة بخلاف الاحليل للحائل عند أبي حنيفة كذا في فتح القدير. فعلى هذا فعدم النقض قوله فقط وقد صرح به في المحيط فقال: لا ينقض عند أبي حنيفة خلافا لابي يوسف. والاحليل بكسر الهمزة مجرى البول من الذكر. وفي الولوالجية: وكل شئ إذا غيبه ثم أخرجه أو خرج فعليه الوضوء وقضاء الصوم لانه كان داخلا مطلقا فترتب عليه الخروج، وكل شئ إذا أدخل بعضه وطرفه خارج لا ينقض الوضوء وليس عليه قضاء الصوم لانه غير داخل مطلقا فلا يترتب عليه الخروج ا ه. والكلية الثانية مقيدة بعدم البلة كما في المحيط. وفي البدائع: لو احتشت في الفرج الداخل ونفذت البلة إلى الجانب الآخر فإن كانت القطنة عالية أم محاذية لحرف الفرج كان حدثا لوجود الخروج، وإن كانت القطنة متسفلة عنه لا ينقض لعدم الخروج. وفي منية المصلي: وإن كانت احتشت في الفرج الخارج فابتل داخل الحشو انتقض نفذ أو لم ينفذ. وفي التبيين: وإن حشي إحليله بقطنة فخروجه بابتلال خارجه. وفي الخانية: المجبوب إذا خرج منه ما يشبه البول إن كان قادرا على إمساكه إن شاء أمسكه وإن شاء أرسله فهو بول ينقض الوضوء، وإن كان لا يقدر على إمساكه لا ينقض ما لم يسل. وفي فتح القدير: والخنثى إذا تبين أنه امرأة فذكره كالجرح، أو رجل ففرجه كالجرح وينقض في الآخر بالظهور لكن قال في التبيين: وأكثرهم على إيجاب الوضوء عليه. فحاصله أن الخنثى ينتقض وضوؤه بخروج البول من فرجيه جميعا سال أو لا؟ تبين حاله أو لا؟ وفي التوشيح: يؤخذ في الخنثى المشكل بالاحوط وهو النقض، وأما المفضاة وهي التي صار مسلك البول والغائط منها واحدا أو التي صار مسلك بولها ووطئها واحدا، فيستحب لها الوضوء من الريح ولا يجب لان اليقين لا يزول بالشك. وعن محمد وجوبه وبه أخذ أبو حفص للاحتياط ورجحه في فتح القدير بأن الغالب في الريح كونها من الدبر بل لا نسبة لكونها من القبل به فيفيد غلبة ظن تقرب من اليقين وهو خصوصا في موضع الاحتياط له
[ 61 ]
حكم اليقين فترجح الوجوب ا ه. لكن ينبغي ترجيحه فيها بالمعنى الاول، أما بالمعنى الثاني فلا، لان الصحيح عدم النقض بالريح الخارجة من الفرج. وقوله في الهداية لاحتمال خروجه من الدبر يشير إلى المعنى الاول ولها حكمان آخران: الاول لو طلقت ثلاثا وتزوجت بآخر لا تحل للاول ما لم تحبل لاحتمال الوطئ في الدبر. الثاني يحرم على زوجها جماعها إلا أن يمكنه إتيانها في قبلها من غير تعد كذا في فتح القدير. وينبغي أن يختصا بها بالمعنى الاول، وأما بالمعنى الثاني فلا كما يفيده التعليل المذكور. وإن كان بذكره شق له رأسان إحداهما يخرج منه ماء يسيل في مجرى الذكر والاخرى في غيره، ففي الاول ينقض بالظهور وفي الثاني بالسيلان. وفي التوشيح: باسوري خرج من دبره فإن عالجه بيده أو بخرقة حتى أدخله تنتقض طهارته لانه يلتزق بيده شئ من النجاسة إلا إن عطس فدخل بنفسه. وذكر الحلواني: إن تيقن خروج الدبر تنتقض طهارته بخروج النجاسة من الباطن إلى الظاهر ويخرج على هذا لو خرج بعض الدودة فدخلت ا ه. ثم الخروج في السبيلين يتحقق بالظهور فلو نزل البول إلى قصبة الذكر لا ينقض وإلى القلفة فيه خلاف والصحيح النقض، واستشكله الزيلعي هنا بأنهم قالوا: لا يجب على الجنب إيصال الماء إليه لانه خلقه كقصبة الذكر. وأجاب عنه في الغسل بأن الصحيح وجوب الايصال على الجنب فلا إشكال، لكن في فتح القدير الصحيح المعتمد عدم وجوب الايصال في الغسل للحرج لا لانه خلقة فلا يرد الاشكال، واستدلوا لكون الخارج من السبيلين ناقضا مطلقا بقوله تعالى * (أو جاء أحد منكم من الغائط) * (المائدة: 6) لانه اسم للموضع المطمئن من الارض يقصد للحاجة، فالمجئ منه يكون لازما لقضاء الحاجة فأطلق اللازم وهو المجئ منه وأريد الملزوم وهو الحدث كناية، كذا في غاية البيان والعناية. وظاهر ما في فتح القدير أن اللازم خروج النجاسة والملزوم المجئ من الغائط، وإذا كان كناية عن اللازم فالحمل على أعم اللوازم أولى أخذا بالاحتياط في باب العبادات، فكان
جميع ما يخرج من بدن الانسان من النجاسة ناقضا، معتادا كان أو غير معتاد، فكان حجة على مالك. وتعقبه في فتح القدير بأنه إنما يصح على إرادة أعم اللوازم للمجئ والخارج النجس
[ 62 ]
مطلقا ليس منه للعلم بأن الغائط لا يقصد قط للريح فضلا عن جرح إبرة ونحوه فالاولى كونه فيما يحله. ويستدل على الريح بالاجماع وعلى غيره بالخبر وهو ما رواه الدارقطني الوضوء مما خرج وليس مما دخل لكنه ضعيف. وقوله صلى الله عليه وسلم للمستحاضة توضئي لوقت كل صلاة ا ه. ولا يخفى أن المشايخ إنما استدلوا بالآية على مالك في نفيه ناقضية غير المعتاد من السبيلين ولم يستدلوا بها على الخارج من غيرهما والقياس أيضا حجة على مالك، فالاصل الخارج النجس من السبيلين على وجه الاعتياد، والفرع ما خرج منهما لا على وجه الاعتياد. وأما الخارج من غير السبيلين فناقض بشرط أن يصل إلى موضع يلحقه حكم التطهير - كذا قالوا - ومرادهم أن يتجاوز إلى موضع تجب طهارته أو تندب من بدن وثوب ومكان، وإنما فسرنا الحكم بالاعم من الواجب والمندوب لان ما اشتد من الانف لا تجب طهارته أصلا بل تندب لما أن المبالغة في الاستنشاق لغير الصائم مسنونة، وأن حدها أن يأخد الماء بمنخريه حتى يصعد إلى ما اشتد من الانف. وقد صرح في معراج الدراية وغيره بأنه إذا نزل الدم إلى قصبة الانف نقض، وفي البدائع إذا نزل الدم إلى صماخ الاذن يكون حدثا. وفي الصحاح.
[ 63 ]
صماخ الاذن خرقها وليس ذلك إلا لكونه يندب تطهيره في الغسل ونحوه. وكذا إذا افتصد وخرج دم كثير وسال بحيث لم يتلطخ رأس الجرح فإنه ينقض الوضوء لكونه وصل إلى ثوب أو مكان يلحقهما حكم التطهير فتنبه لهذا فإنه يدفع كلام كثير من الشارحين، ولذا قال في فتح القدير: لو خرج من جرح في العين دم فسال إلى الجانب الآخر منها لا ينقض لانه لا يلحقه حكم هو وجوب التطهير أو ندبه. فقول بعضهم المراد أن يصل إلى موضع تجب طهارته محمول على أن المراد بالوجوب الثبوت وقول الحدادي إذا نزل الدم إلى قصبة الانف
لا ينقض محمول على أنه لم يصل إلى ما يسن إيصال الماء إليه في الاستنشاق فهو في حكم الباطن حينئذ توفيقا بين العبارات، وقول من قال إذا نزل الدم إلى مالان من الانف نقض لا يقتضي عدم النقض إذا وصل إلى ما اشتد منه لا بالمفهوم والصريح بخلافه، وقد أوضحه في غاية البيان والعناية والمراد بالوصول المذكور سيلانه. واختلف في حده ففي المحيط حده أن يعلو وينحدر. عن أبي يوسف وعن محمد إذا انتفخ على رأس الجرح وصار أكبر من رأسه نقض، والصحيح الاول. وفي الدراية جعل قول محمد أصح واختاره السرخسي، وفي فتح القدير أنه الاولى، وفي مبسوط شيخ الاسلام تورم رأس الجرح فظهر به قيح ونحوه لا ينقض ما لم يجاوز الورم لانه لا يجب غسل موضع الورم
[ 64 ]
فلم يتجاوزه إلى موضع يلحقه التطهير، ثم الجرح والنفطة وماء السرة والثدي والاذن والعين إذا كان لعلة سواء على الاصح. وعن الحسن أن ماء النفطة لا ينقض. قال الحلواني: وفيه توسعة لمن به جرب أو جدري كذا في المعراج: وفي التبيين والقيح: الخارج من الاذن أو الصديد إن كان بدون الوجع لا ينقض ومع الوجع ينقض لانه دليل الجرح روي ذلك عن الحلواني ا ه. وفيه نظر بل الظاهر إذا كان الخارج قيحا أو صديدا ينقض سواء كان مع وجع أو بدونه لانهما لا يخرجان إلا عن علة، نعم هذا التفصيل حسن فيما إذا كان الخارج ماء ليس غير. وفيه أيضا: ولو كان في عينيه رمد أو عمش يسيل منهما الدموع - قالوا - يؤمر بالوضوء لوقت كل صلاة لاحتمال أن يكون صديدا أو قيحا ا ه. وهذا التعليل يقتضي أنه أمر استحباب فإن الشك والاحتمال في كونه ناقضا لا يوجب الحكم بالنقض إذ اليقين لا يزول بالشك، نعم إذا علم من طريق غلبة الظن بأخبار الاطباء أو بعلامات تغلب على ظن المبتلي يجب. ولو كان الدم في الجرح فأخذه بخرقة أو أكله الذباب فازداد في مكانه، فإن كان بحيث يزيد ويسيل لو لم يأخذه بنفسه بطل وضوءه وإلا فلا. وكذلك إذا ألقى عليه تراب أو رماد ثم ظهر ثانيا وتربه ثم وثم فهو كذلك يجمع كله. قال في الذخيرة قالوا: وإنما يجمع إذا
كان في مجلس واحد مرة بعد أخرى، أما إذا كان في مجالس مختلفة لا يجمع. ولو ربط الجرح فنفذت البلة إلى طاق لا إلى الخارج نقض. قال في فتح القدير: ويجب أن يكون معناه إذا كان
[ 65 ]
بحيث لولا الرباط سال لان القميص لو تردد على الجرح فابتل لا ينجس ما لم يكن كذلك لانه ليس بحدث. وفي المحيط: مص القراد فامتلا إن كان صغيرا لا ينقض كما لو مص الذباب وإن كان كبيرا نقض كمص العلقة ا ه. وعللوه بأن الدم في الكبير يكون سائلا قالوا: ولا ينقض ما ظهر من موضعه ولم يرتق كالنفطة إذا قشرت، ولا ما ارتقى عن موضعه ولم يسل كالدم المرتقى من مغرز الابرة، والحاصل في الخلال من الاسنان، وفي الخبز من العض، وفي الاصبع من إدخاله في الانف. وفي منية المصلي: ولو استنثر فسقطت من أنفه كتلة دم لم تنقض وضوءه وإن قطرت قطرة دم انتقض ا ه.. وأما ما سال بعصر وكان بحيث لو لم يعصر لم يسل قالوا لا ينقض لانه ليس بخارج وإنما هو مخرج وهو مختار صاحب الهداية، وقال شمس الائمة ينقض وهو حدث عمد عنده وهو الاصح كذا في فتح القدير معزيا إلى الكافي لانه لا تأثير يظهر للاخراج وعدمه في هذا الحكم بل لكونه خارجا نجسا، وذلك يتحقق مع الاخراج كما يتحقق مع عدمه فصار كالفصد، كيف وجميع الادلة الموردة من السنة والقياس يفيد تعليق النقض بالخارج النجس وهو ثابت في المخرج ا ه. وضعفه في العناية بأن الاخراج ليس بمنصوص عليه وإن كان يستلزمه فكان ثبوته غير قصدي ولا معتبر به ا ه. وهذا كله مذهبنا واستدلوا له بأحاديث ضعفها في فتح القدير، وأحسن ما يستدل به حديث فاطمة والقياس. أما الاول فما رواه البخاري عن عائشة جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إني امرأة استحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ قال: لا إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا
[ 66 ]
أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم. قال هشام بن عروة قال أبي: ثم
توضئي لكل صلاة حتى يجئ ذلك الوقت. وما قيل إنه من كلام عروة دفع بأنه خلاف الظاهر لانه لما كان على مشاكلة الاول لزم كونه من قائل الاول فكان حجة لنا لانه علل وجوب الوضوء بأنه دم عرق وكل الدماء كذلك. وأما القياس فبيانه أن خروج النجاسة مؤثر في زوال الطهارة شرعا وقد عقل في الاصل وهو الخارج من السبيلين أن زوال الطهارة عنده وهو الحكم إنما هو بسبب أنه نجس خارج من البدن إذ لم يظهر لكونه من خصوص السبيلين تأثير وقد وجد في الخارج من غيرهما وفيه المناط فيتعدى الحكم إليه، فالاصل الخارج من السبيلين وحكمه زوال الطهارة وعلته خروج النجاسة من البدن وخصوص المحل ملغى، والفرع الخارج النجس من غيرهما وفيه المناط فيتعدى إليه زوال الطهارة التي موجبها الوضوء، فثبت أن موجب هذا القياس ثبوت زوال طهارة الوضوء. وإذا صار زائل الطهارة فعند إرادة الصلاة يتوجه عليه خطاب الوضوء وهو تطهير الاعضاء الاربعة، وإذا صار خروج النجاسة من غير السبيلين كخروجها من السبيلين يرد أن يقال لما اشترطتم في الفرع السيلان أو مل ء الفم في القئ مع عدم اشتراطه في الاصل، فاجيب بأن النقض بالخروج وحقيقته من الباطن إلى الظاهر وذلك بالظهور في السبيلين يتحقق وفي غيرهما بالسيلان إلى موضع يلحقه التطهير لان بزوال القشرة تظهر النجاسة في محلها فتكون بادية لا خارجة والفم ظاهر من وجه باطن من وجه فاعتبر ظاهرا في مل ء الفم باطنا فيما دونه. قوله (وقئ ملا فاه) أي وينقضه قئ ملا فم المتوضئ. أفرده بالذكر وإن كان داخلا في الاول لمخالفته في حد الخروج، كذا في التبيين. وإنما لم يفرد الخارج من غير السبيلين
[ 67 ]
مع مخالفته للخارج منهما كما في الوافي لما أن السيلان مستفاد من الخروج كما قدمناه بخلاف مل ء الفم، وقد تقدم الدليل لمذهبنا وهو مذهب العشرة المبشرين بالحجة ومن تابعهم. واختلف في حد مل ء الفم فصحح في المعراج وغيره أنه ما لا يمكن إمساكه إلا بكلفة، وصحح في الينابيع أنه مالا يقدر على إمساكه، ووجهه أن النجس حينئذ يخرج ظاهرا لان
هذا القئ ليس إلا من قعر المعدة، فالظاهر أنه مستصحب للنجس بخلاف القليل فإنه من أعلى المعدة فلا يستصحبه، ولان للفم بطونا معتبرا شرعا حتى لو ابتلع الصائم ريقه لا يفسد صومه كما لو انتقلت النجاسة من محل إلى آخر في الجوف وظهورا حتى لا يفسد الصوم بإدخال الماء فيه فراعينا الشبهين فلا ينقض القليل ملاحظة للبطون وينقض الكثير للآخر لخروج النجس ظاهرا. قوله (ولو مرة أو علقا أو طعاما أو ماء) بيان لعدم الفرق بين أنواع القئ. والعلق ما اشتدت حمرته وجمد أطلق في الطعام والماء. قال الحسن: إذا تناول طعاما أو ماء ثم قاء من ساعته لا ينقض لانه طاهر حيث لم يستحل وإنما اتصل به قليل القئ فلا يكون حدثا فلا يكون نجسا، وكذا الصبي إذا ارتضع وقاء من ساعته وصححه في المعراج وغيره. ومحل الاختلاف ما إذا وصل إلى معدته ولم يستقر، أما لو قاء قبل الوصول إليها وهو في المرئ فإنه لا ينقض اتفاقا كما ذكره الزاهدي. وفي فتح القدير: لو قاء دودا كثيرا أو حية ملات فاه لا ينقض لان ما يتصل به قليل وهو غير ناقض ا ه. وقد يقال: ينبغي على قول من حكم بنجاسة الدود أن ينقض إذا ملا الفم. قوله (لا بلغما) عطف على مرة أي لا ينقضه بلغم أطلقه فشمل ما إذا كان من الرأس أو من الجوف ملا الفم أو لا، مخلوطا بطعام أو لا، إلا إذا كان الطعام مل ء الفم. وعند أبي يوسف ينقض المرتقى من الجوف أن ملا الفم كسائر أنواع القئ لانه يتنجس في المعدة بالمجاورة بخلاف النازل من الرأس فإنها ليست محل النجاسة، ولهما أنه لزج صقيل لا يتداخله أجزاء النجاسة فصار كالبزاق، وما يتصل به من القئ قليل ولا يرد ما إذا وقع البلغم في النجاسة فإنه يحكم بنجاسته لان كلامنا فيما إذا كان في الباطن، وأما إذا انفصل قلت ثخانته وازدادت رقته فقبلها، هكذا في كثير من الكتب وهو ظاهر في أن البلغم ليس
[ 68 ]
نجسا اتفاقا وإنما نجسه أبو يوسف للمجاورة، وهما حكما بطهارته وأن الخلاف في الصاعد من المعدة فاندفع به قول من قال إن البلغم نجس عند أبي يوسف لانه إحدى الطبائع الاربع
حتى قال في الخلاصة: إن من صلى ومعه خرقة المخاط لا تجوز صلاته عند أبي يوسف إن كان كثيرا فاحشا إذ لو كان كذلك لاستوى النازل من الرأس والمرتقى من الجوف، وقد قالوا: لا خلاف في طهارة الاول. واندفع به ما في البدائع أنه لا خلاف في المسألة في الحقيقة بأن جواب أبي يوسف في الصاعد من المعدة وأنه حدث بالاجماع لانه نجس وجوابهما في الصاعد من حواشي الحلق وأطراف الرئة وأنه ليس بحدث إجماعا لانه طاهر فينظر إن كان صافيا غير مخلوط بالطعام تبين أنه لم يصعد من المعدة فلا يكون حدثا، وإن كان مخلوطا بشئ من ذلك تبين أنه صعد منها فيكون حدثا وهذا هو الاصح ا ه. ويدل على ضعفه أن المنقول في الكتب المعتمدة أن البلغم إذا كان مخلوطا بالطعام لا ينقض إلا إذا كان الطعام غالبا بحيث لو انفرد ملا الفم، أما إذا كان الطعام مغلوبا فلا ينقض مع تحقق كونه من المعدة. قال في الخلاصة: فإن استويا لا ينقض. وفي صلاة المحسن قال: العبرة للغالب ولو استويا يعتبر كل على حدة. قال في فتح القدير: وعجز هذا أولى من عجز ما في الخلاصة. وفي شرح الجامع الصغير لقاضيخان: الخلاف في البلغم وهو ما كان منعقدا متجمدا، أما البزاق وهو ما لا يكون متجمدا فلا ينقض بالاجماع. وذكر العلامة يعقوب باشاه أن في قولهما إن ما يتصل بالبلغم من القئ قليل وهو غير ناقض إشارة إلى أنه ينبغي أن ينتقض الوضوء بقئ البلغم إذا تكرر جدا مع اتحاد المجلس أو السبب ويبلغ بالجمع حد الكثرة ا ه. وقد يقال: الظاهر عدم اعتباره لانه إنما يجمع إذا كان غير مستهلك، أما إذا كان مغلوبا مستهلكا فلا، وصرحوا في باب الانجاس أن نجاسة القئ مغلظة. وفي معراج الدراية وعن أبي حنيفة قاء طعاما أو ماء فأصاب إنسانا شبرا في شبر لا يمنع. وفي المجتبى: الاصح أنه لا يمنع ما لم يفحش ا ه. وهو صريح في أن نجاسته مخففة. وحمله في فتح القدير على ما إذا قاء من
[ 69 ]
ساعته وهو غير صحيح لانه حينئذ طاهر كما قدمنا أنه غير ناقض. وألحقوا بالقئ ماء فم النائم إذا صعد من الجوف بأن كان أصفر أو منتنا وهو مختار أبي نصر، وصحح في الخلاصة
طهارته وعند أبي يوسف نجس، ولو نزل من الرأس فطاهر اتفاقا وفي التنجيس أنه طاهر كيفما كان وعليه الفتوى. قوله (أو دما غلب عليه البصاق) معطوف على البلغم أي لا ينقض الدم الخارج من الفم المغلوب بالبصاق لان الحكم للغالب فصار كأنه كله بزاق، قيد بغلبة البزاق لانه لو كان مغلوبا والدم غالب نقض لانه سال بقوة نفسه. وإن استويا نقض أيضا لاحتمال سيلانه بنفسه أو أساله غيره فوجد الحدث من وجه فرجحنا جانب الوجود احتياطا بخلاف ما إذا شك في الحدث لانه لم يوجد إلا مجرد الشك ولا عبرة له مع اليقين، كذا في المحيط. قالوا: علامة كون الدم غالبا أو مساويا أن يكون أحمر، وعلامة كونه مغلوبا أن يكون أصفر، وقيدنا بكونه خارجا من الفم الخ. لانه لو كان صاعدا من الجوف مائعا غير مخلوط بشئ فعند محمد ينقض إن ملا الفم كسائر أنواع القئ، وعندهما إن سال بقوة نفسه نقض الوضوء، وإن كان قليلا لان المعدة ليست بمحل الدم فيكون من قرحة في الجوف، كذا في الهداية. واختلف التصحيح فصحح في البدائع قولهما قال وبه أحد عامة المشايخ. وقال الزيلعي: إنه المختار وصحح في المحيط قول محمد وكذا في السراج معزيا إلى الوجير، ولو كان مائعا نازلا من الرأس نقض، قل أو كثر، بإجماع أصحابنا. ولو كان علقا متجمدا يعتبر فيه مل ء الفم بالاتفاق لانه سوداء محترقة، وأما الصاعد من الجوف المختلط بالبزاق فحكمه ما بيناه في الخارج من الفم المختلط بالبزاق لا فرق في المخلوط بالبزاق بين كونه من الفم أو الجوف وهو ظاهر إطلاق الشارحين كصاحب المعراج وغاية البيان وجامع قاضيخان والكافي والينابيع والمضمرات، وصرح بعدم الفرق في شرح مسكين. ونقل ابن الملك في شرحه على المجمع
[ 70 ]
أن الدم الصاعد من الجوف إذا غلبه البزاق لا ينقض اتفاقا. وظاهر كلام الزيلعي أن الدم الصاعد من الجوف المختلط بالبزاق ينقض قليله وكثيره على المختار، ولا يخفى عدم صحته لمخالفته المنقول مع عدم تعقل فرق بين الخارج من الفم والخارج من الجوف المختلطين
بالبزاق. وقد استفيد مما ذكروا هنا أن ما خرج من المعدة لا ينقض ما لم يملا الفم وما لم يخرج منها كالدم ينقض قليله وكثيره إذا وصل إلى موضع يلحقه حكم التطهير، وإنما كان كذلك لان الفم له تعلق بالمعدة من حيث إن وصول الطعام إليها منه فكان منها لاتصاله بها فيجوز أن يلحق بها في حق ما يخرج منها إذا كان قليلا بخلاف الدم لان المعدة ليست بموضعه، ولا ضرورة في حكم الدم فيكون له حكم الظاهر من كل وجه، وكذا في معراج الدراية. وفي شرح النقاية: ولو كان في البزاق عروق الدم فهو عفو. وفي السراج الوهاج: وإن استعط فخرج السعوط إلى الفم إن ملا الفم نقض، وإن خرج من الاذنين لا ينقض وفيه تأمل. وحمله بعضهم على أنوصل إلى الجوف في المسألة الاولى ثم خرج وإلا فهو لم يصل إلى موضع النجاسة لكن في البدائع خلاف في النقض في المسألة الاولى ووجه القول بالنقض بما ذكرنا. وقال السراج الهندي: علامة كونه وصل إلى الجوف أن يتغير والتغير أن يستحيل
[ 71 ]
إلى نتن وفساد فحينئذ يكون نجسا. والبزاق بالزاي والسين والصاد لغات كما في شرح المنية. واعلم أن حكم الصوم كحكم الوضوء هنا حتى إذا ابتلع البصاق وفيه دم إن كان الدم غالبا أو كان سواء أفطر وإلا فلا. قوله (والسبب يجمع متفرقة) أي متفرق القئ. وصورته لو قاء مرارا كل مرة دون مل ء الفم ولو جمع ملا الفم يجمع وينقض الوضوء إن اتحد السبب وهو الغثيان وهو مصدر غثت نفسه إذا جاشت، وإن اختلف السبب لا يجمع. وتفسير اتحاده أن يقئ ثانيا قبل سكون النفس من الغثيان، وإن قاء ثانيا بعد سكون النفس كان مختلفا وهذا عند محمد. وقال أبو يوسف: يجمع إن اتحد المجلس اتحاد ما يحتوي عليه المجلس كما ذكره الحدادي لان للمجلس أثرا في جمع المتفرقات، ولهذا تتحد الاقوال المتفرقة في النكاح والبيع وسائر العقود باتحاد المجلس، وكذلك التلاوات المتعددة لآية السجدة تتحد باتحاد المجلس. ولمحمد رحمه الله أن الحكم يثبت على حسب ثبوت السبب من الصحة والفساد فيتحد باتحاده، ألا ترى أنه إذا جرح جراحات ومات
منها قبل البرء يتحد الموجب وإن تخلل البرء اختلف. قال المصنف في الكافي: والاصح قول محمد لان الاصل إضافة الاحكام إلى الاسباب، وإنما ترك في بعض الصور للضرورة كما في سجدة التلاوة إذا لو اعتبر السبب لانتفى التداخل لان كل تلاوة سبب. وفي الاقارير اعتبر المجلس للعرف، وفي الايجاب والقبول لدفع الضرر ا ه. ثم هذه المسألة على أربعة أوجه: إما أن يتحد السبب والمجلس أو يتعدد أو يتحد الاول دون الثاني أو على العكس. ففي الاول يجمع اتفاقا، وفي الثاني لا يجمع اتفاقا، وفي الثالث يجمع عند محمد، وفي الرابع يجمع عند أبي يوسف. وقد نقلوا في كتاب الغصب مسألة اعتبر فيها محمد المجلس، وأبو يوسف اعتبر السبب وهي رجل نزع خاتما من أصبع نائم ثم أعادها، إن أعادها في ذلك النوم يبرأ من الضمان إجماعا، وإن استيقظ قبل أن يعيدها ثم نام في موضعه ولم يقم منه فأعادها في النومة الثانية لا يبرأ من الضمان عند أبي يوسف لانه لما انتبه وجب ردها إليه فما لم يردها إليه حتى نام لم يبرأ بالرد إليه وهو نائم بخلاف الاولى، لان هناك وجب الرد إلى نائم، وهنا لما استيقظ وجب الرد إلى مستيقظ فلا يبرأ بالرد إلى النائم. وعند محمد يبرأ لانه ما دام في مجلسه ذلك لا ضمان عليه وإن تكرر نومه ويقظته، فإن قام عن مجلسه ذلك ولم يردها إليه ثم نام في موضع آخر فردها إليه لم يبرأ من الضمان إجماعا لاختلاف المجلس والسبب، كذا في السراج الوهاج معزيا إلى الواقعات ولم يذكر لابي حنيفة فيها قولا. وقال قاضيخان في فتاواه من الغصب ولم يذكر في هذه المسائل قول أبي حنيفة فإن الصحيح من مذهبه أنه لا يضمن إلا بالتحويل ا ه. والذي يظهر أن الخلاف في مسألة الغصب ليس بناء على اتحاد السبب أو المجلس فإن النوم ليس سببا في براءته، بل السبب فيها إنما هو رده إلى صاحبه لكن أبو يوسف نظر إلى أنه أخذه وهو نائم ثم وجب الرد إليه وهو مستيقظ، فلما لم يرده حتى نام ثانيا لم يبرأ، ومحمد نظر إلى أنه ما دام في
[ 72 ]
مجلسه لم يضمن. وقد تكرر لفظ المعدة فلا بأس بضبطها وهي بفتح الميم وكسر العين وبكسر الميم وإسكان العين كذا في شرح المهذب.
قوله (ونوم مضطجع ومتورك) بيان للنواقض الحكمية بعد الحقيقية. والنوم فترة طبيعية تحدث في الانسان بلا اختيار منه وتمنع الحواس الظاهرة والباطنة عن العمل مع سلامتها واستعمال العقل مع قيامه فيعجز العبد عن أداء الحقوق. وللعلماء في النوم طريقتان ذكرهما في المبسوط وتبعه شراح الهداية: إحداهما أن النوم لي س بناقض إنما الناقض ما لا يخلو عنه النائم فأقيم السبب الظاهر مقامه كما في السفر، وكما إذا دخل الكنيف وشك في وضوئه فإنه ينتقض وضوءه لجريان العادة عند الدخول في الخلاء بالتبرز. الثانية أن عينه ناقض وصحح في السراج الوهاج الاول فاختاره الزيلعي مقتصرا عليه لانه لو كان ناقضا لاستوى وجوده في الصلاة وخارجها. فما في التوشيح من أن عينه ليس بناقض اتفاقا فيه نظر، ولما كان النوم مظنة الحدث أدير الحكم على ما يتحقق معه الاسترخاء على الكمال وهو في المضطجع. والاضطجاع وضع الجنب على الارض، يقال ضجع الرجل إذا وضع جنبه بالار ض واضطجع مثله في الصحاح. ويلحق به المستلقي على قفاه والنائم المستلقي على وجهه، وأما من نام واضعا أليتيه على عقبيه وصار شبه المنكب على وجهه واضعا بطنه على فخذيه لا ينتقض وضوؤه، كذا في النهاية والمعراج وعزاه في فتح القدير إلى الذخيرة ثم قال: وفي غيرها نام متربعا ورأسه على فخذيه نقض وهذا يخالف ما في الذخيرة ا ه. وفي المحيط: لو نام قاعدا واضعا أليتيه على عقبيه شبه المنكب. قال محمد: عليه الوضوء. وقال أبو يوسف: لا وضوء عليه وهو الاصح ا ه. فأفاد أن في المسألة اختلافا بين الصاحبين وأن ما في النهاية وغيرها الاصح أطلق في المضطجع فشمل المريض إذا نام في صلاته مضطجعا وفيه خلاف والصحيح النقض. وقيل: لا لان نومه قاعدا كنوم الصحيح قائما، وأما التورك فلفظ مشترك، فإن كان بمعنى أن جلسته تكشف عن المخرج كما إذا نام على أحد وركيه أو معتمدا على أحد مرفقيه فهذا ناقض وهو مراد المصنف بدليل ما علل به في الكافي، وإن كان
[ 73 ]
بمعنى أن يبسط قدميه من جانب ويلصق أليتيه بالارض فهذا غير ناقض كما في الخلاصة،
ولم يذكر المصنف الاستناد إلى شئ لو أزيل عنه لسقط لانه لا ينقض في ظاهر المذهب عن أبي حنيفة. إذا لم تكن مقعدته زائلة عن الارض كما في الخلاصة وبه أخذ عامة المشايخ وهو الاصح كما في البدائع، وإن كان مختار القدوري النقض. وأما إذا كانت مقعدته زائلة فإنه ينقض اتفاقا وهو بمعنى التورك فلذا تركه. وفي الخلاصة: ولو نام على رأس التنور وهو جالس قد أدلى رجليه كان حدثا. وفي المبتغى: ولو نامحتبيا ورأسه على ركبتيه لا ينقض. وفي المحيط: لو نام على دابة وهي عريانة قالوا: إن كان في حالة الصعود والاستواء لا يكون حدثا، وإن كان في حالة الهبوط يكون حدثا لان مقعدته متجافية عن ظهر الدابة ا ه. وفي هذه المواضع التي يكون فيها حدثا فهو بمعنى التورك فلم يخرج عن كلام المصنف، وقيد المصنف بنوم المضطجع والمتورك لانه لا ينقض نوم القائم ولا القاعد ولو في السراج أو المحمل كما في الخلاصة، ولا الراكع ولا الساجد مطلقا إن كان في الصلاة وإن كان خارجها فكذلك إلا في السجود فإنه يشترط أن يكون على الهيئة المسنونة له بأن يكون رافعا بطنه عن فخذيه مجافيا عضديه عن جنبيه. وإن سجد على غير هذه الهيئة انتقض وضوؤه لان في الوجه الاول الاستمساك باق والاستطلاق منعدم بخلافه في الوجه الثاني، وهذا هو القياس في الصلاة إلا أنا تركناه فيها
[ 74 ]
بالنص، كذا في البدائع وصرح الزيلعي بأنه الاصح. وسجدة التلاوة في هذا كالصلبية وكذا سجدة الشكر عند محمد خلافا لابي حنيفة. كذا في فتح القدير وكذا في سجدتي السهو كذا في الخلاصة. وأطلق في الهداية الصلاة فشمل ما كان عن تعمد وما عن غلبة. وعن أبي يوسف: إذا تعمد النوم في الصلاة نقض والمختار الاول. وفي فصل ما يفسد الصلاة من فتاوى قاضيخان. وعن أبي يوسف: إذا تعمد النوم في الصلاة نقض والمختار الاول. وفي فصل ما يفسد الصلاة من فتاوى قاضيخان: لو نام في ركوعه أو سجوده إن لم يتعمد لا تفسد، وإن تعمد فسدت في السجود دون الركوع ا ه. كأنه مبني على قيام المسكة حينئذ في
الركوع دون السجود، ومقتضى النظر أن يفصل في ذلك السجود إن كان متجافيا لا تفسد وإلا تفسد كذا في فتح القدير. وقد يقال مقتضى الاصح المتقدم أن لا ينتقض بالنوم في السجود مطلقا وينبغي حمل ما في الخانية على رواية أبي يوسف. وفي جامع الفقه أن النوم في الركوع والسجود لا ينقض الوضوء ولو تعمده ولكن تفسد صلاته كذا في شرح منظومة ابن وهبان. وفي الخلاصة: لو نام قاعدا فسقط على الارض عن أبي حنيفة أنه إن انتبه قبل أن
[ 75 ]
يصيب جنبه الارض أو عند إصابة جنبه الارض بلا فصل لم ينتقض وضوؤه، وعن أبي يوسف أنه ينتقض، وعن محمد أنه إن انتبه قبل أن تزايل مقعدته الارض لم ينتقض وضوءه، وإن زايل مقعدته الارض قبل أن ينتبه انتقض، والفتوى على رواية أبي حنيقة، قال شمس الائمة الحلواني: ظاهر المذهب عن أبي حنيفة كما روي عمحمد قيل هو المعتمد، وسواء سقط أو لم يسقط. وإن نام جالسا وهو يتمايل ربمتزول مقعدته عن الارض وربما لا تزول. قال شمس الائمة الحلواني: ظاهر المذهب أنه لا يكون حدثا. ولو وضع يده على الارض فاستيقظ لا ينتقض الوضوء، سواء وضع بطن الكف أو ظهر الكف ما لم يضع جنبه على الارض قبل التيقظ ا ه. وقيد بالنوم لان النعاس مضطجعا لا ذكر له في المذهب، والظاهر أنه ليس بحدث. وقال أبو علي الدقاق وأبو علي الرازي: إن كان لا يفهم عامة ما قيل عنده كان حدثا كذا في شروح الهداية. وبهذا تبين أن ما في التبيين على قول الشيخين لا على الظاهر، وعليه يحمل ما في سنن البزار بإسناد صحيح: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون الصلاة فيضعون جنوبهم فمنهم من ينام ثم يقوم إلى الصلاة. فإن النوم مضطجعا ناقض إلا في حق النبي صلى الله عليه وسلم. صرح في القنية بأنه من خصوصياته ولهذا ورد في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم نام حتى نفخ ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ لما ورد في حديث آخر أن عيني
[ 76 ]
تنامان ولا ينام قلبي. ولا يشكل عليه ما ورد في الصحيح من أنه نام ليلة التعريس حتى
طلعت الشمس لان القلب يقظان يحس بالحدث وغيره مما يتعلق بالبدن ويشعر به القلب، وليس طلوع الفجر والشمس من ذلك ولا هو مما يدرك بالقلب وإنما يدرك بالعين وهي نائمة، وهذا هو المشهور في كتب المحدثين والفقهاء كذا في شرح المهذب. قوله (وإغماء وجنون) أي وينقضه إغماء وجنون. أما الاغماء فهو ضرب من المرض يضعف القوى ولا يزيل الحجا أي العقل بل يستره بخلاف الجنون فإنه يزيله، ولذا لم يعصم النبي صلى الله عليه وسلم من الاغماء كالامراض وعصم من الجنون وهو كالنوم في فوت الاختيار وفوت استعمال القدرة حتى بطلت عباراته بل أشد منه لان النوم فترة أصلية وإذا نبه انتبه، والاغماء عارض لا يتنبه صاحبه إذا نبه فكان حدثا بكل حال، ولذا أطلقه في المختصر بخلاف النوم فإنه لا يكون حدثا إلا إذا استرخت مفاصله غاية الاسترخاء فغلب الخروج حينئذ فأقيم السبب مقامه بخلافه في غير هذه الحالة فإن الغالب فيها عدمه فلا يقام السبب مقامه فكان عدم النقض على أصل القياس الذي يقتضي أن غير الخارج لا ينقض، وبهذا اندفع ما وقع في كثير من الكتب من أن القياس أن يكون النوم حدثا في الاحوال كلها. وقد نقل النووي في شرح المهذب الاجماع على ناقضية الاغماء والجنون. يقال أغمي عليه وهو مغمى عليه وغمي عليه فهو مغمى عليه، ورجل غمي أي مغمى عليه وكذا الاثنان والجمع والمؤنث، وقد ثناه بعضهم وجمعه فقال رجلان أغميان ورجال أغماء. وأما الجنون فهو زوال العقل ونقضه ظاهر باعتبار عدم مبالاته وتمييز الحدث من غيره. وعلله بعض المشايخ بغلبة الاسترخاء، ورد بأن الجنون قد يكون أقوى من الصحيح فالاولى ما قلناه كذا في العناية. وأما العتة فلم أر من ذكره من النواقض ولا بد من بيان حقيقته وحكمه. أما الاول فهو آفة توجب الاختلال بالعقل بحيث يصير مختلط الكلام فاسد التدبير لانه لا يضرب ولا يشتم. وأما الثاني فقد اختلف فيه على ثلاثة أقوال: ففي أصول فخر الاسلام وشمس الائمة والمنار والمغني والتوضيح أنه كالصبي مع العقل في كل الاحكام فيوضع عنه الخطاب. وفي التقويم لابي زيد الدبوسي أن حكمه حكم الصبي مع العقل إلا في العبادات فإنا لم نسقط عنه
الوجوب به احتياطا في وقت الخطاب، ورده صدر الاسلام أبو اليسر بأنه نوع جنون فمنع الوجوب لانه لا يقف على العواقب. وفي أصول البستي أن المعتوه ليس بمكلف بأداء العبادات كالصبي العاقل إلا أنه إذا زال العتة توجه عليه الخطاب بالاداء حالا وبقضاء ما مضى إذا لم يكن فيه حرج كالقليل فقد صرح بأنه يقضي القليل دون الكثير وإن لم يكن مخاطبا فيما قبل كالنائم والمغمى عليه دون الصبي إذ بلغ وهو أقرب إلى التحقيق، كذا في شرح المغني للهندي. وظاهر كلام الكل الاتفاق على صحة أدائه العبادات، أما من جعله مكلفا بها
[ 77 ]
فظاهر، وكذا من لم يجعله مكلفا لانه جعله كالصبي العاقل وقد صرحوا بصحة عباداته فيفهم منه أن العتة لا ينقض الوضوء والله سبحانه الموفق. قوله (وسكر) أي وينقضه سكر وهو سرور يغلب على العقل بمباشرة بعض الاسباب الموجبة له فيمتنع الانسان عن العمل بموجب عقله من غير أن يزيله، ولذا بقي أهلا للخطاب. وقيل إنه يزيله وتكليفه مع زوال عقله بطريق الزجر عليه، والتحقيق الاول لما ذكره الحكيم الترمذي في نوادره: العقل في الرأس وشعاعه في الصدر والقلب، فالقلب يهتدي بنوره لتدبير الامور وتمييز الحسن من القبيح، فإذا شرب الخمر خلص أثرها إلى الصدر فحال بينه وبين نور العقل فيبقى الصدر مظلما فلم ينتفع القلب بنور العقل فسمي ذلك سكرا لانه سكر حاجز بينه وبين العقل. وقد اختلف في حده هنا ففي الخلاصة والولجية والينابيع ونقله في المضمرات والتبيين عن صدر الاسلام وعزاه مسكين إلى شرح المبسوط أن حده هو وحده في وجوب الحد وهو من لا يعرف الرجل من المرأة. وقال شمس الائمة الحلواني: هو من حصل في مشيته اختلال وصححه في المجتبى وشرح الوقاية والمضمرات وشرح مسكين. قالوا: وكذا الجواب في الخنث إذا حلف أنه ليس بسكران وكان على الصفة التي قلنا يحنث في يمينه وإن لم يكن بحال لا يعرف الرجل من المرأة. وقد ذكر ابن وهبان في منظومته أن السكر يبطل الوضوء والصلاة وهو محمول على أنه شرب المسكر فقام إلى
الصلاة قبل أن يصير إلى هذه الحالة ثم صار في أثنائها إلى حالة لو مشى فيها يتحرك. قوله (وقهقهة مصل بالغ) أي وينقضه قهقهة وهي في اللغة معروفة وهو أن يقول قه قه وقهقه بمعنى. واصطلاحا ما يكون مسموعا له ولجيرانه بدت أسنانه أو لا. وظاهر كلام المصنف وجماعة أن القهقهة من الاحداث. وقال بعضهم: إنها ليست حدثا فإنما يجب الوضوء بها عقوبة وزجرا وهو ظاهر كلام جماعة منهم القاضي أبو زيد الدبوسي في الاسرار وهو موافق للقياس لانها ليست خارجا نجسا بل هي صوت كالبكاء والكلام. وفائدة الخلاف أن من جعلها حدثا منع جواز مس المصحف معها كسائر الاحداث، ومن أوجب الوضوء عقوبة جوز مس المصحف معها، هكذا نقل الخلاف وفائدته في معراج الدراية. وينبغي ترجيح الثاني لموافقته القياس وسلامته مما يقال من أنها ليست نجاسة ولا سببها وموافقة الاحاديث
[ 78 ]
فإنها على ما رووا ليس فيها إلا الامر بإعادة الوضوء والصلاة، ولا يلزم منه كونها من الاحداث ولذا وقع الاختلاف في قهقهة النائم في الصلاة وصححوا في الاصول والفروع أنها لا تنقض الوضوء ولا تبطل الصلاة بناء على أنها إنما أوجبت إعادة الوضوء بطريق الزجر والعقوبة والنائم ليس من أهلها وهذا يرجح ما ذكرناه، لكن سوى فخر الاسلام بين كلام النائم وقهقهته في أن كلا منهما لا يبطل الصلاة، والمذهب أن الكلام مفسد للصلاة كما صرح به في النوازل بأنه المختار فحينئذ تكون القهقهة من النائم مفسدة للصلاة لا الوضوء وهو مختار ابن الهمام في تحريره لان جعلها حدثا للجناية ولا جناية من النائم فتبقى كلاما بلا قصد فيفسد كالساهي به ا ه. وفي النصاب وعليه الفتوى وفي الولوالجية وهو المختار وفي المبتغى: تكلم النائم في الصلاة مفسد في الاصح بخلاف القهقهة ا ه. ولا يخفى ما فيه فإن القهقهة كلام على ما صرحوا به. وفي المعراج أن قهقهة النائم تبطلهما وبه أخذ عامة المتأخرين احتياطا، وكذا وقع الاختلاف في الناسي كونه في الصلاة فجزم الزيلعي بأنه لا فرق بين الناسي والعامد. وذكر في المعراج أن في الساهي والناسي روايتين، ولعل وجه
الرواية القائلة بعدم النقض أنه كالنائم إذ لا جناية إلا بالقصد، ولا يخفى ترجيح الرواية القائلة بالنقض لما أن للصلاة حالة مذكرة لا يعذر بالنسيان فيها ألا ترى أن الكلام ناسيا مفسد لها بخلاف النوم، ولا فرق بين كونه متوضئا أو متيمما، واتفقوا على أنها لا تبطل الغسل. واختلفوا هل تنقض الوضوء الذي في ضمن الغسل فعلى قول عامة المشايخ لا تنقض وصحح المتأخرون كقاضيخان النقض عقوبة له مع اتفاقهم على بطلان صلاته كما نبه عليه في المضمرات، وفي قهقهة الباني في الطريق بعد الوضوء روايتان كذا في المعراج وجزم الزيلعي بالنقض، قيل وهو الاحوط ولا نزاع في بطلان صلاته. قيد بقوله مصل احترازا عن غيره وأطلقها فانصرفت إلى ما لها ركوع وسجود أو ما يقوم مقامهما من الايماء لعذر أو راكبا يومئ بالنفل أو بالفرض حيث يجوز، فلا تنقض القهقهة في صلاة الجنازة وسجدة التلاوة لكن يبطلان قيدنا بقولنا حيث يجوز لانه لو كان
[ 79 ]
راكبا يومئ بالتطوع في المصر أو القرية فقهقه لا ينتقض وضوؤه لعدم جواز صلاته عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: ينتقض لصحة صلاته عنده. ولو نسي الباني المسح فقهقه قبل القيام إلى الصلاة نقض وبعده لا ينقض لبطلان الصلاة بالقيام إليها وهو من مسائل الامتحان، كذا في المعراج. وأفاد إطلاقه أنها تنقض بعد القعود قدر التشهد خلافا لزفر ولو عند السلام - كذا في المبتغى - أو في سجود السهو كذا في المحيط. ولو ضحك القوم بعد ما أحدث الامام متعمدا لا وضوء عليهم، وكذا بعد ما تكلم الامام، وكذا بعد سلام الامام هو الاصح كذا في الخلاصة. وقيل: إذا قهقهوا بعد سلامه بطل وضوؤهم، والخلاف مبني على أنه بعد سلام الامام هل هو في الصلاة إلى أن يسلم بنفسه أو لا؟ وفي البدائع: إن قهقه الامام والقوم معا أو قهقة القوم ثم الامام بطلت طهارة الكل، وإن قهقه الامام أولا ثم القوم انتقض وضوؤه دونهم. وفي فتح القدير: ولو قهقه بعد كلام الامام متعمدا فسدت طهارته على الاصح خلاف ما في الخلاصة بخلافه بعد حدثه عمدا ا ه. ولم يبين الفرق بين كلام
الامام عمدا وحدثه عمدا، والفرق بينهما أن الكلام قاطع للصلاة لا مفسد لها إذ لم يفوت شرط الصلاة وهو الطهارة فلم يفسد به شئ من صلاة المأمومين ولو مسبوقا فينقض وضوؤهم بقهقهتهم بخلاف حدثه عمدا لتفويته الطهارة فأفسدت جزءا يلاقيه فيفسد من صلاة المأموم كذلك، فقهقهتهم بعد ذلك تكون بعد الخروج من الصلاة فلا تنقض، وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الحدث تحقيق الفرق بأبسط من هذا. ولو أن محدثا غسل بعض أعضاء الوضوء ففني الماء فتيمم وشرع في الصلاة فقهقه ثم وجد الماء عند أبي يوسف يغسل باقي الاعضاء ويصلي، وعندهما يغسل جميعها بناء على أن القهقهة هل تبطل ما غسل من أعضاء الوضوء؟ عنده لا، وعندهما نعم كذا في الخلاصة. وإذا كان شارعا في صلاة فرض وبطل الوصف ثم قهقه، من قل ببطلان الاصل لا تنتقض طهارته بالقهقهة، ومن قال بعدمه انتقضت كما إذا تذكر فائتة والترتيب فرض أو دخل وقت العصر في الجمعة أو طلعت الشمس في الفجر. ومن اقتدى بإمام لا يصح اقتداؤه ثم قهقه لا ينتقض وضوؤه اتفاقا، وكذا من قهقه بعد بطلان صلاته، وكذا إذا قهقه بعد خروجه كما إذا سلم قبل الامام بعد القعود ثم قهقه كذا في الخانية.
[ 80 ]
وقيد بالبلوغ لان قهقهة الصبي لا تنقض وضوءه لكن تبطل صلاته، كذا في كثير من الكتب. ونقل في السراج الوهاج الاجماع على عدم نقض وضوئه وفيه نظر، فقد ذكر في معراج الدراية أن في المسألة ثلاثة أقوال: الاول ما ذكرناه. الثاني عن نجم الائمة البخاري عن سلمة بن شداد أنها تنقض الوضوء دون الصلاة. الثالث عن أبي القاسم أنها تبطلهما إلا أن يقال: لما كان القولان الاخيران ضعيفين كانا كالعدم. ووجه الاول أنها إنما أوجبت إعادة الوضوء عقوبة وزجرا والصبي ليس من أهلها والاثر ورد في صلاة كاملة فيقتصر عليها فلا تتعدى إلى صلاة الجنازة وسجدة التلاوة وصلاة الصبي وصلاة الباني بعد الوضوء على إحدى الروايتين، وصلاة النائم على أحد القولين، وهذا كله مذهبنا. وقالت الائمة الثلاثة: لا
تنقض أصلا قياسا على عدم نقضها خارج الصلاة، ولنا أن القياس ذلك لكن تركناه فيما إذا كانت القهقهة في ذات ركوع وسجود بما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسلا ومسندا: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس إذ دخل رجل فتردى في حفرة وكان في بصره ضرر فضحك كثير من القوم وهو في الصلاة فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من ضحك أن يعيد الوضوء والصلاة. وتمامه في فتح القدير: وما قيل بأنه لا يظن الضحك بالصحابة خلفه قهقهة، أجيب عنه بأنه كان يصلي خلفه الصحابيون والمنافقون والاعراب الجهال، فالضاحك لعله كان بعض الاحداث أو المنافقين أو بعض الاعراب لغلبة الجهل عليهم كما بال اعرابي في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وهو نظير قوله تعالى * (وتركوك قائما) * (الجمعة: 11) فإنه لم يتركه كبار الصحابة باللهو. قال في العناية: وهذا من باب حسن الظن بهم رضي الله عنهم وإلا فليس الضحك كبيرة وهم ليسوا من الصغائر بمعصومين ولا عن الكبائر على تقدير كونه كبيرة ا ه. والمنقول في الاصول أن الصحابة عدول فهم محفوظون من المعاصي. وقيد بالقهقهة لان الضحك بفتح الضاد وكسر الحاء هذا أصله ويجوز إسكان الحاء مع فتح الضاد وكسرها فهي أربعة أوجه، كذا في شرح المهذب، وهو في اللغة أعم من القهقهة وهي من أفراده. وفي الاصطلاح ما كان مسموعا له فقط وحكمه أنه لا ينقض الوضوء بل يبطل الصلاة، وأما التبسم وهو ما لا صوت فيه أصلا بأن تبدو أسنانه فقط فحكمه أنه لا يبطلهما لانه صلى الله عليه وسلم تبسم في الصلاة حين أتاه جبريل عليه السلام وأخبره أن من صلى عليك مرة صلى الله عليه بها عشرا كما في البدائع. وقال جابر بن عبد الله: ما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تبسم ولو في الصلاة كما في النهاية والعناية. وظاهر كلامهم أن التبسم في الصلاة غير مكروه ولذا قال في الاختيار: ولا حكم للتبسم: وقد رأيت في كلام بعضهم أنه لو أتى بحرفين من القهقهة انتقض وضوءه
[ 81 ]
عملا بعدم تبعيض الحدث لانه إذا وقع بعضه وقع كله قياسا لوقوعه على ارتفاعه بجامع أن كلا منهما لا يتبعض ا ه. وقد يقال إن الحكم وهو النقض معلق بالقهقه فإذا وجد بعضها لا
يوجد الحكم ولا بعضه لما عرف في الاصول أن المشروط لا يتوزع على أجزاء الشرط فقوله لانه إذا وقع بعضه ممنوع كما لا يخفى. قوله (ومباشرة فاحشة) يعني أن من النواقض الحكمية المباشرة الفاحشة وهي أن يباشر امرأته متجردين ولاقى فرجها مع انتشار الآلة ولم ير بللا، ولم يشترط بعضهم ملاقاة الفرج والظاهر الاول كذا ذكر الزيلعي، لكن المنقول في البدائع أن في ظاهر الرواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف لم يشترط مماستهما وشرط ذلك في النوادر وذكره الكرخي أيضا ا ه. فعلم أن ظاهر الرواية عدم الاشتراط وكذا ذكر في الينابيع وقال: وروى الحسن أنه يشترط وهو أظهر ا ه. فقول من قال الظاهر الاشتراط أراد من جهة الدراية لا الرواية، وصحح الاسبيجابي اشتراطه بعد أن ذكر أن ظاهر الرواية عدمه والقياس أن لا يكون حدثا وهو قول محمد، لان السبب إنما يقام مقام المسبب في موضع لا يمكن الوقوف على المسبب من غير حرج والوقوف على المسبب هنا ممكن بلا حرج لان الحال حال يقظة فلا حاجة إلى الاقامة. وجه الاستحسان وهو قولهما ما روي أن أبا اليسر بائع العسل سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أني أصبت من امرأتي كل شئ إلا الجماع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: توضأ وصل ركعتين. كذا في البدائع والله أعلم بصحة هذا الحديث، ولانه يندر عدم مذي مع هذه الحالة والغالب كالمتحقق في مقام وجوب الاحتياط، والاصل أن السبب الظاهر يقوم مقام الامر الباطن وذلك بطريق قيام هذه المباشرة مقام خروج النجس، كذا في المصفى. وفي الحقائق شرح المنظومة معزيا إلى فتاوى العتابي: روي عن أصحابنا أنه لا ينقض ما لم يظهر شئ هو الصحيح ولا يعتمد على هذا التصحيح فقد صرح في التحفة كما نقله شارح المنية أن الصحيح قولهما وهو المذكور في المتون. وفي فتح القدير معزيا إلى القنية: وكذا المباشرة بين الرجل والغلام، وكذا بين الرجلين توجب الوضوء عليهما. وفي شرح منية المصلي معزيا إليها أيضا أن الوضوء يجب على المرأة من المباشرة أيضا قال: ولم أقف عليه إلا في القنية وفيه تأمل فإنهم لم يذكروا في مباشرة الرجل للمرأة على وقولهما إلا على الرجل ا ه. وقد يقال لا حاجة إلى
التنصيص على الحكم في المرأة فإن من المعلوم أن كل حكم ثبت للرجال ثبت للنساء لانهن شقائق الرجال إلا ما نص عليه. قال في المستصفى: الاصل في النساء أن لا يذكرن لان مبني حالهن على الستر ولهذا لم يذكرن في القرآن حتى شكون فنزل قوله تعالى * (إن المسلمين والمسلمات) * (الاحزاب: 35) إلا إذا كان الحكم مخصوصا بهن كمسألة الصغيرة الآتية في الغسل ا ه. ولانه قد وقع في كثير من عبارات علمائنا أن المباشرة الفاحشة تنقض الوضوء ولم يقيدوا بوضوء الرجل فكان وضوءها داخلا فيه كما لا يخفى.
[ 82 ]
قوله (لا خروج دودة من جرح) بالرفع عطف على خروج نجس أي لا ينقض الوضوء خروج دودة من جرح، قيد به لان الدودة الخارجة من أحد السبيلين تنقض الوضوء، والفرق بينهما من ثلاثة أوجه: الاول أن الدودة لا تخلو عن قليل بلة تكون معها وتستصحبها وتلك البلة قليل نجاسة، وقليل النجاسة إذا خرجت من أحد السبيلين انتقض الوضوء ومن غيرهما غير ناقضة. الثاني أن الدودة حيوان وهو طاهر في الاصل والشئ الطاهر إذا خرج من السبيلين نقض الوضوء كالريح بخلاف غير السبيلين كالدمع والعرق. الثالث أن الدودة في الجرح متولدة من اللحم فصار كما لو انفصل قطعة من اللحم فإنه لا ينقض، وأما في السبيلين تتولد من النجاسة فتكون في الخروج كالنجاسة الخارجة من أحدهما والخارج من السبيلين، ناقض وقد قدمنا أنه لا فرق بين الدودة الخارجة من الدبر والقبل والذكر به يندمع ما ذكره صدر الشريعة أن الدودة من إلاحليل لا تنقض وأن الدودة من القبل فيها اختلاف المشايخ. وفي شرح مسكين معزيا إلى الذخيرة: إن كان الماء يسيل من الجرح ينقض الوضوء، ولا ينافيه ما في السراج الوهاج أنه لو دخل الماء في الجرح ثم خرج لا ينقض كما لا يخفى بأدنى تأمل. قوله (ومس ذكر) بالرفع عطف على المنفي أي لا ينقض الوضوء مس الذكر وكذا مس الدبر والفرج مطلقا خلافا للشافعي فإن المس لواحد من الثلاثة ناقض للوضوء إذا كان بباطن
الاصابع. واستدل النووي له في شرح المهذب بما روت بسرة بنت صفوان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ (1) وهو حديث حسن رواه مالك في الموطأ وأبو داود والترمذي وابن ماجه بأسانيد صحيحة. ولنا ما رواه الجماعة أصحاب السنن إلا ابن ماجه
[ 83 ]
عن ملازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق بن علي عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الرجل يمس ذكره في الصلاة فقال: هل هو إلا بضعة منك. وقد رواه ابن حبان في صحيحه قال الترمذي هذا الحديث أحسن شئ يروى في هذا الباب وأصح، ورواه الطحاوي أيضا وقال: هذا حديث مستقيم الاسناد غير مضطرب في إسناده ومتنه. فهذا حديث صحيح معارض لحديث بسرة بنت صفوان ويرجح حديث طلق على حديث بسرة بأن حديث الرجال أقوى لانهم أحفظ للعلم وأضبط ولهذا جعلت شهادة امرأتين بشهادة رجل، وقد اسند الطحاوي إلى ابن المديني أنه قال: حديث ملازم بن عمرو أحسن من حديث بسرة. وعن عمرو بن علي الفلاس أنه قال: حديث طلق عندنا أثبت من حديث بسرة بنت صفوان، وقول النووي في شرح المهذب أن حديث طلق اتفق على ضعفه لا يخفى ما فيه إذ قد علمت ما قاله الترمذي وغيره أن حديث بسرة ضعفه جماعة حتى قال يحيى بن معين: ثلاثة أحاديث لم تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منها حديث مس الذكر. وقول النووي أيضا ترجيحا لحديث بسرة بأن حديث طلق منسوخ لان قدومه على النبي صلى الله عليه وسلم كان في السنة الاولى من الهجرة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبني مسجده وراوي حديث بسرة أبو هريرة، وإنما قدم أبو هريرة على النبي صلى الله عليه وسلم سنة سبع من الهجرة فغير لازم لان ورود طلق إذ ذاك ثم رجوعه لا ينفي عوده بعد ذلك وهم قد رووا عنه حديثا ضعيفا من مس ذكره فليتوضأ وقالوا: سمع من النبي صلى الله عليه وسلم الناسخ والمنسوخ، ولان حديث طلق غير قابل للنسخ لانه صدر على سبيل التعليل فإنه عليه الصلاة والسلام ذكر أن الذكر قطعة لحم فلا تأثير لمسه في الانتقاض، وهذا المعنى لا يقبل النسخ، كذا في معراج الدراية. وقول النووي أيضا إن حديث طلق محمول
على المس فوق حائل لانه قال سألته عن مس الذكر في الصلاة والظاهر أن الانسان لا يمس ذكره في الصلاة بلا حائل مردود بأن تعليله صلى الله عليه وسلم بقوله هل هو إلا بضعة منك يأبى الحمل. والبضعة بفتح الموحدة القطعة من اللحم، وفي شرح الآثار للطحاوي لا نعمل أحدا من الصحابة أفتى بالوضوء من مس الذكر إلا ابن عمر وقد خالفه في ذلك أكثرهم، وأسند عن ابن عيينة أنه عد جماعة لم يكونوا يعرفون الحديث يعني حديث بسرة ومن رأيناه يحدث
[ 84 ]
عنهم سخرنا منه. ومما يدل على انقطاع حديث بسرة باطنا أن أمر النواقض مما يحتاج الخاص والعام إليه وقد ثبت عن علي وعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وحذيفة بن اليمان وعمران بن الحصين وأبي الدرداء وسعد بن أبي وقاص أنهم لا يرون النقض وإن روى عن غيرهم خلافه. وفي السنن للدارقطني حدثنا محمد بن الحسن النقاش أخبرنا عبد الله بن يحيى القاضي السرخسي أخبرنا رجاء بن مرجا الحافظ قال: اجتمعنا في مسجد الخيف أنا وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين فتناظرنا في مس الذكر فقال يحيى بن معين: يتوضأ منه. وقال علي بن المديني بقول الكوفيين وتقلد قولهم. واحتج يحيى بن معين بحديث بسرة بنت صفوان، واحتج علي بن المديني بحديث قيس بن طلق وقال ليحيى: كيف تتقلد إسناد بسرة ومروان أرسل شرطيا حتى رد جوابها إليه؟ وقال يحيى: وقد أكثر الناس في قيس بن طلق ولا يحتج بحديثه فقال ابن حنبل: كلا الامرين على ما قلتما. فقال يحيى: حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر أنه توضأ من مس الذكر فقال ابن المديني: كان ابن مسعود يقول: لا يتوضأ منه وإنما هو بضعة من جسدك. فقال يحيى عمن قال عن سفيان عن أبي قيس عن هذيل عن عبد الله، وإذا اجتمع ابن مسعود وابن عمر فابن مسعود أولى أن يتبع. فقال ابن حنبل: نعم ولكن أبو قيس لا يحتج بحديثه. فقال: حدثني أبو نعيم أخبرنا مسعر عن عمير بن سعيد عن عمار بن ياسر قال: ما أبالي مسسته أو أنفي فقال ابن حنبل: عمار وابن عمر استويا فمن شاء أخذ بهذا ومن شاء أخذ بهذا ا ه. وإن
سلكنا طريق الجمع جعل مس الذكر كناية عما يخرج منه وهو من أسرار البلاغة يسكتون عن ذكر الشئ ويرمزون عليه بذكر ما هو من روادفه، فلما كان مس الذكر غالبا يرادف خروج الحدث منه ويلازمه عبر به عنه كما عبر الله تعالى بالمجئ من الغائط عما يقصد لاجله ويحل فيه فيتطابق طريقا الكتاب والسنة في التعبير فيصار إلى هذا الدفع التعارض والله الموفق للصواب. ويستحب لمن م س ذكره أن يغسل يده، صرح به صاحب المبسوط وهذا أحد ما حمل به حديث بسرة فقال: أو المراد بالوضوء غسل اليد استحبابا كما في قوله الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر وبعده ينفي اللمم لكن في البدائع ما يفيد تقييد الاستحباب بما إذا كان الاستنجاء بالاحجار دون الماء وهو حسن كما لا يخفى.
[ 85 ]
قوله (وامرأة) بالجر عطف على ذكر أي مس بشرة المرأة لا ينقض الوضوء مطلقا، سواء كان بشهوة أو لا. وقال الشافعي: ينتقض وضوء اللامس مطلقا، كان بشهوة وقصد أو لا. وله في الملموس قولان أصحهما النقض إلا إذا لمس ذات رحم محرم أو صغيره لا تشتهى فإنه لا ينقض على الاصح بخلاف العجوز فالصحيح النقض، وهذه المسألة قد وقع الاختلاف فيها في الصدر الاول وهو اختلاف معتبر حتى قال بعض مشايخنا: ينبغي لمن يؤم أن يحتاط فيه، فمذهب عمرو بن مسعود وعبد الله بن عمر وجماعة من التابعين كمذهب الشافعي، ومذهب علي وابن عباس وجماعة من التابعين كمذهبنا. استدل الشافعي بقوله تعالى * (أو لامستم النساء) * (النساء: 43) فإن اللمس يطلق على الجس باليد قال تعالى * (فلمسوه بأيديهم) * (الانعام: 7) وبقول أهل اللغة اللمس يكون باليد وبغيرها وقد يكون بالجماع فنعمل بمقتضى اللمس مطلقا، فمتى التقت البشرتان انتقض، سواء كان بيد أو جماع. ولائمتنا في الجواب عن هذا أوجه: أحدهما ما ذكره الاصوليون كفخر الاسلام البزدوي أن حقيقة اللمس يكون باليد وأن الجماع مجاز فيه لكن المجاز مراد الاجماع حتى حل للجنب التيمم بالآية فبطلت الحقيقة لانه يستحيل اجتماعهما مرادين بلفظ واحد. ثانيهما وهو المذكور في بعض
كتب الفقه أن اللمس إذا قرن بالمرأة كان حقيقة في الجماع، يؤيده أن الملامسة مفاعلة من اللمس وذلك يكون بين اثنين فصاعدا، وعندهم لا يشترط اللمس من الطرفين. ثالثها أن اللمس مشترك بين اللمس باليد وبين الجماع ورجحنا الحمل على الجماع بالمعنى وذلك أنه سبحانه وتعالى أفاض في بيان حكم الحدثين الاصغر والاكبر عند القدرة على الماء بقوله * (إذا قمتم إلى الصلاة) * إلى قوله * (وإن كنتم جنبا فأطهروا) * (النساء: 43) فبين أنه الغسل، ثم شرع في بيان الحال عند عدم القدرة عليه بقوله * (وإن كنتم مرضى أو على سفر) * إلى قوله * (فتيمموا صعيدا) * (النساء: 43) الخ. فإذا حملت الآية على الجماع كان بيانا لحكم الحدثين الاصغر والاكبر عند عدم الماء كما بين حكمهما عند وجوده فيتم الغرض لان بالناس حاجة
[ 86 ]
إلى بيانهما خلاف ما ذهبوا إليه من كونه باليد فإنه يكون تكرارا محضا لانه قد علم الحدث الاصغر بقوله * (أو جاء أحد منكم من الغائط) * (النساء: 43) ويدل عليه من السنة حديث عائشة الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه في كتاب الصلاة قالت: فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان وهو يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك إلى آخر الدعاء. وفي رواية للبيهقي بإسناد صحيح: فالتمست بيدي فوقعت يدي على بطن قدميه وهما منصوبتان وهو ساجد. وحديث عائشة أيضا في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهي معترضة بينه وبين القبلة فإذا أراد أن يسجد غمز رجلها فتقبضها. وفي رواية النسائي بإسناد صحيح: فإذا أراد أن يوتر مسني برجله. وقول النووي في شرح المهذب أنه يحتمل كونه فوق حائل بعيد كما لا يخفى والله أعلم بالصواب. قوله: (وفرض الغسل غسل فمه وأنفه وبدنه) قد تقدم وجه تقديم الوضوء على الغسل. والواو في قوله وفرض إما للاستئناف أو للعطف على قوله فرض الوضوء. والفرض مصدر بمعنى المفروض لان المصدر يذكر ويراد به الزمان والمكان والفاعل والمفعول
كذا في الكشاف. وقوله الغسل يعني غسل الجنابة والحيض والنفاس كذا في السراج الوهاج، وظاهره أن المضمضة والاستنشاق ليستا شرطين في الغسل المسنون حتى يصح بدونهما. ثم اعلم أن الكلام في الغسل في مواضع في تفسيره لغة وشرعا وفي سببه وركنه وشرائطه وسننه وآدابه وصفته وحكمه. أما تفسيره لغة فهو بالضم اسم من الاغتسال وهو تمام غسل الجسد واسم للماء الذي يغتسل به أيضا، ومنه في حديث ميمونة فوضعت له غسلا كذا في المغرب. وقال النووي: إنه بفتح الغين وضمها لغتان والفتح أفصح وأشهر عند أهل اللغة، والضم هو الذي تستعمله الفقهاء أو أكثرهم. واصطلاحا هو المعنى الاول اللغوي وهو غسل البدن وقد تقدم تفسير الغسل بالفتح لغة وشرعا. وأما ركنه فهو إسالة الماء على جميع ما يمكن إسالته عليه من البدن من غير حرج مرة واحدة حتى لو بقيت لمعة لم يصبها الماء لم يجز الغسل وإن كانت يسيرة لقوله تعالى * (وإن كنتم جنبا فاطهروا) * (النساء:
[ 87 ]
43) أمر الله سبحانه وتعالى بالاطهر بضم الهاء لان أصله تطهر فادغمت التاء في الطاء لقرب المخرج فجئ بحرف الوصل ليتوصل بها إلى النطق فصار اطهروا وبعض من لا خبرة له ولا دراية يقرأ بالاطهار وما ذاك إلا لحرمانه من العربية، كذا في غاية البيان. وهو تطهير جميع البدن واسم البدن يقع على الظاهر والباطن إلا أن ما يتعذر إيصال الماء إليه خارج عن قضية النص، وكذا ما يتعسر لان المتعسر منفي كالمتعذر كداخل العينين فإن في غسلهما من الحرج ما لا يخفى فإن العين شحم لا تقبل الماء، وقد كف بصر من تكلف له من الصحابة كابن عمر وابن عباس ولهذا لا تغسل العين إذا اكتحل بكحل نجس، ولهذا وجبت المضمضة والاستنشاق في الغسل لانه لا حرج في غسلهما فشملهما نص الكتاب من غير معارض كما شملهما قوله صلى الله عليه وسلم تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وانقوا البشرة رواه الترمذي من غير معارض. والبشرة ظاهر الجلد بخلافهما في الوضوء لان الواجب فيه غسل الوجه ولا تقع المواجهة بداخلهما، وأما قوله صلى الله عليه وسلم عشر من الفطرة وذكر منها المضمضة والاستنشاق لا
يعارضه إذ كونهما من الفطرة لا ينفي الوجوب لانها الدين وهو أعم منه قال صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة والمراد أعلى الواجبات على ما هو أعلى الاقوال، وهو على هذا فلا حاجة إلى حمل المروي على حالة الحدث بدليل قوله صلى الله عليه وسلم إنهما فرضان في الجنابة سنتان في الوضوء كأنه يعني ما عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم جعل المضمضة والاستنشاق للجنب ثلاثا فريضة لكن انعقد الاجماع على خروج اثنين منها وهو ضعيف، كذا في فتح القدير. والمراد بأعلى الواجبات الاسلام لكن قال أبو نصر الدبوسي كما نقله عنه الحاوي الحصري: لا يصح أن
[ 88 ]
يقال إن المولود يولد على الاسلام لان من حكم بإسلامه مرة لم ينقل أبدا إلى غيره ولا يقر عليه بل معناه أنه يولد على الخلقة القابلة للاسلام بحيث إنه لو نظر إلى خلقته وتفكر فيها على حسب ما يجب لدلته على ربوبيته تعالى ووحدانيته. ولو شرب الماء عبا أجزأه عن المضمضة لا مصا. وعن أبي يوسف لا إلا أن يمجه. وفي الواقعات: لا يخرج بالشرب على وجه السنة أو غيره ما لم يمجه وهو أحوط كذا في الخلاصة. وقد يقال: إن الاحوط الخروج. ووجه كونه أحوط أنه قيل إن المج من شرط المضمضة والصحيح أنها ليست بشرط فكان الاحتياط الخروج عن الجنابة لان الاحتياط العمل بأقوى الدليلين وأقواهما هنا الخروج بناء على الصحيح كما لا يخفى. ولو كان سنه مجوفا أو بين أسنانه طعام أو درن رطب يجزيه لان الماء لطيف يصل إلى كل موضع غالبا كذا في التجنيس ثم قال: ذكر الصدر الشهيد حسام الدين في موضع آخر إذا كان في أسنانه كوات يبقى فيها الطعام لا يجزيه ما لم يخرجه ويجري الماء عليها. وفي فتاوى الفضلي والفقيه أبي الليث خلاف هذا فالاحتياط أن يفعل ا ه. وفي معراج الدراية: الاصح أنه يجزيه والدرن اليابس في الانف كالخبز الممضوغ والعجين يمنع تمام الاغتسال، وكذا جلد السمك والوسخ والدرن لا يمنع، والتراب والطين في الظفر لا يمنع لان الماء ينفد فيه، وما على ظفر الصباغ يمنع، وقيل لا يمنع للضرورة. قال في المضمرات: وعليه الفتوى. والصحيح أنه لا فرق
بين القروي والمدني ا ه. ولو بقي على جسده خرء برغوث أو ونيم ذباب أي ذرقه لم يصل الماء تحته جازت طهارته. ويجب تحريك القرط الخاتم الضيقين ولو لم يكن قرط فدخل الماء الثقب عند مروره أجزأه كالسرة وإلا أدخله كذا في فتح القدير. ولا يتكلف في إدخال شئ سوى الماء من خشب ونحوه كذا في شرح الوقاية، ويدخل القلفة استحبابا على ما نبينه،
[ 89 ]
وتغسل فرجها الخارج وجوبا في الغسل وسنة في الوضوء - كذا في المحيط - لانه كالفم. ولا تدخل أصابعها في قبلها وبه يفتى. ولو كان في الانسان قرحة فبرأت وارتفع قشرها وأطراف القرحة متصلة بالجلد إلا الطرف الذي كان يخرج منه القيح فإنه يرتفع ولا يصل الماء إلى ما تحت القشرة أجزأه وضوؤه وفي معناه الغسل كذا في النوازل لابي الليث ونقله الهندي أيضا. ويجوز للجنب أن يذكر اسم الله تعالى ويأكل ويشرب إذا تمضمض هكذا قيد في فتح القدير، وظاهره أنه لا يجوز له قبل المضمضة لكن ذكر في البزازية ما يفيد أن هذا على رواية نجاسة الماء المستعمل ولفظها، ويحل للجنب شرب الماء قبل المضمضة على وجه السنة وأن لا على وجهها لا لانه شارب الماء المستعمل وأنه نجس ا ه. فينبغي على الرواية المختارة المصححة المفتى بها من طهارة الماء المستعمل أن يباح الشرب مطلقا، ويستفاد منه أن انفصال الماء عن العضو أعم من أن يكون إلى الباطن أو إلى الظاهر. والمنقول في فتاوى قاضيخان الجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب فالمستحب له أن يغسل يديه وفاه وإن ترك لا بأس. واختلفوا في الحائض قال بعضهم هي والجنب سواء، وقال بعضهم لا يستحب ههنا لان بالغسل لا تزول نجاسة الحيض عن الفم واليد بخلاف الجنابة ا ه. فاحفظه. وللجنب أن يعاود أهله قبل أن يغتسل إلا إذا احتلم فإنه لا يأتي أهله ما لم يغتسل كذا في المبتغى، وأقره عليه في فتح القدير، وتعقبه في شرح منية المصلي: بأن ظاهر الاحاديث فيه يفيد الاستحباب لا نفي الجواز المفاد من ظاهر كلامه. ويجوز نقل البلة في الغسل من عضو إلى عضو إذا كان متقاطرا بخلاف الوضوء، ولا يضر ما انتضح من غسله في إنائه بخلاف ما لو قطر كله في
الاناء وسيأتي تمامه في بحث الماء المستعمل إن شاء الله تعالى. وأما شرائطه فما تقدم من شرائط الوضوء، وأما حكمه فاستباحة ما لا يحل إلا به، وأما سننه وآدابه وصفته وسببه فستأتي مفصلة إن شاء الله تعالى. ولا بأس بإيراد حديث مسلم بتمامه والتكلم على بعض معانيه. روى مسلم بإسناده عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر من الفطرة: قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص الاظفار وغسل البراجم ونتف الابط وحلق العانة وانتقاص الماء قال مصعب أحد رواته: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة. وانتقاص الماء بالقاف والصاد المهملة الاستنجاء، وقيل انتقاص البول بسبب استعمال الماء في غسل مذاكيرة. وقال الجمهور: الانتضاح وهو نضح الفرج بماء قليل
[ 90 ]
لينفي عنه الوسواس فإذا أراه الشيطان ذلك أحاله على الماء، وقد صرح بذلك مشايخنا في كتبهم لكن قالوا: إن هذه الحيلة إنما تنفعه إذا كان العهد قريبا بحيث لم يجف البلل أما إذا كان بعيدا وجف البلل ثم رأى بللا يعيد الوضوء. والاستحداد حلق العانة سمي استحدادا لاستعمال الحديدة وهي الموسى وهو سنة. والمراد بالعانة الشعر فوق ذكر الرجل وحواليه إلى السرة. وإعفاء اللحية توفيرها، والبراجم بفتح الباء والجيم جمع برجمة بضم الباء والجيم وهي عقد الاصابع ومفاصلها كلها. قال بعض العلماء: ويلتحق بالبراجم ما يجتمع من الوسخ في معاطف الاذن وقعر الصماخ فيزيله بالمسح وكذلك جميع الاوساخ. وأما الفطرة فقد تقدم من المحقق الكمال أنها الدين وهو قول البعض، وذهب أكثر العلماء إلى أنها السنة وهي في الاصل الخلقة. وفي بعض هذه الخصال ما هو واجب عند بعض العلماء ولا يمتنع قرن الواجب بغيره كما قال الله تعالى * (كلوا من ثمرة إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده) * (الانعام: 141) فإن الايتاء واجب والاكل ليس بواجب كذا ذكر النووي. ولا يخفى ما فيه فإن العطف في الآية ليس نظير ما في الحديث فإن الفطرة إذا فسرت بالسنة يقتضي أن جميع المعدود من السنة فإنه إذا قيل جاء عشر من الرجال لا يجوز أن يكون فيهم من ليس منهم، فالاولى في
الفطرة تفسيرها بالدين. وقد تقدم معنى المضمضة والاستنشاق وأن المبالغة فيهما سنة في الوضوء وكذلك في الغسل لقوله صلى الله عليه وسلم بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما وهو حديث صحيح ذكره النووي. والصارف له عن الوجوب الاتفاق على عدمه كما نقله السراج الهندي. واعلم أن الحديث الذي ذكره في فتح القدير وهو تحت كل شعرة جنابة الخ وإن رواه أبو داود الترمذي كما ذكره الهندي فقد ضعفه النووي ونقل ضعفه عن الشافعي ويحيى بن معين والبخاري وأبي داود وغيرهم والله أعلم. قوله (لا دلكه) أي لا يفترض ذلك بدنه في الغسل، وقد تقدم أنه إمرار اليد على الاعضاء المغسولة، فلو أفاض الماء فوصل إلى جميع بدنه ولم يمسه بيده أجزأه غسله وكذا وضوءه. قال النووي: وبه قال العلماء كافة إلا مالكا والمزني فإنهما شرطاه في صحة الغسل والوضوء واحتجا بأن الغسل هو إمرار اليد. ولا يقال لواقف في المطر اغتسل ونقل في فتح القدير أنه رواية عن أبي يوسف أيضا قال: وكأن وجهه خصوص صيغة اطهروا فإن فعل للتكثير إما في الفعل نحو جولت وطوفت، أو في الفاعل نحو موتت إلابل، أو في المفعول
[ 91 ]
نحو غلقت الابواب. والثاني يستدعي كثرة الفاعل فلا يقال في شاة واحدة موتت، والثالث كثرة المفعول فلا يقال في باب واحد غلقته وإن غلقه مرارا كما قيل فتعين كثرة الفعل وهو بالدلك اه. ولم يجب عنه. والذي ذكره الشارحون هنا أن المأمور به في النص هو التطهير ولا يتوقف ذلك على الدلك، فمن شرطه فقد زاد في النص وهو نسخ، وذكر النووي أنه يحتج بقوله صلى الله عليه وسلم لابي ذر رضي الله عنه فإذا وجدت الماء فامسه جلدك ولم يأمره بزيادة وهو حديث صحيح، وقولهم لا تسمى الافاضة غسلا ممنوع اه. وأما قوله له في فتح القدير إن فعل للتكثير إلى قوله فتعين كثرة الفعل قد يقال: إن صيغة اطهروا يجوز أن تكون من قبيل التكثير في المفعول، وقوله إن التكثير في المفعول يستدعي كثرة المفعول مسلم فيما إذا كان الفعل لا تكثير فيه كموتت الابل، أما إذا كان في الفعل تكثير فيجوز أن يكون فعل
للتكثير في المفعول وإن كان الفاعل والمفعول واحدا كقطعت الثوب فإن التكثير فيه للتكثير في الفعل وإن كان المفعول واحدا وطهر من هذا القبيل، لانك تقول طهرت البدن يشهد لهذا ما ذكره المحقق العلامة أحمد الجاربردي في شرح الشافية للمحقق ابن الحاجب في التصريف بما لفظه:: قوله وفعل للتكثير وهو إما في الفعل نحو جولت وطوفت. أو في الفاعل نحو
[ 92 ]
موتت الابل، أو في المفعول نحو غلقت الابواب فإن فقد ذلك لم يسغ استعماله فلذلك كان موتت الشاة لشاة واحدة خطأ لان هذا الفعل لا يستقيم تكثيره بالنسبة إلى الشاة إذ لا يستقيم تكثيرها وهي واحدة وليس ثم مفعول ليكون التكثير له. وينبغي أن يعلم أن هذا بخلاف قولك قطعت الثواب فإن ذلك سائغ وإن كان الفاعل واحدا ذكره المصنف في شرح المفصل ثم قال فيه: أن قوله في المفصل ولا يقال للواحد لم يرد به إلا ما لم يستقم فيه تكثير الفعل اه. قوله (وإدخال الماء داخل الجلدة للاقلف) أي لا يجب على الذي لم يختتن أن يدخل الماء
[ 93 ]
داخل الجلدة في غسله من الجنابة وغيرها للحرج الحاصل لو قلنا بالوجوب لا لكونه خلقة كقصبة الذكر وهذا هو الصحيح المعتمد، وبه يندفع ما ذكره الزيلعي من أنه مشكل لانه إذا وصل البول إلى القلفة انتقض وضوؤه فجعلوه كالخارج في هذا الحكم وفي حق الغسل كالداخل حتى لا يجب إيصال الماء إليه. وقال الكردري: يجب إيصال الماء إليه عند بعض المشايخ وهو الصحيح فعلى هذا لا إشكال فيه اه. فإن هذا الاشكال إنما نشأ من تعليله لعدم الوجوب بأنه خلقة كقصبة الذكر، وأما على ما عللنا به تبعا لفتح القدير فلا إشكال فيه أصلا لكن في البدائع أنه لا حرج في إيصال الماء إلى داخل القلفة وصحح أنه لا بد من الادخال، واختاره صاحب الهداية في مختارات النوازل، وقد تقدم أن إدخال الماء داخلها مستحب كما أن الدلك مستحب لكن قيده في منية المصلي بكونه في المرة الاولى ولعله لكونها سابقة في
الوجود على ما بعدها فهي بالدلك أولى لان السبق من أسباب الترجيح. قوله (وسننه أن يغسل يديه وفرجه ونجاسة لو كانت على بدنه ثم يتوضأ ثم يفيض الماء على بدنه ثلاثا) لما روى الجماعة عن ميمونة قالت: وضعت للنبي صلى الله عليه وسلم ماء يغتسل به فأفرغ على يديه فغسلهما مرتين أو ثلاثا ثم ذلك أفرغ بيمينه على شماله فغسل مذاكيره ثم دلك يده بالارض ثم تمضمض واستنشق ثم غسل وجهه ويديه ثم غسل رأسه ثلاثا ثم أفرغ على جسده ثم تنحى عن مقامه فغسل قدميه. فهذا الحديث مشتمل على بيان السنة والفريضة فاستفيد منه استحباب تقديم غسل اليدين، وعللوا له بأنهما آلة التطهير فيبتدأ بتنظيفهما واستحباب تقديم غسل الفرج قبلا أو دبرا سواء كان عليه نجاسة أو لا كتقديم الوضوء على غسل الباقي، سواء كان محدثا أو لا، وبه يندفع ما ذكره الزيلعي بأنه كان يغنيه أو يقول ونجاسة عن قوله وفرجه لان الفرج إنما يغسل لاجل النجاسة اه. ولان تقديم غسل الفرج لم ينحصر كونه لنجاسة بل لها أو لانه لو غسله في أثناء غسله ربما تنتقض طهارته عند من يرى ذلك كما
[ 94 ]
أشار إليه القاضي عياض والخروج من الخلاف مستحب عندنا. واتفق العلماء على عدم وجوب الوضوء في الغسل إلا داود الظاهري فقال بالوجوب في غسل الجنابة وإذا توضأ أولا لا يأتي به ثانيا بعد الغسل، فقد اتفق العلماء على أنه لا يستحب وضوآن. ذكره النووي في شرح مسلم يعني لا يستحب وضوآن للغسل، أما إذا توضأ بعد الغسل واختلف المجلس على مذهبنا أو فصل بينهما بصلاة كما هو مذهب الشافعي فيستحب. وفي الحديث أيضا استحباب أن يدلك المستنجي بالماء يده بالتراب أو بالحائط ليذهب الاستقذار منها، وفيه استحباب تقديم غسل الرأس في الصب وقد اختلف فيه، فقال الحلواني: يفيض الماء على منكبه الايمن ثلاثا ثم الايسر ثلاثا ثم على سائر جسده، وقيل يبدأ بالايمن ثم بالايسر ثم بالرأس، وقيل يبدأ بالرأس وهو ظاهر لفظ الهداية. وظاهر حديث ميمونة المتقدم وبه يضعف ما صححه صاحب الدرر والغرر ن أنه يؤخر الرأس وكذا صححه في المجتبى. وفي قوله ثم يتوضأ إشارات: الاولى أنه يمسح
رأسه في هذا الوضوء وهو الصحيح لانه روي في بعض الروايات أنه صلى الله عليه وسلم توضأ وضوءه للصلاة وهو اسم للغسل والمسح. وفي البدائع أنه ظاهر الرواية الثانية أنه لا يؤخر غسل قدميه وفيه خلاف، ففي المبسوط والهداية أنه يؤخر غسل قدميه إذا كان في مستنقع الماء أي مجتمعه ولا يقدم، وعند بعض مشايخنا وهو الاصح من مذهب الشافعي أنه لا يؤخر مطلقا وأكثر مشايخنا على أنه يؤخر مطلقا. وأصل الاختلاف ما وقع من روايتي عائشة وميمونة، ففي رواية عائشة أنه توضأ وضوءه للصلاة ولم يذكر فيها تأخير القدمين فالظاهر تقديم غسلهم فأخذ بهذه الشافعي وبعض مشايخنا لطول الصحبة والضبط في الحديث، وفي رواية ميمونة صريحا تأخير غسلهما فأخذ به أكثر مشايخنا لشهرتها. وفي المجتبى: الاصح التفصيل وهو المذكور في الهداية، ووجهه التوفيق بين الروايتين بحمل ما روت عائشة على ما إذا لم يكن في مجتمع الماء، وحمل ما روت ميمونة على ما إذا كان في مجتمع الماء. والظاهر أن الاختلاف في الاولوية لا في الجواز، فقول المشايخ القائلين بالتأخير أنه لا
[ 95 ]
فائدة في تقديم غسلهما لانهما يتلوثان بالغسلات بعد فيحتاج إلى غسلهما ثانيا معناه أنه لا تحصل الفائدة الكاملة في تقديم غسلهما. وأنما قلنا هذا لانه لو قدم غسلهما ولم يغسلهما ثانيا خرج عن الجنابة وجازت صلاته على ما هو المفتى به لان الماء الذي أصابهما من الارض المجتمع فيها الغسلات مستعمل والماء المستعمل طاهر على المفتى به وليس الذي أصاب قدميه من صبه على بقية بدنه غير ما اجتمع في الارض مستعملا، أما على رواية عدم التجزي فظاهر، وأما على رواية التجزي فلا يوصف هذا الماء بالاستعمال إلا بعد انفصاله عن جميع البدن، فالماء الذي أصاب القدمين غير مستعمل لان البدن كله في الغسل كعضو واحد حتى يجوز نقل البلة فيه من عضو إلى آخر فحينئذ لا حاجة إلى غسلهما ثانيا إلا على سبيل التنزه والافضلية لا للزوم لان الماء المستعمل الذي أصابه من مجتمع الغسلات وإن كان طاهرا فقد انتقل إليه الحدث حتى تعافه الطباع السليمة، وقد صرح به الهندي فقال: وهذا إنما يتأتى
على رواية نجاسة الماء المستعمل أيضا. ويدل على هذا ما ذكره في المحيط بقوله: وإنما لا يغسل رجليه لان غسلهما لا يفيد لانهما يتنجسان ثانيا باجتماع الغسلات فعلم منه أنه على رواية نجاسة الماء المستعمل وعليها، فمعنى قولهم لا يفيد أنه لا يفيد فائدة تامة وإلا فقد أفاد التقديم فائدة وهي حل القرآن ومس المصحف وإن كانت قدماه متنجستين بالماء المستعمل، وبهذا أظهر فساد ما ذكره ابن الملك في شرح المجمع من أن عدم الفائدة على رواية عدم التجزي، أما على رواية التجزي فغسلهما مفيد لان الجنابة تزول عن رجليه إذا غسلهما في الوضوء ويكون طاهرا في مجتمع الماء بعد غسل سائر جسده فإنه فهم من رواية عدم التجزي أن لو غسل رجليه أو ثم غسل باقي بدنه يجب عليه إعادة غسل رجليه لاجل عدم ارتفاع الجنابة عنهما وهذا ذهول عظيم وسهو كبير فإنهم اتفقوا على أن فرض غسل القدمين
[ 96 ]
قد سقط بتقديمه ولكن هل زالت الجنابة عنهما أو هو موقوف على غسل الباقي؟ فرواية التجزي قائلة بالاول، ورواية عدم التجزي قائلة بالثاني لا أنها قائلة بوجوب إعادة غسل الرجلين، وفاتدة اختلاف الروايتين أنه لو تمضمض الجنب أو غسل يديه هل يحل له قراءة القرآن ومس المصحف؟ فعلى رواية التجزي يحل له لزوال الجنابة عنه، وعلى رواية عدم التجزي لا يحل له لعدم الزوال الآن، وقد صحح المشايخ هذه الرواية. وقد اندفع بما ذكرنا أيضا ما استشكله بعض المحشين من زوال الجنابة بصب الماء من الرأس كما هو العادة على رواية التجزي وقال: كما لا يخفى ولم يجب عنه وهو سهو منه وسوء فهم فإنهم اتفقوا على أن البدن في الغسل كعضو واحد وأتفقوا على أن الماء لا يصير مستعملا إلا بعد الانفصال عن العضو. فعلى رواية التجزي لا يصير مستعملا إلا إذا انفصل عن جميع البدن وإن زالت الجنابة عن كل عضو انفصل عنه الماء وهذا ظاهر لا يخفى. والذي يظهر أن القائلين بالتأخير إنما استحبوه ليكون الافتتاح والاختتام بأعضاء الوضوء أخذا من حديث ميمونة. قال القاضي عياض في شرح مسلم: وليس فيه تصريح بل هو محتمل لان قولها توضأ وضوءه
للصلاة الاظهر فيه إكمال وضوئه، وقولها آخرا ثم تنحى فغسل رجليه يحتمل أن يكون لما نالهما من تلك البقعة اه. فعلى هذا يغسلهما بعد الفراغ من الغسل مطلقا أعني سواء غسلهما أو لا إكمالا للوضوء أو لم يغسلهما، وسواء أصابهما طين أو كانتا في مستنقع الماء المستعمل أو لم يكن شئ من ذلك. ثم لا يخفى تعين غسلهما في حق الواحد منا بعد الفراغ من الغسل إذا كانتا في مستنقع الماء وكان على البدن نجاسة من مني أو غيره والله سبحانه وتعالى أعلم. وفي الذخيرة نقلا عن العيون: خاض الرجل في ماء الحمام بعدما غسل قدميه فإن لم يعلم أن في الحمام جنبا أجزأه أن لا يغسل قدميه، وإن علم في الحمام جنبا قد اغتسل يلزمه أن يغسل قدميه إذا خرج. قال رحمه الله في واقعاته: وعلى ما اخترناه في الماء المستعمل ينبغي أن لا يلزمه غسل القدمين لكن استثنى الجنب في الكتاب فإنه موضع الاستثناء وغيره قال: إنما استثنى الجنب لان الجنب يكون على بدنه قذر ظاهرا وغالبا حتى لو لم يكن كان الماء المستعمل للمحدث والجنب سواء ويكون طاهرا على رواية محمد ولا يلزمه غسل الرجلين وهو الظاهر اه. وفي بقية حديث ميمونة ثم أتيته بالمنديل فرده قال النووي: فيه استحباب ترك تنشيف الاعضاء. وقال الامام: لا خلاف في أنه لا يحرم تنشيف الماء عن الاعضاء ولا يستحب ولكن هل يكره؟ فيه خلاف بين الصحابة. وقال القاضي: يحتمل رده للمنديل
[ 97 ]
لشئ رآه أو لاستعجاله في الصلاة أو تواضعا أو خلافا لعادة أهل الترفه، ويكون الحديث الآخر في أنه كانت له خرقة يتنشف بها عند الضرورة وشدة البرد ليزيل برد الماء عن أعضائه اه. والمنقول في معراج الدراية وغيرها أنه لا بأس بالتمسح بالمنديل للمتوضئ والمغتسل إلا أنه ينبغي أن لا يبالغ ويستقصي فيبقي أثر الوضوء على أعضائه، ولم أر من صرح باستحبابه إلا صاحب منية المصلي فقال: ويستحب أن يمسح بمنديل بعد اغسل، الاشارة الثالثة أن جميع السنن والمندوبات في الوضوء ثابتة في هذا الوضوء والغسل فتسن النية ويندب التلفظ
بها. قال في البدائع: وأما آداب الغسل فهي آداب الوضوء لكن يستثنى منه أن من آداب الوضوء استقبال القبلة بخلاف الغسل لانه يكون غالبا مع كشف العورة بخلاف الوضوء، كذا في شرح منية المصلي. ومن مكروهاته الاسراف وتقدم تفسيره ولهذا قدر محمد رحمه الله في ظاهر الرواية الصاع للغسل والمد للوضوء وهو تقدير أدنى الكفاية عادة وليس بتقدير لازم حتى أن من أسبغ بدون ذلك أجزأه وإن يكفه زاد عليه لان طباع الناس وأحوالهم تختلف، كذا في البدائع ونقل النووي الاجماع على عدم لزوم التقدير. وفي الخلاصة: والافضل أن لا يقتصر على الصاع في الغسل بل يغتسل بأزيد منه بعد أن لا يؤدي إلى الوسواس فإن أدى لا يستعمل إلا قدر الحاجة اه. ولا يخفى ما فيه فإن ظاهره أنه يزيد على الصاع وإن لم يكن به حاجة مع أن الثابت في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد، وفي البخاري اغتساله صلى الله عليه وسلم بالصاع من رواية جابر وعائشة كما نقله النووي في شرح المهذب فكان الاقتصار على ما فعله صلى الله عليه وسلم أفضل إذا اكتفى به وقد قالوا: إن مكث في الماء الجاري قدر الوضوء والغسل فقد أكمل السنة وإلا فلا ا ه. ويقاس على ما لو توضأ في الحوض الكبير أو وقف في المطر كما لا يخفى. قوله (ولا تنقض ضفيرة إن بل أصلها) أي ولا يجب على المرأة أن تنقض ضفيرتها إن بلت في الاغتسال أصل شعرها. والضفيرة بالضاد المعجمة الذؤابة من الضفر وهو فتل الشعر وإدخال بعضه في بعض ولا يقال بالظاء، والاصل فيه ما رواه مسلم وغيره عن أم سلمة
[ 98 ]
قالت قلت يا رسول الله إني إمرأة أشد ضفر رأسي أفانقضه لغسل الجنابة؟ فقال: لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين. وفي رواية أفأنقضه للحيض والجنابة. وفي حديث عائشة بنحو معناه. قال في فتح القدير: ومقتضى هذا الحديث عدم وجوب الايصال إلى الاصول لكن قال في المبسوط: وإنما شرط تبليغ الماء أصول الشعر لحديث حذيفة فإنه كان يجلس إلى جنب امرأته إذا اغتسلت ويقول: يا هذه
أبلغي الماء أصول شعرك وشؤون رأسك وهو مجمع عظام الرأس، ذكره القاضي عياض وأورد صاحب المعراج أن حديث أم سلمة معارض للكتاب وأجاب تارة بالمنع فإن مؤدي الكتاب غسل البدن والشعر ليس منه بل متصل به نظرا إلى أصوله فعملنا بمقتضى الاتصال في حق الرجال حتى قلنا يجب النقض على الاتراك والعلويين على الصحيح، ويجب عليها الايصال إلى أثناء شعرها إذا كان منقوضا لعدم الحرج وبمقتضى الانفصال في حق النساء دفعا للحرج إذ لا يمكنهن حلقه، وتارة بأنه خص من الآية مواضع الضرورة كداخل العينين فيخص بالحديث بعده. وأما أمر عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما بنقض النساء رؤوسهن إذا اغتسلن فيحتمل أنه أراد إيجاب ذلك عليهن في شعور لا يصل الماء إليها أو يكون مذهبا له أنه يجب النقض بكل حال كما هو مذهب النخعي أو لا يكون بلغه حديث أم سلمة وعائشة، ويحتمل أنه كان يأمرهن بذلك على الاستحباب والاحتياط لا على الوجوب كذا ذكره النووي في شرح مسلم. وفي الهداية: وليس عليها بل ذوائبها هو الصحيح. وقال بعضهم: يجب بلها ثلاثا مع كل بلة عصرة. وفي صلاة البقالي: الصحيح أنه يجب غسل الذوائب وإن جاوزت القدمين، والمختار عدم الوجوب كما صرح به في الجامع الحسامي كما نقله عنه في المضمرات للحصر المذكور في الحديث. والحاصل أن في المسألة ثلاثة أقوال:
[ 99 ]
الاول الاكتفاء بالوصول إلى الاصول منقوضا كان أو معقوصا وهو ظاهر المذهب كما هو ظاهر الذخيرة ويدل عليه الاحاديث الواردة في هذا الباب. الثاني الاكتفاء بالوصول إلى الاصول إذا كان مضفورا ووجوب الايصال إلى أثنائه إذا كان منقوضا ومشى عليه جماعة منهم صاحب المحيط والبدائع والكافي. الثالث وجوب بل الذوائب مع العصر وصحح كما قدمناه. ولو ألزقت المرأة رأسها بالطيب بحيث لا يصل الماء إلى أصول الشعر وجب عليها إزالته. وثمن ماء غسل المرأة ووضوئها على الزوج وإن كانت غنية كذا في فتح القدير فصار كماء الشرب لان هذا مما لا بد منه، وظاهره أنه لا فرق بين غسل الجنابة وغيره من
الواجب. وذكر في السراج الوهاج تفصيلا في غسل الحيض فقال: إذا انقطع لاقل من عشرة فعلى الزوج لاحتياجه إلى وطئها بعد الغسل، وإن انقطع لعشرة فعليها لانها هي المحتاجة إليه للصلاة. وقد يقال: إن ما تحتاج إليه المرأة مما لا بد لها منه واجب عليه، سواء كان هو محتاجا إليه أو لا، فالاوجه إطلاق ما قدمناه. قوله (وفرض عند مني ذي دفق وشهوة عند انفصاله) أي وفرض الغسل. واختلف المشايخ في سبب وجوبه، فظاهر ما في الهداية أن إنزال المني ونحوه سبب له فإنه قال: المعاني الموجبة للغسل إنزال المني إلى آخره. وتعقبه في النهاية بأن هذه معان موجبة للجنابة لا للغسل على المذهب الصحيح من علمائنا فإنها تنقضه فكيف توجبه؟ ورده في غاية البيان بأن المراد أن الغسل يجب بهذه المعاني على طريق البدل وإنما يتوجه ما اعترض به إذا كانت هذه المعاني موجبة لوجود الغسل لا لوجوبه. ورد أيضا بأنها تنقض ما كان وتوجب ما سيكون فلا منافاة. وأجاب في المستصفى أيضا بأن هذه المعاني شروط في الوجوب لا أسباب فأضيف الوجوب إلى الشرط مجازا كقولهم صدقة الفطر لان السبب يتعلق به الوجود والوجوب والشرط يضاف إليه الوجود فشارك الشرط السبب في الوجود. وقال في الكافي: وإنما قال عند مني ولم يقل بمني لان سبب وجوب الغسل الصلاة أو إرادة ما لا يحل مع الجنابة والانزال والالتقاء. وفي مبسوط شيخ الاسلام: سبب وجوب الغسل إرادة ما لا يحل فعله عند عامة المشايخ، وتعقبه في غاية البيان بأن الغسل يجب إذا وجد أحد هذه المعاني وجدت
[ 100 ]
الارادة أو لا فكيف يكون سببا؟ وقيل السبب الجنابة ورد أيضا لوجوده في الحيض والنفاس، واختار في غاية البيان أن السبب الجنابة أو ما في معناه ليدخل الحيض والنفاس ويرد بما قدمناه في أول الكتاب من أنه يوجد الحدث والجنابة ولا يجب الوضوء والغسل كما إذا كان قبل الوقت فالاولى أن يقال: سببه وجوب ما لا يحل مع الجنابة وهذا هو الذي اختاره في فتح القدير. أعلم أن الامة مجمعة الآن على وجوب الغسل بالجماع وإن لم يكن
معه إنزال وعلى وجوبه بالانزال، وكانت جماعة من الصحابة على أنه لا يجب إلا بالانزال ثم رجع بعضهم وانعقد الاجماع بعد الآخرين وفي الباب حديث إنما الماء من الماء مع حديث أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرجل يأتي أهله ثم لا ينزل قال: يغسل ذكره ويتوضأ. وفيه الحديث الآخر إذا جلس بين شعبها الاربع ثم جهدها فقد وجب الغسل وإن لم ينزل قال العلماء: العمل على هذا الحديث، وإما حديث الماء من الماء فالجمهور من الصحابة ومن بعدهم قالوا إنه منسوخ ويعنون بالنسخ أن الغسل من الجماع بغير إنزال كان ساقطا ثم صار واجبا. وذهب ابن عباس وغيره إلى أنه ليس منسوخا بل المراد به نفي وجوب الغسل بالرؤية في النوم إذا لم ينزل وهذا الحكم باق بلا شك، وأما حديث أبي بن كعب ففيه جوابان: أحدهما أنه منسوخ، والثاني أنه محمول على ما إذا باشرها فيما سوى الفرج كذا ذكر النووي في شرح مسلم لكن عندنا يشترط في وجوب الغسل بالانزال أن يكون انفصال المني عن شهوة وهو ما ذكره بقوله عند مني ذي دفق وشهوة. يقال دفق الماء دفقا صبه صبا فيه دفع وشدة كذا في المغرب. وفي ضياء الحلوم: دفق الماء دفقا صبه ودفق الماء دفوقا يتعدى ولا يتعدى. وعبر عنه في الهداية بقوله: أنزال المني على وجه الدفق والشهوة والاولى أن يقال: نزول المني دون الانزال لانه يلزم من النزول الانزال دون العكس، فإن من احتلم أو وجد على فخذه يجب عليه الغسل بلا قصد الانزال ذكره الهندي. فعلى هذا التقدير يكون ذكر الدفق اشتراطا للخروج من رأس الذكر فإنه يقال دفق الماء دفوقا بمعنى خرج من محله
[ 101 ]
بخلاف دفق دفقا فإنه بمعنى صبه صبا لكن هذا إنما يستقيم على قول أبي يوسف، أما عندهما لا يستقيم لانهما لم يجعلا الدفق شرطا بل تكفي الشهوة حتى قالا بوجوبه إذا زايل المني من مكانه بشهوة وإن خرج بلا دفق كذا في النهاية معراج الدراية وغيرهما. وأجاب عنه في العناية وغاية البيان بأنه لا حصر في كلامه فيستقيم، غايته يلزم ترك بعض موجباته عندهما في موضع بيانها اه. ولا يخفى ما فيه.
ويمكن أن يقال: إن المراد بكون الانزال على وجه الشهوة أن يكون للشهوة دخل في الانزال سواء كانت مقارنه أو سابقة عليه مقارنه للانفصال. هذا وعبارة المصنف أشد إشكالا لانه يرد عليها ما ورد على عبارة القدوري من أنها لا تشمل مني المرأة لان ماءها لا يكون دافقا كماء الرجل وإنما ينزل من صدرها إلى فرجها كما ذكره الولوالجي في فتاواه ويرد على عبارة المختصر خاصة التناقض في التركيب لان اشتراط الدفق يفيد اشتراط خروج المني بشهوة من رأس الذكر، وقوله عند انفصاله ينفيه فلو حذف الدفق لكان أولى. وقد يقال أن الدفق بمعنى الدفوق مصدر اللازم. وقال الشافعي: إن إنزاله موجب للغسل كان عن شهوة أو لا، واستدلوا له بقوله صلى الله عليه وسلم إنما الماء من الماء أي الاغتسال من الانزال وهو قول محمد
[ 102 ]
وزفر كما نقله في معراج الدراية وفي الذخيرة وهو مختار بعض المشايخ، واستدل في الهداية لنا بقوله تعالى * (وإن كنتم جنبا فاطهروا) * (المائدة: 6) وهو في اللغة اسم لمن قضى شهوته فكان وجوب الاغتسال معلقا بالجنابة لا بخروج المني، وأورد على هذا أن ظاهره الاستدلال بمفهوم الشرط ولم يجب عنه. وقد يقال: ليس هذا استدلالا بمفهوم الشرط بل لما كان الحكم معلقا بشرط ولم يوجد كان الحكم معدوما بالعدم الاصلي لا أن عدم الشرط أوجب عدم الحكم، وهذا لا يخفى على من اشتغل بأصول أصحابنا. قال في التنقيح: وعندنا العدم لا يثبت بالتعليق بل يبقى الحكم على العدم الاصلي. وأجاب في الهداية عن الحديث بأنه محمول على الخروج عن شهوة. قال الشارحون: وإنما حمل على هذا لان العام إذا لم يمكن إجراؤه على المسموم يراد أخص الخصوص لتيقنه وهنا يمتنع إجراؤه على العموم لانه لا يجب الغسل بإنزال المذي والودي والبول بالاجماع والانزال عن شهوة مراد بالاجماع فلا يكون غيره وهو إنزال المني لا عن شهوة مرادا، ولا يخفى أن هذا المسلك لو صح لكان أوفق بقول أبي يوسف لان أخص الخصوص الذي أريد بالاجماع ما يكون عن شهوة عند الخروج والانفصال جميعا، فالاولى ما قدمناه من أنه منسوخ أو محمول على صورة الاحتلام. ولما كان ما ذكرناه واردا
عدل. والله أعلم - عن طريقة الشارحين في فتح القدير فقال: والحديث محمول على الخروج عن شهوة لان اللام للعهد الذهني أي الماء المعهود والذي به عهدهم هو الخارج عن شهوة، كيف وربما يأتي على أكثر الناس جميع عمره ولا يرى هذا الماء مجردا عنها على أن كون المني يكون عن غير شهوة ممنوع فإن عائشة أخذت في تفسيرها إياه الشهوة على ما روى ابن المنذر أن المني هو الماء الاعظم الذي منه الشهوة وفيه الغسل، وكذا عن قتادة وعكرمة، فلا يتصور مني إلا من خروجه عن شهوة وإلا يفسد الضابط. ثم اتفق أصحاب المذهب أنه لا يجب الغسل إذا انفصل عن مقره من الصلب بشهوة إلا إذا خرج على رأس الذكر، وإنما الخلاف في أنه هل يشترط مقارنة الشهوة الخروج؟ فعند أبي يوسف نعم، وعندهما لا. وقد أشار إلى اختيار قولهما بقوله عند انفصاله أي فرض الغسل عند خروج مني موصوف بالدفق والشهوة عند الانفصال عن محله عندهما. وجه قول أبي يوسف أن وجوب الغسل متعلق بانفصال المني وخروجه وقد شرطت الشهوة عند انفصاله فتشترط عند خروجه، ولهما أن
[ 103 ]
الجنابة قضاء الشهوة بالانزال فإذا وجدت مع الانفصال صدق اسمها وكان مقتضى هذا ثبوت حكمها وإن لم يخرج لكن لا خلاف في عدم ثبوت الحكم إلا بالخروج فيثبت بذلك الانفصال من وجه وهو أقوى مما بقي والاحتياط واجب وهو العمل بالاقوى من الوجهين فوجب. وأورد في النهاية الريح الخارجة من المفضاة لانها إن خرجت من القبل لا يجب الوضوء، وإن خرجت من الدبر وجب فينبغي ترجيح جانب الوجوب احتياطا كما قالا هنا. وأجاب بأن الشك هناك جاء من الاصل فتعارض الدليل الموجب وغير الموجب لتساويهما في القوة فتساقطا فعملنا بالاصل الثابت بيقين وهو الطهارة، أما هنا جاء دليل عدم الوجوب من الوصف وهو الدفق ودليل الوجوب من الاصل وهو نفس وجود الماء مع الشهوة فكان في إيجاب الاغتسال ترجيح لجانب الاصل على جانب الوصف وهو صحيح لان دليل الوجوب قد سبق هنا وهو مزايلة المني عن مكانه على سبيل الشهوة وخروجه من العضو لا على
سبيل الدفق بقاء ذلك والسبق من أسباب الترجيح فترجح جانب الوجوب لذلك، وأما هناك فاقترن الدليلان على سبيل المدافعة فلا يثبت الحكم الحادث لتدافعهما بل يبقى ما كان على ما كان. وفي المصفى: وثمرة الاختلاف تظهر في ثلاث فصول: أحدها أن من احتلم فأمسك ذكره حتى سكنت شهوته ثم خرج المني يجب الغسل عندهما خلافا له. والثاني إذا نظر إلى امرأة بشهوة فزال المني عن مكانه بشهوة فأمسك ذكره حتى انكسرت شهوته ثم سال بعد ذلك لا عن دفق فعلى هذا الخلاف. والثالث أن المجامع إذا اغتسل قبل أن يبول أو ينام ثم سال منه بقية المني من غير شهوة يعيد الاغتسال عندهما خلافا له، فلو خرج بقية المني بعد البول أو النوم أو المشي لا يجب الغسل إجماعا لان مذي وليس بمني لان البول والنوم والمشي يقطع مادة الشهوة اه. وفي فتح القدير: وكذا لا يعيد الصلاة التي صلاها بعد الغسل الاول قبل خروج ما تأخر من المني اتفاقا. وقيد المشي بالكثير في المجتبى وأطلقه كثير والتقييد أوجه لان الخطوة والخطوتين لا يكون منهما ذلك كما لا يخفى. وفي المبتغى: بخلاف المرأة يعني تعيد تلك الصلاة إذا كانت مكتوبة إذا اغتسلت ثانيا بخروج بقية منها وفيه نظر ظاهر، والذي
[ 104 ]
يظهر أنها كالرجل وفي المستصفى: يعمل بقول أبي يوسف إذا كان في بيت إنسان واحتلم مثلا ويستحيي من أهل البيت أو خاف أن يقع في قلبهم ريبة بأن طاف حول أهل بيتهم ا ه. وفي السراج الوهاج: والفتوى على قول أبي يوسف في الضيف وعلى قولهما في غيره ا ه. ولو خرج مني بعد البول وذكره منتشر وجب الغسل وإن لم يكن ذكره منتشرا لا يجب الغسل، كذا في فتاوى قاضيخان وغيره. ومحله إذا وجد الشهوة يدل عليه تعليله في التنجيس بأن في حالة الانتشار وجد الخروج والانفصال جميعا على وجه الدفق والشهوة وهذا يفيد إطلاق ما قدمنا من أن المني الخارج بعد البول لا يوجب الغسل إجماعا. قيل: وعلى الخلاف المتقدم مستيقظ وجد ثبوبه أو فخذه بللا ولم يتذكر احتلاما وشك في أنه مذي أو مني يجب عندهما لاحتمال انفصاله عن شهوة ثم نسي ورق هو بالهواء خلافا له
وفيه نظر، فإن هذا الاحتمال ثابت في الخروج كذلك كما هو ثابت في الانفصال كذلك، فالحق أنها ليست بناء على الخلاف بل هو يقول لا يثبت وجوب الغسل بالشك في وجود الموجب وهما احتاطا لقيام ذلك الاحتمال وقياسا على ما لو تذكر الاحتلام ورأى ماء رقيقا حيث يجب اتفاقا حملا للرقة على ما ذكرنا، وقوله أقيس وأخذ به خلف ابن أيوب وأبو الليث كذا في فتح القدير. واعلم أن هذه المسألة على اثني عشر وجها لانه إما أن يتيقن أنه مني أو مذي أو ودي أو شك في الاول والثاني أو في الاول والثالث أو في الثاني والثالث، وكل من هذه الستة إما
[ 105 ]
أن تكون مع تذكر الاحتلام أو لا فيجب الغسل اتفاقا فيما إذا تيقن أنه مني وتذكر الاحتلام أو لا، وفيما إذا تيقن أنه مذي وتذكر الاحتلام أو شك أنه مني أو مذي أو مني أو ودي أو مذي أو ودي وتذكر الاحتلام في الكل، ولا يجب الغسل اتفاقا فيما إذا تيقن أنه ودي، تذكر الاحتلام أو لا، أو شك أنه مذي أو ودي ولم يتذكر الاحتلام، أو تيقن أنه مذي ولم يتذكر الاحتلام. ويجب الغسل عندهما لا عند أبي يوسف فيما إذ شك أنه مني أو مذي أو مني أو ودي ولم يتذكر الاحتلام فيهما. وهذا التقسيم وإن لم أجده فيما رأيت لكنه مقتضى عباراتهم لكن قال في فتح القدير: التيقن متعذر مع النوم. وفي الخلاصة: ولسنا نوجب الغسل بالمذي لكن المني يرق بإطالة المدة فتصير صورته صورة المذي لا حقيقة المذي ا ه. وهذا كله في النائم إذا استيقظ فوجد بللا. أما إذا غشي عليه فأفاق فوجد مذيا أو كان سكران فأفاق فوجده مذيا لا غسل عليه اتفاقا، كذا في الخلاصة وغيرها. والفرق بأن المني والمذي لا بد له من سبب وقد ظهر في النوم تذكر أو لا، لان النوم مظنة الاحتلام فيحال عليه. ثم يحتمل أنه مني رق بالهواء أو للغذاء فاعتبرناه منيا احتياطا ولا كذلك السكران والمغمى عليه لانه لم يظهر فيهما هذا السبب. ولو وجد الزوجان بينهما ماء دون تذكر ولا مميز بأن لم يظهر غلظه ورقته ولا بياضه وصفرته يجب عليهما الغسل، صححه في الظهيرية ولم يذكروا القيد فقالوا
يجب عليهما، وقيل إذا كان غليظا أبيض فعليه أو رقيقا أصفر فعليها فيقيدونه بصورة نقل الخلاف. والذي يظهر تقييد الوجوب عليهما بما ذكرنا فلا خلاف إذن كذا في فتح القدير. وينبغي أن يقيد أيضا بما إذا لم يظهر كونه وقع طولا أو عرضا فإن بعضهم قال: إن وقع طولا فمن الرجل وإن وقع عرضا فمن المرأة، ولعله لضعف هذا النوع من التمييز عنده
[ 106 ]
أعرض عنه وليس ببعيد فيما يظهر، والقياس أنه لا يجب الغسل على واحد منهما لوقوع الشك. وإذا لم يجب عليهما لا يجوز لها أن تقتدي به والوجه فيه ظاهر، ولا يخفى أن هذا كله فيما إذا لم يكن الفراش قد نام عليه غيرهما قبلهما، وأما إذا كان قد نام عليه غيرهما وكان المني المرئي يابسا فالظاهر أنه لا يجب الغسل على واحد منهما. ولو احتملت المرأة ولم يخرج الماء إلى ظاهر فرجها، عن محمد يجب، وفي ظاهر الرواية لا يجب لان خروج منيها إلى فرجها الخارج شرط لوجوب الغسل عليها وعليه الفتوى كذا في معراج الدراية، والذي حرره في فتح القدير وقال إنه الحق الاتفاق على تعلق وجوب الغسل بوجود المني في احتلامهما، والقائل بوجوبه في هذه الخلافية إنما يوجبه على وجوده وإن لم تره فالمراد بعدم الخروج في قولهم ولم يخرج منها لم تره خرج فعلى هذا إلا وجه وجوب الغسل في الخلافية. والمراد بالرؤية في جواب النبي صلى الله عليه وسلم أم سليم لما سألته هل على المرأة من
[ 107 ]
غسل إذا هي احتلمت؟ قال: نعم إذا رأت الماء العلم مطلقا فإنها لو تيقنت الانزال بأن استيقظت في فور الاحتلام فأحست بيدها البلل ثم نامت فاستيقظت حتى جف فلم تر بعينها شيئا لا يسع القول بأن لا غسل عليها مع أنه لا رؤية بصر بل رؤية علم ورأي تستعمل حقيقة في علم باتفاق أهل اللغة قال: رأيت الله أكبر كل شئ. ا ه. ولو جومعت فيما دون الفرج فسبق الماء إلى فرجها أو جومعت البكر لا غسل عليها إلا إذا ظهر الحبل لانها لا تحبل إلا إذا أنزلت وتعيد ما صلت إن لم تكن اغتسلت لانه ظهر أنها صلت بلا طهارة. ولو
جومعت فاغتسلت ثم خرج منها مني الرجل لا غسل عليها، ولو قالت معي جني يأتيني في النوم مرارا وأجد ما أجد إذا جامعني زوجي لا غسل عليها. وفي فتح القدير: ولا يخفى أنه مقيد بما إذا لم تر الماء فإن رأته صريحا وجب كأنه احتلام. وقد يقال: ينبغي وجوب الغسل من غير إنزال لوجود الايلاج لانها تعرف أنه يجامعها كما لا يخفى، ولا يظهر هذا الاشتراط
[ 108 ]
إلا إذا لم يظهر لها في صورة الآدمي. وفي فتاوى قاضيخان: إذا استيقظ فوجد بللا في إحليله وشك في أنه مني أو مذي فعليه الغسل إلا إذا كان ذكره منتشرا قبل النوم فلا يلزمه الغسل إلا أن يكون أكبر رأيه أنه مني فيلزمه الغسل، وهذه المسألة يكثر وقوعها والناس عنها غافلون، وهذه تقيد الخلاف المتقدم بين أبي يوسف وصاحبيه بما إذا لم يكن ذكره منتشرا. ثم إن أبا حنيفة في هذه المسألة ومسألة المباشرة الفاحشة ومسألة الفأرة المنتفخة أخذ بالاحتياط وأبا يوسف وافقه في الاحتياط في مسألة المباشرة الفاحشة لوجود فعل هو سبب خروج المذي وخالفه في الفصلين الاخيرين لانعدام الفعل منه، ومحمدا وافقه في الاحتياط في مسألة النائم لانه غافل عن نفسه فكان عنده موضع الاحتياط بخلاف الفصلين الاخيرين فإن المباشر ليس بغافل عن نفسه فيحس بما يخرج منه كذا في المبسوط. وفي المحيط: ولو أن رجلا عزبا به فرط شهوة له أن يستمني بعلاج لتسكن شهوته ولا يكون مأجورا عليه ليته ينجو رأسا برأس. هكذا روي عن أبي حنيفة. وفي الخلاصة معزيا إلى الاصل: المراهق لا يجب عليه الغسل لكن يمنع من الصلاة حتى يغتسل، وكذا لو أراد الصلاة بدون الوضوء وكذا المراهقة ا ه. وفي القنية: لو أنزل الصبي مع الدفق وكان سبب بلوغه فالظاهر أنه لا يلزمه الغسل ا ه. قال بعض المتأخرين: ولا يخفى أنه على هذا لا بد من توجيه المتون ولم يذكر توجيها. وقد يقال: أن غير المكلف مخصوص من إطلاق عباراتهم، فقولهم وموجبه إنزال مني معناه أن إنزال المني موجب للغسل على المكلف لا على غيره وسيأتي خلاف هذا في آخر بحث الغسل إن شاء الله تعالى. واعلم أنه كما ينتقض الوضوء بنزول البول إلى القلفة يجب الغسل
بوصول المني إليها ذكره في البدائع.
[ 109 ]
قوله: (وتواري حشفة في قبل أو دبر عليهما) أي فرض الغسل عند غيبوبة ما فوق الختان وكذلك غيبوبة مقدار الحشفة من مقطوعها في قبل امرأة يجامع مثلها أو دبر على الفاعل والمفعول به وإن لم ينزل، والتعبير بغيبوبة الحشفة أولى من التعبير بالتقاء الختانين لتناوله الايلاج في الدبر، ولان الثابت في الفرج محاذاتهما لا التقاؤهما لان ختان الرجل هو موضع القطع وهو ما دون خرة الحشفة، وختان المرأة موضع قطع جلدة منها كعرف الديك فوق الفرج وذلك لان مدخل الذكر هو مخرج المني والولد والحيض، وفوق مدخل الذكر مخرج البول كإحليل الرجل وبينهما جلدة رقيقة يقطع منها من الختان، فحصل أن ختان المرأة متسفل تحت مخرج البول وتحت مخرج البول مدخل الذكر، فإذا غابت الحشفة في الفرج فقد حاذى ختانه ولكن يقال لموضع ختان المرأة الخفاض، فذكر الختانين بطريق التغليب، قيد بالتواري لان مجرد التلاقي لا يوجب الغسل ولكن ينقض الوضوء على الخلاف المتقدم، وقيدنا بكونه في قبل امرأة لان التواري في فرج البهيمة لا يوجب الغسل إلا بالانزال، وقيدنا بكونها يجامع مثلها لان التواري في الميتة والصغيرة لا يوجب الغسل إلا بالانزال، وقد تقدم الدليل من السنة والاجماع على وجوب الغسل بالايلاج وإن لم يكن معه إنزال وهو بعمومه يشمل الصغيرة والبهيمة وإليه ذهب الشافعي لكن أصحابنا رضي الله عنهم منعوه إلا أن ينزل لان وصف الجنابة متوقف على خروج المني ظاهرا أو حكما عند كمال سببه مع خفاء خروجه لقلته وتكسله في المجرى لضعف الدفق بعدم بلوغ الشهوة منتهاها كما يجده المجامع في أثناء الجماع من اللذة بمقاربة المزايلة، فيجب حينئذ إقامة السبب مقامه وهذا علة كون الايلاج فيه الغسل فتعدى الحكم إلى الايلاج في الدبر وعلى الملاط به إذ ربما يتلذذ فينزل، ويخفى لما قلنا. وأخرجوا ما ذكرنا لكنه يستلزم تخصيص النص بالمعنى ابتداء كذا في فتح القدير. وحاصله أن الموجب إنزال المني حقيقة أو تقديرا عند كمال سببه، وفيما ذكرناه لم يوجد
حقيقة ولا تقدير النقصان سببه لكن هذا يستلزم تخصيص النص بالمعنى ابتداء والعام لا
[ 110 ]
يخصص بالمعنى ابتداء عندنا فيحتاج أئمتنا إلى الجواب عن هذا ويحتاجوا أيضا إلى الجواب عما ذكره النووي في شرح المهذب بأنه ينتقض بوطئ العجوز الشوهاء المتناهية في القبح العمياء البرصاء المقطعة الاطراف فإنه يوجب الغسل بالاتفاق مع أنه لا يقصد به لذة في العادة، ولم أجد عن هذين الايرادين جوابا وقد ظهر لي في الجواب عن الاول أن هذا ليس تخصيصا للنص بالمعنى ابتداء وبيانه يحتاج إلى مزيد كشف فأقول وبالله التوفيق: إنه قد ورد حديثان ظاهرهما التعارض: الاول الماء من الماء ومقتضاه أن الغسل لا يجب بالتقاء الختانين من غير إنزال فإن الماء اسم جنس محلى بلام الاستغراق فمعناه جميع الاغتسال من المني فيما يتعلق بعين الماء لا مطلقا لوجوبه بالحيض والنفاس. والثاني حديث إذا جلس بين شعبها الاربع ثم جهدها فقد وجب الغسل وإن لم ينزل ومقتضاه عموم وجوب الغسل بغيبوبة الحشفة من غير إنزال فيشمل الصغيرة والبهيمة والميتة فيعارض الاول وإذا أمكن العمل بهما وجب فقال علماؤنا: أن الموجب للغسل هو إنزال المني كما أفاده الحديث الاول لكن المني تارة يوجد حقيقة وتارة يوجد حكما عند كمال سببه وهو غيبوبة الحشفة في محل يشتهى عادة مع خفاء خروجه ولو كان في الدبر لكمال السببية فيه لانه سبب لخروج المني غالبا كالايلاج في القبل لاشتراكهما لينا وحرارة وشهوة حتى إن الفسقة اللوطة رجحوا قضاء الشهوة من الدبر على قضائها من القبل ومنه خبرا عن قوم لوط * (لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وأنك لتعلم ما نريد) * (هود: 79) وفي الصغيرة ونحوها لم يكن الايلاج سببا كاملا لانزال المني لعدم الداعية إليه فلم يوجد إنزال المني حقيقة ولا تقديرا. فلو قلنا بالوجوب من غير إنزال لكان فيه ترك العمل بالحديث أصلا وهو لا يجوز فكان هذا منا
[ 111 ]
قولا بموجب العلة لا تخصيصا للنص بالقياس ابتداء، ويكون إنزال المني هو الموجب وهو إما
حقيقة أو تقديرا هو الذي ذكره مشايخنا في أصولهم في بحث المفاهيم قاطعين النظر عن كون الماء من الماء منسوخا كما لا يخفى. وجواب آخر أنه يجوز تخصيص النص العام بالمعنى ابتداء عند جمهور الفقهاء منهم الشيخ أبو منصور ومن تابعه من مشايخ سمرقند لان موجبه عندهم ليس بقطعي، وأكثر أصحابنا يمنعونه لكونه عندهم قطعيا والقياس ظني، أما إذا كان العام ظنيا جاز تخصيصه بالقياس ابتداء وما نحن فيه من هذا القبيل لانه ظني الثبوت وإن كان قطعي الدلالة. وأما الجواب عن الثاني فلا نسلم أن المحل لا يشتهى ولئن سلم فاجتماع هذه الاوصاف الشنيعة في امرأة نادر ولا اعتبار به. هذا وقد ذكر في المبتغى خلافا فيمن غابت الحشفة في فرجه فقال: وقيل لا غسل عليه كالبهيمة والمراد بالفرج الدبر ونقله في فتح القدير ولم يتعقبه. وقد يقال: إنه غير صحيح فقد قال في غاية البيان: واتفقوا على وجوب الغسل من الايلاج في الدبر على الفاعل والمفعول به ا ه. وجعل الدبر كالبهيمة بعيد جدا كما لا يخفى. وفي فتح القدير: إن في إدخال الاصبع الدبر خلافا في إيجاب الغسل فليعلم ذلك ا ه. وقد أخذه من التنجيس ولفظه: رجل أدخل أصبعه في دبره وهو صائم اختلفوا في وجوب الغسل والقضاء، والمختار أنه لا يجب الغسل ولا القضاء لان الاصبع ليس آلة للجماع فصار بمنزلة الخشبة. ذكره في الصوم. وقد حكى عن السراج الوهاج خلافا في وطئ الصغيرة التي لا تشتهى فمنهم من قال يجب مطلقا، ومنهم من قال لا يجب مطلقا والصحيح أنه إذا أمكن الايلاج في محل الجماع من الصغيرة ولم يفضها فهي ممن تجامع فيجب الغسل وعزاه للصيرفي في الايضاح. وقد يقال: إن بقاء البكارة دليل على عدم
[ 112 ]
الايلاج فلا يجب الغسل كما اختاره في النهاية معزيا إلى المحيط. ولو لف على ذكره خرقة وأولج ولم ينزل قال بعضهم يجب الغسل لانه يسمى مولجا، وقال بعضهم لا يجب. والاصح إن كانت الخرقة رقيقة بحيث يجد حرارة الفرج واللذة وجب الغسل وإلا فلا، والاحوط وجوب الغسل في الوجهين. وإن أولج الخنثى المشكل ذكره في فرج امرأة أو دبرها فلا غسل
عليهما لجواز أن يكون امرأة وهذا الذكر منه زائد فيصير كمن أولج أصبعه، وكذا في دبر رجل أو فرج خنثى لجواز أن يكونا رجلين والفرجان زائدان منهما، وكذا في فرج خنثى مثله لجواز أن يكون الخنثى المولج فيه رجلا والفرج زائد منه. وإن أولج رجل في فرج خنثى مشكل لم يجب الغسل عليه لجواز أن يكون الخنثى رجلا والفرج منه بمنزلة الجرح. وهذا كله إذا كان من غير إنزال، أما إذا أنزل وجب الغسل بالانزال. كذا في السراج الوهاج. وهذا لا يرد على المصنف لان كلامه في حشفة وقبل محققين والله أعلم بالصواب. قوله: (وحيض ونفاس) أي وفرض الغسل عند حيض ونفاس. وقد اختلف رأي المصنف في كتبه هل الموجب الحيض أو انقطاعه؟ فاختار في المستصفى أن الموجب رؤية الدم أو خروجه وعلل بأن الدم إذا حصل نقض الطهارة الكبرى ولم يجب الغسل مع سيلان الدم لانه ينافيه، فإذا انقطع أمكن الغسل فوجب لاجل ذلك الحدث السابق، فأما الانقطاع فهو طهارة فلا يوجب الطهارة. واختار في الكافي أن الموجب انقطاع الدم لا خروجه لان
[ 113 ]
عنده لا يجب وإنما يجب عند الانقطاع. ونقل نظيره في المستصفى عن أستاذه وعلل له بأن الخروج منه مستلزم للحيض فقد وجد الاتصال بينهما فصحت الاستعارة. وفي غاية البيان: هذا والله عن عجائب الدنيا لانه إذا كان الخروج ملزوما والحيض لازما يلزم أن يوجد الحيض عند وجود الخروج لاستحالة انفكاك اللازم عن الملزوم ووجد الحيض عند وجوده محال بمرة ا ه. أقول: ليس في هذا شئ من العجب وما العجب إلا فهم الكلام على وجه يتوجه عليه الاعتراض، ولو فهم أن الخروج من الحيض مستلزم لتقدم الحيض لا لنفس الحيض لاستغنى عن هذا الاعتراض. واستبعد الزيلعي كون الانقطاع سببا لانه ليس فيه إلا الطهارة ومن المحال أن توجب الطهارة الطهارة وإنما توجبها النجاسة، ويدفع هذا الاستبعاد بأن الانقطاع نفسه ليس بطهر إنما الطهر الحالة المستمرة عقيبه ولو سلم، فلما كان الانقطاع لا بد منه في وجوب الغسل إذ لا فائدة في الغسل بدونه نسبت السببية إليه
وإن كان السبب في الحقيقة خروج الدم. والحاصل أنهم اختلفوا هل الغسل يجب بخروج الدم بشرط الانقطاع أو يجب بنفس الانقطاع؟ ورجح بعضهم الثاني بأن الحيض اسم لدم مخصوص والجوهر لا يكون سببا للمعنى. والحق غير القولين بل إنما يجب بوجوب الصلاة كما قدمناه في الوضوء والغسل. وقد نقل الشيخ سراج الدين الهندي الاجماع على أنه لا يجب الوضوء على المحدث، والغسل على الجنب والحائض والنفساء قبل وجوب الصلاة أو إرادة ما لا يحل إلا به، فحينئذ لا فائدة لهذا الخلاف من جهة الاثم فإنهم اتفقوا على عدم الاثم قبل وجوب الصلاة، فظهر بهذا ضعف ما نقله في السراج الوهاج من أنه جعل فائدة الخلاف تظهر فيما إذا انقطع الدم طلوع الشمس وأخرت الغسل إلى وقت الظهر، فعند الكرخي وعامة العراقيين تأثم، وعند البخاريين لا تأثم. وعلى هذا الخلاف وجوب الوضوء فعند العراقيين يجب الوضوء للحدث وعند البخاريين للصلاة ا ه. وقد يقال: إن فائدته تظهر في التعاليق كأن يقول: إن وجب عليك غسل فأنت طالق. وقد ظهر لي فائدة أخرى وهي ما إذا استشهدت قبل انقطاع الدم فمن قال السبب نفس الحيض قال إنها تغسل لان الشهادة لا ترفع ما وجب قبل الموت كالجنابة، ومن قال إن السبب انقطاعه قال لا تغسل لعدم وجوب الغسل قبل الموت، وقد صحح في الهداية في باب الشهيد أنها تغسل فكان تصحيحا لكون السبب الحيض كما لا يخفى. وأما دليل وجوب الغسل من الحيض والنفاس فالاجماع نقله صاحب البدائع من أئمتنا والنووي في شرح المهذب عن ابن المنذر وابن جرير الطبري واستدل بعضهم للحيض بقوله تعالى * (ولا تقربوهن حتى يطهرن) * (البقرة: 222) ووجه الدلالة أنه يلزمها تمكين الزوج من الوطئ ولا يجوز ذلك إلا بالغسل وما لا يتم
[ 114 ]
الواجب إلا به فهو واجب. وإذا ثبت هذا فيما دون العشرة ثبت في العشرة بدلالة النص لان وجوب الاغتسال لاجل خروج الدم وقد وجد في العشرة. فإن قيل: إنما وجب الاغتسال فيما دون العشرة لتتأكد به صفة الطهارة عن الحيض وزوال الاذى ليثبت الحل
للزوج، ولهذا يثبت الحل بمضي وقت صلاة عليها وإن لم تغتسل لوجود التأكيد بصيرورة الصلاة دينا عليها، وفي العشرة قد تأكد صفة الطهارة بنفس الانقطاع فانعدم المعنى الموجب فلا يمكن الالحاق بطريق الدلالة كما لا يمكن إثبات الحد باللواطة بمعنى الحرمة لانعدام المعنى الموجب للحد بعد الحرمة وهو كثرة الوقوع قلنا: ليس كذلك بل المعنى الموجب موجود لانه إما الحدث أو إرادة الصلاة على الخلاف، وكلاهما ثابت هنا، فأما الفرق الذي يدعيه فإنما يثبت إذا كان وجوب الاغتسال لثبوت الحل وليس كذلك، ألا ترى أنها لو لم تكن ذات زوج وجب عليها الاغتسال مع انعدام المعنى الذي يدعيه ولكنه وإن وجب بسبب آخر جعل غاية للحرمة فيما دون العشرة فإن الحيض به ينتهي فتنتهي الحرمة المبنية عليه، فعرفنا بعبارة النص في قراءة التشديد حرمان القربان مغيا إلى الاغتسال فيما دون العشرة بإشارته وجوب الاغتسال وبدلالته وجوبه في العشرة. كذا في معراج الدراية معزيا إلى شيخه العلامة. ويدل عليه أيضا حديث فاطمة بنت أبي حبيش أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي. رواه البخاري ومسلم عن عائشة. وفي بعض الروايات فاغسلي عنك الدم وصلي. وفي البدائع: ولا نص في النفاس وإنما عرف بالاجماع، ثم إجماعهم يجوز أن يكون على خبر في الباب لكنهم تركوا نقله اكتفاء بالاجماع، ويجوز أن يكون بالقياس على دم الحيض لكون كل منهما دما خارجا من الرحم ا ه. والمذكور في الاصول أن الاجماع في كل حادثة لا يتوقف على نص على الاصح. وفي الكافي للحاكم الشهيد وإذا اجنبت المرأة ثم أدركها الحيض فإن شاءت اغتسلت وإن شاءت أخرت حتى تطهر، وعند مالك: عليها أن تغتسل بناء على أصله أن الحائض لها أن تقرأ القرآن ففي اغتسالها من الجنابة هذه الفائدة. قوله: (لا مذي وودي واحتلام بلا بلل) بالجر عطف على مني أي لا يفترض الغسل عند هذه الاشياء. أما المذي ففيه ثلاث لغات: المذي بإسكان الذال وتخفيف الياء والمذي بكسر الذال وتشديد الياء وهاتان مشهورتان. قال الازهري وغيره: التخفيف أفصح وأكثر.
والثالثة المذي بكسر الذال وإسكان الياء حكاها أبو عمر الزاهد في شرح الفصيح عن ابن الاعرابي. ويقال مذي بالتخفيف وأمذي ومذي بالتشديد والاول أفصح، وهو ماء أبيض
[ 115 ]
رقيق يخرج عند شهوة لا بشهوة ولا دفق ولا يعقبه فتور وربما لا يحس بخروجه وهو أغلب في النساء من الرجال. وفي بعض الشروح أن ما يخرج من المرأة عند الشهوة يسمى القذي بمفتوحتين. والودي بإسكان الدال المهملة وتخفيف الياء ولا يجوز عند جمهور أهل اللغة غير هذا، وحكى الجوهري في الصحاح عن الاموي أنه قال بتشديد الياء، وحكى صاحب مطالع الانوار لغة أنه بالذال المعجمة وهذان شاذان. يقال ودي بتخفيف الدال وأودي وودي بالتشديد والاول أفصح، وهو ماء أبيض كدر ثخين يشبه المني في الثخانة ويخالفه في الكدورة ولا رائحة له، ويخرج عقيب البول إذا كانت الطبيعة مستمسكة وعند حمل شئ ثقيل ويخرج قطرة أو قطرتين ونحوهما، وأجمع العلماء أنه لا يجب الغسل بخروج المذي والودي. كذا في شرح المهذب. وإذا لم يجب بهما الغسل وجب بهما الوضوء. وفي المذي حديث علي المشهور الصحيح الثابت في البخاري ومسلم وغيرهما. فإن قيل: ما فائدة إيجاب الوضوء بالودي وقد وجب بالبول السابق عليه؟ قلنا عن ذلك أجوبة: أحدها فائدته فيمن به سلس البول فإن الودي ينقض وضوءه دون البول. ثانيها فيمن توضأ عقب البول قبل خروج الودي ثم خرج الودي فيجب به الوضوء. ثالثها يجب الوضوء لو تصور الانتقاض به كما فرع أبو حنيفة مسائل المزارعة لو كان يقول بجوازها قال في الغاية وفيه ضعف. ورابعها الودي ما يخرج بعد الاغتسال من الجماع وبعد البول وهو شئ لزج، كذا فسره في الخزانة والتبيين، فالاشكال إنما يرد على من اقتصر في تفسيره على ما يخرج بعد البول. خامسها أن وجوب الوضوء بالبول لا ينافي الوجوب بالودي بعده ويقع الوضوء عنهما حتى لو حلف لا يتوضأ من رعاف فرعف ثم بال أو عكسه فتوضأ فالوضوء منهما فيحنث، وكذا لو حلفت لا تغتسل من جنابة أو حيض فجامعها زوجها وحاضت فاغتسلت فهو منهما وتحنث وهذا ظاهر الرواية. وقال الجرجاني: الطهارة من الاول
دون الثاني مطلقا. وقال الهندواني: إن اتحد الجنس كأن بال ثم بال فالوضوء الاول، وإن اختلف كأن بال ثم رعف فالوضوء منهما ذكره في الذخيرة. وقد رجح المحقق في فتح القدير تبعا للآمدي قول الجرجاني لان الناقض يثبت الحدث، ثم تجب إزالته عند وجود شروطه وهو أمر واحد لا تعدد في أسبابه فالثابت بكل سبب هو الثابت بالآخر إذ لا دليل يوجب خلاف ذلك فالناقض الاول لما أثبت الحدث لم يعمل الثاني شيئا لاستحالة تحصيل الحاصل. نعم لو وقعت الاسباب دفعة أضيف ثبوته إلى كلها ولا ينفي ذلك كون كل علة مستقلة لان معنى الاستقلال كون الوصف بحيث لو انفرد أثر هذه الحيثية ثابتة لكل في حال الاجتماع، وهذا أمر معقول يجب قبوله والحق أحق أن يتبع ويجب حمله على الحكم بتعدد الحكم هنا ولا يستلزم أن يقال به كل موضع لانه يرفع وقوع تعدد العلل بحكم واحد وهم في الاصول يثبتونه.
[ 116 ]
وأما الاحتلام فهو افتعال من الحلم بضم الحاء وإسكان اللام وهو ما يراه النائم من المنامات. يقال حلم في منامه بفتح الحاء واللام واحتلم وحلمت كذا وحلمت بكذا هذا أصله ثم جعل اسما لما يراه النائم من الجماع فيحدث معه إنزال المني غالبا فغلب لفظ الاحتلام في هذا دون غيره من أنواع المنام لكثرة الاستعمال. وحكمه عدم وجوب الغسل إذا لم ينزل لما روى البخاري ومسلم عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: جاءت أم سليم امرأة أبي طلحة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال: نعم إذا رأت الماء. ونقل النووي في شرح المهذب عن ابن المنذر الاجماع عليه. وأما ما استدل به في بعض الشرح ومن حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل عن الرجل يجد البلل ولا يذكر الاحتلام قال يغتسل. وعن الرجل يرى أنه احتلم ولا يجد البلل قال: لا غسل عليه. فهو وإن كان مشهورا رواه الدارمي وأبو داود الترمذي وغيرهم لكنه من رواية عبد الله بن عمر العمري وهو ضعيف عند أهل العلم لا يحتج بروايته ويغني عنه حديث أم سليم المتقدم فإنه يدل على جميع ما يدل عليه هذا هكذا في شرح المهذب. ولا يقال
إن الاستدلال بحديث أم سليم صحيح على مذهب من يقول بمفهوم الشرط وأنتم لا تقولون به لانا نقول: إن الحكم معلق بالشرط فإذا عدم الشرط انعدم الحكم بالعدم الاصلي لا بأن عدم الشرط أثر في عدم الحكم كما تقدم. قوله: (وسن للجمعة والعيدين والاحرام وعرفة) أي وسن الغسل لاجل هذه الاشياء. وأما الجمعة فلما روى الترمذي وأبو داود النسائي وأحمد في مسنده والبيهقي في سننه وابن أبي شيبة في مصنفة وابن عبد البر في الاستذكار عن قتادة عن الحسن عن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل قال الترمذي حديث حسن صحيح أي فبالسنة أخذ ونعمت هذه الخصلة، وقيل فبالرخصة أخذ
[ 117 ]
ونعمت الخصلة هذه والاول أولى فإنه قال وإذا اغتسل فالغسل أفضل فتبين أن الوضوء سنة لا رخصة كذا في الطلبة. والضمير في فبها يعود إلى غير المذكور وهو جائز إذا كان مشهورا وهذا مذهب جمهور العلماء وفقهاء الامصار وهو المعروف من مذهب مالك وأصحابه، وما وقع في الهداية من أنه واجب عند مالك فقال بعض الشارحين: إنه غير صحيح فإنه لم يقل أحد بالوجوب إلا أهل الظاهر وتمسكوا بما رواه البخاري ومسلم من حديث عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من جاء منكم الجمعة فليغتسل والامر للوجو ب. وروى البخاري ومسلم من حديث الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم وقد أجاب الجمهور عنه بثلاثة أجوبة: أحدها أن الوجوب قد كان ونسخ ودفع بأن الناسخ وإن صححه الترمذي لا يقوي قوة حديث الوجو ب ما ليس فيه تاريخ أيضا فعند التعارض يقدم الموجب. ثانيها أنه من قبيل انتها الحكم بانتهاء علته كما يفيده ما أخرجه أبو داود عن عكرمة أن ناسا من أهل العراق جاءوا فقالوا: يا ابن عباس أترى الغسل يوم الجمعة واجبا؟ فقال: لا ولكنه طهور وخير لمن اغتسل ومن لم يغتسل فلا شئ عليه بواجب، وسأخبركم كيف بدأ الغسل كان الناس مجهودين يلبسون الصوف ويعملون على ظهورهم وكان مسجدهم ضيقا
مقارب السقف إنما هو عريش، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم حار وعرق الناس في ذلك الصوف حتى ثارت منه رياح حتى أذى بعضهم بعضا، فلما وجد عليه السلام تلك الرياح قال: يا أيها الناس، إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا وليمس أحدكم أمثل ما يجد من دهنه وطيبه. قال ابن عباس: ثم جاء الله بالخير ولبسوا غير الصوف وكفوا العمل ووسع مسجدهم وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم بعضا من العرق. وثالثها أن المراد بالامر النسب وبالوجوب الثبوت شرعا على وجه الندب كأنه قال واجب في الاخلاق الكريمة وحسن السنة بقرينة متصلة ومنفصلة. أما المتصلة فهي أنه قرنه بما لا يجب اتفاقا كما رواه مسلم في حديث الخدري إنه عليه السلام قال غسل الجمعة على كل محتلم والسواك والطيب ما يقدر عليه ومعلوم أن الطيب والسواك ليسا بواجبين فكذلك الغسل، وأما قول أبي هريرة كغسل الجنابة فإنما أراد التشبيه في الهيئة والكيفية لا في كونه فرضا يدل عليه ما رواه الترمذي عن
[ 118 ]
أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فدنا واستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغا (1) وهذا نص في الاكتفاء بالوضوء. وأما القرينة المنفصلة فهي قوله ومن اغتسل فالغسل أفضل. وأما كون الغسل سنة للعيدين وعرفة فبما رواه ابن ماجه في سننه عن الفاكه بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل يوم الفطر ويوم النحر ويوم عرفة، ورواه الطبراني في معجمه والبزار في مسنده وزاد فيه يوم الجمعة، ورواه أحمد في مسنده أيضا وروى ابن ماجه عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل يوم العيدين. وأما كونه سنة للاحرام فبما أخرجه الترمذي في الحج وحسنه عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه زيد بن ثابت أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لاهلاله واغتسل. وذهب بعض مشايخنا إلى أن هذه الاغسال الاربعة مستحبة أخذا من قول محمد في الاصل إن غسل الجمعة حسن. قال في فتح القدير: وهو النظر لانا إن قلنا بأن الوجوب انتسخ لا يبقى حكم آخر بخصوصه إلا بدليل والدليل المذكور يفيد
الاستحباب، وكذا إن قلنا بأنه من قبيل انتهاء الحكم بانتهاء علته وإن حملنا الامر على الندب فدليل الندب يفيد الاستحباب إذ لا سنة دون مواظبته صلى الله عليه وسلم وليس ذلك لازم الندب ثم يقاس عليه باقي الاغسال، وإنما يتعدى إلى الفرع حكم الاصل وهو الاستحباب. وأما ما رواه ابن ماجه في العيدين وعرفة من حديثي الفاكه وابن عباس المتقدم ذكرهما فضعيفان قاله النووي وغيره. وأما ما رواه الترمذي في الاهلال فواقعة حال لا تستلزم المواظبة فاللازم الاستحباب إلا أن يقال: إهلاله اسم جنس فيعم لفظا كل إهلال صدر منه فثبتت سنية هذا الغسل ا ه. لكن قال تلميذه ابن أمير حاج: والذي يظهر استنان غسل الجمعة لما روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل من أربع: من الجنابة ويوم الجمعة وغسل الميت ومن الحجامة. رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة والحاكم وقال على شرط الشيخين. وقال البيهقي: رواته كلهم ثقاة. مع ما تقدم فإن هذا الحديث ظاهره يفيد المواظبة وما تقدم يفيد جواز الترك من غير لوم، وبهذا القدر تثبت السنة. ثم اختلفوا فعند أبي يوسف الغسل في الجمعة والعيدين سنة للصلاة لا لليوم لانها أفضل من الوقت، وعند الحس لليوم اظهارا لفضيلته. وهكذا في كثير من الكتب وفي بعض الكتب كما نقله في المعراج ذكر محمد مكان الحسن وقالوا: الصحيح قول أبي يوسف. وتظهر ثمرة الاختلاف فيمن لا جمعة عليه هل يسن له الغسل أو لا، وفيمن اغتسل ثم أحدث وتوضأ وصلى به الجمعة لا يكون له فضل غسل الجمعة عند أبي يوسف خلافا للحسن، وفيمن اغتسل بعد الصلاة قبل الغروب فعند أبي يوسف لا، وعند الحسن نعم. كذا
[ 119 ]
ذكر الشارحون. والمنقول في فتاوى قاضيخان في باب صلاة الجمعة أنه لو اغتسل بعد الصلاة لا يعتبر بالاجماع وهو الاولى فيما يظهر لي لان سبب مشروعية هذا الغسل لاجل إزالة الاوساخ في بدن الانسان اللازم منها حصول الاذى عند الاجتماع، وهذا المعنى لا يحصل بالغسل بعد الصلاة، والحسن رحمه الله وإن كان يقول هو لليوم لا للصلاة لكن بشرط أن يتقدم على الصلاة. ولا يضر تخلل الحدث بين الغسل والصلاة عنده وعند أبي يوسف يضر. وفي الكافي
للمصنف وخلاصة الفتاوى تظهر فائدة الخلاف فيما لو اغتسل قبل الصبح وصلى به الجمعة نال فضل الغسل عند أبي يوسف، وعند الحسن لا. وتعقب الزيلعي الحسن بأنه مشكل جدا لانه لا يشترط وجود الاغتسال بما سن الاغتسال لاجله وإنما يشترط أن يكون متطهرا بطهارة الاغتسال، ألا ترى أن أبا يوسف لا يشترط الاغتسال في الصلاة وإنما يشترط أن يصليها بطهارة الاغتسال، فكذا ينبغي أن يكون هنا متطهرا بطهارته في ساعة من اليوم عند الحسن لا أن ينشئ الغسل فيه ا ه. وأقره عليه في فتح القدير. وقد يقال: إن ما استشهد به بقوله ألا ترى إلى آخره لا يصلح للاستشهاد لان ما سن الاغتسال لاجله عند الحسن وهو اليوم يمكن إنشاء الغسل فيه، فلو قيل باشتراطه أمكن بخلاف ما سن الاغتسال لاجله عند أبي يوسف وهو الصلاة لا يمكن إنشاء الغسل فيها فافترقا، لكن المنقول في فتاوى قاضيخان من باب صلاة الجمعة أنه إن اغتسل قبل الصبح وصلى بذلك الغسل كانت صلاة بغسل عند الحسن. وفي معراج الدراية: لو اغتسل يوم الخميس أو ليلة الجمعة استن بالسنة لحصول المقصود وهو قطع الرائحة اه. ولم ينقل خلافا. وينبغي أن لا تحصل السنة عند أبي يوسف لاشتراطه أن لا يتخلل بين الغسل والصلاة حدث والغالب في مثل هذا القدر من الزمان حصول حدث بينهما، ولا تحصل السنة أيضا عند الحسن على ما في الكافي وغيره. أما على ما في الكافي فظاهر، وأما على ما في غيره فلانه يشترط أن يكون متطهرا بطهارة الاغتسال في اليوم لا قبله. ولو اتفق يوم الجمعة ويوم العيد أو عرفة وجامع ثم اغتسل ينوب عن الكل كذا في معراج الدراية. ثم في البدائع: يجوز أن يكون غسل عرفة على هذا الاختلاف أيضا يعني أن يكون للوقوف أو لليوم كما في الجمعة. قال ابن أمير
[ 120 ]
حاج: والظاهر أنه للوقوف وما أظن أحدا ذهب إلى استنانه ليوم عرفة من غير حضور عرفات. وفي المنبع شرح المجمع: فإن قلت هل يتأتى هذا الاختلاف في غسل العيد أيضا؟ قلت: يحتمل ذلك ولكني ما ظفرت به ا ه. قلت: والظاهر أنه للصلاة أيضا ويشهد له ما صح في
موطأ مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو اه. وعبارة المجمع أولى من عبارة المصنف حيث قال: وفى عرفة ليبين أنه لا ينال السنة إلا إذا اغتسل في نفس الجبل بخلاف عبارة المصنف فإنها صادقة بما إذا اغتسل خارجه لاجله ثم دخله. قوله: (ووجب للميت) أي الغسل فرض على المسلمين على الكفاية لاجل الميت وهذا هو مراد المصنف من الوجوب كما صرح به في الوافي في الجنائز. وفي فتح القدير إنه بالاجماع إلا أن يكون الميت خنثى مشكلا فإنه مختلف فيه قيل ييمم، وقيل يغسل في ثيابه والاول أولى وسيأتي في الجنائز إن شاء الله تعالى دليله. وهل يشترط لهذا الغسل النية؟ الظاهر أنه يشترط لاسقاط وجوبه عن المكلف لا لتحصيل طهارته هو وشرط صحة الصلاة عليه كذا في فتح القدير ولنافيه نظر نذكره إن شاء الله في الجنائز. وما نقله مسكين من قوله وقيل غسل الميت سنة مؤكدة ففيه نظر بعد نقل الاجماع اللهم إلا أن يكون قولا غير معتد به فلا يقدح في انعقاد الاجماع. قوله: (ولمن أسلم جنبا وإلا ندب) أي افترض الغسل على من أسلم حال كونه جنبا فاللام بمعنى على بقرينة قوله وإلا ندب إذ لو كانت اللام على حقيقتها لاستوت الحالتان كما لا يخفى. وعبارة أصله الوافي أحسن ولفظه وندب لمن أسلم ولم يكن جنبا وإلا لزم وقد اختلف المشايخ في الكافر إذا أسلم وهو جنب، فقيل لا يجب لانهم غير مخاطبين بالفروع ولم يوجد بعد الاسلام جنابة وهو رواية، وفي رواية يجب وهو الاصح لبقاء صفة الجنابة السابقة بعد الاسلام فلا يمكنه أداء المشروط بزوالها إلا به فيفترض. ولو حاضت الكافرة فطهرت ثم أسلمت قال شمس الائمة: لا غسل عليها بخلاف الجنب. والفرق أن صفة الجنابة باقية بعد
[ 121 ]
الاسلام فكأنه أجنب بعده والانقطاع في الحيض هو السبب ولم يتحقق بعد فلذلك لو أسلمت حائضا ثم طهرت وجب عليها الغسل. ولو بلغ الصبي بالاحتلام أو هي بالحيض قيل يجب عليها لا عليه فهذه أربعة فصول. قال قاضيخان: والاحوط وجوب الغسل في الفصول كلها ا ه. وفي فتح القدير: ولا نعلم خلافا في وجوب الوضوء للصلاة إذا أسلم محدثا، ولا معنى
للفرق بين هاتين فإنه إن اعتبر حال البلوغ أوان انعقاد أهلية التكليف فهو كحال انعقاد العلة لا يجب عليهما، وإن اعتبر أوان توجه الخطاب حتى اتحد زمانهما وجب عليهما، والحيض إما حدث أو يوجب حدثا في رتبة حدث الجنابة كما سنحققه في بابه فوجب أن يتحد حكمه بالذي أسلم جنبا. وجوابه أن السبب في الحيض الانقطاع وثبوته بعد البلوغ لتحقق البلوغ بابتداء الحيض كيلا يثبت الانقطاع إلا وهي بالغة ا ه. وهذا الجواب بعد تسليمه يصلح جوابا عما يرد على الفرق بين المرأة إذا بلغت بالحيض والصبي إذا بلغ بالاحتلام. ولقائل أن يمنعه لما تقدم أن المختار أن السبب في وجوب الغسل على الحائض ليس الحيض ولا انقطاعه وإنما هو وجوب الصلاة، فحينئذ لا فرق بينهما. والجواب الصحيح أن الصحيح وجوب الاغتسال على الصبي إذا بلغ بالاحتلام ذكره في معراج الدراية معزيا إلى أمالي قاضيخان. وأما ما يرد على الفرق بين المرأة الحائض إذا أسلمت بعد الانقطاع وبين المسلم إذا كان جنبا فلم يحصل الجواب عنه من المحقق، فالاولى القول بالوجوب عليهما كما ذكره قاضيخان، وإلى هنا تمت أنواع الاغتسال وهي فرض وسنة ومندوب. فالفرض ستة أنواع: من إنزال المني بشهوة، وتواري حشفة ولو كان كافرا ثم أسلم، ومن انقطاع حيض أو نفاس ولو كانت كافرة ثم أسلمت، والخامس غسل الميت، والسادس الغسل عند إصابة جميع بدنه نجاسة أو بعضه وخفي مكانها. وكثر من المشايخ قسموا أنواعه إلى فرض وواجب وسنة ومندوب وجعلوا الواجب غسل الميت وغسل الكافر إذا أسلم جنبا ولا يخفى ما فيه فإن هذا الذي سموه واجبا يفوت الجواز بفوته. والمنقول في باب الجنائز أن غسل الميت فرض فالاولى عدم إطلاق الواجب عليه لانه ربما يتوهم أنه غير الفرض بناء على اصطلاحنا المشهور. والمسنون أربعة كما تقدم، والمندوب غسل الكافر إذا أسلم غير جنب، ولدخول مكة، والوقوف بمزدلفة، ودخول مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، وللمجنون إذا أفاق، والصبي إذا بلغ بالسن، ومن غسل الميت، وللحجامة لشبهة الخلاف، وليلة القدر إذا رآها،
[ 122 ]
وللتائب من الذنب، وللقادم من السفر، ولمن يراد قتله، وللمستحاضة إذا انقطع دمها. ذكر
هذه الاربعة في شرح منية المصلي معزيا لخزانة الاكمل. وفي شرح المهذب: من الغسل المسنون غسل الكسوفين وغسل الاستسقاء ومنه ثلاثة أغسال رمي الجمار، ومن المستحب الغسل لمن أراد حضور مجمع الناس ولم أجده لائمتنا فيما عندي والله الموفق للصواب. قوله: (ويتوضأ بماء السماء والعين والبحر) يعني الطهارة جائزة بماء السماء كما صرح به القدوري وغيره، والمشايخ تارة يطلقون الجواز بمعنى الحل، وتارة بمعنى الصحة وهي لازمة للاول من غير عكس والغالب إرادة الاول في الافعال، والثاني في العقود والمراد هنا الاول، ومن قال بعموم المشترك استعمل الجواز هنا بالمعنيين. والماء هو الجسم اللطيف السيال الذي به حياة كل نام، وأصله موه بالتحريك وهو أصل مرفوض فيما أبدل من الهاء أبدالا لازما فإن الهمزة فيه مبدلة عن الهاء في موضع اللام ويجمع على مياه جمع كثرة، وجمع قلة على أمواه. والعين لفظ مشترك بين الشمس والينبوع والذهب والدينار والمال والنقد والجاسوس والمطر وولد البقر الوحشي وخيار الشئ ونفس الشئ والناس القليل وحرف من حروف المعجم وما عن يمين قبلة العراق وعين في الجلد وغير ذلك، والمراد به هنا الينبوع بقرينة السياق. وفي قوله والبحر عطفا على السماء أي وبماء البحر إشارة إلى رد قول من قال إن ماء البحر ليس بماء حتى حكي عن ابن عمران أنه قال في ماء البحر: التيمم أحب إلي منه كما نقله عنه في السراج الوهاج. وقسم هذه المياه باعتبار ما يشاهد عادة وإلا فالكل من السماء لقوله تعالى * (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الارض) * (الزمر: 21) وقيل ليس في الآية أن جميع المياه تنزل من السماء لان ما نكرة في الاثبات ومعلوم أنها لا تعم قلنا: بل تعم بقرينة الامتنان به فإن الله ذكره في معرض الامتنان به، فلو لم يدل على العموم لفات المطلوب، والنكرة في الاثبات تفيد العموم بقرينة تدل عليه كما في قوله تعالى * (علمت نفس ما أحضرت) * (التكوير: 14) أي كل نفس. واعلم أن الماء نوعان مطلق ومقيد. فالمطلق هو ما يسبق إلى الافهام بمطلق قولنا ماء ولم يقم به خبث ولا معنى يمنع جواز الصلاة، فخرج الماء المقيد والماء المتنجس
والماء المستعمل. والمطلق في الاصول هو المتعرض للذات دون الصفات لا بالنفي ولا
[ 123 ]
بالاثبات كماء السماء والعين والبحر والاضافة فيه للتعريف بخلاف الماء المقيد فإن القيد لازم له لا يجوز إطلاق الماء عليه بدون القيد كماء الورد. وقد أجمعوا على جواز الطهارة بماء السماء واستدلوا له بقوله تعالى * (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) * (الانفال: 11) وقد استدل جماعة بقوله تعالى * (وأنزلنا من السماء ماء طهورا) * (الفرقان: 48) وبالحديث الصحيح الذي رواه ما له في الموطأ وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم عن أبي هريرة قال: سأل سائل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهو الطهور ماؤه الحل ميتته. قال البخاري في غير صحيحه هو حديث صحيح. وقال الترمذي حديث حسن صحيح. وأورد أن التمسك بالآية والحديث لا يصح إلا إذا كان الطهور بمعنى المطهر كما هو مذهب الشافعي ومالك، وأما إذا كان بمعنى الطاهر كما هو مذهبنا فلا يمكن الاستدلال والدليل على أنه بمعنى الطاهر قوله تعالى * (وسقاهم ربهم شرابا طهورا) * (الانسان: 21) وصفه بأنه طهور وإن لم يكن هناك ما يتطهر به. وقال جرير: عذاب الثنايا ريقهن طهور. ومعناه طاهر. وأهل العربية على أن الطهور فعول من طهر وهو لازم، والفعل إذا لم يكن متعديا لم يكن الفعول منه متعديا كقولهم نؤم من نام وضحوك من ضحك، وإذا كان متعديا فالفعول منه كذلك كقولهم قتول من قتل وضروب من ضرب. قلنا: إنما تفيد هذه الصيغة التطهير من طريق المعنى وهو أن هذه الصيغة للمبالغة فإن في الشكور والغفور من المبالغة ما ليس في الغافر والشاكر فلا بد أن يكون في الطهور معنى زائد ليس في الطاهر، ولا تكون تلك المبالغة في طهارة الماء إلا باعتبار التطهير لان في نفس الطهارة كلتا الصفتين سواء فتكون صفة التطهير له بهذا الطريق لا أن الطهور بمعنى المطهر وإليه أشار في الكشاف والمغرب قال: وما حكي عن ثعلب أن الطهور ما كان طاهرا في نفسه مطهرا لغيره
[ 124 ]
إن كان هذا زيادة بيان لبلاغته في الطهارة كان سديدا ويعضده قوله تعالى * (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) * (الانفال: 11) وإلا فليس فعول من التفعيل في شئ وقياسه على ما هو مشتق من الافعال المتعدية كقطوع ومنوع غير سديد. والطهور يجئ صفة نحو ماء طهورا، واسما لما يتطهر به كالوضوء اسم لما يتوضأ به، ومصدرا نحو تطهرت طهورا حسنا ومنه قوله لا صلاة إلا بطهور أي طهارة فإذا كان بمعنى ما يتطهر به صح الاستدلال ولا يحتاج أن يجعل بمعنى المطهر حيث يلزم جعل اللازم متعديا. كذا قرره بعض الشارحين وفيه بحث من وجوه: الاول أن الله تعالى وصف شراب أهل الجنة بأعلى الصفات وهو التطهير. والثاني أن جريرا قصد تفضيلهن على سائر النساء فوصف ريقهن بأنه مطهر يتطهر به لكمالهن وطيب ريقهن وامتيازه على غيره، ولا يحمل على طاهر لانه لا مزية لهن في ذلك فإن كل النساء ريقهن طاهر بل كل حيوان طاهر اللحم كذلك كالابل والبقر. الثالث أن قوله ولا تكون تلك المبالغة في طهارة الماء إلا باعتبار التطهير قد يمنع أن المبالغة فيه باعتبار كثرته وجودته في نفسه لا باعتبار التطهير. والمراد بماء السماء ماء المطر والندى والثلج والبرد إذا كان متقاطرا. وعن أبي يوسف: يجوز وإن لم يكن متقاطرا والصحيح قولهما، وقد استدل على جواز الطهارة بماء الثلج والبرد بما ثبت في
[ 125 ]
الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسكت بين تكبيرة الاحرام والقراءة سكتة يقول فيها أشياء منها: اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد. وفي رواية بماء الثلج والبرد. ولا يجوز بماء الملح وهو يجمد في الصيف ويذوب في الشتاء عكس الماء. قوله: (وإن غير طاهر أحد أوصافه) أي يجوز الوضوء بالماء ولو خالطه شئ طاهر فغير أحد أوصافه التي هي الطعم واللون والريح وهذا عندنا. وقال الشافعي: إن كان
المخالط الطاهر مما لا يمكن حفظ الماء عنه كالطحلب وما يجري عليه الماء من الملح والنورة جاز الوضوء به، وإن كان ترابا طرح فيه قصدا لم يؤثر، وإن كان شيئا سوء ذلك كالزعفران والدقيق والملح الجبلي والطحلب المدقوق بما يستغني الماء عنه لم يجز الوضوء به. كذا في المهذب. وأصل الخلاف أن هذا الماء الذي اختلط به طاهر هل صار به مقيدا أم لا؟ فقال الشافعي ومن وافقه: يقيد لانه يقال ماء الزعفران ونحن لا ننكر أنه يقال ذلك ولكن لا يمتنع ما دام المخالط مغلوبا أن يقول القائل فيه هذا ماء من غير زيادة، وقد رأيناه يقال في ماء المد والنيل حال غلبة لون الطين عليهما وتقع الاوراق في الحياض زمن الخريف فيمر الرفيقان ويقول أحدهما للآخر هنا ماء تعالى نشرب نتوضأ فيطلقه مع تغير أوصافه، فظهر لنا من اللسان أن المخالط المغلوب لا يسلب الاطلاق فوجب ترتيب حكم المطلق على الماء الذي هو كذلك. ويدل عليه من السنة قوله صلى الله عليه وسلم اغسلوه بماء وسدر قاله لمحرم وقصته ناقته فمات. رواه البخاري ومسلم في حديث ابن عباس. وقال صلى الله عليه وسلم حين توفيت ابنته اغسلنها بماء وسدر رواه مالك في الموطأ من حديث أم عطية. والميت لا يغسل إلا بماء يجوز للحي أن يتطهر به. والغسل بالماء والسدر لا يتصور إلا بخلط السدر بماء أو بوضعه على الجسد وصب الماء عليه، وكيفما كان فلا بد من الاختلاط والتغيير وقد اغتسل صلى الله عليه وسلم يوم الفتح في قصعة فيها أثر العجين. رواه النسائي. والماء بذلك يتغير ولم يعتبر للمغلوبية وأمر عليه السلام قيس بن عاصم حين أسلم أن يغتسل بماء وسدر، فلولا أنه طهور لما أمر أن يغتسل به. فإن قيل: المطلق يتناول الكامل دون الناقص وفي الماء المختلط بطاهر غيره قصور، فالجواب أن المطلق يتناول الكامل ذاتا لا وصفا، والماء المتغير بطاهر كامل ذاتا فيتناوله مطلق الاسم. فإن قيل: لو حلف لا يشرب ماء فشرب هذا الماء المتغير لم يحنث ولو استعمل المحرم الماء، والمختلط بالزعفران لزمته الفدية. ولو وكل وكيلا بأن يشتري له ماء فاشترى هذا الماء لا يجوز فعلم بهذا أن الماء المتغير ليس بماء مطلق قلنا: لا نسلم ذلك هكذا ذكر السراج الهندي أقول: ولئن سلمنا فالجواب، أما في مسألة اليمين والوكالة فالعبرة فيهما للعرف وفي العرف
أن هذا الماء لا يشرب، وأما في مسألة المحرم فإنما لزمته الفدية لكونه استعمل عين الطيب وإن كان مغلوبا.
[ 126 ]
قوله: (أو انتن بالمكث) أي يجوز الوضوء بماء أنتن بالمكث وهو الاقامة والدوام يجوز فتح الميم وضمها كما يجوز في عين فعله الماضي وهي بالضم في المضارع على كل حال. وفي بعض الشروح أنه يجوز فيه الكسر. قيد بقوله بالمكث لانه لو علم أنه أنتن للنجاسة لا يجوز به الوضوء، وأما لو شك فيه فإنه يجوز ولا يلزمه السؤال عنه. قوله: (لا بما تغير بكثرة الاوراق) عطف على بماء السماء يعني لا يتوضأ بما تغير بوقوع الاوراق الكثيرة فيه، وهذا محمول على ما إذا زال عنه اسم الماء بأن صار ثخينا كما سيأتي بيانه قريبا إن شاء الله تعالى. قال في النهاية: المنقول من الاساتذة أن أوراق الاشجار وقت الخريف تقع في الحياض فيتغير ماؤها من حيث اللون والطعم والرائحة. ثم إنهم يتوضؤون منها من غير نكير. وروي عن محمد إبن ابراهيم الميداني أن الماء المتغير بكثرة الاوراق إن ظهر لونها في الكف لا يتوضأ بها لكن يشرب. قوله أو بالطبخ أي لا يتوضأ بما تغير بسبب الطبخ مما لا يقصد به المبالغة في التنظيف كماء المرق والباقلاء لانه حينئذ ليس بماء مطلق لعدم تبادره عند إطلاق اسم الماء، ولا نعني بالمطلق إلا ما يتبادر عند إطلاقه، أما لو كنت النظافة تقصد به كالسدر والصابون والاشنان يطبخ بالماء فإنه يتوضأ به إلا إذا خرج الماء عن طبعه من الرقة والسيلان. وبما تقرر علم أن ما ذكره صاحب الهداية في التجنيس وصاحب الينابيع أن الباقلاء أو الحمص إذا طبخ إن كان إذا برد ثخن لا يجوز الوضوء به، وإن كان لا يثخن ورقة الماء باقية جاز، ليس هو المختار بل هو قول الناطفي من مشايخنا رحمهم الله يدل عليه ما ذكره قاضيخان في فتاواه بما لفظه: ولو طبخ الحمص والباقلاء في الماء وريح الباقلاء توجد فيه لا يجوز التوضؤ به. وذكر الناطفي رحمه الله إذا لم تذهب عنه رقة الماء ولم يسلب عنه اسم الماء جاز الوضوء به. وبما قررناه أيضا علم أن الماء المطبوخ بشئ لا يقصد به المبالغة في التنظيف يصير مقيدا،
سواء تغير شئ من أوصافه أو لم يتغير، فحينئذ لا ينبغي عطفه في المختصر على ما تغير بكثرة الاوراق إلا أن يقال إنه لما صار مقيدا فقد تغير بالطبخ. قوله: (أو اعتصر من شجر أو ثمر) عطف على قوله تغير أي لا يتوضأ بما اعتصر من شجر كالريباس أو ثمر كالعنب لان هذا ماء مقيد وليس بمطلق فلا يجوز الوضوء به لان الحكم منقول إلى التيمم عند فقد الماء المطلق بلا واسطة بينهما. وفي ذكر العصر إشارة إلى أن ما يخرج من الشجر بلا عصر كماء يسيل من الكرم يجوز به الوضوء، وبه صرح صاحب الهداية لكن المصرح به في كثير من الكتب أنه لا يجوز الوضوء به، واقتصر عليه قاضيخان
[ 127 ]
في الفتاوى وصاحب المحيط، وصدر به في الكافي وذكر الجواز بصيغة قبل. وفي شرح منية المصلي: الاوجه عدم الجواز فكان هو الاولى لما أنه كمل امتزاجه كما صرح به في الكافي. فما وقع في شرح الزيلعي من أنه لم يكمل امتزاجه ففيه نظر، وقد علمت أن العلماء اتفقوا على جواز الوضوء بالماء المطلق وعلى عدم جوازه بالماء المقيد. ثم الماء إذا اختلط به شئ طاهر لا يخرج عن صفة الاطلاق إلا إذا غلب عليه غيره. بقي الكلام هنا في تحقيق الغلبة بماذا تكون؟ فعبارة القدوري وهي قوله وتجوز الطهارة بماء خالطه شئ طاهر فغير أحد أوصافه كعبارة الكنز والمختار تفيد أن المتغير لو كان وصفين لا يجوز به الوضوء، وعبارة المجمع وهي قوله ونجيزه بغالب على طاهر كزعفران تغير به بعض أوصافه تفيد أن المتغير لو كان وصفين يجوز أو كلها لا يجوز. وفي تتمة الفتاوى الماء المتغير أحد أوصافه لا يجوز به الوضوء وفي الهداية والغلبة بالاجزاء لا بتغير اللون هو الصحيح وقد حكي خلاف بين أبي يوسف ومحمد ففي المجمع والخانية وغيرهما أن أبا يوسف يعتبر الغلبة بالاجزاء، ومحمدا باللون، وفي المحيط عكسه، والاصح من الخلاف الاول كما صرحوا به. وذكر القاضي الاسبيجابي أن الغلبة تعتبر أولا من حيث اللون ثم من حيث الطعم ثم من حيث الاجزاء. وفي الينابيع: لو نقع الحمص والباقلاء وتغير لونه وطعمه وريحه يجوز الوضوء به. وعن أبي يوسف: ماء
الصابون إذا كان ثخينا قد غلب على الماء لا يتوضأ به، وإن كان رقيقا يجوز وكذا ماء الاشنان. ذكره في الغاية وفيه إذا كان الطين غالبا عليه لا يجوز الوضوء به، وإن كان رقيقا يجوز الوضوء به. وصرح في التجنيس بأن من التفريع على اعتبار الغلبة بالاجزاء قول الجرجاني إذا طرح الزاج أو العفص في الماء جاز الوضوء به إن كان لا ينقش إذا كتب به، فإن نقش لا يجوز والماء هو المغلوب وهكذا جاء الاختلاف ظاهرا في عباراتهم فلا بد من التوفيق فنقول: إن التقييد المخرج عن الاطلاق بأحد أمرين: الاول كمال الامتزاج وهو بالطبخ طاهر لا يقصد به المبالغة في التنظيف أو بتشرب النبات سواء خرج بعلاج أو لا. الثاني غلبة المخالط فإن كان جامدا فبانتفاء رقة الماء وجريانه على الاعضاء، وعليه يحمل ما عن أبي يوسف وما في الينابيع، ويوافقه ما في الفتاوى الظهيرية: إذا طرح الزاج في الماء حتى
[ 128 ]
اسود جاز الوضوء به وإن كان مائعا موافقا للماء في الاوصاف الثلاثة كالماء الذي يؤخذ بالتقطير من لسان الثور، وماء الورد الذي انقطعت رائحته، والماء المستعمل على القول المفتى به من طهارته إذا اختلط بالمطلق فالعبرة للاجزاء فإن كان الماء المطلق أكثر جاز الوضوء بالكل، وإن كان مغلوبا لا يجوز، وإن استويا لم يذكر في ظاهر الرواية. وفي البدائع قالوا: حكمه حكم الماء المغلوب احتياطا وعليه وعلى الاول يحمل قول من قال العبرة بالاجزاء وهو قول أبي يوسف الذي اختاره في الهداية. فإن كان المخالط جامدا فغلبة الاجزاء فيه بثخونته، فإن كان مائعا موافقا للماء فغلبة الاجزاء فيه بالقدر، وذكر الحدادي أن غلبة الاجزاء في الجامد تكون بالثلث وفي المائع بالنصف، فإن كان مخالفا للماء في الاوصاف كلها فإن غيرها أو أكثرها لا يجوز الوضوء به وإلا جاز، وعليه يحمل قول من قال إن غير أحد أوصافه جاز الوضوء به وإن خالفه في وصف واحد أو وصفين فالعبرة لغلبة ما به الخلاف كاللبن يخالفه في اللون والطعم. فإن كان لون اللبن أو طعمه هو الغالب فيه لم يجز الوضوء به وإلا جاز، وكذا ماء البطيخ يخالفه في الطعم فتعتبر الغلبة فيه بالطعم، وعليه يحمل قول من قال إذا غير
أحد أوصافه لا يجوز، وقول من قال العبرة للون. وأما قول من قال العبرة للون ثم الطعم ثم الاجزاء فمراده إن المخالط المائع للماء إن كان لونه مخالفا للون الماء فالغلبة تعتبر من حيث اللون، وإن كان لونه لون الماء فالعبرة للطعم إن غلب طعمه على الماء لا يجوز، وإن كان لا يخالفه في اللون والطعم والريح فالعبرة للاجزاء. وأما ما يفهم من عبارة المجمع فلا يمكن حمله على شئ كما لا يخفى، والذي يظهر أن مراده من البعض البعض الاقل وهو الواحد
[ 129 ]
كما هي عبارة القدوري تصحيحا لكلامه، ويدل عليه قوله في شرحه فغير بعض أوصافه من طعم أو ريح أو لون ذكره ب " أو " التي هي لاحد الاشياء بعد من التي أوقعها بيانا للبعض، ولا يظهر لتغيير عبارة القدوري فائدة. وههنا تنبيهات مهمة لا بأس بإيرادها: الاول أن مقتضى ما قالوه هنا من أن المخالط الجامد لا يقيد الماء إلا إذا سلبه وصف الرقة والسيلان جواز التوضؤ بنبيذ التمر والزبيب ولو غير الاوصاف الثلاثة، وقد صرحوا قبيل باب التيمم بأن الصحيح خلافه، وأن تلك رواية مرجوع عنها. وقد يقال إن ذلك مشروط بما إذا لم يزل عنه اسم الماء، وفي مسألة نبيذ التمر زال عنه اسم الماء فلا مخالفة كما لا يخفى. الثاني أنه يقتضي أيضا أن الزعفران إذا اختلط بالماء يجوز الوضوء به ما دام رقيقا سيالا ولو غير الاوصاف كلها لانه من قبيل الجامدات، والمصرح به في معراج الدراية معزيا إلى القنية أن الزعفران إذا وقع في الماء أمكن الصبغ فيه فليس بماء مطلق من غير نظر إلى الثخونة. ويجاب عنه بما تقدم من أنه زال عنه اسم الماء. الثالث أنهم قد صرحوا بأن الماء المستعمل على القول بطهارته إذا اختلط بالماء الطهور لا يخرجه عن الطهورية إلا إذا غلبه أو ساواه، أما إذا كان مغلوبا فلا يخرجه عن الطهورية فيجوز الوضوء بالكل، وهو بإطلاقه يشمل ما إذا استعمل الماء خارجا ثم ألقي الماء المستعمل واختلط بالطهور أو الغمس في الماء الطهور لا فرق بينهما يدل عليه ما في البدائع في الكلام على حديث لا يبولن أحدكم في الماء الدائم لا يقال إنه نهى لما فيه من إخراج الماء من أن يكون مطهرا من غير ضرورة وذلك
[ 130 ]
حرام لانا نقول: الماء القليل إنما يخرج عن كونه مطهرا باختلاط غير المطهر به إذا كان غير المطهر غالبا كماء الورد واللبن، فأما إذا كان مغلوبا فلا، وههنا الماء المستعمل ما يلاقي البدن ولا شك أن ذلك أقل من غير المستعمل فكيف يخرج به من أن يكون مطهرا؟ ا ه. وقال في موضع آخر فيمن وقع في البئر فإن كاعلى بدنه نجاسة حكمية بأن كان محدثا أو جنبا أو حائضا أو نفساء، فعلى قول من لم يجعل هذا الماء مستعملا لا ينزح شئ، وكذا على قول من جعله مستعملا وجعل المستعمل طاهرا لان غير المستعمل أكثر فلا يخرج عن كونه طهورا ما لم يكن المستعمل غالبا عليه كما لو صب اللبن في البئر بالاجماع أو بالت شاة فيها عند محمد ا ه. وقال في موضع آخر: ولو اختلط الماء المستعمل بالماء القليل قال بعضهم: لا يجوز التوضؤ به وإن قل وهذا فاسد. أما عند محمد فلانه طاهر لم يغلب على الماء المطلق فلا يغيره عن صفة الطهور كاللبن، وأما عندهما فلان القليل لا يمكن التحرز عنه. ثم الكثير عند محمد ما يغلب على الماء المطلق، وعندهما أن يستبين مواضع القطرة في الاناء ا ه. وفي الخلاصة: جنب اغتسل فانتضح من غسله شئ في إنائه لم يفسد عليه الماء، أما إذا كان يسيل فيه سيلانا أفسده، وكذا حوض الحمام على هذا. وعلى قول محمد لا يفسده ما لم يغلب عليه يعني لا يخرجه من الطهورية ا ه. بلفظه. فإذا عرفت هذا لم تتأخر عن الحكم بصحة الوضوء من الفساقي الموضوعة في المدارس عند عدم غلبة الظن بغلبة الماء المستعمل أو وقوع نجاسة في الصغار منها. فإن قلت: قد صرح قاضيخان في فتاواه أنه لو صب ماء الوضوء في البئر عند أبي حنيفة ينزح كل الماء، وعند صاحبيه إن كان استنجى بذلك الماء فكذلك، وإن لم يكن استنجى به على قول محمد لا يكون نجسا لكن ينزح منها عشرون ليصير الماء طاهرا ا ه. فهذا ظاهر في استعمال الماء بوقوع قليل من المستعمل فيه على قول محمد، وكذا صرحوا بأن الجنب إذا نزل في البئر بقصد الاغتسال يفسد الماء عند الكل، صرح به الاكمل وصاحب معراج الدراية وغرهما. وفي بعض الكتب ينزح عشرون دلوا عند محمد، ولولا أن الكل صار
مستعملا لما نزح منها. وفي فتاوى قاضيخان: لو أدخل يده أو رجله في الاناء للتبرد يصير الماء مستعملا لانعدام الضرورة، وكذا صرحوا بأن الماء يفسد إذا أدخل الكف فيه. وممن صرح به صاحب المبتغى بالغين المعجمة وهو يقتضي استعمال الكل. وقال القاضي
[ 131 ]
الاسبيجابي في شرح مختصر الطحاوي والولوالجي في فتاواه: جنب اغتسل في بئر ثم في بئر إلى العشرة على قصد الاغتسال قال أبو يوسف: تنجس الآبار كلها. وقال محمد: يخرج من الثالثة طاهرا ثم ينظر إن كان على بدنه عين نجاسة تنجست المياة كلها، وإن لم يكن عين نجاسة صارت المياه كلها مستعملا إلى آخر الفروع، وهذا صريح في استعمال جميع الماء عند محمد بالاغتسال فيه. وقال الامام القاضي أبو زيد الدبوسي في الاسرار في الكلام على حديث لا يبولن أحدكم في الماء إلى آخره قال: من قال إن الماء المستعمل طاهر طهور لا يجعل الاغتسال فيه حراما، وكذلك من قال طاهر غير طهور لان المذهب عنده أن الماء المستعمل إذا وقع في ماء آخر لم يفسده حتى يغلب عليه بمنزلة اللبن يقع فيه وقدر ما يلاقي بدن المستعمل يصير مستعملا وذلك القدر من جملة ما يغتسل فيه عادة يكون أقل مما فضل عن ملاقاة بدنه فلا يفسد ويبقى طهورا لذلك ولا يحرم فيه الاغتسال إلا أن يحكم بنجاسة الغسالة فيفسد الكل وإن كان أكثر من الغسالة كقطرة خمر تقع في حب إلا أن محمدا يقول: لما اغتسل في الماء القليل صار الكل مستعملا حكما ا ه. فهذه العبارة
[ 132 ]
كشفت اللبس وأوضحت كل تخمين وحدس فإنها أفادت أن مقتضى مذهب محمد أن الماء لا يصير مستعملا باختلاط القليل من الماء المستعمل إلا أن محمدا حكم بأن الكل صار مستعملا حكما لا حقيقة. فما في البدائع محمول على أن مقتضى مذهب محمد عدم الاستعمال إلا أنه يقول بخلافه. وفي الخلاصة: رجل توضأ في طست ثم صب ذلك الماء في بئر ينزح منه الاكثر من عشرين دلوا، ومما صب فيه عند محمد وعند أبي حنيفة وأبي
يوسف ينزح ماء البئر كله لانه نجس عندهما ا ه. وهذا يفيد صيرورة ماء البئر مستعملا بصب الماء القليل المستعمل عليه فبالاولى إذا توضأ فيها أو اغتسل. قلت: قد وقع في جواز الوضوء من الفساقي الصغار الموضوعة في المدارس كلام كثير بين الحنفية من الطلبة والافاضل في عصرنا وقبله، وقد ألف الشيخ العلامة قاسم فيها رسالة وسماها رفع الاشتباه عن مسألة المياه واستدل فيها بما ذكرناه عن البدائع، ووافقه على ذلك بعض أهل عصره وأفتى به وتعقبه البعض الآخر وألف فيها رسالة وسماها زهر الروض في مسألة الحوض ونبه عليها في شرح منظومة ابن وهبان وقال: لا تغتر بما ذكره شيخنا العلامة
[ 133 ]
قاسم واستند إلى ما ذكرنا عن الاسرار وفتاوى قاضيخان، والعبد الضعيف إن شاء الله تعالى يكشف لك عن حقيقة الحال بقدر الوسع والامكان وجهد المقل دموعه فأقول وبالله التوفيق:
[ 134 ]
إن ما ذكره في البدائع صريح في عدم صيرورة الماء القليل مستعملا باختلاط المستعمل الاقل منه به، وكذا ما ذكره الشارحون كالزيلعي والمحقق الكمال والسراج الهندي في بحث الماء المقيد كما نقلناه صريح في ذلك. وأما ما ذكره الدبوسي في الاسرار وما ذكره في الخلاصة وغيرها من نزح عشرين دلوا، وما ذكره الاكمل وشراح الهداية من كونه يفسد عند الكل، وما ذكره القاضي الاسبيجابي والولوالجي عن محمد، فكله مبني على رواية ضعيفة عن محمد لا على الصحيح من مذهب محمد، وسيظهر لك صدق هذه الدعوى الصادقة بالبينة العادلة. قال في المحيط: وإذا وقع الماء المستعمل في البئر يفسد الماء وينزح كله عند أبي يوسف لانه نجس، وعند محمد لا يفسد ويجوز التوضؤ به ما لم يغلب على الماء وهو الصحيح لان الماء المستعمل طاهر غير طهور فصار كالماء المقيد إذا اختلط بالماء المطلق ا ه بلفظه. وقال الشيخ العلامة المحقق سراج الدين الهندي في شرح الهداية: إذا وقع الماء المستعمل في البئر لا يفسد عند محمد، ويجوز الوضوء به ما لم يغلب على الماء وهو الصحيح كالماء المقيد إذا اختلط بالماء
المطلق. وفي التحفة: يجوز الوضوء به ما لم يغلب على الماء على المذهب المختار. وإذا وقع الماء المستعمل في الماء المطلق القليل قال بعضهم: لا يجوز الوضوء به بخلاف بول الشاة مع أن كلا منهما طاهر عند محمد، والفرق له أن الماء المستعمل من جنس ماء البئر فلا يستهلك فيه والبول ليس من جنسه فيعتبر الغالب فيه. وفي فتاوى قاضيخان: لو صب الماء المستعمل في بئر ينزح منها عشرون دلوا لانه طاهر عنده وكان دون الفأرة، وهذا على القول الذي لا يجوز استعمال ماء البئر. ا ه كلام العلامة السراج. فقد استفيد من هذا فوائد منها أن المشايخ اختلفوا في الماء القليل المستعمل إذا اختلط بالماء المطلق الاكثر منه القليل في نفسه،
[ 135 ]
فمنهم من قال يصير الكل مستعملا عند محمد فيحتاج إلى الفرق بينه وبين بول الشاة فأفاد الفرق بقوله والفرق له إلى آخره وهي الفائدة الثانية. ومنهم من قال: لا يصير مستعملا ما لم يغلب على المطلق وصححه صاحب المحيط والعلامة كما رأيت، ونقل العلامة عن التحفة أنه المختار. ومنها حمل ما نقله قاضيخان وغيره من نزح عشرين دلوا على القول الضعيف، أما على القول الصحيح فلا ينزح شئ فإذا علمت هذا تعين عليك حمل قول من نقل عدم الجواز على القول الضعيف لا الصحيح كما فعله العلامة. وأما ما في كثير من الكتب من أن الجنب إذا أدخل يده أو رجله في الماء فسد الماء فهذا محمول على الرواية القائلة بنجاسة الماء المستعمل لا على المختارة للفتوى لان ملاقاة النجس للماء القليل تقتضي نجاسته لا ملاقاة الطاهر له، وقد كشف عن هذا ختام المحققين العلامة كمال الدين بن الهمام في شرح الهداية حجاب الاستار فقال: حوضان صغيران يخرج الماء من أحدهما ويدخل في الآخر فتوضأ في خلال ذلك جاز لانه جار، وكذا إذا قطع الجاري من فوق وقد بقي جري الماء كان جائزا أن يتوضأ بما يجري في النهر. وذكر في فتاوى قاضيان في المسألة الاولى قال: والماء الذي اجتمع في الحفيرة الثانية فاسد وهذا مطلقا إنما هو بناء على كون المستعمل نجسا، وكذا كثير من أشباه هذا. فأما على المختار من رواية أنه طاهر غير طهور فلا، فلتحفظ ليفرع عليها ولا يفتى بمثل هذه الفروع.
ا ه كلام المحقق. ومن هنا يعلم أن فهم المسائل على وجه التحقيق يحتاج إلى معرفة أصلين: أحدهما أن إطلاقات الفقهاء في الغالب مقيدة بقيود يعرفها صاحب الفهم المستقيم الممارس للاصول والفروع وإنما يسكتون عنها اعتمادا على صحة فهم الطالب. والثاني أن هذه المسائل اجتهادية معقولة المعنى لا يعرف الحكم فيها على الوجه التام إلا بمعرفة وجه الحكم الذي بنى عليه وتفرع عنه وإلا فتشتبه المسائل على الطالب ويحار ذهنه فيها لعدم معرفة الوجه والمبنى، ومن أهمل ما ذكرناه حار في الخطأ والغلط. وإذا عرفت هذا ظهر لك ضعف من يقول في عصرنا إن الماء المستعمل إذا صب على الماء المطلق وكأن الماء المطلق غالبا يجوز الوضوء بالكل، وإذا توضأ في فسقية صار الكل مستعملا إذ لا معنى للفرق بين المسألتين. وما قد يتوهم في الفرق من أن في الوضوء يشيع الاستعمال في الجميع بخلافه في الصب مدفوع بأن الشيوع والاختلاط في الصورتين سواء، بل لقائل أن يقول: إلقاء الغسالة من خارج أقوى تأثيرا من غيره لتعين المستعمل فيه بالمعاينة والتشخيص وتشخص الانفصال. وبالجملة فلا يعقل فرق بين
[ 136 ]
الصورتين من جهة الحكم، فالحاصل أنه يجوز الوضوء من الفساقي الصغار ما لم يغلب على ظنه أن الماء المستعمل أكثر أو مساو ولم يغلب على ظنه وقوع نجاسة. قال العلامة قاسم في رسالته: فإن قلت إذا تكرر الاستعمال قد يجمع ويمنع قلت: الظاهر عدم اعتبار هذا المعنى في النجس فكيف بالطاهر. قال في المبتغى يعني بالغين المعجمة. قوم يتوضؤون صفا على شط النهر جاز فكذا في الحوض لان حكم ماء الحوض في حكم ماء جار ا ه بلفظه. قال العبد الضعيف: الظاهر أنه يجمع ويمنع، وأما ما استشهد به من عبارة المبتغى فلا يمس محل النزاع لان كلا منافي الحوض الصغير الذي لا يكون في حكم الجاري، وما في المبتغى مصور في الحوض الكبير بدليل قوله لان حكم ماء الحوض في حكم ماء جار. وقد نقل المحقق العلامة كمال الدين بن الهمام عبارة المبتغى ثم قال: وإنما أراد الحوض الكبير بالضرورة، وأيضا ما في المبتغى مفرع على القول بنجاسة الماء المستعمل لا على القول بطهارته بدليل أن الحدادي في شرح
القدوري ذكرما في المبتغى تفريعا على القول بنجاسة الماء المستعمل وكلامنا هنا على القول بطهارته. ثم رأيت العلامة ابن أمير حاج في شرحه على منية المصلي قال في قول صاحب المنية وعن الفقيه أبي جعفر لو توضأ في أجمة القصب فإن كان لا يخلص بعضه إلى بعض جاز ما نصه: وإنما قيد الجواز بالشرط المذكور لانه لو كان يخلص بعضه إلى بعض لا يجوز كما هو المفهوم المخالف لجواب المسألة لكن على القول بنجاسة الماء المستعمل، أما على طهارته فلا، بل يجوز ما لم يغلب على ظنه أن القدر الذي يغترفه منه لاسقاط فرض من مسح أو غسل ماء مستعمل أو ماء اختلط بماء مستعمل مساو له أو غالب عليه ا ه. والاجمة محركة الشجر الكثير الملتف. ثم قال أيضا: واتصال الزرع بالزرع لا يمنع اتصال الماء بالماء وإن كان مما يخلص فيجوز على الرواية المختارة في طهارة المستعمل بالشرط الذي سلف ولا يجوز على القول بنجاسته ا ه. ثم ذكر أيضا مسائل على هذا المنوال وهو صريح فيما قدمناه من جواز الوضوء بالماء الذي اختلط به ماء مستعمل قليل، ويدل عليه أيضا ما ذكره الشيخ سراج الدين قارئ الهداية في فتاويه التي جمعها تلميذه ختام المحققين الكمال بن الهمام بما لفظه: سئل عن فسقية صغيرة يتوضأ فيها الناس وينزل فيه الماء المستعمل وفي كل يوم ينزل فيها ماء جديد، هل يجوز الوضوء فيها؟ أجاب: إذا لم يقع فيها غير الماء المذكور لا يضر ا ه. يعني إذا وقعت فيها نجاسة تنجست لصغرها ا ه. قوله: (أو بماء دائم فيه نجس إن لم يكن عشرا في عشر) أي لا يتوضأ بماء ساكن
[ 137 ]
وقعت فيه نجاسة مطلقا، سواء تغير أحد أوصافه أو لا ولم يبلغ الماء عشرة أذرع في عشرة. اعلم أن العلماء أجمعوا على أن الماء إذا تغير أحد أوصافه بالنجاسة لا تجوز الطهارة به قليلا كان الماء أو كثيرا، جاريا كان أو غير جار. هكذا نقل الاجماع في كتبنا، وممن نقله أيضا النووي في شرح المهذب عن جماعات من العلماء وإن لم يتغير بها فاتفق عامة العلماء على أن القليل ينجس بها دون الكثير لكن اختلفوا في الحد الفاصل بين القليل والكثير، فقال مالك:
إن تغير أحد أوصافه بها فهو قليل لا يجوز الوضوء به وإلا فهو كثير، وحينئذ يختلف الحال بحسب اختلاف النجاسة في الكم. وقال الشافعي: إذا بلغ الماء قلتين فهو كثير فيجوز الوضوء به وإلا فهو قليل لا يجوز الوضوء به. وقال أبو حنيفة في ظاهر الرواية عنه: يعتبر فيه أكبر رأي المبتلى به إن غلب على ظنه أنه بحيث تصل النجاسة إلى الجانب الآخر لا يجوز الوضوء وإلا جاز. وممن نص على أنه ظاهر المذهب شمس الائمة السرخسي في المبسوط وقال إنه الاصح. وقال الامام الرازي في أحكام القرآن في سورة الفرقان: إن مذهب أصحابنا أن كل ما تيقنا فيه جزءا من النجاسة أو غلب على الظن ذلك لا يجوز الوضوء به، سواء كان جاريا أو لا ا ه. وقال الامام أبو الحسن الكرخي في مختصره: وما كان من المياه في الغدران أو في مستنقع من الار ض وقعت فيه نجاسة نظر المستعمل في ذلك، فإن كان غالب رأيه أن النجاسة لم تختلط بجميعه لكثرته توضأ من الجانب الذي هو طاهر عنده في غالب رأيه في إصابة الطاهر منه، وما كان قليلا يحيط العلم أن النجاسة قد خلصت إلى جميعه أو كان ذلك في غالب رأيه لم يتوضأ منه ا ه. وقال ركن الاسلام أبو الفضل عبد الرحمن الكرماني في شرح الايضاح: دواختلفت الروايات في تحديد الكثير والظاهر عن محمد أنه عشر في عشر والصحيح عن أبي حنيف أنه لم يوقت في ذلك بشئ وإنما هو موكول إلى غلبة الظن في خلوص النجاسة ا ه. وقال الحاكم الشهيد في الكافي الذي هو جمع كلام محمد قال أبو عصمة: كان محمد بن الحسن يوقت عشرة في عشرة ثم رجع إلى قول أبي حنيفة وقال: لا أوقت فيه شيئا ا ه. وقال الامام الاسبيجابي في شرح مختصر الطحاوي: ثم الحد الفاصل بين القليل والكثير عند أصحابنا هو الخلوص وهو أن يخلص بعضه من جانب إلى جانب ولم يفسر الخلوص في رواية الاصول. وسئل محمد عن حد الحوض فقال: مقدار مسجدي فذرعوه فوجدوه ثمانية في ثمانية وبه أخد محمد بن سلمة. وقال بعضهم: مسحوا مسجد محمد فكان داخله ثمانيا في ثمان وخارجه عشرا في عشر، ثم رجع محمد إلى قول أبي حنيفة وقال: لا أوقت فيه شيئا ا ه. وفي معراج الدراية: الصحيح عن أبي حنيفة أنه لم يقدر في
[ 138 ]
ذلك شيئا وإنما قال: هو موكول إلى غلبة الظن في خلوص النجاسة من طرف إلى طرف وهذا أقرب إلى التحقيق لان المعتبر عدم وصول النجاسة وغلبة الظن في ذلك تجري مجرى اليقين في وجوب العمل كما إذا أخبر واحد بنجاسة الماء وجب العمل بقوله، وذلك يختلف بحسب اجتهاد الرائي وظنه ا ه. وكذا في شرح المجمع والمجتبى. وفي الغاية: ظاهر الرواية عن أبي حنيفة اعتباره بغلبة الظن وهو الاصح ا ه. وفي الينابيع قال أبو حنيفة: الغدير العظيم هو الذي لا يخلص بعضه إلى بعض ولم يفسره في ظاهر الرواية وفوضه إلى رأي المبتلى به وهو الصحيح وبه أخذ الكرخي ا ه. وهكذا في أكثر كتب أئمتنا فثبت بهذه النقول المعتبرة عن مشايخنا المتقدمين مذهب إمامنا
[ 139 ]
الاعظم أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رضي الله عنهم أجمعين فتعين المصير إليه. وإما ما اختاره كثير من مشايخنا المتأخرين بل عامتهم كما نقله في معراج الدراية من اعتبار العشر في العشر فقد علمت أنه ليس مذهب أصحابنا، وإن محمدا وإن كان قدر به رجع عنه كما نقله الائمة الثقات الذين هم أعلم بمذهب أصحابنا. فإن قلت: إن في الهداية وكثير من الكتب أن الفتوى على اعتبار العشر في العشر واختاره أصحاب المتون فكيف ساغ لهم ترجيح غير المذهب؟ قلت: لما كان مذهب أبي حنيفة التفويض إلى رأي المبتلى به وكان الرأي يختلف بل من الناس من لا رأي له اعتبر المشايخ العشر في العشر توسعة وتيسيرا على الناس. فإن قلت: هل يعمل بما صح من المذهب أو بفتوى المشايخ؟ قلت: يعمل بما صح من المذهب فقد قال الامام أبو الليث في نوازله: سئل أبو نصر عن مسألة وردت عليه ما تقول رحمك الله وقعت عندك كتب أربعة: كتاب إبراهيم بن رستم وأدب القاضي عن الخصاف وكتاب المجرد وكتاب النوادر من جهة هشام، فهل يجوز لنا أن نفتي منها أو لا وهذه الكتب محمودة عندك؟ فقال: ما صح عن أصحابنا فذلك علم محبوب مرغوب فيه مرضى به، وأما
الفتيا فإني لا أرى لاحد أن يفتي بشئ لا يفهمه ولا يتحمل أثقال الناس، فإن كانت مسائل قد اشتهرت وظهرت وانجلت عن أصحابنا رجوت أن يسع الاعتماد عليها في النوازل انتهى. وعلى تقدير عدم رجوع محمد عن هذا التقدير فما قدر به لا يستلزم تقديره به إلا في نظره وهو لا يلزم غيره، وهذا لانه لما وجب كونه ما استكثره المبتلى فاستكثار واحد لا يلزم غيره بل يختلف باختلاف ما يقع في قلب كل إنسان، وليس هذا من قبيل الامور التي يجب فيها على العامي تقليد المجتهد إليه. أشار في فتح القدير ويؤيده ما في شرح الزاهدي عن الحسن وأصح حده ما لا يخلص بعض الماء إلى بعض بظن المبتلى به واجتهاده ولا يناظر المجتهد فيه ا ه. فعلم من هذا أن التقدير بعشر في عشر لا يرجع إلى أصل شرعي يعتمد عليه كما قاله محيي السنة. فإن قلت: قال في شرح الوقاية وإنما قدر به بناء على قوله صلى الله عليه وسلم
[ 140 ]
من حفر بئرا فله حولها أربعون ذراعا فيكون له حريمها من كل جانب عشرة ففهم من هذا أنه إذا أراد آخر أن يحفر في حريمها بئر يمنع لانه ينجذب الماء إليها وينقص الماء في البئر الاولى، وإذا أراد أن يحفر بئر بالوعة يمنع أيضا لسراية النجاسة إلى البئر الاولى وينجس ماؤها ولا يمنع فيما وراء الحريم وهو عشر في عشر، فعلم أن الشرع اعتبر العشر في العشر في عدم سراية النجاسة حتى لو كانت النجاسة تسري يحكم بالمنع. قلت: هو مردود من ثلاثة أوجه: الاول إن كون حريم البئر عشرة أذرع من كل جانب قول البعض والصحيح أنه أربعون من كل جانب كما سيأتي إن شاء الله تعالى. الثاني أن قوام الارض أضعاف قوام الماء فقياسه عليها في مقدار عدم السراية غير مستقيم. الثالث أن المختار المعتمد في البعد بين البالوعة والبئر نفوذ الرائحة إن تغير لونه أو ريحه أو طعمه تنجس وإلا فلا. وهكذا في الخلاصة وفتاوى قاضيخان وغيرهما. وصرح في التتارخانية: أن اعتبار العشر في العشر على اعتبار حال أراضيهم والجواب يختلف باختلاف صلابة الارض ورخاوتها، وحيث اختار في المتن اعتبار العشر لا بأس بإيراد تفاريعه والتكلم عليها فنقول: اختلف المشايخ في الذراع على
ثلاثة أقوال، ففي التجنيس المختار ذراع الكرباس، واختلف فيه ففي كثير من الكتب أنه ست قبضات ليس فوق كل قبضة أصبع قائمة فوق أربعة وعشرون أصبعا بعدد حروف لا إله إلا الله محمد رسول الله والمراد بالاصبع القائمة ارتفاع الابهام كما في غاية البيان. وفي فتاوى الولوالجي أن ذراع الكرباس سبع قبضات ليس فوق كل قبضة أصبع قائمة. وفي فتاوى قاضيخان وغيرها: الاصح ذراع المساحة وهو سبع قبضات فوق كل قبضة أصبع قائمة. وفي المحيط والكافي: الاصح أنه يعتبر في كل زمان ومكان ذراعهم من غير تعرض للمساحة والكرباس. والاقوال الكل في المربع، فإن كان الحوض مدورا ففي الظهيرية يعتبر ستة وثلاثون وهو الصحيح وهو مبرهن عند الحساب، وفي غيرها المختار المفتى به ستة وأربعون كيلا لعسر رعاية الكسر. وفي المحيط: الاحوط اعتبار ثمانية وأربعين. وفي فتح القدير: والكل تحكمات غير لازمة إنما الصحيح ما قدمناه من عدم التحكم بتقدير معين. وفي الخلاصة: وصورة الحوض الكبير المقدر بعشرة في عشرة أن يكون من كل جانب من جوانب الحوض عشرة وحول الماأربعون ذراعا ووجه الماء مائة ذراع هذا مقدار الطول والعرض ا ه. وأما العمق ففي الهداية: والمعتبر في العمق أن يكون بحال لا ينحسر بالاغتراف هو الصحيح أي لا ينكشف حتى لو انكشف ثم اتصل بعد ذلك لا يتوضأ منه
[ 141 ]
وعليه الفتوى، كذا في معراج الدراية. وفي البدائع: إذا أخذا الماء وجه الارض يكفي ولا تقدير فيه في ظاهر الرواية وهو الصحيح ا ه. وهو الاوجه لما عرف من أصل أبي حنيفة. وفي الفتاوى: غدير كبير لا يكون فيه الماء في الصيف وتروث فيه الدواب والناس ثم يملا في الشتاء ورفع منه الجمد، إن كان الماء الذي يدخله يدخل على مكان نجس فالماء والجمد نجس وإن كان كثيرا بعد ذلك، وإن كان دخل في مكان طاهر واستقر فيه حتى صار عشرا في عشر ثم انتهى إلى النجاسة فالماء والجمد طاهران ا ه. وهذا بناء على ما ذكروا من أن الماء النجس إذا دخل على ماء الحوض الكبير لا ينجسه وإن كان الماء النجس غالبا على الحوض
لان كل ما يتصل بالحوض الكبير يصير منه فيحكم بطهارته، وعلى هذا فماء بركة الفيل بالقاهرة طاهر إذا كان ممره طاهرا أو أكثر ممره على ما عرف في ماء السطح لانها لا تجف كلها بل لا يزال بها غدير عظيم، فلو أن الداخل اجتمع قبل أن يصل إلى ذلك الماء الكثير بها في مكان نجس حتى صار عشرا في عشر ثم اتصل بذلك الماء الكثير كان الكل طاهرا. هذا إذا كان الغدير الباقي محكوما بطهارته، كذا في فتح القدير. وفي التنجيس: وإذا كان الماء له طول وعمق وليس له عرض ولو قدر يصير عشرا في عشر فلا بأس بالوضوء فيه تيسيرا على المسلمين، ثم العبرة لحالة الوقوع فإن نقص بعده لا ينجس وعلى العكس لا يطهر، ولذا صحح في الاختيار وغيره ما في التنجيس. قال في فتح القدير: وهذا تفريع على التقدير بعشر ولو فرعنا على الاصح ينبغي أن يعتبر أكبر الرأي لو ضم، ومثله لو كان له عمق بلا سعة ولو بسط بلغ عشرا في عشر اختلف فيه ومنهم من صحح جعله كثيرا والاوجه خلافه لان مدار الكثرة عند أبي حنيفة على تحكيم الرأي في عدم خلوص النجاسة إلى الجانب الآخر، وعند تقارب الجوانب لا شك في غلبة الخلوص إليه والاستعمال إنما هو من السطح لا من العمق، وبهذا يظهر ضعف ما اختاره في الاختيار لانه إذا لم يكن له عرض فأقرب الامور الحكم بوصول النجاسة إلى الجانب الآخر من عرضه، وبه خالف حكم الكثير إذ ليس حكم الكثير تنجس الجانب الآخر بسقوطها في مقابله بدون تغير، وأنت إذا حققت الاصل الذي بيناه قبلت ما وافقه وتركت ما خالفه ا ه. وقد يقال إن هذا وإن كان الاوجه إلا أن المشايخ وسعوا الامر على الناس وقالوا بالضم كما أشار إليه في التنجيس بقوله تيسيرا على المسلمين. وفي التنجيس: الحوض إذا كان أعلاه عشرا في عشر وأسفله أقل من ذلك وهو ممتلئ
[ 142 ]
يجوز التوضؤ فيه والاغتسال فيه، وإن نقص الماء حتى صار أقل من عشرة في عشرة لا يتوضأ فيه ولكن يغترف منه ويتوضأ. وفي الخلاصة: ولو كان أعلاه أقل من عشر في عشر وأسفله عشر في عشر ووقعت قطرة خمر أو توضأ منه رجل ثم انتقص الماء وصار عشرا في
عشر اختلف المتأخرون فيه، وينبغي أن يكون الجواب على التفصيل: إن كان الماء الذي تنجس في أعلى الحوض أكثر من الماء الذي في أسفله ووقع الماء النجس في الاسفل جملة كان الماء نجسا ويصير النجس غالبا على الطاهر في وقت واحد، وإن وقع الماء النجس في أسفل الحوض على التدريج كان طاهرا. وقال بعضهم: لا يطهر كالماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة ثم انبسط ا ه. وذكر السراج الهندي أن الاشبه الجواز. وفي التنجيس: حوض عشر في عشر إلا أن له مشارع فتوضأ رجل من مشرعة أو اغتسل والماء متصل بألواح المشرعة لا يضطرب لا يجوز التوضؤ به، وإن كان أسفل من الالواح فإنه لا يجوز، وعلله في فتح القدير بأنه في الاول كالحوض الصغيوفي الثاني حوض كبير مسقف، وعلى هذا الحوض الكبير إذا جمد ماؤه فنقب فيه إنسان نقبا فتوضأ من ذلك الموضع فإن كان الماء منفصلا عن الجمد لا بأس به لانه يصير كالحوض المسقف وإن كان متصلا لا لانه صار كالقصعة. كذا في التنجيس وغيره. وفي فتح القدير: واتصال القصب بالقصب لا يمنع اتصال الماء ولا يخرجه عن كونه غديرا عظيما فيجوز لهذا التوضؤ في الاجمة ونحوها ا ه. وفي المغرب: الاجمة الشجر الملتف والجمع أجم وآجام، وقد قدمنا في الكلام في الفساقي مسألة الاجمة فارجع إليه. ولو تنجس الحوض الصغير ثم دخل فيه ماء آخر وخرج حال دخوله طهر وإن قل، وقيل لا حتى يخرج قدر ما فيه، وقيل حتى يخرج ثلاثة أمثاله وصحح الاول في المحيط وغيره، قال السراج الهندي: وكذا البئر. واعلم أن عبارة كثير منهم في هذه المسألة تفيد أن
[ 143 ]
الحكم بطهارة الحوض إنما هو إذا كان الخروج حالة الدخول وهو كذلك فيما يظهر لانه حينئذ يكون في المعنى جاريا لكن إياك وظن أنه لو كان الحوض غير ملآن فلم يخرج منه شئ في أول الامر ثم لما امتلا خرج منه بعضه لاتصال الماء الجاري به أنه لا يكون طاهرا حينئذ إذ غايته أنه عند إمتلائه قبل خروج الماء منه نجس فيظهر بخروج القدر المتعلق به الطهارة إذا اتصل به الماء الجاري الطهور كما لو كان ممتلئا ابتداء ماء نجسا ثم خرج منه ذلك
القدر لاتصال الماء الجاري به، ثم كلامهم يشير إلى أن الخارج منه نجس قبل الحكم على الحوض بالطهارة وهو كذلك كما هو ظاهر. كذا في شرح منية المصلي. وفي شرح الوقاية: وإذا كان حوض صغير يدخل فيه الماء من جانب ويخرج من جانب يجوز الوضوء في جميع جوانبه وعليه الفتوى من غير تفصيل بين أن يكون أربعا في أربع أو أقل فيجوز، أو أكثر فلا يجوز. وفي معراج الدراية: يفتي بالجواز مطلقا والمتمده في فتاوى قاضيخان. وفي فتح القدير: إن الخلاف مبني على نجاسة الماء المستعمل فقولهم في هذه المسألة أنه لا يجوز الوضوء إلا في موضع خروج الماء إنما هو بناء على نجاسة الماء المستعمل، وأما على المختار من طهارة الماء المستعمل فالجواب في هذه المسألة كما تقدم في نظائرها أنه يجوز الوضوء فيها ما لم يغلب على ظن المتوضئ أن ما يغترفه لاسقاط فرض ماء مستعمل أو ما يخالطه منه مقدار نصفه فصاعدا، فكن على هذا معتمدا. كذا في شرح منية المصلي للعلامة ابن أمير حاج رحمه الله تعالى. واعلم أن أكثر التفاريع المذكورة في الكتب مبنية على اعتبار العشر في العشر، فأما على المختار من اعتبار غلبة الظن فيوضع مكان لفظ عشر في كل مسألة لفظ كثير أو كبير ثم تجري التفاريع ا ه. وسائر المائعات كالماء في القلة والكثرة يعني كل مقدار لو كان ماء تنجس فإذا كان غيره ينجس. وحيث انتهينا من التفاريع المذكورة في الكتب نرجع إلى بيان الدلائل للائمة فنقول: استدل الامام مالك رضي الله عنه بقوله صلى الله عليه وسلم الماء الطهور لا ينجسه شئ إلا ما غير طعمه
[ 144 ]
أو لونه أو ريحه (1) واستدل الامام الشافعي رضي الله عنه بقوله صلى الله عليه وسلم إذا بلغ الماء قلتين لا يحمل خبثا واستدل أبو حنيفة على ما ذكره الرازي في أحكام القرآن بقوله تعالى * (ويحرم عليهم الخبائث) * (الاعراف: 157) والنجاسات لا محالة من الخبائث فحرمها الله تحريما مبهما ولم يفرق بين حال اختلاطها وانفرادها بالماء فوجب تحريم استعمال كل ما تيقنا به جزءا من النجاسة، وتكون جهة الخطر من طريق النجاسة أولى من جهة الاباحة لان الاصل أنه إذا
اجتمع المحرم والمبيح قدم المحرم. وأيضا لا نعلم بين الفقهاء في سائر المائعات إذا خالطه اليسير من النجاسة كاللبن والادهان أن حكم اليسير في ذلك كحكم الكثير وأنه محظور عليه أكل ذلك وشربه، فكذا الماء بجامع لزوم اجتناب النجاسات، ويدل عليه من السنة قوله صلى الله عليه وسلم لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه من الجنابة وفي لفظ آخر ولا يغتسلن فيه من جنابة، ومعلوم أن البول القليل في الماء الكثير لا يغير لونه ولا طعمه ولا رائحته وقد منع منه النبي صلى الله عليه وسلم، ويدل عليه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل يده ثلاثا قبل أن يدخلها الاناء فإنه لا يدري أين باتت يده (3) فأمر بغسل اليد احتياطا من نجاسة أصابته من موضع الاستنجاء، ومعلوم أنها لا تغير الماء ولولا أنها مفسدة عند التحقيق لما كان للامر بالاحتياط معنى. وحكم النبي صلى الله عليه وسلم بنجاسة ولوغ الكلب بقوله طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبعا (4) وهو لا يغير ا ه. فالحاصل أنه حيث غلب على الظن وجود نجاسة في الماء لا يجوز استعماله أصلا بهذه الدلائل لا فرق بين أن يكون قلتين أو أكثر أو أقل، تغير أو لا. وهذا مذهب أبي حنيفة والتقدير بشئ دون شئ لا بد فيه من نص ولم يوجد، وفي بعض هذا الاستدلال كلام نذكره إن شاء الله تعالى. وأما ما استدل به مالك
[ 145 ]
رضي الله عنه فهو مع الاستثناء ضعيف برشد بن سعد صرح بضعفه جماعة منهم النووي في شرح المهذب، وأما بدون الاستثناء فقد ورد من رواية أبي داود والترمذي من حديث أبي سعيد الخدري قيل: يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن؟ فقال صلى الله عليه وسلم: الماء طهور لا ينجسه شئ وحسنه الترمذي. وقال الامام أحمد: هو حديث صحيح. ورواه البيهقي عن أبي يحيى قال: دخلت على سهل بن سعد في نسوة فقال: لو أني أسقيتكم من بئر بضاعة لكرهتم ذلك وقد والله سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي منها. قلنا: هذا ورد في بشر بضاعة بكسر الباء وضمها. كذا في الصحاح. وفي المغرب بالكسر لا غير. وماؤها كان جاريا في البساتين على ما أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار بسنده إلى
الواقدي. قال البيهقي: الواقدي لا يحتج بما يسنده فضلا عما يرسله. قلنا: قد أثنى عليه الدراوردي وأبو بكر بن العربي وابن الجوزي وجماعة. والدليل على أنه كان جاريا أن الماء الراكد إذا وقع فيه عذرة الناس والجيف والحائض والنتن تغير طعمه وريحه ولونه، ويتنجس بذلك إجماعا وليس في الحديث استثناء فدل ذلك على جريان مائها. فإن قيل: نقل النووي في شرح المهذب عن أبي داود أنه قال: مددت ردائي على بئر بضاعة ثم ذرعتها فإذا عرضها ستة أذرع. وسألت الذي فتح لي باب البستان هل غير بناؤها عما كان عليه؟ فقال: لا. قال: رأيت فيها ماء متغيرا. قلنا: ما ذكره الطحاوي إثبات وما نقل أبو داود عن البستاني نفي والاثبات مقدم على النفي والبستاني الذي فتح الباب مجهول الشخص والحال عنده فكيف يحتج بقوله؟ ولان أبا داود توفي بالبصرة في النصف من شوال سنة خمس وسبعين ومائتين فبينه وبين زمن النبي صلى الله عليه وسلم مدة كثيرة. ودليل التغير غالب وهو مضي السنين المتطاولة. قال النووي في شرح المهذب: وهذه صفتها في زمن أبي داود ولا يلزم أن تكون كانت هكذا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. قال الخطابي: قد توهم بعضهم أن إلقاء العذرة والجيف وخروق الحيض في بئر بضاعة كان عادة وتعمدا وهذا لا يظن بذمي ولا وثني فضلا عن مسلم فلم يزل من عادة الناس قديما وحديثا، مسلمهم وكافرهم، تنزيه الماء وصونه عن النجاسات، فكيف يظن بأهل ذلك الزمان وهم أعلى طبقات أهل الدين وأفضل جماعات المسلمين، والماء ببلادهم أعز والحاجة إليه أمس من أن يكون هذا صنيعهم بالماء وامتهانهم له، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من تغوط في موارد الماء ومشارعه فكيف من اتخذ عيون الماء ومنابعه مطرح الانجاس؟ وإنما كان ذلك من أجل أن هذه البئر موضعها في حدور من الارض وكانت السيول تمسح هذه الاقذار من الطرق والافنية وتحملها فتلقيها فيه، وكان الماء لكثرته وغزارته لا يؤثر فيه وكان جوابه عليه السلام لهم أن الماء الكثير الذي صفته هذه في الكثرة والغزارة
[ 146 ]
لا تؤثر فيه النجاسة لان السؤال إنما وقع عن ذلك والجواب إنما يقع عنه ا ه. وقال الامام
أبو نصر البغدادي: المعروف بالاقطع لا يظن بالنبي صلى الله عليه وسلم إنه كان يتوضأ من بئر هذه صفتها مع نزاهته وإيثاره الرائحة الطيبة ونهيه عن الامتخاط في لماء، فدل أن ذلك كان يفعل في الجاهلية فشك المسلمون في أمرها فبين النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا أثر لذلك مع كثرة النزح ا ه. وقال الطحاوي: إن معنى قوله الماء لا ينجسه شئ والله أعلم أنه لا يبقى نجسا بعد إخراج النجاسة منه بالنزح وليس هو على حال كون النجاسة فيها وإنما سألوا عنه لانه موضع مشكل لان حيطان البئر لم تغسل وطينها لم يخرج فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك يعفى للضرورة مثل قوله صلى الله عليه وسلم المؤمن لا ينجس ليس معناه أنه لا يتنجس وإن أصابته النجاسة. فإن قيل: العبرة لعموم اللفظ وهو لا ينجسه شئ لا لخصوص السبب وهو بئر بضاعة، فكيف خص هذا العموم بوروده في بئر بضاعة؟ قلنا: إنما لا يخص عموم اللفظ بسببه إذا لم يكن المخصص مثله في القوة وههنا قد ورد ما يخصصه وهو يساويه في القوة وهو حديث المستيقظ، وحديث لا يبولن أحدكم وإنما خصصناه بهذين الحديثين دفعا للتناقض فكان من باب الحمل لدفع التناقض لا من باب التخصيص بالسبب، ولانا ما خصصناه ببئر بضاعة بل عدينا حكمه منها إلى ما هو في معناها من الماء الجاري وترك عموم ظاهر الحديث لدفع التناقض واجب. كذا ذكره السراج الهندي وصاحب المعراج، وتعقبه في فتح القدير بأنه لا تعارض لان حاصل النهي عن البول في الماء الدائم تنجس الماء الدائم في الجملة لا كل ماء إذ ليست اللام فيه للاستغراق للاجماع على أن الكثير لا ينجس إلا بتغيره بالنجاسة. وحاصل الماء طهور لا ينجسه شئ عدم تنجس الماء إلا بالتغير بحسب ما هو المراد المجمع عليه وإلا تعارض بين مفهومي هاتين القضيتين، وأما حديث المستيقظ من منامه فليس فيه تصريح بتنجس الماء بتقدير كون اليد نجسة بل ذلك تعليل منا للنهي المذكور وهو غير لازم أعني تعليله بتنجس الماء عينا بتقدير نجاستهما لجواز كونه أعم من النحاسة والكراهة فنقول: نهى لتنجس الماء بتقدير كونها متنجسة بما يغير أو للكراهة بتقدير كونها بما لا يغير، وأين هو من ذلك الصريح الصحيح؟ لكن يمكن إثبات المعارض بقوله صلى الله عليه وسلم طهور إناء إحدكم إذا ولغ فيه
الكلب الحديث فإنه يقتضي نجاسة الماء ولا يغير بالولوغ فتعين ذلك الحمل والله سبحانه وتعالى أعلم ا ه. وقد يقال إن اللام في حديث لا يبولن أحدكم في الماء للعموم حتى حرم البول في الماء القليل والكثير جميعا فاختصت القضية الثانية بالقليل بدليل يوجب تخصيصها حتى لم يحرم
[ 147 ]
الاغتسال في الماء الدائم الكثير مثل الغدير العظيم، هكذا ذكر في معراج الدراية معزيا إلى شيخه العلامة. فعلى هذا حاصل النهي عن البول في الماء تنجس كل ماء راكد فعارض قوله لا ينجسه شئ وكون الاجماع أن الكثير لا يتنجس إلا بالتغير أمر آخر خارج من مفهوم الحديث وإثبات التعارض إنما هو باعتبار المفهومين. وممن صرح بأن ماء بئر بضاعة كان كثيرا الشافعي رضي الله عنه، وأما ما استدل به الشافعي فرواه أصحاب السنن الاربعة عن ابن عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسأل عن الماء يكون في الفلاة وما ينو به من السباع والدواب فقال: إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث. وأخرجه ابن خزيمة والحاكم في صحيحيهما. قلنا: هذا الحديث ضعيف وممن ضعفه الحافظ ابن عبد البر والقاضي إسماعيل ابن اسحاق وأبو بكر بن العربي المالكيون ونقل ضعفه في البدائع عن ابن المديني. وقال أبو داود: ولا يكاد يصح لواحد من الفريقين حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في تقدير الماء ويلزم منه تضعيف حديث القلتين وإن كان رواه في كتابه وسكت عنه، وكذا ضعفه الغزالي في الاحياء والروياني في البحر والحلية. قال في البحر: هو اختياري واختار جماعة رأيتهم بخراسان والعراق ذكره النووي كما نقله عنه السراج الهندي. وقال الزيلعي المخرج: وقد جمع الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في كتاب الامام طرق هذا الحديث ورواياته واختلاف ألفاظه وأطال في ذلك إطالة لخص منها تضعيفه له فلذلك أضرب عن ذكره في كتاب الالمام مع شدة الاحتياج إليه. ووجهه أن الاضطراب وقع في سنده ومتنه ومعناه. أما الاول فإنه اختلف على أبي أسامة فمرة يقول عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر، ومرة عنه عن
محمد بن جعفر بن الزبير، ومرة يروي عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، ومرة يروي عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وقد أجاب النووي عن هذا بأنه ليس اضطرابا لان الوليد رواه عن كل من المحمدين فحدث مرة عن أحدهما، ومرة عن الآخر، ورواه أيضا عبد الله وعبيد الله ابنا عبد الله بن عمر عن أبيهما وهما أيضا ثبتان. وأما الاضطراب في متنففي رواية الوليد عن محمد بن جعفر بن الزبير لم ينجسه شئ، ورواية محمد بن إسحبسنده سئل عن الماء يكون في الفلاة فترده السباع والكلاب فقال: إذا كان الماء قلتين لا يحمل الخبث. قال البيهقي: وهو غريب. وقال إسماعيل بن عياش عن محمد بن إسحق الكلاب والدواب، ورواه يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة فقال الحسن بن الصباح عنه عن حماد
[ 148 ]
عن عاصم هو ابن المنذر، قال: دخلت مع عبيد الله بن عبد الله بن عمر بستانا فيه مقر ماء فيه جلد بعير ميت فتوضأ منه فقلت: أتتوضأ منه وفيه جلد بعير ميت؟ فحدثني عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا بلغ الماء قلتين أو ثلاثا لم ينجسه شئ. وروى الدارقطني وابن عدي والعقيلي في كتابه عن القاسم باسناده إلى النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغ الماء أربعين قلة فإنه لا يحمل الخبث وضعفه الدارقطني بالقاسم وروى باسناد صحيح من جهة روح بن القاسم عن ابن المنكدر عن ابن عمر قال: إذا بلغ الماء أربعين قلة لم ينجس. وأخرج عن أبي هريرة من جهة بشر بن السري عن ابن لهيعة قال: إذا كان الماء قدر أربعين قلة لم يحمل خبثا. قال الدارقطني: كذا قال وخالفه غير واحد رووه عن أبي هريرة فقالوا أربعين غربا. ومنهم من قال أربعين دلوا. وهذا الاضطراب يوجب الضعف وإن وثقت الرجال. وأجاب النووي عن هذا الاضطراب. أما عن الشك في قوله قلتين أو ثلاثا فهي رواية شاذة غير ثابتة فهي متروكة فوجودها كعدمها لكن الطحاوي أثبتها بإسناده في شرح معاني الآثار. وأما ما روي من أربعين قلة أو أربعين غربا فغير صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما نقل أربعين قلة عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وأربعين غربا أي دلوا عن أبي هريرة، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم مقدم على غيره. قال النووي: وهذا ما نعتمده في الجواب.
أما الاضطراب في معناه فذكر شمس الائمة السرخسي وتبعه في الهداية أن معنى قوله لم يحمل خبثا أنه يضعف عن النجاسة فيتنجس كما يقال هو لا يحمل الكل أي لا يطيقه وهذا مردود من وجهين ذكرهما النووي في شرح المهذب: الاول أنه ثبت في رواية صحيحة لابي داود إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس فتحمل الرواية الاخرى عليها فمعنى لم يحمل خبثا لم ينجس وقد قال العلماء: أحسن تفسير غريب الحديث أن يفسر بما جاء في رواية أخرى لذلك الحديث. الثاني أنه صلى الله عليه وسلم جعل القلتين حدا فلو كان كما زعم هذا القائل لكان التقييد بذلك باطلا فإن ما دون القلتين يساوي القلتين في هذا. زاد عليه في فتح القدير وقال: هذا إن اعتبر مفهوم شرطه. وأما إن لم يعتبر مفهوم شرطه فيلزم عدم اتمام الجواب فإنه حينئذ لا
[ 149 ]
يفيد حكمه إذا زاد على القلتين والسؤال عن ذلك الماء كيفما كان، والنووي إنما اقتصر على ما ذكره لانه يقول بأن مفهوم الشرط حجة لكن قال الخبازي: ومعنى قوله إذا بلغ الماء قلتين يعني انتقاصا لا ازديادا. فإن قيل: فما فوق القلتين ما لم يبلغ عشرا في عشر فهو أيضا يضعف عن احتمال النجاسة، فما الفائدة في تخصيصه بالقلتين؟ قيل له: من الجائز أنه كان يوحي إليه بأن مجتهدا سيجئ ويقول بأن الماء إذا بلغ قلتين لا يحتمل النجاسة فقال النبي صلى الله عليه وسلم ردا لذلك القول ا ه. وهو كما ترى في غاية البعد قال المحقق في فتح القدير: فالمعول عليه الاضطراب في معنى القلة فإنه مشترك يقال على الجرة والقربة ورأس الجبل، وما فسر به الشافعي منقطع للجهالة فإنه قال في مسنده أخبرني مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريح بإسناد لا يحضرني أنه صلى الله عليه وسلم قال: إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثا. وقال في الحديث بقلال هجر. قال ابن جريج: رأيت قلال هجر فالقلة تسع قربتين أو قربتين وشيئا. قال الشافعي رحمه الله تعالى: فالاحتياط أن تجعل قربتين ونصفا، فإذا كان خمس قرب كبار كقرب الحجاز لم ينجس إلا أن يتغير. وهجر بفتح الهاء والجيم قرية بقرب المدينة فثبت بهذا أن حديث
[ 150 ]
القلتين ضعيف. فإن قلت: قد صححه ابن ماجه وابن خزيمة والحاكم وجماعة من أهل الحديث قلت: من صححه اعتمد بعض طرقه ولم ينظر إلى ألفاظه ومفهومها إذا ليس هذا وظيفة المحدث والنظر في ذلك من وظيفة الفقيه إذ غرضه بعد صحة الثبوت الفتوى والعمل بالمدلول، وقد بالغ الحافظ عالم العرب أبو العباس ابن تيمية في تضعيفه وقال: يشبه أن يكون الوليد بن كثير غلط في رفع الحديث وعزوه إلى ابن عمر فإنه دائما يفتي الناس ويحدثهم عن النبي صلى الله عليه وسلم، والذي رواه معروف عند أهل المدينة وغيرهم لا سيما عند سالم ابنه ونافع مولاه وهذا لم يروه عنه لا سالم ولا نافع ولا عمل به أحد من علماء المدينة، وذكر عن التابعين ما يخالف هذا الحديث ثم قال: فكيف تكون هذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عموم البلوى فيها ولا ينقلها أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان إلا رواية مختلفة مضطربة عن ابن عمر لم يعمل بها أحد من أهل المدينة ولا أهل البصرة ولا أهل الشام ولا أهل الكوفة؟ وأطال رحمه الله تعالى الكلام بما لا يحتمله هذا الموضع. ولا يضر الحافظ ما أخرجه الدارقطني عن سالم عن أبيه لضعفه، وقول النووي بأن حدها هو ما حده رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أوجب الله طاعته وحرم مخالفته وحدهم يعني الحنفية مخالف حده صلى الله عليه وسلم مع أنه حد بما لا أصل له ولا ضبط فيه مدفوع بأن ما استدللتم به ضعيف كما تقدم، وما صرنا إليه يشهد له الشرع والعقل. أما الشرع فقد قدمنا الاحاديث الواردة في ذلك، وأم العقل فإنا نتيقن بعدم وصول النجاسة إلى الجانب الآخر أو يغلب على ظننا والظن كاليقين فقد استعملنا الماء الذي ليس فيه نجاسة يقينا وأبو حنيفة لم يقدر ذلك بشئ بل اعتبر غلبة ظن المكلف، فهذا دليل عقلي مؤيد بالاحاديث الصحيحة المتقدمة فكان العمل به متعينا، ولان دليلنا وهو حديث النهي عن البول في الماء الراكد ثابت في الصحيحين من رواية أبي هريرة وإسلامه متأخر وحديث القلتين حديث ابن عمر وإسلامه متقدم، والمتأخر ينسخ المتقدم لو ثبت. وقال الشافعي وأحمد: لو زال تغير القلتين بنفسه طهر الماء مع بقاء البول والعذرة وغيرهما من النجاسات فيكون حينئذ نجاسة البول والعذرة والخمر باعتبار الرائحة واللون والطعم لا لذاتها وهذا لا يعقل ولا
تشهد له أصول الشرع، ولو أضيفت قلة نجسة إلى قلة نجسة عادتا طاهرتين عندهم وهذا يؤدي إلى تنجس الماء الطاهر بقليل النجاسة دون كثيرها لانهم نجسوا القلة الطاهرة برطل ماء نجس ولم ينجسوها بقلة نجسة من الماء بل طهروها بها، ويؤدي أيضا إلى تولد طاهر باجتماع نجسين وهذا مما تحيله العقول. قوله: (وإلا فهو كالجاري) أي وإن يكن عشرا في عشر فهو كالجاري فلا يتنجس إلا
[ 151 ]
إذا تغير أحد أوصافه، ثم في قوله كالجاري إشارة إلى أنه لا يتنجس موضع الوقوع وهو مروي عن أبي يوسف وبه أخذ مشايخ بخارى وهو المختار عندهم كذا في التبيين. وقال في فتح القدير: وهو الذي ينبغي تصحيحه فينبغي عدم الفرق بين المرئية وغيرها لان الدليل إنما يقتضي عند كثرة الماء عدم التنجس إلا بالتغير من غير فصل، وهو أيضا الحكم المجمع عليه وفي النصاب وعليه الفتوى كذا في شرح منية المصلي. وصحح في المبسوط والمفيد أنه يتنجس موضع الوقوع وإليه أشار في القدوري بقوله: جاز الوضوء من الجانب الآخر. وذكر أبو الحسن الكرخي أن كل ما خالطه النجس لا يجوز الوضوء به ولو كان جاريا وهو الصحيح. قال الزيلعي: فعلى هذا إن ما ذكره المصنف لا يدل على أن موضع الوقوع لا يتنجس لانه لم يجعله إلا كالجاري، فإذا تنجس موضع الوقوع من الجاري فمنه أولى أن يتنجس. وفي البدائع: ظاهر الرواية أنه لا يتوضأ من الجانب الذي وقعت فيه النجاسة ولكن يتوضأ من الجانب الآخر، ومعناه أنه يترك من موضع النجاسة قدر الحوض الصغير ثم يتوضأ. كذا فسره في الاملاء عن أبي حنيفة لانا تيقنا بالنجاسة في ذلك الجانب وشككنا فيما وراءه، وعلى هذا قالوا فيمن استنجى في موضع من حوض لا يجزيه أن يتوضأ من ذلك الموضع قبل تحريك الماء ولو وقعت الجيفة في وسط الحوض على قياس ظاهر الرواية إن كان بين الجيفة وبين كل جانب من الحوض مقدار ما لا يخلص بعضه إلى بعض يجوز التوضؤ فيه وإلا فلا. وإن كانت غير مرئية بأن بال إنسان أو اغتسل جنب اختلف المشايخ فيه، قال
مشايخ العراق: إن حكمه حكم المرئية حتى لا يتوضأ من ذلك الجانب بخلاف الجاري، ومشايخنا مما وراء النهر فصلوا بينهما في غير المرئية أنه يتوضأ من أي جانب كان كما قالوا جميعا في الماء الجاري وهو الاصح لان غير المرئية لا تستقر في مكان واحد بل ينتقل لكونه مائعا سيالا بطبعه فلم يستيقن بالنجاسة في الجانب الذي يتوضأ منه بخلاف المرئية ا ه. وهكذا مشى قاضيخان أنه يترك من موضع النجاسة قدر الحوض الصغير وقدر الحوض الصغير في الكفاية شرح الهداية بأربع أذرع في أربع، وفي الذخيرة عن بعضهم يحرك الماء بيده مقدار ما يحتاج إليه عند الوضوء، فإن تحركت النجاسة لم يستعمل من ذلك الموضع. وقال بعضهم: يتحرى في ذلك، إن وقع تحريه أن النجاسة لم تخلص إلى هذا الموضع توضأ وشرب منه. قال في شرح منية المصلي: وهو الاصح. وفي معراج الدراية معزيا إلى المجتبى أن الفتوى على جواز الوضوء من موضع الوقوع واختاره مشايخ بخارى لعموم البلوى حتى قالوا: يجوز الوضوء من موضع الاستنجاء قبل التحريك.
[ 152 ]
قوله: (وهو ما يذهب بتبنة) أي الماء الجاري ما يذهب بتبنة، وقد توهم بعض المشتغلين أن هذا الحد فاسد لانه يرد عليه الجمل والسفينة فإنهما يذهبان بتين كثير، ومنشأ التوهم أن ما موصولة في كلامه وقد وقع مثلها في عبارة ابن الحاجب فإنه قال: الكلام ما يتضمن كلمتين بالاسناد. فقيل يرد عليه الورقة والحجر المكتوب عليه كلمتان فأكثر لان ما موصولة بمعنى الذي لكن الجواب عنهما أن ما ليست موصولة وإنما هي نكرة موصوفة، فالمعنى الجاري ماء بالمد يذهب بتبنة والكلام لفظ يتضمن كلمتين. وقد اختلف في حد الجاري على أقوال منها ما ذكره المصنف وأصحها أنه ما يعده الناس جاريا كما ذكره في البدائع والتبيين وكثير من الكتب. قوله: (فيتوضأ منه) أي من الماء الجاري. قال الزيلعي: ويجوز أن يعود إلى الماء الراكد الذي بلغ عشرا في عشر لانه يجوز الوضوء به في موضع الوقوع ما لم يتغير في رواية وهو المختار عندهم. قوله: (إن لم ير أثره) أي إن لم يعلم أثر
النجس فيه. ورأى تستعمل بمعنى علم قال الشاعر: رأيت الله أكبر كل شئ وإنما قلنا هذا لان الطعم والرائحة لا تعلق للبصر بهما وإنما الطعم للذوق والرائحة للشم. قوله: (وهو طعم أو لون أو ريح) أي الاثر ما ذكر. وحاصله أن الماء الجاري وما هو في حكمه إذا وقعت فيه نجاسة. إن ظهر أثرها لا يجوز الوضوء به وإلا جاز لان وجود الاثر دليل وجود النجاسة، فكل ما تيقنا فيه نجاسة أو غلب على ظننا ذلك لا يجوز الوضوء به، جاريا كان أو غيره، لان الماء الجاري لا يتنجس بوقوع النجاسة فيه كما قد يتوهم. وظاهر ما في المتون أن الجاري إذا وقعت فيه نجاسة يجوز الوضوء به إن لم ير أثرها، سواء كان النجس جيفة مرئية أو
[ 153 ]
غيرها. فإذا بال إنسان فيه فتوضأ آخر من أسفله جاز ما لم يظهر في الجرية أثره. قال محمد في كتاب الاشربة: ولو كسرت خابية خمر في الفرات ورجل يتوضأ أسفل منه فما لم يجد في الماء طعم الخمر أو ريحه أو لونه يجوز الوضوء به، وكذا لو استقرت المرئية فيه بأن كانت جيفة إن ظهر أثر النجاسة لا يجوز وإلا جاز، سواء أخذت الجيفة الجرية أو نصفها إنما العبرة لظهور الاثر. ويوافقه ما في الينابيع. قال أبو يوسف في ساقية صغيرة فيها كلب ميت سد عرضها فيجري الماء فوقه وتحته إنه لا بأس بالوضوء أسفل منه إذا لم يتغير طعمه أو لونه أو ريحه. وقيل: ينبغي أن يكون هذا قول أبي يوسف خاصة. أما عند أبي حنيفة ومحمد لا يجوز الوضوء أسفل من الكلب ا ه ما في الينابيع. لكن المذكور في الفتاوى كفتاوى قاضيخان والتنجيس والولوالجي والخلاصة. وفي البدائع: وكثير من كتب أئمتنا الاثر إنما يعتبر في غير الجيفة، أما في الجيفة فإنه ينظر، إن كان كله أو أكثره يجري عليها لا يجوز الوضوء به، وإن كان الاقل يجوز الوضوء، وإن كان النصف القياس الجواز، والاستحسان أنه لا يجوز وهو الاحوط. ونظر هذا ماء المطر إذا جر في ميزاب من السطح وكان على السطح عذرة فالماء طاهر لان الذي يجري على غير العذرة أكثر، وإن كانت العذرة عند الميزاب فإن كان الماء كله أو أكثره أو نصفه يلاقي
العذرة فهو نجس، وإن كان أكثره لا يلاقي العذرة فهو طاهر، وكذا أيضا ماء المطر إذا جرى على عذرات واستنقع في موضع كان الجواب كذلك. ورجح في فتح القدير أن العبرة لظهور الاثر مطلقا لان الحديث وهو قوله الماء طهور لا ينجسه شئ لما حمل على الجاري كان مقتضاه جواز التوضؤ من أسفله. وإن أخذت الجيفة أكثر الماء ولم يتغير فقولهم إذا أخذت الجيفة أكثر الماء أو نصفه لا يجوز يحتاج إلى مخصص قال: يوافقه ما عن أبي يوسف وقد نقلناه عن الينابيع. وقال تلميذه العلامة قاسم في رسالته المختار اعتبار ما عن أبي يوسف ا ه. لكن لقائل أن يقول: الاوجه ما في أكثر الكتب وقد صححه في التنجيس لصاحب الهداية لان العلماء رضي الله عنهم إنما قالوا بأن الماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسة يجوز الوضوء به إذا لم ير أثرها
[ 154 ]
لان النجاسة لا تستقر مع جريان الماء، فلما لم يظهر أثرها علم أن الماء ذهب بعينها ولم تبق عينها موجودة فجاز استعمال الماء، أما إذا كانت النجاسة جيفة وكان الماء يجري على أكثرها أو نصفها تيقنا بوجود النجاسة فيه، وقد تقدم أن كل ما تيقنا وجود النجاسة في أو غلب على ظننا وجودها فيه لا يجوز استعماله فكان هذا مأخوذا من دلالة الاجماع لان الحديث لما حمل بالاجماع على الماء الذي لم يتغير لاجل أنه عند التغير تيقن بوجود النجاسة كان التغير دليل وجود النجاسة فيما يمكن فيه ذلك، أما في الجيفة فقد تيقنا بوجودها فلا يجوز استعمال الماء التي هي فيه أو أكثرها أو نصفها من غير اعتبار التغير لان التغير لما كان علامة على وجود النجاسة لا يلزم من انتفائه انتفاؤه فكان الاجماع مخصصا للحديث، وما قلناه مأخوذ من دلالة الاجماع. هذا ما ظهر للعبد الضعيف لكن ينبغي أن تعلم أن هذا - أعني قولهم إذا أخذت الجيفة
[ 155 ]
أقله يجوز الوضوء إذا لم يظهر أثر النجاسة، وأن قولهم إذا أخذت الجيفة الاكثر أو النصف لا يجوز - يعنون وإن لم يظهر أثر النجاسة، وأما التوضؤ في عين والماء يخرج منها فإن كان في موضع خروجه جاز، وإن كان في غيره فكذلك إن كان قدره أربعا في أربع فأقل، وإن كان
[ 156 ]
خمسا في خمس اختلف فيه واختار السعدي جوازه، والخلاف مبني على أنه هل يخرج الماء المستعمل قبل تكرر الاستعمال إذا كان بهذه المساحة أو لا، وهذه مبنية على نجاسة المستعمل. كذا في فتح القدير. وقد قدمنا أن الفتوى على الجواز مطلقا وكذا صرح في الفتاوى الصغرى، وألحقوا بالجاري حوض الحمام إذا كان الماء ينزل من أعلاه حتى لو أدخلت القصعة النجسة واليد النجسة فيه لا تتنجس. وهل يشترط مع ذلك تدارك اغتراف الناس
[ 157 ]
منه؟ فيه خلاف ذكره في المنية، وفي المجتبى: الاصح أنه إن كان يدخل الماء في الانبوب والغرف متدارك فهو كالجاري وتفسير الغرف أن لا يسكن وجه الماء فيما بين الغرفتين. قال في فتح القدير: ثم لا بد من كون جريانه لمد دلة كما في العين والنهر هو المختار ا ه. وفي السراج الوهاج: ولا يشترط في الماء الجاري المدد وهو الصحيح ا ه. وفي التنجيس والمعراج وغيرهما: الماء الجاري إذا سد من فوق فتوضأ إنسان بما يجري في النهر وقد بقي جري الماء كان جائزا لان هذا ماء جار ا ه. فهذا يشهد لما في السراج. وذكر السراج الهندي عن الامام الزاهد أن من حفر نهرا من حوض صغير وأجرى الماء في النهر وتوضأ بذلك الماء في حال جريانه فاجتمع ذلك الماء في مكان واستقر فيه فحفر رجل آخر نهرا من ذلك المكان وأجرى الماء فيه وتوضأ به في حال جريانه فاجتمع ذلك الماء في مكان آخر أيضا ففعل رجل ثالث كذلك، جاز وضوء الكل لان كل واحد منهم إنما توضأ بالماء حال جريانه والماء الجاري لا يحتمل النجاسة ما لم يتغير. وعن الحسن بن زياد ما يدل على عدم جواز وضوء الثاني والثالث فانه قال في حفيرتين يخرج الماء من أحدهما ويدخل في الاخرى فتوضأ فيما بينهما جاز، والحفيرة التي يدخل فيها الماء تفسد، وإذا كان معه ميزاب واسع ومعه إداوة من ماء يحتاج إليه وهو على طمع من وجود الماء ولكن لا يتيقن ذلك ماذا يصنع، حكي عن الشيخ الزاهد أبي الحسن الرستغفني أنه كان يقول: يأمر أحد رفقائه أنه يصب الماء في طرف
من الميزاب وهو يتوضأ فيه وعند الطرف الآخر من الميزاب إناء يجتمع فيه الماء فالمجتمع طاهر وطهور لان استعماله حصل في حال جريانه والماء الجاري لا يصير مستعملا باستعماله. ومن المشايخ من أنكر هذا القول وقال: الماء الجاري إنما لا يصير مستعملا إذا كان له مدد كالعين والنهر، أما إذا لم يكن له مدد يصير مستعملا، والصحيح القول الاول بدليل مسألة واقعات الناطفي أن النهر إذا سد من فوق فتوضأ إنسان بما يجري فإنه يجوز فإن هناك لم يبق للماء مدد ومع هذا يجوز التوضؤ به. ا ه ما ذكره السراج الهندي. واعلم أنه قد تقدم عن فتح القدير أن قولهم ما اجتمع في الحفيرة الثانية فاسد وكذا كثير من أشباه ذلك إنما هو بناء على نجاسة الماء المستعمل، فأما على المختار من طهارته فلا فلتحفظ ليفرع عليها ولا يفتي بمثل هذه الفروع. فروع: في الخلاصة معزيا إلى الاصل: يتوضأ من الحوض الذي يخاف فيه قذرا ولا يتيقنه ولا يجب أن يسأل إلى الحاجة إليه عند عدم الدليل والاصل دليل يطلق الاستعمال. وقال عمر رضي الله عنه حين سأل عمرو بن العاص صاحب الحوض أترده السباع يا
[ 158 ]
صاحب الحوض: لا تخبرنا. ذكره في الموطأ. وكذا إذا وجده متغير اللون والريح ما لم يعلم أنه من نجاسة لان التغير قد يكون بطاهر، وقد ينتن الماء للمكث وكذا البئر الذي يدلي فيها الدلاء والجرار الدنسة يحملها الصغار والعبيد ولا يعلمون الاحكام ويمسها الرستاقيون بالايدي الدنسة ما لم تعلم يقينا النجاسة، ولو ظن الماء نجسا فتوضأ ثم ظهر أنه طاهر جاز. وذكر السراج الهندي عن الفقيه أبي الليث أن عدم وجوب السؤال من طريق الحكم وإن سأل كان أحوط لدينه. وعلى هذا الضيف إذا قدم إليه طعام ليس له أن يسأل عنه. وفي فوائد الرستغفني: التوضؤ بماء الحوض أفضل من النهر لان المعتزلة لا يجيزونه من الحياض فنرغمهم بالوضوء منها ا ه. وهذا إنما يفيد الافضلية لهذا العارض ففي مكان لا يتحقق النهر أفضل. كذا في فتح القدير. وفي معراج الدراية قيل مسألة الحوض بناء على الجزء الذي
لا يتجزأ فإنه عند أهل السنة موجود في الخارج فتتصل أجزاء النجاسة إلى جزء لا يمكن
[ 159 ]
تجزئته فيكون باقي الحوض طاهرا، وعند المعتزلة والفلاسفة هو معدوم فيكون كل الماء مجاورا للنجاسة فيكون الحوض نجسا عندهم، وقيل في هذا التقرير نظر ا ه. قالوا: ولا بأس بالتوضؤ من حب يوضع كوزه في نواحي الدار ويشرب منه ما لم يعلم به قذر ويكره للرجل أن يستخلص لنفسه إناء يتوضأ منه ولا يتوضأ منه غيره. وفي فتاوى قاضيخان: واختلفوا في كراهية البول في الماء الجاري والاصح هو الكراهة، وأما البول في الماء الراكد فقد نقل الشيخ جلال الدين الخبازي في حاشية الهداية عن أبي الليث أنه ليس بحرام إجماعا بل مكروه، ونقل غيره أنه حرام ويحمل على كراهة التحريم لان غاية ما يفيده الحديث كراهة التحريم فينبغي على هذا أن يكون البول في الماء الجاري مكروها كراهة تنزيه فرقا بينه وبين البول في الماء الراكد. وفي فتاوى قاضيخان: إذا ورد الرجل ماء فأخبره مسلم أنه نجس لا يجوز له أن يتوضأ بذلك الماء. قالوا: هذا إذا كان عدلا، فإن كان فاسقا لا يصدق. وفي المستور روايتان ا ه. وفي المبتغى بالغين المعجمة: وبرؤية أثر أقدام الوحش عند الماء القليل لا يتوضأ به سبع مر بالركية وغلب على ظنه شربه منها تنجس وإلا فلا ا ه. وينبغي أن يحمل الاول على ما إذا غلب على ظنه أن الوحش شربت منه بدليل الفرع الثاني وإلا فمجرد الشك لا يمنع الوضوء به بدليل ما قدمنا نقله عن الاصل أنه يتوضأ من الحوض الذي يخاف فيه قذرا ولا يتيقنه، وينبغي أن يحمل التيقن المذكور في الاصل من قوله ولا يتيقنه على غلبة الظن والخوف على الشك أو الوهم كما لا يخفى. وفي التجنيس: من دخل الحمام واغتسل وخرج من غير نعل لم يكن به بأس لما فيه من الضرورة والبلوى ا ه. وسيأتي بقية هذا إن شاء الله تعالى في بحث المستعمل. قوله: (وموت ما لا دم له فيه كالبق والذباب والزنبور والعقرب والسمك والضفدع والسرطان لا ينجسه) أي موت حيوان ليس له دم سائل في الماء القليل لا ينجسه. وقد جعل في الهداية هذه المسألة مسألتين فقال أولا: وموت ما ليس له نفس سائلة في الماء لا ينجسه
كالبق والذباب والزنابير والعقرب ونحوها ثم قال: وموت ما يعيش في الماء لا يفسده كالسمك والضفدع والسرطان. وقد جمعهما قول المصنف موت ما لا دم له لان مائي المولد لا دم له فكان الانسب ما ذكره المصنف من حيث الاختصار إلا أنه يرد عليه ما كان مائي
[ 160 ]
المولد والمعاش وله دم سائل فإنه سيأتي أنه لا ينجس في ظاهر الرواية مع أن عبار المصنف بخلافه فلذا فرق في الهداية بينهما، ونقل في الهداية خلاف الشافعي في المسألة الاولى وكذا في الثانية إلا في السمك، وما ذكره من خلاف الشافعي في الاولى ضعيف، والصحيح من مذهبه أنه كقولنا كما صرح به النووي في شرح المهذب. وفي غاية البيان قال أبو الحسن الكرخي في شرح الجامع الصغير: لا أعلم أن فيه خلافا بين الفقهاء ممن تقدم الشافعي، وإذا حصل الاجماع في الصدر الاول صار حجة على من بعده ا ه. وقد علمت أنه موافق لغيره وعلى تقدير مخالفته لا يكون خارقا للاجماع فقد قال بقوله القديم يحيى بن أبي كثير التابعي الجليل كما نقله الخطابي ومحمد بن المنكدر الامام التابعي كما نقله النووي، والدليل على أصل المسألة ما رواه البخاري في صحيحه بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء وفي رواية النسائي وابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري فإذا وقع في الطعام فامقلوه فيه فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء (1) ومعنى امقلوه أغمسوه. وجه الاستدلال به أن الطعام قد يكون حارا فيموت بالغمس فيه، فلو كان يفسده لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بغمسه ليكون شفاء لنا إذا أكلناه، وإذا ثبت الحكم في الذباب ثبت في غيره مما هو بمعناه كالبق والزنابير والعقرب والبعوض والجراد والخنفساء والنحل والنمل والصرصر والجعلان وبنات وردان والبرغوث والقمل. إما بدلالة النص أو بالاجماع كذا في المعراج. قال الامام الخطابي: وقد تكلم على هذا الحديث من لا خلاق له. وقال: كيف يجتمع الداء والشفاء في جناحي الذبابة، وكيف تعلم ذلك حتى تقدم جناح الداء قال: وهذا سؤال جاهل أو
متجاهل، والذي يجد نفسه ونفوس عامة الحيوان قد جمع فيها الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة وهي أشياء متضادة إذا تلاقت تفاسدت، ثم يرى الله عزوجل قد ألف بينها وجعلها سببا لبقاء الحيوان وصلاحه لجدير أن لا ينكر اجتماع الداء والدواء في جزأين من حيوان واحد، وأن الذي ألهم النحلة اتخاذ بيت عجيب الصنعة وتعسل فيه، وألهم النملة كسب قوتها وادخاره لاوان حاجتها إليه، وهو الذي خلق الذبابة وجعل لها الهداية إلى أن تقدم جناحا وتؤخر آخر لما أراد الله من الابتلاء الذي هو مدرجة التعبد والامتحان الذي هو
[ 161 ]
مضمار التكليف وله في كل شئ حكمة وعلم وما يذكر إلا أولوا الالباب ا ه. وقال بعضهم: المراد به داء الكبر والترفع عن استباحة ما أباحته الشريعة المطهرة وأحلته السنة المعظمة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بمقله دفعا للتكبر والترفع، وهذا ضعيف لانه حينئذ يخرج ذكر الجناحين والشفاء عن الفائدة. كذا ذكره السراج الهندي. واستدل مشايخنا أيضا على أصل المسألة بما عن سلمان رضي الله عنه عنه عليه السلام قال: يا سلمان كل طعام وشراب وقعت فيه دابة ليس لها دم فماتت فيه فهو حلال أكله وشربه ووضوؤه. قال الزيلعي رحمه الله تعالى: المخرج رواه الدارقطني. وقال: لم يروه إلا بقية عن سعيد بن أبي سعيد الزبيدي وهو ضعيف، ورواه ابن عدي في الكامل وأعله بسعيد هذا وقال: هو شيخ مجهول وحديثه غير محفوظ ا ه. قال العلامة في فتح القدير: ودفعا بأن بقية هذا هو ابن الوليد روى عنه الائمة مثل الحمادين وابن المبارك ويزيد بن هارون وابن عيينة ووكيع والاوزاعي وإسحق بن راهويه وشعبة وناهيك بشعبة واحتياطه. قال يحيى: كان شعبة مبجلا لبقية حيث قدم بغداد وقد روى له الجماعة إلا البخاري. وأما سعيد بن أبي سعيد هذا فذكره الخطيب وقال: واسم أبيه عبد الجبار وكان ثقة فانتفت الجهالة والحديث مع هذا لا ينزل عن الحسن ا ه. قال في الهداية: ولان المنجس اختلاط الدم المسفوح بأجزائه عند الموت حتى حل المذكي لانعدام الدم فيه ولا دم فيها، والحرمة ليست من ضرورتها
النجاسة كالطين وأورد عليه ذبيحة المجوسي ومتروك التسمية عامدا فإنها نجسة مع زوال الدم المسفوح، وذبيحة المسلم إذا لم يسل منها الدم لعارض بأن أكلت ورق العناب فإنها حلال مع أن الدم لم يسل، وأجاب الاكمل وغيره عن الاول بأن القياس الطهارة كالمسلم إلا أن صاحب الشرع أخرجه عن أهلية الذبح فذبحه كلا ذبح. وعن الثاني أن الشارع أقام الاهلية واستعمال آلة الذبح مقام الاسالة لاتيانه بما هو داخل تحت قدرته ولا يعتبر بالعوارض لانها لا تدخل تحت القواعد الاصلية. وأجاب في معراج الدراية بأن ذبيحة المجوسي والوثني وتارك التسمية عمدا طاهر على الاصح وإن لم تؤكل لعدم أهلية الذابح، وعزاه إلى المجتبى ثم قال: فإن قيل لو كان المنجس هو الدم يلزم أن يكون الدموي من الحيوان نجسا، سواء كان قبل الحياة أو بعدها لانه يشمل على الدم في كلتا الحالتين. قلنا: الدم حال الحياة في معدنه والدم في معدنه لا يكون نجسا بخلاف الذي بعد الموت لان الدماء بعد الموت تنصب عن مجاريها فلا تبقى في معادنها فيتنجس اللحم بتشربه إياها، ولهذا لو قطعت العروق بعد الموت لا يسيل الدم منها. وفي صلاة البقالي: لو مص البق الدم لم ينجس عند أبي يوسف لانه
[ 162 ]
مستعار، وعند محمد ينجسه وفي جمع الخلاف على العكس. والاصح في العلق إذا مص الدم أنه يفسد الماء، قال صاحب المجتبى: ومن هذا يعرف حكم القراد والحلم ا ه. وأما ما ذكره في الهداية من خلاف الشافعي في الثانية فصحيح. قال النووي في شرح المهذب: ما يعيش في البحر مما له نفس سائلة إن كان مأكولا فميتته طاهرة ولا شك أنه لا ينجس الماء، وما لا يؤكل كالضفدع وكذا غيره إن قلنا لا يؤكل فإذا مات في ماء قليل أو مائع قليل أو كثير نجسه لا خلاف فيه عندنا ا ه. واستدل للمذهب في الهداية بقوله: ولنا أنه مات في معدته فلا يعطى له حكم النجاسة كبيضة حال محها دما. ولانه لا دم فيها إذا الدموي لا يسكن الماء والدم هو المنجس وفي غير الماء قيل غير السمك يفسده لانعدام المعدن، وقيل لا يفسده لعدم الدم وهو الاصح ا ه. وقوله كبيضة حال محها بالحاء المهملة فيهما أي تغير صفرتها دما
حتى لو صلى وفي كمه تلك البيضة تجوز صلاته بخلاف ما لو صلى وفي كمه قارورة دم حيث لا تجوز لان النجاسة في غير معدنها. وعموم قوله مات في معدنه يقتضي أن لا يعطى للوحش والطيور حكم النجاسة إذا مات في معدنها لان معدنها البر، ولهذا جعل شمس الائمة تعليل قوله لا دم فيها أصح قال: ليس لهذه الحيوانات دم سائل فإن ما فيها يبيض بالشمس والدم إذا شمس يسود. وكذا في معراج الدراية، وتعقبه في فتح القدير بأن كون البرية معدنا للسبع محل تأمل في معنى معدن الشئ، والذي يفهم منه ما يتولد منه الشئ وعلى التعليل الاول فرع ما لو وقعت البيضة من الدجاجة في الماء رطبة أو يبست لا يتنجس الماء لانها كانت في معدنها، وكذا السخلة إذا سقطت من أمها رطبة أو يبست لا تنجس الماء لانها كانت في معدتها. ثم لا فرق بين أن يموت في الماء أو خارجه ثم ينتقل إليه في الصحيح. وروي عن محمد: إذا تفتت الضفدع في الماء كرهت شربه لا للنجاسة بل لحرمة لحمه وقد صارت أجزاؤه في الماء. وهذا تصريح بأن كراهة شربه تحريمية وبه صرح في التنجيس فقال: يحرم شربه.
[ 163 ]
وفي فتاوى قاضيخان: فإن كانت الحية أو الضفدع عظيمة لها دم سائل تفسد الماء، وكذا الوزعة الكبيرة في رواية عن أبي يوسف. وفي السراج الوهاج: الذي يعيش في الماء هو الذي يكون توالده ومثواه فيه، سواء كانت لها نفس سائلة أو لم تكن فظاهر الرواية، وروي عن أبي يوسف أنه إذا كان لها دم سائل أوجب التنجيس ا ه. وكذا ذكر الاسبيجابي، فما في الفتاوى على غير ظاهر الرواية. واختلف في طير الماء ففي السراج الوهاج أنه ينجس لانه يتعيش في الماء ولا يعيش فيه. وفي شرح الجامع الصغير لقاضيخان: وطير الماء إذا مات في الماء القليل يفسده هو الصحيح من الرواية عن أبي حنيفة، وإن مات في غير الماء يفسده باتفاق الروايات لان له دما سائلا وهو بري الاصل مائي المعاش والمائي ما كان توالده ومعاشه في الماء ا ه. وطير الماء كالبط والاوز. وفي المجتبى: الصحيح عن أبي حنيفة في
موت طير الماء فيه أنه لا ينجسه. وقيل إن كان يفرخ في الماء لا يفسده وإلا فيفسده ا ه. فقد اختلف التصحيح في طير الماء كما ترى والاوجه ما في شرح الجامع الصغير كما لا يخفى. وفي الكلب المائي اختلاف المشايخ كذا في معراج الدراية من غير ترجيح لكن قال في الخلاصة: الكلب المائي والخنزير المائي إذا مات في الماء أجمعوا أنه لا يفسد الماء ا ه. فكأنه لا يعتبر القول الضعيف كما لا يخفى، وقد وقع لصاحب الهداية هنا وفي بحث الماء المستعمل التعليل بالعدم، ووجه تصحيحه أن العلة متحدة وهي الدم وهو في مثله يجوز كقول محمد في ولد المغصوب لم يضمن لانه لم يغصب كذا في الكافي. وتوضيحه أن عدم العلة لا يوجب عدم الحكم لجواز أن يكون الحكم معلولا بعلل شتى إلا أن العلة إذا كانت متعينة يلزم من عدمها عدم المعلول لتوقفه على وجودها وهنا كذلك لان النجس هو الدم المسفوح لا غير ولا دم لهذه الاشياء بدليل أن الحرارة لازمة الدم، والبرودة لازمة الماء وهما نقيضان، فلو كان لها دم لماتت بدوام السكون في الماء. كذا في غاية البيان. وفي الهداية: والضفدع البري والبحري وسواء، وقيل: البري يفسد لوجود الدم وعدم المعدن. وقيل: لا يفسده. قال الشارحون: الضفدع البحري هو ما يكون بين أصابعه سترة بخلاف البري، وصحح في السراج الوهاج عدم الفرق بينهما لكن محله ما إذا لم يكن للبري دم، أما إذا كان له دم سائل فإنه يفسده على الصحيح. كذا في شرح منية المصلي. والضفدع بكسر الدال والانثى
[ 164 ]
ضفدعة، وناس يقولون ضفدع بفتح الدال وهو لغة ضعيفة وكسر الدال أفصح. والبق كبار البعوض واحدة بقة وقد يسمى به الفسفس في بعض الجهات، وهو حيوان كالقراد شديد النتن، كذا في شرح منية المصلي. والزنبور بالضم وسمي الذباب ذبابا لان كلما ذب آب أي كلما طرد رجع. وفي النهاية: وأشار الطحاوي إلى أن الطافي من السمك في الماء يفسده وهو غلط منه فليس في الطافي أكثر فسادا من أنه غير مأكول فهو كالضفدع ا ه. واعلم أن كل ما لا يفسد الماء لا يفسد غير الماء وهو الاصح. كذا في المحيط والتحفة. والاشبه بالفقه
كذا في البدائع لكن يحرم أكل هذه الحيوانات المذكورة ما عدا السمك الغير الطافي لفساد الغذاء وخبثه متفسخا أو غيره وقد قدمناه عن التنجيس. قوله: (والماء المستعمل لقربة أو رفع حدث إذا استقر في مكان طاهر لا مطهر) اعلم أن الكلام في الماء المستعمل يقع في أربعة مواضع: الاول في سببه وقد أشار إليه بقوله لقربة أو رفع حدث الثاني في وقت ثبوته وقد أشار إليه بقوله إذا استقر في مكان. الثالث في صفته وقد بينها بقوله طاهر. الرابع في حكمه وقد بينه بقوله لا مطهر. والزيلعي رحمه الله أدرج الحكم في الصفة وجعل قوله طاهر لا مطهر بيانا لصفته والاولى ما أسمعتك تبعا لما في فتح القدير. أما الاول فقد ذكر أبو عبد الله الجرجاني أنه يصير مستعملا بإقامة القربة بأن ينوي الوضوء على الوضوء حتى يصير عبادة أو برفع الحدث بأن توضأ المحدث للتبرد أو للتعليم بلا خلاف بين أصحابنا الثلاثة. وذكر أبو بكر الرازي خلافا وقال: إنه يصير مستعملا بإقامة القربة أو رفع الحدث عندهما، وعند محمد بإقامة القربة لا غير استدلالا بمسألة الجنب إذا انغمس في البئر لطلب الدلو فقال محمد: الماء طاهر طهور لعدم إقامة القربة، فلو توضأ محدث بنية القربة صار الماء مستعملا بالاجماع، ولو توضأ متوضئ للتبرد لا يصير مستعملا بالاجماع. ولو توضأ المحدث للتبرد صار مستعملا عندهما خلافا لمحمد، ولو توضأ المتوضئ بنية القربة صار مستعملا عند الثلاثة. قال شمس الائمة السرخسي: التعليل لمحمد بعدم إقامة القربة ليس بقوي لانه غير مروي عنه، والصحيح عنده أن إزالة الحدث بالماء مفسدة له إلا عند الضرورة كالجنب يدخل البئر لطلب الدلو، ومن شرط نية القربة عند محمد استدل بمسألة البئر، وجوابه أنه إنما لم يصر مستعملا للضرورة لا لان الماء لا يصير
[ 165 ]
مستعملا بإزالة الحدث فصار كما لو أدخل الجنب أو الحائض أو المحدث يده في الماء لا يصير مستعملا للضرورة، والقياس أن يصير مستعملا عندهم لازالة الحدث ولكن سقط للحاجة ا ه. وأقره عليه العلامة كمال الدين بن الهمام والامام الزيلعي، وصرح في البدائع أن
الخلاف لم ينقل عنهم نصا وإنما مسائلهم تدل عليه، وكذا في المحيط لكن قال: وهذا الخلاف صحيح عند محمد لان تغير الماء عند محمد باعتبار إقامة القربة به لا باعتبار تحول نجاسة حكمية إلى الماء، وعندهما تغير الماء باعتبار أنه تحول إليه نجاسة حكمية، وفي الحالتين تحول إلى الماء نجاسة حكمية فأوجب تغيره ا ه. والذي يدل على صحة الخلاف ما نقله في المحيط والخلاصة وكثير من الكتب، وعزاه الهندي إلى صلاة الاثر لمحمد أن الرجل إذا أخذ الماء بفمه وهو جنب ولا يريد المضمضة فغسل يده به أجزأه عن غسل اليد ولا يصير مستعملا عند محمد لعدم قصد القربة وإن زال الحدث عن الفم لكن يقال من جهة شمس الائمة السرخسي أن محمدا إنما لم يقل بالاستعمال للضرورة لا لان إزالة الحدث لا توجب الاستعمال. وقد علل به في المحيط فقال: لم يحكم باستعمال الماء للضرورة ويؤيده ما في فتح القدير أن الذي نعقله أن كلا من التقرب الماحي للسيئات والاسقاط مؤثر في التغير، ألا ترى أنه انفرد وصف التقرب في صدقة التطوع وأثر التغير حتى حرم على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم رأينا الاثر عند ثبوت وصف الاسقاط معه غير ذلك وهو أشد فحرم على قرابته الناصرة له فعرفنا أن كلا أثر تغيرا شرعيا وبهذا يبعد قول محمد إنه التقرب فقط إلا أن يمنع كون هذا مذهبه كما قال شمس الائمة ا ه. ولو غسل يده للطعام أو منه صار الماء مستعملا لانه أقام به قربة لانه سنة، ولو غسل يده من الوسخ لا يصير مستعملا لعدم إزالة الحدث وإقامة القربة. كذا في المحيط. وهذا التعليل يفيد أنه كان متوضئا ولا بد منه كما لا يخفى. وقوله فيما قبله لانه أقام قربة يفيد أنه قصد إقامة السنة فلو لم يقصدها لا يصير مستعملا. وفيه: لو وصلت شعر آدمي إلى دؤابتها فغسلت ذلك الشعر الواصل لم يصر الماء مستعملا، ولو غسل رأس إنسان مقتول قد بان منه صار الماء مستعملا لان الرأس إذا وجد مع البدن ضم إلى البدن وصلى عليه فيكون بمنزلة البدن والشعر لا يضم مع البدن، فبالانفصال لم يبق له حكم البدن فلا تكون غسالته مستعملة. قال الولوالجي في فتاواه: وهذا الفرق يأتي على الرواية المختارة أن شعر الآدمي ليس
بنجس، أما على الرواية الاخرى لا يتأتي فأنه نجس ينجس الماء ا ه. وفي المبتغى وغيره:
[ 166 ]
وبتعليم الوضوء للناس لا يصير مستعملا إذا لم يرد به الصلاة بل أراد تعليمه ا ه. ولا يخفى أن التعليم قربة فإذا قصد إقامة القربة ينبغي أن يصير الماء مستعملا إذا لم يرد به الصلاة بل أراد تعليمه ا ه. ولا يخفى أن التعليم قربة فإذا قصد إقامة القربة ينبغي أن يصير الماء مستعملا كغسل اليدين للطعام فإنه لم يرد به الصلاة بل إقامة القربة كما لا يخفى، ويؤيده ما في شرح النقاية أولا أن القربة ما تعلق به حكم شرعي وهو استحقاق الثواب، ولا شك أن في التعليم المقصود ثوابا. وقد يجاب عنه بأن هذا الماء لم يستعمل لقربة لان القربة فيه ليست بسبب استعماله إنما هي بسبب تعليمه، ولذا لو علمه بالقول استغني عن هذا الفعل بخلاف غسل اليدين من الطعام فإن القربة فيه لا تحصل إلا باستعماله فافترقا. وفي الفتاوى الظهيرية: وغسالة الميت نجسة كذا أطلق محمد في الاصل، والاصح أنه إذا لم يكن على بدنه نجاسة يصير الماء مستعملا ولا يكون نجسا إلا أن محمدا إنما أطلق الماء لان غسالته لا تخلو عن النجاسة غالبا. وفي الخلاصة: أما إذا توضأ الصبي في طست هل يصير الماء مستعملا؟ والمختار أنه يصير مستعملا إذا كان الصبي عاقلا ا ه. وقد قدمنا حكم إذا أدخل يده في الاناء فلتراجع. وفي الخلاصة: ولو أخذ الماء بفمه لا يريد به المضمضة لا يصير مستعملا عند محمد، وكذا لو أخذ بفيه وغسل أعضاءه بذلك. وقال أبو يوسف: لا يبقى طهورا وهو الصحيح ا ه. واعلم أن هذا وأمثاله كقولهم فيمن أدخل يديه إلى المرفقين أو إحدى رجليه في إجانة يصير الماء مستعملا يفيد أن الماء يصير مستعملا بواحد من ثلاثة: إما بإزالة الحدث كان معه تقرب أو لا، أو إقامة القربة كان معه رفع حدث أو لا، أو إسقاط الفرض فإن في هذه المسائل لم يزل الحدث ولا الجنابة عن العضو المغسول لما عرف أن الحدث الجنابة لا
[ 167 ]
يتجزآن زوالا كما لا يتجزآن ثبوتا. قالوا: وهذا هو الصحيح. وكذا لم توجد نية القربة وإنما
سقط الفرض عن العضو المغسول فكان الاولى ذكر هذا السبب الثالث، ولا تلازم بين سقوط الفرض وارتفاع الحدث، فسقوط الفرض عن اليد مثلا يقتضي أن لا يجب إعادة غسلها مع بقية الاعضاء ويكون ارتفاع الحدث موقوفا على غسل الباقي، وسقوط الفرض هو الاصل في الاستعمال إلا أن يقال: إن الحدث زال عن العضو زوالا موقوفا لكن المعلل به في كتاب الحسن عن أبي حنيفة كما نقله في فتح القدير إسقاط الفرض في مسألة إدخال اليد الاناء لغير ضرورة لا إزالة الحدث. وفي الخلاصة: لو غسل المحدث عضوا آخر سوى أعضاء الوضوء
[ 168 ]
كالفخذ، الاصح إنه لا يصير مستعملا بخلاف أعضاء الوضوء ا ه. وفي المبتغي بالغين بالمعجمة: وبغسله ثوبا أو دابة تؤكل لا يصير مستعملا، ووضوء الحائض مستعمل لان وضوءها مستحب ا ه. ولا يخفى أنه لا يصير مستعملا إلا إذا قصدت الاتيان بالمستحب، وفي البدائع: لو زاد على الثلاث فإن أراد بالزيادة ابتداء الوضوء صار الماء مستعملا، وإن أراد الزيادة على الوضوء الاول اختلف المشايخ فيه ا ه. وفيه كلام قدمناه في بحث تثليث الغسل في السنن فليراجع فإنه يقتضي أن الوضوء على الوضوء لا يكون قربة إلا إذا اختلف المجلس فحينئذ يكون الماء مستعملا، أما إذا اتحد المجلس فلا يكون قربة بل مكروه فيكون الماء غير مستعمل. وفي معراج الدراية: فإن قيل المتوضئ ليس على أعضائه نجاسة لا حقيقية ولا حكمية، فكيف يصير الماء مستعملا بنية القربة؟ قلنا: لما نوى القربة فقد ازداد طهارة على طهارة ولن تكون طهارة جديدة إلا بإزالة النجاسة الحكمية حكما فصارت الطهارة على الطهارة وعلى الحدث سواء ا ه. وأما الثاني أعني وقت ثبوت الاستعمال فقال بعض مشايخنا: الماء المستعمل ما زايل البدن واستقر في مكان من أرض أو إناء وهو مذهب سفيان الثوري، واستدل بمسائل زعم أنها تدل له منها إذا توضأ واغتسل وبقي على يده لمعة فأخذ البلل منها في الوضوء أو من أي عضو كان في الغسل وغسل اللمعة يجوز، ومنها نقل البلة
من مغسول إلى ممسوح جائز وإن وجد الانفصال، ومنها أن الخرقة التي يتمسح بها تجوز الصلاة معها وإن كان ما أصابها من البلل كثيرا فاحشا، وكذا إذا أصاب ثوبه الماء المستعمل لا يضره وإن كان كثيرا وإن وجد الانفصال فأما عندنا فما دام على العضو لا يصير مستعملا وإذا زايله صار مستعملا وإن لم يستقر في مكان فإنه ذكر في الاصل أنه إذا مسح رأسه ببلل أخذه من لحيته لم يجز، وإن لم يستقر في مكان. وكذا لو مسح رأسه ببلل باق بعد مسح الخفين لا يجزئه، وعلل بأنه ماء قد مسح به مرة أشار به إلى ما قلنا. قالوا لا يجوز نقل البلة من عضو مغسول إلى مثله، فدل على أن المذهب ما قلناه، ووجهه أن القياس صيرورته مستعملا بنفس الملاقاة لوجود السبب فكان ينبغي أن يؤخذ لكل جزء من العضو جزء من الماء إلا أن فيه حرجا فسقط اعتبار حالة الاستعمال في عضو واحد حقيقة أو في عضو واحد
[ 169 ]
حكما كما في الجنابة. فإذا زايل العضو زالت الضرورة فظهر حكم الاستعمال بقضية القياس. وقد حصل الجواب عن المسألة الاولى التي استدل بها سفيان، وأما عن الثانية فقد ذكر الحاكم الجليل أنها على التفصيل إن لم يكن استعمله في شئ من أعضائه يجوز، أما إذا كان استعمله لا يجوز والصحيح أنه يجوز وإن استعمله في المغسولات لان فرض الغسل إنما تأدى بما جرى على عضوه لا بالبلة الباقية فلم تكن هذه البلة مستعملة بخلاف ما إذا استعمله في المسح على الخف ثم مسح به رأسه حيث لا يجوز لان فرض المسح يتأدى بالبلة وتفصيل الحاكم محمول على هذا، وأما ما مسح بالمنديل أو تقاطر على الثوب فهو مستعمل إلا أنه لا يمنع جواز الصلاة لان الماء المستعمل طاهر عند محمد وهو المختار، وعندهما وإن كان نجسا لكن سقوط اعتبار نجاسته ههنا لمكان الضرورة. هذا ما قرره صاحب البدائع رحمه الله. وذكر في المحيط أن القائل باشتراط الاستقرار سفيان فقط دون أهل المذهب، وصحح في الهداية وكثير من الكتب أن المذهب صيرورته مستعملا بمجرد الانفصال وإن لم يستقر، وصدر به في الكافي وذكر ما في الكنز بصيغة قيل. وما ذكره في الكنز هو مذهب سفيان
الثوري وإبراهيم النخعي وبعض مشايخ بلخ وأبي حفص الكبير وظهير الدين المرغيناني: قال في الخلاصة: والمختار أنه لا يصير مستعملا ما لم يستقر في مكان ويسكن عن التحرك ا ه. وفي غاية البيان أن مختار فخر الاسلام البزدوي وغيره في شروح الجامع الصغير اجتماعه في مكان بعد المزايلة، وفيما اختاره صاحب الهداية حرج عظيم على المسلمين ا ه. وفي معراج الدراية عن شيخه أن ما في الهداية في حق من لا ضرورة فيه كثياب غير المتوضئ وقيل في حق المغتسل لانه قليل الوقوع لا في حق المتوضئ ا ه. والحاصل أن المذهب ما في الهداية وما في الكنز اختيار بعض المشايخ، ومبنى اختيار ما في الكنز توهم أن ما ذكره في الهداية فيه حرج عظيم كما توهمه في غاية البيان، لان الماء الذي يقطر من الاعضاء يصيب ثوب المتوضئ، فلو قلنا باستعماله بالانفصال فقط لتنجس ثوبه على القول بنجاسته حتى احتاج بعضهم إلى حمله على ثياب غير المتوضئ، وبعضهم إلى حمله على الغسل كما رأيت، وليس ما توهموه من الحرج موجودا فقد قدمنا عن البدائع أن ما يصيب ثوب المتوضئ معفو عنه بالاتفاق، وكذا ذكر في غيره. وأما في ثياب غير المتوضئ فلا حرج، وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا انفصل ولم يستقر بل هو في الهواء فسقط على عضو انسان وجرى فيه من غير أن يأخذه بكفه، فعلى قول العامة لا يصح وضوءه، وعلى قول البعض يصح الثالث أعني صفة الماء المستعمل لم تذكر في ظاهر الرواية ولهذا ذكر في الكافي
[ 170 ]
الذي هو جمع كلام محمد أن الماء المستعمل لا يجوز التوضؤ به ولم يبين صفته من الطهارة أو النجاسة فلهذا لم تثبت مشايخ العراق خلافا بين أصحابنا في صفته فقالوا: طاهر غير طهور عند أصحابنا، وغيرهم أثبت الخلاف فقالوا: إن عن أبي حنيفة روايتين في رواية محمد عنه أنه طاهر غير طهور وبها أخذ وكذا رواها زفر وعامر عن أبي حنيفة كما ذكره قاضيخان في شرحه، وفي رواية أبي يوسف والحسن بن زياد أنه نجس غير أن الحسن روي عنه التغليظ، وأبا يوسف روي عنه التخفيف، وكل أخذ بما روي. وروي عن أبي يوسف أن المستعمل إن
كان محدثا أو جنبا فالماء نجس، وإن كان طاهرا فالماء طاهر، وعند زفر إن كان المستعمل محدثا أو جنبا فهو طاهر غير طهور، وإن كان متوضأ فهو طاهر طهور. وقد صحح المشايخ رواية محمد حتى قال في المجتبى: وقد صحت الروايات عن الكل أنه طاهر غير طهور، إلا الحسن. وقال فخر الاسلام في شرح الجامع الصغير: هو المختار عندنا وهو المذكور في عامة كتب محمد عن أصحابنا فاختاره المحققون من مشايخ ما وراء النهر. وفي المحيط إنه المشهور عن أبي حنيفة وفي كثير من الكتب وعليها الفتوى من غير تفصيل بين المحدث والجنب. والمذكور في فتاوى الولوالجي والتنجيس في مواضع أن الفتوى على رواية محمد لعموم البلوى إلا في الجنب. وقد ذكر النووي أن الصحيح من مذهب الشافعي أنه طاهر غير طهور وبه قال أحمد وهو رواية عن مالك، ولم يذكر ابن المنذر عنه غيرها وغير قول جمهور السلف والخلف ا ه. وجه رواية النجاسة قوله صلى الله عليه وسلم لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه من الجنابة كذا في الهداية وكثير من الكتب. قال في البدائع: وجه الاستدلال به حرمة الاغتسال في الماء القليل لاجماعنا على أن الاغتسال في الماء الكثير ليس بحرام، فلولا أن القليل من الماء ينجس بالاغتسال بنجاسة الغسالة لم يكن للنهي معنى لان إلقاء الطاهر في الطاهر ليس بحرام، أما تنجيس الطاهر فحرام فكان هذا نهيا عن تنجيس الماء الطاهر بالاغتسال وذا يقتضي التنجس به، ولا يقال يحتمل أنه نهي لما فيه من إخراج الماء من أن يكون مطهرا من غير ضرورة وذلك حرام لانا نقول: الماء القليل إنما يخرج عن كونه مطهرا باختلاط غير المطهر به إذا كان الغير غالبا عليه كماء الورد واللبن، فأما إذا كان مغلوبا فلا. وههنا الماء المستعمل ما يلاقي البدن. ولا شك أن ذلك أقل من غير المستعمل فكيف يخرج به من أن يكون مطهرا؟ فأما ملاقاة النجس الطاهر توجب تنجيس الطاهر وإن لم يغلب على الطاهر لاختلاطه بالطاهر على وجه لا يمكن التمييز بينهما فيحكم بنجاسة الكل فثبت أن النهي لما قلنا. ولا يقال يحتمل أنه نهي لان أعضاء الجنب لا تخلو عن النجاسة الحقيقية وذا يوجب تنجيس الماء القليل لانا نقول: الحديث مطلق فيجب العمل بإطلاقه، ولان النهي عن
الاغتسال ينصرف إلى الاغتسال المسنون لانه هو المتعارف بين المسلمين، والمسنون منه إزالة النجاسة قبل الاغتسال على أن النهي عن إزالة النجاسة الحقيقية التي على البدن استفيد بالنهي
[ 171 ]
عن البول فيه فوجب حمل النهي على الاغتسال فيه لما ذكرنا صيانة لكلام صاحب الشرع عن الاعادة الخالية عن الافادة ا ه. وقد حصل من الجواب الاول دفع ما ذكره في فتح القدير تبعا للنووي. ومن الجواب الثاني دفع ما في السراج الوهاج كما لا يخفى على من يراجعهما، وفي معراج الدراية: فإن قيل القران في النظم لا يوجب القران في الحكم فلا يلزم تنجس الماء بالاغتسال قلنا: قد بينا أن مطلق النهي للتحريم خصوصا إذا كان مؤكدا بنون التوكيد لا باعتبار القران ا ه. ويستدل لابي حنيفة وأبي يوسف أيضا بالقياس وأصله الماء المستعمل في النجاسة الحقيقية والفرع المستعمل في الحكمية بجامع الاستعمال في النجاسة بناء على إلغاء وصف الحقيقي في ثبوت النجاسة، وذلك لان معنى الحقيقية ليس إلا كون النجاسة موصوفا بها جسم محسوس مستقل بنفسه عن المكلف لا أن وصف النجاسة حقيقة لا يقوم إلا بجسم كذلك وفي غير، مجاز، بل معناه الحقيقي واحد في ذلك الجسم وفي الحدث، وهذا لانه ليس المتحقق لنا من معناها سوى أنها اعتبار شرعي منع الشار من قربان الصلاة والسجود حال قيامه لمن قام به إلى غاية استعمال الماء فيه، فإذا استعمله قطع ذلك الاعتبار كل ذلك ابتلاء للطاعة، فأما أن هناك وصفا حقيقيا عقلي أو محسوس فلا. ومن ادعاه لا يقدر في إثباته على غير الدعوى، ويدل على أنه اعتبار اختلافه باختلاف الشرائع، ألا ترى أن الخمر محكوم بنجاسته في شريعتنا وبطهارته في غيرها، فعلم أنها ليست سوى اعتبار شرعي ألزم معه كذا إلى غاية كذا ابتلاء، وفي هذا لا تفاوت بين الدم والحدث فإنه أيضا ليس إلا ذلك الاعتبار، فظهر أن المؤثر نفس وصف النجاسة وهو مشترك في الاصل والفرع فيثبت مثل حكم الاصل وهو نجاسة الماء المستعمل فيه في الفرع وهو المستعمل في الحدث فيكون نجسا إلا أن هذا إنما ينتهض على
من يسلم كون حكم الاصل ذلك كما لك وأكثر العلماء، وأما من يشترط في نجاسته خروجه من الثوب متغيرا بلون النجاسة كالشافعي فلا، فعنده الماء الذي يستعمل في الحقيقية التي لا لون لها يغاير لون الماء كالبول طاهر يجوز شربه وغسل الثوب به دون إزالة الحدث لانه عنده مستعمل وهو لا يقصر وصف الاستعمال على رافع الحدث فإنما ينتهض عليه بعد
[ 172 ]
الكلام معه في نفس هذا التفصيل وهو سهل غير أنا لسنا إلا بصدد توجيه رواية نجاسة المستعمل عن أبي حنيفة على أصولنا. فإن قيل: لو تم ما ذكرت كان للبلوي تأثير في إسقاط حكمه، فالجواب الضرورة لا يعدو حكمها محلها والبلوى فيه إنما هي في الثياب فيسقط اعتبار نجاسة ثوب المتوضئ وتبقى حرمة شربه والطبخ به وغسل الثوب منه ونجاسة من يصيبه. كذا قرر وجه القياس العلامة المحقق كمال الدين بن همام الدين رحمه الله على النجاسة. واستدل في الكفاية للشيخ جلال الدين الخبازي بإشارة قوله تعالى عقب الامر بالوضوء والتيمم * (ولكن يريد ليطهركم) * (المائدة: 6) فدل إطلاق التطهير على ثبوت النجاسة في أعضاء الوضوء، ودل الحكم بزوالها بعد التوضؤ على انتقالها إلى الماء فيجب الحكم بالنجاسة، ثم إن أبا يوسف جعل نجاسته خفيفة لعموم البلوى فيه لتعذر صيانة الثياب عنه ولكونه محل اجتهاد فأوجب ذلك خفة في حكمه. والحسن يجعل نجاسته غليظة لانها نجاسة حكمية وأنها أغلظ من الحقيقية، ألا ترى أنه عفى عن القليل من الحقيقية دون الحكمية. ووجه رواية محمد ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث جابر قال: مرضت فأتاني النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يعودانني فوجد اني قد أغمي علي، فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم ثم صب وضوءه علي فأفقت. وفي البخاري أيضا أن الناس كانوا يتمسحون بوضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه أنه إذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، فكذا استدل مشايخنا لرواية الطهارة منهم البيهقي في الشامل، وكذا استدل به النووي في شرح المهذب، ولكن لقائل أن يقول: إن هذا لا يصلح دليلا للمدعي لان هذا الذي تمسحوا به ليس هو المتساقط من
أعضائه عليه الصلاة والسلام فإنه يجوز أن يكون هو ما فضل من وضوئه فإن في بعض رواياته الصحيحة فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه فيتمسحون به وفي لفظ النسائي في هذا الحديث وأخرج بلال فضل وضوئه فابتدره الناس وليس المراد به المتساقط من وضوئه عليه السلام، وكذا حديث جابر فصب عليه من وضوئه، فإن جعل الوضوء اسما لمطلق الماء فلا دلالة فيه على طهارة الماء المستعمل، وإن أريد بوضوئه فضل مائة الذي توضأ ببعضه لا استعمله في أعضائه فلا دلالة فيه أيضا، وإن جعل اسما للماء المعد للوضوء فلا دلالة فيه أيضا، فحينئذ لا يدل مع هذه الاحتمالات. كذا ذكره العلامة الهندي. ولهذا والله أعلم لم يستدل المحقق ابن الهمام بهذه الدلائل لرواية الطهارة، وإنما استدل بالقياس فقال: المعلوم من جهة الشارع أن الآلة التي تسقط الفرض وتقاوم بها القربة تتدنس، وأما الحكم
[ 173 ]
بنجاسة العين شرعا فلا، وذلك لان أصله مال الزكاة تدنس بإسقاط الفرض به حتى جعل من الاوساخ في لفظه عليه السلام فحرم على من شرف بقرابته الناصرة له ولم يصل مع هذا إلى النجاسة حتى لو صلى حامل دراهم الزكاة صحت، فكذا يجب في الماء أن يتغير على وجه لا يصل إلى التنجس وهو سلب الطهورية إلا أن يقوم فيه دليل يخصه غير هذا القياس ا ه. لكن قد علمت الدليل الذي ذكرناه لابي حنيفة آنفا فاندفع به هذا القياس. وبهذا يترجح القول بالنجاسة، ولهذا والله أعلم ذكر صاحب الهداية في التنجيس أن الفتوى على رواية محمد لعموم البلوى إلا في الجنب نقلناه عنه وعن الولوالجي آنفا، كان دليل النجاسة قويا كان وهو المختار إلا أن البلوى عمت في الماء المستعمل في الحدث الاصغر فأفتى المشايخ بالطهارة بخلاف المستعمل في الاكبر لم يوجد فيه عموم البلوى فكان على المختار من النجاسة، ويؤيده ما ذكره شمس الائمة السرخسي في المبسوط أن قوله في الاصل إذا اغتسل الطاهر في البئر أفسده دليل على أن الصحيح من قول أبي حنيفة أن الماء المستعمل نجس لان الفاسد من الماء هو النجس ا ه. لكن رجح في موضع آخر رواية أبي يوسف القائلة بالتخفيف، واستبعد
رواية الحسن القائلة بالتغليظ فقال: ما رواه الحسن بعيد فإن للبلوى تأثيرا في تخفيف النجاسة ومعنى البلوى في الماء المستعمل ظاهر، فإن صون الثياب عنه غير ممكن وهو مختلف في نجاسته فلذلك خف حكمه ا ه. وفي فتاوى قاضيخان: المشهور عن أبي حنيفة وأبي يوسف نجاسة الماء المستعمل لكن قال في الذخيرة: الظاهر أن الماء المستعمل طاهر للجنب والمحدث وقد قدمناه في الغسل فليراجع. ثم اعلم أن الماء المستعمل على قول القائلين بنجاسته نجاسة عينية عند البعض حتى لا يجوز الانتفاع به بوجه ما، وعند البعض نجاسته بالمجاورة حتى يجوز الانتفاع به بسائر الوجوه سوى الشرب لان هذا ماء أزيلت به النجاسة الحكمية فصار كما أزيل به النجاسة الحقيقية. ووجه الاول أن المجاورة إنما تكون بانتقال شئ من عين إلى عين ولم يوجد حقيقة إلا أنه يتنجس الماء بالاستعمال شرعا فيكون نجسا عينا. كذا ذكره الامام صاحب الهداية في التنجيس ولم يرجح، لكن تأخيره وجه الاول يفيد ترجيحه كما هي عادته في الهداية. وفي الخلاصة: ويكره شرب الماء المستعمل، وأما الماء إذا وقعت فيه نجاسة فإن تغير وصف الماء لم يجز الانتفاع به بحال، وإن لم يتغير الماء جاز الانتفاع به كبل الطين وسقي الدواب ا ه. ولا يخفى أن الكراهة على رواية الطهارة أما على رواية النجاسة فحرام لقوله تعالى * (ويحرم عليهم
[ 174 ]
الخبائث) * والنجس منها. وفي البدائع: ويكره التوضؤ في المسجد عند أبي حنيفة وأبي يوسف وقال محمد: لا بأس به لانه عنده طاهر، وأما أبو يوسف فلانه يقول بنجاسته، وكذا ما روي عن أبي حنيفة. وأما على رواية الطهارة عنه فلانه مستقذر طبعا فيجب تنزيه المسجد عنه كما يجب تنزيهه عن المخاط والبلغم ا ه. وفي فتاوى قاضيخان: وإن توضأ في إناء في المسجد جاز عندهم. الرابع في حكمه قال قاضيخان في فتاواه: اتفق أصحابنا في الروايات الظاهرة أن الماء المستعمل في البدن لا يبقى طهورا ا ه. وقال في الهداية: إنه لا يزيل الاحداث. قال الشارحون: إن هذا حكمه وقالوا قيد بالاحداث لما أنه
يزيل الانجاس على ما روى محمد عن أبي حنيفة أن الماء المستعمل طاهر غير طهور لان إزالة النجاسة الحقيقية تجوز بالمائعات عند أبي حنيفة، صرح به القوام الاتقاني والكاكي في المعراج وصاحب النهاية وغيرهم. هذا وإن كان الماء المستعمل طاهرا عند محمد لكن لا تجوز به إزالة النجاسة الحقيقية عنده لان عنده لا يجوز إزالتها إلا بالماء المطلق، وقد قدمنا أن الماء المستعمل ليس بمطلق، وبهذا يندفع ما توهمه بعض الطلبة في عصرنا أن الماء المستعمل يزيل الانجاس عند محمد لما أنه يقول بطهارته فهو حفظ شيئا وغابت عنه أشياء. واندفع أيضا ما توهمه بعض المشتغلين أن الماء المستعمل لا يزيل الانجاس اتفاقا لما أنه عند أبي حنيفة وأبي يوسف نجس فلا يزيل، ومحمد وإن كان يقول بطهارته فعنده لا يزيل إلا الماء المطلق كما قدمناه لانه حفظ رواية النجاسة عن أبي حنيفة ونسي رواية الطهارة عنه التي اختارها المحققون وأفتوا بها. وذكر في المجتبى عن القدوري وشرح الارشاد وصلاة الجلالي أنه يجوز إزالة النجاسة بالماء المستعمل على الرواية الظاهرة، وما ذكرنا من حكمه عندنا فهو مذهب الشافعي وأحمد ورواية عن مالك. وذهب الزهري ومالك والاوزاعي في أشهر الروايتين عنهما وأبو ثور إلى أنه مطهر، واختاره ابن المنذر واحتجوا بقوله تعالى * (وأنزلنا من السماء ماء طهورا) * (الفرقان: 48) لان الطهور ما يطهر غيره مرة بعد أخرى، ويحتج لاصحابنا ومن تبعهم أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم احتاجوا في مواطن من أسفارهم الكثيرة إلى الماء ولم يجمعوا المستعمل لاستعماله مرة أخرى. فإن قيل: تركوا الجمع لانه لا يجتمع منه شئ فالجواب أن هذا لا يسلم وإن سلم في الوضوء لا يسلم في الغسل. فإن قيل: لا يلزم من عدم جمعه منع الطهارة به ولهذا لم يجمعوه للشرب والطبخ والعجن والتبرد ونحوها، فالجواب أن ترك جمعه للشرب ونحوه للاستقذار فإن النفوس تعافه للعادة وإن كان طاهرا كما استقذر النبي صلى الله عليه وسلم
[ 175 ]
الضب وتركه فقيل: أحرام هو؟ قال: لا ولكني أعافه، وأما الطهارة مرة ثانية فليس فيه استقذار فتركه يدل على امتناعه. وأما الجواب عن احتجاجهم فيعلم مما قدمناه في أول بحث
المياه من أن الطهور ليس هو المطهر لغيره فضلا عن التكرار، وبما ذكرناه اندفع ما ذكره صدر الشريعة بقوله ونحن نقول لو كان طاهرا لجاز في السفر الوضوء به ثم الشرب ولم يقل أحد بذلك ا ه. لما علمت أن عدم شربه للاستقذار مع طهارته لا لعدمها. قوله: (ومسألة البئر جحط) أي ضابط حكم مسألة البئر جحط وصورتها: جنب انغمس في البئر للدلو أو للتبرد ولا نجاسة على بدنه، فعند أبي حنيفة الرجل والماء نجسان، وعند أبي يوسف الرجل جنب على حاله والماء مطهر على حاله، وعند محمد الرجل طاهر والماء طاهر طهور، فالجيم من النجس علامة نجاستهما، والحاء من الحال أي كلاهما بحاله، والطاء من الطاهر، فرتب حروفه على ترتيب الائمة. فالحرف الاول للامام الاعظم، والثاني للثاني، والثالث للثالث، وجه قول أبي حنيفة أن الفرض قد سقط عن بعض الاعضاء بأول الملاقاة لان النية ليست بشرط لسقوط الفرض فإذا سقط الفرض صار الماء مستعملا عنده فيتنجس الماء، والرجل باق على جنابته لبقاء الحدث في بقية الاعضاء، وقيل عنده نجاسة الرجل بنجاسة الماء المستعمل، وصحح في شروح الهداية أنه نجس بالجنابة عنده. وفائدة الخلاف تظهر في تلاوة القرآن ودخول المسجد إذا تمضمض واستنشق. وفي فتاوى قاضيخان أن الاظهر أنه يخرج من الجنابة ثم يتنجس بالماء النجس حتى لو تمضمض واستنشق حل له قراءة القرآن ا ه. ووجه قول أبي يوسف أن الصب شرط لاسقاط الفرض عنده في غير الماء الجاري وما هو في حكمه ولم يوجد فكان الرجل جنبا بحاله فإذا لم يسقط الفرض ولم يوجد رفع الحدث ولا نية القربة لا يصير الماء مستعملا فكان بحاله. ووجه قول محمد على ما هو الصحيح عنه أن الصب ليس بشرط عنده فكان الرجل طاهرا ولا يصير الماء مستعملا وإن أزيل به حدث للضرورة، وإما على ما خرجه أبو بكر الرازي فإنه لا يصير الماء مستعملا عنده
[ 176 ]
لفقد نية القربة وهي شرط عنده في صيرورته مستعملا، وهذه المسألة أخذ منها أبو بكر الرازي الاختلاف في سبب استعمال الماء بين الاصحاب، وقد تقدم أن أخذه منها غير لازم
كما ذكره شمس الائمة. وقال الخبازي في حاشية الهداية قال القدوري رحمه الله: كان شيخنا أبو عبد الله الجرجاني يقول: الصحيح عندي من مذهب أصحابنا أن إزالة الحدث توجب استعمال الماء ولا معنى لهذا الخلاف إذ لا نص فيه. وإنما لم يأخذ حكم الاستعمال في مسألة طلب الدلو لمكان الضرورة إذا لحاجة إلى الانغماس في البئر لطلب الدلو مما يتكرر، فلو احتاجوا إلى الغسل عند نزح ماء البئر كل مرة لحرجوا حرجا عظيما وصار كالمحدث إذا اغترف الماء بكفه لا يصير مستعملا بلا خلاف وإن وجد إسقاط الفرض لمكان الضرورة بخلاف ما إذا أدخل غير اليد فيه صار الماء مستعملا ا ه. وعن أبي حنيفة أن الرجل طاهر لان الماء لا يعطي له حكم الاستعمال قبل الانفصال من العضو. وقال الزيلعي والهندي وغيرهما تبعا لصاحب الهداية: وهذه الرواية أوفق الروايات أي للقياس، وفي فتح القدير وشرح المجمع أنها الرواية المصححة ا ه. وتعليلهم هذا يفيد أنه لو تمضمض واستنشق داخل البئر قبل انفصاله لا يخرج عن الجنابة لصيرورة الماء مستعملا قبل الانفصال، وقد صرح به في السراج الوهاج فعلم بما قررناه أن المذهب المختار في هذه المسألة أن الرجل طاهر والماء طاهر غير طهور. أما كون الرجل طاهرا على الصحيح فقد علمته. وأما كون الماء مستعملا كذلك على الصحيح فقد علمته أيضا مما قدمناه
[ 177 ]
قيدنا أصل المسألة بالجنب لان الطاهر إذا انغمس لطلب الدلو ولم يكن قدمناه على أعضائه نجاسة لا يصير الماء مستعملا اتفاقا لعدم إزالة الحدث وإقامة القربة، وإن انغمس للاغتسال صار مستعملا اتفاقا لوجود إقامة القربة وحكم الحدث حكم الجنابة ذكره في البدائع، وكذا حكم الحائض والنفساء إذا نزلا بعد الانقطاع، أما قبل الانقطاع وليس على أعضائهما نجاسة فإنهما كالطاهر إذا انغمس للتبرد لانها لا تخرج من الحيض بهذا الوقوع فلا يصير الماء مستعملا. كذا في فتاوى قاضيخان والخلاصة. وقيدنا بكونه انغمس لطلب الدلو أو للتبرد لانه لو انغمس بقصد الاغتسال للصلاة قالوا صار الماء مستعملا اتفاقا لوجود إزالة الحدث
ونية القربة لكن ينبغي أن لا يزول حدثه عند أبي يوسف لما نقلوه عنه أن الصب شرط عنده في غير الماء الجاري وما هو في حكمه لاسقاط الفرض ولم أر من صرح بهذا، وقد علمت فيما قدمناه في الكلام على ماء الفساقي أن قولهم بأن ماء البئر يصير مستعملا عند الكل مبني على قول ضعيف عن محمد، والصحيح من مذهب محمد أن ماء البئر لا يصير مستعملا مطلقا لان المستعمل هو ما تساقط عن الاعضاء وهو مغلوب بالنسبة إلى الماء الذي لم يستعمله فاحفظ هذا وكن على ذكر منه ينفعك إن شاء الله تعالى. ثم رأيت بعد هذا العلامة ابن أمير حاج في شرح منية المصلي صرح بما ذكرته وقال: الماء المستعمل هو الماء الذي لاقى الرجل الذي زال حدثه فيجب نزح جميع الماء على رواية نجاسة الماء المستعمل ولا يجب نزح شئ منها على رواية طهارته بل هو باق على طهوريته، وقد عرفت أن رواية الطهارة هي المختارة ا ه. فعلى هذا قولهم صار الماء مستعملا معناه صار الماء الملاقي للبدن مستعملا لا أن جميع ماء البئر صار مستعملا. وقيدنا بقولنا ليس على أعضائه نجاسة حقيقية لانه لو كان كذلك
[ 178 ]
لتنجس الماء اتفاقا، وقيد المسألة في المحيط بقوله لم يتدلك فيه ولم يبين مفهومه، وكذا في الخلاصة. والظاهر منه أنه إذا أنزل للدلو وتدلك في الماء صار الماء مستعملا اتفاقا لان الدلك فعل منه قائم مقام نية الاغتسال فصار كما لو نزل للاغتسال. وقيد المسألة بعضهم بأن لا يكون استنجى بالاحجار، فمفهومه أنه لو كان مستنجيا بالاحجار تنجس الماء اتفاقا لكن هذا يبتنى على أن الحجر في الاستنجاء مخفف لا مطهر وفيه خلاف ذكره في التنجيس وذكر أن المختار أنه مخفف لا مطهر وسنذكره إن شاء الله تعالى في موضعه فإن قلت: لم قال أبو يوسف بأن الصب شرط في العضو لا في الثوب؟ وما الفرق بينهما؟ قلت: روي عن أبي يوسف روايتان: في رواية أن الصب شرط فيهما ووجهه أن القياس يأبي التطهير بالغسل لان الماء يتنجس بأول الملاقاة، وإنما حكمنا بالطهارة ضرورة أن الشرع كلفنا بالتطهير والتكليف يعتمد القدرة وسمي الماء طهورا وذلك يقتضي حصول الطهارة به والضرورة تندفع بطريق
الصب فلا ضرورة إلى طريق آخر مع أن الماء حال الصب بمنزلة ماء جار، وفي غير حالة الصب راكد والراكد أضعف من الجاري. وفي رواية أن الصب شرط في العضو لا في الثوب وهو المشهور عنه، ووجهه أن غسل الثياب بطريق الصب لا يتحقق إلا بكلفة ومشقة لانها تغسلها النساء عادة وكل امرأة لا تجد خادما يصب الماء عليها ولا ماء جاريا، وأما غسل البدن يتحقق بطريق الصب من غير كلفة. كذا في النهاية. وقال القاضي الاسبيجابي في شرح مختصر الطحاوي: جنب اغتسل في بئر ثم في بئر إلى العشرة قال أبو يوسف: تنجس الآبار كلها. وقال محمد: يخرج من الثالثة طاهرا ثم ينظر إن كان على بدنه عين نجاسة تنجست المياه كلها، وإن لم يكن عين نجاسة صارت المياه كلها مستعملة، ثم بعد الثالثة أن وجدت منه النية يصير مستعملا، وإن لم توجد منه النية لا يصير مستعملا عنده. ولو أنه غسل الثوب النجس في إجانة وعصره ثم في إجانة إلى العشرة فإن الثوب يخرج من الثالثة طاهرا والمياه الثلاثة نجسة في قولهم جميعا، وأبو يوسف فرق بين الثوب والبدن فقال: لان في الثوب ضرورة ولا ضرورة في البدن ا ه. ولا يخفى أن مقتضى مذهب أبي يوسف من اشتراط الصب أن لا تتنجس المياه كلها عنده لما أن الحدث لم يزل ونية الاغتسال وإن وجدت لكن لا اعتبار بها إذا لم يصح الغسل عنده، وقد علمت فيما قدمناه عند الكلام على ماء الفساقي أن ما ذكره الاسبيجابي وغيره من كون ماء الآبار يصير مستعملا عند محمد مبني على القول الضعيف لا على الصحيح فارجع إليه تجد لك فرجا كبيرا إن شاء الله تعالى. وقد ظهر لي أن قولهم بنجاسة ماء الآبار عند أبي يوسف وقولهم بنجاسة ماء البئر إذا نزل للاغتسال عنده مفرع على رواية عن أبي يوسف أن من نزل في البئر وهو جنب كان الماء نجسا والرجل نجس، وقد ذكر هذه الرواية الاسبيجابي وذكر هذه الفروع بعدها فالظاهر أنها مفرعة عليها لا على القول المشهور عنه أن الرجل بحاله والماء بحاله والله الهادي للصواب.
[ 179 ]
قوله: (وكل إهاب دبغ فقد طهر) لما كان يتعلق بدباغ الاهاب ثلاث مسائل طهارته
وهي تتعلق بكتاب الصيد، والصلاة فيه وهي تتعلق بكتاب الصلاة، والوضوء منه بأن يجعل قربة وهي تتعلق بالمياه، ذكر في بحث المياه لافادة جواز الوضوء منه بطريق الاستطراد فاندفع بهذا ما قيل إن هذا الموضع ليس لبيان هذه المسألة. والاهاب الجلد غير المدبوغ والجمع أهب بضمتين وبفتحتين اسم له، وأما الاديم فهو الجلد المدبوغ وجمعه أدم بفتحتين. كذا في المغرب. وكذا يسمى صرما وجرابا كذا في النهاية. وقوله كل إهاب يتناول كل جلد يحتمل الدباغة لا ما لا يحتمله فلا حاجة إلى استثنائه وبه يندفع ما ذكره الهندي أنه كان ينبغي استثناء جلد الحية فلا يطهر جلد الحية والفأرة به كاللحم، وكذا لا يطهر بالذكاة لان الذكاة إنما تقام مقام الدباغ فيما يحتمله. كذا في التنجيس. وفيه: إذا أصلح أمعاء شاة ميتة فصلى وهي معه جازت صلاته لانه يتخذ منها الاوتار وهو كالدباغ، وكذلك العقب والعصبكذا لو دبغ المثانة فجعل فيها لبن جاز ولا يفسد اللبن، وكذلك الكرش إن كايقدر على اصلاحه. وقال أبو يوسف في الاملاء: إن الكرش لا يطهر لانه كاللحم ا ه. وأما قميص الحية فهو طاهر كذا في السراج الوهاج. ثم الدباغ هو ما يمنع عود الفساد إلى الجلد عند حصول الماء فيه. والدباغ على ضربين حقيقي وحكمي، فالحقيقي هو أن يدبغ بشئ له قيمة كالشب والقرظ والعفص وقشور الرمان ولحي الشجر والملح وما أشبه ذلك، وضبط بعضهم الشب بالباء الموحدة. وذكر الازهري أن غيره تصحيف، وضبطه بعضهم بالثاء المثلثة وهو نبت طيب الرائحة مر الطعم يدبغ به، ذكره الازهري في الصحاح، وبأيهما كان فالدباغ به جائز. وأما القرظ فهو بالظاء لا بالضاد ورق شجر السلم بفتح السين واللام ومنه أديم مقروظ أي مدبوغ بالقرظ. قالوا: والقرظ نبت بنواحي تهامة كذا ذكره النووي في شرح المهذب. وإنما نبهنا عليه لانه يوجد مصحفا في كثير من كتب الفقه يقرأ بالضاد. والحكمي أن يدبغ بالتشميس والترتيب والالقاء في الريح لا بمجرد التجفيف، والنوعان مستويان في سائر الاحكام إلا في حكم واحد وهو أنه لو أصابه الماء بعد الدباغ الحقيقي لا يعود نجسا باتفاق الروايات، وبعد الحكمي فيه روايتان وسنتكلم على المختارة مع نظائرها إن شاء الله تعالى.
قوله: (إلا جلد الخنزير والآدمي) يعني كل إهاب دبغ جاز استعماله شرعا إلا جلد الخنزير لنجاسة عينه وجلد الآدمي لكرامته، وبهذا التقرير اندفع ما قيل إن الاستثناء من الطهارة وهذا في جلد الخنزير مسلم فإنه لا يطهر بالدباغ، وأما جلد الآدمي فقد ذكر في الغاية أنه إذا دبغ طهر ولكن لا يجوز الانتفاع به كسائر أجزائه فكيف يصح هذا الاستثناء؟
[ 180 ]
وقيل جلد الخنزير والآدمي لا يقبلان الدباغ لان لهما جلودا مترادفة بعضها فوق بعض، وعلى هذا يكون الاستثناء منقطعا كما لا يخفى، وإنما استثنى الجلد ولم يستثن الاهاب مع كونه مناسبا للمستثنى منه وهو قوله كل إهاب دبغ لما أن الاهاب هو الجلد قبل أن يدبغ فكان مهيأ للدباغ. يقال تأهب لكذا إذا تهيأ له واستعد وجلد الخنزير والآدمي لا يتهيآن للدبغ فلذا استثنى بلفظ الجلد دون الاهاب. وإنما قدم الخنزير على الآدمي في الذكر لان الموضع موضع إهانة لكونه في بيان النجاسة وتأخير الآدمي في ذلك أكمل. فحاصله أن في المشايخ من قال إنما لا يطهر جلد الخنزير بالدباغ لانه لا يندبغ لان شعره ينبت من لحمه ولو تصور دبغه لطهر، وقال بعضهم: لا يطهر وإن اندبغ لانه محرم العين كذا في معراج الدراية. وفي
[ 181 ]
المبسوط: روي عن أبي يوسف أنه يطهر بالدباغ وفي ظاهر الرواية لا يطهر، إما لانه لا يحتمل الدباغ أو لان عينه نجس ا ه. وأما الآدمي فقد قال بعضهم: إن جلده لا يحتمل الدباغة حتى لو قبلها طهر لانه ليس بنجس العين لكن لا يجوز الانتفاع به، ولا يجوز دبغه احتراما له وعليه إجماع المسلمين كما نقله ابن جزم. وقال بعضهم: إن جلده لا يطهر بالدباغة أصلا احتراما له، فالقول بعدم طهارة جلده تعظيم له حتى لا يتجرأ أحد على سلخه ودبغه واستعماله. ويدخل في عموم قوله كل إهاب جلد الفيل فيطهر بالدباغ خلافا لمحمد في قوله إن الفيل نجس العين، وعندهما هو كسائر السباع. قال في المبسوط: من باب الحدث وهو الاصح فقد جاء في حديث ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى لفاطمة سوارين من عاج فظهر
استعمال الناس العاج من غير نكير فدل على طهارته ا ه. وأخرج البيهقي أنه صلى الله عليه وسلم كان يتمشط بمشط من عاج. قال الجوهري: العاج عظم الفيل. قال العلامة في فتح القدير: هذا الحديث يبطل قول محمد بنجاسة عين الفيل وسيأتي تمامه في عظم الميتات إن شاء الله تعالى. ويدخل أيضا في عموم قوله كل إهاب جلد الكلب فيطهر بالدباغ بناء على أنه ليس بنجس العين. وقد اختلفت روايات المبسوط فيه فذكر في بيان سؤره أن الصحيح من المذهب عندنا أن عين الكلب نجس، إليه يشير محمد في الكتاب بقوله: وليس الميت بأنجس من الكلب والخنزير. ثم قال: وبعض مشايخنا يقولون عينة ليس بنجس ويستدلون عليه بطهارة جلده
[ 182 ]
بالدباغ. وقال في باب الحدث: وجلد الكلب يطهر عندنا بالدباغ خلافا للحسن والشافعي لان عينه نجس عندهما ولكننا نقول: الانتفاع به مباح الاختيار فلو كان عينه نجسة لما أبيح الانتفاع به، وهذا صريح في مخالفة الاول. وذكر أيضا في كتاب الصيد في مسألة بيع الكلب في التعليل قال: وبهذا يتبين أنه ليس بنجس العين. وذكر في الايضاح اختلاف الرواية فيه. وفي مبسوط شيخ الاسلام: وأما جلد الكلب فعن أصحابنا فيه روايتان في رواية يطهر بالدبغ وفي رواية لا يطهر وهو الظاهر من المذهب. وذكر في البدائع أن فيه اختلاف المشايخ فمن قال إنه نجس العين جعله كالخنزير، ومن جعله طاهر العين جعله مثل سائر الحيوانات سوى الخنزير، والصحيح أنه ليس بنجس العين وكذا صححه في موضع آخر وقال: إنه أقرب القولين إلى الصواب ولذلك قال مشايخنا فيمن صلى وفي كمه جرو إنه تجوز صلاته. وقيد الفقيه أبو جعفر الهندواني الجواز بكونه مشدود الفم ا ه. ولذا صحح في الهداية طهارة عينه وتبعه شارحوها كالاتقاني والكاكي والسغناقي، واختار قاضيخان في الفتاوى نجاسة عينه وفرع عليها فروعا. فالحاصل أنه قد اختلف التصحيح فيه والذي يقتضيه عموم ما في المتون كالقدوري والمختار والكنز طهارة عينه ولم يعارضه ما يوجب نجاستها فوجب أحقية تصحيح عدم نجاستها، ألا ترى أنه ينتفع به
حراسة واصطيادا. وقد صرح في عقد الفوائد شرح منظومة ابن وهبان بأن الفتوى على طهارة عينه، وأما ما استدل به في المبسوط من قول محمد وليس الميت بأنجس من الكلب والخنزير فقد قال في غاية البيان: لا نسلم أن نجاسة العين تثبت في الكلب بهذا القدر من الكلام، فمن ادعى ذلك فعليه البيان ولم يرد نص عن محمد في نجاسة العين، وما أورده من أنه لا يلزم من الانتفاع به طهارة عينه فإن السرقين ينتفع به إيقادا وتقوية للزراعة مع نجاسة عينه. أجاب عنه في النهاية وغيرها بأن هذا الانتفاع بالاستهلاك وهو جائز في نجس العين كالاقتراب من الخمر للاراقة. وقال في القنية رامزا لمجد الائمة: وقد اختلف في نجاسة الكلب والذي صح عندي من الروايات في النوادر والآمالي نجس العين عندهما، وعند أبي حنيفة ليس بنجس العين ا ه. ومشى عليه ابن وهبان في منظومته وذكره في عقد الفوائد شرحها، وذكر الناطفي عن محمد إذا صلى على جلد كلب أو ذئب قد ذبح جازت صلاته، ولا يخفى أن هذه الرواية تفيد طهارة عينه عند محمد فيجوز أن يكون عن محمد روايتان ا ه. وقال القاضي الاسبيجابي: وإما الكلب يحتمل الذكاة والدباغة في ظاهر الرواية خلافا لما روى
[ 183 ]
الحسن ا ه. فإذا علمت هذا فاعلم أن الجلد لا يطهر بالدباغ على القول بنجاسته ويطهر به على القول بطهارته، وإذا وقع في بئر واستخرج حيا تنجس الماء كله مطلقا على القول بنجاسته كما لو وقع الخنزير، وعلى القول بطهارته لا يتنجس إلا إذا وصل فمه الماء وإذا ذكي لا يطهر جلده ولا لحمه على القول بالنجاسة كالخنزير، ويطهر على القول بالطهارة. وإذا صلى وهو حامل جروا صغيرا لا تصح صلاته على القول بنجاسته مطلقا وتصح على القول بطهارته. وإما مطلقا أو بكونه مشدود الفم كما قدمناه عن البدائع. وتقييده بكونه جروا صغيرا يظهر أن في الكبير لا تصح مطلقا لما أنه وإن لم يكن نجس العين فهو متنجس لان مأواه النجاسات. وقد يقال ينبغي أن لا تصح صلاة من حمل جروا صغيرا اتفاقا، أما على القول بنجاسة عينه فظاهر، وأما على القول بطهارة عينه فلان لحمة نجس بدليل أنهم اتفقوا على أن سؤره نجس لما أنه مختلط بلعابه
ولعابه متولد من لحمه وهو نجس ولهذا قال في التنجيس: نجاسة السؤر دليل نجاسة اللحم. وقال العلامة في فتح القدير: نجاسة سؤره لا تستلزم نجاسة عينه بل تستلزم نجاسة لحمه المتولد منه اللعاب ا ه. وسبب نجاسة لحمه اختلاط الدم المسفوح بأجزائه حالة الحياة مع حرمة أكله كما سنوضحه في بيان الاسآر إن شاء الله تعالى. وبهذا التقرير يندفع ما قد يتوهم إشكالا وهو أن يقال كيف يكون سؤره نجسا على القول بطهارة عينه؟ فإن هذه غفلة عظيمة عن فهم كلامهم فإن قولهم بطهارة عينه لا يستلزم طهارة كل جزء منه، ولهذا علل في البدائع لنجاسة سؤر الكلب وسائر السباع بأن سؤر هذه الحيوانات متحلب من لحومها ولحومها نجسة وقد قالوا: إن حرمة الشئ إذا لم تكن للكرامة كحرمة الآدمي ولا لفساد الغذاء كالذباب والتراب، ولا للخبث طبعا كالضفدع والسلحفاة، ولا للمجاورة كالماء النجس، كانت علامة النجاسة أي نجاسة اللحم فثبت بهذا أنه لا خلاف في نجاسة لحمه عندنا، وإنما الخلاف في نجاسة عينه، فظهر بهذا أن الكلب طاهر العين بمعنى طهارة عظمه وشعره وعصبه وما لا يؤكل منه لا بمعنى طهارة لحمه، لكن قد أجاب في المحيط قال: وإن كان فمه مشدودا بحيث لا يصل لعابه إلى ثوبه جاز لان ظاهر كل حيوان طاهر ولا يتنجس إلا بالموت ونجاسة باطنه في معدنه فلا يظهر حكمها كنجاسة باطن المصلي. وفي شرح منية المصلي: لا يخفى أن هذا على القول بطهارة عينه، وأما على القول بأنه نجس العين فلا لظهور أن الصلاة لا تصح لحامله مطلقا كما في حق حامل الخنزير. وإذا دخل الماء فانتقض فأصاب ثوب إنسان أفسده ولو أصابه ماء المطر لم يفسد لان في الوجه الاول الماء أصاب الجلد وجلده نجس، وفي الوجه الثاني أصاب شعره وشعره طاهر. كذا ذكر الولوالجي وغيره. ولا يخفى أن هذا على القول بنجاسة عينه يستفاد منه أن الشعر طاهر
[ 184 ]
على القول بنجاسة عينه لما ذكر في السراج الوهاج أن جلد الكلب نجس وشعره طاهر هو المختار ويتفرع عليه ذكر الفرع الذي ذكرناه، أما على القول بالطهارة إذا انتفض فأصاب ثوبا لا
ينجسه مطلقا، سواء أصاب شعره أو جلده ويدل عليه أن صاحب البدائع ذكر هذا الفرع شاهدا للقول بنجاسة عينه فقال: من جعله نجس العين استدل بما ذكر في العيون عن أبي يوسف رحمه الله تعالى أن الكلب إذا وقع في الماء ثم خرج منه إلى آخر ما ذكرناه من التفصيل عن الولوالجي. ويدل عليه أيضا أن صاحب التنجيس ذكر هذا الذي ذكرناه مع التفصيل من جملة مسائل ثم قال بعدها: وهذا المسائل تشير إلى نجاسة عينه. ويدل عليه أيضا ما ذكره في فتح القدير في آخر باب الانجاس من مسائل شتى بما لفظه: وما ذكره في الفتاوى من التنجيس من وضع رجله موضع رجل كلب في الثلج أو الطين ونظائر هذه مبني على رواية نجاسة عين الكلب وليست بالمختارة ا ه. فقوله ونظائر هذه أراد به مثل المسألة التي ذكرناها عن الولوالجي كما لا يخفى، لكن ذكر قاضيخان في فتاواه أن هذه المسألة مفرعة على القول بنجاسة عينه وعلل للنجاسة في مسألة ما إذا أصاب الماء جلده بتعليل آخر وهو أن مأواه النجاسات، فاستفيد منه أن الماء أصاب جلده وانتفض فأصاب الثوب نجسه أيضا على القول بطهارة عينه لانه لما كان مأواه النجاسات صار جلده متنجسا. وعلم مما قررناه أنه لا يدخل في قول من قال بنجاسة عين الكلب الشعر بخلاف قولهم بنجاسة عين الخنزير فإنه يدخل فيه شعره أيضا، فإذا انتفض الخنزير فأصاب ثوبا نجسه مطلقا سواء أصاب الماء جلده أو شعره كما صرح به في السراج الوهاج. وقال الولوالجي أيضا: الكلب إذا أخذ عضو إنسان أو ثوبه إن أخذ في حالة الغضب لا يتنجس لانه يأخذه بالاسنان ولا رطوبة فيها، وإن أخذه في حالة المزاج لتنجس لانه يأخذه الاسنان والشفتين وشفتاه رطبة فيتنجس ا ه. وكذا ذكر غيره. في القنية رامز اللوبري: عضه الكلب ولا يرى بللا لا بأس به يعني لا يجب غسله، ولا يخفى أن ما في القنية إنما ينظر إلى وجود المقتضى للنجاسة وهو الريق، سواء كان ملاعبا أو غضبانا وهو الفقه. وقد صرح في الملتقط بأنه لا يتنجس ما لم ير البلل، سواء كان راضيا أو غضبانا. وفي الصيرفية هو المختار، وكذا في التتارخانية وواقعات الناطفي وغيرهما كذا في عقد الفوائد. وفي خزانة الفتاوى: وعلامة الابتلال أن لو أخذه بيده تبتل يده. ولا يخفى أن هذه
المسألة على القولين، أما على القول بالنجاسة فظاهر، وأما على القول بطهارة عينه فلان لعابه نجس لتولده من لحم نجس كما قدمناه. وفي التنجيس: امرأة صلت وفي عنقها قلادة فيها
[ 185 ]
سن كلب أو أسد أو ثعلب فصلاتها تامة لانه يقع عليها الذكاة، وكل ما يقع عليه الذكاة فعظمه لا يكون نجسا بخلاف الآدمي والخنزير ا ه. وكذا ذكر الولوالجي. وذكر في السراج الوهاج معزيا إلى الذخيرة أسنان الكلب طاهرة وأسنان الآدمي نجسة لان الكلب يقع عليه الذكاة بخلاف الخنزير والآدمي ا ه. ولا يخفى أن هذا كله على القول بطهارة عينه لانه علله بكونه يطهر بالذكاة، وأما على القول بنجاسة عينه فلا تعمل فيه الذكاة فتكون أسنانه نجسة كالخنزير، وسيأتي الكلام على أسنان الآدمي إن شاء الله تعالى قريبا. وأما إذا أكل من شئ يغسل ثلاثا ويؤكل كذا في المبتغى بالغين المعجمة، وينبغي أن يكون هذا بالاتفاق كما لا يخفى، ولا يقال ينبغي أن يطهر بالجفاف قياسا على الكلا إذا تنجس فإنه يطهر به كما في الخلاصة والخانية لانا نقول: الطهارة في الكلا بالجفاف حصلت استحسانا بالاثر لكونه في معنى الارض لاتصاله بها، وما نحن فيه ليس كذلك. وأما بيعه وتمليكه فهو جائز هكذا انقلوا وأطلقوا لكن ينبغي أن يكون هذا على القول بطهارة عينه، أما على القول بالنجاسة فهو كالخنزير فبيعه باطل في حق المسلمين كالخنزير لكن المنقول في فتاوى قاضيخان من البيوع أن بيع الكلب المعلم جائز، فمفهومه أن غير المعلم لا يجوز بيعه. وفي التنجيس: من باب ما يجوز بيعه وما لا يجوز رجل ذبح كلبه ثم باع لحمه جاز لان اللحم طاهر بخلاف ما لو ذبح خنزير ثم باعه ا ه. فالظاهر منهما أن هذا الحكم على القول بطهارة عينه. وذكر السراج الهندي في شرح الهداية معزيا إلى التجريد أن الكلب لو أتلفه إنسان ضمنه ويجوز بيعه وتمليكه. في عمدة المفتي: لو استأجر الكلب يجوز والسنور لا يجوز لان السنور لا يعلم. ونقل عن التجريد: لو استأجر كلبا معلما أو بازيا ليصيد بهما فلا أجرة له - قال - لعله لفقد العرف والحاجة إليه ا ه. وهذا ما تيسر التكلم عليه في المسائل المتعلقة بالكلب، وهذا البيان
إن شاء الله تعالى من خواص هذا الكتاب. ثم اعلم أن في قول المصنف في أصل المسأله دبغ إشارة إلى أنه يستوي أن يكون الدابغ مسلما أو كافرا أو صبيا أو مجنونا أو امرأة إذا حصل به مقصود الدباغ، فإن دبغه الكافر وغلب على الظن أنهم يدبغون بالسمن النجس فإنه يغسل. كذا في السراج الوهاج وفيه مسألة جلد الميتة بعد الدباغ هل يجوز أكله إذا كان جلد حيوان مأكول اللحم قال بعضهم: نعم لانه طاهر كجلد الشاة المذكاة. وقال بعضهم: لا يجوز أكله وهو الصحيح لقوله تعالى * (حرمت عليكم الميتة) * (المائدة: 3) وهذا جزء منها. وقال عليه السلام في شاة ميمونة رضي الله تعالى عنها: إنما يحرم من الميتة أكلها مع أمره لهم بالدباغ والانتفاع. وأما
[ 186 ]
إذا كان جلد ما لا يؤكل كالحمار فإنه لا يجوز أكله إجماعا لان الدباغ فيه ليس بأقوى من الذكاة وذكاته لا تبيحه فكذا دباغه ا ه. وهذا الذي قدمناه في جلود الميتات كله مذهبنا وللعلماء فيه سبعة مذاهب ذكرها الامام النووي في شرح المهذب فنقتصر منها على ما اشتهر من المذاهب، منها ما ذهب إليه الشافعي أن كل حيوان ينجس بالموت طهر جلده بالدباغ ما عدا الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما فلا يدخل الآدمي في هذا العموم عنده لان الصحيح عنده أن الآدمي لا ينجس بالموت فجلده طاهر من غير دبغ لكن لا يجوز استعماله لحرمته وتكريمه. ومنها ما ذهب إليه أحمد أنه لا يطهر بالدباغ شئ وهو رواية عن مالك. ومنها ما ذهب إليه مالك أنه يطهر الجميع حتى الكلب والخنزير إلا أنه يطهر ظاهره دون باطنه فيستعمل في اليابس دون الرطب. وجه قول أحمد قوله تعالى * (حرمت عليكم الميتة) * (المائدة: 3) وهو عام في الجلد وغيره، وحديث عبد الله بن حكيم قال: أتانا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بشهر أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب. رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم. قال الترمذي حديث حسن. ووجه قول مالك أن الدباغ إنما يؤثر في الظاهر دون الباطن. ووجه قول الشافعي ما رواه أبو داود والترمذي والنسائي
وغيرهم من رواية ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إيما إهاب دبغ فقد طهر وفي صحيح مسلم إذا دبغ الاهاب فقد طهر وهو حديث حسن صحيح. وما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شاة ميتة هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به قالوا: يا رسول الله أنها ميتة قال: إنما حرم أكلها. وفي الباب أحاديث أخر ذكرها النووي في شرح المهذب. وإنما خرج الكلب والخنزير لان الحياة أقوى من الدباغ بدليل أنها سبب لطهارة الجملة والدباغ إنما يطهر الجلد، فإذا كانت الحياة لا تطهرهما فالدباغ أولى. ولنا ما ذكرناه من الاحاديث في دليل الشافعي وهو كما تراه عام فإخراج الخنزير منه لمعارضة الكتاب إياه وهو قوله تعالى * (أو لحم خنزير فإنه رجس) * (الانعام: 145) بناء على عود الضمير إلى المضاف إليه لانه صالح لعوده، وعند صلاحية كل من المتضايفين لذلك يجوز كل من الامرين. وقد جوز عود ضمير ميثاقه في قوله تعالي * (ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه) * (البقرة: 27) إلى كل من العهد ولفظ الجلالة، وتعين عودة إلى المضاف إليه في قوله تعالى * واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون) * (النحل: 114) ضرورة صحة الكلام وإلى المضاف في قولك رأيت ابن زيد فكلمته لانه المحدث عنه بالرؤية رتب على الحديث الاول عنه الحديث الثاني فتعين هو مرادا
[ 187 ]
به وإلا اختل النظم. فإذا جاز كل منهما لغة والموضع موضع احتياط وجب إعادته على ما فيه الاحتياط وهو بما قلنا. كذا قرره العلامة في فتح القدير أخذا من النهاية ومعراج الدراية. وفي غاية البيان: ومما ظهر لي في فؤادي من الانوار الربانية والاجوبة الالهامية أن الهاء لا يجوز أن ترجع إلى اللحم لان قوله فإنه رجس خرج في مقام التعليل، فلو رجع إليه لكان تعليل الشئ بنفسه فهو فاسد لكونه مصادرة، وهذا لان نجاسة لحمه عرفت من قوله أو لحم خنزير لان حرمة الشئ مع صلاحيته للغذاء لا للكرامة آية النجاسة فحينئذ يكون معناه كأنه قال لحم خنزير نجس فإن لحمه نجس. أما إذا رجع الضمير إلى الخنزير فلا فساد لانه
حينئذ يكون حاصل الكلام لحم خنزير نجس لان الخنزير نجس يعني أن هذا الجزء من الخنزير نجس لان كله نجس. هذا هو التحقيق في الباب لاولي الالباب ا ه. وتعقبه شارح متأخر بأنه عند التأمل بمعزل عن الصواب، وكيف لا والجري على هذا المنوال مما يسد باب التعليل بالاوصاف المناسبة للاحكام، ولا شك أنه لا يلزم من كون الشئ علامة على شئ أن لا يصح التصريح بكون الشئ الثاني علة للشئ الاول بجعل الشارع لما فيه من الوصف المناسب لذلك بل ذلك يصحح التصريح بكونه علة ولا يلزم منه تعليل الشئ بنفسه قطعا، ولنوضحه فيما نحن بصدده فنقول: قوله أنه رجس تعليل للتحريم وكون التحريم لا للتكريم علامة على نجاسة المحرم كما هنا يصحح التصريح بكونه نجسا علة لتحريمه لا أنه يمنع منه، وليس فيه تعليل النجاسة بالنجاسة بل تعليل التحريم الكائن لا للتكريم بوصف مناسب له قائم بالعين المحرمة وهو القذارة حثا على مكارم الاخلاق والتزام المروءة بمجانبة الاقذار والنزاهة ونظيره قوله تعالى * (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف أنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا) * (النساء: 22) فقوله إنه كان فاحشة ومقتا تعليل لتحريم نكاح منكوحات الآباء مع أن تحريم نكاحهن علامة على قبحه وكونه ممقوتا عند الله تعالى فلم يمنع ذلك من التصريح به علة له ا ه. وهو كما ترى في غاية الحسن، والتحقيق. وأما الجواب عن احتجاج أحمد، أما على الآية فهو أنها عامة خصتها السنة كذا أجاب النووي عنها في شرح المهذب. وأما عن حديث عبد الله بن عكيم فالاضطراب في متنه وسنده يمنع تقديمه على حديث ابن عباس رضي الله عنهما فإن الناسخ أي معارض فلا بد من مشاكلته في القوة ولذا قال به أحمد وقال: هو آخر الامرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تركه للاضطراب فيه. أما في السند فروى عبد الرحمن عن ابن عكيم كما قدمنا وروى أبو داود من جهة خالد الحذاء عن الحكم بن عتبة
[ 188 ]
- بالتاء فوق - عن عبد الرحمن أنه انطلق هو وناس إلى عبد الله بن عكيم قال: فدخلوا
ووقفت على الباب فخرجوا إلي فأخبروني أن عبد الله بن عكيم أخبرهم أنه عليه السلام كتب إلى جهينة الحديث. ففي هذا أنه سمع من الداخلين وهم مجهولون، وأما في المتن ففي رواية بشهر، وفي أخرى بأربعين يوما، وفي أخرى بثلاثة أيام، هذا مع الاختلاف في صحبة ابن عكيم. ثم كيف كان لا يوازي حديث ابن عباس الصحيح في جهة من جهات الترجيح؟ ثم لو كان لم يكن قطعيا في معارضته لان الاهاب اسم لغير المدبوغ وبعده يسمى شنا وأديما وما رواه الطبراني في الاوسط من لفظ هذا الحديث هكذا كنت رخصت لكم في جلود الميتة فلا تنتفعوا من الميتة بجلد ولا عصب في سنده فضالة بن مفضل مضعف. والحق أن حديث ابن عكيم ظاهر في النسخ لولا الاضطراب المذكور فإن من المعلوم أن أحدا لا ينتفع بجلد الميتة قبل الدباغ لانه حينئذ مستقذر فلا يتعلق النهي به ظاهرا. كذا في فتح القدير وفيه كلام من وجوه: الاول أنه ذكر أن الترمذي حسنه وقد قدمناه أيضا والحسن لا اضطراب فيه. الثاني أن قوله مع الاختلاف في صحبة ابن عكيم لا يقدح في حجيته لانه على تقدير كونه ليس صحابيا يكون الحديث مرسلا وأنتم تعملون به. الثالث أن قوله الحق أن حديث ابن عكيم ظاهر في النسخ الخ أخذا من قول الحازمي كما نقله الزيلعي المخرج عنه أنه قال: وطريق الانصاف أن حديث بن عكيم ظاهر الدلالة في النسخ ولكنه كثير الاضطراب غير مسلم لان أخبارنا مطلقة فيجوز أن يكون بعضها قبل وفاته صلى الله عليه وسلم بدون المدة المذكورة في حديث ابن عكيم على الاختلاف فيها، وبهذا صرح النووي في شرح المهذب. ويمكن الجواب عن الاول بما ذكره النووي أن الترمذي إنما حسنه بناء على اجتهاده وقد بين هو وغيره وجه ضعفه، وعن الثاني بأن هذا أعني كونه مرسلا صالح لان يجاب به على مذهب من يرى العمل بالمرسل لا أنه جواب عن حديث ابن عكيم على مقتضى مذهبنا. وأما الجواب عن احتجاج مالك فهو مخالف للنصوص الصحيحة التي قدمناها فإنها عامة في طهارة الظاهر والباطن، وأصرح من ذلك ما رواه البخاري من حديث سودة قالت: ماتت لنا شاة فدبغنا مسكها وهو جلدها فما زلنا ننتبذ فيه حتى صار شنا وهو حديث صحيح فإنه استعمل
في مائع وهم لا يجيزونه وإن كانوا يجيزون شرب الماء منه لان الماء لا يتنجس عندهم إلا بالتغير. وأما الجواب عن احتجاج الشافعي، إن قلنا بأن الكلب ليس بنجس العين وأن جلده يطهر بالدباغ فهو عموم الاحاديث الصحيحة المتقدمة فإنه يدخل في عمومها الكلب لان أي في الحديث نكرة وصفت بصفة عامة فتعم كما عرف في الاصول، وأما الخنزير فإنما خرج عن العموم لعارض ذكرناه، ولقد أنصف النووي حيث قال في شرح المهذب: واحتج أصحابنا بأحاديث لا دلالة فيها فتركتها لاني التزمت في خطبة الكتاب الاعراض عن الدلائل
[ 189 ]
الواهية ا ه. وإن قلنا إن الكلب كالخنزير فلا يحتاج إلى الجواب وقد قدمنا أن الدباغ جائز بكل ما يمنع النتن والفساد ولو ترابا أو ملحا. وقال الشافعي: لا يجوز بالشمس والتراب والملح لما رواه الدارقطني والبيهقي من حديث ابن عباس في شاة ميمونة قال: إنما حرم أكلها أو ليس في الماء والقرظ ما يطهرها؟ وهو حديث حسن ذكره النووي في شرح المهذب، ورواه أبو داود والنسائي في سننهما بمعناه عن ميمونة قال: يطهرها الماء والقرظ. ولنا ما تقدم من الاحاديث الصحيحة. فإن اسم الدباغ يتناول ما يقع بالتشميس والتتريب فلا يقيد بشئ ولان المقصود يحصل به فلا معنى لاشتراط غيره، وليس الحديث الذي استدل به الشافعي مما يقتضي الاختصاص بل المراد به ما في معناه بالاجماع، ولا يختص بما ذكر في الحديث. ثم عندنا يجوز بيع الجلد المدبوغ وينتفع به وهو قول الشافعي في الجديد وجمهور العلماء، وأما بيعه قبل الدباغ فقد نقل النووي في شرح المهذب أن أبا حنيفة يقول بجواز بيعه ورهنه كالثوب النجس وهو سهو منه فإن مذهب أبي حنيفة عدم جواز بيع جلود الميتة قبل الدباغ. ذكره في المحيط وشرح الطحاوي وكثير من الكتب وفي بعض الكتب ذكر خلافا. قال بعضهم إنه ملحق بالميتة، وبعضهم ألحقه بالخمر، فالظاهر منه الاتفاق على عدم الجواز. واعلم أن ما طهر جلده بالدباغ طهر بالذكاة لحمه وجلده، سواء كان مأكولا أو لا.
أما طهارة جلده فهو ظاهر المذهب كما في البدائع. وفي النهاية أنه اختيار بعض المشايخ. وعند بعضهم إنما يطهر جلده بالذكاة إذا لم يكن سؤره نجسا ا ه. وأما طهارة لحمه إذا كان غير مأكول فقد اختلف فيه فصحح في البدائع والهداية والتجنيس طهارته، وصحح في الاسرار والكفاية والتبيين نجاسته، وفي المعراج أنه قول المحققين من أصحابنا، وفي الخلاصة هو المختار واختاره قاضيخان، وفي التبيين أنه قول أكثر المشايخ. وأما المصنف فقد اختلف كلامه فصحح في الكافي نجاسته واختار في الكنز في الدبائح طهارته وسنتكلم عليها بدلائلها وبيان ما هو الحق ثمة إن شاء الله تعالى. لكن في كثير من الكتب أن الذكاة إنما توجب الطهارة في الجلد واللحم إذا كانت من الاهل في المحل وهو ما بين اللبة واللحيين وقد سمي بحيث لو كان مأكولا يحل أكله بتلك الذكاة فذبيحة المجوسي لا توجب الطهارة لانها إماتة وقد قدمنا عن معراج الدراية معزيا إلى المجتبى أن ذبيحة المجوسي وتارك التسمية
[ 190 ]
عمدا توجب الطهارة على الاصح وإن لم يكن مأكولا، وكذا نقل صاحب المعراج في هذه المسألة الطهارة عن القنية أيضا هنا وصاحب القنية هو صاحب المجتبى وهو الامام الزاهدي المشهور علمه وفقهه، ويدل على أن هذا هو الاصح أن صاحب النهاية ذكر هذا الشرط الذي قدمناه بصيغة قيل معزيا إلى فتاوى قاضيخان، وفي منية المصلي: السنجاب إذا أخرج من دار الحرب وعلم أنه مدبوغ بودك الميتة لا تجوز الصلاة عليه ما لم يغسل وإن علم أنه مدبوغ بشئ طاهر جاز وإن لم يغسل، وإن شك فالافضل أن يغسل ا ه. قوله: (وشعر الانسان والميتة وعظمهما طاهران) إنما ذكرهما في بحث المياه لافادة أنه إذا وقع في الماء لا ينجسه لطهارته عندنا، والاصل أن كل ما لا تحله الحياة من أجزاء الهوية محكوم بطهارته بعد موت ما هي جزؤه كالشعر والريش والمنقار والعظم والعصب والحافر والظلف واللبن والبيض الضعيف القشر والانفحة، لا خلاف بين أصحابنا في ذلك وإنما الخلاف بينهم في الانفحة واللبن هل هما متنجسان؟ فقالا نعم لمجاورتهما الغشاء النجس،
فإن كانت الانفحة جامدة تطهر بالغسل وإلا تعذر طهارتها. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: ليسا بمتنجسين وعلى قياسهما قالوا في السخلة إذا سقطت من أمها وهي رطبة فيبست ثم وقعت في الماء لا تنجس لانها كانت في معدنها. كذا في فتح القدير. وفي إدخال العصب في المسائل التي لا خلاف فيها نظر، فقد صرحوا أن في العصب روايتين، وصرح في السراج الوهاج أن الصحيح نجاسته إلا أن صاحب الفتح تبع صاحب البدائع. فالتحرير ما في غاية البيان أن أجزاء الميتة لا تخلوا إما أن يكون فيها دم أو لا، فالاولى كاللحم نجسة، والثانية ففي غير الخنزير والآدمي ليس بنجسة إن كانت صلبة كالشعر والعظم بلا خلاف، وأما الانفحة المائعة واللبن فكذلك عند أبي حنيفة، وعندهما نجس. وأما الآدمي ففيه روايتان: في رواية نجسة فلا يجوز بيعها ولا الصلاة معها إذا كانت أكثر من قدر الدرهم وزنا أو عرضا، وفي رواية طاهرة لعدم الدم وعدم جواز البيع للكرامة، وأما العصب ففيه
[ 191 ]
روايتان: إحداهما أنه طاهر لانه عظم، والاخرى أنه نجس لان فيه حياة والحس يقع به ا ه. وأما الخنزير فشعره وعظمه وجميع أجزائه نجسة ورخص في شعره للخرازين للضرورة لان غيره لا يقوم مقامه عندهم. وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه كره لهم ذلك أيضا ولا يجوز بيعه في الروايات كلها، وإن وقع شعره في الماء القليل نجسه عند أبي يوسف، وعند محمد لا ينجس. وإن صلى معه جاز عند محمد، وعند أبي يوسف لا يجوز إذا كان أكثر من قدر الدرهم، واختلفوا في قدر الدرهم قيل وزنا وقيل بسطا كذا في السراج الوهاج. وذكر السراج الهندي أن قول أبي يوسف بنجاسته هو ظاهر الرواية وصححه في البدائع ورجحه في الاختيار. وفي التجنيس: لا بأس ببيع عظام الموتى لانه لا يحل العظام الموت وليس في العظام دم فلا تتنجس فيجوز بيعها إلا بيع عظام الآدمي والخنزير ا ه. وفي المحيط: إن عظم الميتة إذا كان عليه دسومة ووقع في الماء نجسه. وفي السراج الوهاج: شعر الميتة إنما يكون طاهرا إذا كان محلوقا أو مجزوزا وإن كان منتوفا فهو نجس، وكذا شعر الآدمي على هذا
التفصيل. وعن محمد في نجاسة شعر الآدمي وظفره وعظمه روايتان الصحيح منهما الطهارة. وفي النهاية: واختلف في السن هل هو عظم أو طرف عصب يابس لان العظم لا يحدث في الانسان بعد الولادة، وقيل هو عظم. وما وقع في الذخيرة وغيرها من أن أسنان الكلب إذا كانت يابسة طاهرة وأسنان الآدمي نجسة بناء على أن الكلب يطهر بالذكاة وما يطهر بها فعظمه طاهر بخلاف الآدمي فضعيف، فإن المصرح به في البدائع والكافي وغيرهما بأن سن الآدمي طاهرة على ظاهر المذهب وهو الصحيح. وعلل له البدائع بأن لا دم فيها والمنجس هو الدم ولانه يستحيل أن تكون طاهرة من الكلب نجسة من الآدمي المكرم إلا إنه لا يجوز بيعها ويحرم الانتفاع بها احتراما للآدمي كما إذا طحن سن الآدمي مع الحنطة أو عظمه لا يباح تناول الخبز المتخذ من دقيقهما لا لكونه نجسا بل تعظيما له كيلا يصير متناولا من أجزاء الآدمي. كذا هذا، وكذا ذكر في المبسوط والنهاية والمعراج. وعلى هذا ما ذكر في التنجيس رجل قطعت أذنه أو قلعت سنه فأعاد أذنه إلى مكانها أو سنه الساقط إلى مكانها فصلى أو صلى وأذنه أو سنه في كمه يجزيه لان ما ليس بلحم لا يحله الموت فلا يتنجس بالموت ا ه.
[ 192 ]
لكن ما ذكره في السن مسلم، أما الاذن فقد قال في البدائع: ما أبين من الحي من الاجزاء إن كان المبان جزءا فيه دم كاليد والاذن والانف ونحوها فهو نجس بالاجماع، وإن لم يكن فيه دم كالشعر والصوف والظفر فهو طاهر عندنا خلافا للشافعي ا ه. لكن في فتاوى قاضيخان والخلاصة: ولو قلع إنسان سنه أو قطع أذنه ثم أعادهما إلى مكانهما أو صلى وسنه أو أذنه في كمه تجوز صلاته في ظاهر الرواية ا ه. فهذا يقوي ما في التجنيس. وفي السراج الوهاج: وإن قطعت أذنه قال أبو يوسف: لا بأس بأن يعيدها إلى مكانها، وعندهما لا يجوز ا ه. وبما ذكرناه عن الفتاوى يندفع ما ذكر في بعض الحواشي أنه لو صلى وهو حامل سن غيره أو حامل سن نفسه ولم يضعها في مكانها تفسد صلاته اتفاقا كما لا يخفى، وكذا ذكر
في المعراج أنه لو صلى وهو حامل سن غيره لا يجوز بالاتفاق وفيه من النظر ما علمت. وفي الخلاصة وفتاوى قاضيخان والتجنيس والمحيط: جلد الانسان إذا وقع في الماء أو قشره إن كان قليلا مثل ما يتناثر من شقوق الرجل ونحوه لا يفسد الماء، وإن كان كثيرا يعني قدر الظفر يفسد والظفر لا يفسد الماء ا ه. وعلل له في التجنيس بأن الجلد والقشر من جملة لحم الآدمي والظفر عصب وهذا كله مذهبنا. وقال الشافعي: الكل نجس إلا شعر الآدمي لقوله تعالى * (حرمت عليكم الميتة) * (المائدة: 3) وهو عام للشعر وغيره. ولنا أن المعهود فيها حالة الحياة الطهارة وإنما يؤثر الموت النجاسة فيما يحله ولا تحلها الحياة فلا يحلها الموت، وإذا لم يحلها وجب الحكم ببقاء الوصف الشرعي المعهود لعدم المزيل. وفي السنة أيضا ما يدل عليه وهو قوله عليه السلام في شاة مولاة ميمونة حين مر بها ميتة إنما حرم أكلها في الصحيحين. وفي لفظ إنما حرم عليكم لحمها ورخص لكم في مسكها. وفي الباب حديث الدارقطني إنما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الميتة لحمها فأما الجلد والشعر والصوف فلا بأس وهو وإن أعله بتضعيف عبد الجبار بن مسلم فقد ذكره ابن حبان في الثقاة فهو لا ينزل عن درجة الحسن، وأخرجه الدارقطني من طريق أخرى وضعفها، ومن طريق أخرى بمعناه ضعيفة. وأخرج البيهقي أنه عليه السلام كان يتمشط بمشط من عاج وضعفه، فهذه عدة أحاديث لو كانت ضعيفة حسن المتن فكيف ومنها ما لا ينزل عن الحسن وله الشاهد الاول؟
[ 193 ]
كذا في فتح القدير مختصرا. وفي البدائع: لاصحابنا طريقان: أحدهما أن هذه الاشياء ليست بميتة لان الميتة من الحيوانات في عرف الشرع اسم لما زالت حياته لا بصنع أحد من العباد أو بصنع غير مشروع ولا حياة في هذه الاشياء فلا تكون ميتة. والثاني أن نجاسة الميتات ليست لاعيانها بل لما فيها من الدماء السائلة والرطوبات النجسة ولم توجد في هذه الاجزاء ا ه. وقد اقتصر في الهداية على الطريقة الاولى، وفي غاية البيان على الثانية، ولا يخفى أن الطريقة المذكورة في الهداية لا تجري في العصب لان فيه حياة لما فيه من الحركة، ألا ترى أنه يتألم
الحي بقطعه بخلاف العظم فإن قطع قرن البقرة لا يؤلمها فدل أنه ليس في العظم حياة. كذا في النهاية. ولهذا كان فيه روايتان، فالاولى هي الطريقة الثانية وعليها لا يحتاج إلى الجواب عن قوله تعالى * (قال من يحيى العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة) * [ يس: 79 ] فإن هذه الاشياء من الميتات إلا أن نجاسة الميتات إنما هي لما فيها من الدماء والرطوبات والعصب صقيل لا يتصور فيه ذلك، وكذا في العظم والشعر. وأما الجواب عن الآية على الطريقة الاولى فمن ثلاثة أوجه: الاول ما ذكره في الكشاف بقوله: ولقد استشهد بهذ الآية من يثبت الحياة في العظام ويقول إن عظام الموتى نجسة لان الموت يؤثر فيها من قبل أن الحياة تحلها، وأما أصحاب أبي حنيفة رحمهم الله فهي عندهم طاهرة وكذلك الشعر والعصب ويزعمون أن الحياة لا تحلها فلا يؤثر فيها الموت ويقولون المراد بإحياء العظام في الآية ردها إلى ما كانت عليه غضة رطبة في بدن حي حساس ا ه. ولا يتوهم أن صاحب الكشاف لم يرتض ما ذكره عن الحنفية بدليل قوله يزعمون لان زعم مطية الكذب كما قيل لانا لا نسلم أن زعم خاص في الباطل بل يستعمل تارة فيه وتارة في الحق. فمن الاول قوله تعالى * (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا) * (التغابن: 7) ومن الثاني قوله من حديث مسلم زعم رسولك أن الله افترض علينا خمس صلوات صرح به النووي في شرح مسلم وأطال الكلام فيه. والثاني أن المراد بالعظام النفوس كما في معراج الدراية وحينئذ يعود الضمير في قوله وهي رميم إلى العظام الحقيقية على طريقة الاستخدام لان من أقسامه كما عرف في علم البديع أن يراد بلفظ له معنيان أحدهما ثم يؤتي بعده بضمير يعود في اللفظ عليه وفي المعنى على معناه الآخر كقول معاوية بن أبي ملك: إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا فإنه أراد بالسماء المطر وأراد بالضمير في رعيناه النبات والنبات أحد معنى السماء لانه مجاز عنه باعتبار أن المطر سببه وسوغ له عود الضمير إلى النبات وإن لم يكن تقدم له ذكر
[ 194 ]
لتقدم ذكر سببه وهو السماء التي أريد بها المطر فكذلك ما نحن فيه، فإن العظام له معنيان: أحدهما مراد وهو النفوس مجازا من إطلاق البعض وإرادة الكل، والمعنى الآخر وهو العظام الحقيقية غير مراد. ثم الضمير في قوله وهي رميم يعود إلى العظام بالمعنى الغير المراد لا بالمعنى المراد وهو النفوس فكان من باب الاستخدام. هذا ما ظهر لي. الثالث ما ذكره في غاية البيان والعناية أن المراد أصحاب العظام على تقدير مضاف. فإن قلت: المفهوم من الآية إحياؤها في الآخرة وأحوالها لا تناسب أحوال الدنيا قلنا: سوق الكلام صريح في الرد على من أنكر عادتها في الآخرة إلى ما كانت عليه في الدنيا بعد أن صارت بالية خالية عن استعداد العود إليها في زعمهم، وقد استدل بعض مشايخنا لغير العظم ونحوه بقوله تعالى * (ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين) * ووجه الدلالة عموم الآية فإن الله تعالى من علينا بأن جعل لنا الانتفاع ولم يخص شعر الميتة من المذكاة فهو عموم إلا أن يمنع منه دليل. وأيضا فإن الاصل كونها طاهرة قبل الموت بإجماع، ومن زعم أنه انتقل إلى نجاسة فعليه البيان. فإن قيل: حرمت عليكم الميتة وذلك عبارة عن الجملة قلنا: نخصه بما ذكرنا فإنه منصوص عليه في ذكر الصوف وليس في آيتكم ذكر الصوف صريحا فكان دليلنا أولى. كذا ذكر القرطبي في تفسيره وذكر أن الصوف للغنم والوبر للابل والشعر للمعز. وقد أجاب الاتقاني في غاية البيان أيضا عن استدلالهم بقوله تعالى * (حرمت عليكم الميتة) * (المائدة: 3) بأنا لا نسلم أن المراد منه حرمة الانتفاع، فلم لا يجوز أن يكون المراد منه حرمة الاكل بدليل ما رويناه في حديث مولاة ميمونة؟ ولئن قال الشافعي في بعض هذه الاشياء رطوبة فنقول نحن نقول أيضا بنجاسته إذا بقيت الرطوبة، وكلامنا فيما إذا لم تبق الرطوبة في العظم والحافر والظلف ونحوه وإذا غسل الشعر ونحوه وأزيل عنه الدم المتصل والرطوبة النجسة. ولئن قال الشعر ينمو بنماء الاصل فنقول: نعم ينمو لكن لا نسلم أن النماء يدل على الحياة الحقيقية كما في النبات والشجر. وقوله بنماء الاصل غير مسلم أيضا لانه ينمو مع نقصان الاصل كما إذا هزل الحيوان بسبب مرض فطال شعره ا ه. وقد وقع في الهداية تعريف
الموت بزوال الحياة فقال في كشف الاسرار شرح أصول فخر الاسلام من باب الاهلية: الموت عند أهل السنة أمر وجودي لانه ضد الحياة لقوله تعالى * (خلق الموت والحياة) * (الملك: 2) وعند المعتزلة: هو زوال الحياة فهو أمر عدمي. وتفسير صاحب الهداية بزوال الحياة تفسير بلازمه. كذا نقل عن العلامة شمس الائمة الكردري ا ه. وهكذا أوله في الكافي. وذكر في معراج الدراية أن الموت ضد الحياة والضدان صفتان وجوديتان يتعاقبان على موضوع
[ 195 ]
واحد ويستحيل اجتماعهما ويجوز ارتفاعهما، وزوال الحياة ليس بضد الحياة كما أن زوال السكون ليس بضد السكون فكان هذا تعريفا بلازمه ا ه. وتعقبه في غاية البيان بأنا لا نسلم أن زوال الحياة ليس بضد لها، وكيف يقال هذا وزوال الحياة مع الحياة لا يجتمعان؟ وليس معنى التضاد إلا هذا ولا نسلم أن زوال الحياة ليس بوجودي فهل لزوال الحياة وجود أم لا؟ فإن قلت نعم فيكون زوال الحياة وجود يا، وإن قلت لا فيكون حينئذ زوال الحياة حياة وهو محال لان عدم زوال الحياة عبارة عن الحياة ا ه. ولا يخفى ضعفه لان الموت نفس زوال الحياة لا عدم زوالها ولا يلزم من كون نقيض الشئ عدميا أن يكون عدم عدمه حتى يكون نفي النفي فيكون اثباتا. وأما جعله زوال الحياة ضدا لها فغير مسلم لان التضاد الحقيقي هو أن يكون بين الموجودين اللذين يمكن تعقل أحدهما مع الذهول عن الآخر تعاقب على الموضوع ويكون بينهما غاية الخلاف وهي ما يكون مقتضى كل منهما مغاير المقتضى الآخر كالسواد والبياض فإن مقتضى أحدهما قبض البصر ومقتضى الثاني تفريقه، ولا شك أن زوال الحياة عدمي فلا يكون ضدا لها وإنما يكون بينهما تقابل العدم والملكة، وقد ذكر بعض الاصوليين في شرح المغني أن هذا الفرق إنما هو على اصطلاح أهل العقول، أما على اصطلاح الاصوليين فالضد ما يقابل الشئ ويكون بينهما غاية الخلاف، سواء كانا وجوديين أو أحدهما وجودي والآخر عدمي. وقد اختار صاحب الكشاف أن الموت عدمي فقال: والحياة ما يصح بوجوده الاحساس، وقيل ما يوجب كون
الشئ حيا وهو الذي يصح منه أن يعلم ويقدر والموت عدم ذلك فيه، ومعنى خلق الموت والحياة إيجاد ذلك المصحح وإعدامه. قال الطيبي رحمه الله في حاشيته: قوله والموت عدم ذلك فيه الانتصاف لمذهب القدرية أن الموت عدم واعتقاد السنية أنه أمر وجودي ضاد الحياة، وكيف يكون عدميا وقد وصف بكونه مخلوقا وعدم الحوادث أزلي، ولو كان المعدوم مخلوقا لزم وقوع الحوادث أزلا وهو ظاهر البطلان. وقال صاحب الفوائد: لو كان الموت عدم الحياة استحال أن يكون مخلوقا وقد قال بعد ذلك: معنى خلق الموت والحياة إيجاد ذلك المصحح وإعدامه، وهذا أيضا منظور فيه. وقال الامام: هي الصفة التي يكون الموصوف بها بحيث يصح أن يعلم ويقدر. واختلفوا في الموت قبل إنه عبارة عن عدم هذه الصفة، وقيل صفة وجودية مضادة للحياة لقوله تعالى * (الذي خلق الموت والحياة) * (الملك: 2) والعدم لا يكون مخلوقا. هذا هو التحقيق إلى هنا كلام الطيبي رحمه الله تعالى. وقال الامام القرطبي في تفسيره قال العلماء رضي الله عنهم: الموت ليس بعدم محض ولا فناء صرف وإنما هو تعلق
[ 196 ]
الروح بالبدن ومفارقته وحيلولة بينهما وتبدل حال وانتقال من دار إلى دار والحياة عكس ذلك، ونقل أقوالا فيهما لا نطيل بذكرها. والحاصل أن مذهب أهل السنة أن الموت أمر وجودي كالحياة، ومذهب المعتزلة كما في الكشف أو القدرية كما في الحاشية أنه عدمي، وعلى كل منهما لا نزاع في أن الموت يكون بعد الحياة إذ ما لم يسبق له حياة لا يوصف بالموت حقيقة في اللغة والعرف، ولهذا قال السيد الشريف في شرح المواقف بعد تفسير الموت بعدم الحياة عما من شأنه أن يكون حيا: والاظهر أن يقال عدم الحياة عما اتفق لها ا ه. لكن قد يقال يحتاج حينئذ إلى الجواب عن قوله تعالى * (وكنتم أمواتا فأحياكم) * (البقرة: 28) وفي الكشاف: فإن قلت كيف قيل لهم أموات في حال كونهم جمادا وإنما يقال ميت فيما يصح فيه الحياة من الشئ؟ قلت: بل يقال ذلك في حال كونهم جمادا لعادم الحياة كقوله * (بلدة ميتا) * (الفرقان: 49) * (وآية لهم الارض الميتة) * (يس: 33) * (أموات غير
أحياء) * (النحل: 21) ويجوز أن يكون استعارة في اجتماعهما في أن لا روح ولا احساس ا ه. وقرر القطب في حاشيته الاستعارة بأن يشبه الجماد بالميت في عدم الروح ثم استعير اللفظ والله أعلم تتمة نافجة المسك طاهرة مطلقا على الاصح. قوله: (وتنزح البئر بوقوع نجس) لما ذكر حكم الماء القليل بأنه يتنجس كله عند وقوع النجاسة فيه حتى يراق كله ورد عليه ماء البئر نقضا في أنه لا ينزح كله في بعض الصور فذكر أحكامه. قال الشارحون ومنهم المصنف في المستصفى: إن المراد بنزح البئر نزح مائها إطلاقا لاسم المحل على الحال كقولهم جرى الميزاب وسال الوادي وأكل القدر والمراد ما حل فيها للمبالغة في إخراج جميع الماء. والمراد بالبئر هنا هي التي لم تكن عشرا في عشر، أما إذا كانت عشرا في عشر لا تنجس بوقوع نجس إلا بالتغير كما يفيده ما سنذكره. والمراد بالنجس هنا هو الذي ليس حيوانا كالدم والبول والخمر، وأما أحكام الحيوان الواقع فيها فسنذكرها مفصلة. وبهذا يظهر ضعف ما في التبيين من أن المصنف أطلق ولم يقدر بشئ لانه لم يعين ما وقع فيها من النجاسة فأي نجس وقع فيها يوجب نزحها وإنما ينجس ماء البئر كله بقليل النجاسة لان البئر عندنا بمنزلة الحوض الصغير تفسد بما يفسد به الحوض الصغير إلا أن يكون عشرا في عشر. كذا في فتاوى قاضيخان. وفي التفاريق عن أبي حنيفة وأبي يوسف: البئر لا تنجس كالماء الجاري البئر إذا لم تكن عريضة وكان عمق مائها عشرة أذرع فصاعدا فوقعت النجاسة فيها لا يحكم بنجاستها في أصح الاقاويل ا ه. وعزاه في القنية إلى شرح صدر القضاة، وذكر ابن وهبان أنه مخالف لما أطلقه جمهور الاصحاب. كذا في شرح منية المصلي. ولا يخفى أن هذا التصحيح لو ثبت لانهدمت مسائل أصحابنا المذكورة في كتبهم وقد عللوا بأن البئر لما وجب إخراج النجاسة منها ولا يمكن إخراجها منها إلا بنزح كل مائها
[ 197 ]
وجب نزحه لتخرج النجاسة معه حقيقة، لكن قال في السراج الوهاج: ولو وقعت في البئر خشبة نجسة أو قطعة من ثوب نجس وتعذر إخراجها وتغيبت فيها طهرت الخشبة والقطعة
من الثوب تبعا لطهارة البئر. وعزاه إلى الفتاوى. وفي المجتبى ومعراج الدراية: ونزحه أن يقل حتى لا يمتلئ الدلو منه أو أكثره ا ه. أي ونزح ماء البئر لكن هذا إنما يستقيم فيما إذا كانت البئر معينا لا تنزح وأخرج منها المقدار المعروف، أما إذا كانت غير معين فإنه لا بد من إخراجها لوجوب نزح جميع الماء. ثم البئر مؤنثة مهموزة ويجوز تخفيف همزها وهي مشتقة من بأرت أي حفرت وجمعها في القلة أبؤر وأبآر بهمزة بعد الباء فيهما، ومن العرب من يقلب الهمزة في أبآر وينقل فيقول آبار وجمعها في الكثرة بآر بكسر الباء بعدها همزة. كذا ذكر النووي في شرح مسلم من كتاب الايمان والاسلام. واعلم أن مسائل الآبار مبنية على اتباع الآثار دون القياس فإن القياس فيها إما أن لا تطهر أصلا كما قال بشر لعدم الامكان لاختلاط النجاسة بالاوحال والجدران والماء ينبع شيئا فشيئا، وإما أن لا تتنجس اسقاطا لحكم النجاسة حيث تعذر الاحتراز أو التطهير كما نقل عن محمد أنه قال: اجتمع رأيي ورأي أبي يوسف أن ماء البئر في حكم الجاري لانه ينبع من أسفله ويؤخذ من أعلاه فلا يتنجس كحوض الحمام. قلنا: وما علينا أن ننزح منها دلاء أخذا بالآثار ومن الطريق أن يكون الانسان في يد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم كالاعمى في يد القائد. كذا في فتح القدير وغيره من الشروح، وفي البدائع بعد ما ذكر القياسين قال: إلا أنا تركنا القياسين الظاهرين بالخبر والاثر وضرب من الفقه الخفي. أما الخبر فما روى أبو جعفر الاستروشني بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الفأرة تموت في البئر ينزح منها عشرون، وفي رواية ثلاثون. وعن أبي سعيد الخدري أنه قال في دجاجة ماتت في البئر ينزح منها أربعون دلوا. وعن ابن عباس وابن الزبير أنهما أمرا بنزح جميع ماء زمزم حين مات فيها زنجي وكان بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليهما أحد فانعقد الاجماع عليه. وأما الفقه الخفي فهو أن في هذه الاشياء دما مسفوحا وقد تشرب في أجزائها عند الموت فنجسها وقد جاور هذه الاشياء الماء والماء يتنجس أو يفسد بمجاورة النجس لان الاصل أن ما جاور النجس نجس بالشرع. قال صلى الله عليه وسلم في الفأرة تموت في السمن الجامد يقور
ما حولها ويلقى وتؤكل البقية. فقد حكم النبي صلى الله عليه وسلم بنجاسة جار النجس، وفي الفأرة ونحوها ما يجاورها من الماء مقدار ما قدره أصحابنا وهو عشرون دلوا أو ثلاثون لصغر
[ 198 ]
جثتها. فحكم بنجاسة هذا القدر من الماء لان ما وراء هذا القدر لم يجاور الفأرة بل جاورها ما جاور الفأرة، والشرع ورد بتنجيس جار الخبث لا بتنجيس جار جار النجس، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بطهارة جار السمن الذي جاور الفارة، وحكم بنجاسة ما جاور الفارة، وهذا لان جار جار النجس لو حكم بنجاسته لحكم أيضا بنجاسة ما جاور جار النجس ثم هكذا إلى ما لا نهاية له، فيؤدي إلى أن قطرة من بول أو فارة لو وقعت في بحر عظيم أن يتنجس جميع مائه لاتصال بين أجزائه وذلك فاسد. وفي الدجاجة والسنور وأشباه ذلك المجاورة أكثر لزيادة ضخامة في جثتها فقدر بنحاسة ذلك القدر والآدمي وما كان جثته مثل جثته كالشاة ونحوها مجاور جميع الماء في العادة لعظم جثته فيوجب تنجيس جميع الماء، وكذا إذا تفسخ شئ من هذه الواقعات أو انتفخ لان عند ذلك تخرج البلة منها لرخاوة فيها فتجاور جميع أجزاء الماء وقبل ذلك لا يجاور إلا قدر ما ذكرنا لصلابة فيها، ولهذا قال محمد: إذا وقع في البئر ذنب فأرة ينزح جميع الماء لان موضع القطع لا ينفك عن بلة فيجاور أجزاء فيفسدها ا ه. وهذا تقرير حسن لو لم يكن مخالفا لعامة كتب أصحابنا فإنها مصرحة بأن مسائل الآبار ليس للرأي فيها مدخل، وما ذكره خلافه. كذا تعقبه شارح المنية. والذي ظهر لي أن ما ذكره في البدائع لا يخالف ما صرحوا به لانه ذكر أن هذا معنى خفي فقهي لا قياس جلي ولا يكون من قبيل الرأي إلا القياس الجلي. وأما القياس الخفي فهو المسمى بالاستحسان إن قال في التوضيح: القياس جلي وخفي. فالخفي يسمى بالاستحسان لكنه أعم من القياس الخفي فإن كل قياس خفي استحسان وليس كل استحسان قياسا خفيا لان الاستحسان قد يطلق على غير القياس الخفي أيضا لكن الغالب في كتب أصحابنا أنه إذا ذكر الاستحسان أريد به القياس الخفي، وهو دليل يقابل القياس الجلي الذي يسبق إليه الافهام وهو حجة عندنا لان ثبوته
بالدلائل التي هي حجة إجماعا لانه إما بالاثر كالسلم والاجارة وبقاء الصوم في النسيان، وإما بالاجماع كالاستصناع، وإما بالضرورة كطهارة الحياض والآبار. وأما بالقياس الخفي إلى آخر ما ذكر في أصول الفقه وكذا في كثير من كتب الاصول، فظهر بهذا أن طهارة الآبار بالنزح إنما ثبتت بالقياس الخفي الذي ثبت بالضرورة. قوله: (لا ببعرتي إبل وغنم) أي لا ينزح ماء البئر بوقوع بعرتي إبل وغنم فيها وهذا استحسان، والقياس أن يتنجس الماء مطلقا لوقوع النجاسة في الماء القليل كالاناء. وذكر للاستحسان طريقتان: الاولى واختارها صاحب الهداية مقتصرا عليها أن آبار الفلوات ليس
[ 199 ]
لها رؤوس حاجزة المواشي تبعر حولها ويلقيها الريح فيها فجعل القليل عفوا للضرورة ولا ضرورة في الكثير، ولا فرق على هذا بين الرطب واليابس، والصحيح والمنكسر، والروث والبعر والخنثى، لان الضرورة تشمل الكل. وقد صرح في غاية البيان بأنه ظاهر الرواية يعارضه ما ذكره السرخسي أن الروث والمفتت من البعر مفسد في ظاهر الرواية. وعن أبي يوسف إن قليله عفو قال: وهو الاوجه. وظاهر هذه الطريقة أن هذا الحكم مختص بآبار الفلوات، وأما الآبار التي في المصر فتنجس بالقليل منه لان لها رؤوسا حاجزة فيقع الامن عن الوقوع فيها وقد صرح به في البدائع لكن في غاية البيان ذكر أنه لا فرق بينهما على هذه الطريقة فقال: واختلف المشايخ في البئر إذا كانت في المصر، والصحيح عدم الفرق لشمول الضرورة في الجملة ا ه. فاعتبر الضرورة في الجملة وكذا في التبيين. والطريقة الثانية أن لليابس صلابة فلا يختلط شئ من أجزائه بأجزاء الماء فهذه تقتضي أن الرطب والمنكسر والروث والخثي ينجس الماء، وظاهرها عدم الفرق بين آبار الفلوات والامصار كما هو مذكور في البدائع، وكذا ظاهرها أن الكثير من اليابس الصحيح لا ينجس كالقليل وبه قال الحسن بن زياد، لكن الصحيح أن الكثير ينجس الاناء وماء البئر على الطريقتين: أما على الاولى فلما بينا أنه لا ضرورة في الكثير، وأما على الثانية فلانها إذا كثرت تقع المماسة بينها فيصطك البعض بالبعض فتتفتت
أجزاؤها فتتنجس، إليه أشار في البدائع. وظاهرها أيضا أنه لا فرق بين البئر والاناء في عدم التنجيس بالقليل، وعلى الطريقة الاولى بينهما فرق لان الضرورة في البئر لا في الاناء كذا في الكافي - بخلاف بعر الشاة إذا وقع منها في المحلب وقت الحلب فإنه ترمي البعرة ويشرب اللبن على الطريقتين، أما على الثانية فظاهر، وأما على الاولى فلمكان الضرورة. كذا في الهداية وقيده في النهاية وغاية البيان والمعراج بكونها رميت على الفور ولم يبق لونها على اللبن، وكذا في فتح القدير معللا له بأن الضرورة تتحقق في نفس الوقوع لانها تبعر عند الحلب عادة لا فيما وراءه وذلك بمرأى منه. واختلفوا في حد الكثير على أقوال صحح منها قولان، فصحح في النهاية أنه ما لا يخلو لو عن بعرة وعزاه إلى المبسوط، وصحح في البدائع والكافي لمصنف وكثير من الكتب أن الكثيرة ما يستكثره الناظر والقليل ما يستقله. وفي معراج الدراية وعليه الاعتماد. قال في العناية: وإنما قال وعليه الاعتماد لان أبا حنيفة لا يقدر شيئا بالرأي في مثل هذه المسائل التي تحتاج إلى التقدير فكان هذا موافقا لمذهبه ا ه. فظهر بهذا أن ما ذكره في المتن من أن البعرتين لا ينجسان للاشارة إلى أن الثلاث تنجس إنما هو على قول ضعيف مبني على ما وقع
[ 200 ]
في الجامع الصغير من قوله: فإن وقعت فيها بعرة أو بعرتان لم يفسد الماء. فدل على أن الثلاث تفسد بناء على أن مفهوم العدد في الرواية معتبر وإن لم يكن معتبرا في الدلائل عندنا على الصحيح، وهذا الفهم إنما يتم لو اقتصر محمد في الجامع الصغير على هذه العبارة ولم يقتصر عليها فإنه قال: إذا وقعت بعرة أو بعرتان في البئر لا يفسد ما لم يكن كثيرا فاحشا والثلاث ليس بكثير فاحش. كذا نقل عبارة الجامع في المحيط وغيره، ولو جعل قائل الحد الفاصل بين القليل والكثير أن ما غير أحد أوصاف الماء كان كثيرا وما لم يغيره يكون قليلا لكان له وجه. كذا في شرح منية المصلي. وبعر يبعر من حد منع، والروث للفرس والحمار من راث. يقال من حد نصر والخثي بكسر الخاء واحد الاخثاء للبقر. يقال من باب ضرب كذا في فتح القدير وغيره. قوله: (وخرء حمام وعصفور) أي لا ينزح ماء البئر بوقوع خرء حمام وعصفور فيها.
والخرء بالفتح واحد الخرء بالضم مثل قرء وقروء. وعن الجوهري أنه بالضم كجند وجنود. والواو بعد الراء غلط كذا في المغرب. وإنما لا ينزح ماؤها منه لانه ليس بنجس عندنا على ما اختاره في الهداية وكثير من الكتب. وذكر في النهاية ومعراج الدراية اختلاف المشايخ في نجاسته وطهارته مع اتفاقهم على سقوط حكم النجاسة لكن عند البعض السقوط من الاصل للطهارة وعند آخرين للضرورة ا ه. ولم يذكر إفادة هذا الاختلاف. وقال الشافعي: نجس وهو القياس لانه استحال إلى نتن وفساد فأشبه خرء الدجاج. ولنا الاجماع العملي فإنها في المسجد الحرام مقيمة من غير نكير من أحد من العلماء مع العلم بما يكون منها مع ورود الامر بتطهير المساجد فيما رواه ابن حبان في صحيحه وأحمد وأبو داود وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب. وعن سمرة رضي الله عنه أنه كتب إلى بنيه: أما بعد فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا أن نضع المساجد في دورنا ونصلح صنعتها ونطهرها. رواه أبو داود وسكت عليه ثم المنذري بعده. كذا ذكره الحافظ الزيلعي. وروى أبو أمامة الباهلي أن النبي صلى الله عليه وسلم شكر الحمامة فقال: أنها أوكرت علي باب الغار فجزاها الله تعالى بأن جعل المساجد مأواها، فهذا دليل طهارة خرئها. وعن ابن مسعود أنه خرأت عليه حمامة فمسحها بأصبعه، وكذلك عمر رضي الله عنه زرق عليه طير فمسحه بحصاة ثم صلى. كذا في معراج الدراية والنهاية. وأما ما ذكره من الاستحالة فهي لا إلى نتن رائحة فأشبه الطين الذي في قعر البئر فإن فيه الفساد أيضا وليس بنجس لانه لا إلى
[ 201 ]
نتن رائحة ويشكل هذا بالمني على قوله: قال في النهاية ثم الاستحالة إلى فساد لا توجب النجاسة لا محالة فإن سائر الاطعمة إذا فسدت لا تنجس به لان التغير إلى الفساد لا يوجب النجاسة ا ه. وبهذا يعلم ضعف ما ذكره في الخزانة من أن الطعام إذا تغير واشتد تغيره تنجس، وإن حمل ما في النهاية على ما إذا لم يشتد تغيره ليجمع بينهما فهو بعيد. والظاهر ما في النهاية لانه لا موجب لتنجيسه وإنما حرم أكله في هذه الحالة للايذاء لا للنجاسة كاللحم
إذا أنتن قالوا: يحرم أكله ولم يقولوا تنجس بخلاف السمن واللبن والدهن والزيت إذا أنتن لا يحرم والاشربة لا تحرم بالتغير كذا في الخزانة. وأشار المصنف رحمه الله بقوله خرء حمام وعصفور إلى خرء ما يؤكل كل لحمه من الطيور احترازا عما لا يؤكل لحمه منها فإن خرأه نجس، وسنذكره صريحا في باب الانجاس. والصحيح أنه طاهر كخرء مأكول اللحم منها. ذكره في المبسوط وصحح قاضيخان في شرح الجامع الصغير نجاسته، وسنتكلم عليه إن شاء الله تعالى في باب الانجاس. قوله: (وبول ما يؤكل نجس) إنما ذكرها هنا وإن كان محلها باب الانجاس لبيان أنه إذا وقع في البئر نجس ماءها، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد رحمه الله: طاهر فلا ينزح الماء من وقوعه إلا إذا غلب على الماء فيخرج من أن يكون طهورا لما رواه الائمة الستة في كتبهم من حديث أنس أن ناسا من عرينة اجتووا المدينة فرخص لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتوا إبل الصدقة ويشربوا من ألبانها وأبوالها فقتلوا الراعي واستاقوا الذود فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم بالحرة يعضون الحجارة. وفي رواية مسلم: لد الحدود وتركهم في الحرة يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا. وفي رواية متفق عليها أنهم ثمانية كذا في فتح القدير. وعرنة واد بحذاء عرفات وبتصغيرها سميت عرينة وهي قبيلة ينسب إليها العرنيون. وإنما سقطت ياء التصغير عند النسبة لما أن ياء فعيلة وفعيلة يسقطان عند النسبة قياسا مطردا فيقال حنفي ومدني وجهني وعقلي في حنيفة ومدينة وجهينة وعقيلة. كذا في المغرب وغيره. وقوله اجتووها هو بالجيم والمثناة فوق ومعناه استوخموها كما فسرها في الرواية الآخرى أي لم توافقهم وكرهوها لسقم أصابهم. قالوا: وهو مشتق من الجوى وهو داء في الجوف،. ومعنى سمر أعينهم بالراء كحلها بمسامير وفي بعض الروايات سمل باللام بمعنى فقأها
[ 202 ]
وأذهب ما فيها. كذا ذكر النووي في شرح مسلم من القصاص ولهما قوله صلى الله عليه وسلم استنزهوا
من البول فإن عامة عذاب القبر منه أخرجه الحاكم من حديث أبي هريرة وقال صحيح على شرط الشيخين ولا أعرف له علة. كذا ذكره الزيلعي المخرج، وفي معراج الدراية: وفي بعض نسخ الاحاديث عن مكان من. وفي المغرب: وأما قولهم استنزهوا البول لحن وفي معراج الدراية: وجه مناسبة عذاب القبر مع ترك استنزاه البول هو أن القبر أول منزل من منازل الآخرة والاستنزاه أول منزل من منازل الطهارة، والصلاة أول ما يحاسب به المرء يوم القيامة فكانت الطهارة أول ما يعذب بتركها في أول منزل من منازل الآخرة، وفي غاية البيان: وجه التمسك به أن البول يشمل كل بول بعمومه وقد ألحق النبي صلى الله عليه وسلم وعيد عذاب القبر بترك استنزاه البول من غير فصل، فدل على أن بول ما يؤكل لحمه نجس لان الحلال لا يتحقق بمباشرته وعيد ا ه. وأجاب في الهداية عن حديث العرنيين بأنه عليه السلام عرف شفاءهم فيه وحيا، وزاد شارحوها كالاتقاني والكاكي جوابا آخر بأن ذلك كان في ابتداء الاسلام ثم نسخ بعد أن نزلت الحدود، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم حين ارتدوا واستاقوا الابل وليس جزاء المرتد إلا القتل، فعلم إباحة البول انتسخت كالمثلة ا ه. وذكر الاصوليون منا أن العام قبل الخصوص يوجب الحكم فيما تناوله قطعا كالخاص حتى يجوز نسخ الخاص بالعام عندنا كحديث العرنيين ورد في أبوال الابل وهو خاص نسخ بقوله صلى الله عليه وسلم استنزهوا من البول لان البول عام لان اللام فيه للجنس في ضمن المشخصات فيحمل على جميعها إذ لا عهد، وحديث العرنيين متقدم لان المثلة التي تضمنتها منسوخة بالاتفاق لانها كانت في ابتداء الاسلام ا ه. وهذا كله مبني على أن قصة العرنيين تضمنت مثلة وقد صرح به في الهداية من كتاب الجهاد فقال: والمثلة المروية في قصة العرنيين منسوخة بالنهي المتأخر، وأراد بالنهي المتأخر ما ذكره البيهقي عن أنس قال: ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك خطبة إلا نهى فيها عن المثلة. وقد أنكر بعضهم كون الواقع في قصتهم مثلة كما روى ابن سعد في خبرهم أنهم قطعوا يد الراعي ورجله وغرزوا الشوك في لسانه وعينه حتى مات فليس هذا بمثلة، والمثلة ما
كان ابتداء على غير جزاء وقد جاء في صحيح مسلم: إنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعينهم لانهم سملوا أعين الرعاء. وسيأتي بقيته في كتاب الجهاد إن شاء الله تعالى. وأما ما أجاب به
[ 203 ]
قاضيخان في شرح الجامع الصغير وتبعه عليه صاحب معراج الدراية من أن الصحيح أنه أمرهم بشرب الالبان يعني دون الابوال فلا يخفى ضعفه لما علمت أن رواية شرب الابوال ثابتة في الكتب الستة والله الموفق للصواب. قوله: (لا ما لم يكن حدثا) عطف على بول أي ما لا يكون حدثا لا يكون نجسا، وهذا عند أبي يوسف فالدم الذي لم يسل كما إذا أخذ بقطنة ولو كان كثيرا في نفسه والقئ القليل إذا وقع في الماء لا ينجسه، وكذا إذا أصاب شيئا. وقال محمد: إنه نجس. كذا في كثير من الكتب. وظاهر ما في شرح الوقاية أن ظاهر الرواية عن أصحابنا الثلاثة أنه ليس بنجس، وعند محمد في غير رواية الاصول أنه نجس لانه لا أثر للسيلان في النجاسة، فإذا كان السائل نجسا فغير السائل يكون كذلك. ولنا قوله تعالى * (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه) * إلى قوله * (أو دما مسفوحا) * فغير المسفوح لا يكون محرما لا يكون نجسا والدم الذي لم يسل عن رأس الجرح دم غير مسفوح فلا يكون نجسا. فإن قيل: هذا فيما يؤكل لحمه أما فيما لا يؤكل كالآدمي فغير المسفوح حرام أيضا فلا يمكن الاستدلال بحله على طهارته قلت: لما حكم بحرمة المسفوح بقي غير المسفوح على أصله وهو الحل ويلزم سنه الطهارة، سواء كان فيما يؤكل لحمه أو لا، لاطلاق النص، ثم حرمة غير المسفوح في الآدمي بناء على حرمة لحمه وحرمة لحمه لا توجب نجاسته إذ هذه الحرمة للكرامة لا للنجاسة فغير المسفوح في الآدمي يكون على طهارته الاصلية مع كونه محرما، والفرق بين المسفوح وغيره مبني على حكمة غامضة وهي أن غير المسفوح دم انتقل عن العروق وانفصل عن النجاسات وحصل له هضم آخر في الاعضاء وصار مستعدا لان يصير عضوا فأخذ طبيعة العضو فأعطاه الشرع حكمه بخلاف دم العروق، فإذا سال عن
رأس الجرح علم أنه دم انتقل من العروق في هذه الساعة وهو الدم النجس، أما إذا لم يسل علم أنه دم العضو. وهذا في الدم، أما في القئ فالقليل هو الماء الذي كان في أعالي المعدة وهي ليست محل النجاسة فحكمه حكم الريق. كذا في شرح الوقاية. وكان الاسكاف والهندواني يفتيان يقول محمد، وصحح صاحب الهداية وغيره قول أبي يوسف وقال في العناية: قول أبي يوسف أرفق خصوصا في حق أصحاب القروح وفي فتح القدير أن الوجه يساعده لانه ثبت أن الخارج بوصف النجاسة حدث وأن هذا الوصف قبل الخروج لا يثبت شرعا وإلا لم يحصل للانسان طهارة فلزم أن ما ليس حدثا لم يعتبر خارجا شرعا وما لم يعتبر خارجا شرعا لم يعتبر نجسا ا ه. وذكر في السراج الوهاج أن الفتوى على قول أبي يوسف فيما إذا أصاب الجامدات كالثياب والابدان، وعلى قول محمد فيما إذا أصاب المائعات كالماء
[ 204 ]
وغيره اه. وفي معراج الدراية: ثم قوله ما لا يكون حدثا إلى آخره لا ينعكس فلا يقال ما لا يكون نجسا لا يكون حدثا فإن النوم والجنون والاغماء وغيرها حدث وليست بنجسة ا ه. لكن قد يقال إنه مطرد منعكس لان المراد ما يخرج من بدن الانسان وليس بحدث لا يكون نجسا، وكذا ما يخرج من البدن وليس بنجس لا يكون حدثا، وأما النوم ونحوه فلم يدخل في العكس في قولنا ما لا يكون نجسا لا يكون حدثا، لانه ليس بخارج من بدن الانسان. قوله: (ولا يشرب أصلا) أي بول ما يؤكل لحمه لا يشرب أصلا لا للتداوي ولا لغيره، وهذا عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: يجوز للتداوي لانه لما ورد الحديث به في قصة العرنيين جاز التداوي به إن كان نجسا. وقال محمد: يجوز شربه مطلقا للتداوي وغيره لطهارته عنده. ووجه قول أبي حنيفة رحمه الله أنه نجس والتداوي بالطاهر المحرم كلبن الاتان لا يجوز فما ظنك بالنجس، ولان الحرمة ثابتة فلا يعرض عنها إلا بتيقن الشفاء، وتأويل ما روي في قصة العرنيين أنه عليه السلام عر ف شفاءهم فيه وحيا ولم يوجد تيقن شفاء غيرهم لان المرجع فيه الاطباء، وقولهم ليس بحجة قطعية، وجاز أن يكون شفاء قوم دون قوم لاختلاف الامزجة
حتى لو تعين الحرام مدفعا للهلاك الآن يحل كالميتة والخمر عند الضرورة، ولانه عليه السلام علم موتهم مرتدين وحيا، ولا يبعد أن يكون شفاء الكافرين في نجس دون المؤمنين بدليل قوله تعالى * (الخبيثات للخبيثين) * (النور: 26) وبدليل ما روى البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه عليه السلام قال إن الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم (1) فاستفيد من كاف الخطاب أن الحكم مختصر بالمؤمنين. هذا وقد وقع الاختلاف بين مشايخنا في التداوي بالمحرم، ففي النهاية عن الذخيرة الاستشفاء بالحرام يجوز إذا علم أن فيه شفاء ولم يعلم دواء آخر ا ه. وفي فتاوى قاضيخان معزيا إلى نصر بن سلام: معنى قوله عليه السلام إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم إنما قال ذلك في الاشياء التي لا يكون فيها شفاء. فأما إذا كان فيها شفاء فلا بأس به. ألا ترى أن العطشان يحل له شرب الخمر للضرورة ا ه. وكذا اختار صاحب الهداية في التجنيس فقال: إذا سال الدم من أنف إنسان يكتب فاتحة الكتاب بالدم على
[ 205 ]
جبهته وأنفه يجوز ذلك للاستشفاء والمعالجة، ولو كتب بالبول إن علم أن فيه شفاء لا بأس بذلك لكن لم ينقل وهذا لان الحرمة ساقطة عند الاستشفاء ألا ترى أن العطشان يجوز له شرب الخمر والجائع يحل له أكل الميتة ا ه. وسيأتي لهذا زيادة بيان في باب الكراهية إن شاء الله تعالى. قال في التبيين: وقول محمد مشكل لان كثيرا من الطاهر لا يجوز شربه، وقول أبي يوسف أشد إشكالا ا ه. وقد يقال إنه لا إشكال فيه أصلا لانه قال بنجاسته عملا بحديث استنزهوا من البول وقال بجواز شربه للتداوي عملا بحديث العرنيين. قوله: (وعشرون دلوا وسطا بموت نحو فأرة) قال في التبيين: أي ينزح عشرون إذا ماتت فيها فأرة ونحوها. وقوله عشرون معطوف على البئر وفيه إشكال وهو أنه يصير معناه تنزح البئر وعشرون دلوا وأربعون وكله فيفسد المعنى لانه يقتضي نزح البئر وعشرين دلوا وليس هذا بمراد، وإنما المراد أن تنزح البئر إذ وقع فيها نجس. ثم ذلك النجس ينقسم إلى ثلاثة أقسام: منه ما يوجب نزح عشرين، ومنه ما يوجب نزح أربعين، ومنه ما يوجب نزح
الجميع. وليس نزح البئر مغايرا لهذه الثلاث حتى يعطف عليها وإنما هو تفسير وتقسيم لذلك النزح المبهم، وليس هذا من باب عطف البعض على الكل لا يقال إنه أراد بالاول ما يوجب الجميع وبالمعطوف ما يوجب نزح البعض لانه ذكر بعد ذلك ما يوجب نزح الجميع أيضا، فلو كان مراده الجميع لما ذكر ثانيا لكونه تكرارا محضا، ولان الاول لا يجوز أن يحمل على نوع من هذه الانواع الثلاثة لعدم الاولوية فبقي على إطلاقه. إلى هنا كلام الزيلعي رحمه الله وأقول: لا حاجة إلى هذه الاطالة مع إمكان حمل كلامه على وجه صحيح، فإن قوله عشرون معطوف على البئر بمعنى ماء البئر كما تقدم والواو فيه كبقية المعطوفات بمعنى أو والتقدير ينزح ماء البئر كله بوقوع نجس غير حيوان، أو ينزح عشرون دلوا من ماء البئر بموت نحو فأرة، أو أربعون منه بنحو دجاجة، أو كله بنحو شاة إلى آخره، وبهذا علم أن قوله وتنزح البئر بوقوع نجس ليس مبهما بل المراد منه نجس غير حيوان، واندفع به ما ذكره من لزوم التكرار لو أريد بالاول نزح الجميع فإنه أريد بالاول نزح الجميع لوقوع غير حيوان، وأريد بالثاني نزح الجميع لوقوع حيوان مخصوص فلا تكرار. وقوله ولان الاول لا يجوز أن يحمل إلى آخره سلمناه لكن يمنع قوله فبقين على إطلاقه لانه لا يلزم من انتفاء جواز حمله على الانواع الثلاث بقاؤه مطلقا لجواز حمله على نوع رابع غير الثلاثة كما حملناه
[ 206 ]
على النجس الذي ليس حيوانا وهو ليس واحدا من الانواع. واعلم أنه لا فرق بين أن تموت الفأرة في البئر أو خارجها وتلقى فيها وكذا سائر الحيوانات إلا الميت الذي تجوز الصلاة عليه كالمسلم المغسول أو الشهيد. نعم في خزانة الفتاوى: والفأرة اليابسة لا تنجس الماء لان اليبس دباغة ا ه. ولا يخفى ضعفه لانا قدمنا أن ما لا يحتمل الدباغة لا يطهر وأن اليبس ليس بدباغة، ويدل عليه ما في الذخيرة أن الفأرة الميتة إذا كانت يابسة وهي في الخابية وجعل في الخابية الزيت فظهر ت على رأس الخابية فالزيت نجس ا ه. ثم اعلم أن الواقع في البئر إما نجاسة أو حيوان وحكم النجاسة قد تقدم في قوله وتنزح البئر بوقوع نجس على ما
أسلفناه، والحيوان إما آدمي أو غيره، وغير الآدمي إما نجس العين أو غيره. وغير نجس العين إما مأكول اللحم أو غيره. والكل إما أن أخرج حيا أو ميتا والميت إما منتفخ أو غيره. فالآدمي إذا خرج حيا ولم يكن في بدنه نجاسة حقيقية أو حكمية وكان مستنجيا لم يفسد الماء وإن كان مسلما جنبا أو محدثا فانغمس بنية الغسل أو لطلب الدلو فقد تقدم حكمه، وإن كان كافرا روي عن أبي حنيفة أنه ينزح ماؤها لان بدنه لا يخلو عن نجاسة حقيقة أو حكما، وإن أخرج ميتا وكان مسلما وقع بعد الغسل لم يفسد الماء وإن كان قبله فسد، والكافر يفسد قبل الغسل وبعده وغير الآدمي إن كان نجس العين كالخنزير والكلب على القول بأنه نجس العين نجس البئر، مات أو لم يمت، أصاب الماء فمه أو لم يصب. وعلى القول بأن الكلب ليس بنجس العين لا ينجسه إذا لم يصل فمه إلى الماء وهو الاصح، وقيل دبره منقلب إلى الخارج فلهذا يفسد الماء بخلاف غيره من الحيوانات. وأما سائر الحيوانات فإن علم ببدنه نجاسة تنجس الماء وإن لم يصل فمه إلى الماء، وقيدنا بالعلم لانهم قالوا في البقر ونحوه يخرج ولا يجب نزح شئ وإن كان الظاهر اشتمال بولها على أفخاذها لكن يحتمل طهارتها بأن سقطت عقب دخولها ماء كثيرا. هذا مع أن الاصل الطهارة، وإن لم يعلم ولم يصل فمه إلى الماء، فإن كان مما يؤكل لحمه فلا يوجب التنجيس أصلا، وإن كان مما لا يؤكل لحمه من السباع والطيور ففيه اختلاف المشايخ والاصح عدم التنجيس، وكذلك في الحمار والبغل والصحيح أنه لا يصير الماء مشكوكا فيه، وقيل ينزح ماء البئر كله. وإن وصل لعابه فحكم الماء حكمه
[ 207 ]
فيجب نزح الجميع إذا وصلعاب البغل أو الحمار إلى الماء. كذا في فتاوى قاضيخان وغيرها. لكن في المحيط: ولو وقع سؤر الحمار في الماء يجوز التوضؤ به ما لم يغلب عليه لانه طاهر غير طهور كالماء المستعمل عند محمد ا ه. وظاهر كلام صاحب الهداية في التجنيس أن معنى قولهم يجب نزح الجميع أنه لا لاجل النجاسة بل لانه كان غير طهور، ولا يجب النزاح إذا وقع في البئر ما يكره سؤره ووصل لعابه إلى الماء، لكن في فتاوى
قاضيخان ينزح منها دلاء عشرة أو أكثر احتياطا وثقة. وفي التبيين: يستحب نزح الماء كله. ولا يخفى ما فيه. وهذا كله إذا خرج حيا، فإن مات وانتفخ أو تفسخ فالواجب نزح الجميع في الجميع، وإن لم ينتفخ ولم يتفسخ فالمذكور في ظاهر الرواية أنه على ثلاث مراتب كما دل عليه كلام المصنف والقدوري وصاحب الهداية وغيرهم. ففي الفأرة ونحوها عشرون أو ثلاثون، وفي الدجاجة ونحوها أربعون أو خمسون أو ستون، وفي الشاة ونحوها ينزح ماء البئر كله، وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة جعله على خمس مراتب ففي الحلمة واحد الحلم وهي القراد الضخم العظيم والفأرة الصغيرة عشر دلاء، وفي الفارة الكبيرة عشرون، وفي الحمامة ثلاثون، وفي الدجاجة أربعون، وفي الآدمي ماء البئر كله، وقد قدمنا أن مسائل الآبار مبنية على اتباع الآثار فذكر مشايخنا في كتبهم آثارا: الاول عن أنس رضي الله عنه أنه قال في الفأرة ماتت في البئر وأخرجت من ساعتها ينزح منها عشرون دلوا. الثاني عن أبي سعيد الخدري أنه قال في الدجاجة إذا ماتت في البئر ينزح منها أربعون دلوا. قال في الغاية: لم يذكر أحد من أهل الحديث فيما علمته حديث أنس
[ 208 ]
وإنما ذكره أصحابنا في كتب الفقه على عادتهم، وفي فتح القدير: ذكر مشايخنا ما أنس والخدري غير أن قصور نظرنا أخفاه عنا. وقال الشيخ علاء الدين: إن الطحاوي رواهما من طرق وتعقبه تلميذه الامام الزيلعي المخرج بأني لم أجدها في شرح الآثار للطحاوي ولكنه أخرج عن حماد بن أبي سليمان أنه قال في دجاجة وقعت في البئر فماتت قال: ينزح منها قدر أربعين دلوا أو خمسين. وأجاب عنه المحقق السراج الهندي بأنه يجوز أن يكون الطحاوي ذكرهما في كتاب اختلاف العلماء له أو في أحكام القرآن له أو في كتاب آخر، ولا يلزم من عدم الوجدان في الآثار عدم الوجود مطلقا. الثالث حديث الزنجي في بئر زمزم وسنتكلم عليه إن شاء الله تعالى واختلف في تفسير الدلو الوسط فقيل هي الدلو المستعمل في كل بلد، وقيل المعتبر في كل بئر دلوها لان السلف لما أطلقوا انصرف إلى المعتاد، واختاره في
المحيط والاختيار والهداية وغيرها وهو ظاهر الرواية لانه مذكور في الكافي للحاكم. وقيل ما يسع صاعا وهو ثمانية أرطال، وقيل عشرة ارطال، وقيل غير ذلك. والذي يظهر أن البئر إما أن يكون لها دلو أو لا، فإن كان لها دلوا اعتبر به وإلا اتخد لها دلو يسع صاعا وهو ظاهر ما في الخلاصة وشرح الطحاوي والسراج الوهاج، وحينئذ فينبغي أن يحمل قول من قدر الدلو على ما إذا لم يكن للبئر دلو كما لا يخفى، فلو نزح القدر الواجب فيها بحسب دلوها أو دلوهم بدلو واحد كبير أجزأ وحكم بطهارتها وهو ظاهر المذهب، وكان الحسن بن زياد يقول: لا تطهر إلا بنزح الدلاء المقدرة الواجبة لان عند تكرار النزح ينبع الماء من أسفله ويؤخذ من أعلاه فيكون كالجاري وهذ لا يحصل بدلو واحد، وإن كان عظيما، كذا في البدائع ونقله في التبيين والنهاية عن زفر. قلنا: قد حصل المقصود وهو إخراج القدر الواجب
[ 209 ]
واعتبار معنى الجريان ساقط ولهذا لا يشترط التوالي في النزح حتى لو نزح في كل يوم دلو جاز، ويتفرع على عدم اشتراط التوالي أنه إذا نزح البعض ثم ازداد في الغد، وقيل ينزح كله، وقيل مقدار البقية. هذا مع أن في اشتراط التوالي خلافا نقله في معراج الدراية لكن المختار عدم اشتراطه، وأنه إذا ازداد في اليوم الثاني لا ينزح إلا ما بقي. إليه أشار في الخلاصة. وأشار المصنف رحمه الله بقوله بموت نحو فارة إلى أن ما يعادل الفأرة في الجثة حكمه حكمها وأورد عليه سؤالا وجوابا في المستصفى فقال: فإن قيل قد مر أن مسائل الآبار مبنية على اتباع الآثار والنص ورد في الفارة والدجاجة والآدمي وقد قيس ما عادلها بها قلنا: بعد ما استحكم هذا الاصل صار كالذي ثبت على وقف القياس في حق التفريع عليه كما في الاجارة وسائر العقود التي يأبى القياس جوازها ا ه. ولا يخفى ما فيه فإنه ظاهر في أن للرأي مدخلا في بعض مسائل الآبار وليس كذلك فالاولى أن يقال: إن هذا إلحاق بطريق الدلالة لا بالقياس كما اختاره في معراج الدراية. قوله: (وأربعون بنحو حمامة) أي ينزح أربعون دلوا وسطا بموت نحو حمامة وقد تقدم
دليله قريبا، وقد ذكر المصنف في هذين النوعين القدر الواجب ولم يذكر المستحب ولم يتعرض له الشارح الزيلعي أيضا، والمذكور في غيرهما أن المستحب في نحو الفأرة عشرة، وفي نحو الدجاجة اختلف كلام محمد في الاصل والجامع الصغير، ففي الاصل ما يفيد أن المستحب عشرون، وفي الجامع الصغير عشرة. قال في الهداية: وهو الاظهر. وعلل له في غاية البيان بأن الجامع الصغير صنف بعد الاصل فأفاد أن الظهور من جهة الرواية لا من جهة الدراية. وقد يقال من جهة الدراية إن الذي يضعف بسبب كبر الحيوان، إنما هو الواجب لا المستحب. واعلم أن القدر المستحب المذكور لم يصرح به في ظاهر الرواية وإنما فهمه بعض المشايخ من عبارة محمد رحمه الله حيث قال: ينزح في الفارة عشرون أو ثلاثون، وفي الهرة أربعون أو خمسون فلم يرد به التخيير، بل أراد به بيان الواجب والمستحب، وليس هذا الفهم بلازم بل يحتمل أنه إنما قال ذلك لاختلاف الحيوانات في الصغر والكبر ففي الصغير ينزح الاقل، وفي الكبير ينزح الاكثر. وقد اختار هذا بعضهم كما نقله في البدائع، ولعل هذا هو
[ 210 ]
سبب ترك التعرض للمستحب في الكتاب، ثم هذا إذا كان الواقع واحدا، فأما إذا تعدد فالفأرتان إذا لم يكونا كهيئة الدجاجة كفارة واحدة إجماعا، وكذا إذا كانا كهيئة الدجاجة إلا فيما روي عن محمد أنه ينزح منها أربعون، والهرتان كالشاة إجماعا. وجعل أبو يوسف الثلاث والاربع كفارة واحدة، والخمسة كالهرة إلى التسع، والعشرة كالكلب. وقال محمد: الثلاث كالهرة، والست كالكلب، ولم يوجد التصحيح في كثير من الكتب لكن في المبسوط أن ظاهر الرواية أن الثلاث كالهرة فيفيد أن الست كالكلب، وبه يترجح قول محمد وما كان بين الفأرة والهرة فحكمه حكم الفارة، وما كان بين الهرة والكلب فحكمه حكم الهرة. وهكذا يكون حكم الاصغر والهرة مع الفأرة كالهرة ويدخل الاقل في الاكثر. كذا في التجنيس وغيره. وظاهره يخالف قول من قال إن الفارة إذا كانت هاربة من الهرة فوقعت في البئر وماتت ينزح جميع الماء لانها تبول غالبا فإن على هذا القول يجب نزح الجميع في الهرة مع
الفأرة لانها تبول خوفا، قد جزم به جماعة لكن قال في المجتبى: وقيل بخلافه وعليه الفتوى ا ه. ولعل وجهه أن في ثبوت كونها بالت شكا فلا يثبت بالشك. قوله: (وكله بنحو شاة) أي ينزح ماء البئر كله بموت ما عادل الشاة في الجثة كالآدمي والكلب، طاهرا كان أو نجسا، لان ابن عباس وابن الزبير أفتيا بنزح الماء كله حين مات زنجي في بئر زمزم كما رواه ابن سيرين وعطاء وعمر وبن دينار وقتادة وأبو الطفيل، أما رواية ابن سيرين فأخرجها الدارقطني في سننه بإسناده عن محمد بن سيرين أن زنجيا مات في زمزم فأمر به ابن عباس فأخرج وأمر بها أن تنزح قال: فغلبتهم عين جاءت من الركن قال فأمر بها فسدت بالقباطي والمطارف حتى نزحوها، فلما نزحوها انفجرت عليهم. والقباطي جميع قبطية وهو ثوب من ثياب مصر رقيقة بيضاء وكأنه منسوب إلى القبط وهم أهل مصر،
[ 211 ]
والمطارف أردية من خز مربعة لها أعلام، مفردها مطرف بكسر الميم وضمها. وأما رواية عطاء فرواها ابن أبي شيبه في مصنفه والطحاوي في شرح الآثار أن حبشيا وقع في بئر زمزم فمات فأمر ابن الزبير فنزح ماؤها فجعل الماء لا ينقطع فنظر فإذا عين تجري من قبل الحجر الاسود فقال ابن الزبير: حسبكم. وأما رواية عمرو بن دينار فرواها البيهقي والآمر فيها بالنزح ابن عباس، وأما رواية قتادة فرواها ابن أبي شيبة في مصنفة والآمر ابن عباس. وأما رواية أبي الطفيل فرواها البيهقي والآمر ابن عباس. فإن قالوا رواية ابن سيرين مرسلة لانه لم يلق ابن عباس بل سمعها من عكرمة وكذا قتادة لم يلق ابن عباس، وأما رواية ابن دينار ففيها ابن لهيعة ولا يحتج به، وأما رواية أبي الطفيل ففيها جابر الجعفي ولا يحتج به، وأما عطاء فهو وإن سمع من ابن الزبير بلا خلاف لكن وجد ما يضعف روايته وهو ما رواه البيهقي عن سفيان بن عيينة أنه قال: إنا بمكة منذ سبعين سنة لم أر صغيرا ولا كبيرا يعرف حديث الزنجي الذي قالوا إنه وقع في بئر زمزم، ولا سمعت أحدا يقول نزحت زمزم. ثم أسند عن الشافعي أنه قا: لا يعرف هذا عن ابن عباس، وكيف يروي ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم الماء
لا ينجسه شئ ويتركه؟ وإن كان قد فعل فلنجاسة ظهرت على وجه الماء أو نزحها للتنظيف لا للنجاسة فإن زمزم للشرب. فالجواب أن ابن سيرين لما أرسل عن ابن عباس وكان الواسطة بينهما ثقة وهو عكرمة كان الحديث صحيحا محتجا به، وفي التمهيد لابن عبد البر مراسيل ابن سيرين عندهم حجة صحاح كمراسيل سعيد بن المسيب. وأما الجعفي فقد وثقه الثوري وشعبة واحتمله الناس ورووا عنه ولم يختلف أحد في الرواية عنه، ورواه الطحاوي عنه أيضا، وأما ابن لهيعة قال ابن عدي: هو حسن الحديث يكتب حديثه وقد حدث عنه الثقات الثوري وشعبة وعمرو بن الحارث والليث ابن سعد. وأما عدم علم سفيان والشافعي فلا يصلح دليلا، في دين الله تعالى والاثبات مقدم على النفي، فإن لم يعرفا فقد عرف غيرهما ممن ذكرناه من الاعلام الائمة وإثباتهم مقدم على نفي غيرهم مع أن بينهما وبين ذلك الوقت قريبا من مائة وخمسين سنة. وأما رواية ابن عباس الماء لا ينجسه شئ فيجوز أن يكون وقع عنده دليل أوجب تخصيصه فإن روايته كعلم المخالف به فكما قال الشافعي رحمه الله بتنجيس ما دون القلتين بدون تغير لدليل آخر وقع عنده أوجب تخصيص هذا الحديث لا يستبعد مثله لابن عباس. وأما تجويز كون النزح لنجاسة ظهرت أو للتنظيف فمخالف لظاهر الكلام لان الظاهر من قول القائل مات فأمر بنزحها أنه للموت لا لنجاسة أخرى كقولهم زنى فرجم وسها فسجد وسرق فقطع على أن عندهم لا ينزح أيضا للنجاسة، ولو كان للتنظيف لم يأمر بنزحها ولم يبالغوا هذه المبالغة العظيمة من سد العين. وقول النووي كيف يصل هذا
[ 212 ]
الخبر إلى أهل الكوفة ويجهله أهل مكة وسفيان بن عيينة كبير أهل مكة استبعاد بعد وضوح الطريق ومعارض بأن جمهور الصحابة كعلي وأصحابه وابن مسعود وأصحابه وأبي موسى الاشعري وأصحابه وابن عباس وجماعة من أصحابه وسلمان الفارسي وعامة أصحابه والتابعين انتقلوا إلى الكوفة والبصرة ولم يبق بمكة إلا القليل، وانتشروا في البلاد للجهاد والولايات وسمع الناس منهم، وانتشر العلم في جميع البلاد الاسلامية منهم حتى قال العجلي
في تاريخه: نزل الكوفة ألف وخمسمائة من الصحابة، ونزل قرقيسا ست مائة، فيجوز أن يعرف أهل الكوفة أكثر من أهل مكة ولا ينكر هذا إلا مكابر، وما ذكره أيضا مخالف لقول إمامه فقد حكى ابن عساكر عن الشافعي أنه قال لاحمد: أنتم أعلم بالاخبار الصحاح منا فإذا كان خبر صحيح فأعلموني حتى أذهب إليه، كوفيا كان أو بصريا أو شاميا، فهلا قال: كيف يصل إلى أهل الكوفة والبصرة والشام ويجهله أهل مكة والمدينة مع أن الغالب أن البئر إذا نزحت لا يحضرها أهل البلد ولا أكثرهم وإنما يحضر من له بصارة أو من يستعان به. قوله: (وانتفاخ حيوان أو تفسخه) أي ينزح ماء البئر كله لاجل انتفاخ الحيوان الواقع فيها أو تفسخه مطلقا، صغر الحيوان أو كبر كالفارة والآدمي والفيل لانتشار البلة في أجزاء الماء لان عند انتفاخه تنفصل بلته وهي نجسه مائعة فصارت كقطرة من خمر، ولهذا لو وقع ذنب فارة بنزح الماء كله لان موضع القطع منه لا ينفك عن نجاسة بخلاف ما لو أخرجت قبل الانتفاخ لان شيئا من أجزائها لم يبق في الماء بعد إخراجها والانتفاخ أن تتلاشى أعضاؤه والتفسخ أن تتفرق عضوا عضوا، وكذا إذا تمعط شعره فهو كالمنتفخ. قال في السراج الوهاج: فإن جعل على موضع القطع شمعة لم يجب إلا ما يجب على الفأرة ا ه. فروع: لا يفيد النزح قبل إخراج الواقع لانه سبب النجاسة ومع بقائها لا يمكن الحكم بالطهارة إلا إذا تعذر إخراجه وكان مستنجسا كما قدمناه، وإذا لم يوجد في البئر القدر الواجب نزح ما فيها فإذا جاء الماء بعده لا ينزح منه شئ، لو غار الماء قبل النزح ثم عاد يعود نجسا لانه لم يوجد المطهر. وإن صلى رجل في قعرها وقد جفت تجزئه. كذا في التجنيس لكن اختار في فتح القدير أنه لا يعود نجسا، وصرح في باب الانجاس بأن فيه روايتين كنظائره والاصح عدم العود لانه بمنزلة النزح. كذا في المعراج وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، لكن إنما يكون الاصح عدم العود فيما إذا جف أسفله، أما إذا غار ولم يجف أسفله فالاصح العود كما أفاده السراج الوهاج. وإذا طهرت البئر يطهر الدلو والرشا والبكرة ونواحي البئر ويد المستقي لان نجاسة هذه الاشياء بنجاسة البئر فتطهر بطهارتها للحرج كدن الخمر يطهر تبعا إذا صار خلا،
وكيد المستنجي تطهر بطهارة المحل، وكعروة الابريق إذا كان في يده نجاسة رطبة فجعل يده عليها كلما صب على اليد فإذا غسل اليد ثلاثا طهرت العروة بطهارة اليد، ولو سال النجس على الآخر ثم وصل إلى الماء فنزحها طهارة للكل، وقيل الدلو طاهر في حق هذه البئر لا
[ 213 ]
غيرها كدم الشهيد طاهر في حق نفسه، ولا يجب نزح الطين في شئ من الصور لان الآثار إنما وردت بنزح الماء، وفي المجتبى: وكلما نزح من البئر شئ طهر من الدلو بقدره وليتأمل فيه. وفي فتاوى قاضيخان: ولا يطين المسجد بطين البئر التي نزحت احتياطا. ثم نجاسة البئر بعد إخراج الفارة وغيرها غليظة، ثم بقدر ما ينزح تخف، فلو صب الدلو الاول من بئر وجب فيها نزح عشرين في بئر طاهرة ينزح من الثانية عشرون، ولو صب الثاني ينزح تسعة عشر وكذا الثالث على هذا، ولو صب الدلو الآخير ينزح دلو مثله، والاصل في هذا أن البئر الثانية تطهر بما تطهر به الاولى. ولو أخرجت الفارة وألقيت في بئر طاهرة وصب أيضا فيها عشرون من الاولى يجب إخراج الفأرة ونزح عشرين دلوا لان الاولى تطهر به فكذا الثانية، ولو صب الدلو العاشرة في بئر طاهرة ينزح منها عشردلاء في رواية أبي سليمان، وفي رواية أبي حفص إحدى عشرة وهو الاصح. قال الاسبيجابي: ووفق بين الروايتين فالاولى سوى المصبوب والثانية مع المصبوب فلا خلاف. ولو صب ماء بئر نجسة في بئر آخر وهي نجسة أيضا ينظر بين المصبوب وبين الواجب فيها فأيهما كان أكثر أغنى عن الاقل، فإن استويا فنزح أحدهما يكفي. مثاله بئران ماتت في كل منهما رفاة فنزح من إحداهما عشرة مثلا وصب في الاخرى ينزح عشرون ولو صب دلو واحد فكذلك، ولو ماتت فأرة في بئر ثالثة فصب من إحدى البئرين عشرون ومن الاخرى عشرة ينزح ثلاثون، ولو صب فيها من كل عشرون نزح أربعون، وينبغي أن ينزح المصبوب، ثم الواجب فيها على رواية أبي حفص، ولو نزح دلو من الاربعين وصب في العشرين ينزح الاربعون لانه لو صب في بئر طاهرة ينزح كذلك فكذا هذا. وهذا كله قول محمد، وعن أبي يوسف روايتان في رواية ينزح جميع الماء، وفي رواية
ينزح الواجب والمصبوب جميعا فقيل له: إن محمدا روى عنك الاكثر فأنكر.. وكذا قال أبو يوسف في بئرين وقع في كل منهما سنور فنزح من إحداهما دلو وصب في الاخرى ينزح ماؤها كله على الرواية الاولى لان الدلو الذي نزح أخذ حكم النجاسة، ولهذا لو أصاب الثوب نجسه ويجب غسله فصار كما إذا وقع في البئر نجاسة أخرى، واقتصر على هذه الرواية في التجنيس. ودفعه في فتح القدير بأن هذا إنما يظهر وجهه في المسألة السابقة وهي ما إذا كان المصبوب فيها طاهرة، أما إذا كانت نجسة فلا، لان أثر نجاسة هذا الدلو إنما يظهر فيما إذا ورد على طاهر وقد ورد هنا على نجس فلا يظهر أثر نجاسته فتبقى الموردة على ما كانت فتطهر بإخراج القدر الواجب. وجه دفعه عن المسألة
[ 214 ]
السابقة ما في المبسوط من أنا نتيقن أنه ليس في هذا البئر إلا نجاسة فأرة ونجاسة فارة يطهرها عشرون دلوا ا ه. وفي المحيط معزيا إلى النوادر: فإن ماتت في حب فاريق الماء في البئر قال محمد: ينزح الاكثر من المصبوبة ومن عشرين دلوا وهو الاصح لان الفارة لو وقعت فيها ينزح عشرون، فكذا إذا صب فيها ما وقع فيه إلا إذا زاد المصبوب على ذلك فتنزح الزيادة مع العشرين. وقال أبو يوسف: ينزح المصبوب وعشرون دلوا لانه يصير بمنزلة ما لو وقعت الفارتان في البئر يجب نزحهما ونزح عشرين دلوا كذا هذا. وفي الكافي والمستصفى والبدائع: إن الفارة إذا وقعت في الحب - بالحاء المهملة - يهراق الماء كله ولم يعلل له. ووجهه أن الاكتفاء بنزح البعض مخصوص بالآبار ثبت بالآثار على خلاف القياس فلا يلحق به غيره، فعلى هذا إذا وقعت الفارة في الصهريج أو الفسقية ولم يكونا عشرا في عشر فإن الماء كله يهراق كما لا يخفى، ولا يحكم بطهارة البئر ما لم ينفصل الدلو الاخير عن رأس البئر عندهما لان حكم الدلو حكم المتصل بالماء والبئر. وعن، محمد يطهر بالانفصال عن الماء ولا اعتبار بما يتقاطر للضرورة. وثمرة الخلاف تظهر فيما إذا انفصل الدلو الاخير عن الماء ولم ينفصل عن رأس البئر واستبقى من مائها رجل ثم أعاد الدلو، فعندهما الماء المأخوذ قبل العود نجس،
وعنده طاهر. كذا في التبيين. وظاهره أن عود الدلو قيد وليس كذلك بل الماء المأخوذ قبل الانفصال عن رأس البئر نجس عندهما مطلقا، عاد الدلو أو لا، ولهذا لم يذكر هذا القيد في فتح القدير ومعراج الدراية والمحيط وكثير من الكتب فكان زائدا. وفي البدائع لم يذكر في ظاهر الرواية قول أبي حنيفة وإنما ذكره الحاكم. وفي التجنيس: إذا نزح الماء النجس من البئر يكره أن يبل به الطين ويطين به المسجد أو أرضه لنجاسته بخلاف السرقين إذا جعله في الطين لان في ذلك ضرورة لانه لا يتهيأ إلا بذلك ا ه. والبعد بين البالوعة والبئر المانع من وصول النجاسة إلى البئر خمسة أذرع في رواية أبي سليمان، وسبعة في رواية أبي حفص. وقال
[ 215 ]
الحلواني: المعتبر الطعم أو اللون أو الريح فإن ليتغير جاز وإلا فلا، ولو كان عشرة أذرع. قال في الخلاصة وفتاوى قاضيخان: والتعويل عليه، وصححه في المحيط. وإن ماتت الفارة في غير الماء فإن كان مائعا تنجس جميعه وجاز استعماله في غير الابدان. كذا قالوا. وينبغي أن لا يستصبح به في المساجد لكونه ممنوعا عن إدخال النجاسة المسجد، وتجوز بيعه وللمشتري الخيار إن لم يعلم به. وإن كان جامدا ألقيت الفارة وما حولها وكان الباقي طاهرا أو جاز الانتفاع بما حولها في غير الابدان، وفي المبسوط: وحد الجمود والذوب أنه إذا كان بحال لوقور ذلك الموضع لا يستوي من ساعته فهو جامد، وإن كان يستوي من ساعته فهو ذائب. وذكر الاسبيجابي أن الجلد إذا دبغ بذلك السمن يغسل الجلد بالماء ويطهر والمتشرب فيه معفو عنه، ولمن اشتراه الخيار إن لم يعلم به. وفي السراج الوهاج: وإن ماتت الفارة في الخمر فصار خلا قال بعضهم: الخل مباح، وقيل لا يحل شربه، وقيل إذا لم تتفسخ فيه جاز وإن تفسخت لم يجز لانه قد صار فيه جزء ومنها، وهذا القول أحسن. وهذا إذا استخرجت منه قبل أن يصير خلا، أما إذا صار خلا والفارة فيه لا يحل شربه، سواء كانت متفسخة أو لا لانه نجس ا ه. وفي المحيط والتنجيس: بالوعة حفروها وجعلوها بئر ماء، فإن حفروها مقدار ما وصلت إليه النجاسة فالماء طاهر وجوانبها نجسة، وإن حفروها أوسع من الاول
طهر الماء والبئر كله ا ه. وذكر الولوالجي: ولو نزح ماء بئر رجل بغير إذنه حتى يبست لا شئ عليه لان صاحب البئر غير مالك للماء، ولو صب ماء رجل كان في الحب يقال له إملا الاناء لان صاحب الحب مالك للماء وهو من ذوات الامثال فيضمن مثله. وفي الخلاصة: والاوز كالدجاج إن كان صغيرا، وإن كان كبيرا فهو كالجمل العظيم ينزح كل الماء. وفي فتح القدير: ولو تنجست بئر فأجرى ماؤها بأن حفر لها منفذ فصار الماء يخرج منه حتى خرج بعضه طهرت لوجود سبب الطهارة وهو جريان الماء وصار كالحوض إذا تنجس فأجرى فيه الماء حتى خرج بعضه وقد ذكرناه ا ه.
[ 216 ]
قوله: (ومائتان لو لم يكن نزحها) أي ينزح مائتا دلو إن كانت البئر معينة لا يمكن نزحها بسبب أنهما كلما نزحوا نبع من أسفله مثل ما نزحوا أو أكثر. وقد اختلفت الروايات فيها فما في الكتاب مروي عن محمد قالوا إنما أفتى به بناء على ما شاهد في بغداد لان الغالب ماء آبارها كان لا يزيد على ثلثمائة، وروي عن أبي حنيفة التقدير بمائة دلو قالوا: أفتى بذلك بناء على قلة المياه في آبار الكوفة. وفي الهداية: وعن أبي حنيفة في الجامع الصغير في مثله ينزح حتى يغلبهم الماء ولم يقدر الغلبة بشئ كما هو دأبه في مثله ا ه. وإنما لم يقدرها لانها متفاوتة والنزح إلى أن يظهر العجز أمر صحيح في الشرع لان الطاعة بحسب الطاقة. وقيل: على قول أبي حنيفة يجب قدر ما يغلب على ظنهم أنه جميع الماء عند ابتداء النزح والاصح تفسير الغلبة بالعجز. كذا ذكر قاضيخان. وعن أبي يوسف وجهان: أحدهما أن تحفر حفيرة عمقها ودورها مثل موضع الماء منها وتجصص على قول بعض المشايخ ويصب فيها، فإذا امتلات فقد نزح ماؤها. والثاني أن ترسل قصبة في الماء ويجعل علامة لمبلغ الماء ثم ينزح عشر دلاء مثلا، ثم تعاد القصبة فينظركم انتقص، فإن انتقص العشر فهو مائة قالوا: ولكن هذا لا يستقيم إلا إذا كان دور البئر من أول حد الماء إلى قعر البئر متساويا، وإلا لا يلزم إذا نقص شبر بنزح عشر من أعلى الماء أن ينقص شبر بنزح مثله من أسفله. وعن أبي
نصر محمد بن سلام أنه يؤتى برجلين لهما بصارة بأمر الماء، فإذا قدراه بشئ وجب نزح ذلك القدر وهو الاصح والاشبه بالفقه. وفي معراج الدراية أنه المختار لكونهما نصاب الشهادة الملزمة، واشتراط المعرفة لهما بالماء باعتبار أن الاحكام إنما تستفاد ممن له علم، أصله قول تعالى * (فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) * (النحل: 43) وظاهر ما في النقاية الاكتفاء بواحد لانه أمر ديني فيكتفي بالواحد، لكن أكثر الكتب على الاثنين وقد صحح هذا القول جماعة واختاروه، وصحح الامام حسام الدين في شرح الجامع الصغير اعتبار الغلبة وهي العجز، وذكر أن الفتوى، على أنه يفوض إلى رأي المبتلى به. وفي الخلاصة أن الفتوى على أنه ينزح ثلثمائة، وكذا في معراج الدراية معزيا إلى فتاوى العتابي أن المختار ما عن محمد. فالحاصل أنه قد اختلف التصحيح في المسألة واختلفت الفتوى فيها، والافتاء بما عن محمد أسهل على الناس، والعمل بما عن أبي نصر أحوط، ولهذا قال في الاختيار: وما روي عن محمد أيسر على الناس لكن لا يخفى ضعفه فإنه إذا كان الحكم الشرعي نزح جميع الماء للحكم بنجاسته، فالقول بطهارة البئر بالاقتصار على نزح عدد مخصوص من الدلاء يتوقف
[ 217 ]
على سمعي يفيده، وأين ذلك؟ بل المأثور عن ابن عباس وابن الزبير خلافه. واختار بعض المتأخرين أن الاظهر إن أمكن سد منابع الماء من غير عسر سدت وأخرج ما فيها من الماء، وإن عسر ذلك فإن علم أن كون محل الماء منها على منوال واحد طولا وعرضا في سائر أجزائه أرسل في الماء قصبة وعمل في ذلك بما قدمناه، وإن لم يقع العلم بذلك فإن أمكن العمل بمقداره من عدلين لهما بصارة بمياه الآبار أخذ بقولهما، وإن تعذر العلم بمقدار الماء من عدلين بصيرين بذلك نزحوا حتى يظهر لهم العجز بحسب غلبة ظنهم ا ه. وهذا تفصيل حسن للمتأمل فليكن العمل عليه. قوله (ونجسها منذ ثلاث فارة منتفخة جهل وقت وقوعها وإلا مذ يوم وليلة) أي نجس البئر منذ ثلاثة أيام بلياليها فأرة ميته منتفخة لا يدري وقت وقوعها وإن لم تكن منتفخة نجسها
مذ يوم وليلة. قال المصنف في المستصفى: أي مذ ثلاث ليال إذ لو أريد به الايام لقال مذ ثلاثة لكن الليالي تنتظم ما بإزائها من الايام كما أن الايام تنتطم ما بازائها من الليالي كقوله تعالى * (أربعة أشهر وعشرا) * (البقرة: 234) أي وعشر ليال بأيامها اه. فعلم أنه لا حاجة إلى ما ذكر الزيلعي هنا. أعلم أن البئر تنجس من وقت وقوع الحيوان الذي وجد ميتا فيها إن علم ذلك الوقت وإن لم يعلم فقد صار الماء مشكوكا في طهاته ونجاسته، فإذا توضؤوا منها وهم متوضؤون أو غسلوا ثيابهم من غير نجاسة فإنهم لا يعيدون إجماعا لان الطهارة لا تبطل
[ 218 ]
بالشك، وإن توضؤوا منها وهم محدثون أو اغتسلوا من جنابة أو غسلوا ثيابهم عن نجاسة ففي الثالث لا يعيدون وإنما يلزمهم غسلها على الصحيح، ويحكم بنجاستها في الحال من غير اسناد لانه من باب وجود النجاسة في الثوب. ومن وجد في ثوبه نجاسة أكثر من قدر الدرهم ولم يدر متى أصابته لا يعيد شيئا من صلاته بالاتفاق وهو الصحيح. كذا في المحيط والتبيين، وتعقبه شارح منية المصلي بأنه إذا كان يلزمهم غسلها لكونها مغسولة بماء البئر فيما تقدم حال العلم باشتمال البئر على الفأرة بدون يوم وليلة أو بدون ثلاثة أيام، كيف يكون
[ 219 ]
الحكم بنجاسة الثياب من باب الاقتصار على التنجس في الحال لا مستندا إلى ما تقدم فلا يتجه هذا على قوله لانه يوجب مع الغسل الاعادة لا على قولهما لانهما لا يوجبان غسل الثوب أصلا اه. وفي الاول والثاني خلاف، فعند أبي حنيفة التفصيل المذكور في الكتاب. وقالا: يحكم بنجاستها وقت العلم بها ولا يلزمهم إعادة شئ من الصلوات ولا غسل ما أصابه ماؤها قبل العلم وهو القياس لان اليقين لا يزول بالشك لانا نتيقن بطهارتها فيما مضى وقد شك في النجاسة لاحتمال أنها ماتت في غير البئر هم ألقتها الريح العاصف فيها أو بعض السفهاء أو الصبيان أو بعض الطيور كما حكي عن أبي يوسف أنه كان يقول بقوله إلى أن رأى حدأة في منقارها فأرة ميتة فألقتها في البئر فرجع عن قوله إلى هذا القول، وقياسا
على النجاسة إذا وجدها في ثوبه، وعلى ما إذا رأت المرأة في كرسفها دما ولا تدري متى نزل، وعلى ما لو مات المسلم وله امرأة نصرانية فجاءت مسلمة بعد موته وقالت أسلمت قبل موته وقالت الورثة بعده فالقول لهم، والجامع بينهما أن الحادث يضاف إلى أقرب أوقاته. ولابي حنيفة وهو الاستحسان أن الاحالة على السبب الظاهر واجب عند خفاء المسبب والكون
[ 220 ]
في الماء قد تحقق وهو سبب ظاهر للموت والموت فيه في نفس الامر قد خفي، فيجب اعتباره مات فيه إحالة على السبب الظاهر عند خفاء المسبب دون الموهوم وهو الموت بسبب آخر كمن جرح إنسانا ولم يزل صاحب فراش حتى مات يضاف موته إلى الجرح حتى يجب القصاص وإن احتمل موته بسبب آخر، وكذا إذا وجد قتيل في محله يضاف القتل إلى أهلها حتى تجب القسامة والدية عليهم وإن احتمل أنه قتل في موضع آخر غير أن الانتفاخ دليل التقادم فيقدر بالثلاث، ولهذا يصلي على القبر إلى ثلاثة أيام على ما قيل، وعدم الانتفاخ دليل قرب العهد فقدرناه بيوم وليلة لان ما دون ذلك ساعات لا يمكن ضبطها لتفاوتها. وأما مسألة النجاسة فقد قال المعلى بن منصور الرازي تلميذهما إنها على الخلاف، فإن كانت يابسة يعيد صلاة ثلاثة أيام، وإن كانت طرية يعيد صلاة يوم وليلة عنده فلا يحتاج إلى الفرق، ولو سلم أنها على الوفاق كما قدمنا أنه الاصح فالفرق له واضح وهو أن الثوب بمرأى عينه يقع عليه بصره فلو كانت النجاسة أصابته قبل ذلك لعلم بها بخلاف البئر فإنها غائبة عن بصره فلا يصح القياس، وما ذكره المعلى رحمه الله يحتمل كونه رواية عن الامام وهو ظاهر ما ذكره القاضي الاسبيجابي وصاحب البدائع، ويحتمل أنه تفقه منه بطريق القياس على مسألة البئر وهو ظاهر ما في المحيط وهو الحق فقد قال الحاكم الشهيد: إن المعلى قال ذلك من دأب نفسه. وأما مسألة الميراث فالمرأة محتاجة إلى الاستحقاق والظاهر لا يصلح حجة لها وإنما يصلح للدفع والورثة هم الدافعون. وفي المجتبى: وحكم ما عجن به حكم الوضوء والغسل. وكان الصباغي يفتي بقول أبي حنيفة فيما يتعلق بالصلاة، وبقولهما فيما سواه. كذا
في معراج الدراية. وفي غاية البيان: وما قاله أبو حنيفة احتياط في أمر العبادة، وما قالاه عمل باليقين ورفق بالناس. وفي تصحيح الشيخ قاسم رحمه الله وفي فتاوى العتابي: المختار قولهما. قلت: هو المخالف لعامة الكتب فقد رجح دليله في كثير من الكتب وقالوا: إنه الاحتياط فكان العمل عليه. وذكر الاسبيجابي أن ما عجن به قال بعضهم يلقى إلى الكلاب، وقال بعضهم يعلف المواشي، وقال بعضهم يباع من شافعي المذهب أو داودي المذهب اه. واختار الاول في البدائع وجزم به بصيغة قال مشايخنا يطعم للكلاب. فروع: ذكر ابن رستم في نوادره عن أبي حنيفة: من وجد في ثوبه منيا أعاد من آخر ما احتلم، وإن كان دما لا يعيد لان دم غيره قد يصيبه، والظاهر أن الاصابة لم تتقدم زمان وجوده، فأما مني غيره لا يصيب ثوبه فالظاهر أنه منيه فيعتبر وجوده من وقت وجود سبب
[ 221 ]
خروجه حتى إن الثوب لو كان مما يلبسه هو وغيره يستوي فيه حكم الدم والمني. ومشايخنا قالوا في البول يعتبر من آخر ما بال، وفي الدم من آخر مارعف، وفي المني من آخر ما احتلم أو جامع. كذا في البدائع. ومراده بالاحتلام النوم لانه سببه بدليل ما نقله في المحيط عن ابن رستم أنه يعيد من آخر نومه نامهافيه. واختار في المحيط أنه لا يعيد شيئا لو رأى دما. ولو فتق جبة فوجد فيها فارة ميتة ولم يعلم متى دخل فيها فإن لم يكن للجبة ثقب يعيد الصلاة من يوم ندف القطن فيها، وإن كان فيه ثقب يعيد صلاة ثلاثة أيام ولياليها عند أبي حنيفة كما في البئر. كذا في التنجيس والمحيط. وفي الذخيرة: ولا بأس برش الماء النجس في الطريق ولا يسقى للبهائم. وفي خزانة الفتاوى: لا بأس بأن يسقى الماء النجس للبقر والابل والغنم وحيث وجبت الاعادة على قوله فالمعاد الصلوات الخمس والوتر وسنة الفجر. كذا في شرح منية المصلي. قوله (والعرق كالسؤر) لما فرغ من بيان فساد الماء وعدمه باعتبار وقوع نفس الحيوانات فيه ذكرهما باعتبار ما يتولد منها. والسؤر مهموز العين بقية الماء التي يبقيها الشارب في الاناء
أو في الحوض ثم استعير لبقية الطعام وغيره، والجمع الاسآر والفعل أسأر أي أبقى مما شرب أي عرق كل شئ معتبر بسؤره طهارة ونجاسة وكراهة لان السؤر مختلط باللعاب وهو والعرق متولدان من اللحم إذ كل واحد منهما رطوبة متحللة من اللحم فأخذا حكمه. ولا ينتقض بعرق الحمار فإنه طاهر مع أن سؤره مشكوك فيه لانا نقول: خص بركوبه صلى الله عليه وسلم الحمار معروريا والحر حر الحجاز والثقل ثقل النبوة فلا بد أن يعرق الحمار. قال في المغرب: فرس عري لا سرج عليه ولا لبد وجمعه أعراء، ولا يقال فرس عريان كما لا يقال رجل عرى، واعرورى الدابة ركبه عريا ومنه كان عليه السلام يركب الحمار معروريا وهو حال من ضمير الفاعل المستكن ولو كان من المفعول لقيل معرورى أه. أو لانه لا فرق بين عرقه وسؤره فإن سؤره طاهر على الاصح والشك إنما هو في طهوريته، وقد ذكر قاضيخان في شرح الجامع
[ 222 ]
الصغير ثلاث روايات في لعابه وعرقه إذا أصاب الثوب أو البدن في رواية مقدر بالدرهم، وفي رواية بالكثير الفاحش، وفي رواية لا يمنع وإن فحش وعليه الاعتماد، وذكر شمس الائمة الحلواني أن عرقه نجس لكن عفي عنه للضرورة. فعلى هذا لو وقع في الماء القليل يفسده وهكذا روي عن أبي يوسف أه. وذكر الولوالجي رحمه الله أن عرق الحمار والبغل إذا أصاب الثوب لا يفسده، ولو وقع في الماء أفسده يعني به لم يبق طهورا لان عرقهما إذا وقع في الماء صار الماء مشكلا كما في لعابهما، والماء المشكل طاهر لكن كونه طهورا مشكل فلا يزول الحدث الثابت بيقين بالشك اه. وهكذا في التجنيس. واعلم أن تفسير الفساد بعدم الطهورية فيه نظر لانه إذا كان كل من العرق واللعاب طاهرا كيف يخرج الماء به عن الطهورية مع أنه فرض قليل والماء غالب عليه، فلعل الاشبه ما ذكره قاضيخان في تفسير قوله شمس الائمة إنه نجس وعفي عنه في الثوب والبدن للضرورة في الماء كما لا يخفى. فالحاصل أنه لا فرق بين العرق والسؤر على ما هو المعتمد من أن كلا منهما طاهر، وإذا أصاب الثوب أو البدن لا ينجسه، وإذا وقع في الماء صار مشكلا، ولهذا قال في المستصفى: ظاهر المذهب أن
العرق واللعاب مشكوك فيهما أه. فظهر بهذا كله أن قولهم إن العرق كالسؤر على إطلاقه من غير استثناء، وظهر به أيضا أن ما نقله الاتقاني في شرح البزدوي من الاجماع على طهارة عرقه فليس مما ينبغي وكأنه بناه على أنها هي التي استقر عليها الحال. قوله (وسؤر الآدمي والفرس وما يؤكل لحمه طاهر) أما الآدمي فلان لعابه متولد من لحم طاهر وإنما لا يؤكل لكرامته، ولا فرق بين الجنب والطاهر والحائض والنفساء والصغير والكبير والمسلم والكافر والذكر والانثى. كذا ذكر الزيلعي رحمه الله. يعني أن الكل طاهر طهور من غير كراهة وفيه نظر، فق دصرح في المجتبى من باب الحظر والاباحة أنه يكره سؤر المرأة للرجل وسؤره لها ولهذا لم يذكر الذكر والانثى في كثير من الكتب لكن قد يقال: الكراهة المذكورة إنما هو في الشرب لا في الطهارة. واستثنوا من هذا العموم سؤر شارب الخمر إذا شرب من ساعته فإن سؤره نجس لا لنجاسة لحمه بل لنجاسة فمه كما لو أدمى فوه، أما لو مكث قدر ما يغسل فمه بلعابه ثم شرب لا ينجس. كذا في كثير من الكتب.
[ 223 ]
وفي الخلاصة والتجنيس: رجل شرب الخمر إن تردد في فيه من البزاق بحيث لو كان ذلك الخمر على ثوب طهرها البزاق طهر فمه أه. وهذا هو الصحيح من مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ويسقط اعتبار الصب عند أبي يوسف للضرورة، ونظيره لو أصاب عضو نجاسة فلحسها حتى لم يبق أثرها، أو قاء الصغير على ثدي أمه ثم مصه حتى زال الاثر طهر خلافا لمحمد في جميعها بناء على عدم جواز إزالة النجاسة بغير الماء المطلق كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وفي بعض شروح القدوري: فإن كان شارب الشارب طويلا ينجس الماء وإن شرب بعد ساعات لان الشعر الطويل لما تنجس لا يطهر باللسان اه. وكأنه لانه لا يتمكن اللسان من استيعابه بإصابة بله إياه بريقه ثم أخذ ما عليه من البلة النجسة مرة بعد أخرى وإلا فهو ليس دون الشفتين والفم في تطهيره بالريق تفريعا على قول أبي حنيفة وأبي يوسف في جواز التطهير من النجاسة بغير الماء. كذا في شرح منية المصلي. فإن قيل:
ينبغي أن يتنجس سؤر الجنب على القول بنجاسة المستعمل لسقوط الفرض به قلنا: ما يلاقي الماء من فمه مشروب، سلمنا أنه ليس بمشروب لكن لحاجة فلا يستعمل به كإدخال يده في الحب إخراج كوزه على ما قدمناه في المياه، وقد نقلوا روايتين في رفع الحدث بهذا الشرب، وظاهر كلامهم ترجيح أنه رافع فلا يصير الماء مستعملا للحرج لكن صرح يعقوب باشا بأن الصحيح أن الفرض لا يسقط به. ويدل على طهارة سؤر الآدمي مطلقا ما رواه مالك من طريق الزهري عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بلبن قد شيببماء وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر فشرب ثم أعطى الاعرابي وقال: الايمن فالايمن. وروى مسلم وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أشرب وأنا حائض فأناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع في. ولما أنزل النبي صلى الله عليه وسلم بعض المشركين في المسجد ومكنه من المبيت فيه على ما في الصحيحين علم أن المراد بقوله تعالى * (إنما المشركون نجس) * (التوبة: 28 النجاسة في اعتقادهم وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي حذيفة فمد يده ليصافحه فقبض يده وقال: إني جنب. فقال عليه السلام: المؤمن ليس بنجس. ذكره البغوي في المصابيح. وأما سؤر الفرس ففيه روايتان عن أبي حنيفة، فظاهر الرواية عنه طهوريته من غير كراهة وهو قولهما لان كراهة لحمه عنده لاحترامه لانه آلة الجهاد لا لنجاسته فلا يؤثر في كراهة سؤره وهو الصحيح. كذا في البدائع وغيره. وأما سؤر ما يؤكل لحمه فلانه
[ 224 ]
متولد من لحم طاهر فأخذ حكمه. ويستثنى منه الابل الجلالة والبقرة الجلالة والدجاجة والمخلاة كما سيأتي. والجلالة التي تأكل الجلة بالفتح وهي في الاصل البعرة، وقد يكنى بها عن العذرة وهي هنا من هذا القبيل كما أشار إليه في المغرب. ويلحق بما يؤكل ما ليس له نفس سائلة مما يعيش في الماء وغيره كذا في التبيين. قوله (والكلب والخنزير وسباع البهائم نجس) أي سؤر هذه الاشياء نجس. والمراد بسباع البهائم نحو الاسد والفهد والنمر. قال الزيلعي رحمه الله: قوله والكلب إلى آخره
بالرفع أجود على أنه حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وذلك جائز بالاتفاق إذا كان الكلام مشعرا بحذفه وقد وجدهنا ما يشعر بحذفه وهو تقدم ذكر السؤر، ولو جر على أنه معطوف على ما قبله من المجرور لا يجوز عند سيبويه لانه يلزم منه العطف على عاملين وهو ممتنع عند البصريين، ويجوز عند الفراء. ولو قيل إنه مجرور على أنه حذف المضاف وترك المضاف إليه على إعرابه كان جائزا إلا أنه قليل نحو قولهم ما كل سوداء تمرة ولا كل بيضاء شحمة. ويشترط أن يتقدم في اللفظ ذكر المضاف أه. وقد أطال رحمه الله الكلام مع عدم التحرير لان قوله لانه يلزم منه العطف على عاملين مجاز وإنما يلزم منه العطف على معمولي عاملين لان الكلب معطوف على الآدمي وهو معمول للمضاف أعني سؤر، ونجس معطوف على طاهر وهو معمول المبتدأ أعني سؤر، فكان فيه العط ف على معمولين وهما الآدمي وطاهر لعاملين وهما المضاف والمبتدأ. هذا إذا كان المضاف عاملا في المضاف إليه، أما إذا كان العامل هو الاضافة فلا إشكال أنه من باب العطف على معمولي عاملين مختلفين. قال في المغني: وقولهم على عاملين فيه تجوز. قال الشمني: يعني بحذف المضاف. قال الرضي: معنى قولهم العطف على عاملين أن تعطف بحرف واحد معمولين مختلفين كانا في الاعراب كالمنصوب والمرفوع أو متفقين كالمنصوبين على معمولي عاملين مختلفين نحو إن زيدا ضرب عمرا وبكرا خالدا فهو عطف متفقي الاعراب على معمولي عاملين مختلفين. وقولك إن زيدا ضرب غلامه وبكرا أخوه عطف مختلفي الاعراب ولا يعطف المعمولان على عاملين بل على معموليهما فهذا القول منهم على حذف المضاف أه. وفي المغني: الحق جوازا العطف على معمولي عاملين في نحو في الدار زيد والحجرة عمرو أه. أما سؤر الكلب فهو طاهر عند مالك ومن تبعه ولكن يغسل الاناء منه سبعا تعبدا. وقال الشافعي: إنه نجس ويغسل الاناء منه سبعا إحداهن بالتراب. لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال يغسل الاناء إذا
[ 225 ]
ولغ فيه الكلب سبع مرا ت أولاهن أو أخراهن بالتراب رواه الائمة الستة في كتبهم. وفي
لفظ لمسلم وأبي داود طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات ورواه أيضا مسلم من حديث أبي هريرة إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات. وروى مالك في الموطأ عن أبي الزناد عن الاعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات قال ابن عبد البر: إن حديث أبي هريرة تواترت طرقه وكثرت عنه. والامر بالاراقة دليل التنجيس وكذا الطهور لانه مصدر بمعنى الطهارة فيستدعي سابقية الحدث أو الخبث ولا حدث في الاناء فتعين الثاني، ولانه متى دار الحكم بين كونه تعبديا ومعقول المعنى كأن جعله معقول المعنى هو الوجه لندرة التعبد وكثرة التعقل. ولنا قوله صلى الله عليه وسلم يغسل الاناء من ولوغ الكلب ثلاثا روي عن أبي هريرة فعلا وقولا مرفوعا وموقوفا من طريقين: الاول أخرجه الدارقطني بإسناد صحيح عن عطاء عن أبي هريرة إذا ولغ الكلب في الاناء فاهرقه ثم اغسله ثلاث مرات وأخرجه بهذا الاسناد عن أبي هريرة أنه قال إذا ولغ الكلب في الاناء أهرقه وغسل ثلاث مرات قال الشيخ تقي الدين في الالمام: هذا إسناد صحيح الطريق. الثاني أخرجه ابن عدي في الكامل عن الحسين بن علي الكرابيسي بسنده إلى عطاء عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه وليغسله ثلاث مرات ولم يرفعه غير الكرابيسي. قال ابن عدي قال لنا أحمد الحسين الكرابيسي يسأل عنه وله كتب مصنفة ذكر فيها اختلاف الناس من المسائل وذكر فيها أخبارا كثيرة وكان حافظا لها ولم أجد له منكرا غير هذا الحديث. والذي حمل أحمد بن حنبل عليه إنما هو من أجل اللفظ بالقرآن، فأما في الحديث فلم أر به بأسا أه. ومن المعلوم أن الحكم بالضعف والصحة إنما هو في الظاهر، أما في نفس الامر فيجوز صحة ما حكم بضعفه ظاهرا وثبوت كون مذهب أبي هريرة ذلك كما تقدم بالسند الصحيح قرينة تفيد أن هذا مما أجاده الراوي المضعف، وحينئذ يعارض حديث السبع ويقدم عليه لان مع حديث السبع دلالة التقدم للعلم بما كان من التشديد في أمر الكلاب أول الامر حتى أمر بقتلها
والتشديد في سؤرها يناسب كونه إذ ذاك وقد ثبت نسخ ذلك، فإذا عارض قرينه معارض كانت التقدمة له، ولو طرحنا الحديث بالكلية كان في عمل أبي هريرة على خلاف حديث السبع وهو رواية كفاية لاستحالة أن يترك القطعي بالرأي منه، وهذا لان ظنية خبر الواحد إنما هو بالنسبة إلى غير راوية، فأما بالنسبة إلى رواية الذي سمعه من في النبي صلى الله عليه وسلم فقطعي
[ 226 ]
حتى ينسخ به الكتا ب إذا كان قطعي الدلالة في معناه فلزم أنه لا يتركه إلا لقطعه بالناسخ إذ القطعي لا يترك إلا لقطعي فبطل تجويزهم تركه بناء على ثبوت ناسخ في اجتهاده المحتمل للخطأ. وإذا علمت ذلك كان تركه بمنزلة روايته للناسخ بلا شبهة فيكون الآخر منسوخا بالضرورة. كذا في فتح القدير. وقال الطحاوي: ولو وجب العمل برواية السبع ولا يجعل منسوخا لكان ما روى عبد الله بن المغفل في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أولى مما روى أبو هريرة لانه زاد عليه وعفروا الثامنة بالتراب والزائد أولى من الناقص فكان ينبغي للمخالف أن يعمل بهذه الزيادة، فإن تركها لزمه ما لزم خصمفي ترك السبع، ومالك لم يأخذ بالتعفير الثابت في الصحيح مطلقا فثبت أنه منسوخ أه. وحديث عبد الله بن المغفل مجمع على صحته ورواه مسلم وأبو داود فكان الاخذ بروايته أحوط، وقد روى عن أبي هريرة إذا ولغ السنور في الاناء يغسل سبع مرات ولم يعملوا به وكل جواب لهم عن ذلك فهو جوابنا عما زاد على الثلاث، أو يحمل ما زاد على الثلاث على الاستحباب، ويؤيده ما روى الدارقطني عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم في الكلب يلغ في الاناء أنه يغسل ثلاثا أو خمسا أو سبعا، فخيره ولو كان التسبيع واجبا لما خيره. ثم اعلم أن الطحاوي والوبري نقلا أن أصحابنا لم يجدوا لغسل الاناء منه حدا بل العبرة لاكبر الرأي ولو بمرة كما هو الحكم في غسل غيره من النجاسات. ذكره الطحاوي في كتاب اختلاف العلماء وهو مخالف لما في الهداية وغيرها أنه يغسل الاناء من ولوغه ثلاثا وهو ظاهر الحديث الذي استدلوا به، وسيأتي بيان أن الثلاث هل هي شرط في إزالة
الانجاس أو لا إن شاء الله تعالى. وفي النهاية: الولوغ حقيقة شرب الكلب المائعات باطراف لسانه. وفي شرح المهذب: إن الماضي والمضارع بفتح العين تقول ولغ يلغ. وقد قدمنا أن سؤر الكلب نجس عند أصحابنا جميعا، أما على القول بنجاسة عينه فظاهر، وأما على القول المصحح بطهارة عينه فلان لحمه نجس ولعابه متولد من لحمه ولا يلزم من طهارة عينه طهارة سؤره لنجاسة لحمه ولا يلزم من نجاسة سؤره نجاسة عينه وإنما يلزم من نجاسة سؤرة نجاسة لحمه المتولد منه اللعاب كما صرح به في التجنيس وفتح القدير وغيرهما، وسيأتي ايضاحه في الكلام على سؤر السباع. والمذكور في كتب الشافعية كالمهذب أنه لا فرق بين الولوغ ووضع بعض عضوه في الاناء، ولم أر هذا في كتبنا. والذي يقتضيه كلامهم على القول بنجاسة عينه تنجس الماء وعلى القول بطهارة عينه عدم تنجسه أخذا من قولهم إذا ولغ الكلب في البئر كما قدمناه لان ماء البئر في حكم الماء القليل كماء الآنية كما قدمناه. ولا فرق بين ولوغ كلب أو كلبين في الاكتفاء بالثلاث لان الثاني لو يوجب تنجسا كما لا يخفى. وإذا ولغ الكلب في طعام فالذي يقتضيه كلامهم أنه إن كان جامدا مور ما حوله وأكل الباقي، وإن كان مائعا انتفع به في غير الابدان كما قدمناه. وأما سؤر الخنزير فلانه نجس
[ 227 ]
العين لقوله تعالى * (أو لحم خنزير فإنه رجس) * (الانعام: 145) والرجس النجس والضمير عائد إليه لقربه وقد بسطنا الكلام فيه في الكلام على جلده. وأما سؤر سباع البهائم فقد قال الشافعي بطهارته محتجا بما رواه البيهقي والدارقطني عن جابر قال قيل: يا رسول الله أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: نعم وبما أفضلت السباع كلها. بما رواه مالك في الموطأ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج في ركب فيهم عمرو بن العاص حتى وردوا حوضا فقال عمرو بن العاص: يصاحب الحوض هل ترد حوضك السباع؟ فقال عمر بن الخطاب: يا صاحب الحوض لا تخبره فإنا نرد على السباع وترد علينا. وبما رواه ابن ماجه عن ابن عمر قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فسار ليلا فمروا على رجل
عند مقراة له فقال عمر: يا صاحب المقراة أولغت السباع الليلة في مقراتك؟ فقال عليه السلام: يا صاحب المقراة لا تخبره هذا مكلف لها ما حملت في بطونها ولنا ما بقي شراب وطهور. ولنا أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع، والظاهر من الحرمة مع كونه صالحا للغذاء غير مستقذر طبعا كونه للنجاسة وخبث طباعها لا ينافيه بل ذلك يصلح مثيرا لحكم النجاسة فليكن المثير لها فيجامعها ترتيبا على الوصف الصالح للعلية مقتضاه، ولانه ليس فيه ضرورة وعموم بلوى فيخرج السنور والفأرة، ولان لسانه يلاقي الماء فيخرج سباع الطير لانه يشرب بمنقاره كما سيأتي. ولم تتعارض أدلته فيخرج البغل والحمار، وأما حديث جابر فقد اعترف النووي بضعفه، وأما أثر الموطأ فهو وإن صححه البيهقي وذكر أنه مرسل يحتج به على أبي حنيفة فقد ضعفه ابن معين والدارقطني وأما حديث ابن ماجه فقد ضعفه ابن عدي، وعلى تسليم الصحة يحمل على الماء الكثير أو على ما قبل تحريم لحوم السباع أو على حمر الوحش وسباع الطير بدليل ما تمسكوا به من حديث القلتين فإنه صلى الله عليه وسلم قال إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا جوابا لسؤاله عن الماء يكون في الفلاة وما ينوبه من السباع اعطاء لحكم هذا الماء الذي ترده السباع وغيره، فإن الجواب لا بد أن يطابق أو يزيد فيندرج فيه المسؤول عنه وغيره وقد قال بمفهوم شرطه فنجس ما دون القلتين وإن لم يتغير، وحقيقة مفهوم شرطه أنه إذا لم يبلغها يتنجس من ورود السباع وهذا من الوجوه الالزامية له. قال الزيلعي رحمه الله: ثم اعلم أن في مذهب أصحابنا في سؤر ما لا يؤكل لحمه من السباع إشكالا فإنهم يقولون لانه متولد من لحم نجس ثم يقولون إذا ذكى طهر لحمه لان نجاسته لاجل رطوبة الدم وقد خرج بالذكاة فإن كانوا يعنون بقولهم نجس عينه وجب أن لا يطهر بالذكاة كالخنزير، وإن كانوا يعنون به لاجل مجاورة الدم فالمأكول كذلك يجاوره الدم، فمن أين جاء الاختلاف بينهما في السؤر إذا كان كل واحد منها يطهر بالذكاة ويتنجس بموته حتف أنفه ولا فرق بينهما إلا في المذكي في حق الاكل والحرمة لا توجب النجاسة؟ وكم من طاهر لا يحل أكله ومن ثم قال بعضهم: لا يطهر بالذكاة إلا جلده لاحرمة لحمه لا لكرامته
[ 228 ]
آية نجاسته لكن بين الجلد واللحم جلدة رقيقة تمنع تنجس الجلد باللحم وهذا هو الصحيح لان لا وجه لنجاسة السؤر إلا بهذا الطريق أه. وقد ذكر في العناية حاصل هذا الاشكال وذكر أنها نكتة لا بأس بالتنبيه عليها ثم قال: وحلما أن المراد باللحم الطاهر المتولد منه اللعاب ما يحل أكله بعد الذبح وبالنجس ما يقابله، وهذا لانهما اشتركا في النجاسة المجارة بالدم المسفوح قبل الذبح فإن الشاة لا تؤكل إذا ماتت حتف أنفها، واشتركا في الطهارة بعده لزوال المنجس وهو الدم فلا فرق بينهما إلا أن الشاة تؤكل بعد الذبح دون الكلب، ولا فرق بينهما أيضا في الظاهر إلا اختلاط اللعاب المتولد من اللحم. فعلم من هذا أن اللعاب المتولد من لحم مأكول بعد الذبح طاهر بلا كراهة دون غيره إضافة للحكم إلى الفارق صيانة لحكم الشرع عن المناقضة ظاهرا. هذا ما سنح لي أه. ولا يخفى ما فهذا الجواب فإن قول الزيلعي والحرمة لا توجب النجاسة يرده بل الجواب الصحيح ما في شرح الوقاية وهو أن الحرمة إذا لم تكن للكرامة فإنها آية النجاسة لكن فيه شبهة أن النجاسة لاختلاط الدم باللحم إذ لولا ذلك بل نجاسته لذاته لكان نجس العين وليس كذلك، فغير مأكول اللحم إذا كان حيا فلعابه متولد من اللحم الحرام المخلوط بالدم فيكون نجسا لاجتماع الامرين، أما في مأكول اللحم فلم يوجد إلا أحدهما وهو الاختلاط بالدم فلم يوجب نجاسة السؤر لان هذه العلة بانفرادها ضعيفة إذ الدم المستقر في موضعه لم يعط له حكم النجاسة في الحي. وإذا لم يكن حيا، فإن لم يكن مذكى كان نجسا، سواء كان مأكول اللحم أو غيره، لانه صار حراما بالموت، فالحرمة موجودة مع اختلاط الدم فيكون نجسا، فإذا كان مذكى كان طاهرا، أما في مأكول اللحم فلانه لم توجد الحرمة ولا اختلاط الدم، وأما في غير مأكول اللحم فلانه لم يوجد الاختلاط والحرمة المجردة غير كافية في النجاسة على ما مر أنها تثبت باجتماع الامرين أه. فحاصله أن نجاسة اللحم لحرمته مع اختلاط الدم المسفوح به وقد فقد الثاني في المذكى من السباع فكان طاهرا واجتمعا في حالتي الموت والحياة فكان نجسا، وفقد الاول في الشاة
حالة الحياة والذكاة فكان طاهرا واجتمعا حالة الموت فكان نجسا. فظهر من هذا كله إن طهارة العين لا تستلزم طهارة اللحم لان السباع طاهرة العين باتفاق اصحابنا كما نقله بعضهم مع أن لحمها نجس فثبت بهذا ما قدمناه من أن الكلب طاهر العين ولحمه نجس ونجاسة سؤره لنجاسة لحمه. لكن بقي ههنا كلام وهو أن قولهم بين الجلد واللحم جلدة رقيقة تمنع
[ 229 ]
تنجس الجلد باللحم مشكل فإنه يقتضي طهارة الجلد من غير توقف على الذكاة أو الدباغة كما لا يخفى. وفي مبسوط شيخ الاسلام ذكر محمد نجاسة سؤر السباع ولم يبين أنها خفيفة أم غليظة، فعن أبي حنيفة في غير رواية الاصول غليظة، وعن أبي يوسف أن سؤر ما لا يؤكل لحمه كبول ما يؤكل لحمه. كذا في معراج الدراية. ومما سيأتي في سبب التغليظ والتخفيف يظهر وجه كل من الروايتين، فالذي يظهر ترجيح الاولى لما عرف من أصله. قوله (والهرة والدجاجة المخلاة وسباع الطير وسواكن البيوت مكروه) أي سؤر هذه الاشياء مكروه. وفي التبيين: وإعرابه بالرفع أجود على ما تقدم. قال المصنف في المستصفى: ويعني من السؤر المكروه أنه طاهر لكن الاولى أن يتوضأ بغيره أه. واعلم أن المكروه إذا أطلق في كلامهم فالمراد منه التحريم إلا أن ينص على كراهة التنزيه فقد قال المصنف في المستصفى: لفظ الكراهة عند الاطلاق يراد بها التحريم. قال أبو يوسف: قال لابي حنيفة رحمه الله إذا قلت في شئ أكره فما رأيك فيه؟ قال: التحريم أه. وقد صرحوا بالخلاف في كراهة سؤر الهرة فمنهم كالطحاوي من مال إلى أنها كراهة تحريم نظرا إلى حرمة لحمها، ومنهم كالكرخي من مال إلى كراهة التنزيه نظرا إلى أنها لا تتحامى النجاسة. قالوا: وهو الاصح وهو ظاهر ما في الاصل فإنه قال: وإن توضأ بغيره أحب إلي. لكن صرح بالكراهة في الجامع الصغير فكانت للتحريم لما تقدم. وأما سؤر الدجاجة المخلاة فلم أر من ذكر خلافا في المراد من الكراهة بل ظاهر كلامهم أنها كراهة تنزيه بلا خلاف لانها لا تتحامى النجاسة، وكذا في سباع الطير وسواكن البيوت. أما سؤر الهرة فظاهر ما في شروح الهداية أن أبا
يوسف مع أبي حنيفة ومحمد في ظاهر الرواية وعن أبي يوسف أنه لا بأس بسؤرها، وظاهر ما في المنظومة وغيرها أن أبا يوسف مخالف لهما مستدلا بما عن كبشة بنت كعب بن مالك وكانت تحت أبي قتادة قالت: دخل عليها أبو قتادة فسكبت له وضوءا فجاءت هرة تشرب منه فأصغى لها الاناء حتى شربت قالت كبشة: فرآني أنظر إليه فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ فقلت: نعم. قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنها ليست بنجس أنها من الطوافين عليكم والطوافات. رواه أبو داود والترمذي وابن حبان في صحيح والحاكم في المستدرك ومالك
[ 230 ]
في الموطأ وابن خزيمة في صحيحه. وقال الترمذي: حديث أبي قتادة حسن صحيح وهو أحسن شئ في الباب. وقال البيهقي: اسناده صحيح وعليه الاعتماد. والنجس بفتحتين كل ما يستقذر. قال النووي: أما لفظ أو الطوافات فروي به أو وبالواو. قال صاحب مطالع الانوار: يحتمل أن تكون للشك، ويحتمل أن تكون للتقسيم ويكون ذكر الصنفين من الذكور والاناث. وهذا الذي قاله محتمل والاظهر أنه للنوعين. قال أهل اللغة: الطوافون الخدم والمماليك، وقيل هم الذين يخدمون برفق وعناية. ومعنى الحديث أن الطوافين من الخدم والصغار الذين سقط في حقهم الحجاب، والاستئذان في غير الاوقات الثلاثة التي هي قبل الفجر وبعد العشاء وحين الظهيرة التي ذكرها الله تعالى إنما سقط في حقهم دون غيرهم للضرورة وكثرة مداخلتهم بخلاف الاحرار البالغين فلهذا يعفى عن الهرة للحاجة أه. ولهما أنه لا نزاع في سقوط النجاسة المفاد بالحديث بعلة الطوف المنصوصة يعني أنها تدخل المضايق ولازمه شدة المخالطة بحيث يتعذر معه صون الاواني منها بل صون النفس متعذر فللضرورة اللازمة من ذلك سقطت النجاسة إنما الكلام بعد هذا في ثبوت الكراهة. فإن كانت الكراهة كراهة تحريم كما قال الطحاوي لم ينتهض به وجه، فإن قال سقطت النجاسة فبقيت كراهة التحريم منعت الملازمة إذ سقوط وصف أو حكم شرعي لا يقتضي ثبوت آخر إلا بدليل. والحاصل أن إثبات كل حكم شرعي يستدعي دليلا، فإثبات كراهة التحريم والحالة هذه بغير
دليل وإن كانت كراهة تنزيه على الاصح كفى فيه أنها لا تتحامى النجاسة فيكره كماء غمس الصغير يده فيه وأصله كراهة غمس اليد في الاناء للمستيقظ قبل غسلها نهى عنه في حديث المستيقظ لتوهم النجاسة، فهذا أصل صحيح منتهض يتم به المطلوب من غير حاجة إلى التمسك بالحديث وهو ما رواه الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال قال رسوالله صلى الله عليه وسلم السنور سبع ووجه التمسك به على ما ذكره المصنف في المستصفى أنه عليه السلام لم يرد الحقيقة لانه ما بعث لبيان الحقائق فيكون المراد به الحكم والحكم أنواع نجاسة السؤر وكراهته وحرمة اللحم. ثم لا يخلوا إما أيلحق به في حق جميع الاحكام وهو غير ممكن لان فيه قولا بنجاسة السؤر مع كراهته وأنه لا يجوز أو في حرمة اللحم وأنه لا يجوز لما أنها ثابتة بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع، أو في كراهة السؤر وهو المرام أو في نجاسته وهو أنه لا يجوز أيضا إذا النجاسة منتفية بالاجماع، أو بالحديث، أو بالضرورة فبقيت الكراهة، أو في الاول مع الثاني أو في الاول مع الثالث أو في الثاني مع الثالث، وأنه لا يجوز لما مر.
[ 231 ]
فإن قيل: إنما يستقيم هذا الكلام أن لو كان هذا الحديث واردا بعد تحريم السباع قلنا: حرمة لحم السباع قبل ورود هذا الحديث يخلوا أن تكون ثابتة أو لم تكن: فإن كانت ثابتة فظاهر، وإن لم تكن ثابتة لا تكون الحرمة من لوازم كونه سبعا فلا يمكن جعله مجازا عنها أو نقول. ابتداء لا يجوز أن تكون حرمة اللحم مرادة من هذا الحديث لان فيه حمل كلام الرسول عليه الصلاة والسلام على الاعادة لا على الافادة، سواء كان هذا الحديث سابقا أو مسبوقا تأمل تدر أه. فثبت بهذا كراهة سؤرها، ويحمل إصغاء أبي قتادة الاناء على زوال ذلك التوهم بأن كانت بمرأى منه في زمان يمكن فيه غسلها فمها بلعابها. وأما على قومحمد فيمكن كونه بمشاهدة شربها من ماء كثير أو مشاهدة قدومها عن غيبة يجوز معها ذلك فيعارض هذا التجويز أكلها نجسا قبيل شربها فيسقطه فتبقى الطهارة دن كراهة لانها ما جاءت إلا من ذلك التجويز وقد سقط، وعلى هذا لا ينبغي إطلاق كراهة أكل فضلها والصلاة إذا لحست عضوا
قبل غسله كما أطلقه شمس الائمة وغيره بل يقيد بثبوت ذلك التوهم، فأما لو كان زائلا بما قلنا فلا. وقد تسامح في غاية البيان حيث قال: ومن الواجب على العوام أن يغسلوا مواضع لحس الهرة إذا دخلت تحت لحافهم لكراهة ما أصابه فمها فإنا قدمنا أن الصحيح أنها تنزيهية وترك المكروه كراهة تنزيه مستحب لا واجب إلا أن يراد بالواجب الثابت، ولا يخفى أن كراهة أكل فضلها تنزيها إنما هو في حق الغني لانه يقدر على غيره، أما في حق الفقير فلا يكره كما صرح به في السراج الوهاج وهو نظير ما قالوا إن السؤر المكروه إنما يكون عند وجود غيره، أما عند عدم غيره فلا كراهة أصلا. واعلم أن قولهم إن الاصل في سؤر الهرة أن يكون نجسا وإنما سقطت النجاسة بعلة الطواف يفيد أن سؤر الهرة الوحشية نجس وإن كان النص بخلافه لعدم العلة وهي الطواف لان العلة إذا كانت ثابت بالنص وعرف قطعا أن الحكم متعلق بها فالحكم يدور على وجودها لا غير كعدم حرمة التأفيف للوالدين إذا لم يعلم الولد معناه، أو استعمله بجهة الاكرام. ذكره فكشف الاسرار في بحث دلالة النص. وأما سؤر الدجاجة المخلاة فلانها تخالط النجاسة فمنقارها لا يخلو عن قذر، وكذا البقر الجلالة والابل الجلالة إلا أن تكون محبوسة. واختلفوا في تفسيرها فقيل هي التي تحبس في بيت ويغلق بابه وتعلف هناك لعدم النجاسة على منقارها لا من حيث الحقيقة ولا من حيث الاعتبار لانها لا تجد عذرات غيرها حتى تجول فيها وهي في عذرات نفسها لا تجول، وإليه ذهب شيخ الاسلام في مبسوطه. وحكي عن الامام الحاكم عبد الرحمن أنه قال: لم يرد بكونها محبوسة أن تكون محبوسة في بيتها لانها وإن كانت محبوسة تجول في عذارت نفسها فلا
[ 232 ]
يؤمن من أن يكون على منقارها قذر فيكره كما لو كانت مخلاة، وإنما المراد أن تحبس في بيت لتسمن للاكل فيكون رأسها وعلفها وماؤها خارج البيت فلا يمكنها أن تجول في عذرات نفسها. كذا في معراج الدراية، واختار الثاني صاحب الهداية وغيره، وفي فتح القدير: والحق أنها لا تأكله بل تلاحظ الحب بينه فتلقطه.
وأما سؤر سباع الطير كالصقر والبازي فالقياس نجاسته لنجاسة لحمها لحرمة أكله كسباع البهائم، ووجه الاستحسان أن حرمة لحمها وإن اقتضت النجاسة لكنها تشرب بمنقارها وهو عظم جاف طاهر لكنها تأكل الميتات والجيف غالبا فأشبه الدجاجة المخلاة فأورث الكراهة بخلاف سباع البهائم فإنها تشرب بلسانها وهو رطب بلعابها المتولد من لحمها وهو نجس فافترقا، ولان في سباع الطير ضرورة وبلوى فإنها تنقض من الهواء فتشرب ولا يمكن صون الاواني عنها خصوصا في البراري وعن أبي يوسف أن الكراهة لتوهم النجاسة في منقارها لا لوصول لعابها إلى الماء حتى لو كانت محبوسة يعلم صاحبها أنه لا قذر في منقارها لا يكره التوضؤ بسؤرها، واستحسن المشايخ المتأخرون هذه الرواية وأفتوا بها. كذا في النهاية. وفي التنجيس: يجوز أن يفتى بها. وأما سؤر سواكن البيوت كالحية والفأرة فلان حرمة اللحم أوجبت النجاسة لكنها سقطت النجاسة بعلة الطواف وبقيت الكراهة، والعلة المذكورة في الحديث في الهرة موجودة بعينها في سواكن البيوت وهي الطواف فيثبت ذلك الحكم المترتب عليها وهو سقوط النجاسة وتثبت الكراهة لتوهمها. فرع: تكره الصلاة مع حمل ما سؤره مكروه كالهرة كذا في التوشيح. نكنة: قيل: ست تورث النسيان: سؤر الفأرة وإلقاء القملة وهي حية والبول في الماء الراكد وقطع القطار ومضغ العلك وأكل التفاح. ومنهم من ذكره حديثا لكن قال أبو الفرج بن الجوزي: إنه حديث موضوع. قوله (والحمار والبغل مشكوك) أي سؤرهما مشكوك فيه. هذه عبارة أكثر مشايخنا، وأبو طاهر الدباس أنكر أن يكون شئ من أحكام الله تعالى مشكوكا فيه. وقال: سؤر الحمار طاهر لو غمس فيه الثوب جازت الصلاة معه إلا أنه محتاط فيه فأمر بالجمع بينه وبين التيمم ومنع منه حالة القدرة، والمشايخ قالوا: المراد بالشك التوقف لتعارض الادلة لا أن يعني بكونه مشكوكا الجهل بحكم الشرع لان حكمه معلوم وهو وجوب الاستعمال وانتفاء النجاسة وضم التيمم إليه والقول بالتوقف عند تعار ض الادلة دليل العلم وغاية الورع وبيان التعارض على ما في المبسوط تعارض الاخبار في أكل لحمه فإنه روي أنه عليه الصلاة
والسلام نهى عن أكل لحوم الحمر الاهلية يوم خيبر. وروى غالب بن أبجر قال: لم يبق لي
[ 233 ]
مال إلا حميرات فقال عليه السلام: كل من سمين مالك. قال شيخ الاسلام خواهر زاده في مبسوطه: وهذا لا يقوى لان لحمه حبلا إشكال لانه اجتمع المحرم والمبيح فغلب المحرم على المبيح كما لو أخبر عدل بأن هذا اللحم ذبيحة مجوسي والآخر أنه ذبيحة مسلم لا يحل أكله لغلبة الحرمة فكان لحمه حراما بلا إشكال، ولعابه متولد منه فيكون نجسا بلا إشكال. وقيل: سبب الاشكال اختلاف الصحابة فإنه روي عن ابن عمر أنه كان يكره التوضؤ بسؤر الحمار والبغل. وعن ابن عباس أنه قال: الحمار يعلف القت والتبن فسؤره طاهر. قال شيخ الاسلام: وهذا لا يقوى أيضا لان الاختلاف في طهارة الماء ونجاسته لا يوجب الاشكال كما في إناء أخبر عدل أنه طاهر وآخر أنه نجس فالماء لا يصير مشكلا وقد استوى الخبران وبقي العبرة للاصل فكذا هاههنا، ولكن الاصح في التمسك أن دليل الشك هو التردد في الضرورة فإن الحمار يربط في الدور والافنية فيشرب من الاواني وللضرورة أثر في إسقاط النجاسة كما في الهرة والفأرة إلا أن الضرورة في الحمار دون الضرورة فيهما لدخولهما مضايق البيت بخلاف الحمار، ولو لم تكن الضرورة ثابتة أصلا كما في الكلب والسباع لوجب الحكم بالنجاسة بلا إشكال، ولو كانت الضرورة مثل الضرورة فيهما لوجب الحكم بإسقاط النجاسة، فلما ثبتت الضرورة من وجه دون وجه واستوى ما يوجب النجاسة والطهارة تساقطا للتعارض فوجب المصير إلى الاصل والاصل هاهنا شيئان: الطهارة في جانب الماء والنجاسة في جانب اللعاب لان لعابه نجس كما بينا وليس أحدهما بأولى من الآخر فبقي الامر مشكلا نجسا من وجه طاهرا من وجه فكان الاشكال عند علمائنا بهذا الطريق لا للاشكال في لحمه ولا لاختلاف الصحابة في سؤره وبهذا التقرير يندفع كثير من الاسئلة منها أن المحرم والمبيح إذا اجتمعا يغلب المحرم احتياطا، وجوابه أن القول بالاحتياط إنما يكون في ترجيح الحرمة في غير هذا الموضع أما هاهنا الاحتياط في إثبات الشك لانا إن
رجحنا الحرمة للاحتياط يلزم ترك العمل بالاحتياط لانه حينئذ لا يجوز استعمال سؤر الحمار مع احتمال كونه مطهرا باعتبار الشك فكان متيمما عند وجود الماء في أحد الوجهين وذلك حرام، فلا يكون عملا بالاحتياط ولا بالمباح، وما قيل إن في تغليب الحرمة تقليل النسخ فذلك في تعارض النصين لا في الضرورة. ومنها أن يقال: لما وقع التعارض في سؤره وجب المصير إلى الخلف وهو التيمم كمن له إناآن أحدهما طاهر والآخر نجس فاشتبه عليه فإنه يسقط استعمال الماء ويجب التيمم، فكذا ههنا. قلنا: الماء ههنا طاهر لما ذكرنا أن قضية الشك أن يبقى كل واحد على حاله ولم يزل الحدث لانه لما كان ثابتا بيقين فيبقى إلى أن يوجد المزيل بيقين، والماء طاهر ووقع الشك في طهوريته فلا يسقط استعماله بالشك بخلاف الاناءين فإن أحدهما نجس يقينا والآخر طاهر يقينا لكنه عجز عن استعماله لعدم علمه فيصار إلى الخلف. ومنها أن التعارض لا يوجب الشك كما في إخبار عدلين بالطهارة والنجاسة
[ 234 ]
حيث يتوضأ بلا تيمم. قلنا في تعارض الخبرين وجب تساقطهما فرجحنا كون الماء مطهرا باستصحاب الحال والماء كان مطهرا قبله وههنا تعارض جهتا الضرورة فتساقطتا فأبقينا ما كان على ما كان أيضا إلا أن ههنا ما كان ثابتا على حاله قبل التعارض شيئان: جانب الماء وجانب اللعاب وليس أحدهما بأولى من الآخر فوجب الشك. ومنها ما قيل في استعمال الماء ترك العمل بالاحتياط من وجه آخر لانه إن كان نجسا فقد تنجس العضو قلنا: أما على القول بأن الشك في الطهورية فظاهر، وأما على القول المرجوح من أن الشك في كونه طاهرا فالجواب أن العضو طاهر بيقين فلا يتنجس بالشك، والحدث ثابت بيقين فلا يزول بالشك فيجب ضم التيمم ضم التيمم إليه. كذا في معراج الدراية وغيره. وفي الكافي ولم يتعارض الخبر أن في سؤر الهرة إذ قوله صلى الله عليه وسلم الهرة سبع لا يقتضي نجاسة السؤر لما قدمنا أه. ثم اختلف مشايخنا فقيل الشك في طهارته، وقيل في طهوريته، وقيل فيهما جميعا، والاصح أنه في طهوريته وهو قول الجمهور. كذا في الكافي. هذا مع
اتفاقهم أنه على ظاهر الرواية لا ينجس الثوب والبدن والماء ولا يرفع الحدث فلهذا قال في كشف الاسرار شرح أصول فخر الاسلام: إن الاختلاف لفظي لان من قال الشك في طهوريته لا في طهارته أراد أن الطاهرلا يتنجس به ووجب الجمع بينه وبين التراب لا أن ليس في طهارته شك أصلا لان الشك في طهوريته إنما نشأ من الشك في طهارته لتعارض الادلة في طهارته ونجاسته أه. وبهذا التقرير علم ضعف ما استدل به في الهداية لقول من قال الشك في طهوريته بأنه لو وجد الماء المطلق لا يجب عليه غسل رأسه فإن وجوب غسله إنما يثبت بتيقن النجاسة والثابت الشك فيها فلا يتنجس الرأس بالشك فلا يجب. وعلم أيضا ضعف ما في فتاوى قاضيخان تفريعا على كون الشك في طهارته أنه لو وقع في الماء القليل أفسده لانه لا إفساد بالشك، وفي المحيط تفريعا على الشك في طهوريته أنه لو وقع في الماء يجوز التوضؤ به ما لم يغلب عليه لانه طاهر غير طهور كالماء المستعمل عند محمد اه. وكان
[ 235 ]
الوجه أن يقول ما لم يساوه لما علمته في مسألة الفساقي وقد قدمنا حكم عرقه. وأما لبنها فاختار في الهداية أنه طاهر ولا يؤكل وصححه في منية المصلي، وبه اندفع ما في النهاية أنه لم يرجحه أحد، وعن البزدوي أنه يعتبر فيه الكثير الفاحش، وصححه التمرتاشي، وصحح بعضهم أنه نجس نجاسة غليظة. وفي المحيط: إنه نجس في ظاهر الرواية ومقتضى القول بطهارته القول بحل أكله وشربه يدل عليه ما في المبسوط: قيل لمحمد لم قلت بطهارة بول ما يؤكل لحمه ولم تقل بطهارة روثه؟ قال: لما قلت بطهارة بوله أبحت شربه، ولو قلت بطهارة روثه لابحت أكله وأحد لا يقول بها اه. فإن ظاهره أن الطهارة والحل متلازمان يلزم من القول بأحدهما القول بالآخر. ومن المشايخ من قال بنجاسة سؤر الحمار دون الاتان لان الحمار ينجس فمه بشم البول، وفي البدائع: وهذا غير سديد لانه أمر موهوم لا يغلب وجوده فلا يؤثر في إزالة الثابت، وقال قاضيخان: والاصح أنه لا فرق بينهما، ولما ثبت الحكم في الحمار ثبت في البغل لانه من نسله فيكون بمنزلته. قال الزيلعي: هذا إذا كانت أمه أتانا
فظاهر لان الام هي المعتبرة في الحكم، وإن كانت فرسا ففيه إشكال لما ذكرنا أن العبرة للام ألا ترى أن الذئب لونزا على شاة فولدت ذئبا حل أكله ويجزئ في الاضحية، فكان ينبغي أن يكون مأكولا عندهما وطاهرا عند أبي حنيفة اعتبار اللام. وفي الغاية: إذا نزا الحمار على الرمكة لا يكره لحم البغل المتولد منهما عند محمد، فعلى هذا لا يصير سؤره مشكوكا اه. والرمكة هي الفرس وهي البرذونة تتخذ للنسل. كذا في المغرب. ويمكن الجواب عن الاشكال بأن البغل لما كان متولدا من الحمار والفرس فصار سؤره كسؤر فرس اختلط بسؤر الحمار فصار مشكوكا. ذكره في معراج الدراية وغيره، وذكر مسكين في شرح الكتاب سؤالا فقال: فإن قلت أين ذهب قولك الولد يتبع الام في الحل والحرمة قلت: ذلك إذا لم يغلب شبهه بالاب أما إذا غلب شبهه فلا أه. وبهذا سقط أيضا إشكال الزيلعي كما لا يخفى. وقال جمال الدين الرازي شارح الكتاب: البغال أربعة: بغل يؤكل بالاجماع وهو المتولد من حمار وحشي وبقرة، وبغل لا يؤكل بالاجماع وهو المتولد من أتان أهلي وفحل، وبغل يؤكل عندهما وهو المتولد من المتولد من فحل وأتان حمار وحشي، وبغل ينبغي أن يؤكل عندهما وهو المتولد من رمكة وحمار أهلي أه. وفي النوازل: لا يحل شرب ما شرب منه الحمار. وقال ابن
[ 236 ]
مقاتل: لا بأس به. قال الفقيه أبو الليث: هذا خلاف قول أصحابنا، ولو أخذ إنسان بهذا القول أرجو أن لا يكون به بأس والاحتياط أن لا يشرب. كذا في فتح القدير. وفرع في المحيط على كون سؤر الحمار مشكوكا ما لو اغتسلت بسؤر الحمار تنقطع الرجعة ولا تحل للازواج لانه مشكوك فيه فإن كان طاهرا فلا رجعة، وإن كان نجسا لم يكن مطهرا فله الرجعة فإذا احتمل انقطعت احتياطا ولا تحل لغيره احتياطا اه.. قوله (توضأ به وتيمم إن فقد ماء) أي توضأ بسؤرهما وتيمم إن لم يجد ماء مطلقا يعني يجمع بينهما، والمراد بالجمع أن لا تخلو الصلاة الواحدة عنهما وإن لم يوجد الجمع في حالة واحدة حتى لو توضأ بسؤر الحمار وصلى ثم أحدث وتيمم وصلى تلك الصلاة أيضا جاز لانه
جمع بين الوضوء والتيمم في حق صلاة واحدة وهو الصحيح. كذا في فتاوى قاضيخان. فأفاد أن فيها اختلافا. وفي الجامع الصغير للمحبوبي وعن نصير بن يحيى في رجل لم يجد إلا سؤر الحمار قال: يهريق ذلك السؤر حتى يصير عادما للماء ثم يتيمم. فعرض قوله هذا على القاسم الصفار فقال: هو قول جيد. وذكر محمد في نوادر الصلاة: لو توضأ بسؤر الحمار وتيمم ثم أصاب ماء نظيفا ولم يتوضأ به حتى ذهب الماء ومعه سؤر الحمار فعليه إعادة التيمم وليس عليه إعادة الوضوء بسؤر الحمار لانه إذا كان مطهرا فقد توضأ به، وإن كان نجسا فليس عليه الوضوء لا في المرة الاولى ولا في الثانية. كذا في النهاية. وفي الخلاصة: ولو تيمم وصلى ثم أراق سؤر الحمار يلزمه إعادة التيمم والصلاة لانه يحتمل أن سؤر الحمار كان طهورا أه. فإن قيل، هذا الطريق يستلزم أداء الصلاة بغير طهارة في إحدى المرتين لا محالة وهو مستلزم للكفر لتأديه إلى الاستخفاف بالدين فينبغي أن لا يجوز ويجب الجمع في أداء واحد قلنا: ذلك فيما أدى بغير طهارة بيقين فأما إذا كان أداؤه بطهارة من وجه فلا، لانتفاء الاستخفاف لانه عمل بالشرع من وجه وههنا كذلك لان كل واحد من السؤر والتراب مطهر من وجه دون وجه فلا يكون الاداء بغير طهارة من كل وجه فلا يلزم منه الكفر كما لو صلى حنفي بعد الفصد أو الحجامة لا تجوز صلاته ولا يكفر لمكان الاختلاف، وهذا أولى بخلاف ما لو صلى بعد البول. كذا في معراج الدراية. قوله (وأيا قدم صح) أي من المذكورين وهما الوضوء والتيمم أيا بدأ به جاز حتى لو توضأ ثم تيمم جاز بالاتفاق، وإن عكس جاز عندنا خلافا لزفر لانه لا يجوز المصير إلى التيمم مع وجود ماء هو واجب الاستعمال فصار كالماء المطلق. ولنا وهو الاصح أن الماء إن كان طهروا فلا معنى للتيمم، تقدم أو تأخر، وإن لم يكن طهورا فالمطهر هو التيمم، تقدم أو
[ 237 ]
تأخر، ووجود هذا الماء وعدمه بمنزلة واحدة وإنما يجمع بينهما لعدم العلم بالمطهر منهما عينا فكان الاحتياط في الجمع دون الترتيب. وكذا الاختلاف في الاغتسال به فعندنا لا يشترط
تقديمه خلافا له لكن الافضل تقديم الوضوء والاغتسال به عندنا. وفي الخلاصة: اختلفوا في النية في الوضوء بسؤر الحمار والاحوط أن ينوي اه. (تنبيه) فيه ثلاث مسائل: الاولى ما قدمناه لو أخبر عدل بأن هذا اللحم ذبيحة المجوسي وأخبر عدل آخر أنه ذبيحة المسلم فإنه لا يحل أكله. الثانية ما قدمناه لو أخبر عدل بنجاسة الماء وعدل آخر بطهارته فإنه يحكم بطهارته. الثالثة ما ذكره محمد في كتاب الاستحسان كما نقله في التوشيح لو أخبر عدل بحل طعام وآخر بحرمته فإنه يحكم بحله. وهذا التنبيه لبيان الفرق بين الثلاث فإنه قد يشتبه والاصل فيها أن الخبرين إذا تعارضا تساقطا ويبقى ما كان ثابتا قبل الخبر على ما كان، ففي الماء قبل الخبر الثابت إباحة شربه وطهارته فلما تعارض الدليلان تساقطا فبقي ما كان من الاباحة والطهارة، وفي الطعام كذلك لان الاصل هو الحل فوجب العمل به إذ لو ترجح جانب الحرمة لزم ترجيح أحد المتساويين بلا مرجح مع ترك العمل بالاصل ولا يجوز ترجيح الحرمة بالاحتياط لاستلزامه تكذيب الخبر بالحل من غير دليل، فأما تعارض أدلة الشرع في حل الطعام وحرمته فيوجب ترجيح الحرمة تقليلا للنسخ الذي هو خلاف الاصل وعملا بالاحتياط الذي هو الاصل في أمور الدين عند عدم المانع. وأما مسألة اللحم الاولى فإنه لما تساقط الدليلان أيضا بالتعارض بقي ما كان ثابتا قبل الذبح والثابت قبله حرمة الاكل لانه إنما يحل أكله بالذبح شرعا، وإذا لم يثبت السبب المبيح لوقوع التعارض في سبب الاباحة بقي حراما كما كان فظهر الفرق بين الثلاث، لكن ذكر الامام جلال الدين الخبازي في حاشية الهداية تفصيلا حسنا في مسألة الماء تسكن إليه النفس ويميل إليه القلب فقال: فإن قيل إذا أخبر عدل بنجاسة الماء وعدل آخر بطهارته لم يصير الماء مشكوكا مع وقوع التعارض بين الخبرين؟ قلنا: لا تعارض ثمة لانه أمكن ترجيح أحدهما فإن المخبر عن الطهارة لو استقصى
[ 238 ]
في ذلك بأن قال أخذت هذا الماء من النهر وسددت فم هذا الاناء ولم يخالطه شئ أصلا رجحنا خبره لتأيده بالاصل، وإن بنى خبره على الاستصحاب وقال كان طاهرا فيبقى كذلك
رجحنا خبر النجاسة لانه أخبر عن محسوس مشاهد وأنه راجح على الاستصحاب أه. والذي ظهر لي أنه يحمل كلام المشايخ على ما إذا لم يبين مستند اخباره فإذا لم يبين يعمل بالاصل وهو الطهارة، وإن بين فالعبرة لهذا التفصيل. قوله (بخلاف نبيذ التمر) يعني إن فقد ماء مطلقا ولم يجد إلا نبيذ التمر فإنه يتوضأ ولا يجمع بينه وبين التيمم، وذكر هذه المسألة هنا إما لانه مما يجوز الوضوء به على رأي أو لان محمدا لما أوجب الجمع صار عنده مشكوكا فيه فشابه سؤر الحمار. كذا قيل لكن لا يخفى ضعف الثاني لان المصنف جعله مخالفا لسؤر الحمار. ثم اعلم أن الكلام ههنا في ثلاثة مواضع: الاول في تفسيره. الثاني في وقته. الثالث في حكمه. أما الاول فهو أن يلقي في الماء تميرات فيصر رقيقا يسيل على الاعضاء حلوا غير مسكر ولا مطبوخ. وإنما قلنا حلوا لانه لو توضأ به قبل خروج الحلاوة يجوز بلا خلاف، وإنما قلنا غير مسكر لانه لو كان مسكرا لا يجوز الوضوء به بلا خلاف لانه حرام، وإنما قلنا غير مطبوخ لانه لو طبخ فالصحيح أنه لا يتوضأ به إذ النار قد غيرته حلوا كان أو مشتدا كمطبوخ الباقلاء. كذا في المبسوط والمحيط يعني بلا خلاف بين الثلاثة وهو الاليق بما قدمناه من أن الماء يصير مقيدا بالطبخ إذا لم يقصد به المبالغة في التنظيف، وبه يظهر ضعف ما صححه في المفيد والمزيد أنه يجوز الوضوء به بعدما طبخ. وقد ذكر الزيلعي أن صاحب الهداية وقع منه تناقض فإنه ذكر هنا أن النار إذا غيرته يجز الوضوء به عند أبي حنيفة لجواز شربه، وذكر في بحث المياه أنه لا يجوز الوضوء بما تغير بالطبخ أه. ولا يخفى ثبوت الخلاف في هذه المسألة لان اختلاف التصحيح ينبئ عنه فكان فيه روايتان، فيحتمل أن يكون مراد صاحب الهداية نقل الرواية في الموضعين فلا تناقض حيث أمكن التوفيق، وأما سائر الانبذة فإنه لا يجوز الوضوء بها عند عامة العلماء وهو الصحيح لان جواز التوضؤ بنبيذ التمر ثابت بخلاف القياس بالحديث ولهذا لا يجوز عند القدرة على الماء المطلق فلا يقاس عليه غيره. كذا في غاية البيان. وأما الثاني قال أبو حنيفة: كل وقت يجوز التيمم فيه يجوز التوضؤبه وإلا فلا. كذا في معراج الدراية. وأما الثالث ففيه
ثلاث روايات عن أبي حنيفة: الاولى وهو قوله الاول أنه يتوضأ به جزما ويضيف التيمم إليه
[ 239 ]
استحبابا. والثانية يجب الجمع بينه وبين التيمم كسؤر الحمار وبه قال محمد واختاره في غاية البيان ورجحه. والثالثة أنه يتيمم ولا يتوضأ به وهو قوله الآخر وقد رجع إليه وهو الصحيح، وبه قال أبو يوسف والشافعي ومالك وأحمد وأكثر العلماء واختاره الطحاوي. وحكي عن أبي طاهر الدباس أنه قال: إنما اختلفت أجوبة أبي حنيفة لاختلاف الاسئلة فإنه سئل عن التوضؤ به إذا كانت الغلبة للحلاوة قال بتيمم ولا يتوضأ به، وسئل مرة إذا كان الماء والحلاوة سواء قال يجمع بينهما، وسئل مرة إذا كانت الغلبة للماء فقال يتوضأ به ولا يتيمم. وبالجملة فالمذهب المصحح المختار المعتمد عندنا هو عدم الجواز موافقة للائمة الثلاث فلا حاجة إلى الاشتغال بحديث ابن مسعود الدال على الجواز من قوله عليه السلام له ليلة
[ 240 ]
الجن، ما في أدواتك؟ قال: نبيذ تمر. قال: تمرة طيبة وماء طهور. أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه. لان من العلماء من تكلم فيه وضعفه. وإن أجيب عنه بما ذكره الزيلعي المخرج وغيره وعلى تقدير صحته هو منسوخ بآية التيمم لتأخرها إذ هي مدنية وعلى هذا مشى جماعة من المتأخرين. فإذا علم عدم جواز الوضوء به، علم عدم جواز الغسل به. واختلفوا على قول من يجيز الوضوء به في جواز الغسل به فصحح في المبسوط جوازه وصحح في المفيد عدمه، ولا فائدة في التصحيحين بعد أن كان المذهب عدم الجواز به في الحدثين لان المجتهد إذا رجع عن قول لا يجوز الاخذ به كما صرح به في التوشيح. وتشترط النية له على قول من يجيز الوضوء به، ولا يخفى أن سؤر الحمار مقدم عليه على المذهب وعلى القول الاول يقدم النبيذ، وعند محمد يجمع بينهما مع التيمم. وإذا شرع في الصلاة بالتيمم ثم وجده فهو كالمعدوم على المذهب، وعلى الاول يقطعها، وعند محمد يمضي فيها ويعيدها بالوضوء به كما لو وجد سؤر حمار فإنه يمضي ويعيدها به بالاتفاق،
ولولا عبارة الوافي أصل الكتاب لشرحته بأن المراد أن النبيذ مخالف لسؤر الحمار حيث لا يجوز الوضوء به أصلا ليصير ما في الكتاب هو المعتمد، ولقد أنصف الامام الطحاوي
[ 241 ]
ناصر المذهب حيث قال: ما ذهب إليه أبو حنيفة أولا اعتمادا على حديث ابن مسعود لا أصل له أه. والله سبحانه وتعالى أعلم. باب التيمم الباب لغة النوع، وعرفا نوع من المسائل اشتمل عليها كتا ب وليست بفصل. والتيمم لغة مطلق القصد بخلاف الحج فإنه القصد إلى معظم وشواهدهما كثيرة. واصطلاحا على ما في شروح الهداية القصد إلى الصعيد الطاهر للتطهير. وعلى ما في البدائع وغيره استعمال الصعيد في عضوين مخصوصين على قصد التطهير بشرائط مخصوصة. وزيف الاول بأن القصد شرط لا ركن، والثاني بأنه لا يشترط استعمال جزء من الارض حتى يجوز بالحجر الاملس فالحق أنه اسم لمسح الوجه واليدين على الصعيد الطاهر والقصد شرط لانه النية. وله ركن وشروط وحكم وسبب مشروعية وسبب وجوب وكيفية ودليل. أما ركنه فشيان: الاول ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين، والثاني استيعاب العضوين، وفي الاول كلام نذكره إن شاء الله تعالى. وأما شرائطه أعني شرائط جوازه فستأتي في الكتاب مفصلة. وأما حكمه فاستباحة ما لا يحل إلا به. وأما سبب مشروعيته فما وقع لعائشة رضي الله عنها في غزوة بني المصطلق وهي غزوة المريسيع وهو ماء بناحية قديد بين مكة والمدينة لما أضلت عقدها فبعث عليه السلام في طلبه فحانت الصلاة وليس معهم ماء فأغلظ أبو بكر رضي الله عنه على عائشة وقال: حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين على غير ماء فنزلت آية التيمم، فجاء أسيد بن الحضير فجعل يقول: ما أكثر بركتكم يا آل أبي بكر. رواه البخاري ومسلم.
[ 242 ]
وقال القرطبي: نزلت الآية في عبد الرحمن بن عوف أصابته جنابة وهو مريض فرخص له في
التيمم، وقيل غير ذلك. وأما سبب وجوبه فما هو سبب وجوب أصله المتقدم. وأما كيفيته فستأتي. وأما دليله فمن الكتاب في آيتين في سورة النساء والمائدة وهما مدنيتان. ومن السنة فأحاديث منها ما رواه البخاري ومسلم عن عمار بن ياسر قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة - وفي رواية فتمعكت - ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا ثم ضرب بيديه الارض ضربة واحدة ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه. ثم اعلم أن التيمم لم يكن مشروعا لغير هذه الامة وإنما شرع رخصة لنا، والرخصة فيه من حيث الآلة حيث اكتفي بالصعيد الذي هو ملوث وفي محله بشطر أعضاء الوضوء. كذا في المستصفى. قوله (يتيمم لبعده ميلا عن ماء) أي يتيمم الشخص وهذا شروع في بيان شرائطه فمنها أن لا يكون واجدا للماء قدر ما يكفي لطهارته في الصلاة التي تفوت إلى خلف وما هو من أجزائها لقوله تعالى * (فلم تجدوا ماء فتيمموا) * (النساء: 43) وغير الكافي كالمعدوم وهذا عندنا. وقال الشافعي: يلزمه استعمال الموجود والتيمم للباقي لان ما نكرة في النفي فتعم وقياسا على إزالة بعض النجاسة وستر بعض العورة، وكالجمع في حالة الاضطرار بين الذكية والميتة. قلنا: الآية سيقت لبيان الطهارة الحكمية فكأن التقدير فلم تجدوا ماء محللا للصلاة فإن وجود الماء النجس لا يمنعه من التيمم إجماعا وباستعمال القليل لم يثبت شئ من الحل يقينا على الكمال فإن الحل حكم والعلة غسل الاعضاء كلها وشئ من الحكم لا يثبت ببعض العلة كبعض النصاب في حق الزكاة، وكبعض الرقبة في حق الكفارة، والقياس على الحقيقية والعورة فاسد لانهما يتجزآن فيفيد إلزامه باستعمال القليل للتقليل، ولا يفيد هنا إذ لا يتجزأ هنا بل الحدث قائم ما بقي أدنى لمعة فيبقى مجرد إضاعة مال خصوصا في موضع عزته مع بقاء الحدث كما هو، وأما الجمع حالة الاضطرار فلان الذكية لما لم تدفع الاضطرار صارت كالعدم. كذا ذكر في كثير من الشروح لكن في الخلاصة: ولو وجد من الماء قدر ما يغسل به بعض النجاسة الحقيقية أو وجد من الثوب قدر ما يستربعض العورة لا يلزمه ا ه. ولو وجد ماء
يكفي للحدث أو إزالة النجاسة المانعة غسل به الثوب منها وتيمم للحدث عند عامة العلماء، وإن توضأ به وصلى في النج س أجزأه وكان مسيئا. كذا في الخانية. وفي المحيط: ولو تيمم أولا ثم غسل النجاسة يعيد التيمم لانه تيمم وهو قادر على ما يتوضأ به ا ه. وفيه نظر بل الظاهر الحكم بجواز التيمم تقدم على غسل الثوب أو تأخر لانه مستحق الصرف إلى الثوب على ما قالوا، والمستحق الصرف إلى جهة معدوم حكما بالنسبة إلى غيرها كما في مسألة اللمعة مع
[ 243 ]
الحدث قبل التيمم له إذا كان الماء كافيا لاحدهما فبدأ بالتيمم للحد ث قبل غسلها كما هو رواية الاصل، وكالماء المستحق للعطش ونحوه. نعم يتمشى ذلك على رواية الزيادات القائلة بأنه لو تيمم قبل غسل اللمعة لا يصح والله سبحانه أعلم. ولهذا قال في شرح الوقاية: ثم إنما ثبتت القدرة إذا لم يكن مصروفا إلى جهة أهم أصاب بدن المتيمم قذر فصلى ولم يمسحسه جاز لان المسح لا يزيل النجاسة، والمستحب أن يمسح تقليلا للنجاسة ا ه. ثم العدم على نوعان: عدم من حيث الصورة والمعنى، وعدم من حيث المعنى لا من حيث الصورة، فالاول أن يكون بعيدا عنه. قال في البدائع: ولم يذكر حد البعد في ظاهر الروايات، فعن محمد التقدير بالميل فإن تحقق كونه ميلا جاز له التيمم، وإن تحقق كونه أقل أو ظن أنه ميل أو أقل لا يجوز قال في الهداية: والميل هو المختار في المقدار لان يلحقه الحرج بدخول المصر والماء معدوم حقيقة. والميل في كلام العرب منتهى مد البصر، وقيل للاعلام المبنية في طريق مكة أميال لانها بنيت على مقادير منتهى البصر. كذا في الصحاح والمغرب. والمراد هنا ثلث الفرسخ والفرسخ أثنا عشر ألف خطوة، كل خطوة ذراع ونصف بذراع العامة، وهو أربع وعشرون أصبعا. كذا في الينابيع. وعن الكرخي رحمه الله أنه إن كان في موضع يسمع صوت أهل الماء فهو قريب، وإن كان لا يسمع فهو بعيد وبه أخذ أكثر مشايخنا. كذا في الخانية. وعن أبي يوسف: إذا كان بحيث لو ذهب إليه وتوضأ تذهب القافلة وتغيب عن بصره فهو بعيد ويجوز له التيمم، واستحسن المشايخ هذه الرواية كذا في التنجيس وغيره إلا أن ظاهره أنه في حق المسافر لا المقيم
وهو جائز لهما لو في المصر لان الشرط هو العدم فأينما تحقق جاز التيمم. نص عليه في
[ 244 ]
الاسرار لكن قال في شرح الطحاوي: لا يجوز التيمم في المصر إلا لخوف فوت جنازة أو صلاة عيد أو للجنب الخائف من البرد، وكذا ذكر التمرتاشي بناء على كونه نادرا والحق الاول لما ذكرنا والمنع بناء على عادة الامصار فليس خلافا حقيقيا، وتصحيح الزيلعي لا يفيده. وفي الخانية، قليل السفر وكثير سواء في التيمم والصلاة على الدابة خارج المصر إنما الفرق بين القليل والكثير في ثلاثة: في قصر الصلاة والافطار والمسح على الخفين ا ه. وفي المحيط: المسافر يطأ جاريته وإن علم أنه لا يجد الماء لان التراب شرع طهورا حالة عدم الماء ولا تكره الجنابة حال وجود الماء فكذا حال عدمه ا ه. وبما قررناه علم أن المعتبر المسافة دون خوف فوت الوقت خلافا لزفر. وفي المبتغى بالغين المعجمة: ومن كان في كلة جاز تيممه لخوف البق أو مطر أو حر شديد إن خاف فوت الوقت أه. ولا يخفى أن هذا مناسب لقول زفر لا لقول أئمتنا فإنهم لا يعتبرون خوف الفوت وإنما العبرة للبعد كما قدمناه. كذا في شرح منية المصلي، لكن ظفرت بأن التيمم لخوف فوت الوقت رواية عن مشايخنا ذكرها في القنية في مسائل من ابتلي ببليتين، ويتفرغ على هذا الاختلاف ما لو ازدحم جمع على بئر لا يمكن الاستقاء منها إلا بالمناوبة لضيق الموقف أو لاتحاد الآلة للاستقاء ونحو ذلك، فإن كان يتوقع وصول النوبة إليه قبل خروج الوقت لم يجز له التيمم بالاتفاق، وإن علم أنها لا تصير إليه إلا بعد خروج الوقت يصبر عندنا ليتوضأ بعد الوقت، وعند زفر يتيمم، ولو كان جمع من العراة وليس معهم إلا ثوب يتناوبونه وعلم أن النوبة لا تصل إليه إلا بعد الوقت فإنه يصبر ولا يصلي عاريا، ولو اجتمعوا في سفينة أو بيت ضيق وليس هناك موضع يسع أن يصلي قائما فقط لا يصلي قاعدا بل يصبر ويصلي قائما بعد الوقت كما لو كان مريضا عاجزا عن القيام واستعمال الماء في الوقت ويغلب على ظنه القدرة بعده وكذا لو كان معه ثوب نجس ومعه ماء يغسله ولكن لو غسله خرج الوقت لزم غسله وإن خرج الوقت. كذا في التوشيح. وأما العدم معنى لا
صورة فهو أن يعجز عن استعمال الماء لمانع مع قرب الماء منه وسيأتي بيانه مفصلا.
[ 245 ]
قوله (أو لمرض) يعني يجوز التيمم للمرض وأطلقه وهو مقيد بما ذكره في الكافي من قوله بأن يخاف اشتداد مرضه لو استعمل الماء، فعلم أن اليسير منه لا يبيح التيمم وهو قول جمهور العلماء إلا ما حكاه النووي عن بعض المالكية وهو مردود بأنه رخصة أبيحت للضرورة ودفع الحرج وهو إنما يتحقق عند خوف الاشتداد والامتداد، ولا فرق عندنا بين أن يشتد بالتحرك كالمبطون، أو بالاستعمال كالجدري، أو كان لا يجد من يوضئه ولا يقدر بنفسه اتفاقا. وإن وجد خادما كعبده وولده وأجيره لا يجزيه التيمم اتفاقا كما نقله في المحيط، وإن وجد غير خادمه من لو استعان به أعانه ولو زوجته فظاهر المذهب أنه لا يتيمم من غير خلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه كما يفيده كلام المبسوط والبدائع وغيرهما. ونقل في التنجيس عن شيخه خلافا بين أبي حنيفة وصاحبيه على قوله يجزئه التيمم، وعلى قولهما لا. قال: وعلى هذا الخلاف إذا كان مريضا لا يقدر على الاستقبال أو كان في فراشه نجاسة ولا يقدر على التحول منه ووجد من يحوله ويوجهه لا يفترض عليه ذلك عنده، وعلى هذا الاعمى إذا وجد قائدا لا تلزمه الجمعة والحج والخلاف فيهما معروف. فالحاصل أن عنده لا يعتبر المكلف قادرا بقدرة غيره لان الانسان إنما يعد قادرا إذا اختص بحالة يتهيأ له الفعل متى أراد، وهذا لا يتحقق بقدرة غيره ولهذا قلنا: إذا بذل الابن المال والطاعة لابيه لا يلزمه الحج، وكذا من وجبت عليه الكفارة وهو معدوم فبذل له انسان المال لما قلنا. وعند هما تثبت القدرة بآلة الغير لان آلة الغير صارت كآلته بالاعانة. وكان حسام الدين رحمه الله يختار قولهما. والفرق على ظاهر المذهب بين مسألة التيمم وبين المريض إذا لم يقدر على الصلاة
[ 246 ]
ومعه قوم لو استعان بهم في الاقامة والثبات جاز له الصلاة قاعدا أنه يخاف على المريض زيادة الوجع في قيامه ولا يلحقه زيادة الوجع في الوضوء ا ه ما في التجنيس. وظاهره أنه لو لم
يكن له أجير لكن معه ما يستأجر به أجيرا لا يجزئه التيمم، قل الآجر أو كثر، فإنه قال: أو عنده من المال مقدار ما يستأجر به أجيرا. والفرق بين الزوجة والمملوك أن المنكوحة إذا مرضت لا يجب عليه أن يوضئها وأن يتعاهدها، وفي العبد والجارية يجب عليه إذا لم يستطع الوضوء، كذا في الخلاصة. يعني أن السيد لما كان عليه تعاهد العبد في مرضه كان على عبده أن يتعاهده في مرضه، والزوجة لما لم يكن عليه أن يتعاهدها في مرضها فيما يتعلق بالصلاة لا يجب عليها ذلك، إذا مرض فلا يعد قادرا بفعلها. وفي المبتغى: مريض إذا لم يكن عنده أحد يوضئه إلا بأجر جاز له التيمم عند أبي حنيفة قل الاجر أو كثر. وقالا: لا يتيمم إذا كان الاجر ربع درهم ا ه. والظاهر عدم الجواز إذا كان قليلا لا إذا كان كثيرا لما عرف من مسألة شراء الماء إذا وجده بثمن المثل على ما نبينه إن شاء الله تعالى. وبقولنا قال مالك وأحمد والشافعي في الاصح كما نقله النووي لاطلاق قوله تعالى * (وإن كنتم مرضى) * (النساء: 43) والمراد من الوجود في الآية القدرة. قال العلامة الكردري: الفاء في قوله تعالى فلم تجد والعطف على الشرط، وفي فتيمموا الجواب الشرط، وفي فامسحوا لتفسير التيمم. وهذا إذا قدر المريض على التيمم، أما إذا لم يقدر عليه أيضا ولا عنده من يستعين به فإنه لا يصلي عندهما. قال الشيخ الامام أبو بكر: رأيت في الجامع الصغير للكرخي أن مقطوع اليدين والرجلين إذا كان بوجهه جراحة يصلي بغير طهارة ولا يتيمم ولا يعيد وهذا هو الاصح. كذا في فتاوى الظهيرية ذكره مسكين وسيأتي بقية الكلام عليه إن شاء الله تعالى. قوله (أو برد) أي أن خاف الجنب أو المحدث إن اغتسل أو توضأ أن يقتله البرد أو
[ 247 ]
يمرضه تيمم، سواء كان خارج المصر أو فيه. وعندهما لا يتيمم فيه. كذا في الكافي. وجوازه للمحدث قول بعض المشايخ والصحيح أنه لا يجوز له التيمم كذا في فتاوى قاضيخان والخلاصة وغيرهما. وذكر المصنف في المستصفى أنه بالاجماع على الاصح. قال في فتح القدير: وكأنه والله أعلم لعدم اعتبار ذلك الخوف بناء على أنه مجرد وهم إذ لا يتحقق ذلك
في الوضوء عادة ا ه. ثم أعلم أن جوازه للجنب عند أبي حنيفة مشروط بأن لا يقدر على تسخين الماء ولا على أجرة الحمام في المصر ولا يجد ثوبا يتدفأ فيه ولا مكانا يأويه كما أفاده في البدائع وشرح الجامع الصغير لقاضيخان، فصار الاصل أنه متى قدر على الاغتسال بوجه من الوجوه لا يباح له التيمم إجماعا. وقالا: لا يجوز التيمم للبرد في المصر. وقد اختلف المشايخ فمنهم من جعل الخلاف بينهم في هذه نشأ عن اختلاف زمان لا برهان بناء على أن أجر الحمام في زمانهما يؤخذ بعد الدخول فإذا عجز عن الثمن دخل ثتعلل بالعسرة وفي زمانه قبله فيعذر، ومنهم من جعله برهانيا بناه على الخلاف في جواز التيمم لغير الواجد قبل الطلب من رفيقه إذا كان له رفيق. فعلى هذا يقيد منعهما بأن يترك طلب الماء الحار من جميع أهل المصر، أما إذا طلب فمنع فإنه يجوز عندهما، والظاهر قوله لانه لا يكلف الطهارة بالماء إلا إذا قدر عليه بالملك أو الشراء وعند انتفاء هذه القدرة يتحقق العجز، ولهذا لم يفصل
[ 248 ]
العلماء فيما إذ لم يكن معه ثمن الماء بين إمكان أخذه بثمن مؤجل بالحيلة على ذلك أو لا، بل أطلقوا جواز التيمم إذ ذاك. فما أطلقه بعض المشايخ من عدم جواز التيمم في هذا الزمان بناء على أن أجر الحمام يؤخذ بعد الدخول فيتعلل بالعسرة بعده فيه نظر. كذا في فتح القدير. ولا شك في هذا فيما يظهر لانه تغرير لم يأذن الشرع فيه، ومن ادعى إباحته فضلا عن تعيينه فعليه البيان. ولا يخفى أن مراد المحقق في فتح القدير من قوله ليس معه مال أنه لا مال له غائب أيضا فحينئذ لا يلزمه الشراء بالنسيئة، أما إذا لم يكن معه مال وله مال غائب فإنه يلزمه الشراء بالنسيئة كما أشار إليه شارح منية المصلي تلميذ المحقق وفي المبتغى الغين المعجمة: أجير لا يجد الماء إن علم أنه يجده في نصف ميل لا يعذر في التيمم، وإن لم يأذن له المستأجر يتيمم ويصلي ثم يعيد ولو صلى صلاة أخرى وهو يذكر هذه تفسد ا ه. قوله (أو خوف عدو أو سبع أو عطش أو فقد آلة) يعني يجوز التيمم لهذه الاعذار لان الماء معدوم معنى لا صورة، أما إذا كان بينه وبين الماء عدو آدميا أو غيره يخاف على نفسه إذا
أتاه فلان إلقاء النفس في التهلكة حرام فيتحقق العجز عن استعمال الماء، وسواء خاف على نفسه أو ماله. كذا في العناية. وفي المبتغى: ولو كان عنده أمانة يخاف عليها إن ذهب إلى الماء يتيمم. وفي التوشيح: إذا خافت المرأة على نفسها بأن كان الماء عند فاسق أو خاف المديون المفلس من الحبس بأن كان صاحب الدين عند الماء. وفي الخلاصة وفتاوى قاضيخان وغيرهما: الاسير في يد العدو إذا منعه الكافر عن الوضوء والصلاة يتيمم ويصلي بالايماء ثم يعيد إذا خرج، وكذا لو قال لعبده إن توضأت حبستك أو قتلتك فإنه يصلي بالتيمم ثم يعيد كالمحبوس لان طهارة التيمم لم تظهر في منع وجوب الاعادة. وفي التجنيس: رجل أراد أن يتوضأ فمنعه إنسان عن أن يتوضأ بوعيد، قيل ينبغي أن يتيمم ويصلي ثم يعيد الصلاة بعد ما زال عنه لان هذ عذر جاء من قبل العباد فلا يسقط فرض الوضوء عنه ا ه. فعلم منه أن العذر إن كان من قبل الله تعالى لا تجب الاعادة، وإن كان من قبل العبد وجبت الاعادة. ثم وقع الاختلاف في الخوف من العدو هل هو من الله فلا تجب الاعادة. أو هو بسبب العبد فتجب الاعادة؟ ذهب صاحب معراج الدراية إلى الاول، وذهب صاحب النهاية إلى الثاني، والذي يظهر ترجيح ما في النهاية لما نقلناه من مسألة منع السيد عبده بوعيد من الحبس أو
[ 249 ]
القتل فإنه ليس فيه إلا الخوف لا المنع الحسي، وكذا ظاهر ما نقلناه عن التنجيس كما لا يخفى لكن قد يقال لا مخالفة بين ما في النهاية والدراية، فإن ما في النهاية محمول على ما إذا حصل وعيد من العبد نشأ منه الخوف فكان هذا من قبل العباد، وما في الدراية محمول على ما إذا لم يحصل وعيد من العبد أصلا بل حصل خوف منه فكان هذا من قبل الله تعالى إذا لم يتقدمه وعيد بدليل أن صاحب الدراية ذكر مسألة الخوف في الاسير بدار الحرب، وبه يندفع ما ذكره في فتح القدير من أن صاحب الدراية نص على مخالفة ما في النهاية كما لا يخفى. ثم بعد هذا رأيت العلامة ابن أمير حاج صرح بما فهمته فقال: وتحرر أن المراد بالخوف من العدو الخوف الذي لم ينشأ عن وعيد من قادر عليه ونحو ذلك كما في الخوف من السبع، ولا بأس بأن
يكون مرادهم ذلك. وإنما نسب هذا الخوف إلى الله تعالى في هذه الصورة مع أن فيها وفي غيرها منه تعالى أيضا خلقا وإرادة لتجرده في هذه الصورة عن مباشرة سبب له من الغير في حق الخائف. وفي المحيط: ولو حبس في السفر تيمم وصلى أو لا يعيد لانه انضم عذر السفر إلى العذر الحقيقي والغلب في السفر عدم الماء فتحقق العدم من كل وجه ا ه. وأما الماء المحتاج إليه للعطش فإنه مشغول بحاجته والمشغول بالحاجة كالمعدوم. وعطش رفيقه ودابته وكلبه لماشيته أو صيده في الحال أو ثاني الحال كعطشه، وسواء كان المحتاج إليه للعطش رفيقه المخالط له أو آخر من أهل القافلة، فإن امتنع صاحب الماء من ذلك وهو غير محتاج إليه للعطش وهناك مضطر إليه للعطش كان له أخذه منه قهرا وله أن يقاتله، فإن قتل أحدهما صاحبه إن كان المقتول صاحب الماء فدمه هدر ولا قصاص فيه ولا دية ولا كفارة، وإن كان المضطر فهو مضمون بالقصاص أو الدية والكفارة. وإن كان صاحب الماء محتاجا إليه للعطش فهو أولى به من غيره، فإن احتاج إليه الاجنبي للوضوء وكان مستغنيا عنه لم يلزمه بذله ولا يجوز للاجنبي أخذه منه قهرا. كذا في السراج الوهاج. وكذا الماء المحتاج إليه للعجين لما قلنا. وإن كان يحتاج إليه لاتخاذ المرقة لا يتيمم لان حاجة الطبخ دون حاجة العطش، وأما جوازه بفقد الآلة فلتحقق العجز لانه إذا لم يجد دلوا يستقي به فوجود البئر وعدمها سواء. ويشترط أن لا يمكنه إيصال ثوبه إليه، أما إذا أمكنه إيصال ثوبه ويخرج الماء قليلا بالبلل لا يجوز له التيمم. كذا في السراج الوهاج. وفي الخلاصة: ولو كان معه منديل طاهر لا يجزئه التيمم وهذا يوافق فروعا ذكرها الشافعية، وهي أنه لو وجد بئرا فيها ماء ولا يمكنه النزول إليه وليس معه ما يدليه إلا ثوبه أو
[ 250 ]
عمامته لزمه إدلاؤه ثم يعصره، إن لم تنقص قيمة الثوب أكثر من ثمن الماء، فإن زال النقص على ثمن الماء تيمم ولا إعادة عليه. وإن قدر على استئجار من ينزل إليها بأجرة المثل لزمه ولم يجز التيمم وإلا جاز بلا إعادة. ولو كان مع ثوب إن شقه نصفين وصل إلى الماء وإلا لم
يصل، فإن كان نقصه بالشق لا يزيد على ثمن الماء وثمن آلة الاستقاء لزمه مشقه ولم يجز التيمم وإلا جاز بلا إعادة. وهذا كله موافق لقواعدنا كذا في التوشيح. والاصل أنه متى أمكنه استعمال الماء بوجه من الوجوه من غير لحوق ضرر في نفسه أو ماله وجب عليه استعماله، وما زاد على ثمن المثل ضرر فلا يلزمه بخلاف ثمن المثل، وفي المبتغى بالغين المعجمة: وبوجود آلة التقوير في نهر جامد تحته ماء لا يتيمم، وقيل يتيمم وفي سفره جمد أو ثلج معه آلة الذوب لايتيمم، وقيل يتيمم ا ه. والظاهر الاول منهما كما لا يخفى. وفي المحيط: الماء الموضوع في الفلاة في الحب ونحوه لا يمنع جواز التيمم لانه لم يوضع للوضوء غالبا وإنما وضع للشرب إلا أن يكون الماء كثيرا فيستدل بكثرته على أنه وضع للشرب والوضوء جميعا ا ه. وكذا في التجنيس وفتاوى الولوالجي وقاضيخان. والحب بضم الحاء الخابية. وعن الامام أبي بكر محمد بن الفضل أن الموضوع للشرب يجوز التوضؤ منه والموضوع للوضوء لا يباح منه الشرب. وفي الخلاصة وغيرها: ثلاثة نفر في السفر جنب وحائض طهرت من الحيض وميت ومعهم من الماء قدر ما يكفي لاحدهم، إن كان الماء لاحدهم فهو أحق، وإن كان الماء لهم لا ينبغي لاحدهم أن يغتسل، وإن كان الماء مباحا فالجنب أحق،
[ 251 ]
فتتيمم المرأة وييمم الميت، ولو كان مكان الحائض محدث يصرف إلى الجنب ا ه. وفي الظهيرية قال عامة المشايخ: الميت أولى، وقيل الجنب أولى وهو الاصح ا ه. وفي المحيط: وينبغي أن يصرفا نصيبهما إلى غسل الميت ويتيمما فيما إذا كان مشتركا. وفي التجنيس: رجل كان في البادية وليس معه إلا قمقمة من ماء زمزم في رحله وقد رصص رأسه، ولا يجوز له التيمم إذا كان لا يخاف على نفسه العطش لانه واحد للماء وكثيرا ما يبتلى به الحاج الجاهل ويظن أنه يجزئه، والحيلة فيه أن يهبه من غيره. ثم يستودع منه الماء ا ه. قال قاضيخان في فتاواه: إلا أن هذا ليس بصحيح عندي فإنه لو رأى مع غيره ماء يبيعه بمثل الثمن أو بغبن يسير يلزمه الشراء، ولا يجوز له التيمم فإذا تمكن من الرجوع في الهبة كيف يجوز له التيمم ا ه. ودفعه في فتح القدير بأنه يمكن أن يفرق بأن الرجوع تملك بسبب
مكروه وهو مطلوب العدم شرعا فيجوز أن يعتبر الماء معدوما في حقه كذلك وإن قدر عليه حقيقة كماء الحب بخلاف البيع اه. وقيل: الحيلة فيه أيخلطه بماء الورد حتى يغلب عليه فلا يبقى طهورا كذا في التوشيح. والمحبوس الذي لا يجد طهورا لا يصلي عندهما، وعند أبي يوسف يصلي بالايماء ثم يعيد وهو رواية عن محمد تشبها بالمصلين قضاء لحق الوقت كما في الصوم. ولهما أنه ليس بأهل للاداء لمكان الحدث فلا يلزمه التشبه كالحائض، وبهذه المسألة تبين أن الصلاة بغير طهارة متعمدا ليس بكفر فإنه لو كان كفرا لما أمر أبو يوسف به، وقيل كفر كالصلاة إلى غير القبلة أو مع الثوب النجس عمدا لانه كالمستخف، والاصح أنه لو صلى إلى غير القبلة أو مع الثوب النجس لا يكفر لان ذلك لا يجوز أداؤه بحال. ولو صلى بغير طهارة متعمدا يكفر لان ذلك يحرم بكل حال، فإذا صلى بغير طهارة متعمدا فقد تهاون واستخف بأمر الشرع فيكفر، كذا في المحيط، وقد قدمنا عن الفتاوى الظهيرية أن مقطوع اليدين والرجلين إذا كان بوجهه جراحة يصلي بغير طهارة ولا يتيمم ولا يعيد وهذا هو الاصح، فكانت الصلاة بغير طهارة نظير الصلاة على غير القبلة أو مع الثوب النجس فينبغي التسوية بينهما في الحكم وهو عدم التكفير كمالا يخفى. قوله: (مستوعبا وجهه ويديه مع مرفقيه) أي يتيمم تيمما مستوعبا فهو صفة لمصدر
[ 252 ]
محذوف وجوز الزيلعي أن يكون حالا من الضمير الذي في تيمم فيكون حالامنتظرة قال: والاول أوجه ولم يبين وجهه، ولعل وجهه أن الاستيعاب فيه ركن لا يتحقق التيمم إلا به، وعلى جعله حالا يصير شرطا خارجا عن ماهيته لان الاحوال شروط على ما عرف. اعلم أن الاستيعاب فرض لازم في ظاهر الرواية عن أصحابنا حتى لو ترك شيئا قليلا من مواضع التيمم لا يجوز. ونص غير واحد أن هذا هو الصحيح، منهم قاضيخان ونص صاحب المجمع وصاحب الاختيار على أنه الاصح، وصاحب الخلاصة والولوالجي على أنه المختار، وشارح الوقاية أن عليه الفتوى، وروى الحسن عن أبي حنيفة أن الاكثر يقوم مقام الكل لوجه
غير لازم وهو إما لكثرة البلوى أو لانه مسح فلا يجب فيه الاستيعاب كمسح الرأس. وفي تفصيل عقد الفوائد بتكميل قيد الشرائد معزيا إلى الخلاصة أن المتروك لو كان أقل من الربع يجزئه وهو الاصح، والظاهر أن ليس المراد بها خلاصة الفتاوى المشهورة فإن فيها أن المختار افتراض الاستيعاب، ووجه ظاهر الرواية أن الامر بالمسح في باب التيمم تعلق باسم الوجه واليدين وأنه يعم الكل، ولان التيمم بدل عن الوضوء والاستيعاب في الاصل من تمام الركن فكذا في البدل فيلزمه تخليل الاصابع ونزع الخاتم أو تحريكه ولو ترك لم يجز، وعلى رواية الحسن لا يلزمه ويمسح المرفقين مع الذراعين عند أصحابنا الثلاثة خلافا لزفر حتى لو كان مقطوع اليدين من المرفقين يمسح موضع القطع عندنا خلافا لزفر. والكلام فيه كالكلام في الوضوء وقد مر. كذا في البدائع. وفي المحيط: وإن كان القطع فوق المرفق لا يجب المسح يعني اتفاقا ويمسح تحت الحاجبين وفوق العينين. وفي فتح القدير معزيا إلى الحلية تبعا للدراية: يمسح من وجهه ظاهر البشرة والشعر على الصحيح ا ه. لكن في السراج الوهاج: لا يجب عليه مسح اللحية في التيمم ولا مسح الجبيرة ولو مسح بإحدى يديه وجهه وبالاخرى يديه أجزأه في الوجه واليد الاولى ويعيد الضرب لليد الاخرى ا ه. وفي تعبيره بالواو في قوله ويديه دون ثم إشارة إلى أن الترتيب ليس بشرط فيه كأصله. ويشترط المسح بجميع اليد أو بأكثرها حتى لو مسح بأصبع واحدة أو اصبعين لا يجوز، ولو كرر المسح حتى استوعب بخلاف مسح الرأس. كذا في السراج الوهاج معزيا إلى الايضاح. وفي
[ 253 ]
المجتبى: ومسح العذار شرط على ما حكي عن أصحابنا والناس عنه غافلون. وفي المحيط عن محمد في رجل يرى التيمم إلى الرسغ والوتر ركعة ثم رأى التيمم إلى المرفق والوتر ثلاثا لا يعيد ما صلى لانه مجتهد فيه، وإن فعل ذلك من غير أن يسأل أحد ثم سأل فأمر بثلاث يعيد ما صلى لانه غير مجتهد ا ه. وفي معراج الدراية: ولو أمر غيره أن ييممه ونوى هو جاز. وقال ابن القاضي: لا يجزئه ا ه. والناوي هو الآمر كما لا يخفى. وفي شرح المجمع:
وأما استيعاب الوجه في التيمم فليس مستفادا من الالصاق بل لانه عن الغسل فلزم الاستيعاب في الخلف حسب لزومه في الاصل ا ه. وقد قدمناه في مسح الرأس. قوله: (بضربتين) الباء متعلقة بتيمم أي يتيمم بضربتين، وقد وقع ذكر الضرب في كثير من الكتب والمذكور في الاصل الوضع دون الضرب، وفي بعض الروايات الضرب فاختلف المشايخ فيه، فمنهم كالمصنف في المستصفى من قال بأنهم إنما اختاروه، وإن كان الوضع جائزا لما أن الآثار جاءت بلفظ الضرب. وفي غاية البيان: والمقصود من الضرب أن يدخل الغبار في خلال الاصابع تحقيقا لمعنى الاستيعاب. وتعقب ما في المستصفى بأن الضرب لم يذكر في الآية ولا في سائر الآثار وإنما جاء في بعضها. ومنهم من ذهب إلى أن المقصود بذكر الضربتين الرد على ابن سيرين ومتبعه أنه لا بد من ثلاث ضربات ضربة للوجه وضربة للكفين وضربة للذراعين، وأما مروي عن محمد من الاحتياج إلى ثلاث ضربات فليس افتراضا للثالثة لذاتها بل لتخليل الاصابع إذا لم يدخل الغبار بينها وهو خلاف النص والمقصود هو التخليل لا يتوقف عليه. ومنهم من ذهب إلى أن الضربتين ركن للخبر الوارد التيمم ضربتان فهما من ماهية التيمم، ومن ثم قال السيد أبو شجاع: إنه لو أحدث بعد الضربة أعادها ولا يجزئه المسح بما في يده من التراب. وصححه في الخلاصة وهو مختار شمس الائمة ولكن قال القاضي الاسبيجابي: إن الضربة تجزئه كما في الوضوء حيث يتوضأ بذلك الماء. وفرق السيد أبو شجاع بينهما بأن الشرط في الوضوء الحصول وفي التيمم التحصيل. وأجيب عنه بأن التحصيل شرط فلا ينافي الحدث كما لو أحرم مجامعا. وفي فتح القدير بعد ما ذكر الخلاف: وعلى هذا فما صرحوا به من أنه لو ألقت الريح الغبار على وجهه ويديه فمسح بنية التيمم أجزأه وإن لم يمسح لا يجوز يلزم فيه، إما كونه قول من أخرج الضربة لا قول الكل، وإما اعتبار الضربة أعم من كونها على الارض أو على العضو مسحا، والذي يقتضيه النظر عدم اعتبار ضربة الارض من مسمى التيمم شرعا فإن المأمور به المسح
[ 254 ]
في الكتاب ليس غير قال تعالى * (فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم) * (النساء: 43) ويحمل قوله عليه السلام التيمم ضربتان إما على إرادة الاعم من المسحتين كما قلنا أو أنه أخرج مخرج الغالب والله سبحانه أعلم ا ه. ثم أعلم أن الشرط وجود الفعل منه أعم من أن يكون مسحا أو ضربا أو غيره فقد قال في الخلاصة: ولو أدخل رأسه في موضع الغبار بنية التيمم يجوز، ولو انهدم الحائط وظهر الغبار فحرك رأسه ونوى التيمم جاز والشرط وجود الفعل منه ا ه. وهذا يعين أن هذه الفروع مبنية على قول من أخرج الضربة من مسمى التيمم، وأما من أدخلها فلا يمكنه القول بها فيما نقلناه عن الخلاصة إذا ليس فيها ضرب أصلا لا على الارض ولا على العضو إلا أن يقال: مراده بالضرب الفعل منه أعم من كونه ضربا أو غيره وهو بعيد كما لا يخفى، وتظهر ثمرة الخلاف أيضا فيما إذا نوى بعد الضرب فمن جعله ركنا لم يعتبر النية بعده، ومن لم يجعله ركنا اعتبرها بعده. كذا في السراج الوهاج. وفي الخلاصة: ولو شلت كلا يديه يمسح وجهه وذراعيه على الحائط ا ه. وقد قدمنا أنه لو أمر غيره بأن ييممه جاز بشرط أن ينوي الآمر، فلو ضرب المأمور يده على الارض بعد نية الآمر ثم أحدث الآمر قال في التوشيح: ينبغي أن يبطل بحدث الآمر على قول أبي شجاع ا ه. وظاهره أنه لا يبطل بحدث المأمور لما أن المأمور آلة وضربه ضرب للآمر فالعبرة للآمر ولهذا اشترطنا نيته لا نية المأمور وفي المحيط: وكيفية التيمم أن يضرب يديه على الارض ثم ينفضهما فيمسح بهما وجهه بحيث لا يبقى منه شئ وإن قل، ثم يضرب يديه ثانيا على الارض ثم ينفضهما فيمسح بهما كفيه وذراعيه كليهما إلى المرفقين. وقال مشايخنا: يضرب يديه ثانيا ويمسح بأربع أصابع يده اليسرى ظاهر يده اليمنى من رؤوس الاصابع إلى المرفق، ثم يمسح بكفه اليسرى باطن يده اليمنى إلى الرسغ ويمر باطن إبهامه اليسرى على ظاهر، إبهامه اليمنى، ثم يفعل باليد اليسرى كذلك وهو الاحوط لان فيه احترازا عن استعمال المستعمل بالقدر الممكن فإن التراب الذي على يده يصير مستعملا بالمسح
[ 255 ]
حتى لو ضرب يديه مرة ومسح بهما وجهه وذراعيه لا يجوز، ولا يجب مسح باطن الكف لان ضربهما على الارض يغني عنه. وفي شرح النقاية للشمني معزيا إلى الذخيرة: لم يرد نص هل الضربة بباطن الكفين أو بظاهرهما والاصح أنها بظاهرهما وباطنهما ا ه. والمراد بالواو إذ لا جمع بينهما كما لا يخفى، وهذا النقل عن الذخيرة مخالف لما نقله عنها ابن أمير حاج في شرح منية المصلي ولفظة تنبيه في الذخيرة: لم يذكر محمد أنه يضرب على الارض ظاهر كفيه أو باطنهما وأشار إلى أنه يضرب باطنهما فإنه قال في الكتاب: لو ترك المسح على ظاهر كفيه لا يجوز إنما يكون تاركا للمسح على ظاهر كفيه إذا ضرب باطن كفيه على الارض ا ه. ثم قال: قلت وبهذا يعلم أن المراد بالكف باطنها لا ظاهرها ا ه. وهكذا في التوشيح معزيا إلى الذخيرة إلا أنه بعد أسطر ذكر ما في شرح النقاية من التصحيح: وسنن التيمم سبعة: إقبال اليدين بعد وضعهما على التراب وإدبارهما ونفضهما وتفريج الاصابع والتسمية في أوله والترتيب والموالاة. ذكر الاربعة الاول في المبتغى والباقية في المبسوط، وبعضهم أطلق على بعض هذه الاستحباب، وفي ظاهر الرواية ينفضهما مرة، وعن أبي يوسف مرتين وهذا ليس كالزيلعي باختلاف لان المقصود وهو تناثر التراب، إن حصل بمرة اكتفى بها وإن لم يحصل ينفض مرتين. كذا في البدائع ولهذا قال في الهداية: ينفض يديه بقدر ما يتناثر التراب كيلا يصير مثلة ا ه. قوله: (ولو جنبا أو حائضا) يعني يتيمم الجنب والمحدث والحائض والنفساء وهو قول جمهور العلماء للاحاديث الواردة، منها ما رواه البخاري ومسلم من حديث عمران بن الحصين إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا معتزلا لم يصل مع القوم فقال: يا فلان ما منعك أن تصلي مع القوم؟ فقال: يارسول الله أصابتني جنابة ولا ماء فقال: عليك بالصعيد. ومنها حديث عمار أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالتيمم وهو جنب رواه الائمة الستة. وأما الآية وهي قوله تعالى * (أو لامستم النساء) * (النساء: 43) فقد اختلف فيها فذهب عمر وابن مسعود وابن عمر إلى حملها على المس باليد فمنعوا التيمم للجنب، وذهب علي وابن عباس وعائشة إلى أنها
محمولة على الجماع فجوزوه للجنب وبه أخذ أصحابنا وجهور العلماء ترجيحا لسياق الآية